تحميل رواية «قصر آل الزيني» PDF
بقلم Salma Khaled
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في هذا القصر لا شيء يحدث مصادفة..... ولا أحد يخرج بلا ندبة... ففي ليلة شتوية ابتلعت الامطار أحلامنا ، و في غمضة عين اختفت الآمال بين السحاب المغيم ويبقى الحب... ولكن سرعان ما يصعقه برق تلك الليلة، لتنتهي القصة قبلما تبدأ ويالها من ليلة.
قصر آل الزيني الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الواحد و الثلاثون [ اختطاف]
سلمى خالد احمد
*****************
وقفا الاثنان أمام الشيخ داخل مكتبه كالتلميذان ينتظران عقابهما، وفي الخلف بعيدًا عنهما قليلًا تقف هانيا وهي تبكي خائفة تترقب ما سيحدث.
قال لهما في حدة وهو ينظر إليهما بالتناوب:
_ انتوا عيال صغيرة! بقا شحطين كبار زيكم، كل واحد فيكم عرض الباب والمفروض انكم عاقلين وكبار كفاية، تضربوا بعض بالمنظر المهين دا؟
انتوا اتجننتوا؟
توقف برهة ثم صاح:
_ ما ترد انت وهو، ازاي تضربوا بعض بالشكل دا؟ انطقوا يلا.
اللي مناخيره بتنزف واللي بؤه بيجيب دم... انتوا ازاي تعملوا في بعض كدا؟ إيه اللي حصل، ردوا
كان صامتان فقط يسمعان، فظل الشيخ ينظر إليهما قليلًا... ثم قال:
_ إيه اللي حصل يا شهاب؟
وقبلما يرد الشاب، فتحت عبير الباب وقالت وخلفها تقف فاطيمة:
_ هو ممكن ادخل يا شيخ؟
أشار بيده موافقًا، فدخلتا، وكرر سؤاله لشهاب، فلم يرد... فسأل ابنه:
_ إيه اللي حصل يا جياد؟
فلم يرد الآخر لذا صرخ:
_ خلاص بلعتوا لسانكم؟
ثم نظر إلى هانيا وقال:
_ قربي يا هانيا وقوليلي انتي إيه اللي حصل؟
اقتربت الفتاة وهي ترتجف وكان جياد ينظر إليها ولما رأى خوفها وتوترها قال:
_ أنا هقولك اللي حصل يا شيخ.... ماهي كانت زعلانة منه وانا شديت معاه علشان كدا
_ والله؟ تاني ماهي؟ يوصل بيك الأمر انك تضربه وتمد ايدك عليه كأن اختك عدمتني؟
ثم نظر إلى شهاب وقال:
_ الكلام دا صح؟
نظر في بطء نحو جياد في قرف وهز رأسه موافقًا، فاقترب الشيخ منهما، وصفع جياد على شهقة والدته العالية وخضة عمته وصدمة زوجته، وصاح في وجهه في نبرة صوت حادة:
_ نسيبك ميضربش... ضيفك ميتهنش في بيتك، جوز اختك تشيله على رأسك، الأدب والأصول مين علمهوملك! اخص عليك وعلى تربيتك.
كان الشاب صدره يعلو ويهبط لا يصدق ما فعله والده، ايضربه أمام كل هؤلاء بتلك البساطة؟
وصاحت عبير وهي تبكي:
_ بتضربه ليه يا شيخ حرام عليك!
بينما صاح الشاب في وجه أبيه حانقًا، وجهه احمرّ للغاية وبرزت عروق رقبته :
_ انت بتصربني أنا على وشي؟ بتضربني علشان دا؟ انت ازاي تعمل كدا؟ إزاي؟
بينما الشيخ حدق به في قوة وصرخ:
_ ولو مسكتش هضربك تاني، وطي صوتك دا، واوعى تزعق في وشي
_ لا، لا هزعق، هزعق ومش هسكت...
كان يصرخ وهو يضرب الارض برجله كمن جن جنونه وفقد السيطرة على نفسه، وكان الشيخ يصرخ في وجهه ويقترب منه كي يخرسه، ولكن عبير حالت بينهما وهي تتوسل له:
_ بالله عليك، بالله عليك علشان خاطري انا، ما تضربه تاني
ليصرخ في وجهها:
_ انتي مش شايفة قلة ادبه، مش شايفة عمال يصرخ في وشي ازاي!
اقتربت هانيا من جياد وبدأت تجره للخلف كي لا يشتبك مع والده وكان الآخر يأبى أن يخرج معها، ويتابع صريخه:
_ انا مش عيل معاك، انا مش عيل معاك علشان تضربني على وشي يا شيخ عبدالله يا زيني
وفي تلك الأثناء، دخلا كلًا من فاتح ويزيد بعدما جلبتهما فاطيمة واتت ما إن رأت أن الأمر يسوء بين الوالد وابنه.
أخذ يزيد يجر أخيه للخارج، بينما فاتح يهديء والده ويبعده كي لا ينقض على جياد بمساعدة عبير و فاطيمة فكلهم كانوا يحولون بينه وبين ابنه كي لا يضربه مرة أخرى ويزداد الأمر تعقيدًا و سوءًا.
استطاع يزيد أن يخرج بجياد من المكتب بمساعدة هانيا، وما إن خرجوا، غلق يزيد باب المكتب وصاح في وجه أخيه:
_ خلاص يا جياد بقا، اسكت يا اخي اسكت، بابا هيجراله حاجة منك، انت مش شايفه عمال يزعق ازاي؟
ليصرخ في صوت ونبرة أقوى:
_ ضربني، ضربني على وشي بالقلم قدام مراتي وابن الوسخ شهاب وماما وعمتي، هو أيه هو دا؟ هو انا عيل معاه؟
كمم يزيد فمه وهو يقول في غيظ:
_ خلاص خلاص اقفل بؤك بقا بدل ما يجيلك تاني
وتدخلت هانيا قائلة في بكاء:
_ تعالى معايا، تعالى نطلع اوضتنا يلا بالله عليك كفاية، كفاية صريخ وكفاية خناق أنا خايفة منكم
نظر إليها وهو يتنفس في صوت عالي وصدره يعلو ويهبط ثم مضى متجهًا نحو الدرج فقال لها يزيد:
_ خليكي معاه يا هانيا علشان يهدى، أنا متأكد انك هتعرفي تهديه، وارجوكي لو بابا خرج دلوقتي من المكتب وقعد يزعق متخرجيش جياد من الاوضة، حاولي
هزت رأسها موافقة ثم ذهبت إليه.
وبمجرد أن دخلت جلبت المُطهّر و الشاش وغيره، كل أدوات الإسعافات الأولية، ثم اتجهت نحوهه وكان واقفًا يسند بيده على الحائط غاضبًا، فقالت:
_ وريني وشك خليني اعالج الجروح دي
_ متعمليش نفسك خايفة عليا.. مش دي الجروح اللي وجعاني اصلا، جروح قلبي أعمق بكتير
ابتلعت ريقها وقالت:
_ طب...طب انا عملت ايه؟
رد في صوت عالي نسبيًا وهو يحدق بها:
_ كله بسببك أصلا... كنتي واقفة معاه ليه؟ هو أنا هفضل لحد امتى اتكلم في الموضوع دا؟
_ جياد من فضلك، أنا ماكنتش واقفة، هو اللي جيه عندي وهو اللي اتكلم
_ سبيه وامشي، صعبة دي؟ بتسمعيه ليه؟
_ بعمل كدا، بيقف في طريقي ويكمل كلامه.... يلا خليني اشوف وشك بقا
هز رأسه رافضًا ثم اتجه نحو الخزانة وقال وهو يفتحها:
_ يلا هنمشي من هنا، ملناش قعود هنا خلاص
_ جياد اهدى بس، ت....
صاح في ضيق:
_ هنمشي يعني هنمشي، مش هقعد في بيت اتهانت فيه، ومش هو عامل زي جوز الست ومش عايز يمشي ولا يغور على شقته؟ همشي أنا خالص
لملم أغراضه المهمة واغراضها أيضًا وقال:
_ دول كفاية حاليا لحد أما نخرج بس وبعد كدا حد هيجي يلم باقي الحاجات
غلق الحقيبة بإحكام ثم وضع على كتف زوجته المعطف الخاص بها وقال:
_ البسي ، مش هننزل من العربية اصلا
ثم ارتدى واحدًا هو الآخر وخرجا معًا من الغرفة.
وأثناء نزولهما، وجدا الشيخ لا يزال يصرخ في بهو القصر اعتراضًا على طريقة تحدث جياد وتعامله معه، وكل من زوجته وأخته وأبنائه يقفون معه، يحاولون تهدئته.
بمجرد أن لمح ابنه، صاح:
_ رايح على فين بالشنطة دي؟
_ ماشي، أنا هسيب لكم القصر دا كله وماشي
صرخ في وجه عبير حانقًا:
_ شايفة يا عبير، شايفة؟ وفي الآخر بتحوشيني عنه
لتصرخ السيدة في وجه ابنها:
_ اطلع يا جياد، اطلع اوضتك ولم الدنيا حرام عليكم
ليرد الشاب في عصبية مفرطة:
_ لا، لا مش هطلع ولا هقعد في البيت اضربت فيه على وشي بالقلم لا، انا مش عيل علشان اتهان بالشكل دا لا
ليصيح الشيخ في نبرة صوت قوية وهو يحدق به:
_ طب وريني هتمشي من هنا ازاي يا جياد
رد الشاب في صوت عالي وهو يجر زوجته حلفه وينزل الدرج في سرعة:
_ همشي، انا حر اقعد في المكان اللي يعجبني
وقف له والده أمام الدرج معترضًا طريقه، حتى إذا نزل يجده معرقلًا طريقه كله، وقال في صرامة:
_ في ستين داهيه... امشي بس هانيا مش هتروح معاك في حتة، دا بيتها ومش هتخرج منه
_ دي مراتي واخدها في المكان اللي أنا عايزه
صعد يزيد في سرعة كي يقابل أخيه ويمنعه، وفي الوقت نفسه دخلت ماهي القصر على صراخهم، فقد عادت توًا من الخارج، وهي لا تفهم ما الذي يجري، فلاحظت جلوس زوجها على الأريكة واضعًا ساق فوق الأخرى وينظر نحو جياد و يبتسم في تشفي.
وقفت تنظر نحوهم كي تفهم...
يصرخ الشيخ وهو يشير نحو جياد:
_ اقسم بالله ماهي خارجة من هنا وانت فعلا أنا هربيك على قلة أدبك دي
قابله يزيد وهو يصيح:
_ ما خلاص بقا يا جياد، اطلع بقا يا اخي اطلع، انت عايز تموت الراجل؟ حرام عليك بابا تعبان!
صرخ في جنان:
_ ضربني، ضربني، ضربني
ليقترب يزيد في سرعة منه يقول:
_ راسك ابوسها، خلاص حقك عليا انا، ابوك مش حد غريب خلاص
وكان فاتح في الأسفل، يبعد والده في احترام وهو يقول:
_ خلاص يا شيخ، اهدى معلش، صحتك بس بالله عليك، جياد عيل وغلط وشوية وهيجي يعتذر لك والله
وكانت عبير تبكي في توتر شديد وفاطيمة تربت على ظهرها تقول في مواساة مصطنعة:
_ معلش يا اختي، معلش، شيطان ودخل بينهم... كله من اللي اسمها هانيا دي
_ وهي كانت عملت إيه يا فاطيمة؟ اتخانقوا بسبب ماهي، كله من الجربوع اللي اسمه شهاب
ثم نظرت إلى الأعلى وصاحت:
_ يلا يا جياد، روح على اوضتك مفيش مشي، متتعبش اخوك معاك
كان الشاب يقف في الأعلى على إحدى دراجات السلم، يهز رأسه بالرفض وهو يقول:
_ لا، بردو هاخد مراتي وهمشي
لترد هانيا في بكاء شديد مليء بالخوف والتوتر:
_ علشان خاطري، علشان خاطر ربنا يلا نطلع فوق بقا، ارحمني ارحمني يا جياد ارحمني، انا نفسيتي تعبت مش قادرة
ليتابع يزيد:
_ ماشي ابقى امشي، بس مش دلوقتي يا عم، أديك شايف بابا عامل ازاي!
اطلع بقا دلوقتي وبعدين نبقا نتكلم
وبالفعل عاد تارة أخرى إلى غرفته وهو يزفر في ضيق شديد، ودخلت زوجته معه وكانت تزيل دموعها وتحاول أن تتماسك، ألا تبكي، فجلبت له أدوات الإسعافات الأولية مرة أخرى ثم قالت:
_ سبني اشوف جروحك بقا وبطل عِند
وبالفعل سلّم لها وجهه وبيد مرتجفة بدأت تضمد جروح وجهه... وما إن انتهت، حتى مسك يدها وقال:
_ انتي بتترعشي؟
وبنظرات مليئة بالخوف والتوتر ردت:
_ ايوا...خايفة
ضمها إلى صدره في قوة وبدأ يربت على ظهر في حنان، يقول:
_ اوعي تخافي من أي حاجة في الدنيا طول ما أنا معاكي، طول ما أنا جمبك متخافيش ولا تقلقي
ردت وهي تشدد الإمساك بقميصه:
_ انتوا خوفتوني، مش بحب الصوت العالي ولا الصريخ دا
ابتسم ما إن تأكد أنها تتمسك وتتشبث بملابسه حتى وان كان بدون قصد، وعليه قال:
_ معنديش مشكلة اخلي شهاب يضربني كل يوم، لو هتحضنيني الحضن الحلو دا و تمسكي فيا كدا.
وبمجرد أن لاحظت، تركت القطعة التي كانت تتشبث بها من قميصه وابتعدت عن حضنه.
فقال ساخرًا:
_ هو انا حسدتك ولا إيه؟
_ المهم دلوقتي انك بقيت كويس و جروح وشك اطّهرت
وقبلما تمشي، سحبها من يدها مرة أخرى... ثم قام وحاوطها من خصرها بذراعه وقال:
_ آسف.. آسف لو كنت خوفتك.. انا مشكلتي اني عصبي جدا واللي بابا عمله مش سهل أي مخلوق يستحمله.
ثم أمسك بكف يدها وقبّل باطنه في حنان، وقال وهو يضع وجهها بين كفيه:
_ بحبك... مستعد اعمل أي حاجة علشان خاطرك
هزت رأسها موافقة وهي تبعد يداه عن وجهها ثم بدأت تمشي تبتعد عنه فقال:
_ هانيا والله كل حاجة اتقالتلك من البنت دي كانت كذب... هي كدابة، أنا عمري ما وعدت واحدة بالجواز وخلفت... كلهم كانوا صحابي بس، وفي زمن ال AI مش اي صور شفتيها تصدقيها، علشان كدا طلبت اشوف الصور دي واوعدك الصور الحقيقية منها هقولك عليها.. كدا كدا انتي عارفة اني مش بخاف من حاجة لاني معملتش حاجة اخاف منها، كل دا كان ماضي وعدى وانتهى من سنين
_ بعدين يا جياد، بعدين.. ارتاح دلوقتي
اتجهت نحو الخزانة كي تخرج لها ملابس...
*******
وفي الأسفل كانت ماهي تقف مع يزيد تفهم منه ما حدث بين والدها واخيها أثناء غيابها، فأخبرها بكل شيء ثم سألها:
_ صحيح يا ماهي، إيه اللي حصل بينك وبين شهاب علشان جياد يتجنن في عقله ويمسك في خناقه ويضربوا بعض بالشكل دا؟
ابتسمت ابتسامة ساخرة ثم ردت:
_ فين بابا؟
_ في اوضته، ماما بتحاول تهديه، تعب جدا، زعق كتير واتعصب ودا غلط على صحته، مقولتيش بردو في إيه؟
_ بعدين
نطقت بتلك الكلمة ثم ذهبت، فتبع أثرها وهو يقول:
_ ليه بعدين؟ عايز اعرف دلوقتي! هو في إيه عمال يحصل؟
ولكنها لم ترد عليه، بل تابعت صعودها على السلم حتى وصلت نحو غرفة جياد، ودخلتها دون استئذان.. وكان هو حينها يقف أمام المرآة ينظر إلى جروح وجهه، وكانت هانيا قد انتهت من إخراج ملابس لها كي تستحم.
وبمجرد أن دخلت، قال جياد:
_ مش تخبّطي؟
غلقت الباب خلفها وقالت في عصبية:
_ انت لسه ليك عين تبجح؟
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ هو فيه إيه؟ فيكي إيه؟
صاحت في غضب:
_ في إنك واحد أناني وحيوان، انا عرفت بعملتك، عرفت انك كدبت عليا وخدعتني وسبتني على عمايا علشان علاقتك تستمر، علشان نفسك، مفرقش معاك اختك واللي هيحصل لها، مفرقش معاك اعيش مخدوعه مع واحد بيحب مراتك وداخل البيت علشان يستخدمني..علشان يوصلها.. كل دا كان عندك مش مهم، المهم هو نفسك وانك عايش سعيد وبس معاها وماهي تولع بجاز وسخ هي وشهاب في ساعة واحدة.
_ ماهي، انتي...
صاحت بشكل أقوى:
_ اسكت، اسكت متقاطعنيش، انت لسه ليك عين تتكلم وتدافع؟
انت بجح لدرجة لا تطاق بجد
ثم نظرت إلى هانيا وتابعت:
_ وانتي.. أنا كنت فكراكي صاحبتي فعلا، بس انتي بردو مفرقش معاكي غير نفسك وسُمعتك في القصر، اقلعي بقا قناع البراءة دا واظهري على حقيقتك.
انهت كلامها معهما بذلك الأسلوب وتلك الطريقة ثم انصرفت مغاضبة.
شهقت هانيا وقالت لزوجها في خوف وتوتر شديد:
_ هي، هي عرفت؟ هتفضحني صح؟ هتعمل ايه؟
أنا..أنا هروح عند بابا، هروح بيت أهلي، مش هستحمل حد يهزقني، أنا
_ اهدي يا هانيا، اهدي..أنا هتصرف.
************((
اتصلت أسيل على تالية وهي داخل غرفتها تتلفت حولها كي تلاحظ مجيء حسان... وردت عليها تالية قائلة:
_ إيه يا أسيل؟
_ انتي فين يا زفتة انتي؟
_ برا، كنت في مشوار كدا، في حاجة ولا ايه؟
_ حصلت عاركة بين جياد وشهاب والشيخ ضرب جياد على وشه بالقلم قدام هانيا وشهاب وعبير و امك
_ ليه ليه كدا؟ إيه اللي حصل؟
_ مش عارفة الحقيقة اوي، بس جياد قال انهم اتخانقوا بسبب ماهي، وانا وامك مش مصدقين، شاكين بنسبة كبيرة ان الخناقة دي بسبب هانيا بس جياد كدب على الشيخ
_ أكيد بسبب العقربة دي فعلا، شهاب معندوش استعداد يدخل مشاكل علشان خاطر ماهي أصلا... طب ليه الشيخ ضربه بجد ليه؟
_ علشان جياد قال إنه هو اللي بدأ اما عرف ان شهاب مزعل ماهي، والشيخ قاله مينفعش تضرب جوز اختك بالقلم وتهينه في بيتك، وانك تحترم جوز اختك، يعني انك بتحترم اختك في الأول وفي الآخر.
قال إيه النسيب ميضربش على وشه بالقلم!
زفرت تالية في ضيق، ثم قالت:
_ طبعا جياد مسكتش؟
_ طبعا، دا قعد يزعق وصوته جلجل قد كدا ورد عليه وقلب الدنيا وكان عايز يسيب القصر ويمشي... من الآخر فاتك مشهد ميتعوضش.
وفي تلك الأثناء، دخل حسان الغرفة، فتابعت أسيل في نبرة صوت منخفضة للغاية:
_ اقفلي يا تالية وبعدين نتكلم.. حسان جيه.
_ ماشي
انهت معها المكالمة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وسألته:
_ هو انت كنت فين يا حسان؟
_ كنت بودي لونا للدكتور علشان تعبت شوية
مطت شفتيها في ضيق وردت:
_ اممم، ولونا دي قطتك أكيد صح؟
_ ايوا
صاحت في ضيق:
_ يا حسان فوق، فوق بقا يا حسان يا ساتر!
الدنيا كانت شايطة في القصر من شوية وانت عايش في المهلبية
نظر إليها ورد في غيظ:
_ احترمي نفسك شوية بقا! مش معقول بجد!
حدقت به وردت وهي تشير بإصبعها إلى نفسها:
_ أنا؟ بتقولي أنا الكلام دا؟
زفر في ضيق وهو يستغفر ربه ثم اتجه نحو المرحاض، فتمتمت:
" والله عال يا عرة الرجال، يوم ما تتشطر، جاي تتشطر عليا أنا!"
***********
_ افتحي يا ماهي، لازم نتكلم افتحي
كان جياد يطرق الباب مرات متتالية كي تفتح له، وبالفعل فتحت وهي تقول في ضيق:
_ إيه بقالك ربع ساعة بتخبط وانا مش راضية افتح، البعيد مبيفهمش؟
دفعها إلى الداخل ودخل ثم غلق الباب خلفه وقال:
_ لازم نتكلم
_ مش هتكلم معاك
_ اسمعي
_ لا مش هسمع، كلها مبررات فارغة بالنسبالي فمش هسمع ويلا بقا امشي من هنا وانسى ان ليك اخت اسمها ماهي خلاص
صاح في غضب:
_ ماهي... أنا ياما جيت لك، ياما قولتلك عايز اقولك، وانا في قطر كلمتك وانتي مردتيش، ويوم ما رديتي قولتيلي ابعد عن شهاب وملكش دعوة بيه، واقفل دلوقتي انا معاه بنتفرج على الشقة ودا بعد ما رديتي عليا بصعوبة، بابا قالي متدخلش وكله قالي ابعد حتى يزيد قالي ملكش فيه، ابوها قرأ فاتحتها واحنا مش هنا وماخدش رأي أي حد فينا و...
صاحت في غضب:
_ مش عايزة اسمع مش عايزة اسمع، اسكت اسكت، كلامك فاضي كله، انت مهما تقول انت فضلت نفسك عليا، انت فضلت مصلحتك.. انا مش عارفة ألوم عليه ولا عليها لان أخويا شخصيا كان عارف إني بتغفل وساكت ومقالش
_ ماهي هو...
_ من الآخر يا جياد، أنا هكون السبب في طلاقك انت وهانيا، إيه رأيك بقا؟
انا اللي هرجّع هانيا لشهاب بنفسي علشان بس احرق دمك
تنفس في محاولة للسيطرة على اعصابه ورد في هدوء مصطنع:
_ لا يا ماهي، مينفعش تعملي كدا صدقيني، انتي اختي الصغيرة وانا بحبك وعلاقتنا حلوة، بلاش تخربي كل حاجة حلوة
_ وانت ليه خربت كل حاجة حلوة من الأول؟
هز رأسه رافضًا وهو يقول:
_ انتي مش فاهمة، انا بحاول افهمك اهو و...
قاطعته في نبرة صوت حادة:
_ انا هنزل لبابا دلوقتي اقوله الحقيقة كاملة، وهقوله انك عارف وانك غفلتني، وهبرأ هانيا وشهاب تماما، علشان أنا أطلق وانت تطلق وكدا نبقى خالصين، محدش فينا هيعيش مع شخص مش بيحبه، مش هنفرق بين قلبين بيحبوا بعض يا أناني
_ ماهي لا، ماهي استني، ماهي...
كانت تتجاهل كلامه وتتحرك وهي تصرخ في وجهه:
_ اوعى، هقول يعني هقول وانت هطلق هانيا يعني هطلقها
افلتت منه واتجهت في سرعة نحو الباب ولكنه قال كلمة اوقفتها ومنعتها من متابعة سيرها:
_ هقتله..
التفتت له في استغراب مما سمعت فتابع:
_ ورب العزة هقتله... أنا عمري ما هستحمل ان الحيوان دا يبقى مع مراتي وابني، مش هسمح له يسرق حياتي... لو مستعجلة تشوفي حبل المشنقة ملفوف حوالين رقبة اخوكي، اعملي كدا... اخربي حياتي... خدي مني هانيا.. شجعيها تطلق.. خلي بابا يدخل ويجبرني اطلقها أو يقف في صفها ويخليها تطلق مني، ما انتي تأثيرك زي السحر عليه.
يلا روحي اخربي الدنيا، روحي دمري حياتي.. بس بعد كدا محدش يلومني في أي حاجة هعملها
ردت في غيظ:
_ انت مجنون... انت معتوه بجد معتوه
_ شوفيني زي ما تحبي، بس كدا كدا أنا عارف نفسي كويس، مش هستحمل بُعدها ولا هستحمل اشوفها مع غيري وخاصة شهاب
صرخت في وجهه في حنق:
_ طب وهي؟ هي ومشاعرها مش فارقين معاك ابدا يا أناني انت؟
رد في برود:
_ فارقين أكيد، أنا بعمل كل حاجة علشان تحبني، لو مش فارق معايا كان زماني مش مهتم لا بيها ولا بإيه حاسة.. هانيا حامل مني، هانيا سمحت لي اقرب لها، هانيا قالتلي هنحاول ونتصاحب و..و..و، بس البركة في ابن الوسخه جوزك هو اللي واقف لنا في حياتنا ومش مخلينا عارفين ناخد فرصتنا، ولا مديها فرصتها في إنها تنسى وتعيش حياتها معايا... لو مفيش منها تجاوب نهائي، انا كان زماني طلقتها من زمان
_ اللي انت فيه دا غلط، انت ازاي كدا؟ فرضنا الست مش عايزاك وعايزة تطلق تقرفها في عيشتها ليه؟
إيه اللي هقتل اي حد غيري يبقى معاها دي؟ انضج بقا شوية وبطل شغل العيال دا!
_ مقولتش هقتل اي حد غيري معاها، قلت هقتله.. وقصدي هنا بالكلمة دي شهاب، لان هو اللي دخل وعمل كل الفيلم دا علشان يدمر حياتي وياخدها مني ويستغلك علشان يوصلها، وانا عمري ما هحقق له مراده دا...
_ المسألة مسألة عِند بقا مش حب صح؟
ابتسم ابتسامة خفيفة جانبية ثم رد:
_ هو انا هعند وهدخل في تحدي وحوارات ليه في حاجه مش بحبها؟
هانيا هتفضل معايا طول العمر، وهنخلف بدل العيل اتنين وتلاته وأربعة وهنحب بعض وهي هتحبني جدا وهتستمر معايا طول عمرها، مفيش قوة هتفرقنا....
بعد كل اللي قولته دا، لسه عايزة تفرقينا؟
انا مش هقدر اذيكي لو عملتي كدا، انتي اختي وحبيبتي.. بس للأسف هأذي نفسي... ايوا متبصليش باستغراب كدا، انا بحبها لدرجة اني مقدرش اعيش من غيرها.. أنا مريض بيها ماشي اعترفت، حاجة تانية؟
تنهد ثم رد في نبرة صوت أكثر تأثرًا:
_ لسه عايزة تأذيني؟ لسه عايزة تقفي في وشي وتساعديها تطلق مني؟
تنفست في عمق ولم ترد... بل نزلت بعض من دموع عينيها فقالت:
_ عمري ما هنسى اللي انت عملته فيا، عمري...
اقترب منها كي يضمها إلى صدره ولكنها رفضت وهي تقول:
_ لا اوعى ابعد عني متحضنيش
_ حقك عليا والله كل مرة كنت بفكر اقولك، هانيا كانت بتقولي لا، خليهم ياخدوا فرصة مع بعض انا مش ناوية ارجع لشهاب وهو شوية وهيزهق وهيحب ماهي وهينساني، بلاش تقولها علشان متخربش الدنيا، وقالتلي انه مش مؤذي، وانا قبل جوازك منه، يعلم ربنا اني حاولت كتير امنع الجوازة دي تتم، كلمتك وكلمت بابا كلمت يزيد وكلكم طنشتوني، انا حتى كلمته هو وهو نفسه موقعش بالكلام وكان مستفز لأبعد درجة، أنا...
وفي تلك الأثناء، قاطعه دخول شهاب والذي ما إن رآه حتى ابتسم ابتسامة ساخرة ثم دخل المرحاض، تنهدت ماهي وقالت لاخيها:
_ روح دلوقتي يا جياد بعدين نتكلم
_ هو الحيوان دا لسه ليكي كلام معاه؟ لسه قاعد في اوضتك كدا عادي؟ انتي هتطلقي منه و..
_ ملكش دعوة أنا هعمل إيه، أنا زي ما اكتشفت الحقيقة لوحدي، بردو هتصرف لوحدي، امشي بقا دلوقتي
_ مش هسيبك تأذي نفسك، شايفة؟ شايفة انتي اللي بتمنعيني أتدخل ازاي؟
_ لا المرادي فعلا أنا اللي هتصرف
_ بس يا ماهي...
_ جياد، خلصنا، قلت امشي انا اللي هتصرف لوحدي معاه
زفر في ضيق ثم انصرف، بينما هي ألقت بصرها نحو باب المرحاض وتمتمت:
" أما تطلع لي بس.."
***********
_ خير يا بابا، طلبت تتكلم معايا؟
تحدث أمجد إلى والده عبدالعزيز باشا والذي دعاه طالبًا منه أن يأتي ليتحدث معه قليلًا، فرد الوالد:
_ كويس انك جيت يا أمجد... أنا قلت بما ان فرحك قرب، اتكلم معاك شوية.. كلام كدا من اب لابنه الوحيد.
تنهد ورد وهو يتألم قليلًا بسبب بعض آلام ظهره:
_ الراجل منا يا ابني هو العمود الفقري للبيت، هو اللي بايده يحافظ على بيته وهو اللي بايده يخربه.
الست دايما رد فعل لكل حاجه بتعملها معاها... لو قولتلها كلمتين حلوين يطبوا خاطرها، هتعملك أحلى أكلة بايديها، لو غدتها برا يوم، هتلاقيها بنفس راضية مستعدة تنفذ كل طلباتك، اي حاجة حلوة هتقدمها ليها، هتلاقيها بتقدم لك عشر أمثالها... هي كدا الست ودا طبعها بالأخص لو كانت بنت أصول، هتلاقيها معطاءة واقفة في ضهرك دايما، هتكون سندك في الحياة.. هي اللي هتناولك الدوا أما تتعب و...
قاطعه أمجد قائلًا:
_ حاسسني مش عارف اندمج في كلامك ابدا... أصل علاقتك بأمي مش بتقول كدا، انا مش بلاقيها بتقدملك الدوا ولا حاجة، انت قاعد وحيد في الاوضة دي و...
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا لا يا أمجد يا ابني انت فاهم غلط... حليمة رغم شرها وكِبرها، ليها حاجات لازم تُذكر... انا نايم على السرير دا بقالي كتير وهي شالتكم وشالت البيت وعمرها ما طلبت الانفصال عني ولا فكرت في نفسها وفي الجواز من غيري... رغم انها لو عملت كدا هيكون حقها...هي ليها حقوق وليها متطلبات بردو زيها زي أي ست، وكونها مستحملاني لحد النهاردة، كتر خيرها.
كاميليا... كاميليا غير يا ابني، دي عاملة زي البلسم يتحط على الجرح يطيب، بنت أصول وهتعاشرك بالمعروف وهتحفظ بيتك وهتصونك في غيابك قبل حضورك.
شهادة لله، الشيخ عبدالله الزيني عرف يربي ولاده احسن تربية، سواء بنات أو شباب.
مضيعش مراتك من ايدك، ومتسمعش كلام امك ومتطمعش... وافتكر يا ابني ان الطمع يقل ما يجمع.
اوعى تستغل مراتك وفلوسها، أوعى تطمع فيها وفي ورثها اللي هتاخده عن أبوها، صونها واحفظها واحفظ فلوسها وبيتكم وربي ولادك بالحسنى وعلمهم الأدب والأخلاق وحسن المعاشرة... افتكر دايما انك بتعامل ربنا وانت بتتعامل معاها، اوعى تستقوى عليها او تجرحها في يوم او ...
ولما أحس الشاب أن كلام والده أصبح ثقيلًا كالحجر على قلبه، قال مقاطعًا إياه:
_ خلاص خلاص فهمت... ماشي مطلوب مني حاجة تانية؟ محتاج امشي ورايا تظبيطات كتير عايز اخلصها قبل الفرح
_ لا، انا كدا خلصت وعملت اللي عليا.... افتكر دايما اني مش عايز الا مصلحتكم وعايز اشوفكم سعدا علطول في حياتكم
_ طبعا، طبعا، يلا عن اذنك
انهى كلمته، ونهض متجهًا نحو خارج الغرفة، وبمجرد أن خرج وغلق الباب، لقى أمه في وجهه والتي قالت:
_ ابوك كان عايز منك إيه؟
_ يعني كان بيلقيني حكم ومواعظ مش أكتر
_ طول عمره حكيم ماشاء الله، المهم سيبك منه ومن كلامه اللي لا بيقدم ولا بيأخر وقولي، عملت إيه، كل حاجة جهزت؟
_ تقريبا، باقي اللمسات الأخيرة زي ما بيقولوا
_ هو فين باسم صح؟ مش يجي يقف جمبك؟
_ معرفش، الباشا بيغير جو، هبقى اتصل اشتمه، يلا همشي أنا بقا علشان الحق أخلص، كفاية الوقت اللي ضاع
_ ماشي ربنا معاك، ياريتك ما جيت
_ ما أنا لو اعرف انه عايزني في درس مواعظ و حكم ماكنتش جيت والله، قلت هيقول كلام مهم ولا حاجة، يلا كل شوية يخيب ظني فيه
_ اعمل إيه بقا، حظي من الدنيا!
ربنا معاك، وابقى طمّني...
************
خرج شهاب من المرحاض بعدما استحم، فخرج وهو يجفف شعره يقف أمام المرآة، فقالت له ماهي في نبرة صوت قوية:
_ عايزة اتكلم معاك
_ مش وقته، انا اصلا خارج
_ خارج مش خارج مش هيهمني كتير، أنا هتكلم يعني هتكلم
زفر في ضيق، فتابعت:
_ كنت طول عمري اسمع عن الشاب الخاين او النطع، بس اول مرة اشوفهم... ومش اي نطاعة ولا أي خيانة، ولا أنا بتكلم عن مثال حي قدامي ما شاء الله
التفت إليها سريعًا وقال في استغراب:
_ هو أيه اللي انتي بتقوليه ده؟
_ اللي انت سامعه... انت حقيقي فعلا اتجوزتني كاداة؟ انا فعلا كنت السلم اللي بتستخدمه علشان توصل لحبيتك؟
لا لا، متبصليش باستغراب كدا، انت فاهم انا بتكلم عن إيه، بتكلم عن هانيا، هانيا مرات اخويا الحامل
تنهد ورد:
_ لا مش مستغرب... مش مستغرب لاني كنت عارف انك مصيرك هتعرفي، اصل يا ماهي طريقتي معاكي كانت واضحة من الأول انها غلط وكنت عارف انك هتشكي وهتتأكدي وهنتطلق... علشان كدا بعدت عنك ومردتش المسك
_ شهاب انت حقير، انت حقير بجد
_ وانا مش هبرر لنفسي... ماشي أنا غلطت في حقك، بس والله غصب عني...أنا دخلت البيت وانا دماغي مليانة بحاجة واحدة بس، وهي بيتي الجديد، وعلشان كدا كتبت مؤخر ب ٢ مليون جنية، أنا...
صرخت في غضب:
_ اخرس، اخرس انت بتتكلم في إيه، ولا بتعمل إيه؟ انت جرحتني بجد، حرام عليك أنا عملت إيه؟ عملت لك إيه؟
صاح الآخر في غضب شديد:
_ وأنا كمان عملت إيه؟ عملت إيه علشان اخوكي وابوكي يعملوا عليا عصابة ويسرقوا بيتي واحلامي!
انا يا ماهي كنت اقدر اذيكي اكتر، كنت اقدر اعيشك الوهم وارسم عليكي الحب، بس أنا اما لقيت اني مش مكمل، وان حبيبتي هنا مخطوفه عندكم في القصر دا، أبوها جبرها وضربها علشان تقبل باخوكي، انها مانعاه عنها كل دا، انها مش بتحبه، أنها...
قاطعته صارخة في قهر:
_ طب وانا؟ ما انا كمان بحبك، ما انت عارف أنا بحبك قد إيه، مصعبتش عليك؟
_ قولتلك ماكنتش بمثل ولا كان في دماغي حاجة من ناحيتك الأول، انا في يوم فرحي لقتها بيغمى عليها وفي نفس الوقت عرفت انها مقهورة ومجبرة من اخوكي، اتلغبط ولقتني ببعد عنك، بفكر ودماغي بتودي وبتجيب، معرفتش أقرب منك، معرفتش امثل عليكي اني فرحان وان مفيش حاجه، معرفتش يا ماهي معرفتش
ردت في محاولة الصمود كي لا تبكي:
_ بس بعدها استغليت وجودك هنا في بيتي وانا مراتك، علشان ترجعها ليك، اتوسخت وفضلت تلاحق فيها زي الحرامي ومحترمتنيش ومحترمتش اني مراتك وان دي تعتبر خيانة ليا، نظراتك ليا وهديتك الغالية ليها في عيد ميلادها، حبك ليها، محاولاتك، مكالماتك، كل دي خيانة ليا، انت خوتني، ولو انا اللي كنت عملت فيك كدا كان زمانك قتلتني دلوقتي صح؟
لو انا اللي كنت امتنعت عنك وغفلتك واستغليتك علشان اوصل للاكس بتاعي، كنت هتبقى عادي كدا؟ ولا كان شعورك هيكون إيه وقتها؟
هز رأسه موافقًا وقال وهو يتنفس في ضيق:
_ مفهوم، أنا غلطت وعلشان كدا قولتلك مش هبرر علشان أنا مش بجح، أنا بس عايز امشي بالمعروف... فكرت في الموضوع دا من فترة بس اللي كان واقف معايا المؤخر، فلو تسمحي بأننا ننفصل وانا هقسط لك المؤخر، هدفع جزء بجزء، ولو لقيت حد جاهز يسلفني المبلغ كامل، هدفع لك، وكفاية خلاص أذى لحد كدا
_ كفاية اذى؟
ثم صاحت في غضب:
_ كفاية أذى صح؟ اكتفيت وخططك فشلت، فقلت أما اطلقها واشوف لي طريقة تانية اوصل بيها لهانيا مش كدا؟
لعبة أنا في ايدك، يوم ما تحب، تتجوزني ويوم ما تحب، تطلقني!
_ ماهي أنا...
قاطعته في نبرة صوت حادة قوية مليئة بالغضب:
_ اسمع بقا يا شهاب كلامي دا وخليه حلقة في ودنك، انت قدامك خيارين وبس، يا تطلقني وتدفع لي وقتي بعد الطلاق مباشرة، مؤخري ومتعتي ونفقتي وكل حقوقي كاملة، يا تفضل عايش هنا معايا في الاوضة دي زي ما احنا هناء وشيرين كدة عادي، بس الطلاق يتم بقراري أنا... أنا اللي اقرر امتى نتطلق وانت تفضل تحت رحمتي وانا اللي اقولك وقتها اما اقرر، يلا مع السلامة زهقت منك امشي، ووقتها هبقى اتنازل عن كل حقوقي... يلا اختار
تنهد ورد:
_ ما بلاش الأسلوب دا يا ماهي؟ أنا مقربتش منك اصلا علشان ادفع متعة!
وانتي عارفة ان ٢ مليون جنية كتير ومع ذلك هدفع
ضحكت ضحكة عالية وردت مستهزئة به:
_ وانا تحت عند المأذون وقت الطلاق، هتقول لبابا ملهاش عندي متعة اصلي كنت زي اختها بالظبط و مستمتعتش؟
زفر في ضيق شديد ورد حانقًا:
_ ماهي بلاش ام الكلام اللي ملوش لازمة دا؟
وضعت يدها على خصرها وردت في نبرة ساخرة:
_ اومال إيه يا سبع الرجال الكلام اللي ليه لازمة؟
اه يا شهاب، انت كنت زيك زي اختي كاميليا بالظبط، كأني بقالي شهرين قاعدة مع كاميليا مش مع راجل ملو هدومه
_ احترمي نفسك ومتعصبنيش عليكي
_ هي كدا، دايما الحقيقة بتزعل، اسمع بقا أنا قولتلك اللي عندي وهي دي شروطي، هتختار واحدة منهم، يلا قرر
_ ماهي، اتقي الشر وافتكري اني حاولت بكل الطرق مأذكيش أما اتغلبطت في مشاعري، خلينا ننفصل في هدوء ومؤخرك هقسطه ولو لقيت حد معاه المبلغ كامل هدفع كاش وهبقى اقسط ليه هو
_ انا مليش دعوة بأمور السهوكة دي، أنا خيرتك واحمد ربنا إني سيبالك خيار أصلا ومجبرتكش على حاجة واحدة، اصل دخول الحمام مش زي خروجه
_ طب اخزي الشيطان يا ماهي، خلينا ننفصل من بكرة بس انا مش معايا كل دا
_ مليش دعوة، مليش دعوة، هاخد مؤخر ونفقة ومتعة وهخليك على الحديدة
_ انا معييش
_ هسجنك، هشردك، مش هسكت عن حقي، لو الطلاق تم بكرة، فلوسي كلها تيجي بكرة، انت اللي كاره وانت اللي عايز الطلاق والحق حق
_ وانا اعمل إيه؟
_ مش مشكلتي، تقدر تختار الخيار التاني، وهو انك تفضل تحت رحمتي لحد أما افرج عنك وازهق من شوفتك واخلعك
اقترب منها وقال بعينين يكسوهما الغضب:
_ اقصري الشر، اللي انتي بتقوليه دا غلط
_ ياما خفت! لا يا حبيبي اللي أنا بقوله هو الصح
رفع أحد حاجبيه ورد:
_ كدا! طيب.. أنا عايز حقوقي الشرعية بقا، بما انك حلوة اوي كدا وبتتكلمي في الحقوق
ضحكت ساخرة منه وقالت وهي تتصنع كأنها لا تستطيع أن تتوقف عن الضحك:
_ يا راجل قول كلام غير دا... انا على يدي كل حاجة، شكلك ملكش فيه فعلا، بلاش انت تتكلم عن حاجات الكبار دي و...
جذبها فجأة إلى صدره وقاطعها بقبلة قوية، وهو يحاوطها بذراعيه...وما إن ترك ابتعد حتى قالت له ساخرة:
_ هو دا اخرك صدقني
بدأ ينزع عنها القطعة الأولى من ملابسها في ضيق وكذلك القطعة الثانية حتى تبقت الفنلة الداخلية فمسكت يده تمنعه وقالت:
_ انت بتعمل إيه؟
_ هتشوفي بنفسك، مبحبش اتكلم كتير، اوعي ايدك دي
ابعد يدها عنه فقالت له في ضيق:
_ لا، لا مش هتعمل معايا حاجة
_ لا، مش بمزاجك يا حلوة، دا حقي، والا مش عجبك روحي يلا ارفعي قضية خلع... انا لو عشت معاكي يوم زيادة هكون زوج حقيقي ليكي، انا لا هقبل بالذل ولا بالسجن، انتي بقا مش عاجبك وعايزة تفضلي بنت بنوت اخلعيني او اطلبي الطلاق واتنازلي، طالما الأدب مش نافع معاكي، طالما عايزة تسجنيني وتشرديني وانتي عارفة كويس اني مش معايا، ومع ذلك قولتلك نخرج بالمعروف واستلف واسدد او نطلق لحد أما ادور على حد معاه المبلغ كاش وادفع بس انتي عايزة وقتي علشان تذليني وتكسريني، وانا مش هسمح لك تعملي كدا معايا، مش هتبقي انتي واخوكي، اختاري انتي كمان
_ ولو منعتك عني؟ هتجبرني؟
_ لا انا مش مقرف ولا هتجنن عليكي يعني، بس أقل معايا ارفع قضية حلوة اقول فيها مراتي مش عايزة تديني حقوقي وفي النهاية عايزة تدفعني متعة
_ وانت عادي ممكن تلمس واحدة مش بتحبها؟ مش هو دا كان كلامك؟ بعدت عنك علشان مظلمكيش؟
_ حصل، لانك الاول ماكنتيش عارفة، أما دلوقتي انتي عارفة الحقيقة كاملة، واني أقرب منك وانتي عارفة اللي فيها، ضميري هيكون مرتاح، الاول كنت مدايق وحاسس بتأنيب الضمير بس في النهاية أنا مش متحكم في مشاعري، هو دا اللي حصل بعد ما كشفت الحقيقة
ردت في تحدي:
_ مش هتنازل عن حقوقي يا شهاب، وانت مش هتقدر تلمسني لانك عارف اني مش عايزة وانت عارف انك بتحب غيري
_ بس أنا هقرب يا ماهي، حتى لو عارف انك مش عايزة، الخيارات صعبة وانتي مش مديالي فرصة اتنفس
سحب شعرها كله جهة اليمين، ثم دفن رأسه بين عنقها وكتفها، وهو يضمها إليه، كانت حركاته بطيئة مترقبًا رد فعلها، حتى إذ منعته، يتوقف.
حينها اتنباها شعور غريب، كانت تود أن تمنعه ولكنها لم تستطع كأنها لاتزال تود قربه رغم غضبها الشديد منه، فاغمضت عيناها واستسلمت، رفع رأسه قليلًا يختلس بعض النظرات من عينيها وبمجرد أن ابتعد، فتحت عينيها فوجدته ينظر لها، يتأكد من رضاها الكامل عن هذا.. ثم عاد يفعل ما كان يفعل في أريحية ما إن لاحظ رضاها وموافقتها... وبالفعل تمم في ذلك الوقت زواجهما، ودخل بها.
********
كانت هيام تقف أمام المرآة تنظر إلى تلك العلامات الزرقاء تشير إلى تورم او تعرض لعنف بطريقة ما، وكانت تلك العلامات تحيط عنقها وأماكن أخرى.
وقالت له في شعور بألم طفيف:
_ بص جسمي علّم ازاي؟
ابتسم ورد في إعجاب بهذا:
_ مش انتي اللي عايزة خاتم غالي وقولتيلي براحتك وغالي والطلب رخيص؟
_ ايوا بس مش لدرجة تعلّم جسمي كدا!
ليه العنف دا يا باسم؟
زفر في ضيق ورد:
_ هتقعدي تعكري في مزاجي تاني ولا إيه؟ كدا هقول مفيش خواتم خالص
_ لا لا خلاص، خلاص...
اقتربت منه وجلست قباله على السرير، موضع جلوسه وتابعت:
_ يلا احجزهولي بقا قبل ما يتباع لانه عاجبني اوي
_ ماشي..
وبالفعل بدأ ينفذ ما طلبته، وقال اثناء فعله ذلك:
_ هيام
_ نعم؟
_ هو انتي بدأتي تدايقي من طريقتي ولا حاجة؟
ابتلعت ريقها ولكنها ردت في سرعة وهي تهز رأسها بالنفي:
_ ها؟ لا لا لا، مش مدايقة ولا حاجة، أنا بحب طريقتك جدا، غريبة ومميزة ومختلفة كدا
ابتسم وتابع عمله... وما إن حجز لها الخاتم قال:
_ خلاص بقا بتاعك مبروك
_ تسلم لي يا حبيبي، يخليك ليا.
_ ضهري قافش، قومي دلكيه
_ حاضر
وبالفعل بدأت في تدليك ضهره وكتفيه وقالت:
_ أنا هويام بالنسبالك صح؟
_ هويام مين؟
_ في مسلسل حريم السلطان، السلطان سليمان كان بيحب هويام، وانا بشوف علاقتنا شبههم، علشان كدا دايما بطلب منك تقولي يا هويام بس انت بتنسى علطول
_ واشمعنى شيفاني السلطان سليمان يعني؟ ما فيه سلاطين كتير!
_ علشان كان بتاع بنات والله، وكان شايفهم كلهم جواريه، ماعدا هويام بقا، هي دي اللي حبها، وكان بيرتاح معاها
ابتسم ابتسامة جانبية ثم رد:
_ طب دلكي كتفي حلو بس لأحسن قافش عليا جامد
_ اهو بعمل... بس مين ايه دا؟
_ جايز من قعدة المكتب، بنسى نفسي على المكتب والله
وفي تلك الأثناء رن هاتفه، فقالت في ضيق:
_ ست رهف مش هتسبنا في حالنا بقا!
نظر إليها في ضيق ورد:
_ شكلك من النوعية اللي بتنسى بسرعة وهتتعبيني
أخرج الهاتف فوجد المتصل أمجد، استقبل المكالمة وهو يقول:
_ إيه يا أمجد ازيك؟
_ كويس ياخويا، فينك؟ مختفي فين؟
_ ما قلت هروح الغردقة!
_ ودا وقته يا باسم يعني؟ بجد يعني انت عارف إن فرحي خلاص قرب، إيه اللي انت عملته دا؟
_ يا باشا ارجعلك مخصوص...
ثم ابتسم وتابع:
_ بس انت أسد يالا مش محتاج توعية
_ بردو، المفروض تكون معايا وكتفك في كتفي
_ حقك، حقك تتقمص، خلاص هنزل القاهرة علشان خاطرك..ومتنساش كدا كدا اخوك في ضهرك، لو احتاجت أي حاجة، اي استشارة اي مساعدة، هتلاقيني يعني
_ دا العشم بردو يا صاحبي... راجع امتى؟
_ بكرة بليل هبقى عندك
_ ماشي ياريت متتأخرش
_ متخافش
انهى المكالمة معه، فسألته هي:
_ فرح مين؟
_ واحد صاحبي وحبيبي يعني، في حاجة؟
_ لا بسأل بس مش اكتر!
تحركت وهي تنزل من على السرير وجلست على حجره وقالت في دلال أنثوي:
_ بسومي، أنا عايزة اتفسح في الغردقة معاك، ما يلا ننزل؟
_ اه علشان حد يقوم لاقطنا صورة محترمة ويفضحني بيها صح؟
_ ايه المشكلة؟ انت خارج مع واحدة عادي؟
_ فتّحي مخك معايا انا مبحبش الغباء!
انا خاطب، هو أيه اللي طنش دا؟
زفرت في ضيق وقالت:
_ بس انا عايزة اخرج معاك، من حقي، أنا اللي بدلعك وبعملك اللي نفسك فيه
_ مينفعش خالص، لو انا متراقب هروح في داهية
_ مين مراقبك؟
_ يوه، أنا حبايبي كتير مقولكيش.
المهم لو عايزة تلفي الغردقة، هسيب لكم فلوس تلفي.... بس..بس بمقابل، كل حاجة بمقابل
*********
وقف جياد أمام المرآة يراقب جروح وجهه في ضيق، وقال لزوجته والتي كانت تقلب في هاتفها:
_ انا الجروح دي مديقاني اوي بجد
رفعت له رأسها وردت:
_ يومين وهتروح
رد وهو ينظر إليها:
_ طب إيه بقا مش هتبوسي الواوا؟ هي هيفاء أحسن منك في إيه؟
ردت ساخرة منه:
_ انت مش فاهم حاجة خالص، هيفا بتقول في الأغنية ليه هو اللي يبوس الواوا، مش هي اللي تبوس!
_ يا ستي كلك مفهومية، اي حد فينا يبوس مش فارقة!
شاوري انتي بس على الواوا وانا ابوسها وأبوس ابوها
_ نفسي لغة الحوار بينا تكون أحسن ومحترمة عن كدا!
هز رأسه موافقًا وقال ساخرًا:
_ طبعا اومال، ما انتي قاعدة مع محفظ القرآن بتاعك، علشان كدا مديقاكي لغة الحوار
زفرت ثم بدأت تنظر إلى شاشة هاتفها تارة أخرى، فتابع:
_ يا بت قومي بوسي الواوا يا بت! ياخرابي، ياخرابي عليكي
_ اقعد اندب بقا!
عملت إيه مع ماهي؟ هتفضحني؟
_ عيب عليكى، مش قولتلك اطمني؟
_ يعني وبعدين؟
_ يعني متخافيش... ومتوهيش الموضوع بعد اذنك، أنا يعتبر اضربت بسببك، قومي يلا بوسي الواوا
_ يا ابني، يا ابني هو انت لسه فيك صحة؟
_ الله أكبر، خمسة في وشك
حك كفي يداه في بعضهما البعض في حماس وراح يقترب من مكان جلوسها، وفي الوقت نفسه، طرق أحدهم باب الغرفة، فقال:
_ مين؟
_ أنا فاتح يا جياد، افتح
فتح له وهو يقول:
_ في إيه؟
_ اقدر ادخل اتكلم معاك شوية؟
_ ثواني
راح لزوجته وقال:
_ فاتح هيدخل، عادي بنسبالك ولا مش حابة أدخله؟ عايزة تظبطي شكلك او او ؟
_ لا عادي دخله
وبالفعل سمح له وبمجرد أن دخل قال له:
_ بابا زعلان منك جدا يا جياد، لازم تصالحه
_ بس يا فاتح بصراحة كدا، بابا هو اللي غلط فيا جامد، هو اللي مد ايده عليا وقل مني وهانّي
_ بردو في الأول وفي الآخر انت غلطت، ماكنش ينفع تمد ايدك على شهاب ولا تهينه بالشكل دا، ايا كان دا جوز اختك وقاعد في بيتك ولازم تقدره، حتى ان غلطت في ماهي، ابوها يتصرف، او لو أدخلت انت تتكلم معاه بالحسنى مش تعلموا على وشوش بعض وتقلوا من نفسكم ومن المكان ومتحترموش صاحب البيت؟
البيوت ليها حرمة واللي حصل دا كان غلط كبير ومنك بالذات لانك اللي بدأت
زفر في ضيق وقال:
_ ماشي يا فاتح، هبقى اتكلم معاه، الوقت اتأخر والدنيا ليل، تلقاه نام، بكرة هبقى اتكلم معاه
_ بس ياريت متنساش
_ متخافش، هيكون في وجودك انت ويزيد اصلا علشان منرجعش نتخانق تاني انا وهو
_ لا لا اوعى تعمل كدا مش ناقصين!
يلا أنا خلصت كلامي، عايز حاجة؟
_ لا شكرا
نظر إلى هانيا وقال وهو يلوح لها بيده:
_ عاملة إيه
فردت في ابتسامة:
_ الحمدلله يا فاتح، وانت إيه أخبارك؟
_ الحمدلله بخير.. يلا يا جياد أنا ماشي
_ مع السلامة
وبمجرد خروجه، قال لزوجته:
_ كنا بنقول إيه قبل ما الواد دا يجي؟
ردت وهي تغلق الهاتف، وتتجه نحو السرير:
_ كنا بنقول اننا هنام لان الوقت اتأخر جدا والليل ليّل، يلا تصبح على خير
هيأت فرشتها، فتضايق ولكنها تجاهلت ذلك وتسطحت على السرير، فزفر في ضيق وقال:
_ والله ما ينفع كدا والله
_ تعبانة يا جياد وعايزة أنام فعلا، كفاية الرعب اللي حصل لي النهاردة!
_ طب ما أنا كمان تعبان!
_ خلاص تعالى نام!
غطت وجهها، فتمتم في ضيق:
" سخيفة "
**********
وبعدما انتهى، ابتعد عنها، نائمًا على ظهره، ناظرًا إلى السقف في صمت.. بينما هي بدأت ترتدي ملابسها في صمت هي الأخرى، نظر إليها وقال وابتسم وحسب..
تكلمت في ضيق:
_ على فكرة اللي حصل دا بردو مش هيلغي فكرة الخيارين اللي حطتهم ليك... لسه مصرة على قراري
_ ماشي أنا مش هطلقك لاني مش معايا ادفع دلوقتي، بس أنا مش هعيش تحت رحمتك وقبولك؟ انا جوزك وهتعامل على اني جوزك وحقوقي كاملة هاخدها وكل يوم ولو انتي مش عاجبك اطلبي الطلاق، او اخلعيني اعملي اللي يريحك، لكن أنا مش هسيبك تقللي مني تاني ومن رجولتي لا دلوقتي ولا بعدين... مادام حصلت انك عايزة تتكلمي وتقولي دفع متعة ومتمتعش وتقلي مني وقت انفصالنا مش هسمح... ووقت الطلاق بقا كل واحد ياخد حقه!
نظرت إليه في ضيق، وقامت كي تذهب إلى المرحاض ولكنه مسكها من يدها وقال:
_ استني...
توقفت وهي تنتظر ما يريد، فقال:
_ أنا آسف... آسف لاني غلطت في حقك، حتى لو كان غصب عني
ابتسمت ابتسامة خفيفة نيابة عن قهرها وردت:
_ آسف؟ آسف ازاي يعني؟ هو انت دوست على صباع رجلي بالغلط؟
دا انت دوست على قلبي، وجروح القلب مفيش فيها اعتذار...
انهت جملتها وافلتت يدها منه واتجهت حيثما كانت متجهة قبل قليل.
بينما هو تنفس في عمق وبدأ يرتدي ملابسه.
وداخل المرحاض، كانت تقف وهي تنظر إلى نفسها في المرآة، مررت اصابعها على عنقها، وفي تلقائية ابتسمت...ولكنها عبست تارة أخرى ما ان تذكرت فعلته وقالت لنفسها في غيظ:
" ما تفوقي بقا يا غبية انتي! فرحانة ولا زعلانة انتي دلوقتي!
ليه سمحتيله يقرب منك؟ كنتي اتنازلتي وخلاص!
ايوا بس انتي ماكنتيش متخيلة انه هيقرب منك فعلا، كل مرة كان بيبعد، انتي زي ما تقولي كأنك مش مصدقة اصلا انه هيقرب بجد والموضوع هيتم للنهاية اساسا، مش مبرر، مش مبرر يا ماهي، انتي بردو غبية بجد، غبية ومش فاهمة انتي فرحانة لي والله، على خيبتك باين!
دا قرب منك علشان شكله ومنظره وبس، مش علشان بيحبك ولا علشان عايزك أصلا! فوقي بقا فوقي.."
**********
_ يعني إيه يا بنتي؟ بردو مش هتقولي مالك؟ من ساعة ما جيتي وانتي قافلة على نفسك ومحطتيش في بؤك لقمة!
تحدثت حورية إلى ابنتها روني والتي كانت تجلس حزينة على السرير تضع يدها على خدها شاردة في الفضاء.
دارت بعينيها في بطء نحو والدتها وردت:
_ مفيش، مفيش يا ماما قولتلك من بدري مفيش
_ لا فيه، طب قوليلي اتخانقتي مع يزيد؟
_ لا
_ اومال حصل إيه بس!
اتخانقتي مع حماتك طيب؟
واحدة من عمات جوزك؟
_ لا بردو يا ماما لا
_ صبرني يارب اومال فيكي ايه؟
ردت في صوت عالي نسبيًا:
_ جاية اقعد معاكي شوية، إيه مش عايزاني اقعد معاكي؟ الحق عليا يعني!
_ لا يا بنتي متقوليش كدا، بيتك ومطرحك، انا بس حاسة ان الحزن مالي عينيكي، أنا مش هتوه عنك يا روني، أنا أمك!
قولي خليني احل المشكلة معاكي قبل ما تكبر
وفي تلك الأثناء، سمعتا صوت دقات الباب، فقالت لها:
_ هروح افتح، شكله ابوكي جيه، ياما قولتله خد معاك المفاتيح بس هو مفيش سمعان كلام
راقبتها روني حتى خرجت، وبدأت تتوسل في همس:
" يارب..يارب "
وسمعت والدتها تقول في ترحيب حار:
" يزيد، تعالى يا حبيبي اتفضل"
فقالت لنفسها:
" ليه بس يا يزيد جاي! حقيقي مش قادرة على مواجهتك خالص، ولا بقيت عارفة اخبي اكتر"
سمعت والدته تشير نحو الغرفة تقول:
" اه الاوضة دي ادخل يا حبيبي بيتك و مطرحك، عمك مجدي برا مع ناس صحابه هتصل بيه يجي حالا"
" خليه على راحته يا طنط مفيش داعي!"
" لا لا هبلغه حالا اهو، ادخل ادخل مراتك جوا"
وبالفعل دخل عليها وبمجرد أن رآها ابتسم، ثم غلق الباب واقبل ناحيتها ثم جاورها وقال:
_ وحشتيني اوي على فكرة، بقا كدا متبعتيش ولا رسالة ولا تتكلمي ولا تتصلي؟ نسيتي مين انا؟ أنا الحب يا نفرتيتي!
ردت في ابتسامة خفيفة:
_ منستش يا حبيبي، أنا بس وصلت هنا، ساعدت ماما شوية وبعدها نمت ويدوب لسه صاحية
ابتسم ورد:
_ البيت مضلم من غيرك، الاوضة متتطاقش علشان انتي مش فيها، كل أما ادخلها وملاقيكيش بزعل اوي وبتخنق وبخرج بسرعة مش بكمل، قلت لا لازم اروح لها...
وضع قُبلة صغيرة على جبينها وتابع:
_ وحشتيني اوي..
ثم نظر نحو الباب وأضاف:
_ الاوضة دي ليها ترباس أكيد صح؟
قام واتجه نحو الباب ثم غلقه بإحكام وفي الوقت نفسه، شعرت بقشعريرة تسري في دمها، خافت كثيرًا وانكمش جسدها وأصبح متأهبًا في استعداد للدفاع.
اقترب منها وهو يبتسم ثم نزع معطفه وبدأ يفك ازرار قميصه وقال لها:
_ ايا كان سبب زعلك إيه، هنقضي النهاردة ليلة هتنسيكي ان هانيا اختك اصلا مش بس مزعلاكي
هزت رأسها رافضة ثم نهضت فجأة وقالت له:
_ لا لا، أنا تعبانة، مش عايزة حاجة دلوقتي...
عقد حاجبيه في استغراب شديد ورد:
_ في إيه يا روني؟ في إيه بجد؟ فيه إيه؟
_ مفيش، بس اللي حصل مع اختي مأثر على نفسيتي شوية ومخليني مش متقبلة أي حاجة دلوقتي
تحدث في صوت عالي:
_ ايوا إيه هو بقا اللي حصل مع اختك دا؟ إيه هو أنا عايز اعرف!
ردت في صوت عالي هي الأخرى:
_ مش لازم تعرف، هتحترم رغبتي ولا لا؟ بقولك أنا مش قادرة وبس! كفاية؟
تنهد ثم اقترب منها، وضمها إلى صدره في قوة وبدأ يمرر يده على شعرها ورد في نبرة مليئة بالحنان:
_ اه كفاية... حاضر أنا هحترم رغبتك أكيد ايا كان السبب.
رد وهو يربت على ظهرها:
_ روني، علاقتنا اكبر بكتير من مجرد سرير... انتي ال best friend بتاعتي، قبل أي حاجة، علشان كدا أنا قلقان عليكي مش اكتر، انتي متغيرة كتير وانا احتارت ومش لاقي سبب..
اخرجها عن حضنه قليلًا ووضع وجهها بين كفيه وتابع وهو ينظر إلى عينيها المتورمتان:
_ أنا هنا دايما جمبك ومعاكي ومش عايزك تخافي ابدا طول ما انتي معايا، ايا كان اللي في قلبك، افتحيه وقوليلي بدون خوف، بدون تردد
بدأت دموعها تزيل في تلقائية منها، فقال في ضيق شديد:
_ لا لا لا، هي حصلت لدرجة إني اشوف دموعك كدا؟ مرة واحدة!
والله قلقت جامد والله
بدأ يزيل دموعها بأصابعه، بينما هي انكبت داخل حضنه وبدأت تكتم دموعها في صدره، بدأ يربت على ظهرها وهو يقول:
_ بس بس خلاص يا حبيبة قلبي اهدي اهدي...آه بس لو اعرف سبب عياطك دا والله لاطربق السما على الأرض، وكل دا مش هيكفي دمعة واحدة من دموع عيونك اللي نزلت دلوقتي قدامي.
تعالي، تعالي على السرير
جلس على السرير مسندًا رأسه على خشبته، بينما هي كانت تنام بجانبه داخل حضنه متشبثة بملابسه في قوة بكلتا يداها.
كان يحاوط جسدها كله ويزداد من ضمها إليه وهو يمرر يده على شعرها في حنان.. ولاحظ يداها المتشبثة بملابسه فتعجب للغاية... ثم نظر إلى وجهها، فوجدها قد غرقت سريعًا في النوم، مما زاد من تعحبه وتساؤلاته.
*********
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت عبير من نومها باكرًا، فلاحظت جلوس الشيخ على مكتبه كأنه لم ينم او سهر لمدة طويلة، وعليه قالت:
_ انت منمتش ولا إيه؟
_ لا، من ساعة ما نمت الساعتين بتوع بليل وانا صاحي من ساعتها
_ بتفكر في إيه؟
_ في المصايب اللي عمالة تحصلنا يا عبير والله... بربط الأحداث ببعضها كدا... بحاول اجمع إيه علاقة مديحة بوصال بصفوت برضا بمحمود!
حقيقي في حاجة غلط بتحصل، والاغرب ان كل ما يزيد يروح يسأل عن محمود ولا غيره يلاقيهم مش موجودين... معقولة كل دول اتفقوا مع بعض؟ طب امتى وفين؟
مستحيل... لازم حد هو اللي رابط كل دول ببعض
_ حد؟ حد زي مين؟
_ ما هو دا اللي انا عايز اكتشفه وسهران بفكر فيه، أول ما اوصل لحاجة هقولك علطول
نهضت من على السرير وقالت وهي تتجه نحو المرحاض:
_ جياد هيجي يصالحك النهاردة و...
رد في صرامة:
_ مش عايز اشوف وشه خالص، ومش هنزل على السفرة النهاردة بسببه اطلبيلنا الاكل هنا
_ بس يا شيخ دا...
_ سمعتي يا عبير؟
انتهى الموضوع مش هتكلم معاه يعني مش هتكلم معاه ولو جيه يتكلم معايا هقل منه وهضربه تاني، خليه بعيد عن وشي احسن له
هزت رأسها موافقة في ضيق مما يحدث ثم دخلت المرحاض، فتمتم الشيخ في غيظ:
" أنا هعلمك ازاي تتكلم وتتعامل مع ابوك من الأول وجديد يا حيوان ياللي محدش ربّاك "
***********
فتح جياد عيناه معلنًا استيقاظه، فوجد هانيا تتهيأ أمام المرآة، فقال لها في ابتسامة:
_ صباح الخير
_ صباح النور
فرك عيناه ورد وهو يطالعها من أعلى إلى أسفل:
_ مالك متظبطة كدا ورايحة فين؟
_ رايحة عند ماما زيارة
_ من الصبح كدا؟
_ اه علشان اقضي اليوم كامل هناك
_ طب ما تستني اجي معاكي
_ تعالى انت على المغرب كدا افضل، اقعد اتغدى معانا ونروّح، بدل ما تزهق وانت اليوم كله قاعد كدا
زفر في ضيق من كلامها ولكنه رد:
_ تمام، هاجي اخدك ماشي، بس ليه تفضلي مقضياها اوبر؟
خدي عربيتي التانية
_ مش بعرف اسوق
_ حد هيسوق لك يا سلام!
_ مرة تانية علشان طلبت الرحلة خلاص
_ ارفضيها وانا هبقى ادفع الغرامة!
اهم حاجة تكوني مرتاحة ورايحة بعربيتك
_ بس دي مش عربيتي!
_ على ما اجبلك واحدة، من بكرة تجيلك أحلى عربية
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ ماشي، شوف مين هيسوق لي
ابعد الغطاء عنه وقام من على سريره وقال في ابتسامة:
_ طب ما تيجي شوية؟ شوية صغننين قد كدا والله
_ انا لابسة وجاهزة ولا انت مش شايف!
رفع رأسه للأعلى وهو يقول في ضيق:
" يارب، يارب انت اللي عالم بيا يارب "
_ هتشوف لي السواق ولا الحق الرحلة؟
_ حاضر، حاضر يا ام طفلي حاضر
_ إيه ام طفلك دي! عليك الفاظ غريبة!
_ بفكر نفسي بس كل شوية انك ام طفلي علشان مقلش أدبي عليكي واتهور
_ لا اتهور علشان تتعور
ضحك ضحكة عالية ورد:
_ يا روحي، ايوا كدا، كدا بدأت أصدق انك مرات جياد الزيني بحق وحقيقي، كدا تبقي فعلا مدامي
_ اخلص، كان زماني مشيت!
تقدر على رغي
_ معاكي انتي بس والله
انهى كلامه ثم اتصل لها بعوض وأخبره بأن يوصلها إلى منزل والدها، وقال لها:
_ خلاص عوض مستنيكي تحت، فين بقا بوسة بابا؟
_ ابقى خدها من بنتك، سلام يا عبيط
انهت كلامها ثم بدأت تتحرك نحو الخارج، بينما هو عقد حاجبيه في استغراب وقال لنفسه:
" عبيط؟ على آخر الزمن يا هانيا؟ جايبة جرعة الجراءة دي منين بس؟"
***********
ومع الرابعة عصرًا، وداخل مستشفى النساء والتوليد، صاحت مايا في وجه الطبيبة المختصة بحالتها، تقول:
_ أنا تعبت بقا تعبت، عمالة تديني في امل ومفيش فايدة ومفيش حاجه لحد امتى يعني يا دكتور لحد امتى؟
لترد هي في استغراب من انفعال وطريقة تحدث مايا:
_ والله يا مدام أنا بعمل اللي عليا، اعمل إيه تاني يعني، احنا لينا الأسباب وبنتكل على المُسبب مفيش في أيدينا حاجة تانية نعملها!
_ عمالة تقولي لي اني ممكن احمل، مبحملش ليه؟ اختي الصغيرة حملت وانا لسه!
_ بقولك كدا لان حالتك مش ميؤوس منها ولكن للأسف لسه ربنا مأذنش نعمل ايه طيب؟ وسبق وقولتلك مش واثقة في كلامي تقدري تتأكدي من ميت الف دكتور غيري، هيقولك نفس الكلام، أنا لا بغشك ولا بكذب عليكي!
_ فاهمة بس انا تعبت، تعبت وعايزة احمل بقا، تعبت
_ احنا علينا بالدوا وانتي عليكي بالدعاء وربنا هيكرمك ان شاء الله... اهدي يا مايا اهدي، ستات كتير اوي زيك، مبتبقاش عندها اي مشاكل بس ربنا مش بيكون لسه أذن ليها.. الموضوع كله في إيده والله، سبق وقولتك انك زي الفل بس دي مشيئة الله!
هزت رأسها موافقة، ثم قالت:
_ آسفة لو انفعلت، آسفة لو اسلوبي كان وحش، بس اعذريني أنا حاسة إني هتجنن والله علشان كدا بتصرف بالشكل دا
_ حصل خير
نهضت مايا ومشت حتى خرجت من المستشفى تمامًا وباتت تفكر في ذلك الأمر... ثم فكرت وفكرت حتى اتصلت بفاطيمة وقالت لها ما إن استجابت لها:
" في أسرع وقت يا عمتو، احجزيلي جلسة مع الشيخ عطاالله "
************
ومع أذان المغرب، كانت حورية انتهت من إعداد سفرة الغداء بمساعدة بنتاها واصبحت الأسرة تنتظر مجيء جياد، وفي المطبخ قالت روني وهو تغرف الملوخية من الوعاء لأختها هانيا:
_ بس كدا، وفضل بايت معايا ليلة امبارح كلها والصبح فطر معانا وبعدها مشي، لان الشيخ اتصل بيه، بس قالي مش هسيبك وهاجي بليل ابات معاكي لاني مش عارف أنام لوحدي في الاوضة
ردت في ابتسامة:
_ ياروحي عليه، بيموت فيكي يا روني بجد
_ ما أنا عارفة والله، بس خايفة يا هانيا، قالي لو اعرف إيه اللي حصلك هطربق السما على الأرض وانا لازم اخاف عليه!
وفي تلك الأثناء دخلت أمهما وهي تقول:
_ يا ساتر مش عارفين تأجلوا الكلام شوية بس؟ بقالك ساعة بتغرفي الملوخية يا روني هانم!
اخلصوا لازم السفرة تكون جاهزة قبل ما جياد يجي
أخذت أطباق ثم خرجت، فتابعت روني:
_ ماما دايما متسربعة، تقوليش وراها الديوان!
وفي الخارج كان مجدي يشاهد التلفاز ممسكًا بالريموت يتابع حركات أسرته وما يضعونه على السفرة، حتى سمع جرس الباب، فظن أنه جياد وعليه فتح وهو يبتسم فوجده شهاب ذلك الذي دفعه بقوة بمجرد ان فتح له، ثم أخرج السكين الصغير ( مطوة) من جيبه وقال له مهددًا:
_ اي حركة او نفس، هشرحك زي ترنشات البانية وهخليهم يحطوك على السفرة جمب الأطباق الحلوة دي
خرجت حورية وهي تحمل طبق اللحوم، ففوجئت بزوجها وهو يجلس على الكرسي وشهاب يمسكه من ياقة ملابسه في قوة وأحكام بيد ويرفع عليه السكين بيده الأخرى.
وعليه صرخت وألقت بالطبق أرضًا، وعلى صرختها، خرجت كلًا من هانيا وروني، واصتدمتا من المنظر.
يقول الشاب له في نبرة صوت مليئة بالقهر:
_ انا هقتلك، انت دمرت حياتي، أنا خلاص مبقتش فاهمني، مشاعري دخلت في بعض، حياتي كلها باظت بسببك، هقتلك وراضي بحكم الإعدام، هقتلك انت وجياد وخلاص كدا مش عايز حاجه تانية من الدنيا
ضربت روني صدرها، بينما حورية بدأت تصرخ:
_ حرام عليك سيبه، سيبه دا في سن والدك
_ والدي؟ دا ربنا قال أما اليتيم فلا تقهر، ودا مش بس قهرني دا دمرني، قتلني بالحيا، روحت اترجيته كتير، وهو ذلني، باع قلبي ومشاعري وحبي بشوية فلوس لابن الزيني ولي نعمته
بدأت تصرخ:
_ بالله عليك بالله عليك تسيبه بالله عليك
صاح في نبرة حادة:
_ وطي صوتك، والله لو نفر واحد من الجيران جيه لهكون مخلص على جوزك الظالم دا
كان الرجل تحت يده يشعر بالاختناق، ضمت روني والدتها في محاولة للسيطرة على صوتهما كي لا يتعالى، بينما هانيا ابتلعت ريقها وكانت صامتة تستوعب ما يحدث، ومن ثم أخذت تقترب منه في هدوء، وتقول في نبرة صوت مهزوزة اثر الخوف:
_ شهاب، شهاب بالله عليك، بالله عليك دا، دا، دا بابا يا شهاب دا بابا، هتموت لي بابا يعني؟ معقول؟ ههون عليك؟
رد في نبرة صوت حادة:
_ ما أنا هونت عليكي انتي وامك وابوكي واخواتك والأسرة كلها! كنتي سألتي فيا؟ استسلمتي لخوفك وهربتي وسبتيني وضحكتي عليا، انا مش عارف اعيش ولا اعرف اتخطى القهر ووجع القلب اللي عيشته بسببكم، كل دا ليه؟ علشان الفلوس؟
نظر إلى مجدي وتابع في نبرة أكثر حدة:
_ يا اخي ملعون ابو الفلوس اللي تعمل كدا، اللي ترخص من البشر ومشاعرهم بالشكل دا، دا انا جيت لك وانا مكسور المكتب، جيت لك وقولتك علشان خاطري، هعمل اي حاجة ليها، جيت لك واتوسلت، جيت لك وقولتلك اللي تشوفه يا عمي واللي انت عايزه يا عمي
بدأ يمرر السكينة على رقبته فصرخت هانيا وقالت في بكاء شديد:
_ علشان خاطري يا شهاب، علشان خاطري ابعد السكينة دي عن رقبته علشان خاطري، أنا هعمل اللي انت عايزه هعمل اللي انت عايزه كله بس سيب بابا والنبي والنبي
وكانت روني تبكي في رعب وهي تمسك في والدتها تتوسلان إليه هما أيضًا بأن يترك الوالد
اقتربت هانيا وجثت على ركبتيها أمامه وردت في توسل مصحوب ببكاء:
_ ابوس ايدك، ابوس ايدك متفقدش السيطرة على نفسك وتسلم ودنك للشيطان وتعمل في ابويا حاجة، ابوس ايدك ابعد السكينة دي عنه، حركة واحدة غلط هتجيب رقبته ابوس ايدك يا شهاب ابوس ايدك
صاح في ضيق شديد:
_ قومي يا هانيا متقعديش كدا، قومي
_ مش هقوم لا مش هقوم، سيبه الأول سيبه
صاح وتحول وجهه للون الأحمر اثر الغضب الشديد:
_ دا كلب، دا مش ابوكي دا كلب، دا اللي فرقنا دا اللي جبرك على جياد،ا اللي سجنك في قصر الزيني، دا اللي قهرنا انا وانتي ايام وليالي علشان هو عبد للشيخ
ردت وهي تحدق بالسكين في صريخ:
_ شهاب الحق، الحق رقبته الحق
لاحظ انه من غيظه وغضبه كاد أن يقطع رقبته، وكان الآخر يموت رعبًا تحت يديه.
اقتربت اكتر حتى جلست تحت قدمي حبيبها تتوسل في رعب:
_ ارجوك، أبوس رجلك طيب؟ ارجوك هعمل كدا والله، سيبه سيب ابويا سيبه
ابتعد عنه تاركًا إياه في عنف، ثم جذبها من ذراعها ليجعلها تنهض، وجرها خلف ظهره وقال وهو يرفع السكين في وجه مجدي:
_ لو حد قرب مني، هقتله وزي ما قلت قبل كدا، انا اتجننت خلاص، والعقل بيقول انكم متقفوش قصاد مجنون... هانيا تخصني يا مجدي يا سلاب، هتتطلق من ابن الكلب دا وهتتجوزني أنا، وعليا ٢ مليون مؤخر لماهي الزيني، انت هتدفعهم من جيبك
رد وهو يمرر يده على رقبته المتعبة:
_ واخد بنتي وراك ليه؟ سيب هانيا، سيبها لسه على ذمة واحد تاني، سيبها طيب لحد أما اتطلق وبعد كدا خدها ماشي موافق
_ شيل الريالة من على بؤي يا مجدي، ما انت اتعودت دايما على اني الطرف اللي بياخد على قفاه ويسكت، انا هاخد هانيا وهصور لينا فيديو مع بعض، وانت حر، لو مرفعتش قضية خلع على جياد وخلصتني منه هنشر الفيديو وكدا كدا بعده بردو هتطلق.
صاح مجدي وكذلك حورية وروني، وقال هو:
_ انت مجنون، إيه اللي انت بتقوله دا، انت ازاي تعمل كدا؟
_ اهو هو كدا بقا
نظر على الطاولة أمامه فلمح مفاتيح المنزل، فنتشها، ثم جذب هانيا من ذراعها واتجه نحو الخروج، ركضوا خلفه وهم يصرخون، فخرج قبلهم ثم بدأ يغلق باب المنزل من الخارج بالمفتاح، فأسرعت روني كي تجلب من الداخل النسخة الخاصة بوالدتها، بينما مجدي وزوجته كانا يطرقان على الباب بقوة، حورية تصرخ كي تتجمع الناس بينما مجدي كان يهدد الشاب، وأثناء إغلاق الباب، فكرت هانيا في أن تهرب فأخذت تلتفت حولها في ذعر لا تصدق ما يحدث، وكان هو انتهى من غلق الباب، فتابع في جرها في معه، وهو يقول:
_ امشي معايا وإياكي تصرخي، خلاص زمن الخوف انتهى، مش هو دا اسلوب جياد وطلع عاجبكم؟ مش كل حاجه بيعملها بالقوة والسطو و الكل بيخاف منه وبيعمل اللي هو عايزه؟
فتح باب سيارة والدها فكان مفتاح السيارة ضمن مفاتيح البيت وغيره، واثناء فتح الباب، خرجوا جميعهم وهم يركضون جهته في سرعة، فكان قد تمكن من فتحه، وادخلها ثم دخل وغلق الباب، كان مجدي يضرب على نافذة السيارة في قوة وهو يصيح:
" افتح، سيب بنتي، افتح "
بينما الشاب، كان يضع المفتاح في المقود وضغط بقدمه على الفرامل وامسك بعجلة القيادة ثم انطلق بالفتاة عقب محاولات فاشلة من والدها في فتح الباب والطرق على النافذة...
وبعدما انطلق، وقف مجدي مذهولًا يتبع أثر السيارة بجانب ابنته وزوجته المرعوبتان...
***********
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم Salma Khaled
متنسوش الفوت ورأيكم بعد القراءة ❌️❌️❌️
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثاني و الثلاثون[ تزوّج بأخرى ]
سلمى خالد احمد
**************
وما كان لمجدي أن يفعل شيء سوى أنه صاح محدثًا ابنته:
_ اجري يا روني بسرعة هاتي مفاتيح عربيتك خلينا نلحقه يلا بسرعة
وبالفعل نفذت الفتاة ما طلب والدها، إذ أخذ شهاب سيارته فليس أمامهما سوى أن يلحقا بهما بسيارتها هي.
وبينما الفتاة ذهبت، قالت حورية لزوجها في نحيب وبكاء:
_ هنعمل إيه بس ياربي، هنعمل إيه بس، المجنون دا خطف البت من قدام عنينا، هيعمل إيه فيها بس، هيعمل ايه، دا هددنا، دا خوفنا، دا كان هيقتلك، جياد على وصول، هنعمل إيه، دا...
صاح مجدي في غيظ:
_ بس يا حورية ندب أنا مش ناقصك انتي كمان!
انا هروح اتصرف، وانتي لو جياد جيه اياكي تعرّفيه حاجة، لحد أما أحاول احل انا الموضوع، جياد لو عرف، الحرب العالمية التالتة هتقوم وبنتي في النص و هنتفضح وهنتجرس، فهمتي؟
_ وانت عايزني اقوله إيه؟
سكت برهة يفكر... ثم رد:
_ قوليله هي وروني شادين مع بعض والموضوع زاد قدام ابوهم فاخدهم برا شوية يتكلم معاهم، كأب وبناته وشوية وعلى وصول، اوعي بس تتلجلجي قدامه ولا تبيني انك خايفة، لأحسن دا بيشم ريحة الكدب زي الكلاب البوليسي بالظبط
وفي تلك الأثناء، أتت روني وهي تحمل مفتاح السيارة وتقول:
_ يلا يا بابا بسرعة يلا
_ زي ما قولتلك يا حورية، اهدي وهانيا هترجع يعني هترجع
كانت تلك هي الجملة الأخيرة التي قالها لزوجته ثم ركب السيارة وقاد هو وبجانبه روني والتي قالت بمجرد أن انطلق والدها:
_ هنروح على فين؟ القسم؟
هز رأسه رافضًا، فسألته في استغراب:
_ ليه؟ دا مجرم اتهجم عليك وكان هيقتلك وخطف هانيا!
_ الواد دا مقهور واياكي وقهر الرجال... انا مش خايف على نفسي انا خايف على بنتي وسُمتعها وعلى اللي ممكن يتقال عليها في القصر من اللي يسوى و اللي ميسواش
فكرت في جملة والدها " اياكي وقهر الرجال " ثم تذكرت ما حدث لها من باسم بعدما ظنت نفسها قادرة عليه، وعليه سكتت لثوان... ثم قالت:
_ طب هنعمل إيه؟ حضرتك رايح على فين؟
_ رايحين نشوف راجل نتكلم معاه من عايلة الواد دا، لازم نرد على أهله باللي حصل، انتي عارفة عنوان بيته صح؟
_ اه، وكنت عارفة ان ليه عم، لان والده متوفي
_ ايوا انا بقا عايز اقابل عمه دا
_ تفتكر ممكن يأذي هانيا؟
هز رأسه رافضًا ثم رد:
_ مظنش... اللي كان في عينه قهر وظلم، الواد دا مش وحش ولا هو بلطجي ولا مجرم... اللي عمله كله نتيجة قهره، وهو لسه بيحب اختك ولو عمل فيها كدا هتكرهه فبإذن الله ميتهورش ويكون بيهدد بس ونلحقها
_ حضرتك شايف ان جياد مينفعش يعرف؟
_ لا طبعا مينفعش، وأما يتهور ويقتله ولا يعمل اي مصيبة والتاني يرد عليه، هكسب إيه أنا؟ أنا هخسر بنتي، بنتي في النص بينهم، لازم اخاف على هانيا من مجانين زيهم
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ خير خير، ان شاء الله نلحقها ونلم الدور
***********
وبعدما قطع مسافة طويلة، توقف على جنب ثم أخذ يهدأ قليلًا، وبعدها أخرج هاتفه وأجرى مكالمة... وما إن استجاب مُحدثه له قال:
_ إيه يا هاني ازيك... بقولك هقابلك ضروري علشان عايز منك مفتاح شقة والدك القديمة اللي فيصل دي... آه... عايزها شوية بس
واثناء تحدثه كانت تنظر إليه في ضيق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، جالسة بجانبه في السيارة صامتة.
انهى المكالمة ثم بدأ يقود مرة أخرى، فقالت له في ضيق:
_ واخدني على فين، وشقة إيه وقرف إيه اللي عايز تدويني عليها؟ كفاية جنان لحد هنا يا شهاب ونزلني وخليني أروح لأهلي
هز رأسه رافضًا ثم قال لها:
_ هتطلقي منه يعني هتطلقي منه
صاحت في غضب:
_ شهاب, متستخدمش نفس أسلوبه بجد، قرفت منكم، هو مفيش غير هانيا علشان تسيطروا عليها وتفرضوا عليها رأيكم يعني ولا إيه؟
_ بس انتي عارفة ومتأكدة إني مش زيه، انتي نسيتي كلامك ليا ولا إيه؟
لو انتي نسيتي فأنا فاكر، كل كلمة، كل جملة، كل حرف حتى
_ طب ماهو الأسلوب دا مش هينفع!
وفيديو إيه وعبط إيه اللي انت بتقوله دا؟
ابتسم ورد:
_ مش عايزة تظهري معايا في فيديو حلو ونشتهر جامد بعده؟
_ احترم نفسك
_ وكان عملي إيه الاحترام يعني؟ فضلت محترم نفسي سنتين ونص وفي الآخر روحتي اتجوزتي غيري!
لو كنت قربت لك، كان زمان ابوكي الخنزير دا مفرقش بينا ولا فتح بؤه معايا
_ كلامك مقرف على فكرة
رد في صوت عالي نسبيًا:
_ واللي حصل دا مقرف، جوازك من المقرف جياد، مقرف، وابوكي اللي أجبرك مقرف، والطفل اللي في بطنك دا مقرف.. كل اللي حصل مقرف وادي نتايجه، أكيد لازم تطلع مقرفة هي كمان، أصل القرف بيجيب قرف، والحلو بيجيب حلو، دي قاعدة حياتية.
توقف بالسيارة واضاف:
_ ثواني هنزل اجيب مفتاح الشقة من صاحبي وراجعلك، هقفل عليكي العربية علشان متعرفيش تهربي، ومتحاوليش بقا تهربي وتصرخي والكلام دا، انتي مع حبيبك مفيش داعي للخوف.
فك حزام الأمان، ثم ابتسم لها ونزل من السيارة ثم اغلقها كي لا تستطيع الهروب.
كانت تتبع أثره من نافذة السيارة المغلقة وهي تتمتم:
" يا مجنون يا متخلف انت"
دقائق معدودة وعاد ثم فتح الباب وبدأ يقود مرة أخرى.
واثناء القيادة، ابتسم وقال لها:
_ طب بذمتك دا شكل واحدة مخطوفه؟
فين يا بت، الصريخ والضرب والعض؟!
مفيش أي اكشن كدا؟ واضح انك خايفة مني جدا
ابتلعت ريقها وردت في ثبات رغم توترها:
_ مش خايفة لا، لاني يوم ما حبيت، حبيت راجل جدع عمره ما يعمل اللي هدد بابا بيه دا، راجل كان فعلا بيخاف عليا وبيحميني ومستحيل يأذيني، صح ولا أنا غلطانة؟
نظر إليها في المرآة ولم يرد... وساد الصمت بينهما حتى وصلا الشقة، فتح باب السيارة، ثم خرج ولف نحو الجهة الأخرى، فتح لها السيارة لتخرج، وبمجرد خروجها، سارت بجانبه في صمت وهي تنظر إلى المارة والناس فلم تكن الشقة في مكان مقطوع بل وسط أحياء، فنظرت إليه وقالت ساخرة:
_ طب اتعلم أصول الخطف الأول؟ بتخطفني في مكان مليان ناس؟
مط شفتيه في ضيق ثم رد:
_ معنديش شقة في مكان مقطوع لا انا ولا حد من صحابي، ولا حتى حد منهم عنده شقة في مزرعة!
وقف أمام الشقة وبدأ يفتحها وكانت هي تقف بجانبه تنتظر، فالحقيقة كانت تحاول بكل الطرق أن تتجنب أذاه وتكسب ثقته وتعاطفه كي تحافظ على نفسها وتعود سالمة لأهلها بأقل الخسائر، كانت تخشى محاولة الهروب او الصراخ حتى لا تصعد الأمور معه، لذلك سكتت.
دخلا، ثم غلق الباب هو، أخذت تنظر في أرجاء الشقة القديمة، فقال لها:
_ معلش هي بعافية شوية، مش زي القصر بقا، دي حاجه كدا على قد الحال
جلس على الكرسي ثم وضع ساق فوق الأخرى وكانت هي تقف بعيدًا عنه قليلًا تنظر إليه وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، فقال:
_ بالمناسبة، فرحان ان رؤيتك ليا لسه متغيرتش... معاكي حق، انا عمري ما افكر اذيكي، انا ممكن آذي الدنيا كلها بس هاجي عندك انتي واشد خط أحمر... فعلا انتي حبيتي راجل جدع، كان كله هدفه في الحياة يتجوزك بس لا اكتر ولا أقل... راجل كان بيصحى من النوم يجري على شغل الصبح وشغل الليل وشغل العصر علشان يحمع تمن شقته وشبكته ويجي يتقدم، راجل كان أما يحط راسه على المخدة، ميعرفش ينام إلا أما يفكر ازاي هيسعد هانيا، ازاي هجيب لها الجنينة الواسعة، ازاي هجيب لها الحصانة اللي نفسها فيها، ازاي هتجوزها..، راجل كان لابس دبلة في إيده اليمين من قبل اي ارتباط علشان بس يقول بيها ممنوع الاقتراب او حتى التفكير فيا انا راجل خاطب وبعشق خطيبتي دي وبجري وبسابق الزمن علشان أعجل باليوم اللي كنت بحلم بيه وهو يوم ما اجي اطلبك رسمي... وإيه اللي خدته منك بقا؟ حتة قلم على وشي كرهني في الحياة... في أسبوع واحد بس حياتي كلها اتقلبت رأس على عقب، البنت اللي بموت فيها، اتجوزت، مش اتخطبت، مش اختفت، مش زعلانة مني شوية، مش أي حاجة، لا لا دي اتجوزت، اتجوزت...
ودون ارادتها وفي تلقائية منها، نزلت دموع عيناها.... صمت قليلًا ثم قال مرة أخرى وهو يبتسم ابتسامة جانبية:
_ وحتى لو كنت ناوي اذيكي، ازاي هقدر بعد الكلام اللي قولتيه دا؟ طول عمرك بتعرفي تأثري عليا وتخليني احترمك واحترم حدودك واعملك حساب، انتي هانيا زي ما انتي متغيرتيش، هانيا اللي بتعرف تأثر على شهاب وتخليه يراجع قراراته ويخاف يكون مزعلها ويتصل يصالح فيها بالساعات ومينمش إلا أما يتأكد أنها بقت صافية وبتضحك وراضية عنه
ردت في نبرة صوت مهزوزة اثر البكاء:
_ انت فعلا كنت ناوي تقتل بابا؟
هز رأسه مؤكدًا، ثم قال:
_ وماكنتش اعرف انك هناك أصلا، ابوكي اتكتب له عمر جديد
_ كنت عادي هتقدر تعمل كدا؟
وقف ورد في ضيق ونبرة صوت عالية:
_ اه كنت هقدر اعمل كدا آه، انا حياتي بايظة ونار قلبي مش راضية تتطفي ونار الظلم والقهر اللي شفتهم قايدة وبتجري في شرايني بدل الدم.
انا كنت عملت لابوكي إيه علشان يعمل فيا؟ عملت إيه لخرا جياد دا علشان يترصد لي ويدمر حياتي وياخد مني أحلامي ويعيشها هو!
ابوكي شاف مني إيه؟ هو حتى متكلمش معايا، وأقسم بالله لو كان طلب مني إيه لكنت مرمطت نفسي وجبته علشان ميرفضنيش، بس هو راجل جعان مفكرش غير في الفلوس، قِبل ابن الزيني علشان قصره وماله و ابوه ولي نعمته وداس عليا انا ومشاعري بجذمته، شايفة الفرق بينه وبين الشيخ؟ الشيخ وافق عليا لانه كان همه سعادة بنته مش الفلوس أما ابوكي مفرقش معاه إلا الفلوس.
تنفس في عمق وتابع في نبرة أقل حدة، نبرة عادية:
_ هانيا انا ماكنتش مخطط اصلا إني اخطفك، كنت مخطط اخلص على ابوكي وبس، انتي جيتي في طريقي ومنعتيني فاخدتك، اهو أي حاجة احرق بيها دم مجدي السَّلّاب الخنزيز.
مسحت دموع عينيها وردت:
_ مشيني يا شهاب، زمان الدنيا مقلوبة عليا دلوقتي، مشيني بعد اذنك وكفاية كدا
_ لا، لا مش كفاية ومش ههدى ولا هيهدالي بال إلا أما تطلقي
صاحت في غضب:
_ قولتلك ميت مرة مش هعرف اتجوزك، افهم بقا!
_ علشان خايفة، لو قولتيلي حالا مش هعرف اتجوزك علشان بكرهك وبكره اشوف وشك، هبعد عنك، وتبقي دمرتي آخر حاجه متمسك بيها، آخر أمل ليا في الحياة
ابتلعت ريقها وردت وهي تبكي:
_ انتوا ليه بتحبوا تتغطوا عليا؟ انا عملت إيه وحش؟ حرام عليكم أروح منكم فين، الاقي الهدوء فين؟
_ مستحيل تلاقي الهدوء وسط الحرب... ابعدي عن الحرب وانتي هتلاقي هدوء... قولتيلي هبعد عنكم انتوا الاتنين وكدبتي، استحملي نتايج كدبك وخوفك بقا
_ وهتفرق معاك إيه ما أنا كدا كدا هكون بعيدة عنك؟
_ لا هتفرق وهتفرق جامد كمان، انتي كدا بعدتي عني بمزاجك، بعدتي أما اختارتي مش أما حد حدفك مع زوج وجياة انتي مش عايزاها..
اقترب منها قليلًا ثم تابع في نبرة رقيقة :
_ اسمعي يا هانيا، انتي لو اطلقتي من جياد، هتقعدي كدا كدا سنة في العدة لحد ما تولدي وبعد ما تولدي هتقعدي ٤٠ يوم نفسة او ٦٠ يوم كمان وبعدها مش هتكوني مهتمة بأي حد غير البيبي وصحته وأموره، يعني قولي سنتين علشان تقولي يا جواز، في السنتين دول هتكوني فكرتي كويس ووزنتي امورك واختارتي، انتي اللي اختارتي، سواء اختارتيني، او اختارتني ترجعي لابو ابنك او لحد تالت خالص، هيبقى اسمها هانيا اللي اختارت، مش مجدي اللي جبرها ولا جياد اللي خدها ولا شهاب اللي مش ساكت عن حقه اللي ضاع!
انتي بكدا هتكوني حسمتي الأمور كلها وبالتالي محدش فينا هيقدر يفرض نفسه عليكي، وانا وقتها مش هشوفك حقي، لاني هشوفك مختارة غيري وفضلتيه عليا.
حاليا مش عارف اشوفك غير مجبرة ومغصوبة و مضروبة ومتسيطر عليكي، ومش قادر اشوفني ولا قادر اقتنع غير بأني مظلوم وضايع حقي ومقهور واتلعب بيا من الجميع وبالتالي مش عارف اسكت.
كانت تزيل دموعها بكلتا يديها، فتابع وهو ينظر إلى حالها في شفقة:
_ هتفضلي تعيطي لحد امتى؟ إيه اللي مانعك تتطلقي؟ قوليلي، قوليلي يمكن اقدر اللي انتي فيه وابطل ابقى مصدر ضغط عليكي
كانت تتنفس مرات متتالية وصدرها يعلو ويهبط اثر البكاء والكتمان الذي ارهقها..
***********
_ ايوا يعني هما هيجوا امتى يا طنط؟ مش ملاحظة انهم اتأخروا اوي؟
تحدث جياد إلى حورية والذي مر على وصوله ما يقارب الثلث ساعة وهو ينتظر عودة زوجته وحماه الذي خرج بها هي واختها كما اخبرته حماته، وردت السيدة والتي كانت تعمل جاهدة في إخفاء خوفها وتوترها:
_ مش عارفة والله يا ابني، هما اصلا خرجوا قبل ما انت تيجي بمفيش.. انت بردو اتأخرت اوي يا جياد عقبال ما جيت
_ والله كان غضب عني، بعد ما جهزت وكنت خلاص نازل، جالي شغل كدا طاريء فاضطريت اخلصه الأول، هو اصلا موبايل هانيا هنا صح؟ انا شايفة اهو على الكرسي
نظرت نحو الكرسي ثم التفتت له وهي تهز رأسها تقول:
_ اه، هي مأخدتهوش معاها
_ غريبة، مع هانيا بتاخد موبايلها في كل حتة، دي بتبقى ناقص تحضنه وهي نايمة
_ ماهي كدا فعلا، بس جايز نسيته
_ ممكن.... طب اكلم عمي مجدي؟
_ انا لسه متصلة بيه وقالي شوية وهيجوا
سكت برهة وهو ينظر إليها يحاول أن يقرأ نظرات عيناها... ثم قال وهو يعقد حاجبيه في شك:
_ طنط هو فيه حاجة؟ هانيا معاها مشكلة او حاجة؟
هزت رأسها نافية في سرعة وهي تقول:
_ لا لا، هيكون حاصل إيه! دي مع ابوها قولتلك!
فرك أسفل ذقنه، ثم رد:
_ ما انا قصدي كدا، تكون عملت مشكلة مع ابوها ولا حاجة!
_ لا لا متقلقش
سكت برهة وهو يشعر أنه غير مرتاح، كأن قلبه يشعر بأن هناك أمور ما تحاك من ورائه... ثم قال:
_ هي هانيا جابت سيرتنا في حاجة؟ يعني اشتكت مني، قالت حاجة معينة عني لأبوها، فتحت موضوع الطلاق تاني.. اي حاجة من دي؟
_ لا يا ابني، ليه بتقول كدا بس!
_ اصل بصراحة يا طنط، وشك مش مريحني، حاسس ان في حاجة وانتي مخبياها عليا، فأرجوكي لو هي اتخانقت مع ابوها أما جابت سيرتي او طلبت منه تسبني او اي حاجة من الجنان اللي بيجي في دماغها دا، وهو خرج بيها علشان أنا اما اجي مشفهاش مثلا بتتكلم عني كدا او الأمور تكبر بينا، قوليلي، قوليلي هما فين وخليني أروح لهم، خليني اتكلم معاها وافهم في إيه
_ والله يا جياد ما في منه الكلام دا يا ابني
_ اومال إيه بس يا طنط إيه؟
_ هو زي ما قولتلك، هي واختها شدوا وهو قال يخرج بيهم شوية كأب وبناته لان كمان صوتهم علي جدا وهو اضايق ومش حابب يشوف بناته كدا، فقال هخرج بيهم ويتكلم معاهم وكدا، انا ممكن وشي غريب بالنسبالك لاني كنت مش مرجّحة فكرة انه يخرج وهو عنده علم انك جاي، محرجة منك بصراحة وخايفة تزعل منه وتفضل شايلهلنا
نظر إليها في عدم ارتياح شاردًا في كلامها يحاول موازنته في عقله..
**********
ردت عليه مرة واحدة ما إن فاض بها:
_ جياد عنده علم اننا اتقابلنا في شقة، وباسم صورك وانت خارج من اوضتي أما كنا في الجزيرة، وانا على وشك إني اتفضح وكل دا بسببك، لاني ياما قولتلك متجيش ولا تنط لي كل شوية كدا في اوضتي بس يظهر انك بتحترمني و بتحترم حدودي فعلا
حدق بها ورد في غضب:
_ الخسيس بيهددك بانه هيفضحك؟ ولسه قاعدة معاه؟ قاعدة مع شخص بيهددك و بيساومك؟
صاحت في غضب:
_ اومال انت عايزني أعمل إيه يعني، اتفضح؟
تقريبا نفسك في كدا علشان أطلق، بس خلي في علمك الشيخ مش هيرحمك، انا لو اتهزأت منهم واتهانت هيكون دا أخرهم معايا وهطلق، أما انت، انت مش متخيل هو ممكن يعمل فيك إيه، انت كدبت على بنته و دمرتها ودمرت جواز ابنه، اعتقد الشيخ هيبهدلك شر بهدلة، انت لازم بردو تخاف على نفسك زيي تمامًا
_ انا هدفع المؤخر لبنته وهطلقها والقصة بينا انتهت، ماهي عندها علم بكل حاجة ومتكلمتش
ابتسمت وردت ساخرة:
_ فكرك متكلمتش علشان سواد عيونك؟ جياد راح اتكلم معاها وقالي انه منعها تتكلم، معرفش ازاي بس هو قالي كدا، يعني ماهي لو ساكتة فهي ساكتة علشان جياد اللي مسكتها، أما تخيل بقا هما الاتنين يتفقوا ضدنا؟
ابني ممكن ياخده مني
_ ابنك في حضانتك
_ لو قال اني ام مش كويسة وهو على اتم الاستعداد يعمل كدا، وأثبت بشكل او بأخر إني قابلتك برا ولسه على صلة بيك، حضانتي هتسقط بحكم القانون
_ وهو ليه يعمل كدا؟ كل دا علشان واحدة عايزة تطلق منه؟
اسمعي يا هانيا، انتي هتنفصلي عنه ومش هتتجوزيني لا انا ولا غيري لمدة طويلة، انتي هتفضلي سنتين مستقلة، سنتين كتير، هيكون هو عمل موف اون، عرف غيرك بقا، لم نفسه، اي بلا ازرق ممكن يحصل خلال السنتين دول، وكذلك أخته هتكون نارها هديت ونسيت وبقت في حالها... الزمن قادر ينسي ويطفي نيران كتير قايدة
ردت وهي تهز رأسها بالنفي:
_ خلال السنتين دول، جياد هيكون بيعمل كل اللي يقدر عليه علشان نرجع لبعض وكل شوية هلاقيه ناطط لي بحجة ابنه وكمان اهلي هيضغطوا عليا علشان ارجع علشان ابني، فأنا بوفر المسافات عليا والمجهود
رد ساخرًا:
_ وانتي مش هتعيشي حياتك كلها مع شخص مش بتحبيه، شخص حقير زي دا علشان خاطر ابنك اللي هو جابه بالغصب دا؟
هانيا انتي أقوى من كدا، انتي صاحبة قرارات طول عمرك، هانيا اللي اعرفها قوية مش بتتنازل عن حقها، جياد الزيني مجرم ولازم يتعاقب...
زهقيه، امنعيه، ارفضيه، اقرفيه، تجاهليه، خليكي باردة معاه لحد أما يزهق والعلاقة تبرد ويلاقي ان مفيش منك رجا ويطلقك، الراجل منا مهما كان بيحب اللي قدامه بس مصيره يزهق و يتخنق، اعملي دا مقابل حريتك يا هانيا و...
قاطعته قائلة:
_ هو انت ممكن تتهجم على بابا بالشكل دا تاني؟ ممكن تحاول تقتله تاني؟
زفر في ضيق ورد:
_ معتقدش ان المرة الجاية المحاولة هتكون في ابوكي، اعتقد بعد اللي عمال اعرفه واسمعه عن ابن الكلب المغتصب دا، وهو شكله هيكون هو المرة الجاية وان شاء الله مش هتكون مجرد محاولة، هي تبقى مرة وتجيب أجله ونخلص
صاح في ضيق:
_ في إيه ماله بجد؟ عمال يهدد ويضغط ويذل فيكي ليه؟ هو واخدك من قدام الحرم المكي؟ ماهو عارف انك كنتي مرتبطة و بتعشقيني عشق، وكان شاهد على قصة حُبنا وعلشان كدا عمره ما حبني مهما قدمت ومهما كنت مجتهد في شغلي، ومع ذلك كرامته ممنعتهوش يفرق بينا ويفرض نفسه عليكي...عامل زي التهم اللي بتتحدف على دماغ البني آدم بجد
كانت تسمعه وتسمع كلماته الفظة ونبرة صوته الحادة ورن في اذنها تهديده الصريح تزامنًا مع تذكرها التهديد ذاته من قِبل جياد، فكلًا منهما يود قتل الآخر، لذا فكرت مرة أخرى أن تبتعد عن الجميع ناجية بنفسها وبطفلها وحسب...
************
_ والله يا أستاذ مجدي أنا معرفش هو راح فين ولا بيعمل إيه، واللي انت قولته دا كله مفهوم طبعا وحقك تزعل وتدايقك، بس...
تحدثت سحر والدة شهاب، إلى مجدي والد هانيا والذي أتى حتى منزلهم واشتكى لوالدته عم صدر من ابنها، وقاطعها الرجل، يقول:
_ انا كدا كدا مش جاي اشتكي لست، هي اساسا ملزمة منه، أنا عايز كبيره، عايز راجل اتكلم معاه وإلا أنا هعمل محضر في ابنك انه اتعدى عليا وخطف بنتي كمان، وافتكري اني لحد دلوقتي مسالم بعد اللي صدر من ابنك علشان بس سمعة بنتي، واعتقد انتي كمان يهمك بيت وجوازة ابنك تكمل،فلو سمحتي دليني على كبيره
تدخلت روني قائلة:
_ سمعت ان ليه عم، ممكن تدينا رقمه او عنوانه؟ وياريت عنوانه لان الكلام لازم يكون face to face افضل
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ ماشي هديكم رقم عمه، بس بالله عليكم بلاش اقسام وبوليس وفضايح وانا اوعدك يا أستاذ مجدي، إني هخلي ابني يبعد عنكم خالص وعن بنتك وان دي آخر مرة يتعدى فيها عليكم، سماح المرادي
_ أما نشوف اخرتها ايه مع ابنك دا يا مدام سحر، انتي فعلا نسيتي تربي او يمكن غياب والده اوهمه إنه ملوش كبير ومن حقه يتكلم ويبجح ويفكر انه له حق في بنتي المتجوزة الحامل!
انتي عارفة كويس هي مرات مين ولو جوزها درى باللي حصل دا هيهد الدنيا
هزت رأسها رافضة تقول في ترجي:
_ لا لا ارجوك نحلها ودي بالله عليك المرادي، معلش اعتبره زي ابنك عيل وغلط ارجوك
_ السماح دا هيبقى بناء على حاجة واحدة وهي ان بنتي ترجع سليمة وفعلا الاقيه حل عنها وعن سماها، أما لو لمس منها شعرة واحدة بس هوريه النجوم في عز الضهر، اديني بسرعة عنوان عمه دا، خليني اتكلم مع راجل ليه
وبالفعل أعطته العنوان وانصرف هو وابنته، بينما هي نظرت إلى بنتيها وصاحت في حسرة:
_ آه منك يا شهاب آه، آه يلي هتحسر أمك عليك، الواد بيخرب على حياته، بينخرب على دبور عيشه، عايز يقهرني عليه عايز يموتني من حزني عليه
اقتربت منها وعد وبدأت تربت على ظهرها، تقول:
_ معلش يا ماما معلش، لازم نتكلم معاه تاني، ولازم يخرج هو ومراته من القصر الملعون دا ويبعد عن هانيا دي خالص و ميشفهاش ولا يقابلها حتى
وكذلك أكدت شاهندا وهي تقول:
_ بالظبط، اهو برن عليه، بس بيديني مغلق
لترد الوالدة في حزن:
_ يا ترى فين اراضيك يا ابني!
***********
_ ممكن امشي لو سمحت؟
تحدثت هانيا في ترجي والدموع تملأ عينيها، ليرد الآخر في ابتسامة خفيفة:
_ فكرة يا هانيا أول مرة قابلنا فيها بعض؟
شرد يتذكر لدقائق معدودة:
قبل سنتين ونصف
توقفت سيارة أجرى أمام شركة الزيني الكبيرة، فخرج شهاب منها وبدأ يمشي بضع خطوات وهو يحمل ملف التوظيف الخاص به في يده، توقف لحظة ثم بدأ ينظر إلى يفطة الشركة ليقرأ في ابتسامة " Al Zeiny Company " فكم كان يتمنى أن ينضم إلى هذه الشركة طيلة حياته وسعى كثيرًا حتى يتم قبوله فيها.
بدأ يسير في حماس نحو مدخل الشركة وأثناء سيره، سمع صوتها وهي تبكي، لفت انتباهه صوت البكاء لذا نظر نحو الصوت، فإذ بتلك الفتاة الجميلة الناعمة تدور حول نفسها تحملق في الأرض وتبكي عيناها، فهم أنها تبحث عن شيء ما، ربما فقدت شيء ما يهمها إلى تلك الدرجة، وعليه اتجه نحوها وهو يقول في قلق:
_ آنسة انتي كويسة؟
رفعت رأسها له وردت وهي تهز رأسها بالرفض:
_ لا
_ ليه بس مالك؟
ردت وهي لا تزال تبحث بعينيها:
_ وانا جاية الشغل وقع مني العقد بتاعي، كان غالي عليا جدا، غالي قيمة و تمن بجد، حقيقي زعلانة عليه من كل قلبي
اقترب منها ثم وضع بين يديها الملف الخاص به وهو يقول:
_ امسكي دا طيب كدا
ثم بدأ يبحث لها عن العقد والشمس حارقة ساطعة فوق رأسه.
نظرت إلى ما بين يديها فعلمت انه ملف التوظيف الخاص به، قال لها في صوت مسموع:
_ آنسة روحي اقفي في الضل انتي، الشمس حامية عليكي وانا اهو بدور عليه، هلاقيه متخافيش
وبالفعل تحركت نحو شجرة كي تختبئ تحت ظلها هاربة من أشعة الشمس الحارة، ولم تغفل عيناها لحظة واحدة عنه وهي تراه يبحث في كل مكان متحملًا أشعة الشمس القاسية.
وقالت لما شفقت عليه:
_ خلاص مفيش داعي متتعبش نفسك
لم يرد عليها واستكمل البحث... حتى وجده، فأمال والتقطه وقال في ابتسامة:
_ آنسة هو دا؟
أقبلت عليه في خطوات سريعة وهي تبتسم وتقول:
_ ايوا ايوا هو
أخذته منه ثم فرحت للغاية وابتسمت ابتسامة عريضة وقالت له في امتنان:
_ حقيقي شكرا جدا يا....
_ شهاب، شهاب مظهر
_ شكرا جدا يا شهاب يا مظهر
ردت في ابتسامة، ليجيب الآخر في ابتسامة أيضًا:
_ العفو على إيه يا....
_ هانيا، هانيا السلاب
_ العفو يا هانيا، يا هانيا يا سلاب
أخذ منها ملفه واثناء سيره قالت في صوت مسموع:
_ بالتوفيق ان شاء الله في الانترفيو
توقف لحظة ثم التفت لها وقال:
_ شكرا يا هانيا
وعقب مرور نصف ساعة، كان ينزل الدرج راحلًا، فرأته وفي الحقيقة هي كانت تنتظره ومن وقت لآخر كانت تأتي أمام الغرفة لتعلم إذا انتهى من مقابلة العمل وتم قبوله أم لا.
ونادت عليه فتوقف، لذا اقتربت منه حتى وقفت قباله وقالت في ابتسامة:
_ اتقبلت الحمدلله صح؟
هز رأسه نافيًا، فسألته في حزن:
_ لي بس كدا؟
_ قالولي انت مش منضبط في مواعيدك، علشان اتأخرت نص ساعة على معاد الانترفيو ودا كان سبب رفضهم ليا
شعرت بالحرج الشديد وردت في نبرة مليئة بالكسوف:
_ دا بسببي صح؟ أنا اللي عطلتك بسبب العقد بتاعي اللي ضاع، انت كان لازم تطلع و تفكك مني
ابتسم ورد:
_ عادي يا آنسة هانيا، حصل خير عامة مفيش حد بياخد رزق حد، وانا رزقي مش في الشركة دي، الارزاق على الله.. عن اذنك
انهى كلامه وذهب......
وعقب مرور يوم واحد وفقط تم الاتصال به من قبل من أجرى معه المقابلة وتفاجأ به يقول له انه تم قبوله في شركة الزيني ويمكنه الانضمام إليهم من بداية الأسبوع.
وبالفعل استعد وذهب وهو لا يفهم كيف تم قبوله بعدما تم رفضه علنًا وعندما وصل، قابلته هانيا في ابتسامة وهي تقول:
_ حمد لله على السلامة، وكمان مكتبك بقا في وش مكتبي، صدفة خطيرة انك مقدم على تسويق واني انا اللي ها support معاك لحد أما الأمور كلها توضح، لو احتاجت اي حاجة انا معاك، اي حاجة واقفة معاك في الشغل ارجع لي
_ استني بس، أنا اصلا مش عارف اتقبلت ازاي! كنت لسه هدخل اسأل ال HR على اللي حصل
ابتسمت وردت:
_ أنا اتوسطت لك وخليتهم يقبلوك
رد في ابتسامة خفيفة:
_ انتي بنت صاحب الشركة ولا إيه؟
ضحكت ضحكة خفيفة وردت:
_ حاجة زي كدا... أنا يا سيدي بنت صاحب صاحب الشركة واختي الكبيرة تبقى خطيبة ابن صاحب الشركة
_ واو، لا واسطة جامدة دي
_ شفت بقا!
روحت للي عملت انت معاها الانترفيو وقولتلها ان سبب تأخيرك أنا، لاني انا اللي عطلتك وقولتلك دوّر لي على العقد وأكيد الرفض مش جزاء للشهامة!
تنفس في هدوء ثم رد:
_ شكرا جدا ليكي يا آنسه هانيا، حقيقي أنا ممنون، ومبسوط أكتر انك انتي اللي هتكوني موجودة معايا وهتدعميني لو احتاجت حاجة في الشغل
ردت في ابتسامة:
_ طب يلا روح على مكتبك بقا وأبدأ شغلك بلاش عطلة
وفي المساء، بينما هو منغمز في عمله، جاءت له وقالت:
_ احنا هنجيب أكل، تحب تاكل معانا؟
_ اه، احب، هتطلبوا إيه؟
_ تحب تاكل إيه؟
_ انتي هتاكلي ايه؟
ابتسمت وردت:
_ شاورما
_ خلاص اطلبي لي معاكي شاورما بردو
ابتسمت وفي تلقائية نظرت إلى يداه، فابتسم وقال:
_ لا مش خاطب ولا مرتبط عامة
أحمر خدها وشعرت بالاحراج وعليه لم ترد بل ذهبت في صمت وخطوات سريعة، تتبع أثرها وهو يبتسم معلنًا هو الآخر إعجابه بها ومن هنا بدأت قصة حبهما...
خرج عن شروده وهو يبتسم فكانت هي تزيل دموعها في صمت فقال في نبرة صوت هادئة:
_ فاكرة العقد؟ فاكرة ازاي كنتي بتعيطي من الحر وانك مش لقياه؟
_ شهاب ارجوك كفاية، أنا مش عايزة انتكس تاني، مش عايزة ارجع افكر في حاجة ارجوك، أنا ست متجوزة دلوقتي انا مش هانيا بتاعت زمان ولا انت حتى شهاب بتاع زمان انت بقيت راجل متجوز بردو
تنهد ورد:
_ انتي ادتيني اهتمام وحب ومشاعر يخلوني معرفش انساكي ولا استعوضك عند ربنا بسهولة، خصوصا وانا شايفك مجبورة و مغصوبة على الجواز دا...
اقترب منها بضع خطوات وتابع:
_ فاكرة كنتي ازاي بتهتمي بيا؟ فاكرة الساعات اللي كنتي بضيعيها معايا وأما اقولك هو معقولة مكرسة وقتك كله ليا، كنتي بتقوليلي أنا كلي ليك مش بس وقتي؟ فاكرة ولا نسيتي؟
انتي حبتيني حب عمري ما اتحبيته قبل كدا، انتي اللي عرفتيني معنى الحب اصلا، انتي اللي علمتيني معنى جديد للحياة.. انا كانت حياتي كلها عبارة عن مسؤوليات وضغوطات، شايل المسؤولية من وانا عندي ١٦ سنة ومعرفش إيه موجود تاني في الحياة غير الهم والشقا، جيتي انتي بكلامك و حنيتك و ابتسامتك الحلوة عملتي لحياتي طعم ولون و...
صرخت في غضب شديد لدرجة برزت عروق رقبتها:
_ بس بس بقا كفاية كفاية كفاية، الرحمة الرحمة بقا الرحمة
ليصرخ الآخر في نفس الغضب:
_ ليه قبلتي تتجوزيه، ليه؟
لو كنتي رفضتي كان ابوكي هيعلقك على حبل المشنقة يعني؟
حتى ان رفضني شوية وكانت الأمور هتتحسن و هيوافق و...
قاطعته صارخة:
_ هربت، هربت من نفسي وضعفي، هربت منك، هربت من شيطاني، ماشي أنا ضعيفة وجبانة وغبية خلاص؟ ارحموني بقا
صرخ في ضيق:
_ هربتي مني ليه؟
لترد في نفس الصراخ:
_ علشان خفت اضعف، خفت اسلم لك نفسي في الحرام...
تنهدت وهي تهز رأسها بالايجاب:
_ ايوا متستغربش كدا، انا حبيتك لدرجة اني كنت ممكن اعمل كدا عادي، انت متعرفش تأثيرك كان قوي عليا ازاي، وانا عمري ما اسمح لنفسي اني ابص في المراية واقرف مني ومن تصرف زي دا
_ وليه افترضتي السوء؟ مين قالك اني كنت هلمسك بدون جواز؟ هل صدر مني اي تجاوز لحدودك واحنا مرتبطين؟
هزت رأسها رافضة، فتابع في ضيق:
_ اومال ليه عملتي كدا؟ ليه فكرتي كدا؟
_ علشان الممنوع مرغوب، وعلشان بابا ينسالي موقف زي دا كنا هنحتاج على الأقل سنتين كمان.. وعلشان بابا هيركز معايا ومع خروجي ومع تصرفاتي بعد كدا و هيخنقني لأقصى درجة، وعلشان أنا عارفة ان انا وانت مكناش هنستحمل كدا، مش هنستحمل نبعد عن بعض كل دا، فخفت يجي في دماغي اي حاجة غلط...
سكتت برهة وتابعت في نبرة مليئة بالتوسل:
_شهاب ارجوك ارحمني وخليني أروح، انا خفت و اضغطت وكل حاجة اتعملت معايا، ماكنش فيه قدامي غير أسبوع، مفكرش كتير، هو، هو دا اللي جيه في دماغي بس وقتها، أنا..أنا..أنا آسفة بس أنا أنا مش عارفة، مش.. مش
ولما رأى حالتها تسوء أمامه وجسدها يرتجف والتلعثم سيطر على طريقة حديثها، قال:
_ طب خلاص اهدي اهدي.. أمسحي دموعك وكفاية عياط
_ مشيني، انا عايزة أمشي
_ حاضر، هطلب لك اوبر دلوقتي يرجعك لحد بيت ابوكي، و هخلي صاحبي يرجع عربية ابوكي البيت بردو، بس اهدي، اعملك ليمون؟
هزت رأسها رافضة وقالت:
_ العربية قدمها قد إيه وتوصل؟
_ استني هفتح الموبايل اهو وهطلب لك
وبالفعل فتح الهاتف فوجد عدة محاولات للاتصال به من قِبل أمه وعمه، ولكنه تجاهل ذلك وبدأ يطلب لها.
*********
_ انا مقدر غضبك جدا يا أستاذ مجدي وفعلا بعتذرلك بالنيابة عن ابن اخويا واوعدك ان دا مش هيتكرر تاني
تحدث جمال مظهر عم شهاب إلى مجدي والذي أتاه شاكيًا من ابن أخيه وما صدر منه من هجوم واختطاف، ليرد مجدي في ضيق:
_ كنت لسه عند والدته واخدت منها عنوانك وقولتلها بوضوح، ان دي آخر مرة للسلام والود، ولو ابنكم عمل أي حاجة تانيه غلط في حقي ولا في حق بنتي، ميلمش إلا نفسه لاني هفضحه وهبلغ عنه
_ طبعا حقك، حقك يا أستاذ مجدي، انا والله هتكلم معاه وهشد عليه جامد، اللي عمله غلط وغلط كبير ومفيش واحد محترم ابن ناس يعمل كدا ولو كان ابوه الله يرحمه عايش وشاف عمايله دي كان ضربه زي العيال الصغيرة
_ أما نشوف يا أستاذ جمال اخرتها ايه مع ابنكم دا، انا بنتي متجوزة وحامل وغلط اللي هو بيعمله دا وعيب!
_ أكيد أكيد طبعا...
سكت لحظة وهو ينظر إلى هاتفه وقال:
_ استنى اهو فتح تليفونه
_ طب رن عليه بسرعة
وبالفعل بدأ عمه يتصل به، ليستجيب الشاب وهو يقول:
_ ايه يا عمي؟
_ عمى الدبب، إيه ياض اللي انت عملته دا؟ بقا رايح تتهجم على راجل في سن والدك في قلب بيته و تخطف بنته؟ انت بلطجي يالا؟ من امتى يا ابن يحيى مظهر؟
امك كانت بتتفشخر بيك وتقول ابني الحيلة الوحيد المتربي في العايلة، جرالك إيه يا حيلة يا نيلة انت!
_ عمي، قصره متعملش نفسك هامك علينا بس بالله عليك
_ لا يا أخويا أنا همي على شكل العايلة اللي انت رايح تحط سمعتها وشكلها في الطين، البت فين؟ هانيا الزيني فين؟
_ مسمهاش هانيا الزيني، اسمها هانيا السلاب
_ فين هي؟
_ في طريقها لعند بيت أبوها
انهى كلامه وأنهى المكالمة أيضًا، فتظاهر العم بأنه لا يزال يحدثه، فقال:
_ طيب، ماشي.. يلا سلام
زفر مجدي في ضيق وسأله:
_ قالك إيه؟
_ قالي انه ساب البت وان في طريقها ليكم
_ بجد؟
_ اه والله
قال في سرعة:
_ يلا يا روني يلا بسرعة
وبالفعل خرجا على الفور...
***********
نظر إليها شهاب بعدما وضع الهاتف في جيبه وقال:
_ خلاص العربية وصلت، توصلي بالسلامة
هزت رأسها موافقة، أعطاها المفتاح، أخذته واقتربت من الباب.. واثناء سيرها توقفت برهة.. ثم التفتت له وقالت:
_ لو أنا فعلا كنت معلماك ازاي تحترم حدودي و تحترمني أنا شخصيا، اوعدني دي تبقى آخر مرة تعمل معايا عمايلك دي، اوعدني انك متفضلش تنط لي في اوضتي ولا تضغط عليا بالشكل دا، اوعدني انك مش هتتهجم على بابا تاني ولا هتعيشني الرعب اللي عيشتهولي دا تاني، بسببك جياد عارف يضغط عليا، بسببك باسم قدر يمسك علينا صورة ويهددني، بسببك أنا عايشة مرعوبة في القصر ومش عارفة ارتاح
نظر إليها ثواني دون كلام... وسقطت دمعة من دموع عينيه والتي كانت متعلقة بين رموشه، وقال:
_ اوعدك...
_ شكرا ليك
تابعت سيرها ثم فتحت الباب وخرجت، بينما هو ارتمى على الكرسي في محاولة للصمود قبل الانهيار وحدث نفسه:
" اوعدك إني مش هعمل اي حاجة تانية تأذيكي يا هانيا"
**********
_ لا كدا اوفر، اتأخروا اوي أوي يا طنط حورية!
تحدث جياد، ثم بدأ يتصل بحماه والذي رد قائلًا:
_ إيه يا حبيبي
_ إيه يا عمي، عمال اتصل بيك مش بترد ليه؟
_ معلش التليفون كان سايلنت وانا مسمعتش، احنا عامة راجعين كلنا اهو متقلقش
_ هانيا كويسة صح؟
_ اه يا حبيبي هانيا كويسة وتقريبا صالحتهم على بعض هي واختها يعني، معلش إني مستنتكش بس انا اتجننت أما لقتهم شادين مع بعض كدا والجيران كانوا قربوا يسمعوا صوتنا فقلت لازم اخدهم برا شوية
_ حصل خير، يلا مستنيكم
انهى المكالمة معه وهو غير مقتنع تمامًا بما قيل له... وتحدث صوته الداخلي:
" في حاجة بتحصل من ورايا ولازم اعرفها"
ثم اتصل على أخته، فاستجابت له في المرة الثالثة قائلة في نبرة حادة:
_ خير؟
_ جوزك فين؟
_ معرفش
_ يعني مش عندك؟
_ لا مش عندي ومعرفش فين، بتسأل ليه؟
_ ماهي لو كنتي هتقعديلي البتاع دا علشان يقرفني ويرازي فيا وتجهلي تحركاته و تصرفاته، انا هيكون ليا تصرف عنيف وقوي مش هيعجب حد في القصر واولهم انتي.
انهى كلامه ثم انهى المكالمة دون أن يسمع ردها وبدأ يفكر... خرجت حورية من المطبخ وهي تحمل له كوب القهوة وقدمته أمامه وهي تقول:
_ اشرب قهوتك لحد أما يجوا طيب
_ حاضر هشربها حالا تسلم ايدك
ابتسمت وجلست على الكرسي، وسألته في استغراب:
_ هو إيه آثار الجروح اللي في وشك دي؟
_ لا دي حاجه بسيطة.
عاركة كدا كانت دايرة بيني وبين جوز اختي وعدت على خير بأقل الخساير الحمدلله
ابتعلت ريقها وردت في توتر:
_ قصدك شهاب؟
_ هو فيه غيره!
_ طيب...طب...طب ليه اتخانقتوا؟
_ راجل وسخ... متشغليش بالك انتي يا حماتي
_ عمل حاجة لماهي ولا إيه؟
سكت برهة...ثم رد وهو يهز رأسه بالايجاب:
_ حاجة شبه كدا...
نظر إلى ساعة يده وقال في ضيق:
_ معقول كل دا بيجوا؟ هما جايين على جمل ولا إيه!
********
وكانت هانيا تجلس في المعقد الخلفي من سيارة الأجرة تسند رأسها إلى النافذة شاردة، وتذكرت موقفًا قد حدث منذ سنة....
قبل سنة
_ تعالي يلا ادخلي
تحدث إحدى صديقاتها وهي تسحبها من يدها وفي الجهة الأخرى كان هاني ( صديقها وصديق شهاب) يسحبها أيضًا حتى دخلا بها مكان مجهز ومحجوز للاحتفال، أزالت الفتاة عن عينها القماشة ففتحت هانيا وأخذت تتطلع إلى جمال المكان في ابتسامة عريضة، وقالت:
_ الله، المكان تحفة اوي، مين جهزه انتوا؟
هز هاني رأسه رافضًا وقال:
_ لا يا ستي مش احنا، دا حبيب القلب هو اللي جهزه... اهو واقف وراكي
التفتت سريعًا فوجدته يقف وهو يبتسم، فركضت نحوه وهي تفتح ذراعيها الاثنين على مصرعهما كي تحضنه، فاحتضنها وهو يرفعها عن الأرض وطاف بها شبه دائرة، ثم انزلها، فسألته وهي تتشبث بعنقه:
_ انت عملت لي كل دا؟
_ ولو أطول اعمل اكتر هعمل
_ بس بمناسبة إيه؟
_ بمناسبة انك اتريقتي في الشغل وبقيتي اجمل وأحلى senior شافتها عيوني
ابتسمت ابتسامة عريضة وعيناه تلمع بالحب والسعادة تكسو ملامح وجهها، ثم وضعت قبلة صغيرة على خده، فابتسم الصديقان وبدآ يصفقان لهما وهما يشجعان ما يحدث.
تذكرت أيضًا أنه بعدما انتهى الاحتفال، سألته وهي تسير بجانبه في الشارع وتحمل باقة الورود التي اشتراها لها:
_ ممكن أسألك سؤال؟
_ من غير استئذان
_ اتفاجئت اوي من حركتك دي بصراحة... امبارح كنت بكلم واحدة صاحبتي ولقتها مدايقة وأما سألتها عرفت انها انفصلت عن حبيبها والسبب انه أما عرف انها هتبقى معيدة في الكلية بتاعتها، غار منها جدا ومن نجاحها وبدأ يقلل منها ومن طموحها.. وأنا فكرت في الموضوع وسألت نفسي يا ترى شهاب حبيبي اللي اختارته يبقى جوزي هيحب يشوفني ناجحة ولا هيحقد عليا حتى لو غصب عنه؟
سكتت برهة وتابعت في ابتسامة وهي تنظر إليه:
_ سبحان الله، الإجابة جاتلي النهاردة وبشكل عملي، علشان ارتاح تماما واتأكد إني اختارت صح، اختارت فعلا شخص مثالي مفيهوش غلطة
_ لا يا هانيا، انتي غلطانة انك فكرتي فيا كدا الأول... هانيا أنا أول يوم شفتك فيه كنتي بتعيطي زي الأطفال من الحر اللي بهدل بشرتك والميك اب بتاعك وانتي عمالة تدوري على العقد في كل حتة.. انا وقتها مقدرتش استحمل عياطك وحوستك دي، ونسيت اصلا ان عندي معاد انترفيو وبدأت ادور ومن يومها وانا شايفك مسؤوليتي، انا اتعودت دايما اني اشيل مسؤولية اخواتي البنات وبفرح اوي لو واحدة منهم نجحت او عملت حاجه حلوة وفخورة بيها في حياتها.. فمن اول يوم وانا شايفني مسؤول عنك وبفرح لفرحك وبزعل لزعلك وبفخر بفخرك، بحسني اب ليكي قبل ما اكون حبيب، لاني كنت اب لاخواتي بردو..
توقف عن السير، فتوقفت وتابع وهو ينظر إلى عينيها ويبتسم:
_ هانيا، أنا هفضل دايما فخور بيكي وفخور بأقل انجازاتك.
اللي بيحب حد بجد بيفرح من قلبه أما يشوفه فرحان، وانا حبي ليكي تعدى الحدود من زمان....
" وصلنا"
قالها السائق، ليجعلها تخرج عن شرودها سريعًا وهي تلتفت حولها في توهان وسألته:
_ إيه؟
_ إيه إيه، وصلنا يا مدام!
نظرت من النافذة فوجدت منزل والدها، وعليه استوعبت أخيرًا.
دفعت له وخرجت من السيارة.
ظلت واقفة قليلًا تنظر إلى المنزل في صمت... وفي تلك الأثناء سمعت صوت والدها واختها وهما يركضان ناحيتها وينطقان اسمها، التفتت إليهما، فما لبثت، حتى وجدت نفسها داخل حضن روني والتي كانت تقول:
_ حبيبة قلبي، حمد لله على سلامتك، انتي كويسة؟
وكذلك قال والدها:
_ هانيا، انتي بخير؟ فيكي حاجه يا بنتي؟
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ انا كويسة متقلقوش
ليقول والدها في ضيق:
_ عمل إيه فيكي ابن الكلب دا؟
_ متخافش يا بابا معملش حاجة كان بس هدفه يهدد حضرتك و يخوفك عليا، لف شوية بيا بالعربية وبعدين انا قولتله الزم حدك واحترمني واحترم حدودي وهو وعدني بكدا، وعربيتك هيرجعها مع صاحبه
ضمها إلى صدره ورد في ارتياح وهو يمرر يده على شعرها:
_ طب الحمدلله يا حبيبتي، الحمدلله انك بخير وانها جت على قد كدا، يلا ندخل البيت بقا جوزك مستني بقاله كتير، وهقولك هتقوليله إيه لو سأل...
وبالفعل دخلوا، فقام لهم جياد ولكن ملامح وجه زوجته لم تريحه.
اقترب منه مجدي وضمه إلى صدره وقال وهو يربت على ظهره:
_ عامل إيه يا جياد يا حبيبي
_ بخير يا عمي والحمدلله
ابتسمت حورية وقالت لابنتها:
_ تعالي يا هانيا اقعدي جمب جوزك واقفة عندك بتعملي إيه!
اقتربت الفتاة في صمت ونفذت كلام والدتها، وبمجرد جلوسها نظر إليها جياد ليتفحصها جيدًا محاولًا أن يفهم ما يحدث دون علمه... ثم التفت إلى مجدي وقال:
_ الوقت اتأخر يا عمي، استأذنك بقا هنمشي احنا
_ يا ابني ملحقتش اقعد معاك!
_ مرة تانية تتعوض... هانيا شكلها تعبانة ومحتاجة تروح علشان ترتاح.
وقف ثم تابع:
_ يلا نستأذن إحنا وكمان علشان انتوا تناموا
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ ماشي يا ابني اللي تشوفه
ودعهم جميعًا ثم التفت إلى زوجته وقال:
_ يلا يا هانيا؟
هزت رأسها موافقة وخرجا معًا...
تحدث مجدي إلى زوجته عقب خروجها:
_ صدقك؟
_ ماكنش بالع الكلام لا، كنت حاسة ان عيونه جواها شك وأسئلة كتير وكان قاعد مش مرتاح خالص
تدخلت روني قائلة:
_ اصل أي حمى دا اللي هيعرف ان جوز بنته جاي يتغدا معاه ويخرج ويسيبه؟
جياد مش غبي، وهو كمان يا بابا عارف انك بتحبه جدا، فازاي مش هتكون في استقباله!
زفر في ضيق ورد:
_ ربنا يستر بقا وتيجي على قد كدا، اهو الكدبة اللي خطرت على بالي وقتها، ماكنتش عارف افكر أكيد وبنتي مخطوفه
_ صحيح جبتوها ازاي يا مجدي؟
_ هو الافندي سابها، بس انا كدا كدا رديت على أهله، عمه وأمه وهما وعدوني انه مش هيتعرض لها تاني، أما نشوف اخرتها..
التفت إلى ابنته وسألها في استغراب:
_ هو انتي متخانقة مع يزيد؟
هزت رأسها رافضة وردت:
_ لا يا بابا
فتابع:
_ اومال في إيه؟
_ هو حضرتك مش عايزني ابات عندكم ولا إيه؟
_ ايوا طبعا مش عايزك تباتي عندي، بيتي مفتوحلك أما يكون جوزك مزعلك او في حاجة حصلت معاكي، لكن ميرضنيش طبعا انك تسيبي بيتك وجوزك كدا وخلاص بلا أي سبب!
_ نفسيتي تعبانه شوية ويزيد قابل عامة
_ إيه نفسيتك تعبانة دي!
من إيه؟
_ بعدين هفهمك
_ بلاش دلع، مادام مفيش حاجه حاصلة ارجعي لجوزك يلا، هو الراجل متجوز علشان تسبيه وتيجي تنامي في بيت ابوكي ولا علشان تنامي في حضنه!
تدخلت والدتها متفقة وهي تقول:
_ والله دا اللي كنت بقولهولها، وياعيني الواد متشحطط معاها، وكل يوم يجي ينام هنا
_ لا لا غلط كدا، يلا يا حبيبتي لمي حاجاتك واتصلي على يزيد يجي ياخدك وارجعي بيتك، ربنا يهديكي
_ طب خليني امشي بكرة، معلش يا بابا مش مستحملة ارجع دلوقتي بجد مش مستحملة
انهت كلامها وخطت خطوات سريعة نحو غرفتها هاربة من والدها واسئلته، فتحدث في تعجب:
_ مالها دي! بناتك مالهم يا حورية اتجننوا ولا إيه؟
_ شكلهم كدا... المهم سيبك من روني دي دماغها شبه فردة الجزمة وقولي، اتأكدت ان اللي اسمه شهاب دا مأذاش البت؟ ليكون لا قدر الله مسك عليها فيديو كدا ولا كدا علشان يهددها تتطلق وهي مخبية ومش عايزة تقول من خوفها، ما انت عارفها خايبة
_ وأنا هتأكد منين؟ بس فيه مؤشرات ايجابية.. مفيش مكان يقدر يعمل فيه كدا، الوقت اللي اتخطفت فيه ورجعت فيه قليل مش هيلحق يكون عمل حاجه، شكل هانيا، يعني اعتقد لو واحدة اتعرضت لاعتداء مهما حاولت تخبي الذعر هيكون باين عليها، أما هي عادية اهي، شكلها بيقول انها متعاطفة معاه أصلا!
_ منه لله عايز يخرب عليها، اللي يتخرب بيته ونسمع خبره قريب، مفيش لا دم ولا كرامة!
البت حامل، حامل ياللي مبتفهمش
_ خلاص بقا يا حورية أنا مصدع والدم هربان من عروقي بسبب الرعب اللي عشناه دا، هروح ادخل أنام ارتاح.
**********
وصلا القصر، وسبقته هي قليلًا وبمجرد أن دخلت الغرفة، بدأت تنزع ملابسها في قليل من الضيق.
دخل الآخر وسألها وهو يبدل ملابسه:
_ هو فيه حاجة؟
_ لا
_ لا فيه، وشك مش طبيعي!
ردت وهي تتجه نحو السرير تعده كي تنام:
_ مفيش حاجة، مدايقة بس شوية بسبب مشاكل مع روني
_ ليه إيه حاصل بينكم؟
_ عادي موضوع كدا خاص بينا كعايلة شوية
_ اتصالحتوا يعني والأمور بقت تمام؟
_ اه الحمدلله إلى حد كبير يعني
_ طب الحمدلله
بدأت تنام، وهي تولي لمكان نومه ظهرها.
جلس على السرير وتحدث وهو يضع يده على كتفها:
_ انتي هتنامي ولا إيه؟
_ اه هنام تصبح على خير
_ وهيجي منين الخير دا بس، طول ما انتي مدياني ضهرك!
لم ترد عليه، فضمها كما هي من ظهرها بقوة وبدأ يمرر أصابعه على بطنها، فقالت:
_ لا يا جياد أنا تعبانة
لم يرد، بل بدأ يوزع قبلاته على عنقها في هدوء، فتابعت في غيظ:
_ لا يا جياد قلت لا
ولما رأته يتجاهل رفضها، بدأت تبعده باستخدام يداها، وهي تكرر:
_ لا قلت لا
فقال في هدوء وهو لا يزال يحافظ على نبرة صوته:
_ ليه بس لا ليه؟
_ كدا تعبانة
_ تعبانة من إيه طيب؟ ايه تعبك؟
_ الحمل، تعبانة من الحمل
_ البيبي الشقي هو السبب!
طب ما انا بعملك ماساج في بطنك اهو علشان يهدى
_ لا بردو لا
_ ماهو مينفعش لا كدا من باب للطاق، فيه سبب وصراحة حوار تعبانة تعبانة دي بقت حجة باطلة وزهقت منها
_ اوعى ابعد عني بقا جسمي واجعني
رد وهو يمرر يده على شعرها في حنان:
_ طب إيه وجعك فيه؟ اعملك ماساج حلو؟
_ لا، أنا عايزة أنام وبس
_ طب مش هعمل حاجه، هلعب في شعرك بس واخدك في حضني وانام
_ لا بردو اوعى بقا
رد هو يضمها إليه أكثر:
_ هانيا خلاص قلت مش هعمل حاجه بقا!
_ اوعى ابعد عني بقا
ما جعلها تلتفت فجأة، هو صوت تحطم شيئًا ما بعدما ارتطم على الأرض.
فوجدت الكوب الزجاجية محطمة إلى مائة قطعة وزجاجها متناثر في ارضية الغرفة، فنظرت إليه هو من ألقاها بعنف بعدما تضايق وغضب للغاية من رفضها المتكرر فألقى بالكوب والتي كانت موضوعة على الكوميدو، أرضًا لتتحطم سريعًا.
تجاهلت الأمر وعادت إلى وضعية نومها الأولى _تولي له ظهرها_ .
قام من جوارها ثم حمل وسادته و غطائه واتجه نحو الأريكة ونام عليها وهو يزفر و يستغفر ربه
***********
وفي صباح اليوم التالي، وداخل غرفة ماهي خصيصًا.
تحدثت منى وهي تلوم عليها:
_ انتي ليه عملتي كدا يا ماهي بجد؟ إزاي تسمحي له يلمسك؟
ردت الأخرى في ضيق:
_ شفتي، شفتي ماكنتش عايزة اقولك ازاي؟ علشان بتزعلي لو خبيت عليكي
_ ليه عملتي كدا؟ انتي عارفة كويس انه مش بيحبك ليه وافقتي؟
_ تاني؟ ما أنا قولتلك!
قولتلك علشان هو خيرني وأنا...
_ دي حجج يا ماهي، حجج يا روح قلبي، كنتي تقوليله طلق واديني فلوسي وحقي كامل من تحت الارض، ولو معرفش بقا، ساعتها تسجنيه وتشرديه وتبقي كدا انتقمتي يا روحي، مش يا تطلق يا تعيش تحت رحمتي!
فكراه هيقولك ماشي يلا ذليني، هو يا قلبي هيعيشك انتي تحت رحمته، وانتي هتفضلي كل الايام قاعدة مقهورة و زعلانة وهو حتى مش جمبك وبايت برا والله اعلم بايت فين ولا بيعمل إيه!
تذكرت مكالمة أخيها لها ليلة أمس، ثم ردت عقب وقت من السكوت:
_ هو قالي لو رفعتي دعوة طلاق انا كدا اللي هتنازل، مش هاخد حاجة ما انا اللي كارهة!
_ هيدفع غصب عنه، قولي للشيخ عمايله
_ لا مش هينفع دا... أنا خايفة على جياد، انا فهمتك يا منى ان جياد لو طلق هانيا وهي راحت اتجوزت شهاب هو هيقتله
_ وانتي خايفة على جياد ولا على شهاب؟
ابتلعت ريقها وردت في نبرة منخفضة:
_ يعني... الاتنين بصراحة..
ثم تابعت في ضيق ونبرة عالية:
_ يا منى بالله عليكي افهميني، انا مش بكره شهاب ولا عارفة اكرهه، ولا بحبه ولا قادرة اسيبه ولا قادرة اقعد معاه ولا اقدر ابعد عنه ولا عايزة أقرب منه، انتي فهماني؟
اقتربت منها وبدأت تربت على كتفها في حنان وقالت:
_ ماهي حبيتي، وجود شخص زي دا في حياتك، قلبه متعلق بغيرك هيضرك انتي هيأذيكي انتي، هيأذيكي سواء واخد باله او غصب عنه
ردت في حزن ودموع عينيها تتساقط:
_ طب أعمل إيه؟ انا بردو لو رفعت قضية طلاق و اطلقنا مش هاخد منه مليم اخضر، وانا عايزة انتقم منه، عايزة اذيه عايزة اعمله حاجة بس مش عارفة إيه هي، عايزاه يندم عليا ويعرف انه خسرني فعلا، مش عايزاه يخرج كدا عادي ولا كأنه عمل حاجة، اعمل إيه من غير مساعدة بابا و اخواتي، يخوفه مني ويخليني أحس اني رديت حقي وكرامتي؟
سكتت منى برهة تفكر...ثم قالت:
_ امسكي عليه مسجل وهو بيعترف بكل حاجة، وقوليله ان المسجل دا هيفضل معايا فياما تطلق وتدفع يا أما هرفع قضية و وأقدم الدليل دا وبردو هتدفع وهتفضح في نفس الوقت
ردت الأخرى سريعًا:
_ ومحتوى الريكورد يكون إيه؟
_ جرجرة في الكلام، انت ليه عملت كدا، انا عملت لك إيه، مش قلت هفضل كل يوم معاكي وجوازنا بقا صحيح، اومال بعيد عني ليه...
كل دي حاجات تدينه بانه هو اللي معتزلك فعلا وهو اللي بيكرهك علشان تتنازلي عن حقوقك وبالدليل هيخاف، بس ضروري تحمي نفسك ومتعرفيهوش حاجة إلا بعد ما تكوني سجلتي وخليتي نسخ للمسجل في كذا مكان وافضلي في القصر متروحيش بعدها أي مكان معاه لوحدك
_ انتي شايفة كدا؟
_ دا عين العقل،كدا هيشوفك قوية وقادرة و مش هيستقل بيكي، وبالرغم مني إني لسه مرجحة انك تدخلي الأهل في الموضوع و تتطلقي وتريحي دماغك من دا كله
_ بس هو مش بيجي اصلا، معرفش هو فين علشان اتكلم معاه؟
_ رني عليه اعرفي هو فين وروحي له، حتى يكون دليل اكبر ضده انه هربان من مراته وبيته
_ معاكي حق
وفي تلك الأثناء، دخلت عليهما عبير وهي تبتسم:
_ عرفت انك هنا يا منى يا بنتي فقلت أما اجي اسلم عليكي
اقتربت منها الفتاة وردت في ابتسامة:
_ الله يسلمك يا طنط عاملة إيه؟
_ بخير يا قلبي، ما تنزلي تفطري معانا؟
_ لا لا مش هينفع اكل خالص، انا والله رايحة النادي ولازم اجري على الريق شوية، بس قلت اعدي على ماهي اسلم عليها الأول قبل ما أروح
_ فيكي الخير يا حبيبتي، طب تعالي سيبك من ماهي وخلينا نتكلم شوية
لفظت بها، ثم نظرت إلى ابنتها وقالت:
_ هو انتي جوزك فين؟
_ أ...أ....راح لمامته واخواته زيارة
لوت فمها وردت ساخرة:
_ وماله، قايم بدورك اهو، بدل ما انتي اللي تزوري مامتك بقا هو اللي بيروح لأمه، ويا ترى مين هيحمل انتي ولا هو؟
لم ترد عليها بل كمشت ملامحها في ضيق، لتتابع والدتها:
_ جوازة الشؤم و الندابة
ثم خرجت بمنى من الغرفة وفي نفس الوقت خرجت مايا فوجدتهما معًا وعليه تعمدت عبير أن ترفع نبرة صوتها قليلًا فقالت في ابتسامة للفتاة:
_ اوعي تقوليلي انك ارتبطتي ازعل منك
_ لا لا يا طنط مرتبطش ولا حاجة
_ طب الحمدلله
ردت الفتاة في استغراب:
_ الحمدلله!
_ يا بت جيبالك عريس
ما إن سمعتها مايا تقول ذلك وهي تنزل خلفهما الدرج، حتى شعرت بخفقان في قلبها وحدقت بعينيها في الفراغ، لتتابع عبير:
_ تقبلي تكوني زوجة تانية؟
ابتسمت الفتاة وردت:
_ تقصدي ايه يا طنط؟
تدخلت مايا في حديثهما وهي تقول في نبرة صوت مليئة بالقهر:
_ ما تقوليلها تقصدي ايه يا طنط!
ردت الأخرى في نبرة صوت حادة:
_ ماشية ورانا و بتتسنطي علينا! هو دا اللي أمك علمتهولك؟
ردت الفتاة في نبرة صوت ضعيفة مهزوزة ولكنها تدعي القوة رغم صوتها:
_ ريحي دماغك جوزي مش هيتجوز غيري
لفظت بها، ثم طالعت منى من أعلى إلى أسفل في قرف ثم تركتهما وتابعت النزول في خطوات سريعة، نظرت منى إلى عبير وقالت في استغراب:
_ هو فيه إيه؟
_ متشغليش بالك، دي بت بجحة وانا هعرف شغلي معاها
ابتلعت منى ريقها شاعرة بالاحراج ثم ردت:
_ طب يا طنط استأذنك بس أنا اتأخرت ولازم امشي، صحابي مستنين بقالهم كتير
_ طب يا حبيبتي روحي، مرة تانية نتكلم
_ ان شاء الله
وبالفعل سابقتها الفتاة حتى نزلت وبدأت تسير في بهو القصر متجهة نحو الخروج، وأثناء سيرها التقت عينيها بعيني مايا الغاضبتان ثم ابعدت عينيها عنها تارة أخرى وتابعت سيرها.
بينما مايا كانت تجلس على السفرة خائفة حزينة حابسة دموع عينيها... لحظات وجلس فاتح جوارها والذي قد أتى توًا من الغرفة وقال لها:
_ مستنتنيش ليه لحد أما اخرج من الحمام وكنا نزلنا مع بعض؟
كانت شاردة لذا لم ترد.. فتابع كلامه:
_ مايا؟
وفي تلك الأثناء، اقبلت نحوهم فاطيمة وهي تقول لجميع الجالسين:
_ صباح الخير؟
ليردوا عليها، ثم جلست، وتحدث الشيخ إلى فاتح:
_ اومال فين يزيد؟
_ مش عارف يا بابا والله
لترد عبير ساخرة:
_ يزيد اسم الله حارسه، بات عند حماه امبارح و النهاردة تقريبا علشان كدا هيفطر هناك
_ وليه يبات هناك؟ هي سهراية؟
_ مع مراته بقا
_ ليه اصلا مراته تبات هناك؟ هو حد زعلها ولا أي؟
_ والله يا شيخ ولا حد جيه جمبها، دي بتتلكك اساسا
_ لا لا مينفعش كدا، أنا لأزم اتصل بمجدي وافهم منه في إيه
تعجبت فاطيمة وتساءلت مع نفسها، لماذا ذهبت روني؟ هناك سر ويجب أن تكشفه، بينما أسيل أمالت نحو تالية وهمست جانب أذنها:
_ تفتكري روني طفشت ليه يا تالية؟
_ معنديش فكرة والله بس عامة في مصلحتك اهو
_ ما أنا عايزة اعرف فيه إيه علشان اشتغله لمصلحتي!
_ خلاص بعد الفطار نبقى نسأل ماما يمكن عندها علم
التفت الشيخ إلى ابنته كاميليا وسألها:
_ كل امورك جهزت وبقت تمام يا بابا؟
_ اه يا شيخ كله تمام تسلم
_ واجبي يا حبيبتي، ربنا يتمم لك على خير انتي وامجد ابني تستاهلوا كل خير
_ ربنا يخليك لينا يا شيخ ويطول لنا في عمرك يارب
ابتسم والتفت إلى ماهي وسألها في ضيق:
_ وانتي فين جوزك يا ماهي؟
نظرت إلى هانيا والتي اختضت ما إن رآتها تنظر إليها.. ثم احادت ببصرها جهة والدها وردت:
_ مامته تعبانة شوية ونزل يشوفها
_ طب وانتي كنتي بتبصي لهانيا ليه؟
سكتت برهة...ثم ردت:
_ عادي عيني جت عليها بالغلط
رمقهما في شك وهو غير مرتاح ولكنه سكت... فتحدثت عبير:
_ مش المفروض بقا انه آن الأوان ماهي ترجع لشقتها؟ هتفضل قاعدة هنا هي وجوزها لحد امتى؟
_ ماهي تقعد في المكان اللي هي عايزاه يا عبير، لو عايزة تروح شقتها، تروح، لو عايزة تفضل هنا، تفضل، قصري مفتوح لها العمر كله
ابتسمت له الفتاة ابتسامة خفيفة، ثم قالت:
_ ربنا يخليك لينا يا حبيبي، انا كدا كدا كنت هفطر وهروح اسلم على مامته واقضي اليوم معاهم بقا
_ مش غلط، عين العقل اللي بتعمليه، لازم فعلا تطمني على حماتك وتكوني واقفة جنبها وهي تعبانة زيك زي بناتها بالظبط، دول عايلتك التانية يا بنتي ولازم تبريهم وتعامليهم بالحسنى ماداموا بيحسنوا ليكي و بيحترموكي، غير كدا لا
_ لا يا بابا هما كويسين اوي معايا الحمدلله
_ طب الحمدلله
تمتمت عبير ساخرة:
" بلا نيلة، طمعانين فيكي يا خايبة "
وبينما فاطيمة تجلس وتفكر في أمر روني، سمعت صوت رسالة قد اتتها توًا فتحت الهاتف لتجدها رسالة من مايا تقول فيها:
" هنروح امتى للشيخ؟ "
ابتسمت وهي تنظر إليها فقد كانت تجلس جهتها على السفرة... ثم كتبت:
" مالك مستعجلة اوي كدا ليه؟ قولتلك بعد فرح كاميليا"
زفرت الفتاة في ضيق، ثم غلقت الهاتف، بينما فاطيمة ابتسمت لحاجتها وإلحاحها على الذهاب مما يعني أن خطتها تُنفذ.
تحدثت مايا إلى زوجها والذي كان يأكل:
_ ممكن بعد الفطار تيجي معايا؟
_ فين؟
_ هنروح نكشف تاني
زفر في ضيق، فتابعت:
_ ارجوك يا فاتح ارجوك تيجي معايا، ريحني وبس، انا عارفة انك جيت كتير وانك زهقت بس ريحني وخلاص ممكن؟
هز رأسه موافقًا وهو يقول:
_ حاضر يا مايا.. حاضر.
انتهت ماهي من تناول الطعام، وبدأت تستأذن كي تذهب، فلحق بها جياد وهو يقول:
_ ماهي
توقفت وهي تلتفت خلفها جهته ثم تابعت سيرها فقال وهو يخطو خطوات سريعة أقرب للجري:
_ استني مش هجري وراكي!
توقفت وهي تقول في ضيق:
_ خير؟
_ رايحة فين؟
_ ملكش دعوة
_ ماهي فهميني، خلينا ايد واحدة أنا خايف عليكي
_ ملكش دعوة، بمنتهى البساطة اهي!
روح يلا اقعد جمب مراتك اللي مستعد تدمر الأرض علشانها وفكك مني
_ ماهي بس...
لم يكد يكمل كلامه، حتى تركته وهي تتابع سيرها في خطوات سريعة هي مهتمة لوجوده، كان يقف مكانه يضع يداه على خصره وهو يتبع أثرها في ضيق واتصل على راجله وطلب منه أن يتابع سير أخته...
***********
_ ما انت مش هتفضل قافل على نفسك كتير، هتروح مني فين؟
تحدثت سحر والدة شهاب وهي تطرق في قوة عليه الباب كي يفتح لها ولكن الشاب كان يتجاهلها هروبًا منها ومن أسئلتها، فصاحت في غضب:
_ افتح ام الباب دا وتعالالي، تعالى كدا فهمني انت عايز توصلنا وتوصل نفسك لأيه؟ رايح تتهجم على راجل في قلب بيته وتهدده بالقتل؟ انت اتجننت خلاص؟ بنت السلاب كلت عقلك؟ طب واحنا، انا واخواتك نروح لمين مفكرتش فينا؟
بتخرب بيتك ليه بايدك بتخرب حياتك لي، افتح بقولك افتح
وعلى صراخها، أقبلت نحوها شاهندا في سرعة وهي تقول:
_ ماما، ماهي هي اللي بتخبط برا وطي صوتك بقا
_ استر يارب، يارب ما تكون عرفت حاجة، افتحي لها
وقفت أمام الباب وقالت له في صوت مسموع كي يسمعها:
_ مراتك برا، مراتك جت يا زفت انت واياك تزعلها
استقبلتها شاهندا أحسن الاستقبال ثم استقبلتها حماتها ثم وعد، وبعدما استقبلتهن، جلست ثم سألت:
_ هو فين شهاب؟
فتح الشاب، باب غرفته وقال لها:
_ نعم؟
اتجهت نحوه وقالت:
_ نقدر نتكلم مع بعض لوحدنا شوية؟
أشار لها بيده جهة الغرفة كي تدخل، وبالفعل دخلت وقبلما يدخل خلفها، حذرته أمه وهي تحدق به كي لا يُغضب زوجته.
دخل الآخر ثم غلق الباب وقال لها:
_ اتفضلي سامعك
جلست على سريره وقالت وهي تضع ساق فوق الأخرى وأكدت على الحقيبة والتي بداخلها الهاتف الذي يُسجل:
_ إيه نسيت انك متجوز ولا إيه؟ هتفضل بايت عند مامتك ومتجاهلني كتير؟
ولا هربان مني لانك مش قد كلامك، ولقيت ان فكرة كل يوم دي صعبة عليك؟
بردو فكرة ان واحد يلمس مراته لأول مرة بعد شهرين جواز وكان بيدعي انه مريض وعنده مشاكل، تتفق مع هروبك مني دلوقتي علشان انت مش قادر وفي النفس الوقت بتكرهني و بتزهقني علشان اطلب الطلاق ومتدفعش حاجة صح؟
اقترب منها فجأة ثم شدها من ذراعها لتقف وبالفعل وقفت وبقت في مستوى وقوفه، تنظر إلى عينيه الممتلئتان بالضيق ولازالت محتفظة بحقيبتها، فقال لها:
_ انتي عايزة إيه؟ عايزة إيه مني؟
_سألتك سؤال، جاوب
اقدم عليها وفي تلقائية منها بدأت تتراجع إلى الخلف شيئًا فشيئًا حتى اصطدمت في الحائط خلفها، حاصرها بين ذراعيه واللذين اسندهما على الحائط وقال في ابتسامة خفيفة:
_ يظهر انك عايزة تكرري التجربة معايا تاني، عجبتك؟
ضمت حقيبتها إلى صدرها وهي تنظر إليه في توتر وهزت رأسها رافضة تقول:
_ لا، لا مش عايزة حاجة أنا
جذب الحقيبة من بين ذراعيها وألقاها على الكرسي بعيدًا، وقال وهو يقترب منها أكثر:
_ انتي إيه؟ عمالة تطعني في رجولتي ليه؟ هو حد كان داسلك على طرف؟
دا حقك يا روحي، تقدري بكل أدب تطلبيه، بشكل مباشر او غير مباشر أما تفضلي تهزأيني في الأول وتقلي مني علشان أقرب منك دا بقا غلط ومش مسموح بيه...
طالعها من أعلى إلى أسفل في اعجاب وتابع:
_ بس على كلٍ، تعالي ابسطك متزعليش نفسك كدا
ابتلعت ريقها وردت في ضيق:
_ لا على فكرة انت فاهم غلط خالص، انا، أنا والله ماكنت جاية علشان كدا
_ اومال جاية ليه؟
ردت في نبرة صوت بها التوتر الشديد، فقربه منها إلى هذه الدرجة بات يربكها:
_ كنت...كنت....
هربت بعينيها منه وهي تنظر نحو الحقيبة الموضوعة على الكرسي، وفي تلقائية نظر إلى ما تنظر فقال ساخرًا:
_ إيه؟ كنتي جيبالي معاكي شكولاته في الشنطة وجاية تديهالي؟
_ بطل تريقة...
وضع وجهها بين كفيه وقال وهو يرى ارتباكها و توترها وخجلها:
_ واضح جدا انتي عايزة إيه يا ماهي، ودا مش غلط على فكرة، انا جوزك ولحد أما ننفصل واجب عليا ابسطك.
_ أنا... أنا... لا..لا، ابعد شوية كدا عني انت ليه قريب كدا!
تجاهل كلامها، وبدأ يضمها إليه في قوة متابعًا عمله وكالمرة الأولى استسلمت له...
***********
_ يا بت عيب كدا، عيني ودانك من على الباب
تحدثت سحر مع ابنتها شاهندا والتي كانت تضع أذنها على باب غرفة أخيها علّها تسمع كلامه مع زوجته، فقالت لها في صوت خفيض:
_ يا ماما استني بس ليكونوا بيتخانقوا
_ انتي سامعة صوت يعني؟
_ لا مش سامعة حاجة خالص، كأنهم مش جوا أصلا!
_ طب تعالي هنا يا بت عيب كدا عيب
_ يا ماما بجد ليه بيتوشوشوا؟ عايزة أسمع!
_ هاجي اجيبك من شعرك، قولتلك تعالي من عندك عيب
_ طب اخبط؟
_ يا بت هشتمك و هسبلك دلوقتي تعالي هنا و سبيهم على راحتهم!
واحد ومراته يا رخمة انتي
_ يوه يا ماما كان نفسي اسمع بقا!
زفرت في ضيق ثم ابتعدت على مضض وهي تقول:
_ مش عارفة بجد يا ماما ايه دا ما تسبيني أسمع!
*********
وعقب مرور وقت... ابتعد عنها مستلقيًا على ظهره، وكانت هي مستلقية بجواره صامتة لا تستوعب كيف سمحت له بذلك كيف تفعل ذلك في نفسها كيف تقبل على نفسها أن تكون مجرد متعة له حتى ينفصلا!
كيف تسمح لنفسها أن تكون كفترة مؤقتة له!
نظر إليها ثم وضع اصبعه تحت ذقنها، يقرب وجهها منه كي يجعلها تنظر إليه وبمجرد أن احاد وجهها نحوه، قال:
_ كفاية بقا يا ماهي بجد... كفاية عِند وحرب معايا لحد كدا، عمالة تحاربي فيا ليه؟ انا قولتلك ماكنتش قصدي اجرحك والله ولا كان قصدي أي حاجة من اللي حصل دا، انا واحد مشاعره متلخبطة و جواه صراعات تهد جبال.
ردت عليه في نبرة صوت مهزوزة ضعيفة:
_ بس أنا مبسوطة وانا معاك، اول مرة أكون متعلقة بحاجة بتأذيني كدا... انت بقيت زي السم اللي بيجري في دمي
وضعت يدها على لحيته وتابعت وهي تنظر إلى عيناه:
_ انت بتحبني؟ انت قربت مني مرتين، ليه قربت؟ علشان بدأت ترتاح معايا صح؟ بدأت تحس انك فعلا ظالمني؟
أنزلت يدها ببطء من على وجهه حتى وصلت إلى صدره العاري وبدأت تمرر يدها عليه، حتى أحست بدقات قلبه فتابعت في نبرة أقرب للبكاء:
_ يا خسارة قلبك مش معايا، عقاب شديد اوي ليا عمري ما كنت متخيلة اني ممكن استحمله... انا ماهي اللي نص شباب العالم كانت بتتمنى بس تقرب مني بكلمة او بسمة حتى، الراجل الوحيد اللي حبيته منهم يطلع بيحب غيري؟ ومين مرات اخويا؟ صعبة اوي صح؟
_ أنا آسف، أنا آسف يا ماهي
اقتربت منه ووضعت قبلة صغيرة على خده ثم وضعت يدها مرة أخرى على خده الأيمن وبدأت تمرر أصابعها على لحيته تنظر إلى عيناه وتبتسم... وفجأة عبس وجهها وانكمشت ملامحها وقالت له في نبرة صوت حادة:
_ انت ملعون، انت شيطان
ثم ابعدت يدها عنه وجلست جلسة كاملة بعدما كانت تجلس نصف جلسة وتابعت في نفس النبرة:
_ أنا كرهتني بسببك، كرهتني وكرهت ضعفي وغبائي و استسلامي ليك، انا عمري ما شفت نفسي كدا في يوم الأيام، انت خلتني مهزوزة بعد ما كنت واثقة خلتني ضعيفة بعد ما كنت قوية، خلتني غرقانة في بحر عميق اوي ومش لاقية بر ولا عارفة انقذ نفسي
نظرت إليه مرة واحدة وصاحت وهي تضربه بكلتا يديها على صدره العاري:
_ انت ازاي كدا؟ انت عملت فيا إيه؟ عملت فيا إيه؟
كانت تصرخ وهي تضربه بكل ما اوتيت من قوة، كان مستسلمًا لها يتركها تضربه كيفما تشاء.
وفي الخارج اختضت أمه ما إن سمعت بصراخ الفتاة وعليه ركضت وخلفها بنتيها، وهي تقول:
" يا ساتر يارب ياساتر يارب "
اتجه هو في سرعة بعدما أحس ان والدته ستدخل فجأة، ثم غلق الباب بالمفتاح.
كانت ماهي تنظر إلى ما يفعل وبدأت تلتفت حولها تبحث عن ملابسها وفي عجلة من أمرها ارتدت الجاكيت وحسب ثم البنطال وكذلك فعل الآخر، ارتدى فنلته و بنطاله واتجه نحو الباب كي يفتح لوالدته والتي كانت تطرق الباب في قوة طالبة منه أن يفتح كي تطمئن أن الأمور بينهما جيدة.
واثناء اتجاهه نحو الباب، عرقلت الفتاة طريقه وتابعت صراخها في غضب:
_ استنى عندك، انا لسه مخلصتش كلامي، استنى، استنى
توقف متعجبًا من صراخها بذلك الشكل فهو لم يرحل هو بالفعل منتظر، فتابعت وهي تتشبث بحملات الفنلة تشده منها:
_ انت قربت مني علشان بتحبني ولا علشان متعة
بدأت تضربه على صدره مرة أخرى وتصرخ في انهيار:
_ رد، قربت مني حب ولا متعة، رد عليا رد رد رد...
انا بالنسبالك إيه؟ انت شايفني اصلا؟ كنت متخيلني هي، صح؟
ما انت مش عارف تطولها في الحقيقة فبتتخيل نفسك معاها بقا!
واختلط صراخها ببكائها:
_ ليه كدا؟ ليه كدا؟ ليه..ليه، انا حبيتك بكل ذرة في كياني ليه
أمسك بيديها اللتين تضربهما به كي يمنعها من مواصلة ضربه وقال لها:
_ ماهي اهدي يا ماهي اهدي
صاحت وهي تفلت يديها منه:
_ اوعى سيب ايدي...
افلتت يديها وتابعت في صوت عالي وهي تشيح بيدها في وجهه:
_ واوعى تلمسني تاني سامع؟
لو عندك دم وذرة كرامة واحدة اوعى تفكر تقرب مني مهما حصل وتحت أي ظرف، فاهم ولا مش فاهم
هز رأسه موافقًا وهو يقول:
_ حاضر يا ماهي حاضر
لترد عليه في صوت أعلى وهي تضرب الأرض بقدمها في غضب:
_ وكمان بتقولي حاضر، بدل ما تقولي مش هقدر استغنى عنك يا حبيبتي وعايز دايما أكون قريب منك!
ولما شعر انه أصبح عاجزًا أمامها وأمام مشاعرها المتخبطة والمتضاربة، ابتعد عنها في سرعة ثم فتح الباب لوالدته وقال:
_ شوفيها
اقتربت منها السيدة واشفقت عليها ما إن رأت حالتها المزرية تلك وصاحت وهي تلتفت خلفها:
_ غور برا وسبني معاها وخد اخواتك معاك يلا
نفذ ما طلبت وخرجوا وغلق الباب.
ضمتها السيدة إلى صدرها وأخذت تلمس شعرها في حنان وهي تقول:
_ لا يا قلبي لا اهدي اهدي متعيطيش كدا لا
وكانت الفتاة بين ذراعيها تبكي بكاء هيستيريًا بكاء غير عاديًا، شعرت السيدة بالرعب عليها وبدأت تقول في خوف:
_ ايه يا ماما إيه يا حبيبتي ايه، بس بس يا ماما اهدي يا روحي اهدي يا حبيبتي
بدأت الفتاة تتنفس في صوت عالي وتكح وصدرها يعلو ويهبط بين ذراعي حماتها، وشهقاتها تتعالى وجسدها يرتجف...
شيئًا فشيئًا بدأت تهدأ و سكتت عنها تلك الحالة الهستيرية.. ولما احست سحر أنها هدأت، ابعدتها قليلًا عن حضنها وقالت لها في توتر:
_ إيه يا ماما إيه اللي حصل بس؟ احكيلي وانا صدقيني هجبلك حقك
كانت تتكلم وهي تزيل دموع الفتاة عن عينها في حنان، وردت ماهي في نبرة صوت مبحوحة اثر البكاء والصراخ:
_ شهاب
_ ماله زفت البرك ؟
تنهدت ثم ردت وهي تعقد حاجبيها في حزن:
_ يعني هو حضرتك متعرفيش؟ متعرفيش انه كان بيحب مرات اخويا و اتجوزني علشان يحرق دم جياد ويدخل القصر و يوصلها عن طريقي؟
_ اقسم لك بالله يا بنتي ماعرف.. أنا كل اللي اعرفه أنه اه كان عايز يتجوز اللي اسمها هانيا دي بس هي سابته واتجوزت اخوكي، وانا ياما قولتله انتبه لحياتك يا ابني وركز مع مراتك.. طب هو صدر منه إيه دايقك؟ يعني يا حبيبتي الحب دا حاجه مش بأيدينا... انتي مراته وهو جوزك ومصيره يحبك انتي، اصله هيعمل إيه بالحب القديم دا؟ هيفضل في الذاكرة وخلاص زيه زي اي ماضي
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ شهاب بيحاول يكلمها وبيحاول يخرب عليها هي واخويا علشان تطلق و يتجوزها هو، اشترى لها هدية غالية وليها قيمة ساعة عيد ميلادها أما أنا جابلي أي حاجة واسترخص ورغم كدا فرحت بيها...ابنك فضل مخليني جمبه بدون ما يلمسني لمدة شهرين، لو كان ماضي كان حاول حتى يقرب مني وقتها و يعمل معايا حياة وأسرة او يطلب مني نخرج من القصر علشان ينساها.. كنت بشوف نظراتهم لبعض، شفته مرة بيكلمها مرة ماما اتهمته بانه كان في اوضتها وانا وقتها كنت زي المغفلة مش فاهمة حاجة، واتاري فعلا الموضوع واصل لأعلى مراحله معاه وانا فكراه عيّان يا عيني وقاعدة عمالة اقوله هقف جمبك واساعدك وهو، هو بيخوني هو ب...
قاطعتها السيدة قائلة وهي تبتسم:
_ قرب منك صح؟
طالعتها من أعلى إلى أسفل وتابعت:
_ انا اللي ظاهرلي كدا، انه قرب منك
هزت رأسها مؤكدة، فتابعت السيدة في ابتسامة أكبر:
_ طب شفتي؟ دا دليل على انه هيبدأ ينسى هانيا ويركز معاكي انتي، هو خلاص فهم ان هانيا دي ماضي واتقفل.. يا حبيبتي هو مش بيحبها زي ما انتي فاهمة، هو واخد المسألة عِند مع اخوكي، شايف ان اخوكي استقل بيه وداس عليه جامد فكل هدفه يدمر حياته وخلاص، أما انتي فاكرة انه هيستحملها و هيستحمل ابنها دا كمان؟ هو متخيل كدا بس لا هيقرف، مش هو أول حد يلمسها ولا هيكون بنفس شغفه ولا حبه ولا لمعة عينه... اللي اتكسر عمره ما يتصلح وهو شايف ان هانيا كسرته بقصد او بغير قصد، فهو لو بيلاحقها بيعمل كدا انتقام من اخوكي بس أما هي ولا تلزمه وبكرة تقولي طنط سحر قالت، دي عقبال ما تطلق وتولد وتخلص فترتها وكل دا هيكون عدى وقت، هيقعد هو يستناها دا كله! مستحيل، ابني وانا عرفاه، هو بيرجع حقه بالطريقة بس وكبريائه اللي اتجرح مش اكتر
_ رايح يجبلها هدية؟ بيفضل يبص لها؟ فعلا واضح انه مش بيفكر فيها خالص!
_ اومال هيطلقها منه ازاي؟ ماهو لازم يبين لها انه عايزها، مش بقول انه كداب مية في المية بس بقول انه مش هيستحملها تاني خلاص... دي هتبقى أم قريب وكسرته جامد واخوكي هيفضل رايح جاي عايز يزور ابنه.. شهاب دلوقتي مجروح وجرحه بينزف فبيطيح في الكل بدون ما يشوف ولا يميز، عامل زي الأسد المجروح اللي ماشي يعضض في الكل ويطيح في اي فريسة قدامه... لكن أما يهدى وهو دا اهو الوقت اللي بيهدى فيه، هيعرف انه غلطان وانه بيخسرك فعلا، وهو فعلا بدأ يحس بده، هو ماكنش مضطر يقرب منك بعد شهرين عزلة!
_ عمل كدا علشان انا هددته وقولتله هدفعك كتير، قالي مش هدفع متعة وانا متمتعتش
_ بصي حبيبة قلبي، انا مش بقول ان ابني ملاك، بالعكس هو غلطان وغلطان في حقك كتير، بس والله العظيم ابني طيب وجدع وحنين، هو بس في أسوأ حالاته دلوقتي انا شخصيا هتجنن لان دا مش ابني ولا دا أسلوبه... انتي ليكي حرية الاختيار، يا تستني عليه وهو زي ما قولتلك هيهدى و هيفكر فيكي وهيبعد عن هانيا دي خالص، وتيجوا هنا تعيشوا في البيت دا او تروحوا الشقة بس المهم تكونوا بعيد خالص عن القصر، يا أما تطلقوا وتستني عليه شوية في حوار المؤخر دا، هو والله الموضوع شاغله ومش عارف يجيب منين، اخواته على وش جواز ومسؤولياته صعبة وكتيرة الله يكون في عونه ودا هيكون كرم منك وهو كدا كدا مش هيهرب من دفع حقوقك لانك هتقدري ترفعي قضية وتطالبي بحقوقك دي في أي وقت... فكري على مهلك يا حبيبتي، ومن هنا لحد أما تفكري، انا هخليه بعيد عنك خالص علشان ميأثرش عليكي ولا على قرارك بأي شكل
سكتت الفتاة برهة تفكر... ثم ردت في نبرة صوت ضعيفة خفيضة:
_ تفتكري فيه أمل؟
_ في إيه بالظبط؟
_ في إنه يحبني ونبقى زوجين طبيعين وبنحب بعض بعد كل اللي حصل دا؟
_ اه يا حبيبتي افتكر ونص وتلات تربع، دا بيبقوا مقطعين بعض ولمين عليهم الناس ورافعين اربع قواضي على بعض، وضاربين بعض وشاتمين بعض وفيهم كل العِبر و بيتصالحوا عادي ولا كأن حاجة حصلت!
اديله فرصة تانية انتي بس وهتلاقيه هو زي الخاتم في صباعك
_ المشكلة عارفة في إيه يا طنط؟
_ في إيه يا حبيبيتي؟
ردت في نبرة صوت تحمل الحزن و الأسى:
_ في ان هو نفسه مطلبش اني اديه فرصة تانية، انتي متخيلة!
شهاب لحد دلوقتي بيقولي علشان أما ننفصل، علشان أما نتطلق... ولا مرة قالي عايزك تسامحيني او عايزك تديني فرصة تانية او عايز اكمل معاكي بس اللي حصل دا كان نتيجة تضارب في مشاعري... اي حاجة اي حاجة من الكلام دا، هو مقالش حاجة منه خالص
_ معلش، معلش هو محرج منك يمكن وشايف طلب زي دا بجاحة بس مصيره هيطلبه...
وضعت وجهها بين كفيها وتابعت في نبرة مليئة بالحنان:
_ شهاب لو حبك بجد هتشوفي الهنا كله، هيقدملك أي حاجة في إيده، هيعملك اي حاجة علشان يفرحك وهيغرقك حب وحنية وكلام حلو ورومانسيه اوفر كدا وجو تلزيق على رأيكم
ابتسمت الفتاة ابتسامة خفيفة، فتابعت السيدة:
_ ايوا كدا اضحكي خلي الدنيا تضحك
_ حقيقي كان نفسي يا ماما سحر.. كان نفسي يكون بيحبني واشوف منه كل اللي قلتي عليه دا
_ قريب هتشوفي منه كل دا واكتر كمان، مادام قرب منك هيغير رأيه مع الوقت، لان يا حبيبتي العلاقة الحميمية بتولد مودة ورحمة وحب ورأفة واحتياج كل طرف للتاني، وانا شايفة ان دا تطور كبير في علاقتكم حصل... واحدة واحدة يا قلبي هيكون كله ملكك انتي وبس
نظرت إليها نظرة مليئة بخيبة الأمل وردت في يأس:
_ اتمنى... اتمنى
**********
_ سمعت انك أفضل استشاري في زايد و التجمع... لا زايد والتجمع إيه، لا سمعت انك افضل استشاري في مصر، جتلك وكلي أمل إني هلاقي حل عندك لمشكلتي، بالله عليك قولي انه في حل وقريب ومش محتاج إني استنى كتير وافضل ماشية على علاج لمدة طويلة بقا والكلام دا
تحدثت مايا، إلى الطبيب وهي داخل المستشفى الكبيرة لعلاج العقم و تأخر الإنجاب، وبجانبها كان يقف زوجها محرجًا قليلًا من طريقة تحدثها ولكنه مُقدرًا في نفس الوقت قلق قلبها وقهرته على طفل يؤنس وحدتهما في أسرع وقت.
ورد الطبيب عليها في ابتسامة خفيفة ونبرة هادئة:
_ دا من ذوقك يا مدام مايا... التحاليل والاشاعات اللي قدامي، بتأكد إنك وجوزك أستاذ فاتح معافين وعندكم القدرة على الإنجاب عادي
تدخل فاتح قائلًا:
_ طب هو ممكن نعرف هل التأخير دا عادي يعني؟
_ اه عادي
_ طب ليه أي أسباب، ولا كلها أسباب ألهية؟
تنهد الطبيب واجاب:
_ دايما وفي الأول وفي الآخر بتكون أسباب إلهية ولكن، مدام مايا البويضات عندها ضعيفة شوية ومش منتظمة علشان كدا لازم تمشي فترة كبيرة على العلاج يقوي البويضات و ينظم الدورة الشهرية وان شاء الله هيحصل الحمل
_ طب هو ضعف البويضات دي مشكلة كبيرة؟
_ لا يا أستاذ فاتح مش كبيرة للدرجة، سيدات كتير بيعانوا من الموضوع دا و بيتعالج عادي بس كله شيء بيكون في أوانه
تدخلت هي قائلة:
_ يا دكتور أنا مش عايزة استنى، مش عايزة افضل ماشية على كورس علاجي كتير أنا، شوفلي حل سريع أي كان هو إيه، عملية بقا أي حاجة بس المهم احمل في أسرع وقت
زفر فاتح منوهًا عن ضيقه على حالتها فهو لم يرد أن يراها جازعة بهذا الشكل يومًا، فرد الطبيب عليها وهو يهز رأسه بالسلب:
_ لو قصدك على عملية الحقن المجهري، فهي مش مناسبة مع حالتك وانا مش هضحي بعملية شايف ان احتمال فشلها ٧٠% على الأقل
_ ليه؟ مالها حالتي؟ لسه حضرتك قايل اني معنديش مشاكل
_ معندكيش مشاكل تمنع الحمل الطبيعي لو التزمتي بالعلاج، بس عندك مشاكل تمنع عملية الحقن المجهري
سأله فاتح في قلق:
_ إيه هي المشاكل دي يا دكتور ؟
_ المدام عندها ضعف شديد جدًا في مخزون المبيض، لان البويضات اصلا عندها ضعيفه زي ما قلت
وبما ان مخزون البويضات قليل جدًا، ممكن المبيض ما يستجيبش للأدوية المنشطة، وبالتالي ما يتكوّنش بويضات كفاية للحقن المجهري.
كمان جودة البويضات ضعيفة جدًا بردو حتى لو فيه بويضات بس جودتها سيئة جدًا، فأنا بتوقع طبعا من دا، إن الأجنة هتكون ضعيفة أو ما يحصلش حمل أصلا.
كمان ودا أهم، مفيش سبب واضح للعقم وفرص الحمل الطبيعي موجودة
أنا شايف ان الحالة ممكن تحمل طبيعيًا، فبفضل عدم اللجوء مباشرة للحقن المجهري.
ردت في نبرة مليئة بأمل أخير:
_ بس العملية ممكن تنجح بنسبة ٣٠%! نجرب طيب، مش يمكن الحمل يكمل؟ مش يمكن العملية تنجح؟
قال زوجها في بعض من الضيق:
_ مايا
_ استنى يا فاتح...
ثم التفتت إلى الطبيب وتابعت:
_ أنا بترجاك توافق تعملي العملية دي كمحاولة بس، يمكن ربنا يريد وتنجح، يمكن ربنا ينفخ في صورتي ويرزقني و يخلي العملية دي تنجح، يمكن....
_ يا مايا
لفظ بها فاتح في غيظ، لتقول له تارة أخرى:
_ يا فاتح بالله عليك استنى بس استنى.... ها يا دكتور موافق صح؟ نحدد معاد العملية امتى؟
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا يا مدام مايا مش موافق، أنا مش هعمل عملية ضامن نسبة فشلها معنديش وقت أصلا لحاجة زي كدا ولا احب ان اسمي يتخلط بأسماء عمليات فشلت، العمليات الوحيدة اللي بدخلها وهو مضمون فشلها، عملية حد بين الحيا والموت وساعتها بنعرّف أهله بس بنعمل اللي علينا وقتها علشان نكون عملنا كل حاجة في أيدينا لانقاذه، أما عمليتك أنا مش مضطر ليها
_ بس يا دكتور...
قاطعها فاتح قائلًا في صرامة:
_ خلاص يا مايا خلاص....
ثم نظر إلى الطبيب وقال في ابتسامة:
_ شكرا يا دكتور
_ العفو يا أستاذ فاتح، خليها تنتظم على العلاج وهاتها كل أسبوعين ابص عليها وان شاء الله خير
_ أكيد يا دكتور، شكرا... يلا يا مايا
أخذ زوجته وخرجا، واثناء سيرهما في بهو المستشفى في طريقهما إلى الخروج، تكلمت في نبرة صوت يائسة:
_ يعني كدا المشكلة فيا صح؟ انا اللي بويضاتي ضعيفة وأكيد احتمال عدم الحمل عندي عالي لمدة طويلة لحد أما المشكلة دي تتحل
_ مايا أنا قولتلك ميت مرة يا حبيبتي أنا مش مستعجل مش مستعجل، أنا مستني إذن ربنا وباخد بالاسباب وخلاص، هنعمل إيه اكتر من اللي عملناه؟ بقالنا ٥ شهور بنجري على الدكاترة!
_ بس أنا عايزة أحمل يا فاتح عايزة أحمل
_ يا حبيبتي ان شاء الله ربنا هيكرمنا قريب، ان شاء الله
خرجا من المستشفى، واتجها نحو السيارة المصفوفة في الجراج، فقالت في ضيق شديد:
_ بيعايروني... أنا بتعاير يا فاتح بعدم خلفتي لحد دلوقتي.. أنا مبقتش قادرة استحمل نظرات مامتك ليا ولا تفكيرها اللي مش عايز يقف ولا محاولتها عن انها تجوزك غيري
زفر في ضيق وفتح باب السيارة لها وقال:
_ ادخلي يا مايا، ادخلي
ركبت ولف هو في الجهة الأخرى وركب مكانه وبدأ يقود....
فأضاف أثناء القيادة:
_ اللي يعايرك بالكلام دا ايا كان مين هو، حد معندوش إيمان كامل بقضاء وقدر ربنا، طنشي وسدي ودانك ومتسعميش لحد، أنا قولتلك مليون مرة مبحبش غيرك انتي يا مايا ومش هتجوز غيرك يا مايا وأي عيل انتي مش هتبقي أمه، أي عيل مش منك، ميلزمنيش يا مايا، اعمل إيه تاني علشان أكدلك واطمنك؟ اعمل إيه تاني؟ أمشي اغنيها في الشارع؟
بدأت تبكي، فزفر في ضيق وهو يقول:
_ استغفرالله العظيم واتوب إليه، استغفر الله العظيم واتوب اليه... مش هينفع، مش هينفع حالة النكد اللي بقيتي فيها دي!
بقيتي بتعيطي طول الوقت وكل يوم وانا شايف انه ملوش داعي، النكد دا وقفلان نِفسك وتوهانك عني وعدم تركيزك معايا لانك مش مركزة غير في الموضوع دا، هو دا اللي هيدايقني منك، مش عدم حملك اطلاقا.
روقي كدا وفرفشي وارجعي مايا بتاعت الزمان، الست العايقة المدلعة اللي كنت بستنى ارجع كل يوم من الشغل بفارغ الصبر علشان بس ابقى معاها وفي حضنها
أخرجت مناديل ورقية من حقيبتها وبدأت تمسح دموعها بها وهي تهز رأسها بالايجاب.. نظر إليها وإلى ما تفعل ثم هدأ السرعة شيئًا فشيئًا حتى اتخذ ركن وصف السيارة، وترك عجلة القيادة وقال لها في ابتسامة:
_ ارجوكي كفاية عياط، كفاية تعملي في نفسك اللي بتعمليه دا، ابني هيكون ابنك، هيبقى ابن فاتح ومايا، أنا عمري ما اتجوز عليكي ولا غيرك علشان سبب زي دا انتي ملكيش دخل فيه... ماهو لو أنا اللي كان عندي مشاكل في الخلفة كنتي هستنيني صح؟ أكيد عمرك ما كنتي هتسبيني، فهي هي والله بالنسبالي، متشليش هم بقا!
ابتلعت ريقها وردت في نبرة منخفضة ضعيفة:
_ بس اخوك جياد، هيخلف قريب وكمان يزيد هيحصله، ومراتتهم يبقوا اخواتي، فالمقارنة وانت أما تشوف....
_ بس يا مايا، بس يا حبيبتي بس، مقارنة إيه وزفت إيه!
هو احنا داخلين سباق؟
جياد ربنا كرمه بالخلفة بدري بس انا سمعت انه مش سعيد في جوازه كما ينبغي، ومش عارف اسباب بس سمعت طراطيش كلام انه مش سعيد وانه في خناق مع هانيا طول الوقت، ربنا يهدي سرهم ويهديهم لبعض بس أما تبصي على نعمة في ايد غيرك، لازم تبصي على حياته كاملة وتشوفي هو ناقصه إيه، لان يمكن اللي ناقصه دا عندك انتي وانتي مش واخدة بالك.
كل واحد بياخد حاجات معينة من الدنيا مفيش حد بياخد كل حاجة، انتي متعرفيش السيناريو كامل لحياة كل واحد بيتظاهر بالسعادة والكمال.
احنا بنحب بعض اوي وحياتنا هادية ومستقرة ومعندناش صراعات زوجية ولا مشاكل والحمدلله الأمور تمام بينا واللي معكنن عليكي حياتك دا، هو سبب خارج عن أيدينا، بس أحنا كزوجين متفاهمين و ميت فل و اربعتاشر، ومش كل المتجوزين سعدا مع بعض، يبقى دي نعمة لازم نشكر ربنا عليها كل يوم لانه ساترنا ومألف بين قلوبنا ومخلي حياتنا مليانة مودة ورحمة وحب، غيرنا مش عايش كل النعم دي عادي...
تنهد وتابع وهو يلمس مقدمة شعرها:
_ حتى يا حبيبتي لو جياد وهانيا سعدا مع بعض وميت فل واربعتاشر ومراته هو اللي حملت الأول، لازم نفرح لهم ونتمنالهم الخير والسعادة في حياتهم... الحمل دا مش شطارة من حد ولا هو بيجي بمجهود زيادة ولا سعي أكبر، دا بيجي وقت ما ربنا يريد وبس، وهو أراد الخلف ليهم هما الأول، دي حاجه مش بأيديهم يعني علشان نحس انهم متميزين علينا!
ضمها إلى صدره وسكت برهة.. ثم تابع في نبرة أكثر هدوءًا وحنانًا:
_ اصبري واحتسبي وكله عند ربنا، كله في ميزان حسناتك... يلا بقا تعالي أما اخرجك شوية وبالمرة اجيب كام حاجه ناقصاني قبل فرح كاميليا و أمجد
هزت رأسها موافقة، فتابع:
_ اضحكي يلا، اضحكي وكفاية عياط، اضحكي خلي الدنيا تنور بضحكتك كدا يا رمانة حمرا انتي يا عسل
وبالفعل ضحكت وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالعشق وردت:
_ والله ما فيه حد عسل غيرك في الدنيا دي كلها، بشكر الصدفة الجميلة والقدر ودعوة أمي الصادقة اللي جمعوني بيك وخلوك من نصيبي و قسمتي يا حبيب روحي
ابتسم وربت على فخذها ثم قال:
_ وانا كمان يا نور عيوني... يلا علشان نلحق نخلص مشاورنا بقا؟
_ يلا...
**********
كان يزيد يقف داخل غرفة روني في منزل والدها، أمام المرآة يضبط ويهندم من شكله وملابسه قبل الانصراف فتوه استيقظ من نومه بعد ليلة رومانسية طويلة سهر فيها مع زوجته، وقال أثناء ربط ازرار قميصه:
_ اعتقد قعدتي عند بيت اهلك اهو بما فيه الكفاية، كفاية كدا بقا وارجعي القصر النهاردة
تثاءبت وأخذت تتقلب في السرير وردت:
_ معلش سبني يومين كمان
التفت لها وقال وهو يعقد حاجبيه في استغراب:
_ هو ليه كل دا بجد يعني؟ مشكلة إيه اللي مع اختك دي اللي مطفشاكي من القصر كله؟
_ مش بس هانيا.... أنا هنا بريح اعصابي شوية من الضغط اللي كنت فيه
_ ضغط إيه؟ هو مين داسلك على طرف في القصر؟ مش سألتك اكتر من مرة وقولتي مفيش حاجة؟
_ يا يزيد يا حبيبي، انا مازالت عايشة في بيت عايلة بردو، بيت عايلة حتى لو قصر، احيانا بيرموا كلام نسوان يدايق احيانا بيعصبوني بس مفيش دليل عليهم انهم كانوا يقصدوني وهكذا، وانا تعبت وقلت أجي هنا اريح اعصابي شوية بس
_ هما مين دول اللي بيعصبوكي ويدايقوكي يا روني؟
ازاحت عنها الغطاء، ثم نهضت وبدأت تتجه نحو الخارج وقالت:
_ انا هروح ادخل التويلت، بعدين نتكلم
وبمجرد أن فتحت الباب، وجدت والدتها في وجهها تقول:
_ صباح الخير، يزيد صحي؟
_ اه يا ماما صحينا
_ طب يلا أنا عامة حضرت الغدا قلت اسيبكم نايمين براحتكم ومش لازم اقلقكم على الفطار
نظرت إلى الخلف وقالت لزوجها:
_ يلا يا يزيد، ماما حطت الغدا
هز رأسه موافقًا.
وخرجت روني واثناء سيرها نحو المرحاض، وجدت والدها يجلس على الاريكة في الصالة ويتحدث عبر الهاتف مع شخص ما، لم تهتم بالأمر كثيرًا وتابعت سيرها...
وكان الوالد يقول لمحدثه:
_ معاك حق يا شيخ طبعا في كل كلمة بتقولها... صح...صح....صح....أكيد...طبعا.... طبعا... خلاص هي ان شاء الله هترجع النهاردة القصر تاني... ربنا ما يجيب مشاكل يا شيخ ان شاء الله... سألتها والله قالت مفيش مشاكل مع حد، هتكلم معاها تاني وهترجع النهاردة بيتها طالما مفيش مشاكل او حاجة مزعلاها... ايوا ايوا أنا فاهمك كويس طبعا من حقك تدايقك ومن حق يزيد يزعل بردو... خلاص اتفقنا، مع الف سلامه مع السلامة...
جلست جواره حورية وسألته:
_ الشيخ كان عايز إيه؟
_ مدايق من وجود الأستاذة هنا بدون داعي وكان بيسأل لو فيه سبب واضح لوجودها هنا وخروجها من بيتها وانا قولتله مفيش حاجه لان فعلا هي مقالتش حاجة
_ هي هترجع خلاص، بعد الغدا واما يزيد يمشي ابقى اتكلم معاها وافهم مالها لو قالت مش همشي بردو
_ ماهو يتقول سبب يا تمشي وكفاية بقا عمالين يحطوني في مواقف زي الزفت مع الراجل!
وبعدين أكيد مش زعلانه مع جوزها، لانه بيجي اصلا يبات معاها، اومال سايبة هي كدا البيت لمين؟
_ يمكن متخانقة في حماتها؟
_ ما تقول متخانقة في حماتي، هي دي بتستر يعني؟
وفي تلك الأثناء، خرج يزيد من الغرفة وهو يبتسم لهما ويقول:
_ مساء الخير... معلش مقدرناش نصحى نفطر معاكم
رد مجدي في ابتسامة:
_ مساء النور يا حبيبي، ولا يهمك المهم انك كنت مرتاح في نومك هنا
_ انا مرتاح في اي مكان فيه روني
ردت حورية في ابتسامة عريضة:
_ فيك الخير يا حبيبي، يخليكم لبعض ولا يحرمكم من بعض ابدا قادر يا كريم، يلا تعالى قرب علشان تاكل
_ مش هقدر والله يا طنط، أمجد اتصل بيا وعايزني معاه كدا في كام حاجة قبل الفرح، وخلاص الفرح زي ما حضرتك عارفة انه بكرة.
وانا اتأخرت في النوم اوي ويدوب ألحق
تدخل مجدي قائلًا:
_ هتمشي على لحم بطنك يعني؟
_انا والله يا عمي مش بعرف آكل اول ما بصحى من النوم، أكل تقيل كدا، على المغرب هبقى اروح اتغدا معاهم في القصر
_ احنا فين والمغرب فين يا ابني، اقعد كُل معانا على قد نفسك و متزعلنيش
واضافت حورية:
_ لو عايزني اجبلك اكل خفيف، كفطار يعني، قولي حبيبي وانا اجبلك
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ خلاص مفيش داعي تتعبي نفسك، انا هاكل معاكم على قد نفسي حاضر
وبالفعل جلسوا جميعًا على السفرة وتناولوا الغداء في هدوء...حتى ذهب يزيد.
وبعدما ذهب، تحدث مجدي إلى ابنته:
_ في إيه بقا، مش عايزة ترجعي القصر ليه؟ مين مزعلك هناك؟
أطرقت برهة تفكر في الأمر... ثم ردت:
_ مفيش حاجة، محدش مزعلني، كنت بريح اعصابي بس وماشي همشي
_ روني، انا مش بقولك كدا علشان عايزك تمشي، كل ما في الأمر إني عايز افهم لان حماكي كلمني وانا لازم اقوله بنتي سايبة بيت جوزها وقاعدة عندي ليه!
_ فهماك يا بابا... على العموم خلاص انا بقيت احسن، هقوم بقا لاني ورايا آخر تجهيزات للفرح بتاع بكرة، عن اذنكم
انصرفت ذاهبة إلى غرفتها، فقالت حورية لمجدي:
_ تفتكر في حاجة وهي مخبياها علينا؟
_ دا كدا كدا، بس هي مش عايزة تقول
_ طب ليه؟
رفع كتفيه مستنكرًا ثم قال:
_ مش عارف، علمي علمك
_ قلبي واكلني عليها هي ومايا يا مجدي، لحد دلوقتي محملوش، خايفة يكون عندهم مشكلة ولا حاجة
_ البت ملهاش كام شهر متجوزة، خلاص خلتيها عندها مشكلة!
_ طب ما انت عارف اللي فيها يا مجدي وعارف انا ليه قلقانة!
ثم انه مايا اتأخرت بقالها سنة ونص جواز اهو بدون حمل!
_ دي أمور خاصة بيهم بلاش ندخل احنا
_ ليه انت هتفرح وهما بيجيبوا على واحدة من بناتك ضرة بسبب عدم حملها؟
_ أكيد لا
_ ماشي بس انت عارف اللي فيها و...
_ بس مفيش عقم، في النهاية هي خلفت بنتين أهو!
ان شاء الله ربنا هيرزقهم قريب، سواء مايا ولا روني، بس بلاش انتي تقعدي تضغطي عليهم بالموضوع دا لانه اساسا هو لوحده موضوع مُقلق وبيضعط على الواحد وحسّاس جدا كمان
_ ايوا بس انا مينفعش اسكت، دول بناتي، وانا فاهمة كويس دماغ عبير دي وعارفة انها نفسها تمسك غلطة على بناتي او عيب علشان تعمل مشكلة
نهض ورد في نبرة صوت عالية نسبيًا:
_ شوفي اللي يريحك واعمليه يا حورية.. انتي أدرى
ثم تركها متجهًا نحو المرحاض، فتمتمت:
" لا ماهو مينفعش واحدة تيجي تقاسم واحدة من بناتي في جوزها ولا ينفع يبقى فيه جوا قصر الزيني هوانم غير بناتي... يبقى علشان كدا كل واحدة فيهم لازم تجيبلها حفيد والتاني للعايلة، زي ما هانيا حبيبة قلبي عملت كدا.."
ثم قامت هي الأخرى واتجهت نحو غرفة روني، طرقت الباب ودخلت وكانت الفتاة تبدل تعدل من شعرها أمام المرآة، فقالت:
_ في إيه يا ماما؟
_ متأخرة في الحمل ليه؟ كشفتي؟
_ مش متأخرة ولا حاجة، انا متجوزة بقالي ٤ شهور بس!
_ كشفتي؟
_ لا واكشف ليه؟
_ اكشفي
_ ليه؟
_ ليكون عندك نفس مشكلة خالتك حنان، بويضتها ضعيفة وكانت بتحمل بصعوبة و بتسقط كتير
تنهدت الفتاة وردت:
_ لا مش هكشف حاليا، انا مش عايزة اولاد دلوقتي
ردت أمها في نبرة صوت عالية نسبيًا:
_ ليه بقا ان شاء الله؟ مش عايزة اولاد ليه؟
_ بقولك حاليا، مش مش عايزة أولاد!
_ ليه بردو ليه؟
زفرت في ضيق وردت:
_ والله دا قصر ما يتطاق وعندي مشاكل مع كل اللي فيه ومنكدين عليا عيشتي، مش وقته خلفة ولا عيال، استقر بس معاهم الأول واشوف الأمور هترسي على إيه وبعد كدا ابقى افكر في العيال
_ لا لا، اسمعي بقا أما اقولك، أنا صبرت عليكي وعلى كلامك الغريب دا كتير، لكن انسي اني اصبر تاني.. بلا نفسيتي بلا مشاكل بلا بتاع، مفيش بيت بيخلى من المشاكل وبالأخص بيوت العايلة حتى لو كانت جنة، ولو قاعدة مأجلة حملك علشان الأمور تستقر وتخلى من المشاكل، أنسي، كدا هتفضلي طول عمرك بدون حمل ولا عيال
وفي تلك الأثناء، صدح صوت هاتفها، أمسكته وقالت وهي تنظر إلى شاشته:
_ ماما، هانيا بتتصل، أجلي الخناقة دي بعدين علشان نازلة انا وهي نجيب حاجات ناقصة وكدا معناها انها قربت توصل وانا كدا هلطعها، سلام يا مامتي
انهت كلامها وسحبت حقيبة يدها وانصرفت على الفور، تتبعت الوالدة أثرها وتمتمت:
" منك لله، دايما كدا منشفة ريقي وتعباني معاكي يا ام مخ مقفّل.."
**********
عادت ماهي إلى القصر وخاصة بعدما عاتبتها كاميليا لعدم وجودها معها طوال الوقت وهي عروس جديدة، وعقب مرور وقت عاد شهاب هو الآخر و انشغل في تجهيزه وهي أيضًا لم تنتبه إليه فانشغلت بنفسها و بأختها.
وكذلك الجميع، لم يحدث شيء يذكر في تلك الفترة والسبب هو انشغال الكل بتجهيز أنفسهم وغيره من الأشياء...
حتى جاء موعد الزفاف في اليوم التالي.
والجدير بالذكر أن الجميع في صباح ذلك اليوم التفتوا إلى أنفسهم وكيف سيبدون في تلك المناسبة.
ولما انتهت هانيا من تجهيز نفسها وجاء فستانها هاديء ورقيق وبسيط مثلها، لونه بيج وطويل وصك به القليل من اللؤلؤ و الأحجار الكريمة، ولم يهتم بشكلها جياد تلك المرة بسبب غضبه الشديد منها بعدما منعته عنها دون داعي، فكل ما في الأمر انتهى من تجهيز نفسه في صمت ثم انصرف جوارها في هدوء دون أن يعطي أي تعليق.
وركبت جواره في السيارة في صمت هي الأخرى ولم تهتم بصمته وعدم تعليقه في الحقيقة.
واتجها وحدهما نحو القاعة.
أما روني فقد ارتدت فستان بينك فاتح وجاء فستانها مقفول من جميع الجهات وانيق وتسريحة شعرها مرفوعة إلى الأعلى والميك اب كان بسيط للغاية، مما جعل يزيد يستغرب منها، فهي دائمًا ما تحب أن تثير الجدل معه بفساتينها التي لم تعجبه قط!
تعجب، هو بالفعل متعجبًا من تصرفاتها كلها منذ وقت ولكنه أصر على معرفة ما بها عقب الانتهاء من فرح أخته.
وداخل القاعة، كان الجميع يجلس في الانتظار، بالأخص شهاب فكان هناك وحده دون ماهي والتي كانت ترافق أختها.
وكان الشيخ يستقبل زواره وضيوفه ومن جاء ليبارك له من عيلة القوم ورجال الأعمال رفقة ابناؤه الأربعة ووالد أمجد العاجز عبدالعزيز باشا بالإضافة إلى مجدي السلاب والذي لم يتركه لحظة واحدة كأن من ستتزوج ابنته.
وفي الجانب الآخر، وقفت عبير مع السيدات تستقبلهن وترحب بهن في فرح وحماس رفقة حليمة والدة العريس وفاطيمة خالته، بالإضافة إلى أسيل ورهف اخوتا العريس.
وعلى الطاولات المركزية، جلسن بنات السلاب بجانب بعضهن البعض، يبتسمن ويرحبن بمن يأتي ويرحب بهن في وقار و فرح.
وعقب مرور وقت ليس بقليل ولا بكثير، وصلت العروس مع عريسها ودخل معهما كلًا من ماهي و باسم وبعض من أصدقاء كاميليا وامجد المقربين للغاية.
اشتغلت الأغاني في الارجاء وتركزت الكاميرا على العروس والتي كانت تبتسم فرحة بطلتها الهادئة والجميلة.
وكان أمجد يسير بجانبها في شموخ، مرفوع الرأس.
وبمجرد جلوسهما على الكوشة جاء الجميع وبدأوا يباركون لهما في ترحيب حار.
اتجهت رهف نحو باسم والذي كان يقف ملازمًا العريس، وقالت له في ابتسامة:
_ مقولتليش رأيك في فستاني؟
التفت لها وكان فستانها بلون الزرق منفوش وكانت طلتها كلها، تشبه الأميرة سندريلا بالفستان الأزرق، لذا ابتسم لها وقال:
_ زي القمر يا رهف، طول عمرك زي القمر يا قلبي
_ بجد؟ بجد عجبتك يا باسم؟
_ اه يا بت مالك في إيه؟ ثقي في نفسك شوية!
_ كله فضل يقولي انتي حلوة جدا يا رهف وكل حاجة فيكي مظبوطة بس أنا قولتلهم رأيكم كلكم ميهمنيش اهم رأي عندي هو رأي روح قلبي وقرة عيني، باسم خطيبي واللي قريب هيبقى جوزي وشايلة اسمه
ابتسم ومد يده لها قائلًا:
_ يلا نرقص؟ العريس والعروسة هيرقصوا، تحبي؟
_ اه يلا
ردت في فرحة.
وفي الساحة الواسعة للرقص، وقفا العروسان في المنتصف، وحولهما باقي الأزواج، فكان يزيد يرقص مع روني والتي ما إن قابلت عيناها عيني باسم، حتى انتفض جسدها وارتعد قليلًا وخبأت وجهها في كتف زوجها أثناء الرقص، ولاحظ يزيد ذلك ولكنه لم يفهم السبب، حقًا أصبحت زوجته غريبة في الآونة الأخيرة.
وفي الجانب الآخر، كان شهاب يرقص مع ماهي وكلًا منهما لا ينظر إلى الآخر، بل فعلا ذلك فقط رآء الناس.
وأثناء رقص أمجد مع كاميليا، كانت عيناه لا تبتعد عن ماهي والتي كان في أشد حاجته إليها في مثل ذلك اليوم، لا أختها، كانت طلتها جريئة ومختلفة وجميلة للغاية كعادتها، ترتدي فستان زيتي اللون، ضيق يبرز تفاصيل جسدها، به بعض النقوش البسيطة والجذابة، وكان بحملات عريضة.
وكذلك تسريحة شعرها كانت عصرية وانيقة وكذلك الميك اب.
وفي الجنب الآخر للعروسان، وقف جياد أمام هانيا وبدآ يرقصان في صمت وبرود، كانت عيناه تتجول فوقها في اشتياق مولع، يود أن يحضنها شوقًا وحنينًا ولكن كبريائه كان يمنعه بسبب رفضها المستمر.
وكلما طاف شهاب نصف دائرة اثناء الرقص، اختلس بعض النظرات من حبيبته هانيا والتي بدأت تلاحظ نظراته لها.
وفي نفس الجانب، كانت تالية ترقص مع نزار والذي طلب منها بنفسه أن يرقص معها، وافقت ولكنها أثناء الرقص لم تتوقف قط عن تخيل نزار حبيبها جياد والذي كان منشغلًا بزوجته والنظر إليها كل ثانية.
وعند ناحية يزيد وروني، كانت عيني أسيل معلقة بيزيد ومتجاهلة زوجها الذي يطوف معها بحكم الرقصة.
وكان باسم يبتسم ما إن يرى روني تهرب منه ومن الالتقاء بنظراته، متجاهلًا النظر او الاهتمام بخطييته رهف والتي كانت ترقص معه في فرحة وسعادة.
وأثناء رقصهم، أمالت حليمة نحو أذن فاطيمة وهمست:
_ مين الحلو اللي بيرقص مع بنتك دا يا فاطيمة؟
_ مش عارفة... أما استفرد بيها بس بنت ال*****، بقا تعرف واحد ومتقولش!
وعقب الانتهاء من تلك الفقرة، ومرور بعض الوقت، حان موعد الطعام، [ اوبن بوفيه]
أمسكت هانيا بطبقها ووقفت في الصف تنتظر دورها حتى تختار من الطعام ما تريد، وأثناء وقوفها، كان شهاب يقف في الجهة الموازية لها ينظر إليها، فالتقت أعينهما ببعض، مرة والثانية، فلاحظت ماهي والتي كانت تقف على بعد من زوجها ببعض السنتيمترات، لذا لاحظت تلك النظرات ببساطة، وعليه اتجهت نحو هانيا حتى وقفت قبالها وقالت لها في نبرة صوت حادة:
_ احترمي نفسك واحترمي كونك ست متجوزة وحامل وبطلي بصبصة على حاجة متخصكيش
نظرت إليها هانيا في ضيق ثم بدأت تبتعد عنها دون رد، ولكن ماهي أمسكتها من ذراعها أثناء سيرها وتابعت في نبرة أقوى:
_ سمعتي ولا عاملة نفسك طارشة؟
شدت الفتاة يدها منها وهي تقول في ضيق:
_ اوعي يا ماهي ايدي كدا
ولم ترد عليها أيضًا بل تابعت سيرها في الابتعاد عنها، ولاحظ جياد ذلك وعليه أقبل نحو أخته وسألها:
_ في إيه؟ مالك كنتي بتشديها من دراعها كدا ليه؟
زفرت في ضيق وردت:
_ كنت بقولها متبوصيش لحاجة غيرك، وياريت جوزك بقا يملى عينك علشان قرفت منها ومن نظراتها لجوزي طول الوقت
أنهت جملتها بنفس تلك الطريقة القاسية ثم تركته وذهبت.. التفت حوله يبحث عن زوجته والغيظ يأكل خلايا قلبه، والغضب يسري في عروقه مجرى الدم تقريبًا، فوجدها تقف أمام أحد الأطباق الكبيرة تأخذ منه طعامًا وتضعه في طبقها الصغير الذي تمسكه في يدها.
اقترب منها ووقف بجانبها صامتًا لثواني، فتعجبت من أمره وعليه قالت:
_ إيه؟
أخذ الطبق من يدها ثم أمسك بالسكين الصغير الذي كان موضوع على طرفه بجوار الشوكة وقال وهو يقطع قطعة الكيك إلى نصفين:
_ يجوز استخدام السكاكين في أمور متعلقة بالشرف.... والكرامة
وبمجرد انتهاء الجملة، انشطرت قطعة الكيك إلى نصفين، نظر إلى القطع المقسومة ثم إليها لثوان ثم وضع الطبق على الطاولة وانصرف.
تنهدت وهي تبتلع ريقها...
وهناك كان شهاب يلاحظ ما يحدث، وعليه قال لزوجته والتي كانت تقف معه:
_ انتي روحتي عملتي إيه؟ اتكلمتي معاها في إيه؟
_ وانت مالك، يخصك في إيه؟
زفر في ضيق، ثم سكت لثوان معدودة .... ثم قال:
_ جاي تاني
_ رايح فين؟
_ قلت جاي تاني
_ وانا بقولك رايح فين!
_ ما خلاص يا ماهي خلصنا، قلت جاي تاني!
انهى جملته، ولم يبرح أن خطى خطوة واحدة، حتى سمعها تصرخ متأوه، فنظر إليها في استغراب وفي الوقت نفسه وجد الشيخ يأتي في عجلة وهو يقول لها:
_ إيه يا ماهي، مالك بتصرخي كدا ليه؟
ردت في تصنع الألم:
_ شهاب وهو ماشي داس على صباع رجلي وجعهولي اوي يا بابا
ربت والدها على كتفها وهو يقول:
_ معلش يا حبيبتي... وانت يا شهاب مش تاخد بالك؟
تنهد الشاب ورد:
_ المرة الجاية حاضر
_ هو أيه البرود دا يا ابني، البنت موجوعة وانت دوست على صباعها، دا بدل ما تعتذر؟
نظر إليها في ضيق فهو لم يفعل، إنما هي حركة منها مقصودة لتضايقه، ولكنه قال لها:
_ سوري يا ماهي، ماخدتش بالي يا حبيبي
ردت وهي لا تزال تتصنع الوجع:
_ شهاب، ممكن تبص على صباعي؟ لاني حساه واجعني اوي، يمكن حصله حاجة، انا لابسه هيلز مفتوح لأنه.
زفر في ضيق وهو يستغفر ربه، ثم رد:
_ حاضر يا ماهي حاضر
وبالفعل جثى على ركبتيه أمامها وهو ينظر إلى الأسفل نحو قدميها، وقال ساخرًا:
_ انهي صباع يا روحي اللي انا دوست عليه دا؟
_ صباعي الكبير في رجلي الشمال يا حبيبي
ثم نظرت إلى والدها واضافت:
_ خلاص يا حبيبي، تقدر تروح تشوف ضيوفك وناسك، انا معايا شهاب اهو هيشوفني وهيخلي باله مني
هز رأسه موافقًا في ابتسامة ثم انصرف، بينما ماهي نظرت إلى هانيا وهي ترفع لها أحد حاجبيها، وتبتسم، ثم نظرت إلى شهاب الجاثي عند قدميها، تخبرها بلغة الإشارة، أنه معي و سيصبح تحت قدمي عم قريب.
أما هانيا فكانت تنظر إليها في ضيق هي و زوجها والذي بدأ يستقيم من جديد.
وقف شهاب أمام ماهي وهو يعقد ذراعيه أمام صدره وقال:
_ مش عارف بتستفادي إيه من الحركات دي بجد!
اقتربت منه وضمته إلى صدرها فجأة وهي تقول في صوت مسموع:
_ شكرا يا حبيبي، تعبتك معايا...
ثم همست جانب اذنه، أثناء ضمها له:
_ اديك شفت بابا مستحملش يسمع صرخة واحدة بس مني ولا استحمل يشوفني موجوعة لدقيقه واحدة، وقالك مش تاخد بالك... تخيل بقا يعرف ولا يشم خبر بس باللي انت عملته فيا...
انهت كلامها، ثم ابتعدت عنه قليلًا لتجعل أعينهم تلتقي... ثوان وابتعدت عنه تمامًا متجهة نحو أختها العروس.
ولم يكن هناك مواقف مهمة حدثت، غير ما تم ذكره، لذا مرّ ما تبقى من وقت حفلة الزفاف على خير تقريبًا حتى انتهى...
************
وداخل غرفة روني في منزل مجدي السَّلّاب، تحدث يزبد إليها في ضيق:
_ روني، انتي قولتيلي هروح بيت بابا الم هدومي وحاجاتي ونرجع القصر، ليه دلوقتي بتقوليلي خليها بكرة؟
شردت الأخرى تتذكر ملامح باسم المستفزة وعليه ردت:
_ معلش، النهاردة بس اصله...
قاطعها مصدرًا لها كف يده ثم قال:
_ خلاص لا أصل ولا فصل...
انهى كلامه ثم اتجه نحو البلكون وقال لها:
_ متجيش ورايا لو فكرتي تيجي يعني، عايز اكون لوحدي
وبالفعل دخل، وعقب مرور وقت... تحدث عبر هاتفه دون أن يعرف أنها تسمعه، فقال لمستمعه:
_ عقبال ما اجي هكون عايزك تجهز لي مفاتيح اوضة التحكم بتاعة الكاميرات اللي في القصر، وبلاش الشيخ يعرف حاجة... خليها بينا...
ما إن سمعت كلامه هذا، حتى فزعت، فإذا أفرغ الكاميرات، سيرى دخولها وبقاها في غرفة باسم لمدة طويلة ثم خروجها وهي مذعورة.. لذا خافت وبدأت تفكر سريعًا في ماذا ستصنع؟
************
وفي الوقت نفسه، وبالتوازي مع ما حدث قبل قليل بين يزيد و روني، كانت هانيا قد بدلت فساتنها وارتدت منامة ضيقه تصف تفاصيل جسدها، كانت تقف أمام المرآة تمشط شعرها بعدما أزالت الميك اب.
وكان جياد يجلس على الأريكة بعدما بدل ملابسه هو الآخر، يتطلع إليها في اشتياق كبير... ومن شدة حبه لها وتعلقه بها، تنازل هذه المرة أيضًا وقرر أن يبدأ مرة أخرى معها، وعليه اتجه نحو الخزانة وأخرج لها ملابس على كيفه، تروق له، وقال لها في ابتسامة:
_ انا شايفك النهاردة رايقة و حلوة وكنتي بترقصي مع العروسة وبتضحكي بأعلى صوت، فأظن انك مش تعبانة بقا!
البسي دا يلا وخلينا نسهر مع بعض شوية ونلعب، فاكرة المسابقة؟ مسابقة الأسئلة بتاعت الجزيرة، تعالي نعمل حاجه شبهها، البسي بس دا، هيكون شكله خطير عليكي
نظرت إلى ما في يده ثم ردت:
_ لا، دا قصير جدا ومفتوح من كل حتة مش هينفع
_ ايوا يا حبيبتي ماهو دا المطلوب، انا بقولك ألبسيه ليا أنا في اوضتنا، مش بقولك نخرج نتعشا بيه برا يعني!
_ لا بردو مش عايزة البس الكلام دا
زفر في ضيق وبدأ يبحث عن آخر وقال:
_ دا بلاش دا، إيه رأيك في دا؟ طويل اهو شوية ومحتشم
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ لا بردو وحش
وفي نفس الوقت، صدح صوت هاتفها، اتجهت نحوه فوجدت المتصل أختها روني، استقبلت المكالمة وقالت:
_ إيه يا روني؟
وبمجرد أن اخبرتها، قالت الأخرى في توتر:
_ طيب، طيب حالا حالا
ثم انهت معها المكالمة وبدأت تتجه نحو الخروج في سرعة، ولكنه عرقل طريقها وهو يقول:
_ على فين؟
_ روني عايزاني بس و..
_ لا، حواراتك كترت انتي وروني
_ معلش بس الموضوع مهم
_ قلت لا، مش كل شوية هو، امبارح كله كنتي معاها وقبلها بردو... وروني نفسها لو جوزها عايز حاجة منها ولا هتعرفك، وانا مش راضي عنك ولا انتي مفرحاني اوي علشان اوافق انك تخرجي من اوضتي وتروحي لاختك في وقت متأخر زي دا
_ بقولك مهم
_ وانا بقولك لا، انتي عمالة تدايقي فيا وترخمي عليا، وبقيتي رخمة فوق الوصف وانا مش عاجبني طريقتك دي ولا عارف في إيه ولا حصل إيه فجأة علشان تتعاملي معايا كدا؟
كانت تنظر إليه في ضيق دون كلام.. فتابع:
_ يلا البسي دا بقا وفرحيني شوية نشفتي ريقي!
_ لا مش هلبس وهروح أنام
ألقاه في الأرض وصاح في غضب:
_ لا بقا، أنا النظام دا مينفعنيش دا حرام بجد اللي بيحصل فيا دا، حرام!
انا من ساعة ما اتجوزتك وانا مقربتش منك إلا ٣ مرات بالعدد، في كل شهر توافقي تخليني أقرب منك مرة واحدة، بقيت زيي زي البريود بتاعتك بالظبط، احنا الاتنين بنجيلك كل شهر مرة!
دا بقا يرضي مين؟
رفعت كتفيها في استنكار وردت وهي تمط شفتيها:
_ مليش فيه، دا اللي عندي
_ دا اللي عندك؟
_ اه
_ لا والله ما هسكت، هتصل بابوكي بقا يشوفلي حل في الموضوع دا، مادام لا الود نافع ولا الغير ود نافع ولا في أي حاجة نافعة معاكي، واللي يقوله عمي مجدي أنا راضي بيه مهما كان، لان العيشة دي مش هتنفع خالص بالمنظر دا، جبتيلي عقد من البيجامات واللبس المقفل واللبس عموما يا شيخة
_ وهتتصل ببابا تقوله إيه ان شاء الله؟
_ والله هقوله اللي حصل واللي بيحصل معايا ويشوف هو بقا الكلام دا يرضيه ولا لا
ردت في تلقائية وسرعة:
_ اتجوز واحدة تانيه، انا موافقة انك تتجوز عليا، مش أنا مقصرة في حقك؟ اتجوز اللي تديك حقوقك كاملة لاني مش قادرة أقوم بيها... وبكدا نكون عرفنا حالة من الحالات اللي بسببهم ربنا حلل للراجل يتجوز أربعة
كان ينظر إليها في صدمة مليئة بالخذلان، لا يصدق ما سمعه بأذنه... أطلبت منه حقًا بأن يتزوّج بأخرى؟ أحقًا استطاع لسانها أن ينطق تلك الجملة، أقالتها بكل تلك البساطة، تزوّج بأخرى؟! كأنه لا شيء بالنسبة لها، كيف لزوجة أن تطيق ضرة عليها في هذه الدنيا؟ أهانت عليها كرامتها ونفسها، فقط لكي تتخلص منه ومن حقوقه الزوجية التي باتت كحمل شاق عليها!
ألهذه الدرجة تبغضه ولا تود قربه؟
وعقب صمت طال من الخذلان وحبس الدموع داخل الجفون... هز رأسه موافقًا، ثم تنهد... وقال:
_ وقولتيها عادي بكل سهولة؟ للدرجادي مش عايزاني أقرب منك؟ للدرجادي انتي مش طيقاني؟
_ انا قولتلك أنا حامل وتعبانة ومش قادره ونِفسي مموّعة ومش طايقة أي حاجة وانت مش قادر تستنى، علشان كدا اقترحت عليك دا
رد في نبرة صوت ضعيفة مليئة بالخذلان:
_ ويا ترى بقا عندك عروسة؟
.. تعرفي واحدة بنت حلال جدعة وحلوة علشان تجوزيها لجوزك؟
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ لا للأسف... بس انت مش هتتوصى يعني، ما شاء الله عليك كنت عارف بنات بعدد شعر راسك زمان، معقولة هتغلب دلوقتي؟
_ انتي ازاي كدا بجد؟ إزاي!
تنفس وصدره يعلو ويهبط اثر الحزن والخذلان الذي فطر قلبه إلى عدة أنصاف، وأضاف:
_ بس انتي معاكي حق... انا فعلا هتجوز وانتي هتفضلي متعلقة كدا لا طايلة سما ولا أرض، هتفضلي عايشة وحيدة في الاوضة دي مع نفسك
انهى كلامه وهو يطالعها من أعلى إلى أسفل في قرف وضيق، ثم انصرف خارج غرفة النوم، كان يسير في خطوات سريعة مليئة بالغضب، وفي الوقت نفسه كان يزيد يتجه نحو غرفة التحكم كي يفرغ الكاميرات ولم يرَ ايا منهما الآخر.
طرق جياد باب غرفة والدته، بينما يزبد دخل الغرفة...
فتحت عبير الباب وقالت له:
_ إيه يا جياد؟ في حاجة ولا ايه؟
_ ممكن نتكلم شوية؟
_ اه، سمعاك
_ لا، تعالي ننزل نتكلم تحت شوية
_ ماشي، هحط شال عليا ونازلة
_ هسبقك
داخل الغرفة، بدأ يزيد يفتح جهاز الكمبيوتر ثم أخذ يبحث عن تاريخ اليوم الذي يود أن يفرّغ كاميراته، وهو اليوم نفسه الذي تغيرت فيه زوجته تمامًا، بالأخص عندما فقدت الوعي بين ذراعيه..
وفي الأسفل نزلت عبير لابنها وقالت له في ابتسامة وهي تجلس أمامه:
_ ايه يا حبيبي، فيه إيه؟
_ أنا عايز اتجوز وعايزك تشوفيلي عروسة حلوة اوي وتعجبني وتدخل دماغي، وقولتلك علشان تبدأي تدوري عليها وتلاقيها في أسرع وقت
عقدت السيدة حاجبيها في استغراب وردت:
_ تتجوز ليه؟ مراتك عملت ايه؟ دي حامل وانت بتحبها... أنا مش فاهمة حاجة هو في إيه؟
_ هي موافقة وهي اللي قالت لي اعمل كدا... هي الحمل تاعبها ومبقتش قادرة توفي حقي، ودا بالتراضي بينا
ابتسمت وردت:
_ طب يا حبيبي طالما بالتراضي بقا وهي معترفة بتقصيرها... إيه رأيك في تالية؟ بنت عمتك وبتحبك من زمان وسبق وقولتلك عليها.... اللي بتحبك، هدعلك، هتقيد صوابعها العشرة شمع عشانك، وبكدا يكون معاك اللي بتحبها الحامل التعبانة دي، واللي بتحبك و تعمل كل اللي في مزاجك علشان ترضيك وتكون مبسوط منها، ها إيه رأيك؟
هز رأسه موافقًا، فردت في فرحة أكبر:
_ يعني اكلم عمتك؟
_ اه كلميها، من بكرة الصبح ياريت
_ ماشي يا حبيبي، بس كدا! انت تؤمر، هطلع أنا بقا لابوك علشان ميدايقش إني سبت الاوضة ومن بكرة الصبح أول حاجة هعملها هفاتح عمتك في الموضوع دا وان شاء الله توافق وتفرح يا حبيبي
هز رأسه موافقًا وهو يبتسم لها... انصرفت الأم بينما هو رفع رأسه للأعلى بصره مسلط نحو الغرفة التي بها زوجته، وتحدث صوته الداخلي:
" ماشي يا هانيا، ان ما ندمتك عليا!"
ثم ابتسم وتابع في صوت خفيض:
" تالية تالية وماله، ماما معاها حق، فعلا هتعمل كل ما بوسعها علشان ترضيني..."
ثم أسند رأسه إلى الخلف يفكر....
**********
بس كدا
رأيكم وتعليقكم مهم معايا والفوت كمان، دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
دي شوية تعليمات مهمة، تعالوا على نفسكم واقرأوها وبلاش تعملولها اسكيب❌️❌️
اول حاجة، بعتذر عن تأخيري طول فترة العيد، بس دا اصلا كان بسبب اختياركم، انا عملت فوت والمعظم اختار البارت ينزل يوم الاتنين وانا اختفي في العيد بسبب سفري ومناسباتي، وفعلا انا مقدرتش انزل ولا اكتب حرف واحد لاني كنت خارج القاهرة لوقت طويل.
ثانيا، ليا طلب عندكم، ارجوا انكم متحكموش على الرواية من قفلة بارت، ليه؟ علشان ممكن القفلة دي ترد عليكم البارت الجاي بالسلب وممكن بالايجاب وممكن ترد قدام لسه في بارتات متقدمة واحداث لسه هتيجي وهكذا، فمتتعصبوش اوي من القفلة وتبنوا عليها أحداث من وحي خيالكم.
ثالثا، الرواية دي مليانة شد اعصاب وتوتر وفيها استفزاز وفيها أحداث جامدة و صادمة وفيها شخصيات قوية ذات صفات حادة او صارمة او حتى سيئة للغاية ويصعب توقع احداثها وشخصيتها بشكل كبير جدا.
الراحة، الكوميديا، الأحداث الهادية، مش موجودة في الرواية دي إلا بنسب صغيرة واوقات معينة وفقط.
لو انت بتحبث عن رواية خفيفة، ليها مود مضحك او عائلية خفيفة ولذيذة كدا وكلها دفا وحب ومشاعر الخ...فالرواية دي لن تناسبك قط، لذا لو كنت تشعر باشمئزاز من الأحداث او توتر او عصبية مفرطة ومش قادر تفصل بين الواقع و الرواية، انصح بشدة تركها والبحث عن لون آخر يناسبك، المرارة واحدة فقط يا عزيزي.
كنت صريحة معاكم لأبعد حد، ياريت بقا نخلص من نقطة دي رواية مستفزة وصعبة، علشان لسه فيها استفزاز وحاجات أصعب جاية علشان كدا حبيت اعرفكم من الأول تاني وكأني مقولتش حاجة قبل كدا.
رابعا، العيد خلص ورمضان خلص وكل المناسبات خلصت وبكدا هنرجع تاني لمواعيدنا القديمة
[اتنين وجمعة الساعة ١٢ منتصف الليل، ولو أمكن بتبقى بدري كام ساعة]
خامسا، القراءة في صمت مش محمسة خالص وبتحسس الكاتب بشعور فقدان الشغف الدائم ودا مش هيساعده ينتظم لوقت طويل، في فترة الاجازة دي وعدم الانتظام وقت رمضان والعيد، كنت بشوف انتوا قد ايه عايزين الرواية ومستنيين الفصل وبتسألوني على اللي بعده دايما وعلشان كدا كنت بجاهد علشان اعرف انزل فصل بعد ما كنت ناوية منزلش في رمضان إلا مرة ولا حاجة ووقت العيد كان نفسي انزل لولا اني كنت برا القاهرة العيد كله فمعرفتش انزل حاجة بس اول ما رجعت ماخدتش بريك وبدأت اكتب علطول ودا ليه؟ بسبب حماسكم وانتظاركم وسؤالكم دايما عن البارت.
يبقى كدا الملخص، الفوت و التعليقات مهمة، الاتنين بيخدموا الرواية وانا، بيخلوها هي توصل لعدد اكبر و بيجددوا شغفي أنا وحماسي ليها علشان تنزل دايما أول بأول.
كدا خلصت، جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثالث و الثلاثون[ اتهام خطير]
سلمى خالد احمد
*****************
وفتح الحاسوب ولكن قبلما يضغط على أي من الملفات كي يفتحه ويرى ما به، انقطعت الكهرباء، وعليه التفت حوله يحاول أن يستوعب تلك الصدفة الغريبة، ثم خرج من الغرفة وهو ينظر إلى الأسفل وقال في صوت عالي:
_ هو فيه إيه؟ الكهربا قطعت ازاي؟
وفي تلك الأثناء، لمح روني وهي تدخل من مدخل القصر تمسك الهاتف تنير لنفسها بكشافه ثم بدأت تصعد له في خطوات سريعة إلى حد ما، وقالت ما إن توقفت قباله:
_ مشيت وسبتني ليه؟ مش تقولي انك راجع القصر؟
_ اشمعنى يعني؟
_ علشان كنت هرجع معاك
_ بس انتي قولتيلي لا مش هرجع!
ابتسمت وردت في هدوء:
_ فكرت في الموضوع ولقيت انه خلاص كفاية، بالأخص ان بابا إلى حد كبير صلح الأمور بيني وبين اختي يعني
_ والله!
_ ايوا، حتى اسأل جياد وهو جاي عندنا من يومين كدا علشان ياخد هانيا ملقناش كنا برا مع بابا بيصالحنا على بعض... يزيد معلش سامحني، انا علاقتي بأختي قوية اوي واحنا مش اخوات وبس، احنا اخوات واصحاب و قرايب وكل حاجة بالنسبة لبعض، علشان كدا أما اتخانقنا خناقة كبيرة زي دي أثرت على نفسيتي جدا جدا وحبيت ابعد واروح لبابا علشان ميبنش عليا إني رخمة قدامك ومبوخة ومأريفة وكدا...
تعالى ندخل اوضتنا نكمل كلامنا بدل ما إحنا واقفين في الطرقة كدا
نظر إليها وهو يشك في الأمر قليلًا ولكنه سار معها حتى غرفتهما.
وفي الأسفل وعندما تأكدت هانيا أنهما دخلا الغرفة، رفعت سكين الكهرباء مرة أخرى بعدما تسببت في غلقه المرة الأولى، ثم اتجهت نحو غرفتها.
************
بعدما بدلت ماهي ملابسها عقب رجوعهم من حفل الزفاف، جلست أمام المرآة كي تزيل الميك اب وتفك تسريحة شعرها، وأثناء فعلها ذلك، تساقطت دموعها رغمًا عنها شفقة على نفسها وقهرًا على كرامتها و كبريائها، كم كانت مذبذبة، تائهة، خائفة، حزينة، ذات مشاعر متخبطة للغاية، حتى أنها لم تعد تفهم نفسها ولا مشاعرها.
كانت على الحافة تخشى الانهيار والسقوط ولا تستطيع العودة كقبل.
بينما زوجها، بدل ملابسه واستلقى على السرير كي ينام، كانت تنظر إليه في المرآة ترى انعكاسه ولكنها لم تهتم كثيرًا بل اتجهت نحو الخلاء وجلست على إحدى دراجات حوض الاستحمام، ثم ضمت ركبتيها بذراعيها في وضعية كئيبة وبدأت تبكي وأصوات شهقاتها تتصاعد.
**********
وفي الجهة الأخرى، دخلا أمجد بزوجته الفيلا الخاصة بهما، وبدأ يسير نحو الداخل، أما كاميليا فكانت تتمهل في خطواتها لكي ترى كل تفاصيل الفيلا والتشطيب وغيره بعدما تم تجهيزها كاملة.
ابتسم وقال لها وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
_ اتفرجي براحتك على فيلتك، وخدي راحتك يعني، انا عامة هدخل آخد شاور وانتي على الهادي بقا، اتفرجي براحتك على بيتنا وشوفي حابة تعملي إيه واعمليه، أنا عامة معاكي في اللي يريحك يعني... وهنا اللي في الوش دي اوضة النوم بتاعتنا علشان لو حابة تدخلي تبصي عليها او تغيري هدومك او كدا.
ثم تركها وذهب، ابتسمت وهي تتبع أثره وبالفعل اتجهت نحو غرفة النوم فوجدته يأخذ ملابسه ويدخل المرحاض وهو يبتسم لها فابتسمت تارة أخرى وبدأت تلتفت حولها تشاهد جمال الغرفة في ابتسامة هادئة ثم اتجهت نحو الخزانة كي تخرج ملابسها ثم بدلتها.
ولم يحدث شيء اكثر من ذلك يمكن ذكره في تلك الليلة فكل شيء كان طبيعيًا وكل شيء تم كما يجب أن يكون.
*************
وفي صباح اليوم التالي، كان الشيخ يقف في مكتبه يتحدث مع فاطيمة وابنتها تالية في أمر ما، فقال لتالية بالأخص:
_ مينفعش ابدا انك ترقصي مع راجل غريب يا تالية وسط الناس بالمنظر دا، نزار دا لا هو خطيبك ولا هو جوزك ولا حتى متكلم عليكي معانا علشان تقفي ترقصي معاه في نص القاعة وسط المتجوزين والمخطوبين، بدون حيا ولا خشا
ابتلعت فاطيمة ريقها وردت تدافع عن ابنتها:
_ معلش يا شيخ حقك عليا انا، بنتك وغلطت ونزار صديق العايلة يعني وحد كويس، دا صاحب جياد و...
_ بلاش اعذار فارغة يا فاطيمة بالله عليكي علشان عذرك أقبح من الذنب نفسه
وفي تلك الأثناء، دخلت عبير عليهم وهي تبتسم لفاطيمة ثم قالت لزوجها:
_ عايزة اتكلم معاك شوية يا شيخ ممكن؟
هزت رأسه موافقًا ثم قال:
_ ممكن...
ثم نظر إلى تالية واضاف:
_ متتكررش تاني، انتي غالية علينا وعلى نفسك المفروض، ميصحش ترقصي مع غريب عنك، يلا روحي
وبالفعل انصرفت رفقة والدتها، وعقب خروجهما، سألته زوجته:
_ هو فيه إيه يا شيخ؟ مالها تالية وإيه اللي حصل؟
_ موضوع ميخصكيش يا عبير، قوليلي يلا عايزة إيه بس ياريت بسرعة علشان ورايا متابعة شغل متلتل
_ حاضر، كنت عايزة اكلمك بخصوص جياد
_ ماله جياد؟
_ عايز يتجوز من تالية بنت اختك على سنة الله ورسوله
حملق وهو ينظر إليها في استغراب شديد ثم رد:
_إيه؟!
وفي الأعلى، بينما جياد كان يقف يهندم نفسه أمام المرآة قبل النزول، طرق أحدهم باب غرفته، فتح له فوجدها إحدى الخادمات، وقالت له:
_ الشيخ عايز حضرتك ضروري في مكتبه يا مستر جياد
هز رأسه موافقًا ثم نظر إلى زوجته والتي كانت تمشط شعرها غير آبه لما يحدث، ثم انصرف كي يلبّي نداء والده
نزل وبدأ يسير في بهو القصر قليلًا حتى وصل مكتب والده وطرق الباب، سمح له الشيخ بالدخول ثم قال له:
_ تعالى يا جياد قرب
اقترب الشاب حتى وقف قبالة والده وقال:
_ نعم؟
نظر الشيخ إلى عبير وقال:
_ سبينا لوحدنا شوية يا عبير
هزت رأسها موافقة وخرجت، بينما اضاف الشيخ محدثًا ابنه:
_ والدتك قالتلي انك طلبت منها تطلب لك تالية للجواز مظبوط؟
_ اه مظبوط
_ ليه، ممكن اعرف السبب؟
_ عادي، أنا ومراتي اتفقنا ودا بالتراضي بينا يعني
تابع والده في نبرة صوت حادة قوية:
_ رد يا جياد، ليه عايز تتجوز على مراتك إيه الأسباب؟
تنهد الشاب ورد:
_ مقصرة في حقي.. مش مكفياني وعادي ربنا محلل لي اربعة
تنفس الشيخ ورد:
_ اسمع يا جياد، أنا أما قولتلي يا بابا عايز اتجوز سألتك سؤال واحد بس، هتعرف تفتح بيت وتحافظ عليه وتكون مسؤول عنه؟ هتعرف تشيل مسؤولية زوجة وترعاها وتحافظ عليها؟ انت طبعا رديت بسرعة البرق بدون أي تفكير وقولتلي اه اه هعرف يا بابا طبعا، بس انت وافق وتعالى معايا اخطوبهالي، قولتلك مظنش ان شاب طايش زيك لسه عنده ٢٤ سنة مؤهل انه يفتح بيت ويأسس أسرة، بس انت اتنططت زي العيال الصغيرة ودبدبت في الأرض وقولتلي هقدر ما انا قدرت اكون مدير في شركتك وانا سني أصغر وبس اديني فرصتي، وانا ساعتها بردو قولتلك، بنات الناس مش لعبة والبنت دي بنت صاحبي واخويا وحبيبي، كوني هطلبها منه ليك وهناخدها من حضنه، يبقى لازم تحافظ عليها وتكون ليها سند وعون، قولتلي طبعا طبعا وفضلت تهز راسك زي اجدعه عضو في البرلمان وهو بيأيد الآراء اللي هيندم عليها كمان شوية.
_ ايوا يا بابا بس أنا...
قاطعه متابعًا:
_ انت كدا مش قد الأمانة، انت كدا بتخرب بيتك وبتضيع مراتك ام طفلك منك، فكرك أما تتجوز عليها حتى لو هي قالتلك اعمل كدا هتفضل على ذمتك؟ مستحيل هي هتلاقيك مستغني عنها ومع أقل مشكلة روحت تدور على بديل وهتقولك طلقني يبقى انت كدا خربت بيتك ولا لا؟
_ يا بابا، يا بابا هي ممتنعة عني هي مش راضية هي مش عايزة، إيه أعمل حاجة حرام يعني؟ هيرضيك في الآخر إني اعمل حاجه كبيرة زي دي؟
_ ليه هي ممتنعة؟ إيه اسبابها؟ ماهو أكيد مصحيتش من النوم كدا قالتلك ابعد عني؟
_ والله اسألها وهي تقولك
هز رأسه مؤكدًا ثم قال:
_ أنا فعلا هعمل كدا...
وبالفعل نادى على إحدى الخدمات كي تنادي لها.... وعقب مرور وقت ليس بكثير، جاءت ودخلت عليهما وهي تبتسم للشيخ تقول له:
_ صباح الخير يا شيخ
_ صباح النور يا بابا، تعالي قربي
وبالفعل اقتربت حتى وقفت قباله جوار زوجها، فسألها الشيخ:
_ بصي يا بابا، المواجهة مش بتزعل حد ولا الحق كمان... علشان كدا حابب أسألك سؤال واحد، اتتي اللي طلبتي من جياد يتجوز عليكي وفعلا انتي راضية عن دا؟
نظرت إلى جياد، ثم تنفست في عمق وردت وهي تهز رأسها بالايجاب:
_ اه يا شيخ، أنا فعلا عملت كدا
_ ليه يا بنتي؟ إيه اللي صدر منه خلاكي تقوليله كدا؟ ايه اللي خلاكي تتعصبي منه اوي كدا وتطلبي منه بكل بساطة يتجوز عليكي؟
ردت في ضيق:
_ معندوش صبر، بقا مصدر ضغط كبير عليا... أنا واحدة حامل وتعبانة وكنت بمر بمشاكل نفسية وغيرها، هرموناتي متغيرة ومتقلبة ومش طايقة نفسي وبعيط كتير وعندي توتر وقلق كبير وتفكيري مشتت وحرفيا بمر بأسوأ حالاتي النفسية وجياد كل أما يشوف وشي يحسسني اني مقصرة ومفيش على لسانه إلا طلباته دي، لا بيتكلم معايا ويقدر ولا بيسكت... يعني من الآخر لا بيرحم ولا سايب رحمة ربنا تنزل
رد جياد معلقًا على كلامها في نبرة صوت حادة بها الضيق:
_ والله؟ دلوقتي بقيت أنا الغلطان والراجل القذر اللي مش بيقدر مراته ومش عايزها إلا لمتعته وبس صح؟
انتي ازاي قادرة تزوري الحقايق كدا!
تحدث والده في نبرة شديدة بها تحذير:
_ جياد بس متتكلمش مع مراتك كدا...
ثم اضاف :
_ هي معاها حق، معلش هي حامل والحامل هرموناتها مش ثابتة وبتمر لوحدها بازمات نفسية.. اللي حاصل ان انتوا بس هتخلفوا في أول الجواز وانت ملحقتش تفرح بأول جوازك زي باقي العرسان بسبب حملها المبكر بس تمام الأمور دي كلها طبيعية وبتحصل مع أي اتنين مروا بنفس ظروفكم عادي.
_ يا بابا هي مش بتمتنع بعقل مثلا، دا طول الوقت!
_ معلش تعالى على نفسك، انزل جيم واتلهي في الشغل اهو هنرجع تاني، اقرأ كتاب اعمل أي حاجة مفيدة في حياتك وحل عنها الفترة دي هي تعبانة
_ يا بابا هو دا طبيعي بجد؟ انت متنقع بالكلام دا؟
_ اه طبيعي بجد، انت امك اصلا وهي حامل فيك انت بالذات، كانت مش طيقاني ولا طايقة تشوف وشي وكانت علطول بتعيط وشايلة الحزن... يا ابني لو كل واحد مراته حملت ونكدت وبعدت عنه وفكر يتجوز عليها زيك كدا، كان زمان كل شباب العالم متجوزين على مرتاتهم بقا!
استحملوا بعض شوية انتوا لسه في أول جوازكم مش كدا!
ثم التفت إلى هانيا وتابع:
_ وانتي يا بنتي، شوفي لو تعبانة اوي كدا وحالتك النفسية وحشة بالمنظر دا، أنا هطلبلك ثيرابي تتكلمي معاه وتفضفضي ويشوفك لك حل، أنا مش عايزك تدخلي في اكتئاب ولا توتر وقلق بالشكل المقلق دا
ابتسمت وردت:
_ شكرا اوي ليك، أكيد لو احتاجت مش هتردد اقول... كل اللي عايزاه حاليا إني ابقى لوحدي شوية وليا مساحتي الشخصية من غير ضغط من أي نوع وان شاء الله هكون كويسة
_ أكيد دا هيحصل طبعا...تقدري تمشي
_ عن اذن حضرتك
وبالفعل تحركت ثم خرجت من المكتب كله، وعقب خروجها، قال لابنه:
_ وانت اصبر عليها كدا وطول بالك وخلي عندك دم، البنت تعبانة، اومال عمال بحبها بحبها واطلبهالي يا بابا وكنت هتتجنن عليها، فين بقا اومال الحب دا كان وهم؟
لسه يا ابني، المشاكل ياما هتكتر وياما هتقابلوا، اصبر كدا وحافظ على بيتك ومراتك وابنك وبطل تسرّع وبطل تفكر في نفسك وبس وفي رغباتك!
كان إليه وحسب ولم يرد... هل أصبح هو المخطئ حقًا؟ ماذا لو أخبره بأنها تمتنع عنه لانها تكرهه؟ ماذا لو أخبره ان مشاكلها النفسية تلك سببها حبييها زوج ابنته وليست مشاكل الحمل وهرموناته كما تزعم هي!
يقسم أنه كان سيحتمل منها كل ما يطيق وكل ما لا يطيق إذا تأكد من حبها له اذا تأكد من أن سبب رفضها هو تعبها بالفعل وليس تفكيرها في رجل آخر غيره، حقًا لا أحد يفهمه، لا أحد يعلم الحقيقة كاملة سوى قلبه المُهلك من تدميرها له ببطء.
ولما رأى أن لا كلام لديه آخر يمكن أن يُقال... هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ حاضر يا بابا، هستحمل..هستحمل اي حاجة علشان خاطرها وخاطر ابني، هستحمل علشان بحبها وعلشان تتأكدوا كلكم إني عملت وقدمت كل ما في وسعي وحاولت مرة والتانية والعاشرة...
************
استيقظ أمجد من نومه على صوت كاميليا وهي تنادي عليه وتهزه في هدوء كي يستيقظ، وقال لها بصوت نعس:
_ صباح الخير يا كوكي
_ صباح النور يا قلب كوكي، يلا اصحى حضرتلك الفطار بنفسي على السفرة برا، يلا قوم اغسل وشك وتعالى علشان ناكل
هز رأسه موافقًا في ابتسامة، ثم قام واتجه نحو المرحاض، بينما هي ابتسمت وبدأت ترتب شعرها وتهندم ملابسها ثم وضعت عطرها الخاص مرة أخرى ونظرت في المرآة تحدث نفسها:
" بيرفكت يا كوكي زي القمر بجد"
بعد قليل، خرج زوجها ثم خرجا معًا إلى السفرة في بهو الفيلا، وأثناء الطعام قال لها:
_ ابقي فكريني اجيب خدامة تساعدك في البيت
_ لا مش عايزة، أنا هعمل حاجتي بنفسي
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ معقولة! بقا كاميليا الزيني هانم هتقعد هي تنضف وتروق وتكنس وتطبخ؟
_ يعني دي فيلتي ومن على الوش انا هتولى تنضيفها البسيط اليومي دا، أما احتاج تنضيف عميق وشغل تقيل هبقى اجيب حد ينضف من القصر واحاسبها وتمشي...
ثم ابتسمت وتابعت:
_ أما بالنسبة لاكلك وشربك ولبسك، فأنا اللي هتولاهم طبعا مش حد غيري
أبتسم ورد:
_ طب ليه يا حبيبتي متجبيش واحدة طالما كدا كدا هتيجبي؟
_ هجيب أما احتاجها بس، لكن في العادي مش عايزة حد يعيش معانا، مش عايزة حد غريب يبقى تالتنا
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ طيب، على راحتك بردو...
ثم تابع وهو يضع الطعام في فمه:
_ هو احنا كدا هنبدأ الشغل امتى؟
عقدت حاجبيها في استغراب وردت:
_ شغل؟ شغل إيه دا اللي بتفكر فيه دلوقتي؟
_ لا معلش يا كاميليا مش هقدر، أخرنا اسبوع واحد اجازة، انا ورايا مسؤولية كبيرة وتيم كبير والموسم بدأ، احنا داخلين على الصيف وانتي عارفة مطالب الصيف كويس، وانا يعتبر دراع الشركة اليمين، أنا مدير قسم السيلز، كل حركة البيع متوقفة عليا أنا
سكتت برهة ثم هزت رأسها موافقة واكتفت بذلك وبدأت تأكل في صمت، فتابع هو:
_ معلش يا كوكي عارف اننا كان لازم نكون مع بعض مدة أطول، بس انا حقيقي مش بعرف أكون مسؤول عن شغل واسيبه يضرب يقلب كدا، نخلص الزنقة دي بس لان الموسم داخل بتقله وقوته وبعد كدا اوعدك بخروجه لأي مكان في عالم يعجبك وتشاوري بس عليه
ردت في ابتسامة:
_ عادي، أنا متفهمة موقفك، واصلا كنت هقولك كدا بس كنت مش عارفة اجبهالك ازاي، فكويس انها جت منك انت، أنا كمان عندي شغل ومش هقدر اسيبه بردو، وعلى رأيك دي شركة بابايا، أكيد هخاف عليها وهكون حطاها أولوية طول الوقت.
انهت كلامها ثم وضعت الطعام في فمها وبدأت تمضغه، كان يضع كوب القهوة بين شفتيه وينظر إليها يفكر في كلاهما وطريقة تحدثها ولكنه لم يعلق وتابع في ارتشاف القهوة.
*********
دخل شهاب مكتب الشيخ بعدما أذن له قائلًا:
_ طلبتني يا شيخ
_ تعالى اقعد قدامي هنا على الكرسي دا يا شهاب
نفذ الشاب طلبه، فتابع الشيخ:
_ أنا عرفت يا ابني من ماهي ان والدتك كل شوية بتتعب وانت بتروح لها زيارة في زيارة وهكذا، خير يا ابني والدتك مالها؟
تنهد الشاب ورد:
_ ولا حاجة... يعني...هو تعب عادي مش حاجة مقلقة ولا حاجة الحمدلله يعني، مشاكل كبر السن وكدا
هز رأسه متفهمًا، ثم رد:
_ انا عارف اننا مقصرين في حقها وكل مرة كانت بتتعب محدش فينا كان بيسأل عنها... فيا ابني انا بطلب منك تشوف وقتها المناسب وتبلغني في أسرع وقت علشان وجب علينا نزورها ونطمن عليها ونعتذر لها عن التقصير دا في حقها
ابتسم له الشاب ابتسامة عريضة ما ان علم انه يفكر في والدته وصلة الرحم بها، ثم تذكر كيف أساء لابنته فتضايق من نفسه كثيرًا، لذا شرد، فأضاف الشيخ:
_ روحت فين؟
_ ها؟ لا لا مع حضرتك... حاضر أنا هبلغها وهاخد منها معاد وهبلغك علطول، كتر الف خيرك وشكرا على سؤالك
_ لا يا ابني متشكرنيش دا وجبي ودي الأصول، دا أقل حاجه ممكن اعملها مع عايلة بنتي التانية وهي إني أسأل عنهم يعني!
_ فيك الخير يا عمي فيك الخير والله
هز رأسه موافقًا... ثم قال:
_ كمان كنت عايز اتكلم معاك في نقطة تانية
_ اتفضل يا عمي
_ انا يا شهاب، بقيت مؤخرا اشوفك سرحان ومش مركز، كأنك مجتش أصلا! بقيت احس انك طول الوقت برا القصر، قليل ما بقيت اشوفك على السفرة ولا في اي مكان ولما بشوفك بحسك شايل الهم كدا او فيه جواك حاجة، مترقب لحاجة... خايف... مدايق.. مش عارف افسر نظراتك بشكل دقيق ولكني متأكد ان فيك حاجة
ابتلع الشاب ريقه ولم يرد، فتابع الشيخ في نبرة أكثر هدوءًا وحنانًا:
_ فيا ابني لو بنتي مزعلاك في حاجة ولا حد دايقك في القصر هنا من اهل بيتي، جياد، حماتك، اي حد داسلك على طرف، قولي ومتخافش
_ لا لا يا شيخ، ماهي زي البلسم اللي بيتحط على الجرح يطيب والله، نعم الأدب والأخلاق ونعم التربية، هي بتحترمني وعمرها ما زعلتني، واهل بيتك كلهم ناس كويسين ومحترمين محدش مزعلني منهم خالص... يمكن حضرتك بتشوف كدا لاني مؤخرا بس بقيت افكر في المستقبل كتير وهعمل ايه الخطوة الجاية علشان ارفع من شأني وشأن مراتي وبيتي وكدا يعني وكمان ماما وتعبها وكدا كان بياخد حيز من تفكيري بس مش أكتر، انما انا زي الفل الحمدلله
هز رأسه موافقًا ثم رد:
_ طب الحمدلله كدا طمنتني، صح يا ابني، صح فعلا الراجل الصح هو اللي ينشغل بالتفكير في مستقبله ونفسه ويعمل المستحيل علشان يرفع من مستواه وقيمته.. انا عملت كدا فضلت احارب لحد ما وصلت، وكل ما ابص في وشك اقول الولد دا هيبقى خليفتي، خليفة عبدالله الزيني، محارب قوي مر بنفس الظروف ومستسلمش ابدا ولا عارف يعني إيه استسلام..
لو يا ابني شايف انك متمرمط بين والدتك ومراتك وكل شوية مشوار من زايد لمدينة نصر، وطلبت من ماهي تخرجوا من القصر وهي رفضت قولي، قولي وانا هتكلم معاها وافهمها انها لازم تسمع كلام جوزها وتطيعه طالما طاعته مخالفتش طاعة الله سبحانه وتعالى.
ابتسم الشاب، ودون مقدمات انكب بين احضان الشيخ وبدأت دموعه تتساقط، ضمه الشيخ إليه وبدأ يربت على ظهره في صمت... ثواني وابتعد الشاب عنه وقال وهو يمسح دموع عيناه:
_ كلامك كله شبه كلام والدي الله يرحمه... مات وحمّل على كتافي مسؤولية بيت من وانا عندي ١٦ سنة... كان بيتكلم بنفس طريقتك بالظبط... كان راجل محترم وعمره ما يقبل بالغلط ابدا، أكيد لو كان موجود كان في حاجات كتير اوي مش هتحصل ولا كان دا بقا حالي
ابتسم الشيخ ورد:
_ وانا روحت فين يا ابني؟ اعتبربني في مقام والدك وصدقني عمرك ما هتندم
ابتسم وهو يهز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ عارف، عارف يا شيخ ومتأكد كمان...ربنا يقدرك على فعل الخير ويخليك لأولادك
_ ماشي يا شهاب يبقى كدا اتفقنا، ياريت متبقاش شارد وزعلان كدا كتير وافتح لي قلبك وكلمني عن المشروع اللي شاغل بالك دا وانا هساعدك معنويا وماديا لو احتاجت ويا سيدي اعتبرها سُلفة، كلنا استلفنا في بدايتنا لحد ما وقفنا على رجلينا، ووالدتك انا هوديلها خدامة مخصوص من هنا من القصر، تكون أمينة وطيبة، تساعدها وترعاها في حين انشغال اخواتك البنات، لانك قلت ان واحدة بتشتغل وواحدة بتدرس
_ كتر خيرك يا شيخ والله، والله ما عارف اودي جمايلك دي كلها فين
ابتسم ورد مازحًا:
_ ردها في بنتي، راعيها واسعدها وحافظ عليها وعلى بيتكم وانا كدا هبقى مبسوط على الأخر يا عم، سهلة دي صح؟
شرد الشاب آسفًا على ذلك الرجل الصالح الذي أئتمنه على ابنته ولم يؤتمن ولم يوفي بالعهد ولم يلتزم به، ولم يحظها ولم يرعاها، بل أبكى عيناها واحزنها، كم بات يقرف من نفسه ومما اقترفه في حق زوجته حتى وان كان دون قصده؟!
***********
انتظرها حتى خرجت من المرحاض جالسًا على السرير يفكر فيما حدث.
وبمجرد خروجها، نظر نحوها، ليراها تتجه نحو المرآة تنظر إلى نفسها، فقال:
_ بس على فكرة ماكنش ينفع ابدا اللي انتي عملتيه دا يعني، انتي عارفة ومتأكدة يا هانيا انك لو تعبانة فعلا لو نفسيتك وحشة فعلا اني هقدر وهستنى، لكن اللي مش معقول ان نفسيتك وحشة وتعبانة طول الوقت، من اربع شهور!
انتي عارفة انك كدبتي تحت على بابا وخبيتي نص الحقيقة... يعني لو الراجل دا كان عرف الحقيقة صح وعرف انك بتمنعيني دايما علشان مش بتحبيني وعلشان تطفشيني وتخليني أطلقك او علشان بتحبي غيري واللي هو جوز اختي، ماكنش زمان دا رده ولا كان زمانة غلطني اساسا بالشكل دا، بس كالعادة انتي واحدة انانية ودايما شيفاني انا اللي أناني، مع ان الحقيقة بتقول عكس كدا... اللي واضح ليا انك عايزة تطلقي وحبيبك يطلق اختي في صمت كدا وبدون ما يبان انك اللي كارهه وكأنه بالاتفاق بينا، وتاخدي حقوقك كاملة وتروحي تتجوزي منه وكل دا ومش مهم مين ممكن يتأذي مين ممكن مشاعره تنهار... مفيش حاجة مهمة عندك غير نفسك وانك تكوني سعيدة بدون ما تدفعي تمن اي حاجة، مع انك غلطتي، غلطتي أما قابلتيه في شقة وأما كدبتي عليا بدل المرة الف، بس كل دا انتي مش عايزة تتحاسبي عليه، عايزة جياد بس اللي يطلع غلطان وجياد بس اللي يشيل الليلة كلها، وجياد اللي يبان انه راجل فاشل وزوج فاشل مقدرش يأسس أسرة ولا يفتح بيت.
قوليلي بعد كل دا، انتي فعلا مش شايفة نفسك غلطانة خالص؟ مش غلطانة حتى ولو بنسبة ٢% حتى ياستي؟
انتهت من وضع المرطب على وجهها فقد كانت تضعه اثناء حديثه، وما إن انتهى، انتهت هي الأخرى والتفتت إليه وردت:
_ متسبش الفعل وتمسك في رد الفعل... كل اللي انا عملته وبعمله هو رد فعل لفعلك انت الأول، اللي انت شايفه دا نتيجة أفعالك يا جياد، انت من الأول دخلت ودخلتني في لعبة صعبة جدا، لعبة المشاعر، أصعب لعبة وتحدي ممكن حد يدخل فيه، مفيهوش لا سيطرة ولا كنترول، انت بتتحرك بدافع المشاعر دي او بتحاربها بكل قسوة... وأكيد نتيجة الحرب هتكون بشعة، عياط بقا ونفسية مدمرة، زي ما انت شايف كدا بالظبط، فنفسيتي الوحشة من اربع شهور دي مش بمزاجي والله ولا من اختياري ولا انا كنت احب اني اعيش حياة شبه دي يوم من الايام، حياة كلها عياط و قهر !
نهض فجأة وصاح في ضيق:
_ يعني هو كل دا علشان اتقدمتلك وكان عندي أمل يتوافق عليا؟ لو كنتي رفضتي ماكنش كل دا حصل، انا ذنبي ايه انا ان باباكي جبرك، ها، ذنبي إيه قوليلي؟!
كل ما في الأمر، إني....
قاطعته متحدثة في صوت عالي هي الأخرى ونبرة متشنجة:
_ خلاص خلصنا مش كل شوية هنقعد نتكلم في ام الموضوع الحمضان دا، انت عايز إيه دلوقتي مني، عايز ايه مني؟
رد سريعًا في نبرة مكبوته عالية:
_عايزك..
ساد صمت لثوان ونظراتهما تتبادل، ثم تابع:
_ عايزك، انتي مراتي ام طفلي، انتي حبيبتي، انتي ليه مش قادرة تفهمي، ليه مش قادرة تفهمي ان سكوتي وصبري اللي بتمتحنيني فيهم دول ليهم حدود؟ ليه مش عايزة تدركي ان حبي ليكي اقوى من اي شعور تاني، شعور الغضب منك او شعور اني محتاج اصرخ واقول كل اللي حصل واخلص منك ومن الذل دا، ليه مش واصلك ان تحت قصاد بابا كان نفسي اقوله كل الحقيقة وهو عمال يلوم ويهزق فيا بس حبي ليكي المجنون دا هو اللي منعني، ليه مش قادرة تعرفي ان يوم ما اتخاتفت في شهاب القذر دا ماكنتش عايز ابرأك ولكن عملت كدا وخدت بالقلم على وشي واتهانت قصاد الجميع بردو بسبب حبي ليكي الملعون..
ثم صاح في صوت أعلى اقوى:
_ خلاص بقا خلاص فاض بيا انا انسان حرام دا حرام، المفروض مني استحمل قد ايه تاني؟ المفروض اقعد ادافع واخبي عنك لامتى تاني، ارحميني؛ ارحميني الرحمة حلوة
حملقت به في ضيق شديد ثم قالت في نبرة حادة عالية:
_ هو اللي بيحب حد بالشكل اللي انت بتوصفه دا، بيطلب يتجوز عليه؟
انت بس مش هاين عليك تسبني. اسلوب السيطرة اللي جواك والهزيمة في التحدي دا واللعبة دي هو اللي غالب عليك مش حبك ليا ولا حاجة
_ عملت كدا علشان انتي يوم بعد يوم بتقهري فيا، حسستيني فجأة إني ولا حاجة، مفيش انسانة طبيعية على وجه الأرض، ممكن تطلب من جوزها طلب زي دا أصلا، كان لازم اغضب وكان لازم ازعل بس اصلا كنت عارف ان بابا مش هيتمم لي حاجة ولا هيوافق على دا، وكل اللي خدته من الموضوع دا اني اتهزأت وطلعت عيل مش عارف يحافظ على بيته ومراته وابنه اللي جاي، طلعت راجل بيجري ورى شهواته ومش مقدر تعب مراته، في النهاية انتي بردو اللي كسبتي، عايزة ايه تاني؟
زفرت في ضيق ثم ردت:
_ ايوا انت عايز ايه بردو دلوقتي؟
_ انتي اللي عايزة إيه؟ دلوقتي طلب جوازي اترفض، انتي بقا ناوية تعملي ايه؟ ناوية تكملي ذل فيا ولا ناوية على إيه؟
صرخت صرخة عالية بها قهر ووجع:
_ تعبانة....
ثم اضافت وهي تبكي ولا تزال تصرخ:
_ افهمها بقا افهمها انا تعبانة تعبانة تعبانة.
كانت تنظر إليه بنظرات مشوشة نتيجة الدموع المنهمرة من عينيها.. وكان هو يرميها بنظرات مليئة بالشفقة عليها وعلى نفسه قبلها... ثم رد عقب صمت:
_ خليكي تعبانة طول العمر... متخافيش لا هحاول أقرب منك تاني ولا عايز منك حاجة، دمّري في علاقتنا، على قد ما ربنا يقدرك دمّري اكتر واكتر فيها.
انهى كلامه ثم خرج من الغرفة كلها. بينما هي ارتمت بعرض السرير تتابع بكاء وندب.
**************
_ جتلك بس لأزم امشي بسرعة، قوليلي بقا فين المسجل يا ستي اللي سجلتيه لشهاب؟ اعترف بكل حاجة فعلا؟
تحدثت منى إلى ماهي وهي تدخل لها الغرفة بعدما فتحت لها ماهي الباب.
لم ترد الأخرى بل سارت في صمت جهة السرير كي تجلس عليه، لحقتها الفتاة وهي لا تزال تقول:
_ ايه يا ماهي اللي حصل قوليلي؟ سجلتي؟
وبمجرد أن لاحظت تورم عينيها، حتى خاضت في سؤال غيره، فقالت في استغراب:
_ ماهي هو انتي معيطة؟ انتي عينك ورمة!
ردت الفتاة في نبرة صوت مبحوحة:
_ مفيش حاجة انا كويسة يا منى
_ لا واضح يا ماهي جدا بصراحة... اخلصي إيه اللي حصل؟ صوتك رايح خالص و عينك ورمة اخلصي قوليلي في إيه؟
سكتت قليلًا ثم ردت:
_ لا...لا مسجلتش حاجة
_ ماشي حبيبتي خلاص عادي يعني، انتي زعلانة كل دا علشان اللي في دماغك متنفذش؟ عادي هو....
قاطعتها قائلة:
_ زعلانة علشان انا قليلة الكرامة... ايوا متبصليش باستغراب كدا، انا واحدة رخيصة قليلة الكرامة و الكبرياء، ضعيفة
_ إيه يا ماهي اللي انتي بتقوليه دا؟
_ زي ما انتي سامعة كدا يا منى... صاحبتك قليلة الكرامة والدم، قبلت عادي ان واحد يقرب منها علشان يمتع نفسه وهي عارفة انه بيحب غيرها، لا و بتغير عليه منها كمان بدل ما تطلق وتخلي عنها ذرة إحساس
عقدت الفتاة حاجبيها في قلق على صديقتها وردت:
_ لا يا ماهي متقوليش كده يا حبيبتي، انتي مش رخيصة ولا حاجة، اللي قرب منك دا جوزك يا قلبي بلاش تشوفي الأمور بالبشاعة دي، كل الموضوع...
وقبلما تتابع، دخل شهاب الغرفة عليهما، وبمجرد أن رأى منى قال:
_ هاي، زي ما انتي انا بس هاخد حاجة وهمشي علطول
وبالفعل دخل الغرفة وبدأ يسير نحو الخزانة.
كانت منى تنظر إليه في ازدراء و اشمئزاز ما إن اوصل صديقتها إلى هذه الحالة، ثم قالت في صوت خفيض:
_ هنزل يا ماهي اشوف طنط عبير كانت عايزاني وأما الكائن دا يخرج، ابقي ابعتيلي علشان اطلع لك
وبالفعل تحركت حتى خرجت من الغرفة.
أخذ الشاب ما كان يريده من الخزانة ثم نظر نحو ماهي وقال:
_ انتي كويسة؟
_ ملكش دعوة بيا
فرك جانب ذقنه ثم رد:
_ كنت عايز اتكلم معاكي
وقفت وبدأت تتحرك نحو الخارج هي الأخرى وتقول:
_ انت ملكش كلام معايا ولا علاقة بيا ولا مسموح لك تبص لعيني حتى، فكك مني نهائي
ثم فتحت باب الغرفة وخرجت، كان يتبع أثرها ثم تجاهل ذلك وبدأ يتابع ما جاء لأجله.
في الأسفل، سألت منى عن عبير فأخبرتها الخادمة انها خرجت منذ قليل في مشوار هام للغاية وبسبب استعجالها وتأخرها على مشوار ما هي الأخرى لم تنتظرها وذهبت على مرأى مايا والتي لم تعلم ما غاية تلك الفتاة وما سر وجودها في القصر يومًا بعد يوم سوى أن حماتها لن ترتاح حتى تزوجها فاتح، لذا كانت تكرهها وتكره رؤيتها وفي تلك الأثناء، اتتها رسالة من إحدى العاملات لدى الشيخ عطاالله والتي أخبرتها بمعاد جلستها معه.
***********
وفي غرفة روني و يزيد، كانا قد قضيا ليلة رومانسية سويًا، وكانت هي تنام على صدره العاري تمرر يدها عليه شاردة، فكيف ستتعامل مع باسم؟ كيف ستنظر إلى وجهه؟ كيف ستتحمل رؤيته ووجوده بتلك البساطة، وفي نفس الآن كانت تخشى أن يعرف يزيد بذلك من شخص غيرها او عن طريق اي وسيلة أخرى فيغضب منها كثيرًا لانها لم تخبره بشيء كهذا أو ربما يتهمها او يشك بها، فهو لن يفهم دوافعها حينها، كل ما سيظهر له أن زوجته تخفي عليه خبر التحرش بها، لذا فهي أيضًا آثمة، أو لماذا لم تخبره بعد إذ لم تكن كذلك؟
وأثناء شرودها، تحدث هو:
_ نفرتيتي... روني حبيبتي سرحتي في إيه؟
رفعت بصرها إليه وردت:
_ ولا حاجة...
ثم ابتسمت واضافت:
_ مبسوط يا حبيبي؟
_ اه طبعا يا حبيبتي، يكفي انك معايا وفي حضني، هعوز أي أكتر من كدا يعني!
ثم تابع وهو ينهض من على السرير ويرتدي ملابسه:
_ النهاردة آخر يوم في اجازتنا وخلاص من بكرة هنرجع تاني للهم والغم بتاع الشغل والضغط والقرف، علشان كدا، كنت عايز اعيش معاكي اليوم دا كله ونستمتع بكل تفاصيله مع بعض، so البسي يلا وخلينا نخرج نتغدا برا و هوديكي مكان حلو
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ بجد!
_ بجد والله، هروح آخد شاور والبس ونخرج...
ثم ابتسم واضاف في خبث:
_ او تعالي ناخد شاور مع بعض وبعدها نخرج، بدل ما كل واحد فينا ياخده لوحده ونضيع وقتنا!
_ طبعا انت خايف على وقتنا!
_ طبعا كله إلا وقتنا، انتي بتقولي إيه!
ابتسمت وهزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ ادخل جهز لنا الدنيا عقبال ما اشوف هانيا رنت عليا مرتنين ليه وجيالك
_ لا اوعوا تتخانقوا تاني ما صدقت انك فكيتي!
دا انا كنت هتجنن يا شيخة على الحالة القرف اللي كنتي فيها دي، مش معقول مأثرة فيكي اوي هانيا كدا!
_ أكيد طبعا مش اختي! كنت هخسرها forever لازم طبعا تبقى حالتي وحشة
_ طب الحمدلله انك اتصالحتوا، شوفيها بقا وتعالي، بس تلقاها كانت عايزة تشوف احنا منزلناش على الفطار ليه
_ مش عارفة، اديني هكلمها اهو واشوف
هز رأسه موافقًا ثم تحرك جهة المرحاض، بينما هي اتصلت على أختها والتي كانت تجلس في حديقة القصر تتحرك بأرجوجة من الامام إلى الخلف في بطء، وردت:
_ إيه روني؟
_ ايه يا حبيبتي، كلمتيني، في حاجة ولا ايه؟
_ كنت بس عايزة اقولك ان معتصم رجع وبعت لي، علشان موضوعك يعني لو كنتي حابة تقابليه علشان تقوليله
_ بجد رجع؟! طب الحمدلله... خلاص خلينا نقابله بكرة بعد الشغل ونتكلم معاه انا وانتي، لان النهاردة مش هعرف خالص
_ ليه عندك ايه النهاردة، دا حتى اجازة؟
_ ماهو أخر يوم في الاجازة، وانا نازلة مع يزيد، علشان كدا أجلي مشاورنا لبكرة بعد الشغل علطول
_ تمام، enjoy
_ تسلميلي يا روحي، يلا باي
وبعدما تجهزا، مسكا في يد بعضهما البعض وخرجا من الغرفة، وبمجرد خروجهما لمحا خروج باسم من غرفته هو الآخر، ابتسم له يزيد وقال:
_ بسومة حبيب قلبي
ابتسم الشاب له ورد:
_ ايه يا يزيد يا روحي، عامل إيه؟
_ الفل الفل
عقدت روني ذراعيها أمام صدرها ثم أدارت وجهها إلى الخلف تنظر إلى الوراء حتى ينتهي زوجها من الحديث مع ذلك الشخص، ورد باسم:
_ يارب دايما تبقى فل الفل يا قلب اخوك
وبمجرد أن سمعت منه تلك الجملة، ابتسمت ابتسامة جانبية ساخرة وملامح وجهها منكمشة في قرف، ولكنه لم يراها لانها تعمدت النظر إلى الوراء حتى تنتهي هذه المحادثة.
ليرد يزيد:
_ رايح على فين كدا؟
_ يعني رايح اقعد كام يوم كدا في الشقة اللي على النيل بتاعت العايلة علشان اغير جو
_ ماشي يا عم الله يسهلك
_ وانت رايح فين؟
_ لا ابدا، كنت خارج كدا مع روني شوية، بلحق آخر ساعات من الاجازة بقا
_ ايوا بقا، ربنا معاكم يا سيدي ويبسطكم دايما ويخليكم لبعض
_ آمين يا حبيبي آمين
وكانت هي تسمع ما يقال، ولا تعرف كيف لكل تلك البجاحة ان تجتمع في شخص واحد! كيف له ان يكون منافقًا إلى هذا الحد؟
_ يلا يا روني؟
جملة قالها زوجها بعدما انهى كلامه مع ابن عمته، وبالفعل مسكت يده تارة أخرى وسارت بجانبه في صمت دون ان تنظر نحو باسم تمامًا كأنه هواء لا يُرى.
تتبع أثرها وهو يبتسم وتمتم:
" ايوة كدا، شطورة يا روني، كدا تعجبيني وانتي خايفة على نفسك وعلى اللي منك وبتفكري الف مرة بدل الاندفاع والجنان اللي كان راكبك "
************
وفي بهو القصر، كان شهاب يجري مكالمة هاتفية مع والدته، يطلب منها بأن تعطيه معاد حتى يأتي فيه الشيخ لزيارتها كما أخبره وبالفعل أخبرته بأن يأتي في الساعة التاسعة مساء اليوم.
وبعدما انهى المكالمة معها، أتت له فاطيمة وهي تقول ساخرة:
_ لا فيه عاملة إيه يا عمتو ولا ازيك يا عمتو ولا أي حاجة خالص كدا؟
اخص عليك يا شوبا، ماكنش العشم يا جوز بنت اخويا!
_ خير يا عمتو، قوليلي من غير استفتاح انا سامعك
_ على رأيك... بردو اللي انا جاية فيه اهم من اي استفتاح الصراحة..
تمهلت برهة، وبدأت تفتح هاتفها وتقلب به، ثم عرضته عليه وهي توريه وتقول في نفس الوقت:
_ بص، دا انت اهو وانت خارج من بيت مجدي السَّلّاب وجارر هانيا معاك وبعدها اخدتها وركبتوا العربية وطيرتوا.
ابعدت الهاتف قليلًا عن مرمى بصره، ثم تابعت:
_ قولي يا خلبوص كنت واخد عشيقتك ورايحين على فين؟
تنهد ورد:
_ عيب كدا على فكرة، هانيا مش عشيقتي ولا حاجة يا عمتو، انا راجل متجوز وهي ست متجوزة!
_ آه... قولتيلي.. تصدق ماكنتش واخدة بالي خالص من نقطة قذرة زي دي!
كويس انك نبهتني والله
زفر في ضيق ورد:
_ من الآخر عايزة إيه؟
_ عايزة اعرف ليه لحد دلوقتي جياد مطلقش هانيا؟
عايزة اعرف ماخدتش هانيا وغورتوا انتوا الاتنين من القصر دا ليه؟
لم يرد، بل أخذ يفكر في كلامها و يحسبه في عقله، فتابعت:
_ انت خلاص فشلت في انك تخرج بارداتك ومعاك هانيا، يبقى انا اللي هخرجكم بمعرفتي بالفيديو دا، هروح حالا اوريه للشيخ.. ولا عندك فكرة تانية تخرجوا بيها بدون فضايح؟
_ انتي جبتي الفيديو دا منين؟
_ بحبك يا أخي وعلشان كدا مخلية ناس تمشي وراك زي ضلك علشان لو حصلك خطر لا قدر الله ياخدوا بالهم منك
بدأ يتضايق ويشعر بالاخنتاق فهو لا يحب أن يهدده أحد بذلك الشكل ابدًا وعليه رد وهو يهز رأسه بالايجاب:
_ طب خدي مني الجديد بقا يا عمتو، لو روحتي قلتي للشيخ حاجة ولا وريته حاجة، انا كمان مش هبقى عليكي ولا على العشرة الكام اليوم القذرة اللي كانت بينا... هقوله يا شيخ بنت اختك تالية الجميلة، حطت مسجل في اوضة جياد وهانيا وهي اللي جت وقالتلي انتقم من جياد لانه خذلني وكان خطيبي وسبني وهي اللي قالتلي ان جياد ملمسش هانيا لحد النهاردة وسمعتني ريكورد فيه هانيا بتقول كذا كذا وجياد بيرد بكذا كذا وبعتت لي يوم فرحي علشان توريني وتسمعني الريكورد ومسحت التسجيل على أساس ماخدش اسكرين بس عادي واتس اب حاطط لي الساعة وقايل انها حذفت الرسايل ودا انا واخده اسكرين... وهقوله كمان انك عايزة جياد وهانيا يطلقوا علشان تجوزي تالية لجياد و هددتيني اكتر من مرة علشان آخد هانيا واخرج ويحلى لبنتك الجو...
ابتسم وتابع ما ان وجد علامات الضيق على ملامح وجهها:
_ إيه، مالك اتعصبتي كدا؟ فكراني هضيع لوحدي؟ ولا فاكرة انك تعرفي ببساطة تحطيني تحت ضرسك؟
انسي، انا شبح طالع لابن اخوكي اللي اسمه جياد بنفسه وبجيله في كوابيسه ومش عارف يخلص مني، لاني مهدده هو كمان، فمش انتي يا مُسنة يا خرفانة انتي اللي هتقعدي تهددي فيا وانا هسيبك كدا
تحدثت في صوت عالي نسبيًا ونبرة حادة:
_ انت قليل الأدب وحيوان
_ مش مختلف عنك كتير
حدقت به في عدم تصديق، لم يسبق ويمسخرها أحد مثلما فعل ذلك الشاب من قبل، فالجميع دائمًا ما يرهبها و يحترمها، فصاحت به:
_ انت حقير، ومفيش اي دليل على كلامك دا اصلا
ابتسم ورد في برود:
_ اهو نبرة صوتك العالية اللي هتلم علينا القصر دي، هي الدليل، ومتنسيش يا عمتو، ان الصوت العالي دليل على الضعف، بس كدا كدا انا متعود على النبرة دي من ابن اخوكي اللي شبهك بالظبط، مش بيعمل حاجة غير انه بيزعق ويحزأ كل أما نتكلم
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ انت بتلعب بالنار مع الكبار واخرتها هتحرقك يا صغنن
نظر إلى ساعة يده ثم قال لها:
_ في تهديد تاني عندك محشور في زورك عايزة تقوليه؟ قولي بسرعة قبل ما تزوري وتشرقي وتموتي ولا حاجة، صحتك بالدنيا، بس للأسف معاكي دقيقة واحدة بس علشان عندي حاجات اهم من العبث دا
طالعته من أعلى إلى أسفل في قرف ثم ذهبت في خطوات سريعة مليئة بالغضب، فأضاف في ابتسامة خفيفة:
" سلام لعمتو وهي ماشية "
وبعدما ابتعدت عنه، اتصلت على ابنتها في الحال وهي تموت غيظًا، ردت الفتاة وهي تقول:
_ إيه يا ماما؟
_ فينك يا زفتة انتي!
_ ليه الغلط طيب؟
_ اما اشوفك بس يا بنت ال ****** بقا أنا على آخر الزمن اتهزأ من واحد قليل الأدب زي دا؟
بقا هو دا اللي روحتي رميتي عنده أسرارنا؟
_ في إيه يا ماما مش فاهمة حاجة؟
_ انتي فين، انتي فين؟
_ برا، خرجت اشم هوا شوية
_ راجعة امتى؟
_ يعني ساعة كدا
_ اول ما ترجعي الاقيكي عندي
_ حاضر
أنهت المكالمة معها، وبمجرد ان انتهت المكالمة، لاحظت قدوم نزار من على بعد، فابتسمت ابتسامة خفيفة ثم قامت وصافحته وقالت له:
_ كل دا؟
مد يده كي يصافحها وهو يقول:
_ معلش العربية عطلت فجأة والله زي ما قولتلك، حقك عليا مش هتتكرر تاني
_ حصل خير
ثم اشار لها كي تجلس أولًا ثم جلس هو، وكانا داخل كافتيريا تطل على النيل مباشرة، قال لها في ابتسامة:
_ عاملة إيه، طمنيني عليكي؟
_ الحمدلله، كله حلو، وانت إيه الأخبار؟
_ كله حلو بردو.. تشربي إيه الأول؟
_ ممكن كابتشينو
_ اوكيه وانا هاخد قهوة
طلب لهما من النادل، ثم قال لها:
_ راجعة الشغل بكرة؟
_ اه ان شاء الله، وانت ناوي ترجع قطر ولا قاعد معانا شوية؟
_ هرجع الصراحة بسبب الشغل، بس كدا كدا بقالي فترة بسعى علشان انقل شغلي لمصر واستقر بقا وابطل سفر، ادعيلي الأمور تمشي معايا كويس
_ ان شاء الله
جاء النادل ووضع الطلب على الطاولة أمامهما في ابتسامة خفيفة ونظام ثم قال:
_ تؤمروا بأي حاجه تانية؟
فسألها نزار مباشرة :
_ تطلبي حاجة تانية يا تالية؟
_ لا لا أنا تمام كدا
فرد عليه:
_ خلاص احنا كدا تمام
ثم وجه حديثه لها فقال:
_ عايز أسألك سؤال شخصي شوية
_ ماشي
تمهل قليلًا ثم قال:
_ حبيتي قبل كدا، لدرجة انك كنتي مصدقة انه خلاص الشخص دا هو اللي هيكون ليكي ومحصلش نصيب؟
سكتت برهة شاعرة بالحزن... ثم أجابت:
_ اه حصل
_ جياد؟
عقدت حاجبيها في استغراب مليئ بالضيق ثم ردت:
_ ليه بتفكرني وليه بتجيب سيرته؟ جياد واحد متجوز ومراته حامل، خلاص كل اللي كان بينا انتهى ومش حابة اعيده
_ sorry بجد ماكنتش اقصد
_ حصل خير... قولي انت بقا، انا سمعت انك راجل متعدد العلاقات او كنت متعدد العلاقات، فهل دا صحيح؟ هل انت فعلا كنت تعرف بنات كتير؟
ابتسم ورد مازحًا:
_ اه صحيح، انا عرفت بنات بعدد شعر راسي
تضايقت بشدة، فهي لم تفهم ما يقوله ذلك، فكيف له أن يتكلم بتلك اللجهة مع فتاة من المفترض أنه معجبًا بها في أول مقابلة لهما!
ثم ردت في غضب:
_ فرصة سعيدة يا مستر نزار، عن إذنك
فاستغرب بشدة، ولكنها قبلما تقوم، استوعبت، فتنحنحت شاعرة بالاحراج برهة، ثم أضافت في تلقائية:
_ اصلك خضتني يا أقرع!
انفجر من الضحك ثم رد وهو لا يزال يضحك:
_ انا كمان اتخضيت والله، حسبتك مفهمتيش الهزار
_ فعلا في الأول ماكنتش فهماه، وحسيت بالوقاحة!
رد في ابتسامة:
_ بالعقل كدا، حتى لو انا كنت فعلا بتاع بنات، هقولك يعني بالسهولة دي؟
_ يعني اللي انا سمعته غلط؟
_ اه غلط، اللي كان بتاع بنات، جياد مش أنا، كان كل صحابه بنات يعتبر، بس صحاب بس وانا بحكم إني صاحبه الانتيم كنت بخرج معاه في الريحة وفي الجاية فخدت من سمعته بقا... مش بيقولوا المرء على دين خليله بردو!
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ فهمتك... بس كنت مرتبط يعني صح؟ ولا ولا مرة ارتبطت؟
_ ارتبطت ببنت قطرية كانت، بس سيبنا بعض نهائي وهي اتخطبت اصلا
_ اقدر اعرف ليه ولا السبب شخصي؟
_ لا مش شخصي ولا حاجة.. سيبنا بعض لأنها كانت قرفاني بالbest friend بتاعها، عيل كدا كان رايح جاي معاها زي ضلها وكل ما اقولها ماينفعش كدا، تقولي صاحبي صاحبي ملكش دعوة انت، مفيش بينا حاجة احنا مجرد صحاب ومتخافش...واهو صاحبها صاحبها دا هو اللي بقا خطيبها حاليا، بعد كا كانت بتقولي مفيش بينا حاجة ويستحيل يكون فيه.. بس يا ستي دي القصة كلها
هزت رأسها بالايجاب ثم قالت:
_ ممكن أسألك سؤال؟
_ طبعا
_ امتى أعجبت بيا؟
ابتسم ورد:
_ من اول مرة شفتك فيها وانتي داخلة الكافية مع جياد، لفتني نظري جدا لانك my type
_ أعجبت بحبيبة صاحبك عادي!
ابتسم بشكل أوسع ثم اجاب:
_ انا ماكنتش اعرف مشاعرك تجاهه عاملة ازاي، بس كنت عارف مشاعره هو تجاهك عاملة إزاي.. جياد صرحلي اكتر من مرة انه مش بيحبك وانك مجرد صاحبته وبنت عمته لا اكتر.. فِكرك يعني ضاقت بيا الدنيا علشان احب حبيبة صاحبي الانتيم؟!
صدمها برده المهذب والقاتل في نفس الوقت لذا اتاها الصمت المباغت، فلم ترد أبدًا بل كانت مصدومة محرجة للغاية...
***********
كانت نيرة _ زوجة رضا_ [ ذلك الشاب الذي راح ضحية بدلًا من يزيد، عندما ركب سيارته] تسير في خطوات يشوبها التوتر من شدة التفكير الذي ارقها، فمنذ أن ذهبت الفتاة وأخبرتها بأن ليزيد يد في قتل زوجها فهو من ألقى به ضحية حتى يحمي نفسه، ذهبت إلى القسم وبالفعل تأكدت أن زوجها فعل الحادث بسيارة يزيد مثلها اخبرتها تلك التي ادعت أن اسمها أميرة فؤاد، وتأكدت من الفيديو الخاص بياسمين المحمدي وعلمت أنها بالفعل، صوّرت فيديو لها وهي تشتكي يزيد على العلن وتتهمه بالاعتداء عليها ثم اختفت تمامًا، مما جعلها تشك في عدالة الحكومة المصرية وشعرت أنهم فعلوا ذلك من أجل يزيد ذو الصلات و العلاقات، يزيد ابن رجل الأعمال الذي يُدخل للدولة ملايين الملايين، وعليه سألت المحامي الخاص بها إذ كان يزيد سيتم محاسبته أو الشك فيه او حتى وضعه في الحسبان لأن الحادث كان بسيارته وتذكرت رده جيدًا حينها، فقال لها:
" اللي عمل العطل في عربية يزيد بناءً على اتفاق وتحويل فلوس،
ده يخضع لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد طبقًا لـ المادة 230 من قانون العقوبات المصري.
ولو ثبت إن في حد من بره مصر خطط واتفق ومول،
ده يعتبر فاعل أصلي أو شريك بالتحريض والاتفاق والمساعدة طبقًا للمادة 40 عقوبات.
يعني الجريمة ثابتة على:
منفذ العطل لان دا الفاعل المادي، ودا already اتمسك اصلا +
الشخص اللي في أمريكا باعتباره محرض أو متفق أو ممول.
جلست على الأريكة، فمنذ اسبوعين وهي لم تنم، فقط تسأل وتشتير وتذهب إلى قسم الشرطة وتبحث وتتأكد من معلوماتها، فكل ما يهمها هو حق زوجها بالفعل، تريد أن يتعرض كل من تسبب في قتله، للعقاب الشديد الصارم لذا لم تنم ولم يهدأ لها بال.
جلست على الأريكة وتذكرت تارة أخرى:
" يعني إيه يا متر، فهمني اكتر معلش؟"
" يعني هل يزيد ارتكب جريمة؟
علشان نجرّم حد في القانون المصري لازم يتوافر:
ركن مادي يعني فعل مجرَّم
وركن معنوي يعني قصد جنائي
طب انتي شاكة في إيه؟
انتي شاكة أن يزيد بدّل عربيته مع رضا بدافع إنه حاسس إن في خطر عليه زي ما البنت قالت لك، طب ده في القانون اسمه إيه؟
اسمه سلوك احترازي مشروع.
هو ماحرضش على قتل رضا
ما اتفقش مع المنفذ
ما ساعدش
ما كانش عارف يقينًا إن العربية فيها عطل قاتل
يبقى مفيش قصد جنائي، ودا لو هنفترض ان كلامك صح وانه كان عنده احتمالية وقوع خطر عليه وبدل ما جوزك علشان يحمي نفسه.
" يعني يا متر لو انا قلت في النيابة، انه يزيد كان شاكك إن في خطر وبدل مع رضا علشان يحمي نفسه، يعني كان متوقع إن جوزي ممكن يموت، مش هيتحاسب؟"
" بصي، الشك في وجود خطر ≠ العلم بوجود عطل قاتل.
في القانون لازم يكون فيه:
علم حقيقي بالجريمة + قبول بالنتيجة
انتي بتتهمي يزيد بأنه كان خايف على نفسه، لكن هو ماكانش عارف إن في عطل حقيقي، ماكانش عارف إن رضا هيموت، ماقصدش إن حد يموت بداله.
وبكدا سبب الوفاة قانونًا هو:
الفعل الإجرامي للمتهم اللي عطّل العربية
مش تصرف يزيد.
القانون بيقول:
لا يُسأل جنائيًا إلا من ارتكب الفعل أو اشترك فيه.
الإحساس والشك، القانون مش بيحاسب عليهم.
" يعني افهم من كلامك انهم عمرهم ما هيتهموه بالقتل الخطأ حتى؟ "
" القتل الخطأ (مادة 238 عقوبات) يحتاج:
_إهمال
_رعونة
_عدم احتراز
هل يزيد أهمل؟ لا. هو ما كانش عارف إن في عطل أصلاً.
بل بالعكس… هو حاول يحتاط لنفسه.
" ما يمكن كان عارف؟"
" وهو لو عارف ليه يركب ولا يخلي جوزك يركب اصلا من الأول؟ ما كان وقف لعب او عمل check للعربية!
إيه اللي بينه وبين جوزك ممكن تقدميه للنيابة، يثبت انه كارهه لدرجة أما يتأكد ان فيه عطل، يسيبه بردو يركب؟ "
" الخلاصة يا متر؟ "
" الخلاصة هي إن الاستناد القانوني هيبقى:
انتفاء القصد الجنائي
عدم توافر أركان الاشتراك في الجريمة (م 40)
عدم وجود رابطة سببية بين فعله والوفاة
أن الفاعل الحقيقي تم ضبطه واعترف
الظابط بكل بساطة هيقول
"القانون ما بيعاقبش على الشك يا مدام… بيعاقب على القصد. وجوز حضرتك مات بسبب جريمة مدبرة من متهم آخر، مش بسبب تصرف يزيد."
خرجت من شرودها بعدما تذكرت تلك المحادثة بينها وبين المحامي، وتمتمت تحدث نفسها في ضيق شديد:
" يعني هو يعني علشان يزيد الزيني محدش هيعاقبه؟ يعني علشان هو راجل واصل جوزي يروح فيها والقانون الناقص دا مينصفوش ولا حتى يحطوه موضع شك حتى رغم ان الحادثة اتعلمت بعربيته؟.... ماشي...ماشي، انا بقا لازم اتصرف واجيب حق جوزي، طالما الحكومة مش عارفة تجيبه "
***********
ذهبت منى إلى العيادة النفسية الخاصة بزميل لها يُدعى " حسن " واخبرته قصة ماهي كاملة دون أن تفصح عن اسمها بل استخدمت جملة كهذه " واحدة صاحبتي حصل معاها كذا.."
ولما انتهت، انتظرت منه الرد، فقال لها:
_ منى الموضوع مش بسيط ولا خطير، بس عايز انتباه وادراك بسرعة قبل ما صاحبتك تغرز اكتر و تنهار وتفقد السيطرة على نفسها
_ ايوا يا حسن، بس هي ليه تعمل كدا يعني؟ اتجننت خلاص؟ المشكلة انها عاقله جدا وقوية جدا ومديرة اصلا وليها هيبة وملكة جمال، انا حقيقي مش مصدقة!
ازاي واحدة زيها ممكن تقبل بكل الضعف و الاستسلام دا وهي عارفة الحقيقة كاملة يا حسن؟
_ انتي مش في مكانها يا منى وعلشان كدا متحكميش عليها.
أنا هفهمك صاحبتك مالها وبتعاني من إيه حاليا علشان تساعديها
_ ياريت، ما انا اصلا جيالك علشان كدا
_ بصي يا ستي، صاحبتك أما راحت لجوزها بيت مامته علشان تاخد منه اعتراف، هي مرت ب ٣ حالات متتالية:
أولا: محاولة السيطرة
في البداية هي كانت داخلة أصلاً وفي نيتها تسجيل كلامه.
ده معناه إنها:
كانت عندها يقين بإنها مظلومة ومخدوعة، وكرامتها مطعونة
عايزة دليل أو اعتراف منه، بأي شكل علشان تعيد سيطرتها وقوتها بس لما قرب منها حصل تحول سريع:توتر، ارتباك، تراجع
وده يدل على إن رغم غضبها منه، مازالت متأثرة به عاطفيًا وجسديًا، ودي حاجة مش بمزاجها ومش معتمدة على قوة شخصية ولا غيره.
ثانيًا: الاستسلام العاطفي
لما حصل التقارب بينهم، هي استسلمت مرة تانية.
لكن الاستسلام هنا مش بس حب ، بل خليط من:
الاحتياج العاطفي
الأمل إنه يمكن بدأ يحبها أو يرغبها وحصلها ضعف اللحظة
وبعد ما انتهى الموقف مباشرة، بدأ الوعي يرجع.
وهنا يبدأ الصراع الحقيقي اللي بدأ يوجعها بجد، احيانا كتير بنحس بالألم بعد ما الموقف يمر، لان لحظة حدوث الألم بيكون العقل مغيب، لان مفيش عاقل ومفكر في اللحظة هيأذي نفسه، فبعد مرور اللحظة بيرجع الوعي ويبدأ الشعور بالألم
ثالثًا: الانفجار
الانفجار اللي حصل منها بعد كده مش سببه الموقف نفسه فقط، بل تراكمات:
شعورها إنها بديل أو تعويض عن حبيبته، شعورها إنها اتكسرت قدام نفسها، الغيرة من حبيبته اللي هي تبقى مرات أخوها
الإهانة العاطفية اللي اتعرضت لها
يا منى صاحبتك بتحبه جدًا و مجروحة منه
وفي نفس الوقت بتتمنى يختارها بتتمنى تكون مرغوبة منه، مرغوبة من اكتر انسان حبته في حياتها، هي مش قادرة تتوقع ان بجمالها وقوة شخصيتها ومكانتها، هو بردو مختارهاش ومحبهاش
فلما قرب منها ارتبكت وتوترت وحاولت تنسحب لكن ما انسحبتش لانها مقدرتش، مشاعرها كانت غالبة، شعور القبول كان أعلى من الإدراك بحجم الكارثة
وده غالبًا معناه إن جزء منها كان:
ضعيف قدامه
محتاج إحساس إنه عايزها
مش بالضرورة عايزة العلاقة نفسها، لكن عايزة إحساس إنه اختارها هي زي ما وضحت لك
_ طب والحل يا حسن؟ المفروض اعمل إيه؟
_ براحة بقا معاها جدا وبلاش لوم وعتاب عليها طول الوقت، هي في علاقة توكسيك ومعقدة ومؤذية لأبعد حد، واحيانا الإنسان بيميل للعلاقات المعقدة الصعبة اللي بتحبسه جواها وتألمه أكتر وأكتر كنوع من أنواع التحدي النفسي والعصبي، فالانسان بينجذب لعلاقات مؤذية ومرضية شبه دي غصب عنه بدون ما يكون مدرك او عنده وعي كامل هو بيعمل إيه في نفسه.
متشبيهاش، افضلي معاها وحطي في دماغها الطلاق بدون مشاكل علشان نفسيتها وصحتها، وياريت لو تعرفي تجيبها اتكلم معاها، بس بما انك بتقولي انه مش بيعيشها الوهم مش عايز يفضل في علاقة زي دي، مش بيضحك عليها ولا هدفه يدمرها، يبقى فيه أمل أنها تتلحق
هزت رأسها موافقة تفكر في كلامه.
*********
دخلت هانيا غرفة مايا، بعدما سمحت لها، وبمجرد أن دخلت عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
_ إيه يا مايا، ناسية ان ليكي اخت ولا إيه؟
يا شيخة دا انا من ساعة ما حملت وانتي حتى مجتيش قولتيلي الف مبروك!
وتقريبا كل ما تشوفيني تهربي بوشك مني علشان عينك متجيش في عيني، عرفيني، لو كنت قتلتلك قتيل قوليلي!
تنهدت الأخرى وردت:
_ لا يا هانيا لا بهرب ولا حاجة والله، كل ما في الموضوع يعني... يعني.... إني...إني بالي بس مشغول الفترة دي بكذا حاجة، مشغولة بفاتح و الدكاترة ومحدش فيكم بردو معايا، انا بلف على كل الدكاترة لوحدي يا هانيا وانتي وروني عادي بقا مطنشين، ماهي مش مشكلتكم، ما انتي حامل وهي ممكن تحمل في أي وقت، فهتخافوا من إيه؟
عبير مش قايمة بدور الحما لسه معاكم، مش كل أما تشوف وش واحدة فيكم، تقولها هجوز جوزك عليكي!
ابتسمت ساخرة وردت:
_ لا فعلا معاكي حق، معاكي حق متقوليش مبروك لاختك وقتها حتى ولا تيجي تطمني عليها ولا حتى تسألي هي عاملة ايه وانتي عارفة ومتأكدة ان هي اصلا كانت مش طايقة جوزها دا وكارهة حياتها معاه وفجأة بقت حامل، مجلكيش حتى فضول تسألي وتعرفي إيه اللي حصل معاها!
تنهدت وتابعت:
_ اسمعي يا مايا، مشكلتك سبق وقولتلك حلها من زمان، قولتلك الصبر والاخد بالأسباب، وقولتلك كمان انا وروني ان فاتح مش عيل، حل المشكلة كلها اصلا في ايد فاتح هو اللي في ايده يرفض وميتجوزش، كونك بقا شاكة فيه ومش مطمنة له، يبقى انتي بتحاربي مع الشخص الغلط، الشخص اللي ممكن يستبدلك بسهولة علشان نفسه وهمه.... اما انا يا مايا حامل مش شخص مش بحبه، يعني امنيتك حققتها واحدة مش راغبة واحدة بردو بتتمنى حياتك.
سكتت برهة وهي تعقد حاجبيها في تأثر ثم أضافت:
_ متأكدة مليار في المية، ان شهاب كان هيفضل معايا حتى لو مخلفتش، كان هيستنى عليا حتى لو عدى ١٠٠ سنة انتظار، حتى لو أمه جبرته... متأكدة ان ماكنتش هتقدر قوة في الدنيا تجبره يتجوز عليا لاني مخلفتش لسه، لا أمه ولا حتى ابوه لو كان خرج من قبره وطلب منه يعمل كدا، علشان انا عارفة هو كان بيحبني ازاي وشايفني إيه.. لو فاتح بيحبك بجد أكيد هيستنى عليكي، وقفي حرب نفسية بقا.
أزالت دمعة تسربت بغتة ثم تابعت في نبرة مليئة بالحزن:
_أنا اتحرمت من حبيبي بسببكم، بسببك انتي وروني، هي ساعدت جياد وانتي صديتي شهاب أما جيه قدام بيتي وكذبتي عليه ومنعتيه يدخل، انتوا الاتنين ساعدتوا في حرماني اعيش مع حبيبي زي ما كل واحدة فيكم عاشت مع حبييها، ومع ذلك بصالي في الحمل وانتي عارفة انا قد إيه بعاني؟
بصالي علشان حملت قبلك وانتي عايشة في رغد وحب في حضن جوزك في حين انا بتعذب؟
مقارنة خسرانة يا مايا بجد
ردت مايا في نبرة هادئة مليئة بالحنان:
_ هانيا حبيبتي انا والله كان...
قاطعتها قائلة:
_ لا كان ولا ماكنش يا مايا، انا مش عايزة رد، انا بس جيت اطمنك تاني واقولك كفاية جري واهدي ولو فاتح عمل كدا يبقى ميستحقكيش... وبردو جيت علشان اشوف معزّتي عندك قد إيه في عيونك وحبك ليا واصل لفين، وكالعادة خاب ظني
انهت كلامها ثم سارت في خطوات سريعة نسبيًا نحو الباب كي تخرج، فنادت عليها مايا كي تقف ولكنها لم ترد، وقفت مايا لحظات تستوعب كلام أختها في تأثر شديد، ثم هزت رأسها بالسلب، كانت لا تود أن تتوتر العلاقات بينهما إلى هذه الدرجة، وعليه فتحت الباب كي تذهب لها ولكنها وجدت فاتح في وجهها يقول في ابتسامة:
_ كنتي حاسة اني برا علشان كدا فتحتيلي الباب؟
ابتسمت وردت:
_ شفت! بحس بيك اهو
_ رايحة فين؟
_ رايحة لهانيا
_ شفت جياد داخل عندها، استني يمشي وبعدين روحي علشان ميدايقش
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ خلصت اجتماع مع الشيخ؟
_ اه، كان بيتكلم بس معايا بخصوص الشغل هيمشي ازاي بكرة والأمور هتبقى عاملة إيه وخلاص، هدخل آخد شاور
وبالفعل دخل، وعقب دخوله بدقائق، ارسلت رسالة إلى مساعدة الشيخ، تتحجج بعدم المجيء لتلك الجلسة، وكان ذلك تأثرًا بكلام أختها لها وحدثت نفسها:
" معاها حق، لو هو فعلا بيحبني جدا زي ما بيقول لي دايما مش هيتجوز عليا مهما حصل "
***********
_ اهلا اهلا وسهلا يادي النور يادي النور، البيت نوّر والله وكان بس ناقصنا نفرش الأرض فل و ياسمين
تحدثت سحر والدة شهاب وهي ترحب بالشيخ و زوجته، تستقبلهما في ترحيب حار من الباب حتى غرفة الضيوف، ليرد الشيخ وهو يجلس على الكرسي:
_ البيت منور بأصحابه يا مدام سحر
جلست جواره زوجته والتي كان الضيق والغيظ يحيطان معالم وجهها فهي تكره شهاب وأمه وتلك اللحظة حتى.
جلس شهاب على الأريكة وجلست جواره ماهي والتي كانت تخفي حزنها بكل الطرق عن والدها بالأخص.
تكلمت سحر في ابتسامة بعدما جلس الجميع:
_ نورتونا والله، تشربوا إيه؟
رد الشيخ:
_ لا متتعبيش نفسك، احنا جايين نزورك لان عرفت من شهاب انك تعبانة شوية، فمش جايين نتعبك أكتر!
_ فيك الخير يا شيخ عبدالله والله، تعبك راحة، بس ميصحش والله ازعل، لازم تقولوا تشربوا إيه
_ حيث كدا بقا، فأنا هشرب قهوة على الريحة
_ حاضر، وانتي يا عبير هانم؟
_ انا هشرب ليمون فريش علشان اعصابي بس
نظر إليها الشيخ نظرات تحذير، بينما ردت سحر:
_ وماله، الف سلامة على اعصابك طبعا... وانتي يا ماهي تشربي إيه؟
_ قهوة زي بابا، بس سادة
علق الشيخ:
_ من امتى وانتي بتشربي قهوة سادة؟
_ عادي، جربتها مرة من قريب وعجبتني بس
عقد حاجبيه في استغراب وسكت، فقالت سحر:
_ وانت يا شهاب؟
_ شاي يا ماما
_ ماشي، ثواني بقا هطلع اقول لوعد تجهز واجيلكم حالا
وجلسوا معًا وكانت سهرة لذيذة وعقب مرور وقت، انصرف الجميع ماعدا شهاب وذلك بناء على طلب والدته والتي طلبت من الشيخ أن يترك لها ولدها قليلًا لانها تحتاجه في أمر ما ثم سيلحق بهم، وافق الشيخ وأخذ زوجته وابنته وذهبوا.
تنهد شهاب وقال:
_ خير يا ماما؟
ردت في جدية:
_ اديك شفت بنفسك ولاد الاصول عملوا ايه، سواء الشيخ عبدالله او بنته، فدول يتشالوا على الراس ويتحطوا على الجرح يطيب.
مراتك متستهلش منك اللي انت عملته وبتعمله فيها دا، وانت متقبلش دا على اختك، ودي لا هي تربيتك ولا أخلاقك، ففوق لنفسك لان واللي خلق الخلق، والله والله كمان مرة يا شهاب ان ما اتعدلت وفوقت لنفسك ولبيتك ومراتك واحترمت نفسك واحترمنا معاك وبعدت تماما على اللي اسمها هانيا دي، ما هتكون ابني ولا اعرفك، والبيت دا مش هتدخله تاني برجلك، ولو جيه حماك ولا عمك واتكلموا معايا في أي حاجة غلط تعملها، هقولهم انا رميت طوبته خلاص ومليش دعوة بيه.
بس كدا، علشان احنا ناس محترمة وابوك كان راجل محترم ومنستاهلش التهزيق اللي كل شوية يجيلنا دا بسبب شاب طايش وتصرفاته طايشة زيك.
انا ابني راجل ولو هتستعيل فأنت كدا متبقاش ابني اللي عرفته وربيته فتلزمنيش بقا خلاص مادام هتخيب، وخلي هانيا بقا اللي عمال تخسر علشانها كل اللي حواليك دي، تنفعك وقتها.
كان متأثرًا بكلامها، لا ينظر إليها وداخل جفنيه، الدموع حبيسة، وقبلما يرد هو او تتابع هي كلامها، طرق أحدهم باب المنزل، ففتحت شاهندا ثم قالت:
_ ماما، دا عمي جمال وعمي مجدي ابو هانيا معاه
فتكلم عمها جمال قائلًا:
_ تعالى يا أستاذ مجدي اتفضل
سارا بجانب بعضمها البعض وخلفهما تسير شاهندا ترشدهما إلى غرفة الضيوف والمتواجد بها كلًا من شهاب وأمه.
دخلا الرجلان الغرفة وجلسا ثم قال جمال:
_ كويس اننا لحقناه قبل ما يمشي
ثم وجه حديثه إلى شهاب:
_ أستاذ مجدي جيه النهاردة معايا علشان يتكلم معانا قصادك في الغلط اللي صدر منك، باعتباره تنازل ومعملش لا محضر تعرض ولا محضر اختطاف
تحدث مجدي إلى شهاب أيضًا قائلًا:
_ انا سبيتك ورحمتك علشان ماكنتش عايز فضايح، لكن دا مش معناه اني ضعيف او سكت عن حقي لاني عدتها او لاني خايف منك، وباختصار قدام عمك وامك جبت معايا ورق هتمضي عليه بعدم التعرض لأي حد مننا لا انا ولا بنتي ولا اي حد من عايلة السلاب خالص، ولو نقضت الاتفاق دا مرة تانية واحدة كفاية، هيبقى بينا المحاكم والقواضي والفضايح والغرامة وكل دا ومش هيهمني بقا ساعتها أي حاجة ولا اي حد
ثم نظر إلى عمه وتابع:
_ كبرتك أهو يا كبير عايلة مظهر
_ فيك الخير يا أستاذ مجدي، وزي ما قولتلك شهاب جدع وهيكبرني وهيحترم نفسه وهيكبر عايلته وهيمضي ومش هيتعرض لبنتكم تاني
ثم نظر إلى ابن أخيه وتابع:
_ يلا يا شهاب امضي واوعد الراجل وخلينا نحلها ودي بدل المشاكل
نظر الشاب إليه، ثم إلى والدته، وأخيرًا نظر مطولًا إلى مجدي يرميه بنظرات مليئة بالاشمئزاز.. دقائق معدودة ثم مد يده كي يأخذ منه الورق، ناوله فأخذه منه وبدأ يتطلع فيه يقرأ ما به في تأني... ثم وقّع باسمه ثم ترك الورق جانبًا وقال لمجدي:
_ مش انا اللي ممكن آذي هانيا في يوم من الأيام، اللي انت اختارته وفضلته عليا هو اللي بيأذيها وهو اللي هيدمرها لانها عمرها ما حبته ولا عمرها هتحبه.
ثم نظر إلى أمه وعمه بالتناوب واضاف:
_ اوعدكم اني هكبركم ومش هعمل حاجة تانية تقل مني ولا منكم قصاد حد.... اوعدك يا أمي إني هحاول بكل الطرق ارجع لبيتي واحب مراتي وأسس أسرتي بعيد عن المشاكل.
ثم وجه حديثه إلى مجدي:
_ انا بس عايز اقولك اني مش مسامحك لا دنيا ولا آخره ولا عمري هسامحك على وجع القلب و القهر اللي عيشتهولي انا وبنتك مقابل الفلوس اللي فضلتها على سعادتنا وحُبنا... بنتك في أمان سبق ووعدتها قبلكم كلكم إني مش هكون مصدر ضغط عليها تاني لا من بعيد ولا من قريب، طالما هي طلبت مني دا بنفسها.
نهض ثم قال:
_ عن اذنك يا ماما، عن إذنك يا عمي، القعدة دي خلاص مبقتش تلزمني، أما بشوف الراجل دا بيجيلي كرشة نفس علشان كدا همشي أنا واظن اني خلاص عملت اللي كلكم عايزينه
وبالفعل رماه بنظرات مليئة بالقرف ثم خرج.
وعقب خروجه، قالت سحر:
_ خلاص كدا يا أستاذ مجدي، بقيت مرضي و مطمن؟
_ يعني... انا ليا افعال مش كلام وادينا هنشوف.
*********
منذ أن دخل الغرفة وهو يجلس على الأريكة التي ينام عليها دون سريره، يتكيء على ذراعها شاردًا في حالهما وتلك النقطة التي وصلا لها.
وكانت هي في المرحاض تستحم وتوها خرجت وبدأت تمشط شعرها وتضع المرطبات والسيرم وغيرها من الأشياء الخاصة بها قبل النوم.
وبعدما انتهت، تمددت على الفراش كي تنام متجاهلة وجوده تمامًا، كان يراقب أفعالها في صمت، ثم تجاهل الأمر هو الآخر وبدأ يقلب في هاتفه، يشاهد الصور والفيديوهات الخاصة بيوم زفافهما، يبتسم تارة ما إن شاهد فرحته رفقة عائلته، ويحزن تارة ما إن يجد ملامحها الحزينة داخل الصور بشكل واضح.
وعقب مرور ساعة من هذا الحال، علم انها قد نامت وعليه بدأ ينظر إليها في اشتياق ممزوج بالغضب وتذكر أول يوم رآها فيه...
قبل سنتين ونصف، عاد هو واخوته إلى القاهرة حيث الاستقرار وذلك بعدما قرأ فاتح الفاتحة على مايا، فكانوا لابد لهم من عودة حتى يحضرون خطوبة أخيهم، وحتى وان لم يستقروا ولكنهم قرروا الاستقرار أيضًا بعدما تم فتح الفرع الجديد في مصر.
وفي القاعة المقرر عمل الخطوبة بها، كان يقف بجانب والده يناقش معه فكرة الاستقرار في مصر وكيف ستكون وهكذا.
وفي الوقت نفسه، أقبل عليهما مجدي ومعه هانيا، تلك التي كانت تسير بجانب والدها بكامل انقتها، بفستان بسيط خاطف وميك اب بسيط لامع.
وتحدث مجدي إلى الشيخ قائلًا:
_ هانيا يا شيخ، آخر العنقود عندنا، اعتقد انك مشغتهاش أما كبرت كدا صح؟
ليبتسم الشيخ ابتسامة عريضة ومد يده ليصافحها وهو يقول:
_ بسم الله ماشاء الله، تبارك الله، كبرت ماشاء الله عليها واحلوت خالص، آخر مرة شفتها كانت...
ليرد مجدي:
_ كانت في ٣ اعدادي يا شيخ، دا من زمن
_ ايوا ايوا صح، لا بس جميلة ماشاء الله ربنا يحفظها بحفظه يارب
وكانت الفتاة تبتسم خجلًا ثم اضاف الشيخ:
_ في سنة كام دلوقتي يا بابا؟
_ انا في ٣ كلية
_ ماشاء الله ماشاء الله، ربنا يكرمك و يوفقك يا بنتي...
ثم احاد بصره جهة ابنه المحملق بالفتاة والتي راقت له بشكل غريب، فقد اعجبته للغاية، وقال لها:
_ دا جياد ابني يا هانيا ، آخر العنقود عندنا في الشباب بردو، هو اللي قبل آخر بنوتة خالص
نظرت نحو الشباب وهي تبتسم ومدت يده كي تصافحه، تقول:
_ هاي جياد
مد لها يده وهو يبتسم ابتسامة عريضة وقال:
_ هاي هانيا
ابتسمت ثم سجيت يدها ما إن وجدته لا يتركها لمدة من الوقت منذ أن صافحها، فتنحنح، ثم قالت لهم:
_ عن اذنكم هروح اشوف مايا
وبالفعل ذهبت، وكان هو يتبع أثرها لا يبعد نظره عنها، حتى أنه لم يشعر بوالده ولا بصديقه وهما يمشيان حتى يستقبلا الباقي.
وبينما هو شاردًا بها حتى لا تغيب عن نظره، أقبل عليه يزيد وهو يضع يده فوق كتفه، يقول:
_ ايه يا عم، مالك متنح كدا ليه؟
ثم نظر إلى ما ينظر، فتابع:
_ آه... دي اصغر واحدة في بنات السلاب، عجبتك ولا إيه؟
_ اوي يا يزيد اوي، حلوة بشكل، ناعمة كدا وجميلة، my type اوي
_ هو تقريبا مجدي خلف بنات علشان يبقوا ال type بتاعنا.. انا بردو عجبتني أختها الوسطانية أوي
_ البت دي هتبقى مراتي وش، مش هضيعها من ايدي
_ اوعى بقا، وبقيت تفكر في الجواز كمان!
_ ماكنتش بفكر قبل، علشان ملقتش حد يلفت انتباهي ولا يعجبني زيها كدا، معظمهم كانوا جمال يجزع مش هادي كدا زيها او جمال من غير حضور وكايرزما، وانا الكاريزما دي بشمها كدا... بابا كان معاه حق أما قالي المصريات بس هما اللي هيدخلوا دماغك وهتتجوز مصرية في الآخر
_ خلاص رسمت جواز من نظرة انت التاني؟
_ ايوا طبعا، واتفضل سبني بقا علشان أخيرا بقت واقفة لوحدها اهي، هروح اقف معاها
وبالفعل اتجه نحوها، وكانت تجري مكالمة هاتفية، في إحدى الزوايا الخاصة بالقاعة.
فقال لها:
_ هانيا
كانت قد انتهت من مكالمتها، ثم ابتسمت له وردت:
_ نعم
اقترب منها قليلًا ثم وضع يداه في جيبه وقال في ابتسامة:
_ إيه رأيك في القاعة والاجواء؟
_ حلوة أوي، ربنا يتمم لهم على خير
_ يارب... عايز اقولك ان فستانك حلو اوي وكمان الميك اب سيمبل وظاهر ملامحك حلو ومش خافي جمالك
_ thank you
تنهد ورد:
_ انتي في كلية إيه صح؟
_ كلية تجارة قسم marketing
_ واو، تحفة، انتي زميلة ليا في المجال نفسه بقا!
_ بجد؟
_ اه والله، انا كمان خريج marketing وهبقى مدير القسم السنادي في الفرع الجديد، بابا قال يجرب كدا
ضحكت في خفة ثم ردت:
_ بالتوفيق ليك يارب
_ merci,
قوليلي بقا بتشتغلي ولا لسه؟
_ لا، بدرس بس
_ طب مش واجب تتعلمي عملي بقا؟
_ اممم، مفكرتش في الموضوع دا صراحة
_ طب واللي يقولك على حل؟
_ قول
_ كدا كدا احنا بنفتتح فرع جديد، وفرع جديد يعني موظفين جديدة و مديرين جديدة وغيره، فأنا بقترح عليكي تيجي تشتغلي في قسمي وانا هعلمك كل حاجة بنفسي لو احتاجتي..جربي مش هتخسري حاجة، والانترفيو هتعديه، معاكي واسطة من مدير القسم نفسه!
فرحت للغاية، وابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ بجد بجد شكرا ليك وللمساعدة الحلوة دي، وصدقني أنا هبذل قصارى جهدي علشان استمر في الشركة ومش مجرد اخد تدريب وخلاص
_ ودا اللي أنا عايزه... يبقى كدا اتفقنا...
تمهل برهة فهو يبغى رقمها، ففكر لثوان ثم اضاف:
_ ومتقلقيش، هبعتلك واتس اب pdf فيه كل ما يخص القسم ولوائح العمل وكل التفاصيل دي علشان تساعدك أسرع
ابتسمت وردت:
_ ياريت بجد، هكون ممنونة جدا
تنحنح ثم رد في ابتسامة:
_ بس انا مش معايا رقمك!
_ اه اه sure هتاخده حالا
_ ياريت، علشان اول ما اروح القصر كدا ابعتلك علطول
اخرج هاتفه وبدأ يكتب الرقم الذي تمليه عليه ثم سجله باسمها ووضع ايموجي قلب أحمر بجانب الإسم.
قالت له في ابتسامة لطيفة:
_ آسفة بس لازم اروح علشان اقف جمب مايا مينفعش اكون بعيدة كل دا عنها، انت أكيد فاهم
_ اه اه طبعا اتفضلي، نكمل كلامنا بعدين
_ اوكيه، عن إذنك
تحركت مبتعدة عنه، فتمتم وعيناه معلقة بها:
" يخرابي هي ازاي جميلة اوي كدا!
رقيقة موت موت يعني"
ثم نظر إلى الهاتف وتابع في خبث:
" بس خلاص رقمها بقا معايا...مش هحلك، دخلتي دماغي خلاص "
خرج عن شروده ودمعة تنزل على خده ثم تعلقت بين شعر ذقنه وهو ينظر إليها وهي نائمة في سلام متجاهلة الانهيار والحرب التي تقام في قلبه وعقله.
تنفس، ثم خطى خطوات نحوها، وجلس جوارها على السرير، ابتسم لما وجدها تنام بشكل عشوائي، شعرها مبعثر على الوسادة وملابسها مرفوعة بعض الشيء والغطاء بالكاد بعيد عنها.
مد يده كي يضعها عليها، ولكنه ظل مثبًا ذراعه أكمل في الهواء، مترددًا في أن يلمسها وكأنها أصبحت محرمة عليه، بالفعل هي من حرّمت نفسها عليه ووضعت المسافات والحدود بينهما، وعليه وضع ذراعه بجانبه ولم يلمسها ولم يضع يده عليها كما فكّر منذ قليل، بل ظل بجانبها يتأملها وينظر إليها في ابتسامة وعينين يغمرهما الحب والاشتياق والشغف، فها هي حبيبة قلبه ونبضه بعيدة عنه للغاية حتى وان كانت المسافة بينهما بضعة سنتيميترات.
وتحدث صوته الداخلي:
" ليه كدا بس يا هانيا ليه؟ لو بس تدخلي جوا قلبي وتشوفي بنفسك هو قد إيه بيحبك مش هتقسي عليه بالشكل دا ولا هتبعدي عنه وتحرميه منك كدا.. حرام عليكي يا هانيا، هو انا فعلا مش بصعب عليكي خالص؟ مش شيفاني خالص يا هانيا؟
دا انا بموت فيكي يا هانيا، ورب العرش بموت فيكي ومقدرش استغنى عنك ولا بقيت حِمل القسوة دي يا هانيا بجد.."
اقترب منها في بطء شديد، وبدأ يقرب أنفه من عنقها وكتفها، يشم رائحة عطرها والتي كانت زكية للغاية وكانت عبارة عن خلاصة مجموعة روائح ناتجة عن منتجات العناية بالجسد ورائحته اثناء النوم وغيرها من المنتجات بالإضافة إلى عطرها الخاص المعروفة به.
وكلما شم رائحتها، كلما اشتاق لها أكثر فأكثر وعليه أجبر نفسه على الابتعاد ثم أسند رأسه إلى خشبة السرير وبدأ يغمض عيناه متخيلًا إياها معه برضاها الكامل وابتسامتها التي يحبها، وما أصعب الخيال في حضور الحقيقة.
**********
وفي اليوم التالي، ذهبوا جميعهم إلى العمل حيث العودة ولم يحدث شيء يُذكر، سوى أنه كان يوم افتتاحي، حيث اجتماع كامل لجميع الموظفين حتى يتناقشون حول العمل وكيف سيسير العام الجديد وهكذا.
ومع تمام الساعة السادسة مساء، اتصلت نيرة ( زوجة رضا ) على يزيد وبمجرد ان استجاب لها، قالت:
_ ازيك يا يزيد عامل إيه؟
_ الحمدلله بخير يا مدام نيرة، اؤمريني
_ الأمر لله... كنت بس عايزاك تجيلي البيت، كنت حابة اتكلم معاك شوية في موضوع مهم جدا خاص برضا، فيه امكانيه يا ترى؟
_ اه طبعا، نص ساعة بس اخلص شغلي وهتلاقيني عندك
_ اتفقنا، مستنياك
انهى المكالمة معها، ثم اتصل على زوجته والتي ما إن ردت، قال:
_ خلصتي شغل؟
_ لسه، بقولك يا يزيد، أنا هخلص شغل واعدي انا وهانيا على حلا بنت خالتو نسلم عليها زي ما قولتلك بقا، قلت افكرك لتكون نسيت
_ ايوا صح انا كنت ناسي فعلا.. طيب خلاص، سلام
كان يودها أن تذهب معه إلى بيت نيرة ولكنه ما إن علم أنها ستذهب إلى عند أقاربها، لم يمنعها ولم يطلب منها المجيء لذلك السبب و انه فكر قليلًا لربما نيرة تحتاجه في أمر ما، مثل طلب مبلغ من المال، فربما ستشعر بالحرج من زوجته لذا سكت.
ومر الوقت وبالفعل ذهبت هانيا رفقة أختها حتى منزل معتصم ابن عمهما وحلا زوجته وابنة خالتهما، وذهب يزيد إلى منزل نيرة والتي ما ان علمت انه يطرق الباب، حتى فتحت له وهي تقول في ابتسامة:
_ تعالى يا يزيد اتفضل
دخل الشاب وهو يقول:
_ قوليلي بقا يا ستي، عايزاني في إيه خير؟
ردت وهي تقول:
_ خليني بس اعملك الشاي الأول
_ بلاش تتعبي نفسك
_ لا لا تعبك راحة
وبينما ذهبت وتأكدت انه يولي لها ظهره، اقتربت منه ثم ضربته، ضربة قوية بالعصا على رأسه فشعر بالدوار الكبير ثم سقط على الأرض لحظتها مغشيًا عليه، وبمجرد أن وقع، اقتربت منه وامسكت بيده وبدأت تضع بصماته على ملابسها وجسدها وجعلته يتشبث بشعرها حتى وضعت بعض من الشعيرات داخل اظافره، ثم نزعت عنها الجاكيت الخاص بها لتبقى بالفنلة الداخلية وحسب ثم بعثرت شعرها ليبدو بشكل عشوائي وامسكت بيده تارة أخرى واضعة ظفره على خدها وصنعت خربوش صغير به، ثم ركضت وفتحت النافذة وصرخت بأعلى صوت:
" الحقوني، الحقوني يا ناس، الحيوان دا كان عايز يعتدي عليا وضربته على دماغه، فين الناس، فين الرجالة الحقوني بسرعة قبل ما يفوق تاني..."
وهكذا انتقمت لنفسها ولزوجها الذي قُتل بسببه، وسولت لها نفسها بأن تتهمه اتهام خطير هكذا لسترد حق زوجها منه بعدما رفضت الحكومة في جلبه...
**********
رأيكم مهم ومتنسوش الفوت علشان بقينا ١٣٠ الف قراءة وعدد الفوتس غير مرضي ابدا
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الاتنين
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
فيه خبر حلو بالنسبالي حابة اقولكم عليه واشكركم بردو، الانتظام على الفوتس كل مرة بقا من ١٠٠ ل ٢٠٠ في يومين او في عدد الايام الفاصلة بين البارت والبارت التاني، شكرا ليكم ❤️
طلب صغنن بقا هي قربت تتحط في الروايات ال recommended for you ودا بيتقاس على أساس التعليقات والفوتس، فيلا زودوا عدد الفوتس اكتر، اللي ماكنش بيحط، يحط يدوس على النجمة اللي تحت دي ✨️ شكلها، ويكتب كومنت او اتنين بعد ما يخلص قراءة البارت 🤍
جاهزين؟
يلا نبدأ
الفصل الرابع والثلاثون[ الدم هو الحل]
سلمى خالد احمد
****************
_ زي ما قلت لحضرتك يا فندم والله، انا روحت البيت لانها رنت عليا وقالتلي عايزاك في أمر يخص رضا والموبايل مسجل المكالمة لانه بيعمل recording تلقائي، وفجأة ضربتني على دماغي وفقدت الوعي، صحيت على صويت وناس عمالة تشتم وتضرب لحد ما جابوني القسم دا، انا فعلا مش فاهم في إيه، انا والله لا اعتديت عليها ولا عملت لها أي حاجة
تحدث يزيد إلى الشرطي وهو يمتثل أمامه في احترام، يضع يده على رأسه مكان ما ضربته، فردت هي وهي تبكي:
_ انا فعلا عملت كدا يا باشا، رنيت عليه لانه قالي اي مساعدة تحتاجيها اتصلي عليا وسبق مرة وجالي البيت واداني ١٠٠ الف وقال ايه فلوس جوزي كان شايلها عنده، وطلع كداب لان جوزي عمره ماكان شايل مبلغ زي دا عند حد ومقاليش، وانا صدقت وسكت واتصلت عليه يجي، كنت عايزة اتكلم معاه في جزيئة معينة لان جوزي عمل حادثة بعربيته ومات فكنت عايزة افهم منه دا حصل ليه وليه رضا جوزي الله يرحمه ركب عربيته، قبل ما اقول اي حاجة لقيته قرب مني وانا حامل وزي ما حضرتك شايف كدا انا قربت اولد، طبعا خفت منه فقولتله موافقة اعمل اللي انت عايزه بدون أي اعتداء او عنف بس خليني اهيأ الجو، قالي لو صرختي قولتله اصرخ ايه انا فيا نفس؟ انا حامل في الشهر التامن وعلى وش ولادة، وافق واداني ضهره على أساس اهيأ الجو لينا وكان رايح يقعد على الكنبه، ستر ربنا اني لقيت عصاية المقشا في وشي، لقتني بمسكها وبضربه بيها بسرعة، قبل ما يقع مسك شعري شدني منه وفضل يلمس فيا ويشد في هدومي بس انا زقيته جامد فراح وقع على الأرض واغمى عليه، روحت من رعبي لميت عليه الناس
كان يزيد يحملق بها لا يصدق ما تقوله عنه وما يسمعه بأذنه، هو نفسه كاد أن يصدق، فقال يدافع عن نفسه:
_ والله العظيم كل دا ما حصل، هي كدابة
صاحت في غضب:
_ انا كدابة واميرة فؤاد كدابة وياسمين المحمدي كدابة وانت بس اللي صادق صح؟
تجاهلها ونظر إلى الشرطي وقال:
_ يا فندم، يا فندم والله بتتبلى عليا، انا دماغي بتنزف ولازم اروح أقرب مستشفى
_ خليني اجبلك اذن او اشوف ينفع اخرجك تتعالج الأول ولا لا
هز رأسه موافقًا، فتابع الشرطي:
_ وريني بطاقتك
اخرجها ثم أعطاها له، مد الشرطي يده واخذها منه وبدأ يقرأ اسمه جيدًا، ثم اضاف:
_ هو انت ابن عبدالله الزيني؟
هز رأسه مؤكدًا وقال:
_ بالظبط يا فندم
تعجب الشرطي انه لم يستخدم كنيته للدفاع عن نفسه ولم يذكر اسمه أمامه، بل كان يقف في احترام ويتحدث بنفس الشكل.
بينما علقت هي:
_ هو بقا علشان ابن رجل أعمال كبير في الدولة هيبقى فوق القانون؟
ليرد الشرطي عليها:
_ محدش قال الكلام دا... خليكم هنا، لحظات وراجع
خرج الشرطي، بينما يزيد قال لها في نبرة حادة مليئة بالغضب:
_ بقا هو دا شكرا بتاعك؟ آخرت ما وقفت جمبك وقلت ارملة مسكينة وساعدتك وجت لك جري علشان قلت لو محتاجه حاجة اكون معاها!
انتي عارفة انك بتتبلي عليا، وانا عندي محامين كبار مش محامي، قادرين يخرجوني من القضية دي زي الشعرة من العجينة، قضية انا اللي كسبان فيها كدا كدا... بس صدقيني مش هتصعبي عليا وانا اللي هسجنك
_ مش غريبة عليك... قتلت جوزي و عايز تسجني، عادي يطلع من مجرم زيك بردو
رد وهو يخرج الكلمات من بين أسنانه اثر الغيظ الشديد:
_ هو مين دا اللي قتل جوزك يا غبية انتي؟ أنا؟ انا هعمل كدا ليه؟ هو اي تخلف وخلاص؟
ردت في نفس نبرة صوته وطريقته:
_ اومال ليه جوزي عمل حادثة بعربيتك انت؟ ليه مش بعربيته؟
_ هو اللي طلب مني ياخد العربية والله!
_ يا سلام، صدقتك انا كدا، هو ايه اللي يخليه يطلب طلب غريب زي دا؟
_ طب وانا إيه اللي يخليني اموته يعني؟
_ انت مستهدف ورميته طعم، حماية لنفسك، الاكس بتاعتك حكت لي كل حاجة صدرت منك في قطر، من خوفك من التجربة الأولى، عقلك اللاواعي خلاك تبدل مع جوزي علشان تكون في أمان
ابتسم ساخرًا من كلامها ثم رد:
_ تجربة اولى إيه و إكس مين؟
وبعدين بالعقل كدا، حتى لو انا فعلا عندي تجربة وحشة وحد حاول يقتلني في مسابقة بنفس الطريقة وانا قبل المسابقة ربنا الهمني وخلاني افتكر الحدث المأساوي دا وشكيت في الموضوع، يبقى من باب أولى أعمل إيه، اشوف العربية و اتأكد ان كل حاجة تمام فيها ولا اركب حد بدالي فيها؟
سكتت تفكر في الأمر قليلًا.... فتابع:
_ انا على البر اهو ومفيش اي حاجة ولسه المسابقة مبدأتش، وانا حسيت ان ممكن عربيتي يكون فيها حاجه لان حد حاول يقتلني قبل كدا بنفس الشكل، فالطبيعي يا بني آدمة، ابص على العربية واعمل check كامل ليها ولا اركّب اي حد فيها؟
توترت وظهر الارتباك عليها، فهي لم تجد جواب، فقالت:
_ أكيد ماكنش معاك وقت كافي تفحص فيه العربية بشكل كامل، لان وقت المسابقة وأكيد كانت هتبدأ خلاص
_ لا طبعا، لو قولتلهم شاكك ان عربيتي فيها اي حاجة خطر هيوقفوا كل حاجة ويفحصوها والمسابقة مش هتبدأ إلا أما يتأكدوا ان كل حاجة فيها تمام، هيجيبوا لنفسهم مصيبة ليه؟
اطرقت... فأضاف:
_ مين بقا الأكس بتاعتي اللي قالتلك كدا؟ شكلها عامل ازاي، اسمها إيه؟
_ علشان تأذيها هي كمان؟
_ لا، بس علشان انا مستغرب جدا، انا ماكنش عندي غير إكس واحدة وكانت لبنانية اساسا ومتجوزة من قبلي بسنتين ومعاها طفلين وعمرها ما جت معايا مسابقات عربيات وعلاقتنا كلها كانت عبارة عن ٩ شهور و انفصلنا وكنا بنتعرف اصلا وبنشوف مناسبين ولا لا، فمين بقا اللي ضحك عليكي وقالك الكلام دا عني؟
مستحيل هي
تنهدت وردت:
_ اسمها إيه؟
_ كان اسمها أثيتانا
أمسك هاتفه ما إن لاحظ صمتها العميق، والذي يعني أنها تفكر، ثم بدأ يقلب فيه، دقيقة ووضعه امامها وهو يقول:
_ اهي، دي الانستا بتاعتها ودي صورتها، هي دي اللي جاتلك؟
هزت رأسها نافية وهي تتطلع إلى الصورة، ثم قالت:
_ اللي جت لي واحدة اسمها أميرة فؤاد وكانت شقرا وقصيرة شوية مش طويلة زي دي
_ شقرا؟
انا عمري ما عرفت واحدة شقرا في حياتي.
تنهد وتابع:
_ نيرة، في حد كذب عليكي واستغلك و...
قبلما يتابع، قطعه، دخول الشرطي وهو يقول:
_ يزيد، تقدر تروح مستشفى تطمن على دماغك وبعدها تيجي تسلم نفسك علشان تتعرض على الطبيب الشرعي ونبدأ نتكلم في القضية، فيه عسكري من طرفنا هيرافقك لحد أما ترجع لنا تاني
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ بلاش حد يرافقني علشان التصوير وسُمعتي والصحافة... أنا هرجع لوحدي وعد وان معملتش كدا، اعملوا اللي انتوا عايزينه
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ يلا روح بسرعة... وانتي يا مدام نيرة، هتقضلي قاعدة معانا لحد أما يرجع علشان هتتعرضي لفحوصات طبية وغيرها
هزت رأسها موافقة، وهي تنظر إلى يزيد في ضيق، بينما الآخر رماها بنظرات مليئة بالاشمئزاز ثم بدأ يذهب كي يتجه إلى أقرب مشفى.
*********
كان جياد يجلس داخل سيارته في حديقة القصر، فتوه وصل القصر بعدما انتهى موعد عمله، ولكنه كان لا يزال داخل السيارة بسبب ضيقه وحزنه فلم يود الخروج ولا الظهور.
وضع الهاتف على أذنه، يتصل على راجله عوض والذي بمجرد أن رد قال:
_ نعم يا جياد باشا؟
_ المدام واختها وصلوا بيت عمهم؟
_ لا يا باشا، هما لسه واصلين حالا بيت بردو بس مش نفس البيت ولا العنوان اللي وصفتهولي
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ يعني إيه؟
صور كدا شكل البيت اللي دخلوه دا
_ حاضر
وبالفعل التقط صورة وارسلها له، ولم يعرف جياد ذلك المنزل ولا حتى المكان وعليه اتصل على روني والتي استجابت:
_ إيه يا جياد؟
_ انتوا فين يا روني بالظبط؟
نظرت إلى أختها، ثم قالت:
_ احنا عند بنت خالتنا
_ بنت خالتكم مين؟
_ بنت خالتنا حلا اللي هي مرات ابن عمنا معتصم
زفر في ضيق ورد:
_ بس اختك قالتلي انها رايحة عند عمها!
_ ماهو...ماهو احنا كنا هنعمل كدا فعلا، بس في نص الطريق، معتصم اتصل وقال حلا تعبانه وكدا فقولنا نروح نزورها هي الأول
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ ماشي يا روني، سلام
انهى المكالمة معها وبدأ يفكر في كلامها... ثم اتصل على يزيد والذي بمجرد أن استجاب قال له:
_ يزيد هو روني قالت لك أنها وهانيا رايحين فين علشان نسيت بس وماكنتش مركز معاها وهي بتقولي من ضغط الشغل؟
_ قالتلي أنهم رايحين عند بنت خالتهم، ليه؟
كان صامتًا لا يرد، فسمع صوت انثوي بجانب أخيه تقول:
" لو سمحت يا مستر يزيد اقفل التليفون وخليني اركز في الجرح "
مما جعله يستغرب، وعليه سأله:
_ جرح إيه؟ انت فين يا يزيد؟
_ في المستشفى
رد الآخر في خضة:
_ إيه؟ مستشفى؟ مستشفى ليه؟ مالك؟ حصلك إيه؟
_ بسيطة بسيطة، متقلقش حد بس
_ انهي مستشفى، قولي العنوان بسرعة
وبالفعل أملى عليه العنوان وبدأ الآخر يحدد الموقع كي ينطلق نحوه، واثناء فعله ذلك، اتصل على روني وقال ما ان ردت:
_ روني يزيد في المستشفى، اعتقد لازم تبقوا معانا دلوقتي.
*******
وقفت الفتاة وهي تقول في خوف مصحوب بسرعة:
_ يلا يا هانيا، يلا بسرعة يلا
علق معتصم والذي توه أقبل عليهما حتى لم يعرف ما الذي أتى بهما:
_ في إيه انتوا لسه جايين؟
_ معلش يا معتصم بس يزيد في المستشفى ولازم اروح
_ ليه بس؟
_ مش عارفة حاجة ولا جياد حتى عارف، كل اللي اعرفه اني لازم اروح حالا وابقى جمب جوزي، يلا يا هانيا
تحركت الفتاة معها، فقال الشاب:
_ طب استنوا انا هاجي معاكم
ثم نظر إلى زوجته وتابع:
_ هروح معاهم اطمن على يزيد وراجع، خلي بالك من نفسك ومن ريتال
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ وابقوا طمنوني
**********
جلست ماهي أمام طبيبة النساء والتوليد، ثم قالت:
_ جيالك يا دكتور علشان طالبة منك تديني مانع قوي للحمل يناسب جسمي وبدون ما يأثر على هرموناتي او تركبي لي لولب
هزت الطبيبة رأسها بالايجاب ثم قالت:
_ تمام مفيش مشكلة، قوليلي بس الأول، كنتي بستخدمي إيه قبل؟
_ ولا أي حاجة، أنا يعتبر عروسة جديدة ولسه ماخدتش حاجة، بس انا وجوزي مش عايزين حمل يعني في بداية جوازنا وكدا وعلشان كدا عايزة مانع بس قوي فعلا يمنع
_ مفهوم... خليني اعرف منك بردو، قبل ما اديكي أي مانع أو أركب لك لولب، آخر علاقة تمت بينكم كانت امتى؟
أخذت تتذكر لحظة... ثم ردت:
_ يعني... اعتقد من ٦ ايام كدا
_ بس ٦ ايام كفيلة يكون حصل فيهم حمل بس مش ظاهر لسه، وانا لو اديتك مانع او ركبت لك لولب هيأذي الجنين ممكن وهيجي عليكي بالسلب، فلازم قبل ما اديكي حاجة وقبل أي حاجة اتأكد ان مفيش حمل اطلاقا الأول، دا أما اعملك تحليل دم أو بعد آخر دورة نركب لولب لانه اقوى مانع واكون انا تأكدت ان مفيش جنين في الرحم
تنفست الفتاة في قليل من التوتر ثم ردت:
_ يعني إيه يا دكتور؟
_ يعني زي ما وضحت لك بالظبط، اتأكد الأول ان الرحم مفيهوش جنين وبعدها نركب لولب
_ طب ما تتأكدي!
_ لا، ٦ ايام، الجنين لسه مش هيظهر وممكن التحاليل تبقى مش مظبوطة لان هرمون الحمل بشكل كبير مش هيكون ظهر لسه في دمك، يعني حتى تحاليل الدم مش هتبقى مظبوطة، فاستني شوية، ٧ ايام كمان، بس جوزك ميقربش فيهم منك لحد أما اتأكد ان مفيش حمل علشان اركبلك اللولب.
ابتلعت ريقها ثم ردت:
_ يعني انا ممكن اكون حامل ومش ظاهر؟
_ ممكن جدا، علشان كدا لازم نستنى، انتي بردو اتأخرتي، ست ايام من بعد حدوث العلاقة كتير، كان لازم تاخدي مانع وقتها قبل حدوث حمل متوقع
_ ما انا معرفش، أنا فعلا والله ما كنت أعرف!
فاكرة ان المانع بيتاخد في اي وقت، ماخدتش بالي، اصلا كان عندي فرح اختي ومشاكل و...
_ صدقيني يا مدام ماهي انا مقدرش اساعدك في أي حاجة والله، لازم اتأكد الأول ان مفيش حمل وبعدها ادي المانع علشان انتي متتأذيش حتى
_ لازم أسبوع؟
_ يعني بنتكلم في من ٥ ل ٧ أيام علشان نتأكد تمامًا
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ البريود اصلا اتأخرت عندي، بس انا في الأول قلت نفسية لان نفسيتي وحشة اصلا الفترة دي، بس كلامك قلقني
_ اتأخرت قد إيه؟
_ يومين
_ مش دليل كافي بردو، احيانا فعلا البريود بتتأخر لأسباب نفسية عادي، فخلينا نستنى بس ونشوف هنعمل إيه أما نتأكد
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ تمام يا دكتور شكرا
ثم خرجت من الغرفة وبدأت تسير في الطرقات نحو الخروج وفي تلقائية وضعت يدها على بطنها وصوتها الداخلي يقول:
"معقولة؟ معقولة فعلا أكون حامل منه؟
مش عارفة أنا فرحانة ولا زعلانة، مبقتش فاهمة نفسي حرفيا... يارب، يارب انت اختارلي الأفضل وبس"
*********
_ يزيد، يزيد حبيبي انت كويس؟
ركضت زوجته جهته وهو يجلس في الاستراحة، تلمسه وتنظر إلى الضمادة الموضوعة فوق رأسه، قال لها في ابتسامة:
_ اه يا حبيبتي انا كويس، متخافيش عليا، انا بخير
_ إيه اللي عمل كدا في دماغك؟
وتحدث جياد أيضًا:
_ ايوا صح يا يزيد إيه اللي حصل؟
رد عليهما:
_ هروح بس ادخل الحمام وهاجي اقولكم كل حاجة
وبالفعل ذهب، بينما معتصم أمسك ذراع هانيا وهو يقول لها:
_ تعالي اقعدي ارتاحي انتي حامل
فرمقه جياد في غيرة شديدة، وفي تلقائية اقترب منه ودفع يده بعيدًا عن زوجته وهو يقول:
_ انت مين اللي سمح لك تمسكها من دراعها كدا؟
قبلما يرد، ردت هانيا قائلة:
_ جياد، دا معتصم، تمام دا معتصم
_ اهلا وسهلا المفروض اخاف أنا من تكرار الاسم يعني؟ ولا اترعب منك وانتي بتتكي على الحروف وانتي بتنطقي اسمه!
_ بقولك دا معتصم
_ انتي علقتي ولا إيه!
تدخل معتصم قائلًا في محاولة لتوضيح الأمر:
_ يا هانيا إيه معتصم معتصم دا، هو انا معتصم النهار يعني! وضحي يا بنتي يمكن هو لسه مش عارف...
ثم وجه حديثه نحو جياد واضاف:
_ انا معتصم السلاب ابن عمها
_ عارف والله وشفتك كتير وآخرهم حفلة عيد ميلادها، بس حتى ان كنت ابن عمها دا يديك الحق تمسك دراعها وانا كمان واقف؟
_ اه... شكل الأمور لسه موضحتش، انا بعتذر طبعا، بس هانيا زي اختي واحنا صحاب من زمان ومتعودين على بعض اوي، فممكن صدرت مني حركة زي دي بشكل تلقائي وغير مقصود
هز رأسه متفهمًا ثم نظر صوب زوجته وقال:
_ تعالي عايزك لوحدنا
تدخل معتصم قائلًا:
_ ارجوك متعنفهاش أو..
قاطعه وهو يقول في غيظ شديد:
_ مش انت اللي هتديني تعليمات ازاي اتعامل مع مراتي، تمام؟
ولا عمرك هتخاف عليها زيي
تدخلت هانيا قائلة:
_ يلا يا جياد، يلا يا جياد
كان معتصم ينظر إليه في استغراب ولكنه لم يعلق، بينما جياد سار بجانب زوجته حتى وقفا في مكان وحدهما خالي من الناس، وقالت هي:
_ إيه ماشي تقول شكل للبيع؟
_ والله انتي سبب المشاكل والشكل كله، هو أيه يا هانم اي حد مسموح له يلمسك كدا عادي؟
_ جياد بعد اذنك قولتلك دا معتصم
_ مش فاهم يعني، معتصم دا إيه، مش راجل يعني ولا إيه نظامه معتصم دا؟ معاه تصريح عادي؟
_ هو مش قصده هو كل الموضوع بيقولي اقعدي فحط ايده على دراعي مش قصده حاجة يعني، وبعدين انت بقيت عصبي اوي كدا ليه؟
ابتسم ساخرًا ورد:
_ كل الفضل ليكي، متعصب وقرفان بفضلك طبعا، احترمي نفسك علشان مزعلكيش
اضاف وهو يسند ذراعه على الحائط خلفها:
_ وبعدين ليه كدبتي عليا؟ ليه قولتيلي رايحة عند عمي وانتي رايحة لبنت خالتك؟
_ والله قولتلك رايحة لابن عمي وانت قولتلي روحي روحي بايدك كدا وحتى ماكنتش بتبص لي وكنت بتبص في الورق وفي الشغل اللي قدامك
_ قولتي عمي
_ والله قلت ابن عمي، انت ممكن مسمعتش كويس
_ بصي لعيني كويس خليني اشوف بتكدبي ولا لا
نظرت إلى عينيه كما طلب وكان الآخر ينظر إلى عينيها ويبتسم بشكل تلقائي، ثم قال:
_ كدبت عليكي، بس اشتقت ابص في عيونك، أما أنا صدقتك أما حلفتي خلاص
_ جياد احنا في مستشفى تمام؟
قلت افكرك يعني علشان متسرحش
وفي تلك الأثناء، سمعا صوت روني وهي تقول:
" جياد، هانيا، تعالوا يلا يزيد جيه"
*********
وضعت كاميليا، العشاء على سفرة الطعام، ثم نادت زوجها والذي كان داخل غرفة النوم كي يأتي، وكان هو يتحدث مع باسم عبر الهاتف، يقول:
_ يعني بقيت أحسن يمكن
ليرد باسم وهو يقلب القهوة بالملعقة:
_ عدت على خير يعني ولا كاميليا حست بحاجة؟
_ لا عدت خير، وانت بتعمل إيه دلوقتي؟
_ ولا حاجة، لسه راجع من الشغل ويدوب خدت شاور وقاعد اهو بشرب سيجارتي براحتي والدخان مالي الشقة، بلا القصر بلا قيود القصر بلا زفت
_ انت لسه في الشقة اللي على النيل؟
_ اه
_ طب ربنا يسهلك
وفي تلك الأثناء، دخلت كاميليا عليه وهي تقول:
_ بنادي عليك يا حبيبي، إيه مش سامع؟
أبعد الهاتف عن اذنه قليلًا ورد:
_ لا يا حبيبتي والله ما سمعتك، انا بكلم باسم بس في التليفون فمسمعتش حاجة
_ طب يلا تعالى العشا جهز
_ حاضر، هقفل اهو وجاي
ابتسمت له وذهبت، بينما باسم قال له:
_ اوعا بقا وبقينا نحترم نفسنا ونقول حاضر
_ بكرة نشوفك ونشمت فيك يا باسم، يلا اتكل عايز اكل، جعان
_ سلام
انهى المكالمة وخرج لزوجته وهو يقول:
_ سوري تاني إني اتأخرت
ثم جلس على الكرسي جوارها وتابع:
_ تسلم ايدك يا روحي
_ بالهنا والشفا يا حبيبي
وبعدما أكل، قام وقال:
_ الحمدلله شبعت، هروح اغسل ايدي ويدوب احضر لشغل بكرة وأنام
ابتسمت وهي تهز رأسها بالايجاب، وبعدما ذهب، تضايقت بشدة، فقرر أن ينزل العمل عقب يوم الصباحية ولم ينتظر اسبوع حتى مثلما قال، ولكنها أسرّتها في نفسها ولم تبديها له، وفكرت، لربما فعل ذلك بسبب ضغط العمل وبداية الموسم القوي وحاولت أن تتجنب العادات والتقاليد التي تنص على حتمية استمرار العروسان معًا بعد زواجهما، وان كانت الأولوية لشيء آخر فلا مانع، ولكن هذا لا يمنع ضيقها من الأمر.
**********
دخل حسان غرفته بعدما كان في الخارج يطعم قططه، فوجد أسيل تضع ضلاء الأظافر.
غلق الباب وأخذ يقترب منها قليلًا ثم قال:
_ وبعدين؟ هنفضل على الحال دا لحد امتى أنا زهقت!
_ حسان يا حبيبي انا سبق وقولتلك اللي فيها بقا، أول ما تبقى مدير قسم زي إخواتك، هطمن وهسلملك نفسي، غير كدا لا، لاني مش مطمنة ومش قادرة اسلم نفسي لواحد والده مش واثق فيه ولا هقدر اجيب منه عيال، علشان ميتعايروش و يتقارنوا باولاد عمامهم بعد كدا
قبلما يرد، سمع صوت دقات الباب، فرد في صوت عالي:
_ مين؟
_ أنا الشيخ، افتح يا حسان
نظر إليها في ضيق، ثم اتجه نحو الباب كي يفتح لوالده، وما إن فتح، قال:
_ نعم يا بابا؟
_ فاضي نتكلم شوية؟
هز رأسه موافقًا، وقبلما يخرج، قالت أسيل:
_ ممكن بس يا خالو تسبقه، هتكلم معاه في حاجة كدا وهيحصلك؟ دقيقتين بس
هز رأسه موافقًا ثم ذهب، بينما حسان نظر إليها وقال:
_ نعم عايزة مني إيه؟
_ عايزة انبه عليك تاني، سرنا دا محدش يعرف به نهائي، هيحصل من وراه مشاكل، فاهمني؟
نظر إليها في قرف، ثم خرج.
وبعدما خرج وغلق الباب، وجد والده يشير له من داخل المكتب الخاص به، سبقه الشيخ، ثم دخل حسان وجلسا، وقال الوالد:
_ عامل إيه؟
هز رأسه بالايجاب وهو يقول:
_ كويس الحمدلله
_ واخبار اول يوم شغل ليك في قسم المالية كان عامل إيه؟ اعتقد اني عملت لك اللي انت عايزه وشغلتك فيه اهو!
_ الشغل كويس، عقبال ما ابقى مدير قسم بقا زي أخواتي
_ هتبقى، بس انت اجتهد واسعى ووريني شغل وانت هتبقى ان شاء الله.
المهم، عايزك تجهز علشان انت واخوك فاتح هتروحوا تعملوا تحاليل بكرة
_ تحاليل إيه؟
_ اخوك بنسبة كبيرة هيكون عنده مشكلة في الخلفة واحنا عايزين نتأكد ان الامور تمام عندك انت ويزيد بردو، الدكتور دا تبعي معرفة يعني وعمره ما هيطلع سرنا دا
تضايق الشاب، فكل من إخوته يهتمون بالذرية والانجاب بينما هو لا يزال محبوسًا في أمور الزواج والتي لم تتم بعد، وعليه قال لوالده في توتر فهو لا يجيد الكذب:
_ بص يا شيخ، هو، هو...هو أنا، أنا واسيل يعني مش مهتمين بأمور الخلفة دي دلوقتي خالص يعني فمش فارقة
_ معلش يا حسان تعالى على نفسك وروح مش هتخسر حاجة، انت بس بتطمن على نفسك
_ مش عايز يا بابا والله انا حر يعني
تضايق الشيخ ورد:
_ حسان، انت دخلت على مراتك؟
تفاجأ الشاب وبات في صدمة ولم يرد، فتابع الوالد:
_ انا مش عدوك انا ابوك، انا عايز اساعدك وخايف عليك، انت لو عندك مشكلة قولنا علشان نساعدك مش تسيب نفسك كدا؟
ثم هدأ قليلًا وتابع في نبرة اهدأ وأحن:
_ يا ابني يا حبيبي انتي لازم تلمى عين مراتك، الراجل منا ملوش إلا انه يكون راجل بكل ما تحمله الكلمة علشان الست اللي معاه تقدر تحترمه
_ ومين اللي قال لحضرتك اني عندي مشكلة؟ ليه اصلا تسألني اذا كنت قربت من مراتي ولا لا؟
سكت الشيخ لحظة يفكر ثم قال:
_ قلت لفاتح من غير ما تاخد بالك، قولتله انا معرفش اصلا اذا كنت بخلف ولا لا مش رايح اشوف مراتي اتأخرت في الحمل ليه، وانا استنتجت.. كمان كل اخواتك راحو وعملوا التحاليل ماعدا انت، طيب ليه؟
نهض الشاب وقال في غيظ وغضب:
_ عن إذنك يا شيخ
_ حسان استنى احنا بنتكلم
_ عن اذنك معلش مش هقدر اكمل محادثة زي دي
ثم سار خطوات سريعة للغاية، حتى أنه لم يهتم بمناداة والده له... دخل عرفته في نفس الغضب ثم صرخ في وجهها:
_ بصي انا أخري تقريبا جبته فاهمة؟
كفاية اوي اللي عمال يحصل لي دا، يخربيت الذل يا شيخة
ثم اتجه نحو السرير وارتمى عليه وشد الغطاء في عصبية عليه، بينما هي كانت تعوج فمها في شكل ساخري منه وتمتمت:
" انت خرجت برا شربك جرعة رجولة ولا إيه؟
جتك نيلة اهبل..يخربيتك اوعى تكون وقعت بلسانك، أعمل إيه انا دلوقتي بس"
*********
_ مش عاجبني أي حاجة من اللي بتحصل في القصر دي خالص يا حليمة بجد، ودمي محروق اوي اوي ولازم الاقي حل
تحدثت فاطيمة إلى أختها حليمة وهي داخل بيتها بعدما جاءت لها في زيارة، وردت حليمة:
_ ايه تاني مدايقك غير الزفت شهاب وعملته الهباب وكلامه القذر معاكي؟
_ شهاب و هانيا وجياد وتالية وباسم وعبدالله...كل حاجة مديقاني والله يا حليمة بجد...
_ عبدالله؟ عمل إيه دا كمان؟
تنهدت وردت:
_ اليومين دول عبدالله عمال يحابي على عياله ويقرب بينهم ويقرب من شهاب ويتكلم مع فاتح ومع حسان وبقا مركز ومصحصح للكل وقارف ابني وقارفني وقارف بنتي وواقف لنا على الواحدة ومش فاهمة ماله بجد!
مش يروح ينشغل بشغله ويسبنا في حالنا؟
مبقاش وراه غير التعليق على ولادي وتصرفتهم، باسم قليل الأدب ومترباش يا فاطيمة، تالية بترقص مع غريب ومتربتش يا فاطيمة... وخدي من دا كتير لحد أما طفّش الواد من القصر كله.
غلط يا حليمة غلط، عبدالله لو فضل مركز لنا كدا هيكتشف الحقايق كلها، اخونا وانا عرفاه...
_ مصيبة والله يا فاطيمة، خايفة يعرف اللي بتعمله أسيل في حسان
ردت ساخرة:
_ بس؟ هي دي أقصى مخاوفك؟
وهانيا؟ هنسيب هانيا كدا عادي؟ البت بطنها بتكبر ويمكن الولد دا هو السبب اللي مخلي جياد متمسك بيها، دي حتى عبير بقت تتعامل مع الكل بشكل خرا وتيجي عند دي وتطبطب وتشد خط أحمر... ما خلاص هي أم الحفيد ومفيش غيرها عملها.
واديكي شايفة اهو شهاب باع القضية وبقا يهدد فينا وشكله فشل او زهق من جياد، ما انتي عارفة جياد يزهق بلد بحالها
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ هانيا لازم تسقط، البيبي دا مينفعش يكمل
_ من بدري بنقول كدا، لازم بقا ناخد اكشن ياختي علشان بننشغل عنها وبننسى وكدا هتغفلنا وحملها هيثبت والجنين يتكوّن ويبقى صعب نسقطها!
_ لا لا، خلاص هنركز لها... لازم جياد يطلقها وعبير تكرهها.. بنات السلاب لازم يطردوا من القصر كلهم، ومجدي لازم يبعد عن سكة الشيخ، لان الراجل دا ومراته حورية العقربة، داخلين على طمع وراسمين على الورث كله، وعلشان كدا استغلوا بناتهم وجوزوهم لشباب الشيخ.. بس على مين، دا احنا صاحيين ومركزين اوي وفأسين كل الخطط بتاعتهم.
تنهدت وتابعت:
_ حسرة علينا، حتى أسيل مش راضية تفرحني وتحمل من حسان وتبص لمصلحتها وماشية بمشاعرها زي أي بت هبلة وغبية
_ ماشي، بس هنعمل إيه علشان نسقطها من غير ما يبان ان لينا دخل؟
_ دي سبيني احسبها وافكر فيها شوية وهقولك.. اهم حاجة انتي عينك تبقى عليها الفترة دي علشان نفهم تحركاتها ونلعبها صح
_ ماشي اتفقنا، كدا هانيا... الواد شهاب دا مش هنأدبه؟ طلع له صوت وبقى يهدد ويقل ادبه وخايفة لو سقطتنا البت يقول علينا
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ لا مش هيقول، هو ما هيصدق ان الرابط بينها وبين جياد اتقطع علشان يحلاله الجو، هو دايقك وكلمك وحش علشان انتي عملتي كدا، وهددتيه كمان، بس هو مقبلش لسه بالأمر الواقع ولو جت له الفرصة يكون مع هانيا ماهيصدق
_ تالية قالتلي كدا بردو، أما قولتلها فضلت تزعق لي وتقولي ليه يا ماما هددتيه وماكنش عاجبها تصرفي، بس انا عملت كدا من غيظي وقهرتي على بنتي، نفسي افرح بيها بقا واشوفها مرات جياد الزيني، هتجنن ويجي اليوم دا بأي شكل، ادفع نص عمري وجياد يتجوزها
_ هانت هانت، أما الكارت الأخير اللي استخدموه مجدي و حورية يتحرق وهو الطفل اللي أكيد فضلوا يزنوا على بنتهم علشان تجيبه وهما عارفين انها مش بتحب جياد بس الطمع والمخطط بتاعهم خلاهم يجوزوا البت بالعافية، خلاص هترجع لهم ساعتها متطلقة وينتهي الأمر والبيبي سقط
_ تفتكري جياد هيطلقها لو سقطت؟
ردت في نبرة خبيثة:
_ آه ويا سلام بقا لو بانت انها اللي مسقطة نفسها؟ أكيد هيطلقها ويضربها ويهينها كمان
_ طب ودي هنعلملها ازاي؟
_ قولتلك سبيني أفكر علشان الدنيا متبوظش مننا، خلي بالك احنا بنقتل الحفيد الأول والوحيد لعايلة الزيني، فاكيد الموضوع مش هيكون سهل وإلا هنتكشف ونروح في داهية، فاهدي
_ ماشي ياختي اهو هديت... أمجد ابنك عامل إيه مع كاميليا؟
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ الحمدلله، كلمت كاميليا امبارح وهي كانت مبسوطة عادي ومشتكتش، بدأ اهو يوعى و يهدى ويركز مع مراته وينسى ماهي اللي كانت مجنناه دي.
البت مايا، عملت إيه، لسه بتروح لعطاالله؟
_ اسكتي يا حليمة، البت دي حارقة دمي هي كمان بشكل
_ ليه بس؟
_ من ساعة اول مرة وهي مش راضية تروح تاني خالص، وكل أما تحدد الجلسة تلغيها وبعد ما كانت رايحة النهاردة الصبح وهو فاتح في الشغل، اتفاجئت انها قالت للمشرفة مش جاية واتحججت وأجلت
_ اوعى يكون أمها وعتها؟ شكل حورية العقربة أدخلت في الموضوع
_ مش عارفة بقا، المهم انا مش عايزة افضل ألح عليها علشان ميبنش إني عايزة حاجة وتخاف مني خالص، سيباها بس كدا كدا عارفة هجرها تاني ازاي
_ بالظبط اه، بلاش اسلوب الزن علشان متخافش.
وروني العقربة نسخة حورية، إيه أخبارها؟
_ دي بقا اللي مؤخرا بقت مجنناني على الأخر، حرفيا البت صامتة صمت غريب ومش ظاهرة وراحت قعدت عند ابوها كام يوم وقال إيه بتريح اعصابها مع إني ماكنتش عملت لها حاجة لا انا ولا أسيل، حاسة انها مخبية حاجة... وراها حاجة... بتخطط لحاجة.. مش متأكده اوي بس هو فيه حاجة
هزت حليمة رأسها بالسلب ثم قالت:
_ لا لا كدا السيطرة على الوضع هتبدأ تخرج من أيدينا، اصل مين غيرنا ممكن يكون عايز يأذيها؟
طالما انا وانتي واسيل بُعاد عنها بقالنا فترة، مين ممكن غيرنا يكون معكنن عليها عيشتها؟
اطرقت فاطيمة تفكر في كلام أختها، ثم فجأة طرأ على بالها، ابنها باسم، لربما هو وراء ذلك...
*********
تم تأجيل التحقيق في قضية نيرة إلى الغد، بعدما تعب يزيد للغاية واصابه دوّار شديد مما جعله غير قادر على الاعتراف أو التكلم، لذا تركوه كي يرتاح وذلك بعدما وافقت هي الأخرى لتفكر تارة أخرى في الموضوع.
وقد عاد هو وزوجته إلى القصر رفقة أخيه وزوجته، وصعدا الغرفة وبدلا ملابسهما وقد لاحظ هو الصمت التام على زوجته، جلس على السرير يتأوه من وجع ألم رأسه.
نظرت إليه وفي صمت، جلبت الدواء وجلست أمامه واثناء جلبها كوب الماء من فوق الكوميدو، قال لها:
_ روني، انتي هتفضلي ساكتة كتير؟ من ساعة ما عرفتي الموضوع واحنا في المستشفى وانتي ساكتة ومقولتيش حاجة خالص، طب إنتي مش مصدقاني؟
أخرجت حبة من البرشام من الشريط ثم أمسكت الكوب، ووضعت البرشامة له بين شفتيه وقالت:
_ دخلها في بؤك وخد اشرب، دا مضاد حيوي علشان ينشف الجرح
فعل ما طلبت وتناول دوائه، ثم قال :
_ طب انتي مردتيش عليا، انتي فعلا صدقتي انني عملت كدا؟
هزت رأسها رافضة ثم ردت في ضيق:
_ لا يا يزيد مصدقتش ومتأكدة ان فيه حد ورانا وهو اللي بيعمل كل دا فينا، بس لازم ازعل لازم ادايق... إيه اللي يخليك انت تروح بيت ست عايشة لوحدها؟ ليه مش بتفكر وتحسبها قبلها؟
سبق وواحدة اتهمتك قبل كدا بنفس الحاجة، سبق ولسه عندنا مشاكل ومكتشفناش مين وراها، ولسه بندور على هاجر ومديحة ووصال و ياسمين... طب انت مش حاسس ان فيه حاجة؟ هل دا طبيعي؟ ليه كل الستات بتتهمك بالباطل!
_ يعني انتي مصدقة؟
_ لا يا يزيد مش مصدقة، انا بسألك سؤال شاغل بالي، ليه فجأة كل الستات دي بتعمل معاك كدا، مين مصلحته يعمل كدا؟
هدفي من أسئلتي دي انك تفكر وتبطل تتجاهل الأمر وتركز وتدور لان اللي بيعمل معاك كدا عايز يأذيك عايز يتهمك بالباطل، عايز يشوه سمعتك ويفضحك على الملأ
_ ايوا ما انا واخد بالي بس مش عارف مين دا وليه بيعمل معايا كدا... روني أنا فعلا طول حياتي عمري ما عملت حاجه وحشة لحد والله، انا اللي أكدلي ان حد بيأذيني فعلا وان فيه مؤامرة معمولة عليا، هو نيرة دي.. الست دي كانت كويسة جدا واتعاملت معايا بالحسنى وخدت مني المعونة وكانت هي ومامتها ناس كويسين، انها فجأة تعمل كدا وتتهمني بالباطل، مش عارف ليه ومين أميرة فؤاد دي كمان اللي عملت نفسها الاكس بتاعتي وراحت لعبت في دماغها وقالت لها ان انا بدلت العربية مع جوزها علشان احمي نفسي واني سبق واتعرضت لموقف مشابه، وانا اقسم بالله لا عمري اتعرضت لموقف مشابه ولا عمري عرفت واحدة اسمها أميرة أصلا ولا حتى بفضل الشُقر!
اطرقت برهة تفكر في كلامه... ثم ردت:
_ عايزة اقابلها واتكلم معاها
_ هي مين؟
_ نيرة دي.... عايزة اتكلم معاها من ست لست
_ ماشي، هديكي عنوانها وروحي اتكلمي معاها ياريت، يمكن تفهمي منها حاجة كدا ولا كدا
وفي تلك الأثناء، رن هاتفه، فنظر إلى شاشة الهاتف، بينما هي سألته:
_ مين بيتصل؟
_ دا المحامي، استني هرد عليه
استقبل المكالمة وهو يقول:
_ ألو، مساء الخير يا متر
_ مساء النور يا يزيد
_ فيه جديد ولا إيه؟
_ اه، التحقيق في القضية اتأجل بسبب إصابتك وعدم اتزانك وهي كمان وافقت على التأجيل وقالت انها محتاجة نفسيا ترتاح وهتروح اسكندرية شوية علشان نفسيتها وحشة ودا خطر على البيبي.
الطب الشرعي اللي هي اتعرضت عليه، أثبت إنها متعرضتش لأي اعتداء ودا يتوافق مع اقوالها، بس فعلا بصمات ايدك على جسمها والخربوش اللي في وشها من ضفرك بردو
اختض الشاب ورد:
_ إيه؟ دا كدب والله يا متر، أكيد هي اللي عملت كدا أما كنت مضروب وواقع، والله ما لمستها والله
_ في حاجات في صفك بردو، زي ان مفيش آثار شد او عنف على جسمها وحتى الخربوش صغير جدا ومش باين انه ليه عمق كأن حد كان بيهزر معاها وهوشها كدا مش حد فعلا بيدافع عن نفسه بعد ما ضربته ضربة قوية قاتلة على رأسه!
هي قالت ان حاولت بهدوء وهي قالت ماشي وضربتك على رأسك علشان تدافع عن نفسها، وقالت انك خربشتها وفضلت تلوش قبل ما تقع وهي زقتك بعيد، بس الحقيقة ان كل اللي الطب الشرعي لقاه حاجات بسيطة جدا وتكاد تكون مقصودة فعلا لان مفيش حد مضروب على نفوخه هيفضل يعمل العبط دا.
كمان الطب الشرعي، اثبت ان الخبطة كانت قوية لدرجة انك لازم تفقد الوعي بعدها مباشرة مش هتكون في وضع دفاع او ضرب وأثبت ان احتمالية انك تكون اغمى عليك بعد الضربة مباشرة، ٩٥%
فمتخافش فيه حاجات كتير معاك مش ضدك دا غير انها اصلا اللي اتصلت ولسه بقا أنا هعمل شغلي فمش عايزك تقلق بسيطة جدا دي وهتخرج منها عادي
_ طب الله يطمنك يا متر.. بس انا خايف تهرب، اصل كل شوية واحدة تتبلى عليا وتهرب برا البلد وانا لسه عايز افهم منها وعايز يتحقق معاها علشان اوصل للكلب اللي بيعمل معايا كدا
_ متخافش، مستحيل يسمحوا لها تخرج برا الدولة، هي عليها قضية وتحقيقات ولازم تبقى متواجدة وانا هتكلم وهوضح نقطة زي دي بردو للنيابة
_ طب شكرا جدا، يلا سلام
انهى المكالمة وحكى لزوجته كل ما قاله له المحامي، فردت:
_ خلاص كدا هضطر استناها لحد أما ترجع من اسكندرية علشان اقدر اتكلم معاها... متخافش يا حبيبي هتطلع منها زي ما طلعت من غيرها، وان شاء الله هنوصل للي عمل كدا قريب
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ روني، اديكي شايفة اللي حصل لي، شغلي خلي بالك منه لحد أما اقدر وافوق
_ متوصنيش على أمر مفروغ منه... على الله بس اللي اسمها أسيل دي متفضلش تشاكل فيا، علشان مش فايقة لها
_ لا، انا هوصيها واي غلط اتصلي عليا فورا، مش عايز مشاكل كمان بابا مش هيبقى موجود فلازم تهدى
_ هو رايح فين صح؟
_ هيسافر النهاردة الفجر، قطر رايح يخلص شغل مهم بنفسه هناك ووصى فاتح وعمي مجدي بتولي أمر الشركة في اجتماع تاني عمله معانا احنا بعد الاجتماع بتاعكم
هزت رأسها بالايجاب ولكن الخوف دب في قلبها، فإن غياب الشيخ عن القصر، يعني اطلاق صراح الشياطين المسلسلة.
***********
"وعقب مرور خمس أيام"
ذهبت ماهي عند الطبيبة مرة أخرى كي تعرف إذا كان هناك حمل أم لا، وطلبت منها الطبيية أن تجري تحاليل الدم، وبالفعل أجرتها وأخبرتها ان نتيجته ستظهر من ٢ ل ٦ ساعات في نفس اليوم، طلبت منها أن تتصل بها وتخبرها بالنتيجة عقب ظهورها.
ثم ذهبت إلى المنزل عقب يوم عمل شاق.
وكان شهاب في الغرفة يتحرك بها ذهابًا و إيابًا، ينتظرها... دخلت الغرفة والتعب والإرهاق يظهر على ملامح وجهها جليًا، تحدث إليها:
_ ماهي لو سمحتي قوليلي مالك، او بس اسمحيلي اتكلم معاكي... انا بقالي اسبوع بتحايل عليكي علشان بس نتكلم... انتي بعيدة وساكتة ومش عايزة تسمعيني ولا عايزة تفهميني حتى هتعملي إيه!
عقدت ذراعيها أمام صدرها وردت:
_ عايز إيه؟ فاكر نفسك هتتكلم تقول إيه؟ فاكر ان أي كلام منك هيكون مقبول؟
شهاب، ربنا وحده اللي يعلم باللي جوايا وباللي بعانيه وعمالة اطلعه كله في الشغل لحد أما بقيت مش قادرة، شوية وهنهار على الأخر
اقترب منها ورد في نبرة مليئة بالحنان:
_ طب بصي، حاولي تسامحيني او
بصي، بصي ادينا فرصة تانية، ادينا فرصة تانية نعيش قصة حب..يمكن..يمكن... أو أكيد..أكيد هنقدر و....
ابتسمت كناية عن دموع على وشك الفيضان، ابتسامة بها الكسرة والقهر، وقالت في نبرة ضعيفة:
_ بس احنا عمرنا ما هنعيش قصة حب
_ ليه بس؟
_ ليه؟
هز رأسه مؤكدًا في بطء وكأنه يعرف الجواب، فابتسمت بشكل أوسع وردت والدمع يلمع داخل جفنيها واضافت:
_لانك بتحب واحدة تانية غيري.....
ثم بدأت تهز رأسها في تفهم وتابعت والدموع على وشك الهبوط ولكن الابتسامة لا تفارق شفتيها:
_شايفاه كويس، وكنت أتمنى أعمى قبل ما اشوفه...
ابتلعت ريقها تتنفس في عمق محاولة السيطرة على نبرة صوتها ودموعها الحبيسة وتابعت:
جوا عينك.... حبك ليها وحزنك عليها واضحين ليا.... مش لازم تتكلم علشان اعرف، عينك لوحدها كفاية.
كان ينظر إليها نظرات مليئة بالتأثر، ولمعة الدموع ظهرت داخل جفنيه هو الآخر، يفتح فمه قليلًا من شدة التأثر بكلامها، كانت تقرأ نظراته جيدًا وكلًا منهما يجاهد في حبس دموعه والسيطرة على نفسه، واضافت وهي تبتسم وتنظر إلى عيناه بالضبط:
_انت بتشتاق لها كل يوم ..كل ثانية، كل دقيقة.
حتى النظرات دي اللي بتبصها ليا دلوقتي كلها نظرات مصدقة كلامي وكأنها داست على الجرح... مش أنا...مش أنا اللي انت بتحبها ولا بتشتاق لها... مش مديرتك في الشغل، مش ماهي الزيني اللي هي مراتك....
ثم اغمضت عيناه لتطلق لدموعها العنان فتراصت فورًا على خديها وهي لا تزال تبتسم ابتسامة خفيفة كناية عن ألم قلبها وقهرته.
وضع وجهها بين كفيه ورد في نبرة مليئة بالتأثر، نبرة تخبئ بداخلها الدموع:
_ ماهي علشان خاطري كفاية.. انتي مراتي وبيتي وانا خلاص هبطل كدب وخداع وهبطل اظلمك معايا، هبطل اجرح فيكي وعايز ابدأ معاكي صفحة جديدة.. ماهي انتي فعلا متستاهليش مني كل دا انتي...
ابعدت يداه عن وجهها وردت في نبرة مهزوزة اثر البكاء:
_ بتقول الكلام دا علشان مش معاك تمن مؤخري صح؟ علشان... مطولتهاش هي فقلت اللي تطوله افيد؟
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا يا ماهي مش كدا وعلشان اثبت لك اني مبقاش فارق معايا غير اني ابطل اجرح فيكي واكون سبب في نزول دموع عنيكي، لو قولتيلي انا مش هقدر أسامحك ابدا وابعد عني، هطلقك فعلا وهبعد وهوقف أذى فيكي ولو على حقوقك فأنا هحاول اتصرف فيها ولو معرفش أدبر المبلغ كله، شوفي انتي عايزة تعملي ايه.. عايزة تسجنيني، تشرديني..حقك، أنا ماكنتش قد الأمانة من الأول واستاهل، لا انتي ولا ابوكي تستاهلوا مني معاملة زي دي يا ماهي، انا فعلا مستعد لأي عقاب هتحطيه وهرضى ومش هعترض
كانت دموع عينيها تزداد، وهي تنظر إليه بنظرات مليئة بالتعلق، كم بات يذبحها ما يقوله!
كلما وضع لها الطلاق كخيار، كلما شعرت بقلبها يقتلع من بين ضلوعها.
تود ان تسامحه حتى يظل بجانبها وحسب ولا تود أن تسامحه حتى تتخلص منه ومن رؤيته طوال الوقت، كم كان صعبًا تحمل كل هذا التناقض وحدها!
كيف لانثى رقيقة مثلها أن تتحمل كل هذا وحدها!
وفي تلك الأثناء، صدح صوت هاتفها.. نظرت صوبه فجأة فزعة من المتحدث وما سيقوله... ولكنها أخرجته على أي حال وظلت تنظر إلى الشاشة لحظات دون أن تجيب، ثم استجابت وهي تقول:
_ ألو
_ مدام ماهي معايا؟
_ مظبوط
_ بكلم حضرتك بخصوص نتيجة الحمل بتاعتك
_ ماشي....
وكان هو ينظر إليها في استغراب من ايماءات ملامح وجهها الغربية وهي تستمع إلى محدثها... شكرته وانهت المكالمة، فتابع زوجها:
_ مين كان بيكلمك؟ في حاجة ولا ايه؟
هزت رأسها بالسلب وكانت في صدمة، فتابع:
_ زي ما قولتلك يا ماهي، يا تسامحيني ياتاخدي حقك مني.. انا مش هقدر اعيش كدا، مش هقدر اشوفك كل يوم بتعيطي بسببي بالمنظر دا.. مش هقدر على دا يا ماهي مش هقدر، انتي قرري و...
_ شهاب، أنا حامل
وكأنها صفعته على وجهه فجأة، فقد اصابته صدمة وعدم استيعاب لحظات وهو ينظر إليها محملقًا
لاحظت ذلك الصمت وقرأت رسايل عيناه، ثم خطت خطوات سريعة نحو الخارج ودموعها تفيض على خديها.
***********
كان باسم، يقف داخل المطبخ، يقلب القهوة بالملعقة وهو يتحدث عبر الهاتف مع خطيبته، وكان يقول:
_ ماشي يا ستي، يوم السبت الجاي هبقى اعدي اخدك بالعربية بتاعتي من الجامعة، بطلي زن بقا
لترد الأخرى وهي تتقلب على سريرها وتحرك ساقيها في فرحة:
_ حبيب قلبي انت... هترجع القصر امتى؟
_ مرتاح هنا والله
_ علشان أما اجي زيارة ليهم اشوفك يا باسم...
ثم ابتسمت وتابعت في دلال:
_ ولا انت بقا عايزني اجبلك زيارة في شقة العايلة؟
_ منصحكيش تعملي كدا، أنا مش مؤدب بالشكل اللي انتي متخيلاه، هتندمي انتي وخالتي
أخذ الكوب خاصته ثم خرج من المطبخ وبدأ يسير نحو الصالون، فقالت هي في ابتسامة:
_ طب ما انا عارفة انك قليل الأدب.. بس اكيد هتحافظ عليا انا ومش هتأذيني
_ رهف، احترمي نفسك ومتجيش انا بقولك اهو، انا مش مسؤول عن نتيجة أفعالي.. عبد العزيز باشا مشلول خلقة فمش ناقص!
ضحكت في رقة ثم ردت:
_ طب ما نتجوز بقا يا بسومي، احنا مستنيين إيه؟
_ مستنينك تتخرجي بالسلامة من غير ملاحق
_ هانت يعني... باقي كام شهر أصلا... عمالة اعدهم على صوابعي
_ مبتزهقيش؟
_ لا مش بزهق.. نفسي أكون معاك بقا الله!
انت مش نفسك ولا إيه؟
ارتشف رشفة من القهوة ورد:
_ طبعا يا بيبي طبعا
_ بسومي، قولي كلام حلو
قالت وهي تلف خصلات شعرها حول اصبعها، ابتسم وقال:
_ من عيوني يا ستي.. التليفون بتاعي ١% دقايق وهيفصل في وشنا
تضايقت وردت:
_ يوه يا باسم، ما تحطه على الشاحن بقا!
_ مفيش قبس جمبي وأكيد مش هفضل واقف متذنب وانا بكلمك!
يشحن شوية وهرجع اكلمك، يلا Au revoir علشان ميفصلش يا روحي
_ اشحنه بسرعة وكلمني متنساش
_ حاضر
_ والنبي تكلمني مش تطنش وتنام
_ قلت حاضر، روحي ذاكري شوية بقا
انهى المكالمة معها، ثم تمتم:
" رغاية يخربيتك كلتي دماغ أمي"
فتح هاتفه وبدأ يقلب في حساب الانستجرام الخاص بروني وبدأ يتطلع إلى صورة خاصه بها.. وتحدث إلى الصورة:
" سكوتك مش مطمني... يا ترى ساكتة بتفكري في إيه ولا بتعملي إيه؟
بقيت خايف ارجع القصر بسببك "
**********
خرجت روني من المرحاض بعدما تحممت، اتجهت نحو السرير، موضع رقود زوجها، ثم وضعت يدها على جبينه وقالت:
_ الحمدلله، حرارتك مرتفعتش تاني، انت كنت بضيع مني من كام يوم
ابتسم ابتسامة خفيفة والتعب يبدو عليه ثم رد في نبرة صوت منخفضة:
_ فيه مشاكل حاصلة في الشغل؟
_ متشلش انت هم، انا واسيل اه بنختلف كتير وهي رايحة جاية تقولي انا نائب المدير نائب المدير، بس كدا كدا برجع لبابا او لفاتح أما الاختلاف يشتد بينا زي ما الشيخ قال قبل ما يمشي، هو صح هيرجع امتى؟
_ لسه معاه أسبوع كمان، اكون أتحسنت، احنا اصلا مخبيين عليه اللي حصلي، مؤخرا بقا بيتعب وبقينا نخاف عليه
_ متخافش، حتى مامتك معرفتش، فاكرة انه دور برد عادي، وصراحة كانت بتيجي كتير تبص عليك وانت كنت بتبقى نايم وانا كنت بداري الجرح اللي في دماغك بكل الطرق علشان متشفش زي ما طلبت مني
ابتسم لها وقال:
_ مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه بجد... شكرا شكرا وبس
وضعت قبلة صغيرة على جبينه ثم بدأت تمرر يدها على رأسه تمسح على شعره وردت:
_ مفيش بينا شكر... اهم حاجة عندي هي انك تبقى كويس وبخير، المحامي قالك جديد؟
_ اه، قال انها رجعت خلاص
_ كويس، اروح لها بقا، قبل التحقيق، بكرة اهو الجمعة وهقدر أروح
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ ماشي، هديكي العنوان، بس خلي بالك وياريت متروحيش لوحدك علشان انا مش ضامنها خالص.
خدي معاكي جياد او واحدة من اخواتك، اي حد بس بلاش تيجي لوحدك
_ حاضر
صدح صوت هاتفها فقطع حديثهما، التقطته ثم ردت قائلة:
_ إيه يا مايا؟
_ إيه يا روني، بقولك
_ قولي
_ ماما طلبت مني اروح لها بكرة زيارة بشكل عاجل ومهم، تيجي معايا؟ بكرة الجمعة ومش عندكم شغل
_ الساعة كام؟
_ رايحة الصبح وهقعد اليوم كله
_ مش هعرف، انا نازلة بكرة، ما تيجي انتي معايا
_ رايحة فين؟
_ مشوار كدا مهم
_ رايحة الساعة كام؟
_ يعني على المغرب كدا او بعد العصر
_ خلاص، خلينا نروح لماما الصبح وبعد كدا نعدي نروح مشوارك المغرب
_ ماشي، اتفقنا، سلام
_ سلام، اهو استني، جوزك خف؟
_ بيتحسن
_ طب الحمدلله، ناخد هانيا معانا؟
_ اه هقولها كدا كدا
_ اشطا، يلا باي
_ باي
**********
وفي بهو القصر، راح جياد حتى الاريكة التي تجلس عليها عمته فاطيمة والتي طلبت أن تتحدث معه، فقال وهو يجلس قبالها:
_ نعم يا عمتو؟
ابتسمت وردت:
_ قلب عمتك... انت عارف اني في مقام والدتك وأما اشوف غلط بيحصل في حقك لازم اقول علطول
تعجب الشاب وسألها:
_ في إيه حصل؟
_ مراتك
_ مالها مراتي؟
سكتت برهة وتصنعت البؤس والحزن، فكرر الشاب سؤاله مما أجبرها أن تجيب فقالت:
_ يعني مراتك، مراتك من اسبوع كدا ساعة ما راحت زيارة لأبوها، شفتها بتتكلم مع شهاب لوحدهم قبل ما تمشي الصبح وكان واضح انهم بيضحكوا وبيهزورا، انا بصراحة استغربت جدا وفضلت أقرب منهم بكل الطرق.. ووقفت ورا شجرة وسمعتها بتقول اه لسه بحبك انت... اتفاجئت يا ابني واتصدمت والله، اصل...
وقبلما تتابع كلامها، نهض وركض سريعًا نحو الغرفة، كأنه شبح ظهر لحظة ثم اختفى حتى أنها لم تلحقه ولم تعرف أين وكيف ركض من هول سرعته.
دخل على زوجته الغرفة بعدما فتح الباب على مصرعيه في عنف، وكانت توها تكلم أختها في الهاتف ولكنها ما إن رأته يدخل عليها بذلك الشكل حتى ألقت بالهاتف وانتفض جسدها خوفًا.
غلق الباب بالمفتاح ثم أقترب منها في توعد، التقط الهاتف وانهى المكالمة في وجه محدثها بعدما تأكد أنها أختها... ثم قال لها وهو يضغط على أسنانه وعروق رقبته تبرز:
_ يعني انتي بقالك اسبوع واكتر منعاني عنك وبتتحجي وفعلا طلع احساسي صح وهو السبب؟
ابتلعت ريقها وردت:
_ هو...هو...هو مين دا السبب؟
_ عمال اقولك، عمال اقولك شكلك متغير وانتي مكنتيش مصدقاني، قولتلك من ساعة ما جيتي من عند ابوكي وانتي مش طبيعية واتاريكي كنتي بتلفلفي انتي وهو صح؟
_ دا.. هو أيه دا..؟
ردت في نبرة تملأها التلعثم
جذبها من ذراعها كاد يقلعه من كتفها فصرخت عاليًا، ثم صاح في وجهها بنبرة جامدة قوية مليئة بالغضب:
_ انتي إيه يا وسخة انتي، انتي إيه، عايزة تعملي ايه، عايزة توصليني لفين؟
كانت الأخرى بين يديه تصرخ وتبكي اثر الخوف والخضة، تقسم انها لم تفعل ايا من هذا... دفعها فالتصقت في الحائط خلفها ثم اقترب منها ورفع يده كي يضربها ولكنه ضرب الحائط مرة والتالية وهو يصرخ ووجهه احمر للغاية، يسبها ويلعنها وهو يضرب الحائط، بينما هي كانت تحمي رأسها ووجهها بكلتا يديها وهي تصرخ.
بات صدره يعلو ويهبط، بات يلتقط أنفاسه في صعوبة ولكنه تحدث وهو يحدق بها وتحول وجهه إلى اللون الأحمر:
_ لسه بتحبيه هو صح، لسه باقية عليه وقاعدة بتعملي كل عمايلك دي علشان تخليني اطلقك صح، مبطلتيش خيانة ليا، مبطلتيش عمايلك ال ***** فيا، نسيتي عهدك ليا ونقضتيه ورجعتي تتواصلي وتتكلمي معاه تاني
أخذ يهزها من كتفيها وهو يصرخ بشكل مرعب في وجهها:
_ بتعملي كدا ليه بتعملي كدا ليه
أصبحت الفتاة مثل زجاجة الدواء الذي يرجها جيدًا قبل الاستخدام بين يديه
رماها على السرير في قوة، ثم صرخ:
_ ميتة عليه اوي، هتموتي وتبقي معاه، عمالة تستغفليني علشان خاطره، خليتي اللي يسوى وميسواش يشوفني عيل مهزأ، خليتي القصر كله يلاحظ ان فيه بينكم علاقة وخليتي شكلي ابن ***** وسطهم؟ ها!
تنفس وصدره يعلو ويهبط بشكل أكبر وأسرع ثم تابع صريخه:
_ وديني وإيماناتي لاقتله قدام عينك ودلوقتي
انهى جملته وركض بسرعة الضوء نخو الخارج ثواني واختفى، صرخت وركضت في قوة وهي تلحق به.
دفع باب غرفة أخته، برجله، فانفزعت الفتاة ووقفت فجأة وهي تنظر إلى أخيها المتحول إلى وحش كاسر الآن، دخل متجاهلًا ذلك وأخذ يصرخ:
_ هو فين؟ جوزك ابن ال ***** دا فين؟
دخلت هانيا وغلقت باب الغرفة خلفها وأخذت تصرخ وهي تصك وجهها [ تلطم] :
_ وطي صوتك اسكت فضحتنا فضحتنا
تجاهلها وبدأ يبحث في الغرفة عنه فقالت ماهي:
_ مش هنا يا جياد مش هنا يا حبيبي والله اهدى اهدى
رد ساخرًا وهو يسب ويلعن:
_ اهدى؟ طبعا لازم اتخان واهدى ما انا قرني وركبت القرون من زمان
ثم أخذ يشيح بيده:
_ انسوا خلاص، مفيش هدوء تاني ومفيش حلول تاني خلاص خلصنا، الدم هو الحل.
اقتربت منه وبدأت تلمس كتفيه في هدوء وهي تقول في نبرة مليئة بالحنان:
_ اهدى يا حبيبي اهدى، بس بس اسم الله عليك اسم الله عليك
_ اوعي ايدك عني، هقتله يعني هقتله
_ بس بس اهدى بسم الله عليك بسم الله عليك
ثم وضعت وجهه الأحمر كالدم بين كفيها وبدأت تحسس عليه وعلى لحيته وهي تكرر:
_ بس بس خلاص اهدى..
وما إن وجدته هانيا يهدأ بين ذراعي أخته، حتى خرجت على الفور من الغرفة، وركضت نحو غرفتها، دخلتها ثم غلقت الباب بالمفتاح.
أمسكت بالهاتف واتصلت على شهاب، والذي استجاب متعجبًا:
_ هانيا؟ ازيك
_ شهاب، متجيش البيت دلوقتي خالص ارجوك ارجوك
_ لي فيه إيه؟
_ ارجوك وبس، جياد مجنون دلوقتي ولو شافك هتبقى كارثة، اوعى تيجي دلوقتي خالص ارجوك
ثم انهت المكالمة معه، وابتلعت ريقها وبدأت تتحرك في أرجاء الغرفة في رعب.
ثم اتصلت على تقى صديقتها وقالت ما إن استجابت لها:
_ هو الطيارة معادها امتى يا تقى؟
_ مش قولتي مش هسافر يا هانيا؟
_ معلش قوليلي بس، هي امتى؟
_ كمان ساعتين، مش عارفة هتلحقي ولا لا
نظرت في الساعة ثم قالت:
_ سلام هلحق
ثم انهت المكالمة وأسرعت نحو الخزانة واخرجت بضع ملابس بشكل عشوائي ثم ألقتهم داخل الحقيية، ثم ارتدت معطفًا وبنطال اول ما وجدته في وجهها، ثم لملمت شعرها برباط شعر بشكل عشوائي أيضًا وأخيرًا طلبت سيارة أجرى وبدأت تجهز باقي اشيائها، الباسبور الخاص بها والاوراق التي سبق وجهزتها من قبل منذ أن نوت السفر.
حملت حقيبتها وبدأت تفتح الباب وهي تنظر في ترقب يمينًا ويسارًا، فعلمت انه لا يزال موجود داخل غرفة أخته.
ففتحت الباب وركضت ركضت وحسب حتى أنها انتهت من نزول المصعد في بضع ثواني.
ثم خرجت من القصر ولم تجري في الحديقة بل تصنعت الهدوء وكأن الأمور طبيعية حتى لا يشك الأمن في شيء.
ظلت هكذا ثابتة تسير بشكل طبيعي حتى خرجت من بوابة الحديقة وهنا بدأت تجري قليلًا وهي تلتفت حولها لترى السيارة المنتظرة، وبمجرد أن رآتها، ركبت وقالت للسائق وهي تنهج:
_ مطار القاهرة ان شاء الله، بسرعة بس متأخرة جدا
هربت، هربت ما إن ظنت ان الأمور خرجت عن سيطرتها، تأكدت انه سيتم فضحها لذا قررت الهروب، خافت منه كثيرًا، أرعبها هذه المرة لدرجة لم تحتملها اطلاقًا لذا فضلت الهروب، هي لم تعد قادرة على التحمل بشكل أكبر، تعبت ويئست للغاية.
وبينما هي في السيارة، رن هاتفها، رأت المتصل أختها روني ردت قائلة:
_ ألو
_ إيه اللي حصل، سبتي التليفون فجأة ليه وانا بكلمك، وجيت فضلت اخبط محدش رد!
_ روني انا هطلب منك طلب وياريت تعمليه
_ هانيا انتي كويسة؟ انتي بتنهجي كدا ليه؟
_ روني، عايزاكي تكلمي محامي يمشيلي في إجراءات الطلاق
_ هانيا انا مش فاهمة حاجة انتي فين؟
_ اسمعي اللي بقولك عليه، كلمي محامي وبس، خلع، طلاق اي زفت المهم اخلص خالص وعارفة يا روني لو قولتي لأي حد على اللي قولتهولك دا، أنا هعمل إيه، حقيقي عمري ما هسامحك ولا هعرفك تاني
_ وصلنا يا مدام
قالها السائق فسمعتها روني والتي قالت في استغراب شديد:
_ انتي رايحة فين انتي؟ وصلتي فين؟ هانيا متعلميش أي جنان، هانيا قوليلي بتعملي إيه
وضعت الهاتف بين وجهها وكتفها، ودفعت للسائق ثم نزلت وبدأت تخرج حقيبتها من السيارة.
عدلت ملابسها وردت على أختها وهي متجه نحو الدخول إلى المطار:
_ وكنت خدت إيه من العقل! اخرتها اتجوزت واحد مجنون كل شوية يرعبني، انا خلاص مبقتش قادرة اتحمل العيشة دي.
"طب تفتكري هتقدري تسافري كدا عادي وتهربي مني بابني؟ "
جملة اوقفتها، وليس كأي وقوف عادي بل شلت حركتها، بينما كانت تسير في خطوات سريعة، وهزت كيانها كله وارعبتها فوق رعبها مما جعلها تفلت الهاتف من يدها فوقع على الأرض.
ومن الهول الصدمة لم تقوى على الالتفات خلفها بل ظلت واقفة ترتعد مكانها واذنها لا تخطئ....نعم إنه زوجها...
************
حد كان سألني، ليه أما خناقة بتحصل في الاوض مش بتتسمع، لان ببان الاوض والشبابيك اللي في القصر من نوعية الابواب عازلة الصوت ودا علشان الخصوصية علشان كدا صعب جدا يكاد يكون مستحيل اللي برا يسمع اللي جوا طالما الباب مقفول كويس.
متنسوش الفوت و رأيكم
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الجمعة
سلمى خالد احمد
***************
قصر آل الزيني الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم Salma Khaled
نزلت ساعة بدري اهو تتحسب لي علشان اللي عايزين يقرأوا البارت قبل ما يناموا، فوتس وكومنتس كتير بقا علشان ابقى انزل بدري علطول🤍
ازيكم عاملين ايه
جاهزين ؟؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الخامس و الثلاثون[ تمرد أنثى ]
سلمى خالد احمد
************
ومن هول الصدمة ومن شدة خوفها منه ومن فعله وطريقته التي تخشاها أمام الناس، فهي كانت تخشى أن يصرخ في وجهها أو يضايقها على الملأ، التفتت وهي تبتسم له تتصنع أنها طبيعية وكأن شيئًا لم يكن، وقالت في ابتسامة:
_ مين.. جياد جوزي!
ليرد الآخر ساخرًا:
_ هانيا مراتي!
ابتسمت وردت:
_ انت إيه اللي جابك هنا يا راجل، عرفت مكاني إزاي...
ثم نظرت إلى الحقيبة التي في يدها وتابعت وهي تنظر له في ابتسامة واسعة:
_ دي... دي تقى صاحبتي يا حرام كانت مسافرة ونسيت تاخد معاها حاجات فاتصلت بيا وقالتلي هاتيلي تيشرتين على بنطلونين على فستانين على تفاحتين.. كدا يعني
_ آه... على هبلين على عبطين
هزت رأسها مؤكدة وهي تقول:
_ ايوا بالظبط
ابتسم وهو يهز رأسه ثم عبس فجأة وقال في جدية:
_ طب يلا امشي قدامي على البيت من غير شوشرة وفضايح قصاد الناس يلا.
وفي صمت سارت بجانبه وهي ترتجف مما سيفعله بها.
ركبت السيارة وركب الآخر وقاد صامتًا لم ينطق بكلمة واحدة حتى وصلا القصر.
خرجا من السيارة فأخذ منها حقيية السفر والقاها داخل السيارة مرة أخرى وهو يقول:
_ مش ناقص كلام و اسئلة ملهاش لازمه
ثم سارا حتى دخلا القصر، فوجدا فاطيمة تجلس كالشيطان الذي ينتظر نتيجة وسوسته، أسرعت صوبهما وهي تتكلم بنبرة تحمل التوتر المصطنع:
_ في إيه يا حبايبي حصل إيه؟ انتوا كويسين؟
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ اه يا عمتو، بعد اذنك بس محتاج اطلع ارتاح شوية
_ اه يا حبيبي اتفضل
واثتاء صعودهما، تمتمت في ضيق وهي تتبع أثرهما:
" ما انا شفتها وهي ماسكة شنطة السفر وبتهرب زي الحرامية، مش فاهمة بجد عرف منين وجابها لي؟ كان زمانها مطلقة دلوقتي.. منك لله يا جياد انت ونفسك الطويل "
فتح باب الغرفة وجعلها تدخل أولًا، ثم دخل بعدها وغلق الباب.
تحركت حتى سريرها وراحت ثم جلست عليه وهي تنظر إلى الأرض هاربة من النظر إلى عينيه.
عقد ذراعيه أمام صدره وكذلك حاجبيه فقد كان غاضبًا للغاية ثم قال في نبرة مليئة بالضيق:
_ اللي انتي عملتيه من شوية دا، اسمه كارثة... زودتي الطين بلّة زي ما بيقولوا، وكأنك بتأكدي ليا اللي سمعته عنك الف مرة.
ردت في ضيق:
_ انت أصلا كنت طالع من تحت ومصدق كل اللي اتقال، ورعبتني، كنت مستني مني اعمل إيه؟
ابتسم ورد ساخرًا:
_ فلقيتي الحل انك تسافري بقا وتسيبي الدنيا تضرب تقلب، صح؟ هو دا أنسب حل خطر على بالك!
هز رأسه بالايجاب وهو يفرك أسفل ذقنه ثم تابع في ضيق أكثر:
_ طب عايزك بس تتخيلي شكلي لو للحظة.
دلوقتي لو انا معرفتش انك مسافرة وفعلا سافرتي، شكلي هيكون إيه؟
أما يسألوني مراتك فين واقولهم مش عارف او أما يقولولي ازاي تسافر من غير ما تقولك ولا كنت فين وهي بتسافر أو أو أو... ليه كنتي عايزة تسمعيني كلام وسخ؟
وازاي اصلا مسموح لك تتحركي من باب الاوضة دي من غير علمي؟
يعني انا ياما اتخاتقت معاكي وفهمتك انك مينفعش تخرجي من باب الاوضة دي غير بعلمي وانتي للمرة المليون بتضربي بكلامي عرض الحائط!
لا والمرادي إيه، مسافرة برا الدولة كلها وبابني ويا عالم بقا كانت نيتك إيه وقتها ولا كنتي بتفكري في إيه، يمكن كنتي ناوية متخلنيش اشوفه طول عمري، ما اصل هجيبك منين ولا مين هيجبلي حقي ويلزمك توريني ابني وانتي هربانه بيه مني ومن القانون المصري!
نظر إلى السقف لا يستوعب أفعالها ثم قال:
_ كانت مسافرة من غير ما تقولي عادي كدا!
ثم اخفض رأسه وأضاف وهو ينظر إليها في نبرة بها الحدة والجدية:
_ ورب السما و الأرض ما ليا آخر يا بنتي وعِندي وحش اوي اوي فوق ما تفكيرك المحدود فيا ما مصوّرلك
لو الفكرة ان الأساليب دي هي اللي هتخليني أطلقك واطفش منك، تبقي غلطانة، دا أنا جننك كدا، ألفكك حوالين نفسك طالما هتعملي نفسك ذكية عليا وفاكرة انك هتجيبي أخري بعمايلك دي
كانت تضع ابهمها بين اسنانها تضغط عليه في توتر وهي تسمعه.
سار بضع خطوات في الغرفة، وكانت خطوات متزنة لا هي سريعة ولا بطيئة، يبدو أنه يفكر....
بينما هي كانت تمرر يدها على شعرها في حركات سريعة مليئة بالخوف والتوتر المصحوب بالترقب، إذ بها تجد بضع من خصلات شعرها بين يديها والتي تساقطت بشكل كبير غير المعتاد عليه اثر الضغط النفسي والعصبي الذي تعيشه منذ مدة.
توقف عن السير ثم قال لها:
_ المرادي مش هتسلمي من العقاب زي كل مرة، لان سبق وحذرتك.. مفيش خروج من اوضتك دي اطلاقا...
ثم بدأ يعدد على أصابعه وهو يقول:
_لا فيه شغل لا فيه مقابلات مع حد لا فيه تليفون لا فيه أكل تحت ولا فيه خروج حتى للجنينة... هتفضلي هنا محبوسة وانا طول ما انا برا هكون متربس عليكي بالمفتاح وهتفضلي على الحال دا لحد أما أنا اقول امتى.
ثم اقترب من السرير وحمل حقيبتها وبدأ يفتحها ثم أخرج الهاتف خاصتها ووضعه في جيبه.
التفت حوله في الغرفة لحظات، يتذكر أين تضع حاسوبها ثم أخذه أيضًا.
نظر إليها متعجبًا صمتها في تلقي العقاب، فوجدها تقضم ظفر اصبعها ولا تنظر له، كانت اشبه بطفل صغير يتلقى عقابه دون اعتراض وهو يحبس دموع عيناه داخل جفنيه.
طالعها من أعلى إلى أسفل في ضيق ثم خرج من الغرفة وغلقها بالمفتاح من الخارج عليها.
وداخل الغرفة، انزلقت حتى تمددت على السرير شيئًافشيئًا، تملأ وسادتها بدموع عيناها الساخنة والجدير بالذكر أن وسادتها لم تجف أبدًا..
**************
كانت روني داخل غرفتها، قلقة بشأن ما يحدث مع أختها، تعاود الاتصال عليها ولكن كالعادة لا رد.
اتجهت نحو يزيد فوجدته غارقًا في نومه والجدير بالذكر أنه بات دائمًا ما يكون نائمًا اثر التعب والألم.
نظرت في ساعة يدها ثم تفوهت في نبرة صوت بالكاد مسموعة لاذنها وحسب:
" لسه باقي ربع ساعة على معاد دوا يزيد "
اتجهت نحو الكرسي والتقطت هاتفها وقررت أن تتصل على جياد... استجاب الآخر قائلًا:
_ ايه يا روني، يزيد كويس؟
_ اه هو نايم اصلا... بقولك، هو..هو انت تعرف هانيا فين؟ انا قلقانة عليها اوي عمالة ارن عليها وهي مش بترد
_ متقلقيش عليها هي كويسة
_ طب هي فين؟
_ قلت كويسة
_ في اوضتها يعني؟
_ آه
_ ماشي سلام
انهت المكالمة معه، ثم خرجت من الغرفة واتجهت نحو غرفة أختها وبدأت تدق الباب وهي تقول:
_ هانيا، هانيا افتحي يا هانيا عايزة اتكلم معاكي ضروري
وكانت الأخرى تنظر إلى الباب وهي تستمع إلى دقات أختها صوت البكاء يرتفع والدموع تزداد
ولما يئست روني من عدم اجابتها.
سألت أحدى الخدمات عن مكان جياد، فأخبرتها أنه في الحديقة، وعليه انتقلت صوب الحديقة في سرعة وهي قلقة على أختها الصغيرة.
وبمجرد وصولها الحديقة، وجدته يجلس بجانب حمام السباحة شاردًا، لذا سارت نحوه ...وما إن وصلت ووقفت قباله، قالت:
_ هانيا مش بترد عليا ليه؟
ليه الباب متربس عليها؟
معاك نسخة من المفتاح، افتح انا و ادخل واتكلم معاها؟
رفع عيناه إليها ببطء ثم رد في هدوء:
_ مفيش منه دا... اختك متعاقبة
عقدت حاجبيها في استغراب وردت في نبرة بها الضيق:
_ متعاقبة ازاي يعني؟ هي عيلة صغيرة!
_ للأسف هي فعلا كدا
_ جياد أنا عايزة اتكلم مع هانيا
_ ما أنا قولتلك يا روني ولا هو الإجابة ماكنتش واضحة ولا إيه؟ بقولك اختك متعاقبة ومش هتقابل حد ولا هتكلم حد ولا هتخرج من الاوضة دي خالص
_ وانت ليه تعاقبها يعني بجد!
_ علشان اخطائها في حقي كترت وأخرها خروجها النهاردة من القصر بدون علمي.
تنهد وتابع:
_ اصل الهانم كانت مسافرة برا البلد، وانا يدوب لحقتها على الحدود
تضايقت بشدة ثم ردت:
_ ودا بقا يخليك تحبسها؟ دا بدل ما تاخدها وتتكلم معاها وتفهم مالها وليه عملت كدا؟
_ انا اتكلمت كتير والله يا روني صدقيني وهي مش بترد واخدة وضع الخرس وانا أكيد مش هنطقها يعني أنا مش إله!
تنفس ثم اضاف:
_ ياما، قولتلها مالك، فيكي إيه، احكي، اتكلمي... بس هي عايزة تزهقني وبس علشان أطلق وانا مبجيش كدا، هي بتتعامل معايا غلط جدا وكله هيجي على دماغها في الآخر
_ جياد، جياد من فضلك هانيا حامل، لو مش علشانها، يبقى علشان البيبي من فضلك، خليني اتكلم معاها
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا، خليها تعند فيا على قد ما ربنا يقدرها ونشوف مين هيمشي كلامه
_ جياد معلش، خليك انت العاقل معلش
_ قلت لا يعني لا... كل اما بسيب لها حريتها بتجيلي بمصيبة، ناقص مين تاني يجي ويقولي شفت هانيا مع شهاب!
ابتلعت ريقها وردت في توتر:
_ دا.. دا مين دا وامتى؟
_ مش مهم مين بس المهم انه حد موثوق، أصله هيعرف منين انها بتحب شهاب ولا كان فيه بينهم علاقة؟
اللي قالي دا كنت آخر حد اتوقعه يعرف، بجد شكلي بقا عرة وكمان ممكن الموضوع يوصل لبابا عن طريقه واختك مش مراعية اي حاجة خالص.
_ ما يمكن كدب! ما يمكن افترى عليها!
_ لا مش كدب ولا افترا، بقولك هو الشخص دا هيعرف منين؟ + الشخص دا قالي ان اللي حصل دا كان ساعة آخر مرة زارت فيها ابوكي ساعة خناقتك انتي وهي، وفعلا هي من اليوم دا وهي متشقلب حالها وبتتعامل معايا بشكل وحش جدا، شكل قذر زيها بدون ما اعمل حاجة
حاولت اخفاء توترها عنه بشتى الطرق ثم ردت في نبرة تحاول أن تجعلها واثقة:
_ والشخص اللي قالك دا، قالك إيه بالظبط؟
ابتسم ابتسامة ساخرة ثم رد:
_ متقلقيش هي يا أما قالتلك يا أما هتقولك، فمتعمليش نفسك معندكيش علم بأي حاجه تخصها يا عيني
اغتاظت منه للغاية وعليه ردت:
_ اسمع يا جياد، لو مخلينيش اكلم اختي، أنا هتصل اقول للشيخ ولفاتح وللكل ومش هسكت وحتى بابا هقوله
_ قولي للي انتي عايزاه، اعملي اللي يخطر على بالك ومتخليش حاجه في نفسك، فكراني هخاف؟
ياريت تبقى فضيحة اختك جت منك انتي ولا فكراني هاخد على وشي وهاقف اتهزأ بسببها تاني؟
انسي كل اللي هتقوليله ويجي يتكلم معايا ويغلطني، هقوله عمايل اختك السودا كلها وعليا وعلى اعدائي.
انهى كلامه معها بتلك اللجهة ثم تركها وذهب على الفور.
وقفت مكانها وتشكل الخوف على ملامحها وهي تحدث نفسها:
" يا ترى عرف إيه ولا شاف إيه... حرام عليكي يا هانيا، دا انا ياما حذرتك... اعمل إيه دلوقتي بس ياربي!"
************
_ يا ابني كُل لقمة مش كدا!
تحدث هاني صديق شهاب، إليه وهو ينظر إلى العشاء الذي قدمه له والذي لم يمسه حتى، ورد الشاب:
_ آكل إيه بس واجيب نِفس منين!
هو انت مش واخد بالك من المشكلة اللي انا فيها؟
_ هو انت كنت حكيت حاجة؟ انت كل اللي قولته من ساعة ما جيت ان ماهي حامل وبس كدا ومن ساعتها وانت عمال تضرب اخماس في اسداس
_ ما يا ابني انا لسه رايح اقولها انا عايز فرصة تانية معاكي وعايز نبدأ قصة حب وكدا يعني، لقتها بتقولي انا حامل، اللي هو طب ما كنتي استني نعدل أم جوازنا دا الأول ونحل مشاكلنا وبعد كدا ابقي أحملي!
اصل ليه نجيب عيل نظلمه في النص واحنا لسه مش فاهمين بعض ولا عارفين هنكمل ولا مش هنكمل ولا هنعمل إيه بالظبط في أيامنا دي!
_ وهي ذنبها إيه، حد قالك قرب لها!
_ هو اي حد يقرب من مراته لازم تحمل بعدها!
في حاجة اسمها موانع
أمسك رفيقه بالخبز وبدأ يقطع منه وهو يقول:
_ ها، هاكل انا، خليك انت قاعد تندب
ثم غمسه في الطعام ووضعه في فمه سريعًا وتابع وهو يمضغه:
_ ما علينا، ناوي تعمل إيه بردو؟
_ هعمل إيه يعني!
هحاول بكل الطرق اصلح علاقتي بيها علشان ابني اللي جاي
_ مش من رأيي انك لازم تعيش حياة تعيسة علشان ابنك! طلقها لو مش متقبلها واتجوز واحدة تالتة خالص أما تموف اون من اللي انت فيه دا كله، بلا هانيا وبلا ماهي
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا يا هاني، مش أنا اللي اتعودت اهرب من المسؤولية....
ثم تنهد وتابع:
_ يا هاني انا لحد النهاردة زعلان من ابويا علشان سبني ومشي من الدنيا بدري، وفاهم يعني إيه الإنسان يفضل في الحياة بدون اب.. بدون عمود فقري يسنده، مش هعيّش طفلي اللي انا عيشته، مش هحرمه من ابوه وهو ملوش ذنب، مش هحمله نتيجة غلطتي أنا، أنا اللي هتحمل نتيجة غلطتي وبس.
انا هصلح علاقتي بماهي وهنربي طفلنا مع بعض
_ طب الحمدلله انك فوقت وبدأت تدرك ان اللي كنت بتعمله دا كان غلط، وسبتك بقا من هانيا الحامل دي كمان.
الا صحيح هي اتصلت بيك كانت عايزة إيه؟
_ تصدق فكرتني!
هي اتصلت وكانت خايفة وقالتلي متجيش البيت دلوقتي خالص وجياد مجنون دلوقتي وقفلت
وما إن استوعب ما قاله، اضاف في خوف:
_ تفتكر إيه اللي حصل يا هاني؟
_ انت بتسألني أنا، انا ايش عرفني ما انا معاك اهو!
وقف الشاب وهو يقول:
_ انا مروح بقا
_ ما تخليك ليحصل مشكلة!
_ لا عدى وقت كتير والوقت اتأخر اصلا يدوب الحق اوصل، يلا باي
_ باي، ربنا يهديك
************
طرقت روني باب غرفة عبير، ففتحت لها وهي ترتدي منامة، وقالت:
_ خير، يزيد تعب ولا حاجه؟
هزت رأسها نافية، ثم قالت:
_ يزيد كويس... أنا بس كنت حابة اتكلم معاكي في موضوع تاني
_ خير؟
تنهدت وقالت:
_ جياد وهانيا متخانقين شوية مع بعض وجياد قرر يحبس هانيا وانا كنت خايفة عليها وعلى البيبي، هي بتكتم في نفسها كتير وانا خايفة الزعل يأثر عليها، ممكن بس ت..
قاطعتها قائلة في نبرة حادة:
_ فكرك كدا هتقوميني على ابني؟
ابني راجل وفاهم هو بيعمل إيه كويس، وانا مش هخاف على طفله اكتر منه... جياد مفيش في حنية قلبه بس اختك اللي متربتش كل شوية تزعله وتدايقه وتنكد عليه، فأحسن، خليه يعاقبها بالشكل اللي يشوفه صح يمكن تحترم نفسها شوية وتعدل بوزها دا اللي بقت لوياه ٢٤ ساعة، ومن كام يوم كانت بتجوزه لغيرها عادي.
مبسوطة والله، مبسوطة ان اخيرا واحد منهم خد موقف مع واحدة منكم.
إيه العمل محتاج يتجدد ولا السحر اتفك!
أخيرا، اخيرا حد منهم خد موقف مع واحدة منكم، دا حلم دا ولا علم
لوت فمها وتابعت:
_ يلا يا حبيبتي، يلا روحي ادخلي لجوزك لا يصحى ويحتاج حاجة وميلاقكيش جمبه في ساعة متأخرة زي دي وبطلي صعبنيات شوية، جياد مش هيموتها يعني، أخ منكم انتوا يا بنات السلاب أخ
ثم دخلت وغلقت الباب في وجهها.
كانت الفتاة تقف مكانها لا تستوعب تلك الطريقة القذرة التي تحدثت بها معها.
ثم التفتت كي تذهب، فوجدت فاطيمة وهي تصعد الدرج وتبتسم لها ابتسامة بها شماتة وفرحة.
تجاهلتها وبدأت تسير نحو غرفتها.
*********
ومع الثانية عشر منتصف الليل، دخل شهاب غرفته ثم غلق الباب خلفه وبمجرد أن أشعل الضوء، وجد ماهي تجلس على السرير وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.
ابتسم وقال:
_ انتي لسه صاحية؟ فكرتك نمتي
_ كنت فين كل دا؟
_ كنت في مدينة نصر عند هاني صاحبي
تنهدت وسكتت..
اتجه نحو الخزانة وبدأ يخرج له ملابس خاصة بالنوم، فقالت وهو يبدل ملابسه:
_ عملت إيه انت وهانيا لدرجة خليتوا جياد يتجنن النهاردة؟
عقد حاجبيه في استغراب ورد وهو يغلق ازرار المنامة:
_ والله ما عملت حاجة ولا حتى شفت هانيا النهاردة، ليه هو أيه اللي حصل؟
نهضت ثم بدأت تسير، تقترب من مكان وقوفه وردت:
_ مش لازم النهاردة، عملت إيه انت وهانيا عموما، لدرجة تجننوا الراجل بالشكل دا؟
_ ماهي، اقسم لك ما عارف انتي بتتكلمي على إيه، أسأليه هو انا معرفش!
_ سألته
_ وقالك إيه؟
_ للأسف مرضيش يجاوب وانا محبتش اضغط عليه، شكله كان متعصب جدا وعلى آخره
اتجه صوب الدرج ثم أخرج منه كيس بلاستيك وقال:
_ ماهي انا معرفش، جياد كل شوية يتهمنا بشكل اساسا
ثم بدأ يخرج الدواء الذي بالكيس وهو يقول:
_ يلا دا وقت الدوا دا، أكيد لسه مأخدتيهوش
عقدت حاجبيها في استغراب شديد من ذلك الاهتمام المفاجئ، ثم قالت:
_ وانت فاكر الدكتور قالت إيه؟
_ اه فاكر كويس، لو اهتميت بحاجة عمري ما هنساها
جلست على الكرسي.. ثوان وانهالت دموعها على خديها كالشلال.
ترك الكيس جانبًا ثم اتجه نحوها في سرعة وهو يقول:
_ ليه طيب؟
ردت في نبرة صوت متحشرجة:
_ علشان انت مش بتحبني.... أنا تعبانة اوي يا شهاب تعبانة اوي
ضمها إلى صدره وبدأ يمرر يده على شعرها وهو يقول في نبرة مليئة بالحنان:
_ ممكن تهدي بقا، خلاص... انسي كل اللي فات، اللي فات مات، القصة الجديدة اوعدك مش هيكون فيها غيري انا وانتي وطفلنا
ابتعدت عن حضنه وقالت وهي تزيل دموع عينيها:
_ لا يا شهاب، لا مش صح، انت مجبر عليا علشان انا بليتك بعيل مش اكتر و..
قاطعها قائلًا:
_ لا لا متقوليش كدا، مفيش حد يقدر يجبرني اعمل حاجه في الدنيا، انا اختارتك، ولو عايزة دليل أكبر، يا ستي يلا نمشي من هنا ونروح الشقة اللي في مدينة نصر، مستعد اقدم لك اللي انتي عايزاه علشان أكدلك إني خلاص فوقت ومحتاج منك بس فرصة تانية.
هنبعد عن هنا و نأسس أسرة هادية بعيدة عن دوشة القصر
وضعت يدها على بطنها وردت في نبرة مليئة بالحزن والدموع تتلأ لأ في جفنيها:
_ كان نفسك يكون ابنها هي صح؟
كان...
قاطعها قائلًا في توسل وهو يمسك كفي يدها بيده:
_ يا ماهي، يا ماهي ارجوكي سيبك من الكلام دا شوية، دا ابننا احنا، ابن ماهي وشهاب واحنا اللي هنربيه واحنا اللي هنكمل سوا و..
_ علشانه...
أزالت بضع قطرات الدموع المتناثرة على فمها وتابعت:
_ علشان البيبي دا انت مكمل، مش علشان ماهي اللي كانت فكراك بتعشقها وحبتك من كل قلبها لدرجة انها مبقاش عندها حب تاني علشان تديه لحد غيرك
_ فرصة واحدة اخيرة اديها لعلاقتنا من غير ما تفضلي تقولي الكلام دا وشوفي الفرق بنفسك
لم تتمكن من السيطرة على دموع عينيها المبعثرة على خديها وفمها ورقبتها، وردت وهي تزداد في ذلك:
_ يا ترى جياد اتجنن منكم ليه النهاردة، يا ترى وصله انك عملت ايه يخليه يغير على مراته بالشكل دا ويجي يدور عليك علشان يتخانق معاك خناقة كبيرة و
قاطعها قائلًا وهو يضع وجهها بين كفيه:
_ معملتش حاجة فكك منه بقا، خلاص أنا هبطل مش هعمل حاجه تاني خالص، يلا نمشي بقا من هنا من بكرة الصبح
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ ازاي عايزني اثق فيك؟ إزاي بس!
_ جربي، تعالي على نفسك وجربي
ثم ضمها إلى صدره مرة أخرى وبدأ يربت على ظهرها في حنان.. بدأ يوزع قبلاته على خديها و رقبتها في هدوء محاولًا أن يجعلها تهدأ، اغمضت عيناها ثم قالت في نبرة ضعيفة مهزوزة:
_ لا، ارجوك لا مش عايزة أي قرب من أي نوع دلوقتي
ابتعد عنها حتى نظر إلى عينيها ورد:
_ انا ماكنش في نيتي أي حاجة، انا بس بحاول اخليكي تهدي و..
_ فاهمة، انا مش عايزة اي قرب وان كان حتى مجرد بوس
_ حاضر اللي تشوفيه، تحبي تيجي تنامي؟ يلا تعالي خدي الدوا بتاعك علشان تنامي
سحبها من يدها معه في هدوء ثم جلب لها الدواء و الماء ثم ناولها إياه.
تناولت دوائها ثم تمددت على السرير.
تمدد بجانبها على ظهره واضعًا يده فوق جبينه شاردًا في السقف.
تقلبت مرارًا في نومها فهي لم ترتح أبدًا وفشلت في أن تجد الراحة، حتى قالت له:
_ ممكن تاخدني في حضنك؟
_ اه طبعا حاضر، تعالي
وضعت رأسها على ذراعه ثم دفنت وجهها داخل صدره الأيسر مقر قلبه ولم تتوقف عن البكاء هناك حتى بللت ملبسه وغلبها النوم من القهر وشدة البكاء.
وكان هو لا يفعل شيء سوى أنه يلمس شعرها ويربت على كتفها حتى تتوقف عن البكاء أو تهدأ قليلًا ولكنه فشل في ذلك حتى نامت.
وبعدما نامت، نظر ببطء نحو ملامح وجهها المملئة بقطرات الماء، فقد غسلتها حتى اكتفت وزيادة عليه.
ومن بين الحين و الآخر كانت تنتفض أثناء نومها تصيبها تلك الرعشة فتشعره بالحسرة والقهر عليها وعلى ما لحق بها من أذى فبكى حزنًا ولم يتمكن من النوم ليلتها.
*********
ومع الثانية منتصف الليل، دخل جياد غرفة النوم بعدما فتح بابها بنفسه، فسمع صوت الهدوء.
اقترب نحو السرير، فعلم أنها قد نامت بعدما تورمت عيناها من البكاء وابتلت وسادتها، حتى أن رموش عيناها لم تجف بعد.
وقف ينظر إليها قليلًا في شفقة على حالها وتحدث صوته الداخلي:
" عيّطتي لحد أما قلتي يا بس وبعد كدا نمتي... حقيقي نفسي الاقيكي بستخدمي اي اسلوب تاني غير العياط، اتكلمي يا هانيا بجد، اتكلمي شوية، جربي اي اسلوب تاني غير العياط طول الوقت."
جثى على ركبتيه ثم أسند مرفقيه على السرير، وبات يقرب وجهه من وجهها.. ابتسم في تلقائية وبدأ يلمس بأطرافه بشرتها في هدوء وحذر حتى لا تستيقظ، وبلطف وضع قُبلة صغيرة على جفنها المبتل بدموعها، ليذوق سريعًا بطرف شفتيه ملوحة دموعها.
بدأ يمرر أصبعه تحت عينيها كي يزول ما تبقى من دموعها.
ثم همس بأنين لا يُسمع:
" دا أنا اللي شكلي هتعاقب مش هي والله"
***********
وفي صباح اليوم التالي، فتح باسم، باب الشقة فوجد الطارق، أخته، تعجب بعض الشيء ولكنه قال على أي حال:
_ تالية!
تعالي ادخلي
سارت الفتاة نحو الداخل، ثم جلست على الكرسي ووضعت ساق فوق الأخرى وظلت صامتة.
عقد حاجبيه في استغراب ثم جلس قبالتها وقال:
_ والمفروض أنا افهم انتي عايزة إيه من نظرات عنيكي؟
أطلقت زفيرًا طويلًا كأنها تخرج كل ما بداخلها من طاقة سلبية، وقالت:
_ باسم، هو ممكن نتكلم مع بعض شوية، كأخ وأخته؟
_ خلينا نجرب، يلا قولي سامعك
_ عايزة ابقى زيك
_ وضحي أكتر، تبقي زيي ازاي وفي إيه؟
تنهدت وردت:
_ ابقى زيك كارفة ومش فارق معايا حد في الدنيا.. عايزة ابقى عقلانية مش مشاعرجنية كدا، عايزة اتحكم في نفسي وفي مشاعري يا باسم
وبينما تتحدث، باغتتها دموع عينيها والتي بدأت تسيل على خديها بعدما جاهدت في اخفائها، ولكنها تابعت حديثها برغم من ذلك:
_ أنا بحب جياد أوي، حبي ليه اشبه بلعنة ومش عايزة تتفك.. مش عارفة اشوف حياتي ولا نفسي زيه.. من زمان كنت عارفة انه مش بيحبني بس ولا مرة عرفت اكرهه او ابعد عنه، دايما كان عندي أمل إني هبقى معاه.. دايما كنت بقول لنفسي ان كل البنات دي مؤقتة، بيتسلى، بكرة يعقل، بكرة يبطل، بكرة يحب يستقر، حتى ماما قالتلي سبيه يلعب ويفرح وكدا كدا انتي اللي هيستقر معاها في الآخر... بس كل دا طلع كدب، جياد لقى لعنته هو كمان... ايوا الحب دا لعنة يا باسم ماستغربش من كلامي بس انا بشوفه كدا وهفضل اشوفه كدا.
بدأت تزيل دموعها واضافت:
_ مفيش حاجة عارفة تفرق بينه وبينها.. متمسك بيها بشكل غبي ومش متصدق اصلا، اللي هو ليه...ليه بجد هي تاخد كل الحب دا لوحدها؟
ليه واحد زي شهاب يحبها كدا وليه واحد زي جياد يعمل علشانها كل دا؟
مين هي هانيا دي يعني مين بجد؟
شرد قليلًا يفكر في كلامها، ثم رد:
_ ومين قالك إني معنديش مشاعر؟ حد قالك إني حجر؟
انا انسان وعندي مشاعر و أحاسيس عادي بردو... بس الفكرة اني مش بسمح لحد يقلل مني ومن كرامتي واللي بتجرب تعمل معايا كدا بدوس عليها بجذمتي، لان ببساطة أنا أولوياتي هما كبريائي وكرامتي، مهما كان قلبي مجروح ومهما كان مداس عليه بالجزم... من الآخر قلبك دا على ما تعوديه، هتمشي وراه وتدلليه وتسمعي له هتتعذبي وهتفضل كرامتك ومشاعرك تحت رحمة إنسان
أما لو وقفتي له ووجعتيه وقهرتيه بنفسك، هتبقى افضل ميت مرة من ان حد يقهرهولك ويذلك.
تنهد وهو يهز رأسه بالايجاب وتابع:
_ ماشي، عارف انه مش سهل، بس كدا كدا الحياة كلها صعبة ومفيهاش حاجة سهلة، وانتي في ايدك تختاري مين يعذب قلبك، انتي ولا حب من طرف واحد؟
هزت رأسها بالنفي ثم قالت:
_ انت كدا عمرك ما حبيت عامة
_ لا حبيت، وصدقيني اوسخ شعور ممكن يحسه إنسان
_ مين؟
_ مش مهم مين بس المهم إني حبيت وعشت رفض زيك تماما مش احسن منك كتير.
ثم نهض واضاف:
_ يلا قومي انا مليش في الدراما كتير، قومي وخلينا نفطر سوا، وانا اللي هحضر الاكل يا ستي
انهى كلامه ثم اتجه نحو المطبخ، وكان المطبخ بنظام المفتوح على الصالون لذا هي كانت تراه.
كانت تنظر إليه ثم قالت عقب صمت لمدة ثواني معدودة:
_ واحشني اوي.. نفسي احضنه.. نفسي اغمض عيني وافتح الاقيه مطلقها والاقيني مراته
ابتسم ابتسامة ساخرة ثم رد ساخرًا أيضًا:
_ شكلك هتفضلي مغمضة كتير ومش هتفتحي ابدا يا تالية وهتتعبينا معاكي
_ تفتكر فيه أمل يطلقها؟
هز رأسه بالسلب ثم قال وهو يخرج الجبن من الثلاجة:
_ لا
_ اشمعنى، حتى لو سقطت ابنه؟
توقف لحظة عما يفعل، واعطاها كامل الاهتمام ورد:
_ وانتي ناوية تخليها تسقط ابنه؟
_ ماما ناوية هي وخالتو
رفع أحد حاجبيه ولم يعلق بل تابع في إخراج باقي الطعام من الثلاجة.
قامت من كأنها وأخذت تمشي حتى وصلت قريبًا منه وقالت:
_ افضحها، علشان خاطري اعمل كدا... قول للشيخ انك شوفتهم مع بعض هي وشهاب لأي سبب، هنظبطها مع بعض.. انا اقدر اعمل كدا بس انا مش عايزة اظهر في الصورة علشان هو ميكرهنيش بس.. بس انت عادي لو قلت عليهم بالعكس هيظهر الموضوع بشكل طبيعي ومش هيبان ككهن نسوان، هيبان انك غيران على شرف ابن خالك مش اكتر....
ها هتعمل كدا علشان خاطري؟
********
وعلى سفرة الطعام عند قصر الشيخ، كان الجميع يتناول في صمت، الإفطار.
وأثناء الطعام، تساءل فاتح:
_ اومال فين جياد و هانيا؟
ردت عبير عليه بنبرة عادية:
_ هيفطروا في اوضتهم النهاردة
_ اشمعنى؟
_ مش عارفة، هو من شوية نزل وخد أكل وقال هاكل مع مراتي النهاردة فوق
هز رأسه موافقًا، بينما شهاب تعجب للغاية وبدأ يقلق على هانيا، فبعدما أخبرته ماهي بما أخبرته، وبعدما لم يجدها على سفرة الطعام، توجس خيفة وبدأ يمضغ الطعام ويحركه في فمه ببطء وهو يفكر...
وفي نفس الوقت، نزلت روني وتحدثت مع إحدى الخادمات وبقت واقفة مكانها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتبحث عن أختها بين الجالسين، فسألتها عبير قائلة في صوت مسموع:
_ إيه هتفطري انتي ويزيد بردو النهاردة كمان في اوضتكم؟
هزت رأسها مؤكدة، ثم قالت في نبرة بها الضيق:
_ ايوه، يزيد تعبان لسه ومش قادر ينزل، طلبت من واحدة من الخدمات يحضروا فطار اهو
كان شهاب ينظر إليها بنظرات بها علامات استفهام وكذلك هي كانت ترد عليه بنفس النظرات وكأن كلاهما يريد أن يسأل الآخر شيئًا ما.
وبالفعل راسلته طالبة منه أن يخبرها عندما ينتهي من الطعام فما تود اخباره به مهم للغاية، ووافق الآخر.
*********
وداخل غرفة جياد وهانيا، كان لا يزال يضع الطعام امامها يقول لها في ترجي:
_ على فكرة يا هانيا، انا بقالي ساعة بقولك يلا علشان تاكلي، قومي بقا يلا
وكانت هي تتمدد على السرير، تشدد الغطاء عليها ولا ترد عليه بل تنظر في نقطة واحدة.
فتابع:
_ طب قومي يا هانيا، لو مش علشانك، علشان البيبي طيب، انتي بتاخدي دوا ولازم تاكلي
ولكن كالعادة لا رد، فزفر في ضيق وأضاف:
_ يلا يا هانيا ربنا يهديكي يا حبيبتي، قومي كلي بقا.. طب بصي أنا هسيب لك الأكل وهمشي بس كلي انتي انا مش هاكل معاكي، ماشي؟
وبالفعل ترك الطعام بجانبها، ثم نظر إليها لحظات دون كلام، ثم تنهد وقال:
_ بتمنى دايما صباحي يضحك لي بس بقاله كتير مكشر في وشي.. كتت بصحى مبسوط بس أما كنتي بتردي عليا بجملة بسيطة جدا زي " صباح النور " بحس ان خلاص انا قادر على الدنيا بحالها من مجرد كلمة زي دي.
وفي بطء جلس قبالتها وتابع في ابتسامة هادئة:
_ ايوا يا هانيا، انتي صباحي و مسائي ودنيتي كلها.
أدارت وجهها الجهة الأخرى وهي تولي لموضع جلوسه ظهرها متجاهلة تحدثه معها تمامًا.
تنفس في عمق، ثم وقف تارة أخرى وتابع في نبرة بها الأسى:
_ يا خسارة يا هانيا، كان كل أملي تعرفي إني بحبك بجد وبس، أنا فعلا لا مسيطر ولا عايز اظهر سيطرة، أنا بحبك، بحبك وبدافع عن حبي.
هأكدلك إني بحبك بطريقة بسيطة واني فعلا مقدرش اعيش من غيرك، يمكن لسه مش واصلالك، يمكن تبطلي تقولي عليا مسيطر وواخدك علشان بس عايز اسيطر عليكي...
تسللت دمعة من عينه اليسرى وكأن قلبه هو من زرفها، ثم تعلقت في لحيته، أثناء متابعته:
_بحبك لدرجة اني كل يوم بصحى الصبح اتمنى إني ماكنش بحبك، اتمنى ان حبي ليكي دا يتنزع من قلبي بأي شكل، بتمنى كل يوم ادايق من أفعالك ومحسش من ناحيتك بحاجة...
تنهد وحاول أن يسيطر على نبرة صوته كي لا يظهر ضعفها وكي لا تظهر نبرة البكاء تلك أثناء تحدثه، ثم اختتم كلامه:
_انتي بقيتي بالنسبالي تذكير دائم ليا لكل حاجة مقدرتش احصل عليها...
الحياة السعيدة، الحب، القبول، انتي..
وقاطعته دموع عيناه والتي هبطت فجأة فسكت ولم يتبع كلامه ولم يبديها لها، ثم أسرع صوب المرحاض مبتعدًا عنها هاربًا بضعفه منها.
بينما هي لم تهتم بكل ما قد قيل، بل ظلت كما هي شاردة في نقطة واحدة.
*********
_ إيه يا روني، فيه إيه خير؟
تحدث شهاب إلى روني وهما في حديقة القصر، فقد جاء ملبيًا ندائها عقب الانتهاء من الطعام.
وردت الفتاة قائلة:
_ شهاب، إيه اللي حصل بينك انت و هانيا الفترة الأخيرة؟
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ مش فاهم!
مفيش حاجة حصلت لا، انا بقالي اكتر من اسبوع من ساعة ما مضيت التعهد بعدم التعرض وانا فعلا مجتش جمبها...اخر حاجه بس وقت ما خطفتها، هو في إيه؟
ماهي امبارح تقولي عملت ايه مع هانيا وهانيا نفسها تكلمني وتقولي متجيش البيت دلوقتي وانتي دلوقتي بتقوليلي عملت إيه مع هانيا، في إيه بجد، جياد زفت عمل إيه؟
_ هانيا كلمتك؟
_ اه، قالتلي متجيش القصر دلوقتي، جياد مجنون خالص
_ ما إيه اللي جننه طيب!
زفر في ضيق ورد:
_ مالها هانيا؟
_ هو فيه حاجة حصلت هو عرفها تقريبا عنك وعنها، فحبس هانيا في الاوضة ومانع اي حد يتكلم معاها
صاح في غضب شديد وهو يشتم:
_ ابن ال**** الحيوان القذر ابن ال***** بيعمل إيه فيها دا
أمسكته من ذراعه تمنعه من متابعة السير وهي تقول:
_ تعالى هنا، رايح فين؟
_ سيبي دراعي، لازم اروح اربيه الحيوان دا، بيعمل إيه فيها، هو أيه اللي يحبسها ويعاقبها دا، هو فاكر نفسه ربنا؟
ليه يعنفها كدا بجد؟
_ مينفعش انت تدخل خالص يا شهاب ومتندمنيش اني اتكلمت معاك، هتحصل مشكلة كبيرة اوي لو انت أدخلت وكأنك بتثبت دايما على اختي ان علاقتكم دي مستمرة وعمرها ما هتنتهي، اسكت انا هتصرف
أطلق زفيرًا طويلًا ثم قال:
_ بس انا بقولك آخر حاجة حصلت بيني وبين هانيا هو موضوع الخطف دا، لازم انقذ هانيا منه، أكيد دلوقتي هي شايلة الليلة لوحدها
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ معتقدش، لو جياد فعلا عرف انك خطفت هانيا مش هيسيبك بالبساطة دي، هيعمل مشكلة كبيرة معاك، كان زمانه دور عليك في كل حتة، أما اعتقد انه مطنشك ودا مش طبع جياد
_ يبقى هانيا دفعت التمن، جايز ساومها او اتفقوا على حاجة مقابل حاجة زي ما متعود الحقير دا يعمل!
تركت ذراعه وتابعت:
_ لا يا شهاب، لو سمحت انت متدخلش خلاص مش عايزين مشاكل لو سمحت
تحدث في نبرة حادة:
_ قولي لابوكي، قولي لأمك، هتفضلي ساكتة كدا؟
_ ما انا مش عارفة هي هانيا عملت إيه ولا هو عرف إيه بالظبط علشان اقول
خايفة اقول وتطلع هانيا كانت مخبية ومش عايزاهم يعرفوا مثلا، لان جياد قال مش هخلي حد يغلطني المرادي بدون ما ادافع عن نفسي، فأنا خايفة اقوللهم ويعرفوا حاجة عن هانيا هي ماكنتش عايزاهم يعرفوها وبدل ما اساعدها اخرب لها الدنيا وهي تزعل مني
_ والعمل يعني؟
_ هحاول اروح اتكلم معاها، يمكن يسمح لي
وبالفعل تحركت صوب الدخول، وكذلك فعل الآخر.
كان يسير نحو الدخول وهو يسب ويلعن في جياد وأفعاله وهو يصفه بالمريض.
وبمجرد دخوله، لمح فاطيمة تقف جانبًا تجري اتصالًا هاتفيًا.
تحرك صوبها في خطوات سريعة مليئة بالغضب وقال ما إن وقف قبالها:
_ انتي يا ست انتي، مش انا قولتلك اياكي تتكلمي عن حاجة تعرفيها؟ بردو اتكلمتي؟
ضغطت على زر إنهاء المكالمة ففي الحقيقة هي كانت قد طلبت شخص ما وحسب وانهت قبلما يرد، قالت له في ضيق:
_ امشي يالا انت من هنا، انت عبيط ولا إيه!
أمسكها من ذراعها وبات يشدد المسكة عليها لدرجة آلمها، وقال غاضبًا:
_ اسمعي بقا لو هانيا جرالها اي حاجة او حاولتي تأذيها بأي شكل، بالتبلي او بغيره، أنا هأذيكي جامد اوي سامعة؟
كانت تتأوه من ألم ذراعها وقالت:
_ اوعى سيب دراعي اوعى، دراعي بيوجعني يا غبي انت
_ احترمي نفسك، احترمي نفسك وملكيش دعوة بهانيا وخلوني هادي وساكت علشان وربنا لو اتجننت تاني محدش هيعرف يرجعني لعقلي وهتبقى سواد على الكل، محدش يأذي هانيا اطلاقا
_ سيب دراعي سيب سيب
تركها وهو يدفعها قليلًا، قالت له في تهديد وهي توجه في وجهه سبابتها:
_ والله لاندمك على كل دا يا ابن سحر
_ مالها سحر؟ ستك وتاج راسك يا فاطيمة يا عرة
_ هربيك، انا هوريك يا حقير
انهت كلامها وسارت مغاضبة مبتعدة عنه في خطوات سريعة.
وكانت أسيل تقف في إحدى الزوايا، ترهما ولكنها لم تسمعهما، وعليه اتجهت صوب خالتها كي تفهم منها ما حدث ولما كان الشاب يتعامل معها بذلك الشكل.
*************
_ انا همشي يا ماما
تحدثت ماهي مع والدتها وهما داخل غرفة الوالدة والتي ردت عليها:
_ رايحة فين؟
_ شقتنا اللي في مدينة نصر
_ اخيرا جوزك حس على دمه؟
دا المثل بيقول يا بخت من زار وخفف وهو ماشاءالله، مسخر المثل خالص !
_ خلاص يا ماما بقا بجد، هو اساسا كان بيعمل ايه يعني، دا معظم الوقت كان برا ويدوب بيجي على النوم
_ طبعا ما انتي المحامية بتاعته لازم تدافعي علطول.
تنهدت وأضافت:
_ المهم، اوعي تكتري زيارات لحماتك الحيزابون دي ولا تفضلي رايحة جاية على بيتها بحجة انك بقيتي قريبة منها، اعزلي نفسك عنهم خالص دول عالم بيئة
زفرت في ضيق ثم ردت في إيجاز:
_ حاضر
عقدت عبير حاجبيها في استغراب وهي تتفحص ملامح وجهها وقالت:
_ مال وشك؟ انتي كويسة؟
_ اه
_ اه إيه، لا انتي عينك منفخة جدا ووشك اصفر زي الليمونة وباين عليكي الارهاق، مالك يا بنتي؟
ابتلعت ريقها وردت:
_ انا حامل يا ماما
سكتت السيدة بمجرد استقبالها للخبر فلم تحدد هل هي حزينة ام سعيدة لسماع هذا... ثم قالت في ابتسامة خفيفة جاهدت في ان ترسمها على شفتيها:
_ إيه! الف مبروك يا حبيبتي، الف مبروك
_ مش باين انك فرحانة ليه يا ماما؟
_ فرحانة يا ماهي فرحانة، انا بس حبيتي مش مصدقة ان اصغر ولادي كبرت واتجوزت وبقت حامل كمان.. الف مبروك يا روحي، ربنا يتمم لك حملك على خير
هزت الفتاة رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ ميرسي، الله يبارك فيكي يا ماما
*********
_ افتح يا جياد بقا افتح، بجد مينفعش كدا، لازم اتكلم مع هانيا يا جياد افتح بقا.
قامت هانيا شيئًا فشيئًا وبدأت تتجه في بطء نحو الباب وهي تشعر بالدوار الشديد نتيجة عدم الأكل و البكاء طيلة الليل فكانت مرهقة للغاية.
ثم وقفت خلف الباب وقالت في صوت مسموع جاهدت في أن تخرجه:
_ جياد مش هنا يا روني
_ هانيا حبيبتي انتي كويسة؟ افتحي يا هانيا
_ هو قافل بالمفتاح مش هعرف افتح لك
_ طب انتي كويسة؟
_ عايشة
_ هانيا، إيه اللي حصل يا هانيا، أقول لبابا؟ اكلمه في الموضوع؟
_ لا يا روني متعمليش انتي حاجة، انا اللي هعمل وانا اللي هتصرف المرادي، ومتحافيش عليا انا كويسة
_ مش باين على صوتك
_ كويسة مش قصدي بها اني مفيش حاجه، بس اقصد بيها نفس الكويسة اللي بقولها من ساعة ما دخلت القصر دا، روحي شوفي جوزك وحياتك واتكلمي مع معتصم بقالك كتير مأجلة الكلام معاه وانا اوعدك إني هخرج من الأسر دا النهاردة وهجيلك لحد باب اوضتك كمان
_ هانيا، انتي متأكدة صح؟ متأكدة إنك مش عايزاني اعمل حاجه؟
_ اه زي ما بقولك كدا
_ ماشي يا هانيا اللي تشوفيه، انا دلوقتي رايحة لماما مع مايا مش هجيب بقا سيرة لحد هناك خالص
وفي الوقت نفسه، أقبلت نحوها ماهي وهي تقول:
_ روني!
_ ايه يا ماهي؟
_ مالك واقفة قصاد اوضة جياد وهانيا ليه كدا؟
يعني خبطي!
_ جياد مش جوا وهو قافل الباب بالمفتاح وهانيا مش معاها واحد
_ بجد! غريبة دي
ثم أخرجت الهاتف وبدأت تتصل بأخيها والذي استجاب لها قائلًا:
_ إيه يا ماهي؟
_ انت فين؟
_ خرجت برا شوية اشم هوا
_ قولي مكانك بالظبط علشان جيالك
_ ليه؟
_ عايزة اتكلم معاك شوية
_ ماشي
انهت المكالمة معه ثم بدأت تنزل الدرج.
*************
_ يا شيخة منك لله، هو يا بت مش اخوكي قالك متستلفيش مبلغ كبير زي دا من ماهي!
تحدثت سحر مع ابنتها شاهندا والتي بدأت تختبئ خلف الكرسي من والدتها التي علمت بشأن سرها ثم ردت في خوف:
_ يا ماما والله أنا كان هدفي اتجوز بس والله
_ منك لله، وحسبي الله فيكي، اديه العريس اهو أما اتأخرنا عليه في الرد خطب واحدة تانية
_ يا ماما والله أما عرفت كدا قلت هرجع لها فلوسها تاني مصرفتش منهم غير ٢٠ الف بس
ركضت والدتها صوب الكرسي وهي تصيح في غضب:
_ وبتصرفي منهم ليه يا متخلفة انتي، انتي عايزة تجننيني يا بت انتي ها؟ عايزة تنقتيني!
_ يا ماما والله اتزنقت فيهم وكنت محتاجاهم جدا و..
وفي تلك الأثناء دخلت عليهما وعد وهي تقول في خضة:
_ في إيه يا ماما عمالة تزعقي جامد كدا ليه؟
_ اختك اللي ناوية تشلني دي، استلفت بردو ٥٠٠ الف من ماهي وصرفت منهم ٢٠ في اوردرات وكلام فارغ بنت ال****
_ خلاص يا ماما معلش هدي نفسك بس
_ اهدي نفسي، هو اللي يخلف خلفة عار زيكم هيعرف يهدي نفسه ولا هيعرف يعني ايه هدوء أساسا!
تنهدت تهدأ قليلًا عن الصريخ وصدرها يعلو ويهبط ثم قالت لها في شيء من التهديد الوعيد:
_ انتي هترجعي الفلوس دي لأصحابها كاملة لحد أما نشوف هنكمل الباقي منين سامعة؟
هزت رأسها موافقة، فتابعت سحر:
_ يلا، رني على ماهي دلوقتي وقوليلها الجوازة باظت وهبعتلك الفلوس ناقصة بس ٢٠ الف علشان جبت بيهم حاجات للجهاز قبل ما اعرف ان العريس صرف نظر
زفرت في ضيق وعلى مضض اتصلت على ماهي والتي استجابت لها قائلة:
_ إيه يا شوشو قوليلي
_ ايه يا ماهي يا حبيبتي، عاملة إيه؟
_ بخير يا قلبي
_ يارب دايما، بقولك... المبلغ اللي كنتي بعتاه ليا أنا هحولهولك كله تاني لان الجوازة باظت ومش مستعجلة حاليا، بس المبلغ ناقص ٢٠ الف جبت بيهم حاجات، شوية وهحوشهم وابعتهم
_ لا يا ستي مفيش داعي ليهم خلاص اعتبري ال٢٠ الف دول هدية مني ليكي بنسبة ان صلة القرابة بينا اتقوت خلاص واتربطت
_ مش فاهمة!
_ يا ستي ال ٢٠ الف دول مش عايزاهم خليهم ليكي، على شرف ابني اللي جاي في الطريق.. أنا حامل
ابتسمت الفتاة ابتسامة عريضة وقالت:
_ بجد؟ الف الف مبروك يا قلبي الف مبروك... اه اه ماما جمبي اهي خدي قوليلها بنفسك
عقدت السيدة حاجبيها في استغراب ثم مدت يدها لتأخذ الهاتف من ابنتها وعلمت من الفتاة بأنها حامل لذا فرحت للغاية وعم السرور في أرجاء المنزل وتعالت الزغاريد مما جعل ماهي تفرح للغاية فإن أهل زوجها أول من جعلنها تشعر بأن حملها منتظر ومفرح للغاية بالنسبة لهن.
**********
وبعدما وصلتا واطمأنت والدتهما عليهما وعلمت منهما أن هانيا لم تأتِ لان زوجها رفض، قالت عقب شربهن القهوة:
_ مايا، عايزة اتكلم معاكي لوحدنا شوية
وافقت الفتاة واتجهت مع والدتها صوب الصالون وجلستا جهة بعضهما البعض، فقالت:
_ إيه حوار عدم حملك لحد دلوقتي دا؟ الدكاترة قالولك ايه؟ التأخير من إيه؟
ردت الفتاة في نبرة بها الأسى:
_ كلهم قالوا عادي وفيه أمل بس التأخير دا من عند ربنا وبس وفيه منهم قالي ان دا لان البويضات عندي ضعيفة جدا و علشان كدا مش عارفة أحمل
لوت حورية فمها وردت على ابنتها في ضيق:
_ تبقي كدا زيك زي خالتك حنان بالظبط
_ مش فاهمة يا ماما، ومالها خالتي حنان؟
تنهدت وردت:
_ خالتك حنان يا بنتي اتجوزت وفضلت خمس سنين مش بتحمل ابدا وبعد ما حملت سقطت لحد أما جوزها قالها هتجوز عليكي لاني عايز اخلف قالت له لو هتتجوز طلقني وافق وراح مطلقها فعلا، رغم انه كان بيموت فيها وواخدين بعض على حب اصلا، اتجوزت تاني بقا بس كان راجل مطلق وقالها عادي هستنى عليكي، هي لانها كانت جميلة اوي في شبابها كانت مطلوبة، فضلت معاه سنة من غير جواز لحد أما حملت في حلا وكان حملها صعب والدكتور قالها لازم تلزم السرير وإلا هتسقط وفعلا فضلت نايمة في السرير ال٩ شهور لحد أما ولدت وكانت هطير من الفرحة بيها.
المهم حاولت تاني تحمل معرفتش فضلت خمس سنين كمان عايزة عيل تاني وحملت مرتين فيهم وسقطت لان الجنين كان بيبقى ضعيف اوي مش بيصبر.
لحد أما ربنا كرمها بعدها بسنة كمان بشذى، وفي حملها في شذى كانت هتموت فيها والدكاترة حذروها من الحمل مرة تانية والا هتروح فيها، فشكرت ربنا على كدا بقا ومحاولتش تاني مع انها كانت هتتجنن على ولد
ضربت الفتاة صدرها في خضة وهي تشهق، ثم قالت:
_ يالهوي! يعني أنا لسه هستنى كل دا؟
ليه كدا بس ليه كدا بس ياربي!
ثم تنهدت وتابعت:
_ ماما، ماما أنا لازم أحمل في أسرع وقت ممكن، عبير الحرباية مش ساكتة وعايزة تجوز فاتح عليا
_ تعملها، قادرة وتعملها
ابتلعت الفتاة ريقها وتملك الرعب منها ثم ردت:
_ يعني إيه يا ماما يعني إيه بجد!
بس فاتح بيحبني انا وقالي مش عايز عيال غير منك و...
_ بقولك إيه كلهم بيقولوا كدا في الأول، مفيش راجل تاخدي منه كلام عموما
_ قصدك إيه؟ قصدك ان فاتح بيكدب عليا؟
_ مش شرط يكون بيكدب بالشكل اللي واصلك، هو ممكن يكون صادق في لحظتها، بس أما الظروف وأمه يضغطوا عليه اكتر مش عارفين ممكن يعمل إيه!
هزت رأسها رافضة وهي تقول في عدم تصديق:
_ لا لا يا ماما لا، مستحيل، فاتح مستحيل يتجوز عليا، فاتح مش هيعرف يعيش مع حد غيري اصلا ولا عايز يخلف من غيري
_ انتي حرة بقا، انا ليا اللي بقولهولك دا وبس، افضلي واظبي على مشاوريك للدكاترة وشوفي اي حلول ممكنة حتى لو عملية، الولية اللي اسمها عبير دي مش سهلة خالص، انا اللي اعرفها عن غيري، ما كانت جارتي الباب في الباب قبل ما ربنا ينفخ في صورتهم ويسافروا ويغتنوا كدا وعارفة طبعها الغليظة ولسانها الطويل مش هنسى ابدا.
تنفست وتابعت:
_ عمري ما هنسى المرة اللي جم فيها أمها وابوها زيارة لعندها وأمها فضلت تزعق للراجل وهو يا عيني سكتم بكتم واللي فهمته ان امها كانت ست مسيطرة وجبارة وابوها كان راجل على نياته كدا وغلبان واهطل زي حسان كدا
_ اه هي فعلا مسيطرة جدا، بس ملهاش كلمة قصاد الشيخ
_ لان الشيخ راجل جبار وقادر هو كمان أما ابوها ماكنش كدا.
_ طب ليه واحدة مسيطرة زيها تتجوز حد زي الشيخ؟
_ الشيخ دا في شبابه كان وسيم اوي زي ولاده، وكان يعني حاله المادي كويس، راحت أمه شافت عبير وقالت له عليها راح وعجبته وهو عجبها ماكنتش تعرف عنه كتير بقا، وأما عرفت انه راجل وليه كلمته عجبها أكتر، هي الستات كدا عامة تحب اللي يطلع عينها
شردت الفتاة تفكر في كلام والدتها وداخلها يرتعد خوفًا
**************
قابلت ماهي، جياد داخل المقهى حيثما يجلس هناك، كان يسند ذراعه على الطاولة ينظر إلى النيل في صمت والمياة تتحرك بهدوء.
سارت حتى وصلت عنده وشدت الكرسي المقابل وجلست عليه وهي تقول:
_ اتأخرت؟
_ مركزتش
جلست جيدًا ثم ردت:
_ مشغول في إيه يا ترى؟
_ في خيبتي... في خيبتي اللي موردتش على حد ولا اتنين ولا تلات ولا اربع
أشارت إلى النادل وطلبت قهوة ثم قالت له:
_ في إيه بجد مالك؟ انت اتخاتقت مع هانيا تاني؟
كان يُحدث صوتًا بأظافره على الطاولة وهو يرد ساخرًا:
_ تاني إيه؟ دا الخناق دا محتوانا أساسا، دي لو متخانقتش معايا في يوم احس ان فيه حاجة غلط!
تنهدت وتابعت:
_ علشان شهاب بردو؟
_ الله يحرقه بجاز
شعرت بالضيق وعليه ردت:
_ جياد متدعيش عليه، مهما كان دا جوزي!
لم يرد عليها بل ظل صامتًا يتابع حركة المياة.. وقال ساخرًا:
_ حتى مية النيل بتتحرك، اي نعم بتتحرك بالعافيه بس بتتحرك.. كل حاجة بتتحرك إلا علاقتنا انا وهي ثابتة ثبات رهيب، الديناميكية معدتش عليها حتى بالصدفة
_ جياد، انت شفت هانيا وشهاب بيعملوا إيه علشان تتجنن بالشكل دا؟
ارجوك قولي متكدبش عليا المرادي بقا انا معاك في نفس المركب
صمت برهة يفكر...ثم رد:
_ مشفتش حاجة
_ بتهزر!
_ والله ما شفت حاجة، فكك كانت خناقة عابرة كدا وعدت
_ اومال كنت جاي وناوي تقتله ليه؟
اومال ليه كنت متعصب وبتصرخ وغضبان وبعدها قعدت تعيط... دا كله اسميه إيه؟
_ كثافة عاطفية
_ جياد ارجوك بطل هزار بقا!
كل دا أكيد مش من فراغ
زفر في ضيق ورد:
_ يعني لو عرفتي هتروحي تطلقي منه مثلا؟
_ طب انت ليه مطلقتش هانيا؟ ما انت كمان عرفت!
_ معاقبها لحد أما اشوف هعمل معاها إيه، بس خلينا نكون صُرحة، جوزك عديم التربية دا هو اللي بيلاحقها وبيعترض طريقها كل شوية، هانيا ولا مرة كانت عايزة تروح له ولا تتكلم معاه ولا حاجة من دي... ماهي اطلقي منه، ومتقوليش اشمعنى انت مطلقش هانيا، الراجل هو اللي بيحافظ على العلاقة وسر العلاقات الناجحة بيكون هو، فأنتي طول ما انتي معاكي زوج زيه بيبص لغيرك عمرك ما هترتاحي، انتي بنت الموضوع عليكي هيكون صعب جدا
اطرقت برهة... ثم وضعت يدها على بطنها وردت عقب ثوان من السكوت:
_ هو وعدني انه هيتغير... طلب مني فرصة تانية وقالي هتشوفي الفرق بنفسك وقالي انا اختارتك انتي وبيتي وابني ومش عايز غيركم
نظر لها بامتعان لحظة يستوعب ما قالته ورد في سرعة:
_ ابنك؟ انتي حامل منه؟
ابتلعت ريقها ثم هزت رأسها بالايجاب.
زفر في ضيق ورد:
_ ليه بس ليه!
ليه سمحتي له يلمسك!
_ علشان..علشان أنا بحبه يا جياد.. كان نفسي يلمسني، كنت عايزة أحس إني مرغوبة عنده و...
سكتت لحظة تستوعب ما تقوله لاخيها، ولم تكمل.
بينما آخر شعر بنيران مباغتة تحرق قلبه، فإن ذلك المدعو شهاب يأسر قلبيّ كلًا من زوجته وأخته، لذا أحس باختناق وأخذ يفك اوائل ازرار قميصه وهو يكتم غيظه وغضبه وغيرته.
وقالت ما إن رأته في تلك الحالة:
_ متخافش احنا هنسيب كدا كدا القصر كله ودا بناء على طلبه كمان.. بكدا هتاخد فرصتك مع هانيا طول الوقت، جايز هي كانت متنكدة لانها معرفتش تعمل موف اون ملحقتش اصلا.. يدوب اتجوزتك ولقته في وشها، انا أما اخده ونمشي من وشكم خالص، هي هتقدر تنسى ان شاء الله متقلقش
_ انتي هتبقي معاه كدا لوحدك، خلي بالك من نفسك لا يأذيكي يا أما بلاش تخرجي من القصر، أنا خايف عليكي
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ متخافش عليا، شهاب مش مؤذي
زفر في ضيق شديد ثم صاح في غضب:
_ هو كل أما اكلم واحدة منكم تقولي متقلقش شهاب مش مؤذي؟
يعني كذب عليكي ودشملك وخدعك وورم عنيكي من العياط ولسه شيفاه مش مؤذي؟
خلاص يا ستي، شهاب بونبوني مسكر وهيوزعوه للأطفال في العيد من كتر حلاوته، حلو كدا؟
_ مش مؤذي جسديا اقصد علشان اخاف يستقوى عليا مثلا.
سكتت برهة ثم قالت وهي تستقيم:
_ همشي انا لان لسه يومي طويل.. المهم، حبيت اقولك بطل وطلع الافكار دي من دماغك خالص، ومتفكرش تتهجم على جوزي تاني بأي شكل، حتى لو شفته مع مراتك وبيخونوك، لان وقتها من باب أولى تقتل مراتك الأول مش هو.
انهت كلامها هكذا معه بنفس الطريقة ثم ذهبت.
ابتسم ابتسامة جانبية بها السخرية، ثم حدث نفسه ساخرًا:
" قال ابقى اقتل مراتي قبله قال، واعيش انا ازاي وقتها!
مقدرش اعيش من غيرها.. "
**********
طرقت روني، باب شقة نيرة وكانت مايا بجانبها تنظر معها الفتاة حتى تفتح لهما.
فتحت نيرة الباب وهي تعقد حاجبيها في استغراب وقالت:
_ مين انتوا؟
_ انتي نيرة السيد صح؟
_ ايوا، انتوا مين بقا؟
ردت روني وهي تشير إلى نفسها:
_ انا روني الزيني مرات يزيد الزيني، ودي اختي مايا الزيني مرات فاتح الزيني، ممكن تسمحي لي اخد من وقتك شوية؟
مجرد دردشة عادية من ست لست
_ جوزك هو اللي بعتك ليا صح؟
_ لا، بصراحة أنا اللي جيت لوحدي لان عندي كلام عايزة اقولهولك، اعتقد هيفيدك علشان كدا بس اسمحي لي
وافقت الفتاة وفتحت لهما الباب بشكل جيد كي تستطيعا الدخول.
دخلتا وجلستا على اريكة بجانب بعضهما البعض، واثناء الجلوس، كانت روني تتجول بعينيها حول المنزل لتعرف منه معلومات هامة مثل وضعها الاجتماعي والمادي.
اقتربت نيرة وجلست قبالهما وقالت:
_ خير؟
ردت روني قائلة في نبرة عادية:
_ انتي عارفة ومتأكدة زي ما انتي شيفاني كدا بالظبط ان جوزي معتداش عليكي ولا حاجة... وعارفة كمان انك اتبليتي عليه و..
قاطعتها قائلة:
_ لا مش عارفة و...
قاطعتها الأخرى قائلة في صوت أعلى قليلًا ولكن النبرة لازالت عادية:
_ لا عارفة، بس اللي انتي متعرفيهوش بقا ان المحامي طمن يزيد على الأخر وقاله انه هيطلع منها زي الشعرة من العجينة، ومحدش هيلبسها غيرك وانتي مسكينة جوزك ميت و قدامك شهر بالكتير وتولدي محتاجة تراعي ابنك مش تدخلي السجن وتسيبيه
تنهدت وتابعت:
_ نيرة انا جوزي ماكنش عنده جيرل فريند اسمها أميرة فؤاد وهو هيقدر يثبت دا بسهولة جدا، وكل المسابقات اللي راحها في قطر كانت كلها مع صحابه بدون ولا بنت، لا شقرا ولا حمرا...
يبقى كدا مين هيخسر غيرك؟ كل الأدلة ضدك وبتبين انك بتتهميه زور، يا أما اضحك عليكي، يا أما اتفقتي مع اللي اسمها أميرة فؤاد الشقرا دي علشان تلعبوا لعبة زي دي مع جوزي.. مش بعيد تكونوا متفقين في الآخر خالص مع ياسمين المحمدي!
ابتسمت ابتسامة خفيفة ثم أضافت :
_ وكدا كدا ياسمين المحمدي بتلعب لحساب مجرم كبير جدا وهربان من العدالة والقانون في أمريكا وهي معاه، شفتي دخّلتي نفسك في حوارات ملهاش عازة ازاي؟
نظرت إليها الفتاة في ضيق شديد ثم ردت:
_ بس السوشايل ميديا لو نزل فيها خبر تعدي او تحرش تاني وبسبب جوزك بردو، لازم تتقلب... كدا كدا معروفة الكوسة في البلد دي من زمان، الناس مش دايما بتثق في عدالة القانون.. ياما في السجن مظاليم.
ردت مايا في غيظ:
_ وانتي ليه تحطي في السجن مظلوم وتزودي عددهم، أما ممكن تحطي الفاعل المجرم الحقيقي في السجن، بدل ما تحطي واحد مظلوم وانتي عارفة انه مظلوم؟
انتي هدفك إيه بالظبط، هدفك تسجني يزيد وخلاص ولا هدفك القبض على المجرم اللي قتل أو حرض على قتل جوزك؟
تابعت روني مصدقة على كلام أختها:
_ بالظبط... اسمعي يا نيرة، أنا ست زيي زيك وحاسة بيكي جدا واصلا انا كنت في مسرح الجريمة أما الحادثة حصلت وكنت مرعوبة لاني فكرته جوزي، بس صدقيني انا لو مكانك مش هيكون هدفي اتهم اي حد وخلاص، هيكون هدفي ان كل اللي حرض على قتل جوزي يروحوا في داهية
صاحت السيدة في غضب:
_ ليه جوزي يركب العربية مكان جوزك؟ مش غريبة دي!
_ هو اللي طلب ياخد عربية يزيد
_ ليه؟ موضوع غريب جدا، في المسابقات دي كل واحد بيلعب بعربيته!
_ طب ما بدل ما تفضلي تخمني وتمشي ورى سر وتفضلي تتمني سماع المحادثة اللي كانت بينهم على الفاضي، امشي ورا الأدلة الملموسة الأول ولو لقيتي ان مفيش منها فايدة ابقي اتهمي يزيد براحتك.
_ وفين هي الأدلة الملموسة دي؟
تنهدت وروني واجابت:
_ البنت اللي جتلك دي... هي اللي تبع العصابة والقاتل الحقيقي هو اللي بعتها علشان يحط التهمة كلها على يزيد ويشيل العيون من عليه.
شوفي يا نيرة، انا من ناحية ان يزيد هيكون برئ فأنا مطمنة ومن ناحية عدالة القانون فأنا واثقة، انا بعمل كل دا علشانك انتي واللي في بطنك، انا جيالك وبديكي فرصة تانية وبمدلك ايدي.
احنا مستعدين نسيبك في حالك ونتنازل عن القضية بعد ما تطلعي بتفتري على يزيد، بس في المقابل انتي متتكلميش على السوشيال ميديا وتقفي معايا وتساعديني نوصل للقاتل الحقيقي اللي قتل جوزك وكان غرضه يقتل جوزي في الأول...
بسطت لها يدها وأضافت:
_ موافقة تحطي ايدك في ايدي؟
نظرت الفتاة إلى يدها الممدودة لها، ثم ردت:
_ عايزانا نعمل إيه يعني؟
_ لو حطيتي ايدك في ايدي ووافقتي، هقولك هنعمل إيه، ويا ستي لو مقتنعتيش في الآخر وموصلتيش لحاجة، ابقي ارفعي قضية واتهمي جوزي بانه القاتل تاني عادي، بس انا متأكدة ان فيه دليل ولو استغلناه بالشكل اللي في دماغي هنوصل، ها موافقة؟
هزت رأسها بالقبول ثم وضعت يدها في يدها وقالت:
_ موافقة...
***********
دخلت عبير غرفة ابنها يزيد كي تطمئن عليه إذا احتاج لشيء اثناء غياب زوجته.
وبمجرد دخولها، وقفت بجانبه على السرير فوجدته نائمًا.
وضعت يدها على جبينه لتقيس حرارته، وأثناء وضع يدها، قال الشاب في ابتسامة دون أن يفتح عيناه:
_ روني، انتي جيتي؟ وحشتيني اوي
جلست والدته جواره وبدأت تمسح على شعره في صمت، فتابع الشاب وهو يحسس على يدها:
_ وحشتيني اوي بجد، اللي منعني عنك الشديد القوي، أما انتي عارفة انا نفسي في إيه دلوقتي؟
ردي، عارفة نفسي فيه إيه؟
متعمليش نفسك مكسوفة انا اصلا مش قادر، بس...
تنحنحت والدته وقالت في احراج:
_ انا أمك يا يزيد
_ أمك مين دي؟
رد في تلقائية غير محسوبة، وهو يلتفت لها ويفتح عيناه سريعًا في خضة يشوبها إحراج، فردت في ابتسامة:
_ إيه يا حبيبي أمك، أمك، هو انت عندك كام أم؟
ابتلع ريقه وقال في قليل من الاحراج:
_ ماما.. آسف ما...ما..
_ فاهمة يا حبيبي، مفيش داعي للاعتذار حصل خير، انا بس جيت اطمن عليك، مش عارفة دور البرد دا هيخلص امتى، مش متحملة اشوفك تعبان كدا قدامي ولا راقد بالشكل دا وانا ايدي متكتفة ومش عارفة اعمل حاجه...
وبينما هي تتحسس شعره، شعرت بجرح رأسه، فتعجبت وقالت:
_ ايه اللي في دماغك دا يا يزيد؟ انت اتعورت؟
وبدأت تفرق بين خصلات شعره لترى الجرح بوضوح، فرد الشاب وهو يبعد يدها في هدوء:
_ ماما مفيش حاجة يا حبيبتي متقلقيش كدا انا كويس والله وبخير، دا... دا جرح بسيط، من التعب وقعت في الحمام واتخبطت بس الدكتور شافها وطمني متقلقيش
_ يالهوي يا يزيد مش تاخد بالك يا ابني
ردت في خضة، فرد عليها في ابتسامة:
_ متخافيش يا ماما انا كويس يا حبيبتي
ثم أمسك يدها وقبّلها
وفي تلك الأثناء، دق باب الغرفة، اتجهت عبير نحوه ثم فتحته، فوجدته باسم ذلك الذي ابتسم لها ثم قال:
_ ازيك يا عبير هانم
_ كويسة يا باسم، وانت إيه الأخبار؟
_ كويس، يزيد صاحي؟ اقدر اطمن عليه؟
_ اه تعالى
دخل الشاب وهو يبتسم ويتجه صوب يزيد ثم قال:
_ يزيد، مالك يا راجل، قالولي انك تعبان وأجلت أجلت قلت دلوقتي تخف بس غيابك عن الشركة طال جدا يا ابني
شد كرسي وجلس قباله وتابع:
_ مالك؟
نظر الشاب إلى أمه وقال:
_ ماما، ممكن تسبينا لوحدنا شوية؟
هزت رأسها موافقة ثم خرجت.
وتحدث باسم بمجرد خروج عبير:
_ قولي يا صاحبي مالك؟ برد إيه دا كله، شكلها نازلة جامدة على كدا
تنهد ورد وهو يهز رأسه بالسلب:
_ لا، دا مش برد يا باسم ولا حاجة.. انا اللي قايل كدا بس مش اكتر
_ اومال في إيه مالك؟
قبلما يتكلم الشاب، فتحت روني الغرفة وسريعًا ارتسم على ملامح وجهها الضيق والاشمئزاز بمجرد رؤية ذلك المجرم داخل غرفتها، وفي خطوات سريعة تقدمت نحو زوجها وقالت:
_ خدت الدوا بتاعك؟
_ لسه... مش تسلّمي على باسم؟
لم ترد عليه بل بدأت تفتح الإدراج وتستخرج منها العلاج
وقف باسم وتصنع أنه متضايقًا من فعلها وقال:
_ همشي انا يا يزيد بعدين نتكلم
هز رأسه موافقًا، وخرج الشاب، بينما روني اقتربت من يزيد وهي تضع الدواء في كف يدها وتقول:
_ يلا خد حطه في بؤك عقبال ما اجبلك مية
_ مالك يا روني؟ وشك قلب فجأة كدا ليه أما شفتي باسم كأنك شفتي شيطان، وليه اتعاملتي معاه بقلة ذوق كدا؟
ولت له ظهرها هاربة من مواجهة الأعين وادعت انها ستذهب لجلب الماء، وقالت أثناء سيرها نحو الثلاجة الصغيرة:
_ مفيش... بس ادايقت مش بحب حد يدخل اوضتي قولتلك قبل كدا، بالأخص لو راجل يعني
فتحت باب الثلاجة وتابعت:
_ يعني اوضة نومي، خصوصيتي فيها ومش حابة راجل غريب يدخلها بس مش اكتر
رد قائلًا:
_ في ديه معاكي حق، بس هو جيه فجأة وماما دخلته عليا علطول وانتي طبعا عارفة اني مش قادر انزل وهما عايزين يطمنوا عليا
جلبت زجاجة ماء ثم غلقت باب الثلاجة وقالت أثناء عودتها صوبه:
_ ما علينا حصل خير....
وقفت قباله وتابعت:
_ خد المية اهي واشرب دواك
فعل ما طلبت، وبينما هو يبتلع الدواء، قالت:
_ كان عايزك في إيه ولا الحوار مشي ما بينكم ازاي؟
_ ولا حاجة، اطمن عليا وبس ملحقتش اقوله حاجة
_ ولا تقوله حاجة
_ اشمعنى؟
تنهدت وردت وهي تجلس جواره:
_ حبيبي، حياتنا تخصنا احنا وبس، ليه تقعد تحكي؟
أما تاخد براءتك في ايدك ابقى قول للكل زي ما اتفقنا افضل، بلاش، لا حد يشك ولا يبص لك بصة كدا ولا كدا وتخسروا بعض فيها
كان ينظر إلى عينيها بتفحص وتعمن وبدأ يشك مرة أخرى أن هناك شيء تخفيه عنه، ولكنه هز رأسه موافقًا على أي حال.
ابتسمت واضافت:
_ مش عايز تعرف عملت إيه النهاردة عند نيرة واتفقنا على إيه؟
_ لا عايز اعرف أكيد قوليلي
ابتسمت وردت:
_ رايحة بكرة تسحب القضية خلاص مفيش بلاغ وقريب هنمسك الجاني الحقيقي
_ ازاي؟
_ هقولك...
**********
دخل جياد على زوجته فوجدها تجلس على السرير وهي تضم ركبتيها بذراعيها إلى صدرها في وضعية كئيبة.
ثم لاحظ وجود الغداء على الطاولة موضوعًا كما هو فلم تمسه حتى.
اقترب منها وقال في ضيق شديد:
_ انتي لسه مأكلتيش أي حاجة من الصبح؟
ردت في نبرة صوت حادة:
_ ومش هاكل
_ دا اسمه إيه دا بقا الكلام دا؟
لا هتاكلي انتي حامل
_ مش بالعافية هو، مش كل حاجه بالعافية!
زفر في ضيق ورد:
_ يا حبيبة قلبي، لازم
_ انا مش حبيبة قلبك!
خلع الجاكيت الخاص به ثم القاه على الكرسي وبدأ يشمر أكمامه إلى مرفقيه وجلس قبالتها على السرير وقال:
_ انتي حبيبة قلبي وروحي وعمري كله، تمام؟
دي نقطة مش هنختلف عليها تاني ان شاء الله.
ودلوقتي لازم تاكلي انتي كدا مش هينفع النظام دا
قام وقرب الصنية ثم وضعها على السرير ومسك الملعقة وبدأ يضعها بين شفتيها وهو يقول:
_ يلا كلي
دفعت يده بعيدًا فتناثرت حبات الارز على الفراش.
نظر إلى ما فعلت يستوعب، ثم رد:
_ كدا! كدا تلمي علينا النمل والناموس؟
فداكي يا عمري كدا كدا انا بنام على الكنبة
ثم غمز الملعقة داخل طبق الارز مرة أخرى وتابع وهو يقربه نحو فمها:
_ يلا كلي، متتعبنيش معاكي
دفعت يده مرة أخرى بقوة أكبر فسقط الارز مرة أخرى، وهي تنظر إليه نظرات حارقة غاضبة.
اغمض عيناه لثوان ثم قال في ابتسامة:
_ صبري عليكي مفيش اطول منه، بردو هتاكلي
ترك الملعقة ثم أمسك برغيف الخبز وقطع منه قطعة وبدأ يغمزها داخل الصلصة الخاصة بالدجاج وقربها من فمها، دفعت يده مرارًا ولكنه لم يترك القطعة تقع وبات يتصنع أنه يتألم من ضربتها:
_ اي اي يا مفترية اي، بطلي ضرب في ايدي!
ثم أمسك قطعة من الدجاج وأمسك مؤخرة رأسها يثبتها بيد وبيده الأخرى، يضع القطعة في فمها كانت تحرك رأسها في تمنع رافضة أن تأكلها، ثم عضت اصبعه المتسلل داخل فمها، فتألم واضاف:
_ هعتبرك بتسنني ومش هيأس بردو
ولما ضايقها بصبره عليها، قامت من على السرير ووقفت بعيدًا قليلًا عنه ثم صاحت وهي تشيح بيدها في غضب:
_ متعملش الشويتين دول عليا، انسى، اللي بيحب حد مش بيعمل فيه كدا، مش بيحبسه مش بيشك فيه اصلا بالشكل دا، ولا بيعنفه كدا..
عددت على اصابعها وهي لا تزال تصيح في غضب شديد:
_ انت رعبتني وشتمتني وظلمتني وهنتني.. كل دا ليه؟ شاكك فيا اوي كدا غورني في داهية وطلقني بدل قلة الأدب والقيمة دي!
هزت رأسها بالايجاب مرات متتالية اثر الغضب وصدرها يعلو ويهبط وتابعت:
_ انا مش عيلة معاك علشان تعمل معايا دا كله أصلا، انت راجل ظالم وشكاك وروحت صدقت عليا اقل كلمة، رغم ان في اليوم دا السواق بتاعك كان مستنيني تحت وخدني وصلني لحد بابا، لا قابلت شهاب ولا اتكلمت معاه حتى.
انت اللي كلمته بنفسك وقولتلي روحي معاه بعربيتي القديمة، بس انت اتعودت دايما انك تشك وتهين فيا وانا اسكت لانك كاسر عيني.
تنهدت وردت في نبرة حادة وحاجبيها يتشابكان معًا في حنق:
_ لا يا بابا انت مش كاسر عيني ولا حاجة ولا فيه حاجة في الدنيا دي كلها تقدر تكسرني... لاول مرة بقولهالك يا جياد، انا مش خايفة منك ولا من تهديداتك وعندي استعداد اقعد في القعدة اللي عايز تعملها واتكلم قصاد الشيخ و الدنيا بحالها وبعد كدا أتطلق.. انت هتطلقني يا جياد شئت أم أبيت
كان يشعر بخفقان قلبه الذي بالكاد أحس انه ينتزع من بين ضلوعه، أثناء سماعه هذا وهو يقرأ ذلك الغضب والتمرد في عينيها، ويسمع كلماتها وطلبها الذي وقع على رأسه كصدمة كبيرة لم يقوَ على استيعابها حتى، سمعها تصرخ بنبرة بها عِناد طفلة وتمرد أنثى...
********
بس كدا متنسوش رأيكم اللي بيشجعني وبيخليني استمر والفوت طبعا
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الاتنين
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل السادس و الثلاثون[ ربما قضاء وقدر ]
سلمى خالد احمد
**************
سكت لحظات يفكر فيما تقوله دون أن ينطق بكلمة واحدة أو يخطئ... بينما هي كانت تحملق به في غضب، ولما استفزها صمته، اتجهت نحو الخزانة أخرجت حقيبة وبدأت تضع فيها ملابسها وهي تقول:
_ هروح لأهلي لحد أما الشيخ يرجع، وشوف وقتها حابب تبدأ تفضحني من عند انهي نقطة
وقف دون مقدمات وسار إلى عندها في خطوات سريعة ثم جذبها من ذراعها كي تسير معه وهو يقول:
_ تعالي
_ اوعى، واخدني على فين؟
_ بقول تعالي، تعالي
كانت تسير بجانبه مضطرة فلم تستطع الافلات منه، ولم تتوقف عن طرح السؤال نفسه:
_ قولي واخدني على فين... اتكلم واخدني على فين؟
كان يستمر في جرّها معه في غضب ولا يرد عليها.
فتح باب الغرفة ثم خرج بها وبدأ ينزل الدرج وهي معه مجبورة تنظر في ترقب إلى أين سيذهب بها مع قليل من الخوف والتوتر.
وبمجرد أن نزل، وجد عمته فاطيمة تجلس على الكرسي مترقبة للشجار بينهما، فاقترب منها ثم وضع هانيا في المواجهة أمامها وقال:
_ يلا يا عمتو، قوليلي ازاي شفتي هانيا مع شهاب الاسبوع اللي فات وهي كانت بعربيتي مع سواقي الخاص وكانت طول اليوم برا وانا اللي جبتها بنفسي؟
نظرت إليه هانيا في خضة، ثم نظرت إلى فاطيمة والتي بدا عليها التوتر والخوف فسكتت.
فتابع هو موجهًا حديثه إلى زوجته:
_ اه متبصليش باستغراب كدا، هي اللي قالت لي انا مشفتش حاجة.. وادي اهي مواجهة، كل واحد يقول اللي عنده يلا
خرجت هانيا عن صمتها واستجمعت قواها فقالت:
_ بقا انتي شفتيني مع شهاب فعلا يومها؟
نظرت إليها السيدة ثم ابتسمت ابتسامة جانبية بها السخرية وردت:
_ شفتك معاه بس مش فاكرة يوم إيه، جايز دخلت الايام في بعض.. سوري العتب على السِن بقا، هنعمل إيه!
تنفست الفتاة في عمق وقالت لزوجها:
_ شفت؟ دي بتقول اي حاجة، هي حتى معندهاش دليل!
سكتت فاطيمة برهة، ثم ردت:
_ ولا يهمك، الكاميرات مالية القصر ونقدر نفرّغها ونجيب الدليل!
اقتربت من أذنها ثم همست:
_ نشوف كلنا مع بعض على شاشة العرض الكبيرة ال ١١٠ بوصة، مشهد دخول شهاب اوضة نومك وخروجه زي الحرامية من اوضة اختك روني وعبير المسكينة وهي بتدور... ومين عالم، مش يمكن نلاقي دليل إدانة تاني كدا ولا كدا واحنا بنتفرج؟
يعني يكون حَب يكرر الزيارة تاني ولا حاجة!
علق جياد في استغراب:
_ انتي بتوشوشيها في ودنها بتقولي إيه؟
كاميرات إيه اللي لما تفرّغيها هتلاقي فيها إيه؟
ابتلعت الفتاة ريقها وشعرت بغصة في حلقها وتملك الخوف والتوتر منها، بينما ردت فاطيمة قائلة في ابتسامة:
_ نسيت، طلع مفيش كاميرات فعلا في الجنينة...
فرك جياد أسفل ذقنه وفهم أن في الأمر شيء مختبئ ولكنه قاطع عمته قبلما تتابع كلامها:
_ افهم من كدا انك بتتبلي على مراتي يا عمتو؟
ابتسمت السيدة وقالت:
_ في إيه يا ترى؟ متخانقين؟
جذبها من ذراعها جانبًا بعيدًا عن هانيا وقال لها في نبرة صوت منخفضة ولكنها كانت مشحونة بالغيظ:
_ عمتو، مراتي عايزة تطلق بسبب كلامك الفارغ، انا مصدق هانيا دايما وعمري ما هشك فيها واللي انتي بتقوليه دا كدب ومش هاخد بيه أساسا.. دلوقتي معاكي خمس دقايق تصلحي فيهم غلطتك دي وتخلي هانيا تشيل فكرة الطلاق دي من دماغها لانك السبب في كل حاجة وفي الافترا اللي حصل دا
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ حاضر، انا هخليها تشيل الفكرة تماما علشان اثبت لك حسن نيتي...بس ممكن تسيبني اتكلم معاها شوية لوحدنا، كأم وبنتها؟
فرك جانب مقدمة رأسه ورد ساخرًا:
_ انتوا ممكن تتكلموا من حاجة لأي حاجة تانية إلا كأم وبنتها دي، بس... ماشي اتفضلي
_ شكرا على ثقتك فيا يا حبيبي
ذهبت إلى الفتاة، بينما الشاب يتبع أثرها وتمتم:
" فيه حاجة وهعرفها بنفسي "
هو بالفعل شك في الأمر ولكنه تعامل هكذا كي يُقصي عمته عن حياته وكي يقنعها أنه يثق في زوجته دائمًا حتى لا تعبث في ذلك أو تبحث ورائها كتير كدليل فهو لا يريد أن يمسك أحد على زوجته شيء غيره.
قالت السيدة للفتاة في نبرة باردة:
_ اقعدي وخلينا نتكلم
_ عايزة إيه مني تاني؟ عايزة تهدديني بإيه تاني؟
_ كان لازم تعملي حساب يوم زي دا، من ساعة ما دخلتي القصر دا انتي وحبيب قلبك، انتي هنا مسؤولة عن فعلك بس أما ردود الأفعال مش بتاعتك
اقتربت منها أكثر وبدأت نبرة صوتها تنخفض بشكل أكبر وقالت:
_ خليه بيني وبينك موطية صوتي خالص اهو علشان ابن اخويا ميسمعش.
أنا معايا صور وفيديو ليكي انتي وشهاب وهو واخدك من قدام بيت ابوكي وانتي بتركبي معاه وبعد كدا وانتوا بتدخلوا شقة حبكم مع بعض...
ابتعدت عنها لحظات كي تتلذذ وهي ترى خوفها وذلك الرعب الذي شكل ملامح وجهها وتابعت:
_ وطبعا الباقي انتي عرفاه... يعني مش محتاجة اقولك راجل وست بيدخلوا الشقة بيعملوا إيه!
كان جياد يقف بعيدًا عنهما قليلًا وهو يضع يداه في جيبه ويرى جيدًا ما يحدث هناك وكيف انقلبت ملامح زوجته فجأة.
عقدت فاطيمة ذراعيها أمام صدرها وأضافت:
_ واوعي تقولي كنت مضطرة بقا ولا زفت... لانك كنتي ماشية جنبه بكل سلاسة وكنتي مستنياه يفتح الباب كمان.
تنهدت وأكملت في نبرة حادة:
_ وفي الآخر انتي اللي بتطلبي الطلاق بعد كل دا؟
يا بجحتك!
واحدة زيك تحمد ربنا وتبوس ايديها وش وضهر ان لسه رصيد سترها منتهاش.
تنفست وتابعت غير آبه:
_ لو لسه بعد دا كله عندك استعداد تواجهي الشيخ والكل علشان تطلقي، يلا بينا يا بنت مجدي و حورية
وطأت رأسها تشعر بالحزن والخوف وهي تبتلع ريقها ولم ترد... فاضافت السيدة:
_ حلو، السكوت علامة الرضا بردو يا كتكوتة
ثم نظرت صوب الشاب وقالت في صوت مسموع:
_ خلاص، صالحتكم على بعض يا حبيب قلب عمتك، مراتك رضيت عني وفهمت سوء التفاهم اللي كان بينا وانا اعتذرت لها إني فهمت غلط وكنت هسبب مشكلة بينكم كبيرة وبعتذرلك انت كمان، أنا أخطأت الفهم، اقدر اطلع انام بقا ولا فيه حاجة تانية؟
هز رأسه موافقًا، فقالت:
_ ماشي، يلا تصبحوا على خير
انتظر حتى ذهبت عمته واختفت عن الانظار واقترب من زوجته وقال:
_ ها؟ فهمتي منها ولا لسه فيه حاجة مديقاكي؟
ردت في نبرة صوت منخفضة وضعيفة:
_ فهمت.
ثم تركته وذهبت متجهة صوب غرفتها.
وقف يفكر قليلًا... ثم صعد متجهًا نحو غرفة التحكم التي بها الحاسوب المسؤول عن كاميرات المراقبة في القصر، ولكنه وجد الباب مغلقًا بالمفتاح.
اتصل على المسؤول كي يأتي له بالمفتاح فرد:
_ مقدرش والله يا جياد بيه، الشيخ قالي محدش يفتح الاوضة دي طول ما أنا مش في القصر، استنى أما يرجع وابقى ادخل براحتك
زفر في ضيق ولكنه وافق ثم اتجه صوب غرفته...
********
كان يجلس أمام الحاسوب يُحضر لعمل الغد وهو يدقق في التفاصيل الصغيرة فإن موعد الموسم قد انطلق ولابد من تركيز شديد في العمل.
بينما هي كانت ترتدي ملابس مفتوحة و جريئة بعض الشيء كاشفة تفاصيل جسدها، وتجلس هناك أمام المرآة تضع المرطبات الخاصة بها لبشرتها و ذراعها وعنقها، ومن بين الحين و الآخر تنظر إليه من المرآة وتغضب عندما ترى انشغاله عنها بذلك الشكل، فقررت أن تتكلم فقالت:
_ شهاب، هو انت بتعمل إيه بقالك عشر ساعات في اللاب توب؟
رد عليها وهو لا يزال ينظر إلى شاشة الحاسوب:
_ شغل.. بحضر لشغل بكرة ضروري
زفرت في ضيق وملل ثم قالت:
_ جهزت كل حاجتك طيب علشان بكرة خلاص هنمشي؟
_ ايوا
تنهدت ثم قامت من مكانها وبدأت تسير صوبه، وكان هو يجلس على السرير، يضع الحاسوب على حجره، فقالت له وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ بذمتك يعني دا وقته شغل! المفروض ننام يعني، وحتى بكرة أجازة
رفع بصره إليها فلاحظ سريعًا ما تهيأت به لأجله أو هكذا شعر.. فابتسم ولكنه سرعان ما تذكر رغبتها في أخذ وقت ومساحة فظن أنها هكذا ارتدت وحسب لأنها تحب أن ترتدي هكذا دون سبب معين لذا عاد ببصره مرة أخرى إلى شاشة الحاسوب وقال:
_ الشغل اللي جاي تقيل كله وانا بجهز ليه يعني
هزت رأسها بالايجاب في ضيق وهي تضع بضع من خصلات شعرها خلف أذنها، وسكتت لحظة ثم قالت:
_ طيب يلا قوم انت وشغلك من سريري، روح خلصه في أي مكان تاني أنا عايزة أنام
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ إيه المشكلة يعني!
انا قاعد في مكاني بشتغل ومش عامل اي صوت خالص، وانتي نامي براحتك خالص، السرير واسع!
_ لا، هتقوم من هنا خالص، يلا اتفضل بقا
_ مش قادر افهمك بجد والله
لفظ تلك الجملة وهو يحمل حاسوبه ويقوم مثلما طلبت يتجه صوب الأريكة كي يعمل هناك، بينما هي تمتمت في ضيق شديد:
" راجل تنح"
ثم تسطحت على الفراش وهي تشد الغطاء عليها في ضيق.
***********
خرجت من المرحاض وهي تضع منشفة على شعرها وأخرى حول جسدها، تبتسم له، ابتسم لها ابتسامة عريضة وهو يتطلع إليها في اشتياق مولع وقال لها:
_ شكلك حلو اوي اوي وحشتيني موت
_ وانت كمان وحشتني على فكرة
نهض من مكانه وضمها إليه من ظهرها وقال وهو يبتسم لها في المرآة:
_ بتحبيني يا هانيا صح؟
ردت وهي تلمس بيدها ذراعيه الملتفة حول خصرها:
_ اه بحبك اوي بس حركاتك هي اللي بيدايقني منك.. أما أنا بحبك، اومال ليه قاعدة معاك لحد دلوقتي؟
_ كنتي هتطلقي فعلا مني؟
_ لا يا جياد طبعا، انت جوزي وحبيبي وابو ابني، مستحيل أطلق منك... انت مش فاهم انا بالي دايما مشغول بيك زيك بالظبط.. بس الفكرة إني ساكتة ومش بعرف اعبر كتير
_ طب هاتي حضن كبير بقا
_ تعالى
ضمها إليه في قوة وكذلك فعلت.. وداخل حضنها اغمض عيناه وهو يتنفس في فرحة وسعادة... واذ بباب المرحاض يُفتح فيفصله عن الخيال الذي هرب إليه لبضع دقائق ليعيده للواقع المرير.
خرجت من المرحاض وهي ترتدي منشفة على رأسها وترتدي منامة عادية كمنامتها، واتجهت نحو المرآة كي تمشط شعرها.
ظل ينظر إليها وهكذا فقط دون كلام... حتى قال لها:
_ مرضية؟
لسه في حاجة مزعلاكي؟
تحبي نتكلم في أي حاجة؟
هزت رأسها نافية.
قام من مكانه ووقف خلفها وقال لها في المرآة:
_ ممكن؟
يقصد بتلك الكلمة هل تسمح له بأن يضمها من ظهرها أم لا، فهزت رأسها موافقة، فابتسم وكذلك فعل، وبينما هو يضمها إليه في قوة، قال:
_ إيه يمنعنا نكون زوجين بنحب بعض ونعيش سعدا؟ ليه كل مرة بتتراجعي وبتديني أمل إن ممكن ترضي عني في يوم ونكون سعدا؟
بدأ يحسس على بطنها، يمرر يده عليها ذهابًا و ايابًا في بطء وهدوء وتابع:
_ انتي أغلى حاجة عندي.. انتي أم ابني، جزء مني حي جواكي.
وضع قُبلة قوية على خدها وقال لها:
_ اتكلمي، مرضية ولا إيه يرضيكي؟
تذكرت تهديدات فاطيمة لها، هي حقًا لم تجرؤ على مواجهة كل هذا أمام الجميع، فإن لم تهمها نفسها، ففكرت في اختيها ووالديها وشكلهم أمام الجميع وفكرت في الأذى الكبير الذي سيلحق بشهاب وربما بها، ربما يأخذون طفلها منها، إذ اثبتوا أنها زوجة خائنة ولديها عشيق، لذا سكتت، فماذا ستقول بالله؟
اكتفت بأن تهز رأسها بالايجاب وتعني أنها مرضية كإجابة على سؤاله.
ابتسم وحملها فجأة وسار بها حتى السرير وجلس عليه ثم وضعها على حجره وضمها إلى صدره وأضاف في نبرة مليئة بالحب و الحنان:
_ نفتح صفحة جديدة؟ ها، صفحة مليانة حب و شغف ونبعد عن الشك و التهديد وكل دا؟
انا المرادي مهددتكيش، كل ما في الأمر إني خليتك تواجهي عمتي لانها كانت السبب.
تنهد ثم تابع في ابتسامة عريضة:
_ انتي مش متخيلة انا فرحان ازاي لانك في حضني دلوقتي وراضية!
وضع اصبعه تحت ذقنها ليرفع وجهها قليلًا لتنظر إليه وتابع وهو يتأمل جمال ملامحها وعيناها وعيناه تلمع بالحب:
_ ياه يا هانيا ياه... قد إيه كان واحشني ابص في عيونك بدون ما تهربي بيهم مني.
عيونك دي مش مجرد عيون... دي حكاية كاملة الواحد بيغرق فيها وهو مستسلم تمامًا
يعني أنا مش ببص لك وبس... أنا بتوه فيكي.
قرب وجهه منها أكثر وتابع في نبرة هادئة و رومانسية :
_ متبصيش بعيد.. بصيلي هنا
متحرمنيش من دفا نظراتك ليا اللي مش فاهمها... عاملة زي حضن جاي من بعيد، وفي نفس الوقت بصة واحدة منك بتخلي قلبي يدق أسرع من اللازم.
جربي تحطي ايدك عليه وانتي هتسمعي دقاته كويس و هتفهمي كلامي.
تنهدت ثم عادت ببصرها صوبه لتجعله يتطلع إلى تلك النظرات مثلما يريد، فابتسم وبدأ يمرر يده على شعرها وخدها، واضاف في نبرة بها حرارة واضحة نتيجة مشاعره القوية في تلك اللحظة:
_ أقسم بالله لو حد قال لي اختار بين الدنيا كلها وبين عيونك،
هسيب الدنيا بكل اللي فيها... وأقعد أبص لك بس.
كان قريبًا لدرجة أن أنفاسه اصابتها بتلك القشعريرة، وتابع بنبرة منخفضة أقرب للهمس:
_اصل عيونك دي مش بتتشاف وبس.. دي بيتعاش فيها.. جواها حياة بنتها ليا، وهي دي الحياة اللي انا عايزها بس وعايز اعيش فيها.
ابتلعت ريقها والقت بصرها نحو الأرض وبدا الخجل يشكل ملامح وجهها والاحمرار يشعل خديها، فقالت بنبرة منخفضة قليلًا بها اهتزاز اثر الكسوف:
_ هو....هو بصراحة كدا أنا محرجة من كلامك دا
ابتسم ورد وهو لا يزال ينظر داخل عينيها:
_ ليه؟ ليه بتتكسفي مني ومن كلامي؟ إيه ممكن يعودك عليا وعلى طريقتي؟
_ الوقت.. الوقت اللي انت مش عايز تديهولي
وضع وجهها بين كفيه ورد:
_ أنا أما بحضنك او بحتاج أقرب منك او اقولك كلام حلو، دا لاني بعشقك، بحبك لدرجة عايز أفضل لازق فيكي كأننا جسمين بروح واحدة، مش لاني مش عايز اديكي وقت ولا لاني شهواني ولا اي من الكلام دا.
هانيا، انا قُرب البنات مني مش بيجنني، انا عندي سيطرة رهيبة على نفسي وعلى دماغي انا مش حيوان، بس قدامك مشاعري هي اللي بتتحرك فببقى عايز قرب لان دا احتياج جوايا مش اكتر.
على العموم يا روحي، اوعدك هديكي مساحتك.. تحبي بس النهاردة تنامي جوا حضني؟ ياريت توافقي بقالي اسبوع مش عارف أنام والله والكنبة الحيوانة دي كسرت ضهري بجد
ابتسمت ابتسامة خفيفة ثم هزت رأسها موافقة، فقال في فرحة عارمة:
_ دا يا على الفرحة اللي أنا فيها يا إليسا والله
حملها وتمدد على السرير ثم وضعها فوقه، فكانت تتمدد على طول جسده كأنه السرير تمامًا، ثم حاوطها بذراعيه و ساقيه وقال:
_ يلا يا روحي نامي وانتي في حضني، اخيرا هعرف انام بجد، ربنا حاسس بيا والله
ثم اغمض عيناه وهو يضمها إليه في قوة كأنه يقيدها، فقالت له:
_ ممكن تحضني براحة عن كدا، نفسي مش عارفة اخده!
_ اسف اسف، من فرحتي بس.. اهو يا ستي مساحتك اهي
ترك لها بعض المساحة ولكنه كان لايزال يضمها إليه وكأن جسده كله يحتويها لا ذراعي وحسب.
كانت تنام فوقه تشعر بتصلب صدره وبطنه فلم تكن مرتاحة كثيرًا او ربما لانها لم تعتد أن تنام ليلة كاملة في حضن رجل ذو عضلات وجسد رياضي من قبل، ولكنها تنفست ونامت.
********
كان غارقًا في نومه مطمئنًا و وزوجته تجلس على السرير إلى جانبه تسند رأسها إلى خشبة السرير وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها تفكر... تتذكر كلام والدتها لها عن خالتها التعيسة التي تمنت الحمل من زوجها الأول حتى تطلقت، تذكرت كيف انتظرت خمس سنوات دون إنجاب.
تنفست في عمق ونزلت بضع دموع من عينيها، ثم نظرت إلى زوجها النائم والرؤية مشوشة عندها فلم تراه بوضوح بسبب تلك الدموع، فتحدث صوتها الداخلي وعيناها معلقتان عليه:
" يا ترى هتفضل زي ما عيني طول الوقت كانت بتشوفك ولا هتخذلني وهتكون سبب في دموع عيني لدرجة اشوف منها ملامحك مش ظاهرة زي ماهي دلوقتي"
بدأت تمرر يدها على شعره وهي تبتسم وتبكي في نفس الوقت ليعود تفكيرها وذلك الصوت يُتابع:
" المشكلة انك لو اتجوزت عليا او طلقتني هموت فيها مش هزار يا فاتح والله... انت متعرفش انا متعلقة بيك ازاي ومقدرش لا على طلاق ولا على إني اشوف واحدة تانية غيري جمبك.. مش هتعمل كدا فيا يا فاتح صح؟ مش هتحرق قلبي يا حبيبي مش كدا؟
بدأت تشرد تارة أخرى فيما قالته والدتها وشعور الرعب ينتاب عليها يهلك قلبها وعقلها ويشل تفكيرها، ثم أمسكت هاتفها وبدأت تراسل مشرفة الشيخ المدعو عطاالله وهي تهز رأسها بالرفض تقول في همس:
" لا لا، مش هستنى خمس سنين زي خالتو لا.. مش هستنى فاتح يدخل عليا في يوم بواحدة تانية مش هستنى يموتني بحسرتي لا.."
*********
وفي صباح اليوم التالي، خرج جياد من المرحاض وهو يبتسم وقال لزوجته والتي كانت ترتدي ملابسها تستعد للنزول:
_ صباح الخير يا قطايف
_ صباح النور
اقترب منها ثم وضع قُبلة على خدها واتجه صوب المرآة كي يعدل نفسه وشعره، وقال:
_ تحبي نخرج مع بعض النهاردة شوية؟
يعني منها نتكلم و...
قاطعته قائلة وهي تغلق ازرار الجاكيت:
_ لا، النهاردة هقضيه مع أختي، فيه كذا حاجة لازم نعملها قبل بداية أسبوع الشغل
_ حاجات إيه يا ترى؟
_ امور تخصنا... احتمال نروح عند معتصم تاني
التفت إليها ورد في قليل من الضيق:
_ إيه حكايته معتصم دا بقا كل شوية معاكي؟
_ ولا حاجة... مراته بتتعب بس شوية و بنكون جمبها مش اكتر
لوى شفتيه في ضيق فهو لم يردها أن تذهب، هو فقط يريد أن يقضي بضع ساعات معها ولكنه رد على أية حال:
_ ماشي.. روحي بس حاولي متتأخريش، بس اصلا يزيد تعبان اعتقد هو الأولى ان مراته تقعد معاه هو من حلا، ولا إيه؟
_ انا مقولتش ان أكيد رايحين، بقول احتمال
هز رأسه موافقًا، ثم قال:
_ يلا ننزل علشان الفطار
نزلت معه وجلسا على كلًا منهما على كرسيه.
وكانت روني كالعادة تقف في انتظار اعداد الطعام لها كي تفطر مع زوجها في غرفتهما، وبمجرد أن لمحت وجود هانيا، حتى أسرعت جهتها في سرعة تضمها إليها وهي تقول:
_ إيه يا روحي، عاملة إيه؟
_ تمام
_ افطري وتعالي عايزة اتكلم معاكي
_ وانا كمان عايزة
_ اتفقنا، هفطّر يزيد واديله الدوا وانزلك
تحدث فاتح إليها:
_ روني، هو يزيد عامل إيه دلوقتي؟
_ بيتحسن يا فاتح، ان شاء الله هيكون بخير قريب وينزل يفطر معانا تاني
_ ان شاء الله
اعطتها الخادمة صنية الطعام، وقالت فاطيمة لها وهي تجلس على السفرة تقطع الخبز، أثناء سيرها جهة الدرج كي تصعد:
_ هنفرح بعوض يزيد امتى يا روني؟
لسه مفيش اخبار عن حملك ولا حاجة؟
توقفت الفتاة برهة... ثم التفتت إليها وردت في ابتسامة خفيفة:
_ أما نبقى نسمع اخبار عن حمل بنت اختك الأول
لفظت تلك الجملة ثم بدأت تصعد الدرج، بينما فاطيمة نظرت إلى عبير وعلقت على سلوك الفتاة:
_ مهزأة زي أمها بالظبط
وكذلك علقت أسيل قائلة في غيظ:
_ مش عارفة انا، مالها ومالي البت دي بجد!
في حين شعر حسان بالاسف على نفسه والحزن أيضًا.
تنفست عبير وعلقت في حسرة:
_ يا عيني عليكم يا ولادي، متجوزين بنات مش عارفين يفرحوكم ولا يفرحونا، للأسف
ابتسم جياد وقال معلقًا على كلامها:
_ ليه يا ماما، ما هانيا اهي فرحتك وفرحتني وفرحت الجميع، وان شاء الله تجيب لك الحفيد اللي نفسك فيه
تنحنحت فاطيمة وبدأت تتصنع انشغالها بالأكل، بينما ردت عبير:
_ طبعا يا حبيبي فرحانة وهي فرحتنا، بس أكيد أنا كمان عايزة افرح بأولاد اخواتك، بالذات فاتح، بكري واول فرحتي
تنهد فاتح وهو ينظر إلى زوجته لما يعلم أنها تتضايق بشدة من حديث كذلك وعلق في ابتسامة وهو يضع يده على يدها:
_ ان شاء الله يا ماما، قريب ربنا هيرزقنا بأحلى طفل
_ اقول إيه بس، دا حظك من الدنيا يا ابني.. ابوك أما كان في سنك، كان خلفك انت وحسان وكاميليا، وانت يا عيني مش عارف تطول ضفر عيل واحد وبقى عمرك ٣١ سنة !
وكأنها تتعمد تسميمها الطعام كلما اجتمعت معها على سفرة واحدة، وبالفعل تركت الفتاة الملعقة وقالت:
_ شبعت، سفرة دايمة
ثم قامت، شعرت هانيا بالحزن على أختها وقالت هي أيضًا:
_ انا كمان شبعت
وأثناء نهوضها، علقت عبير في نبرة صوت عالية بها الضيق:
_ اقعدي انتي بلا شبعت، انتي حامل ولازم تاكلي كويس علشان ابننا، مش شايفة نفسك خاسة ومعدومة ازاي!
عايزة العيل يجي ناقص غذا؟ من قلة فلوسنا ولا حرمينك؟
اقعدي يلا كملي أكل
تدخل جياد قائلًا:
_ براحة يا ماما عليها مش كدا!
ثم أمسك بيد زوجته كي تجلس وتابع:
_ اقعدي يا حبيبتي كملي أكل، انتي مأكلتيش عدل امبارح
زفرت في ضيق ثم جلست حتى لا تُحدث مشاكل.
أما فاتح فقد كان يشعر بالضيق من طريقة تعامل والدته مع مايا، وعليه قام وبدأ يأخذ طبقه وطبق زوجته ثم وضعهما على صنية والتفت كي ينصرف، لتعلق عبير فورًا:
_ على فين؟
_ هروح اوضتي أكمل أكل انا ومراتي
_ كمل أكلك هنا، هي شبعت وقامت وخلاص
_ ماما لو سمحتي كفاية بقا ها، كفاية
ثم انصرف صوب الدرج.
زفرت في ضيق وهي تستغفر ربها، فربتت فاطيمة على ظهرها وهي تقول:
_ معلش يا اختي، بكرة يفهم انك فعلا عايزة مصلحته
_ هتجنن يا فاطيمة بجد، أكيد البت دي عملاله عمل!
سكتت فاطيمة وارتسمت على شفتيها ابتسامة شيطانية.
************
وعقب مرور نصف ساعة على الأقل، استيقظ شهاب فبدأ يتقلب في نومه ويتماطى بذراعيه.
بينما ماهي كانت تقف أمام المرآة تضع أحمر الشفاة ويبدو أنها تجهزت للخروج وهذا الظاهر من لبسها وتسريحة شعرها واستعدادها.
اعتدل في نومته وجلس على السرير ثم قال:
_ صباح الخير
ردت في نبرة جامدة:
_ صباح النور
تعجب قليلًا من نبرة صوتها ولكنه اعتاد أنها متقلبة المزاج والأحوال فلم يعلق، بل نظر إلى شاشة الهاتف ليرى كم الساعة ثم قال:
_ يالهوي، معاد الفطار راح علينا، ليه مصحتنيش!
_ انا كمان صحيت متأخر، بس عادي هفطر برا
_ طب وانا افطر فين؟ هضطر استنى معاد الغدا؟
_ للأسف، يا أما اطلب أكل بقا من برا
ابعد الغطاء عنه وبدأ يقوم ثم اتجه صوب المرحاض وقبلما يدخل قال:
_ حاجتي كلها بقت جاهزة، هنمشي امتى؟
_ النهاردة، أما ارجع
_ انتي رايحه فين أصلا؟
غلقت أدوات الميك اب خاصتها ثم ردت وهي تجهز حقيبة يدها قبل الانصراف:
_ رايحة مع منى
_ رايحة مع منى فين؟
_ مشوار
_ ايوا اللي هو أيه؟
علقت الحقيبة على كتفها وردت في برود:
_ قلت مشوار
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ هو إيه الطريقة دي يعني مش فاهم!
_ والله شوف انت بتعمل إيه وانت هتفهم، يلا مش عايزة اتأخر
فتحت الباب ثم انصرفت، بينما هو تمتم في غيظ:
" معتوهة دي ولا ايه! "
نزلت الدرج وفي بهو القصر، رأت والدتها تجلس على الكرسي تقرأ إحدى المجلات، فقالت لها:
_ صباح الخير يا ماما
_ صباح النور يا ماهي، على فين؟
_ مشوار كدا مع منى صاحبتي
_ طب ابقي سلميلي عليها و اعزميها على الغدا النهاردة
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ حاضر يا ماما.
وقبل ذهابها، اوقفها جياد وذلك بعدما نادى عليها، وبالفعل وقفت تنتظره، اقترب منها حتى وقف قبالها وقال:
_ رايحة فين؟
_ خارجة مع منى
_ خارجين رايحين فين؟
_ رايحين دار الايتام نشوف الأطفال و نفرحهم ونجيب لهم هدايا وكدا زي ما متعودين نعمل كل شهر
_ حلو دا... اقدر اجي معاكم؟
_ اه تقدر، تعالى.. بس يا ترى هتسيب هانيا كدا عادي؟ اصلك مش بتعرف تتنفس من غيرها يعني
زفر ورد:
_ بلاش تريقة ويلا علشان منتأخرش على صاحبتك المستنية.
**********
فتح باسم باب الشقة فوجد أمه هي تلك المرة التي أتت إليه، تنهد ثم قال:
_ مش عارف أروح منكم فين تاني، مش سيبتلكم القصر كله ومشيت!
دخلت ثم غلقت الباب خلفها وقالت أثناء سيرها جهة الصالون:
_ الدنيا ضيقة يا ابني، مفيهاش أماكن كتير للهروب
_ ماما صدقيني معنديش وقت للحكم والمواعيظ
جلست على الكرسي وهي تضع ساق فوق الأخرى وردت في ابتسامة:
_ حبيب أمك انت، ومين قالك إني جيالك في نصايح!
أنا جيالك قبل ما تقع في شر أعمالك وتوقعنا معاك.. تقريبا الحب عمى عينك وخلاك ترتكب اغلاط كتير
زفر في ضيق ثم سار حتى جلس قبالتها وقال:
_ كان المفروض يسموكي أم كلثوم مش فاطيمة
_ اشمعنى؟
_ علشان بتغني كتير، ادخلي في المفيد، عايزة إيه؟
_ اصل اللي ربى خير من اشترى، هنقول إيه بقا، ما انت ابني وانا حفظاك صم
ابتسم ورد:
_ تقريبا العيب في الجينات.
وبعدين أنا بحاول أديكي محتوى تحكيه للناس مش أكتر، على الأقل مش ممل!
_ لا لا ماشاء الله عليك طبعا، شايفنا ناقصين أحداث مثلا!
_ فيه أحداث، بس مفيهاش أكشن
_ فقررت انت تعمله بقا!
_ بس إيه رأيك؟
عادت بجسدها إلى خشبة الاريكة تجلس في أريحية أكثر وردت:
_ انت عامل زي اللي داخل الامتحان من غير مذاكرة... ومتفاجئ إنه سقط!
يا حبيبي أنا مش بس مربياك... أنا كمان شايفة تاريخك كله ومستقبلك قدامي.
_ وطلعتي بتفهمي في علم الغيب كمان!
_ توقعات.. زي ١+١= ٢ كدا
سكت لحظة.. ثم رد:
_ بس الحياة مش معادلة رياضية!
ردت في غيظ شديد:
_ هو انت فعلا بتجرب كل الغلطات ولا في حاجة سايبها لغيرك؟
عملت إيه يخليك تهرب من القصر؟ عملت إيه ها قولي، عملت ايه لروني؟
فرك جانب لحيته وهو ينظر إليها يدقق التركيز في كلامها وطريقة تحدثها، فتابعت:
_ مش عيب نغلط، بس العيب إننا نتمادى في الغلط دا.. يعني مش مكفيك يزيد والبلاوي اللي عملتها فيه ولا مكفيك النصيبة اللي حلت على الشركة بسببك، لا كمان جاي تزيد عليهم روني؟!
ابتسمت كناية عن عدم استيعابها أفعال ابنها تلك وتابعت:
_ لو الغلط كان بطولة، كنت زمانك واخد كأس العالم.
قولي عملت إيه؟ قولي دماغك راحت بيك لحد فين؟
نظر حوله دون رد، حتى وجد طبق الفواكه موضوعًا على الطاولة، مد يده ثم أخذ موزة وقال وهو يزيل عنها القشر:
_ أنا بس بوسّع خبراتي الحياتية... دي مش غلطات، دي تجارب عملية
زفرت في ضيق من تلك السخرية الذي بدأ يتحدث بها ثم ردت:
_ حبيبي كتابك هيبقى رعب مش كوميدي!
كفاية كلام ملوش لازمة ورد عليا، عملت إيه للبت؟
كان يمضغ قطع الموزة وقال لها وهو يعقد حاجبيه في استغراب:
_ انتي إيه اللي أكدلك إني عملت لها حاجة يعني؟
قالولك عني ان اسمي فاطيمة!
_ لان لا انا ولا حليمة ولا حتى أسيل أو تالية جينا جمبها.
وهي متغيرة وساكتة وبقالها فترة رايحة جاية وقعدت في بيت ابوها فترة طويلة، كل دا كأنها بتستعد لحاجة وانا لازم اقلق من البيت دي وهدوئها لأنها اصلا مش هادية، فلازم اعرف انت عملت لها إيه علشان نساعدك وافتكر دايما اننا تيم واحد، اللي هيتمسك فينا، هيجر الباقي وراه وهنطرد كلنا من القصر بعد طبعا ما تكون فضحيتنا بجلاجل
ألقى قشر الموز على الطاولة ثم رد:
_ معملتش حاجة لحد، مش علشان هي هرموناتها قالبة ومتغيرة شويه يبقى لازم اكون مزعلها!
اصلا هي مش في بالي ولا عايز منها حاجة نهائي، كفاية بقا ومتندمنيش إني كلمتك في حاجة او اني قولتلك قبل على اللي صدر منها تجاهي
وقفت دون مقدمات وردت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ بس ابقى افتكر اني جيت اكتر من مرة ومديت لك ايدي وانت كل مرة بتخذلني.
أما نشوف كبريائك هيوصلك لفين، دماغك اللي بتوديك في حتت أنا نفسي ما أعرفهاش دي، أما نشوف هتوديك على فين.
أنا كل شوية أقول يمكن عِقل بس شكلي مستعجلة أو بأمل حاجة مش هتحصل أصلا
رد في برود وهو يبتسم:
_ الصبر حلو يا أمي
أشارت له بسبابتها تقول في تحذير:
_ لو وقعت يا باسم، اياك توقع حد فينا معاك، احنا منعرفكش، وانت اللي هتتحاسب لوحدك وقتها
وضع ساق فوق الأخرى وجلس مرتاحًا ورد:
_ متقلقيش ربنا هيسترها عليا...
طول ما انتي اللي بتدعيلي، يبقى أنا في الأمان طبعا، دي الجنة تحت رجليكي يا مؤمنة يا تقية!
سكتت برهة تشعر بالسخرية و الاستفزاز ... ثم ردت:
_ أنا ساكتة عليك علشان عارفة إن الكلام مش هيجيب نتيجة معاك اكتر من كدا، بس من رأيي رسالتي وصلت، فامشي بقا أحسن
ابتسم ورد:
_ لا، انتي ساكتة علشان عارفة إني هطلّعلك رد يقفلّك الحوار..
ثم لوّح بيده لها في ابتسامة أوسع وأضاف:
_ Au revoir [ مع السلامة بالفرنسية]
يا نبع الحنان
طالعته من أعلى إلى أسفل في ضيق ثم انصرفت في خطوات سريعة مليئة بالغضب.
وبعدما سمعها تغلق الباب، تحدث إلى نفسه:
" يا ترى بتهببي إيه يا روني، وروحتي لنيرة ليه وعايزة منها إيه؟ "
***********
_ جياد كان حبسك ليه امبارح يا هانيا؟
تكلمت روني إلى أختها هانيا وهما في حديقة القصر، تجلسان معًا، وردت الأخرى قائلة:
_ فاطيمة يا روني
_ مالها الست القرف دي!
تنهدت وردت:
_ عارفة كل حاجة... رمت قدام جياد فكرة انه يشوف الكاميرات وانا عارفة ان جياد هيعمل كدا... كمان طلعت عارفة ان شهاب خطفني ومصورة فيديو وهو رايح بيا الشقة
اختضت الفتاة وردت في سرعة:
_ شقة!
بتهزري صح!
انتي قولتي لينا ان هو لفّفك شوية بالعربية وبعد كدا سابك وانتي رجعتي مجبتيش سيرة شقق انتي!
_ محبتش ادايق بابا اكتر... بس فعلا محصلش حاجه، هو اتكلم معايا وانا وقفته عند حده وقولتله ملكش دعوة بيا تاني وهو وعدني ومشيت، بس...
زفرت روني في ضيق شديد وردت بنبرة بها الضيق أيضًا:
_ بس إيه بس يا هانيا بس إيه... ازاي تسمح لي لنفسك تبقي طُعم في ايد الست دي، انتي مش عارفة دي ممكن تأذيكي ازاي!
ردت الأخرى في نبرة حادة جامدة:
_ وانا مالي يعني ها؟ على أساس انا اللي كنت بدخل لشهاب اوضته ولا أنا اللي خطفته؟!
_ جياد لازم يعرف يا هانيا
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ مستحيل، انا خايفة منه... هيقعد يرج فيا ويزعق ويشتم وانا خدت من دا لحد أما قلت كفاية، مش عايزة اكرهه اكتر، المرة اللي فاتت كان هيقتل شهاب اصلا
_ بصي، انك انتي اللي تقوليله حاجة وان حد من برا اللي يقوله حاجة تانية...
_ طب ما نقول لبابا هو يقوله! بابا خير دليل، يقوله اللي حصل ويقوله عملنا اللازم وخلاص وهو بقا هيعرف يسيطر على غضبه اكتر مني
_ دي بردو فكرة كويسة، خلاص بكرة بعد الشغل نبقى ندخل لبابا المكتب ونقوله، لازم نبطل كل حاجة مع فاطيمة
هزت رأسها موافقة ثم ردت في قلق:
_ طب.. طب والشيخ؟
مشكلتي كلها لو عرف الراجل دا، يا ترى رد فعله هيكون إيه؟
يا ترى هيتخانق مع بابا؟ هيعمل إيه مع شهاب؟ هيعمل ايه فيا؟ هيبص لكم ازاي بعد كدا؟
وضعت يداها على وجهها وتابعت:
_ كل حاجة باظت
_ معلش يعني اسمه زفت البرك شهاب دا هو اللي بوظها.. لو كان بيحبك بجد كان احترمك واحترم نفسه ومراته ولو كان فيه نصيب بينكم كنتوا هتجتمعوا، لكن دا مخلي حيوان زي باسم يمسك علينا فيديو وعقربة زي فاطيمة تمسك علينا فيديوهات وبجد بجد الوضع خطر ومش سهل!
_ انا مالي انا دلوقتي!
سكتت روني برهة تفكر وهي تشعر بالتوتر... ثم ردت:
_ علاقتك بجياد حاليا عاملة إيه؟
_ يعني... متوترة، فاطيمة كذبت عليه وقالت انها شافتني انا وشهاب مع بعض في الجنينة وانا قدرت ابين قصاده انها كدابة وهي قدرت تبين قصاده إني مخبية عليه حاجات كتير، وبعدها هددتني وقالتلي ارجعي لجوزك وعقلك واوعي تطلبي الطلاق دا وهددتني بالفيديو
عقدت حاجبيها في استغراب وردت معلقة على كلام أختها:
_ غريبة جدا دي.. فاطيمة عايزاكي تطلقي أكيد، صالحتكم!
_ هي بتبين حسن نية قصاد جياد.. كدا كدا رمت له كل اللي عايزة تخليه يعرفه ولسه مش عارفة هي ناوية على إيه تاني
_ واتصالحتي فعلا انتي وجياد بعدها؟
_ يعني... أنا عاملته كويس عن الأول ونيمني في حضنه امبارح
_ طب وانتي كنتي مبسوطة؟
سكتت لحظات... ثم اجابت:
_ مش عارفة... اصلا كان بيعمل حاجات غريبة... كان بيتحرش بيا، وبعدها قال هانيا هانيا مرتين، عملت نفسي نمت خلاص، سكت شوية وتقريبا نام مش فاكرة
ضحكت الفتاة وردت:
_ هتجننيني يا هانيا بجد... حبييتي دا جوزك، يتحرش بيكي إيه بس، هو حد غريب!
_ ما قولتلك انا بستغرب حركاته جدا، بحسه جرئ اوي ومش بيراعي إني مكسوفة مثلا!
_ بيعمل إيه طيب؟
ردت في ابتسامة، لتجيب الأخرى في نبرة بها الغيظ:
_ بتكسف أنا، مش بحب اقول كلام زي دا! فكك منه بقا وخلينا في مصيبتنا
_ كل المطلوب منك دلوقتي، انك تعدلي سلوكك معاه علشان ميشفش ان سبب التغير دا شهاب وكلامه والمشكلة تكبر، كأنك كنتي زعلانة منه او مجرد هرمونات، اي زفت، لحد أما اقول لبابا واشوف هيعمل إيه
_ هنقول لبابا الجزء اللي يخص الخطف بس، أما اللي كان بيحصل في القصر هنا مش هنقوله
هزت رأسها موافقة، وفي نفس الوقت صدح صوت هاتفها، فنظرت إلى شاشته وسألتها هانيا:
_ مين؟
_ دي نيرة، ثواني هرد عليها
استجابت لها قائلة:
_ إيه يا نيرة؟
_ ازيك يا روني
_ تمام، وانتي ؟
_ بردو تمام.. المهم أنا فعلا فرّغت الكاميرات اللي قدام البيت يومها زي ما طلبتي مني، وحاليا معايا الفيديو وفيه شكل أميرة فؤاد دي بوضوح
_ جيالك يا نيرة
_ مستنياكي
انهت المكالمة معها ثم اخبرت هانيا كي تذهب معها وبالفعل ذهبتا.
*********
في الداخل، يمتد ممرٌ ضيّق بأرضيةٍ من البلاط الباهت، تتخلله آثار أقدامٍ صغيرة، وألوانٌ باهتة لرسوماتٍ طفولية على الجدران؛ شمسٌ تبتسم، وبيتٌ بسيط، وعائلةٌ تمسك بأيدي بعضها... عائلةٌ قد لا تشبه واقع من رسمها.
الغرف متواضعة، تضم أسرّةً صغيرة مصطفّة بجانب بعضها، لكل طفلٍ مساحةٌ بالكاد تكفيه، وعلى كل سريرٍ بطانيةٌ نظيفة لكنها مستهلكة، ووسادةٌ تحمل آثار أحلامٍ كثيرة لم تكتمل. في إحدى الزوايا، صندوق ألعابٍ قديم، تتناثر منه دمىً بلا أذرع، وسياراتٌ فقدت عجلاتها، ومع ذلك يتمسك بها الأطفال وكأنها كنوز.
أما الأطفال... فكانوا عالمًا قائمًا بذاته. بعضهم يركض ببراءةٍ، يضحك دون اكتراث، وكأن الحياة لم تمسّه بسوء. وآخرون يجلسون في صمتٍ غريب على أعمارهم، يراقبون كل شيءٍ بعيونٍ واسعة تحمل تساؤلاتٍ لا تُقال. عيونٌ اعتادت الانتظار... انتظار يدٍ تمتد، أو حضنٍ لا يأتي.
وحين دخل جياد وماهي ومنى، خفَتت الأصوات قليلًا، وكأن المكان التقط أنفاسه. تقدّموا ببطء داخل الممر، تتردد خطواتهم على الأرض في صدى خافت.
كان جياد يسير في المقدمة، ملامحه متماسكة، لكنه لم يستطع إخفاء نظراته التي تجولت بين الأطفال، نظراتٌ تحمل شيئًا من الثقل... شيئًا يشبه الذنب أو الحيرة.
أما ماهي، فقد كانت عيناها تلتقطان التفاصيل بشغفٍ ممزوجٍ بالألم؛ توقفت عند طفلةٍ صغيرة تمسك بدميتها الممزقة، فابتسمت لها الطفلة ابتسامةً واسعة، كأنها لا ترى في نقصها عيبًا. ارتبكت ماهي قليلًا، وبادلتها ابتسامةً خجولة، لكن عينيها امتلأتا بشيءٍ لم تستطع تسميته.
ومن الخلف، كانت منى تسير بهدوء، تنظر حولها بنظرةٍ أعمق، كأنها تحاول قراءة المكان لا رؤيته فقط. توقفت لحظة عند مجموعةٍ من الأطفال يجلسون على الأرض، يلعبون بلعبةٍ بسيطة، يتشاجرون ويتصالحون في نفس الدقيقة، فضحكت بخفوت، ثم تنهدت... كأنها أدركت أن هؤلاء الصغار يعيشون عمرين في آنٍ واحد.
مرّوا بجانب الأطفال، بعضهم اقترب بحذر، وبعضهم ظل يراقب من بعيد، وكأنهم لا يثقون سريعًا في الوجوه الجديدة. طفلٌ صغير تعلّق بطرف قميص جياد، نظر إليه بعينين لامعتين، لم يقل شيئًا... لكنه لم يكن بحاجةٍ للكلام.
توقّف جياد، نظر إليه للحظة، ثم انحنى قليلًا، وكأن العالم كله انكمش في تلك اللحظة بينهما، وقال له في ابتسامة:
_ إيه يا حبيبي... استنى..
اخرج لعبة من الحقيبة التي كان يحملها وقال له في ابتسامة عريضة:
_ خد يا بابا، العب بيها
أخذها الطفل وبدأ ينظر إليها في ابتسامة واسعة وأشار بيده نحو زملائه، وقال:
_ اصحابي بردو يا عمو
_ حاضر وهندي اصحابك بردو يا عمو.. قولي بقا اللعبة عجبتك؟
هز رأسه مؤكدًا وهو يحتضن اللعبة في سعادة مبالغ فيها، كأنه قدم له الدنيا وما فيها
مسح جياد على رأسه ورد في ابتسامة:
_ طب يلا نروح نفرح اصحابك ونديهم لعبة زيك
وبالفعل مسكه من يده وذهب به إلى مجموعة الاطفال.
وفي الجهة الأخرى، جلست ماهي وسط مجموعة من الأطفال البنات خصيصًا، وهي تخرج لهم دُمى على شكل طفلة ومعها أدوات الميك اب الخاص بها، تقول لهن:
_ الله.. إيه رأيكم يا بنوتاتي في العرايس الحلوة دي؟
كُن يقفزن من الفرحة وبعضهن رمت نفسها داخل حضنها وأخريات بدأن يشكرنها صارخين في فرحة:
_ شكرا يا ماما ماهي، ماما ماهي أحلى ام في الدنيا
ابتسمت ابتسامة عريضة، وفي تلقائية وضعت يدها على بطنها تطمئن على جنينها القابع هناك، ثم تمتمت:
" ماما... الله... قريب هسمعها منك يا حبيب قلبي... يارب تبقي بنوتة عسولة "
ابتسمت منى والتي انتهت من توزيع الهدايا التي جلبتها على الاطفال، وقالت:
_ ماما ماهي، الدنيا كلها بتحبك.. الكبار والأطفال والموظفين وكله كله
ابتسمت ماهي والبنات في حضنها يقبلنها ويشكرونها مرارًا، ثم سرعان ما اختفت ابتسامتها وقالت في أسى:
_ الدنيا كلها بتحبني فعلا أنا لاحظت دا... إلا الشخص اللي حبيته من الدنيا كلها... الكل حبّني صغير وكبير إلا جوزي.. إلا اللي كان نفسي اتحب منه جدا.. فعلا الإنسان مش بياخد كل حاجة
تنهدت منى ثم وضعت يدها على كتفها وقالت:
_ بكرة الأمور تتحل بينكم يا ماهي.. ان شاء الله طفلكم الجاي يكون سبب في حل خلافكم دا، ربنا يهديه عليكي ويحببه فيكي زي ما حبب خلقه كله فيكي
هزت رأسها موافقة في أسى، فأضافت منى في ابتسامة وهي تلقي بصرها نحو جياد الجالس على الكرسي وحوله الأطفال والصبية يلعبون معه في فرحة:
_ طب والله جياد اخوكي طلع عسول خالص وانسان موت، أما قولتيلي ان هانيا مش بتحبه ولسه بتحب شهاب وحكيتي لي المشكلة دي، افتكرته وحش كاسر ومُخيف، بس طلع سكر خالص ودمه خفيف طول الطريق كان بيضحكنا وكمان طلع حنين وبيحب الأطفال
نظرت ماهي ناحيته ثم ردت:
_ جياد شبهي في حاجات كتير اوي.. أنا النسخة المؤنثة منه وهو النسخة المذكرة مني... أقرب حد ليا في اخواتي واكتر حد صاحبي واكتر حد بيفهمني.
انا وهو متعلقين، وبنحب نتمسك بالحاجات اللي بنحبها جدا ومش بنتنازل بسهولة وعناديين وبنحب التحدي و عصبيين... دايما بابا يقولنا كأنكم تؤام.
اصلا الفرق بيني وبينه سنتين بس
_ ربنا يخليكم لبعض يا ستي وما حد يقدر يفرق بينكم خالص
_ يارب يا منى يارب.
**************
_ ما تورينا خطيبك دا بقا ولا انتي خايفة نحسده؟
تحدثت إحدى رفيقات رهف لها في مزح خفيف، لترد الأخرى في ابتسامة:
_ اه خايفة يتحسد طبعا، دا انا معايا القمر كله!
_ اخلصي ورينا يا بنتي شكله وبطلي غتاتة
فتحت الهاتف وبدأت تقلب فيه ثم قالت لها:
_ شوفي يا ستي، دا هو باسم خطيبي حبيبي
أخذت منها الهاتف وبدأت تتطلع إلى الصورة وقالت في ابتسامة:
_ لا حقك تخافي عليه نحسده، مُز صراحة
_ اتلمي!
بينما علقت أخرى قائلة:
_ خافي عليه يا بت، لا واحدة تفكر تاخده منك كدا ولا كدا، البنات اتجننت الفترة دي وبقينا بنسمع بلاوي
خافت الفتاة وردت عليها في قليل من التوتر:
_ بجد؟ ممكن واحدة فعلا تاخده مني؟
_ ايوا يا حبيبتي ممكن ونص وتلات تربع.. هو وسيم وطول بعرض وعنده فلوس وشغل حلو، اللي هتخطفه منك هتعوز إيه تاني أكتر من كدا!
هزت رأسها رافضة في خوف وقالت:
_ لا لا، طب أعمل إيه علشان اخبيه من البنات اللي بالشكل دا!
_ مفيش عمل، اهتمي بيه وبس وهو لو بيحبك اوي هيبقى وفي يعني.. رغم ان كلمة وفي مع راجل مينفعش يتحطوا جمب بعض
قبلما ترد، صدح صوت هاتفها، فقالت لها:
_ اهو بيتصل، كدا هو برا واقف مستنيني بعربيته، يلا همشي انا وبكرة نتكلم انا وانتي اكتر افهم منك اكتر ازاي احافظ عليه
وأثناء ذهابها، قالت احداهن:
_ الدنيا حظوظ فعلا.. خطيبها وسيم وغني ومعاه عربيته وبيحبها ومستنيها قدام الكلية بنفسه.. وانا خطيبي قاعد بيفاصل مع بابا على كل حاجة وعايز يسترخص وكل اللي على لسانه، الدنيا غلا واجيب منين يا عمي، لحد أما قرفني في عيشتي.
ربع حظك يا رهف!
_ يا بت قولي ما شاء الله، دا القرف اللي بيخرج من بؤك دا!
ردت احداهن عليها.. حقًا صدق المثل " اللي ميعرفش يقول عدس"
***********
كانت روني تجلس أمام الحاسوب تدقق النظر في تفاصيل وشكل تلك الفتاة المدعوة أميرة فؤاد والتي جاءت وتكلمت من نيرة وتسببت في حدوث كل شيء بعدها بعدما كذبت عليها وادّعت على الشاب بأشياء لم تحدث.
وكانت هانيا بجانبها تشاهد أيضًا وعلقت بعدما انتهى المقطع:
_ انا عن نفسي عمري ما شفتها قبل كدا، انتي شفتيها قبل كدا؟
هزت رأسها رافضة وعقلها مشغول، تحاول ربط الفتاة بباسم، تحاول أن تفهم طبيعة العلاقة بينهما أو حتى الصلة، وقالت لنيرة:
_ هاخد نسخة من الفيديو يا نيرة وهخليها معايا، عايزة ادور على البنت دي بنفسي من جهة وانتي من جهة تانية زي ما قولتلك
وعلقت هانيا قائلة لنيرة:
_ هي سابت رقمها ليكي طيب؟
هزت رأسها نافية ثم قالت:
_ لا، ومجتش تاني، هي المرة دي الوحيدة وبعد كدا اختفت
هزت رأسها موافقة، وعلقت روني قائلة:
_ طيب، يبقى زي ما اتفقنا يا نيرة، هاخد نسخة من الفيديو وهنكمل اللي كنا بنعمله عادي جدا، وثقي فيا المجرم اللي هنا بيساعد المجرم اللي في أمريكا دا، هيتجاب يعني هيتجاب
_ لازم، لازم روح رضا ترتاح ولازم حقه يرجع وانا مش ههدى الا أما كل اللي اتسبب في قتله ياخد جزائه.
نظرت روني إلى هانيا وقالت لها:
_ يلا يا هانيا
وبعدما خرجتا من المنزل، علقت هانيا:
_ هنعمل إيه دلوقتي؟
_ لازم افهم ايه صلة الربط بين البت دي وباسم
_ ممكن تكون مجرد بنت مأجرها؟
_ وممكن يكون ماشي معاها!
البت حلوة اوي اوي وأعتقد نسونجي وسخ زي دا مش هيضيع الفرصة يعني.
_ علاقاته كتيرة، هتعملي إيه يعني؟ هنعرف ازاي ؟
_ هو دا اللي لازم نفكر فيه.. ازاي هنثبت ان ليها علاقة بيه.. لو اتمسكت هتعترف بكل حاجة.. يلا نروح البيت، هقول ليزيد وجياد لازم نلاقيها...
سكتت برهة ثم أضافت:
_ اعتقد كمان اني لازم افرّغ كاميرات الشركة، جايز جت له زيارة مرة ولا كانت مستنياه قدام الشركة ولا حاجة
_ مجهود كبير اوي دا
ردت في نبرة بها الانتقام:
_ مهما كان، والله عندي استعداد اضيّع عمري كله اخطط له علشان اكشف الاعبيه وارميه في السجن، والله لاوريه ازاي يتجرأ ويعمل فيا كدا، وهبص في عينه بشماتة وانتقام وهو محطوط ورا الحديد وحريته أنا اللي قيدتها ومش عارف ولا قادر يتكلم ولا يفتح بؤه.
انا هعرفه مين هي روني وهندمه على اللي عمله فيا دا بس الصبر.
**********
كان باسم داخل السيارة يقودها وبجانبه رهف تجلس وتفكر في كلام صديقتها.. وعقب صمت لا بطويل ولا قصير، قالت:
_ باسم حبيبي
_ نعم؟
_ انت بتحبني صح؟
ضرب على عجلة القيادة مرة ثم رد:
_ آه.. وقت أسئلة الشفوي بقا صح؟
_ بتكلم بجد يا باسم
_ اومال أنا خاطبك ليه طيب؟ فكري في الكلام شوية يا رهف وبطلي تبقي مرهفة الحس كدا! ليكي من اسمك نصيب صح!
تنهدت وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تمط شفتيها للأمام في ضيق، فلم يعِ لها أي اهتمام، فتضايقت أكثر ثم قالت:
_ بجد والله!
رد في ضيق ونبرة صوت عالية إلى حد ما:
_ في إيه يا رهف بجد! انتي غاوية نكد!
يعني الف وارجع ولا نخرج ولا زفت؟
هزت رأسها رافضة وهي تقول:
_ لا لا خلاص أنا آسفة مش قصدي نكد والله ولا حاجة أنا آسفة.
ثم ابتسمت وتابعت:
_ عارف إيه اكتر حاجه حبتها فيك بجد؟
_ إيه؟
_ انك جدع اوي وحنين جدا
_ دا من كرم أخلاقك والله، شكرا على ثقتك الغالية
ابتسمت وردت:
_ هتوديني فين بقا؟
_ هتشوفي، هنخرج نتغدا الأول وبعد كدا هوديكي، اتمنى بس يعجبك
_ طبعا هيعجبني، يكفي انه معاك أصلا
نظر لها ثم ابتسم ولم يعلق..
*******
فتح شهاب باب شقته الجديدة فها قد نقلا اشيائهم، بينما ماهي فتحت الانوار وقالت لرجلين أحضرتهما معها:
_ ادخلوا يا شباب ودخلوا كل الشنط دي جوا يلا
وبالفعل دخلوا بها وبدآ يضعا كل شئ على الأرض داخل الصالة، حتى انتهيا وذهبا.
غلق شهاب الباب خلفهما، ثم ابتسم وهو يلتفت حوله وقال:
_ واخيرا شقتنا
لم تعلق، بل اقتربت من الحقائب كي تدخلها إلى غرفة النوم، فقال لها وهو يقترب في سرعة:
_ لا لا عنك انتي، أنا هدخلهم جوا
_ براحة علشان الشنطة دي فيها الميك اب والاسكين كير بتاعتي
_ ماشي
وبالفعل حملا الحقائب وبدأ يضعهما في الداخل، حتى انتهى من إدخال كافة الحقائب، ثم بدأ يفتحها ويخرج ما فيها كي يضعهم في مكانهم الجديد، وأثناء فعله هذا، كانت هي تقف بعيدًا قليلًا ترميه بنظرات مليئة بالاشتياق والحب، لا تعرف متى سيشعر بها وبقلبها؟ متى سيحبها ويغرقها من العشق جانبًا حتى ولو قليلًا؟
فهي دائمًا ما تشعر بحاجتها العاطفية جهته فلم هو باردًا جامدًا هكذا؟
نظر إليها وقال:
_ تعالي، شوفي حابة ترصي هدومك ازاي، وانا هرص هدومي في الرف دا والجزء دا من الدولاب
_ فيه في الشقة dressing room by the way
_ حلو دا.. فين؟
_ الباب دا
أشارت بيدها، ثم اقتربت من اشيائها بعدما اخرجها هو وقالت له:
_ بعد ما ترص الحاجات، هتعمل ايه؟ هتنام ولا هتشتغل؟
_ لا هشتغل، لسه قدامي كذا بند محتاج اركز عليهم
تضايقت بشدة ومطت شفتيها للأمام في غضب ثم قالت له في نبرة عالية نسبيًا اثر الغضب:
_ طب بما انك بسم الله ماشاء الله عليك سهران، اقعد بقا رص حاجتك وحاجتي كلها وبدون صوت، انا تعبانة، ابنك تاعبني هاخد الدوا وهتخمد
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ بقيتي عصبية اوي الفترة دي!
_ البركة فيك
_ هرمونات حمل صح؟
_ لا، بعيد عنك دا بسبب الغباء اللي لا يُحتمل
تناولت دوائها في سرعة، ثم شدت الغطاء في عصبية والقت بنفسها على السرير، ثم شدت الغطاء عليها وولت له ظهرها، تمتم متعجبًا:
" مالها دي!"
ولم يهتم بالأمر كثيرًا فأعتقد أنه ربما هرمونات الحمل لا أكثر فهو لم يفعل أي شئ يغضبها قط هذه الآونة فلما تتصرف معه هكذا!
ثم بدأ هو في تنظيم ملابسهما والأدوات جميعا.
**********
دخلت روني غرفتها وبدأت تحكي لزوجها ما حدث وما دار بينها وبين نيرة واثناء استماعه لها، شعر بدوار شديد يكاد يفتك برأسه، وعليه فقد تركيزه معها وبدأ يغمض عيناه ويفتحها مرات متتالية محاولًا أن يستعيد السيطرة على نفسه، ولما شعرت هي بذلك، أسرعت جهته وهي تقول في خوف:
_ مالك يا يزيد مالك؟
رد في نبرة صوت ضعيفة اثر التعب:
_ مش عارف... حاسس إني دايخ اوي مش قادر
_ من إيه طيب يا حبيبي، حاسس بإيه؟
بدأت الرؤية تبدو مشوشة عنده حتى فقد الوعي شيئًا فشيئًا، فصرخت باسمه ثم ركضت نحو الخارج تصرخ:
_ جياد، فاتح، الحقوني
*********
وعقب مرور ساعة، كانوا قد وصلوا به المستشفى، وهم في الخارج ينتظرون كلام الطبيب وقد ذهب معها كلًا من فاتح و جياد و حسان وعبير والتي رفضت بشدة المكوث في المنزل.
خرج لهم الطبيب فأسرعوا نحوه فقال لهم:
_ هو بس بسبب فقدان دم كتير و شرب مضادات حيوي طبعا، تعب فجأة، احنا عاملنا اللازم، بس عايزينه يفضل تحت رعايتنا شوية علشان نخرجه واحنا مطمنين
رد جياد عليه:
_ ممكن أفضل مرافق معاه يا دكتور؟
_ ممكن، بس واحد بس مش اكتر
نظر إلى أهله وقال:
_ خلاص روحوا انتوا وانا هفضل جمبه وهطمنكم
فردت روني رافضة:
_ لا لا، انا اللي هفضل جمبه يا جياد، روح انت
_ لا مينفعش، فرضنا احتاج يدخل الحمام ولا اي حاجة؟
هكون انا جمبه، وانتي مينفعش تباتي برا بيتك بردو، روحي ارتاحي واطمني عليه، هو معايا أنا
اقترب فاتح من أمه والتي كانت تبكي خوفًا على ابنها، وقال بعدما وضع قُبلة صغيرة على جبينها:
_ اهدي يا ماما وبطلي عياط يا حبيبتي، يزيد كويس والله متخافيش، يلا بينا بقا احنا وجياد اهو معاه و هيطمنا
_ مش عارفة انا برد إيه دا اللي يعمل في ابني كدا بس!
ثم وصت أخيه عليه وذهبت وكذلك فعلت روني والتي انصرفت على مضض رغم عنها فكم كانت تود ألا تنفصل عنه أبدًا وتظل جانبه!
وبعدما ذهبوا، دخل جياد على أخيه النائم، ثم جلس جواره وهو يبتسم وبدأ يمسح على رأسه وقال في صوت خفيض:
_ قوم، قوم بقا يا صاحبي قوم.. مش قادر اشوفك تعبان كدا اكتر بجد، فين يزيد اللي اعرفه واللي دايما بيشاكس فيا!
ثم وضع قبلة صغيرة على جبينه، وتابع:
_ ربنا يشفيك يا حبيبي ويرجع لك لينا بسرعة.
*********
وفي صباح اليوم التالي، دخل شهاب المكتب على زوجته وفي يده ملف شامل كل ما فعله طيلة الأسبوع.
اقترب ثم جلس ووضعه على المكتب أمامها وقال:
_ بصي كدا يا ماهي واديني ال approval
فتحت الملف وأخذت تقلب فيه ببرود ثم قالت:
_ لا مش هديها، في حاجات محتاجة تتغير، محتاجة انك تشتغل عليها أكتر
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ لا يا ماهي بجد، أنا عملت كل المطلوب وزيادة و..
_ متقولش كلام بعدي، الشغل دا محتاج يتغير، يلا روح اشتغل عليه تاني بذمة وضمير وقبل الساعة ٥ يكون خلص
_ هو أيه المعاملة دي بجد! ما دايما كنا بنعمل كدا وكنتي بتعديها، إيه اتغير؟
تنهدت وردت في برود:
_ دا شغل، ومش علشان انت جوزي بقا هعديهالك، زيك زي الباقي، عيد الشغل دا ومتتعبنيش معاك
_ مينفعش يا ماهي والله الكلام دا.. انا تعبت جدا في الشغل دا!
_ وانا مالي! تعبك متقدّر بس الشغل غلط، أنا ذنبي إيه بقا؟
زفر في ضيق وهو يستغفر ربه في هدوء كي لا يتعصب ويرفع صوته عليها، وكانت هي لا تكترث بل تنظر إلى شاشة الحاسوب وكأنها مشغولة وحسب بعملها، قال في هدوء:
_ عديه يا ماهي بقا
_ قلت لا
ردت دون أن تنظر إليه.
تنهد ثم قام من مكانه واقترب من الكرسي الخاص بها وجذبها من ذراعها كي تقوم، قامت معه وهي تسأله في تعجب:
_ إيه هو؟
بتشدني ليه؟
وضع وجهها بين كفيه ورد في ابتسامة:
_ كأنك عصبية اوي الفترة دي؟ يا ترى ابني السبب؟
أمسكت بيديه والقتهما بعيدًا عنها، ثم ردت في غيظ:
_ ابوه السبب
وضع يده على شعرها وبدأ يمررها عليه، وقال في ابتسامة وهدوء:
_ عاملك مفاجأة حلوة اوي النهاردة
_ مش عايزة
_ اسمعي بس مش لما تعرفي إيه هي الأول!
_ إيه هي بقا؟
وضع بضع الخصلات خلف اذنها واجاب:
_ هنروح مركب تمشي بينا وسط البحر لوحدنا في جو رومانسي.
وأما نروح....
سكت برهة ثم تابع في ابتسامة أوسع وهو قريب منها للغاية:
_ مجهزلك عشا وهعملك ليلة عمرك ما هتنسيها، ليلتنا النهاردة هتكون ليلة كلها حب ودلع، ها إيه رأيك؟
تنحنحت ثم نظرت إلى عينيه وبدأت ترتبك قليلًا فهو قريب منها للغاية لذا كانت دقات قلبها عالية وسريعة، ثم ردت:
_ يعني... حلو، اعتقد هتكون ليلة حلوة
ابتسم ورد:
_ طب والشغل؟
فركت في مقدمة رأسها تشعر بالحرج، ثم ردت:
_ يعني.. هقبله المرادي وخلاص.. انت عارف بقا المراكب بتقفل بدري ولازم نلحق!
ضحك ورد:
_ معاكي حق، المراكب بتقفل بدري فعلا.
وبينما هما بذلك القرب، دخلت عليهما هانيا فجأة، فابتعد شهاب في سرعة هو الآخر، بينما تنحنحت ماهي وبدأت تعدل شعرها وملابسها، كي توهما بشيء لم يحدث، ثم ابتسمت وقالت:
_ هانيا؟ مش تخبطي!
كانت الأخرى تنظر إليهما وحسب من أعلى إلى أسفل، ثم ردت ما ان استوعبت انها تكلمها:
_ سوري، فكرت اني داخلة مكتب في شركة... في شغل، مش في اوضة نوم يعني، اعذريني بقا!
_ حتى لو مكتب أو..
قاطعها شهاب قائلًا:
_ خلاص يا ماهي حصل خير، شوفيها عايزة إيه وانا هروح على مكتبي
_ استنى متمشيش... همضيلك ال approval, ولا نسيت؟
_ اه ماشي مستني أهو
وبينما ماهي توقع له المواقفة، كان يختلس بعض النظرات نحو هانيا والتي كانت ترميه بنظرات حارقة كلها ضيق وغيرة غير مقصودة.
ولما رفعت ماهي بصرها لهما، نظر احاد كل منهما نظره عن الآخر، فقالت له:
_ خد ورقك اهو يا شهاب
اخذه الشاب وذهب، بينما هانيا اقتربت من مكان جلوسها وجلست ثم وضعت ملفها أمامها وقالت:
_ جياد طلب مني اوريكي حركة الترويج الفترة اللي فاتت كانت ماشية ازاي، بصي كدا وشوفي متفقة ولا عندك خطة بديلة تحبي تشاركيها بكرة في الاجتماع
أخذت منها الملف وبدأت تقلب فيه... وأثناء فعلها ذلك، قالت لها:
_ عاملة إيه يا هانيا، اخبارك ايه؟
_ تمام
_ واخبار حملك إيه ؟
_ بردو تمام، وانتي؟
ابتسمت وردت:
_ انا إيه بالظبط؟ قصدك تطمني عني أنا وعن احوالي... ولا عن حملي؟
صدمتها بكلامها ذلك، هي؟ حامل؟ كيف؟ كيف حدث ذلك؟ لقد اخبرها شهاب بأنه سينفصل عنها، هكذا وعدها وهكذا تصرفت، كيف له بأن يتم زواجه منها؟
وهذا منذ زمن بعيد، فلما اختطفها لما، لطالما اقترب من زوجته؟
تابعت ماهي في ابتسامة خفيفة:
_ إيه؟ مفيش مبروك؟
ابتلعت الفتاة ريقها مرات متتالية وهي تحبس دموعها، ولكنها تصنعت ابتسامة خفيفة وقالت في نبرة خافية كأنها اخرجتها من الأعماق:
_ مبروك طبعا.
ثم تنهدت وأضافت:
_ ممكن تكملي البص في ورقي وتمضي علشان اروح اكمل شغلي؟
_ اه أكيد
وبالفعل بدأت تقلب في الأوراق وتقرأ ماهو مدوّن بها، بينما هانيا كانت شاردة ليست معها، بل تفكر في كيف له أن يخدعها طيلة الوقت الماضي بذلك الشكل؟
*************
وداخل مكتب كاميليا، دخل فاتح عليها وجلس ثم سألها متعجبًا:
_ مش فاهم بجد، انتي لسه عروسة إيه اللي نزلك الشغل بدري كدا؟
ردت وهي تلتفت إليه:
_ عادي، ورانا شغل مهم ولازم يتركز فيه... خلينا نسيبنا من العادات والتقاليد دي شوية، الحاجات دي كلها شكليات مش أكتر..
ثم تابعت وهي تنظر إلى الأوراق التي يحملها:
_ وريني جايب معاك إيه شغل؟
تنهد ثم ترك الأوراق على المكتب وقال:
_ كنت عايز اتكلم معاكي شوية في موضوع مهم جدا
_ موضوع إيه؟
_ فاضية تديني من وقتك؟
_ طبعا فاضية يا فاتح، قولي؟
تنهد ورد:
_ موضوع خاص شوية... يخصني.. بس مش عايزك تقولي لحد اللي هقوله دا تمام؟
هيفضل سر بينا
_ أكيد طبعا، قولي بقا فيه إيه؟
*********
خرجت مشرفة الشيخ عطاالله في صالة الانتظار ثم نادت في صوت مسموع:
_ مايا الزيني، اتفضلي دورك
سارت مايا وحدها وهي تتجه نحو غرفة الشيخ وقد جاءت وحدها تلك المرة دون أن تخبر فاطيمة بأي شيء.
وفي خوف فتحت الباب وفي خوف خطت بضع خطوات نحو الداخل.
ابتسم الشيخ وقال لها:
_ تعالي يا بنتي تعالي ادخلي
بدأت تدخل أكثر، حتى جلست على الكرسي وهي تبتلع ريقها، ثم قالت له:
_ يا شيخ، بصراحة كدا ومن غير لف ودوران، أنا عايزة احمل، عايزة أحمل بأي شكل، بالله عليك دلني، قولي اعمل إيه وانا في عرضك، لازم أحمل بسرعة جدا لو سمحت، هل فيه حل؟
ابتسم وهو يهز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ كل حاجة في الدنيا ليها حل يا بنتي، انتي بس ثقي في الله ومتخافيش...
***********
ترك القلم من يده وعاد بظهره نحو الكرسي عقب يوم شاق مليء بالعمل، كان ظهره يألمه بسبب الجلوس لمدة طويلة على المكتب، ضرب الجرس فدخلت له السكرتيرة، تقول:
_ نعم؟
_ اندهيلي مدام هانيا
_ مدام هانيا، مشيت من ساعة كدا وحضرتك كنت في الاجتماع
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ ليه؟
_ قالت تعبانة وخلصت شغل بدري ومحتاجة تروح ترتاح
_ تعبانة! تعبانة مالها؟
_ مش عارفة مقالتش
سكت برهة يفكر... ثم قال لها:
_ جدولي فيه حاجة مهمة تاني النهاردة؟
هزت رأسها نافية، فقال:
_ طيب همشي أنا كمان
ثم قام وخلع الجاكيت والذي كان يعلقه على ظهر الكرسي ثم ارتداه وذهب.
ركب السيارة واتصل عليها اثناء القيادة ولكنها لم ترد.. بدأ يقلق قليلًا فاتصل على عوض قائلًا له بمجرد استجابته:
_ عوض، الهانم وصلت القصر؟
_ وصلت يا فندم، من نص ساعة كدا
_ تمام
انهى المكالمة معه، ثم قال لنفسه كي يطمئن:
_ اهدى يا جياد.. جايز نامت ولا حاجة!
كان يقود سريعًا حتى وصل القصر ودخل بالسيارة الحديقة ثم توقف واثناء خلعه حزام الأمان، وجد جماعة من الامن يلتفون حول شيء ما، حملق فيما يرى في خوف، وفي سرعة نزع الحزام ثم خرج من السيارة وبدأ يسرع نحوهم في خطوات اشبه بالركض حتى سمع صوتها فأذنه لم تخطئ في تميز صوتها أبدًا.
كانت تصرخ وهي تتألم.
مما جعله يركض أسرع فأسرع في ذعر بعدما علم انها تصرخ متألمة، فرق بين افراد الأمن في عنف وسرعة ثم وجد زوجته واقعة على الأرض تضع يدها على بطنها وهي تصرخ وتتألم، انتفض قلبه وامسك احدهم من ياقته وصرخ به قائلًا:
_ إيه اللي حصل لها انطق مالها!
رد الشاب في حزن:
_ كانت راكبة الحصان وفجأة لقناها واقعة وبتصرخ
انصدم من كلامه وشعر وكأن الزمن توقف هنا ولم يعد يستوعب أكثر وكأنه فقد الوعي... أهي فعلت هذا كي تتخلص من طفله؟
ربما قصدت ذلك أو.. أو ربما قضاء وقدر....
**********
انتوا بتطلبوا مني ازود أحداث البارت واطوله اكتر، وانا فعلا عملت كدا وبقت البارتات بتاخد مني فوق ال ٧ ساعات علشان يخلص البارت الواحد منهم، فياريت التفاعل يزيد علشان انا بضيع وقت كبير جدا اصلا لاني كدا هقلل فيه مش هكتره، لازم على الأقل خالص، فوت مش هياخد منكم كتير تقديرا للتعب دا.
واللي عايز الرواية تكون ٣ ايام في الأسبوع، ممكن اعمل كدا ماشي، بس على حسب الفوتس بردو، لو عدت ال ٢٠٠ فوت البارت الواحد، بعد كدا هنزل ٣ ايام في الأسبوع وهاجي على نفسي جامد علشانكم غير كدا، خلينا في اليومين
لقاؤنا يوم الجمعة
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
********
قصر آل الزيني الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل السابع و الثلاثون[ حقيقة لابد منها]
سلمى خالد احمد
*************
كان يقف لا يستوعب ما يحدث، ولم يفق عن هذا، إلا عندما صرخت به والدته:
_ جياد، انت واقف بتتفرج! شيلها بسرعة واجري على أقرب مستشفى يلا!
حينها استوعب ما يحدث وعاد إلى عالمهم تارة أخرى، وفي سرعة حمل زوجته المتألمة وأخذ يركض بها وخلفه يتبعه كلًا من عبير وفاطيمة.
وقفوا أمام السيارة وفي سرعة فتحت له عبير كي يضعها والفتاة لا تتوقف عن الصراخ، بدأ يُدخلها في السيارة وهو يقول في قلق شديد:
_ اتحملي شوية بس يا روحي هانت هانت ها
وبمجرد أن أدخلها، وجد دماء ابنه على يديه فحملق فيما بين يديه في خضة شديدة وعلم أنها نزفت ولكنه لم ييأس بل ركض في سرعة نحو مكان السائق وفتح الباب وهو يردد على مسمعه:
" هيعيش، هيعيش، ابني هيعيش"
ثم ركب وبدأ يقود في سرعة عالية، وفي الخلف تبكي عبير صارخة:
_ استحملي يا هانيا شوية خلاص وصلنا اهو وصلنا
وكذلك فاطيمة كانت تجلس في الجانب الآخر جانب الفتاة تتصنع الخوف والتوتر عليها..
************
_ قول يا فاتح وانا سمعاك، مش عايزاك تقلق، طول عمرك بتشيل اسرارك معايا عادي!
تحدثت كاميليا إلى أخيها وذلك عقب قليل من صمته.
تنهد ثم قال:
_ أنا... أنا اشتريت بيت وكتبته باسم مايا... موضوع زي دا هيزعج ماما جدا لو عرفت وهيكرّها في مايا اكتر واكتر وهتفتكر ان مايا هي اللي سلطتني وخلتني اكتب لها البيت دا.
سؤالي ليكي، أعمل إيه علشان أحسن علاقة ماما بمراتي؟ انا تعبت ومش عارف اعمل إيه علشان ماما تتعامل معاها عدل، ومايا لسبب دا علطول منكدة وسرحانة وبقت على غير العادة... فكرت اني اخرج من القصر بس انتي عارفة ماما هتعمل ايه لو قلت إني هعمل كدا... إيه رأيك؟
أخرج واعيش انا ومايا في البيت دا ولا اصالحهم على بعض؟
ولو هصالحهم على بعض، اعمل إيه اكتر من اللي عملته بقالي سنة؟
اطرقت الفتاة قليلًا... ثم ردت:
_ فاتح، هسألك سؤال واحد وبس
_ اتفضلي
_ انت ممكن تتجوز على مايا؟
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال:
_ مستحيل... أنا ارتبطت مرتين قبل مايا... والاتنين انتي عارفة آذوني ازاي.
واحدة كانت طمعانه فيا وفي فلوسي، والتانيه نفس الحاجة، كانت طمعانة وسمعتها بودني بتقول لزميل لينا في الشلة، يا ترى أما يموت هورث منه كام؟
اليوم دا عدى عليه سنين بس انا لسه فاكره وفاكر الجملة دي بالذات كأنها اتقالت إمبارح.
تنهد وتابع:
_ أما مايا... مايا علمتني الحب بعد ما فقدت الأمل وجالي عقدة.. مايا حبتني أنا، فاتح، مايا حبت فاتح، مش فاتح الزيني...
مايا عمرها ما طمعت فيا، عمرها ما آذتني.. قدمت لي كل اللي عندها ولو فيه حاجة تانيه احتجتها هتعمل المستحيل وهتقدمهالي.
مايا شبعانة ومتربية على الغالي، مش بتقول غير حاضر ونعم واهم حاجه عندها هو رضايا وبس.
ابقي راجل واطي لو نسيت كل دا وجرحتها في يوم من الأيام بالشكل دا...
سكت برهة ثم أضاف وهو يبتسم:
_ مش عايز أطفال خالص... لو دا قضاء ربنا، فأنا راضي... أصل هيفيد بإيه طفل، أمه مش مايا؟
ابتسمت كاميليا ثم ردت:
_ يبختها يا عم بحبها ليك... بص بقا، ماما...
قبلما تتابع، قطعها أحدهم وهو يفتح الباب، نظرت بسرعة هي واخاها فوجدا مجدي، يقول في سرعة بها التوتر:
_ فاتح، خلي بالك انت من الشغل ولو فيه أمور طارئة حلها، لازم اروح المستشفى، هانيا وقعت ووضعها حرج.
انتفض الشاب وكذلك أخته، وركضا في سرعة نحو مجدي وقال فاتح:
_ خير خير، انا جاي معاك يا عمي
_ والشغل؟
التفت فاتح إلى كاميليا وقال:
_ كاميليا حلي امور الشغل انتي وامجد، لازم اكون جمب جياد، يزيد في المستشفى
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ هخلص آخر حاجة وهنحصلكم
_ تمام، يلا يا عمي
وأثناء سيرهما في سرعة كبيرة نحو الخروج، قابلا روني وهي تجري والخوف ظاهرًا عليها جليًا، قالت لهما:
_ عرفتوا اللي حصل لهانيا؟
_ كلنا رايحين اهو يلا بينا
***********
_ وادي التليفون قفلته، اقفل انت كمان تليفونك ومضيعش اللحظة علينا، خلينا نفصل عن العالم دا شوية
تحدثت ماهي إلى زوجها وهما داخل إحدى المراكب وسط النيل.
ابتسم ورد:
_ اديني اهو قفلته يا ستي.
ابتسمت، ثم جلست على الكرسي وعلقت بصرها نحو السماء.. تنظر هكذا فقط للأعلى، إلى السماء.
عقد حاجبيه في استغراب من هذا، ثم نظر إلى ما تنظر وسألها مستفسرًا:
_ إيه اللي لافت انتباهك اوي كدا في السما؟
_ علاقتنا
سكت برهة يستوعب... ثم رد:
_ لا مش فاهم!
_ شايفة علاقتنا في السما
فرك جانب لحيته يفكر، وهو يشعر بعدم الفهم قليلًا ولكنه لم يعلق، ابتسم وحسب.
نظرت إليه وتابعت:
_ سواد الليل اللي في السما دا، هو دا علاقتنا... أما النجوم الصغيرة دي، فدا الضوء الخافت اللي فيها.. السر اللي لسه محافظ عليها...
تنهدت وتابعت:
_ نقدر نقول.. الحاجة الحلوة اللي موجودة فيها رغم سوادها وليلها..
أخذ يفكر في كلامها قليلًا... ثم رد في ابتسامة:
_ طب لحسن الحظ ان لسه فيها حاجة حلوة!
لسه فيه أمل يعني.
قامت من مكانها واتجهت نحوه حتى وقفت قباله وقالت في ابتسامة عريضة:
_ الدنيا في يوم من الأيام هتضحك لنا صح؟
أمسكت بيده ثم وضعتها على بطنها وتابعت في نبرة بها أمل واضح:
_ انا وابنك هيكون لينا مكان في قلبك في يوم من الأيام؟
ألقى نظرة إلى بطنها ثم رفع بصره نحوها ورد في ابتسامة:
_ طبعا يا هانيا أكيد
عبس وجهها فجأة واختفت الآمال جميعها وهي تنظر داخل عينيه، بينما الشاب حملق في خضة همما قاله توًا هاربًا من لقاء عينيها وهو يبتلع ريقه ويسب فعله وغبائه سرًا.
تكلمت في نبرة بها الحسرة واضحة:
_ هانيا!
_ ماهي انا اسف والله، دي ذلة لسان بس والله، انا آسف.. صدقيني هي مبقتش في دماغي والله، انا بحاول فعلا، انا بعدت، أنا...
ألقت يده بعيدًا عن بطنها، ثم تركته وذهبت كي تقف بعيدًا عنه أيضًا.
وبينما هو كان يقف يتبع أثرها في ضيق شديد مما فعله.
***********
أمام الغرفة في إحدى المستشفيات الخاصة الكبيرة في زايد.
كان يقف كلًا من جياد و أمه وعمتيه واخواه فاتح وحسان بالإضافة إلى حماه وحماته وروني.
كان الشاب يتحرك ذهابًا وايابًا في توتر شديد ظاهر للجميع، قلبه يدق في سرعة مرات متتالية لا تتوقف أساسًا.
وكان فاتح يعمل على مواساته كي يلهمه بعض الصبر والسلوان.
وكانت كلًا من حليمة وفاطيمة تقفا بجانب عبير حتى تصبر هي الأخرى على ما أصابها واصاب ابنها.
بينما حورية كانت تبكي بكاء شديدًا لا تستطيع الصبر، تخشى على ابنتها وعلى ما يمكن أن يصيبها بينما روني كانت تبكي وتعمل على تهدئة والدتها في آن واحد.
وفي نفس الوقت، خرج لهم الطبيب، فأسرعوا جهته يسألوه في شيء من الاستعجال، وقف جياد في المقدمة يقول في قلق:
_ خير يا دكتور، مراتي كويسة؟
_ الحمدلله المدام كويسة، بس للأسف فقدنا الجنين، ربنا يعوض عليكم.
تعالت أصوات البكاء والصريخ لحظتها، أما الشاب فقد كان مصدومًا لا يستوعب ما قيل له توًا، وقال في عدم استيعاب للطبيب:
_ لا، بص... اتأكد طيب أكيد فيه حاجة غلط.. مينفعش.. مينفعش ابني يموت، حاول تاني اتصرف!
_ عملنا كل اللي نقدر عليه أكيد، عن إذنك
وقفا كلًا من فاتح وحسان خلفه، كانا يقفا في ظهره، وقال له فاتح وهو يمسح على كتفه:
_ ربنا يعوض عليك يا حبيبي، اتحمل ها، اهدى يا حبيبي اهدى
بينما حسان، فلم يستطع التحمل، فبكى على صدمة أخيه وكسرته وهو يربت على كتفه فلم يستطع أن يواسيه ولا ينطق كلمة واحدة حتى.
أسرعت عبير صوب حورية وصرخت بها:
_ بنتك هي اللي قتلت ابننا، صدقيني هندفعها التمن غالي اوي
وسمعها جياد ورنت في اذنه تلك الكلمات فيما كان يفكر فيه أساسًا.
***********
كان باسم داخل سيارته يقودها في سرعة يتمنى ان يصل إلى المكان الذي يوده قبل إشراق الشمس.
واثناء قيادته، صدح صوت هاتفه.
استجاب لمحدثه وهو يضع سماعة الأذن:
_ إيه يا ماما؟
ردت الأخرى وهي مبتعدة عن الجميع تقف في إحدى الزوايا بالمشفى:
_ باسم، تعرف تأخر رجوع الشيخ شوية من قطر؟
_ اشمعنى؟
_ هانيا، سقطت ومستنية الباقي، لازم تطلق بقا وانت عارف الشيخ لو هنا هيصلح الأمور، اتصرف ارجوك، عطله بأي شكل
_ سوري
_ إيه؟
_ مش انا لو وقعت هقع لوحدي؟ بتلجأي ليا ليه بقا دلوقتي؟
زفرت في ضيق ثم ردت:
_ مجرد كلام طبعا.. انتي ابني اكيد مش هستغنى عنك، بس كنت بحاول اخوفك علشان تتكلم، اتصرف بقا ها، بس خلي بالك، لا تغلط وافتكر اني بعمل كل دا علشان خاطرك انت واختك وخاطر مستقبلكم، جياد لازم يتجوز تالية وتالية لازم هي اللي تجيب الحفيد مش هانيا، فهمت ؟
_ هفكر... سلام
انهى المكالمة معها وقال في غيظ لنفسه:
" دا انتي ست بتاعت مصلحتك جدا يعني"
ثم أمسك بالهاتف واتصل على أحدهم وقال بمجرد رده:
_ صفوت، اسمع انا هقولك إيه ونفذه بالحرف وحلاوتك عندي.
**********
كانت أسيل داخل غرفتها تتحرك بها في فرحة وسعادة، التقطت هاتفها واتصلت على ابنة خالتها والتي ما إن استجابت قالت لها:
_ إيه يا أسيل؟
_ انتي فين يا تالية؟
_ أنا في الطريق راجعة، كان عندنا ضغط شغل كتير.. ما طبعا مبقتيش انتي في صف الموظفين خلاص بقيتي نائب المدير، ملكيش دعوه انتي بضغط شغل الموظفين دا.
ردت عليها في ابتسامة:
_ يا قلبي، قريب وهتبقي مديرة أعمال جياد الزيني وتاخدي مكان هانيا في الشركة.... و... وفي القصر
_ مش فاهمة؟
تنهدت وردت:
_ جالي تليفون من ماما من شوية، ادتني البشارى.. حبيية قلبك سقطت
شهقت في فرحة وردت:
_ بتهزري يا أسيل صح؟
_ لا يا روحي بتكلم جد.. وكلهم على آخرهم منها في المستشفى، وخلاص اللي باقي بينها وبين جياد بينتهي
_ هروح على المستشفى حالا
_ طبعا، لازم تقفي جمب حبيبك في أزمة زي دي
_ مش هتيجي؟
_ لا، مليش في المشاهد الدرامية، بحب الكوميديا بس.. أما هي تيجي هنا هضحكني هي واختها كتير، هستناهم، هاخد شاور وأقعد في انتظارهم
_ اوكيه، يلا باي هروح أنا
_ باي
انهت المكالمة معها، ثم قالت في ابتسامة لنفسها:
" وادي هانيا... لسه الدور الجاي عليكي يا روني، واللي جاي أحسن واتقل"
*********
وبمجرد أن سمح لهم الطبيب بالدخول لها، اندفعت روني نحوها ثم انكبت تضمها إلى صدرها، بينما الفتاة كانت تبكي في قهر تقول في نبرة مليئة بالقهر:
_ ابني يا روني، طمنوني، جراله إيه ابني؟ ابني كويس صح؟
وقبلما ترد روني، دخل جياد والغضب يكسو ملامح وجهه، ثم وقف أمامها ولم يكن بينهما مسافة إلا بضع سنتيمترات
وبينما روني تمسح على شعرها، قالت له وهي تبكي:
_ جياد، طمني، ابننا كويس؟
ابتسم نيابة عن السخرية ثم اجاب ساخرًا:
_ ابننا مات
_ لا لا متقولش كدا ارجوك لا
_ ششش متعمليش نفسك زعلانة عليه، كفاية تمثيل بقا انتي ممثلة فاشلة اساسا...
ثم صرخ غاضبًا وعلى صراخه، دخل البقية:
_ انتي قتلتي ابني، انتي مجرمة، فاهمة يعني قتلتي ابني؟ فاهمة يعني إيه قتلتي طفل برئ علشان بس تخلصي مني؟
كانت تهز رأسها بالسلب مرات متتالية في عدم تصديق، وضع مجدي يده على كتف الشاب وقال:
_ بس يا جياد اهدى من فضلك
صاح به:
_ لا مش ههدى يا عمي، وبنتك مبقتش تلزمني، من النهاردة انا همشي في كل إجراءات الطلاق القانوني...
ثم نظر إليها وعيناه مليئة بالانتقام والغضب:
_ أما دلوقتي خلينا نبدأ بالطلاق الشرعي... هانيا انتي طا....
وقبلما ينطقها، كممت حورية فمه سريعًا وهي تصرخ:
_ لا، لا بالله عليك لا، اهدى بس انت عضبان اهدى، اهدى وفكر وكله بالهدوء هيجي
وتدخل فاتح وهو يجر أخيه إلى الخارج ويقول:
_ تعالى معايا، تعالى اهدى خلينا نتكلم برا يلا
_ اوعى سبني يا فاتح، انا هطلقها يعني هطلقها
_ تعالى بس معايا تعالى وبعدين ابقى اعمل اللي انت عايزه يلا
وقبلما يخرج به، صاح في غضب وقهر:
_ بنتكم متلزمنيش خلاص مبقتش تلزمني خلاص كل حاجة انتهت، انتهت
جرّه فاتح عنوة حتى خرج به من الغرفة.
بينما الفتاة انفجرت بالبكاء كانت تبكي بكاء جمًا، تقول في نبرة غير مستقرة نتيجة الشهقات:
_ معملتش كدا، لا..لا مش أنا لا، مقتلتش ابني يا روني، مقتلتش ابني يا بابا لا
كانت روني لا تتوقف عن البكاء نتيجة لقهر أختها وما تعانيه، بينما عبير مسحت دموعها وقالت في نبرة حادة صارمة:
_ كلمة وابني قالها، البت دي مبقتش تلزمنا خلاص وورقة طلاقها قريب وهتوصل لها، سامعين!
ثم خرجت من الغرفة مغاضبة، وخلفها يتبعها كلًا من حليمة وفاطيمة.
بينما حورية هدأت قليلًا وقالت لابنتها في غيظ شديد:
_ بقا فيه واحدة تبقى في اول حملها في الدنيا وتركب حصان!
اقول عليكي إيه يا شيخة منك لله، منك لله وحسبي الله ونعم الوكيل فيكي
أما مجدي فقد صاح:
_ خلاص يا حورية، انتي اصلا مش شايفاها عمالة تعيط و بتتشحتف ازاي! اللي حصل دا قضاء وقدر
_ انهي قضاء وقدر دا ها؟ القضاء والقدر هما اللي ركبوها الحصان!
لو اللي بيتحدث مجنون فالمستمع عاقل، هي بس اللي مش قادرة تنسى الوسخ بتاعها اللي زيها وخربت حياتها ودمرت بيتها وقتلت ابنها علشان شوية مشاعر فارغة وحب بدون جواز وقلة أدب وعدم تربية وتأثير مننا في تربيتها واضح.
وهنا لم تحتمل الفتاة أكثر، فبدأت تبكي بصوت عالي اشبه بالصراخ ونفسها بالكاد تلتقطه بصعوبة، فصرخت روني ما إن رأت اختها هكذا:
_ خلاص يا ماما بقا خلاص، البت بتنزف وخسرت ابنها مفيش داعي لكلامك دا، شوية رحمة بعد اذنك بقا!
قبلما ترد، جذبها مجدي من ذراعها وهو يقول:
_ يلا نخرج وسبيها مع أختها ترتاح شوية، يلا
_ سبني يا مجدي لأزم اجيبها من شعرها
_ يلا يا حورية بقا يلا
وبالفعل جرّها معه وكانت الأخرى تسير معه عنوة وهي لا تتوقف عن توبيخ ابنتها حتى خرجا من الغرفة.
وداخل حضن روني، كانت هانيا لا تتوقف عن البكاء والشهقات العالية، تقول لأختها:
_ مقتلتش ابني يا روني والله ما قتلته والله ما أنا والله
ردت الأخرى وهي تزداد من ضمها إليها، وتمرر يدها على شعرها:
_ شش بس يا روحي مصدقاكي والله مصدقاكي بس اهدي شوية بس ها، اهدي وكفاية عياط.
*************
وداخل غرفة يزيد في نفس المستشفى ولكن في قسم آخر.
دخل حسان عليه، وكان الشاب يتناول الحساء، وسريعًا لاحظ أن اخاه به شئ ما وعليه قال في قليل من التوتر:
_ إيه يا حسان، مال وشك؟ خير في أي؟
كان حسان من نوعيات الشخصيات التي تفشل في إخفاء مشاعرها وحزنها، لذا فهم يزيد ذلك سريعًا.
ابتلع الشاب ريقه ورد:
_ مفيش، جيت اطمن عليك بس مش اكتر، قلت جايز محتاج حاجة ومحدش معاك يعني
_ حسان ارجوك متكدبش عليا، انا اصلا من بدري حاسس ان فيه حاجة، روني متصلتش ولا جت، لا هي ولا جياد، رغم انهم خلصوا المفروض شغل وبكلمهم محدش بيرد عليا، ارجوك طمني فيه إيه؟
تنهد حسان ورد:
_ هانيا...
_ مالها هانيا؟
_ يعني.. سقطت الطفل
حزن كثيرًا وتضايق بشدة ما إن سمع ذلك من أخيه ثم قال:
_ يا ربي... يا ربي بجد... لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهي عاملة إيه دلوقتي؟
_ اعتقد كويسة وفاقت
_ وجياد؟
_ زعلان جدا وخرج بالعافية مع فاتح بعد ما كان هيطلقها
_ كل دا حصل في غيابي وانا قاعد مرمي هنا!
_ هتعمل ايه يعني ما انت تعبان يا يزيد!
أخذ شهيقًا ثم زفره على مهل ورد:
_ مستحيل كدا.. لازم اكون جمب جياد طبعا، أنا هخرج
_ الدكتور مأذنش
لملم الشاب اشيائه، ثم رد وهو يرتدي المعطف:
_ عنه ما أذن، أنا لازم اكون جمب اخويا في وقت زي دا، مش مهم انا ولا مهم دماغي ولا مهم أي حاجة.. المهم جياد يبقى كويس ويلاقينا كلنا حواليه
_ بس...
_ انا همشي يعني همشي
انهى كلامه وبالفعل خرج من الغرفة وهو يخرج هاتفه كي يتصل على أخيه وبجواره كان يسير حسان.
***********
داخل سيارة فاتح، كان يجلس هو مكان السائق وبجانبه جياد والذي أسند رأسه إلى الكرسي شاردًا فكل ذلك الذي يحدث معه.
تكلم فاتح عقب دقائق من الصمت:
_ جياد، اللي حصل دا قضاء وقدر... مفيش حاجة اسمها أم تقتل ابنها دي!
رد عليه في نبرة مليئة بالحزن:
_ هي بتكرهني
_ مش عارف ليه انت شايفها كدا، بس حتى لو بتكرهك مش هتكره ابنها...
جياد صدقني، كان باين على وشها الخضة والخوف والتوتر وعيطت بقهر، مفيش حد هيكون قاصد يعمل كدا ويمثل بالأداء دا!
الواضح انها مقصدتش فعلا او ان فيه حاجة حصلت
_ بتركب الحصانة ليه؟
_ دي اسئلة اجابتها عندها، اسمعها ولو مقتنعتش طلقها زي ما انت قلت، بس دلوقتي بلاش طلاق واستعجال علشان بعدين متندمش لو عرفت انها معاها حق!
_ لا عايز اسمعها ولا عايز اشوف وشها
_ وانا رأيي كدا بردو.. بلاش مواجهة دلوقتي، انت محتاج تبعد وتهدى وتفكر لوحدك وتوزن الأمور.. انا دلوقتي هاخدك على شقة العايلة، تقعد بعيد عن القصر تفكر و تحسبها بعيد عن الدوشة والكل.
وبالفعل ضغط على المقود وامسك بعجلة القيادة ثم قاد، وبمجرد أن تحرك، تحدث جياد:
_ مش عايز اروح شقة العايلة... هروح شقة ليا أنا، بتاعتي
_ ماشي اللي يريحك، قولي عنوانها إيه؟
أخبره العنوان، ثم أخرج هاتفه من جيبه بعدما رن بما فيه الكفاية، تنهد واستقبل المكالمة يقول:
_ إيه يا يزيد؟
_ إيه يا جياد عمال ارن عليك بقالي كتير؟
_ معلش، تليفوني كان سايلنت.. انت كويس؟ في حاجة محتاجها؟
_ انت اللي كويس؟ انت فين؟
تنفس ورد:
_ رايح على شقتي
_ فين دي؟
_ انت عارفها.. بس أنا مش عايز اقابل حد ولا عايز اتكلم مع حد، ارجوك سبني بس شوية وانا أما اهدى وأقدر اتكلم، أكيد انت اول حد هتصل عليه
_ بس يا جياد...
_ ارجوك يا يزيد ارجوك، أنا عايز ابقى لوحدي شوية، ممكن؟
_ تمام ممكن
_ شكرا، يلا سلام
انهى المكالمة معه ثم قال لفاتح:
_ متقولش لأي حد على مكاني دا.. انت ويزيد بس اللي تعرفوه، انا مش عايز دوشة ولو ماما سألت قولها كويس بيريح اعصابه بس وراجع
_ تمام.
*********
وداخل غرفتهما، جلست على السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها، تسند رأسها إليهما في وضعية كئيبة، شاردة في نقطة واحدة سوداء، وقلبها ينبض باسمه وباسم العذاب الذي باتت تراه الوانًا واشكالًا منذ أن دق له قلبها.
بينما هو كان يجلس بعيدًا عنها قليلًا لا يعرف ماذا عليه أن يقول، فقد هربت الكلمات من شفتيه واختفت الأحرف من لسانه.
كان يحك يديه في بعضهما البعض في ترقب لما سيحدث..
وعقب صمت طال... قال:
_ ماهي.. أنا فعلا مكدبتش عليكي، والله يا ماهي بحاول انسى طيب.. دي ذلة لسان بس.. ماشي الموضوع يدايق بس أنا فعلا والله بعمل كل اللي اقدر عليه علشان انسى، فعلا بقيت حاطك انتي وابني أولوية قدامي طول الوقت.
قام من مكانه وأخذ يقترب من موضع جلوسها... توقف لحظة ثم مد يده وعلقها في الهواء لثوان ثم وضعها على شعرها وأضاف:
_ صدقيني أنا..
ابعدت يده عنها، دفعتها بقوة.
ثم نهضت سريعًا وقالت له في نبرة مليئة بالضيق:
_ ملعون ابو الحب اللي يعمل في الواحد كدا.
ثم اتجهت نحو الخزانة واخرجت حقيبة وأخذت تضع فيها ملابسها في سرعة وضيق، وقف يراقب ما تفعل قليلًا ثم قال:
_ على فكرة دي شقتك.. افضلي فيها أنا اللي همشي
ردت عليه وهي تغلق محرك الحقيية:
_ لا انت افضل هنا في الشقة دي، مكان فاضي اهو، اقعد اتخيل فيه حبيبتك براحتك، او اتصل بيها هاتها تسلوا بعض شوية، علشان انا واخويا بقالنا كتير كاتمين على نفسكم.
جهزت الحقيبة، ثم ارتدت معطفها ولمت شعرها، ثم جرّت الحقيبة والتي كانت مزودة بعجلات وخرجت إلى الصالة، خرج ورائها وقال:
_ ماهي الوقت اتأخر مفيش خروج دلوقتي
_ هخرج
_ طب استني البس الجاكيت وهاجي اوصلك
_ شكرا مستغنيين عن خدماتك
_ ماهي قلت استني مينفعش تمشي لوحدك دلوقتي، من هنا لزايد بعيد
ضحكت ساخرة منه وردت وهي قريبة من باب الشقة للغاية:
_ متعملش نفسك راجل بس وخايف عليا وكدا
تضايق بشدة من تلك الإهانة والتي دائمًا ما ظلت تلحقه بها، فقال في نبرة صوت حادة:
_ اقسم بالله لو خرجتي من باب الشقة دي دلوقتي لتبقي طالق
كانت قد أمسكت بالمقبض وفتحت الباب قليلًا ولكن تلك الجملة اوقفتها.
ثم اضاف في غيظ أشد:
_ أنا هعرّفك بقا انتي متجوزة راجل وليه كلمته ولا لا
ظلت مكانها بين الخروج والدخول كما هي تمسك بمقبض الباب، كانت مترددة للغاية والكبرياء ينكزها والتحدي يقتلها كي تخرج، بينما قلبها يدفعها للعودة إلى الوراء خطوة... وبين الصراع وبين التردد، تركت المقبض.
التفتت إليه مرة واحدة، تنظر إليه في غيظ والقت بالحقيبة لتقع على الأرض سريعًا، ثم اقتربت منه في خطوات سريعة، وضربته على صدره ضربة قوية نسبيًا أخرجت بها غيظها وغضبها منه وصاحت في وجهه:
_ مصيري هعرف اتحدى قلبي واقدر ابعد عنك، مصيري هقدر اتخلص من سِمّك اللي بيجري في دمي باسم الحب، مصيري...
ثم أسرعت جهة الغرفة ودخلتها وغلقت على نفسها بالمفتاح من الداخل كي لا يتمكن من الدخول إليها.
والقت بنفسها على السرير، تبكي كعادتها...
**********
هدأت هانيا قليلًا وكانت تنام على جانبها الأيسر أو بمعنى أصح تدّعي أنها قد نامت كي لا تظهر لأختها ما بها.
كانت تلمس بطنها في حسرة لا تصدق أنه لم يعد طفلها هنا كما كان من قبل.
لا نبض...لا مغص..لا اثر له..
وبدون قصد، خرجت شهقة منها عالية، لاحظتها روني سريعًا فعلمت أنها لم تنم إنما هربت منها نحو الجهة الأخرى، وعليه بدأت تمسح على ذراعها وتقول:
_ هوني على نفسك يا روحي قلبي شوية.. انتي لسه صغيرة وان شاء الله ربنا يعوض صبرك خير ويرزقك بداله قريب
تفوهت بكلمات خرجت من نبرة صوت ضعيفة للغاية:
_ انا مقتلتش ابني، أنا مقتلتوش.. أنا مقتلتش ابني..أنا مقتلتوش
وفي تلك الأثناء دخلت عليهما حورية والغضب يكسو ملامح وجهها، أخذت تقترب حتى وقفت قابلة سرير ابنتها وقالت:
_ الدكتور قال انك تقدري تروّحي، قومي يلا روّحي على بيتك وبيت جوزك
تدخلت روني قائلة:
_ ماما بس انتي عارفة
نهرتها قائلة في صوت عالي:
_ ملكيش انتي دعوة، ماشي؟
ثم هزت ابنتها النائمة وهي تقول :
_ قومي يا بت قومي متدعيش التعب كدا يا روح امك، ما كلنا عارفين اللي فيها وعارفين انك عملتي كدا علشان تطلقي وتتجوزي القذر اللي شبهك، قومي.
_ براحة عليها يا ماما بجد!
_ قلت ملكيش دعوة انتي!
قامت هانيا وجلست على السرير وهزت رأسها موافقة وقالت:
_ ماشي يا ماما، حاضر، هقوم دلوقتي اروح، عارفة كدا كدا اني عمري ما هيبقالي مكان في بيتك.. انتي قيلالي كدا من زمان
_ جدعة، يلا بقا قومي، روحي بيتك واتكلمي مع جوزك وهدّيه لان انتي عارفة كويس اوي ان مفيش طلاق ليكي من جياد الزيني، سامعة؟
تنهدت وتابعت:
_ قوليله حجتك الباطلة يمكن يصدقها واحترميه واعتذري منه الف مرة علشان يرضى عليكي واوعي ترجعيلي
انهت كلامها ثم خرجت مغاضبة مثلما جاءت.
قالت روني لأختها في ضيق:
_ سيبك منها ومن كلامها، متحطيش في نفسك ولو مش عايزة ترجعي فعلا مترجعيش يلا بينا نروح اي مكان تاني و...
قاطعتها الفتاة قائلة في نبرة ضعيفة مليئة بالتعب:
_ هرجع يا روني.. هرجع وهقول لجياد اللي فيها، يمكن يصدقني.. هعمل اللي عليا على الأقل.
وبالفعل ركبت مع أختها السيارة الخاصة بها وقادت روني متجهة إلى القصر.
وبمجرد أن وصلتا، دخلتا وصعدتا الدرج على مهل نظرًا لما تعنيه هانيا، ثم فتحت الغرفة لها ودخلتا معًا، وما إن جلست الفتاة المتعبة على السرير، حتى دخلت عليهما عبير بعدما فتحت الباب في قوة وصاحت في غضب:
_ انتي إيه اللي رجعك هنا يا بت انتي!
يلا روحي عند امك يلا، ملكيش مكان هنا، ابني قال انك متلزميهوش يلا اطلعي من هنا
تحدثت روني إليها في صوت عالي نسبيًا:
_ دا بيتها، وجوزها بس اللي يقولها كدا محدش غيره
لترد الأخرى في تحدي وغيظ:
_ دا بيتي وانا بس اللي اقدر اقولها كدا
ثم صاحت في غضب وهي تشير جهة الباب:
_ يلا امشي من هنا يلا، تعبتي الواد وحرقتي قلبه ودلوقتي قهرتيه على ابنه ولسه قاعدة في بيته؟ قد انتي بجحة!
كانت الفتاة تنظر إليها وحسب والدموع تتساقط على خديها.
اقتربت منها عبير وجذبتها من ذراعها في قوة وهي تصرخ:
_ انتي لسه هتقعدي تمثلي وتعملي علينا الشويتين دول، ما كفاية دموع التماسيح دي بقا حفظناها
تقول ذلك وهي تجرها نحو الخارج، وكانت روني تصرخ وهي تحاول أن تجعلها تترك اختها:
_ سبيها بقا سبيها اوعي سيبي اختي اوعي
خرجت بها من الغرفة واتجهت بها نحو الدرج كي تنزلا، كانت الفتاة على حذر كي لا تقع على وجهها على السلم تصرخ في ترجي:
_ براحة شوية عليا هتوقعيني من على السلم براحة
وكذلك روني تنزل بماحذاتهما وهي تصرخ:
_ سبيها هتوقعيها حرام عليكي سبيها
بينما عبير كانت مستمرة فيما تفعل، تجر الفتاة كما البهيمة دون رحمة أو انسانية دون مراعاة انها أم فقدت ابنها اليوم.
وبعدها انتهتا من النزول، سارت بها في بهو القصر نحو المدخل الرئيسي للقصر، وهي لا تزال تصرخ:
_ يلا يا زبالة برا بيتي، كان في بطنك ابننا أمانة ومعرفتيش تحافظي عليه، ملكيش مكان بينا يلا
_ حرام عليكي سبيها بقا سبيها يا ست انتي، ابعدي ايدك عن اختي سبيها
وتداخلت الأصوات، الثلاثة تصرخن:
_ انا مقتلتش ابني حرام سبيني، مقتلتوش والله ما قتلته
_ سبيي اختي سبيها بقولك
_ برا بيتي برا
حتى دفعتها خارج القصر وتابعت صراخها:
_ يلا امشي يلا
كانت الفتاة تقف على درجات السلم بعدما دفعتها بقوة، لدرجة كادت أن تقع، لولا ان اسندت نفسها، تنظر إليها نظرات مليئة بالقهر.
وصرخت بها روني تحاول الخروج:
_ اوعي خرجيني لاختي اوعي
دفعتها كي تدخل قائلة:
_ لا، مفيش خروج ليكي ولو خرجتي مفيش دخول لهنا تاني
_ متقدريش تمنعيني أخرج لاختي
_ قلت مفيش خروج ليكي الوقت متأخر
صاحت الفتاة في عدم تصديق:
_ وعادي تخليها تمشي هي في وقت متأخر!
ثم دفعت يدها وتمكنت من الافلات منها وخرجت من القصر وأخذت تركض خلف أختها والتي كانت تسير في ترنح تسند نفسها بصعوبة مبالغ فيها كي لا تسقط على الأرض.
صرخت عبير في غضب:
_ طالما مشيتي وراها، يبقى انتي كمان ملكيش رجوع للبيت دا زيها، انا هوريكم يا بنات السلاب
كانت الفتاة تمسك باختها وهي تستمع لكلمات حماتها، وقالت لها هانيا في بكاء:
_ ارجعي يا روني بلاش تخربي على نفسك ارجعي
هزت رأسها رافضة بشدة، ثم صاحت ترد على حماتها الواقفة هناك تنتظر جوابها:
_ مستحيل ارجع سامعة.. دي اختي دي روحي، مسبهاش ابدا لوحدها، اعملي اللي تعمليه ويحصل اللي يحصل، بس اختي مستحيل اسيبها
وصل لها الجواب، فهزت رأسها في قبول لهذا وقالت:
_ جدعة، خلي اختك تنفعك بقا، اهو كدا عرفت اخلص منكم انتوا الاتنين دفعة واحدة..
وقبلما تغلق الباب الرئيسي للقصر في وجههما لأول مرة وتعني أنه تم طردهما، فهذا الباب لا يغلق أبدًا إلا عند النوم، لمحت دخول مايا فقد اتت توًا من الخارج بعدما انتهت زيارتها عند الشيخ المزيف، والتي اقتربت من اختيها تسألهما في خوف:
_ إيه اللي حصل، مالكم؟
قبلما ترد روني، صاحت عبير كي تسمعها الفتاة:
_ اخواتك اطردوا يا مايا، وملهمش رجوع تاني للقصر، شوفي انتي بقا تحبي تدخلي ولا تحبي تروحي معاهم وهدومكم وحاجاتكم كلها تحصلكم انتوا التلاتة؟
وقفت الفتاة و الصدمة لا تصدق ما تسمعه، فقالت لها روني:
_ ارجعي يا مايا، ارجعي انتي، كدا كدا احنا كمان راجعين
ثم أخذت أختها وتحركت نحو سيارتها المصفوفة هناك. بينما مايا كانت لا تزال تقف مكانها لا تستوعب ما يحدث، فنادت عليها عبير وقالت:
_ ايه هتفضلي واقفة كتير!
جاية معانا ولا معاهم؟
نظرت الفتاة إلى اختيها المتجهتين صوب السيارة، ثم إلى حماتها الواقفة هناك وعلى وشك أن تغلق الباب، ثم اختارت الرجوع والقصر و زوجها.
تنهدت ثم اتجهت نحو عبير حتى وقفت قبالها، نظرت إليها عبير في ابتسامة ثم فتحت لها الباب مفسحة الطريق كي تدخل، وبمجرد دخولها، غلقت الباب في قوة حتى وصل صوته إلى الفتاتين قبل انطلاق السيارة بهما.
تنهدت روني ما إن سمعت ذلك، ثم نظرت إلى أختها وقالت:
_ اهدي خالص كل حاجة هتتحل متخافيش
ثم ضغطت على المقود وانطلقت...، واثناء انطلاقها، رأتهما كاميليا فعرفتهما ولكنها لم تتمكن من ايقافهما...
وداخل القصر، خلف الباب المغلق، قالت عبير لمايا:
_ من هنا ورايح، لازم تسمعي كلمتي واخواتك دول تنسيهم تماما لو كنتي ناوية تعيشي وتكملي معانا يعني
ثم تركتها وذهبت.
وفي الخلف، احتضنت حليمة أختها وهي تقول:
_ اخيرا يا فاطيمة
_ الحمدلله يا حليمة، ربنا نصرنا والاتنين اطردوا مع بعض
_ روني هترجع احتمال كبير
_ بس خلصنا اهو من واحدة... لازم نفضل ورى جياد لحد أما يطلقها ويرمي حاجتها وراها، وكدا كدا روني هتحصلها
_ طب وعبدالله لو رجع وعطلنا؟
_ قلت لباسم يتصرف وقال هفكر دلوقتي اتصل اشوفه، الفكرة بس فين جياد؟
وفي الجهة الأخرى، كانت تقف أسيل تضحك في سعادة مبالغ فيها، تشير إلى الباب وتصيح في فرحة محدثة تالية:
_ شفتي، شفتي اطردوا ازاي؟ شفتي اترموا رمية الكلاب ازاي؟
لترد الأخرى في ابتسامة أوسع وسعادة واضحة جليًا:
_ شفت شفت، يا ما انت كريم يارب، هانت هانت، يارب ورقة طلاقها تتبعت لها
التفتت أسيل حولها وتساءلت:
_ اومال فين جياد؟
_ يمكن راح يخلص إجراءات الطلاق؟
_ أكيد نفسنا دا يحصل، بس الوقت متأخر، عايزينه قدمنا علشان نضغط عليه كلنا احسن يتراجع
_ لا لا يتراجع إيه تفي من بؤك.. أنا راقبته وعرفت راح فين، بكرة هروح اتكلم معاه وأزن على دماغه واوزه واسخنه عليها علشان يطلقها
_ عرفتي مكانه منين؟
_ راقبته هو وفاتح بعد ما خرجوا من المستشفى،كان عندي فضول اعرف فاتح هيقوله إيه لاني كنت خايفة يخليه يتراجع بس للأسف اتكلموا جوا العربية ومقدرتش اسمع حاجة، بس راقبتهم بقا وعرفت العنوان
_ طيب برافوا عليكي، ايوا اعملي كدا، خلاص هانت يا تالية، هانت باقي تكة وهتبقي تالية الزيني، مدام جياد الزيني...
************
_ انا وديته البيت واطمنت عليه، اظن لازم نسيبه يرتاح شوية لحد الصبح حتى وبعد كدا نعمله زيارة
تحدث فاتح إلى أخويه، وعلق يزيد قائلًا:
_ بالله عليك كان كويس وانت سايبه يا فاتح؟
_ اه والله يا يزيد متقلقش
سكتوا برهة حتى عاد فاتح إلى الحديث فقال:
_ انا بس مش فاهم هو ليه عمال يقول، قتلت ابني قتلت ابني.. مش فاهم الموضوع دا بجد، ليه ام ممكن تقتل ابنها!
رد عليه يزيد:
_ هو قال كدا؟
_ ايوا وكان عايز يطلقها كمان
_ يلا يلا ادينا مروحين وهنتكلم معاها علشان نفهم إيه اللي حصل بالظبط
وأثناء اتجاههم نحو السيارات الخاصة بهم، تحدث حسان:
_ تفتكروا جياد ممكن يزعل اننا مش جمبه؟
هز يزيد رأسه نافيًا ثم قال:
_ في العادة جياد أما بيوصل لهنا، بيكون عايز يبقى لوحده فعلا، جياد قوي متقلقوش عليه هيعدي وهيتجاوز
**************
وداخل غرفة عبير، كانت كاميليا تقف أمامها تتكلم معها، تقول:
_ ايه يا ماما، روني و هانيا رايحين فين دلوقتي؟ انا شفتهم ماشين بالعربية لوحدهم!
ردت الأخرى بنبرة مليئة بالتشفّي:
_ غاروا في داهية مطرح ما جم، راحوا لامهم الحرباية
عقدت الفتاة حاجبيها في استغراب وردت:
_ يعني إيه يعني؟ هانيا فقدت جنينها يعني يلزم لها راحة!
_ وراحتها دي عند أمها مش عندي، ابني قال متلزمنيش، يبقى متلزموش..
ثم أضافت في نبرة أعلى وأكثر حدة:
_ البت دي مجرمة، قتلت ابننا، قتلت اول حفيد لعايلة الزيني
_ وهي ليه تعمل كدا يا ماما؟
_ وهي ليه تركب حصان اصلا!
_ ماما بس حرام، دي...
صاحت في وجهها:
_ مش انتي اللي هتعرفيني الحلال والحرام دلوقتي، ماشي؟ فكك مني بقا ويلا شوفي انتي رايحة على فين
سكتت كاميليا قليلًا لما غاظتها افعال والدتها، ثم ردت عليها بنبرة حاسمة:
_ حتى لو هانيا غلطت، حتى لو دا حصل، دا ميدكيش الحق انك تطرديها من بيتها يُعتبر في وقت زي دا وهي في حالة زي دي، على الأقل كان لازم تكوني إنسانة.
ألقت الجملة تلك في وجهها ثم تركتها وذهبت مغاضبة، اغتاظت عبير من طريقة تحدث ابنتها معها لذا صاحت في غضب:
_ وانتي على الأقل كان لازم تكوني محترمة ومترديش على مامتك يا متربية.
ثم هدأت قليلًا وحدثت نفسها:
" امتى سحر عايلة السلاب يتفك واللعنة دي تسيب عيالي، مش متخيلة كم الدفاع اللي بيدافعوهلهم! "
***********
فتحت حورية باب المنزل، فإذ بها تفاجأت بوجود الفتاتين، تقفا بجانب بعضهما البعض، سريعًا حالت بينهما وبين الدخول قائلة:
_ إيه اللي رجعكم؟
نظرت هانيا إلى روني بعدم تصديق لما تفعله والدتها، بينما ردت الأخرى على سؤال والدتها، قائلة:
_ اطردنا، عبير طردتنا
اما هانيا فقالت في عدم تصديق:
_ ماما انتي بجد بتعملي إيه! افتحي الباب، دخلينا، الجو سقعة والوقت متأخر!
غلقت في وجههما الباب، فانصدمتا من فعلها... دقائق وعادت لهما وهي ترتدي معطفها وتحمل حقيبة يدها، وخرجت ثم غلقت الباب وقالت:
_ يلا انتي وهي، ورايا على القصر، مفيش بيات برا بيتكم وبعيد عن اجوازتكم تاني
ردت روني في غيظ شديد:
_ يا ماما بقولك اطردنا اطردنا!
_ يزيد هو اللي طردك؟
_ لا، بس...
_ مفيش بعد لا كلام ينفع تاني يتقال.. مفيش بنت محترمة ينفع تخرج من بيتها بدون علم جوزها في ساعة زي دي....
ثم التفتت إلى هانيا واضافت:
_ وانتي كمان طالما مش جياد اللي طردك يبقى مترجعليش، متجليش هنا، بيتك لازم تحافظي عليه، انتوا خدتوا على الدلع والمرقعة، كل أما واحدة تتقمص لها شوية من حد من القصر، تلم هدومها وتسيب جوزها وتيجي كدا بكل بساطة، امشوا
افتلتت هانيا يدها منها وقالت في نبرة حادة صارمة:
_ انا مش راجعة القصر، مش هرجع يعني مش هرجع، مش هرجع مكان اطردت منه وارتميت براه زيي زي الزبالة بالظبط، مستحيل
لترد والدتها في نبرة أقوى وأحد:
_ هترجعي القصر ورجلك فوق رقبتك، وانتي بالذات والله لو ما احترمتي نفسك وجوزك وبيتك، لهقطع شعرك و انزل على جسمك بالخرطوم زي العيال الصغيرة.
ثم جرتها بكل قوة وقسوة وهي تقول في غيظ مكتوم تجاهد في الا تخرجه نظرًا إلى تأخر الوقت:
_ امشي معايا يلا امشي يا وش المصايب يا جلابة البلاوي
كانت الفتاة تتجرجر معها رغمًا عنها تقول في صوت متلجلج نتيجة المشي السريع:
_ اوعي يا ماما سيبي، اوعي كفاية اهانة بقا سيبي ايدي سيبي
وقفت بها أمام السيارة دون أن تفلت يدها والفتاة تبكي في حرقة، ثم نظرت إلى روني وقالت:
_ افتحي العربية دي يلا..
ثم صاحت:
_ افتحي بقولك..
هدأت قليلًا وتابعت:
_ افتحي ومتخلنيش ألم الناس علينا بسبب صوتي العالي
فتحت روني الباب مضطرة لسماع ذلك، ثم ركبت كي تقود وفي المقعد الخلفي، جلست السيدة بجانب ابنتها المنهارة، وبعد أن غلقت الأبواب، قالت لابنتها:
_ يلا بسرعة طيري على القصر يلا..
***********
استيقظت هيام من نومها فجأة بعدما سمعت صوت أحدهم يفتح باب الشقة التي تتواجد بداخلها.. نهضت فزعة وهي تركض نحو باب الغرفة كي تغلقه ولكنها سرعان ما رأت الداخل، باسم، ذلك الذي دخل ثم غلق الباب خلفه.
ذهب الخوف عنها، ثم ركضت نحوه في سرعة وهي تفتح ذراعيها على مصراعيهما في استقباله، وهي تقول:
_ وحشتني وحشتني
قفزت إلى داخل حضنه، بينما الآخر رفعها قليلًا عن الأرض، ثم قال في ابتسامة:
_ انتي كمان وحشتيني اوي
نظرت إلى ملامح وجهه وقالت في ابتسامة عريضة:
_ مقولتليش ليه انك جاي؟ كنت يعني...
قبلما تكمل، انزلها على الأرض ثم اتجه نحو غرفتها.
تعجبت من فعله، ولكنها سارت خلفه، وبمجرد أن دخلت، وجدته يضع ملابسها داخل حقيبة السفر، تعجبت أكثر وعليه قالت مستفسرة:
_ إيه يا باسم، بتلم هدومي في الشنطة ليه؟
اجاب دون أن يرفع عيناه نحوها او حتى يتوقف عن فعله:
_ هتسافري برا مصر
اختضت من طلبه، وعليه قالت في خوف:
_ إيه؟ ليه بس ليه؟
_ نيرة وروني عملوا اتحاد حقوق المرأة وبيدوروا ورايا
_ مش فاهمة؟
زفر في ضيق ورد:
_ ياريتهم كانوا اغبية زيك، كان زماني مرتاح دلوقتي!
_ لا لا، بجد يا باسم فهمني براحة بجد
_ الموضوع مش محتاج شرح، نيرة مرات رضا اللي انتي روحتي قابلتيها عملت اتحاد اشبه بالاتحاد السوفييتي كدا مع روني وبيدوروا ورايا، واول حاجه هيدوروا عليها هي انتي، انتي ظاهرة أكيد في كل كاميرات الشارع و الكاميرات اللي تحت البيت عندها، البوليس هيجيبك هيجيبك لازم تسافري.
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ لا
توقف عن ما كان يفعل وقال في نبرة حادة:
_ قلتي إيه؟
ردت في نبرة مليئة بالخوف:
_ قلت مش هسافر لا
صاح في ضيق:
_ انتي عبيطة ولا إيه، عايزة تودينا في داهية؟
ردت في بكاء:
_ باسم، باسم حرام عليك يا باسم والله حرام، يعني انا في مصر مستخبية ومقطوعة ووحيدة، انت خافيني هنا وفين وفين أما بتفتكرني، لا عايز تجوزني ولا عايز تظهرني ومحرم عليا الدنيا كلها.. كمان عايز ترميني في الغربة! حرام عليك طيب
_ هيام انتي هتسافري، مفيش فيها فصال دي... كلامك بيأكد انك اتجننتي، قعودك هنا يعني فتحان أبواب جهنم علينا كلها، وانتي قاعدة تقوليلي غربة وحنين دلوقتي!
هزت رأسها رافضة مرة أخرى بشدة وهي ترتعب خوفًا منه... تضايق بشدة من رفضها بذلك الشكل، ثم اقترب منها وجذبها من ذراعها بقوة وأخذ يضغط عليه، وقال في نبرة تحذيرية:
_ هتسافري يا هيام وخليني اودعك حلو وخلي ليلتك تعدي
_ باسم دراعي يا باسم ارجوك دراعي
تركها فأخذت ترى ذراعها وما أصابه، ثم قال:
_ عايزة تقعدي هنا ليه ولمين؟
ردت في ضيق:
_ يعني إيه يعني؟ دي ارضي وبلدي ومكاني وناسي و..
_ بطلي بقا الشويتين دول، أرضك ايه وناسك ايه وهبل ايه!
انتي حد يعرفك اصلا!
انتي واحدة ابوها باعها ورماها وامها اتبرت منها، ولا ليكي اخ ولا اخت ولا صاحب، ولا ليكي فيها اي حاجة خالص، عايزة تفضلي هنا ليه ها؟ ولمين أصلا!
ازدادت دموع عيناها وردت في شهقات متتالية ونبرة مصابة بحشرجة البكاء:
_ ليك... ما انت عارف اهو اللي فيها، لا اب ولا ام ولا اخت ولا صاحب... سبت كل دول واختارتك انت.. سبتهم و...
رد في غضب مكتوم:
_ هيام، متعصبنيش عليكي، انا قابلتك في night club يا روحي مش في مطعم جوا moon valley!
عجبتيني ولاني بقرف قولتلك هتبقي ليا لوحدي مقابل فلوس أكتر.. دا انا رحمتك من وحوش كتير كانوا هيتسلوا عليكي وغيرت الاعدادات وخليتك خاصة بعد ما كنتي عامة!
هل دا جزاتي في الآخر؟
اقتربت منه وامسكت كف يده وبدأت تقبله وتقول في ترجي:
_ ابوس ايدك، ابوس ايدك خليني، ابوس ايدك متودنيش المنفى، انا مش عايزة اروح هناك زي ياسمين ابوس ايدك
سحب يده عنها كي تتوقف عن تقبليها وقال في حزم:
_ هتروحي.
بدأت تبكي في شدة واصواتها تتعالى وهي لا تتوقف عن الترجي والتوسل لها كي يتركها.
اقترب منها ووضع وجهها بين كفيه وقال في هدوء:
_ هيام حبيبيتي، لو فضلتي هنا هتدخلي السجن، انا عارف روني كويس وعارف عايزة توصل لأيه.
سافري بس اسبوع بالكتير اوي الأوضاع تهدى وبعد كدا هرجعك
تذكرت كيف خدع ياسمين وقال لها نفس الشيء وها هي حتى الآن لم تعد، لذا هزت رأسها رافضة بشدة أكثر وهي تقول في انهيار:
_ لا، لا ابوس ايدك لا لا، خليني معاك، خليني هنا في مصر، خليني
زفر في ضيق ورد:
_ كدا بدأت ادايق جدا واتعصب
ثم اقترب نحو الحقيية وبدأ يكمل في وضع أغراضها بها، وهو يقول:
_ لو مسافرتيش هتشوفي مني وش تاني عمرك ما شوفتيه في حياتك... وش هنتعرف عليه سوا
سكتت برهة وهي تبتلع ريقها محاولة الثبات... ثم ردت بعدما فكرت قليلًا وحسمت أمرها:
_ ماشي.. اللي تشوفه
_ جدعة
أخذت ملابس لها ثم قالت له:
_ هلبس دول وانا مسافرة
_ ماشي حلوين.. بس استني بقا قبل ما تسافري، خلينا نقعدي ليلة حلوة مع بعض، إيه رأيك؟
ابتلعت ريقها وتأكدت أنه يودعها ربما سيسلط عليها من يقتلها في المنفى كي يتخلص منها، ولكنها ابتسمت رغم ذلك وقالت:
_ اختار حابب البس لك إيه؟
اشار بيده على إحدى الملابس القصيرة والشفافة، فأخذتها وقالت له:
_ هروح اظبط نفسي في التويلت
_ بسرعة، عقبال ما تخلصي، اكون انا كمان جمعت حاجتك كلها علشان تمشي
هزت رأسها موافقة، ثم خرجت من الغرفة واتجهت نحو الصالة وهي تتسلل... شعرت به يخرج كي يراقبها فتابعت طريقها في خطوات مستقيمة ثم دخلت المرحاض، فعاد هو مرة أخرى إلى الغرفة.
وفي هدوء شديد، أخذت تفتح باب المرحاض، ثم طلت برأسها كي تعرف أين هو.
ولما علمت أنه لا يزال في الغرفة، خرجت من المرحاض سريعًا وهي تلتفت حولها ثم فتحت في هدوء تام، باب الشقة وخرجت منها وفي هدوء تام أيضًا غلقت الباب.
ثم ركضت كالطير الحر.
أحس بشيء ما يحدث حوله، وعليه ترك ما في يده وخرج إلى الصالة ثم وقف امام الخلاء ونادى:
" هيام...هيام..."
غضب بشدة ما إن لم يجد جوابها وعليه ركل الباب برجله، فلم يجدها هي شخصيًا.
في سرعة ركض نحو الخارج وهو يشيط من الغضب، وأخذ يركض في الشارع وهو يبحث عنها في كل مكان ولكنه لم يجدها، فوقف مكانه يستوعب، ثم تحدث إلى نفسه:
" لا...لا مستحيل تكون هربت لا... "
ثم ركض نحو سيارته كي يبحث عنها بها في كل مكان وهو يتوعد لها...
**********
وفي تمام الساعة الثانية عشر منتصف الليل، كانت حورية تقف مع أحد أفراد الأمن، تقول له في ضيق:
_ بقولك أنا أم البنات وافتح لنا الباب دلوقتي يعني افتح لنا الباب
_ بعتذر لك يا مدام بس أنا معايا أمر من عبير هانم إني مفتحش الباب لأي حد إلا بأمرها
_ خلاص، عرفها اني تحت وعيب كدا
_ حالا
وفي الجانب، تقف روني بجانب أختها وهما تشعران بالخجل والحرج من ذلك الموقف المهين بالنسبة لهما، وبالاخص هانيا كانت تشعر بأهانة فوق الإهانة بأضعاف.
وعقب مرور ربع ساعة على الاقل، فُتح باب المدخل الرئيسي للقصر وسُمح لهن بالدخول.
وبمجرد أن خطت أرجلهن خطوة واحدة نحو الداخل، حتى وجدن، عبير تقف في المنتصف وعلى جانبيها تقف كل من حليمة و فاطيمة.
وقالت سيدة القصر بنبرة حادة:
_ خير يا أم البنات؟
_ ولا أي حاجة، بناتي هيرجعوا بيتهم وملكيش اي حق انك تطرديهم من هنا
ابتسمت ساخرة منها ثم ردت:
_ ليا كل الحق.. بالمناسبة أنا مطردتش الزرافة اللي لسانها اطول منها دي.. أنا طردت أم بوز بس ودا بناء على طلب ابني، قال قدام الجميع هي متلزمنيش
رفعت حورية رأسها وردت في شموخ:
_ لو ابنك فعلا قال كدا، يبقى ينزل دلوقتي يرمي عليها يمين الطلاق وانا اخدها وامشي.. أما طول ماهي مراته وعلى ذمته يبقى تقعد في بيته وهو بس اللي ليه حق يقولها امشي وملوش حق كمان يمشيها في نصاص الليالي
_ والله جياد مش هنا اصلا ومعرفش راح فين، بس الاكيد انه طفش من بوزها اللي زي بوز الاخص دا.
بيجهز كدا كدا إجراءات الطلاق وهيرميها في وشها بكرة
تدخلت حليمة قائلة في كيد مقصود:
_ يلا يا حورية خدي بنتك المجرمة دي وامشوا من هنا عايزين ننام!
وكذلك علقت فاطيمة:
_ واحدة زيك المفروض كانت تخلي لبنتها كرامة و تقعدها جمبها بعد ما اطردت واترمت رمية الكلبة برا القصر
كانت تلك الجمل، تنزل على هانيا كصفعات قوية تصفعها دون رحمة.
بينما حورية نظرت اليهن فعلمت أنهن عصابة ويشكلن فريق قوي ضد بناتها، وعليه هزت رأسها في توعد ثم قالت:
_ ماشي، ماشي يا عبير هانم.. أنا همشي انا وبنتي دلوقتي.
بس وديني وما اعبد لاخلي بنتي ترجع القصر وهي في ايد جوزها ويتردلها اعتبار قدام الكل وانتوا التلاتة هتعتذرولي وهتعتذرولها
ضحكن بشكل كبير عليها في سخرية، ثم ردت حليمة:
_ ولا وطلع لك لسان!
بينما سخرت فاطيمة:
_ طب والنبي اسكتي اسكتي، انتي ولية كلام وبس بدون أفعال
أما عبير فقالت:
_ وتحدي يا حورية؟
_ وتحدي يا عبير
_ أما نشوف
_ هنشوف
قالتها في تحدي وبنبرة قوية، ثم أشارت إلى الأعلى قائلة:
_ روني، على اوضتك يلا
ثم قالت لهانيا:
_ وانتي يلا معايا
سبقتها الفتاة في خطوات سريعة مليئة بالغضب، وبمجرد ذهابهما، نظرت إليهن روني في قرف ثم صعدت الدرج، لتوبخها عبير قائلة في صوت واضح ومسموع للكل:
_ بصي باحترام يا قليلة الادب انتي!
لم ترد عليها بل تابعت صعودها في ضيق.
التفت كلًا من الاختين حول عبير وقالت أكبرهما:
_ وبعدين يا عبير، دي بتتكلم بثقة، لأحسن تكون رايحة تجدد السحر للواد ماصدقنا اتفك!
لتضيف الصغرى:
_ بالظبط ياختي، لازم نعرف جياد فين بسرعة ونخليه يطلقها قبل ما تجدد له العمل، علشان لو رجع بعد كدا يبقى واضح جدا للجميع انه عمل سفلي كمان
خافت السيدة وردت:
_ تفتكروا؟
_ ايوا طبعا، إلا نفتكر
ردت حليمة، لتتابع عبير:
_ الصباح رباح.. من بكرة لازم اتكلم مع جياد واعجل بالأمر دا..
************
جلس جياد على الكرسي، داخل شقته في المعادي، جسده منكمش قليلًا، وعيناه تحدقان في فراغٍ لا شيء فيه، لكنه مليء بكل ذكرياته معها، بكل لحظة أحبها فيها بجنون. كانت يداه مرتعشتين من شدة شعوره بالفراغ الداخلي، وصدره يختنق بصوت خافت كأنه يصرخ ولا أحد يسمعه.
كان قلبه ينبض بقوةٍ لدرجة أنه يشعر أن كل خفقة هي صرخة ألم؛ كل نبضة تقول له: "أحبها… أحبها حتى الموت". وكل لحظة تمرّ، يزداد يقينه أنها لم تحبه، وأن كل ابتسامة منها كانت مجرد ستار، وأن كل لمسة كانت خدعة تنتظره ليوقعه في الفقدان الأبدي.
يتخيّلها على ظهر الحصان… تصورها وهي تقع، ويمر في ذهنه مشهد ابنه يموت بين يديها دون أن تكون لها نية لإيقافه، دون أن يكون قلبها يعتصر حزنًا، دون أن تفكر به لحظة.
لا يستطيع تقبل الفكرة، عقله يرفضها، لكنه يعرف الحقيقة. كان يعرف دائمًا أنها كانت تنتظر أي فرصة لتؤلمه، لتدمر حياته، لتقطع أي رابط بينه وبينها.
دموعه لم تسقط بعد، لكنها ملأت عينيه، تضغط على روحه كما لو كانت تحاول أن تخرج من جسده، تضرب قلبه كالصفعات التي لا تنتهي. شعوره بالعجز كان يسيطر عليه، كل خلية فيه تهتف: "كيف أحببت من لا يستحق الحب؟ كيف جعلت قلبك يُقتل على يد امرأة لم تشعر به أبدًا؟".
تنهد بعمق، ورغم كل الألم، شعر بجنون حبٍ لا يمكن السيطرة عليه… حبٍ يربطه بها رغم كل الخيانات، رغم كل الألم، رغم كل القسوة التي عرفها عن قلبها.
كان قلبه يكاد ينفجر، جسده يترنح بين الجنون والحزن، وكل شيء داخله يصرخ: "لماذا يا الله… لماذا أحببتها إلى هذا الحد؟"
في تلك اللحظة، كان جياد أكثر من مجرد إنسانٍ حزين… كان روحًا ممزقة بين الحب والموت، بين الرغبة في نسيانها وبين الألم الذي يرفض الرحيل. كانت يداه ترتجفان، قلبه يختنق، عقله يرفض الحقيقة، لكنه يعرفها… وكل ما يفعله الآن هو الجلوس، صامتًا، محطمًا...
***********
أخذ فاتح يبدل ملابسه فها قد عاد توًا من الخارج هو واخويه.
وبينما هو يبدل ملابسه بأخرى، شردت زوجته والتي كانت تجلس على السرير تنتظره حتى ينتهي.. شردت فيما دار بينها وبين الشيخ عطاالله اليوم...
_ بصي يا بنتي، انتي معمولك عمل بعدم الخلفة.. فيه واحدة عايزة تتجوز جوزك وعرفت ان دي نقطة الضعف الوحيدة عندك اللي هتخلي جوزك يتجوز عليكي، فعملت لك العمل دا، والعمل دا معمول لك في ديل كلب مدفون في منطقة ريفية نائية، يصعب على امثالك المرواح هناك.
اختضت الفتاة وقالت في صدمة:
_ انت متأكد يا شيخ؟
_ ايوا يا بنتي متأكد، انا اهو شايف دا كدا قدامي كويس
ابتلعت ريقها وسكتت تفكر في تلك المصيية... فتابع الشيخ:
_ يمكن نلحق نعالج الأمر، جدعة انك مسكتيش وجيتي على هنا بسرعة وعرفتي قبل ما الموضوع يتطور
_ بس.. بس يا شيخ، ماما والدكاترة أكدولي ان المشكلة اللي معايا، هي ضعف بس و...
_ الدكاترة تقول اللي هي عايزاه، كدا كدا لازم يطلع بسبب طبي وعلمي والا ميبقاش ليه لازمة.. اه انتي عندك ضعف بس العمل دا مش هيخليكي تخلفي ابدا، وكل أما هتحملي بالعافية هتسقطي، لو عايزة تفضلي ماشية ورا كلام الدكاترة وماما، انتي حرة، بس أنا اهو بأكد لك كل أما هتحملي، هتسقطي
_ لا لا مصدقاك، والعمل؟
_ هقولك المفروض هنعمل إيه يا بنتي وركزي معايا...
" مايا"
خرجت عن شرودها على صوته وهو يجلس جوارها فها قد انتهى من تبديل ملابسه، وقال لها:
_ إيه سرحتي فين؟
نظرت إليه وسكتت برهة... ثم ردت:
_ لا لا ولا حاجة.. بس كنت.. كنت بفكر في حاجة كدا وخلاص يعني
_ ماشي... قوليلي بقا
خافت كثيرًا ونظرت إليه بنظرات مليئة بالترقب كأنه كشف أمرها، فقال:
_ كنتي فين النهاردة؟ ماما قالتلي انك راجعة البيت النهاردة حوالي الساعة ١٠ بليل، ليه؟
سكتت برهة تفكر في كذبة وهي تستجمع نفسها وتحاول أن تسيطر على توترها، ثم ردت:
_ يعني... واحدة صاحبتي عملت حادثة ومقدرتش اسيبها ملهاش حد، آسفة لو كنت اتأخرت زيادة عن اللزوم
_ لقيتي نفسك هتتأخري، ليه متصلتيش عرفتيني؟
_ ا..أ....أ.. انشغلت معاها بس ونسيت نفسي، آسفة تاني مش هتتكرر
هز رأسه موافقًا في ابتسامة وقال:
_ ماشي يا ستي سماح المرادي يا مايويتي
_ قولي بقا عملت إيه في الشغل النهاردة؟
_ سيبك انتي من شغلي وقوليلي، عملتي ايه مع أختك
_ اختي؟ اختي مالها؟
_ هانيا يا مايا!
_ مالها هانيا؟
_ معقولة محدش قالك؟
هزت رأسها نافية، فتابع:
_ وقعت مع على الحصان وسقطت
ضربت صدرها شاهقة في خضة وسكتت من الصدمة، فتابع:
_ جياد والله زعلان جدا يا عيني، ماكنش هاين عليا اسيبه وامشي ابدا بس لولا ان دي رغبته ماكنتش مشيت.
كانت هي في عالم آخر غيره، تفكر في تلك المصيبة التي وقعت فوق رأسها وهي لم تكن بجانبها، وعلمت الآن لماذا طردتها عبير من القصر...
***********
وداخل غرفة روني، كانت الفتاة تجلس على السرير حزينة على ما أصاب أختها، وفي تلك الأثناء خرج يزيد من المرحاض فرآها تجلس هكذا شاردة.
اقترب منها وقال:
_ انا كنت عمال ارن عليكي كتير، وكان بيديني مشغول و رن من غير رد وفي الآخر اداني مغلق، ليه دا؟
سحبت حقيبة يدها الملقاة بجانبها ثم أخرجت الهاتف منها وعرضته عليه وهي تقول:
_ شوف، فاصل اهو، انا من الساعة ٦ وانا مع هانيا سامحني معرفتش ارد على التليفون ولا اشوف مين رن ولا مرنش، وهو اصلا كان ١٠% ففصل
جلس جوارها وقال:
_ انا بردو كنت مشغول بجياد جدا، وبعد ما روحت له لحد المعادي هناك، فاتح قالي لا مش عايز يتكلم.. فضلت بقا مقضيها مشورة من زايد للمعادي ومن المعادي لزايد.
سكتت برهة ثم ردت:
_ جياد في المعادي؟
_ اه عنده شقة هناك
_ ممكن تقولي عنوانها؟
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ اشمعنى يعني؟
وقفت واعتدلت في وقوفها كي تكون واقفة قباله، وردت في نبرة مليئة بالضيق الشديد:
_ علشان والدتك عبير هانم سيدة القصر، طردت هانيا وهي بتنزف، وانا فضلت اتحايل عليها تخليها قالتلي امشي معاها لو مش عجبك، وطردتنا احنا الاتنين برا الساعة ١٠ بليل.
عقد حاجبيه في ضيق شديد ما إن سمع ذلك الكلام شاعرًا بالخجل من تصرفات والدته، وأضافت هي:
_ هانتنا وطردتنا وقالت لنا كمان حاجتكم هتحصلكم، وكمان ماما جت علشان ترجعنا، قللت منها هي وعماتك وهانوها ومعملوش حساب لمجيتها وبردو رجعوها بهانيا.
سكتت برهة تتابع انقلاب ملامح وجهه، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وأضافت:
_ ها؟ عجبك كدا؟ ينفع اللي حصل لمراتك ومرات اخوك دا؟ دا أمر ممكن يرضي الشيخ؟
تنهد ووقف قبالتها ثم أمسك رأسها ووضع قُبلة صغيرة على جبينها، ثم رد في نبرة صوت هادئة حنونة:
_ لا يا روح قلبي ميرضنيش ولا يرضي حد... بس..
ابعدت يداه عنها ثم اتجهت نحو السرير تعده في سرعة كي تنام وقالت أثناء ذلك:
_ المرادي انا مش عايزة كلام، انا عايزة رد اعتبار، انا اما ماما رجعتني وافقت لسببين، الأول علشان اشوف رد فعلك ايه بعد الاهانة دي والتاني لان اللي رجعتني تبقى ماما
أمسكت بالغطاء وتابعت:
_ كل مرة كنت بعدي علشان خاطرك وبقبل بصلحك وبقول عادي لكن المرادي مش هعديها، انها ترمي اختي برا بدون شفقة وتهنها قصاد الكل وكمان كانت بتمنعني اني اروح معاها يعني كانت عايزاها تبقى لوحدها ومخافتش عليها، واما رفضت وفضلت جمب اختي، بهدلتني انا كمان، دا كله انا مش هسكت عليه يا يزيد مش سكت
ثم ألقت بنفسها على السرير، وشدت الغطاء عليها كي تختفي عن انظاره.
أخذ شهيقًا ثم زفره على مهل، وبدأ يقترب نحوها في خطوات سريعة، ثم نام جوارها وشيئًا فشيئًا اقترب منها حتى بات قريبًا جدًا من ظهرها، وقال وهو يضع يده على كتفها:
_ وحياتك اللي ما عندي أغلى منها، لهردلك اعتبار يليق بيكي قصاد القصر كله، وهخلي جياد يرد اعتبار لاختك في نفس الوقت والساعة بس اتقلي انتي
لم ترد عليه بل ابتسمت، فتابع:
_ لا متدنيش ضهرك، متجننيش، انتي عارفة اني بكره الموضوع دا.. يلا لفي وشك وتعالي نامي في حضني يلا، وزي ما قولتلك قريب، بس اتقلي شوية بس..
ولما رآها لا تصدر اي رد فعل، أضاف:
_ اخلصي يا روني هبدأ اتعصب، يلا لفي واديني وشك يلا
فعلت ما أراد واثناء التفافها نحوه قالت:
_ ولو محصلش؟
_ عيب عليكي والله، انا عمري وعدتك بحاجة ومحصلتش؟
هزت رأسها نافية في ابتسامة، فأضاف:
_ اومال إيه بقا!
يلا افردي وشك ومتزعليش يا قلب يزيد واعتبارك راجع راجع، يلا ابتسمي يا بت خليني اعرف اتخمد انا تعبان طول اليوم!
أخيرًا ابتسمت، ثم قالت:
_ اهو ابتسمت اسكت بقا
_ يخرابي على البسمة الحلوة اللي تشرح القلب.. ابتسمي دايما كدا يا نفرتيتي، خلي العالم يبتسم هو كمان والكون يفرح
_ كل دا؟
_ طبعا كل دا، دا انتي رمز البهجة والسعادة كله يا عمري انتي، فداكي روحي يا روحي
_ بعد الشر عنك يا قلبي
نامت داخل حضنه وهي تبتسم مطمئنة أن حقها وكرامتها سيعودان حتمًا ولابد
*************
وفي صباح اليوم التالي، أخذت ماهي تتقلب في سريرها ملعنة استيقاظها، وفي نفس الوقت دخل عليها شهاب الغرفة وكان توه خارجًا من المرحاض، نظرت إليه ثم ابعدت عنها الغطاء وبدأت تسير نحو الخروج من الغرفة قاصدة الخلاء، وأثناء سيرها، اعترض طريقها وقال:
_ اخر مرة تقللي فيها مني ومن احترامي، وتستخدمي معايا جملة زي لو انت راجل دي او اصل انت راجل اوي او اي هبل من اللي بتقوليه دا، سامعة؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وردت:
_ هي دي صباح الخير بتاعتك؟
وبعدين ماتشوف انت عملت إيه الأول وحرقت دمي ازاي وبعدها تعالى اتكلم!
هز رأسه رافضًا ذلك الكلام، ثم رد:
_ انتي عارفة اللي فيها وعارفة اني بجاهد نفسي واني فعلا بعدت.. انتي عارفة كويس اني مبقتش اركز معاها ولا اقابلها، وبقى وقتي كله ليكي انتي والشغل وبقالي اسبوع مستمر على دا... إنما دي، دي كانت ذلة لسان مش اكتر، عادي عمرك يعني ما نطقتي اسم بدل اسم؟
_ إيه رأيك انادي عليك باسم الاكس؟
تبقى بترقص معايا مثلا، فأقوم اقول يا أدهم مثلا!
سكت برهة... فتابعت:
_ طبعا ساكت، لان اللي نفسك تقوله متقدرش تقوله... هتقولي إيه يعني، هتقولي مش هيفرق معايا لو نطقتي اسم راجل غيري لانك انتي شخصيا كلك على بعضك مش فارقة معايا؟
هتقولي انك مش بتحبني وعلشان كدا مش بتغير عليا؟
أكيد هتفضل ساكت يعني
انهت كلامها وهيأت جسدها حتى تسير، فعرقل طريقها مرة أخرى وقال:
_ الاحترام هو اللي لازم يبقى في العلاقة دي علشان يبقى فيها أمل تتحسن، لو هتقللي من احترامي تاني، هنزعل من بعض.
انا جوزك، وانتي قبلتي تديني وتدي علاقتنا فرصة، وانا مش بضغط عليكي من اي نوع وفعلا وفيت بوعدي كله ومن يوم ما قولتلك مبقاش فيه غيرك انتي وطفلي وهو كدا فعلا، فبلاش غلط وقلة قيمة بقا لاني مش هصبر على دا.. ممكن اصبر على أي حاجة في الدينا وصبري طويل جدا، إلا الغلط والإهانة مش بعرف اصبر عليهم، بتعكنن
انهى كلامه ثم تركها واتجه نحو الخزانة، وقفت صامتة قليلًا تفكر... ثم قالت:
_ هاجي الشغل النهاردة متأخر شوية، هفطر وهروح مشوار كدا وعلى الساعة ٢ الضهر هكون في الشركة.. اصلا معنديش شغل قبل كدا، خلي بالك انت من الشغل لحد أما اجي وركز
رد وهو يخرج بنطاله من الخزانة:
_ رايحة فين؟
_ رايحة لماما سحر
زفر في ضيق ورد:
_ ليه رايحة لماما؟
_ إيه مش عايزني أزور حماتي ولا إيه؟
عايزة اتكلم معاها، من حقي، هل فيه مانع يعوقني يا مستر شهاب؟
سكت برهة يشعر بالضيق من ذلك.. ثم هز رأسه موافقًا وقال في ايجاز:
_ روحي
ابتسمت ابتسامة جانبية صغيرة ثم اتجهت صوب المرحاض.
***********
أعد طعام الإفطار لنفسه، ثم حمله من المطبخ حتى الصالة ثم وضعه على سفرة الطعام، وجلس على الكرسي وظل هكذا ينظر وحسب إلى الأطباق الممتلئة وقلبه ممتلئ أيضًا ولكن بالهموم، وشهيته معدومة.
التقط الهاتف الخاص به واتصل عليها...
كان هاتفها يرن على السرير، بينما هي كانت في الخلاء.
بينما شهاب كان يمشط شعره، حتى سمع صوت هاتفها يصدح.
تحرك نحوه ونظر إلى شاشة الهاتف ليرى من، فوجد المتصل " جياد" مط شفتيه في ضيق وتمتم:
" لا مش هينفع تقفلي يومي على الصبح، لسه بنقول يا هادي"
ثم ترك الهاتف يرن كما هو وبدأ يكمل ما كان يفعل كي لا يتأخر عن العمل.
اما جياد فقد يأس من عدم استجابتها، وعليه ارسل لها مسجلًا صوتي يقول فيه:
" ماهي، مش هقدر اجي الشركة النهاردة. قبل الساعة ٣، لو سمحتي حلي اي أمور طارئة وسيبي الباقي أما ارجع"
ثم وضع الهاتف جانبًا وظل كما هو ينظر إلى الطعام.
وفي تلك الأثناء، دق أحدهم باب شقته.
تعجب بعض الشيء، ولكنه اتجه نحو الباب على أية حال، وقال:
_ مين؟
_ تالية
استغرب كيف عرفت طريقه؟ ولكنه فتح لها ثم قال:
_ نعم؟
دخلت دون أن يأذن لها، لذا اجبرته على أن يتراجع كي لا تحتك به.
بدأت تسير داخل شقته تتجول بعينيها هنا وهناك حتى جلست على الكرسي ونظرت إلى الطعام الموجود هناك على تلك السفرة، ثم قالت له في ابتسامة:
_ كنت هتفطر؟
عقد ذراعيه أمام صدره وقال:
_ جاية ليه وعرفتي مكاني ازاي؟
_ اقعد بس يا جياد ومتبقاش مستعجل كدا!
زفر في ضيق ثم جلس وقال:
_ اهو قعدت، قوليلي بقا؟
ردت في نبرة مليئة بالحزن المصطنع:
_ قبل اي حاجة حابة اقولك sorry لفقدانك ابنك.. ربنا يعوض عليك يعني
_ شكرا
_ مفيش بينا على فكرة...
سكتت لحظة ثم تابعت في نبرة بها عدم التصديق المزيف:
_انا بس اللي هتجنن وافهمه، ليه ركبت الحصانة بس دلوقتي؟ فعلا كانت عايزة تخلص منه؟
فرك جانب لحيته وبدأ الضيق يظهر عليه فهو يكره التحدث في ذلك الموضوع والذي أرق تفكيره ليلة كاملة، ولكنها تابعت غير مهتمة بملامح وجهه المنكمشة:
_ يعني حقيقي، مستغربة وجهة نظرها شوية.. انا دلوقتي حامل وفي الشهور الاولى، ليه اركب حصان! للدرجادي هي كانت مهملة اوي في نفسها وفيه كدا!
كان يهز ساقه في عدم راحة وبدأ الضيق يتحول إلى غضب، ولكنه سيطر على ذلك كله وقال:
_ تالية، متبدأيش بقا بدور الخبث و الخبائث!
صدمه برده ذلك، مما جعلها تقول له في عدم استيعاب:
_ بتهزر صح؟ انت حقيقي شايف...
قاطعها قائلًا في صرامة:
_ انا حقيقي شايف ان موضوع زي دا يخصني انا وهي وبس ومش حابب اسمع اي كلام من حد فيه
_ ايوا يا جياد، بس.. بس الست دي تعتبر قتلت طفلك؟
_ وانتي مالك؟ سايبة شغلك وقاطعة كل المسافة دي من زايد للمعادي علشان تقوليلي اللي حصل؟
طب ما أنا عارف اللي حصل!
انا اللي كنت معاها اصلا، لزمته إيه كلامك بقا دلوقتي؟
_ يعني دلوقتي بقيت انا اللي غلطانة؟
_ لا غلطانة ولا حاجة يا ستي، انا اللي مش عايز اسمع كلام في الموضوع دا تمام؟
_ ايوا بس انت لازم تفكر، ليه تقتل ابنك بردو؟ المسألة ممكن تكون ليها علاقة ب...
صاح في ضيق:
_ قلت مش عايز كلام، هو انا بتكلم هيروغليفي؟
ثم وقف وتابع:
_ نورتيني الشوية دول
وقفت هي الأخرى وردت في غيظ شديد:
_ بتطردني؟ بتطردني ومش عايز تسمعني علشان واحدة قاتلة زي دي، علشان واحدة...
قاطعها بحركة واحدة، أسكتتها وذلك عندما جذبها من ذراعها وهو يجرها نحو الخارج، يقول في ضيق شديد:
_ عدم الفهم بقا داير بين الناس الفترة دي مش عارف لي
كانت تمشي معه مجبرة، مجرورة ومصدومة لا تصدق ما يفعله.. فتح الباب، ثم اخرجها ثم غلق الباب تارة أخرى وقال محدثًا نفسه:
" كُهن نسوان مش عايز"
بينما هي كانت في الخارج لا تصدق ما فعله معها توًا وعيناها معلقة على باب شقته في دهشة...
*********
انتهت وعد من الأكل وبدأت الأم تلم الأطباق وهي تقول لهما:
_ واحدة فيكم عايزة شاي اعملها معايا؟
ردت شاهندا قائلة:
_ اه يا ماما أنا عايزه شاي
دخلت السيدة المطبخ، بينما قالت شاهندا لأختها المبتسمة:
_ في إيه مالك بقا؟ عمالة تضحكي ليه؟
_ ايه؟
_ إيه إيه؟ إيه انتي!
من امبارح وحالك مش مرتاحاله كدا، عمالة تضحكي ومبسوطه في إيه قوليلي؟
_ هو لو ضحكت وبقيت مبسوطة انتي مرتحتيش لحالتي لي؟
_ مستغربة كدا... في جديد مع عز؟
نظرت إليها بنظرات مليئة بالخيبة ثم ردت:
_ لا مفيش
_ اومال إيه الفرحة دي اتكلمي يا وعد بجد!
تنهدت وردت:
_ هتكرم النهاردة
_ بتهزري!
_ والله...
تابعت في ابتسامة أوسع:
_ اختك بقت من أفضل الناس في القسم والمدير لاحظ دا وقرر يكرمني و...
قبلما تتابع، سمعتا صوت دقات الباب، فنهضت وهي تحمل حقيية يدها وقالت لأختها تلوح لها مودعة إياها:
_ سلام يا شوشو، هفتح الباب وامشي بقا على الشغل علشان متأخرش، وأما ارجع هبقى اكمل لك واوريكي
ابتسمت لها أختها ولوحت لها بيدها.
فتحت وعد الباب، فوجدت ماهي تقف وهي تبتسم وقالت:
_ صباح الخير يا وعد
_ صباح الفل يا ماهي
ثم ضمت كلًا منهما الأخرى، ثم أشارت لها الفتاة نحو الداخل وهي تقول:
_ اتفضلي يا حبيبتي بيتك ومطرحك
بمجرد دخول الفتاة، تابعت وعد:
_ الف مبروك على البيبي، وربنا يتمم على خير يا روحي
_ الله يبارك فيكي يا قلبي، عقبال ما نفرح بيكي
_ اعذريني همشي انا ورايا شغل مش هقدر اقعد معاكي اكتر
_ أكيد طبعا اتفضلي يا حبيبتي
ومع رحيل وعد، اقتربت شاهندا من الفتاة وهي تفتح ذراعيها كي تستقبلها في ابتسامة عريضة تقول:
_ ماهي حبيية قلبي وحشتيني
ضمتها إليها ثم قالت:
_ وانتي يا شوشو وحشتيني موت بجد
_ البيبي كويس؟
_ كويس يا حبيبتي متخافيش، مامته بتهتم بيه كويس جدا
ردت مازحة، وعلى صوتها خرجت سحر من المطبخ وارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة وبدأت تضم زوجة ابنها إلى صدرها، تقول لها:
_ مرات ابني حبيية قلبي وأم حفيدي، عاملة ايه يا نور عيني؟
_ الحمدلله بخير يا ماما سحر، وحضرتك اخبارك إيه؟
_ حضرتي بخير مادامك انتي وابني وابنكم بخير.. تعالي تعالي اقعدي ارتاحي... بت يا شاهندا اعملي لها عصير برتقان فريش كدا ينعنيشها
ثم نظرت إلى ماهي وتابعت:
_ خلاص بقا، هنسيبنا من جو القهاوي و الكلام دا، بقا في بطنك طفل ولازم تهتمي بيه
هزت رأسها موافقة في ابتسامة.
تنحنحت السيدة وتابعت:
_ إيه اخبارك انتي وشهاب؟ العلاقة بينكم بقت أحسن؟
سكتت برهة، ثم ردت في أسف:
_ دا اللي كنت جاية لحضرتك علشانه أصلا
_ قولي يا حبيبتي انا سمعاكي
سكتت لا تعرف من أين تبدأ... ولكنها ما إن تهيأت، قالت:
_ هو طلب فرصة تانية وبيحاول، بس....
_ بس إيه؟
_ بس لسه هي في باله... لسه مش بيحبني.. حاسة انه بس بقا عايز يفضل معايا واختار يكمل علشان البيبي، أما هو عمره ما هيتقبلني
_ جبتي الكلام دا منين بس يا ماهي؟
مادامه بيحاول، استني عليه واديه وقته، ما أنا قولتلك هيرجع وهيختارك ومدياكي كل مفاتيحه!
ابتلعت ريقها ثم ردت في نبرة بها الحزن:
_ اتلغبط في اسمي وقال اسمها قدامي، ناداني هانيا.. لسانه مش قادر ينساها و..
_ بصي يا حبيبتي، هو دا الكلام اللي هيخرب عليكي مش أكتر... لسانه إيه وودانه إيه!
انتي مراته يا بت، فاهمة يعني إيه مراته؟
يعني مزاجه وروقانه ودلعه وكل حاجة تخصه معاكي انتي وتخصك انتي ومن حقك انتي
_ ايوا بس قلبه معاها هي!
_ مصيرك تاخديه، أصلها قاعدة كدا حياتية.. الإنسان بيميل للحب والقبول و الحنية، وابني هيلاقي الحب في عينك انتي و القبول في وشك والحنية في حضنك، هيحبك علطول وهينساها هي خالص.
أمسكت كف يدها وتابعت في نبرة مليئة بالحنان:
_ يا ماهي انا عارفة ابني، دا انا اللي مربياه، يموت علشان كرامته وكبريائه.. هي جرحت الاتنين عنده، لو هو رجع وعمل حاجة دا مش حبا فيها والله العظيم ما حب فيها، هو عايز ينتقم لنفسه منها ومن جياد، هما كسروه، كسروه وقهروه.. هو بيقول اي حاجة، هو عمره ما هيرجع ويقبلها تاني بعد ما واحد تاني غيره لمسها وشالت ابنه في بطنها.
هو متخيل انه لسه بيحبها بس الحقيقة عكس كدا هو بينتقم لكرامته، عايز اخوكي يطلقها علشان ينتقم منه لكن بعدها مش هيعرف اصلا يرجع لها، هيهدى خالص وهيكتفي بانه طلقها منه وخد حقه وخلاص.
تنهدت ثم تابعت وهي تمسح على شعرها في حنان:
_ حبييتي، شهاب مش بيحبها لسه، شهاب مقهور، حطي في دماغك نقطة زي دي، اللي حصله ماكنش سهل ووجعه، والوجع هو اكتر حاجه بتخلي الإنسان يعمل اي حاجة علشان يخف منه حتى لو كانت حاجة غير أخلاقية.
والله اللي بصلي له وبركع له، لو كانت البت دي سابت شهاب بشكل طبيعي يعني اختلفوا عادي وهي قررت تسيب، ما كان بص وراه عليها تاني وكان نسيها ورماها خالص، أما اللي جره وراها، كان الغموض في الطريقة اللي سبته بيها ثم الانتقام لنفسه وكرامته وبس.
اعتدلت في جلوسها واضافت:
_ انتي اللي في ايدك كل حاجة، انتي اللي في ايدك تخليه ينساها تماما وتشغليه بيكي وبس، وانتي جميلة وذكية وتقدري تعملي دا، وانتي اللي في ايدك تطفشيه وتنكدي عليه وتخليه يحس ان يمكن حياته كانت هتبقى أحلى مع هانيا، يمكن فعلا كانت هتديه سعادة وحب اللي انتي فشلتي تديهم ليه، دا وقتها اللي هيخليه يفكر فيها.
واختتمت حديثها قائلة:
_ اسمعي مني يا بنتي، احتويه وابسطيه واهتمي بيه، اسبوع او اسبوعين بس بالكتير ودا وعد مني، هتلاقيه بيردلك دا اضعاف أضعاف وهتلاقي حياتكم بقت حلوة وسعيدة
كانت صامتة تفكر في كلامها، هي حقًا جاءت كي تسمع لا تتكلم، فهي تود سماع تلك الجمل دائمًا كي تصبرها على ما وقع على رأسها من مصائب الحب ونتائجه... ولكنها قالت ما إن سكتت حماتها:
_ لو بنتك مكاني، من كل قلبك هتكون دي نصيحتك ليها؟
_ من كل قلبي هتكون دي نصيحتي ليها.. هقولها اصبري وحاولي واستني بس لو فشلت بردو بعد كل دا وملقتش منه فايدة، كنت هطلقها منه... بس على الاقل حاولي.
_ عارفة يا ماما سحر، إيه اللي مخوفني من المحاولة؟
_ إيه يا حبيبتي؟
_ ان ابنك يسبني في نص الطريق في الحرب، في عز ما أنا بحاول بكل قوة وفي ايدي السيف...
سكتت لحظة تستوعب حالتها حينها، ثم تابعت:
_ ساعتها مش عارفة، ممكن اقتله بيه
ابتسمت في عدم تصديق ثم أضافت:
_ اصل تخيلي، اقعد احاول وادلع واطبطب واديله من طاقتي ومشاعري اكتر ماهو واخد اصلا، واتجاهل مشاعري و غضبي وضيقي منه وكبتي، علشان بس ارضيه وانسيه وفي الآخر يطلقني بردو.
تابعت في عدم استيعاب تلك اللحظة وكأنها تعيشها لا لحظة مستقبلية:
_يجي في يوم كدا ويقولي أنا مقدرتش، او حاولت بس مش عارف، او اخويا يطلق هانيا لأي سبب، فهو يتلكك لي و يطلقني علشان يرجع لها........ رعب.
وضعت يدها على فمها متخيلة صعوبة الموقف، ثم اختتمت حديثها:
_ انا بخوض حرب مشاعر... ودي أصعب والعن حرب ممكن حد يدخلها يا ماما سحر...
نظرت إليها السيدة في تفهم لحالتها ولا ننكر انها قلقت قليلًا... فربما يتأذى ابنها فعلًا إذ فعل ذلك، فهي حرب وللحرب رابح وخاسر، فكم كانت تخشى أن يكون ولدها الوحيد، الخاسر..
************
وفي المساء عقب ساعات العمل تقريبًا، كان شهاب يقود دراجته النارية ذاهبًا إلى منزل صديقه الذي دعاه على العشاء.
وأثناء سيره، صدح صوت هاتفه مرات متتالية، كأن المتصل مصرًا على الاستجابة له.
توقف جانبًا ثم أخرج الهاتف من جيبه فرأى المتصل أمه، استجاب لها قائلًا:
_ إيه يا ماما خير؟
سمعها تتكلم في قلق شديد، ونبرة صوتها عالية مليئة بالخوف:
_ شهاب الحق المصيبة اللي احنا فيها
_ إيه إيه يا ماما فيه ايه؟
_ اختك وعد
_ مالها؟
رد في خوف وترقب، فتابعت:
_ هربت، هربت مع عز يا شهاب وفضحتنا على الفيس بوك الحقنا
سكت يستوعب ما يسمعه... ثم لفظ كلمة واحدة في صوت خفيض:
_ إيه!
************
عادت من العمل قبله بنصف ساعة وحسب تقريبًا وها هي تقف داخل المرحاض تنظر إلى اختبار الحمل الذي في يدها في ترقب... حتى ظهرت البشرى، فابتسمت ابتسامة عريضة ثم وضعت يدها على بطنها في فرحة وسعادة.
وبعدما خرجت من الخلاء، وجدته يقف ويبدل ملابسه، ابتسم ما إن رآها تبتسم وقال:
_ إيه بتضحكي على إيه؟
هزت رأسها نافية ثم قالت:
_ لا لا مفيش حاجة..
ثم اقتربت منه ووضعت يداها على كتفيه وتابعت:
_ عندك حاجة ولا نخليه يوم special لينا احنا؟
ابتسم ورد:
_ ولو عندي افضالك، هو انا عندي كام كاميليا يعني!
_ ربنا يخليك ليا يا حبيبي
_ خلاص اتفقنا، النهاردة بتاعنا
سكتت برهة ثم ردت:
_ هخرج شوية في حاجات عايزة اجيبها
_ حاجات إيه؟ اجبهالك انا
_ لا لا متتعبش نفسك يا حبيبي، انا عايزة أروح اجيبها بنفسي
_ اللي يريحك يا كوكي، رايحة دلوقتي؟
_ اه اه بسرعة كدا
ارتدت ملابسها ثم وضعت قبلة صغيرة على خده، وخرجت..
في حديقة الفيلا، اتصلت على صديقة لها وقالت ما ان استجابت لها:
_ بقولك يا سالي، أنا كنت عايزة اعمل جو شاعري كدا لامجد وقعدة حلوة ومهيأة علشان اقوله ان هيكون عندنا بيبي قريب.... الله يبارك فيكي يا قلبي، الله يبارك فيكي شكرا شكرا... ايوا بالظبط، عايزة اعرف اجهز إيه يعني بالظبط بما انك مريتي بنفس التجربة قبلي؟
بجد هحتاجها؟
لا مش معايا، اقصد نسيتها يعني... خلاص، خلاص انا كدا كدا لسه في الجنينة هرجع اخدها اهو كويس اني ممشتش لسه...
دخلت مرة أخرى الفيلا وبدأت تصعد السلم وقبلما تدفع باب الغرفة وتدخل، سمعته يتحدث في ضيق واضح مع شخص ما عبر الهاتف:
" مش عارف، بس قلت جايز اهدى واركز اكتر في حياتي لو عملت كدا... يا باسم بحاول والله.. لا لا، انا فعلا عملت كل حاجه علشان انسى ماهي وسمعت كلامكم بس مليش دعوة احيانا بتخطر في بالي من دون قصد!
هي كاميليا كويسة....
والباقي لم تسمعه رغم استمرارية وقوفها في نفس المكان ولكن ما سمعته كان كافيًا أن يأخذها إلى بعيد... إلى الأعماق، إلى الحقيقة التي لابد منها حتى وان خنقتها ومزّقت خلايا قلبها، أختها في قلب زوجها...
************
في كام حاجة عايزة اقولهم، خلتهم في الآخر علشان كلكو تقرأوا بعد قراءة البارت
١_ الشيخ لقبه شيخ لانه راجل حكيم وكبير في السن فدا لقبه ولقب بيه في قطر، انما هو اللقب لا يعني به انه متدين او كدا
٢_ البارت اللي فات قلت اني هخلي الرواية تبقى ٣ ايام لو اتحقق شرط وهو ان عدد الفوتس تعدي ٢٠٠ للبارت الواحد، واقصد بالبارت الواحد، يعني انتظام على اكتر من بارت يعدي ٢٠٠ فوت وساعتها أنا هلاحظ الانتظام والتفاعل دا فهقوم اقولكم معاد اليوم التالت، لكن ماكنش قصدي ان لو البارت اللي فات عدى ٢٠٠ اني كدا هنزل ٣ أيام، دا بس للتوضيح علشان فيه منكم فهم غلط
٣_ انا عارفة ان الرواية فيها مشاعر ووجع وتقيلة حبة، بس عادي على قد الوجع والحزن هيبقى على قد الفرح والفرج ان شاء الله بس اصبروا عليا وعيشوا اللحظة وحاولوا تفصلوا نفسكم عن الرواية واحداثها، وافتكروا انها مجرد رواية يعني
أخيرا بقا متنسوش تعليقاتكم والفوت بتاعكم
لقاؤنا يوم الاتنين الجاي
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثامن و الثلاثون[ محاولة صُلح]
سلمى خالد احمد
**************
في البداية، لم تفهم… أو ربما لم تُرِد أن تفهم.
لكن الكلمات حين تجمّعت، حين اكتمل معناها القاسي، شعرت وكأن شيئًا بداخلها انكسر بصوتٍ مسموع، رغم أن المكان ظل صامتًا.
كان يتحدث عنها… عن أختها.
بذلك الدفء الذي لم تعرفه يومًا في صوته معها.
بذلك الشغف الذي انتظرته طويلًا… ولم يأتِ.
تراجعت خطوة، ثم أخرى، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.
يدها امتدت تلقائيًا إلى الجدار تستند عليه، لا لأن جسدها تعب… بل لأن روحها لم تعد تقوى على الوقوف.
"أنا فعلا عملت كل حاجة علشان انسى ماهي...."
لم تكن الجملة الأعلى صوتًا… لكنها كانت الأعمق طعنًا.
استقرت في قلبها كخنجرٍ بارد، لا يقتلها… بل يُبقيها حيّة لتشعر بكل ما فيه من ألم.
اتسعت عيناها، لا بالدموع، بل بالذهول.
كأنها تحاول أن تُعيد ترتيب الواقع من جديد، أن تُكذّب ما سمعت، أن تُقنع نفسها بأن هناك تفسيرًا آخر… أي تفسير، إلا هذا.
لكن الحقيقة كانت واضحة، قاسية، لا تحتاج إلى تأويل.
هي لم تكن اختيارًا… كانت بديلًا.
ظلًّا باهتًا لامرأةٍ أخرى… امرأةٍ أقرب إليها مما ينبغي.
ارتجفت أنفاسها، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بسرعةٍ غير منتظمة، شعرت حينها بحرارةٍ تشتعل في عينيها، لكن الدموع تأخرت… تأخرت كثيرًا، كأن حتى البكاء خذلها.
كيف لم ترَ؟
كيف لم تفهم تلك المسافات الصغيرة في حديثه، تلك البرودة التي كانت تتسلل إلى كلماته، ذلك الغياب رغم حضوره؟
تذكّرت كل لحظةٍ ظنّت فيها أنه يقترب منها… لتدرك الآن أنه كان يبتعد، لكن بهدوءٍ لا يُلفت الانتباه.
تذكّرت صمته، شروده، نظراته التي تمرّ عليها وكأنها لا تعنيه…
لتفهم أخيرًا أنه لم يكن غامضًا… بل كان صادقًا بطريقته المؤلمة.
ضحكةٌ صغيرة جانبية خرجت منها فجأة… ضحكة بلا روح، أقرب إلى الانكسار منها إلى السخرية.
ثم همست لنفسها، بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"أنا كنت فين؟"
انزلقت ببطءٍ على الجدار حتى جلست أرضًا، تضمّ نفسها بذراعيها، كأنها تحاول أن تجمع ما تبقى منها.
لكنها كانت تعرف… أن ما انكسر بداخلها الآن، لم يكن بسيطًا ليُجمع.
لم يكن الألم فقط في خيانته…
بل في الحقيقة التي تلتها، أنها عاشت قصة حبٍ كاملة… وحدها.
***********
كان يتحرك ذهابًا وايابًا داخل صالة منزل والدته، وهو يضع يداه على رأسه لا يصدق تلك المصيبة التي وقعت فوقه.
نظر إلى هاتفه الذي في يده، وبدأ يقرأ الرسالة التي كتبتها ونشرتها على صفحتها عبر الفيس بوك للمرة الثالثة لعل كل ذلك يصبح وهم، علّه يجد ما يبرائها، ما يخرجه من مأزقه، ما... أي شئ... أي شئ..
ولكنه قرأها هذه المرة كالمرتين السابقتين لا جديد يذكر، وجاءت رسالتها على النحو التالي:
" ماما، اخويا شهاب حبيبي، شاهندا، سامحوني كلكم، حاولت بس مقدرتش، مشاعري كانت طاغية عليا اكتر، قلبي هو اللي حركني.. انا عارفة اني ملقش بيكم ولا اليق بأني اكون بنتكم، بس محدش يدور عليا، انا خلاص اختارت طريقي، والحياة اختيار.
سامحوني لاني اختارت اسيب لكم الرسالة دي بالشكل دا، قصاد الناس على صفحتي، بس انا اضطريت اعمل كدا علشان اضمن إني أكون آمنة واعرّف الكل اني عملت كدا باختياري وياريت محدش يلومني، آسفة ليكم مرة تانية، هتوحشوني بحبكم"
كانت أمه تبكي جانبًا في صوت عالي لا تصدق ما فعلته ابنتها بهما، كيف حدث ذلك؟ هي ربتها، تقسم أنها لم تقصر في تربيتها، فلماذا؟
وتحدثت إلى ابنها في غضب:
_ شوف حل وامسح البوست دا من على الاكونت بتاعها، قبل ما نتفضح اكتر
ثم أزالت دمع عيناها وتابعت:
_ تتحرق، هعتبرها ماتت، من هنا ورايح انا مليش بنت اسمها وعد ومش عايزة اسمع اسمها ولا اعرف اي حاجة عنها ولا صورها حتى هتكون في بيتي
خانتها دموعها فهبطت مرة أخرى، ولكنها أنهت حديثها ولم تستطع ان تتكلم أكثر وعليه هربت من ولديها بدموعها وقهرتها وانكسارها، واتجهت نحو غرفتها في خطوات سريعة.
قالت شاهندا وهي تبكي لاخيها:
_ البوست جاب عدد شيرز كتير، بحاول افتكر ال password بتاعها عشان احذفه
نظر إلى التوقيت الذي نُشر فيه البوست فعلم أنه نُشر قبل ساعتين، متى وكيف خططت لكل ذلك؟
وعليه اقترب من أخته وقال لها:
_ شاهندا ساعديني، وعد كانت بتكلمك عن عز؟ كانت بتقولك اي حاجة تخص أفكارها المنيلة دي؟ ارجوكي متكدبيش، انا عايز اساعدها، هي هتتهان اوي معاه.. أنا خايف عليها
_ صدقني يا شهاب لا، مجبتليش سيرته ابدا ولا قالت لي حاجة.. بس هي كان بقالها فترة فرحانة اوي وأنا سألتها النهاردة قبل ما تمشي على الشغل وقالتلي انها مبسوطة علشان هتتكرم، مجابتش سيرة عز وحتى أما قولتلها هو السبب او فيه جدبد معاه، قالتلي لا
تركها ودخل غرفة أخته الهاربة، ثم أشعل الضوء وأخذ يلتفت بالغرفة ثم دخلها وبدأ يبحث هنا وهناك عن أي خيط او رابط.
جاءت شاهندا وسألته :
_ انت بدور على إيه؟
_ على أي حاجة.. جواب منه، هدية، أي زفت على دماغه ودماغها.
فتح الخزانة خاصتها فوجد ملابسها كما هي، فحك مقدمة رأسه في تفكير، ثم قال:
_ هربت من غير ما تاخد اي حاجة معاها كدا؟ معقول؟
سارت شاهندا في خطوات سريعة ثم قالت:
_ استنى، كانت بتحوش فلوس في الشنطة دي
فتحت الحقيبة فوجدت المال كما هو، فنظرت إلى أخيها في استغراب، وكذلك الآخر بادلها النظرات نفسها، ثم قال:
_ غريبة اوي، هربت من غير هدوم ولا فلوس ولا أي حاجة كدا؟
هي الهروبة جت فجأة ولا إيه!
_ تفتكر هو ضغط عليها؟
ثم أشارت بيدها نحو الغرفة وتابعت:
_ اصل بص، كل حاجتها مكانها!
حاسة ان فيه حاجة حصلت معاها؟
ثم نظرت إليه واضافت:
_ يا شهاب حركة زي دي متطلعش من وعد مش قادرة أصدق.. انت تصدق عليها حاجة زي كدا؟
يا شهاب انت اللي مربينا وعارفنا
هز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ انا فعلا مستغرب ومش قادر أصدق ان تصرف زي دا يطلع من اختي.. هدور عليها، هعرف مكان الكلب وبيته فين وهدور عليها في كل حتة ومش هسكت
_ نبلغ البوليس؟
_ اقوله ايه البوليس؟ والنبي شوفلي اختي هربت ليه، اصل شكله عز ضغط عليها؟
بوستها لوحده اللي انتشر دا كفاية يخلي البوليس يطردني، قال هو البوليس عارف يلاقي المخطوفين علشان يدور على الهربانين!
_ على رأيك، دا أما حد بيختفي وأهله بيبلغوا، بيقولوا استنى ٢٤ ساعة الأول، علشان لو رجع او هو اللي طفش بمزاجه، ميكونوش بذلوا مجهود على الفاضي
_ سيبك دلوقتي، انا اللي هدور عليها عنده وبعد كدا لو اتأكدت انه ضاغط عليها او ما شابه هدخّل البوليس وقتها
_ هتجيب عنوانه منين؟
أخذ يفكر في الأمر لحظات... ثم قال:
_ أكيد عنوانه، واسمه بالكامل، موجودين في الشركة عندنا، بكرة اول ما اروح الشركة هدوّر، خلي بالك من ماما وافضلي جمبها وانا هرجّع اختي وهنقذها من الحيوان دا.
************
_ لو ملقتهاش خلال كام ساعة، هقتلك علشان يكون في علمك.. هيام تظهر يعني تظهر، سامع؟
يلا بالسلامة
انهى المكالمة مع محدثه، ثم بدأ يقول محدثًا نفسه في توعد:
" ماشي يا *****، ان ما ربيتك وعلمتك ازاي تعملي حركة زي دي معايا؟ مبقاش انا باسم عواد"
وفي تلك الأثناء، سمع صوت دقات الباب، فقام واتجه نحو الباب كي يفتح، وبمجرد أن فتح، وجد الطارق، خطيبته والتي ابتسمت بمجرد أن رأته وقالت:
_ surprise [ مفاجأة]
ثم دخلت وكل ذلك هو يحاول أن يستوعب مجيئها، مرر سبابته على شنبه ثم غلق الباب وقال لها:
_ إيه اللي جابك؟
_ أيه يا بسومي، بقا دي طريقة تكلم بيها خطيبتك حبيبتك؟
كانت تتكلم وعيناها تتجول في المكان كله، علّه يخبئ فتاة هنا أو هنا، حتى أنها دخلت غرفة النوم الخاصة به وقالت في ابتسامة:
_ اوضتك حلوة جدا...
وبدأت تفتح غرفة تلو الأخرى وهي وتقول:
_ الشقة كلها تحفة، يا ترى شقتنا هتبقى زيها؟
كان يضحك منها ومن تصرفاتها، ولكنه استغرب قليلًا فهي على غير العادة، لم تشك فيه أبدًا، لما بدأت الآن؟
أسند ذراعه إلى الحائط وقال:
_ اترزعي على أي كرسي يا رهف وبطلي تفتيش في الشقة، بدوري على إيه يعني!
توقفت عما كانت تفعل، والتفتت إليه وردت:
_ بدور؟ لا يا حبيبي أنا مش بدور أنا بتفرج عادي على الشقة يعني!
_ اخص عليا، بقيت شكاك الفترة دي أنا!
_ شفت؟
لفظت تلك الكلمة، ثم جلست على الكرسي وتابعت:
_ عامل إيه؟
حرك بؤبؤ عيناه في عدم اهتمام ورد:
_ هو انا مش قولتلك قبل كدا متجيش تزريني في شقتي؟
ردت في ابتسامة:
_ اه قلت بس أنا مش خايفة منك
رفع أحد حاجبيه وسكت برهة... ثم رد:
_ حاسس ان فيه اهانة ليا في الموضوع بس مش قادر احط ايدي عليها
ردت بسرعة مصححة:
_ لا لا يا حبيبي مش قصدي كدا، مش قصدي اني مش خايفة منك علشان انت مش راجل ولا حاجة زي دي طبعا، اقصد مش خايفة منك لاني بثق فيك و بحس معاك بالأمان
رد ساخرًا:
_ ومنطق الشيطان؟
كدا تبوظيه؟
ثم تنهد وتابع في ابتسامة:
_ انا نفسي مش بثق فيا، قد ما انتي واثقة فيا اوي كدا.. أخلاقك بتمسخر أم انحرافي يوم بعد يوم
_ مش فاهمة!
_ ودي أحلى حاجة فيكي عامة
انهى جملته ثم اتجه نحو المطبخ وهو يقول لها:
_ تشربي إيه؟
_ زيك، شوف هتشرب إيه واعملي معاك
دخل المطبخ وبدأ يضع الماء داخل الجهاز، وكانت هي تجلس في الصالون على الكرسي تراقب ما يفعل، تفكر... ثم تكلمت:
_ هو انت كنت فين أول امبارح الساعة ١ بليل يا باسم؟
سكت برهة... يفكر ويتذكر.. ثم رد:
_ آه.. هنبدأ بقا بالأسئلة الشفوي المفاجأة بتاعت المخطوبين دي صح؟
_ بتكلم بجد، كنت فين؟
_ ليه بتسألي؟
سكتت... ترك الماء يلغي، ثم جهز الكوبين وخرج لها، سار حتى جلس على الكرسي قبالتها وقال:
_ من ضمن الحاجات اللي بكرهها في حياتي، هي نوعية الاسئلة دي.. شاكة فيا، متكمليش معايا، بسيطة اهي، لكن تقعدي تسأليني وأسألك احنا مش في امتحان هنا!
توترت للغاية وردت وهي تهز رأسها بالسلب:
_ لا لا يا حبيبي لا، مش قصدي اني شاكة فيك والله، هو....
_ اومال إيه كلامك دا؟
سكتت برهة.. ثم ابتلعت ريقها وردت:
_ اصل... هو...هو...
_ اخلصي يا رهف، انا وقتي ثمين!
_ صراحة كدا، واحدة صاحبتي في الجامعة، هي اللي شافتك وانت في night club, يومها ووقتها وكنت واقف مع بنات كدا وقالتلي
سكت وهو يهز رأسه بالايجاب... ثم قال:
_ امممم، بقا كدا!
وانتي صدقتيها فورا صح؟
_ غلط، والله ما صدقتها ولا حاجة، أنا لو صدقتها يعني كان زمان دا هو اسلوبي معاك؟
انا بسألك اهو وبتناقش معاك وعايزة اصدقك اصلا
_ اولا، صاحبتك دي تقطعي علاقتك بيها تماما، لانها واحدة مش كويسة، انك اصلا تصاحبي واحدة بتروح أماكن مشبوهة زي دي، دا غلط كبير، والا شوية وهلاقيكي رايحة معاها، باسم الصداقة!
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ عمري ما ادخل مكان زي دا، بس هي حرة وبعدين هي صاحبتي من بعيد وكمان...
قاطعها قائلًا في حسم:
_ هتقطعي علاقتك بيها يعني هتقطعي علاقتك بيها مفهوم؟
ثم تنهد وتابع ما إن رأى علامات الضيق على ملامح وجهها:
_ فيه اسباب لدا يا حبيبتي، اولا هي واحدة مش كويسة بتروح أماكن مشبوهة، ثانيا، كدابة، بتكدب عليكي، عايزة توقع بينا واضحة زي عين الشمس
_ طب ليه هي هتبقى عايزة توقع بينا، عندها حبيبها!
_ رهف، صحابك كلهم غيرانين منك افهمي دا... انتي مخطوبة في وقت بدري، بتحبي خطيبك، خطيبك وسيم وغني وعنده عربية و مدير في شركة كبيرة، وبيحبك.. يبقى لازم يفعلوا خاصية صورم البنات و يبدأوا يقولوا اي كلام علشان بيحقدوا عليكي طبعا وعايزين علاقتنا تبوظ.
_ تفتكر؟
_ ايوا هو دا اللي ينفع يتقال اصلا.. لو فضلتي تسمعي ليهم، علاقتنا هتبوظ وهتكون بسبب كيد البنات، وفي الآخر هما هيروحوا يتجوزوا ويخلفوا ويعيشوا وانتي هتفضلي كدا ملكيش حد وهتكوني خسرتي علاقتك و حُبك علشان كلام ملوش لازمة وانتي حرة في الآخر أكيد
هزت رأسها رافضة ما يقوله، ثم ردت عليه:
_ لا خلاص يا حبيبي انا مصدقاك خلاص، وبكرة أما اروح الجامعة، هشوف شغلي معاها كويس
_ من حسن الحظ انك ذكية وفكرتي تواجهيني واستوعبتي كلامي.
هروح اشوف المياة شكلها اتبخرت
وبالفعل قام ثم تحرك نحو المطبخ.
أسندت يدها على الكرسي وقالت له في ابتسامة مليئة بالشغف:
_ صحيح يا بسومي
_ قوليلي
_ هو فعلا الإنسان بيزهر مع من أحب؟
توقف عم كان يفعل وسكت تمامًا، لم يصدر منه حركة ولم تخرج منه كلمة.. فقد تذكر....
قبل سنتين تقريبًا:
تذكر كيف جذبته تلك الجميلة وكيف أرقته ايامًا وليالًا، وكيف تخيل حياته ونفسه كرجل مختلف معها، معها وحدها....
تذكر دقات قلبه عندما كان يراها، تذكر تلك الابتسامة البلهاء التي كانت ترتسم على شفتيه دون داعي لمجرد رؤيتها.
تذكر انه تابعها و قرأ عنها في جميع صفحاتها، تذكر كيف تمناها بحواره فكل ليلة صعبة مرت كي تهون عليه.
حتى انه تذكر كلام أصدقائه له " اوعى شكلنا وقعنا خلاص يا عم، مين الجامدة اللي قدرت توقع باسم عواد في حبها؟"
" وكمان مش عايز تسهر؟ لا لا دي شكلها غيرتك خالص "
حتى تلك المحادثة الغبية التي دارت بينه وبين أحد أصدقائه، تذكرها:
_ لا قللت سهري جدا وخروجاتي بليل وبفكر اني مش هروح ديسكوهات تاني خلاص
_ مش مصدقك بجد؟ دا ليه كدا؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة الحب ورد:
_ يعني.. معجب بواحدة كدا وهي ملهاش في الجو دا، مش هتقبل واحد بتاع بنات وديسكوات فقررت اتغير
_ اوعى بقا، بقا قررت تتغير علشانها؟ مين دي ارجوك عرفني عليها
_ لا
_ طب اسمها بس حتى!
_ يوه عليك... اسمها روني يا عم.. روني اللي بقت سبب سهر عيوني
_ وكمان خليتك شاعر! لا لا جامدة بجد...
خرج عن شروده وهو يتمتم في نبرة خفيضة للغاية:
" غبي "
_ إيه يا باسم روحت فين أنا بكلمك؟!
_ معاكي... لا، الحقيقة الانسان بيزهر أما بيحب نفسه اكتر
شعرت بالضيق من رد وقالت:
_ يعني إيه؟
_ يعني خلاص بقا يا رهف، اهو هو دا ردي وخلاص!
_ انا همشي
وقفت ثم بدأت تسير نحو الباب كي ترحل فلم ينادي عليها بل ظل يتبع أثرها حتى خرجت ثم قال لنفسه:
" غبي اللي يعلق نفسه ومشاعره في ايد حد، غبي..."
*******
دخلت أسيل، غرفة تالية وغلقت الباب، ثم قالت:
_ إيه بقا مالك؟ من الصبح وانتي زعلانة وسرحانة حصل إيه؟
كانت الأخرى تلوي لها ظهرها ولكنها سرعان ما وقفت قبالتها كي تتحدث معها وجهًا لوجه، وجدتها تبكي بكاء جمًا وكأن عيناها تمطر دموعًا.
اختضت وعليه قالت في خوف:
_ إيه يا تالية مالك، بتعيطي كدا ليه يا قلبي بس؟
ايه اللي حصل؟
بدأت أصوات شهقاتها تتعالى، ثم ردت:
_ جياد..
_ ماله؟
حاولت أن تهدأ وتستجمع نفسها، ثم ردت:
_ عمره ما هيحبني يا أسيل عمره...
تنهدت أسيل ثم ضمتها إليها وردت في نبرة مليئة بالحنان:
_ اهدي يا حبيبتي مش كدا، منين بس جبتي الكلام دا!
ردت في نبرة مليئة بالبكاء:
_ طردني.. روحت له النهاردة الصبح شقته علشان اتكلم معاه، راح قايلي اطلعي برا ومسكني رماني قدام الشقة.. جياد مش عايز يصدق حاجة عليها ولا عايز يطلقها ولا عايز يسمع بس مجرد كلام هيقومه عليها
خرجت من بين ذراعيها وتابعت وهي تمسح دموعها:
_ هانيا عمرها ما هتخرج من جياد، شكله عمره ما هيطلقها
_ هيطلقها متخافيش.. كلمي شهاب بسرعة قوليله يلا، قوليله هانيا سقطت، يعني بعد ما كان صعب يستنى لحد أما تولد وترضع وكل دا، بقا هيستنى ٣ شهور عدة بس، يلا كلميه لازم الضغط يكون على جياد وهانيا من كل النواحي علشان لازم يطلقوا يعني يطلقوا.
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ فقدت الأمل مش قادرة مش قادرة
_ تالية، اسمعي جياد متأثر بيها بس الفترة لكن...
قاطعتها قائلة في حسم:
_ سبيني لوحدي يا اسيل بعد اذنك، عايزة اقعد مع نفسي، عايزة استوعب اللي حصل النهاردة دا لوحدي من غير اي كلام
_ تالية خليني معاكي أنا..
_ معلش أسيل شوية بس بعد اذنك شوية
هزت رأسها موافقة ثم ألقت نظرة أخيرة عليها وعلى حالتها، ثم خرجت...
وهي خلف الباب، تضايقت على حالة ابنة خالتها وعليه اتصلت على شهاب مرة و التالية ولكنه لم يجب في أي مرة منهم.
فتمتمت:
" اللعبة لسه مخلصتش.. مش هنتصروا يا بنات السلاب "
*************
فتح جياد باب شقته، فوجد الطارق أخيه يزيد، والذي قال له بمجرد أن فتح:
_ المرادي هدخل اتكلم معاك يعني هدخل، سيبتك امبارح كله اظن
سمح له بالدخول، ثم سبقه وهو يسير نحو الكرسي وجلس عليه.
جلس الآخر قباله وقال:
_ عامل إيه دلوقتي يا حبيبي؟
_ الحمدلله احسن يعني
سكت يزيد برهة يرتب ما سيقول...ثم رد:
_ يارب دايما أحسن... ناوي ترجع القصر امتى وتبقى وسطنا؟
لم يرد عليه... فأضاف:
_ جياد أنا عارف ان اللي حصل لك صعب بس انا من رأيي تسمع هانيا فعلا، اتكلم معاها، اسمعها، شوف عندها إيه وبعد كدا احكم عليها بأنها قتلت الطفل او لا.. خدت اصلا قرار في الموضوع؟
_ قرار إيه؟
_ يعني، اذا كنت هطلقها ولا هتكمل ولا لسه هتفكر، كدا يعني!
تنهد ثم رد ساخرًا:
_ هو انا عارف اخد معاها قرار!
انا من ساعة ما حبيتها وانا نفسي اخد قرار.
ابتسم يزيد ورد:
_ ليه حبيبتها كل دا بجد، قدمت لك إيه طيب؟
سكت يفكر.. هي بالفعل لم تقدم له أي شئ.. ولكنه رد على أية حال:
_ مش عارف.. بس.. بس هي برائتها وابتسامتها ليهم جاذبية خاصة... في الأول كنت معجب بس.
وقعت فيها أما كانت بتبتسم لي كل يوم الصبح ومرات وقفت معايا ومرة حلت لي مشكلة كبيرة وقعت فيها مع ناس صحابي وكنت باخد رأيها وكدا.
من ساعتها بقا، وانا متعلق بيها...
سكت لحظة ثم تابع في ابتسامة:
_هي بالنسبالي، قدمت لي مثلا كوباية لبن.. فقمت انا مقدم لها الزريبة بكل الجواميس اللي فيها بالزرايبي شخصيا.
ضحك يزيد ورد:
_ بضحكني دايما، حتى وانت بتحكي مشاكلك
_ اعمل إيه يعني... مش بدل ما اقوم اولع في نفسي!
سكت الشاب برهة، يفكر.. هو كان يود أن يخبره بشأن ما فعلته والدته أمس في حق زوجته وهانيا ولكنه لم يرغب في مضايقته أكثر حاليًا ولكنه قال:
_ هتتكلم معاها طيب؟
_ مش عارف، بس حاسس إني مش قادر.. انا بس اللي بسعى لوحدي في العلاقة دي وبقيت حاسس إني استنزفت
_ فكر في الموضوع، يلا انا همشي علشان انت عارف أكيد مستنيني على الغدا، ولا تحب اقعد اتغدى معاك او نخرج نأكل برا؟
_ ماشي يلا نخرج نتغدا برا
*********
دخل مجدي منزله، فوجد زوجته تتقدم نحوه بخطوات سريعة وهي تقول:
_ كل دا يا مجدي! اتأخرت ليه كدا؟
_ خلصت شغل وروحت عملت كام مشوار كدا، فيه حاجة ولا إيه؟
_ هانيا، مش راضية تاكل وانت عارف انها بتنزف ولازم لها غذا وهي زعلانة مني علشان رجعتها القصر وكدا، خد انت اديها الأكل يمكن تاكل من ايدك ولو منفعش هرن على أختها تيجي تأكلها هي
هز رأسه موافقًا ثم قال لها:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، كله بسببك، مش عارف ليه بجد عملتي كدا!
_ خلي بس البت تاكل الأول وبعدين نبقا نتكلم
تنهد ورد:
_ ماشي، هاتي الأكل خليني ادخل لها
اعطته صنية الطعام وقالت له:
_ اهو خد الأكل اهو، يارب تاكل من ايدك يارب
حمل الطعام واقترب نحو غرفة ابنته وطرق الباب.
كانت الغرفة ساكنة على نحوٍ مؤلم، كأن الجدران نفسها تخشى أن تُصدر صوتًا في حضور ذلك الانكسار. الضوء خافت، يتسلل بصعوبة من خلف الستارة، فيرسم ظلالًا باهتة على جسد هانيا المنكمش فوق الفراش.
كانت ممددة بلا حراك، شعرها مبعثر، ووجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه على مهل. عيناها مفتوحتان، لكنهما لا تريان شيئًا… كأنها عالقة في مكانٍ لا يصل إليه أحد.
فتح مجدي الباب ببطء ما إن لم تستجب له، يحمل طبق الطعام بيدٍ مرتجفة قليلًا. توقف عند العتبة، حين رآها…
تجمد للحظة، وكأن قلبه انقبض دفعةً واحدة.
دخل بهدوء، أغلق الباب خلفه، ثم اقترب منها بخطواتٍ حذرة، كمن يخشى أن يكسر شيئًا هشًا.
وضع الطبق على الكومودينو، وجلس على طرف السرير، ينظر إليها طويلًا…
لم تكن هذه ابنته التي يعرفها. لم تكن تلك الفتاة التي كانت تملأ البيت حياةً وضحكًا.
تنهد بعمق، ثم مد يده ببطء، وضعها فوق رأسها وربّت عليها بحنانٍ قديم، حنان أبٍ أدرك متأخرًا أنه أخطأ الطريق.
قال بصوتٍ هادئ، مكسور قليلًا:
_ يا هانيا…
لم ترد. فقط رمشت بعينيها ببطء.
ابتلع كلماته للحظة، ثم أكمل، وصوته يحمل ثِقل اعترافٍ لم يعتده:
_أنا عارف إني غلطت… وغلطي كان كبير كمان."
سكت لحظة، وكأنه يمنحها مساحة لتتنفس، أو ربما يمنح نفسه شجاعة الاستمرار، ثم تابع:
_كنت فاكر إني لما أجبرك على الجواز، ببني لك أمان.
كنت فاكر إن الأب لما يختار لبنته، يبقى بيحميها من الدنيا… بس الحقيقة..
أنا كنت بخاف… مش عليكي، لا… كنت بخاف من فكرة إني أسيبك تختاري، فتسيئي الاختيار وتندمي وميكونش لندمك فايدة وقتها.
تنهد، ومرر يده على وجهه بإرهاق، وتابع:
_اللي حصل يا بنتي مش قضاء وقدر بس… ده تدخل غلط منّي أنا في حياتك ومصيرك
تحركت عيناها نحوه قليلًا، وكأن كلماته بدأت تخترق ذلك الجمود، ولكنها عادت تحيد بصرها بعيدًا عنه تارة أخرى
ابتسم ابتسامة باهتة، مليئة بالألم، ثم قال بنبرة أهدى:
_بصي يا هانيا… في حاجة أنا اتعلمتها متأخر…
الإنسان مش بيتكسر من اللي بيحصله، الإنسان بيتكسر لما يُجبر يعيش حاجة هو مش عايزها، وانا في الحالتين ماكنش هدفي اكسرك، انا بس كنت عايز احافظ عليكي، كنت عايز اطمن عليكي مع شخص بيحبك مع راجل ضامنه وواثق فيه كفاية علشان اقدر اسلمه حتة مني، حتة من قلبي...
سكت لحظة، ثم أشار بإيده كأنه بيرسم فكرة في الهوا:
_تخيّلي كدا حد ماسك طير… الطير ده اتخلق علشان يطير، علشان يحس بالهوا… بس انا اللي حبسته في قفص، لاني كنت فاكره امانه، كنت خايف طيور أكبر تاكله او تجرحه
هو ممكن يعيش… آه… بس عمره ما هيبقى حي....
نظر لها مباشرة، وعينيه لأول مرة فيها ضعف واضح وتابع في نبرة مليئة بالندم:
_أنا حبستك يا هانيا… وأنا اللي لازم أفتح القفص
نزلت دمعة من عينه بسرعة، مسحها بيده قبلما تكمل طريقها..
_انتي حرة
قالها بهدوء… لكن بثقل قرار كبير، ثم اضاف:
_لو عايزة تكملي… كمّلي.
ولو مش قادرة… ولو قلبك مش طايق… لو كل يوم معاه بيموتك اوي كدا، سبيه، انا مش عايز حاجه غيرك.. انا مش عايز غير بنتي، لو مش عايزة ترجعي قوليلي وانا مش هرجعك فعلا يا هانيا وانا هروح حالا اقولهم كل شيء قسمة ونصيب.
اقترب منها أكثر، وصوته أصبح أدفأ:
_ ادركت متأخر، بس المهم اني ادركت، الطلاق مش فشل يا بنتي… الفشل إنك تفضلي في وجع إنتي مش مجبورة عليه.
سكت لحظات..وبدأ يلمس شعرها وتابع:
_أنا جنبك في أي قرار.
مش هضغط عليكي تاني… ولا هختار بدالك.
انتي مش طفلة، انتي واحدة عاشت وجع كفاية يخليها تعرف هي عايزة إيه.
مد يده يمسك يدها بهدوء، وضغط عليها بخفة و قال:
_قومي بس من اللي إنتي فيه دا، قومي يلا كلي لقمة، وبعدها قرري براحتك.
بس أوعدك، القرار المرة دي… هيبقى بتاعك إنتي."
التفتت له وأخذت تنظر إليه مطولًا... ثم ردت في نبرة ضعيفة:
_ ولو بيضغط؟ لو قالي لو اطلقتي هقعد في قعدة كبيرة واقول فيها كل حاجة؟
_ هيقول إيه يعني؟
اعتدلت في نومتها وبدأت تجلس كي تستطيع التحدث معه وجهًا لوجه، ثم اجابت بنبرة بها توتر واضح:
_ شهاب مرات كان بيدخل لي اوضتي علشان يعرف اتساب ليه وكدا، اقسملك ما في اي حاجة حصلت بينا.. بس ناس شافتنا وبيهددوني انهم هيقولوا لجياد.. كمان فاطيمة دي، صورت فيديو لشهاب وهو بيخطفني من قدام البيت وهددتني بردو... فكرت كتير في الطلاق، بس الضغط كان بيمنعني اصلا.
مسكها من يدها في هدوء كي تنهض معه وهو يقول:
_ تعالي
نهضت معه وخرجا معًا من الغرفة ثم سارا حتى خرجا من المنزل كله، وفي حديقة المنزل الصغيرة تلك، كانت هناك حمامة تأكل من خشاش الأرض دائمًا ما كانت تأتي لهنا كي تأكل.
وقف مجدي ثم نظر إلى تلك الحمامة وقال لابنته:
_ بصي، شايفة الحمامة دي؟ دي كل يوم بتيجي تأكل عندنا لدرجة اني بقيت اجيب لها أكل معايا وانا جاي من الشغل ولحد دلوقتي معرفش حتى هي بتاعت مين ولا جت منين.
هي بتحب هنا جدا واتعودت تيجي هنا دايما علشان تأكل..
نظرت الفتاة إليه وإلى الحمامة ويبدو انها لا تفهم مقصده، فابتسم وتابع:
_ هستني هفهمك..
اقترب بخطوات حذرة وبطيئة جدا نحو الحمامة وفجأة مسكها مقيدًا حركتها، كانت ترفرف بين يديه تود أن تطير، نظر إلى ابنته وقال:
_ شايفة، شايفة هتتجنن وتطير ازاي بعد ما مسكتها؟
انهى جملته ثم تركها بالفعل فطارت بعيدًا هاربة ناحية بنفسها، كان يتبع هروبها، ثم ابتسم وقال لابنته:
_ طارت ومش بعيد متجيش هنا تاني..
المثال دا بقا هو اكتر مثال حي لعلاقتك انتي وجياد.
_ ازاي؟
تنهد واجاب:
_ المكان دا مريح بنسبة للحمامة جدا ومن زمان ومش مصدر ضغط عليها وجايز كانت هتفضل دايما فيه وجايز كانت مرتاحة وبتاكل ومفكرتش ابدا تطير إلا أما مسكتها... ودي نفسها انتي... علاقتك بجياد بدأت أما انا مسكتك و قولتلك هتتجوزيه يعني هتتجوزيه واجبرتك، وانتي كل هدفك وقتها تطيري وتهربي فكنتي بترفضي وبتصرخي وعايزة تطيري زيها بالظبط، بالرغم من اني لو ماكنتش أدخلت كان زمانك شايفة جياد حاجة تانية، كنتي هتشوفيه مكان آمن بتتحركي فيه براحتك، ومش مصدر ضغط ولا حاجة، زي ما الحمامة كانت شايفة الأول قبل تدخلي.
رفع رأسه نحو السماء ثم تابع:
_ انتي معرفتيش عن جياد، إلا الضغط و الاجبار والإنانية ورافضة تشوفي الجانب التاني منه، الجانب الآمن اللي انا كنت شايفه فيه علشان كدا جوزتك ليه، الجانب اللي الحمامة رفضت تفضل فيه بمجرد ما اتقيدت رغم انه كان مكان رزق واكل وراحة بالنسبالها، ويمكن لو ماكنتش اتقيدت كانت هتفضل رايحة جاية عليه دايما وكان هيبقى مكانها المفضل كمان.
التفت إليها وتابع:
_ اللي انا اقصده يا هانيا، ان القرار قرارك، انا مش هقيدك تاني.. انتي في ايدك تختاري، يا تختاري تشوفي وتكتشفي الجانب التاني الآمن من جياد، الجهة اللي عمرك ما شفتيها لانك كنتي متقيدة وهدفك الوحيد التحرر، تشوفي جياد اللي بيحبك وعايز يعمل كل حاجة في الدنيا علشانك، جياد اللي مستعد يهد الأرض علشان ترضي، جياد المسؤول اللي هيكون اب وزوج وراجل في بيته.. أو تطلقي منه وتستني الشخص اللي ممكن يحبك ربع حبه حتى وانا اشك في دا، لان الإنسان بيتحب مرة واحدة في حياته بشكل لا يُصدق، فيايتمسك بالمرة دي والشخص دا، يا يتنك ويعيش حياة عادية مع حد عادي.
صدقيني مش هتلاقي حد يحبك قده، صدقيني مش بكدب عليكي ولا يضغط عليكي، مجرد بقولك علشان خسارة، خسارة تضيعي حب زي دا وشخص زي دا من ايدك، كفاية شهاب ضاع وانتي عارفة ان طريقك بقا مقفل معاه بالأخص بعد ما اتجوز ماهي الزيني.
خدي وقتك يا بنتي وفكري، فكري وقوليلي وانا معاكي في اي قرار وبخصوص التهديدات، انا بنفسي هقول لجياد اننا متنازلين عن حقوقك مقابل انه ميتكلمش عن اي ماضي حصل واني عندي علم بكل حاجة..
اقترب منها ثم وضع وجهها بين كفيه وتابع:
_ يكفي عندي انك تبقي بخير ومشفكيش في الحاله دي تاني ولا اشوفك بتعيطي كدا تاني.
ثم وضع قُبلة صغيرة على جبينها وأضاف بحنان اب واضح:
_ يلا تعالي ندخل علشان تاكلي، لازم تاكلي انتي تعبانة ومرهقة ولازم تعوضي دا، يلا معايا
ابتسمت له وهزت رأسها موافقة ثم ذهبت معه في صمت ورضا.
**********
كانت في سيارتها لا تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول؟ هل تواجه أم تتخلى؟ هل تنفصل؟ ام تنتظر؟
وعقب وقت طويل قضته في السيارة، لا تجيب على اتصالاته او رسائله، اتصلت به أخيرًا وما إن استجاب، قالت له:
_ إيه يا أمجد
_ إيه يا كاميليا انتي فين؟ أتبخرتي؟
بقالي ساعة برن عليكي!
وجاء ردها بنبرة منخفضة ضعيفة:
_ مفيش حاجة، الموضوع كله ان.. ان ماما تعبت شوية وانا كنت مشغولة بكلم اخواتي ورايحة لهم دلوقتي.. قلت اكلمك اعرفك بس اني رايحة القصر اشوفهم وكدا
_ طب ما قولتليش ليه كنت جيت معاكي؟
_ مفيش داعي، متتعبش نفسك، يلا انا هقفل انا سلام
انهت المكالمة سريعًا، ثم أزالت دمع عيناها وقادت السيارة متجهة نحو القصر.
وبعدما وصلت، مشت على أطراف اصابعها كي لا يشعر بها أحد.. وفي نفس الحركات، صعدت الدرج حتى دخلت غرفة أمجد التي كان ينام بها قبل زواجهما، واشعلت الضوء.. بدأت تبحث هنا وهناك وتقلب هنا وهناك.. حتى وجدت صورتها، صورة أختها محشورة بين خشبة السرير و المرتبة.
التقطتها وبدأت تنظر إليها وحسب.. ثم ابتسمت ابتسامة جانبية ساخرة وحدثت نفسها:
" بقا هي دي الصورة اللي كان بيقعد يكلمها بالساعات واما كان بيشوفني كان بيرميها مني!
كنت ممكن اتخيل اي حاجة إلا انها تطلع أختي.. ليه كدا يا أمجد ليه! "
***********
كان شهاب يجلس على السرير وامامه الحاسوب يركز فيه ويدقق، كالعادة يعمل، فلم يعد لحياته أي أهمية ولم يجد له أي مهرب من أعباء الحياة سوى العمل، ذلك الذي اعتد عليه منذ أن كان في عمر السادسة عشر.
دخلت عليه وهي تحمل صنية بها مشروبات وتسالي، وأخذت تقترب منه.. وفي هدوء وضعتها على الطاولة بجانبه، فقال لها في ابتسامة صغيرة:
_ تسلم ايدك
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم جلست على الكرسي واطرقت شاردة به... كانت تتأمل ملامحه وتفاصيله في حب وشغف.. تنظر إليه هكذا وحسب كأنها لا تشبع منه ومن وجوده و رؤيته أبدًا.
كانت تفكر.. كيف له أن يكون بعيدًا هكذا رغم ضيق المسافة بينهما؟ ألم يعد يهمه سوى العمل؟ ألم يشتق إليها قط؟
قامت من على الكرسي ثم هبطت ببطءٍ إلى ركبتيها تجلس عليهما على الأرض، كأن الأرض وحدها صارت المكان الوحيد القادر على احتواء هذا الثقل في صدرها.
مدّت ذراعيها بترددٍ خافت، وأسندتهما إلى حافة السرير الذي يجلس عليه، كأنها تستمد منه ثباتًا لا تملكه، أو كأنها تتشبث بآخر خيطٍ يربطها به.
ثم رفعت وجهها إليه ووضعت يديها على خديها، في حركةٍ عفوية تحمل كل ما تبقى من ضعفها، وعيناها معلّقتان به، لا تحيدان عنه، لا تهربان، ولا تطلبان النجاة.
كانت تنظر إليه فقط…
لكن تلك النظرة لم تكن عادية.
كانت مزيجًا غريبًا من الحب والانكسار، من الإدراك والإنكار، من قلبٍ يرى الحقيقة كاملة ويرفض أن يتخلى رغم ذلك.
لم يكن في عينيها سؤال، ولا عتاب، ولا حتى دموع في تلك اللحظة، بل شيء أعمق… شيء يشبه التسليم.
كأنها تقول دون أن تنطق:
"أعرف… وأفهم… ورغم ذلك… ما زلت أحبك."
ظلّت على حالها، ساكنة كتمثالٍ نُحت من الألم، لا يتحرك منها سوى أنفاسٍ متقطعة، بالكاد تُسمع.
كانت نظراتها تلامس ملامحه بحذر، تحفظها كأنها تخشى أن تفقدها بعد لحظة.
لاحظ هو تلك الحالة وتلك النظرات وعليه عقد حاجبيه في استغراب وقال مستفسرًا:
_ إيه؟
ردت في نبرة مُسلّمة لواقع اليم:
_ قولي ازاي اقدر اتعافى منك؟ قولي طريقة اعرف اتعافى بيها منك.
أخذ شهيقًا ثم زفره على مهل وترك الحاسوب جانبًا ثم رفعها بيده من على الأرض فنهضت معه، ثم وضعها على حجره وبدأ يلمس شعرها في بطء وحنان وقال:
_ بليز كفاية.. انا معاكي ومش هسيبك خلاص، قولتلك دا ميت مرة يا ماهي!
_ لسانك بيقول حاجة، بس قلبك وعيونك بيقولوا حاجة تانية
_ سيبك بقا منهم، انتي بتهيألك بس.. أما أنا عايزك ومش هسيبك
ابتسمت كأنها تمسكت بذلك الأمل حتى وان كانت لا تصدقه وبدأت تمرر يدها على صدره وردت:
_ يعني مش هتسبني في نص الطريق؟ يعني مش لأي سبب هتتلكك لي وتسبني تايهة؟
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا هسيبك في نص الطريق ولا في آخره ولا هسيبك خالص، ارتاحي بقا وكفاية تزعلي وتحطي في نفسك، انتي حامل وابننا محتاج نفسيتك تبقى حلوة وشهيتك مفتوحة وضحكتك مالية الدنيا، تمام؟
هزت رأسها موافقة، وبدأت تفك له اوائل ازار بيجامته، فعلق وهو يمسك يدها:
_ تعبان حاليا والله وحزين جدا، ودماغي مشغولة اوي ومش عايز ازعلك او اكروتك
عقدت حاجبيها في قلق وردت:
_ ليه دا؟ من إيه بس؟ ليه حزين؟
_ وعد... أكيد عرفتي باللي حصل
ابعدها عن حجره، ثم قام وبدأ يسير نحو البلكون فتح بابها ودخل، التفت حوله ثم أسند ذراعيه على السور وبدأ يستنشق الهواء في قوة كأنه يختنق.
دخلت عليه وحزنت لما رأته حزينًا بذلك الشكل.
سارت نحوه ووقفت بجانبه ثم وضعت يدها على كتفه وقالت:
_ متزعلش نفسك طيب، ان شاء الله هتلاقيها، مش قلت هتروح بكرة بلده دي علشان تدور عليها؟
هزت رأسها بالايجاب ثم رد:
_ قلت، بس راسي مشغول.. ليه تعمل كدا بس! ليه تفضحنا بالشكل دا؟
احنا مسحنا البوست بعد ما اتشير واتشهر بينا.. ليه تأذينا وتأذي أختها بالشكل دا وتوقف حالها!
ربتت على كتفه، وردت:
_ معلش يا حبيبي حقك عليا انا... قريب والناس هتنسى كدا كدا، وشاهندا هتاخد نصيبها وربنا مش هينساها ولا هياخدها بذنب أختها ان شاء الله
هز رأسه موافقًا ثم رد في نبرة مليئة بالاسى والخذلان:
_ ان شاء الله.. المهم خليكي عارفة اني بكرة مش هكمل اليوم كله شغل، هبدأ عادي في معادي بس على الساعة ٤ كدا هستأذن علشان يدوب الحق اسافر بلد الحيوان دا واشوفها هناك
_ ماشي يا حبيبي مفهوم، سافر انت ومتشلش هم الشغل، تحب تدخل ترتاح؟
_ لا عايز اشم هوا شوية
_ تمام، خليني جمبك علشان لو احتاجت حاجة
نظر إليها ثم رفع رأسه ينظر إلى السماء في صمت..
***********
دخل يزيد على زوجته الغرفة، وكانت الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل.
انتظرته وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وقالت:
_ كل دا تأخير؟ كنت فين كل دا؟
دخل وغلق الباب خلفه ورد:
_ خلصت شغل وعديت على جياد وكنت معاه بقا ولسه جاي اهو
اقترب من الخزانة وبدأ يبدل ملابسه، قالت له متسائلة:
_ هو جياد عامل إيه؟
_ الحمدلله كويس
_ وصل لأي حاجة تخص هانيا؟
_ بصي، انا مفهمتش منه اوي بس اللي قدرت اتوصله، ان هو سايب القرار المرادي لاختك.. تقريبا عايز يفهم هي عايزة إيه او هتعمل ايه
... حسيت منه كدا يعني
_ طب ليه مسألتوش؟
اجاب وهو يرتدي بنطاله:
_ سألته يا حبيبتي سألته بس هو مش بيرد، بيتوه وانا قولتلك اللي فهمته منه، انتي بقا اختك ناوية تعمل إيه؟
_ مش عارفة، اتصلت عليها من شوية اشوفها ومردتش وماما هي اللي ردت وقالتلي كلت ونامت، هشوفها دلوقتي جايز صحيت.
اتجهت نحو الطاولة ثم التقطت هاتفها وقالت له أثناء تقليبها في الهاتف:
_ قولتلي هردلك اعتبار وفات النهاردة كله اهو يعني!
كان قد انتهى من تبديل ملابسه ثم ألقى بجسده فوق السرير ورد حينها:
_ ما انا مستني افهم جياد هيعمل ايه هو واختك علشان لو كدا يتردلكم اعتبار انتوا الاتنين مع بعض، بالأخص ان هي اللي طردت يعتبر، يعني هي لشخصها اطردت وهي تعبانة وبتعاني وبتنزف، علشان كدا لسه مستنيين نشوفها هتعمل ايه
زفرت في ضيق ثم ردت:
_ شكلها لسه نايمة، برن مش بترد
_ خلاص سبيها هي تعبانة خليها نايمة، كلميها بكرة.
قوليلها حتى لو ناوية على طلاق لازم حقها يرجع لانها اتهانت بجد
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ بعد الشغل بكرة هعدي عليها كدا كدا مش هقضيها تليفونات!
جلست على السرير أولًا ثم تسطحت بجانبه وتابعت:
_ راسك بقت عاملة إيه دلوقتي يا حبيبي؟
_ بتتحسن، فيه معاد دوا؟
_ اه كمان نص ساعة
ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
_ يا روحي انا على اللي فاكرة مواعيد دوايا بالدقيقة
_ اومال انت فاكر إيه!
انت جوزي وتاج راسي، وان ماكنتش فاكرة مواعيد دواك انت يعني هفتكر مواعيد إيه؟ ايه مهم تاني في حياتي غير كدا؟
تنهد في راحة ثم رد في سعادة:
_ يالهوي عليا، بتبلفيني، عمري ما اتبلفت كدا قبل كدا
انهى كلامه ثم تقلب في السرير يعلن عن نعاسه ومن شدة التعب نام فجأة بينما كانت تطفي الضوء، عادت إليه في حماس ولكنها قد وجدته نام.
تضايقت بشدة وزفرت في ضيق ثم تمتمت:
" من ساعة ما بقا ياخد مضاد حيوي وهو بقا ينام زي الخروف بالظبط بالساعات، منك لله يا نيرة بوظتيلي الراجل بالخبطة اللي ادتيهاله على نفوخه دي، خليته باظ ومبقاش شغال "
**********
وفي صباح اليوم التالي، دخلت حورية غرفة ابنتها وبدأت تهزها كي تستيقظ وهي تقول:
_ قومي يا هانيا يلا قومي علشان تفطري معانا، انا وابوكي قبل ما ينزل على الشغل
تقلبت الفتاة ذات اليمين وذات اليسار ثم نظرت إلى والدتها وقالت:
_ كلوا انتوا، انا هكمل نوم مش عايزة آكل
_ لا قومي كلي يلا
ولتها ظهرها ولم ترد عليها، فتابعت السيدة:
_ هانيا، انا عارفة انك زعلانة مني.. بصي كدا كدا ابوكي قالي انه اتكلم معاكي امبارح وان الكل مستني قرارك انتي، بس بالله عليكي خدي حقك الأول ورجعي كرامتك اللي اتهانت ووضحي الأمور وبعدها ابقي انفصلي، مش هينفع تطلقي كدا وانتي مطرودة ومتهانة، ردي اعتبارك الأول على الأقل
التفتت إليها ونظرت إليها قليلًا في ضيق ولم ترد عليها، فتابعت السيدة أيضًا:
_ انا عارفة، انا عارفة كدا كدا انك أما بتبقي زعلانة مستحيل تردي على اللي مزعلك و بتستخدمي معاه أسلوب التجاهل، انا فاهمة دا كويس، بس على الاقل فكري في اللي قولته الأول قبل ما تاخدي اي قرار
_ مش هفطر يا ماما، اظن خدتي جوابك، سبيني لوحدي بقا، هنام شوية لسه
وفي تلك الأثناء، دخلت مايا عليهما وهي تسرع جهة أختها تقول في قلق:
_ هانيا، هانيا حبيبتي عاملة إيه بقيتي أحسن؟
جلست جوارها وبدأت تمرر يدها على شعرها في حنان.. نظرت إليهما حورية ثم قالت:
_ هسيبكم انا تقعدوا مع بعض شوية
وبمجرد خروجها، قالت مايا لأختها:
_ حمدلله على السلامة يا روحي، متزعليش مني لاني ماكنتش جمبك امبارح، بس انا حقيقي عرفت متأخر اصلا، محدش قالي و...
قاطعتها الفتاة قائلة:
_ مايا فكك.. المهم ان البيبي اللي كان مفرق بينا وكنتي شيفاني مميزة عنك بيه، مات، ياريت بقا ترجعي تحبيني من تاني وتعامليني حلو زي الأول
شعرت الفتاة بالخزي من كلام أختها ومنه نظرت إلى الأرض خجلًا منها، ثم ردت في أسف:
_ عمري ما حبك قل في قلبي يا هانيا.. انتي اختي الصغيرة، بنوتي اللي كنت بذاكر لها وبلاعبها.. يمكن كنت بعيدة، او ماشي دايما بعيدة عن الأحداث بس دا لاني والله ورايا أحداث في حياتي مخلياني مش شايفة غيرها ولا عندي وقت غير ليها.
_ خلاص يا مايا بقا، ما انا رفعت عنك الحرج اهو!
حصل خير
ضمتها الفتاة إلى صدرها دون أن تتوقف عن الاعتذار او المواساة
وفي الخارج، كان مجدي يتناول طعامه بينما حورية كانت تتحرك في قلق وهي ترمي بصرها نحو باب غرفة ابنتها، قال لها:
_ ما تقعدي يا حورية رايحة جاية لي؟
_ هو انت فعلا هتوافق تطلقها؟
زفر في ضيق ورد:
_ حورية، انا خلاص قررت واحنا خلاص اتكلمنا في الموضوع دا مليون مرة، ازهقي بقا
_ ايوا بس جياد الزيني ميتعوضتش، هتلاقي زيه فين بس!
_ خلاص، عملنا اللي علينا وورناها انه ميتعوضش وجوزناها بالعافية وعملنا كل حاجة، مش هرتاح انا ولا هنبسط أما اخسر بنتي، كفاية.
هي حرة أما تندم هتفهم اللي كنا بنقوله، وكلام بقا في الموضوع دا تاني انا مش عايز
نظرت إليه في ضيق شديد ثم اتجهت نحو غرفة النوم الخاصة بهما ثم دخلتها وبدأت تفكر لحظات.. ثم اتصلت على جياد.. استجاب قائلًا:
_ الو
_ الو، ازيك يا جياد عامل ايه؟
_ الحمدلله، اخبار حضرتك إيه يا طنط؟
_ انا كمان الحمدلله يا حبيبي، بقولك
_ اؤمري طبعا
_ انت في الشغل دلوقتي؟
_ في طريقي ليه، ليه في حاجه ولا ايه؟
_ يعني.. عايزة اتكلم معاك شوية في موضوع ما، ينفع؟
_ ينفع طبعا، اتفضلي
_ لا، عايزة اقابلك ونتكلم وجه لوجه
سكت برهة... ثم قال:
_ موافق، هبعتلك العنوان، وعامة انا هخلص شغل النهاردة الساعة ٥، تقدري على ٦ بالكتير ٦ ونص تبقي هنا
_ خلاص اتفقنا... سلام
انهت المكالمة معه، ثم قالت:
" مش هينفع تتطلقوا والله.. مش هينفع "
*************
جلس الشيخ عبدالله الزيني إلى رأس الطاولة، بهيبته المعهودة، داخل حجرة الاجتماع، وعيناه لا تكفّان عن قراءة الوجوه قبل الكلمات. أمامه خرائط، تقارير، وأرقام… لكن ما كان يُحسم هنا لم يكن مجرد توسّعٍ تجاري، بل خطوة نحو قارةٍ كاملة لم تُطرق أبوابها بعد.
تبادل الحضور نظراتٍ قصيرة، ثم بدأ الحديث.
قال أحد الحضور القطريين، وهو يُقلّب بعض الأوراق:
_شوف يا بو فاتح، موضوع تشيلي مو بسيط… بس السوق هناك واعد، خصوصًا في قطاع الأزياء الراقية
رد عبدالله بهدوء، صوته واضح، محمّل بثقة:
_ عارف، وعارف إنها خطوة كبيرة… بس اللي يخلّيني أفكر فيها بجد، إننا مش لاقيين منافس عربي قوي هناك.
السوق شبه فاضي من ناحيتنا
تدخّل رجل آخر، بنبرة محسوبة:
_صحيح، وما ننسى إن تشيلي بوابة لأمريكا اللاتينية. لو نجحنا هناك، نقدر نتوسّع لبيرو والأرجنتين بسهولة.
مال عبدالله قليلًا إلى الأمام، وكأنه يقترب من الفكرة ذاتها:
_ تمام، ودا بالظبط رأيي علشان كدا فكرت افتح فرع جديد ويكون خارج نطاق الدول العربية، من هنا لازم ناخد بالنا اننا مش بس بنفتح فرع في دولة بس، إحنا بنفتح باب لقارة كاملة، علشان كدا الخطوات لازم تبقى محسومة.. مش هضيع جنيه في حاجة مش مضمونة!
ابتسم أحدهم وقال:
_بالضبط، وهذا اللي يخلّي المخاطرة محسوبة لا تقلق.
بس خلنا نكون صريحين… في تحديات يا بو يزيد
رفع الشيخ حاجبه باهتمام، وفضّل ان يسمع رأيه، فقال:
_ زي إيه؟
_أول شي المسافة… الشحن بيكون مكلف، ومدة التوصيل أطول. ثاني شي اختلاف الثقافة، ذوق العملاء هناك مختلف عن الخليج ومصر
تنهد الشيخ تنهدًا خفيفًا، ثم قال:
_ دي نقطة مهمة، واكيد مش متجاهلها… بس إحنا نقدر نلعب عليها. يعني نعمل خط إنتاج مخصوص للسوق هناك، يناسب ذوقهم… وفي نفس الوقت نحافظ على هويتنا.
هزّ أحدهم رأسه موافقًا وقال:
_فكرة ممتازة. وأيضًا، العمالة هناك أرخص مقارنة ببعض الدول، وهذا ممكن يقلل التكاليف لو فتحنا مصنع صغير بدل مجرد فرع بيع.
ابتسم عبدالله، ابتسامة خفيفة تحمل مزيجًا من الحذر والطموح:
_يعني بدل ما نصدر بس، هننتج هناك كمان، كده نقلل تكلفة الشحن ونكسب السوق أسرع
رد القطري بثقة:
_ بالضبط، ونكون أقرب للعملاء. بس لازم ندرس القوانين كويس، لأن في بعض القيود على الاستيراد والتصنيع
ساد صمتٌ قصير، كأن الجميع يُعيد ترتيب الصورة في ذهنه.
ثم قال عبدالله، بنبرة حاسمة لكنها غير متعجلة:
_ أنا شايف إن المميزات مغرية جدًا… سوق جديد، منافسة أقل، وفرصة انتشار كبير. العيوب موجودة، بس مش مستحيلة.
إحنا بس محتاجين خطة صح، وخطوط واضحة وبلاش تهور او استعجال وان شاء الله نفتحه ونتوسع اكتر واكتر، انا طموحي ملهوش حد.
ابتسم أحد الحضور وقال:
_ واضح إنك مقتنع يا بو فاتح
رد وهو يعتدل في جلسته:
_مش مقتنع بس، كمان حاسس إن دي نقلة نوعية لينا.
بس القرار مش هيطلع غير لما نكون دارسين كل تفصيلة… أنا مش بحب أخش معركة من غير ما أبقى ضامن سلاحي، هتستنوا اما ادرس المشروع دا مع ولادي و مديري أعمالي مجدي السَّلّاب
هزوا رؤوسهم بالقبول وتبادل الحضور النظرات، وفي أعينهم بريق اتفاقٍ يتشكل ببطء.
لم يُحسم القرار بعد… لكن بذرة التوسع زُرعت، وبدت تشيلي، على بُعد آلاف الكيلومترات، أقرب مما كانت عليه قبل دقائق.
ومن ضمن الحاضرين في الاجتماع، خرج أحدهم بعدما انتهوا من قول كلامهم المهم، وعقب خروجه أخد يتلفت حوله، ثم اتصل على شخص ما قائلًا بمجرد استجابته:
_ صفوت بيه، اعتقد في كلام مهم، لازم تعرفه....
**********
وفي نفس الوقت ولكن في مصر، أثناء جلوس باسم على مكتبه يعمل، صدح صوت هاتفه، التقطه ورد قائلًا:
_ إيه يا صفوت خير، عرفت تعطل خالي؟
_ ايوا، قولتله عرفت انك في قطر وانا بعد اربع ايام جاي قطر، خليك عايز اتكلم معاك، واهو نحل بدل ما انا هفضل حاطط عيالك في دماغي
_ ليه مقولتلوش اسبوع، ليه اربع ايام بس؟
_ ماكنش راضي بيهم اصلا، بيقولي انا يومين وهرجع وانجز، فضلت بقا اقوله مش هعرف قبل اربع ايام وبتاع وكدا كدا مش هقابله يعني، بس اديني اهو عطلتهولك يومين كمان
_ ماشي
_ في حاجة عايز اقولهالك
_ قولي
_ خالك، الإمبراطور عبدالله، قرر يوسع الإمبراطورية بحيث يغزو أمريكا اللاتينية بمنتجات عربية اصيلة وقرر يبدأ بتشيلي
_ بتهزر يا صفوت!
_ لا والله ما بهزر.. الراجل قال ان طموحه ملوش حد... وفروع جديدة يعني فلوس أكتر يعني ورث ليكم اكتر وأكتر
سكت باسم يستوعب حجم الثروة التي سيتركها خاله، وتذهب كلها سُدى وتبقى من حق أولاده واحفاده من بنات السلاب، دون أخته وابنة خالته... وتمتم:
" شكل طموحك هيجيبك الأرض يا خالي والله... عمال تطمعنا فيك اكتر واكتر وليه بس! "
_ بتقول حاجة يا باسم؟
_ لا لا يا صفوت، كتر خيرك انت، تابع وقولي لو في جديد
_ اتفقنا.. وياريت متنسنيش بقا من فلوس خالك الكتيرة دي.. دا انا اللي شايل كل بلاويك واي نصيبه بتنسبها ليا فورا
_ متخافش يا صفوت أكيد مش هنساك يعني، يلا باي دلوقتي
انهى المكالمة معه، ثم بدأ يفكر فيما قال قليلًا.. ثم حدث نفسه:
" أما نشوف أما ترجع يا خالي، هتتكلم في الموضوع دا معانا ولا هتطلع تعلب مكار وهتخبي؟ "
************
وفي المساء، وصل شهاب البلد الخاص بعز، ثم نزل من السيارة بعدما دفع للرجل.
أخذ ينظر إلى تلك المنطقة العشوائية القذرة وإلى ذلك المبنى القديم والمهُلك، ثم تأكد أنه العنوان.
سار بين المارة وسأل أحدهم:
_ بقولك لو سمحت، هو دي العمارة اللي عايش فيها عز خضر صح؟
_ ايوا هي
_ طيب، تعرف هو شقة في الدور الكام؟
_ مين الأستاذ؟
_ صاحبه في الشغل من القاهرة
_ آه.. طيب هو عامة عايش في الدور الخامس، اللي قبل الأخير
نظر شهاب إلى العمارة ثم إلى الرجل وشكره وانصرف، وبمجرد أن دخل المبنى، نظر حوله في قرف وتمتم:
" هو كمان مفيش اسانسير؟
منك لله يا وعد بجد.."
وبدأ يصعد على رجله.
************
دخل جياد، شقته وبدأ يسير حتى الاريكة ووضع فوقها الجاكيت، ولم يجلس حتى او يرتاح، وذلك لان أحدهم طرق باب منزله.
اتجه نحو الباب كي يفتح وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، ظنًا منه أن الطارق، حماته، وبمجرد أن فتح الباب، وجد الطارق زوجته.. شعر حينها بدقات قلبه تتسارع.. وبشكل تلقائي ارتسمت على شفتيه ابتسامة أوسع من الأولى وقال:
_ هانيا!
قبضت على يد الحقيية التي كانت تعلقها على كتفها، وردت في ابتسامة خفيفة:
_ اقدر ادخل ونتكلم مع بعض شوية؟
_ اه اه طبعا تقدري، اتفضلي تعالي
دخلت فغلق الباب، وبمجرد دخولها ارتاح كثيرًا وأيقن أنها قد جاءت في محاولة صُلح، أو لما قد جاءت إذًا، لو لم تكن تريد صُلحًا؟
***********
متنسوش الفوت
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الجمعة
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل التاسع و الثلاثون[ كرامتها من كرامتي]
سلمى خالد احمد
*************
وبمجرد أن دخلت، قال لها:
_ اتفضلي، اقعدي... تشربي إيه؟
_ مش لازم
ابتسم ورد:
_ لا لا قولي بس، عندي كل حاجة متقلقيش
_ ممكن نعناع
_ حاضر.
اتجه نحو المطبخ والذي كان مفتوحًا على الصالون، أي أنها كانت تراه.
وبمجرد أن بدأ في إعداد المشروب لها، تذكرت.....
قبل ثلاثة أيام
كانت في مكتبها بعدما سمعت من ماهي ما سمعته بخصوص نبأ حملها.. بدأت تسير في أركان المكتب في حالة يصعب تفسيرها، حينها تجمع عليها العديد من الشعور.. وأخذت تُذكر نفسها أن كل ما بينها وبين شهاب قد انتهى، وقد تحولت علاقتهم إلى شئ مستحيل الحدوث.
شعرت ببرودة تسير في جسدها ووجها، ثم بمغص شديد في بطنها وعليه فتحت الحقيبة لكي تُخرج الدواء الخاص بها، لكنها لم تجده، فعلمت أنها قد نسيته في القصر.
لذا استأذنت وذهبت كي ترتاح وتأخذ الدواء.
عقب وصولها إلى القصر، تذكرت أنها تناولت دوائها بالفعل ثم ارتاحت قليلًا.. حتى فكرت في أن تنزل إلى لولي حصانتها كي تطمئن عليها، فمنذ يومين وهي لا تراها.
وبالفعل نزلت حتى الاسطبل الخاص بها في الحديقة وبدأت تبتسم ما إن رأتها وهي تقول:
" لولي حبيبتي عاملة إيه يا روحي، وحشتيني موت"
ثم اقتربت منها وبدأت تمسح على وجهها وقبّلت جبينها ومسحت على شعرها أيضًا، وقالت محدثة أياها:
" كل حاجة ضد صاحبتك يا لولي... الأيام عمالة تثبت لي كل يوم انها مش هتضحك لي ابدا ولا هتجمعني بحبيبي خالص.. الأول كنت بفكر هل يا ترى موضوع انه يطلق ماهي وانا اطلق دا، هيسكتوا عليه وهنقدر نتجوز، اتاري يا لولي ماهي حامل اصلا وبكدا هكون خطفته من بيته ومراته وابنه.. وانا مش الشخص دا ابدا يا لولي
بدأت المهرة تصدر أصواتًا وترفع ساقيها للأعلى، فتابعت الفتاة حديثها:
" انا عارفة.. انا عارفة انك زعلانة عليا، صدقيني مفيش حد سمع قصتي إلا وحزن عليا.."
ثم ابتسمت وتابعت مازحة وهي تلعب في شعرها:
" ولا انتي بقا بتعملي كدا علشان اركبك ها؟ قولي يا لولي يا تقيلة قولي اني وحشتك وانك عايزاني اركبك شوية.."
ثم ابتسمت واضافت وهي تركب على ظهرها:
" خلاص يا ستي يلا هركب عليكي ونتمشى مع بعض شوية زي ما متعودين نعمل دايما.. معلش مفيش جري بيا بقا الفترة دي علشان انتي عارفة فيه بيبي في بطني، تمام؟ امشي بيا بس زي ما بقالنا شوية بنعمل.."
وبالفعل سارت بها المهرة في هدوء وكانت الفتاة فوق ظهرها تفتكر وتتأمل جمال الحديقة، وقالت:
" يلا يا لولي اخرجي من الاسطبل خلينا نتمشى مع بعض شوية في الجنينة ونشم هوا حلو..."
وفجأة ودون مقدمات، صاحت المهرة وبدأت تجري في حركات جنونية وهي ترفع نفسها إلى الأعلى راغبة في ألقاء الفتاة عن ظهرها وبالفعل رمتها بعيد على صراخ منها ورعب من هول الصدمة المفاجئة، حتى وجدت نفسها ملقية على الأرض تصرخ من شدة الألم...
_ هانيا؟ روحتي فين؟
خرجت عن شرودها على صوته، وهو يمسك كوب المشروب في يده، يقول لها في ابتسامة:
_ اتفضلي النعناع اهو..
أخذته في ابتسامة صغيرة
اعتدل في جلوسه وتابع:
_سرحتي في إيه؟
ردت عليه وهي تضع الكوب على الطاولة حتى يبرد قليلًا:
_ في اللي جاية اكلمك فيه النهاردة
_ سامعك
سكتت لحظة تجمع أفكارها ثم ردت:
_ انا مقتلتش ابننا يا جياد، أنا..
قاطعها قائلًا:
_ هانيا بصي تمام تمام، انا قلت اي كلام وقتها.. ماكنش ينفع اتهمك كدا.. بس كل اللي جيه في بالي وقتها ليه أصلا تركبي الحصانة دلوقتي؟
انتي ست حامل!
_ هتسبني أكمل؟
_ اه اه اتفضلي، آسف
وضعت بضع من خصلات شعرها خلف أذنها وتابعت:
_ أنا من قبل ما اقرر اهرب برا البلد وانت تمنعني ومن قبل ما الأمور كلها تدهور بينا بالشكل المعقد اللي فات دا، كنت عادي جدا بركب لولي وبلعب معاها وهي عرفاني وعمرها ما رمتني من عليها ولا حاجة.. انا بمشي بيها بس براحة جدا ودي مش اول مرة ولو مش مصدقني، تقدر تسأل المدرب بتاعي او تسأل اي حد من أفراد الأمن، هيقولولك علطول إني بقالي كتير بركبها وهي بتمشي بيا بس واحيانا بخرج بيها برا الاسطبل...
تنهدت وتابعت:
_ جياد، لولي رمتني جامد واتعصبت فجأة ومبقتش طبيعية فجأة وفضلت تصوت وحتى بعد ما وقعتني كانت متعصبة جدا.. لولي مش ماكنتش في حالتها الطبيعية وقتها، ولا انا جريت بيها ووقعت مثلا، لا هي اللي وقعتني وكانت مصرة توقعني ودي عمرها ما حصلت قبل كدا.. انا واثقة ان كان فيها حاجة غلط وواثقة ان الموضوع مش قضاء وقدر.. في حاجة حصلت ل لولي علشان تعمل معايا كدا وترميني من فوق ضهرها بالشكل دا
سكت برهة يستوعب ما تقوله ويفكر.. ثم هز رأسه موافقًا وقال:
_ هنشوف الموضوع دا.. كدا كدا أما هديت وقعدت مع نفسي، فهمت
_ فهمت إيه بالظبط؟
_ فهمت انك مستحيل تكوني قتلتيه فعلا.. اه انتي ممكن تكرهيني بس مش هتكرهي ابني.. فكرت في الموضوع لقتني اصلا انجذبتلك في الأول لانك شخصية طيبة القلب ولينة وطباعك جميلة وعندك انسانية ورحمة، فمستحيل تعملي كدا في طفل، لا وكمان ابنك!
تنهد وتابع:
_ بس معلش بقا، هي كانت ساعة شيطان
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ انا معنديش شك اني قتلت ابني لا سمح الله وجاية ابرر دا... أنا جاية لاني حاسة ان ابني اتقتل.. الموضوع مُدبر
حدق بها في خضة، ثم سكت برهة، يفكر... وقال:
_ اتقتل؟
_ ايوا، لان اللي جنن لولي كدا، كان هدفه قتله أكيد
فهم قصدها سريعًا ورد:
_ تقصدي ان فيه حاجة كانت محطوطة ل لولي علشان كدا اتجننت ووقعتك؟
هزت رأسها مؤكدة، عقد حاجبيه في استغراب ورد وهو لا يزال يفكر في الأمر:
_ بس ازاي؟ ومين وليه؟ وعرف منين انك هتركبي عليها دلوقتي بالذات؟
أمسكت كوب النعناع وردت:
_ دي حاجة بقا المفروض اننا نكتشفها
هز رأسه بالايجاب مرات متتالية ورد في نبرة حاسمة:
_ هنكتشفها.. وحياتك أي حد تدخل في موت ابني، لهوريه العذاب أشكال وألوان
ارتشفت رشفة من المشروب ثم ردت:
_ اتمنى..
ثم وضعت الكوب تارة أخرى على الطاولة وقامت واضافت وهي واقفة:
_ انا كدا قولتلك اللي عندي.. برّأت ذمتي وعرّفتك اني اتأذيت في بيتك انا وابني بما فيه الكفاية، سواء أما سقطت او بعد ما سقطت.. والحرية ليك، عايز تصدقني، صدق، مش عايز، براحتك، عن إذنك..
وأثناء سيرها، عرقل طريقها وهو يقول:
_ استني بس رايحة فين؟ مستعجلة على إيه انتي!
ردت في تلقائية:
_ خلصت كلامي!
_ ايوا بس انا لسه مخلصتش.. فيه كلام عايز اقوله
_ اتفضل
_ على الواقف كدا؟ اقعدي شوية
عادت لتجلس مرة أخرى مكانها ووضعت الحقيبة بجانبها، وقالت وهي في كامل انتباهها له:
_ قولي
تنهد ورد وهو يجلس جوارها:
_ انا مصدقك، مش محتاج أفكر في كلامك ولا احسبه.. يلا بينا نرجع القصر ونفهم إيه اللي حصل لابننا ومن دلوقتي
تنحنحت ثم ردت:
_ عايزني ارجع معاك القصر؟
رد في تلقائية وبساطة:
_ أكيد طبعا، مش انتي مراتي؟ عايز مراتي معايا أكيد!
ضغطت على شفتها السفلى لثوان، تجمع كلامها، ثم ردت:
_ لو عايز ترجعني معاك القصر، تعالى بكرة بعد الشغل عندي، بيت بابا
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ ليه؟
_ دا شرطي.. خلص شغل وتعالالي بيت بابا وهناك هفهمك كل حاجة وهفهمك انا طلبت منك كدا ليه
لم يفهم مقصدها حينها، هل تريد الانفصال عنه، لذا طلبت منه المجئ إلى منزل والدها؟ كيف وهي أخبرته بأن يأتي مقابل أن تعود معه إلى القصر؟
حقًا لم يعد يفهمها، ولكنه هز رأسه بالقبول على أية حال ثم رد:
_ تمام اتفقنا.. بكرة الساعة ٦ ونص هتلاقيني قدام بيتك
وقفت ثم ردت عليه وهي تعلق حقيبتها على كتفها:
_ اوكيه اتفقنا..
تحركت كي تمشي، وأثناء سيرها وقفت لحظة .. ثم التفتت اليه وقالت:
_ نسيت اقولك، أنا مش هاجي لسه الشغل بكرة كمان، هنزل من بعد بكرة
ابتسم وهو يهز رأسه بالايجاب.. فابتسمت وأثناء تحركها، قال:
_ هانيا، هو ممكن تفضلي معايا شوية؟
توقفت.. ثم ببطء التفتت إليه برأسها، فأضاف في نبرة صوت مليئة بالحنين و الشوق:
_ اصلك وحشاني اوي
ردت في هدوء:
_ معادنا بكرة الساعة ٦
ثم أحادت رأسها نحو الباب كي ترحل، فأضاف في سرعة:
_ هاخدك بكرة من بيت عمي مجدي وهنروح على القصر صح؟ هترجعيلي، مش كدا؟
فتحت الباب، ونظرت إليه وهي تمسك بيدها المقبض، ثم ردت في ابتسامة صغيرة:
_ باي، اشوفك بكرة
ثم خرجت في لحظتها وغلقت الباب خلفها.
وعقب خروجها، وضع يده على رأسه، وبدأ يضغط على جبينه وحدث نفسه في قلق شديد:
" هو انا ليه خفت!
هي بتودعني ولا إيه؟
لا يا هانيا لا، ارجوكي لا لا، اوعي تطلبي مني بكرة قصاد اهلك الانفصال.. ما أنا... ما أنا قولت قصادهم انك متلزمنيش.. فهل بترديهالي يعني وعايزاني اطلقك قصادهم!
بدأ يخاف ودقات قلبه تتسارع، وعليه اتصل فورًا بوالدتها والتي قالت ما إن ردت:
_ ايه يا حبيبي؟
_ طنط هو حضرتك قلتي لهانيا تيجي بدالك؟
_ تيجي بدالي ازاي يعني!
لا انا في طريقي ليك اصلا، بس معلش اتأخرت شوية بسبب الطريق زحمة مش اكتر
_ طب تعالي انا مستنيكي اهو
انهى المكالمة معها وتمتم في توسل:
" استر يارب.. يارب هانيا متتجننش وتطلب تنفصل عني يارب، يارب قلبي متعلق بيها فمتحرقش قلبي ببعدها وانفصالها عني يارب.."
***********
فتحت، فتاة في اوائل العشرين من عمرها، باب الشقة استجابة لدقات شهاب عليها، كانت ترتدي حجاب على شعرها وترتدي عباءة سوداء طويلة وواسعة، ردت وهي تمسك بالباب ونصف جسدها يختبئ خلفه:
_ مين انت؟
ما إن شعر بحيائها منه، واختبائها خلف الباب، حتى ألقى بصره نحو الأرض يغضه عنها وقال في أدب:
_ دا بيت عز خضر؟
_ ايوا، وانا اخته الصغيرة، اتفضل اقدر اساعدك ازاي، ومين حضرتك؟
_ أنا صاحبه في الشغل، كنت جاي عايزه في حاجة
_ صاحبه من انهي شغل؟
_ هو عنده ميت شغل ولا إيه؟ اقصد شغله اللي في القاهرة
_ آه.. لا مش عارفة، هو ساب شغل القاهرة دا امبارح وقالنا انه لقى شغل في شرم الشيخ ، في فندق كدا
حملق في الفراغ لا يصدق ما تقوله.. ثم رد في قلق واضح على نبرة صوته:
_ سابه امبارح امتى؟
_ مش عارفة، قالنا بليل وبس
_ طب معاكي عنوان شغله اللي في شرم دا؟
بدأت تتوجس خيفة منه، فلم ترد، فتابع في هدوء وذلك بعدما سيطر القلق على نبرة صوته لحظات:
_ مامتك او والدك، اي حد هنا كبير اقدر اتكلم معاه؟
_ اه ثواني، هقفل بس في وش حضرتك الباب
_ اتفضلي
غلقت الباب.... دقائق معدودة وفتحت له سيدة كبيرة في اوائل الخمسين من عمرها، قالت له في استغراب:
_ خير يا ابني، هو فيه حاجة حصلت لعز وانت مخبي علينا؟
_ لا لا يا خالة، انا بس عايز اتكلم معاكي في موضوع خاص جدا، تسمحي تدخليني؟
نظرت إليه ثم إلى الشقة وردت:
_ معلش يا ابني.. اصل انا في الشقة لوحدي انا وبنتي وانت فاهم بقا
زفر في ضيق وأخذ يستغفر ربه.. ثم قال:
_ يا خالة الموضوع مينفعش السلم والله!
_ ماهو انا غصب عني يا ابني!
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.. ابنك يا خالة
_ ماله بس!
_ خد اختي وهرب بيها
شهقت وهي تضرب صدرها في خضة وصدمة.. ثم ردت:
_ بتقول إيه؟ والنبي ما انا فاهمة انت بتقول إيه بس، انا معرفش حاجه والله عن اللي انت بتقوله دا.. أنا.. طب هو ابني كويس؟ هرب ازاي بس!
يأس منها للغاية، ولكنه قال رغم ذلك:
_ ليه اب او عم او خال؟ اي راجل اتكلم معاه!
_ يا ابني بس فهمني هرب ازاي، انا هتجنن، ابني ميعملش كدا، ابني...
ولما يأس منها أكثر، قاطعها قائلًا:
_ يا خالة، يا خالة مدخلنيش في تفاصيل علشان أنا مش عارف حاجة، كل اللي أنا عايزه عنوان او رقم لحد راجل يجي هنا ونتكلم معاه
أخيرًا وافقت وهزت رأسها بالايجاب...
***********
ارتشفت حورية رشفة من القهوة التي قدمها لها جياد بناء على طلبها، ثم قالت له في ابتسامة:
_ عامل إيه يا حبيبي؟
_ تمام والله، وانتي إيه اخبارك؟
_ الحمدلله
_ اؤمري
_ الأمر لله.. انا كنت جاية علشان اوضحلك ليه هانيا سقطت، بناء على اقاويلها هي، و...
قاطعها قائلًا:
_ متتعبيش نفسك، هي كانت هنا وقالت
_ جتلك بجد؟
_ اه والله
_ قالتلك إيه؟
قص عليها ما قالته هانيا في ايجاز ثم انهى حديثه قائلًا:
_ بس والمفروض بقا اني هجيلكم بكرة الساعة ٦ زي ما قالتلي
هزت رأسها بالايجاب.. ثم ردت:
_ خير خير ان شاء الله
_ خايف يا طنط والله، خايف
ردت في سرعة دون أن تفكر حتى:
_ وتخاف من إيه؟ هي ملهاش طلاق منك وهي عارفة كدا كويس، مهما كان إيه اللي عايزاه، ه..
قاطعها قائلًا في نبرة مليئة بالحزن واليأس:
_ لا يا طنط للأسف مش هقدر اجبر هانيا تاني عليا.. مش هقدر اعيش وهي رفضاني.. اصل انا عملت كل حاجة، فلو بعد دا كله لسه هي مش طايقة، فأنا خلاص هسيبها في حالها
_ هو دا الحب من وجهة نظرك؟ هو دا التمسك بيها؟
_ يا طنط ومين قالك إني متمسكتش ومين قالك اني مش هتمسك؟ انا لسه هتمسّك ولسه عايزها ولسه هعمل اكتر وهقدم اكتر، بس هي على الأقل تقبلني!
كل اللي عايزه منها، أنها تقبلني وأنا والله هعيشها كأنها في الجنة، وهصبر عليها وهستحمل وهكمل وهحاول علشانها...
توقف برهة يتنفس... ثم تابع في ابتسامة ساخرة:
_ ولو على الحب، فاطمني، أنا عمري ما هعرف احب بعدها ولا هتجوز اصلا.. اعتقد إني هترهبن.. مش بعد كل الحب دا، ممكن افكر احب تاني واقدم مشاعر تاني وابدأ من نقطة الصفر!
_ يبقى متيأش كدا!
_ مش عايز اضغط عليها، عايزها مرة واحدة بس تختارني..
تابع في نبرة مليئة بالحزن:
_ مرة واحدة بس تكون معايا بإرادتها بدون ما تقولي يا أناني وانت بتضغطني.. مرة واحدة بس تشاور عليا وتختارني، مرة واحدة غير في أحلامي زي ما كانت دايما بتقولي...
شعرت السيدة بالتأثر حيال ذلك الأمر، ثم ردت:
_ والله بنتي هي اللي هتكون خسرانة، هي اللي هتكون خسرانة حب كبير زي دا
ابتسم ورد:
_ وانا كمان هكون خسران... هكون أكبر خسران، علشان هكون خسرتها
ربتت السيدة على كتفه وقالت:
_ ان شاء الله محدش فيكم هيخسر وهانيا هترجع معاك وهتستمر معاك... تحب اسألها من بعيد لبعيد كدا واقولك؟
هز رأسه رافضًا ثم قال في نبرة مليئة بالخوف:
_ لا.. خليني عندي أمل.. خليني موهوم لآخر وقت.. مش عايز انصدم مش عايز أصدق بدري، مش عايز اعرف دلوقتي انها هتسبني مش عايز..
_ اهدى يا حبيبي اهدى!
اجاب في عدم تصديق لما وصل إليه:
_ عمري ما خفت كدا في حياتي من اي حاجة، عمري ما حسيت يعني إيه خوف اصلا، دايما كل حاجة في حياتي مهما كانت صعبة كنت بعديها بدون خوف ولا توتر، دلوقتي أنا خايف اوي، خايف هانيا تبعد عني، خايف تسبني، اول مرة افهم معنى الخوف دلوقتي...
**********
تناول العشاء في صمت.. وكانت هي تلاحظ ذلك، حاولت كثيرًا أن تفتح معه أي حديث أو غيره ولكنه لم يتجاوب على أي منها لذا سكتت هي الأخرى.
تناول طعامه، ثم ارتمى على السرير بالعرض، شاردًا بالسقف يفكر...
قامت من على السفرة ودخلت له، ثم جلست جواره على السرير المستلقي فوقه.. نظرت إليه لحظات.. ثم أمالت بوجهها نحو وجهه وأخذت تقبّله من خديه، ذات اليمين وذات اليسار، وبعدها بدأت تلمس شعر لحيته، وقالت في نبرة مليئة بالحنان:
_ هون على نفسك يا حبيبي.. ان شاء الله هتوصلها.. قولي عملت إيه اما روحت لأهله؟
رد وعيناه لازالت معلقة بالسقف:
_ ولا حاجة.. أمه ست محترمة وأهله ناس غلابة، واضح انها متعرفش حاجة.. كلمت خاله جيه راجل محترم هو كمان، قالي احنا عندنا بنات وميصحش اللي حصل دا وابننا غلطان وحقك علينا ولو وصلنا منه أي خبر مش هتردد أكلمك وكان خجلان جدا مني طول القعدة... بس هما للأسف مش عارفين اختفى فين، لا بيرد ولا حتى مديهم عنوان شغله اللي قال عليه في شرم دا
أمسكت كف يده، ثم قبلت باطنه في حنان، وردت وهي تضعه على خدها:
_ خير ان شاء الله يا حبيبي.. هترجع.. أصلها هتروح فين!
كان شاردًا لا يسمع كلامها.. فقط يفكر في تلك المصيية التي وقعت فوق رأسه، يفكر كيف وصل به الحال إلى هنا وكيف فعلت به أخته كل ذلك دون أن تراعي أي شئ، بالإضافة إلى أنه كان يخشى أن يكون قد تم اختطافها من قبل ذلك الشاب كي يتزوج بها عنوة.. وبينما هو غارقًا في ذلك التفكير، كانت زوجته تتدلل عليه وتقوم ببعض الحركات الانثوية الجريئة إلى حد ما، مما جعله يخضع لها فورًا.
***********
حاولت كثيرًا أن تتغاطى، أن تنسى، أن تستمر أو حتى تفكر مع نفسها لمدة أطول، تفكر ماذا ستصنع في مصيبتها ولكن الحال ضاق بها ولم تستطع أن تنتظر او تتحمل أكثر وعليه قامت و ارتدت ملابسها ثم حملت حقيبتها وقبل الرحيل، نظرت إلى المرآة وحدثت نفسها في ثبات:
" ششش، خلاص اهدي.. مفيش حل تاني ينفع يتاخد يا كاميليا.. انتي تعبتي من التفكير، وفي ايدك تختاري من بين اختك وجوزك.. "
هبطت دموع سريعة ومتلاحقة، رغمًا عنها ودون سيطرة عليهم، فأزلتهم سريعًا ثم تابعت:
" وبعدين؟ قلنا عياط لا.. عياط لا يا كاميليا متتضعفيش، متهربيش، واجهي وارتاحي.. أكيد مش هتفضلي هربانة منه في القصر طول العمر.. انتي خلاص خدتي قرار وانتي قده أنا واثقة فيكي يا كوكي واثقة.."
ولكن ما تقوله لنفسها ليس هو ما في قلبها، كانت تقول عكس ما تشعر وتحاول عكس ما عجز به قلبها، تكذب على نفسها، تخدع قلبها بأنه يستطيع البعد عنه والنجاة منه ومن تلك المشاعر البائسة التي تكنها لرجل غليظ القلب والطباع، خدعها واوهما بالعشق، بينما هو يعشق صغيرتها واختها.
لذا رغم الثبات، كان داخلها ينهار والدموع تنهمر بلا توقف، حارة لا ترحم ولا تنتظر.. بل تنزل متتالية ساخنة تحمل القهر الخارج من عينيها متدفقًا على خديها.
نزلت الدرج بتلك الحالة غير آبه لأي شئ ولا أي شخص، بل سعت بكل الطرق ان تخفي عيناها عن الجميع، حتى ركبت السيارة وانطلقت كنيران انبثقت من البركان.
***********
ارتدى ملابسه وبقى لثوان واقفًا ينظر إليها في ضيق، ثم دخل المرحاض بينما هي كانت تستغرب من نظراته لها، ماذا فعلت؟
داخل المرحاض، فتح صنبور الماء البارد، رغم برودة الجو ولكنه كان يشعر أن داخله يحترق.
وقف تحته، وأخذت المياة تتدفق على شعره ثم كتفاه وصدره.. وهو شاردًا في نقطة واحدة، ثم اغمض عيناه وبدأ يتخيل... يتخيل هانيا وحدها معه في ذلك الموقف، يتخيل كيف ستحل له المشكلة وكيف ستساعده وتدعمه بكل ما لديها.
وفجأة أبى جسده أن يتحمل كل تلك البرودة لذا نفر من تحت المياة بعدما استوعب ما يفعله في نفسه.
أخذ يتنفس في سرعة وصدره يعلو ويهبط وهو يمسح الماء عن وجهه وشعره.
ثم وسطن الأمور وبدأ بتشغيل المياة الساخنة وضبطها مع الباردة حتى تحملها جسده واستطاع أن يقف تحت الصنبور مرة أخرى.
وبنزول المياة عليه وهو مغمض العينين، شرد في أفكاره وتخيلاته، رأى ابتسامتها وحدها، تلك الابتسامة التي تهون عليه جميع مشاكله، حضنها الدافئ وهي تضمه إليه.. لمسة يدها وكلماتها ودعمها له المستمر..
وتدريجيًا اختفت ابتسامته حتى عبس وجهه وبدأ يشعر بالضيق والاختناق، فهي ليست هنا.. بل أصبحت تخص رجلًا آخر اختطفها منه وحول حياته إلى جحيم من بعدها، وعليه ضغط على صدغيه وهو يحرك رأسه بالسلب رافضًا تلك الحقيقة القاسية وصاح صياحٍ مكتوم:
" اطلعي من دماغي بقا اطلعي عايز أعيش، سبيي دماغي سبيها.."
ثم فتح عيناه وغلق الصنبور في غضب وضرب بقبضته الحائط.... ثم هدأ شيئًا فشيئًا وبدأ يلفظ في همس:
" هانيا...هانيا...هانيا.."
وفي نفس الوقت، نظر إلى المرآة فوجدها مليئة ببخار الماء الساخن، فجذب البرنوس المعلق ثم ارتداه وبدأ يجفف شعره بالمنشفة، وعيناه لازالت معلقة على المرآة الممتلئة بالبخار.
ترك المنشفة جانبًا ثم سار نحو المرآة ووقف أمامها لثوان يحدث نفسه:
" بيقولوا اللي بيفكر في حاجة ويكتبها، هتخرج من راسه وتفكيره.. مع إني اشك في صحة الكلام دا بس خلينا نجرب "
وبأصبعه بدأ يكتب على المرآة ببخار الماء " Hanya " بشكل واضح.
وفي نفس الوقت، دخلت عليه زوجته فارتبك ووقف أمام المرآة سريعًا كي لا ترى ما كتبه، فقالت له في ابتسامة:
_ إيه اتخضيت كدا ليه؟
ابتلع ريقه وبدأ يهدأ.. ثم رد:
_ متوقعتش انك ممكن تدخلي عليا الحمام يعني!
ابتسمت وردت:
_ لا أنا عارفة انك بتاخد شاور، فقلت أما ادخل اشوفك خلصت ولا لسه
_ ليه يعني هو حد قالك إني تايه في الحمام وأما أخلص مش هعرف اطلع لوحدي!
تنهدت ثم ردت:
_ يلا اخرج مادام خلصت، عملالك مفاجأة
رفع أحد حاجبيه في استغراب، بينما هي ذهبت، ثم تمتم:
" هي مبتفهمش دي ولا ايه! "
ثم نظر إلى المرآة ومسح الاسم وخرج.
بمجرد دخوله الغرفة، وجدها قد هيأتها، الضوء خافت والشموع تملأ المكان والموسيقى الهادئة تظهر في الوسط.
زفر في ضيق ثم فتح الضوء الابيض العادي، فقالت له في ضيق:
_ ليه؟ اقفل النور دا وولع الضوء الأصفر اللي كنت مشغلاه، بيهدي الأعصاب...
ثم ابتسمت وتابعت:
_ ليه استحميت دلوقتي؟ جايز تحتاج تستحمى تاني!
لم يرد عليها وهو فقط يخزن داخله كي لا ينفجر.. واتجه نحو الخزانة أخرج ملابس خروج وبدأ يرتديها، تعجبت مما يفعل فها هي ترتدي فستان سهرة جرئ واشعلت له الشموع وهيأت الأجواء لأجل وقتهما معًا، فماذا يفعل هو؟
ولذا عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت في ضيق:
_ هو انت بتعمل إيه؟ تعالى يلا هنرقص مع بعض!
رد في برود:
_ لا والله بعتذر عن الرقصة، خارج
_ خارج؟ خارج رايح فين؟ وخارج فين دلوقتي، الوقت متأخر!
اقتربت منه ما إن لم يرد وقالت في صوت عالي نسبيًا:
_ ما ترد يا شهاب، كلمني زي ما بكلمك!
صرخ في وجهها فجأة:
_ اللي مبيشوفش من الغربال يبقى اعمى وانتي ماشاءالله تعديتي المثل دا بشوية حلوين، شرفي في ايد راجل غريب بيتلاعب بيه وانا المفروض ابقى هادي وعادي وادلع وارقص وافرح، محبكها أنا اوي صح؟
ما تولع وعد طظ فيها، هي اختك!
شعرت بالحرج الشديد فهي لم تقصد ذلك.. وعليه ردت في نبرة يظهر عليها الخجل بشكل كبير:
_ أنا.. أنا آسفة يا حبيبي والله.. ماكنش قصدي، كان هدفي بس ادعمك واشيل عنك.. قلت اعمل أي حاجة تخفف عنك التوتر والقلق دا وتهدي اعصابك شوية، أما شفتك قلقان وسرحان وانا مش عارفة اعمل ايه، قلت افصلك عن الواقع شوية واريحك من التفكير طول الوقت في الموضوع دا، انت مبقتش بتنام ولا مركز، قلت جايز القرب ي..
قاطعها قائلًا في نبرة حاسمة:
_ خلاص اسكتي.
قالها وهو يغلق ازرار معطفه قبل الانصراف، فشعرت بالحزن الشديد حينها وعليه قالت:
_ طب انت مش زعلان مني صح؟ انا والله ما كان قصدي.. طب انت رايح فين؟
نظر إلى المرآة ثم بدأ يضع عطره ويهندم نفسه لآخر مرة قبل الرحيل.
كررت سؤالها مرة أخرى:
_ شهاب انت رايح فين؟
أخذ شهيقًا ثم زفره ورد:
_ رايح لماما
_ اشمعنى؟
التفت إليها ورد:
_ اهو هدخل اوضتها وهدور يمكن الاقي حاجة كدا ولا كدا تساعدني الاقيها
بدأ يخرج إلى الصالة، فسارت خلفه وهي تقول:
_ تفتكر اتخطفت ولا هربت؟
كان يقف حينها أمام رف الاحذية كي يخرج له حذاء واجاب:
_ مش فارقة، كدا كدا في الحالتين هدور عليها وهجيبها ومش هسمح لل **** انه يضيع شرفي وكرامتي وكرامة أختي بالشكل دا
وضع الحذاء أرضًا وبدأ يرتديه، بينما هي ردت:
_ لا فارقة، لو هربت معاه، يبقى سلمت له نفسها بمزاجها... أما لو اتخطفت يبقى تم اغتصابها.. والاتنين مش زي بعض، الأولى رغبة وارادة والتانية جريمة.
والنتيجة، الأولى هي اللي ضيعت شرفك انما التانيه هو اللي ضيعه، يبقى أكيد العقوبة مش واحدة
فجأة ركل رف الأحذية بقوة فسقط هو وكل ما بداخله، من شدة غضبه وغيظه، ثم صاح:
_ بتمنى تكون اتخطفت علشان مبقاش قاتل اختي في النهاية.
انهى جملته وخرج سريعًا من السقة وبدأ ينزل الدرج في سرعة، كأنه يقفز لا ينزل بشكل عادي، وحدث نفسه في قهر:
" ومرعوب تكون اتخطفت وبتتهان وبتتذل دلوقتي.. يارب لا يارب متمناش ليها الخطف وقلة القيمة والكرامة.. اعمل ايه بس اعمل إيه "
خرج من العمارة وبدأ يسير في نفس الخطوات السريعة للغاية حتى وقف قبالة دراجته النارية، ركبها وانطلق كالسهم وهو لا يرى ولا يتخيل سوى أسوأ السيناريوهات.
ثم تمتم في نبرة يملأها الانكسار والرعب:
" آه يا وعد آه، آه "
وأثناء قيادته، صدح صوت هاتفه مرارًا، اخرجه فوجد رقمًا غريبًا يتصل به، استجاب سريعًا عله شئ بخصوص أخته، فقال:
_ الو
لترد عليه أسيل قائلة:
_ إيه يا شهاب، رنيت عليك كتير جدا وانت ماكنتش بترد!
_ مين معايا؟
_ أنا أسيل يا شهاب
صاح في ضيق:
_ اسيل مين!
تعجبت للغاية من طريقة تحدثه معها، ولكنها ردت:
_ أسيل الزيني
ليرد في نبرة حادة وصوت عالي:
_ يقطع الزيني على سنين الزيني على اليوم اللي اشتغلت فيه في شركة الزيني، عايزة إيه؟
ردت في غيظ وصوت عالي هي الأخرى:
_ هو أيه قلة الأدب دي والاسلوب دا!
انت بجد يعني؟ أنا كنت جيالك بفايدة، وفي الآخر يبقى دا ردك؟ كنت عايزة اقولك ان هانيا...
قاطعها صارخًا في غضب:
_ يا ستي حلوا عني بقا وعن سمايا الله يحرقكم.
ثم انهى المكالمة معها.. كانت مصدومة من طريقة تحدثه الفظة.. وظلت مكانها تستوعب ذلك الأسلوب ثم حدثت نفسها في تعجب:
" مجنون دا ولا إيه! هو ماله بيتكلم كدا ليه؟ "
*********
دخلت الفيلا، ثم غلقت الباب خلفها، ونظرت إلى الأعلى بعدما استجمعت نفسها، تنهدت تنهيدة طويلة ثم ذكرت نفسها:
" مفيش عياط.. مفيش عياط "
ثم تحركت وبدأت تصعد الدرج خطوة وراء خطوة وكل خطوة تقربها من الغرفة، مكان وجوده كانت ترعبها وتشعل التردد في قلبها ولكنها اكملت واستمعت إلى عقلها متجاهلة كل مشاعرها الآن.
وبيد مرتجفة فتحت الباب، وكان هو يجلس على السرير يقلب في هاتفه ويبتسم.. وبمجرد أن رآها قال في ابتسامة:
_ اخيرا رجعتي؟ مامتك بقت أحسن دلوقتي يا كوكي؟
غلقت الباب وفي هدوء وخطوات واثقة محسوبة، اقتربت منه.. حتى وقفت قباله وظلت تنظر إليه وحسب لثوان... مما أثار تعجبه، فتساءل:
_ إيه؟
تنهدت ثم فتحت حقيبتها واخرجت منها تلك الصورة خاصته والتي بها أختها، ثم القتها بين راحة كفيه.
نظر إلى ما بين يديه، ولم يجرؤ على رفع وجهه مرة أخرى إليها، فقالت:
_ طبعا مش قادر ترفع عينك في عيني ولا تبص لي حتى... اصل هتقول إيه يعني! هتقولي بحب اختك؟ أكيد مش هتكون بجح للدرجادي صح؟
ترك الصورة جانبًا ثم قام لها في نبرة بها الخجل:
_ كاميليا أنا... أنا آسف والله..
_ إيه اسف دي؟ إيه الكلمة الغريبة دي؟
رد قائلًا في محاولة لتفهم أمره:
_ بصي.. من زمان دا والله.. أنا كنت بحبها عادي ماشي، وبعدين أما اتجوزتك نسيت.. قررت ادي لنفسي فرصة تانية أخيرة معاكي.. انتي جدعة وبنت أصول وانا عمري ما شفت منك حاجة وحشة ولا عمرك قصرتي في حقي، ماهي كانت ماضي، تمام؟ .. هي كانت قريبه مني في الماضي وعلشان كدا انا حبيتها واتعلقت بيها ولكن.... ولكن أنا ماكنش ينفع اقولك اني كنت بحب اختك، ومشيت بمبدأ الماضي للماضي و...
قاطعته قائلة في نبرة حاسمة للموقف:
_ ماهي مش ماضي.. وكفاية كدب، انت إيه عايز تفضل تكدب لحد امتى!
_ مين قالك بس!
صاحت في نبرة حادة:
_ سمعتك...
ثم هدأت نبرتها قليلًا ولكن لازال صوتها عالي:
_ سمعتك انا محدش قالي، سمعتك وانت بتكلم باسم وبتشكيله همومك وقد إيه يا حرام انت تعبان وبتحاول ومش قادر، مشكور صراحة، تعبك المفروض نقدره ونرفع له القبعة طبعا
رد في نبرة تحمل الشعور بالظلم:
_ يا كاميليا يا كاميليا حرام عليكي اسمعيني وبلاش تظلميني.. انا بحاول، انا بتعافى، أنا بصارع.. اديني فرصة.. هي اتجوزت واحنا اتجوزنا، ادي لعلاقتنا اي وقت، اي مجهود و...
قاطعته قائلة في نبرة قاطعة:
_ طلقني...
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ ايه؟
_ زي ما سمعت.. انت حطتني في خيار بينك وبين اختي، وانا بكل تأكيد هختار اختي..
تنهدت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وأضافت:
_ في حفلة.. في مناسبة.. في اي وقت هتتجمع فيه العايلة، وتشوفوا بعض حتى ان مبقاش فيه حاجة.. انا جوايا هيكون بيلغي، بيشك، مش مطمن.. وانا مش هوصّل نفسي لمرحلة زي دي.. انت خدعتني ووصلتنا لهنا.. أنانيتك خليتك تتجوز اخت البنت اللي بتحبها من قبل ما تعمل موف اون، واستخدمتني علشان تنسى بيا ماهي او يمكن شفتني حاجة من اترها بتفكرك بيها، لكن حابة اقولك حاجه مهمة اوي نستنها وانت بتتجوزني علشان تستخدمني.... أستاذ أمجد، أنا مش أداة.
وتاني بقولها، طلقني ويا دار ما دخلك شر، واه متخافش هيفضل بينا، مش هقول سبب الطلاق الحقيقي لأي حد، لا بابا ولا غيره، انا مقدرة بردو اللي انت فيه
زفر في ضيق يائسًا مواجهة اصرارها وقال:
_ يا كاميليا علشان خاطري افهميني.. أنا بس عايز فرصة، فرصة واحدة اخيرة هثبت لك فيها اني عايزك واني هحاول وهصلح كل دا وعد بس بلاش تبوظي علاقتنا وكل حاجة حلوة بينا علشان مشاعر سببها الماضي!
بصي مش هضغط عليكي، فكري، ارجعي القصر تاني واقعدي مع نفسك وفكري وبلاش تقولي اي حاجة دلوقتي، بلاش نندم، وادينا فرصة بس
سكت ينتظر ردها، بينما هي كانت تنظر داخل عيناه، وضعفت للحظات ذابت فيهم في نظراته لها، وتذكرت طفلهما الذي لم يصل إلى الدنيا حتى، وإذا أقبل وجد والديه منفصلين؟
لذا سكتت... وسكتت... ثم ردت:
_ لا
كلمة نطقها عقلها في حين نشبت الحرب لحظتها في قلبها ولكنها لا تبالي، يحترق داخلها ولا تبالي...
لم يصدق اصرارها ذلك، فالجميع أكد له، حبها له الشديد، فكيف يمكنها التفريط به الآن؟
ثم رد في عدم استيعاب لرفضها:
_ لا!
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت متجاهلة تلك النظرات وذلك الضعف الذي على وشك أن تستسلم له:
_ خلاص، اعتقد كفاية كلام لحد هنا... أنا فكرت كتير وجيالك اصلا وانا مقررة.... أنا عايزة اطلق.
اختض مما قالت، وابتلع ريقه وسكت لحظات يستوعب... لا تراجع!
فتابعت:
_ ودا للعلم قرار منهي لا رجعة فيه.. بقولك كدا علشان توفر مجهودك وطاقتك في النقاش، وترتاح وارتاح
نظر إلى الأرض في أسف ولم يكن يجرؤ على النظر إلى عينيها مرة أخرى، ما يشعر به كان صعبًا، حتى أنه لم يقدر على تفسيره بشكل صحيح يليق به، يليق بذلك الشعور الذي انتابه لحظتها.
ولكنه قال على أية حال:
_ استهدي بالله بس، اهدي.. طلاق إيه؟ فكري تاني، بصي... خدي وقتك، ارجعي تاني و...
_ انت هتعيده تاني؟
قولتلك قراري مفيهوش رجعة ولا تفكير ولا اي حاجه غير انه هيتنفذ.. و..
قاطعها قائلًا:
_ فرصة أخيرة طيب!
اسمعيني، انا والله ..
قاطعته قائلة:
_ سمعتك كتير.. انا من ساعة ما جيت وانت اللي بتتكلم..خلاص بقا، كفاية عليا سماع لحد هنا، سمعت ومقتنعتش ولا هقتنع أصلا..
تنهدت فقد تعهدت منذ مجيئها وتحدثها معه انها لن تبكي ولن تتراجع ولن تخاف.. ثم تابعت وهي تسيطر على نفسها ودموعها:
_ اللي اتبنى على باطل، فهو باطل.. والعلاقة دي اتبنت على كدب وغش وانانية منك، مستحيل تكمل، ولا الف فرصة هتنفع معاها.. ولا الف اعتذار.. ولا انا هقدر انسى اللي انت عملته معايا ابدا.. مش هضحك على نفسي واقول اني هحاول في حاجة انا عارفة انها خلاص بقت مستحيلة.. أنسى.. زمن السماح انتهى وقته وزمانه.. تاني وتالت بقولك الطلاق هو الحل.. وياريت تبطل تضغط عليا بقا وتوافقني في قراري من غير كلام اكتر وارهاق اكتر... خلينا نحافظ على اي حاجة حلوة هتتبقى لنا في العلاقة دي
نظر إليها بنظرة مليئة باليأس، ثم رد عقب صمت دام لوقت...:
_ يعني دا آخر كلام عندك؟
هزت رأسها مؤكدة، ثم ردت في ثقة وسيطرة على نفسها:
_ ايوا.. هو دا آخر كلام عندي..و
زي ما قولتلك، انا مش عايزه منك حاجة ولا حد هيعرف حاجة زي ما اتفقنا بس المهم عندي إنك تخلصني وتطلقني في هدوء ومن غير شوشرة...
_ حقوقك لازم تاخديها طبعا
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ دا كدا كدا، اقصد بمش عايزة منك حاجة دي، يعني مش عايزة محايلات ولا تدخلات ولا محاولات.. عايزة منك بس هدوء
_ طب وخالي؟ هيقول إيه؟
احنا ملناش شهر متجوزين لحقنا علشان نطلق! أكيد هيجيب اللوم كله عليا، أكيد هيقولي انت اللي معرفتش تحافظ على بنتي وعلاقتكم دي!
ابتسمت ابتسامة بها السخرية، أكل ما يهمه خاله؟ حقًا لقد ظهر تمسكه بها على حقيقته، لا يهمه سوى كلام الناس واتهامهم له بالفشل، ولكنها ردت غير آبهة لذلك:
_ بابا سيبه عليا، متقلقش، انا عارفة هقوله إيه من غير ما أطلعك فاشل يا عم متخافش...
ثم تنهدت تسيطر على دموعها، ها هي على وشك الانهمار والامطار...
فحملت حقيبتها وتحركت نحو الباب هاربة منه، فتحته فنادى عليها، توقفت فقال:
_ فكري تاني بالله عليكي.. فكري
لم ترد، بل خرجت وبمجرد خروجها، أمطرت عيناها، فها قد انتهى وقت السيطرة وضبط النفس وبدأ وقت الانهيار في صمت.
*********
_ لقيتها؟ طب شاطر.. ارميها بقا في المكان اللي قولتلك عليه وكتّفها كويس علشان هي بتهرب ومتربتش وخليك معاها لحد أما اجي لها بكرة، أصلها وحشاني اوي
انهى المكالمة مع محدثه ثم ابتسم ابتسامة جانبية بها ثقة وانتصار واضح، ثم حدث نفسه:
" فاكرة إيه يا هيام؟ فاكرة نفسك هتعرفي تهربي من بسومك كدا ببساطة!
قالك مرة هويام هربت من السلطان سليمان!
فتح زجاجة الماء كي يشرب، ثم اضاف:
" مش عارف انا مين هويام وسليمان دول، بس اهو، هي اللي ضربت بيهم المثل قبل كدا! "
وبعدما شرب، وجد هاتفه يرن " فيديو كول"، تعجب قليلًا ثم التقطه فوجد المتصل صفوت، استجاب له واستقبل الفيديو، فقال:
_ ايه يا صفوت بترن عليا فيديو كول ليه في وقت متأخر زي دا، هو انت فاكرني خطيبتك! "
رد الآخر قائلًا:
_ الأستاذة ياسمين اللي انت سايبها معايا، حاولت تتواصل مع رقم كدا مصري وحاولت تهرب، اتصلت بيك اقولك واوريك العلقة اللي خدتها، استنى...
سار في خطوات مستقيمة ثم فتح باب الغرفة، كل ذلك وهو يعرض له، ثم سار نحو السرير، أينما كانت هي مقيدة بخشبه من جميع الجهات وعلى وجهها وجسدها آثار ضرب واضحة.
قال وهو يعرضها له:
_ اهو شايف؟ خدت العلقة التمام واتربطت وبقت نايمة زي الكلبة مربوطة بعد ما كانت واخدة حريتها
_ قرب التليفون ناحية وشها خليها تفرح أما تشوفني والبسمة تشرق كدا
فعل ما طلب ولكن الفتاة احادت بوجهها بعيدًا عن الكاميرا، فصاح باسم:
_ بت، بصي للكاميرا هنا انا هتكلم!
جذبها صفوت من شعرها وهو يعيد وجهها نحو الكاميرا ويقول:
_ اسمعي كلام البيه وبصي هنا يا بت بصي
تأوهت من شد شعرها، وعلق باسم ساخرًا:
_ براحة عليها يا صفوت مش كدا، كدا قطعت شعرها؟ خسارة كانت بتحبه اوي
نظرت إلى الكاميرا عنوة وقالت:
_ ياسم، باسم ارجوك كفاية.. أنا عايزة ارجع لأهلي وبس مش هقول حاجة ولا هعمل حاجة
زفر في ضيق مطولًا ثم رد:
_ مشكلتي اني فعلا وقعت في شلة بنات عدماء الفهم.. ادركت متأخر أن مشاكلي مع الرجالة ليها طعم تاني مفتقده بقالي فترة.
ثم اضاف بسخرية أكبر:
_ياسمين حبيبي انتي واحدة جايبة العار لابوها يعني لو شافك هيدفنك بنفسه.
عليكي قضية في مصر واول ما هتنزلي هيجرجروكي من المطار وطبعا انتي معندكيش دليل وهتتسجني.
يزيد لو لمحك هيشلوحك.. كل دي بلاوي مستنياكي في مصر ولسه عايزة ترجعي؟ ايه الانتماء دا! هي مية النيل عملت كل دا؟
فايه الأفضل المفروض لشخص عنده ذرة عقل؟ يرجع مصر ويتهان ويتذل ويتفضح وبعدها يتسجن، ولا يقعد هنا في أمريكا معزز مكرم آكل شارب نايم ببلاش؟
تنهد ثم تابع:
_ ساعات مبفهمش البنات!
صرخت في غضب:
_ انا هنا مش حرة، انا مسجونة، مسجونة بين اربع حيطان حرام عليك افهمني بقا. انا عملت لك إيه لكل دا، كل دا علشان حبيتك؟ هي دي غلطتي الوحيدة؟
تنهد ثم رد:
_ بسبب غلاء الأسعار، الدولار رفع والجنيه انهار عملنا ضريبة على المشاعر كمان... آه.. كل حاجة في الدنيا ليها تمن.
ردت في نبرة بها الحزن و الأسى:
_ ليه كدا؟
رد في تلقائية:
_ ليه كدا إيه؟ ليه الدولار رفع؟.. اسألي ترامب!
زفرت في ضيق وردت في نبرة أقرب للبكاء والانهيار:
_ حرام عليك، حرام عليك، كفاية تتريق عليا وعلى كلامي ومشاعري بقا، انت إيه مبتحسش!
عمرك ما حسيت بيا؟ عمرك ما عرفت تحبني ليه؟ ليه؟
فرك جانب لحيته ثم رد في ابتسامة:
_ لان الحب دا أغبى استثمار ممكن ادخله.
صرخت به:
_ مفيش فايدة مفيش فايدة
رد في نبرة هادئة:
_ العالم بينهار و الحرب العالمية التالتة هتقوم قريب، وانتي لسه كل اللي همك تعرفي انا محبتكيش ليه!
إنسانة غبية وسطحية.
ثم وجه حديثه إلى صفوت وقال:
_ كفاية دراما بقا تعبت، خليك مكتفها كدا ومتفكهاش إلا لو عازت تدخل الحمام، وتخلي بالك منها ومن تحركاتها....
ثم ابتسم وأضاف وهو يلوح لها بيده:
_ Au revoir [ مع السلامة ]
يا نموذج مثالي لدول العالم التالت.
ثم انهى المكالمة، وبدأ يقلب في هاتفه، وهو يحدث نفسه:
" أما نعمل سيرش كدا على نيرة دي كمان ونشوف اخرتها معاها ايه هي وروني .. "
زفر في ضيق وتابع:
" بقيت محاط ببنات، بنات وبس، لحد أما راسي وجعتني.. بقت كل مشاكلي مع النسوان على آخر الزمن، ودي حاجة مش مُشرّفة خالص.
كل أما اعمل مشكلة مع واحدة فيهم، تعيط، وتتشحتف لحد اما زهقت.
روني، هيام، ياسمين، نيرة رهف ... كلهم نفس الصوت ونفس العياط"
***********
كان يجلس على الأريكة، يضع رأسه بين كفيه، مطاطي الرأس يعشر بالخزي والعار.
أقبلت أخته عليه ثم وقفت قباله ولم تتكلم فقط تشعر بما يشعر به.. ألقت بصرها نحو غرفة اختهما المختفية، فوجدتها مليئة بالعشوائية و الفوضوية، فقالت له بينما هي تضع يدها على كتفه:
_ لقيت حاجة أما دورت؟
وعلى نفس وضعيته، هز رأسه نافيًا.
فتابعت:
_ هنلاقيها.. أكيد هنوصل لحاجة، انا هدور تاني في اوضتها اكتر، أنا..
وقاطعت تلك المحادثة بينهما، خروج أمهما من غرفتها وهي تتجه نحوهما في خطوات سريعة صارمة.
ثم وقفت قبالهما وقالت في صرامة:
_ هو انت لسه بدور عليها؟
بقولك أنا اعتبرتها ماتت خلاص، مش معقول سايب مراتك وبيتك وسهران لحد دلوقتي وعندك شغل بكرة وقاعد هنا لسه!
رفع رأسه في هدوء ثم رد:
_ ولو اتخطفت؟ ايه لو كانت اختي مخطوفه!
هزت رأسها رافضة وهي تبتسم ابتسامة ساخرة، ثم ردت:
_ مستحيل تكون مخطوفة.. قليلة الرباية دي هربت..
_ إيه اللي مأكدلك اوي كدا؟
_ العقل، العقل هو اللي مأكدلي.. اصل بالعقل كدا، واحد زي عز دا حيلته إيه أصلا علشان يخطفها؟ هو لا عنده مكان يحطها فيه ولا معاه فلوس يأجر ولا هو شكله راجل أصلا!
اومال احنا رفضناه ليه؟
ما لو كان معاه حتى تمن شقة إيجار، كنا جوزناهم
رد في عصبية:
_ ايوا يعني ما حتى لو هربوا، هيروحوا فين؟
_ هيروحوا في اي داهية تاخدهم.. عند ناس صحابهم بقا، عند معارف ليه، اي زفت، ماهي جاية معاه بمزاجها فمش هيرفضوا يخلوهم معاهم
أخذ يضرب الأرض بقدمه مرات متتالية من فرط العصبية والغضب.
علقت شاهندا قائلة:
_ حتى لو هربت، انا متأكدة انها مش هتخليه يقرب منها، لحد أما يتجوزوا.. جايز بيعملوا حركة بس علشان يضغطوا علينا علشان توافقوا تجوزوهم.. يعني اقصد يومين و هيظهروا.
ردت أمها عليها في نبرة خشنة:
_ اسكتي انتي يا بت وغوري ادخلي نامي
كاد الشاب، يقطع شعره من فرط التفكير والغضب وقال في صوت عالي:
_ وأما هي بتعمل كدا علشان تضغط علينا وبس، فضحتنا على الملأ ليه؟
انا هتجنن هتجنن، عقلي هيطير، في حاجة ناقصة أنا مش عارفها، وهتجنن.
لوت السيدة فمها جانبًا ثم ردت ساخرة:
_ معلش يا حبيب امك، أصلها تربيتك.. شفتك بقا وانت متقطع على حبيتك وبتخطفها وبيمضوك عدم تعرض، ومش طايق مراتك، فقالت لا، وانا ليه أعيش في عذاب زي شهاب، وانا ممكن اهرب مع عز وانا على البر من غير ما اتجوز واتحط في مأزق هانيا!
وقف مرة واحدة و صرخ غاضبًا:
_ ماما متبدأيش معايا، فكك مني أنا على أخري ومش هميز
ردت في هدوء:
_ وماله! متميزش، تعالى اضربني ياخويا
حدق بها وعاد صارخًا في عدم تصديق لطريقة تحدثها تلك:
_ دلوقتي بقيت أنا الغلطان! بعد ما سمعت كلامك ومضيت بعدم التعرض، وكبرتك وكبرت عمي ودوست على قلبي بالجزمة علشان خاطركم؟
عرفتي انا ليه بحب هانيا ولسه بحبها؟
لانها الوحيدة اللي كانت بتفهمني، الوحيدة اللي كانت الملاذ الآمن والمريح بالنسبالي، المكان اللي بهرب ليه من نفسي ومن الدنيا علشان اشم نَفَسي من كم المسؤوليات اللي حطتيها على دماغي وعلى اكتافي من وانا مراهق عنده ١٦ سنة.
هانيا هي اللي عرفتني يعني إيه حب ويعني ايه شعور، هي اللي رجعتني شاب تاني بعد ما كنتي انتي نسيتي اني ابنك واعتبرتيني أب لعيالك ورب للبيت دا وخلتيني اخد مكان بابا كله، اشيله كله من غير ما مرة اقول آه تعبت أو مش قادر.. هي اللي فكرتني إني شاب ومن حقي أحب واتحب وان فيه أحاسيس تانيه في الدنيا، غير الاحساس بالألم والاحساس بالمسؤولية والاحساس بالتعب في صمت.
تنهد وتابع في نبرة أقوى، نبرة مليئة بالحسرة وهو لا يزال يصرخ يخرج كبته:
_ انا من ساعة ما خسرتها وانا ايامي كلها شبه بعض، خسرت الشمعة الوحيدة اللي كانت منورة ضلمة حياتي.. اتقهرت وكأني أول مرة احس بالقهر، اتكسرت وكأني عمري ما اتكسرت قبل كدا، مع انك انتي اكتر واحدة عارفة أنا كام مرة اتكسرت، بس المرادي معرفتش اقوم ومع ذلك، مع ذلك... ومع ذلك ضمدت جروحي وكملت طريقي وقلت اتجوز واحدة بتحبني وسمعت كلامكم، وقلت غنية وحلوة وبتحبني يالا وافق يالا، يمكن ترتاح، يمكن ترتاح..
ثم بدأ يصرخ في صوت أعلى وبقدمه ركل الطاولة:
_ لكن لا، لا مفيش ليا راحة، أمل يتولد من جديد، هانيا مجبورة رجعها ليك، رجع الإنسانة الوحيدة اللي حبّتها في حياتك وحببتك فيها، بس لا، لا، جياد الزيني الوسخ القذر يضغط عليا وعليها ويتحداني ويقولي مش هتاخدها.
بدأ يلتقط أنفاسه، وبرزت عروق رقبته بشكل كبير، صدره يعلو ويهبط وأخته بدأت تربت على كتفه كي يهدأ ووالدته تنظر إليه في حسرة ولكنه لم يتوقف تابع رغم تعبه:
_ عايزها ليه هو، ها؟
ناقصه إيه في الحياة علشان ياخد مني الحاجة الحلوة الوحيدة اللي في حياتي!
فلوس وعنده وفسح وخروجات و الماظ و شركات وعربيات.. كل حاجة، كل حاجة عنده كلها، ومع ذلك استخسر فيا هانيا، استخسر فيا مصدر فرحتي الوحيد، وسرقها مني
بدأت دموعه تتساقط بشكل كبير على خديه، ولكن هذا لم يعيقه بل لا زال يصرخ وهو يسمع شرايين قلبه بالكاد تتمزق مما هو فيه:
_ وبعد دا كله شايفاني قصرت معاكم؟ شايفة اني اختي هربت بسببي وبسبب تربيتي ليها؟ بتلوميني؟ بتلوميني وانتي المفروض اكتر واحدة عارفة كويس أنا عنيت ازاي ومريت بإيه؟!
دا انا اللي مسكتني، عن قتل جياد الزيني ومجدي السلاب، هو انتوا، دا اللي مخليني قابل بالمُر، هو انتوا.. دا اللي مخليني ساكت وعايش ومستحمل كل دا وسايب هانيا ليه عادي، هو انتوا.
علشان متندميش انك خلفتي ابن زيي في يوم من الأيام، علشان متتقهريش وانتي بتشوفي حبل المشنقة بيتلف حوالين رقبتي واحسركم، إيه بقا يا شيخة إيه! إيه!
كانت تلك الجمل، بمثابة الصرخة الأخيرة قبلما يترك المنزل كله ويرحل وهو مقهور، يلقي كل ما يعوق طريقه، أرضًا.
ومع غلقه للباب، ارتمت والدته على الكرسي، جالسة في حسرة عليه وبكت....
***********
كانت الإضاءة خافتة في الغرفة، والساعة دقت الثانية عشر، بينما هو كان يتلقب في سريره، دون أن يغفل له جفن، ها هو يحاول النوم منذ ساعتين تقريبًا ولم يستطع.
فأبعد عنه الغطاء، وهو يزفر في ضيق، يحدث نفسه:
" إيه يا جياد، إيه مش عارف تنام ليه!
ياربي، الساعة بقت ١٢ ولسه منمتش!
انت للدرجادي خايف من اللي هانيا هتقولهولك بكرة؟
انت من امتى كنت بتخاف يا جياد اصلا!
زفر في ضيق مرة أخرى، ثم التقط هاتفه واتصل على أخته ماهي.
كانت هي داخل المطبخ حينها، تحضر العشاء حتى مجئ زوجها، واسرعت جهة الهاتف بمجرد أن سمعته يصدح، معتقدة أنه شهاب.. ولكنها ما إن وصلت ووجدته، جياد، تنهدت في استغراب، تتساءل لماذا يتصل بها في ذلك الوقت المتأخر؟ ولكنها ردت على أية حال، قائلة:
_ إيه يا جياد، ازيك
_ إيه يا ماهي، الحمدلله وانتي إيه اخبارك؟
_ الحمدلله.. في حاجة ولا ايه؟
_ لا... بس، كنت عايز أسألك، هو شهاب فين؟
_ اشمعنى؟
تنهد ورد:
_ اصل هانيا بكرة عايزة تتكلم معايا في موضوع يخص علاقتنا وانا قلقان تقرر الطلاق، وخايف يكون العقرب دا في الصورة، هو كدا كدا عايز يشوفني أنا وهانيا مطلقين حتى لو متأكد ان العلاقة بينهم بقت مستحيلة
زفرت في ضيق وردت:
_ على فكرة بقا، جوزي مبيفكرش في مراتك خلاص.. كمان احنا طلعنا برا وسبنالكم كل حاجة، سبنا الجمل بما حمل، عايز إيه منه تاني؟
_ ماهي، بطلي غباء ومتثقيش في كلامه اوي ودلوقتي قوليلي اخلصي تحركاته إيه ولا بيهبب إيه؟
_ لا متقلقش، مظنش انه فايق لمراتك خالص
_ اشمعنى؟
_ أخته، مش عارفة هربت ولا اتخطفت بالظبط وهو قلقان عليها وبقت شغله الشاغل دلوقتي، اطمن
تنهد ورد:
_ ليه أخته بس اللي اتخطفت، ليه مش هو بس ياربي!
يلا، ربنا ليه حِكَمُه دايما
_ بعد الشر عليه طبعا، شالله اللي بيكرهوه
سكت لحظة يستوعب، ثم رد:
_ قصدك إيه؟ قصدك بتتمني اني اتخطف؟
تنحنحت ثم ردت:
_ اه يا حبيبي يعني عقبال ما قلب هانيا يخطفك كدا ويعشقك
ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ اه إذا كان كدا ماشي، ربنا يتقبل منك يارب...
طب هو فين حاليا؟
_ راح لمامته علشان يشوف اي حاجة ممكن توصله بوعد
_ ماشي... بقولك
_ قول
_ ما تتصلي كدا بأمه دي واسأليها، ايه الأخبار، شهاب وصل ولا عمل حادثة على الدائري ومحتاج حد يروح له بالنقالة ضروري ولا حاجة... كدا يعني!
عايز بس اتأكد انه راح لأمه
تضايقت منه وردت:
_ جياد قولتلك بطل تتكلم عنه بالشكل دا تمام!
بزعل يا أخي بزعل.. وبعدين اتعلم تحترمه شوية بقا، ايا كان دا هيبقى ابو ابن اختك
_ متفكرينيش بقا... كل أما افتكر ان هيكون في صلة ربط بالدم، هتربطني بالعرة دا، بتعكنن.
المهم، انتي متأكدة من تحركاته الفترة الأخيرة كلها، صح؟
_ اه متأكدة، تحركاته كلها، ل٣ أماكن، الشركة، بيت أمه، بيت صاحبه هاني دا وشكرا، لم مراتك انت بقا طالما شاكك فيها كدا، وعلى رأي المثل، اللي عنده معزة يربطها
_ تؤتؤ، أنا عندي مُزة مش معزة
_ معلش
ردت ساخرة، فقال:
_ بصي يا ماهي، أنا عارف هانيا كويس اوي، هانيا بتخاف وبتترعب من خيالها، جوزك هو اللي وراها وراها وهو اللي عايز يخرب حياتنا بكل الطرق، هانيا بيضحك عليها بالكلام مش اكتر، هي مشاعارنجية، وهو بيعرف يستغل دا عندها كويس.
أما أنا متأكد انه لو بعد عنها، هتموت فيا كمان.. فاطمني انا معنديش أدنى شك فيها، انا عارف انها مبتحاولش توصله حتى ولا ترد عليه، لانها لو كانت بتعمل كدا، كنت زماني سبتها من زمان او قتلتها أيهما أقرب.
_ كفاية زن بقا ومدح فيها كأنها بريئة دايما... لو هو كان بيعمل حاجه، هي كانت بتستجيب، بس ما علينا مش موضوعنا.. انا وشهاب اهو بعدنا، تحركاته بقالها اسابيع ثابتة، حتى من قبل خطف أخته، وأما عرف اني حامل طلب مني فرصة تانية واخيرا قالي مش هسيبك خالص لا في نص الطريق ولا في آخره، فاطمن بقا من ناحيتنا وروح نام علشان عندنا شغل بدري ومتخافش اوي كدا من كلام هانيا ليك، يعني من امتى وانت بتحترم رأيها وبتاخد بيه!
حتى لو قالت لك طلقني، كدا كدا انت هتلاقي ميت الف طريقة علشان مطلقهاش وتخليها معاك!
أخذ يفكر في الأمر لحظات... ثم رد:
_ تصدقي انتي مستفزة!
يلا سلام روحي نامي
انهى المكالمة معها، ثم تمتم ساخرًا:
" محامية شهاب الجديدة "
ثم ترك الهاتف جانبًا، ثم عاد بجسده إلى خشبة السرير، والتقط صورة هانيا من على الكومودينو وقال لها:
" يا ترى هتفضلي بعيدة عن حضني كدا لحد امتى؟
وحشتيني، وحشتيني فوق ما تتخيلي.."
ثم قبل الصورة ووضعها مكانها وتمدد على السرير محاولًا النوم مرة أخرى.
*************
وفي صباح اليوم التالي، كانت روني تقف أمام المرآة تعدل شعرها فها توها استيقظت من النوم وخرجت من المرحاض.
وفي نفس الوقت، خرج يزيد من المرحاض ثم وقف وبدأ ينظر إليها قليلًا، يطالعها من أعلى إلى أسفل، وقال فجأة:
_ اقلعي
التفتت له في سرعة وهي تبتسم ابتسامة عريضة وردت؛
_ دماغك خفّت صح؟
_ دماغي خفّت ايه وزفت ايه دلوقتي، اقلعي القميص بتاعي، بتلبسي هدومي ليه؟ من قلة الهدوم بتاعتك يعني!
اختفت ابتسامتها وردت:
_ والله! بقا هو دا الكلام؟
_ ايوا هو دا الكلام، الدولاب بيخر هدومك من كل حتة، وانا هدومي كلها محطوطة في ركن في جزء كدا من الدولاب اصلا ودا اذا هنعتبره جزء.
شوية وهتحطي هدومي في شنطة وتطمعي في الدولاب كله.
وبعد دا كله بصالي في هدومي، اللي هما عددهم ولا حاجة مقارنة بهدومك!
امبارح الاقيكي لابسة البنطلون بتاعي والنهارده القميص وبكرة فنلتي الداخلية بقا!
عقدت ذراعيها أمام صدرها وردت:
_ ايوا واذا كان عاجبك بقا، وشوف هتعمل ايه!
_ ايه الغتاتة دي؟
بتلبسي هدومي ليه انتي!
وانا اللي عمال ادور عليه واقول يا ترى راح فين بعد ما اختارت البدلة وخلاص نازل على الشغل وفجأة قميصها اتبخر.. اتاري المدام لبساه!
سكتت لحظة وهي تعقد حاجبيها في استغراب.. ثم قالت:
_ هو أنا ليه حاسة ان نبرتك فيها اعتراض!
ثم تابعت في برود:
_عايز إيه انت دلوقتي؟
اه لبسته وهلبس هدومك كل يوم وبراحتي.
رد في عدم استيعاب دماغها:
_ يا بنتي انتي طمعانة في هدومي ليه؟
فيهم إيه مغري طيب!
هدومك أحلى والله
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ لا، انا بحب هدومك انت
تنهد شاعرًا بللافائدة من تلك المناقشة، ثم قال:
_ صبرني يارب..
لا وايه، يوم ما تلبسي من هدومي، تلبسي اكتر قميص بحبه؟
ردت في تلقائية:
_ ما علشان كدا انا لبسته يا ولا
سكت لحظات وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، ثم رد في سعادة وفرحة:
_ خلاص، ثبتيني.. البسي كل هدومي براحتك، اورثيني بالحيا، ولو لازمك البدلة بتاعت القميص اتفضليها طبعا، مقدرش أأخر عليكي حاجة.
كل هدومي ليكي وتحت أمرك، بما فيهم اللاكلوك والشرابات وباقي الحاجات يا نفرتيتي.
أخذت تلف بضع من خصلات شعرها حول اصبعها وردت في ابتسامة ودلال:
_ ما دا اللي انا كنت بقوله!
اقتربت في خطوات أنثوية واضحة ثم وضعت يداها على صدره ورفعت رأسها تنظر إليه وتابعت:
_ بحب هدومك وبحب أي حاجة تخصك، علشان بحبك
كان يبتسم في سعادة مبالغة ورد في ابتسامة واسعة للغاية:
_ خلاص والله اتثبت ودبت.. اقلعلك هدومي طيب كلها!
ردت في دلال أنثوي:
_ لا انا لابسة واحد خلاص... بس كنت عايزة اقولك انك ... انك وحشتني
تنفس في عمق واجاب ونظراته تحمل الاشتياق لها:
_ بدوب والله.... عارفة انا بحمد ربنا انك مراتي
_ اشمعنى؟
_ علشان لو ماكنتيش مراتي، كنت هخونها معاكي.. مبعرفش اقاومك خالص يخربيتك!
ضحكت ضحكة عالية، فتابع:
_ هو دا.. ايوا الضحكة اللي بترشق في قلبي وصلت
ثم عبست فجأة وطرقت على صدره مرة والثانية وقالت في حسم:
_ لا احترم نفسك، انت مش في طبعك الخيانة اصلا يا عسول، علشان هقطعك حتت زي البانية وأقليك في الزيت المغلي
ابتلع ريقه وهو يرى نظراتها الحاسمة، ورد وهو يفرك جبينه:
_ لا لا وعلى إيه.. خلينا حلوين أحسن يا قطعة شكولاتة انتي يا ملبساية
ردت في ضيق مصطنع وهي لا تزال تدلل عليه:
_ انت ممكن تخوني يا يزيد؟
هز رأسه رافضًا ثم قال في ابتسامة:
_ مستحيل يا روحي أكيد مستحيل.
اصل اللي بيخون مراته دا [ بغض النظر انه راجل قذر اصلا] بيقولك اصلها ناقصها حاجة معينة فبيتجوز علشان يعوض النقص دا.. انما انتي بسم الله ماشاء الله عليكي، عندك عشر شخصيات، وفيكي كل الصفات، فخلاص انا مش عايز حاجه تاني من الدنيا
سكتت لحظات تستوعب كلماته.. ثم ردت:
_ حاسة ان الكلام فيه اهانة بس مش متأكدة
رد في سرعة وهو يقترب منها:
_ لا لا متخافيش الكلام تحفة مفيهوش اهانة ولا حاجة.. يلا بقا معايا شوية عايزك، قبل ما ننزل نفطر، يلا...
*************
خرجت هانيا من غرفتها، كي تدخل المرحاض، فوجدت والديها يتناولا طعام الإفطار، قالت لهما:
_ صباح الخير
ليردا عليها:
_ صباح النور
ثم قام مجدي قائلًا:
_ يلا يدوب امشي علشان متأخرش على الشغل
وعقب قليل من رحليه، خرجت الفتاة من الخلاء، فقالت لها والدتها:
_ تعالي اقعدي افطري
ردت عليها:
_ لا، هكمل نوم، صحيت ادخل التوليت بس
وأثناء ذهابها، قالت أمها:
_ استني عندك
توقفت الفتاة استجابة لذلك، فتابعت السيدة:
_ انتي روحتي لجياد امبارح شقته اللي في المعادي؟
هزت رأسها مؤكدة، فأضافت:
_ يا ترى كنتي عايزة ايه منه بقا؟
_ اللي أنا عايزاه منه، مش عايزة حد يعرفه غيرنا.. لو سمحتي متدخليش المرادي
_ قوليلي ناوية على إيه
_ لا
_ هانيا!
صاحت في ضيق، وفي نفس الوقت صدح صوت هاتف الفتاة داخل غرفتها وعليه دخلت الغرفة تاركة والدتها.
سارت حتى سريرها ثم التقطت الهاتف فوجدت المتصل، زوجها، استقبلت المكالمة قائلة:
_ الو
كان داخل السيارة يقودها حتى الشركة، ورد:
_ الو، صباح الخير
_ صباح النور
_ بس كدا، حبيت بس اصبح عليكي وأأكد معاكي معادنا النهاردة بعد الشغل ان شاء الله
_ تمام مستنياك، بالتوفيق في الشغل
_ شكرا...
قبلما تنهي المكالمة، تابع سريعًا:
_هانيا ممكن هينت بس عن الموضوع
_ كلها كام ساعة وهتعرف، بلاش استعجال، اتعود تصبر شوية!
يلا سلام
انهت المكالمة معه، ثم اتجهت نحو الباب، وغلقته بالمفتاح ثم تمتمت:
" مش هسمح لحد فيكم يضغط عليا تاني "
**************
وفي الاستراحة مع دقات الساعة الرابعة عصرًا، ذهب فاتح إلى مكتب أخيه حسان وكان الشاب يأكل في صمت تام.
اقترب منه ثم جلس جواره وقال في ابتسامة:
_ عامل إيه يا حسان؟
هز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ تاكل؟
مد له يده الممسكة بشطيرة، أخذها منه وبدأ شاركه الأكل.. وقال بعدما ابتلع:
_ حسان، انا حاسس انك شارد..بعيد... واخد جمب.. مش عارف بس فيك حاجة مش مريحاني، بالله عليك افتح لي قلبك يا حسان وطمني عليك وقولي مالك من غير ما تخاف او تحسبها حتى
سكت الشاب شاردًا في حياته وفي طريقة تعامل زوجته معه وفي ذلك الأسلوب البغيض الذي دائمًا ما تتعامل به معه ولم يرد ولم يقضم جزء من الشطيرة أي توقف عن الأكل.
فأضاف اخوه:
_ قولي بقا يا حسان، مالك؟ سرحت في إيه؟
رد الشاب في ايجاز فهو لم يكن يجيد التعبير عن مشاعره بسهولة:
_ مش عارف انا فيا إيه بالظبط يا فاتح والله علشان اقولك يعني.. بس تقريبا الدنيا دي مش ليا... لا ليا مكان خاص بيا ولا ليا فيها جزء آمن...
ابتسم وتابع ساخرًا:
_ بفتكر دايما مقولة فيودور دوستويفسكي، أما قال " أين يذهب الإنسان حينما يشعر أن كل الأماكن لا تناسبه "
وفي الحقيقة انا مش بس بقرأ الجملة بشكل عادي.. انا بحسها من جوا قلبي، كأنها بتمثلني بالظبط
شعر اخوه بالحزن ووضع في تلقائية يده على كتفه وقال في نبرة مليئة بالحنان:
_ ليه، ليه يا حبيبي بتقول كدا ليه؟
سكت لحظة... ثم اجاب:
_ الحقيقة...
ثم اشار بيده على المحيط حوله وتابع:
_ حتى الشركة دي مش منسباني، انا قاعد فيها وبشتغل فيها بس علشان مراتي عايزاني افضل فيها، علشان كل اخواتي فيها.. علشان اشمعنى انا مبقاش زيي زي اخواتي.. لكن الحقيقة انا معنديش اي انتماء للمكان دا، لا حسه مني ولا حاسسني منه.. قاعد فيه بضيع وقت وبضحك على نفسي وبقول بحاول وهنجح وهبقى مدير قسم زيكم و...و.. بس الواقع، انا مش في مكاني.. وطول ما انا مش في مكاني، مش هتطور ولا هنجح ولا هتقدم خطوة واحدة.
سكت فاتح، يفكر في كلامه، ثم رد متفهمًا:
_ تمام عادي بلاها الشركة خالص.. معاك حق، جايز انت شغلك مختلف، جايز ابداعك في حتة مش هنا، ودا ميزعلش، انت مميز والتمييز مش عيب.
كمان انت خريج زراعة اصلا، يعني طبيعة شغلك وتركيبة دماغك بعيدة كل البعد عن شغل الشركات، قولي بقا، جاي على بالك تشتغل فين؟ او بتتخيل نفسك شغال فين؟
سكت يشرد بخياله.... ثم اجاب:
_ ارض خضرا... طبيعة.. ورد... حيوانات أليفه... هو دا مكاني..
رد فاتح في ابتسامة:
_ مشتل يعني؟ تحب يبقى عندك مشتل؟ مشتلك الخاص... مشتل حسان الزيني، بالبوينت العريض كدا، صح؟
ابتسم الشاب ابتسامة عريضة وهو يهز رأسه بالايجاب.. ثم قال:
_ ايوا ايوا بالظبط، مشتل... فرحت اوي لمجرد التخيل اني جواه والله
ضمه فاتح إلى صدره وقال وهو يربت على ظهره:
_ شفت يا عم، متزعلش نفسك.. لقينا مكانك اهو يا حبيبي...
*********
وفي المساء، عقب صلاة المغرب، وصل جياد منزل حماة واستقبله الرجل و زوجته افضل استقبال، ثم ادخله مجدي، غرفة استقبال الضيوف وسألته حورية عن مشروبه وطلب قهوة، لذا ذهبت كي تصنعها له.
اقبلت هانيا والقت عليه السلام ثم جلست قباله، وقالت لوالدها في ادب:
_ بابا، استأذنك بس تسبني أنا و جياد شوية مع بعض؟
هز رأسه مؤكدًا ثم قال:
_ اه طبعا، بالاذن..
خرج الرجل، بينما جياد توتر قليلًا ولكنه عمل على إخفاء ذلك الشعور.. وقال:
_ ايه يا ستي بقا، قوليلي.. ايه الموضوع، انا حقيقي على نار من امبارح
وضعت ساق فوق الأخرى وردت في ثقة:
_ عايز علاقتنا دي تكمل ولا ننفصل؟
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة ثم رد:
_ دا سؤال اصلا!
حركت عيناها يمينًا و يسارًا، ثم ردت:
_ يعني... على أساس انت اللي قلت إني ملزمكش!
_ فكك من كل كلمة غبية قولتها في اليوم دا.. انا كنت متعصب جدا ومش شايف قدامي وكنت زعلان اوي على ابني، وقلت اي حاجة وخلاص.. حقك عليا يعني.
أما بالنسبة لاجابة سؤالك، فأه انا عايز علاقتنا تكمل، بكل تأكيد عايز كدا طبعا
مطت شفتيها في تفهم لهذا... ثم ردت:
_ عندي شرطين
_ شرطين وترجعيلي؟
_ شرطين وافكر اذا كنت هقدر أكمل معاك ولا لا
_ وضحي اكتر
تنهدت وردت:
_ يعني، لو الشرطين دول اتحققوا، هدّي نفسي وعلاقتنا فرصة أخيرة، لو قدرت اكمل معاك ولقتني عارفة اديك مشاعر وقادره اكون زوجة ليك بكل ما تحمله الكلمة، هنكمل.. لو مقدرتش مش هنكمل للأسف.. أما بقا لو موافقتش على شروطي، فالعلاقة هتنتهي بدون اي فرص.
فرك أسفل ذقنه، يفكر.. ثم قال:
_ قولي يا ستي، إيه هي شروطك؟
اعتدلت في جلوسها، ورتبت كلامها ثم قالت واثقة وبنبرة ثابتة:
_ أولا... هنتعرف على بعض من أول وجديد، كأننا فعلا منعرفش بعض، ودي اصلا حقيقة، انا كل اللي عرفته عنك، انك مديري وكنا بمثابة اخوات واصحاب وفجأة بقيت جوزي، في أسبوع حرفيا بقيت جوزي... فزي ما قولتلك قبل كدا وانت تجاهلت كلامي.. هتحترم حدودي، وهنعيش مع بعض، بحكم المخطوبين اللي لسه بيتعرفوا، مش المتجوزين.
لو ارتحت لك وشفت فيك الجانب الآمن اللي بابا شافه فيك، هسلم لك نفسي تماما عن رضا وحب زي اي اتنين اتخطبوا وارتاحوا واتجوزوا... أسبوع ماكنش كفاية يعرفني عليك، وانا فعلا مشفتش منك غير الضغط و الأنانية والأجبار والزعيق، بس كتير شايفك عكس كدا وعلشان مندمش بعدين اني ضيعت من ايدي شخص كان ممكن يكون كويس بالنسبالي بس انا اللي كنت معمية ومش واخدة بالي، هجرب...
تنهدت ثم اضافت:
_ ها؟ موافق نكون في حكم المخطوبين ونتعرف على بعض بهدوء وبعدين نقرر احنا مناسبين ومتفاهمين والعلاقة دي هتنجح قدام ولا لا؟
موافق؟
ابتسم ابتسامة عريضة ثم رد:
_ انتي مجنونة بس انا بحب جنانك.. موافق طالما هتبقي جمبي وقدام عيني وفي مكاني وعلى سريري، فأنا موافق
_ خلي بالك بس... احنا هنكون في حكم المخطوبين، يعني لازم تلزم حدك
هز رأسه موافقًا ثم رد في ثقة:
_ طبعا اومال!
ثم تمتم في ابتسامة:
" عبيطة"
بينما هي أنزلت ساقها التي كانت تضعها على الأخرى وقالت:
_ طيب بما انه اول شرط اتوافق عليه والأمور بقت واضحة....
قامت من مكانها وأخذت تقترب منه حتى وقفت قباله، وتابعت وهي تمد له يدها:
_ اديني ايدك الشمال
فعل ما طلبت، فنزعت من اصبعه، خاتم الزواج، ثم اضافت:
_ ودلوقتي بقا اديني ايدك اليمين
ابتسم وفعل ما طلبت، فقامت بوضع الخاتم في بنصره بيده اليمين، ثم قالت وهي تترك يده:
_ بس كدا... ودلوقتي احنا مخطوبين
ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ الف مبروك يا روحي عقبال فرحنا يا مجنونة.. انتي دلوقتي بقيتي مراتي وخطيبتي
ضحك في صوت عالي غير مصدقًا ذلك وتابع:
_ والله بجد، بقيتي مراتي وخطيبتي، تحفة دا تحفة.. علشان أما اقولك انك كل حاجة بالنسبالي تبقي تصدقيني.. انتي مراتي وخطيبتي و حبيبتي وصديقتي وكل حاجة إلا امي واختي والكلام دا
_ اشمعنى؟
_ كدا، محبش احطك انتي في خانة المحارم دي... ربنا ما يحرمني عليكي ابدا.. انتي مدامي وحلالي وخطيبتي وام عيالي، انتي كل كل حاجة مش متحرّمة في حياتي
ابتسمت في هدوء وبدأت تنقل خاتم الزواج خاصتها من يدها اليسرى إلى يدها اليمنى هي الأخرى، ثم قالت:
_ بس متنساش اننا في حكم المخطوبين.. يعني لو ما رتحتش ، انا في ايدي أمشي وانت تسكت وتهدى وتبطل تضغطني، ووقتها هننفصل بهدوء وبدون فضايح.. هكون بكدا قدامك وقدام نفسي وقدام الدنيا كلها، حاولت فعلا علشانك
وقف ثم اقترب منها ورد في ابتسامة:
_ العلاقة هتنجح وهتشوفي.. وهتحبيني وهنعيش أحلى ايام مع بعض وهنخلف عيل واتنين وتلاته ومش هنفترق عن بعض ابدا
تنهدت وردت:
_ دا سيب الايام هي اللي توريهولي ومواقفك معايا، مش عايزة كلام وبس... عايزة فعلا اشوف الجانب التاني الحلو منك.
_ بس كدا؟ عيوني.. من النهاردة مش هتاخدي مني غير كل حب وحنان وهتعرفي انا فعلا بحبك ازاي ومتعلق بيكي ازاي.. بالفعل مش بالكلام، انا اصلا طول عمري رجل افعال لا أقوال
_ هنشوف... يلا روح اقعد خليني اقولك على الشرط التاني
ابتسم وعاد يجلس مرة أخرى، فتابعت وهي تسند ظهرها إلى ظهر الكرسي، أي تجلس في اريحية:
_ أما الشرط التاني بقا، هو اني مش هرجع معاك القصر ولا هعتبه مرة تانية، إلا أما يتردلي اعتبار وكرامتي اللي اتهانت تتعزز
عقد حاجبيه في استغراب وقال:
_ مش فاهم؟ لي كدا؟ إيه اللي حصل؟
قصّت عليه ما فعلته معها والدته ذاك اليوم، وكان هو يستمع في خجل واسف يشوبهما ضيق وغضب مما فعلته والدته وما ارتكبته من خطأ في حق زوجته.. تنهدت وتابعت:
_ شرطي الوحيد بقا بعد الاهانة دي، انك ترد لي كرامتي واعتباري.. قلت إيه؟
_ بلا شك موافق.. اول حاجة بس انا حابب اعتذرلك عن اللي حصل دا وصدر عن أمي في غيابي، بعتذر لك عن الإهانة دي اللي اتعرضتيلها بسببي بشكل او بآخر وبعتذرلك اني ماكنتش موجود وقتها علشان كان زماني وقفت كل واحد فيهم عند حده.. ثانيا بقا قوليلي،انتي عايزة كرامتك تتردلك ازاي؟
ردت في ثقة منتهية:
_ التلاته يعتذرولي.. من على باب القصر.. مامتك وعماتك، التلاته يعتذرولي بشكل يرضيني ويخليني أقبل الاعتذار واكون صافية... هتقدر تعمل كدا؟
هز رأسه بالايجاب في سرعة ودون تفكير، ثم رد:
_ اعتبريه حصل.. في حاجة تانية؟
_ صغيرة قد كدا
_ إيه؟
_ تعتذرلي قصاد بابا وماما لانك مسخرتني قدامهم وكمان هتعتذرلي قصاد اهلك بعد ما يعتذرولي، وبس كدا، بكدا اقدر اتحرك في القصر براحتي وارفع عيني في عيون الكل وامشي راسي مرفوعة، واضح؟
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ واضح جدا كمان.. كل اللي انتي قولتيه هيتنفذ بالحرف، اهم حاجة عندي هي انك تكوني راضية.
قام من مكانه، حتى وقف قبالها، سحبها من يدها بلطف حتى تنهض، وبالفعل وقفت قباله، فقال لها وهو ينظر إلى عينيها اللاتي يعشقهما:
_ اعتقد دا اول فعل يثبت لك اني بعشقك ومستعد اعمل أي حاجة علشان بس ترضي وتفضلي جمبي طول عمري.. لحد ما شعري كله يضرب ابيض و اموت في حضنك.
ابتسمت ابتسامة جميلة هادئة، يحبها للغاية وتجعله يبتسم تلقائيًا بمجرد أن يراها ترتسم على ثغرها، وقالت:
_ ليه بتحبني كل الحب دا؟
عندي فضول اعرف الصراحة
ابتسم ابتسامة خفيفة ورد:
_ اتنين متسأليهمش ليه.... واحد عمل حاجه غلط وجايلك ندمان وعلى آخره.. وعاشق دايب ومش لاقي ملجأ ولا ملاذ غير عيون معشوقته.
أخذت تفكر في كلامه قليلًا.. ثم هزت رأسها موافقة، وقالت:
_ يلا، أبدأ ببابا وماما الأول
_ ماشي.. عندي بس ليكي طلب صغير
_ قولي
_ الدبلة تكون في ايدينا اليمين في البيت، في اوضتنا، يعني بينا كدا... إنما في الشغل، مناسبات، برا يعني، ياريت تبقى في ايدينا الشمال، انتي مراتي قصاد الناس كلها والناس مش هتبقى فاهمة الديل دا، تمام؟
_ تمام
خرجا معًا، وبمجرد أن فتحت هي الباب، وقفت حورية ودقات قلبها تتسارع، تخشى النتيجة التي كانت تنتظرها في الخارج على أحر من الجمر، وقال مجدي في ابتسامة هادئة:
_ ايه يا ولاد، فيه جديد؟
وقف جياد قبالة هانيا ثم أمسك كف يدها وقبله في ابتسامة، ثم نظر إلى مجدي وقال:
_ عمي أنا بعتذر لهانيا قدامك وقدام طنط حورية بناء على كل اللي قولته.. هي اللي تلزمني ومن غيرها حياتي تقف.. اصلا هي عبارة عن النفس اللي بتنفسه.. هانيا يعتبر قررت تدي علاقتنا فرصة تانية
اطلقت حورية زغرودة عالية ثخ أخذت تشكر الله في فرحة، بينما مجدي ابتسم وقال:
_ الحمد لله يا ولاد، ربنا يهديكم يارب ويبعد عنكم كل شر
نظر جياد إليها وقال في ابتسامة:
_ راضية كدا؟
ثم أمسك رأسها وقبل جبينها وهو يقول:
_ وادي راسك اهو بوستها يا ستي... راضية كدا؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ راضية.. كدا باقي آخر شرط، جاهز؟
_ انتي جاهزة؟
_ اه، جاهزة، اديني دقايق اغير هدومي واجي معاك...
************
وداخل القصر، كانت مايا، توها خارجة من غرفتها، فوجدت فاطيمة تقف لها على درجة السلم تقول لها في مكر وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ بقا كدا؟ بقا كدا يا مايا، تتوبي الشيطان وهتاخدي مكانه؟
عقدت الفتاة حاجبيها تتصنع عدم الفهم وردت:
_ أأأأ قصدك إيه يا عمتو بكلامك دا؟
_ عليا يا بت! ما انتي صحيح بنت السلاب قولا وعملا....
ثم اقتربت منها ووقفت قبالها بالضبط ومرة واحدة، اقتربت من أذنها وهمست:
_ بقا من ورا عمتك يا بت، بتشغلي دماغك؟
رايحة كدا بكل بساطة لحد الشيخ عطاالله من غير ما تقولي لعمتو يا قلب عمتو!
قبلما ترد الفتاة، سمعتا، صوت جياد في الأسفل، ينادي في صوت عالي وهو يقف من الداخل، خلف الباب الرئيسي بالضبط ولم تخطو قدماه اي خطوات أخرى غير ذلك.
طلت فاطيمة برأسها نحو الأسفل ثم ابتسمت قائلة:
_ واخيرا يا قلب عمتك رجعت
ثم قالت لمايا:
_ خليكي انتي دلوقتي، كدا كدا لينا مرة تانيه هنتكلم فيها.
تركتها وبدأت تتجه نحو الدرج، تنزل في ابتسامة وهي تنادي:
_ يا حليمة... يا حليمة اخرجي جياد جيه
وعلى ندائه، خرجت عبير من غرفتها هي الأخرى وبدأت تنزل في سعادة.
وبعدما نزلت، اسرعت نحو ولدها وضمته إلى صدرها في قوة وهي تقول:
_ وحشتني اوي، وحشتني اوي اوي يا قلب امك والله، كل دي غيبة؟ كل دا برا القصر؟
ولكنها تفاجأت أنه لم يضمها إلى صدره ولم يرحب بها ولم يرد، بل في هدوء ابعدها عنه، وقال لها:
_ اقفي يا ماما كدا شوية جمب عماته بعد اذنك
علقت حليمة قائلة:
_ يوه! مالك يا جياد فيك إيه؟ بقا تتصل بعمتك تقولها انا راجع القصر كمان ساعتين واتصلي بعمتي حليمة وكلكم تكونوا في استقبالي قبل ما اجي وهو دا استقبالك لينا؟
_ اتقلي بس يا عمتو.. اتقلي
نظر إلى الخلف، فدفعت حورية الباب ثم دخلت أولًا في ابتسامة عريضة بها الشماتة واضحة، ثم وقفت خلفه قليلًا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، والثلاثة يقفن بجانب بعضهن البعض لا يفهمن أي مما يحدث.
نظر الشاب اليهن بالتناوب في ضيق ثم فتح الباب على مصرعيه وخرج ثم أشار بيده نحو يزيد، الواقف على أولى درجات السلم خلف الباب من الخارج، فأمسك يد روني ودخل بها وكانت الأخرى تمسك بقوة في يده وتنظر إليهن بشموخ... ثم اختفى جياد لثوان وظهر امامهن فجأة وهو يصعد درجات السلم واصابع يده تتشبث باصابع يد هانيا وهي تسير بجانبه مبتسمة واثقة، حتى دخل بها وغُلق باب البوابة في هدوء ووقف الشاب كتفه في كتف أخيه وكل منهما يمسك بيد زوجته
كانت هانيا تقف وبجانبها زوجها وبجانبه أخيه ثم روني. وكانت كلًا منهما تتشبث بيد زوجها، رافعة رأسها تبتسم ابتسامة صغيرة، وخلفهم قليلًا تقف حورية وجميعهم خلف الباب من الداخل ولم تخطو اقدامهم اي خطوات أخرى.
وقال يزيد:
_ اللي حصل لمرات اخويا ومراتي يوم الحادثة، دا أمر ميتسكتش عليه ابدا
ليكمل جياد:
_ انك يا ماما تطردي مراتي بالشكل المهين دا ومترحميهاش، رغم انك عارفة انها مسقطة ولسه جاية من المستشفى، دا أمر ميتسكتش عليه أبدا
ليتابع يزيد:
_ البيت دا، بيتهم وهيفضل بيتهم، لو بقا حضرتك مش قادرة تستوعبي أنه بيتهم وشيفاه بيتك بس..
تابع جياد:
_ حالا هناخدهم ونطلع ونعيش برا في بيوت حقيقية ليهم، هيتصانوا فيها ويتعاملوا أحسن معاملة
ليكمل يزيد:
_ كدا قدامكم حل من اتنين...
ليتابع جياد:
_ يا تعتذروا لمراتي واختها وحماتي على اللي حصل دا، يا هنخرج احنا الاربعة برا القصر وبشكل قطعي
ليكمل يزيد:
_ كان لازم تعملوا تقدير لينا كونا رجالة القصر، كونا رجالتك يا ماما وتقدّري مراتي ومرات اخويا في غيابنا وتبطلي تهزقي في مراتي وتقللي منها لان دي للعلم مش أول شكوى، وتفهمي بقا ان مراتي كرامتها...
ليختتم جياد قائلًا في نبرة حاسمة قطعية:
_ من كرامتي....
***********
الفوتس قليلة والتشجيع محبط على عدد القراءة و البارتات، والاتنين مش بيساوو تعبي خالص، متنسوس رايكم و الفوت ..
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الاتنين الجاي
سلمى خالد احمد
**************
قصر آل الزيني الفصل الأربعون 40 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الأربعون[ كُشِفَ السر]
سلمى خالد احمد
متنسوش الفوت
************
كن يقفن بجانب بعضهن البعض في صدمة مما يسمعن وكسرت حليمة ذلك الصمت قائلة في نبرة بها الحزن المتصنع:
_ هنعمل إيه يا عبير هانم، شايفة ولادك واقفين لك إزاي بالمرصاد!
معذورين ماهما مشافوش مراتتهم عملوا إيه...
ثم اضافت وهي تنظر إلى الشابين:
_ على فكرة انت هو، الاتنين دول قلوا ادبهم، وبالاخص روني زقت امكم جامد علشان تطلع من القصر ورا أختها
هزت عبير رأسها بالايجاب ثم علقت متفقة معها في سرعة:
_ ايوا، وشتمت وعلت صوتها وهي اصلا اللي مشيت محدش طردها
تنهد جياد ورد في نبرة جدية:
_ ما علينا يا ماما، مدخليناش في تفاصيل بعد اذنك، هتعتذري ولا لا!
ردت في نبرة مليئة بالغيظ:
_ اعتذر على حاجة معملتهاش؟
_ عملتي.. روني يعتبر اطردت هي كمان، ولا كنتي عايزاها تسيب اختها اللي بتنزف لوحدها!
انتي مرحتميش الاتنين وخلتيهم يخرجوا في وقت متأخر لوحدهم، اعتذري بعد اذنك
ابتسمت فاطيمة وردت:
_ ماشي يا قلب عمتك هنعتذر، هنعتذر علشان تشوف بنفسك انت واخوك، أحنا مستعدين نعمل ايه علشان خاطركم.
ثم نظرت إلى أختها وعبير وتابعت:
_ يلا نعتذر، غلط بردو ماكنش ينفع نتعصب اوي كدا ونطرد هانيا في حالة زي دي... احنا بس خدنا جرعة زيادة بسبب عصبية وغضب جياد في المستشفى وقتها وبالذات اما قال انه هيطلقها..
رد الشاب عليها:
_ انا كمان غلطت في حقها وهعتذر
ثم التفت إليها وقال في صوت مسموع:
_ قصاد الجميع اهو، بعتذرلك يا هانيا وبقولك آسف وحقك عليا على كل كلمة غلط قولتها في حقك
وكانت تالية في ذلك الوقت تقف بعيدًا في إحدى الزوايا، تسمع وترى ما يحدث وبجانبها أسيل، كانت غاضبة للغاية، تكره ما تسمع وتود أن تلحق الأذى بهانيا من شدة الغيرة والحقد عليها.
تنحنحت حليمة ثم تصنعت ابتسامة صغيرة وقالت:
_ هانيا حبيبتي، بعتذر لك عن اللي صدر مني، سوري
وكذلك اعتذرت فاطيمة:
_ متزعليش يا حبيبتي، حقك علينا
أما عبير فبقت مترددة لحظات.. تنظر إلى ابنها في ضيق، تشعر أنه يضغط عليها وكان الآخر ينظر إليها نظرة باردة لا تخطئ ظنها، ستعتذري حتمًا ولابد، لا شفقة ولا تراجع في نظرته تلك.
ثم نظرت إلى كلًا من حليمة وفاطيمة فهزتا رأسهما بالقبول، ثم نظرت إلى هانيا في قرف وقالت على مضض مضطرة لذلك، فهي تخشى فراق ولديها مع هاتين البنتين بالإضافة إلى أنها خشيت غضب الشيخ إذ جاء و علم أن ولديه ترك القصر بسببها:
_ سوري هانيا، ماكنتش اقصد اللي حصل
ثم نظرت إلى ابنها وتابعت:
_ عجبك كدا؟
نظر إلى هانيا وقال:
_ مرضية؟
وفي تلك اللحظة، امتلأ صدر عبير بنيران الغضب، ما إن سمعته ينطق تلك الجملة بلسانه ولكنها سيطرت على نفسها ونظرت إلى الفتاتين نظرة اشمئزاز، ثم همت بالرحيل، وأثناء سيرها، لحقت بها كلمات حورية والتي كانت تقول:
_ قولتلك يا عبير هانم، بنتي هتدخل القصر وايدها في ايد جوزها، مصدقتنيش، واتحدتيني.. واديني اهو كسبت التحدي.
تنفست في عمق تهدأ ولم تلتفت لها بل تابعت سيرها في خطوات أسرع مليئة بالغيظ.
وقال الشاب لزوجته:
_ مرضية كدا، مردتيش عليا؟
هزت رأسها مؤكدة ثم بدأ يسيران معًا في الداخل قاصدين الدرج.
وأثناء سيرهما، عرقلت تالية طريقهما وقالت مرة واحدة وفي نبرة مليئة بالغضب:
_ ومعندكش أدنى مشكلة تخلي عماتك ومامتك يعتذروا و يتهانوا بالشكل دا، لواحدة زي دي بتحب غيرك ووافقت بيك بس علشان مفيش خيار بديل، يا عديم الكرامة؟
ألقت تلك الكلمات كالقنبلة في وجهه مرة واحدة وذهبت مسرعة مغاضبة.
تضايق بشدة وبدأ يتعصب للغاية من كلماتها تلك، وعليه قال لزوجته:
_ اسبقيني انتي على فوق
_ سبها يا جياد، ما...
لم تكد تكمل كلماتها، حتى تركها وذهبت مغاضبًا نحو ما ذهبت تالية، ووقفت هانيا تتابع بعينيها ما سيحدث.
وعلى الجانب الآخر، قال يزيد لحماته:
_ كدا اعتقد بقيتي مرضية؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ بقيت مرضية ومطمنة على بناتي كمان اكتر.. يلا همشي أنا بقا
_ استني هوصلك
_ لا لا متتعبش نفسك
_ خلاص على الاقل السواق الخاص هو اللي يوصلك بنفسه
هزت رأسها في ابتسامة وبدأ يزيد يتحرك حتى يقف جانبًا كي يجري اتصالًا مع السائق.
وبالتزامن مع ذلك، جذب جياد ذراع تالية أثناء سيرها كي تقف، وبالفعل وقفت وهي تلتفت له في تأوه فقال بنبرة قاسية وعينين بهما الضيق:
_ لسانك دا لو مبلعتيهوش، هقصهولك، ولو انتي بقا عندك كرامة فعلا، فأنا مش عايز اشوف وشك في بيتنا تاني، روحي شوفيلك أي داهية تاخدك واقعدي فيها... دا بيتي وبيت مراتي، وانتي بقيتي ضيف تقيل اوي ورخم علينا.
ثم دفع ذراعها في شدة نوعًا ما وتركها وذهب.
وقفت تستوعب ما قاله لها، لماذا يجرحها بتلك الطريقة القاسية فكل مرة؟
هي تحبه، تحبه للغاية ولكنه دائمًا ما يقسو عليها ويهينها في كل مرة اتحيت له الفرصة..
ودون أن ترمش عيناها، سقطت دمعة تلو الأخرى... وفجأة لمحت وقوف حورية بالقرب منها وتبتسم في شماتة وهي تنتظر السائق، فقد سمعت ما قاله جياد لها.
شعرت بالحرج حيال ذلك وسريعًا هربت من مكانها تود أن تختفي عن نظرها وحسب.
تابعت حورية أثرها وتمتمت في نبرة بها الفرحة الممزوجة بالشماتة:
" احسن تستاهلي.. جدع يا جياد، ايوا كدا خليك دايما تحت طوع بنتي واكسر عين اي كلب من أهلك يغلط فيها...
ثم اضافت في توعد:
" ولسه... هو انتوا لسه شفتوا حاجة يا شوية حرابيق؟
بكرة بناتي يركبوا عليكم ويدلدلوا رجليهم وكلكم تطردوا من قصرهم وقصر عيالهم فيما بعد..."
عاد جياد إلى زوجته الواقفة جانب السلم، تنتظره هناك وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، وابتسم وكان هادئًا للغاية، كأنه لم يهين الفتاة منذ قليل، وقال:
_ يلا يا روحي علشان نطلع اوضتنا
_ عملت لها إيه ولا قلت لها إيه؟
_ ولا حاجة.. كنت بلقنها درس بس عمرها ما هتنساه، مع اني اشك في صحة الموضوع دا، لانها واحدة غبية وساذجة ومبتفهمش.
سكتت وصعدا معًا حتى غرفتهما، فتح الباب وقال في ابتسامة:
_ اتفضلي يا مراتي و خطيبتي ادخلي
وبعدما دخلت ودخل وغلق الباب تابع:
_ القصر نوّر والاوضة نورت والله.
جلست على السرير وبدأت ترفع شعرها إلى الأعلى، ثم تمددت وهي تتنهد.
خلع الجاكيت خاصته ثم بدأ في فك اوائل ازار قميصه ولم يكمل، بل اتجه نحوها وتمدد جوارها وقال:
_ إيه مش هتغيري هدومك؟
_ اه هقوم دلوقتي
وبالفعل قامت من جانبه وبدأت تتجه نحو الخزانة، فقال لها في نبرة يائسة:
_ وحياة أغلى حاجة في حياتك متلبسيش بيجامة، كرهت البيجامات والله
ردت دون ان تلتفت له:
_ جياد، احنا مخطوبين متنساش
_ ماشي فاهم، بس انا عايز اتفرج بس.
كدا كدا انتي معاكي عذرك!
التفتت له وردت:
_ احترم نفسك، مفيش حد بيقول كدا لخطيبته
هم بالنهوض، وأسرع جهتها، جذبها من خصرها، وفي ثوان لصقها بالحائط، وقال وهو قريب بجسده ووجهه منها بما فيه الكفاية:
_ اعتبرينا مخطوبين بس من غير ضوابط.. انا كدا كدا قليل الأدب، وبموت في التجاوزات اللي بتحصل في الخطوبة.
انهى تلك الكلمات ثم قبّلها على الفور..... وكانت قُبلة طويلة بها اشتياق واضح.
ابتعد عنها قليلًا تاركًا مسافة لا تُذكر بينهما ثم قال:
_ وحشتيني
أمالت برأسها أسفل ذراعه هاربه منه، وقالت وهي تبتعد، تتجه نحو الخزانة مرة أخرى:
_ اختراق أول لقانون اللعبة
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ بتهزري!
هو انتي بتعتبري البوسة اختراق لاتفاقنا؟
مش هينفع كدا، انا كدا هخترق الاتفاق مليون مرة في الساعة!
فتحت الخزانة وردت وهي تبحث بعينيها عن شئ ترتديه:
_ يعني؟
رد بكل ثقة:
_ يعني اتفاقنا شامل علاقة كاملة بس، أما الاحضان والبوس والغزل وكل دا أنا هعمله عادي، لو هترفضي دا كمان، فانتي كدا بتعذبيني!
انتي قدامي ٢٤ ساعة، حرام دا اوي يكون في علمك.
_ انت هتضحك عليا ولا إيه؟
_ لا مش بضحك عليكي، اصلا مش هقدر اعمل اكتر من كدا، انتي عندك عذر، فاهدي عليا بقا كدا لو سمحتي انا إنسان!
بدأت تبدل ملابسها ثم ردت وهي تعلق ملابس الخروج مكانها:
_ ربنا يسهل
ثم استقلت على السرير وقالت له:
_ اطفي النور بعد اذنك، هنام
_ تاني!
_ معلش يا جياد، أنا نعسانة اوي والله مش بتهرب.
اقترب من السرير ثم استلقى جوارها، وقال:
_ اديني وشك.. مش عايز ضهرك دا
فعلت ما طلب وبدأت تغمض عينيها
اقترب منها أكثر، حتى لم يعد يفصل بين أنفاسهما سوى همسة دافئة تتردد في الفراغ الضيق بينهما.
رفع يده ببطء، ومرر أطراف أصابعه على جانب وجهها، يتتبع ملامحها وكأنه يستعيدها بعد غيابٍ طويل.
توقفت أنامله عند وجنتها لثوان، ثم اقترب أكثر، حتى لامس جبينه جبينها، وأغمض عينيه هو الآخر، مستسلمًا لذلك السكون الذي لا يشبهه... لكنه يشبهها هي.
همس بصوت خفيض يكاد لا يُسمع:
"برتاح كدا ... أما بتكوني قريبة."
لم تجبه، ولم تعترض ولم تمنعه وهذا بالنسبة له كافي، فابتسم وهو يلتقط يدها بين كفيه، يضمها بحنان، ثم يقربها إلى شفتيه ويطبع عليها قبلة طويلة دافئة، كأنها عهد صامت لا يحتاج إلى كلمات.
انحنى قليلًا، ومرر أنفه برفق على طرف أنفها، ثم قبّل جبينها قبلة هادئة، تلتها أخرى عند صدغها، ثم عند وجنتها... قبلات خفيفة متتابعة، كأنها مطر حنون يغسل تعبه وكل ما أثقل قلبه.
كانت ساكنة بين يديه، لكنه كان يشعر بها... بكل ارتجافة خفيفة، بكل نفسٍ يتصاعد من صدرها، بكل خفقة قلب تتسارع كلما اقترب منها أكثر.
فهمس مرة أخرى، هذه المرة بصوتٍ أعمق، يحمل ما عجز عنه الكلام طويلًا:
"بحبك بطريقة مش عارف ازاي ممكن أشرحها... بس بحس بيها في كل مرة ببص لك "
فتحت عينيها ببطء، لتلتقي عيناهما في صمتٍ طويل، صمتٍ يقول كل شيء.
مد يده إلى خصلات شعرها، وأزاحها برفق خلف أذنها، ثم ترك أصابعه تنزلق ببطء على عنقها، حتى استقرت عند كتفها، يحتضنها إليه أكثر، كأنه يخشى أن تبتعد... أو أن يفيق من هذا القرب.
اقترب حتى أصبحت أنفاسه تلامس شفتيها، لكنه لم يُقبّلها... بل ظل للحظة يحدّق فيها، يتأملها، كأنه يكتفي بها كأن رؤيتها وحدها نعيم.
ضمّها إلى صدره بعد ذلك، وأسند رأسه فوق رأسها، وأغلق عينيه، وهو يتمتم بنبرة دافئة مطمئنة:
"دلوقتي هعرف انام نوم عميق ..."
فاستكان هكذا وهو يضمها إليه، كأنه تائه وجد موطنه عقب هجرة طويلة...
**********
دخل شهاب، شقته وعلى صوت إغلاق الباب، خرجت ماهي من الغرفة حيث كانت تنتظره، وقالت بينما هو يخلع الحذاء:
_ كنت فين كل دا؟ من بعد ما خلصنا شغل وانا مشفتكش، كأنك اتبخرت!
رد وهو يتجه نحو غرفة النوم:
_ كنت مع ناس صحابي
دخل الغرفة وبدأ يتجه صوب الخزانة كي يخرج ملابس ويبدل ثيابه.
دخلت خلفه وقالت:
_ ناس صحابك مين؟
_ هاني وناس تانيه من الشركة، جمعتهم في شقة هاني وقولتلهم اي حد فيكم يعرف اي معلومات توصلني بالكلب دا، يقولي.. صحاب بقا ليه.. معارف، اي حاجة، هما شغالين معانا في الشركة بردو وعارفين عز وعارفين صحابه ومعارفه، علشان هدور عندهم هما كمان.
انتهى من تبديل ملابسه وجلس على الكرسي، في لحظة صمت، يستريح.
قالت له في ابتسامة:
_ خير ان شاء الله.. قريب هتوصل لها...
صمت ثوان تفكر، ثم اضافت:
_ انا ممكن أعمل حاجة بردو كمساعدة صغيرة ليك
_ إيه؟
_ يعني، ممكن اتصل بأمن القصر عندنا يشوفولي رجلين كدا زي بادي جارد، يدوروا بردو ويساعدونا، بدل ما انت مش ملاحق كدا.. شغل وبيت ومسؤولية واختك كمان!
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ شوفي واهم حاجة تبلغيني قبل اي اتفاق، هياخدوا كام
_ ما ياخدوا اللي ياخدوه يا حبيبي.. دي هدية مني ليك... انا هحاسب
زفر في ضيق ثم قال:
_ لا، مش هسمح بكدا
_ يا شهاب، انا مراتك وانا وانت واحد و...
رد في نبرة قطعية واضحة:
_ لا يا ماهي لا قلت، مش هسمح لك تدفعيلي مبلغ كبير زي دا...انتي قوليلي هياخدوا كام ولو على قد مقدرتي هدفع، ولو لا، خلاص.
_ شايف فيه فرق بيني وبينك يعني!
_ ماهي ارجوكي متضايقنيش.. فلوس منك مش هاخد
_ لا خلاص متدايقش كدا براحتك
قام من مكانه وسار حتى وقف أمام البنطلون المعلق على الشماعة، واخرج من جيبه المحفظة ثم أخرج مال وعدّهم وبعدها اتجه صوبها وقال وهو يمد يده لها بالمبلغ:
_ خدي دول
_ إيه دول؟
_ دول فلوس الاسبوع، للبيت.. ودول فلوس ليكي علشان لو احتاجتي تجيبي حاجة.. ومن ضمنهم فيه فلوس الدكتورة اللي بتابعي معاها
ابتسمت ومدت يدها لتأخذ منه المال، ثم قالت:
_ على فكرة مش عيب اني أشارك.. انا بشتغل
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا، فلوسك تخصك وبس، انا عمري ما هقبل ان مراتي تصرف عليا وعلى بيتي، مفيش راجل محترم ممكن يقبل على نفسه كدا، وقريب شقتي هترجع وهنعيش فيها، مش هنفضل في شقتك كتير، انا هنا الراجل وانا هنا المسؤول
ابتسمت ابتسامة واسعة وحاوطت خصره بذراعيها، ثم ردت وهي تنظر إلى عيناه مباشرة:
_ طبعا يا حبيبي، انت الراجل وسيد الرجالة كمان.. وحقك عليا لو كنت دايقتك قبل كدا بالموضوع دا.
_ حصل خير
ثم وضع وجهها بين كفيه وتابع في ابتسامة:
_ المهم انك تفهمي ان انتي وابني وبيتي تحت مسؤوليتي انا، ومهم بردو انك اتعلمتي الفرق، بين أما تقللي مني ومن انك تشوفيني كبير في عينك، لان انا كدا كدا كبير وبلا شك.. بس الفترة اللي فاتت ماكنتش عايز اوريكي دا، لا كنت عايز اوريكي اني مسؤول ولا كنت عايز اوريكي اني اليق بيكي وبيتك، يعني من الآخر كله بمزاجي
تنهدت ثم قبّلت باطن يده الموضوعة على وجهها ثم ردت في ابتسامة هادئة:
_ انت بالنسبالي، راجلي وحبيبي وجوزي وابو ابني وكل ماليا.. انت بالنسبالي كامل من كل حاجة.. سواء قوامة، او صفات جميلة اي بنت تتمناها في شريكها، بحمد ربنا انه جعلني من نصيبك لانه أكيد بيحبني علشان يديني راجل زيك، راجل بكل ما تحمله الكلمة.
ابتسم لها ورد:
_ للدرجادي؟ للدرجادي بتحبيني؟
_ واكتر من الدرجادي، انت مش شايف نفسك! انت الف مين تتمناك بس الحمدلله انك طلعت من نصيبي...
اضافت وهي تتدلل عليه وتضمه إليها أكثر:
_ يا واد دا من كتر حلاوتك وكاريزمتك الطاغية وتُقلك، كنت بتجنني.. احيانا بحس اني عايزة اربطك جمبي في السرير، لا تروح هنا ولا هنا، وقتك كله يبقى ليا وبس، ومحدش يشوفك غيري ولا يقابلك غيري، وبالذات البنات بقا
كان يبتسم ولكنه تذكر ألمًا أصابه في قلبه ونعزة مفاجئة عندما سمعها تلك بمثل تلك الكلمات، وشرد يتذكر....
قبل سنة:
كانت هانيا تضمه إليها مثلما تضمه ماهي هكذا.. وتذكر كلماتها جيدًا والموقف كله:
كانت تبتسم له وتنظر إلى عيناه وتقول:
_ عملت إيه في حياتي علشان ربنا يبعت لي راجل زيك، يحبني كل الحب دا؟ محظوظة أنا موت
ابتسم ورد:
_ لا، انا اللي محظوظ موت، انك في حياتي.. انتي متعرفيش انا بحبك قد إيه.
ردت وهي تداعب خصلات شعره الأمامية:
_ عارف جاي على بالي اعمل إيه أما نتجوز؟
_ إيه؟
_ احبسك في البيت لا تروح هنا ولا هنا ولا تقابل حد خالص ولا يكون وقتك رايح لحد غيري... تقبل أقيدك يا مستر شهاب؟
لا تقولي قهوة ولا صحابي ولا الكلام دا، موافق؟
رد وهو يضع بضع من خصلات شعرها خلف أذنها:
_ مفيش اوبشن ارفض أصلا.. بقا حد يسيب العيون دي وحضنك دا، ويروح يقعد على القهاوي مع العيال الصيّع دول!
مستحيل طبعا
ردت في ابتسامة واسعة:
_ يعني موافق تتقيد؟
_ وبكامل رضايا... انتي تعملي اللي انتي عايزاه، تقيديني، تحبسيني، تولعي فيا، براحتك.. انا كلي ليكي انتي لوحدك
ابتسمت بشكل أوسع ثم وضعت قبلة صغيرة على خده، فأغمض عيناه ورد في فرحة:
_ الله.. الله
وخرج عن شروده بعدما استوعب ان تلك التي في حضنه، زوجته ماهي وليست حبيبته هانيا، وكانت الفتاة حينها تضع رأسها على صدره تبتسم بشكل واسع والفرحة تغمرها، بينما تضمه وذلك نتيجة لشعورها بضمه لها بشدة لأول مرة، ولا تدري انه شرد وتذكر غيرها حينئذ...
ابتعد عنها وتمتم:
" هتنسى يا شهاب، هتنسى، هتنسى.."
تعجبت الفتاة وعليه قالت:
_ إيه؟
_ ولا حاجة.. أأأأأ... جوعت بس، عاملنا عشا بقا ولا انام جعان؟!
_ ودي تيجي يا روحي! حالا هروح احط الأكل على السفرة، هو جاهز اصلا
وبالفعل جهزت الطعام على السفرة وبدآ يأكلان معًا، كانت تبتسم وتضع الطعام في فمه، وكان الآخر يلتقطه بشفتيه في ابتسامة خفيفة ثم بدأ يضع الطعام داخل فمها هو الآخر.
وقال أثناء الأكل:
_ اتعلمتي تعملي أكل؟
هزت رأسها نافية، ثم ردت:
_ بحاول لسه، يدوب بعرف اعمل حاجات على قدي جدا، بس بتعلم.. الأكل بجيبه جاهز او بطلبه من القصر
_ بفلوس مين بتجيبهم من القصر، ابوكي؟
سكتت ولم ترد، فتابع:
_ لا يا ماهي قلنا، حاسبيهم على الأكل دا، انا مش حابب كدا
_ حاضر حاضر، بعد كدا هعمل كدا والله
وفي تلك الأثناء، صدح صوت هاتفها، وكان موضوعًا بجانبها على السفرة، وباصبعها حتى لا يتسخ الهاتف، استقبلت المكالمة ثم فتحت مكبر الصوت وقالت:
_ إيه يا منى
_ إيه يا ماهي عاملة إيه؟
_ بخير يا قلبي وانتي إيه اخبارك؟
_ فل، حبيت افكرك بكرة متنسيش، عيد ميلادي ولازم تيجي، كفاية اني هسكت ومش هطلب منك تيجي من اول اليوم بسبب شغلك، حاولي متتأخريش بكرة بقا
شعرت الفتاة بالخجل من زوجها، السامع لتلك المكالمة، ثم ردت في نبرة مهزوزة:
_ آآآآآآآآ بصي يا منى، هحاول هحاول
_ ايه هحاول دي؟ لا طبعا مفيهاش نقاش، أنا...
غلقت المكبر ثم أخذت الهاتف وابتعدت عنه... دقائق وعادت بعدما انهت المكالمة وجلست مكانها مرة أخرى صامتة، ولاحظ هو ذلك وعليه قال:
_ على فكرة، تقدري تروحي عيد ميلاد منى بكرة عادي.. انا عارف منى بالنسبالك إيه
_ بس... بس انت يعني.. وعد و..
_ لا عادي روحي انا اللي بقولك روحي ومش زعلان.. مرواحك العيد ميلاد او لا، مش هيرجع وعد يعني!
علشان كدا بقولك روحي. وانا والله ما زعلان
ابتسمت وهزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ ربنا يخليك ليا يا روحي، ويرجع لنا وعد على خير يارب
_ آمين..
************
فتح باسم، باب شقته، استجابة لدقات الباب، فوجد الطارق، أخته والتي كانت غاضبة للغاية.
وبمجرد أن فتح لها، دخلت فورًا ومعها حقيبة بها ملابسها.
غلق الباب وقال متعجبًا:
_ إيه يا تالية خير؟
وضعت الحقيية جانبًا ثم جلست على الكرسي وردت:
_ هقعد عندك شوية
عقد حاجبيه في استغراب ورد وهو ينظر إلى حالتها وإلى حقيية الملابس ورد:
_ ليه خير؟ وبعدين مالك، شكلك عامل زي اللي غضبانة من جوزها ليه كدا؟
لو غضبانه من جوزك، فأحب افكرك ان دا بيت اخوكي مش بيت أبوكي!
زفرت في ضيق وردت:
_ افهم من كدا انك مش عايزني هنا؟
_ يعني هي دي اللي لفتت انتباهك، وملفتش انتباهك اني بقولك غضبانة من جوزك؟
انتي متجوزة عُرفي ولا إيه!
سكتت برهة... ثم ردت في برود:
_ جياد الزيني طردني من القصر..
ابتسمت ابتسامة بها السخرية وتابعت:
_ او بمعنى أصح هو طردني من كل حاجة وكل حتة في حياته... طردني من اوضته... طردني من شقته.. واخيرا من القصر وقبل كل دا، طردني من قلبه
هز رأسه بالسلب، ثم اتجه نحو الطاولة وجذب علبة المناديل الورقية ثم اقترب منها ومد لها يده وهو يقول:
_ خدي مناديل اهي، علشان وانتي بتعيطي بس، تمسحي دموعك وترميها فورا في الباسكيت، انا مبحبش القرف.
شدت العلبة منه في غيظ ووضعتها جوارها، جلس قبالتها وتابع:
_ قوليلي بقا يا ستي، جياد الزيني طردك من القصر ليه؟
هقدر استحمل القصة ولا هتأثر؟
_ مش فاهمة؟
_ يعني.. خايف تبقى القصة التي ابكت الملايين وانا قلبي رهيف وبتأثر بسهولة وبسرعة
_ اتريق اتريق، متبقاش باسم الا اما تتريق على مشاعر اي حد قدامك، مع ان ماما ماكنتش بتحضن غيرك أصلا!
_ لا متبقيش عيلة حقودة بقا، انتي جاية تفتكري تغيري مني بعد ٢٠ سنة!
وبعدين حضن ماما كان حضن مليان مصالح و سياسات، كانت بتحضني علشان اروح أأثر على بابا العار، واخليه يعملها اللي هي عايزاه، بما اني كنت الولد المدلل ليه.
ما علينا، قوليلي يلا القصة المؤثرة بتاعتك
_ مفيش حاجة، كل ما في الموضوع اني قولتله انت عديم الكرامة وقاعد مع واحدة بتحب غيرك
_ أوووه.. طبعا دوستي على الجرح اللي هو عاصر عليه ١٠٠ لمونة
_ بالظبط لانه قاهرني فعلا.
_ طبعا قاملك علشان يشطّفك
_ ايوة، غلط فيا وقالي لو عندك كرامة امشي، انتي بقيتي ضيف تقيل اوي ورخم علينا
تراجع إلى الخلف، فقد فقد حماسه لمتابعة القصة، ثم رد بعد حين:
_ بيتي مفتوحلك عامة، دي اوضة تقدري تقعدي فيها
انهى كلامه ثم نهض وبدأ يسير جهة الشاشة، فقالت:
_ إيه مش لاقي رد؟
_ لا مش لاقي.. انتي اللي سمحتي له يتكلم معاكي كدا.. من الأول كان لازم تاخدي بالك من كرامتك قبل ما تقولي لراجل يا عديم الكرامة.. قبل ما تتحدي راجل عامة.
جلس على الكرسي أمام الشاشة في الصالون الثاني وتابع:
_ واحدة قبلك، اتحدت راجل زيك كدا بردو مرة، واتعلمت درس صعب جدا، عمرها ما هتنساه
_ مين؟
نظر إليها بطرف عينه وابتسم ابتسامة جانبية ولم يرد.. بل بدأ يقلب بالريموت.
وقفت وصاحت في غضب:
_ ايا كان... عنه ما عازني طول العمر، بس و ديني لاسعى دايما اني اخليه حزين علطول، وقريب هقهر قلبه عليها، علشان يعرف يعني إيه قهرة قلب بجد
انهت كلامها ثم سارت مغاضبة نحو الغرفة ودخلتها ثم غلقت الباب خلفها بقوة.
تنهد هو وحدث نفسه في برود:
" أختي المجنونة "
***********
كانت عبير تقف أمام المرآة لا تصدق ما فعلاه ولديها بها، وخلفها تقف كلًا من حليمة وفاطيمة، وقالت الأولى:
_ متزعليش نفسك يا عبير هانم ولا يهمك.. مصير ولادك يفوقوا من السحر اللي معمول لهم دا
نظرت إليهما في المرآة ثم ردت:
_ بنات السلاب، خدوا مني عيالي خلاص يا حليمة
لترد عليها الأخرى:
_ لا لا متيأسيش كدا.. ولادك في غفلة بس، والبنات حلوة ومدلعة وليهم تأثير واضح على ولادك
استدارت لهما وقالت في ضيق:
_ والحل؟
دا مفيش كدا، والله فعلا ما فيه كدا.. عمرنا ما شفنا رجالة متمسكين بمرتاتهم كدا وعندهم استعداد يخسروا اي حاجة علشان خاطرهم، دا ايه هو دا؟
ردت فاطيمة في خبث:
_ ما انا سبق وقولتلك انه تأثير السحر الأسود اللي عملينه لعيالك، أصلها ملهاش تفسير منطقي غير كدا
_ طب والحل يا فاطيمة؟ انا لا ليا في جو الدجل ولا الشعوذة بتاع حورية دا والشيخ لو عرف اني هوبت ناحية الناس دي هيسود عيشتي
فردت حليمة:
_ انتي مين قالك بس انك هتهوبي ولا حد فينا هيهوب ناحية الناس دي؟
_ اومال؟
_ انا هفهمك
***********
كانت أسيل تجلس أمام المرآة تستعد للنوم، ترفع شعرها، تضع مرطباتها والسيرم الخاص بها وغيره من الأشياء.
بينما كان زوجها يجلس على السرير ويبدو أنه متوترًا قليلًا.
لاحظت ذلك هي عندما لفت انتباهها توتره في المرآة وعليه سألته:
_ يلا قولي عملت إيه وايه اللي حصل بسرعة
نظر إلى نظيرتها في المرآة، ثم رد وهو يهز رأسه بالسلب في قلق:
_ ما..مفيش حاجة
غلقت الزجاجة التي كانت في يدها، ثم تركتها جانبًا وقامت ثم سارت حتى وقفت قباله عند السرير وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ ما انت هتقولي يا حسان حصل ايه يعني هتقولي.. شكلك فيه حاجة، قولي يلا ومتخبيش عليا.. في إيه؟
قال لها في ايجاز ويهرب بعينيه منها:
_ هو..هو.. أنا هفتح مشتل وههتم بيه وهيكون دا مكان شغلي يعني.. مش هكمل شغل في الشركة لاني شايف انها مش مكان مناسب ليا
حدقت به بشكل كبير، ثم ردت في نبرة حادة:
_ انت اتجننت يا حسان؟
هبل ايه دا اللي بتقوله؟
مشتل ايه وقرف ايه؟
فوق لنفسك يا حسان علشان متعصبش
رد في نبرة متوترة:
_ أسيل أنا...
قاطعته وهي تميل برأسها جهة اذنه، كي يخرج الكلام إلى اذنه مباشرة:
_ اسمع يا حسان.. الفرصة الوحيدة اللي هتخليني اكمل الحياة دي معاك وان جوازنا يبقى حقيقي، هي انك تبقى مدير قسم زيك زي اخواتك.. غير كدا بقا طلقني وروح اعمل مشتل براحتك، وعيش عازب طول عمرك... لا هتبقى زوج ولا هتبقى اب ابدا
صاح في غضب ولكن نبرة صوته كانت مهزوزة نتيجة الخوف اثناء الصياح:
_ ليه لازم الشركة والشغل فيها واي شغل تاني مرفوض، ليه؟
نظرت إليه قليلًا.. ثم ردت في هدوء:
_ واحدة صاحبتي اتجوزت في بيت عايلة وجوزها كان عنده ٤ اخوات ولاد وهو الخامس.. كلهم كانوا عايشين غي نفس البيت الكبير كل واحد في شقته.
الكبير قوي ومتسلط، اللي بعده مسيطر ومهيمن واللي بعده فاهم وحكيم، واللي بعده كلمته مسموعة وليه احترامه... انما جوزها سلبي وشخصيته ضعيفة.
النتيجة كل سلفتها ليهم كلمة وقدر في البيت... أصلها مرات فلان، ماعدا هي.. هي اللي بقت مهزأة وسطهم... عندهم محل كبير وعماير.. اللي منهم بيقف في المحل واتعرف واتعمله سيط و اللي منهم بقا تاجر وبقا يأجر الشقق وبقوا ناس عقارية.. انما جوزها ساب كل دا وقرر يشتغل سباك لان دي الشغلانة اللي كان بيشتغلها وفاهمها زمان.
النتيجة مبقاش فاهم في شغل اخواته ابدا، وبقا ورثه اقل حاجة، واتقالت له، انت مكبرتش معانا الشغل ولا عملت حاجه علشان تاخد قدنا.. انت هتاخد نصيبك بس من البيع والشرا، انما الشغل والفلوس الكتير اللي بيدخلها، انت ملكش فيها حاجة.. ومحدش اتظلم غير صاحبتي وعيالها..
تنهدت وتابعت:
_ انا عمري ما هقبل اكون زي صاحبتي دي... ما شاء الله ابوك ممكن يكبر في شغله اكتر واكتر وانت مش هيطلع لك منه اي حاجة، ما انت مش بتشتغل فيه، يدوك منه فلوس ليه؟
اقعد بقا استنى بعد عمر طويل أما الشيخ يموت، ويا عالم هيرضوا يبيعوا ولا لا... ممكن يقولك لا، الشركة دي والقصر دا هيفضلوا موجودين ومش هنبيع.. ويبيعوا ليه مصدر رزق داخل لهم ومخليهم عايشين في الهنا؟
وانت بقا. ولا هتاخد اي حاجة لا دلوقتي ولا بعدين ولو قلت عايز ابيع هتكون لوحدك اللي بتتكلم وسط ٣ مش عايزين بيع.. وممكن يرمولك قرشين ويقولولك خد هو دا نصيبك من الشركات، احنا مش هنبيع واحنا اللي مشغلنهم، وأفضل انا وعيالك اقل وسطهم، ليه تعمل فينا كدا؟
سكت يفكر في كلامها ويعقله.. ثم رد:
_ بس اخواتي مش كدا.. اخواتي مش هيعملوا معايا كدا، هما عندهم ضمير و..
_ لو انت فاكر كدا وواثق اوي فأنا لا.. ولو اخواتك كويسين فعلا فمرتاتهم لا، مأثرين عليهم لدرجة صعبة.. اخواتك نسوان هما اللي ممشينهم، وهما بيكرهوني، مش بعيد يقولوا ليهم، متدوش حسان حاجة، حسان مش بيتعب في حاجة زيكم، وصدقني هيكون معاهم حق لو عملوا كدا... انا لو مكانهم هعمل كدا.. اصل ليه واحد قاعد على الجاهز ومش بيتعب في حاجة اديله فلوسي وتعبي اللي طالع لي من شغل طالع عيني فيه؟
خد فلوسك بقا من المشتل اللي ابوك هيساعدك فيه واللي هي ولا حاجة مقابل الفلوس اللي هيطلعوها هما من الشركات...
اضافت في نبرة حاسمة:
_ مش هقبل.. مش هقبل اكون انا وعيالي اقل من بنات السلاب وعيالها.. أنسى
ثم ابعدت الغطاء واستلقت على السرير وبدأت تغطي جسدها وقالت له أثناء فعلها ذلك:
_ فكر فيها بهدوء، هتلاقي اني معايا حق وسيبك بقا من شغل المسكنة اللي انت عايش فيه دا
ولت له ظهرها ونامت.. بينما هو ظل جالسًا يفكر في تلك المصيية وظل حيران ومتوتر أكثر من قبل...
*********
لم ترتح حتى بعدما اتفقت هي وهما في فعل ما يجب فعله ضد الفتيات.. ولهذا خرجت من الغرفة، في ضيق فكادت تشعر بالاختناق من الهواء حولها الموجود في الغرفة، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا عليها.
وأثناء نزولها على السلم، قابلت الخادمة وهي تصعد وتحمل صنية فوقها كوب من عصير البرتقال، وقفت واوقفتها ثم سألتها قائلة:
_ لمين العصير دا؟
_ دا لمدام كاميليا
تعجبت، أمازالت ابنتها هنا؟ لما؟
وعليه صعدت مرة أخرى وغيرت مسارها، واتجهت نحو غرفة كاميليا وطرقت الباب، سمحت لها الفتاة بالدخول، فدخلت وانتظرت حتى وضعت الخادمة الكوب على الطاولة وانصرفت.
فقالت لابنتها:
_ هو انتي هنا بتعملي ايه؟
انا اصلا ملاحظة ان بقالك بتاع كام يوم هنا، ليه؟
لحقتي تطفشي من جوزك؟ لحقتوا تزعلوا بعض؟
تنهدت الفتاة وفي هدوء اجابت:
_ انا وامجد قررنا نتطلق
ضربت السيدة صدرها شاهقة، ثم ردت في عدم تصديق:
_ لا، دا انتي شكلك اتجننتي على الأخر.. انتوا عايزين مني إيه؟ عايزين تشلوني ولا تجلطوني انتي واخواتك ولا عايزين إيه بالظبط؟
ثم صاحت وهي تحرك اصبعها بالسلب:
_ لا، اللي انتوا بتعملوه فيا دا لا يمكن ابدا، دا انا كنت مخنوقة في اوضتي، وخرجت اشم نفسي، تقومي تخنقيني اكتر؟
انسي الكلام دا والأفكار دي..
ثم تحركت جهة الباب كي تمشي، وهي تهمهم بكلمات كثيرة:
" انا تعبت منكم.. اما يجيلي ابوكم، خلاص هتجنن، هطق من جنابي من عمايلكم..."
وكلمات من هذا القبيل حتى خرجت وغلقت الباب خلفها بقوة.
تنهدت الفتاة ثم وضعت يدها على بطنها في حزن والضيق يشكل ملامح وجهها وقالت محدثة جنينها:
" حتى مسألتنيش ليه عايزة تطلقي ولا اهتمت... طول عمرها مش بتحب غير ولادها الصبيان.. وانا وماهي ولا اي حاجه بالنسبالها.."
ثم بدأت تلمس بطنها في حنان وتابعت:
" اوعدك لو طلعتي بنت، لاغرقك حنان وحب وأمان وهصاحبك وهحتويكي وهكون اول واحدة معاكي في اي مشكلة.. اوعدك عمري ما هكون ليكي زي عبير ابدا، اوعدك..."
**********
وللمرة الثانية على التوالي، يفتح باسم باب شقته، فيجد الطارق هذه المرة أمجد والذي ما ان فتح له حتى وجد علامات الضيق والحزن على وجهه، فقال له باسم:
_ حتى انت كمان يا أمجد؟
اتفضل في الانتريه
دخل الشاب، فنظر باسم إلى ساعة يده، فوجدها الواحدة بعد منتصف الليل، وعليه قال:
_ بيتي بقا مكان مفتوح للمطرودين، والمتجوزين الغضبانين كمان!
ثم غلق الباب وبدأ يسير نحو الداخل فوجد الشاب يجلس على الكرسي وهو يضع يده على خده، حزينًا، تنهد باسم، ثم جذب علبة المناديل الورقية واعطاها له وهو يقول:
_ خد هتحتاجها انت كمان.
أخذها منه، ثم جلس باسم ووضع ساق فوق الأخرى وقال له:
_ يلا يا أمجد، احكي لثرابي العايلة ايه اللي حصل؟
كاميليا مدت ايديها عليك؟
زفر الشاب في ضيق، ثم رد:
_ كاميليا عرفت الحقيقة
_ اي حقيقة بالظبط؟ انت مخبي بلاوي!
رد في صوت عالي نسبيًا:
_ ما تركز بقا يا باسم، اقصد حقيقة حبي لماهي.. عرفت الموضوع كله وطالبة الطلاق
_ طب وانت زعلان ليه؟ على أساس بتحبها اوي؟
هز رأسه نافيًا ثم قال في ضيق:
_ مش بحبها بس دا بيتي يعني! وبعدين شكلي ايه قصاد خالي وهعمل ايه مع ماما، دي ممكن تموت فيها لو عرفت ان كاميليا طالبة الطلاق، وخالي هيقلب عليا، هيقول أكيد اكتشفت خيانة ولا حاجة بالأخص انه هو عارف ان كاميليا عاقلة جدا، ومش هتاخد قرار زي دا إلا لسبب كبير
سكت باسم آسفًا عليه... فتابع أمجد:
_ الموضوع معقد صح؟
هز رأسه مؤكدًا ثم قال:
_ محتاج معجزة أصلا علشان تعرف ترجع تقنع كاميليا دي دماغها ناشفة واما بتصر على حاجة يلا السلام
_ لدرجة معجزة؟ الموضوع معقد جدا يعني؟
هز رأسه مؤكدًا ثم قال:
_ اه للأسف..
_ طب لو اتحل؟ لو كاميليا اقتنعت؟ لو سكتت وبطلت تقول هطلق ونسيت موضوع ماهي دا؟
تنهد باسم ورد:
_ هتبقى قصتك انت بقا، القصة بتاعت لا تخرج قبل ان تقول سبحان الله
زفر في ضيق ورد:
_ يظهر الحالة ميؤوس منها بقا!
_ بالظبط كدا، دورلك على كدبة تقولها لخالي، او حاول تقنع كاميليا بيك تاني مع اني اشك انه مستحيل تقبل بس حاول.. تشرب إيه بقا؟
تنهد ثم رد:
_ هات لي عصير مانجا يروق دمي
_ قاعد في كافتيريا انت ولا ايه.. معنديش إلا قهاوي ونسكافية وكابتشينو
_ اسبريسو
_ ماشي قوم اعملنا اتنين بقا
_ يا باسم انا اللي زعلان!
_ يا عم قوم انت هتعملي فيها روميو، انت اصلا مبتحبهاش، قوم اعمل الاسبريسو قوم وخلينا ندور على قصه تدخل دماغ خالك الرخم دا.
**********
وفي صباح اليوم التالي، داخل شركة الزيني.
دخل شهاب مكتب هانيا وهو يحمل ملفات في يده، انتبهت لدخوله، وأخذت تتنظر اقترابه لتعرف فيما أتى.
وقف أمام مكتبها وقال في ابتسامة خفيفة:
_ صباح الخير
_ صباح النور
_ اولا كنت حابب اقولك حمدلله على السلامة، قالولي انك كنتي غايبة الفترة اللي فاتت علشان عيانة.
ثانيا، كنت عايزك تبصي على إدارة الحملة الإعلانية دي وتقوليلي ايه رأيك في التصميم و المحتوى الاعلاني، علشان لو تمام اعتمد ونبدأ نحلل النتايج والتقارير
مدت يدها له كي يعطيها الملف وبالفعل أعطاها إياه ثم جلس.
بدأت تنظر في الأوراق وقالت:
_ تمام، هبص عليها شوية ولو تمام هبلغك ولو شايفة ان فيها تعديل بردو هبلغك.
وعقب انتهاء تكلمها، وجدته شاردًا لا يرد عليها، فعقدت حاجبيها في استغراب وتساءلت:
_ انت كويس؟
التفت إليها وقال:
_ معلش، قولتي ايه؟
_ بقولك انت كويس؟ فيه مشاكل في الشغل؟
هز رأسه نافيًا ثم قال:
_ لا الشغل تمام
_ اومال؟
نظر إليها وقال في استغراب:
_ على اساس هتسمعي؟
تنحنحت وردت:
_ هسمع، بس... بس لو الموضوع بيخصنا يعني فمن الأفضل انه...
قاطعها قائلًا:
_ متقلقيش مش يخصنا خالص، كدا كدا انا وعدتك اني مش هكون مصدر غتاتة عليكي تاني من اي نوع، فمش جاي اشيلك المهم ولا ادوشك بالموضوع اللي انتهى دا
_ تمام، تقدر تقولي مالك؟
سكت برهة... ثم رد:
_ وعد
_ مالها؟
تنهد تنهيدة طويلة ثم رد:
_ تقريبا كدا هربت مع عز.. مش عارف هربت ولا اتخطفت مش عارف
اختضت الفتاة مما تسمع وشعرت بالضيق حيال ذلك، وبدأت تفكر في الأمر لحظات... ثم ردت:
_ ايه اللي خلاك تقول كدا؟
_ سابت بوست على الفيس بوك مكتوب فيه انها هربت، بس انا مش مقتنع
تحركت بالكرسي مرة والتالية ثم قامت وبدأت تتحرك ناحية الطاولة اي مكانها لم تتحرك في المكتب نفسه.. بينما هو ابتسم ابتسامة عريضة ما إن أحس باهتمامها به وبأمره، فها هي تتحرك ذهابًا وايابًا تفكر في أمره.
توقفت لحظة ثم سألته:
_ آخر مرة كانت فين؟
رد في تلقائية:
_ كانت في الشركة!
_ طب ما تفرّغ كاميرات الشركة وتشوف تحركاتها وكمان شوف تحركاتها أما خرجت من الشركة، فيه كاميرات قدام الشركة، اهو على الأقل تشوف خارجة معاه ولا لا، هو خارج بعدها، خارج قبلها، شكلها وهي خارجة كان عامل ازاي وهو كمان، كدا يعني
ومن فرحته هو الآخر، وقف وقال في ابتسامة عريضة:
_ تصدقي صح؟ أنا راحت عن بالي الفكرة دي خالص، ازاي مجتش في بالي!
انا فعلا هعمل كدا و...
وقطع حديثه، دخول جياد المفاجئ والذي دخل عليهما وأخذ ينظر إليهما في تفحص وقال:
_ خير؟
لترد زوجته سريعًا:
_ إيه؟ بنشتغل! يعني جاي في شغل
نظر إلى حالهما، فهما واقفان، فلما؟ ثم علق في استغراب:
_ ودا شغل مستعجل ولا إيه؟
لترد زوجته في تعجب:
_ يعني إيه؟
_ اصلكم واقفين يعني.
تحرك حتى وقف قبالة شهاب وقال له وهو يضع يداه في جيبه:
_ لو جاي في شغل، يبقى تسألني أنا عن الشغل مش هي.. اصلا بقالها ٤ ايام غايبة والجديد عندي أنا
زفر شهاب في ضيق ثم قال له:
_ عايز إيه؟
نظر إليه وإلى طريقته الغير مهذبة بالنسبة له، كونه مديره، ثم قال:
_ استناني في مكتبي
تنهد الشاب ورد في غيظ:
_ مش هستناك.. مش هستناك في مكاتب يا جياد
وقف الشاب يستوعب ما قاله.. ثم علق:
_ نعم؟
يعني إيه مش هتستناني؟
_ يعني مش هستناك، أصلها ملهاش معاني كتيرة، هي ليها معنى واحد وبس، مش هستنى.. مش هروح على مكتبك ومش هتعامل معاك، منك لاختك، انتوا مديرين زي بعض... طالما هتشغل الشغل بكيفك بقا!
انهى كلامه ثم تحرك متجه نحو الخروج، فتحدث جياد في صوت عالي نسبيًا:
_ استنى عندك انا لسه بكلمك، انت عبيط ولا إيه؟
انت ازاي تسيب مديرك كدا بيتكلم وتمشي عادي!
وقف الشاب أمام الباب في استعداد لفتحه كي يخرج وقال:
_ مش هروح على مكتبك يا جياد، شوف بقا هتوديني على هناك ازاي.. جرجرني بقا
رد الآخر في نبرة صارمة قوية:
_ هتروح المكتب يا شهاب
ليرد الآخر عليه بنفس القوة:
_ مش هروح يا جياد، شوف أخرك إيه
أمسك بالمقبض وفتح الباب، فصاح جياد في غضب:
_ استنى عندك انا بتكلم!
صدقني لو مروحتش على مكتبي زي ما قولتلك، هرفع شكوى لرئيس مجلس الإدارة
فتح الشاب الباب بشكل أكبر، بشكل يساعده على الخروج ورد في ابتسامة صغيرة ساخرة:
_ ارفع شكوى.. ارفع شكوى زي ما انت عايز، ان شالله ترفعها للأم المتحدة بذات نفسها، مش هروح على مكتبك
ثم خرج وهو يهمهم بكلمات مثل هذه أثناء سيره:
" مادام هو بقا الشغل هنا كل واحد بمزاجه بقا، كل واحد بكيفه بقا.."
أخذ الآخر يسير بخطوات سريعة نحو الخروج، فعرقلت طريقه هي قائلة:
_ خلاص يا جياد، خلاص يا جياد سيبك منه بقا
_ استني يا هانيا
قالها وبدأ يتحرك محاولًا الافلات منها، فقالت:
_ جياد متعملش مشكلة علشان خاطري بلاش مشاكل
_ مس هعمل يا هانيا مشاكل متخافيش، ارجعي على شغلك عندك ضغط بسبب الغياب.
انهى كلامه وخرج على الفور هاربًا منها متجهًا نحو مكتب شهاب وهو يسير في خطوات سريعة مليئة بالغضب.
فتح باب المكتب بقوة، ثم دخل وغلق الباب بقوة أيضًا وقال له في غيظ:
_ هو أيه اللي انت بتعمله دا وايه الأسلوب دا وايه الردود دي انت عبيط؟ انت شغال عندنا يا بابا، شغال في شركتنا!
نظر إليه الشاب في قرف ثم رد:
_ انت مريض، وانا مش هرد عليك، هكتفي بأني ادعيلك ربنا يا يشفيك يا ياخدك
صاح الشاب حانكًا:
_ الزم حدك، انت بتكلم مديرك!
_ عايز إيه؟ مكتبك مش هروح عليه، شوف لك محتوى تاني بقا غير تكرار نفس الكلمات
_ انت في شغل هنا مش في بيتكم!
_ فكّر نفسك انت بالكلام دا الأول، انت أولى
رد في نبرة حادة جامدة:
_ ولا، ولا اتعدل بدل ما اعدلك، انا مدير القسم يا حيوان
ليرد الآخر في نفس النبرة:
_ ولو كنت حتى مدير الشركة كلها، بردو مش هدخل مكتبك، فهمت ولا انت ابعد ما تكون عن الكلمة دي؟
سكت يفكر ..فقد ضايقه للغاية وقال بشكل قطعي:
_ هجيهالك على بلاطة.. انت ملكش شغل مع هانيا تاني، فهمت؟
ابتسم الشاب ورد:
_ انت جاي تحقق أحلامك هنا ولا إيه؟
انسى، انا مش مصباح علاء الدين!
غاظه للغاية فقال في ضيق:
_ عمرك ما هتحس، مع انك دقت من نفس الكاس بس مش راضي تفهم، بني آدم غبي مبتتعلمش.. يعني المفروض بعد موضوع هروب اختك دا، تفهم بقا وتحس وتخلي عندك دم شوية.. تفهم يعني إيه شرفك زي اختك او مراتك يتلاعب بيه راجل تاني عديم الشرف و المروءة...
تنهد وتابع:
_ فاكر يا شهاب، أما حرضت مراتي عليا وخوّفتها وهددتها بانك هتنط لها كل شوية لو مقابلتكش في شقة صاحبتها وقابلتك فعلا، انا عرفت وسامحتها والموضوع عدى.. فاكر انت وقتها قولتلي إيه؟ فاكر حرقت دمي ازاي بالكلام؟
طبعا هتعمل نفسك مش فاكر.. بس عامة جالك اهو اللي يحرق دمك ويقهرك على اللي منك وياخد اختك يعني شرفك عنده، علشان يوريك ازاي تتلاعب بالشرف تاني.. ازاي تتلاعب ببنت تاني.. زي ما لعبت بأختي واتجوزتها علشان بردو تحرق دمي.
سكت برهة يتنفس... ثم اضاف:
_ اختي، اختي اللي انا مش عارف اتصرف معاك بشكل يليق بيك علشان أخلص منك.. اختي اللي انت ماسكني منها وبتستغل انها بتحبك.. اختي اللي مخلياك عارف وقادر تتكلم معايا بالشكل دا وتقل مني وانا مديرك لانك واثق إني مش هعرف اطردك.. جيه اللي خد اختك منك وعرّفك يعني ايه تبقى قاعد متكتف ومش عارف تعمل إيه، فهمت؟
اصله هو كأس واحد وكلنا هندوق منه بالدور وجيه دورك اخيرا!
كان الآخر هادئًا للغاية رغم البركان الداخلي... ورد في هدوء متصنع إلى حد ما ثم تنهد وقال وهو يقف:
_ انا بس عايز أعرّفك على حاجة يا جياد، جايز انت مش واخد بالك منها او عامل نفسك مش واخد بالك... أنا مش مدايق.. مش مدايق ولا ندمان على أي حاجة عملتها، ومش واخدها بمبدأ كما تدين تدان، لان لو ربنا شايف اني غلطت، يبقى هينتقم مني انا مش من اختي اللي ملهاش ذنب.
تنهد ثم اضاف في نفس النبرة:
_ وكونك بقا جاي تشمت فيا، خليني افكرك بردو بنقطة كويسة جدا تقريبا عامل نفسك نسيتها... هانيا عمرها ما هتحبك يا جياد..عمرها..
ثم تابع بنبرة بها السخرية واضحة:
خبر مؤسف لجياد.. جياد الزيني عمره ما هيمتلك قلب هانيا السلاب في يوم من الأيام.
هانيا محبتش غير انسان واحد بس في الدنيا كلها، وهو أنا.. شهاب مظهر، عمرها ما هتحبك ولا عمرها هتشوفك.. انت غير مرئي بالنسبة لها، انت مجرد واحد فارض نفسه عليها
ابتسم الآخر متصنعًا البرود التام ورد:
_ مش هتعرف تستفزني المرادي لا.. زمان كان ممكن كلام زي دا يأثر فيا، انما النهاردة لا، لان الحقيقة خلاص شفتها بعيني، هانيا بتحبني فعلا واختارتني وقررت تكمل معايا رغم كل حاجة حصلت.
_ بتحبك! ...
رد ساخرًا ثم اضاف:
_ انت مصدق نفسك ولا إيه، هتكدب الكدبة وهتصدقها كمان؟
_ انت شكلك اللي عايز تفضل عايش في الوهم وفاكر انها لسه هانيا اللي عرفتها وكانت بتكدب عليك وتقولك بحبك... بس مع اقل ضغطة من ابوها، رمتك ومبتصتش وراها.
سكت برهة... ثم رد:
_ يا جياد، هانيا اتجبرت عليك ومنعتك عنها اربع شهور ولولا كلاحتك وتهديداتك ليها المستمرة ماكنتش هتعرف تلمس منها شعرة، انا اللي ساعدتك يا ابني، هي فقدت الامل فيا اما شافتني اتجوزت غيرها واما كنت مصدر ضغط عليها، فبدأت تهرب مني لانها خايفة من كلام الناس.. اشكرني، اديتك فرصة تعيش الوهم وتصدق فيها ان هانيا بتحبك.
تنهد وتنهيدة طويلة ثم تابع كأنه يتحدث عن شئ مجرد تحصيل حاصل:
_ انت بالنسبالها يا جياد، الخيار الوحيد الموجود، هي معاك علشان انا مش موجود.. علشان انا بعيد وقررت افضل مع مراتي وبيتي.. انت بالنسبالها خيار اجباري، انت اجبرت نفسك عليها، ومحيطك كلاب الفلوس كلهم، ساعدوك واجبروها عليك.
اضاف في ابتسامة استفزازية:
_ هانيا قاعدة معاك، لان انا سبتها ووسعت لها ووعدتها بأني مش هاجي جمبها تاني.
عمرك ما هتفهم هانيا، عمرك ما هتعرف إيه اللي بتفكر فيه، عمرك ما هتحصل على قلبها ابدا
بدأت اعصابه تنفلت والحرارة تسري في دمه والغضب يشكل ملامح وجهه، ولكنه حافظ على هدوء اعصابه رغم ذلك ورد:
_ المتوقع من انسان وسخ زيك، انه يتكلم عن واحدة متجوزة قدام جوزها بالشكل دا.. انا أكيد مش هتمادى في الحوار دا معاك، مش هتوسّخ زيك واتكلم معاك عن مراتي اللي هي شرفي واقولك بنعمل إيه مثلا مع بعض علشان تصدق انها بتحبني وان انت اللي بقيت وهم بالنسبالها.
الزم حدك!
هز رأسه رافضًا ثم رد في ابتسامة:
_ لا يا حبيبي انا مليش حدود الزمها، انا بس حبيت اقولك حقيقة عايز بقى تصدقها، صدق مش عايز انت حر... هانيا مش بتحبك ولا هتحبك، هانيا محبتش غيري ولا هتحب غيري.
بقالك ٦ شهور متجوزها، وعمرها ما عملت لك مفاجأة، عمرها ما بادرت بحاجة، عمرها ما عبرت عن حبها ليك، عمرها ما كانت طفلة معاك بتجري وبتلعب، ولا عمرها قالت لك كلمة حلوة حتى.. مستحيل مش بتحبك افهمها بقا افهم، هي معاك عايشة جسد بلا روح، متقبلة الأمر الواقع وبتمشي حياتها، انما هانيا منطفية، هانيا فاقدة الشغف في الحياة من ساعة ما اتجوزتك دمعتها حتى مانشفتش من على خدها.
تنهد ثم اضاف في قوة وثبات وثقة:
_انما انا، تعالى شوف او تعالى احكيلك كانت معايا عاملة ازاي..
بدأ يعدد له على اصابعه:
_ سنتين ونص مغرقاني حب واهتمام و مفاجآت وخروجات ولمسات وقرب وسهر وكلام واحضان.
انا اللي اعرف كل حاجة عن هانيا، انا اعرف حاجات عنها، انت متعرفهاش ولا عمرك هتعرفها، حاجات هي نفسها متعرفهاش عن نفسها، انا اللي عارف بتحب ايه وبتكره إيه و بتفضل ايه وبتفكر في إيه ونفسها في إيه وعايزة ايه...
إلى هنا و انتهت كل محاولات التماسك والسيطرة وضبط النفس، استطاع أن يستفزة بدرجة صعبة لدرجة جعله يصرخ في غضب:
_ أخرس...أخرس بقولك أخرس، اقفل بؤك دا اقفله، أخرس بدل ما اجي اقطع لسانك أخرس...
ثم تنهد في صعوبة وهو يلتقط أنفاسه وتابع في نفس النبرة:
_ انت بتتكلم عن مراتي يا حيوان يا وسخ يا حقير، بتتكلم عن شرفي وعرضي...
هدأ قليلًا ثم أضاف في نبرة حادة مليئة بالغضب ولكنها لم تكن عالية كالاولى:
_ انت بتتكلم عن ست اسمها مكتوب على اسمي، ست تخصني...
سكت برهة.. ثم اضاف:
_ انت انسان سافل، وقذر علشان تتكلم معايا في موضوع زي دا بالشكل دا وتتكلم عن مراتي كدا قدامي، ولا محترم انك جوز اختي وهتبقى ابو ابنها المفروض..
بدأ يهدأ أكثر فأكثر وهو يذكر نفسه " اهدى يا جياد، اهدى مينفعش يستفزك اهدى.."
ثم اضاف نبرة مليئة بالغضب المخنوق يود قتله:
_ كلامك في الهوا، هانيا اسمها على اسمي وسريرها سريري.. مراتي أنا، مراتي أنا، فاهم؟
انهى كلامه واستدار كي يذهب فقد استطاع أن يحرق دمه بجدارة لذا قرر ان يرحل بدلًا من أن يبرحه ضربًا او يصبح اليوم قاتل، ولكن اثناء ذهابه، سمعه يقول له في نبرة صوت مليئة بالسخرية:
_ هيفيد بإيه سريرها، سريرك دا، وهي بتديك ضهرها ومنعاك عنها؟
مما جعله يلتفت له سريعًا ويركض جهته كي يضربه ولكن في نفس الوقت دخلت هانيا، فمنع نفسه بأعجوبة من ألا يضربه أمامها حتى لا يظهر دائمًا أمامها بصورة الرجل الهمجي، ولكنها قد لاحظت غضبه الواضح وقربه من شهاب ويده التي كانت بالكاد مرفوعة كي تنال منه.
قالت في استغراب وخوف:
_ في إيه؟
تنهد زوجها، وبدأ يتراجع قليلًا واتجه نحوها ورد في ابتسامة:
_ مفيش حاجة، إيه اللي جابك هنا؟
_ كنت عايزاك.. بقالي كتير مستنياك في مكتبك
_ طب روحي على مكتبك دلوقتي وانا جاي وراكي
_ لا، اخرج يلا معايا، سيبك منه يلا
نظر إليه نظرة اشمئزاز وكان الآخر يقف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره وقال:
_ ايوا اخرج معاها احسن، مش ضامن الشيخ المرادي ممكن يديك كام قلم على وشك بسببي!
ردت عليه هانيا في ضيق:
_ اسكت لو سمحت
ابتسم ورد:
_ حاضر، اهو سكت
اضافت محدثة زوجها:
_ يلا يا جياد معايا لو سمحت
طالعه من أعلى إلى أسفل بنظرة مليئة بالتوعد.. ثم خرج معها، قال وهما في الطرقة:
_ روحي على مكتبك دلوقتي وانا شوية وهجيلك
_ متروحش عنده
رد في ضيق:
_ مش هتنيل اروح عنده، انا رايح مكتبي
انهى كلامه وبالفعل سار خطوات سريعة بها الغضب والضيق حتى دخل مكتبه
*********
وداخل مكتب فاتح، دخلت له منى بعدما أذن لها، وبمجرد أن رآها ابتسم وقال لها في ترحيب:
_ منى ازيك
لترد في ابتسامة واسعة:
_ مفاجأة مش كدا!
نهض ومد لها يده كي يصافحها وهو يقول:
_ بس مفاجأة حلوة الصراحة
صافحته وهي تقول:
_ عامل إيه؟
_ كله حلو وانتي إيه اخبارك؟
_ كله جميل
_ اتفضلي
جلست ثم وضعت ساق فوق الأخرى وقال لها:
_ تشربي إيه؟
_ ولا حاجة صدقني ورايا لسه لف قد كدا، مرة تانية
_ ينفع كدا!
_ معلش مرة تانية
_ براحتك.. اؤمري
_ عيد ميلادي النهاردة بليل وهزعل لو مجتش بجد، عارفة اني عزمتك قبلها علطول بس معلش كنت مسحولة في كذا حاجة ومحبتش اعزمكم تليفون، قلت اجي بنفسي
ثم أخرجت من الحقيية، كروت دعوة وقالت:
_ اتفضل دي ال invitation card
أخذها منها ورد في ابتسامة:
_ اولا كل سنة وانتي طيبة، ثانيا، هشوف والله مواعيدي، انتي عارفة كويس اني ملتزم بمواعيد كتيرة والموضوع جيه فجأة
_ تمام شوف بس حاول بكل الطرق تيجي، هفرح جدا جدا
_ ان شاء الله
نهضت ثم قالت له:
_ يلا همشي انا، عايز حاجه؟
_ ميرسي، باي
وأثناء ذهابها، قال لها وعليه توقفت:
_ اقدر اجيب معايا مايا ولا صعب؟
هزت رأسها مؤكدة وردت:
_ اه اه تقدر طبعا تجيبها، هتنوروني
_ تمام شكرا
_ العفو، مستنياكم
*************
وداخل مكتبه كان يتحرك ذهابًا وايابًا وفكل أركان المكتب، يشعر بنيران مشتعلة في قلبه، يتذكر تلك الكلمات التي ترفض الخروج من رأسه
" انا اللي اعرف هانيا اكتر منك.. جربت معاها لمسات قرب، أحضان وغيره.. "
كانت تلك الكلمات تتردد على مسمعه في كل ثانية، يغار عليها.. يغار عليها منه وبشدة، يغار من ذكر اسمها على لسانه حتى.
وها هي اشتعلت نيران الغيرة في قلبه ولا يجد لها مطفئًا.
وفي نفس الوقت، دخلت السكرتارية الخاصة به وهي تقول له:
_ مستر جياد، جاتلك ال invitation دي من واحدة اسمها منى وسابتها أما قولتلها انك مش موجود
شدها منها ثم اشار لها بعينه كي تخرج، خرجت الفتاة متعجبة من حاله، وبمجرد خروجها فتح الدعوة فعلم انها دعوة عيد ميلاد ولكن من شدة غضبه، قطّعها إلى ثلاثمائة قطعة والقاهم على الأرض.
وفي نفس الوقت، دخل عليه يزيد وهو يقول في ابتسامة:
_ ايه يا عم، هتروح عيد ميلاد منى ولا إيه؟
انا لسه بصراحة بفكر وكدا
وما إن وجده خارج المزاج تمامًا والغضب يكسو ملامح وجهه، قال في استغراب:
_ في إيه يا جياد مالك؟
ضرب الشاب بقدمه الأرض ورد عليه في غيظ:
_ كله من ماهي، آه منها ماهي آه
_ عملت إيه ماهي بس!
رد في صوت عالي:
_ هي اللي راحت اتجوزت جربوع وخلته يقعد علينا ويدلدل رجله ومحدش يقوله تلت التلاته كام
_ عمل إيه شهاب؟
رد في عصبية لا يهدأ:
_ تخيل الواطي الزبالة، اقوله روح على مكتبي انا مديرك، يقولي لا مش رايح واعلى ما خيلك اركبه؟
اقوله انا مديرك، يقولي منك لاختك مش هتعامل معاك، اللي هو بروح أمك، هو الموضوع بمزاحك؟
عايزك انا في مكتبي احب فيك يعني؟
ماهو شغل! انا عايزك في شغل، هعوز من خلقتك إيه تاني يعني!
تنهد وتابع:
_ عمال يقل أدبه ويغلط فيا ويتكلم عن ماضيه مع مراتي علشان يحرق دمي، وبقا حاجة لا تحتمل شهاب دا، بقا لا يحتمل..
ومع نطق آخر كلمة، طاح بيده الكوب من فوق المكتب، فوقع فورًا وتهشم إلى أجزاء صغيرة.
نظر يزيد إلى تلك الحالة الجنونية التي اصابت أخيه وقال:
_ طب اهدى طيب.. اهدى ومتعصبش نفسك كدا بالله عليك
ولاه ظهره وقال وهو يتنفس في صوت عالي:
_ سبني يا يزيد شوية مع نفسي دلوقتي
_ بس يا جياد..
رد في صوت عالي حاد:
_ يزيد سبني لوحدي دلوقتي سبني، مش عايز اسمع حاجة خالص انا دلوقتي
لم يجد الشاب أي خيار آخر سوى أن يذهب ويدعه وشأنه الآن حتى يهدأ.
وبعدما خرج... بدأ الشاب يتنفس وصدره يعلو ويهبط من شدة العصبية ثم حدث نفسه في صوت مسموع:
" أنسى يا شهاب.. مش هخليك تدمر حياتي وتأثر على الفرصة اللي واخدها مع هانيا.. صدقني ما هخليك تشتغل معاها.. والله ما هسكت، والله لاخليك تحلم بس انك تلمح خيالها، خيالها وبس، حتى خيالها هحرّمه عليك يا قذر.."
ثم أخذ يفكر ليجد طريقة تمنع عمل شهاب مع هانيا.
*************
دخل يزيد، مكتب شهاب فوجده يأكل، فقد حان موعد الاستراحة.
غلق الباب ثم تحدث في ضيق:
_ ليه تتكلم مع جياد بالاسلوب دا؟ انت ناسي انه مديرك؟
رد الشاب في هدوء:
_ مديري مش عايزني اطبق قوانين الشركة وبيتكلم في اللامهنية، لازم مسمعش كلامه طبعا.. كل تاسكاتي مع هانيا اساسا ومفيش سبب منطقي ولا مهني يخليه يرفض شغلي معاها لأني معملتش حاجه غلط ولا تخطيت حدودي في اي حاجة، وانا بصراحة مسمعتش كلامه لاني شفته بيتكلم كراجل غيور مش مدير بتاع شغل واحنا في شركة كبيرة محترمه مش في مكان تحت بير السلم.. ولو المدير بقا غيران على مراته اوي من الرجالة، ميشغلهاش، يقعدها في البيت، إنما..
قاطعه يزيد قائلًا:
_ انا وانت عارفين ليه جياد عمل كدا .. هو مدير القسم وليه وجهة نظر، انت وهانيا كنتوا في علاقة عاطفية قبل كدا ودا ممكن يأثر على جودة الشغل، طالما هو شايف كدا، يبقى دا الانسب، دايما المدير ليه وجهة نظر
_ لا الشغل بيني وبين هانيا مش مأثر على جودة الشغل ولا حاجة... مأثر على غرور وكبرياء المدير، ودي حاجة غير مهنية بالمرة، هو معندوش ضبط نفس ودا مينفعش يكون ناقص عند مدير كبير زيه في شركة محترمة.
اخوك شغال بمشاعره وهنا مفيش إلا شغل وبس.
مكتوب في لوايح عملي، ان شغلي كله مع مديرة أعمال جياد، اللي هي هانيا السلاب.. فمش من حق جياد يجي مرة واحدة يقولي يلا على مكتبي ويسحبني من عملي لمجرد انه غيران مني؟
احنا مش قاعدين على مصطبة، احنا بنشتغل جوا شركة ماشية بنظام ومعايير مش بأهواء شخصية من المديرين!
تنهد يزيد ثم رد:
_ عمال تأذي نفسك يا شهاب وخلاص.. احترم انك متجوز اختنا حتى، اعتبر ان تقليل الاحتكاك بينك وبين هانيا هيساعدكم تكونوا أحسن، انت قريب هيجيلك ابن وانتبه لحياتك بقا واحترمنا واحترم مراتك.
قريب هيفوت الأوان وهتلاقي ماهي فقدت صبرها وهتترمي في الشارع طب ليه؟
ما انت مدير أعمال اهو ومتجوز جوازة ماكنتش تحلم بيها، وهتخلف قريب... انتبه لكل النعم دي وبطل عِند وكِبر.
صبرنا لو نفد، هتزعل مننا، واختي مش لعبة في ايدك علشان تفضل تستغل فيها كدا، وانك تجيب سيرة هانيا قصاد جياد علشان تحرق دمه، دي حاجة ميعملهاش إلا راجل خسيس عديم المروءة.
انهى كلامه وبدأ يسير نحو الخروج، فقال شهاب في ضيق ردًا عليه:
_ صدقني عديم المرءوة والخسيس دا يبقى اخوك محدش تاني.. وكل كلامي دا لو ماكنش صح، ماكنش زمانه اتأثر بيه.. بس هو اللي مُصر يفضل متجوز من واحدة مش بتحبه، يعني مش بس خسيس وعديم المروءة، لا دا عديم الكرامة كمان.
فتح يزيد الباب، ثم نظر إليه في ضيق وقال:
_ معنديش وقت أقل أدبي واغلط.
ثم ذهب.. تمتم شهاب:
" جتكم القرف كلكم شبه بعض "
*********
دخل جياد، مكتب مجدي بعدما سمح له، فقال الرجل في ابتسامة:
_ تعالى يا جياد، المكتب نوّر
سار الشاب حتى جلس قبالته وقال:
_ عامل إيه يا عمي؟
_ الحمدلله تمام... وانت إيه اخبارك؟
_ مدايق والله يا عمي
_ ليه بس في إيه؟
_ شهاب الزفت، عمال يرخم عليا وانا مش عايز اقتله وادخل فيه السجن
_ هبب إيه تاني؟
_ شغله كتير مع هانيا وانا بتكهرب أما بشوفه معاها، وخايف لانه بيأثر عليها جدا... خايف يكون معاها بجحة الشغل ويقعد يعمل فتن زي عوايده ويخليها تتقلب عليا وتشوفني وحش كاسر زي ما بيصورني دايما ليها...
تنهد ثم تابع:
_ يا عمي أنا عايز علاقتي بهانيا تتحسن بقا دي فرصتي الوحيدة.. وهو الكلب دا قعد يقولي النهاردة أنه هي معايا علشان هو مش موجود انما لو بقى موجود هتختاره... انا من حقي اخد فرصتي الأخيرة وهو مش في الصورة نهائي ولا بيشوفها حتى
استنشق مجدي ثم زفر على مهل ورد:
_ هتعملها ازاي؟
متقدرتش تمنع هانيا من الشغل!
_ لا مش همنعها، انا جيلك علشان تلغي اي تاسكات بين شهاب وهانيا بصفتك مساعد رئيس مجلس الإدارة الأول والقرارات في ايدك... متنزلش تاسكات لشهاب مع هانيا تاني
_ ايوا بس التاسكات دي تروح فين؟
_ ليا كلها
_ ما انت عندك شغلك.. مش هيكون كتير كدا؟
_ كتير كتير ومش فارقة معايا، هشيل شغل إضافي ماشي، بس الكلب دا ملمحهوش عند مراتي تاني
_ استنى
قالها مجدي ثم نظر في الحاسوب الذي أمامه لحظات.. ثم تابع:
_ في تاسكات نزلت اوريدي، و شهاب عنده شغل مع هانيا لمدة أسبوع ومقدرش اغير في دا لانها اوريدي تاسكات نزلت وممكن هو يكون بدأ فيها فمش هيسكت لنا.. ممكن بعد ما تخلص التاسكات دي مش هنزل لهم تاسكات جديدة تجمعهم
سكت جياد يفكر... ثم قال:
_ قولتلي أسبوع!
هز رأسه مؤكدًا، ففكر الشاب مرة أخرى.. ثم رد:
_ بس انا مش عايزه يقابلها لمدة أسبوع كتير
_ أعمل إيه؟
بدأ يفرك أسفل ذقنه يفكر.... ثم قال:
_ ممكن ناخد أسبوع اجازة انا وهي؟
_ بمناسبة إيه؟
_ هانيا تعبانة نفسيا من بعد ما سقطت وانا هجيب روشتة من عند دكتور نفسي يثبت ان حالتها النفسيه مش أحسن حاجة، ولازم تقعد قصاد بحر، ولازم تسافر معايا لانها عايزاني لحد ما ترتاح نفسيا، وهتاخد أسبوع بس اجازة، ها هتتقبل؟
انا شايف انه منه تبعد عن الزفت دا أسبوع لحد ما شغلها معاه يخلص علشان ميفتحش بؤه، ومنها احنا الاتنين نسافر ونغير جو ونعيش لنا يومين مع بعض
سكت مجدي يفكر في كلامه.. ثم قال:
_ اه اجازتها هتتقبل، بس بلاش تخرجوا برا مصر، بحيث لو حصل اجتماع طارئ تقدر تنزل وتحضر، انت عارف اننا في موسم
_ متقلقش ماهي هتشيلني وانا هخلص شغلي اونلاين وهحضر اونلاين ومش هسيب شغلي يبوظ
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ تمام، هقدم لها على اجازة مَرَضية أسبوع
ابتسم الشاب ابتسامة عريضة ثم رد:
_ حبيب قلبي يا عمي تسلملي يا غالي، بموت فيك.
قدم لها على اجازة و خلينا نسافر في أسرع وقت، أما اشوف الجديد عند شهاب
_ تمام، هعمل كدا.. و بكرة فيه اجتماع ليكم انتوا الاربعة معايا علشان نوضح الأمور قصاد الكل
_ تمام
*************
وفي المساء مع تمام الساعة الثامنة، اتصلت روني على هانيا وهي تقود السيارة فقالت:
_ ايه يا هانيا فينك؟
_ انا خلاص داخلة على بيت معتصم اهو، جيالنا امتى انتي؟
_ لسه زي ما قولتلك، هعدي على نيرة الأول وبعدين هجيلكم علطول علشان نحكي لمعتصم بقا ويولع لي في باسم
_ تمام، يزيد جاي معاكي؟
_ لا طبعا يزيد عمره ما هيجي معايا عند نيرة ولا هيتكلم معاها حتى بعد اللي عملته.
قاعد بيجهز في البيت اهو علشان رايح عيد ميلاد منى
_ مروحتيش معاه ليه؟
_ لا انا معرفهاش، قولتله روح انت وانا هعمل زيارة لقرايبي ونيرة وتكون انت رجعت
_ طيب
ابتسمت روني وقالت:
_ شفتي، الصبح وعلى الغدا، عبير والعقارب راحوا كلوا بعيد عننا ازاي؟
عاملين مقموصين
_ أحسن يولعوا، برا الشيخ يرجع ونلاقيهم رجعوا تاني على السفرة زي الجزم
_ ايوا بقا يا هانيا يا جامدة.. شكلك هتشتغليلهم في الازرق الفترة الجاية
_ هما لسه شافوا مني حاجة!
دا انا هسويهم على الجانبين... يلا انا هقفل دلوقتي علشان وصلت اهو قدام بيت معتصم بالظبط
_ طيب تمام وانا كمان هقفل لاني وصلت بيت نيرة بردو، يلا سلام هخلص واجيلكم
_ اوكيه سلام
انهت روني معها المكالمة، ثم خرجت من السيارة بعدما صفتها أمام منزل نيرة وبدأت تسير حتى منزلها، وبمجرد أن وقفت أمام الباب، ضغطت على الجرس.. دقائق وفتحت لها والدة الفتاة فسألتها روني في ابتسامة:
_ مساء الخير يا طنط
_ مساء النور يا حبيبتي
_ يا ترى نيرة موجودة؟
_ اه يا حبيبتي اتفضلي
دخلت الفتاة وسارت بجانب السيدة حتى الصالون وعندها تفاجأت واختضت في نفس الوقت عندما رأت باسم يجلس مع نيرة والذي قال لها في ابتسامة بمجرد أن رآها :
_ روني، مرات ابن خالي الغالي، اهلا وسهلا، ليكي وحشة
بينما الفتاة تجمدت مكانها ولم تحرك ساكنًا، بل أخذت تبدل نظراتها بينهما في اندهاش.
************
كان جياد في غرفته ينظر إلى ساعة يده، يقول لنفسه:
" اهدى راحت تزور بنت خالتها مش أكتر وزمانها راجعة، مالك بتبقى مخنوق ومدايق ليه أما مش بتكون معاك؟
اما بتلاقي الاوضة فاضية وهي مش فيها؟ "
وفي تلك الأثناء، صدح صوت هاتفه، استقبل المكالمة والتي كانت مع أحد أفراد الأمن وقال في ايجاز بعدما سمع منه:
_ تمام نازل
وبالفعل نزل الدرج وسار في بهو القصر حتى خرج إلى الحديقة فقال له فرد الأمن:
_ دي تحاليل جتلك يا مستر جياد من المعمل
أخذها منه وبدأ يفتحها يحاول قرأتها فوجد ورقة مكتوبة باللغة الإنجليزية مكتوب بها ما تنص عليه التحاليل بالضبط... بدأ يقرأ ويقرأ وعيناه تتسع أكثر فأكثر في عدم استيعاب وخضة واندهاش، كل ذلك انتابه مرة واحدة.. وقال في ايجاز وبعدم تصديق:
" حشيش؟ لولي كانت واكلة علف محطوط فيه حشيش؟ "
وهكذا كُشِفَ السر وهكذا عرف ما سبب ألقاء زوجته من فوق ظهر الفرس وهكذا علم كيف قُتل طفله...
************
التعليق والفوت يا شباب، القراءة في صمت محبطة جدا، تاني اهو بفكركم
لقاؤنا يوم الجمعة
دمتم بخير
سلمى خالد احمد