تحميل رواية «ما بين الألف وكوز الذرة» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الاول * هام قبل القراءة* ( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني ) وتاني هقول رجاءً بلاش تحرقوا الأحداث اللي جاية في الفصول الاولى يا جماعة كده انتم بتفسدوا متعة...
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الاول 1 - بقلم رحمة نبيل
الاول
* هام قبل القراءة*
( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني )
وتاني هقول رجاءً بلاش تحرقوا الأحداث اللي جاية في الفصول الاولى يا جماعة كده انتم بتفسدوا متعة القراءة على البعض، رجاءًا محدش يجي من الفصول الجديدة ويعلق في القديمة باللي هيحصل قدام.
وصدقني اللي جاي هيكون قادر على سحبك لعالم تاني خالص فاترك نفسك للرحلة اللي جاية وعيش 💜
ومن ثم.....
اردت أن اطلب منكم دعاء لأجلي، وربما ستجدونني اكرره في الفصول القادمة، لذلك ارجو ألا يثير ذلك سأمكم، لا اطالبكم بكتابة الدعاء يكفي أن يردد لسانك أو قلبك، وصدقًا الأمر يعني لي الكثير أن تأخذوا من وقتكم دقيقة لذكري في دعاء، لعل أحدكم إلى الله اقرب .
لذلك ارجو الدعاء لجدي بالرحمة .
والدعاء لي أن يحقق ربي ما اتمناه وتحلم به والدتي .
وكذلك الدعاء لجميع الطلاب في الثانوية سواء الأزهرية أو العامة أو الدبلومات الفنية، وفق الله جميع الطلاب وحقق أمانيهم...
صلوا على رسول الرحمة .....
والآن دعونا نقص شريط حكايتنا ونبدأ
أول فصل ( ٢٠٢٣/٦/١٩) .........
____________
اضواء تلتمع في الإرجاء، أصوات تصفيق حارة، صيحات مُعجبة وأخرى مُشجعة، صوت احتكاك معدات التصوير بالارضيات اللامعة، وهتاف المخرج من خلف الكاميرات والذي يرن صداه في تلك السماعة الصغيرة المزعجة التي أجبروه على وضعها في أذنه قبل بدء البرنامج.
أغمض عينه يحاول تحمّل كل تلك التفاصيل المزعجة، فهو ورغم وظيفته كصحفيّ، إلا أنه يومًا لم يتعرض لكل تلك الاضواء التي تحيط به، لم يسبق له أن أصبح في موضع الاستجواب ...
أخرجه صوت المذيع من شروده طارحًا عليه سؤال سبق ورفضه قبل بدء الحلقة وأكد عليهم ألا يتناقشوا معه به، وهم رضخوا له، لكن يبدو أنهم يحبون التلاعب، ولم يدركوا أنه سيد التلاعب ...
" السؤال الأهم واللي الكل بيسأله، هل فعلا الشخص المُشار ليه في مقالك الاخير هو نفسه الشخص اللي الجمهور خمنه ؟؟
بسمة واسعة ارتسمت على فمه، ليست سعيدة كما تظهر للجميع، بل أخرى، بسمة لا ترتسم أعلى فم صلاح السقاري، إلا حينما يبلغ غضبه مبلغه، لكن رغم ذلك لم يسمح لذلك المتملق الذي يحب إثارة الجدل هو وبرنامجه من النيل منه :
"والله الإجابة على سؤالك ده تقدر تعرفها من الجمهور، لأنه هو اللي خمن مش انا "
ارتفع حاجب المذيع في حنق واراه بشكل مدروس خلف بسمة دبلوماسية مصطنعة :
_ بس المقال بتاعك، وكل الأدلة اللي فيه بتشير على سعيد الاشموني وإن كلامك عن الفساد في المقال مُوجه ليه هو بالتحديد .
ارتاح صلاح في جلسته اكتر يجيب ببساطة كبيرة، وكأن الأمر عادي او لا يعنيه من الأساس :
_ أنا شايف أنك أنت اللي بتتهم سعيد الاشموني بالفساد دلوقتي مش مقالي، اصرارك الشديد على زجّ اسمه في المقال بيخليني اشك أنك أنت اللي حابب تشهر بيه مش انا .
صمت ثم أكمل ببساطة شديدة وإقناع حتى أنه كاد يصدق افتراءه :
" السؤال هنا، هل يا ترى فيه مشاكل بينك وبين سعيد الاشموني، عشان تصر على اتهامه، وبتحاول تداري اتهامك ورا مقالي وتخمين الجمهور زي ما بتقول ؟!
صدمه الرد وبشدة حتى أنه وللحظات نسى تمامًا ما تعلمه من أساليب ضبط النفس، وتجاهل أن يلجم صدمته وهو يشهق على الهواء بشكل رسم بسمة أوسع على فم صلاح الذي وضع قدم أعلى الأخرى، وقد التمعت عيونه السوداء بشكل مخيف، لكن مازال يحافظ على هيئته الهادئة المنمقة، وجاءه الرد قويًا من المذيع :
" ازاي تقول كده؟! على أي أساس بتتهمني اتهام زي ده ؟!"
" على نفس الأساس اللي اتهمتني بيه إن مقالي موجه لسعيد الاشموني "
التمعت عين ذلك المذيع الأربعيني بشر شديد، وما هي إلا ثواني حتى سمع أمر الاعداد في سماعته يُطالب المذيع بفاصل اعلاني .
ها هو حقق هدفه، أرادوا إحضاره ووضعه بين المطرقة والسندان، معتقدين أنه غبي حتى يقع في فخهم، ولا يدركون أنه لطالما لعب لعبتهم تلك عند رغبته في استدراج أحد الأشخاص لفخه لنيل سبق صحفي مثير للجدل .
نهض صلاح يغلق زر بدلته التي تألق بها دون أن يتقيد برابطة عنق، وبذقن حليقة بها بعض الشعيرات التي ارتصت لتكون لحية خفيفة منمقة .
رمى نظرة على الجمهور الذي يملء الاستوديو حوله، فقد كان ذلك من نوع البرامج التي تحتوي جمهور، حياهم بنظرة هادئة وبسمة راقية، ثم تحرك خارج منطقة التصوير بكل هدوء ..
تابعه المذيع بأعين تطلق شرار يتحرك بعنف شديد صوب الكواليس يخفف من عقدة رابطته، يحاول أن يبتلع ما حدث منذ ثواني، فها هو صاحب الاربعين عامًا، والذي لم يستطع ضيف طوال سنوات عمله كمذيع أن يفلت من مصيدته، أتى ذلك الشاب الذي لم يكد يتم السابعة والعشرين من عمره وفجر كل ذلك على الهواء مباشرة وأمام الجميع، موقعًا إياه في مصيدته الخاصة.
سمع مساعده خلفه يلومه بصوت خفيض بعدما جذبه بعيدًا عن الجميع :
" بلغت حضرتك بلاش هو، الواد ده مش سهل، اللي يخليه بيخبط في كبار البلد في مقالاته ومش هامة حد، عمره ما يخليه يسكت لكلامك "
نظر له مدحت بحنق :
" ليه فاكر نفسه مين ؟! ده حتة كاتب وصحفي محدش سمع عنه غير بعد كتابه الاخير والمقالة اللي لسه نازلة من يومين، أنا عارف الاشكال دي كويس وعارف أنه عمل كده مخصوص عشان يتشهر زيه زي أي واحد بيعمل حوار عشان يبقى تريند."
زفر مساعده بغيظ من عناده وتسلطه، يظن أن الجميع يخضع لسماع اسمه، ويرضخ لرؤية محياه، لكن ذلك الشاب والذي رآه لمرته الاولى منذ شهور ورأى كيف يتحدث، علم أنه ليس بالشخص الهين ..
____________________
كان صلاح يتحرك في ممرات القناة يستغل وجود فاصل اعلاني لمحادثة شقيقه العزيز ونصفه الآخر، النصف الذي سيتسبب في دمار نصفه الخاص .
أخرج هاتفه، بينما تحركت أصابعه برشاقة تفك من زر بذلته يخرج من المكان عبر باب زجاجي وأثناء ذلك أبصر سيدة تقترب من الباب حاملة حقائب عديدة، فانتظر حتى أتت وهو يمسك لها الباب راسمًا على فمه بسمة واسعة راقية هادئة مردفًا بصوت متزن :
" اتفضلي "
منحته السيدة بسمة ممتنة معجبة برقيه ولباقته :
" شكرًا "
هز رأسه بهدوء مانحًا إياها بسمة أخرى آسرة، يراقبها تتحرك من أمامه ببطء وهي تنظر له، بينما هو اعتدل في وقفته ينتبه لمكالمته ينتظر أن يجيبه ذلك البلاء الذي يُسمى توأمه ..
وعلى الجانب الآخر في ممر طويل، لا يتحرك به سوى القليل فقط من أصحاب الثياب المنمقة والمظاهر الراقية، عداه هو، فقد كان بمظهره وثيابه تلك كنقطة سوداء وسط لوحة بيضاء، كان شكله في ذلك المكان بين هؤلاء الأشخاص متناقض بشكل منفر ، بنطاله الممزق من فوق ركبته وحتى أسفلها ببضع سنتيمرات، وسترته البيضاء التي يتوسطها رسومات غريبة، شعره الهائج وكأنه مرر به يده مرات ومرات، كل ذلك هو ما صنع لصالح السقاري شهرته كشخص بوهيمي في مكان عمله .
كان يتحرك وهو يضع قلم في فمه يحمل بين يديه ورقة يراقبها بهدوء، حتى توقف أمام باب زجاجي ودون أن يرفع عينه حتى، دفعه بقوة غير مهتمًا أنه بفعلته تلك الصق إحدى زميلاته في الجدار خلفها، حتى أضحت تشبه رسمة على الجدار .
ارتفعت تأوهات الفتاة وهي تتذمر بصوت عالي :
" مش تاخد بالك يا دكتور وأنت ماشي "
لوح صالح بيده في الهواء دون أن ينظر لها وهو يقول :
" لا مش باخد "
أنهى حديثه ينحرف نحو أحد الغرف التي تقع في نهاية الممر يقبع أمامها حارس نائم.
دخل ليشعر ببرودة كبيرة تتحرك عبر جسده، حرّك عينه في الغرفة التي تحتوي العديد والعديد من الادراج، يبحث عن رفيقه وزميله الوحيد الذي يتحمل فظاظته هنا ..
" أنت قاعد بتعمل ايه يا محمود ؟! أنا بعتك تجهز الشغل لغاية ما اجيب التقرير، وحضرتك قاعد ولسه مبدأتش في حاجة ؟!"
تحدث المدعو محمود والذي كان يجلس على مقعد جوار طاولة طولية تتوسط الغرفة وهو يقول بجدية وبين يديه تقبع سيجارة :
" أصل لما جيت اشتغل، معتصم قالي أنه مش قادر دلوقتي، أصله سهران من امبارح"
رفع صالح حاجبه يضم الورق لصدره يبحث بعينه في المكان عن ذلك المعتصم الذي عطّل سير عمل صديقه المتفاني :
" معتصم مين يا عيوني ؟؟"
أشار محمود على جسد الرجل الذي يتوسط الفراش، والذي كان من المفترض أن يبدأ العمل عليه وهو يقول :
" معتصم ده "
أشار له صالح ببسمة ساخرة وقال يحاول كبت حنقه :
" الجثة ؟!"
فتح محمود عينه بصدمة وهو ينظر للفراش وكأنه تفاجئ من الأمر للتو :
" يا راجل هو مات ؟؟ ده لسه كان بيكلمني من شوية، لا حول ولا قوة إلا بالله "
أنهى حديثه يرفع كفه ممرًا إياه أعلى عين الجثة أمامه وصوته يردد بحزن صادق :
" ارقد في سلام يا معتصم "
نعم، لهذا السبب هو الوحيد الذي يتحمله في هذه المشفى؛ لأنه لا يعي شيئًا معظم الوقت بسبب تلك السجائر الغريبة التي يستنشقها، أو لا يهتم بشيء ولا يعنيه أمر.
اقترب منه صالح يجذب السيجارة من فمه ملقيًا إياها ارضًا داهسًا إياها وهو يشده بغيظ من ثيابه :
" شوفت الدنيا، فانية يا اخ محمود"
قربه أكثر مرددًا من بين صفوف أسنانه التي اصطكت بنفاذ صبر:
" فوق يا غالي أنت شغال في مشرحة مش في مستشفى الحميات، واللي على السرير ده مش اسمه معتصم، دي جثة المفروض تتشرح "
أبعد محمود يده وهو يقول بجدية بعدما تخلى عن دور التائه :
" يا عم عارف بس انا ملقتش ليه اسم أناديه بيه، فسميته معتصم وهو عجبه للعلم، بعدين أنا قولت ادردش معاه لغاية ما تيجي "
رفع له صالح حاجبه وهو يتركه بحنق، يعلم جيدًا أن لا أحد يفوز على محمود في الحديث، ذلك المتحذلق الذي يفضل لعب دور الابله، رغم كل ذكاءه، اقترب من باب يتوسط الجدار والذي كان مرحاض، يدخله ليتعقم ويرتدي قفازاته يضيف بهدوء :
" طب جهز معتصم لغاية ما اطلع .."
تحرك محمود صوب الطاولة الطولية بخطوات جادة ثم ارتدى قفازاته وبدأ العمل بكل حرفية وإتقان، حمل مشرط، يحدق بالجثة ثواني قبل أن يضع مشرطه على معدته شاقًا إياها حتى بداية صدره، في اللحظة التي خرج بها صالح وهو يقترب منه مرددًا :
" شوفت التقارير بتاعته ؟!"
" أيوة، مكتوب أنه اتقتل بطلق ناري، رصاصتين واحدة في منتصف الصدر والتانية على بُعد ثلاثة سنتي من القلب "
مدّ صالح يده يعبث في الجثة أمامه بشكل مدروس، يعلم جيدًا ما يفعل، فهو إن كان يجيد شيئًا في حياته تلك فهو حمل المشرط والتشريح، تلك الوظيفة التي سعى لها بكامل رغبته، واستغل معارف والده وكل ما يملك كي يُقبل في العمل كطبيب شرعي، أو ما يسميه البعض "مشرحجي "، اختار تلك الوظيفة بكامل إرادته، مفترضًا أنها تليق ببدائيته الواضحة.
" وأنت شايف ايه من النظرة الأولى كده ؟! الرصاصتين هما اللي قتلوه ؟؟"
هز محمود رأسه نافيًا يجيب كعادته من عالمه الموازي :
" لا طبعًا ده اكيد مسموم، معتصم حكالي إن مراته عقربة ومش بتطيقه، اكيد حطت ليه سم في الأكل وخلصت منه "
وتلك النظرة التي حصل عليها من صالح كانت كفيلة بجعله يصمت، ولم يكد الاخير يتحدث حتى قاطعه رنين هاتفه، نفخ بحنق وهو يبعد يده من الجثة أمامه، ليس وكأنه كان يعبث بأحشائها منذ قليل، نزع قفازه يستل هاتفه من جيبه مجيبًا :
" الو "
وصل له صوت شقيقه من الجانب الآخر وهو يقول بجدية :
" الو يا صالح، أنت رجعت البيت ؟!"
" لا لسه مشغول شوية مع معتصم "
انعقد حاجبا صلاح بتعجب :
" معتصم مين يابني ؟! مش اسمه محمود ؟! أنت صاحبت واحد حشاش تاني ؟؟ مش كفاية صاحبك البايظ ده ؟!"
" لا معتصم مش صاحبي، ده الجثة "
فتح صلاح عينيه، ثم هز رأسه بلا اكتراث يتنهد تنهيدة متعبة :
" طيب اسمع عشان أنا احتمال أتأخر، لو رجعت البيت بدري متسيبش المفتاح في الباب الله يكرمك مش كل مرة يطلع عيني لغاية ما اصحيك أنت أو الزفت التاني تفتحوا ليا "
حرّك صالح عينه بملل يراقب صديقه الذي جذب مقعده وجلس جوار معتصم يتحدث معه حول مشاكله الأسرية؛ محاولًا أن يصلح بينه وبين زوجته العقربة مخبرًا إياه أن يسامحها على قتله، فالبيوت جميعها زاخرة بالمشاكل، ولا يجب أن يغضب من زوجته ويهدم منزله فقط لأنها سممته ..
" بعدين يا معتصم يا خويا ده أنت تحمد ربنا، أنت احسن من غيرك، ده اسماعيل بتاع الاسبوع اللي فات كان جاي يا حبة عيني قطع بعد ما مراته خلّصت عليه"
صمت محمود يراقب ملامح معتصم يتحدث بجدية محاولًا إقناعه بوجهة نظره :
" فمتجيش أنت تتقمص عشان سمتك وبعدين ضربتك رصاصتين، متبقاش قماص، عشان بيرجعوا يشتكونا على الفيس ويقولك الرجالة نكدية اكتر منهم "
أبعد صالح انتباهه عن رفيقه الاحمق، فهو يدرك جيدًا أنه الآن يحلق في عالمه الموازي رفقة معتصم، عاد لأخيه يجيبه بهدوء :
" طيب يا صلاح يا حبيبي، ها عملت ايه في اللقاء بتاعك؟! الدنيا تمام معاك ؟!"
سمع صالح زفرة حانقة من فم شقيقه وهذا ما لم يسره، فأن يصل صلاح لمرحلة الحنق ليس بالأمر الهين، وإن حدث لا يمكن إعادته بسهولة لحالته الطبيعية :
" المذيع المحترم جايبني عشان يكسب مشاهدات على حسابي، بس تمام، ده انا هخليه يندم على اللحظة اللي فكر فيها يطلبني لمقابلة تلفزيونية "
تمتم صالح بصوت خفيض :
" أنت هتقولي ربنا ما يوقعنا تحت ايدك "
" بتقول ايه ؟! "
" بقولك وأنت جاي متنساش تجبلنا عشا معاك، لاحسن أنت عارفني مش باكل أكل الشغل هنا "
لوى صلاح فمه بتقزز، يحاول دفع ذلك الشعور المقيت الذي يتلبسه بمجرد حديث شقيقه عن عمله :
" يا أخي أنا مش عارف اساسا أنت بتطفح ازاي وأنت عايش بين الجثث اللي عندك دي، بزمتك مش بتقرف منهم ؟!"
نظر صالح للجثة التي تتوسط الطاولة وقد عاد محمود للعمل عليها مرة أخرى بعدما يأس من إتمام الصلح بين معتصم وزوجته يمسك بيده احشاءه وقد امتلء قفازن بالدماء:
" يا صلاح يا حبيبي، الوظيفة دي هي اجمل وظيفة في الدنيا، يكفي أن الزبون هنا، دايما ساكت ومش بيشتكي، وأي حاجة بتعملها فيه بيكون راضي عنك ومش بيديك تقييم نجمة من خمسة "
ثواني وسمع صلاح صوت نسائي خلفه يردد برقة شديدة :
" استاذ صلاح، لو سمحت ممكن تتفضل لأن هنرجع تاني على الهوا يا فندم "
هز صلاح رأسه وهو يردد بلطف ورقي شديد :
" تمام، استأذنك تسبقيني وانا وراكِ يا آنسة "
أنهى صالح المكالمة مع أخيه وهو يلتفت للجثة مجددًا حتى يباشر بها العمل مرة أخرى، لكن فجأة فتح فمه بصدمة وهو يرى محمود يفتح أحد الإدراج الفارغة التي تُحفظ بها الجثث مخرجًا منها عبوة مثلجات يتناولها دون الاهتمام لما كان يفعل وهو يهمهم بتلذذ كبير .
سخر صالح في رأسه من أخيه :
" وصلاح بيقول عليا مقرف، كويس أنه مشافش اللي بتعمله كان كتب فيك مقالة وسماها( محمود هلوان) للقذارة عنوان "
_____________________
اصوات قرع حوافر الحصان تطرق الأرض الاسمنتية اسفله، سرعة مخيفة تجعل البعض يخشى حتى الاقتراب من مسار تحرك ذلك الحصان، فالأمر لا يعتمد أنه لن يتوقف وقد يحطم عظامهم أسفل حوافره، بل لأن الفارس الذي يمتطيه، لا يرى الآن أمامه أحد بعد نقاش عنيف خاضه للتو..
واعلى ظهر الحصان، كان جسدٌ يتحرك للأعلى والاسفل بقوة كبيرة عيون بنية ضبابية تطوف في باحة القصر الفسيحة لا تهتم لمن حولها، ولا لذلك الهواء القوي الذي ابعد وشاحها كاشفًا عن خصلات سوداء نافست سواد الليل، تتحرك يمينًا ويسارًا بقوة وصوته يتردد في أذنها، ضربات قلبها تعلو بقوة وهي تأبى أن تبطء حتى حركتها، لقطات من ماضي بعيد تتحرك أمام عينيها تغطي على رؤيتها، اصوات صرخات متلاحقة وصيحات مرتعبة وكلمة واحدة يتردد صداها في أذنها ( حريـــق)، حريق أحال ماضيها لرماد، كما أحال تلك الصغيرة الرقيقة لمهرة شرسة مرعبة...
وبعد ساعات وساعات شعرت بالتعب وقد بدأت قطرات العرق تتدحرج أعلى وجهها، بدأت تبطء من سير الحصان حتى توقف تمامًا.
افتر ثغرها عن بسمة واسعة وهي تميل عليه مقبلة إياه هامسة :
" فكرني احلي بُقك بحتة سكر يا سكر "
صهل الحصان وكأنه فهم كلماتها، ابتسمت له، ثم أبصرت عامل الاسطبل يقترب منها ليساعدها على الهبوط، لكنها تجاهلت يده وهي تقفز عن فرسها الحبيب بكل رشاقة، رامقة العامل بعبث كبير :
" خد بالك منه واكله كويس "
تحركت بخطوات رشيقة صوب مقدمة القصر، تعيد لملمة خصلات شعرها مستخدمة رابطة الشعر المطاطية التي تزين معصمها، بمجرد أن خطت ارض القصر الرخامية حتى ابصرته يجلس بكل كبرياء على الأريكة يرمقها ببسمة جانبية؛ ها هو سبب غضبها وحنقها الذي جعلها تخرج لامتطاء فرسها في ذلك الوقت .
لكن لم تسمح له بالتحدث معها كلمة واحدة، ليس بعدما قضت ساعات تحاول تناسي سبب شجارهما، وقبل أن تتحرك خطوة واحدة سمعت صوته يتحدث بقوة :
" اتمنى تكون الجولة الليلة طفت نارك وهدتك شوية يا ميمو "
التفتت له تعطيه بسمة أطاحت بكل آماله في أن يحيل ليلتها لحزن، اقتربت منه بخطوات جعلته يرسم بسمة صغيرة أعلى فمه، وبمجرد أن وصلت له قالت بهدوء شديد لا تمتلك ذرة منه :
" تسلم يا سعودي، أنا بقيت زي الفل يا حياتي، المهم أنت تاخد دش حلو كده وتقعد على سريرك تاخد شهيق وزفير لغاية ما نارك أنت تنطفي"
أنهت حديثها تعتدل في وقفتها، ثم تحركت بسرعة صوب الاعلى تاركة سعيد ينظر لاثرها بحنق شديد.
لا يصدق أن تلك الصغيرة المتمردة تحاول أن تعصيه، كل يوم شجار وغضب وتحطيم في أثاث المنزل لأجل فتاة لم تبلغ حتى الخامسة والعشرين من عمرها تريد التمرد عليه وصنع مشاكل له، نفخ بغيظ يحاول أن يهدأ قبل أن يسمع صوت رنين هاتفه، فتحه ليجد رسالة وصلت له من مساعده تخبره أن يفتح التلفاز على محطة معينة.
تحرك سعيد صوب الشاشة الضخمة التي تتوسط الجدار يحرك أصابعه أعلى جهاز التحكم قبل أن تتعلق عينه بصورة ذلك الشاب الذي يثير ضجة حول اسمه مؤخرًا ..
ارتفع صوت صلاح من التلفاز بينما يحاور المذيع بجدية وخبث :
" والله كل فاسد عارف أنه فاسد، أنا بس بفكره بأصله مش بتهم حد بحاجة مش فيه"
كان يتحدث وهو ينظر للشاشة وكأنه يعلم أن سعيد يراه، ارتسمت بسمة مرعبة على فم سعيد وهو يعض شفتيه وأفكاره تتلاطم داخل عقله قبل أن يغمض عينه وهو يردد :
" شكل الليلة دي مش هتعدي على خير، أولا الست ميمو وبعدين حتة الحشرة ده، تمام .."
_________________
بعد ساعات من العمل خرج الاثنان من غرفة التشريح، يتحركان في ممرات المشفى بين أيديهما تقبع عدة أوراق خاصة بتلك الجثة التي جاءتهما بأمر من الشرطة لتشريحها، ومعرفة كل ما حدث معها ليوصلها لتلك اللحظة ...موتها .
كانت هناك بسمة واسعة ترتسم أعلى فم محمود بفخر وعينه تمر على الأوراق في يده بعدما أنجز رفقة صديقه تلك المهمة بكل يسر :
" شوفت، قولتلك مات مسموم، معتصم مش بيخبي عليا حاجة، التشريح أثبت أن المرحوم بعض أعضاءه توقفت قبل تلقي الرصاصة الأولى من اساسه، وبالنظر للعلامات على جسمه فأكيد ده تسمم "
هز صالح رأسه يوافق رفيقه الرأي، فما اكتشفوه يثبت صحة حديثه، أو بالأحرى حديث معتصم .
" بدأت اصدق أنك فعلًا بتكلم الاموات "
ضحك محمود يحرك رأسه بعشوائية وعينه الزرقاء كمياه بحر انعكست عليها شمس صباح حار، بينما خصلاته الشقراء بعض الشيء مبعثرة بشكل شابه خاصة صالح يقول بهدوء :
" أنا مش بكلم الاموات، أنا بسافر ليهم وبرجع تاني "
هزّ صالح رأسه بيأس على رفيقه وما يفعله، وفي تلك اللحظة أبصر بطرف عينه فتاة تنتفض بمجرد رؤيتها له في الممر وكأنها رأت شبحًا، تلتصق في الجدار لتبتعد عنه، ثم ركضت بعيدًا، بينما صالح كل ما فعله هو أنه اشتمّ نفسه بتعجب :
" هو فيه ايه ؟؟ "
نظر محمود لأثر الفتاة بشفقة :
" مش دي السكرتيرة الجديدة في قسم الإدارة ؟؟ هي لحقت تعرفك ؟؟"
" مش فاهم يعني ايه تعرفني ؟! هو حد قالها اني بعض ؟؟"
انطلقت ضحكات محمود على تذمر صديقه، ليس وكأنه يجهل نفسه أو ما شابه، بل لأنه لا يود الاعتراف أنه إنسان غير مؤهل للتعامل مع الجنس الناعم :
" لا، حد قالها ايه بس ؟! دول حدود يا حبيبي، ده انت مفيش ست هنا إلا ولسانك اللي زي الساطور ده علّم على وشها "
وملامح الاستنكار المعتادة ارتسمت على وجه صالح، الذي يرى أن ردات الفعل تلك مبالغ بها، هل لأنه يتحدث براحة مع النساء دون لجم جماح لسانه، يتجنبه الجميع بهذا الشكل ؟!
ارتفع صوت محمود مضيفًا :
" وكمان الدكتورة سجدة خطيبتك المصون السابقة، ساهمت أنها تحسن صورتك عن قد إيه أنت إنسان مراعي لطيف "
ارتسم الحنق واضحًا أعلى ملامح صالح بمجرد ذكر اسم تلك الخائنة التي رفضت تحمله اسبوعين فقط :
" بس متقولش خطيبتي، دي واحدة أنانية وبيّاعة، عمومًا هي اللي خسرانة بكرة تندم"
"تندم ايه يا حبيبي ؟! دي البنت يا عيني وزعت شوكولاتة غالية يوم ما فسخت معاك الخطوبة، ده أنت مشوفتش الفرحة اللي كانت على وشها يومها، ولا كأنها كانت أسيرة حرب وتم الإفراج عنها "
فتح صالح فمه للتحدث، لكن محمود قاطعه بغلاظة :
"متبررش أنا عارف كل تبريراتك، هي اللي مفترية يا حبيبي ، مش فاهم ازاي واحدة متحمدش ربنا على النعمة اللي معاها، ازاي تنسالك أنك كنت اول واحد تبعتلها تورتة بمناسبة عيد ميلادها ؟!"
هز صالح رأسه بحنق يتقبل مواساة صديقه برضى :
"والله قعدت ساعة على جوجل اختار ليها صورة تورتة تلات ادوار باللون اللي هي بتحبه، وفي الآخر شافت الصورة ومردتش ولا عملت لايك حتى ."
" لا ازاي تعمل لايك وتبوظ البوست بتاعك اللي كان كله اضحكني، و اللي حضرتك نشرته على جروب عيلتها بعد اسبوع من عيد ميلادها اللي رفضت تروحه ."
نظر له صالح بطرف عينه يرفض أن يتحدث له محمود بهذه النبرة التي تظهره كشخصٍ وقحٍ حقيرٍ :
" ما أنت عارف مليش في الحلويات والاغاني هروح اعمل ايه هناك؟! بعدين ما أنا بعت ليها هدية ."
" اممم، بعتلها مجموعة برفانات ومزيل عرق وبادي لوشن، ده أنت كنت ناقص تبعتلها صابونة وليفة وحجر مغربي ."
فتح صالح فمه، لكنه عاد واغلقه، ثم قال دون تفكير :
" ما هي اللي قالتلي أنها اكتر حاجة بتهتم بيها هي النضافة والريحة الحلوة، بعدين أنت عارف انا مكلف كام في الحاجات دي ؟!"
" وده ملفتش نظرك لحاجة ؟!"
نظر له صالح بجهل ثواني ليصرخ محمود في وجهه :
" بتقولك أنت يا اهبل، بتقولك أنت تنضف يا معفن ."
ومجددًا اشتم صالح رائحته بشك، ليجد أن مزيل العرق الذي وضعه صبيحة اليوم عقب استحمامه مازال يؤتي مفعولة :
" بس انا ريحتي مش وحشة ."
" لكن معفن، دايما شعرك هايج ولابس مقطع زي الشحاتين."
نفخ صالح بعدم اهتمام :
" والله هو ده اللي عندي، بعدين غيّر الموضوع ."
ابتسم له محمود بسخرية وهو يدخل معه لأحد المكاتب والتي كانت تعود لهما رفقة شخص ثالث وقال :
"نغير الموضوع، قولي بقى هنعمل ايه بعد الشغل"
______________________
ومع انتهاء حلقة البرنامج استقام صلاح في وقفته يمنح الجميع بسمة واسعة اعتاد التألق بها، متحركًا صوب الخارج يعترضه مجموعة من الجماهير التي كانت حاضرة اللقاء، يحملون كتبًا له مطالبين إياه بالتواقيع والتقاط الصور .
رسم صلاح بسمة واسعة على فمه يتلقى الشكر والمدح بنفسٍ راضية، يُعامل تلك بلباقة ويمنح تلك كلمات راقية، ويتحدث مع هذا بألفاظ مختارة، كان هكذا طوال الوقت، وسيظل ...
شعر صلاح بشابٍ _يرتدي ثياب الأمن _ يقف جواره حاملًا هاتفه وهو يوجه أنظاره نحو شاشته يتحدث بفخر وسعادة :
" اهو يا حبيبتي عشان تصدقي قولتلك أن الكاتب اللي بتحبي كتبه جاي القناة عندنا انهاردة "
نظر له صلاح ببسمة لطيفة يراه يسجل مقطعًا مصورًا عنه لفتاة وعن مقدار إعجابها بكتاباته، قبل أن يستدير له الفتى متحدثًا برجاء :
" معلش يا استاذ احمد ممكن تعمل معايا فيديو قصير عشان ابعته لخطيبتي، اصلها مش مصدقة أنك موجود هنا واني شوفتك "
ضيق صلاح ما بين حاجبيه بتعجب، يحاول إدراك ما يقصد ذلك الفتى، لكنه لن يمنحه الفرصة لذلك وهو يجذبه من كتفه حتى يقرب وجهه من الكاميرا، ثم تحدث وهو يسجل مقطعًا مصورًا لخطيبته :
" اهو يا منال استاذ احمد توفيق اللي بتحبيه، عشان لما اقولك إني شوفته تصدقي، قولها كلمة يا استاذ احمد لاحسن دي بتحب اوي مسلسلاتك خصوصا مسلسل رفعت اسماعيل "
كان جسد صلاح متشنجًا وهو يستمع لكل ذلك العبث الذي يخرج من فم ذلك الابله، أي احمد توفيق وأي مسلسل هذا؟! بالطبع لا يقصد أنه دكتور احمد خالد توفيق ؟!
ولم يمنحه الشاب الفرصة للانغماس أكثر في حيرته وهو يجذبه من شروده :
" ها يا استاذ احمد قولها حاجة، عشان تصدقني "
ابتسم صلاح بسمة واسعة وهو ينظر للهاتف يقول بهدوء مثير للضحك :
" اهلًا يا آنسة منال، مع حضرتك الدكتور احمد خالد توفيق الله يرحمه، ياريت بعد كده متتكلميش عن الكتب مع خطيبك، وياريت لو متتناقشيش معاه اساسا "
ابتسم الشاب وهو يغلق المقطع المصور، ثم استدار لصلاح يصافحه جاذبًا إياه ليقبل وجنته كرفيق قديم :
" تسلم يا استاذ أحمد، طلعت متواضع والله "
هو لا يمزح وهذا ليس مقلبًا إذًا ؟! هذا الفتى يظنه دكتور أحمد خالد توفيق رحمة الله عليه ؟؟ حقًا؟!
" يا بني أنت اهبل ولا بتهزر ولا بتعمل ايه ؟! احمد مين ؟! أنا اسمي صلاح "
تفاجئ الشاب وهو يشعر كأنه غُدر به للتو :
" صلاح مين؟! يعني حضرتك مش احمد خالد توفيق ؟"
ضرب صلاح كف بكف متعجبًا من ذلك الشاب الذي يبدو كما لو أنه من عالم آخر، فمن لا يعرف دكتور احمد خالد توفيق وأنه رحمة الله عليه توفي منذ أعوام ..
" يابني دكتور احمد خالد توفيق الله يرحمه مات "
شهق الفتى متراجعًا بصدمة كبيرة للخلف لا يصدق ما سمعه للتو :
" ازاي ده كان لسه عامل المسلسل من سنتين تقريبًا، سبحان من له الدوام، وأنا اللي كل ده مستني الجزء التاني من المسلسل "
اغتاظ منه صلاح ولم يدرك ما يجب قوله، لكنه دفع الشاب بعيدًا وهو يردد بحنق :
" بقولك ايه روح كلم منال، اجري يا حبيبي "
تركه الشاب ورحل وهو يتمتم بحزن، فهو لا يكذب، هو لا يهتم بالروايات وعالمها ولا يحب القراءة حتى، ولم يسمع عن أحمد خالد توفيق إلا من خطيبته، لا يعلم من هو ولا يعلم ما يفعل سوى أنه كاتب مشهور وقد كتب مسلسلًا تلفزيونيًا نال إعجابه واعجاب والدته، والآن اكتشف أنه ميت، لهذا لم تصدقه منال حين أخبرها أن كاتبها المشهور سيأتي لعمل لقاء في القناة التي يعمل كرجل أمن عليها.
زفر صلاح وهو يمسح وجهه يحاول أن يهدأ مجددًا، يعيد اهتمامه للباقي من معجبيه، يوقع لهذا ويلتقط صورة مع ذاك ..
اقتربت منه فتاة تضم كتابًا لصدرها وكأنه حبيبٌ غائبٌ، توقفت أمامه بأعين ملتمعة تمد له كتابه الاخير وهي تقول بحب ظهر واضحًا بين احرف كلماتها الهائمة :
" أنا بحب كتابات حضرتك جدا، بجد كل حرف بتكتبه جميل اوي"
امسك منها صلاح الكتاب يردد بهدوء ولطف :
" ربما، لكن اكيد مش هينافس جمالك آنستي "
إن سقطت الآن في هذه اللحظة ارضًا مغشيًا عليها، هل سيتهمها البعض بالمبالغة ؟! كاتبها المفضل ومثلها الاعلى جاملها للتو واصفًا إياها بالجميلة، قفز قلبها داخل صدرها بعنف، تقول بشغف دون أن تتحكم في لسانها :
" بجد مش مصدقة اني شوفتك، أنا جاية لحضرتك مخصوص من اسكندرية، عشان اخد توقيعك على الكتاب ده، أنا حضرت جميع المعارض واخدت توقيع حضرتك على كل الكتب أنا بجد مش مصدقة "
ابتسم لها صلاح بلطف كبير، يُقدّر الحماس في صوتها، بل ويمتن له كثيرًا :
" اشكرك يا آنسة ..."
" مروة، اسمي مروة "
خطت انامل صلاح اسمها في الكتاب يكتب لها اهداء راقي بخط منمق، بينما يتحدث بكلمات مختارة :
" شكرًا على ذوقك ولطفك يا آنسة مروة، كلامك شرف كبير لي صدقًا، ومجيئك للقاهرة مخصوص لحضور اللقاء، شيء اقدره، وعشان كده هقولك خبر حصري محدش يعرفه لسه "
أنهى حديثه يتحدث بنبرة منخفضة وهو يقترب منها قليلًا، مع الابقاء على مسافة بينهما هامسًا بصوت خافت :
" قريب هاجي أنا اسكندرية بنفسي لحضور مؤتمر ادبي، هنتظر اشوفك هناك "
وبمجرد انتهاء كلماته اعتدل مانحًا إياها غمزة مشاكسة وكأنها رفيقة قديمة، ثم تحرك للخارج بهدوء تاركًا إياها ما تزال في صدمتها، تشعر بأنها على وشك السقوط ارضًا من الصدمة ..
ولم تفق إلا على يد رفيقتها التي هزتها بملل :
" مروة، أنتِ يابنتي، اخلصي اخويا مستني برة عشان نرجع اسكندرية، يلا لأحسن هو جاي على عينه اساسا ولو يطول هيرمينا في البحر وهو ماشي"
نظرت لها مروة بصدمة وقالت :
" قالي أنه جاي اسكندرية "
" هيطلب ايدك ولا ايه ؟!"
اومأت لها بنفي تقول ببسمة متسعة :
" لا عشان مؤتمر ادبي"
لوت صديقتها شفتيها بسخرية وهي تتحرك معها خارج المكان حيث تصطف سيارة شقيقها الذي أجبره والدها على المجئ واحضارها هي وصديقتها المهووسة بذلك المُسمى " صلاح السقاري "، خرجت من المبنى :
" كل ده عشان بس قالك أنه جاي في مؤتمر؟! اومال لو جاي طالب القرب منك ؟!'
دفعت الفتاة مروة للسيارة وهي تقول بجدية :
" خلينا نرجع عشان هموت وانام "
وعلى مقربة من تلك السيارة كانت تقبع سيارة صلاح الصغيرة، صعد إليها بتعب وبمجرد أن استقر خلف المقود، حتى رسم بسمة واسعة مخيفة وهو يهنئ نفسه على إنجازه اليوم، صفّر بسعادة يتحرك بالسيارة صوب شقته التي يقطنها رفقة أخيه وصديق طفولتهما، تلك الشقة التي استقر بها الثلاثة منذ أعوام حينما هجروا قريتهم الريفية في إحدى مناطق محافظة الجيزة، فهم الثلاثة ينحدرون من أصول ريفية خالصة، أتوا للمدينة هنا لتحقيق أحلامهم بدعم من ابائهم فقد كان والده هو وصالح الصديق الأقرب لوالد رائد، صديقهم الثالث والذي يعمل شرطيًا هنا ..
وعلى ذكر رائد تعجب صلاح أنه لم يتحدث معه منذ الصباح، وهذا أثار تعجبه فهو كصالح لا يتوقف عن ازعاجه .
أخرج هاتفه يرى إن كان اتصل به اليوم ولم ينتبه، لكن لا شيء، عقد حاجبيه بتعجب :
" ايه اللي حصل ده ؟! يا ترى رائد متصلش ليه ؟!"
توقف بالسيارة في إحدى إشارات المرور وهو يتصل برائد لمعرفة ما مر به طوال اليوم، لكن أثناء ذلك أبصر بطرف عينه على جانب الطريق شاب مُلقى ارضًا كالخرقة البالية يحمل بين يديه سيجار ميّز نوعه بكل سهولة، احتدت عينه وهو يتنفس بعنف يحاول أن يتجاهل الأمر فامثال ذلك الشاب مترامين في كل الأزقة كالمهملات وما من رقيب.
تحرك بسيارته بمجرد أن أضاءت الإشارة، لكن بعد دقائق لم يتمالك نفسه وعاد بالسيارة حيث لمح الشاب، توقف بها يهبط من السيارة متحركًا صوب ذلك الشاب بخطوات مخيفة وبمجرد أن وصل له انحنى يجلس القرفصاء جواره يرمقه بنظرات مثيرة للريبة، والشاب لا يعي ما يحدث حوله، هو فقط يستند برأسه على الجدار خلفه منتشي من تلك المواد التي بدأت تفعل الافاعيل برأسه، يشعر بالتنميل ينتشر على طول جسده مسببًا له شعورًا رائعًا.
ابتسم له صلاح وهو يقول بهدوء :
" حلوة مش كده ؟؟ شعور جميل صح ؟؟"
رمقه الشاب دون اهتمام، أو هو لا يملك سلطة على أعصاب جسده ليظهر اهتمامًا لما يقول، هو فقط كل ما يستطيع التحكم به أن يحتفظ بالسيجارة بين أصابعه كي لا يفوت رشفة واحدة بها .
غامت عين صلاح بشكل مخيف يجذب وجه الشاب له يقول بأعين التمعت بوميض مخيف مقربًا إياه منه :
" بعد ساعتين من دلوقتي هتحس كأن عضمك متكسر وبعدين هتلف زي الكلب اللي مش لاقي عضمة تدور على سجارة تانية وتالتة ورابعة"
صمت يهمس بفحيح وكأنه مهتم حقًا بما يفعل ذلك الشاب :
" يا ترى اهلك فين ؟! سرقت مين فيهم ولا قتلت مين عشان تقعد تشرب كده؟!"
نظر له الشاب بخدر كل ما استطاع إخراجه هو :
" أنت مين وعايز ايه مني ؟؟"
ابتعد عنه صلاح واقفًا ينظر له من عُلياه، يراقب مقدار الدمار الذي يحوم حول ذلك الشاب، شعور بالشفقة والمقت والاشمئزاز يملئه :
" قوم روح بيتك، فوق لنفسك وبطل اللي بتعمله في نفسك ده، بلاش تضيع نفسك وتضيع عيلتك عشان دقايق من الانتشاء "
نظر له الشاب بتعجب ولم يفهم ما يريده منه ذلك الغريب، هل يعرفه حتى ليقف متبجحًا هكذا أمامه يأمره أن ينتبه لحياته ؟؟
بينما صلاح حاول أن يُذّكر نفسه أنه لن يحرز شيئًا من وقوفه في منتصف الطريق لنصح أحد مدمني المخدرات، هو لن يستطيع فعل ذلك، حتى وإن استطاع فكم واحد سيستمتع له، وكم شخص سيعود لرشده ؟! لا طائلة لما يفعل، الحل لكل ذلك واحد، وهو يعلمه، سينزع كل ذلك من جذوره..
ارتسمت بسمة مخيفة على فمه، يتحرك صوب سيارته وفي رأسه يردد اسماء متتالية، اسماء كل من سوّلت له نفسه ليكون له يد في إدخال تلك السموم بلاده، وهو يعلم جيدًا بمن سيبدأ .
_______________
يسير في ممرات مركز الشرطة الجميع يحيه باحترام شديد ويبتسم له بفخر، هكذا كان طوال الوقت موضع احترام، ومضرب مثل في دائرته، فهو اللواء رائد سليمان، نعم لا تتعجب رائد رغم عمره الذي لم يتعدى الثامنة والعشرين، إلا أنه استمر في الترقي خلال مهماته العديدة ليصل لهذه الرتبة..
ابتسم ينظر حوله لهؤلاء الضباط الذين يشجعونه ويرفعون أيديهم له في تحية وتقدير، هز رأسه لهم ببطء وهناك بسمة صغيرة ترتسم على فمه دون أن يكلف نفسه عناء رد التحية، توقف أمام مكتب في أحد الممرات تعلوه يافطة نُقش عليها اسمه مسبوقًا برتبته ( اللواء رائد سليمان ).
فجأة سمع صوت مرتفع يناديه من نهاية الممر باسمه منفردًا دون رتبته، رفع حاجبه بتحفز وهو ينظر لنهاية الممر باحثًا عن مصدر الاسم الذي يتردد صداه في المكان بأكمله.
وفجأة ارتفع الصوت أكثر لينتفض رائد من جلسته على المكتب الخاص به صارخًا بفزع وهو ينظر في المحيط ..
ثواني مرت وعيونه تحاول أن تستوعب ما تراه، أين هو ؟! لقد كان لتوه في أمام مكتبه الذي يحتوي لافتة باسمه مسبوقة بلقب لواء، هل كل ذلك حلم ؟؟؟؟؟
انتفض أثر سماعه صوت رفيقه في المكتب وهو يردد :
" يابني أنت فين بقالي ساعة بفوقك، سيادة اللوا باعت عايزك "
نظر له رائد بأعين ناعسة ووجه احمر به بعض العلامات التي نتجت عن نومه الطويل أعلى مكتبه الحشبي، لتصبح كما لو أنها طُبعت على وجنته :
" لواء ؟! هو فيه لواء هنا غيري ؟؟"
تشنج رفيقه ينظر حوله بعدم فهم :
" غيرك مين لامؤاخذة؟! أنت لسه نايم ؟! فوق يا رائد أنت لسه نقيب يا حبيبي يعني قدامك سكة سفر على لواء دي، يلا روح شوف اللواء لأنه شكله مش مبسوط "
نهض رائد من مكانه يحاول أن يعدّل من ثيابه والقهر يملئه، لقد كان لواء للتو كان الجميع يحترمه، والآن عاد لواقعه الأليم، حيث يحارب لنيل تريقة عفنة تضعه على أول طريق السلطة والقوة .
امسك سلاحه يضعه في جيب بنطاله، يعيد خصلات شعره البنية الناعمة للخلف، وعينيه التي تتشابه مع خصلاته تلتمع بالحسرة، يتجه خارج مكتبه بخطوات قوية، لكن فجأة وقف في طريقه يستمع لرنين هاتفه، رمق الاسم الذي يتوسط شاشته ليجده صلاح ...
"الو يا صلاح "
" ايه يا رائد، من الصبح مسمعتش ليك صوت كنت بتعمل ايه ؟!"
احتقنت ملامح رائد بغيظ وهو يؤدي التحية في طريقه لجميع أمناء الشرطة وغيرهم، فرتبته كنقيب لا تسمح له بالتباهي الآن؛ لذا صبرًا حتى تتم ترقيته لرائد وحينها سيدهس كل هؤلاء الحمقى الذين يعبثون معه كل يوم بشكل خانق .
" مفيش يا صلاح بس كانت عندي مناوبة من الصبح ورجعت من شوية نمت من غير ما احس ."
وصل له صوت صلاح عبر خط الهاتف حينما اصبح على أعتاب مكتب اللواء :
"أنت لسه هناك ؟! أنا فكرتك روحت من بدري أنت وصالح، حتى صالح اتصلت بيه ولسه في الشغل ."
توقف رائد قليلًا يتحدث معه متجاهلًا استدعاء اللواء العاجل له وقال :
"خلاص آخر حاجة اهو هشوف اللواء استدعاني ليه وهرجع، جهزوا أي أكل بدل المرار اللي كل شوية اطفحه ده ."
تعالت ضحكات صلاح عبر الهاتف لتزيد من حنقه ويغلق الهاتف في وجهه يطرق الباب منتظرًا تقريع ما قبل النوم كالعادة، فهو لا ينام قرير العين إلا إذا تم توبيخه قبل النوم وبعد الاستيقاظ .
سمع صوت اللواء يأذن له بالدخول، رسم بسمة على وجهه فاتحًا الباب وصوته يعلو بمزاح :
"مساء الخير يا فندم حضرتك استدعتني ؟؟"
وبرؤية تلك النظرات التي تعلو وجه اللواء أدرك رائد أي مساء سيعيشه الآن، تمتم في سريرته بحنق :
" يا معين يارب، ادينا هنبدأ اهو .."
وبمجرد انتهاء كلماته حتى ارتفعت صرخات اللواء بصوت هز اركان المركز بأكمله :
" ازاي يا حضرة النقيب المتهم المسؤول عنه يهرب بدون علمي ؟!"
" يا فندم يمكن مكانش عنده وقت يستأذنك، يا دوبك يلحق يهرب قبل معاد الترقية بتاعتي "
كانت كلماته خافتة، بل تكاد تكون بينه وبين نفسه ساخرًا من حاله الذي يدعو للرثاء، لكن يبدو أن همساته تلك زادت في اشتعال غضب مديره الذي صاح بجنون :
" بتقول ايه يا حضرة النقيب سمعني ؟؟؟؟"
ها نحن ذا رائد، استمتع بأمسية شاعرية، أنت واللواء وتقريعه فقط، أوليس ذلك رومانسيًا ؟؟
__________________
كان أول الوافدين لشقة الشباب الاكثر شهرة في الحي هما صالح ومحمود.
دخل صالح رفقة محمود لمنزله يُلقي المفاتيح على الطاولة الصغيرة المجاورة لباب المنزل، ثم خلع حذاءه ملقيًا إياه في الردهة لحقها بسترته التي ألقاها بلا اهتمام على الأريكة، رامقًا صديقه بتحذير :
" هدخل اخد دوش مش عايز ارجع الاقيكِ بتعاكس في الشمعدان ولا بتكلم التلاجة "
أشار له محمود بعدم اهتمام، ثم تحرك ملقيًا جسده على الأريكة التي تقبع أمام شاشة تلفاز عريضة يخرج سيجارة قام بحشيها ببعض النباتات الغريبة التي وجدها في معمل والده؛ فقد كان والده واحدًا من اشهر علماء النباتات والجينات في هذه القارة، وهو استغل ذلك خير استغلال، فلم يكن ما يستنشقه هو الحشيش المعروف، بل نباتات غريبة مجهولة التكوين تعطيه نفس الشعور وقد كان يبرر ذلك لنفسه أنه لا يتعاطى سوى نباتات .
في تلك اللحظة عاد صلاح ودخل للمنزل يحمل حقائب كثيرة، وقبل أن يخطو للصالون اتجه للمطبخ واضعًا الحقائب أعلى الطاولة، ثم خلع حذائه واضعًا إياه بترتيب في مكانه، ليرى أثناء ذلك حذاء أخيه الغوغائي ملقى بإهمال جانبًا، زفر بحنق وهو يحمله واضعًا إياه جوار خاصته .
دخل للصالون ليبصر ذلك الفاسد محمود يتوسط اريكته الطاهرة ملوثًا إياها بافعاله الرعناء، اتجه له بغضب ملحوظ :
" أنت يا حيوان، كام مرة اقولك مش عايز المح سجايرك المريبة دي جوا بيتي ؟! هو أنا احارب الفساد برة البيت اجي الاقيه نايم على الكنبة عندي ؟!"
رفع له محمود عينه وهو يقول ببسمة واسعة :
_" الاه ؟! أنت سرحت شعرك اخيرًا، والله ما مصدق اللي شايفة، بس مكانش له لزوم البدلة يعني، لكن ماشي لايقة عليك ."
" بدلة ايه وسرحت ايه ؟! أنا صلاح يا بايظ، قوم من مكانك واطلع برة بيتي حالًا "
رفع له محمود نظره يحاول أن يفهم ما قال، في نفس اللحظة التي سمع الجميع صوت فتح الباب ودخول رائد وهو يصرخ :
" الاكل يا صلاح ميت من الجوع ."
لم ينزع صلاح عينه عن ذلك الفاسد وهو يقول بخبث :
" بقولك يا رائد يا حبيبي، مش أنت عايز تترقى من زمان ؟؟"
سمع صوت رائد الذي امتلء لهفةً خلفه راكضًا صوبه:
_ ترقية ؟؟ أنت قولت ترقية ؟؟ ليه هتسلم نفسك وتقول أنك أنت اللي هربت المتهم اللي كنت بحقق معاه ؟!
نظر له صلاح بتعجب شديد :
" هرب تاني ؟! هو أنت يابني حظك قليل كده ليه مفيش مجرم بيدوم لك ؟!"
التوى فم رائد بقهر يلقي بجسده جوار محمود الذي كان يحلق في عالمه الموازي لا يهتم بشيء حوله، بل هو الآن يطير رفقة اسماك السالمون في سماء تكساس الملبدة بالغيوم، ذاهبين لإنقاذ المفتش كرومبو من أسر المغول ..
سحب رائد السيجارة من يد محمود بوجع، ظنًا أنها سيجار عادية كالتي يرتشفها من حين لآخر حين غضبه كالان، وقال بغضب :
" انا حاسس أن ده كله مؤامرة عليا، حاسس أن حد متعمد يعمل كده فيا .."
أنهى حديثه يسحب بعض الدخان لرئتيه تحت أنظار الصدمة من صلاح الذي لم يكد يتخذ خطوة لمنعه مما يفعل حتى سمع صوت طرق على الباب خلفه تبعه صوت جهوري يعلمه تمام العلم يردد :
" احنا شكلنا جينا في وقت مش مناسب يا حاج سليمان، تلاقي العيال رجعت من الشغل تعبانة وناموا"
زاد قرع قلب صلاح يستمع لصوت والده في الخارج، معه والد رائد؛ الذي بدأ يحلق مع محمود الآن .
في اللحظة التي خرج بها صالح من المرحاض يلتف في منشفة وهو يردد بجدية ناظرًا لأخيه كما لو أنه يحدق في المرآة ويرى نفسه فلا فرق بينه وبين صلاح سوى اسلوب كلٍ منهما في الملابس والمعيشة :
" صلاح أنت جيت امتى ؟! بعدين إيه الخبط ده ؟! ما تفتح ."
ولم يكد يفعل شيء حتى وجد صلاح ينتفض من مكانه وهو يمسك يده ناظرًا في عينه بريبة، يهمس بصوت خفيض ملقيًا كلماته بغضب جحيمي :
" صاحبك الفاسد قاعد يحشش جوا والغبي رائد أخد منه السيجارة وبقى طينة زيه ."
ورغم حنق صالح مما حدث إلا أنه قال مطمئنًا :
" متقلقش ده مش حشيش اصلًا وهما واعيين بكل شيء هو بس السيجارة هتخلي هرمون السيروتونين زايد حبتين، و خلال عشر دقايق هتلاقيهم زي الفل وعادي "
قاطعه صلاح بغيظ وهو يهتف واعصابه تنتفض بغضب شديد :
" عشر دقائق ؟! احنا لو متصرفناش خلال عشر ثواني هنروح في داهية كلنا، ابوك وعمك سليمان واقفين على الباب دلوقتي."
نظر الاثنان بصدمة صوب الأريكة حيث يتسطح محمود ورائد بشكل مزري، في نفس اللحظة التي ارتفع بها صوت سليمان _ والد رائد_ بحنق :
" اوعى كده شوية يا مرتضى أنا معايا نسخة من المفتاح ........."
__________________
ثم؟؟؟؟
لا تفترض الكثير فهذه فقط مجرد بداية لرحلتنا ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة نبيل
الثاني
قبل القراءة ...
اردت أن اطلب منكم دعاء لأجلي، وربما ستجدونني اكرره في الفصول القادمة، لذلك ارجو ألا يثير ذلك سأمكم، لا اطالبكم بكتابة الدعاء يكفي أن يردد لسانك أو قلبك، وصدقًا الأمر يعني لي الكثير أن تأخذوا من وقتكم دقيقة لذكري في دعاء، لعل أحدكم إلى الله اقرب .
لذلك ارجو الدعاء لجدي بالرحمة .
والدعاء لي أن يحقق ربي ما اتمناه وتحلم به والدتي .
وكذلك الدعاء لجميع الطلاب في الثانوية سواء الأزهرية أو العامة أو الدبلومات الفنية، وفق الله جميع الطلاب وحقق أمانيهم...
صلوا على رسول الرحمة .....
الثاني
كان مرتضى يقبع أمام باب منزل ولديه و ابن صديقه الأقرب، يحاول فتح الباب، حتى ابعده سليمان من أمامه يستل مفتاحًا من جيب عباءته ذات الخامة الغالية والتي يعلوها جلباب اسود لامع وبين قبضته عصى ابنوسية تضيف هيبة له، كيف لا وهو سليمان الحديني عمدة قرية الحديني :
" اصبر يا مرتضى أنا معايا مفتاح "
ابتسم له مرتضى ينحني جانبًا يراقب رفيقه يحاول فتح الباب زافرًا بملل :
" ماله المفتاح ده مش راضي يفتح ليه ؟!"
دفعه مرتضى آخذًا منه المفتاح وهو يدسه في مكانه :
" وسع كده انا هفتحه "
وبالفعل ما هي إلا ثواني حتى استمع الاثنان لصوت فتح القفل، ابتسما ثم دخلا للمنزل بهدوء ظنًا أن الجميع نائم، لكن فجأة تجمدت أجسادهم بتعجب وهم يرون أن الجميع مستيقظ..
تحدث مرتضى بتعجب:
" ايه ده ؟؟ ايه اللي بيحصل هنا ده ؟؟"
في ذلك الوقت كان صلاح يحمل كتابًا أثناء جلوسه على الأريكة وجواره جسد رائد الذي يمنعه من الحراك، بينما صالح وضع جسد محمود أعلى طاولة الطعام يغطيه بالكامل، حاملًا سكين وهو يردد في صدمة مصطنعة :
" ايه ده بابا وعم سليمان ؟؟ ايه المفاجأة الجميلة دي ؟!"
تحرك سليمان صوب الداخل يحاول تدقيق النظر فيما يفعل :
" بتعمل ايه يابني بالسكينة اللي في ايدك دي ؟! وايه اللي على السفرة ده ؟!"
أشار صالح لجسد محمود الذي كان يخفيه بمفرش الطاولة مبتسمًا :
" ديه ؟! دي جثة جبتها معايا اشرّحها هنا، عمل اضافي يعني "
تراجع سليمان بتقزز مما يصف صالح وعقله لا يستوعب بساطة حديثه :
" يا ستار يا رب، وأنت جايب الحاجات دي الشقة ؟! هو ده عادي ؟! مش دي حاجات قانونية ولازم مكان ملائم للعمليات ؟! بعدين مش خايف روحها تطوف بينكم يا ولدي ولا ايه ؟؟"
" لا يا عمي متقلقش دي ميتة وشبعت موت "
ختم حديثه صافعًا وجه محمود بغل مكبوت وغضب على وضعهم في هذا الموقف السيء بسبب تهوره وأفعاله البلهاء .
هز سليمان رأسه بعدم اقتناع، لكنه لم يعلق على الأمر فمتى فهم أحد رأس صالح ؟!
اولى انتباهه لابنه الذي يجلس متدلي الرأس عن الأريكة بشكل مثير للريبة وجواره يجلس صلاح يحاول التظاهر بأن لا شيء غريب هنا ..
أشار مرتضى لرائد بتعجب :
" ماله رائد يا ولدي ؟؟ شكله كأنه زي الفرخة الدايخة كده ليه ؟!"
اعتدل رائد في جلسته وهو يقول بصوت متخدر :
" فرخة، الفرحة هربت، والديك هو اللي خسر الترقية"
تشنج كلٌ من سليمان ومرتضى مما خرج للتو من فم رائد، لكن كعادته سارع صلاح في إصلاح ما يفسده هذان الاحمقان :
" متقلقش يا عمي هو بس لسه راجع من مهمة، وتقريبا كده حد رمى عليه قنبلة مسيلة للدماغ"
" هي مش مسيلة للدموع ؟؟"
" لا يا عمي دي للدماغ، نزلت على رأسه سيحت مخه "
تأتأ مرتضى بحزن وهو يرمق ذلك المسكين الذي كان يغني محركًا قدميه على حافة الأريكة كما لو كان يجلس على الشاطئ :
" لطفك يارب، طب وده يا بني ملوش علاج يفوقه ولا بيفضل كده على طول ؟"
مسح صلاح أنفه يحاول ايجاد حل لكل ذلك الكذب وكل ما خرج به هو :
" أسأل صالح هو الدكتور هنا ياحاج "
كاد صالح يتحدث في الوقت الذي تقلب فيه محمود أثناء نومه متمتمًا بكلمات غير مفهومة جعلت سليمان يتراجع للخلف وهو يصرخ بخوف :
" يا منجي من المهالك يا رب، يا منهجي من المهالك يارب، ايه اللي بيحصل ده ؟! دي ...دي بتتحرك "
ابتسم صالح بغباء وهو يصفع محمود مجددًا بغضب وراه خلف بسمته البلاستيكية :
" لا يا عمي دي حلاوة روح بس متقلقش"
" مقلقش ايه يابني ده بيتـ "
وقبل أن يكمل كلمته استيقظ محمود يحرك جسده بوجع كما لو أن قطارًا مرّ عليه بقضبانه، تمطأ بكسل شديد و دارت عينه في المكان يبتسم بخدر لم يزل منه، قبل أن ينتبه للجميع :
" صباح الخير يا جماعة، ايه عندنا ضيوف ولا ايه ؟!"
وقبل أن ينطق أحدهم بكلمة لتبرير ما حدث، كان مرتضى يتراجع للخلف برعب متسع العينين، يركض للخارج يتبعه سليمان الذي تلى كل ما يحفظ من آيات الله، بينما مرتضى يستغفر ويدعي ربه أن يتلطف بهم، تاركين خلفهم الأبناء ينظرون لبعضهم البعض بصدمة لما حدث ...
تنفس صالح الصعداء يقول بعدم تصديق لما حدث:
" مش مصدق أننا فلتنا بالسهولة دي، دي كانت على تكة ونروح فيها "
توقف عن الحديث بمجرد أن أبصر وجه صلاح الذي لم يكن يبشر بالخير ابدًا، ثم يده التي تحركت بهدوء مخيف صوب حزام بنطاله، وعيونه مثبتة أعلى جسد محمود.
ابتلع صالح ريقه وهو يبدل عينه بين أخيه ورفيقه، لن نظرة صغيرة لملامح أخيه أخبرته أن وقوفه في وجهه الآن لن يكون في صالحه بالمرة؛ لذلك كل ما فعله هو أنه انحنى جانبًا يمد يده باحترام لصلاح :
" متقلش ايدك عشان بكرة عندنا شغل كتير، ارجوك"
ابتسم صلاح بسمة باردة يلف الحزام حول كف يده :
" أنا بقى اللي هربيك يا حشاش ."
________________
صباح اليوم التالي، استيقظ رائد بجسد يأن وجعًا، لا يشعر بعظامه، فجسده كله مخدر تقريبًا، طاف بعينه في المكان حوله فلم يبصر إلا سقف منزله، تأوه يحاول الأعتدال، لكن شعر فجأة بثقل غريب في قدمه، حاول تحريكها عدة مرات لكنه فشل، كل ذلك وهو مازال متسطحًا، وفجأة ضربت فكرة رأسه ليطلق صرخات فزعه وصوته يرنّ في أرجاء المنزل :
" اتشليت ...مش قادر احرك رجلي، اتشليت"
كان يتحدث برعب وجسده ينتفض، يرى أمام أعينه مستقبله يتدمر، ويتم تسريحه من العمل، كل ذلك مر عليه في الثواني التي تلت شعوره بالخدر :
" يارب رحمتك يارب، مش هدوس على حد يارب والله هتواضع للناس "
صمت ثم أكمل بصوت خرج كما لو أنه نحيبًا يصيح بحرقة :
" يــــا رب
فجأة ودون سابق إنذار شعر بالثقل يخف عن قدميه وصوت تثائب يعلو في المكان ..
نظر لفوق وجد محمود يستيقظ بعدما كان نائمًا على قدمه طوال الليل كالجثة الهامدة، تمطأ محمود وعلى فمه ترتسم بسمة واسعة كالاطفال لا يعي ما يحدث حوله أو ما فعل، أبصر رائد الذي كان ممدًا يحدق فيه بصدمة ليتشدق محمود بمزاج صافي :
" Good morning baby "
لكن فجأة شعر بلسعات على طول ظهره كما لو تعرض للتعذيب طوال الليل، لذلك تحدث بتعجب يتحسس ظهره بوجع طفيف :
" هو فيه ايه ؟! هي السجارة كانت فاسدة ولا أنا روحت لزمن العبيد ولا ايه !!"
وقبل أن يتبع جملته بأخرى كان جسده يسقط ارضًا بعد رفسة قوية من رائد الذي صرخ برعب وقد بدأ شعور بالتنميل ينتشر على طول ساقه :
" أنت نمت طول الليل على رجلي ؟؟"
في هذه اللحظة خرج صالح من غرفته بمظهره المبعثر، ليس بسبب النوم بالتأكيد، فهو في أفضل حالاته يكون بهذا المظهر أيضًا، كان يرتدي بنطال منزلي مريح دون ارتداء شيء يواري جذعه العلوي، بينما شعره هائج بشكل مثير للاستفزاز ..
نظر صالح لما يحدث أمامه، ولم يهتم حتى بمعرفة ما اوصل الاثنين لهذا الوضع، فقد تركهما صلاح ملقيان أمس كالخرقة البالية دون أن يهتم حتى لوضعهما في الفراش، عقابًا لهما على تلويث منزله بتلك الأدخنة الموبوءة .
" قوم يا محمود اغسل وشك خلينا نهرب قبل ما صلاح يلمحك تاني، لاحسن يكمل ضرب فيك، وأنت يا رائد يا حبيبي قوم اجهز عشان شغلك ويستحسن أنت كمان تهرب عشان صلاح مش طايق يبص في وشك"
خرج صلاح من غرفته كالعادة بمظهر جذاب منمق وراقي، مرتديًا بذلته دون ارتداء رابطة عنق، مصففًا شعره باهتمام يرتدي ساعته وهو يقول بنبرة عميقة وعينه ما تزال معلقة على ذلك الاحمق رفيق شقيقه، لكنه وجه حديثه لرائد :
" ابوك اتصل الصبح وقال إنهم كانوا جايين امبارح عشان يباتوا ليلة بعد شغلهم في القاهرة، وبعد اللي حصل قالوا هيكلموا شيخ يجي يبخر البيت، ولو الموضوع طول هيعرضونا كلنا على شيوخ، وانا بقولكم لو الموضوع طول أنا اللي هعرضكم كلكم على النيابة يا فاسدين"
أنهى حديثه تحت نظرات رائد المتعجبة من قدوم والده، متى حدث ذلك ؟؟ هو لم ير والده منذ اسبوعين تقريبًا، بينما محمود يحدق بهما في عدم اهتمام وكل ما يفكر به ما الذي سيتناوله اليوم على الفطور ؟!
لكن صلاح لم يهتم حتى بالنظر لهما، يضع لمساته الأخيرة على هيئته :
" أنا هخرج لشغل مهم، ارجع ملاقيش العيل الفاسد ده في بيتي "
ختم حديثه وهو يلقي بنظرة صوب محمود ورائد ومن ثم خرج من المنزل، استدار محمود لرائد متسائلًا :
" هو أنت متخانق مع صالح ولا ايه ؟؟"
" لا هتخانق معاه ايه ؟؟"
" امال بيقول يرجع البيت ميلاقكش ليه !! وكمان بيقول عليك عيل فاسد، هو أنت مُرتشي ؟؟ "
نهض رائد من مكانه يتأوه بتعب شديد، يشعر بعجزه عن التمطأ حتى، فما بالك بالذهاب للعمل :
" اولًا اللي قال كده صلاح مش صالح، صالح اللي كان خارج زي الديك الشركسي في الاول وشكله كأنه نايم في سلة زبالة، ثانيا العيل الفاسد هنا هو أنت يا حبيبي مش أنا "
وبمجرد خروج آخر كلماته دخل غرفته تاركًا محمود ينظر في أثره بتعجب ولم يستوعب بعد ما يحدث، مرت دقائق وجد صالح يخرج عليه بنفس هيئته عند الاستيقاظ، الفرق فقط أنه أضحى نظيفًا لكن مع نفس الهيئة المبعثرة، حرك صالح يده أعلى قميصه الغير مكوي بلطف وكأنه بذلك سيحسن من هيئته بتلك الكرمشات الصغيرة :
" يلا يا محمود عشان انهاردة عندنا شغل كتير، ولازم نسلم تفاصيل التشريح الخاصة بمعتصم انهاردة ..."
________________
كان صلاح يقود سيارته على سرعة متوسطة، وعلى أذنه تقبع سماعة لاسلكية، يتحدث بجدية فيها، وملامحه جامدة بشكل مخيف ..
" متأكد من اللي بتقوله ؟! أنا بقالي اسبوعين مستني وأنت كل يوم تقولي هجيبلك الاخبار، وفي الآخر راجع ليا بخبر أن أخته في النادي بتدرب ؟؟ هي دي الاخبار يا محمد ؟؟"
وصل له صوت محمد يتحدث بحنق :
" اعمل ايه يعني يا صلاح، ما أنت عارف أن سعيد الاشموني مكتم على كل اخبار عيلته، مفيش حاجة بتفلت منه "
زفر صلاح بحنق، هو يدرك ذلك جيدًا، لكنه يشعر بالغضب، فذلك القذر سعيد لا يترك خلفه ثغره واحدة تمكنه من الدخول له عبرها، وكان آخر أمله هو شقيقته الحمقاء التي عادت لتوها من إحدى البلاد الأوروبية التي سافرت إليها تعربد وتفعل ما تشاء دون رقيب :
" تمام يا محمد أنا وصلت اهو، اقفل أنت وهبلغك بكل الاخبار "
أوقف صلاح سيارته في مرآب السيارات التابع لأحد النوادي الكبيرة في القاهرة، هبط بكل هيبة وثقة وعلى فمه ترتسم بسمة ساحرة امتاز بها، خلع نظارته السوداء يتحرك صوب باب النادي والذي دخل له بسهولة حينما أظهر هويته، فإن كان لشهرته الأخيرة مميزات، فهذه إحداها، اسمه أصبح من تلك الأسماء التي تُفتح لها الأبواب المغلقة...
تحرك للداخل يقف جوار البوابة يحاول التفكير في كيف سيجد تلك المدللة دون إثارة الإنتباه، عضّ شفتيه مفكرًا في الذهاب لأقرب مطعم هناك، وعندها يستطيع استخدام حيله بسهولة ...
وبالفعل ما إن استقر في مقعده رفع يده مشيرًا لأحد العاملين هناك، وبمجرد اقترابه مع بسمة واسعة بادله صلاح البسمة وهو يردد :
" ممكن فنجان قهوة سادة لو سمحت وكمان كرواسون اكون شاكر ليك "
هز النادل رأسه ببسمة محترمة :
" أي خدمة تاني يا فندم ؟!"
هز له صلاح رأسه رفضًا، فابتسم له النادل وما كاد يتحرك خطوة، حتى عاد مجددًا مترددًا مما يفكر به، لكنه رغم ذلك تشدق بحماس شديد :
" على فكرة أنا من أكبر معجبين حضرتك، ممكن أخد صورة ؟؟"
ها هي فرصته جاءت على طبق من ذهب، نهض صلاح من مقعده يقترب من الشاب يحاول تبين اسمه ثم قال :
" اكيد يا مصطفى، شرف ليا "
ابتسم مصطفى بسمة واسعة يقترب أكثر من صلاح بالقدر الذي يسمح له بالتقاط صورة معه، ثم رمق الصورة بسعادة كبيرة :
" أنا بجد مش مصدق، الكتاب الاخير بتاع حضرتك كان عظيم، بجد عجبني أنا وصحابي اوي، دول هيموتوا لما يعرفوا اني شوفتك "
" صحابك عارفين اني انا صلاح السقاري صح ؟!"
رمقه مصطفى بتعجب لا يفهم مغزى سؤاله :
" أيوة يافندم، حضرتك ماشاء الله مشهور وعارفينك"
" يعني مش فاكرين اني دكتور احمد خالد توفيق ؟؟"
ملئت الصدمة وجه مصطفى يحاول أن يدرك مقصده :
" لا يا فندم ايه علاقتك بدكتور احمد توفيق ؟؟"
" ولا نجيب محفوظ؟! "
بدأ مصطفى يشعر بالريبة من تلك الاسئلة :
" فيه ايه يا فندم ؟؟"
" مفيش يا مصطفى روح شوف أنت الطلبات، معلش اصل الدنيا اليومين دول بقت لبش شوية، والواحد مبقاش عارف هو مين "
هز مصطفى رأسه يستأذن منه باحترام، ليربت صلاح على كتفه ببسمة غامضة، يراقب تحركه بعيدًا عنه بكل سعادة، بينما عينه تراقب المكان حوله فقد كان المطعم يطل على ممر الركض ومن ثم مضمار الخيول متجاورين في خطوط متوازية، ليبدو لك كما لو كان سباقًا بين الخيول والبشر .
دقائق قليلة وعاد مصطفى بما طلب صلاح :
" أي خدمة تانية يا فندم ؟؟"
" لا تسلم يا درش "
ابتسم له مصطفى وما كاد يغادر حتى تحدث صلاح بنبرة عادية يرفع كوب القهوة لفمه ببطء :
" صحيح يا درش تعرف فين نيرمينا الاشموني ؟؟"
توقف مصطفى في مكانه يحدق في صلاح الذي كان يتكأ ببرود على مقعده في انتظار رده :
" نيرمينا الاشموني ؟!"
" اممم.. اخت رجل الأعمال سعيد، سمعت أنها بتيجي النادي هنا، وانا كنت حابب استغل وجودها عشان تاخد ليا معاد مع اخوها لعمل لقاء صحفي، أنت عارف شخصية زي سعيد الاشموني صعب حد يوصل ليه غير بواسطة "
ابتسم مصطفى متفهمًا الأمر، يدرك جيدًا ما يرنو إليه صلاح، وهو يشجعه تمامًا في ذلك، فهو أضحى مثله الأعلى؛ لذلك اقترب منه مرددًا بخفوت :
" لا هي الآنسة نيرو كانت هنا من شوية مع شلتها، وبعدين شوفتهم بيتحركوا للجراج، بس لو حضرتك حابب تقابل حد من طرف سعيد الاشموني، فالاستاذة ميمو كانت بتدرب على الخيل من شوية، هي برضو تقدر توصلك بيه "
رفع صلاح حاجبه وكاد يتساءل من تلك ميمو، فهو عندما بحث علم أن لسعيد أخت واحدة فقط، لكن فجأة ارتفع صوت أحد الزبائن مناديًا مصطفى الذي قال على عُجالة:
" ثواني وهتلاقيها بتمر من قدام حضرتك، هي كانت لسه بادئة الجولة من شوية وبتفضل تلف التراك لساعة تقريبا "
أنهى حديثه يسارع صوب الزبائن بينما صلاح ارتشف رشفات صغيرة من قهوته الحارة وقد تعلقت عينه على مضمار الخيل، لتمر دقائق دون أن يظهر أحد لدرجة أنه يأس من الأمر، نظر لساعة يده، في الوقت الذي رصدت أذنه ضرب حوافر الحصان أعلى رمال المضمار، رفع عينه ببطء يبصر حصان ابيض يلتمع أسفل الشمس تعلوه امرأة تعقد شعرها على هيئة ذيل حصان ترتدي ثياب بيضاء تشبه حصانها، رفع صلاح حاجبه يتحرك من مقعده صوب السياج يراقبها تتحرك بالخيل في سرعة مخيفة وبشكل متمرس..
رفع كوب القهوة لفمه وهناك بسمة واسعة مرتسمة أعلى فمه يردد اسمها الذي يعلم جيدًا أنه ليس حقيقيًا :
" ميمو ....امممم شكلها مسلية اكتر من نيرو، محظوظ سعيد بكل البنات الحلوة اللي حواليه دي "
ارتشف من كوبه بتمهل يوازي تمهل عينه أعلى جسد تلك الفاتنة، ملامحها التي يبدو كما لو أن الشمس قد عانقتها فاعطتها لونًا برونزيًا باهيًا، ثم خصلاتها السوداء، واخيرًا ملامحها الصغيرة.
وإن كان للجمال مقاييسٌ في قاموسه، فجميعها تمثلت في تلك المهرة الجامحة أمامه...
_________________
كانت تتحرك في ممرات المشفى حاملة بين يديها علبة كبيرة من قطع الشوكولاتة الفاخرة احتفالًا بزواجها القريب من أحد مهندسي البترول الذي تعهد لها بأخذها خارج البلاد ما إن يتم الزفاف ..
ارتسمت بسمة على فم سجدة وهي تقتحم مكتب صالح غير آبهة لما يُسمى آداب الاستئذان، كل ما تأبه له في تلك اللحظة هي أن ترى نظرة الخذلان والندم في عين ذلك الوقح البدائي على فقده لامرأة مثالية مثلها ..
" صباح الخير يا دكاترة "
رفع كلٌ من محمود وصالح رأسيهما عن الاوراق المتناثرة أمامها استعدادًا لعملية تشريح أخرى في جريمة جديدة .
انتبه صالح بكل حواسه يراقب تلك المرأة التي نست ارتداء وجهها قبل الخروج ووضعت بدلًا منه قناع المهرجين الذين كان يخشاهم في طفولته :
" صباح النور يا دكتور سجدة، خير شايفك ملونة ومزهزهة انهاردة، ايه فسختي خطوبتك مني كمان مرة ولا ايه؟! "
خرج صوتًا حانقًا من فم سجدة تتحرك بهدوء صوب الاثنين تمد يدها لهم بعلبة حلوى فاخرة وهناك بسمة خبيثة ترتسم أعلى شفتيها :
" لا، رغم أن المناسبة اللي قولت عليها اسعد من المناسبة دي، لكن جاية اعزمكم على خطوبتي بكرة على مهندس البترول اللي ما صدق اني فسخت وجري عشان يخطبني وياخدني ونسافر السعودية "
لم يهتم صالح بكل ذلك ينقض على علبة الشوكولاتة يسحب منها واحدة يفك غطائها الذهبي واضعًا إياها في فمه متذوقًا :
" الظاهر صحته على قده، بقاله اربع شهور بيجري عشان يخطبك ؟؟ ليه جايبها جري من السعودية ؟!"
غص محمود أثناء تناوله قطعة الشوكولاتة يحاول التماسك رامقًا رفيقه بحنق شديد آمرًا إياه أن يتوقف عن رمي تلك السموم من فمه ..
لكن صالح لم يهتم وهو يخرج قطعة شوكولاتة أخرى من العلبة يتلذذ بها :
" ثم بالله عليكِ لو ليه وسطة هناك في السعودية خليه يشوفلي شغلانة، بيقولك بقى يا حوده الطبيب الشرعي هناك بيقبض خمسين ألف مش هنا بنزقها بخمس الآلاف "
استشاطت سجدة غضبًا وهي تحاول أن تلقي له بسهم يرد له جزءًا مما تسبب به داخلها :
" هبقى اسأله واقولك يا دكتور، اصل خطيبي حبيبي ذوق اوي ومش بيرفض ليا طلب وجنتل مان ومتفهم اوي، مش زي حد كده، آخره في الجنتلة أنه يجيب برفانات ومعطرات جو "
أخرج صالح صوتًا مستنكرًا من حنجرته، يحاول أن يتمالك نفسه، لكن فات الأوان وتحرك لسانه قائلًا :
" ده جزاتي اني عايزك منعنشة كده وريحتك حلوة بدل ما أنتِ راشة كيس فانيليا على نفسك قبل ما تخرجي ؟؟ "
شهقت سجدة بعنف كما لم تفعل يومًا حتى عندما أرسل لها تلك العطور لم تؤتي ردة فعل كتلك :
" أنت بتتريق على البرفيوم بتاعي ؟؟ أنت عارف سعره كام ؟؟ ده من Jimmy Choo"
تناول صالح قطعة شوكولاتة أخرى وهو يحدق في وجهها بتعجب :
" مين جيمي دي ؟! بنت خالتك ؟؟"
" نعم ؟؟ مش عارف Jimmy Choo ؟؟ دي واحدة من اشهر ماركات البرفيوم في العالم يا محترم "
رفع صالح حاجبه مستهجنًا ردة فعلها :
" يعني مش من باقية عيلتك ؟! امال اتحمقتي ليه كده لما جبت سيرتها ؟؟ "
فتحت فمها تجيبه لكنه قاطع كل مساعيها لتشعره بالدنيوية وهو يأخذ القطعة السابعة من الشوكولاتة :
" حلوة الشوكولاتة دي، دي من عند جيمي برضو ؟!"
تشنج وجه سجدة بشكل مخيف جعله يتراجع صوب محمود الذي كان في تلك اللحظة يائس من زجر صديقه عن إخراج تلك الكلمات الغبية، لكن فجأة وجد سجدة تنفجر في وجهه بعنف مخيف :
" أنت واحد جاهل بدائي وعشوائي، متعرفش حتى ابسط قواعد الرقي والتحضر، دايما ماشي مكنبش ( مبعثر الشعر ) وهدومك مكرمشة ومقطعة ومرضاش حتى اعملها فوطة في المطبخ، وجاي تناقشني في انواع الـ Perfume، صحيح حدّث الناس على قدر عقولهم، وأنت اخرك الواحد يكلمك في انواع الصابون السايل"
وبمجرد انتهاء كلماتها خرجت من المكتب كالعاصفة ساحبة علبة الشوكولاتة من أمام يد محمود الذي كاد يمسك بالقطعة الثالثة، بينما صوت صالح تبع سجدة وهو يقول :
" اقطع دراعي أما كان ليكِ أسهم في شركة الفانيليا دي عشان تتحمقي ليها بالشكل ده، بعدين هدومي اللي مش عجباكِ دي ماركة غالية، قال وعاملة نفسها عارفة كل حاجة وهي ملهاش في الماركات الاوريجنال "
انتهى من حديثه وهو يلقي بجسده على المقعد يتنفس بعنف وقد هدأ قليلا بعدما تناول بعض الشوكولاتة الفاخرة، فمنذ قليل كاد يُجن بسبب شعوره بالجوع، سمع صالح صوت محمود الذي جلس على المقعد يقول بجدية :
" كده مش كويس عشان سمعتك يا صاحبي، اراهنك أما راحت فرجت المستشفى عليك وخلت سيرتك على لسان كل شخص حي وميت في المشرحة "
" تعمل اللي تعمله وانا من امتى ههتم بكلامها "
رفع محمود حاجبه وقال بغيظ وقد كان في لحظات العقل القليلة التي يتمتع بها خلال يومه قبل أن يعكف على شرب تلك النباتات الغريبة خاصته :
" لازم تهتم يا حبيبي، لازم تهتم عشان ماشاء الله بقت سمعتك مع الستات بلسانك ده في الأرض، يا صالح أنا بمشي اسمعهم بيدعوا أنك ترتبط عشان خايفين تحط عينك على واحدة فيهم، تخيل الستات بقت تخاف منك هنا ومن أفعالك وكلامك "
زفر صالح بحنق يستشعر خطورة وضعه، هل سيظل اعزبًا طوال عمره فقط لأنه لم يقف احترامًا وتبجيلًا لمعطر برائحة الفانيليا :
" طب اعمل ايه ؟؟ ما أنت شايف بعينك كل ما ست تلمحني تجري من الطريق التاني "
ابتسم محمود يعود في جلسته للخلف وهو يفكر في شيء ما ثم قال :
" طب ما تفكك من المستشفى وتبص برة، ايه رأيك في هاجر اللي ساكنة على اول شارع المستشفى؟! البنت دي بشوفها كتير بتبص عليك من تحت لتحت"
سخر صالح وهو ينقر على المكتب :
" لا دي مفكراني صلاح، لسه مش عارفة تفرق بينا رغم كل الاختلافات، دي جات في مرة بتقولي ارشحلها كتاب لغته منمقة "
صمت ثم قال بتعجب :
" يعني ايه اساسا منمقة دي؟! أنا فكرتها شتيمة، شوف حد غيرها دي مش نوعي خالص "
حكّّ محمود ذقنه بخبث ثم قال :
" طب ما تخليك أنت نوعها ...."
______________________
يجلس في مقعده منذ وطأ ارض النادي، وعينه تلاحق تلك المهرة بنهم شديد، لا يصدق أن سعيد الاشموني ذلك القمئ يخفي تلك الجوهرة داخل منزله، ولِمَ التعجب وهو منذ ايام فقط علم بوجود شقيقه صغرى له، والآن يكتشف أن هناك أخرى، لكن تلك تبدو أكبر بعض الشيء من البلهاء الأخرى، كما أنها تختلف عنها في كل شيء، الأخرى طفلة مراهقة بلهاء فارغة العقل، بينما هذه، وياويلي من هذه، قدها وشعرها وكل شيء بها يدعوه للاقتراب والتأمل فيها .
تنهد يراقب انتهاءها من جولتها أعلى الخيل، ابتسم يراها تدخل غرف تبديل الملابس، ومرت دقائق قبل أن يلمحها آتية للمطعم، تمامًا كما أخبره مصطفى .
أشار صلاح بعينه لمصطفى أن يقترب منها وينفذ ما طلبه ..
وكذلك حدث حيث أبصر مصطفى يقترب منها يميل عليها وهو يهمس بشكل خافت مشيرًا له..
ارتفعت عين تلك المهرة له، ويا ويله من تلك الرموش والعيون، رسم على فمه بسمة ناعسة يراها ترفع حاجبها الاسود العريض، ثم ابتسمت تنهض في مكانها متحركة نحوه بخطوات رشيقة تلاعبت بمهارة على اوتار قلبه .
ثواني هي حتى توقفت تلك الفاتنة أمام طاولته، نهض بكل رقي مانحًا إياها بسمة واسعة، ثم تحرك يسحب لها مقعدها بهدوء شديد استجابت له دون كلمة واحدة تجلس واضعة قدم على أخرى بتكبر يليق بها، بل خُلق خصيصًا لها .
ابتسم لها صلاح يتحدث بهدوء :
" مكانش له لزوم تزعجي نفسك يا آنسة كنت أنا اللي هاجي لحضرتك "
ابتسمت له بسمة لم يدري أعابثة هي أم بريئة؟! كل ما أدركه أن تلك المرأة التي تقبع على بعض سنتيمترات منه مثالية، مثالية بشكل لم يره يومًا، حتى تحدثت ......
كانت كاملة في نظره حتى أخرجت تلك الكلمات التي أصابته في مقتل مردفة بنبرة عابثة عشوائية بعض الشيء :
" اؤمر يا لذوذ، طيفا قالي أنك عايز تتكلم معايا بخصوص سعيد"
" لذوذ ؟؟"
رددها صلاح بجهل يحاول التظاهر أنها كلمة مجاملة منها وليس تلك الكلمة السمجة التي عند سماعك لها تتخيل امرأة بعباءة سمراء وشعر مصبوغ وعلكة تلوكها بشكل مقزز :
" اممم في الحقيقة يا آنسة ميمو، أنا بس كنت محتاج حد يساعدني اتواصل مع سعيد باشا، وكنت في البداية منتظر اطلب الخدمة دي من نيرو، لكن ملحقتهاش، ومصطفى قالي إن حضرتك برضو أخته وممكن توصليني ليه "
وعند انتهاء كلماته نال اغرب ردة فعل توقعها منها، ضحكة عالية لم تتوقف إلى حينما تمالكت نفسها وهي تلوي شفتيها :
" عايزني أنا اتوسطلك عند سعيد ؟؟ "
" يعني لو مش هزعج حضرتك "
ابتسمت ميمو بسمة جعلت صلاح يدرك أن تلك المرأة ليست بالشخص الأبله البتة، فالخبث الذي يشع من عينيها جذبه وبشدة، خبيثة وماكرة، هذا ما استنبطه منها، وهو يومًا لم يخطأ الحكم على شخص ..
" مش انت الصحفي اللي بتلقح على سعيد في الرايحة والجاية وواخده غسيل ومكوة؟!"
ورغم طريقة تحدثها التي لا تليق بابنة الحسب والنسب، إلا أنه رفع حاجبه وتشدق ببراءة مصطنعة:
" أنا يا فندم ؟؟ محصلش، اخو حضرتك هو اللي ليه حبايب كتير وكل كلمة تتقال وحشة في البلد دي يلبسوها فيه "
ابتسمت ميمو تقترب من الطاولة وعينها تدور عليه بحرص قبل أن تقول :
" اسمع يا قمور، فكرك أنا ليه جيت قعدت معاك ؟! مش عشان مصطفى قالي أنك محتاج تكلمني، لكن عشان أنا عارفاك ومتبعاك من فترة طويلة، وعارفة أنك معلم على قفا سعيد "
لم يرمش صلاح حتى وهو يحاول أن يستوعب الكلمات التي تخرج منها يفرك جسر أنفه كل ثانية، الأمر غريب، سمع صوتها يتساءل بتعجب عما يفعل :
" فيه حاجة يا عسل ؟؟"
" لا معلش اصل بس حاسس الصوت مش راكب مع الصورة خالص، تقريبا عقلي بقى مسقط سيرفرات "
رمقته ميمو بجهل، لكنه لم يوضح لها، هو حتى لا يعلم ما يقول، يخبرها أن مظهرها قادم من حي راقي، بينما صوتها وكلماتها قادمة من قاع المجتمع، أي نوع من النساء هي ؟!
انتبه أنه أطال التحديق بها، ففتح فمه يحاول الاعتذار عن وقاحته، لكن ما كاد يفعل حتى وجدها تخرج علكة ملقية إياها في فمها لتكتمل الصورة في رأسه، ثم رفعت يديها تضرب بها سويًا في الهواء متحدثة :
" ايه يا طيفا فين الاسبريسو بتاعتي ؟؟"
تشنج وجه صلاح يستشعر وجود خطأ، لابد أن ذلك الصوت تم تركيبة بالبرمجة على هذه الصورة، بحق الله ما كم التناقضات التي يراها أمامه الآن، من هذه المرأة بحق الله ؟؟
وبمجرد سماعه كلمته الأخيرة نطق في استنكار لم يستطع منعه وكأن صالح تلبسه :
" اسبريسو ايه بقى ؟؟ هاتلها شيشة تفاح يا طيفا"
ابتسمت له تلوك العلكة في فمها باستمتاع، ليس بها، بل بملامح الصدمة التي تتابع على وجهه، فليس هو أول من يُصدم من طريقة تعاملها وحديثها مقارنة بمظهرها الراقي :
" تسلم يا حبوب مبطلة من سنة عشان بيعملي حرقان في صدري، لكن بدخن سجاير عادي، معاك ؟!"
حسنًا لا داعي لأن يُصدم، يكفيه ما نالته تلك المرأة منه منذ جلست معه، فهذه المرة الأولى التي تظهر ملامح الصدمة عليه بهذا الشكل، هو طوال الوقت يخفي كافة تعبيراته أسفل بسمة هادئة، والآن أتت تلك المرأة منتزعة منه كل ذلك ..
كتمت ميمو ضحكة عالية كادت تفلت منها على مظهره، بحق الله هل ظنها حقًا تدخن؟؟ حسنًا لا بأس ليظن ما يظن، هي هنا لأمر ستفعله وترحل .
لن يقول أنه صُدم من حديثها، بل لم يتوقع أن تتحدث إليه هكذا .
عادت بظهرها للخلف تقول بلهجة عشوائية شعبية :
" الصراحة يا لذوذ دماغك عجباني، بس انا بعتب عليك، ينفع كده تنيم سعودي كل يوم متنكد عليه بسبب كلامك اللي زي السم ؟؟ "
ابتسم لها صلاح يردف بهدوء :
" وهو بقى اللي بيشتكي ليكِ مني ؟؟ "
" لا طبعًا، سعودي كتوم شوية، بس انا اللي بشوف دمه كل يوم يتحرق بسببك، والصراحة كده بيقطع قلبي عليه "
" اممم الظاهر حضرتك اقرب ليه من أخته التانية "
ابتسمت له بسمة صغيرة تميل على الطاولة هامسة كما لو كان هناك من يراقبهم :
" مين قالك اني أخته ؟؟ أنا مش أخت سعيد "
" امال مين؟! بنت عمه ؟؟"
" تؤتؤ، أمه "
تشنج وجه صلاح وهو يعود للخلف كما لو أن حية قد لدغته يردف بسخرية لاذعة :
" نعم ؟! امه ؟! "
وإن كان يتوقع أنه سيفي بوعده الذي قطعه على نفسه منذ ثواني أنه لن يدعها تستمتع بصدمته منها، فقد خسر .
ابتسمت ميمي واضعة قدم فوق الآخر تقول بجدية :
" في مقام امه، اووه sorry قصدي في مقام الست الوالدة"
صمتت تستشف ملامحه التي تباينت أمام عينيها تلقي قنبلتها في وجهه دون اعتبار لشيء :
" أنا ابقى مرات ابوه، أو بالأصح أرملة ابوه، أرملة جاد الاشموني ..."
__________________
يجلس على قهوة تترأس شارع منزله ومن حوله جمع بعض الرجال الذين من شأنهم مساعدته، كـ محمود رفيقه، وصاحب محل البقالة، والفكهاني المرابط بحارتهم، كل هؤلاء لأجل كتابة رسالة حب واحدة ولمساعدة ذلك الشاب الذي أتى لهم يشكو عجزه ورغبته في التقدم لخطبة فتاة ما _دون ذكر هويتها بالتحديد_ لكنها لا تلتفت له ..
مال صالح على شوقي ذلك الفتى التي يعمل كفتى مشاريب في القهوة، يراقبه كيف يخط تلك الكلمات التي جمعها من الجميع لأجل إثارة اعجاب الآنسة هاجر، صاحبة العيون القططية البريئة ...
****آنسة هاجر، أو اسمحي لي أن أرفع الألقاب واناديكِ
" جوجو " كما نصحني محمود صديقي الصدوق، علمتُ بطرقي الخاصة أنك تحبين الفصحى؛ لذلك سرقت لأجلك إحدى خواطر شقيقي فهو من يجيد الفصحى أفضل مني، والآن اهدي لكِ تلك الكلمات من اعماق قلبي ....
(يا سيدة تعجبت السماء حُسنها فاستحت نجوم ليلها، يا من رآك البحر فخجلت لآلئه، وابصرك الغروب فتوارت شمسه، كنتِ الأقرب والأحب لقلبي، منذ أول ضمة منكِ لي في مهدي، وحتى قبلاتك كل مساء في فراشي، يا من باحضانك تتلاشى أحزاني، وببسمتك تذوب همومي، احبك أمي .)
تلك كانت خاطرة أخي لامي في عيد الأم لم أجد غيرها، يمكنك تجاهل الجزء الثاني منها، كنت أود أن اهديكِ واحدة افضل لكن للاسف هو لم يكتب بعد خواطر لحبيبته، لكنني أعدك أن أسرق لكِ اول خاطرة يكتبها لحبيبته، واهديها لكِ ..
*ملحوظة *
( تمت الاستعانة في كِتابة الخطاب الفصحى بجوجل ومحمود صديقي المقرب، وعم متولي صاحب محل البقالة الذي أخرج لي رسائله القديمة لزوجته فاستعنت منها ببعض الكلمات)
البوفيه :
شوقي صبي القهوة
عم متولي البقال
عم حسين الفكهاني.
تدقيق ومراجعة :
محمود صديقي الصدوق ( اكيد عرفاه)
عم متولي البقال
كتابة :
شوقي صبي القهوة
اشراف وإخراج :
العبد لله ( صالح السقاري ) ......******
ابتسم صالح برضى شديد وهو يراقب ناتج تعب رجال الحارة اجمعين، رفع كفيه في الهواء يلوح شاكرًا لهم وهو يراهم منصرفين عنه :
" شكرًا يا رجالة تترد ليكم في الافراح باذن الله "
سحب بعدها الرسالة، ثم وضعها في يد محمود الذي كان يعبث في حقيبته وقال :
" يلا يا محمود روح وصله لهاجر "
" ما اروح اتجوزها احسن ؟؟"
شهق صالح بصدمة وهو يضرب ظهر رفيقه بغيظ :
" ولد تتجوز مين؟! هتبص لخطيبتي ؟؟ اتفضل روح اديها الجواب وبطل هري وعينك تكون في الأرض "
" وده ليه ؟! فهمني دورك أنت في الحوار ده كله ايه ؟! عقدت مجلس امم متحدة في الحارة عشان تكتب مجرد جواب عادي، وسرقت اخوك عشان تكتب ليها خاطرة، وفي الآخر حتى مش عايز تروح تديها الجواب ؟؟ اروح اتقدم أنا بدالك طيب ؟؟"
زفر صالح بحنق شديد هو لا يعجبه كل ذلك من الاساس تلك الفتاة البريئة الصغيرة ليست مناسبة له.
حسنًا ولا أي انثى مناسبة له، هو يشعر أنه سيعيش حياته هائمًا بحثًا عن تلك التي قد تتحمله .
" بقولك ايه انا اساسا الموضوع ده مش داخل دماغي، البنت زي البسكوت النواعم لو لمستها هتتكسر، دي سجدة بطعم ورائحة الفانيليا بكل حوارتها مستحملتش تكمل معايا اسبوعين، هاجر هتستحمل ؟!"
هز محمود رأسه باقتناع :
" عندك حق هي خسارة فيك مش هتستحملك، مفيش حد هيستحملك اساسا، أنا اولى بيها "
صمت ثواني قبل أن ينتفض بشكل مخيف مرددًا:
" لقيتها، ايه رأيك في الست فردوس صاحبة محل الجزارة اللي على اول الشارع ؟؟ دي ست قادرة ومفترية ومحدش يقدر عليها "
رمقه صالح بشر قبل أن ينهض من مكانه متوجهًا لمنزله بغيظ :
" أنا بائس اه بس مش لدرجة فردوس، بقولك ايه فكك من الحوار ده وبكرة ربك هيجيبها لغاية عندي، يعني هتيجي هتيجي، هتروح مني فين يعني "
نهض محمود حاملًا حقيبة ظهره يتبع صالح راكضًا، يشعر أن ذلك الفتى سيكون حظه عثرًا مع النساء، لكنه لا يشفق عليه، بل يشفق على تلك التي ستضطر لتحمل عشوائيته وتصرفاته البدائية مدى الحياة .
" على رأيك هتروح منك فين ؟! اصبر وبكرة هتلاقي نفسك طابب على بوزك ."
دخل صالح منزله يستشعر الهدوء في الأجواء مما يدل على أن أحدًا لم يعد بعد، القى حقيبته ارضًا، يتبعها حذاءه، ثم سترته التي وضعها على خزانة الأحذية، وبعدها تحرك داخل المطبخ، بينما محمود يراقب ما يفعل بحنق، لكنه لم يعلق ..
ثواني وخرج صالح من المطبخ يمسك قطعة بطيخ كبيرة يتناولها بشراهة :
" خليك هنا هغير هدومي وجاي "
نظر محمود لثيابه التي تلوثت بطيخ قائلًا :
" وعلى ايه تغيرها ما هي بقت نيلة، والله كان عندها حق سجدة تسيبك، يا عيني كانت هتستحمل تشوف المنظر ده كل صيف ازاي بس ؟!"
لم يهتم له صالح وهو يدخل غرفته، بينما هز محمود رأسه بعد اهتمام يخرج من حقيبته علبة عصير كبيرة ومن ثم أخرج بعض وريقات نبات غريبة الشكل خضراء مبتسمًا بخبث ومن ثم وضعها في علبة العصير وقام برجها كثيرًا، ومن بعدها وضعها في المبرد :
" اول ما تسقع بقى نشربها ونعمل دماغ عالية .."
انتفض فجأة على صوت صالح الذي عاد مرتديًا ثيابه المنزلية قائلًا :
" هو ايه ده اللي هتعمل دماغ ؟!"
" يا اخي خضتني فكرتك اخوك، دي يا سيدي تأشيرة سفر "
حرّك صالح عينه لعلبة العصير التي تتوسط رف ثلاجته رافعًا حاجبه بتهكم :
" هما بقوا بيطلعوا تأشيرات معلبة الايام دي ؟! ودي بيختموا عليها بالشاليموه ؟!"
" يا صاحبي افهم، دي تأشيرة للعالم الموازي، بتاخدها من هنا وتسافر من هنا، دون إجراءات سفر أو تفتيش أو باسبور حتى "
أبعد صالح يد محمود عنه بحنق ضاربًا إياه :
" أنت مش هتبطل بقى القرف اللي بتعمله ده ؟؟ هو ابوك سايبك تدخل المعمل بتاعه وتاخد الحاجات دي ازاي بجد ؟!"
" لا ما أنا بسرقها"
مسح صالح وجهه بغيظ ثم أشار لعلبة العصير :
" بص أنا ميهمنيش، شيل القرف بتاعك ده من التلاجة لاحسن لو صلاح شم خبر مش هيكفيه يجلدك، وانا حذرتك "
____________________
يجلس في مكتب قائده رفقة زملاء العمل ينتظر الأوامر الجديدة، يتأفف من الحين للآخر، لا يحبذ العمل مع فريق، وبالأخص فريق كهذا، أو للتحديد زميل كمحسن ذلك الشرطي السمج ..
ارتفعت ضحكات محسن بشكل مثير للاشمئزاز :
" يا فندم مجرمين مين وخطيرين مين ؟! شكلك كده يا فندم مشوفتش آخر مهمة عملها فريقي، نجح فيها نجاح ساحق، مش ذنبنا أن المجرم بعد ما اتسلم لحد كده هرب منه "
وبالطبع الجميع في هذه الغرفة يدرك جيدًا إلى ما يُلمح ذلك المقيت، حيث أن جميع الأنظار تحركت صوب رائد الذي لوى فمه وصمت..
تحدث الشرطي الاعلى في الرتبة :
" مش وقته كلام يا حضرة الظابط، أنا عايز أفعال، العيال دي لو متمسكتش ونضفتوا البلد منها، مش هيكون في صالح حد منكم "
اعتدل رائد في جلسته يحاول الحديث :
" يا فندم بس المعلومات اللي وصـ ...."
قاطعه السمج محسن مجددًا :
" ولا يكون عندك شك يا فندم أنا حطيت خطة متخرش الماية، ساعات والمجرمين يكونوا عندك "
ضغط رائد على أسنانه بحنق، يُذكر نفسه بسبب موافقته أن يصبح تحت قيادة ذلك المتعجرف، السبب الذي يجعله ينحت الصخر ويقطع اميالًا ....( ترقيته العزيزة )
ابتسم بسمة صغيرة :
" امرك يا فندم، كل شيء هيتم وفق تعليماتك"
وها هو يتبع تعليمات محسن بالذهاب لإحدى الحواري المصرية التي تزخر بالفاسدين وبائعي الحبوب المخدرة حيث وصل لهم بلاغًا من أهل الحارة عن وجود عدد كبير من الموزعين لذلك السم في المكان مما تسبب في أذية العديد من أبناء الحارة .
توقفت السيارة في منتصف الحارة بشكل مثير للرعب حيث تجمهر البعض لمعرفة ما سيحدث، كاد رائد يهبط من السيارة، لكن منعته يد محسن الذي ردد بعجرفة :
" أنا القائد هنا، يعني أنا اللي انزل الاول والكل ورايا، فاهم يا حضرة الظابط ؟!"
رفع رائد حاجبه وذكّر نفسه بالترقية التي قد ينالها جراء نجاح تلك المهمة :
" فاهم يا حضرة الظابط "
هبط محسن يتبعه باقية الضباط ومنهم رائد الذي كان يتأفف من كل ذلك، لكنه سار خلفهم بين أزقة تلك الحارة الضيقة بحثًا عن مقر هؤلاء الملاعين الذي استحلوا لأنفسهم تسميم عقول الشباب ...
كان هناك العديد من الصبية يركضون بين ممرات الحارة بملابس متسخة يصرخون ويهللون بسعادة كبيرة بأن هناك شرطة في حارتهم، وكأنهم مجموعة من المهرجين جاءوا لإسعاد الجميع .
صرخ محسن في الجميع بغلظة :
" اوعى منك ليه من السكة "
بدأ التجمهر ينفك والجميع يفسح الطريق لهم، ورائد عينه تدور في المكان حتى قادهم محسن إلى منزل كبير تكاد الأرض تبتلع جزء منه، جدرانه متهالكة والرطوبة تفوح منه بشكل مقزز.
توقف الجميع أمام المنزل في انتظار أوامر محسن، لكن رائد لم يرتح لما يحدث :
" محسن اصبر بلاش هجوم دلوقتي فيه حاجة غلط، الناس دي مش هبلة عشان ..."
وقبل أن يكمل جملته قاطعه محسن بتعنت :
" أنت هتقولي اعمل ايه ومعملش ايه يا حضرة الرقيب ؟! انا القائد عليكم هنا، يبقى اوامري أنا اللي تتنفذ، ودلوقتي اهجموا على المكان ده وجمعولي كل اللي فيه "
ازداد غضب رائد منه يحاول ألا يصرخ في وجهه بأن رتبته تلك أتت المعارف والده الواسعة، ولم يملك سوا أن يشير للعساكر بالهجوم ...
اقتحم العساكر الوكر بقوة منتشرين في أرجاء المنزل ورائد خلفهم وكذلك محسن الذي لم يوفر فرصة إلا وأخبره بها أنه القائد، وبمجرد أن دخل الجميع وجدوا نفسهم محاصرين بين مجموع من الشباب يحملون أسلحة متباينة وعديدة، ليدرك رائد أنهم ابتلعوا الطعم ببساطة وبسبب ذلك الاحمق خلفه .
صاح أحد الرجال الذين يحملون الأسلحة :
" يلا يا حبيبي كل واحد منكم يرمي سلاحه في الأرض كده ويركن على جنب "
اشتعلت عين رائد وكاد يتحدث لكن سبقه محسن الذي قال بعجرفة فارغة :
" استنى أنت يا حضرة الظابط أنا القائد هنا وانا اللي اتكلم "
رمقه رائد بشر قبل أن يعود للخلف مبتسمًا :
" عندك حق، اتفضلوا يا جماعة لو عايزين حد تتفاهموا معاه فالقائد معاكم اهو بنفسه، تقدروا تاخدوه تعملوا فيه اللي عايزينه "
حدق فيه محسن بصدمة كبيرة وقبل أن يتحدث بكلمة انطلقت رصاصة من سلاح ذلك الرجل وهو يقول بصوت مرعب :
" متخافش هنتكلم معاكم واحد واحد اصل النقاش بتاعنا كبير اوي اوي "
فتح محسن فمه ليتحدث، لكنه اغلقه كـ سمكة تتنفس أسفل الماء، لا يدرك حقًا ما يحب قوله في تلك اللحظة، هل يجب تهديدهم، أو الانصياع لهم حتى يخرجوا من ذلك الفخ اللعين ..
وجواره رائد يرمقه بتشفي كبير، فهو حاول تحذيرهم في المقر وهنا ايضًا، أن المعلومات التي وصلت لهم دقيقة بشكل مثير للريبة، ووصولهم هنا دون هروب العصابة يعني أنه ربما يكون فخًا، وقد كان، لكن الغريب في الأمر أن عصابة ضعيفة وغبية كتلك تمتلك الجرأة لمجابهة رجال الشرطة وبكل شجاعة تثير الريبة .
" ها يا قائدنا الهمام، هنعمل ايه يا باشا ؟؟ "
فجأة ووسط كل تلك النظرات استمع الجميع لصوت فتاة يخترق الجمع ليس وكأن هناك حربًا على وشك الاشتعال صارخة بصوت حاد :
" عبدالعظيـــــم ....."
ثم وفجأة اخترقت الجميع متحركة صوب أحد الشباب الذين يقفون في صف العصابة يحمل سلاحًا ودون مقدمات صفعته صفعة رنّ صداها في المكان قائلة بقوة :
"واقف وشايل سلاح عشان تدافع عن شوية الصيع بتوعك يا حيوان ؟! هتضيع نفسك عشان الزبالة دول ؟!"
صدح صوت الرجل الأكبر فيهم محذرًا :
" اطلعي من هنا يا آنسة تسبيح قبل ما تروحي في الرجلـ"
وقبل أن يتمم جملته صدحت صفعة أعلى وجهه بنفس قوة الاولى، جعلت أعين رائد تتسع اعجابًا وفمه يتكور ببسمة واسعة يراها تصرخ فيه بلهيب لم يره بسبب ذلك النقاب الذي يحول ما دون ذلك ..
تحدثت تلك الجنية التي تتيح في الاسود بصوت غاضب :
" مش أنت اللي تقولي اعمل ايه ومعملش ايه يا عرة الرجالة، فكرك هتروح من ربك فين بعد اللي عملته في الشباب يا عديم الرجولة "
اشتعلت عين الرجل وهو يصرخ باسم أخيها :
" عبدالعظيم ...خد اختك وأخرج من هنا أنا بس ساكت ليها عشان أنت واحد من رجالتي وإلا والله العظيم كنت دفنتها مكانها "
" بتحلف بالله؟! وأنت تعرف الله بعد اللي بتعمله ؟؟ بعدين مش هتحرك من هنا غير لما اشوفك مجرور زي الكلب قدام الحارة كلها، وتترمي في السجن مع امثالك "
أنهت حديثها، ثم استدارت تنظر لجميع عناصر الشرطة قبل أن تثبت نظرها على رائد قائلة برجاء :
" لو سمحت يا باشا خلصنا من القرف ده"
تقدم محسن لها نافخًا صدره بتكبر :
" كلميني أنا يا استاذة أنا القائـ .."
وقبل أن يكمل كلمته كانت يد رائد تدفعه بعيدًا بغيظ مسقطًا إياه ارضًا ضاربًا بكل شيء عرض الحائط، وأنه لا يجوز له معاملة قائده بهذا الشكل :
" بس بقى "
أبعد نظره عن محسن وهو يرمق الفتاة بجدية ونظرات محذرة لها بالذهاب من هنا :
" تمام يا آنسة، اتفضلي أنتِ بعيد عن كل ده "
تدخل عبدالعظيم يجذب يده أخته بعيدًا وهو ينظر لقائده باعتذار :
" تعالي معايا برة، بوظتي الدنيا مش كفاية المصيبة اللي وقعت علينا "
ابتسمت تسبيح بتشفي من خلف نقابها، لكن ظهر ذلك واضحًا في عينيها وهي تقول تتبع أخيها للخارج :
" المصيبة دي أنا اللي رميتها عليكم، أنا اللي بلغت البوليس "
اشتعلت عين الرجل وهو يحدق في تسبيح وكأنه يخبرها أنها بفعلتها وضعت نهايتها، لكن تسبيح لم تأبه شيئًا تسحب يدها من يد أخيها بقوة وصوتها يقطر حسرة ووجع :
" وانا اللي بلغت عليك أنت اول واحد يا عبدالعظيم، عشان تبقى تفتري على خلق الله وتبيع القرف ده يا ابن ام وابويا "
نظرت بعدها لرائد وقال :
" اتفضل يا باشا لم شوية الزبالة دي"
دفعت له أخيها :
" واولهم ده، خلي العدالة تاخد مجراها "
وقبل أن يتحدث أحد بكلمة واحدة صدح صوت رصاصة في المكان بأكمله وصوت زعيم تلك العصابة يقول بشر :
" يعني أنتِ يا بنت الـ ... اللي بلغتي عننا ؟؟ ده انا هخلي عيشتك أنتِ واخوكِ وابوكِ العاجز سواد عليكم ..."
__________________
كان يجلس أعلى الأريكة في بهو منزل صالح وأمامه عقب سيجارة لم تنتهي بعد، فقد كان يستنشقها وهو يغني باستمتاع..
في نفس الوقت الذي دخل صلاح المنزل يتحدث في هاتفه :
" لا أنا وصلت اهو يا دوبك هجهز واتحرك "
دخل بأقدام هادئة نحو المطبخ لا يرى ذلك الذي كان يتحرك باستمتاع أعلى الأريكة، غاب دقائق ثم خرج حاملًا كوبًا من الماء وهو مازال يتحدث :
" لا أنت بس رتب الدنيا وانا شوية وهكون هناك لسه باقي ست ساعات على المؤتمر ."
لمح صلاح محمود يترنح أعلى الأريكة ليضيق عينه بحنق شديد وما كاد يتحدث حتى ابصر صالح يخرج بتعجب من غرفته، لذلك ابتسم بخوف أن يكتشف ما يفعله محمود :
" صلاح ؟! غريبة جيت بدري انهاردة ؟!"
أنهى صلاح المكالمة مع رفيقه :
" ما أنت عارف عندي مؤتمر ادبي انهاردة في اسكندرية ولازم اكون هناك قبل ٧ المغرب "
هز صالح رأسه بتفهم وهو يرى أن محمود قد بدأ مبكرًا اليوم :
" تمام ربنا يوفقك يارب "
تحرك صلاح بعيدًا عنه يدخل غرفته يجهز فيها ورق المؤتمر وبدلته وكل شيء، ثم خرج ليدخل للمرحاض، لولا شعوره بدوار عنيف يضربه .
نظر نحو صالح الذي كان يجلس على الأريكة جوار محمود، مدّ يده له يحاول أن يلفت انتباهه، لكن فشلت مساعيه، وسقط ارضًا بعنف يشعر أن المكان يدور به والأرض تتحرك من أسفله، والأضواء تتراقص أمام عينيه .
وعلى الأريكة كان صالح يمسك ثياب محمود يجز على أسنانه بغضب وقد سأم من أفعال محمود :
" احمد ربك أنه ما اخدش باله منك ومن قرفك وأنه مسافر دلوقتي وإلا كان طين عيـ "
وقبل أن يتم كلماته سمع صوت اصطدام عنيف في الأرض استدار صالح ليبصر جسد أخيه ممدًا ارضًا، هنا وسقط قلبه ارضًا يصرخ بهلع :
" صــــــــلاح "
ركض صوب أخيه بسرعة كبيرة يحمل رأسه واضعًا إياها أعلى فخذه يجس نبضه برعب مناديًا إياه :
" صلاح حبيبي، مالك ؟؟ ايه اللي حصل ؟؟ صلاح رد عليا مالك ؟!"
شعر صالح بالرعب يتمكن منه وهو ينظر حوله بجنون قلبه يكاد يتوقف خوفًا وهو ينادي محمود أن يساعده ويطلب الاسعاف، قبل أن يلمح محمود يقف في بداية الممر حاملًا بين يده علبة عصير كبيرة متذمرًا بحنق :
" مين اللي شرب علبة العصير بتاعتي ؟! "
رفع له صالح عينه يستوعب ما يحدث محاولًا تكذيب ما وصل له للتو :
" عصير ايه ؟! قصدك التأشيرة المُعلبة ؟!"
هز محمود رأسه بتعجب، بينما حرّك صالح رأسه صوب أخيه الذي بدأ يتمتم بكلمات غريبة ويضحك بشكل مريب ليقول بصدمة :
" الظاهر كده صلاح حب يعمل جولة حوالين العالم"
حكّّ محمود فروة رأسه بتفكير يراقب تململ صلاح ارضًا وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة :
" يعني ايه ؟؟ كده العصير بتاعي بح ؟! ده انا لسه مشربتش منه بُق واحد "
وقبل أن ينهي جملته وجد صالح ينقض عليه خانقًا إياه :
" هتموت اخويا يا حيوان وبتقولي عصير ؟! ده انا اللي هعصرك واكسر دماغك دي لو حصل ليه حاجة يا كلب "
" يا عم وانا مالي ما هو اللي طفس وشرب العلبة كلها "
كان محمود يتحدث باختناق يحاول أن يبعد يد صالح عنه، لكن فجأة شعر بيده ترتخي تزامنًا مع ارتفاع صوت تمتمات صلاح وهو يقول :
" راكبة حصان وبتاكل لبانة "
استدار الاثنان ببطء ومازالت يد صالح حول رقبة محمود، يراقبون بصدمة ما يفعل صلاح فقد اعتدل في جلسته يفرك شعره بقوة حتى افسد ترتيبه المعهود، ومن ثم نهض يخلع سترته ملقيًا إياها ارضًا ثم تبعها بقميصه وبقي بجذع عاري ..
ثم تحرك صوب بهو المنزل، لكنه توقف ينظر حوله بتعجب وكأنه نسي ما كان سيفعل وقال بتعجب :
" هي راحت فين ؟! كانت لسه راكبة الحصان هنا من شوية ؟؟ "
كانت أعين كلٍ من صالح ومحمود تتحرك على صلاح وما يفعل والذي أخذ يرفع مفرش الطاولة وينحني ارضًا يبحث أسفل الأريكة عن صاحبة الحصان التي لا ينفك يذكرها :
" كانت بتشرب اسبرسو هنا وبتاكل لبانة "
حرّك صالح رأسه ببطء صوب محمود ودون كلمة واحدة لكمه بعنف وهو يصرخ :
" عملت ايه في الواد يا حيوان ؟!"
تأوه محمود بقوة وهو يبتعد عن مرمى يد صالح يتجنب غضبه :
" يا عم عملت ايه ؟! ما هو زي الفل اهو وآخر انبساط "
فتح صالح فمه ليجيبه لكن قطعه صوت رنين هاتف المنزل، استدار فجأة ليجد صلاح قد فتح المكالمة وهو يتحدث بجدية مثيرة للضحك :
" الو ميمو معايا ؟!"
صرخ صالح يركض صوب الهاتف جاذبًا إياه من يده في عنف كبير يحاول إبعاد أخيه عنه :
" اششش ميمو ؟! هو شربك ايه بالضبط ؟؟"
فجأة سمع صالح صوت والده عبر الهاتف يتحدث بتعجب :
" ميمو ايه ؟؟ مين معايا صالح ولا صلاح ؟؟"
حرك صالح شفتيه برعب وهو يلطم وجنتيه يلقي بجسد صلاح أعلى الأريكة مغلقًا الهاتف بسرعة يحاول أن يجبر أخاه على الاستيقاظ من حالة الهدر تلك، لكن صلاح استمر في ترديد كلمات غريبة :
" كانت قمر، قمر وبتاكل لبانة وبتركب حصان....طلعت مرات أبوه مش اخته....أبوه اتجوز القمر "
مسح صالح وجهه وهو يرمق محمود بشر، لكن الأخير في تلك اللحظة كان يجلس على مقعد مقابلًا له يدخن باقي سيجارته باستمتاع :
" يا عم مالك كده، سيبه يستمتع بدل ما هو عايش حياة كئيبة كده "
" أنت يا زبالة هتضيع الواد، بعدين هو ايه اللي حصل ليه ؟! ده مش طبيعي، اول مرة اشوفه كده، أنت مش بيحصل ليك كده لما تشرب "
هز محمود رأسه بايجاب وبنصف وعي شرح له :
" ده لأن النبتة دي زي ما قولتلك اقوي وكمان تأثيرها اطول واخوك طفس وشرب العصير كله "
فتح صالح عينه بصدمة ينقض على محمود جاذبًا ثيابه بعنف شديد :
" يعني ايه تأثيرها اطول ؟! صلاح عنده مؤتمر كبير بعد خمس ساعات "
" لا خمس ساعات ايه، اخوك هيفضل مهيس كده ليوم كامل يا حبيبي ده كأنه شرب خمس سجاير وبلع خمس حبات "
شعر صالح بالأرض تدور حوله وصوت غناء صلاح خلفه يكاد يصيبه بجلطة وهو يردد :
" أنا أنا بنوتة سكرة وكيوتة "
جلس صالح ارضًا جوار الأريكة التي كان صلاح يرقص عليها بحماس شديد ويغني بصوت مرتفع، يلطم وجنتيه ويحرك جسده كالنساء في المآتم :
" يا مصيبتك يا صالح، ده لما يفوق هيطين عيشتنا"
" يا عم مالك كده استهدى بالله، هيعمل ايه يعني هيسلمنا للبوليس؟؟ مش هيقدر هو اللي شارب مش احنا فاحنا هنبلغ عليه قبل ما يعملها "
ضحك صالح ضحكة عالية بحسرة وقهر :
" يبلغ عننا ؟؟ ياريت يبلغ عننا، ده أمنية حياتي يبلغ عننا بدل اللي هيعمله فينا، ده هيخلينا نمشي في الشوارع نعمل زيه كده، ده أما كانش اسود، ده جبروت"
هز محمود رأسه غير مهتم بشيء يستنشق دخان السجائر باستمتاع قبل أن يرى صلاح يهبط من الأريكة متحركًا في أرجاء المنزل يغني ويرقص بجنون وبحركات شبابية سبق ووصفها بالمقززة ومحمود بدأ يصفق له ويشجعه، بل ونهض له يشاركه ذلك الحفل بحضور سرب من البط المهاجر .
ردد صالح بنبرة باكية ومازالت يده تلطم وجنته :
" يا مصيبتك يا صالح، الولد عنده مؤتمر كمان اربع ساعات ونص في اسكندرية وهو اللي هيقدمه، هنعمل ايه ؟! ده لو فاق وعرف أنه فوته هنروح في مصيبة "
نظر له محمود بعدما توقف عن الرقص قائلًا بتفكير ونصف وعي :
" ليه بتقول كده ما هو هيحضر والدنيا هتبقى فل، مش هو اخوك"
نظر له صالح بسخرية :
" لا مرات ابويا، ايوه يا زفت اخويا، ايه مش عارف يعني أنه اخويا ؟؟ "
ابتسم له محمود بخبث يرتاح في جلسته للخلف وعينه تراقب دخان السجائر وصوته خرج هادئًا :
" لا عارف، بس شكلك أنت اللي مش عارف أنكم توأم..."
نظر له صالح لثواني قبل أن تتسع عينه يستوعب ما يرنو إليه محمود، منحه الأخير ابتسامة واسعة يفضي بما يفكر به صراحةً :
" أنت اللي هتقدم المؤتمر يا منعم ..."
_____________________
كلها خيوط تتجمع لتكون البَكرة، وها نحن على وشك الامساك بأول خيط، لكن بأي طريقة سنفعل ؟! على طريقة الألف أم كوز الذرة ؟؟؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل
الثالث
قبل القراءة ...
اردت أن اطلب منكم دعاء لأجلي، وربما ستجدونني اكرره في الفصول القادمة، لذلك ارجو ألا يثير ذلك سأمكم، لا اطالبكم بكتابة الدعاء يكفي أن يردد لسانك أو قلبك، وصدقًا الأمر يعني لي الكثير أن تأخذوا من وقتكم دقيقة لذكري في دعاء، لعل أحدكم إلى الله اقرب .
لذلك ارجو الدعاء لجدي بالرحمة .
والدعاء لي أن يحقق ربي ما اتمناه وتحلم به والدتي .
وكذلك الدعاء لجميع الطلاب في الثانوية سواء الأزهرية أو العامة أو الدبلومات الفنية، وفق الله جميع الطلاب وحقق أمانيهم...
صلوا على رسول الرحمة .....
عيدكم مبارك .
استمتعوا بكل لحظة ❤️
___________________
صمت طويل ساد عقب صوت الرصاصة الذي رنّ في الأجواء، ومن ثم صراخ ذلك الرجل بعنف كبير في وجه تلك الفتاة الجريئة التي اعترفت للتو وبكل شجاعة تُحسد عليها أنها هي من احضرت الشرطة للقبض عليهم ..
عادت تسبيح للخلف برعب ظهر جليًا في عينيها، بعدما تلاشت شجاعتها المزعومة والتي استمدتها من وجود الشرطة، ورغم خوفها لم تتوقف عن رمق أخاها بشرٍ وكأنها بلومها له ستنقذ نفسها :
" عاجبك ؟؟ عاجبك اللي أنت فيه ده ؟! عاجبك اللي وصلنا ليه يا عبدالعظيم ؟! يا رب يكون عاجبك ذُلنا والقرف اللي عيشنا فيه بسببك يا ..."
زفر الرجل بحنق يقطع حديثها ساخرًا :
" خلاص يا سنيورة مش وقته العتاب، ده حتى بيقولوا لو كان العتاب حلًا لما أسرّها يوسف "
امتصت تسبيح شفتيها بتأثر مصطنع، بينما عينيها تحدق في اخيها ساخرة مما هم به وما وصلوا إليه :
" شايف اهو المعلم اللي خلاك تسيب التعليم من اعدادي، غفلك واخد دورات حكم وامثال من وراك "
أنهت حديثها ترمق الرجل مجددًا بشر قبل أن يقاطعهم محسن الذي تمالك نفسه بعدما حدج رائد بغضب جراء دفعه، قائلًا :
" آسفين على قطع اللحظة الجميلة دي، بس فيه بوكس برة مستني المعلم والأخوة الكرام عشان ينوروه بطلّتهم"
استغل رائد ما يحدث مخرجًا هاتفه يطلب الدعم من اجلهم، علّهم يأتون في الوقت المناسب ناجدين إياهم من شِرك ذلك الرجل، خاصة بعد رؤيته لاعدادهم والأسلحة التي يمتلكون، منا زاد حيرته حول هوية من يمولهم...
تحركت تسبيح صوب عبدالعظيم ودون كلمة كانت تهبط بيديها على كتفه، جاذبة إياه من ثيابه بعنف :
" قدامي على البيت يلا حسابك معايا لما نروح "
وقبل أن تتحرك أوقفها رائد بسخرية لاذعة مما تفعل :
" لا معلش اسبقيه أنتِ واحنا هنخلص الـ game ده ويحصلك، على البيت فين يا آنسة ؟! هو احنا بنهزر ؟! كل العصابة هنا هيتقبض عليها بما فيهم اخوكِ واهو نربيه ليكم بدل ما هو ناقص رباية "
رمقت تسبيح عبدالعظيم بغل :
" سامع جايب لينا الكلام، والله يا عبدالعظيم لاسيبك تتعفن في السجن ولا هعبرك "
وبسبب انشغال الجميع في الحديث لم ينتبه أحد لانسحاب المعلم من بينهم وفجاة أُطفئت انوار المكان كله ليعم الظلام وتتعالى أصوات الرصاص والصراخ من كل مكان دون تمييز ..
وكان أول ما فعله رائد أن ركض صوب صوت تسبيح لتغطيتها، لكن فجأة شعر بضربة قوية على رأسها اسقطته ارضًا دون أن يعي ما حدث والأصوات بدأت تتلاشى شيئًا فشيء...
____________________
ترددت كلمات محمود المجنونة في عقل صالح مرارًا وتكرارًا، حتى انتفض بفزع من مكانه رافضًا تلك الفكرة بالمرة، بحق الله أي مؤتمر هذا الذي سيتولى مسؤولية تقديمه، يقدم مؤتمر ادبي، وهو الذي لا يُخرج ثلاث كلمات، إلا وكانت اثنتان منهم جارحة_ ودون شعور منه _ هو لا يستطيع ذلك، هذا ليس بمجاله، هو لا يستطيع التحدث لساعات عن الكتب والأدب، كل ما يفقه به في هذه الحياة هو وظيفته ودراسته؛ لذلك الوقوف بين جموع غفيرة من الأدباء وأصحاب الألسنة الفصيحة والاقلام الراقية والتحدث كان مستحيلًا له .
" أنت السجارة لحقت تعمل مفعول في عقلك ؟! مؤتمر ايه اللي أقدمه ؟؟ مش معنى أننا توأم يبقى زي بعض "
اقترب منه محمود يردد بجدية لا تتناسب مع حالته في تلك اللحظة :
" يابني أنت مكبر الموضوع ليه ؟؟ ده مؤتمر هتقف تقدم فيه الشخصيات المهمة، وهما هيدوك ورقة بالاسماء عادي مش هتقول حاجة من دماغك يعني، مش احسن ما يروح على اخوك ويصحى يطين عيشتك "
ابتلع صالح ريقه بصوت مسموع، يفكر فيما قاله رفيقه بينما يردد بشرود :
" زي الإذاعة المدرسية كده ؟؟ يعني اقول والآن مع النشيد والآن مع المعلومة وهكذا ؟؟"
" أيوة بالضبط اديك فهمت الدنيا ماشية ازاي، ويا عم لو انت قلقان أنا هاجي معاك ولو شوفتك اتزنقت اوي هتدخل وانقذك أنت عارف إني ايام الجامعة كنت بحب اقرأ واثقف نفسي كتير فمش موضوع كبير "
تشنجت ملامح صالح مخرجًا صوتًا ساخرًا من حنجرته يتذكر تلك الأيام التي يتحدث عنها محمود :
" لما كنت بتقرأ مجلة ميكي ؟؟ هو ده أخرك في الثقافة ؟!"
" وهي الثقافة ايه غير قراءة ؟؟ ده انا مخلص اعداد كتير من المجلة دي "
امتص شفتيه بحسرة على تلك الأيام التي ولت آخذةً معها واحدًا من خيرة الشباب المثقفين :
" ده انا كنت اقعد على المجلة مقومش غير لما اخلصها واحل اللغز، ايام والله "
ضرب صالح وجهه بيده وهو يستمع لغناء صلاح ورقصاته بينما يتحرك بين غرف المنزل كالكرة المطاطة :
" شكلها مش هتعدي على خير، هنسيب صلاح مع مين طيب ؟؟"
سحب محمود بعض الأنفاس من سيجارته يفكر بجدية :
" اتصل برائد خليه يجي يقعد معاك، قوله إن صلاح سافر اسكندرية، وانت قاعد في البيت لوحدك وتعبان، وهو يجي ياخد باله من اخوك على أساس أنه أنت "
أشار صالح صوب أخيه بصدمة :
" أنت عايزة يفكر صلاح أنا ؟؟ ليه اهبل مش هيعرفنا من بعض ؟!"
" والله يا صاحبي اخوك في اللحظة دي اسوء منك بمراحل، وبقى حالته زي الزفت اكتر منك، فلا مش هيعرفكم من بعض، ولخص بقى عشان الوقت بيعدي واحنا عندنا سفر "
نظر صالح نظرة أخيرة لصلاح الذي كان يستند بذراعه أعلى طاولة المنزل حاملًا على أذنه الهاتف متحدثًا به بكلمات إحدى الأغنيات الغريبة ...
نفخ بضيق :
" يارب عديها على خير "
__________________________
كانت تقف في حديقة القصر الخاص بعائلة الاشموني الموقرة، تضع أمامها لوحة تصويب بينما تضع أعلى ظهرها حاملة سهام، فـ ميمو بكل وقت فراغها منذ رحيل زوجها العزيز وهي تعلمت العديد من الرياضات الغريبة والفروسية والمبارزة و السهام، ربما ذلك بسبب تأثرها بحكايات والدها قديمًا عن الملوك والأمراء الذين كانوا يجيدون هكذا رياضات .
ابتسمت تجذب السهم للخلف أكثر وأكثر، تغمض عين واحدة والأخرى مثبتة أعلى لوحة التصويب، ثم في ثواني تركت السهم يدور في الهواء بسرعة كبيرة، ليتوسط اللوحة بكل مهارة، مما جعلها تبتسم بسمة جانبية فخورة .
سحبت سهمًا آخر من غمدها تعيد نفس فعلتها الأولى، لكن قبل قذفه لمحت سعيد يهبط من سيارته يتحدث بهاتفه في اهتمام كبير، ارتسمت بسمة مخيفة أعلى فمها تُحرّك السهم ببطء مغيرة اتجاه قذفه حتى استقر على نقطة محددة لتتركه يطير في الهواء صوب هدفه والذي كان هاتف سعيد الذي اصطدم فيه السهم بقوة جاعلًا إياه يطير في الهواء بشكل جلب صرخات سعيد .
" ايه اللي بيحصل ده ؟!"
رفع سعيد عينه لميمو التي كانت تقف وقفة مثيرة ترمش ببراءة :
" يووه هو جه فيك يا سعودي، يقطعني الظاهر كده فلت مني بالغلط "
اشتعلت عين سعيد بشر بعد اهانتها له وأمام عمال الحديقة ورجال الأمن خاصته، واشتعال عينه لم يحرك شعرة واحدة من ميمو التي تحركت بعبث تنحني ممسكة بالهاتف مرددة :
" شكلك كده هتحتاج تشتري تليفون تاني "
وقبل أن تنهض شعرت بيد تجذب شعرها بقوة مجبرة إياها على الوقوف لتقابل عينها عين سعيد المشتعلة والذي همس من بين أسنانه بشر :
" فكرك أنا ممكن استحملك لامتى ؟!"
ورغم الوجع الذي امتد من خصلات شعرها ليشمل رأسها بأكملها جالبًا تنميل غير مرغوب به هناك إلا أنها ابتسمت تعبث بأزرار سترته :
" لغاية ما ربك يسترد أمانته "
افتر ثغر سعيد عن بسمة مقيتة جعلتها تنظر له بتحدي كبير :
" وفكرك ربك هيسترد أمانته امتى يا ميمو ؟!"
" الاعمار بيد الله ودي كلها غيبيات يا سعودي، لكن ربنا يطول في عمري وعمرك يا غالي لغاية ما اشوفك والع قدامي "
ترك سعيد شعرها بقوة ملقيًا إياها ارضًا في شكل مهين أمام جميع الرجال، ثم هوى على وجهها بصفعة عالية وصوته خرج بفحيح :
" متحلميش كتير يا تربية الحواري، يوم ما نهايتي تيجي اكيد مش هتكون على ايدك يا زبالة "
كانت رأس ميمو منخفضة ارضًا بشكل يوحى للجميع أنها تبكي، إلا أنها رفعتها ببساطة تبعد خصلاتها على وجهها مبتسمة بشكل مستفز :
" كده برضو يا سعودي تمد ايدك على امك ؟! لو جاد كان عايش دلوقتي كان زمانه زعل اوي على فكرة، بعدين مش ميمو حبيبتك أولى من الغريب ؟؟ يعني تموت على ايد غيري وانا موجودة ؟! والله عيب عليك ده احنا حتى عيلة يا اخي "
استفزته ؟! نعم وبشدة، بل جعلته يحترق وهي تحدق فيه بتحدي، تلك المرأة كانت أكثر امرأة متمردة عرفها في حياته، وستكون نهاية تمردها على يده.
إلا أنه لن يتخلص منها الآن، ليس حتى يفعل ما يفكر به.
اعتدل سعيد في وقفته يتحرك صوب الداخل بخطوات مهرولة جعلت ميمو تردد بفزع وخوف :
" على مهلك يا حبيبي لاحسن تتكفي على وشك تتخنق ونخلص منك، يا ام منصور اعملي كوباية لمون لسعودي لاحسن الحالة رجعتله تاني "
أنهت حديثها تبتسم بشكل مخيف واضعة يدها أعلى وجنتها الساخنة قبل أن تنتفض على رنين هاتفها، رفعته أمام عينها بتعجب تراقب اسم ذاك الصحفي يتراقص على شاشتها...
ابتسمت بسمة جانبية خبيثة وهي تنظر لباب المنزل ثم أجابت على الهاتف تقول بصوت عابث :
" الو يا حبوب لحقت اوحشك ؟!"
وكل ما وصل لها من صلاح هو صوت غير متزن وانفاس بطيئة جعلتها تفكر فيما يحدث بريبة وقبل أن تبادر في التحدث مجددًا سبقها صلاح بالقول :
" معاكِ لبان ؟!"
" لبان ؟!"
وصل لها همهات غريبة وصوت صلاح يقول :
" اممم، عايز اقابلك عشان حاجة مهمة "
" بخصوص ؟!"
" سعيد ...."
_______________________
بعد ساعات كان يجلس في مركز الشرطة حيث يعمل برابطة أعلى رأسه مكان الجرح، وأمامه يقبع قائده، بعد تسليم جميع المجرمين عدا المعلم الذي استطاع الهرب، بعدما قام أحد صبيته بقطع الانوار عن المنزل لتأمين هروبه، وكان ذلك كله قبل وصول الدعم بدقائق، ليتم القبض على الباقيين .
صوت اللواء يعلو في ممرات القسم بأكمله صارخًا بهم أنهم اخفقوا جميعًا وقد هرب الرجل الذين شنوا لأجله خصيصًا تلك الحملة .
رفع رائد عينه لمحسن يردد بصوت خافت ساخر :
" ايه يا محسن؟! يعني مش سامعلك صوت ولا نطقت حتى ؟! مش أنت القائد ولا ايه ؟؟"
نظر له محسن ثواني قبل أن يهز رأسه بالموافقة على حديثه، ثم تقدم الجميع نافخًا صدره بشجاعة غريبة جعلت رائد يبتسم بعدم تصديق :
" ده باينه هيعملها ولا ايه ؟! لا محسن اوعى تفدينا بنفسك كده هضطر احبك "
ابتسم محسن يقول بكل هدوء وعملية :
" يا فندم أنا كنت المسؤول عن الفرقة دي، وكل شيء تم في العملية كان بأمر مني "
فتح رائد عينه بانبهار وهو يردد :
" والله الواد محسن ده جواه انسان صغير كده "
لكن ما كاد يتم جملته حتى سمع صوت محسن يهتف بجدية اكبر :
" ماعدا هروب رئيس العصابة، كان بسبب النقيب رائد ومخالفته للأوامر ولولا اللي عمله كان زمان الراجل الكبير معانا دلوقتي، وعشان كده يافندم أنا برفع التقصير عن فريقي وبحمله بالكامل للنقيب رائد "
تنفس رائد الصعداء في لفتة غريبة على هكذا موقف، لكنه فقط وضع يده أعلى منطقة قلبه مرددًا براحة شديدة :
" الحمدلله يا محسن لحقتني قبل ما احبك، لسه الكلب اللي جواك عايش، مخيبتش املي فيك "
نظر اللواء لرائد :
" ايه ردك على الكلام ده يا سيادة النقيب ؟؟"
" يا فندم أنا سبق وبلغت الكل أن اساسا المهمة دي من الاول فخ، يعني ايه نروح الحارة وندخل مقرهم بدون ما يعترضنا حد؟! ثم العيال دي لا يمكن تكون مجرد عيال بتوزع مخدرات كده عادي، لا دول وراهم ناس مسنودين اوي وإلا مكانوش وقفوا في وشنا من غير ما يهمهم حاجة "
نظر اللواء لهم ثواني قبل أن يهز رأسه في حركة غامضة لم يستشف منها أحد شيئًا، ثم أشار لهم جميعًا:
" تمام اتفضلوا على شغلكم لحين استدعائكم مرة تانية "
أدى الجميع تحيته العسكرية ورحل عدا رائد الذي نظر لهم، ثم عاد ونظر لقائده واردف برجاء وبسمة صغيرة :
" بالنسبة للترقية يا فندم كنت ..."
صرخ اللواء في وجهه بحنق :
" ترقية ايه يا حضرة الظابط وعلى ايه ؟! نص العصابة بزعيم العصابة هربوا، اديك ترقية على ايه بالضبط ؟!"
" على نيتي يا فندم، والله انا نيتي كانت خير وانا رايح المهمة دي وكلي امل ارجع بالترقية"
أشار اللواء دون كلمة للباب واعينه ترسل رسالات تحذير لرائد الذي تحرك نحو الباب بتردد وهو يقول بحزن :
" طب نسر واحد يا فندم، إن شاء الله عصفور كناريا حتى بدل ما الكتافة كلها نجوم كده "
" بـــــــرة "
ركض رائد للخارج بآمال محطمة وكل ذلك بسبب ذكر الخرتيت الذي رافقه لتلك المهمة، والتي لم ينل منها سوى ضربة رأس ستترك ذكرى لوقتٍ طويلٍ.
وعلى ذكر تلك الضربة لمح رائد تسبيح تقف مع أخيها أمام مكتب الشرطي الذي تولى التحقيق معهم وهي تصرخ في وجهه وتضربه على كتفه بحنق :
" عجبك كده ؟؟ عجبك البهدلة دي ؟! والله يا عبدالعظيم لو طلعت من الليلة دي سليم لأكون مكسرة رجولك عشان تبقى تمشي في طريق الحرام، أنا عايزاك تاخد جزاك و..."
وقبل أن تكمل كلمتها لمحت بطرف عينها صورة رائد يقف بعيدًا ينظر لها بشر وعداء واضح، ابتلعت ريقها تتراجع خلف الجميع متذكرة كيف طرحته ارضًا ظنًا أنه أحد أفراد العصابة ..
اقترب منهم رائد ومازال يرمقها بشر، لكنه لم يقف عندها، بل تجاوزها ببساطة هامسًا بصوت وصل لها واضحًا :
" ده السجن لاخوكِ ارحم من عيشته مع واحدة زيك يا شيخة "
شهقت تسبيح بصوت عالي وظلت متصنمة ثواني حتى فاقت على صوت العسكري يسحب أخيها رفق من مُسك معهم من العصابة وهي ما تزال تنظر للممر الذي اختفى به رائد وغضبها يشتعل أكثر من وقاحته .
________________________
بعد ساعتين من السفر تقريبًا استقرت سيارة صالح الصغيرة والمشابهه لخاصة أخيه أمام مبنى كبير مخصص للمؤتمرات الهامة والاجتماعات .
تعلقت أنظاره بالمكان وكأنه سيتحول لوحشٍ وينقض عليه ملتهمًا إياه، لمح في المرآة المجاورة له جزء من وجهه وتسريحة شعره المرتبة بشكل يستفز أنامله لافسادها، فتح باب السيارة ثم هبط منها بهدوء يحاول أن يصطنعه، امتدت يده تسحب بنطال البذلة المزعجة العائدة لأخيه والذي تركه يرقص مع بعض الاشباح في المنزل .
تنفس بعمق يحاول منع يده من نزع تلك السترة ودهسها بأقدامه في عنف كبير، ثم يفسد تلك التسريحة المقيتة التي تعلو رأسه وبعدها يخلع بنطاله ويسير بالبنطال القصير الذي يرتديه اسفله ( الشورت ) .
لكنه تنفس مجددًا يذّكر نفسه أنه الآن صلاح السقاري الراقي واللبق والهادئ و..
وقبل أن يكمل كلماته لنفسه وجد فتاة تصطدم به بحدة كبيرة جعلته يلوي فمه صارخًا بصوت عالي :
" جرا ايه يا ماما ما تبصي قدامك ولا اتعميتي !!"
ركض له محمود بسرعة ينظر حوله في رعب جلي وهو يكتم فم ذلك الرجل الذي يخفي في حنجرته سلة مهملات يلقي بها كل من يراه :
" اششش الله يسامحك هتودينا في داهية، حد يتكلم كده مع بنت يا غبي وعشان خبطت فيك غصب عنها "
أبعد صالح يد محمود عنه بغيظ :
" غصب عنها ؟! هتشيل كتفي وتقول غصب عنها ؟! دي مركبة حديد خرسانة في كتفها مش معقول يكون ده لحم وعضم عادي "
مسح محمود وجهه بغيظ يخرج إحدى سجائره فهو في حالته العادية لن يتمكن من احتمال تلك القنبلة الموقوتة التي نبت لها أيدي وأرجل ولسان، اشعل سيجارته يقول وهو ينفخ الدخان بعيدًا :
" كنت بتقول ايه بقى ؟؟"
رمقه صالح بغيظ كبير وقبل أن يصرخ في وجهه سمع صوت خلفه ينادي اسمه :
" دكتور حضرتك هنا ؟!"
فتح صالح عينه بصدمة يمسك بثياب محمود :
" اتكشفنا، واحد عرفني قولتلك نزود جل شعر، حد كشفني "
رفع محمود عينه صوب ذلك الرجل الذي اقترب منهما مرتديًا بذلة منمقة فخمة بشكل كبير ليقول بصوت منخفض :
" واحنا من امتى عارفين ناس نضيفة كده، اكيد قصده اخوك مش أنت "
" ده بيقول دكتور، صلاح مش دكتور، ده كان ادبي "
وقف الرجل أمامه يقول ببسمة مادًا يده :
" دكتور صلاح، سعيد بوجودك هنا انهاردة المؤتمر اكتمل بوجودك والله "
اجابه صالح بأقصى كلماته رقيًا وبشكل ظنه مثقفًا لبقًا :
" الله يكرمك "
شعر بضربة قوية في خصره من محمود الذي هتف من بين أسنانه :
" الله يكرمك ايه ؟! هو أنت بتشحت منه حسنة يا غبي ؟! اديله رد مثقف علمي، ابهره بمصطلحاتك اللغوية"
ابتسم صالح يحاول تطبيق كلمات رفيقه في رأسه، يبحث في عقله عن تلك المصطلحات اللغوية التي يجب الاستعانة بها اليوم، لكن كل ما خرج به من عقله هو بعض الردود الغبية الخاصة به و بعض الشتائم التي يحاول الاقلاع عنها، و شطيرة بطاطس ومخلل .
ظهر العجز واضحًا على وجه صالح مما جعل محمود يتدخل وهو يمد يده قائلًا بعدما أخفى سيجارته خلفه :
" أهلًا بحضرتك، أنا محمود الصديق المقرب للدكتور صالح "
ابتسم له الرجل يبادله المصافحة وهو يردد بجدية :
" اهلا يا استاذ محمود، اتشرفت بمعرفتك، حضرتك كاتب كتب برضو ؟؟ "
" امال يا فندم أنا ليا مؤلفات كتير مشهورة في السوق "
وظهر الانبهار جليًا أعلى وجه الرجل الذي اعتدل في وقفته يطالع محمود بشغف :
" بجد ؟! اتشرف باسم مؤلفات حضرتك، لعلي أنال يومًا شرف مطالعتها "
رمقه محمود ببلاهة لأول مرة في حياته يسمع كل تلك الكلمات المنمقة في جملة واحدة مما تسبب له بحدوث عطل في أسلاك عقله :
" ها ؟!"
" مؤلفات حضرتك، اسمها ايه ؟؟"
نظر محمود لصالح الذي كان يبتسم بتشفي يحاول أن يكتم ضحكته على صديقه والذي كان منذ ثواني يوبخه لعدم تحدثه بلباقة والآن ينظر للرجل وكأنه يتلو عليه لوغاريتمات معقدة .
ابتلع محمود ريقه يقول اول ما جاء في رأسه:
" اه مؤلفاتي، اكيد ليها اسم يعني، كتبت سلسلة كتب بتناقش تفكير الشخص اللي مش واعي بالدنيا، وايه اللي بيحس بيه تحت عنوان ( الحل الصايع في العقل الضايع)"
وبمجرد انتهاء كلماته حتى فغر الرجل فمه يردد ببلاهة :
" عفواً ؟؟"
في تلك اللحظة سمع الجميع صوت أحد الرجال يركض صوبهم بلهفة :
" استاذ صلاح فكرت حضرتك مجتش، اتفضل لأن المؤتمر هيبدأ وحضرتك اللي هتفتتحه "
نظر صالح لمحمود بصدمة ليبتسم له محمود بغباء يشعر الآن وفي تلك اللحظة بخطورة ما أقدموا عليه ...
_______________________
دسّ مفتاحه في باب منزله، لا يدري ما يحدث لكن مكالمة صالح له بأنه مريض جعلته يهرع للمنزل في خوفٍ كبير، خاصة لمعرفته أن صلاح قد سافر بالفعل للإسكندرية لأجل مؤتمره، فترك إحدى غاراته واوكلها لصديقه وجاء لأجله.
فتح رائد الباب وبمجرد أن خطى داخل المنزل، حتى تراجع للخلف مرتعبًا مما حدث فقد كان المنزل كما لو أن اعصارًا ضربه للتو، أخرج سلاحه بأيدي ثابتة، وخطواته أضحت حذرة أكثر، يخطو واحدة ويتمهل قليلًا..
أخرج هاتفه يجهزه على الاتصال بالمركز الخاص به حتى إذا احتاج طلب الدعم، فما يظهر أمامه هو محاولة سرقة واضحة، كما لو أن شخصًا عكف على البحث في أرجاء المنزل عن شيءٍ ما .
تحرك صوب غرفة صلاح والتي كان يخرج منها صوت صاخب، ابتلع ريقه يختبأ جوار الباب عد لثلاثة، ثم خرج بشكل مفاجئ يرفع سلاحه في الهواء صارخًا :
" ايدك فوق ...بوليس "
لكن فجأة تصنم جسده وعينه متسعة بشكل مثير للضحك لا يفهم ما يحدث أمامه، انزل سلاحه ببطء يراقب جسد صالح _ صلاح _ يقفز على الفراش وهو يغني بصوت مرتفع يرتدي ثياب خاصة بصلاح غير منمقة، فقد كان يرتدي بنطال من الجينز قصير على فانلة بيضاء ورابطة عنق وسترة خاصة بالثياب الرسمية .
كان صلاح يرقص أمام المرآة الخاصة به وهو يغني بسعادة وقد ارتفع مستوى هرمون الادرينالين في جسده بشكل مرعب ..
اقترب رائد من صلاح ظنًا أنه صالح وقد اصابه مسٌ من جنون :
" صالح أنت اتجنيت ؟؟ انت اللي عملت كده في البيت ؟!"
التفت صلاح لرائد الذي كان يحدق فيه بشك وقال بسعادة :
" ها ايه رأيك ؟! حلو ؟! اصل مستني صاحبة الحصان "
رفع رائد حاجبه يقترب بشكل خطير من صلاح، ثم ودون انذار جذب ذقنه بين أصابعه بشكل قوي يقترب بأنفه من وجهه يشتمه بشك :
" أنت شارب ايه؟! ؟! شارب مخدرات ؟؟"
" لا، عصير "
فتح رائد عينه بصدمة من نبرته الغير متزنة وعينه الزائغة ليتأكد في تلك اللحظة أن صالح مخمور، وبدلًا أن يستاء ويغضب ويشعر بالحزن لأجله، رسم بسمة واسعة على فمه، والترقية تلوح له بالأفق، تردد صوته بخبث وسعادة في المكان :
" واخيرًا سأنال الترقية ."
______________________
مكبر الصوت على بُعد انشات صغيرة من فمه أعلى مسرح يتوسط ذلك المكان المهيب وأمامه يجلس العديد من الرجال ببذلات كان يرى أخاه يرتدي الكثير منها سابقًا .
دار صالح بعينه في المكان يحاول أن يستدعي كل ذرة ثقافة تلقاها بالخطأ أثناء حياته البائسة تلك، تذكر صالح أنت طبيب، نلت درجة علمية عالية، لا بد أنك خلال حياتك تلك قد تعرضت للعديد من الكلمات الفصحى الراقية بعيدًا عن مجال الطب.
ابتلع ريقه يضرب أعلى مكبر الصوت وهو يردد بتلقائية اعتادها أثناء مزاحه سابقًا :
" Test , test , test ... الله الله"
وفجأة ارتفع تصفيق حاد في القاعة ولم يكن بحاجة للبحث عن مصدره ليعلم أنه خرج من محمود الذي كان يرتاح بظهره على مقعد جلدي فخم، يكاد ينام عليه هاتفًا بثقة :
" عظيم، عظيم "
ابتسم له صالح يتذكر كلمات الرجل الذي استقبله وأخبره أنه فقط عليه تقديم المؤتمر والحديث عن آخر أعماله بشكل عام، لذلك استهل حديثه وهو يقول :
" السلام عليكم جميعًا، يارب تكونوا بخير وكل عيلتكم بخير، احب ارحب بيكم انهاردة في المؤتمر الادبي، و..."
صمت ينتظر مساعدة من عقله، لكن كل ما وصل له هو فراغ ولا شيء سواه، لذلك انتقل من تقديم المؤتمر للحديث عن الكتاب الخاص بأخيه والذي يقبع بين يديه نسخة منه، لوح صالح بالكتاب في الهواء وهو يردد بفخر كبير اصطنعه :
" الحمد لله الذي رزقني نعمة اللسان لكي أتحدث به وأعبر عن وجهة نظري في كل الأمور، والحمد لله الذي رزقني نعمة العقل لأفكر به وأستوعب كل ما حولي من موضوعات مختلفة، وأفكر في حلًا لها، والذي سوف يمكني من الحديث عن هذا الكتاب الشيق الذي تمنيت كثيرًا أن أتحدث به "
نظر محمود حوله ليشعر لوهلة أنه سمع صوت صرصار الحقل يرنّ صداه في المكان بعد ما قاله رفيقه، نهض من مكانه يبتسم للجميع متحركًا صوب المسرح يسحب يد صالح بعيدًا عن المكبر قائلًا بحنق :
" أنت ياض متخلف ؟؟ هو موضوع تعبير ؟؟ ده أنت ناقص ترصلهم افكار الموضوع وتتكلم عن كل فكرة وفي الآخر تقولهم ( أتمنى من الله أن تكون كلماتي نالت إعجابكم) "
همس صالح من بين أسنانه بغيظ فكل ما بهم هو خطأه ورغم ذلك يحدثه هكذا :
" وأنا اعمل ايه يعني ؟! ده أخري في الفصحى واللباقة والأدب ومن بعد كده انت عارف، وبعدين ما أنا قولت دي احسن مقدمة عشان اتكلم عن الكتاب "
نظر محمود للحضور وقد بدأ بعضهم يتاهمس ويتململ في جلسته بشكل جعله يرسم بسمة غبية وهو يقول :
" نط من المقدمة وأبدأ قدم الناس، اخلص خلي يومنا يعدي "
هز صالح رأسه وهو يعود صوب المكبر، بينما تحرك محمود لمقعده مجددًا يستمع لكلمات رفيقه الذي قال :
" ولأن خير الكلام ما قل ودل، فدعونا نرحب بالاستاذ دانيال بطرس المتحدث "
أنهى حديثه ليعلو تصفيق وتصفير من فم محمود محفزًا الباقيين لتحية دانيال ذلك والتغاضي عما حدث، بينما صالح ابتسم للجميع بغباء ..
وبين مقاعد الضيوف كانت تجلس ترمق ما يحدث ببلاهة وهي تتحدث لمروة التي أصرت عليها بالمجئ لحضور مؤتمرًا ادبيًا لكاتبها المفضل، واعدة إياها أن تنبهر بفصاحته ومهاراته :
" هو ده اللي جيباني عشان اقعد ساعتين اسمع فصاحة لسانه واقول الله ؟؟"
كانت هذه كلمات رانيا التي خرجت مستنكرة لما تفعله مروة فهي لم تكتفي باحضارها هنا، بل تحدتها أن تذهب صوب ذلك الكاتب العظيم وتطلب منه صورة وتوقيع جراء خسارتها في لعبتهما ..
قالت مروة بتعجب :
" مش عارفة هو حصله ايه، والله كان فصيح وبيتكلم زي الفل، مش فاهمة ماله كده ؟!"
ابتسمت رانيا بسخرية :
" ياستي مكانش كده ايه، ده واقف على المسرح ولا كأنه بيقدم إذاعة مدرسية، ده المؤتمر بقى مهزلة "
هزت مروة رأسها بعدم اهتمام :
" ميهمنيش المهم هاخد صورة معاه المرة دي عشان المرة اللي فاتت ملحقتش، وأنتِ كمان هتعملي اللي قولتلك عليه "
زفرت رانيا بحنق تنظر لذلك الكتاب الذي يقبع بين اصباعها بغيظ شديد تتمنى لو تذهب وتطبع عليه وجه ذلك الذي يُسمي نفسه كاتبًا ظلمًا وتخبره أنه فاشل .
وبعيدًا على أحد المقاعد الخلفية كان يجلس يراقب ما يحدث ببسمة ترتسم على وجهه وشعور بالكره يتولد داخله لذلك الغبي الذي يستمر في مهاجمته في مقالاته وكتبه، نظر جانبه لأحد الرجال يشير له بالتحرك، وقد فعل بعدما ابتسم له ثم نهض ينتظر خارجًا لينفذ ما أُمر به منصور الاحمدي، ثاني الاسماء الذين عكف صلاح على مهاجمتهم بعد سعيد الاشموني، فذلك الحقير حرص على صنع عداوة له في كل مدينة .
وعلى المسرح حيث شقيق الأبله، كان دانيال بطرس يتحدث بألفاظ منتقاه عن أحدث أعماله بفخر شديد وجواره صالح يهز رأسه ببسمة وكأنه يهتم لما يتحدث به :
" حتى أن عملي الاخير قد نال شرف أن يُقرأ بواسطة الكاتب الشاب صلاح السقاري، وقد نبت منه وعدًا بمراجعة أدبية عنه في هذا المحفل؛ لذا فها أنا اطالبه برأيه "
أنهى دانيال حديثه وهو ينظر ببسمة لصالح الذي كان ينظر لاظافره وهو يلوي شفتيه لا يعي ما يحدث قبل أن يسمع صوت تصفيق حار ليرفع عينه ظنًا أن دانيال أنهى كلماته، فابتسم وهو يصفق له، لكنه تفاجئ من دانيال يسحبه بلطف :
" اتفضل يا استاذ صلاح "
فتح صالح عينه بصدمة وهو يحاول الأفلات من يده فبدا كما لو أن دانيال يسحبه للمذبح وهو يقول :
" مش حضرتك وعدتني هتقول رأيك في كتابي الاخير ؟!"
وجد صالح نفسه فجأة أمام مكبر الصوت مرة أخرى والجميع ينظر له ببسمة، نظر جواره لدانيال :
" اقول ايه مش فاهم ؟!"
" المراجعة الأدبية بتاعة حضرتك حول كتابي الاخير"
شعر صالح بالتشويش وهو يبتعد عن المكبر هامسًا :
" معلش مش فاهم برضو، حضرتك مش خلصت كلمتك خلاص ؟! انادي على اللي بعدك ؟!"
ضحك دانيال وهو يربت على كتفه صالح ظنًا أنه يمزح :
" أيوة بس قبلها مستني رأيك في كتابي الاخير زي ما وعدتني "
حدق به صالح، قبل أن ينظر نحو الجمهور يحاول معرفة ما يجب فعله، ثم عاد لدانيال يقول :
" كان جميل تسلم ايدك "
ضحك دانيال بصوت عالٍ أثار فضول جميع الحضور لمعرفة سبب ضحكاته، بينما دانيال يردد ببسمة :
" صدقني أنك على الحقيقة ذو حس فكاهي عظيم، ارشحك وبقوة للاتجاه إلى الأعمال الكوميدية "
" الله يخليك، المرة الجاية باذن الله "
ابتسم دانيال يقترب من المكبر وهو يتحدث بجدية وبسمة :
" نعتذر يا سادة على التأخير، ولكن الاستاذ صلاح صاحب دعابة وحس فكاهي عظيم، ودلوقتي هو هيبلغكم رأيه في الكتاب الاخير بتاعي، اتفضل يا استاذ صلاح"
نظر صالح حوله للوجوه المبتسمة والثياب الراقية، يحاول أن يتذكر آخر مرة وقف هكذا في أحد المؤتمرات الطبية، يحاول أن يتجاهل تلك الاضواء التي كادت تصيبه بالعمى، حدق بدانيال المبتسم وهو يقول :
" الحقيقة الكتاب كان جميل وخفيف على القلب كده، ويخلص في قعدة مع كوباية شاي، واحب اشكر استاذ دانيال على كلماته الجميلة اللي كتبها واقوله أن الكتاب ساعدني إني اعدي محن كتير اوي وحسيت كأن الكتاب بيوصفني بالضبط وكأنه اتكتب عشاني "
نظر له دانيال بدهشة وقبل أن يعلق على حديثه، سمع صوت تصفيق حار يصدر من أحد أركان القاعة وصوت تصفير :
" احسن واحد يقول رأيه والله، كاتب بالفطرة وأديب عالمي يا خويا "
ابتسم صالح بسمة واسعة لمحمود، ثم أمسك الورقة أمامه يقدم الشخص التالي بسرعة قبل أن يقاطعه أحدهم ويطالبه بما لا يملك قدرة على فعله .
في الوقت الذي توقف تصفيق محمود وعينه ثُبتت على الشاشة التي تعرض خلفه غلاف ذلك الكتاب الخاص بدانيال بطرس تحت عنوان " مشاكل النساء في الالفينات "
________________________
يقود سيارته بسرعة الملهوف صوب حلم انتظره سنوات، وقد كان ذلك هو أدق وصف لحالة رائد الذي يقود السيارة وهو يصفر ويغني بسعادة كبيرة، فها هو على أعتاب نيل ترقيته العزيزة ..
نظر جواره لجسد صلاح الذي يعتقده صالح ليجده قد سقط في غفوة طويلة منذ أجبره على الخروج من المنزل بعدما ساعده في تبديل ثيابه لأخرى آدمية .
أخرج رائد هاتفه يتحدث بجدية مع زميل له :
" الو يا جَميل، بقولك لو قبضت على متعاطي مخدرات ممكن أخد ترقية ؟؟.....صعب ؟! طب لو تاجر مخدرات ممكن ترقية ؟؟"
نظر جواره لصالح قبل يضيف بجدية :
" هياخد وقت ازاي يعني ؟! هو لازم يكون خطير عشان اعمل إنجاز لما اقبض عليه ؟! ....طب بقولك لو قاتل متسلسل عادي ؟؟ "
ابتسم بسمة واسعة يغلق الخط مع صديقه، ثم مال قليلًا على صلاح يهمس له :
" بقولك يا صالوحة يا حبيبي عادي لو غيرنا الاتفاق وبقيت قاتل متسلسل ؟! صدقني هي العقوبة مش هتفرق كتير، وانا هساعدك تاخد مؤبد مش اعدام ماشي ؟؟"
لم يصل له سوى صوت تأوهات خافته من فم صلاح الذي بدأ يشعر كما لو أن العالم يدور حوله، كلمات ونغمات تتردد في أذنه دون أن يعي شيئًا، عقله مشوش وعينه لا تطيعه فلا يستطيع فتحها .
اعتدل رائد في جلسته وهو يتوقف بالسيارة أمام مركز الشرطة بسعادة، ثم استدار ينظر لوجه صلاح بامتنان :
" مش هنسى ليك الجِميل ده يا صالح ابدا "
___________________________
انتهى المؤتمر على خير، أو هذا ما ظنه صالح قبل أن يجد هجوم من أشخاص كُثر يحملون كتب عديدة يركضون صوبه، ليركض هو في الإتجاه المعاكس بسرعة ظنًا أن هناك خطر أجبر الجميع على الركض، لكن أوقفه جسد محمود الذي قال بحنق :
" أنت رايح فين ؟! وقع للناس يا بني "
نظر له صالح بجهل، ثم أعاد نظره للخلف حيث جمع كبير من الشباب يطالبونه بتوقيعه على كتب، رمش وهو يحاول الركض بعيدًا عنهم لولا يد محمود الذي كبله بحنق :
" يا عم ابوس ايدك امضي وخلص مجاتش على دي خلينا نروح "
ابتعد عنه صالح وهو يرى شاب يقترب منه يقول بسعادة :
" أنا مش مصدق اني واقف قدام حضرتك "
خفف صالح من اشتداد رابطة العنق وهو يحرك يديه في خصلات شعره بقوة حتى افسدها :
" حبيبي تسلم والله، اديني الكتاب عشان اكتبلك اسمي عليه "
نظر له الشاب بتعجب ليمنحه صالح بسمة بلاستيكية :
" قصدي يعني اوقع"
ابتسم الشاب يمد يده بالكتاب له بينما صالح يهمس بحنق بينه وبين نفسه :
" بعد مسك المشرط بقينا نمسك اقلام "
دفع صالح بالكتاب لصدر الشاب بقوة حتى كان يخترقه به، ثم تحرك بعيدًا وصوت الشاب يناديه بتعجب :
" بس أنت كتبت اسمك بس "
توقف صالح بتعجب ينظر للكتاب بجهل :
" هو المفروض اكتب حاجة غير اسمي ؟! اكتب رقم تليفوني كمان ؟؟"
رمقه الشاب بتهكم يشعر أنه يسخر منه، لكنه رغم ذلك مدّ الكتاب بصبر فهو لم يضع ساعة في الطريق فقط لأجل كتابة اسمه على الكتاب :
" لا المفروض حضرتك تكتب اهداء ليا باسمي كمان "
امسك منه صالح الكتاب بعنف شديد، ونظراته تطلق شرارًا كأنه يود ضربه، ثم انتزع من يد الشاب قلمه قائلًا:
" اسمك ايه يا حبيبي !!"
" عبدالمنعم محمد "
خط صالح بعض الكلمات في الكتاب وهو يكتب بكل إيجاز ( اهداء لعبدالمنعم محمد ) ثم اغلق الكتاب وأعطاه القلم ورحل سريعًا قبل ان يستوقفه مجددًا، لكن بدلًا من ذلك أوقفته فتاة وهي تقول بسعادة :
" بجد مش مصدقة اني شيفاك دلوقتي، أنا حاسة إني بحلم "
مال صالح هامسًا بحنق في أذن محمود :
" هو كلهم مش مصدقين أنهم شايفيني ليه ؟؟ هو صلاح بيكلمهم من وراء حجاب، لابس طاقية الاخفاء عشان كل دول مش مصدقين أنهم شافوه ؟!"
" يا حبيبي اخوك كاتب مشهور وله معجبين، حاول تتعامل معاهم براحة بدل ما يكرهوا اخوك وتكون أنت السبب "
افاق صالح على صوت الفتاة تخبره بحماس شديد :
" ممكن صورة مع حضرتك ؟!"
اعتدل صالح في وقفته يمنحها ابتسامة صغيرة ينظر للهاتف الذي تحمله فتاة أخرى، ثم ابتسم له حتى تم التقاط صورة لهما، وقبل الرحيل أوقفته مجددًا :
" معلش كمان صورة بالفلتر ده "
أنهت حديثها وهي تختار مؤثر بصري في هاتفها، ثم منحته لصديقتها مجددًا تقول متخذة وضعية غريبة في الوقوف :
" خدي يا الهام بس هاتيها بالطول احسن "
وبعد أن انتهت الهام من التقاط الصورة اقتربت منهم لتريهم إياها فابتسم لهما صالح يتحدث بهدوء اصطنعه بصعوبة :
" تمام كده عن اذنكم .."
أمسكت الفتاة مرفقه بسرعة وهي تردد في لهفة :
" لا لحظة الهام هتتصور معاك، يلا يا الهام اقفي"
أشار صلاح جواره لالهام، ثم ابتسم للصورة الاولى والثانية والثالثة، وقبل أن يرحل أخيرًا، أمسكته الفتاة من يده مجددًا وهي تقول :
" لا لحظة الصورة دي الإضاءة مش كويسة فيها خلينا نلف "
هنا ولم تستطع بدلة صلاح الراقية أن تحتوي رجل الكهف داخل صالح والذي صرخ هائجًا بحنق :
" يابنتي بقى ما كلها صور ارحمي امي، اقولك اعملي لينا صورة فوتوشوب ياستي، الله ...مش معقولة كده"
اقترب منهم محمود بسرعة يجذب صالح بعيدًا بعدما فقد كل الهدوء الذي عمل جاهدًا على اصطناعه :
" الله يسامحك دمرت اسم اخوك "
تحرك صالح صوب السيارة يخلع رابطة عنقه بحنق ثم خلل خصلاته بأصابعه يصيح في حنق وسأم :
" يا عم مش طبيعي بجد، الناس دي عايشة ازاي كده، ميت صورة وصورة ولا دي مش حلوة، لا دي مش مظبوطة، فيه ايه ما كلها صور، دي مصوراني بروج وحطالي احمر خدود "
جذبه محمود للسيارة يحاول أن يخفض من حدة صوته :
" اششش وطي صوتك مش كده، ده الطبيعي يا بني آدم، بس أنت اللي شخص لا تطاق "
زفر صالح ولم يكد يصعد سيارته حتى استوقفه صوت بدا له رقيقًا يتخلله بعض الحدة :
" استاذ صلاح لو سمحت ممكن توقيعك ؟؟"
استدار صالح لذلك الصوت ليبصر فتاة قصيرة بعض الشيء ترتدي حجاب يتماشى مع لون بشرتها الشاحبة قليلًا، تقف وترمقه بعدائية واضحة كأنها لا تطيق النظر لوجهه، حاملة كتاب أخيه، فتح صالح فمه ليرفض لكن قاطعته فتاة أخرى جوار الاولى وهي تقول :
" استاذ صلاح حضرتك فاكرني ؟؟"
نظر لها صالح بجهل دون حتى أن يحاول الابتسام مجاملًا أو التحدث بشكل لبق :
" لا مش فكرك "
بُهت وجه مروة بصدمة تتجاهل يد رانيا التي حاولت جذبها بعيدًا:
" أنا مروة اللي قابلت حضرتك في القاهرة، واللي قولتلها على المؤتمر ده، وأنه خبر حصري ليا "
نظر لها صالح ثواني بجهل، لكن فجأة وجد الكتاب بيد رانيا يُدفع لصدره بقوة وحدة لا تناسب فتاة بحجمها :
" اتفضل يا استاذ اعملي اهداء هنا، وعايزة اتصور معاك اصل انا بحب كتاباتك اوي "
كانت ملامح رانيا مقتضبة ونظراتها تكاد تقتله ليمسك من يدها الكتاب قبل أن يكسر عظام صدره من دفعاتها :
" في ايه يا امي ما تدخليه في بُقي أحسن "
نفخ بحنق يخط اسمه على الكتاب دون كتابة كلمة واحدة إضافية، بينما رانيا ترمقه بنظرات مشتعلة لا تصدق أنها أضاعت من حياتها ساعات فقط لأجل ذلك المدعي الاحمق .
انتهى صالح مما يكتب، وقبل أن يفعل شيء أخرجت هاتفها تعطيه لمحمود بعدما وجدت أن مروة مازالت في صدمتها أن ذلك المتعجرف الوقح لم يتعرف عليها :
" اتفضل يا استاذ خد صورة ليا مع كاتبي المفضل "
خرج صوتًا ساخرًا من حنجرة صالح وهو يردد بغباء :
" كاتبك المفضل ؟! امال لو مكنتش مفضل كنتِ طلعتي عليا السلاح ؟؟"
انتهى محمود من أخذ صورة بشكل عشوائي للاثنين ثم ودون أن يعي وضع الهاتف في جيبه بحركة معتادة ظنًا أنه خاصته..
سحبت رانيا الكتاب من يد صالح وهي تقول من بين أسنانها لا تهتم لشيء سوى الرحيل قبل انهيار صديقتها التي تنظر لهم بحسرة:
" فرصة سعيدة يا استاذ صلاح ياريت نشوفك تاني في اسكندرية "
أنهت حديثها تمسك يد مروة، ثم سحبتها خلفها وهي تردد بغيظ كبير وصوت حانق غاضب :
" اول واخر مرة العب معاكِ الالعاب اللي فيها تحديات مقرفة كده، أنا رانيا اروح لكاتب زي ده واتحايل عليه عشان صورة وتوقيع ؟؟ عجبت لك يا زمن "
أنهت رانيا حديثها تدفع صديقتها لسيارة أخيها الحبيب والذي كعادته جاء ليقلهما، لكنه انتبه لملامح مروة الباهتة فخفق قلبه بقوة :
" مالها مروة يا رانيا ؟؟"
نظرت رانيا لمروة وهي تقول بسخرية :
" اخدت صدمة في الكاتب الاهبل بتاعها، اتحرك يا عبدالجواد معلش وصلنا لبيت رانيا هقعد عندها انهاردة عشان حالتها زي ما انت شايف كده وبلغ بابا بكده "
في ذلك الوقت صعد صالح لسيارته وهو يردد بحنق :
" ايه البنت الهبلة دي، دي كانت ناقص تديني بالقلم وهي بتطلب التوقيع"
صعد معه محمود يلقي بجسده على مقعد السيارة :
" يا عم اهو يوم وعدى، امشي خليني اروح ارتاح مش قادر "
" حياة الناس المثقفة طلعت صعبة اوي الصراحة، وطلع مفيش احسن من التعامل مع الجثث على الأقل مش بتسمع ليهم صوت ولا بيطلبوا منك سيلفي قبل التشريح "
ضحك محمود على كلمات صديقه يضيف بتعب وتيه وهو يستند برأسه للخلف :
" وحكايتهم حلوة والله، بكرة هنشوف حكاية جديدة "
انطلق صالح بالسيارة يشق طريقه صوب القاهرة في الوقت الذي تحركت به سيارة أخرى سوداء خلفه وصوت الرجل بها يردد بجدية :
" أيوة يا منصور باشا، عربية الصحفي قدامي اهي أول ما يدخل الطريق الصحراوي هبلغه رسالتك ....."
____________________
فتح عينيه ببطء مؤلم يستشعر أنه فقد النظر لسنين وها هو يواجه الضوء بعد سنوات من العتمة، الأمر كان مؤلمًا لدرجة أنه أطلق تأوهًا عاليًا، يعتصر رأسه بين قبضتيه .
ورائد يراقب ما يحدث فقد مرت ساعات منذ جاء به للمركز ينتظر أن يفيق :
" صالح أنت سامعني ؟! هتعترف أنك قاتل ؟؟"
تأوه صلاح أكثر وهو يدفع جسد رائد بعيدًا عنه يصرخ بأعصاب مرتجفة :
" صالح مين ؟؟ أنا صلاح "
لكن رائد لم ينتبه لكلماته التي خرجت خافتة بشكل كبير، ضيق عينيه يقترب منه مجددًا متجاهلًا حالته التي كانت تسوء وهو يزفر بتعب :
" اسمع شوية وهعرضك على الطب الشرعي هنعمل فحص لدمك ونثبت أنك متعاطي، ولو أنت بتحب اخوك هتقول أنه اتجار مش تعاطي بس، ماشي ؟؟"
وبحركة واهنة دفع صلاح رائد صارخًا :
" تعاطي ايه، ابعد عني مش طايق نفسي "
اعتدل رائد في وقفته مستندًا على مكتبه بينما صلاح كان جالسًا على أريكة غير مريحة البتة مقابله، فتح عينه يفركها عدة مرات حتى اعتاد الأمر، ثم حرك نظره في الإرجاء وهو يقول بتعجب :
" أنا فين ؟؟ وايه اللي حصل ؟!"
رمقه رائد بحسرة مصطنعة وهو يتحرك صوب صلاح يجلس على الطاولة أمامه :
" كده يا صالح، بقى اخوك فنى عمره بيحارب المخدرات وتيجي أنت تتعاطى ؟؟ حالة صلاح دلوقتي هتبقى عاملة ازاي ؟؟ اكيد هيموت بحسرته "
رمقه صلاح من بين أجفانه شبه المغلقة وقال بتأوه متعجبًا :
" أنت غبي ؟! ما أنا صلاح "
" اهو بدأنا الإنكار ومحاولة رمي الجريمة على غيرنا، صلاح ازاي؟؟ وصلاح مش بيكره في حياته قد المخدرات واللي بيشربوها، ده غير إن صلاح مش بيمشي في البيت من غير تيشرت ومنكوش، واخيرا وليس اخرا صلاح يا حبيبي في المؤتمر في اسكندرية "
أنهى رائد حديثه ملوحًا بهاتفه أمام أعين صلاح وقد أبصر صورًا على صفحته التي انشأها لكتاباته توثق حضوره للمؤتمر، كيف ذلك وهو لا يتذكر شيئًا :
" ازاي؟ أنا مش فاكر اني روحت المؤتمر، أنا آخر حاجة فاكرها اني كنت بجهز ليه "
" وهتفتكر ازاي وأنت مروحتش اساسا؛ لأن صلاح الحقيقي هو اللي راح يا ....... صالح "
اتسعت حدقات أعين صلاح بصدمة كبيرة، ما الذي يحدث حوله الآن ؟! وما الذي حدث قبلًا ليصل إلى هذه اللحظة؟! مسح وجهه يحاول التذكر لكن فجأة انتبه لما يرتدي، انطلقت صرخة عالية من فمه ينتفض من مكانه يحدق بثياب صالح الغير مرتبة تغطي جسده :
" ايه ده ؟؟ ايه القرف ده ؟؟"
كان يتحدث وهو يحاول إبعاد تلك الثياب الغير منمقة عن جسده الذي اعتاد الثياب الفاخرة والمرتبة :
" ايه اللي جاب اللبس ده عليا ؟؟"
" اهو حاجة احسن من القرف اللي كنت لابسة في البيت قبل ما أجيبك"
رفع صلاح عينه كالصاروخ ملقيًا بإحدى نظراته المرعبة على رائد والذي تراجع للخلف خوفًا منه :
" أيوة ؟! تجيبني فين وليه ؟!"
كاد رائد يجيبه لولا ارتفاع رنين هاتف صلاح الذي يستقر على الطاولة أمامه والذي كان يمسك به بقوة أثناء قدومهم، لمح رائد صورة امرأة تظهر أعلى شاشته لينتزع الهاتف يقرأ ما ظهر على شاشته والتي كانت من امرأة باسم ميمو الاشموني ( أنت فين ؟؟ استنيتك كتير مجتش )
رفع رائد عينه ببطء وبشكل مثير للضحك يردد بصدمة :
" وكمان نسوان ؟؟ طب والله يا صالح ما هنسالك حركة الجدعنة دي، ده انا كده هترقى بالدبل"
انتزع صلاح الهاتف من يده يحاول معرفة ما يقصده لتتسع عينه بصدمة مما رأى فقد كانت المحادثة بينه وبين ميمو توحي كما لو أن شبحًا تلبسه ..
مسح وجهه وشعره الذي كان في هذه اللحظة هائجًا وكأنه تآمر عليه ككل شيء لإثبات أنه صالح .
أغمض عينه بشر ثم قال بصوت مخيف :
" فين صالح ؟؟؟"
______________________
سقط محمود في غفوة طويلة يحاول تمرير وقت رحلتهم المملة تلك، بينما صالح يزيد سرعته لا يصدق متى يصل للمنزل ويلقي بجسده على الفراش، وفجأة رنّ هاتفه باسم صلاح.
فتح عينه يبتلع ريقه بخوف يفكر ألا يجيب الآن فهو سينال تقريعًا على كل حال، لذا ربما يؤجل الأمر قليلًا، لكنه تنهد قليلًا رغم ذلك قبل أن يضعه على أذنه مجيبًا :
" الو "
وكل ما وصل له من الطرف الآخر هو صراخ عالي مرتفع :
" أنت فين يا صالح، والله العظيم يا حيوان لاوريك أنت والحشاش صاحبك، أنت فين انطق ؟!"
لوى صالح شفتيه بحنق :
" بالله عليك تسكت أنا شوفت يوم بسببك أنت والمؤتمر بتاعك ده ما يعلم بيه إلا ربنا، أنا مش عارف متحمل القرف اللي أنت فيه ده ازاي ؟!"
وصل له صراخ صلاح بنبرة محتدة أكثر وصوت مخيف :
" يعني روحت المؤتمر بدالي ؟؟ ثم بتسمي حياتي قرف؟! شكلك مشوفتش هدومك عاملة ازاي عشان تعرف القرف اللي بجد "
" بقولك ايه انا مش ناقص صداع كفاية الصداع اللي اضطريت استحمله وكل واحد طالع على المسرح يتكلم عن نفسه في ساعتين، اقفل يا صلاح اقفل عشان مش طايقك اساسا دلوقتي "
أنهى حديثه وما كاد ينهي المكالمة كذلك حتى استمع لصوت اصطدام عنيف جاءه من الخلف، ألقى صالح الهاتف جانبًا يحاول التحكم في السيارة التي أخذت تدور على الطريق بشكل مخيف لدرجة أنها أيقظت دبًا يقضي بياته الشتوي كـ محمود .
فتح محمود عينه بفزع يحاول استيعاب ما يحدث حوله، لكن داهمه دوار عنيف حينما دارت سيارة صالح بقوة .
وفجأة وباعجوبة كبيرة تمكن صالح من إيقاف السيارة ملقيًا برأسه على المقود بتعب وانفاسه تخرج حارة متعبة، بينما محمود كان يتمسك بالمقعد كهر على وشك السقوط، يحاول أن يعلم ما يحدث .
ثواني قبل أن يبصر الاثنان سيارة سوداء توقفت أمامهم وهبط منها رجال ببذلات سوداء يتحركون صوبهم بشكل جعل وجه صالح يتشنج بقوة.
فتح الباب المجاور له بقوة هابطًا من السيارة بعنف، يتحرك بسرعة كبيرة صوب مؤخرة السيارة يتفحصها لتتسع عينه بصدمة يراها محطمة تقريبًا، ودون لحظة تفكير مدّ يده في جيب سترته يخرج رفيقته الدائمة وحبيبته الأبدية " مديته الغالية "، يتشدق بصوت خرج اجشًا وقد سقط قناع الرقي المؤقت وطاف صالح الغوغائي على السطح :
" لا مش عشان لبست بدلة ابقى راقي "
وتزامنًا مع انتهاء كلماته كان يفتح المدية بحركة متقنة متمرسة يلوح بها في الهواء وهناك بسمة بدائية ترتسم على فمه :
" هتدفعوا حق العربية اللي اتبهدلت دي وإلا هسففكم التراب تحتكم ......"
______________________
لكلٍ منهم طريقته في إدارة حربه الخاصة، لذلك أما أن تكون سيء الحظ فتقابل عقلًا، أو تكون سيء الحظ أيضًا وتقابل جسدًا، الاختيار لك ......
وطبعًا في سؤال هيتردد في الاذهان، يا ترى الخميس الجاي _ ثاني ايام العيد _ فيه فصل ولا لا، وانا حبيت اجاوب عشان محدش يحتار والإجابة هي ...
معرفش والله، أنا زيي زيكم يا شباب، لو قدرت اكتب فصل قبل الخميس هتلاقوني بقولكم (بخ فيه فصل ) مقدرتش اكتب ارجو تعذروني لانكم عارفين العيد والدنيا بتكون عاملة ازاي، واوعدكم ينزل فصل الاثنين اللي بعده كبير كتعويض ❤️
وبس كده ..
عيدكم مبارك وينعاد عليكم بالخير واليمن والبركات، ومتسونيش من دعواتكم غدًا، ولكم بالمثل جميعًا يارب ❤️
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل
وَتذَكر يَاولدِي ..
أنه لم يَنل المرءُ يومًا بجُهده,
وَإنّما بلُطفِ كريـمٍ مُنعمٍ مُتَفضّلِ!
صلوا على نبي الرحمة
_____________________
خطوات متعجلة أعلى تلك الدرجات الرخامية، تنظر خلفها برعب شديد.
فستان زفاف بدلًا أن يتشبع بالحب والمشاعر الدافئة في يوم كهذا، تشبع بالدموع والدماء .
سال كحلها وفسدت زينتها، وكل تلك الأموال التي دفعها زوجها المصون لأجل اخراج زوجته بشكل جيد ضاعت في لحظة واحدة؛ لحظة اكتشفت أن ذلك الزواج ليس كما اخبروها، ليست حياة سعيدة هانئة بعيدًا عن الفقر وضيق الحال والحياة الموجعة .
كانت تركض في ممرات مظلمة، صوت أنفاسها يعلو شيئًا فشيء، اصوات بكائها هي الشيء الوحيد الذي يؤنس وحدتها في ذلك الظلام، وبينما تركض من اللاشيء تعرقلت أقدامها في الفستان لتسقط على وجهها بقوة ...
ازدادت شهقات بكائها وبدأت تصرخ بشكل جنوني، تصرخ صرخات من تخرجُ روحه، صرخات من فقد عزيزًا؛ صرخات قوية تحاول إجبار تلك الجدران الصلبة على إيصال وجعها للجميع ..
لكن لا أحد شعر بها، صرخت بجنون أكثر واكثر قبل أن تشعر بقدم تضغط على رأسها، ضغطة كادت تكسر عظام عنقها، رفعت وجهها بصعوبة وقد أصبحت اشبه بجثة بعدما كانت منذ ساعات فراشة بيضاء مزهرة .
رفعت رأسها أكثر تحاول اختراق الظلام المحيط بها لتبصر وجه من دفن وجهها ارضًا، وقد كان، رأت ابتسامته المقيتة وكأنه يستمتع بعذابها، أبت أن تغمض عينها لثواني فقط كي تحتفظ بتلك الصورة في رأسها، ستريهم الويل، جميعًا، لن ينجو أحدهم مما ستفعله بهم، ستريهم الجحيم الوانًا ..
وقبل أن تقرر أن تنهض شعرت بيد قذرة تتسلل لقدمها من الخلف ودون مقدمات مزّق فستانها تحت صرخاتها العالية وهي تترجاه أن تتركه .
" لا ابوس ايدك سيبني، ابعــد عني ...ابعــد عني، يا مــامــا...."
لكن يده استمرت في العبث بجسدها أكثر واكثر، وفجأة بدلًا من الممر الفارغ أضحى المكان متكدسًا بالعديد من الوجوه الذين يشاهدون مذبحتها باستمتاع، وصرخاتها تترجى رحمةً منهم، أطلقت صرخة ذبيحة تتوسل شفقةً، لكن ما نالت سوى المزيد والمزيد من الوجع ....
انتفضت ميمو من تلك الرؤية القصيرة وهي تصرخ صرخات عالية وذلك الكابوس يتردد أمام عينها كأنه حقيقة، تصرخ بشكل اثار فضول الجميع حولها، فقد كانت تجلس في سيارتها أمام أحد المباني بعدما لم تخلف صلاح عن لقائهما .
فجأة شعرت بيد تربت عليها ببطء، انتفضت وهي تبعد اليد صافعة صاحبها بقوة وصوت صرخاتها يعلو بجنون :
_" ابعـــد عنـــي "
صُدم مُختار والذي كان هو نفسه الحارس الشخصي وأكثر من تثق به ميمو في منزل الاشموني، الشخص الذي اختارته بعناية ليصبح عينها في كل مكان .
تنفست بعنف تدور بأعين زائغة حولها، تستوعب ما حدث وأين هي ومع من، نظرت لوجه مختار الذي لم يفعل شيئًا ولم يبدي ردة فعل وفجأة صدر منها ردة فعل ليست بغريبة عليها كلما رأت ذلك الكابوس ...
اخذت تصرخ بقوة شابهت صراخها في أحلامها تصرخ وهي تضرب مقود السيارة بوجع وجنون تصرخ حتى شعرت أن حنجرتها جُرحت .
ومختار يراقب ما يحدث بوجه جامد واعين حمراء مخيفة، يراقب حالاتها التي تعانيها كلما واجهت اشباح الماضي ..
دقائق فقط حتى انتهت وهي تعود برأسها للخلف، ثم رمقته قليلًا وقالت :
" كان الحلم عنيف المرة دي ها ؟! معلش ازعجتك "
تحاول أن تبدو مرحة ككل مرة تفعل بيها هذا، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تقول :
"معلش يا ميخو تعيش وتاخد غيرها، إن شاء الله مش هتعلم على خدك"
ابتسم مختار وهز رأسه بدون كلمة واحدة، تنفست ميمو قليلًا قبل أن تتحرك بالسيارة تقول ببسمة واسعة :
" تعالي هوكلك ايس كريم فسدق تعويض ولا نخليه لوتس ؟!"
وكالعادة لم يتحدث مختار، بل فقط نظر لها بجمود، لكنها تفهم صمته جيدًا، وقالت :
" يبقى شوكولاتة...."
تحركت بالسيارة وعينها مثبته أمامها، ويدها تضغط على المقود وصوتها الذي صرخت به في حلمها يتردد في عقلها ليترجمه لسانها بشر وحقد دفين مرعب :
" هوريكم الويل كلكم، هتشوفوا الجحيم ...."
_______________
توسط صالح الطريق بين سيارته وتلك السيارة السوداء التي يحدها بعض الرجال في بدلات سوداء تشبه تلك التي رآها في الاجتماع، نظر خلفه باحثًا عن محمود ليراه مازال جالسًا بالسيارة، لكنه تحرك وجلس خلف المقود يرفع إصبعه في الهواء علامة ( تمام )
" شوف أنت الدنيا وانا هنا في ضهرك عشان لما تحب تهرب تلاقيني "
واطمأن صالح لكلماته مرتكبًا اكبر خطأ في حياته، وهو الثقة في محمود .
سمع صوت أحد الرجال يصدح بشكل جهوري ذكره بمشهد شاهده سابقًا في أحد الأفلام القديمة حينما كانت عصابة تهدد البطل :
" اهلا يا استاذ صلاح، يا ترى عارفنا ؟!"
نظر صالح لهم من الاعلى لاسفل، يحاول أن يتعرف على أحدهم علّه اصطدم به يومًا مع أخيه، مخمنًا أنهم ربما رفاقه فهم يرتدون البدلات الفاخرة مثله :
" والله مش فاكر اني قابلتكم قبل كده، قولي على أمارة يمكن افتكرك "
" لا متتعبش نفسك مش هتفتكر لأنك منعرفناش اساسا"
ضرب صالح كف بكف متعجبًا حديثه المتناقض :
" ولما انا معرفكوش بتقولي فاكرنا ليه؟! ولا هو جر شكل وخلاص، بعدين متلفش وتدور عشان العربية بتاعتي دي هتدفعوا تمنها "
نظر أحد الرجال ليده التي يحمل بها مدية ملوحًا بها ثم قال ببسمة جانبية :
" مش عيب كاتب كبير ومحترم زيك يمسك مطوة ؟! سيب اللي في ايدك يا دكتور عشان متعورش نفسك بحاجة أنت متعرفش تستخدمها "
ابتسم صالح بسمة ساخرة وهو يحرك المدية بشكل مدروس بين أصابعه :
" صدقني أنت متعرفش أنا ممكن اعمل ايه ولا ايه باللي في أيدي دي، أنا لو بعرف استخدم حاجة في حياتي فهي الحاجة دي، فلخص وقول عايز ايه ؟!"
تحدث الرجل بجدية كبيرة وملامح كانت لتكون مرعبة لأي شخص غير صالح الذي انكمشت ملامحه في مظهر مخيف أكثر وأكثر منهم .
" الباشا بيقولك بلاش تلعب في عداد عمرك، وبطل تنبش وراه، لأن آخر واحد عمل كده ملمحش نور شمس من بعدها "
" ليه بقى اعمى ولا ايه ؟!"
تعجب الرجل منه وقال :
" نعم ؟! "
زفر صالح بغيظ وقد أخذ هذا الحوار منه أكثر مما يستحق :
" اسمع يا ...اسم الكريم ايه ؟!"
صمت الرجل وملامحه توحي بمقدار دهشته من طريقته فمن أمامه ليس خبيثًا كما علم من قبل ورأى في لقاءات لع، بل هو شخص لا مبالي غريب يتحدث بشكل مستفز وقح وبكلمات عشوائية دون لحظة تفكير فيما يقول، عكس استفزاز صلاح المدروس و المعهود من الجميع .
عندما طال صمت الرحال قال صالح بجدية كبيرة :
" ماشي، اسمع يا غالي، أنا في حياتي دي كلها معرفش حد اسمه باشا، غير مفتش الصحة وده بس وهو واقف قدامي، ولما يمشي بسحب منه اللقب"
حرّك المدية ( مطوة ) في الهواء بشكل مدروس وكأنه يحمل مشرطه الحبيب :
" وشغل التهديد والبدل والعربيات السودة ده عدى وولى من ايام فيلم حرب ايطاليا "
صمت قليلًا يراقب تعابير الغضب التي تماوجت على أسطح الوجوه أمامه بشكل واضح، لكنه لم يهتم وهو يقول بشر وصورة هؤلاء الحمقى يحاولون أذية اخية الحبيب تتحرك أمام عينه فاستفزت رجل الكهف داخله :
" روح قول للي باعتك، لو قربت من صلاح السقاري، هشرّحك، وكلامي هنا مش تعبير مجازي ولا استعارة مكنية، لا كلامي هنا حرفي، هشرحه ومش هخلي الطب الشرعي يعرف يجمع منه حاجة ولا يعرف سبب الوفاة "
وبمجرد انتهاء كلماته ارتفعت في وجهه العديد والعديد من الأسلحة المتطورة التي لم يرى لها مثيل يومًا سوى من خلف شاشات التلفاز، حسنًا هنا يجب القلق حقًا والتوقف عن التهديد، فهم يمكلون أسلحة مقابل مديته الصغير المسكينة، وبلا أي مقدمات أطلق صفيرًا حادًا وهو يصرخ بصوت عالي :
" محمــــــود"
وبمجرد نطقه لتلك الكلمة وقبل أن يستوعب أحدهم ما يقصده كانت اطارات سيارة صالح تحتك بالاسفلت أسفلها ومحمود يتحرك بشكل مخيف صوبهم لتنفيذ عملية الهروب، تحفز جسد صالح ليقفز في السيارة بمجرد أن تتوقف.
لكن ما حدث هو أن السيارة تجاوزته وتوقفت أمام أحد أفراد العصابة ومحمود يصرخ به :
" اركب بسرعة يا غبي قبل ما يلحقونا "
صرخ صالح بجنون مما يفعل صديقه :
" أنا برضو اللي غبي، أنا هنا يا حشاش "
نظر محمود صوب الصوت في نفس الوقت الذي كاد أحد الرجال يهجم على السيارة لكنه تحرك بسرعة جعلته يسقط ارضًا يعود إلى صالح الذي ألقى جسده في السيارة ونصفه الآخر متدلى من النافذة يصرخ :
" اجري يلا اجري "
تحرك محمود ليعبر من سيارة الرجال في نفس الوقت الذي بدأوا يطلقوا فيه رصاصات للترهيب فقط حتى لا يتسببوا في جريمة _ حسب أوامر رئيسهم _ بينما صالح يصرخ بعنف :
" اخبط في عربيتهم، كسرها ليهم عايزاها تبقى خردة"
وكذلك فعل محمود الذي صدم سيارتهم ليرد لهم تلك الأضرار التي سببوها في سيارة صالح، لكن ما حدث أن سيارة صالح هي من تضررت مجددًا بسبب حجمها الصغير وضعف بنيتها مقارنة بالاخرى ليطلق صالح صوتًا حانقًا يقول بتهديد غبي :
" ده بس قرصة ودن صغيرة "
ازدادت سرعة محمود وهو يبتعد عنهم، وقد اعتدل صالح وهو يصرخ من النافذة يلوح بالمدية في الهواء يحاول إيصال فكرته لهم حول الاقتراب من أخيه:
" افتكروا اللي هيقرب من صلاح هخليه فار تجارب واشرحه "
أنهى حديثه وهو يلقي بجسده في السيارة مجددًا يتنهد بتعب قبل أن يتذكر ما فعل محمود لينقض عليه بجنون :
" رايح تركّب واحد منهم يا متخلف ؟؟ ده أنت كان ناقص تدوسني وأنت معدي "
" ياعم وانا اعرف منين أنه مش أنت؟ ما كلكم لابسين بدل زي بعض "
ضربه صالح على رأسه بغيظ شديد، ثم انتبه لهاتفه الذي علىٰ رنينه أسفل مقعده، هبط بنصف جسده العلوي ملتقطًا إياه ثم اعتدل مجيبًا :
" الو يا صلاح "
ولم يصل له سوى صرخه شقيقه الفزعة والمرتجفة برعب جلي يكاد صدى دقات قلبه يصل لصالح عبر الهاتف :
" صالح حصلك حاجة، أنت كويس ؟؟؟؟؟"
_________________
اغلق صلاح الهاتف بعدما اطمأن على شقيقه، يا الله تلك اللحظات التي تلت سماعه لصوت الاصطدام، كاد ينهار لشعوره بأنه قد يمس صالح ضررًا صغيرًا، مسح وجهه بيد مرتعشة يحمد الله في سره أنه بخير .
زفر بتعب شديد قبل يلقي بجسده على الأريكة ليمنح نفسه فرصة التنفس براحة، لكن ما كاد يفعل حتى اصطدمت عينه بجسد رائد الذي بقي يحدق فيه بشك :
" اطمنت على صلاح خلاص ؟! نرجع بقى لقضيتنا !!"
ضرب صلاح كف بكف لا يصدق إصرار ذلك الاحمق على نزع هويته منه :
" يابني أنا صلاح والله العظيم، احلفلك على مصحف اني صلاح ؟! طب رن على اسم صلاح عندك كده هتلاقي تليفوني بيرن مش تليفون صالح "
" يا سلام ؟! ما يمكن حضرتك مبدل التليفونات "
رمقه صلاح ثواني قبل أن يقول بسخرية دافعًا إياه بعيدًا :
" تصدق بالله كويس أنك مترقتش، والله لو بايدي لانزلك أمين شرطة، وابعد عني مش طايق نفسي اساسا باللبس المقرف ده "
ابتعد عنه رائد ينظر له بتفكير، ثم قال بهدوء :
" على العموم كله هيظهر لما صلاح يجي، وقتها هنعرف مين الصادق ومين الكداب ولغاية ما يجي خليني أخد منك كام اعتراف كده "
أنهى رائد يجلس على مقعده يتحدث بجدية وهو يفتح أحد التسجيلات جواره :
" قولي بقى يا صالح، ايه رأيك في الأقوال المنسوبة إليك واللي بتقول أنك شمام وحشاش وعيل فاسد "
ابتسم له صلاح بسخرية مجيبًا إياه دون اهتمام :
" والاقوال دي مين اللي نسبها ليا ؟!"
" رد على قد السؤال لو سمحت، أنت هنا متهم"
رفع صلاح حاجبه يدعي أنه في لقاء صحفي مجيبًا بكل دبلوماسية :
" رأيي في الأقوال دي هو هو نفسه رأيي فيك يا رائد يا حبيبي، وصدقني مش حابب أوضح اكتر عشان منخسرش بعض "
لم يفهم رائد ما قاله، فقد شعره رد خبيث يحمل في طياته الكثير من المعاني مما جعله يشك للحظات أن من أمامه ليس هو نفسه صالح، وأنه صلاح، فصلاح مشهور أنه يجلد من أمامه مستخدمًا كلماته التي تجعل خصمه يتمنى لو لم تلده أمه، بينما صالح في هكذا مواقف لا يجيب سوى بكلمات وقحة غير موزونة وقد يمتد الأمر لاستخدام ذراعه ليريك كيف تتحدث معه فيما بعد .
" حاسس أنك قصدك حاجة مش تمام "
ابتسم له صلاح بسخرية :
" لا متحسش أنا فعلا قصدي حاجة مش تمام "
انحنى رائد يستند على ركبتيه مستخدمًا ذراعيه، يضيق عينيه بنظرة مريبة يردد بتهديد أجوف فهو لا ينتوي في الحقيقة سجن رفيق طفولته واخيه، بل يعمد لاخافة صالح حتى يكبح جماح تهوره، وبمجرد عودة صلاح سيحاول معه تقويم ذلك المتهور، فهو وبعد أن رآه مُسكر العقل شعر بالصدمة، ورأى أن إحضاره هنا لاخافته أسلم حل، وحتى يعود الآخر سواء كان صالح أو صلاح سيتولى هو أمر ترهيب هذا الشخص أمامه _والذي أضحى يشك أنه صالح_ فهذه النظرات وهذا الحديث لا يخطأه رائد ويدرك جيدًا من صاحبهم، لكن سينتظر قدوم الآخر لتتوضح جميع الأمور :
" وانا همشيها اني حاسس؛ لأن كفاية عليك تعاطي واتجار، أنت مش حمل قضية إهانة ظابط أثناء أداء عمله "
أخرج صلاح صوتًا ساخرًا من فمه وما كاد يفحمه بردٍ يسكته عمره القادم كله، إلا وسمع الاثنان طرق عالي على الباب، ثم دخول أحد العساكر يردد :
" تمام يا فندم، تم القبض على شوية العيال اللي اتبلغ عنهم أنهم بيشربوا مخدرات في عمارة مصر الجديد "
هز رائد رأسه قليلًا وهو يقول بجدية معتدلًا في جلسته :
" دخلهم "
أنصت صلاح باهتمام شديد لما سمع يراقب ذلك الصف الذي دخل للمكتب بهم الشباب والفتيات، ورغم ذلك الوضع المخزي إلا أن نظرات الكبرياء في اعينهم تخبرك أنهم لن يكملوا بضع ساعات في الحبس، حتى يخرجوا من الأمر .
اعتدل صلاح في جلسته يراقب رائد الذي بدا لو أنه تحول بالفعل لشرطي محترف، كان يتعامل بعملية شديدة مع هؤلاء الفاسدين لدرجة اعجبت صلاح نفسه .
ابتسم رائد يتحدث بسخرية :
" يعني كل ده سوء تفاهم ؟! الدخان اللي خارج من الشقة وصوت الضحك والمسخرة كل يوم في عمارة سكنية، والبودرة اللي اتمسكت معاكم سوء تفاهم ؟!"
اجابته فتاة بارتعاش تحاول الظهور بشكل لا مبالي حسب تعليمات رفاقها :
" أيوة يا حضرة الظابط، احنا كنا في party عادي ومتجمعين عادي زي ما بنتجمع في أي نادي سوا، ومرة واحدة لقينا الباب بيخبط جامد والعساكر دخلوا شدونا بشكل غير حضاري "
ابتسم رائد بسمة جانبية يمرر عينه من أعلى لاسفل على جسد تلك الفتاة، والتقطت عينه يدها المرتعشة كما فعلت عين صلاح الخبيرة :
" امممم واضح يا آنسة، طب والمخدرات ؟!"
ارتعشت الفتاة وظهر توترها جليًا للعيان، وبدأت تشعر بالمكان يتحرك من حولها، شعرت بتيبس في يديها وقدميها، وكل ذلك لم يخفى عن أعين صلاح الذي ابتسم بسمة جانبية يدرك جيدًا أن تلك البلهاء جُرّت لذلك الطريق للتو، وأنها ما تزال جديدة في كل ذلك، عكس ذلك المتبجح الذي امسك يدها حتى يبثها قوة واهية :
" المخدرات مش بتاعتنا، الشقة دي بتتأجر لحفلات كتير، يمكن بتاعة حد كان موجودة قبلنا، واثبتوا العكس "
ضرب رائد المكتب بشكل مخيف جعل الجميع ينتفض وقد بدأت ملامحه تتحول كليًا :
" احنا هنلعب مع بعض يا روح امك ؟! شقة ايه دي اللي بتتأجر عشان الحفلات ؟؟ مش دي شقة مجدي وحيد صاحب معرض السيارات اللي في التجمع ؟! وحسب معلوماتي مجدي ده يبقى ابوك يا غندور "
توتر الشاب ولم يحسب أن يكون ذلك الشرطي قد أجرى تحقيقاته، ظن أنه سيفلت كما يفعل كل مرة، لكن رائد ورغم كل صفاته ليس بالشخص السهل توقعه، ومنذ بلاغ السكان عن تلك الشقة وهو لم يغفل عن تفصيلة صغيرة، ولولا اتصال صالح به وأخباره أنه مريض ووحده لكان ذهب مع القوات لاعتقالهم بنفسه، لكنه اكتفى بإرسال رفيقه لذلك .
بدأ التوتر يظهر على الجميع خاصة تلك الفتاة التي بدأت ارتعاشها يظهر بشكل ملحوظ وكأنها في وسط مكعب ثلج، نادمة ؟! نعم، بل تتقطع من الندم ما كان عليها الركض خلف تلك المتعة الصغيرة الزائلة، لم يكن عليها أن تتناسى كل ما تربت عليه لأجل لحظات صغيرة من الانتشاء، لكن ماذا تفعل وقد تسلّم شيطان في هيئة صديق أذنها.
أشار صلاح لرائد بعينه في حركة صوب الفتاة لينتبه لها رائد وتثير في قلبه شفقة صغيرة :
" أنتِ "
رفعت الفتاة عينها له بتردد لتسمع صوت رائد يردد بجدية :
" فين اوراقك عشان نستدعي اهلك ؟!"
ارتعش جسدها وسقطت دموعها بقوة وفكرة أن يعلم أحد أفراد عائلتها ما فعلته يرعبها أكثر من فكرة قضاء باقي حياتها خلف القضبان .
لكن ما كادت تفتح فمها حتى سبقها صوت فتح الباب ودخول شخص بشكل همجي جعل رائد ينتقض صارخًا :
" فيه ايه ؟! هو حمام عام منك ليه ؟!"
لكن توقف عن الصراخ حينما أبصر تلك المرأة التي كانت مشتعلة وهي تنظر للفتاة الخائفة بشر قائلة بنبرة مخيفة متحفظة :
" بعتذر يا حضرة الظابط، بس طلبت اقابلك وهما رفضوا "
وكان الرد من رائد قاطعًا وبملامح لا تقبل النقاش :
" طالما رفضوا يبقى غير مسموح يا استاذة، ده مكتب شرطة مش تكية هي، مين حضرتك وازاي تدخلي بالشكل ده ؟؟"
صمتت تنزع بطاقة من حقيبتها واضعة إياها أعلى مكتب رائد وهي تقول بهدوء شديد :
" أنا ولية أمر نيرمينا الاشموني وجيت هنا عشان اضمنها"
اعتدل صلاح في جلسته يراقب مهرته تقف أمامه بهيئة نارية غير تلك العابثة، أدرك جيدًا أنها مسألة وقت ليحضر أحد أفراد عائلة الاشموني، فهو علم هوية نيرمينا منذ لمحها، كيف لا وهو يحتفظ بمعلومات كاملة عنها بالإضافة لصورتها، لكن الغريب هنا أن من جاء لضمانها هي نفسها زوجة والدها ...ميمو الجامحة .
كان رائد على مقعد مكتبه يردد بتهكم خرج دون إرادته :
" معتقدش أن موقف زي ده يا آنسة ينفع فيه ضمان أبدًا، دي قضية تعاطي مش حادثة عربية ولا تحري، الموضوع اكبر من كده "
رمقت ميمو نيرمينا بنظرة مرعبة جعلت الأخيرة ترتعش حتى كادت تسقط ارضًا تنتحب برعب، لكن ميمو صمتت ثواني، ثم اردفت غير واعية لاعين صلاح الذي كان يدرس ما يحدث حوله بدقة شديدة :
" وأنا يؤسفني اقولك يا حضرة الظابط إن أنا مش همشي من هنا من غير نيرمينا، على العموم المحامي في الطريق وإن شاء الله نلاقي حل وسط "
كانت تتحدث وهي تنظر لرائد في عينه كأنها تحاول السيطرة على عقله أو تتحداه، وكل ما وصل لها من رائد بسمة متهكمة ليست أقل قوة من خاصتها .
دقائق قليلة حتى استأذن المحامي والذي جاء رفقة مختار _ حارس ميمو الشخصي _ للدخول، دخل الأثنان ليلتزم مختار الصمت والجمود كعادته والمحامي تولى الحديث، في نفس اللحظة التي أبصرت بها ميمو وجود صلاح الغريب، ليس لملابسه الغير مرتبة بشكل ينافي مظهره المنمق المعروف، بل لجلوسه بهذه الاريحية في مكتب ضابط شرطة، هل يعمل مع الشرطة أيضًا ؟!
وبنظرة صامتة لمختار، أدرك مختار مهمته القادمة والتي تتمحور كلها حول ذلك الجسد الرجولي القوي الذي يتوسط الأريكة الجلدية في أحد أركان المكتب ....( صلاح السقاري )
_____________________________
صعدت السيارة المتجهة للقاهرة بعدما أبلغت عائلتها الحبيبة أنها ستقضي اليوم لدى مروة، تاركة مروة تلعق جروحها _التي تسبب بها ذلك المدعي الوقح_ وحدها، بحق الله اين ذلك الرقي واللباقة التي أخذت تتحدث عنهما ؟! ذلك الحقير لا يوجد به شيء راقي عدا بدلته فقط .
كانت رانيا تشعر بالنيران تشتعل في رأسها، ذلك الغبي سرق هاتفها بعد التقاط الصورة، تقسم أنها سوف تعمل على فضحه في جميع الصحف والجرائد التي يعمل بها مصنفًا نفسه صحفي شريف .
جلست على مقعد في السيارة تنتظر أن تكتمل بالركاب وهي تهدأ نفسها، هي ستصل القاهرة وتحضر ذلك اللص وتأخذ هاتفها الذي يحتوي جميع حسابتها البنكية وجميع أرقامها السرية والتي إن علم والدها باختفائها قد يحيل حياتها لجحيم، بالإضافة أنها تنتظر موافقة على المنحة التي تقدمت لها منذ اسابيع.
بمجرد امتلاء السيارة تحركت شاقة طريقها صوب القاهرة، وهي تحاول أن تبرد نيرانها، ثم استدارت لأحد الركاب تتحدث بلطف خرج بصعوبة من بين ذبذبات غضبها :
" أنا آسفة لو بزعج حضرتك، بس محتاجة اعمل مكالمة ضرورية "
نظر لها الرجل ثواني قبل أن يعطيها الهاتف، أخذته رانيا بلهفة تكتب ارقام هاتفها بسرعة كبيرة ثم وضعته على أذنها تنتظر الرد .
وعلى الجانب الآخر، كان كلٌ من صالح ومحمود على أطراف القاهرة ليعلو رنين هاتف من جيب بنطال محمود الذي كان قد سافر لعالمه الخاص .
" يابني ما ترد صدعتني "
اعتدل محمود في جلسته يخرج الهاتف من جيبه، ينظر له بتعجب يقلبه بين يديه وكأنه يفكر في شيء ما قبل أن يقول بغرابة :
" ايه ده ؟؟"
" ايه ؟؟"
" مين غيّر نغمة التليفون بتاعتي ؟!"
لم يجبه صالح بل استمر في القيادة بتركيز كبير يستمع لصوت صديقه يتحدث :
" أيوة مين معايا ؟!"
" مين معاك يا حرامي يا نصاب، والله العظيم أنا قولت اخركم شوية شمامين ما تعرفوا للأدب طريق "
ابعد محمود الهاتف عن أذنه بتعجب، ثم همس لصالح بصوت خافت :
" دي بنت و بتقول علينا شمامين"
هز صالح رأسه وهو يقول بجدية :
" قولها أنك أنت بس اللي شمام "
هز محمود رأسه، ثم وضع الهاتف أعلى أذنه مجددًا ليعلو صوت رانيا صارخًا بغضب، ومجددًا تعجب محمود الأمر وكأنه نسي أنه تحدث منذ ثواني لها وهو يقول :
" الو مين معايا ؟!"
وصل صوت رانيا جنونيًا :
"أنت هتستهبل يا جدع أنت؟! اقسم بالله لاويدكم في ستين داهية "
" أنتِ مين اساسا وجبتي رقم تليفوني منين ؟! "
سمع صوت شهقة مستنكرة من الطرف الآخر، ثم صرخات مريبة تعلو مجددًا:
" تليفون مين ؟؟ ده بتاعي أنا يا حرامية "
ابعد محمود الهاتف عن أذنه يحدق به في تعجب شديد، ثم مدّ يده يتحسس بنطاله ليجد هاتفه يستقر بهدوء داخله، ضيق ما بين حاجبيه وهو ينظر لصالح :
" تليفونك ده يا صالح ؟!"
حدق صالح به متعجبًا :
" تليفون ايه يابني ؟! هو ده مش بتاعك ؟! "
" لا فيه بنت بتقول أنه بتاعها "
توقف صالح فجأة بالسيارة وهو يردد بتحفز :
" بنت !؟ بنت مين؟؟ "
رفع محمود كتفيه دلالة عدم فهمه، ثم مد يده بالمحمول لصالح الذي بمجرد وضعه على أذنه حتى وصل له صوت رانيا التي حاولت الهدوء بعدما رأت أن ذلك الحقير لا يجدي الصراخ معه نفعًا :
" يا استاذ لو سمحت التليفون ده عليه حاجات مهمة اوي وانا مقدرش استغنى عنه ليوم، ارجوك أنا جاية القاهرة مخصوص عشان اخده ممكن نتقابل واخده ؟!"
قال صالح بعدم فهم فهو لا يدري من تلك ولا يفهم ما يحدث أو كيف وصل هاتفها لهم :
"الو مين معايا ؟!"
_________________
بعد ساعة تقريبًا :
توقفت سيارة صالح أمام مركز الشرطة التي يعمل به رائد كان يسير بخطوات واثقة يتقمص دور صلاح بامتياز، بينما محمود يتمسك بسترته كما لو كان طفلًا متعلقًا بوالده .
توقف صالح بغيظ يبعد يد محمود عنه :
" ايه يا حبيبي سيب ام الجاكت مش هطير"
نظر له محمود دون وعي تقريبًا، ينظر لمحيطه يحاول أن يفهم أين هم وماذا يفعلون، فهو وبعد طريق طويل من السفر وبعد غفوة طويلة كالميت استيقظ على ضربات صالح الذي أمره بالمجئ معه .
" أنا شايف ناس كتير لابسة ابيض، هو احنا في مستشفى ؟! "
ابعد صالح يده مرددًا بحنق :
" لا يا غالي احنا في المكان اللي المفروض تقضي فيه باقي حياتك "
" قاع الهامور ؟؟"
افتر ثغر صالح عن ابتسامة متهكمة تزامنًا مع خروج صوت ساخر من حنجرته كان أبلغ رد على رفيقه في تلك اللحظة وقبل أن يفتح فمه للرد عليه بكلمة شعر بباب المكتب المجاور له يُفتح بقوة واحدهم يجذبه بشكل مرعب، ثم جذب محمود الذي كان على أعتاب العالم الموازي قبل سحبه بذلك الشكل .
دخل صالح للمكتب والذي كان خاصة رائد ينظر حوله ليجد صلاح يقف في منتصف المكتب وهو مرتدي ثيابه تاركًا شعره مبعثر، ليبدو في تلك اللحظة صورة طبق الأصل منه .
وقبل أن تصدر منه ردة فعل شعر بيد صلاح تتأكد من سلامته، ثم ضمه بقوة يطمئن نفسه أن شقيقه بخير :
" أنت كويس ؟! حد عملك حاجة أو اذاك ؟! "
هز صالح رأسه بهدوء :
" لا محدش عمل حاجة متقلقش، أنا روحت ورجعت ومفيش حاجة "
ابتلع ريقه يراقب ملامح الشر التي استوطنت وجه صلاح في تلك اللحظة، وفكر في الاعتذار وأخباره أنه لم يقصد وأن الأمر كله خطأ محمود لا هو، لكن رائد سارع بالقول بخبث وقد تأكدت شكوكه حول من صالح ومن صلاح، لكنه أراد معرفة سبب وصول صلاح لما كان عليه منذ ساعات :
" اهلا يا صلاح كويس أنك جيت بنفسك عشان تشوف اخوك بيعمل ايه "
نظر صالح لصلاح بصدمة وكاد يفتح فمه للحديث :
" أنا معملتش حاجة يا صلاح متصدقوش ده هو اللي ..."
وقبل أن يكمل جملته أدرك أن رائد يتحدث له هو، يظنه صلاح ويشتكي له من صالح الذي هو في الأساس صلاح الحقيقي.
فتح صالح عينه وارتسمت بسمة واسعة على فمه يبعد يد صلاح عن سترته قائلًا بغيظ :
" أنا جيت أول ما كلمتني يارائد عشان اشوف الفساد اللي بيعمله الشاب ده بعيني"
نظر بعدها لصلاح وهو يقول بخيبة أمل مصطنعة :
" حشيش يا صلاح...قصدي يا صالح ؟؟ حشيش ؟؟ اكيد طبعًا قاعدلي ٢٤ ساعة مع محمود هتبقى ايه ؟! عالِم ذرة ؟؟ اخص عليك وعلى اخلاقك "
كان صلاح يستمع لكلام صالح وهو يشعر بدمه يغلي داخل أوردته حتى كادت تنفجر من ذلك الحديث الاحمق الذي ينطق به اخيه، وبمجرد انتهاء كلمات صالح اندفع له يمسك ثيابه بقوة يجز على أسنانه :
" أنا برضو اللي بشرب حشيش يا فاسد يا بايظ ؟؟ بقى أنا صلاح السقاري اللي عشت عمري كله احارب المخدرات ومسكرات العقل تعمل فيا كده وتخليني اشرب حاجات مشكوك فيها ؟!"
رفع صالح حاجبه يحاول التمسك بالطريقة الوحيدة التي قد ينجو بها من يد أخيه، وهي الاستمرار في الكذب :
" ايه يا صالح ؟؟ الظاهر لسه الحشيش شغال، أنا هو صلاح السقاري مش انت يا حبيبي ولا نسيت؟! بص على نفسك وبص عليا، الفرق واضح للاهبل، حتى أسأل محمود "
هز محمود رأسه والذي كان يجلس على الأريكة الجلدية براحة، يحرك رأسه للامام والخلف وكأنه يرقص فقد كان في تلك اللحظة يشهد بعينيه مراسم زفاف ملك بريطانيا على حبة كمثرى بحضور عدد غفير من المعكرونة الاسباجتي.
اشتد غضب صلاح وهو يرى إنكار صالح لهويته الحقيقية وتمكسه بكذبه، لذلك قال بغيظ :
" أنت هتستهبل يا خويا ؟؟ ولا متخلنيش اطلعهم عليك"
تأتأ صالح بهدوء يحاول أن يتحدث بشكل مهيب عاقل كصلاح وقد أتت فرصته في استفزاز أخيه أخيرًا :
" تؤتؤ، طول عمري اقول عليك واحد عشوائي حتى في الكلام، ياريت تتكلم كويس يا صالح وبلاش طريقتك دي معايا "
ابتسم رائد يقول بجدية مضحكة :
" اظن يا صالح يا حبيبي لعبتك اتكشفت وعرفنا مين اللي صلاح ومين صالح، ودلوقتي مش هتقول جبت منين الحشيش ؟!"
نظر صلاح لمحمود الذي بدأ يصفق بسعادة وقال :
" أنت غبي ؟؟ بقولك أنا صلاح واكيد الحشيش من الزبالة اللي قاعد يسقف زي الشمبانزي ده "
انتبه صلاح لنظرات عدم التصديق التي تظهر واضحة على الأعين حوله، ليبتسم بصدمة وهو يقول :
" بجد ؟! يعني خلاص بقيت أنا صالح الفاسد ؟؟"
صمت قليلًا قبل أن يقول بجدية :
" طب فاسد بفاسد وقضية بقضية، ضيف عندك يا رائد يا حبيبي شروع في القتل "
تعجب رائد من حديثه ولم يكد ينطق بكلمة يتساءل بها عن معنى حديث صلاح حتى ابصره ينقض على صالح ضاربًا إياه في رأسه بقوة، متبعًا ضربته بلكمة اكبر جعلت صالح يعود للخلف متأوهًا، وارتفع صوته يصرخ بجنون دون لجم لسانه :
" اه يا فلاح يا ابن الفلاح، أنت ياض غبي ؟! "
انقض صالح بعد تلك الكلمات على صلاح يرميه بسبات عديدة تحت أعين رائد الذي تأكد من ظنه، فما كان صلاح ليخرج مثل تلك الكلمات ولو في أشد حالاته غضبًا، لكن لم يكد ينغمس في حالة التفكير تلك بسبب رؤيته لحالة الشجار التي تطورت حتى كاد الاثنان يقتلان بعضهما البعض .
بينما محمود وكأنه استفاق للتو ليبصر بعينه اشتعال ذلك القتال، نهض من جلسته يندفع بسرعة مخيفة صوب صالح يبعده عن صلاح ثم ألقاه ارضًا واندفع يكيل له اللكمات متناسيًا أنه يضرب صالح ..
" أنا سكتلك كتير وأنت كل شوية تقول حشاش وبايظ، شربت علبة العصير اللي مظبطها عشاني وقولت ماشي، لكن تيجي على صاحبي دي اللي مش هسكت عنها، سامع ؟!"
صرخ صالح أسفل محمود يحاول دفعه عنه بعدما باغته:
" يا غبي يا متخلف أنا صالح، التاني هو صلاح "
نظر محمود لصالح بشر وهو يقول :
" أنت كداب صالح عمره ما لبس بدلة غير في حفلة التخرج "
"فوق يا نايم أنا كنت عامل نفسي صلاح عشان المؤتمر "
فتح محمود عينه فجأة وقد استوعب ما حدث وقبل أن ينطق بكلمة شعر بجسده يُجذب من فوق جسد صالح ودون أن يبادر بكلمة شعر يلكمة عنيفة أصابت فكه وصوت صلاح خرج راعدًا :
" يعني اللي حصل فيا ده بسبب العصير بتاعك ؟؟ "
فتح محمود عينه ينظر في وجه صلاح بحزن قبل أن يقول :
" كده يا صالح بتمد ايدك على صاحبك عشان اخوك ؟؟ مش كفاية كنت بضربه عشانك ؟!"
قال صلاح بغضب وهو يهز محمود :
" أنا صلاح يا متخلف واللي كنت بتضربه هو صالح"
نهض صالح يخلع سترته ملقيًا إياها ارضًا ثم جذب منه محمود يقول بشر :
" لا ده تسيبه ليا أنا بقى الحشاش ده "
وفجأة انقلب القتال لمحمود وأصبح الأخوان يلقون محمود لبعضهم البعض والآخر يحاول أن يستوعب ما يحدث :
" طب أنا مش فاهم مين صالح فيكم عشان اتقمص طيب ؟!"
كان رائد في تلك اللحظة يراقب ما يحدث وهو لا يفهم شيئًا، يشعر أن اسلاك عقله قد تشابكت في بعضها البعض، كل ذلك يحدث أمامه وهو في عالم آخر، قبل أن يتوقف الاثنان عن ضرب محمود وكان ذلك تزامنًا مع فتح الباب ودخول رجل كبير في العمر وهو يصرخ :
" حضرة النقيب "
اعتدل رائد في وقفته وهو يلقي التحية على اللواء مرددًا باحترام :
" افندم "
نظر الجميع صوب الباب ومازالت يد صلاح تمسك بتلابيب ثياب محمود الذي صاح بتعجب :
" عمي ؟!"
نظر اللواء صوب محمود وألقى له نظرة صغيرة مستحقرة، ثم تجاهله متحدثًا لرائد :
" خلص اللي بتعمله وتعالالي على المكتب "
أنهى حديثه وخرج دون كلمة إضافية ودون قول ما جاء لاجله، تاركًا ثلاثة أزواج من العيون تحدق في محمود بصدمة، لكن محمود لم يكن يهتم لنظراتهم وهو يقول :
" ايًا كان مين فيكم صالح يجي يوصلني البيت عشان عضمي مكسر....."
____________________
وحسب الاتفاق كانت هناك .
تنتظر منذ ساعات أن تقابل ذلك المدعو ظُلمًا كاتبًا لتأخذ منه هاتفها الثمين، تنتظر وتنتظر داخل إحدى مياديين القاهرة الرئيسية، لكن لا شيء ....
شعرت رانيا بالغضب حينما تخيلت أن ذلك المدعي قد سرق هاتفها، أو يحاول التلاعب بها.
شهقت وقد بدأ عقلها يصور لها أنه فعل هذا لتأتي له خصيصًا للقاهرة وبعدها يخطفها ويقطعها لبيعها أعضاء .
ومن بين كل أفكارها شعرت ببروده في الأطراف، ليس من الجو، بل من فكرة أن الليل قد جن عليها وهي لم تنهي ما أتت لأجله .
احتارت ما بين العودة والبقاء هنا، لكن استمعت لرأي عقلها بأن تعود لمنزلها وتفكر في القادم، وما كادت تخطو عودة لموقف السيارات حتى تذكرت فجأة موافقة المنحة التي قدمت عليها والتي من المفترض أن تصل لها خلال أيام قليلة من الآن.
" يارب تقع تحت ايدي يا صلاح يا سقاري، بس الاقي تليفوني والله لافضحك"
تحركت توقف سيارة، ثم صعدت لها وتوجهت للمنزل الوحيد الذي تعرفه في القاهرة، منزل خالتها العزيزة .
مسحت وجهها تفكر في حجج عديدة تخبرها لعائلتها بمجرد الاتصال بهم من عند خالتها، وفكرت أن العقبة الأكبر تكمن في اكبر أشقائها.....محمد .
وعندما وصلت هبطت من السيارة، ثم صعدت لخالتها وبعد ترحيب و حوار قصير اقنعتها به أنها جاءت لتقضي معها بعض الأيام، انتزعت رانيا الهاتف واتصلت بوالدها وانتظرت الرد بهدوء وبمجرد أن سمعت صوته يقول :
" اهلا بالناس اللي مش بتسأل، عاش من سمع صوتك "
" دي أنا رانيا يا بابا، مش خالتو "
وصل لها صوت والدها متعجب :
" رانيا ؟؟ بتعملي ايه يا رانيا عند خالتك ؟؟ ولا هي اللي جات اسكندرية ولا ايه بالضبط !!"
أغمضت رانيا عينها ثم تلت عليه أولى كذباتها :
" أنا ...أنا بس يا بابا عندي كورس مهم هنا هيستمر لكام يوم وسيبت رسالة ليكم قبل ما أخرج لأن البيت كان فاضي وتليفوني باظ وكنت مستعجلة، فقولت لعم حسين البواب يبلغكم لأنه جه فجأة أنت عارف الكورسات بتاعتي "
صمت رؤوف والد رانيا والذي يعمل مهندسًا في إحدى الشركات، مثله مثل أبناءه الاربعة، فقد رُزق في بداية زواجه بأربعة رجال وصبية واحدة، أضحت مدللة الجميع، ولم يكن يومًا يرفض لها طلبًا، سواء كان اقتناء شيء جديد، أو السفر لرحلة ممتعة مع رفاقها، لهذا كان أمر ذهابها لخالتها أمر معهود وغير مريب له ليتعجب أو يغضب ..
" لا يا رانيا، عم حسين مقالش حاجة، بعدين ازاي تسافري لوحدك من غير ما حد من اخواتك يوصلك ؟! كنتِ قولتي وكان عبدالجواد وصلك "
" يابابا أنا والله كنت مستعجلة اوي ومقدرتش استنى، بعدين عبدالجواد الله يكون في عونه عنده شغله وكل شوية يوصلني لحتة فقولت اريحه، المهم بس طمن الكل عليا وقولهم اني هقعد يومين ومش هتأخر "
وافقها والدها بهدوء دون اعتراضات كثيرة طالما اطمئن أنها عند خالتها، وايضًا لأنه لا يهون عليه أن يصرخ بها، ولطالما كانت طريقته تلك هي محط امتعاض شقيقها الأكبر، لكن من يأبه طالما انها تنال دلال والدها وباقي إخوتها ..
أغلقت رانيا الهاتف، ثم سارعت للاتصال برقم هاتفها تنتظر الرد وبمجرد أن فُتحت المكالمة فتحت فمها استعدادًا لرمي قذائفها ..
__________________
خرج صلاح من مركز الشرطة وهو يرغي ويزبد، كان يُعدل من سترته التي افسدها اخوه، بعدما أجبره على تبديل الثياب بينهما قبل رحيله مع محمود لمنزله، ولم ينس بالطبع أن يتوعد لهما بالويل، فهو لم ينتهِ منهم، أو بالأحرى لم يبدأ بعد .
وبمجرد أن خطى للخارج أبصر سيارة تتوقف أمامه بشكل متقن، ورأس ميمو تخرج منها مرددة بجدية وبسمة عابثة اعتاد عليها :
" محتاج توصيلة ؟!"
ابتسم صلاح بسمة جانبية يتحرك صوب المقعد المجاور لها دون جدال أو اسئلة، فقط صعد للسيارة بهدوء لتتحرك هي بالسيارة في سرعة كبيرة وهو يجلس ينتظر أن تفتح فمها متوقعًا أن تسأله عما كان يفعل في مركز الشرطة منذ دقائق، وقد صدق حدسه ...
" ألا أنت كنت بتعمل ايه في القسم ؟؟ أنت مخبر ولا ايه ؟!"
ابتسم صلاح يرتاح على المقعد خلفه يجيبها بهدوء كبير :
" هو مختار مجابش اخبار ولا ايه ؟! ده انا قولت لغاية ما اخلص كلامي جوا هيكون ملفي كله قدامك "
رفعت ميمو حاجبها وهي تنظر له بشكل غامض غريب وكأنها تسأله بصمت عن معرفته لمختار، أو معرفته أنها ستطلب من مختار البحث حوله .
أطلق صلاح ضحكة خافتة، ثم غمزها بخبث يقول :
" مش أنتِ بس اللي ليكِ عيون يا لذوذة، اعرفي أنك لو قدامي بخطوة فأنا هسبقك بعشرة، يمكن تكوني ذكية بس أنا أقدم منك في اللعبة دي يا .... ميمو "
صمت ثواني ثم نظر بعينها التي كانت لا تُظهر ايًا ما تفكر به ميمو، لكن صلاح لم يصمت وهو يقول :
" أيوة في الاول مكنتش اعرف أنك موجودة اساسا ولا أعرف عنك أي حاجة، لكن مقابلتك ليا كانت خيط شديت بيه كل حكايتك لاصابعي"
ادعى التفكير وهو يستند برأسه على المقعد خلفه وقال بهدوء :
" وحسب اللي عرفته أن سعودك عاملك ازمة، ومش مريحك وجوده في البيت مش كده ؟؟"
ومجددًا التزمت ميمو الصمت، فمن عادتها الصمت حتى يفضي من أمامها بما يفكر به قبل أن تعطيه هي ما يريحه .
" وانا برضو وجود سعودك في الدنيا دي عاملي أزمة، فـ ايه رأيك ؟؟"
أوقفت ميمو السيارة فجأة تنظر له بجمود قبل أن ترتسم بسمة خبيثة بشكل جذاب على فمها، بسمة إن كانت تود اخافته بها فقد فشلت فشلًا ذريعًا، فهي بتلك البسمة أسرته بكل بساطة، تلك المرأة تلعب على أعصابه بكل مهارة .
مالت ميمو صوبه تاركة مسافة مناسبة بينهما وصلاح مازال يريح رأسه على مقعده ينتظر ما ستفعل وكل ما صدر منها هو كلمات غامضة :
" تفتكر اني ممكن أثق فيك واسلمك اموري بكل سهولة ؟!"
هز صلاح رأسه بنعم مبتسمًا واثقًا أنها ستفعل، لتطلق هي ضحكة صاخبة تعود لمقعدها تحرك رأسها بعشوائية قبل أن تهدأ وتقول :
" دايما بشوف أن ثقة الرجالة في نفسهم شيء مضحك، بشوف غرورهم حاجة هبلة اوي، لأن بغمزة واحدة بتلاقيهم وقعوا، لكن أنت....."
صمتت ثواني تراقب علامات الإنتباه التي علت وجه صلاح، ثم أكملت :
" عجبتني"
ابتسم صلاح بسمة جانبية يدرك أن انطباعه الاول عنها كان صحيحًا، تلك المرأة خبيثة بشكل مخيف، غامضة، وعابثة و.....غريبة .
" اسمع يا حبوب اللي قدامك دي هي سبب صداع ابن الاشموني الاول، يعني لو أنت علمت عليه مرة، فأنا علمت عليه ميت مرة، فعمرك ما تفكر أنه مش حاططني تحت عينه ومتوقع الغدر مني، وعارف اوي أن في أي لحظة ممكن اضربه في ضهره، ومتستبعدش أن المقابلة دي تكون بث مباشر ليه دلوقتي في مكتبه، فالموضوع اللي بتفكر فيه ده، مش بالسهولة "
اعتدل صلاح في جلسته وهو يقول ببسمة :
" وامتى كانت الحاجات الحلوة سهلة ؟؟ "
نظرت له ميمو قليلًا، قبل أن تخرج علكة من حقيبتها تلقيها في فمها وكأنها تستعين بها للتفكير، لتدفع بصلاح في الدوامة التي سحبته منذ رآها، كيف تصدر تلك الأفعال من هذه المرأة ؟؟
" طب اسمع يا لذوذ .."
" صلاح، معلش ناديني باسمي لأن بحس نفسي مش مجمع حاجة لما تكلميني بالشكل ده وأنتِ لابسة كده، فيا تكلميني عادي، يا تلبسي عباية سمرا وتضربي شعرك اكسجين، عشان بس عقلي يظبط الصورة مع الصوت "
رمقته ميمو بأعين متسعة جعلته يفكر أنها حتى لو اردت تلك العباءة السمراء فيقسم أنها لن تزيدها إلا فتنة، منذ متى كان ينظر لأي امرأة بهذه النظرات المفتونة، تلك المرأة رغم أنها ليست الاجمل، لكن ملامحها فاتنة، وكل تلك الفتنة يتلاشى ببساطة حينما تقرر أن تتحدث ......
" اكلمك عادي ازاي لا مؤاخذة ؟؟ هو أنا بكلمك من أصابع رجلي ؟؟"
مسح صلاح وجهه وهو ينظر من النافذة محدثًا نفسه :
" ياريتك متتكلميش خالص "
استدار صوبها يحاول التحدث مجددًا لكن قاطعهما صوت رنين هاتف ميمو والتي أجابت سريعًا بكلمات مقتضبة :
" وصلتها ؟؟ ....طب خليك جنبها يا مختار لغاية ما ارجع "
أنهت الحديث معه ثم نظرت لصلاح الذي قال دون مقدمات :
" نيرمينا ؟؟ مش غريبة يعني ؟؟"
" قصدك عشان أنا مرات ابوها "
وكم ازعجته تلك الكلمة التي وحتى الآن لا يستطيع ابتلاعها، لكنه هز رأسه بالموافقة لتبتسم له ميمو وهي تقول أثناء تحركها بالسيارة مرة أخرى :
" فيه حاجات كتير غير مختار محتاج تكتشفها عني يا حبوب "
ابتسم لها صلاح يقول بخبث كلمات قليلة كانت أشبه بعقد صفقة بينهما :
" اعتبر دي موافقة اني أخد فرصة لاكتشاف الحاجات دي ؟!"
ضحكت ميمو ضحكات عالية وهي تزيد من سرعة سيارتها :
" ممكن..."
________________________
تحرك الاثنان داخل ذلك المنزل الذي ينطق كل ركن منه بثراء قاطنيه، منزل مرتب منظم مريح للعين، اغلق صالح الباب خلفه بتعب بدأ يتلاشى بعدما ارتدى ثيابه التي كان صلاح يرتديها قبله .
نظر لمحمود الذي تحرك بأقدام مرهقة صوب درجات منزله يتسلقها صوب الاعلى حيث غرفته، وقبل أن يبادر بالتحدث سبقه صوت صارم وهو يناديه :
" محمود استنى "
استدار الاثنان صوب الصوت والذي كان لماجد هلوان والد محمود وعالم النباتات المشهور، يقف هناك في أحد أركان المنزل بنظارة طبية تلائم ملامحه المشابهة لخاصة محمود لكن مع اختلاف لون الشعرؤ فقد كان شعر ماجد اسود فحمي، لكن مع نفس العيون والملاحم والتي كانت متوارثة في عائلة محمود ذات الجذور الأوربية من ناحية جده الأكبر.
تحرك صوب ابنه يتحدث من بين أسنانه بغيظ :
" أنت دخلت المعمل بتاعي؟!"
نظر محمود لوالده بصدمة مشيرًا لنفسه :
" أنا؟؟؟ محصلش، أنت عارف يابابا اني عمري ما اتجرأ ادخل المعمل بتاعك، دي منطقة محرمة ليا "
نظر له ماجد بتدقيق، ثم اقترب منه واشتمه بحرص يحاول البحث عن رائحة نبتته الغالية بين أنفاسه، لكن لا شيء.
ابتعد خطوات للخلف :
" تمام يا محمود أنا هعرف النباتات راحت فين، وياويلك لو عرفت انك بتشربها زي ما قفشتك قبل كده "
وضع محمود يده أعلى صدره :
" عيب عليك، أنا برضو اشرب نباتات ؟! "
ابتسم ماجد بسخرية ثم تحرك بعيدًا عنه يلقي بتحية عابرة، لكن ودية على صالح :
" اهلا يا صالح "
" اهلا يا دكتور ماجد "
تركهم ماجد ودخل لمكتبه مغلقًا الباب خلفه، قبل أن ينظر محمود لصالح الذي كان يرمقه بغيظ :
" ايه بتبصلي كده ليه ؟؟"
تجاهله صالح وهو يدفعه في كتفه صاعدًا لغرفته بعدما قرر أن يبيت ليلته هنا خوفًا من العودة للمنزل ومواجهة صلاح، فهو من خلال تلك السنوات التي عاشها رفقة اخيه، يدرك جيدًا أن تلك الصفعات واللكمات التي تبادلوها في مكتب رائد، ليست هي العقاب الذي تحدث عنه صلاح، بل هناك اسوء .
دخل محمود الغرفة خلفه وهو يقول :
" أنت هتنام هنا ؟؟"
لكن صالح لم يجيبه وهو يصعد على فراشه يأخذ وسادة ومفرش ملقيًا بهم ارضًا، ثم تسطح براحة شديدة وهو مازال بالحذاء :
" نام أنت في الأرض وانا هنام هنا "
نظر محمود للأرض ثم لصالح يتحدث متشنجًا :
" دي اوضتي أنا، وسريري أنا"
" ومصيبتك أنت برضو، مين اللي ورطنا في كل ده ؟! مش العصير بتاعك اللي حاطط فيه مخدرات يا بايظ يا ..."
وقبل أن يكمل كلماته انقض عليه محمود بخوف يمنعه من الصراخ بتلك الكلمات التي قد تصل بالخطأ لمسامع والده وتتسبب في موته هذه الليلة :
" اششش وطي صوتك يا متخلف، ابويا لو سمعك هياخدنا يخللنا في برطمانات الاعشاب بتاعته تحت، بعدين مخدرات ايه دي نباتات عادي "
ابعد صالح يده ساخرًا من مبرراته :
" نباتات ايه يا ابو نباتات ؟! احنا هنعملهم على بعض؟! ما كلهم واحد يا ضنايا "
جلس محمود على الفراش يقول بجدية محركًا يده في الهواء أثناء الحديث لصديقه :
" لا فيه فرق، الحشيش أو النباتات دي خضار زي اي خضار زي الملوخية والفاصوليا الخضرا، يعني مفيدة للصحة، بينما المخدرات دي بتكون بودرة ومواد كيميائية مُصنعة والعياذ بالله مضرة بالصحة "
أصدرت حنجرة صالح صوتًا ساخرًا وهو يدفع محمود للخلف، يريح جسده أكثر على الفراش قبل أن يعيقه وجود محمود عليه ليدفعه بقدمه مسقطًا إياه ارضًا :
" يا اخي مش تقول كده، شوف وانا اللي ظلمتك وفكرتك حشاش ؟! طلعت بتضرب ملوخية، ويا ترى بقى بتاخد الرز بشعرية في حقن ولا بتحبها على مكرونة ؟!"
نهض محمود من مكانه متجهًا صوب خزانته يخرج ثياب له ولصالح :
" اتريق اتريق، بكرة تيجي تبوس أيدي عشان اديك شوية خضروات تشمهم "
أنهى حديثه ملقيًا بثياب لصالح، ثم تحرك صوب مرحاضه قبل ان يخرج محفظته وكل شيء بجيب بنطاله يضعه على الطاولة :
" هاخد شاور وجايلك عشان نكلم اخوك نصالحك عليه، لأني مش هستحمل انام في الأرض كتير "
تجاهله محمود وهو يغلق عينه براحة شديد قبل أن يخلع حذائه ملقيًا به ارضًا جوار الفراش، ثم ابتسم يتنفس الصعداء فهذا اليوم كان طويلًا ومرهقًا بشكل لا يُحتمل .
واخيرًا أُسدل الستار عن ذلك اليوم المتعب ...أو ربما لا .
علىٰ رنين هاتف محمود بشكل مزعج، أجبر صالح على النهوض والرد عليه بنزق بعدما يأس من توقف الرنين المتكرر :
" الو "
وجاءه الرد عاصفًا من الجهة الأخرى وصراخ الفتاة يكاد يصيبه بالصمم :
" الو يا نصاب يا حرامي، بقى أنا تسيبني واقفة في الميدان طول اليوم وتاخد التليفون وتهرب "
تعجب صالح صراخها وقال :
" جرا ايه ياما براحة على نفسك كده، تليفون مين وميدان ايه ؟؟ بعدين أنا مــ ..."
صمت فجأة بصدمة بعدما استوعب ما تقصده، ضرب جبينه بقوة عاضًا شفاهه السفلية بغيظ متذكرًا موعده مع تلك الفتاة صاحبة الهاتف والتي كان من المفترض أن ينتظرها في مكانٍ ما لتسليم الهاتف، لكن وبسبب مكالمة رائد له والتي جعلته يهرع لمركز الشرطة نسي كل شيء عنها .
افاق صالح على صوت رانيا وهي تقول بحقد وتشفي :
" على العموم مش انا اللي حرامي زيك يضحك عليها، وحقي هاخده منك واعتبر اللي عملته ده قرصة ودن "
تحفز جسد صالح وهو يشعر أن القادم لن يعجبه ينبث بكلمات خافتة تخفي ورائها بدائية وعداوة مرعبة وتوعد خفي بالويل :
" عملتِ ايه بالضبط ؟؟؟"
هل تنقل أسلاك الهاتف الخبث، فقد شعر صالح بموجة خبث وتشفّي ضربته فجأة وصوت الفتاة يصل له بوضوح، وقد شعرت رانيا أن ذلك قد يطفئ النيران داخلها بعدما رأت كيف يخدعها ذلك الرجل :
" نزلت بوست على جروب القراء بتوعك وحكيت ليهم قد ايه حضرتك شخص لبق ومحترم ونصاب يا استاذ صلاح السقاري ...."
مرحى يا صالح، ها هو سبب آخر يُضاف لقائمة الأسباب التي قد تدفع باخيك نحو قتلك والتخلص منك .
همس بأعين متسعة وصدمة :
" نعم يا ختي ؟؟؟"
__________________
مشكلة وراء أخرى، والحل أمامك، لكنه يحتاج فقط لنظرة ثاقبة وعقل متفتح، فكن متيقظًا لما سيحدث، فالقادم سيبهرك ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الخامس 5 - بقلم رحمة نبيل
الخامس
قبل القراءة مش هتخسر شيء لو عملت ( ڤوت) عشان تشجعني ❤️
* ملحوظة *
قصة " ميمو " التي ستُعرض خلال الأحداث القادمة هي قصة حقيقية، مع لمسة خيالية للتخفيف من حدة الواقع .
واعلموا أنه ما من عبدٍ مسلمٍ أكثر الصلاة على النبي محمد ﷺ إلا نوّر الله قلبه، وغفر ذنبه، وشرح صدره، ويسَّرَ أمره.❤️
ابن الجوزيّ.
_______________________
عادت منزلها أو بالأحرى منزل عائلة الاشموني الموقرة والتي تحل ضيفة عليهم، أو _حسب زعمها_هم من يحلون ضيوفًا لديها .
ابتسمت تدلف غرفتها ملقيةً حقيبتها وحذائها جانبًا وقد قررت الاغتسال علّها تفكر بشكل جيد في القادم، لكن أثناء ما كانت تفعل ذلك أبصرت بأعين ضبابية صورة عملاقة تتوسط الجدار فوق الفراش، صورة لفتاة مراهقة بين احضان كهلٍ، ترتدي فستان زفاف ويد ذلك العجوز تضمها بشكل فج وكأنه العالم أسفل قدمه .
ارتسمت بسمة مجروحة أعلى وجهها تقترب من الصورة تتحس الإطار، وتتحدث كما لو أن صاحبها يتجسد أمامها :
" ازيك يا جاد ؟! اخبار الدنيا عندك ايه ؟! "
ابتسمت بسمة لطيفة تنافي حالتها في تلك اللحظة:
" عارفة أنك حاسس بالوحدة، متقلقش ابنك هيحصلك قريب عشان بس تعرف أن ميمو حبيبتك مش حابة تزعلك حتى بعد ما ريحتنا منك "
كانت تتحدث وعينها مثبته أعلى ذلك الجسد الذي عذبها لسنوات وسنوات، أغمضت عينها تحاول ابعاد تلك الصور عن عقلها، صور لفتاة مراهقة تطلق شعرها خلفها تركض في الطرقات ببسمة واسعة تضم بين أحضانها كنزها الثمين، صغيرة ذهبت لزيارة منزل عمها للعب مع ابنة عمها، حتى قابلت سبب دمارها ....
دخلت ميمو _المراهقة_ لمنزل عمها وهي تحيي الجميع ببسمة واسعة تحمل بين أحضانها العديد والعديد من الروايات التي نجحت في شرائها بمبلغٍ زهيد من ذلك البائع الذي يجلس على الرصيف أمام مدرستها ..
" فين ميرڤت يا مرات عمي ؟!"
أشارت لها زوجة عمها الحبيبة والحنونة بهدوء :
" اششش وطي صوتك يا ميمو عشان عمك معاه ضيوف جوا يا حبيبتي، ادخلي ميرفت في المطبخ بتصب العصير للضيوف "
هزت ميمو رأسها تبتسم لها بسمة واسعة قبل أن تنطلق كالقذيفة صوب الداخل وكلها حماس لتقسيم الروايات عليهما كما يفعلان طوال الوقت، فقد كانت تلك الروايات هي الشيء الوحيد الذي يحلي مرارة ايام ميرفت بعدما أجبرها والدها على ترك الدراسة .
وأثناء عبورها من أمام غرفة الضيوف لمحت رجل يجلس بهيبة أعلى مقعد متهالك تكاد أرجله تداعى أسفل جسده الضخم ذو العضلات، رُغم ملامح السن الظاهرة أعلى وجهه .
فتحت فمها بانبهار تراقب تلك الثياب النظيفة التي لا تراها إلا في التلفاز وذلك الهاتف المستقر أمامه يبدو باهظ الثمن، وأثناء شرودها ذلك ارتفع رأس الرجل فجأة بشكل جعلها تعود للخلف مرتعبة، وهي تنظر له بتوتر، ليبتسم لها الرجل جانبية أثارت في نفسها مشاعر مجهولة، ابتلعت ريقها تتحرك صوب المطبخ وهي تنادي باسم ميرفت وفي عقلها ما تزال صورة ذلك الرجل تُعرض ...
وكانت هذه المرة الأولى التي رأت بها جاد الاشموني _ والد سعيد _ ويا ليتها لم تفعل، ليتها لم تتوقف لتطيل للنظر به، أو ليتها لم تذهب لمنزل عملها، أو حتى ليت البائع رفض بيع الروايات لها بسعر زهيد وقتها كانت لتعود لمنزلها خالية الوثاق حزينة، افضل من أن تقضي باقي حياتها حزينة محطمة ...
أفاقت ميمو من شرودها وهي تتحرك بخطوات بطيئة صوب المرحاض تبعد تلك الذكريات عن رأسها، وقفت أسفل رذاذ المياة بثيابها تبعد تلك الذكريات عن رأسها وصوت جاد يتكرر في رأسها، تغمض عينها تحاول ابعاد صورته ونظراته على جسدها الصغير، صوته المقيت ما يزال يصدح في عقلها..
" ايه يا معتز مقولتش أنك عندك بنت قمر زي دي ؟؟"
نظر عمها صوبها بعدم اهتمام وهي تضع اكواب الضيافة أمامهما :
" لا دي بنت اخويا "
ابتسم لها جاد وهو يهز رأسه بنظرات كانت غير مفهومة لها في هذا الوقت يقول بصوت مقزز :
" ما شاء الله اخوك عنده بنت عروسة كده ؟؟ تلاقي الرجالة بيترموا تحت رجليها من صغرها، ولا ايه يا عروسة ؟!"
ابتسمت له ميمو بارتباك ولم تُحسن اختيار كلماتها لولا حديث معتز الذي قاطع كل ذلك :
" أيوة، بس امها رافضة موضوع الجواز، قال ايه البنت لسه ١٥ سنة، وصغيرة "
وفي تلك اللحظة اخترقتها نظرات جاد الذي قال بصوت بدا لها فحيحًا :
" صغيرة ايه ؟؟ ده السن ده هو افضل سن للجواز، البنات في السن ده بيكونوا زي الورد المفتح اللي مستني البستاني يقطفه "
وقد كان، قطفها جاد ..قطفها دون أن يأبه أنها لم تُزهر بعد كما يدّعي، قطفها وتركها دون أن يسقيها او يعتني بها حتى ذبلت وتحولت من وردة لصبار شائك، مر كالعلقم .
أغلقت ميمو الصنبور تتنفس بصوت مرتفع أسفل المياة، مسحت وجهها تحاول أن تخرج من تلك الدوامة وهي تهتف :
" اشششش خلاص، جاد مات، جاد مات، لازم اللعبة دي تخلص بقى، كفاية اوي كده "
رفعت عينها تتذكر ملامح صلاح وهي تردد :
" و عشان تلاعب واحد خبيث زي سعيد، محتاجين واحد أخبث منه ....."
____________________
"نعم يا اختي ؟؟"
خرج محمود من المرحاض مرتعبًا قبل حتى أن يكمل خلع ثيابه تزامنًا مع انطلاق صرخات صالح الذي انتصب جسده بشكل متحفز وكأنه يناقش عدوًا على اتفاقيةٍ ما ..
اقترب منه محمود يردد بجهلٍ وملامح الشر التي ينبض بها وجه رفيقه اخافته :
" فيه ايه ؟! حصل ايه ؟؟ مين اللي بتكلمه ؟!"
لم يجب صالح أي سؤال خرج من فم محمود، بل قال بكل بساطة :
" أنتِ لو ممسحتيش الزفت اللي نشرتيه ده اقسم بالله هـ"
ولأول مرة يقطع أحدهم تهديده، حيث قالت له رانيا بصوت مستفز وقح:
" تؤتؤ بلاش جو التهديد ده لأني بسجل المكالمة واكيد مش هتحب انزل تسجيل صوتي مع البوست "
عض صالح شفتيه بغضب وهو يهمس :
" يا بنت الــ "
" برضو بلاش شتيمة عشان المكالمة دي متسجلة "
ضغط صالح على أصابعه بحنق وغضب حاول كبته لئلا تنفذ تهديدها، فيكفيه ما فعلته لأخيه منذ قليل والذي سيزيد من طينته بلًا .
" طيب انطقي عايزة ايه ؟!"
انتفضت رانيا من مجلسها تتجاهل خالتها التي دخلت الغرفة تحمل كوبًا من الحليب وبعض المخبوزات :
" هعوز منك ايه يعني ؟؟ عايزة تليفوني اللي اخدتوه مني يا حرامية يا نصابين"
تحدثت خالتها ببلاهة وهي تضع الكوب أعلى الطاولة المجاورة للفراش :
" تليفون ايه يا رانيا ؟! مين دول "
تحدثت رانيا بحنق :
" لحظة يا خالتو، اسمع يا استاذ صلاح لو تليفوني مرجعش ليا اقسم بالله أنا مش هيكفيني اللي عملته، وهروح الجريدة اللي بتشتغل فيها وهقول للكل أنك نصاب وحرامي "
وكعادته بدأ صالح يبعثر خصلات شعره بقوة جعلت محمود يدرك جيدًا أن صالح الآن على حافة غضبه، وقاب قوسين من الانفجار .
" برضو هتقولي حرامي ونصاب، يابت ده سامسونج امال لو كان ايفون كنتِ هتعملي ايه ؟؟ "
اقتربت خالتها منها تحاول إلصاق أذنها بالهاتف أكثر :
" مين ده يا رانيا وحصل ايه ؟!"
" لحظة يا خالتو، اولا نوعه ميخصكش، أنا عايزة تليفوني عشان اللي عليه يا محترم ولو الدنيا مزنقة معاك والكتابة مش جايبة همها اوي كده سيبها واشتغل أي شغلانة تانية بدل القرف اللي بتعمله "
نظر صالح لمحمود وهو يقول بسخرية :
" لا ما أنا فعلا بشتغل شغلانة تانية مقرفة اكتر من القرف اللي بعمله، ولو ممسحتيش البوست اللي نزل أنا هوريكِ الشغلانة دي عملي "
تعجبت رانيا من حديثه الذي لم تفقه له معنى، لكن صالح لم يسمح لها بالاسترسال في الحديث أو تكرار تلك الكلمات المزعجة :
" اسمعي، بكرة الضهر فيه كافيه هبعتلك عنوانه تيجي فيه تاخدي ام التليفون بتاعك وتنزلي من على دماغي "
" اه عشان اجي الكافيه ملاقيش حد وتضحك عليا تاني "
مسح صالح وجهه يبعد وجه محمود الملتصق به بشكل غريب يكاد يستقر بين احضانه بحنق :
" يابني مش كده ما تيجي في حضني احسن، بوسني يا محمود بوسني "
شهقت رانيا بصدمة وأحمر وجهها من كلماته الوقحة .
بينما هو نفخ بضيق شديد ثم أولى انتباهه لها :
" ده اللي عندي، هتيجي بكرة هتاخدي تليفونك، مش هتيجي والله مش مشكلتي "
نظرت رانيا حولها تحاول التفكير في الأمر بينما خالتها تحوم حولها كالنحلة التي لا تجد زهرة تحط عليها :
" فيه ايه يا بنتي ما تنطقي؟! "
وفرت رانيا وهي تقول :
" ماشي، ابعت العنوان بس حسك عينك تضحك عليا تاني ومتجيش سامع ؟؟"
التوى ثغر صالح مظهرًا بسمة ساخرة جانبية أوضحت مقدار ما يشعر به من حنق وغضب :
" ماشي يا ختي، بس قبلها تمسحي اللي نزلتيه وتقولي في بوست أنك كنتِ بتهزري "
وصل له صياح رانيا عبر الهاتف :
" وانا ايه ضمني إني بعد ما اعمل كده هتكون قد كلمتك ؟!"
اقتربت خالتها تلتصق بها أكثر بحنق شديد والحاح أشد :
" مين ده يا رانيا ؟!"
قال صالح بغضب يوازي، بل يتخطى غضب رانيا بمراحل وقد استفزت تلك الفتاة كل ذرة همجية تسير في دماءه وهو يصرخ :
" لا لحظة يا خالتو، احنا هنستهبل ولا ايه ؟؟ بقولك تتنيلي تمسحي البوست هتلاقي تليفونك معاكِ بكرة وهينام في حضنك وصورتك تنور كاميرته تاني، مش هتمسحي البوست يبقى تودعي تليفونك يا حلوة "
شهقت رانيا شهقة من تخرج روحه وهي تتراجع للخلف بشكل اثار فزع خالتها تصرخ بصوت مرتفع :
" أنت يا حيوان بتهددني؟؟ بقى هو ده الادب والرقي واللباقة ؟؟ امال لو كنت صايع كنت عملت ايه ؟؟ "
لم يهتم لها صالح بل اغلق الهاتف بملل وسأم يلقيه أعلى الفراش متجاهلًا أي اسلوب لباقة أو أي آداب عامة، ثم أشار بإصبعه في وجه محمود بشر :
" بكرة في استراحة الغدا هتاخد التليفون ده وتروح توصله لام لسان دي في الكافيه اللي جنب المستشفى، دي غلطتك وأنت اللي تحلها"
أنهى حديثه دافعًا إياه جانبًا، ثم تحرك صوب المرحاض بينما محمود ما يزال واقفًا في منتصف الغرفة عاري الجزع :
" طب وانا ايه يجبرني اعمل كده هي بتهدد اخوك مش بتهددني أنا "
ابتسم له صالح يردد قبل أن يغلق الباب :
" ما هي المشكلة أنها بتهدد اخويا، هي لو كانت بتهددك أنت في ستين داهية، انما صلاح هيدبحنا، وادعي ربنا أن البوست يتمسح قبل ما يوصل ليه، كفاية اوي اللي حصل في المؤتمر ...."
_________________
وفي غرفة صلاح كان يتمدد أعلى فراشه يتابع حسابه بعدما انتهى لتوه من نشر مقالًا من شأنه أن يحرك مياه سعيد الراكدة، ابتسم بخبث شديد يراقب التفاعل الذي بدأ ينهال عليه بمجرد نشره لذلك المنشور، لكن فجأة أبصرت عينه اشعارًا يأتيه من أحد المتابعين، ضغطت أنامله على الشاشة لينتفض جسده فجأة وهو يصرخ بجنون :
" ايه ده ؟؟؟؟ ايه ده ؟؟؟؟ فيه ايه ؟؟؟؟"
ضغط بأصابع مشدودة من شدة غضبه على زر التعليق لمعرفة ما تقصده تلك الفتاة المسماه " زهرة الربيع " بأنه لص نصاب سرق هاتفها مستغلًا اسمه وشهرته، لكن خابت جميع مساعيه حينما ظهرت له على الشاشة رسالة تفيد أن هذا المنشور لم يعد موجودًا ليعلق عليه، اشتد جنون صلاح وهو يحرك أصابعه على الشاشة ليجد منشورًا آخر من نفس الفتاة تخبرهم أنها فقط كانت تمزح.
تمزح ؟؟؟ حقًا ؟! حسنًا هو سيريها كيف يكون المزاح .
دخل صلاح سريعًا للملف الشخصي الخاص بتلك " الزهرة" يفتح خانة الرسائل يكتب بأصابع غاضبة :
" ممكن توضيح من حضرتك على منشورك حول اني نصاب وسرقت هاتفك ؟؟ أنا اساسا عمري ما لمست هاتف أي قارئة ودائما هما اللي بيتصوروا بنفسهم، اظن أمور زي دي مش مجال للمزاح يا آنسة "
انتظر أن تجيب، لكن لا شيء، خرج من صفحتها والغضب مازال يتوسط ملامحه، تنفس يحاول الهدوء مذكرًا نفسه أنها ربما فتاة طائشة لا تقصد ذلك وهي بالفعل اعتذر، كما أنه يكفيها معاتبة قراءه لها على حديثها الباطل عنه .
ابتسم يتنفس وهو يهدأ، لكن فجأة اختفت بسمته تمامًا وهو يلمح بعينه بث مباشر منتهي منذ ساعات عن المؤتمر، قد كانت جميع التفاعلات عبارة عن ضحك، قاده فضوله لرؤية ما فعل صالح هناك ليتسبب في إثارة الضحك بدلًا من الإعجاب، وليته لم يفعل ....
خارج الغرفة .
كان جسده يرتفع عن الأرض، ثم يقترب منها في حركات رياضية تسمى بالضغط، رياضة اعتاد رائد ممارستها طوال الوقت حينما يحتاج التفكير في قضية ما، وكان هذا أحد الأسباب لامتلاكه جسد عضلي مميز عن صالح وصلاح، كان الهاتف أمامه يتحدث مع والده الذي لم ينتهي منذ نصف ساعة من أخباره كم ينتظر ترقيته :
" سامعني يا رائد، أنا عملت كل اللي اقدر عليه عشان اوصلك للمكان ده، جبت كل وسطة اعرفها عشان توصل للمباحث "
أخرج رائد صوتًا ساخرًا لاذعًا :
" يعني هو أنت جبت كل الوسايط عشان اتعين وعطلت على الترقية يابا؟؟"
" بتقول ايه يا بني، أنت معايا ؟!"
تنهد رائد يزيد من سرعة حركاته وقد بدأ العرق يتساقط على الأرضية أسفله :
" سامعك يا حاج، أنت عارف أن الموضوع مش سهل وانا بعمل كل اللي عليا، لكن دايما تحصل حاجة في آخر لحظة تخرب الدنيا "
تنهد سليمان يتحدث بتمني :
" أنا يابني يوم ما سميتك رائد كان نفسي ومنى عيني تبقى رائد كبير في الشرطة، فاوعى تخيب املي "
تمتم رائد من بين أنفاسه وحركاته :
" كويس أنك مسمتنيش عقيد ولا لواء، أنا رائد ومش ملاحق عليها "
في تلك اللحظة أبصر رائد خروج قذيفة عنيفة من غرفة صلاح، فقد كان الاخير يغلق ازرار قميصه الابيض المرتب والذي يرتدي عليه بنطال اسود قماشي، يتحرك خارج البيت بشكل مخيف وكأنه ذاهب لقتل أحدهم ....
اعتدل رائد في وضعيته يمسح وجهه بمنشفة جواره مناديًا إياه :
" خير يا صلاح رايح فين ؟؟"
لكن صلاح لم يجبه بل ركض خارج المنزل بشكل اثار ريبة رائد وهو ينهي المكالمة مع والده سريعًا، ثم حمل سترته يضعها أعلى جسده راكضًا خلفه :
" اصبر فيه ايه ؟؟ فهمني "
لكن صلاح صعد سيارته وتحرك بها في سرعة مخيفة والشياطين تلاحقه، وكذلك رائد الذي تحرك بسيارته خلفه ...
______________________
كانت تجلس أمام المرآة تتجاهل نيرمينا التي تبكي لها تترجاها أن تسامحها :
" والله اخر مرة يا ميمو، آخر مرة وعد مني "
لكن ميمو تجاهلت كليًا ما تنطق به، وفكرة أنها انحرفت وتجرأت على تجرع تلك السموم التي يعمل أخيها جاهدًا لدسها بين الشباب والانتفاع بها، كل ذلك يقتلها، هل يمكن أن تُعاقب نيرمينا على أخطاء والدها واخيها ؟!
انتفض جسد ميمو رافضًا تلك الفكرة تمامًا، ليس نيرمينا، هي ليست مثلهم هي ليست من تلك العائلة القذرة رغم حملها اسمهم، هي ربيبتها، تشبهها هي ليس هم .
نظرت لها نظرة صارمة فبدت كأم تعاتب ابنتها رغم أن فرق العمر بينهما هو ست سنوات فقط، حيث تبلغ نيرمينا التاسعة عشر من عمرها ..
" على اوضتك يا نيرمينا، وكلامنا مش دلوقتي لما افوق لحوارك "
سقطت دموع نيرمينا بقوة تجلس على ركبتيها جوار مقعد ميمو تتمسك بيدها وهي تبكي برعب وجسدها يرتجف حزنًا :
" ارجوكِ بلاش تزعلي، والله العظيم كانت مرة وحرمت "
نظرت لها ميمو تحاول ألا تضعف أمامها :
" على اوضتك يا نيرمينا "
نهضت نيرمينا من مكانها بتخاذل وحزن، تحركت خارج الغرفة وصوت شهقاتها يرن في المكان بأكمله، الوحيدة التي تمتلكها في تلك العائلة تتخلى عنها الآن، وكل هذا لأجل خطأ ارتكبته في لحظة حماقة، هبطت نيرمينا الدرج تركض خارج المنزل لا تتحمل البقاء .
وبمجرد الخروج انفجرت في البكاء وهي تجلس على عتبات المنزل بانهزام وحزن ...
وخلال بكائها انتبهت لذلك الجسد الذي يستند على سيارة ميمو يرمقها بجمود دون ردة فعل، مسحت دموعها تتحرك صوبه بلهفة غريقٍ أبصر قشة نجاته بين امواجٍ متلاطمةٍ، وصوتها خرج به غصة بكاء :
" مختار، تعالى ساعدني "
لم يتحرك مختار أو تتحرك حتى عضلة واحدة في جسده تدل على أنه استمع لها، اقتربت منه نيرمينا تتمسك به مترجية ودموعها تسيل بقوة كما لو فقدت عزيزًا :
" ميمو زعلانة مني ومش راضية تسامحني، خليها تسامحني ارجوك، هي بتقدرك ومش بترفض ليك طلب "
وما وصل لها منه أي رد منها سوى أنه سحب يده من بين يديها بهدوء شديد، وصورتها تنعكس في عيونه السوداء المظلمة لتعطيها أحساس بالخواء ..
" مختار ارجوك، مش احنا صحاب ؟؟"
لم يجبها مختار كعادته، فهو لا يتحدث مع أحد ولم يستمع أحد لصوته يومًا، حتى اعتقد البعض أنه ابكم، ولم يتأكدوا بعض من صحة اعتقادهم بعد، لكنهم وصفوه بالبكم طالما لم يسمعوا صوته.
استدار مختار بعيدًا عنها ينظر بشرود للسماء وكأنها ليست هنا، لكن نيرمينا لم تهتم وهي تستدير له ببكاء ودموع تملئ وجهها :
" مختار مش بتبصلي ليه ؟! أنت زعلان أنت كمان ؟! مش احنا اتفقنا نبقى أصحاب ومع بعض على طول ؟! "
ولم تصل لشيء منه، اندفعت صوبه تمسك بيده تقول بأعين ملتمعة من الدموع :
" مختار طب أنا آسفة والله هما اللي ..."
وقبل أن تكمل كلمتها امسك مختار يدها ضاغطًا عليها بقوة لا تدري هل كانت مؤازرة ام غاضبة، لكنه فقط أشار بعينه صوب المنزل .
" عايزني أنت كمان ارجع اوضتي ؟!"
لم يحرك عضلة واحدة من جسده، بل اكتفى بالنظر لها، لتهز هي رأسها، تمسح دموعها بعنف شديد، ثم جذبت يدها منه وتحركت صوب المنزل مهرولة تحت أعين مختار المظلمة وجسده الجامد وقبل أن تبلغ الباب توقفت وهي تقول بلومٍ :
" خليك بس فاكرها يا مختار أنك أنت اللي بدأت وهتبوظ صداقتنا "
أنهت حديثها تكمل ركضها صوب غرفتها تاركة الاخير ينظر لاثرها دون إماءة واحدة ...
___________________
توقف أمام منزل محمود والذي يدرك جيدًا أن الاثنين جاءا للمبيت به، تجاهل يد رائد الذي يحاول منعه من مباغتة أهل ذلك البيت في هذا الوقت المتأخر من الليل، لكن صلاح ابعد يده صارخًا :
" اوعى والله ما هسيبهم "
ودون تردد طرق الباب بقوة شديدة ينتظر الإجابة ورائد لا يحبذ وجودهم في هذا الوقت :
" يا صلاح ميصحش كده، البيوت ليها حرمتها يا حبيبي، خلينا نرجع ونيجي ليهم الصبح "
" والله ما هتحرك غير لما اطفي ناري منهم هما الجوز، يا رائد دول .."
صمت يضغط على أسنانه بغضب بعدما تذكر ما فعل أثناء حالة السُكْر التي أصابته، يا ويلته لقد كان في وضعٍ مزرٍ، وكل هذا على مرأى ومسمع من الاحمقين اللذين لم يكتفيا بما فعلاه به، بل ذهبوا واكملوا جريمتهم في حق اسمه في هكذا مؤتمر كبير، أياليتهم قتلوه وانتهوا من الأمر برمته .
" متقفش في وشي يا رائد عشان والله العظيم اسيبهم وأمسك فيك أنت "
اشتعلت عين رائد يدفعه جانبًا بملامح مخيفة، ثم ضرب الباب بقدمه في عنف ليتأكد أن أصحاب المنزل لن يتجاهلوا الطرق، يقف في وجه صلاح يتحدث مجابهًا إياه :
" كده ؟؟ طب اتفضل يا عسل روح اقتله وانا هستناكم تحت عشان اخد اللي هيقتل التاني، واهو يمكن النحس يتفك على ايديكم والترقية تيجي عشان الحاج اكل دماغي "
فتح صلاح عينه بغيظ وما كاد ينقض عليه ساحبًا إياه من تلابيبه، حتى سمع الاثنان صوت فتح الباب ورجل يتحدث بهدوء ناعس :
" نعم ؟؟؟"
تحركت أنظارهم صوب ذلك الخادم الذي فتح لهما الباب وهو يحاول أن يقابلهم بشكل ودي بعدما أفسدوا نومته، يجب عليه البحث عن عمل بعيدًا عن هذا المنزل المزعج بمن فيه .
اقترب صلاح من الرجل الذي كان هادئًا بشكلٍ مستفز :
" فين محمود ؟!'
ابتسم له الخادم يردد بجدية كبيرة وهو ينظر لوجه صلاح جيدًا :
" دكتور محمود قاعد مع حضرتك فوق "
ظهرت ابتسامة مخيفة على فم صلاح يدفع الخادم جانبًا، يشمر اكمامه في مظهر إجرامي مسقطًا قناع رُقيّه يتحرك داخل المنزل :
" تمام اطلب الإسعاف عشان تشيل جثث دكتور محمود وحضرتي اللي فوق "
وبمجرد انتهاء كلماته كانت ارجله تهرول فوق درجات المنزل ورائد يلحق به تاركًا الخادم ينظر لهم بتعجب، ثم اغلق الباب غير مهتمًا بما يحدث يعود لنومه .
وفي غرفة محمود كان يجلس يستنشق دخان اللفافة التي تقبع بين أصابعه، وصالح في المرحاض يغتسل من تعب اليوم كله .
لكن فجأة شعر بشخصٍ يندفع لغرفته بقوة، رفع عينه ببطء يحاول تبين ذلك الجسد الذي بدأ يقترب منه ليبتسم فجأة وهو يقول :
" النضافة حلوة مش كده ؟؟ تعالى اقعد وقولي هنرجع التليفون بتاع البنت دي ازاي بدل ما تمرمغ سمعة اخوك في الأرض "
رفع صلاح حاجبيه يستمع جيدًا لما يقول ذلك الغر، أي هاتف ذلك وأي فتاة ؟! وهل هناك علاقة بين ما يتحدث عنه وبين ذلك المنشور الذي رآه ؟؟
اكمل محمود حديثه وهو يتسطح على الأريكة بتكاسل :
" أنت بس لو تسمع كلامي ونفكنا من الحوار ده، وتسيب اخوك يحل مشاكله لوحده واحنا برة الحوار، وهي كده كده مفكراك اخوك، فيوم ما تفضح حد وتشردله وتخرب بيته وتضيع مستقبله، هيبقى اخوك مش احنا "
أنهى حديثه ينظر لصلاح الذي كان وجهه مسودًا يقف جوار الأريكة التي يتسطح عليها، ثم أضاف ببسمة وغمزة :
" وشك كده بيقول إنك اقتنعت "
وقبل أن يفكر حتى في نطق جملة ثانية كانت يد صلاح تنتزعه نزعًا عن الأريكة جاذبًا جسده في الهواء حتى استقر وجهه أمامه يقول بشكل مرعب :
" أنت ايه رأيك ؟؟ وشي بيقول ايه من قريب ؟؟"
نظر له له محمود ثواني يحاول التقاط أنفاسه لا يفهم ما يحدث، ليرتفع فجأة صوت صالح الذي خرج من مرحاض غرفة محمود يردد بتعجب :
" صلاح ؟؟ بتعمل ايه هنا دلوقتي ؟؟"
ابتلع محمود ريقه يردد بريبة :
" صلاح ؟؟ يعني ده مش انت وأنت نضيف ؟؟ "
نظر لوجه صلاح مجددًا والذي كان يوحي بمقدار غضبه في تلك اللحظة ليعود وعيه في ثواني جراء قلقه وصوته خرج مرتابًا :
" ولا حتى قرينك !؟ "
وبمجرد انتهاء كلماته، استقر جسده على الاريكة مجددًا بعدما تلقى لكمة عنيفة من صلاح، وفي ثواني تحولت غرفة محمود الهادئة الفاخرة لساحة حرب، حيث ألقى صالح بجسده بين الاثنين بغية فك الالتحام، لكن صلاح وكأنه أراد ذلك، إذ ترك محمود وانكب بالضرب على أخيه وهو يهتف بغيظ شديد وغضب مشتعل :
" كتاب مشاكل النساء أثر فيا وحل مشاكلي؟؟ ليه كنت هتطلق ولحقني، ولا كنت على وش ولادة وحل مشاكل اكتئاب الحمل ؟؟ "
تحدث صالح يحاول الأفلات من يد أخيه التي تبطش بمن يقع أمامه :
" وانا ايش عرفني أنا فكرته كتاب علم نفس أو غيره، ايه اللي يخلي راجل يتكلم في مشاكل النساء اساسا؟!"
ألقاه صلاح على الأريكة، ثم ألقى بنفسه فوقهم يضرب منهم من يضرب وصورته يتراقص في المنزل وهو سكران تطيح بآخر ذرات عقله :
" بقى أنا أمشي ارقص في البيت زي السكرانين وتسيبوني للمتخلف رائد ؟؟"
تحدث رائد والذي كان يستند بتكاسل على باب الغرفة لا يهتم بما يحدث أمامه، فبدا كما لو كان ينتظر المنتصر منهم حتى يضع الأصفاد في يديه لربما تُكتب له ترقية على يد هؤلاء الحمقى .
" رائد المتخلف ده هو اللي لحقك قبل ما تقابل صاحبة الحصان وانت لابس شورت على جاكتة وفانلة وكرفاته يا حبيبي "
أبعد صالح يد أخيه يصرخ بغضب :
" ولاا خلصنا خلاص، الحق علينا اساسا أننا مهانش علينا تغيب عن مؤتمر مهم زي ده مجاش من وراه غير وجع القلب "
" ياريت كنت غيبت، والله يا ريتك كنت غيبت وانا كنت اعتذرت وقولتهم اني تعبان أو أي نيلة بدل شكلي اللي بقى زي الزفت، وبعدين ايه ام الصور اللي متصورها دي ؟؟ متصور ببوز بطة؟ ليه بتتصور مع بنت خالتك يا حيوان ؟؟"
دافع صالح عن نفسه رغم مقته للامر برمته وكرهه للحظات التصوير تلك :
" هي الهام اللي مش بتحب تتصور غير كده، الحق عليا مش عايزك تخسر المعجبين بتوعك "
جذب صلاح ثيابه يردد بجنون من بين أسنانه وقد فسد وتبعثر شعره بسبب موجة الغضب التي خاضها للتو :
" مش عايزني اخسر المعجبين، تقوم مخسرني اسمي ؟!"
" ياعم ابقى خد اسمي، مش هحوشه عنك والله "
كانت تلك كلمات صالح والتي خرجت مستفزة باردة لتشعل جنون صلاح أكثر وأكثر وقبل أن يتمادى الأمر وتشتغل المعركة مرة أخرى قاطعهم صوت رنين ثلاث هواتف في الوقت ذاته ..
نظر الجميع لبعضهم البعض وانتفض صالح يدفع أخيه ليجيب هاتفه في الوقت ذاته الذي أجاب رائد خاصته، بينما صاحب الهاتف الثالث والذي كان محمود، كان يجلس على الأريكة يكمل باقي سيجارته بعدما انشغل صلاح عنه بضرب صالح ..
كان يحلق في رحلة خيالية في عالمه الموازي حينما انتفض على صوت صراخ رائد الذي قال بجنون :
" امتى ده ؟! وازاي حصل ؟؟"
انتبه الجميع له وقبل أن يبادر صلاح بالتساؤل عما حدث ارتفع صوت صالح وهو يلتقط حذاءه يرتديه على ثيابه المنزلية والتي كانت مكونة من بنطال اسود قماشي وسترة من نفس اللون فبدا في أفضل حالاته مقارنة بما اعتاد ارتدائه ...
تحرك صوب محمود يجذب جسده دافعًا به صوب المرحاض :
" محمود قوم بسرعة فيه جريمة حصلت وفيه ثلاث جثث وصلوا المشرحة من ساعتين "
كانت أعين رائد مشتعلة وهو يغلق الهاتف ليسمع صوت صلاح يردد بريبة :
" فيه ايه يا رائد ؟؟ حصل ايه ؟؟"
ضغط رائد على الهاتف بين أصابعه يردد بصوت غاضب :
" العصابة اللي مسكتها تلاتة منهم انتحروا في السجن، وواحد هرب "
حرّك عينه لصالح الذي كان ينظر له بحزن يعلم جيدًا مقدار وجع رفيقه وقال :
" صالح، غالبا الثلاث جثث اللي وصلوا المستشفى اللي بتشتغل فيها هما نفسهم اللي ماتوا في السجن، عايزك تعرفلي فعلا انتحروا ولا لا ؟! وامتى بالضبط حصل كده "
مسح صالح وجهه يراقب محمود الذي خرج يجفف وجهه يحاول أن يفيق :
" أنا مش هشتغل عليهم لوحدي أنا يا دوبك بشتغل على واحدة مع محمود أو دكاترة تانيين، لكن هبلغك باللي هوصل ليه "
هز رائد رأسه ليشعر بيد صلاح تربت على كتفه وهو يقول بغموض :
" العصابة دي كانت تهمتها ايه يا رائد عشان حاسس إني سمعت حاجة زي اللي حصلت دي قبل كده ؟؟"
______________________
كعادتها حينما تعصف بها الذكريات وتتسبد بها الاحزان، كانت تتحرك بحصانها في سرعة مهولة حول قصر عائلة الاشموني .
عينها الحادة هي فقط ما يظهر منها، رغم أن ركوب الخيل بوجه مكشوف لن يضرها في الحقيقة، لكن هكذا اعتادت وهكذا تريد أن تكون، ربما بسبب الصور التي كانت تراها لنساء عربيات ذوات أعين كحيلة تظهر من خلف حجاب، ابتسمت تزيد من سرعة حصانها وقررت التحرك به خارج المكان المصمم له لتأخذ جولة حول المنزل علها تصادف سعيد وتدهسه أسفل اقدام خيلها وتنتهي .
انهت جولة، وخلال الثانية أبصرت رجل رثّ الثياب شاحب الوجه بهيئة مقززة يعبر الحديقة متجهًا صوب باب المنزل، لتقطع عليه طريقه بسرعة كبيرة وهي تقول بهدوء :
" على فين يا اخينا ؟؟"
رفع الرجل وجهه لها لتتأكد ميمو أنه أحد قطاع الطرق بسبب الجروح في وجهه...
اطال الرجل التحديق بها بفم مفتوح حتى شعرت ميمو أنها أبصرت لعابه يسيل عليها، وكم زادها ذلك اشمئزازها .
" أنا جاي للبيه الكبير "
رفعت ميمو حاجبها تدرك إلى من يشير بحديثه ذاك، لكنها حاولت أن تدعي الجهل :
" البيه الكبير؟"
صمتت قليلًا تلوي شفتيها تحاول أن تفكر حول هوية ذلك البيه الكبير الذي يتحدث عنه، فيما انشغل ذلك الرجل بمراقبة تلك الفاتنة التي تعتلي الجواد بكل اباء، ورغم ثيابها التي تغطي جميع اجزاء جسدها دون أن تُظهر شيء، إلا أن ذلك لم يمنع خياله الخصب في التخيل ...
فجأة أفاق بصدمة على صوتها وهي تقول شاهقة بسخرية بدت واضحة في نبرتها :
" يكونش قصدك سعودي ؟؟"
هز الرجل رأسه رافضًا :
" لا يا هانم هو مصري عادي "
ضحكت ميمو بصوت مرتفع تشير بيدها لعامل الاسطبل ليقترب، ثم هبطت عن الحصان تراه يجذبه بعيدًا وعينها تبصر مختار يقترب لتحفز ليستقر في ركن قريب مظلم يراقب ما يحدث بهدوء كبير وصمت، اقتربت من الرجل :
" قصدي سعيد، أنت جاي لسعيد ليه بقى ؟؟"
فتح الرجل عينه وهو يهز رأسه بايجاب مؤكدًا على صحة حديثها حول هوية من جاء للقاؤه :
" أيوة صح يا هانم، أنا جاي لسعيد بيه عرفتي منين ؟؟"
سخرت منه وهي تنظر له بدقة :
" مفيش راجل هنا غيره، فأكيد البيه اللي أنت جاي عشانه مش جاد الله يرحمه، عامة مقولتش عايز سعيد ليه ؟؟"
" وأنتِ مالك ؟؟"
ولم تكن تلك الجملة من ذلك المسكين أمامها، بل كانت خارجة من فم وقح لا يأبه مع من يتحدث، ابتسمت ميمو تستدير نصف استدارة وهي تقول بصوت خافت لسعيد :
" أنا مالي صحيح، أنا بس استغربت أنك بقيت تعزم صحابك على البيت وفيه ستات فيه "
انطلقت ضحكة سعيد بسخرية يقترب منها مرتديًا ثيابه المنزلية المريحة، وقد كان شعره رطبًا، فقد حدثه أحد الحراس حول وجود رجل يود مقابلته لامر هام وهو الآن يقف مع تلك الحية السامة التي تقيم في منزله .
اقترب منها سعيد ببسمته الساخرة ومظهره المهلك كرجل في اوائل الثلاثينات بوسامة لا تليق سوى به .
" لو قصدك بالستات دول اختي فملكيش دعوة أنا بعرف احميها كويس، ولو قصدك بيهم نفسك فأنا آسف لو حطمت آمالك وقولتلك محدش هيبص ليكِ اساسا يا مرات ابويا "
ابتسمت له ميمو تتحدث بتلكؤ :
" طب كويس أنك فاكر اني مرات ابوك، لأن قلة ادبك بدأت تزيد اخر فترة، وبالنسبة إن محدش هيبصلي فده بس لأنك اعمى يا عيوني "
أنهت حديثها، ثم حدقت بالرجل الذي كان يتابع كل ذلك بفم مفتوح بذهول كبير يحاول أن يفهم ما يحدث الآن، لكن غمزة ميمو جعلته ينتفض للخلف بتفاجئ لتطلق هي ضحكة مرتفعة تعيد شعرها للخلف واضعة رابطة الشعر الخاصة بها باهتمام كبير، تربت على كتف سعيد ببطء :
" حاول متظهرش قذارتك للكل وتأكد فكرتهم عنك يا سعودي، كده مش لطيف عشان سمعتك يا غالي، الكل عارف انك قذر بس بلاش تأكد الفكرة دي ليهم"
وبمجرد انتهاء كلماتها تحركت صوب الباب بتكاسل وبطء وعلى فمها ترتسم بسمة هادئة تستمع لصوت سعيد الذي بدأ يتلاشى لابتعادها وهو يصرخ :
" أنت مجنون ؟؟ ازاي تيجي لبيتي يا متخلف افرض البوليس بيراقبك تعالي جوا......"
صعدت ميمو غرفتها، تتحرك صوب الفراش واضعة الحاسوب الخاص بها أعلاه، ثم أخرجت جهاز غريب من حقيبة يدها الملقاه ارضًا توصله بالحاسوب، وبعدها ضغطت على بعض الأزرار بأصابع ماهرة حتى وفجأة صدح صوت سعيد في الغرفة وهو يتحدث مع الرجل في مكتبه .
_____________________
يتحركان في ممرات المشفى والتي كانت في وقت كهذا هادئة بعض الشيء إلا من العمال أصحاب الفترات المسائية، والكثير من المختصين فالأمر لم يتوقف على جثة واحدة، بل ثلاث جثث لثلاث مجرمين، وكما سمع أثناء دخوله فالوفاة حدثت منذ ساعات طويلة وليس للتو كما ظن .
تحرك صوب الاشراف يحمل منه أحد الملفات يحاول منها معرفة ما توصلوا له من خلال نظرة سطحية على الجثث والتي قد بدأت تتجمد .
تحرك محمود جوار صالح بعدما أصبح شبه واعي لما يحدث :
" مفيش أي علامات خارجية بتدل على طريقة الموت، تفتكر مات ازاي ؟؟"
حدق صالح في الأوراق بين يديه يتحرك بأقدام حثيثة صوب غرفة التشريح يحاول فهم ما يحدث :
" معرفش بس ممكن شرب سم، الفكرة ازاي ممكن سم يوصل ليهم جوا السجن ؟!"
دخل الأثنان غرفة التشريح ينظرون لتلك الجثة التي تتوسط أحد الأسرة وحولها تقبع ادوات التشريح جميعها، تحرك محمود يمسك بقطعة بلاستيكية تشبه الوسادة وقد كانت تُسمى ( طوبة الجسد ) وتلك الطوبة البلاستيكية توضع أسفل الجزء السفلي للجسد، لترفع الظهر وبالتالي تسبب في سقوط الذراعين والعنق إلى الوراء مما يجعل الصدر يتمدد وينضغط للأعلى ليسهل عملية فتحه.
في تلك الأثناء كان صالح قد خرج من غرفة التعقيم يثبت القفازات، حاملًا بين يديه مشرطه وما كاد يتحدث حتى أبصر محمود ينحني قرب الجسد يتحدث بصوت هامس، قلب عينه بملل :
" أنت لسه فيك العادة دي ؟؟"
رفع له محمود عينه وهو يأمره بالصمت :
" اششش وطي صوتك "
نظر له صالح بريبة يتحرك صوب الجهة التي يقف بها، يحاول معرفة ما يفكر فيه ذلك المخبول، هل مازال غير واعيًا لما يحدث ؟؟
فجأة لمحه ينحني أكثر حتى الصق أذنه بفم الجثة وتحدث بهدوء :
" اتكلم ده صاحبي مش غريب"
تحركت عين صالح في الغرفة يبحث عن ذلك الذي يخاطبه محمود، حتى سمع صوت الاخير يعلو صارخًا :
" ده بيتحرك "
سخر منه صالح بحنق وقد سأم حالته وحديثه أثناء العمل بهذا الشكل الغريب :
" هو ايه ؟؟ عقلك ؟!"
هز الآخر رأسه رافضًا يشير صوب الجثة التي تتسطح بسكون أعلى السرير المتحرك، بتراجع للخلف بخوف :
" اتحركت من شوية حرك أصابعه، ده ...ده عايش....عايش يا صالح "
ابتسم له صالح بغيظ، يتوقف أمام الفراش يجذب محمود من ثيابه مجبرًا إياه على الاقتراب من الفراش ليشرعوا في العمل على الجثة، لكن الأخير كان يصرخ محاولًا الإفلات من يد صالح :
" لا سيبني، بقولك ده عايش...زومبي "
" ولآ اتعدل احسن والله ابلغ المستشفى بالهبل ده واخليك تسرح بالملوخية بتاعتك في السوق "
تمسك محمود بيده يقول بهمس في أذن صالح خوفًا أن تسمعه الجثة :
" ده ...ده قالي أنه مش عايز يتشرح، هو مش عايز يتشرح هنشرحه احنا غصب ؟؟ ترضى حد يشرحك بعد ما تموت غصب عنك ؟؟"
احمر وجه صالح بغضب وقد أضحت أفعال محمود تثير سخطه، فهو لا يحب أن يعطله شيء عن عمله، نفض يد محمود عنه بعنف، ثم تحرك صوب مقدمة جسد ذلك الشاب يحمل مشرطه وهو يردد بسخرية :
" بجد يا .... ألا صحيح أنت سميته ايه المرة دي ؟؟"
ابتلع محمود ريقه يعود للخلف بخوف :
" معرفش... إيه رأيك نسميه ضياء ؟؟"
ابتسم له صالح، ثم ردد وهو يربت على وجنة ضياء منحنيًا بالقرب منه وقد بلغ الغضب مبلغه، بحيث كاد ينهض يضرب رفيقه .
" بجد يا ضياء مش عايز تتشرح دلوقتي ؟؟"
وكل ما صدر من تلك الجثة المترامية أعلى الفراش هو تأوه صغير وصل لمسامع الاثنين لكل سهولة :
" آه"
أشار له محمود منتصرًا وكأنه للتو اثبت براءته أي تهمة كادت تودي له للإعدام :
" اهو شوفت قولتلك مـش عــ... نعم ؟؟"
توقف فجأة وقد اتسعت عيونه وعيون صالح الذي تراجع للخلف ببطء شديد وكأن تلك الحركة كانت من عقله الباطن، ومازالت أنظاره موجهة صوب الجثة التي إجابته للتو حول رغبتها في عدم التشريح، ابتلع محمود ريقه وهو يقول بريبة :
" هو أنت سمعته بيرد ولا السيجارة لسه مفعولها مراحش ؟؟"
هز صالح رأسه ببطء شديد وقلبه يقرع بقوة، الأمر مخيف، بل مفزع بشكل كبير، الآن أمام عينيه هناك جثة تحدثت معهما .
حاول صالح أن يتمالك نفسه وهو يهز رأسه يتحرك صوب الجثة مرة أخرى ببطء :
" اكيد بيتهيأ لينا، يلا تعالى اخلص "
هز محمود رأسه برفض وقد أبى أن يقترب سنتيمترًا واحدًا من تلك الجثة.
تجاهله صالح يحمل مشرطه مرة أخرى ليبدأ في عمله :
" تمام التقاعس ده انا هبلغه لإدارة المستشفى و .."
كان يتحدث أثناء تحريكه المشرط، لكن تيبست يده بل جسده بأكمله وكأنه تحول لتمثال حينما شعر بشيء يعيق يده التي تحمل المشرط، ابتلع ريقه وهو ما يزال ينظر لمحمود الذي شحب وجهه يعود للخلف، وصالح المسكين يشعر أن صوته هرب منه وهو يقول بخفوت مشيرًا ليده الأخرى دون أن يملك الشجاعة للنظر نحوها :
" هو ......أيدي شبطت في ....في حاجة ؟! "
هز محمود رأسه بلا وهو يعود للخلف وقد بدا أنه يحاول الصراخ، لكن مقدار الرعب في هذه اللحظة منعه، بينما صالح ابتلع ريقه مرددًا :
" يارب اكون اتشليت "
حركّ عينه ببطء صوب الاسفل ليرى الجثة تمسك يده وتمنعه من بدء التشريح، حاول سحب يده لكن حدث ما لم يستطع تحمله وهو أن الجثة فتحت عينها وحدقت لها .
هنا وانفكت عقدة لسان صالح الذي أخذ يصرخ برعب وهو يلكم الجثة بجنون لنزع يده من بين يديها، وبعدها ركض بعيدًا عنها في الوقت الذي تحركت الجثة من على الفراش تنظر حولها في المكان بتشوش، ثم هبطت من الفراش تحاول معرفة ما يحدث، كل ذلك وصالح يقف أمام الباب من الداخل ومحمود ينظر حوله يحاول الهرب وهو يصرخ بجنون يلطم وجنتيه .
وبمجرد أن لمح محمود الجثة تقترب منه وهي تمد يديها وجسده يتحرك بعدم اتزان صرخ :
" لا لا، أنا اللي مرضتش اشرحك والله يا ضياء، صالح اللي كان عايز يشرحك، الحقوني، لا "
لكن يبدو أن " ضياء " كان يواجه مشكلة في فهم ما يُقال، حيث أخذ يدور في المكان دون أن يحدد وجهته التي يريدها مما جعل صالح يصرخ وهو يركض للخارج، ومحمود يتلفت حوله حتى هداه عقله لرمي نفسه في أحد ادراج المشرحة واغلقها عليه .
بقي ذلك الشاب يقف في منتصف الغرفة ومحمود يسجن نفسه في أحد الإدراج ينتفض بخوف مرددًا :
" يارب تكون السيجارة هي اللي عاملة ده كله واصحى، يارب اكون مسطول، آخر مرة هشرب سجائر وانا بشرح آخر مرة "
في الخارج حيث الشاب اقتحم صالح الغرفة مرة أخرى منقضًا عليه يكبله بأحد الاحبال التي أحضرها من المخزن صارخًا بانتصار :
" أخرج يا محمود ساعدني بسرعة"
وصلت له كلمة واحدة من محمود حيث هو :
" لا "
" أخرج يا جبان، أخرج يلآ هيفلت مني "
وصل له صوت محمود الرافض :
" يا روح ما بعدك روح "
ازداد غضب صالح وهو يطرح الجسد ارضًا وقد ساعده في ذلك أنه كان أشبه بالمُخدر، حيث استسلم جسده لدفعة صالح، ثم بدأ صالح يعاينه سريعًا ليكتشف أنه حي وضربات قلبه قد عادت للنبض وكذلك انفاسه .
ضيق عينه وهو يقول بشك :
" امال ازاي كان من دقايق بس مش بـ "
وفجأة صمت بعدما ضربت فكرة ما رأسه ليصرخ بصوت مرتفع حاد :
" محمود تعالى بسرعة ...."
دقائق فقط وكان محمود يندفع من الغرفة خلف صالح الذي ركض في الممرات بحثًا عن هؤلاء الذين تولوا تشريح الجثتين الاخرتين، وبمجرد أن أبصر أحدى الغرف مضاءه حتى اقتحمها وكذلك فعل محمود مع الغرفة الأخرى، وصالح يصرخ بصوت فزع وانفاس عالية :
" استنوا....محدش يعمل حاجة، دول عايشين ."
___________________________
صباح اليوم التالي ...
كان ما يزال يجلس داخل مكتبه في مركز عمله، عقله يدور وهناك العديد من الأوراق تقبع أمام عينيه، ثلاثه قُتلوا والاخير هرب، ابتسم يشعر بمؤامرة ..
ودون تفكير أزاح الاوراق من أمام عينيه بغضب كبير، ثم نهض من مكانه يتجاهل كل شيء حاملًا سترته التي خرج بها مساء البارحة حينما لحق بصلاح.
خرج من مكتبه يتحرك صوب مكتب اللواء وفي رأسه شيء يحاول أن يدرسه بشكل جيد، لكن وقبل أن يطرق الباب سمع صراخ مرتفع ويبدو كما لو أن اللواء يجلس على جمر منتظرًا من يفرغ به حممه، ومن افضل من رائد لذلك ؟؟
طرق رائد الباب ينتظر الإجابة وحينما وصلت له فتح الباب بعدما أخذ نفس عميق وهو يتحدث بهدوء :
" صباح الخير يا فندم "
" خير ؟؟ وهو هيجي منين الخير طول ما أنا مشغل معايا شوية ضباط مش عارفين يخلصوا مهمة واحدة للآخر صح ؟؟"
اغمض رائد عينه يحاول أن يتنفس ببطء ليهدأ :
" يا فندم كل ده حصل وهما في السجن، يعني مكانش في ايدنا حاجة نعملها "
ضرب اللواء المكتب بيده وقد بدأت ملامحه تحتد أكثر :
" أيوة بس لو كنتم من البداية عملتم المهمة صح وقبضتوا على الزفت اللي اسمه جلال الراجل الكبير بتاعهم، مكانش همنا يموتوا ولا يروحوا في داهية، دلوقتي تقدر تقولي هنوصل منين لراس العصابة دي "
صمت رائد قليلًا قبل أن يضيف بجدية كبيرة :
" عبدالعظيم ...الوحيد اللي هرب ومماتش، اكيد في سبب أنه يفضل عايش دونا عن الكل، وانا بطلب من حضرتك الاذن عشان أبدا في التحريات، بطلب بس حضرتك تثق فيا وتسلمني القضية دي ."
نظر له اللواء ثواني قبل أن يتداعى جسده أعلى الأريكة ثم قال بجدية :
" تمام يا رائد هثق فيك المرة دي وهسلمك القضية "
ابتسم رائد بسمة واسعة. في عينه التمعت نظرات اصرار، منح قائد بسمة امتنان، ثم تحرك خارج المكتب بعدما استأذنه ليذهب إلى المنزل يستحم ويتجهز لما هو قادم ..
_________________________
ألقى صالح بجسده أعلى مقعد في ممرات المشفى بتنفس بتعب وملامحه متغضنة، لا يدرك ما يحدث، أي أشخاص هؤلاء الذين يتناولون مثل تلك المواد للانتحار، أو أن الأمر ليس بهذا الشكل ؟؟
تذكر البارحة حينما اقتحم غرف التشريح ليكتشف أن الاثنين الآخرين كانا قد ماتا بالفعل قبل التشريح، إذن ذلك الذي استيقظ في غرفة التشريح لديه ربما لم يتناول نفس المادة التي تناولها الباقيين أو أنه خاف وتناول قطرات سم قليلة فقط .
فرك وجهه بتعب لا يفهم ما يحدث، هو فقط اخرج ذلك الشاب وتم تحويله لإحدى مستشفيات السجن لمعالجته من تلك المادة التي تناولها، بينما الاثنين الآخرين تم تشريحهما ليتضح أنهما تناولا إحدى المواد السامة المجهولة وكان ذلك قد حدث قبل عشر ساعات من حضورهما للمشفى .
انتبه صالح لقدوم صالح من نهاية الممر يحمل بين يديه شطيرة كبيرة يتناولها بنهم شديد، وفي اليد الأخرى يحمل كوب شاي يرتشف منه بين القطمة والأخرى .
توقف محمود يقول بتعجب :
" ايه ده قاعد كده ليه ؟؟ كنت لسه جايلك المكتب عشان نفطر سوا "
نظر صالح ليده بحنق :
" نفطر ايه ؟! ما أنت اكلت كل حاجة لوحدك "
نظر محمود لما في يده وقال :
" لا ما أنا هسيب ليك حتة ونص كوباية الشاي "
تنفس صالح بصوت مرتفع يحاول أن يتمالك نفسه بعد تلك الليلة الغريبة :
" أنت مش قرفان ؟؟"
" والله قرفان، طعم الشاي عامل زي الخل وعليه حبر، بس اعمل ايه دافع فيه سبعة جنيه، حر ونار في جتتهم"
عض صالح شفتيه بحنق وقبل أن يتحدث قاطعهم صوت نسائي يتحدث من بعيد وكأنه الاثنين يحملان مرضًا معديًا تخشى انتقاله لها..
" الدكتور اسماعيل طالب حضراتكم في مكتبه "
أطلق صالح صوتًا حانقًا لما تفعله، كيث وقفت بعيدًا ترمقهما بريبة :
" والله لو قولتي الكلمتين دول من قريب مش هعضك "
هزت الفتاة وجهها بخوف :
" مش قصدي بس اصل ..."
قاطعها صالح بلا اهتمام ووقاحة :
" مش مهم اتفضلي أنتِ "
تحركت الفتاة بعيدًا عنهما ومحمود يتابعها بشفقة يمتص شفتيه بحسرة كبيرة :
" والله بيقطعوا قلبي، منها لله سجدة فانيليا اللي دمرت سمعتك بين نسوان المستشفى "
رمقه صالح ولم يكن في مزاج يسمح له بسماع كل ذلك ورغم هذا قال بتقزز :
" نسوان ؟؟ "
سار خلفه محمود يردد بجدية :
" صدقني يا صاحبي الوضع بيسوء وكده الموضوع زاد عن حدة، أنا بقترح نشوف ليك خاطبة يمكن نحسك يتفك على أيدها "
توقف الاثنان أمام مكتب، وما كاد صالح يرفع يده ليطرقه حتى وجد محمود يمسكها وهو يردد من بين مضغاطته :
" اصبر باقي قطمة "
ومن ثم أخذ يمضغ طعامه ويلوكه باستمتاع وصالح يراقبه بملل حتى ينتهي، بينما محمود ما يزال يتناول ما تبقى من تلك الشطيرة مرددًا :
" عارف بقى لما تاخد قطمة كده من السندوتش ده مع الشاي، بيوديك عالم تاني خالص "
ضربه صالح بحنق شديد أعلى رأسه مرددًا بغيظ :
" وأنت يعني ناقص؟! ما أنت طول الوقت في العالم التاني ده، يا اخي تعالى العالم بتاعنا مرة ولو على سبيل الزيارة، مش بنوحشك ؟!"
انتهى محمود من تناول طعامه يخرج محرمة من جيبه يمسح فمه :
" والله بتوحشني يا صالح، المرة الجاية يبقى اخدك معايا تتفسح هناك"
ابتسم صالح بسخرية وهو يطرق الباب :
" شكرا يا حبيبي يوم ما اعوز اتفسح هروح كوكو بارك اكرملي "
سمع الاثنان صوت مدير المكان يأذن لهما بالدخول، فبادر محمود بفتح الباب يدفع بجسده للداخل وخلفه صالح الذي كان يهز رأسه بيأس على رفيقه ...
__________________
خرج من المرحاض يعدّل من وضعية ثيابه بعدما حصل لتوه على استحمام سريع ينشط به جسده الذي قضى ليلته الماضية على مقعد مكتبه، وبمجرد أن خرج وجد أمامه صلاح يرتدي حذاءه الأسود الأنيق وهو يقول بجدية :
" تمام دلوقتي ؟؟"
هز رائد رأسه يتحرك صوب غرفته، ثم غاب بها دقائق قبل أن يخرج حاملًا بين يديه سلاحه، يدسه في ثيابه، تنهد بتعب يعيد خصلاته للخلف وصوته يظهر مقدار شروده وتعبه :
" رايح الجريدة ولا دار النشر ؟!"
ابتسم صلاح وهو ينهض يعدل من وضعية سترته الأنيقة :
" رايح الجريدة، أنا مش بروح دار النشر غير وقت التعاقد والاتفاق على الكتاب الجديد، المهم انت طمني اول بأول على القضية دي "
" غريبة يعني أنك مهتم بيها "
نظر له صلاح ثواني بغموض شديد قبل أن يقول بهدوء :
" مكنتش ههتم لو مقولتش أنها قضية مخدرات، واحساسي بيقول إن العصابة دي مش مجرد شوية عيال صايعة بتوزع بودرة وحشيش، دول مسنودين من ناس عالية، وعالية اوي يا صاحبي وإلا مكانوش عملوا كل اللعبة دي عشان محدش ينطق عليهم"
حرك رائد رأسه موافقًا وقد قال صلاح ما يفكر ويؤمن به منذ رأى ردة فعل تلك العصابة على هجومهم :
" عندك حق، ده اللي أنا اخدت بالي منه، بس يا ترى مين اللي ساندهم ؟! "
ابتسم صلاح بسمة مخيفة يغلق زر بدلته ثم غمز لصديقه يقول :
" اعتقد اني اعرف الشخص ده "
رفع رائد حاجبه يراه يتحرك صوب مرآة تتوسط الجدار في بهو المنزل يقوم بتصفيف خصلات شعره بشكل مبهر ورائد مازال يفكر في كلماته التي نطق بها .
" تعرفه منين ؟؟ وايه يأكدلك أنه اللي في بالك؟! "
نظر له صلاح من خلف ظهره وهو يقول بجدية وبسمة غريبة ماكرة تلون ملامحه الجامدة :
" لو مطلعش اللي في بالي، يبقى واحد من القذرين اللي اعرفهم، المعفنين مفيش اكتر منهم في البلد دي يا رائد يا حبيبي، وصاحبك لحسن حظه وسوء حظهم يعرفهم معفن معفن "
وقبل أن يبادر رائد بقول كلمة استمع الاثنان لصوت طرقات حثيثة على باب منزلهم جعلت رائد يتحرك صوبها بعدما كان على وشك المغادرة لعمله، لكن وبمجرد أن فتح المنزل ارتفع حاجبه وهو يبصر أمام عينه تلك المرأة التي جاءت مكتبه منذ يوم واحد تتحداه بنظرات سافرة .
افتر ثغر ميمو عن بسمة عابثة وهي تنظر لرائد الذي علمت جيدًا صلة القرابة بينه وبين صلاح السقاري :
" صباح الخير يا حضرة الظابط، اتمنى مكونش جيت في وقت غير مناسب "
علت ملامح الغرابة وجه رائد يحاول فهم سبب وجودها هنا، هل جاءت لأجل قضية نيرمينا الاشموني ؟؟ لكن هي خرجت، بعدما أقر رفاقها أنها لا صلة لها بالأمر ولا يدرك حقًا كيف حدث ذلك، لكن بعد تدخل تلك المرأة بدقائق خرجت نيرمينا الاشموني وكأنها لم تكن معهم .
" حضرتك ...."
" ميمو الاشموني "
رفع رائد حاجبه يتعجب اسمها رغم أنه في البطاقة غير ذلك :
" أخت نيرمينا ؟؟"
ارتسمت بسمة جانبية على شفتيها وهي تقول بتلكؤ تشعر بخطوات مختار خلفها بعدما صف السيارة ولحق بها هنا :
" تؤ تؤ مرات ابوها "
وملامح الذهول هي نفسها التي ابصرتها على وجه صلاح منذ أول مرة قابلته، حسنًا هي نفسها ملامح الصدمة على وجوه كل من يعلمون عن زواجها بجاد الاشموني، ما بال هؤلاء الأشخاص ؟؟ ألم يسمعوا يومًا بزواج العجائز بفتيات صغار ؟؟
" وحضرتك جاية عشان ..."
تحدثت ميمو بجدية :
" استاذ صلاح "
صلاح ؟؟ وما علاقة صلاح بتلك المرأة الـ خبيثة والمريبة، المرأة التي كانت كل لمحة فيها تنطق بالثراء، وكل همسة منها توحي بالرقي والمستوى الرفيع الذي تنحدر منه لتصبح ( ميمو ) اكبر دليل على أن المظاهر دائمًا ما تكون خادعة.
استدار رائد للخلف وعينه ما تزال متعلقة بتلك المرأة الغريبة التي تقف على اعتاب منزله تطالبه برؤية صديقه الذي لم يره يومًا مع امرأة، بل كان ينبذ العلاقات الجادة مسميًا إياها " مضيعة للوقت "
" صلاح، فيه زيارة ليك يا حبيبي "
سمع الاثنان صوت صلاح من الداخل وهو يردد :
" زيارة ايه ؟؟ مين اللي جاي دلوقتي ؟؟"
خرج صلاح أثناء كلماته تلك ليفتح فمه بصدمة وهو يرى ميمو تستقر على باب منزله وخلفها مختار ذراعها الأيمن، ترمقه بنظرات خبيثة وهناك بسمة ماكرة ارتسمت على فمه، وهي تقول بكلمات مدروسة :
" صباح الخير يا لذوذ، جاهز عشان تبدأ اللعبة ؟!"
________________________
تحرك بسيارته مبتعدًا عن المنزل بعدما ترك صلاح مع ضيفته الغريبة، تلك الفتاة التي لم تريحه نظراتها ابدًا، لكن صلاح ليس من نوع الأشخاص الذي قد تخاف عليه، بل هو من ذلك النوع الذي تخاف منه .
توقفت سيارة رائد في نفس الحارة التي أقام عليها غارة منذ أيام بقيادة محسن وفريقه، هبط من سيارته يرتدي ثيابًا ميدانية كي لا يثير الشكوك في قلوب أهالي الحارة، ورغم ذلك آثارها بالفعل .
تحرك بين الأزقة الضيقة يحاول تذكر منزل عبدالعظيم، ذلك المراهق صاحب السابعة عشر عامًا والذي كان هو الوحيد الناجي من موجة الموت التي أصابت أفراد عصابة جلال القذر ..
وبعدما سأل على منزل عبدالعظيم أخيرًا توصل له، منزل صغير من طابقين يتوسط شارع واسع ملئ بالضجيج، ورائحة الرطوبة ومياه الصرف الصحي تفوح في المكان ..
قفز من فوق بركة مياه أمام المنزل، ثم اقترب منه وما كاد يطرقه حتى سمع صوت صرخات عنيفة تصدر من داخل المنزل وصوت تسبيح تصيح وتبكي بعنف يكاد يصم آذانه، اقترب اكثر بريبة شديد يتحسس سلاحه أسفل بنطاله وقبل أن يدفع الباب وصل له صوت صراخ من الداخل بجنون :
" الحقـــــونا يا نـــــاس، الحقـــــونا...."
________________
يقف في منتصف المقهى وقد جاء رغمًا عنه لعلمه أن محمود شخص لا يمكن الاعتماد عليه في شيء إلا وافسده .
نظر حوله يبحث عن تلك المتحذلقة الغبية التي كادت تودي بسمعة أخيه البارحة، وكادت تتسبب في موته هو محمود أيضًا على يده، لكن لا شيء، لم يبصر أحد .
سمع صوت محمود يردد جواره بتأفف شديد :
" أنا مش فاهم الناس اللي مش مسؤولة دي عايشة ازاي بجد "
وكانت نظرات السخرية من صالح هي أبلغ رد عليه، انظروا من يتحدث الآن عن المسؤولية ؟؟ محمود رئيس جمهورية العالم الموازي والقائد الاعلى لجيوش البط البلدي التي تحرس ذلك العالم .
أطلق صوتًا ساخرًا يحاول أن يتمالك أعصابه، لكن طفح الكيل، ضرب محمود في كتفه بنفاذ صبر :
" بقولك ايه هات ام التليفون بتاعها ده نتصل نشوفها فين ؟! "
أخرج محمود الهاتف من جيب بنطاله يضعه بين يديّ رفيقه وهو يتحدث بملل شديد :
" لغاية ما تكملها هروح اطلب قهوة عشان افوق "
" تفوق ؟؟ ده أنت اخر مرة كنت فابق كان في امتحان سنة أولى جامعة "
لوح له محمود بعدم اهتمام، وما كاد يتحرك حتى وجد صالح يجذب ثيابه وهو يقول بغضب شديد :
" خد هنا يا بلوة ايه ده ؟؟"
نظر محمود حيث يشير للهاتف يردد بعدم فهم :
" ايه مفيش فيه رصيد ؟!"
جذب صالح ثيابه بثوران وهو يكاد ينفجر في هذا المقهى لولا علمه بوجود ضحايا بريئين هنا وأطفال لن يكون ذويهم مسرورين لرؤيتهم ما سيفعله أمامهم :
" ده أنت اللي مخك مفيش فيه رصيد، هو أنا يابني بقولك مزنوق في مكالمة ؟؟ عاطيني تليفونك ؟؟ هات يابني ام التليفون بتاع البنت، هو اللي عليه الرقم اللي بتكلمنا منه "
نظر محمود للهاتف قليلًا، ثم رفع عينه نحو صالح يرمقه بجهل وملامحه تخبر صالح بأنه لن يحب سماع القادم، وقد كان .
" معلش بس تليفون مين ؟؟"
" تليفون البنت اللي احنا متنيلين جايين هنا عشان نديه ليها، هو فين يا محمود ؟!"
فرك محمود خصلات شعره الشقراء وعينه توحي مقدار الجهل الذي يشعر به :
" هو كان المفروض نجيب تليفون معانا ؟؟"
أطلق صالح صرخة افزعت الجميع في المقهى ضاربًا بعرض الحائط كل الاحتياطات التي كان يفكر فيها لمنع انفجاره وهو يجذب ثياب محمود :
" نعم يا خويا ؟؟ المفروض ايه ؟؟ امال احنا جايين هنا نعملها ايه ؟! نعزمها على شاي بلبن ؟!"
حاول محمود أن يبعد يد صلاح عن ثيابه وهو يقول بغيظ :
" الله وانا اعرف منين، احنا امبارح خرجنا من البيت بسرعة بسبب حوار المستشفى"
ضغط صالح على أسنانه بجنون يجذب محمود له وسط المقهى وصوته خرج مكبوتًا :
" ياض هتغابى عليك، هتشلني، اقسم بالله اخرتك في قبر متر في متر وانا بزرعلك ملوخية وفاصوليا خضرة عليه"
التوت ملامح محمود بعدم رضا وهو يحاول الدفاع عنه نفسه :
" وانا يعني اعرف منين أننا لازم نجيب التليفون معانا ؟!"
" امال هنبعته ليها بلوتوث؟! يا بني حرام عليك أنا آخر مرة قيست الضغط كان في السما بسبب صُحبتي ليك "
نظر له محمود بحزن :
" كده يا صالح وانا اللي بقول مليش غيرك ؟!"
" مش هيبقى ليك حد خالص بعد ما تخلص عليا "
تنفس بعنف شديد وانفاسه خرجت حارة تلفح وجه محمود الذي ماتزال ثيابه حبيسة لاصابع صالح، ولم يقطع النظرات المحمومة بينهما إلا صوت رقيق من خلفهما يردد برقة :
" استاذ صلاح ؟؟ حضرتك هنا ؟! ايه المفاجأة السعيدة دي ؟؟"
استدار الاثنان ببطء صوب ذلك الصوت ليتعرف محمود من فوره على صاحبته عكس صالح الذي استمر يحدق بها محاولًا الوصول لهويتها بين ملفات عقله الذي دائمًا ما يهمل أي شيء ينتهي بتاء تأنيث ..
ولم يفق سوى على صوت محمود المبتسم بغرابة :
" البسكوت النواعم ؟؟"
وكان ذلك اللقب يخص فتاة واحدة، فتاة بعينها دائمًا ما يصفها به محمود، ردد صالح الاسم بتعجب متساؤل :
" هاجر ؟؟"
ابتسمت هاجر بسمة واسعة :
" حضرتك فاكرني ؟! أنا مرة كنت سألتك قبل كده على ترشيحات كتب لما جيت المخبز عندي "
في تلك اللحظة وقبل أن يفحمها صالح برد معتاد منه في مثل هذه المواقف سمع الثلاثة صوتًا من الخلف يردد :
" خالتو، لقيتي الحرامية؟! "
استدار الثلاثة صوب ذلك الصوت لتتسع أعين صالح ومحمود يحدقون بالفتاة نفسها صاحبة الهاتف والتي كادت تقتل صالح أثناء مطالبتها بتوقيعه خلال المؤتمر، ليخرج صوت الاثنين في نفس الوقت مستنكرًا مما نطقت به للتو مشيرة لهاجر الفتاة الرقيقة :
" خالتو ؟؟؟؟؟؟؟؟"
__________________
وها نحن نسير بالمتعة للمرحلة الثانية، مرحبًا بكم في المستوى الثاني من الجنون .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السادس 6 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة رجاءً تصويت للفصل لأن حقيقي التفاعل محبط جدا يعني ...
ومتنساش تقول رأيك في آخر الفصل ده بيشجعني .
عملت جاهداً يا الله ربما كان قليلاً
ولكنه حيلتي فلا تردني خائباً ♥️
صلوا على نبي الرحمة...
___________________
تحفزت جميع حواس رائد وهو يكاد يبلغ باب منزل عبدالعظيم، لكن وبسبب ارتفاع الصرخات بالداخل أسرعت قدماه تلتهم الأرض أسفله، وما كاد يقتحم المنزل حتى صدرت صرخة كما لو كانت لطيرٍ ذبيحٍ :
" بــــــــابــــــا "
استّل رائد سلاحه بسرعة مخيفة، يحطم الباب والذي كان متهالكًا بالفعل؛ ليعلم ما يحدث وبمجرد دخوله للمنزل هالهُ ما رأى...
كانت تسبيح مقطعة الثياب تضم رجلًا عجوزًا وهي تصرخ صرخات جريحة، وجوارهما مقعد متحرك مُحطم، وحولهما العديد من النساء ذوات الملامح المريبة .
تقدم بتحفز يرفع سلاحه في الهواء :
" ايه اللي بيحصل هنا ؟؟"
انتشر التوتر في الأجواء واتسعت أعين النساء المتشحات بالسواد، وتسبيح في أحد الأركان تولول وتصرخ بشكل مخيف :
" قتلوه ...قتلوه بسببي، قتلوه، حد يلحقه ابوس ايديكم "
نظر رائد للمكان حوله بعجز لا يفهم ما حدث، لكن فجأة وكأنه استوعب للتو كانت النساء يحملن عصيّ وأسلحة بيضاء وكأنهن قطيع من المجرمين، والدماء تملء الأرضية، وتسبيح ....تسبيح مقطعة الثياب وبدون نقاب أو حتى حجاب .
هنا وحلل عقل رائد ما يحدث لتتسع عيونه وهو يصرخ بجنون :
" محدش يتحرك خطوة من مكانه "
وكأنه بصراخه أجبر عقولهم على العمل والاستيقاظ من تلك الصدمة التي حلت عليهم بحضور رجل مُسلح .
واستغلت إحدى النساء اخراج رائد هاتفه ليتحدث به، ودفعته بقوة صوب الجدار للهرب، لكن ما لم تحسب له حساب هو أن رائد لم يكن رجلًا عاديًا، بل كان شرطيًا وبالفعل قد تدرب على ردات الفعل السريعة، حيث اندفعت يده تمسك بتلك المرأة في عنف مخيف ساحبًا إياها داخل المنزل ملقيًا بجسدها النحيف ارضًا وبعنف :
" قولت محدش يتحرك ولا حابين استخدم اسلوب تاني ؟!"
ارتعشت النساء من مظهره بينما هو نظر نظرة سريعة صوب تسبيح التي كانت تمسك بيد والدها تقبلها وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، تنفس بصوت عالي ثم وضع الهاتف أعلى أذنه قائلًا بكلمات مقتضبة :
" أنا في نفس الحارة بتاعة عصابة جلال هات عساكر عشان فيه شوية زبالة هنا، وهات معاك إسعاف "
أنهى حديثه وهو ينتبه لتشنج وجه إحدى النساء بمجرد نطقه للجملة، ثم انتبه على تسبيح التي قالت ببكاء وعويل :
" حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، حسبي الله ونعم الوكيل"
ويبدو أن كلماتها لم تنل اعجاب النساء حتى سارعت احداهن للفتك بها لولا يد رائد التي منعتها وهو يصرخ :
" مكانك يا روح امك لغاية ما البوكس يوصل ويلمكم وهناك هعرف اتصرف معاكم، أصلها سايبة عشان كل واحد يلطش اللي ميعجبوش "
أنهى حديثه بنظرات تحذيرية مخيفة، ثم استدار لتسبيح التي كانت تضم جسد والدها الشاحب والساكن بلا حراك وقد تسببت دماؤه النازفة من رأسه ببركة دماء أسفله.
" قومي غطي شعرك ووشك "
كانت تلك الجملة الوحيدة التي استطاع نطقها في تلك اللحظات، ويبدو أنها لم تصل واضحة لتسبيح التي رمقته بأعين تائهة فتحرك هو بحذر وعينه وسلاحه مازالا موجهين صوب النساء يمسك حجابها الذي لمحه ارضًا يلقيه أعلى وجهه متحدثًا بخشونة غير متعمدة :
" البسي حجابك "
وكأنها أفاقت للتو لتدرك بأي حالة كانت أمامه، بدون حجاب ودون نقاب، انتزعت الحجاب من بين يديه تغطي شعرها بسرعة، ثم نهضت ببطء تكتم تأوهًا وهي تتحرك صوب الداخل وغابت دقائق حتى خرجت بنقابها مجددًا وقد ألقت عباءة بالية على جسدها بدل تلك التي تقطعت تحت أنامل النسوة .
دقائق أخرى مرت حتى ارتفعت أصوات سيارة الشرطة في المكان واحتلت الصدمة وجوه النسوة، اندفعت عناصر الشرطة للمنزل يمسكون بالنساء اللواتي ارتفع عويلهن وسبابهن في المكان ...
ثم تحرك رائد ليرشد الإسعاف صوب والد تسبيح والتي بمجرد رؤيتها لحال والدها يخرج من المنزل محمول كالجثة، انهارت ركبتيها وهي تطلق صرخة موجوعة، لتمسكها يد رائد بسرعة قبل أن تنهار ارضًا تحت نظرات الجميع والتي للعجب كانت شامتة بها ..
نظر لهم بشر وهو يرفع جسد تسبيح بقوة غير مراعيًا لحالتها تلك، ثم تحرك بها هامسًا :
" اوعك في يوم تسمحي لنفسك بالانهيار تحت عيون شمتانة "
نظرت له تسبيح من بين دموعها وكأنها لا تستوعب كلماته، فأشار بعينه صوب محيطها لترى بعض النسوة يلقين لها نظرات شامتة سعيدة، وقد تعرفت عليهن، هن أنفسهن من عائلات الشباب الذين أبلغت عنهم لأجل أفعالهم .
ودون أن تشعر رفعت رأسها للاعلى، مبعدة يد رائد عن ظهرها وخصرها، ثم حدجتهم بقوة واهية تحاول بها تحدي ألسنتهم للنطق أمامها حتى تفرغ بهم غضبها .
سارت صوب سيارة الإسعاف بقوة تُحسد عليها ورائد يتابع كل ما يحدث بأعين خبيرة، حتى سمع الجميع صوت تكسير .
التفتت جميع الرؤوس ليروا أن هناك امرأة قد كسرت جرة من الفخار خلفها تعبيرًا عن سعادتها لرحيلها عن المكان ولمنع عودتها حسب الاعراف في بعض المناطق .
استدارت لهم تسبيح تنظر لشظايا الفخار أسفل قدمها ثم رفعت رأسها لتلك المرأة التي كانت تتشح بالاسود والتي وصل لها خبر وفاة ابنها في السجن صبيحة اليوم .
ابتسمت من اسفل نقابها تقول :
" اظن مفيش عقاب ليكِ اكبر من عقاب ربك بحرمانك من البذرة الفاسدة اللي ربتيها، ولسه ....."
أنهت حديثها تصعد السيارة بسرعة كبيرة أسفل نظرات رائد المعجبة بما فعلت، ثم تحرك صوب سيارته يسير لها خلف سيارة الشرطة وقد بدأت الخيوط تتشابك في عقله ...
__________________
كانت تجلس أمام التلفاز في بهو منزلهم، تحدق به في استمتاع كبير حتى قاطع ذلك صوت رنين جرس المنزل، لكنها أبت أن تتخلى عن فيلمها المفضل لأجل أحد، مما اضطر والدتها للخروج من المطبخ حانقة :
" ايه يا مروة مش سامعة جرس الباب ؟؟"
لوحت مروة بيدها في رجاء :
" لحظة بس يا ماما ارجوكِ، البطل بيعترف للبطلة"
وكان الرد من والدتها هو تضارب كفيها في حسرة على عقل ابنتها التي ما تزال في عالم الابيض والاسود، تسجن نفسها به دون السماح لأحد بجذبها خارجه :
" قال يعني اول مرة تشوفي الفيلم، يابنتي ده انا كل ما المحك قاعدة في البيت بتكوني بتتفرجي على الفيلم ده"
وكما توقعت لم يصل لها جواب من ابنتها، وبمجرد أن فتحت الباب ابصرت وجه عبدالجواد الذي ابتسم بهدوء :
" مساء الخير يا خالتي "
" عبدالجواد، عاش من شافك يابني، ليه الغيبة الطويلة دي ؟؟"
ابتسم عبدالجواد يستجيب لدعوتها الصامتة له بالدخول وهو يردد بجدية :
" مشاغل، حضرتك عارفة الشغل في المواقع وبهدلته "
" أيوة ربنا يعينك يابني، اتفضل اتفضل عمك حسين شوية وهيوصل "
اعتذر عبدالجواد بهدوء :
" بعتذر لو ازعجتكم في وقت زي ده"
" اخص عليك يا بني وهو احنا بينا الحاجات دي، تعالى تعالى "
أنهت حديثها ثم صاحت بصوت جهوري لتنبأ ابنتها بقدوم ضيف معها :
" عبدالجواد هنا يا مروة "
قرع قلب عبدالجواد بقوة بمجرد سماعه لاسمها، لكنه ادعى الوقار والهدوء وهو يدخل للبهو حيث توجد جورية قلبه الحبيبة ليبتسم لها :
" ازيك يا مروة ؟!"
ابتسمت مروة بسمة واسعة تلاقي عبدالجواد بود :
" اهلا، نورت البيت "
سارعت والدة مروة بالاستئذان مشيرة صوب المطبخ :
" طب أنا هروح اعمل كوبايتين قهوة واجبلك كيكة من اللي بتحبها يا عبدالجواد، وشوية وعمك هينزل "
ابتسم لها عبدالجواد عالمًا في نفسه أنها تقصدت تركهما وحدهما، وقد قدر ذلك لها، علّه ينال ما يروي صحراء قلبه .
" اخبارك يا مروة ؟؟"
انتبهت له مروة :
" الحمدلله أنت ايه اخبار شغلك واخبار الدنيا معاك "
هز لها عبدالجواد رأسه بهدوء مبتسمًا يحاول ايجاد أمر ليفتتح الحديث بينهم :
" احم ألا صحيح فين رانيا مشوفتهاش، هي نايمة ؟؟"
رمقته بتعجب واضح :
" رانيا ؟! ايه اللي هيجيب رانيا؟؟ أنا مشوفتهاش من وقت ما رجعنا من المؤتمر وأنت وصلتنا "
تعجب عبدالجواد الأمر :
" هي كانت قالتلي هتبات عند امبارح والمفروض كنت جاي أخدها انهاردة بعد الشغل "
هزت رأسها بحيرة وهي تردد :
" معرفش والله يا عبدالجواد هي لما وصلتني، مرة واحدة قالتلي فيه حاجة مهمة محتاجة تعملها، اعتقد ممكن يكون عمي عارف أنت عارف هي كل حاجة بتقولها ليه "
هز رأسه لها متناسيًا شقيقته وكل شيء في لحظة بعدما سمع اسمه منها، منحها بسمة واسعة وهو يردد بحب :
" تمام، أنا فكرتها هنا فكنت جاي اوصلها "
هزت له رأسها وصمتت لا تدري ما تقول في تلك اللحظة، تخجل من وجوده وتشعر بثقل في الهواء حينما تصبح معه في نفس المكان، الله وحده يعلم كيف تتمالك نفسها في كل مرة يقوم بتوصيلها مع رانيا، فجأة سمعت صوته يقول بهدوء :
" عمي كان بيقول إنك بتدوري على شغل "
ابتسمت له بتوتر تهز رأسها :
" أيوة لسه بدور فعلا "
ابتسم لها عبدالجواد وقد نال فرصته أخيرًا عارضًا عليها وسيلته للتقرب منها :
" طب ايه رأيك تيجي تشتغلي معايا ...قصدي معانا أنا وبابا في واخواتي في الشركة؟؟ احنا محتاجين محاسبين هناك "
صدمت مروة من عرضه وصمتت بحيرة، هل يعرض عليها العمل في شركات التعمير الخاصة بوالده؟! وهل لها أن ترفض تلك الفرصة فقط لأنها جبانة تخشى التقرب منه ؟!
وما كادت تجيب حتى قاطعهم صوت والدها الذي رحب به خير ترحيب وهو يقول :
" عبدالجواد اهلا بيك يا بني"
نهض عبدالجواد ليرحب بوالدها في المقابل لكنه قبل ذلك نظر لها نظرة سلبت أنفاسها وهو يقول :
" هستنى ردك متنسيش "
ثم نهض يلاقي والدها تاركًا إياها شاردة فيه وفي حديثه ....
______________________
كانت تجلس بكل كبرياء مستقيمة الظهر أعلى اريكته، وجوارها يجلس مختار هادئ صامت كالمعتاد في المقابل كان هو، يحاول سبر أغوار تلك المرأة التي تمثل له تحديًا ولغزًا سيتأكد من فك شفراته بنفسه ذات يوم .
" ها قولت ايه ؟؟"
نظر صلاح صوب مختار ثواني ليسمع ميمو تردد :
" اتكلم براحتك مختار عمره ما هيمثل خطر على حد ..."
صمتت ثم أضافت بمكر :
" إلا لو أنا عايزة كده "
وملامح مختار لم تتأثر بما قالت، بل بدا جامدًا كما هو ولم تظهر إشارة تدل أنه استمع لما قيل منذ ثواني .
وخرج من صلاح اغرب رد قد يصل لها على عرضها :
" تشربي ايه ؟؟"
ارتسمت بسمة صغيرة على جانب فم ميمو وهي تراه يتخابث عليها، ولم ينتظر صلاح سماع ردها بل نهض صوب مطبخهم يسمع نبرتها الماكرة :
" نسكافيه "
توقف في طريقه يلوي شفتيه بأسف :
" للاسف معندناش غير شاي تشربي ؟!"
هزت رأسها موافقة اقتراحة، ثم ابصرته يغيب داخل مطبخه، لتعطي لنفسها حرية التنقل في المكان بأكمله تعبث بهذا وذاك، حتى وقعت عينيها على بعض الأوراق التي كانت تتوسط طاولة في أحد أركان المنزل، كانت لتتجاهلها لولا رؤيتها لصورة أثارت ريبتها وهي تنحني ببطء ممسكة بالصورة ...
شعرت بأحد يقف خلفها، لم تفزع فهي تعلم أنه مختار، استدارت له ببطء وقالت بخبث شديد :
" تفتكر ايه ؟!"
نظر لها مختار نظرات غامضة بدا كما لو أنه يتحدث معها بلغة لا يفهمها إلا هي، لتهز رأسها بهدوء :
" أنا برضو قولت كده "
ابتسمت تضع الصورة مكانها، ثم نهضت تنظر حولها في المنزل بفضول، فضول لمعرفة المزيد عن ذلك الرجل الذي يثير حيرتها ويحفز عقلها طوال الوقت على التفكير به.
وفجأة توقفت عينها على إحدى الصور المتواجدة على الجدار، اقتربت بخطوات بطيئة صوبها تتجاهل مختار الذي أخرج هاتفه وشرع يلتقط صورًا لكل الاوارق المتواجدة على الطاولة .
بينما هي توقف أمام تلك الصورة تبتسم بسمة غريبة قبل أن تسمع صوت صلاح يخرج من المطبخ يتحدث بهدوء وبسمة :
" ممكن بس بعد ما مختار يخلص تصوير في الورق يرجعها مكانها عشان ده شغل رائد وممكن يزعل لو حد بوظه "
فزعت ميمو من صوته تستدير صوبه بسرعة وقد شعرت فجأة بالتوتر ليمنحها صلاح غمزة عابثة، يضع الصينية أعلى الطاولة وهو يعتدل في وقفته ينظر لمختار الذي أعاد كل شيء لمكانه ثم تحرك بهدوء وجلس مجددًا كأنه لم يفعل شيئًا، بينما تحدثت ميمو لتصرف ذهنه عما حدث :
" مش ملاحظ إن موضة الصور دي عفى عليها الزمن ؟؟"
نظر لها صلاح بتعجب ليجدها تحمل صورة له بين يديه حينما كان في عمر العشرين تقريبًا، ابتسم يتحرك لها :
" موضة ايه بالضبط !!"
" يعني أنك تتصور والمصور يحطك مرتين في الصورة كأنك واقف قدام مرايا "
ضحك صلاح بصوت مرتفع يلتقط الصورة من يدها وهو يحدق فيها ثواني، ثم نظر بطرف عينه لمختار يقول بسخرية لاذعة :
" ايه يا ميخو مش شايف شغلك كويس ليه ؟؟"
ولم يعطه مختار ردًا، سوى رفعة حاجب صغيرة، بينما ميمو نظرت له بتعجب تراه يضع الصورة مكانها أعلى الطاولة وهو يشير لصورته قائلًا بينما أصبح على مسافة قريبة منها :
" ده انا، صلاح السقاري، وسيم ها ؟؟ "
أشار للشخص الآخر في الصورة والذي كان يغمز في الصورة في حركة مشاكسة :
" وده اخويا التوأم، صالح السقاري، حلو بس مش زيي اكيد "
رفعت حاجبها وضحكة متهكمة تكاد تخرج منها عليه، عما يتحدث هذا الرجل، الإثنان في الصورة يبدوان شخص واحد، عدا اختلاف نظرات كلٍ منهما .
اقترب منها صلاح يردد بهمس :
" واضح أن ميخو مبقاش يشتغل بضمير، يعني عرفتي عنواني وعرفتي كل شيء عن رائد ومعرفتيش إن ليا توأم ؟؟ "
أنهى حديثه يتحرك صوب المقعد لتلحق به ميمو وهي تحاول اخفاء صدمتها من تلك المعلومة، هو لديه أخ توأم، وفجأة ضربتها ذكرى ليست ببعيدة وهي تردد مشيرة له بصدمة :
" يعني مش أنت اللي كنت في القسم في اليوم إياه ؟؟ لما كنت لابس لبس مبهدل وشعرك منكوش، مكانش أنت، كان اخوك؟؟ عشان كده لما قابلتك قدام القسم كنت وقتها لابس لبس غير اللي شوفتك بيه جوا ؟!"
ابتسم صلاح بحنق وهو يمد يده لها بكوب الشاي :
" لا كان انا مش صالح "
" أنت ؟؟ بس شكلك وقتها كان..."
قاطعها صلاح متنحنحًا بحنق يأبى تذكر ذلك الأمر المخزي له، وتلك النقطة السوداء في صفحته البيضاء :
" وقتها كان عندي ظروف اضطرتني اكون بالشكل ده، لكن في العادة صالح هو اللي بيكون معفن مش أنا "
وكما تصور فقد رمقته بتشوش ليحرك يده في الهواء :
" سيبك من بلوتي، وخلينا في بلوتك "
اعتدلت في جلستها تركز بشدة على حديثه بينما هو ارتشف ببطء من كوب الشاي الساخن أمامه :
" قولتيلي بقى انك هتساعديني اخلص من سعيد بشرط اني معملش شيء بدون معرفتك ؟؟ وكل شيء يكون باتفاق "
منحته ميمو بسمة مغترة مع إماءة صغيرة توحي له مقدار الثقة بأنه سيفعل فهي لن تسير معه ذلك الطريق وهي تجهل خطواته :
" بالضبط يا حبوب "
رفع صلاح حاجبه وكأنه يخبرها بحماقة ما تطلب منه، منذ متى كان يُعلم أحدهم بخطوته القادمة، أو متى فكر حتى في اخبار أحد عن خطته إيزاء شيء ؟!
قرأت ميمو تعابير الاعتراض على وجهه بوضوح تام، لكنها لم تبادر بتبرير شيء، هي لن تسلم نفسها وما خطتت له لسنوات لشخصٍ لاتعرفه فقط لأنه وسيم وذكي .
نظر لها صلاح ثواني قبل أن يبادر بالسؤال :
" ايه سببك ورا كل اللي بتعمليه ؟! "
لم تفهم سؤاله للوهلة الأولى، لكن فجأة أدركت ما يقصد لتقول ببسمة :
" كان ممكن اسألك نفس السؤال، بس انا مش فضولية "
ابتسم يتكأ للخلف واضعًا قدم أعلى الاخرى بهدوء :
" وانا فضولي، فحابب اعرف ايه السبب اللي يخليكِ مش طايقة سعودك بالشكل ده، بغض النظر أنك مرات ابوه فالمفروض اساسا يبقى هو اللي مش طايقك ويحاول يخلص منك "
أطلقت ميمو ضحكة صاخبة وهي تميل بجذعها العلوي مستندة على قدميها بذراعها، ثم اطالت النظر به قبل أن تقول ببساطة :
" صدقني سعيد مش دايب فيا، أنت لو خيرته بين أنفاسه اللي مخلياه عايش وبين قتلي، هيختار قتلي ويموت بسلام "
باغتها صلاح بخبث :
" وده يثبت اعتقادي إن فيه شيء غريب ما بينكم، لأن مهما كان، عمر ما علاقة الولد بمرات الاب توصل للشكل ده من العداء، ده حتى سندريلا مكانتش بتكره مرات ابوها رغم كل اللي عملته فيها"
وتلك البسمة الخبيثة على فمها أخبرته جيدًا أن ما فعلته به تعدى حدود عقله، حيث اقتربت منه ميمو فجأة وهو ظل ثابتًا في مكانه يسمعها تهمس بصوت منخفض كأنها تخشى أن يستمع لها مختار وتجرح مشاعره أو ما شابه :
" تفتكر ايه يا لذوذ ؟؟ ممكن اكون عملت ايه في سعودي عشان يحتاج يخلص مني بالشكل ده ؟؟"
ضيق صلاح عينيه ينظر لها عن قرب وقد خرجت نبرته خافته مثلها وبنبرة أكثر سخرية أردف :
" حاجة اسوء من أنك تخليه يمسح ويكنس البيت وتقطعي ليه فستانه عشان ميحضرش الحفلة ؟؟"
كان حديثه ساخرًا، لكنه اثار موجة ضحك كبيرة لديها وهي تعود لمقعدها جوار مختار الصامت، ثم اعتدلت تستند بيديها على ظهر المقعد بكل تجبر :
" لا، مقطعتش الفستان ليه، أنا قطعت ليه حاجة اهم من الفستان "
نظر لها بفضول لكنها لم تضف سوى كلمات قليلة :
" ها يا لذوذ مقولتش رأيك؟؟ معايا ولا عليا يا غالي ؟! "
وكما تفعل معه فعل، حيث نهض واقترب منها بخبث وهو يقول بنبرة تشبه خاصتها بشكل كبير :
" لو فاكرة أنك ممكن تجبريني اوافق على شرطك اللي ملوش اي لأزمة عندي عشان أنتِ حلوة بس ...."
غمز لها يضيف :
" فأنتِ صح لاني موافق يا حبوبة "
ابتسمت له ميمو وهي تقول وما زالت عينها مصوبة لعينه :
" تمام، وعشان تعرف إن ميمو بتحب تدلع اللي معاها، انهاردة بليل هيوصلك اول مسمار في نعش سعودي"
" الظاهر إن سعودك غالي اوي عندك "
هزت ميمو تقول بجدية مخيفة :
" أنت بتقول ايه بس، ده في مقام ابني يا جدع "
ورغم أنه مقت تلك الكلمة ومقت صلتها بتلك العائلة، والتي لا يدري كيف وافقت عليها، هل اضطرتها الظروف أم كان ذلك بكامل إرادتها، إلا أنه قال :
" متخافيش أنا قرصتي خفيفة ....لحد دلوقتي "
______________________
" خالتو ازاي معلش ؟؟"
كانت تلك جملة صالح والتي خرجت جاهلة حانقة، تلك الفتاة الرقيقة البشوشة، هي خالة لتلك القطة المتشردة؟؟ أي عقل سيصدق تلك الادعاءات الغبية ؟؟
اقتربت رانيا بتحفز تنظر لصالح بشر وصدمة من هيئته التي تنافي تمامًا هيئته التي رأته بها سابقًا، بينما جوارها هاجر تنظر له بإعجاب كبير ومحمود ينظر للجميع بعدم فهم ..
تحدثت هاجر حينما طالت حالة الصمت تلك تحاول تخفيف الأجواء :
" أنا ابقى اخت مامتها من الاب، لأن بعد ما جدتها ( ام مامتها) ماتت بابا اتجوز ماما وجابوني على آخر العمر و..."
صمتت فجأة حينما وجدت جميع الرؤوس استدارت لها، يحدقون فيها بتعجب لما تقول، لتبتسم هاجر بغباء وهي تردد :
" أنا مكانش المفروض اقول كده صح ؟؟ "
هزت رانيا رأسها بيأس على خالتها والتي تكبرها فقط باعوام قليلة حيث يبلغ عمر هاجر ٢٦ عام فقط، وقد كانت هي اصغر اشقاء والدتها والتي تسكن مع خالها الأكبر وزوجته في منزله هنا في القاهرة، لكن هذه الفترة كان خالها مسافرًا، وهذا من حسن حظها حتى لا تتعرض لتحقيق منه حول ما تفعل .
مدت رانيا يدها بلا مقدمات وهي تتحدث :
" التليفون ؟؟"
نظر صالح لمحمود الذي ابتسم له بسخافة يحاول أن يفكر في حل لتلك المشكلة، وصالح يعلم جيدًا أنه إن اخبر تلك المتشردة أنهم نسوا الهاتف، يقسم أن تجعل اسم أخيها علكة تلوكها الأفواه لسنين قادمة، لذلك قال وهو يحاول الهدوء :
" طب ممكن نقعد الاول ؟!"
فتحت رانيا فمها للرفض، لكن هاجر سارعت تقول بلطف :
" اكيد، أنا مش مصدقة اساسا اني واقفة مع حضرتك عادي كده، أنا لو كنت اعرف أنك الحرامي اللي سرق تليفون رانيا كنت جبت كل الكتب بتاعتك تمضي عليها "
نظر لها صالح باستنكار يحاول فهم تلك الفتاة الغريبة :
" شكرًا والله يا هاجر على ذوقك، مرة تانية إن شاء الله، اقولك لما تشوفيني لابس بدلة ومسرح شعري ابقي تعالي اطلبي توقيعي، أنا لما بلبس البدلة ببقى في مود التوقيع"
هزت هاجر رأسها وهي تقول بسعادة :
" تمام ..هتلبس بدلة امتى ؟!"
نظر لها صالح ثواني ،ثم أشار لرانيا التي كانت متخصرة تراقب أفعال خالتها بحنق شديد :
" متأكدة أن المتشردة دي بنت اختك ؟؟ "
هزت هاجر رأسها بالايجاب تتعجب سؤاله، لكنه لم يهتم وهو يتحرك سابقًا إياهم صوب المقاعد، بينما خلفه رانيا ومن ثم محمود الذي تحرك ليجاور هاجر يقول بفضول شديد :
" مش أنتِ برضو بتاعة القُرص والعيش الفينو ؟!"
نظرت له هاجر بجهل لما يقول، لا تفهم ما يريد، لكن محمود لم يتوقف عن الحديث وقد أُتيحت له الفرصة أخيرًا لمحادثة تلك البسكوتة الرقيقة :
" آخر مرة دخلت عندك جبت قرصة بعجوة كانت جميلة اوي تسلم ايدك "
ومجددًا أعطته هاجر نظرة جاهلة لما يتحدث به، جلست جوار رانيا التي تقابل صالح وهي تجلس مقابل ذلك الشاب الغريب والذي أخذ يصف لها كم كانت تلك " القُرص " لذيذة، وكم كانت العجوة ناعمة الملمس وشهية المذاق .
" بس مش غريبة بنوتة رقيقة زيك تقف في فرنة عيش كده ؟! مش صعبة الشغلانة دي ؟!"
" فرنة عيش ؟؟"
قالت رانيا وقد فهمت ما يقصد لتسخر منه :
" قصده المخبز بتاعك يا خالتو "
هزت هاجر رأسها بإدراك فهي تدير أحد المخابز على بعد شارعين من هنا، مخبز تقوم فيه بصنع مخبوزات وكعكات من جميع أنحاء العالم، فلطالما كانت تلك هوايتها المحببة والتي ترسل استرخاءً لقلبها :
" أيوة فهمت، لا مش صعب بالعكس الشغل لطيف اوي وهادي "
هز محمود رأسه متفهمًا لما تقول، فما يفكر فيه الآن هو أبعد وصف عما تعمل به هاجر، فهو لا يأتي في عقله سوى تلك الافران الكبيرة ذات الحرارة المهلكة والدقيق المتناثر في كل مكان حيث يصنعون الخبز للزبائن .
" على كده ممكن استلم عيش التموين من عندك ؟؟"
فتحت هاجر فمها ببلاهة :
" نعم ؟! عيش تموين ؟!"
" أيوة عيش التموين اللي قد الجنيه الفضة ده، لو بتوزعوا عندكم في الفرن عيش التموين ممكن اجيب البطاقة من ابويا واجي اجيبه من عندكم أنتِ اولى بكل قرش من الغريب ده كفاية أنك بنت وبتشتغلي شغلانة متعبة زي دي "
ضحكت رانيا بصوت مرتفع ساخر تشير لهم :
" قولتلك والله شمامين "
ضرب صالح الطاولة بعنف جعل رانيا تنتفض للخلف بخوف وهلع كبير :
" ما تقفلي بقك وتحترمي نفسك انا ساكتلك من الصبح، أنتِ بتتكلمي مع ناس محترمين مش شوية شمامين "
هز محمود رأسه وهو يرسم ملامح الجدية على وجهه، حتى كاد هو ذاته يقتنع بما قال صالح .
" أيوة صح، احنا ناس شمامين مش سوية محترمين"
أشارت له رانيا وهي مازالت متراجعة في مقعدها تترعب داخلها من ذلك الرجل والذي تبدو ملامحه عن قرب مخيفة :
" شوفتوا بيهددني ازاي ؟! طلعي يا خالتو التليفون وصوري بسرعة "
صمتت تنظر لصالح الذي كان يرمقها وكأنه على وشك التهامها ومضغ عظامها دون ذرة تردد، لتتراجع عن تهديدها وهي تقول بهدوء :
" أنا بس عايزة التليفون بتاعي ومش هتشوف وشي تاني"
قال صالح بتمني :
" والله نفسي، ده انا مُنى عيني مشوفش وشك ده مرة تانية بس نعمل ايه بقى، حظي الهباب هو اللي هيخليني اشوفك تاني "
ضمت رانيا ذراعيها لصدرها في تحفز :
" ده ليه إن شاء الله، اشوفك تاني بتاع ايه ؟! مش خلصنا ؟؟"
اقترب صالح من الطاولة يستند بذقنه على يديه قائلًا بنبرة هائمة وبسمة مصطنعة :
" مقدرش على بعدك يا حبي "
اصطنعت رانيا تعابير مشمئزة بوجهها وكأنها على وشك التقيأ وهي تقول :
" ايه القرف ده ؟؟"
تراجع صالح لمقعده وهو يردد باقتناع :
" عندك حق، هو قرف فعلًا، تخيلي حد يتغزل في وشك، حاجة مرعبة "
فتحت عينها بصدمة من وقاحته لتضرب الطاولة منتفضة من عليها وهي تصرخ وقد جرحها تعليقه، من يظن نفسه ليطلق احكامًا حول هيئتها والتي لم تكن بالسيئة، بل كانت فتاة كأي فتاة بملامح مقبولة صغيرة ورقيقة عكس طباعها التي اكتسبتها لتربيتها وسط منزل ملئ بالرجال الخشنين :
" احترم نفسك، أنت فاكر نفسك مين ؟! فكرك أنا هستنى غزل منك ليه ؟؟ الدنيا جات عليا اوي كده ؟؟"
نهض صالح ليقف قبالتها ويظهر فرق الطول بينهما، كثيرًا بعضًا من الرهبة في صدرها منه :
" أنتِ اللي فاكرة نفسك مين يابت أنتِ؟ من وقت ما جيتي تاخدي ام التوقيع على كتابك _ اللي اللهي يتحرق _ وأنتِ بتتكلمي من مناخيرك ولا كأنك بنت ملك بريطانيا "
نظرت له رانيا بصدمة جعلته يظن أنه رماها بتهمة مشينة، لكن رانيا لم تنتظر حتى يدرك ما قال لها، تلتفت حولها تحاول البحث عن شيء تكسر به رأسه، لينتبه لها صالح وهو يبحث معها عن ذلك الشيء الذي لا يعلمه :
" بتدوري على ايه ؟!"
" على حاجة افتح بيها نافوخك "
رفع عينه لها يردد بوقاحة :
" ما اهو أنتِ واحدة قليلة رباية اساسا، فين أهلها البنت دي يا آنسة هاجر ؟!"
قالت هاجر والتي كانت ترمق ما يحدث بخوف من احتدام الموقف :
" في اسكندرية، بس والله هي كويسة، مش عارفة كل ما تشوفك تتعفرت ليه ؟! "
نظرت لها رانيا بحنق ليردد محمود وهو يحاول تهدئه الأجواء :
" يا جماعة مش كده مكانش تليفون اللي يعمل فينا كده، ده مهما بينا قرص بعجوة وبسكوت نواعم"
وكأنه بكلماته تلك ذكّرها بأمر هاتفها لتفتح عينها وهي تصرخ :
" تليفوني ...فين التليفون ؟؟"
أخرج محمود هاتفه ووضعه في يدها وهو يقول بجدية كبيرة :
" عليه رصيد كتير يعني تتكلمي براحتك، لسه مجدد الباقة "
نظرت رانيا للهاتف بتعجب :
" أيوة بس ...ده ....ده مش بتاعي "
" لا ده تليفوني أنا "
تشنجت ملامح رانيا بتهكم :
" وانا اعمل ايه بتليفونك يا استاذ ؟!"
" دكتور لو سمحتي "
حسنًا تلك الصدمة كانت أقوى من استيعاب رانيا لتردد بصوت عالي مستهجن لما سمعت منه منذ ثواني :
" د...ايه ؟؟ دكتور ؟؟ "
هز محمود رأسه لا يفهم سر تعجبها مشيرًا صوب صالح :
" أيوة دكتور، وصالح كمان دكتور "
رددت هاجر بتعجب :
" صالح ؟؟ هو مش الاستاذ صلاح برضو ؟؟"
ابتسم صالح بحنق وهو يقول بجدية يجلس مجددًا :
" لا يا آنسة هاجر، أنا مش صلاح، أنا صالح اخوه التوأم"
فتحت رانيا عينيها بصدمة وقد ارتفعت شهقتها المذهولة في المكان تشير له :
" أيوة ..أيوة صح، أنا قولت لا يمكن تكون صلاح اللي شوفته يوم البرنامج في القاهرة، التاني كان محترم، انما أنت متربتش ولا شوفت دقيقة احترام في حياتك "
ضرب صالح المقعد بقدمه وهو يصرخ في وجهها:
" يابت هتغابى عليكِ، اتقي شري وبطلي طولة لسان"
" بقولك ايه يا جدع أنت أنا عايزة تليفوني لاحسن وربنا افضحك أنت واخوك واقول انكم حرامية ونصابين "
مال محمود على صالح ومازالت عينه مثبتة على رانيا التي كانت في تلك اللحظة قاب قوسين من الاشتعال :
" البس، يعني بدل ما ننقذ سمعة اخوك، هنمرمغ سمعتكم أنتم الاتنين "
سخر صالح وهو ينظر له باستهجان :
" ده على اساس إن سمعتي فلة يعني ؟؟"
" على رأيك ده انت مفيش ست بقت تطيق تبص في وشك جوا المستشفى، ودلوقتي هيبقى جوا وبرة المستشفى "
تنفس صالح يحاول أن يستدعي كل ذرة هدوء يمتلكها أو لا يمتلكها وهو يقول بتريث :
" اسمعي يا آنسة رانيا، من الآخر كده تليفونك مش معانا، لأن احنا نسيناه في البيت، فبكرة في نفس المعاد هنيجي نسلمه ليكِ، ولو مستعجلة اوي ممكن بعد الشغل اقابل حضرتك عند المستشفى وتيجي تاخديه وتختفي من وشي خالص وارتاح"
وقح ؟؟ نعم ومتبجح ايضًا، سرق هاتفها، وجعلها تقف طوال اليوم في الميدان تنتظر أن يمن عليها ويعيد لها هاتفها الذي سافرت لأجله لساعات، ثم يتخلف عن موعده، وبعدها يعطيها موعد آخر ويأتي ليخبرها أنه لم يحضر هاتفها، وإن أرادته لتأتي مرة أخرى وتأخذه منه، أو تذهب لمنزله...
هنا ولم تتحمل أن تصمت ثانية لتنتزع هاتف هاجر منها والتي كانت صامتة تراقب ما ستئول إليه هذه المناقشة تردد بجدية :
" هاتي التليفون ده، أنا بقى هرجع تليفوني بمعرفتي"
رفع صالح حاجبه لاويًا طرف شفتيه في تزامن ساخر وهو يراقب ما تفعل، لا يدري ما تفكر به، لكن ايًا كان فقد أخذت تلك الفتاة من وقته الكثير وهو يحتاج للعودة إلى عمله .
نظر في ساعته يردد بجدية :
" طب يا آنسة أنا مضطر امشي عشان شغلي، ولما تعرفي هتنتقمي مني ازاي هتلاقيني في المستشفى اللي على اول الشارع أنا ومحمود"
نظر له محمود قائلًا بتذمر :
" ومحمود ماله طيب ؟! انا مليش دعوة يا رانيا، هو وأخوه اللي عاملين مشاكل "
امسكه صالح من ثيابه وهو يقربه منه ضاغطًا على أسنانه بتهكم وغضب :
" ياض يا بجح، ايش حال ما أنت اللي وقعتنا مع الاشكال دي واخدت التليفون وأنت مش واعي، وأنت برضو اللي نسيت التليفون في البيت وخليت الاشكال دي تيجي وتتكلم معانا "
ورغم حديثه الوقح والمهين إلا أن رانيا وضعت الهاتف على الطاولة تردد بجدية :
" أنا بقى هوريك الاشكال دي هتعمل ايه ؟؟ انا بلغت البوليس وهو بقى يبقى يتصرف معاكم "
" أعلى ما في خيلك اركبيه، أنا اللي عندي قولته عجبك عجبك مش عجبك إن شاء الله ما عجبك، أنا مفيش عندي حيل ادادي وأراضي، ومليش خلق للستات اساسا "
رفعت رانيا حاجبها وهي تردد :
" قال يعني والستات هتموت عشان حضرتك تدادي وتراضي فيهم، ده أنت آخر شخص ممكن ست تفكر تكمل باقي حياتها معاه"
وبمجرد انتهاء حديثها سمع الجميع صوت سيارة الشرطة في المكان لينظر محمود وصالح صوب الباب بصدمة، ثم عادوا بنظرهم لرانيا التي كانت متعجبة كذلك سرعة وصولهم.
ودون أن يشعر أحد أخرج محمود علبة السجائر الخاصة به يضعها في ثياب صالح بسرعة كبيرة، وكذلك القداحة الخاصة به، ثم أخرج هاتفه ووضعه أيضًا في جيب صالح :
" احتياطي "
نظر له صالح بشر ثواني، ثم أدار عينيه صوب رانيا يتحدث بتعجب :
" هما كانوا مستنيين اشارتك ولا ايه ؟!"
____________________
يجلس في اجتماع مهم في مكتبه بعيدًا عن الأعين وقد يبدو للرائي أنه اجتماع كغيره من تلك الاجتماعات التي يعقدها رجال الأعمال عادة، لكن مع سعيد رائد الفساد في البلاد كان الأمر مختلف .
فجلوسه ذلك لم يكن لخيرٍ أبدًا .
ابتسم يستمع لمحادثة أحدهم وهو يلقي بملف أمامه يحمل عدة أسماء وصور وأمام كل صورة بعض البيانات الطبية :
" دول الدفعة الجديدة، وفي الصفحة التانية هتلاقي موافقات خطية من المعنيين على اللي هيحصل "
رفع سعيد عينه لهم وهو يغلق الملف يشبك كفيه ببعضها البعض مرددًا بجدية :
" مش شايف أنك بالغت شوية في المبالغ اللي مكتوبة دي ؟؟"
نظر الرجل حوله لمن معه لا يدرك ما يرنو إليه سعيد، أي مبالغة تلك ؟؟ لقد استغلوا جبن وحاجة هؤلاء الاناس لأخذ أعضاء موتاهم قبل الدفن:
" مبالغة ايه يا سعيد باشا، العضو عندك أقل من تمنه في السوق السودة بتلات أضعاف "
عاد سعيد بظهره للخلف وفي عقله تدور بعض الأمور، قبل أن يقول باقتراح :
" خليهم أقل من تمنهم في السوق السودة بعشر أضعاف "
وملامح الذهول التي ارتسمت على وجه الجميع حوله أخبرته جيدًا ما سيعانيه معهم للاقناع، لكنه لم يحد عن رأيه وهو يقول :
" بس قدام الكل احنا واخدين أقل بتلات أضعاف بس "
هنا واتضحت لعبة سعيد ذلك الشيطان الخبيث، لا يكفي أنه يستغل حالة الفقراء لسرقة أعضاء موتاهم ودفنهم فارغي الجسد ويشتري منهم تلك الاعضاء ببضع قروش مقارنة بسعرها الاصلي، بل يحاول استغلال أيضًا الحيتان الذين يبيع لهم تلك الاعضاء في السوق السوداء .
وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة، اعتدل سعيد في جلسته يقول بجدية :
" طبعًا أنتم هيكون ليكم من الحب جانب، وكل ما هتجيبوا اكتر كل ما هتاخدوا اكتر "
ارتسمت بسمة على وجوه اتباعه والذين بدوا كما لو أنهم اتباع ابليس في تلك اللحظة، قبل أن يبادر أحدهم بالقاء ملف آخر يحمل عدة أسماء وصور :
" دي معلومات كل الدكاترة اللي عرفت اجمعهم، فيهم خمسة مش برشح أننا نقرب منهم لأنهم ممكن يفضحونا، وتلاتة حالتهم ممكن تجبرهم على الشغل لو ضغطنا عليهم، والباقيين مش معروف ليهم ردة فعل فبقترح نجس نبضهم "
كان سعيد يُقلب في الملف أمامه وعينه تمر على الأطباء ليختار أحدهم يساعده في عمله القادم، فهو بدأ بشق طريقة نحو هدفه الذي يسعى له منذ سنوات طويلة، وأثناء تحريكه صفح الملف انتفض جسده فجأة وقد أبصر ما جعل عينه تتسع، رفع حاجبًا ينزع إحدى الصور من الملف وهو ينظر لها جيدًا، ثم قرأ الاسم في الملف :
" صالح السقاري ؟؟؟"
رفع عينه لأحد الرجال وهو يشير لصورة صالح :
" ايه ده ؟!"
نظر الجميع لبعضهم البعض دون فهم ما يريد :
" دكتور من ضمن الدكاترة اللي اخترناهم، أنا جبت كل الدكاترة اللي معروفين في التخصصات دي واكيد مش كلهم مناسبين و..."
قاطع سعيد كلامه وهو يشير له بيده مخرجًا هاتفه يبحث عن شيء معين حتى وصل له، رفع هاتفه يضعه جوار الصورة بيده وقد كانت شاشة هاتفه تعرض صورة صلاح في أحد اللقاءات جالسًا بتكبر ونظرات هادئة، عكس صورة صالح الذي كانت نظراته حادة أكثر..
" صلاح وصالح ؟؟؟ "
صمت ثواني وكأنه يفكر، لكن قاطع تفكير ذلك رسالة من أحد رجاله على أحد التطبيقات وقد كانت عبارة عن بعض صورة من جريدة اليوم، فتح الصور وهو يحدق بها جيدًا قبل أن يعتدل في جلسته يقرأ بصوت عالي ما كُتب عنه بخط عريض :
" سعيد الاشموني ...فاسد ثري ام ثري بسبب الفساد ( الحقيقة الكاملة وراء ثروة الاشموني ) "
ابتسم سعيد بسمة جانبية وهو يقرأ كل ما كُتب عنه في الجريدة وكالعادة ما كان ليتلفت لها لولا تلك الكلمات التي أثارت انتباهه وبشدة، كلمات لا أحد يعلم عنها شيئًا، حتى والده نفسه لم يعلم عنها شيء :
" كيف استطاع سعيد الاشموني تكوين ثروة قارون وهو بمثل فساد فرعون؟! بعدما فقد جميع أمواله في استراليا منذ ثلاث اعوام، وقبل حتى أن يدرك أحدهم أمر إفلاسه، عاد الاشموني الصغير لمصر مع ثروة تفوق تلك التي فقدها بسبب عربدته، ما السر ورا ذلك ؟؟ "
جمر اشتعل في صدر وارتجف جسده غضبًا وهو يرى اسم ( صلاح السقاري ) يزين خاتمة المقال، كيف وصل لكل ذلك؟؟ ما ادراه هو بأمر استراليا أو إفلاسه وقتها، كيف علم ووالده حتى لم يدري ؟!
احمرت عينه بشكل مخيفة وهو يضغط على هاتفه وقد توحشت ملامحه لدرجة أن الجميع حوله توجس منه خيفة، وفي ثواني خفت غضب سعيد حينما وقعت عينه على صورة صالح، ضغط عليها بقوة قبل أن يلقيها في منتصف الطاولة قائلة بحقد وغضب عماه عن صوت عقله :
" الدكتور ده تجيبوا قراره وتحاولوا تخلوه يبقى تبعنا"
نظر الرجال لصورة صالح ليقول أحدهم بتردد :
" أيوة بس ده من ضمن اللي ..."
ضرب سعيد الطاولة بيده في غضب مخيف :
" ميهمنيش كل اللي هتقوله، يبقى معانا، ولو مش معانا يبقى علينا "
" يعني ايه ؟!"
قال سعيد وعينه ما تزال مثبته على صورة صالح وقد اثارت فكرة حرق قلب صلاح على توأمه غبطة كبيرة في نفسه :
" يعني لو مبقاش الدكتور، هنخليه الحالة "
______________________
دخلت مركز الشرطة بعدما تلقت استدعاءً للشهادة ضد من ارتكب في حقها وحق والدها جرمًا لأنها رفضت أن تصمت على الباطل، رفضت أن تشاهد ما يحدث وتصمت مثلهم جميعًا ..
دخلت تقاوم ارتعاش قدميها وهي تتذكر كلمات الطبيب لها بعد ساعات جحيم انتظرت لتنال خبر يثلج صدرها وكل ما حازت عليه هو رد هادئ بارد :
"للاسف الضربة تسببت في نزيف حاد للمريض ومع أمراضه المزمنة والسن مقدرناش نعمل حاجة، البقاء لله "
ما يزال صدى صرخاتها يتردد في أذنها انهيارها وحدها في طرقات المشفى ترتجي من أحدهم نظرة مؤازرة، تتوسل تربيتة حنونة، تنظر حولها بتيه تبحث بين الوجوه على من يرشدها لما تفعل...
انتفضت تسبيح من لحظات عذابها ومازال جسدها يرتجف بعدما تركت جسد والدها مسجى في المشفى لتنتهي من ذلك الأمر الثقيل على قلبها، سمعت صوت العسكري يخبرها أن تتقدم للغرفة وبمجرد دخولها ابصرته يجلس بهيبة على مقعده ينظر لها بشكل اخترقها..
جلست تسبيح شاكرة أن وجهها لا يظهر منه سوى عينيها، ولو كانت تعلم أنها ستتعرض لكل ذلك لاخفت عيناها أيضًا علها تدفن تعابيرها عن الجميع .
بلعت ريقها تستمع صوت رائد الذي خرج عملي بشكل مستفز، لكنه حاول ألا يتأثر في تلك اللحظة بشيء :
" الستات قالوا إن كان فيه عداء قديم بينكم وأنك سبق واتهجمتي على واحدة منهم، ده صحيح "
رفعت تسبيح عينها له بسرعة وقد اشتعلت مقلتيها بشدة :
" محصلش، دول هما اللي اتهجموا عليا أنا وبابا في البيت عشان البلاغ اللي قدمته "
استمع لها رائد بانصات شديد :
" وايه علاقتهم بالبلاغ اللي قدمتيه؟؟ "
ابتلعت ريقها تحاول أن تبدو ثابته بينما أكتافها منحنية بانهزام، كُسر ظهرها وفقدت سندها الوحيد، والله وحده يعلم أين هرب أخيها :
" لأنهم امهات الشباب اللي كانوا بيشتغلوا مع جلال، ولما وصل ليهم خبر موت عيالهم في السجن اتهجموا عليا "
" كلهم امهات العيال ؟؟"
هزت رأسها نفيًا تحاول منع غصة بكاء عنيفة :
" لا اتنين منهم والباقي ستات بيتأجروا في الخناقات عندنا في الحارة "
هز رائد رأسه وقد فهم جيدًا ما حدث، اثنتان من أمهات المتهمين تهجموا عليها انتقامًا لموت ابنائهم وأثناء ذلك اصابوها واصابوا والدها كذلك :
" تمام، المتهمين هيتعرضوا بكرة على النيابة وهيتم أخذ اقوالهم وكمان هيتم استدعائك لأخذ اقوالك ومتقلقيش أنا كنت حاضر وشاهد على اللي حصل وهياخدوا عقابهم لأن ده شروع في القتل مش شيء بسيط "
" قتل "
كانت كلمة خافتة منها وبصوت مذبوح، لكن رائد لم يصل له ما تريد فقال بتساؤل :
" ايه ؟! "
رفعت عيونها له وياليتها لم تفعل، فقد كانت عيونها كيتيم أُلقى على قارعة الطريق بعدما تخلى عنه جميع احباءه، ازدرت تسبيح ريقها وهي تعيد كلمتها وصوتها خرج مرتعشًا :
" قضية قتل مش شروع، لأن بابا مات "
فتح رائد عينه بصدمة مما سمع وهزته نبرتها وسقط قناع جموده وهو يرى اهتزاز جسدها بقوة فاضحة لما حاولت هي إخفاءه وهي مخفضة رأسها، نهض رائد من مكانه خلف المكتب وتحرك للأمام وهو يناديها بخفوت :
" تسبيح .."
وقبل أن يتبع كلمتها بأخرى انهارت القشرة التي تخفي خلفها تسبيح تماسكها وهي تبكي بقوة ترثي والدها الحنون الذي لم يقصر بشيء رغم عجزه بسبب إصابته أثناء عمله قديمًا ..
انهارت ورائد يقف أمامها عاجزًا عن الايتان بشيء سوى أنه أخذ يناديها محاولًا أن يهدأها، لكن تسبيح وكأنها لم تصدق أن تجد أحدهم تبكي له حتى وإن لم يكن لها مواسيًا، وجدت من يسمع صراخها، من تجد صدى لشهقاتها لديه .
كل ذلك ورائد يقف أمامها وقد اهتز لمرته الاولى أثناء عمله، تلك الفتاة آلمته وبشدة وجعلته يفكر لأول مرة في ركن عمله جانبًا ويتدخل بصفته شخص عادي وليس شرطيًا ويساعدها ...
انحنى ارضًا أمامها، لكن بعيدًا عنها بالقدر الكافي كي لا يتسبب لها في إزعاج، يبتلع ريقه :
" تسبيح، تسبيح فين والدك دلوقتي ؟؟ اندفن ؟؟"
هزت رأسها بلا وهي تقول بنواح :
" في المستشفى، مش عارفة اعمل حاجة مش عارفة اعمل ايه، اعمل ايه طيب ؟؟"
تألم لأجلها وهو يقول بتعب :
" متعمليش، أنا هتصرف، لكن قبل كل شيء خلينا نشوف ليكِ بيت تاني غير بيتك لأن مبقاش ينفع ترجعي"
رفعت عينها له بفزع ليبرر رائد حديثه بهدوء :
" جلال لسه هربان ومش بعيد يرجع ينتقم منك بعد ما خربتي حياته، غير أهل الحارة مظنش حد فيهم ممكن يكون مرحب بوجودك بعد ما أولادهم اتسجنوا بسببك "
نظرت له من بين دموعها بعدما تبلل قماش نقابها :
" طب ....أنا ...أنا مش عندي مكان تاني و.."
" متقلقيش أنا هتصرف "
نظرت له ثواني وهي تشعر بضعف في أطرافها واختناق كبير في أنفاسها، لكنها قاومت كل ذلك وهي تنهض مستندة على مكتبة :
" ينفع امشي دلوقتي ؟"
لاحظ رائد حركتها غير المتزنة ليقترب منها بحذر :
" أنتِ كويسة طيب ؟!"
وقبل أن ينهي جملته وجد جسد تسبيح يرتطم بأرضية مكتبه في عنف كبيرة جعله يفتح عينه فزعًا وهو يصرخ باسم العسكري خارج بابه .....
___________________
لا يدري متى تخلص من تلك الفتاة واخيرًا، حسنًا هو لم يتخلص منها أو يستأذن منها بهدوء وغادر، بل هو أخذ هاتفه ومحفظته وجذب محمود من ثيابه وهو يترك الفتاتين بكل وقاحة في المكان ولم يقل كلمة سوى :
" المستشفى متتوهش "
وبمجرد انتهاء كلماته كان قد اختفى مع محمود من المقهى وها هو ينتهي من إكمال تشريح إحدى الجثث التي يعمل عليها مع محمود منذ أيام، حيث كان التشريح بها دقيق، وذلك لأنهم قاموا بتفريغ الاعضاء وفحص كل عضو على حدة، وعلى غير عادته كان محمود يقوم بعمله على أكمل وجه .
" الكبد تالف "
كانت تلك الكلمات خارجة من فم صالح الذي كانت اكفافه مليئة بالدماء، نظر له محمود يرفع ذراعه يحاول ارجاع خصلاته للخلف :
" مش ملاحظ حاجة ؟!"
قال صالح بجدية وهو يتفحص الجثة بكل جدية :
" ما أنا لسه قايل أن الكبد فيه ...."
لكن محمود وقبل أن يكمل هو جملته قال بجدية :
" لا مش قصدي كده، أنا قصدي مؤخرًا مش ملاحظ حاجة في المشرحة ؟؟"
نظر له صالح ثواني يحاول معرفة ما يقصد، لكنه لم يصل لشيء، حتى وإن حاول لأعوام عديدة فهو لن يصل أبدًا لما يدور في عقل محمود والذي قال بهدوء :
" في الفترة الأخيرة مبقاش يجيلنا جثث نسوان خالص، كلهم رجالة، عارف ده معناه ايه ؟!"
نعم هذا صحيح، فمنذ اسابيع وكل من يشرفهم بحضوره لمشفاهم كان رجل أو عجوز، هل الأمر متعمد ام ماذا .
اقترب محمود بنصف جسده العلوي لجزء صالح المقابل له وهو يقول بهمس :
" دي مؤامرة يا صاحبي، الستات أعلنوا الحرب ومش هيسكتوا غير لما يخلصوا علينا واحد واحد، وصدقني الموضوع مجرد وقت لغاية ما اشوفك جثة قدامي بعد ما سجدة تخلص عليك "
رفع صالح حاجبه بسخرية وهو يبعد جسد محمود عنه :
" أما نشوف، قبل ما تفكر حتى تقرب مني، هكون مخرج اعضائها عضو عضو "
أنهى حديثه لينظر له محمود نظرة مريبة وهو يعود لعمله وقد شارفوا على الانتهاء من الأمر :
" أنا حذرتك يا صاحبي، حاول تحسن علاقاتك مع الجنس الناعم، لاحسن مستقبلك وأنت متشرح قدامي "
ابتسم له صالح يكمل عمله وكذلك محمود، ليقوم صالح بتحرك الجثة في وضع محايد ليصل إلى بعض الأجزاء الحيوية، لكن حينما أبصر محمود تحرك الجثة انتفض للخلف صارخًا صرخة عالية مرتعبًا من تلك التجربة التي لم ينسها بعد .
نظر له صالح بتعجب ليجد محمود يشير للجثة:
" ده اتحرك، والله اتحرك من شوية "
تحدث صالح بدهشة من ردة فعله :
" يابني حتى وأنت فايق عقلك لاسع؟؟ أنا اللي حركته عشان اشرح الكلية "
نظر له محمود بشك، يشعر أنه يكذب عليه حتى يعطيه الامان ثم يلقيه للزومبي ويركض هاربًا :
" طب احلف أنه متحركش لوحدك "
حسنًا إن أراد تمرير اليوم لمحمود عليه مجاراة عقله وتفكيره المريب :
" والله "
" لا قول الجملة كاملة، قول والله مصطفى متحركش لوحدك "
أخرج صالح صوتًا حانقًا من حنجرته على هواية صديقة التي يعتقد أنه لن يتوقف عنها :
" مصطفى ؟؟ يابني هما ولاد اختك ؟! كل ما يجيلك واحد تسميه على مزاجك ؟؟ ما اسمهم في الملف معاك "
هز محمود رأسه مشيرًا صوب مصطفى :
" هو حابب الاسم ده "
تنهد صالح بحنق يعود لعمله وقد يأس من محمود من أن يتعامل يومًا بجدية مع حياته، وفجأة قاطع عملهم صوت رنين هاتف محمود الذي أخرج بيده دون أن يأبه أن قفازه ممتلئ بالدماء، وضع الهاتف على أذنه يمسك به باصبعين فقط :
" الو يا بابا "
صمتت قليلًا تحت أنظار صالح المشمئزة من أفعاله تلك وقد أكمل العمل وحده حتى ينتهي محمود .
" هو لازم يعني يتسم بدني انهاردة ؟؟ ....يا عم لا ازاي نروح خطوبة بنت عمي ونرقص ونزغرط ليها لو عايز، إن شاء الله يكون عمي مشغول في الجاتوه ومياخدش باله مننا "
صمت ثم قال بسخرية :
" لا مننا أنا وأنت مش مني لوحدي، ما هو مش بيطيقك أنت كمان يا ماجد هتعملهم عليا؟!"
أنهى حديثه ثم قال وهو ينظر لوجه صالح الذي كان يكمل عمله بهدوء :
" طب ينفع اجيب معايا صالح ؟!"
رفع له صالح عينه يحدجه بغضب، هل يحاول توريطه الآن في مناسبات عائلته ؟! هو الذي لا يحضر مناسبات عائلته الخاصة .
لكن محمود تجاهل كل ملامح الاعتراض الواضحة أعلى وجه صالح وهو يردد بجدية يعطيه ظهره :
" أيوة هو عايز يجي معايا ياكل جاتوه "
قال صالح بغيظ :
" أنا مش بحب الجاتوه اساسا "
لكن محمود لم يعطيه ردًا :
" يابابا اعمل ايه يعني لعمي ؟؟ أحرج صاحبي واقوله مش هاخدك عشان عمي مش بيحبني ولا بيحب صحابي ؟؟ "
صمت ثم صاح بحمائية ودفاع :
" الله ما قولتلك الواد ماسك فيا مينفعش أحرجه واقوله مش هاخدك معايا، كده اكسر بخاطره "
تشدق صالح بغضب وهو يود لو يغرز مشرطه في عقل محمود :
" يا عم اكسر خاطري، أنا مش عايز اروح في أي حتة معاك انت بالذات، أنا اساسا مش بحب عمك ده، مش هو أبو سالم ؟؟ مش بحبه الراجل ده "
نظر له محمود وهو يقول :
" خلاص يا صالح بابا بيقولك تعالى وهو هيبلغ عمي بحضورك، أنت عارف أنه مش بيحبك "
" يا عم ولا أنا بحبه، اروح فرح بنته ليه كانت بنت اختي؟! يا بني أنا مش بطيق حد من عيلتك غير ابوك، حتى أنت مش بطيقك "
ابتسم له محمود يربت على كتف رفيقه بحب ليلوث ثيابه البالطو الابيض خاصته بالدماء :
" اصيل يا صاحبي، تتردلك في الافراح يارب، عقبال كده فرح صلاح لما اجي أجاملك فيه أنا وابويا "
انتبه محمود لوالده :
" خلاص انا وصالح هنيجي بليل ناكل جاتوه "
اغلق المكالمة وهو ينظر لصالح قائلًا ببسمة :
" العيلة كلها بتحبك يا صالح "
نظر صالح لثيابه بتقزز :
" عيل معفن "
بعد ساعة تقريبا انتهى الاثنان من العمل وخرجا من الغرفة ومعهم العديد من الأوراق التي تضم بين سطورها سبب وصول صاحب الجسد في الداخل لتلك الحالة، لكن بمجرد خروجهم وجدوا امرأة تركض صوبهم بعدما افلتت من عامل المشرحة وهي تصرخ :
" جوزي ...جوزي يا دكتور عملتوا فيه ايه ؟! حرام عليكم عملتوا فيه ايه ؟؟"
قال محمود دون أن ينتبه لكلماته :
" البقاء لله، عملنا اللي علينا بس الأمر بيد الله "
نظر له صالح وكذا المرأة بصدمة لما يتحدث به، بينما محمود لم يستوعب بعد ما قال، حتى تحدثت المرأة من بين دموعها بتعجب وجهل :
" هو ...هو كان عايش لما جه ؟؟"
ضرب صالح رأس رفيقه بغضب وقد تجاوز محمود حدوده، كل ذلك وهو لم يشرب شيء، ماذا كان ليفعل إن كان الآن في عالمه الموازي ؟؟
" متهتميش لكلام صاحبي هو بس كان نفسه يبقى دكتور جراحة فتلاقيه مش مستوعب اللي كان بيعمله، نتيجة التشريح تقدروا تعرفوها من الشرطة لأن دي جريمة يا مدام، شدوا حيلكم "
أنهى حديثه ثم تحرك ليبقى محمود في مكانه وهو يقترب منها قائلًا :
" يعني مش أنتِ اللي قتلتيه ؟؟"
رفعت المرأة وجهها له بصدمة وقد شحب وبقوة، ليعود صالح سريعًا يجذب محمود من معطفه بغيظ :
" معلش يا مدام أصله سهران بقاله ايام فبدأ يخرف "
تحرك محمود خلفه وهو ما يزال ينظر للمرأة بشك، بينما الأخيرة جلست اعلى مقعد وهي ترتعش بحزن باكية ترثي زوجها .
خرج محمود وصالح من المشفى بعدما انتهى عملهما، وقبل أن يصعدا لسيارة محمود بعدما أودع صالح سيارته في التصليح بسبب ما حصل لها في مؤتمر صلاح، سمع الاثنان صوتًا خلفهما..
استدار الاثنان صوب الصوت والذي لم يكن سوى صوت رانيا التي تحركت صوب السيارة بسرعة كبيرة وهي تقول وقد ضغطت على نفسها حتى تأتي لهما هنا وكل ذلك لأجل منحتها التي انتظرتها سنة كاملة :
" اديني جيت المستشفى، ممكن لو سمحتم التليفون بتاعي "
نظر لها صالح ثواني وقد ادهشه أنها أتت بالفعل :
" أيوة بس التليفون مش معانا ممكن تاخدي عنوان بيت محمود وتروحي هناك و..."
حسنًا هذا يكفي، يبدو أنها لن تنال هاتفها قبل السبعين إن استمرت على هذا المنوال :
لا أنا مش هروح بيوت حد، أنا مش فاهمة اساسا ازاي تطلب من بنت تيجي ليك البيت يا محترم، أنت هتجبلي تليفوني هنا ودلوقتي "
كانت تتحدث وهي تضم يديها لصدرها ضاربة باقدامها الأرض في حركة تدل على نفاذ صبرها، وعينها لا تنزعها عن صالح الذي لم يهتم لما تقول :
" بصي يا اسمك ايه، مشكلتك حليها مع محمود التليفون عنده هو والغلطة غلطته هو، مش ناقص وجع دماغ "
أنهى حديثه ثم نظر لمحمود الذي كان لا يهتم بهما وهو يجلس في السيارة يشعل لفافة عادية ليحارب الصداع في رأسه بعد ساعات وساعات من العمل الشاق :
" أنت يا زفت، خد البنت دي معاك اديها تليفونها، أنا هاخد تاكسي واروح بيه "
هز محمود رأسه دون اهتمام :
" ماشي متنساش الخطوبة بليل "
" لا هنساها، متقربش من بيتي لاني مش هروح معاك في حتة "
أشار بيده لإحدى سيارات الأجرة حتى تقله للمنزل وقد بدأت الشمس بالمغيب، ثم تحرك نحوها بتعب يحاول العودة باسرع وقت للاستحمام، لكن وقبل أن يخطو للسيارة وجد من يجذبه من ذراعه بقوة للخلف حتى أن كُم قميصه خرج في يده .
ولم يكن ذلك الشخص سوى رانيا التي جُنّ جنونها وهي تراه يتجاهلها ويتحدث عنها كما لو كانت تتسول منه صدقة، وعند هذه الفكرة لم تقاوم شيطانها وهي تركض له جاذبة ثيابه لمنعه من الرحيل، وما لم تحسب له حساب هو خروج جزء من قميصه بين يديها .
نظرت رانيا لما في يديها وهي تقوس فمها بدهشة وعيناها متسعة بشكل مثير للضحك، في اللحظة التي استدار لها صالح ببطء وتحفز وبمجرد أن أبصر ثيابه بين يديها حتى تلبسته شياطينه وهو يتحرك صوبها وهو يصرخ :
" اه يا بنت الـ "
صرخت رانيا برعب تتراجع للخلف تبحث لها عن مخرج ولم تجد سوى سيارة محمود الذي كان في عالمه الخاص، لتصعد لها وهي تصرخ به أن يتحرك، وقد كان أدار محمود سيارته دون فهم شيء، لكن قبل أن يتحرك قفز صالح بجسده في السيارة وهو يصرخ بجنون :
" أنا حاولت ابعدك عن شياطيني، لكن أنتِ اللي مصرة تخرجيهم، والله لاشرحك "
أنهى حديثه يخرج مديته من جيبه لتشهق رانيا بصوت مرتفع وهي تهبط أسفل المقعد المجاور لمحمود تصرخ باكية مما يحدث، وصالح كان فقط يهدد كابحًا وبصعوبة لجام ذلك الكائن البدائي الذي يدعوه لحمل جسدها والقاؤه خارج السيارة ثم يمر عليها ذهابًا وايابًا .
مد بجسده للامام يحاول سحبها للخارج من أسفل المقعد وهو يصرخ بها بغضب، بينما محمود كان يدرك أنه مهما بلغت عشوائية رفيقه وبطشه فلن يمس امرأة بالسوء، لذلك كل ما فعله هو أن أشار لرانيا أن تتنحى جانبًا قليلًا، ثم قام بتشغيل الراديو ليصدح في السيارة اغنية اندمج هو معها وهو يقود ببسمة يحرك أصابعه على المقود باستمتاع، ويردد مع الأغنية بسعادة :
" شو كانت حلوة الليالي ....والهوا يبقى ناطرنا، ...وتيجي تلاقيني وياخدنا بعيد ...هدير المي والليالي "
وعلى الجانب الآخر كانت رانيا قد استقرت أسفل المقعد تأبى الخروج رغم كل تهديدات صالح لها ويبدو أن الجلسة في الاسفل قد نالت اعجابها وهي تعانده بالخروج بكل قوة، وهو يخفي مديته وقد حقق رغبته في اخافتها منه، وصوت محمود جوارهما قد بدأ يعلو تزامنًا مع ارتفاع وتيرة الأغنية :
" اااه يا سهر الليالي ...ااااه يا حلوة على بالي، غني...اااه"
_______________________
تتراقص في بهو القصر، تقفز هنا وهناك وكأن اليوم زفافها، حسنًا حتى زفافها لم تتراقص به كمان تفعل الأن، أغمضت ميمو عينيها تتذكر المرة الأخيرة التي تراقصت بها وقد كانت في زفاف ميرفت ابنة عمها والتي زُفت لرجل يبلغ ضعف عمرها حينما كانت في السادسة عشر من عمرها .
ميرفت تلك البريئة الساذجة التي لم تكن تستحق كل ما نالته في حياتها، لم تكن تستحق كل ما حدث ...
صوت الاغاني يصم أذنها ترى ابنة عمها الحبيبة والتي تكبرها بعام واحد ترقص من قلبها بسعادة، سعادة فتاة وعدوها بحياة مثالية مليئة بالسفر والمتعة والراحة .
وقد كانت ميمو في تلك اللحظة سعيدة لسعادة ابنة عمها، تراها تتراقص مع فتيات الحي بعدما تزينت لزوجها والذي يبلغ من العمر ٣٣ عام، رجل يعمل مع والدها في نفس الشركة وقد رأى ميرفت مرة حينما كانت مع والدها وأعجب بها وأحبها على الفور ومن ثم طلبها لتصبح زوجته وحبيبته للباقي من عمرها، او هكذا اخبروها هم ...
" ميمو "
التفت ميمو على صوت نداء خلفها لتجد والدتها تشير لها بالاقتراب، نظرت صوب ميرفت التي كانت تتراقص مع اختها الصغيرة ثم ركضت صوب والدتها تقول ببسمة :
" نعم يا ماما "
قالت والدتها بحب :
" أنا هرجع البيت دلوقتي عشان تعبت من الوقفة وأنتِ خلصي وهتلاقي مازن ونادر برة مستنيينك تروحي معاهم"
التوى فمها بغيظ فهي بوجود شقيقها لن تهنأ بشيء، فهم مزعجين وكل دقيقة سيأتون لاخبارها ( ألم تكتفي ؟؟؟ لنعد للمنزل...لقد تعبنا )، لم تتحدث ميمو بكلمة لوالدتها حول تذمرها وهي تهز رأسها:
" ماشي يا ماما روحي انتِ وانا هستنى لما اشوف العروسة بتتزف "
كانت تتحدث ببسمة ولم تعرف لِم أصبحت ملامح امها مقتضبة غاضبة :
" ماشي، خلصي المهزلة دي وحصليني "
ولم تدرك ميمو عن أي"مهزلة" تتحدث والدتها، ولم ترهق عقلها بالتفكير، بل عادت بكل بساطة صوب العروس وهي تطلق زغاريد عالية سعيدة لأجل سعادة مرفت، حتى شعرت وبعد دقائق أن هناك نظرات تحرقها، هناك من ينظر لها وهي تشعر بذلك .
استدارت بسرعة كبيرة صوب الخلف لتجده، هو ذاته نفس الرجل الذي كان ضيفًا لدى عمها منذ اسابيع، لم تره منذ ذلك اليوم، وقد حمدت ربها للأمر فهو يبعث لها مشاعر مخيفة تجعل صدرها يضيق خوفًا من نظراته .
ابتلعت ريقها وهي تحاول الابتعاد عن مرمى بصره، لكن عين جاد لم تتوقف عن التحديق بها حتى وجدت فجأة أحدهم يجذبها بعيدًا ولم يكن ذلك الاحدهم سوى مازن شقيقها الأكبر والذي يبلغ من العمر التاسعة عشر يردد بغضب جحيمي :
" مين الراجل ده اللي قاعد يبص عليكِ كده ؟؟"
نظرت له ميمو بوجه شاحب لم تفهم ما به :
" أنا...معرفش يا مازن هو اللي ..."
قاطع حديهم اقتراب نادر منهما وهو يردد بنعاس :
" ايه يا ميمو مش يلا، عايز انام عندي بكرة شغل في الورشة "
تحركت عين ميمو لوجه نادر والذي كان شقيقها الأصغر بينما كانت هي الوسطى، هذا بالإضافة لشقيقتها الرضيعة التي لم تكد تبلغ العام حتى .
" بس لسه العروسة ممشيتش "
نظر مازن بشر صوب جاد الذي حدجه بسخرية وهو يقول :
" واحنا مالنا بالعروسة هنروح معاها ؟؟ بقولك اتحركي أنا خلاص تعبت "
وحدث كما توقعت، أفسد إخوتها سهرتها، واضطرت لترك الزفاف قبل حتى أن تراها تُزف لمنزلها، وتحركت معهما بعدما اعتذرت لميرفت وزوجة عمها مع وعد بالذهاب معهم للعروس في صبيحة يوم زفافها لرؤيتها .
وخرجت ميمو غاضبة حانقة من مازن، الذي كان كالشوكة في خاصرها، لكن وبعد مرور عشر سنوات تتمنى لو تقبل قدم أخيها لأنه جعلها ترجع ذلك اليوم حتى لا تشهد بنفسها ميرفت وهي تُساق لمذبحها، فباليوم التالي وبدل أن يذهبوا لمباركة العروسة، عادوا بها محمولة على الأكتاف.
قُتلت ميرفت يوم زفافها، ودُق معها اول مسمار في سعادتها وحياتها الهانئة، ولم يكن موت ميرفت، سوى بداية جحيم لميمو .
انتفضت ميمو من ذكرياتها البعيدة على صوت رنين هاتفها، ابتلعت ريقها تتحرك صوبه وفي نيتها تجاهله، لكن رؤيتها لاسم صلاح جعلها تغير رأيها وهي تجيب دون تفكير ودون حتى أن تتمالك نفسها :
" الو"
تعجب صلاح من الجهة الأخرى لنبرتها التي يستمعها للمرة الأولى، قد كانت نبرة باكية وكأنها بكت لساعات أو نبرة ذبيحة ..
" الو يا ميمو شوفتي الاخبار "
ابتسمت ميمو بسمة واهنة وكأنه يقف أمامها :
" أيوة شوفتها وكنت بحتفل من شوية وانا بتخيل وش سعيد و......"
وتوقف صوت ميمو فجأة ليثير الشك في نفس صلاح الذي ابعد الهاتف يتأكد أن المكالمة ما تزال جارية، ثم وضعه مجددًا يردد بتعجب :
" ميمو في حا..."
وقبل أن يكمل كلمته سمع صوت اصطدام قوي تبعه صوت سعيد الذي وصل له واضحًا، غاضبًا كالجحيم وهو يهمس بفحيح يخلع حزام بنطاله وعينه تنبأ ميمو بالقادم:
" وليه تتخيلي وش سعيد يا مرات ابويا لما ممكن اوريه ليكِ مباشر ........."
____________________
ومن ثم ؟!
ألم يرددوا طوال الوقت أن الانتقام وجبة تؤكل باردو ؟! حسنًا وهم سيتناولونها مثلجة....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل
فوت قبل القراءة لتشجيع الكاتبة المسكينة ....
ويكتبُ الله خيرًا أنت تجهلهُ
وظاهرُ الأمرِ حرمانٌ من النِّعمِ
ولو علمتَ مراد الله من عِوضٍ
لقُلت حمدًا إلهي واسعَ الكرمِ
فسلّم الأمر للرّحمنِ وارضَ بهِ
هو البصيرُ بحالِ العبد من ألمِ
#لقائلها
صلوا على نبي الرحمة....
_______________________
كانت عين ميمو متعلقة بيد سعيد الذي نزع حزام بنطاله وفي عينه نظرات مخيفة، هي من فعلت ذلك، لا يمكن أن يصل أحدهم لأمر غاية الخطورة كهذا إلا تلك الحية السامة التي يحتفظ بها في منزله .
وكما توقع لم ير نظرة رعب واحدة ساكنة في حدقتيها، بل رأى سواد وخواء وكأنه بفعلته تلك ضغط دون أن ينتبه على ذكرى بعيدة في عقلها، ولحسن حظه أنها سُحبت لتلك الهوة، ليرفع يده بالحزام ساقطًا به أعلى جسدها مباغتًا إياها بضربة موجعة، مما تسبب في خروج صرخة عالية من فم ميمو .
هنا وابتسم سعيد أكثر فصرختها تلك كانت أكثر مما يحلم به، رفع يده ليهبط بالثانية فوق جسدها وهو يصرخ :
" حتة حشرة ابويا جابها من الشوراع زيك تتحداني ؟! تتحداني أنا سعيد الاشموني اللي مفيش راجل قدر يقف قدامي يا زبالة ؟!"
وقبل أن يهبط بالثالثة أعلى جسدها كانت ميمو تتدارك نفسها وهي تهب ممسكة بالحزام بين أصابعها مانعة الحزام من لمس جسدها وهي تقول بشر :
" الحشرة دي ابوك كان بيريل عليها زي الكلب اللي بيدور على عضمه، مع كامل اعتذاري للكلاب "
أنهت حديثها تجذب الحزام من يده تحركه في الهواء بشكل عنيف قبل أن تسقط فوق جسده بضربة أعنف من ضرباته جعلته يطلق صرخة عالية ليس ألمًا، بل ذهولًا، تراجع للخلف وقد استغلت هي عدم استيعابه قوتها، التي نبعت من عينيها وباغتته بالضربة الثانية وصوتها خرج يُقطّر سوادًا :
" الحشرة دي هي نفسها اللي هتكون نهايتك على أيدها زي ما كانت نهاية ابوك "
ومجددًا هبطت بضربتها الثالثة اقوى واقوى وهي تصدمه بحديثها :
" الحشرة دي هي اللي هتوريك جحيم الدنيا قبل ما تشوف جحيم الآخرة يا ابن جاد "
كان سعيد في تلك اللحظة لا يشعر بشيء سوى الصدمة، ما الذي تعنيه بالتخلص من والده ؟! والده الذي مات ميتة طبيعية.
نظر لها يحاول ايجاد الحقيقة بين نظراتها لتصدمه هي بضربة رابعة مستغلة أنه لا يعي شيئًا حوله، فسعيد في حالته الطبيعية كان ليحطمها بكل سهولة، ضربته ضعف ما ضربها، ومن ثم القت ميمو الحزام ارضًا وهي تلملم خصلات شعرها بهدوء شديد متجاهلة الألم الذي ينبض في جسدها موضع الضربات، وكأنها لم تفعل شيئًا منذ ثواني :
" خليك عاقل كده يا سعودي وبلاش تخليني ازعل منك عشان المرة الجاية مش هكتفي بأربع جلدات"
وقبل حتى أن تنطق كلمة إضافية وجدت سعيد يدفعها بقوة كادت تُحطم عظامها للجدار متجاهلًا تلك اللسعات التي تصيب جسده جراء ضرباتها، امسك رقبتها وكأنه على وشك خنقها حتى تلفظ أنفاسها بين أصابعه :
" لا عاش ولا كان يا بنت الـ....اللي يتحداني، ولا عاش ولا كان اللي يمد أيده عليا، سامعة ؟؟ سامعة يا ...يا مرات ابويا ؟؟"
اشتعلت عين ميمو وهي تشعر بارتجاف جسدها وقد بدأت أنفاسها تتقلص داخل صدرها بسبب ضغطه على رقبتها، تتذكر أمر مشابه وصوت جاد يصرخ في أذنها كالرعد :
" أنتِ هنا عشان مزاجي يا بنت الـ... اهلك اللي رموكِ ليا مقابل قرشين مش هيشفعوا ليكِ ولا هيدافعوا عنك، لأنهم ما صدقوا خلصوا منك، جو التمرد والعصيان ده تنسيه، مش انا اللي احايل، اللي مش باخده برضى باخده غصب، سامعة يا زبالة؟؟"
وقتها لم تملك ميمو ردًا سوى الصراخ والبكاء وهي تردد بخزي أنها ستفعل ما يريد، بل وترجته مقبله قدمه أن يتركها ..
هل كُتب عليها الذل على أيدي رجال الاشموني، اولًا جاد ومن ثم بذرته الفاسدة، عند هذه الخاطرة انتفضت تضربه بقدمه أسفل معدته وهي تصرخ :
" ابعـــــد عنــــي، مش طايقة لمستك "
ابتسم سعيد محاولًا كبت صرخاته من تلك الضربة التي أصابته في مقتل، يعض شفتيه كاتمًا آهة كادت تغدر به وهو يهمس بفحيح :
" كل اللي عمليته في حياتك في كفة، وأنك ترفعي ايدك عليا في كفة تانية، يا ويلك مني "
أنهى حديثه وهو يترك رقبتها بعد تركت أصابعه أثرها عليها وقد حال وجهها لللون الازرق، رمقها بازدراء قبل أن تمتد قدمه ضاربة إياها في معدتها بقوة جعلت تطلق شهقة عنيفة وهي تتقوقع على نفسها في ضعف ووجع .
تحرك سعيد للخارج في الوقت الذي أبصر به مختار يركض حتى توقف أمام الباب برعب يراقب ما حدث، وصل لتوه ليرى سعيد يضربها في معدتها بقوة، ولم يصدر منه ردة فعل حينما ازاحه سعيد للجانب وخرج من المكان بأكمله ساخطًا يحاول تحمل الألم في جسده .
بينما ميمو مسطحة ارضًا تحارب وجعها، وهي تنهض مستندة للجدار، ثم أمسكت شيء من الأرض وتحركت خارج الغرفة بضعف شديد، تهبط السلالم بصعوبة ومختار ما يزال يقف في مكانه لا يصدق أنه تأخر كل ذلك .
على الجانب الآخر كان صلاح يقود سيارته بجنون و قد انقطعت المكالمة حينما سمع جملة سعيد الاولى لميمو، ليجعل الشياطين تتراقص أمامه ...
" لو لمست شعره منها هوريك الجحيم يا سعيد ..."
توقف بالسيارة أمام منزل الاشموني ليهبط من السيارة بهلع، وما كاد يعبر حدود المنزل حتى وجد سعيد يخرج وكأن الشياطين في أثره وقد كان وجهه داميًا وبشدة، ورأسه نازفة، يسير بعرج خفيف صوب سيارته .
تعجب صلاح الأمر وهو يخرج هاتفه ليتصل مجددًا بميمو وقد شعر لثواني أنه كان من المفترض أن يخشى على سعيد من تلك المرأة المرعبة وليس العكس:
" هو مين اللي كان بيضرب مين ؟؟ "
في تلك اللحظة كانت ميمو في بهو المنزل تمسك بين يديها بقايا مزهرية بعدما حطمتها على رأس سعيد قبل خروجه مباشرة لتصيب رأسه بجروح، وهي تنظر له بشر أن يرد ضربتها ....
وكاد سعيد يفعلها لولا رؤيته لسلاح مختار الذي رُفع في وجهه من الخلف، هو يعلم أن ذلك الابكم، لم يخطأ هدفًا من قبل، بصق ارضًا يرمقهما بنظرة متوعدة تحمل لهما خطرًا لن يتمكنا من صده :
" تمام يا ميمو ...تمام "
ومن ثم غادر وها هي تقف في منتصف بهو المنزل تحمل المزهرية التي تقطر دماءه ارضًا .
مسحت الدماء التي هبطت من أنفها بسبب ضربته الأخيرة وهي تبتسم بسمة متسعة :
" براحة وأنت سايق يا سعودي وابقى خد حبة الضغط يا غالي، لاحسن اللي جاي كله سواد يابن الاشموني ..."
ألقت المزهرية ارضًا، صعدت الدرج ببطء، ليست هي من تصمت بعد ضربه لها، فهي تعهدت ألا تسمح لأحدهم بضربها مرة إلا وردتها عشرة، ولهذا تعلمت كل ما طالت يدها من فنون قتالية و دفاعية لكن يبدو أنها ما تزال تحتاج للمزيد......
وحين صعودها أبصرت وجه مختار الذي كان يتوسط الدرج ينظر لها بجمود، لتربت على كتفه وهي تقول بغمزة :
" ولا يهمك يا ميخو، أنا كمان مسبتش حقي "
نظر لها مختار نظرة غامضة لتبتسم له وهي تقول :
" ماشي بس متتقلش، ده راجل عنده مشاغل برضو وميصحش يروح متدشدش كده، الناس تاكل وشه، بعدين ده مهما كان في مقام ابني وميهونش عليا اشوفه واخد اكتر من عشرين غرزة "
واخيرًا ابتسم مختار بسمة جانبية يراها تصعد الدرج بينما هو تحرك خارج المنزل بصمت ليبصر أثناء خروجه صلاح الذي كان يتحدث بالهاتف ...
وعند صلاح بمجرد أن سمع صوتها هتف بجدية وهو يفكر فيما حدث داخل ذلك المنزل، هل سعيد ضربها ام هي من حطمت عظامه، لذلك لم يستطع سوى القول :
" ميمو هو سعيد كويس ؟!"
______________________
كان يقف أمام البناية التي يسكن بها رفقة أصدقاءه بعدما تأكد أن المنزل فارغ ليترك به تسبيح تنال قسطًا من الراحة، حتى يحصل لها على مكان آمن في المنزل .
لكن ها هي آماله خابت بعدما رفض صاحب البناية تأجير منزل اضافي مؤكدًا عليه أنه لا يحب تأجير الشقق هنا لأنها ملك ابنائه وأبناء إخوته .
" يا رائد يابني أنت عارف إني اساسا مش بأجر البيت، ولولا صداقتي مع ابوك أنا اساسا مكنتش أجرت الشقة اللي انتم فيها دي "
مسح رائد وجهه يحاول أن يفكر في شيء آخر، لكن في هذه اللحظة لا يأمن على تركها في مكان آخر بينما جلال ذلك طليق ولذلك اتجه للخطة البديلة ..
ابتعد رائد عن صاحب البناية يرتكن للجدار وهو يجري اتصالًا هاتفيًا بوالده ...
وبمجرد أن فتح والده المكالمة حتى سارع رائد في الحديث :
" السلام عليكم يا حاج، معلش لو اتصلت بيك في وقت زي ده اكيد مشغول في أحوال القرية، لكن أنا ..."
قاطع حديثه المسترسل والده وهو يصرخ بصوته الجهوري والذي تبعه صوت تحطيم عالي :
" أنا قولت ميت مرة مش باكل بط، مش كل يوم اجي الاقي بط على الغدا، دي مبقتش عيشة دي يا سنية، ده احنا شوية وهنكاكي مش كده "
ومن ثم ظهر صوت والدته الحبيبة والتي هبت للدفاع عن بطها العزيز والذي في الحقيقة تقدره أكثر منه هو شخصيًا :
" يووه وده من امتى يا حاج، ما طول عمرك بتاكل البط وتقول تسلم ايدك يا ام رائد، ولا هو أي اعتراض عشان تتخانق على المسا ؟!"
تدخل رائد قبل احتدام الموقف فهو يعلم والديه يبحثان عن أي حجة لتعكير صفو منزلهم، وكأنهم يستمتعون بالشجار اليومي، فقد كان ذلك روتينًا سَعِد كثيرًا بالتخلص منه :
" يا حاج معلش خليك معايا الاول، عايزك في حاجة ضروري "
لكن لا وألف لا، ليس سليمان من يصمت أمام صرخات انثى ولو كانت تلك الأنثى هي اغلى انثى على قلبه والتي حارب لأجلها جيوشًا .
" أيوة يا سنية أي خناق على المسا وانا بتلكك ليكِ، وازيدك من الشعر بيت يا بنت فتح الله أنا اساسا مبحبش أكلك كله، ها ارتحتي في يومك اللي مش هيعدي ده ؟!"
صرخ رائد في الهاتف بصوت جهوري محاولًا ايقاف والده عن استفزاز غضب والدته والتي كلما حدّثها بكلمة لا تعجبها سارعت لحزم حقيبتها والركض صوب منزل خاله للبكاء والشكوى وقد يصل الأمر أن تصر على الطلاق.
حينما كان في القرية يتذكر كل يوم، كان والده يسحبه من تلابيبه ليذهب معه ويعيدان والدته للمنزل وهكذا حتى رحل هو للقاهرة :
" يابا ابوس ايدك امسك نفسك بلاش كلامك ده، امي لو رجعت بيت جدي، خالي حالف ما هيرجعها حتى لو غنيت غلطة وندمان عليها وانا مش هسافر من هنا للبلد عشان اصالحكم"
انتبه سليمان لولده الحانق :
" عايز ايه أنت كمان، متصل ليه ؟!"
" استغفر الله، يا حاج بقولك محتاج منك خدمة اتصل بصاحب البيت اللي انا فيه وأقنعه يأجر ليا الشقة اللي قصادنا عشان محتاجها في قضية "
رفع سليمان حاجبه يبتعد عن زوجته قدر الإمكان :
" نعم يا خويا ؟؟ قضية ايه دي اللي محتاج ليها شقة ؟؟ "
" قضية تخص الترقية يا حاج، مش أنت عايزني اترقى ؟! اقنع بقى الحاج صاحب البيت أنه يأجر ليا البيت لأني محتاجة عشان شاهدة بأمنها "
تعجب سليمان من حديث ابنه وهو يردد بتفكير :
" وهي شاهدة دي ملهاش أهل تروح عندهم يابني ؟؟ مالك أنت ومال النسوان ؟؟ بعدين ايه علاقتها بالترقية هي بنت اللواء ولا ايه ؟! "
تنفس رائد ثم بدأ يوضح له الأمور برُوية وهدوء شديد في اللحظة التي توقفت بها سيارة محمود امام البناية وصعد رفقة صالح لشقة الرجال والتي تجلس بها تسبيح في تلك اللحظة ....
قال سليمان بادراك :
" يعني لو جبت شقة للبنت دي هتترقي ؟؟"
" أيوة يا حاج، ومش بعيد يمسكوني الوزارة والعلم عند الله "
ابتسم سليمان يردد بتمني وحب :
" ماشي يابني روح أنت دلوقتي وانا هكلم عمك سيد اخليه يجبلك مفتاح الشقة، وابقى طمني عليكم "
" تسلم يا حاج، روح بقى اتغدى ومتزعلش ست الكل وكُل بط عشان خاطرها "
تذمر سليمان بحنق شديد وهو يرمق زوجته التي صعدت لغرفتهم يدرك أنها الآن تجمع ثيابها لترك المنزل له :
" أنا مش فاهم ايه حبها في البط ده، كل يوم بط، اقفل أما اشوفها زمانها خلصت لم هدومها "
اغلق رائد الهاتف يتنفس براحة شديد وقد أنجز الخطوة الاولى من المهمة، والآن فقط يذهب ويحضر بعض الطعام لتسبيح حتى يحصل على ذلك المنزل لأجلها .
لكن وأثناء تحركه تذكر رائد أنه لا يحمل اموالًا، تأفف وهو يصعد درجات المنزل بسرعة كبيرة وقبل أن يطرق باب منزله سمع صرخات من داخله لتتسع عينه بصدمة يخرج مفتاحه بسرعة كبيرة ....
_______________________
قبل ساعة ...
كان الشجار محتدم بين صالح ورانيا التي حاولت اخراج قدمها حتى تضربه في وجهه وصوت صرخاتها يعلو أكثر واكثر :
" والله لاوديك في داهية بقى أنا ترفع عليا مطوة، وكمان خطف انثى، وسرقة تليفون، ده انا هخليك تقضي باقي عمرك في السجن"
" انثى ؟؟ متخلنيش اغلط فيكِ وفي الانثى واخرسي"
وكأنه أمرها بالحديث حيث بدأت تصرخ وتسب وتولول احيانًا، وتلقيه بكل ما تطاله يدها ...
اشتعل غضب صالح أكثر وهو يلقي بجسده على المقعد الأمامي وفي نيته جذبها من شعرها دون وضع اعتبار لأي شيء فقد نجحت تلك المتشردة في استفزاز وقاحته :
" يابت اتقي شري اقسم بالله ماسك شياطيني عنك، اقولك ...اقفلي ام التسجيل ده و وقف العربية يا زفت، وقف العربية ونزلها هنا قبل ما اعمل حاجة وأندم عليها "
وفي ثواني كانت السيارة تتوقف بسرعة مخيفة جعلت رانيا تخشى نظرات صالح أكثر وأكثر وهي تحشر جسدها أسفل المقعد تولول كمن فقدت عزيزًا، وبمجرد شعورها بتوقف السيارة فتحت الباب المجاور لها وقفزت منها وهي تركض فزعة من صالح الذي هبط من السيارة يصرخ :
" والله لو لمحت وشك تاني لاوريكِ الويل يا متشردة انتِ، وتليفونك ده تنسيه أنا هبيعه قطع غيار "
توقفت رانيا على بُعد صغير من السيارة تحدق فيهما بشر وقد شعرت بالغضب يندفع لاوردتها كما الدماء ودون ثانية تفكير واحدة انحنت ارضًا تمسك إحدى الحجارات ومن فورها ألقته على رأس صالح ليصيب زجاج سيارة محمود بعدما انحنى .
أخرج محمود رأسه من النافذة يتحسس الكسر بحسرة صائحًا :
" طب وانا مالي، أنا مالي بيكم، اللهي تنكسر رقابيكم يا بُعده هتضيعوا المرتب على الصيانة، منكم لله "
صرخ صالح وهو يصعد للسيارة بغضب يضرب على مقدمة السيارة أمامه بجنون :
" اتحرك بام العربية دي وساويها بالاسفلت، ولا اقولك والله لانا اللي هنال شرف سفلتتها "
ومن فوره دفع جسد محمود جانبًا ليستقر هو خلف المقود ويتحرك بجنون صوب رانيا التي توقفت في منتصف الطريق كأنها لاتخشى أن تُدهس، ومجددًا حملت حجارة أخرى تلقيها على الزجاج الامامي محطمة إياه لاشلاء تزامنًا مع ارتفاع صرخات محمود :
" طب والعربية مالها، العربية مالها ؟؟؟"
ازدادت سرعة السيارة وصوت صالح خرج محتدًا وهو يخرج رأسه من السيارة :
" صبرك عليا والله لاوريكِ "
لكن فجأة شعر بمحمود يجذبه للداخل وهو يصيح فيه محركًا جسده بين يديه وكأنه يجبره على الاستماع له :
" متستفزهاش، أنت كل ما تستفزها بتكسر في عربيتي أنا"
نظر صوب الزجاج المحطم ليبدأ في رثاء نفسه :
" ابويا هيبيتني في الشارع، هتخلي الشخص الوحيد اللي طايقني في العيلة يديني بالجذمة "
أوقفت رانيا إحدى سيارات الأجرة وهي تلقي بنفسها فيها صارخة برعب :
" اطلع على اول قسم شرطة يقابلك بسرعة "
وبالفعل تحركت السيارة قبل أن يصل لها صالح الذي توقف بسيارة محمود في منتصف الطريق يصرخ بتحذير شديد اللهجة :
" طب يارب المح وشك في أي حتة، والله وقتها هنسى أنك بنت واعاملك زي أي كلب بيعصلج معايا "
أنهى حديثه يتحرك صوب مقعده تاركًا مقعد السائق لمحمود وهو يرغي ويزبد بغيظ وعيونه مشتعلة بغضب لم ير له محمود مثيل :
" اطلع يا زفت على البيت "
ضرب محمود مقود السيارة بهياج شديد :
" متتأمرش، متبقاش مكسرلي ام العربية أنت والمتشردة بتاعتك دي وتقعد تتأمر كأنها عربية ابوك "
صرخ صالح بالمقابل وكأنه حاز وسيلته لتنفيث غضبه :
" أنت تسكت خالص، كله بسبب معرفتك الهباب، لولا أنك اخدت تليفونها مكنتش شوفت خلقتها "
هز محمود رأسه يتحرك بالسيارة وهو يقول محاولًا الهدوء أثناء أشعاله إحدى اللفافات يستمد منها استرخاء وراحة :
" طب حاول متفكرنيش أنك قاعد جنبي عشان مش طايقك"
نظر له صالح بشر، ليقود سيارته بهدوء وصمت تجنبًا لثورانه، وبعد دقائق قليلة توقفت سيارة محمود امام منزل صالح وهبط الاثنان متوجهان صوب المنزل .
فتح صالح الباب ودخل وهو ما يزال يصرخ بحنق لا يصدق ما حدث له على يد تلك الفتاة، يتمنى لو تعود لثانية فقط، وقتها كان ليــ
وتوقفت أفكاره فجأة حينما رأى جسد يتشح بالسواد من أعلاه لاسفله يسير في الممر المؤدي للغرف، جسد غريب بالطبع ليس لرائد أو لصلاح .
في ذلك الوقت كان محمود قد تحرك صوب غرفة صالح، لكن قبل أن يتقدم خطوة جذبه الأخير بقوة جعلته يسقط بين أحضانه وهو يقول بفزع :
" ايه ؟؟ بتعمل ايه ؟! اوعك تفكر عشان أنا حشاش يبقى مش بـ "
أشار له صالح بالصمت وهو يحرك عينه صوب الممر الذي يتحرك فيه ذلك الخيال الاسود ظنًا أن محمود سيفهمه، لكن كل ما صدر من محمود هو نظرة غباء مرددًا وقد بدأت اللفافة التي استنشقها في السيارة تفعل به الافاعيل :
" هو صلاح انتقب ؟!"
ضربه صالح أعلى رأسه وهو يبعده عن طريقه، ثم مد جسده داخل المطبخ يحضر المكنسة يمسكها بشكل دفاعي متحركًا في الممر صوب ذلك الجسد الذي كان يوليه ظهره لينغزه بطرف المكنسة في ظهره :
" خطوة واحدة وهفرغ الطبنجة دي فيك "
نظر محمود صوب صالح ومن ثم إلى المكنسة :
" أيوة بس دي مكنسة "
وسريعًا ابعد صالح المكنسة عن ظهر ذلك اللص يضرب بها محمود في كتفه بغضب :
" يا اخي اخرس بقى .."
في تلك اللحظة والتي ابعد صالح المكنسة عن ظهر تسبيح شعرت بالخوف يتملك منها وهي تنظر حولها تبحث عن مفر وكل ما هداها له عقلها هو أن تركض لإحدى الغرف ووقع الاختيار على غرفة صلاح ...
ركض صالح بسرعة كبيرة يسبقها وهو يغلق باب غرفة أخيه ظنًا أنه أحد اللصوص الذين جاءوا لسرقة ملفاته، وقبل أن تنطق تسبيح بكلمة كانت عصا المكنسة تصطدم في معدتها بقوة شديدة مسقطة إياها ارضًا لتعلو صرخاتها ويفتح صالح عين بصدمة يستوعب أنها فتاة ..
اقترب منه محمود وهو يقول :
" اتصل بسرعة بصاحبك ده، قوله مسكنا الحرامي"
نظر له صالح بتشوش وهو يحاول التفكير ماذا قد تسرق فتاة من منزلهم، انتبه فيما بعد لتحرك الفتاة وهي تتراجع للخلف بخوف ليصرخ بها :
" اياكِ تتحركي خطوة واحدة، بتعملي ايه في البيت هنا ؟!"
نظرت لهم تسبيح من بين دموعها بعدم فهم، من هؤلاء وماذا يفعلون في منزل رائد، وعلى ذكر رائد انتفض جسدها حينما سمعت صرخة رائد باسمها :
" تسبيــــــح"
وسريعًا امسك محمود بالعصا من يد صالح الذي كان لا يفهم شيئًا وسارع بالقول في فخر غبي :
" كويس أنك جيت يا رائد، أنا عطلت الحرامية لغاية ما تيجي، اتصل بالبوكس وخلي العدالة تاخد مجراها "
نظر رائد لجسد تسبيح التي كانت تحاول الابتعاد عنهم مختبئة بهم، وقال بغضب :
" مين اللي وقعها كده ؟!"
وسريعًا هتف محمود بتكبر :
" أنا طبعًا اللي مسكتها وصالح كان واقف بيعيط في الركن اللي هو فيه هناك كده"
كان يتحدث وهو يستند بيده على المكنسة لينتزعها رائد في حركة سريعة غير متوقعة، فسقط محمود ارضًا ليهبط رائد بالمكنسة فوق ظهره في غيظ :
" أنت حيوان ؟! حد يضرب بنت ؟!"
ألقى المكنسة جانبًا وهو يجلس القرفصاء للاسفل جوار جسد تسبيح التي كانت تنتفض بشكل عنيف مما يدل على شهقاتها، ناداها بخوف :
" تسبيح...تسبيح متخافيش أنا هنا "
لكن تسبيح استمرت في البكاء برعب وشعور بالوحدة والضعف امتلكها، لكن صوت رائد استمر في النداء :
" تسبيح، أنا رائد"
ابتلع صالح ريقه يشعر بالقلق من شكل جسدها المنتفض لذلك قال بصوت معتذر فلم يسبق له بضرب امرأة حتى تلك المتشردة التي كان يهددها، ما كان ليرفع يده يومًا على امرأة وهذه ...لم يكتفي فقط بضربها، بل أسقطها ارضًا دون رحمة :
" أنا ...أنا مكنتش اعرف هي اللي ظهرت فجأة في البيت فكرتها راجل ولابس كده عشان يداري نفسه "
نظر له رائد بشر وهو يصرخ :
" راجل ايه وهيعمل ايه في البيت يا صالح ؟؟ دي شاهدة في قضية وفيه ناس عايزين يخلصوا منها "
ولم يجيبه صالح أو يرد له الصراخ كما هي عادته، بل صمت، هو ورغم كل تلك العشوائية التي يعيش بها، إلا أنه يعلم حدوده جيدًا، يعلم متى يثور ومتى يهدأ ..
راقب رائد وهو يتحدث للفتاة برقة :
" قومي معايا يا تسبيح، أنا آسف مكنتش اعرف إن حد هيرجع دلوقتي "
رفعت تسبيح وجهها له تردد بقهر :
" عايزة ارجع بيتي "
مسح رائد وجهه يردد بتعب :
" صدقيني مش هينفع، عامة أنا دبرت ليكِ مكان جنبي هنا وباذن الله ترتاحي فيه معايا، تعالي قومي يلا اوريكِ الشقة"
وبالفعل اختفت تسبيح مع رائد خارج الشقة، وصالح بنظر لهم بتعجب يحاول معرفة ما يكنه رفيقه لتلك الفتاة حتى يحضرها للمنزل ويبحث لها عن آخر لها .
اقترب منه محمود وهو يقول بهمس وكأنه يفكر مع صالح :
" بتفكر في اللي بفكر فيه ؟؟"
نظر له صالح بتساؤل يشعر أن محمود قرأ أفكاره هل شعر بتلك العلاقة بين رائد والفتاة، ليعلو صوت محمود باستنتاج :
" اكيد قريبك ده شريك للبنت ومستني ينيمكم عشان يتمم السرقة "
هز صالح رأسه وهو يتحرك صوب غرفته حتى يغتسل من هذا اليوم العجيب الذي لا نهاية له :
" دي غلطتي اني فكرتك هتتكلم كلام ناس عاقلين، مش أنت عندك فرح يا محمود، روح استحمى وسرح شعرك واتظبط كده وانزل من على دماغي "
" ياريت أنت تعمل اللي قولت عليه ده، عشان متعرنيش هناك، اساسا محدش طايقك، عايزك تشرفني قدام عيلتي "
أخرج صالح صوتًا ساخرًا :
" اشرفك ليه يا حبيبي ؟؟ كنت خطيبتك ؟! روح يا محمود، روح عشان أنا ثانية وهنسى عشرتنا وهفرغ فيك بهدلة اليوم كله ...."
___________________
كان يقود سيارته خلف سيارة سعيد بشكل جعل من الاخير يجهل تمامًا مصيره الأسود الذي يلحق به، وها هو مختار الذي لم تزر البسمة وجهه لسنوات، يبتسم مرة ثانية في اليوم نفسه وهو يضغط على ذراع الوقود يزيد من سرعته في اللحاق بسيارة الاخير مستغلًا مروره من ذلك الشارع المظلم ليتفنن في ضربه دون أن يرى وجهه ....
لكن وقبل أن يتحرك بسيارته ليقطع الطريق على سعيد، شعر بجسد ينقض عليه من الخلف وصوت حاد يصرخ به ..
ودون لحظة تفكير كانت السيارة تقف بقوة ادت لاندفاع الجسد الذي يقبع في الخلف ليتكوم أسفل المقعد الأمامي وتلتمع عين مختار بشر وهو يخرج سلاحه المرخص، لكن تراخت يده وكذلك ملامحه، رغم سواد نظراته وهو يرى نرمينا تنظر له ببسمة غبية وهي تشير :
" هاي "
هل لو قتلها الآن ستسامحه ميمو ؟؟ ربما تغضب منه وتصرخ عليه وتقاطعه سنوات، لكنه في النهاية سيظل ملتصقًا بها حتى تسامحه .
كانت هذه الأفكار تدور في رأس مختار وهو يضغط على سلاحه، ونرمينا تلك الغبية نهضت من أسفل المقعد تنفض ثيابها وهي تحرك يديها في الهواء ببسمة واسعة :
" الحمدلله قدر ولطف، كنت هخرج من الازاز واطير في الهوا و...."
صمتت فجأة حينما رأت ملامح مختار التي لم تكن جامدة كعادته، بل كانت غاضبة، تنحنحت وهي تعود بجسدها للخلف تحضر عبوة صغيرة وهي تمدها له بأعين بريئة :
" دي هدية صلح، رغم أنك أنت اللي خاصمتني و..."
ولم تكمل جملتها حتى رأته ينتزع العلبة منها ملقيًا إياها خارج السيارة تحت أعينها المقهورة وهي تفتح فمها :
" أنا جبتها بتحويشة الاسبوع كله "
نظرت له تبحث في عينه عن أي مشاعر، لتُصدم بالخواء كعادته، مدت يدها تمسح تلك الدمعة التي كادت تغادر جفونها :
" فهمت، أنت اساسا مش طايقني ومش حابب اني اكون هنا "
ولأول مرة يهز رأسه لها لتشهق وهي تعض على شفتيها قبل أن تنفجر في البكاء أمام عينه وهي تشكيه جفاءه :
" ليه كده يا مختار ؟؟ مش قولت هتبقى صاحبي ؟؟ قولتلك معنديش صحاب غيرك وأنت دلوقتي بتسيبني، وانا كل ما اصاحب حد بيأذيني "
رفعت عينها له تضربه أعلى صدره بقوة :
" حتى أنت بتأذيني و..."
فجأة توقفت عن الصراخ وهي تستشعر قوة ارتطام يدها بصدره الصلب لتضم يديها لجسدها قائلة بوجع :
" اه ... أنت لابس حديد ولا ايه ؟؟"
لم يعرها مختار اهتمام وهو ينحني صوبها يربط لها الحزام، ثم انطلق بالسيارة عائدًا للمنزل وهو يزيل من رأسه حاليًا فكرة الانتقام من سعيد، سيعود له ويريه الويل، لكن بعدما يتخلص من تلك المصيبة التي تستمر في الالتصاق به كما العلقة...
كل ذلك ونيرمينا جواره تقول بهدوء تحاول التمسك بأي صديق لها، رغم أن عهد الصداقة كان من طرفها هي فقط :
" أنا ممكن اسامحك عن تصرفاتك دي لو وعدتني أنك هتبطل تبقى بارد "
ولم ينظر لها حتى مختار لتقول ببسمة واسعة :
" خلاص صافي يا لبن، ودلوقتي خدنا لمطعم ناكل سوا "
توقفت سيارة مختار أمام المنزل لتحدق به نيرمينا التي استمرت في الابتسام :
" ماشي البيت مش وحش برضو، تعالى نعمل مكرونة بالفراخ سوا ؟؟"
هبط مختار من سيارته يتحرك صوبها ينتزعها من سيارته ممسكًا إياه من ثيابها يجرها للمنزل وهي لا تفهم سبب غضبه :
" طب نتطلب بيتزا ؟؟"
ادخلها مختار للمنزل، ثم اغلق الباب بقوة عليها وهي ما تزال تنظر للباب من الداخل بصدمة وحزن :
" على فكرة بقى أنا استاهل اني بعبرك، خليك وحيد طول عمرك كده "
ابتسم مختار بوجع وهو يتحرك صوب السيارة مرة أخرى، لكن لمح فجأة جسد ميمو يقف جوار السور الخارجي للمنزل وامامها صلاح، ضيق عينه ثواني قبل أن يصعد السيارة، فكر ثواني قبل أن يختار العودة للمنزل لنيرمينا بعدما شعر بضميره يجلده .
وعند صلاح وميمو ...
بمجرد أن أبصر صلاح قدوم ميمو صوبه حتى اعتدل في وقفته ينظر لها جيدًا يتأكد من أنها بخير، لتفهم ميمو نظراته وترسم بسمة جانبية :
" لحقت اوحشك ؟؟"
تجاهل صلاح حديثه وهو يقترب منها على حين غرة حتى تراجعت هي للخلف وهي تقول بتحفز :
" ايه يا حبوب مش في الشارع كده يا اخي "
ابتعد عنها صلاح يرمقها بتعجب لما قالت، ما الذي فكرت فيه تلك الفاسدة هو كان بنيته رؤية وجهها عن قرب لمعرفة إن كان سعيد أصابها في مكانٍ ما، لكن يبدو أن ميمو ستظل ميمو ..
" مسكين سعيد أنا شوفت منظره وهو خارج قطع قلبي وكنت هروح اخده بالحضن اطبطب عليه "
ضحكت ميمو ضحكة عالية وهي تستند على السيارة جواره :
" عندك حق، سعودي الفترة دي مش عاجبني يا صلاح، بقى يا حبة عيني يمشي يخبط في كل حاجة ويعلي صوته على الكل، مقطع قلبي الولد ده من يوم موت أبوه"
هز صلاح رأسه يتنهد بحسرة مصطنعة وهو يرى ملامحها الخبيثة :
" معلش هي فترة وهتعدي، لو تحبي اتدخل واتكلم معاه يمكن اقدر اساعده أنا في الخدمة "
نظرت له ميمو ثواني ثم قالت :
" تفتكر ممكن يسمع ليك او يقابلك ؟؟"
غمز صلاح غمزة خبيثة وهو يحرك يده في خصلاته للخلف بشكل مثير مبرزًا وسامته لاعين ميمو :
" متقلقيش هخليه هو بنفسه يطلب يقابلني "
" اممممم، تمام بس يا ريت براحة عليه لاحسن معرفش مين اللي عصبه انهاردة خلاه عامل زي الطور الهايج "
هز صلاح رأسه وهو يحرك شفتيه في ازدراء :
" هما كده يا لذوذة محدش بيحب يشوف غيره مرتاح إلا ويخرب عليه حياته وينكد عليه، الله يسامحهم ويسعدهم اللي زعلوع كده "
وافقته ميمو الحديث وهي تقول متنهدة :
" عندك حق والله، وبمناسبة النكد، هبعتلك شوية معلومات كده تمسي بيهم على سعودي مين عارف يمكن يتهد ويريحنا من بلاويه "
نظر لها صلاح ليتضح له وجهها أسفل ضوء القمر والمصابيح المنتشرة في المكان، ابتلع ريقه يردد :
" كل ده في ميزان حسناتك والله، أنك شايلة واحد يتيم و مش ابنك وهمك طول الوقت على مصلحته، ده في ميزان حسناته"
أغمضت ميمو عينيها وهي تتحدث بتعب :
" اللهم امين يارب، اصل أنت متعرفش غلاوة سعودي عندي، ده في مقام ابني اللي مخلفتوش، هو وأبوه اللهي يجحمه معزتهم عندي فوق اوي "
ابتسم لها صلاح وهو يشرد في القمر أمامه :
" وانا اللي ظلمتك وفكرتك مرات اب شريرة، أنتِ طلعتي اطيب من مرات ابو سندريلا والله "
" وأنت طلعت في الحقيقة اطيب من جعفر اللي في علاء الدين "
انحنى صلاح قليلًا واضعًا يده اليمنى أعلى قلبه في حركة صامتة ممتنة لذلك الاطراء اللطيف منها :
" ربنا يديم علينا نعمة القلب الطيب والنفس السالكة Mademoiselle"
نظرت له ميمو وهي تبتسم بسمة جانبية خبيثة، جعلته يغمز لها بعبث لتطلق ضحكة مرتفعة شاركها بها صلاح وهو يصعد ليجلس على مقدمة سيارته جوارها بعدما احضر حقيبة طعام وشراب من السيارة :
" بصي ده اكل رائد وصالح، بس الحقيقة أنتِ اولى بيه منهم، أنتِ ست شقيانة عندك اولاد تاعبينك في تربيتهم "
نظرت ميمو للطعام الذي ارتص على السيارة بينها وبين صلاح، ثم رفعت عينها له لتتسع بسمتها :
" شكرًا أنا فعلا كنت جعانة، مش بتهنى على لقمة والله "
صمتت تراقب صلاح يشاركها الطعام بتلذذ وكأن طعمه تغير بوجودها، لتبتسم هي له وهي تقول بمزاح :
" اصلي بشيل اللقمة من بقي عشان خاطر سعودي "
أطلق صلاح ضحكاته عالية لتكسر صمت هذا الليل، وميمو تتحدث له بعبث وهو مستمر في الضحك، وهي تتناول الطعام بنهم وكأنه العشاء الاخير لها، وعيون الاثنين كانت تشع بمشاعر اعجاب مختفية بين أطنان من الخبث ....
تنفست ميمو بعمق وهي تنظر له :
" تفتكر ايه اللي جاي ؟؟"
اسودت عين صلاح بخبث مخيف وهو يرسم بسمة جانبية جعلتها تقول :
" بالضبط كده .."
_____________________
يحطم المكتب منذ نص ساعة، أي منذ وطئت قدمه ذلك المكتب، غضبه يزداد بمجرد مرور الهواء من جواره، رجاله يحدقون به بجهل، البعض يريد تهدئته، لكنه يجهل الطريق والبعض الآخر لا يفكر حتى في الأمر مرتعبًا من فكرة نزع رأسه أثناء ذلك .
كانت دماء سعيد تنتشر في كل مكان بعدما رفض تضميد رأسه، سيبقي ذلك الجرح لأطول وقت ممكن حتى يتذكر كل لسعة ألم شعر بها بعدما تجرأت تلك الحشرة على لمسه مستغلة صدمته من تصريحها .
قتلت أباه ؟؟ كيف بحق الله فعلت ؟؟ لقد مات ميتة طبيعية وهذا ما عمل على التأكد منه بمجرد معرفته بوفاة والده .
تنفس بعنف وقد أصبح المكان فوضويًا كحاله هو، ازرار قميصه الاسود مفتوحة، رابطة عنقه مرخية واكمامه مرفوعة لتبرز عضلات ذراعيه، وخصلات شعره الفحمية متناثرة بعشوائية، عيونه الخضراء تشع جحيمًا .
كان يمكنه قتلها، كان يمكنه دفنها مكانه، لكن ذلك القذر الذي يُسمى والده قيّده عن المساس بها لأجل وصية خرقاء، تلك الوصية التي تكبل يده مانعة إياه من التمادي معها، فشكوى واحدة منها ويخسر جميع ثرواته .
مسح وجهه وهو يشير لرجاله بالخروج من مكتبه ليتهاوى جسده ارضًا يستند على الجدار وهو يتنفس بعنف وفي عينه تلوح ذكرى بعيدة، ذكرة اليوم المشئوم الذي انبأهم والده أنه قد وجد عروس أخرى ليتزوجها بدلًا من والدته المريضة....
" أنت بتقول ايه يا جاد ؟! هتتجوز عليا بعد السنين دي كلها ؟! أنت اتجننت ؟!"
وبمجرد انتهاء جملتها كانت السيدة زينب تهوى ارضًا بعدما تلقت صفعة من زوجها الذي لم يقبل أن ترفع امرأة صوتها في وجهها وكل ذلك امام ابنه الشاب الذي بلغ العشرين من عمره وطفلته التي لم تكد تبلغ حتى التاسعة من عمرها .
ألقى سعيد حقيبته ارضًا يركض صوب والدته بجنون يساعدها في النهوض ليسمع صراخ جاد الذي هز أركان المنزل بأكمله :
" مش واحدة اللي تمشي كلامها عليا يا زينب سامعة؟؟ وزي ما جبتك من الشارع قبل كده ممكن ارميكِ وميهمنيش، واوعى تفتكري اني كبرت عشان اربيكِ، لا افتكري مين جاد الاشموني لو ناسية "
رفع سعيد عينه لوالده وقد كانت جميع أعصابه ترتجف بقوة، جسده بأكمله يرتجف مما يرى ويسمع، هو ذلك الشاب الذي ذاق الويل كؤوسًا على يد والده، لكنه لم يقنط ولم يبتأس بل صبر وظن أنه يحاول تقويمه، لكن هنا ويكفي .
اندفع جسد سعيد ينقض على والده جاذبًا إياه من تلابيبه يصرخ بشراسة مخيفة :
" أنت فاكر نفسك مين؟! ازاي تتجرأ تمد ايدك على امي يا حيوان ؟!"
فتحت زينب عينيها بفزع وهي ترى المواجهة بين ولدها وزوجها لتزحف ارضًا بتعب بعدما فقدت قدرتها على النهوض تمسك بقدم ابنها باكية :
" لا يا سعيد سيب ابوك، سيبه يا بني متعملش حاجة "
لكن ذلك الشاب والذي ما يزال في فوره جموحه أبى إلا أن يكسر عظام ذلك المتصابي الذي يظن نفسه فرعونًا متجبرًا .
في تلك اللحظة ولأول مرة يبصر سعيد خوفًا في عيون والده وارتجافًا في يديه، خوف جاد في تلك اللحظة غذّى شياطين سعيد وزاد من شره داخل قلبه، حاول جاد التمسك بآخر ذرات تجبره وهو يصرخ :
" أنت بترفع ايدك على ابوك يا كلب يا خسيس ؟! انا غلطان لأني مضربتكش من صغرك وقت ..."
هزه سعيد بقوة مهلكة وقد بدأ الجحيم يلتمع امامه، وشيطانه يزين له قتل والده :
" أنت فعلا غلطان لأنك مضربتنيش، يمكن وقتها كنت متْ في ايدك وخلصت من جحيمي ياجاد يا اشموني"
صرخت زينب وانتحبت وهي تمسك بقدم سعيد تترجاه وتتوسله حتى كادت تقبلها :
" ابوس ايدك يابني تسيب ابوك، بلاش تبقى زيه، اوعى تبقى زيه يا سعيد، سيب ابوك"
ارتجفت الدموع في عيون سعيد من كلمات والدته وترك والده بقوة حتى تهاوى جسده للخلف ولولا الجدار لكان سقط مذلولًا كما أذل والدته وقال :
" للاسف يا امي، جاد نجح يسيب شيطان من بعده يكمل طريقه، واول واحد هيتدمر بايد الشيطان هو جاد نفسه"
كل ذلك كان أسفل عيون نيرمينا التي من شدة خوفها تبولت في ثيابها وهي تختبئ خلف الجدار باهتة الوجه باكية .
استدار سعيد وساعد والدته في النهوض وهو ينظر لجاد بشر، معلنًا في تلك اللحظة ميلاد شيطان سيفوق شياطين جاد نفسه :
" روح اتجوز الزبالة اللي عايز تتجوزها بعيد عننا، لكن حسك عينك تقرب لامي وإلا اقسم بالله لاقتلك بايدي يا جاد، سامع ؟؟ هقتلك بايدي ..."
ولم يفعل، القدر أنقذه من بين أنيابه ومات ميتة ظنها طبيعية حتى سمع حديث ميمو، هل يسعد أنها خلصته من ذلك الفرعون المتجبر، أم يحزن لأنها هي من نالت شرف التخلص من جاد بكل شروره ...
مسح سعيد دمعه كادت تفر من عيونه وهو ينهض يسير بتعب في مكتبه المحطم، وفي تلك اللحظة لم يرد شيء بمقدار رغبته في ضم نيرمينا لاحضانه، الشيء النقي الوحيد الذي نجى من جاد الاشموني.
استطاع جاد تلويثه منذ طفولته وهو من كانت أكبر طموحاته أن يحقق أحلام والدته، وكذلك فعل بتلك المراهقة البلهاء ميمو لتضحى افعى تبث سمها في كل من يقترب منها، فقط نيرمينا من كانت محظوظة بالقدر الكافي لتفلت من جاد، وهو سيعمل على أن تبقى هكذا ....
______________________
وطأ صالح باقدامه داخل حديقة منزل عائلة محمود، حيث كان الجميع يتراقص ويغني ويصرخ فرحة احتفالًا بخطبة إحدى فتيات العائلة، تنفس صالح بملل وهو ينظر جواره لمحمود الذي كان لا يقل مللًا عنه .
وبمجرد دخولهما زفر محمود بغيظ وهو يكاد يخلع سترته هاتفًا بحنق :
" ياربي على القرف اللي انا فيه "
ولم يكد صالح يستفسر عن سبب ما يفعل حتى تفاجئ بشاب يركض صوبهما وهو يقول ببسمة سمجة مستفزة :
" حودة ابو دماغ عالية، عاش من شافك يا رايق "
رمقه محمود وهو يلوي شفتيه بتقزز وكأنه يرى أكثر شيء مقرف في هذا العالم أمام عينيه، يرى وائل ابن عمه وشقيق العروس، يقترب منه يجذب رأسه أسفل ذراعه مفسدًا شعره :
" ايه يا بني الجسم ده ؟؟ ده أنت مش بتخطي الجيم وجسمك زي الفل، امال أنا بقعد بالساعات ومفيش ولا عضلة بتطلع بالغلط حتى "
نزع محمود نفسه من وائل بصعوبة وهو يقول بحنق يخفف من رابطة عنقه :
" ما هي العضلات طفشت من دمك السم "
رفع وائل حاجبه بعدما لم تلتقط أذنه ما قاله، لكن فجأة أبصر بطرف عينه صالح الذي كان يراقبهما بهدوء وبرود كعادته، ليبتسم بسمة واسعة وهو يفتح ذراعيه ليعانقه كما فعل مع محمود :
" صالح عاش من شافك يا معفن "
وقبل أن يلقي نفسه بين أحضان صالح، كانت يد صالح تقف حائلًا بينهما وهو يقول بغيظ :
" معلش يا وائل الدكتور مانعني من الاحضان والبوس اصل بعيد عنك عندي مرض جلدي خطير "
وفجأة انتفض جسد وائل للخلف وهو ينفض يديه بقوة خوفًا أن يصيبه ذلك المرض قبل أن يسمع صوت والده يستدعيه، ليضرب كتف محمود بقبضته :
" هروح اشوف الحاج عايز وراجعلك تاني يا ابو دماغ عالية"
فرك محمود كتفه وملاح الغيظ واضحه على وجهه وهو يبصق في الهواء بعدما رحل وائل :
" يا اخي تروح ما ترجع هي ناقصة قرف "
نظر له صالح بغضب وكأنه يلومه على وجوده في هذا المكان ووسط عائلته، ليصيح محمود بملل :
" متبصليش كده، أنا زيي زيك جاي مجبور هنا"
" أيوة بس دي عيلتك، أنا مالي ومال عيلتك اجي مكان محدش طايقني فيه ليه ؟!"
تمتم محمود بصوت منخفض وهو يمسح وجهه بنزق :
" والله ولا أنا كمان حد طايقني هنا "
في تلك اللحظة أبصر الاثنان طوق نجاة يقترب منهم، ولم يكن سوى الدكتور ماجد_ والد محمود _ والذي ابتسم وهو يقترب منهما مرحبًا :
" اخيرًا جيتوا يا شباب ؟؟"
وبمجرد أن أصبح على مقربة منهم حتى همس بصوت منخفض لهما :
" كويس لقيت حد اقف معاه بدل ما كل العيلة مش طيقاني "
ضرب صالح كف بكف وهو لا يصدق ما يحدث أمامه :
" لا إله إلا الله يا جدعان، ما طالما محدش طايقكم في ام العيلة دي ما يتبروا منكم ويخلصوا ولا هو ذنب وبيكفروا عنه ولا ايه ؟؟"
نظر له محمود وهو يلوي شفتيه وقد نالت تلك الفكرة استحسانه، بل وتمناها من اعماق قلبه، لكن فجأة انتفض في وقفته يختبأ خلف جسد والده متخفيًا عن أعين عمه الأكبر والذي تحرك صوبهما بمجرد أن رصد وصوله، حاول ماجد ابعاد ابنه عنه وهو يقول بحنق :
" يا عم اوعى من ورايا أنا مش ناقص لسه بدني مسموم منه "
فتح صالح عينه وهو ينظر لذلك الرجل الذي كان هو نفسه اللواء الذي قابله في مكتبه رائد، ما الذي يفعله هذا الرجل بهما ليسبب لهما مقتًا كهذا .
وبمجرد أن توقف الرجل أمامها حتى أدرك صالح سبب خوفهما منه، حيث بدأ ينظر له من أعلى لاسفل يقيمه بأعين متفحصة ثم قال باشمئزاز :
" ايه القرف اللي انت لابسة ده ؟؟"
نظر صالح لثيابه نظرة سريعة فقد كان يرتدي قميص اسود وبنطال اسود من خامة الجينز، رفع عينه للرجل وهو يقول بتفكه :
" بنطلون وقميص، لبس عادي"
انتفخت اوداج ذلك العجوز وهو يهب في وجه صالح صارخًا :
" أنت مسمي القرف ده لبس يليق على مناسبة راقية زي دي ؟! هتوقع منك ايه ما أنت صاحب الاستاذ محمود "
التوى ثغر صالح بشكل مضحك قبل أن يقول ملوحًا بيده في وجه عم محمود الأكبر :
" جرا ايه يا جدو ما تبلع ريقك كده، وبراحة على نفسك، اللبس اللي مش عاجبك ده ماركة على فكرة "
اتسعت عين الرجل وهو ينظر له من أعلى لاسفل، ثم استدار كالرصاصة لمحمود الذي هز رأسه برعب وهو يقول :
" أنا مالي هو اللي اتكلم مش انا "
أشار الرجل صوب صالح دون أن يمن عليه بنظرة واحدة وهو يصرخ في وجه ماجد ومحمود :
" عاجبكم مجايبكم ؟! الاشكال دي ازاي تدخل بيت عيلتنا، يعني مش كفاية أنه مش ملتزم بلبس راقي، لا وكمان متبجح "
تحدث صالح وهو يرفع إصبعه أمام وجهه محذرًا ذلك الرجل :
" لا بقولك ايه انا ابويا نفسه عمره ما علق على لبسي رغم أنه شافني باسوء من كده، فمتجيش أنت وتتكلم كلمة واحدة على الطقم الشياكة ده، عايز تهزق محمود براحتك إن شاء الله تولعوا أنتم الجوز، لكن تيجي عليا هنسى اني لابس طقم شيك واقلبلك بيت عيلتك ده خرابة "
أحمر وجه الرجل بشدة حتى كاد ينفجر وماجد يتراجع للخلف وهو يدفع محمود عنه، يحاول أن يُهدأ أخاه الاكبر والذي يكبر بخمسة عشر عامًا، حيث كان هو الأصغر من بين اشقاءه، فـ رأفت ( اللواء ) هو الأكبر يليه حسان والد وائل والعروس، ومن ثم هو ...الغلطة التي أتت لعائلنه نابذًا تاريخ عائلته السيادي في الدولة مفضلًا أن يعمل عالمًا للنباتات ومن ثم اكتملت غلطة ماجد بابنه الوحيد الذي حاذ خطوات والده وتخصص بالتشريح.
قال ماجد يحاول أن يهدأ من غضب أخيه :
" هو ميقصدش يا رأفت، هو بس طايش ومتسرع، مش كده يا صالح ؟؟"
نظر رأفت لصالح وكأنه يسأله بعينه إن كان محقًا ام لا، لكن ملامح الاعتراض على وجه صالح جعلت محمود يجذبه بعيدًا عن ذلك البركان النشط وهو يقول :
" تعالى يا صالح يا حبيبي نبارك للعرسان "
وبالفعل انصرف الاثنان من أمام أعين رأفت المشتعلة والذي كان شخصًا لا يرضيه شيء سوى الكمال، هكذا كان وهكذا سيكون ...
وأثناء تقدم صالح ومحمود صوب مقاعد العروسين، انتبها لفتاة تسير الهوينة صوبهما، وحينما أصبحت على مقربة من صالح _ والذي راقبته منذ وطأ الخطبة _ ادعت حدوث التواء في قدمها وهي تولول بوجع :
" اه رجلي، مش قادرة رجلي بتوجعني اوي "
وإن كانت تظن أن مثل هذه الأمور قد يتوقف صالح لأجلها فهي مخطئة من نوابت شعرها وحتى أطراف قدميها، فقد سار صالح كما هو ولم يتوقف حتى لإلقاء نظرة ولو من باب الفضول .
فتحت الفتاة عينيها بصدمة وهي تنظر لظهره، يتحرك ناحية العروسين ثم جلس على طاولة وبدأ يتناول الطعام دون أن يعبأ بأحد.
حسنًا هي لن تضيع مجيئها لهنا عبثًا، ليس وذلك الوسيم صديق ابن عمها والذي يعلم معه طبيبًا، لتنشأ قصة حب من طرفها منذ سنة تقريبًا حينما قابلته صدفة مع محمود .
تحركت الفتاة صوب طاولة وبمجرد أن وصلت له حتى ادعت أنها تعرج وكانت على وشك السقوط وهي تصرخ بغية أن يمسكها أحدهم، لكن كل ما صدر من صالح هو أنه رفع قدمه عاليًا ليتيح لها مساحة أكبر للسقوط وهو يتناول الحلوى بتلذذ وعيونه على تلك الفتاة الغريبة .
نظر لمحمود والذي كان في هذه اللحظة يبحث عن وسيلة للهرب من هنا :
" محمود هي قريبتك دي متكسحة ؟! اصل كل شوية تقع، هي لسه بتتعلم المشي طيب ؟؟"
نظر محمود حيث ابنة عمه ليلوى شفتيه في تفكير :
" يا عم تلاقيه من الكعب اللي لبساه"
نهضت الفتاة وهي تقول بتأوه تجلس على المقعد المجاور لصالح :
" رجلي بتوجعني اوي مش قادرة ادوس عليها "
نظر لها صالح باهتمام لثواني قبل أن يقول دون اهتمام حقيقي :
" الف سلامة عليكِ، ابقي إدهني فولتارين وخدي واحد مالتي ريكلاس هتبقى زي الفل "
انتفض محمود فجأة وكأنه لم يكن معهما في ذلك العالم يردد بجدية :
" عرفت نعمل ايه عشان نمشي من هنا "
أولى له صالح كامل اهتمامه ليبتسم محمود وهو يقول بخبث :
" ننطرد زي الكلاب ..."
دقائق فقط وكان محمود يفتح بذلته وهو يحرك كتفه تزامنًا مع تلك الأغاني الشعبية التي أمر منظم الموسيقى بوضعها، وها هو يحرك خصره، يتحرك صوب المسرح الذي يتوسط المكان وما هي إلا لحظات حتى كان صالح يتقدم له بخطوات راقصة شعبية مستخدمًا يده .
صعد صالح على المسرح رفقة محمود وهو يضع يديه على كتف صديقه يقوم ببعض الرقصات الشعبية الثنائية ..
وها هي نتائج خطة محمود تظهر واضحة على وجه رأفت، والذي اشتعلت عينيه ينظر حوله صارخًا في الجميع :
" ايه القرف ده ؟! اقفلي يابني الاغاني المقرفة دي "
كل ذلك وصالح يضع كتفه بكتف صديقه وهو يميل معه للخلف، ثم يعودا للامام بتناغم مع الموسيقى...
أشار محمود لصالح وهو يردد مع الأغنية :
" صاحبي توب توب...ده الشقيق بحبه حب "
نظر رأفت حوله باحثًا عن ماجد ليأمره بإيقاف تلك المهزلة التي يفتعلها ابنه وضيفه، لكنه فتح عينه بصدمة وهو يرى ماجد يركض صوب ابنه وهو يحرك خصره بسعادة، يفتح سترته بأطراف أصابعه محركًا كتفه واقدامه بتناغم مع الموسيقى يقول بحماس :
" أيوة ...أيوة ..أيوة "
وها هو محمود بدأ يتقمص دور الكنغر يقفز لفوق وأسفل وصالح يطلق صفرات عالية وهو يصدر اصوات أشبه بأصوات الهنود الحمر يندم لأنه لم يحضر مديته لكان تراقص بها، وماجد يميل بجزء من جسده وهو يصفق بحماس شديد ..
تحرك ماجد صوب أخيه الأكبر يميل عليه بكتفه وكأنه يستفزه ليطردهم ..
وهكذا حصل فبعد دقائق فقط كان الثلاثة يُقذفون لخارج المنزل بالكامل، بعدما أمر رأفت أبناء العائلة بأخذهم دون إحداث ضجة لخارج المنزل ...
صافح محمود صالح وهو يقبله من الجانبين بشكر :
" حمدالله على السلامة يا حبيب اخوك "
ابتسم ماجد وهو يحرك كتفه على تلك الموسيقى التي ما تزال تصدر من الداخل :
" والله عيلة قفل، مش فاهم فيها ايه لو كانوا اتحزموا وطلعوا جنبنا "
ضحك محمود وهو يضم كتف والده :
" ايه اللي عملته جوا ده يا حاج، رايح تميل عليه وتستفزه زي الرقاصات، عايزة يعماك ايه ينقطك ؟!"
ضحك ماجد يعدل من هيئته وهو يفرد ذراعيه يتنفس نفس عميق :
" اخيرا هرجع للمعمل بتاعي، يلا يا شباب استأذنكم"
وبمجرد تحركه للسيارة ورحيله قال صالح :
" ابوك ده مش سهل "
ضرب محمود كفه بكف رفيقه وهو يضحك بصوت عالي معه، ثم تحرك الاثنان صوب السيارة بعدما انتهت السلة واخيرًا ومحمود يثق أن عائلته ستفكر مئات المرات قبل دعوته هو أو والده لأي مناسبة مجددًا، هما منبوذان على أية حال، لِم إذن يستمرون في ازعاجهما ....
___________________
تقف في منتصف المنزل الذي اشتراه لها ذلك الشرطي، ربما شفقة او مساعدة لا تدري، وفي هذه اللحظة هي ليست بقادرة على التفكير أو المناقشة ..
" عجبك؟؟"
استدارت تسبيح لرائد الذي كان ينتظر منها ردًا عله يرتاح، لا يدرك لماذا لكنه يشعر بالوجع لأجلها، يشفق عليها مما عانته، ابتلع ريقه يحاول أن يتحدث مجددًا ليجبرها على الرد :
" هو يمكن محتاج شوية تعديلات وتنضيف بس هو مبدئيا لطيف مش كده ؟؟"
هزت تسبيح رأسها، ثم رفعتها له وهي تقول بتردد :
" بالنسبة لبابا ؟؟"
" متقلقيش أنا هتولى كل شيء يخصه "
صمت وهي صمتت ولم تجد ما تقوله سوى :
" أنت بتعمل كل ده عشان عبدالعظيم ؟!"
فتح رائد عينه بصدمة، ويبدو أنه لوهله نسي أمر عبدالعظيم كليًا، نسي ما ذهب لاجله في المقام الأول، لكن لم يظهر ذلك وهو يحاول الإجابة بعملية :
" ممكن بس مش سبب اساسي "
ابتسمت من اسفل نقابها بسخرية لاذعة :
" متتعبش نفسك، لو بتعمل كده عشان عبدالعظيم مش هيرجع "
نظر لها بفضول ليرى كتفاها قد تهدلا وهي تتحرك بتعب صوب الأريكة التي تركت عليها حقيبتها وأخرجت هاتفها لتريه رسالة وصلت لها صباح اليوم عقب وفاة والدها والتي كان محتواها :
( حبيت بس قبل ما اختفي اقولك شكرا يا اختي، شكرا على اللي عملتيه، عمري ما هنسى اللي عملتيه فيا، حاولوا يقتلوني في السجن لكني رفضت اشرب السم اللي هربوه وقررت اني اهرب بمقابل طبعا، متستنيش اني ارجع تاني يا تسبيح، انسي إن ليكِ اخ "
ضغط رائد أصابعه على الهاتف وهو يهتف من بين أسنانه :
" غبي، غبي، لو كان تعاون مع البوليس كان أخد حكم مخفف وخرج بسرعة، بس كده دمر حياته "
انهارت تسبيح على الأريكة وهي تردد بوجع :
" مش هو اللي دمر حياته، أنا اللي دمرتها ودمرت حياتي كلها، فيها ايه لو كنت خرست زي الكل وحطيت راسي في الرمل، كان زمان بابا عايش دلوقتي وعبدالعظيم معايا، أنا واحدة غبية "
كانت تتحدث وهي تصرخ بصوت مرتفع وكأنها تود إيصال الكلمات لعقلها حتى يقتنع بها، فقد أبى قلبها تصديق ما تنطق به، مخبرًا إياها أنها اتبعت سبيل الحق وانقذت منازل كثيرة من أذية شبابهم بسبب ذلك السم .
بكت وارتفع صوت نحيبها لترى رائد جذب مقعد وجلس أمامها قائلًا :
" لو هتندمي على اللي عملتيه اسمحيلي اقولك أنك فعلا غبية، أنتِ مدمرتيش حياتك، هما اللي دمروا حياتك، كل كلب في البلد دي قِبل يكسب فلوس على حساب أرواح شباب وعائلات كتير بتدمر"
نظرت له وهي تترجاه بعينها أن يصدق قوله، أن يخبرها أنها لم تخطأ، يطمئن قلبها أنه احسن الفعل، وقد كان..
" اسمعي يا تسبيح، لو كل واحد عاش في الحياة دي ودفن رأسه في التراب زي ما بتقولي كده، كانت بقت غابة، احنا عايشين على الأرض عشان نتعبد ونعمل خير مش نفسد فيها، واللي كان بيحصل في الحارة عندكم ده لا يرضي ربنا ولا يرضي حد، والسكوت عنه بيسبب كوارث واكيد أنتِ شوفتي "
هزت رأسها تؤكد حديثه ليبتسم لها وهو يقول :
" يبقى متندميش على صح عمليته أبدًا، واستعوضي اللي حصل ليكِ عند ربنا، وبكرة الخير جايلك أنا واثق "
رفعت تسبيح عينها له ولم تستطع إلا أن تعطيه بسمة صغيرة لم تعبر حدود عينيها وهي تقول :
" خير باذن الله "
نهض رائد من مكانه يودعها بهدوء :
" طب استأذنك أنا لأني لازم ارجع البيت اشوف المصايب اللي عايش معاهم وبكرة باذن الله هبعتلك حد يساعدك في البيت، و....مرحبًا ليكِ في أكثر مكان هادي في أنحاء المعمورة "
تبع حديثه صوت تكسير مرتفع آتٍ من منزله الذي يقابل باب منزل تسبيح المفتوح ومن ثم صرخات صلاح الذي يوبخ صالح بالطبع ...
ابتسم رائد وقال :
" هتقضي فترة من أزهى فترات حياتك هنا، أؤكد ليكِ "
_________________________
في الصباح التالي ....
كانت تسير في ممرات المشفى التي يعمل بها ذلك الوقح وجوارها هاجر التي أصرت على القدوم معها لتمنع حدوث اي مشاكل بينهما .
نظرت رانيا حولها في الإرجاء بحثًا عن وجه صالح، فهي أقسمت أنها لن تغادر اليوم إلا بهاتفها ولو اضطرت للالتصاق به حتى إن وصل الأمر لقتلها..
خرجت من أفكارها أثناء سماعها اعتذار هاجر جوارها من فتاة تسير مسرعة في الممرات، وقبل أن ترحل الفتاة اوقفتها رانيا ممسكة بمرفقها :
" لحظة لو سمحتي "
توقفت سجدة وهي تنظر في ساعتها بشكل يوحي بانشغالها :
" أيوة اتفضلي "
ابتلعت رانيا ريقها تقول بتساؤل :
" اقدر الاقي فين صالح السقاري ؟؟"
رفعت سجدة وهي تنظر للفتاة من فوق لاسفل تردد بفضول وقد نست ما كانت تركض لأجله :
" صالح ؟؟ وأنتِ عايزة صالح ليه ؟ متأخذنيش بس إن بنت تيجي هنا وتسأل على الكائن اللي اسمه صالح ده شيء مريب الحقيقة "
التوى فم رانيا بغيظ وهي تردد ضاغطة على أسنانها :
" اممم ليا عنده شيء يخصني وجايه اطالبه بيه "
التمتع عين سجدة بالانتصار وهي ترى ملامح الشر التي تستوطن وجه تلك الفتاة، وما اسعد على قلبها من رؤية ذلك الحقير صالح في ورطة ومشكلة لذلك ابتسمت تصف لهما طريق المشرحة برحابة صدر وسعادة :
" اخر الطرقة يمين في باب كبير قدامه راجل امن، بلغوه وهو هيبعت لصالح يخرج ليكم "
هزت رانيا رأسها تمسك يد هاجر جاذبة إياها خلفها لتقول هاجر بشك من طريقة حديث سجدة وملامحها:
" البنت دي فيها حاجة غريبة، مش مستريحة ليها "
لكن رانيا لم تكن ترى أمام عينيها سوى صورة ذلك الصالح وقد عقدت العزم على الخروج من هذا اليوم أما بهاتفها أو بجثته، وبالفعل وصلت أمام ذلك الباب والتي لم تتعب نفسها لترى تلك اللافتة التي تشير لهوية المكان وهي تدفع الباب بقوة مستغلة عدم وجود ممرضة أو أحد يمنعها .
وفوق ذلك الباب تعلو لافتة مضيئة بكلمات كانت ...
" المشرحة "
___________________
وفي الخارج كان يتحرك بخطوات رزينة في الممرات يتحدث في الهاتف لشريكته في هذه اللعبة :
" تمام عندي مشوار اخلصه ونتقابل في النادي "
وصل له صوت ميمو أثناء انحرافه صوب الممر الذي يؤدي لمكتب أخيه، فقد جاء خصيصًا للتحدث معه في أمر تلك الجثث التي شرحها لأجل قضية رائد مفضلًا معرفة الأمر منه شخصيًا بعدما لم يجد مناسبة في الأيام السابقة لذلك .
" تمام يا حبوب في انتظارك، لغاية ما تخلص يكون أنا خلصت ركوب خيل "
" تعرفي أن بسبب الخيل ده اخدت عنك فكرة تانية خالص"
أطلقت ميمو ضحكة عالية وهي تعلم جيدًا ما يقصد، فلا يخفى عليها نظرات الصدمة حينما تحدث له اول مرة :
" امممم ويا ترى بقى كانت فكرة حلوة ولا أي كلام ؟؟ "
كاد صلاح يجيب لولا رؤيته لفتاة تركض في الممرات بسرعة حاملة العديد من الملفات وكأنها تركض خلف قطار، وكعادته فتح لها صلاح الباب الزجاجي والذي كان نفسه الذي الصقه محمود سابقًا في وجه فتاة .
توقف الفتاة ترمق الباب الزجاجي بين يدي صلاح برعب، هل يفتحه حتى تقترب منه ومن ثم يتركه فجأة ليصطدم بها كما فعل سابقًا ؟!
تعجب صلاح نظرات الفتاة وقال بهدوء وبسمة صغيرة :
" حضرتك مش هتخرجي ؟؟"
نظرت الفتاة حولها تبحث عن تلك الـ " حضرتك " التي يتحدث إليها الدكتور صالح، بغض النظر أن تلك الكلمة لم تعبر حدود شفاة صالح سابقًا، ولم تجد سواها في منتصف الممر لتشير لنفسها بصدمة :
" أنا ؟!"
ابتسم لها صلاح بسمة صغيرة لطيفة :
" أيوة، حضرتك مش خارجة ؟؟ اتفضلي "
" أنت بتكلمني أنا ؟؟ "
ازداد تعجب صلاح ليهز رأسه وهو ينظر لها بترقب، فلم تجد الفتاة بدًا من التحرك بريبة صوب الباب وبمجرد أن أصبحت بالقرب منه حتى أطلقت لساقيها الريح تركض بعيدًا عنه وهي تنظر للخلف لتراه يرمقها بتعجب، مهلًا ألم يكن ينتوي أن يضربها بالباب في وجهها ؟؟ ما الذي يحدث في هذه المشفى ؟!
بينما صلاح ما يزال ينظر لها ببسمة متعجبة قبل أن يدخل للممر عابرًا الباب الزجاجي يلقي بتحية وبسمة على سجدة و التي كانت فيما سبق مخطوبة أخيه .
" صباح الخير يا دكتور سجدة "
فتحت سجدة عينيها بصدمة وهي ترى صالح يرتدي ثياب مكتملة دون قطع واحد، رغم احتفاظه بمظهره الشبابي من بنطال وقميص، ولم تدرك كعادتها السيئة في التفريق بينهما أن هذا صلاح، فما ادراها وصلاح لم يأتي هنا سوى مرات معدودة ؟!
اكمل صلاح حديثه على الهاتف وهو يخطو لمكتب أخيه :
" تمام نص ساعة وهكون عندك "
ابتسمت ميمو بخبث وهي تردد :
" أنت جنتل مان بزيادة، اللي يشوفك كده ميشوفش ملامحك وأنت بتفكر في المصايب "
ضحك صلاح يرتاح بجسده على الأريكة في مكتب صالح :
" ده وش مش بيظهر غير للحبايب..."
وقبل أن يتبع جملته بأخرى فُتح الباب الخاص بالمكتب ليتقدم منه رجل تظهر على ملامحه الثراء الواضح بثياب منمقة، وملامح جادة وهو يمنحه بسمة متكلفة :
" دكتور صالح ..."
اعتدل صلاح بجسده ينظر لذلك الرجل وقبل أن يجيب بكلمة واحدة لمح بين طيات نظراته خبثًا، ليشعر أنه رأى تلك الملامح سابقًا، اخفض الهاتف مغلقًا المكالمة دون كلمة واحدة ليرى الرجل يتقدم منه وهو يلقي بملف أعلى مكتب أخيه :
" أنا جايلك من طرف شخص مهم، وهو حابب أنك تتعاون معاه في شغل جديد هيغير حياتك بالكامل ......."
________________
لكل لعبة قوانين، من يضع تلك القوانين ومن يُلزم المشاركين باتباعها، هو نفسه من ينهي اللعبة بكلمة واحدة.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثامن 8 - بقلم رحمة نبيل
"حُسْنُ الكَـلَامِ كَمِثْلِ العِطْر فَـوَّاحُ
إِنَّ القُلُـوْبَ بِطِيْبَ القَـوْلِ تَرْتَـاحُ"...
صلوا على نبي الرحمة .
___________________
كان صلاح يقف في منتصف مكتب أخيه وهو مازال ينظر لذلك الرجل امامه، يحاول عصر رأسه لمعرفة متى رآه واين ؟! لكن لا شيء، ربما لكثرة ما رأى من الأشخاص .
تحركت عينه على الملف الموضوع أمامه على المكتب، ثم رفع نظره لذلك الرجل ليمسك به يرمقه بخبث جعله يرسم بسمة صغيرة وهو يقول بهدوء يدعي أنه صالح :
" شغل ؟! شغل ايه ده ؟! حضرتك محتاجني يعني في مستشفى يعني؟!"
هز الرجل رأسه يجاريه في حديثه وهو يتململ في وقفته :
" يعني حاجة شبه كده، لو مهتم تغير حياتك و ..."
نظر حوله للمكتب بازدراء ثم أضاف :
" وتودع المكتب ده ويبقى عندك مكتب اكبر، فأعتقد أن العرض بتاعي هيعجبك "
وصلاح الذي يعلم ما يكنه كل شخص من مجرد نظرة صغيرة، علم جيدًا أن ذلك الشخص الذي يقف أمامه لا ينتوي خيرًا لأخيه .
لذلك تحرك بخطوات بطيئة بعض الشيء صوب باب المكتب يغلقه بالقفل في هدوء شديد مانحًا نفسه الفرصة ليبتسم بسمته المميزة، ثم استدار صوب الرجل وهو يقول مشيرًا صوب المقعد الذي يقابل مكتب أخيه أو محمود لا يعلم :
" اتفضل استريح "
جلس الرجل يفتح زر بدلته وقد هيأ له عقله أن صالح قد يفكر في عرضه بجدية فهو اغلق الباب ليختلي به دون إزعاج .
لكن صلاح والذي كان ينظر لظهره الذي يقابله ابتسم بخبث وهو يتأكد أنه اغلق الباب تحسبًا لعودة أخيه، ثم تحرك صوب مقدمة المكتب وتوسط المقعد خلفه، يحاول النظر في ورق اخيه يدعى أنه هو، لكن عقله لم يستوعب كل تلك الكلمات الطبية والكلمات المرصوصة أمامه وفجأة شعر بشيء غير مريح أسفله، نهض ببطء ليجد أنه جلس على بقايا لفافات طعام، تنفس بصوت مرتفع يلعن أخيه وطريقة حياته القذرة وهو يلقي اللفافة في السلة جواره :
" يعني السلة لازقة في المكتب، تروح فين تاني عشان يرمي الزبالة فيها ؟! نحطها على حجره المعفن ؟!"
افاق من همسه لذاته على صوت الرجل :
" أنا بعطلك عن شغلك يا دكتور ؟؟"
عاد صلاح بظهره يتكأ على المقعد بهدوء شديد :
" فعلًا حضرتك معطلني كتير، فأتمنى يكون كلامك هيعوضني على العطلة دي "
وأعطاه نظرة جعلت الرجل يستبشر خيرًا منه وهو يدفع بالملف صوبه يردد :
" خليني ادخل في الموضوع على طول، الشغل بتاعنا هو عبارة عن عمليات نقل أعضاء، ومتقلقش كل شيء قانوني ومعانا موافقات من جميع الأشخاص يعني مش هتعمل حاجة مخالفة "
رفع صلاح حاجبه وهو يمسك الملف ينظر له ثواني وهو لا يفهم معظم الكلام به، لكنه إن كان يفهم شيئًا واحدًا فهو أن ذلك العمل لا يمت للقانون بصلة، وهذا الرجل أمامه كان قادمًا على أمل أن يغري أخيه والذي كان يعلم أن رده الوحيد عليه هو أنه سيلقى الملف في وجهه ويخبره أن يغرب من أمامه فهو لا يهتم بهكذا أمور، لكن ولحسن حظ ذلك الرجل، أو لسوء حظه...هو ليس اخاه .
" اممممم فعلا شكله قانوني، لكن ممكن سؤال ؟؟ اشمعنا أنا يعني ؟؟ اصل أنت عارف اني مش قديم اوي في الشغلانة دي، قصدي يعني فيه دكاترة كتير اوي اكبر مني وعندهم خبرة اكتر مني "
اعتدل الرجل في جلسته يحك بأصابعه جانب وجهه يبتلع ريقه وهو يعدل من وضعية رابطة العنق وكل ذلك تحت أعين صلاح الذي لم يفوت حركة واحدة منه، وقد ارتسمت بسمة جانبية على فمه وهو يتفحصه باستمتاع يحاول إخفاء علامات التوتر الواضحة له، وقد بدأ صلاح يلعب على اوتاره ...
" هو يعني الباشا هو اللي بيختار اللي بيتشغل معاهم، وهو غالبًا بيحب يختار الشباب لأنهم بيكونوا افضل للحاجات دي، وهو كمان بيساعدهم يحققوا طموحهم وأحلامهم "
في تلك اللحظة ارتفع رنين هاتف صلاح لينظر له بطرف عينه ويلمح اسم ميمو يتوسط شاشته، ودون أن ينظر للهاتف فتح المكالمة وقام بخفض الصوت لآخر مرحلة وهو يقول :
" كويس والله إن لسه في حد ابن حلال في البلد بيهتم بشبابها، وبيحاول يساعدهم أنهم يكبروا، حاسس ان الموضوع بدأ يعجبني، بس سؤال صغير ..."
نظر له الرجل بترقب وهو يبتسم بسمة واسعة بعدما كان يائسًا من الموافقة ليثير شفقة في قلب صلاح على مقدار حمقه :
" مين الباشا بتاعك ده ؟؟ اصل متزعلش مني أنا مش بحب اشتغل مع حد مش عارفه، افرض كان شخص شغله مش قانوني أو عليه قضايا ؟! البس أنا ؟!"
هز الرجل رأسه بسرعة كبيرة وهو يقول بلهفة شديدة جعلت صلاح يدرك أي غبي هو، فهذا الرجل أما أنه لا يستطيع الحديث مع أحد في أمور كتلك أو أنه هو الذي ارهقه بهذا الشكل .
" لا لا طبعًا الباشا سمعته معلهاش كلام، وبعدين هو ليه اسمه في السوق، فمتقلقش "
راوغ صلاح أكثر وهو يعلم أن الرجل أمامه تبقى له ضغطه واحدة وقد يعترف أنه هو من خطط لاغتيال السادات :
" أيوة مين هو برضو؟! الباشا بتاعك ده ملوش اسم ؟! ولا خايف تقول اسمه ؟! لأنه لو خايف تقول اسمه فأكيد خوفك ده وراه سبب، أما إن الشغل ده مش قانوني زي ما قولت في الأول، أو أن الباشا بتاعك ده مش مضمون، وفي الحالتين أنا out "
ابتلع الرجل ريقه يلعن نفسه لقدومه، فحتى اللحظة الأخيرة كان آخر هو من سيأتي وهو الافضل منه في تلك الأمور، لكنه لم يستطع وأرسله هو، هو ليس غرًا أو احمقًا، لطالما أجرى مثل الأمور مع غيره من الأشخاص لكن ذلك الشاب....هو فقط يُشعره أنه تحت المجهر، يشعره أنه مراقب، وهذا ما لم يتوقعه فهو لم يعلم أي شيء عنه قبل مجيئه .
" لا هو الشغل قانوني زي ما قولت، وكمان الباشا هو ...هو مش زي ما أنت فاكر هو بس حابب يتأكد أنك معانا قبل ما تقابله "
هز صلاح رأسه ببرود شديد وهو يستند بذراعيه على المكتب :
" كلامك ده معناه أن الشغلانة دي خطر أو رئيسك هو اللي خطر وإلا ليه عايزين تضمنوا دخولي قبل ما تكشفوا عنه، شغل عصابات قديم ده "
حرك الرجل رأسه يحاول البحث عن شيء مقنع في رأسه لكن صلاح قال بهدوء وهو يقلب في الملفات أمامه :
" للاسف أنا مقدرش اسيب شغلي في الطب الشرعي وبشكل قانوني عشان اعمل عمليات تحت بير سلم "
" لا لا مش كده خالص، احنا عاملين التدابير اللازمة و الباشا ضامن كل شيء ومظبط كل شيء "
وها هو يعود لنفس النقطة :
" أيوة مين الباشا ده اللي واصل اوي لدرجة يأمن عمليات زي دي المفروض انها محرمة إلا لحالات نادرة ؟! متقولش رئيس وزراء بريطانيا؟! "
ابتلع الرجل ريقه وهو يرى نظرات صلاح تجبره على التحدث :
" هو ...سعيد الاشموني، اكيد تعرفه "
نعم هذا ما كان يريد، أن يستمع لاسم سعيد الذي يجعل ضربات قلبه تتراقص سعادة، ليس حبًا ولكن تحفزًا للقادم، ادخل سعيد نفسه لجحيمه بوضعه لأخيه على قائمته ...
عاد بظهره للخلف وهو يقول بكل هدوء :
"لا للاسف معرفهوش، بيبيع ايه سعيد الاشموني ده ؟!"
صمت الرجل وهو يحدق به في صدمة كبيرة ليس من جهله بهوية سعيد الذي كان كالنار على العلم، لكن لادراكه أي مصيبة أسقط فيها نفسه بنطق اسم سعيد قبل التأكد من انضمام ذلك الشاب لهم، ويلته إن علم سعيد بالامر، يقسم أن يجعله هو أول حالة أسفل مشرط ذلك الطبيب الشاب .
" ممكن بكل بساطة تبحث وتعرف، ها انت معانا ولا لا ؟!"
نظر له صلاح في عينه بشكل جعل الرجل يبعد عينه وهو يستمع لجملته :
" والله ده مصير ومستقبل مقدرش اديك كلمة كده من قعدة واحدة محتاج افكر وابحث عن سعيد الاشموني بتاعك وأشوف هعمل ايه "
" مش محتاج اقولك إن اللقاء ده محدش يعرف عنه حاجة، ده لمصلحتنا سوا وانا عشان كلمتك أنك هتفكر فأنا متفاؤل خير، امتى تقدر تديني قرارك ؟؟"
عاد صلاح بظهره للخلف يبتسم وقبل أن يتحدث أبصر أسفل مكتب أخيه قمامة كثيرة وجوارب متسخة جعلته يغلق عينه بتقزز، ثم فتحها وهو يقول :
" قراري هيوصلك لما اخده، تقدر تسيب رقم حضرتك وقريب هيوصلك مكالمة مني ...."
____________________
ممر طويل بعض الشيء، اضاؤته خفيفة بشكل يوحي لك أنك في أحد الأزقة الخطرة في شوارع نيويورك، هذا كل ما فكرت به رانيا وهي تخطو في ذلك الممر البارد الملئ بالادراج بشكل مثير للريبة، سمعت جوارها صوت هاجر والتي تساءلت بتعجب :
" ايه كل الإدراج دي ؟؟ ده الارشيف ولا ايه ؟؟"
" مش عارفة بس الجو هنا برد اوي، مش فاهمة مشغلين التكييف على العالي ليه كده ؟! سارقين كهرباء ؟!"
أشارت هاجر لنهاية الممر حيث إضاءة اقوى ومكان يبدو كما لو كان حجرة :
" اكيد هما في المكان ده، بصي اللمبة فيه شغالة "
شحنت رانيا ملامحها مرة أخرى بالغضب ومن ثم نظرت لخالتها وهي تردد :
" لما تلاقيني بتخانق جامد وبزعق بصوت عالي، تيجي بسرعة تمسكيني كأنك بتمنعيني ماشي، عشان أنا مش ناقصة، ده واحد بلطجي وانا مش عايزة إبان جبانة قدامه"
هزت هاجر رأسها بجدية وهي ترفع قبضتها في الهواء لها :
" ثقي فيا، وراكِ رجالة "
تمتمت رانيا وهي تتقدم بتهكم :
" يا خوفي يا خالتو "
وبمجرد انتهاء الممر الذي كان يعتبر جزء من المشرحة لحفظ الجثث، وصلت الاثنتان واخيرًا صوب المكان الخاص بالتشريح، كان هنا باب مفتوح جزء منه فدفعته رانيا بغضب كبير وهي تصرخ بجنون :
" لو فاكر أنك هتخلص مني يا بلطجي أنت يبقى ....."
وصمتت فجأة وهي تشعر بهاجر تمسكها بسرعة، نظرت لها دون أن ترى ما يحدث أمامها تردد بصدمة :
" بتعملي ايه يا خالتو ؟!"
" مش أنتِ قولتي اول ما تزعقي امسكك ؟؟"
أشارت رانيا بكفيها صوب الداخل وهي تقول بغيظ :
" اديني فرصتي حتى اكمل جملة، مش دلوقتي يا حبيبتي لما اتخانق معاه مش كل ما صوتي يعلى هتكلبشي فيا كده "
هزت هاجر رأسها وهي تبتعد عنها، لتتنفس رانيا بحنق وهي ترفع رأسها مجددًا بغضب صارخة :
" اوعاك تكون فاكرني....."
وهذه المرة توقفت أيضًا، لكن ليس بسبب هاجر، بل بسبب ذلك المشهد الذي رأته أمام اعينها، صالح ورفيقه يلتفان حول طاولة وفي المنتصف يقبع رجل وقد أُفرغت احشاؤه بالكامل والاثنان يمسكان بمشارط وبين يدي صالح يقبع أحد الاعضاء الذي لم تتبين ماهيته بسبب كثرة الدماء حوله ونظرات التعجب تعلو وجه صالح ومحمود .
وفجأة أفاق الجميع من التحديق بصدمة بسبب صوت سقوط هاجر العنيفة التي ارتمت ارضًا بعد ذلك المشهد الذي رأته ورانيا شعرت برغبة في التقيأ وهي تكتم فمها بيدها .
نظر صالح ومحمود لبعضهما البعض بجهل لما يحدث، لكن بمجرد أن سقطت هاجر ارضًا ابتسم محمود وهو يشير لها برأسه مستندًا بذراعه على تلك الجثة مرددًا وهو يفرك اصبعيه في بعضهما :
" بسكوتة نواعم يا خواتي"
أشار للجثة التي يشرحها :
" شوف يا رأفت متحملتش ازاي تشوف الدم ؟! "
نظر بعدها لرانيا والتي شحب وجهها بصدمة لما ترى واشمئزت ملامحها، لكن صوت محمود اخترق تلك الغمامة التي أحاطت بها :
" وأنتِ الجو ده مش واكل معاكِ؟! أنتِ شغالة في محل جزارة ولا ايه ؟!"
ترك صالح العضو من يده ثم أمسك مشرطه يمسحه في محرمة جواره وهناك بسمة مستفزة ترتسم أعلى فمه وهو يحرك المشرط بحركات بطيئة يحدق في رانيا بنظرات ذات دلالة وكأنه يخبرها أنها يومًا ما ستكون مكان ذلك الرجل ..
استمر التحديق بين الاثنين قبل أن يقطعه تراجع رانيا للخلف وهي تطلق صرخة رنّ صداها في المكان فافزعت الجميع حتى صالح نفسه الذي انتفض للخلف وهي تدور في المكان وكأنها نست المخرج :
" قتالين ....قتالين قتلة "
كانت تدور في المكان وهي تصرخ بجنون وصالح ينظر لها بريبة يبتعد عن مرمى سيرها كلما مرت من أمامه وكأنها تحمل مرضًا، بينما محمود تحرك حتى جلس جوار هاجر بعدما خلع قفازه ليقول وبدأ يتحدث معها وهي لا تعي شيء :
" تعرفي طول عمري كنت بحب البسكوت النواعم، ماما كانت تجيبلي وانا صغير بسكوت شمعدان وانا اعيط ليها واقولها عايز نواعم، ياااه ايام، من وقتها مبقتش احب اجيب نواعم لغاية ما شوفتك "
كان محمود يتحدث بكل هدوء مع هاجر التي ما تزال مسطحة ارضًا .
بينما رانيا تبكي بهستيرية وهي تدور في المكان تبحث عن الباب الذي دخلت منه لتلك المتاهة قبل أن تصطدم بالخطأ في صالح والذي لم يبادر بمسكها أو حمايتها من السقوط بل تركها تضربه ثم ابتعدت وهي تصرخ به :
" أنت كنت قاصد، أنت كنت قاصد صح، أنت جايبني القاهرة مخصوص عشان كده، أنا والله العظيم قولت أنك عايز تاخد اعضائي "
كانت تتحدث وهي تبكي وعقلها لا يعي ما تنطق به، ولا تعي هي أنها في مشرحة وهذا الذي أمامها ليس تاجر أعضاء بل طبيب تشريح .
بكت وهي تعود للخلف تضم نفسها بخوف :
" هتاخد اعضائي أنا وخالتي "
أشار لها صالح بقفازه والذي كان غارقًا في الدماء :
" حيلك حيلك يا ماما، من قلة الاعضاء هجيب أعضاء فاسدة، وهجيبك من اسكندرية مخصوص للقاهرة عشان اخد اعضائك انتِ ؟! ليه اعضائك بالفسدق ؟!"
بكت رانيا وهي تبتعد عنه :
" أيوة، أنتم سرقتوا تليفوني عشان تعمل كل ده أنا عارفة"
" لا صدقيني الموضوع ابسط من كده خالص، أنا لو كنت عايز اعضائك كنت شقيتك نصين من اول ما خبطيني بالكتاب عشان أوقع عليه، وبعدين مسكتك فرغتك من اعضائك، ومن ثم اكسر البطيخة اللي فوق كتفك دي أخرج الجذمة اللي بتفكري بيها وبعدين ارميهم في أي مقلب زبالة لأن صدقيني محدش بيقبل أعضاء فاسدة "
أنهى حديثه وهو يلوح بالمشرط في الهواء بحركات تصف حديثه وكأنه بالفعل ينفذ ما يقول، ثم اقترب منها بترهيب لتتراجع هي للخلف تطلق صرخات مرتعبة :
" لالا خلاص والله مش عايزة تليفوني، أنا ممكن اديك ورقة بكل ارقام السر بتاعته، والله مش عايزة حاجة، يا بابا ...يابــــابــــا "
وحينما رأت يد صالح تُرفع في الهواء أطلقت صرخة رنّ صداها في المكان بأكمله، ليرمقها صالح بتشنج دافعًا إياها وهو يقول :
" اوعي يا متخلفة من وشي عايز اجيب الادوات "
كان يتحدث بعدما دفعها بعيدًا عن أحد الإدراج التي فتحها ليخرج منها حقن غريبة الشكل يتم سحب بها عينات لفحصها، ومن ثم عاد للطاولة التي تحمل الجثة ورانيا ما تزال ساقطة ارضًا تحدق في ثيابها التي امتلئت بالدماء جراء دفعه لها ...
وأمام الباب الداخلي للغرفة كان محمود ما يزال يتحدث مع هاجر :
" وبعدين في الدور التاني هتلاقي اوضتي، هي مش صغيرة بس لو عايز جناح مثلا، ممكن ناخد اوضة بابا ونفتحها على اوضتي، كده كده هو بينام في المكتب أو المعمل "
فجأة انتفض من مكانه وانتفض جسد هاجر بفزع على صوت صرخة رانيا، نظر صوبها محمود بحنق ثم تحدث لهاجر التي بدأت تفيق :
" بس بنت اختك دي متجيش عندنا عشان صالح مش بيحبها وبيتعفرت لما يشوفها وانا اكيد مش هخسر صاحبي عشان واحدة تبقى بنت اختك "
أفاقت هاجر مما كانت به وهي تنظر حولها تحاول معرفة اين هي :
" أنا فين ؟!"
أجابها محمود وهو ينهض ليكمل عمله والذي كان مستمرًا منذ ساعات طويلة تقريبًا من قبيل الفجر في بداية اليوم :
" أنتِ في المشرحة يا نواعم، يا ريت تاخدي بنت اختك الهبلة دي وتروحوا المكتب بتاعنا تستنينا هناك، هخلص واجي نتفق على السجاجيد والستاير"
نظرت له هاجر ولم تكد تتحدث بكلمة حتى أبصرت رانيا تركض صوبها تجذبها بسرعة لخارج ذلك المكان وهي تنتفض بخوف وصالح يلاحقها بنظرات ساخرة قبل أن يعود لعمله مع محمود لأخذ العينات المطلوب فحصها لتبين كل شيء يتعلق بذلك الجسد ....
خرجت كلٌ من هاجر ورانيا من المشرحة وهن يركضن وكأن الاشباح في اعقابهن، لكن فجأة اصطدمت رانيا في جسد جعلها تتراجع وهي تعتذر بسرعة وارتجاف، لكن بمجرد أن أبصرت ذلك الجسد أطلقت صرخة أخرى تتراجع للخلف، ومن ثم تعرقلت في سلة مهملات لتسقط ارضًا ولم تنهض مجددًا حيث جاء دورها لتصبح هي المغشي عليها ...
كان صلاح يفتح عينه بصدمة وهو يرى ما يحدث، ثم حرّك عينه لهاجر التي كانت ما تزال تفتح فمها ببلاهة وهي تحدق بها، تحدث صلاح بهدوء وخوف على تلك الفتاة الغريبة :
" أنا آسف ما اخدتش بالي، هي دي قريبتك ؟!"
هزت هاجر رأسها ببطء وهي ما تزال تفتح عينها لا تدري هل ذلك قرين صالح ام صلاح شقيقه، هو لا يرتدي بدلة، إذن ربما هو أخيهم الثالث ؟؟
خرجت من أفكارها على صوت صلاح الذي انحنى على ركبتيه جوار جسد رانيا يردد بهدوء :
" يا آنسة...يا آنسة أنتِ بخير ؟! "
لكن لم يصل له رد، لذاك انحنى بجسده بالكامل يحملها بين ذراعيه، ثم تحرك بخطوات حثيثة يعود صوب مكتب صالح مرددًا :
" لو سمحتِ اسبقيني وافتحي باب المكتب التاني على اليمين "
______________________
أغلقت ميمو المكالمة التي سمعت بها بعض الجمل الغير مفهومة من صلاح، ورجل آخر، كل ما فهمته أن سعيد يود إشراك صالح شقيق صلاح في شيءٍ، وهذا الشيء بالطبع لن يكون جمعية خيرية، بل سيكون شيئًا قذر مثله .
ابتسمت وهي تحتفظ بتسجيل المكالمة على هاتفها فهي حينما تحدثت ولم يجبها صلاح كادت تغلق المكالمة لكن حينما تناهى لها بعض الجمل الغامضة بدأت تسجيل المكالمة لربما يحتاجونها فيما بعد ...
رأت ميمو عامل الاسطبل في النادي يقترب منها مرددًا باحترام :
" الخيل جاهز والتراك جاهز يا هانم "
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تخرج عدة ورقيات مالية من جيب بنطالها فئة المائة جنيهًا :
" تسلم يا سيد تعبتك معايا "
" خيرك سابق يا هانم والله "
ابتسمت له تهز رأسها:
" دي حاجة بسيطة، هات بيها حاجة حلوة لاولادك "
أنهت حديثها وهي تتحرك صوب الاسطبل لكن فجأة توقفت اقدامها وهي تستمع لحديث الرجل العفوي :
" والله يا هانم كلهم بيدعولك حتى البت روضة المسخوطة بقت عارفاكِ وحبت اللعب اللي جبتيها ليها آخر مرة "
رجفة مرت في جسد ميمو وهي تقاوم نظرة الضعف التي كادت تغشى عيناها، لذلك لم تستدر له وهي تردد بهدوء وجدية :
" بعد كده يا سيد متقولش ليها إني أنا اللي بعت الهدية، قولهم أنك أنت اللي اشتريتها ليهم، فرح عيالك وخليهم يحسوا أنك بتحبهم وحنين عليهم "
ابتسم سيد ليقول بملامح رجل رأى من الزمن ما هدّل أكتافه، لكنه رغم ذلك ما يزال يعافر ويعافر لأجل أولاده وزوجته، لأجل ألا يحرمهم شيئًا اشتهوه :
" هو أنا عندي اغلى منهم يا ست هانم؟! دول هما اللي مصبرني على الدنيا دي "
واستطاعت الدموع أن تهزمها مجددًا ضاغطة على اوتار ضعفها وهي تستمتع لحديثه ذاك، تتحدث بصوت هامس لم يصل لسيد وهي تتحرك بعيدًا عنه وخرجت نبرتها مختنقة :
" ياريته كان زيك يا سيد، ياريتهم كلهم زيك مكانش حد تعب في الحياة دي "
دخلت ميمو الاسطبل ولم تنتقي خيل بعناية كعادتها، بل صعدت على ظهر أول خيل مُجهز أمامها وهي تنطلق به في سرعة مخيفة والهواء يبعد الدموع عن عينيها وصوت سيد حينما يتحدث عن أولاده بحنان، تداخل مع صوت آخر، صوت تمنت لو أخذ من حنان سيد ذرة واحدة، تقسم أنها كانت لتكون راضية ...
صرخات وتحطيم وسباب قذرة كل ذلك لم تستطع جدران غرفتها أن يمنعه، تجلس أسفل مفرش سريرها تحاول كتم تلك الأصوات عن أذنها وحولها يجلس إخوتها يدرسون ويبدو أنهم اعتادوا الدراسة على أصوات سباب والدهم ..
نفخ نادر وهو يصيح بحنق :
" هو الراجل ده مش هيرحمنا بقى ؟! من وقت ما قعد في البيت وبقى كل يوم زعيق ونكد، يا اخي ده الشغل ليه كان رحمة "
ونظرة من أعين مازن أخبرته بالتحديد فيما اخطأ فصمت نادر وهو ما يزال يتمتم بكلمات غاضبة يغزيها الشيطان .
نظر مازن لرأس أخته التي تدفنها أسفل الوسادة وقال بصرامة :
" مش هتقومي تذاكري ؟! ولا هو خلاص اتعودنا على الكسل ؟؟"
قال نادر بغيظ من حديث أخيه القاسي :
" ما براحة عليها يا مازن أنت عارف اللي فيها "
نهض مازن متجهًا صوب جسد شقيقته ينزع الغطاء عنها جاذبًا جسدها لتقف أمامه وهو يردد بأعين تطلق شرار وقد بانت القسوة في ملامحه :
" خلاص ميرفت وماتت، هنفضل طول عمرنا نبكي عليها؟! دي امها اللي هي امها رجعت لحياتها بعد اول شهر عدى عليها "
بكت ميمو بحسرة ومازال صدرها يلتهب بالوجع لأجل ما عانته ميرفت والذي سمعت عنه القليل من الكلمات المترامية من نساء الحارة حول أن زوجها له يد في موتها، والبعض يردد أنها كانت تعاني امراض أدت بها للموت، لكن إن كانت كذلك بالفعل ؟؟ لماذا لم تظهر تلك الأمراض عليها؟! و لِمَ ذلك اليوم تحديدًا ؟؟
" يا مازن ارجوك سيبني أنا مش عايزة اعمل حاجة "
نظر لها مازن وقد ارهقته نظرة اخته، لا يملك في حياته اغلى من اشقائه ووالدته، لكن هذا الضعف ليس هو ما اعتاد رؤيته في وجه اخته القوية :
" اسمعي عشان كلامي مش هيتعاد، تعليمك في الزمن ده هو سلاحك، ميرفت وخلاص راحت عند اللي احسن مني ومنك، لازم ترجعي تبقي قوية وتذاكري عشان تطلعي الاولى زي ما أنتِ متعودة، ده كان الشيء اللي بيهون على امك تعبها من شغلانة للتانية"
وبذكره والدتها جعل قلبها يرتجف حينما تتذكر عودتها كل يوم بعد الظهر لتنظف المنزل وتعد الطعام، بعد عملها لساعات وساعات كعاملة في روضة أطفال تبيع الحلوى وتنظف المراحيض والفصول بعد مغادرة الجميع .
هزت رأسها وهي تلقي بنفسها بين احضان مازن :
" حاضر والله يا مازن، هبقى احسن من الاول والله "
قبل مازن رأسها برضى وهو ينظر بطرف عينه لنادر الذي كان يرمقهما ببسمة يتناول بعض الفاكهة التي حصل عليها من المعلم الذي يعمل تحت يده بعدما نبذ الدراسة وقرر العمل لمساعدة والدتهم ...
ثواني وانتفض الجميع على صوت صراخ وبكاء شقيقتهم الرضيعة في الخارج، كان هذا ليكون طبيعيًا لولا أن صرخات شقيقتهم تبعها صرخات والدتهم وهي تولول وتنتحب مستنجدة بالجميع .
ركض الثلاثة للخارج برعب شديد استوطن قلوبهم ليبصروا اول مشهد حطم براءتهم أشلاء، والدهم ينقض فوق والدتهم ضربًا حتى كادت تخرج أنفاسها بين يده، كان يبدو كمجنونًا هائجًا وهو يمسكها من شعرها يضرب رأسها في الجدار بقوة، ولم يخرج أحدهم من تلك الصدمة سوى مازن الذي انقض يبعد والده عن والدته بقوة تناسب جسده الشاب مقارنة بجسد والده الهزيل ...
ونادر الذي ركض يساعده وهو يجذب والدته من الجانب الآخر، والصغيرة ذات الأشهر بينهما تبكي حتى كادت أنفاسها تزهق، وميمو تراقب ما يحدث بعدما شُلت أطرافها ...
وتلك لم تكن المرة الأخيرة التي يفعل والدها كل هذا بوالدتهم لأجل الحصول على أموال، ليكتشفوا باسوء طريقة ممكنة أن والدهم الحبيب والذي كان في وقتٍ من الأوقات سندًا لهم، أصبح مدمنًا للمخدرات .....
فاقت ميمو من كل تلك الخيالات بأعين حمراء وبشدة ودموع أغرقت وجهها لدرجة أنها لم تبصر ذلك الحبل الذي التف حول قدم الحصان ليجعله يهيج ظنًا أنه ثعبان وهو يرفع جسده على قوائمه الخلفية وميمو تتمسك به بكل حرفية وهي تحاول تهدئته، لكن وبسبب ارتجاف جسدها لما مرت به منذ ثواني، افلتت اللجام لتسقط ارضًا وبقوة مطلقة صرخة عالية رنت في الأجواء، وآخر ما رأته سيد الذي هرع صوبها بهلع ....
____________________
كانت تسبح في بركة دماء وهي ترى حولها العديد من السكاكين تتحرك بشكل عشوائي وتطير صوبها، وكلما أرادت الهرب منهم انزلقت قدمها في الدماء، وفجأة ظهر هو امامها يحمل سكين وهو يلوح به أمام عينيها يقول بشر :
" قولتلك هشرحك لو شوفتك تاني "
عادت رانيا للخلف وهي تهز رأسها بفزع وعندما أرادت أن تصرخ شعرت بصرختها تخرج ضعيفة.
فجأة انتفضت في نومتها لتجد أمامها هاجر تردد بخوف :
" أنتِ كويس يا رانيا ؟؟ اخدك المستشفى ؟؟"
اعتدلت رانيا في جلستها وهي تهز رأسها بلا وقد شعرت في تلك اللحظة بالحقد على ذلك الجزار الذي جعلها تحلم به، أمسكت كوب الماء من يد هاجر وارتشفته وهي تردد :
" والله العظيم لو شوفته تاني لا...."
وقبل أن تكمل كلمتها ابصرته يجلس على مقعد أمامها لتطلق صرخة مرتفعة وهي تقفز فوق الأريكة بشكل جعل صلاح ينظر لها بذهول :
" هو أنا وشي فيه حاجة غلط؟! كل ما تشوفيني تتنفضي كده ليه ؟"
أشارت عليه رانيا وهي تصرخ بجنون :
" اهو، جه تاني، اهو والله يا زبالة أنت لو قربت مني بايدك اللي كلها دم دي لأكون مصرخة ولامة الناس عليك "
وسريعًا نظر صلاح ليده وكأنه يتأكد أنها نظيفة، ثم قال وهو يعدل من ضع نظارته التي ارتداها بعدما أنهى مقابلته مع ذلك الرجل :
" تقريبًا كده الآنسة أعصابها تعبانة شوية، بقترح تعرضوها على دكتور نفسي "
كان يتحدث وهو ينهض يعدل من وضعية ثيابه ويمرر كفه على قميصه السماوي ليتأكد أنه خالي من أي انكماشات به، لكن وما كاد يتحرك حتى وجد تلك الفتاة تجذبة من القميص بقوة صارخة :
" وكمان هتقول عليا مجنونة ؟؟ طب والله لاوديك في داهية "
فزع صلاح من فعلتها ورغم أنه في هذه اللحظة قد يخسر هدوءه ويخيفها إلا أنه وضع في عين الاعتبار مرضها العقلي مانحًا لها بسمة داعمة :
" اهدي يا آنسة لو سمحتي وسيبي القميص، وخلينا نتكلم بالعقل "
لوحت رانيا بيدها في الهواء وهي تصرخ :
" دلوقتي نتكلم بالعقل يا عديم العقل أنت، اجري يا خالتو بلغي البوليس "
نظرت هاجر لهما تحاول معرفة ما يجب القيام به، إلا أن صلاح رفع كفه لها، ثم بكل سهولة نزع يد رانيا عنه وهو يقول بكل رقي وهدوء :
" اسمعي يا آنسة أنا أول مرة اشوفك في حياتي فأكيد لو عندك دلوقتي مشاكل مع حد فهي مش معايا، يا اما أنتِ عقلك مش سليم ومفكراني حد تاني، أو مفكراني صالح"
نظرت له رانيا بتعجب لتلك الكلمات الراقية التي ما كانت لتخرج من فم الوقح الذي تعرفه، أبعدت يدها عنه وهي تردد :
" صالح ؟! "
" أيوة واحد شبهي بس لابس بنطلون جينز مقطع وشعره عامل زي الديوك كده، اكيد عارفاه "
اشارت له رانيا وقد بدأ عقلها يستوعب ما يحدث :
" يعني ...يعني أنت مش صالح ؟؟ أنت صلاح ؟؟"
ابتسم صلاح مطلقًا تنهيدة مرتاحة لتعرفها على هويته وقال :
" أيوة أنا مش صالح الحمدلله، أنا صلاح اخوه "
" اللي بيكتب كتب ؟؟"
ضحك صلاح ضحكة لطيفة ثم أضاف :
" أيوة اللي بيكتب كتب، حضرتك بتقرأي ؟!"
هزت رانيا رأسها وهي لا تعي ما تقول، شاردة في الفرق الشاسع بينهما في الشخصية رغم تشابه الملامح بدرجة مخيفة :
" لا دي صاحبتي المتخلفة اللي بتحب تقرأ القرف اللي بتكتبه "
تفاجئ ؟؟ نعم بل وصدمته تلك الفتاة من وقاحتها، وذكرته في الواقع بشخص يماثلها في نفس الوقاحة، وعلى ذكر ذلك الوقح انفتح باب مكتب صالح وهو يتحدث بصوت مرتفع :
" النتائج هتخرج خلاص ١٠ أو ١٥ يوم مش قبل كده و..."
وقبل أن يكمل حديثه انتبه لوجود صلاح في مكتبه ومعه رفقة لا تسره أبدًا .
وفي ثواني وكأن المكتب تحول لساحة حرب كانت تلك الفتاة تهجم على صالح بشراسة منقطة النظير جاذبة شعره بين يديها وهي تصرخ به :
" أنا يا زبالة تهددني بالمشرط، طب والله لأكون مفرجة عليك المستشفى كلها "
صرخ صالح بألم لجذبها خصلات شعرها والجميع لم يستوعب بعض ما حدث، ففي ثواني كانت يد صالح تحاول دفع رانيا عنه وهو يتراشق معها الألفاظ :
" طب والله ما أنا سايبك المرة دي يا متشردة "
اقترب محمود في تلك اللحظة من هاجر التي كانت تتحين لحظة ارتفاع صرخات رانيا لتتدخل وتجتذبها من الشجار كما أخبرتها من قبل، فكان جسدها يأخذ وضع الاستعداد كما لو أنها في حلبة ملاكمة تنتظر أن يستدعيها رفيقها...
" ايه هتنزلي تبديل بين الشوطين ولا ايه ؟!"
نظرت له هاجر بعدم فهم ليشير محمود لوضعية جسدها الاستعدادية لتقول هي موضحة :
" لا، مستنية اللحظة المناسبة عشان أتدخل "
نظر محمود للشجار والذي طال صلاح الذي كان يحاول التفريق بينهما لينال بضع ضربات منها وهو يصرخ بهما أن يتوقفا .
تنحنح محمود وهو يقول :
" آنسة نواعم اتمنى اللي بيحصل ده ميأثرش على علاقتنا"
نظرت له هاجر ببلاهة عن أي علاقة يتحدث ذلك الرجل، لكن محمود لم يأبه وهو يقول :
" وانا من ناحيتي متقلقيش هعامل الآنسة المتشردة بنت اختك كأنها بنتي، مش هكون جوز خالتها وبس لا هكون اب ليها "
تشنجت ملامح هاجر وهي تبدل نظراتها ما بينه وبين الشجار الذي ازدادت وتيرته وبشدة، لكن وحتى الآن لم تعطها رانيا الإشارة وهي الصراخ بصوت مرتفع .
" أنت بتقول ايه ؟؟ أنت شارب ولا ايه ؟؟"
فتح محمود عينه باتساع وقال :
" لا والله لسه "
تعجبت هاجر وهي لا تعي جملته تلك، ماذا يقصد بـ " لسه "؟؟
في تلك اللحظات كان صلاح قد فسدت ثيابه وكذلك شعره وملء الغضب وجهه وهو يلكم أخيه بشر مبعدًا إياه عن الفتاة :
" من امتى واحنا بنمد ايدنا على بنات يا حيوان ؟؟"
نظر له صالح بصدمة وهو يتنفس بسرعة كبيرة بسبب المجهود، ماذا يقصد هو، متى رفع يده عليها هو فقط كان يدفعها عنه، لكن وقبل أن يبرر لأخيه شيء، كانت رانيا قد نهضت من الأرض لتهجم مرة أخرى عليه، لكن تلك المرة كان هجومها على صلاح الذي يعطيها ظهره، وقد ظنته صالح بسبب خصلات شعره التي فسدت في الشجار ليصبح مثل اخيه .
صرخ صلاح بفزع وهو يحاول ابعاد تلك الفتاة عنه :
" أنتِ يا متخلفة بتعملي ايه ؟؟ ده انا بحوشه عنك، جاتكم القرف أنتم الاتنين "
تحرك صالح صوب رانيا يجذبها من ثيابها دون أن يلمسها هي شخصيًا كي لا يتعدى على حرمات جسدها :
" يا بنتي أنتِ أي واحد تشبطي فيه؟! مش ده يا امي مش ده يا حبيبتي انا صالح "
فجأة تركت رانيا شعر صلاح الذي كان في تلك اللحظة لا يبدي أي ردة فعل سوى أنه يتنفس بسرعة ويغلق عينه ويذكر نفسه أنها مسكينة ومريضة نفسية لا أكثر..
أبعدت رانيا يدها عن صلاح وهي تنظر لصالح تقول بذنب :
" بجد ؟؟ يعني ده اللي بيكتب ؟؟"
هز صالح رأسه وقبل أن يبادر بقول كلمة كانت رانيا تستدير له وهي تخلع حذائها تقسم أن تطعمه له وقد تجمعت الآن جميع أخطاءه أمام عينيها، سرقة هاتفها، جعلها تنتظر في الشمس طوال اليوم، ومن ثم تهديدها بعدم اعطائها الهاتف، ثم مقابلتها في مطعم والتخلف عن احضار الهاتف، ومن بعدها خطفها في السيارة وتهديدها بالدهس أسفل عجلاتها، وفي النهاية إثارة رغبها داخل مشرحة، هي ليست بذلك النوع من الفتيات الذي يفضل دائمًا اللجوء للعنف، هي لطالما واجهت مشاكلها من خلف إخوتها، حائط الصد الاول لها ومن ثم لسانها، وسيلة الدفاع الثانية لها، لكن ذلك الشاب أخرج من داخلها فتاة متوحشة .
كان صالح يحاول أن يتلاشى غضبها حتى لا يضطر للمسها أو يخرج عن طور هدوءه ويتسبب لها في ضرر، لكن ارتفاع صرخات رانيا أخرجه من كل ذلك وهي تقول ببكاء نتج عن غضبها الشديد :
" أنا كل اللي عايزاه كان تليفوني، لكن أنتم شوية حرامية كل شوية تماطلوا و..."
وقبل أن تتحدث بكلمة إضافية وجدت هاجر تقفز لتنفذ الخطة وتجذبها بعيدًا عنهم وهي تقول :
" خلاص يا رانيا اهدي تليفونك وهيرجع، بعدين هتموتي نفسك عشان تليفون ؟!"
نظرت لها رانيا بتعجب من بين دموعها :
" بتعملي ايه يا خالتو ؟؟"
" ايه مش دي الخطة ؟؟"
صرخ صالح في وجهها وقد سئم من كل ذلك الركض ولعبة القط والفأر :
" قولتلك التليفون مش معايا، مع محمود، عايزاه روحي خديه منه أو اتصرفي معاه، انما كل شوية الاقيكِ نطالي في حتة، هتلاقيني بقل ادبي عليكِ غضب عني لأن خُلقـ "
وقبل أن يتحدث بكلمة اوقفهم صوت صلاح الذي أخرج هاتفه ينظر لشاشته ليرى رقم غريب :
" مسمعش صوت واحد "
فتحت رانيا فمها بغية الحديث لكن نظرة واحدة من صلاح اخرستها هي واخاه ليفتح المكالمة :
" الو صلاح السقاري معاك ....مين بالضبط ؟؟"
فجأة انتفض جسد صلاح بشكل جعل الجميع يتراجع بخوف للخلف ورانيا تنظر لصالح بتسائل ليهز الاخير كتفه بجهل .
اغلق صلاح الهاتف وهو يتحرك صوب باب المكتب بسرعة يقول دون النظر لهم :
" صالح حل مشاكلك مع البنت باحترام عشان اقسم بالله كل اللي بيحصل هيوصل لابوك، وأنتِ متقطعيش جلسات الدكتور النفساني عشان مصلحتك "
أنهى حديثه يخرج من المكان بخطوات مهرولة صوب سيارته تاركًا الأربعة في المكتب ينظرون له بعدم فهم قبل أن تتساءل رانيا بهدوء لا يليق عما كان يحدث سابقًا :
" هو قصده ايه باني مقطعش جلسات الدكتور النفساني ؟!"
نظر لها صالح ثواني قبل أن يبتسم بسخرية وهو يقول :
" أيوة بالضبط اللي فهمتيه يا قلبي، محمود ابقى ادي البنت تليفونها وشوفلها واحد من دكاترة الأمراض النفسية هنا يشوف حالتها والتكاليف عليا "
أنهى حديثه وهو يعيد خصلات شعره للخلف ثم منحها غمزة عابثة، وتحرك صوب المكتب يحمل هاتفه وبعض الاوراق وغادر لتسليم تقرير التشريح لقسم الفحوصات .
وظل محمود في المكتب ومعه هاجر ورانيا التي ما تزال تنظر لرحيل صالح بأعين متسعة غيظًا ووجه مشتعل غضبًا .
تجاهلها محمود وهو يقترب من هاجر وقال ببسمة :
" هو أنتِ قفلتي الفرنة انهاردة ؟! اصل جاي على بالي قرص بعجوة وشاي بلبن ؟؟"
______________________
توقف أمام باب المنزل الذي قام بتأجيره لأجلها ينظر تارة للحقائب في يده ومن ثم للباب متردد في الطرق عليها ..
لكن في النهاية قرر وطرق الباب في انتظار أن تطل عليه تسبيح، وهكذا فعلت بعد دقيقة تقريبًا، فتحت تسبيح الباب وهي تنظر له بتسائل ليبتسم بسمة صغيرة يرفع الحقائب في وجهها :
" اتفضلي دي شوية طلبات عشان لو حبيتي تعملي ااا"
قاطعته تسبيح بهدوء شديد وهي تضع في عقلها أن هذا الرجل أمامها قد أنقذها مرات عديدة وساعدها؛ لذلك يجب عليها أن تعامله بهدوء واضعة في الاعتبار أنه يفعل كل ذلك من مبدأ المساعدة :
" شكرا يا حضرة الظابط أنا تعبتك معايا الايام اللي فاتت بما فيه الكفاية، لكن حقيقي مينفعش اقبل أي حاجة زيادة لأن كده كتير و..."
ولم تكمل جملتها بسبب اندفاع الحقائب لصدرها بقوة جعلتها تشهق بعدم فهم، ورائد يرمقها بحنق مرددًا :
" خلصتي كلامك ؟! مكانوش شوية مكرونة ورز وبطاطس اللي تعملي عليهم الخطبة دي كلها، ده حتى البطاطس هتلاقي نصها معفنة عشان أنا مش بعرف انقي"
نظرت تسبيح للحقائب دقائق قبل أن ترفع عينها له مجددًا ومازال الاعتراض يسكن ملامحها :
" أيوة بس مينفعش على فكرة، أنا مش هقبل صدقات من حد، كفاية الشقة اللي انا فيها وتعبك عشان تـ "
قاطعها رائد مجددًا وهو ينظر لساعة يده وقال ببسمة باردة :
" لا أنتِ شكلك فهمتي غلط، دي مش صدقة دي مساعدة خفيفة كده لغاية ما ربنا يكرمك وتقفي على رجلك وتبقي strong independent woman وبعدين يبقى تعاليلي اشوف حسابك "
ردت ببلاهة وهي تفتح فمها من كلمته :
" حســ حسابي ؟! حساب ايه ؟!"
أخرج رائد من جيب سترته قلم ووضعه في فمه يخرج من جيب بنطاله الخلفي مدونة صغيرة، ثم فتحها يقلب صفحاتها وهو يقول :
" تسبيح ...تسبيح ...تسبيح ...اها لقيتك، تسبيح ام نقاب حسابك لغاية دلوقتي يا ست الكل ٧٢٥٠ جنيه ونص "
صرخت تسبيح بصدمة :
" نعم ؟؟"
" أنعم الله عليكِ يا عسل، تحبي اقولك كل جنيه صرفته في ايه ؟؟ اولًا العصير اللي جبته ليكِ لما اغمى عليكِ في المكتب كلفني ٦ جنيه، والتاكسي اللي اخدتك بيه للمستشفى ب ٣٠ جنيه وبعدين إيجار الشقة والتأمين مكلفني ...."
توقف حينما أبصر وجهها الشاحب من حديثه، يحاسبها على العصير الذي أحضره لها حينما اغشي عليها؟؟ وايضًا سيارة الأجرة التي أخذتهم للمشفى، وبلا وعي نطقت ساخرة :
" بالنسبة لحساب المستشفى ؟؟ ايه مش حاسبه ليه ؟!"
هز رأسه بهدوء وهو يحدق بالمدونة أمامه :
" لا دي كانت مستشفى حكومي مجانية عادي، بس بما أنك جبتي سيرة المستشفى فأحب اقولك إني اشتريت عدد اتنين برشام صداع ودوخة كلفوني ١٠ جنيه وخمسة وسبعين قرش "
نفخت تسبيح صدرها وهي ترفع رأسها بإباء ترفض أن تظهر نظرات كسيرة، ترفض الشفقة من أعين أحدهم؛ لذلك قالت له :
" تمام يا حضرة الظابط أنا هقوم على خير وانزل ادور على شغل ووقتها يبقى اسدد حسابك كله "
وضع رائد القلم في جيب قميصه، ثم دسّ مدونة الارقام الخاصة به في جيبه مجددًا :
" براحتك، بس مش اكتر من عشر سنين وإلا وقتها أنا عندي صحاب كتير في الشرطة وممكن ابلغ عليكِ، فاحذري مني "
أنهى حديثه وهو يرحل ومازال وجهه مصوبًا ناحيتها وهو يشير باصبعيه على عينه، ثم يشير بهما عليها في حركة تخبرها أنه يراقبها وتسبيح ترمقه ببلاهة من تصرفاته .
خرج رائد من باب البناية وهو يطلق ضحكات صاخبة على تلك البلهاء، جلس في السيارة يخرج تلك المدونة والتي فقط تحتوي بعض ملاحظاته على القضايا أو اسماء مشبوه بهم، هل ظنته بالفعل قد يحاسبها على ما يفعل ؟! تلك الغبية ...
تحرك بالسيارة وهو ينظر في ساعة يده وقد شعر أنه تأخر على العمل .
بينما تسبيح اغلق الباب تضع الحقائب على الطاولة وهي تتفحصها لتجده بها العديد من الأشياء التي غفل عن ذكرها إلى جانب الارز والمكرونة والبطاطس...
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تتجاهل كل هذا متجهة صوب هاتفها والذي رنّ معلنًا وصول رسالة عليه، وبمجرد أن امسكت الهاتف اتسعت عينيها بصدمة وهي تردد بلهفة :
" عبدالعظيم ؟؟؟"
___________________________
كانت تجلس في عيادة النادي وهي ممدة أعلى الفراش تحاول التخلص من هؤلاء الرجال الذين يلتفون حولها، منهم من يكرر اعتذاره لها ومنهم من يحاول فحصها للمرة الثالثة منذ سقطت من فوق الخيل.
نفخت ميمو وهي تقول بنفاذ صبر :
" ما خلاص قولت اني زي الفل يا جماعة، الله يكرمكم فضوا المولد ده "
وتلك النظرات التي صدرت من الجميع صوب ما نطقت به ذكرتها أنها لطالما تعاملت معهم تحديدًا بهدوء شديد مخفية كل ألفاظها السوقية أسفل تلال الرقي ..
" معلش اتفضلوا أنا بقيت كويسة و..."
وقبل أن تكمل جملتها أبصرت صلاح الذي اقتحم الحشود بوجه مفزوع يردد اسمها بلهفة :
" حصل ايه ؟؟ "
نظرت ميمو لجميع الرجال حولها بشر ليتحجج الجميع بكلمات غير مفهومة ويخرجون من الغرفة واحدًا تلو الآخر ركضًا من أعين ميمو التي رفضت رفضًا قاطع _أثناء العناية بجرحها _ أن تتحدث مع أحد ليأتي لها، لكن يبدو أنهم تجاهلوا تحذريها وتحدثوا لآخر من حادثته والذي كان هو نفسه صلاح .
نهضت ميمو بصعوبة تستند على جذعها وهي تردد بكلمات مهددة خلفهم :
" عارفاكم وهجيبكم واحد واحد، سامع يا سيد أنت وعم جمال ؟! "
جلس صلاح على مقعد جوار الفراش وهو يتحدث بصوت هادئ :
" أنتِ كويسة صح ؟!"
" زي الحصان يا ابني أنت بتقول ايه بس ؟؟"
تبع كلماتها تأوه عالي بسبب محاولتها الاعتدال في جلستها .
رفع صلاح حاجبه وهو يحرك عينه صوب ذراعها الذي كان مجروحًا وقدمها التي كانت مليئة بالضمادات لتقول هي بعند كبير :
" دي إصابة ملاعب عادي مش اول مرة اقع من على حصان، هو بس حصان غدار اخدني على خوانة، لولا أني عارفة إن سعيد مش بيجي النادي كنت قولت أن هو اللي دفع للحصان عشان يعمل فيا كده "
ضحك صلاح بصخب وهو يتقدم بمقعده منها أكثر وقال ينحني صوبها قليلًا هامسًا بصوته الخبيث المحبب لمسامعها :
" وايه يخليكِ متفكريش أنه بعت شخص تاني تبعه يتفق مع الحصان واغراه بشوية سكر ؟؟"
ضيقت نظراتها وهي تردف بجدية كبيرة :
" تفتكر ؟! أنا برضو قولت الحصان ده مش طبيعي، كان متوتر كده اول ما شافني داخلة عليه ومرضيش يحط عينه في عيني.... المرتشي "
ابتسم صلاح بسمة جانبية وهو ينظر لعينها مطولًا وهي شردت في نظراته، ليسحب نفسه بصعوبة من دوامة عينيها واعتدل في جلسته يقول بجدية :
" تحبي انقلك المستشفى ؟؟"
" مستشفى ايه أنت هتفول عليا ؟! إن شاء الله سعودي وانا لا "
صمتت قليلًا ثم قالت بجدية :
" مين اللي كنت بتكلمه لما اتصلت بيك ؟؟"
" سجلتي المكالمة صح؟؟"
ابتسمت له بخبث فرغم أنه لم يخبرها سابقًا أو يعطيها إشارة أو غيره إلا أنها فعلت ذلك من نفسها :
" عيب عليك والله تظن فيا الظن الوحش ده، بقى أنا اسجلك مكالماتك يا لذوذ ؟؟"
رفع صلاح حاجبه تزامنًا مع التواء ساخر لطرف شفتيه، لتلقى ردة فعله مردودًا حسنًا على ملامحها وهي تطلق ضحكات مرتفعة جعلته يبتسم لها:
" عيبك أنك فاهمني، أيوة سجلتها، بس مين ده وعايز ايه ؟؟"
عاد صلاح بظهره للخلف وهو يقول ببساطة :
" واحد من كلاب سعودك بيشمشم حوالين اخويا، وده معناه أن سعودك بدأ يتخطى حدوده، فارجو متزعليش مني لو شديت عليه شوية "
هزت ميمو رأسها وهي تتشدق بجدية :
" لا لا يا حبوب احنا متفقناش على كده، قولنا مش هنأذي سعيد اكتر من كام غرزة أو موتة، ده مهما كان فرد من عيلتي "
نظر لها ثواني لتبتسم له بخبث وهي تقول ببراءة وكأنها تذكرت شيء تخرج علكة من حقيبتها تلوكها بكل استمتاع لتجعل صلاح يغلق عينه، يحاول أن ينتزع صورتها بشعر اصفر يخرج من حجاب قصير وعباءة سوداء ونعل ذو أصبع بلاستيكي، ما بك صلاح من المفترض أنك اعتدت كل شيء منها، نعم كل شيء عدا أمر تلك العلكة .
أخرجه صوتها من شروده ذلك وهي تتنهد تنهيدة جدة على فراش الموت تسترجع ذكريات أطفالها في أيامهم الأولى :
" هو أنا حكيت ليك قبل كده لما سعيد اتسجن في امريكا بعد ما اتقفش بمخدرات ؟!"
ارتسمت بسمة خبيثة على وجه صلاح لتقول هي بخبث أكثر منه :
" لا متقولش اني محكتش ليك، دي كانت ليلة نكد على دماغ جاد، الله يجحمه مطرح ما هو، اسمع يا سيدي في يوم واحنا قاعدين جه مكالمة لجاد وحد بيقوله الو يا جاد ابنك اتقفش في مطار امريكا بكمية مخدرات كبيرة ..."
اتسعت بسمتها وهي تنحني صوب حقيبتها تخرج الهاتف منها، ثم أخذت تبحث فيه قليلًا قبل أن تعرضه أمام عين صلاح وهي تقول أثناء امتصاص شفتيها بتأثر :
" بص صورته وهو متكلبش كان زي القمر يا قلب امه، ودي صورته وهو في السجن هناك، ودي صورته وهو واقف جنب جاد ومعاهم المحامي، ياااه كانت ايام جميلة "
كانت تتحدث وهي تمسك بمنديل تمسح دموع وهمية وكأنها تتذكر ايام الخوالي والذكريات السعيدة :
" الصور دي بالذات أنا طابعة منها البوم ومعلقاها في كل حتة في اوضتي، كل ما احس أن الدنيا قفلت في وشي ببص عليهم واحس بانشراح وانتعاش كده "
رفع صلاح عينه لها وهو يقول بتسائل وقد شكلت تلك الفتاة سر كبير له :
" الصور دي شكلها كانت من سنين ..."
" أيوة من سبع سنين تقريبا لما كان سعودي ٢٣ سنة، مش شايفه كان لسه مجرم صغير، دلوقتي ما شاء الله كبر وبقى حيوان كبير "
" من سبع سنين كنتِ أنتِ ١٨ سنة بس، منين جبتي كل الحاجات دي ؟؟ وازاي وصلتي ليها؟؟ "
أغلقت ميمو الهاتف وهي تنظر لعينه قليلًا قبل أن تتراجع بظهرها للخلف تردد بصوت مظلم :
" متستغربش، أنا بدأت اللعبة دي كلها بدري بدري، عمر ١٨ سنة ده كان في عز مجدي "
لم يفهم صلاح حديثها، لكنه أدرك جيدًا من كلماتها أنها في هذه الحرب والمعركة منذ سنوات و...
ثواني ...هل قالت أنها كانت تعلمهم منذ عمر ١٨ ؟! هل كانت في هذا العمر متزوجة من جاد ؟؟ هذه المعلومة التي لم يستطع الوصول لها، لم يعلم متى تزوج بها جاد فقد تكتم ذلك العجوز على هوية زوجته الثانية والتي لم تظهر للعلن إلى حين وفاته من سنوات قليلة، اه يا ميمو كم سر تخفين ؟؟؟؟؟
__________________
اقتحم ممرات شركة التعمير التي يمتلكها والده ويقوم هو وإخوته بإدارتها بيد من حديد خاصة الكبير منهم والذي يثير الرعب في قلوب أعتى الرجال هنا، حسنًا هو لا يهتم على أية حال فهو مهندس مدني وجميع أعماله هناك في المواقع.
لكن ومنذ أن وطئت حوريته أرضية الشركة أصبح شغله وكيانه وعقله وجميعه هنا بين ممرات الشركة، تحديدًا في مكاتب المحاسبين .
ابتسم يطرق الباب الخاص بمكتبها والذي اختاره لها خصيصًا بعيدًا عن أي ذكر في هذه الشركة :
" بعطلك ؟!"
انتفضت مروة بتوتر من صوت عبدالجواد الذي اقتحم مكتبها، سارعت لتخفي جميع الواح الشوكولاتة والعصائر التي كانت تتناولهم ظنًا أنه شخص آخر .
لكن صوت ضحكات عبدالجواد اوقفتها عما تفعل لتقوم بمضغ قطع الحلوى في فمها، ثم ارتشفت بعض رشفات من العصير تردد براحة :
" يا عبدالجواد وقفت قلبي، فكرت حد من أصحاب الشركة"
رفع عبدالجواد حاجبه وقال :
" على فكرة أنا من أصحاب الشركة برضو، ولا عشان مش لابس بدلة ؟؟ لا ميغركيش لبس المواقع ده انا عليا شوية بدل في الاجتماعات بتوقف صف الموظفين على رجل واحدة "
جلس على المقعد أمامها وهو يفتح إحدى قطع الحلوى أمامها ومدها لها وكأنه يخبرها أن تأكل ولا تهتم :
" بس رأفة بقلبك الصغير وعشان مش هتستحملي شكلي وانا بالبدلة جتلك بلبس الشغل "
نظرت له مروة وودت لو تخبره أنه حتى بهذه الهيئة لم يرأف بها، ابتلعت ريقها تمضغ قطعة الحلوى التي أعطاها لها وقالت لتخفف من حدّة الأجواء حولهما :
" معرفتش حاجة عن رانيا ؟؟ لحد دلوقتي كل ما ارن عليها تليفونها مغلق ومش عارفة اوصل ليها "
ابتسم وهو يراقب جميع تحركاتها :
" هي عند خالتي في القاهرة وقالت إن تليفونها باظ وبتصلحه، لو حابة تكلميها ممكن تاخدي رقم هاجر وتكلميها منه "
هزت رأسها بلهفة وهي تخرج هاتفها :
" تمام اديني رقمها "
ابتسم لها عبدالجواد وهو يملي عليها بعض الارقام، لتتشدق هي بتركيز تسجل الرقم :
" هاجر مش كده ؟؟"
" لا عبدالجواد"
نظرت له بعدم فهم ليبتسم وهو يقول :
" ده رقمي أنا، مش رقم هاجر، ابقي كلميني واتس ابعتلك رقم هاجر عشان مش حافظه "
فغرت ثغرها وهي تراقبه ينهض من مقعده ثم تحرك صوب الخارج، لكنه توقف وقال :
" متنسيش ها ؟؟ "
رحل تاركًا خلفه هاجر تنظر لاثره ببلاهة، ثم حركت عينيها صوب الهاتف مجددًا :
" هو ايه اللي حصل ده ؟؟"
________________________
دلفت من باب القصر ببطء نظرًا لحالتها الجسدية بعد تلك السقطة العنيفة من على ظهر الحصان، كانت تحاول الإجابة على جميع الأسئلة التي تدافعت من أعين مختار :
" وقعت من على الحصان متقلقش، شوية كدمات وهبقى زي الفل "
لاحقها مختار حتى الباب الداخلي وهي تقول بتسائل :
" تفتكر يا ميخو ده كله عشان قسيت على سعودي امبارح ورفعت أيدي عليه ؟؟ يكونش ظلمناه ؟؟"
نظر لها بجمود لتهز رأسها باقتناع :
" عندك حق ده عمره ما يكون مظلوم ده يظلم بلد بشعبها"
وبتلك الكلمات انتهى الحوار بين الاثنين حينما خطت ميمو داخل المنزل وهي تحاول ألا تستند على مختار أو شيء، لكن وأثناء طريقها للدرج سمعت صوت قادم من اتجاه أريكة البهو وصوت مستفز يعلو في المكان يراقبها تحاول الوصول للدرج :
" يا عيني على الحلو لما تبهدله الايام، كان مستخبيلك فين ده كله يا ميمو ؟! اه منه الزمن لما يدور "
استدارت ميمو صوب سعيد الذي رمقها ببسمة واسعة يرتشف عصيره ببرود وهو يراقب نظراتها عليه تحاول الاعتدال في وقفتها وعدم اظهار الالم، ثم مرر نظراته عليها يرفع كوبه في الهواء :
" تحبي اصبلك كوباية اناناس ؟؟ "
رفعت ميمو حاجبها وهي تجاريه في ذلك الحوار :
" لا تسلم يا سعودي شاربة قبل ما اجي، مش ناقصة مرار على المسا "
أنهت حديثها وهي تتحرك صوب الدرج ليرتشف سعيد المزيد من العصير وهو يضحك بصوت عالي :
" متخافيش مش هحطلك فيه سم ...."
صمت قليلًا يضع طرف إصبعه على شفتيه وكأنه يفكر :
" ولا احط ؟؟ والله مش عارف أنت رأيك ايه ؟؟ تحبي العصير باضافات ولا من غير "
ابتسمت ميمو وهي تتحرك صوب الدرج تقاوم الوجع في قدمها :
" لو تقل دمك من ضمن الاضافات فلا شكرًا، عايزة انام خفيف خفيف "
ارتشف سعيد بقايا عصيره ثم نهض يتمطأ في منتصف البهو وبعدها بدأ يحرك كتفيه وجسده في حركات رشيقة مرنة يحاول بها تقليد رقصات ميمو التي كانت تقوم بها كلما أرادت استفزازه حين حدوث كارثة له .
يرفع يديه في الهواء وهو يغني بسخرية يحاول تقليد صوتها من خلال ترقيق صوته بشكل مستفز :
" الدنيا حلوة واحلى سنين "
رمقته ميمو بحنق قبل أن تنظر لمختار الذي كان يراقب حركات سعيد بجمود، تحركت صوب ميمو التي قالت بسخرية لاذعة ردًا على استفزاز سعيد تدعي البكاء :
" الله يكرمك يا مختار تعالى سندني لفوق لاحسن هموت واعيط، مش قادرة بجد شوف بيضايقني ازاي، تعالى نعيط فوق "
ساعدها مختار للصعود وعينه ما تزال ترسل رسالات تحذير لسعيد والذي لم ينس له ما فعله بميمو منذ يوم وهو سينتقم منه .
أطلق سعيد ضحكات عالية وهو يقول من بينها :
" طب خلاص متزعليش تعالي اغنيلك الأغنية اللي غنتيها ليا لما عملت حادثة، ولا اغنيلك الأغنية بتاعة الصفقة الأخيرة لما خسرتها ؟!"
قاطع حديثه صوت رنين هاتفه، ألقى بنظرة أخيرة على ميمو التي قالت قبل أن تختفي من أمامه :
" لا استنى لما اقوم وانا هاجي اغنيلك واطبلك وأنت تبقى ترقص "
رمقها سعيد ببسمة مستفزة، يتحرك صوب هاتفه ليرى اسم جلال ينير شاشة هاتفه، ذلك الغبي الذي تم القاء القبض على عصابته باكلمها ليعطيهم سمًا في السجن ويتخلص منهم .
زفر وهو يجيب :
" الو يا جلال الزفت عايز ايه ؟؟"
صمت ثواني يستمع لكلمات محدثة قبل أن يصرخ بهياج وبشكل مخيف :
" ايه ؟؟ أنت بتتصرف من دماغك ليه يا متخلف ؟؟؟؟"
______________________
قبل ذلك بلحظات :
تقف على قارعة الطريق تنتظر حضور أخيها، لا تصدق أنه تواصل معها مجددًا يتوسل رؤيتها باكيًا أنه يشعر بالوحدة ويخاف .
نظرت تسبيح في الهاتف وهي تفكر في إقناع أخيها بالعدول عما يريده وتسليم نفسه للشرطة ومن بعدها ستساعده، نعم تقسم أنها ستحافظ عليه، فهو آخر من تبقى لها من عائلتها ...
استدارت فجأة على قرع اقدام خلفها لتبصره، كان ينظر لها بأعين حمراء باكية وثياب رثة، نفسها الثياب التي قُبض عليه بها .
اشفقت تسبيح على أخيها لتتحرك صوبه وهي تدمع من رؤيته هيئته تلك .
وبمجرد أن وصلت له جذبته لاحضانها بقوة حتى كادت تدخله جوار قلبها وهي تبكي بصوت مرتفع :
" عبدالعظيم، ليه كده يا عبدالعظيم ؟! ليه تعمل فينا كده، ليه يا عبدالعظيم ؟؟"
بكى عبدالعظيم بندم شديد وهو يردد لها بصوت مبحوح :
" أنا آسف...أنا آسف يا تسبيح "
بكت تسبيح بعنف وهي تبتعد عنه تحرك يديها على وجهه وجسده بلهفة :
" خلاص يا عبدالعظيم خلاص انا وانت هنرجع سوا، مش أنت ندمت يا حبيبي ؟؟ خلاص والله مش هبلغ عنك أنا آسفة، أنا هاخدك ونسافر من هنا، ايه رأيك نروح الدقهلية عند بنت عمتك ؟! أنا وأنت هنشتغل ونعيش على قدنا، وخلاص مش هنغلط تاني، ماشي يا عبدالعظيم ؟!"
دفن عظيم وجهه ارضًا وهو يبكي بصوت عالي يهز رأسه برفض جعل قلب تسبيح يتوقف لثواني وهي تجبره على النظر في عينيها :
" لا، بصلي يا عبدالعظيم، حبيبي أنا آسفة عارفة اني غلطت، بس والله انا عملت كده عشان تتعدل، بس خلاص هنبدأ من جديد "
ابعد عبدالعظيم يدها عنه وهو يقول بشهقات عالية :
" مش هينفع يا تسبيح أنا آسف "
كان يتحدث وهو يتراجع للخلف وهي تنظر له بصدمة واعين فاغرة :
" لا، عبدالعظيم، احنا هنبدأ سوا متقلقش والله "
بكى عبدالعظيم وهو يهز رأسه متوجعًا :
" أنا اسف يا تسبيح بس انا عشان اعيش كان لازم ادفع مقابل "
نظرت له تسبيح بعدم فهم، هذه نفس الكلمات التي ذكرها في رسالته الاولى، أخبرها أنه خرج من السجن حيًا بمقابل، وها هي الصدمة تأتيها عقب كلمات أخيها لها وهو يقول بشهقات عالية :
" أنتِ المقابل ده يا تسبيح "
شهقت تسبيح وهي من تراجعت للخلف هذه المرة لا تفهم ما يقول، لكن اجراس الخطر بدأت تقرع في رأسها، لا عبدالعظيم صغيرها وربيب يديها لن يؤذيها، هو لم يصل لتلك الدرجة من الشر ...
ابتسمت تحاول خداع قلبها الاحمق الذي جرها لهنا، لمكان غريب قليل السكان لملاقاة شخص ظنته هو نفسه عبدالعظيم الصغير الرقيق الباسم، ابتلعت ريقها :
" قصدك ايه يا عبدالعظيم ؟؟"
" قصده أنك هتكوني كبش فداء لاخوكِ عشان نسيبه يعيش يا قمر "
وكان ذلك الصوت الذي تردد في كوابيسها هو ما تحتاج لسماعه حتى تدرك أنها سقطت في فخ خبيث، قخ قاده أخوها الصغير ...
سقطت دموعها وبللت نقابها تنظر حولها في الظلام لتتبين وجه جلال الذي اقترب منها وهو يجذبها من نقابها نازعًا إياه بقوة جعلتها تطلق صرخة عالية وقد التف حولها رجال عدة وعينها معلقة بعبدالعظيم ترجو منه مساعدة، تناجيه بضعف :
" عبدالعظيم..."
نظر عبدالعظيم ارضًا بخزي ولم يتحدث ليسحبها جلال ملقيًا بها لأحد الرجال وهو يتحدث بقذارة :
" خد السنيورة للخن لغاية ما نشوف هنعمل فيها ايه، وأنت عبدالعظيم، مهتمك معانا خلصت كدة "
نظر لهم عبدالعظيم ومن ثم نظر لأخته بنظرات اعتذار وهي تهز رأسها نفسيًا تطالبه بعدم الرحيل وتركها، تترجاه ألا يلقيها بهذا الشكل خلف ظهره وكأنها لم تكن، لكن نظرات عبدالعظيم أخبرتها أنها من تخلت عنه اولًا وها قد حان وقته ليفعل المثل بها .
عند هذه الفكرة ملئ الحقد والغل عين عبدالعظيم وصور له عقله أنه محق، هي تستحق، أوليست هي من دفعت بهم لكل هذا من البداية ؟؟ إذن لتتحمل خطأها...
بهذه الكلمات اقنع عبدالعظيم نفسه أنه ليس عليه الشعور بالذنب، ونسى كل ما قدمت تسبيح لأجل أن تساعده في حياته حتى هذا اليوم، حتى حينما أبلغت عنه كانت تأمل تأديبه فقط لأنها رأت بعينيها كيف يوزع السم على شباب الحارة دون ذرة ندم ...
استدار عبدالعظيم ليركض بعيدًا عنهم ينجو بحياته التي دفع باخته ثمنًا لها، لكن فجأة سمع صوت مدوي تبعه الشعور بشيء يخترق ظهره ليسقط ارضًا في بركة دماء وصوت تسبيح يرنّ في الأجواء كالطير الذبيح صارخة بحرقة :
" عبــــــــــدالعظــــيــــم "
______________________
ودع الاحزان يا ذوق، ونبدأ مرحلة جديدة في الرواية...
ها نحن نعود للمرح اعزائي ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل
هُوَ المُعْطِي سَيُؤْوِينَا
عليمٌ بالذي فينا
ومَن غيرُ الكريمِ إذا
تَعَالى الموجُ يُنْجِينَا..!
صلوا على نبي الرحمة ..
__________________________
خرج سعيد كالصاروخ من المنزل يلعن جلال ويلعن اليوم الذي عرفه به، ألا يكفيه ما يُلقى فوق رأسه من مصائب ليأتيه هو بواحدة جديدة....
خرج يغلق باب المنزل خلفه بقوة كادت تحطم الجدار ..
وفي الطابق الثاني كانت ميمو تستند على سور الدرج جوار مختار وهي تقول بتفكير :
" شكل كده يا ميخو حد نكد على سعودي غيري "
نظر لها مختار في سخرية لتقول مسرعة :
" لا متبصش كده مش انا اللي قلبت يومه المرة دي والله، أنا جنبك اهو مصابة، محركتش صباع حتى"
رمقها مختار في هدوء تفهمته وهي تهز رأسها له وكأنه تحدث :
" عندك حق، بس انا برضو مش بحب حد يجي جنبه أو يضايقه غيري، يا ترى مين اللي هيخليه يتخمد متنكد غيري؟؟ أنا كده هبدأ اغير عليه "
رفع مختار حاجبه لتبتسم له وهي تتحرك ببطء صوب غرفتها تردد بتنهيدة عالية :
" يا ترى مصيبة ايه اللي اترمت على دماغه ؟؟"
دخلت الغرفة وهي تغلق الباب، لكن قبلها نظرت لمختار نظرة يعلمها جيدًا، ثم اردفت بهدوء :
" مش هوصيك يا ميخو، عينك على سعيد ."
وهزة صغيرة من مختار هي كل ما وصل لها، وقبل أن يفكر مختار في هبوط الدرج وجدها تفقز أمام عينيه، تلك الفتاة التي بدأ يعتقد أنها تساعد سعيد في الهروب من بين قبضتيه، فلا يعقل كلما فكر في اذيته تقفز أمام كالقرد .
" مساء الخير يا مختار، تعرف اني انهاردة فرحانة اوي "
لكن نظرة مختار الجامدة انبأتها أنه لا يهتم بما تتحدث عنه، وتبع نظرته تلك بالتحرك بعيدًا عنها، لكن ما كاد يخطو صوب الدرج حتى تمسكت بمرفقه في توسل ورجاء وهي تقول :
" اسألني ايه اللي حصل انهاردة ؟!"
رفع مختار حاجبه وهو ينظر ليدها التي امتدت له، وما كاد ينتزعها منها حتى ارتفعت شهقاتها وهي تردد من بين دموعها :
" اسألني أنا فرحانة ليه؟! قول أي شيء يدل أن فيه انسان في الحياة دي مهتم بيا، مش لازم تقول بس اسأل حتى بعيونك، اسألني ليه مبسوطة ؟!"
تعجب مختار بكائها الهستيري وهي تتحدث، ابتلع ريقه وهو ينظر لها باهتمام لأول مرة في حياته، لتنهار نيرمينا وهي تقول بانهيار تحاول الابتسام حينما حازت ما تتمناه منه :
" أنا نجحت انهاردة وطلعت السابعة على دفعتي، أنا فرحانة اوي، والسنة الجاية هجيب أعلى وهبقى الاولى "
اوجعته تلك النبرة الحزينة، فرغم حب وحنان سعيد عليها، إلا أنه يومًا لم يحتضنها باهتمام، لم يجلس معها ويتحدثا كاخ وأخته، حتى ميمو التي تراها والدتها تهتم بها أكثر من سعيد، لكنها ما تزال غاضبة منها لأجل ما فعلته مؤخرًا، هي انضمت لتلك الشلة الفاسدة فقط لأنها بحثت بينهم عن الاهتمام والصداقة التي رفض ذلك الشاب مختار منحها إياها..
والان بعدما نبذتهم عادت لمختار ترتجي منه اهتمامًا ..
ابتسمت وهي تحاول اخفاء وجعها خلف بسمتها الكاذبة تلك تربت على ذراعه التي كانت أسيرة يدها منذ ثواني :
" شكرا يا مختار، شكرا لاهتمامك أنك تعرف اللي فرحني انهاردة وانك شاركتني فرحتي، شكرا اوي "
تحركت مبتعدة عنه وهي تود أن تختلي بنفسها في غرفتها لتلعق جروحها وحدها، تود التربيت على نفسها، لكن يد مختار جذبتها قبل أن تتحرك وهو ينظر لها، ولأول مرة يمنحها بسمة، لم تكن ساخرة أو غاضبة، بل كانت فخورة.
ابتسم لها ذلك الحجر بفخر، اشتد بكاء نيرمينا وهي تلقي بنفسها بين أحضانه تهتف من بين دموعها :
" شكرا، شكرا يا مختار، شكرا ليك "
اغمض مختار عينه، ثم رفع ذراعه وربت على ظهرها تربيتات يأمل أن تظهر حنونة، وكذلك كانت على نيرمينا التي استقبلت تلك التربيتات كالصحراء القاحلة لاول قطرات الغيث بعد سنواتٍ عجاف ....
فأحيانًا يكفي الروح أن ترى نظرة اهتمام وحيدة تروي عطشها....
ومن خلف باب الغرفة كانت تقف ميمو التي تنظر لهم من فتحة صغيرة، فعندما استمعت صوت نحيب نيرمينا تغلبت على اوجاعها وهي تركض صوب الباب وكادت تناديها لولا رؤية مختار يتعامل معها بطريقة لم تسبق وأن رأته يفعلها مع أحد ...
ابتسمت ميمو دون شعور وقالت بأمل كبير :
" الظاهر مش نيرمينا بس اللي كانت محتاجة الضمة دي "
_____________________
" يووووه.. يا بني قولتلك واحد بس اللي عايش وهو دلوقتي خلاص بين الحيا والموت والباقيين بح خلاص ماتوا وشبعوا موت "
كانت تلك الكلمات خارجة من صالح والذي استلمه رائد منذ عاد من مركز العمل، ليعلم جيدًا وضع المجرمين الذين تسمموا داخل الحجز .
رفع رائد حاجبه يراقب حنق صالح، ثم استدار صوب محمود الذي كان يحلق الآن في جولة داخل عالمه للاطمئنان على حال الرعية، يحرك كتفه باستمتاع كبير دون أن يأبه بما يحدث :
" طب قولي أنت يا محمود طالما الدكتور معندوش خُلق يفهمني واحدة واحدة، قولي بالضبط نوع السم اللي شربوه وامتى بالضبط شربوه؟!"
نظر له محمود يحاول فهم ما يخرج من فم رائد وهو يضجع على الأريكة بكل راحة بينما رائد يجلس جوار صالح على السفرة الخاصة بالطعام وقد عاد الجميع من العمل منذ ساعة تقريبًا في انتظار عودة صلاح بالطعام كالعادة .
" شربوا ايه ؟! "
عدّل رائد من وضعية مقعده وهو ينظر بشك لمحمود الذي يبدو كما لو أنه على وشك السقوط في النوم :
" المجرمين يا محمود اللي شربوا سم "
هز محمود رأسه بفهم، ثم نهض من الأريكة يتحرك بحركات غير متزنة قبل أن يجلس مجددًا وكأنه غيّر رأيه :
" أيوة أيوة المجرمين اللي شربوا سم .."
صمت قليلًا ثم أضاف :
" وهما شربوا سم ليه ؟! انتحروا ؟!"
هز رائد رأسه وهو يضيق عيونه على محمود :
" تقريبا اه "
ضرب محمود كف بآخر يردد بتأفف :
" استغفر الله، ايه الشباب البايظ ده، ربنا ينجينا "
نظر رائد لصالح وهو يشير لمحمود :
" ماله صاحبك ؟؟"
ابتسم صالح وهو يردد في عدم اهتمام :
" ضارب ملوخية، سيبك منه وخليك معايا أنا، اللي أنت عايز تعرفه اتعمل كله تقرير وخلال أيام هيتأكد كل شيء والعينات نتيجتها هتظهر وقتها تقدر تعرف كل التفاصيل "
في ذلك الوقت دخل صلاح على الجميع يحمل حقائب الطعام يضعها أعلى الطاولة أمام صالح ورائد، ليمد صالح يده لفض ما بها لكن سبقه صلاح وهو يضرب كفه كطفل صغير مشاغب، ثم أمسك يده ينظر لها جيدًا وبعدها ألقاها قائلًا :
" روح اغسل ايدك الاول "
نظر صالح ليده والتي كانت نظيفة فهو إن كان يهتم بشيء في هذه الحياة، فهي صحته والتي لا يتهاون بها أبدًا :
" أنت عبيط ؟؟ أيدي نضيفة ومتعقمة ومغسولة، دي انضف من وشك يا معفن "
نظر له صلاح بسخرية يتذكر مظهر مكتبه هذا الصباح :
" أنت بالذات اوعك تتكلم عن النضافة، كائن عشوائي بوهيمي "
أشار صالح لنفسه يصيح باستنكار :
" أنا بهيمة يا صلاح ؟؟ شوف مين اللي بيتكلم، صلاح اللي كان بينام بين البهايم والعجول "
نظر له صلاح بطرف عينه وهو يقوم بترتيب السفرة :
" حوش اللي كان بينام على ريش النعام، يا بني ده احنا مرة لقيناك واخد الجحش في حضنك ونايم، والمشكلة أننا معرفناش مين فيكم صالح غير لما اتقلبت وقومت لوحدك"
أطلق محمود ضحكات عالية على حديث صلاح، لينظر له صالح بشر :
" ايه فوقت دلوقتي ؟! ماشي يا محمود بس اخلص من صلاح وافضالك "
استدار صالح لصلاح ونظر له بشر، ثم رفع إصبعه في وجهه محذرًا يحاول تفريغ بعض من حنقه :
" لآخر مرة يا صلاح يا سقاري افكرك تلتزم حدودك معايا، أنا مش عيل صغير عشان تعاملني بالشكل ده كأنك ولي امري عشان دقيقتين فرق بينا، أنا أعيش بالشكل اللي يعجبني واكل اللي يعجبني واصاحب اللي يعجبني "
رفع صلاح حاجبه يضم يديه لصدره وهو يشير صوب محمود الذي كان في الوقت الحالي يتجهز رفقة حراس مملكة العالم الموازي لصد هجمات شطائر البطاطس ...
" ده اللي بيعجبك ؟؟"
نظر صالح لمحمود ليقول بغيظ :
" بغض النظر عن محمود يعني، بعدين ماله محمود يعني، ده مفكر ومبدع اكتر منك شخصيًا، ولو أنت مش عاجبك وجودي في البيت ده اخد محمود و نمشي ونريحك مننا"
اقترب منه صالح وربت اعلى كتفه مرددًا :
" امشي يا صالح "
رفع صالح حاجبه وهو يقول :
" يعني امشي ؟!"
" اه امشي "
هز صالح رأسه، ثم تحرك كالصاروخ لداخل غرفته ورائد ما يزال يشاهد كل ذلك دون كلمة واحد كل ما يفعله أنه صب لنفسه الطعام وشرع يتناوله باستمتاع شديد، ثم أضاف حينما أبصر صالح يغيب في غرفته :
" كان لازمته ايه الكلام ده كله يا صلاح ؟! يعني هو أنت لسه عارف صالح؟؟ "
صمت صلاح وهو ينظر لرائد بغموض، ثم تحرك صوب غرفة صالح بخطوات هادئة وبعدها دخل إليها واغلق الباب ...
أصبح رائد وحده في المكان مع محمود الذي بدأ يفيق من غفوته وتحرك صوب الطعام يتناوله بشهية كبيرة وهو يقول :
" امال فين صالح ؟! "
نظر رائد صوب الباب ثم قال :
" بيتخانق مع صلاح "
هز رأسه يتذكر شجاراته مع صلاح :
" ربنا ينجيه من تحت أيده، ده راجل مفتري اسألني أنا "
في داخل الغرفة، كان صلاح يقف جوار الباب يراقب بعين ضيقة ما يفعل صالح حيث كان يلقي ثيابه في الأرض بحنق، ابتسم عليه صلاح وهو يتحرك صوب الخزانة يحضر من فوقها الحقيبة والقاها على فراشه وهو يقول :
" الشنطة اهي بدل ما أنت بترمي الهدوم في الأرض "
نظر له صالح بطرف عينه ولم يجبه، ليطلق صلاح ضحكات عالية وهو يضم صالح من الخلف ممازحًا :
" ايه يا صالح من امتى وأنت بقيت تتقمص كده ؟؟ قعدتك مع الحشاش صاحبك، خلتك مرهف الحس "
نظر له صالح وهو يهز كتفيه بغيظ يبعده عنه، لكن صلاح تمسك به بعناد كبير :
" متحاولش مش هسيبك، هفضل لازق فيك "
استدار له صالح وهو يبعده بحنق :
" مش بحب حد يحضني اوعى "
ابتسم صلاح وهو يشدد من احتضانه وعيونه تلتمع بوميض مخيف وهو ما يزال يضم إليه صالح بشكل جعل صالح نفسه يتعجب، فهو يعلم أن صلاح لا يقصد شيء، هو فقط مستاء من تهديد صلاح له في الصباح بأخبار والده عن أمر رانيا كما لو أنه طفل، وهذا ما جعله ينفجر في الخارج أمامه، لكن احتضان صلاح له الأن _رغم معرفته أنه لم ينتوي الرحيل_ اثار الشك في داخله .
بادل صالح أخيه الاحتضان وهو يقول بقلق :
" مالك يا صلاح أنت كويس ؟!"
ربت صلاح على ظهر أخيه وقد أثارت فكرة أن سعيد وضع أخاه في خطته جنونه ورعبه، هو لم يُظهر ذلك، لكن فكرة أن يتعرض سعيد لأخيه تقتله، صالح ليس بالابله أو الضعيف، لكنه وللاسف مندفع عنيد وهو لا يملك سوى أن يخشى عليه حد الموت .
" صلاح أنت كده بتخوفني، قولي حصل ايه، متقلقنيش عليك "
ابتسم صلاح وهو يغمض عينه وفي نفسه قطع وعدًا أن يطحنهم أسفل أسنانه قبل أن يصلوا لأخيه :
" محصلش حاجة يا صالح، بس حسيت إني عايز احضنك، من فترة محضنتكش "
ضمه صالح أكثر وقلبه يخبره أن أخاه ليس بخير :
" صلاح لو فيه حاجة قولي، لو حد عملك حاجة قولي وانا والله هتصرف معاه "
ضحك صلاح وهو يبتعد عن صالح يمسك وجهه بين كفيه ينظر في عينه بقوة :
" أنا واثق في كده يا صالح، واثق أن لو كل العالم انقلب عليا هتفضل أنت السند والضهر الوحيد اللي هتسند عليه من غير ما اخاف أنه يتقلب عليا "
ابتسم له صالح يربت على كتفه :
" خليك واثق في كده يا صلاح، في ضهرك لغاية آخر العمر، ومستعد عشانك استغل مهنتي اسوء استغلال "
ضحك صلاح بصوت مرتفع يعبث بخصلات توأمه مشاكسًا، ليغتاظ منه صالح وهو يعيد بعثره خصلاته بشكل معين :
" بس يا عم هتبوظ شعري "
أطلق صلاح صوتًا حانقًا :
" ده على اساس أنه مترتب اوي، ده منكوش "
" أيوة بس منكوش بترتيب، أنت مش هتفهم الحاجات دي"
دفعه صلاح في كتفه بمزاح ثم قال :
" طب غير هدومك ويلا عشان تتعشى، وتخلص وتمشي صاحبك اللي برة ده عشان ما اشوفه اتعفرت "
" طب والله بيحبك يا صلاح، أو بيحبني وبيفكرك أنا معرفش الحقيقة "
ضحك صلاح وهو يتحرك خارج الغرفة :
" يا اخي أنا مش عايزة يحبني، يلا متتأخرش"
ابتسم صالح وهو ينظر لظهر أخيه ثم غامت عيونه بالتفكير، يشعر أن صلاح يخفي شيئًا عنه وهو سيعلم هذا الشيء ...
_______________________
تجلس في الظلام بعدما القوها كالخرقة البالية وكأنها لا تساوي شيئًا، وهكذا كانت تسبيح في اعينهم، هي لا تساوي سوى انتقام في أعين جلال، لا تفيدهم بشيء ..
ساعة مرت تقريبًا قبل أن تسمع تسبيح أصوات صراخ عالية وسباب نابية وصرخات رجل ذو نبرة غريبة يصرخ بالجميع في الخارج :
" أنتم بتتصرفوا من دماغكم ؟! أنا ناقص بلاوي منك ليه رايحين تخطفوا بنت ؟؟"
حاول جلال التبرير، لكن هيهات، فامام غضب سعيد صمت ولم يستطع نطق كلمة واحدة، نعم هو خطط لكل ذلك انتقامًا منها على ما فعلته بهم .
" ياباشا دي البنت اللي بلغت و..."
قاطعته صفعة قوية من يد سعيد والتي من شدتها أسقطته ارضًا وهو يصرخ دافعًا أحد المقاعد بقدمه :
" وقعت في مصيبة تقوم موقع نفسك في مصيبة تانية يا متخلف ؟؟ اللي زيك بيحفر حفرة لنفسه وبيقعد يقول يارب ما حد يشوفني، تقوم تروح تخطفلي بنت ؟! لا وبنت كانت في حماية الشرطة يا متخلف "
نظر له جلال بغضب أخفاه خلف نظراته، فهو في النهاية لا يستطيع شيئًا أمام قوة وجبروت سعيد الاشموني، بصق جلال الدماء وهو يقول :
" واهو اللي حصل يا باشا، هنعمل ايه فيها دلوقتي ؟! أنا بقول نقتلها ونخلص منها ولا من شاف ولا من دري "
اخرج سعيد سلاحه وهو يوجهه على جلال يقول بأعين متقدة :
" والله الحل اللي بيدور في دماغي دلوقتي هو اني اقتلك واخلص منك ومن بلاويك أنت وشوية العيال اللي كانت معاك "
ارتعشت ارجل جلال يرفع يديه في الهواء مرددًا بمهادنة :
" اهدى ياباشا السلاح يطول، كل ده عشان حتة بنت ممكن ندفنها في اي حتة ومحدش هياخد باله و..."
قاطع حديثه صوت رصاصة سعيد التي استقرت في ذراعه وهو يبصق كلماته بصقًا في وجه جلال :
" غبي وهتضيعني بغبائك، البنت شاهد ومحمية من الشرطة يا متخلف وتقولي نقتلها ؟؟ "
أنهى حديثه، ثم مسح وجهه وهو يدور في المكان يحاول التفكير في حل لتلك الورطة التي سقط فيها من حيث لا يدري بسبب كم الغباء المحاط به .
نظر بطرف عينه دون أن يستدير صوب جلال :
" هي فين ؟؟"
تحدث جلال وصوته خرج متوجعًا :
" في الاوضة اللي على اليمين "
تحرك سعيد صوب غرفة تسبيح التي كانت في تلك اللحظة تردد كل ما تحفظ من القرآن وتستغفر ربها، تغلق عينها بقوة تحاول أن تهدأ، تُذّكر نفسها بقول الله عن وجل ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) وإن كُتب لها الاستشهاد على أيديهم لتفعل، لكن وهي ترفع رأسها عاليًا دون أن تريهم منها خوفًا .
ثواني وشعرت تسبيح بصوت انفاس قريب منها لتنتفض بعيدًا وهي تصرخ بصوت عالٍ :
" ابعد عني "
عاد سعيد برأسه للخلف يتأمل وجهها على ضوء المصباح الصغير الذي يضئ المكان، جذب مقعد واستقر به أمام جسد تسبيح التي ضمته بقوة وكأنها تحميه
" أنتِ بقى اللي عملتي ده كله في جلال ورجالته ؟؟"
رفعت تسبيح رأسها له وهزتها نفيًا بقوة، تردد بصوت خافت حاولت أن تجعله قويًا :
" قذارتهم هي اللي عملت كده فيهم "
قوية ...ما باله لا يرى من النساء سوى المتجبرات امثال ميمو وتلك الفتاة، لكن أين تلك الفتاة من تجبر ميمو ؟؟ هذه فقط ربما جريئة شجاعة، لكنها ليست بمثل دهاء وخبث الافعى التي يحتفظ بها أسفل سقف منزله .
" عندك حق، وعشان هما قذرين قرروا يجيبوكِ هنا ويحاسبوكِ أنتِ على قذارتهم اللي ودتهم في داهية "
رفعت تسبيح عينها له، وللحظة شعر بالتردد ليس لشيء، سوى أن عينيها تشبه وبشكل مخيف عيون والدته، نفس النظرة ونفس العيون، لكنها ليست والدتك سعيد؛ لذلك دع عواطفك الغبية جانبًا وتخلص من تلك الورطة ...
" اعمل اللي تعمله، أنا مش هامنني حاجة، مبقاش فيه حاجة اخاف عليها، ولا بقى فيه حاجة اعيش عشانها، فلو بتفكر تخلص مني، اخلص وريحني وفكك من جو التحقيق ده اللي مش لايق عليك "
ابتسم سعيد وهو يقول بحزن مصطنع :
" بجد مش لايق عليا ؟! خسارة كان نفسي ابقى ظابط اوي واحقق حلم امي "
أطلقت تسبيح ضحكة ميتة لا روح فيها، وأي روح تلك التي قد تسكن جسد أبصر وشاهد خروج أرواح احبائه أمام عيونه ؟!
" يا حسرة امك عليك، طلعت زبالة للاسف "
ابتسم سعيد بسمة جانبية قبل أن يجذب حجابها بقوة صوبه ويرفع جسدها لفوق حتى ترى عينه التي اشتعلت عن قرب :
" واضح أنك حابة تقضي ليلة سعيدة مع رجالتي ها ؟!"
ارتعش جسد تسبيح بقوة، ليس هذا، مستعدة للموت، لا تخشاه، لكن على الأقل لتمت طاهرة كما أتت لتلك الحياة، لا تريد أن يُدنس جسدها على أيدي بعض القذرين الذين لا يخشون ربهم .
وكل ما استطاعت أن تفعل في تلك اللحظة هي أن تبصق في وجه سعيد الذي أغلق عينه بقوة يتركها بهدوء شديد اخافها أكثر من جنونه الذي كان يتوقعه، أخرج منديل من جيب سترته، ثم مسح وجهه وهو يقول :
" تمام عرفت ردك "
أنهى حديثه ينهض من مقعده وهو يتحرك صوب الخارج، لكنه توقف على صوت تسبيح الذي خرج قويًا مقهورًا :
" في يوم من الايام كل اللي بتعمله من ظلم هيترد ليك، وفي اقرب شخص لقلبك، مين عارف يمكن بكرة تلاقي اختك ولا بنتك مكاني وبيتعمل فيها نفس اللي بتفكر تعمله، وقتها وريني تجبرك ده هينفعك في ايه "
من المفترض أن ذلك الحديث المعتاد من الضحية لا يؤثر بأحد، لكن سعيد والذي لا يمتلك في هذه الحياة اغلى من شقيقته شعر بصاعقة تهز كيانه لتخيله نيرمينا ملقية في ذلك المكان القذر رفقة بعض القذرين كجلال ورجاله .
هو لا يمتلك عداوة معها ولا تهمه من الأساس، كل ذلك بسبب الحقير جلال، لذلك لتكون تلك الفتاة عقابًا لجلال ومن معه وليست مكافأة .
ابتلع ريقه وهو يخرج من المكان بخطوات سريعة تاركًا تسبيح تبكي بصوت مرتفع تستغفر ربها وهي تحاول أن تشحذ قوتها لأجل القادم ...
لكن فجأة رأت رجال ذوي بذلات غالية الثمن ما كان لجلال الحصول عليها ولو في أكثر أحلامه جموحًا يسحبون جسدها للخارج تحت مقاومتها الشرسة، تعض هذا وتخدش ذلك وتركل ذلك ...
كل ذلك حتى خرج بها الرجال من المخزن أمام أعين جلال ورجاله المتحسرة ...
ألقى الرجال جسد تسبيح ارضًا خارج المخزن وأمام سعيد الذي نظر لها بأعين سوداء وهو يقول بصوت مخيف :
" امشي من هنا ...امشي ومتخلنيش المحك تاني وإلا وقتها مش هرحمك، اظن اللي حصل ليكِ كفاية اوي يفهمك أنك متلعبيش مع اللي اكبر منك "
رفعت تسبيح عيونها له ترمقه بكره ليبادلها سعيد نفس النظرة بتحدي قبل أن يأمر حراسه بكلمات موجزة :
" خدوها لغاية الطريق العام و..."
وقبل أن يقترب أحدهم منها نبذت أيديهم وهي تقف على أرجلها تسير دون كلمة واحدة ترثي حالتها لا تشعر بشيء سوى بالدنيا تطبق على صدرها وسعيد يراقب خطواتها باهتمام واعينه تلتمع بغموض مخيف.
وتسبيح تسير ببطء حتى بدأت شهقاتها المكتومة تعلو وتعلو لتصدح في الأجواء حولها ..
صرخاتها تعلو وتعلو حتى كادت روحها تخرج مع الصرخة، تريد أن تخرج كل ما في صدرها، أن تدع كل ذلك الحزن الذي تلبس جسدها، سقطت ارضًا على ركبتيها تتخذ وضعية السجود وهي تبث شكواها ووجعها لربها، ترجو منه رحمة بها، لترفع رأسها وهي تبتسم من بين دموعها، تتذكر أن رحمته بالفعل شملتها حتى وهي بين الذئاب، أنقذها منهم وهي من ظنت أن لا منفذ لها منهم، لكن الله معها دائمًا وشملها بعنايته .
ابتسمت وهي تفتح ذراعيها وبدل أن تقنط وترى الحياة سوداء كما فعلت في المخزن اخذت تردد :
" الحمدلله ...الحمدلله "
ها هي تسير منذ ساعات لا تدري أين هي، كل ما فعلت هي أنها أوقفت سيارة أجرة واملته عنوانًا ومن ثم أغلقت عينها ولم تعي سوى وهي تهبط أمام المنزل، صعدت الدرجات ببطء وبجسد نال من الهموم ما ملئه وفاض .
توقفت أمام باب أحد المنازل تطرقه ببطء وضعف، وتعب ملء روحها، ثواني حتى ظهر لها أحد الرجال الذين كانوا مألوفين لها ..
قالت تسبيح بتعب وصوت مرهق :
" رائد موجود ؟؟"
تعجب صلاح من تلك الفتاة التي يراها للمرة الأولى والتي تسأل عن رائد، هز رأسه وما كاد يستدير لينادي رائد الذي يعمل على أوراق في بهو المنزل حتى أبصر جسد الفتاة يتهاوى شيئًا فشيء ليمسكها بقوة ورعب وهو ينادي بصوت هلع :
" رائــــد ...رائــــد تعالى بسرعة ."
___________________________
صبيحة اليوم التالي ....
اصطحب محمود والده خلفه إلى مخبز هاجر، يجره خلفه جرًا وهو يردد ببسمة :
" تعالى متتكسفش أنا عازمك على الفطار "
نظر ماجد لابنه بحنق وهو يجلس على أحد المقاعد في ذلك المكان الراقي والذي يجهل حقًا، كيف تعرقل به ابنه والذي كان ارقى مكان دخله هو محل كشري ذو ديكورات عصرية .
دارت عين ماجد في ذلك المخبز المريح للنفس والعين، حيث تنتشر بعض الازهار الجميلة على النوافذ الزجاجية، والطاولات مغطاة بمفارش بيضاء مبهجة ..
" أنت عرفت المكان ده منين ؟؟"
عاد محمود بظهره للخلف ببسمة :
" صدفة كنت معدي أنا وصالح رايحين المستشفى وكنت على لحم بطني فشوفنا الفرنة دي ونزلنا جبنا منها شوية قرص، بس كانت ايه يا ماجد عسل "
ردد ماجد بتشنج :
" فرنة ؟؟ الله يسامحك ده انضف من اوضتك "
ثواني ووجد الاثنان هاجر تقترب منهما بخطوات موزونة تردد برقة وهي تحمل قلم ومدونة صغيرة وهناك بسمة هادئة تتوسط وجهها :
" اتفضلوا تحبوا تطلبوا ايه ؟!"
ابتسم محمود وهو ينظر لوالده مشيرًا بعينه على هاجر :
" شوفت يا ماجد ذوق ابنك، دي بقى هاجر مرات ابنك المستقبلية "
نظر ماجد لهاجر من أسفل نظارته، يمر عليها من أعلى لاسفل قبل أن يقول باستنكار :
" دي !؟! حرام عليك يا ابني بنات الناس، هتاخد دي تعمل بيها ايه ؟؟ دي هتبوظ منك بسبب سوء الاستخدام "
" ايه يا حاج هي تلاجة وجاي تعاينها؟؟ هو أنا جايبك عشان تشوف العروسة ولا عشان تبوظلي الجوازة؟! "
" عشان افطر، أنت جايبني وقولتلي هعزمك على فطار حلو وجبتني هنا "
نفخ محمود بغيظ وهو ينظر لهاجر التي كانت لا تفهم شيئًا مما يتهامسون به تنتظر أن ينتهوا ظنًا أنهم يحاولون التقرير :
" بص أنا كده كده قررت خلاص، هاخد اوضتي وافتحها على اوضتك ونعمل الدور التاني كله جناح لينا عشان النواعم تاخد راحتها "
التوى ثغر ماجد باستهجان :
" نواعم ايه ولمبادا ايه ؟؟ أنت هتعدل في بيتي على مزاجك؟! وانا أنام فين ؟؟ هترميني في دار مسنين ؟ ولا هتفرشلي ملاية في الفرنة هنا ؟؟"
انحنى محمود أكثر وهو يهمس بجدية :
" لا يا حاج استغفر الله، ده أنت الخير والبركة برضو، بص احنا هننقل السرير بتاعك للمعمل بحيث يعني تكون جنبك شغلك وكده "
رفع ماجد حاجبه ولم يكد يجيب حتى ارتفع صوت هاجر بلطف وهي ترسم بسمة رقيقة :
" أنا آسفة لو بقاطع حضراتكم بس عشان انهاردة مفيش عمال في المخبز وانا بعمل كل شيء بنفسي زي ما شايفين عشان كده لو حابين ممكن اسيبكم تقرروا براحتكم "
ابتسم محمود وهو ينظر لها بفخر كما لو كانت ابنته، ووالده يناظرها بشفقة وهو يقول :
" يابني حرام عليك، دي رقيقة خالص، ليه تبهدلها معاك "
تجاهل محمود حديث والده وهو يقول معرفًا إياه :
" أهلًا يا آنسة هاجر، اكيد فاكراني، أنا دكتور محمود قابلتك قبل كده، وده الدكتور ماجد ابويا "
ابتسمت هاجر وهي ترحب بمحمود ثم نظر لماجد بلطف :
" تشرفت بحضرتك يا عمو "
هز ماجد رأسه متحسرًا على الفتاة الرقيقة وهو يقول :
" الشرف ليا يا بنتي "
ابتسم محمود وهو يردد بجدية :
" تمام بصي يا ستي عايز قرص زي اللي اكلتها هنا قبل كده وعصير وكوباية قهوة "
ابتسمت له هاجر ولم تحب أن تستفسر عن ماهية تلك الـ " قرص" التي يتحدث عنها، بل هزت رأسها بهدوء ورحلت وهي تقرر وضع بعض الـ " دوناتس" لأجلهم، فهذا هو ما يأكله محمود كل مرة مقتنعًا اقتناع تام أنها " قرص" ذات ثقب في المنتصف وحشوات مختلفة ولا داعي لكل تلك التسميات الغريبة .
رحلت هاجر وابتسم محمود بسمة صادقة غير تلك الممازحة وهو يراقبها تتناقل بين طاولات الجميع كفراشة بين الازهار، هاجر التي اعجبته منذ النظرة الاول والكلمة الاولى، لكنه ظن في البداية أنها تحب صالح، لذلك دفعه نحوها علّه ينتزعها من عقله، ولم يدرك أنها معجبة بكتب صلاح لا أكثر.
بعد دقائق عادت هاجر ووضعت لهما ما طلباه ببسمة واسعة :
" اتفضلوا بالهنا والشفا "
بادلها محمود بينما ماجد لم يهتم سوى بتناول وجبته للعودة إلى العمل، وقبل تحرك هاجر عادت لمحمود متسائلة :
" صحيح بما انك هنا ليه مجبتش تليفون رانيا معاك ؟؟"
نظر لها محمود ثم قال بجدية :
" عطيته لصالح عشان هو يديه ليها بنفسه ويحاول يعتذر ليها على اللي عمله، وانا كمان بعتذر لو كنا سيبنا أي مشاكل مؤخرًا ليكِ أو لرانيا، أنا في النهاية يهمني العلاقات الوثيقة مع عيلتك "
ورغم أنها لم تفهم ما يرنو إليه، إلا أنها ابتسمت وهي تشكره بهدوء، ثم تحركت صوب المخبز وهي تأمل أن يصدق محمود وتمر مقابلة صالح ورانيا على خير ..
____________________
تتقلب في نومها بكسل، ذلك الهدوء الذي يعم المنزل بعد رحيل خالتها للمخبز يثير في نفسها المزيد والمزيد من النعاس، ابتسمت رانيا تتمطأ بكسل وقد قضت ليلة جميلة بأحلام لطيفة عكس ذلك الكابوس الذي رأته البارحة عقب مقابلتها لصالح .
تثائبت بكسل وهي تنهض من الفراش ومازالت عيناها مغلق تتحرك في غرفتها التي تحفظها عن ظهر قلب في منزل خالها، لكن فجأة اصطدمت بشيء غريب جعلها تفتح عينيها مرددة بجهل :
" هي هاجر غيرت الديكو...."
فجأة توقفت عن الحديث وهي تنظر حولها بعدم فهم، هل دخلت ثقب اسود أم أنها انتقلت بالزمن ؟؟ أين هي ؟؟ هل كانت تحلم أنها في منزل هاجر؟!
حتى وإن كان فما تراه الآن أمامها لا يشبه أي مكان تعرفه، فهو أشبه بـ خرابة.....
ابتلعت رانيا ريقها بعدم فهم، تتحرك في المكان بجهل وقد بدأ قلبها يقرع بخوف، ربما هي تحلم، نعم صحيح ربما هو كابوس كذلك الذي عاشته البارحة .
بدأت رانيا تصفع نفسها بخفة وهي تغمض عينيها بقوة، وبعدها فتحتها لتجد نفسها في نفس المكان ..
حسنًا ما هذا المزاح ؟! هل فعلها ذلك المزعج صالح واختطفها للتخلص منها ؟!
نظرت حولها تبحث عن مخرج من ذلك المكان حتى أبصرت بابًا، وبالفعل تحركت له تجذب مقبضه بقوة تحاول الخروج، لكنه كان مغلقًا جيدًا من الخارج، بدأت الدماء تندفع في أوردتها بقوة شديد، الخوف يتدافع والادرينالين كذلك، ما الذي يحدث لها ؟!
بدأت رانيا تطرق الباب بقوة والرعب تمكن منها :
" فيه حد برة ؟؟ افتحوا الباب أنا فين ؟! افتحوا الباب "
لكن كل ما قابلها هو الصمت فقط، عادت للخلف بخوف وهي تجذب شعرها بتوتر ليتوقف قلبها لثواني تستوعب أنها بشعرها وبثياب النوم التي ارتدتها البارحة ....
ضمت جسدها بقلق وهي تستمع صوتًا يقترب من باب الغرفة تنظر حولها محاولة إيجاد شيء تخفي به ذراعيها وشعرها، لكن لا شيء، وقبل أن تفكر في اتخاذ خطوة انفتح الباب ليظهر وجهًا غريبًا لرجل بثياب راقية وهو يقول ببسمة :
" واخيرًا صحيتي ؟؟ فكرنا المنوم اللي شمتيه موتك "
فتحت رانيا فمها وهي تتجلد بالقوة :
" مخدر ايه؟! أنتم مين وعايزين مني ايه ؟!"
كاد أحدهم يقترب منها وهو يتحدث بتمهل :
" احنا مش عايزين نأذيكِ احنا بس محتاجـ..."
انحنت رانيا بسرعة تلتقط حجرًا مسننًا من الأرض وهي تشير بعينها محذرة إياه من الاقتراب :
" ارجع ورا، ورا "
رفع الرجل يده بهدوء وهو يقول :
" احنا بس عايزين نتفاهم "
" نتفاهم على ايه يا جدع أنت ؟! أنا اعرفك اساسا ؟؟ بعدين عايز تتفاهم من بعيد وإلا والله اخليك وشك كله غرز "
نظر الرجل لآخر يقف خلفه على باب الغرفة وقد كان ذلك الاخير هو نفسه الرجل الذي ذهب للتحدث والاتفاق مع صالح على أمر العمل مع سعيد .
ابتسم الرجل الأول والذي يُدعى وسيم وهو يقول بهدوء :
" احنا بس عايزين نوصل لطريقة نقنع بيها حبيبك أنه يوافق على الاقتراح بسرعة من غير ما يلعب بديله "
ضيقت رانيا ما بين حاجبيها بعدم فهم أي حبيب وأي اتفاق هذا ؟؟ وبسبب شرودها في حديثه استغل وسيم الفرصة ونزع الحجر منها وكبلها بقوة وهو يقول :
" اهدي احنا بس عايزين مكالمة منك كده لحبيب القلب نقنعه بيها إن أي لعب كده او كده مش في صالحه."
أنهى وسيم حديثه وهو ينظر لرفيقه الغبي الذي أرسله للاتفاق مع صالح ليعود ويخبره أنه أفشى عن هوية سعيد لصالح، وقتها جن جنونه وقرر اللعب بقذارة وإحضار تلك الفتاة التي افترض أنها حبيبة لذلك الطبيب بعدما رصدها معه مرات عديدة كما أن صالح سبق وألقى نفسه في سيارة لأجلها ..
حاولت رانيا الهدوء فقط لأجل ألا يصيبها سوء وهي تنظر للرجل متساءلة بغضب :
" حبيب مين ده ؟! أنا معنديش حبيب "
نظر الرجلان لبعضهما بشك قبل أن يتساءل وسيم بجدية :
" دكتور صالح ؟؟"
أطلقت رانيا ضحكات عالية وهي تنتزع نفسها من بين يديه مرددة بسخرية :
" أنا وصالح ؟! اكيد بتهزر صح ؟؟"
وقبل أن تتبع جملتها بأخرى وجدت سلاحين أمام عينيها وصوت وسيم يردد بشر :
" اتمنى تكوني أنتِ اللي بتهزري لأن لو فعلا مفيش علاقة بينكم فانتِ ملكيش لازم، واسفين هنضطر نقتلك يا آنسة "
رفعت رانيا يدها بفزع وقد بدأت ترتجف وهي تقول مبتلعة ريقها :
" أيوة فعلا أنا بهزر، ده صالح ده حبيب الطفولة والمراهقة والشباب، أنا ...أنا... أنا بس عشان كنت متخانقة معاه من فترة فمش بكلمه، لكن هو حبيبي وقلبي وكل ما ليا في الدنيا دي ."
_____________________________
كان يغط في نوم عميق في غرفته، ومن بين نومه استمع صالح لصوت رنين هاتف جواره، حاول فتح عينيه يبحث عن الهاتف حوله حتى وقعت يده عليه فحمله واضعًا إياه أعلى أذنه وهو يردد بصوتٍ ناعسٍ :
" الو ؟"
" دكتور صالح ؟!"
" اممممم"
على الجانب الآخر اعتدل وسيم في جلسته يشير بعينيه لرانيا ألا تتحدث حتى يأذن لها وهي فقط ترتجف داخليًا مما يمكن أن يحدث لها، هل آن لها أن تعيش تلك المشاهد التي تشاهدها في الافلام من خطف وقتل ؟؟ وكل ذلك لأجل من ؟؟ صالح ؟؟
" اسف لو بزعجك بس اعتقد أن فيه حاجة معايا تخصك"
تمتم صالح بنصف وعي وهو يكاد يُسقط الهاتف من بين أصابعه :
" ماشي هاتها وانا هخلي حد يحاسبك "
تعجب وسيم وهو ينظر لرفيقه والذي يُدعى رجب وهو نفسه الذي قابل صلاح ظنًا أنه صالح .
" يحاسب على ايه !؟"
زفر صالح بغيظ وهو يود النوم في ذلك اليوم بعد سهره طوال مساء أمس لعلاج تلك الفتاة صديقة رائد :
" الهدوم يا عم، مش أنت من المغسلة ؟؟"
" مغسلة ايه ؟؟ أنت بتهزر !!"
انتفض صالح في جلسته وقد كان شعره هائجًا لأعلى بشكل مثير للضحك يفرك عينيه بتعب :
" والله أنت اللي بتهزر، متصل بيا يوم الجمعة، اليوم الوحيد اللي باخده راحة عشان تقولي ليا حاجة عندك؟! يا عم خليها عشانك أنا مش عايزها الحاجة دي، مبسوط كده ؟؟ "
نظر وسيم لرانيا التي كانت تستمع لحديث صالح عبر الهاتف حيث كان وسيم قد فتح المكبر سابقًا، ضغطت رانيا على أسنانها بحنق وهي تردد بغضب :
" يا مين يلايمني على رقبته اكسرها تحت ايدي "
تحدث في تلك اللحظة رجب وهو يقول بهدوء شديد يشوبه بعض الخبث الطفيف :
" دكتور صالح اكيد فاكر صوتي "
وصل له صوتًا ساخرًا من صالح الذي قال بحنق :
" مين الاستاذ التاني اللي فاكر نفسه عبدالحليم ؟؟ افتكر صوتك بتاع ايه يا ابو حنجرة ذهبية أنت ؟! عامل البومات يعني ولا ايه ؟؟"
فتح رجب عينه بصدمة ينظر لوسيم الذي رفع حاجبه لا يعجبه كل ذلك وبالطبع لن يعجب سعيد إن وصل له ما حدث وما يفعلونه دون علمه .
تنحنح رجب وهو يقول بجدية :
" أنا اللي قابلتك في المكتب امبارح لو تفتكر "
" اهل حد من الجثث يعني ؟؟ بعدين مكتب ايه اللي قابلتني فيه ؟! أنا مبدخلش حد مكتبي عشان بيبهدلوه"
تعجب رجب وبشدة من حديثه ليسارع بالقول :
" هو مين معايا ؟؟ مش حضرتك برضو دكتور صالح السقاري الطبيب الشرعي في المستشفى اللي في آخر شارع .....؟!"
" أيوة أنا يا سيدي دكتور صالح اللي متنيل شغال في ام المستشفى دي، نعم اتفضل حضرتك جثة عندنا يعني ولا أي جر شكل على الصبح ؟؟"
اعتدل رجب في جلسته يجذب الهاتف من يد وسيم وهو يقول بجدية :
" طيب أنا الراجل الي قابلك امبارح في المكتب وعرضت عليك الشغل معانا "
" معاكم مين يا عم أنت وشغل ايه ؟؟ "
قال رجب بغباء منقطع النظير جعل وسيم ينظر له بشر :
" شغل الاعضاء مع سعيد الاشموني "
انتفض جسد صالح من الفراش وهو يردد بتشنج :
" شغل ايه يا روح امك ؟؟ أعضاء ايه يا خويا اللي بتتكلم عليها دي ؟؟ أنت عرضت عليا امبارح شغل أعضاء ولسه سليم ؟؟"
حدق كلٌ من وسيم ورجب في بعضهما البعض بصدمة من طريقة حديثه، فذلك عبر الهاتف لا يشبه البتة ذلك الذي قابله البارحة وحدثه بهدوء وتمهل، ووسيم ينظر لرجب بشر وكأنه يخبره ( أهذا هو نفسه الخبيث الذي جئت تبكي وتشكي أنه جرك للحديث دون وعي ؟؟" )
ابتلع رجب ريقه وهو يقول في محاولة بائسة لتذكير صالح بتلك المقابلة :
" أنا سبت رقمي ليك وأنت قولت هتكلمني وهتفكر في الشغل، حتى أنت امبارح كان شكلك مرحب بالشغل والفكرة وقولت هتفكر وترد عليا "
ارتفع صوت صالح لا يفكر ولو لثانية في حديث ذلك الذي يتهمه بمثل تلك التهمة وأنه على وشك العمل في تجارة الاعضاء :
" أنت متخلف ولا ايه حكايتك ؟؟ دي الكاميرا الخفية طيب ؟؟ مدير المستشفى بيختبرني صح ؟؟ قولهم مش صالح السقاري اللي يبيع مبادئه ويبقى بتاع أعضاء مجمدة"
دفع وسيم وجه رجب عن الهاتف ثم امسكه يردد بشر وقد فاض الكيل من ذلك الشاب العديم الادب :
" اسمع عشان أنا خلاص جبت اخري منك، لو فاكر أنك بالطريقة دي هتهرب من كلمتك معانا فأنت غلطان، لأن اللي معايا هنا مش مجرد حاجة تخصك، دي حبيبة القلب"
حبيبة القلب ؟! قلب من ؟! قلبه هو يمتلك حبيبة دون علمه ؟؟ هل هذه تهمة شنيعة أخرى يلقونها عليه كأمر الاعضاء ؟!
" حبيبة القلب ؟! حبيبتي انا ؟!"
في هذه اللحظة اشار وسيم لرانيا بالتحدث لتقول بارتجاف وخوف :
" صالح "
ضيق صالح حاجبيه بتفكير يحاول الوصول لهوية صاحبة الصوت :
" أنا حاسس اني سمعت الصوت ده قبل كده "
ابتسم رجب بتفاؤل لوسيم الذي أشار له بإصبعه علامة الانتصار، لكن فجأة ومن حيث لا يعلمون انفجرت رانيا في وجه صالح :
" حاسس انك سمعته قبل كده؟؟ أنت هتهزر ؟؟ اقسم بالله أما خلصتني من المصايب اللي بتقع فوق دماغي بسببك لأكون ...."
توقفت رانيا عن الحديث حينما أبصرت نظرات وسيم ورجب لتقول بمسكنة وصوت هادئ حنون :
" هخاصمك يا صالح وأنت عارف لما اخاصمك مش هتصالح ولو جبتلي ايه "
وعادة صالح التي لا يمتلك غيرها قال بوقاحة :
" ما تتفلقي، أنا عارفك يا ام لسان طويل أنتِ، أنتِ رانيا صح ؟! طلعت دي كلها لعبة منك عشان تنتقمي مني؟! عايزة تلبسيني في تهمة أعضاء، العبي غيرها يا حلوة "
ودون أن تعبأ رانيا بمن حولها انفجرت في الصياح تحاول أن تتحلى بنبرتها متماسكة :
" اقسم بالله أنا لو حصلي خدش لاكون مـ"
تحدث صالح وهو يدور في غرفته بنبرة مرتفعة مستفزة :
" هتوديني في داهية، عارف عارف سمعتها منك ميت مرة"
بكت رانيا وهي ترى نظرات الرجال عليها وقد ثار في قلبها فزع خفي، رباه هي لم تعتد التعرض لكل ذلك، هي كانت تتعامل مع مشاكلها بأكملها من خلف إخوتها ولم تضطر يومًا لمواجهتها، كانت المدللة لهم والآن ليأتوا ويرون ما يحدث لمدللتهم ..
" أنا لو حصلي حاجة اخواتي هيكسروا بيتك اللي قاعد فيه ده فوق دماغك يا صالح، والله العظيم لو خرجت من هنا عايشة لـ.. "
ومجددًا تراجعت وهي تقول بنبرة ناعمة :
" صالح يا حبيبي "
شعر صالح برأسه تدور من تلك الكلمة يرمش بصدمة كبيرة وعينه تدور في المكان حوله وكأنه يبحث عمن يؤكد له أنه مستيقظ :
" حبيبك ؟؟ أنا ؟؟"
ابتلعت رانيا ريقها تردد بنبرة مدللة عاشقة :
" أيوة يا قلبي، هو أنا ليا غيرك في الدنيا دي يا صالح ؟؟ متخليش شوية الخناق اللي بينا تنسينا سنين الحب والشوق يا صالوحة "
نظر صالح حوله في الغرفة، ثم تحرك سريعًا صوب الجدار يضرب قدمه فيه بقوة شديدة ليتأكد أنه لا يحلم، وبمجرد أن بدأ الألم ينتشر من أطرافه لقدمه بأكملها استوعب أنه مستيقظ :
" أنتِ ....أنتِ بتقولي ايه ؟؟"
سارعت رانيا للتحدث بدلال :
" بقول اللي أنت مكنتش بتعرف تنام الليل غير لما بتسمعه يا صالح"
" انام الليل ايه؟! يابت ده أنتِ كنتِ منكدة عليا ليلي ونهاري "
سقطت دموع رانيا وهي تتحدث بصوت منخفض ورجاء صامت :
" غصب عني فكرتك بتحاول تأذيني "
استشعر صالح شيئًا خاطئًا في صوتها، وتلك النبرة الباكية اوجعت قلبه، ابتلع ريقه يحاول أن يتماسك :
" رانيا أنتِ كويسة ؟!"
هنا وانفجرت رانيا في البكاء وهي تقول من بين شهقاتها المرتفعة التي جعلت صالح يجن حنونه، فحتى في عز محنتها وضيقها به، وخوفها منه لم تبكي بهذا الشكل :
" رانيا فيه ايه ؟؟ مين اللي كلمني من شوية دول؟! ايه اللي بيحصل؟! "
هتفت رانيا من بين شهقاتها لا تعلم هل سيساعدها أم لا فهو في الحقيقة لا يطيق حتى سماع صوتها، فما الذي سيجبره على مساعدتها ؟!
بكت وهي تترجاه، تتوسل إنسانيته التي قد تجبره على مساعدة فتاة لم يرى منها سوى الشجار والصراخ :
" صالح.... صالح ارجوك ساعدني، أنا مش عارفة أنا فين ...أنا ...أنا خايفة اوي، صحيت لقيت نفسي في مكان غريب، أنا مخطوفة "
_________________________
مسح رائد وجهه بحنق وهو ينظر لصلاح الذي يضجع على أريكة منزل تسبيح، وقد قضى كلاهما رفقة صالح الليلة جالسين للاطمئنان على تسبيح ...
اغمض رائد عينه يتذكر لحظة سمع هتاف صلاح باسمه وخرج ليجد تسبيح تتوسط ذراعيه كالجثة الهامدة دون نقابها ...
لا يعلم كيف حدث ذلك فقد حملها من بين ذراعي صلاح صوب منزلها ومن ثم سحب صالح من فراشه وهو يهتف به في لوعة :
" تعالى بسرعة شوفها فيها ايه ؟!"
" هي مين دي وانا مالي بيها ؟!"
قال رائد باقتضاب ما حدث :
" معرفش هي اغمى عليها، أنا كنت مفكرها في البيت "
حاول صالح التملص من بين أصابع رائد وهو يشرح له الامر :
" طب أنا مالي، أنا دكتور تشريح مش حميات، اقولك روح نادي ليها اي دكتور جنبنا وسيبني عايز اتخمد "
لكن هيهات أن يفلت من بين أصابع رائد والذي ألقاه في المنزل آمرًا إياه بفحصها، ثم تحرك صوب شقة صاحب البناية يستأذن زوجته في الحضور والبقاء رفقة تسبيح إن احتاجت أمور خاصة، ولأجل ألا يكون الثلاثة رجال معها في مكان واحد، حتى لا يثيروا الاقوايل....
وها هم منذ مساء البارحة وهم يجلسون نفس الجلسة في بهو المنزل وفي الداخل زوجة صاحب البناية مع تسبيح، لكن فجأة سمع رائد صوت السيدة حسنية تتحدث بتذمر :
" يابنتي استريحي شوية أنتِ لسه تعبانة .."
لكن تسبيح والتي أطلت عليهم من الغرفة رفضت أن تبقى ثواني بها، فقد شعرت كما لو أن جدرانها تطبق عليها، وبمجرد أن خرجت وضعت يدها أعلى نقابها تتأكد من وضعيته بعدما علمت من حسنية أن رائد ورفيقه بالخارج .
تحركت بهدوء صوبهم وهي تحاول الابتسام، كل ذلك تلاشي حينما انتفض رائد وهو ينظر لها باهتمام واردف :
" انتِ كويسة ؟؟"
ابتسمت له تسبيح تهز رأسها بسرعة بايجاب وكأنها بذلك تقنع نفسها لا هو، لكن فجأة خانتها نفسها وهي تنفي برأسها وتنفجر في البكاء بشدة :
" لا ...لا ..قتلوه ..قتلوه ...قتلوا عبدالعظيم "
خرج تأوه من فم رائد وهو يراقب انهيارها امامه للمرة التانية دون أن يملك شيئًا، وصلاح لا يفهم ما يحدث، لكنه شعر بوجع تلك الفتاة .
انهارت تسبيح ارضًا وهي تبكي رثاءً لأخيها ولابيها ولنفسها، تعطي أحزانها حقها، أقسمت أنها من بعد تلك اللحظة لن تضعف وتنهار مجددًا يكفيها ضعفًا ..
وكل ما كان لرائد أن يفعله هو أن جلس ارضًا أمامها يتحدث معها يحاول مؤازرتها، هذا كل ما يملكه، كان يمد يده من الحين للآخر حتى يجبرها على النظر له :
" هما دلوقتي ارتاحوا، أنتِ واحدة مؤمنة وعارفة إن رب الخير لا يأتي سوى بالخير يا تسبيح، لعل ما حدث خير، صدقيني خير والله "
بكت تسبيح أكثر من كلماته :
" كان ...كان نفسي نعيش عادي، لما بلغت عنهم والله ما كنت قاصدة كل ده يحصل، أنا ...أنا "
كانت ترتجف وهي تحاول أن تبلور مشاعرها، ثم قالت بقهر :
" انهاردة لما فكرت اني هموت فرحت، لأني خوفت اعيش بعد ما حد يعملي حاجة، وهعيش لمين اساسا "
" لينا "
رفعت تسبيح عيونها له بظهشة ليبتلع رائد ريقه وهو يشير لنفسه ولصلاح :
" احنا هنا كلنا جنبك، اعتبرينا عيلتك، أي حاجة هتحتجيها هنعملها وصلاح ...تقدري تعتمدي عليه في أي حاجة لو أنا مش هنا"
نظرت تسبيح لصلاح بتردد ليبتسم لها الاخير بسمة هادئة حنونة، ارتفع صوت رائد وهو يقول موضحًا :
" ده غير اللي أنتِ قابلتيه لما جيتي شقتنا، ده صلاح والتاني صالح اخوه التوأم "
نظرت تسبيح ببلاهة لصلاح الذي شذب خصلاته بأصابعه وهو يقول ببسمة متهكمة يحاول تحسين الاجواء :
" اللي جايبلي الكلام والمصايب طول الحياة، كل شوية يعمل بلوة وانا اللي ألبسها، بس بصي عشان نتفق، أنا على طول مسرح شعري ووسيم زي ما أنتِ شايفة كده، التاني هتلاقي شعره هايج شوية، وأقل جمالًا مني بشوية "
كانت تسبيح تنظر له وهي لا تعي ما يقول، لكن ومن بين دموعها ابتسمت بسمة صغيرة متألمة، لتنتبه إلى رائد الذي زجر صلاح بنظراته وقال :
" حتى صالح تقتدري تعتمدي عليه، هو طيب وكويس بس ساعات بيـ .."
وقبل انتهاء جملته اقتحم المنزل المفتوح جسد صالح الذي اندفع كالرصاصة صوب صلاح وهو ما يزال بثياب نومه وشعره المبعثرة، جذب ثياب صلاح بغضب :
" ولآ انت امبارح قابلت حد في مكتبي على أساس أنا ؟!"
أشار صلاح لصالح تحديدًا لثيابه وشعره :
" اهو بصي واضح مين فينا صلاح ومين صالح، ركزي في الفروق "
كانت تسبيح تفتح عيونها بصدمة ورائد ما يزال جالسًا ارضًا يراقب ما يحدث معها، وكذلك الحاجة حسنية التي كانت تقف جوار الأريكة التي تستند عليها تسبيح تحرك شفتيها في تهكم :
" أنا مش فاهمة امتى الاتنين دول يبطلوا منقارة زي جوز الديوك كده، كل ما اشوفهم الاقي واحد فيهم ماسك التاني وحالف يضربه .."
ابتسم صلاح بسمة هادئة لا تتناسب مع الموقف بأكمله يُبعد يد صالح عن ثيابه المرتبة مقارنة بخاصته :
" أيوة يا حبيبي كنت مستنيك هناك، ولقيت فيه حد جاي عايز يقابلك وانت يا غالي كنت مشغول فقولت اعمل باصلي زي ما أنت عملت باصلك معايا في المؤتمر واقابله بدالك"
أنهى حديثه يمنح أخاه بسمة واسعة مستفزة ليعيد صالح شعره للخلف بعنف وهو يدور مكانه قبل أن يتوقف هاتفًا بتسرع :
" تاجر أعضاء ؟؟ قابلت في مكتبي تجار أعضاء واتفقت اني هشتغل معاهم، ويسبوك تفكر، وكل ده وانا مليش علم، كنت ناوي تقولي امتى، ولا هتعملها ليا مفاجأة في يوم اصحى الاقيك بتعملي سندوتشات لانشون وعصير برتقال وبتقولي يلا يا حبيبي عشان عندك شغل جديد ؟!"
ابتسم صلاح وهو يجلس على المقعد خلفه بكل هدوء :
" كنت هقولك امبارح بليل بعد ما الأمور تهدى ونخلص أكل، لكن وقتها حصل اللي حصل مع الآنسة تسبيح والدنيا باظت"
انتبه صالح حيث يشير، فوجد تسبيح تجلس ارضًا وهي تنظر له بأعين غائرة، حتى أنه لم يشعر أنها بالفعل تحدق به، بل ربما كانت شاردة، عيونها حمراء وجسدها يرتجف قليلًا، ابتلع ريقه وهو يمسح وجهه بقوة لا يعلم ماذا يقول، لكنه قالها دفعة واحدة :
" الناس اللي أنت قابلتهم امبارح في مكتبي واتفقت معاهم على حوار الاعضاء، خطفوا رانيا وهما مفكرينها حبيبتي..."
في تلك اللحظة استمع الجميع لصوت أتى من خلفهم يصيح بصدمة :
" خطفــــــــوا ميــــــــن ؟!"
استدار الجميع صوب باب المنزل الخاص بتسبيح والذي انقلب فجأة لقاعدة عسكرية، ووجدوا محمود يقف وجواره هاجر التي شحب وجهها، ودون أن يبرر أحد بكلمة كان جسد هاجر يسقط ارضًا بعنف شديد جعل تسبيح تطلق صرخة فزعة وهي تسارع لمساعدتها ومحمود يحدق في جسد هاجر بصدمة لا تقل عن صدمة أحد :
" هو ايه اللي بيحصل هنا بالظبط ؟؟؟؟"
_____________________________
كان يجلس في المنزل وأمامه يتوسط اريكته شاب طويل القامة وسيم نسبيًا يرتدي ثياب باهظة الثمن والبسمة متسعة على فمه .
ابتسم رؤوف وهو يتحدث بصوت منخفض وكل ثانية ينظر لباب المنزل بخوف وكأنه ما بين الفنية والأخرى سيتحطم أعلى رؤوس أهل المنزل .
" أنا فاهم يا بني كل اللي قولته، بس صدقني الأمور معقدة شوية "
اعتدل الشاب في جلسته وهو يردد باحترام ولهفة :
" معقدة ليه بس يا عمي، ايه اللي هيخليها معقدة ؟! أنا هجيب اهلي واجي ونطلبها وصدقني هي هتكون في عيوني "
" مين دي اللي هتكون في عيونك ؟!"
انتفض جسد رؤوف برعب وقد تحققت اسوء كوابيسه، ابناؤه انتهوا من العمل وعادوا قبل أن يصرف ذلك الشاب المسكين، ابتلع ريقه ينظر لاربعتهم يقفون أمامه بأجسادهم الطويلة والعريضة، ولا يدري من أين حصلوا عليها وهو نحيف قصير بعض الشيء ..
كانوا يرتصون جوار بعضهم البعض حيث يتقدمهم الاكبر ( محمد ) ومن ثم ( جبريل ) وبعده ( عبدالله ) والاخير من بين الصبية هو ( عبدالجواد) ومن بعدهم جاءت مدللة العائلة ( رانيا ) .
" دي ...دي ..دي أمه "
نظر له الشاب بتعجب وقال :
"امي ؟!"
" اه امك، ومشيها امك عشان ترجعلها سليم "
لم يفهم الشاب ما يقصده رؤوف وهو يحاول معرفة ما حدث منذ دخل هؤلاء الأربعة رجال للمكان .
ابتسم روؤف يتحدث بجدية :
" ده ابن صاحبي كان جاي يطمن عليا، وانا كنت بوصيه على أمه أصلها ست طيبة وبقت أرملة وهي صغيرة "
تحدث محمد وهو ينظر للشاب بتقييم :
" اممم، صحيح الكلام ده يا ..."
نهض الشاب يعدل من هيئته مبتسمًا باتساع يمد يده لمحمد :
" مراد يا فندم، أنا مراد ابقى زميل الآنسة رانيا اخت حضرتك في الكلية "
أخفى روؤف وجهه بحسرة على شباب ذلك الابله، بينما وبمجرد ذكر اسم رانيا ألتف الأربعة حول الشاب وكأنه للتو نطق بكلمة محرمة في منزلهم، وجبريل يتساءل مجددًا بتمهل :
" زميل رانيا اختنا ؟؟ ويا ترى يا زميل رانيا اختنا جاي بيتنا تعمل ايه ؟؟ "
نظر لهم الشاب بعدم فهم وهو يقول :
" أنا كنت جاي اتقدم لها ولو يعني وافقتوا بشكل مبدأي هجيب بابا والعيلة واجي "
امسكه جبريل من كتفه بشكل جعله يطلق تأوهًا، بينما جبريل يتشدق بسخرية :
" هتجيب المرحوم معاك شخصيًا، والله ما له لزوم تطلعه من التربة عشان الموضوع ده، احنا هنوديك ليه "
وقبل أن يتساءل الشاب عما يقصد، كان محمد يجذبه من تلابيبه بشكل أشبه برجال العصابات لا بمهندس محترم له اسمه وسمعته في السوق :
" أنت هتخرج من الباب دلوقتي، واول ما تطلع وتخطي برة بيتنا هتنسى تمامًا أنك تعرف إنسانة اسمها رانيا"
فتح مراد عينه بصدمة :
" فيه ايه حضرتك هو أنا بقولك امشي معاها في الحرام، أنا جاي ااااا"
وقبل أن يكمل جملته وجد من يجذبه من الخلف ليستدير له ويقابل جبريل الذي قال بصوت أجش مخيف :
" تمشي مع مين يا غندور ؟؟ اقسم بربي لو لمحتك قريب منها أنا ادفنك مكانك، اختي لا سامع ؟؟ إياك تقرب ليها "
ومن ثم جذبه عبدالله الذي بدأ ينفض غبار وهمي عن ثيابه وهو يقول بجدية وصوت بدا هادئًا عن الباقيين :
" أنا مش هضيف حاجة على كلام اخواتي، بس حابب أنك تعرف لو حصل وبصيت لها بس بطرف عينك أنا مش هخلي المرحوم ابوك يعرفلك طريق تمام ؟؟"
جذبه عبدالجواد له يردد ببسمة وهو يعدّل له من ياقة ملابسه :
" أنا لو منك اجري دلوقتي "
وهذا ما فعله مراد الذي هرول خارج منزل المجانين ذاك، بينما الأربعة يناظرون تحركاته خارج حدود المنزل، ثم استدارو لوالدهم الذي كان قد حمل جريدته يقرأ بها وهو يدعي عدم الإنتباه لشيء .
تحرك محمد صوب والده وقال :
" بتضحك علينا يا بابا ؟؟ ابن صاحبك الله يرحمه ها ؟!"
" يابني اضحك عليكم ايه والله انا كنت بحذره قبل ما تدخلوا بس هو اللي كان مصمم "
ألقى عبدالجواد جسده على الأريكة بتعب :
" هي رانيا هترجع امتى ؟! أنا زهقت من البيت وهي مش فيه، ما تكلم خالتي يابابا وقولها ترجع "
هز محمد رأسه وهو يضم ذراعيه لصدره يقول مصدرًا أوامره :
" عبدالجواد عنده حق، كلمها وقولها ترجع، كفاية اوي كده مش هتقضي الباقي من عمرها عند خالتها ."
نهض رؤوف يلقي الجريدة ارضًا يصرخ فيهم بصرامة :
" ولد أنت وهو، أنا سايبكم تطفشوا في عرسان اختكم براحتكم وسايبكم تعملوا اللي تحبوه، لكن عند بنتي ومحدش له كلمة عليها سامعين ؟؟ هي تعمل اللي تحبه في الوقت اللي تحبه، وبالنسبة أنها ترجع أو لا فبراحتها"
أنهى روؤف كلماته يتحرك من أمام أولاده شبه مهرول، بينما الأربعة ينظرون لاثره بهدوء قبل أن يقول جبريل :
" انا مش عايزها تفضل في القاهرة، هروح اجيبها وارجعها"
هز محمد رأسه بهدوء ثم قال :
" هنروح يا جبريل، هنروح كلنا، نخلص الصفقة دي ولو مرجعتش وقتها هنروح كلنا نجيبها ونرجعها البيت "
وهكذا أصدر محمد أوامره العليا وانتهى الأمر، فأصبح أمام رانيا اسبوع فقط ومن بعدها .....
_____________________________
ها هي تقضي اجمل لحظات حياتها في لعب ما تهواه، فبعد إصابتها بسبب الخيل اليوم السابق، ارتأت ميمو أن تتمرن اليوم على السهام وما افضل من صورة سعيد التي تتوسط جدار البهو كهدف لتصويبها .
نزعت أحد السهام من غمده تضعه في مكانه، ثم سحبت السهم للخلف ببطء وبدقة وعينيها تركزت على عيون سعيد في الصورة .
ابتسمت وهي تحرر السهم من بين أناملها ليطير ويلتف في الهواء حتى استقر في عين سعيد اليمنى ..
ابتسمت ميمو بسمة واسعة وهي تقول :
" والله ضربة معلم ياض يا ميخو ."
كان مختار يقف بعيدًا عنها يراقبها بدقة وهي تتدرب باستمتاع، حتى رأى السهم الثاني يستقر في العين اليسرى لسعيد..
مضغت ميمو العكلة وهي تجهز سهم اخر :
"الهدف القادم ..انف سعودي ."
وضعت السهم في مكانه وهي تتحدث لمختار مازحة :
" اظن مش هتكون مشكلة اوي، مناخير سعيد واخدة نص الصورة "
أنهت حديثها مطلقة ضحكة عالية وهي تتذكر غضب سعيد منهما كلما ذكرت عيبًا بشكله، وهو الذي لا يملك من العيوب سوى قلبه، فسعيد ورث من والدته جمالها الفتان ليصبح وسيمًا حسب بعض المعايير الموضوعة للوسامة..
انطلق السهم ليصيب بالفعل انف سعيد وتطلق هي صيحة منتصرة وهي تردد أثناء سحبها لسهم اضافي :
" الواحد شايل هم المرات الجاية لما يحتاج يتدرب وميلاقيش صورة لسعيد، كده هضطر اطبعله صور "
كانت تتحدث وهي منهمكة في الخارج السهم، لكن فجأة شعرت بمن يسحبه من بين أنامله، ومن ثم سحب القوس منها ووقف جوارها يبتسم لها بسمة ناعسة وهو يقول بجدية أثناء تجهيز السهم للالقاء :
" اللي عايز يلاقي هدف بيلاقي هدف، حتى لو هيخلق هو الهدف ده يا ميمو "
ختم سعيد جملته تزامنًا من إصابة السهم لصورتهت التي تعلو خاصته، ابتسم وهو يقول بسخرية :
" ابقى جربي مناخير جاد كده، هتلاقيها اكبر من بتاعتي ومريحة في الرمي "
بادلته ميمو البسمة :
" وماله، ده مهما جاد ده عشرة عمر وحبيبنا برضو ولا ايه يا سعودي ؟؟"
كانت تتحدث وهي تركز على عيون سعيد ساخرة، في نفس وقت إصابة سهمها لعين جاد دون حتى أن تنظر له، فقد اكفاها نظرة واحدة لتعلم أين هي عينه حتى تصيبه .
نظر لها سعيد قليلًا قبل أن يشملها بنظرة من أعلى لاسفل :
" صحيح يا مرات ابويا "
أنهى حديثه وهو يلقيها بنظرة غامضة ساخرة، ثم تحرك من أمامها وهي تنظر لأثره، أخرجت سهم اخر من الغمد وهي تركز على فم سعيد :
" الواحد نفسه يضرب سهم في حنجرته يخرسه خالص "
أثناء ذلك سمعت رنين هاتفها، تركت السهم لينطق ويصيب هدفه ومن ثم أمسكت الهاتف تجيب بعدما رأت اسم صلاح يتراقص على شاشتها :
" صباحك فل يا لذوذ .... "
___________________________
هاجر ملقية على الفراش في غرفة تسبيح، والاخيرة تحاول مساعدتها لتفيق ..
وفي الخارج كان محمود يحاول معرفة ما يحدث في هذا المكان :
" أنا مكنتش اعرف حاجة، هي بس قالتلي انها حابة تيجي تاخد بنفسها التليفون لأن كفاية اوي اللي حصل بينك وبين بنت اختها، فجبتها تاخده وسمعت اللي حصلت ووقعت "
رفع صالح رأسه من بين يديه وهو يردد بحاجب مرفوع :
" تليفون ايه ده ؟؟ هو مش معاك ؟!"
ابتسم له محمود بغباء، ثم نظر حوله وكأنه يبحث عن الدعم :
" لا ما هو أنا جبته ليك الصبح وقولتلك اتصرف أنت انا مش ناقص اشيل مشاكلك وأنت وافقت "
تشنج صالح من حديث رفيقه يشير لنفسه باستنكار شديد :
" مشاكلي أنا؟! وانا وافقت ؟!"
" اه والله، أنا قولتلك التليفون أهو يا صالح ابقى وديه لرانيا وأنت قولتلي... اممم "
هز صالح رأسه وهو يقول يتوعد :
" اممممم ؟؟ لا امممم دي اللي هتقولها أنت أما اكتم نفسك واخلص عليك يا زبالة "
وبمجرد أن انتهى من كلماته كان ينهض من مقعده يلقي بجسده على محمود يحاول ضربه، والاخير يدافع عن نفسه من هجمات صالح :
" أنت ياض غبي، بتضرب ليه انا عملتلك حاجة ؟؟"
" عملت حاجة واحدة ؟! ده أنت عملت حاجات، وفي الآخر بتجيب الحاجات دي تلبسها ليا "
في ذلك الوقت ارتفع صوت من أمام باب منزل تسبيح وصوت أنثوي مغري يردد :
" محتاج مساعدة يا لذوذ ؟؟"
استدار الجميع صوب ذلك الصوت والذي يعود لها لا غيرها، ميمو، التي كانت ترتدي فستان طويل يغطي جميع اجزاء جسدها من اللون الاصفر وبه بعض الورود البيضاء وجوارها يقف مختار بجسده الشاب القوي طويل البنية وكالعادة بملامح جامدة باردة .
كانت ميمو تنظر لصالح دون أن ترى صلاح الذي كان يجلس على الطرف الآخر جوار رائد ..
اطالت ميمو النظر في صالح قبل أن تقول بتسائل :
" صالح صحيح ؟؟"
اعتدل صالح في وقفته يرفع حاجبه :
" أيوة، وانتِ ؟!"
" ميمو يا حبوب "
ردد صالح الكلمات خلفها بتعجب :
" ميمو يا حبوب ؟؟"
في تلك اللحظة ظهر صلاح وهو يقول :
" ميمو تعالي، كنت مستنيكِ "
دخلت ميمو وتجاوزت صالح الذي تحركت عينه معها ببلاهة يراقبها تبتسم لأخيه بشكل غريب وصلاح ينظر لها نظرات جعلت عينه تتسع، فتلك النظرة التي شملت تلك الميمو من أخيه ليست طبيعية .
توقفت ميمو أمام صلاح وهي تقول :
" قولتلي على التليفون سعيد عامل مشاكل تاني، خير عمل ايه ؟؟"
نظر صلاح صوب صالح الذي كان ما يزال ينظر لها بتدقيق يحاول معرفة ماهية تلك المرأة في الوقت نفسه الذي خرج به كلٌ من تسبيح وهاجر للبهو .
تحدث صالح بريبة وهو ينظر لميمو :
" أنت حكتلها عادي كده على الموضوع ؟؟ "
كان يتحدث بشك من أن أخاه قد آمن جانب أحدهم بهذه البساطة لدرجة أن يقص عليه أموره، وهذا أمر آخر يثبت له أن تلك المرأة تعني لأخيه أكثر مما يحاول هو إظهاره .
استدارت ميمو تنظر بعين صالح وهي تقول بخبث :
" متقلقش يا صالح، أخوك بس جايبني عشان يشتكيلي من سعيد، اصل بعيد عنك سعيد ناقص تربية ودايما عاملي مشاكل "
ردد صالح بتفكير :
" عاملك ؟؟ أنتِ تعرفي الراجل ده ؟؟"
وضعت ميمو يدها على وجهها بدرامية وهي تقول :
" للاسف الشديد أنا ابقى ارملة أبوه "
وتلك الكلمات كانت بمثابة القنبلة التي ألقتها أعلى رؤوس الجميع عدا رائد وصلاح اللذان كانا يعلمان حقيقتها ..
بينما ميمو رفعت رأسها تردد بنبرة مخيفة :
" ايه بقى اللي حصل المرة دي ؟!"
نظر لها صلاح وقال باختصار وبكلمات مقتضبة التقطت منها ميمو كل المعاني التي تكمن خلفها وكأنها خلقت لها ولصلاح لغة لا يفهمها سواهما :
" رجالة سعيد خافوا من اخر مقابلة واني العب بديلي فخطفوا رانيا على أساس أنها حبيبة صالح "
كان صالح يضم يديه لصدره في ترقب وهو يسمع الجميع والكل متحفز لما سيحدث .
بينما ميمو قالت :
" بأمر من سعيد ولا جدعنة من رجالته ؟؟"
كانت تسبيح في ذلك الوقت تشعر أن الزمن قد عاد بها لـ ليلة البارحة بتقول دون وعي :
" سعيد ...سعيد الاشموني "
نظر الجميع صوب تسبيح لتتسع اللعبة أكثر واكثر وقد شعر رائد بشيء خطأ فهي منذ فاقت ترفض قول شيء عما حدث سوا أن عبدالعظيم قُتل .
هبطت دمعة من عيون تسبيح وهي ترفع عيونها لهم وقالت بصوت خافت :
" سعيد الاشموني، أنا سمعت اسمه امبارح لما جلال كان راميني في مكان وهو اللي...هو اللي قالهم يسيبوني امشي بعد ما هددني "
اشتد غضب رائد وبشدة وعيونه ما تزال مثبته على تسبيح التي كانت تحاول الخروج من تلك الهوة تذكر نفسها أنها تعهدت بعدم الضعف والبكاء مجددًا ...
ارتفع صوت ميمو وهي تركز نظراتها مع تسبيح :
" سعيد اللي قالهم يخلوكِ تمشي ؟؟؟ "
هزت تسبيح رأسها تؤكد حديثها لتبتسم ميمو بسمة ساخرة :
" اخلاق سعيد اتغيرت خالص، قلبه ده اللي هيوديه في مصيبة "
تدخل صالح في الحديث :
" أيوة أنا برضو معرفتش هنعمل ايه عشان رانيا؟!"
قالت هاجر بدموع وخوف :
" أيوة بالله عليكم، رانيا لو حصلها حاجة أنا ممكن اروح فيها "
وكان الرد من محمود الذي قال :
" بعيد الشر يا نواعم، إن شاء الله صالح يارب وراها عشان نخلص من زنهم ونعيش حياة خالية من الهموم سوا "
رفعت هاجر عينيها له ترمقه من بين دموعها بجهل ليغمز هو لها ببسمة واسعة ..
نفخ صالح بغيظ :
" اسكت يا محمود اسكت ومتفكرنيش أنك معانا "
نظر بعضها لميمو ليقول وهو يلوح بيديه في الهواء :
" وأنتِ يا ام سعيد ما تقولي هنعمل ايه ؟!"
ضحكت ميمو بصوت مرتفع وهي تقول :
" ماشي مقبولة منك، بص يا لذوذ "
ورغم أنه كان يمقت أن تصفه بتلك الكلمة، بل وينظر لها بحنق حين وصفه بها، لكن كان صلاح في تلك اللحظة ينظر لصالح بغضب وكأنه هو من ترجاها لتناديه بـ " لذوذ"
تنفست ميمو بصوت مرتفع دون الإنتباه لنظرات صلاح الذي أخفاها سريعًا بأخرى غامضة :
" أنا ممكن داوقتي اقولك خمس اماكن واحد منهم فيه حبيبتك "
" مش حبيبتي ..."
" ايًا كان، أنا ممكن اقولك تلاقيها فين لكن ...."
صمتت قليلًا وهي تنظر لهم بمكر ليكمل صلاح وقد فهم ما ترنو إليه من نظراتها :
" لكن سيبهم يلعبوا بطريقتهم ويفكروا أننا مش عارفين نلاعبهم "
نظر صالح لهما بعدم فهم لتلك الشيفرات التي تتحرك فيما بينهما :
" أنا حاسس أنكم قصدكم حاجة مش كويسة، بس ايه هي مش عارف احط ايدي عليها "
صاحت هاجر في اعتراض :
" أنتم هتلعبوا والبنت معاهم ؟؟ افرضوا اذوها ؟!"
طمئنتها ميمو بهدوء :
" متقلقيش مش هيحصل، لأن حسب معرفتي اللي حصل لحبيبة صالح ده بدون علم من سعيد، وده معناه أنهم بيهوشوا مش اكتر، غير كده ..."
نظرت لمختار وهي تقول :
" مختار عارف هتعمل ايه ؟؟"
هز مختار رأسه بهدوء شديد يعلم ما يفعل وهو البحث ومعرفة أين هي الفتاة بالتحديد، ثم يرابط في ذلك المكان لضمان عدم حصول شيء .
تدخل رائد بعد صمت طويل :
" بس ده مينفيش إن سعيد هو أُس المصايب كلها، ولو وقع كله هيقع "
اومأت ميمو مؤكدة بشر :
" بالضبط كده يا حضرة الظابط، وإن سعيد يقع فهو محتاج زقة شديدة شوية "
وقبل أن يتحدث أحدهم قاطعهم رنين هاتف صالح الذي انتفض يخرجه من جيب بنطاله وهو يقول بجدية :
" دول هما "
نظر له صلاح نظرة مخيفة، ثم ابتسم بمكر يضع كفيه في جيوب بنطاله مردفًا بخفوت :
" افتح الاسبيكر، واعمل اللي هقولك عليه ........"
________________________
ثم ؟؟؟
بدأت اللعبة
أخبرتك أن رحرح ستعود، وها نحن ذا نبدأ المتعة ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل العاشر 10 - بقلم رحمة نبيل
صلوا على نبي الرحمة ...
________________________
صمت عم المكان وجميع الأعين تترقب القادم، البعض يخشى ما سيحدث والبعض فقط يدفعه فضوله ..
انتبه الجميع على صالح الذي فتح المكالمة ليصل له صوت رجب وهو يردد بجدية :
" ها يا دكتور، فكرت في اللي قولتلك عليه ولا تحب تودع حبيبة القلب ؟!"
راقب صالح تحرك ميمو من مكانها جوار مختار وهي تضيق ما بين حاجبيها باهتمام شديد حتى توقفت جواره وأمامها عين صلاح ترمقهما باهتمام شديد ..
قام صلاح بكتم الصوت وهو يردد بجدية :
" أنا هرد دلوقتي، ولو سأل في تفاصيل شغلك أنت تتكلم "
هز صالح رأسه ليرى أخاه فتح الصوت وهو يتحدث محاولًا تقليد نبرته قدر الإمكان، فنبرات كلٍ منهما تختلف اختلاف طفيف، ومن الممكن تلاشيه أثناء التحدث في الهاتف ..
" أيوة فكرت، بس انا ايه يضمنلي إني لو نفذت اللي عايزينه هترجعوا حبيبتي ؟؟ "
تحدث صالح بصوت هامس وغيظ:
" مش حبيبتي "
نظر له صلاح بتحذير وهو يضرب رأسه ليصمت، ثم أكمل :
" وفرضًا رجعتوها، ايه برضو اللي يضمنلي أنكم في المستقبل مش هتغدروا بيا زي دلوقتي، أو انكم تحاولوا تجبروني على حاجة بأعمالكم دي، لأن بعد اللي عملتوه أنا مش هقدر اديكم ثقتي "
على الجانب الآخر .
رمق وسيم رجب وهو يفكر في حديث ذلك الشاب، هو محق لكنهم ليسوا في حال تسمح لهم بالتحايل والتوسل، هم هنا سيفعلون كل ما يستطيعون لإجباره على الرضوخ لهم :
" الضمان الوحيد اللي يخليك تأمنا هو أنك تكون معانا وتعمل اللي نطلبه منك، أي حركة كده او كده فاعرف أننا نعرف عنك كل حاجة وممكن المرة الجاية مش حبيبتك بس، لا امك كمان وابوك "
شهق صلاح بشكل مصطنع وقد علم في رأسه أنهم زوج من الحمقى، يحاولون اخافته بتهديدات فارغة لا أساس لها :
" أنت معندكش رحمة ولا ايه ؟! ترضى حد يهددك بامك الله يرحمها ويأذيها ؟؟"
فتح وسيم عيونه بصدمة وهو ينظر لرجب الذي كان له نفس ردة الفعل، كيف ذلك ؟! كيف ماتت والدتهم ؟! هو عندما بحث خلف ذلك الطبيب وراقبه حتى باب عمارته، علم أنه يملك والدة ووالد في إحدى القرى ووالده أيضًا يعمل عمدة لتلك البلدة...
ابتسم صالح بسمة ساخرة وهو يسمع صوت أحدهم المتوتر يقول :
" اسمع عشان نخلص من كل ده، هتعمل اللي عايزينه هنرجع ليك البنت اللي عندنا، مش هتعمل ودعها وودع اخوك كمان "
تحدث صالح هذه المرة وهو يحاول معرفة ما يريده :
" أنت عايز ايه بالضبط ؟! عمليات نقل ولا مجرد استخلاص أعضاء ؟؟"
ابتسم وسيم وقد ظن أنه بدأ يرضخ ويفكر في الأمر جديًا :
" اسمع أنت بس عليك تطلع الاعضاء وتحفظها واحنا هنتصرف فيها "
" يعني ايه تتصرف فيها ؟! "
نفخ وسيم بغيظ وقد استاء من ذلك التحقيق :
" يا عم أنت مالك، هنشوحها ببصلة خلاص ارتحت كده ؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة جانبية ساخرة وهي تهمس بصوت منخفض :
" جوز اغبية والله، سبحان من صبر سعيد عليكم "
امسك صلاح يد صالح وهو يقول بجدية :
" أيوة بس حسب كلام صاحبك التاني أن العمليات عبارة عن تبرعات قانونية، فين القانوني في ده ؟! أنتم كده تجارة اعضاء "
توتر رجب وهو يقول :
" أنا قولت قانوني ومكدبتش، جميع المتبرعين وأهاليهم موافقين على اللي هنعمله "
تحدث صلاح بخبث :
" وأهاليهم ؟؟ ليه المتبرع قاصر ولا ايه ؟؟"
وكالعادة تسرع رجب وهو يقول :
" لا ميت "
فتح صالح عينه وهو يتأكد أن كل ما يحدث الآن خطأ مائة بالمائة فتبرع المتوفيين يتم وفق قيود عديدة تفرضها البلاد على الامر، للتأكد أنه لا يتم للمصالح الشخصية :
" وانت عارف شروط استخلاص عضو صالح للزرع من متوفى؟؟ عارف أن فيه أعضاء بعد ساعات بتكون مش صالحة اساسا للاستخدام وبعد ١٦ ساعة تقريبا مبيبقاش فيه ولا عضو واحد صالح للزراعة ؟! هتجيبوا منين جثة في خلال أقل من ساعات ؟؟"
" دي بتاعتنا وأنت ملكش دعوة بهنجيبها منين، أنت ليك بس يا معانا يا لا "
حسنًا الآن أصبح اللعب مكشوفًا للجميع، وهذا ما أراده سعيد منذ البداية، يعرضون عليه الأمر، وأما معهم أو عليهم، لذلك لا داعي لكل تلك المقدمات، هم سيخبرونه بكل شيء وينتظرون رده، وبهذا ينتهون من مهمتهم تلك ....
نظر صالح للجميع لتهز له ميمو رأسها تأمره بالموافقة وعلى وجهها ترتسم بسمة استهزاء كبيرة وكذلك فعل صلاح وهو يقول :
" تمام، أنا موافق، بس المرة دي بشروطي أنا، معلش ما أنا مش هسيب مستقبلي في مستشفى كبيرة، وشغل قانوني وارمي نفسي في النار وانا مش مأمن نفسي "
ضحك وسيم ضحكة مرتفعة وقد نال ما يريده :
" لا متقلقش خالص من الناحية دي، مستقبلك هتأمنه في عملية واحدة"
تحدث صالح بلهفة شديد وقد تعجب عدم سماع صوت رانيا حتى الآن :
" طيب ورانيا ؟؟ امتى هترجع ؟؟"
وكان الرد قاطعًا من وسيم الذي قال بقوة ودون نقاش :
" بعد أول عملية ليك لما نضمنك على الاخر، بعدها وأنت خارج هتاخد حبيبة القلب وحقك في العملية وعليهم بوسة "
أنهى الحديث ليعلو صوت صالح الحانق والذي شعر باعصابه تحترق :
" لا خلي البوسة ليك مش ناقصة قرف هي، أنا بس عايز البنت وحقي، والا وقتها اقسم بالله اعرفك الفوائد العشرة لاستخلاص الاعضاء من جثث طازة "
أنهى الحديث ولم يكد يضيف كلمة حتى أبصر يد ميمو تمتد لتغلق المكالمة وهي تقول بسخرية لاذعة :
" كفاية عليهم كده، دول جوز اغبية اساسا ومش هيفهموا تهديدك أنه عليهم، وممكن يفكروك هتجيب ليهم جثة طازة فعلا "
نظرت لهم بعدها وهي تشير صوب الهاتف :
" أنا لو كنت اعرف ان الموضوع فيه وسيم ورجب أنا كنت استخسرت فيهم حق البنزين اللي جيت بيه "
نظر لها صلاح بجدية وقال :
" تعرفيهم ؟!"
ضحكت ميمو بصوت عالي وهي تقول :
" تيمون وبومبة ؟؟ اكيد يا جدع اعرفهم، دول اكتر جوز اغبية عند سعودي، ولولا بس أنهم بيعرفوا يلاقوا مشتريين كويسين للقرف بتاعه كان سعيد اول واحد حطهم تحت عجلات عربيته وجابهم وش وضهر"
استدارت ميمو صوب مختار تتشدق بجدية :
" أنت عارف هتلاقي فين جوز الاغبية دول يا مختار، روح وهات البنت وبلغهم إني أنا اللي بعتك، ولو عصلجوا معاك قولهم اني هزعل منهم اوي وهقلب عليهم "
ورغم تعجب صلاح من حديثها إلا أنه لم يملك سوى الاعجاب للمرة المائة من جرأتها وقوتها، نظر لمختار الذي أخرج هاتفه وكتب عليه بعض الكلمات التي لم يعلم هويتها، ثم تحرك بكل هدوء صوب باب المنزل، لكن صالح توقف في وجهه وقال :
" اصبر هنا بس يا مختار شوية "
نظر بعدها لميمو وقال :
" هو عادي كده يدخل ياخد البنت من بينهم ؟؟ ما هو كده هتتكشفي ليهم يا ام سعيد وهيعرفوا أنك معانا "
هزت ميمو رأسها وهي تقول بجدية ساخرة :
" لا متقلقش مش اول مرة يخطفوا واحدة ويهددوا بيها حد واروح أنا اطلعها، دول تلاقيهم استغربوا اساسا اني مروحتش طلعت حبيبتك "
" مش حبيبتي .."
هزت رأسها بعدم اهتمام :
" الاتنين الاغبية دول بيخبوا البنات في الملحق بتاع القصر لأنهم ميعرفوش غيره، وكل مرة بكشفهم وبخرج اللي خاطفينه وبديهم اللي فيه النصيب وبسيبهم لسعودي هو بيكمل عليهم "
كانت علامات الدهشة مرتسمة على وجوه الجميع من بساطة حديثها، وبساطة الأمور معها، وكأنها اعتادت الأمر، وقد كانت ميمو كذلك بالفعل، فهذان الغبيان دائمًا ما تراهم أثناء جوالاتها على خيلها يحتفظان بشخص في ملحق القصر وتقوم بتحريره وطردهم شر طردة، لكن وبسبب إصابتها وأنها لم تمطي الحصان اليوم استطاعوا الشعور بالأمان ...
تحرك مختار صوب الخارج، لكن وقبل أن يخطو لحق به صالح وهو يقول بتصميم :
" لا أنا جاي معاك، اصبر اجيب المطوة وجاي "
لحق بهم محمود هو الآخر يقول بجدية لهاجر :
" متقلقيش يا نواعم هروح اجبلك بنت اختك مع صالح، وبعدين نشوف حياتنا بقى مش هنقعد نحل في مشاكلهم"
وقبل أن يخطو أحدهم خارج المنزل امسك بهما رائد وهو يقول بحنق شديد :
" اقعد يا عسل منك ليه، لو روحتوا مع مختار هيشكوا فيكم، اترزعوا وهو هيجيب البنت ويجي "
وبالفعل نظر الاثنان له بحنق شديد وتحركا للجلوس حيث كانوا واستقروا على المقاعد وكذلك فعل الجميع وعم صمت بينهم جعل رائد يتحدث بهدوء يستغل وجود ميمو :
" بما انك يعني ما شاء الله عايشة مع شخصية معشوقة من الملايين، فاكيد تعرفي ايه اللي ممكن يدمره، نقطة ضعفه، شيء ممكن حد يستغله عشان يخلص عليه وينهي سعيد "
عادت ميمو بظهره للخلف تضع ساعديها على جوانب المقعد، ومن ثم وضعت قدم أعلى الأخرى، ترسم بسمة خبيثة أعلى شفتيها :
" تاريخ سعيد كله، بنقط الضعف ونقط القوة ونقط الضغط اللي هو بياخدها كمان، كل ده اعرفه"
نظر لها صالح وهو يبتسم بسمة وكأنه أدرك الآن سر انجذاب اخيه لتلك المرأة، هي مثله، تشبهه بشكل كبير حينما يتحدث عن أحد أعداءه ...
بينما صلاح نفسه كان ينظر لها بأعين غامضة صامت بشكل غريب وكأنه يدرسها جيدًا...
ابتسمت ميمو وهي ترى نظرات الفضول التي علت وجوه الجميع لترضيهم بكلمات موجزة :
" نقطتين ضعف بس لسعيد الاشموني، اتنين ملهمش تالت، واحدة لو حد قرب منها أنا اللي هحطه على القايمة بتاعتي واخلص عليه، والتانية دي مش مستنية حد يستغلها عشان يوقع سعيد، لأنها اول شخص بيوقعه كل شوية "
_______________________
تجلس في مكتبها بهدوء تام، ممسكة بقلمها وبين كفها تقبع مدونة صغيرة تسجل بها بعض الكلمات التي تصدر من فم ذلك الرجل الممد على الفراش الخاص بالمرضى، يتحدث عما يؤلمه ...
تستمع له ببسمة هادئة:
" تمام يا استاذ محفوظ، أنت دلوقتي افضل كتير وبقيت شبه متقبل للواقع بتاعك، وعشان كده احنا هنوقف الأدوية وهنبدأ نعتمد طريقة جديدة في العلاج و..."
وقبل أن تتم كلمتها فُتح باب مكتبها، أو للدقة تم اقتحام مكتبها من شخصٍ تدرك جيدًا هويته، لذلك لم تتعب نفسها وتستدير لتواجهه وهي ما تزال تولي انتباهها كله للمريض أمامها :
" زي ما كنت بقول، من الجلسة الجاية هنبدأ نحضر جلسات جماعية مع أشخاص من نفس حالتك و..."
ومجددًا قاطع حديثها نفس الهمجي الذي اقتحم مكتبها وهو يجذب ذراع المريض يبعده عن الفراش :
" اتفضل الجلسة خلصت "
وها هي الأميرة تكرمت ورفعت عينها له وهي تقول بهدوء وبسمة ما تزال ترتسم على فمها وتحذير شديد اللهجة :
" سيب المريض مكانه "
لكن الأخير لم يعطها ردًا سوى أنه جذب المريض للأعلى أكثر والاخير ينظر لهما ولا يعلم هل يظل كما تقول طبيبته أو يرحل لأجل نظرات ذلك الهمجي ؟؟
اعتدلت الطبيبة وهي تنظر ليده ثم قالت ببسمة هادئة :
" سيب المريض مكانه يا حبيبي مينفعش كده "
ومجددًا عاند كطفل صعب المراث وهو يسحب المريض أكثر حتى كاد يحمله فوق أكتافه، وعينه ما تزال تحدق في خاصتها بتحدي ...
" سعيد سيب المريض على الشازلونج مكانه، سيبه يلا "
ابتسم لها سعيد وهو يسحب المريض بعيدًا عن الفراش والاخير يقول :
" طب يا دكتورة الجلسة الجاية امتى ؟؟"
نهضت الطبيبة من مكانها تلقي الدفتر ارضًا، ثم تحركت صوب سعيد تتوقف أمامه متنزعة نظارتها الطبية وهي تصرخ في وجهه مشيرة للفراش :
" رجعه مكانه دلوقتي واتفضل برة استنى دورك زي اي مريض"
ابتسم لها سعيد بسمة باردة، ثم قال ببساطة :
" لا "
وبهذه الكلمة أنهى الحوار الذي لم يبدأ بعد وسحب المريض للخارج وهو يقول :
" خد معاد تاني من السكرتيرة "
اغلق الباب بقوة في وجهه، ثم عاد بخطوات باردة هادئة يتجه صوب الفراش الذي كان المريض يضجع عليه، وتسطح هو يضم كفيه أعلى معدته ينظر للسقف يخرج تنهيدة عالية كمن يحمل فوق كتفيه أحمال الكون بأكمله :
" مش هتكشفي عليا يا دكتورة ؟؟ انا عندي صداع بقالي يومين "
ارتدت الطبيبة النظارة الخاصة بها تتحرك صوبه بحنق شديد وغيظ استطاعت كتمه جيدًا، حملت دفترها وقلمها تجلس مجددًا على المقعد أمام سعيد وقد تقمصت دورها بعملية تُحسد عليها :
" اخبار الدنيا معاك، جاتلك نوبات تاني مؤخرًا "
اغمض سعيد عينه وهو يحاول تذكر آخر مرة حدث معه ما تقوله طبيبته العزيزة، لكن لا شيء، هو في الأساس لم يأت لأجل العلاج .
" مش عارف، يمكن جاتلي وانا مش واخد بالي "
" ازاي مش واخد بالك ؟؟ سعيد أنت بتاخد ادويتك ؟؟"
هز سعيد رأسه بنعم كاذبًا ليتلقى منها بسمة هادئة :
" امتى آخر مرة حسيت بشعور أنك حابب تأذي غيرك يا سعيد ؟!"
تنفس سعيد وهو ما يزال يغمض عينه وقال بكل بساطة شديدة :
" من دقيقة تقريبًا، كنت عايز اقتل محفوظ اللي كان قبلي على السرير ده "
نظرت له الطبيبة من أسفل نظارتها وهي تحاول دراسة تلك التعابير الهادئة التي يتحدث بها عن رغبته في القتل، سعيد الاشموني ليس مجرد مريض عندها، بل هو من تلك الحالات العويصة، رجل يعاني اضطرابًا نفسيًا يدفعه لاذية الغير، نوع من أنواع السادية، لكنه ليس ذلك النوع المعروف الذي يحب تعذيب الأشخاص لأجل متعة مريضة شخصية .
بل كانت حالة سعيد نابعة من وجع، يحب أذية الغير ليرى أنه ليس الوحيد الذي يعاني في هذه الحياة، يؤذي غيره ليعلم أن هناك الكثير غيره يواجهون مشاكل، ذلك الشخص عبارة عن كتلة من الإضرابات النفسية والعقلية التي قابلتها لأول مرة داخل شخص قد يظهر لك طبيعيًا عند الحديث معه للمرة الأولى .
اعترف لها سابقًا أنه شخص سيء وأنه يؤذي الكثيرين حوله، وأنه يرتكب افعالًا قد تدفع بها هي الطبيبة نحو العلاج النفسي، لكنه يومًا لم يُصرّح لها بتلك الأفعال صراحة، وهي تدرك أنها لن تحب معرفتها فذلك الشخص أمامها ليس من النوع البرئ ابدًا ..
أفاقت زهرة من كل تلك الأفكار على نظرات سعيد التي تعلقت بوجهها ليصيبها بالتوتر الذي حاولت أن تخفيه وهي تنظر للدفتر متظاهرة أنها تدون به شيئًا ما ...
" أنتِ عارفة اني مش باجي هنا عشان اتعالج صح ؟؟"
رفعت زهرة عيونها له تحاول أن تتحداه، أن تريه كم هي طبيبة عملية تستطيع الفصل بين مشاعرها وعملها، لكن اقتراب سعيد المفاجئ لها جعلها تجفل لثواني قبل أن تتسلح بالبرود كعادتها
وسعيد يهمس لها :
" عارفة اني اساسا مش عايز اتعالج ولا حابب اعمل كده، لكن بعمل كده عشانك بس، وعشان اشوفك "
ابتعدت زهرة بالمقعد للخلف وهي تنظر له بهدوء شديد تعرف جيدًا كيف يفكر وتعلم أيضًا كيف تتحكم به، ابتسمت له ببرود تردد في حسم :
" سعيد ارجع مكانك على الشازلونج "
استمر سعيد في التحديق داخل عينيها وهو يتنفس بشكل سريع، قبل أن تهزمه عيناها للمرة التي لا يعلم عددها وينفذ ما تريد، عاد يتكأ على الفراش وهو يسمع حديثها :
" خد نفس عميق "
نفذ سعيد ما تريد ليرتفع صوتها مجددًا :
" غمض عينك "
اغمض سعيد عينه وهو يسير خلفها كما المخدر فقط ليسمعها تتحدث بالمزيد والمزيد ويُطرب لسماع صوتها ..
" ودلوقتي قولي شايف ايه قدامك، متشدش جسمك، ارخيه خالص، وخد شهيق وزفير براحة، شايف ايه ؟؟ "
كان سعيد يتنفس بهدوء وهي يحاول أن يتبع كلماتها التي تسير بدمائه، قبل أن ترتسم بسمة مرعبة على جانب فمه وهو يردد ببساطة بما يراه كلما اغمض عينه :
" شايف جاد وهو بيزعق لامي، وبيضربها وبعدين يضربني لاني حاولت اقطع عليه متعته وهو بيعذبها "
دونت زهرة تلك الملاحظات امامها، لن تتفاجئ فهي تعلم كل ذلك مسبقًا، امرته بهدوء :
" افتح عينك يا سعيد ..."
لكن هذه المرة لم يطعها سعيد وهو ما يزال يسبح بين ذكرياته، ليأخذه عقله إلى يوم زفاف والده، حينما أبصره يخطو المنزل ومعه فتاة مراهقة جعلته يُصدم من المرحلة التي وصل لها ذلك المريض، هو كان يعلم أن هناك من تزوجته لأجل حفنة من الأموال، لكن بحق الله ليست مراهقة ...
دخل والده مع بعض ضيوفه الذين حضروا إتمام عقد قرآنه على تلك الصغيرة وهم يلقون له ببعض الكلمات الوقحة، وبعض الغمزات والهمزات لتلك الصغيرة .
كانت ميمو، تلك الصغيرة ترتجف جوار جسد جاد الذي ضمها له بقوة وبشكل جعل ارتجافها يزداد الضعف وهو يردد بنبرة ناعمة جعلت معدة سعيدة تتلوى كما لو كان سيتقيأ فما بالك بتلك التي يوجه لها كلماته ؟؟
" نورتي بينك يا عروسة "
رفع عينه ليبصر ابنه ذو العشرين عامًا يحدق به في سخرية واشمئزاز :
" ده سعيد، ابني الكبير، ودي يا سعيد مرات ابوك ميمو "
وكانت تلك المرة الأولى التي تنظر ميمو لعين سعيد، والمرة الأخيرة التي يرى نظرتها صافية بريئة، ابتسم لها بسمة ساخرة وهو يرى جمال ما اقتنى والده بأمواله، فتاة ألقت نفسها بين احضان رجل بعمر والدها لأجل حفنة من الأموال ...
تجاهل جاد ابنه وهو يسحب ميمو صوب الدرج :
" يلا يا عروسة خطي برجلك اليمين، ده بقى بيتك خلاص"
كانت ميمو في تلك اللحظة تكاد تنهار ارضًا لولا يد جاد الذي سحبها خلفه كالشاه صوب غرفته التي أعدها خصيصًا جوار غرفته هو ووالدته وكأنه يريد إيصال رسالة لوالدته التي كانت طريحة الفراش ...
وها هي الرسالة قد وصلت وهو يستمع لصرخات تلك الفتاة ترن في القصر بأكمله ليتدافع الاشمئزاز في نفسه خاصة وهو يرى بعض من رفاق والده والذين حضروا معه الزفاف ينتظرونه في الاسفل وكأنه وعدهم بمتعة إضافية بعد الانتهاء من عروسه .....
لكن دقائق فقط وابصر سعيد باب والده يفتح بقوة وجسد تلك الفتاة يركض على الدرج وهي تصرخ وتتوسل المساعدة، تركض أعلى درجات السلم الرخامية وفستان زفافها مُمزق وزينتها جميعها قد فسدت، وحينما وصلت لنهاية الدرج كان قدرها أن تسقط أسفل اقدام سعيد ..
نظر سعيد ارضًا لها، وحينما كاد ينحني ليساعدها تذكر كل صفعة نالتها وجنة والدته وكل ألم نالته في ذلك المنزل وكل صرخة أطلقتها لأجل منع تلك الزيجة ...
لذلك تراجع للخلف باشمئزاز وهو يراها تتمسك بقدمه تبكي وتصرخ وتتوسل :
" ابوس رجلك ساعدني خليه يبعد عني، أبعده عني ارجوك"
بدأت همسات ضيوف والده ترتفع حوله الاستنكار من البعض والسخرية من الآخر، وميمو تبكي وتنتحب بجنون تتمسك بقدمه وتتوسله المساعدة، ليشعر بقلبه يهتز وهو يرى والدته بنفس الوضع تتمسك بقدم والده وتترجاه أن يتوقف عن ضربها.
ارتجفت يد سعيد وهو ينحني ليساعدها وشيطانه يوسوس له أن يتركها تعاني ما ذاقته والدته، يتركها تُلهي والده عن والدته ...
لكن انتصرت إنسانيته على شيطانه وهو يمسك مرفقها يساعدها للوقوف وقد أنتفضت بقايا ضميره لرؤية مظهرها، وقبل أن يتحدث بكلمة وجد والده يندفع لها ويسحبها من شعرها وهو يهبط فوقها بالضرب والسب والجميع حوله يشاهد بابتسامة وكأن ما يحدث أمر عادي، وسعيد يشاهد كل ذلك بأعين متسعة وقلب يرتجف لما يحدث ..
ضربات والده ...اصوات ضحكات الرجال من حوله ...وصرخات ميمو ...توسلات والدته ...بكاء نيرمينا، كل تلك الأصوات تجمعت في أذنه لينتفض جسد سعيد بقوة وهو يصرخ ..
ليجد أن زهرة تمسك بذراعيه وهي تتحدث بنبرة هادئة ولهفة :
" اهدى، ده كان ماضي وعدى، خلاص خلص، كل ده خلص، خد نفس، خد نفس "
كانت انفاس سعيد تعلو وتعلو وهو يحدق بها بأعين متسعة قبل أن يسمعها تردد :
" جاد مات، وكل ده انتهى خلاص "
هز سعيد رأسه برفض وهو يرد بهزيان :
" لا، لا منتهاش، لسه منتهاش، جاد مماتش، جاد مماتش، جاد لسه عايش، لسه جوايا "
نظرت له زهرة بقوة وهي تلقي الكلمات في وجهه بقوة :
" لا جاد مات، ولازم تقتله من جواك، اوعى تخلي شر جاد يمتد ليك وتبقى خليفة ليه في الأرض "
وكان الرد عليها بسمة ساخرة وهو ينهض من الفراش يبعد يد زهرة عنه :
" الكلمتين دول متأخرين يا زهرة، جاد مش بس عاش جوايا، لا ده كبر وشيطانه بقى اقوى "
قال كلماته وهو يتحرك بنية المغادرة لولا زهرة التي أمسكت ذراعيه تمنعه الرحيل وهي تصرخ وقد سأمت من إصراره على حبس نفسه داخل قفص صنعه له حقده وزينه لأجله شيطانه، سعيد كتلة من الشر المتحركة، يقنع نفسه أنه سيء، وكلما استيقظ ضميره القاه بالرصاص :
" أنت بايدك تقتل جاد وشيطانه، لكن أنت اللي حابب تكبره يا سعيد، فوق بلاش تعيد نفس غلط جاد، بلاش تخلي جاد يتولد جواك، أنت مش الوحيد اللي شاف طفولة سيئة في الدنيا دي، مش الوحيد اللي اتظلم، قاوم وبلاش تخذل والدتك وتبقى شبهه، لسه قدامك فرصة تفوق ارجوك، بلاش تعيش دور الضحية لأنه هيدمرك"
أنهت جملتها بصراخ مرتفع وهي تنظر بأعين سعيد صديقها، وليس سعيد المريض، سعيد الشاب ذو العشرين عامًا والذي كان يلاحقها باستماتة حاملًا الورود لأجلها، لأول مرة تخطأ في حق مهنتها وتسمح لعواطفها بالانتصار عليها .
لكن نظرة سعيد الجوفاء جعلتها تدرك أنها تُحدث صخرة لا تسمع ولا تعي ما تردد
لقد أسمعت لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادي، ولو نار لو نفخت بها أضاءت، ولكن أنت تنفخ في رمادي ...
وكأن كاتب تلك الابيات كان يضع سعيد نصب عينيه حينما ألقاها، فحال سعيد ينطبق على كل كلمة قيلت ..
ابعد سعيد يديها عن ذراعه وهو ينحني لتصبح رأسه أمام خاصتها وتحدث ببسمة صغيرة :
" ومين قالك اساسا اني بعيش دور الضحية يا دكتورة ؟؟ أنا مش الضحية، أنا الجاني"
كان يتحدث بأعين حمراء مخيفة :
" ومفيش دور يليق عليا غير دور الجاني، كنت كده وهفضل كده"
هزت زهرة رأسها وهي تبتعد عنه، استسلمت، لقد يأست منه، سنوات طويلة وهو يعيش بهذه الطريقة دون منحها فرصة واحدة حتى لمساعدته :
" تمام، طالما كده اتمنى متجيش العيادة تاني، مجيتك هنا ملهاش لازمة"
ابتسم سعيد يردد بسخرية :
" اعتقد اني قولتلك وجودي هنا مش بسبب العلاج"
رفعت عينيها له تدرك ما يرنو إليه؛ لذا منحته بسمة متحدية وإصرارها يلتمع في عينيها :
" وانا بقولك أن السبب اللي أنت بتيجي عشانه ابعدلك من نجوم السما يا سعيد، انسى اللي في دماغك نهائي "
شعر سعيد بقلبه يكاد يخرج وهو يرى إصرارها ذلك، تستغل أنه يموت بها عشقًا، تضغط على نقاط ضعفه لتجبره على فعل ما تريده ..
ضرب سعيد الجدار خلفها بقبضته وهو يحاول تفريغ غضبه بها وهي ما تزال تقف أمامه بقوة واهية تشعر يقلبها يقفز رعبًا داخل صدرها، تغمض عينيها قبل أن تشعر به يهمس جوار أذنها :
" وانا مستعد اموت يا زهرة ولا اني انسى اللي في دماغي، سميها هوس، جنون، اضطراب نفسي، شوفي بتسميها ايه في الطب عندكم وانا معاكِ، مش مستعد اني اتخلى عن الجزء الوحيد الحلو في حياتي دي "
وبهذه الكلمات انتهى حديث سعيد وانتهت المقابلة ليخرج من غرفة المكتب يغلق الباب خلفه وسقطت زهرة ارضًا تشعر أنها على حافة الانهيار، تدرك أنه احبها ومنذ سنوات طويلة، احبها واخبرها بذلك مرارًا وأنه ليس على استعداد لخسارتها، ولولا أنها تدرك أن ذلك ليس هوسًا لكانت فرت منه، لكنها ليست تلك الغبية التي تلقي بنفسها بين جياهب مريض لديها فقط لأنها تحمل له بعض المشاعر، ليست الحمقاء التي تتغاضى عن العيوب لأجل الحب، وبالتأكيد هي لن تستسلم له ولو عنيّ ذلك موتها ...
" تمام يا سعيد، هنشوف "
_______________________
كانت أعين صالح تدور على صلاح وميمو، وكأنه يراقبهما، فجأة وجد رأس محمود تمتد له وهو يردد بتسائل :
" ألا مين الست القادرة اللي قاعدة جنب اخوك دي ؟!"
ردد صالح دون أن ينزع عينه عن ميمو وأخيه :
" ام سعيد "
" واخوك ايه علاقته بأم سعيد ؟؟"
ابتسم صالح بسمة جانبية ساخرة وهو يردف بتهكم :
" تقريبًا كده معجب "
فتح محمود عينه بانبهار، وعقله لا يستوعب أن شخص كصلاح قد يُعجب يومًا بامرأة :
" يا راجل ؟؟ طب وأبو سعيد ايه موقفه من الحوار ده؟؟ هيوافق ابنه يتربى مع اخوك ؟؟ "
نظر له صالح بحاجب مرفوع وقد ارتفع طرف شفتيه في تزامن ساخر، وهو يحاول معرفة ما يحتويه عقل رفيقه ليخرج لهم بكل تلك الأفكار والكلمات الغريبة ..
لكن محمود ترجم نظرات صالح بشكل خاطئ ليسارع في تبرير كلماته ظنًا أن صالح ابتأس لحديثه عن أخيه بهذا الشكل :
" متأخذنيش يا صاحبي، بس انا لو مكان ابو سعيد، مش هقبل أن واحد زي اخوك يربي ابني، اصل معلش يعني اخوك ده واحد معقد ومرعب، والله اتحداك أما ربى لسعيد ده عقد وكلاكيع قد كده "
ضحك صالح على أفكار محمود :
" لا متقلقش ابو سعيد مش عايش عشان يقبل أو يرفض "
" وكمان يتيم ؟؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، يا اخي إلا اليتيم، خلي اخوك ياخد باله منه وكله بثوابه، والست ام سعيد دي شكلها مفترية هي كمان ورامية ابنها ومش سائلة فيه "
نظر له صالح وهو يضيق عينيه، ثم اقترب منه يهمس :
" ولا هو أنت اصطبحت ؟!"
" لسه والله، اصل اخوك كل شوية يبصلي وانا خايف اطلع حاجة، بعدين النواعم هنا ومش حابب أنها تاخد عني فكرة وحشة واحنا لسه في البداية "
هز صالح رأسه بيأس على عقل محمود الذي يبدو كما لو أنه لم يكن معهم حينما تحدثوا على سعيد الاشموني وعلى ما فعله.
وقد كان، فوقتها كان محمود في عالمه الخاص، لكن تلك المرة رفقة بسكوتته الغالية، وعلى ذكر تلك البسكوتة تحرك محمود ليجلس جوار هاجر التي كانت تبكي بلا توقف خوفًا على رانيا ...
" متخافيش يا نواعم، بنت اختك دي واحدة لبش يتخاف منها مش عليها، اسأليني أنا عارف النوعية الزبالة دي امثال صالح "
رفعت هاجر وجهها له وهي تصيح باستنكار :
" أنت بتقول ايه ؟؟ دي بنت اختي اللي بتتكلم عليها دي "
" ما هو صالح صاحبي برضو وبتكلم عليه عادي "
تجاهلته هاجر وهي تبتهل لربها أن تكون رانيا بخير، لكن محمود لم يستسلم وهو يقترب منها :
" فاكرة بابا اللي كان بيفطر معايا انهاردة في الفرنة بتاعتك ؟؟"
هزت رأسها بهدوء ليضيف محمود ببسمة واسعة :
" كان بيقولي اسألك لو اهلك فاضيين عشان يجي يشرب معاهم شربات "
أغمضت هاجر عينيها بقوة وهي تهمس :
" محمود ..."
" نعم ؟؟"
فتحت هاجر عيونها وهي تردف بجدية وبسمة :
" أنا واحدة بنت اختها مخطوفة، تفتكر ممكن افكر في أي شيء تاني في وقت زي ده ؟؟"
صمت محمود ثواني وهو يحرك شفتيه بتفكير قبل أن يتشدق :
" يعني على حسب، اصل انا معنديش اخوات فمش عارف الشعور ده، بس مثلا لو صالح اللي كان اتخطف فأنا ممكن افكر في الموضوع عادي "
لن ينتهي هذا النقاش حقًا، يا الله من أين ظهر لها ذلك الرجل؟؟
ابتسم محمود وهو يرى ملامحها المتذمرة، ليشعر بالانتصار بعدما استطاع صرف تفكيرها عن رانيا، فهو استاء من بكائها المستمر، لذلك فعل كل هذا لصرف انتباهها عن الأمر وقد نجح ...
فجأة انتفض الجميع على صوت رنين هاتف ميمو والتي كانت عبارة عن رسالة من مختار، ثواني حتى ارتفع رنين هاتفها لتمد يدها به إلى صالح الذي التقفه منها بتعجب يردد تحت أنظار الجميع :
" الو ؟؟"
______________________
كان مختار يخرج من ملحق القصر وهو يجذب رانيا خلفه غير آبهًا لصرخاتها التي بدأت ترتفع في الأجواء حتى جذبت أنظار الجميع ..
وفجأة شعر بألم ينتشر من كف يده حتى امتد لجميع ذراعه، والذي كان عبارة عن عضة شرسة من تلك الفتاة التي ندم أشد الندم لإنقاذها..
وبمجرد افلات رانيا من بين يديه أطلقت لساقها الريح وهي تركض في أرجاء القصر تصرخ برعب وبكاء :
" حد يساعدني، أنا مخطوفة حد يساعدني "
في ذلك الوقت كان كلٌ من وسيم ورجب قد خرجا من الملحق وتحركا صوب باب القصر بعدما قرر وسيم الاتصال بصالح وأخباره أنه فقط ترك الفتاة ترحل كعربون ود ليس إلا، لكن الحقيقة هي أن الفتاة خرجت بأمر من ميمو ...
فجأة توقف وسيم وهو يجذب رجب ويشير صوب إحدى الجهات يقول بجدية وبسمة واسعة :
" بص ..دي البنت اللي مختار خرجها"
رفع رجب حاجبه بتعجب :
" أيوة هي بتجري من مين كده ؟؟"
" مش مهم بتجري من مين، اجري بسرعة امسكها تاني وخدها على العربية نحطها في مكان تاني "
وأثناء حديثه كانت رانيا تركض بسرعة كبيرة وهي تنظر خلفها كل ثانية حتى اصطدمت فجأة في شخصٍ ما، وقد تسبب هذا الاصطدام في سقوط ذلك الشخص والذي لم يكن سوى نيرمينا التي شعرت وكأن هناك نيزك اصطدم بها ...
وصل مختار في تلك اللحظة ليرى سقوط نيرمينا ووجه رانيا الذي شحب وهي تندفع صوب نيرمينا تردد باعتذار :
" أنا ...أنا آسفة والله مكنتش اقصد أنا بس ..."
وقبل أن تكمل جملتها أبصرت ذلك الصامت يقف أمامها بملامحه الجامدة والذي منذ أخرجها من ذلك المكان وهو يرمقها بتلك النظرات، أطلقت رانيا صرخة عالية تختبئ خلف نيرمينا التي قالت بتعجب :
" مالها دي ؟؟ مين دي يا مختار ؟! أنت بتجيب بنات القصر ؟؟"
رفع مختار حاجبه وهو يبتسم بسمة ساخرة، ثم تحرك صوب رانيا لسحبها وأخذها لميمو، لكن نيرمينا ضربت يده التي امتدت لامساك الفتاة كما لو كان طفلًا صغيرًا تقول بصوت حانق :
" ابعد ايدك، مين دي ؟؟ ومالك بيها ؟؟ بعدين ما أنت ليك في البنات اهو، امال عامل نفسك راهب ليه ؟!"
نظرت لها رانيا وقالت بصوت منخفض :
" هو مين ده ؟! هو أنتِ معاه ؟؟"
سخرت نيرمينا من حديثها :
" مع مين ؟؟ اللي زي ده مش معاه حد، عارفة ليه ؟! عشان هو شخص متوحد بيفضل يخوف الكل منه وكل ما حد بيجبله هدية بيرميها من العربية، وميعرفش أن الحد ده قعد يحوش للهدية دي اسبوع، وطول الوقت لاوي وشه بالشكل ده "
كانت نيرمينا تصرخ في وجه مختار الذي امسكها من ثيابها يجذبها بعيدًا عن رانيا وكأنه يمسك فأرًا صغير، ونيرمينا ما تزال تتحدث وتتذمر تصرفاته، بينما رانيا تنظر لها بتعجب لدرجة أنها لم تنتبه أن ذلك الصامت سحبها خلفه للسيارة تحت عين نيرمينا ووسيم ورجب ..
ضربت نيرمينا الأرض بقدمها وهي تصرخ بصوت مرتفع :
" والله أنت حيوان يا مختار، اول واخر مرة اتذلل ليك وابقى شوف مين هيعبرك ويجبلك مكرونة بالوايت صوص تاني "
تنفست بعنف لترى مختار يلقي رانيا في السيارة، ثم أغلقها بقوة واستدار لها يعود صوبها، لكن نيرمينا صرخت برعب خوفًا أن يؤذيها بسبب كلماتها وركضت صوب المنزل، ليبتسم عليها مختار ويتحرك صوب السيارة يرسل كلمات لميمو يخبرها أن تعطي الهاتف لذلك الطبيب ..
ومن ثم أجرى اتصالًا بها، اقترب من السيارة ليرى رانيا تحاول الخروج لكنها توقفت بفزع حينما القى الهاتف عليها بقوة ودون اهتمام حتى كاد يصيب رأسها، وصعد جوارها يقود السيارة ..
نظرت رانيا للهاتف ثم له، ثم للهاتف مجددًا لترى مكالمة مفتوحة، وضعت الهاتف على أذنها :
" الو ؟؟"
وصل لها صوت تعرفه تمام المعرفة :
" الو؟!"
وبمجرد أن سمعت صوت صالح أطلقت زفرة راحة لا تدري لها سببًا سوى أنها واخيرًا سمعت صوتًا تألفه، صوت لشخص حتى وإن كان ما بينهما عداوة إلا أنه لم يسبق واذاها، بل تنازل عن مبادئه ووافق على التعاون مع تلك العصابة _كما سمعت منهم _ لأجلها .
انفجرت في البكاء وهي تردد بلهفة :
" صالح "
فتح صالح عيونه بصدمة لسماعه صوت رانيا وبكائها، ابتعد عن الجميع يرتكن لمكان بعيد قليلًا وهو يردد بقلق :
" رانيا انتِ كويسة؟؟ حد منهم عملك حاجة ؟؟"
هزت رانيا رأسها بلا وكأنه يراها :
" لا ...بس ...بس انا فيه واحد تاني جه خطفني، مش عارفة هو مين بس هو ساكت ومش راضي يرد عليا، يا صالح أنا لو حصلي حاجة والله لأموت وانا بدعي عليك من كل قلبي، كله بسببك الله ياخدك يا اخي ويحرق معرفتك الهباب"
أليس من المفترض الآن أن تقضي ساعات وساعات تشكره لمساعدتها في النجاة من بين أيدي عصابة ؟؟ أن تبكي وهي تُسمعه اجمل الاوصاف عن كم هو بطل مغوار ومضحي؟
" طب يا شيخة اعملي لاخرتك، ده أنتِ المفروض هتموتي، اذكري ربك أو استغفري ذنبك، هتضيعي آخر لحظاتك بتدعي عليا، أما أنتِ واحدة معفنة وناكرة جميل، والله العظيم أنتِ لو قدامي دلوقتي أنا كنت رجعتك للعصابة بايدي تاني ودفعت ليهم مبلغ مالي يمكن يصبرهم على قعدتهم معاكِ "
صدرت شهقة عنيفة من فم رانيا جعلت مختار ينتفض بفزع وهو ينظر لها ظنًا أن شيئًا حدث لها، لكن رانيا هتفت بصوت مرتفع جعله يلوي ثغره بعدم ارتياح فهو لا يحب الأصوات العالية :
" يا اخي اتكسف على دمك بقى واعترف مرة أنك حيوان وزبالة، يعني فوق ما أنت حرامي وبتاع أعضاء كمان بجح؟؟ ده انا اتخطفت بسببك وبسبب معرفتك الهباب، وقال ايه حبيبتك "
وصل لها صوت صالح الساخر والذي نطق يحاول تقليد صوتها :
" رانيا يا حبيبتي ، اوعي تخلي الخناقات دي تنسيكِ سنين الشوق والحب اللي بينا ياقلبي "
شعرت رانيا بالغضب من نفسها قبله لأنها اضطرت لقول كل ذلك له، والآن يأتي هو ويعيد عليها نفس الحديث ساخرًا منها :
" اعرف بس إني مقولتش الكلام ده من حبي فيك، ده كان تحت تهديد السلاح "
" تحت تهديد السلاح ولا فوقه، ميخصنيش المهم أنك قولتي كده، وانا عشان جنتل مان مرضتش اكسر بقلبك قدام ناس غريبة، لكن يا رانيا خلاص كل اللي بينا انتهى، اتفضلي تعالي خدي التليفون بتاعك وعلى بيت ابوكِ "
وبمجرد أن أنهى كلماته الساخرة وصل له صوت سباب وصراخ من الجهة الاخرى، لكنه لم يهتم :
" خلاص بقى يا رانيا امسكي نفسك مينفعش تنهاري قدام مختار كده، عارف اني لا اعوض وإني راجل زي الالماس النادر، بس متعمليش في نفسك كده، يلا اسيبك مع مختار هو هيجيبك تاخدي خالتك والتليفون وعلى بيت ابوكِ ملمحش وشك ده في القاهرة تاني سامعة"
في تلك اللحظة كان الجميع ينظر له بدهشة لما يقول، وصوت رانيا يصل له غاضبًا :
" مين بيتكلم ؟! محافظ القاهرة ؟! تكونش ياض القاهرة دي العزبة اللي ابوك اشترهالك عشان تقول مين يقعد ومين يمشي ؟؟ "
ابتعد صالح وهو يعطي ظهره للجميع ويقول بصوت هادئ :
" خلاص بقى يا رانيا بطلي عياط، قولتلك الموضوع بقى صعب يا بنت الحلال "
" عياط مين يا ابو عياط، ده انت آخر بني آدم ممكن اعيط عليه، اقسم بالله لو جوزي وهتطلق منك ما هعيط"
ابتسم صالح بحسرة مصطنعة :
" عارف كل ده، وعارف قد ايه فراقي صعب بس ده نصيب في الآخر، وإن شاء الله تلاقي واحد أقل مني يستحملك، لأن مش هتلاقي احسن مني خالص "
ضحكت رانيا بعدم تصديق :
" ياض أنت عبيط ؟؟ أنت عمرك ما بصيت لنفسك في المرايا ؟؟ "
تنهد صالح وهو يستدير للجميع الذين كان يفغرون أفواههم بصدمة عدا صلاح الذي كان يبتسم بخبث على أخيه الذي هتف بجدية :
" خلاص بقى عارف أن مفيش مني تلاتة، بس نصيبك كده، المهم ارجعي أنتِ الاول كده واهدي وبعدين يبقى نشوف حل لعلاقتنا "
ولم يعطي لها الفرصة للتحدث، بل اغلق الهاتف بكل بساطة وهناك بسمة منتصرة أعلى فمه، أخيرًا انتقم منها واستطاع أن يسجل نقطة لصالحه عند رانيا ...
هذا يستحق احتفالاً...
رفع أنظاره للجميع يهز كتفه بقلة حيلة :
" منهارة وهتموت من العياط، وانا مش عارف اصبرها لاني لو مكانها كنت هنهار بنفس الشكل لو خسرت حد زيي "
على الجانب الآخر كان رانيا تحدق بالهاتف لا تستوعب ما حدث منذ ثواني وما نطق به صالح، لكنها فقط وضعت الهاتف أمام مختار وهي تنظر أمامها بهدوء وما هي إلا لحظات حتى انفجرت بالضحك في شكل جعل مختار يتأكد أنها مختلة بالفعل، لكن رانيا كانت تضحك على كلمات صالح وطريقته في التحدث تتساءل كيف يوجد شخص مثله معهم على هذا الكوكب ...
__________________________
بعد ساعة تقريبًا ...
يجلس معها منذ دقائق حينما أرادت التحدث معه في أمر بعيدًا عن الجميع، اتكأ صلاح بظهره على المقعد الذي يتوسط أحد المقاهي وأمامه تقبع ميمو التي كانت تعبث في هاتفها وهي تبحث عن شيء به :
" امتى المقال الجاي بتاعك ؟!"
رفع حاجبه وهو يضم كفيه يردد بهدوء :
" دلوقتي لو عايزة، بس ليه !!"
ابتسم ميمو بسمة مخيفة يعلم أنها تحمل المزيد والمزيد من الهدايا لابن زوجها العزيز، رفعت هاتفها وهي تقول بجدية :
" فاكر الصور اللي فرجتك عليها لسعيد ؟؟ "
" صور قضية المخدرات ؟؟"
ابتسمت له تاركة الهاتف أمام عينيه :
" ايه رأيك لو بروزناها برواز حلو كده من عندك وتنزلها مع كلمتين من بتوعك "
انحنى صلاح بنصف جسده العلوي على الطاولة ومازالت عيونه تدور على تلك الصورة أمامه لسعيد وهو مكبل الأيدي، انقشع فمه عن بسمة جانبية :
" امممم معنديش مشاكل بس أنتِ ؟؟"
" أنا ايه ؟!"
نظر لها جيدًا بشكل جعل قلبها يختض في صدرها، لا تدري سر نظراته تلك لها، إلا أنه انحنى صوبها أكثر يهمس بصوت خافت :
" المرة اللي فاتت حاول يخنقك، المرة دي ممكن يعمل اكتر من كده "
فتحت ميمو عيونها بصدمة لا تصدق أنه انتبه وقتها للأمر، ذلك الخبيث ولم يظهر حتى عليه شيء، رفعت عيونها له لتسمعه يهمس بصوت خافت أكثر من السابق :
" وكمان اثار الاحمرار اللي كانت جنب مناخيرك بتوضح أنه عمل اكتر من الخنق، فالمرة دي مين يضمن إني لما انشر المقال اللي عايزاه، هيسيبك عايشة ؟؟"
ابتسمت ميمو تدرك جيدًا مع أي نوع من الأشخاص تتعامل :
" اكيد أنت مش مفكر اني سيبته ؟؟"
" لا طبعًا، أنا عارف أنك رديتي ليه الضربة بعشرة، لكن ...في الآخر هو اتجرأ وضربك وانا مش حابب نغامر بالشكل ده تاني "
ابتعد عنها يعود لمقعده بينما هي ما تزال تحدق به في جدية كبيرة :
" وأنت يهمك بايه ؟! الأذى عليا كله ومش عليك "
" أنتِ تهميني "
شعرت ميمو لأول مرة في حياتها البائسة بقلبها يتحرك في مضجعه، ابتلعت ريقها وهي تبعد تأثير كلماته التي تدرك جيدًا أنها ليست بريئة بالمرة، فهذا الرجل لا يحمل أي شيء يمكن وصفه بالبرئ ..
ابتسم صلاح على ردة فعلها بتكبر، ثم عاد بظهره للخلف مجددًا يضم ذراعيه لصدره، ينظر لها نظرة ناعسة تخبرها أنه يدرك كل ما تفكر به، لكن وقبل أن يبادر ويردد كلمة أخرى وجد جسد يندفع لاحضانه بقوة مخيفة جعلت مقعده ينقلب به للخلف وفوقه ذلك الجسد ..
فتحت ميمو عينيها بفزع وهي تقف تميل بنصف جسدها لترى ما حدث ..
كان صلاح متسطحًا ارضًا وفوقه شاب يضمه بقوة كبيرة وهو يخرج هاتفه ليلتقط صورًا له مع صلاح :
" أنا مش مصدق بجد، صلاح السقاري، صورة، ناخد صورة سوا "
كان صلاح يحاول أن يتحدث وهو ممد بالمقعد ارضًا وجواره ذلك الشاب الغريب والذي أخذ يلتقط له صورًا بهذا الوضع :
" يابني يعني لو كنت جيت طلبت مني نتصور عادي كنت هحوش عنك حاجة ؟! ليه بس المنظر ده "
نظر له الفتى والذي كان يبدو في عمر المراهقة تقريبًا لكن مع جسد طويل بعض الشيء يردد بلهفة :
" حضرتك متعرفش أنا بحبك قد ايه، أنا قرأت كل الكتب بتاعتك وصحابي كلهم بيحبوك "
حاول صلاح أن يبعده من فوقه ينهض :
" على راسي والله، بس معلش قوم من فوقي عشان حاسس فقرات ضهري اتطبقت على بعضها "
نظر له الفتى وهو يقول برجاء :
" طب معلش صورة واحدة كمان، الله يخليك "
" يا حبيبي وهو انت لو قومتني هجري منك ؟؟ والله هنتصور واعمل معاك فيديو بس معلش خليني اقوم مش كده "
في تلك اللحظة تدخلت ميمو وهي تقول بضحكة عالية تجذب الهاتف الخاص من الشاب :
" حرام عليك يا صلاح الشاب شكله بيحبك، هات يا ابني أنا هصورك "
نظر لها صلاح بشر، لكنها لم تهتم وهي ترفع الهاتف تقول باستفزاز :
" يلا ابتسامة حلوة "
رفع الصبي إبهامه في الهواء وهو يجلس جوار جسد صلاح الممد ارضًا وهو يتخذ عدة وضعيات وصلاح ينظر بحنق لميمو التي كانت تأمر الصبي بأوضاع غريبة وهو ما يزال على نفس جلسته ..
وأخيرًا بعد التقاط البومًا كاملًا نهض الصبي ينتزع الهاتف من يد ميمو وهو ينظر لجميع الصور باندهاش :
" جميلة اوي، دول صحابي هيموتوا لو عرفوا اني شوفت حضرتك واتصورنا سوا "
" حبيبي الله يكرمك يارب، معلش بس قومني عشان ضهري بدأ يقفش عليا "
انحنى الصبي يساعد صلاح على النهوض وهو يقول بسعادة :
" معلش والله انا بحب حضرتك اوي اوي، أنا هنزل الصور دي عندي وهعمل لحضرتك إشارة عشان الصور تنزل عندك"
قال صلاح يعدل من وضعية ثيابه ويعيد ترتيب خصلات شعره تحت نظرات ميمو التي كانت تكتم ضحكات مرتفعة كادت تفلت منها :
" هو أنا صديق عندك ؟!"
" أيوة أنا كنت بعتلك طلب وحضرتك قبلته، هعملك إشارة عشان تظهر عندك برضو "
ربت صلاح على كتفه ببسمة :
" اكبر غلط عملته في حياتي، ابقى ابعتلي رسالة الاول قبل ما تنزل الصور عشان الحق اعملك بلوك "
نظر له الفتى ببلاهة ليمنحه بسمة :
" اتشرفت بيك يا ..."
" صالح، اسمي صالح "
" اكيد طبعًا، التصرفات دي متطلعش غير من صالح "
ولم يسمع الفتى تلك الكلمات التي كان صلاح يتمتم بها لنفسه :
" حضرتك قولت حاجة ؟!"
" بقولك عاشت الاسامي يا صالح، اسمك ده غالي على قلبي والله "
شكره صالح وهو يمنحه بسمة واسعة ثم تحرك بعيدًا عنه وهو ينظر للهاتف يتفحص الصور بسعادة كبيرة، بينما صلاح ما يزال يمسك ظهره بوجع، لكن فجأة وجد ميمو تنفجر بالضحك وهي تتخيل مظهره حينما عانق جسده الأرض :
" مش معقولة حب الناس ممكن يعمل ايه "
رمقها بحدة :
" عقبالك كده لما تلاقي اللي يحبك نفس حب صالح كده "
افتر ثغر ميمو عن بسمة خبيثة وهي تقترب منه تهمس بنبرة ماكرة :
" معتقدش اني من محبي نوع صالح اللي بيلبس مقطع وشعره منكوش، ممكن النوع التاني اللي بيلبس بدلة و نضارة من غير عدسات ومرتب شعره، وقتها ممكن افكر "
أنهت حديثها تغمز لصلاح الذي كان يحاول استيعاب ما تقوله، وميمو شعرت أنها سجلت هدفًا في مرماه، أمسكت حقيبة يدها وهي تمر من أمام صلاح تنظر له بمكر، ثم أضافت بهدوء :
" اشوفك بكرة يا لذوذ، اه بالمناسبة حلوة تسريحة شعرك والبدلة ماشية مع النضارة بتاعتك "
وبمجرد انتهاء جملتها تحركت خارج المقهى وهي تضحك بخفة بينما صلاح يرمش وهو ما يزال في صدمته، تلك الفتاة ردت له ضربته باقوى منها، وهو في الحقيقة احب ذلك وبشدة ..
ابتسم يحمل أغراضه تاركًا ثمن المشروبات وخرج يعدل من وضعية سترته :
" وانا بحب النوع اللي بيلبس لبس هوانم جاردن سيتي، وبيتكلم كلام الدرب الاحمر "
في تلك اللحظة التفتت ميمو خلفها لصلاح الذي كان يتحرك نحو سيارته، وابتسمت له بسمة، ثم غادرت بهدوء شديد لسيارتها .
" بحبه اوي "
_____________________________
أنعزل بها بعيدًا عن ضوضاء صالح ورفاقه، حيث طلب رائد من تسبيح أن تتبعه صوب الشرفة التي تتوسط البهو للتحدث معها بأمرٍ هام وبمجرد أن دخلا حتى سارعت تسبيح تقول بهدوء وبصوت خافت مازال يحمل آثار الاحزان المتراكمة على قلبها :
" أنا مشكرتش حضرتك على تعبك معايا، أنت والكل هنا، أنا تسببت ليكم في مشاكل كتير اوي لغاية دلوقتي و..."
صمتت حينما شعرت باختناق احرف كلماتها، ليعطها رائد كل الوقت حتى تتمالك نفسها وتتحدث مرة اخرى، وكذلك حدث :
" للاسف أنا مبقاش ليا لأزمة دلوقتي لأن عبدالعظيم اللي كان ممكن يفيدك في القضية خلاص راح هو كمان "
سقطت دموعها بقوة ومظهر أخيها يسقط أمام عينيها غارقًا في دمائه التي سالت نتيجة طيشه، تلك الصورة تذبحها دون رحمة، ربما لم تكن الشخص المناسب للاعتناء به، ربما فقط، ربما لو كانت والدتها حية حتى الآن لاعتنت به وجعلته شخصًا آخر، لكن هي ....انفجرت دموع تسبيح مجددًا تحاول التحدث :
" أنا تعبت، تعبت من كل حاجة، تعبت من افكاري اللي مش سيباني في حالي، وتعبت من عقلي اللي بيرسم ليا مستقبل ملوش ملامح، بقت حياتي من غير أي لأزمة، حاسة إني لو كنت مت امبارح كنت ارتحت "
أنهت حديثها تنهار ارضًا كما اعتادت أن تفعل في كل أحزانها .
في تلك اللحظة ارتفعت أصوات الشجار بين صالح ومحمود وقد أسقط صالح محمود ارضًا وهجم عليه والاخير يرد له الضربات بالمثل.
جلس رائد ارضًا جوار جسد تسبيح وهو يشير لمنظر القتال الظاهر من باب الشرفة وهناك بسمة صغيرة ترتسم على فمه ممازحًا :
" تفتكري حياتك ملهاش لازمة اكتر من حياة الاتنين دول ؟؟ ورغم كده شوفتي حد منهم بيحس على دمه وبيقولك حياتي ملهاش لازمة ؟؟"
نظرت له تسبيح من بين دموعها بتعجب ليقول رائد بحنان أكثر بعدما تخلى عن جديته :
" كلنا لينا لازمة في الدنيا دي، بشكل أو بآخر وأنتِ لازمتك دي مكانتش بس منحصرة على عبدالعظيم، بصي حواليكِ واعرفي أنك موجودة في الحياة دي لسبب وسبب قوي كمان، دوري واعرفي بنفسك ايه هو "
نظرت له تسبيح بشرود وتأثر ودون شعور ابتسمت بسمة صغيرة خرجت موجوعة :
" لو طلبت منك مساعدة للمرة الأخيرة هتعمل كده عشاني ؟! "
ابتسم رائد لها بسمة صادقة واسعة وكأنه يخبرها ( جربيني )، ويبدو أن بسمته قد إصابتها بالعدوى حيث ابتسمت هي وقالت بإصرار وقوة استمدتها منه، وهو الداعم الأول لها في تلك الفترة دون معرفة سبب لذلك :
" عايزة اعمل حاجة كان لازم اعملها من فترة "
في الخارج ...
كان صالح ينام نصف نومة على الأريكة جوار محمود والذي أخرج كيس من المخبوزات التي ابتاعها من مخبز هاجر، يتناولان بعض التسالي الطولية المملحة :
" وبس يا سيدي قولت لماجد يا نواعم يا بلاش، قام عينه دمعت كده بتأثر وقال وانا أفديك الساعة يا ابني يا حبيبي يا كل ما ليا لما اجوزك ؟! فورا نروح نطلب أيدها من عيلتها هي هتلاقي زيك فين ؟!"
تناول صالح تلك التسالي وهو ينظر لهاجر التي كانت تتحدث بعيدًا عنهم في الهاتف وملامحها تظهر مقدار التوتر الذي تعانيه :
" يا راجل ابوك قالك كده ؟؟"
" مش مصدقني ؟؟"
هز صالح رأسه وهو يسحب بعض المعجنات ذات الحشوات المختلفة يمضغها بجوع كبير :
" لا، اتحداك أما كان أبوك تف في وشك ورجع المعمل بتاعه تاني"
" لا والله احنا كنا برة البيت اساسا "
" أيوة بس تف في وشك ورفض طبعا، ابوك اعقل من أنه يوافق على كلامك ده "
تناول محمود بعض المخبوزات بيده :
" أيوة أيوة خرج احقادك وغلك خليها تطفح على الوش كده، سواد من جواك سواد، طول عمري كنت حاسس أنك هتولع مني اكمني بعيون ملونة وشعر اصفر وزي القمر وأنت وشك زي جوز عمتي كده "
ابتسم صالح باستفزاز وهو يقترب منه :
" بزمتك أنت عندك جوز عمة زي القمر كده ؟؟ بعدين اللي يشوف وشك ده يقول ياما هنا وياما هناك، وأنت يا عيني عليك يا ولداه بتشد خضار ونباتات "
وعلى بُعد صغير منهما كانت هاجر تقرض أظافرها بتوتر شديد تدور مكانها وهي تتحدث بنبرة خافتة :
" أنا قولتلك اني في المخبز يا محمد، اجبلك رانيا منين بس ؟؟"
وصل لها صوت محمد الجانب الآخر بعدما صرف السكرتير الخاص يتحدث بهدوء لكنه اثار رعب هاجر :
" هاجر، أنا مش اهبل، من امبارح كل ما اكلمك تطلعي بحجة وحاسس أنك مخبية حاجة، فين اختي وحصلها ايه يا خالتي ؟؟"
خالتي ؟؟ إذن فهو قد وصل لأقصى مراحل غضبه، ابتلعت هاجر ريقها تدعو أن تخرج من ذلك المأزق تقسم إن علم محمد ما حدث لشقيقته ليأتين ركضًا إلى القاهرة ويحطم المدينة أعلى رؤوس قاطنيها...
ويبدو أن دعاء هاجر أستجاب، حيث سمعت فورًا الباب يفتح من الخلف وأصوات رانيا تعلو ...
انتبه جميع من بالمنزل أن أحدهم يدفع الباب والذي لم يكن سوى مختار الذي يمسك ثياب رانيا من الخلف بشكل مضحك وملامحه غاضبة وكأن رانيا نجحت في إخراج شياطينه ..
ألقاها مختار في المنزل بهدوء، ومن ثم نفض كفيه، واغلق الباب راحلًا بكل بساطة وكأنه أدى مهمة ثقيلة على قلبه واخيرًا انتهى منها .
نظرت رانيا للباب المغلق في وجهها بقوة، ثم استدارت لتواجه الجميع واول من سقطت عينها عليه كانت هاجر التي ركضت لها وهي تصرخ بصوت مرتفع مثير للريبة:
" رانيا يا حبيبتي ايه الصدف الحلوة دي، لسه محمد كان بيكلمني وبيسأل عليكِ "
فتحت رانيا عينيها برعب وهي تستقبل هاتف هاجر بلهفة شديد في الوقت الذي مال صالح برأسه يحاول معرفة من ذلك محمد الذي تلهفت للحديث معه بهذا الشكل...
ثواني ورأى صالح رانيا أخرى غير تلك التي يعرفها وهي تقول بنبرة هادئة وبراءة منقطة النظير :
" محمد حبيبي وحشتني اوي "
أجابها محمد بعدما اطمأن أنها بخير، رغم أنه ما يزال يشعر بوجود خطأ ما، لكنه يكفيه أنها بخير :
" وأنتِ كمان يا روني، أنتِ كويسة ؟؟"
" أيوة يا قلبي كويسة اوي متقلقش عليا "
رفع صالح حاجبه وهو يحاول معرفة مع تتحدث يقترب منها يحاول استراق السمع وهو يميل نحوها بشكل جعلها ترمقه بعدم فهم، لكنها لم تستطع النطق بكلمة :
" أيوة أيوة أنا هرجع قريب متقلقش أنا بس قعدة شوية مع هاجر ...خالتو قصدي قعدة شوية مع خالتو لغاية ما خالو يرجع من السفر لأنها لوحدها الفترة دي "
اعتدل صالح في وقفته وهو يردد بتسائل وصوت واضح :
" مين محمد ده اللي بتكلميه باحترام ؟؟ ده واحد ماسك عليكِ ذلة ولا ايه ؟! بتكلمي مين وريني "
وما كاد ينتزع الهاتف حتى وجد هاجر تركض صوبه تجذبه بقوة للخلف وهي تكاد تبكي رعبًا :
" اششش اسكت الله يكرمك، اسكت "
نظر لها صالح بعدم فهم، وهاجر تجذب ثيابه بكل قوتها لكن ما استطاعت تحريكه خطوة واحدة، لتنظر باستجداء لمحمود :
" محمود تعالى خد صاحبك ده بعيد "
ابتسم محمود وهو يهب لتنفيذ ما تريد، فذلك هو أو طلب لزوجته المستقبلية، لذا امسك صالح من رقبته يجذبه بعيدًا عن رانيا التي كانت ترتجف حرفيًا وهي تتحدث لذلك الرجل المسمى محمد، بينما صالح كانت عينه معلقة برانيا في فضول يود معرفة من هذا الذي تتحدث معه ...
" راجل ؟؟ راجل مين يا محمد ده ده ..."
صمتت تكاد تبكي من صوت أخيها والذي رغم هدوءه إلا أنه مرعب، فهي تعلمه جيدًا حينما يتعلق الأمر بالرجال حولها :
" ده واحد مسكين كده "
فتح صالح عيونه باتساع يردد صارخًا بنزق :
" مسكين ؟؟ والله أنتِ اللي مسكينة، اوعى كده يا زفت أنت والله لاروح اربيها اشوف بتكلم مين دي "
في تلك اللحظة وحينما شعرت هاجر أن رانيا على وشك التورط في مشكلة مع أخيها اختطفت منها الهاتف :
" الو يا محمد ...لا لا ده واحد على الله كده بيجيلي المحل ياخد اللي فيه النصيب كل يوم...لا طبعا ايه اللي هيخلي رانيا تتعامل معاه، هو بس مش واعي باللي بيعمله "
رمقهما صالح بصدمة حتى رأى هاجر تغلق الهاتف، ثم اتجهت صوب رانيا تضمها بقوة وحنان :
" الحمدلله فلتنا "
تنفست رانيا بصوت مرتفع وصل لمسامع صالح الذي كان يحدق فيها بشكل غريب يحاول معرفة ما حدث منذ ثواني ومع من كانت تتحدث بكل ذلك الخوف .
رفعت رانيا عيونها في عيون صالح، لتتلاقى الاعين في لحظة غير مفهومة ولسبب غير مفهوم، وكأن كل تلك الشرارات السابقة بينهما أدت دورًا معاكسًا فبدلًا من إحداث تنافر كالعادة، تسببت في تجاذب غريب نابع من فضول صلاح وامتنان رانيا...
رانيا التي علمت جيدًا أن صالح ليس مجرد شخصٍ وقح مستهتر، بل هو أيضًا يمكنه أن يكون جيدًا إن أراد، وصالح الذي شعر وللحظة برعب رانيا وسمعها تترجاه باكية أن يساعدها بعدما وقعت في مصيبة بسببه ....
______________________
هبطت من سيارة رائد التي توقفت أمام منزلها، شعرت بقلبها ينتفض وهي ترى بعض الدماء المتجمدة على عتبة منزلها، دماء ذكرتها بذلك اليوم الذي فقدت فيه والدها ...
كبتت دموعها وهي تتحرك داخل المنزل بسرعة تاركة رائد يستند على سيارته أمامه وقد أبصر بعض الجيران بدأوا يتجمعون وهم يتهامسون عليها.
" يا ختي ايه اللي رجعها دي ؟؟"
" سمعت إن ابوها يا حبة عيني مات، جوزي شغال ممرض في المستشفى اللي ابوها راح ليها وقالي أنها كانت هتموت وراه، منهم لله اللي كانوا السبب اللهي لا يتهنوا ولا يسعدوا يوم قادر يا كريم "
" البنت دي وجودها هيعمل مشاكل اكتر، ربنا يعديها على خير "
" لسه ليها عين تدخل الحارة بعد ما حرقت قلب الناس على عيالهم؟؟ والله عشنا وشوفنا "
" ربنا يصبرها على اللي هي فيه لسه صغيرة على كل اللي حصل ليها "
كانت الكلمات تتراشق هنا وهناك حول رائد، البعض منها مقهور لأجلها، والبعض متشفي بها، البعض يتحسر على ما خسرت، والبعض يفرح بما خسرت، هكذا هم الناس، يتحدثون بكل شيء وأي شيء، حتى وإن كان هذا الشيء لا يعينهم ..
داخل المنزل كانت تسبيح تجمع كل ما يحتاجه وتريده، وبعد أن انتهت من جمع كل ذكرياتها في حقيبتها دخلت حجرة والدها لتبصر كل شيء كما رتبته صبيحة ذلك اليوم، سجادة الصلاة ومسبحته ذات الحبات التي بدأت نقوشها تنمحي لكثرة امساك والدها لها .
أمسكت المسبحة بيد مرتجفة تتحسس حباتها بتأثر ودموعها تتساقط عليها، رفعتها صوب شفاهها تقبلها بقوة :
" ربنا يرحمك يا حبيبي، ربنا يرحمك ويغفر لك يارب ويسكنك فسيح جناته ويجمعني بيك، ويغفر لعبدالعظيم يارب "
أمسكت المسبحة ووضعتها داخل جيب فستانها البسيط، ثم حملت صورة والدها وصورة أخيها وصورة لهم مجتمعين ووضعتهم داخل الحقيبة ونظرت للغرفة نظرة أخيرة بقلب مقهور، ومن ثم حملت الحقيبة وتحركت صوب باب المنزل وبمجرد خروجها سارع رائد لمساعدتها وهو يقول :
" يلا نمشي من هنا "
نظرت له تسبيح ثواني بتردد قبل أن ترفع رأسها مبتسمة، كفكفت دموعها :
" لحظة معلش "
استدارت للجمع الذي كان يطوق منزلها وهم ينظرون لها باستنكار وقد وصل لمسامعها تساؤل حول هوية رائد وعن جرأتها لعودتها، لكنها لم تعبأ بهم :
" كويس انكم متجمعين عشان كنت حابة اقولكم حاجة، إن زي ما بعضكم اتفرج عليا أنا وابويا واحنا بننضرب وسكتوا وسدوا ودانهم عن صويتي وعياطي وصراخ ابويا، هيجي اليوم اللي تلاقوا كل الناس وقفت تتفرج عليكم وانتم في مصيبة أو كرب، أنتم اتخلقتوا عشان تعيشوا طول عمركم منزلين رووسكم للأرض، عيشتوا جُبنا وهتموتوا بجبنكم "
نظرت في الأعين وهي تردد بكره ومقت كبير :
" ربنا يسامحكم بقى، لاني مش مسامحة اي حد كان يقدر يساعدنا وفي أيده ينقذ ابويا وفضل ساكت، ابويا مات وراح عند اللي احسن منكم وارحم بيه منكم، لكن أنتم لسه عايشين، ولسه هتشوفوا "
أنهت حديثها وهي تتحرك لمنزلها مجددًا تحت الأعين التي تراقبها والمشاعر متباينة بينهم ...
ثواني وخرجت تسبيح وهي تحمل جرة فخار اكبر واضخم من تلك التي تم تكسيرها خلفها اخر مرة، ثم توقفت أمام الجميع والقتها ارضًا ببسمة مليئة بالكره لتتحطم الجرة أسفل أقدامها وتتناثر شظاياهم امام الأعين وتقول بصوت قوي جهوري :
" المرة دي أنا اللي كسرت ( زير ) مش قُلة ورايا، لأن ميشرفنيش اقعد وسط ناس زيكم، ومش هقول غير حسبي الله ونعم الوكيل في كل شخص قال عليا أو على اهلي كلمة مش فينا، وعند الله تجتمع الخصوم "
أنهت حديثها وهي تتحرك بخطوات قوية ورأس مرفوعة صوب السيارة ورائد يراقبها ببسمة واسعة ليصفق بمجرد انتهاء حديثها وهو يرمق الجميع بسخرية، ثم صعد السيارة خلفها وتحرك بها، وتسبيح جواره تبتسم بسمة غريبة وصدرها يعلو ويهبط وعيونها تراقب المرآة الجانبية وهي توثق لها المشهد الاخير لأهالي حارتها المذهولين...
وها هي تسبيح تودع فصلًا في حياتها لتبدأ آخر، لا تدري ما يخفيه لها، لكن عساه يكون خيرًا ..
وجوارها كان رائد مبتسم سعيد وبشدة لقوتها تلك وتعهد في نفسه أنه لن يترك تلك الفتاة يومًا لغدر الزمان، لن يتركها يومًا لتنكسر، بل سيكون بالمرصاد لكل من تسول له نفسه نزع تلك النظرة القوية عن عيونها، سيحميها ولو استلزمه ذلك حياته ...
_____________________
تجلس أعلى سطح القصر وهي تتمدد ارضًا تنظر للسماء، وهناك بسمة متسعة اعلى ثغرها، بسمة لم تعلم أنها تمتلكها إلا حينما قابلته وتعرفت عليه، اغمضت عيونها وهي تتنفس بصوت مرتفع تهمس :
" خلاص هانت، هانت وكل ده يخلص، هانت وكل شيء يرجع زي الاول وهانت ونخرج من الغيمة دي للنور "
سمعت ميمو صوت اقدام يقترب من الخلف، لكنها لم تفتح عيونها، بل ظلت مغمضة تعلم جيدًا صاحب تلك الاقدام والذي لم يكن سوى مرافقها العزيز الصامت ...
جلس مختار على أحد المقاعد جوارها، بينما هي لم تحاول حتى معرفة ما يريده أو السبب الذي جعله يصعد لها وقد اخذها عقلها لذكرى بعيدة، ذكرى لن يمحيها الزمان، ولو مرت قرون ...
" خلاص يا ميمو يا حبيبتي انا كده خلصت كل حاجة، ارجعي أنتِ البيت عشان هتتأخري والوقت بدأ يضلم وأمك اتصلت من بدري عشان قلقانة عليكِ "
رفعت ميمو عيونها لزوجة عمها الحبيبة والتي أصبحت ذابلة منذ رحيل ميرفت بتلك الطريقة القاسية :
" لا يا مرات عمي أنا خلصت شغلتي في البيت وكمان قولت لمازن هو هيخلص مذاكرة ويعدي ياخدني، وطالما مجاش لغاية دلوقتي يبقى لسه مسموح ليا اقعد برة "
ابتسمت لها المرأة بسمة حنونة وهي تربت أعلى خصلات شعرها بحنان شديد وعيونها تدمع دون إرادة منها، وذكرى ابنتها تعود لها كلما تحدثت مع ميمو أو رأتها، آه يا ابنتي، يبكي القلب دمًا لبُعدك ...
رفعت ميمو عيونها لزوجة عمها بعدما شعرت بصوت شهقاتها :
" مالك يا مرات عمي ؟؟ حصل حاجة ؟؟"
فتحت زوجة عمها فمها وهي على وشك التحدث، لكن فجأة وجدت من يطرق الباب بقوة وهو يصرخ بصوت مرتفع مخيف :
" الحق يا استاذ معتز، اخوك ماسك الست مراته وحالف ليقتلها "
سقط قلب ميمو رعبًا حين سماعها لتلك الكلمات، لتنتفض من جلستها في المطبخ وتركض خارج المنزل برعب وهي تصرخ باسم والدتها وقد كان ابن عمها الأكبر والذي كان بعمر مازن يسبقها، الجميع في الشوارع يصرخ ويولول والنساء تنتحب وعالمها يدور وينهار ...
توقفت أمام منزلها وكادت تدخله لولا أيدي النساء اللواتي امسكنها برعب وصوت زوجة عمها تردد بخوف :
" اصبري يا ميمو، اصبري يا بنتي ليطولك أذى، متخافيش عمك جاي و هيتصرف "
لم تكن تلك المرة الأولى التي يثير بها والدها المشاكل بحثًا عن الأموال لأجل تجرع تلك السموم التي ادمنها، فمنذ اسبوع تقريبًا حمل السكين على والدتها وهدد بقتلها لولا نادر الذي عاد ركضًا من العمل وألقى الأموال في وجهه، ذلك الوباء الذي يُسمى والدها والذي لا يستطيعون التخلص منه ...
سمعت أصوات صراخ مازن من الداخل وبكاء شقيقتها وشجار ابن عمها مع والدها، وصرخات والدتها وجميع الاصوات تزدحم وهي تبكي بين احضان زوجة عمها تنتظر انتهاء الشجار لدخول المنزل واحتضان والدتها لترمم جروحها، لكن ذلك لم يحدث، لم يمر ذلك الشجار كغيره، ففجأة أبصر الجميع انفجار مخيف ونيران تخرج كوحش من المنزل جعل الناس يركضون ويصرخون بعيدًا عن المنزل الذي بدا كما لو كان قنبلة قد انفجرت به ...
عائلتها ؟؟؟؟؟ والدتها ..مازن ..نادر ...الصغيرة ..ووالدها ..وايضًا ابن عمها، كلهم بالداخل، مظهر النيران والتي بدأت تلتهم جميع المنازل المحيطة انعكس في عيونها لتطلق صرخة جنونية وهي تركض صوب منزلها المحترق وتلقي بنفسها بين ألسنة اللهب....
انتفضت في تلك اللحظة ميمو من كابوسها شاهقة بصوت مرتفع تنظر حولها للظلام الذي يعم السطح وهي تتعرق وترتعش تشعر بلسعات على جسدها وكأن الحلم كان حقيقة ..
ابتلعت ريقها تنظر لمختار الذي كان هو من ايقظها يرمقها بحيرة متسائلًا عن سبب فزعها، لتغمض عيونها وهي تتسطح وجسدها بأكمله متعرق
" معرفش ايه اللي حصل، أنا بس غمضت عيني من هنا وشوفت كابوس من هنا "
حدق فيها مختار بشفقة ثم أشار لها بعينه أنه سيذهب لإحضار شيئًا لها، وبعدها تحرك وبقيت هي مكانها، تحاول أن تتناسى كل تلك الذكريات، كادت تنجرف لمنطقة اللاعودة لولا مختار، كادت تسقط في مستنقع رأسها لولا هزة صغيرة من مختار
أغمضت عيونها تحاول الهدوء وتذكر اشياء مريحة لها، ليطرأ هو بطلته وضحكته على أفكارها جالبًا بسمة واسعة لها، لكن تلك البسمة تلاشت فجأة حينما شعرت بلسعات انفاس ساخنة جوارها وصوت خرج كالفحيح :
" بتفكري فيه صح ؟؟ الواد الصحفي اللي ماشية معاه في كل مكان، عشان بس تساعديه وتديله أدلة ضدي يثبت بيها كلامه؟؟"
فتحت ميمو عيونها بفزع وهي ترى وجه سعيد أمامها ينظر لها بشر، وما كادت تتحدث بكلمة حتى شعرت بشيء معدني يُثبت أعلى خصرها وصوت سعيد يقول بشر وكره اعماه :
" مش كل مرة هعديها ليكِ، ومش هستتى لغاية ما تعملي اسوء من كده، المرة اللي فاتت سكت، بس المرة دي لا "
شعرت ميمو بانفاسها تتقلص شيئًا فشيء وهي تحاول الصراخ لتنادي مختار، لكن صوت سعيد قاطعها وهو يهمس بشر يُقطر من بين أحرفه :
" قولتلك موتك هيكون على أيدي يا .....يا ميمو هانم "
وبتلك الكلمات ختم سعيد جملته ليصدح بعدها صوت رصاصة في المكان بأكمله تبعها صرخة عالية من ميمو شقت هدوء الليل .........
_____________________
حينما تحتد الصراعات تضطرب النفوس، فماذا عن صراعات النفوس، تنهض يوميًا من نومك لتبدأ روتينك في الصراع مع نفسك ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل