تحميل رواية «ما بين الألف وكوز الذرة» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الاول * هام قبل القراءة* ( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني ) وتاني هقول رجاءً بلاش تحرقوا الأحداث اللي جاية في الفصول الاولى يا جماعة كده انتم بتفسدوا متعة...
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم رحمة نبيل
للي داخل يصيح عشان عنوان الفصل
دعواتكم لاهالينا في غزة ربنا يتولاهم برحمته يارب
صلوا على نبي الرحمة ...
متنساش التصويت للفصل والتعليق برأيك لأجل تشجيع الكاتب المسكين .
_________________________
" يعني اللي كانت في الصور دي مش مراتك، حسب الاخبار اللي وصلت لينا من مصدر خاص أنك على علاقة وثيقة بيها، والبعض بيقول أنه شهد على جوازكم من بعض ...."
كان يعلم، ميمو أخبرته وهو كان واثقًا أن دعوته لذلك البرنامج وفي هذا الوقت ليس لخير أبدًا أو للتحدث عن إنجازاته في مجال الكتابة في الآونة الأخيرة، هو يعلم كل ذلك، ولهذا تحديدًا وافق على المجئ فما اسرع من برنامج يُبث للجميع كي ينفي كل تلك الأخبار عنه، ويخبر الجميع توضيحًا يضب السانهم داخل فمهم ؟!
جاء بإرادته وانتظر أن يُسأل هذا السؤال وطال انتظاره حتى ظن أن البرنامج سيتعامل معه بشرف ويطرح عليه جميع الاسئلة التي عُرضت عليه قبل بدء البرنامج، ولا يتلاعب بقذارة كما المعتاد، لكن ها هم لا يخيبون أمله فيهم ويثبتون قذارتهم، وهو سيستغل كل ذلك لأجله، لكنه لن يتغاضى عن ردعهم ..
ابتسم صلاح يجيب بكل بساطة وهدوء كبير :
" وهو المصدر الخاص بتاعك ده مقالش ليك مين اللي في الصور ؟!"
ابتسم المذيع يخوض تلك اللعبة بجرأة كبيرة :
" لا هو بس جاب لينا المعلومة دي بدون تأكيد والتأكيد عايزينه منك لكل السادة المشاهدين اللي بيتابعوك،ه غير المعلومات الكتير اللي اتنشرت وحضرتك محتاج تأكدها لمتابعينك "
أطلق صلاح ضحكات عالية رنّ صداها في المكان بأكمله، ثم مال بعض الشيء يقول بجدية كبيرة :
" حضرتك محتاج تقوي حصيلتك اللغوية شوية، لأن الخبر الغير مؤكد مش بيتقال عليه معلومة، بيتقال عليه إشاعة، واكيد حضرتك وبرنامجك اللطيف اكبر من انكم تكونوا منصة لترويج الاشاعات "
بُهت وجه الرجل أمامه، وصلاح اتسعت بسمته، يعتدل في جلسته أكثر يوضح ما يريد إيصاله للجميع :
" حياتي الشخصية في الفترة الأخيرة استحلها البعض عديمي الاخلاق المهنية، وتجرأوا بالحديث عليا وعلى زوجتي، وأنا ترفعت عن الرد باعتبار أن السفيه افضل رد عليه هو الصمت، لكن زيادة الحديث عن الأمر سبب صداع لزوجتي وأنا ميرضنيش أنها تتعب بسببهم "
صمت ثم أضاف بجدية يستغل تلك المنصة ليصل تحذيره لكن من تسول له نفسه وذكر زوجته بالسوء:
" زوجتي زي ما الكل يعرف أرملة جاد الاشموني، ده صحيح ونقدر نسميه معلومة، وده شيء لا يعيبها إلا إن كان البعض منكم لا يتقبل زواج الأرملة، فده شيء لا يعنيني ولا يهمني اساسا، لكن زوجتي سيدة لو كنت عيشت اعمار على عمري مش هلاقي ضفرها، زوجة صالحة وأم حنونة، فأنا مش مهتم الكل يتقبلها أو لا يكفيني إني أنا بتقبلها بكل الحب، والباقيين مجبرين يحترموها "
نظر للمذيع جيدًا بأعين غامضة، ثم بلل شفتيه يقول بجدية كبيرة :
" أما بالنسبة للصور اللي اتنشرت من نفس الصحفي اللي بيخوض في حياتي انا وزوجتي وكتب عليها جملة عبيطة حضرتك ترجمتها أنت ومصادرك الخاصة إني متزوج واحدة تانية، الصورة دي صورة اخويا التوأم وزوجته اللي مش هيكون بنفس تفهمي ويمرر الموضوع بهدوء، ومش عارف حتى الآن ازاي بعض المتحذلقين جاهلين لحقيقة إن عندي أخ توأم"
أخذ أنفاسه يرى الصدمة تعلو وجهه المذيع، ثم سرعان ما خفتت وحل محلها نظرات خبث تدور على وجه المذيع الذي كان يتجهز لطرح سؤال آخر، لكن صلاح قاطعه يقول بمزاح غامض :
" صدقني بعيدًا عن اخلاصي التام لزوجتي وحبي الكبير لعيلتي وبيتي، فأنا شخص مشغول طوال الوقت سواء في الجريدة طول النهار والكتابة في الليل "
ابتسم بسمة مريبة وهو ينظر للمذيع يقول بجدية :
" اصل أنا برضو مش عايش حياتي ٢٤ قيراط، ولا عندي مثلا برنامج بطلعه يومين في الاسبوع كل حلقة ساعتين، عشان يكون عندي الفراغ الكبير اني اتجوز واحدة تانية على زوجتي واقعدها في شقة في شارع سوريا في المهندسين مثلا، ولا أنت ايه رأيك ؟!"
ابتلع المذيع ريقه بقوة وقد شعر بالمكان حوله يضيق والأكسجين يقل، والحرارة تزداد، نظر بأعين صلاح الذي كان يرمقه ببسمة مريبة وكأنه يخبره أنه لم يفرغ بعد كل ما في جعبته، وأنه ما يزال يملك المزيد من التفاصيل عن زيجته الثانية التي يخفيها عن زوجته .
لذلك ابتسم المذيع بسمة متوترة يقول بصوت خافت خرج بصعوبة من بين ضحكات أراد بها وأد رعبه :
" وأنا برضو قولت إن دي اكيد إشاعات مش أكثر خاصة إن الصحفي اللي نزل كل الصور دي معروف عنه الأخبار المغلوطة، واكيد حضرتك مش من النوع ده "
ابتسم له صلاح يقول ببساطة :
" مش كده برضو ؟؟"
أطلق الرجل ضحكات خافتة بعض الشيء :
" طبعًا طبعًا، يكفي حبك لزوجتك زي ما هو واضح في كلماتك "
هز صلاح رأسه يجيب ببراءة شديد :
" فعلًا ..."
غيّر المذيع مجرى الحديث تمامًا يطرح عليه الاسئلة التي اتفقا عليها قبل بداية الحلقة، وهو يمنحه بسمة حاول بها أن يبعد شرور صلاح عنه :
" صحيح تقدر تقولنا عن عملك الجديد في المعرض القادم ؟! "
ارتاح صلاح على المقعد خلفه، يعود لهدوءه بعدما اوصل ما يريد إيصاله للجميع، يجيب أسئلته باندماج كبير وثقة أكبر..
وخلف الشاشات كان الجميع يتابع ما يحدث، وسعيد ينظر لميمو بريبة كبيرة، والأخيرة تتناول بعض الحلوى ببسمة تنافس بسمات صلاح خبثًا .
سحب سعيد مقعده للخلف بعيدًا عنها، وهو يشعر بالخوف منها ومن زوجها، يتمتم بصوت حانق :
" يا ستار يارب على اللي يقع تحت ايدكم، ربنا ينجينا من شركم، شياطين الانس "
نظرت له ميمو بانتباه وهو تضع الصغير أعلى قدمها بحب :
" بتقول حاجة يا سعيد ؟؟ "
سحب سعيد من الصغير بقوة كبيرة يضمه له بحماية خوفًا أن يتسرب له بعض الشر والخبث لنفسه النقية الطاهرة :
" هاتي الواد ده، بعينك تشوفيه أنتِ وابوه تاني، أنا اللي هربيه خلاص، مش هيرجع معاكم "
كان صالح يتابع ما يحدث بابتسامة واسعة وسعادة كبيرة لما فعل شقيقه، يصفق بحماس شديد :
" يسلم بؤقك يا صلاح يا بني، اديهم، اديهم اياكش يخرسوا اللي ميعرفوش ربنا دول "
نظرت له رانيا بحنق شديد جعله يقول :
" ايه بتبصي عليا ليه ؟! هو اللي بيقل أدبه عليه "
تحدثت رانيا بسخرية لاذعة :
" زمان في كل الافلام أي توأم لازم يكون فيهم واحد طيب والتاني خبيث ومفتري يجيب حق الطيب من العالم، إنما أنت واخوك عايزين توأم تالت يجيب حق العالم منكم"
أشار صالح لنفسه، ثم لصلاح يوضح ويصحح حديثها :
" أنا مش خبيث صلاح هو اللي خبيث "
" بس مش الطيب برضو "
نظر لها بلوم وغيظ شديد، لكن هي فقط ابتسمت واكملت متابعة الحوار باهتمام شديد كما يفعل الجميع ..
___________________________
وصل المكان يركض بين الممرات لا يستطيع ايقاف أحدهم للسؤال عن مكانها أو حتى مكتب رائد كي يعرف أين هي، توقف في منتصف المكان ينظر حوله بحثًا عن أي لوحة تحمل اسمه، يشعر بالضياع، يشير للبعض أن يفهموه أو حتى يتوقفوا، لكن لا أحد ينتبه له، شعر أن المكان يدور وهو لا يمتلك سوى الركض بين الممرات يفحص جميع المكاتب حتى يعثر بنفسه ودون مساعدة على ما يريد، وبعد بحث دقيقة تقريبًا، وجد لوحة يعلوها اسم رائد..
توقف أمام المكتب يطرقه منتظرًا إجابة، وجاءته سريعة ليفتح الباب مندفعًا صوب الداخل يبحث عنها بلهفة، ونيرمينا كانت هي من اندفع له تدري خوفه في تلك اللحظة، تضمه بحنان هامسة :
" أنا بخير ...بخير متقلقش تليفوني بس اتسرق مني فجيت ابلغ بسرعة "
أبعدها عنه نادر بسرعة يحرك أصابعه بعصبية كبيرة في الهواء :
" لما اتسرق مجيتيش ليا ليه بسرعة، عارفة اتصلت كام مرة بيكِ ؟؟"
" أنا قولت ابلغ بسرعة في القسم القريب عشان يلحقوا يجيبوه "
زفر نادر بصوت مرتفع ليقاطع رائد كل ذلك بهدوء شديد مبتسمًا :
" اطمن يا نادر هي كويسة ومحصلش حاجة، وكمان أنا بعت عساكر لتفريغ الكاميرات في محيط الجامعة والموضوع شوية وقت والتليفون يرجع متقلقوش "
هز نادر رأسه ببطء شديد وهو يشدد من قبضته على يد نيرمينا، يضمها له، ثم أشار لها بحركات وملامحه جامدة بعض الشيء، لتهز نيرمينا رأسها وتنظر صوب رائد تخبره ما يود نادر قوله :
" هو كده فيه حاجة تاني، ولا عادي نمشي ؟؟"
قال رائد بهدوء شديد :
" لا أبدا مفيش حاجة تقدروا تمشوا وانا اول ما اعرف أي شيء هتواصل معاكم، بس باشمهندس نادر يسيب رقمه عشان لو حصل حاجة"
ارتسمت بسمة ساخرة على فم نادر، ثم تحرك يخرج بطاقة عمله المدون عليها رقمه، ومن ثم أشار لرائد بالوداع، يمسك بكف نيرمينا وخرج دون أي شيء، ونيرمينا تسير خلفه وهي ترمقه بعدم فهم، جموده ذلك ذكرها بمختار الذي كان يتفنن في الانعزال بنفسه عن الجميع، وهي لا تحب إطلاقًا هذا الجانب منهؤ خاصة بعدما تعاملت مع نادر بكل دفئه ...
صعد الاثنان للسيارة وتحرك بها نادر وهي فقط تحدق به منتظرة كلمة تطمئن بها عليه، ليس وكأنه هو من اختفى ساعات إضافية بعد عمله دون أن يجيب هاتفه، أو حتى هو من كان كل ذلك الوقت في مركز شرطة .
" نادر هو أنت زعلان مني ؟؟"
نظر لها نادر ثواني، ثم هز رأسه بهدوء شديد ينفي سؤالها، وهي لم ترتح لرده، إذ لم ترى منه تلك البسمة التي تتبعها حركات لطيفة يخبرها أنه ما كان له أن يغضب منها يومًا .
" نادر أنا آسفة والله أنا مفتكرتش اتصل بيك غير لما رائد كلم تسبيح عشان يخليها تاخد رقمك من ميمو "
صمتت ثم قالت مجددًا :
" نادر أنا ..."
صمتت حينما زاد نادر سرعة سيارته ولا تفهم السبب، لكنها أكملت حديثها :
" هو أنا غلطت يا نادر بس مش لدرجة تسمعني ومتردش عليا بالشكل ده و..."
رفع نادر واخيرًا أصابعه كي يجيبها بكلمات مقتضبة :
" أرد ازاي ؟؟ أنا اخرس "
شهقت نيرمينا بصدمة من تلك الكلمات والملامح التي رافقتها، ما هذا اليأس والسواد الذي يعلو وجهه :
" نادر أنت بتقول ايه ؟؟ أنت...."
صمتت ولا تعلم ما يجب عليها قوله، هل تلومه على وصف نفسه بهذا الشكل، أم تزجره عن الحديث؟؟
ونادر الذي شعر في تلك اللحظات بعجز يكبله أكثر وأكثر، شعر بالرغبة في البكاء لاول مرة، هو لم يهتم بشأن علته، يقسم أنه حتى لا يفكر في الأمر طالما أنه يجد حلقة وصل مع من يهمه أمره كزوجته وشقيقته، لكن حينما شعر بغياب نيرمينا عنه شعر بعجز يقتله، لم يستطع أن يخرج للبحث عنها والسؤال عنها في جامعتها ...جامعتها حيث تعمل معلم مساعد بها تقديرًا لتفوقها، وهو من لم يكمل تعليمه حتى، وتعلم الإدارة وبعض المهارات من عمله، فرق آخر يضاف بينهما .
شعر نادر بيد نيرمينا تجبره على النظر لها :
" نادر بُصلي، نادر والله العظيم أنا آسفة حقك عليا مش هتأخر تاني .."
نظر لها نادر يتوقف بالسيارة أمام منزلهم دون حتى أن يمر على المطعم يخبرهم أنه وجدها، هو فقط أخرج هاتفه يرسل لميمو رسالة أن تحضر زينب من الروضة وتأخذها عندها حتى يعود هو لأخذها .
صعد المنزل بسرعة كبيرة تاركًا خلفه نيرمينا تجلس في السيارة شاحبة الوجه لا تفهم ما حدث، لا تدري بصراعات نادر الداخلية ولا تعلم شيء سوى أنه غاضب منها .
خرجت من السيارة تركض خلفه للمنزل، وصلت وأغلقت الباب خلفها وكادت تتحرك صوب غرفتهم، لكن فجأة وجدته مستقر في بهو المنزل يجلس على الأريكة دافنًا رأسه بين يديه والأفكار تعصب به .
جلست نيرمينا ارضًا تحاول نزع يدها كي يراها :
" نادر ...نادر مالك !؟ متخوفنيش "
نظر نادر لعيونها قبل أن يرفع أصابعه يحركها ببساطة :
" حاسس إني مش قادر، مش قادر استحمل"
تعجبت نيرمينا كلماته، لينظر لها نادر ثواني قبل أن ينفجر في البكاء وكوابيس حياته تتجمع بأكملها أمام عيونه، كيف سيعتني بصغيرته، إن علمها هي لغته فهل سيعلم الجميع حولها؛ كي لا تشعر بالنقص أن لا أحد يفهمه سواها؟؟ ماذا إن نضجت وطلبته مدرستها يومًا لأجل أمرً ما ؟؟ ماذا إن أراد أن يناديها يومًا ولم تكن تنظر له ؟! إن فقدها يومًا في نزهة وعجز عن الصراخ باسمها ؟؟
كانت نيرمينا تنظر لنادر بوجه شاحب وملامح مصدومة، تشعر بالذهول مما يحدث، تجمعت الدموع في عيونها تقترب من نادر تضع رأسها على قدمه تهتف بصوت باكي :
" مالك يا نادر، بالله عليك متخوفنيش، حصل ايه ؟! أنا آسفة يا نادر "
حاولت أن تبعد يده عن وجهه وهي تقول ببكاء عنيف :
" نادر بالله عليك ما تزعل مني، بصلي ...يا نادر أنا آسفة والله مكانش قصدي "
رفع نادر عيونه لها يشير بوجع :
" أنا عاجز يا نيرمينا، عاجز وضعيف، من غيرك ومن غير ميمو مش هقدر اتواصل مع حد، نيرمينا أنتِ لو عطتيني ضهرك مش هعرف اكلمك ولا هتعرفي أنا عايز ايه "
أنهى حديثه يزداد في البكاء واصابعه المرتجفة تحاول إيصال ما يشعر به لها، يخفف ما يثقل كاهله منذ علم سوء حالته :
" خايف ...خايف زينب تكبر وتتكسف مني، أو على الأقل تحس بالنقص، مش هتعرف تتعامل معايا زي ما أي طفل بيتعامل مع والده، أنا...حتى مش عارف اناديها، ودايما هكون واقف في الضلمة يا نيرمينا ومش هيكون ليا دور في حياتكم غير جوا البيت، بس برا مش هقدر اتصرف ولا اعمل حاجة "
أنهى كلماته لتسقط يده بتعب شديد وكأنه بذل مجهود ألا تنهار خلال حديثه، ونيرمينا أمسكت يده بسرعة تهز رأسها بنفي، تشعر بقلبها يتصدع بالحزن لأجله :
" لا لا يا نادر والله العظيم عمر ما زينب هتتكسف منك او تحس بالنقص، يا نادر ...نادر أنا..."
بكت بصوت مرتفع تشعر بالوجع الكبير يتمكن منها :
" نادر أنا عمر ما كان عندي أب زي أي حد وبقولك إن ده أكبر نقص ممكن يحس بيه الطفل، إن والده يكون بعيد عنه، يكفي أنك تكون معاها وجنبها في كل خطوة، زينب....زينب بتحبك اكتر ما بتحبني اساسا يا نادر، أنت احسن أب في الدنيا دي كلها ياقلبي، أنا لو بايدي إني اختار أب كنت اخترتك أنت ابويا والله العظيم عمرها ما هتحس لحظة بالنقص أو الاختلاف، دي هتحس نفسها محظوظة ومميزة بين الكل، صدقني مش الكل محظوظ يكون عنده أب زيك "
مسحت دموعها بسرعة تكمل حديثها سعيدة أنها حازت اهتمامه وتوقف عن انهياره :
" وأنا...أنا يا نادر عمري ما هديك ضهري، عمري ما هفكر في لحظة إني ابعد عنك، ولا هتضطر في يوم تناديني لأني هكون جنبك، والله عندي استعداد اسيب شغلي وافضل لازقة فيك ٢٤ ساعة واعملك مكرونة بالوايت صوص زي زمان، فاكر ؟!"
ومن بين دموعه خرجت ضحكة نادر لتبتسم له نيرمينا تقبل يده بحنان :
" مفيش حاجة ممكن تخليني احس بالعجز قد حزنك، ولا حالتك فارقة معايا غير عشانك، أنت لو سعيد وراضي فأنا ويعلم ربنا راضية، يا نادر أنا كنت تايهة لغاية ما لقيتك "
رفع نادر رأسه يحاول ابعاد عيونه عنها، لكنها لن تسمح تجذب رأسه لها بالقوة تستند بجبهتها على خاصته :
" بصلي يا نادر أو مختار أو ايًا كان مين اللي ماسك الشيفت دلوقتي، لو مفكر أن الكلمتين دول هيخلوني اقولك عندك حق وامشي وخلاص خلصنا يبقى بتحلم، أنا عشان اوصل للحظة دي اللي يجمعنا بيت واحد استهلت مكرونة وفراخ يأكلوا مدينة لشهور "
ابتسم لها نادر لتميل هي مقبلة وجنته بحب :
" نادر أنت حاسس بأي عجز عشانك أنت ؟! سيبك مني أنا و زينب، هل في يوم حسيت أنك عايز تتكلم عشانك أنت أو عشان حياتك ؟! قبل ما نتجوز وقبل ما تفكر تكوّن عيلة كان الموضوع فارق معاك ؟!"
مسح نادر دموعه ينفي برأسه فهو يومًا لم يهتم بأي شيء يخص حياته بل كان يعيش فقط بلا روح ..
ابتسمت نيرمينا تقول :
" بس كده متشلش همي أنا وزينب، وخليك عارف أننا بس عايزينك جنبنا وسعيد، وياسيدي لو على أي حاجة فزينب هتتعلم تتواصل معاك، وهتكون قريبة منك ومش هيحصل أي أفكار سوداوية في راسك، عشان كلنا هنكون سوا طول الوقت ومع بعض ومش هنبعد عن بعض، تمام ؟؟"
هز رأسه ببطء، لتتسع بسمة نيرمينا تمنحه قبلة أخرى مكافئة له، ثم قالت بحنان جوار أذنه:
" عيش يا نادر من حقك تعيش بسعادة وراحة، كل شخص مهما كانت علته أو ظروفه من حقه يعيش حياة طبيعية، وأنت ماشاء الله عليك، مفيش و لا علة ولا ظروف، أنت زي الفل فليه منكد علينا عيشتنا يا اخي ؟؟ "
نظر لها باستنكار يشير :
" أنا برضو اللي بنكد عيشتنا ؟؟ "
أطلقت ضحكات عالية تتحرك جاذبة إياه ليقف :
" أيوة أنت، ودلوقتي تعالى معايا عشان نروح للكل في المطعم وناكل سوا، واعمل حسابك هتقعد كتير تراضيني عشان خوفتني انهاردة "
تنهد نادر براحة شديدة وقد شعر أن نيرمينا أزاحت حملًا ثقيلًا عن كاهله، والآن يستطيع أن يتنفس دون أن يشعر بالقلق، سيترك الغد بيد الله وهو واثق أنه سيكرمه ويعوضه كل حزن في حياته ...
_________________________
تمر الايام والحياة تستمر، رغم كل الاحزان ورغم الصعاب، هي تمر ولا يتبقى من تلك الصعاب سوى ذكريات قليلة .
وها هي تلك الذكريات السيئة تتلاشى أمام صوت ضحكاتهم والبسمات والكلمات الممازحة، من كان يعتقد يومًا أن سعيد الاشموني ذلك الرجل المتجبر الذي كان لا يخشى شيئًا يقف الان في منتصف مطعم أحلامه يجمع حوله اطفال العائلة اجمعين، يفرش ارضًا لوحة بيضاء يشاركهم تلويثها بالالوان وقد قرر أن يجعل أحد جدران مطعمه من تصميمهم الخاص .
ومن كان يظن أن صلاح، الصوت الذي ما خفت يومًا في وجه الفساد، واليد التي لم تنكمش يومًا أمام ظلم، سيكون هو أول الحاضرين لمساعدة سعيد، حيث كان يحمل بعض المقاعد ويقوم برصها مع صالح ومحمود، يستغل الجميع يوم العطلة ليتجهزوا لافتتاح المطعم ..
كان محمود يحمل طاولة خشبية وهو يردد بصوت خافت :
" هندوس ميمهمناش كلام الناس ولا الفلوس ...وادينا اهو عايشين مفيش جرح ملوش دوا "
نظر له صالح بسخرية لاذعة يضع المقعد أمام الطاولة التي أحضرها :
" ايه يا حبيبي هو احنا بنفتح مشروعنا ؟؟ "
" مش عارف حسيت الأغنية ماشية مع الأجواء "
ضرب صالح رأس رفيقه بحنق :
" خلص خلينا نستريح، أنا مش فاهم ايه اللي جابرني اعمل كل ده اساسا ؟؟"
سمع صوت ضحكات أطفاله لينظر لهم ويرى تعامل سعيد معهم وسعادتهم، ليبتسم ويقول بصوت خافت متحركًا للانتهاء مما تبقى :
" تمام، اعتقد المقابل مرضي اوي "
كان المطعم يبدو كخلية نحل الجميع يعمل ويزين المكان بالبالونات والزينة المختلقة، ميمو تجلس على إحدى الطاولات تحاول أن تنتهي مع رانيا من طلب المفارش الخاصة بالطاولات، وتسبيح تساعد هاجر في ترتيب منطقة استقبال الطلبات والمطبخ نفسه، باعتبار أن هاجر أكثر من تفقه بتلك الأمور .
وصلاح يحمل المقاعد مع شقيقه ومحمود ويضعونها في المكان المحدد حسب أوامر ميمو بالطبع، بينما نادر يقف أعلى درج خشبي يقوم بتركيب مصابيح المكان، وفي الاسفل نيرمينا تحمل حقيبة المصابيح وتمسك له الدرج بصعوبة ..
نظر لها نادر بحنق يشير لها أن تثبت كي لا يسقط، وهي تزفر بتعب شديد :
" ما أنا ماسكة السلم اهو، اعمل ايه اكتر من كده، بعدين ده تقيل اوي يا نادر، انزل أنت وأنا هطلع اركب اللمب "
أشار لها نادر بسخرية :
" هتعرفي ؟!"
" لا، أنت قولي ازاي وانا هعمل "
زفر نادر وهو يكمل عمله مشيرًا لها بتحذير ألا تترك المقعد.....
دخل رائد المحل يحمل العديد من الحقائب بعدما رفض أن يساعدهم في حمل الأثاث ليجعلونه عامل توصيل، ومسؤول الشحن لكل ما يحتاجونه .
أمسكت منه تسبيح ما جاء به تقول ببسمة :
" حمدالله على سلامتك يا رائد استريح شوية لغاية ما تخـ "
قاطعها صوت صلاح الذي خرج باردًا مستفزًا :
" لا لا يا مدام تسبيح يقعد يرتاح ايه ؟؟ لسه في طلبات تانية عايزينها، ميمو قولي لسيادة الرائد ناقصنا ايه "
قال رائد بسخرية يتحرك صوب ميمو :
" مقدم لو سمحت "
ترك صلاح ما يفعل وهو ينظر له بصدمة كبيرة :
" متقولش ... أنت اترقيت ؟!"
نظر الجميع صوب رائد بانتباه شديد ليبتسم رائد ويخبرهم ما علمه البارحة بعد القبض على الشاب الذي طعن الطبيب وهرب :
" تقدر تقول الموضوع مسألة وقت لغاية ما النسر والنجمة يزينوا كتفي "
أطلق صالح صيحة سعيد يترك المقعد من بين أصابعه متحركًا صوب رائد ينقض عليه بالاحضان وهو يصرخ بصوت مرتفع :
" ضهرنا اتحمى يا رجالة "
أطلق رائد ضحكات مرتفعة يتلقى أحضان صالح بحب شديد، قبل أن يشعر بصلاح يهجم عليه سعيدًا، بل يكاد يطير سعادة، فها هو رفيقه الحبيب من شاركه طريقه واحلامه منذ كان طالبًا بكلية الشرطة يحلم فقط أن يصل لرتبة تؤهلة لدهس الجميع أسفل أقدامه، ها قد أصبح مقدمًا في الشرطة .
كان صالح وصلاح يهللون بسعادة كبيرة جعلت محمود ينضم لهم، فما جمعه برائد لم تكن مجرد سنوات قليلة، وتسبيح تراقب ما يحدث بحب وفخر شديد، سعيدة لسعادة رائد، وتلك اللمعة التي تعلو عيونه .
ابتسم سعيد يراقبهم وهو ينفض كفيه يمسح بعض الألوان في ثيابه دون اهتمام بنظرات ميمو الغاضبة والحانقة مما يفعل تتمتم بغضب :
" بوظ بوظ ما هو مش أنت اللي بتغسل "
ابتسم لها سعيد باستفزاز، يتجاهلها متجهًا صوب الجميع يقول :
" طب بما أن الخبر الحلو ده في مطعمي وبكرة الافتتاح، فأنا هخرج أي وجبة بكرة ببلاش لوجه الله عشان ترقية سيادة المقدم "
ابتسم له رائد، ثم تحرك له يعانقه شاكرًا إياه:
" تسلم يا سعيد، عقبال ما نجاملك لما المطعم يكبر ويبقى ناجح كده "
شعر سعيد بالغرابة لاحتضان رائد له، وهو لم يفعل الكثير، حسنًا كان الأمر مريبًا له بعض الشيء، إذ أنه يومًا لم يحتضن رجلًا في حياته، لم يسبق له وحصل على صديق، فأمثاله قديمًا كانت حياتهم مقتصرة على الخبث والعداوة لا الصداقة، لكن الأمر لم يكن سيئًا، بل كان مؤثرًا به، إذ بادل رائد العناق يستشعر لذة أن تكون محاطًا بعائلة، عائلة لست مضطرًا للحذر حين بقائك بينهم، أو الحيطة حينما تقترب منهم .
ابتسم نادر الذي كان يقبع أعلى الدرج وهو يهبط لينضم لهم في المباركات ...
وميمو تشاهد ما يحدث بأعين ملتمعة بالدموع، لا تصدق أنها واخيرًا استطاعت أن تعبر بسعيد لتلك النقطة، بعد كل ذلك، بعد سنوات وسنوات كادت تيأس فيها من الحرب مع شياطينه، هداه الله، هدى الله سعيد كما هداها لطريقه، الله كان رحيم بهم إذ ترك لهم طريق العودة بعد كل ذلك ..
مسحت دموعها تنهض من مكانها تتحرك صوب نادر تجذبه صوب الرجال تجبره أن يندمج بينهم حينما رأت نظراته لهم وهو ينعزل عنهم، كان نادر يحاول الابتعاد، لكن صلاح والذي رأى ما تفعل ميمو تحرك وجذبه من كتفه يضمه له بحنان شديد كشقيق اصغر، يجبره على الوقوف بينهم ومع الرجال يتحدثون بحماس حول مبارة كره قدم بينهم ..
الأمر الذي أثار تعجب سعيد ونادر، فلا أحد من بينهم خاض تلك التجربة سابقًا، خاصة سعيد الذي لم يُقبل يومًا على تلك الأمور سواء في شبابه أو طفولته، بينما نادر يمكننا القول أنه جرب الأمر مرات قليلة حين طفولته بين طرقات حارته...
قال صالح مصدرًا فرمان لا عودة به :
" خلاص انهاردة بعد ما نخلص تجهيز المطعم، ناكل سوا وبعدين نروح كلنا نلعب ماتش كورة، نجيب كام واحد من الشارع ونعمل فريقين ونلعب ماتش "
علت الصرخات المتحمسة والأصوات المهللة الموافقة من الجميع، ليبتسم سعيد بغرابة وهو يشاركهم الموافقة دون أن يفهم أي شيء، لكن لا بأس إن كانت تلك المباراة تعني تقوية علاقات مع الجميع فهو يرحب بها، في النهاية لا يريد لأطفاله من زهرته أن ينشأوا دون عائلة مثله.....
_______________________
كانت تجلس في المنزل على فراشها تتفحص الهاتف بلا اهتمام قبل أن تسمع صوت رنين جرس المنزل لتركض بسرعة كي تجيب، لكن وبمجرد خروجها من الغرفة أبصرت والدها يغلق الباب بعدما استلم حقيبة طعام غريبة ..
" دي ليكِ "
نظرت زهرة للحقيبة بين أصابع والده تشتم رائحة لا يمكن لانفها أن يخطاها، تحركت صوبه تقول ببسمة تختطف منه الحقيبة بحماس :
" أنت جيبتلي سجق يا بابا عشان عارف إني حزينة ؟؟ والله أنت أحسن أب في الدنيا دي كلها "
نظر لها والدها بعدم فهم :
" سجق ايه ؟؟ أنا كنت هأكلك بواقي المكرونة المعجنة اللي طفحتيها لينا امبارح، بعدين مين دي اللي حزينة ؟؟ هو أنتِ فكراني سعيد وهتعمليهم عليا ؟؟"
رفعت زهرة حاجبها تتحرك صوب الأريكة تعترض على كلمات والدها :
" والله يا بابا حزينة، أنت بس اللي شايفني بتدلع، وده مش كويس على نفسيتي، الحزين مش محتاج اللي حواليه يستهونوا بحزنه، عشان مياخدش جنب ويتقلب باكتئاب "
جلس والدها جوارها يراقبها تلتهم الشطائر بتلذذ شديد، تشعر أنها صنعت خصيصًا لها، فهي كما تحب وتشتهي ..
نظرت له تقول ببسمة :
" تاكل يا حامد ؟؟"
انتزع والدها شطيرة منها يتناولها بملل :
" اهو أي حاجة احسن من اكلك، بس مش تعرفي مين اللي بعتها ليكِ الاول، ليكون حد حابب يخلص منك ومسممها "
نظرت له زهرة بصدمة، ومن ثم للحقيبة تقول بعدم فهم :
" هو مش أنت اللي جايبها بجد ؟؟"
" يا بنتي اجيب ايه ؟؟ بقولك أنا متحركتش من وقت ما رجعت من السفر، ومعرفش مطاعم هنا اطلبها منها، شوفي اسم المطعم ورقمهم على الشنطة لتكون جات بالغلط "
تركت زهرة الشطيرة بين أسنانها تعدل من وضعية الحقيبة البلاستيكية كي تعلم هوية ذلك المطعم، بدأت تقرأ حروف الاسم قبل أن تتسع عيونها وتقول :
" La Fluer ؟؟ "
تناول والدها قضمة من الشطائر أمامه يتبعها بقطعة مخلل حارة ومن ثم إصبع بطاطس مقلية :
" يعني ايه دي ؟! دي مؤسسة ايتام بيوزعوا اكلات لله ؟؟"
ابتلعت زهرة ما بفهما تحاول أن تفهم ما يحدث :
" يعني زهرة .."
" يعني المطعم بتاعك، أنتِ قفلتي العيادة خالص بجد ولا ايه ؟؟"
نفت زهرة برأسها، تشعر بالريبة، هناك شيء غريب، تركت نصف شطريتها أعلى الطاولة وحملت الحقيبة في حجرها تحاول البحث عن أي شيء قد يؤكد شكوكها، ووالدها يأكل ما يحمل ويراقبها، لتجد هي ورقة مطوية أسفل الطعام، حملتها بريبة لتقرأها بصوت مرتفع :
" سجق اسبايسي شوية صغيرين من بطاطس كتير ومخلل زي ما بتحبي، وكل يوم ليكِ وجبة زي دي مني لغاية ما ابوكِ يرضى وتكوني في بيتك و برضو هفضل اجبلك اللي بتحبيه، اشوفك في افتتاح المطعم بعد يومين يا زهرة "
صمتت وهي تشعر بالهواء يُسحب من حولها لم يخرجها من صمتها المريب سوى صوت والدها المتسائل :
" هو ليه بيقول لغاية ما ابوكِ يرضى ؟! هو كان جالي وانا رفضت ؟؟"
نظرت له زهرة بأعين تائهة لا تعي شيئًا :
" اصل أنا قولتله أنك رجعت من السفر وخليتني اقفل العيادة اول ما عرفت أنه خرج من السجن ومنعتني أخرج وعشان كنت بعيط فكرني بعيط بسببك برضو ؟!"
تشنج وجه والدها :
" يعني دلوقتي أنا الشرير في القصة ؟!"
هزت زهرة رأسها بنعم دون أن تنتبه لكلماته أو نظراته الحانقة المستنكرة لما سمع، تفكر فيما يقصد، هل ...هل حقق واخيرًا حلمه ؟! كيف لم تخبرها ميمو عن ذلك ؟؟ سعيد ...
صمتت تحاول أن تستوعب الأمر ليرتفع صوت والدها يجذب منها الحقيبة كي يتناول بعض المخلل :
" أصل أنتِ متربتيش والله، بس اقول ايه، مربتكيش وأنتِ صغيرة هربيكِ وأنتِ كبيرة ؟! هسييك كده بقلة تربيتك وياخدك هو يربيكِ "
نظرت له زهرة وهي ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث، إذ همسات بصوت خافت :
" ده عملها، سعيد فتح مطعم والافتتاح بعد يومين يا بابا ....."
________________________
" يعني ايه ؟! مش هتاخدني معاك الماتش ؟؟ "
انتهى صلاح من عقد رباط حذائه، ثم رفع عيونه لميمو التي كانت قد ارتدت ثيابها وتجهزت بالكامل، بل والبست الصغير أنس ثوب رياضي وحذاء كذلك ...
كان الاثنان يقفان بشكل متحفز أمام عيون صلاح الذي لا يعلم ما يخبرهم به، ضمت ميمو ذراعيها لصدرها، ثم مالت لتفعل الشيء نفسه مع أنس وهمست له بصوت منخفض :
" بوّز يا انس "
رفع لها أنس عيونه يبتسم بعدم فهم، لتزجره هي بنظراتها :
" مش كده اعمل بوز زي ده .."
ختمت حديثها ثم أوضحت له الوضع الذي تحتاجه منه، وأنس أطلق ضحكات عالية ظنًا أن والدته تصنع له وجوه مضحكة وتلاعبه، وميمو تنظر بطرف عيونها لصلاح الذي كان يرمقهما بسخرية :
" يابني متبوظش الدنيا، عايزينه يحس بالذنب "
زفر صلاح يتركهما متحركًا خارج الغرفة يرتدي ساعته الرياضية، وعلى غير عادته ارتدى ثياب شبابيه مكونة من بنطال من خامة القطن المريح وسترة سوداء كي يستطيع اللعب بشكل جيد .
تحركت خلفه ميمو تراه يفتح باب الشقة للهرب منهما والذهاب وحده للمباراة :
_ صلاح بقولك عايزين نيجي معاك، احنا مش حابين نقعد هنا لوحدنا هنزهق، حتى أنس بيعيط لما تمشي وتسيبه مش كده يا أنس ؟؟"
نظر صلاح خلف ظهره لانس الذي يحاول جذب السترة بعيدًا عن جسده كي يرى تلك الرسومات التي تعلوها، ابتسمت ميمو تشير له جاذبة إياه صوب جسدها ترى صلاح يفتح الباب للخروج :
" حرام عليك تنيمنا زعلانين عشان مش عايز تاخدنا نتفرج عليكم وانتم بتلعبوا كورة، ده احنا حتى هنشجعكم "
زفر صلاح لا يهون عليه أن يتركها حزينة مستاءة ويترك طفله ...سعيدًا يضحك بهذا الشكل الغبي.
لكن هو يعلم أن الأمر لا يسير بهذا الشكل، هو لن يأخذهم كي لا ينزعج طفله من أصوات الصراخ هناك، ولا يتأذى الاثنان من السباب التي قد يطلقها الرجال حين الهزيمة أو الغضب، الأمر غير ملائمًا بالمرة لاصطحاب مشجعين وخاصة إن كانوا عائلته الحبيبة التي يخشى عليها .
فتح فمه يحاول أن يبرر الأمر :
_ ميمو حبيبتي، الحوارات اللي بيكون فيها رجالة وشباب دي من الأفضل ميحضرهاش اطفال ونساء أبدًا خوفًا واحد فيهم يقول لفظ سييء أو شيء يسوئكم، دي مش رحلة عائلية ياقلبي عشان كده مينفعش تيجوا معايا .."
وقبل أن تنتهي كلماته سمع صوت فتح الباب المقابل لمنزله تبعه صوت تهليل وصراخ مرتفع لصالح الذي كان يمسك بيد بلال واليد الأخرى أميرة يقول بحماس شديد :
" جبتي الفشار والعصاير يا رانيا ؟؟ عايزكم تقعدوا في أول صف في الملعب عشان تشجعوني "
ارتفعت زاوية فم ميمو بسخرية وهي تضم يديها لصدرها وترمق صلاح بسخرية كبيرة جعلت الاخير يزفر بصوت مرتفع مرددًا :
" الله يسامحك يا زفت الطين، كل ما احاول اتعامل مع عيلتي بشكل سليم الاقيك جاي قدامهم وتعرض ليهم طريقتك اللي على الله دي "
انتبه صالح لوقوفهم أمامه يقول مبتسمًا :
" ايه ده ميمو وأنس جايين كمان ؟؟ كويس أن رانيا جابت فواكه وحلويات اكتر، ابقي اديهم يا رانيا واقعدوا جنب بعض و...."
وقبل أن يكمل كلماته شعر بمن يسحب ثيابه بعنف بعيدًا عن الجميع وصوت صلاح يخرج حانقًا غاضبًا :
" ايه ده يا عشوائي يا متخلف أنت ؟؟"
نظر له صالح بعدم فهم، ثم نظر لنفسه :
" ايه مش بتحبوا الحلويات ولا ايه ؟؟"
" حلويات ايه يا ...."
تنفس صلاح بصوت مرتفع جعل صالح يتعجب تصرفات شقيقه، لكن وقبل أن يبادر بالتسائل عما يريد قال صلاح :
" أنت ازاي جايب مراتك وعيالك معانا ؟؟ أنت مش عارف أن ده مش صح ؟؟"
نظر صالح صوب عائلته، ثم عاد بالنظر لصلاح لا يفهم مقصده، لكنه رغم ذلك قال ببسمة :
" جايين يشجعوني "
زفر صلاح وقبل أن يخبره بعيوب ما يفعل ويفحمه بخطبة عصماء، سمع صوت صراخ مرتفع يأتي من نهاية الممر لمحمود الذي يحمل فوق كتفه جهاد يمسك بيدها وهو يقفز معها في الهواء وخلفه هاجر تسير مبتسمة كعادتها، كان محمود يهتف بحماس شديد لليوم :
" بص شوف محمود هيعمل ايه، ده أنا هقطع الشباك من كتر الاجوال النهاردة، ومن التالتة شمال بنهز جبال"
ابتسم صالح لرفيقه يرفع يده يرحب به، بينما صلاح شعر وسط موجة الحماقة تلك أنه هو الوحيد المخطئ، فهذه هي الحياة، حينما تصبح الصحيح الوحيد وسط موجة الخطأ تشعر أنك أنت الخطأ ...
سار الجميع لاسفل البناية وصوت هتاف صالح ومحمود يرن صداه بين الجدران وهم يغنون ويهتفون بصوت مرتفع وصلاح يسير بالخلف حانقًا ملتوي الثغر حاملًا أنس، جوار ميمو التي تسير مبتسمة بسعادة تشير له :
" اهو بص يا أنس لبوز بابا، هو ده اللي كنت عايزاك تعمله"
رمقها صلاح بغضب لتطلق ضحكات وهي ترفع يدها تردد خلف صالح ومحمود الهتافات الخاصة بهما وشاركها الأمر بلال الذي أخذ يصفق يردد معهم بكلمات متعثرة وكذلك الأميرة التي تركض خلف والدها تهتف خلفه ما يريد ..
أخرج صالح سماعة صغيرة بحجم زجاجة المياه وقام بوضع عليها بعض النغمات والأناشيد التي كانت معروفة وقت كأس العالم وكأنه الآن في طريقه لقيادة فريقه الوطني صوب النصر وليس للعب مبارة ودية مع أصدقائه .
ورغمًا عن صلاح بدأ يضحك وهو يسير خلف صالح ومحمود اللذين بدئا بالغناء والحماس يشتعل وصلاح شاركهم وهو يضع أنس فوق كتفه يمسك يديه يحركها والصغير يطلق ضحكات عالية مستمتعة ..
وبمجرد خروجهم من البناية جذبوا جميع الأنظار لهم، ليعتقد البعض أن كأس العالم عاد مجددًا دون أن يشعروا ومصر هي الدولة المستضيفة له..
في ذلك الوقت كان سعيد يستند على سيارته يرتدي ثياب رياضية خاصة بفريقه المفضل يضحك عليهم بصوت مرتفع يراقب سيارة رائد التي توقفت جواره سيارته وهبط منها الاخير يقول باستمتاع شديد :
" بدأتوا احتفالات من غيري .."
اقترب منه صالح يفتح باب السيارة للطفلين يجذبهما للخارج كي يشاركوه الجنون اجباري، وتسبيح تراقب من السيارة تكتم قهقهات عالية كادت تفلت منها، وسعيد أخذ أنس من صلاح يلاعبه بحب ..
واخيرًا كان آخر من وصل المكان هم نادر وعائلته، اجتمع الجميع وابتسموا يصعد كلٌ لسيارته، متحركين صوب ذلك الملعب الذي يقع بالقرب من منطقتهم السكنية، وصالح ما يزال يطلق زمور السيارة بسعادة والكل خلفه .
وفي الطريق بدأ بعض الأشخاص يصفقون ويصفرون لهم ظنًا أنها زفة عروسين ..
توقفت جميع السيارات أمام الملعب المراد وهبط الكل ونظروا له ببسمة، تحدث صلاح وهو يأخذ أنس من بين يديّ ميمو يساعدها على الهبوط :
" دلوقتي هنلعب ازاي ؟؟ احنا ستة بس، حتى مش مكلمين خماسي "
نظر الجميع لبعضهم البعض واقترب محمود ببساطة محركًا كتفيه للأعلى والاسفل :
" ممكن نشوف شباب في الملعب جوا ونعمل فريقين سداسي "
تشنج وجه صلاح وكاد يعترض على الأمر، لكن صالح وافقه دون أن يسمح بأي مناقشة :
" موافق يلا ندخل "
وبالفعل سار خلفه الجميع وصلاح يقف بضيق شديد :
" مش فاهم ازاي بشر طبيعيين ربنا ميزهم بعقل يمشوا ورا الاتنين دول ؟!"
تحرك خلفهم حانقًا رافضًا لكل ما يحدث، وقبل حتى أن يجبر الجميع على التفكير في الأمر، كان محمود يشير لهم بيده :
" يلا يا جماعة لقيت فريق يلاعبنا .."
____________________
تقف في منتصف غرفة الرياضة التي تؤدي بها تمارينها اليومية، طريقة أخرى غير قطتها للتخلص من أفكارها المتعلقة بسعيد، ابتسمت تمسك في كل ذراع وزن عشرة كيلو جرامات، تمسكهم وتقفز على درج أمامها، ثم تهبط وتكرر نفس العملية وفي رأسها يعود لقاء قريب لها مع الحرباء ميمو العزيزة ...
" ميمو الموضوع خلص خلاص، أظن أنتِ كنتِ موجودة وسمعتي بودانك اللي قولته لسعيد قدام السجن "
تركت ميمو مشروبها المفضل والذي لا ترتشف غيره كلما جاءت للنادي الذي كانت أحد أعضائه منذ سنوات :
" اديكِ قولتيها يا زوز، قولتيهم لسعيد مش ليا، يعني الحركتين دول على سعيد مش على ميمو يا قلبي، أنا وأنتِ وكل النادي وكل الناس ما عدا سعيد عارفين أنك هتموتي عليه وعايزة بس تربيه .."
اشتدت ملامح زهرة برفض وكأنها تنفر من تلك الفكرة التي يقبلها جسدها بكل عضو به :
" ميمو أنتِ اكيد عارفة سعيد عمل فيا ايه، اكيد هو قالك على اللي عمله صح ؟؟"
" صح "
ضرب زهرة الطاولة بعصبية مخيفة، لكن ميمو لم يتحرك بها شيء :
" يبقى على أي اساسا جاية تقولي ليا الكلام ده ؟؟ اكيد مش هروح اقوله معلش يا سعيد أنا مسامحة والمسامح كريم ويلا نتجوز "
" لا طبعا مش هتروحي تقولي ليه كده، وإلا وقتها أنا اللي كنت خلصت عليكم أنتم الجوز، هو عشان تصرفاته وأنتِ عشان كرامتك اللي عملتيها ممسحة ليه "
تنهدت بصوت مرتفع تنظر لعيونها بجدية كبيرة :
" زهرة هو أنا عبيطة ؟! خلال معرفتك بيا السنين اللي فاتت دي حسيتي للحظة اني عبيطة ؟؟ حتى لما كنت بتعالج عندك ؟؟"
عادت زهرة للخلف تنظر لميمو بجدية، فميمو كانت واحدة من مرضاها الأكثر تماسكًا وقوة، امرأة تعجبت في البداية رغبتها في العلاج، فثباتها على ما حدث كان أكبر دليل على صحة نفسيتها، مع بعض العطوب كنفورها من جسدها، لكنها تغلبت عليها :
" لا، بس أنتِ عارفة إن..."
" أنك بتحبي سعيد وهو بيحبك، وأنكم ضيعتوا من عمركم ١٥ سنة على الفاضي "
صححت لها زهرة بأنفاس عالية :
" ١٦ ..١٦ سنة مش ١٥ "
" ومش شايفة إن دي فترة كفاية اوي عشان تبدأي حياتك واخيرًا ؟؟ مش بقولك ترجعي، لاني اساسا مش هقبل بكده، أنا بقول تربيه ويتعلم أنه قبل ما ينطق كلمة يكون قدها ويكون عاقلها "
تنفست زهرة بصوت مرتفع :
" اعمل ايه طيب ؟! من وقت ما خرج مشفتوش "
" اقفلي العيادة، واختفي، اعملي نفسك هتسافري ، اقولك قوليله إن ابوكِ رجع من السفر ورافض جوازكم "
نظرت لها زهرة بعدم فهم :
" بس بابا مش ...بابا موافق على سعيد لما عرف أنه اتصلح حاله وإني مش ..مش هقدر اعيش من غيره "
" وسعيد ميعرفش كده، قوليله الكلمتين دول خليه يتلحلح لأني اضمنلك أنك لو معملتيش كده، سعيد مش هياخد خطوة غير بعد شهرين تلاتة، لكن لو عملتي كده بعد ساعة أو ساعتين هتلاقيه أخد الخطوة "
نظرت لها زهرة تمسح وجهها وهي تحاول التفكير في الأمر، هل تفعل؟ هل هي مستعدة لخسارة سنوات أخرى من حياتها لأجل لا شيء ؟؟
أفاقت زهرة من شرودها تلقي الاوازن ارضًا تتحرك صوب امتعتها تحضر منشفة لتبصر هاتفها به رسالة غير مقروءه، ولأنها جعلته بوضع صامت كي لا يزعجها لم تنتبه ..
فتحت الهاتف لتجد أنها لم تكن رسالة بل دزرينة رسائل من سعيد يحاول الوصول لها ..
رفعت حاجبها وهي تمرر عيونها على الرسائل..
" زهرة ارجوكِ بلاش تسافري، اديني فرصة والله العظيم مستعد اعمل اي حاجة "
" زهرة مش كفاية كده، والله تعبت "
" زهرة أنا هقنع ابوكِ، هكون لينا حياة مستقرة عشاني وعشانك، بس بلاش تسافري أو تبعدي "
" زهرة أنا هستناكِ في الافتتاح، تعالي "
" اوعي متحضريش "
" زهرة أنتِ عملتي بلوك ؟؟"
" زهرة أنا آسف والله على كل كلمة قولتها، والله ما كنت بوعيي، اوعدك بعد كده هفكر في كل كلمة قبل ما انطقها، كل حاجة كانت غلط فيا صلحتها والله، ارجعي وهتشوفي بنفسك اني اتغيرت ....شوية يعني "
" تعالي الافتتاح "
أنهت قراءة الرسائل تبتسم بسمة واسعة تجفف عرف وجهها :
" كان عندها حق ميمو أنك محتاج محفز عشان تتلحلح .."
نظرت حولها تحمل زجاجة المياه تتحرك خارج الغرفة صوب مكان تبديل الثياب وعيونها تلمع بنظرات خبيثة غريبة ...
_________________________
" شوط يا محمود ...شوط لنادر بسرعة "
كانت تلك صيحات صلاح وهو يركض بسرعة كبيرة صوب هدف الخصم يشير لمحمود أن يمرر الكره صوب نادر الذي تلقفها منه بكل مهارة يركض مبتسمًا في منتصف الملعب يشعر بذرات الهواء ترتطم بوجهه، وحين ركضه يرى أمام عيونه صورة له قديمة حينما كان يجمع صبية الحارة ويصرخ بهم ويتحمس معهم للعب ..
أخذته ذاكرته لمشاهد متعددة له وهو يركض بسرعة كبيرة والعرق يملء وجهه يصرخ بصوت مرتفع :
" والله بيغشوا عمالين يزقوا فيا "
نظر جواره يضرب صبي يحاول إسقاطه :
" بطل غش بقى "
وبمجرد أن أسقط الصبي ارضًا ركض صوب الهدف يلقي بالكره داخله ليركض في المكان يفتح ذراعيه بسعادة كبيرة صارخًا أنه فعلها رغم أنه أسقط صبيًا إلا أنهم كاطفال لم يكونوا واعيين بقوانين تلك اللعبة .
أفاق نادر على صوت سعيد يصرخ به :
" يلا بسرعة يا نادر اضرب الكره "
نظر صالح بحنق لسعيد يصحح له :
" اسمها شوط مش اضرب "
رمقه سعيد ببلاهة، وصوت نيرمينا في الخلف مختلطًا بصوت الصغيرة زينب هو ما يمكن سماعه، إذ اخذت الفتاتين يشجعون نادر بكل حماس وكأنه يحمل فوق أكتافه مصير وطن بأكمله .
وبمجرد أن أحرز نادر الهدف أطلقت نيرمينا صيحة عالية وهي تحرك علم مصر في الهواء والذي كانت قد احضرته خصيصًا لأجل المباراة .
وميمو من شدة حماسها أطلقت صفير عالي تسبب في التفاف رأس صلاح لها، يعلم جيدًا أنها هي من أطلقتها، رمقها بشر لتتوقف عن الصفير، ترفع إبهامها في الهواء مبتسمة له .
والآن وبعد مرور نصف المباراة تقريبًا أصبح كلا الفريقين متعادلين، هدفين لكل فريق...
كان أحد أفراد الفريق الآخر _ والذي كان عبارة عن مجموعة من الأصدقاء الذين وجدوهم بالفعل في الملعب_ يركض في منتصف الملعب، وقد كان حارس المرمى الخاص بفريق صلاح هو رائد الذي استعد جيدًا للإمساك بالكره التالية، لكن وقبل أن تصل له، قطعها سعيد بشكل غير متوقع وركض بها في الملعب يبتسم بسمة واسعة وكأنه للتو قام بإنجاز كبير، وقد كان، فبالنسبة لشخص لم يلمس كرة سابقًا كان كل ما يحدث إنجاز كبير .
أطلق سعيد ضحكات عالية سعيد وهو يرى الجميع يركضون خلفه وصالح جواره، أشار له صالح أن يمرر الكره وكذلك فعل ..
ركض صالح بالكره حتى مررها بدوره لصلاح الذي ابتسم يركض بها صوب الهدف والذي كان محمود يقف جواره في ركن غير واضح، يشير صوب هاجر ويصنع لها قلوبًا بيده، لكن فجأة شعر بالكرة تصطدم باقدامه، نظر للاسفل بصدمة ليسمع صوت صلاح يصرخ به :
" بسرعة يا محمود، شوط الكورة، اخلص يا بني ادم "
نظر محمود حوله لا يستوعب ما يحدث، لكن فجأة صُدم بجميع أفراد الفريق الخصم يتحركون صوبه ليصرخ وهو يسدد الكره للمرمى وبشكل غير مقصود حتى، ليحرز هدفًا جعل جميع أفراد فريقه يطلقون الصيحات والمدرجات تضج بالهتافات، ومحمود الذي لم يستوعب حتى ما فعل، ركض صوب المدرجات يرفع يده لهاجر يلقي لها بالقبلات ويقبل خاتم زواجه في حركة معتادة من بعض لاعبي الكرة .
في تلك اللحظة وخلف ظهر محمود الذي لم يكتفي بعد من الاحتفال بهدفه، نشأ شجار بين أفراد الفريق الخصم والرجال جميعهم بسبب اعتراضهم على الهدف وأنه كان تسللًا حسب القوانين، لكن صالح اعترض بصوت محتد :
" تسلل مين يا ابو تسلل، تكونش بتلعب في التتش أنت وهو، الهدف عادي وزي الفل ولو مش مصدقين أنتم حرين، بس احنا اللي فزنا "
وافقه سعيد الحديث بهزة رأس، لكن يبدو أن الفريق الآخر لم يكن لديهم ما يسمى بـ " سياسة تقبل الهزيمة " إذ ازداد الغضب بينهم وهجم أحدهم على صالح بغيظ شديد بسبب استفزاز صالح لهم بحركات من كتفه .
وصالح كان بالمرصاد لهم إذ امسك بشجار ذلك الشاب، وصلاح اندفع بينهم يحاول الدفاع عن شقيقه صارخًا بالشاب أن يتراجع، ورائد ترك المرمى يركض لهم صارخًا بغضب :
" ولا ولا، ارجع ورا يا عسل منك ليه "
تدخل سعيد في القتال يشاركهم الشجار هو ونادر الذي جذب أحدهم يسدد له الضربات وقد اشتدت حدة الأجواء وعلت الصرخات من المدرجات ..
وفي أحد الأركان كان محمود يحاصر هاجر وهو يهمس لها ببسمة وغمزة :
" لا بس ايه رأيك في الجول؟؟ عالمي، شوفتيني وانا ببوس الخاتم بعد ما جبت الجول ؟!"
ابتسمت هاجر بخجل ومحمود يميل عليها هامسًا :
" على فكرة أنا حريف اساسا، من زمان وأنا بيقولولي إني فيا شبه من ابو تريكة "
أطلقت هاجر ضحكات صاخبة وهو قال بجدية :
" مش مصدقاني، طب ده انا مرة ..."
وقبل أن يكمل جملته شعر بمن يجذبه من الخلف ملقيًا إياه في الشجار، ولم يكن ذلك سوى صالح الذي صرخ في وجهه :
" أنت واقف تضحك وأحنا بنتخانق ؟؟"
فرد محمود كفيه بعدم فهم :
" خناقة ايه أنا معملتش حـ "
وفجأة قاطعته لكمة عنيفة سقطت على وجهه، تأوه وقد اشتعلت عيونه بشر يصرخ في ذلك الذي لكمه :
" اه يابن الـ "
هجم عليه بغيظ وشر وقد بدأ الشجار يزداد حدة .
وعلى المدرجات كانت ميمو تحاول النزول تمسك بين يديها إحدى علب طعام رانيا صارخة بشر :
" هما فاكرين نفسهم ايه دول ؟! الهدف صحيح"
لكن تسبيح والتي كانت تكبلها قالت :
" معلش يا حبيبتي سيبي الرجالة يتفاهموا مع بعض، واحنا تعالوا نطلع برة عشان منتهزقش، رائد شاور ليا ميت مرة اروح للعربية ولو فضلت شوية كمان هيخلص عليا "
وبهذه الكلمات أنهت الحديث تجذبها للخارج آمرة الجميع أن يتبعوها تاركين الرجال ينتهون مما بيدهم، وبالفعل خرج الجميع صوب السيارات وتوقفوا هناك في الانتظار، وتسبيح ويلها ميمو وويلها محمد الذي يصمم على الذهاب وضرب من يتشاجر مع والده .
ثواني حتى اشتمت رانيا رائحة جميلة جعلتها تهتف ببسمة متناسية خوفها وكل ما يحدث :
" ايه الريحة دي ؟؟"
في الداخل وبعد عشرين دقيقة من الشجار، ختم الرجال المباراة بالمصافحة والاحضان وكأن ذلك الشجار لم يكن، بكل بساطة قال صلاح ( يومكم زي الفل يا شباب) لتبتسم الأفواه ويتناسوا ما حدث .
ابتسم صالح يصافح أحد الشباب :
" أنتم هنا كل يوم ولا ايه ؟؟"
اجابه الشاب ببسمة :
" لا كل خميس هتلاقينا مقيمين هنا عشان إجازة من الجامعات الجمعة فبنسهر براحتنا "
عدّل صلاح ثيابه يقول بهدوء أثناء تمرير أصابعه في شعره :
" أنتم لسه بتدرسوا ؟! مش باين عليكم والله، ربنا يوفقكم"
ابتسم له شاب آخر يجيب :
" أيوة احنا في كلية هندسة وانتم ؟؟"
ابتسم سعيد بسمة جانبية :
" تفتكر ايه ؟؟ "
" شكلكم كبار، يعني متخرجين من فترة كويسة "
ربت رائد على كتفه مبتسمًا بسمة جامدة بعض الشييء يستغل مكانته واخيرًا ليحذرهم من العبث معهم :
" أنا مقدم في الشرطة "
اتسعت أعين الشباب وشحبت وجوههم، لكن رائد اكمل بنبرة عادية :
" وصالح ومحمود دكاتر تشريح "
تحركت الأعين صوب الاثنين برعب شديد، ورائد يكمل :
" وصلاح يبقى صحفي وكاتب معروف وبيحب الفضايح "
قال شاب بصوت خافت يبتلع ريقه :
" أيوة أنا سمعت عنه كتير "
ابتسم له صلاح ورائد اكمل بجدية :
"ونادر بودي جارد سابقًا مدير شركة حاليًا "
صمت ثم أشار لسعيد :
" أما ده راجل مسالم على باب الله مدير مطعم حاليًا، تاجر أعضاء سابقًا"
نظر الشباب لبعضهم البعض بريبة شديد، ليبادر أحدهم بالقول مبتسمًا :
" إحنا اتصافينا مش كده باشا ؟؟ مش احنا تمام سوا ؟؟"
أطلق صلاح ضحكات مرتفعة يربت على كتف الشاب بحنان :
" بلاش ياخدكم الحماس تاني وتتخانقوا لأجل لعبة، استمتعوا وبس يا شباب، ربنا يسترها عليكم "
أشار بعدها صلاح للجميع كي يتبعونه، وتحركوا للخارج مبتسمين بسمة واسعة وقد بدأت ضحكاتهم تعلو والكلمات تتراشق بينهم ..
يسيرون كتف بكتف وصالح يغني نفس الأغنية التي كان يرددها قبل المباراة :
" هلا بيكم ارحبوا ...يلا حيهم اجلطوا "
نظر له صلاح بسخرية :
" اجلطوا ؟؟ "
" اه هو بيقولها كده "
أطلق الجميع ضحكات عالية عليه وهو مستمر في الغناء دون وضع اعتبار أن جميع الكلمات خرجت منه مشوهه كطفل يتعلم الحديث .
وبمجرد خروجهم تعجب الجميع أن السيارات فارغة ولا أحد جوارها، نظر رائد بتعجب يقول :
" أنا قولت لتسبيح أنهم يخرجوا للعربيات، هما راحوا فين ؟؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض بريبة وصلاح أخرج هاتفه ولم يكد يتصل بميمو حتى سمع صوتًت قريبًا يأتي من الجهة المقابلة للملعب وميمو تلوح بيدها:
" صلاح احنا هنا "
نظر الجميع لواجهة أحد المطاعم حيث اجتمعت النساء هناك يتناولون الطعام، ليس وكأن ازواجهم كانوا يتشاجرون، ابتسموا وتحركوا لهم، وسعيد يردد في أثرهم بحنق :
" ده آخر يوم ليكم تأكلوا في مطعم غير بتاعي، ومن بكرة مشوفش واحد يقعد على كرسي في مطعم تاني ...."
_______________________
وجاء يوم الافتتاح المنتظر حيث الجميع داخل مطعم سعيد يتحركون كخلية نحل منهم من يساعد في التجهيزات ومن يستقبل الأقارب كصالح الذي ذهب لاستقبال والده وسليمان ونعمة...
وميمو التي كانت تجلس على طاولة بأمر من صلاح إذ منعها من التحرك خطوة بعيدًا عن طاولتها كي لا ترهق نفسها، لكنها رغم ذلك كانت تراقب أنس بأعين حريصة .
ومحمود الذي يقف مع هاجر في المطبخ بعدما طلب منها سعيد أن تمد هي مطعمه ببعض حلواها لاستقبال الزبائن، وكانت تلك بداية تعاون بينهما، إذ وعدها أن مطعمه لن يتعامل مع مخبز آخر عداها، وهذا للحق كان بداية عمل جيد لهاجر لتتوسع أكثر .
ابتسم تراقب محمود يساعدها بشغف وبسمة واسعة سعيدًا لسعادتها وفخورًا لنجاحها :
" تعبتك معايا يا محمود ممكن تستريح وأنا هكمل "
" تعبك راحة يا نواعم، أنا زي الفل، هخلص معاكِ عشان اعرف استريح "
ابتسمت له بحب، ثم أكملت عملها تعطيه كل ثانية وأخرى قطعة حلوى ليتذوقها ويخبرها رأيه، فمحمود كان الناقد الاول والأخير لها ...
وفي الخارج كانت رانيا تعانق إخوتها بسعادة كبيرة وترحب بوالدها وصالح يشاكس الجميع مستفزًا إياهم...
" عصافير الحب الأربعة، واضح أن الحب ساب آثار صعب تتمحي من عليكم حتى بعد سنين طويلة "
رمقه جبريل بغضب ليطلق صالح ضحكات عالية يمسح وجهه قائلًا :
" يا اخي الدنيا دي مش بتسيب حد على حاله "
لكن هم حقًا لم يهتموا بشيء سوى لبلال وأميرة فرحين بهم، متجاهلين استفزازات صالح الذي ضم له رانيا أمام أعينهم بحب شديد ...
" صحيح مجبتوش زوجاتكم معاكم ليه ؟؟خير إن شاء الله يكون متنكد عليكم عيشتكم ؟؟"
نغزت رانيا خصر صالح وهي تكتم ضحكتها، وهو لم يجاهد حتى لكبتها .
وصلاح الذي كان بعض الحضور هم جمهوره الذين استغلوا إعلانه عن افتتاح مطعم قريبه ليأتوا له خصيصًا، وقد مازحه سعيد حينما رأى الجميع يأتي للسؤال عنه :
" أنا بفكر اعمل مكتبة هنا فيها اعمالك واجيبك كل خميس تعمل ندوة في المطعم واستفاد منك لمرة "
رمقه صلاح بسخرية وهو يهمس له :
" ده لو عتبت مطعمك تاني "
أطلق سعيد ضحكات مرتفعة يتحرك لتفقد العمل بالمطعم :
" هتيجي، ميمو هتجيبك "
زفر صلاح بحنق شديد وهو يعود لاستقبال من جاءوا لأجله ..
و رائد يجلس على إحدى الطاولات، يراقب الجميع ببسمة وقد شعر براحة كبيرة، المكان نعمه سكينة هائلة خاصة بتلك الآيات القرآنية التي تصدح في المكان بصوت هادئ، شعر بتسبيح تجلس جواره، نظر لها مبتسمًا :
" ايه القمر ده يا توتا ؟؟"
هطلت تسبيح من تعليقه :
" بحد يا رائد ؟؟"
" بجد يا قلبي، أنتِ قمر على طول "
ابتسمت له بسمة ظهرت في عيونها وهي تنظر له بحب شديد ..
وفي أحد الأركان كان سعيد يراقب كل ذلك بأعين شغوفة، يرى الجميع أمامه ويستمع للأصوات المرتفعة المتداخلة حوله، لكن كل ذلك لا يصل لعقله، بل كل ما يراه ويسمعه هو يوم فكّر في ذلك الحلم، يوم كان بعمر العشرين، في عامه الثاني من الجامعة .
يركض داخل منزله سعيدًا مبتهجًا يحمل بين يديه ورقة تفيد السماح له بالوقوف بإحدى عربات الطعام دون التعرض لأي مضايقات من الحي أو أحد، ورقة عانى هو ورفيقه حتى يستخرجونها بمساعدة عم رفيقه .
" ماما... ماما بصي "
ركض على درجات المنزل بسعادة كبيرة يشعر أنه سيطير من الفرحة، لكن وحينما وصل للغرفة الخاصة بوالدته وجد والده يميل على الفراش يمسك بها بشكل غريب، وبمجرد أن سمع صوته تركها بحدة ونظر لها بشر، ثم تحرك للخارج تحت أنظار سعيد الغاضبة، الذي تحرك خلفه بسرعة كبيرة صارخًا :
" أنت كنت بتعمل ايه عندها ؟؟ كنت ماسكها كده ليه ؟؟ "
توقف جاد ونظر له باستهزاء كبير، وسعيد لم يهمه ذلك الاستهزاء، بل اقترب منه يهمس بشر من تحت أنفاسه غاضبًا :
" امي متلمسهاش بايدك النجسة دي، سامع ؟"
ابتسم جاد بسمة جانبية ساخرة جلبت شياطين سعيد للسطح بعدما كان يكبلها في الاعماق السحيقة بقيود وعوده لوالدته ألا يتعرض لوالده ولا يخوض حديث معه .
قال جاد بنبرة مستفزة جلبت شياطين سعيد للقمة :
" متقلقش مش ايدي بس هي اللي نجسة، امك كمان طالهـ .."
وقبل أن يكمل كلماته هجم عليه سعيد كالمجنون يصرخ به مطيحًا بكل شيء فوق رأس جاد :
" اخرس، أنت اللي زبالة وحقير، امي اشرف منك ومن اللي خلفوك يا زبالة "
كان يصرخ وهو يمسك رأس والده يضربها في الجدار، يرى أمامه سواد فقط، والسواد يتحول للون الدماء شيئًا فشيء، ومن شدة غضبة لم ينتبه سعيد ليد جاد التي حملت إحدى المزهريات وهبط بها فوق رأسه يسقطه ارضًا صارخًا في وجهه :
" أنا زبالة يا حيوان، الزبالة ده هو اللي معيشكم عيشة متحلموش بيها "
نظر له سعيد من بين الدماء التي بدأت تضلل رؤيته :
" مش عايزينها، العيشة دي مش عايزينها ولا عايزينك أنت كمان، أنا هاخد أمي واختي وامشي من هنا "
مال جاد يجلس القرفصاء أمامه يردد بهسيس مرعب :
" ومين اللي هيسمح ليكم تعملوا كده ؟؟ ده أنا كنت خلصت عليك وعليهم قبلك عشان تشوف نهايتهم، فكر بس تخرج من تحت طوعي أنت أو حد منهم هقتلكم واحد واحد وهوريكم الويل "
اشتدت عيون سعيد وقد على الشر ملامحه ودون تفكير ضرب قدم والده بغضب شديد وهو يصرخ في وجهه، يبحث عن شيء حوله يقتله به، يضربه دون وعي، وهو يشعر بالقهر يملء نفسه، يشعر بالدموع تندفع لعيونه وظلم والده لهم يظهر أمام عيونه ...
نهض وركض بسرعة كبيرة على الدرج مصممًا على الذهاب للمطبخ يحضر سكين ويتخلص منه، سيقتله، انتهى كل شيء سيقتل جاد ويحرر روحه وروح والدته .
وبمجرد أن خرج من المطبخ يحمل السكين رأى جاد يقف له بالاعلى ينظر له كشيطان يعتلي عرش الفساد والقذارة، يحمل بين يديه تصريح التحرر منه :
" هي دي بقى اللي مخلياك تفكر أنك تقدر تمشي من هنا ؟؟ عربية اكل ؟! مفكر هتقدر تطير يا سعيد؟؟ هتعملها ازاي وأنا قصيت جناحاتك أول ما فقست من البيضة ؟!"
نظر له سعيد بأعين سوداء وجسد يرتجف بقوة مخيفة، يرى والده يمزق الورقة أمامه، يرى اشلائها تتطاير في المكان أمام عيونه، حلمه آماله ومستقبله ..كل ذلك تمزق بين أنامل جاد الذي أطلق ضحكات مرتفعة يتحرك خارج المنزل يمر به، وهو ...هو ضعيف ينظر أمامه دون كلمة يشعر بنفسه تصرخ طلبًا للقصاص، ويده ترتجف ...
سقطت السكين منه تزامنًا مع تساقط دموعه بقوة وتهدل أكتافه وسقوطه ارضًا، لكن لم يستشعر سعيد صلابة الأرض أسفل جسده، بل فقط شعر دفء احضان والدته التي رددت بحنان وصوت خافت تكتم بكاءها :
" حبيبي متزعلش، متزعلش يا سعيد، دي ...دي ورقة وهساعدك تطلع غيرها ياقلبي، هدفعلك كل اللي تحتاجه وافتح العربية اللي تحبها، والعربية بكرة تكبر وتبقى مطعم وتبقى صاحب أكبر مطعم في البلد كلها، وهتسميه زهرة زي ما أنت حابب "
سقطت دموع سعيد بقوة ينفجر في بكاء حار بين أحضان والدته، جاد احسن تربيته على الضعف، جاد أجاد بمهارة شديدة اطعامه الجبن، علم جاد أن قوة سعيد لن تكون يومًا في صالحه؛ لذلك منذ طفولته أراه الويل وعلمه ابجديات الخنوع، لكن لن يستمر هذا، اكتفى الضعف واكتفى ذلك الجانب الذي لا يجذب له سوى الألم، كي تتغلب على شيطان كجاد وتقف في وجهه، فعليك أن تصبح ابليس ...
دفن سعيد نفسه بين احضان والدته معلنًا انتهاء حلمه وبداية كابوسه...
انتفض سعيد بقوة على يد تربت على كتفه، نظر جواره ليجد ميمو تبتسم له بحنان شديد :
" ماما زينب زمانها فرحانة اوي بيك يا سعيد، حققت حلمك وحلمها"
نظر لها سعيد يهز رأسه ينظر في جميع الأماكن عدا ميمو، لا يود أن ترى دموعه، لكنها بالتأكيد شعرت بغصته حين قالت :
"بس بعد ايه ؟؟ حققته بعد ما هي راحت وكمان سعيد ابنها راح، مبقاش منه غير أنقاض بحاول اعيد تعميرها"
سقطت دموعه أكثر لتبتسم له ميمو بسمة واسعة تربت على كتفه :
" هي فخورة أنك على الأقل بتحاول تعمير الأنقاض دي، سعيد أنت غلطت، وغلطك كبير، وكنت خلاص على وشك تضيع ده إن مكنتش ضعت، لكن ...ربك غفور ورحيم يا سعيد، ربك رحيم وتواب، استغفره وحاول تكفر عن كل ذنوب، مش أنا اللي هقولك تعمل ايه يا شيخ سعيد "
استغفر سعيد ربه وهو يمسح وجهه بقوة يحاول تمالك نفسه، وقد تذكر في تلك اللحظة صوت الشيخ شاهين يخبره بحنان وهو يدرسه القرآن :
" من رحمة ربنا يا سعيد إن الرحمة بيده، مش بيد عباده، ربنا هو الرحيم على عباده أكثر من رحمة عباده بنفسهم، ربنا ممكن يغفرلك اللي انت نفسك مش قادر تغفره لنفسك، ربنا بيسامحك وبيقولك ارجع، ارجع لأني عايزك معايا، بلاش تيأس ولا تسمع لحد، كل الناس خطائين وكلنا مذنبين متسمعش لمدعيين المثالية يا سعيد، هما نفسهم بيذنبوا وممكن ذنوبهم تكون أكبر من ذنوبك، الفرق بينك وبينهم أن ربنا لسه مكشفش سترهم، فاللهم استرنا جميعًا، عيش يا سعيد عيش وتوب واستغفر ومع كل فرصة تجيلك أنك تصلح حاجة افسدتها في الماضي ولو كانت الحاجة دي صغيرة كحبة خردل، صلحها ومتستهونش بيها، ربنا يريح قلبك ويهديك لنفسك وعيلتك "
ابتسم سعيد يرى نظرات ميمو القلقة، امسك سعيد كف ميمو ولاول مرة يقبل يدها بامتنان وشكر، يشعر أن والدته تركت جزء من روحها قبل رحيلها داخل ميمو، كانت تشعر أنه سيضل وحده، تركت ميمو لأجله وكي تسانده .
" شكرًا يا مقدس .."
نظرت له ميمو بصدمة مما فعل وشعرت بالريبة، وهو ابتسم لها يردد :
" وجودك في حياتي كان طوق نجاة "
ابتسمت ميمو، ثم رفعت كفها تربت على رأسه كسيدة عجوز :
" روح يا بني ربنا يوفقك ويفتحلك ابواب الرزق "
أطلق سعيد ضحكات مرتفعة، ولم يستفق إلا على صوت صلاح الذي تدخل يسحب جسده من أسفل قبضة زوجته، بعدما رأى أنهما انتهيا من لحظات البكاء والحنين :
" تبوس ايد مراتي وتناديها مقدس؟! أنت بتعدي كل خطوطك الحمرا وهتخليني اقلب عليك "
نظر له سعيد ولم يكد يتحدث حتى أبصرها تعبر باب المطعم الخاص به، ابتسم يترك ميمو مع صلاح في نقاش جاد ..
وهو ركض صوبها يعدل من وضعية ثيابه، وبمجرد أن وصل لهم رحب بها وبوالدها ..
" اهلا وسهلا، نورتوا المكان كله ..."
ابتسم له والد زهرة :
" منور بأهله يا بني، وعلى فكرة السجق بتاعك فظيع "
نظر له سعيد للسنة متعجبة للهجته الودودة وحديثه الممازح، بينما زهرة رمقته بغيظ هامسة :
" يابابا فيه ايه أنت الشرير هنا "
نظر لها والدها بحنق، يتركها متحركًا :
" ولا شرير ولا بطل أنا منسحب من الفيلم ده كله، وهروح اشوف الحلويات اللي هناك دي "
ابتسم يقترب من المنصة التي كانت هاجر تجهزها بالحلوى لأجل الجميع، تاركًا خلفه زهرة ترمقه بضيق شديد تود الهرب من أعين سعيد الذي أشار لوالدها بعدم فهم :
" يعني ايه الكلام ده ؟؟ هو والدك قصده ايه ؟"
نظرت له زهرة ترفع ذقنها بهدوء تستعد للتحرك من أمامه كي تنضم لميمو :
" مش قصده شيء، عن اذنك ميمو بتناديني "
وبالفعل تحركت من أمامه تاركة إياه يرمق أثرها بصدمة وعدم فهم، لكنه فجأة ابتسم ينظر لميمو التي كانت تنظر له بطرف عيونها .
مرت نصف ساعة وقد بدأ الجميع يستمتعون بالحلوى والطعام الذي يقدمه العمال الذين عينهم سعيد في المكان، وقد بدأت الأحاديث والضحكات تعلو المكان ليقاطع كل ذلك صوت سعيد الذي أراد جذب انتباههم :
" انتباه لو سمحتم، معلش لو بزعجكم بس كنت حابب أخد من وقتكم دقائق قليلة "
نظر له الجميع ببسمة، وهو شرع يرحب بهم ببعض الكلمات ويعرب عن امتنانه الشديد لتشريفهم المكان الخاص به ..
" في الحقيقة المطعم ده يمكن عمره ايام على أرض الواقع، لكنه حلم عمره ١٦ سنة، تقريبا من اول ما شوفتها "
أنهى حديثه ينظر لزهرة التي كانت تحاول تلاشي النظر لعيونه، وهو اكمل ببسمة :
" شوفتها كانت بتطلب سندوتش سجق ومستمتعة اوي وهي بتاكله فاخدت عهد على نفسي إن يوم ما افتح مطعم هيكون وجبته الرئيسية السجق، وده إجابة على سؤال البعض إن ليه الأكلة دي بالذات، وتمر السنين والحلم يتنسى بسبب ظروفي وأمور كتير أنتم في غنى عن سماعها، لكن يجي الوقت اللي ربنا يقدرني وافتح المطعم ده بفضله اولا وبمساعدة أقرب شخص ليا وأكثر شخص مستفز في حياتي ثانيا، ميمو العزيزة "
ابتسمت ميمو تضم نفسها لصلاح تراقبه بفخر كأنها تراقب طفلها يحبو خطواته الأولى، غافلة عن أن ذلك الطفل يسبقها بسنوات وسنوات .
وسعيد اكمل :
" وكمان عيلتها اللي بقوا أكثر من عيلة ليا، على الأقل من طرفي، فعلا ساعدوني عشان المطعم يكون زي ما انتم شايفين كده وعشان اوصل لللحظة اللي انا واقف فيها دي داخل مطعم الزهرة، واللي سميته باسمها زي ما اخدت عهد على نفسي، وبمناسبة اليوم ده والمناسبة دي وفي الجمع اللطيف ده حبيت احقق حلمي التاني، بل حلمي الاول في الواقع، وحلمي الأغلى ."
تنفس بصوت عالي ينظر لزهرة التي كانت متسعة الأعين جوار والدها وقال هو ببسمة :
" زهرة تقبلي تكوني زوجتي على سنة الله ورسوله ...."
_________________________
أما عني، فلم أكن يومًا ذلك الشخص المتجبر الذي يعشق النهايات الحزينة والتي غالبًا ما تكون بموت أحد الأبطال او تفرقهم، فكنت دائمًا الشخص الحالم الذي يبحث عن النهاية السعيدة للجميع، يبحث عن نهاية عادلة مستحقة لهم بعد كل ما مروا به في القصة، فدائمًا ما اقول لنفسي ألا يستحقون على الأقل نهاية سعيدة مرضية؟؟؟
لذلك انتظروا نهاية قصتنا ..
دمتم سالمين .
رحمة نبيل.
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم رحمة نبيل
وتذكر دائمًا كلما اصابك اليأس :
[سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ.]
صلوا على نبي الرحمة ...
ولأن الخاتمة كبيرة بعض الشيء فتم تقسيمها على فصلين، ده الجزء الاول منه، ووعد مني لو لاقيت تعليقات لطيفة وعدد فوت كبير على الفصل هنزل الجزء الثاني بكرة باذن الله ❤️
_طب ولو معملتوش كده ؟؟
هنزله بكرة برضو عادي، أن تعلق أو لا شيء يعود لك عزيزي القارئ اللطيف، وأن تصوت للفصل أو لا فهي حريتك الشخصية، لكنه تقدير صغير لي، والتقدير الأكبر هو أن تساهم كلماتي في رسم بسمة على وجهك .
وبس كده عزيزي القارئ...قراءة ممتعة .
______________________
بعد إعلان سعيد الصريح والذي أخذ يعد له منذ أيام بناءً على نصائح صلاح له، بأن النساء لا يحتجن للمتخاذل الجبان الذي يخشى التقدم خطوة فيعيده التيار اثنتين، بل يعشقن ذلك الذي يقف في وجه التيار ويتحداه أن يعيده سنتيمترًا واحدًا .
والصمت الذي ساد بعد طلب سعيد لم يقطعه سوى صوت صفير خرج من فم محمود الذي أخذ يصفق ويصفر وهو ينظر للجميع بتعجب، لا أحد أخذ خطوة التشجيع غيره .
وفجأة حينما رأى جميع الأنظار تبتعد عن المعنيين من الأمر وتحلق حوله أنزل يده يقول بحرج :
" ايه محدش هيشجع ؟؟"
نظر له صلاح بحنق ليصمت محمود بنزق يتمتم بكلمات مغتاظة، ثم ضم يديه لصدره يعود بنظراته صوب زهرة وسعيد .
وزهرة كانت تنظر حولها لا تدري أترفض أم تقبل؟! هل تستمر في الرفض أم يكفيها كل ذلك ؟؟
وقعت عيونها على ميمو التي كانت تقف خلف سعيد تشير لها بالرفض، بل وتمادت أن هددتها عن طريق تمرير يديها على رقبتها في علامة السكين ..
وسعيد انتبه لنظرات زهرة خلفه فاستدار سريعًا ليمسك ميمو بالجرم المشهود تحاول أن تجبر زهرته على التمرد، رمقها سعيد بشر وهذه المرة هو من رفع يده يشير لرقبته بعلامة الذبح، مما جعل ميمو تنظر له ببسمة غير مصدقة، هل يهددها ذلك الحقير فقط لأنها تريد تربيته وتعليمه كيف يحترم المرأة معه ؟؟
كادت تتقدم منه لتفسد الأمر برمته، لولا يد صلاح الذي ضمها من الخلف بحب :
" بس يا حبيبتي سيبي الاولاد يحلوا مشاكلهم لوحدهم "
" أنت مش شايف بيعمل ايه ؟؟ ده بيهددني، بعد كل اللي عملته، بعدين دي هتقبل، والله عيونها بتقول هتقبل، لسه مش دلوقتي احنا اتفقنا اسبوع مرمطة على الأقل و..."
ولم تكمل جملتها بسبب صلاح الذي جذب رأسها لاحضانه يكتم فمها وهو يربت على ظهرها يهمس لها بكلمات خافتة.
وسعيد في تلك اللحظة ابتسم يبعد عينه عنهما يعود لزهرة التي كانت ما تزال في عالم بعيد عن الجميع، لا تعلم أي شيء من المفترض أن تفعل الآن ؟؟
سعيد تغير وهي تعلم هذا جيدًا، عاقبته..نعم لكن ليس على كل ما فعل، هي لم تريه القليل فقط مما أراها، أتسمتع لصوت قلبها الذي يخبرها أنه يكفي ماتفعل، هي في النهاية تعذب نفسها معه، أم تسير خلف حديث العقل الذي يخبرها أن تتريث حتى لا يكرر ما فعل ؟؟
نظرت صوب والدها الذي كان ينظر لها بمؤازرة، والدها الذي يعلم كل ما مرت به مع سعيد منذ كانت بالجامعة، في البداية غضب وصرخ بها ورفض أي علاقة لها معه، إلى أن شرحت له كل شيء وكل ما يخص حالة سعيد، وكل التطورات التي حدثت له داخل وخارج جدران السجن .
تنفست زهرة تحاول أن تجتذب نفسها خارج ذلك المأزق وقالت بهدوء تبتسم واخيرًا بعدما قررت أنها، ملت الفراق والبعاد، ملت الصراعات، لا تتذكر يومًا اجتمعت به مع سعيد دون أن يبكي أحدهما أو يرحل مفطور القلب، إن لم يكن كلاهما كذلك ...
ربما تريه الويل لاحقًا، لكن ليس الآن، فالآن لديها رغبة عارمة في معرفة كي يكون شعور السعادة والفرحة :
" موافقة ..."
تنفست بصوت مرتفع :
" موافقة يا سعيد "
في هذه اللحظة شعر سعيد بأن العالم من حوله يدور وجميع الأوجه أصبحت مبتسمة، والهواء فجأة تحول لرائحة الياسمين احتفالًا بربيع قلبه المزهر.
أفق يا سعيد واستقبل افراحك ببسمة واسعة، ابتسم وامحو تلك الصدمة عن وجهك كي لا تبدو كالابله.
" أنتِ موافقة ؟؟ "
ابتسمت زهرة تهز رأسها، ليستدير سعيد فجأة لميمو يقول بعدم تصديق :
" دي ...دي ...دي وافقت يا ميمو "
نظر صوب نيرمينا التي كانت تبكي بتأثر وهناك بسمة واسعة ترتسم أعلى وجهها :
" وافقت يا نيمو "
هزت نيرمينا رأسها :
" أيوة يا حبيبي مليون مبارك يا سعيد "
فجأة أطلق سعيد صيحة مرتفعة يكرر كلماته بصوتٍ عالٍ علّ عقله يفهم ما حدث :
" وافقت...زهرة وافقت ..زهرة وافقت "
كان يردد الكلمات عله يقتنع بها، وزهرة تنظر له بسعادة وهي لا تصدق نفسها.
هبط سعيد عن المكان الذي كان يلقي خطابه من عليه، يقترب منها بأقدام مهرولة، لدرجة أن زهرة تفاجئت وعادت خطوات قليلة للخلف كردة فعل طبيعية منها دون أن تشعر....
وسعيد لم يهتم ولم ينتبه حتى، بل توقف أمامها يقول بلا مقدمات :
" بعد اسبوع ...نتجوز بعد اسبوع، إيه رأيك ؟!"
اتسعت عين زهرة بصدمة، ولم تستطع الرد، إذ تجاوزها سعيد ونظر لوالدها يترجاه :
" عمي أنا هجيب اهلي واجي اتقدم، ايه رأيك بعد اسبوع نعمل الفرح ؟! متشلش هم حاجة، أنا هرتب كل حاجة "
تقدمت ميمو منهم تقول بجدية بعدما تخلت عن دور الحماة، وقررت لعب دور والدته للترفيه فقط :
" أيوة يا عمي متقلقش احنا مرتبين كل حاجة أنت بس وافق وسيب الباقي علينا "
نظر لها سعيد بامتنان لتبتسم مربتة على كتفه، ثم نظرت لزهرة ووالدها والجميع ينظر لهما في فضول، قبل أن ينطق حامد بصوت هادئ :
" تعالى أنت بس البيت يابني نتكلم، واللي فيه الخير يقدمه ربنا ..."
وسريعًا تعالت الصيحات والتهليلات، حتى من لم يكن يعنيه الأمر من رواد المكان، باركوا وهنئوا الجميع بسعادة كبيرة، وسعيد اتسعت بسمته يشعر أن أيامه السعيدة على وشك البدء .....
_____________________
" وايه اللي حصل بعد كده ؟!"
رفع سعيد عيونه صوب شاهين يميل بنصف جسده على الطاولة بينهما يطيل النظر له متسائلًا محتارًا، هو نفسه لا يعلم ما بعد ذلك، هل هو سعيد فعلًا، هل يستحق تلك السعادة من الأساس ؟!
" هيكون ايه اللي حصل يا شيخ شاهين؟! فرحت وكل اللي حواليا كانوا فرحانين وروحت مع عيلتي طلبت أيدها وبعد اسبوع الفرح، وبس كده "
رفع شاهين حاجبه وهناك بسمة هادئة ترتسم على ثغره، يربت على كف سعيد المضموم أمامه :
" ما هو لو كان بس كده زي ما بتقول يا سعيد، مكنتش هتبقى قاعد قدامي دلوقتي في وقت المفروض تكون بتحهز لاسعد أيام حياتك زي ما كنت بتقول "
رفع سعيد عيونه له وقد كانت ذابلة بشكل غريب، يشعر بشعور خانق داخله، ابتلع ريقه يبرر فشله في السعادة :
" ليه بتقول كده يا شيخ؟؟ أنا جاي عشان اشوفك، ولا مش عايز تشوفني ؟؟"
" لا يا سعيد أنا عايز طبعا اشوفك، لكن اكيد مش حابب اشوفك بالشكل ده، مالك يا سعيد ؟! ليه مش عارف تاخد نصيبك من اسمك، رغم أن ربنا بيفتح ليك طرق سعادة كتير قدامك ؟؟"
ابتلع سعيد ريقه يمسح وجهه، ثم همس وهو ما يزال يخفي وجهه بين كفيه :
" مش عارف افرح، كنت فاكر إني هبقى اسعد انسان في الدنيا لما فرحي على زهرة يتحدد، وأنا... أنا فعلا فرحان اوي بس، جوايا شعور أو هو صوت بيقولي إن...مش من حقي، أنا مكنش ينفع اوصل لهنا، أنا المفروض كنت ...كنت كملت باقي حياتي في السجن بحاول اتوب، المفروض كنت دلوقتي قاعد في ركن ببكي في الضلمة، جوايا صوت بيقولي اني مستحقش كل الفرحة دي، أنا كنت ظالم ومتجبر ولسه متعاقبتش كفاية، لسه متعاقبتش "
صمت يبتلع غصته يكمل بصوت ابح بسبب كتمه لصوت شهقاته :
" هو ...هو ممكن يبقى الفرج مش دليل على الغفران يا شيخنا، يعني حياتي اللي ماشية كويس دي والسعادة اللي المفروض أحسها دي مش من حقي ؟! أو... "
صمت وقد شعر بقلبه يتفتت بوجع كبير وما يقوله يقتله، لكنه يريد الاطمئنان :
" هو أنا ممكن اكون من اللي ربنا نزل فيهم الآية {ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنما نُملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نُملي لهم ليزدادوا إثمًا} يعني ممكن يكون اللي أنت فيه ده مجرد فترة ربنا بيمهلها ليا قبل ما اتعاقب تاني على اللي عملته يا شيخ شاهين ؟؟ أنا من ساعة ما قرأت الآية وانا مرعوب من السعادة دي"
ابتسم شاهين وقد أدرك ما يفكر فيه سعيد ليتنهد ويقول بهدوء محركًا حبات مسبحته بين أصابعه :
" بص يا سعيد، ربنا سبحانه وتعالى يحب أن يرى العبد يتوب ويعود للطريق الصحيح، تفتكر عشان نقول على الإنسان الخاطئ توّاب المفروض يعمل ايه ؟؟"
نظر له سعيد بأعين دامعة ليكمل شاهين كلماته :
" يكون عنده قلب تقي ولسان نقي، ويتوب توبة من القلب، توبة نصوحة، ولسان مستغفر يا صاحبي، ربنا يحب انك تكون جنبه متنسهوش، تخيل ربنا ورغم كل الذنوب اللي بتعملها في حقك بيكون مستني منك بس كلمة (استغفر الله و اتوب اليه) عشان يغفرلك ؟! ربك رحيم يا سعيد وحشاه أنه يلقي توبتك في وجهك طالما من قلبك ونابعة من ندم "
نظر في عيونه يدفع بالمعلومات داخل عقله :
" الآية دي اتقالت في الكافرين يا سعيد، عارف يعني ايه كافر ؟؟ كافر يعني اللي كفر بالله ولم يؤمن برسالته أو يصدق رسله، الكافر هو والعياذ بالله نقيض المؤمن، ليه متقولش إن أنت اللي ربنا قال عنهم {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يُبدِّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا * ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متاباً} هو أنت مش توبت وندمت يا سعيد ؟؟"
وضع سعيد يده أعلى وجهه يبكي بوجع :
" والله ندمت يا شاهين، وكل لحظة بتعدي عليا في حياتي بندم اكتر، لما بشوف حياتي اللي ضاعت وعيلتي اللي كبرت وانا جوا السجن، وخوفي على كل اللي حواليا أن يحصل ليهم حاجة بسببي، كل ده بيزود ندمي، أنا بس ... أنا بس خايف أن يبقى لسه ...لسه المفروض مفرحش دلوقتي، حاسس بصوت جوايا بيقولي، لسه ..لسه وقت فرحتك مش دلوقتي "
ربت شاهين أعلى كتف سعيد بحنان شديد يشعر بما يمر به ذلك الشاب، فقد استلم الشيطان عمله كي يريه أن توبته لم تكن كافية، يوسوس له أن الله لم يتقبل توبته، يدفع باليأس داخل صدره حتى يستسلم مجددًا للمعصية يأسًا من المغفرة .
" تعرف يا سعيد، ربك لما وضع آدم على الأرض مكانش مطالب منه ومن ذريته أنهم يكونوا معصومين عن الخطأ، وإلا كان خلقنا ملائكة لا تخطأ، يا صاحبي ده ربك من رحمته بينا بيقولك أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
نظر له سعيد من بين دموعه وكأنه يترجاه أن يصدق حديثه، وهو فعل إذ قال :
" كام مرة يا سعيد اتذكرت كلمة التوبة في القرآن الكريم ؟؟ "
نظر له سعيد بجهل يقول بصوت ابح بعض الشيء :
" أنا... أنا معرفش، أنا لسه في الجزء الثالث "
" باذن الله تختم القرآن، عامة يا سعيد ورد لفظ (التوبة) في القرآن الكريم في سبعة وثمانين موضعًا، متخيل عدد المرات ؟؟ وقد جاء في ثلاثة وستين منها بصيغة الفعل، من ذلك قوله عز وجل: {وتوبوا إلى الله جميعا} يعني ربنا كرر علينا وقالنا في القرآن في ٦٣ مرة أننا نتوب، وجاء في أربعة وعشرين موضعاً بصيغة الاسم، من ذلك قوله سبحانه: {إنما التوبة على الله }، ولسه بتفكر يا صاحبي إذا توبتك مش مهمة أو مش مقبولة ؟؟ يعني فكرك لو توبتك دي مش هتفرق ولا مهمة، كان ليه ربك سبحانه وتعالى قالك أكثر من مرة تتوب "
تنهد شاهين يقول ببسمة ورضى تام :
" يا سعيد ده ربك سبحانه وتعالى هو اللي بيفتحلك طرق التوبة، بيقولك توب وارجع، تيجي تقولي لا أصل توبتي مش مقبولة ؟؟ يعني ينفع افتحلك بيتي واقولك ادخل يا سعيد وأصر عليك تدخل٦٣ مرة، بعدين واول ما تقعد وتبدأ تستقر في البيت وترتاح تفكر انك تقيل عليا ومش عايزك في بيتي ؟؟ ولو كده كنت فتحت ليك البيت اساسا يا سعيد؟!"
شعر سعيد بجسده يرتجف من حديث شاهين، كان واثقًا أنه هو الوحيد الذي سيعيده مجددًا للطريق، لطالما كان كذلك، طوال فترة سجنه وفي بداية الأمر كان ناقمًا كارهًا غاضبًا، ولم يتحمله سوى شاهين، حتى حينما تمت إحالته للمصح الخاص بالسجن للعلاج هناك، كان الزائر الدائم له هو شاهين، الذي أبى إلا أن يكون هو رفيق سعيد في رحلته صوب طريق الحق، أخذ يتردد عليه ويتلو عليه آيات من القرآن الكريم، حتى لان قلب سعيد وبدأ ينتظر مجيئه بفارغ الصبر ..
ابتسم سعيد يستشعر راحة كبيرة داخله من حديث شاهين له :
" ربنا يقدرني يا شيخ شاهين في يوم واكون زيك كده، راضي وقانع رغم كل اللي أنت فيه "
ضحك شاهين براحة شديدة :
" وايه اللي أنا فيه يا سعيد ؟؟ الحمدلله صحة ونعمة كبيرة، بفتح عيوني الصبح بدون كلمة ( آه) النوم نفسه بدون قلق ده نعمة، عايش براحة الحمدلله، واهلي بخير حال، هطلب ايه أكثر من كده "
" حريتك، مش عايز تخرج ؟؟"
" لا طبعًا عايز أخرج، لكن مش مكدر حياتي ولا متغاضي عن النعم اللي حواليا عشان بس ربنا حرمني من نعمة بسيطة زي الحرية، في الآخر الحرية حرية الروح يا سعيد مش الجسد "
هز سعيد رأسه يقول متسائلًا :
" أنت مش بتزعل ؟؟ مش بتزعل عشان مظلوم ؟؟"
" لا طبعا بزعل، وساعات بحس القهر، لكن برجع وبقول الحمدلله، يا سعيد أنا في موضع قوة، أنا المظلوم والمظلوم أشد قوة من الظالم يا صاحبي، وتذكر أن يوم المظلوم على الظالم أشد وطأة من يوم الظالم على المظلوم يا سعيد، ربك حشاه يظلمني، الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وانا قد الابتلاء اللي انا فيه الحمدلله، خليك أنت كمان قد أي ابتلاء أو اختبار يا سعيد "
ابتسم سعيد يشعر أن روحه أصبحت تهيم داخله براحة كبيرة، يا الله كان كمن يحمل ثقل جبل أعلى صدره وهناك من ازاحه بقوة عنه ..
" متقلقش يا شيخ شاهين أنا كلمت المحامي وهنقدم وهنرجع نفتح القضية والمرة دي الشركة نفسها هتبرأك"
نظر له شاهين بتعجب ليقول سعيد ببسمة واسعة :
" صدق او لا تصدق أصل جوز مرات ابويا طلع يعرف بلاوي عن الشركة دي، وجه معايا في المقابلة معاهم، و علمهم الادب "
صمت يكتم ضحكته على ما فعل صلاح ذلك اليوم، ذلك الرجل الذي صدقت ميمو حين أخبرته أنه يملك ملفًا اسودًا للجميع، لا يوجد فاسد في هذه الحياة لا يملك له صلاح ما يدينه، دخل عليهم صلاح ذلك اليوم يقول بكل برود وبسمة واسعة :
" والله انا مليش مشاكل معاكم، أنا مشاكلي مع الفساد اللي عندكم، عشان كده من حق الناس تعرف أن صفقة الأدوية الفاسدة اللي نزلت السوق من كام شهر وعملت بلاوي في الشعب نفر نفر كان مصدرها مخازنكم أنتم مش مخازن الشركة إياها اللي عملتوها عشان تغطوا على غلطتكم، واهي القضية لسه شغالة، فرصة يلحقوا يلموكم قبل ما تتقفل "
صمت يبصر الخوف الذي على أوجه أعضاء مجلس الإدارة، ليشعر أنه حقق هدف المنشود، فها هي سياسته في التعامل مع الجميع تنجح معهم :
" إلا لو رفعتوا الظلم عن الشيخ شاهين اللي اتهمتوه في اختلاسات من الشركة بالباطل وضيعتوا حياته لأنه رفض يمشي مع تيار الفساد بتاعكم .."
ضحك سعيد على ملامح شاهين المتعجبة والذي قال بعدم فهم :
" وهو صاحبك ده ظابط ؟؟ "
" لا هو صحفي بس متعرفش بيجيب الاخبار دي منين، والله بدأت اشك أنه ليه عين في كل حتة، أي حد في مصر له ملف اسود معاه، منهم اللي بيخرج ملفه وبيفضحه لو شاف أنه مستمر في الظلم والفساد حتى بعد تحذيراته، ومنهم اللي بيتعدل فبيسيبه في حاله ويولع في ملفه "
هز شاهين رأسه قبل أن يبتسم ويقول :
" معنى كده إن الشركة وافقت بجد !!"
وافقت يا شيخ وفتح القضية اتقبل كمان وقريب هتنور بيتك، وهتديني دروس وتحفظني تاني ..."
هز له شاهين رأسه موافقًا :
" باذن الله أنت بس اجهز للي جاي يا سعيد وعيش حياتك"
" هيحصل يا شيخ هيحصل ...."
______________________
وقد كان، بدأ سعيد يقفز في كل مكان متحمسًا سعيدًا، يلاعب الاطفال ويمازح الجميع، حتى أنه خرج مع الرجال لشراء ثياب عرسه، لا يصدق أنه حقًا يعيش كل تلك التفاصيل ..
ضحك ضحكة خافتة والسعادة تظهر للأعمى أعلى تقاسيم وجهه، ليجذب بذلك أنظار جميع الرجال، ويترك صالح الثياب من يده قائلًا بتحفز :
" بتضحك على ايه أنت ؟؟ مش عاجبك ذوقي وريني ذوقك يا عسل "
امسكه محمود يربت أعلى كتفه :
" ميقصدش يا صاحبي هو يجي فين من ذوقك و شياكتك، بسم الله ما شاء الله عليك مثال للشياكة والأناقة"
ابتسم له صالح يربت أعلى كتفه :
" تسلم يا صاحبي مليش غيرك "
جذب صلاح الثياب من يد صالح بشر وحدة يحركها في الهواء بحنق :
" ايه ده ؟؟ ايه ده ؟؟ ما تلبس بدلة سوبر مان احسن، يابني ارحمني ده فرح مش حجز كورة، شوف بدلة ولا أي لبس فورمال شيك "
نظر صالح للثوب الشبابي بين كفي صلاح يستنكر ما يقول :
" أنت زعلان ليه دلوقتي ؟؟ هو فرحي أنا ؟؟ بعدين أنا لبست قبل كده بدلة في فرحي كفاية بقى "
زفر صلاح يلقي الثياب أعلى الأريكة التي يجلس عليها رائد :
" مفيش فايدة فيك "
نظر صوب نادر الذي كان يجرب العديد من الثياب الرسمية، ومن ثم يغيرها ويجرب غيرها :
" نادر لقيت اللي عايزه ؟؟"
رفع نادر عيونه صوب صلاح يهز رأسه نافيًا، ثم عاد لما كان يفعل ببساطة، وصلاح نظر صوب رائد الذي كان يتابع الجميع ببرود :
" وأنت يا حضرة المقدم ياللي محدش عارف يكلمك، حضرتك ممكن تتواضع وتلبس بدل زي عامة الشعب ولا نفصلك واحدة بالنسور والنجوم "
ابتسم رائد يقول ببرود ومزاح :
" لا متتعبش نفسك، أنا عندي البدلة بتاعة الشغل هبقى ألبسها "
زفر صلاح بغضب شديد بدأ يزداد شيئًا فشيء كلما تعامل مع أحدهم، تحرك بنظراته صوب محمود، وقد أصبحت ملامحه حادة :
" وأنت ؟؟"
جذب محمود أحد الثياب الرسمية المعلقة حولهم يقول مبتلعًا ريقه :
" أنا أنا هلبس بدلة طبعًا يا صلاح، أنا اساسا من محبي الرقي والشياكة زيك كده بالضبط "
ابتسم صلاح برضى قبل أن ينظر صوب سعيد الذي كان يتحدث في هاتفه مبتسم الثغر :
" وأنت يا حبيبي اقفل التليفون وتعالى خليني اشوف دنيتك ايه "
نظر له سعيد مستنكرًا، ينهي حديثه مع زهرة :
" طب يا زهرة هشوف صلاح عايز ايه وهبقى اكلمك لاحسن ده طالق عفاريته على الكل هنا "
ضحكت زهرة من الجانب الآخر تتنفس بصوت مرتفع وهي ترى نظرات ميمو لها أن تنتهي :
" تمام يا سعيد سلام عشان ميمو شوية وهتطلق عفاريتها علينا هي كمان .."
أغلقت الهاتف تركض سريعًا صوب ميمو قبل أن يزداد غضبها حدة على الجميع بمن فيهم هي ..
وميمو تنفث نيرانها في الكل تصرخ بهم أن ينفذوا ما تريد هي كي لا يفسدوا اليوم المنتظر ..
وفي الجانب الآخر عند الرجال .
كان الجميع ينتظر خارج غرفة تبديل الثياب في انتظار رؤية سعيد بالثياب التي اختارها صلاح له، ورغم رفض سعيد أن يتدخل أحد في اختياره بحجة أنه ليس ابلهًا في تلك الأمور مثل صالح أو محمود مثلًا، إلا أنه في النهاية رضخ للأمر ونزع البدلة من يد صلاح ودخل ليرتديها ..
تحرك صلاح صوب غرفة تبديل الثياب يطرق الباب بخفة :
" افتح خد الجزمة يا سعيد "
صاح سعيد من الداخل بحنق :
" أنا اللي هختار الجزمة، أنا مش صغير على فكرة، أنا اكبر منك وبفهم اكتر منك "
تنفس صلاح بصوت مرتفع مما جعل صالح يعود للخلف هو ومحمود، وصلاح مال على الباب يردد من أسفل أسنانه بغضب مكتوم :
" افتح أم الباب وخد الجزمة اللي أنا اخترتها، أنا مختارها تليق مع البدلة، اخلص "
ثواني وفتح سعيد الباب يمد يده ليضع بها صلاح الحذاء مبتسمًا برضى تام، هو وعد ميمو أنه سيجعل سعيد يظهر في أفضل حالاته على الاطلاق، وهو يفي بجميع وعوده، خاصة إن كانت لمقدسه الحبيب ...
دقائق حتى سمع الجميع صوت نقر حذاء على الأرضية الرخامية الخاصة بالمحل، رفع الجميع أعينهم بفضول قبل أن تتسع بانبهار وترتسم بسمة واثقة على فم صلاح يضم يديه لصدره يهنأ نفسه خفية على حسن اختياره .
والجميع نظر صوب سعيد بانبهار ليتحدث الاخير بقلق :
" ايه تمام كده ؟؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن تتعالى الصيحات والتهليلات السعيدة يلتفون حول سعيد، وسعيد ابتسم بسمة واسعة يتقبل بسماتهم وكلماتهم بسعادة كبيرة، لم يتوقع أن يصل لهذا اليوم، وحتى إن توقع فهو يومًا لم يحلم أن يكون محاطًا برفقة تساعده في ذلك الوقت ..
رفع صلاح ابهامة مبتسمًا راضيًا، قبل أن يخرج هاتفه يلتقط له صورة يرسلها لميمو يكتب تحتها كلمات قليلة ( سعيد بطلة عريس )
استقبلت ميمو الرسالة وهي تنظر لصورة سعيد ببسمة واسعة سعيدة، تتنفس براحة شديدة ترى بسمته الصافية، هي لم تكن غافلة عن حالته المزاجية السيئة منذ يومين، لكن بعد زيارة شيخه عاد بروح أخف نقية ..
رفعت نظرها صوب الفتيات حينما سمعت صوت تمتمات منبهرة وأصوات معجبة، أبصرت ميمو مظهر زهرة التي خرجت من غرفة تبديل الثياب تحمل فستانها الأبيض بين أناملها تشعر بجسدها كله يرتجف بلا تصديق .
ابتسمت ميمو بسمة واسعة وهي ترى نظرات زهرة لنفسها في المرآة، تبدو كنظرات مصدومة، غير مصدقة، نظرات شخص غارق فقد الأمل في الحياة، وفجأة وجد من ينتشله من بحار ظلامه صوب يابسة أحلامه ..
تتحسس زهرة الفستان بأصابع مرتجفة تشعر بقلبها يضرب صدرها بقوة شديد، تتنفس بصوت مرتفع لا تعي ما يحدث حولها، الآن وبعد كل تلك السنوات تحقق حلمها، ستصبح عروس مثل جميع الفتيات حولها، وممن تمنى قلبها.
ودون أن تشعر وضعت زهرة يدها على فمها تنفجر في بكاء عنيف وهناك بسمة غير مصدقة ترتسم على فمها، لتقترب الفتيات جميعهن منها يتحدثون لها بحنان وجمل متراشقة منبهرة
" يا قلبي زي القمر "
" عاملة زي اميرات ديزني يا زهرة والله "
" مبارك يا زهرة شبه الملايكة يا حياتي "
" يا خسارتك في سعيد يا زهرة والله، القمر ده كله ليه؟! "
" متعيطيش يا حياتي أنتِ زي القمر والله "
كانت زهرة تبكي وهي مبتسمة تتقبل كلماتهم دون تصديق، وميمو تضمها لاحضانها تارة وتارة تسبيح ورانيا تربت على رأسها، بينما نيرمينا تراقبها ببسمة واعين ملتمعة بدموع سعادة، لا تصدق أن شقيقها قد آن أوان سعادته ...
في تلك اللحظة أطلقت تسبيح زغاريد مرتفعة رنّ صداها في المكان باكلمه، سرعان ما شاركتها رانيا في الأمر وهي تزيد وتزيد من صوت زغاريدها، وزهرة تنظر لهم مبتسمة سعيدة ...
هي أيام... أيام فقط، ايام قليلة وتصبح له ..
هل هناك شعور أكثر سعادة مما تشعر به الآن ؟؟؟
______________________
والإجابة جائتها بعد أيام قليلة، وكانت نعم ..
هناك شعور أكثر سعادة من ارتدائها لثوب عرسها، وذلك الشعور هو أن ترتدي ثوب عرسها له هو، وترى انعكاس صورتها في عينه المصدومة، ورغم أنها كانت على بعد درجات منه إلا أنها بصرت تحرك حلقه بتوتر ونظراته الزائغة التي ثبتها على وجهها.
اشتدت قبضة زهرة على يد والدها تهبط درجات ذلك الفندق صوب سعيد الذي كان ينتظرها في الاسفل بكل الشوق، وحوله جميع أفراد عائلته، النساء تطلق الزغاريد والرجال يربتون على كتفه مهنئين ..
وحينما أصبحت هي أمامه تلاشى كل ذلك، لا الرجال ولا النساء ولا أحد أصبح حولهم، فقط هو وهي، تراه أمامها يستقبلها بنظرات ما رأتها منه يومًا، نظرات جديدة تعهدها من سعيد .
وحينما توقفت أمامه ابتسمت له وامسكت طرف فستانها تنظر لعيونه بحب، ليتراجع سعيد للخلف قليلًا يميل لها كما كما لو كانت أميرة وهو أميرها الذي يستقبلها يوم التنصيب على عرش قلبه .
وزهرة فقط ابتسمت بسمة واسعة تمسك أطراف فستانها تحني ركبتها بعض الشيء تشاركه تلك اللعبة، اعتدل سعيد في وقفته، يمد كفه لها ينتظر أن تمن عليه بكرمها، وتمنحه للمرة الأولى منذ عقد قرانهما لمسة بريئة من كفها، وبمجرد أن استقر كفها بين يده حتى اشتدت كف سعيد على يدها تلقائيًا يجذبها له مبتسمًا ولم يقل سوى كلمتين فقط :
" مرحبا في حياتي "
ابتسمت له زهرة تسير خلفه وهو شعر أنه يطير على السحاب يستمع لصوت قرع على الدف جواره وقد ترأس محمود مهمة الغناء لهما والجميع يردد خلفه كلمات يزفون بها زوجين طالت فترة اختبارهما...
محمود والذي كان شهيرًا وقت جامعته بقيادة مسيرات وهتافات وقيادة الحفلات، أحسن اختيار اغنية مناسبة يغنيها بصوت جهوري يرن في المكان وهو يتقدم الزوجين، وعلى جانبي الممر يحيط بهم جميع أفراد العائلة من الطرفين يصفقون ويرددون خلف محمود .
وأنس الذي كان يرتدي ثياب تشبه خاصة سعيد يصفق بسعادة كبيرة مع الجميع وكذلك جميع الأطفال يحلقون حول سعيد وهم يحملون شموع ..
كان صلاح يحمل أنس فوق كتفه وهو ينظر بعيون حريصة صوب باقي الصغار خوفًا أن يصيب أحدهم نفسه بأذى بسبب الشموع، وميمو تصفق بكل سعادة لسعيد كما لو كان طفلها قد نضج ويُزف الآن.
وبمجرد أن وصل الزوجين للمنصة التي تتوسط المكان زاد غناء محمود وتفاعل الجموع معه، وماجد يصفق لابنه يشجعه، وكذلك هاجر التي كانت تراقبه بفخر، وجهاد تدور حول والدها بالشمع بدلًا أن تفعل مع العروسين وكأنها تزفه هو، مال محمود لها وهو يزيد من ضرب الدف وينظر لها بحب شديد، لتقترب منه جهاد تضع قبله على وجنته، فتوقف محمود عن الغناء وهو يضحك بسعادة يحملها على يديه يكمل غناء معطيًا صالح الدف ليكمل هو قرع عليه .
وصالح الذي يحمل فوق أكتافه بلال، تولى منه مهمة ضرب الدف، والجميع قد اندمج في هذا، وسعيد ينظر حوله للجميع بمشاعر مختلطة يغلب عليها التأثر والسعادة، الله رزقه بكل تلك السعادة وهو حديث العهد بالتوبة، ماذا لو كان نقيًا من يوم مولده حتى الآن ؟!
شعر بدموعه تتجمع في عيونه، وفجأة وجد زهرة تميل عليه وهي تقول بصوت خافت :
" أنت زي القمر يا سعيد انهاردة "
سقطت دمعة سعيد دون أن يتحكم بها يميل يقتنص قبلة من جبهتها هامسًا :
" وأنتِ الشمس اللي بتمد القمر بالضوء والحياة يا زهرة "
نظرت له زهرة بأعين ملتمعة تتنفس بصوت مرتفع، وصوت محمود ما يزال يرنّ صداه في الخلفية وهو يغني :
" وتوتة توتة ...وخلصت الحدوتة "
ضحكت زهرة ضحكة خافتة تقول بصوت حنون :
" تفتكر فعلا خلصت ؟!"
" هي ايه ؟!"
" الحدوتة يا سعيد "
نفى سعيد برأسه يميل لها حاملًا إياها بين يديه يهمس امان وجهها بحب :
" لسه بنبدأ اول فصل فيها يا زهرة، اللي فات ده كان مقدمة بس "
وبمجرد انتهاء جملته بدأ يدور بها وميمو تطلق زغاريد عالية وهي تكاد تتراقص من السعادة، نظرت لسعيد وهي تشعر برغبة عارمة في ضمه والتربيت عليه واخباره أنه نجح، نجح في اختباره ..
وصلاح جوارها يضمها له بحب كبير يهمس لها :
" عقبال ما تشوفي أنس وهو عريس يا أم أنس"
نظرت له ميمو بأعين دامعة:
" يااه يا صلاح أنا مش مصدقة إني ممكن ربنا يطول في عمري وأشوف اليوم ده بجد "
" هتشوفيه يا قلب صلاح باذن الله، أنتِ بس ابتسمي كده عشان مروحش انكد على سعيد ليلته "
" على ايه سيبه يفرح شوية قبل ما يتنكد عليه "
أجاب صلاح بجدية مبتسمًا :
" مظنش إن شخص زي سعيد ممكن يعارض النكد اللي من النوع ده ابدا بعد سنوات جفاف، النكد هيبقى على قلبه زي العسل "
ضحكت ميمو بصوت مرتفع وهو ابتسم يضمها بحب شديد، وقد بدأ يشعر أن ما يحدث نهاية ممتازة لقصته، نهاية جزء وبداية جزء آخر، فهو وإن أنهى جزءه الاول، سيبدأ في آخر..
كان صالح يقف مع رانيا وهو يحمل بلال أعلى كتفه بعدما فرغ من قرع الدف، يرى ملامح رانيا المتأثرة :
" ايه يا رانيا هو أنتِ أم العروسة ولا ايه ؟؟"
نظرت له رانيا بحنق شديد ثم قالت تحاول تمالك فورة المشاعر داخله والتي يزيد حملها من حدتها :
" متأثرة يا صالح، يعني مش شايف قصة الكفاح، بقالهم يا حبة عيني سنوات طويلة متعذبين عشان اليوم ده، تخيل يا صالح ميمو قالتلي انهم بقالهم متعلقين كده ١٦ سنة ؟"
تشنج وجه صالح بحنق يدفع الدف صوبها لتتلقفه بصدمة من ردة فعله وهو قال ببساطة :
" اهو العذاب اللي سعيد عاشه في ١٦ سنة، اخواتك خلوني أعيشه في كام شهر خطوبة"
" ايه يا صالح يا اخي، ما جاء بسهولة يذهب بسهولة يا جدع، اخواتي بس كانوا عايزين أنك مش هتفرط بيا "
أطلق صالح صوتًا ساخرًا من حنجرته :
" والله ؟؟ يعني هو اللي عملوه ده عشان مفرطش فيكِ؟؟"
هزت رانيا رأسها بايجاب ليميل صالح قائلًا بجدية :
" بالك يا رانيا أنا لو كنت إنسان طبيعي كنت فرطت فيكِ من اول ما لمحت وش اخواتك اساسا "
تخصرت رانيا بحنق وقد اشتعلت عيونها :
" ومفرطتش ليه يا صالح طالما الموضوع جاي عليك بخسارة كده ؟!"
" ما أنا قولتلك لو ...لو كنت إنسان طبيعي، إنما أنا ياقلبي مش كده، اخواتك لو مش متربيين، فأنا اهلي لما جم يربونا لقوا صعب يربوا اتنين سوا، فاختاروا صلاح بس وربوه وسابوني اربي نفسي تربية ذاتية، وبقيت زي ما أنتِ شايفة كده "
ابتسمت رانيا تقترب منه تعدل من وضعية سترة بدلته التي أجبره صلاح على ارتدائها :
" عسل والله "
أطلق صالح ضحكات صاخبة يقول :
" الشخص الوحيد اللي كل ما أفقد الثقة في نفسها يرجعهالي "
غمزت له رانيا بحب وهو ابتسم يضم بيد وبالاخرى امسك يد أميرة التي كانت تصول وتجول بين ممرات القاعة، وفوق كتفه يجلس بلال سعيدًا من الإطلالة في الاعلى .
وفي أحد الأركان كان محمود يضم كتف ماجد بيد واليد الأخرى تحمل جهاد وهو يرقص بحماس وسعادة كبيرة وهاجر تقف أمامهم تصورهم ببسمة وهي تقول بسعادة :
" ارقصي مع بابا يا فراولة "
بدأت جهاد ترفع يديها في الهواء وهي تصفق بسعادة ومحمود يبتسم لها ويرقص مع والده بسعادة كبيرة، حتى أخذ منه ماجد الصغيرة كي يراقصها هو، ومحمود تحرك صوب هاجر يغمز للكاميرا قائلًا :
" ما تيجي ترقصي معايا يا بسكوتة ؟؟"
أغلقت هاجر الهاتف تضعه في حقيبة يدها تقول بخجل :
" دلوقتي ؟؟"
" هو ايه اللي دلوقتي يا نواعم ؟! احنا في فرح ياقلبي، بعدين محدش اساسا مركز معانا "
وقبل أن تعترض أو تبدي رأيًا جذب محمود يدها يجعلها تدور حول نفسها ويراقصها يرى بسمتها الواسعة وهي تنظر لعيونه وهو يسبح بين خاصتها...
وعلى عكس محمود، كانت نيرمينا هي من تجذب يد نادر تجبره على الرقص معها، وهو يضحك ضحكات مكتومة يشاركها الرقص مرغمًا فقط كي لا يحزنها وهي تضم نفسها له مطمئنة أن زينب بين أحضان خالها ..
اقتربت نيرمينا من نادر تشير له بكلمات الأغنية بسعادة كبيرة وهو يبتسم لها بسمات واسعة سعيدة، حتى أنه اندمج في الرقص وأصبح هو من يتولى دفة القيادة، يحركها حركات بسيطة تنبض بالحب المكنون داخله ...
كان رائد يجاور تسبيح يضمها له بحب، يميل عليها كل ثانية والأخرى يداعب مسامعها بكلمات رقيقة محبة وهي تطلق ضحكات عالية، تلاشت بين اصوات سماعات الصوت الصاخبة تنظر له بحب من خلف نقابها ..
امسك رائد كف يدها يلاطفه بأصابعه وهو يهمس لها :
" عاملك مفاجأة انهاردة "
نظرت له تسبيح بفضول شديد مبتسمة :
" مفاجأة ؟! مفاجأة ايه ؟؟"
" لما نروح هتعرفيها"
نظرت له بحنق ظهر واضحًا في عيونها، ليبتسم هو يضم يدها له يميل عليها هامسًا :
" الحاج هياخد القردين بتوعك اللي عمالين يتنططوا معاه واحنا هنحلصهم بعدين، عايز انهاردة نكون لوحدنا "
نظرت له بتفاجئ فليس من عادة رائد أن يرسل الاطفال أحدهم في منتصف الأسبوع، لكن وقبل أن تقول كلمة اقترب محمود من رائد يجذبه لهم وقد اجبر جميع الشباب سعيد ليهبط ويشاركهم الرقص ..
كان الجميع يحيط بسعيد داخل دائرة يمسكون أكتاف بعضهم البعض وهم يهللون ويقفزون واصواتهم قد بدأت تغطي على صوت الاغاني ..
كان صلاح يغمز لسعيد مشيرًا له يغني كلمات الأغنية الصادحة، يمسك يد سعيد يجبره على الرقص معه على انغامها ...
أطلق سعيد ضحكات مرتفعة وهو يشاركهم الرقص مجبرًا أو هذا ما يظهره فقط، لكن من داخله كان يرحب بكل ذلك فرحًا .
بدأ صالح يغني هو الآخر يدخل لدائرة الرقص يجذب له سعيد يتراقص معه وكذلك نادر ومحمود ورائد، جميعهم انضموا يتنافسون على اسعاده وإظهار سعادتهم وفرحتهم لأجله
في تلك اللحظة لا يدري سعيد السبب، لكنه تذكر يوم ذهب مجبرًا مع ميمو لحضور خطبة صالح في الإسكندرية، يوم كان يقف في ركن بعيد عن الجميع، يراقبهم من عالمه الكئيب المظلم، يتساءل عن شعورهم وهم متكاتفين يتراقصون سويًا ويتضاحكون، وقتها كان يشعر يقينًا أنه يومًا لن يعش تلك اللحظات أو يتفهم ما يشعرونه، لن يشاركهم شيء كهذا، بل هم من سيرفضون أن يشاركوا مجرم مثله رقصات سعيدة ودودة كتلك، تلك اللحظات التي كان ما يزال يغوص داخل ذنوبه ..
والآن لم يشاركهم فقط الاحتفال كما تخيل، بل كان هو بؤرة ذلك الاحتفال، والآن يختلف عن ذلك اليوم، إذ كان وقتها غارقًا في الخطيئة، والآن هو على أعتاب التوبة .
وبعد جولات من الرقص والغناء التي شارك بها جميع رجال الحفل، والنساء فقط يشاهدن من بعيد يصفقن، عاد سعيد صوب مقعد يتنفس بتعب شديد، لكنه كان وللحق تعب لذيذ رائع يتذوقه للمرة الأولى .
فجأة توقف حينما أبصر ميمو تقف تشاهد رقصات نادر وضحكاته مع الجميع وسعادته، ابتسم يغير طريقه صوب ميمو التي نظرت له بتعجب، لكنه فقط ودون كلمة واحدة مال عليها يضمها بحب اخوي كبير يهمس لها بامتنان شديد :
" شكرا يا ميمو، شكرا على مساعدتي وأنك عمرك ما فقدتي الأمل فيا، في الوقت اللي أنا فقدت الأمل في نفسي "
ابتسمت ميمو بتأثر تربت على ظهره بحنان شديد :
" ماما زينب قالتلي أن تحت كل اللي بتظهره ده فيه شخص بيحارب عشان ياخد فرصته ويعيش، وانا معملتش غير اني ساعدته ياخد فرصته يا سعيد "
ابتعد سعيد عنها ينظر لها بحب شديد :
" مش هنسى عمري كله اللي عملتيه ليا يا ميمو، وهعيش حياتي كلها ادعيلك ربنا يجازيكِ خير على مساعدتي، أنا مدين ليكِ بعد ربنا بحياتي الجديدة .."
نظر صوب نيرمينا التي كانت تضم زينب بحب وترقص معها ومع نادر ليكمل ببسمة :
" وحياة نيرمينا كمان، شكرا "
ربتت ميمو على كتفه تقول :
" افرح يا سعيد وكفاية اللي عيشته، خد نصيبك من حياتك يا غالي، ومتنساش أي حركة كده ولا كده هتلاقيني زي الشوكة في زورك، أنا براقبك "
اطلق سعيد ضحكات مرتفعة وهو يضع يده على رأسه كأنه يؤدي تحية عسكرية :
" زي الألف يا فندم، هتلاقيني بعد كده زي الألف "
كام يرحل لكنه توقف مجددًا يتساءل بجدية :
" ميمو صحيح، زهرة قالتلي انها فعلا مقفلتش العيادة وكان فيه تصليحات مش اكتر، كنتِ تعرفي كده ؟؟"
هزت ميمو رأسها تراقب الجميع ببسمة جانبية:
" أعرف ايه ؟؟ أنا اللي قولتلها كده "
نظر لها سعيد بصدمة :
" قولتي ليها ايه ؟! هو مش أنتِ كنتِ واقفة معايا المفروض ؟؟"
نظرت له ميمو بطرف عيونها تهز كتفها ببساطة شديدة :
" أيوة أنا كنت واقفة معاك، ومعاها هي كمان، أنا كنت عميل مزدوج "
أطلق سعيد ضحكات صاخبة :
" عمرك ما هتتغيري "
أنهى حديثه يعود صوب مقعده بأقدام متلهفة وبمجرد أن وصل وجد زهرة تستقبله بالبسمات ليمسك هو كفها يجذبها صوب المنصة حينما صدحت بعض النغمات الرومانسية الشبابية ليست تلك التي يرقص عليها البعض في العادة، وسعيد للحق كان رافضًا أن يتراقص بزوجته أمام الجميع، لذلك اكتفى بمسك يديها وتحريكها في الهواء بسعادة كبيرة، وزهرة تنظر له تردد كلمات تلك الأغنية على لسانها وكأنها توجهها له :
" أيوة كده ..يكمل كده معنى الحياة، ويبان بقى شوقي اللي كنت مخبياه "
ابتسم لها سعيد وهو يجذب يدها أكثر له يضمها بحب شديد يستشعر لذة الانتصار؛ الانتصار بما عشت عمرك كله تسعى له، الانتصار بما حلمت به في كل نومة له، وحتى في يقظتك ..
كان الجميع من حولهم ينظرون لهم بانبهار وتأثر من تلك السعادة التي تظهر واضحة على وجوههم.
كان سعيد يمسك يد زهرة وهو يدور بها على المنصة وكأنه طفل نال لتوه جائزة سعى لها بكامل طاقته، أن تنال ما تحب بعد تعب كبير وانتظار شاق، يجعل لما تريد طعم الذ، وزهرة في تلك اللحظة التي كانت تردد الكلمات بسعادة تشارك سعيد سعادته، تترك لنفسها فرصة العيش واخيرًا كما تريد، كل ذلك في عين سعيد مثّل حلمًا كان على استعداد للموت لأجل أن يعيشه ثواني فقط ...
________________________
قد تبدو تلك نهاية سعيدة مرضية للبعض، لكن مهلًا تبقى فصل أخير وجب ذكره في تلك الحكايات ..
انتظروا الجزء الثاني من الخاتمة .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم رحمة نبيل
أكثر ما يحرص عليه الشيطان -أثناء دعائك وتضرعك- أن يشوّش على قلبك، وأن يقنّطك من الاستجابة، وأن يصوّر لك أن دعاءك كصوتٍ تائه في صحراء بائدة لا يُسمع ولا يُرفع.
ولذلك أخبرنا ربنا في كتابه بكلمة جميلة تَصرفُ عنّا نزغَه وتطيش بهَمْزه ونفثه؛ قال ربنا: فإنّي قريب! :))
د/ أحمد عبدالمنعم.
صلوا على النبي ...
هذه تكملة الخاتمة، إذ كانت فصل واحد متصل لكن لكبر حجمه تم تقسميهم، وهذا هو الجزء الثاني والأخير من حكايتنا ...
"خلصت الحكاية "
قراءة ممتعة
__________________________
فتحت الباب تسبقه للداخل وهي تقول بصوت خافت :
" بسرعة نيمها في السرير قبل ما تصحى تاني وتفضل تعيط على سعيد "
ابتسم نادر بسمة واسعة يقبل رأس صغيرته التي كانت تتمسك بسعيد باكية، تود أن تصعد معه لسيارته وترحل معه، وسعيد الذي لا يطيق رؤية زينب تبكي نظر لها بضعف وكاد لثواني أن ينفذ لها ما تريد بكل حمق، لكن نادر حملها يضمها له وهو يحاول أن يلاعبها بعيدًا عنهم ..
واخيرًا رحل سعيد ونامت زينب بعد ساعات من البكاء ومحاولات من نادر ليضحكها، وحينما احضر لها كل ما تحب من حلوى نامت مبتسمة .
وضع نادر الصغيرة في فراشها يراقبها بحنان شديد، يربت أعلى خصلات شعرها وهو يشعر بمشاعر كثيرة مختلطة داخل صدره، تلك الصغيرة تمثل له مستقبلًا يسعى أن يكون افضل من ماضيه ...
مال نادر يقبل رأسها بحب يمسك أصابعه يتواصل معها بالطريقة التي يعلم، مطمئن مرتاح بما وصل له في حياته، يشكر الله على ما حدث، وحتى ذكريات السيئة لم يعد يتذكرها، محى كل شيء من ماضيه، كي يعيش حاضره ويتجهز لمستقبله.
وأثناء تحريكه لاصابعه بحنان على يد الصغيرة شعر بها تشدد من ضم يده لها، ثم فتحت عيونها الجميلة التي تذكره بعيون نيرمينا، ترمقه بحب، تقول بصوت منخفض :
" بابا نام معايا "
ابتسم نادر يربت على خصلات شعرها يداعبها بحب، ثم هز رأسه لها بإيجاب لا يستطيع أن يرفض لها طلبًا تريده .
وزينب لشدة سعادتها نهضت تعتدل في جلستها وملامح النعاس ما تزال تزين وجهه وملامحه، وهو ينظر لها ببسمة، لكن فجأة شعر بجسده ينتفض ويختض من هول المشاعر التي ملئته حينما أبصر الصغيرة ترفع يدها له وهي تشير لها باصابعها مبتسمة .
نظر نادر ليدها بحب شديد يشعر بدموعه على وشك السقوط من قوة مشاعره، الصغيرة كانت تشير له كما يشير لها ولوالدتها، تخبره بلغته الخاصة أنها " تحبه "
امسك نادر كفها يميل عليه بحنان شديد يقبل باطنه وهو يشعر بارتجافة قلبه، ثم رفع هو الآخر أصابعه يشير لها أنه يحبها كذلك .
وزينب ابتسمت باتساع تلقي نفسها بين أحضان نادر الذي تلقفها بقوة كبيرة يضمها لصدره بحنان وحب، يقبل رأسها وهو يتواصل معها كما يفعل مع نيرمينا، أخذ يحرك شفتيه على خدها بكلمات صامتة ( بابا بيحبك ) ...
وكان الشاهد على كل تلك المشاهد المؤثرة الجميلة نيرمينا التي انتهت من تبديل ثيابها وجاءت كي تشاركهم تلك الليلة الجميلة، التي تشعرها أنها ليلة فارقة في حياتها، الليلة التي ستنام مبتسمة مطمئنة فقط لأنها تعرف أن شقيقها سيفعل كذلك .
تحركت داخل الغرفة بخطوات بطيئة كي تنضم لهما، لكن فجأة توقفت بصدمة كبيرة تستمع لصوت غريب على مسامعها، صوت مكتوم كطفل يتعلم الحديث، صوت خرج وكأنه لشخص متلعثم في الحديث ..
صوت نادر وهو يضم له الصغيرة يحاول الحديث بصعوبة يكرر كلمات الصغيرة بصوت مكتوم خرج عبارة عن حروف متقطعة :
" با...با .."
اتسعت عين الصغيرة وهي تجذب وجه والدها لها وكأنها هي من تعلمه الحديث، تقول بسعادة كبيرة :
" بابا ..."
ابتسم لها نادر يشعر بها تمسح دموعه، هذا كان أقصى ما يمكنه فعله، حتى وإن حاول الحديث لا يستطيع، وهذا منذ أسابيع حينما اكتشف قدرته على إخراج بعض الأصوات المكتومة التي لا معنى لها، وحينما حاول أن يفعل أكثر فشل، وكأن جميع طاقته المخزنة خرجت في تلك الاحرف المتبعثرة، ولم يرد أن يخبر أو يجعل أحد يعلم حتى لا يعطيهم املًا ضعيفًا كاذبًا ..
في تلك اللحظة صاحت الصغيرة بسعادة :
" ماما "
نظر نادر خلفه مبتسمًا بحنان لتنقض عليه بسعادة كبيرة تصرخ دون هوادة تضم رأسه لصدرها وكأنها تود طحنه بها :
" أنت اتكلمت يا نادر؟! صح ؟؟ أنا سمعتك، أنا سمعتك والله"
كانت تتحدث باكية بمشاعر عديدة وهي تمسك وجه نادر بين يديها ونادر ينظر لها بحب يحاول أن يعتدل ليشير لها بيده، لكنها أمسكت يده تقول :
" لا ...اتكلم يا نادر، اتكلم أرجوك "
نظر لها نادر بعجز يبعد يده عن خاصتها يشير :
" مش عارف يا نيرمينا هي خرجت مني كده، ومش قادر اتكلم، متزعليش والله مش قادر "
مسحت نيرمينا عيونها تقول ببسمة واسعة وهي تميل أمام وجهه تجذبه لها تقول بحنان وحب :
" مش مشكلة، مش مشكلة واحدة واحدة، الدكتور قال تطور طفيف، مش مشكلة ياقلبي والله مش زعلانة أنا بس حباك تكون مرتاح وسعيد يا نادر "
ابتسم لها نادر يداعب وجنتها بإصبعه، ثم أشار لها بحنان :
" أنا سعيد ومرتاح أكثر مما تتخيلي "
ابتسمت نيرمينا وقبلت خده بحب، ثم نظرت للصغيرة التي كانت تتابعهم باهتمام شديد قبل أن تبدأ في تقليد حركات يد والدها بسعادة كبيرة جعلت أعين نادر تلتمع بالدموع ونيرمينا تقترب منه تضم رأسه لها وهي تقف جوار الصغيرة، وللمرة الأولى تسمح نيرمينا لنادر أن يحزن لمصابه ويعبر عن حزنه بنفسه دون مساعدة منها، وهي من تربت عليه بحب تراقب الصغيرة تحاول تقليد نادر وحينما انتهت مسح نادر دمعة من عيونه وصفق لها لتبتسم بسعادة وهي تنهض وتصفق مثله وتقفز على الفراش .
أخذت نيرمينا تطلق ضحكات عالية عليها ونادر يبتسم عليهما سويًا، قبل أن يقرر تحقيق رغبة الصغيرة ويخلع حذاءه، ثم أشار لنيرمينا :
" تعالي هننام هنا مع زينب "
ابتسمت نيرمينا تتحرك صوب الفراش تستقر بين أحضان نادر الذي حرك أصابعه يشير بحركات عجيبة :
" تحبوا احكي ليكم قصة ؟؟"
نظرت له نيرمينا بتعجب ليشير مجددًا :
" أنا هشاور وأنتِ احكي "
ابتسمت نيرمينا لتلك الفكرة الرائعة، ثم أشارت له تقول :
"اصبر طيب هروح اجيب حاجة تسلية"
وبالفعل ركضت في أرجاء الشقة كالطفلة الصغيرة تحت انظار نادر الذي أطلق ضحكات مكتومة، ثم عادت تحمل العديد من أكياس الحلوى تلقي بها على الفراش تقول لزينب التي كانت مستكينة في أحضان والدها :
" بابا هيقول لينا حكاية يا زينب، هو هيشاور وانا هقولك وأنتِ أتعلمي عشان المرة الجاية أنتِ اللي تحكي ليا ماشي ؟؟"
هزت الصغيرة رأسها بحماس شديد ونادر ضمها له من جانب والجانب الآخر ضم له نيرمينا يحرك كفه في الهواء ونيرمينا تتحدث تصف للصغيرة ما يقوله :
" كان يا ما كان ...كان فيه شاب صغير تايه ولوحده ودايما ساكت ومسكين، لغاية ما في يوم وليلة، بقت تظهر ليه جنية بتعمله كل يوم مكرونة وفراخ ...."
_______________________
" أنت كده مش بتعمل مفاجأة ليا يا رائد أنت كده هتخلص عليا "
تذمرت تسبيح تحاول تبين الطريق أمامها بعدما ربط رائد شريطة أعلى عيونها منذ وطأت للمنزل الخاص بهم، ولم يكتفي بذلك، بل تركها واختفى .
تنهدت تسبيح بحنق شديد تحرك يديها في الهواء كالكفيف تبحث عن رائد:
" رائد أنت نمت ونسيتني ولا إيه ؟؟ أنا لسه هنا ومش شايفة حاجة "
ثواني وسمعت صوت خطوات رائد يقترب منها بحماس شديد يصفق بيده في الهواء، يقترب منها يسحب يديها صوبه وكأنه يشاركها رقصة :
" جاهزة يا توتا ؟؟"
" جاهزة يا قلب توتا، بس معلش شيل الشريط ده من على عيني وانا ممكن اغمض عيني عادي والله وهتفاجئ "
أنهت حديثها تحاول سحب الشريط عن عيونها لتتوقف فجأة تتلمس الشريط مرة أخرى :
" الملمس ده مش غريب عليا، رائد أنت جايب الشريط الفسكوز ده منين ؟!"
ابتسم رائد يسحبها خلفه دون أن يهتم بشيء، يجيب بكل بساطة عليها وكأنه ما فعله أمر طبيعي :
" دي واحدة من عبايات البيت بتوعك النص كم، اخدتها وعملتها شرايط "
توقفت تسبيح في سيرها بصدمة كبيرة، تنظر لللاشيء من خلف الشريطة، تتحسسها بحسرة :
" اوعى تقول إن دي العباية التايجر اللي بحبها "
" أيوة هي دي "
التوى ثغر تسبيح وقد شعرت فجأة بتدهور مزاجها :
" أنت بتهزر يا رائد، أنت عشان مش بتحبها تبهدلها، حرام عليك كنت بحبها اوي وبحـ.."
وقبل اكمال جملتها أطلقت صرخة فزعة تشعر بجسدها يُرفع عن الأرض، وقد أصبحت رأسها قريبة من شيء صلب بعد تحسسه لثواني أدركت جيدًا أنه صدر رائد، ابتلعت تسبيح ريقها بتوتر :
" رائد بـ "
اصمتها رائد قبل أن تقول كلمة واحدة بهمسة جوار أذنها:
" اهدي شوية يا توتا، مش هخطفك "
صمتت تسبيح تتمسك به وقد بدأ وجيب قلبها يعلو، تشعر به يصعد درجات، ثم انحرافه في ممرات المنزل، ابتسمت تستشعر يده التي أخذ يحركها بحنان على خصرها، تشعر برغبة عارمة في الضحك، وقبل أن يتمادى رائد فيما يفعل انزلها، ثم اغلق باب الغرفة يقف خلفها ينزع عنها الشريط لتنظر هي حولها بانزعاج من الضوء، لكنها استدارت لرائد ولم تكد تتحدث حتى لمحت الشريط بين أصابعه :
" ايه ده، ده مش العباية التايجر بتاعتي "
أطلق رائد ضحكات مرتفعة يميل عليها مقبلًا وجنتها:
" اكيد يعني مش هبوظ حاجة بتحبيها يا توتا، المهم يا ستي سيبيني من محل العبايات ده وقوليلي ايه رأيك ؟؟"
نظرت له تسبيح مبتسمة تشرد في ملامحه الحبيبة التي تعشقها وكل يوم يزداد عشقها له :
" زي القمر "
ارتسمت بسمة واسعة على فم رائد ينحني بعض الشيء هامسًا أمام وجهها :
" أنتِ اللي قمر يا توتا، واحلى من القمر ياقلبي، بس انا مش قصدي عليا، أنا قصدي على المفاجأة "
نظرت له تسبيح بعدم فهم، ليشير لها رائد بعيونها على المكان خلفها، وهي استدارت ببطء لا تريد نزع عيونها عنه، لكن فجأة شهقت بصوت مرتفع ترى الغرفة حولها مليئة بالعديد من البالونات والزهور والعديد من الصور لها ولرائد، والغريب في الأمر هناك بعض الصور لها في أماكن لم تتذكر يومًا أنها التقطت بها صورًا، صور التقطت لها بعفوية شديدة، لتتساءل منذ متى وبدأ رائد يتابعها ؟؟
اقتربت تسبيح تنظر للغرفة بأعين متسعة :
" رائد ده ...ده حلوة اوي بجد، مش مصدقة أنك عملت كل ده "
ابتسم لها بحنان يقول ببسمة واسعة :
" اتأخرت على الشباب انهاردة مخصوص عشان اخلصها، ايه رأيك بقى ؟؟"
استدارت له تسبيح تعانقه بحب شديد :
" أنا ...أنا مش عارفة اقول ايه يا رائد بجد ؟؟"
ابتسم رائد يهمس بخوف، مبادلًا إياها العناق براحة داخلية شديدة :
" قولي ايه حاجة، أي دعوة حلوة منك "
أطلقت تسبيح ضحكات عالية لقت صدامها داخل صدر رائد وهي تقول :
" ربنا يخليك ليا يا رائد "
" اجمل دعوة يا توتا، ويخليكِ ليا يا حياتي "
ابتعدت تسبيح عنه برأسها تقول :
" بس هو الاحتفال ده بمناسبة ايه ؟؟ يعني فيه مناسبة ولا كده ؟؟"
نظر لها رائد ثواني ثم قال بغموض :
" فاكرة اول يوم شوفتك فيه يا تسبيح ؟؟"
نظرت له تسبيح بعدم فهم وقالت :
" يوم ما جيت تاخدني من البيت ؟؟"
" لا قبل كده، اول يوم خالص "
صمت يترك لتسبيح فرصة تذكر ذلك اليوم قبل أن تبتسم فجأة قائلة بخبث ولوم مصطنع :
" اممم يوم ما جيت الحارة عشان تقبض على جلال الزبالة، فاكرة لما جيت مع ظابط اهبل تاني كل شوية يقولك أنا القائد هنا "
صمتت ثم أضافت وهي تضيق عيونها بحنق مصطنع :
" وكمان نفس اليوم اللي قولتلي فيه ..."
أخذت تقلد صوت رائد:
" ده السجن لاخوكِ ارحم من عيشته مع واحدة زيك يا شيخة "
أطلق رائد ضحكات مذهولة من كلماتها :
" يا نهار ابيض لسه حافظة الكلمات بالنص ؟؟ بعدين يا توتا أنتِ قلبك ابيض ده انا يومها أخدت ضربة على نافوخي كانت هتضيعني بسببك "
ابتسمت تسبيح تقترب منه تميل على صدره بحب :
" مكنتش شايفة في الضلمة واول ما حسيت بحد بيقرب مني ضربت في العمياني وجات فيك، بعدين ده كان مخطط، ضربتك عشان اوقعك في حبي يا رائد "
ابتسم رائد بسمة جانبية ممازحة :
" الحاجة الوحيدة اللي وقعت فيها يومها كانت المشاكل مع القائد اللي هزقني بعد ما الزبالة اللي كان معايا رمى فشل المهمة كلها عليا أنا "
ابتسمت له تسبيح تردد بصوت خافت :
" وقتها فشلت في المهمة، بس نجحت أنك تفوز بقلبي يا رائد "
" وده كان أكبر مكسب وأكبر مكافئة اخدهم من قضية في حياتي يا توتا "
نظرت تسبيح لعيونه لا تصدق أن كل تلك السنوات مرت عليهم، من كان يصدق أن اتصالها ذلك اليوم بالشرطة، كي تشي بالمجرمين سيكون نقطة فاصلة في حياتها، ستنهي أيام وتهديها أيام أخرى، تنتزعها من ماضي أليم ملقية إياها بين أحضان رائد الذي كان رائدًا للحب داخل قلبها البكر .
ابتسمت تستشعر حركات رائد الخافتة وهو يراقصها على اللاشيء، فقط يتحرك بها بحب يميل عليها هامسًا :
" انهاردة ذكرى اول ضربة اخدتها منك على دماغي، قبل ما تتوالى الضربات على قلبي يا توتا، كل سنة وأنتِ معايا يا قلبي "
__________________
يقف في مطبخ منزله البارد الفارغ سابقًا، والدافئ حاليًا، لا يصدق أن ذلك المكان المقفر الذي لم تكن قدم تطأه إلا لأجل العبث بالثلاجة والبحث عن بعض الطعام الجاهز، أو إحضار كوب ماء، أصبح يضج بالحياة واضحت الروائح الشهية لا تغادر مدفئته، منذ جاءت هي له وانارته كما أنارت حياته.
ابتسم محمود يحدق بهاجر التي تعد له حلواه المفضلة دون نقم أو حنق أو غيره، هي فقط عادت وضعت جهاد بفراشها وتأكدت أن ماجد لا يحتاج لشيء، واخيرًا نظرت له تقول بلطف :
" محتاج حاجة يا محمود، أنت اكلت في الفرح ؟؟"
وكانت الإجابة منه نفيًا، هو جائع لكل ما تعده له، نهم لكل ما يصدر منها، عاشق لكل ما تنتجه أناملها ..
وها هي دون مناقشة أو شيء سارعت تعد له ما يحب ويهوى من الطعام والحلوى تقول بنبرة مستمتعة بالفعل بما تفعل :
" شوفت الكل انهاردة كانوا مبسوطين اوي وخاصة زهرة وسعيد، ربنا يسعدهم يارب أنا فرحت اوي ليهم بجد كأنهم من عيلتي "
توقفت عما تفعل تنظر لمحمود الذي كان يراقبها ببسمة يستمع لما تقول دون ملل :
" لا هما فعلا عيلتي، أنا انهاردة بجد كنت فرحانة اوي والكل في الفرح كانوا حلوين جدا صح ؟؟"
نظر لها محمود يهز كتفه بعدم معرفة يجيب بصدق وبساطة :
" مش عارف والله يا نواعم أنا مكنتش شايف غيرك انهاردة "
التوى فم هاجر بتأثر من إجابته النموذجية والتي تدرك جيدًا في داخلها أنها نابعة من اعماق محمود، اقتربت منه تضم وجهه بين يديها يحب :
" محمود أنت عسل اوي "
أطلق محمود ضحكات مرتفعة ينظر لكفها الذي يضم وجهه :
" بقيت عسل بالشوكولاتة كده يا جوجو "
انتبهت هاجر فجأة أنها لوثت وجهه بالشوكولاتة، لتسارع وتعتذر له تحاول البحث عما تزيل به تلك الآثار، لكن محمود أوقفها يقول ببسمة :
" سيبيها مفيش مشاكل، اقولك أنا هقوم اساسا اساعدك وابهدل نفسي معاكِ "
نظرت له بأعين بلهاء تراه ينزع سترة بدتله يتحرك صوبها يحمل ثوب المطبخ يرتديه، ثم صفق بيديه يقول بنبرة ذكرتها بتلك الايام التي كان يترك عمله ويأتي لها للعمل معها في المخبز، ارتسمت بسمة حنين على فمها تسمعه يقول :
" ها يا شيف قوليلي اعمل ايه ؟!"
ابتسم هاجر تقترب منه تقول بحب :
" اديني حضن "
نظر لها محمود بتفاجئ قبل أن ترتسم بسمة واسعة على يقترب منها، يجذبها بقوة صوب احضانه، يرفعها له حتى تقابل وجهه يهمس لها بحب :
" هو أنا لو سيبت المستشفى واشتغلت عندك هحضنك كده كل شوية ؟؟ أنا مستعد اقدم استقالتي بكرة على فكرة "
أطلقت هاجر ضحكات مرتفعة تبادله العناق دون أن تجعل يدها تلمس قميصه الابيض، وهو يهمس لها بحب شديد :
" أنا هاخد إجازة من بكرة يا بسكوتة عشان نسافر سوا، و ماجد قال هياخد باله من جهاد، ونروح مكان ما تحبي إيه رأيك ؟؟"
" موافقة يا محمود "
ابتسم محمود يتنفس براحة شديدة، ثم انزلها حينما شعر بتململها بين أحضانه، تتحرك صوب الطاولة تقول :
" نسيتني الكيكة "
تحرك خلفها يجلس على الطاولة التي تصنع عليها الطعام يساعدها فيما تفعل، أو بالأحرى يعطلها عما تفعل بأفعاله، نظرت له هاجر بحنق ليبتسم ببراءة وهي صمتت أمام بسمته تتجاوز عن كل شيء .
" حصل ايه صحيح في حوار القضية بتاع الولد الصغير ده ؟؟"
فرك محمود أنفه يجيب بصوت جاد لا يحب الخوض في تلك النقطة :
" مش هتنازل عن القضية وهوريهم إزاي يربوا عيالهم بعد كده، والغريب في الموضوع إن عمي ...عمي مصمم على الموضوع اكتر مني وماشي فيه اكتر مني واتعصب لما عرف اللي حصل لجهاد "
نظرت له هاجر بتسائل :
" هو أنت وعمك ...يعني لسه العلاقة متوترة ؟؟"
نظر لها محمود ثواني يقول بنبرة عادية :
" مش متوترة، لكنها عادية، مش علاقة عيلة ولا علاقة غرب، متعرفيش ايه اللي بيجمعنا، ساعات يبقى عمي مش طايقنا، وساعات أحسه عايز ياخدني في حضنه، ولما عرف اللي حصل لجهاد شوفت ملامحه كأنها اتحولت وقعد يزعق إنه مش هيسيب أهل الولد في حالهم "
صمت ثواني ثم قال ببسمة :
" بعد كل السنين دي يا هاجر اتعلمت إن مفيش شيء يستحق العصبية والغضب، كل شيء بيمشي ببساطة، وعلاقتي بعمي وعيلته من كام سنة كانت بالنسبة ليا أنا ووالدي مستحيلة، لكن هو اتغير واحنا اتغيرنا والعمر بيجري بينا، ده مش معناه اننا بقينا عيلة سعيدة، لا بس سيبينها على الله "
ابتسمت له هاجر بحنان، تدرك أن توتر العلاقات بينهم جميعًا أخذ يقل مع مرور الزمن، حتى أصبحت العلاقة رتيبة بعض الشيء، لكن كما قال هو ليدعوا الأمور تسير كما كُتب لها .
وضعت هاجر الكيك داخل الفرن، ثم نظرت لمحمود ببسمة تقول :
" عشرين دقيقة ونشوفها "
ختمت حديثها تتحرك بين أروقة المطبخ تنظفه وهي تعقد شعرها للخلف مرتدية فستان يجعلها كالاميرات، اميرته هو، بسكوتته التي فاز بها في حياته تلك، الشيء الوحيد الهش في حياته المتيبسة كالصخور...
أنهت هاجر ما تفعل وقبل أن تستقر على المقعد امسك محمود الهاتف الخاص به يضع موسيقى هادئة يقول ببسمة :
" نكمل رقصتنا اللي مكملتش هناك ؟؟"
نظرت هاجر ليده بعدم فهم، لكنها رغم ذلك ابتسمت تمسكها بحب شديد، وهو جذبها لها يغمز بحب، ثم بدأ يتحرك بها ويدور داخل المطبخ بأكمله، على رائحة المخبوزات وصوت الموسيقى وقطرات المياه القليلة التي بدأت تتساقط في الخارج والأضواء الخافتة للمنزل عدا المطبخ، صنع محمود أجواء ساحرة كتلك في قصص الاميرات، أجواء تليق ببسكوتته الهشة واميرته الأرق..
ابتسم وهو يرى بسمتها تتسع أكثر وأكثر وصوت ضحكاتها بدأ يصدح في المكان ليضيف سحرًا خاصًا تجاوز سحر الموسيقى والامطار، مال محمود برأسه على خاصتها وهو ما يزال يدور بها، يرى أنه بالفعل عاد مدمنًا، مدمنًا للبسكوت النواعم الهش الذي يذوب في الفم بمجرد أن يمسه، مدمنًا لهاجر وما أروعه من إدمان!!!
___________________
يجلس في الخارج بعدما انتهى من تبديل ثيابه، يشعر أنه يحلم، أن كل ذلك ما هو إلا وهم جديد صنعه له عقله فقط كي لا يفقد روحه من الحزن، ربما يحلم حتى، أي شيء غير أنه يجلس في منزله الهادئ الصغير اللطيف، ينتظر زهرة كي تنتهي من تبديل ثيابها بعدما أصبحت زوجته وقضى معها ليلة من الاحلام .
تنفس سعيد بصوت مرتفع يبتلع ريقه وهو يدور في المكان بأكمله ينظر لأركان المنزل ويبتسم دون شعور، يرى أطفاله يركضون بين طرقات، يكاد يسمع اصوات ضحكاتهم تعلو في الإرجاء، ضحك بعدم تصديق لكل تلك الخيالات يدعو ربه أن يُتم سعادته بلا منغصات ..
شعر فجأة بكف رقيق يربت على كتفه وصوت أرق يهمس :
" سعيد بناديك..."
ابتسم سعيد يستدير لها يشهق من هول ما يرى، كانت كزهرة رقيقة، زهرة جميلة تقف أمامه مبتسمة الثغر وتحملق في ملامحه بترقب وتساءل .
ابتسم سعيد يقول بصوت خافت :
" بحاول استوعب إن نهاية حكايتي مكانتش بالبشاعة اللي أنا متخيلها، أنها اجمل نهاية كان ممكن احلم بيها في حياتي كلها يا زهرة "
ابتسمت له زهرة تتحس وجهه بحنان ليميل هو مقبلًا كفها يهمس بصوت منخفض :
" زهرة أنا لو قعدت عمري كله اوصفلك شعوري دلوقتي، مش هيكفي "
كانت زهرة تستمع له دون أن تقاطعه وهو يصف لها مقدار سعادته ودهشته مما آلت إليه الأمور، حتى تحدثت وهي تمد يديها تداعب خصلاته تقول :
" مش محتاج توصف يا سعيد لأن ده نفس شعوري كمان، تخيل بعد كل السنوات دي يتحقق الحلم الوحيد اللي تمنيته ومن قلبي كنت عارفة أنه مستحيل، سعيد أنا زمان كنت بدعي أن ياريت عرفتك في عالم تاني وزمن تاني، في حياة تانية وابقى مجرد عيلة مش فاهمة من الدنيا حاجة، مجرد واحدة لما تحب واحد تتجمع معاه بدون أي عواقب وتخلص الحكاية "
سحبت زهرة يده تتحرك به صوب الأريكة لتجلسه أمامها، ثم ضمت كفيه بين يديها تجذبهم لها بحب :
" سعيد أنت باللي عملته مش بس حققت حلمك، لا أنت كمان حققت حلمي أنا كمان اني اكون معاك "
نظر لها سعيد يقول بصوت خافت بود الاطمئنان أنها لن تتركه في ذلك الطريق وحده، إن يوم عاد شيطانه لتلبسه في غفلة منه:
" زهرة أنا قعدت تلات سنين في المصح اتعالج، عالجت قلبي وروحي، لكن ...لكن خايف يكون لسه طريقي طويل و ..."
قاطعته زهرة تقول بأعين لامعة :
" هكمله معاك يا سعيد، ايًا كان الطريق ده هنمشيه سوا، أنت قدرت تعدي الصعب واللي باقي هنخوضه سوا، وأنا معاك، الباقي نقدر نعمله سوا"
صمتت ثم قالت تحاول أن تشرح له سبب ابتعادها عنه سابقًا :
" في البداية علاجك ده كان قرارك لوحدك، أنك تعدي كل ده كان بايدك أنت ومحدش كان يقدر يساعدك فيه، لكن اللي جاي بتاعنا يا سعيد، اللي جاي بتاعنا أنا وأنت، وانا همشي معاك الطريق، بس مش كطبيبة أو صديقة أو حتى شفقة زي ما كنت بكدب وبقولك، لا همشيه معاك كزوجة وحبيبة مستعدة تخوض معارك عشان تبني مستقبل سعيد معاك يا سعيد "
ابتسم لها سعيد بسمة واسعة ليضمها لصدره بقوة يقول مقبلًا رأسها:
" وسعيد هيعمل كل اللي ربنا يقدره عليه عشان زهرة ومستقبله مع زهرة، وقبلهم عشان نفسه "
ربتت زهرة أعلى رأسه كمعلمة تشجع تلميذها :
" برافو عليك يا سعيد عشان نفسك اهم حاجة "
مال سعيد يضع رأسه أعلى قدم زهرة يضم نفسه لها هامسًا :
" أنتِ نفسي يا زهرة ..."
مالت زهرة بوجهها عليه تهمس له بحب :
" بحبك يا سعيد "
نظر لها يهمس بحب شديد :
" اعتقد أن ردي وصلك من سنين يا زهرة، أنا عديت المرحلة دي من زمان من أيام ما كنت بدفع للأمن عشان يدخلني الكلية عندكم واجيبلك سجق "
ضحكت زهرة تميل عليه تقبل وجنته بحب وهو ينظر لها بحب.
وتلك الليلة تحديدًا، كانت الليلة التي شعر سعيد نفسه فيها حرًا، لأول مرة لم يرد النوم هربًا من شيء، بل أراد أن تطول ليلته هكذا، يستند برأسه على قدمها تداعب خصلاته بحب وتسمعه من حكاياتها ما يسلب لبه...
وهكذا حدث، قضى الاثنان ليلتهما الاولى يتحدثان بين أحضان بعضها البعض، يعوضان سنوات طويلة من الصمت بينهما، يرويان سنوات من الجفاف، يرتشفان من بعضهما البعض ما يسد رمق جوعهما لبعضهما، ولا يظنا أن هذا سيحدث يومًا ....
______________________
متسطحة على الفراش تحدق بالسقف من ساعة تقريبًا، ليس وكأنها تعاني ارقًا أو ما شابه، أو أنها تحب عد نقوش سقف منزلها، لكن السبب كان أن صالح يجبرها منذ عادت من الزفاف أن تتسطح بهذا الشكل رافضًا رفضًا تام أن تتحرك نصف حركة قبل أن ينتهي من فحصها الأول للحمل بعدما قرر هو دون أخذ استشارتها أن يفحصها كل ساعة مرتين .
بلل صالح إصبعه باستخدام فمه، ثم أخذ يقلب صفحات الكتاب يرتدي نظارة لا يحتاجها من الأساس، لكنه أحب أن يتقمص الدور بامتياز، أخذ يهمهم بكلمات غير مفهومة يقرأ ما دُوّن أمامه في الصفحات ..
ورانيا تشاهد السقف وهي تضع يديها أعلى معدتها تزفر بضيق كبير قبل أن تقرر متهورة أن تنهض تاركة إياه يكمل قراءة كتابه، لكن وقبل أن تتحرك امسكها صالح بسرعة ينظر لها من أسفل النظارة محذرًا :
" حضرتك رايحة فين ارجعي مكانك "
" هو ايه اللي رايحة فين؟؟ عايزة اقوم خلاص زهقت يا صالح أنت بقالك ساعة مقعدني قدامك من غير ما تعمل اي فايدة، قاعد بس تقرأ في الكتاب ده "
رمقها صالح بحنق شديد من حنقها :
" وهو كل ده عشان مين ؟؟ مش عشانك، اتفضلي نامي قدامي لغاية ما اوصل للفصل بتاع الشهور الاولى في الحمل "
اعتدلت رانيا في جلستها تقول بحنق شديد :
" شهور ايه ؟؟ وايه ده ؟؟ ايه الكتاب ده بالله عليك ؟! في بيتنا حامل ؟؟ هو ده اللي هتستعين بيه في فحصي ؟ ثم أنت نظرك مش ضعيف لابس نضارة ليه ؟!"
انتزع صالح النظارة يقول متأففًا :
" ما أنا وصيت صاحبي دكتور النسا يجبلي كتب من عنده عشان اذاكرها لأن معرفتي بالمجال ده في حدود شغلي أنا بس، يعني أنتِ لو جثة حامل أنا هعرف اشرحك، بس أنتِ لسه عايشة "
كان يتحدث بكل بساطة يصف لها معاناته في كونها حية مما يصعب عليه عمله في فحصها، أضاف صالح غير منتبهًا بنظرات رانيا المصدومة :
" بعدين الكتاب ده قيم وعرفت منه حاجات كتير اوي زي أن الستات ممكن تاكل بني ادمين وهي حامل"
" والله ؟؟ ليه حامل في مستذئب؟! هات ام الكتاب ده "
انتزعت منه الكتاب والقته بعيدًا تنظر له بشر وهو تراجع للخلف يقول ممازحًا :
" ايه هتتحولي ولا ايه ؟؟ لا خلي بالك هروح اجيب فص توم اخلص عليكِ، ارجعي لورا "
نهضت رانيا عن الفراش تتحرك له بحنق :
" فص توم ؟؟ ده آخرك في الدفاع عن النفس ؟؟ "
" اجيب معاه بصلة ؟؟"
" التوم ده لمصاصين الدماء، إنما الفضة هي اللي بتقتل المستذئب، قال ومسمي نفسه دكتور ودارس وهو حتى متفرجش على فيلم مستذئيين واحد "
زفرت رانيا بحنق تتحرك بعيدًا عنه خارج الغرفة بأكملها تتمتم بحنق وكلمات منزعجة وصالح يراقبها ببسمة واسعة تحولت فجأة لضحكة عالية يراها تدخل المطبخ تبحث عن طعام لها..
لحق بها صالح يقول بجدية :
" الكتاب بيقول أن الست الحامل مينفعش تاكل بعد الساعة ١٠ بليل "
نظرت له رانيا ساخرة تخرج من الثلاجة بعض الطعام تدسه في فمها بعناد كبير :
" دي الست اللي عاملة دايت يا حبيبي، الست الحامل بتاكل في أي وقت وأي مكان، واوعى من وشي لأحسن انفذ معلومة من الكتاب العجيب ده واكلك أنت شخصيًا"
ابتسم صالح بسمة جانبية يميل يوجهه بعض الشيء للاسفل حتى أضحى مظهره مريب كذئب أسفل ضوء القمر يستعد للتحول، لذا سريعًا ركضت رانيا صوب المطبخ تمسك بعض الثوم تقول :
" ارجع لورا بدل والله هملالك المكان كله توم "
اتسعت بسمة صالح يقترب منها بخطوات خطرة جعلتها تعود للخلف وهو يردد مبتسمًا باتساع :
" هتروحي فين ؟؟ اخرك الرخام وراكِ "
بدأت رانيا تصيح بصوت مرتفع بعض الشيء تقلد الأفلام التي كانت تدمن مشاهدتها قديمًا :
" Help ...help "
وقبل أن تتبع كلماتها المستغيثة بكلمة أخرى انقض عليها صالح يتلقفها بين أحضانه يضمها لصدره يميل على رقبتها يدغدها بذقنه واسنانه ممازحًا، وهي انفجرت في الضحك تترك من يدها الثوم تحاول دفع رأسه عنها :
" يا عم عضني ارحم، مش بحب حد يزغزغني يا صالح"
كانت تتحدث وهي تطلق ضحكات مرتفعة يرن صداها في المكان وصالح يحملها بين يديه يرفعها أكثر حتى أصبحت بطوله وظهرها مستندًا على صدره، يسير بها للخارج :
" هحولك لذئبة صغيرة بيضة وهاخدك نروح أي غابة نعملنا عشة هناك ونقعد فيها وكل يوم نطلع نصطاد غزالة ونرجع نشويها وناكلها "
ولشخص كرانيا عاش سنوات مع صالح واعتاد حديثه، وطريقته في التعبير عن حبه، كانت تلك الجمل والخيالات أكثر الجمل الرومانسية التي سمعتها، إذ اتسعت بسمتها وصالح ما يزال يتحرك بها صوب الأريكة :
" تصدق حبيت الفكرة، أنا موافقة "
أطلق صالح ضحكات مرتفعة وهو يميل ملتقطًا قبلة من خدها، يعجبه أن تشاركه خيالاته الحمقاء، واخيرًا جلس على الأريكة يجلسها بين أحضانه، يضمها له بقوة قائلًا :
" يعني نلغي رحلة سنغافورة ونروح أي غابة ؟؟"
نظرت له رانيا تقول وقد تذكرت فجأة :
" سنغافورة ؟! ده انا كنت قريت انسانها "
" وأنا عمري ما انسى يا رينو، خلاص أنا جهزت الإجازة والاولاد لبستهم لصلاح وميمو ياخدوا بالهم منهم "
نظرت له رانيا بتعجب :
" وصلاح وافق ؟؟"
هز رأسه يقول بحب :
" أكيد صلاح مش بيرفضلي حاجة، اساسا صلاح هو اللي حجز ليا التذاكر، ثم اني اغريته اكتر عشان يوافق، قولتله لو خدتهم ربيهم، وأنتِ عارفة صلاح مش بيقاوم الإصلاح، فعجبته فكرة أنه يربي عيالي ووافق فورًا "
ضحكت رانيا على حديثه تقول :
" على رأيك خليه يربيهم يمكن نرجع نلاقيهم زيه "
" دلوقتي زيه؟! مين اللي من كام يوم قالي ياريت كل الناس زيك يا صالح "
ابتسم تقول بحب :
" أنا طبعا يا صالح، ولسه عند كلامي يا قلبي، ياريت كل الناس يكون عندها حنان صالح وقلب صالح "
ابتسم صالح يميل عليها هامسًا بحنان :
" مفيش يا قلبي عشان محدش في جمدان صالح اساسا"
رفعت حاجبها ساخرة ليغمزها هو بلطف، وهي ارتفعت بجسدها تقبل جبهته بحب، ثم ربتت اعلى رأسه تقول بجدية :
" عندك حق عمر ما حد هيكون زي صالح، هو في الدنيا دي فيه صالح واحد بس، وانا كنت الشخص المحظوظ اللي فاز بصالح ده "
ابتسم صالح بسمة واسعة، يداعب معدتها بيده مستندًا على كتفها بذقنه :
" وأنا كنت محظوظ اني قدرت أخذ الجوهرة من بين أربع وحوش، وكله بفضل الله اولا ثم محمود "
نظرت له رانيا بتعجب ليقول صالح بجدية :
" لولا الزفت اللي محمود حطه زمان في العصير وصلاح شربه كان زمان صلاح هو اللي راح المؤتمر مش أنا، ولولا دماغ محمود اللي خليته ياخد تليفونك من غير ما يحس مكنتيش جيتي ورانا ولا شوفتك ولا عرفتك اساسا "
ابتسمت رانيا بحنين قبل أن تطلق ضحكات مرتفعة تتذكر تلك الأيام، بالله متى مر كل ذلك، هي تشعر أنها البارحة فقط كانت في سيارة تتحرك صوب القاهرة بقلب كاره غاضب تبحث عن ذلك اللص الذي أخذ هاتفها ظنًا أنه صلاح السقاري وليس توأمه وتوأم روحها صالح .
كل تلك التدابير ليجمع الله بينها وبين نصفها الآخر، كل شيء مقدر وكل الاقدار قد كُتبت منذ يوم مولدها، وقدرها أن تحوز صالح بكل ما فيه حديثه ونظراته وحنانه و مشاعره الصافية .
أفاقت على صوت صالح الذي قال بصوت خافت حوار أذنها :
" سرحتي في ايه ؟! "
" سرحت في الايام اللي مرت علينا، مين يصدق أن كل ده مر وإن بعد كل الخناقات دي وتهديدك ليا، نقعد القعدة دي ونتكلم بالشكل ده ؟؟"
تنهد صالح بصوت مرتفع يقول :
" تدابير هي يا رانيا، اني اشوفك واحبك وأحط في دماغي تكوني ليا غصب عن عين اخواتك الأربعة، دي تدابير ياقلبي، ونعمة هعيش عمري احمد ربنا عليها "
استدارت رانيا تضم يده صالح بين كفيها تقول بحب :
" ربنا يخليك ليا يا صالح "
ابتسم صالح يقول بصوت خافت :
" رانيا "
" نعم ؟؟"
مال عليها يهمس جوار أذنها بنبرة سببت لها قشعريرة :
" ايدك ريحتها توم "
اتسعت أعين رانيا تعود للخلف بصدمة كبيرة، وصالح ابتسم يقول بنبرة عادية وكأنه للتو لم يمسك رانيا التي كانت تحلق عاليًا ويقص أجنحتها، ثم يلقيها ارضًا :
" أنا بحب التوم، بس مش بحب ريحته، روحي اغسليها وتعالي نكمل كلامنا "
اشتدت ملامح رانيا تقول بحنق :
" والله ؟!"
" اه والله "
انتفضت بعيدًا عنه تقول بغيظ وغضب شديد :
" لا خلاص فضيناها رومانسية انهاردة، جه وقت الفاصل الإعلاني، وهدخل أنام "
نظر لها صالح بعدم فهم ينهض من مكانه يركض خلفها صوب الغرفة :
" انا بتكلم جد والله مينفعش تنامي وايدك ريحتها توم على فكرة، افرضي وأنتِ بتتقلبي ايدك نزلت على وشي ؟؟ وقتها هيبقى ريحتي توم "
صمت ثم قال يشرح لها بجدية منقطعة النظير :
" بعدين معروف إن العفاريت بتنجذب لروايح الايد يعني لو نمت مثلا وايدي ريحتها فراخ او صلصة العفاريت هتيجي تاكلها، ودلوقتي هيشموا ريحة التوم وهياكلوا ايدك "
توقفت رانيا تحرك ذراعيها في الهواء ساخرة :
" والمعلومة دي قرأتها في كتاب ايه ؟؟ في بيتنا عفريت ؟؟"
اجاب صالح بعفوية وبساطة :
" لا أميرة قالتها ليا وانا صغير "
قالت رانيا بحنق تصرخ في وجهه :
" تلاقي عشان كانت شيفاك معفن وبتنام وأنت مش غاسل ايدك "
التوى ثغر صالح :
" لا على فكرة كنت بغسلها، بس ساعات كنت بنام وأنا ماسك الاكل "
أطلقت رانيا ضحكة عالية عليه تهز رأسها بيأس :
" ولغاية دلوقتي بتنام وأنت بتاكل وباجي الاقي الاكل مرمي حواليك يا صالح، اعترف يا صالح هتعيش صالح وتموت صالح "
ابتسم صالح يهز كتفه يقول :
" بابا برضو بيقولي كده "
" بيقولك ايه ؟؟ هتعيش صالح وتموت صالح ؟؟"
أطلق ضحكاتهم يقترب منها يحملها بين ذراعيه :
" لا كان بيقولي هتعيش كوز درة وتموت كوز درة "
نظرت له بفضول شديد وهو ما يزال حاملًا إياها يتحرك صوب مخضعهم :
" ودي حاجة وحشة كوز الدرة ؟؟"
ابتسم صالح يغمز لها :
" ده على حسب علاقتك بكوز الدرة وزاوية رؤيتك ليها، يعني لو اخرك تشوفيها نبات عنده شعر منكوش زيي كده، يبقى حاجة مش حلوة بس مش وحشة، ولو شوفتي لونها الدهبي اللي مستخبي ورا ورقها يبقى حاجة حلوة، أنتِ بقى شايفة ايه ؟؟"
ابتسمت رانيا وهي تراه يضعها على الفراش بحنان ينظر لها بحب شديد لتقول بكل بساطة :
" شيفاه كل حاجة وحباه بشعره المنكوش قبل لونه الدهبي ..."
مال عليها صالح هامسًا بحب :
" وكوز الدرة بيحبك "
جذب صالح رانيا لاحضانه بحب شديد يستمتع بكلماتها التي أخذت تتلوها على مسامعه وهو يشاركها تلك الكلمات ويزيد عليها بأسلوبه، مبتسمًا سعيدًا، يحب أنه وجد من يتقبله كما هو ولم يطالبه يتغييرًا، من يراه كوز ذره ويحبه ككوز ذرة ....
_______________________
أما عن الألف خاصتنا، فكان شامخًا كعادته، يترأس كامل الحروف بهيبته ورقيه، وتلك الهمزة التي تعلو رأسه كما لو كانت قبعة أو تاج يضيف له رقي اضافي ..
ابتسم يختم اخر كلماته على جهاز الحاسوب أمامه، ينفذ ما وعد به لنفسه اليوم حينما رأى الجميع يصطفون لأخذ صورة جماعية، سيضع كلمة النهاية في جزء روايته الاول ..
ومع آخر كلمات وضعها ابتسم صلاح يعود بظهره للخلف يشعر بتعب شديد في فقرات ظهره، نزع نظارته يفرقع أصابعه يراقب الكلمات التي تنعكس في عيونه، ولم يكد يتحرك من مقعده حتى شعر بمن يخيم عليه وينظر للجهاز ويطيل النظر به.
استدار صلاح نصف استدارة لميمو التي كانت ترمق ما كتب بفم مفتوح واعين ملتمعة، شعرت برعشة تمر في سائر جسدها، مدت يدها تتحسس شاشة الحاسوب تشعر بقرب دموعها، تقرأ الاسم المدون في خانة العنوان، فقد خطّ صلاح اسمها وقرر أن يصبح هو عنوان قصة حياته، كتبها دون تردد أو تفكير ( مَقْدس) و في نهاية الرواية كتب بعض الكلمات التي قرأتها بشفاه مرتجفة..
جذبها صلاح لترتاح جواره خوفًا أن يرهقها الوقوف، نظرت له تقول :
" الكلام ده عشاني يا صلاح ؟؟"
همهم صلاح بحب يدفن وجهه في رقبتها يقبلها بحنان شديد :
" كل كلمة عشانك يا مقدس "
" والجملة اللي في الآخر دي ...دي ...."
ابتسم صلاح يتلو عليها تلك الجملة التي كتبها خصيصًا لأجلها:
" قبل كده قولتي ليا أن اسمك مش وراه قصة عظيمة زي ما أنا مفكر، لكن يا مقدس اللي يعرفك يعرف أن اسمك وراه قصة أعظم مما يتخيلوا "
سقطت دموع ميمو تسمع صوته يردد بحب :
" مقدس و كنتِ كالمقدس، جميلة نقية وبريئة، حتى دنستك ايادي معتدية قذرة، ظنوا أن مصيرك سيكون كالمقدس محتل مقهور، ونسوا أن المقدس انتفض، وأنه مهما طالت أياديهم النجسة فما لهم من دوام، وأن طهارة المقدس ما طالتها يدٌ يومًا "
هبطت دموع ميمو تشعر أن صلاح اختصر حياتها بأكملها في جملة، قالت مبتسمة من بين دموعها :
" تفتكر ماما لما سمتني الاسم ده، كانت عارفة اني هاخد نصيبي منه بالشكل ده؟؟ هيتم انتهاكي ويدنسوني ؟!"
" وتنتفضي مرات ومرات لغاية ما تتحرري من كل ده يا مقدس "
نظرت له مقدس مبتسمة تمسك كفه تقبلها بحب :
" أنا اتحررت فعلا وقت دخول صلاح لحياتي، وزي ما ربنا رزقني بصلاح السقاري يرجعني لنفسي، هيجي من تاني صلاح الدين يرجعه "
ضمها صلاح لصدره يقبل رأسها بحب شديد :
" عما قريب مقدسي، عما قريب ياقلبي "
هزت مقدس رأسها تثق أن الأمر مسألة وقت، فقط مسألة وقت حتى ينتهي كل ذلك وتحدث انتفاضة كبرى ..
أخذت تقرا بعض الكلمات دون ترتيب لتبتسم قائلة :
" ذكرت صالح في قصتك ؟!"
اتسعت بسمة صلاح يقول بصدق :
" تقدري تقولي إني كملت قصتي بوجود صالح، لأن من غيره كانت هتبقى ناقصة، من غير صالح قصة صلاح مش هتكمل"
تنفست ميمو تقول بحب شديد :
" بتمنى من ربنا أنس يحب اخوه الجاي زي حبك لصالح وحب صالح ليك يا صلاح "
" هيكون يا ميمو، هيكون باذن الله "
تنهد ينهض من مكانه حاملًا إياها بين ذراعيه يتحرك صوب غرفتهما يقول بجدية كبيرة :
" ودلوقتي يلا عشان ترتاحي، كفاية فضلتي واقفة طول الفرح زي ام العريس "
ابتسمت ميمو تقول بجدية :
" أنا ام العريس فعلا، ويكون في علمك بكرة الصبح الساعة ستة نطب على سعيد عشان نوديه ليه الصباحية "
أطلق صلاح ضحكات رنانة في المنزل يقول بعدم تصديق :
" صباحية؟ يا ميمو يا قلبي صباحية ايه ؟؟ الحاجات دي انتهت من زمان، ثم أنتِ لو عملتي كده، اضمنلك سعيد يرميك من شباك شقته وانا هرميه وراكِ وفي الآخر هتسجن، وعلينا بايه ده كله ؟؟ احنا نعيش في سلام ونسيب الراجل يتهنى بعد السنوات العجاف دي ويبقى، ننكد عليه عيشته من بعد اول اسبوع اتفقنا ؟؟"
نظرت له ميمو تفكر في حديثه بجدية كبيرة :
" مش عارفة سيبني افكر في الموضوع، بس اسبوع صعب، مش عارفة إذا كنت هآمن عليه اسبوع من غير مراقبة ولا لا ؟؟ افرض عمل حركة كده ولا كده ؟!"
" يبقى نبلغ عنه ياقلبي "
كان يتحدث وهو يربت أعلى رأسها وكأنه يتحدث لفتاة صغيرة، لكن ميمو استحسنت الفكرة بالفعل :
" أيوة يبقى يروح يونس الشيخ شاهين هناك ..صحيح عملت ايه في حوار الشيخ شاهين لاحسن سعيد زعلان اوي وعايز يخرجه في اسرع وقت "
نظر لها صلاح بيأس يتحرك ليحضر لها مشروبًا، لتنهض هي وتسير خلفه، نظر لها صلاح يقول بسخرية :
" ده أنتِ لسه مكملتيش جملتك اللي هتسجنيه فيها، وهوب قلبتي وبقى قلبك عليه وعايزة تفرحيه "
ابتسمت ميمو تجلس على أحد المقاعد في المطبخ تقول بعدم فهم :
" والله انا نفسي يا صلاح مش فاهمة رأيي في سعيد، احيانا بحس إني عايزة اوريه الويل، لكن وانا بوريه الويل بيصعب عليا "
ابتسم لها صلاح يضع أمامها كوب حليب به بعض التمرات والعسل، ثم جلس يقول بهدوء شديد ومنطقية :
" أنا في ده كله ميهمنيش غير سعادتك وراحتك يا مقدس، يعني توريه الويل أو تطبطبي عليه، المهم تكوني مرتاحة ياقلبي "
ابتلعت ميمو ما تشرب وقالت ببسمة :
" أنا مرتاحة وانا معاك يا صلاح "
ابتسم لها صلاح يراقبها ترتشف عصيرها براحة كبيرة، وصوت آيات القرآن يصدق في المنزل، يخرج من ذلك الراديو الصغير الذي احضرته ميمو ووضعته به تيمنًا بوالدتها، قائلة أن ذلك يجلب دفء وبركة للمنزل .
وبمجرد أن انتهت، ناولها صلاح كوب الماء لتحمله وينهض هو يحملها بدوره متحركًا بحذر صوب غرفتهم، وميمو تنظر له بحنان متسائلة :
" صلاح أنت هتنشر الرواية اللي سميتها مقدس دي ؟؟"
نظر لها صلاح يسألها :
" أنتِ حابة ايه ؟؟"
" أنا حابة تعملها كتاب ورقي تحطها في المكتبة عشان عيالنا وأحفادنا باذن الله "
قبل صلاح خدها أثناء وضعها على الفراش، يأخذ منها كوب الماء واضعًا إياه جوارها، ثم سحب المفرش يردد بهدوء شديد :
" عيوني ليكِ، ايام قليلة وتلاقي نسختين منها في المكتبة، وهعمل الغلاف صورة العيلة، أي طلبات تاني مقدس هانم ؟!"
ابتسمت مقدس تقول :
" آه، عايزة أنام في حضنك "
خلع صلاح نعله المنزلي، وتحرك على الفراش بحذر كي لا يتسبب في إزعاج مقدس، وبمجرد أن تسطح عليه، هجمت هي على احضانه تضم نفسها له بحب شديد وقد هدأت تستمتع بصخب دقات قلبه، تغمض عيونها بنعاس شديد متسائلة قبل أن تغط في النوم :
" صلاح هو مين الألف اللي كاتبه في القصة ده ؟؟ حاسة أنك ذكرت حاجة قبل كده عن الألف ده "
ضحك صلاح بخفوت يقول :
" ابويا كان دايما يشبهنا أنا وصالح بالالف وكوز الدرة، فطلع عليا اني الألف وصالح كوز الدرة"
تساءلت بصوت خافت مهتم :
" وصالح مش بيزعل من الموضوع ؟!"
قال صلاح وهو يحرك أصابعه بين خصلاتها الحبيبة برقة :
" كان بيزعل زمان وهو صغير، كان بيقول للحاج، بلاش الدرة عشان مش بحبها، قولي يا مانجة "
أطلقت ميمو ضحكات مرتفعة بعدما كادت تسقط في النوم، لكن كلمات صلاح ايقظتها لتدخل في موجة عارمة من الضحك، وصلاح مستمر في حكايته :
" كان متضايق بس لانه مش بياكل الدرة اساسا، مش عشان اللقب نفسه مع العلم ابويا سماه كده عشان شعره مش اكتر، ولما قولتله وانا صغير بحسن نية خلاص يا صالح لو عايز هقول لبابا يسميك أنت الالف، لوى بؤقه وقال لا عشان الألف أول واحد بيتسأل في الشفوي "
ولم تكد ضحكات ميمو تتوقف حتى عادت للضحك مرة أخرى وبقوة شديدة، تنظر له تقول :
" صالح ده مش طبيعي بجد، من صغره وهو دماغه دي مسافرة لمكان تاني "
هز صلاح رأسه مبتسمًا بحنان شديد :
" صالح من صغره كان زي الملاك، نقي وطيب وحنين، يمكن مشكلته إن مفيش فلتر قبل ما يتكلم، لكنه طول عمره حنين اوي "
" طب وهو تقبل امتى موضوع الدرة ده ؟!"
تنهد صلاح يشرد مبتسمًا في ذكريات بعيدة في عقله، قريبة من قلبه :
" في مرة واحنا قاعدين العصر في الغيط، بص قدامه على محصول الدرة وقالي، تعرف يا صلاح أنا مبقتش زعلان عشان ابويا بيقول عليا كوز درة، عشان كوز الدرة زي الدهب والدرة مفيدة وليها استخدامات كتير ومحافظة على قلبها الدهبي على طول"
تنهد يقول بحب :
" وبعد سنين من ده كله أنا فعلا تأكدت صالح لايق عليه الدرة، لأن رغم اللي مر بيه صالح واللي شافه فضل محاوط نفسه بأوراق كتير من برة عشان يحافظ على قلبه الدهبي اللي جوا ونجح في كده "
ابتسمت ميمو يعجبها الأمر كثيرًا :
" وأنت بتحب الألف ؟؟ "
نظر لها ثم قال ببسمة :
" تقدري تقولي تأقلمت إني أكون ألف، الألف مش طول الوقت مهم ومش طول الوقت هيبة، الألف ممكن يكون ألف وصل وميكونش ليه همزة، وممكن يجي عشان بس يسند التنوين، وممكن يجي مرافق لواو الجامعة لكن ملوش نطق، وممكن نقلبه ياء في آخر الكلمة ونسميه ألف لينة، الألف هو اللي بيتأقلم مع فكرة إن مش لازم وجودك في الحياة يكون أساسي، بس وقت ما تكون موجود أساسي متسمحش لحد يغطي عليك من باقي الحروف، فهماني يا ميمو ؟؟"
ابتسمت ميمو. باعجاب شديد تهز رأسها ليقول صلاح ببسمة :
" ببساطة، مش شرط يكون الألف مهم ومدح، ولا شرط يكون كوز الدرة نكرة وإهانة، احيانًا كوز الدرة بيغلب الألف، وفي الحقيقة، الألف ملوش أهمية من غير كوز الدرة يا ميمو "
صمت ثواني، ثم أضاف وهو يجذبها لاحضانه أكثر مبتسمًا :
" ولا له أهمية بدون مقدسه الحبيب ..."
وبتلك الكلمات استكانت مقدس بين أحضان صلاح، صلاحها الذي جاء ليرمم كل انقاضها التي خلفتها الايادي المدنسة، جاء ليعيد روحها من جديد، وصلاح ابتسم يقبل وجنتها بحب متقبلًا اليوم نهاية لجزء مهم من حياته ....
___________________
شجار وهاتف ...
خبث وانتقام ...
نباتات وبعض المخبوزات ...
قضية ومسوؤلية ...
براءة وإشارة ....
ماضي وعشق ....
لايهم ما جمع بينهم، ولا يعينهم كيف بدأت القصة بين كلٍ منهم ونصفه الآخر، ففي النهاية هي بدأت، سواء كانت تلك البداية برغبتهم أو لا، سواء كانت مرضية أم لا، هي بدأت وانتهى الأمر، لكن النهاية كانت بأيديهم هم، هم من وضعوا نهاية قصصهم، وخطوا باناملهم كلمة " الخاتمة "، من ابتسموا للكاميرا البسمة الأخيرة قبل أن تزين الشاشة كلمة " النهاية " ...
لكن لحظة تلك لم تكن نهاية القصة، هي فقط نهاية تمهيدية لبداية أخرى، بداية قصة هم من يختارون كيف ستكون، ويقررون بأي شكل ستستمر .
وسواء كنت من محبي الألف أو من مشجعي كوز الذرة، ففي النهاية لا غنى للألف عن كوز الذرة، ولا وجود لكوز الذرة بلا الألف، وما كانت حكايتنا تلك سوى محاولة بسيطة لتوضيح " ما بين الألف وكوز الذرة" ....
وبكامل الأسف وللمرة الأخيرة هنا أخبركم ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل
_ تمت بحمد الله _
٢٠٢٣/١١/١٠مـ
١٤٤٥/٤/٢٦هـ
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم رحمة نبيل
#مملكة_سفيد
#أول_الآثمين
#البداية يوم الإثنين الموافق ١ يناير بمشيئة الله، وارتقبوا المقدمة .
فلكم مني وعد بأن القادم لم ولن تختبروه له مثيلًا ..
مرحبًا بكم في " مملكة سفيد"، هنا حيث تنتظركم رحلة مع "أول الآثمين "
_______________________
" وأنا يا سيدتي عشت في مملكةٍ؛ حيث لا فسوق ولا عصيان، فكنتُ أول الآثمين وكان إثمي الحب "
الغلاف من تصميم المبدعة : سمر خالد (من كيان اللارواية )
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم رحمة نبيل
مساء الخير، طبعا البعض عارف اني هنزل رواية مملكة سفيد باذن الله من أول السنة كل اثنين وخميس ..
لكن بالإضافة لكدا فأنا باذن الله هنزل رواية أخرى جديدة وخفيفة كل سبت وثلاثاء والرواية دي مشتركة مع فاطمة طه( الرواية مكتوبة كاملة قبل ما تنزل )
الرواية كوميدي رومانسي اجتماعي وخفيفة وفكرة جديدة .
وبكده هكون معاكم اربع مرات كل اسبوع .
هتلاقوا الرواية على صفحتي هنا احفظوها في المكتبة عشان يوصلكم الاشعار اول ما تنزل .
وهتلاقوا اقتباس نزل منها وفيه توضيح لكل شيء محتاجين تعرفوه .
الرواية باسم ( إعلان مُمَوّل)
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم رحمة نبيل
الحلقة الخاصة اتكتبت بناءً على رغبة البعض، وهي فقط للتسلية حيث آخذكم في زيارة لعائلة صالح وصلاح..
فقط للاستمتاع ليس إلا
وانتظروا الفصل الاول من رواية ( مملكة سفيد ) يوم الاثنين " بعد غد " الساعة السابعة مساءً باذن الله .
صلوا على نبي الرحمة
________________
يمسك يدها وهو يسير معها صوب منطقة التفتيش قبل صعودهم للطائرة، يحاول احتواء بكاء وتذمر زوجته التي بدت كما لو أنها على وشك الالتحام بذرات رمال هذه البلاد .
" طب يوم واحد كمان يا صالح الله يكرمك، ملحقتش اشبع "
ابتسم صالح يحاول ألا يفقد صبره :
" معلش يا رانيا، مقدرش والله انا واخد اسبوع إجازة بالعافية والمفروض كنت رجعت امبارح، بس أنتِ عارفة اللي حصل، وانهاردة عندي اجتماع الساعة ٩ بليل مهم، فلازم الحق "
تذمرت رانيا تحاول البقاء ساعة أخرى لشراء بعض الاشياء لها :
" طيب ما هو لسه بدري على ٩ يا صالح، ده الساعة دلوقتي ١ الصبح "
" فيه فرق توقيت ٦ ساعات، يعني دلوقتي في مصر الساعة ٧ الصبح، فلو اتأخرنا شوية مش هنلحق نوصل . "
تنفست وقد خضعت واخيرًا لحديثه تتقدم معه صوب منطقة التفتيش، وضع الحقائب التي كان يجرها أمامه على حامل معدني، ثم نظر لرانيا ببسمة يحاول أن يراضيها :
" متقلقيش يا روني بإذن الله هجيبك تاني و.."
فجأة توقف عن الحديث حين سمع صوت حاد يصدر من ظابط التفتيش والذي كان يحمل بين يديه عبوة زجاجية بها مادة بيضاء، ضيق صالح عيونه لا يفهم ما يقول ذلك الرجل ليحدثه بالإنجليزية :
" عفوًا أنا لا افهم ما تريد، هل تتحدث الإنجليزية ؟!"
نظر له الرجل قبل أن يشير لرفيق له من بعيد وهو يقول بكلمات غير مفهومة وصالح بدأ يشعر بالريبة مما يحدث، ورانيا تراقب ما يحدث بأعين متسعة لا تفهم ما يجري.
لحظات واقترب منهم رجل آخر وأخذ يتحدث مع مفتش الحقائب بلغتهم، ثم نظر لصالح نظرة من أمسك بقاتل خطير وهو ينبث بلغة إنجليزية بشعة لكن على الأقل يفهمها صالح :
" ما هذا ؟؟"
نظر صالح حيث يشير صوب تلك العبوة الزجاجية، ليردد هو الآخر ببلاهة :
" ماذا ؟؟ لا ادري حقًا، ربما زوجتي هي من احضرته "
قال الرجل بشك وبكلمة واحدة فقط :
" مخدرات ؟!"
اتسعت عيون صالح بصدمة وقد تشنج وجهه يردد وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه:
" ماذا ؟؟ مخدرات ؟؟ لا بد أنك مخطأ "
" إذن ماهذا ؟؟"
رفع صالح يديه في الهواء يردد بهلع :
" لا اعلم ما هذا؟؟ "
نظر صوب رانيا يصرخ في وجهها بجنون :
" ما هذا انطقي يا بلوة ايه اللي جيباه ده ؟؟"
قالت رانيا بخوف مما يحدث :
" ده ...ده دقيق سنغافوري يا صالح "
ارتفع طرف شفاة صالح وهو ينظر لها هاتفًا بصخب وجنون :
" دقيق ايه يا ختي؟؟ من قلة الدقيق في مصر ؟؟ أنتِ عايزة تشليني ؟؟"
" ايه يا صالح بتزعق ليه انا اتوحمت عليه يا اخي "
شد صالح خصلات شعره وهو يضحك بعدم تصديق :
" اتوحمتي على دقيق ؟؟ ايه حامل في فطاطري ؟؟ البسي بقى قضية تجارة وتهريب مخدرات لغاية ما يتنيلوا يثبتوا أنه دقيق "
نظرت له رانيا بغيظ شديد من صراخه :
" أنت بتزعق ليه دلوقتي ؟؟ أنا ايش عرفني أنهم هيعملوا كده، وسع كده انا هتفاهم معاهم "
وبسرعة دفعت صالح جانبًا، ثم اقتربت من مفتش الحقائب تنزع من يديه العبوة الزجاجية بلهفة وهي تفتحها تقول ببساطة :
" اسمع يا سيد هذا مجرد دقيق، لحظة واحدة فقط سأريك "
وقبل أن تفتح العبوة أو تقوم بحركة واحدة وجدت أسلحة الرجال تُرفع في وجهها وهم يصرخون فيها بكلمات غير مفهومة، نظرت لهم رانيا بخوف تضع العبوة أمام الرجل، ثم تراجعت تختفي خلف صالح تهمس له بصوت منخفض :
" قولهم اني بس كنت عايزة اعمل قُرص سنغافورية والله "
نظر صالح أمامه للأسلحة ثم وفجأة وجد العديد من الرجال يطوقونهم ظانين أنها مادة مخدرة كانت ستنثرها رانيا في وجوههم :
" قُرص سنغافورية ؟؟ ده أنتِ في حياتك مش هتشوفي قرص تاني غير القرص اللي خالتك هتيجي توزعها عند قبري وقبرك ..."
___________________________
" هتفضل تزعق كتير كده ؟؟ صدقني مش باجي بعلو الصوت، جرب كده تعاملني بحنان هديك عنيا "
كانت تلك جملة ميمو التي القتها في وجه سعيد والذي هجم على منزلها منذ الصباح يصرخ في وجهها كالمجنون متهمًا إياها بتخربيها لحياته وتدخلها بها ..
" أنتِ ايه يا شيخة مفيش دم خالص ؟؟ قولتلك ملكيش دعوة بزهرة، يا حقنة يا خرابة البيوت "
نظرت ميمو صوب منزلها حيث ينام صلاح في الداخل، ثم قالت بصوت منخفض :
" سعودي عيب كده، جوزي نايم جوا، كده ياخد عني فكرة غلط "
شعر سعيد بقرب انفجاره بسبب تلك السيدة الباردة :
" هي كلمة واحدة، والله يا ميمو لو حاولتي تحرضي مراتي عليا تاني أنا هروح فيكِ في داهية، ومش هيهمني اللي هيحصل "
نظرت له ميمو ثواني بملامح غير راضية البتة عن صراخه، ثم قالت بكل برود :
" خلصت ؟؟ أنا اساسا مشوفتش مراتك ولا كلمتها من اسبوع يا حبيبي ولا اعرف عنكم حاجة وعايشة في سلام مع عائلتي الصغيرة كافية سعيد شري، إنما أنت اللي شكلك تموت في المصايب وحاببني ارجع أدب عيني في حياتك"
" يعني ايه ؟؟ مش أنتِ اللي كلمتيها من يومين في التليفون وخرجت نكدت عليا بسببك ؟؟"
ضيقت ميمو عيونها تفكر فيما يقول :
" أنت عارفني لو أنا هاجي جري عشان اقولك واشوفك وانت بتنفجر، لكن المرة دي مش انا والله "
شعر سعيد بالصدمة، إن لم تكن ميمو من أفسدت يومه، فمن فعل إذن ؟؟ مسح وجهه يشعر بالحيرة، ألقى جسده على الأريكة يردد ببهوت :
" طب ايه اللي حصل عشان النكد اللي عايش فيه بقالي يومين ؟؟ أنا مش فاهم مالها، ليه بيحصل معايا كده ؟؟ "
جلست ميمو أمامه تراقبه بشفقة قبل أن تقول :
" مش عارفة ليه الدنيا تيجي على واحد زبالة زيك كده، يارب الحياة مش سايبة حد في حاله "
زفر سعيد بغيظ شديد، ثم مسح وجهه يقول محاولًا تذكر كل ما فعله في الأيام الأخيرة، يعيد شريط حياته فقط ليعلم إن فعل دون قصد ما يحزنها :
" أنا كل الايام اللي فاتت معملتش حاجة والله وكنا عايشين في سلام، ومرة واحدة لما رجعت من برة جالها اتصال قلب حالها وانا ...أنا مش حابب تكون زعلانة مني أو شايلة مني "
نظرت له ميمو بحيرة، هي بالفعل لا تتدخل في حياتهم بهذا الشكل الذي قد يتسبب في مشاكل بينهما، هي فقط ربما تمزح وتهدده بإفساد حياته إن فعل ما يعجبها، لكنها لا تفعل، ولن تفعل، فهي لا تود أن تراه بهذا الشكل، يكفيه ما رأى في حياته .
ربتت ميمو على كتفه بحنان وكأنها تتحدث مع أنس صغيرها :
" متزعلش يا سعيد اكيد مخنوقة من شغلها، اعذرها بتشوف كل يوم حالات وتسمع مشاكل ناس وتقابل أشخاص زيك كتير، الله يكون في عونك "
نظر لها سعيد يضحك من بين ملامحه المحتارة :
" ناس زيي ؟؟"
" ناس مرضى نفسيين أقصد "
" لا كتر خيرك على التوضيح "
ضحكت ميمو بصوت عالٍ على ملامحه الحانقة، لتقول بهدوء وهي ما تزال تربت على كتفه :
" روح كلمها يا سعيد واعرف منها اللي حصل، بلاش تفضل تضرب أخماس في اسداس كده من بعيد لبعيد، الست بتحب أن لما تكون زعلانة، أنك تكون مهتم وتقولها زعلانة ليه، تبين ليها أنك حاسس بزعلها مش عايش على الله "
رفع سعيد عيونه لها يفكر في حديثها، قبل أن يهز رأسه:
" حاضر يا ميمو هفوت على المطعم اشوف الشغل بعدين اطلع ليها على المستشفى هي انهاردة هناك "
نهض عن الأريكة يعدل من وضعية ثيابه ثم خصلاته، وتحرك بعيدًا، لكنه عاد مجددًا يمنح ميمو عناق صغير، ثم استقام مبتسمًا :
" أنا كنت عارف أنك معملتيش حاجة، بس مكنتش لاقي غيرك أفرغ فيه عصبيتي "
ابتسمت له ميمو وهي تربت على وجنته بشبه ضربات :
" عارفة يا سعودي، أنا برضو مش بلاقي حد غيرك امرمطه معايا لما اكون متعصبة "
ضحك لها، ثم غمز يردد بجدية :
" اعتقد اني متقبل الموضوع طالما هتسمحي ليا ابهدلك في مشاكلي، ودلوقتي سلام عشان متأخرش، دعواتك "
ابتسمت ميمو تراقب تحركه خارج المنزل مرددة :
" روح يابني ربنا يكتب لك في كل خطوة سلامة، وتتهد وتبطل مشاكل "
سمعت صوت الباب يُغلق لتتنهد بتعب تتحرك صوب غرفتها مع صلاح، تدرك أنه استيقظ على صوت صرخات سعيد، اقتربت من الفراش تداعب خصلاته، ثم مالت تقبل وجنته بحب وهو ما يزال مغلق العين مبتسمًا :
" صباح الخير يا صلاح "
"صباح النور يا ميمو، سعيد مشي خلاص ؟؟"
" أيوة مشي، تحب اعملك فطار دلوقتي ؟؟"
هز صلاح رأسه لها :
" لو مش هتعبك معايا "
ابتسمت له تداعب خصلاته بحنان شديد :
" مفيش تعب ابدا يا صلاح طالما الموضوع متعلق بيك "
ابتسم لها صلاح وكاد يجيبها لولا سماعه لرنين الهاتف جواره، امسكه ليبصر رقمًا دوليًا فلم يخطر على باله سوى صالح، سمع صوت ميمو تخبره أنها ستذهب لتحضير الفطور حتى ينتهي .
اجاب صلاح على الهاتف :
" الو .."
" صلاح، أنا صالح "
اعتدل صلاح في جلسته يقول بجدية :
" أيوة يا صالح، ايه الأخبار عندك، لقيت طيارة بدري ؟!"
نظر صالح حوله وهو يجلس في مكتب التفتيش داخل المطار وأمامه تجلس رانيا :
" أيوة يا صلاح، بس حصلت مشكلة كبيرة معايا، ودلوقتي أنا في مكتب التفتيش في المطار بسبب مشكلة ومفكرين اني مهرب مخدرات وهو اساسا دقيق سنغافوري عشان القرص السنغافورية"
شعر صلاح بالبلاهة مما يسمع ما هذا السنغافوري والسنغافورية؟؟ ما الذي يهذي به صالح الأن ؟؟
" يعني ايه مش فاهم، أنت فين دلوقتي يا صالح ؟!"
زفر صالح بصوت خافت وقد بدأت النيران تشتعل داخله مما هو به، يا الله هذا ما ينقصه أن يتوقف في مطار سنغافورة بتهمة تهريب ممنوعات وكل هذا بسبب زوجته الحبيبة التي تجلس أمامه تبتسم له بغباء ...
" أنا في مطار سنغافوره لسه يا صلاح، بس اسمعني عشان أنا اساسا المفروض كنت رجعت من امبارح بس حصل تأخير بسبب الطقس وأنا كنت عامل حسابي اني أرجع بدري، وبلغتهم في الشغل اني اساسا في مصر "
صمت يتنفس بصوت مرتفع ثم قال :
" ومن حظي الجميل انهاردة فيه اجتماع مهم وأنا المفروض احضر "
مسح صلاح وجهه يحاول أن يستفيق بالكامل من نومته :
" طب يا صالح اتصل بيهم واعتذر عنه يعني هتعمل ايه ؟؟"
" مش هينفع صدقني مش هينفع يا صلاح، لأن لو حصل ده انا ممكن اتعرض لمشاكل كتير اوي في شغلي لأن أنا اساسا واخد إجازة بالعافية واتأخرت فيها، وشغلي مش عادي عشان اتخلف عنه، دي حياة أو موت "
وصل له صوت تنهيدات صلاح الذي يحاول التفكير في مساعدة أخيه، لا يشغله أمر ذلك الاجتماع بقدر ما يقلق على أمر توقيفه في المطار والذي لا يرهق به صالح عقله، ويتعامل معها بكل بساطة وكأنه لا شيء :
" طب والعمل يا صالح، هنعمل ايه ؟!"
بالطبع كان يقصد أمر ورطته في سنغافورة، لكن كما يقال كلٌ يبكي على ليلاه، تفكير كل شخص يدور في نطاق ما يؤرقه، لذلك قال صالح بعدما فكر جيدًا :
" مش انا قبل كده من سنين ساعدتك وانقذت سمعتك وروحت بدالك مؤتمر اسكندرية ؟؟"
" أنقذت سمعتي ؟؟ ده أنت مرمغت بسمعتي الأرض، يا ريتك يا اخي ما روحت وقتها "
" متدخلنيش في تفاصيل كتير، المهم اني ضحيت بمكانتي كدكتور وروحت احضر حاجة لا أفقه بها شيء عشانك، ودلوقتي جه دورك ترد ليا جميلي "
تحفظت جميع حواس صلاح لما يصدر من جهة شقيقه :
" أيوة يعني عايز ايه معلش ؟؟"
ابتسم صالح يقول ببساطة وكأنه يدعو شقيقه لحفلة عيد ميلاد وليس اجتماع مهم كهذا :
" تروح بدالي الاجتماع يا صلاح ...."
_________________________
هبطت من السيارة ثم مالت بجسدها تخرج الصغيرة، تحملها بين ذراعيها، ثم رفعت عيونها صوب الشركات أمامها تتنهد براحة وهي تنظر للصغيرة :
" وصلنا يا زوز "
انزلت نيرمينا زينب ارضًا، ثم داعبت وجنتها بحب، استقامت تشدد من قبضتها على الحقيبة سعيدة وبشدة أنها أخذت اليوم إجازة من عملها وقررت أن تقضيه بالكامل مع نادر .
دخلت الشركة وهي تسحب خلفها الصغيرة ثم تحركت صوب المصعد، لكن وقبل أن تدخل له سمعت صوتًا خلفها ينادي باسمها :
" نيرمينا ؟؟"
استدارت نيرمينا بتعجب لمعرفة أحد هنا هويتها وهي التي لم تطأ تلك الشركات منذ سنوات طويلة .
وفي غفلة منها تحركت زينب لداخل المصعد دون أن تشعر بها نيرمينا، ثم أخذت تقفز لتضغط على الازرار المضيئة بفضول شديد .
كل ذلك ونيرمينا في الخارج تتحدث مع ذلك الرجل بعدم فهم :
" معذرة بس أنا أعرف حضرتك !!"
ابتسم لها الشاب يحاول إنعاش ذاكرتها حول هويته، لكن نيرمينا كانت تود الهرب منه :
" أنا آسفة والله بس انا فترة الجامعة فعلا مكنتش إجتماعية اوي عشان اعرف حد غير كام واحدة من صحباتي "
ابتسم لها يبتلع احراجه من حديثها، لكنها لم تعبأ حقًا، فهو من أوقفها بهذا الشكل السخيف في منتصف الشركة ويتحدث معها بكل أريحية، ابتسمت بسمة صغيرة تقول بهدوء :
" عامة يعني اتشرفت بيك يا استاذ ..."
" جاسر "
" أيوة اتشرفت بيك يا استاذ جاسر و..."
وقبل أن تختم جملتها شعرت بيد تلتف حول خصرها كالحية ومن ثم شعرت بتلك الحية تجذبها لجسد صلب ضاغطًا على خصرها بقوة، استدارت نيرمينا فجأة صوب نادر والذي عرفته دون الحاجة لرؤية وجهه، بسبب رائحة عطره .
ابتلعت ريقها حين أبصرت نظراته لها، وهو ابتسم بسمة مخيفة، ثم حدق بذلك الشاب يسأله بعيونه عما يريد ليتنحنح جاسر قائلًا :
" أنا بس كنت ..كنت حابب اسلم على نيرمينا مش اكتر يا فندم هي كانت زميلتي في الجامعة و....عن اذنكم "
انسحب من أمامهم بسرعة تاركًا نادر يلاحقه بنظرات مخيفة، ليشعر بنرمينا تجذب وجهه لها تحاول أن تبتسم كي تنسيه ما حدث :
" صباح الجمال يا نادر يا قمر أنت، هو أنت احلويت النهاردة ولا أنا متهيألي ؟؟"
نظر لها نادر قبل أن يبتسم لها بسمة باردة ثم أشار بأصابعه :
" لا، أنتِ كدابة "
ختم حديثه لتشهق نيرمينا ببراءة تقول :
" لا لا يا نادر، ليه كده يا اخي، على فكرة أنا بتكلم بصدق، طب اسأل زوز وهي هتقولك أنك زي القمر كل يوم، مش كده يا زوز ؟!"
نظرت خلفها تأخذ رأي صغيرتها التي لا تتوانى عن التغزل ومدح والدها، لكن ولصدمتها لم تبصرها، شعرت نيرمينا بالفزع وهي تنظر حولها :
" زوز...زينب ؟؟ زينب أنتِ فين يا قلبي ؟؟"
فجأة بدأ الهلع يظهر في نبرة صوتها خائفة وبشدة :
" زينب ... زينب يا نادر، زينب كانت ...كانت هنا كانت لسه جنبي. ..زينب فين ؟؟ يا زينب "
كانت تدور حول نفسها صارخة برعب وقد شحب وجهها، تقرع نفسها لانشغالها عن طفلتها، بينما نادر شعر بالرعب وهو ينظر حولها، يتحرك في كل مكان بالجوار ليفشل في إيجادها .
عاد صوب نيرمينا التي كادت تفقد عقلها وهو يمسك وجهها يجبرها على النظر له مشيرًا بأصابعه :
" اهدي ..اهدي هنلاقيها، هي عمرها ما هتخرج من الشركة الحراس برة ومش هيخرجها لأنهم عارفينها"
نظرت له باكية :
" أنا السبب كانت معايا وغفلت عنها يا نادر "
أشار لها بحب :
" لا ياقلبي هي ..هي بخير اهدي ماشي؟ تعالي معايا "
أمسك بيدها يسحبها صوب المصعد بسرعة كي يذهب بها لقسم المراقبة ويبحث في كاميرات المراقبة كي لا يضيع وقتًا .
وحينما وصل دخل لهم ثم أشار لنيرمينا بأصابعه :
" قولي ليهم يرجعوا الكاميرا للوقت اللي دخلتي فيه الشركة "
هزت نيرمينا رأسها تخبرهم ما قال نادر وبدأت أعين الجميع تدور حول شاشات المراقبة ليبصر الجميع الصغيرة تصعد للمصعد الكهربائي، والذي توقف بها في الطابق الخامس .
ركض نادر بسرعة كبيرة تتبعه نيرمينا وهي تهتف باسم صغيرتها، دخل الأثنان للمصعد وعيون مختار تراقب الارقام وبمجرد أن توقف المصعد في الطابق الخامس حتى اندفع منه يفتح فمه في محاولة يائسة لنطق اسم صغيرته لكن كل ما خرج منه هو احرف متفرقة فقط كطفل يتعلم الحديث ..
ركضت خلفه نيرمينا وهي تبكي بخوف على صغيرتها، أخذ نادر يقتحم المكاتب حتى أبصر صغيرته تجلس على أحد المقاعد تتناول حلواها.
صرخت نيرمينا باسم زينب مرتعبة :
" زوز حبيبة قلبي ..."
انحنت على قدمها كي تلتقط الصغيرة، لكن زينب لم تبصر سوى نادر الذي كان يقف على الباب يتنفس الصعداء ..
ركضت زينب بسرعة صوب الباب لتعتقد نيرمينا أنها تركض لها، لكن زينب تخطتها بكل براءة وهي تضحك بصوت صاخب تلقي نفسها بين أحضان نادر الذي تلقفها بحب وهو يقبل وجنتيها بحب شديد هامسًا بأحرف متقطعة في محاولة يائسة لنطق اسمها وهي تبتسم وهي تمسك وجه والدها تميل عليه تقبله .
وهو يطلق ضحكات صامته يشير لها باصابعه للإشارة الوحيدة التي تفهمها منه :
" بحبك "
وزينب لم تتواني عن الإشارة له كذلك وتستعرض مهاراتها في فعل نفس الحركة :
" بحبك "
كل ذلك ونيرمينا تراقب ما يحدث تشعر أنها منفية، فركت وجهها بحنق شديد تردد :
" دي ندالة، أنا اللي عيطت عليكِ على فكرة "
لكن ايًا من الاثنين لم ينتبها لها وهما يتضاحكان بحب شديد، وهي فقط تراقبها بصدمة مبتسمة بعدم تصديق قبل أن تصرخ بغضب كبير :
" تمــام اشبعوا ببعض "
تجاهلتهم وهي تخرج من المكان تلوح بيديها غاضبة كالطفلة وقد بدأت دموتها تسقط :
" أنا هروح عند سعيد، هو الوحيد اللي بيحبني في الحياة دي، ومحدش غيره بيحبني، والله لاسيب ليكم البيت وامشي، وانا اللي طول الليل بخطط للخروجة "
كانت تتحدث باكية متحركة، صوب المصعد، دخلت وهي تمسح دموعها بقوة، لكن وقبل أن ينغلق المصعد وجدت نادر يركض صوبها وهو يحمل زينب يضمها لصدره وبقوة، وبمجرد أن دخل الأثنان انغلق المصعد ليبتسم نادر بانتصار شديد يضرب كفه بكف صغيرته، ثم اقترب نادر من نيرمينا يقبل وجنتها بحب، وكذلك فعلت الصغيرة، رفع أصابعه بإشارة ( أحبك) وكذلك فعلت الصغيرة .
ضحكت نيرمينا بصوت مرتفع وهي ترى تصرفات الاثنين لتقول وهي تجفف دموعها :
" خلاص ماشي، يلا عشان نروح البكنيك "
خرجوا من المصعد لتجد الحقائب ما تزال في نفس المكان حيث تركتها قبل الركض للبحث عن الصغيرة، نظرت لعائلتها الصغيرة بحب شديد وسعادة :
" يلا يا شباب .."
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة توقفت فجأة على صوت أنثوي خلفها يردد بنبرة جادة :
" مستر نادر لحظة لو سمحت "
توقفت نيرمينا تترك الحقائب لتسقط ارضًا بقوة، ومن ثم استدارت ببطء صوب الخلف لتبصر تلك الجميلة الرقيقة وهي تركض صوب زوجها تنظر له بلطف ورقة، أو هكذا تخيلت هي ....
حقًا ؟؟
_______________________
" يا تسبيح والله ما اعرف هو عايز ايه، أخرج برة اطرده عشان ترتاحي ؟؟"
تراجعت تسبيح للخلف حينما أبصرت غضبًا متقدًا في عيون رائد، لكنها تخشى عليه من أن يتأذى في مشاكل ذلك الرجل التي لا تنتهي، فالجميع في المنطقة يدرك أي نوع من الأشخاص السيئين هو.
" لا يا رائد والله مش قصدي، بس ... أنت يعني عارف الحوارات اللي بيعملها عشان كده خايفة يدخلك في موضوع ويعلمك مشاكل "
تنفس رائد يشعر بالغضب، ليس من تسبيح بالطبع، لكن من كل شيء حوله، أيامه في الآونة الأخيرة كان يقضيها في عمله دون أن تُتاح له فرصة الجلوس مع عائلته، وحينما أشفق عليه مديره وأعطاه إجازة جاءه ذلك الرجل يستغيث به ليساعده .
اغلق ازرار القميص، ثم تنهد بصوت مرتفع يقترب من تسبيح مقبلًا رأسها بلطف :
" معلش يا توتا، عارف إني الفترة دي بقت أخلاقي زي الزفت، بس استحمليني وانا والله هعوضك"
هزت رأسها بهدوء، هي لا تعترض، ولا تبتأس من كل ذلك لأنها تدرك مقدار ما يمر به، لكن لا تريده أن يتورط في أمور كتلك .
" أنا مستحملة يا رائد، أي حاجة هستحملها بس الله يكرمك متدخلش نفسك مع الناس دي "
" جه طلب مساعدتي يا توتا، ينفع ارده !!"
نظرت له وودت لو تقول له نعم، لكن نظراته التي تنتظر منها ردًا يريحه أجبرتها على قول :
" طول عمرك صاحب واجب وراجل وسيد الرجالة يا رائد وعمرك ما رديت سائل"
ابتسم له يربت على شعرها بحب شديد، ثم مال يقبل خدها هاتفًا :
" بالضبط يا قلب رائد، هروح أنا اشوف الدنيا معاه واوعدك هخلص ونقضي اليوم كلنا سوا، اتفقنا ؟!"
" اتفقنا "
وبالفعل تحرك رائد خارج غرفته، بينما هي التزمت الغرفة دون أن تتجرأ على الخروج في وجود غريب داخل جدران منزلها حتى ولو من ورا حجاب، فقط اكتفت بالجلوس تحاول أن ترهف السمع مخافة أن يحدث شيء مريب .
لكن مرت دقائق حتى سمعت صوت اغلاق الباب، تنهدت براحة شديد، ثم فتحت الباب فتحة صغيرة تمد رأسها منه تقول بصوت منخفض :
" الضيف مشي يا رائد ؟!"
لكن لم يصل لها أي إجابة من الخارج مما جعلها تخرج بشكل جزئي تضع الحجاب على رأسها باحثة عن زوجها في المنزل لتتفاجئ أنه خرج، خرج دون حتى أن يعلمها بذلك.
" هو حصل ايه ؟؟"
اخرجت هاتفها سريعًا كي تتحدث مع رائد، لكن سمعت صوت الهاتف يرن على أحد ارائك المنزل ليشتعل القلق في صدرها وهي تردد :
" استر يارب قلبي مش مرتاح "
__________________
كانت تجلس في بهو المنزل أمام الصغير وهي تلاعبه وضحكات أنس تصدح في المكان، بينما ميمو لا تتوقف عن مداعبته بكامل الحب داخل قلبها، في الوقت الذي كان اطفال صالح نائمين براحة شديدة.
لكن فجأة سمعت صوت أنس يهتف بكلمات غير مفهومة وهو يشير خلفها صوب باب غرفتها تحديدًا، استدارت ميمو لترى ما يشير له الصغير لتتفاجئ بزوجها يخرج من غرفتهم بعدما أصبح....صالح ؟؟
رفعت حاجبها وهي تحاول ما عرفة ما يحدث في تلك اللحظة، فصلاح بهيئته تلك أشبه بصالح أكثر، يرتدي بنطال من خامة الجينز اسود اللون مع سترة بيضاء غريبة .
" صلاح ؟!"
هز صلاح رأسه يتحرك صوبها :
" حتى الآن صلاح، بس كمان شوية هبقى صالح "
نظرت له بعدم فهم، ليشعر هو بيد صغيره تتسلقه في محاولة ليجلس على قدمه، مال صلاح وحمل أنس لصدره بحب ليبدأ الصغير في إفساد خصلات شعره، ولأول مرة لا يبتأس صلاح :
" جدع يا أنس ساعد بابا يبوظ شعره، بص عايزك تعملي نفس تسريحة عمك"
نظر له أنس لا يفهم ما يقول لكنه رغم ذلك أطلق ضحكة سعيدة، وميمو تراقب ما يحدث بعدم فهم تجذب منه الصغير :
" ليه محسسني أنك قاعد قدام حلاق، فيه ايه يا صلاح ايه اللي عاملة في نفسك ده ؟؟"
نظر لها صلاح حانقًا:
" صالح حصلت ليه ظروف طارئة هتأخره وهو عنده اجتماع مهم في المستشفى لازم يحضره، وبالشكل ده هيتأخر فقالي اروح مكانه "
ارتفع حاجب ميمو وقد شعرت برغبة قوية في رؤية ما سيحدث :
" وأنت بقى بتفهم في شغل صالح على كده ؟؟"
" ولا الهوا معرفش في شغلته غير أن الميت له حرمته "
ابتسمت ميمو تكبت ضحكتها :
" طب وهتعمل ايه ؟؟ "
" ولا حاجة هروح افضل ساكت ولو طلبوا مني اتكلم في اي حاجة هخبط وزي ما تيجي تيجي، اكيد مش هيكون اسوء من اللي عمله فيا وقت مؤتمر اسكندرية "
" ايه مؤتمر اسكندرية ده ؟؟"
تنهد صلاح يقول بحسرة على ما حدث له في ذلك الوقت :
" ده المؤتمر اللي سقط فيه تاريخي أسفل اقدام صالح وكل اللي حضروا المؤتمر، واسمي اتمسح بيه بلاط المؤتمر بلاطه بلاطه "
صمت ثم أكمل :
" والحمدلله اني من بعده لسه بمسك قلم، بلاش تقلبي عليا المواجع، ثم إن محمود معايا هقوله لو اتزنقت يتدخل ويساعدني "
ابتسمت له ميمو تشجعه على الأمر تضع الصغير ارضًا ليكمل اللعب، تميل عليه بدلال تضم ذارعه لصدرها :
" طب بقولك ايه يا صلاح هو يعني ينفع اجي اتفرج عليك وأنت عامل صالح، وانا مستعدة اشهد أنك صالح مش صلاح "
قبل صلاح رأس ميمو يقول بحنان :
" حبيبتي يا ميمو أنتِ عارفة اني مقدرش ارفض ليكِ طلب، بس حتى لو كان ينفع تيجي تحضري الاجتماع، فأنا مش مستغني عن صورتي جوا البيت اللي هتتهز بعد اللي هيحصل هناك، عشان كده ...لا "
رمقته ميمو بغضب لكنه لن يهتم، هو ليس بالاحمق كي يسمح لايًا كان أن يراه يتصرف كصالح، حتى وإن كان ذلك الشخص هو ميمو ....
_____________________
كانت تنام أعلى كتفه بتعب شديد بعدما تركوهم داخل مكتب التفتيش لفترة من الوقت، زفر بتعب وهو ينظر لساعة يده، مرت ثلاث ساعات وهو ما يزال جالسًا في انتظار عودة أحدهم ليفرج عنهم .
نظر لرانيا التي كانت تغط في نوم عميق، تأملها ثواني قبل أن يقول :
" افضلي أنتِ اعملي المصيبة ونامي وانا اللي أشيل الطين"
لكن رانيا لم تبدي أي ردة فعل، ليبتسم صالح يربت أعلى رأسها بلطف شديد، ومن ثم عاد بظهره على الأريكة خلفه يدعو الله أن يمر ما يحدث على خير .
وما هي إلا دقائق حتى وجد الباب يُفتح ليقتحم أحد الرجال المكان حاملًا بين يديه اوراقهما الرسمية يردد بانجليزية ضعيفة :
" نعتذر عما حدث، بينت الفحوصات التي أجريناها أن هناك سوء تفاهم "
أخذ منه صالح الاوراق وهو ينظر لها يتفحصها مرددًا بسخرية لاذعة :
" سوء فهم ؟! وهو سوء الفهم ياخد ٣ ساعات عشان يتحل، كل ده بتفحصوا شوية دقيق ؟؟ ده أنتم لو بتخبزوهم كان زمانكم خلصتوا من بدري "
نظر له الرجل بعدم فهم، لكن صالح لم يهتم بتوضيح شيء، يستدير صوب رانيا يقول بهدوء ولطف شديد :
" رانيا ...رانيا اصحي خلينا نمشي "
فتحت رانيا عيونها بنعاس شديد تقول دون وعي :
" وصلنا خلاص؟؟ الطيارة وقفت ؟؟"
ساعدها صالح كي تنهض بهدوء شديد وحرص :
" آه يا حبيبتي الطيارة وقفت، قولت للطيار يركن على جنب عشان نازلين يلا "
هزت رانيا رأسها تسير معه بخنوع شديد دون شعور بالمكان والزمان حولها، وصالح حمل الحقيبة الخاصة بهم يستمع لصوت الرجل يقول له :
" نعتذر مجددًا سيدي ولكنها التعليمات، سيتم الحجز لكم على الرحلة القادمة والتي ستكون بعد ساعة تقريبًا، وجميع حقائبكم في الامانات في الخارج يمكنكم المرور وأخذها "
نظرت رانيا لصالح تقول بصوت خافت ناعس :
" والدقيق السنغافوري يا صالح ؟!"
رمقها صالح بشر :
" امشي بدل والله همسكك تطحن عضمك واعمله دقيق مصري "
سارت معه رانيا تحاول معرفة سبب غضبه مرددة بتعجب :
" أنا جبت الكيلو غالي اوي، كان ماسك على ٢٥ وخدتهم منه بعشرين "
" جدعة اهو اتصادر مننا قبل ما نطلع من بلدهم، يعني لا طولنا الدقيق ولا العشرين "
تحرك معها لإحضار الحقائب، ثم تحركا صوب المقاعد المصفوفة داخل المطار في قاعة الانتظار، جلس صالح وهي جلست جواره تقول :
" حقك عليا يا صالح، بسببي اتأخرت على شغلك "
قبل صالح رأسها بحنان يضمها له :
" فداكِ يا رانيا هو أنتِ يعني كنتِ تقصدي، خير إن شاء الله، يارب بس صلاح يعرف يتصرف والموضوع يعدي على خير "
تنهد يخرج هاتفه وقد قرر الاتصال بمحمود ليخبره بالأمر حتى يساعد صلاح، وفجأة شعر بثقل أعلى كتفه ليرمق رانيا بحب شديد مبتسمًا، ثم أجرى اتصالًا ينتظر رد محمود .
لكن بعد دقائق لم يسمع رد ليشعر بالريبة، في نفس اللحظة التي سمع بها هاتفه يرن ..
اجاب بهدوء على صلاح :
" أيوة يا صلاح ؟؟"
سمع صوتًا يأتيه من صلاح ليردد بهدوء شديد :
" لا لا أنت شوف حياتك عادي وعلى الساعة تسعة كده روح الشغل عشان الاجتماع بس، إنما الباقي محمود هيشيله "
صمت يستمع لحديث صلاح ثم قال بجدية :
" يا بني أيوة متقلقش هو لما مش بيلاقيني روحت تلقائي بيغطي عليا بدون حتى ما احتاج اقوله، أنا اتصلت بيه، بس مردش، اكيد هو في الشغل دلوقتي بيغطي على غيابي، ومش عارف يرد بسبب الدنيا، هبعتله رسالة ولما يفوق من الدنيا يشوفها "
ابتسم ينهي حديثه مع صلاح :
" لا متقلقش أنا هسيب معاك محمود، وهو هيظبط الدنيا، شوية كده وعلى وقت الاستراحة هكلمه وافهمه، تلاقيه معكوك في الشغل الله يعينه ..."
_______________________
ضرب محمود الأرض بالممسحة، ثم بدأ بجذب قطرات المياه التي تناثرت في المخبز بأكمله صوب منطقة تصريف المياه.
بينما كانت تجلس في أحد أركان المخبز وهي تراقبه يتحرك بكل نشاط في المكان، مانعًا إياها من التحرك مستعينًا بالصغيرة جهاد لحراسة والدتها ومنعها من إرهاق نفسها .
زفرت هاجر تقبل رأس جهاد تحملها تضعها على المقعد الخاص بها، ثم تحركت صوب محمود تحاول نزع الممسحة من بين أنامله:
" خلاص يا محمود أنا هكمل، روح أنت شغلك "
نظر لها محمود يتنهد بصوت مرتفع، ثم رفع كفه يتحسس جبينها، وحينما أبعد كفه وضع مكانه قبلة حنونة :
" استريحي يا هاجر أنتِ لسه تعبانة، اقعدي أنا هخلص اهو مش باقي غير شوية صغيرين "
شعرت بالذنب الكبير لتكبده عناء تنظيف المحل بعدما، فلولا تلك الكارثة التي حلت به أثناء غيابها في رحلتها في الإسكندرية لكانت الآن تنام براحة شديدة وهو في عمله، لكن ما حدث أن مشكلة حدثت في شبكات المياة هنا تسببت في إفساد المكان بأكمله، وهي عادت مريضة من الإسكندرية ليتكفل محمود بتنظيف المكان .
ضمت ذراعه لها تشعر بجسدها يرتجف تعبًا وانفاسها تخرج ساخنة، ووجهها محمر وبشدة :
" أنا مش تعبانة يا محمود أنا كويسة "
نظر لها يبتسم بسخرية لاذعة، وقد تسللت حرارة جسدها لذراعه، وشعر بقماش ثيابه يكاد يذوب تحت وطأة أنفاسها :
" لا ياقلبي أنتِ مش تعبانة، أنا اللي تعبان، روحي اقعدي شوية لغاية ما اخلص عشان اروحك ترتاحي "
نظرت له بأعين تكاد تدمع من شدة المرض، وقد بدأ المكان يدور حولها لشدة التعب :
" محمود قولتلك والله انا كويسة، مش أول مرة اتعب شوية، لو سمحت سيب وانا هكمل، كفاية اوي كده عليك، روح الشغل عشان ميحصلش مشاكل "
رمقها محمود قليلًا ثم هز كتفه دون اهتمام :
" متقلقيش صالح بيغطي عليا لو أنا اتأخرت، وزمانه دلوقتي قايم بالواجب "
" صالح ؟؟ هو رجع من السفر ؟؟"
هز محمود رأسه وهو يجذب المياه يجفف المكان حوله مبتسمًا :
" ايوة، هو كان قايلي هيرجع يوم الحد على امبارح، يعني زمانه دلوقتي قاعد في المستشفى بيخلص شغلي وشغله، ومغطي عليا، فمتقلقيش، عملناها قبل كده كتير ولا من شاف ولا من دري "
نظرت له ببسمة واسعة ثم قالت بصوت هادئ بعض الشيء :
" ربنا يخليكم لبعض، صداقتكم حلوة اوي بجد "
ابتسم لها محمود يربت أعلى رأسها بحب شديد :
" يارب ياقلبي، روحي بقى اقعدي واستريحي لغاية ما اخلص وبعدين نروح نفطر سوا واوصلك البيت وارجع الشغل "
رمقته هاجر بأعين ملتمعة تنظر له بانبهار وحب شديد :
" بجد حاسة اني بتقل عليك يا محمود وخايفة اعملك مشاكل في شغلك بسببي "
مال محمود عليها يداعب وجنتها بحب شديد مرددًا بصوت حنون خافت :
" بسببك ايه يا نواعم، مفيش مشاكل ولا حاجة، بقولك سايب هناك صالح وهو هيسد، يعني حتى لو مروحتش انهاردة مش هيحصل حاجة خالص، طب اقولك أنا مش رايح الشغل انهاردة وصالح هو يشيل الدنيا، هنروح سوا نعمل حاجة دافية ونقضي يوم سوا، ايه رأيك ؟؟"
ابتسمت هاجر باتساع شديد تهز رأسها له وقد نالت تلك الفكرة استحسانها تحاول جذب الممسحة من بين أنامله:
" ماشي هات بقى اساعدك عشان نخلص بسرعة "
لكنه تمسك بها وبشدة، ثم أشار لها بعيونه أن تتحرك وتجلس جوار جهاد، وهي استمعت له، فقط لأجل ألا تحزنه، ولأنها أيضًا فقدت قدرتها الكاملة على التحمل، وقد وصل التعب منتهاه ..
استندت برأسها على الجدار خلفها تراقب محمود ببسمة وهو ينظر لها بكامل الحب الذي يكنه داخل صدره لاجلها ..
____________________
بعد نهاية يوم عائلي دافئ حظى به محمود ..
دخل المشفى يعدل من ثيابه وقد تخلى مكرهًا عن إجازته التي أخذها من تلقاء نفسه، فقط لأجل حضور الاجتماع والذي سيتم محاسبته إن تخلف عنه .
أخرج هاتفه والذي كان مغلقًا منذ الأمس بسبب حاجته للشحن، وهو بالفعل أعاد شحنه لكن لم يفتحه، إلا الأن .
ضغط على زر الفتح ينتظر أن تنير شاشته، في اللحظة التي شعر بنفسه يصطدم بشخص ما، رفع محمود رأسه ليعتذر، فأبصر صالح يدخل معه للمشفى .
نظر له بتعجب ثواني قبل أن يتساءل بجدية :
" ايه ده صالح أنت استأذنت في نص اليوم ولا ايه ؟! لحقت تخلص الشغل كله وتروح وتيجي تاني ؟؟"
رمقه صلاح بحاجب مرفوع لا يعلم عما يتحدث محمود :
" صالح ايه وشغل ايه ؟؟ أنا لسه جاي دلوقتي، هو مش صالح كلمك وقالك تشيل الشغل لغاية ما أنا اجيلك بليل ؟؟"
" صالح اللى هو أنت كلمتني عشان أشيل الشغل ؟؟ أنت عايز ايه بالضبط ؟؟"
ضرب صلاح رأس محمود بغيظ شديد :
" يابني آدم فوق، هو أنت رجعت تعمل دماغ تاني ولا ايه ؟؟ مش صالح بعت ليك رسالة بلغك بظروفه واني أنا اللي هاجي الاجتماع بداله ؟؟ "
ظل محمود يرمق صلاح لدقيقة طويلة بأعين متسعة، ثم قال باستسلام بعدما لم يفهم ما يقصد صديقه :
" أيوة يعني خلصت شغلنا ولا لا ؟؟"
" شغلنا ايه ؟؟ أنت شارب ؟؟ أنا صلاح يا متخلف مش صالح "
نظر له محمود بعدم فهم، ثم عاد للخلف خطوات ينظر له بدقة، كيف يكون هذا صلاح ؟! هل يحاول صالح أن يختبره أو ما شابه ؟!
" صلاح ازاي ؟؟ ولما أنت صلاح، لابس صالح ليه يا صلاح ؟؟ وفين صالح الحقيقي طيب ؟؟"
عض صلاك شفتيه، يجذب محمود من ثيابه يهمس من أسفل أسنانه :
" أنت ياض متخلف ؟! صالح اتعطل في مطار سنغافورة بسبب مشاكل حصلت ليه، وبعتلك رسالة وقالك تعمل الشغل بتاعكم وانا هاجي على وقت الاجتماع واعمل نفسي هو "
هز محمود رأسه وقد بدأ يفهم الآن الأمر، صالح تأخر في سنغافورة ولذلك ترك العمل له هو لينهيه نيابة عنهما وأرسل صلاح للاجتماع بحكم الشبه بينهما و...مهلًا ترك عملهما له ؟؟ له هو ؟؟ صالح لم يأتي، وهو كذلك ؟!
فجأة صرخ محمود بفزع لما وصل لعقله الآن :
" احيه أنت قولت ايه ؟! شغل مين ؟؟ شغلنا ؟؟ شغلنا اللي هو ازاي ؟؟ يعني صالح مجاش خلص الشغل بتاعنا انهاردة ؟؟"
هز صلاح رأسه بلا يرى أن شقيقه الآن في ورطة، ومحمود شعر بالمكان يدور حوله يستند على صلاح بصدمة كبيرة :
" يا مرارك يا محمود، ده احنا هنروح في ستين داهية، دول لو خلونا ننضف غرف التشريح بعد كده يبقى أقل واجب "
ولم يكد صلاح يتحدث حتى سمع صرخة مرتفعة خلفه جعلت جسد محمود يبتعد عنه وقد شحب وجهه يردد :
" يا رب لطفك يارب "
اقترب رجل منهما وهو ينظر لهما بشر ووجه محمر غضبًا، وملامح جعلت محمود يبتلع ريقه وهو يختبئ خلف صلاح الذي لم تتغير ملامحه بل وقف بثبات وثقة يسمع الرجل يصرخ :
" اخيرا شرفتوا يا دكاترة؟؟ مش من الواجب برضو تيجي تطلوا على المستشفى بتاعتكم مرة في اليوم من باب الواجب ؟؟ ما هي خلاص بقت تكية، أنتم الاتنين مش هنا والشغل يولع لغاية ما الأساتذة يرجعوا "
كان يصرخ بجنون جعل محمود يهمس له :
" يا فندم هو بس ..."
" اسكت مش عايز اسمع حاجة منكم، أنتم الاتنين هتتحولوا لتحقيق بسبب الإهمال اللي بدر منكم، والمشاكل اللي حصلت بسببكم، و..."
قاطعه فجأة صوت صلاح الذي خرج متعقلًا هادئًا :
" يا فندم لو سمحت اسمعني ولو كلامي معجبش حضرتك تقدر تعاقبنا باللي تشوفه مناسب وانا بثق في حكمة حضرتك . "
نظر له المدير بتشنج من كلماته، ومحمود بصدمة، لكنه لم يهتم يحاول قدر الإمكان أن يتحدث معه بالعقل مستخدمًا سياسته :
" عارف إن حصل مننا إهمال اليوم، لكن اكيد الأمر كان خارج عن إرادتنا، لكن الإهمال يظل اهمال، وحضرتك من حقك تغضب وتزعق أنا معاك، وعشان نعبر عن ندمنا، فاحنا على استعداد نبات هنا لغاية ما نخلص أي شغل اتأخر بسبب ظروفنا اللي حصلت، وطبعا مش هنمشي غير وحضرتك راضي "
نظر المدير صوب محمود الذي كان فاغر الفاه يراقب ما يحدث، وصوت المدير يردد مشيرًا لصلاح :
" مين ده ؟؟"
هز محمود كتفه لأعلى وأسفل بجهل، بينما صلاح ابتسم يقول :
" ها يا فندم قولت ايه ؟؟ احنا بس عايزين حضرتك تكون راضي، وصدقني مش هتحس أننا قصرنا للحظة وكل شيء هيمشي زي ما تحب وطبعا ده لا يعني أننا مش غلطانين، لكن لو حضرتك عاقبتنا فعقابنا مش هيخلص الشغل، لكن احنا نقدر كاعتذار مننا نخلصه كله "
ظل المدير ينظر في وجهه ثواني دون أن يجد ردًا، يفتح فمه ويغلقه وهو لا يعلم ما يجب قوله، فهو كان يجهز نفسه للرد على عناد وكلمات صالح الحانقة والمدافعة وتأييد محمود له بصمت، لكن الآن ماذا ؟؟
سمع الثلاثة صوتًا في الخلف يقول :
" الاجتماع يا دكتور هيبدأ والكل موجود "
نظر له المدير يهز رأسه، ثم عاد بنظره صوب صلاح ومحمود يقول بجدية بعدما عجز عن إيجاد حجة يفرغ بها غضبه :
" تمام يا دكاترة، أنتم الاتنين مسؤولين قدامي عن تخليص كل الشغل المتأخر، ودلوقتي ورايا عشان الاجتماع ."
تحرك بعيدًا تحت أعين محمود المذهولة والمبهورة بما حدث منذ ثواني، فجأة ارتسمت بسمة أعلى فمه :
" ايه الحلاوة دي؟؟ ده أنت ساحر يا جدع "
صمت ثم قال بجدية :
" بقولك ايه ما تشتغل معايا بدال صالح "
_________________________
كانت تجلس على الفراش وهي تحمل كتاب تقرأه عن لغة الجسد، لكن هل كانت منتبهه له ؟؟ لا لم تفعل ولو جئت ودققت النظر بعيونها لتجدها تنظر في كل مكان عدا الكلمات أمامها ..
تنهدت بتعب شديد مما هي به، تشعر بالغضب الشديد من نفسها ومن سعيد ومن الحياة بأكملها ومن ...
خرجت من أفكارها على شعورها بوسادة تُوضع على قدمها، ثم علت رأس سعيد الوسادة يضم كفيه على معدته وهو ينظر للسقف بشرود يخرج نفرة عميقة :
" أنا عندي مشاكل يا دكتورة وكنت عايز أخد رأيك فيها "
رفعت زهرة حاجبها بسخرية وكادت تدفع رأسه بعيدًا عنها، لكنه أشار لها بتحذير شديد :
" افتكري أن دي مهنتك وده واجبك تجاه مرضاكِ يا دكتورة، ومينفعش ترفضي مريض محتاجك "
" ويا ترى المريض ده محتاج مني ايه ؟!"
نظر سعيد لعيونها يقول بجدية وبسمة :
" ما أنا قولتلك محتاجك، كلك على بعضك يا زهرة بدون نقصان لجزء صغير "
شردت به ولم تشعر سوى ببسمتها التي ارتسمت على فمها تتساءل في نفسها عمة حدث لسعيد وجعله يكتسب كل ذلك القدر من الرومانسية، ذلك الرجل الذي كان أقصى مراحل الحب لديه هو أن يتصرف كرجل غاب يطاردها ويبعد عنها جميع الرجال بكل وحشية، ثم يصرخ في وجهه أنه يحبها .
ابتسم سعيد حينما رأى بعض الاستجابة تعلو ملامحها، تنهد يقول :
" الحقيقة يا دكتورة مخبيش عليكِ، أنا متجوز، وبحب مراتي اوي، لكن اللي حصل أن من يومين كده وهي شكلها زعلان مني وانا معملتش حاجة"
صمت ينظر لعيونها المستنكرة لحديثه، لكنه لم يتأثر يكمل ما يريد قوله :
" في الاول فكرت شيطان حياتي اللي هي مرات ابويا وسوس ليها عشان تنكد عليا، لكن وبعد ضغط عليها اعترفت أنها ملهاش دخل باللي حصل، وانا من الصبح راجعت تاريخي كله، ومش لاقي حاجة تزعلها مني، فلو تقدري تعرفيني ازاي اعرف منها سبب زعلها واصالحها هكون ممنون ليكِ "
" لو بصيت حواليك هتعرف هي زعلانة ليه ؟؟"
نظر سعيد حوله يبحث عن سبب حزنها، لكن زهرة جذبت وجهه لها تقول بحنق :
" مش بالمعنى الحرفي ياسعيد، قصدي بص حواليك في حياتك عامة هتعرف "
فتح فمه ليتساءل عما تقصد، لكنها قاطعته دون أن تمنحه فرصة الحديث وقد وجدت واخيرًا فرصة للحديث، واخيرًا جاء هو يسألها سبب حزنها.
أمسكت ثيابه تسحبه عن قدمها للاعلى تحت نظراته المصدومة :
" آخر مرة لما كنت بكلمك في التليفون يا سعيد وسمعت واحدة جنبك بتقولك يا سعودي كانت مين ؟؟"
" سعودي ؟؟ ميمو ؟؟"
" لا مش ميمو، اكيد أنا عارفة صوت ميمو يا سعيد متستهبلش، ده كان صوت واحدة مسرسعة وبتدلع "
نظر لها لا يفهم ما تقول :
" والله ما اعرف أنتِ بتتكلمي عن ايه، بس اكيد سوء تفاهم لاني عمري ما هسمح لواحدة معرفهاش تقولي سعودي عادي كده، غير مثلا لو نيرمينا أو أنتِ، وميمو بتقولها غصب عني "
كانت زهرة تتنفس بصوت مرتفع، بينما هو ربت على كتفها بهدوء :
" ده اللي مزعلك يا زهرة ؟! مجتيش سألتيني ليه ؟؟"
نظرت له زهرة بأعين ضبابية بسبب الدموع التي تجمعت بها، تبتلع ريقها وهي تحاول قول شيء، لكن منعتها غصة جعلت سعيد يجذبها لاحضانه بحب :
" طب أنتِ بتعيطي ليه يا زهرة، قوليلي مالك ؟!"
" سعيد أنا... أنا حامل يا سعيد"
تيبست يد سعيد حول جسدها يشعر بكامل جسده يرتجف من الصدمة وقد شحب وجهه، بينما زهرة ارتمت على صدره تبكي بعنف شديد :
" تعبت وعملت تحليل وطلعت حامل بس ...بس ...بس الدكتورة قالت إن الحمل صعب ومحتاجة أخد حقن تثبيت وحوارات كتير بسبب مشاكل عندي "
تأوه سعيد بسبب نبرة الحسرة في صوتها، قبّل رأسها يحاول أن يهدأ، ويفكر قبل أن يتحدث :
" حبيبتي طب ليه العياط، ده بدل ما تفرحي وتشكري ربنا على نعمته ؟؟"
" بس هو مش هـ "
" دي كلها اقدار ومكتوبة، أنه يجي على الدنيا أو لا دي اقدار يا زهرة، ومينفعش افترض السوء، ربنا عند حسن ظن عبده به، احسني الظن بالله، كام مرة كان فيه حالات مستحيلة وكل شيء مشي كويس ؟؟ أنتِ دكتورة اكيد مش هقولك "
نظرت له زهرة بخوف :
" أنا خايفة اخسره يا سعيد، ويبقى صعب عليا بعدين اخلف بسبب السن و..."
شعر سعيد بطعنة توجهت لمنتصف صدره، بسببه وبسبب عناده وشيطانه أضاع عليهم سنوات كثيرة وزرع داخل صدرها رعبًا وشعور بالنقصان ألا تتمكن من أن تصبح أم، قبل ما بين عيونها يهمس :
" ناس كتير بتخلف من بعد الاربعين، بعدين أنتِ لسه شباب وصغيرة يا زوز، ليه تعيطي وتيأسي وتفكري كده؟؟ ده لسه هنجيب عيال كتير باذن الله، أنا مجهز اوضتين ليهم هنعمل ايه في الأوض دي ؟؟"
نظرت له تبتسم بخفة ليقبل رأسها يشعر بالراحة والسعادة يزيد من ضمها :
" هتعدي بمشيئة الله وهنروح كل فترة سوا نطمن عليه، وهيكون بخير يا زهرة، أنتِ بس ابتسمي وتوكلي على الله"
ابتسمت زهرة وهي تسمع حديثه تغمض عيونها ترتشف منه راحة افتقدتها الايام السابقة، وهو ضمها له بحب كبير يميل للخلف وقد بدأ قلبه يستوعب الآن أنه سيصبح أب لطفل من زهرته ...
_________________
كان يجلس داخل الاجتماع يتابع ما يحدث كما التمثال لا يتحدث ولا يتحرك ولا يشارك بكلمة واحدة، يتخذ دور الصامت كي لا يتسبب في كارثة لأخيه..
لكن يبدو أن الكوارث تنجذب بالفعل لاسم صالح إذ سمع صوتًا لرجل كبير يتجه إليه بالحديث :
" ولا أنت ايه رأيك يا دكتور صالح أنا بثق في رأيك"
تنحنح صلاح يحاول أن يجد ردًا على شيء لم يسمعه، فهو كان شاردًا بعيدًا عن الجميع، نظر صوب محمود يطلب منه مساعدة فأخذ محمود يحاول أن يهمس له بكلمات لم تصل لمسامعه، وحينما وجد الجميع ينتظر رده قال بشكل دبلوماسي:
" اكيد يا دكتور مفيش رأي بعد رأيك، أنا بوافق حضرتك"
تعجب الطبيب حديثه وقال :
" أيوة بس أنا مقولتش رأيي لسه "
اعتدل صلاح في جلسته يضم قبضته أمام فمه :
" أيوة يا دكتور ما أنا واثق في حضرتك أتم الثقة ومش محتاج اسمع رأيك عشان اقول صح او غلط، هو رأيي زي رأيك بالضبط "
ختم حديثه يبتسم في وجه الجميع، بعدما جعل ذلك الطبيب يبتسم باتساع وزهو، ثم أشار على صلاح يقول :
" وبما أن رأيي يتفق مع رأي دكتور صالح وتفكيرنا واحد فأنا هخلي دكتور صالح يتكلم عن الموضوع، اتفضل يا دكتور "
بدأ الجميع يصفق لصلاح الذي نظر لهم بجهل يحاول إيجاد مخرج له، ابتلع ريقه وهو يستنجد بمحمود الذي مال عليه يهمس له بصوت منخفض :
" اتكلم عن الحلول الخاصة بالجثث المجهولة "
تشنج وجه صلاح بقوة، لا يدرك ماذا يقصد :
" يا صلاة الزين اتكلم أن الجثث المجهولة؟؟ بس كده طب ده سهل اوي، أنت بتستهبل هو أنا أعرف يعني ايه اللي بتقوله اساسا، أنتم عايزين مني ايه ؟!"
" قولهم إن الـ ..."
قاطعهم صوت المدير يقول بجدية :
" ها يا دكتور صالح، اتفضل احنا مستنيين رأيك بخصوص طرق التعرف على الجثث المجهولة "
سعل صلاح بخفة يحاول أن يجد أي كلمات يقولها، وقد شعر في تلك اللحظة برغبة عارمة في الهروب :
" هو يعني ...أنا من رأيي أن الحل الوحيد عشان نتعرف على الجثث المجهولة هو .....هو"
صمت ثم رأى الرجل الذي تحدث له منذ ثواني يبتسم، ليشير قائلًا ببساطة :
" نفس الحل اللي قال عليه الدكتور اااااا...الدكتور، أنا رأيي هو نفس رأيه بالضبط، وطبعا لاني بحترمه وهو قدوتي فأنا شايف أنه أفضل شخص يقول الحل "
وختم حديثه بتصفيقة حارة مبتسمًا يدعو الطبيب لتولي الحوار وقد فعل بكل ترحيب، وجلس صلاح بنفس الصعداء .
نظر له محمود بتقدير :
" أنت داهية "
رمقه صلاح بحنق، ثم ودون وعي تحركت يديه ليعدل خصلات شعره :
" وانتم مملين، ايه الشغل المقرف ده ؟؟ "
زفر محمود بقوة يقول بجدية :
" أنت بتعمل ايه ؟؟ متصلحش شعرك هتبقى شبهك، بعدين متقعدش كده مستقيم ومنتبه، صالح مش بيقعد كده في الشغل خالص "
رفع صلاح حاجبه يتساءل عن كيفية جلوس شقيقه، ليهمس له محمود بصوت منخفض :
" عايزك تاخد راحتك في الكرسي اوي، كأنك هتنام عليه، ارجع عليه بضهرك اوي ومد رجلك قدامك وأمسك أي قلم افضل خبط بيه على الترابيزة لغاية ما تنطرد من الاجتماع"
رمقه صلاح باستنكار شديد قبل أن يسترعى انتباهه صوت المدير يقول :
" ايه رأيك يا دكتور صالح تكون انت الممثل الخاص بالمستشفى بتاعتنا في المؤتمر بتاع شرم ؟؟"
فتح صلاح فمه يقول ببساطة :
" اكيـ "
لكن فجأة شعر بضربة تأتيه من الاسفل وصوت محمود يقول من أسفل أسنانه :
" أنت بتهبب ايه ؟؟ قوله لا هو مفيش غيري "
رمقه صلاح باستنكار شديد :
" أنت عبيط ؟؟ اقول لمديري لا هو مفيش غيري ؟؟"
" أيوة صالح بيقوله كده على طول "
" ما هو أصله مترباش، هو أنتم ماسكين ذلة على المدير ولا ايه؟"
رمقه محمود بتحذير :
" لو مش عايز تتقفش اعمل زي ما بقولك، صالح عمره في حياته ما كان هيوافق يروح مؤتمر عشان مش بيحب يقول خطابات "
زفر صلاح ثم نظر للمدير يقول بملامح حانقة :
" معذرة يا فندم ..."
ضربه محمود بغيظ :
" بالله عليك عمرك سمعت صالح بيقول معذرة؟؟ هو يعرف يعني ايه معذرة اساسا ؟؟ قوله بدون مقدمات مش هينفع "
زفر صلاح يشعر أن الأمر في غاية الصعوبة، أن يتحدث بهذا الاسلوب مع شخص يسبقه سنًا ومقامًا لهو أمر متعب :
" مش هينفع والله يا فندم، معلش شوف حد غيري "
هز المدير رأسه ببساطة وكأنه يتوقع أن يفعل ذلك، حمل صلاح زجاجة المياه يرتشف آخر القطرات بها، ثم نهض يبحث في المكان عن حاوية قمامة والجميع يراقبه بأعين متسعة، لينتبه لهم صلاح الذي لم يفهم سبب صدمتهم :
" أنا كنت بدور على ..."
توقف حين رأى نظرات محمود المحذرة ليفهم فورًا ما يقصد، ودون مقدمات عاد الطاولة ووضع الزجاجة أمامه وجلس بهدوء، وحين طالت له النظرات، أمسك الزجاجة والقاها أسفل الطاولة مبتسمًا لهم، ليعود الجميع لحديثهم بعدما اطمأنوا أنه بخير .
مسح صلاح وجهه يحاول أن يتمالك نفسه، وجسده يرتجف من كل ما يفعل بحقه، وفجأة وفي خضم كل ذلك انتبه لنظرات سجدة التي تحدق به في شك مريب جعله يتوتر أن تكشفه فهي من بين القليلين الذين يعرفون بوجود توأم لصالح .
لذلك فكر في شيء يجعلها تمحو تلك النظرات المرتابة عن عيونها، ولم يخطر أي رأسه سوى أن يجلس تلك الجلسة التي اخبره عنها محمود، يضجع بظهره للخلف ثم أمسك ورقة فارغ وأخذ يخط عليها خطوط عشوائية بملل وعدم اهتمام وحينما انتهى امسك الورقة والقاها ارضًا .
ومن بعدها بدأ ينقر بالقلم على الطاولة بشكل مزعج له قبل الجميع، وجسده يتوسله أن يتوقف عن كل تلك الأمور المخزية في حق نفسه .
لكنه فقط استمر ثم ابتسم لسجدة ببرود لتبعد هي عيونها عنه..
واخيرًا انتهى الاجتماع ليتنفس صلاح الصعداء ينهض عن مقعده يتمطأ بتعب ثم تحرك بسرعة خارج المكان مع محمود، يفتح الباب ثم ارتكن يتيح الفرصة للفتاة أن تخرج قبلهم مبتسمًا :
" اتفضلي "
نظرت له الطبيبة بدهشة، ثم تحركت خارج المكان بينما محمود يضرب كفًا بالآخر :
" بالله عليك يا مؤمن عمرك شفت صالح بيفتح الباب لست ؟؟ وبعدين ايه اتفضلي دي ؟؟ انت كده بتبوظ سمعة اخوك في المستشفى وهتخلي الكل يتعشم في ادبه وهو بيرجع في الآخر يكسر مجاديفهم بقلة أدبه"
زفر صلاح بحنق يشعر بأنه مسجون داخل جسد صالح، بهذا الشعر وتلك الثياب التي تشعره بمدى سخافته، ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت رنين هاتفه ..
اجاب بهدوء :
" الو .."
" الو صلاح، الحق رائد الله يكرمك ..."
_____________________
خرج من المطار واخيرًا بعد خمسة عشر ساعة في الرحلة، تمطأ صالح بتعب شديد يستنشق هواء الوطن، وجواره رانيا التي ابتسمت تقول :
"ياااه يا بلادي، وحشتني مصر اوي يا صالح "
نظر لها صالح ببسمة مستنكرة :
" عندك حق سبع ايام غربة مش شوية برضو، الإنسان حاسس أن كل حاجة حواليه اتغيرت، مصر مبقتش زي الاول يا رانيا "
كان صوته يظهر به حنين زائف ساخر، لكن رانيا لم تنتبه وهي تنظر حولها بكل جدية تبحث عن ذلك التغيير الذي يتغنى به، و صالح زفر يجذبها له وهو يشير لأحد السيارات حتى تتوقف :
" يلا يا رانيا نرجع لاحسن أنا مش قادر اقف على رجلي من كتر التعب "
نظرت له رانيا بشفقة لما تكبده اليوم بسببها، حتى وإن لم تقصد أن يصل بهم الحال لتلك النقطة، لكنه حدث وانتهى، لذا اقتربت منه تهمس :
" شكرًا يا صالح على كل اللي عملته عشان تسعدني بالإجازة وحقك عليا لو كنت عطلتك ولا عملت ليك مشاكل في الشغل "
ابتسم صالح بجذبها من رأسها صوب أحضانه يهمس لها بحنان ولين :
" أنتِ تؤمري يا رنوش وفداكِ أي شيء ياقلبي، يلا عشان نستريح شوية "
صعد الأثنان للسيارة التي اوقفها صالح يتحركون صوب منزلهم، وبعد دقائق طويلة توقفت السيارة أخيرًا ليهبط صالح ومعه رانيا، يتنهد براحة شديدة :
" واخيرًا رجعت البيت .."
في تلك اللحظة توقفت سيارة صلاح أمامهم يهبط منها بقوة ضاربًا الباب دون اهتمام، ثم سحب جسد رائد بغضب صارخًا:
" انزل يا رائد ومرر يومك على خير، هفضل احلّق على مصايبك أنت والبلوة التاني الباقي من عمري ولا ايه ؟! "
رفع صالح حاجبه يكمل جملته :
" يا ريتني ما رجعت "
فجأة انتفض حينما وجد صلاح يرفع رأسه له وقد كان في تلك اللحظة يشبهه بشكل مرعب، ابتسم صالح يرفع كفه لصلاح كي يحييه، لكن الأخير صرخ بغضب شديد :
" اهلا بالاستاذ التاني اتفضل يا حبيبي ادخل لما نشوف بلوة الزفت ده بعدين هعملك إعادة تأهيل يا معفن "
نظر صالح صوب رانيا التي كانت لا تفهم ما يحدث ولا هو حتى يفعل، ماذا حدث لكل ذلك ؟؟ هل اكتشف صلاح للتو صفاته ؟؟ ليس وكأنه يحيا معه طوال العمر .
__________________
تجلس في المنزل وهي تحمل أنس على يديها تراقب بلال وأميرة بأعين حريصة حتى لا تغفل عنهم، ترى الصغار يلعبون سويًا بكل هدوء ولطف عدا بعض الحوادث التي يفتعلها الصغير بلال ..
" بلال يا حبيبي سيب نضارة عمو عشان هتتكسر "
وضع بلال النظارة أعلى عيونه والتي تشبه بشكل كبير عيون صالح وصلاح، فالصغير أخذ من والده الكثير فأصبح نسخة مصغرة منه ومن زوجها، ابتسم وهو يرتدي نظارة صلاح، ثم نهض كي يتحرك بها في المنزل يمد يديه أمامه كالضرير الذي يتلمس طريقه في ظلماه الخاصة .
يبتسم بسعادة بينما أنس أعلى كتف ميمو كان يحاول القفز يحرك جسده لأعلى وأسفل يهتف مشيرًا صوب نظارة والده :
" بابا ..بابا "
حدقت به ميمو باستنكار :
" بابا ايه يا حبيبي ؟؟ هو أنت أي إنسان لابس نضارة يبقى بابا؟؟ ده مش بابا يا أنس "
لكن الصغير لم يتوقف عن التململ بين ذراعي ميمو يحاول النزول وصوته يخرج حانقًا غاضبًا :
" بابا "
تركته ميمو ارضًا كي لا يؤذها بسبب حركاته العنيفة، ليركض الصغير من فوره صوب بلال ينتزع نظارة صلاح منه بقوة ثم دفعه بقوة ارضًا، لتنطلق شهقة ميمو عالية في الوقت الذي فُتح به الباب ودخل الجميع واترفع صوت صالح تزامنًا مع ارتفاع صوت بكاء صغيره :
" عندك، مسكتك متلبس"
استدار بسرعة صوب صلاح يقول بغضب :
" هي دي الأمانة يا خويا ؟! بتعذبوا ابني وتضربوه ومش بعيد تكونوا مشغالين أميرة خدامة عندكم، بس خلاص كده ده اخر تعامل بينا، يلا يا حبايبي يلا نرجع بيتنا عمو مش بيحبنا "
انطلق له الصغار ليضمهم صالح بحب وشوق شديد وقد اشتاق لهم وبشدة، يجذبهم لصدره وهو يردد بنبرة درامية :
" خلاص يا حبايبي متخافوش بابا جه ينقذكم من عمو الشرير والكتعة مراته "
اتسعت أعين ميمو تشهق بصدمة وصلاح ينظر لصالح بتشنج :
" ياريت والله أنت كده بتنقذنا احنا من عيالك وخاصة القرد الصغير ده، ده لغاية دلوقتي مكسر ليا نص فناجين القهوة بتاعتي وقطعلي مقالة خمس مرات كل ما اكتبها "
حمل صالح صغيره ينظر بأنف مرفوع لشقيقه رافضًا أن يتهم طفله البرئ بشيء كالتخريب :
" اولا عيالي محترمين ومتربيين احسن تربية، وعشان كده مهانش على ابني ضنايا وحبيبي يشوف عمه اللي شبه أبوه بيشرب قهوة ويدمر صحته بيها، وبالنسبة للمقالة اللي قطعها فأكيد لأنها كانت هتضرك أو مستواها ردئ، لعلمك ابني عنده حس ادبي عالي زيي كده، وكل اللي عمله عشان مصلحتك "
ختم حديثه يقبل بلال بشكر وكأنه اقتنع بكذبته الخاصة :
" حبيبي شمعة تحترق لأجل الآخرين "
زفر صلاح يردد بغيظ :
" طب خد الشمعة بتاعتك وروحوا سيحوا على جنب، لما اشوف بلوة التاني"
كان يتحدث وهو ينظر بعيونه صوب رائد والذي كان صامتًا لا ينبث بكلمة واحدة وكأنه غير مهتم بما يحدث حوله، يجلس على الأريكة واضعًا قدم فوق الأخرى دون اهتمام بالجميع، حتى سمع فجأة صوتها في الجوار لتتحفز كامل حواسه وصوت تسبيح يصدح باكيًا :
" رائد ..أنت كويس ؟؟"
انتفض رائد عن مقعده يمسك يد تسبيح بين كفيه وهو ينظر لها بحنان :
" مالك يا توتا بتعيطي ليه ؟! أنا كويس والله دي كانت مشكلة وحليتها"
تدخل صلاح بغضب :
" مشكلة ملكش علاقة بيها يا رائد تدخل فيها ليه ؟! دول اخوات وبيتخانقوا مع بعض على الورث أنت تتدخل ليه، وبعدين العيلة كلها معروفة أنها بتاعة مشاكل "
نظر له رائد ينفخ بغيظ شديد:
" يعني واحد جالي بيتي وطلب مساعدتي وقالي أن اخوه معاه سلاح ورافعة عليهم، اسكت يعني ؟؟ ده شغلي يا صلاح"
" لا متسكتش بس تتصرف بعقل، تتصل بالوحدة بتاعتك، من امتى وأنت متسرع ؟؟ سيبت ايه لصالح يا رائد لما أنت تعمل كده ؟؟"
كان صالح يتابع كل شيء باهتمام ليعلم ما حدث، لكن فجأة نظر باستنكار صوب صلاح :
" هو ايه اللي سيبت ايه لصالح ؟؟ ده على اساس صالح ده ايه بالضبط ؟!"
" معفن ."
كانت كلمة صرخ بها صلاح في وجه شقيقه، ثم اقترب منه يردد بغيظ شديد :
" أنت محتاج إعادة تربية، ايه اللي أنت بتعمله مع الناس في الشغل ده ؟؟ "
" عملت ايه ؟؟ أنا علاقتي طيبة بالكل على فكرة "
" طيبة ؟؟ والله أنت اللي طيب، ده يا عيني تحسهم مصدومين اني بعاملهم باحترام وهدوء، ده واحد عيونه كانت هتدمع من الفرحة وانا بقوله حضرتك "
نظر له صالح ثواني باستنكار شديد قبل أن يتشدق بحنق :
" وأنت بتعاملهم بهدوء ليه ؟؟ أنت عايز تبوظ حياتي في شغلي ولا ايه؟! افرض اتعشموا فيك هضطر أنا اعيش الباقي من حياتي اتصرف زيك كده ؟؟"
" تتصرف زيي ؟؟ ومالك بتقولها بقرف كده ليه يا معفن؟؟ أنت تطول ؟؟"
" اطول ايه أنت مش شايف حياتك عاملة ازاي يا جدع انت، يا ممل، بص على وشوش عيالي المساكين، العيال وشهم انطفى وانا كنت سايبهم مزهزهين اكيد من الملل والرتابة، أنا هاخد عيالي وامشي من هنا قبل ما يحصلهم حاجة"
فجأة شعر صالح بمن يجذب بنطاله، فنظر للاسفل ليجد أنس يبتسم له وهو يمد له نظارة صلاح ظنًا أنه والده ليلتقط منه صالح النظار ويرتديها، ثم مال وحمل أنس على يده الأخرى يشير بعيونه لرانيا :
" يلا يا عيال ملناش قعاد هنا، عمو مش بيحبنا ولا بيطيقنا"
ختم حديثه يحمل الصغار ويخرج من المكان وخلفه رانيا التي ابتسمت لميمو تشير لها بيدها :
" بكرة نتجمع واحكيلكم على اللي حصل "
كان صلاح ما يزال ينظر بصدمة لما حدث لا يستوعب ما فعل شقيقه، فجأة حينما كان يصرخ به تبخر آخذًا معه عائلته وصغيره الأبله الذي ظنه هو فقط لأنه يرتدي قميص اسود ..
تحدث رائد وهو يضم تسبيح له بحب :
" يلا احنا كمان يا توتا عشان نروح، بدل ما الإجازة راحت على الفاضي كده "
نظرت له تسبيح مبتسمة، ثم استأذنت منهم تخرج مع رائد والذي لم يكن صلاح قد انتهى حتى من الحديث معه، وهو تجاهل الأمر كأنه لم يكن في معركة منذ ساعات قليلة .
وخلى المنزل ولم يتبقى به سوى صلاح وميمو التي نظرت للباب المغلق والمنزل الذي يعمه الهدوء لتقول :
" بس كده، اليوم خلص ؟؟"
نظر لها صلاح ثواني قبل أن ينفجر ضاحكًا لا يدري على جنون شقيقه وعبثه الدائم، أم على حياته الغريبة، لكنه فقط استمر في الضحك :
" أيوة الماراثون خلص الحمدلله ونقدر نلتقط الأنفاس "
ختم حديثه يلقي بجسده على الأريكة وهو يفتح ذراعه لميمو التي تحركت لتنضم له وتستند برأسها على صدره بحب شديد وهو تنفس بصوت مرتفع يقول :
" تفتكري يا ميمو لو كانت حياتنا هادية عادية زي باقي البشر مفيهاش كل الناس دول ولا دوشتهم كنا هنرتاح ؟!"
نظرت ميمو لوجهه ثواني ثم قالت ببسمة :
" أنت عمرك ما كنت هترتاح لو هما مش في حياتك يا صلاح "
ابتسم لها صلاح يقول وهو يغلق عيونه بتعب :
" عندك حق، يمكن متعة رحلتي في الرفقة اللي معايا، بس احيانا بحس إني عايز امسك الرفقة دي ارميهم من قطر الرحلة واعدي عليهم اسفلتهم "
أطلقت ميمو ضحكات عالية تدرك جيدًا ما يقصد، صلاح يحب الجميع بلا استثناء رغم ضيقه من بعض تصرفاتهم، لكنه لا ينفك يعبر عن حبه ودفاعه المستمر عنهم .
صمتت تستمع بالهدوء أخيرًا بعد أيام من ضوضاء صغيرها وصغار صالح، تستمتع بقرب صلاح بعد يوم طويل مرهق، تبتسم وهي تتذكر اتصال نيرمينا لها وهي تبكي خيانة نادر لها، واتصال نادر بشكل مرئي يخبرها أنه لم يفعل شيء بالله كيف يخونها، بالطبع لن يخونها بالاشارات .
لتتدخل نيرمينا في الحديث صارخة بغيظ باكية :
" مش لازم تتكلم عشان تخوني، النظرات تكفي يا استاذ نادر وأنت كل يوم تتعامل مع ستات شكل "
أشار لها نادر بأصابعه في حدة وكأنه يصرخ في وجهها :
" نظرات ايه وتعامل ايه ؟؟ وانا هتعامل ازاي معاهم ؟؟ أنا شغلي بعيد عنهم أنا براجع اوراق وعقود بس ومش بتعامل مع حد، واللي شوفتيها دي كانت سكرتيرة عايزة ورق مني، ده انا مش بعرف اكلمها وبفضل اكتب ليها اللي عايزة ازاي هعاكسها، وهي هتبص لواحد مش عارف يتكلم ليه ؟؟"
ختم حديثه وهو ينظر لها بغيظ وشر كبير وهي تحدق به قبل أن تنفجر في البكاء تلقي نفسها بين أحضان نادر :
" متقولش كده عن نفسك، أنت حلو وكل البنات تتمنى تعاكسهم يا نادر "
تنهد نادر بصوت مرتفع وهو يربت على ظهرها يدرك أن تلك الهرمونات التي تتلاعب بها ستكون سببًا لجنونه قريبًا، ارتفعت ضحكات ميمو والتي كانت تراقب بصمت دون أن تتحدث تغلق المكالمة وهي تهز رأسها يائسة منهما ..
أفاقت على صوت صلاح وهو يقول :
" روحتي فين ؟؟"
" كنت بفكر في انهاردة، كان جدولي مزدحم بالمشاكل الصبح سعيد وزهرة واخر النهار نادر ونيرمينا "
ضحك صلاح يضمها له بحب لصدره ثم تنهد يقول :
" الحمدلله اليوم خلص ودلوقتي نقدر نرتاح و...."
صمت ينظر حوله وكأنه لم يستوعب بعد ما حدث على مرأى ومسمع منه ومن الجميع منذ دقائق ..
" هو انس فين ؟؟"
" أنس ايه يا صلاح؟ ما صالح اخده معاه قدام عيونك من شوية "
اتسعت أعين ثلاح ينتفض عن الأريكة صارخًا:
" ابني أنا في قبضة صالح ؟؟"
ولم تكد ميمو تجيبه حتى انطلق صلاح صوب الباب وهو يصرخ باسم صالح يطالبه بتحرير صغيره وتركه وشأنه، وهي تركض خلفه تطلق ضحكات صاخبة على مظهره وهو يطرق الباب يصرخ بشقيقه أن يخرج طفله من ذلك المستنقع، مهددًا إياه أنه سيأخذ صغاره كذلك ويعيد إصلاحهم .
وميمو تقف خلفه تضحك بصوت مرتفع وهي تحاول ابعاده عن الباب لكن صلاح رفض وهو يطرق ويصرخ، ومن الداخل أخذ صالح يجيبه بالرفض أنه لن يحرر طفلًا واحدًا، ويلقيه بيده صوب ذلك العالم الكئيب الذي يعيش به .
وهكذا دارت المعركة بين الشقيقين على جانبي باب منزل صالح، كلٌ يدافع عن طريقته وفكرته في التربية، وكلاهما يصرخ في الآخر......
لتنقضي ليلة أخرى على الجميع بين صراخ وشجار، لكنهما ورغم كل شيء كانا محببان للقلب .
فلا يهم إن كنت ألفًا أو كوز ذرة، في النهاية أنت تحمل فائدة كبيرة لمن يحيطون بك، أنت لست هامشًا في حياة أحد، ولست عاملًا مساعدًا في معادلة احد، بل أنت... مهم لنفسك قبل الجميع .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
ما بين الألف وكوز الذرة (مكتملة ) الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم Rahma Nabil
الحلقة الخاصة اتكتبت بناءً على رغبة البعض، وهي فقط للتسلية حيث آخذكم في زيارة لعائلة صالح وصلاح..
فقط للاستمتاع ليس إلا
وانتظروا الفصل الاول من رواية ( مملكة سفيد ) يوم الاثنين " بعد غد " الساعة السابعة مساءً باذن الله .
صلوا على نبي الرحمة
________________
يمسك يدها وهو يسير معها صوب منطقة التفتيش قبل صعودهم للطائرة، يحاول احتواء بكاء وتذمر زوجته التي بدت كما لو أنها على وشك الالتحام بذرات رمال هذه البلاد .
" طب يوم واحد كمان يا صالح الله يكرمك، ملحقتش اشبع "
ابتسم صالح يحاول ألا يفقد صبره :
" معلش يا رانيا، مقدرش والله انا واخد اسبوع إجازة بالعافية والمفروض كنت رجعت امبارح، بس أنتِ عارفة اللي حصل، وانهاردة عندي اجتماع الساعة ٩ بليل مهم، فلازم الحق "
تذمرت رانيا تحاول البقاء ساعة أخرى لشراء بعض الاشياء لها :
" طيب ما هو لسه بدري على ٩ يا صالح، ده الساعة دلوقتي ١ الصبح "
" فيه فرق توقيت ٦ ساعات، يعني دلوقتي في مصر الساعة ٧ الصبح، فلو اتأخرنا شوية مش هنلحق نوصل . "
تنفست وقد خضعت واخيرًا لحديثه تتقدم معه صوب منطقة التفتيش، وضع الحقائب التي كان يجرها أمامه على حامل معدني، ثم نظر لرانيا ببسمة يحاول أن يراضيها :
" متقلقيش يا روني بإذن الله هجيبك تاني و.."
فجأة توقف عن الحديث حين سمع صوت حاد يصدر من ظابط التفتيش والذي كان يحمل بين يديه عبوة زجاجية بها مادة بيضاء، ضيق صالح عيونه لا يفهم ما يقول ذلك الرجل ليحدثه بالإنجليزية :
" عفوًا أنا لا افهم ما تريد، هل تتحدث الإنجليزية ؟!"
نظر له الرجل قبل أن يشير لرفيق له من بعيد وهو يقول بكلمات غير مفهومة وصالح بدأ يشعر بالريبة مما يحدث، ورانيا تراقب ما يحدث بأعين متسعة لا تفهم ما يجري.
لحظات واقترب منهم رجل آخر وأخذ يتحدث مع مفتش الحقائب بلغتهم، ثم نظر لصالح نظرة من أمسك بقاتل خطير وهو ينبث بلغة إنجليزية بشعة لكن على الأقل يفهمها صالح :
" ما هذا ؟؟"
نظر صالح حيث يشير صوب تلك العبوة الزجاجية، ليردد هو الآخر ببلاهة :
" ماذا ؟؟ لا ادري حقًا، ربما زوجتي هي من احضرته "
قال الرجل بشك وبكلمة واحدة فقط :
" مخدرات ؟!"
اتسعت عيون صالح بصدمة وقد تشنج وجهه يردد وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه:
" ماذا ؟؟ مخدرات ؟؟ لا بد أنك مخطأ "
" إذن ماهذا ؟؟"
رفع صالح يديه في الهواء يردد بهلع :
" لا اعلم ما هذا؟؟ "
نظر صوب رانيا يصرخ في وجهها بجنون :
" ما هذا انطقي يا بلوة ايه اللي جيباه ده ؟؟"
قالت رانيا بخوف مما يحدث :
" ده ...ده دقيق سنغافوري يا صالح "
ارتفع طرف شفاة صالح وهو ينظر لها هاتفًا بصخب وجنون :
" دقيق ايه يا ختي؟؟ من قلة الدقيق في مصر ؟؟ أنتِ عايزة تشليني ؟؟"
" ايه يا صالح بتزعق ليه انا اتوحمت عليه يا اخي "
شد صالح خصلات شعره وهو يضحك بعدم تصديق :
" اتوحمتي على دقيق ؟؟ ايه حامل في فطاطري ؟؟ البسي بقى قضية تجارة وتهريب مخدرات لغاية ما يتنيلوا يثبتوا أنه دقيق "
نظرت له رانيا بغيظ شديد من صراخه :
" أنت بتزعق ليه دلوقتي ؟؟ أنا ايش عرفني أنهم هيعملوا كده، وسع كده انا هتفاهم معاهم "
وبسرعة دفعت صالح جانبًا، ثم اقتربت من مفتش الحقائب تنزع من يديه العبوة الزجاجية بلهفة وهي تفتحها تقول ببساطة :
" اسمع يا سيد هذا مجرد دقيق، لحظة واحدة فقط سأريك "
وقبل أن تفتح العبوة أو تقوم بحركة واحدة وجدت أسلحة الرجال تُرفع في وجهها وهم يصرخون فيها بكلمات غير مفهومة، نظرت لهم رانيا بخوف تضع العبوة أمام الرجل، ثم تراجعت تختفي خلف صالح تهمس له بصوت منخفض :
" قولهم اني بس كنت عايزة اعمل قُرص سنغافورية والله "
نظر صالح أمامه للأسلحة ثم وفجأة وجد العديد من الرجال يطوقونهم ظانين أنها مادة مخدرة كانت ستنثرها رانيا في وجوههم :
" قُرص سنغافورية ؟؟ ده أنتِ في حياتك مش هتشوفي قرص تاني غير القرص اللي خالتك هتيجي توزعها عند قبري وقبرك ..."
___________________________
" هتفضل تزعق كتير كده ؟؟ صدقني مش باجي بعلو الصوت، جرب كده تعاملني بحنان هديك عنيا "
كانت تلك جملة ميمو التي القتها في وجه سعيد والذي هجم على منزلها منذ الصباح يصرخ في وجهها كالمجنون متهمًا إياها بتخربيها لحياته وتدخلها بها ..
" أنتِ ايه يا شيخة مفيش دم خالص ؟؟ قولتلك ملكيش دعوة بزهرة، يا حقنة يا خرابة البيوت "
نظرت ميمو صوب منزلها حيث ينام صلاح في الداخل، ثم قالت بصوت منخفض :
" سعودي عيب كده، جوزي نايم جوا، كده ياخد عني فكرة غلط "
شعر سعيد بقرب انفجاره بسبب تلك السيدة الباردة :
" هي كلمة واحدة، والله يا ميمو لو حاولتي تحرضي مراتي عليا تاني أنا هروح فيكِ في داهية، ومش هيهمني اللي هيحصل "
نظرت له ميمو ثواني بملامح غير راضية البتة عن صراخه، ثم قالت بكل برود :
" خلصت ؟؟ أنا اساسا مشوفتش مراتك ولا كلمتها من اسبوع يا حبيبي ولا اعرف عنكم حاجة وعايشة في سلام مع عائلتي الصغيرة كافية سعيد شري، إنما أنت اللي شكلك تموت في المصايب وحاببني ارجع أدب عيني في حياتك"
" يعني ايه ؟؟ مش أنتِ اللي كلمتيها من يومين في التليفون وخرجت نكدت عليا بسببك ؟؟"
ضيقت ميمو عيونها تفكر فيما يقول :
" أنت عارفني لو أنا هاجي جري عشان اقولك واشوفك وانت بتنفجر، لكن المرة دي مش انا والله "
شعر سعيد بالصدمة، إن لم تكن ميمو من أفسدت يومه، فمن فعل إذن ؟؟ مسح وجهه يشعر بالحيرة، ألقى جسده على الأريكة يردد ببهوت :
" طب ايه اللي حصل عشان النكد اللي عايش فيه بقالي يومين ؟؟ أنا مش فاهم مالها، ليه بيحصل معايا كده ؟؟ "
جلست ميمو أمامه تراقبه بشفقة قبل أن تقول :
" مش عارفة ليه الدنيا تيجي على واحد زبالة زيك كده، يارب الحياة مش سايبة حد في حاله "
زفر سعيد بغيظ شديد، ثم مسح وجهه يقول محاولًا تذكر كل ما فعله في الأيام الأخيرة، يعيد شريط حياته فقط ليعلم إن فعل دون قصد ما يحزنها :
" أنا كل الايام اللي فاتت معملتش حاجة والله وكنا عايشين في سلام، ومرة واحدة لما رجعت من برة جالها اتصال قلب حالها وانا ...أنا مش حابب تكون زعلانة مني أو شايلة مني "
نظرت له ميمو بحيرة، هي بالفعل لا تتدخل في حياتهم بهذا الشكل الذي قد يتسبب في مشاكل بينهما، هي فقط ربما تمزح وتهدده بإفساد حياته إن فعل ما يعجبها، لكنها لا تفعل، ولن تفعل، فهي لا تود أن تراه بهذا الشكل، يكفيه ما رأى في حياته .
ربتت ميمو على كتفه بحنان وكأنها تتحدث مع أنس صغيرها :
" متزعلش يا سعيد اكيد مخنوقة من شغلها، اعذرها بتشوف كل يوم حالات وتسمع مشاكل ناس وتقابل أشخاص زيك كتير، الله يكون في عونك "
نظر لها سعيد يضحك من بين ملامحه المحتارة :
" ناس زيي ؟؟"
" ناس مرضى نفسيين أقصد "
" لا كتر خيرك على التوضيح "
ضحكت ميمو بصوت عالٍ على ملامحه الحانقة، لتقول بهدوء وهي ما تزال تربت على كتفه :
" روح كلمها يا سعيد واعرف منها اللي حصل، بلاش تفضل تضرب أخماس في اسداس كده من بعيد لبعيد، الست بتحب أن لما تكون زعلانة، أنك تكون مهتم وتقولها زعلانة ليه، تبين ليها أنك حاسس بزعلها مش عايش على الله "
رفع سعيد عيونه لها يفكر في حديثها، قبل أن يهز رأسه:
" حاضر يا ميمو هفوت على المطعم اشوف الشغل بعدين اطلع ليها على المستشفى هي انهاردة هناك "
نهض عن الأريكة يعدل من وضعية ثيابه ثم خصلاته، وتحرك بعيدًا، لكنه عاد مجددًا يمنح ميمو عناق صغير، ثم استقام مبتسمًا :
" أنا كنت عارف أنك معملتيش حاجة، بس مكنتش لاقي غيرك أفرغ فيه عصبيتي "
ابتسمت له ميمو وهي تربت على وجنته بشبه ضربات :
" عارفة يا سعودي، أنا برضو مش بلاقي حد غيرك امرمطه معايا لما اكون متعصبة "
ضحك لها، ثم غمز يردد بجدية :
" اعتقد اني متقبل الموضوع طالما هتسمحي ليا ابهدلك في مشاكلي، ودلوقتي سلام عشان متأخرش، دعواتك "
ابتسمت ميمو تراقب تحركه خارج المنزل مرددة :
" روح يابني ربنا يكتب لك في كل خطوة سلامة، وتتهد وتبطل مشاكل "
سمعت صوت الباب يُغلق لتتنهد بتعب تتحرك صوب غرفتها مع صلاح، تدرك أنه استيقظ على صوت صرخات سعيد، اقتربت من الفراش تداعب خصلاته، ثم مالت تقبل وجنته بحب وهو ما يزال مغلق العين مبتسمًا :
" صباح الخير يا صلاح "
"صباح النور يا ميمو، سعيد مشي خلاص ؟؟"
" أيوة مشي، تحب اعملك فطار دلوقتي ؟؟"
هز صلاح رأسه لها :
" لو مش هتعبك معايا "
ابتسمت له تداعب خصلاته بحنان شديد :
" مفيش تعب ابدا يا صلاح طالما الموضوع متعلق بيك "
ابتسم لها صلاح وكاد يجيبها لولا سماعه لرنين الهاتف جواره، امسكه ليبصر رقمًا دوليًا فلم يخطر على باله سوى صالح، سمع صوت ميمو تخبره أنها ستذهب لتحضير الفطور حتى ينتهي .
اجاب صلاح على الهاتف :
" الو .."
" صلاح، أنا صالح "
اعتدل صلاح في جلسته يقول بجدية :
" أيوة يا صالح، ايه الأخبار عندك، لقيت طيارة بدري ؟!"
نظر صالح حوله وهو يجلس في مكتب التفتيش داخل المطار وأمامه تجلس رانيا :
" أيوة يا صلاح، بس حصلت مشكلة كبيرة معايا، ودلوقتي أنا في مكتب التفتيش في المطار بسبب مشكلة ومفكرين اني مهرب مخدرات وهو اساسا دقيق سنغافوري عشان القرص السنغافورية"
شعر صلاح بالبلاهة مما يسمع ما هذا السنغافوري والسنغافورية؟؟ ما الذي يهذي به صالح الأن ؟؟
" يعني ايه مش فاهم، أنت فين دلوقتي يا صالح ؟!"
زفر صالح بصوت خافت وقد بدأت النيران تشتعل داخله مما هو به، يا الله هذا ما ينقصه أن يتوقف في مطار سنغافورة بتهمة تهريب ممنوعات وكل هذا بسبب زوجته الحبيبة التي تجلس أمامه تبتسم له بغباء ...
" أنا في مطار سنغافوره لسه يا صلاح، بس اسمعني عشان أنا اساسا المفروض كنت رجعت من امبارح بس حصل تأخير بسبب الطقس وأنا كنت عامل حسابي اني أرجع بدري، وبلغتهم في الشغل اني اساسا في مصر "
صمت يتنفس بصوت مرتفع ثم قال :
" ومن حظي الجميل انهاردة فيه اجتماع مهم وأنا المفروض احضر "
مسح صلاح وجهه يحاول أن يستفيق بالكامل من نومته :
" طب يا صالح اتصل بيهم واعتذر عنه يعني هتعمل ايه ؟؟"
" مش هينفع صدقني مش هينفع يا صلاح، لأن لو حصل ده انا ممكن اتعرض لمشاكل كتير اوي في شغلي لأن أنا اساسا واخد إجازة بالعافية واتأخرت فيها، وشغلي مش عادي عشان اتخلف عنه، دي حياة أو موت "
وصل له صوت تنهيدات صلاح الذي يحاول التفكير في مساعدة أخيه، لا يشغله أمر ذلك الاجتماع بقدر ما يقلق على أمر توقيفه في المطار والذي لا يرهق به صالح عقله، ويتعامل معها بكل بساطة وكأنه لا شيء :
" طب والعمل يا صالح، هنعمل ايه ؟!"
بالطبع كان يقصد أمر ورطته في سنغافورة، لكن كما يقال كلٌ يبكي على ليلاه، تفكير كل شخص يدور في نطاق ما يؤرقه، لذلك قال صالح بعدما فكر جيدًا :
" مش انا قبل كده من سنين ساعدتك وانقذت سمعتك وروحت بدالك مؤتمر اسكندرية ؟؟"
" أنقذت سمعتي ؟؟ ده أنت مرمغت بسمعتي الأرض، يا ريتك يا اخي ما روحت وقتها "
" متدخلنيش في تفاصيل كتير، المهم اني ضحيت بمكانتي كدكتور وروحت احضر حاجة لا أفقه بها شيء عشانك، ودلوقتي جه دورك ترد ليا جميلي "
تحفظت جميع حواس صلاح لما يصدر من جهة شقيقه :
" أيوة يعني عايز ايه معلش ؟؟"
ابتسم صالح يقول ببساطة وكأنه يدعو شقيقه لحفلة عيد ميلاد وليس اجتماع مهم كهذا :
" تروح بدالي الاجتماع يا صلاح ...."
_________________________
هبطت من السيارة ثم مالت بجسدها تخرج الصغيرة، تحملها بين ذراعيها، ثم رفعت عيونها صوب الشركات أمامها تتنهد براحة وهي تنظر للصغيرة :
" وصلنا يا زوز "
انزلت نيرمينا زينب ارضًا، ثم داعبت وجنتها بحب، استقامت تشدد من قبضتها على الحقيبة سعيدة وبشدة أنها أخذت اليوم إجازة من عملها وقررت أن تقضيه بالكامل مع نادر .
دخلت الشركة وهي تسحب خلفها الصغيرة ثم تحركت صوب المصعد، لكن وقبل أن تدخل له سمعت صوتًا خلفها ينادي باسمها :
" نيرمينا ؟؟"
استدارت نيرمينا بتعجب لمعرفة أحد هنا هويتها وهي التي لم تطأ تلك الشركات منذ سنوات طويلة .
وفي غفلة منها تحركت زينب لداخل المصعد دون أن تشعر بها نيرمينا، ثم أخذت تقفز لتضغط على الازرار المضيئة بفضول شديد .
كل ذلك ونيرمينا في الخارج تتحدث مع ذلك الرجل بعدم فهم :
" معذرة بس أنا أعرف حضرتك !!"
ابتسم لها الشاب يحاول إنعاش ذاكرتها حول هويته، لكن نيرمينا كانت تود الهرب منه :
" أنا آسفة والله بس انا فترة الجامعة فعلا مكنتش إجتماعية اوي عشان اعرف حد غير كام واحدة من صحباتي "
ابتسم لها يبتلع احراجه من حديثها، لكنها لم تعبأ حقًا، فهو من أوقفها بهذا الشكل السخيف في منتصف الشركة ويتحدث معها بكل أريحية، ابتسمت بسمة صغيرة تقول بهدوء :
" عامة يعني اتشرفت بيك يا استاذ ..."
" جاسر "
" أيوة اتشرفت بيك يا استاذ جاسر و..."
وقبل أن تختم جملتها شعرت بيد تلتف حول خصرها كالحية ومن ثم شعرت بتلك الحية تجذبها لجسد صلب ضاغطًا على خصرها بقوة، استدارت نيرمينا فجأة صوب نادر والذي عرفته دون الحاجة لرؤية وجهه، بسبب رائحة عطره .
ابتلعت ريقها حين أبصرت نظراته لها، وهو ابتسم بسمة مخيفة، ثم حدق بذلك الشاب يسأله بعيونه عما يريد ليتنحنح جاسر قائلًا :
" أنا بس كنت ..كنت حابب اسلم على نيرمينا مش اكتر يا فندم هي كانت زميلتي في الجامعة و....عن اذنكم "
انسحب من أمامهم بسرعة تاركًا نادر يلاحقه بنظرات مخيفة، ليشعر بنرمينا تجذب وجهه لها تحاول أن تبتسم كي تنسيه ما حدث :
" صباح الجمال يا نادر يا قمر أنت، هو أنت احلويت النهاردة ولا أنا متهيألي ؟؟"
نظر لها نادر قبل أن يبتسم لها بسمة باردة ثم أشار بأصابعه :
" لا، أنتِ كدابة "
ختم حديثه لتشهق نيرمينا ببراءة تقول :
" لا لا يا نادر، ليه كده يا اخي، على فكرة أنا بتكلم بصدق، طب اسأل زوز وهي هتقولك أنك زي القمر كل يوم، مش كده يا زوز ؟!"
نظرت خلفها تأخذ رأي صغيرتها التي لا تتوانى عن التغزل ومدح والدها، لكن ولصدمتها لم تبصرها، شعرت نيرمينا بالفزع وهي تنظر حولها :
" زوز...زينب ؟؟ زينب أنتِ فين يا قلبي ؟؟"
فجأة بدأ الهلع يظهر في نبرة صوتها خائفة وبشدة :
" زينب ... زينب يا نادر، زينب كانت ...كانت هنا كانت لسه جنبي. ..زينب فين ؟؟ يا زينب "
كانت تدور حول نفسها صارخة برعب وقد شحب وجهها، تقرع نفسها لانشغالها عن طفلتها، بينما نادر شعر بالرعب وهو ينظر حولها، يتحرك في كل مكان بالجوار ليفشل في إيجادها .
عاد صوب نيرمينا التي كادت تفقد عقلها وهو يمسك وجهها يجبرها على النظر له مشيرًا بأصابعه :
" اهدي ..اهدي هنلاقيها، هي عمرها ما هتخرج من الشركة الحراس برة ومش هيخرجها لأنهم عارفينها"
نظرت له باكية :
" أنا السبب كانت معايا وغفلت عنها يا نادر "
أشار لها بحب :
" لا ياقلبي هي ..هي بخير اهدي ماشي؟ تعالي معايا "
أمسك بيدها يسحبها صوب المصعد بسرعة كي يذهب بها لقسم المراقبة ويبحث في كاميرات المراقبة كي لا يضيع وقتًا .
وحينما وصل دخل لهم ثم أشار لنيرمينا بأصابعه :
" قولي ليهم يرجعوا الكاميرا للوقت اللي دخلتي فيه الشركة "
هزت نيرمينا رأسها تخبرهم ما قال نادر وبدأت أعين الجميع تدور حول شاشات المراقبة ليبصر الجميع الصغيرة تصعد للمصعد الكهربائي، والذي توقف بها في الطابق الخامس .
ركض نادر بسرعة كبيرة تتبعه نيرمينا وهي تهتف باسم صغيرتها، دخل الأثنان للمصعد وعيون مختار تراقب الارقام وبمجرد أن توقف المصعد في الطابق الخامس حتى اندفع منه يفتح فمه في محاولة يائسة لنطق اسم صغيرته لكن كل ما خرج منه هو احرف متفرقة فقط كطفل يتعلم الحديث ..
ركضت خلفه نيرمينا وهي تبكي بخوف على صغيرتها، أخذ نادر يقتحم المكاتب حتى أبصر صغيرته تجلس على أحد المقاعد تتناول حلواها.
صرخت نيرمينا باسم زينب مرتعبة :
" زوز حبيبة قلبي ..."
انحنت على قدمها كي تلتقط الصغيرة، لكن زينب لم تبصر سوى نادر الذي كان يقف على الباب يتنفس الصعداء ..
ركضت زينب بسرعة صوب الباب لتعتقد نيرمينا أنها تركض لها، لكن زينب تخطتها بكل براءة وهي تضحك بصوت صاخب تلقي نفسها بين أحضان نادر الذي تلقفها بحب وهو يقبل وجنتيها بحب شديد هامسًا بأحرف متقطعة في محاولة يائسة لنطق اسمها وهي تبتسم وهي تمسك وجه والدها تميل عليه تقبله .
وهو يطلق ضحكات صامته يشير لها باصابعه للإشارة الوحيدة التي تفهمها منه :
" بحبك "
وزينب لم تتواني عن الإشارة له كذلك وتستعرض مهاراتها في فعل نفس الحركة :
" بحبك "
كل ذلك ونيرمينا تراقب ما يحدث تشعر أنها منفية، فركت وجهها بحنق شديد تردد :
" دي ندالة، أنا اللي عيطت عليكِ على فكرة "
لكن ايًا من الاثنين لم ينتبها لها وهما يتضاحكان بحب شديد، وهي فقط تراقبها بصدمة مبتسمة بعدم تصديق قبل أن تصرخ بغضب كبير :
" تمــام اشبعوا ببعض "
تجاهلتهم وهي تخرج من المكان تلوح بيديها غاضبة كالطفلة وقد بدأت دموتها تسقط :
" أنا هروح عند سعيد، هو الوحيد اللي بيحبني في الحياة دي، ومحدش غيره بيحبني، والله لاسيب ليكم البيت وامشي، وانا اللي طول الليل بخطط للخروجة "
كانت تتحدث باكية متحركة، صوب المصعد، دخلت وهي تمسح دموعها بقوة، لكن وقبل أن ينغلق المصعد وجدت نادر يركض صوبها وهو يحمل زينب يضمها لصدره وبقوة، وبمجرد أن دخل الأثنان انغلق المصعد ليبتسم نادر بانتصار شديد يضرب كفه بكف صغيرته، ثم اقترب نادر من نيرمينا يقبل وجنتها بحب، وكذلك فعلت الصغيرة، رفع أصابعه بإشارة ( أحبك) وكذلك فعلت الصغيرة .
ضحكت نيرمينا بصوت مرتفع وهي ترى تصرفات الاثنين لتقول وهي تجفف دموعها :
" خلاص ماشي، يلا عشان نروح البكنيك "
خرجوا من المصعد لتجد الحقائب ما تزال في نفس المكان حيث تركتها قبل الركض للبحث عن الصغيرة، نظرت لعائلتها الصغيرة بحب شديد وسعادة :
" يلا يا شباب .."
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة توقفت فجأة على صوت أنثوي خلفها يردد بنبرة جادة :
" مستر نادر لحظة لو سمحت "
توقفت نيرمينا تترك الحقائب لتسقط ارضًا بقوة، ومن ثم استدارت ببطء صوب الخلف لتبصر تلك الجميلة الرقيقة وهي تركض صوب زوجها تنظر له بلطف ورقة، أو هكذا تخيلت هي ....
حقًا ؟؟
_______________________
" يا تسبيح والله ما اعرف هو عايز ايه، أخرج برة اطرده عشان ترتاحي ؟؟"
تراجعت تسبيح للخلف حينما أبصرت غضبًا متقدًا في عيون رائد، لكنها تخشى عليه من أن يتأذى في مشاكل ذلك الرجل التي لا تنتهي، فالجميع في المنطقة يدرك أي نوع من الأشخاص السيئين هو.
" لا يا رائد والله مش قصدي، بس ... أنت يعني عارف الحوارات اللي بيعملها عشان كده خايفة يدخلك في موضوع ويعلمك مشاكل "
تنفس رائد يشعر بالغضب، ليس من تسبيح بالطبع، لكن من كل شيء حوله، أيامه في الآونة الأخيرة كان يقضيها في عمله دون أن تُتاح له فرصة الجلوس مع عائلته، وحينما أشفق عليه مديره وأعطاه إجازة جاءه ذلك الرجل يستغيث به ليساعده .
اغلق ازرار القميص، ثم تنهد بصوت مرتفع يقترب من تسبيح مقبلًا رأسها بلطف :
" معلش يا توتا، عارف إني الفترة دي بقت أخلاقي زي الزفت، بس استحمليني وانا والله هعوضك"
هزت رأسها بهدوء، هي لا تعترض، ولا تبتأس من كل ذلك لأنها تدرك مقدار ما يمر به، لكن لا تريده أن يتورط في أمور كتلك .
" أنا مستحملة يا رائد، أي حاجة هستحملها بس الله يكرمك متدخلش نفسك مع الناس دي "
" جه طلب مساعدتي يا توتا، ينفع ارده !!"
نظرت له وودت لو تقول له نعم، لكن نظراته التي تنتظر منها ردًا يريحه أجبرتها على قول :
" طول عمرك صاحب واجب وراجل وسيد الرجالة يا رائد وعمرك ما رديت سائل"
ابتسم له يربت على شعرها بحب شديد، ثم مال يقبل خدها هاتفًا :
" بالضبط يا قلب رائد، هروح أنا اشوف الدنيا معاه واوعدك هخلص ونقضي اليوم كلنا سوا، اتفقنا ؟!"
" اتفقنا "
وبالفعل تحرك رائد خارج غرفته، بينما هي التزمت الغرفة دون أن تتجرأ على الخروج في وجود غريب داخل جدران منزلها حتى ولو من ورا حجاب، فقط اكتفت بالجلوس تحاول أن ترهف السمع مخافة أن يحدث شيء مريب .
لكن مرت دقائق حتى سمعت صوت اغلاق الباب، تنهدت براحة شديد، ثم فتحت الباب فتحة صغيرة تمد رأسها منه تقول بصوت منخفض :
" الضيف مشي يا رائد ؟!"
لكن لم يصل لها أي إجابة من الخارج مما جعلها تخرج بشكل جزئي تضع الحجاب على رأسها باحثة عن زوجها في المنزل لتتفاجئ أنه خرج، خرج دون حتى أن يعلمها بذلك.
" هو حصل ايه ؟؟"
اخرجت هاتفها سريعًا كي تتحدث مع رائد، لكن سمعت صوت الهاتف يرن على أحد ارائك المنزل ليشتعل القلق في صدرها وهي تردد :
" استر يارب قلبي مش مرتاح "
__________________
كانت تجلس في بهو المنزل أمام الصغير وهي تلاعبه وضحكات أنس تصدح في المكان، بينما ميمو لا تتوقف عن مداعبته بكامل الحب داخل قلبها، في الوقت الذي كان اطفال صالح نائمين براحة شديدة.
لكن فجأة سمعت صوت أنس يهتف بكلمات غير مفهومة وهو يشير خلفها صوب باب غرفتها تحديدًا، استدارت ميمو لترى ما يشير له الصغير لتتفاجئ بزوجها يخرج من غرفتهم بعدما أصبح....صالح ؟؟
رفعت حاجبها وهي تحاول ما عرفة ما يحدث في تلك اللحظة، فصلاح بهيئته تلك أشبه بصالح أكثر، يرتدي بنطال من خامة الجينز اسود اللون مع سترة بيضاء غريبة .
" صلاح ؟!"
هز صلاح رأسه يتحرك صوبها :
" حتى الآن صلاح، بس كمان شوية هبقى صالح "
نظرت له بعدم فهم، ليشعر هو بيد صغيره تتسلقه في محاولة ليجلس على قدمه، مال صلاح وحمل أنس لصدره بحب ليبدأ الصغير في إفساد خصلات شعره، ولأول مرة لا يبتأس صلاح :
" جدع يا أنس ساعد بابا يبوظ شعره، بص عايزك تعملي نفس تسريحة عمك"
نظر له أنس لا يفهم ما يقول لكنه رغم ذلك أطلق ضحكة سعيدة، وميمو تراقب ما يحدث بعدم فهم تجذب منه الصغير :
" ليه محسسني أنك قاعد قدام حلاق، فيه ايه يا صلاح ايه اللي عاملة في نفسك ده ؟؟"
نظر لها صلاح حانقًا:
" صالح حصلت ليه ظروف طارئة هتأخره وهو عنده اجتماع مهم في المستشفى لازم يحضره، وبالشكل ده هيتأخر فقالي اروح مكانه "
ارتفع حاجب ميمو وقد شعرت برغبة قوية في رؤية ما سيحدث :
" وأنت بقى بتفهم في شغل صالح على كده ؟؟"
" ولا الهوا معرفش في شغلته غير أن الميت له حرمته "
ابتسمت ميمو تكبت ضحكتها :
" طب وهتعمل ايه ؟؟ "
" ولا حاجة هروح افضل ساكت ولو طلبوا مني اتكلم في اي حاجة هخبط وزي ما تيجي تيجي، اكيد مش هيكون اسوء من اللي عمله فيا وقت مؤتمر اسكندرية "
" ايه مؤتمر اسكندرية ده ؟؟"
تنهد صلاح يقول بحسرة على ما حدث له في ذلك الوقت :
" ده المؤتمر اللي سقط فيه تاريخي أسفل اقدام صالح وكل اللي حضروا المؤتمر، واسمي اتمسح بيه بلاط المؤتمر بلاطه بلاطه "
صمت ثم أكمل :
" والحمدلله اني من بعده لسه بمسك قلم، بلاش تقلبي عليا المواجع، ثم إن محمود معايا هقوله لو اتزنقت يتدخل ويساعدني "
ابتسمت له ميمو تشجعه على الأمر تضع الصغير ارضًا ليكمل اللعب، تميل عليه بدلال تضم ذارعه لصدرها :
" طب بقولك ايه يا صلاح هو يعني ينفع اجي اتفرج عليك وأنت عامل صالح، وانا مستعدة اشهد أنك صالح مش صلاح "
قبل صلاح رأس ميمو يقول بحنان :
" حبيبتي يا ميمو أنتِ عارفة اني مقدرش ارفض ليكِ طلب، بس حتى لو كان ينفع تيجي تحضري الاجتماع، فأنا مش مستغني عن صورتي جوا البيت اللي هتتهز بعد اللي هيحصل هناك، عشان كده ...لا "
رمقته ميمو بغضب لكنه لن يهتم، هو ليس بالاحمق كي يسمح لايًا كان أن يراه يتصرف كصالح، حتى وإن كان ذلك الشخص هو ميمو ....
_____________________
كانت تنام أعلى كتفه بتعب شديد بعدما تركوهم داخل مكتب التفتيش لفترة من الوقت، زفر بتعب وهو ينظر لساعة يده، مرت ثلاث ساعات وهو ما يزال جالسًا في انتظار عودة أحدهم ليفرج عنهم .
نظر لرانيا التي كانت تغط في نوم عميق، تأملها ثواني قبل أن يقول :
" افضلي أنتِ اعملي المصيبة ونامي وانا اللي أشيل الطين"
لكن رانيا لم تبدي أي ردة فعل، ليبتسم صالح يربت أعلى رأسها بلطف شديد، ومن ثم عاد بظهره على الأريكة خلفه يدعو الله أن يمر ما يحدث على خير .
وما هي إلا دقائق حتى وجد الباب يُفتح ليقتحم أحد الرجال المكان حاملًا بين يديه اوراقهما الرسمية يردد بانجليزية ضعيفة :
" نعتذر عما حدث، بينت الفحوصات التي أجريناها أن هناك سوء تفاهم "
أخذ منه صالح الاوراق وهو ينظر لها يتفحصها مرددًا بسخرية لاذعة :
" سوء فهم ؟! وهو سوء الفهم ياخد ٣ ساعات عشان يتحل، كل ده بتفحصوا شوية دقيق ؟؟ ده أنتم لو بتخبزوهم كان زمانكم خلصتوا من بدري "
نظر له الرجل بعدم فهم، لكن صالح لم يهتم بتوضيح شيء، يستدير صوب رانيا يقول بهدوء ولطف شديد :
" رانيا ...رانيا اصحي خلينا نمشي "
فتحت رانيا عيونها بنعاس شديد تقول دون وعي :
" وصلنا خلاص؟؟ الطيارة وقفت ؟؟"
ساعدها صالح كي تنهض بهدوء شديد وحرص :
" آه يا حبيبتي الطيارة وقفت، قولت للطيار يركن على جنب عشان نازلين يلا "
هزت رانيا رأسها تسير معه بخنوع شديد دون شعور بالمكان والزمان حولها، وصالح حمل الحقيبة الخاصة بهم يستمع لصوت الرجل يقول له :
" نعتذر مجددًا سيدي ولكنها التعليمات، سيتم الحجز لكم على الرحلة القادمة والتي ستكون بعد ساعة تقريبًا، وجميع حقائبكم في الامانات في الخارج يمكنكم المرور وأخذها "
نظرت رانيا لصالح تقول بصوت خافت ناعس :
" والدقيق السنغافوري يا صالح ؟!"
رمقها صالح بشر :
" امشي بدل والله همسكك تطحن عضمك واعمله دقيق مصري "
سارت معه رانيا تحاول معرفة سبب غضبه مرددة بتعجب :
" أنا جبت الكيلو غالي اوي، كان ماسك على ٢٥ وخدتهم منه بعشرين "
" جدعة اهو اتصادر مننا قبل ما نطلع من بلدهم، يعني لا طولنا الدقيق ولا العشرين "
تحرك معها لإحضار الحقائب، ثم تحركا صوب المقاعد المصفوفة داخل المطار في قاعة الانتظار، جلس صالح وهي جلست جواره تقول :
" حقك عليا يا صالح، بسببي اتأخرت على شغلك "
قبل صالح رأسها بحنان يضمها له :
" فداكِ يا رانيا هو أنتِ يعني كنتِ تقصدي، خير إن شاء الله، يارب بس صلاح يعرف يتصرف والموضوع يعدي على خير "
تنهد يخرج هاتفه وقد قرر الاتصال بمحمود ليخبره بالأمر حتى يساعد صلاح، وفجأة شعر بثقل أعلى كتفه ليرمق رانيا بحب شديد مبتسمًا، ثم أجرى اتصالًا ينتظر رد محمود .
لكن بعد دقائق لم يسمع رد ليشعر بالريبة، في نفس اللحظة التي سمع بها هاتفه يرن ..
اجاب بهدوء على صلاح :
" أيوة يا صلاح ؟؟"
سمع صوتًا يأتيه من صلاح ليردد بهدوء شديد :
" لا لا أنت شوف حياتك عادي وعلى الساعة تسعة كده روح الشغل عشان الاجتماع بس، إنما الباقي محمود هيشيله "
صمت يستمع لحديث صلاح ثم قال بجدية :
" يا بني أيوة متقلقش هو لما مش بيلاقيني روحت تلقائي بيغطي عليا بدون حتى ما احتاج اقوله، أنا اتصلت بيه، بس مردش، اكيد هو في الشغل دلوقتي بيغطي على غيابي، ومش عارف يرد بسبب الدنيا، هبعتله رسالة ولما يفوق من الدنيا يشوفها "
ابتسم ينهي حديثه مع صلاح :
" لا متقلقش أنا هسيب معاك محمود، وهو هيظبط الدنيا، شوية كده وعلى وقت الاستراحة هكلمه وافهمه، تلاقيه معكوك في الشغل الله يعينه ..."
_______________________
ضرب محمود الأرض بالممسحة، ثم بدأ بجذب قطرات المياه التي تناثرت في المخبز بأكمله صوب منطقة تصريف المياه.
بينما كانت تجلس في أحد أركان المخبز وهي تراقبه يتحرك بكل نشاط في المكان، مانعًا إياها من التحرك مستعينًا بالصغيرة جهاد لحراسة والدتها ومنعها من إرهاق نفسها .
زفرت هاجر تقبل رأس جهاد تحملها تضعها على المقعد الخاص بها، ثم تحركت صوب محمود تحاول نزع الممسحة من بين أنامله:
" خلاص يا محمود أنا هكمل، روح أنت شغلك "
نظر لها محمود يتنهد بصوت مرتفع، ثم رفع كفه يتحسس جبينها، وحينما أبعد كفه وضع مكانه قبلة حنونة :
" استريحي يا هاجر أنتِ لسه تعبانة، اقعدي أنا هخلص اهو مش باقي غير شوية صغيرين "
شعرت بالذنب الكبير لتكبده عناء تنظيف المحل بعدما، فلولا تلك الكارثة التي حلت به أثناء غيابها في رحلتها في الإسكندرية لكانت الآن تنام براحة شديدة وهو في عمله، لكن ما حدث أن مشكلة حدثت في شبكات المياة هنا تسببت في إفساد المكان بأكمله، وهي عادت مريضة من الإسكندرية ليتكفل محمود بتنظيف المكان .
ضمت ذراعه لها تشعر بجسدها يرتجف تعبًا وانفاسها تخرج ساخنة، ووجهها محمر وبشدة :
" أنا مش تعبانة يا محمود أنا كويسة "
نظر لها يبتسم بسخرية لاذعة، وقد تسللت حرارة جسدها لذراعه، وشعر بقماش ثيابه يكاد يذوب تحت وطأة أنفاسها :
" لا ياقلبي أنتِ مش تعبانة، أنا اللي تعبان، روحي اقعدي شوية لغاية ما اخلص عشان اروحك ترتاحي "
نظرت له بأعين تكاد تدمع من شدة المرض، وقد بدأ المكان يدور حولها لشدة التعب :
" محمود قولتلك والله انا كويسة، مش أول مرة اتعب شوية، لو سمحت سيب وانا هكمل، كفاية اوي كده عليك، روح الشغل عشان ميحصلش مشاكل "
رمقها محمود قليلًا ثم هز كتفه دون اهتمام :
" متقلقيش صالح بيغطي عليا لو أنا اتأخرت، وزمانه دلوقتي قايم بالواجب "
" صالح ؟؟ هو رجع من السفر ؟؟"
هز محمود رأسه وهو يجذب المياه يجفف المكان حوله مبتسمًا :
" ايوة، هو كان قايلي هيرجع يوم الحد على امبارح، يعني زمانه دلوقتي قاعد في المستشفى بيخلص شغلي وشغله، ومغطي عليا، فمتقلقيش، عملناها قبل كده كتير ولا من شاف ولا من دري "
نظرت له ببسمة واسعة ثم قالت بصوت هادئ بعض الشيء :
" ربنا يخليكم لبعض، صداقتكم حلوة اوي بجد "
ابتسم لها محمود يربت أعلى رأسها بحب شديد :
" يارب ياقلبي، روحي بقى اقعدي واستريحي لغاية ما اخلص وبعدين نروح نفطر سوا واوصلك البيت وارجع الشغل "
رمقته هاجر بأعين ملتمعة تنظر له بانبهار وحب شديد :
" بجد حاسة اني بتقل عليك يا محمود وخايفة اعملك مشاكل في شغلك بسببي "
مال محمود عليها يداعب وجنتها بحب شديد مرددًا بصوت حنون خافت :
" بسببك ايه يا نواعم، مفيش مشاكل ولا حاجة، بقولك سايب هناك صالح وهو هيسد، يعني حتى لو مروحتش انهاردة مش هيحصل حاجة خالص، طب اقولك أنا مش رايح الشغل انهاردة وصالح هو يشيل الدنيا، هنروح سوا نعمل حاجة دافية ونقضي يوم سوا، ايه رأيك ؟؟"
ابتسمت هاجر باتساع شديد تهز رأسها له وقد نالت تلك الفكرة استحسانها تحاول جذب الممسحة من بين أنامله:
" ماشي هات بقى اساعدك عشان نخلص بسرعة "
لكنه تمسك بها وبشدة، ثم أشار لها بعيونه أن تتحرك وتجلس جوار جهاد، وهي استمعت له، فقط لأجل ألا تحزنه، ولأنها أيضًا فقدت قدرتها الكاملة على التحمل، وقد وصل التعب منتهاه ..
استندت برأسها على الجدار خلفها تراقب محمود ببسمة وهو ينظر لها بكامل الحب الذي يكنه داخل صدره لاجلها ..
____________________
بعد نهاية يوم عائلي دافئ حظى به محمود ..
دخل المشفى يعدل من ثيابه وقد تخلى مكرهًا عن إجازته التي أخذها من تلقاء نفسه، فقط لأجل حضور الاجتماع والذي سيتم محاسبته إن تخلف عنه .
أخرج هاتفه والذي كان مغلقًا منذ الأمس بسبب حاجته للشحن، وهو بالفعل أعاد شحنه لكن لم يفتحه، إلا الأن .
ضغط على زر الفتح ينتظر أن تنير شاشته، في اللحظة التي شعر بنفسه يصطدم بشخص ما، رفع محمود رأسه ليعتذر، فأبصر صالح يدخل معه للمشفى .
نظر له بتعجب ثواني قبل أن يتساءل بجدية :
" ايه ده صالح أنت استأذنت في نص اليوم ولا ايه ؟! لحقت تخلص الشغل كله وتروح وتيجي تاني ؟؟"
رمقه صلاح بحاجب مرفوع لا يعلم عما يتحدث محمود :
" صالح ايه وشغل ايه ؟؟ أنا لسه جاي دلوقتي، هو مش صالح كلمك وقالك تشيل الشغل لغاية ما أنا اجيلك بليل ؟؟"
" صالح اللى هو أنت كلمتني عشان أشيل الشغل ؟؟ أنت عايز ايه بالضبط ؟؟"
ضرب صلاح رأس محمود بغيظ شديد :
" يابني آدم فوق، هو أنت رجعت تعمل دماغ تاني ولا ايه ؟؟ مش صالح بعت ليك رسالة بلغك بظروفه واني أنا اللي هاجي الاجتماع بداله ؟؟ "
ظل محمود يرمق صلاح لدقيقة طويلة بأعين متسعة، ثم قال باستسلام بعدما لم يفهم ما يقصد صديقه :
" أيوة يعني خلصت شغلنا ولا لا ؟؟"
" شغلنا ايه ؟؟ أنت شارب ؟؟ أنا صلاح يا متخلف مش صالح "
نظر له محمود بعدم فهم، ثم عاد للخلف خطوات ينظر له بدقة، كيف يكون هذا صلاح ؟! هل يحاول صالح أن يختبره أو ما شابه ؟!
" صلاح ازاي ؟؟ ولما أنت صلاح، لابس صالح ليه يا صلاح ؟؟ وفين صالح الحقيقي طيب ؟؟"
عض صلاك شفتيه، يجذب محمود من ثيابه يهمس من أسفل أسنانه :
" أنت ياض متخلف ؟! صالح اتعطل في مطار سنغافورة بسبب مشاكل حصلت ليه، وبعتلك رسالة وقالك تعمل الشغل بتاعكم وانا هاجي على وقت الاجتماع واعمل نفسي هو "
هز محمود رأسه وقد بدأ يفهم الآن الأمر، صالح تأخر في سنغافورة ولذلك ترك العمل له هو لينهيه نيابة عنهما وأرسل صلاح للاجتماع بحكم الشبه بينهما و...مهلًا ترك عملهما له ؟؟ له هو ؟؟ صالح لم يأتي، وهو كذلك ؟!
فجأة صرخ محمود بفزع لما وصل لعقله الآن :
" احيه أنت قولت ايه ؟! شغل مين ؟؟ شغلنا ؟؟ شغلنا اللي هو ازاي ؟؟ يعني صالح مجاش خلص الشغل بتاعنا انهاردة ؟؟"
هز صلاح رأسه بلا يرى أن شقيقه الآن في ورطة، ومحمود شعر بالمكان يدور حوله يستند على صلاح بصدمة كبيرة :
" يا مرارك يا محمود، ده احنا هنروح في ستين داهية، دول لو خلونا ننضف غرف التشريح بعد كده يبقى أقل واجب "
ولم يكد صلاح يتحدث حتى سمع صرخة مرتفعة خلفه جعلت جسد محمود يبتعد عنه وقد شحب وجهه يردد :
" يا رب لطفك يارب "
اقترب رجل منهما وهو ينظر لهما بشر ووجه محمر غضبًا، وملامح جعلت محمود يبتلع ريقه وهو يختبئ خلف صلاح الذي لم تتغير ملامحه بل وقف بثبات وثقة يسمع الرجل يصرخ :
" اخيرا شرفتوا يا دكاترة؟؟ مش من الواجب برضو تيجي تطلوا على المستشفى بتاعتكم مرة في اليوم من باب الواجب ؟؟ ما هي خلاص بقت تكية، أنتم الاتنين مش هنا والشغل يولع لغاية ما الأساتذة يرجعوا "
كان يصرخ بجنون جعل محمود يهمس له :
" يا فندم هو بس ..."
" اسكت مش عايز اسمع حاجة منكم، أنتم الاتنين هتتحولوا لتحقيق بسبب الإهمال اللي بدر منكم، والمشاكل اللي حصلت بسببكم، و..."
قاطعه فجأة صوت صلاح الذي خرج متعقلًا هادئًا :
" يا فندم لو سمحت اسمعني ولو كلامي معجبش حضرتك تقدر تعاقبنا باللي تشوفه مناسب وانا بثق في حكمة حضرتك . "
نظر له المدير بتشنج من كلماته، ومحمود بصدمة، لكنه لم يهتم يحاول قدر الإمكان أن يتحدث معه بالعقل مستخدمًا سياسته :
" عارف إن حصل مننا إهمال اليوم، لكن اكيد الأمر كان خارج عن إرادتنا، لكن الإهمال يظل اهمال، وحضرتك من حقك تغضب وتزعق أنا معاك، وعشان نعبر عن ندمنا، فاحنا على استعداد نبات هنا لغاية ما نخلص أي شغل اتأخر بسبب ظروفنا اللي حصلت، وطبعا مش هنمشي غير وحضرتك راضي "
نظر المدير صوب محمود الذي كان فاغر الفاه يراقب ما يحدث، وصوت المدير يردد مشيرًا لصلاح :
" مين ده ؟؟"
هز محمود كتفه لأعلى وأسفل بجهل، بينما صلاح ابتسم يقول :
" ها يا فندم قولت ايه ؟؟ احنا بس عايزين حضرتك تكون راضي، وصدقني مش هتحس أننا قصرنا للحظة وكل شيء هيمشي زي ما تحب وطبعا ده لا يعني أننا مش غلطانين، لكن لو حضرتك عاقبتنا فعقابنا مش هيخلص الشغل، لكن احنا نقدر كاعتذار مننا نخلصه كله "
ظل المدير ينظر في وجهه ثواني دون أن يجد ردًا، يفتح فمه ويغلقه وهو لا يعلم ما يجب قوله، فهو كان يجهز نفسه للرد على عناد وكلمات صالح الحانقة والمدافعة وتأييد محمود له بصمت، لكن الآن ماذا ؟؟
سمع الثلاثة صوتًا في الخلف يقول :
" الاجتماع يا دكتور هيبدأ والكل موجود "
نظر له المدير يهز رأسه، ثم عاد بنظره صوب صلاح ومحمود يقول بجدية بعدما عجز عن إيجاد حجة يفرغ بها غضبه :
" تمام يا دكاترة، أنتم الاتنين مسؤولين قدامي عن تخليص كل الشغل المتأخر، ودلوقتي ورايا عشان الاجتماع ."
تحرك بعيدًا تحت أعين محمود المذهولة والمبهورة بما حدث منذ ثواني، فجأة ارتسمت بسمة أعلى فمه :
" ايه الحلاوة دي؟؟ ده أنت ساحر يا جدع "
صمت ثم قال بجدية :
" بقولك ايه ما تشتغل معايا بدال صالح "
_________________________
كانت تجلس على الفراش وهي تحمل كتاب تقرأه عن لغة الجسد، لكن هل كانت منتبهه له ؟؟ لا لم تفعل ولو جئت ودققت النظر بعيونها لتجدها تنظر في كل مكان عدا الكلمات أمامها ..
تنهدت بتعب شديد مما هي به، تشعر بالغضب الشديد من نفسها ومن سعيد ومن الحياة بأكملها ومن ...
خرجت من أفكارها على شعورها بوسادة تُوضع على قدمها، ثم علت رأس سعيد الوسادة يضم كفيه على معدته وهو ينظر للسقف بشرود يخرج نفرة عميقة :
" أنا عندي مشاكل يا دكتورة وكنت عايز أخد رأيك فيها "
رفعت زهرة حاجبها بسخرية وكادت تدفع رأسه بعيدًا عنها، لكنه أشار لها بتحذير شديد :
" افتكري أن دي مهنتك وده واجبك تجاه مرضاكِ يا دكتورة، ومينفعش ترفضي مريض محتاجك "
" ويا ترى المريض ده محتاج مني ايه ؟!"
نظر سعيد لعيونها يقول بجدية وبسمة :
" ما أنا قولتلك محتاجك، كلك على بعضك يا زهرة بدون نقصان لجزء صغير "
شردت به ولم تشعر سوى ببسمتها التي ارتسمت على فمها تتساءل في نفسها عمة حدث لسعيد وجعله يكتسب كل ذلك القدر من الرومانسية، ذلك الرجل الذي كان أقصى مراحل الحب لديه هو أن يتصرف كرجل غاب يطاردها ويبعد عنها جميع الرجال بكل وحشية، ثم يصرخ في وجهه أنه يحبها .
ابتسم سعيد حينما رأى بعض الاستجابة تعلو ملامحها، تنهد يقول :
" الحقيقة يا دكتورة مخبيش عليكِ، أنا متجوز، وبحب مراتي اوي، لكن اللي حصل أن من يومين كده وهي شكلها زعلان مني وانا معملتش حاجة"
صمت ينظر لعيونها المستنكرة لحديثه، لكنه لم يتأثر يكمل ما يريد قوله :
" في الاول فكرت شيطان حياتي اللي هي مرات ابويا وسوس ليها عشان تنكد عليا، لكن وبعد ضغط عليها اعترفت أنها ملهاش دخل باللي حصل، وانا من الصبح راجعت تاريخي كله، ومش لاقي حاجة تزعلها مني، فلو تقدري تعرفيني ازاي اعرف منها سبب زعلها واصالحها هكون ممنون ليكِ "
" لو بصيت حواليك هتعرف هي زعلانة ليه ؟؟"
نظر سعيد حوله يبحث عن سبب حزنها، لكن زهرة جذبت وجهه لها تقول بحنق :
" مش بالمعنى الحرفي ياسعيد، قصدي بص حواليك في حياتك عامة هتعرف "
فتح فمه ليتساءل عما تقصد، لكنها قاطعته دون أن تمنحه فرصة الحديث وقد وجدت واخيرًا فرصة للحديث، واخيرًا جاء هو يسألها سبب حزنها.
أمسكت ثيابه تسحبه عن قدمها للاعلى تحت نظراته المصدومة :
" آخر مرة لما كنت بكلمك في التليفون يا سعيد وسمعت واحدة جنبك بتقولك يا سعودي كانت مين ؟؟"
" سعودي ؟؟ ميمو ؟؟"
" لا مش ميمو، اكيد أنا عارفة صوت ميمو يا سعيد متستهبلش، ده كان صوت واحدة مسرسعة وبتدلع "
نظر لها لا يفهم ما تقول :
" والله ما اعرف أنتِ بتتكلمي عن ايه، بس اكيد سوء تفاهم لاني عمري ما هسمح لواحدة معرفهاش تقولي سعودي عادي كده، غير مثلا لو نيرمينا أو أنتِ، وميمو بتقولها غصب عني "
كانت زهرة تتنفس بصوت مرتفع، بينما هو ربت على كتفها بهدوء :
" ده اللي مزعلك يا زهرة ؟! مجتيش سألتيني ليه ؟؟"
نظرت له زهرة بأعين ضبابية بسبب الدموع التي تجمعت بها، تبتلع ريقها وهي تحاول قول شيء، لكن منعتها غصة جعلت سعيد يجذبها لاحضانه بحب :
" طب أنتِ بتعيطي ليه يا زهرة، قوليلي مالك ؟!"
" سعيد أنا... أنا حامل يا سعيد"
تيبست يد سعيد حول جسدها يشعر بكامل جسده يرتجف من الصدمة وقد شحب وجهه، بينما زهرة ارتمت على صدره تبكي بعنف شديد :
" تعبت وعملت تحليل وطلعت حامل بس ...بس ...بس الدكتورة قالت إن الحمل صعب ومحتاجة أخد حقن تثبيت وحوارات كتير بسبب مشاكل عندي "
تأوه سعيد بسبب نبرة الحسرة في صوتها، قبّل رأسها يحاول أن يهدأ، ويفكر قبل أن يتحدث :
" حبيبتي طب ليه العياط، ده بدل ما تفرحي وتشكري ربنا على نعمته ؟؟"
" بس هو مش هـ "
" دي كلها اقدار ومكتوبة، أنه يجي على الدنيا أو لا دي اقدار يا زهرة، ومينفعش افترض السوء، ربنا عند حسن ظن عبده به، احسني الظن بالله، كام مرة كان فيه حالات مستحيلة وكل شيء مشي كويس ؟؟ أنتِ دكتورة اكيد مش هقولك "
نظرت له زهرة بخوف :
" أنا خايفة اخسره يا سعيد، ويبقى صعب عليا بعدين اخلف بسبب السن و..."
شعر سعيد بطعنة توجهت لمنتصف صدره، بسببه وبسبب عناده وشيطانه أضاع عليهم سنوات كثيرة وزرع داخل صدرها رعبًا وشعور بالنقصان ألا تتمكن من أن تصبح أم، قبل ما بين عيونها يهمس :
" ناس كتير بتخلف من بعد الاربعين، بعدين أنتِ لسه شباب وصغيرة يا زوز، ليه تعيطي وتيأسي وتفكري كده؟؟ ده لسه هنجيب عيال كتير باذن الله، أنا مجهز اوضتين ليهم هنعمل ايه في الأوض دي ؟؟"
نظرت له تبتسم بخفة ليقبل رأسها يشعر بالراحة والسعادة يزيد من ضمها :
" هتعدي بمشيئة الله وهنروح كل فترة سوا نطمن عليه، وهيكون بخير يا زهرة، أنتِ بس ابتسمي وتوكلي على الله"
ابتسمت زهرة وهي تسمع حديثه تغمض عيونها ترتشف منه راحة افتقدتها الايام السابقة، وهو ضمها له بحب كبير يميل للخلف وقد بدأ قلبه يستوعب الآن أنه سيصبح أب لطفل من زهرته ...
_________________
كان يجلس داخل الاجتماع يتابع ما يحدث كما التمثال لا يتحدث ولا يتحرك ولا يشارك بكلمة واحدة، يتخذ دور الصامت كي لا يتسبب في كارثة لأخيه..
لكن يبدو أن الكوارث تنجذب بالفعل لاسم صالح إذ سمع صوتًا لرجل كبير يتجه إليه بالحديث :
" ولا أنت ايه رأيك يا دكتور صالح أنا بثق في رأيك"
تنحنح صلاح يحاول أن يجد ردًا على شيء لم يسمعه، فهو كان شاردًا بعيدًا عن الجميع، نظر صوب محمود يطلب منه مساعدة فأخذ محمود يحاول أن يهمس له بكلمات لم تصل لمسامعه، وحينما وجد الجميع ينتظر رده قال بشكل دبلوماسي:
" اكيد يا دكتور مفيش رأي بعد رأيك، أنا بوافق حضرتك"
تعجب الطبيب حديثه وقال :
" أيوة بس أنا مقولتش رأيي لسه "
اعتدل صلاح في جلسته يضم قبضته أمام فمه :
" أيوة يا دكتور ما أنا واثق في حضرتك أتم الثقة ومش محتاج اسمع رأيك عشان اقول صح او غلط، هو رأيي زي رأيك بالضبط "
ختم حديثه يبتسم في وجه الجميع، بعدما جعل ذلك الطبيب يبتسم باتساع وزهو، ثم أشار على صلاح يقول :
" وبما أن رأيي يتفق مع رأي دكتور صالح وتفكيرنا واحد فأنا هخلي دكتور صالح يتكلم عن الموضوع، اتفضل يا دكتور "
بدأ الجميع يصفق لصلاح الذي نظر لهم بجهل يحاول إيجاد مخرج له، ابتلع ريقه وهو يستنجد بمحمود الذي مال عليه يهمس له بصوت منخفض :
" اتكلم عن الحلول الخاصة بالجثث المجهولة "
تشنج وجه صلاح بقوة، لا يدرك ماذا يقصد :
" يا صلاة الزين اتكلم أن الجثث المجهولة؟؟ بس كده طب ده سهل اوي، أنت بتستهبل هو أنا أعرف يعني ايه اللي بتقوله اساسا، أنتم عايزين مني ايه ؟!"
" قولهم إن الـ ..."
قاطعهم صوت المدير يقول بجدية :
" ها يا دكتور صالح، اتفضل احنا مستنيين رأيك بخصوص طرق التعرف على الجثث المجهولة "
سعل صلاح بخفة يحاول أن يجد أي كلمات يقولها، وقد شعر في تلك اللحظة برغبة عارمة في الهروب :
" هو يعني ...أنا من رأيي أن الحل الوحيد عشان نتعرف على الجثث المجهولة هو .....هو"
صمت ثم رأى الرجل الذي تحدث له منذ ثواني يبتسم، ليشير قائلًا ببساطة :
" نفس الحل اللي قال عليه الدكتور اااااا...الدكتور، أنا رأيي هو نفس رأيه بالضبط، وطبعا لاني بحترمه وهو قدوتي فأنا شايف أنه أفضل شخص يقول الحل "
وختم حديثه بتصفيقة حارة مبتسمًا يدعو الطبيب لتولي الحوار وقد فعل بكل ترحيب، وجلس صلاح بنفس الصعداء .
نظر له محمود بتقدير :
" أنت داهية "
رمقه صلاح بحنق، ثم ودون وعي تحركت يديه ليعدل خصلات شعره :
" وانتم مملين، ايه الشغل المقرف ده ؟؟ "
زفر محمود بقوة يقول بجدية :
" أنت بتعمل ايه ؟؟ متصلحش شعرك هتبقى شبهك، بعدين متقعدش كده مستقيم ومنتبه، صالح مش بيقعد كده في الشغل خالص "
رفع صلاح حاجبه يتساءل عن كيفية جلوس شقيقه، ليهمس له محمود بصوت منخفض :
" عايزك تاخد راحتك في الكرسي اوي، كأنك هتنام عليه، ارجع عليه بضهرك اوي ومد رجلك قدامك وأمسك أي قلم افضل خبط بيه على الترابيزة لغاية ما تنطرد من الاجتماع"
رمقه صلاح باستنكار شديد قبل أن يسترعى انتباهه صوت المدير يقول :
" ايه رأيك يا دكتور صالح تكون انت الممثل الخاص بالمستشفى بتاعتنا في المؤتمر بتاع شرم ؟؟"
فتح صلاح فمه يقول ببساطة :
" اكيـ "
لكن فجأة شعر بضربة تأتيه من الاسفل وصوت محمود يقول من أسفل أسنانه :
" أنت بتهبب ايه ؟؟ قوله لا هو مفيش غيري "
رمقه صلاح باستنكار شديد :
" أنت عبيط ؟؟ اقول لمديري لا هو مفيش غيري ؟؟"
" أيوة صالح بيقوله كده على طول "
" ما هو أصله مترباش، هو أنتم ماسكين ذلة على المدير ولا ايه؟"
رمقه محمود بتحذير :
" لو مش عايز تتقفش اعمل زي ما بقولك، صالح عمره في حياته ما كان هيوافق يروح مؤتمر عشان مش بيحب يقول خطابات "
زفر صلاح ثم نظر للمدير يقول بملامح حانقة :
" معذرة يا فندم ..."
ضربه محمود بغيظ :
" بالله عليك عمرك سمعت صالح بيقول معذرة؟؟ هو يعرف يعني ايه معذرة اساسا ؟؟ قوله بدون مقدمات مش هينفع "
زفر صلاح يشعر أن الأمر في غاية الصعوبة، أن يتحدث بهذا الاسلوب مع شخص يسبقه سنًا ومقامًا لهو أمر متعب :
" مش هينفع والله يا فندم، معلش شوف حد غيري "
هز المدير رأسه ببساطة وكأنه يتوقع أن يفعل ذلك، حمل صلاح زجاجة المياه يرتشف آخر القطرات بها، ثم نهض يبحث في المكان عن حاوية قمامة والجميع يراقبه بأعين متسعة، لينتبه لهم صلاح الذي لم يفهم سبب صدمتهم :
" أنا كنت بدور على ..."
توقف حين رأى نظرات محمود المحذرة ليفهم فورًا ما يقصد، ودون مقدمات عاد الطاولة ووضع الزجاجة أمامه وجلس بهدوء، وحين طالت له النظرات، أمسك الزجاجة والقاها أسفل الطاولة مبتسمًا لهم، ليعود الجميع لحديثهم بعدما اطمأنوا أنه بخير .
مسح صلاح وجهه يحاول أن يتمالك نفسه، وجسده يرتجف من كل ما يفعل بحقه، وفجأة وفي خضم كل ذلك انتبه لنظرات سجدة التي تحدق به في شك مريب جعله يتوتر أن تكشفه فهي من بين القليلين الذين يعرفون بوجود توأم لصالح .
لذلك فكر في شيء يجعلها تمحو تلك النظرات المرتابة عن عيونها، ولم يخطر أي رأسه سوى أن يجلس تلك الجلسة التي اخبره عنها محمود، يضجع بظهره للخلف ثم أمسك ورقة فارغ وأخذ يخط عليها خطوط عشوائية بملل وعدم اهتمام وحينما انتهى امسك الورقة والقاها ارضًا .
ومن بعدها بدأ ينقر بالقلم على الطاولة بشكل مزعج له قبل الجميع، وجسده يتوسله أن يتوقف عن كل تلك الأمور المخزية في حق نفسه .
لكنه فقط استمر ثم ابتسم لسجدة ببرود لتبعد هي عيونها عنه..
واخيرًا انتهى الاجتماع ليتنفس صلاح الصعداء ينهض عن مقعده يتمطأ بتعب ثم تحرك بسرعة خارج المكان مع محمود، يفتح الباب ثم ارتكن يتيح الفرصة للفتاة أن تخرج قبلهم مبتسمًا :
" اتفضلي "
نظرت له الطبيبة بدهشة، ثم تحركت خارج المكان بينما محمود يضرب كفًا بالآخر :
" بالله عليك يا مؤمن عمرك شفت صالح بيفتح الباب لست ؟؟ وبعدين ايه اتفضلي دي ؟؟ انت كده بتبوظ سمعة اخوك في المستشفى وهتخلي الكل يتعشم في ادبه وهو بيرجع في الآخر يكسر مجاديفهم بقلة أدبه"
زفر صلاح بحنق يشعر بأنه مسجون داخل جسد صالح، بهذا الشعر وتلك الثياب التي تشعره بمدى سخافته، ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت رنين هاتفه ..
اجاب بهدوء :
" الو .."
" الو صلاح، الحق رائد الله يكرمك ..."
_____________________
خرج من المطار واخيرًا بعد خمسة عشر ساعة في الرحلة، تمطأ صالح بتعب شديد يستنشق هواء الوطن، وجواره رانيا التي ابتسمت تقول :
"ياااه يا بلادي، وحشتني مصر اوي يا صالح "
نظر لها صالح ببسمة مستنكرة :
" عندك حق سبع ايام غربة مش شوية برضو، الإنسان حاسس أن كل حاجة حواليه اتغيرت، مصر مبقتش زي الاول يا رانيا "
كان صوته يظهر به حنين زائف ساخر، لكن رانيا لم تنتبه وهي تنظر حولها بكل جدية تبحث عن ذلك التغيير الذي يتغنى به، و صالح زفر يجذبها له وهو يشير لأحد السيارات حتى تتوقف :
" يلا يا رانيا نرجع لاحسن أنا مش قادر اقف على رجلي من كتر التعب "
نظرت له رانيا بشفقة لما تكبده اليوم بسببها، حتى وإن لم تقصد أن يصل بهم الحال لتلك النقطة، لكنه حدث وانتهى، لذا اقتربت منه تهمس :
" شكرًا يا صالح على كل اللي عملته عشان تسعدني بالإجازة وحقك عليا لو كنت عطلتك ولا عملت ليك مشاكل في الشغل "
ابتسم صالح بجذبها من رأسها صوب أحضانه يهمس لها بحنان ولين :
" أنتِ تؤمري يا رنوش وفداكِ أي شيء ياقلبي، يلا عشان نستريح شوية "
صعد الأثنان للسيارة التي اوقفها صالح يتحركون صوب منزلهم، وبعد دقائق طويلة توقفت السيارة أخيرًا ليهبط صالح ومعه رانيا، يتنهد براحة شديدة :
" واخيرًا رجعت البيت .."
في تلك اللحظة توقفت سيارة صلاح أمامهم يهبط منها بقوة ضاربًا الباب دون اهتمام، ثم سحب جسد رائد بغضب صارخًا:
" انزل يا رائد ومرر يومك على خير، هفضل احلّق على مصايبك أنت والبلوة التاني الباقي من عمري ولا ايه ؟! "
رفع صالح حاجبه يكمل جملته :
" يا ريتني ما رجعت "
فجأة انتفض حينما وجد صلاح يرفع رأسه له وقد كان في تلك اللحظة يشبهه بشكل مرعب، ابتسم صالح يرفع كفه لصلاح كي يحييه، لكن الأخير صرخ بغضب شديد :
" اهلا بالاستاذ التاني اتفضل يا حبيبي ادخل لما نشوف بلوة الزفت ده بعدين هعملك إعادة تأهيل يا معفن "
نظر صالح صوب رانيا التي كانت لا تفهم ما يحدث ولا هو حتى يفعل، ماذا حدث لكل ذلك ؟؟ هل اكتشف صلاح للتو صفاته ؟؟ ليس وكأنه يحيا معه طوال العمر .
__________________
تجلس في المنزل وهي تحمل أنس على يديها تراقب بلال وأميرة بأعين حريصة حتى لا تغفل عنهم، ترى الصغار يلعبون سويًا بكل هدوء ولطف عدا بعض الحوادث التي يفتعلها الصغير بلال ..
" بلال يا حبيبي سيب نضارة عمو عشان هتتكسر "
وضع بلال النظارة أعلى عيونه والتي تشبه بشكل كبير عيون صالح وصلاح، فالصغير أخذ من والده الكثير فأصبح نسخة مصغرة منه ومن زوجها، ابتسم وهو يرتدي نظارة صلاح، ثم نهض كي يتحرك بها في المنزل يمد يديه أمامه كالضرير الذي يتلمس طريقه في ظلماه الخاصة .
يبتسم بسعادة بينما أنس أعلى كتف ميمو كان يحاول القفز يحرك جسده لأعلى وأسفل يهتف مشيرًا صوب نظارة والده :
" بابا ..بابا "
حدقت به ميمو باستنكار :
" بابا ايه يا حبيبي ؟؟ هو أنت أي إنسان لابس نضارة يبقى بابا؟؟ ده مش بابا يا أنس "
لكن الصغير لم يتوقف عن التململ بين ذراعي ميمو يحاول النزول وصوته يخرج حانقًا غاضبًا :
" بابا "
تركته ميمو ارضًا كي لا يؤذها بسبب حركاته العنيفة، ليركض الصغير من فوره صوب بلال ينتزع نظارة صلاح منه بقوة ثم دفعه بقوة ارضًا، لتنطلق شهقة ميمو عالية في الوقت الذي فُتح به الباب ودخل الجميع واترفع صوت صالح تزامنًا مع ارتفاع صوت بكاء صغيره :
" عندك، مسكتك متلبس"
استدار بسرعة صوب صلاح يقول بغضب :
" هي دي الأمانة يا خويا ؟! بتعذبوا ابني وتضربوه ومش بعيد تكونوا مشغالين أميرة خدامة عندكم، بس خلاص كده ده اخر تعامل بينا، يلا يا حبايبي يلا نرجع بيتنا عمو مش بيحبنا "
انطلق له الصغار ليضمهم صالح بحب وشوق شديد وقد اشتاق لهم وبشدة، يجذبهم لصدره وهو يردد بنبرة درامية :
" خلاص يا حبايبي متخافوش بابا جه ينقذكم من عمو الشرير والكتعة مراته "
اتسعت أعين ميمو تشهق بصدمة وصلاح ينظر لصالح بتشنج :
" ياريت والله أنت كده بتنقذنا احنا من عيالك وخاصة القرد الصغير ده، ده لغاية دلوقتي مكسر ليا نص فناجين القهوة بتاعتي وقطعلي مقالة خمس مرات كل ما اكتبها "
حمل صالح صغيره ينظر بأنف مرفوع لشقيقه رافضًا أن يتهم طفله البرئ بشيء كالتخريب :
" اولا عيالي محترمين ومتربيين احسن تربية، وعشان كده مهانش على ابني ضنايا وحبيبي يشوف عمه اللي شبه أبوه بيشرب قهوة ويدمر صحته بيها، وبالنسبة للمقالة اللي قطعها فأكيد لأنها كانت هتضرك أو مستواها ردئ، لعلمك ابني عنده حس ادبي عالي زيي كده، وكل اللي عمله عشان مصلحتك "
ختم حديثه يقبل بلال بشكر وكأنه اقتنع بكذبته الخاصة :
" حبيبي شمعة تحترق لأجل الآخرين "
زفر صلاح يردد بغيظ :
" طب خد الشمعة بتاعتك وروحوا سيحوا على جنب، لما اشوف بلوة التاني"
كان يتحدث وهو ينظر بعيونه صوب رائد والذي كان صامتًا لا ينبث بكلمة واحدة وكأنه غير مهتم بما يحدث حوله، يجلس على الأريكة واضعًا قدم فوق الأخرى دون اهتمام بالجميع، حتى سمع فجأة صوتها في الجوار لتتحفز كامل حواسه وصوت تسبيح يصدح باكيًا :
" رائد ..أنت كويس ؟؟"
انتفض رائد عن مقعده يمسك يد تسبيح بين كفيه وهو ينظر لها بحنان :
" مالك يا توتا بتعيطي ليه ؟! أنا كويس والله دي كانت مشكلة وحليتها"
تدخل صلاح بغضب :
" مشكلة ملكش علاقة بيها يا رائد تدخل فيها ليه ؟! دول اخوات وبيتخانقوا مع بعض على الورث أنت تتدخل ليه، وبعدين العيلة كلها معروفة أنها بتاعة مشاكل "
نظر له رائد ينفخ بغيظ شديد:
" يعني واحد جالي بيتي وطلب مساعدتي وقالي أن اخوه معاه سلاح ورافعة عليهم، اسكت يعني ؟؟ ده شغلي يا صلاح"
" لا متسكتش بس تتصرف بعقل، تتصل بالوحدة بتاعتك، من امتى وأنت متسرع ؟؟ سيبت ايه لصالح يا رائد لما أنت تعمل كده ؟؟"
كان صالح يتابع كل شيء باهتمام ليعلم ما حدث، لكن فجأة نظر باستنكار صوب صلاح :
" هو ايه اللي سيبت ايه لصالح ؟؟ ده على اساس صالح ده ايه بالضبط ؟!"
" معفن ."
كانت كلمة صرخ بها صلاح في وجه شقيقه، ثم اقترب منه يردد بغيظ شديد :
" أنت محتاج إعادة تربية، ايه اللي أنت بتعمله مع الناس في الشغل ده ؟؟ "
" عملت ايه ؟؟ أنا علاقتي طيبة بالكل على فكرة "
" طيبة ؟؟ والله أنت اللي طيب، ده يا عيني تحسهم مصدومين اني بعاملهم باحترام وهدوء، ده واحد عيونه كانت هتدمع من الفرحة وانا بقوله حضرتك "
نظر له صالح ثواني باستنكار شديد قبل أن يتشدق بحنق :
" وأنت بتعاملهم بهدوء ليه ؟؟ أنت عايز تبوظ حياتي في شغلي ولا ايه؟! افرض اتعشموا فيك هضطر أنا اعيش الباقي من حياتي اتصرف زيك كده ؟؟"
" تتصرف زيي ؟؟ ومالك بتقولها بقرف كده ليه يا معفن؟؟ أنت تطول ؟؟"
" اطول ايه أنت مش شايف حياتك عاملة ازاي يا جدع انت، يا ممل، بص على وشوش عيالي المساكين، العيال وشهم انطفى وانا كنت سايبهم مزهزهين اكيد من الملل والرتابة، أنا هاخد عيالي وامشي من هنا قبل ما يحصلهم حاجة"
فجأة شعر صالح بمن يجذب بنطاله، فنظر للاسفل ليجد أنس يبتسم له وهو يمد له نظارة صلاح ظنًا أنه والده ليلتقط منه صالح النظار ويرتديها، ثم مال وحمل أنس على يده الأخرى يشير بعيونه لرانيا :
" يلا يا عيال ملناش قعاد هنا، عمو مش بيحبنا ولا بيطيقنا"
ختم حديثه يحمل الصغار ويخرج من المكان وخلفه رانيا التي ابتسمت لميمو تشير لها بيدها :
" بكرة نتجمع واحكيلكم على اللي حصل "
كان صلاح ما يزال ينظر بصدمة لما حدث لا يستوعب ما فعل شقيقه، فجأة حينما كان يصرخ به تبخر آخذًا معه عائلته وصغيره الأبله الذي ظنه هو فقط لأنه يرتدي قميص اسود ..
تحدث رائد وهو يضم تسبيح له بحب :
" يلا احنا كمان يا توتا عشان نروح، بدل ما الإجازة راحت على الفاضي كده "
نظرت له تسبيح مبتسمة، ثم استأذنت منهم تخرج مع رائد والذي لم يكن صلاح قد انتهى حتى من الحديث معه، وهو تجاهل الأمر كأنه لم يكن في معركة منذ ساعات قليلة .
وخلى المنزل ولم يتبقى به سوى صلاح وميمو التي نظرت للباب المغلق والمنزل الذي يعمه الهدوء لتقول :
" بس كده، اليوم خلص ؟؟"
نظر لها صلاح ثواني قبل أن ينفجر ضاحكًا لا يدري على جنون شقيقه وعبثه الدائم، أم على حياته الغريبة، لكنه فقط استمر في الضحك :
" أيوة الماراثون خلص الحمدلله ونقدر نلتقط الأنفاس "
ختم حديثه يلقي بجسده على الأريكة وهو يفتح ذراعه لميمو التي تحركت لتنضم له وتستند برأسها على صدره بحب شديد وهو تنفس بصوت مرتفع يقول :
" تفتكري يا ميمو لو كانت حياتنا هادية عادية زي باقي البشر مفيهاش كل الناس دول ولا دوشتهم كنا هنرتاح ؟!"
نظرت ميمو لوجهه ثواني ثم قالت ببسمة :
" أنت عمرك ما كنت هترتاح لو هما مش في حياتك يا صلاح "
ابتسم لها صلاح يقول وهو يغلق عيونه بتعب :
" عندك حق، يمكن متعة رحلتي في الرفقة اللي معايا، بس احيانا بحس إني عايز امسك الرفقة دي ارميهم من قطر الرحلة واعدي عليهم اسفلتهم "
أطلقت ميمو ضحكات عالية تدرك جيدًا ما يقصد، صلاح يحب الجميع بلا استثناء رغم ضيقه من بعض تصرفاتهم، لكنه لا ينفك يعبر عن حبه ودفاعه المستمر عنهم .
صمتت تستمع بالهدوء أخيرًا بعد أيام من ضوضاء صغيرها وصغار صالح، تستمتع بقرب صلاح بعد يوم طويل مرهق، تبتسم وهي تتذكر اتصال نيرمينا لها وهي تبكي خيانة نادر لها، واتصال نادر بشكل مرئي يخبرها أنه لم يفعل شيء بالله كيف يخونها، بالطبع لن يخونها بالاشارات .
لتتدخل نيرمينا في الحديث صارخة بغيظ باكية :
" مش لازم تتكلم عشان تخوني، النظرات تكفي يا استاذ نادر وأنت كل يوم تتعامل مع ستات شكل "
أشار لها نادر بأصابعه في حدة وكأنه يصرخ في وجهها :
" نظرات ايه وتعامل ايه ؟؟ وانا هتعامل ازاي معاهم ؟؟ أنا شغلي بعيد عنهم أنا براجع اوراق وعقود بس ومش بتعامل مع حد، واللي شوفتيها دي كانت سكرتيرة عايزة ورق مني، ده انا مش بعرف اكلمها وبفضل اكتب ليها اللي عايزة ازاي هعاكسها، وهي هتبص لواحد مش عارف يتكلم ليه ؟؟"
ختم حديثه وهو ينظر لها بغيظ وشر كبير وهي تحدق به قبل أن تنفجر في البكاء تلقي نفسها بين أحضان نادر :
" متقولش كده عن نفسك، أنت حلو وكل البنات تتمنى تعاكسهم يا نادر "
تنهد نادر بصوت مرتفع وهو يربت على ظهرها يدرك أن تلك الهرمونات التي تتلاعب بها ستكون سببًا لجنونه قريبًا، ارتفعت ضحكات ميمو والتي كانت تراقب بصمت دون أن تتحدث تغلق المكالمة وهي تهز رأسها يائسة منهما ..
أفاقت على صوت صلاح وهو يقول :
" روحتي فين ؟؟"
" كنت بفكر في انهاردة، كان جدولي مزدحم بالمشاكل الصبح سعيد وزهرة واخر النهار نادر ونيرمينا "
ضحك صلاح يضمها له بحب لصدره ثم تنهد يقول :
" الحمدلله اليوم خلص ودلوقتي نقدر نرتاح و...."
صمت ينظر حوله وكأنه لم يستوعب بعد ما حدث على مرأى ومسمع منه ومن الجميع منذ دقائق ..
" هو انس فين ؟؟"
" أنس ايه يا صلاح؟ ما صالح اخده معاه قدام عيونك من شوية "
اتسعت أعين ثلاح ينتفض عن الأريكة صارخًا:
" ابني أنا في قبضة صالح ؟؟"
ولم تكد ميمو تجيبه حتى انطلق صلاح صوب الباب وهو يصرخ باسم صالح يطالبه بتحرير صغيره وتركه وشأنه، وهي تركض خلفه تطلق ضحكات صاخبة على مظهره وهو يطرق الباب يصرخ بشقيقه أن يخرج طفله من ذلك المستنقع، مهددًا إياه أنه سيأخذ صغاره كذلك ويعيد إصلاحهم .
وميمو تقف خلفه تضحك بصوت مرتفع وهي تحاول ابعاده عن الباب لكن صلاح رفض وهو يطرق ويصرخ، ومن الداخل أخذ صالح يجيبه بالرفض أنه لن يحرر طفلًا واحدًا، ويلقيه بيده صوب ذلك العالم الكئيب الذي يعيش به .
وهكذا دارت المعركة بين الشقيقين على جانبي باب منزل صالح، كلٌ يدافع عن طريقته وفكرته في التربية، وكلاهما يصرخ في الآخر......
لتنقضي ليلة أخرى على الجميع بين صراخ وشجار، لكنهما ورغم كل شيء كانا محببان للقلب .
فلا يهم إن كنت ألفًا أو كوز ذرة، في النهاية أنت تحمل فائدة كبيرة لمن يحيطون بك، أنت لست هامشًا في حياة أحد، ولست عاملًا مساعدًا في معادلة احد، بل أنت... مهم لنفسك قبل الجميع .
دمتم سالمين
رحمة نبيل