تحميل رواية «ما بين الألف وكوز الذرة» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الاول * هام قبل القراءة* ( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني ) وتاني هقول رجاءً بلاش تحرقوا الأحداث اللي جاية في الفصول الاولى يا جماعة كده انتم بتفسدوا متعة...
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل
«واعلموا أنه ما من عبدٍ مسلمٍ أكثر الصلاة على النبي محمد ﷺ إلا نوّر الله قلبه، وغفر ذنبه، وشرح صدره، ويسَّرَ أمره»..♥️
- ابن الجوزي.
_________________________
صدى صرخاتها بدد سكون الليل، وقد تعاظم شعورها بخروج روحها مع تلك الصرخة، أنفاسها تتقلص وجسدها يرتجف وفجأة......
انتفض جسد ميمو بقوة بسبب تلك اليد التي سحبتها من ذلك الجزء المظلم بعقلها، كانت تتنفس بعنف وهي تستشعر بأيدي قوية تضغط على ذراعيها وتهز جسدها كما لو أنه يحاول إجبارها على الاستيعاب .
أغمضت عينيها بقوة تحاول أن تقنع نفسها أنها حية، كل ذلك حلم، بل كابوس بشع، تنفست بقوة وهي تفتح عيونها شيئًا فشيء لتلمح وجه مختار الذي كان شاحبًا وهو ينظر لها بخوف .
نظرت ميمو حولها تحاول معرفة أين هي وماذا حصل، تتفحص جسدها بأيدي مرتجفة، تتأكد أن سعيد لم يتجرأ ويخرج من أحلامها وينفذ ما يحلم هو به طوال حياته .
أبصرت بطرف عينيها المشروب الذي ذهب مختار لاحضاره، كل ذلك كان حلم، كيف سقطت في النوم، هي فقط أغلقت عيونها لثواني لترى تلك الرؤية المرعبة، لربما هو حديثها مع صلاح اليوم حول ما قد يفعله سعيد إذا ما نشرت تلك المقالة، نعم هذا ما حدث .
نهضت ميمو من مكانها تحاول التحدث لطمئنه مختار الذي كان شاحب الوجه وهو يراقبها بقلق وجسدها ما يزال يرتجف كورقة ذابلة في اوائل الخريف :
" أنا ...أنا كويسة ..أنا بس شوفت كابوس "
هز مختار رأسه لها بينما هي نظرت له ثواني قبل أن تشير له بالتحرك :
" خلينا ننزل الجو بقى وحش "
وبالفعل تحركت ميمو للاسفل وهي ما تزال تشعر بتلك الرصاصة التي اصابتها، تشعر بها حقيقية، ما بال اليوم عقلها قد تكالب عليها وكأنه اقسم على ألا يجعلها ترى راحة ثانية واحدة .
وبمجرد أن هبطت ميمو من السطوح وجدت سعيد يتوسط الأريكة براحة شديد وبين أصابعه يحمل كأسًا من العصير، ابتسمت ساخرة تردد بينها وبين نفسها، يقتلني ثم يأتي لشرب عصير بارد، ذلك السعيد الاحمق ...
تحركت صوب الأريكة بخطوات بطيئة بينما مختار اتخذ ركنًا بعيدًا وعيونه ما تزال معلقة بهما .
ألقت ميمو جسدها جوار سعيد الذي حرّك عينه لها، ثم انتبه للتلفاز مجددًا يرظف بنبرة عادية :
" مال وشك كده كأنك شوفتي عفريت "
أرجعت ميمو رأسها للخلف تهمهم بصوت خافت وصل له واضحًا :
" امممم شوفتك في الحلم"
صمتت ثم أضافت بجدية :
" لا هو كان كابوس، عشان كده وشي عمل زي ما أنت شايف "
اتسعت عيون سعيد بقوة وهو يغلق التلفاز، ثم مد يده يصب كوبًا من العصير البارد يعطيه لها، ومن ثم اولى لها كامل انتباهه، يستند بذقنه على يديه، كطفل يستمع لحكايات جدته وقد التمع الفضول بعيونه :
" ها قوليلي بقى عملت ايه في الكابوس ؟؟ قتلتك ولا سلختك ؟!"
ارتشفت ميمو بعض العصير من الكأس وهي تردد بسخرية لاذعة :
" ده اخرك يا سعيد، الاحلام، اخرك تحلم أنك تقرب مني بس "
ابتسم سعيد بتهكم ش يحمل كوبه مجددًا :
" مش انا اللي حلمت يا قلبي، أنتِ اللي حلمتي وده معناه اني عاملك قلق "
ضحكت ميمو وهي ترتشف المزيد من العصير الخاص به والذي يدمنه سعيد، فهو لطالما عشق العصائر الطبيعية بجميع انواعها، شخص مريب :
" عندك حق أنت عاملي قلق وصداع ولو بايدي اطردك من هنا، بس مش هعمل كده، عارف ليه ؟؟"
منحها سعيد نظرة بريئة مصطنعة :
" عشان البيت هيضلم من غيري ؟؟"
" لا عشان مش هلاقي حاجة اتسلى عليها "
نفخ سعيد باستهزاء دون أن يجيبها في اللحظة التي اقتحمت بها نيرمينا الجلسة تردد بسعادة كبيرة لرؤيتهما معًا دون شجار :
" مساء الخير "
ترك سعيد الكوب أعلى الطاولة يفتح ذراعيه بحب لحبيبته الاولى وصغيرته الأقرب لقلبه، وصوته يخرج بحنان ولطف كبير لا تراه كثيرًا منه :
" مساء السكر يا نيمو"
ألقت نيرمينا نفسها بين أحضان سعيد ليغمرها هو بصدره يقبل خصلات شعرها بحب شديد ويده تتحرك تلقائيًا على ذراعيها صعودًا وهبوطًا :
" عاملة ايه ياقلبي ؟؟"
رفعت نيرمينا عيونها له تقول ببسمة :
" أنا كويسة اوي، وكمان أنا نجحت السنة دي وبقيت السابعة "
وتلك البسمة الحنونة التي منحها سعيد لها كانت أكبر مكافئة_ بعد بسمة مختار الفخورة _ تحصل عليها نيرمينا لأجل نجاحها :
" حبيبتي الف مبروك، أنا دايما فخور بيكِ يا نيمو، وعشان الاخبار القمر دي اطلبي اللي تحبيه هدية مني ليكِ"
نظرت له نيرمينا بلهفة وقد أتت واخيرًا فرصتها لتطالب أخيها بشيء ترغبه منذ سنوات طويلة، ليخرج صوتها مترددًا :
" أي حاجة ؟؟"
" اي حاجة "
نظرت نيرمينا لميمو التي كانت ترمقها بسعادة، تلك اللحظات القليلة التي قد تحتمل بها قرب سعيد هي اللحظات التي يكون هو سبب سعادة نيرمينا، وربما لهذا السبب لم تتخلص منه وتقطعه اربًا حتى اليوم ..
ضمت نيرمينا نفسها لصدر أخيها بقوة، ليزيد سعيد تلقائيًا من ضمته لها وهو يسمعها تهمس ببعض الكلمات التي لم تكن واضحة له، أبعدها قليلًا :
" قولتي ايه يا نيمو، مسمعتش، علي صوتك شوية ياقلبي "
نظرت له نيرمينا ولميمو بشكل جعل الأخيرة تشعر أن القادم لن يكون مجرد طلب عادي قد ينفذه لها سعيد بنفس راضية :
" كنت بقولك حابة أخرج الرحلة اللي تبع الجامعة مع صحابي "
فجأة انمحت بسمة سعيد، لتسارع نيرمينا وتمسك وجهه بين يديها وهي تجذب طرفي شفتيه وكأنها تجبره على الابتسام مجددًا :
" لا بالله عليك ما تكشر، استنى لما اقولك باقي التفاصيل "
رفع سعيد حاجبيه وهو يبعد يديها عن فم :
" نيرمينا أنتِ عارفة كويس اوي، إني مش بحب الحوارات دي لأني مش بأمن عليكِ في الرحلات ولا مع حد غريب "
تدخلت ميمو في تلك اللحظة حينما رأت ملامح نيرمينا التي انكمشت بحزن، لتمارس سلطتها في هذا المنزل كوالدة روحية لتلك الصغيرة التي لم ولن تسمح لأحد أن يحزنها، حتى وإن كان هذا الأحد هو شقيقها نفسه :
" البنت مش صغيرة عشان تتحكم فيها كده يا سعيد "
نظر لها سعيد باعتراض على حديثها وقد ساءه أن تعترض عليه أمام صغيره :
" والله صغيرة أو لا متتدخليش أنتِ بيني وبين اختي "
رفعت ميمو حاجبها تجذب نيرمينا من بين أحضانه وهي تنهض، تضم الأخيرة لها بقوة في تحدي سافر لاعين سعيد الذي نظر لها بقوة ألا تتدخل بينهما لتشعر نيرمينا أن تلك الهدنة التي رأتها منذ ثواني ستنتهي الآن وعلى يديها ...
وفي الركن البعيد كان مختار يراقب بملامح جامدة ينتظر فقط إشارة ليفجر رأس سعيد
ارتفع صوت ميمو بقوة وهي تفرض سيطرتها التي توازي سيطرة سعيد في هذا المنزل :
" والله نيرمينا تخصني اكتر منك يا سعيد، ولو ناسي افكرك مين اللي رباها من صغرها واخد باله منها يا عيوني "
تنفس سعيد بصوت مرتفع جعل نيرمينا تقول بخوف أن تحزنه أو أن تشعل حربًا ظنت_ بكل غباء _ أنها وضعت أوزارها :
" خلاص يا سعيد أنا مش عايزة، اصلا الرحلة كانت هتبقى مملة ووحشة "
ونظرة صارمة من ميمو جعلتها تقطع حديثها وهي تنظر ارضًا في اللحظة التي لمحت بها مختار يطيل النظر لها، ابتلعت ريقها وهي تتجاهل جميع من حولها وتنظر له بتعجب وكأنها تسأله عن سبب نظراته لها.
لكن قاطع كل ذلك صوت ميمو وهي تلقي بكلماتها الأخيرة تحاول ألا تعاند سعيد في أمر شقيقته فهي تعلم جيدًا كم يحبها، وأن سعيد هو آخر شخص في هذه الحياة قد يرضخ لشيء بالعناد :
" خلاص خليها تروح ولو خايف عليها، هبعت معاها مختار يكون مرافق ليها خلال الرحلة كلها وهيرجعها سليمة، وأنت بنفسك عارف مختار كويس اوي وعارف لما اوكله بحاجة بيعملها ازاي "
ولوهلة اتسعت عيون مختار بصدمة ينظر لميمو ومن ثم لسعيد وكأنه يحاول التأكد مما قالت ميمو، حتى سمع صوت سعيد بعد صمت طويل بعض الشيء :
" تمام، أنا موافق "
ما هذه الورطة التي اسقطته بها ميمو الآن ؟! هل سيعمل الآن مرافقًا لتلك الفتاة ؟؟ أي حظ هذا ؟؟
______________________
توقف أمام باب المنزل يحمل الحقائب بصعوبة، يحاول رفع يده للطرق، وكفه مأسورة بين الحقائب، لكن لم ييأس وهو يمد طرف قدمه يطرق الباب به.
دقيقة واحدة وطلّ عليه وجهها المغطى بنقاب لم يظهر سوى عينيها من خلف الباب الذي فتحته على استحياء، ليبتسم هو لها بسمة لطيفة يرفع الحقائب في الهواء يردد بجدية مطلقة :
" حسيت أن الحساب بتاعك قليل قولت ازوده شوية، واستثمر في المديونية بتاعتك "
رمقته تسبيح بعدم فهم لتتسع بسمته بشكل جعلها تتخلى عن حذرها وهي تترك الباب وتخرج بكليتها من خلفه تقف أمام المنزل، لترى رائد ينظر حوله وكأنه يبحث عن شيء ما، لكن وعندما يأس تقريبًا من ايجاد شيء يستند عليه ترك الحقائب ارضًا وجلس جوارها وهو يفرغها أمامه كالبائع الذي يعرض بضاعته تحت أعين تسبيح المتسعة تراه يرفع أمامها العديد والعديد من الحلوى التي لم تحصل عليها في حياتها بأكملها بعدما كانت توفر كل قرش لأجل معيشتهم.
" بصي أنا عمري ما جبت حلويات لبنت غير امي، فاعتبرتك امي وجبتلك نفس الحاجات اللي بتحبها "
كان يتحدث ببسمة وهو يفتح الحقائب، لكن فجأة استوعب رائد كلماته لها ليرفع وجهه سريعًا وهو يحاول تدارك ما قال ببسمة غبية :
" لا مش قصدي أنك زي امي أنا قصدي يعني في مكانتها، أو يعني..... مش كده اصبري هفهمك "
ودون أن تشعر تسبيح ضحكت ضحكة خافتة على ملامحه وهو يحاول أن يجد ما يصحح به كلماته، بينما رائد نسى ما كان يود قوله وهو يراها تبتسم ليتشجع وهو يعرض أمامها ما شراه بفخر :
" بصي يا ست الكل جبتلك شيبسي لأجل الأملاح و شوية مشروبات غازية لأجل هشاشة العظام، وشوكولاتات وحلويات كتير لرفع مستوى السكر في الدم، اظن مفيش مرض نسيته وعداني العيب "
" أنت عايز تخلص مني ولا ايه ؟!"
هز رائد رأسه وهو يقول بجدية كبيرة، بينما يده تتحرك بين الحلوى وكأنه يبحثًا عن شيءٍ ما :
" لا بس أنتِ متكتريش و أنتِ هتعيشي عادي "
شعرت تسبيح بالتأثر وهي تراه يحاول اسعادها دون حتى أن يعلم عنها شيئًا سوى أنها مجرد فتاة لاخت مجرم ألقى القبض عليه يومًا، بينما رائد كان ما يزال يجلس ارضًا وهو يحاول ايجاد المثلجات التي أحضرها :
" أنا فاكر اني جبت ايس كريم والله، هو عم مرتضى نسي يحطه ولا ايه ؟؟"
رفع رأسه يقول بجدية يجمع تلك الحلوى مجددًا في الحقائب :
" بصي خدي دول خزنيهم جوا لغاية ما انزل اشوف الايس كريم تقريبا نسيته و عـ"
" أنت طيب اوي على فكرة، ربنا يسعدك يارب ويكرمك "
كانت تلك الجملة العفوية التي صدرت من تسبيح هي ما اوقف يد رائد التي كانت تجمع الاشياء، وهو ينظر لها بعدم فهم لتشعر هي بغرابة ما تفوهت به، تحدثت كما العجوز الذي ساعدها شاب في عبور الطريق .
نظرت تسبيح ارضًا ليقول رائد بتلكؤ وهو لا يعلم بما يجيب على جملتها تلك ينظر لها ببسمة بلهاء يبحث في قاموس عقله الخالي عن رد مناسب يمحو حرجها ذاك، ليخرج منه جملة اسوء من خاصتها :
" الله يخليكِ أنتِ اللي طيبة وبنت حلال والله "
حسنًا رائد احسنت، أنت فقط لم تحضر لها حلوى والدتك المفضلة، بل أيضًا تحدثت لها كما تفعل والدتك مع كل فتاة تراها.
( بنت حلال )؟؟ حقًا ؟! ما رأيك الآن بالتربيت أعلى رأسها والدعاء لها بالزوج الصالح ؟!
خرج رائد من أفكاره على صوت تنحنح تسبيح التي حاولت أن تخفي خلفه ضحكة كادت تفلت من بين شفاهها، ليشعر بالحرج يزداد والشحنات تزداد في الأجواء، ليقول وهو يشير صوب الدرج بينما يفرك خصلات شعره :
" هروح اجيب الايس كريم، عايزة حاجة تاني من تحت ؟! ناقصك حاجة في البيت ؟!"
نظرت تسبيح ارضًا تتلاشى النظر له بأي شكل من الأشكال حتى لا تنفجر في الضحك على مظهره :
" لا شكرًا، كفاية تعبك والله، بعدين كده الحساب بيتقل وانا واحدة حاليًا فقيرة ومش هعرف ارد ده كله "
ابتسم رائد بلطف يلوح بكفه في الهواء :
" متقوليش كده احنا اهل برضو، كله من خيرك "
نعم احسنت رد غبي آخر، لِم لا تذهب لعم مرتضي وتحضر المثلجات وتأتيها بها لتنتهي من محاولة إثبات نفسك كغر احمق لا يعرف سبيلًا في اللباقة والتعامل مع الفتيات، أفق رائد هذه ليست الحاجة سمية جارتك التي ترسلك لها والدتك بطبق بسبوسة ..
كانت تلك الكلمات تترد في رأس رائد الذي منحها بسمة محرجة ينسحب بسرعة كبيرة من أمامها تاركة حقائب الحلوى ملقية ارضًا دون أن ينتبه لها من شدة خجله مما حدث، بينما تسبيح ترمق طيفه وهي تضحك بخفوت ..
في ذلك الوقت فُتح باب الشقة المقابلة والتي يقطن بها رائد ليخرج منها صالح، أو صلاح، لا لا هذا صالح نعم فهو يرتدي ثياب شبابية وخصلاته مبعثرة بعض الشيء .
اغلق صالح المنزل خلفه وهو يضع الهاتف ما بين كتفه ورأسه :
" أنا جايلك يا محمود خلاص خلصنا "
في ذلك الوقت انتبه لحقائب الحلوى الساقطة ارضًا أمام منزل جارتهم الجديدة، ليتحرك صوبهم وهو ينحني لهم لتسارع تسبيح في منعه :
" لا متتعبش نفسك أنا هلمهم والله و..."
لكن فجأة توقفت حينما وجدت صالح ينهض بعدما امسك عبوة من عبوات المشروبات الغازية وهو يقول بهدوء واحترام غريب عليه :
"مساء الخير يا تسبيح، هيحصل حاجة لو اخدت البيبسي ده ؟؟ عشان اللي عندنا خلص "
فتحت تسبيح فمها ببلاهة تهز رأسها نفيًا :
" لا أبدًا اتفضلها "
ابتسم لها صالح وهو يتحرك صوب الدرج وهي ما تزال ترمق الحلوى الملقاه ارضًا بتعجب لتصرف ذلك الشاب معها .
وبعد ثواني وحينما أفاقت من شرودها سمعت صوت الباب يُفتح ويخرج منه صلاح الذي كان كعادته يرتدي بدلة مرتبة دون رابطة عنق وبشعر مرتب وبسمة هادئة، اتجه لها صلاح يلقي عليها التحية :
" مساء الخير يا آنسة تسبيح "
انحنت تسبيح تحضر مشروب آخر له، لكن صلاح سبقها وهو يشير لها ألا تفعل :
" خليكِ أنا هلمهم"
وبالفعل انحنى صلاح يجمع كل الاغراض في الحقائب بهدوء شديد، ثم رفعهم وهو يعطيهم لها بهدوء :
" اتفضلي "
" ها ؟؟"
ابتسم صلاح بتعجب لنظرات البلاهة أعلى وجهها :
" فيه حاجة اساعدك فيها ؟؟ تحبي اشتريلك حاجة من برة وانا راجع ؟؟"
هزت رأسها بنفي سريعًا تسحب نفسها قصرًا من تلك الدهشة التي سقطت بها، ترى صلاح يهز رأسه بهدوء مودعًا إياها، ليثبت لها ذلك التوأم صحة المقولة التي لطالما سمعتها من نساء الحارة ( صحيح البطن قلابة..)
___________________________
توقفت السيارة الخاصة به أعلى تلة ينتشر عليها العديد من المطاعم والمقاهي ويعمها الضجيج، وعلى إحدى جوانب تلك التلة كانت تقف سيارتها تجلس أعلى مقدمتها ترفع رأسها لأعلى تستنشق الهواء وهي تحاول أن تنعم بلحظات هادئة بعيدًا عن أي ضوضاء في حياتها تلك ..
وصل لمسامعها صوت محرك سيارة تتوقف جوارها، لم تتعب نفسها لترى من ذلك الذي اقتحم مساحتها الشخصية، فهي من اتصلت به خصيصًا ليفعل ذلك .
شعرت ميمو بجسد صلاح يقترب منها يستند على السيارة التي تجلس أعلاها وهو ينظر للسماء كما تفعل :
" مبقتيش تقدري تستغني عني ؟؟"
أطلقت ميمو ضحكات عالية وهي تنظر له بطرف عينيها :
" تقدر تقول إني بقيت حابة فكرة أن فيه حد بتكلم معاه براحة من غير ما اضطر أوضح كلامي بعد ما اخلصه"
صعد صلاح على السيارة جوارها يتنهد بصوت مرتفع :
" نفس الشيء، رغم اني لسه مش متعود على الموضوع، يعني تخيلي بعد ما كنت كل يوم بتكلم مع صالح ورائد ومحمود صاحب صالح، بقيت اتكلم مع واحدة دماغها زي الافعى "
ابتسمت ميمو بسمة جانبية ولم تنظر له حتى وهي تقول :
" لو أنا افعى، فحضرتك تعبان "
" تؤ تؤ احنا نيجي ايه جنبك بس يا ميمو هانم، ده كفاية بس البلاوي اللي عملتيها لسعودك لغاية دلوقتي "
نظرت له ميمو ثواني :
" عملت ايه ؟؟ قصدك على الكام مقال دول، لا دول هزار على الماشي كده مع سعيد عشان يتلم متاخدش في بالك "
افتر ثغر صلاح عن بسمة مخيفة خبيثة وهو يميل بشكل غريب على ميمو هامسًا وكأن هناك من يجاورهما ويستمع لحديثهما :
" مش قصدي على الكام مقالة، أنا قصدي على المصايب اللي في المقال "
رفعت ميمو حاجبها ليعتدل جسد صلاح يردف ببساطة وكأنه يتلو عليها اخبار الطقس لهذا اليوم :
" عرفتي منين كل مصايب سعيد يا ميمو ؟! رغم أن كل اللي عرفته منك حتى الآن كان برة البلد وأنتِ قاعدة هنا"
وها هي تلك البسمة التي تدل أن ميمو أخرجت شياطينها وهي ترفرف بعيونها، تعطي صلاح ما يدور حوله منذ جاء :
" اللي عرفته أنت عن سعيد يا لذوذ ميجيش نقطة في بحر اللي اعرفه أنا عنه، تقدر تعتبر نفسك واقف مع صندوق سعيد الاسود، أي حاجة بحطها في دماغي بعرفها "
ضحك صلاح بصوت مرتفع وقد نال ما أراد :
" وبتقولي عليا تعبان ؟؟ يا شيخة ده أنتِ عندك سم خام ومُركز "
هزت له ميمو رأسها بهدوء شديد وكأن الأمر طبيعي أو أنه لا يعني شيئًا :
" الفلوس يا لذوذ بتعمل المعجزات، ادفع اكتر تاخد اللي عايزه، وانا في الوقت ده مكانش معايا أي حاجة غير الفلوس، تقدر تقول دي واحدة من مميزات جاد القليلة "
ها نحن اقتربنا من النقطة التي يتلاشى صلاح التحدث عنها، لكن في تلك اللحظة بالتحديد أراد وبشدة معرفة كيف كان شكل علاقتها مع ذلك العجوز، وما الذي اوصلها له ؟؟
" هو ...بخصوص جاد، كان ايه الحوار؟؟"
أطلقت ميمو تنهيدة عالية تسمح للهواء أن يهدأ من نيران قلبها المشتعلة، وكعادتها حينما تحتاج لشغل عقلها عن شيء أخرجت رباط شعرها من معصم يدها تلملم به خصلاتها وكأنها بذلك تقطع جميع السبل أمام الهواء ليعبث بخصلاتها، ثم أرخت كتفها تردد بجدية :
" مفيش حوار ولا حاجة، حالي هو حال ١٢ مليون بنت اتاخدت من حياتها واترمت غصب عنها في حياة الكبار، كل سنة فيه تقريبًا ١٢ مليون بنت بيتسحب منهم العروسة اللعبة بتاعتهم وبيحطوا بدالها طفل صغير ويقولوا ليها يلا مبارك بقيتي أم وزوجة "
آهٍ من ذلك الوجع الذي يُقطر من كلماتها، تلك الفتاة أمامه تبدو كالصخرة، صلبة من الخارج ومن الداخل تحمل العديد من التشققات التي تسببت بها ظروف قاسية، وهي نفسها الظروف التي حولتها لذلك الصخر في البداية .
حسنًا يكفيه، فهي لن تحضره الان ليذكرها بما تهرب منه .
وفي محاولة بائسة لسحبها من تلك الدوامة أشار صلاح خلفه لأحد المطاعم التي يخرج منها اصوات موسيقى واضواء كثيرة :
" ليكِ في الهندي ؟؟"
أفاقت ميمو مما هي به لتنظر خلفها صوب ذلك المطعم الذي كان على الطراز الهندي، لتبتسم بسمة لم يرها صلاح أعلى فمها سابقًا، بسمة ليست بالخبيثة أو العابثة، بل كانت صافية كطفلة حازت لتوها عدية العيد ...
تقول وكأنها لم تصدق أن أحدهم سألها ذلك السؤال لتشرد في السرد :
" زمان كنت أنا ونادر بنحب اوي نمثل أننا في فيلم هندي وبنرقص زيهم ونتنطط، تعرف أننا كنا بنتابع الافلام مخصوص عشان نحفظ الرقص بتاعهم وبعدين نفرغ الصالة من كل حاجة ونبدأ العرض بتاعنا، لغاية ما يجي مازن ويقفل التلفزيون ويخلينا نذاكر، واول ما يدينا ضهره نقعد نرقص تاني، لغاية ما هو يستسلم ويرقص معانا "
أنهت حديثها وهي تطلق ضحكات خرجت مُحملة بآهات ووجع، رغم تلك البسمة التي ترسمها، وكأن الذكريات أعادت لها ميمو الصغيرة الفتية المبتهجة .
شعر صلاح بوجعها وأدرك من كلماتها أن نادر ومازن اخواها، ورغم فضوله لمعرفة أين هما في هذه اللحظة وما الذي حدث لهما ليختفيا من حياتها بهذا الشكل، إلا أنه تجاهل كل ذلك وهو يقول بجدية متنحنحًا يضع يده أمام فمه وكأنه يخجل من قول ذلك وقد كان بالفعل :
" زمان وانا ١١ سنة تقريبا كنت بهرب أنا وصالح من البيت ونروح الأرض اللي وراه ونفضل نجري فيها ونغني ونعمل حركات زي ما شاروخان كان بيعملها في الافلام، وكنا بنسرق العِمة بتاعة ابونا عشان نلبسها زي الناس اللي في الهند "
حدقت به ميمو في بلاهة وكأنها تحاول معرفة صدق ما يقول، لا تتخيل صلاح الذي عرفته كل تلك الأيام بهذه الهيئة، لكن نظرات صلاح أخبرتها أنه لا يمزح :
" ومرة قفشنا ابونا وجري ورانا بالخرزانة وهو حالف ليرقصنا على واحدة ونص "
وها هو يحقق ما أراده وهو يراها تنفجر في الضحك بشكل هستيري تحاول تخيله وهو يركض في الأراضي الزراعية مرتديًا عمامة ويتراقص بين اعواد القمح هو وصالح، حتى صالح ذلك العابث لا تتخيله يتراقص كما يصف صلاح .
لكن صلاح والذي أراد في تلك اللحظة ألا تنمحي بسمتها، وأصر على الاحتفاظ بها تحت أي ثمن هبط من فوق السيارة يردد بجدية :
" مش مصدقة ؟! لا خلي بالك اللي قدامك ده اساسًا خليفة شاروخان في الملاعب "
ومن فوره فتح صلاح ذراعيه يميل بنصفه العلوي للخلف قليلًا يحاول تقليد تلك الحركة التي يشتهر بها ذلك الممثل الهندي يردد كلمات هندية بطريقة مضحكة ..
" سيدتي أنتِ دلوقتي قدام شخصية متعددة المواهب، خليني اوريكِ واحدة بس من المواهب الكتير دي "
ومن ثم بدأ يتراقص على الموسيقى التي خرجت من المطعم خلف ميمو يحاول تقليد حركات الرقص الشهيرة لديهم .
وميمو تطلق ضحكات عالية عليه، وصلاح لم يتوقف وهو يحرك يديه في الهواء لأعلى وأسفل ومن ثم كتفه يذهب يمينًا ويسارًا، وضحكات ميمو كانت أكبر مشجع له، وجمهور رائع يحمسه على المزيد والمزيد .
ليتناسى في لحظات عابرة من هو وكيف يعيش، نسي كل الرقي الذي يظهره طوال الوقت، ووقف أعلى تلة خلف أحد المطاعم يتراقص بحماس شديد .
اكتفت ميمو من المشاهدة لتقرر في لحظة مجنونة أن تقفز من فوق السيارة وهي تحرك يديها مثله وقد بدأت صور لها مع اشقائها تُعرض لها أمام عينيها، ليعيد لها صلاح وبعد مرور سنوات طويلة ذكرى من أسعد ذكريات قلبها، ذكرى جعلتها تبتسم من اعماق قلبها ترفع يديها في الهواء تحركها بقوة وكذلك كتفها وصلاح قد اندمج معها وبقوة في تلك الرقصة ....
لتنتهي ليلة ميمو ولأول مرة بضحكات وبسمات وسعادة من قلبها، لا تتذكر متى كانت آخر مرة تتصرف بهذا الشكل مع أحدهم، متى اطلقت لميمو الصغيرة العنان لتخرج من أسر جاد وقفصه الذهب، وتفعل ما يحلو لها، لكن صلاح والذي لم تعرفه سوى منذ أسابيع استطاع أن يصل لنقطة لم يصل لها قبله وانتزع من داخلها ميمو أخرى، ميمو ستكون سعيدة بوجودها هنا مع صلاح ...
_____________________________
وطأ باقدامه المخبز الخاص ببسكوتة محمود _ كما يُصر الاخير على تسميتها_ يرى أن الأجواء في هذا المساء هادئة بعض الشيء إلا من بعض العشاق الذين جاءوا خصيصًا لتذوق حلوى ومشروبات هاجر ...
بحث صالح بعينه عن محمود والذي أصر على عقد جلسة صلح بينه وبين تلك المتشردة التي تُسمى رانيا، وذلك لضمان ألا تتأثر مصالحه مع بسكوتته بسبب شخصين احمقين مثليهما .
وقف محمود يلوح بيديه في الهواء بقوة لكي يجذب انتباه صالح إلى طاولته، لكن صالح لم يعره اهتمام وهو يتحرك صوب منطقة استلام الطلبات حيث تقف رانيا، وها قد جاءت فقرته المفضلة ألا وهي إثارة حنقها :
" مساء الخير بقولك يا شاطر عايز حتة جاتوه وكوباية شاي بلبن "
رفعت رانيا عينها صوب ذلك الاحمق الذي يتحدث، لتبتسم حينما وجدته صالح، حسنًا لم تتوقعه شخص آخر، فكم احمق مثل صالح في هذا العالم ؟؟
" و حضرتك هتاكل الجاتوه مع الشاي بلبن ؟؟ "
" وده يخصك في حاجة ؟؟ اكله مع الشاي بلبن ولا اسقيه في الشاي بلبن، أنتِ خسرانة حاجة ؟؟ متخافيش هسبلك بقشيش محترم "
رفعت رانيا حاجبها تحاول ألا تفتعل مشكلة معه، وهي تتحرك من أمام منطقة استلام الطلبات تخلع زيّ العمل، ثم خرجت له لتقف أمام صالح الذي كان يفوقها طولًا وينظر لها من علياه :
" اسمع يا استاذ أنت عشان اللعبة دي طولت، وانا خلاص مبقاش عندي خُلق اتخانق مع حد، اتفضل اتحرك ناحية الترابيزة بتاعة صاحبك وتقعد عليها باحترامك لغاية ما اللي طلبته يوصل ليك، وخلال الوقت ده ياريت مسمعش صوت "
رفع صالح حاجبه يردد ببسمة مستفزة :
" ولو عملت صوت هتعملي ايه ؟؟ استدعاء ولي أمر ؟! ثم أنا مش في حضانة عشان اسكت "
لم تنس رانيا ذلك الحديث الذي امطرها به البارحة، واظهرها كما لو أنها عاشقة بائسة له، ومن ثم كاد يورطها مع محمد، شقيقها الذي يستطيع أن يقفز لها من سماعة الهاتف ويخنق صالح .
" هو أنت ازاي بقيت دكتور؟ أنت كنت غشاش صح ؟؟ اصل متقنعنيش أن كان فيه واحد دحيح صايع ومعاه مطوة "
ضحك صالح بصوت مرتفع :
" شوف هتموت من الغيظ، الاقيكِ فاشلة، بس لا يا غالية اللي قدامك كان دحيح فعلا ومش شرط عشان دحيح اني امشي بالقلم والمسطرة، وبالنسبة للمطوة فدي مكانتش معايا وانا في ثانوي، ده محمود اللي جابها ليا هدية في عيد ميلادي لما كنت في تانية جامعة "
فغرت رانيا فاهها وهي تستمتع لقصة كفاحة :
" مطوة هدية في عيد ميلادك ؟؟ هو صاحبك ده عاقل بجد ؟؟"
" لا، وإلا مكانش شافك واحدة طيبة وجابني هنا عشان اصالحك "
أحمر وجهها بغضب وقد حقق صالح مراده في أعضابها لتحذره :
" هو أنت مش عارف تفرق بين كلامك مع البنات وكلامك مع باقي الخلق، ما تتحكم في لسانك اللي عايز قطعه ده، وخليك محترم لدقيقة يا اخي "
" شوف مين بيزعق ؟؟ رانيا اللي كانت عاملة زي القطة الشيرازي امبارح وهي بتكلم محمد ؟؟"
تخصرت رانيا بعدم فهم :
" والحلو زعلان ليه إن شاء الله ؟! كنت وعدتك بحاجة وخليت بيك ولا تكونش ولي امري وانا مش واخدة بالي "
أشار لها صالح وهو يقول بجدية :
" اولًا أنا همررلك كل جملتك دي عشان الكلمة اللي قولتيها في الاول، عندك حق، أنا فعلا حلو، بالنسبة بقى اني زعلان فأنا مش زعلان يا رانيا، أنا غيران"
صُدمت رانيا من رده ، بل إنها تراجعت خطوات قليلة للخلف حتى تنظر له براحة، تردد مبهوتة :
" غيران ؟؟ من محمد ؟؟"
" لا غيران عشان محمد سمعك وأنتِ بتتكلمي زي البنات ومحترمة نفسك، وانا لحد دلوقتي معرفش نيرة صوتك وأنتِ بنت عاملة ازاي "
اتسعت أعين رانيا بصدمة تستشعر بوجود إهانة في حديثه، لكن أين بالتحديد لا تستطيع الاستيعاب وقبل أن تبادر وتتحدث، تدخل محمود من حيث لا يدري الاثنان وهو يجذب صالح بحنق :
" مش شايفني بقالي ساعة عمال اشاورلك زي بالون الافراح، اتنيل تعالى اقعد عايز اقولك حاجة مهمة "
تحرك معه صالح يسير خلف جذب صديقه، لكن عيونه كانت معلقة على رانيا وكأنه يتوعدها لأمر لا تعلمه والبسمة تزين فمه، وصل محمود بصالح للطاولة الخاصة بهما واجلسه بالقوة وهو يردد :
" أنت يا بني ادم مش هتتلم بقى شوية ؟؟ مش عارف تفرمل لسانك ده ؟؟"
نظر له صالح بحنق :
" فيه ايه ؟؟ مالك كده على المسا مش طايقني "
" والله انا مش طايقك من زمان، بس لولا الحوجة وإني معرفش غيرك كنت سيبتك زي الكلب لا لاقي بنت تعبرك ولا صاحبك يبصلك"
تشنج وجه صالح في تعبير مستنكر لما يقول ما بال الجميع اليوم يخبره أن ينتبه لحديثه، ما به حديثه ؟؟ هو يتحدث بتلقائية فقط :
" ليه إن شاء الله اجرب ؟؟"
" لا اهبل، مش عارف تتعامل ولا تتكلم مع حد، يا بني ادم كام مرة قولتلك حاولت تحسن علاقاتك بالجنس الآخر ؟؟"
أشار صالح باستهزاء صوب رانيا التي كانت تقف مع هاجر تتحدث معها وكل ثانية تنظر نحو صالح :
" ورانيا بقى هي الجنس الآخر ؟؟"
نفخ محمود بحنق وهو يضرب الطاولة :
" بقولك ايه ياض أنت اقسم بالله أنا لو الجوازة دي باظت هيبقى بسببك أنت والمتشردة بتاعتك دي، وقتها مش هيكفيني اني ابعتك لمعتصم ومصطفى توصلهم سلامي"
في ذلك الوقت اقتربت هاجر منهما وهي تمسك بين يديها رانيا وتردد ببسمة هادئة ورقيقة :
" مساء الخير، بعتذر للتأخير بس الشغل كان تقيل طول النهار "
وسريعًا تلاشى محمود الحازم الجاد الذي كان يقرع صالح منذ ثواني، ويخبره بمحاضرة طويلة كيف يتعامل من النساء، ويحل محله محمود العاشق للبسكوت الهش القابل للذوبان :
" كان الله في العين يا بسكوتة، أنا عارف إن شغل الافران ده متعب، بس متقلقيش بكرة نتجوز وارحمك من الوقفة قدام الفرن ده، واوقفك قدام فرن بيتنا تخبزي لينا عيش وفطير "
انتفض جسد محمود فجأة بعد ضربة صالح له والذي شزره بغيظ، في نفس الوقت التي نطقت به هاجر :
" عيش وفطير ؟؟"
قال محمود بجهل :
" ايه ملكيش في الفطير ؟؟"
" أنت بتقول ايه ؟؟ "
كاد محمود يجيب لولا صوت رانيا التي ضربت الطاولة وهي تتحدث بجدية :
" مش وقته يا خالتي تتناقشوا في مخبوزات ما بعد الجواز، خلينا في اللي اتجمعنا عشانه "
اتكأ محمود بظهره للخلف وهو مازال ينظر لهاجر ببسمة جعلت الاخيرة تشعر بوجهها يشتغل خجلًا :
" والله انا جاي هنا عشان اتكلم مع الآنسة هاجر، خد يا صالح الآنسة رانيا وروحوا في أي ترابيزة بعيد عشان مش ناقص وجع دماغ وخناق "
نظر له صالح بحنق :
" أنت مش ملاحظ أنك بقيت جرئ شوية من وقت ما بطلت تضرب ملوخية ؟؟"
كررت هاجر خلفه بعدم فهم :
" يضرب ملوخية ؟؟"
هز صالح رأسه وهو يجيبها دون تفكير :
" اه اصل محسوبك مدمن ملوخية، بيسفها سف"
كان يتحدث وهو ينظر بخبث لمحمود الذي رمقه بشر يحذره من التحدث أكثر، لكن فجأة انتبه لصوت هاجر التي قالت ببسمة واسعة :
" بجد ؟! أنا برضو بحب الملوخية اوي، ده انا مدمنة ملوخية "
فتح محمود عينه بصدمة يقول بريبة :
" مدمنة ملوخية ؟؟ أنتِ التانية ؟؟"
" أيوة أنا فكرت مفيش حد بيحبها غيري، ده انا كنت كل ما اكلم حد عليها يقولي مش بشربها، بس انا بقى طول عمري وانا احب امسك طبق الملوخية واشربه شرب كده "
كانت هاجر تتحدث بعفوية واندفاع كعادتها، ومحمود يراقبها بشك وهو ينظر لصالح الذي كان يضحك بصوت عالي، لكن حينما وصلت هاجر لآخر جملتها ابتسم محمود :
" قصدك الملوخية بتاعة الرز ؟؟"
" أيوة هو فيه ملوخية غيرها ؟؟"
ضحك صالح بصوت مرتفع :
" أيوة فيه ملوخية عمي ماجد، دي بقى ملوخية مستوردة بتعملك دماغ عسل لازم تجربيها "
استدارت هاجر صوب محمود تقول بلهفة :
" ده بجد ؟؟ باباك بيزرع ملوخية مستوردة ؟!"
" ايه ؟؟ اه اه ملوخية سوبر "
أضاف صالح :
" وملوخية كيلوباترا "
ازدادت ضحكات صالح الذي راقب محمود ينهض وهو ما يزال يرمقه بشر قبل أن يسحب هاجر من أمامهم، ليفسح لهما المجال للحديث وانهاء كل ذلك ...
بينما هاجر لحقت بمحمود في لهفة لمعرفة ما تلك الملوخية المستوردة التي تحدث عنها صالح والتي لأول مرة تسمع عنها ..
وعلى الطاولة ظلت رانيا صامتة حتى تحدث صالح وهو يخرج الهاتف الخاص بها :
" اتفضلي ده تليفونك "
اتسعت أعين رانيا بصدمة وهي تشعر أن كفيها يرتجفان حينما لمست الهاتف، و ما تزال تحدق فيه بدهشة :
" كده ؟؟ عادي ؟؟ هترجعه ليا قبل ما احارب المغول وادخل في خناقة مع افعى الاناكوندا ؟؟ هتديه ليا قبل ما اوصل لليفل الاخير من صبري؟؟ أنت متأكد ؟؟ مش عايز تاخده وتحطه في بركان وانزل أنا اطييه "
ابتسم صالح وهو يقول بهدوء ومشاكسة :
" لله بس، عشان قطعتي قلبي من اللي حصل فيكِ، كفاية عليكِ خطف وأعضاء، المرة الجاية باذن الله نجبلك قاتل متسلسل ونعملك عروض احسن من كده"
كتمت رانيا بسمتها وهي تقلب هاتفها بين يديها تشعر بشعور سيء لا تعلم له تفسيرًا، إلا أنها قالت بهدوء :
" باذن الله لو فيه مرة تانية بقى، أنا همشي من القاهرة وهقطع صلتي بيها، عارف خالتي؟! هقطع علاقتي بيها هي كمان، خلاص بقى عندي فوبيا من القاهرة "
ضحك صالح بصوت مرتفع، ثم استند بذقنه على يديه بهدوء يميل بنصفه العلوي على الطاولة متحدثًا بنبرة غريبة غامضة :
" هترجعي صدقيني، اللي جرب القاهرة مش بيقدر يبعد عنها، خاصة بقى لو قابلني "
أنهى حديثه لترمقه رانيا بسخرية وهو يضحك على نظراتها له، وقد قرر أن يقيم هدنة مؤقتة بينهما :
" فين الجاتوه الشاي بلبن بتاعي "
حدقت به رانيا في يأس قبل أن تنهض وهي تقول :
" حتى في أكلك غريب "
ابتسم عليها صالح وهو يردد بصوت مرتفع :
" أنا كل حاجة فيا غريبة حتى ذوقي، وعشان كده بكلمك "
استدارت له رانيا وهي تلوي فمها في حركات وكأنها تردد كلماته وتسخر منه وهو يضحك على ملامحها ..
وعلى مقربة منهما كان محمود قد اندمج في حديث خاص مع هاجر التي انبهرت وبشدة بعمله وحياته عن قرب ...
___________________
كان يستند بظهره على مقعد مكتبه داخل شركته، وأمامه يقبع، سبب عذابه في هذه الحياة بعد زهرة وميمو، الغبيان الذي حقًا لا يعلم ما الذي يجبره على تحملهما ؟!
" عملتوا ايه في حوار الدكتور اللي كلمتكم عليه ؟! "
نظر وسيم لرجب بينما الاخير ابتلع ريقه يحاول ايجاد أي كلمات يتحدث بها وتبرر لسعيد تأخرهما في معرفة موقف ذلك الطبيب من الأمر .
وبذلك الصمت أدرك سعيد انهما بالطبع لم يفلحا في شيء، في الأساس هذا خطأه، كيف يوكّل لهما أمر كهذا بحق الله ؟!
" مسمعتش رد، الدكتور قال ايه ؟! معانا ولا لا ؟!"
قال وسيم وهو يحاول ترتيب كلماته :
_ هو يا باشا قال ...يعني هو لما كلمناه قالنا أنه يعني هيفكر كده ويأكد علينا "
ارتسمت بسمة ساخرة على جانب فم سعيد وهو يحرك مطفأة السجائر أعلى المكتب يردد بتهكم:
" هيأكد عليكم ؟! ليه هو طالب اوردر يا وسيم ؟؟ "
ضحك كلٌ من وسيم ورجب وهما ينظران لبعضها البعض ورجب يردد :
_ لا حلوة يا باشا "
ووسيم يجاريه في غبائه :
" عندك حق والله ده سعيد باشا دمه عسل و.."
انتفض الاثنان فجأة وهما يطلقان صرخات مرتفعة حينما ضرب سعيد أعلى مكتبه وهو يصرخ بها :
" أنتم هتشلوني يا متخلفين، مهمة عبيطة زي دي مش عارفين تخلصوها ؟؟ امال لو كنت بعتكم لأخوه التاني كان حصل فيكم ايه ؟؟"
نظر الأثنان لبعضها البعض قبل أن يتساءل رجب بفضول :
" ليه يا باشا ماله اخوه التاني ؟! هو خطير اوي كده ؟؟"
نفخ سعيد بملل يمرر كفه أعلى وجهه محاولًا بث بعض الهدوء لنفسه، ثم قال :
" تمام يعني نعتبر أن الدكتور ده رفض شغلنا"
" ممكن يا باشا، هو اساسا بيماطل ويفاصل وعيل مش سالك "
تمتم سعيد بضيق منهما :
" هو اللي مش سالك ولا أنتم اللي متخلفين "
تنهد بصوت مرتفع، يتحدث لهما بخبث مفترضًا أنهما يعلمان ما يجب فعله :
" احنا في الحالات اللي زي دي بنعمل ايه ؟! "
نظر وسيم ورجب لبعضهما البعض ثواني قبل أن يستديرا صوب سعيد الذي كان يعقد حاجبيه بعدم فهم وهو يراهما يتناقشان وكأنه طرح عليهما معادلة رياضية صعبة، قبل أن يتكرم رجب ويخبره بما توصلا إليه بعد دقيقة من التفكير :
" نشوف غيره ؟؟"
صرخ سعيد بهما :
" ده انا اللي هشوف غيركم، غوروا من وشي، أنا اللي كلب متربتش اني اعتمدت عليكم في حاجة، أنا آسف لنفسي، اتفضلوا أنا هتصرف "
نهض الاثنان يرمقان بعضها البعض بتردد وفي رأسيهما يدور نفس السؤال، هل يخبرانه بأمر اختطاف حبيبة الطبيب والمناقشات والمفاوضات التي تمت بينهما، أم يتلاشيان غضبه في تلك الساعة ويرحلان محتفظين بأجزاء جسديهما كاملة ؟؟
وكان الاختيار الاخير هو الافضل في تلك اللحظة، ليرحل الاثنان تاركين سعيد خلفهم يزفر بضيق مفكرًا في طريقة لضم ذلك الشاب لهم، فهو بالطبع لن يتركه الآن خاصة بعدما أفصح له عن عمله، حسنًا هو الآن سيضطر للبعث برجلٍ آخر يستطيع التعامل معه ..
نظر لساعة يده قليلًا قبل أن ينهض حاملًا مفاتيح سيارته وفي رأسه تلوح له وجهته التي وصل لها بعد مرور عشر دقائق قريبًا .
هبط سعيد من سيارته يتحرك عبر بوابة حديدية كبيرة صوب حديقة غناء مليئة بالازهار الزاهية والجميلة، لكن من بين كل تلك الازهار كانت زهرته هي الاجمل .
ابتسم يراها كعادتها حيث توقع أن تكون، تجمع حولها العديد من الأطفال وهي تتراقص معهم وتصرخ بالتعليمات :
" يلا لفوا كلكم "
وفجأة يدور جميع الأطفال حول أنفسهم بتخبط بسبب الظلام الذي يسبحون به، ليس ظلام الليل، بل ظلام اعينهم، فطبيبته الغالية ليست مجرد طبيبة فقط، بل هي أيضًا مالكة لأحد دور رعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة .
ابتسم وهو يراها ترفع كفيها في الهواء وتصفق بقوة :
" مش سامعة السقفة، يلا أعلى "
كانت تتحدث وهي ترقص وتصف لهم ما يفعلونه، ابتسم سعيد بسخرية ليس سخرية عليها، بل على حاله الذي أوقعه مع ملاك وهو قد سلم نفسه للشيطان منذ سنوات ..
وبينما زهرة تدور وهي تهتف ببسمة :
" انزلوا تحت ...ودلوقتي فوق، شيفاكم على فكرة كلكم "
وبينما تتغنى وتضحك أبصرت وجهه الذي جعلها تمحو بسمتها كما لو أنها رأت عفريتًا، أو ماردًا، وقد كان ذلك أقل وصف في حق سعيد الذي خطى صوبهم وهو يتجاهل وجودها يستغل نقطة ضعفها التي تمكن منها جيدًا بعد أن استهلكه الأمر شهورًا طويلة للتقرب إلى هؤلاء الأطفال ..
" حبايبي اللي وحشوني"
وفورًا توقف الاطفال عن الدوران والرقص حينما استمعوا لصوت " العم سعيد " الحبيب الذي يمطرهم بالهدايا والحلوى ويلعب معهم، ركضوا صوب الصوت يبحثون عنه، وسعيد انحنى ارضًا يمد يده جاذبًا إياهم صوب أحضانه ناظرًا بطرف عينه لزهرة التي كانت ترمقه بسخرية لاذعة واشمئزاز لما يفعل
لكنه لم يهتم وهو يقبل الصغار ويضمهم بحب، لكن ودعهم فور أن أبصر ابتعاد زهرة عن محيطه متحركة صوب الدار، لذلك اعتذر من الصغار يشير صوب أحد رجاله ليوزع عليهم الحلوى وركض خلف زهرة جاذبًا ذراعها :
" هو إذا حضرت الشياطين ولا ايه ؟؟"
ابتسمت زهرة وهي تستدير له مرددة بملل :
" والله كويس أنك عارف حقيقتك، اول طريق العلاج هو الاعتراف أنك مريض "
عض سعيد شفتيه يقترب منها في خطوتين وهي تراجعت للخلف ببرود تضم ذراعيها لصدرها :
" أنت فاكر لما تقضل تنطلي في كل حتة هقتنع بيك واجري ارمي نفسي في أحضانك ؟!"
اقترب منها مجددًا يفتح لها أحضانه وهو يميل برأسه مرددًا بصوت بريئ ظاهريًا فقط :
" وليه تجري وتتعبي نفسك ؟؟ تعالي أنا قربت منك اهو ارمي نفسك في أحضاني يا قلبي "
ابتسمت زهرة وهي تنظر في جميع الجهات حولها قبل أن تستدير وترفع قدمها ضاربة بقوة في معدته صارخة بجنون :
" تعرف لو شوفتك في وشي تاني يا سعيد والله العظيم لاقدم فيك محضر عدم تعرض، أنا مش ناقصني مرضى اتعامل معاهم، كفايا اللي بشوفهم، فمش هيكون عندي مرضى في الشغل وفي البيت لو اتجوزتك"
كتم سعيد تأوهًا يحاول عدم الانحناء وإمساك معدته وهو ينظر لها بشر :
" للاسف أنتِ هتضطري تتعاملي مع الجنون ده كتير اوي يا زهرة، أنا وأنتِ مصيرنا لبعض "
هزت رأسها تردد بقوة وإصرار :
" تبقى بتحلم، سعيد أنا مش من أنصار فكرة l can fix him، الفكرة دي بنفذها مع المرضى عندي، مش مع شخص المفروض اختاره يكون جوزي ويشاركني حياتي "
صمتت ثم أعادت خصلاتها للخلف صارخة :
" يا اخي ده أنا حتى لو فكرت اني اتبع مبدأ الإصلاح معاك، فأنت واحد اساسا رافض تتصلح، سعيد أنا وأنت كلمتين مش هيجتمعوا في جملة ابدا غير مثلا او قولنا أنا هقتلك أنت، أو أنت هتقتلني أنا، تمام كده ؟؟ كلامي واضح ؟؟"
ظل سعيد صامتًا ولم يتحدث بكلمة، لتنقض عليه زهرة تمسك تلابيب ثيابه وهي تصرخ بجنون وقد شعرت بقرب انهيارها بسبب ذلك الرجل الذي لا يسمح لها حتى بمساعدته ولو من باب الشفقة :
" كلامي واضح ؟؟"
هز سعيد رأسه ببرود لتبتسم هي بنزق مبتعدة عنه تعدل من وضعية ثيابها، ثم أشارت له محذرة :
" تمام، إياك المحك في حتة برة العيادة، وحتى العيادة لو دخلتها هتدخلها على اساس انك مريض وبس، مريض يا سعيد "
أنهت حديثها تتحرك من أمامه بقوة وقد جعلها ذلك الرجل تكاد تفقد كل ما تعلمته خلال حياتها، أيا ليته كان رجلاً عاديًا أو مجرد حالة عندها، ليتها لم تره يومًا، ليتها لم ترى سعيد الحنون ولم تعاصر سعيد المسالم، أيا ليتها عرفته من بداية جنونة ولم ترى كيف كان سابقًا، وقتها لما كانت لتفكر به ولو كان آخر رجال العالم، فهي ليست بالمعتوهه لتحب مريضًا، بل هي وللاسف أحبت سعيد صاحب العشرين عامًا.
دخلت زهرة مكتبها وهي تنسى للحظات ما حدث مبتسمة بسمة واسعة تعود لرقتها ولطفها وهي تقول للمربية التي تبعتها :
_" معلش يا استاذ منار ممكن تشوفيلي البنوتة اللي وصلت من اسبوع؟! حابة اتكلم معاها شوية "
تحركت منار خارج المكتب تاركة زهرة تبتسم بحنان وهي تتحرك صوب الثلاجة الصغيرة في مكتبها تجهز بعض الحلوى والمغريات للفتاة علها تتحدث وتخرج من صدمتها بعدما تعرضت للكثير خلال حياتها على الأرصفة ..
بينما في الخارج صعد سعيد لسيارته وهو يقودها بلا اهتمام يطلق صفيرًا وهو يفكر في العودة للمنزل والشجار مع ميمو علّ ذلك يحسن حالته النفسية قليلًا بعدما افسدتها تلك الغبية التي تظن أنه سيرضخ لحديثها، حسنًا هو يفعل في الحقيقة، لكن ذلك هو الأمر الوحيد الذي لا يرضخ لها به .
________________________
خرج من باب منزله في الصباح الباكر حتى يتجنب ازدحام المرور في هذا الوقت، وقبل أن يخطو خطوة بعيدًا عن المنزل سمع رائد صوت صلاح وهو يعلو خلفه من المنزل :
" الزبالة يا رائد "
رد عليه رائد بصوت مرتفع :
" ماشي "
حمل رائد القمامة يلوي ثغره بعدم رضا على حاله، يمتص شفتيه كما تفعل والدته حينما ترى شيئًا لا يعجبها :
" ظابط محترم برتبة نقيب وقريب هيترقى ويبقى رائد قد الدنيا ويدوس على خلق الله يشيل كيس الزبالة وهو نازل ؟؟ عجبت لك يا زمن "
في ذلك الوقت فتحت تسبيح باب المنزل وهي تخرج سريعًا بمجرد سماعها لصوت صلاح يناديه :
" استاذ رائد لحظة لو سمحت "
نظر لها رائد يستنكر ذلك اللقب :
" استاذ ؟! هو أنا ماسك طبشيرة وممسحة ؟؟ النجوم دي مش مزغللة عينكم، ماشي بكرة ابقى رائد بجد مش مجرد اسم واحطلكم النسر على الكتافة ووقتها محدش يقدر يفتح بقه "
اقتربت منه تسبيح على استحياء وهي تردد بينما عينها استقرت ارضًا :
" آسفة لو بزعجك بس هو ..."
" ايه عايزة انزلك كيس الزبالة بتاعك ؟؟ قولي متتكسفيش"
ابتسمت تسبيح بسمة صغيرة وهي تفرك يديها في بعضها البعض والارتجاف واضح على جسدها بشكل جعل رائد يتخلى عن مزاحه يقول بجدية :
" مالك يا تسبيح حصل حاجة ؟!"
ابتلعت تسبيح ريقها وهي تتحدث بصوت ابح خرج حزينًا :
" هو من يوم كده اتبلغت اني لازم اروح النيابة عشان شهادتي بخصوص قضية ...قضية بابا "
خرجت منها الكلمة الأخيرة وهي تحاول أن تمنع تلك الغصة من الحروج، ثم أضافت :
" هو أنا معرفش حاجة و ..مش عارفة اقول ايه، وهل اقول اللي حصل لعبدالعظيم ولا اعمل ايه "
رفعت عينيها له وهي تردد برجاء :
" فممكن لو تقدر ومش هتعبك تساعدني ؟!"
هز رائد رأسه وقد تفهم كل ما قالته، لينظر لساعة يده :
" هو اساسا أنا كنت حابب اقعد معاكِ عشان اتكلم في حوار عبدالعظيم والمكان اللي كان جلال خاطفك فيه وحوارات كتير، وقت التحقيق والنيابة أنا هاجي معاكِ متقلقيش، ولما ارجع بليل باذن الله لينا حوار طويل افهم منك كل حاجة، تمام كده ؟؟"
هزت رأسها بإيجاب وهي تشكره بصوت خافت، ليتحرك رائد صوب منزلها ينتزع كيس القمامة من تلك السلة أمامه ليردد وهو يحرك يده لها :
" هاخد الزبالة معايا، وأي حاجة تحتاجيها كلميني، ولو شيء ضروري كلمي صلاح هو إجازة انهاردة "
هزت رأسها تشكره مجددًا، ثم راقبت رحيله وهو يقفز الدرجات بكل رشاقة لتبتسم بسمة حزينة وهي تهمس بتمنى :
" يا ريت لو كان عبدالعظيم زيك، كان نفسي يكبر ويبقى حاجة كبيرة "
اختنق صوتها بغصة بكاء قبل أن تتقهقر للمنزل وهي تترحم على والدها واخيها وتدعو لهما بالرحمة، لتقرر أن تجلس وتقرأ بعض الآيات في مصحفها علّها بذلك تتناسى أحزانها التي تعمل جاهدة على دفنها أسفل بسمة زائفة، علها تتناسى فكرة أنها أصبحت وحيدة في هذه الحياة بين ليلة وضحاها....
____________________
دخل محمد المنزل وهو يتحدث في هاتفه باهتمام شديد، ويبدو عليه الانشغال الشديد حتى أنه لم يتوقف ليتحدث مع جبريل الذي اتجه صوبه حاملًا لوحه الالكتروني :
" محمد دي الدفعة الأولى من ..."
وقبل أن يكمل كلماته توقف بسبب كف محمد الذي ارتفع وهو يردد باهتمام شديد :
" تمام تقدر تحدد المعاد المناسب ليكم وتتواصل مع مساعدتي الشخصية وهي تبلغكم بكل شيء "
في هذا الوقت كان جبريل يقف باحترام ينتظر أن ينتهي محمد مما يتحدث به، ليرتفع فجأة صوت اغاني اجنبية لفتاة رنّ صوتها كما لو كانت تدلل على أحدهم وليست تغني .
نظر محمد بتعجب ينهي مكالمته يتحرك صوب الصوت والذي كان يخرج من غرفة عبدالله شقيقه، ابتسم محمد بتهكم يتحرك صوب غرفة عبدالله الذي يتعجب انجذابه لذلك النوع من الاغاني وهو ذلك الحالم العاشق لكل قديم وعتيق .
فتح محمد الباب بعدما طرقه ولم يصل له ردًا :
" عبدالله حبيبي ايه اللي بتسمعه ده ؟؟"
انتفض عبدالله من الفراش الخاص به وهو ينظر بفزع لمحمد يرفع يديه في الهواء وكأنه تم الامساك به متلبسًا، يشير صوب أحد أركان الغرفة حيث يتراقص عبدالجواد وهو يحرك جسده حسب الفيديو أمامه .
رفع محمد حاجبه يحك ذقنه قبل أن يقول بيأس من عبدالجواد :
" حاولوا متسيبوش عبدالجواد كتير مع رانيا تاني "
تجاهلهم عبدالجواد وهو يحاول حفظ كلمات الأغنية تلك والتي علم أنها المفضلة لمروة، يرددها بتمرس يحرك رأسه مع الموسيقى، ومحمد يضرب الاكفاف على ما حدث لشقيقه .
تركه وخرح في الوقت الذي أنتهت به الأغنية ليغلق عبدالجواد التلفاز ويلقي بجسظه على الأريكة في غرفة أخيه :
" يا اخي ايه القرف ده؟!"
" وانت ايه اللي كان رماك على القرف ده يا حبيبي؟!"
ابتسم عبدالجواد يرفع رأسه محدقًا في السقف :
" القمر "
" الف لا بأس يا غالي "
غمز له عبدالجواد وهو ينتفض من جلسته يتحرك خارج غرفة عبدالله شاكرًا إياه على السماح له باستخدام التلفاز الخاص به بعدما تعطل خاصته .
دخل عبدالجواد لغرفته يتجاهل نظرات محمد له وهو يعبر من جواره :
" لسه مشوفتش راجل بيغني اجنبي قبل كده ؟!"
هز محمد رأسه بلا وهو يبتسم بسخرية ليتجاهله عبدالجواد يقتحم غرفته ليتحدث مع مروة بعدما يأس أن تتصل هي به ...
معه رقم هاتفها ؟! نعم ومنذ سنوات لكنه يومًا لم يتجرأ على التواقح والتواصل معها دون سابق انذار، لكن يبدو أن تلك الفتاة لن ينفع شيء معها سوى الوقاحة .
وصل له صوتها :
" الو ..."
" صباح الخير يا مروة "
ابتلعت مروة ريقها بتوتر حينما وصل لها صوته :
" عبدالجواد ؟! "
وكلمة " قلبه " كادت تعبر حدود شفاهه لولا أنه تمالك نفسه، يعيد خصلات شعره للخلف مبتسمًا :
" أيوة، أنا لقيتك مبعتيش من فترة عشان رقم هاجر فقولت اكلمك عشان ابعته أنا "
ماذا تخبره ؟؟ تخبره أنها لمئات المرات كادت ترسل له، لكنها تراجعت بكل جبن ؟؟
" أيوة أنا بس ...هو يعني الفترة الأخيرة كنت مشغولة شوية أنت عارف فرح بنت عمتي قرب اوي عشان كده "
" تمام، مش مشكلة أنا قولت أسألك بس لو حابة تاخدي الرقم أو لا "
" أيوة اكيد حابة، معلش لو مش هتعبك تبعته "
ابتسم عبدالجواد يستمتع بالحديث معها :
" تمام هبعتهولك واتس "
" تمام شكرا "
وكادت تغلق لولا صوت عبدالجواد الذي سارع في القول :
" صحيح عاملة ايه في الشغل ؟!"
" الحمدلله تمام، هو بس الضغط والدنيا هناك صعبة شوية، أنت عارف "
ابتسم عبدالجواد بخبث وقد وصل لما يريد :
" أيوة طبعا انا عارف اخواتي في الشغل حاجة صعبة وخاصة محمد وجبريل، وعشان كده بفكر أو انقلك في الفرع التاني اللي جنب موقع التجمع السكني الجديد، هو بالضبط على بعد صغير اوي من الموقع اللي بشتغل فيه "
اتسعت أعين مروة بصدمة، لا هي بالطبع لن تتحمل أن تصبح على ذلك القرب منه لتراه كل ثانية، هي في الأساس لا تتحمل زياراته القصيرة لها كل فترة في الشركة، والتي كانت كافية لتفقد أنفاسها وقبل أن تعترض سارع عبدالجواد بالقول :
" تمام، هبلغ محمد اني محتاجك في حسابات الفرع التاني، ودلوقتي هبعتلك رقم هاجر، سلام "
اغلق الهاتف سريعًا يبتسم بسمة واسعة :
" ماشيين واحدة واحدة اهو عقبال لما نوصل ..."
______________________
فتح صلاح عيونه بانزعاج شديد حينما سمع رنين جرس منزله لينهض، بشعر مبعثر بسبب نومه، يتحرك في أرجاء المنزل دون أن يرى أين يسير، أخذ يفرك في عيونه بتعب وقد عاد للمنزل متأخرًا مساء الأمس بعد سهرة طويلة مع ميمو ..
فتح صلاح الباب وهو ما يزال يغلق عيونه، ثم تحرك للداخل ظنًا أنه رائد أو صالح قد عادا باكرًا من عملهما، لكن نبرتها والتي تميزها أذنه بسهولة أوقفته .
" شعر منكوش ومش لابس بدلة، المفروض أنك صالح صح ؟؟"
توقف صلاح في سيره يستدير بتعجب ينظر للباب حيث تقف ميمو على عتبات منزله وجوارها كالعادة يقبع حارسها الصامت .
ابتسمت ميمو وهي تدخل المنزل دون حتى دعوة منه، ثم اقتربت منه وهي تنظر لعيونه :
" ولا صلاح ؟؟"
صمتت وهي تبتعد عنه تردد بصوت خافت خبيث :
" شكلي كده هغير رأيي بتاع امبارح بخصوص النوع ابو شعر منكوش "
ابتسم صلاح بسمة ناعسة وهو يرمقها بإعجاب شديد لمعرفتها أنه صلاح، رغم أنه في تلك الحالة أشبه بصالح أكثر منه هو .
" ثواني هفوق وراجع، خدي راحتك "
وبهذا الكلمات تحرك صلاح صوب غرفتها ليتجهز، بينما ميمو جلست على الأريكة التي أصبحت مفضلة لها وجواراها مختار الذي نظر لها بغموض لتضع يدها على صدرها وكأنها تنفي تهمة عن نفسها :
" متبصليش كده، أنا مش قصدي حاجة "
رفع مختار حاجبه لتبتسم له بمكر غامزة :
" أنا بس بعاكس "
تهكم مختار وهو يتعجب كلماتها، فتلك المرة الأولى التي تعبر بها ميمو عن إعجابها بأحد، لكن يبدو أن ذلك الصحفي ليس أي أحد.....
دقائق قليلة وانضم لهما صلاح بعدما صنع لنفسه ولهما كذلك قهوة ليستفيق، يرتشفها بتمهل وتلذذ شديد وعيونه تحلق حول ميمو التي حملت كوبها ترتشف منه وهي تغمض عينيها بسبب سخونته، وخصلاتها تتطاير حولها .
ولم يستفق سوى على صوت اصطدام كأس مختار بالطاولة ليستدير له بهدوء :
" ايه يا مختار عايز سكر ؟؟"
لم يجب مختار ليشير له صلاح صوب المطبخ :
" هتلاقيه في الرف التاني في النص "
لكن مختار لم تصدر منه أي ردة فعل، وهو في الأساس لم يكن ينتظر منه شيئًا، بل حدق في ميمو التي قالت بجدية تقطع كل ذلك :
" خلينا في اللي جيت عشانه "
نظر لها صلاح باهتمام شديد لتقول ميمو وهي تبتلع ريقها :
" سعيد "
رفع صلاح حاجبه بترقب :
" ماله ؟؟"
أخرجت ميمو هاتفها، ثم اختارت منه ذلك التسجيل الذي سجلته له في المكتب البارحة وهو يتحدث أنه هو من سيتولى الأمر مع صالح .
رفع صلاح عيونه لها :
" يعني ايه الكلام ده ؟؟"
قالت ميمو بجدية وصوت خافت :
" يعني في الوقت اللي احنا بنتكلم فيه دلوقتي، سعيد هيكون بيحاول يضمن اخوك، وأما يكون عليه أو معاه زي ما قال "
ومجددًا قال صلاح وهو يعود بظهره للخلف :
" يعني ؟؟"
نظرت ميمو لمختار ثم عادت بنظرها له تخبره كل ما عرفته من رجال سعيد حول ذلك الاجتماع الذي اختار به صالح من بين الجميع ليصبح الطبيب الخاص بعملياته، وكل ذلك بعد سماعها للتسجيل ليلة أمس حين عودتها من سهرتها :
" يعني يا اما صالح يكون الدكتور، أو هيكون هو الضحية"
سقط كوب صلاح ارضًا ليحدث صوتًا قويًا، وقد اشتعلت عيونه بالشر، لم يتخيل أن يصل سعيد بدنائته لتلك النقطة، هو ظنه سيهدده وقد يأذيه، الويل له ....
_________________________
كان يتحرك كعادته مع محمود في ممرات المشفى صوب غرفة التشريح ولا يدري السبب، لكنهم تقريبًا أصبحوا يستقبلون جثة أو أكثر يوميًا، وكأن كل من ضاقت به الحياة يذهب لقتل أحدهم .
كان محمود يفرك خصلات شعره بنعاس شديد يحاول أن يتماسك، وألا يتكأ لأي جدار ويستنشق بعض السجائر ليفيق ..
" مش فاهم الملف مش موضح حاجة غير أنها ...."
صمت فجأة وهو ينظر لصالح الذي تعجب صمته، ابتلع محمود ريقه يمرر الملف له لينتشله صالح وهو ما يزال يرمقه بحيرة لملامحه تلك، لكن بمجرد أن رأى بيانات الحالة والتي تم إرسالها من قسم الشرطة الذي عثر على جثتها، حتى فهم سبب نظرات محمود ...
تحرك صالح يتبعه محمود صوب المكان المخصص للتشريح، ليرفع القماشة البيضاء من فوق رأس الجثة والتي كانت لفتاة لم تتجاوز العاشرة من عمرها .
نظر محمود للفتاة بشفقة كبيرة وعيونه تدرس كل انش من جسدها ليبدأ صالح في التعقيم وارتداء كامل ثيابه المخصصة للامر وهو يرى علامات يدركها جيدًا، علامات اغتصاب واضحة لطفلة صغيرة لم تتخطى العاشرة .
امسك صالح أدواته وبدأ يعمل باهتمام شديد على جسد الصغيرة وكذلك محمود الذي كان يتابع كل شيء بعين جاحظة، يكتشف مع كل جزء يفحصه أن الفتاة نالت تعذيبًا واغتصابًا حتى الموت....
ساعات مرت حتى خرج صالح من الغرفة وهو يخلع قفازه وخلفه محمود الذي كان يفحص جميع المعلومات في الملف أمامه، والذي دوّن به هو وصالح ما علموه ..
الوفاة تمت قبل يومين تقريبًا، علامات لحروق سجائر في جميع اجزاء الجسد، علامات احبال وتقييد على اليدين والقدمين، اغتصاب دمر جسد الصغيرة، كل تلك الأمور لم تكن جديدة عليهم، لكنهم وفي كل مروا يقفون عاجزين أمام مقدار الفساد الذي قد يصل إليه البشر، ومقدار الشر الذي قد يصيب النفوس ....
دخل صالح مكتبه يلقي بجسده على مكتبه بتعب :
" محمود معلش وصل التقارير للمعمل الجنائي وكمان العينات والآثار اللي جسم البنت خليهم يفحصوها وكمان مسحة الحمض النووي عشان نحدد لو فيه حد يعرفها "
استجاب له محمود وهو يتحرك خارج المكتب يسير في الممرات ليصطدم في سيره برجل ذو مظهر مريب، لكنه لم يهتم بذلك وهو يكمل طريقه .
بينما ذلك الرجل انحرف نحو مكتب صالح ليدخل إليه دون استئذان مما جعل صالح يرفع رأسه عن الورق أمامه ويصيح بغضب :
" ايه يابا رايح فين ؟؟ مش تخبط؟!"
جلس الرجل على المقعد أمامه وهو يضع قدم أعلى الأخرى بتكبر وبسمة واسعة ترتسم على فمه :
" بعتذر لاقتحامي مكتبك بالشكل ده، بس انا جاي ليك في حاجة سريعة وهمشي مش هعطلك "
رفع صالح حاجبه :
" ومين قالك اني عايزة اسمع الحاجة السريعة دي ؟!"
ابتسم الرجل وهو يخرج هاتفه يضعه أمام صالح على مكتبه يردد بنبرة خطيرة لم تخطأها أذن صالح وبعيون مخيفة :
" للاسف أنت مضطر تسمعني، وصدقني أنا مش زي وسيم ولا رجب، أنا مش بلعب ولا بهزر والغلطة معايا بموتك، أو موت الآنسة رانيا اللي حظها وقعها معاك، والمرة دي مش هتكون خطف صدقني "
كانت أعين صالح مثبتة أعلى الهاتف والذي يعرض صورة لرانيا داخل مخبز هاجر وهي تبتسم للزبائن، رفع رأسه للرجل وقد شعر بخطورة ذلك الرجل أمامه، لكنه لم يسمح له بالتلاعب به أو استغلال اي ضعف له :
" بما أنك خطير زي ما بتقول كده، فاكيد أنت عارف أن رانيا دي مش حبيبتي ولا تهمني اساسا ، فشوفوا كارت تاني عشان ده اتحرق، وهتبقى بايخة يعني لو كل مرة اتهدد بنفس الشخص "
كاذب، هكذا ردد داخله، لكنه لا يريد أن يظهر له اهتمامه بها، فهو في النهاية لن يسمح بموت شخص بسببه ..
ابتسم له الرجل وهو يحرك اصبعه على شاشة الهاتف لتعرض له صورة أخرى وصوت الرجل خرج هادئًا بشكل غريب :
" بس الحاج يهمك مش كده ؟؟"
حسنًا هو بالفعل لا يمزح معه، لقد وصل لوالده في منزلهم، ووصل لرانيا ليخبره بها صراحة أنه يدرك كل شيء عنه وعمن يهمه .
رفع صالح رأسه له ليقول :
"واكيد انت دلوقتي جاي مخصوص عشان تكمل اتفاق وسيم ورجب صح ؟؟"
" الله ينور عليك، بس المرة دي هنتكلم جد بقى "
ابتسم له صالح بسخرية وهو يتخلى عن كل ذلك الهدوء لينهض من مقعده فورًا متجهًا صوبه مرددًا بشر :
" أنا ممكن اشرحك دلوقتي، أنت عارف كده كويس صح ؟!"
تحدث ذلك الرجل والذي كان أحد رجال سعيد المخلصين والمخيفين بحق، وهو نفسه من يحضر له الجثث لأخذ الاعضاء منها، رجل لا يلجأ له سعيد سوى في مثل تلك المواقف..
" متهددش بكلام أنت مش قده يا دكتور عشان النتيجة مش هتعجبك "
جذبه صالح من ثيابه وهو يصرخ في وجهه بجنون لتهديده بعائلته وحياته وكأنه يمتلك مصائر كل هؤلاء بين أنامله الملوثة بالفساد، هو الذي لم يسمح لأحدهم يومًا بالنظر له نظرة لا تعجبه، يأتي رجب حقير كهذا لمكتبه ويتبجح أمامه مهددًا إياه بكل غالي على قلبه :
" اسمع يا جميل، أنت تروح للي بعتك وتقوله، لما تحب تاخد حاجة، بلاش شغل لوي الدراع ده، وخاصة معايا لأن أنا بالذات قليل الادب ومش محترم والحوارات دي بتيجي معايا بمفعول عكسي .."
ابتسم الرجل له بسمة باردة خاوية من أي مشاعر وكأنه بلا قلب أو احاسيس :
" أنا مش بلوي دراعك أنا بس بحذرك أن عقلك يجيبك تلعب بديلك"
رفع صالح حاجبه وعلى جانب شفتيه ارتسمت بسمة متحدية :
" ولو لعبت هتعمل ايه ؟؟ "
تحداه وهذا ما يكرهه، ابعد الرجل طرف سترته ليظهر من أسفلها سلاحه في تهديد واضح لصالح الذي رمقه بسخرية واستهزاء وقبل أن يتحدث بكلمة سمع صوت الباب يُفتح ومحمود يدخل وهو يقول :
" صالح الـ "
وفجأة توقف محمود عن الحديث وهو يرى الوضع امامه، صالح يمسك بأحد الأشخاص من تلابيب ثيابه، وذلك الشخص يضع يديه على سلاح يدسه بين طيات ثيابه .
ودون تفكير تحرك محمود بسرعة يمسك مطفأة الحريق يباغت ذلك الرجل مستغلًا عنصر المفاجأة ليهبط بالمطفأة فوق رأسه بقوة ويسقطه ارضًا ..
فتح صالح عينه بصدمة لما فعل محمود الذي حملق فيما فعل بدهشة وكأنه لم يكن يعي ما حدث، بل إنه فعل ما فعل تحت وطأة ارتفاع الادرينالين في جسده ليفغر فاهه بقوة وهو يرى جسد الرجل مسطح ارضًا وقد بدأت دماؤه تسيل من رأسه بقوة :
" ايه اللي حصل من شوية ده ؟؟؟ "
______________________
من قال أن الحب هو أحد نقاط الضعف ؟! فهنا يمثل الحب نقاط القوة مجتمعة، هنا الحب داعم، خاصة إن كان ذلك الحب من شخص يماثلك دهاءًا ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل
الثاني عشر
صلوا على نبي الرحمة
____________________
كانت عين محمود متسعة بقوة، يحركها ما بين المطفأة والجثة التي تتسطح ارضًا، شاعرً بالرعب قد تملكه، لا يستوعب ما فعل، هل هو فعلًا من اوصل ذلك الرجل لهذا ؟!
وصالح جواره يفتح فمه ببلاهة، لم يعي بعد ما حدث بسبب سرعة ردة فعل محمود، ابتلع ريقه ينظر لمحمود الذي كان يعود للخلف كما لو كانت المرة الأولى التي يبصر فيها دماءً، ليس وكأنه يقضي يومه كاملًا مغطى بالدماء .
" هو ...هو ماله كده ؟؟"
كانت تلك الجملة صادرة من عقل محمود في منطقة اللاوعي ليجيبه صالح الذي ابتلع ريقه :
" مفيش شكله كان سهران طول الليل وسقّط في النوم "
وفجأة انتفض محمود على صرخة صالح الذي قال :
" يعني مش شايف ايه اللي حصل ؟! أنت قتلت الراجل "
فتح محمود عينه بصدمة شديدة وكأنه لا يصدق حديث صالح، يهز رأسه نفيًا :
" لا ...ده هو ..معرفش ..هو اللي كان هيقتلني، لا كان هيقتلك أنت"
صمت ثواني ثم قال بانهيار :
" هنعمل ايه ؟! هنعمل ايه ؟! نخبي الجثة فين ؟! نشرحه وكأنه جثة عادية ونحطه في تلاجة جوا ؟!"
امسكه صالح من تلابيبه يهزه ليستوعب ما ينطق به :
" تلاجة ايه اللي نحطه فيها يا غبي هي تلاجة بيتكم ؟؟ ليه محسسني أنك بتتكلم عن كيلو طماطم، فوق يا محمود ده راجل واتقتل "
ابتلع محمود ريقه، ثم قال :
" بس هو ..هو كان بيهددك وكان هيقتلك، أنا ..أنا آسف مش قصدي "
نظر للاسفل حيث الرجل وهو يردد معتذرًا :
" يا استاذ أنا آسف والله انا بس اندفعت بسبب الادرينالين، وكمان أنت اللي كنت بتهدد صاحبي "
جذب صالح محمود له بلطف، وهو يمسح وجهه يحاول التفكير في حل لما حدث، حسنًا الأمر في صالحهما لا داعي للتوتر، ذلك الرجل جاء مكتبه يهدده وصديقه ساعده والدليل أنه يمتلك سلاحًا وهذا يحسن من موقفهما، نعم لن يحدث شيء، هذا دفاع عن النفس .
في تلك اللحظة والتي بدأ صالح يتمالك نفسه وقبل أن ينطق بكلمة سمع الاثنان صوت فتح الباب بقوة ليطلق محمود صرخة فزعة وهو يلقي المطفأة ارضًا وكأنها ستشي به، لتسقط على رأس الرجل مرة أخرى وتزيد من الطين بلة .
ضرب صالح محمود بغيظ :
" يابني بقى حرام عليك "
نظر له محمود بقلة حيلة :
" اعمل ايه هو اللي مات في المكان الغلط، ما يتزحزح بعيد شوية "
" عندك حق، كان لازم قبل ما يموت يشوف مكان طراوة يموت فيه "
افاق الاثنان من ذلك الشجار المؤقت والذي نتج عن الموقف الذي سقطا به على صوت صلاح :
" ايه اللي حصل هنا ؟؟"
استدار الاثنان صوب الباب ليجدا صلاح وميمو ومختار يقفون ويناظرون ما يحدث بصدمة، فصلاح الذين كان يركض صوب المشفى بأعين متقدة بالغضب يتوعد إن مسّ أحدهم أخاه بخدش واحد ليهدمن تلك المدينة فوق رؤوس سعيد ومن معه، والآن ماذا ؟؟
تحرك صالح سريعًا صوبهم يجذبهم داخل مكتبه ومن ثم اغلق الباب بقوة وهو يقول ببسمة متوترة :
" حلو اوي جريمة على خمسة هتخفف من العقاب صح ؟؟"
تشنج وجه ميمو وارتفع حاجبها بسخرية :
" جريمة على ايه ؟؟ "
أجابها صالح ببساطة :
" على خمسة يا غالية، أنا وانتم التلاتة ومحمود "
هز محمود رأسه وكأنه يوافق صديقه فيما قال، لكن ميمو لم تهتم بهما وهي تتحرك بخطوات بطيئة حتى توقفت جوار ذلك الجسد المسطح ارضًا، ومن ثم انحنت تجلس القرفصاء، تبتسم بسمة جانبية ساخرة :
" هي وصلت لعمر ؟؟ شكلك مهم اوي عند سعودي "
أشار له محمود :
" تعرفيه ؟؟"
رفعت هي عيونها له ترد بهدوء محركة كتفيها :
" أنا أعرف كل رجالة سعيد عادي "
مال محمود على صالح وهو يهمس بخفوت :
" مش قولتلك ست قادرة "
" سمعتك على فكرة "
كانت تلك كلمات ميمو وهي تنهض تنظر لهما، ومن ثم نظرت لصلاح الذي كان صامتًا منذ وطأ المكتب وكأنه ما يزال لا يستوعب أن أخاه بخير، تنفس الصعداء في الوقت الذي سمع به صوت ميمو :
" ده اخوك المسكين اللي خايف عليه ؟! ده خلص على واحد من أعوان ابليس "
هز صالح رأسه بقوة :
" والله ولا لحقت حتى أخرج المطوة، ده محمود اللي خلص عليه "
قال محمود باندفاع وغضب :
" وانا يعني خلصت عليه عشان مين ؟؟ مش عشانك ؟؟"
مسح صلاح وجهه يتحرك صوب تلك الجثة والجميع يراقبه بقلق، صالح يفكر في تلك المصيبة وكل افكاره ذهبت لإبلاغ الشرطة وإثبات أنه كان دفاعًا عن النفس، لكن فجأة قال بصوت مرتفع ولهفة جعلت محمود ينتقض من جواره :
" صح، مش عيلتك كلها ظباط يا محمود؟! ما تشيل أنت الحوار ونقول أنه دفاع عن النفس وكده كده ليك وسايط وهتخرج زي الشعرة من العجينة "
ارتسمت بسمة ساخرة على جانب شفاه محمود :
" زي الشعرة من العجينة ؟؟ والله عيب عليك تقول الكلام ده وأنت اكتر واحد عارف عيلتي وخاصة عمي، طب سيب الكلام ده يطلع من حد غريب، ده مش بعيد عمي يجيب شهود يقولوا ان السلاح ده بتاعي واني أنا اللي خطفت الراجل ده وجبته بالاجبار للمكتب وخلصت عليه هنا وهيثبت أن كل ده من تخطيط ابويا عشان يبقى خلص مننا احنا الاتنين في ضربة واحدة "
حرك صالح رأسه بإدراك :
" عندك حق، عمك ده ندل ويعملها"
انتبه محمود فجأة لمختار الذي كان يعقد ذراعيه أعلى صدره جوار باب المكتب وملامحه لا توحي بأي شيء، هو حتى لم يهتز لرؤية الجثة، كل ما فعله أنه ارتكن للجدار يراقب ما يحدث بهدوء شديد .
تحدث محمود لميمو التي كانت تراقب ما يفعل صلاح :
" هو الشاب اللي معاكِ ده مينفعش يخلصنا من الجثة زي ما بيحصل في الأفلام، يعني بعد ما الناس بتقتل بتقول لرجالتها تنضف المكان، ده مش بيعرف ينضف ؟؟"
نظرت ميمو خلفها لمختار وهي تقول ببسمة :
" لا مختار بيبوظ بس مش بينضف "
في تلك اللحظة ابتسم مختار بسمة جعلت محمود يتراجع ليمسك بذراع صالح وهو يهمس :
" الحق ده طلع مش بلاستيك "
نهض صلاح بعدما أخذ هاتف ذلك الرجل وفتش جميع ثيابه ليرى ما يمكن الاستفادة به هنا، نظر حوله وهو يقول بجدية :
" هو لسه عايش عادي "
احتضن محمود صالح وهو يقبله بسعادة :
" الحمدلله قدر ولطف، حمدلله على السلامة يا خويا "
ابتسم صالح وهو يقترب من صلاح وقد نسي بسبب رعبه أن يفحص النبض :
" يعني تمام كده ناخده نرميه في أي حتة ونسيبه لما يفوق لوحده ولا محتاج مستشفى ؟! أنا ممكن اخيط دماغه عادي "
تنحنحت ميمو لتجذب انتباه الجميع، ثم رفعت عينيها صوب صلاح الذي علم أنها على وشك قول شيء سيزيد من التشويق في حياته، وقد كان، حيث نطقت بما يفكر به ..
" حد يرمي النعمة برضو ؟؟"
أشار محمود صوب الرجل بتهكم :
" ده نعمة ؟؟"
اجابه صلاح بجدية وبسمة غريبة :
" لما يبقى واحد من رجالة سعيد المقربين وعارف كل تاريخ عملياته السودة، يبقى نعمة ولا مش نعمة ؟؟"
كان صلاح يتحدث وهو ينظر للجميع بغموض، ومن ثم نظر لميمو التي ابتسمت له وقد علمت أنه سيفهمها من مجرد كلمة واحدة، وصدق توقعها، لكن فجأة افاق الاثنان من تلك النظرات على صوت محمود الذي قال ببلاهة شديدة خارجة دون إرادته ونابعة من جهلة بهوية سعيد ذلك :
" سعيد ابنك ؟؟ يعني ده يبقى صاحب ابنك ؟؟؟"
___________________
يتحرك في ممرات مقر عمله بكل هيبة وخطوات سريعة بعض الشيء يحاول تلاشي مقابلة أي شخص قد يعكر صفو مزاجه لهذا اليوم، وبالحديث عن أي شخص كان يقصد محسن ...
أذكر العفريت يقفز أمام وجهك، ها هو محسن يطل بهيئته المستفزة أمام عين رائد، حيث كان يقف جانبًا يتحدث بصوت مرتفع وكأنه يود إيصال رسالة لأحدهم يدعى رائد بأنه لطالما كان الأفضل وسيظل :
" فيه فرق بين اللي بيخرج من المهمة بترقية، واللي بيخرج منها بتريقة"
صمت محسن ثواني يحدق بجسد رائد الذي توقف في سيره وقد شعر بدمائه تغلي بقوة داخل أوردته، اغلق عينه يقنع نفسه بالتحرك، لا تستمع ولا تأبه له رائد هو مجرد متحذلق يود التفاخر بما لا يمتلك حقًا، الجميع هنا يعلم من أين حصل محسن على كل تلك الترقيات والمكافئات .
وبالفعل تحرك رائد بهدوء بعدما أرخى جسده المشدود، يتجاهل ثرثرة محسن الفارغة خلفه حتى فجأة اتقحم مسمامعه شيء جعله يتوقف مجددًا ويستدير له بقوة حين قال :
" بس فيه عندك واحد صاحبنا كده خرج بواحدة ماشي بيها في كل الأقسام يدادي ويراضي فيها، ما هي يا عيني بقت مكسورة الجناح، ومين احسن من صاحبنا يلعب ليها دور البطل الهمام "
ابتسم رائد بسمة واسعة وهو ينظر لمحسن الذي كان يطمح لشجار، وكاد رائد يحقق له طموحه لولا تذكره أنه بذلك قد يتعرض لمشاكل هو في غنى عنها تلك الأيام .
" العب دور البطل الهمام، ولا اني العب الست الهام يا محسن يا حبيبي "
اعتدل جسد محسن الذي كان مستندًا على جدار خلفه وقد اختض جسده بعنف شديد :
" أنت تقصد ايه ؟! وضح كلامك "
ابتسم له رائد بسمة مستفزة وهو يسير بظهره قبل أن يعتدل مانحًا إياه غمزة :
" حاول تشتغل قد ما بتتكلم، يمكن وقتها تترقى بشرف وذمة يا محسن "
أنهى كلماته يتحرك في الممرات وقد نجح في كبت غضبه عن الانفجار في وجهه، ذلك الرجل الذي يستفز به كل ذرة غضب، اهدأ رائد ومرر الأمر .
دخل رائد مكتب قائده الذي استقبله بهدوء :
" ها يا رائد وصلت لايه ؟؟"
ابتسم رائد بثقة :
" وصلت لطرف خيط يا فندم هيوصلني مش بس لجلال، لا للي مشغل جلال نفسه، بس محتاج من حضرتك شوية وقت "
في تلك اللحظة شعر رائد باهتزاز هاتفه في يده لينظر له بطرف عينيه وسامح رسالة صلاح الغامضة والتي كتب فيها باقتضاب ( حاول ترجع البيت بدري فيه حوار حصل كده )..
انتبه رائد على صوت قائده وهو يتحدث في أمور عدة ليندمج معه وباله منشغل حول ما يمكن أن يكون صلاح يريده، وسبب تلك الرسالة التي يعلم أنها لا تحمل خيرًا أبدًا .
_________________________
كانت ميمو تقف في شرفة منزل صلاح وهي تتحدث مع نيرمينا بصوت هادئ حنون وبشدة :
" لا يا نيمو بالعكس ده مختار فرحان اوي أنه هيروح الرحلة معاكِ عشان يغير جو ....لا ياقلبي هو مش رايح غصب عنه، أنتِ بس ركزي في ترتيبات الرحلة واستمتعي"
أنهت ميمو المكالمة لتبصر مختار يرمقها بغيظ ورفض تام لما تقوله، لكنها فقط ابتسمت له تربت أعلى كتفه :
" معلش يا ميخو أنت عارف إلا نيمو عندي "
نفخ بحنق شديد لتضحك بصخب عليه تضرب كتفه بخفة شديد وهي تمازحه لتحاول أن تجعله يتقبل أمر ذهابه مع نيرمينا دون تذمر، ومختار فقط يرمقها برفض تام وهي تتحدث له ببسمة ومزاح ..
وكل ذلك كان تحت أعين صلاح الذي يقف في بهو المنزل يضم ذراعيه لصدره، واعينه تنطق بغيرة مكبوتة، غيرة نابعة من اعماق قلبه حيث استسلم جزء هناك وسلّم راياته في انتظار تسليم باقي الرايات، وضع صلاح يده أعلى فمه يضحك بنزق وتهكم شديد على مقدار الألفة بينها وبين ذلك المختار الصامت .
فجأة انتفض على صوت صالح خلفه والذي كان يتحدث بهدوء شديد :
" جميلة ميمو دي صح ؟؟"
نعم هذا ما ينقصه، أن يتغزل صالح والذي لا يتعامل مع شيء ينتهي بتاء التأنيث جيدًا، الآن يأتي ويتغزل في المرأة الوحيد التي أثارت به كل ذرات رجولته، المرأة الوحيدة التي جعلته يهبط من برجه العالي ليراها عن قرب فيقع في غرام عينيها مجددًا، مهرة جامحة رآها تمطي الخيل للمرة الأولى لتسرق أولى دقاته، والآن توقف عن العد من بعد الدقة المليون ...
" امممم، إيه رأيك يا صالح تروح تشوف النعمة اللي جبناها ايه اخبارها مع صاحبك ؟؟"
وضع صالح يده أعلى فمه حتى يكبت ضحكة صاخبة كادت تخرج على الغيرة التي تشتعل من بين كلمات أخيه الهادئة، اقترب من صلاح يضع يده على كتفه وهو يضمه بحب اخوي هامسًا :
" هروح يا صلاح، بس لازم تعرف اني هكون الشخص الاخير اللي تحس ناحيته بغيرة، ماشي ؟؟"
نظر له صلاح ثواني قبل أن يهز رأسه بهدوء ليثير صدمة صالح، فهو لم يعترض أو ينفي ما قاله ويصر أنه لا يغار، يبدو أن صلاح قد غرق حتى طاف جسده أعلى بحيرة العشق، وكل ذلك لأجل تلك السيدة التي تتضاحك مع الشاب الصامت بعيدًا دون أن تدري شيئًا عن أعين تتراقص بها النيران غيرة ...
وعند ميمو واخيرًا حازت نظرة اذعان من أعين مختار لتبتسم وهي تصفق بسعادة :
" طب والله بقول مليش غير ميخو، تعرف نيرمينا هتفرح اوي لما تشوفك راضي، دي يا قلبي زعلانة وهي مفكرة أنها اجبرتك تروح معاها وخايفة تكون بتزعلك منها "
لانت ملامح مختار ليسمع صوت ميمو الشارد :
" أنت عارف أن نيرمينا هي أكثر انسان ممكن ازعل على زعله في الدنيا دي، فخد بالك منها يا مختار، هي رقيقة زي الوردة، بلاش تزعلها "
هز مختار رأسه، ثم تحرك من أمامها صوب الخارج ليكمل تقييد ذلك الرجل ويرى ما يمكن فعله لاحقًا بأمر السيدة نيرمينا.
بينما ميمو استندت أعلى سور الشرفة تغمض عينيها سامحة للهواء أن يتخلل خصلاتها بكل كرم دون تقييده بالرابطة، ابتسمت وهي تستعيد ذكرى أول مرة رأت بها تلك الصغيرة الحنونة والرقيقة ...
كانت تختبأ في أحد أركان الغرفة وهي تبكي وجعًا وقهرًا وحسرة، تبكي ذلًا، تناجي عائلتها، تناجي أي أحد قد ينقذها من جحيم جاد، بعدما قضت ليلتها تحت وطأة عذابه الجسدي والنفسي .
يا بشر هي فقط فتاة في الخامسة عشر لم ترد من تلك الحياة سوى أن تتوسط فخذ والدتها وتغفو على يديها التي تداعب خصلاتها، وأصوات اشقائها يمرحون جوارها ...
لانت ملامح ميمو وهي تستشعر لمسات على شعرها بحنان شديد، لتتنفس براحة كبيرة وكأن والدتها خرجت من أحلامها لتحقق لها رغبتها، ودون شعور تأوهت باكية :
" ماما ..."
لكن ما وصل لها لم يكن صوت والدتها الحنون ولا نبرتها الناعمة، بل صوت طفلة تردد بحنان ولطف :
" لا أنا نيمو "
فتحت ميمو عيونها بسرعة لتبصر أمامها طفلة ضعيفة البنية بخصلات بنية واعين خضراء جميلة وملامح صغيرة كالرضع، تبتسم لها بحنان، ثم هبطت بيديها تربت على وجنتها بحب :
" بتعيطي ليه ؟؟ التعويرة بتوجعك ؟؟"
هبطت دموع ميمو أكثر على اكفة تلك الصغيرة التي لم تبلغ التاسعة بعد، ترتشف من حنانها بنهم، واخيرًا هناك من جاء ليربت عليها ويطيب جروحها، هناك من سمع نواح قلبها واستجاب له، حتى وإن كان ذلك الشخص طفلة صغيرة بضفيرة طويلة ..
" متخافيش هروح اجبلك لازقة وهتبقي كويسة "
وبالفعل ركضت الصغيرة بعيدًا ليزداد بكاء ميمو وهي ترفع يديها بضعف كما لو كانت تترجاها ألا تتركها، ليس الآن، هي لم ترتوي بعد من حنانها، لم تشبع من تربيتاتها، هي حتى لم تفرغ قطرة من بحار آلامها .
ومجددًا عادت الصغيرة كما لو كانت سمعت ندائها للمرة الثانية، تجلس ارضًا جوار ميمو، تضع صندوق اسعافات أولية امامها، ومن ثم أخذت تخرج ضمادات طبية و تضعها أعلى جروح ميمو التي كانت تتواجد في وجهها بكثرة لدرجة كادت تختفي ملامحها.
نظرت لها ميمو بعدم فهم، بينما الصغيرة كانت قد انهمكت في تضميد جروحها كما لو أنها طبيبة ماهرة، ومن ثم أخذت تطبع قبلات حنونة أعلى تلك الضمادات لتزيد من عذاب تلك المسكينة التي كانت في أضعف حالاتها وأشد لحظات حاجتها للحنان .
رفعت ميمو ذراعيها وهي ترتجف من الوجع في عظامها لتضم جسد نيرمينا لها بقوة، ليس لشيء سوى لرغبتها في البكاء داخل احضان احدهم، حتى ولو كان أحدهم طفلة صغيرة لا تفهم جراحها..
انفجرت ميمو في البكاء داخل احضان نيرمينا التي بدأت تبكي لأجلها وهي تربت أعلى ظهرها :
" متزعليش، ماما قالتلي اجي اقعد معاكِ، وهجبلك تاكلي، متعيطيش "
وكأنها امرتها بالبكاء فقد ازدادت حدة بكاء ميمو وهي تصرخ من بين شهقاتها بوجع تناجي والدتها ومازن ونادر، تناجي عائلتها، ولم تجد غير احضان الصغيرة مسكنًا ..
ومنذ ذلك اليوم كانت الصغيرة نيرمينا هي النقطة البيضاء في سجل الاشموني الاسود .
أفاقت ميمو بفزع من شرودها على شيء يسير أعلى وجهها، فتحت عيونها لتجد أن صلاح يقف أمامها ويجفف دموعها باستخدام منديل قطني، ثم ابتسم لها بحنان وكأنه يخبرها أنه هنا لأجلها :
" الهوا هنا قوي، ادخلي اغسلي وشك عشان عيونك متتعبكيش اكتر "
ابتسمت ميمو تدرك أنه يعلم أنها كانت تبكي ويحاول ادعاء عكس ذلك فقط لئلا يحرجها أمام نفسها، وهو يعلم أنها تعلم ذلك، لكنه فقط قال بحنان شديد يمد يده لها بالمنديل :
" تشربي نسكافيه ؟؟"
اخذته منه وهي تجفف تلك الدمعات الخائنة تضحك ضحكة خافتة :
" كنت فاكرة انكم مش عندكم غير شاي، جبتوا نسكافيه ؟؟ "
هز صلاح رأسه بايجاب وهناك بسمة جميلة ترتسم أعلى فمه :
" اشتريته عشانك "
ابتلعت ريقها تحاول رسم بسمة رغم توتر دقات قلبها في تلك اللحظة، رغم بساطة جملته، لكنها شعرتها تحمل الكثير والكثير خلفها :
" شكرًا .."
ابتسم صلاح وهو يشير لها لتسبقه للخارج_ برقي_ حيث الجميع :
" على ايه، ده نسكافيه امال لو شربات بقى ؟!"
ضحكت ميمو بصخب وهي تتحرك أمامه :
" لو شربات بحبه اشربه ساقع اوي "
" خلاص اجيبه من دلوقتي واحطه في التلاجة، يا دوبك يلحق يسقع "
ومجددًا أطلقت ضحكات صاخبة جذبت الأنظار نحوهما لكنها لم تهتم ولا هو فعل، فقط كل ما يهتم له انها ضحكت بعد بكائها الذي جعل قلبه يرتجف وجعًا لها ..
آه يا ميمو ليتني اقتحم عقلك لاحارب جميع أحزانك، علّني وقتها أُكافئ ببسمة كتلك، ابتسامة تكفيني وتزيد ....
_______________________
أنهت هاجر الفترة الصباحية في المخبز والتي تقوم فيها بإعداد المخبوزات بأنواعها، والمشروبات الصباحية، ومن ثم تعود للمنزل للراحة ساعتين وللغداء، وبعدها للمخبز لبدء الفترة المسائية والتي تُعد فيها الحلوى الشهية والمشروبات المشهورة بها .
صعدت رانيا لسيارة هاجر الصغيرة وقد أنهت لتوها مكالمة طويلة مع مروة التي أخذت تلومها على اختفائها، ومن ثم تشكو لها معاملة اخوتها لها في العمل وخاصة ذلك الجبريل..
ابتسمت رانيا تجذب حزام الامان :
" والله يا خالتو هتوحشيني اوي لما ارجع "
نظرت لها هاجر بحزن كبير وصوتها كان خافتًا به غصة بكاء :
" وانا برضو هفتقدك اوي يا رنوش، مش عارفة مين هيسليني ويقعد معايا، اتعودت عليكِ جنبي "
ربتت رانيا على كتفها بحب شديد :
" البركة في خالو، مش هو راجع من السفر خلال أيام ؟!"
نفخت هاجر بتعب وقد يأست من أخيها وعشقه للسفر مع زوجته :
" معرفش، اهو كل يوم يقول معاد غير اللي قبله، بعدين حتى لما ياسين بيرجع مش بشوفه غير بالصدفة، ومراته مش بتقعد في البيت اساسا، لكن أنا عامة اتعودت "
ألقت رانيا برأسها أعلى كتف هاجر تقبله بحب شديد :
" ما تيجي معايا اسكندرية يا جوجو؟؟ والله كلهم هيفرحوا اوي وخصوصا محمد، أنتِ عارفة هو بيحبك قد ايه "
ضحكت هاجر بصوت مرتفع وهي تتذكر ابن اختها والذي يسبقها هي شخصيًا في العمر حيث يبلغ الثانية والثلاثين من عمره :
" يا ستي وانا بحبه، بس مقدرش افضل عايشة مع اربع رجالة اطول مني في الرايحة والجاية يقولولي يا خالتي، بحس نفسي كسرت السبعين اساسا "
" ما انتِ عارفة يا خالتو دي أوامر عليا من محمد، هاجر مش عيلة صغيرة عشان تنادوها باسمها، دي خالتكم، يعني تحترموها حتى لو اصغر منكم "
ضحكت هاجر تهز رأسها بيأس على قوانين محمد والتي قد تبدو للبعض صارمة خانقة، لكنه في الحقيقة هو من اعتنى بالجميع بعد مرض والدهم وإحالته للمعاش مبكرًا ليصبح كامل الحمل أعلى أكتاف محمد الذي أدار العائلة بيد من حديد ...
أفاقت من شرودها على صوت رانيا المتعجب تنظر لجانب السيارة حيث المرآة :
" هي العربية دي ماشية ورانا من وقت ما خرجنا ولا أنا متهيألي ؟!"
نظرت هاجر كذلك حيث المرآة الجانبية تتأكد من حديث رانيا :
" أنا برضو اخدت بالي منها اول ما طلعت بالعربية، بس فكرتها ماشية عادي في طريقها ..."
فجأة انحرفت هاجر بالسيارة لطريق مخالف لمنزلها وهي تحاول مناورتهم بالدخول في شوارع جانبية لترى إن كان الأمر صدفة أم أنه مقصود، ليبدأ القلق يحتل صدور الاثنتين ..
نظرت رانيا للخلف بتوتر :
" هو فيه ايه ؟؟ مين دول ؟؟"
هزت هاجر رأسها بجهل وهي تفكر في حل للهروب منهم، فهي لن تكون غبية وتذهب للمنزل وهم خلفها، بهذا الشكل ستكون وكأنها ترشدهم لمكانها...
ولذلك اول ما خطر في بالها هو أن انحرفت في إحدى الطرق التي تعلمها رانيا جيدًا :
" احنا رايحين فين ؟!"
" اكيد مش هنروح البيت وهما ورانا عشان يعرفوا البيت والله اعلم ممكن يهجموا علينا واحنا لوحدنا فيه "
رددت رانيا بتفكير :
" طب ...طب نروح نبلغ البوليس "
قالت هاجر بمنطقية _ حسب رأيها _ وهي تزيد من سرعة السيارة :
_ هنقولهم ايه شاكين إن حد ماشي ورانا ؟! ولو قولنا كده هل هيلاقوهم؟؟ لا لأنهم هيهربوا ومش بعيد لما نرجع البيت يرجعوا لينا تاني "
" طب هنعمل ايه ؟؟ نكلم محمد ؟!"
هزت هاجر رأسه وهي تردد بجدية وشارع مألوف يلوح لها في الأفق :
" هنروح لبيت صالح ونفضل هناك شوية ولو اضطرينا نبات في بيت تسبيح جارتهم انهاردة هنعمل كده، المهم منفضلش لوحدنا في البيت ..."
ترددت كلمات هاجر في السيارة لتفكر فيها رانيا بجدية كبيرة وهي تستمع لصوت توقف المحرك، ثم هبوط هاجر من السيارة وإغلاقها خلفها، تبعتها رانيا وصعدت بسرعة كبيرة للبناية الخاصة بصالح والتي لم تطأها سوى حينما عادت من الخطف .
وقفت الفتاتين أمام الباب وسارعت هاجر بالطرق والقلق يستوطن ملامحها ..
في الداخل
كان الجميع وأخيرًا انتهوا من تقييد ذلك الرجل في الأريكة وجلس صالح على مقعد جواره يحاول المساعدة في تدارك تمر جروحه الناتجة عن ضربات محمود .
لكن فجأة ارتفع رنين جرس الباب لتتيبس أجساد الجميع بترقب ويقول صلاح بهدوء :
" متقلقوش تلاقيه رائد أنا بعتله رسالة يجي بسرعة "
تحرك محمود صوب المنزل وقد كانت سترته السماوية مليئة بقطرات الدماء حينما كان يساعد صالح في معالجة ذاك الرجل.
تحدث صلاح وهو يرى محمود يتوقف أمام الباب :
" برضو أتأكد أنه را..."
لكن محمود لم يعطي له فرصة اكمال جملته وهو يفتح الباب بقوة ليقابله اجمل وجه في هذه الحياة، بسكوتته الهشة الرقيقة و....المتشردة قريبتها .
لكن محمود لم يهتم بوجود رانيا وهو يناظر رانيا ببسمة :
" ايه اليوم القمر ده ؟؟"
هاجر لم تكن تفقه من كلماته تلك شيئًا، كانت فقط تنظر بصدمة وشعور بالخوف لثياب محمود الملطخة بالدماء، أشارت عليها وهي تتراجع للخلف خوفًا :
" ده ...ده دم ؟؟"
لم يفهم محمود ما تتحدث بشأنه لينظر ثوب ثيابه ويُصدم من مظهرها، ابعد السترة عن جسده بغيظ شديد :
" يا ربي البقع كده مش هتخرج من التيشرت، ده لسه جديد "
لكن فجأة رفع وجهه لهاجر التي بدأ لون احمر يحتل وجهها وهي تشعر بقرب موجة اغماء، تتخيل ما الذي أدى لوجود كل تلك الدماء على ثيابه، ومشهد تشريحه للجثة ذلك اليوم يثير اشمئزازها ورعبها..
سارع محمود يسحبها من كل تلك الخيالات ببسمة واسعة :
" لا لا...ده...ده صوص فراولة، اصل كنت بعمل تورتة عشان عيد ميلاد صالح، كويس انكم جيتوا قبل ما نطفي الشمع "
نطقت هاجر بريبة :
" صوص فراولة شكله كده ؟؟"
" أيوة أصله فاسد، اتفضلوا ادخلوا، تعالي يا بسكوتة، ادخلي يا رانيا متتكسفوش "
نظرت هاجر لرانيا بشك وقلق ليسارع محمود بالتحدث :
" ميمو معانا جوا كمان، يعني مش لوحدكم، ادخلوا "
رددت الفتاتان بجهل :
" ميمو ؟؟"
هز محمود رأسه يجيب ببساطة :
" الست القادرة اللي كانت هنا يوم ما رانيا اتخطفت "
تذكرتها هاجر في ثواني، تلك المرأة التي ولولا الموقف الذي كانت به لكانت نهضت وذهبت لأخذ امضتها، كانت قوية واثقة ساخرة، كتلك السيدات في الافلام الأجنبية ..
أمسكت هاجر يد رانيا وخطت بها للداخل وهي تقول بجدية :
" احنا بس كنا جايين عشان نشوف تسبيح و...."
توقفت فجأة حينما سمعت صوت صالح الذي كان يجلس على مقعد أمام جسد رجل ملئت دماؤه الأريكة أسفله، وهو يقطب رأسه لتتعالى موجة غثيان في نفس رانيا التي أطلقت صيحة فزعة :
" ايه اللي بيحصل ده ؟! أنتم بتعملوا ايه ؟؟"
التفتت جميع الرؤوس صوب رانيا وخاصة صالح الذي ميز صوتها بسهولة، تعجب وهو ما يزال يمسك برأس الرجل :
" فيه ايه ؟؟ ليه الصوت العالي ده ؟! أول مرة تشوفوا واحد بيتخيط ؟؟ "
أشار بها لمحمود بالتحرك :
" محمود تعالى ساعدني وقص الشعر اللي في المنطقة دي"
شعرت هاجر بجسدها يرتجف أمام ذلك المشهد، وهي التي كانت تهاب الجروح والدماء منذ طفولتها، لكن محمود أخرجها من كل ذلك وقبل أن يبدأ اللون الاحمر بالانسحاب من وجهها، قال بسرعة واقفًا أمام عينيها :
" لا لا بصيلي هنا، بصي "
نظرت له هاجر بملامح بدأت بالشحوب ليحاول محمود صرف نظرها، ثم قال بعدم اهتمام لرانيا :
" أنتِ بصي عادي مش مهم، اقولك روحي اقفي جنب صالح اديله الحاجات "
نظر بعدها لهاجر يصرف انتباهها :
" صحيح أنا امبارح جيت اعمل قرص زي بتاعتك بس لقيتها قلبت معايا لحاجة شبه البقسماط "
رمقته هاجر ببلاهة وبانفاس مقطوعة، لكن محمود لم يهتم وهو يسحبها صوب الشرفة، منعًا لأي اغماء محتمل، يحاول صرف انتباهها عن الجميع، تحت نظرات صدمة من الجميع .
ليكون صلاح هو أول من خرج من صدمته :
" هو صاحبك من امتى بقى حساس ومراعي كده ؟!"
ابتسم صالح بسخرية ويده ما تزال تضمد جروح ذاك الرجل وقد أوشك على الانتهاء بعدما أفسد ثيابه والاريكة والأرضية بكل تلك الدماء :
" من اول ما ساب الملوخية وادمن بسكوت نواعم "
رفع صلاح حاجبه، يستدير صوب الشرفة حيث محمود الذي اجلس هاجر على مقعد وجلس أمامها يميل برأسه يحاول التحدث لها ببسمة واسعة أوضحت مقدار العشق الغارق به محمود .
ارتسمت بسمة ساخرة على فم صلاح :
" يا اخي الحب ده بيعمل حاجات "
سمعته ميمو والتي كانت تقف جواره تكتف ذراعيها لصدرها وتراقب محمود كذلك وكأنه أصبح العرض المفضل لجميع من بالبهو عدا صالح ورانيا التي كانت صامتة بشكل غريب وهي تشاهد ما يفعل صالح بكل مهارة ...
قالت ميمو بهدوء وهمس :
" لو الإنسان يلاقي حد يحبه بجد صدقني هيعمل اكتر من كده "
نظر لها صلاح بصمت لتمنحه بسمة صغيرة، ثم أبعدت عيناها عنه وهي ما تزال تنظر لمختار الذي أشار لها بشيء لم يفهمه سواها :
" تمام روح أنت عشان تلحق تجهز نفسك، وطمني اول ما تتحركوا "
هز مختار رأسه بطاعة، ثم تحرك صوب الباب وبمجرد فتحه، صُدم بتسبيح التي كانت على وشك طرقه لكنها تراجعت فورًا للخلف :
" أنا آسفة كنت لسه هخبط و..."
لم يهتم مختار وهو يحرك رأسه مشيرًا لها لتدخل، ثم رحل ببساطة شديدة تاركًا إياها تنظر لاثره قبل أن تطرق باب الشقة وهي تنادي باسم صلاح الذي أخبرها أن تدخل .
ورغم ترددها إلا أنها لمحت العديد من الأشخاص في البهو ومنهم فتيات لذلك دخلت بهدوء وهي تقول :
" دي الاطباق بتاعة الـ ..."
وصمتت فجأة بفزع حين رأت ذلك المشهد الذي يحدث أمامها ..
وعند صالح كان يجلس على المقعد وهو يفحص مؤشرات ذلك الرجل بشكل سريع، ويكتب في ورقة أمامه اسماء بعض الأدوية والمحاليل، لكن قاطع كل ذلك شعوره أنه مراقب .
رفع رأسه فجأة لتنتفض رانيا للخلف مبهوتة، تتحدث بتوتر شديد :
" أنا ...أنا بس ..كنت بتفرج عليك وانت دكتور"
رفع صالح حاجبه ورسم بسمة ساخرة على طرف شفتيه من كلماتها تلك :
" وايه رأيك ؟؟"
" ها ؟؟"
" ايه رأيك فيا وانا دكتور ؟؟ قمر صح ؟؟ "
توترت رانيا بقوة وهي تحرك يديها في الهواء معترض على تلك المغازلات في حق نفسه :
" عادي على فكرة، مفرقش كتير عن وأنت صايع، الفرق إن بدل المطوة، مشرط، بعدين يعني عادي دكتور زي اي دكتور "
نظر لها بطرف عينيه يخلع ققازيه :
" ده حقدك وغلك بس اللي مصور ليكِ كده، بس في الحقيقة أنا مش دكتور عادي، أنا دكتور عسل "
تجاهلته رانيا وهي تتحرك بعيدًا عنه، وعين صالح لم تزل تراقبها أينما خطت، حتى رآها تتوقف جوار صلاح وتتحدث معه بصوت لم يصل له واضحًا، لكنه حاول تجاهل كل ذلك وهو يلقي بالقفازات في سلة المهملات، ومن ثم تحرك صوبهما ليسمع صوت رانيا وهي تقول :
" طب واهلك سكتوا عليه كده ؟! مفكروش يعدلوا سلوكه؟! "
توقف صالح جوارهما يضع يديها أعلى فمه يستمع لذلك النقاش والذي خمن _ وصدق تخمينه _ أنه يدور حوله، تلك المتشردة تنصح أخيه بأخذه لطبيب وكأنه يعاني جربًا، وصلاح العزيز لم يضيع تلك الفرصة ليستفز رجل الكهف داخله :
" مكنوش عارفين أن الحالة هتتطور بالشكل ده لما كبر "
نظر صالح لرانيا التي أكملت حديثها بجدية :
" احيانا الأهمال بيضيع الطفل ."
امتص صالح شفتيه بتأثر شديد :
" عشان كده يا عيني طالعة هاطلة، اتاري البنت ملقتش حد يهتم بيها وهي صغيرة، وانا اللي قولت العبط اللي عندك اجتهاد شخصي "
استدارت رانيا له لتشعر بقرب انفجارها :
" لا وانت الصادق ده عدوة لقطتها كده من حد "
ابتسم صالح يخمن مقصدها :
" حد قمر وشبهي كده ؟!"
هزت رانيا رأسها بإيجاب وهي ترمقه متحفزة لأي هجوم :
" بالضبط حد شبهك كده "
" تمام، بعد كده متقفيش مع صلاح تاني "
رفع صلاح حاجبه يراقب ذلك الحوار الذي يتبارز فيها الاثنان، كما لو كان قتالًا، لا يدري حقًا كيف يتحمل الاثنان بعضهما البعض ؟؟ والآن يدخلانه في حوارهما ويزجان به فقط لأجل الفوز على الاخر في النقاش .
احتدت ملامح رانيا :
" لا وأنت الصادق مش صلاح، ده واحد كده شبهه "
"واحد شبهه ؟؟ "
نظر صالح لصلاح متسائلًا بفضول أجاد صنعه :
" احنا عندنا اخ تالت ؟! "
صاحت رانيا بحنق وسخرية :
" أنت مش حاسس بنفسك خالص؟! بعدين هو العالم استوعب اتنين لما يكونوا التالت ؟؟ أنا مش فاهمة بجد هو لازم يعني يبقى واحد في التوأم مترباش، مينفعش يبقى الاتنين محترمين وكويسين ؟؟ ايه لو عملتوا كده هتلعبوا في ثوابت الكون "
" لاحظي أنك واقفة تغلطي في صلاح كتير وانا ساكتلك"
نظر له صلاح بتهكم ولسان حاله يقول ( أحقًا ما تقول ؟؟)
لكن صالح لم يهتم وهو يقول :
" آنسة رانيا "
رمقته رانيا بسخرية شديدة من ذلك اللقب الذي وضعه قبل اسمها، لتشعر في لحظة أن من تحدث هو صلاح، لذلك نظرت جوارها لتتأكد أنها لم تخطأ الشخص وأن صلاح ما يزال يلتزم الصمت بكل برود مكتفًا ذراعيه يرتقب نتيجة ذلك النزال بفارغ الصبر، و رانيا حقًا لا تدري ما الذي يدفعها طوال الوقت لتكون بذلك التحفز حين وجودها أمام صالح دون غيره .
" اسمعي الكلمتين دول عشان محدش هيقولهم ليكِ غيري، لو شايفة عيب فيا، فلازم تروحي تتعالجي لاني ماشاء الله عليا زي كامل الاوصاف، نقفل الحوار بقى عشان اخد مجهود كتير مني "
شعرت رانيا بدلو بارد يسقط فوق رأسها، هذا الشاب قد زادها حقًا يطالبها بالعلاج فقط لأنها تواجهه بوقاحته، ولأول مرة لم تجاريه او ترد عليه بكلمة وهي تنفخ بحنق وغضب متحركة بعيدًا عنه و صالح مازال يناظر أثرها بغضب شديد قبل أن يستدير كالرصاصة لصلاح والذي كان يتابع كل ذلك ببسمة ماكرة ..
" أنت واقف معاها ليه ؟؟ ايه مبسوط وهي واقفة تهين في اخوك ؟! أنا مش فاهم بجد أنت اخويا ولا ابن مرات ابويا ؟؟"
ربت صلاح على كتف توأمه الحبيب يكرر ببسمة جانبية نفس الحديث الذي اسمعه إياه قبل دقائق من حضور رانيا :
" لازم تعرف يا صالح اني هكون الشخص الاخير اللي تحس ناحيته بغيرة، ماشي ؟؟"
هز صالح رأسه وهو لا يعي ما ينطق به يراقب ملامح رانيا الواجمة والتي استقرت جوار هاجر دون أن تنطق بكلمة :
" ماشي ...لا استنى، اغير ايه ؟؟ اغير على مين ؟! "
رفع صلاح حاجبه متشنجًا ثم سخر منه :
" عليا طبعًا يا حبيبي، اكيد خايف رانيا تخطفني منك "
زفر صالح بغضب وهو يبعد يد صلاح، ثم تحرك صوب الشرفة متحججًا بمحمود فقط ليتأكد أنه لم يزدها عليها، هو فقط كان يشاكسها كما اعتاد الفعل، لِم غضبت الآن ؟؟
" محمود "
رفع محمود وجهه له :
" نعم ؟؟"
" قوم معايا نشوف البتاع"
" بتاع ايه ده ؟؟"
زفر صالح بغيظ وهو يضرب قدم المقعد التي يجلس عليها محمود لبجذب نظرها :
" البتاع يا محمود، ايه مبقتش مركز ليه ؟؟"
" أنا برضو اللي مش مركز ؟!"
نظر محمود لهاجر وهو يقول بجدية :
" تمام وقت ما تروحي عشان توصلي رانيا كلميني أنا اوديكم ومتخرجيش لوحدك اليومين دول "
تحفزت جميع حواس صالح لتلك الكلمات، ينظر لوجه رانيا ذو الملامح المقتضبة :
" فيه ايه ؟؟ متخرجش لوحدها ليه ؟؟ وتوصلوا رانيا فين ؟؟"
نظرت له رانيا وقالت واخيرًا بهدوء :
" هرجع اسكندرية "
" بجد ؟؟"
كانت الصدمة واضحة على وجه صالح الذي شعر لوهلة بمشاعر سيئة، ليس وكأنه ساقط في عشقها، لكنه الاعتياد فقط، اعتاد رؤية رانيا والحديث معها والشجار والمزاح ايضًا، والآن سترحل، لطالما كان الفقد هو اسوء المشاعر له وسيظل .
بينما رانيا اطالت النظر له ثم قالت :
" اممم بكرة هرجع عشان كده قعدتي طولت هنا "
تحدث محمود بجدية لصالح :
" هاجر بتقول كان فيه حد بيراقبهم، عشان كده جم هنا "
نظر لهما صالح بجدية ولم يكد يتحدث حتى استمع الجميع لصوت في البهو يصيح :
" ايه اللي بيحصل هنا ده ؟؟"
__________________________
ألقى الهاتف على المكتب بملل بعدما يأس أن يجيب عمر عليه .
ابعد سعيد عيونه عن الهاتف يتلاعب بالقلم أمامه، وعقله شارد في نقطة بعيدة، أفكار كثيرة متلاطمة، وسؤال واحد يلوح أمام عينيه ..
ماذا بعد ؟؟
ماذا بعد كل ما تفعله، تجمع الأموال وكأن لا غد لك، تحارب وكأنها آخر معاركك، ماذا بعد كل ذلك ؟؟
تحاول إقناع زهرة بترك حياتها وكل ما عملت لأجله سنوات والهرب معك لبلاد أخرى أنت وشقيقتك لتلقي بنفسها في مصير مجهول مع شخص أصبح مجهولًا لها ؟؟ ونيرمينا، تلك الصغيرة التي عانت ما يكفيها لتترك منزلها ووطنها وميمو.
وميمو، سيتركها وحدها في منزل والده تتنعم بكل ذلك ؟! أيفعل ويعتبر ذلك ردًا لجميلها الذي صنعته لشقيقته ؟؟ ولوالدته ؟؟
تنفس سعيد وهو يتحرك صوب نافذة مكتبه يراقب المارة بأعين غائمة وذكرى بعيدة تتطاير أمامه ..
" يابني أنا سمعتها امبارح وهي بتعيط طول الليل، أنت عارف ابوك ده مش بيحس، روح الله يرضى عليك شوف البنت لتكون ماتت "
وضع سعيد الملعقة أمام فم والدته وهو يردد بوجه جامد :
" أنا قولت اني مليش دعوة بأي حاجة تخص الراجل ده، وهي دلوقتي مراته ومليش دعوة بيها "
نظرت له والدته بحزن، ثم ربت على ذراعه تتوسله كما تتوسل والده طوال الوقت، فهي الضعيفة المكسورة والتي تجبرك كلما نظرت لها على التعاطف معها ..
" عشان خاطري يا سعيد، عشان خاطر امك يا حبيبي تروح تشوفها ليكون حصلها حاجة، اعتبرها اختك يا بني دي لسه عيلة "
افتر ثغر سعيد عن بسمة ساخرة لاذعة وعيونه اشتدت قسوتها :
" اختي ايه ؟؟ دي مرات ابويا "
" يابني اااا"
قاطعها سعيد وهو يضع الاطباق أعلى الفراش يشير لنيرمينا التي كانت تلعب بدميتها بالقرب منهم بالاقتراب :
" نيمو تعالي ساعدي ماما تتغدى لغاية ما ارجع "
وكعادتها هزت نيرمينا رأسها بكل طاعة وتحركت صوب الفراش تستلم مهمة اطعام والدتها، وسعيد خرج من الغرفة حانقًا متذمرًا يكره أن يُسدي صنيعًا لوالده، حتى ولو كان ذلك الصنيع هو الاعتناء بزوجته الصغيرة بعد جولة ضرب وتعذيب ليلية وصل صخبها لجميع سكان المنزل .
طرق سعيد الباب ولم ينتظر ردًا لمعرفته أن والده في العمل ولن يعود الأن، وميمو لابد أنها ملقاة في الغرفة كالجثة، وقد صدق حدسه حينما وجد جسدها مُلقى أعلى الفراش مكدوم ونازف .
تحرك لها بهدوء يربت أعلى وجنتها يستشعر مقدار الحرارة التي تخرج من جسدها :
" أنتِ يا......، أنتِ عايشة ؟؟"
ولم يصدر من ميمو سوى تأوه مرتفع، تأوه اثار شفقة في قلب سعيد وهو يتنهد بنزق قبل أن يبتعد ينظر حوله يحاول ايجاد شيء ليسعادها، لكن فجأة سمع تأوه صادر من فم ميمو وهي تبكي خلال نومها :
" متسيبونيش لوحدي، ماما "
تنفس سعيد بصوت مرتفع، وعاد صوب الفراش يحمل جسد ميمو بخفة شديدة، وتحرك صوب المرحاض وهو يسب والده، هل كُتب عليه أن يظل يعالج جروح النساء من بعده ؟؟ اولًا والدته ومن ثم زوجته الثانية والتي تصغره بخمس سنوات .
دخل سعيد بميمو للمرحاض ودون أي تفاهم فتح المرشات لتشهق ميمو وهي تحاول الابتعاد عنه وكأنها تغرق باكية :
" لا ...لا، مش عارفة اتنفس، دخان في كل حتة "
نظر لها سعيد بعدم فهم يخرج جسدها من المرحاض يلفها بأي منشفة وقعت عينه عليها، ومن ثم وضع جسدها بالثياب المبتلة أعلى الفراش يفكر في الخطوة التالية، وما كاد يتحرك حتى سمعها تهمس بغصة بكاء :
" مازن ؟؟"
نظر لها سعيد ثواني قبل أن يقول :
" لا مش مازن، سعيد يا مرات ابويا "
كانت كلماته ساخرة قبل أن يتحرك ويخرج ليحضر أحد يساعدها على تبديل ثيابها قبل أن يُحضر طبيب لأجلها، لكن وبمجرد خروجه من غرفة تلقى صفعة قوية من جاد على حين غرة اسقطته ارضًا ومن ثم شعر بلسعات حزامه تسقط أعلى جسده وهو يصرخ فيه :
" بتدخل اوضتي ليه يا ابن الـ ***، بتبص لمرات ابوك يا حيوان ؟؟"
كان سعيد في تلك اللحظات مصدوم من مقدار قذارة عقل والده، يتهمه بالنظر لامرأة حُرمت عليه حتى الموت، حتى وإن لم تكن قد حُرمت عليه، هل يظنه مريضًا مثله لينظر إلى مراهقة حتى وإن كانت تلك المراهقة لا تصغره سوى بخمس سنوات؟!
في تلك اللحظة وجد نيرمينا تركض صوب والدها بخوف وهي تضم جسد سعيد وتصرخ باكية :
" خلاص والله يا بابا، هو دخل يشوفها عشان ماما اللي قالتله، بالله عليك متضربوش تاني "
وشيء آخر تحطم داخل سعيد، شيء لن يُعاد ولو خرج جاد من قبره ليرمم ما تهشم .
ابتسم سعيد بسخرية لاذعة يبتعد عن النافذة يمسح وجهه وهو يردد :
" وبعد ده كله مفيش شكرا يا سعودي، تسلم يا سعيد تعبتك معايا .... يا مدام ميمو "
تنفس بصوت مرتفع يجلس أعلى مكتبه قبل أن ترتسم بسمة منتشية وهو يعيد على رأسه ما فعله في جاد ذلك اليوم، لقد انتقم منه ومن الجميع وحطم المنزل أعلى رؤوس قاطنيه، وربما وحتى تلك اللحظة لم تدرك ميمو أنه هو من حاول مساعدتها، ولا يريدها أن تفعل، يكفيها أن تتذكر ما فعله لاحقًا لتكرهه فقط، فهذا ما يجب أن يحدث ...
_______________________
كان يقف أمام الجامعة الخاصة بها لا يبدي أي ردة فعل سواء بالايجاب أو السلب، هو فقط يحيط نيرمينا بعينيه منعًا لأي شيء قد يُفسد مهمته بالحماية، وها هي أول عقبة تواجهه في تلك المهمة، فبمجرد أن هبط من السيارة الخاصة بحارس نيرمينا حتى رأى فيضان فتيات يتجه نحوه وجميعهن يتحدثن في نفس اللحظة ...
" نيمو بجد فرحانة أنك جيتي "
" مقولتيش ليه كنت عديت عليكِ بالعربية بتاعتي اخدتك في طريقي؟؟"
" مش هتصدقي مين جاي الرحلة معانا، دكتور رامي "
لم يهتم مختار لكل تلك الثرثرات التي كانت في نظره بلا فائد، لكن كل ما انتبه له خلال ذلك الحديث هو احمرار خفيف بدأ ينتشر أعلى خدود نيرمينا تزامنًا مع نطق الجملة الأخيرة والتي تحوي اسم رجلٍ ما .
رفع مختار حاجبه بتهكم ولم يهتم كثيرًا بالأمر كل ما فعله أنه بمجرد أن أبصر الحافلة تتوقف، حتى سحب نيرمينا من بين الفتيات بهدوء ودون كلمة واحدة، لتبتسم نيرمينا باحراج تلوح لهن :
" هستناكم في الباص"
وبالفعل صعدت نيرمينا للحافلة والتي بدأ الجميع يتوافد لها من شباب وفتيات، الجميع يقف في منتصف الحافلة لترتيب الحقيبة في مكانها المخصص لها، ليشكل مختار جدارًا فاصلًا بينها وبين ايًا كان .
ابتسمت نيرمينا وهي ترحب برفاقها، ثم أشارت لأحد المقاعد في الخلف :
" خلينا نقعد هناك هيكون جنب صحابي "
لكن يده مختار دفعت جسدها لأحد المقاعد الجانبية يجبرها على الجلوس لتردد هي ببسمة :
" ماشي ده حلو برضو "
بدأ مختار يُنزل الحقائب ليضعها في مكانها المخصص في اللحظة التي استمع فيها لصوت رجالي خلفه يردد بنبرة رجولية :
" اهلا يا شباب أنا اللي هكون المسؤول عن الباص بتاعكم طول الرحلة، اتمنى اكون خفيف على قلبكم "
وعلى الفور ارتفعت تهليلات وصيحات مشجعة ليتضاحك ذلك الرجل، نظر له مختار بجمود ليلحظ أنه كان طويل البنية ذو عضلات جيدة تظهر مقدار لياقته، وملامح رجولية بامتياز ترشحه للعمل كعارض ازياء وليس معلم جامعي .
نفخ بعدم اهتمام ولم يكد يفرغ من وضع الحقائب حتى لمح اشتعال وجه نيرمينا وهي تحدق بذلك الرجل الذي كان يرسل بسماته للجميع دون استثناء .
رفع مختار حاجبه وهو يرمق نيرمينا التي تبتسم ببلاهة جعلته يمد يده ليدفع بوجهها في غضب لتنظر هي له ببلاهة :
" ايه ؟؟ فيه ايه ؟؟"
رمقها مختار بتحذير وهي لم تفهم ما يريد، لكنه فقط لم يردها أن تنجذب لهذا الرجل الذي يحتل مكانة أعلى منه قد تمنعه من تحقيق احلام تلك البلهاء التي كان هو بطلها، وايضًا لأنه لن يسمح لها بفعل أي شيء احمق طالما هي تحت مسؤوليته .
تحرك رامي بين المقاعد يرحب بالطلاب حتى وصل أمام مقعد نيرمينا يردد ببسمة :
" اهلا يا نيرمينا اخبارك؟! "
ومجددًا بدأ وجه نيرمينا في الاحمرار وهي تبتسم ببلاهة وذلك المعلم يتحدث لها بلطف شديد :
" مبروك النجاح، سمعت أنك السابعة "
هزت نيرمينا رأسها بتأكيد على معلومته، تجيبه برقة :
" أيوة صحيح، الله يبارك فيك يا دكتور، بجد الرحلة هتكون جميلة بوجود حضرتك معانا "
وها هي تلك الضحكة تنطلق مجددًا ليزداد احمرار وجه نيرمينا بشكل جعل مختار يميل برأسه في استهجان شديد قبل أن يعبث بخصلات شعرها يسقطها أعلى وجهها، ثم جذب الستارة المجاورة لنافذتها ووضعها أعلى وجهها، ومن ثم جلس على المقعد المجاور لها بهدوء شديد، كل ذلك ورامي يقف يراقب ما يحدث بعدم فهم، لكن فجأة وجد ذلك الشاب الغريب يلتفت له فجأة وهو يناظره بشر جعله يتحرك يهز كتفيه بعدم اهتمام .
أزالت نيرمينا الستارة من أمام وجهها وهي تقول :
" ايه اللي عملته ده يا مختار ؟؟ خليت شكلي زفت قدام الدكتور، يقول عليا ايه دلوقتي ؟؟"
عبث مختار بحقيبة يدها التي كانت تضعها أعلى قدمها وأخرج منها سماعة الأذن ليضعها في أذنها ومن ثم اوصلها بهاتفه وبحث عن أحد افلام الاميرات ووضع لها الهاتف وأشار لها بالهدوء، و ضم ذراعيه بهدوء ونظر أمامه يراقب الأجواء .
ونيرمينا جواره تبتسم بعدم تصديق، هل عاملها للتو كالطفل ؟؟ يضع لها افلام كارتون فقط اتصمت ؟؟ لا ينقصها سوى أن يخرج حلوى ويضعها في فمها ويهدهدها لتتجشأ بعد الطعام .
" أنت بتهزر ؟؟ مختار أنت فاكرني عيلة صغيرة ؟؟"
لم يجبها مختار بكلمة، ولن يفعل في الحقيقة وهي فقط تشعر بدمها يفور غضبًا منه قبل أن تنتزع السماعة من هاتفه وتضعها في خاصتها وتنظر من النافذة وصوت تمتماتها يصل له، ترغو وتزبد بحنق طفولي وتتذمر إن عاملها كطفلة ..
" الله يسامحك يا ميمو، لازم يعني تقترحي يجي معايا ؟؟ اهو هيشتغل جليسة اطفال، ناقص يعملي الرضعة "
لم يهتم بها مختار وهو يراقب الأجواء حولها تحسبًا لأي شيء، لتمر دقائق وتنطلق الحافلة ليبدأ الجميع في الغناء والتصفيق وهي كلما رفعت اصبعها جذبها مختار وكبلها جواره لتطلق زفرة عنيفة وبقوة :
" رحلة سعيدة يا نيرمينا، اول واخر مرة أخرج في رحلة والله "
______________________
استدار الجميع فجأة صوب الباب يحدقون في رائد الذي كانت عيناه تتحرك على الدماء التي ملئت البهو والاريكة، وذلك الجسد الذي كان يتوسط اريكتهم .
ومن ثم تحركت عينه لكل الأشخاص في المنزل، يبتسم بسمة غريبة وهو يدخل يمرر عيونه عليهم :
" ماشاء الله كل دول مشتركين في الجريمة ؟! "
نفخ صلاح وهو يمسح وجهه بحنق :
" اهي الترقية بدأت تزغلل في عينه من تاني، ده انا كنت قولت ربنا تاب علينا "
نظرت له ميمو بعدم فهم ولم تكد تستفسر عن مقصده حتى رأت رائد يخرج سلاحه ويغلق الباب بقدمه :
" حلو كده انا مش عايز بقى حد يتحرك سنتي قبل ما البوكس يجي ويلمكم واحد واحد "
حرك عيونه صوب صلاح بحسرة :
" اخر حد كنت اتوقع انه ينجرف في موجة الفساد والاجرام، اخص عليك "
رفع صلاح حاجبه وصوت زفراته ملئت المكان، بينما رائد بدأ يمرر السلاح على الجميع :
" أنا عايزكم زي ما انتم كده ببصامتكم بالدم اللي لبسكم ده "
نظر محمود لثيابه قبل أن يضم يديه لصدره يحاول مداراة تلك البقع الحمراء التي لوثت ثيابه، ورائد مازال يلعب دوره كشرطي في محاولة معرفة ما حدث :
" دلوقتي كل واحد هينطق ويقولي دوره كان ايه في الجريمة دي ومين فيكم اللي قتله بالضبط، ومين اساسا المرحوم ده ؟؟ "
صمت ثم أضاف :
" مكنتش اعرف إني هوصل للحظة دي اللي اوقف فيها اهلي وصحابي قدامي وهما متهمين في جريمة قتل، خيبتوا ظني كلكم، اخص عليكم "
في تلك اللحظة خرجت تسبيح من الداخل تردد بجدية مشيرة للمرحاض :
" انا دورت على الممسحة جوا وملقتهاش، أنتم بتحطوها في حتة معينة ولا ايه ؟!"
فتح رائد فمه بصدمة وهو يردد :
" تسبيح ؟؟ حتى أنتِ ؟؟ "
رددت تسبيح ببلاهة :
" أنا ايه ؟؟ أنا بس كنت همسح الدم ده ليوقع حد ويتأذي "
صمتت وهي ترى نظرات رائد لها وهو يراقبها بخيبة أمل لتشعر أنها ارتكبت خطأ ما، لكن ما هو؟؟ هذا ما لا تدركه .
" هو أنا بس كنت عايزة اساعد، أنا عملت حاجة غلط ؟؟"
تحرك صلاح يجذب رائد من ثيابه وقد ملّ لعبه معهم بهذا الشكل، بينما رائد يسير خلفه وهو مازال ينظر لتسبيح بشكل اثار ريبتها، وفي داخله يود لو ينفجر بالضحك على ملامحها ..
وصلاح يتحدث بجدية :
" متاخديش في بالك يا آنسة تسبيح، هو كده بتجيله كل فترة حالة اسمها ترقيفوبيا "
رددت تسبيح ببلاهة وهي تراقب قهقهات رائد الصاخبة :
" ترقيفوبيا ؟؟ ده مرض معدي يعني ؟!"
ازدادت ضحكات رائد اكثر واكثر عليها وصلاح يلقي بجسده على مقعد مشيرًا للجميع بالجلوس :
" دي حالة بتجيله كل ما يلمح أي جريمة، وبيبدأ خياله المريض يهيأ ليه أنه هيترقى لو اتولى الجريمة دي "
ولم يساعد كلام صلاح في فهم شيء مما حدث، فتسبيح ما تزال بنفس ملامح الجهل ورائد يحدق بها وهو يخفي سلاحه مرة أخرى يشير لها بالجلوس وصوته خرج لطيفًا مراعيًا :
" اقعدي يا تسبيح أنا بهزر "
جلست تسبيح وجلس الجميع على المقاعد وتبدأ الجلسة بينهم بحديث ميمو مشيرة لجسد عمر :
" خلال الساعات الجاية سعيد هيبدأ يتصل بعمر عشان يعرف منه وصل لفين مع صالح، وبعدين على أساس كلامه هيتصرف "
أشار رائد صوب جسد عمر الذي كان في عالم آخر :
" طب والمرحوم هيطمنه ازاي ؟؟"
نظر له صلاح ثواني والصمت ملء المكان قبل أن يفضي صلاح بالحل الوحيد الذي توصل له :
" حسب كلامك يا ميمو فعمر ده راجل مهم عند سعيد صحيح ؟!"
اماءت ميمو بإيجاب ليبتسم هو قائلًا بكل بساطة محركًا كتفيه لأعلى:
" خلاص لما يتصل بيه سعيد مش هنعبره اول مرة او اتنين وبعدين نبعت ليه رسالة من التليفون نطمنه بيها ميقلقش ونقوله أنا بخلص حاجة مهمة وهكلمك "
ابتسمت ميمو وقد استساغت تلك الفكرة وكذلك الجميع الذي نظروا لصلاح بتقدير، قبل أن يتساءل صالح بانتباه شديد :
" وبعدين ؟؟ هنعمل ايه ؟!"
قال صلاح :
" امتى ممكن يفوق الراجل ده ؟!"
" مش قبل يوم "
هز رأسه وهو يقول بجدية :
" تمام، لما اليوم يخلص احنا هنحاول نستغل وجود عمر معانا لأجل مصلحتنا ونساوم سعيد على كل اللي نقدر عليه "
" واليومين دول هيقعد في ...."
كان صالح يتحدث وترك جملته معلقة وهو يدرك رد صلاح الذي قال ببسمة ولم يخيب ظنه :
" في اوضتك، وأنت هتروح عند محمود "
نظر بعدها لرانيا وهاجر قائلًا بجدية :
" وانتم ممكن تقعدوا اليومين دول عند تسبيح لغاية ما نخلص من اللي بيراقبكم "
هزت تسبيح رأسها توافقه الرأي تشجعهم على ذلك، بينما رانيا قالت بتعب وإرهاق بدا واضحًا على ملامحها:
" أنا كده كده مسافرة بكرة اسكندرية، بس هي خالتو اللي هتفضل هنا، اتمنى بجد تكون بخير، ولولا المخبز وشغلها كنت اخدتها معايا "
سارع محمود يعرض الأمر عليها بجدية كبيرة :
" أنا مش بيكون عندي شغل كتير في المستشفى فممكن اروح ليها الفرنة واقعد هناك واخد بالي منها اوصلها هنا كل يوم بعد الشغل عادي "
تشنج وجه صالح بتهكم وهو ينظر لمحمود الذي كان غارقًا حتى أذنيه في تأمل هاجر والتي كانت تنظر ارضًا بخجل دون الرد بكلمة واحدة :
" مين ده يا حبيبي اللي معندوش شغل كتير ؟؟ ليه شغالين في كوافير حريمي في موسم ركود ؟؟"
نظر له محمود برجاء وكأنه يخبره ألا يحرمه تلك الفرصة ليكون جوار هاجر، علّ ذلك يزيد من فرصته لديها ويعزز من مكانته عندها .
وقد كان، حيث تنهد صالح وهو يقول بتراجع :
" أيوة صح نسيت الفترة دي السوق واقف والنفوس بقت صافية ومبقاش حد يقتل التاني، محمود ممكن يقعد معاها في المخبز لغاية ما يروحها "
هز صلاح رأسه :
" تمام كده، بالنسبة لتسبيح طبعا هي مش بتخرج، وكده كده الشقة هنا هيكون فيها واحد مننا، عشان يراقب عمر وياخد باله لو حصل حاجة عند البنات، أما ميمو ..."
نظر لها وهو يترك جملته معلقة لتمنحه ميمو بسمة مخيفة :
" لا متخافش أنا بعرف اتصرف مع الاشكال دي كويس اوي"
وبسمة اعجاب واضحة ارتسمت على فم صلاح وهو ينتزع عينه عنها بصعوبة، ثم أشار لصالح أن يساعده في نقل عمر داخل غرفة ويجهز كل شيء لاستقباله هناك .
في الوقت الذي نهضت تسبيح وهي تقول ببسمة :
" هروح اجهز الاوض التانية عشان تناموا فيها "
ومن فورها تحركت صوب شقتها في الوقت الذي تنحنح فيه رائد يستغل انشغال الجميع بنظرات خفية بينهم ويلحق بتسبيح مناديًا إياها ليوقفها أمام باب شقتها :
" تسبيح .."
توقفت تسبيح وهي تنظر لرائد بترقب، فاقترب منها الاخير يبتلع ريقه، يحاول بدء الحديث بجملة مناسبة لتلاشي احراجه ليلة أمس ..
" هو في الحقيقة أنا في الفترة الأخيرة يعني كنت بفكر اني يعني المفروض يعني لما احتاج اتواصل معاكِ يكون فيه حاجة اكلمك عليها، وعشان كده جبتلك ده "
تنفس واخيرًا بحرية حينما أخرج لها علبة الهاتف من خلفه وقد شعر أنه ركض اميالًا واخيرًا التقط انفاسه.
بينما تسبيح كانت تنظر للهاتف ببسمة غير مصدقة، تشعر أن الأمر قد زاد عن حده، وأنها كلفت رائد فوق طاقته، فهو تكفل بها بكل ما للكلمة من معنى ..
ابتلعت ريقها تحاول ايجاد كلمات ترفض بها تلك الهدية دون أن تتسبب في احراجه :
" بجد مش عارفة اقولك ايه، بس مينفعش والله، كده كتير اوي وانا مش هقدر اقبل اكتر من كده، أنت
عملت كتير عشاني، وكده هبقى فعلا وقحة لو قبلت التليفون"
" عندِك حق "
كانت جملة تلقائية اعتاد قولها للجميع حين الرد عليهم، ومن ثم يضيف رأيه، لكن يا رائد ليس ذلك هو مكانها، أيها الابله، معها حق في ماذا ؟؟
كان رائد يردد تلك الكلمات في رأسه وهو يرى شحوب وجه تسبيح التي اتسع فمها بصدمة، ليسارع بلهفة يبرر ما قال :
" لا لا والله مش قصدي عندك حق أنك وقحة، أنا قصدي عندك حق، أنك عندك حق فهماني، أنا بس متعود اقول دائما لأي حد عندك حق بعد كلامه، بس ...مش مقصودة هنا بالشكل اللي أنتِ فهمتيه و.."
زفر رائد بقوة يعيد خصلاته للخلف، لم يعهد الحديث مع النساء، في حياته لم يحتك بالنساء سوى بوالدته وجاراته من كبار السن، والفتيات اللواتي قابلهن في عمله، لكن الله لا تمت لأي النوعين بصلة، والاصعب أنه يشعر بنفسه حين الحديث معها كميكروب أسفل مجهر عالم شغوف، كل همسة منه مراقبة، لماذا لا يستطيع الحديث معها ببساطة كما لو أنها صالح أو صلاح ؟! أو والدته ؟؟ لا لا ليس والدته .
ولم يدري رائد أن حديثه مع نفسه كان مسموعًا لها :
" هو الموضوع صعب كده ليه ؟؟ "
حمدت تسبيح ربها أن ملامحها مخفية أسفل نقابها، تبتلع ريقها ومعه ابتلعت ضحكة على ملامحه :
" رائد .."
نظر لها رائد لتقول وهي تسحب الهاتف من بين أصابعه ترحمه من كل ذلك:
" شكرا على التليفون، وانا بكرة هرجع ليك حق كل اللي عملته "
تنهد رائد متجاهلًا جملتها تلك، هو لا يهتم أن تعيد أمواله أو لا، بل هو فقط سعيد، سعيد لدرجة أنه أراد أن يمطرها بوابل من الدعوات كسيدة عجوز تودع ولدها قبل الذهاب للعمل، لكنه لجم لسانه ورأى أنه يكفيه ما أظهر اليوم من بلاهة وتصرفات كما لو أنه لم ير امرأة في حياته وقال :
" العفو، أنا سجلت عليه رقم صلاح وصالح ورقمي أنا كمان، عشان بس لو احتجتي حاجة"
هزت تسبيح رأسها تودعه بهدوء، منسحبة صوب منزلها لتختبأ ورائد يراقب طيفها ببسمة غريبة، ثم تقهقر عائدًا للشقة ليرى أن الجميع بدأ يرحل واحدًا تلو الآخر ولم يتبق في النهاية سواه هو وصلاح والسيد عمر ...
وشعور رائد أن تلك اللعبة بدأت تتسع اكثر واكثر حتى ابتلعت الجميع، ومن يدري من ستبتلع غدًا ؟؟؟
_____________________
وفي هدوء الليل وحينما كان الجميع نيام، كان هو يجلس في الشرفة وعيونه شاردة في ذكرى رحيل تسببت في نزيف بقلبه، ذكرى الوجع الابدي الذي لم ولن يبرأ منه مهما مرت سنين عليه، المرة الوحيدة الذي ارتجف أمام الدماء، واللحظة الوحيدة الذي ارتجفت يده وهي تتلمس جثة ...
تنهد صالح يستنشق الهواء محاولًا تخفيف كل اوجاعه، يتعجب تذكره لذلك الأمر في تلك اللحظة وبالتحديد، ألشعوره بالفقد القريب؟؟ لكن لمن ولماذا ؟؟ أيعقل أنه آلف رانيا؛ الفتاة التي لم يعرفها سوى من أسابيع قليلة لدرجة أن رحيلها ذكرّه برحيل آخر أشد قسوة ؟؟
هبط صالح الدرج يعبث بخصلات شعره وقد عاد منذ أيام من جامعته، فقد اختار الدراسة في القاهرة ليكون جوار صلاح، لكن الآن سبق هو صلاح وعاد لقريته الريفية البسيطة التي يشعر فيها بالراحة الشديدة ..
ابتسم بسمة واسعة يبصرها تقف في الحديقة، تظهر له من باب المنزل تعتني بالازهار، تحرك بأقدام سريعة صوبها وهو يصرخ بصوت عالي :
" أمـــــيـــــرة "
انتفضت أميرة برعب تصرخ بصوت مرتفع، قبل أن تجذب طرف عبائتها المنزلية وتبصق فيها بصقات وهمية :
" بسم الله الرحمن الرحيم، يا بني أنت مش هتكبر بقى؟! "
ضحك صالح بقوة يلتقف والدته بين أحضانه وينكب عليها بالقبل :
" وحشتيني وحشتيني وحشتيني "
ضحكت أميرة بصخب تحاول أبعاده :
" يا اخي وأنت موحشتنيش، بعدين مش أنت اللي اختارت تدرس في القاهرة وتسبني ؟؟"
استند صالح على كتف والدته يقول بمزاح وحب :
" كده يا ميرو ؟؟ يعني ده جزاتي اني اخترت ادرس في القاهرة عشان احط عيني على ابنك الفلتان واخلي بالي منه بدل ما يبوظ ؟؟ "
ضربته أميرة في كتفه وهي تتحرك صوب مجموعة الازهار على الجانب الآخر :
" ابني برضو اللي فلتان ؟؟ ده الله يكون في عونه صلاح والله "
زفر صالح بحنق شديد يتحرك داخل المنزل :
" ماشي ماشي، خليكم كل مرة كده تفضلوا تدافعوا عن صلاح على حسابي وكأني بجلده، طب على فكرة هو اللي متعبني اساسا، كل شوية يعمل مشكلة مع حد بسبب دماغه وآراؤه وانا اللي بروح اقف معاه "
ابتسمت أميرة تراقب صغيرها الحبيب الذي نضج ليقتحم عالم الكبار بكل تهور دون حتى تفكير، فمنذ شهرين فقط أتم عزيزيها العام التاسع عشر لهما .
" يا سيدي حقك عليا، هو أنا عندي اغلى من صالح حبيب قلبي ؟؟ طب ده أنت اللي ليا يا صاصا، أنت عارف انا بحبك قد ايه عشان بس أنت الصغير والدلوع "
تدلل صالح على والدته وهو يلوي شفتيه في تذمر، ثم تحرك صوب المنزل تاركًا إياها تكمل عملها :
" لا خلاص بقى، خلي صلاح يجي يساعدك في قص الشجر والخبيز"
ابتسمت أميرة بحنان فقد كان صالح هو الأقرب لها، يساعدها في كل اعمال المنزل من تنظيف واحيانا طبخ وصنع الخبز، كي لا يشعرها بالحزن لأن الله لم يكتب لها إنجاب الفتيات، ويكرر مبتسمًا في كل مرة ينجز بها شيئًا :
" طب يا حظها اللي من نصيبي والله "
ابتسمت أميرة وهي تراقبه يصعد درجات المنزل يتذمر بكلمات غير مفهومة، هزت رأسها بيأس وهي تعلم أنه دقائق فقط ويعود لها يخبرها أنه سيساعدها فقط لأنها والدته .
وبالفعل غاب صالح دقائق قضاها في تجهيز نفسه، ثم عاد صوب باب المنزل الداخلي يراقب والدته التي كانت ما تزال تشذب الازهار، وابتسم بهدوء :
" خلاص يا ميرو عشان أنتِ امي بس "
ابتسمت أميرة وهي تنهض واستدارت تنظر له نظرة تشبه خاصته، فوالدته كانت المدللة الوحيدة في ذلك المنزل الذكوري ..
تحرك صالح صوبها يعدل من وضعية ثيابه التي ارتداها خصيصًا لمساعدة والدته في أعمال الحديقة الأمامية للمنزل، يخطو العتبات الداخلية ولم يكد يطأ الحديقة حتى اخترق مسامعه صوت صراخ وتوبيخ وأصوات رجال كثيرون، رفع عيونه بتعجب ليرى فجأة شاب يركض يعبر حديقتهم يحمل بين يديه سكين وأمسك والدته ...
شُلت أطراف صالح لثواني، ثواني فقط قبل أن يركض برعب وجنون صوب ذلك الشاب الذي لا يدري هويته أو ماذا يفعل في منزلهم وكيف اقتحمه هكذا ولماذا، لم يهتم بكل تلك الاسئلة بقدر ما اهتم بجسد والدته الذي كان يرتجف بين ذراعيّ ذلك الشاب ليتوقف ارتجافها فجأة تزامنًا مع انفجار الدماء من رقبتها حينما نحرها ذلك الشاب دون مقدمات وأمام اعينه ......
" صالح لسه صاحي ؟!"
افاق صالح من دوامة أفكاره على صوت محمود خلفه، فهو كما اتفق مع صلاح سيقضي تلك الليالي هنا، سارع في كفكفة دموع لم تعبر حتى عينيه، فقطع عليها هو الطريق بكل تجبر، لكن هيهات فقد أبصرت عيون محمود المصدومة ملامحه المتغضنة، اقترب منه بتريث يهمس بصوت مبهوت :
" صالح أنت كويس ؟! مالك ؟؟"
نظر له صالح بطرف عينيه، ثم استشنق كمية كبيرة من الهواء يحبسها داخل صدره في محاولة يائسة أخيرة لمنع تلك الغصة من الخروج في نبرات صوته :
" مفيش بس افتكرت حاجة كده "
اقترب محمود حتى توقف أمام مقعده وهمس بصوت خافت وكأنه يخشى دخول تلك المنطقة الشائكة بعقل رفيقه :
" والدتك ؟؟"
ارتجف جسد صالح لثواني وهو من ظن أن تلك السنوات ساعدته للتأقلم مع الأمر، وقد أصبح لا يرتجف لذكر والدته كما حدث منذ يوم حينما هدده الحمقى هو وصلاح بوالدتهم، وقتها منع نفسه من انتزاع الهاتف واطراب مسامعهم بكلمات ولن تعبر محيط آذانهم يومًا، لكنه وقتها ابتسم بسخرية لاذعة يدعي أن لاشيء حدث ...
شعر صالح فجأة بجسد يميل عليه، ومحمود يضم رأسه له مربتًا عليها بحنان :
" متزعلش هي دلوقتي تلاقيها قاعدة مع ماما واتصاحبوا"
ابتسم صالح بسمة متوجعة على تلك الجملة التي كان يرددها محمود قديمًا، فوالدته توفيت في طفولته فجأة ودون سابق إنذار، دون مرض ودون أي شيء، استيقظوا يومًا ليرونها جثة هامدة أعلى الفراش ...
رفع صالح رأسه لمحمود مبتسمًا وهو يربت على كتفه بحب:
" أيوة صح، ماما طيبة مهانش عليها تسيب طنط ميريهان لوحدها "
ضحك محمود ضحكة صغيرة خرجت بغصة حاول كبتها، يقبل رأس صالح :
" عارف اكيد قاعدين دلوقتي يتفرجوا علينا وشايفين اني حاضنك كده وشكوا فينا "
أبعده صالح من فوره وهو يطلق شتائم مغتاظة وقد نجح ذلك المستفز في ثقب فقاعة الحزن التي أحاطت بهم منذ ثواني ..
ليتضاحك محمود بصوت مرتفع عليه، ثم حكّ رأسه يتشدق بارهاق شديد :
" أنا جعان، هنزل اشوف حاجة أكلها، لو جعان تعالى ورايا نقلب التلاجة"
ابتسم له صالح وهو يراه يخرج من الغرفة يصفر ويغني بمزاج صافي ليس وكأنهم منذ ثواني كادوا ينخرطون في موجة بكاء كصغار سقطوا في طريق دون ذويهم، وارتكنوا للجدار باكيين، هكذا كان محمود، طوال الوقت مرح لطيف وحنون بدرجة امتياز، يعزّ عليه رؤية أحدهم مجروح حتى ولو كان ذلك الاحدهم متشرد في أحد الأزقة، محمود الذي سانده وآزره وبقي جواره يتحمل صمته وصدمته، حتى أنه عاند والده والجميع ورسب عامًا خصيصًا ليصبح معه بعدما ترك هو دراسته لعام، ففعل محمود المثل مرددًا بنبرة قصد أن تصبح مستفزة عنيدة :
" هتسقط، هسقط، والله لنعيد السنة سوا "
وقد كان.... أخّر محمود تعليمه عامًا واوقف حياته سنة كاملة لأجله، ولأجل أن يكملوا مشوارهم سويًا، وهو مهما مرت السنون ومهما عاش لن ينسى يومًا ما فعل محمود لأجله، لن يترك يد شخصٍ ترك عالمه وانعزل جواره في محنته، فهو لا يمتلك شقيقًا واحدًا، بل ثلاثة؛ رائد ومحمود وصلاح الحبيب ...
تنهد يتذكر تلك الأيام التي عقبت وفاة والدته بذلك الشكل وصدمته التي عانى منها، وصدمة صلاح الذي أنهار باكيًا على نعش والدته يترجاهم أن يحتضنها لمرة واحدة، أن يسكن أحضانها للمرة الاخيرة، ربما هو كان محظوظًا أن ذهب قبله لقريتهم ونال منها دلالًا وقبلها واحتضنها، لكنه بالطبع لم يكن محظوظًا ليشهد مقتلها على يد مخنث قذر ...
تنهد صالح يردد في نفسه ببسمة راضية، فهو تخطى كل ذلك منذ سنوات بعد رحلة علاج طويلة خاضها مع الجميع وخاصة صلاح ومحمود الذين تشبثوا به، حتى عاد لهم كما كان واسوء
"رحمك الله يا امي ورحم جميع من سبقوكِ، و ربط على صدور محبيهم، والهمهم الصبر على مصابهم "
سمع صوت محمود يأتيه من الاسفل وكأن لا أشخاص معهم في المنزل:
" واد يا صالح الحق لقيت محشي ورق عنب عندنا، جابها منين الراجل ده، ابويا بيجيب نسوان تعمله ورق عنب في البيت "
ضحك صالح وهو ينهض من مقعده يتحرك صوب الاسفل، في الوقت الذي ارتفع به رنين هاتفه، عاد مجددًا صوب الطاولة المجاورة للفراش واجاب بتعجب لتلك المكالمة وفي ذلك الوقت :
" صلاح ؟؟؟؟"
_____________________
نعم اللعبة تتسع حتى طالت الجميع ومن يدري من سيكون القادم لتبتلعه تلك اللعبة؟؟!
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحمة نبيل
تقولُ العامة: بُكْرَة ، ويُقصَدُ بها الغَدُ.
وفي اللُّغة، البُكْرَةُ أولُ النَّهارِ إلى طُلوعِ الشمس. جاء في القرآن: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} اﻷحزاب، 42.
#فصيح_العامة
#لغة_الضاد_التعليمية
صلوا على النبي
___________________________
رفع الهاتف متعجبًا اتصال صلاح في ذلك الوقت المتأخر، فاخوه من ذلك النوع الذي ينام مبكرًا ليستقظ مبكرًا، واستيقاظه في هذه اللحظة لا يعني سوى وجود كارثة محتملة، وجميع أفكاره تركزت على ذلك الرجل الذي ينام في غرفته غارقًا في غيبوبة دفعه إليها محمود قسرًا .
" صلاح ؟؟"
وصل له صوت صلاح هادئًا مبددًا جزء صغير من مخاوفه :
" الو يا صالح، صحيتك ؟؟"
نظر صالح حوله بسخرية شديد :
" لا أبدًا أنا لسه منمتش اساسا "
تنهد صلاح تنهيدة وصلت واضحة لأخيه :
" مالك يا صالح ؟؟ أنا مش عارف انام وانا حاسس أنك مش على بعضك من وقت كنت في الشقة وانا حاسك مش تمام، ودلوقتي حاسس اني مضايق، أنت كويس ؟؟"
شعر صالح بغصة تستحكم حلقه، رافضًا أن يثير خوف أخيه عليه، و أن يقلقه في مثل هذا الوقت خاصة وهو بعيد عنه، لكن جميع محاولاته بالتماسك تتلاشى أمام صلاح تحديدًا، نصفه الآخر والذي يشعر به حتى لو لم يظهر ما يضمره في نفسه.....
" صالح مالك ؟!"
خرج صوت صالح مصحوب بغصة حادة يحاول منع بكاءه من التردد على مسامع شقيقه :
" مفيش بس مخنوق شوية متقلقش "
وصل لصالح صوت زفير عالي، تبعه صوت اغلاق باب بشكل عنيف، ومن ثم تحدث صلاح بهدوء مصطنع :
" كنت عارف إن فيه حاجة، أنا قدام بيت محمود انزل "
تعجب صالح الأمر وهو يتحرك خارج الغرفة متوجهًا للاسفل، يعبر من أمام المطبخ وقد استغل عدم انتباه محمود الذي حشر نصف جسده في الثلاجة للبحث عن المزيد من الطعام :
" هنا ؟! بتعمل ايه في الوقت ده ؟!"
" أنا هنا قبل ما اكلمك، بس مرضتش اقولك ليكون ده بس هاجس مني واقلقك "
فتح صالح الباب ليرى سيارة صلاح متوفقة أمام الباب وهو ينظر له بحنان مبتسمًا :
" مع إن المفروض الحركة دي اعملها مع حبيبتي، بس مش خسارة فيك "
ابتسم صالح بسمة واسعة وهو يتحرك صوب صلاح يدس الهاتف في جيبه، ودون شعور منه ركض صوبه وعلى حين غرة القى نفسه في أحضانه بقوة كبيرة وهو ينفجر في بكاء عنيف لم يستطع إخراجه أمام محمود، لكن صلاح كان الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يظهر أمامه ذلك الطفل الصغير الذي كان يركض له حينما يناله شر، أو يصاب بوجعٍ صغير، هذا إن لم يشعر له صلاح ويركض له اولًا .
بكى صالح بقوة وهو يقول من بين كل شهقاته :
" ليه ماما ...اشمعنا ماما اللي يحصل فيها كده ؟! ياريته كان أنا، يا ريتني كنت أنا اللي مت"
مسح صلاح على رأسه أخيه وهو يقبله بحنان شديد، لقد علم يقسم أنه شعر بالأمر حينما لاحظ اسوداد ملامحه في نهاية الجلسة، منع صلاح نفسه من الانغماس في موجة بكاء كأخيه :
" استغفر الله يا صالح ده قدر ومكتوب، بعدين ماما ماتت ظلم وهي في حكم شهيدة يا حبيبي، خلاص أهدى "
تمسك به صالح بقوة وهو يزداد في البكاء وتلك الصور تتكرر أمام عيونه بشكل يقتله كل ثانية :
" لسه مش قادر، لسه حاسس روحي محبوسة في اللحظة دي، لسه شايف دمها سايح قدامي، أنا ...أنا لو مكنتش وقفت كان ممكن أنقذها "
" ده قدر ومكتوب يا صالح، وحّد الله، هي دلوقتي تلاقيها حاسة بيك وزعلانة، أنت عارف ماما مكانتش تحب تشوفك بتعيط ابدا "
ازداد بكاء صالح أكثر وهو يتذكر حنانها وضمها له أمام أعين صلاح ووالده وهي تقول باستفزاز للجميع :
" هو فيه زي صالح حبيب أميرة، الدلوع واللي ليا، على الأقل بيقعد يسليني ويساعدني مش زيكم طول الوقت ماسكين جرايد ولا قاعدين قدام التلفزيون ترغوا، أنا طلعت من الدنيا دي بصالح بس "
ارتجف جسد صالح بين احضان صلاح الذي كان يقبل رأسه وهو يقرأ بعض الأيات القرآنية عليه، يتذكر تلك الفترة القاسية التي مرت عليهم، مِن قتل والدته بشكل بشع شهده أخوه، ليدخل بعدها صالح في نوبة هيسترية جعلته يخشى حمل مشرط وصراخه أنه كلما لمس المشرط أي جسد رأى والدته مكانه، كان يبكي ويصرخ، وكاد يترك دراسة اختارها بنفسه، لولاه ولولا محمود الذي مهما وبخه أو صرخ به لن ينسى له يومًا ما فعله لأجل اخيه، عام كامل مر على صالح دون أن يعي من الدنيا شيء، عام كامل قضاه بين الاطباء والمصحات ليتعالج، صالح مر بالكثير وهو لن يسمح له بالعودة لتلك النقطة مجددًا ..
ابعد صلاح رأس أخيه عن كتفه ينظر له في عيونه يقول بقوة :
" أنتِ قوي يا صالح، أنت اقوى من اي حد، اقوى مني انا كمان، وانا واثق أنك هتقدر تتخطى كل ده، عشان خاطر أميرة اللي كان نفسها تشوفك سعيد في حياتك وناجح"
ابتسم صالح من بين دموعه وصوت صلاح لم يتوقف عن بث القوة له :
" فاكر أنا قولتلك ايه يوم ما دفنا ماما ؟؟"
هز صالح رأسه ليكمل بصوت خافت :
" قولتلي مش هسيب حقها "
" وسيبته ؟؟"
نفى صالح رأسه يتذكر ما فعل صلاح بعد موت والدته، حيث نسي كل تعقله وحمل عصا ضخمة وركض لذلك المنزل الذي كان يأوي الشاب وحطمه بالكامل على رؤوس من به وهو يصرخ أنهم تسببوا في قتل والدته، ثم بدأ رحلة انتقامه منهم واحدًا تلو الآخر، فأخوه العزيز تسبب في سجن أربعة ممن كان لهم علاقة بالقاتل ومازال يكمل انتقامه....
" مش هسيبهم، ولا هسيب حق امي، أنا لسه منستش، أي واحد كان ليه علاقة من قريب أو بعيد بموتها، هخليه يندم، سامع، أنا مش هسيب حقها "
هز صالح رأسه ليضمه صلاح مجددًا بحب :
" اتأكد إني هكون دايمًا هنا جنبك، أي وقت يا صالح، واي لحظة تحس أنك محتاج كتف تبكي عليه مش هتلاقي غيري، اوعى تبكي على كتف غيري يا صالح "
صمت ثم أضاف وهو يمرر يده بحنان أعلى ظهره يحاول الخروج من تلك الحالة وجسد صالح ما زال يرتجف بين ذراعيه :
" خلاص بقى بتعمل كل ده عشان رانيا ماشية اروح اخطفهالك ومخليش حد يعرفلها طريق، بس متزعلش نفسك أنت "
ضحك صالح من بين دموعه يرفع رأسه وهو ينظر لصلاح :
" اعمل كل ده عشان رانيا ليه ؟؟ من حبي فيها "
ضحك صلاح بسخرية لاذعة :
" بالله عليك بلاش تعمل الحركتين دول عليا، واضح اوي عليك أن البنت طالعة من عينك، جو الاستفزاز وكل شوية تمشي وراها، هو نفس النهج اللي بتستخدمه مع أي حد تحبه، ولا ناسي كنت بتعمل ايه لميرو؟!"
ابتسم صالح بسمة حنين :
" هو فيه زي ميرو ؟!"
" أيوة، رانيا "
نظر له صالح بوجه منكمش حانق وكأنه يرفض أن تُشبه أمرأة في هذه الحياة بوالدته الحبيبة، لا امرأة تشبهها، ولا في النساء مثيل لها، لكن صلاح لم يصمت، بل شرع يكمل بخبث :
" اكيد يعني أنت مش اهبل وواخد بالك اوي أن تصرفات رانيا، عنادها استفزازها، ضعفها ساعات، كل ده نفس اللي كانت بتعمله امي، ولا ناسي هي كانت عاملة ازاي ؟!"
حسنًا لحظة صراحة مع النفس، هو لم يسبق له وتواجه مع انثى بمثل دلال واستفزاز وعناد والدته، عدا رانيا التي وكأنها سحبته لعالمها دون أن يشعر بذلك.
كان صلاح يتابع تباين التعابير على وجه اخيه، ومن غيره يعلم كيف يتصرف أخيه إن شعر بحبه لشخصٍ ما، صالح الذي كان أكثر شخص اناني حينما يحب أحدهم، فهو يحبه بكامل كيانه دون منح عقله فرصة للتفكير حول ما يفعل، فقط يتصرف ما يراه سيقربه من ذلك الشخص، وفي المقابل هو يتوقع من ذلك الشخص أن يعشقه بكل ما فيه، ويتذمر أن شعر فقط أن هناك من قد يشاركه في حب ذلك الشخص، هكذا كان مع والدته، يلتصق بها كطفل ويتذمر إن شعرها تدلل أحد أبناء جيرانه، أو تعامل أحدهم كما تعامله، هو لا يعنيه أن تكون جيدة مع الآخرين، لكن لا يحب أن تعاملهم كما تعامل صالح، يحب أن ينفرد بمعاملة خاصة .....
ابتسم صالح يردد بصوت خافت :
" يمكن، بس أنت فاهم غلط، اكيد أنا محبتش رانيا في الفترة دي، خاصة إن زي ما قولت هي مستفزة عنيدة ومفيش لحظة واحدة عدت علينا بسلام زي البشر، فأكيد من بين كل البنات مش هحب واحدة مبعرفش اتكلم معاها في هدوء لثواني "
" القط بيحب خنّاقة"
زفر صالح وقد شعر بالضيق من ذلك الحوار، هو لا يريد أن يزيد الحديث حول هذا الأمر، هي ستغادر وينتهي من كل ذلك ويعود لحياته الهادئة الهانئة المملة مجددًا ودون وجود أرق رأسه، لكن دون شعور منه يشعر بانقباض نابع من إحساسه الوشيك بالفقد، معقدة هي مشاعره، ألا يمكن أن تكون بسيطة أكثر !!
أنتبه صالح لنظرات صلاح له ليعو صوت زفراته الحانقة :
" متبصش كده، ما أنا ساكت ومش عايز اتكلم على حوارك أنت والست ام سعيد يا حنين "
وفورًا سقطت ضربة على رأس صالح من يد صلاح الذي قال بغيظ شديد وغضب مكبوت :
" متقولش ام زفت، متجمعهاش في جملة واحدة مع الإنسان ده "
رفع صالح حاجبه وارتسمت بسمة ماكرة على فمه فأصبح في تلك اللحظة أشبه بصلاح :
" قولتلي بقى، بتغير على الست ميمو؟؟ ناقص تقولي بتحبها و..."
" دي حقيقة "
كاد صالح يكمل جملته لولا تلك الكلمات التي قاطعت حديثه لتتسع عينيه بشدة وهو يستدير ببطء صوب صلاح الذي كان يضع يديه في جيوب بنطاله يستند على السيارة بكل هدوء وكأنه لايعي ما أقره منذ ثواني، أو لا يهتم .
" أنت قولت ايه ؟!"
" قولت معاك حق، أنا فعلا كده "
فغر صالح فمه اكثر واكثر :
" أنت بتتكلم كده عادي ؟؟ بكل بساطة !! أنت واعي بتقول ايه ؟!"
نظر له صلاح بطرف عيونه :
" ايه اول مرة تشوف واحد بيحب ؟؟ "
شهق صالح بقوة يمسك صلاح من كتفيه :
" بتـ ايه ؟؟ بتحب ؟؟ ميمو ؟؟"
ابتسم صلاح بسمة واسعة :
" ولو أنا محبتش ميمو، هحب مين يعني ؟؟"
" صلاح أنت بتهزر؟؟ أنت عارفها من امتى اساسا ؟؟"
هز صلاح كتفيه دون اهتمام :
" مش هتفرق من امتى لاني حبيتها من اول مرة شوفتها اساسا، يا اخي البنت فيها مغناطيس، في الاول فكرت الموضوع مجرد اعجاب عادي عشان هي حلوة، لكن مع الوقت وكل مرة كنت بقابلها وأكلمها، اعرف إن مستحيل ده يكون مجرد اعجاب، أنا فعلا بحب ميمو، بحبها اوي كمان، والموضوع مجرد وقت لغاية ما تكون مراتي، ومش هتكون غير كده "
هكذا ببساطة ؟؟ يعترف ويقر أنه سيتزوجها؟؟ هذا الرجل لا يمتلك شيء يُسمى تردد أو تأني أو حتى تفكير ؟؟ هو احبها إذن سيتزوجها ؟؟
ابتلع صالح ريقه وتساءل بخشية من ردة فعله :
" طب ...وهي ؟؟"
" هي ايه ؟؟ قصدك هي هتوافق ولا لا ؟؟ "
هز صالح رأسه يدرك جيدًا نظرات ميمو له، هي كذلك معجبة بأخيه هذا إن لم تكن تحبه ..
" هي ..يعني أنت فاهم حياتها وأنها كانت متجوزة و..."
" لا "
لفظ واحد أطلقه صلاح قاطع به كلمات صالح الذي توقف دون فهم ما ترنو إليه تلك الـ " لا " والتي خرجت كرصاصة من فم أخيه .
" الموضوع ده إياك تذكره من قريب أو بعيد يا صالح، ميمو بالنسبة ليا ميمو وبس، لا متجوزة ولا أرملة ولا غيره، كل ده لا يعيني بقدر ما يعيني ميمو نفسها "
تعجب صالح ردة فعله، لكنه لم يشأ أن يزيده وغيّر الحوار، ثم قال بهدوء دون أن يعلم هل يفعل ذلك لأجل إلهاء أخاه، ام لأجل تذكرة نفسه:
" رانيا ماشية بكرة "
" عارف، وعشان كده كنت زعلان في آخر اليوم "
عاند صالح :
" أنا مش زعلان عشان هي ماشية "
" عندك حق أنت هتموت من الزعل، خليك كده لغاية ما ترجع بلدها وتتجوز وتجبلها عيلين، بعدين تستوعب حضرتك أنك كان لازم توقفها ومتسبهاش تمشي "
نظر له صالح بشرود ليبتسم صلاح وهو يحدق بالسماء:
" الحياة مش هتستناك تفكر عشان تاخد الفرص بتاعتها، يا اما تخطف فرصتك، يا اما تقعد تبكي على اطلالها، فاهمني يا صالح ؟!"
حدق به صالح وهو يردد كلماته في عقله وصدره يعلو ويهبط في رتم هادئ...
وعلى بُعد صغير منهم كان يجلس محمود أعلى درجات المنزل الداخلية، يحمل طبق كبير من ورق العنب ويتناوله بتلذذ يتحدث لنفسه :
" والله بيقول حكم الراجل اللي شبه صالح ده، يا اما اخطف فرصتي يا امي ابكي على أبطالها"
صمت ثواني يحاول فهم ما قال منذ ثواني :
" مين أبطالها دول اللي ابكي عليهم ؟؟ ولا هي مكانتش أبطالها؟ ما علينا، المهم اننا عرفنا أن المفروض نخطف الفرصة "
ابتسم وقد التمعت اعينه بما يتمنى فعله بكل ما تحمله الكلمة من معنى :
" نخطف الفرصة، يعني نخطف جوجو، سهلة والله "
______________________
نعم كل ذلك هو ضريبة طاعته العمياء لاوامر ميمو، يا الله لو أنه رفض القدوم لتلك الرحلة المقيتة، لكان الان متمدد في الفراش الخاص به ينعم بنومة هنيئة، بدلًا أن يصبح هو الفراش لتلك الصغيرة التي سقطت في النوم دون شعور بمن حولها .
نظر مختار بطرف عينه لوجه نيرمينا التي كانت تغط في نومها أعلى كتفه، ويديها تضم مرفقه كما لو كان وسادة لها .
والاسوء من كل هذا هو صوت الموسيقى التي لم تتوقف منذ صعدوا الحافلة، ألا ينام هؤلاء القوم ؟!
نفذ صبر مختار من كل ذلك، يبعد رأس ميمو عنه ببطء، ثم نهض يبحث عن صاحب الهاتف الذي تم توصيله بنظام الصوت في السيارة وهو من يتحكم في الاغاني .
في ذاك الوقت كان البعض يغني ويحرك يديه في الهواء بسعادة، والبهجة منتشرة في المكان، لولا أن لمح مختار هاتف موضوع أعلى أحد رفوف الحافلة، امسكه ونظر به ليجد أنه هو المتحكم بالصوت ليضغط على زر الايقاف بكل بساطة ..
" ايه ده فيه ايه ؟؟"
" مين اللي قفل الاغاني يا جماعة ؟؟"
" فيه ايه ليه بقى النكد ده ؟؟"
كانت تلك هي الجمل هي المترامية حول مختار دون أن يهتم هو بأي واحدة منهم، ومن ثم نظر للمعلم المسؤول عن تلك الرحلة وأشار له صوب الجميع النائم بإشارة أن يحترموا أنفسهم ويحترموا النائمين وإلا أجبرهم هو على ذلك ...
بالطبع لم يفهم رامي التهديد الواضح في أعين مختار، لكنه فهم رامي ما يقصد في العموم :
" خلاص يا شباب كفاية اوي كده وريحوا باقي الطريق عشان تكونوا فايقين لما نوصل "
بدأت اصوات التذمر تعلوا في المكان، لكن مختار عاد مكان حيث نيرمينا التي كانت تحرك رأسها على المقعد بعدم راحة.
خلع هو سترته يلقيها عليها، ثم جلس مجددًا يجذب رأسها لكتفه واعاد هو رأسه للخلف يسقط في نوم عميق ورأسه تعرض صور قديمة له وبعض الأصوات التي جاءت له من مستنقع الماضي؛ مستنقع انتشلته ميمو منه ...
" واد يا مختار، تعالى شوف الست هانم عايزة ايه ؟!"
رفع مختار رأسه عن الآلة التي يعمل عليها وتحرك بآلية صوب تلك السيدة التي ابتسمت له بسمة لم ترقه، لكنه لم يعلق عليها، ولن يفعل فهو " مختار الأخرس" كما يدعوه الجميع هنا .
" ايه يا مختار مش قولتلك تعدي عليا تصلع ليا باب المطبخ ؟!"
مسح مختار ذلك الصبي الذي لم يخطو بعد ابواب الشباب، ومازال يقف في محطة مراهقته بعدما بلغ بالكاد الخامسة عشر من عمره ...
ابتسمت السيدة تعلم أنه لن يتحدث :
" أنا قولت للمعلم بتاعك يبعتك تصلح ليا الباب لاحسن اتكسر ومبقتش عارفة اقفله ابدا"
وبملامح جامدة تحرك مختار وأحضر حقيبة العُدة، ثم سبق تلك السيدة صوب منزلها والذي يقع في نفس البناية التي يسكنها ..
وبمجرد أن توقف أمام الباب جاءت هي لتلتصق به وتفتح الباب :
" ادخل ...ادخل مالك منكمش على نفسك كده ؟!"
لم يتحرك مختار خطوة لتفهم هي ما يريده فتسبقه للداخل، وقد تجنب هو أن تدس بجسدها معه في هذا الباب الضيق مثلما فعلت سابقًا، فهو يعلم أن تلك المرأة تلهث خلفه منذ سنوات، تحديدًا منذ بدأ جسده يظهر عليه علامات النضوج وتكبر قامته وتشتد عضلاته بسبب عمله الشاق، ليصبح مراهقًا في جسد شابٍ ..
دخل مختار خلف المرأة يدعو داخله أن يكون زوج تلك الغراب ممد أعلى الأريكة كذكر الاوز بثيابه الداخلية البيضاء يستشنق دخان الأرجيلة كما المعتاد منه .
لكن خاب ظنه وهو يسمع صوت السيدة تقول :
" تعالى متقلقش مفيش حد هنا "
هل من المفترض ألا يقلق الآن ؟؟ لا والله بل إن قلقه قد ازداد وهو يرى نظرات تلك الغراب التي تحلق فوق رأسه، تنفس بصوت مرتفع يزيد من اقتضاب ملامحه علّها تخشاه وتتجنبه في ذلك الوقت .
دخل الممر ونظر لباب المطبخ الذي كان مرتكن للجدار وبدأ يمسكه ليضعه في المكان الخاص به، يميل بنصف جسده العلوي ليحضر أدواته لكن فجأة شعر بيد السيدة تتلمس مرفقه بشكل مثير وهي تنظر له نظرة ليست بالريئة اطلاقًا، ثم أعطته ما يريد لينتزعه هو من بين أصابعها باشمئزاز وغضب وود لو يهبط به فوق رأسها، لكنه سجن شياطينه في عقله وأكمل ما جاء لاجله ...
في الوقت التي دخلت هي للمطبخ ويتنفس الصعداء ويكمل عمله، وحينما كاد ينتهى شعر بيدها تلمس يد وهي تقول بنبرة ظنتها مغوية، لكنه خرجت مقززة :
" عملتلك كوباية شاي "
لم يهتم مختار بها وهو يبعد يدها عنه واكمل عمله دون أن يعطيها نظرة واحدة، وبمجرد أن انتهى ونهض امسك حقيبته وتحرك للفرار من المكان، لكن فجأة وجد من يضمه من الخلف كما لو كان خفاشًا التصق به، ودون أن يفكر في ردة فعل كان يستدير بقوة صافعًا المرأة بخشونة مسقطًا إياها ارضًا بقوة جعلتها تطلق صرخة مرتفعة.
لم يهتم هو بها وتحرك خارج المكان بأكمله وملامحه ما تزال جامدة، فهو رأى من النساء في حياته ما يجعله يبدو كصخرة امامهن، كل من قابلته تنظر له بشكل يثير في نفسه اشمئزازًا لدرجة ودّ لو يبصق في وجوههن .
افاق مختار من شروده على صوت تمتمات جوار أذنه ليرى أن نيرمينا كان تتحدث أثناء نومها وهي تردد كلمات غير مفهومة، سوى من كلمة " بابا "
ولأنه يعلم جيدًا ما فعله جاد بالجميع، أدرك أن حلمها لم يكن بالسعيد أبدًا، لذلك ربت أعلى كتفها بحنان حتى هدأت تمتماتها وانفك انقباض ملامحها ..
وهو ابتسم لها بحنان، حسنًا هناك نساء قد يستثنيهم من اشمئزازه، وعلى رأس تلك القائمة تقبع ميمو وتلك الصغيرة البريئة نيمو ..
_____________________
عادت واخيرًا لساحتها، وها هي تقضي امتع لحظات حياتها فوق الخيل ..
أسرعت ميمو داخل مضمار الخيل في النادي الذي تتمرن به، وكل ثانية تزيد من سرعتها وعلى فمها بسمة واسعة وكأنها في الجنة في تلك اللحظة.
لم تخف منذ آخر مرة ولم تبتأس، لم تفرغ غضبها في هواية تمثل لها الحياة، بل إنها جاءت وقبلت ذلك الخيل الذي أسقطها واطمئنت عليه، ثم صعدت أعلى ظهره وها هي تحلق الآن في المكان تجذب أنظار جميع من يجلس في المطعم المجاور للمدمار ...
الجميع وخاصة الأطفال ينظرون لتلك الفارسة بانبهار، فهي في هذه اللحظة تمثل لهم احدى اميرات الأفلام التي يدمنون مشاهدتها.
وميمو بثيابها الخاصة بالخيل، ثياب سوداء وذلك الوشاح الذي تلفه أعلى وجهه وشعرها كان أشبه بتلك الاميرات بشكل كبير .
عيونها تبتسم وهي تزيد من سرعة ركض الخيل، قبل أن تبصر خيل اخر يجاورها وجسد يعتليه ويحاول أن يجاريها فيما تفعل، نظرت ميمو جوارها تتعجب من جرأة ذلك الذي يحاول تحديها في ساحته..
ومن غيره قد يفعل ويمتلك مثل تلك الجرأة .
ابتسمت ميمو وهي ترى وجه الفارس المجاور لها الذي استدار لها وغمز غمزة مشاكسة، ثم سبقها في المضمار لتبتسم ميمو واسعة، تنغز الفرس في معدته برفق وتطلق صرخة لتزيد من سرعتها أكثر..
وامامها كان صلاح لا ينظر خلفه أو جواره، فقط يركز على الطريق أمامه يسمع صوت حوافر الفرس خلفه حتى أبصر بطرف عينه ميمو تجاوره وهي تقول بصوت مرتفع :
" مش عيب تنزل تنافسني في ساحتي يا لذوذ ؟؟"
ابتسم لها صلاح بسمة واسعة وهو ينظر لها نظرة غامضة :
" مش عشان غيبت عن الساحة بمزاجي، تبقى ساحتك يا لذوذة"
وبمجرد انتهاء كلماته انطلق بعيدًا عنه ليثير في نفسها رجفة اعجاب جعلتها تزيد من ركض الخيل لتلحق به، وفي عيونها يلتمع تصميم مخيف لتجاور صلاح، ومن بعدها تخطته بسرعة مخيفة لدرجة بدأت ترى المكان حولها يسابقها ويركض معها وأصوات التهليل تعلو أكثر وأكثر وكأن الأمر انقلب لسباق وقبل أن تُعلن فوزها تخطاها صلاح في خطوات قليلة وجسده يعلو ويهبط فوق الخيل بشكل جعلها تبتسم باتساع اكبر تهتف بمزاح :
" يا جامد "
واستمر السباق بينهما نصف ساعة تقريبًا ما بين فوز لها وآخر له لينتهي الأمر بفوز ميمو التي هبطت من فوق الخيل بكل رشاقة ولحق بها صلاح الذي تراجع في آخر جولة يمنحها فوزًا وهميًا .
فما يضيره أن يخسر سباق كهذا ويفوز بنظرة سعيدة وبسمة مشرقة منها ؟؟
ابتسم يراقب عمال الاسطبل يسحبون الخيل، وميمو تكشف وجهها له :
" مقولتش يعني أنك اتعلمت خيل "
رتب صلاح خصلات شعره، يقترب منها وهو يقول بهدوء شديد :
" أنا بعرف اركب خيل من ايام ما كنت عيل صغير، وقت ما كنت ١٠ سنين، بدأت اركب خيل مع صالح في الأراضي ونتسابق "
ادعت ميمو الصدمة تتراجع للخلف خطوات :
" وأنا اللي قولت، أنك هتقولي اتعلمته مخصوص عشان خاطرك يا ميمو ؟؟ وعشان اشاركك حاجة بتحبيها ؟؟ "
ابتسم صلاح بسمة واسعة زادته وسامة، ثم همس لها :
" أنا اتعلمته عشان خاطرك يا ميمو وعشان اشاركك حاجة بتحبيها "
أطلقت ميمو ضحكة عالية وهي تتحرك معه صوب اماكن تبديل الثياب التي تنقسم لغرف متعددة منفصلة عن بعضها البعض، الرجال في طرف والنساء في الآخر .
" خلاص بقى خيبت املي "
" مستعد انسى اني اتعلمت خيل واتعلم من الاول، لو ضمنت أنك أنتِ اللي هتعلميني "
توقفت ميمو في سيرها واستدارت له لتجده قد توقف عن المشي على بُعد خطوات منه، لتتساءل مدعية البراءة :
" واثق أنك هتستحملني وقتها ؟!"
رفع كتفيه في حركة بسيطة غير مرئية تقريبًا :
" جربيني وهتعرفي أن مفيش حد ممكن يستحملك قدي "
ابتسمت وهي تدرك كل المعاني الخفية خلف حديثه :
" امممم هفكر "
" مفيش مشكلة، وانا هعيد طلبي كل شوية يمكن يشجعك على التفكير "
لوحت ميمو بيديها في الهواء وهي تتحرك صوب غرفة تبديل الثياب، بينما هو أعاد خصلات شعرة للخلف يردد بجدية :
" ميمو "
توقفت ميمو تستمع لسؤاله الذي تردد كثيرًا في طرحه :
" هو أنتِ اسمك ايه ؟؟"
استدارت نصف استدارة وحدقت بعينه ثواني وعلت نظرة غامضة عيونها :
" ميمو "
" لا، مش عايز الاسم اللي كله بيناديكِ بيه، عايز اسمك أنتِ، اسمك في البطاقة يا ميمو "
صمتت ميمو ثواني وهي تنظر للأرض قبل أن تحرك حدقتيها واستقرت بهما على خاصتيه :
" بلاش، مش حابة اصحي صاحبة الاسم من غفوتها لما تسمعني بنطقه، خليها نايمة احسنلها، مش هتستحمل العالم ده "
اقترب منها صلاح يسير الهوينة صوبها وكل خطوة تشعر ميمو بصداها في قلبها حتى توقف صلاح أمامها يطيل النظر داخل عيونها :
" أنا مستعد احميها من العالم ده .."
ابتسمت بسمة حزينة تحاول ألا تعود لتلك النقطة من حياتها :
" وانا مش مستعدة أنها تظهر في العالم ده، على الأقل دلوقتي "
تلك المرأة وكأنها عُجنت بالغموض، كل حركة فيها تنطق بغموض مثير، غموض كان يجذبه سابقًا ويثير لديه الفضول، بينما الآن فضوله يحرقه، يود لو يخترق كل تلك الأسوار التي تحيط نفسها بها وينتزع تلك التي تعمل على إخفائها، ويتولى هو حراستها ..
" وانا هكون مستنيها تظهر "
" هتمل"
غمز لها صلاح بمشاكسة :
" يبقى مجربتنيش، ولا جربتي طولة بالي، أنا أكثر شخص ممكن يصبر على شيء، خاصة لو كانت حياته متوقفة على الشيء ده "
اطالت النظر بعيونه قبل أن تتحرك بعيدًا عنه وهي تسير بظهرها :
" تمام يا لذوذ، خلينا نشوف صبرك هيوصلك لفين "
أنهت حديثها تستدير وتزيد من سرعة خطواتها صوب غرفة تبديل الثياب لتلملم شتات نفسها، وهي تتنفس بصوت مرتفع بينما هو يرمقها بغموض :
" هيوصلني ليكِ يا ...ميمو "
________________________
كان يتجهز للذهاب إلى العمل فاليوم سيتم أخذ شهادة تسبيح؛ لذلك قرر الذهاب للعمل مبكرًا حتى ينتهي ويتفرغ للذهاب معها ..
أخرج هاتفه وفي نيته التحدث مع صلاح للقدوم والبقاء جوار ذلك الرجل في غرفة صالح، لكن قاطع نيته تلك رنين قوي صدر من هاتفه يعلن اتصالًا من والده .
ابتسم رائد يجيب أثناء ارتداء الحذاء الخاص به :
" صباح الخير يا والدي، اخبارك واخبار امي ايه ؟!"
اجابه والده بنبرة حنونة :
" الحمدلله يابني كلنا بخير وأمك بتوصلك سلامها وبتقولك مش آن الأوان ترجع بقى "
أنهى رائد ربط حذائه ينهض ليحمل سلاحه ومفاتيحه الخاصة، يتساءل عن مقصد والده من تلك الكلمات :
" أوان ايه ؟! هو امي غضبت تاني وعايزني اروح ارجعها معاك ؟؟"
" يابني امك ايه اللي غضبت، بقولك هي اللي بتقولك ترجع، ما تركز معايا شوية "
خرج رائد من غرفته يطل برأسه على ذلك الرجل قبل أن يغلق عليه غرفة صالح جيدًا، حتى لا يفر منهم ويحطم صلاح المنزل فوق رؤوسهم ..
" مركز اهو يا حاج، بس اصلي مش فاهم أوان ايه ؟؟ يعني ارجع اعمل ايه وشغلي هنا لسه حتى ما اخدتش الترقية "
وصلت لرائد ضحكات والده العالية ويبدو أن مزاجه صافي منذ الصباح، وهذا إن دل على شيء يدل على أن والدته أعدت له الفطير الذي يعشقه ووضعت له بعض العسل ليصبح بمثل هذا المزاج .
" ما أنا عايزك عشان الترقية برضو يابني، بس دي ترقية في حاجة تانية "
" ترقية ايه يا حاج ؟؟ هو أنت مسكت رئاسة الوزراء ولا ايه ؟!"
نفخ سليمان بملل ظنًا أن ولده يراوغه في أمر مفروغ منه ومعروف :
" أنت فاهم كويس قصدي يا رائد، منال خلاص اتخرجت من كام يوم والبلد كلها كانت هايصة وأبوها وزع لحمة على حسها "
" ربنا يباركلهم، بس انا موصلش ليا لحمة "
انتفض رائد بعدما كان يجلس براحة على الأريكة بسبب صراخ والده :
" لحمة ايه يا بني أنت ما تركز معايا شوية، بقولك منال اتخرجت "
" يا أبا ما أنا مركز، أنت اللي عمال تلف وتدور على ايه مش عارف ؟؟ اتخرجت منال الف مبروك، اعمل ايه عايزني يعني اوصي عليها في الجامعة عشان تتعين ولا ايه "
وكان الرد من والده سخرية لاذعة وحنق من ادعاءه الجهل، فهو يدري وولده جيدًا ما يدور حوله الحديث، لكن من حديث رائد فهو يحاول الإفلات :
" يا خويا بس وصي على نفسك الاول، أنت فاهم كويس اوي أنا قصدي ايه يا رائد، البنت خلاص اتعلمت واتخرجت ومبقاش ليك حجة، يعني تيجي عشان نكتب كتابكم "
اسود وجه رائد وهو يتحرك صوب الباب وقبل أن يخرج قال بصوت منخفض جاد :
" اكتب كتابي على مين يا حاج؟! على واحدة مشوفتهاش من وقت ما كانت عيلة صغيرة ؟؟"
" رائد، مش عايز كتر كلام، أنا وأنت واهل البلد كلهم عارفين إن منال من صغرها ليك، وانا استنيت تخلص دراسة عشان نكتب كتابكم، فمتجيش تصغرني دلوقتي قدام الكل "
زفر رائد وهو يفتح الباب ويخرج مغلقًا إياه بقوة رجت جدران المنزل، ثم أخذ نفس مرتفع وصل لوالده في الطرف الآخر من الهاتف :
" حاج الله يكرمك المواضيع اللي زي دي مش هزار، والحوارات اللي بتتكلم فيها دي بطلت من زمان حتى منال نفسها راحت الجامعة وعاشت حياتها وتلاقيها نسيت كل ده "
" لو هي نسيت يا رائد فـ أهل البلد مش هينسوا يا ابني "
ولأول مرة يتحدث رائد بهذه الحدة مع والده :
" خلاص خلي أهل البلد هما اللي يتجوزوا "
وما وصل له من والده سوى صوت ثلاث رنات يعلنون انتهاء المكالمة ليزفر رائد بقوة وهو يمسح وجهه ومن غضبه ضرب الجدار بقدمه مطلقًا صرخة عالية يستشعر بأن احدهم هبط فوق رأسه بدلو بارد.
من اين خرج له والده بتلك الكارثة؟؟ من منال تلك التي يريده الزواج منها؟؟ شعر رائد بجسده يرتجف غضبًا وهو يعلم أن اصرار والده لن يتوقف عند حدود تلك المكالمة، بل سيمتد حتى إن وصل الأمر ليأتي هنا ويجره من ثيابه للقرية حتى يتزوج فتاة لا يعلم منها سوى اسمها.
في ذلك الوقت فتحت تسبيح الباب بسرعة فور ما سمعت صوته، وهي تود التأكيد عليه ألا ينسى معاد اليوم الخاص بها، لكن رؤيته بهذا الشكل أثارت بها خوف لتقترب ببطء تناديه بخفوت :
" رائد .."
استدار لها رائد كالرصاصة لا يرى من بين موجات الغضب التي تغطي عيونه :
" نعم عايزة ايه من سي زفت ؟؟"
بُهت وجه تسبيح خلف غطاءه، تتراجع الخطوات التي سبق وتقدمتها، تقول بتردد شديد وقد صدمها برده عليها :
" أنا بس كنت عايزة افكرك بالمعاد انهاردة في ..."
قاطعها رائد وهو يشعر بالنيران تشتعل داخله وقد تكون تلك المسكينة هي ضحية انفجاره، لذلك قرر الانسحاب باسرع وقت :
" مش ناسي حاجة، اول ما توصلي النيابة كلميني، عن اذنك"
ومن فوره انسحب من أمامها تاركًا تسبيح تواجه ما كانت تخشاه، قد سأم منها رائد ومل طلباتها، شعرت بقلبها ينبض بسرعة وهي تتراجع للشقة بحزن شديد وقد قررت ألا تنتظر منه شيئًا ولن تطالبه بشيء بعد اليوم، سوف تعتمد على نفسها منذ الآن وصاعدًا، وأول خطوة لتحقيق ذلك هو أن تعيد له كل دَينه ...
عادت تسبيح للمنزل وهي تتجرع مرارة الموقف الذي وضعت نفسها بها، تشعر بنفسها كالعلقة التصقت برائد وكأنها لم تصدق أن هناك من يهتم به، ثم شرعت تمتص منه كل ما يعطيه لها كيتيمة مثيرة للشفقة، لحظة أوليست كذلك بالفعل ؟؟
ابتسمت بسخرية ترفع غطاء وجهها، قبل أن تستفيق على صوت رانيا التي خرجت مع هاجر وهي تتحرك صوبها تضمها بقوة :
" شكرا يا تسبيح على استضافتك لينا امبارح، بجد مش عارفة اشكرك ازاي "
شعرت تسبيح برغبة عارمة في البكاء، لكنها لم تفعل وهي تبادل رانيا العناق :
" متقوليش كده تنوروا في أي وقت، كدة كده انا ضيفة هنا زيي زيكم "
ابتسمت لها رانيا ولم تستشف مقدار المرارة في حديثها عكس هاجر التي كانت تتابعها بتعجب، قبل أن تنتبه لرانيا التي قالت بحزن :
" يلا يا هاجر ؟؟"
ابتسمت هاجر تربت على كتفها :
" مالك يابنتي زعلانة كده كأنك هتتنفي؟؟ دول هما ساعتين زمن وتكوني هنا وقت ما تحبي، ايه هتروحي مش هترجعي القاهرة تاني ؟؟ "
ابتسمت لها رانيا بسمة صغيرة، ثم شردت في جملة اخذت تتردد في أذنها
" هترجعي صدقيني، اللي جرب القاهرة مش بيقدر يبعد عنها، خاصة بقى لو قابلني "
رددت رانيا بصوت منخفض وهي تسير خلف هاجر لتحضر حقيبتها من المنزل :
" مين عارف، يمكن هرجع، بس امتى معرفش "
__________________________
يمسك المدونة بين أصابعه والقلم موضوع خلف أذنه، كما لو كان يعمل نجارًا في إحدى الورش وليس طبيبًا في مشفى، بل وطبيب شرعي ذو مكانة مهمة .
لم يهتم صالح بشيء حوله وهو يسير صوب الغرفة التي سيقوم فيها بالعمل على إحدى الجثث مع رفيقه الوحيد في مثل هذه المهمات، وكالعادة وصل للباب الزجاجي الذي يفصل ممر المشفى عن ممر المشرحة، فتح صالح الباب وهو ما يزال ينظر في الورق أمامه، لكن فجأة سمع صوت نسائي جواره يتحدث برقة وامتنان :
" شكرًا يا دكتور والله، كل مرة باجي قدام الباب ده وانا شايلة الملفات مش بلاقي حد يفتحلي الباب غيرك، مش عارفة بجد الناس اللي بيسوءوا سمعتك دول ليه بيقولوا عليك كده ؟! أنت بجد شخص محترم "
نظر صالح ليده التي تمسك الباب تفتحه _ لأجله _ هو حتى لم ينتبه أنها قادمة حتى، بينما الفتاة رمقته ببسمة واسعة تتحرك بالملفات بعيدًا :
" أنت فعلا جنتل مان اوي "
تشنج وجه صالح بعدم فهم وقد اصطدمت تلك الكلمة للمرة الأولى بمسامعه، خاصة وهي تصفه هو تحديدًا :
" جنتل مان ؟! انا جنتل مان ؟؟"
ابتسم بعدم تصديق يسير في الممر ومازال ذلك الموقف يلوح أمامه، قبل أن يمتص شفتيه وهو يقول :
" أيوة فعلا أنا جنتل مان، بس مين يقدر "
ضرب صالح الباب بقدمه في قوة كبيرة تسببت في انتفاضة جسد محمود الذي كان يجاور الجثة ويتحدث معها كعادته ليعلم صالح أنه عاد لنباتاته، هل ذلك الرجل لا يتذكر أنه حقير يستنشق مواد كتلك إلا وقت العمل ؟؟
وضع محمود يده أعلى صدر الجثة أمامه يربت عليه بهدوء :
" متقلقش يا عادل ده صاحبي، بس هو طور ميعرفش أن الابواب ممكن نفتحها بالأيد عادي "
ارتفع حاجب صالح في تزامن ساخر مع ارتفاع طرف شفتيه، يرى رفيقه يشكوه لجثة ...
تحرك صوب الخزانة الخاصة بالقفازات وكل ادوات التعقيم :
" شايفك يعني رجعت للزفت بتاعك، وانا اللي قولت ربنا تاب عليك من وقت ما لقيت البسكوتة بتاعتك ؟!"
استنشق محمود نفس صغير من لفافته يبرر لنفسه :
" ده عادل هو اللي عزم عليا بالسيجارة دي ومرضتش اكسر بخاطره، اصله ..."
صمت ثم نظر لعادل ووضع يديه أعلى أذنيه كي لا يجرح مشاعره كجثة مغدور بها، وقال هامسًا :
" بعيد عنك اخواته قتلوه عشان الفلوس، وانا مرضتش ازعله لما عزم عليا بيها، يا عيني لسه واخد على خاطره منهم وكان بيشتكيلي من شوية، مش مصدق أن اخواته يعملوا فيه كده عشان شوية فلوس "
أطلق صالح صوتًا ساخرًا من حنجرته، وهو يتحرك صوبه يمسك مشرطه :
" لا ملهمش حق، ده حتى المرحوم باين عليه كان طيب وابن حلال "
استنشق محمود اخر انفاس سيجارته، ثم تحرك صوب سلة المهملات واطفئها ملقيًا إياها بها ...
" الدنيا مبقاش فيها خير، تخيل أخواته كلهم ماشيين مشي بطّال وهو كان شغال ظابط شريف ورفض يمد أيده على قرش من فلوسهم، وحتى الورث خاف ياخد منه، لكن بسبب أن ابنه تعب راح أخد منه، لكن للاسف ..."
قال صالح بتفكه :
" ابنه مات ؟؟"
" ايه ده أنت تعرف عادل ؟؟"
" لا اعرف المسلسل يا خفيف، اللي قولته ده كله مسلسل اساسا "
تعجب محمود ينظر صوب عادل الشاحب أمامه يحاول تصديق ما قيل له :
" مسلسل ؟؟ مسلسل ايه ؟؟"
" العار "
" أنا؟؟ "
نفى صالح بسخرية لاذعة :
" لا يا حبيبي، ده المسلسل اسمه العار "
حدق محمود في عادل بلوم وكأنه يستنكر أن يخدعه ويقص عليه احداث مسلسلات قديمة معروفة، نفخ بضيق شديد وهو يشرع يعمل مع صالح :
" تقريبا عادل المسلسلات واكلة عقله "
أصدرت حنجرة صالح صوتًا ساخرًا :
" عادل برضو؟؟ "
" قصدك ايه ؟؟"
" لا مقصديش، كان الله في عونه يا اخي اكيد واحد مقتول بأربع طعنات مش هيكون مركز، تلاقي الموضوع لف عليه ولا حاجة"
وافقه محمود بصمت وبدأ الاثنان يعملان بجد دون تلكؤ أو تكاسل، ورغم باله المشغول منذ الصباح لسبب لا يعلمه أو هو يعلمه وينكر، كان صالح يعمل بانهماك وكأنه يود أن يشغل باله عما يؤرقه بلا سبب ...
لكن وكأن اسباب ارقه تمثلت أمامه لحظة وصل لمسامعه صوت محمود يتحدث بهدوء :
" هتيجي معايا بعد الشغل نوصل رانيا ؟!"
ادعى صالح الانشغال :
" نوصلها فين ؟! هنروح معاها اسكندرية ؟؟"
" لا، هنوصلها رمسيس وهي هتسافر من هناك"
رفض صالح ببساطة ودون حتى تفكير أو إعطاء عقله الفرصة ليسرح بخياله حول الأمر .
هز محمود كتفيه بلا اهتمام وقد كان هذا المتوقع من صالح :
" عامة هي هتمشي على الساعة ٣، لو حابب تيجي، وانا هروح اوصلها وارجع مع البسكوتة بتاعتي الفرنة"
رفع صالح عيونه لمحمود وقال بجدية وبسمة هادئة :
" أنا لغاية دلوقتي لسه مش مستوعب أنك فعلا بتحب هاجر وأنت واعي لنفسك "
رفع له محمود رأسه :
" ليه يعني ؟؟ "
" يعني انت في عالم وهاجر في عالم تاني "
وكانت الإجابة من محمود في غاية البساطة إذ قال بتلقائية وكأن ذلك أمرًا طبيعيًا :
" خلاص اروح العالم بتاعها "
ابتسم صالح ولم يعقب على حديث رفيقه سوى بجملة واحدة :
" ربنا يسعدك يا محمود تستحق كل الخير يا صاحبي "
ابتسم له محمود وعاد ليعمل على الجثة مع صالح وهو يردد بجدية كبيرة :
" حاول متضيعهاش من ايدك "
نظر له صالح بانتباه ليدعي محمود أنه لم يقل شيئًا ويكمل عمله باهتمام شديد، وصالح طار عقله في عالم آخر حيث افكار متلاطمة تدور حول تلك التي كانت في طريقا لمغادرة القاهرة، وتنفس هواء آخر غير الذي يتنفسه هو ...
_____________________
يسير في المكان والشياطين تتراقص وتقيم الحفلات أمام ناظريه يشعر كما لو كان هناك بركان داخل رأسه وها هي حممه قد بدأت تتهاطل عليه ليرى المكان أمامه باللون الاحمر، حديث والده يتكرر في رأسه مرارًا وتكرارًا، ولولا معرفته أن كلمة والده كالسيف لكان تجاهل الأمر وادعى عدم الاهتمام ......
دخل رائد مكتبه يبدأ في عمله دون أن يرى أمامه، العالم يتحرك وهو فقط يحاول معرفة سبيل للخروج من ذلك المأزق..
ومن بين كل ذلك سمع صوت رفيقه وهو يتحدث بجدية :
" سمعت اللي حصل امبارح ؟!"
" لا، حصل ايه ؟؟"
ابتسم الشاب يردد بحسرة وقهر :
" محسن يا سيدي أخد مكافأة عشان المهمة اللي ماسكها نجحت، تقولش حظه بومب يا جدع "
سخر رائد في نفسه دون الاهتمام لنظرات صديقه الفضولية :
" لا وأنت الصادق دي الوسايط هي اللي بومب "
" بتقول ايه؟؟"
اعتدل رائد في جلسته ينظر لرفيقه ثم قال بهدوء :
"ويا ترى بقى الجريمة المرة دي ايه بالضبط ؟؟ حرامي شباشب ولا حرامي غسيل ؟؟ اصل محسن بيجي في الهايفة ويتصدر "
نفى صديقه وهو ينظر في بعض الأوراق أمامه بجدية شديدة :
" لا ده بيقولوا مسك عصابة عاملة قلق في حارة كده، عاملين رباطية وبلطجة على الأهالي وسكاكين وحوارات كتير والأهالي قرفوا منهم وبلغوا عنهم "
شعر رائد بمقدار الحظ السيء الذي يصاحبه فلو كان هو من تولى تلك المهمة، يقسم أن الأهالي هم من كانوا سيأتون لضمان المجرمين ومساعدتهم للخروج، بل وربما يقذفونه بالحجارة إن ذهب لاعتقالهم، فهو في هذه الحياة مهما اجتهد ومهما بذل من تعب لأجل أي شيء خسره في آخر ثانية..
استغفر ربه يمسح وجهه بحنق، لكن فجأة رفع عيونه بسرعة حين سمع فاروق يردد :
" القضية دي خلاص اتحولت للنيابة و..."
" أنت قولت ايه ؟؟"
تحدث فاروق بجهل لملامح التحفز التي علت وجه رائد:
" بقولك القضية دي خلصت واتحولت للنيابة و...."
ومجددًا عند نفس الكلمة قاطعه انتفاضة جسد رائد وهو يقول بفزع :
" النيابة ...تسبيح "
حدق به فاروق يراه يجمع اشياءه بسرعة كبيرة واللهفة تظهر واضحة عليه ليردف ببلاهة :
" تسبيح ايه ؟؟ الوِرد بتاعك يعني ؟؟ عايز سبحة ؟؟ معايا واحدة "
لكن رائد لم يجبه وهو يخرج من المكان بسرعة كبيرة، ينظر في ساعة يده، معاد تسبيح كان منذ نصف ساعة، هل اتصلت به ولم يستمع للهاتف من شدة غضبه ؟! لكن لا اتصال او أي شيء .
توقف فجأة بفزع وهو يشعر بالدنيا تدور من حوله وفكرة واحدة قد قفزت لعقله :
" معقولة يكون حصل ليها حاجة ؟؟"
في تلك اللحظة اتصل سريعًا بصلاح يدعو أن يكون عاد للمنزل، يا ويلته قلبه يطرق بقوة حتى كاد يحطم صدره ويقفز منه ويسبقه لها ...
في تلك اللحظة وجد محسن يقف في الممر يردد بتشفي وتفاخر:
" اهلا يا ...رائد باشا، شوفت اللي حـ"
وقبل حتى أن يكمل جملته دفعه رائد دون اهتمام وهو يركض خارج المركز بأكمله، هبط درجات المركز وعيونه معلقة بالسيارة والهاتف أعلى أذنه :
" الو يا صلاح أنت روحت البيت ؟؟ تسبيح عندك؟؟"
وقبل أن يسمع رد من صلاح سمع نداء باسمه واحدهم يقترب منه وهو يقول :
" رائد لحظة ..."
توقف رائد يتعجب ذلك الصوت الأنثوي الذي توقف أمامه وصاحبته تبتسم له بسمة واسعة تهتف بخجل وصوت ناعم رقيق :
" كويس اني لحقتك "
في تلك اللحظة وصل له صوت صلاح يقول بجدية :
" لا أنا لسه برة، ليه حصل حاجة ؟؟ آنسة تسبيح حصلها حاجة يا رائد ؟؟"
ولم يكد رائد يستوعب كلماته حتى سمع كلمات الفتاة أمامه وهي تقول بلهفة وعيون تلتمع بنظرات غريبة غامضة بالنسبة له :
" أنت مش عارفني ؟؟ أنا ...أنا منال فاكرني ؟؟؟"
____________________
تضمها بقوة وكأنها ستراها للمرة الاخيرة، تحاول منع دموعها التي تتحين أي فرصة للسقوط دون إرادة منها، تشعر أنها بمفارقة المكان ستفارق جزء من روحها .
قبلت رانيا هاجر وهي تزيد ضمها تهتف بصوت مختنق من الدموع :
" هتوحشيني اوي يا جوجو، هتوحشيني اوي "
ابتسمت هاجر تكبت دموعها بصعوبة وهي البكاءة، الآن عليها أن تكون متماسكة لأجل رانيا، ومحمود جوارهما يستند على سيارته يراقبهما ..
ابتعدت رانيا أخيرًا عن هاجر، ثم نظرت حولها تبحث بعيونها عمن ينكره قلبها، العيون تبحث والقلب يخفي شوقه، ابتلعت ريقها وهي تنظر لمحمود :
" ارجوك خلي بالك من خالتو "
" في قلبي "
كادت تلك الجملة تفلت من أسر شفتيه لتحلق في المكان حولهما، لولا أنه منعها بقوة وتنحنح :
" اكيد متقلقيش، خلي بالك أنتِ بس من نفسك واول ما توصلي اتصلي بيها طمنيها "
منحته رانيا بسمة صغيرة :
" متقلقش مش اول مرة اسافر لوحدي "
" وانا اقلق ليه، هو أنتِ بنت اخويا ؟! أنا بس مش عايز النواعم تفضل مكشرة طول النهار بسببك"
التوى ثغر رانيا بحنق شديد تميل لتحمل حقيبتها، ثم اعتدلت في وقفتها وقالت :
" لو كنت قولت أنك قلقان عليا مكانش حصل حاجة على فكرة "
ابتسم لها محمود بسمة مستفزة لترميه بنظرة مشتعلة تفتح فمها للصراخ في وجهه بكل ما تكبته من غضب تجاهه هو وصديقه الاحمق الغبي الذي حتى لم يكلف نفسه ليودعها، ماذا رانيا ؟؟ لِم قد يودعك ؟؟ هل هو أحد أفراد عائلتك ؟!
أفاقت رانيا من شرودها على صوت محمود الذي وصل لها متعجبًا :
" مش قولت أنك مش جاي ؟!"
رفعت رانيا عينها بلهفة تبحث عمن يوجه له محمود الكلام لتبصره بهيئته المعتادة ينظر لها نظرات لم تفهمها، ثم ابعد نظره وتحدث لمحمود :
" جيت عشان أنت بس اصريت عليا مش اكتر "
أشار محمود لنفسه بتهكم ولسان حاله يصرخ بـ ( كاذب ) لكنه لم يتحدث واكتفى بإعطاء صالح نظرة مستهجنة ساخرة .
لكن الأخير لم يهتم له وهو يتحرك صوب رانيا التي كانت تحاول أن تدعي انشغالها في الهاتف، لولا سماعها لصوته يتشدق بهدوء :
" خلاص ماشية ؟؟"
" أيوة اهو هريحك "
ابتسم صالح بسمة صغيرة يتأمل ملامحها ليسمع صوت صلاح في أذنه والذي كان يخبره أنها كوالدته، ليست نفس الملامح بالطبع، لكن الروح واحدة، يشعر بعودة والدته لجسد رانيا .
تنحنح ليخرج من تلك الغيمة التي احاطته وهو سطيرفع حقيبة في الهواء يقول بجدية :
" حبيت اودعك واجبلك هدية صغيرة كده، يمكن تفتكريني بالخير وتدعيلي، بدل ما تلعني فيا "
أمسكت منه رانيا الحقيبة وهي متسعة العين وبفم مفتوح بشكل مثير للضحك، أمسكتها بعدم تصديق :
" دي ...دي ليا أنا ؟؟ أنت جايبلي هدية وداع ؟؟"
وضع صالح يديه في جيب بنطاله يفرد قامته، ثم ابتسم يشير بعينه لها أن تفتح الهدية :
" يعني حبيت لما تفتكريني ميكونش خناق بس، قولت ابقى احسن منك "
لم تهتم رانيا لكلماته وهي تتحسس الحقيبة بتعجب لتلك السخونة الصادرة منها وتلك الرائحة المعروفة، لم تشا أن تتعجل الحكم، فقالت وهي مبتسمة بسمة واسعة تمسك الحقيبة بيديها تفتحها بلهفة شديدة قبل أن تبدأ البسمة في التلاشي شيئًا فشيء :
" كشري ؟؟ جايبلي هدية وداع علبة كشري ؟؟ ليه بتودع اجنبي مسافر برة مصر ؟؟ أحنا عندنا كشري برضو، وايه ده كمان ؟! رغيف حواوشي ؟!"
ابتسم صالح بسمة واسعة وهو ما يزال يضع كفيه أي جيب بنطاله :
" رغيفين، اكيد يعني أنا مش معفن عشان اجبلك رغيف واحد، لاحظي اني صارف ومكلف، دول بقى يا ستي كشري من عند احسن محل هنا، وحواوشي من اشهر عربية حواوشي في القاهرة مش هتشوفي زيهم عندك في اسكندرية بالكشري ابو عدس اصفر بتاعكم والعيش باللحمة اللي عندكم"
تشنج وجه رانيا وهي ترفع رأسها كالرصاصة له :
" فوق ما انت معفن جاي تناقشني في اكلنا ؟؟ أنت اساسا دوقته عشان تحكم؟! أنت تطول اساسا ؟؟"
لم يهتم لها صالح وهو ما يزال يصف لها مميزات الهدية الخاصة به :
" ده كمان عشان تفطري في الطريق، وتفتكري القاهرة، صدقيني مش هتلاقي الحاجتين دول بالذات في اسكندرية، اكل وسط البلد يختلف برضو "
" اسكندرية محافظة في مصر على فكرة، ده لو متعرفش"
رفع صالح حاجبه بذهول شديد :
" ايه ده بجد والله ؟؟ من امتى ده ؟!"
" اه والله شوفت، من شهرين كده أخدنا حتة تمليك على البحر فوق في الطراوة "
ابتسم صالح وهو يحدق في ملامحها المغتاظة، نعم هذا ما يحب أن يراه حين وداعها، نظرات غاضبة وملامح مُستَفزة :
" ألف مبروك هتعملوا الافتتاح امتى ؟؟"
ضغطت رانيا على قبضتها بغضب شديد، ثم صرخت في وجهه :
" والله لولا أن الاكل ده نعمة لكن لبستك علبة الكشري ورغيف الحواوشي في وشك "
" رغيفين "
" يا اخي احرجتني بكرمك والله "
" متتعوديش بقى على كده "
تنفست رانيا بصوت مرتفع حاولت أن تتمالك نفسها أمام هذا الرجل المستفزة، ثم قالت بهدوء :
" أنت جاي مخصوص عشان تحرق دمي صح ؟!"
" لا والله جاي عشان اودعك"
خرجت جملته بتلقائية وبراءة شديدة منه، قبل أن يمد يده بحقيبة أخرى يعطيها لها لتقول بسخرية لاذعة :
" متقولش دي كوباية عصير قصب ولا طاجن بامية باللحمة ؟؟ "
ضحك صالح بصوت مرتفع جذب انتباه محمود وهاجر اللذين ابتعدا عنهما ظنًا أنهما سيتصافيان ...
توقف صالح عن الضحك يقول بهدوء شديد غريب عليه :
" لا ده فطار ليكِ بجد، سندوتشات وعصاير وشوية شوكولاتة، متاكليش كشري أو حواوشي على الصبح عشان ممكن تتعبي وتروحي مننا فطيس، ويقوموا رافعين بصماتي من الكيس ويلبسوني بلوتك "
كانت رانيا مبتسمة في أول الجملة حتى بدأت ملامحها تنكمش مجددًا بغيظ في نهايتها، تتمنى لو تنتزع الحقيبة من يده وتهبط بها فوق رأسه بغضب، لكنها فقط انتزعتها منه بعصبية غير مبررة :
" شكرا والله من غيرك كنت هموت من الجوع "
" يلا اياكش وأنتِ راجعة تاني تفتكريني بعلبة هريسة أو بسبوسة من اسكندرية، اهو أي حاجة من وشك "
كان صدر رانيا يرتفع ويهبط بقوة شديدة من شدة غضبها، تعض شفتيها بقوة :
" ليه في القاهرة مش بتعملوا بسبوسة ؟؟"
انقشع وجه صالح عن بسمة جميلة لأول مرة تراها أعلى وجهه، بعيدًا عن بسماته المستفزة والساخرة والغاضبة، هذه كانت رقيقة هادئة، وكان الرد صادمًا أكثر من بسمته حيث اطال النظر لها، ثم تحدث بنبرة غير مفهومة :
" لا عندنا بسبوسة في القاهرة عادي، بس انا بحب بسبوسة اسكندرية اكتر، ملقتش في حلاوتها هنا "
ولا تدري ما علاقتها بحديثها ليقفز قلبها ويتراقص داخل صدرها، ما بكِ رانيا وكأنكِ صانعة البسبوسة لتحمري خجلًا كالغبية أمام عينيه، مدت أناملها الصغيرة تعدل من وضعية حجابها، ثم أغمضت عيونها وكادت تجيبه لولا سماعها لصوت يناديها من خلفها جعلها تستدير بقوة ...
فتحت رانيا عيونها بقوة تترك الحقائب ارضًا وهي تركض صوب صاحب الصوت الذي تلقفها بين أحضانه بحب شديد :
" وحشتيني يا قلبي، البيت كان مضلم من غيرك "
ضمت رانيا نفسها لأخيها ولكم كانت تحتاج لمن تختفي بين أحضانه في تلك اللحظة عن أعين ذلك المتربص في الخلف ..
" عبدالجواد، وحشتني اوي، برضو جيت وتعبت نفسك ؟! قولتلك هركب عربية "
ضمها عبدالجواد اكثر واكثر له وهي القصيرة صغيرة الجسد مقارنة بجسد أخيها الذي نُحت بسب عمله الشاق في المواقع :
" وانا عندي اغلى منك اتعب عشانه، بعدين مش هطمن وأنتِ راجعة لوحدك "
هزت رانيا رأسها تهبط ارضًا، ثم نظرت خلفها للحقائب وكأنها نست لثواني أن صالح يقف هناك، لكنها شعرت كما لو كانت هناك سهام من النيران تُوجه لها، رفعت عيونها لصالح، ويا ليتها لم تفعل، كان يحدق بيد عبدالجواد الذي يضمها لصدره بحب ويصافح هاجر ...
ابتلعت ريقها ونظرات صالح تخترقها كأنه يوجه لها تهمة ما، ماذا ظن هذا الرجل ؟؟
ولم تكد تتحدث بكلمة وهي تراه يضغط على قبضته بقوة ومحمود يسحبه بعيدًا حسب أوامر هاجر التي أكدت عليه ألا يراهم عبدالجواد حتى لا تحدث كارثة، لكن صالح لم ينزع عيونه عن رانيا وهو يراها تستكين بين أحضان ذلك الشاب، لتشتعل النيران في صدره بقوة يستطعم مرارة لأول مرة يختبرها .
ومحمود خلفه يتحدث بكلمات لم تخترق موجة الغضب التي احاط بها صالح نفسه :
" هاجر بتقول أن ده اخوها ..."
لكن صالح يسمع ولا يفقه، يرى ولا يدرك، فقط يراقب دون شعور، وقد ساهمت الضوضاء في ذلك الميدان المكتظ بإثارة غضبه وتشتيت انتباهه أكثر.
ضحك عبدالجواد وهو يجذب هاجر له بحب :
" والله يا خالتو أنتِ اللي وحشتينا اوي، ما تيجي اسبوعين كده وخليكِ جدعة"
ربتت هاجر على مرفق عبدالجواد بحب :
" مرة تانية يا عبده أنت عارف الفترة دي المخبز الشغل فيه كتير، اول ما تيجي الإجازة هتلاقيني نطيت ليكم "
ابتسم لها عبدالجواد بحب، ثم مال عليها يضمها بحنان شديد :
" ماشي يا حبيبتي خدي بالك من نفسك وكلميني كل شوية "
" تمام يا عبده، أنتم اول ما توصلوا طمنوني عليكم، وسلمولي على كل اللي هناك "
اماء لها عبدالجواد ثم جذب رانيا صوب السيارة، لكن رانيا كانت فقط تحدق في صالح ولا تنزع عيونها عنه، وصالح كذلك الأمر، وكأنه سيراها للمرة الأخيرة في حياته، أوليس الأمر كذلك ؟؟
تحرك عبدالجواد صوب الحقائب التي تركتها شقيقته حين رؤيته، وحملها دون أن يهتم للسيارة التي تقف على بعد صغير منهم، فهذا الميدان معروف بالازدحام الشديد طوال الوقت ..
عاد ووضع الحقائب في السيارة، ثم جذب رانيا له بحب يودعان هاجر وصعد لسيارته وهو يقول ببسمة :
" أخيرًا رجعتي ومروة هترجع تيجي عندنا البيت تاني "
لكن رانيا كانت عيونها موجهة للنافذة جوارها على صالح الذي جذبه محمود ليصعد السيارة وهو فقط يراقبها تضم حقائب الهدايا التي أحضرها لأجلها، ومرارة الفراق تترك اثرًا كالعلقم في حلقها لتتألم وتستند على النافذة بحزن، لا تدري أهي حزينة لمفارقة هاجر، أم حزينة لوداع كل من تعرفت عليهم خلال تلك الرحلة الصغيرة، أم أن قلبها يخفي في نفسه شيئًا آخر ؟؟؟ مجرد اسابيع قضتها هنا فتركت في نفسها شعورًا بالوحشة حين المغادرة، وكلها أمل أن تنقشع تلك الاحاسيس بمجرد عودتها لحياتها العادية، حيث لا شجار ولا ركض ولا مغامرات، حيث لا صالح....
صعد صالح للسيارة جوار محمود دون كلمة واحدة أو تعليق على أي شيء حوله، كان فقط صامتًا دون أي إشارة أنه معهم في السيارة، وهاجر كانت تتحدث لمحمود سعيدة أنها اطمئنت على هاجر بوجود عبدالجواد معها ...
كان محمود ينظر لهاجر بحنان :
" شكل عبدالجواد ده بيحبكم اوي "
ابتسمت له هاجر وهي تقول بجدية :
" اوي، هو عموما حنين على الكل، وخاصة رانيا، الدنيا كلها في كفة ورانيا عنده في كفة تانية "
منحها محمد بسمة وهو ينظر بطرف عينه لصالح الذي كان صامت بشكل غريب ومن ثم أضاف :
" هتروحي الفرنة صح ؟؟"
لم تعلق هاجر على كلمته تلك فقد اعتادتها منه :
" أيوة باذن الله هفتحه عشان اتأخرت على المعاد اليومي"
" تحبي اساعدك ؟؟"
نظرت له هاجر بتعجب وهي تميل بجسدها قليلًا لتكون قريبة منه :
" تساعدني ازاي ؟؟"
" أنتِ حابة اساعدك ازاي "
ضحكت هاجر ضحكة لطيفة بريئة :
" يعني صدقني أي شكل مساعدة أنا بفكر فيه عمره ما هيناسبك "
" ده ليه ؟؟"
تحدثت هاجر وهي تحرك كفيها في الهواء ومحمود فقط يمنحها كامل انتباهه، ولا يعي بشيء في الكون سوى أنها هنا معه وقريبة معه :
" يعني أنت دكتور ماشاء الله، ممكن تعمل ايه في المخبز ؟؟ مينفعش طبعا تساعدني "
اعتدل محمود في جلسته خلف المقود معترضًا على رغبتها في إبعاده عنها، سحقًا هل ستتسبب وظيفته الآن في اقصاءه عن بسكوتته الرقيقة ؟!
" وايه يعني دكتور ؟؟ أنا ممكن اساعدك عادي "
ضحكت هاجر برفض تام :
" لا طبعًا اكيد مش هتقف تعمل مخبوزات أو تقدم الطلبات للزباين، أنت دكتور يا محمود، ليك مركزك برضو "
تبًا لمركزه، هذا آخر همه في تلك اللحظة .
" وايه يعني دكتور، أنا ممكن اساعدك عادي "
نظرت له هاجر باستنكار وقبل أن تقول كلمة قاطعها بجدية :
" اول ما نروح وريني اعمل القرص ازاي وسيبي الباقي عليا، اتفقنا ؟! "
نظرت له هاجر ثواني قبل أن تبتسم تتشدق بعدم تصديق :
" اتفقنا يا محمود "
وما اجمل اسمه إن كان من فمها مصحوبًا بنبرتها الرقيقة تلك، أيا ليته سجله حين نطقه منها، لجعله نغمة الرنين، والمنبه وكل شيء ولنام على نغمات صوتها قرير الأعين .
_____________________
يرتشف قهوته الحارة وهو يراقب بأعين متربصة كل حركة تصدر منها، وأعلى فمه ترتسم بسمة عابثة، وضع الكوب أعلى الطاولة، ثم مال بنصف جسده قليلًا يقول بصوت هادئ :
" لا لسه مفاقش، بس صالح بيقول الاحتمال الأكبر يفوق انهاردة "
" تمام اول ما يفوق نقدر نضغط بيه على سعيد شوية، يمكن يتلم بدل اللي هيعمله"
" وهو هيعمل ايه ؟؟"
تنهدت ميمو وهي تفرك جبهتها بتعب :
" الفترة دي داخل صفقة كبيرة اوي وشكله ناوي على حركة اكبر من كل مرة "
رفع صلاح حاجبه، ثم قال بجدية :
" هو سعيد ده مش بيتهد ؟؟ دايس في أي حاجة حرام؟؟ "
ارتشف من كوبه، ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف :
" دلوقتي محتاجين نفكر كويس عشان الخطوة الجاية لو كانت عشوائية، هترجع علينا بشكل عكسي وهنخليه يعمل حسابه ويتوقع بعد كده ايه ضربة "
ابتسمت له ميمو وهي تنظر خلف ظهره :
" وعشان كده محتاجين مساعدة اكبر شوية من كل مرة "
وقبل أن يستفسر صلاح عن أي شيء مما تقصد وجد أحدهم يسحب مقعد مجاور لميمو وكأنها كانت تنتظر إشارتها..
ورغم تعجب صلاح إلا أنه ابتسم بهدوء لتلك السيدة الجميلة الرقيقة التي تألقت بفستان سماوي اللون تناسب مع بشرتها البيضاء الصافية .
أشارت ميمو صوب الفتاة وهي تقول بجدية وبسمة خبيثة :
" قبل كده سألتوني على نقطة ضعف سعيد ."
صمتت تتجاهل تغضن ملامح الفتاة بحنق وكأنها ترفض تلك الصفة والتسمية بكل كيانها، لكن ميمو لم تهتم بكل ذلك وهي تعرّف عنها :
" الدكتور زهرة حمدان، دكتورة سعيد النفسية"
وما كاد أحدهم يجيب بكلمة واحدة حتى ابصروا من يجذب المقعد الاخير على الطاولة وهو يجلس بهيبة يضيف ببسمة عابثة يضع قدمًا أعلى الاخرى :
" والمدام...."
___________________________
إذن ؟؟
لا شيء، نحن فقط نستعد للجولة التالية، حيث ستكون اللعبة " على المكشوف " .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة عزيزي القارئ الجميل، شايف علامة النجمة في آخر الصفحة ؟! ضغطة صغنونة لن تكلفك الكثير لكنها ستساهم في تعديل مزاج الكاتب المسكين وتساعده على كتابة احداث لطيفة جميلة تسعدكم، أيوة زي احداث انهاردة كده...
ولا تنسوا رأيكم على الفقرات أو الفصل باكمله ..
الفصل نزل بدري لأن رحرح الاسبوع ده مشغولة في زفاف ورغم كده كتبت الفصل، لا مش بذلك عزيزي القارئ أنا بس بوضح حالتي لا اكثر ولا اقل ..
________________
والآن قراءة ممتعة وكل ما سبق كان مجرد مزاح لا اكثر .
أن تعلق برأيك أو لا هو شيء يعود لك، أنت لست مجبرًا على ذلك، فقط استمتع ❤️
لا تَقُل: غَفِيرُ البِناء (بمعنى الحارس).
قُل: خَفِيرُ البِناء.
الخَفِيرُ: الحارِسُ والحامي، والعامةُ تقولُ: غَفِير، وهذا خطأ شائع، لأنّ الغَفِيرَ هو الكثيرُ من كل شيء.
صلوا على نبي الرحمة ...
___________________
تلك الكلمة التي اخترقت الجمع لتجذب لها جميع الحواس، بينما صاحب الكلمة كان يتكأ بظهره على المقعد يضم ذراعيه لصدره بكل برود وعلى فمه ترتسم بسمة ناعسة وكأنه يجلس جلسة ودية مع رِفاق قدام له ....
تحولت جميع الانظار من فورها صوب سعيد الذي وضع قدم على قدم وهو يرميهم ببسمة مخيفة وزهرة تنظر له بشر، بينما صلاح واخيرًا أُتيحت له فرصة رؤيته وجهًا لوجه، وميمو تناظره ببرود شديد وهي تضم ذراعيها لصدرها تستمع صوته الذي صدر منه هامسًا :
" اؤمروا يا حبايبي، اساعدكم ازاي ؟؟"
ابتسمت له ميمو وهي تميل بنصف جسدها على الطاولة تردد بمزاح ساخر :
" الأمر لله وحده يا غالي، احنا بس كنا عاملين قعدة على الضيق كده بنشوف هنخلص منك ازاي "
نفخ سعيد وهو يكور شفتيه في حركة تدل على صدمته، ثم مال بجسده كـ ميمو يقول بجدية كبيرة :
" اوووه، شكلي كده قطعت شيء مهم، معلش مكنتش اعرف، بس مش مشكلة أنا موجود يعني لو عايزين تاخدوا رأيي في حاجة، احب اموت امتى او اموت ازاي، اموت وانا لابس ايه وهكذا، بعدين مش عيب عليكِ تبقي مرات ابويا وتصاحبي الناس الوحشة اللي بتزعلني ؟!"
كان يتحدث بسخرية وهو يرمق صلاح بطرف عينيه، وصلاح فقط ابتسم له بمكر شديد، وقد أدرك أن اللعب في المرحلة القادمة سيكون مكشوفًا للجميع أو كما يقال " على عينك يا تاجر"
اعتدل في جلسته يرمق زهرة التي كان وجهها قد أحمر لا يدري أغضبًا كان أم صدمة مما حدث؟! لوح سعيد بيديه في وجهها ساخرًا مخفيًا جحيمه أسفل نبرته :
" وأنتِ دايسة مع أي حد عايز يخلص مني كده ؟؟ ايه مفيش ذرة اخلاص واحدة يا مدام ؟؟"
ضربت زهرة الطاولة بقوة وهي تصرخ في وجهه :
" احترم نفسك يا سعيد ؟! ايه مدام دي ؟؟ مفيش اي علاقة بينا "
" حرقتك مدام اوي ؟؟ ما أنتِ جاية تقعدي مع مرات ابويا وصاحبها عشان يخلصوا مني يا دكتورة "
وكان الرد من زهرة نظرة مخيفة وكأنها تُذكّره بحديثهم السابق حينما طلبت منه عدم الظهور امامها، وها هو يخالف كلمته، فهي تعلم جيدًا أنه وصل هنا بسبب مراقبته لها .
ابتسم سعيد ببرود شديد وقال وهو يراقب ملامح الجميع التي لم يظهر على ايًا منهما أي صدمة، وكأن وجوههم نُحتت من صخر، عدا طبيبته الحبيبة التي كان غضبها واضحًا للاعمى...
" يعني لو عايزين حد يفيدكم عشان تخلصوا مني مش هتلاقوا حد احسن مني ولا ايه ؟؟ أنا ممكن اساعدكم واقولكم نقاط ضعفي، عندكم مثلا أنا مش بحب الاسباجتي ولا باكل اللحوم بسبب حساسية عندي، وكمان بكوباية عصير فريش تخطفوا قلبي، واكبر نقطة ضعف بقى هي الغدر "
أنهى حديثه الساخر وهو ينظر لزهرة التي كانت تحدق به في هدوء شديد، تبتسم بسمة جانبية :
" امال، وقولهم أنك كمان ضعيف قدام الاطفال متخبيش سعيد الإنسان "
لم يجبها سعيد على هو تجاهلها ببساطة شديدة،
فقط نظر لصلاح الذي كان يرمقه ببسمة :
" واخيرًا اتقابلنا يا ...استاذ صلاح "
وضع صلاح قدم أعلى الاخرى يردد بهدوء شديد :
" اتشرفت بمقابلتك والله، شكلك على الحقيقة غير الصور خالص "
ابتسم له سعيد بسخرية لاذعة، ثم حدق في ميمو التي كانت تخفي صدمتها من ظهوره وتحدث :
" قولولي بقى كنتم عايزين المدام ..."
قاطعه زمجرة من زهرة التي تجلس جوارها ليُعدل من كلمته وهو يرمقها بنظرة جانبية :
" الدكتورة...حلو الدكتورة؟؟ كنتم عايزين تعرفوا ايه من الدكتورة زهرة ؟؟ اسألوني أنا، هي اساسا متعرفش حاجة "
ختم جملته وهو ينظر بلوم لزهرة التي أبعدت عيونها عنه، وهو فقط كان يشعر بنيران تحرقه، لولا أنه قرر الذهاب لرؤيتها بعد شوقٍ اضناه، ليجدها تتحرك بالسيارة فتحرك خلفها، وجاء ليُصدم بجلوسها مع ميمو وصلاح، وبالطبع هم لم يجتمعوا لأجل إقامة حفلة عيد ميلاد مفاجأة له .
وصل له صوت صلاح الذي أخرجه من شروده ذاك :
" لا متقلقش، احنا لو عايزين حاجة بنوصل ليها، مش عايزين نتعبك معانا "
استند سعيد بظهره على المقعد وهو يتناسى جميع من على الطاولة عدا ذلك القذر الذي تسبب في أرق لياليه الطويلة، ودنس اسمه بمساعدة زوجة والده العزيزه بالطبع .
" لا متقولش كده يا جدع، تعبك راحة، ده أنت حتى من طرف الغالية مرات ابويا "
نظر لميمو وقال بنظرة ملتهبة :
" ولا ايه يا حياتي ؟؟"
لم تجبه ميمو سوى بنظرات غامضة وبسمات متهكمة، لكن صلاح تدخل وهو يشير له :
" صدقني يا سعيد باشا اللي احنا عايزينه مش هيكون لطيف بالنسبة ليك "
" ما ده طبيعي، مش جاي منك أنت وميمو هانم، والدكتورة العزيزة بتاعتي ؟؟ اكيد مش خير "
تحدثت ميمو أخيرًا بغموض :
" الخير عمره ما يجتمع مع اسمك يا سعيد، ولا ناسي أنت عايش ازاي ؟؟"
اشتد ضغط سعيد على قبضته وقد بدأت اجراس الانذار يرتفع رنينها ف رأسه تنبهه بوجود زهرة التي تتابع كل شيء باهتمام، زهرة التي لا تعلم عن عمله وحياته شيئًا، زهرة التي إن سمعت ما ستقوله ميمو الآن قد تقتل نفسها ولا تقترب منه، ومن فوره نطق بكل ما اعتمره من غضب ليمنعها من قول كلمة واحدة أمام زهرة
" اشششش، أنتِ آخر شخص يتكلم عن الخير يا ميمو، واحدة زيك بدل ما كانت تقعد في بيتها تحاول تلملم كرامتها اللي جاد داس عليها بالجذمة، طالعة تمشي مع رجالة وبتدور على انتقام وهمي من الشخص الغلط، فوقي يا ميمو جاد اللي وصلك للنسخة الشيطانية دي مات خلاص، فكك من اللي عايشة فيه ده لانه مش هيرجع اللي حصلك"
صمت يرى نظرات ميمو تشتعل بجنون وهي ترمقه بتحذير أن يسترسل في الحديث، و النظرة التي علت عيونه منذ ثواني خوفًا أن يُفضح أمام زهرة، هي نفسها ما يراه في عيون ميمو الآن، مهلًا هل هي وذلك الصحفي ......
صمت وقد حقق نقطة إضافية ينظر لصلاح الذي لم يكن يقل غضبًا عن ميمو، بل كانت ملامحه مشتعلة أكثر ليلقي بالقنبلة :
" هو حبيب القلب ميعرفش الحاج عمل فيكِ ايه ؟! متقوليش أنه ميعرفش إن جاد كــ "
وقبل أن يتم كلمته شعر بشيء عنيف يصطدم في رأسه وشظايا زجاج تتطاير حوله، ولم يكد سعيد يستوعب شيء حتى وجد صلاح يلقي بقايا الكوب الزجاجي ارضًا وهو ينهض دافعًا إياه للأرض وهبط فوقه يكاد يقتله بين يديه .
وسعيد الذي استعاد بسرعة نفسه، قلب الوضع وأخذ يضرب هو صلاح واشتعل الشجار بينهم، سعيد النازف يضرب صلاح بجنون، وصلاح لا يرى أمامه سوى اللون الاحمر كثور يلوح أمامه أحدهم براية حمراء .
ولأن القوى كانت متكافئة تقريبًا، لم يسقط أحدهم ارضًا ليتوقف الآخر، بل استمر القتال بينهم، صلاح امسك المقعد وهبط به فوق سعيد الذي تجنبه وهو يضربه في معدته بقدمه ...
وزهرة تقف مرتعبة وميمو فقط تشاهد ما يحدث وكأنها في عالم آخر لا تشعر بما يحدث حوله...
ولولا صرخة زهرة التي تدخلت تجذب سعيد، والأمن الذين ركضوا صوبهم، لكان الشجار احتدم ووصل للقتل.
كاد سعيد يفلت من يد الأمن ليهجم على صلاح بعدما وجه له الاخير نظرة مرعبة وألقى له بسبة نابية وقد تدمرت ملامحه، كما حدث لسعيد بسبب ذلك الشجار .
لكن يد زهرة أمسكت سعيد وهي تصرخ في وجهه :
" بس بقى، متتحركش، سعيد متتحركش "
نظر لها سعيد من بين الدماء التي غطت جميع وجهه بسبب رأسه النازفة، وقبل أن يفعل شيئًا شعر بزهرة تجذبه بقوة وشراسة مخيفة من أمام الجميع تخبره بالتحرك، وقد فعل لكن قبل ذلك ألقى بنظرة غامضة لميمو ....
بينما صلاح ابعد رجال الأمن عنه بقسوة يحمل حقيبة ميمو، ثم سحبها وخرج من المكان والشياطين تلاحقه، وتلك المسكينة كانت قد سقطت في هوة سحيقة لا تدري ما يحدث حولها، سوى أنها شعرت بنفسها في سيارة صلاح الذي قادها بسرعة كبيرة في الاتجاه المعاكس لسيارة زهرة والتي تحمل داخلها سعيد الذي استند برأسه على المقعد واغمض عينه دون كلمة واحدة ...
______________________________
كان منفصلًا عن الكون من حوله، يحمل آله حادة بين أصابعه يسير بها على ذلك الشيء المسطح أمامه بكل دقة، لمست الآلة الشيء أمامه ليحركها هو ببطء شديد وبحرص يشعر بقطرات من العرق بدأت تنتشر على جبينه وقبل أن يتم ما كُلف به انتفض محمود يسمع صوتًا خلفه :
" محمود أنت بتعمل ايه ؟!"
نظر محمود خلفه لزهرة التي كانت تحدق فيه بعدم فهم، وهي تراه يتعامل مع قطعة الكيك أمامه بشكل غريب .
تنفس محمود بصوت مرتفع :
" كنت بقطع الكيك "
" بتقطع الكيك ؟! كده ؟!"
لم يفهم محمود مقصدها، ثم نظر للطاولة التي أعدها كما لو كان في غرفة التشريح، وكي لا يبدو غريبًا حاول تبرير ما كان يفعل :
" اصل الحاجات دي محتاجة دقة واني افتح القلب براحة عشان متنزفش...قصدي عشان الحشوة متخرجش "
ابتسمت هاجر بعدم تصديق وهي تقترب منه تقول بمزاح :
" محمود أنت بتعامل الكيكة كأنها جثة ؟! دي كيكة عادي ناقص تديها حقنة لبن عشان تتبنج قبل ما تتقطع "
فرك محمود رقبته وهو يبتسم بخجل من حالته، هو فقط أراد أن يقطع الكيك بدقة كبيرة، كي يريها أنه يستطيع أن يجاريها فيما تحب، يستطيع أن يشاركها بكل ما تريد ..
أمسكت هاجر السكين من يده تتشدق بلطف خطف قلبه ولم تنتبه للشوق الذي بدأ يهز ذلك الواقف امامه، ولا انتبهت حتى لنظراته التي بدأت تُوجه لها كما السهام في الحرب ..
" بص تقطيع الكيك عادي وسهل جدا، أنت بس بتكون واخد بالك أن جميع القطع يكونوا قد بعض، بتمسك السكينة كده وتبدأ تقطع براحة ..."
وهكذا استرسلت هاجر في شرح كل ما تريد وهو فقط يدعي انتباهًا زائفًا، يعطيها اهتمامًا وهميًا، يخفي خلفه شوقًا عارمًا، شوقٌ كافٍ لجعله ينسى كل ما يحيطه ويسحبها لعالمه الموازي وينصبها ملكة عليه، ومن بعدها يمسك يدها ويقودها لساحة القصر يضمها لصدره، ومن ثم يتمايل بها ويدور في كل مكان معها.
" تمام كده ؟؟ "
خرج محمود من سجن خيالاته على صوتها، ينظر حوله للمكان يتساءل أين هو ؟؟ للتو كان يتراقص مع بسكوتته في ساحة واسعة ذات ارضٍ رخامية ينعكس عليها ضوء القمر، يشعر أن خيالاته كانت حقيقية لدرجة أنه ما يزال يسمع تلك الموسيقى في أذنه، ام أنها بالفعل تصدح في المكان ؟!
نظر حوله ليجد مسجل صوت يرن في المكان بكلمات راقية هادئة رومانسية، ابتسم بسخرية على حالته، يا ويله دخل حالة سُكْر دون مخدر، أم أن عينيها تولت المهمة ؟؟
تلك المرأة أمامه تمنحه حالة انتشاء وسعادة يقسم أنه ما كان ليصل لها ولو استنشق من النباتات من يعيد تعمير صحراء بأكملها .
" محمود أنت معايا ؟؟ عرفت تعمل الكيكة ازاي ؟؟"
ماذا يخبرها ؟؟ أنه كان يراقصها منذ ثواني بدلًا من الإنتباه لما تفعل ؟؟
هز محمود رأسه ببسمة واسعة لتمنحه هي بسمة أخرى لطيفة وهي تتحرك صوب الصينية التي جهزتها وقالت :
" كده تمام هروح اوصل الاوردر ده للزباين تكون خلصت تمام ؟؟"
هز محمود رأسه لها بطاعة، ومن ثم انكب بكامل اهتمامه وتركيزه على قطعه الكيك أمامه وكأنها تمثل له تحديًا، امسك السكين كمسكته لمشرط الجراحة يحدق به في تحدي :
" احنا نعتبرها جثة ونقطعها بكل دقة وحرص "
وبالفعل شرع يقطع الكيك أمامه ببسمة واسعة دون السماح لها بالنزيف _ اخراج حشوتها _ ومن ثم بدأ يضعها في أطباق كثيرة، ثم استند على الرخام الموجود خلفه يحرك السكين في يده بتكبر وحينما سمع صوت هاجر تعود قال :
" تعالي يا هاجر شوفي أنا عملت ايه "
اقتربت منه هاجر بحماس لترى قطع الكيك في الطبق، فتحت عيونها بانبهار شديد وصدمة :
" أنت لحقت تعمل كيك ؟؟"
اعتدل محمود في وقفته :
" لا اعمل ايه، أنا قطعته بس هو أنا المفروض اعمل الكيك؟!"
ابتسمت له هاجر بسمة صغيرة وهي تشير صوب اطباق الحلوى :
" لا اصل لما ناديت عليا وأنت فرحان كده كنت مفكرة أنك يعني عملت إنجاز و...انسى خلاص، تسلم ايدك التقطيع شكله جميل اوي "
ابتسم محمود وقد نال لتوه اكبر ثناء قد يحوزه خلال حياته، وكأن مدير المشفى كرمه للتو وأخبره كم هو طبيب ماهر، ما سمعه من هاجر منذ ثواني دفع لصدره فخرًا كبير يرفع الصينية لها :
" بجد حلو ؟!"
تعجبت هاجر من مقدار اهتمامه بالأمر، لكنها رغم ذلك منحته بسمة رقيقة :
" جميلة اوي تسلم ايدك "
ازدادت سعادة محمود وهو يحدق بها لتخجل هاجر من نظراته وتعود للخلف بتوتر :
" هو أنا هروح اوصل الاوردر للزباين و..."
أوقفها محمود قبل الخروج من منطقة التقديم وهو يمد يده بالصينية :
" طب خدي الصينية "
فتحت هاجر عيونها بصدمة وهي تعود له تلتقط الصينية منه مبتسمة بخجل اكبر واكبر من سابقه :
" اه صحيح، معلش نسيت "
اخذت منه الصينية وركضت الخارج تواري خجلها وتصرفاتها البلهاء امامه، لكن لم تدري هاجر أن محمود في تلك اللحظة لم يكن يهتم لأي تصرف أبله أو غيره، هو فقط كان فقط يشرد بها، قبل أن يسمع صوت تكسير واصطدام جعله يركض للخارج بسرعة ليجد هاجر تجلس ارضًا تحاول تجميع قطع الحلوى التي سقطت وهي تعتذر للجميع، ركض صوبها يشير لها بالنهوض ...
لتشير هاجر للحلوى وهو تقول بتوتر وكأنها هي من تعمل عند محمود وهو مديرها الذي سارع لتوبيخها :
" الكيك وقع غصب عني و...."
جذب محمود الصينية من يدها يخبرها أن تنهض وهي ترفض قبل أن تتدارك الأمر، لكن نظرة محمود أجبرتها على ذلك
" قومي وانا هلمهم بلاش تقعدي بالشكل ده قدام الكل، ادخلي المطبخ وانا هلمهم وجاي "
تحدثت هاجر ببلاهة شديد نابعة من توترها وخجلها من ذلك الموقف وخاصة أمام محمود :
" أيوة بس أنت دكتور ومينفعش تـ "
قاطعها محمود بسخرية :
" حاضر هروح اجيب البالطو الم بيه الكيكة، هاجر الله يكرمك قومي من الأرض مينفعش كده "
نظرت له هاجر ثواني قبل أن تنظر حولها للزبائن الذي يحدقون بما يحدث، وقبل أن تفعل شيئًا وجدت محمود يجذبها من ثيابها لتقف، ثم أجبرها على الدخول لمنطقة التقديم واجلسها على مقعد بالداخل ومن ثم حمل طبق حلوى ووضعه بين أناملها وهي ما تزال تحدق به مصدومة ..
" كلي جاتوه يا هاجر لغاية ما اخلص واجيلك "
أنهى حديثه يحمل قطعة قماشية لمسح الأرضية بعد لملمة البقايا التي سقطت في الخارج وهاجر ما تزال تنظر لاثره بصدمة قبل أن تبتسم دون شعور، بسمة ناتجة عن شعور الدفء الذي تخلل لها، أهكذا يكون شعور أن يهتم بك أحدهم ؟؟ شعور يصيبها بقشعريرة لذيذة ....
_____________________________
" نعم ؟؟؟ منال ؟؟"
تعجبت منال ملامحه تلك، لكنها حاولت التغاضي عنها وهي تمنحه بسمة صغيرة مترددة :
" أنا ازعجتك ؟؟ أنا بس كنت بستخرج الإفادة من الجامعة وقولت اجي اشوفك لاني حابة اتكلم معاك قبل ما ارجع البلد"
في تلك اللحظة كان رائد بعيد كل البعد عن تعقله أو يفكر في شيء عدا تسبيح التي لا يعلم عنها شيء ولا ....صمت فجأة قبل أن يهتف فجأة :
" التليفون ..."
رمشت منال دون فهم :
" التليفون ؟؟ محتاج تليفون ؟!"
لم يهتم لها رائد وهو يرفع هاتفه أمام عيونه ليتصل بتسبيح وقد نسي للحظات أنها تمتلك هاتفًا، بينما منال تراقبه بتفحص، فهيئة رائد تلك مختلفة تمامًا عن ذلك الشاب الذي غادر بلدتهم، هذا أكثر رجولة ونضوجًا .
ابتسمت وهي تراه يرفع عيونه لها وكأنه لم يعي وجودها سوى الان، انزل الهاتف يزفر بحنق شديد :
" نعم يا منال، اتفضلي فيه حاجة ؟؟"
توترت منال من طريقته في الحديث، نظرت حولها وهي تقول بصوت منخفض :
" يعني هو مش ممكن نقعد في مكان تاني نتكلم ؟! يعني أنت عارف اللي في البلد و..."
قاطعها رائد بهدوء شديد واحترام، يعلم أنه إن جرحها الآن سيكون أفضل لها هي قبله، بدلًا من الزواج بشخص لا يميل لها وتعيش جحيمًا، عليها أن تبحث عمن يحبها :
" اسمعي يا منال بخصوص البلد والحوارات دي كلها، أنتِ اكيد اعقل من أنك تفكري أن جواز اتفقوا عليه من سنين ممكن يتم، يعني الحوارات دي بطلت من زمان اوي"
فغرت منال فمها بصدمة من حديثه وهو ينظر لها نظرة أخيرة قبل أن يضيف :
" الافضل ترفضي لأن صدقيني مفيش جوازة بتتم كده بين اتنين مش عارفين اساسا عن بعض حاجة، ده اكبر غلط بيحصل، عشان كده ارجو تكوني عاقلة وتعرفي أن الجوازة دي عمرها ما هتكون في مصلحتك ولا مصلحتي حتى "
" أنت... أنت ازاي بتكلمني كده كأني رامية نفسي عليك؟؟"
كانت منال تتحدث بكرامة مجروحة وغضب ناتج جراء رفضه لها دون حتى أن يمنحها فرصة للتحدث، دون أن يرميها بنظرة تفحص يراها إن كانت تصلح له أو لا، طعنها وبقوة في أنوثتها دون أن يهتم .
لكن رائد في تلك اللحظة كان قاب قوسين أو أدنى من الانفجار في وجه أي أحد بسبب كل تلك الضغوطات التي يتعرض لها منذ الصباح، وكانت منال المرشح الافضل لاستقبال ذلك الانفجار، لكنه لم يفعل ...
ومنال نظرت له بنظرات مشتعلة :
" أنت مفكر نفسك مين اساسا عشان تقف في وشي كده وتبجح ؟؟ ومين قالك اني كنت جاية عشان اترجاك وابوس ايدك تتجوزني ؟؟ أنا اساسا كنت جاية اقولك ياريت ترفض عشان أنا مش اللي اتجوز واحد معرفوش، ده غير اني بحب زميلي في الكلية وهو مستني الوقت المناسب عشان يجي يطلبني "
نظرت له من أعلى لاسفل تضيف بتهكم :
" أنت اساسا not my type "
أنهت حديثها، ثم رمته بنظرة مشتعلة وغادرت من أمامه ورائد ما يزال يحاول استيعاب ما نطقت به، وقبل حتى أن يفرح بما قالت سمع صوت رنين هاتفه ليسارع ويجيب :
" الو يا تسبيح، أنتِ فين ؟؟"
كانت تسبيح تقف في أحد أركان النيابة العامة وهي تضم الهاتف لاذنها بقوة وقالت بنبرة بكاء خافتة :
" رائد ... أنا..أنا مش عارفة اعمل ايه، مش عارفة اقول ايه"
تحرك رائد بسرعة صوب سيارته يلبي نداءها الذي تلقاه قلبه واضعًا إياه في قائمة الأمور العاجلة الضرورية مخبرًا عقله أن يلقي أمر الزواج جانبًا الآن..
" طب اهدي تسبيح، أنتِ فين دلوقتي ؟؟"
" أنا ..أنا روحت النيابة لوحدي ومكنتش عايزة اكلمك عشان كنت قليل الادب معايا الصبح وقولت مش هكلمك تاني، بس ...بس انا مش عارفة اعمل ايه لوحدي هنا "
ولم يدري رائد أنه أطلق ضحكة عالية قبل أن يسمع سؤالها تتذمر :
" بتضحك على ايه ؟! "
" على إني قليل الادب "
" أنا مقصدش كده انا اقصد أنك كنت واحد مش محترم وأنت بتتكلم معايا "
ابتسم رائد بسخرية :
" مفرقتش والله يا تسبيح، الاتنين واحد، كده اتهزقت وكده اتهزقت "
خجلت تسبيح من ذاتها وهي تصف شخصًا وقف جوارها ولبى جميع حاجاتها قبل حتى أن تطلب دون أي سأم أو ملل، شخص تحمل انهياراتها واحدًا تلو الآخر .
" أنا آسفة مش قصدي والله "
ابتسم رائد يتعجب تلك الراحة التي انتشرت بين اوصاله حين اطمأن فقط عليها، تنهد بصوت وصل واضحًا لها :
" أنا اللي اسف يا تسبيح أنا كنت متعصب وعصبيتي خرجت فيكِ وأنتِ ملكيش ذنب، هو بس الحاج الله يسامحه حرق دمي على الصبح "
ابتلعت تسبيح ريقها تنظر حولها وقد تحركت تجلس على أحد المقاعد رافضة التحرك دونه، فهي لا تفقه أي شيء بتلك الأمور :
" خير الكل كويسين في البلد عندك ؟؟"
" أيوة أيوة متقلقيش الكل كويسين، هو بس الحاج ناوي على شللي قريب، تقريبا شافني الفترة دي رايق فقال أما اقوم انكد على الواد رائد "
وبفضول شديد لا تعلم له مصدرًا تساءلت بشكل غير مباشر :
" لعله خير يارب ؟؟"
ابتسم رائد بسخرية لاذعة :
" الحاج بيجهز فرحي عقبال فرحك يا شابة "
وخفقة غادرة اشتدت داخل صدرها وهي تردد :
" تتجوز ؟! أنت هتتجوز؟!"
" ده حسب كلام ابويا، ولو طولنا المكالمة شوية هتلاقي بعت رسالة يباركلي فيها على المولود الأول "
ابتلعت تسبيح ريقها بصعوبة :
" مبارك، ربنا يتمملك على خير، ويجعلها جوازة العمر يارب "
ضحك رائد بتهكم شديد :
" الله يباركلك يا ضنايا، عقبال عندك يارب "
" إن شاء الله"
زفر رائد بحنق وهو يتشدق بصوت منخفض :
" مش قولتلك زي امي، نفس الدماغ ياربي "
" نعم ؟!"
" أنعم الله عليكِ يا ست الكل اقفلي وانا شوية واكون قدامك "
وبهذه الكلمات أنهى الكلمات يلقي الهاتف جانبًا، ومن ثم أخذ نفس عميق يتحرك لسيارته .
وعلى الجانب الآخر كانت تسبيح تحدق في الهاتف دون شعور، لا تدري ما تلك الحالة من الجمود التي تلبستها..
____________________________
" يابني كفاية بقى الشاي بلبن هيدمرك "
صدرت تلك الكلمات من فم محمود تزامنًا مع انتزاعه للكوب القابع بين أصابع صالح، بينما الاخير حدق به في غيظ وشر، ثم تنفس بصوت مرتفع :
" محمود ينفع تتقي شري دلوقتي ؟؟"
ضرب محمود طاولة المخبز حيث جاءه صالح بعد انتهاء العمل ليجلس ويتناول بعض المخبوزات، ومازالت ملامحه مقتضبة :
" لا انسى يا صاحبي، مش انا اللي اسيبك في ظروف زي دي، فكرك يعني لما تفضل تشرب شاي بلبن وتغيب عن الدنيا هتخلى عنك ؟؟ "
في تلك اللحظة انتبه محمود لرجل مسن يتوسط أريكة جلدية في أحد أركان المخبز وأمامه بعض الحلوى ومشروب دافئ، لكنه ينظر في الإرجاء وهو يصدر ذلك الصوت الذي تصدره كلما قابلت هرة صغيرة ( بسبسة) .
تجاهله محمود ثم أضاف :
" بعدين يعني يا صالح مش عشان بنت تبهدل روحك بالشكل ده "
نظر صالح لنفسه بتعجب، ثم حدق في محمود الذي قال :
" محمود أنت عبيط ؟؟"
اعتدل محمود في جلسته وقد عاد يتكأ على ظهر مقعده في برود واضح، يضم ذراعيه لصدره وهناك بسمة متشفية تتوسط فمه :
" لا أنت اللي عبيط، اصل العبيط يا صاحبي هو اللي يسيب حاجة هيموت عليها تمشي وتطير من بين ايده "
كان يتحدث وهو ينظر بطرف عيونه لذلك الرجل الغريب الذي أخذ يميل بجسده وينظر أسفل الطاولات .
ارتشف صالح المزيد من الكوب أمامه يدعي برودًا لا يمتلكه :
" أنا مش فاهم أنتم شاغلين بالكم بيا ليه ؟؟ كلكم شايفين اني خسرت، مع اني زي ما أنا عادي اهو ولا فيا حاجة "
رفع محمود حاجبه ساخرًا وما كاد يتحدث حتى استقرت هاجر على أحد المقاعد تضع لهم المزيد من المعجنات والحلوى وهي تقول ببسمة واسعة :
" اتفضلوا دوقوا دي هتعجبكم "
جذب محمود الطبق له وهو يقول :
" اكيد هتعجبنا، تسلم ايدك "
ابتسمت له هاجر ثم نظرت لصالح :
" مالك يا صالح كده ؟!"
نفخ صالح بحنق لا يدري ما بال الجميع كلما نظروا لوجهه يتحدثون بهذا الشكل وكأنه عجوز مسكين ترمل لتوه بعد وفاة زوجته وتركه وحيدًا .
" أنا كويس يا هاجر تسلمي "
عارضه محمود الذي قال بصوت مرتفع وبين أسنانه يمضغ قطعة حلوى شهية كصاحبتها :
" لا مش كويس، ده كداب، كله من بنت اختك هتضيع الولد الحيلة "
ارتفعت أصوات البسبسة الصادرة من ذلك الرجل الذي بمجرد رؤيته لهاجر حتى زاد فيما يفعل، ومحمود يرمقه بتحفز وشر .
رمقته هاجر ببلاهة وصالح مد يده عبر الطاولة وصفعه بغيظ شديد، ثم نظر لهاجر :
" متاخديش في بالك هو واحد دماغه على قده "
" أنا برضو اللي دماغي على قدي ؟! ياض ده أنت ريحة شياطك غطت على ريحة الفراولة اللي على حتة الجاتوه دي "
صمت، ثم ضرب الطاولة وهو ينظر للرجل :
" ايه يا حاج فيه ايه ؟؟ قاعد في محل قطط عمال تبسبس لينا ؟؟ ناقص تفتحلنا علبة تونة مش كده "
نظرت هاجر حيث ينظر محمود، ثم ابتسمت موضحة :
" ده الحاج فرغلي "
" بتاع العصير ؟؟"
" لا ده بتاع القطة اللي تحت رجلك دي "
تعجب محمود حديثها وهو ينظر أسفل أقدامه :
" قطة ايه مفيش ..."
وفجأة أطلق صرخة عالية وهو يبعد القطة عن قدمه، وهاجر تحاول تهدأته، لكن فشلت مساعيها بسقوط محمود ارضًا وجلوس القطة أعلى صدره بهدوء شديد تتمطأ وتنام بعنق .
" ايه ده ؟؟ هي نامت ؟؟ أنت يا حاج تعالى شوف القطة بتاعتك دي، حد يشيل البلوة دي من فوقي "
وبالفعل ثواني فقط حتى كان الرجل ينتزع قطته ويتحرك بعيدًا وهو يتحدث لها بكل حب كما لو كانت تفهمه، ومحمود ينظر له بغيظ :
" مش عارف الناس مستحملة الكائنات دي ازاي ؟؟ بجد حاطة صعبة اوي "
نظرت له هاجر تتعجب حديثه :
" ايه ده ؟؟ أنت مش بتحب القطط ؟؟"
صمت محمود يفكر قبل أن يعطيها جوابًا :
" والله على حسب، أنتِ بتحبي القطط ولا لا ؟؟"
" بحبها جدًا "
" أيوة وانا كمان بحبها اوي، ده انا في حياتي دي كلها مش بحب قد القطط، كائنات كده لطيفة و....ولطيفة "
ابتسمت له هاجر وهو استدار يلوي شفتيه باشمئزاز يكره كل ما يتعلق بذلك الكائن ذو الشعر المتساقط في كل مكان، انتبه من شروده على نظرات صالح ليعتدل وكأن شيئًا لم يكن، ينفض ثيابه ثم أمسك الملعقة التي كان يتناول بها الحلوى وأكمل :
" طب اقطع دراعي واشرحه حتت كده اما كنت دلوقتي هتموت وتروح ليها اسكندرية "
تغضنت ملامح هاجر متقززة من تخيل ما وصف محمود، كل ذلك وهو يتناول الطعام، ألا يشمئز ذلك الشخص؟؟
ولم تدري هاجر أن ذلك الشخص الذي يجلس أمامها يحفظ طعامه في ثلاجات الموتى ليحميهم من التعفن دون الاهتمام .
ابتلع محمود ما في فمه، ثم قال يدرك أن صالح يحتاج ضغطة واحدة لينهض ويقطعه بسكين الحلوى، لكن وهل يهتم :
" بدل ما أنت قاعد تبصلي كده كأني مرات ابوك ومش طايقني، كنت روحت جرجرتها من شعرها اول ما حضنت اخوها وقولتلها، مش هتتحركي من هنا، لكن نقول ايه انت اللي لسانك طري معاها ومدلعها "
فجأة ضرب الوعي هاجر التي كانت تستمع لهم دون التدخل، لكن عند تلك النقطة استوعبت ما يقول محمود :
" لحظة بس، أنتم بتتكلموا على رانيا ؟!"
ابتسم لها محمود بسمة غبية :
" حمدالله على السلامة، ايه مالك يا نواعم فوقي معانا كده عايزين نوفق راسين في الحلال ونخلص من الاتنين البهايم دول عشان نشوف الدنيا ونجهز الجناح بتاعنا "
فتح صالح عيونه فجأة يحاول أن يستوعب كلمات صديقه الذي كان منشغلًا في حديثه مع هاجر حول زفافهم، لكن صرخ بصوت مرتفع حينما شعر بصالح يجذبه عبر الطاولة وهو يقترب منه بهمس بشر :
" قولت مين ؟!"
ردد محمود بعدم فهم :
" مين ايه ؟؟ والله كنت بتكلم على اوضة ابويا محبتش سيرتك "
جذبه صالح أكثر حتى كاد جسد محمود يتمدد أعلى الطاولة :
" محمود متستهبلش، أنت قولت من شوية حضنت مين ؟!"
ابعد محمود يد صالح عنه، ثم لكمه بغيظ شديد يعود لمكانه ويعدل من ثيابه بملامح متذمرة :
" اخوها يا حبيبي، هو أنا مش قولتلك أن عبدالجواد ده اخوها ؟!"
ابتسم صالح دون وعي، بينما محمود رمقه بشر ثم عاد ينظر لهاجر التي كانت تتابع ما يحدث بفم مفتوح صدمة، هل صالح يحب رانيا ويغار عليها أم أنها لم تفهم ما وصل لها ؟؟
في تلك اللحظة أفاقت هاجر على صوت رنين الهاتف لتنظر له بطرف عينيها وتقول ببسمة :
" رانيا ..."
على الطرف الآخر كانت رانيا تجلس في غرفتها رفقة مروة بعدما انتهت من قص عليها كل ما حدث دون أن تغفل عن شيء سوى مشاعرها هي تجاه صالح أو ما حدث ليس لأمر سوى أنها هي نفسها لا تدرك ماهية تلك المشاعر ..
ابتسمت مروة بسعادة خالصة وقد تلألأت عيونها بقوة :
" يعني اللي شوفناه في المؤتمر ومعرفنيش يبقى اخو الأستاذ صلاح مش صلاح نفسه ؟! يعني الاستاذ صلاح اكيد فاكرني "
ضربتها رانيا بالوسادة في حنق شديد :
" يابنتي أنا بقولك ايه وأنتِ بتقوليلي ايه ؟؟ ما تفوقي بقى معايا شوية "
" معاكِ والله، بس انا مش فاهمة يعني فيه حب في الموضوع ؟!"
في تلك اللحظة سمع الاثنان صوتًا خارج الغرفة يستأذن للدخول وحينما أذنت له رانيا، دلف عبدالجواد وهو ينظر لهما بغموض ومن ثم قال :
" موضوع ايه ده اللي فيه حب ؟؟"
ابتلعت رانيا ريقها واتسع فاه مروة التي نظرت لصديقتها بشفقة، لكن فجأة وجدت نظرات عبدالجواد موجهه عليها لتقول ببلاهة :
" فيه ايه انت بتبصلي كده ليه ؟؟"
رفع عبدالجواد حاجبه وهو ينظر لها بشر وفكره كله يدور حول أن المقصودة بذلك الحب ليس سوى تلك الغبية الحالمة التي جعلته يدور حولها اسبوع كامل فقط ليحضر بنظرة منها .
لكن مروة وكأنها استوعبت نظراته لتنتفض بقوة صارخة :
" ايه ؟؟ لا مش انا، دي اختك اللي بـ "
وقبل أن تكمل شعرت بضربة قوية تسقط أعلى ذارعها من يد رانيا التي حملقت فيها بتحذير أن تفتح ذلك الفم الغبي مجددًا ومن بعدها نظرت لعبدالجواد الذي كان بالمرصاد لمروة وقالت :
" هي مش قصدها، احنا كنا بنتكلم على مسلسل بنتابعه مش اكتر "
رمقها عبدالجواد بسخرية شديدة قبل أن يعود بنظره صوب مروة التي كانت تتلاشى النظر لعيونه، لكن جملته أجبرتها على ذلك :
" معلش يا مروة ممكن كلمة معاكِ "
ابتسمت رانيا وهي تدفع برانيا :
" أيوة أيوة روحي يا مروة كلميه، وانا هكلم خالتو واطلع ليكم على طول "
وبالفعل ما إن رأت مروة تتحرك حتى أجرت اتصالًا بهاجر لتخبرها بعودتها سالمة، وما هي إلا ثواني حتى وصل لها صوت آخر غير هاجر، صوت رجولي أكثر يتحدث بجدية :
" الو يا رانيا ..."
ازداد قرع ضربات قلب رانيا التي نظرت حولها وكأنها تبحث عمن يخبرها أنها بالفعل تسمع صوته، أبعدت الهاتف تتأكد أنها اتصلت بهاجر لتسمع اصوات صادرة من الهاتف ..
وضعته أعلى أذنها مجددّا :
" صالح !!"
" أيوة أنا "
صمت وهي صمتت، وماذا تقول فهي لم تتخطى بعد رحيلها وهي ترى نظراته تلك .
فجأة سمعت صوت صالح يتحدث بجدية وبصوت خافت :
" هي هاجر كانت بتجيب طلب لمحمود وسابت التليفون على الترابيزة "
كان يتكلم وهو ينظر بطرف عينيه لمحمود الذي وقف أمام هاجر يمنعها من اللحاق بصالح، بعدما اختطف الهاتف من بين أناملها بمجرد سماعه اسم رانيا .
عاد لرانيا التي قالت بتفهم :
" أيوة فهمت، خلاص لما ترجع بلغها تتصل بيا "
وقبل أن تغلق سارع هو بالقول دون وعي وبحديث نابع من غيظه :
" ما تصبري يا ختي هاكلك يعني لو اتكلمتي معايا ؟؟ "
نعم ها هو صالح قد عاد، تقسم أنها كادت تشك به حينما حدثها بشكل آدمي هادئ في البداية، والآن ها هو عاد للساحة بلسانه الذي ينافس برج خليفة طولًا .
" لما تحترم نفسك الاول وتكلمني زي الناس يبقى اصبر "
" اكلمك زي الناس ازاي معلش ؟؟ كل الناس بتتكلم من بؤقها وانا بتكلم من زلومة ؟؟ "
" لا بتكلمني زي ما بتتكلم دلوقتي، أنت مش عارف تتكلم براحة في مرة ؟؟ يا اخي نفسي مرة تتكلم معايا زي الناس الطبيعية "
نفخ صالح بحنق شديد، ماذا يفعل هذه طريقته مع الكميه يستفزهم ليخرج اسوء ما فيهم حتى يتحدث معهم على طبيعته السيئة .
" على فكرة أنا كلمتك قبل كده عادي، مرتين كمان، فاكرة يوم ما عطيتك التليفون، وقبل ما تمشي لما عطيتك كشري وحواوشي ولا دول نسيتيهم كمان، ما أنتِ زي القطط تأكلي وتنكري "
وصل له صوت تنفس عنيف صادر من جهة رانيا وكأنها تحاول أن تصبر نفسها :
" عايز ايه ياصالح ؟؟ بترد على التليفون يعني عشان تحرق دمي ؟؟"
" واحرق دمك ليه؟؟ أنا بس حبيت اطمن أنك وصلتي بخير "
حسنًا هذا جديد، صالح يطمئن عليها؟؟ هل سقطت السماء على الأرض، ام ذاب القطبين ؟؟ أو ربما هي تحلم، نعم هي كذلك.
" أنتِ وصلتي بخير صح ؟؟"
" أيوة، أنا كنت مع عبدالجواد "
صمت ثم قال :
" عبدالجواد ده اخوكِ ؟؟"
هزت رانيا رأسها كأنها تراه أمامها، ثم فتحت فمها للتحدث لولا اقتحام مروة لغرفتها وهي تقول ببسمة واسعة وحماس شديد ملتهب :
" رانيا، فيه عريس جالك تحت ومحمد لسه مرجعش من الشغل مفيش غير عمي وعبدالجواد، تعالي بسرعة شوفيه قبل ما يمشي"
اتسعت أعين رانيا تتوقع قيام حرب في الاسفل، لذلك أغلقت الهاتف دون شعور وهي تركض مع مروة ..
وعلى الجانب الآخر ما كاد صالح يلتقط أنفاسه لاكتشاف أن عبدالجواد شقيقها حتى هبطت فوق رأسه ضربة أخرى عبارة عن ( رانيا جاء لها عريس ) ....
__________________________
تجلس جواره في سيارته، لكن روحها هائمة في ماضي أزاح سعيد الغبار عنه، حاولت أن تخفي ارتجافة يدها عن أعين صلاح المتربص والذي كان غضبه يكاد يحرق السيارة بهما .
ينظر لها كما لو كان ينتظر منها أي تفسير عما سمع، لكن أي تفسير قد تخبره إياه؟؟ تخبره أنها منذ سنوات كادت تنتهي وينتهي معها أي أمل في العيش كأنثى طبيعية؟!
كانت صرخات ميمو تهز جدران المنزل بأكمله وزينب في الخارج تصرخ وتبكي وتولول، تطرق الباب بعنف :
" يا جاد حرام عليك سيب البنت، أنت ايه يا اخي دي اصغر من ابنك، حرام عليك سيب البنت هتموت في ايدك "
لكن صرخات ميمو في الداخل غطت على رجاءها وهي تلطم وجهها وتنتحب بصوت مرتفع وتصرخ به أن يتركها :
" يا جاد ابوس ايدك يا اخي لتسيب البنات، لو فيه في قلبك رحمة سيبها، والله انا اللي عطتها البرشام، أنا اللي عطيته ليها، تعالى اضربني أنا "
تبكي وتنتحب وتندم أشد الندم أنها أعطت حبوب منع الحمل لتلك المسكينة فقط لتتجنب أن تحمل ببذرة فاسدة من ذلك الحقير، تقسم أنها لم تقصد كل ذلك، تقسم أنها فقط أرادت مساعدتها فقط بعدما ترجتها ميمو .
لكن ذلك الذي نُزعت الرحمة من قلبه كان في الداخل يحمل حزام بنطاله بين يديه وهو يهبط به في كل مكان تطاله يديه، وميمو تبكي وتناجي والدتها واخوتها..
" بقى أنا يا بنت الـ *** تضحكي عليا وتاخدي الزفت ده من ورايا ؟؟ ايه مش عايزة تشيلي ابني ؟؟ أنتِ تطولي يا زبالة "
كان يتحدث بحقد وسواد قد ملء قلبه وميمو في تلك اللحظة تخدر جسدها بالكامل من شدة الضرب لتستقبل ضرباته بصدر رحب دون أن تُمتع سمعه بصرخاتها، ازداد غضب جاد وتضاعفت شياطينه أمام عيونه وهو يراها لم تعد حتى تهتم لضرباته ليرفع قدمه ويهبط بها فوق معدتها بقوة وجنون واضح :
" مش أنتِ مش عايزة تحملي مني ؟! أنا بقى هخليكِ متشيليش عيل لآخر عمرك "
وبقوة اكبر من سابقتها هبط بقدمه على معدته لتخرج صرخة ذبيحة من تلك المسكينة هزت جدران المنزل بأكمله وزادت من هلع زينب التي اخذت تضرب الباب بجنون :
" يا اخي اتقي الله، الله لا يسامحك يا جاد، الله لا يسامحك يا جاد، البنت قد عيالك يا اخي، حسبي الله ونعم الوكيل فيك "
كانت تبكي وهي تضرب الباب والندم يأكلها بشراسة حتى لمحت منقذها يتحرك صوبها بأقدام مهرولة حينما سمعها تصرخ باسم والده وقد تخيل أن والده يضربها ...
" ماما فيه ايه ؟! حصل ايه ؟؟"
ارتمت زينب بين احضان سعيد تحاول تقبيل يده وهي تتوسله :
" ابوس ايدك يا سعيد وقفه، هيقتل البنت، هيقتلها ابوس ايدك وقفه "
سمع سعيد صوت والده يسب من الداخل وقد وسوس له شيطانه لحظات ألا يتدخل يكفيه تلك المواجهة الشرسة بينه وبين والده منذ أيام، لكن بقايا ضمير منتفضة أسفل رماد شياطينه وبكاء والدته جعله يبعد الأخيرة وهو يضرب الباب بقدمه حتى حطمه بعد عدة ضربات ..
وبمجرد أن انفتح الباب فتح الاثنين أعينهم بصدمة من مرأى ميمو، ولم يكد سعيد يستوعب ما حدث حتى سمع صرخة والدته جواره التي سقطت ارضًا تصرخ بجنون :
" قتلها ...قتلها "
" ميمو ...ميمو مالك، ميمو ؟؟ ياربي مالك بتترعشي كده ليه ؟؟"
كان ذلك صوت صلاح الذي اخترق غيوم ذكرياتها بعدما رأى ارتجاف جسدها وهي تضم معدتها بقوة وكأنها تلقت ضربات جاد منذ ثواني وليس سنوات، نفس الوجع يتردد صداه في جسدها، نبضات الوجع تشعر بها الآن قوية كما كانت.
كانت عيونها شاخصة وهي ترتعش بقوة جعلت صلاح يوقف السيارة يصرخ بها برعب جلي :
" بصيلي ..ميمو بصيلي، بصي، اششش اهدي، ميمو بصيلي ارجوكِ "
نظرت له ميمو بعيون ضبابية وفجأة شعرت بموجة اشمئزاز تندفع من معدتها بقوة لتنفض يده وتهبط من السيارة بسرعة كبيرة تسقط على ركبتيها تصدر اصواتًا كما لو كانت ستتقيأ، لكن لا شيء.. كانت معدتها فارغة، لتستشعر مرارة لاذعة في حلقها، ووجع في صدرها وكأن روحها تنازع للخروج.
وصلاح يناظرها بصدمة كبيرة قبل أن يهبط لها يتحرك صوبها، منعته وهي ترفع يدها، لكنه لم يهتم بها وهو يجلس على ركبتيه جوارها يراقبها برعب :
" مالك ؟؟ ميمو ارجوكِ متخوفنيش عليكِ "
لكن ميمو في تلك اللحظة ولأول مرة تبكي، تبكي أمامه بضعف، بضع دموع سقطت أعلى قلب صلاح تحرقه، بكت بوجع وهي تنحني ارضًا أمام أعين صلاح الذي ظن كل ذلك سببه سعيد ليزيد الغل والغضب داخله منه، يتوعده بالويل اضعافًا .
استمرت ميمو تبكي وهي ما تزال على نفس وضعها تشهق وتسعل بقوة، ويدها تضغط على معدتها بقوة.
ليقترب منها صلاح يخرج منديل من جيبه يجفف فمها بلطف عكس نظراته السوداوية، ثم اردف بحنان شديد يرى الخزي يزين نظراتها بسبب ما فعلته أمام عينه هو تحديدًا من بين الجميع :
" نفس الهوا بتاع المرة اللي فاتت ؟!"
نظرت له ميمو ثواني، ها هو يدعي للمرة الثانية أنه لم يرى ضعفها، يهتم ألا تظهر ضعيفة أمام نفسها قبله، يقويها ويدعمها في أشد لحظاتها انهازمًا .
رددت بصوت خافت متعب تجاريه مجددًا وكأنها تشكر صنيعه ذاك وهناك بسمة صغيرة تشق وجهها من بين دموعها :
" لا ده كان إعصار مش هوا "
" شكلك تعبان اوي ..."
ابتسم لها صلاح بحب شديد لم يخفيه، بل تعمد أن يُظهره لها مدركًا جيدًا أنها تقرأ نظراته، نظر لها ولوجهها الشاحب :
" يمكن أنتِ من النوع اللي بيدوخ من العربيات ؟؟
وانا صغير كنت بحس بدوخة لما بركب العربية وببهدل الدنيا، يعني مش لوحدك متخافيش "
ولكم أرادت أن ترتمي في أحضانه الآن ترتشف منه ذلك الحنان بنهم، لكنها رغم ذلك تمالكت نفسها وقد استقرت ارضًا تبتسم بتعب شديد :
" وانا كمان كنت كده "
ابتسم صلاح يراها تجلس ارضًا مستندة على السيارة بكل راحة تتحدث معه ببسمة واسعة وكأنها منذ ثواني لم تكن ترتجف مرتعبة من أمر يجهله _ لكن ليس طويلًا _ :
" المرة الجاية هبقى اجبلك برشامة عشان الدوخة، وميحصلش اللي حصل ده "
ابتسمت له بسمة صغيرة موجوعة :
" صدقني هحتاج اكتر من برشامة دوخة عشان ده ميتكررش "
اقترب منها صلاح يهمس :
" اطلبي بس وانا اجبلك كل اللي محتاجاه يا ميمو "
نظرت له ميمو ثواني ترتشف كل قطرة حنان يقدمها لها بنهم شديد، حنان كانت تتوسله قديمًا ومازالت :
" نفسي أكل بيتزا، أنا جعانة اوي "
فتح صلاح عيونه بصدمة من حديثها، قبل أن ترتسم بسمة أعلى فمه يجاريها ذلك الجنون، يخرج هاتفه يبحث فيه عن رقم معين، تسمعه يتحدث مع أحد المطاعم المختصة في ذلك الصنف، ومن ثم استدار لها يسألها عن نوعها المفضل لتقول دون فهم :
" فراخ او سي فود "
ابتسم يملي المطعم طلبه، ثم تحرك صوب السيارة يخرج من الصندوق الخلفي الغطاء الذي يضعه أعلى سيارته عادة، ومن ثم قام بفرشه ارضًا وهو يشير لها لتجلس عليه وجواره .
وكذلك فعلت ميمو بابتسامة متسعة وهي تراه يستند على السيارة براحة شديد وقد بدأ هواء الشتاء البارد يهب عليهما، تنفس صلاح بصوت مرتفع، يقول فجأة ودون مقدمات :
" تحبي تسمعي باقي مغامراتي أنا وصالح في الحقول ؟؟ "
ابتسمت ميمو بسمة واسعة قبل أن تنفجر في الضحك وذكرى تلك المرة التي قصها عليه من رقص في الحقول ما تزال تراودها وتضحكها كلما تذكرتها .
" احب اوي، يا ترى عملت ايه المرة دي أنت وهو ؟؟"
ابتسم صلاح وقد حاز مكافئته حينما ضحكت له، ليقرر نزع رداء هيبته والقاءه بعيدًا وهو يقول :
" مرة قعدنا في وسط محصول الذرة وولعنا ولعة زي ما كنا بنشوف الناس في الأراضي جنبنا بيعملوا، كنا اطفال صغيرين عندنا لسه ٩ سنين، ولعنا عشان نفسنا ناكل درة مش اكتر، لكن فجأة عينك ما تشوف إلا النور، الولعة مسكت في محصول الدرة وبقى فشار"
فغرت ميمو فمها بصدمة كبيرة من تلك الخسارة التي تكبدها الجميع :
" أنت بتتكلم بجد ؟؟ ولعتوا في محصول الدرة كلها ؟! طب وابوكم عمل ايه ؟؟"
" ملحقش يعمل لأن اول ما المحصول ولع أنا وصالح هربنا وفضلنا مستخبيين في بيت عم سليمان ابو رائد اسبوع كامل مرعوبين نرجع البيت، واول ما رجعنا امي خبيتنا في عشة الفراخ يوم بتأكلنا معاهم لغاية ما نار ابويا هديت وعرف يصرف باقي المحصول اللي نجى من الحريق وانشغل في حوارات تانية "
بمجرد انتهاء القصة التي يخجل منها نال جائزته الاعظم والتي كانت ضحكات مجلجة من فم ميمو ومشهد بقائهما مع الدجاج في العش الخاص بهم تقتلها، يا الله رؤية صورته وهو طفل الآن أصبح حاجة ملحة، تحتاج لرؤية وجهه لتتخيل المتسبب بتلك الورطة .
" بجد مش قادرة، وريني صورتك وأنت صغير، عايزة اشوفها "
حسنًا طالما طلبت منه الأمر وهي تضحك هكذا سينفذه، أخرج هاتفه يبحث عن صور له أثناء طفولته والتي التقطها من الصورة الفوتوغرافية الأصلية في المنزل حتى عثر على واحدة له يرتدي جلباب ويحمل فأسًا جوار صالح الذي كان يجلس ارضًا والاثنان ينظران للكاميرا ببسمات واسعة واعين شبه مغلقة بسبب الشمس .
ابتسمت ميمو وهي تقول بانبهار :
" ماشاء الله عليك من صغرك، ماسك الفاس ولا اجدعها فلاح"
رفع صلاح حاجبه يتساءل بخبث :
" مين قالك إني أنا اللي ماسك الفاس ؟؟ مش يمكن أنا اللي قاعد في الارض؟؟"
نظرت له ميمو بمكر وهي ترفع حاجبها :
" أنت اللي ماسك الفاس صح ؟؟"
" صح، بس ازاي عرفتيه "
اعتدلت ميمو في جلستها بحرك خصلات شعرها بتكبر :
" قدرات يابابا قدرات "
ردد صلاح كلمتها التي اخترقت مسامعه خلال السباق صباحًا :
" يا جامد "
ضحكت له ميمو وهي تقول وقد نست كعادتها كل شيء معها، تخرج هاتفها بحماس شديد :
" استنى هوريك صورتي أنا كمان وانا صغيرة "
تلهفت كل خلية به وهو يمد رأسه ليرى تلك الصور يتأمل تلك الطفلة البريئة الجميلة، فتاة ناعمة كبتلات الازهار، كان يتابعها وهي تقلب الصور أمام عينيه بسعادة شديدة، تشارك أحدهم كنزها الذي حصلت عليه بصعوبة منذ سنوات قليلة حينما اكتشفته في منزل عمها القديم .
وصلاح يستمع لها باهتمام شديد يشاركها الحماس واللهفة وينغمس معها في تفاصيل تلك اللحظات بسعادة كبيرة، سعادة تولدت من سعادتها هي ...
_____________________
كانت تقود السيارة وهي تكاد تنفجر غضبًا مما حدث منذ ثواني وجوارها سعيد يغني ويصفر بكل برود واستمتاع كما لو أنه ذاهب إلى رحلة.
وفجأة صمت بسبب كلمات حادة من زهرة :
" اسكت، تعرف تسكت !؟"
نظر لها سعيد ثواني بعدم فهم، قبل أن يميل بنصف جسده يحضر زجاجة المياه ثم مررها لها ببسمة وهدوء :
" خدي بس اشربي كده واهدي "
نظرت له بقوة جعلته يرفع حاجبه في المقابل ساخرًا :
" بالله عليكِ ما تبصيلي كده مش انا اللي كنت رايح أبيعك وافتن عليكِ "
صمت وهو ينظر أمامه بحنق قبل أن ينظر لها مجددًا واصفًا إياها:
" يا فتانة، بزمتك مش مكسوفة من نفسك ؟! بقى ده شكل دكتورة نفسية، رايحة تتفق على المريض بتاعها مع مرات أبوه والصحفي اللي مش طايقه ؟!"
توقفت زهرة بالسيارة فجأة وهي تنظر له قبل أن تقول بكل بساطة :
" اولًا أنا لما روحت مكنتش اعرف ميمو عايزاني ليه؟! أنا روحت بس عشان هي صاحبتي وطلبت تشوفني، ومكنتش اساسا اعرف إن الموضوع ليه علاقة بيك، ثانيا أنت مش مريض عندي ولا ناسي"
ابتسم سعيد يعض شفتيه بتأثر، ثم مال عليها يدعي أنه سيستند على كتفها :
" يااه يا زهرة وانا اللي ظلمتك وفكرتك فتانة ؟؟"
أبعدت زهرة كتفها فورًا محذرة :
" اياك تلمسني، ابعد وارجع للكرسي بتاعك "
نظر لها بسخرية :
" ايه خايفة ابقع ليكِ الفستان ؟؟ "
" كويس أنك عارف، ابعد بقى "
أعادت زهرة تشغيل السيارة الخاصة بها وسعيد اتخذ الصمت وسيلة لتلاشي أي شجارات معها، لكنها أخذت عهدًا على نفسها دائمًا بتعكير صفوه :
" مكانش لازم تقول اللي قولته لميمو هناك "
" دي مشاكل عائلية عادي، متاخديش في بالك"
ذلك الرجل يتفنن في أذية من حوله، ولا تنتابه لحظة ندم واحدة حتى، ياالله كيف تستطيع أن تبتعد عنه، هي لن تتمكن من إكمال حياتها بهذا الشكل، ملت أن تظل طوال الوقت متحفزة لظهوره أمامها، لا هو يريد اصلاحًا، ولا يبغى بُعدًا، اناني هو يريدها له دون أن يُغير بنفسه مكان شعرة واحدة .
كان سعيد يستند على مسند السيارة ومازالت جروحه تنزف بقوة، وفي رأسه مئات الأفكار التي تتصارع، أشخاص كُثر يتشاجرون، البعض يلومه والبعض الآخر يقف ويصفق له بفخر .
هو وميمو، وجهان لعملة واحدة، كلامها رأيا من جاد الكثير، لكن كلٌ منهما تلقاه بطريقته، فهو امتص كل ما سقط عليه من جاد لينمو داخله جاد آخر اشد شرًا من الاول، بينما ميمو كان سطحها عاكسًا، عكست جميع شرور جاد التي سقطت عليها ونهضت لتدمر كل من يقف في طريقها ويبدو أن انتقامها في كل مرة يقودها نحوه هو .
ابتسم يسمع صوت زهرة تردد بجدية :
" خليك هنا هنزل اجيب حاجات من الصيدلية وراجعه "
نظر لها بطرف عينه وهو يعترض على حديثها :
" لا أنا هنزل معاكِ و..."
وقبل أن يكمل كلماته أغلقت هي السيارة بسرعة بشكل تلقائي لمنعه من الخروج تشير له أن يبقى مكانه :
" ولا حركة لغاية ما ارجع "
وبالفعل غابت عن اعينه ثواني وهو في السيارة يناظرها بأعين ضبابية يتساءل، ألا تستحق امرأة كزهرة رجل نقي مثلها؟!
سيدة بمثل نقائها لا تستحق شخص ملوث مثله، نتن هذا صحيح؛ لذلك سيعمل هو على تلويثها إن لزم الأمر، لكنه لن يتركها على أية حال .
عادت له زهرة وبمجرد أن صعدت للسيارة أمرته بنبرة حازمة كتلك التي تتعامل بها مع مرضاها أن يستدير، وبالفعل فعل لتنغمس هي في تطبيب جراحه :
" الجرح في راسك شكله كبير محتاج خياطة "
لم يهتم سعيد أو يأبه لما تقول :
" حطي أي لازقة وخلاص "
ضغطت زهرة على جرحه بقوة ليتأوه سعيد وعيونه الخضراء تلتمع بالشر وهو يسمعها تقول :
" قولت محتاج مستشفى عشان تتخيط"
وبهذه الكلمات أصدرت فرمانًا يقضي بذهابه للمشفى، ثم تحركت صوب اقرب مشفى لهما وبمجرد دخولهما تحدثت ببرود شديد وهي تتركه :
" أنا كده عملت ما يميله عليا ضميري، أنت خلص وروح البيت براحتك "
ردد سعيد قبل أن ترحل :
" دلوقتي ضميرك اشتغل ؟! ما أنا كل يوم بستعطفك تجيبي حضن وتحني عليا وأنتِ معندكيش ضمير "
اشتد خجل زهرة في تلك اللحظة وهي تنظر حولها صوب الممرضة والطبيب، قبل أن تعود بعينيها له وقالت بتحذير :
" أنا مش هكرر كلامي اللي قولته قبل كده في الدار تاني، لكن تأكد المرة الجاية اللي تطلع في وشي بالشكل ده، الخياطة مش هتنفعك يا سعيد "
أطلق سعيد صوتًا ساخرًا وهو يتجاهل نظرات الممرضة نحوه وتحذيرات الطبيب له ألا يتحرك :
" طب اجري من هنا روحي شوفي شوية المجانين بتوعك، يلا اتكلي على الله وبطلي تقولي كلام أنتِ مش قده "
ونظرات زهرة التي اسودت أخبرته جيدًا أنه انتزع فتيل صبرها، وها هي ردة الفعل تأتيه على هيئة ضربة قوية في رأسه من حقيبتها كادت تؤذيه بسبب عمل الطبيب الذي صرخ عليها لكنها لم تهتم وهي تنحني برأسها لتصبح أمام خاصته :
" المجانين دول اللي بتقول عليهم اعقل منك، على الأقل هما مرضى ومعترفين بكده، الدور والباقي على المتخلف اللي فيه كل امراض الدنيا، وماشي يقول أنا زي الفل "
ابتسم لها سعيد وقال :
" ما أنا زي الفل فعلا "
همست بشر أمام وجهه وهي ترى إصرار في عينه على ما تنكره هي وترفضه :
" ده خيالك المريض اللي مصورلك كده يا سعيد، اياك ثم اياك تفكر أن حركاتك دي هتخليني انسى اللي أنت فيه، ولا هتخليني اتجاهل حالتك، مفيش انسانة سوية ممكن تعمل كده ومفيش ست عاقلة ممكن عشان الكام حركة دول تسيب كل أمراضك وتوافق تعيش في جحيمك، الست محتاجة شخص سوي حنون متفهم، مش واحد رافض يبص لنفسه في المرايا ويعرف ايه اللي ناقصه "
صمتت ثم قالت بحسرة وكأنها تدور في دائرة :
" عارف دي المرة الكام اللي اقول فيها نفس الكلام؟! لكن أنت مش عايز تقتنع "
أعطاها سعيد بسمة مخيفة وهو يهمس :
" خلصتي ؟؟ كل اللي قولتيه ده بلح "
وكان عنادها اقوى من خاصته وهي تهتف :
" هنشوف يا سعيد، هنشوف "
وبهذه الكلمات أنهت ذلك اللقاء العاصف كما جميع لقائتهم، سعيد الذي يصر باستماتة على الحصول على زهرته، وتلك الزهرة التي تحيط نفسها بالاشواك رافضة أن تخضع لبستاني مريض كل همه أن يقطفها دون أن يهيأ لها بيئة مناسبة للنمو فيها، وما بين عناد وإصرار يصارع الحب للظهور ...
_____________________
يقود السيارة عائدًا للمنزل بعدما انتهى من أمر أخذ شهادتها، وتسبيح جواره صامتة منذ أُجبرت على تذكر كل ما حدث معها أثناء الحديث عنه، ابتلع ريقه يحاول أن يخرجها من شرودها ذلك وقال :
" تحبي اخدك تأكلي في أي حتة ؟؟"
هزت رأسها بلا وهي تشرد أكثر وأكثر ورائد يعجز عن جرها من تلك المنطقة، هو يقدر كل ذلك، يقدر كم يؤلمها تذكر كل ما مرت به، لكنه يتألم أكثر كلما ابصرها تطالع الجميع حولها بتلك النظرات كيتيمة لا تجد لها ملجأ .
تنحنح بغية لفت انتباهها ثم قال بجدية :
" صحيح مسألتيش يعني على الفرح والعروسة وهي عاملة ازاي وايه اللي هيحصل بعدين ولا اي حاجة، ولا كأنك مش قلقانة على مستقبلي "
نظرت له تسبيح دون فهم، لكنها رغم ذلك سألته ما يريد، ليس لأنه يريد بقدر ما هي تريد أن ترضي فضولها :
" اه أنا ...أنا كنت هسألك بس نسيت معلش، هي العروسة عاملة ازاي ؟؟"
انحرف رائد بالسيارة يجيب مبتسمًا دون أن يبعد عينه عن الطريق :
" كنت عارف أنك هتسألي السؤال ده، اكيد فضولك مريحكيش "
" أنت اللي قولتلي ا.."
لكن رائد قاطع جملتها وهو يقول بتنهيدة عالية :
" ويا ستي عشان فضولك فأنا هجاوبك، العروسة عاملة ازاي ؟! والله انا زيي زيك معرفش "
حدقت فيه تسبيح ببلاهة ثم سألته السؤال الثاني الذي يريد منها سؤاله :
" طب ايه اللي هيحصل بعدين ؟!"
تنفس رائد بصوت مرتفع يرسم بسمة واسعة وهو يجيبها :
" اه بالنسبة للي هيحصل بعدين فهو يا ستي ...أنا زيي زيك معرفش "
" هو أنت متجوز غصب عنك "
أجابها رائد دون تفكير وهو ينظر لها للمرة الأولى منذ وجهت له الحديث وبملامح مذهولة :
" ايه ده عرفتي ازاي ؟!"
" لا بس اصلك ...ايه ده أنت متجوز غصب بجد ؟!"
نظر لها رائد ثواني، يحرك عينيه في المكان حوله ثم همس يشعر أنه اسقط نفسه مجددًا في فخ لسانه الذي لا يعلم كيف يتحدث أمام تلك المرأة كطفل غبي يتعلم ابجديات الحديث :
" هو أنا المفروض مكنتش اقول كده ؟؟"
لكن تسبيح لم تهتم لذلك وهي تقول :
" أنت بجد متعرفش العروسة ؟؟ متجوز تخليص حق ولا ايه ؟!"
صمت رائد ثواني، ثم هز رأسه بإيجاب :
" بالضبط ابويا بيخلص فيا حق "
وتسبيح تبتسم بسمة غبية أسفل نقابها لكنه لمح بوادرها في عيونها ليمسك بها متلبسة:
" أنتِ بتضحكي عليا صح ؟؟ "
" معلش بس اصل الموضوع غريب اساسا، يعني أنت مشوفتش العروسة خالص ؟؟ ازاي ده على الأقل فيه رؤية شرعية "
" أيوة ما أنا شوفتها وقعدت معاها قبل كده "
ابتلعت ريقها كما لو كانت تبتلع اشواكًا :
" طب ...طب ما ده حلو اهو "
" اكمل رائد جملته العالقة ببسمة واسعة سخيفة :
" لما كان عندي ٨ سنة وهي عندها ٤ سنين، كانت قمر بالجذمة اللي بتزمر كل ما تمشي بتهزر قلبي بالزمامير بتاعة الجذمة بتاعتها، كان صوتها مزعج اوي الصراحة "
اتسع فم تسبيح أسفل نقابها، لا تفهم ما يقصد رائد :
" مش فاهمة "
" مش فاهمة ايه ؟؟ بقولك ابويا عايز يجوزني واحدة مشوفتهاش من وقت ما كانت اربع سنين، غير من ساعتين قبل ما اجيلك لقيتها نطت في وشي عند القسم اللي بشتغل فيه عطتني كلمتين في جنابي وسمت بدني ومشيت "
حسنًا هذا كثير عليها، وصلت تسبيح لمستوى عالي في قوة تحملها، أطلقت ضحكات حاولت كبتها بكف يدها وهي ترى ملامحه العابسة وكأنه يشكوها أن فتاة وبخته ..
ورائد ينظر لها برضى تام أن نست حزنها :
" أيوة اضحكي ما أنتِ مشوفتيش لما انفجرت في وشي ومشيت واتصلت بيكِ قومتي كملتي عليا وأنتِ بتوصفي قد ايه انا شخص قليل الادب ومش محترم"
علت نظرة ذنب أعين تسبيح، لكنها لم تستطع أن تمنع موجة الضحك التي هاجمتها وتداركتها بصعوبة شديدة تحاول ألا تُخرج لها صوتًا في الحديث أمامه، تتجنب كل ذلك بهدوء، ثم أردفت بنبرة مختنقة بضحكات مكبوتة تود لو تعطيهم إشارة الإفراج :
" أنا آسفة مكانش قصدي والله اقولك كده انا بس كنت مش في وعيي، آسفة والله "
أصدر رائد صوتًا ساخرًا من حنجرته يحاول تلمس اي نبرة ندم في صوتها، لكن كل ما ظهر له هي ضحكات مكبوتة :
" يا شيخة من غير حلفان واضح الندم عليكِ "
ابتلعت تسبيح ريقها تحاول أن تدعي الهدوء والرزانة :
" لا بجد والله انا بعتذر منك، أنا فعلا مش قصدي اني اهينك زي ما قولت والله ده خرج من دون وعي بسبب حالتي وقتها، أنا آسفة "
ابتسم رائد يتجاوز عن كل ذلك، هو يعلم جيدًا أنها لم تقصد، لذلك قال بجدية كبيرة :
" متقلقيش أنا مزعلتش ومتفهم حالتك كويس اوي، بس ممكن يعني تعملي حاجة بسيطة عشاني وانا هنسى كل اللي سمعته عادي "
صمت يراها قد هدأت وهي تنظر له قبل أن يقول بجدية :
" متقلقيش دي حاجة بسيطة كده مش هتكلفك اي حاجة"
انتبهت له بكل حواسها تدعوه أن يخرج ما يريد وقد كان، إذ تحدث رائد ببسمة وجدية وهو ينظر لها :
" اتجوزيني ....."
_______________________________
ارتطم باب المنزل بقوة في الجدار وصالح يتحرك كالرصاصة في البهو ووجهته محددة، وقبل أن يطأ بقدمه غرفته امسكه محمود :
" أنت يا بني اهبل ؟؟ هو يا تعيش دور البارد يا تبقى زي الطور الهايج كده ؟! مش تصبر نفهم ؟؟"
نظر له صالح يدعي عدم الفهم وهو يسحب يديه ويتحرك صوب الغرفة الخاصة به :
" أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن ايه والله ؟!"
دخل خلفه محمود يتشدق بسخرية يراه يفرغ الخزانة بأحد الحقائب :
" والله ؟؟ مش فاهم بتكلم على ايه ؟؟ حضرتك تقدر تفهمني ازاي هتروح تطب على الناس ؟! وبأي صفة ؟! وأنت مالك اساسا تتجوز ولا تخلف !!"
قال صالح بهدوء وهو يضع الثياب في الحقيبة ومحمود يستند على باب الغرفة ببرود شديد يراقبه والسخرية تعلو وجهه :
" ومين قالك اني رايح عشانها اساسا؟؟ أنا مالي بيها ؟؟"
" بجد ؟! طب وشنطتك دي عشان ايه يا استاذ ؟؟"
نظر صالح للحقيبة قبل أن يتشدق بجدية :
" لا أنا بس رايح اصيف يومين في اسكندرية "
" تصيف في الشتاء ؟؟"
ابتسم صالح وهو يرمقه ببرود :
" اه صحيح، خلاص هشتي "
مسح محمود وجهه وهو يتحرك ليقف أمامه يمنعه من ذلك الجنون الذي تلبسه بعد سماعه تلك المكالمة، يعلم أن صالح لم يقع بالفعل في الحب بهذه السرعة، هو فقط يشعر أنه يفقد شخصًا عزيزًا وهذا يتسبب في جنونه، صالح الذي يحب أن يستأثر بحب من حوله ..
" صالح بالله عليك لتبطل الهبل وتسيب شنطتك دي على جنب وتكلمني زي الناس، دلوقتي أنت بتحب البنت دي ؟؟"
بلل صالح شفتيه يفكر في حديثه، لا هو لم يسقط صريعًا لحبها في اسابيع قليلة، هو ليس من داعمي فكرة الحب من النظرة الأولى، ليس من ذلك النوع _ كأخيه_ يحدد ما يريد دون أي تردد، هو فقط يشعر بشعور سيء حينما سمع أن هناك من تقدم لخطبتها، لا يحب ذلك الشعور المزعج بالاختناق داخله .
ابتلع ريقه وقال :
" مش عارف، بس تقريبا لا "
صرخ محمود بعدم تصديق وهو يبتسم باستهزاء :
" هو ايه اللي مش عارف ؟؟ يابني أنت اهبل ؟! يا اما بتحبها وتروح دلوقتي تلحقها قبل ما تطير من ايدك، أو مش بتحبها وتسيبها في حالها لواحد غيرك يقدرها "
صاح صالح في المقابل بحنق وغضب مماثل :
" أنت بتزعق ليه ؟؟ بقولك معرفش أنا مش فاهم حاجة، بعدين أنا مليش دعوة بيها، أنا قولتلك عايز اقضي يومين في اسكندرية عادي "
امسكه محمود من تلابيب ثيابه يهتف بجدية :
" اسمع يا صالح، أنت تترزع هنا من غير ما تعمل أي حركة هبلة تخلي وجودك معاها مستحيل، أهلها عمرهم ما هيسلموا بنتهم لواحد متخلف رايح ليهم يمنع جوازة وهو حتى مش متأكد هل بيحب بنتهم أو لا، ياض أنت البنات بيسموا النوع بتاعك ده توكسيك، يا توكسيك "
ابعد صالح يد محمود بصدمة واستنكار شديد :
" أنا مش توكسيك "
" لا توكسيك ومهزق ودبشة، يا اخي والله ما لاقي ليك حسنة تخلي البنت تقبل بيك غير أنك دكتور "
التوى ثغر صالح بعدم رضى لما يسمع ولم يكد يتحدث حتى وجد محمود يدفعه بغيظ وهو يتحرك خارج الغرفة :
" خليك هنا هروح اجيب كوباية مايه نشفت ريقي، واياك، سامع اياك تتحرك أو تعمل حاجة غبية "
وبمجرد خروج محمود سارع صالح لإكمال ما كان يفعل وهو يدس برأسه داخل الخزانة وفي عقله الآلاف الأفكار دون أن يعلم على أي شاطئ قد ترسو سفينة افكاره .
في تلك اللحظة عاد محمود للغرفة وقبل أن ينطق كلمة واحدة اتسعت عيونه بصدمة يرى صالح منهمك في ترتيب ثيابه وخلف ظهره يقف ذلك الرجل الذي سبق وضربه في المكتب بعدما آفاق، ربما بسبب صراخهما ..
عاد محمود للخلف يتبع نفسه خطته القديمة دون اهتمام بشيء، امسك اول شيء قابله وقد كانت مزهرية من الفخار على إحدى الطاولات الجانبية في المنزل وتحرك ببطء شديد صوب ظهر ذلك الرجل الذي كان يمسك بين يديه مفرش السرير يلفه على مرفقه وعيونه مثبتة على صالح .
رفع محمود يده عاليًا وبقوة وقبل أن ينفذ ما يطمح له، استدار ذلك الرجل له بشكل مخيف جعل محمود يطلق صرخة مرتفعة يدرك أن الخطة لن تسير عليه مرتين ..
نظر الرجل بشر لمحمود الذي مد يده بالمزهرية وهو يقول بتردد :
" أنا آسف والله، استنى هفهمك أنا بس ...أنا ...اتفضل دي أنا جبتها ليك انزل بيها على دماغ صالح "
استدار صالح على صرخة محمود وقبل أن يستفسر عن سبب الصرخة تلك انتبه لذلك الرجل، فتح فمه بصدمة وقبل أن تصدر منه حركة واحدة وجد الرجل ينقض على محمود الذي سارع لرفع المزهرية مرة أخرى، لكنه لم يحصل على فرصته لإنزال يده حتى، بل إن ذلك الرجل رفع المفرش بسرعة مخيفة ولفه على رقبة محمود بقوة حتى كاد يخرج روحه وصوته كان كالفحيح ينظر لصالح الذي سقط قلبه رعبًا على محمود يتحسس مديته ( مطوته)، ثم أخرجها بقوة يرفعها عاليًا ليهجم عليه وينقذ صديقه، لولا أن توقف كل شيء فجأة على صوت مدوي صدر مبددًا سكون الليل .
ومن ثم صدر صوت اصطدام أحد الأجساد بالأرض في قوة مخيفة وجميع الأعين اتسعت بقوة وصالح يهمس :
" ازاي ؟؟؟"
__________________________
الجنون يزداد والمتعة تتضاعف، والقادم يخفي الكثير .
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة نبيل
السلام عليكم جميعًا...
اتمنى ليكم يوم سعيد .
وحابة اعتذر عن فصل بكرة بسبب إن الاسبوع ده زفاف بنت عمي، وفعلا طول اليوم مشغولة واخر يوم بروح انام زي القتيـ.ل، وحقيقي مكتبتش ولا كلمة واحدة في الفصل..
لكن حبيت اطمنكم أن رحرح راجع، قوليلهم ممس راجع يا بلد، راجع ومعاه كل جميل ولطيف، ولو الأحداث اللي فاتت كانت محمساكم، فاللي جاي هيبقى الضعف واعتبروا كنا بنستعد بس ..
ومجهزة ليكم شوية مفاجأت.
وباذن الله فصل الاتنين هيكون كبير ومليان احداث كتير تعويضًا .
وانتظروا اقتباس قريبًا هيعجبكم
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمة نبيل
الفرق بين ويحٌ وويلٌ:
- ويحٌ:- كلمة تُقال لمن وقع في هَلَكَةٍ لا يستحقها، فيُرثى له رحمةً، كقوله صلى الله عليه وسلم: (ويحٌ لعمَّار تقتله الفئةُ الباغيةُ).
- ويلٌ:- كلمةٌ تُقال لمن يستحقُ الهَلَكة، كما في قوله تعالى:{ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } سورة الأحقاف، الآية ١٧.
صلوا على نبي الرحمة ....
___________________
الأعين اتسعت بصدمة والقلوب ازدادت دقاتها، والانظار جميعها شخصت صوب ذلك الجسد الذي تمدد بلا حول أو قوة في الارض .
همس صالح بعدم فهم لما حدث منذ لحظات قصيرة؛ لحظات لم يستوعب بها ما جرى لشدة سرعته :
" أزاي ؟؟"
ابتلع محمود ريقه وجسده ما يزال يختض من أثر ما حدث منذ ثواني، يا الله كاد يُقتل للتو، بطريقتين مختلفتين، إما خنقًا بمفرش سرير صالح، أو بالرصاص من مسدس تلك " الست القادرة " كما اعتاد تسميتها.
ضغطت ميمو على السلاح بين أصابعها وهي تدسه مرة اخرى بين طيات حقيبتها تقول بهدوء متجاهلة صلاح الذي كان يجاورها بصدمة من سرعة ردة الفعل التي اتخذتها :
" ازاي ايه ؟؟ "
تشدق صالح مجددًا وهو يشير لجسد عمر وافكار مجنونة تتطاير داخل عقله، من أي ثقب اسود أُلقيت تلك الفتاة عليهم، وما بال أخوه يراقبها باستمتاع وبسمة واسعة هكذا ؟؟
" هو ايه اللي ازاي ايه ؟! ده ...ده ..أنتِ ازاي ضربتي الرصاصة عادي كده ؟! و... ده انتِ خرمتي دراع الراجل "
صمت يحاول الخروج من صدمته، فمنذ ثواني كاد يشهد مقتل محمود، تلك الفكرة التي أثارت به كل خلية وجعلته يتحفر لارتكاب جريمة للمرة الأولى في حياته، واستخدام مديته بشكل جدي وليس فقط للتهديد، فكرة أنه قد يخسر في لحظة صديقه الوحيد قتلته رعبًا ..
" أنتِ قتلتيه كده عادي ؟؟ بعدين أنتِ جبتي منين السلاح ده ؟! ضربتيه بالنار أنتِ مش مستوعبة إن دي محاولة قتل وممكن نروح كلنا في داهية المرة دي ويا عالم هنقعد نثبت قد ايه أنه دفاع عن النفس "
ابتسمت ميمو بسمة صغيرة وهي تتحرك صوب عمر تناظره من علياها بعدم اهتمام وكأنها تقيم جروحه بنظرة واحدة، ثم نظرت مجددًا لصالح تخبره كلمات ظنتها مطمأنة أو على الأقل كانت هكذا من وجهة نظرها :
" متخافش السلاح ده مترخص "
ابتسم صالح يدعي الراحة المصطنعة وهو يمسك ذراع محمود يهلل بسعادة :
" ايه ده بجد ؟! مش تقولي كده من الاول ؟؟ الحمدلله يا رب ده طلع مترخص، كده ضمنا البراءة الحمدلله، أي ظابط هيتكلم معانا نص كلمة هنحط ترخيص السلاح في عينه، انزل يا محمود خد معايا سجدة شكر لله على الترخيص "
ومحمود الذي لم يستوعب بعد ما حدث سجد بالفعل يشكر الله على نجاته من موتٍ وشيكٍ، وصالح يتنفس بصوتٍ عالٍ قبل أن ينظر لصلاح الذي كان يحدق في ميمو بنظرات لا يدري أمعجبة كانت أم متعجبة ؟!
" هي دي ؟؟ عاجبك اللي عملته الست المفترية دي ؟؟ دي ضربت الراجل رصاصة ولا رفلها جفن حتى "
ابتسم صلاح يهز رأسه يجيب على سؤال أخيه، لكن صالح زاد جنونه وهو يقول :
" بتهز راسك على ايه أنت ؟؟"
" على أن اللي عملته عجبني "
مسح صالح وجهه، ثم انحنى على قدميه قرب جسد عمر الذي ثُقبت ذراعه للتو من مسدس ميمو، نظر له جيدًا قبل أن يقول بحنق :
" اسمعي يا ست أنتِ مش معنى إن السلاح مترخص يعني ممكن ينقذك من قضية، لا يا غالية ده هيسقط عليكِ قضية كانت هتبقى إضافية لمحاولة القتل، يعني لو السلاح مكانش مترخص كنتِ هتشيلي بلوة حيازة سلاح دون ترخيص وبلوة محاولة قتل "
صمت ينظر لها بسخرية لاذعة :
" دلوقتي بالترخيص اللي معاكِ أنتِ فلتي من تهمة حيازة سلاح واللي هي اساسا عقوبتها سجن شهر وغرامة ١٠٠ جنيه وممكن توصل لـ ٥٠٠ في اسوء الاحوال، يعني يا فرحتي بالترخيص لما يجوا يلاقوا فيه جثة وكمان فيه إصابة سابقة تثبت أننا مسكنا الراجل ونزلنا فيه تعذيب "
مسح وجهه يتنفس بصوت مرتفع :
" وشوفي بقى هنثبت ازاي أنه دفاع عن النفس وهو في بيتنا كأننا خاطفينه، وأقل دكتور شرعي يثبت الضربات اللي أخدها قبل الرصاصة وأنه تعرض لتعذيب قبل ما تيجي حضرتك وتقتليه بالمسدس المترخص بتاعك "
اشارت له ميمو وهي تلوي شفتيها معترضة على ذلك الحديث :
" هو مامتش دي إصابة في الدراع بس "
" أيوة بس كان ممكن الرصاصة تصيب منطقة حيوية وتخلص عليه "
منحته ميمو غمزة :
" متقلقش أنا مش هاوية، أنا متدربة على النشان كتير "
قاطع صلاح كل ذلك الحديث وهو يتساءل عما يهمه في الأمر :
" هتعرف تصلح دراع الراجل ده ولا نسيبه سائح في دمه كده ونبقى قلناه رسمي ؟!"
تنفس صالح بصوت مرتفع وهو يطيل النظر في جسد عمر :
" هو أنا هفضل اخيط في الراجل ده كل شوية ؟؟ ايه مش هنخلص بقى من الحوار ده ؟! والزفت اللي اسمه سعيد ده متصلش ولا اهتم اساسا "
ونظرات ميمو التي توحي بأن الأمر بسيط كانت شرارة جية لإشعال غضب صالح أكثر، خاصة حينما نطقت بـ :
" تقريبًا سعيد الفترة دي عنده ضغوطات كتير الله يكون في عونه، بس ده ميمنعش أن ممكن نستفاد بعمر، أو...تليفون عمر "
نظرت لصلاح نظرة غامضة ليهز الاخير رأسه موافقًا وصالح يرمقهما بغيظ وغضب مشتعل :
" أنت بتهز راسك على ايه ؟! بتقولوا ايه انتم الاتنين ؟؟ والله الواحد بقى يحس بطاقة غباء لما يقعد معاكم "
أمسك به محمود يميل عليه هامسًا :
" والله ما حد نافع مع اخوك غير الست دي، شايف الاتنين عاملين ازاي وبيبصوا ازاي ؟؟ ربنا ما يوقعنا تحت ايدهم، أنا بفكر اقطع علاقتي بيهم وبيك أنت قبلهم، متزعلش مني يا صاحبي بس انا بقالي فترة كده حاسس أن الصحوبية دي جاية عليا بخسارة "
أشار صالح لمحمود وهو يوجه حديثه المحتد لشقيقه المبتسم بسمة مستفزة وكأنه بالفعل أعجبه ما فعلت تلك المرأة التي تشبهه :
" شايف عمايلك أنت والبنت اللي جايبها؟ هتخسرني صاحب عمري "
نظر صلاح لمحمود الذي كان يعقد ذراعيه بتذمر وكأنه يؤكد لهم غضبه مما يلاقي تلك الأيام بسبب معرفته بهم، لكن صوت صلاح أخرجه من ذلك وهو يردد بجدية :
" صحيح يا محمود هتسيب صالح ؟!"
اومأ محمود بإيجاب يرفع حاجبه في ترقب، لكنه تفاجئ من إقبال صلاح عليه، يضمه بعرفان وشكر ومن ثم ربت أعلى كتفه وقال :
" سكة السلامة يا حودة، متنساش تشد الباب وراك عشان بس محدش يدخل يشوف البهدلة اللي هنا دي "
نظر محمود بصدمة لصالح الذي قال جاذبًا إياه خلف ظهره :
" استنى أنت شوية يا حودة كده "
نظر بعدها لأخيه وهو يقول بجدية بعيدًا عن كل المزاح :
" اظن يا صلاح احنا كلنا في اللعبة دي سواء رضينا أو رفضنا "
جذب محمود يده من بين يد صالح وهو يقول برفض :
" لعبة ايه، أنا برة كل الحوارات دي "
لكن صالح أصر وهو يزيد قبضته على مرفق محمود :
" حتى محمود اللي أنت سعيد اوي أنه هيمشى بقى جزء من اللعبة دي "
" محصلش والله انا اساسا مش بعرف العب غير نط الحبل وبتشنكل في الآخر واقع على جذور رقبتي "
ابتسم صلاح وهو يستمع حديث أخيه، ثم هز كتفه بكل هدوء :
" والمطلوب مني ؟؟ اعمل لمحمود عضوية انضمام لللعبة دي ؟؟"
وقف صالح في وجهه يتحداه بشراسة وهو يوجه نظره صوب ميمو التي كانت تتابع كل ذلك ببرود، ليست وكأنها كادت تقتل أحدهم للتو :
" لا يا حبيبي، المطلوب منك أنت والعقربة اللي معاك اننا نكون فاهمين اللي بنحصل بينكم واللي هيحصل قدام، مش نبقى زي الطرش في الزفة كده "
ادعت ميمو الحزن من كلماته الجارحة والغير مراعية لأنها بالفعل تستمع لهم :
" اه ..كده يا لذوذ ؟؟ وانا اللي قولت عليك شاب كويس ومحترم، أنا عقربة ؟!"
نظر لها صالح بسخرية لاذعة:
" ده أقل وصف والله يا ريت بس العقربة متزعلش، يا شيخة ده أنتِ الخبث بيتربع عندك على عرش الصفات، ولا صفات ايه ؟ ده هو الخبث الصفة الوحيدة عندك "
نعم متفاجئة الآن من مقدار وقاحة ذلك الشاب الذي تختبر لسانه للمرة الأولى، صدق صلاح حينما أخبرها أنه لا يشبه أخيه بأي شكل من الاشكال، فشتان ما بين صلاح الذي لا يُخرج كلمة من فمه إلا بعدما يفكر فيها جيدًا، وذلك الذي لا تلبث الكلمة تستقر على جوفه حتى يقذفها في وجه من أمامه .
" لا على فكرة أنت بس عشان متعرفنيش فبتقول كده، أنا كمان عندي صفة الكلمة الطيبة، حتى أسأل اخوك "
نظر صالح لصلاح الذي هز رأسه بإيجاب وهو مبتسم بسمة واسعة يؤكد على كل كلمة تنطقها، فهو الآن يلعب دور الداعم الأول لعقربته الجميلة :
" حصل، مفيش اطيب من الكلمة اللي بتخرجها ميمو "
صاح صالح وقد فاض كيله :
" يا عم الطبلة خف شوية، ام كلمة طيبة ضربت الراجل رصاصة وقعته على الأرض زي الجثة "
نظر صلاح لميمو وقال بهدوء بعدما نظر للجثة أمامه :
" فداها "
صرخ صالح بحنق :
" يووووه، أنت ايه اللي جرالك و..."
قاطعه محمود الذي هز ذراعه :
" لو مش هقاطع الخلافات العائلية دي، بس شكل كده صوتكم أزعج الاستاذ عمر وقومه من موته "
نظر الجميع صوب عمر الذي كان يتأوه ويأن بخفوت، مسح صالح وجهه وهو يشير لمحمود بحمله :
" شيله قصادي يا محمود ارميه على الكنبة هنا لغاية ما نشوف هنشيل الرصاصة ازاي "
تحدث محمود مقترحًا وهو يشير برأسه صوب الفراش :
" ما نحطه على السرير "
" لا كده هيظفرلي الملاية ويبقعها مش ناقص قرف، حطه وانا هروح اشوف ايه اللي ممكن يفيدنا "
نظر بعدها لصلاح الذي كان يضم ذراعيه لصدره يراقب ما يحدث بهدوء شديد ليس وكأنه اعتاد ذلك المشهد كثيرًا :
" وأنت يا استاذ يا عاشق يا ولهان، خد الأستاذة دي واختفوا من وشي عشان أنا حاليا اساسا مش طايق نفسي وثانية وهنفجر فيكم"
أنهى حديثه ينطلق لخارج الغرفة كالرصاصة، يشعر باحتراق في صدره، الآن ماذا ؟؟ هل يؤجل سفره للإسكندرية ويدع ذلك الرجل يختطف منه رانيا ؟؟ مهلًا يختطف منه رانيا، ومنذ متى كانت رانيا له حتى يختطفها منه أحد ؟؟
في الداخل نظرت ميمو صوب صلاح الذي قال بهدوء :
" بعتذر عن لسان اخويا هو في العادة كده، قريب هتاخدي عليه "
ابتسمت ميمو بعدم اهتمام :
" متقلقش أنا مزعلتش منه، بس كل الفكرة اني اخدت على خاطري، يعني ضيعت رصاصة وجيت انقذته هو وصاحبه وفي الآخر يقولي عقربة ؟؟ والله عيب "
رفع صلاح حاجبه وهو ينظر لمحمود الذي يراه لأول مرة يتصرف بجدية وعملية شديد، يهمس بصوت منخفض :
" ما هو عنده حق يا ميمو "
ابتسمت ميمو بسمة جانبية وهي تقول :
" أيوة عنده حق، بس الفكرة في الطريقة اللي رمى بيها الكلمة في وشي"
ابتسم لها صلاح بسمة ماكرة وهو يميل قليلًا فقط يهمس لها وكأنه يصلح خطأ لم يرتكبه، لكن إن كانت جميع الأخطاء متعلقة بتلك الانثى فهو سيكون سعيدًا ليصلحها بنفسه:
" عندك حق، أنتِ مش عقربة، أنتِ اجمل عقربة، وأجمل حد يخرج سم ...."
نظرت له ميمو ثواني قبل أن تنفجر بالضحك عليه وهو اعتدل في وقفته يرمقها بهدوء بينما محمود يحدق بهما بريبة وكأن انيابًا ستنبت لهما وينقضان عليه ممتصين دمه .
_____________________
صمت عم السيارة بأكملها و أمارات الصدمة هي كل ما يمكنك أن تستشفه من نظرات تسبيح المحدقة بوجه رائد .
تلك الكلمة التي يصفها بالـ " بسيطة " نزلت أعلى رأسها كالصاعقة، هل طلب منها للزواج للتو ؟! بعد ثواني فقط من حديثه عن زواجه المُقدر من فتاة أخرى ؟! أيخطط للتملص بها من زفاف أُلقي فيه دون إرادة ؟!
وكان كل ما تفكر به واضحًا على ملامحها، ليتفهم رائد ما تفكر به، لكنه لم يملك ما يقوله ليبدد كل تلك الشكوك، فهو حتى لا يدرك سبب طلبه ذلك، هل هو رفضًا لزواج فُرض عليه فأحب فكرة أن ينسلخ عن عادات بالية عن طريقها؟! أم لذلك الشعور الخفي داخله بالمسؤولية _المقيدة_ صوب تلك الفتاة؛ مسؤولية لا يستطيع أن يقضيها كما يملي عليه قلبه بسبب حدود كثيرة بينهما لن تُزال سوى بورقةٍ خُطّ عليها اسمهما معًا تحت كلمة عريضة عبارة عن ( عقد زواج ) .
"أنت عايز تتجوزني أنا ؟؟"
" أيوة، موافقة ؟؟"
بالله ما هذه البساطة التي يتحدث بها كما لو أنه يتحدث معها عن أسباب الاحتباس الحراري أو أخبار الطقس لهذا اليوم ؟!
" أنت بتهزر ؟!"
أشار رائد لوجه الجاد تمام الجدية وهو يقول :
" لا والله، حتى بصي على وشي "
اعتدلت تسبيح في جلستها تتحفز لكل كلمة تخرج منه :
" طالما مش بتهزر يبقى اتجننت "
" لاحظي أنك النهاردة اخدتي عليا زيادة وبقيتي تغلطي فيا كتير "
اغتاظت منه تسبيح لتلك النبرة التي يتحدث بها عن أمر كهذا، ولأول مرة أو لثاني مرة تتناسى كامل هدوئها معه وتتحدث بحنق شديد وغضب :
" رائد أنا مش بهزر، هو أنت عايز تتجوزني عشان الجوازة اللي ابوك هيدبسك فيها ؟! ما انت كده برضو بتدبس نفسك على فكرة "
نظر لها رائد ثواني، قبل أن يستدير ويكمل قيادة السيارة ببرود شديد تاركًا إياها تجلس على جمر وأمواج افكاها تقذها من البر للبحر دون أن ترسو على إجابة لكل ما تفكر به، أفاقت من كل تلك الحيرة حول سبب حديثه معها بهذا الشكل، ثم صمته بهذه الطريقة ...
لكن صوت صفير رائد الهادئ أثار انتباه آذانها، نظرت له بتعجب تحاول تبين تلك الالحان التي تصدر من بين شفتيه حتى اتسعت عينيها بقوة وهي تسمعه يردد باندماج شديد :
" وهتجـــوز .. "
صمتت تسبيح دون فهم وهي تستدير تنظر للطريق أمامها متسعة الأعين وجوارها رائد لم يتوقف عن ترديد الأغنية وكأنه يقود السيارة وجواره تجلس زوجته متجهين صوب قاعة الزفاف .
ثواني حتى توقفت السيارة وهي ما تزال في صدمتها من تصرفاته الغبية، نظر لها رائد وهو يقول بهدوء :
" ودلوقتي بعد ما وقفنا وركنت العربية في حتة ضلة بدل الشمس اللي كان هياكل السقف نقدر نتكلم زي الناس ؟؟"
استدارت له تسبيح وهي تنظر له بتشوش حتى ابتسم لها :
" أنا لو زي ما بتقولي عايز اعمل كده عشان أفلت من الجوازة اللي ابويا هيدبسني فيها، فأنا عندي مليون حل اقدر اعمل بيهم كده، غير اني ادبس نفسي "
ابتلعت ريقها تحاول أن تستدعي كل ذرات شجاعتها وتسأله :
" امال ليه بتعمل كده ؟؟"
نظر لها ثواني وطالت نظراته لها حتى شعرت بالخجل يحتل كامل جسدها، قبل أن يجيبها رائد ببسمة واسعة وببساطة تشابه نفس بساطته في حديثه معها، ذلك الرجل الذي كان يتوتر حينما يعطيها بعض المثلجات والتسالي الآن يمتلك لسانًا فصيحًا عند التحدث عن أمر كهذا .
وكان الرد منه كرصاصة تصيب منتصف ذلك الخافق بين جنبات يسارها :
" هما الناس بيتجوزوا ليه يا تسبيح ؟؟ "
زاغت عينيها تحاول أن تتحدث معه كما اعتادت بهدوء :
" عشان يكملوا نص دينهم ويلاقوا سكن وشخص يقاسموه الحياة "
هز كتفيه لأعلى وأسفل وقد اشعرته اجابتها انه يسير على الطريق الصحيح فهو إن كان بالفعل يبحث عن زوجة تكن له سكنًا فلن يجد كتسبيح سكنًا ومسكنًا وسكينة ..
" تمام أنا برضو عايز سكن زيهم، اصلي متشرد "
حسنًا هنا ووصلت تسبيح لنهاية قدرتها على التحمل، لذا وبدون قول كلمة واحدة كانت تمسك بمقبض باب السيارة وهي تركض منها صوب شقتها لتحتمي بها بعيدًا عن نظرات رائد الذي تعالت ضحكاته بقوة عليها يردد من بينها بصعوبة :
" على فين يا تسبيح ؟؟ طب والسكن ؟!"
لكن تسبيح لم تجب أو حتى تستدير له، بل سارت بخطوات سريعة أشبه للهرولة تصعد درجات المنزل بتعجل، حتى كادت تصطدم بصالح أم أنه صلاح ؟!
" ايه يا تسبيح على مهلك وأنتِ طالعة، كنتِ هتوقعيني تكسري ضهري "
نعم هو صالح.
هزت تسبيح رأسها ببطء تتمتم باعتذار مكتوم، تسارع صوب شقتها، بينما صالح راقبها بعدم فهم وشعر أن شيء سييء حدث لها، ليفتح فمه يود الاطمئنان عليها :
" تسبيح أنتِ كويـ "
لكن قبل أن يكمل جملته كانت تسبيح _ التي لم تستمع لها _ تغلق الباب بقوة وبشكل جعل صالح يخشى أن يكون مكروهًا أصابها، وما كاد يصعد ليسألها عما نالها من سوء، حتى وجد السوء بنفسه يصعد درجات المنزل وهناك بسمة متسعة ترتسم على فمه بشكل جعل صالح يحك ذقنه :
" هي تسبيح كانت معاك ؟؟"
هز رائد رأسه وهناك بسمة متسعة على فمه وعيونه متعلقه بالباب وشعور غامر بالسعادة لأجل تجربته لتلك اللحظات، ينتشر في اوصاله ...
ضيق صالح عيونه وهو يتساءل بحاجب مرفوع :
" هو فيه ايه بالظبط ؟؟"
ربت رائد على كتفه غامزًا :
" فيه كل حلو باذن الله، سيبك أنت وقولي رايح فين ؟؟"
تمتم صالح بهدوء رغم أن نبرة رائد اشعرته بوجود الكثير خلفها :
" رايح اجيب شوية حاجات من الصيدلية عشان الراجل اللي فوق ده "
كان يتحدث وهو يهبط الدرج :
" بس لما ارجع هعرف سر النظرات دي "
تجاهل رائد جملته الأخيرة يقول بجدية :
" هو فاق ؟!"
قال صالح يقفز الدرجات بسرعة كبيرة :
" لا انضرب رصاصة "
تشنج رائد قبل أن يسرع بالصعود لا يفهم ما يقصد صالح بمعنى كلماته، ما الذي يحدث في ذلك المنزل بحق الله ؟؟ أليس مقدر لهم أن يرتاحوا يومًا ؟!
__________________________
يوم انتهى واخيرًا، يوم قضاه يصطاد السمك ويتسلق الجبال فقط لأجل ألا تحزن تلك الصغيرة ولا تغضب منه ميمو إن فشل في مهمته ..
نعم اضطر أن يكون ضمن تلك الفرق التي خيمت في أحد الأماكن النائية وكأنهم يشتاقون لحياة التقشف، قضى فترة الصباح كاملة يصطاد سمكًا ليأكله هو ونيرمينا، وها هو يعود من البحيرة يحمل كيسًا مليئًا بالسمك ليس وكأنه صياد محترف، لكن الأمر فقط يحتاج حظ وتركيز وهو لا يمتلك أكثر من التركيز .
جلس مختار على ركبتيه يجهز نارًا لشيّ الاسماك وجواره أعين نيرمينا تراقب كل حركة منه بدقة كبيرة وهي مبتسمة بسمة واسعة منتصر، فحين عاد الجميع بسمة أو اثنتين عاد مختار بغنيمة حرب.
وبعد مرور ساعة تقريبًا كان الجميع متجمع حول النيران يتضاحكون ويتناولون الاسماك، وهو لا يهتم لهم بل فقط يركز على طبق السمك الخاص به، وحينما انتهى من تنظيفه بدّله مع طبق نيرمينا يأمرها بعينه أن تأكل، ثم شرع ينظف السمك الآخر له .
في تلك اللحظة منحته نيرمينا نظرات ملتمعة بالامتنان والسعادة وقبل أن تفتح فمها لشكره، سمعت صوتًا جوارهما يهتف غامزًا :
" اوووه، ايه يا نيمو الحكاية ؟! مش كبرتي على أن حد ينضف ليكِ السمك "
خجلت نيرمينا أن أحدهم انتبه لما حدث، و للاسف لم يكن أحدهم هو الوحيد الذي فعل، حيث انهالت عليها التعليقات السخيفة من كل حدبٍ وصوبٍ .
" الواحد مش عارف من غير الراجل اللي معاكِ ده كنتِ عيشتي ازاي ؟؟ من ساعة ما وصلنا وأنتِ مش بتعملي حاجة "
" ما تسلفيه ليا يا نيمو يساعدني لاحسن الواحد محتاج شوية دلع بدل القرف اللي هو فيه "
" متنساش يا وحش بقى تبقى تنفخ ليها في الرز لاحسن يلسع لسانها "
تعالت الضحكات والجمل المتراشقة لتشعر نيرمينا بالفعل أنها بالغت في الاعتماد على مختار حتى ظهرت امام الجميع كما لو أنها مدللة سخيفة، والآن ها هي دموعها تسارعت للظهور لتؤكد تلك الفكرة التي أخذها الجميع عنها .
ابتلعت ريقها تدفع طبق السمك عنها وهي تهمس بصوت منخفض :
" أنا شبعت، هروح اغسل ايدي "
نظر مختار لطبق طعامها الذي لم يُمس، ثم رفع عيونه للجميع الذين انشغلوا عنها بالضحك بعدما أفسدوا عليها متعة تناول طعامها وكأنهم لم يفعلوا شيئًا .
نهض ينفض ثيابه، ثم أمسك دلو المياه الباردة الذي أحضروه للشرب ودون تفاهم ألقاه كله على النيران التي أشعلها الجميع بعد ساعات من المعاناة وجمع الاخشاب، يفسد عليهم طعامهم كما فعلوا مع نيرمينا .
ومن بعدها حمل اطباق الطعام وسار الهوينة يتجاهل الشهقات والصرخات والسبات التي علت من خلفه، وقد انتقم منهم وليرى كيف سيشعلون نيران أخرى قبل ساعات حينما يأكل الجوع امعائهم، وايضًا عليهم تحمل البرودة كذلك .
بحث بعينه عن نيرمينا ليجدها تعود من طريق البحيرة راكضة بشكل اثار انتباهه .
كانت نيرمينا تنظر للخلف كل ثانية وهي تبتلع ريقها بقلق وقبل أن تتم خطوة أخرى اصطدمت في جسد مختار لتطلق صرخة عالية، تعود للخلف بفزع مما جعل مختار يشك أنها تهرب من أحدٍ؛ لذلك دون سماع تفسير منها ترك الطعام ارضًا يدفعها جانبًا وهو يسير بسرعة كبيرة صوب المكان الذي خرجت منه .
لكن نيرمينا أمسكت به وهي تحاول منعه :
" لا اصبر، رايح فين، فيه ..فيه فيه ذئب هناك "
رفع مختار حاجبه وتشنج ساخرًا من حديثها يحاول نزع يده، لكنها لم تمنحه الفرصة وهي تقول بجدية :
" استنى ده كبير اوي، ذئب اسود ضخم وبياكل أي حد بيقرب منه، متروحش هناك، ارجوك خليك هنا "
وإن كانت تظن أنها بتلك الكلمات ستقنعه بالتخلي عن فكرة الذهاب حيث كانت، فهي مخطئة هو ازداد اصرارًا على الأمر؛ لذلك انتزع ذراعه من يدها يركض صوب البحيرة، و نيرمنا خلفه تصرخ به أن يتوقف تمسك ذراعه وتجذبه بعيدًا:
" لا متروحش، متروحش هناك، تعالى ناكل، أنا جعانة، تعالى يا مختار ناكل "
لكن مختار كان كالصخرة، فبدلًا أن تجذب هي ذراعه بعيدًا عن البحيرة كان هو من يجذبها خلفه وهي فقط تتعلق في ذراعه تردد برجاء :
" طب اصبر بس، أنت مينفعش تروح دلوقتي عشان فيه ..."
وقبل أن تكمل حديثها توقف مختار فجأة وهو يرى ما كانت تهرب منه نيرمينا بخجل منذ دقائق.
شاب يُجالس فتاة بكل وقاحة على شاطئ البحيرة، يقترب منها بشكل فج جعل مختار يرفع حاجبه وهو ينظر لنيرمينا جواره والتي كانت قد احمرت خجلًا :
" أنا ..أنا جيت عشان اعيط، لقيتهم كده والله "
وكأنها تنفي عن نفسها تهمة لا تمت لها بصلة، تلك الحمقاء.
رفعت نيرمينا عيونها ببطء وفضول شديد تراقب ذلك المشهد الذي لطالما أغمضت عيناها عنه في الأفلام التي تشاهدها، ومختار يُحرّك عيونه بين زوج العشاق الحمقى وبين تلك التي تفوقهم حمقًا، وحينما رأى اتساع عينيها يزداد، نظر بسرعة صوب البحيرة ليجد الشاب يقترب من الفتاة أكثر، ليستدير بقوة صوب نيرمينا يجذب القبعة الملتصقة بثيابها الشتوية يضعها أعلى وجهها، ثم سحبها بعيدًا منها وهي لا ترى الطريق .
" ايه ؟؟ فيه ايه ؟! شيل ايدك مش شايفة حاجة"
لكن مختار كان ما يزال يجذب القبعة للاسفل ويسحبها هي من ثيابها بعيدًا .
" على فكرة أنا مكنتش عايزاك تيجي وتشوفهم، أنت اللي اصريت عجبك كده !! اديك خدشت حياءك، هتحط عينك في عيني ازاي بعد اللي حصل ده ؟! "
فجأة شعرت نيرمينا بتوقف مختار وتحرر قبعتها من أسر أنامله، لتبعدها عن عيونها وقبل أن تقول كلمة وجدت مختار ينحني من استقامته حتى يصل لطولها، ومن ثم حدق في عيونها بشكل مقصود مبتسمًا بسمة واسعة، وكأنه يجيب سؤالها عن كيف سينظر لها مجددًا .
ابتسمت نيرمينا بغباء وهي تبتعد عنه :
" أيوة تمام فهمت "
نظرت حولها وهي تحاول صرف انتباهها عنه قبل أن تركض وهي تقول بخجل من الوقوف معه :
" هروح الحق اطباق الاكل ليطلع ذئب وياكلهم "
ابتسم مختار عليها يلحق بها في خطوات واسعة حتى وجها تحمل طبق الطعام الخاص بها تردف بسرعة :
" يلا نروح نأكله من الكل و.."
لكنها وجدته يحمل الطبق من يدها ويعطيها الآخر والذي كان قد نظفه لأجلها، ثم جلس مكانه يتنفس براحة كبيرة يضع الطبق أمامه وشرع في تنظيفه من الأشواك وهي ما تزال تحمل طبقها وتنظر له بتردد، قبل أن تقرر الجلوس معه، فهي وإن كانت تخجل منه أو تخافه في قليل من الأحيان، إلا أنها لا تشعر بالراحة مع الجميع إن لم يكن هو من ضمن الجميع، وجودها مع مختار لطالما بعث في نفسها طمأنينه غريبة، ومنذ أصبح حارس ميمو وهي كانت تراقبه بفضول من بعيد ...
بدأ مختار يأكل في صمت وهدوء وجواره نيرمينا تأكل باستمتاع وهواء الشتاء البارد والذي ازداد برودة بسبب البحيرة القريبة يداعب خصلاتها، كل ذلك جوار دندناتها الخافتة صنعت لمختار حالة عجيبة من الراحة .
لم ينظر لها كي لا تتوقف عن الغناء بخجل أو يخرجها من شرودها، وصوت نيرمينا تغني إحدى نغمات ام كلثوم بصوت شجي ..
" يا حبيبي ..يلا نعيش في عيون الليل، يلا نعيش في عيون الليل، ونقول للشمس ..تعالي تعالي "
ابتسم مختار يمضغ طعامه وقد استشعر للمرة الأولى كم أن السمك لذيذ، لذيذ للغاية، وكأنه مذاقه جمع ما بين طعمه الاصلي ونسمات الهواء اللطيفة وصوت غناء نيرمينا الشجي، كل ذلك شعر به يتجمع في نفسه ليعطيه توليفة رائعة من المشاعر، مشاعر عديدة قادته لراحة نفسية لدرجة أنه ترك الطعام وانتبه بكل حواسه لها .
ونيرمينا تأكل وهي تدندن بمزاج صافي كما اعتادت الفعل حينما تجلس أسفل القمر في غرفتها، تطفو مع نسمات الهواء كوريقة شجرة تترك للهواء حرية اختيار مرساها.
كل ذلك وهي لا تشعر بما تفعل في ذلك الذي يجلس جوارها بكل استكانة وصوت من الماضي يتردد في أذنه بنفس النغمات ورائحة مخبوزات تقتحم أنفه .
اغمض عيونه وهو يسرح في تلك الكلمات وصوت نيرمينا تبدل بصوت والدته وهي تخبز له في الصباح المعجنات التي يفضلها .
حرّك مختار شفتيه دون صوت بنفس الكلمات وملامح الالم استوطنت وجهه، وعيونه تعلقت بالسماء، يمنح لنفسه فرصة الغوص في بحار ذكرياته الجميلة القليلة التي يحتفظ بها في صندوق داخل عقله .
___________________________
استغلت دخول رائد وانشغال صلاح معه وانطلقت هي تمارس هوايتها المفضلة الخفية التي تضع فوقها العديد والعديد من أكوام النضج المزعومة، هواية لم تتوقف يومًا عن ممارستها ولو خفية..
ابتسمت ميمو وهي تقفز أسفل زخات المطر وفي رأسها تتعالى اصوات ضحكاتها هي ونادر وأصوات صراخ مازن بهما أن يدخلا للمنزل .
" اصبر بالله عليك يا مازن هما خمس دقايق وداخلين "
نفخ مازن يتخلى عن مكانه في مقدمة المنزل يخرج للشارع حيث يلعب إخوته بالوحل والمطر، وقبل أن تمسك يده مرفق ميمو لجذبها بعيدًا عن الأمطار، بادر نادر بامساك يده وجذبه أكثر وأخذ يتحرك به ويجبره على الحركة كمن يرقص، ومازن يرفض أن ينغمس معه في ذلك يُذّكر نفسه أنه مسؤول عنهما في غياب والديه.
" لا يا نادر، سيب ايدي، مش هسيبكم تلعبوا في المطرة وتبردوا"
لكن وأي إصرار يمتلك إن تكالب عليه هذان الشقيّان، ميمو تجره من يد ونادر من الاخرى والثلاثة يقفزون عاليًا مع اولاد حارتهم فرحين بالغيث العزيز الذي لا يزورهم سوى مرات معدودة طوال الشتاء .
كانت ميمو تبتسم وهي تقفز بسعادة وتغني تلك الأغنية الطفولية التي يرددها الاطفال في الشوارع وكأنها هي من تحفز الأمطار للهطول أكثر .
(يا مطرة مطري واخبزلك عيش طري )
كلمات اعتادت التردد في الشوارع والحارات المصرية حين سقوط الأمطار وها هي تغنيها وهي تدور وتقفز أسفل الأمطار في دعوى خفيفة للصغيرة ميمو بأخذ حريتها طالما لا أعين تراقبها .
وقد غفلت ميمو خلال ذلك عن تلك الأعين التي كانت تراقب كل حركة منها، يستند على مدخل السطح يضم ذراعيه لصدره وهو يراقبها باستمتاع شديد .
كتم صلاح ضحكة كادت تفلت من بين أسر شفتيه حينما كادت ميمو تنزلق خلال قفزها لولا أنها تمسكت بسور المنزل، ودون أن تيأس عادت للابتسام والقفز مرة أخرى مانحة إياه المزيد والمزيد من تلك المتعة الخالصة .
ابتسم أكثر وهو يراها قد تعبت من الدوران والقت جسدها ارضًا تتنفس بعنف، غير آبهة بتبلل ثيابها، تحرك صوبها ببطء وصوت أقدامه المصطدمة بالمياه هي ما أخرجها من تلك الفقاعة التي أحاطت بها نفسها .
رفعت ميمو رأسها لترى صلاح يجلس بهدوء جوارها.
ابتسمت بسمة صغيرة تحاول أن تجد كلمات تداري بها وجودها هنا في مثل تلك الأجواء غير عالمة أنه للتو شهد كامل جنونها :
" أنا بس حسيت أن الجو كاتمة في الشقة فقولت أخرج اشم هوا "
ابتسم صلاح وقرر أن يجاريها فيما تريد :
" عندك حق، وانا برضو حسيت بنفس الكتمة فجأة فقولت اطلع اشم هوا معاكِ، بس الظاهر كده الجو قلب فجأة "
هزت ميمو رأسها تنظر ارضًا وهي تمسح وجهها لترى من بين قطرات المطر، ثم قالت :
" عملتوا ايه في عمر ؟!"
نظر لها بطرف عينه وهو يقول وما تزال الأمطار تنهمر أعلى رأسيهما، ها هي تغلق الباب على الطفلة التي رآها تستمتع بالمطر منذ ثواني، تُخرج له امرأة ناضجة لتتولى الحديث معه :
" معرفش أنا أول ما حسيت انك مشيتي، قصدي الجو بقى كتمة، قررت اجي اشم هوا "
حسنًا الآن بدأت ميمو تشعر بارتفاع درجة الحرارة فجأة والامطار لم تتوقف بعد، أم أن فوران الدماء في جسدها هي المتسبب في ذلك ؟!
ولم تنتظر تفسيرًا، لكنها نهضت تقول ببسمة صغيرة :
" مش يلا ننزل، تلاقي الكل استغرب اختفائنا فجأة "
نظر لها يدرك محاولاتها للفرار منه، لكنه لم يهتم وهو يسبقها للاسفل :
" عندك حق خلينا ننزل عشان كده ممكن تتعبي "
ابتسمت ميمو وهي تسير خلفه تردد بشرود ولا تعلم كيف خرجت تلك الكلمات منها دون تفكير، لكن الشبه بينهما استفزها بشكل حرّك قلبها وبشدة :
" تعرف إني ساعات بحسك زي مازن اوي ؟؟"
توقف صلاح في سيره يستدير محدقًا في وجهها بحب وحنان :
" افترض أن مازن ده اخوكِ، فمينفعش اغير من اللي قولتيه؟! ولا هو مش اخوكِ ولازم اغير منه ؟؟"
هزت رأسها في حركة بسيطة لا تستوعب اعترافه الصريح الاول لها :
" لا هو اخو..."
ولم تكتمل جملتها بعدما خنقتها الصدمة التي علت ملامحها، وصلاح يحدق فيها مبتسمًا، ثم اقترب منها يرسم ملامح جادة مانعًا بسمته من الارتسام على وجهه كي لا تفسد هيئته في تلك اللحظة :
" اوعي تقوليلي انك متعرفيش اللي فيها ؟!"
رفعت ميمو حاجبها وقررت اللعب معه لعبتهم المفضلة، والتي تتلخص في تلميحات متقاذفة بينهما دي ون أن تستقر على جملة صريحة :
" لا والله لسه معرفتش اللي فيها، يا ترى فيها ايه ؟!"
كانت تتحدث وهي تضم يديها لصدرها وهناك بسمة خبيثة ترتسم أعلى شفتيها، لكن فورًا تلاشت فجأة حينما فجّر صلاح قنبلته في وجهها يتخذ وضعًا مشابهًا لوقفتها وكأنه يتحداها بنفس أسلوبها :
" اني بحبك "
تهدلت أكتاف ميمو وهي تتراجع بعيدًا عن صلاح بصدمة، هي لم تعلم أنهما تخطيا مرحلة التلميح وبدأت مرحلة الصراحة، هو حتى لم يخبرها لتأخذ حذرها .
رفعت عيونها له وهي تردد بصوت خافت يكاد يتلاشى بسبب اصوات الأمطار خلفهما :
" صلاح أنت بتهزر ؟؟ أنت اكيد مش قصدك اللي قولته"
" لا أنا قصدي، وأنتِ اكيد عارفة أنه قصدي "
شعرت بقلبها يقفز بين جنبات صدرها، تلك الكلمات تداعب أنوثة دُفنت منذ سنوات حينما كادت تُغتال على يد حقير أعطى لنفسه حق التصرف بها، ها هي أنوثتها تنتفض من أسفل رماد الماضي تتراقص على انغام صدى كلماته سعيدة ..
استغل صلاح حالة البلاهة التي انتشرت أعلى محياها، تلك الحالة التي لن يراها كثيرًا على وجه ميمو، اقترب منها خطوات قصيرة واحتفظ بمسافة مناسبة بينهما، مقررًا الاعتراف بشكل لائق أكثر غير تلك الطريقة المباغتة التي ما تزال آثارها تطفو على ملامح ميمو :
" ميمو ..."
رفعت ميمو عيونها له وهي تبدو كما لو كانت تحاول تجميع شتات نفسٍ تاهت عنها لسنوات طويلة.
ابتسم لها صلاح يقول بكل ما يمتلك من مشاعر داخله :
" يمكن معرفش اسمك الحقيقي ايه، لكن قلبي قرر أنه يسميكِ مَعشوقة، واكتفي بالاسم ده تدليل ولقب وصفة، فهل عندك الاستعداد تقبلي بالاسم ده أنتِ كمان؟؟"
وميمو تلك المسكينة كانت في حالة لم تمر بها طوال حياتها، أهذه هي الفراشات التي تفنن في وصفها كُتاب رواياتها التي كانت تبتاعها في مراهقتها حالمة بفارس يدللها كما يفعل صلاح الآن ؟؟ أهذا هو الشعور الذي يُدغدغ كما وصف الجميع ؟؟ أهكذا كان خيالها حول ابطال الروايات ؟!
نظرت لوجه صلاح الذي كان يتلهف لرؤية أي بادرة قبول أعلى وجهها، بادرة واحدة ويقسم أن يحارب الكون لأجلها إن اضطر .
لكن ميمو كانت تحاول تذكر تلك الصورة التي كانت ترسمها لكل بطل في خيالها، لكن حتى تلك الصور تلاشت وحلّ محلها وجه صلاح، والآن في تلك اللحظة فقط أدركت أنها في كل كتاب كانت تبحث عنه، كانت تتنقل بين الأسطر بلهفة تتلمس اسمه، تغمض عينيها وتشرد في ملامحه هو دون حتى أن تراه .
فتحت فمها تحاول التحدث، لكن مشاعرها الوليدة التي حُرمت منها كما حُرمت كل سعادة، منعتها حتى من الحديث .
وصلاح تفهم ما تمر به من مشاعر محيّرة، يرى عذرية مشاعرها واضحة أعلى ملامحها .
ابتسم وهو يقول ببساطة :
" ايه رأيك ننزل تحت اعملك نسكافيه اللي بتحبيه عشان يدفيكِ ؟؟"
وكم كانت ميمو شاكرة لكرمه وهي تهز راسها بلهفة كبيرة وخرج صوتها مختنقًا بمشاعر عديدة لم يميزها صلاح :
" أيوة ارجوك، هكون شاكرة "
ابتسم لها صلاح بحنان يتحرك هو أمامها ليمنحها فرصة لملمة شتات نفسها يتعهد أمام نفسه أنه حتى وإن لم يلقى منها قبولًا فسوف يحارب لأجلها، حتى وإن اضطر لمحاربتها هي إن كانت هي جائزته في النهاية، سيفعل .
وميمو تسير خلفه لكنها لا تعي ما يحدث حولها...
دخلت خلفه للشقة وهي تستمع عدة اصوات حولها لكنها لا تفقه منهم شيئًا فقد زاحم تلك الأصوات صوت صلاح وهو يعترف لها بكلماته ...
__________________
يحمل ما أبتاعه من الصيدلية وقد أخذ قراره الاخير وسينفذه ومن بعدها سيفكر هل ما نفذه صحيح أم لا .
صعد صالح درجات المبنى ولم يكد يخطو داخله حتى ارتفع صوتٌ يعرف في الخلف يناديه باسمه .
" دكتور صالح ...دكتور "
توقف ينظر للخلف ليرى هاجر تتحرك صوبه بخطوات شبه مهرولة تحمل بين يديها سترة رجالية يعرف صاحبها جيدًا وقد صدق حدسه حينما توقفت أمامه تردد بهدوء :
" السلام عليكم اولًا، دي جاكتة الدكتور محمود نسيها في المطعم ووقع منها مفاتيح وانا بشيلها فخوفت تكون مفاتيح مهمة وقولت اجيبها ليك لاني معرفش بيته"
نظر صالح للسترة بين يديها، ثم رفع عيونه ليها يقول :
" هو كده كده محمود فوق عندي، لحظة اتصلك بيه "
وقبل أن تعترض بخجل، فهي تريد تلاشي الوجود من محمود مؤخرًا، تأثيره عليها ترفضه ولا تريده أن يتمادى، ذلك الاحساس داخلها خاطئ ...
لكن قبل أن تقول كلمة سارع صالح بالاتصال وهو يقول بكلمات مقتضبة :
" تعالى أنا مستنيك تحت البيت "
اغلق صالح المكالمة وهو يرى الخجل يزين ملامح هاجر بقوة ليتمتم في نفسه بحنق وتذمر :
" فيها ايه يعني لو كانت بنت اختك عندها شوية خجل من اللي عندك دول ؟!"
والرد جاءه سريعًا حينما انبأه عقله بكل واقعية، أنك ما كنت لتلتفت لها يومًا، فها هي هاجر لا تمتلك بعض الخجل الذي تريده، بل تمتلك كل الخجل، لكن هل سبق يوم والتفت لها أو انتبهت لها ؟؟ حتى بعدما حاول محمود _ بكل حماقة _ دفعك نحوها نبذت الفكرة ولم تتخيل نفسك تتعامل مع فتاة مثلها، ورانيا ... آهٍ من رانيا التي أجبرته على التفكير بها طوال اليوم دون هوادة .
جذبته وبقوة بمشاكستها وعنادها، وضعفها في بعض الاحيان، قاسية في وقت اللزوم، وهشة في الأوقات المناسبة.
افاق صالح من شروده الذي أضحى يلازمه منذ رحيلها على صوت محمود الذي ضربه في كتفه بغيظ مكبوت :
" أنت يا بني آدم مش تقولي أن البسكوتة معاك ؟؟ عجبك منظري كده ؟؟ نازل بدم الراجل على التيشيرت، دي بقت تشوفني بالدم اكتر ما بتشوفني نضيف "
رفع صالح وجهه لهاجر التي كانت تحدق في ثياب محمود، حرّك عينيه حتى ثبتها على ثياب محمود التي تبدو كما لو أنه خرج من جزارة للتو :
" يعني أنت يا حبيبي حتى لو البسكوتة بتاعتك مش هنا واتصلت بيك، تنزل كده ؟! ايه مفيش ناس في الشارع ؟؟"
همس له محمود وعينه لم ينزعها عن هاجر :
" يا عم أنا مالي بالناس ما يولعوا، أنا دلوقتي بتكلم عن هاجر، يعني تخيل تخاف مني دلوقتي اعمل ايه؟؟ "
قاطعتهم هاجر التي قالت بهدوء تمد يدها بالسترة :
" حضرتك نسيت دي في المخبز "
ابتسم محمود يلتقط منها السترة يقول بعفوية شديدة :
" من يد ما نعدمها يا نواعم "
رمشت هاجر بقوة تحاول أن تتلاشى من أمام عينه قبل أن تتلاشى هي من الحياة بأكملها بسبب طريقته معها، ابتلعت ريقها وما كادت تتحدث بكلمة حتى استمعت لصوت رنين هاتفها، استلت الهاتف بلهفة شديدة وقد وجدت أخيرًا فرصة للهرب منهم :
" الو يا رانيا .."
وها هي فرصتها للهرب تتطاير حينما انتزع منها صالح الهاتف بقوة كما اللصوص ودون حتى أن يراعي ما يسمى خصوصية أو يحترم صاحبة الهاتف، فهو ما اتصل بمحمود سوى ليجعله يوقف هاجر اكبر فترة ممكنه حتى يجد هو طريقة لجعلها تبوح بنتيجة مقابلة رانيا للعريس المزعوم، لكن انظروا الآن إليه، أكثر الرجال حظًا.
ابتعد بالهاتف وهو يشير لمحمود أن يعطل هاجر التي فتحت فمها بصدمة وهي لا تصدق أنها فعلها بها ...مجددًا.
" هو صاحبك ده مترباش ؟؟"
وكانت تلك أكثر الكلمات الوقحة التي أخرجها فم هاجر على مر سنوات عمرها السادسة والعشرين، صالح استطاع اخراج اسوء ما فيها وبكل سهولة ويسر .
ابتسم محمود يقف أمامها ليقطع مشهد صالح عليها يردد بهدوء شديد :
" بصي يا نواعم، صاحبي ده مغفل وانا عارفة وعمره ما هيعترف بكده، بس هو هيموت على بنت اختك، ودلوقتي هيولع من وقت عرف أن فيه عريس اتقدم ليها وكان هيسافر اسكندرية مخصوص عشان يتكلم معاها، فسبيه يكلمها يمكن يحس على دمه وياخد خطوة إيجابية "
نظرت له هاجر ثواني قبل أن تقول بجدية :
" أيوة بس ده مش صح، لو اخوات هاجر عرفوا حاجة زي دي مش بعيد تودع صاحبك "
نظر لها محمود بعدم اهتمام، هو لن يضيع تلك الدقائق الثمينة له معها حول الحديث عن صالح ورانيا ..
لذلك تجاهل الأمر وهو يبادر ويقول مشيرًا صوب درجات المنزل الخارجية :
" اتفضلي اقعدي لغاية ما يخلص التليفون حابب اتكلم معاكِ شوية "
" هنا ؟؟"
هز محمود كتفيه غير آبهًا لماهية المكان الذي سيجمعهم طالما أنه يفعل، هو فقط يهتم بوجودها معه وهذا يكفيه :
" لو حابة ممكن نروح كافيه أو ..."
وقبل أن يتم كلماته كانت هاجر تسارع للجلوس أعلى عتبات المنزل الرخامية الباردة وهي تقول :
" لا خلينا هنا لغاية ما صاحبك يخلص التليفون وامشي "
ضحك محمود ضحكة خافتة وهو يقترب منها ويجلس على بُعد مناسب من مكان جلوسها، ثم صمت وهو يتأملها قليلًا قبل أن يقول :
" عاملة ايه ؟!"
تعجبت سؤاله خاصة أنهم تقريبًا قضوا ساعات طويلة اليوم في مخبزها، لكنها رغم ذلك ابتسمت بلطف :
" الحمدلله بخير "
" وانا بخير طول ما أنتِ بخير "
ومجددًا صمتت، وأي حديث يُقال بعد جملته، محمود الذي يتفنن في تحويل أي حديث عادي لغزل، محمود الذي حين تراه لا يمكنك معرفة أنه من هذا النوع الشاعري .
خرجت من صمتها على صوت محمود الذي قال بخفوت :
" هاجر "
نظرت له هاجر بتردد لتراه يطيل النظر لها قبل أن يتكرم ويبوح بما يكتمه :
" هو أنا لو في يوم قولتلك اني معجب بيكِ وحابب اتجوزك هتوافقي "
شحب وجه هاجر وشعرت أنها على وشك الاغماء، أبعدت عيونها عنه وهي تنظر لكل مكان عداه، بينما محمود ابتسم بسمة لا تفسير لها، هي لم توافق، لكنها أيضًا لم ترفض وهذا وحده مؤشر جيد ليعيد طلبه.
ابتلعت هاجر ريقها وهي تحدق في أصابعها التي تفركها بقوة، ومحمود يطيل بها النظر مفكرًا، ماذا لو اعترف لها بالحقيقة كاملة وأنه ليس فقط مجرد معجب ؟؟ بل إنه قد تجاوز تلك المرحلة منذ أول مرة سمع بها صوتها الرقيق ؟؟
_______________________
" هو أنت يابني اشتغلت سكرتير لخالتي ؟! اصل كل ما ارن عليها ترد أنت، ايه اخدت التليفون وضع يد، ولا سرقته هو التاني ؟؟"
لم يهتم صالح بكل تلك الكلمات حيث كان يحرك شفتيه في سخرية صامتة يقلد كلمتها، وهي تزيد من حدة كلماتها.
تتوتر وبشدة حينما تتصل بهاجر متوقعة سماع صوت أنثوي رقيق يجيبها بـ ( اهلا يا رانيا يا قلبي ) فتجد فجأة أن من يجيبها هو صوت رجولي أجش حاد ( الو رانيا ؟!)
" خلاص خلصتي ؟!"
" والله أيوة خلصت، اتفضل ادي التليفون عايزة اتكلم مع خالتو "
وكان الهجوم ساحقًا من صالح الذي سارع وقال :
" عايزة تحكيلها على العريس صح ؟!"
رددت رانيا الكلمة ببلاهة لا تفهم ما يرنو إليه :
" عريس ؟؟ عريس ايه ؟؟"
تحرك صالح في مكانه بخطوات حادة يجذب خصلات شعره وهو يستشعر محاولاتها للتهرب، ليس وكأنه يمتلك حتى حق التحقيق معها في أمور حياتها الشخصية .
" اهو هنبدأ نستهبل، العريس يا عروسة اللي فيه بنت دخلت تقولك أنه جه وتروحي تشوفيه، حلو صح ؟! "
رفعت رانيا حاجبها تتعجب تذكره تلك الكلمات التي لم تدرك حتى أنها وصلت لمسامعه :
" هو ايه اللي حلو ده، أنت مالك اساسا ؟؟ واه يا صالح حلو، ومش بس حلو، لا ده قمر، واهم حاجة فيه أنه واحد ذوق والله ومحترم "
حسنًا إن كانت تطمح لاستفزازه وإثارة رجل الكهف داخله فقد نجحت وبامتياز، فبمجرد انتهاء كلمات رانيا حتى ارتفع صراخ صالح الذي جعلها تنتفض برعب :
" والله محترم ؟! ليه وانا مش محترم ؟! ايه شيفاني ماشي أقل ادبي على خلق الله ؟؟ على فكرة أنا ابن ناس اوي ومحترم جدا، لكن انتِ اللي واحدة شلق مش بينفع معاكِ الوش المحترم فكنتِ بتستفزي الجزء اللي مش محترم جوايا "
" ايه فيه ايه ؟؟ أنا قولت ايه عشان ده كله؟! أنا بقولك أنه عريس محترم وكويس، بعدين مين دي اللي شلق؟؟ أنت يابني مصر تتغافل عن عيوبك، ده أنت متعرفش للأدب طريق "
لكن صالح كانت في تلك اللحظة يجمع حطب غضبه ليلقيه في بركانه ويشعله أكثر ويزيد من سخونه حممه وينفجر في النهاية في وجهها هي :
" تمام يا رانيا، أنتِ اللي جبتيه لنفسك "
وإن كان يعتقد أنه الوحيد الذي يمكنه الغضب في هذه المكالمة فهو لم يحذر، فهي أيضًا تسطيع الصراخ والصياح مثله حيث بادرته بالقول :
" هو ايه اللي أنتِ جبتيه لنفسك ده ؟! ايه هتيجي تضربني يعني ؟؟ ما تفوق لنفسك أنت لو جيت هنا مش هتخرج عايش زيك زي العريس اللي لسه كنت بتتكلم عليه"
وكعادته حينما يكون غاضبًا لا تستقبل حواسه أي كلمات لا تهمه، بل فقط توقف عند جملتها الاولى ليجيب بإصرار وصورتها تُزف لآخر تلوح أمام عيونه :
" أيوة يا رانيا هجيلك بس مش هضربك، أنا هاجي اعيد تربيتك من الاول "
وشهقة رانيا المرتفعة جعلته يبعد الهاتف ويسير صوب هاجر ملقيًا إياه أعلى قدمها، يتجاهل صرخاتها المترددة وتهديداتها من إخوتها الذين إن رآوه سيتخلصون منه، لكن كل تلك الكلمات كانت تتردد في أذن هاجر وليس صالح الذي صعد المنزل بغضب مخيف .
تحدثت هاجر بدون فهم :
" هو فيه ايه ؟! وايه علاقة اخواتك بصالح ؟!"
تنفست رانيا بصوت مرتفع :
" الغبي بيهددني قال ايه هيجي يربيني "
نظر لها محمود وهو يراها تنهض معتذرة منه وقد وجدت في رانيا ملاذًا لها من نظراته، تحركت صوب السيارة تكمل الحديث مع رانيا، بينما محمود راقب مغادرتها بحنق :
" يارب كل مرة لازم يجي الزبالة اللي مصاحبه يبوظ الدنيا، الواحد يقتله ويخلص ولا يعمل ايه بس، صحوبية ايه دي يارب اللي جاية عليا بخسارة "
_________________________________
" يعني أنتم عايزين تقولوا إن سعيد بيفكر يلعب بديله ويبيع بسعر أعلى من السعر اللي أخد بيه البضاعة بثلاث أضعاف ؟!"
كانت تلك الكلمات صادرة من رجل ذو جسد ضخم بشكل غير اعتيادي، فهو في تلك اللحظة أشبه بمصارعين السومو، يرتدي بدلة سوداء تجعلك تقف أمامها محاولًا التفكير في كم الساعات التي قضاها لإدخال جسده بها .
" أيوة يا غانم باشا، هو اللي كان قال كده في آخر مرة كنا بنتكلم فيها عن البضاعة الجديدة، حتى وقتها كان اخد قرار يدخل دكتور جديد اللعبة"
ابتسم غانم بسمة غريبة، ثم نظر لمن يجلس أمامه :
" طب والدكتور ده يبقى مين ؟!"
ابتلع الآخر ريقه وهو يقول بجدية :
" واحد كده فيه عداوة بينه وبين اخوه فحب ينتقم من اخوه عن طريقه "
الآن اتضحت الصورة لغانم، هز رأسه يردد بهدوء شديد :
" تمام يا وسيم، وأنت خارج يبقى عدي على المساعد خد حلاوتك أنت ورجب على الاخبار دي "
نظر وسيم ورجب لبعضهما البعض بريبة من حديث غانم والذي يمثل العدو الأول في هذا المجال لسعيد، والذي يعمل والده في السوق السوداء ويشتري بضاعة من سعيد وليس منه بسبب خلافات بينهما، غانم الذي باع للشيطان روحه منذ سنوات دون رجعة وبكامل ارادته، أشتهي الغنى وأصبح شرهًا للأموال وفي سبيلها يستعد لفعل ما لا يخطر على عقل انسان .
أبصر غانم رحيل وسيم ورجب وهو يقول بغضب واراه خلف بروده :
" حتة عيل داخل المجال من يومين عايز يضحك ويكوش على السوق "
أنهى حديثه يخرج من درج مكتبه العديد من الصور والقاها على المكتب أمامه، ثم حدق في أحدهم بقوة قبل أن يلتقطها يضغط عليها بيده وفي عيونه نظرة مريضة :
" زمان ابوك اخد مني البنت الوحيدة اللي دخلت دماغي، ودلوقتي أنت بتحاول تاخد مني كل ما املكه، لكن ده على جثتي، وانتي يا استاذة ...ميمو، قريب اوي هتكوني ليا بكل ما فيكِ "
_______________________
الآن منزل الرجال أصبح اشبه بمسابقة تحديق وتحفز، فمنذ صعد صالح كالرصاصة وتحرك صوب غرفته بجنون وخلفه يركض محمود محاولًا معرفة ما حدث، وخروج تسبيح على صوت الصراخ والكل لا يفهم شيء، بل فقط يحدقون في بعضهم البعض محاولين معرفة ما حدث .
خرج محمود بعد دقائق من الغرفة، أو بالأحرى أُلقي خارج الغرفة وهو يسب ويلعن في صالح :
" أنت واحد غوغائي عشت غوغائي وهتموت كده يا زبالة"
رفع صلاح حاجبه بتعجب :
" إيه ده محمود أنت عارف يعني ايه غوغائي ؟؟"
عدّل محمود من وضعية سترته يتحرك صوب الرجل الذي كان قد أخرج الرصاصة منه قبل اتصال صالح به والهبوط لرؤية البسكوتة، جلس مجددًا يأخذ الاشياء التي اشتراها صالح ليضمد جروحه :
" لا بس سمعتك قبل كده بتقول عليه غوغائي، وعجبتني وحسيت أنها شتيمة "
ابتسم صلاح بسخرية عليه :
" كنت متوقع "
لم يهتم محمود بما قال، بل شرع يساعد ذلك الرجل الذي قُتل مرتين حتى الآن ونجى .
حين سمع صوت خلفه يهمس بخجل :
" فيه حاجة ؟! أنا سمعت صريخ من الشقة وجيت اشوف لو محتاجين حاجة "
كانت المتحدثة تسبيح التي تتلاشى النظر لرائد، وهي تنظر صوب ميمو التي أدركت ما يحدث بينها وبين رائد لتقول :
" لا يا تسبيح متقلقيش بس هو عمر مات موتته التانية، باقيله خمس محاولات ونخلص الأرواح بتاعته "
هزت تسبيح رأسها تحاول أن تستوعب شيء أو تفكر في شيء عدا شعورها بأنها محاطة بنظرات رائد الذي لم يكتفي أنه يحاصرها من الخلف، بل قرر أن يباغتها من الامام يقول ببسمة ماكرة :
" مساء الخير يا ست الكل، أخيرًا خرجتي من الكهف بتاعك "
ابتلعت تسبيح ريقها وهي تشيح وجهها عنه :
" مساء النور، أنا كنت ...كنت بنضف الشقة "
شعر صلاح بوجود خطب ليسمع صوت ميمو جواره تنظر لهاتفها، ثم قالت بجدية :
" أنا لازم امشي دلوقتي، الوقت اتأخر و..."
" تمام هوصلك "
وحتى لم يمنح لها وقت لإكمال جملتها، فما بالك بالاعتراض، هو فقط سبقها للاسفل يقول بجدية قاطعًا عليها أي طريق للاعتراض :
" أنتِ سبتي العربية عند النادي وجيتي في عربيتي، فأكيد مش هسيبك ترجعي في تاكسي دلوقتي "
عدل من وضعية ثيابه غامزًا :
" اصل انا جنتل مان اوي، وده غلط على سمعتي ولا ايه يا مودمزيل ؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة لم تستطع كتبتها أو تحكمت بها حتى، وتحركت أمامه :
" عندك حق يا لذوذ، طول عمرك جنتل مان "
غمز لها صلاح أثناء مرورها أمامه يميل عليها هامسًا :
" خاصة لو مع حد بعيون سودة وملامح زيك بالضبط كده"
" اوووه، كنت لسه هقول نفس الشيء عنك "
أنهت حديثها تحرك خصلات شعرها جامعة إياها في رابطة الشعر التي اخرجتها من الحقيبة، ثم تحركت للاسفل تسبقه نحو السيارة وصلاح يسير خلفها وهو يحمل سترته أعلى ذراعه يعدل من وضعية خصلاته :
" مش محتاجة تقولي، أنا بفهمك من غير ما تتكلمي "
ضحكت ميمو ضحكة قصيرة وهي تزيد من سرعة هبوطها .
تاركين في الشقة خلفهم محمود مازال يطيب الجثة بكل مهارة غريبة على من يعرفه ويعرف كيف يتصرف عادة، وخلفه تسبيح التي شعرت بالمكان يضيق عليها لتقرر الرحيل بعدما أصبح من غير اللائق البقاء هنا، خاصة بوجود رائد يحدق بها بهذا الشكل .
" أنا ...أنا هروح اشوف الاكل على النار "
وبسرعة كبيرة تحركت صوب شقتها، لكن رائد لم يهتم وهو يركض خلفها، يوقفها أمام شقتها كالعادة .
" تسبيح استني "
توقفت تسبيح دون أن تستدير له فاقترب هو يقول بجدية :
" على فكرة أنا كلمت بابا عنك وهو قالي اقولك تردي عليا عشان هو عايز يفرح بيا "
استدارت له تسبيح بصدمة واعين متسعة :
" أنت بتتكلم جد؟!"
لا بالطبع هو لم يتحدث مع والده منذ اغلق الهاتف في وجهه حانقًا، لكنه مطمئن أن منال نفسها لا ترغبه ولا هو يفعل، لذا عليه أن يضمن جانبها ليحارب على جبهة واحدة .
" أيوة، وكمان حابب اعرفك أن الحاج سليمان مش صبور ابدا في المواضيع دي، فبيقولك تتوصي بيا وتردي عليا بسرعة الله يكرمك "
رمشت تسبيح بسرعة قبل أن تقول :
" أنت كداب صح ؟؟"
" ده سؤال ولا تقرير ؟!"
استوعبت ما قالت كالعادة لتسارع وتصلح ما خرج منها :
" لا، مش قصدي والله خرجت مني غصب عني، أنا مش عارفة كل ما اقف قدامك بقول كلام غلط ليه، بس انا مش قصدي كده، قصدي يعني اقولك أنك اكيد بتهزر صح ؟!"
تنفس رائد بقوة يدعي الحنق قبل أن يرسم على فمه بسمة ويقول :
" أيوة فعلا أنا كداب، بس ده مش لأجلي ده لأجل ما تردي عليا قبل الأربعين واعرف اأسس سكن، بدل ما أنا متشرد كده، اعتبريني اخوكِ، ترضي اخوكِ يبقى متشرد كده ؟؟"
" اخويا ؟؟"
وملامح البلاهة التي انعكست في أعين تسبيح جعلته يدرك ما قال ليسارع بفزع :
" لاااا، لا مش اخوكِ اكيد مش اخوكِ، أنا قصدي في مقام اخو...لا ولا حتى دي، اعتبريني في مقام .."
صمت يمسح وجهه قبل أن يقول وقد يأس مما يفعل أمامها :
" خلاص انسى الحوار أنا عارف اني هبهدل الدنيا، أنا همشي قبل ما اقولك اني في مقام الحاج ابوكِ"
سار للمنزل ليرى ما يفعل صالح ومحمود، لكنه عاد ونظر لها يسير بظهره :
" بس متنسيش تفكري وتردي عليا ماشي ؟؟ اعتبريني واحد مسكين مستني الفرج "
أنهى حديثه يسارع صوب المنزل وهو يتنفس بصوت مرتفع وتسبيح تنظر له نظرات غريبة سرعان ما انقلبت لبسمة واسعة ....
_________________________
" معلش هنغير الطريق وعايزاك توصلني مكان تاني "
كانت تلك هي الجملة الوحيدة التي نطقت بها ميمو منذ جائتها رسالة ما على هاتفها، لتنقلب ملامحها بشكل غريب، وتصمت بعدما أملته عنوان غريب في إحدى الحارات القديمة قائلة ببسمة صغيرة :
" فيه ست صديقة لوالدتي وتعبانة وكلموني اروح اقابلها "
هز رأسه متفهمًا يتوقف بالسيارة حينما وجد أن الأزقة تضيق اكثر واكثر من أن تتسع لسيارته، وبمجرد أن توقف وقبل أن يبادر بقول كلمة واحدة وجدها تحمل الحقيبة شاكرة إياه :
" شكرًا أنا هكمل من هنا، تعبتك معايا يا حبوب "
أنها حديثها وهي تسير في تلك الأزقة التي تحفظها عن ظهر قلب، كيف لا وهي من أودعت بها عمها بعدما خسر كل ما يملك وغادر حارتهم القديمة ؟!
أعادت خصلات شعرها للخلف، تعيد نطق ذلك اللقب على لسانها " عمها " ياللسخرية، أي عم ذلك وأي عائلة كانت تمتلك من بعد خسارتها الاعظم لكل لطيف في حياتها .
وعلى رائحة الرطوبة التي تفوح من جدران المنازل وصخب الباعة، غاصت ميمو في ذكريات بعيدة، ذكريات مثلت لها بداية جحيم...
" يا معتز اتقي الله دي بنت اخوك والوحيدة اللي فاضلة ليك بعد ما كل العيلة راحت في الحريق، عايز تبيعها هي كمان ؟؟ مش مكفيك بنتك، أنت ايه مش بتحس ؟!"
كانت تلك كلمات زوجة عمها والتي انتهت بصرخات وقد فاض كيلها من رأس زوجها اليابس الذي يصر على بيعها كما سبق له بيع صغيرتها، لكنها ما تلقت من زوجها سوى صفعة عنيفة اسقطتها ارضًا تحت أعين ميمو التي كانت تختبئ خلف باب غرفة ميرفت والتي احتلتها منذ طامتها :
" بنت اخويا اللي ضيع ابني وموته معاه، بنت اخويا الزبالة الشمام اللي خلى سمعتنا على كل لسان، بعدين أنا مش فاهم أنتِ زعلانة كده ليه يا ختي ؟؟ ده بنتك محاربتيش عشانها كده "
بكت زوجته بقوة وهي تمسك وجنتها متألمة :
" عشان كنت متخلفة، كنت متخلفة ومعرفش اللي هيحصل ليها لما اوافق على جوازها في السن ده ومن واحد اكبر منها "
" حصلها ايه يعني ؟! بنتك ماتت عشان هي كانت مريضة"
نهضت زوجته تدفعه بجنون صارخة وهي تصفعه في كل جزء من وجهه لا تميز أمامها شيء :
" مريضة ايه ؟! أنت هتكدب الكدبة وتصدقها ؟؟ فوق يا معتز بنتك ماتت لأن جوزها المصون أذاها وسابها تنزف طول الليل ومهتمش حتى يعالجها لغاية ما دمها اتصفى وماتت، بنتك اتقتلت وأنت رفضت تبلغ عشان عارف أنك لو بلغت هتتحبس بتهمة زواج قاصر"
ازدادت صرخاتها بجنون وقد أحمر وجهها وبرزت عروقها بشكل مخيف :
" بنتك كانت قاصر، وبنت اخوك كمان قاصر وبرضو مصر تعيد نفس غلطتك، يا اخي ده بدل ما تحضنها لأنها آخر من اتبقى لينا رايح ترميها زي الكلاب ولمين ؟؟ لراجل اكبر منك أنت شخصيًا "
هاجمها زوجها مدافعًا عن نفسه بضراوة ليس وكأنه صاحب الحق في الأمر :
" بنتك كانت ضعيفة وانا وأنتِ عارفين، ما فيه بنات كتير من سنها واصغر كمان اتجوزوا بنفس الشكل وعايشين زي الفل، أنتِ نفسك متجوزك وأنتِ قد بنتك ولسه عايشة اهو "
صمت وهو يرى شحوب زوجته وبكائها :
" أما بالنسبة لعريس بنت اخويا، فده غير الزفت اللي جوزته البت بنتك، ده واحد هيسعدها ويأكلها الشهد ويدلعها، ده مجنون بميمو، ده هيعيشها في بيت قد الحارة كلها ويكون فيه خدم تحت امرها، يا شيخة أنتِ مش عايزاها تخرج من الفقر ده وتعيش حياتها "
هنا واكتفت ميمو، أغلقت الباب وارتكنت للجدار تضم قدمها تناجي عائلتها وهي تبكي وتنوح، هي لا تريد كل ذلك، لا تريد ذلك هي فقط تريد عائلتها التي خسرتها بأبشع الطرق .
تحركت عيناها لتستقر على الجروح التي طالتها حينما كادت تلقي نفسها في النيران، والآن تتمنى لو أنها فعلت .
وحتى تلك اللحظة ما تزال ميمو الصغيرة مسجونة في ذلك الركن، والتي تقف الآن بكل جبروت أمام المنزل هي ميمو أخرى، ميمو خُلقت من رحم العذاب ميمو استطاع جاد تشكيلها بكل حرفية، ميمو أصبحت كمعلمها وتفوقت عليه، وكان هو أول من طبقت عليه دروسه.....
رفعت يديها تطرق الباب، ثم انتظرت قليلًا قبل أن يطل أمامها وجه زوجة عمها التي أطلقت صرخة ملهوفة باسمها تميل عليها بالقبل المشتاقة :
" يا حبيبتي يا بنتي، أنا مش مصدقة عيني اني شيفاكِ، مش مصدقة "
شعرت ميمو بتيبس في كامل اجزاء جسدها، قبل أن تبلل شفتيها وتبادل زوجة عمها العناق، وكل ما نطقت به هو كلمة واحدة فقط :
" وحشتيني "
بكت زوجة عمها بقوة وهي تنهال عليها بالقبل :
" يا قلبي وأنتِ وحشتيني اوي، وحشتيني يا
عيوني، كده يابنتي متجيش ولا مرة نشوفك من بعد ما نقلنا ؟!"
تحركت ميمو للداخل، تنظر للمنزل المتهالك الذي يستحقه معتز، منزل أشبه بقبر، كذلك القبر الذي ألقاها فيه بدعوى أنه يساعدها لتعيش حياة كريمة، فلا هي عاشت، ولا حياتها كانت كريمة .
تحركت وزوجة عمها تسير خلفها بلهفة تقص عليها ما يحدث لهم منذ جاءوا لهذا المنزل :
" عمك بقاله شهور مصمم يشوفك، عمك بيروح مني يا ميمو وبيموت "
نظرت لها ميمو بأعين زجاجية، ولم تتحرك بها شعرة واحدة لما نطقت به، وكل ما قالته هو :
" برضو مش عايزة تيجي تعيشي معايا يا وفاء ؟؟ "
وضعت وفاء طرف حجابها في فمها وهي تبكي وتتحدث كزوجة ألفت العذاب وتصالحت مع القهر :
" يابنتي اجي معاكِ واسيب عمك لمين بس ؟؟ مهما عمل فيا هو جوزي وكمان مريض مقدرش اسيبه "
هزت ميمو رأسها وقد يأست أن ترضخ زوجة عمها لطلبها الذي عادته عليها مرات عديدة، فهي الشخص الوحيد الذي تبقى لها نظيفًا من ماضيها، لكن عمها ذلك العجوز المتمدد أعلى فراش متهالك يسعل بقوة لا يهمها بمقدار شعره.
هي ذات قلب متجبر لم تسامحه حتى اليوم، لم تسامح أنها قبّلت قدمه ليتركها في الشارع حتى، سوف تشحذ لتعيش ولا يزوجها لذلك العجوز، لكنه ضربها وعاقبها حتى رضخت .
نظرت له ترى مشهدًا لها وهي تترجاه يوم الزفاف وتقبل قدمه ألا يتركها :
" والله يا عمي هشتغل خدامة ليك، والله هعمل كل حاجة تطلبها مني، بس ابوس ايدك مش عايزة اموت زي ميرفت، مش عايزة اتجوز دلوقتي ابوس رجل يا عمي "
لكن في تلك اللحظة أنتزعها جاد بقسوة وهو يضمها بين أحضانه بعدما انتهى المأذون من عقد قران عرفي بسبب عمرها الصغير، وذلك طبعًا بعد تلقيه مبلغًا كبيرًا من جاد .
ابتسم جاد وهمس لها في أذنها بصوت مقزز :
" مبروك يا قلبي "
هنا وازداد صراخ ميمو وهي تشعر بجاد يجذبها خارج منزل عمها بفستانها الابيض الذي أحضره لتزف به أمام جميع اهالي حارتها :
" لا، يا عمي بالله عليك، عشان ربنا، بالله عليك ما تسيبني يا عمي، مش عايزة ابقى زي ميرفت مش عايزة اموت زي ميرفت "
ويا ليتها ماتت كميرفت، يا ليت جاد قتلها في يومها الأول كما حدث لميرفت، ما كانت عاشت كل ذلك، لحظة ألم يقتلها بالفعل جاد ؟؟ قتلها وقتل تلك الميمو الضعيفة التي كانت تتوسل الجميع وتقبل الأرجل بتذلل مخزي، والآن تقف ميمو أخرى، ميمو اقوى، تجعل الجميع هم من ينكبون على وجوههم لتوسلها ...
ابتسمت وهي ترى مشهد عمها ذو الجسد الضعيف لتدرك، أنه ومهما ظن الإنسان نفسه كبيرًا، فالله أكبر منه، وإن ظن أن لا نهاية لقوته، فالله اقوى من كل متجبر ...
رفع معتز رأسه بتعب وهو يرى الغرفة تدور به، لكنه فجأة لمح وجهها امامه، ميمو الصغيرة نضجت وأصبحت ذات قامة مفرودة الظهرة، ليبتسم بسمة متعبة وينطق اسمها بوجع وندم كبير يقطعه اربًا، لكن عزاؤه الوحيد أنها الآن تعيش براحة وسعادة وتمتلك من الأموال ما يمكنه شراء جارتهم بأكملها، وهل هي كذلك بالفعل ؟!
نطق معتز بأحرف واهنة اسم دفنته هي خوفًا أن يتدنس بأفواه من عاشت بينهم :
" مَقْدِس؟؟"
ابتسمت ميمو تعض شفتيها بقوة وعيونها تذرف دموع تتنافى مع بسمتها تلك، ملامح مشمئزة وبسمة ساخرة موجوعة :
" لا يا معتز، ميمو ...مَقْدِس دي خلاص ماتت، وأنت بايدك اللي قتلتها."
____________________________
مجنون ...متسرع ...متهور ...وسييء الخلق.
هو كل ذلك، لكنه والله لن يدع لهم رانيا ليزفوها لغيره، هبط من سيارته التي صفها لتوه أمام منزل كبير.
رفع حاجبه يتأمل ذلك المنزل الفخم الذي يدعوه البعض ( فيلا)، إذن رانيا ثرية وكانت تركض خلفه لأجل هاتف احمق .
تلك البخيلة .
لم يهتم وهو يتحرك صوب باب المنزل بعد ساعتين ونصف قيادة، وبعدما اقنع محمود بصعوبة أن يحصل له على عنوان تلك المتشردة من هاجر .
نظر لساعة يده، حسنًا لم يتأخر الوقت كثيرًا على غارة مفاجأة، ماذا يفعل هنا ولماذا ولأجل من وماذا سيقول لهم ؟؟ كل تلك اسئلة لم يفكر بها وهو يطرق الباب في انتظار أن يطل عليه أحدهم وكان من حظ صالح الجيد أو السييء، أن أطل عليه الرأس الكبيرة في المنزل من بعد والده .
نظر محمد لصالح ببسمة هادئة راقية :
" أيوة اتفضل ؟؟"
ونطق صالح كلمة السر لفتح قفل الباب الذي يسجن خلفه محمد وحوشه، لم يفكر فيما يتحدث وفيما سيفعل بل نطقها بتحفز، يقف أمام محمد يضاهيه طولًا، وبطلة واثقة واعين حادة وهيئة قوية ينطق بهدوء منافي لكل ذلك :
" ده بيت رانيا صح ؟؟؟"
__________________________
نعم كما توقعت عزيزي، مستوى جديد من المتعة.....
وانتبه فما يظهر امامك ما هو سوى بطانة سطحية لاخفاء الكثير ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحمة نبيل
لا تَقُل: استقبلتُ الضيوفَ في الصالون.
قُل: استقبلتُ الضيوفَ في الْبَهْوِ.
الْبَهْوُ: المكانُ المُعَدُّ لاستقبال الضُّيُوف، ويسمُّونه «صالون» وهو لفظٌ دخيلٌ على العربية، وقيلَ هو من الفرنسية Salle.
____________________________
طالت نظرات محمد لوجه صالح بشكل جعل الاخير يظن أنه به شيء خاطئ، هل تعجب هيئته ؟؟
هو خرج باكثر ثياب منمقة لديه، إن اعتبرنا أن البنطال الجينز والقميص الابيض ثياب منمقة، فهو الآن في واحد من أكثر طلاته تأنقًا .
وبعد صمتٍ طويلٍ من محمد والذي كان يدرس صالح ببطء، تحدث الاخير بتأفف حاول ألا يظهره علنيًا أمام تلك الأعين المتفحصة :
" هو ولا مش هو، ولا عايزني اعيد السؤال ؟!"
رفع محمد حاجبه بسخرية لاذعة :
" وكمان هتعيد السؤال ؟! ده انت قلبك ميت بقى "
تشنج فم صالح بتهكم شديد وحنق :
" قلبي ميت عشان بسأل على بيت رانيا ؟؟ ليه بسأل عن البيت الابيض ؟؟"
ارتفع حاجب محمد بشكل مثير للغرابة، هذا الشاب أمامه يتحدث له بشكل لا يعجبه، وفي أمر بالطبع لا يحبه، ما شأنه وشأن شقيقته .
" أنا شايفك واخد راحتك اوي وأنت بتتكلم عن رانيا، ومفيش اي القاب حتى أو تحفُظ في كلامك ولا كأنك اخوها في الرضاعة "
هز صالح رأسه بهدوء يضع كفيه داخل جيب بنطاله :
" والله انا معرفش هي بتهبب ايه ...قصدي بتدرس ايه في حياتها عشان اقول ليها لقب، بعدين لا مش اخوها في الرضاعة، بس قريب هيكون فيه صلة قرابة، ودلوقتي ممكن ادخل ولا هفضل على الباب كده ؟؟ "
وكاد يضيف على جملته جملة أخرى تمثلت في ( ولا أنتم كلكم كده عيلة معندكمش ريحة الذوق ؟!) لكن آخر ذرات تعقله هي ما منعته من ذلك واستطاع الطبيب العاقل المثقف داخله التفوق على الرجل البدائي .
ابتسم صالح بسمة سخيفة، يرى محمد يرمقه بنظرة مخيفة قبل أن يبتعد عن الباب يمد يده يدعوه للدخول بنبرة أثارت ريبته :
" لا ازاي، اتفضل طبعا، الكلام ده بالذات مش هينفع على الباب كده، بالاخص أنه واضح حضرتك ماشاء الله على معرفة طيبة باختي "
دخل صالح المنزل ينظر حوله باهتمام وهو يتمتم بصوت منخفض :
" معرفة طيبة ؟؟ والله أنت اللي طيب "
افاق من شروده على صوت محمد الذي دعاه صوب غرفة كبيرة تقبع في نهاية البهو الضخم وهو فقط يدقق النظر في كل شيء، ليبدو الأمر في ظاهره أنه مهتم بالمنزل، لكنه في الباطن كان مهتمًا بالبحث عن ساكنة المنزل .
جلس صالح وأمامه ارتاح محمد بشكل متحفز كأنه يتجهز للانقضاض عليه في أي لحظة :
" حضرتك بقى كنت بتقول ايه ؟! كنت بتقول تقريبا صلة قرابة ورانيا وحاجات كده "
هز صالح رأسه وقد رضخ لنتيجة تهوره التي أوصلته لتلك اللحظة، بالطبع هو لم يكن يطرق منزلهم ليسألهم عن حالتهم، هو جاء هنا نتيجة تهوره، لكنه سيكمل ذلك الطريق بتعقل .
" أيوة، أنا كنت جاي اطلب ايد رانيا "
في تلك اللحظة استمع الاثنان لصوت رجولي يردد بتعجب أمام باب الغرفة :
" تطلب ايد رانيا ؟؟"
رفع صالح رأسه ليرى أن هناك شاب في عمره أو اكبر قليلًا يرمقه بملامح كارهة كأنه جاء يطالبهم بمبلغ مالي كبير .
لكنه في الحقيقة لم يأبه وهو يكرر جملته :
" أيوة جاي اطلب أيدها "
ضحك محمد بسخرية ينظر باستصغار واستخفاف لصالح، الذي لم يعجبه كل ما يحدث الآن، لكنه يدرك في مثل تلك المناسبات عليه أن يتسم بالهدوء .
لكن محمد لم يكن يضع اعتبارًا لأي شيء :
" والله أنت واحد دمك خفيف "
" الله يكرمك، ابويا دايما يقولي كده"
ابتسم محمد بسمة أوسع، لكنها كانت ابعد ما يمكن عن معاني البسمة المعروفة، كانت ضحكة متهكمة، غاضبة، قبل أن يقول دون تفاهم وشعور أن شقيقته الصغيرة هناك من يود اخذها منهم قبل حتى أن تنضج وتستطيع التصرف وحدها، يقتله .
" طب فاكر الباب اللي دخلت منه من شوية ؟!"
هز صالح رأسه بهدوء يحاول أن يجاريه في سخريته :
" يعني لو شوفته تاني ممكن افتكره "
" جدع اطلع من الاوضة وامشي على طول هتلاقيه في وشك، اخرج منه ومشوفش وشك تاني هنا "
رفع صالح حاجبه بعدم فهم، ينظر لعبدالله الذي كان ينتظر أن ينتهي كل ذلك قبل شعور جبريل وعبدالجواد بما يحدث، لكن أمنيته ذهبت في مهب الريح حينما اعترض صالح :
" معلش بس انت اساسا عرفت أنا مين ولا حياتي ايه ولا رفض لمجرد الرفض ؟!"
هز عبدالله رأسه يجيبه بهدوء :
" مش كده بس احنا اختنا لسه صغيرة ومخلصتش دراستها، واحنا رافضين خالص فكرة الجواز ليها حاليا "
قد يبدو سببًا مقنعًا لأحد آخر غير صالح :
" صغيرة مين ؟؟ رانيا صغيرة ؟! "
حسنًا هنا واكتفى محمد وقد شعر أن ذلك الشاب من طريقة حديثه، يعلم من هي شقيقته وربما يتقصاها أو يزعجها، أو حتى يغازلها بشكل فج كما يفعل الرجال عادة، وهذا ما يثير به غريزة بدائية لحماية شقيقته بشكل مرضي من أي رجل في محيطها بعدما رأى كل تلك الكوارث التي تحدث مؤخرًا :
" وأنت بقى يا شاطر تعرف رانيا منين ؟!"
هل كانت نبرته للتو مستهينة ومستخفة به ؟؟ نعم كانت، هذا ما شعره وهذا ما لا يقبله، وفورًا أزاح صالح شخصية الهادئ جانبًا واستدعى كل ذرة بدائية داخله :
" وأنت مالك ؟! هاتلي والدك اتكلم معاه، مش هو ولي أمرها برضو ؟!"
انتفض جسد محمد بشكل مرعب جعل عبدالله نفسه ينهض سريعًا يمسك مرفقه خوفًا أن ينقض عليه ويقتل صالح الذي لم تتحرك به شعرة واحدة يراقب ما يحدث أمامه وكأنه يشاهد عرضًا هزليًا .
" أنت هتستهبل ياض ؟؟ جاي تطلب اختي وداخل فاتح صدرك ولا كأنك من باقي عيلتها، ومش عايزني اعرف عرفتها منين ؟!"
هز صالح رأسه يقف في وجه محمد يُذكر نفسه أنه لا يريد بناء عداوة الآن مع هذا الرجل :
" والله ردي كان بناءً عن طريقة كلامك معايا، يعني مثلًا لو كنت قولتلي، احكيلي يا صالح يا حبيبي عرفت اختي منين، أنا مكنتش حوشت حاجة عنك "
رسم محمد ملامح سخرية على وجهه :
" وكمان اسمك صالح ؟؟؟"
" عندك اعتراض على الاسم ولا ايه؟؟ بعدين أنت من وقت ما دخلت هنا وأنت قاعد تتأمر ولا كأنك صاحب البيت، هو مش فيه كبير هنا ؟؟ "
فتح عبدالله عيونه بصدمة من تحدي صالح ومجابهته لمحمد الذي تلاشت ملامح غضبه فجأة وارتسم جمود اكبر على وجهه يردد بصوت مرتفع :
" جبريـــــل، عبدالجــواد "
رفع صالح حاجبه وارتفع طرف شفتيه في تزامن متهكم منه يضم ذارعيه لصدره :
" خير ؟! دول الأمن بتوع البيت ولا ايه ؟؟"
وفجأة وجد صالح شابين آخرين يدخلون للغرفة، أحدهم يعلمه جيدًا وهو الذي رآه في القاهرة وظن بكل غباء أنه العقبة الوحيدة أمامه، لكن يبدو أن عبدالجواد هو اهون الجميع هنا، فذلك الآخر جبريل والذي يحمل ملامح قاسية دخل متحفزًا :
" فيه ايه يا محمد ؟؟"
تحدث صالح وهو لم ينزع عيونه عن محمد حتى :
" مفيش يا استاذ جبريل، عقبال عندك جاي اطلب ايد اختك "
بمجرد انتهاء تلك الجملة وجد صالح الأربعة يتجمعون حوله مشكلين عصابة كعادتهم، وجبريل يردد جملته بحاجب مرفوع :
" جاي تطلب ايد اختي ؟؟"
حك صالح أنفه وهو يهتف بنفاذ صبر :
" واضح كده أن العيلة كلها عندها تأخر فهم "
رفع عيونه لهم يقول بملل :
" أيوة يا استاذ جبريل أنا العريس و جاي اطلب ايد اختكم، اياكش نخلص وننقل على الجملة اللي بعدها"
جذب محمد تلابيب ثيابه بشكل جعل عين صالح تتحرك لتثبت عليها، ومن ثم رفع حاجبه :
" دي كانت أول مرة البس فيها قميص مكوي في حياتي عشان اسيب انطباع كويس عندكم، لكن الواضح أنكم شوية همج مش نافع معاكم ادب "
و محمد لم يهتم بكل ذلك، يجذب له صالح يقول بشر وتحذير :
" أنت لو عايز تعيش تخرج دلوقتي باحترامك "
نظر له صالح طويلًا قبل أن يقول بملل :
" يا اخي أنا عندي ميول انتحارية أنت مالك "
تأفف وهو يدير نظراته في المكان حوله قبل أن يصيح بصوت مرتفع :
" هو فين ابوكم؟! سايبكم طالقين نفسكم على الناس زي التيران كده ليه ؟؟"
وفجأة رفع صوته وهو ينادي :
" يا حاج ... ألا الحاج اسمه ايه ؟!"
لم يجبه أحد وقد احمرت الأعين غضبًا، وخاصة جبريل الذي ضم قبضتيه ولم يكد يبادر بشيء حتى أثار صالح استفزازهم أكثر وأكثر يقول ببسمة واسعة :
" تمام محمد شكله الكبير صح ؟؟ "
ولم يجبه أحد مجددًا، لكنه لم يهتم مجددًا يقول بصوت مرتفع :
" يا ابو محمد ما تيجي تشوف عيالك، أنت يا عم ابو محمد ما تربي عيالك شوية مش كده "
أنهى حديثه يتمتم بحنق يحرك نظره بين الاربعة :
" وانا اللي بقول على رانيا شلق؟؟ ما هو حقها، عايشة مع اربعة همج، ده الحمدلله أنها مش بتخبي موس تحت لسانها"
وفي الطابق العلوي .
كانت مروة تنظر لرانيا بغيظ والاخيرة تضحك بصوت مرتفع :
" أنتِ بتضحكي على ايه ؟؟ بقولك اخوكِ كسر دماغ الراجل وبعدين يقولي معلش اصل عصبني "
غمزت لها رانيا :
" بيغير يا مير..."
صمتت فجأة بتعجب وهي تقول :
" ايه ده؟؟؟"
" ايه؟"
" فيه صوت كده، سمعتيه ؟؟"
انصتت مروة جيدًا، لكنها هزت كتفيها بالرفض :
" لا مفيش صوت "
وفجأة ارتفع صوت نداء صالح مجددًا لتعلو شهقات رانيا بصدمة وهي تحمل حجابها بسرعة تصرخ بعدم تصديق :
" ده صالح "
نظرت مروة لاثرها بعدم فهم :
" صالح مين ؟؟ "
نفس الوقت هبط رؤوف الدرج ينصت بعدم فهم لتلك الاصوات الصاخبة، يرى ركض رانيا أعلى درجات المنزل بشكل أثار ريبته وجعله هو نفسه يركض خلفها، ظنًا أن كارثة قد حدثت، وقد صدق ظنه حينما وجد جميع ابنائه قد تجمعوا حول شاب طويل القامة، ليفهم دون أن يتساءل حول هويته ما الذي يحدث ...
وقبل أن يفتح روؤف فمه للتحدث عن أي شيء، سبقه صوت آخر جذب جميع أنظار من بالغرفة.
وقد كان ذلك صوت رانيا التي صاحت دون أن تستوعب شيء حولها أو مع من تقف وبين من تتحدث :
" صـــالـــح ؟؟؟"
__________________________
شعر معتز بارتجاف جسده جراء تلك الكلمات التي ألقتها ميمو في وجهه، ابتلع ريقه يستدعي كل ذرة هدوء داخله ودموعه بدأت تتساقط ندمًا :
" أنا مكانش قصدي يا بنتي، سامحيني"
وضع يده أعلى صدره وسعاله ازداد بجنون يردد كلمات خرجت بصعوبة ودموع الندم تتقطر أعلى وجهه كالسيول المتساقطة من جرفٍ شاهقٍ:
" أنا بس كنت عايز اقولك اني آسف، حقك عليا "
نظرت ميمو حولها ثواني قبل أن تعود له تتشدق بدهشة وملامح مذهولة، صوتها خرج هامسًا بنبرة اقرب للفحيح :
" ايه ده؟! محصلش حاجة "
نظر لها معتز من بين دموعه بتعجب لتقترب منه ميمو تجلس على طرف الفراش تقول بهدوء وتهكم :
" اعتذارك يعني مغيرش حاجة يا معتز، مرجعش عيلتي ولا رجعني زي ما كنت، غريبة ده انا قولت أنك جايبني وقاعد تزن عليا بقالك شهور، وعندك الحل السحري اللي يرجع كل حاجة زي ما كانت "
بكت وفاء تتدخل في الحوار ترى حالة زوجها التي ساءت أكثر وهو يجاهد لالتقاط أنفاسه :
" يا بنتي هو عمك ماله ومال عيلتك، هو غلط اه لما جوزك لللي ما يتسمى جوزك، بس هو والله كان بيحبك وكان فاكر أنه كده بيـ "
نظرت لها ميمو بأعين حمراء ووجها قد بدأ ينقبض بشدة ودموعها تتجمع تصرخ في وجه زوجة عمها لاول مرة في حياتها تقاطع كل تلك الكلمات التي تدرك كذبها :
" لا ...لا يا مرات عمي، جوزك ده اهون غلط عمله في حقي هو انه جوزني لجاد، يا شيخة ياريته جوزني ليه وسكت، والله ما كنت هزعل "
أنهت حديثها تستدير صوب عمها كالرصاصة وهي تقول من بين دموعها :
" ولا ايه يا معتز ؟؟ آسف اللي قولتها دي كانت على أنك جوزتني لجاد ولا أنك دمرت عيلتي وضعيتها ؟؟"
بكى معتز وهو يمد يده يحاول الامساك بيدها، لكن ميمو نفضتها باشمئزاز وغضب تصرخ فيه بجنون :
" إياك، إياك تلمسني، أنت واحد قذر وحيوان، سامع يا معتز، اقسم بالله العظيم لو بينك وبين الجنة غفراني، عمري ما هغفرلك ولا اسامحك، لو شوفتك بتموت قدامي كده مش هسامحك، وأحمد ربنا إني لسه مراعية الدم اللي بينا وصلة القرابة وأنك راجل كبير ومريض وإلا والله لكنت دمرتك زي ما دمرت عيلتي، فاكرهم يا معتز ؟؟"
أنهت حديثها تحمل الحقيبة بقوة مخيفة، لكن وفاء ركضت خلفها تبكي بشدة تتمسك بيديها مترجية :
" استني بس يا مَقْدِس، استني ابوس ايدك، عمك ملوش ذنب في اللي حصل لعيلتك، هو واحد مريض وبيموت، سامحيه ابوس ايدك "
جذبت ميمو يدها من يد زوجة عمها وهي تتحدث من بين دموعها بجبروت وقلب تشبع من قسوة جاد حتى فاضت كؤوسه :
" لو آخر نفس في حياتي عمري ما هسامحه يا مرات عمي، قوليله إني لآخر لحظة هفضل ادعي عليه ربنا ينتقملي منه، وخليه يشكر ربه إني معملتش فيه زي ما عملت في القذر التاني "
أنهت حديثها تجذب يدها من يد وفاء بقوة، ومن ثم تحركت صوب الباب دون أن تأبه لبكاء وفاء ولا تواسلاتها، هي أيضًا توسلت، لكن هل وجدت صدى لتلك التوسلات ؟؟
وقبل أن تفتح الباب تحدثت بصوت ميت :
" ابقي اسألي جوزك على لعبته مع جاد لأن شكلك فاتك كتير اوي يا مرات عمي، عن اذنك، ووقت ما تحتاجي حاجة كلميني، أنتِ اللي تحتاجي مش هو "
تركت ميمو وفاء تقف في المنزل وهي تحدق في الباب بصدمة وتعجب، قبل أن تنتفض على صوت سعال زوجها وصراخه باسم مَقْدِس، لتهرع له تعطيه ادويته وكلمات مَقْدِس ما تزال تتردد في رأسها بقوة .
ترى ماذا تقصد بحديثها ؟؟
أنهت ميمو حديثها تندفع من ذلك الباب المتهالك، تشق طريقها خارج تلك الحارة وصدرها يعلو ويهبط بقوة وصور عديدة تتحرك أمام عينيها.
وهيئة ميمو ذات الثياب المنمقة والخطوات المدروسة، أثارت ريبة الجميع في المكان، خاصة مع نظراتها التي كانت مثبتة وكأنها تراقب شيء يسير امامها، دموعها تهبط بقوة وصوت جاد يتكرر في أذنها بجمل قتلتها أكثر من جلدات حزامه .
ومن بين كل ذلك أبصرت ضوءً في آخر نفق ظلامها، كان يقف مستندًا على سيارته باسترخاء شديد وهو ينظر صوب الزقاق الذي خرجت منه، لم يرحل كما طلبت منه، بل انتظرها خوفًا ألا تستطيع العودة وحدها.
انتفض صلاح حينما وجدها تتحرك صوبه بخطوات سريعة بملامح جامدة كمن نجى لتوه من موتٍ محتمٍ
اعتدل ينظر لها بفزع :
" ميمو، مالك ؟؟ حصل حاجة ؟!"
اجابته ميمو بصوت يظهر فيه الخواء واضحًا وملامح متألمه وبشدة :
" عايزة أخرج من هنا، مش عايزة افضل في المكان ده "
فتح لها صلاح الباب بسرعة دون أن يتحدث بكلمة، يشير لها أن تدخل وحينما فعلت لحق هو بها، وتحرك بالسيارة في صمت شديد، وكأنه بذلك يمنحها كل الوقت لتهدأ وتتمالك نفسها....
ألقت ميمو رأسها للخلف وهي تغمض عينيها تتنفس بصوت مسموع، صوت وصل لصلاح وهي تردد :
" كله هينتهي، كله هينتهي "
___________________________
يقف أمام منزل العائلة الشاهق، والمبني على تقاليد عتيقة ربما انتهت ولم يعد لها وجود في عصرهم الحالي، لكن سكان ذلك المنزل مازالوا في ضلالهم القديم، ولذلك نبذوه هو ووالده حينما وجدوا منهم اعتراض وتهكم على تلك التقاليد .
نظر محمود جواره لوالده الذي كان متأفقًا مثله وأكثر من تلك الدعوة التي اتتهم بلا مقدمات، ربما ليضمن شقيقه الكبير ألا يتملصوا منها .
" هو مش المفروض عمي كان اتبرى مننا بعد اللي حصل ؟!"
هز ماجد كتفه يتنهد بنزق :
" مش فاهم أنا ايه الاصرار على وجودنا ده، ولا كأن المناسبة مش هتكمل غير بينا "
" ما هو فعلا مش هتكمل من غيرنا، يعني بزمتك لو احنا مكناش بنحضر الاجتماعات دي مين اللي هيكون التسلية بتاعتهم ؟؟"
تحرك ماجد صوب الباب الداخلي وخلفه محمود :
" مفيش، لأن محدش في العيلة دي خرج ناشز غيري انا وأنت وأمك الله يرحمها، كنا تلات منبوذين، وبقينا اتنين، الله يرحمها "
ابتسم محمود يترحم في نفسه على والدته، ثم اقترب يميل على والده :
" اصبر بس اتجوز النواعم ونرجع تلات منبوذين تاني، واجيبها تتطرد معانا من كل مناسبة "
نظر له ماجد بتهكم وكأنه يتساءل عن الرومانسية التي تظهر على ملامح ابنه والمترافقة مع تلك الكلمات.
انفتح باب المنزل من رئيس الخدم الذي منحهم بسمة وهو يرحب بهم مشيرًا صوب غرفة السفرة :
" الكل مستنين حضراتكم في اوضة السفرة "
هز ماجد رأسه يسير وخلفه محمود يصفف خصلاته الشقراء باصابعه، وعيونه تدور في المكان قبل أن تقع على حقيبة بلاستيكية سوداء في يد والده :
" ايه ده يا ماجد أنت داخل عليهم بكيلو موز ولا ايه ؟؟"
رفع ماجد الحقيبة أمام عين محمود يقول بجدية :
" كيلو موز ايه، خسارة فيهم، دي شنطة حاطط فيها علبة اكل، عشان لما يقلبوا علينا ناخد اكلنا ونروح ناكل في البيت"
فتح محمود عينه بانبهار :
" طب والله تستحق لقب عالم "
ابتسم ماجد بتكبر يرفع رأسه للأعلى وهو يردد :
" امال يعني كل مرة يسدوا نفسنا ونروح ندور على حاجة نأكلها في البيت؟؟ "
ربت محمود على كتف والده، ثم أقبل عليه معانقًا يقبل وجنته :
" والله أنت خسارة في العيلة دي يا ماجد"
" والله يا بني أنا خسارة في الكل حتى انت، مش عارف ايه اللي رماني في العيلة دي، الله يرحمها امك الوحيدة اللي عمري ما استخسرت نفسي فيها "
انطلقت ضحكات محمود بصخب جذب جميع الأنظار له، بعدما دلف للغرفة مع ماجد، وفجأة اعتدل في وقفته حينما رأى الكل يرمقونهما بتهكم شديد وكأنهم دخلوا المكان حاملين رؤوسهم أعلى اكفتهم .
تنحنح ماجد يخفي الحقيبة السوداء خلف ظهره، يبتسم في وجوه الجميع، يتحرك صوب مقعده الذي تُرك له في نهاية الطاولة وجواره مقعد محمود .
جلس محمود جانب والده يهمس بحنق :
" طبعًا سايبين لينا آخر كرسيين، مقعدنا في الـ naughty corner، شوية عنصريين طبقيين"
صمت فجأة حينما سمع صوت تنحنح عمه الأكبر يجذب انتباه الجميع له، والمقصود بالجميع هنا ماجد وابنه، فقد كانا هما الوحيدان اللذان يتحدثان .
نظر الكل له، ليبتسم رأفت بفخر شديد وهو يقول :
" انهاردة كلنا مجتمعين عشان نحتفل بترقية ابني حبيبي وخليفتي "
وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث ارتفعت أصوات التصفيق والتهنئة لابن عمه الأكبر، نظر لوالده بملل، يرى جمل التهاني والفخر تهبط أعلى رأس ابن عمه، والجميع يتحدث بجمل متداخلة ..
" طبعًا مش ابن رأفت، هيكون ايه غير بطل زي أبوه "
" كنت عارف والله إن الموضوع مسألة وقت وترفع راسنا كلنا "
" لا لا يا رأفت الموضوع ده ميبقاش على الضيق كده، لازم نعمل احتفال كبير والكل يعرف "
ومن بين كل تلك التهاني تحركت عين رأفت صوب ماجد ومحمود، يضم قبضتيه أعلى الطاولة وعيونه ترسل لهم رسالات حانقة :
" ايه يا ماجد مسمعتش يعني ليك صوت، ولا أنت مش فرحان لابن اخوك ؟؟"
ابتلع ماجد قطعة الدجاج التي كان يمضغها مرددًا بهدوء وبسمة تاركًا الشوكة والسكين :
" لا ازاي، أنا كنت مستني الكل يخلص يا رأفت عشان ابارك، ألف مبروك يا ساجد، رفعت راس مصر كلها، عقبال ما تاخد مكان ابوك يارب "
نظر رأفت لمحمود في انتظار أن يمطر ابنه بوابل من التهاني والمباركات، لكن محمود ابتسم بغباء يشير لوالده :
" وانا زيه برضو، نفس الكلام بالضبط "
اهتز جسد رأفت في ضحكة ساخرة يرمق العائلة حوله بنظرات فخر، ثم تلاشت تلك النظرات ليحل محلها نظرات استهزاء حينما نظر لشقيقه وابنه :
" وأنت بقى يا حبيبي عملت ايه في حياتك ؟؟"
نظر محمود لجميع الأعين التي توجهت عليه وقال :
" الحمدلله أنا زي الفل يا عمي تسلم، عايش عادي اهو "
" عايش عادي، هو ده اللي أنا عايز أوصله ليك، أنك عايش بل هدف، لا ترقيات ولا تقدم في وظيفة اساسا على قدها، فيها ايه يعني لو كنت سمعت كلامي ودخلت شرطة ؟؟ مش كان زمانك دلوقتي قاعد جنب ساجد وكلنا بنبارك ليك ؟؟"
نظر له ساجد في استخفاف، لكن رد محمود خرج بلا اهتمام :
" لا متقلقش يا عمي أنا مستريح جنب بابا، خلي ساجد واخد كرسيين عشان يكفوه هو ورتبته، مش عايزين نضيق عليهم "
ضرب رأفت الطاولة أمامه :
" هو ده اللي انت ناصح فيه، الهبل والتريقة، إنما تعمل حاجة فايدة لا ازاي يحصلك حاجة، أنت واحد فاشل وهتفضل طول عمرك فاشل "
انتفض جسد ماجد يدافع عن ابنه في وجه أخيه بشراسة دون وضع أي اعتبار للعمر :
" رأفت التزم حدودك، ابني مش فاشل، ابني ناجح اكتر من أي واحد فيكم هنا، واللي هيجي عليه سنتي هاجي عليه عشرة "
أشار له محمود وهو يقول :
" خليه يابابا يتكلم عادي، ما أنا متعود على كده من عمي اللي مش شايف في الدنيا وظايف غير الوظايف اللي فيها نجوم ونسور"
نظر لهم رأفت بقوة :
" ايه يا بن ماجد، هتفوق علينا دلوقتي ؟! كلنا هنا عارفين أنت مين واخرك ايه ودخلت طب ازاي ودماغك عاملة ازاي وأنك واحد غبي "
وجاءه الرد كالرصاصة من فم محمود الذي وقف يضرب طاولة الطعام بقوة وهو ينظر للجميع :
" بمزاجي ...غبي بمزاجي يا عمي، لأن صدقني أنا لو اتعاملت مع العيلة دي بعقلي مش هيعجبك اللي هيطلع مني، فخليني غبي مش مهتم بكلامكم احسن عشان محدش يزعل مني "
انتفض جسد رأفت وقد تصاعدت حدة الأجواء واشتعلت النظرات المتقاذفة بين الاثنين :
" أنت بتهددني يا ابن ماجد ؟!"
صاح محمود في وجهه بقوة شديدة :
" ابن ماجد ده هو اللي تعب وطلع عين اللي خلفوه عشان يحقق حلمه ويدخل كلية بمجهوده، جبت مجموع عالي وحققت حلمي وحلم اهلي وبشرف، ها يا عمي بشرف مش بالوسايط، وابن ماجد ده يعرف اكتر منكم كلكم في أي حاجة "
صمت ينظر لجميع الأعين التي اتسعت صدمة من انفجار محمود بهذا الشكل فيهم دون وضع اعتبار لشيء :
" أتحداكم حد هنا يكون شايف ابعد من رتبته، اتحدى اي واحد فيكم يكون عارف نص المعلومات اللي اعرفها، مش انا اللي فاشل يا عمي، ابنك وعيال عمي اللي اخدوا السنة على اتنين وفي الآخر نجحوا بالفلوس هما اللي فشلة، اللي كل كام سنة بيترقوا بالواسطة هما اللي فشلة مش انا اللي بتعب وبشتغل بكل ذرة فيا "
نغزه ماجد في خاصرته وهو يردد واضعًا يده أمام فمه :
" فرمل شوية، لاحسن يبيتونا في الحجز أنا وانت "
ابتسم محمود يرى ملامح الشحوب قد علت جميع الوجوه :
" أنا مش هنكر أن دوركم في المجتمع كبير وكبير اوي ومشكورين عليه وربنا يعينكم، بس احنا كمان عايشين معاكم يا عمي والوظيفة اللي أنت بتقلل منها دي، مفيش واحد من اللي حواليك ممكن يوصلها لو وقف على ايده ورجله، الوظيفة اللي مش عجباك دي هي سبب الترقية اللي فرحان بيها، لأن لولا وظيفتي مكنتوش عرفتوا توصلوا لنص الأدلة اللي بتساعدكم تنجحوا في التحقيق وتترقوا، فوق يا عمي أنتم مش عايشين لوحدكم "
ابتسم وهو ينظر لهم يشير بعينه لوالده أن ينهض :
" اظن الاحتفال خلص، اتمنى متعزمونيش تاني على مناسبة لو ده هيكون استقابلكم ليا أنا و والدي، والدي اللي اخذ جوايز عالمية وساهم في اكتشاف علاجات لأمراض كتير "
أنهى حديثه يتحرك خارج الغرفة وخلفه ماجد الذي ابتسم بسمة جانبية، يخرج علبة الطعام يجمع بها كل ما تطاله يده ثم اغلقها :
" اظن سمعت ابني يا رأفت، لو مش هتحترمونا يبقى متعزومناش، والمرة الجاية اعملوا المكرونة البشاميل باللحمة بطلوا استرخاص "
خرج ماجد سريعًا خلف محمود، يردد بفخر وهو يربت على كتفه :
" جدع ياض يا محمود ابن ابوك والله "
نظر له محمود بحنق شديد :
" ايه يا ماجد مسمعتش ليك حس غير في جملة واحدة وبعدين اخدت دور الصامت وسيبتني أنا أتكلم "
ابتسم ماجد يرفع الحقيبة في عين محمود :
" كنت بجيب العشا بتاعنا "
بادله محمود البسمة، وسعادة كبيرة اخذت تتقاذف من أعينه :
" كان فيه طبق ورق عنب كده عيني هتطلع عليه، جبت منه ؟؟"
ربت ماجد أعلى الحقيبة بفخر :
" عيب عليك، جبت كل الاكل اللي بنحبه، مش هيبقى سَم بدن وسدة نفس "
ضحك محمود بقوة وهو يميل على ماجد يقبل وجنته بقوة، وماجد يضمه بذراعه في حب شديد، فما لديه في هذه الحياة اغلى منه!!
صغيره الحبيب وفخره، لم يكن يومًا ليتمنى أن يكون لديه ابن افضل من محمود .
_________________________
" طب تحبي نروح في حتة معينة، أي حاجة ممكن تفرد وشك بدل ما هو مكشر كده ؟؟"
نظرت له ميمو ثواني، قبل أن تستند على النافذة دون أن ترد بكلمة، معلنة بذلك إضرابها عن أي تواصل في الوقت الحالي .
وصلاح ذلك المسكين الذي يحاول أن يعيدها لما كانت عليه قبل دخولها لذلك الزقاق الذي بدا كما لو أنه مفتوح على عالم موازي كئيب أخذ منه ميمو خاصته ببسمتها الجميلة، وألقى في وجهه تلك المنطفئة .
" طب قوليلي اعمل ايه وتكوني كويسة؟! "
نظرت له ميمو نظرات ضبابية قبل أن تهمس بصوت منخفض موجوع :
" احيانا بيوسوس ليا شيطان إن كل اللي حصلي ده كتير اوي ومكنتش استحق اعيش كل ده، إني المفروض دلوقتي اكون عايشة في بيتي ومع اهلي في سعادة "
هبطت دمعة موجوعة تتنافى مع تلك البسمة المرتسمة أعلى شفتيها :
" احيانا بفكر إن بابا لو مكانش كده، هل كان ممكن دلوقتي اكون حققت حلم ماما وبقيت مذيعة كبيرة !!"
شعر صلاح بوجعها يتسرب له، معيدة عليه تساؤلات قضى ليالي يتقلب وهو يطرحها على عقله، ليالي قضاها يضم له صالح بعد كابوس راوده، يربت أعلى ظهره وعيونه شاخصة في اللاشيء يفكر ماذا كان سيحدث لو أنه كان هناك ؟! ماذا لو كان هو من تلقى تلك الصدمة بدلًا من صالح ؟!
" فيه ايام كتير اوي كنت بفكر لو الشاب ده مدخلش بيتنا وقتل امي، هل يا ترى كنت هبقى هنا بحارب في اللاشيء لأجل انتقامي، ولا هكون قاعد في مكتبي مش شايل هم حد ولا بفكر في مشاكل حد "
نظرت له ميمو من بين دموعها بتعجب، تلك كانت المرة الأولى التي يأتي فيها صلاح على ذكر والدته بهذا الشكل، هل قُتلت ؟!
نظر لها ببسمة صغيرة وقد قرأ السؤال المطروح في عيونها، لكنه لم يستطع أن يتعمق بتلك النقطة أكثر، لتتفهم هي تهربه بعينيه وتقول بهدوء :
" ولما بتحس كده بتعمل ايه عشان تستريح ؟!"
عاد بنظره لها وقال ببساطة :
" بروح على صالح احضنه وبعدين انام وانا متأكد إن ربنا هيعوضني أنا وهو خير"
صمت، ثم حدق في وجهها بنظرات مفهومة لها :
" لكن مؤخرًا لما بقيت بفتكر اللي حصل او بزعل بقى فيه شيء اضافي لوجود صالح هو اللي بيهون عليا، شيء كل ما افكر فيه احس إن قريب هفرح "
علت نظرة فضول غريبة أعين ميمو، تحدق في وجهه بترقب لمعرفة ذلك الشيء الذي اصبح سلوانه في الآونة الأخيرة، وضربات قلبها تعلو بقوة كأنها تخبرها أنها في داخلها تدرك جيدًا ذلك الشيء ..
وصلاح ذلك الخبيث لم يعطها ما ترنو إليه من نظراتها، بل بكل بساطة واراه خلف نظرات حنونة هادئة وهو يتساءل لصرف انتباهها :
" أنتِ بقى لما كنتِ بتزعلي وأنتِ صغيرة كنتِ بتعملي ايه؟!"
تلاشت نظرات الفضول شيئًا فشيء، ومجددًا عادت بسمتها ترتسم على فمها باتساع وحنين شديد :
" كل ما ما كنت بزعل، كنت بقول لنادر أو مازن وبيجبوا ليا آيس كريم "
ضحك صلاح ضحكة صغيرة يتحرك بالسيارة اسرع :
" بس كده ؟؟ ده أنتِ كنتِ طفلة قنوعة جدًا، ده صالح لما كان بيزعل أو يعيط وهو صغير مكانش يهدى إلا لما يصرف مصروفي ومصروفه على البيبس والحلويات، وفي الآخر بعد ما يخلص اكل يرمي نفسه على السرير ويكمل عياط، ويفضل يشتكي قد ايه هو طفل مسكين مقهور والدنيا جاية عليه "
ضحكت ميمو وهي تهز رأسها بيأس على ما يقول :
" صالح اخوك ده توليفة عجيبة والله، مش طبيعي لسانه وكلامه، مفيش انسان طبيعي بيعيش كده"
" لا فيه، صالح عايش كده من سنين وشايف أنه زي الفل، بس مسيره هيجليه يوم يتعلم فيه ازاي يلم لسانه "
أنهى حديثه، ينظر على جانبي الطريق باهتمام شديد، بينما هي ابتسمت و عادت لصمتها مجددًا لا تدرك ما يفعل، حتى شعرت بتوقف السيارة، نظرت للمحيط تستكشف اين توقفوا، لكن صوت غلق باب السيارة اخرجها من ذلك وهي تسمع صوت صلاح يردد :
" استنيني لحظة وراجع "
نظرت له بعدم فهم :
" رايح فين ؟؟ "
سار صلاح بظهره وهو يشير لها في حركة مسرحية على أحد المحلات الصغيرة خلفه :
" هجبلك آيس كريم يا مودمزيل "
فتحت ميمو عيونها بصدمة، لم تتوقع أن يأخذ حديثها على محمل الجد بهذا الشكل ويسارع لتنفيذه، لكن صلاح كل ما فعله هو أنه غمز لها وقال :
" بس مش معنى كده انك تعتبريني زي مازن أو نادر"
ضحكت عليه بصوت مرتفع لتنتعش ضربات قلب صلاح واخيرًا وتعود لمسارها الطبيعي بعدما أبصر إشراقة بسمة جديدة بعد عواصف حزنها ..
ورغم أنه لم يكتفي بهذا المشهد، إلا أنه استدار ليحضر لها ما تريد وكله أمل، أنه يومًا ما سيخترق ذلك السد الذي تحيط به نفسها وينتزعها من أحزانها ..
_______________________________
ها هو يفعلها للمرة التي لا تعلم عددها، يقتحم العيادة كفرقة مكافحة الارهاب، يجذب مريضها ويأمره أن يأخذ ميعادًا آخر من المساعدة الشخصية الخاصة بها، ثم يلقي بنفسه أعلى مقعد المرضى ويتنهد بصوت مرتفع .
كل ذلك وهي لم تحرك ساكنًا، بل استمرت تدون ما كانت تفعل قبل دخوله وكأنه ما وطأ المكتب، وبعد أن انتهت نهضت تخرج من المكتب حاملة حقيبتها، ثم توجهت صوب مكتب الممرضة حيث كان مريضها الذي طُرد لتوه يصرخ ويعترض عما حدث..
ابتسمت زهرة بلطف شديد :
" اتفضل يا استاذ رضا دي الأدوية الجديدة اللي هتمشي عليها لغاية معاد الجلسة الجاية، وبعتذر على اللي حصل بس الاستاذ اللي دخل المكتب حالته مستعجلة شوية، ارجو تقدر الموقف "
وسريعًا تبدد غضب الرجل وهو يمنحها بسمة متفهمة :
" ولا يهمك يا دكتور ربنا يعينك يارب، عن اذنك "
ابتسمت له زهرة، ثم نظرت للمساعدة الشخصية الخاصة بها تقول بهدوء شديد :
" كده باقي حد يا تيسير ؟!"
" لا يا دكتور مفيش حد انهاردة غير الحالة اللي دخلت من شوية "
ابتسمت لها زهرة تنزع معطفها واضعة إياه على مكتب تيسيير تردد بهدوء شديد :
" لا الاستاذ مش حالة، الاستاذ جاي يهزر بس "
ختمت جملتها وهي تعدل من وضعية ثيابها تتجهز للرحيل، لكن قبل أن تخرج من المكان بأكمله قالت ببساطة :
" معلش يا تيسير لما الباشا اللي جوا يصحى قفلي العيادة وروحي "
هزت تيسير رأسها لتمنحها زهرة بسمة صغيرة وهي تغادر بلا اهتمام بسعيد أو بما يفعل، هي ملت تلك اللعبة، وإن كان الصراخ والتهديدات والتحذيرات لم يأتوا بثمارٍ معه، إذن ستتبع نهج جديد، ستتجاهله بكل بساطة ...
صعدت للسيارة تتحرك بها من المكان بأكمله تحاول أن تتنفس لتهدأ بعد يوم طويل ملئ بالضغوطات والحالات، تشعر أنها تحتاج لاستشارة عاجلة كي لا تقع تحت وطأة ما تعالجه، فأحيانًا يحتاج الطبيب النفسي لطبيب آخر يسمعه ويفرغ له بما حمله طوال عمله ...
زفرت بملل شديد تلمح سيارة تتبعها، ولم تكن بحاجة للتفكير لتعلم من هو قائد تلك السيارة، ورغم أن ذلك الموقف أثار حنقها، إلا أنه أيضًا رسم بسمة صغيرة أعلى فمها تتذكر موقفًا مشابهًا له ..
" يا ابني أنت مش هتبطل تمشي ورايا ؟؟ والله العظيم المرة الجاية هنادي ليك امن الجامعة "
توقف سعيد بصدمة من طريقتها تلك في الصراخ عليه، حكّ شعره قليلًا بتوتر :
" أنا والله مش قصدي ازعجك، أنا بس كنت عايز اتعرف "
رفعت زهرة حاجبها ساخرة :
" وهو أنك تمشي ورايا كل يوم في الجامعة ده مش ازعاج بالنسبة ليك؟؟ بعدين مين قالك اني عايزة اتعرف عليك ؟؟ أنت مين اساسا عشان اقف واتعرف عليك ؟!"
مدّ سعيد يده بسرعة كبيرة ولهفة :
" أنا سعيد الاشموني زميلك هنا في تجارة، شوفتك من اسبوعين كده في ساحة تجارة و..."
ضربت زهرة يده الممدودة بكتباها السميك ليجذب سعيد يده متأوهًا بنزق وهي تردد بأعين مشتعلة :
" يا اخي يا ريتني ما روحت ساحة تجارة، كل ده عشان اجرب سندوتش سجق وياريته كان يستحق "
ابتسم سعيد مقترحًا بحماس شديد :
" لو بتحبي السجق اوي كده انا ممكن اشتريلك سندوتشات سجق كتير وكويسة، في مطعم في وسط البلد بيعمل .."
لكن زهرة قاطعته وهي تقول منهية ذلك الحوار الذي يتكرر معها يوميًا لكن مع تغير الشباب، الجميع يأتي هنا للدراسة عدا بعض الشباب الذين يأتون للتسكع ومرافقة الفتيات، وهي بحمقها ونظراتها البلهاء وثيابها التي توحي لك بسذاجة من يرتديها، كانت صيدًا ثمينًا لمثل ذلك النوع من الشباب .
" اسمع يا استاذ سعيد، يا ريت متقاطعش طريقي تاني عشان المرة الجاية هعملك مصيبة سامع ؟!"
" طب والسجق ؟!"
" ابقى كله انت"
أنهت حديثها تتحرك من أمامه بحنق شديد وهو يتابعها ببسمة بلهاء يراقب ذلك الفستان اللطيف وتسريحة شعرها المنمقة، ومشيتها الهادئة ليقول ببسمة وصوت مرتفع :
" خلاص بكرة هجيب ليا أنا وأنتِ وناكله سوا "
وقد كان في اليوم التالي قفز سعيد أمامها بالعديد والعديد من شطائر السجق وهو يركض خلفها في الجامعة يحاول أن يقنعها بتناوله معها، ومن ثم أصبح كل يوم يقفز لها بالورود والسجق، يسير خلفها في كل مكان، مبرزًا إعجابه بها، متغاضيًا عن أي فتاة سقطت صريعة هواه، ونالت عيناه وملامحه الوسيمة منها، متحججًا بأنه وجد زهرته واكتفى بها ..
لتنجذب له زهرة دون إرادة، انجذبت لـ لطفه وبسماته ومرحه، انجذبت له كما الفراشة للنيران، ومر عام آخر استغله سعيد أيما استغلال ليوقعها فيه حتى غرقت بلا سترة نجاة، لكن دون أن تظهر ذلك.
حتى اختفى فترة وعلمت من الجميع أن والدته مرضت بشدة؛ لذلك أصبح يتغيب، ليعود بعدها سعيد شخص آخر بملامح أكثر سوداوية ووجه مقتضب، لم يعد يلاحقها بجسده، بل فقط اكتفى أن يفعل بعيونه، حتى تخرجت وعلمت بسفره، ومن ثم وفاة والده وحين عودته، بدأ جحيمها مع سعيد آخر، سعيد أكثر اصرارًا على الحصول عليها .....
فاقت زهرة على صوت ارتفاع زمور سيارة خلفها لتشعر بغضبها يعلو أكثر وأكثر، ماذا ؟؟ ألم تتعهد لنفسها منذ دقائق معدودة بأن تتبع معه اسلوب التجاهل لتنجو من شِركه ؟؟ ما بال عقلها الآن قد بدأ يجهز لاشعال الحرائق ؟؟
سمعت صوت يأتيها من سيارة سعيد التي جاورتها دون شعور منها :
" ايه يا قلبي كده تسيبيني نايم في العيادة لوحدي وتمشي ؟؟ هونت عليكِ؟؟ طب حتى كنتِ جبتي غطا بدل ما أنا البرد اكل عضمي "
نظرت له زهرة ثواني بلا اهتمام ظاهري، ثم قالت بهدوء شديد :
" ألف سلامة عليك، ابقى شوف دكتور "
" ما أنا كنت جايلك يا دكتورة، اصل انا بقالي يومين وانا الصداع هيموتني، تنصحيني بأيه ؟!"
اجابته زهرة بحنق شديد اخفته جيدًا أسفل نظراتها :
" انصحك تخف ثقالة وأنت هتبقى زي الفل "
" طب مفيش حل تاني؟؟ زي مثلا اني اربي زهرة في بيتي ؟؟"
ابتسمت زهرة بسمة جانبية ساخرة :
" والله زهرة مش مستنية تربية، ولو مستنية هتكون آخر شخص يعمل كده يا سعيد، أنت شخص غير مؤهل لتربية الزهور يا سعيد"
" ليه، ده انا حتى بحب الزهور"
حدقت في وجهه واخيرًا :
" حبك للزهور مش كفاية، محتاج تأمن ليها بيئة مناسبة وإلا هتدبل منك مهما كنت عاشق ليها، وأنا وأنت عارفين اوي البيئة اللي أنت عايش فيها عاملة ازاي "
صمت سعيد وهو ينظر لها بتفكير قبل أن يقول بغموض :
" ولو غيرت البيئة هتوافقي ؟!"
ابتسمت ببرود تهز رأسها :
" محتاج اكتر من تغيير البيئة يا سعيد، لأن حتى لما تغير البيئة بتاعتك، وتروح بيئة جديدة هتفسدها، لأنك مغيرتش من نفسك قبل ما تغير بيئتك "
أنهت حديثها وهي تزيد من سرعة سيارته لتبتعد عنه لكنه سارع بالقول :
" أنا مكنتش بسألك يا زهرة، أنا فعلا هغير البيئة وهتكوني معايا وقتها "
ضحكت زهرة بصوت مرتفع :
" احلم، الاحلام ببلاش يا سعيد "
وبمجرد انتهاء جملتها عادت فجأة بسيارتها في شكل غريب، ومن ثم التفت خلف سيارة سعيد لتصدمها بقوة من الخلف وبغيظ مكبوت مرتين متتالتين، ثم أسرعت مرة أخرى بالسيارة وسبقته وهي تقول بصوت مرتفع :
المرة الجاية مش هتكون عربيتك هي اللي قدام عجلاتي يا سعيد "
راقب سعيد رحيلها وهو يصفر بإعجاب شديد لتلك الشراسة الواضحة في تصرفات زهرة :
" فداكِ العربية يا روحي المرة الجاية هجبلك واحدة غيرها تخبطي فيها "
أنهى حديثه وهو يسرع صوب منزله وعيونه تلتمع بنظرات مريبة ...
________________________
شعرت رانيا بالأرض تدور بها، لتفكر في لحظة عن الوقت الذي قد تستغرقه لحفر الأرض أسفلها ودفن نفسها قبل أن يصل لها إخوتها الذين اتسعت أعينهم بصدمة وكان أول من تحدث فيهم هو كابوسها الأكبر.
" صالح ؟؟؟ ده ايه ده ؟؟؟ يعني ايه صالح ده ؟!"
ابتلعت رانيا ريقها تتراجع ببطء حتى أخفت جسدها خلف والدها الذي كان هو أيضًا يحدق فيها مصدومًا من معرفتها لشاب وهي التي عاشت عمرها خلف أسوار شاهقة تعلوها لافتة واضحة خُطّ عليها ( ممنوع دخول الرجال ) .
جذب صالح وجه محمد له بعدما كان يوجه اسئلته المتتالية لرانيا دون أن يمنح لها فرصة الرد، يقول بجدية :
" خليك معايا هنا وانا هقولك يعني ايه صالح ده ؟!"
نظر له محمد بشر يبعد يد صالح عنه صارخًا :
" أنت متدخلش بيني وبين اختي، بعدين أنت لسه واقف هنا ليه ؟؟ اتفضل أخرج معندناش بنات للجواز"
نظر صالح لرؤوف الذي كان يتابع كل ذلك بحيرة لا يدري أي ردة فعل يجب أن يتخذها، وتمسك رانيا به بقوة يوتره ...
لكن صوت صالح أخرجه من كل ذلك وهو يبعد يد جبريل عنه نافضًا إياها بلا اهتمام :
" ايه يا ابو محمد مربتش عيالك ليه ؟؟ من وقت ما جيت وهما لافين حواليا زي النحل، مش عارف اتكلم معاهم زي الناس "
نظر رؤوف لابنائه بتحذير :
" عاجبكم كده ؟؟ ابعدوا عن الراجل خلينا نتكلم "
اعترض عبدالله بحنق :
" نتكلم في ايه ؟؟ الموضوع منهي، حضرتك عارف أن رانيا مش هتتجوز دلوقتي "
وافقه عبدالجواد وداخله تشتعل غيرة حارقة على شقيقته وفكرة أن يسرقها أحدهم منه تقتله، خاصة الأن ومع هذا الشاب _ ذو الوجه المألوف_ والذي ثبت أن رانيا تعرفه .
ومحمد كان فقط يرمق صالح ورانيا بنظرات مخيفة، ليخرج عن صمته متسائلًا :
" أنا لسه معرفتش إجابة سؤالي، مين صالح ده ؟؟ وتعرفيه منين ؟؟"
ابتسم صالح يرفع عن رانيا الحرج مجيبًا للمرة الثانية على سؤال محمد :
" ما هو لو نقعد ونتكلم زي البشر هتعرف مين صالح وهتعرف كل اللي عايزة، إنما انت من وقت ما أنا دخلت وأنت واقف زي الحارس المرمى اللي مستنى أي مصيبة تترمي عليه عشان يردها تاني "
اشتد غضب محمد من تدخله للمرة الثانية بينه وبين أخته، واشتعل فتيل الغيظ في أعينه وهو يسحب صالح من تلابيب ثيابه مرددًا بفحيح :
" أنت اساسا مين عشان اقعد معاك واتكلم زي البشر ؟؟ أنت تاخد نفسك وتمشي من هنا قبل ما انسى أنك في بيتي واهينك اكتر من كده سامع ؟؟ "
ابتسم له صالح يبعد يده بقوة :
" والله ويشهد ربنا إني كنت جاي وناوي اتعامل معاكم باحترام عشان العيش والملح اللي هيبقى بينا وباعتبار أنك هتكون خال الاولاد، لكن واضح كده انك مش حابب نتفاهم "
نظر صالح لرانيا التي كانت تختفي خلف والدها تنظر له بتردد نظرات مختطفة متوارية عن أعين الجميع، ليبتسم لها غامزًا هو الآخر غمزة استطاعت الاختفاء بمهارة عن أعين إخوتها ومن ثم استدار صوب والدها وقال :
" اقدر اجي لحضرتك اتكلم امتى بهدوء ؟؟"
وبمجرد نطق تلك الكلمة حلق الأربعة حوله ليزفر بضيق وقد مل الأمر :
" هو أنتم ما بتصدقوا انطق كلمة عشان تلفوا حواليا؟! مش كده يا حبايبي سيبوا مسافة عشان النفس "
جذبه جبريل يقول بشر :
" محمد حذرك كتير بس الظاهر أنك مش بتفهم، اختنا دي تنساها وتبعد عن هنا واياك، سامع اياك نشوفك قريب من البيت ده تاني "
ختم كلماته يجذب صالح للخارج، والاخير قرر أن يخرج في تلك اللحظة حتى لا يزيدها على رانيا، فكل فعل سيصدر منه، سيكون له بالمقابل ردة فعل على رانيا .
لكن وقبل أن يخطو خارج الغرفة انكب يعانق رؤوف الذي صُدم منه وقبل أن يتساءل عما يفعل سمع صوت صالح يربت على ظهره وهو يقول :
" أنا واثق فيك يا حمايا أنك هتنقذ الهبلة اللي وراك دي من شوية التيران اللي مخلفهم، خلي بالك هروح اجيب ابويا واخويا واجي نتفق على العفش "
أنهى حديثه يقبل رؤوف الذي فتح عيونه بصدمة، و يغمز لرانيا التي فغرت فاهها بصدمة كبيرة لا تصدق ما يقول، صالح جاء لخطبتها هي ؟؟ في أي عالم هم ؟! ما الذي حدث ؟؟
خرج صالح من الغرفة وهو يرفع يديه في الهواء يردد ببسمة واسعة :
" ماشي يا شوية همج، بس راجع تاني، والمرة الجاية هجيب المطوة بتاعتي معايا عشان اشكالكم دي أنا عارفها كويس "
سار ببرود شديد صوب الخارج وهو يصفر بشكل مسموع للجميع في اللحظة، يغني بصوت مرتفع يعلو أكثر وأكثر وكأنه يقصد إيصال رسالة شديدة اللهجة، ورغم أن صالح لم يكن من ذلك النوع الحالم لسماع تلك الأغاني إلا أن جلسته مع محمود افادته الآن وهو يردد باندماج :
" بتحدى العالم كله وانا وياك
وبقول للدنيا بحالها إن انا بهواك
وانت حبيبي وقلبي وروحي معاك
قربني ليك .. سبني اعيش احساس هواك "
في تلك اللحظة اشتعلت أعين محمد الذي أطلق سبة نابية وهو يركض للخارج وخلفه جبريل الذي أطلق توعدًا شديد اللهجة، لكن الاثنان خاب املهما حينما سمعا صوت اغلاق الباب بقوة وعنف شديد، ومن ثم صوت تحرك سيارة بعيد عن منزلهم .
تنفس محمد بشر يعود ادراجه صوب غرفة الضيوف حيث الجميع، وحينما خطى لها وجد أن عبدالله وعبدالجواد قد جهزا الجلسة لاستجواب رانيا مجلسين إياها على مقعد أمام الأريكة وجلسوا ينظرون لها بترقب .
صدر صوت محمد :
" دلوقتي بقى عايز اعرف كل اللي حصل ومين الحيوان ده ويعرفك منين، والأهم انتِ تعرفيه منين ؟؟"
أنهى محمد جملته وهو يميل على المقعد يمسك به محدقًا في أعين رانيا التي ابتلعت ريقها تنظر حولها للجميع، قبل أن تبتسم بغباء بسمة لهم ...
وفي الخارج وحينما تحرك صالح بالسيارة أخرج هاتفه يجري اتصالًا مهمًا، وبعد ثواني تحدث بجدية يخرج من محيط منزل رانيا :
" الو يا حاج اخبارك ايه ؟!"
صمت يسمع رد والده :
" والله وأنت كمان يا حاج واحشني، لكن أنا متصل بيك عشان افرحك "
تنحنح قبل أن يضيف بمشاكسة :
" اصل انا قررت أخطب وكنت عايزك يعني تيجي معايا لبيت العروسة "
تشنج وهو يستمع لجملة والده الذي قال :
" مين اللي بيتكلم ؟؟ صلاح ؟؟ هتخطب يا بني ؟؟"
" صلاح مين يا حاج أنا صالح، هو أنت مش مسجل رقمي ولا ايه ؟؟"
" صالح مين ؟؟ صالح ابني أنا ؟؟ عايز تخطب ؟؟ ليه ؟!
نفخ صالح بحنق من نبرة والده المصدومة ليس وكأنه عشّم الجميع بأن يظل راهبًا طوال حياته :
" أيوة يا حاج صالح ابنك، وليه، فعشان حسيت إني قربت انقرض وقولت لازم اتكاثر، ولقيت بنت الحلال خلاص "
" مين دي؟؟ وهو أنت بتعمر مع أي بنت ؟! اوعى تقولي رجعت لسجدة "
انكمشت ملامح صالح بحنق شديد حين ذكر سجدة في الحديث، وهو من تجاهلها منذ شهور طويلة:
" سجدة مين بس يا حاج ؟! لا دي واحدة تانية كده "
" مين دي وبنت مين ؟! مين أهلها ؟! "
ابتسم صالح بسمة واسعة :
" لا من الناحية دي فاطمن يا حاج أهلها ناس محترمين على قدهم وماشيين جنب الحيط، ومش بتوع مشاكل أبدًا ده انا روحت ليهم زيارة بس عشان امهد الموضوع كانوا هيشلوني من على الأرض شيل والله، بص أنا مش هتكلم كتير أنت تيجي بنفسك وتشوفهم "
وصل له صوت والده الذي يبدو كما لو أنه أحب تلك الفكرة، صالح ولده الذي فقد الامل به يريد أن يخطب ويتزوج، وايضًا فتاة من عائلة جيدة محترمة، هل يحلم ؟؟
" ماشي يا بني شوف معاد مع اهلها وانا هاجي نتقدم ليها، ده يوم المنى ياحبيبي "
" تسلم يا حاج، هظبط الدنيا واكلمك ..."
ألقى الهاتف جواره وهو يبتسم بسمة واسعة لا يدري سببها أو هل ما فعله هو الصحيح ؟! وكانت إجابة قلبه هي نعم، الآن فقط شعر بالارتياح، ارتياح بدد حيرة كانت تقتات عليه منذ علم بسفر رانيا وابتعادها عنه، لا يدرك أحبًا ما يكنه لها أم مجرد تعلق، لكن يدرك جيدًا أنه ايًا كانت مشاعره نحو رانيا فهو لن يتخلى أبدًا عن تلك الراحة التي كان منبعها فكرة ( أن رانيا ستصبح له ) .
_____________________
كان يحمل المثلجات بحرص شديد وكأنه يحمل بين يديه قوارير غالية، ابتسم حينما وصل أمام السيارة ليميل نصف ميلة يردد أمام نافذة ميمو يراقص حاجبيه :
" مساء الخير يا مودمزيل طلبتي آيس كريم "
ابتسمت له ميمو بامتنان، تخرج من السيارة تمد يديها لتأخذ من بين يده المثلجات، لكن فجأة قطع طريق يدها يد أخرى تدفعها جانبًا بقوة حتى سقطت على السيارة بأعين متسعة .
فتح صلاح فمه وهو ينظر لها بخوف من أن تكون قد تأذت، لكن صاحب اليد التي دفعتها وقف بينها يمد له كتاب خاص به :
" ممكن توقيع هنا ؟؟ أنا كنت بقرأ الكتاب ده في العربية وشوفتك وأنت داخل المحل ده مصدقتش عيوني، فكرت اني بتخيل "
مال صلاح بجسده جانبًا ينظر إلى ميمو التي اعتدلت في وقفتها ترمق ما يحدث بتهكم شديد، لكن الفتاة لم تنتبه لكل ذلك بسبب حماسها الشديد.
ابتسم لها صلاح بسمة صغيرة هادئة :
" ليا الشرف طبعًا يا آنسة لكن للاسف أنا .."
قطع حديثه ينظر ليديه اللتين تحملان المثلجات، لكن الفتاة لم تفقه لاشارته وهي تخرج من جيب بنطالها شيء:
" أنا معايا قلم اهو "
" تمام، بس المشكلة مش في القلم، أنا ماسك الايس كريم و.."
قاطعته الفتاة تأخذ منه أحد المثلجات، ثم مدت له القلم بلهفة :
" وقع ليا باسم ميرا، أنا كنت جيت قبل كده لحضرتك المعرض بس للاسف اول ما وصلت الدار قالولي أنك مشيت، يا ريتني كنت جبت باقية الروايات والكتب تمضي عليهم "
كانت الفتاة تتحدث باندماج شديد وعفوية كبيرة لدرجة أنها أخذت تتناول من المثلجات دون شعور وهي تراقب صلاح يضع الكتاب أعلى سيارته ويكتب عليه كلمات راقية بخط منمق كشخصيته .
كل ذلك وميمو تراقب ما يحدث ببلاهة، حتى انتفضت فجأة من الفتاة التي ألقت هاتف بين أحضانها :
" معلش ممكن تاخدي لينا صورة سوا ؟؟"
نظرت ميمو للهاتف وهي ترمش بعدم فهم، ثم رفعت عيونها لصلاح الذي ابتسم لها بسمة صغيرة يشجعها على فعل ما تريده الفتاة، زفرت ميمو بحنق، ترفع الهاتف ولم تكد تلتقط الصورة حتى رأت الفتاة اقتربت من صلاح بغية احتضانه ..
فجأة انتفض صلاح صارخًا بردة فعل طبيعية :
" ايه فيه ايه ؟؟"
احمر وجه الفتاة خجلًا وقد اتسعت عيونها ترفع يديها في الهواء :
" أنا آسفة والله، غصب عني أنا بس عشان متعودة اني طول الوقت بتصور مع بنات و...مكانش قصدي والله "
نظر لها صلاح بحذر، يحاول أن يخفف من خجلها الذي زاده هو بردة فعله، ابتلع ريقه يقترب منها مرددًا بهدوء :
" ولا يهمك، حصل خير، اهدي "
نظرت له الفتاة بخجل شديد تكاد تبكي :
" والله ما كان قصدي أنا بس سرحت متعودة اتصور وانا حاضنة صحابي "
أدرك صلاح مقدار طيش الفتاة وعفويتها، لذلك تغاضى عن الأمر محاولًا إخراجها من حالتها تلك ممازحًا :
" خلاص يا آنسة حصل خير، يلا ناخد الصورة قبل ما الايس كريم يسيح "
ابتسمت الفتاة بسمة واسعة وهي تنظر للهاتف وكذلك فعل صلاح الذي استوعب فجأة حينما رأى المصور أن ميمو معهم، ابتسمت له ميمو بسمة واسعة سخيفة قبل أن تلتقط لهم عدة صورة ومن أعطت الفتاة الهاتف والتي حملته ورحلت وهي تقول ببسمة :
" بجد أنت لطيف اوي اوي، شكرا اوي على الايس كريم "
ومن ثم رحلت الفتاة مخلفة ورائها عاصفة تكاد تنتزع جذور صلاح من هذه الحياة، ابتسم صلاح بسمة صغيرة يحك رأسه بتردد من ملامح ميمو المقتضبة.
ابتلع ريقه يقدم لها المثلجات، لتتقبلها منه ببسمة واسعة تردد بصوت رقيق مضحك :
" بجد أنت لطيف اوي اوي، شكرا على الايس كريم "
شعر صلاح بالتهكم المبطن في صوتها، لكنه حاول ألا يضغط على تلك النقطة وهو يقول ببساطة وبسمة :
" العفو على ايه "
وضعت ميمو المثلجات في فمها بقوة، ثم أدخلت رأسها من النافذة تلتقط حقيبتها، وبعدها وقفت تنزع المثلجات من فمها مجددًا تقول بغضب :
" المرة الجاية ابقى احضنها ومتكسفش البنت يا حنين "
رفع صلاح حاجبه :
" أنا مش فاهم فيه ايه !! البنت اتوترت ونسيت عادي يعني بتحصل كتير "
" بتحصل كتير ؟؟؟"
وتلك النبرة المنخفضة أثارت ريبة صلاح الذي تراجع عن جملته :
" لا مش معايا، أنا قصدي يعني في العموم بتحصل كتير و..."
لكنه لم يكمل جملته وهو يرى ملامح ميمو قد اشتغلت بالغضب أكثر تضربه بالحقيبة في رأسه بخفة :
" أنت مينفعش معاك غير صالح يسففك التراب عشان يتصور "
أنهت حديثها تنطلق للطريق توقف سيارة وتصعد لها دون حتى أن تنظر خلفها لصلاح الذي كان يفتح فمه بيلاهة لا يفهم ما حدث منذ ثواني، نظر لأثر السيارة التي رحلت، لكن فجأة انقشع فمه عن بسمة واسعة، يخبر نفسه بغيرتها، وهو يصعد لسيارته يلحق بها :
" وانا مالي بصالح، أنا عايز اتصور البوم فرحي ..."
_________________________
كان يسير في ممرات المركز الذي يعمل به وعلى فمه مرتسمة بسمة واسعة، قلبه يركض أمامه يريد أن يسبقه ليصل إلى مراده، فحينما علم من رفيقه أن اللواء قد عاد للمركز في وقت متأخر من الليل سعد كثيرًا وجاء يزفه ما وصل له .
توقف أمام باب المكتب وقبل أن يمد يده لطرق الباب وصل له صوت ليس بالغريب مطلقًا وهو يردد :
" يا فندم أنا بعمل كل اللي بيتأمر مني، ازاي بس اتنقل لمركز تاني، أنا غلطت في ايه عشان كده ؟؟"
فتح رائد عيونه بصدمة مما يسمع، محسن مدلل المركز بأكمله سيتم استبعاده من المكان ؟! ما الذي حدث في هذه الحياة، هل تركه زوج خالته العزيز والذي يمطره بالتوصيات وغيرهم ليتم ترقيته دون جهد.
وكم اسعد قلب رائد أن يتم معاملة محسن كعامة الشعب هنا، لكن تُرى ما الذي شحذ غضب اللواء ضده ؟!
واتاه الرد من فوره حينما استمع لصوت اللواء يقول :
" أنت تحمد ربنا أنك متحولتش للتحقيق بسبب عملتك، بقى يا حضرة الظابك تتقفش بحشيش في كمين ؟؟ ولولا معارف جوز خالتك كان ظابط الكمين اتسبب ليك بوقف عن العمل "
رفع رائد حاجبه بحنق، حتى وهو يُوبخ، يتم توبيخه باحترام لأجل عيون زوج خالته، ما هذا الدلال ؟!
مسح وجهه وقرر العودة لمكتبه لحين انتهاء اللواء من محسن وحتى يرتب أوراقه قبل أن يخبره بما عمل عليه الايام السابقة في صمت شديد .
ارتسمت بسمة ماكرة أعلى وجهه وهو يدخل مكتبه، ثم ألقى جسده أعلى مقعده يعيد الايام السابقة في رأسه، هو ما كان ليضيع يومًا له عبثًا ما كان ليتركهم يفلتون بفعلتهم بهذه السهولة، والآن ها هو على أعتاب إنهاء تلك المهمة ووضع نقطة في نهاية الحكاية .
ابتسم بتمني، قبل أن يستمع صوت العسكري يدخل يؤدي له التحية العسكرية بكل احترام :
" اللواء طالب حضرتك يا فندم "
نهض رائد من مقعده يتحرك خلف العسكري، ثم تركه وسار منفردًا صوب مكتب اللواء وفي طريقه أبصر محسن الذي كان لأول مرة يدفن وجهه ارضًا، لكن بمجرد أن مر بجواره رأى منه نظرة غريبة لم يفهم لها معنى، لم ينظر له أو يهتم به، بل سار واثق الخطى، هو لن يضيع حياته بالتفكير في محسن ومشاكله .
طرق رائد الباب ودخل حينما سمع صوت اللواء يطلب منه الدخول .
" حضرتك طلبتني يا فندم ؟!"
رفع رأفت رأسه لرائد يرمقه بغموض أثار الريبة في قلب رائد، وقد تحفزت جميع اجزاء جسده يعتدل في وقفته ليتلقى أي اوامر شامخًا، يستمع لحديث اللواء يردد بهدوء :
" سيادة النقيب حصل مستجدات في القضية الخاصة بالعصابة "
سارع رائد بالتحدث لما جاء لأجله، وكله أمل أن يكون ذلك بداية نجاحه المأمول :
" أنا كنت جاي لحضرتك مخصوص عشان ابلغك اني وصلت لجـ.."
قاطعه صوت رأفت يقول بجدية وهو يضم كفيه أعلى المكتب الخاص به :
" هيتم تسليم القضية لشخص تاني وأنت هتتولى مهمة غير دي، وكمان الشاهدة اللي حضرتك محتفظ بيها مبقاش ليها لازمة تقدر تخلي زمتك منها "
ضحك رائد بعده تصديق :
" حضرتك بتتكلم جد ؟؟"
" امال ههزر معاك يا حضرة الظابط ؟!"
مسح رائد وجهه لا يفهم متى ستقرر تلك الحياة أن تضحك له، ألم تمل من الضحك عليه، ما بال الأمور كلما ظنها قد حـلت تتعقد أكثر وأكثر ؟!
" يا فندم أنا خلاص وصلت لجلال اساسا وكنت جاي اخد أمر بالتحرك عشان اقبض عليه، ثم الشاهدة اللي حضرتك بتقول عليها ملهاش لازمة تبقى خـ "
" ميخصنيش يا حضرة الظابط كل اللي بتقوله ده، اللي قولته يتنفذ، دي أوامر ان الظابط ده يمسك القضية "
اشتد غضب رائد وقد شعر أن الحياة تستمر في صفعه مرات وراء مرات دول كلل أو ملل :
" يا فندم يمسك قضية ايه ؟؟ أنا خلاص خلصت القضية، مبقاش فيه قضية ؟؟ ناقص بس الترقية عشان القضية تتقفل، ايه هتسلموه هو الترقية !!"
وبقايا الغضب في دماء رأفت انتفضت من أسفل رماد هدوءه وهو يضرب مكتبه بجنون صارخًا بصوت هز أرجاء المكان بأكمله :
" أنت هتجادلني في الأوامر يا حضرة الظابط؟؟ "
ضغط رائد على شفتيه وهو ينظر أمامه بقوة قائلًا :
" العفو يا فندم، تحت امرك، هسلم كل المعلومات للظابط الجديد، ده انا عيوني ليه، أي اوامر تانية ؟؟"
أشار له رأفت بالخروج وهو يخرج هاتفه يتحدث مع أحدهم :
" أيوة يا وائل، مر الصبح على المركز عشان تستلم القضية اللي قولتلك عليها "
في تلك اللحظة خرج رائد من المكتب وهو يرى المكان يدور من حوله وعيونه أضحت ضبابية من دخان غضبه، لا يرى أمامه شيء، كان مقدرًا أن يكون اليوم هو يوم سعده، جاء سعيدًا بخبر عثوره على جلال بعدما بذل في سبيل تلك القضية كل ما يمتلك .
دخل مكتبه والغضب عماه ليقطع تلك الاشرطة التي تزين اكتفاه يلقيها ارضًا وبعدها امسك جميع الملفات التي جمع بها المعلومات ومزقها اربًا بغضب جنوني ملقيًا إياها في سلة المهملات ومن ثم خرج وأحضر كبريت ثم أشعلها والنيران تنعكس في عينيه .
وفي ثواني كان العسكري يقتحم المكتب بخوف وهو يردد :
" فيه ايه يا فندم؟ حريق ولا ايه ؟؟"
نظر له رائد ببسمة سوداوية :
" لا متقلقش يا سامح، دول شوية ورق كل شوية يطيروا بسبب المروحة ويزعجوني فقررت احرقهم، المهم فيه ملفات مهمة خاصة بالقضية هيجي ظابط بكرة يطلبهم منك "
أنهى رائد حديثه يتحرك صوب مكتبه يمسك ورقة بيضاء يخط عليها المعلومات التي ستساعد ذلك الضابط في إكمال المهمة والقبض على جلال، ومن ثم أعطاها لسامح وهو يقول بجدية شديدة :
" خلي بالك يا سامح لاحسن الورقة دي فيها كل المعلومات بتاعة القضية وخطيرة، سلمها بايدك للظابط اللي جاي بكرة لاني إجازة ماشي؟!"
هز سامح رأسه يراقب رحيل رائد، ليأخذه فضوله لرؤية تلك المعلومات الخطيرة التي من شأنها مساعدة الضابط في إيجاد المتهم، لكن بمجرد أن قرأ المعلومات شعر بالبلاهة تتملكه، فالورقة قد خُطّ عليها بيد رائد معلومات عن المجرم والتي كانت عبارة عن :
( الاسم : جلال......النوع : ذكر )
في الخارج صعد رائد للسيارة الخاصة به يصفر باستمتاع شديد، وقد قرر أنه لم ولن يدع أفكاره السوداء تسيطر عليه، يريدون القضية إذن ليشبعوا بها، لكنه لن يعطيهم أي شيء وصل له وليتحملوا نتيجة تحطيمه مرات ومرات، حتى وإن طُرد فهو لم يعد يهتم، انتهى الأمر ...
وصل للمنزل وهبط من السيارة ليصعد الدرجات بخطوات واسعة وبمجرد أن وصل للطابق سمع صوت فتح باب الشقة المقابلة له وصوت تسبيح تردد بلهفة :
" رائد طمني عملت ايه ؟؟ بلغتهم أنك لاقيت جلال ؟؟ هتترقى صح ؟؟"
ابتسم رائد بسمة باهتة يستدير لها بعدما كان على وشك فتح الباب، ينظر لها بأعين غامضة ضبابية :
" لا الإدارة شافت أن فيه ناس اكتر مني أحق بالترقية دي"
تعجبت تسبيح حديثه، لكنها لم تأبه به كثيرًا، بل كل ما انتبهت له هو نبرته الساخرة الممازحة وهو يردد محركًا كتفيه :
" يلا حصل خير، مش اول مرة اسيب قضية في نص الطريق لحد تاني يكملها، ربنا يقدرني واساعد الشباب الصاعد بمعلوماتي اللي بجمعها في كل قضية "
ابتسمت تسبيح بتقدير له ولما يفعله، وقد كانت الراحة واضحة في عينيه أثناء الحديث، لتقترب خطوات قليلة مرددة بمؤازرة :
" ربنا يكتر من امثالك يارب ويجعلك دائما سبيل لمساعدة الناس "
ضحك رائد وهو يتخيل ملامحها إن علمت كيف ساعد الضابط الجديد، لكنه لم يعلق على الامر يسمعها تضيف بتوتر :
" رائد أنا ...أنا عملت ليك مشاكل ؟؟ ده بسببي ؟! "
ابتسم رائد بحنان، ثم تنفس بصوت عالي وبعدها قال :
" لا يا تسبيح مش بسببك، بالعكس أنتِ المكسب الوحيد اللي طلعت بيه من القضية دي "
نظرت تسبيح ارضًا تفرك يديها، تود لو تمتلك ما يمكن أن يساعده الآن في تخطي محنته، وهي التي كانت ستخبره ردها بعدما استخارت الله في أمر زواجها منه، والذي رغم عدم منطقيته لها، إلا أنها شعرت بالراحة تتسرب لقلبها .
رفعت تسبيح رأسها ترى أنه كان يرمقها ببسمة صغيرة حنونة شجعتها على قول ما تريده، لكنها ترددت لثواني بسبب ما حدث له، هل هذا وقت أو مكان مناسب لإعطاء موافقة على أمر مصيري كالزواج ؟؟ أيا ليت والدها كان حيًا لكانت تدللت وأخبرته أن يسأل والدها وهو سيخبره رأيها، لكن أنّى لها بوالد الآن وقد واراه التراب ؟!
" رائد بخصوص الموضوع اللي كنت قولته قبل كده، قصدي يعني الجواز و..."
صمتت فجأة حينما تناهى لمسامعها ومسامع رائد صوتًا اجشًا رجوليًا صارمًا :
" أيوة بخصوص موضوع الجواز يا حضرة الظابط، أنا كمان جاي عشان اعرف موضوع الجواز ده "
استدارت عين رائد للدرج فجأة يرى والده يقف وجوراه صلاح الذي صعد لتوه يشير على رقبته بعلامة الذبح، ورائد ابتلع ريقه يردد ببسمة وقد علم أن الليلة لم تنتهى بعد :
" حاج سليمان حبيبي ..."
________________________
تنام قريرة العين في خيمتها، تتقلب يمينًا ويسارًا تحاول البحث عن وضعية مريحة للنوم، وهناك بسمة واسعة تتوسط فمها، قضت اجمل لحظات حياتها مع مختار الذي تفاجئت بنومه على صوت غنائها .
ابتسمت تحاول الشرود في أي شيء لتسقط في النوم وفي رأسها تعيد ذكرى أول لقاء لها مع مختار حينما كان ما يزال على اعتاب شبابه واحضرته ميمو للعمل معها بعد وفاة والدها .
كانت نيرمينا تركض في المنزل بسعادة كبيرة تحمل فوق ظهرها حقيبة المدرسة، تقفز في كل مكان كالكرة المطاطة وهي تصرخ أنها حازت شهادة تقدير من معلمتها، لكن فجأة توقفت في منتصف المنزل بخوف حينما أبصرت شاب طويل القامة يرتدي الاسود وينظر صوبها بخواء جعلها تنظر حولها بخوف تبحث عن أخيها أو ميمو، ومن ثم عادت بنظرها له لتجده ما يزال يطيل لها النظر .
" على فكرة أنا من البيت هنا "
لكن مختار لم يبدي أي ردة فعل تجعلها تعلم أنه سمعها، لذلك تحركت ببطء صوب الداخل تمر من جواره لكن عين مختار كانت تتابعها لتقول ببسمة خوف :
" أنا بس عايزة اطلع فوق، ماشي ؟؟"
وكالعادة لا ردة فعل، صخرة لا حياة فيها .
حركت نيرمينا انظارها في المنزل قبل أن تتحرك صوب مختار بحرص شديد وفضول قادها لتتأكد من شيء في عقلها، وبمجرد أن وصلت له مدت اصبعها وغرزته في ذراعه تتأكد أنه ليس رجلًا آليًا كتلك الفتاة التي شاهدتها مؤخرًا في الاخبار، وبمجرد أن شعرت بطراوة جسده أسفل اصبعها حتى امسك مختار اصبعها بقوة لتطلق هي صرخة عالية مرتعبة أتى على إثرها ميمو برعب لتنجدها من بين يديه..
" فيه ايه يا نيمو يا قلبي، اهدي ده مختار الحارس الجديد بتاعي "
اختبأت نيرمينا بين احضان ميمو وهي تنظر لمختار بخوف :
" ده بيبصلي، شوفي بيبصلي ازاي، هيقتلني وانا نايمة "
ضحكت ميمو تقبل رأسها بحنان :
" يقتلك ايه بس، متقلقيش هو هنا عشان يحميكِ مش يأذيكِ، صح يا مختار ؟!"
لكن مختار لم يبدي أي ردة فعل، وميمو قالت ببساطة :
" شوفتي ؟!"
" شوفت ايه ؟؟ هو مقالش حاجة "
جذبتها ميمو بصعوبة لتقترب من مختار وهي تقول :
" لا هو قال، قال إنه مش هيأذيكِ خالص، مختار صديقي وهيكون صديقك أنتِ كمان "
التمعت أعين نيرمينا وهي تنظر له ببسمة واسعة تقول بلهفة مراهقة في الرابعة عشر تبحث عن رفيق لها كالجميع :
" بجد هتكون كده ؟؟"
لم يجبها مختار بحركة لتمد يدها تقول :
" أنا نيرمينا ممكن تقولي نيمو طالما هتكون صاحبي "
لكن مختار نظر ليدها، ثم تحرك بتجاهل للخارج ونيرمينا لاحقته بنظراتها المنبهرة لطوله لتردف ببسمة واسعة :
" خلاص كده بقينا صحاب يا مختار ؟؟؟"
أفاقت نيرمينا من أفكارها الغبية والبلهاء قليلًا على صوت حركة غريبة خارج الخيمة الخاصة بها، رمشت تبحث بيديها على المصباح اليدوي لتنير به وتبحث عما يتحرك في الخارج، لكن لا شيء .
ابتلعت ريقها وقد بدأت ضربات قلبها تزداد، تحركت على ركبتيها صوب الخارج، ثم استقامت في وقفتها تتحرك بصعوبة بسبب الظلام الكثيف الذي لم يستطع كشاف الإنارة الصغير أن يبدد إلا جزء بسيط منه .
وأثناء بحثها عن مصدر ذلك الصوت سمعت صوت خطوات خلفها تزداد لتستدير وتبحث عن المتسبب في تلك الأصوات، لكن مجددًا لا شيء .
ابتلعت ريقها وقد شعرت أنها بطلة في أحد افلام الرعب، لتقرر أن تعود صوب خيمتها تحتمي بها حتى الصباح، لكن وقبل أن تفعل ارتفعت الاصوات أكثر لتشعر بالرعب داخلها يزداد وغيرت طريقها متجهة صوب خيمة مختار بخطوات سريعة تصرخ باسمه :
" مخــتــار ...مخــتــار "
لكن وقبل أن تنطق باسمه للمرة الثالثة ارتفعت صرخاتها تبدد ذلك الصمت الكئيب في المكان بأكمله ورنّ صداها في الجبال من حولها ......
______________________
بدأت الآن المرحلة التالية تحت عنوان ( جنون مضاعف ومتعة مضاعفة )
وما حدث لم يكن سوى الإحماء لبداية المعركة ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمة نبيل
صلوا على نبي الرحمة ...
__________________
تردد صدى صرخات نيرمينا في الأجواء بشكل جعل الجميع ينتفض من خيامهم برعب واولهم مختار الذي كان ينام نصف نومة بتحفز شديد وكأن حواسه تخبره أن الليلة لن تمر مرور الكرام ...
بينما في الخارج ..
سقطت نيرمينا بوجهها أعلى صخرة مدببة لتعلو صرخات متألمة وتأوهات قوية وشهقات باكية، جعلت الجميع يلتفون حولها بالكشافات، يحاولون معرفة ما حدث ومنهم رامي :
" فيه ايه يا نيرمينا ؟! حصل ايه ؟؟ مالك ؟؟"
لكن كل ما تلقاه من نيرمينا هي صرخات بكاء تحاول النهوض بعدما تلقت ضربة قوية على جبهتها.
فجأة انطلقت قذيفة بين الجمع يدفعهم بشراسة مخيفة جانبًا حتى كاد يتسبب بالعديد والعديد من الحوادث، ومن ثم انحنى سريعًا على ركبتيه، يجذب كتف نيرمينا لأعلى يحاول رؤية ما حدث وهي فقط تستمر في البكاء بقوة والصراخ بوجع ..
رفع مختار رأسها بحسم دون أن يأبه بأي اعتراض لها، اتسعت عيونه بصدمة من تلك الدماء التي ملئت وجهها بسبب إصابتها بجرح عميق في جبهتها وهي تبكي بقوة :
" كانوا ....كانوا بيجروا ورايا، سمعت صوت ورايا وحد زقني جامد "
استدارت رأس مختار بسرعة كبيرة صوب الجميع ليراهم يحدقون بما حدث في فضول، يحاول البحث بينهم عمن يمكن أن يكون تسبب فيما حدث لها .
لكن في تلك اللحظة لم يهتم سوى لنيرمينا التي رفع جسدها ببطء وحنان، ومن ثم مال بجسده ينفض ثيابها، ثم جذبها بعيدًا عنهم ورامي يتبعهم بعدما أعطى للجميع أوامره :
" كل واحد يرجع لخيمته واللي حصل ده انا هعرف السبب فيه ومش هيعدي على خير "
أنهى حديثه يركض خلف مختار يتعجب أين ذهب بها في ذلك المكان المقفر وماذا سيفعل مع جرحها، لكن فجأة توقفت أقدامه حينما وجد نيرمينا تجلس على شاطئ البحيرة والشاب معها يميل بجسده ويحضر مياه ليغسل وجهها بلطف .
اقترب منهما ببطء ليرى أن مختار كان يخرج محرمة قطنية من جيب بنطاله يجفف بها الدماء ويضغط على الجرح، ليتنحنح جاذبًا انتباه الاثنين قبل أن يتحدث بجدية :
" اعتقد الجرح بتاعها محتاج خياطة لأنه مفتوح "
استدار له مختار يرمقه بتحفز وشر، لكن رامي لم يأبه وهو يقول بجدية :
" هروح اقول لسواق الاتوبيس يجهزه عشان ياخدنا لأقرب مستشفى هنا "
وبتلك الكلمات غادر رامي تاركًا مختار ما يزال يمسك رأس نيرمينا بيد وباليد الأخرى يضغط على الجرح ونيرمينا قد هدأ بكاؤها قليلًا ولم يتبقى منه سوى شهقات صغيرة تخرج بين الحين والآخر .
قالت بصوت منخفض وهي تصف له مقدار الزعر الذي عاشته :
" كنت نايمة وسمعت صوت قدام الخيمة عندي بينادي، فكرت حاجة حصلت واول ما خرجت سمعت صوت خطوات ورايا ولما اتحركت عشان اناديك، حسيت الصوت بيزيد ورايا وبعدين مرة واحدة لقيت حد بيزقني جامد ووقعت على الطوبة "
وبمجرد انتهاء قصتها انفجرت في البكاء بصوت مرتفع، وكأن الحديث عما حدث لها أعاد نفس الشعور :
" وجعتني اوي، ولسه بتوجعني، أنا مش عايزة افضل في المكان ده، أنا خايفة، كلهم بيفضلوا يضايقوني "
كانت تتحدث من بين بكائها وكأنها لا تصدق أن هناك من يستمع لها، وهذا الشخص ليس سوى مختار الذي كان لا ينتظر أن تفتح فمها ليختفي من أمامها في ثواني معدودة .
" هما على طول بيحبوا يضايقوني وبيقولوا أنهم بيهزروا، بس ..بس انا بخاف منهم اوي يا مختار، بخاف وهما بيهزروا معايا، بخاف يعملوا فيا مقلب ويأذوني"
صمتت تنظر لملامح مختار الجامدة ظاهريًا، المشتعلة باطنيًا، والذي يستمع لما تعانيه بذهول، هي لم تكن تمزح حينما كانت تخبره أنها لا تمتلك اصدقاء، حينما كانت تطارده لأجل أن يصبح رفيق لها، كانت تعاني في صمت في محاولة لتحظى بشخصٍ يحبها ويهتم بها .
شعر مختار بقلبه يرتجف وجعًا يلعن عجزه عن البوح بكلمة تؤازرها، ابتلع ريقه، يمنحها بسمة صغيرة جاهد لتخرج منه دون أي ملامح للغضب، ثم رفع يده يشير عليها ومن ثم أشار لنفسه في إشارة منه أخيرًا أنه قبل دعوتها ليصبح رفيقًا لها ...
لكن نيرمينا كانت تنظر لاصبعه الذي يتحرك بينهما بجهل :
" انا وانت ؟؟"
اومأ لها مختار ببسمة يعيد ويكرر نفس الحركة ليوصل لها مقصده، قبل أن يمد خنصر يده اليمنى ويصافح به خنصر اليد اليسرى له في إشارة لقبوله صداقتها لكن نيرمينا فتحت فمها شاهقة بصدمة من بين دموعها :
" أنت عايز تخطبني ؟! "
وكان الرد من مختار ضربة قوية أعلى جبهتها يعيد لها رشدها، ثم أخرج هاتفه وكتب في مدونة الهاتف كلمات مقتضبة، فركت نيرمينا جبهتها بوجع تقرأ كلماته :
" موافق نكون اصدقاء "
رفعت نظرها له ببلاهة تكرر الكلمات مجددًا :
" موافق نكون اصدقاء ؟؟ "
واخيرًا استوعبت الجملة لتصرخ بعدم تصديق وسعادة وقد تناست لثواني وجعها :
" موافق نكون اصدقاء ؟؟ أنا وأنت هنبقى صحاب؟!"
ابتسم لها مختار يهز رأسه لتتسع أعين نيرمينا وتلتمع بسعادة طاغية وكأنه للتو أعلن لها عن جائزة لطالما سعيت لها بكل كيانها، ولم يدرك مختار أن ما قاله بالفعل هو أكبر جائزة نالتها نيرمينا التي صرخت بسعادة :
" شكرا، بجد شكرا أنا...أنا مش مصدقة اخيرًا، بعد خمس سنين وافقت، بس مش مشكلة المهم أنك وافقت "
ابتسم لها مختار في الوقت الذي عاد به رامي وهو يقول بهدوء :
" يلا السواق جهز العربية "
نهض مختار يساعدها، وهي تسير جواره بسعادة يكاد ينبت لها أجنحة لتحلق بها، واخيرًا حظيت بصديق تعلم تمام العلم أنه لن يكون كالجميع، إصرارها على أن يصبح محتار بالتحديد صديقًا لها، هو أنها تعرف كيف يكون مختار حينما يخلص لأحد .
ابتسمت وهي تصعد السيارة وخلفها مختار الذي اختفت بسمته وعلىٰ الجمود وجهه، وألقى نظرة سوداء أخيرة صوب الجميع الذين كانوا يراقبون ما يحدث بفضول ...
__________________________
توقف أمام المخبز بالسيارة بعدما اوصل والده للمنزل وتناول معه الطعام، ثم انصرف الاخير لينهي عمله داخل المعمل الخاص به، وهو ولغياب صالح عنه وعدم القدرة على مرافقته بسبب ذلك العشاء الكارثي، قرر أن يفعل شيء مفيد اكثر من مرافقة صالح إلى حتفه ...يذهب ليقر عينه برؤية بسكوتته الهشة الناعمة .
فتح محمود الباب الذي أطلق اجراس تشابه اجراس الانذار التي انطلقت في قلبه حينما رفعت هاجر نظرها للباب تردد ببسمة لطيفة :
" بعتذر، قفلنا الـ .."
توقفت عن الحديث بتوتر وهي تبصر محمود يخطو المكان ينظر حوله قليلًا يخلع سترته التي أُجبر على ارتدائها لأجل اجتماع العائلة يلقي بها أعلى مقعد إحدى الطاولات، ثم رفع أكمام قميصه يقول بمزاح :
" معلش اتأخرت على الشغل انهاردة، بس كان عندي ظروف "
جارتهُ هاجر دون أن تستطيع كبت بسمتها :
" خلاص هعديها ليك عشان بس أنت موظف مجتهد "
اقترب محمود يجذب منها قطعة القماش القطنية التي كانت تنظف بها يستلم العمل منها :
" انا هكمل باقي الترابيزات، وأنتِ اقعدي قصادي على الكرسي ده عشان تشوفي شغلي حلو ولا لا "
ضحكت هاجر بصوت خافت، تجمع اطباق الحلوى عن الطاولة، ثم تحركت داخل المطبخ تضعهم وتأخرت دقائق قليلة، قبل أن تخرج له وتعطيه طبق ملئ بحلوى :
" عرفت أنك بتحب الكيك ده، صح ؟؟"
نظر محمود للطبق بفم مفتوح واعين ملتمعة بكل المشاعر التي يكنها لتلك الفتاة، هل قدمت له للتو شيئًا يحبه ؟؟
" ده ليا ؟؟"
" أيوة كنت حاسة أنك جاي انهاردة، فخبيت ليك كيك "
ابتسم محمود بسمة واسعة وتناسى ما كان يفعل، تاركًا قطعة القماش وهو يجلس على المقعد يجذب الطبق له ينقض عليه بسعادة، ليس لأنه يحب ذلك النوع تحديدًا، بل لأنه يعتبر أول شيء تقدمه له .
جلست أمامه هاجر تردد بفضول :
" هو انت كنت في مناسبة ولا ايه ؟؟"
رفع محمود وجهه لها يحاول أن يبتلع ما بفمه :
" أيوة، كنت في عشاء عائلي "
ابتسمت هاجر بدفء لتلك الفكرة :
" جميل اوي انك تتجمع مع عيلتك كل فترة "
ضحك محمود بصوت مرتفع، يضع يده أمام فمه يحاول أن يبتلع الطعام، ثم ارتشف بعض المياه :
" امال، اجمل حاجة في الدنيا دي هي العيلة "
" ده بجد فعلا، حلو اوي أنك يكون عندك علاقات مترابطة اوي كده مع عيلتك وكل فترة تقعدوا سوا تتكلموا وتشاركوا بعض اللي وصلتوا ليه "
صمت محمود ثواني وتوقف عن الطعام، ثم رفع عينه لها يقول بجدية وبسمة موجوعة :
" دي حقيقة أنا مؤمن بيها جدا، بس للاسف مش دي عيلتي، أنا عيلتي مش كده خالص "
لم تفهم هاجر مقصده لكنها فقط قالت بهدوء :
" ايه باباك مش بيعاملك كويس ؟؟ أنا لما شوفته كان باين عليه هادي "
وفجأة ارتسمت بسمة حب وامتنان كبيرة على فم محمود الذي ارتاح بظهره للخلف يقول بعد تنهيدة عالية :
" بابا ؟؟ هو فيه انسان في الدنيا دي كلها زي بابا ؟؟ هاجر أنا في حياتي كلها عمري ما شوفت راجل عظيم زي ماجد، من طفولتي وهو صاحبي وابويا واخويا وكل ما ليا، وبعد وفاة امي كان كل عيلتي وبعدين جه صالح وبقت عيلتي عبارة عن هو وبابا بس، أنا بتكلم عن عيلة بابا، عيلة فلطح باشا"
كانت كلماته الأخيرة الساخرة نابعة من مقته الشديد تجاه تقاليد تلك العائلة _ العريقة _ التي ما تزال تعيش على امجاد وهمية لا مكان لها سوى في عقولهم، بدأ يعود لتناول الكعك .
وهاجر لم تفهم مقصده وهي تتساءل :
" فلطح ؟؟ أنت عيلتك اسمها فلطح؟؟ "
غص محمود أثناء ابتلاعه لقضمة الكعك، يضع يده أمام فمه بقوة وهو يحاول كتم ضحكاته على نظرات البلاهة التي تعلو وجهها :
" فلطح ايه بس ؟؟ لا مش من عيلة فلطح، ده لقب أنا مطلعه عليهم أنا وماجد، خليه في سرك بقى "
هزت هاجر رأسها بسرعة وهي تقول :
" متقلقش محدش هيعرف "
ضحك محمود أكثر على برائتها، يتنفس بصوت مرتفع، ثم نظر لها ثواني قبل أن يقول :
" هاجر هو أنتِ مش كان عندك أخ ؟؟"
هزت هاجر رأسها بايجاب :
" ياسين "
" أيوة هو، فين ياسين دلوقتي ؟؟ لو عايز اوصل ليه اعمل ايه ؟؟"
رمشت هاجر دون فهم :
" هو مسافر وقرب يرجع، بس ليه ؟؟ محتاج محامي ؟؟"
عض محمود شفتيه يمنع بسمة :
" لا محتاج مأذون الحقيقة، أنا في أمس الحاجة لمأذون دلوقتي "
هزت رأسها بتفهم شديد وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها :
" اوك أنا معرفش رقم مأذون، بس لو حابب هو ياسين ممكن يوثق عقود الجواز عادي في المحكمة، بص هديك رقمه وأنت كلمه وهو باذن الله يساعدك، هو عامة قرب يرجع لو حابب اديك عنوان مكتبه "
كان محمود يحدق فيها بأعين متسعة من الصدمة، هي لم تستوعب تلميحاته، لم تنتبه حتى أنه يلمح لزواجه منها، تلك الفتاة هل هي بريئة لهذه الدرجة أم بلهاء ؟؟
مدت هاجر بالهاتف في وجهه تقول ببسمة لطيفة :
" ده رقم ياسين "
ومحمود قرر أن يسايرها وهو يحفظ الرقم لديه، من يدري ربما يحتاجه قريبًا لكن ليس ليوثق زواجه، بل ليصبح وكيلًا للعروس .
أنتهى من تدوين الرقم، ثم منح هاجر بسمة وهو يقول :
" شاطرة يا هاجر، بعد كده لو حد طلب منك رقم اخوكِ متديهوش الرقم ماشي "
هزت هاجر رأسها تشعر أنها فعلت شيئًا خاطئًا، وقبل أن تدركه سمعت صوت رنين هاتفها وشعرت به يهتز بين يديها لتتحدث بتعجب شديد وهي ترى الاسم المدون على الشاشة :
" ده محمد ..."
___________________________
كانت تسبيح تحدق في ذلك الرجل الذي صعد حتى وصل لهم ينظر بشر لرائد الذي علم أن ليلته لن تنتهي بمصيبة واحدة، فلا حظه يقبل بذلك، ولا هو يكفيه أن تفسد ليلته لأجل كارثة واحدة فقط ...
لم تفهم تسبيح ما يحدث، لكنها خمنت أن ذلك الذي يقف الآن هو نفسه والد رائد، حيث سارع رائد يمسك يده مقبلًا إياها، ثم مال يقبل وجنته :
" نورت المكان كله يا حاج، ايه النور ده، والله وحشتني "
أبعده سليمان عنه بحنق شديد، ومن ثم نظر لتسبيح بأعين ضيقة يشعر بوجود شيء بينها وبين ولده :
" هي دي شاهدة ؟؟"
نظرت تسبيح بتعجب صوب رائد الذي ابتلع ريقه يقول بتصحيح :
" تسبيح يا حاج، هي اسمها تسبيح "
ضرب سليمان بعكازه في الأرض حانقًا :
" وانا مالي هو أنا هخرج ليها بطاقة ؟!"
خجلت تسبيح وهي تحاول الانسحاب دون أن يشعر بها أحد وقد أدرك ذلك صلاح الذي تدخل سريعًا يحاول الحفاظ على ما تبقى لها من ماء وجه وايضًا لأنه يدرك كيف يكون سليمان حين غضبه ....
تحرك يمسك يد سليمان يجذب صوب الشقة ببسمة هادئة :
" اتفضل يا عمي ادخل استريح أنت جاي من طريق طويل"
ولم يكد يجذبه خطوة واحدة اضافية حتى جذب سليمان يده، دافعًا صلاح بقوة على رائد الذي تلقفه بين أحضانه وسقطا الاثنان ارضًا بقوة ..
رفع صلاح رأسه يهمس لرائد الذي كان يتسطح أسفله :
" الحاج شكله مضايق شوية يا رائد، عملت ايه يا عاق ؟؟ "
تحدث رائد يبعد صلاح عنه :
" أنت لو مبعدتش عني هكون معاق، قوم يا اخي أنا ناقص؟! "
نهض وصلاح يحاول أن يلملم بقايا كبريائه :
" تسلم ايدك يا عمي أنا بس كنت عايز اساعدك، لكن واضح أنك لسه ماشاء الله بصحة، تسلم ايد مرات عمي مهتمية بتغذيتك "
رمقه سليمان بطرف عيونه بشر ليصمت صلاح وهو ينسحب من المكان وقد يأس أن يحل الأمور بينهما، لكن رائد تعلق في يده وهو يقول خوفًا من نظرات والده له ولتسبيح :
" أنت رايح فين وسايبني؟!"
جذب صلاح يده بصعوبة من بين أنامل رائد :
" حبيبي دي مشاكل عائلية وابوك شكله جاي ومتوعد ليك، وانا الحقيقة مش ناقص قلة قيمة تاني قدام الآنسة تسبيح، ده اخدني على خوانة وزقني كان هيكسرني "
نظر له رائد بغيظ شديد :
" يعني أنت اتكسرت ؟! ما أنا اللي وقعت على ضهري اتكسرت "
" يا بني تتكسر ولا تتجبس ده ابوك أنا مالي ؟"
وقبل أن يصل له تعليق من رائد، سمع الاثنان صوت ضربة من عصا سليمان الذي سأم كل تلك الحوارات الجانبية يقول بصوت صارم جاد مخيف :
" احنا هنقضيها وشوشة أنتم الاتنين ؟؟ أنا سألت سؤال الاستاذ مرجعش البلد ليه عشان يتجوز بنت عمك مسعد ؟!"
قال رائد وهو يحاول أن يبعد والده عن تسبيح التي كانت ترمق الجميع بنظرات غير مفهومة تشعر كما لو أنها دخيلة بينهما :
" طب يا حاج معلش ممكن ندخل جوا ونتكلم وانا هفهمك كل حاجة "
نظر لهم سليمان ثواني قبل أن يتحرك صوب المنزل يقول بصوت نزق :
" ماشي، ورايا، وهاتوا معاكم شاهدة لاني حابب افهم كل اللي بيحصل هنا "
وتسبيح التي لم تفهم شيئًا منهم، انسحبت لمنزلها بوجه شاحب وقد شعرت فجأة أنها تسرعب برغبتها في الموافقة على زواج سيُقام على أنقاض زواج اخر لم يبدأ حتى .
وقبل أن تطأ منزلها سمعت صوت رائد يناديها :
" شاهـ.. تسبيح، تعالي "
استدارت له تسبيح بتعجب ليمنحها بسمة مطمئنة وهو يشير لها لتقترب :
" متقلقيش الحاج سليمان طيب اوي ومش بيحب يزعل حد "
وفجأة ارتفع صوت والده من الداخل وهو يصرخ بغضب :
" ما تخلص منك ليه هفضل مستني طول الليل عشان تدخلوا ؟؟"
ابتسم رائد مشيرًا للمنزل :
" شوفتي ؟؟ قلبه ابيض "
أشار لها صلاح أن تقترب بهدوء :
" رائد عنده حق يا آنسة تسبيح، عمي سليمان طيب اوي"
اقتربت تسبيح تتبعهم للداخل بقلب وجل وكأنها على وشك خوض الاختبار النهائي للقبول في إحدى الجامعات، وبمجرد أن وطأت المنزل أشار لها سليمان بالجلوس لتبدأ جلسة المحكمة .
ضرب سليمان بعكازه الأرض ونظر للجميع بأعين فاحصة، ومن ثم نطق بصوت صارم جاد كما لو أنه في إحدى الجلسات التي يحكم بها في القرية الخاصة به باعتباره عمدة عليها .
" ودلوقتي حابب افهم يا استاذ رائد سبب رفضك للجواز وايه علاقة رفضك بالاستاذة شاهدة؟؟ "
_________________________
" وسيم مش ناقصة غباء على المسا، قولتلك شوف واخد غير الزفت اللي اتفقنا عليه، خلاص الدكتور ده شيله من دماغك لأن مبقاش يلزمني في الشغلانة وله حوار تاني معايا"
كانت تلك الجملة خارجة من فم سعيد الذي انتظر ردًا من وسيم والذي يعلم أنه سيصيبه في مقتل، زفر بصوت مرتفع يرى بطرف عيونه ميمو التي دخلت المنزل بوجه مقتضب غاضب، ليتحسن مزاجه تلقائيًا :
" لا أنا هكلم عمر اشوف وصل لايه، ركز أنت في اللي قولتك عليه دلوقتي "
أنهى حديثه يغلق الهاتف وهو ينظر لميمو التي حاولت تجاهله حتى لا تنتهي ليلتها مع ذلك الاحمق بكارثة، لكن هيهات، فسعيد لا يجد سلوانًا له سوى في شجاره مع ميمو .
" مرات ابويا الصايعة اللي عمالة تلف البلد مع الصحفي، البيت نور بيكِ يا غالية "
توقفت ميمو عن سيرها وهي تستدير له نصف استدارة، ثم ابتسمت بسمة مستفزة :
" عارفة، امال يعني هينور بيك أنت، بس ايه المزاج الحلو ده ؟!"
" عشان شوفتك بس يا ميمو "
ابتسمت ميمو تتحرك صوبه، ثم ألقت الحقيبة الخاصة بها على الطاولة ومن بعدها ألقت بنفسها على الأريكة جواره، تتكأ بظهرها في راحة شديدة :
" تعرف يا سعيد ايه هي مشكلتك الأزلية؟! "
استند سعيد بمرفقه أعلى الأريكة وهو ينظر لها باهتمام شديد، يضع ذقنه أعلى قبضته في بادرة تشير لاهتمامه بما تقول :
" ايه يا حياتي ؟؟"
" أنك واحد ثقيل ورخم "
فتح سعيد عينه باتساع يدّعي ذهولًا :
" سبحان الله تعرفي أنك تاني شخص يقول انهاردة اني ثقيل ؟؟"
" تقريبا الكيل طفح عند الكل منك، وقرروا يصارحوك بالحقيقة المرة "
ابتسم لها سعيد يميل بنصفه العلوي يلتقط كأس الشراب الخاص به، ثم أعطاه لميمو ببسمة واسعة :
" والله يا مرات ابويا أنا مش بهتم بالكل ولا برأيهم فيا، إلا أنتِ دايما بحب اعرف رأيك عشان اعمل عكسه "
منحته ميمو بسمة ساخرة :
" تربية جاد بصحيح "
غمز لها وهو يعتدل في جلسته يتحدث بشرود، يرتشف من الكأس الذي جذبه من يدها دون أن تشرب منه :
" مش انا بس اللي تربية جاد يا ميمو، أنتِ شربتي من جاد في خمس سنين اكتر ما أنا شربت منه في ٢٥ سنة كاملين"
اقتربت منه ميمو قليلًا تهمس بصوت بدى كفحيح :
" بس انا كنت دايما بتقيأ أي حاجة بشربها منه، الدور والباقي على اللي كان بيشربه ويقول الله، ويستنى الجرعة التانية "
نظر لها سعيد بطرف عيونه، يبتسم لها بسمة جانبية:
" اصل مرار جاد كان له طعم مميز، طعم كل ما تشربيه تعرفي إن فيه حاجة اسوء من الموت"
هزت ميمو رأسها موافقة إياه، لتسمع صوته يتحدث بعدما ارتشف من عصيره دون شهية حقيقية وكأن المرارة التي يتحدث عنها انتقلت فجأة لكأسه :
" صحيح مش هنفرح بيكِ بقى ولا ايه ؟! عايز اجيب بدلة وأحضر فرحك على الصحفي اللي ماشية معاه "
استدارت له ميمو تمنحه بسمة ماكرة :
" والله يا سعودي أنا قبلك عايزة افرح واجيبك تفرح معايا، بس أنت يعني عارف اللي فيها، وإن أنا يعني اممم مش بطيقك ولا بطيق سيرتك أنت وابوك "
نظر لها سعيد بلوم :
" اخص عليكِ يا ميمو، دي عشرة سنين، كده يهون عليكِ سعودك؟! امال مين اللي هيمسكلك الشمعة وانتِ بتتزفي، ويمشي وراكِ ويشيل ديل الفستان، بعدين بالغلط الشمعة تقع على ديل الفستان اللي ماسكه وتولعي؟؟"
ابتسمت ميمو وهي بتقول باستفزاز :
" احلامك مضحكة اوي يا سعيد، أنت افضل أحلم كده لكن مش هتوصل لحاجة "
اعتدل سعيد في جلسته يتجاهلها وهو يحمل جهاز التحكم في التلفاز يقلب بين المحطات ليجد فجأة قناة تعرض مقابلة قديمة لصلاح، تلك المقابلة التي كان يحاول قلب الطاولة عليه ومن معه ليبتسم وهو ينظر لميمو :
" تصدقي لايقين على بعض "
رمشت ميمو وهي تنهض بسرعة تقف جوار التلفاز الذي كان يعرض وجه صلاح بشكل كبير :
" مش كده ؟؟ أنا قولت والله اول ما شوفته، قولت مفيش حد يستحق يشاركني في تربيتك غير صلاح "
رفع سعيد حاجبه بسخرية شديدة :
" لما تتربوا أنتم الاتنين و..."
توقف عن الحديث حينما صدح في المكان صوت رنين هاتفه، امسكه ينظر له بهدوء قبل أن يجيب دون ملامح واضحه حول هوية من يتحدث معه، لتدرك أنه ربما اتصال خاص بالعمل، لذلك حملت حقيبتها وقد ملت تلك الالعاب مع سعيد وتحركت صوب الاعلى، لكن فجأة توقفت وهي تستمع لنبرة سعيدة الفزعة والتي كانت لتسعدها في أي وقت من الأوقات، حينما يكون الأمر بعيدًا عن نيرمينا .
" نيرمينا اختي ؟؟ حصلها ايه ؟!"
ألقت ميمو الحقيبة بقوة وهي تركض صوب سعيد تجذبه برعب وهي تردد :
" نيرمينا ؟؟ مالها ؟؟"
______________________
كان النقاش ما يزال محتدمًا بين رائد وسليمان منذ ساعات، رائد يحاول أن يوضح الأمور لوالده، وسليمان يرفض أن يعارضه ولده .
وصلاح يحاول أن يهدأ بين الاثنين وهو يقف في المنتصف يبعد سليمان تارة، ويزيح رائد تارة أخرى .
وتسبيح تقف بعيدًا تفكر في الهرب من كل ذلك، ليس فقط من المنزل، بل من البناية كلها، كل ما يدور في عقلها الآن هو أن تختفي من حياة رائد، عسى كل تلك المشاكل تختفي .
ومن بين كل ذلك ارتفع صوت موسيقى شعبية مرتفعه تهز اركان المنزل، تحولت جميع الأعين صوب الباب ليجدوا أن صالح يقف على الباب وهو يحمل بين يديه سماعة صوت في حجم زجاجة المياه يتراقص بها ويغني معها ...
نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم، وصالح ما يزال يدور في المنزل يرقص ويغني بصوت مرتفع، وفجأة أبصر وجود الجميع في البهو ليبتسم، يلقي بالسماعة أعلى الأريكة ويركض صوبهم يجذب صلاح من يديه يجبره على الرقص وهو يغني :
" رقصوني يابا .....فرحوني يابا "
كان يغني وهو يجذب يد رائد الآخر باليد الآخرى، ومن ثم أخذ يتحرك به هو وصالح ويرقص معهم وبعدها تركهم متوجهًا صوب سليمان يجذب منه عصاه الابنوسية وأخذ يتراقص بها في سعادة كبيرة والجميع ينظر له بعدم فهم ..
وصالح لا يأبه بأنه للتو عطّل حربًا كادت تشتعل بين سليمان ورائد، وهو يتحرك صوب سليمان يضع يده على كتفه يجبره على الحراك معه :
" يلا يا عم سليمان افرح، ارقص يلا "
حاول سليمان أخذ العصا منه بحنق، ليعطيها له صالح وهو يقول ببسمة :
" عايز العصايا ؟! "
ومن ثم أعطاه العصا وركض احضر عصا المكنسة وعاد لسليمان يتبارز معه كما يفعل الرجال عادة في الافراح بما يسمى ( التحطيب )
وسليمان لا يفهم ما يحدث .
في تلك اللحظة وصل مرتضى الذي تحدث مع ابنه منذ ساعات ولم يستطع البقاء في المنزل، بل سارع بأخذ سيارة وجاء في الطريق سعيدًا بابنه ..
وبمجرد أن وطأ المنزل ابتسم وهو يرى صالح يتراقص بالعصا مع سليمان لينضم لهم وهو يرفع يديه في الهواء يصفق بصوت مرتفع، وحينما انضم لدائرة الرقص جذب صالح يقبله بحب وسعادة وصالح يستقبل كل ذلك بطيب نفس وحب .
وهكذا انضم مرتضى لساحة الرقص يجذب العصا من يد سليمان ليشارك ولده التحطيب وهو يغني ويرقص ويصدر اصوات عالية متحمسه من فمه .
وصلاح يضرب كف بكف لا يفهم ما يحدث :
" انا مش فاهم ايه ايه ؟؟ حد يتكلم !!"
تحرك سليمان بغيظ صوب مرتضى يجذب عصاه منه :
" جرا ايه يا مرتضى أنت جنيت أنت وابنك ولا ايه ؟؟ داخلين علينا بالاغاني والرقص ؟؟ "
توقف مرتضى عن الرقص وهو ينظر للجميع بتعجب :
" ايه هو أنتم متعرفوش ولا ايه ؟!"
نظر الجميع لبعضهم البعض بدهشة، وتحرك صلاح صوب السماعة يطفأها بحنق :
" لا منعرفش، احنا يادوبك كنا لسه بنقتل في بعض لقينا ابنك داخل يرقص ويغني "
وضع صالح يده في جيب بنطاله :
" اصل عقبال عندكم خلاص خطبت "
ومن فوره انكب مرتضى مجددًا يقبل ولده :
" والله يا بني ما توقعتها منك، عقبال اخوك يارب، أنتم الاتنين في يوم واحد "
كان صلاح ينظر لصالح بأعين متسعة وصدمة كبيرة واضحة على وجهه :
" خطبت ؟؟ خطبت آمتى ؟؟ ومين اساسا ؟؟"
اجابه صالح ببسمة :
" هيكون مين يعني ؟؟ اكيد رانيا، قبل المغرب كده روحت طلبتها من أهلها ومبدئيًا كده فيه قبول من ناحيتهم، ناقص بس أخد الحاج ونطلبها رسمي "
تحدث صلاح بتشنج :
" اصلًا ؟؟ يعني الفرح ده كله وانت حتى لسه متفقتش ؟؟ امال لما يوافقوا عليك هتعمل ايه ؟؟ هتعمل فراشة في الصالة ونحط دي جي على باسطة السلم ؟؟"
اجابه صالح ببسمة مستفزة :
" قولتلك الناس وافقوا عليا، والموضوع مضمون اللي باقي رسميات مش اكتر، هاخدك أنت والحاج وتيجوا معايا نتفق على السجاد والفرش ونخلص "
ربت مرتضى أعلى كتفه بسعادة :
" حبيبي الف مبروك، ربنا يتمملك على خير يارب، وعقبالك كده يا صلاح يا حبيبي لما افرح بيك "
نظر سليمان صوب رائد بغيظ شديد :
" شايف الناس اللي بتفرح، مش أنت بتنكد علينا عيشتنا عشان بس طلبت منك تتجوز "
زفر رائد بحنق ليتدخل مرتضى بعدم فهم :
" هو فيه ايه يا سليمان ؟؟ وأنت جاي هنا ليه ؟؟"
أشار سليمان صوب رائد بغيظ شديد :
" الاستاذ عايز ينزل كلمتي قدام الكل ويسيب منال "
نظر له مرتضى يتساءل :
" ليه كده يا رائد يا بني ؟!"
" يا عمي أنا قولت لابويا أن حتى منال جاتلي الشغل وقالتلي أنها بتحب واحد تاني ومش عايزة تتجوزني، وانا التاني خلاص لقيت بنت الحلال اللي عايز اتجوزها "
كان يتحدث مشيرًا لتسبيح التي نأت بنفسها في أحد أركان المنزل تراقب ما يحدث بهدوء شديد وشعور بالذنب يملئها، رغم أنها منذ جاءت لم يأتي أحدهم على ذكرها وكل حديثهم يدور في نطاق اسباب رفض رائد .
نظر مرتضى صوب تسبيح ثم قال لسليمان :
" طب ما البنت زي الفل اهو يا سليمان وشكلها كويسة، فيه ايه بقى ؟؟"
قال سليمان بحنق شديد ينهر صديقه على طريقته البسيطة في الحياة :
" انا مش بتكلم عن البنت يا مرتضى، أنا بتكلم عن شكلي وسط الناس وكلمتي، والبنت اللي مستنية ابني يجي يتقدم ليها "
هز مرتضى رأسه يتفهم ما يقصده :
" خلاص مش مشكلة، أنا هجوزها لصلاح هي طيبة وبنت حلال، هعمل فرحه مع صالح "
انتفض صلاح وهو يصرخ :
" ايه يا حاج فيه ايه ؟؟ ماله صلاح دلوقتي بحواركم "
تدخل رائد يقول بشر يحاول كبته وهو يذكر نفسه أنه أمام مرتضى الرجل الذي يعتبره والده :
" ايه يا عم مرتضى مش كده، بقولك دي البنت اللي عايز اتحوزها تقولي اخدها لصلاح "
نظر له مرتضى بتعجب :
" وانا مالي بيها يا بني، أنا بتكلم عن منال، لو كده أطلبها أنا لصلاح، البنت محترمة وزي العسل "
ومجددًا صاح صلاح وهو يضرب كف بالآخر :
" لا حول ولا قوه الا بالله، يا حاج وانا مزعلك في حاجة ؟ أنا تقيل عليك طيب ؟؟ قولي وانا والله ما هزعل، هو أي واحدة في وشك ترميها على صلاح ؟؟ "
قاطع رائد كل ذلك وهو يقول منهيًا الحوار :
" من الاخر يا حاج عشان الموضوع يتقفل، أنا مش هتجوز غير تسبيح وبس، ومنال بنفسها هترفضني اساسا، ولو عايزني ارجع معاك البلد هرجع عشان اثبتلك أن لا أنا ولا هي موافقين، وأنت اكيد يا حاج مش هتبدي كلام الناس على سعادة ابنك "
سانده مرتضى بصدق :
" ابنك عنده حق يا سليمان، الموضوع مش بيجي بالعافية كده، البنت اللي ابنك مختارها شكلها محترم وبنت ناس، وبعدين أنت لو أجبرته على منال كل ما تبص لوشه هتلاقيه بيلومك "
نظر لهم سليمان بحنق، هو نفسه ليس مقتنعًا بأمر إجبار ابنه على الزواج، هو فقط جاء لأنه شعر أن ابنه يتجاهله، أو أنه لا يهتم لكلمته ورأيه .
نظر سليمان صوب تسبيح التي كانت تحاول الركض بعيدًا عنهم في تلك اللحظة وقال وهو يشير لها :
" تعالى يا بنتي "
نظرت تسبيح له بتردد فابتسم يشجعها على الاقتراب، وكذلك فعلت، وحينما أصبحت على مسافة صغيرة منه تنهد سليمان وهو يقول:
" انا يابنتي والله ما رافضك ولا حاجة، أنا بس بربي الأستاذ اللي جنبك عشان ميتعودش يمشي كل حاجة غصب وبالدراع ويتعود يتناقش في اللي عايزه "
نظرت له تسبيح فابتسم قائلًا :
" بعدين أنا اساسا اول ما شوفتك وانا حسيت براحة كبيرة، امال فكرك أنا قولتلك تيجي معانا ليه ؟؟ عشان حسيت أنك ممكن تفهمي الموضوع غلط وتهربي من الواد ويمشي يلف عليكِ زي المجنون "
نظر لها رائد بصدمة وكأنه يتساءل إن كانت ستفعل ذلك، وتسبيح اخفضت نظرها للأرض ترفع عينيها ببطء له، وهو فقط يحدق فيها بترقب أن تمن عليه بنظرة واحدة .
واخيرًا فعلت، ليمنحها أجمل بسمة قد تراها يومًا، بسمة جعلت قلبها ينتقض في مضجعها وهي تبتعد بنظرها عنه، لتتسع بسمة رائد ويشعر أن كل حظه الجيد تم ادخاره ووضعه في تلك الفتاة.
شعور أن تحظى بامرأة قوية وهشة في ذات الوقت كتسبيح، رقيقة وحنونه مثلها، يدغدغ رجولته بقوة .
فاق رائد من شروده بها على صوت والده وهو يقول :
" كتب الكتاب هيكون في البلد، خدي يابنتي لينا معاد مع ابوكِ "
ابتلعت تسبيح ريقها وهي تفرك يديها بتوتر، ثم رفعت عيونها لهم والتي التمعت بطبقة صغيرة من الدموع جعلت رائد يسارع وهو يقول :
" هي موافقة يا حاج، وباذن الله عمي الله يرحمه يكون راضي عن الجوازة "
سقطت دمعة من أعين تسبيح وشعور بالمرارة ملء حلقها، أين والدها من تلك اللحظات، اين من سيتلو على زوجها يوم الزفاف الوصايا، اين من ستركض لاحضانه حين يغضبها زوجها؟! حُرمت من كل ذلك، حُرمت حتى من شقيقها الصغير الذي تخيلت بكاءه يوم زفافها وهو يخبرها كم سيشتاق لها .
لاحظ رائد دموع تسبيح التي تحاول أن تخفيها عن الجميع ليقول معطيًا لها فرصة لإخراج كل حزنها براحة :
" معلش يا تسبيح تعبناكِ معانا وسهرناكِ اكتر من معاد نومك "
ورغم أن تسبيح لم تفقه كلمة منه، أو ما يريد، إلا أنها أدركت ما يحاول فعله لأجلها لذلك نظرت له بامتنان، تنسحب من كل تلك الجلسة تاركة الجميع خلفها يرمقها بشفقة .
قبل أن يربت سليمان على كتف ابنه :
" البنت شكلها بنت حلال يا بني وكويسة، ربنا يتمملك على خير يارب "
ولم يشأ رائد اخبار والده أنه حتى لم ينل ردًا من تسبيح، لكنه فقط ابتسم له وقال بحنان :
" يارب يا حاج يارب ..."
____________________________
كانت تجلس في نافذة الشرفة الخاصة بها تتنهد بتعب بعد ساعات طويلة من التحقيق الذي انتهى بقولها أنها لا تعلم عن صالح سوى أنه جار خالتها، وتعرفت عليه حينما كانت تعمل معها في المخبز، كذبت على إخوتها نعم، لكنها لم تفعل مع والدها الذي جلست معه وقصت عليه كل شيء؛ لأنها تعلم أنه الوحيد الذي سيتفهمها حتى وإن غضب أو وبخها لما فعلت وتعريض حياتها للخطر وحديثها مع ذلك الشاب....
ابتسمت فجأة حينما تذكرت ما فعل صالح لأجل، ضمت الوسادة لصدرها وهي تكتم صرخة سعادة هربت من سجن شفتيها، يا الله هل تحلم ؟؟ صالح جاء لخطبتها، بل وحارب إخوتها لأجلها ؟؟
صمتت قليلًا وهي تفكر في سر سعادتها بشأن الأمر، أليس من المفترض أن صالح ذلك هو من كانت تعد الايام للتخلص منه والعودة ؟؟
والآن ماذا ؟؟ تعد الثواني لتلتقي به ؟؟
فجأة أفاقت على صوت رنين هاتفها لتحمله بسرعة ولهفة كبيرة وكأن صالح هو من يتصل، آمال خائبة واحلام سخيفة، من اين لصالح برقمها ؟؟
أبصرت رقم هاجر يتصل بها لتبتسم مفكرة، هل عاد صالح للقاهرة واتصل بها من رقم هاجر ؟!
فتحت الاتصال سريعًا تنتظر صوته لكن ما قابلها كان صوت هاجر المتوتر وهي تقول بنبرة هامسة وكأن أحدهم يراقبها :
" الو رانيا ...التحقيق خلص؟!"
ضحكت رانيا بصوت مرتفع وهي تنظر للسماء البديعة أمامها :
" أيوة يا خالتو، خلص واخدت افراج بضمان مكانتي عندي اخواتي، لكن مازلت تحت المراقبة "
سمعت رانيا صوت هاجر يصل لها عبر الأسلاك ينقل صوتها واضحًا، وترددها :
" انا المفروض مكنتش عطيته عنوانك اساسا، اول ما شوفت اسم محمد على التليفون حسيت قلبي هيقف واني عملت مصيبة، ولما سألني عن صالح وقفت ثواني مش عارفة اقول ايه "
ضحكت رانيا وهي تتذكر إصرار محمد على التحدث لهاجر حينما أخبرتهم أن صالح جارها، وقتها أخذ الهاتف وخرج يتحدث معها، وهي في الداخل بين باقي المحققين تتضرع لله ألا تقع هاجر بلسانها، للعجب لم يحدث إذ رجع محمد للغرفة بعد دقائق يصيح :
" انا قولت الجوازة دي مش هتحصل، والواد ده ميدخلش البيت بتاعنا ابدا "
تنفست رانيا بخوف من صراخ محمد والذي سانده به جبريل مضيفًا :
" وانا ليا نفس الرأي، أنا اساسا مش عاجبني الولد ده "
وافقه عبدالجواد بجدية :
" ولا عاجبني "
وعبدالله شاركهم نفس الشعور :
" ولا عاجبني أنا كمان "
في تلك اللحظة حدق بهم رؤوف في هدوء وقال مستفزًا إياهم وكأنه يختبر صبرهم وطاقة تحملهم :
" بس عاجبني انا"
استدارت له جميع الرؤوس، يحدقون فيه مصدومين، فوالدهم لم يسبق له وأن ناقشهم في تلك الأمور، أو تحدث معهم عن أي رجل يتقدم لخطبة اختهم، هو فقط كان يكتفي بتوبيخ لهم وأنه لا يعجبه ما يحدث .
تحدث جبريل بترقب :
" يعني ايه مش فاهم !؟"
" يعني الولد عاجبني ولو بنتي موافقة عليه، هقوله يجيب أهله ويجي "
ومع انتهاء كلمات رؤوف تحولت جميع الأنظار في ثواني صوب رانيا التي نظرت لوالدها بلوم أن جعلهم ينتبهون لها بعدما ظنت أنها فلتت من بين أيديهم.
نظر محمد لوالده بغيظ مكبوت :
" حضرتك مش عاجبك الشاب، أنت عاجبك فكرة أننا متعصبين "
ارتفعت ضحكات رؤوف يرى أن بِكره قد التقط وبسهولة شديدة هدفه وراء تلك الزيجة، يعجبه أن هناك من استطاع الوقوف في وجه أعاصير ابنائه، ينتشي من فكرة أن هناك أخيرًا من سيستطيع تخطي الوحوش وسلب الأميرة :
" أيوة فعلا عندك حق، اصل انا يا محمد لو ضيعت الشاب ده من ايدي، يا عالم امتى يجي واحد زيه ممكن يقف قصادكم الند بالند ويوقف التخلف اللي بتعملوه "
اعترض عبدالجواد باستنكار شديد :
" تخلف ؟! حضرتك مسمي خوفنا على اختنا تخلف ؟؟"
ضرب رؤوف يد بالاخرى حانقًا:
" خوف ايه ؟؟ يابني ده دخل البيت من بابه، وطلب أيدها بالحلال. "
اعترض عبدالله أخيرًا بتهكم :
" الجواز أذى يا والدي "
هز رؤوف رأسه موافق :
" عندك حق، لو نتيجة الجواز عيال زيكم، فهو أذى فعلا "
زفر محمد وقد استاء من ذلك النقاش بأكمله ورانيا ما تزال تجلس في ركن الغرفة وأعلى مقعد التحقيق تنتظر الاذن بالإفراج لتركض وتحتمي بغرفتها .
قال محمد بعدم اقتناع :
" أي واحد ممكن افكر فيه ماعدا الشاب ده، مش هو اللي هينفع رانيا "
وكان الرد من والده جاهزًا إذ قال بحاجب مرفوع واستهجان :
" وحضرتك بقى اللي هتحدد مين اللي هينفع لرانيا ومين لا؟؟ وبعدين محدش ليه حق يختار ليها، زي ما انت هتختار مراتك وكل واحد من اللي حواليك هيختار شريكة حياته بنفسه، يبقى محدش يتدخل في اختيار اختكم "
ومجددًا تسبب رؤوف في تحول الأنظار صوب رانيا التي رمقت والدها بحنق شديد وهي تتمتم بينها وبين نفسها :
" ايه يا بابا ما بصدق ينسوا اني معاهم في الاوضة "
اقترب محمد منها بأعين ضيقة، بينما رانيا وكردة فعل طبيعية قفزت فوق ظهر المقعد بسرعة شديدة وسقطت خلفه وهي تصرخ بوجع لتتسع أعين الجميع بفزع ويركضون صوبها ...
وصوت جبريل خرج مرتعبًا :
" ايه مالك ؟! اتجرحتي؟! وريني ضهرك "
نظرت له رانيا بملامح منكمشة بألم طفيف :
" لا أنا بـ "
وفجأة توقفت حينما رأت نظرات والدها يحذرها من نفي وجعها، وها هي تقوم باقدم حيلة في حياتها، حيلة اعتمدتها منذ صغرها لتحقيق كل شيء تريده، دون أي مقدمات انفجرت دموع رانيا بشكل محترف.
" مش قادرة، ضهري بيوجعني اوي، يابابا "
ركض صوبها رؤوف بسرعة كبيرة يشاركها التمثيل ووجوه الأربعة شحبت حولها ليسارع عبدالجواد في إخراج هاتفه ليطلب لها الطبيب ورؤوف يضمها له بحنان :
" يا حبيبتي معلش، تعالي اطلعك اوضتك "
لكن محمد كان الاسرع وهو يحملها بحنان شديد وحذر خوفًا أن يكون ظهرها قد تأذى من السقطة، يتحرك صوب الغرفة حاملًا إياها برقة :
" عبدالجواد اتصل بأي دكتور بسرعة وحد يجيب أي مسكن "
وها هي الخطة تسير بنجاح كالمعتاد، رانيا تستغل وباسوء الطرق رعب اخوتها عليها، تستغل المبالغة في الحماية والتي ولدوا بها، فمنذ طفولتها وهم يحيطون بها بحماية تصيبها احيانًا بالاختناق وذلك بعدما شهد الأربعة اختطاف صديقة لها في نفس العمر، ليتعهدوا منذ تلك اللحظة أن تكون رانيا هي مركز حمايتهم .
اقترب رؤوف من عبدالجواد يقطع اتصاله بالطبيب :
" خلاص يا عبدالجواد أنا بعت للدكتور صابر يجي يشوفها"
هز عبدالجواد رأسه، ثم ركض للأعلى يطمأن على رانيا بخوف أن تكون السقطة قوية وتأذت بشكل قوي، وكذلك فعل الجميع ليبتسم رؤوف بعدما انقذ ابنته من بين أيديهم، أخرج هاتفه يتصل بأحدهم :
" أيوة يا صابر، بقولك ايه تعالى اعمل نفسك بتكشف على رانيا "
أفاقت رانيا من كل ذلك على صوت هاجر التي نسيت في غمرة شرودها أنها تحدثها :
" وأنتِ يا رانيا ؟؟ "
" انا ايه يا هاجر ؟؟"
تنهدت هاجر تفضي لها ببعض المخاوف بخصوص ذلك الزواج :
" أنتِ ايه رأيك بخصوص الموضوع ؟؟ موافقة على صالح ؟؟ صالح اللي مكنتيش طايقة حتى تسمعي اسمه وبيركبك ميت عفريت لما تشوفيه؟!"
وها هي هاجر تواجهها باسئلة استمرت بطرحها على نفسها منذ علمت برغبة صالح للزواج منها، اسئلة استطاعت أن تخدع نفسها وتتهرب منها بحجج واهية كي لا تجد إجابة ربما تفسد تلك الفرحة الوليدة داخلها وذلك الشعور الذي ينمو على استحياء في قلبها .
" معرفش يا هاجر "
" متعرفيش ايه يا رانيا ؟؟ اكيد مش هتعارضي اخواتك وتشني حرب في البيت، عشان واحد مش طيقاه ومش بتحبيه "
صمتت رانيا ثواني قبل أن تقول بتردد :
" انا مقولتش اني مش طيقاه، بالعكس أنا ...أنا ..."
صمتت تحاول بلورة كلماتها :
" هاجر أنا يوم ما رجعت اسكندرية مع عبدالجواد وانا في الطريق فتحت الايميل بتاعي بالصدفة، لقيت أن..."
صمتت تتحدث يشرود :
" اترفضت في المنحة، للمرة التالتة يا هاجر، اترفضت في المنحة اللي عشانها سافرت وتعبت واتبهدلت، اترفضت في المنحة اللي عشت سنين الجامعة كلها احارب اخواتي عشانها "
صمتت، ثم أكملت بعدم فهم لما ستقوله :
" لكن الغريب اني وقتها وفي اللحظة دي، كل اللي عملته اني قفلت التليفون ورميته من غير حتى ما اهتم، وبالي كله كان مشغول بحاجة تانية، كنت بفكر في صالح، ومش عارفة ازاي، بس شعوري وانا بتحرك من الموقف وشايفة صالح ونظراته ليا كان شاغل بالي اكتر"
ابتلعت ريقها وهي لا تعلم كيف أفضت لهاجر بما لم تعترف به لنفسها، لكنها الحقيقة، صالح خلال تلك الأسابيع حجز لنفسه مكانة في قلبها كبيرة، مكانة هي لم تعرف بعد تعريفها.
" انا مش عارفة اقول ايه ولا عارفة أنا حاسة بايه، أنا بس فرحت يا هاجر، فرحت لما شوفت إصرار صالح وهو جاي يحارب عشاني "
صمتت وهاجر لم تعقب على حديثها، وبما تتحدث وهي نفسها لا تعلم ما أصاب ابنة اختها لكنها قالت التفسير الوحيد الذي تعلمه في تلك الحالة :
" هو ممكن ...ممكن تكوني حبتيه ؟!"
" فكرت في الموضوع ده، بس هو ممكن، يعني اصل انتِ عارفة أنا وصالح كنا عاملين ازاي طول الوقت، مكانش فيه فرصة حتى نتكلم زي البشر "
ضحكت هاجر تقول بهدوء :
" احيانًا الاستفزاز بيكون وسيلة للتعبير عن الاعجاب، معرفش هل هو كده في حالتكم أو لا، لكن باللي أنتِ قولتيه فأنا شايفة تقعدي مع صالح وتتكلموا براحة وتفهمي منه أسبابه للي بيعملوا وصلي استخارة وتوكلي على الله لو ارتحتي "
صمتت رانيا ولم تجب على حديث هاجر، لكن ضربات قلبها الصاخبة أجابت ما تشعر به جيدًا، ابتسمت بسمة ساخرة تقول متهكمة :
" اقعد معاه ؟؟ ده لو رجع يا هاجر، أنتِ مشوفتيش اللي حصل لما جه "
وصل لها صوت هاجر ملقية بقنبلة في وجهها :
" هيجي لأن هو أخد مني رقم والدك، فاستعدي عشان الحرب اللي بجد هتبدأ ....."
___________________________
يقف أمام غرفة أخيه يضم ذراعيه لصدره مستندًا على باب الغرفة يراقب ما يفعل صالح .
فقد كان صالح يتراقص في الغرفة وهو يجمع كل ما يمكن أن يحتاجه لتلك الزيارة، كمشط لشعره ولم يكن يعلم حقًا أن صالح يمتلك مشطًا .
وايضًا قميص ابيض وبنطال من خامة الجينز الاسود، ومن ثم ألقى زجاجات عطور مختلفة، كل ذلك وهو يغني بانسجام شديد أصاب صلاح بحسرة حول ماهية المشاعر التي تدور داخل صالح الآن، كيف يبدو بهذه السعادة للزواج من فتاة كاد يقتلها منذ اسابيع؟؟
ثواني وسمع الاثنان صوت والدهم في الخارج يستدعيهم، استدار صلاح صوب والده ليرى بطرف عيونه جسد صالح يتحرك للخارج وهو يرقص ويغني بسعادة كبيرة ...
خرج الاثنان ليتحدث مرتضى بسعادة كبيرة :
" ها هناخد ايه للناس واحنا رايحين ؟!"
كان والده يتحدث بحماس شديد، ليشاركه ذلك الحماس سليمان رفيقه القديم وصديق طفولته الذي بدأ يقترح عليه أخذ العديد من الأشياء، لكن صلاح تحدث بمنطقية شديدة :
" يا والدي العزيز دي قاعدة تعارف واتفاق مش اكتر يعني ناخد جاتوه... شوكولاتة، أي حاجة خفيفة كده، وبعدين بقى قبل الفرح باذن الله ابقى خد ليهم قفص وز وبط وقفصين فاكهة زي ما انت حابب "
نظر له سليمان ومرتضى بملامح مستنكرة وكأنه قال شيئًا خاطئًا ومن ثم بدأ الاثنان يعترضان على ما قال وهو يجادلهما بقوة :
" يا حاج الله يكرمك، الناس يدوبك وافقوا مبدئيًا يعني لسه فيه اتفاق وحوارات كتير على فتحة الصدر دي "
اقترب صالح من صلاح ببطء وهو يهمس له بشيء في أذنه، ليفتح صلاح عيونه بصدمة وهو يصرخ بجنون :
" نعم يا خويا ؟؟؟؟"
انتبه الجميع لصراخ صلاح الذي قاطع نقاش سليمان ومرتضى حول عدد السيارات التي يحتاجونها لحمل ما سيحضرونه، لكن صالح جذب يد صلاح وهو يقول ببسمة غبية :
" متاخدوش في بالكم، شوفوا هنحتاج كام جمل عشان الحنة "
أنهى حديثه يجذب صلاح بعيدًا عنهم والأخير ينظر له بأعين متسعة وصدمة واضحة على ملامحه، وقد نأى به صالح بعيدًا، وبمجرد أن أصبح الاثنان بعيدان عن الرجال حتى صاح صلاح بجنون :
" يعني ايه مفيش موافقة مبدئية ؟؟ امال أنت جايب ابوك ليه ؟؟"
لوى صالح فمه وقد بدا عليه الانزعاج واضحًا من صراخ صلاح :
" يعني اللي سمعته يا صلاح، العيلة ولا عطتني موافقة مبدئية ولا حتى بصوا لوشي"
نظر له صلاح بعدم فهم :
" امال ايه اللي حصل وعلى أي أساس هنروح للناس ؟؟"
" على اساس اني عايز اتجوز بنتهم "
هتف صلاح في وجهه بحنق :
" أيوة ما أنت عشان تتنيل تتجوز بنتهم على الأقل محتاج موافقة مبدئية عشان تاخد ابوك، يعني تاخد ابوك على آخر العمر تبهدله وتنطردوا؟"
سارع صالح بالحديث وهو ينظر خلفه لوالده وسليمان اللذان وصلا في حوارهما لعدد المواشي التي سيتم ذبحها احتفالًا بالمولود الاول :
" وايه اللي هيبدل ابوك بس، الناس عندهم تكييف هناك والكنب مريح "
عض صلاح يده بجنون، ثم حاول أن يهدأ فصالح لن يرضخ للصراخ أو الجنون :
" طب يا حبيبي احكيلي براحة كده ايه اللي حصل هناك ؟؟ يعني هما قالوا ايه ؟! قالوا مثلا هنفكر ؟! نديهم وقتهم براحتهم، رأيهم فيك ايه؟!"
" اني متربتش "
مسح صلاح وجهه وقد اقتنع بتلك الإجابة :
" عندهم حق والله، طب احنا هنعمل ايه دلوقتي ؟؟"
" نعمل ايه في ايه ؟؟ أنا هتصل بابوها هو الوحيد اللي عاقل في البيت ده واخد منه معاد نروح ليهم "
نظر له صلاح باستنكار شديد، لكن صالح قال دون تفكير :
" اساسا اللي عرفته من هاجر أن الموضوع مش شخصي معايا، هما الأربع تيران على طول بيعملوا كده "
نظر له صلاح بعدم فهم :
" اربع تيران ؟؟"
لوح صالح بيده في عدم اهتمام وهو يقول :
" اخوات رانيا، المهم انا قولت اقولك أنت عشان لما نروح هناك تحاول تتدارك الأمر ولو حصل حاجة تنقذ الموقف "
كان صالح يتحدث بكلماته في رجاء شديد ونظرات متوسلة يعلم جيدًا أنها ستُضعف صلاح، وقد كان، حيث لانت ملامح صلاح وهو يقول :
" يعني أنت يا صالح حابب تتجوز رانيا ومتأكد من قرارك ؟؟"
هز صالح رأسه وهو يقترب منه أكثر :
" أيوة يا صلاح، أنا عمري ما كنت عايز حاجة ولا مستعد احارب عشانها قد رانيا "
مسح صلاح وجهه يتنهد بصوت مرتفع، يحاول التفكير في حل لكل ذلك، لكن صالح لم يدع له فرصة التفكير، وهو يلقي نفسه بين احضان صلاح، يضمه بقوة مستغلًا حب صلاح له، ونزعة المسؤولية داخله، فالأمر لم يكن دقيقتين فقط، بل صلاح كان أشبه بأبٍ ثاني لصالح، يعامله كطفله المدلل، يوبخه وينصحه ويراضيه.
ابتسم صالح حينما شعر بيد صلاح تضمه مربتًا أعلى ظهره بحنان شديد :
" متقلقش يا حبيبي باذن الله تكون من نصيبك يا صالح، أنا معاك في أي حاجة "
وتلك الكلمات ربما لا يعلم صلاح ما تفعلها، لكنها قادرة على إذابة جبال قلق وحزن وغضب داخل صالح، صلاح كان ومازال وسيظل طوال الحياة الركن الدافئ في حياة صالح، من يركض له حينما يصيبه أي سوء .
قبّل صلاح رأس صالح وهو يشرد في الأمر محاولًا التفكير فيما سيحدث، إن كانت رانيا ستسعد أخاه، فهو على أتم الاستعداد للمحاربة في حرب لا تخصه، طالما أن أخاه أحد أطراف تلك الحرب فهو أصبح كذلك ...
وفي تلك اللحظة انتفض الاثنان من احضان بعضهما البعض على صوت مرتفع صاخب مبتهج يغني بسعادة كبيرة :
" يا نجف بنور يا سيد العرسان ....يا قمر ومنور على الخلان، اه يا نجف "
كانت تلك الكلمات تخرج من فم محمود الذي يحمل بين يديه حامل ثياب يتراقص به في المكان وهو ينظر لصالح بسعادة كبيرة، لينطلق له صالح وهو يشاركه الغناء والرقص .
وصلاح يراقبهما ببلاهة، أي عريس هذا؟! يا ناس هم حتى لم ينالوا أي بادرة قبول من الطرف الآخر.
لكن محمود والذي أخرج بدلة سوداء اشتراها خصيصًا في طريقه وهو قادم لم يكن يضع أي اعتبار لذلك، طالما أن صالح فكّر في الزواج إذن هو أصبح عريسًا وليذهب رأي وقبول الطرف الآخر للجحيم .
ضم محمود صالح وهو يمنحه البدلة التي وعده بها قديمًا، حينما أخبره أن ثياب زواجه ستكون على حسابه الشخصي، وهو من سيكون له شرف المشاركة في تلك المعجزة، حينما يقرر الزواج، حتى في الفترة التي خطب بها صلاح سجدة، لم يكن الأمر كهذا بل تم سريعًا دون أي بهجة أو احتفال .
لكن ولأن محمود يعلم جيدًا ميل صالح لرانيا قرر أن يفي بوعده .
ألقى محمود البدلة على الأريكة جوار سليمان ومرتضى اللذان كانا يشاهدان ما يحدث بسعادة كبيرة .
ومن ثم أمسك يد صالح وهو يقفز معه ويغني له ويراقصه ويقبله سعيدًا :
" مبارك يا صاحبي عقبال يارب اول عيل كده "
ابتسم صالح يبادله العناق :
" الله يبارك فيك يا محمود عقبال يارب ما تاخد الخطوة أنت كمان وتتجوز أنت وهاجر "
غمزه محمود بخبث :
" قريب اوي "
وصلاح يشاهد كل ذلك وهو يضرب كف بالآخر، كل هذا لأن شقيقه فكر فقط في الزواج، ماذا إن تزوج بالفعل ؟! هل سيقيمان احتفالًا على مستوى الجمهورية؟؟
قاطع أفكاره تلك صوت رنين هاتفه، أخرجه ليبتسم دون إرادة حينما أبصر رقم ميمو، وضع الهاتف أعلى أذنه :
" مساء الخير يا ميمو "
لكن فجأة انكمشت ملامحه بعدم فهم وهو يسمع صوت ميمو غاضبًا عاصفًا :
" صلاح أنا دلوقتي في حتة مهجورة ومش عارفة اروح ..."
________________________
قبل ذلك بساعات قليلة ...
كانت السيارة تنهب الطريق أسفلها بشكل مرعب حتى كادت إطارتها تعلو عن الأرضية أسفلها وصوت صراخ ميمو يعلو في السيارة :
" ما تسرع الزفتة دي يا سعيد، بسرعة أو تنزل وانا هسوق"
ازداد غضب سعيد الذي كان مشتعلًا بالفعل منذ مكالمة مسؤول الرحلة الذي أخبره بأصابه شقيقته ووجودها في المشفى، ضرب المقود وهو يصرخ :
" دي عربية وده آخرها، ده مش الحصان بتاعك عشان اطير بيها، يا اما تسكتي وإلا والله انزل اسيبك هنا للدياب تنهش فيكِ، ده لو قبلت تقرب منك "
رمقته ميمو بشر ليتجاهلها سعيد وهو يتنفس بصوت مرتفع ورنين هاتفه يعلو باسم أحد رجاله، لكنه يتجاهله، فهو في تلك اللحظة لا عقل له ليفكر في أمور عمله ..
استدارت ميمو تنظر للطريق وهي تحمل هاتفها تراسل به مختار لتطمأن منه على ما حدث وسعيد جوارها يقود باسرع ما يستطيع ليصل إلى صغيرته ..
دقائق أخرى مرت لتقف السيارة _ وبعد رحلة استمرت ساعات_ أمام أحد المشافي الواقعة على الطرق المهجورة وعلى أطراف إحدى المدن الساحلية ..
هبط سعيد بسرعة كبيرة من السيارة وخلفه ميمو التي لا تعلم كيف ركضت خلفه واقتحمت السيارة مخبرة إياه أنها سترافقه .
دخل الاثنان وبعد السؤال عن مكان الغرفة تحركا صوبها في شكل مخيف، وبمجرد أن وصلا للغرفة فتح سعيد الغرفة بشكل مخيف تسبب في انتفاضة نيرمينا في الداخل .
لكن سعيد لم يهتم وهو يهرول صوبها بخوف :
" نيمو حبيبتي أنتِ كويسة؟"
دخلت ميمو وهي تنظر صوب مختار الذي نظر لها نظرة مطمأنة، ورامي الذي كان يتحدث بهدوء :
" أهدى يا استاذ سعيد هي كويسة و...."
قاطعه سعيد بنظرات مرعبة وهو يصرخ في وجهه مشيرًا للضمادة التي تعلو وجه شقيقته :
" بخير ؟! ولما هي بخير ايه اللي على رأسها ده ؟! ازاي ده يحصل؟!"
نظر له رامي يتحدث بهدوء مقدرًا خوفه على شقيقته :
" انا الحقيقة معرفش اللي تسبب في الأمر ده، لكن أنا بمجرد عودتي للمخيم هعرف السبب بالضبط وصدقني مش هسكت عليه "
اشتعلت عين ميمو بقوة وهي تقول بعدما أدركت ما يقصد :
" اللي تسبب ؟؟ يعني الموضوع مش حادثة ؟؟"
التفت رامي صوب ميمو التي ادرك وجودها فقط في تلك اللحظة، ليتوقف ثواني متأملًا ملامحها الشرسة والحادة، يجيب بهدوء :
" انا لسه معرفش بس الآنسة نيرمينا بتقول أنها حست بجد بيزقها، أنا هرجع المخيم افهم اللي حصل وابلغكم "
كان سعيد في تلك اللحظة لا يهتم بما يقول تاركًا أمر التحقيق معه لميمو، وهو حينما يطمأن على صغيرته، سوف يعود ليتولى التحقيق مكانها .
ضم سعيد نيرمينا له وهو يقبل رأسها موضع الجرح :
" بيوجعك ؟؟"
هزت ميمو رأسها برفض :
" لا مش بيوجعني دلوقتي، الدكتور عطاني بنج "
زاد سعيد من ضمها بحب :
" الف سلامة عليكِ يا نيمو، الحمدلله أنك كويسة يا عيوني"
في تلك اللحظة كانت ميمو تنظر للمعلم بشر وهي تزيد من تحقيقها ليزداد حنق رامي وهو يستأذن منهم للعودة إلى المخيم بعدما أخبرته ميمو أنهم سيأخذون نيرمينا للمنزل .
لكن وبمجرد خروج رامي حتى نظر مختار لميمو نظرة فهمتها لتأذن له بالرحيل، وهو خرج يلحق برامي، فالأمر لم ينتهي بالنسبة له .
اقتربت ميمو من نيرمينا تربت أعلى شعرها بلطف شديد :
" الف سلامة يا نيمو إن شاء الله سعيد وأنتِ لا "
وسعيد لم يعلق أو يناقشها كالمعتاد، فهو يُفضل أن يصيبه كل السوء ولا يصيب صغيرته خدش واحد .
دخل الطبيب في تلك اللحظة وهو يقول ببسمة :
" ازيك دلوقتي يا آنسة نيرمينا ؟!"
ابتسمت له نيرمينا ترد بهدوء :
" الحمدلله أنا بخير شكرا لحضرتك "
ضحك الطبيب والذي كان يبدو في الاربعين من عمره وهو يكتب بعض الأدوية في ورقة أمامه :
" الانسة غبلتنا لغاية ما اخدت البنج ولغاية ما خيطنا الجرح، ولولا الشاب اللي كان معاها كان زمان محدش عرف يلمسها "
احمر وجه نيرمينا بخجل حينما جاء الطبيب على ذكر تلك اللحظات التي تتمنى أن تختفي، أغمضت عينها والإخراج يعود لها متذكرة صراخها العالي الذي أجبر مختار على التدخل والإمساك بها لمنح الطبيب فرصة رؤية الجرح، وهي تبكي بصوت مرتفع :
" لا يا مختار والله انا كويسة، هحط لازقة وهكون كويسة"
لكن مختار ما استطاع طمأنتها سوى بنظرات حنونة وهو يشير لها أن تنظر لها، مكتفًا يديها حتى بدأ الطبيب العمل.
انتبهت نيرمينا لصوت الطبيب وهو يتحدث مع سعيد :
" عادي يا فندم تقدر تاخدها بس الافضل تغير على الجرح بتاعها ويتعقم باستمرار "
هز سعيد رأسه وهو ينظر لنيرمينا، ثم أخبرها أن تتحرك معه، وتحرك الثلاثة للخارج ونيرمينا كانت تشعر بتعب، النوم يداعب جفونها، ساعدها سعيد لتتوسط المقعد المجاور للسائق، ومن ثم وقف وهو يتحدث بجدية :
" ايه اللي رجع مختار تاني ؟؟ هو مش المفروض يروح مع الاستاذ ده ؟؟"
نظرت ميمو خلفها بتعجب، ليبتسم سعيد بخبث وهو يركض صوب السيارة وصعد لها وتحرك بها في سرعة مخيفة في الوقت الذي استدارت ميمو وهي تقول :
" أنت اتعميت ؟؟ مختـ "
وقبل أن تكمل جملتها ما أبصرت سوى بعض الرمال التي تناثرت بسبب سرعة السيارة، فتحت عيونها بصدمة وهي تصرخ بصوت مرتفع :
" سعيد يا حيــــــــوان"
ضربت الأرض أسفل قدمها بعنف شديد وهي تصيح بجنون :
" والله لاوريــــــك يا سعيد "
تنفست بصوت مرتفع تنظر حولها للمنطقة الفارغة وخاصة في ذلك الوقت المتأخر، أخرجت هاتفها تحاول طلب سيارة لكن لا شيء، مسحت وجهها بغضب مخيف وهي تلجأ للشخص الوحيد الذي تعلم أنه قد يأتي لمساعدتها في ذلك الوقت عدا مختار ...
" صلاح أنا دلوقتي في حتة مهجورة ومش عارفة اروح، تعالى خدني لو سمحت ..."
وفي سيارة سعيد كان يصفر باستمتاع وهو يقود السيارة ومعه نيرمينا التي انتبهت من بين جفونها الناعسة أن ميمو ليست موجودة :
" سعيد...ميمو فين ؟؟"
أجابها سعيد بهدوء وحنان كاذبًا :
" ميمو رجعت مع مختار المخيم عشان تلم حاجتك وهتيجي معاه "
هزت نيرمينا رأسها تسقط في غفوتها، بينما سعيد ابتسم بانتشاء، انتصار صغير يحققه على ميمو، لا بأس إن كان انتصارًا طفوليًا، الأهم أنه نجح في إثارة شياطينها .
ابتسم بسعادة كبيرة لكن فجأة قطع سعادته تلك اتصالًا آخر من رجاله، زفر بحنق وقد ملّ تلك الاتصالات المتتالية، أجاب بصوت حاد من اتصاله في تلك الساعة المتأخرة من الليل حتى وإن لم يكن نائمًا :
" فيه إيه ؟! "
اجابه الرجل بصوت ملهوف :
" بحاول اكلمك من بدري ياباشا وأنت مش بترد، الدكتورة زهرة دخلت من ساعة مع راجل لمكتب مأذون ......"
________________________
كانت تنظر ليده الممدودة أمامه بتعجب، وعيونها ما تزال تحمل بعضًا من الاحمرار الذي يشي بتلك اللحظات التي مرت بها .
" أنا قولت اكيد ملحقتيش تعملي اكل، فجبت ليكِ اكل معايا "
ابتلعت تسبيح غصتها بصعوبة :
" أنا...أنا عندي اكل جوا و"
قاطعها رائد بحنان شديد :
" خدي الاكل يا تسبيح وبطلي عناد، أنا عارف أنك مأكلتيش حاجة من الصبح "
وقد كان، فتسبيح منذ الصباح كانت تعاني قلقًا منعها الأكل وهي تفكر في أمر رائد وترقيته، ومن بعدها حدثت زيارة والده والآن هي حتى لم تُعد أي طعام قد يسد جوعها، لكن خجلها الشديد منعها قبول الطعام من رائد وهي تتمنع بإباء :
" بجد شكرا يا رائد، بس انا مش ..."
ومجددًا قاطعها رائد :
" تسبيح ارجوكِ مترفضيش، أنتِ مأكلتيش حاجة، أنا عارف انك دلوقتي جواكِ ميت فكرة وفكرة، واحزان وتراكمات ممكن تمنعك تأكلي، لكن صدقيني والدك عمره ما كان هيبقى مبسوط لو عذبتي نفسك بالشكل ده "
وكأنه ضغط بكلماته على جرح متقيح لم تعقمه بعد، ولا تملك السبيل لذلك، فبمجرد سماعها لكلمات رائد حتى خرجت شهقات بكاء من فم تسبيح وهي تقول بوجع :
" مش ...مش هاين عليا، مش قادرة افرح وهما مش جنبي، عمري ما تخليت إني اعيش اللحظة دي لوحدي، حاسة اني هفضل طول عمري محبوسة في اللحظة اللي شوفت موتهم قدامي "
قدّر رائد مقدار الحزن الكامن فوق صدرها، فما عاشته ليس هينًا على أحد فما بالك بشخص رقيق حنون كتسبيح؟؟
" انا مش هعمل فرح دلوقتي خالص يا تسبيح، احترامًا لوفاة والدك وعبدالعظيم، لكن أنا بس حابب ان يكون فيه رابط يديني الحق اخد بالي منك بدون ما احس أني متقيد، حابب اكون جنبك واشاركك حزنك، بس انا متكتف ومش قادر، فعشان كده بطلب نكتب الكتاب وبعدها براحتك نعمل الفرح وقت ما تحبي والله مش هضغط عليكِ "
رفعت تسبيح عيونها المبتلة بالدموع له، ترى ملامح الرجاء تعلو وجهه، لتشعر أنها بالفعل قد حملت رائد فوق طاقته كثيرًا:
" رائد هو أنت عايز تتجوزني عشان تشيل همي ؟؟"
هز رائد رأسه يجيبها ببسمة بسيطة :
" لا عشان اشاركك همومك "
ارتجفت شفاه تسبيح لترفع يدها يلهفة تتحس النقاب وكأنها تتأكد أنه يخفي ضعفها الآن عن اعينه المتفحصة ..
تلك الجملة التي روت عطشها لحنان وعطف تشتاقه منذ ارتفعت يد والدها عن رأسها، منذ فقدت احضان شقيقها .
" انا بس...بس خايفة في يوم تيجي وتزهق من كل ده، خايفة في يوم تحس أنك شيلت حمل غيرك، حاسة اني غير صالحة لأني اعيش حياة زي دي، حاسة إني مبقتش قادرة اعمل كده "
قال رائد بحنان شديد :
" طب ما تجربي؟ ليه تحكمي على حاجة متعرفيهاش ؟! بعدين مين قالك أن الحِمل مش حِملي، تسبيح أنا حاليًا واحد مشرد، وعارف اني مش هلاقي سكني غير عندك أنتِ "
نظرت له تسبيح بتردد ليمنحها بسمة واسعة وهو يضع الاكياس المليئة بالطعام أمامها وقال بجدية وحنان :
" اجهزي عشان الحاج هياخدنا نروح نشوف امي وهناك هيعلن في البلد خطوبتنا ؟؟"
اتسعت اعين تسبيح بصدمة من سرعة الأحداث، هي حتى لو تستوعب بعد أنها ستصبح زوجة لرائد، ابتلعت ريقها وهي تراه يودعها، ثم تحرك صوب المنزل الخاص به، لكنه توقف فجأة وقال بتذكر :
" تسبيح هو أنتِ صحيح وافقتي على الجواز ؟؟"
رفع تسبيح حاجبها متشنجة، ماذا هل تذكر الآن أنها حتى لن تخبره موافقتها ؟؟
ورائد وقف يحاول التذكر قبل أن يقول ببسمة صغيرة :
" مقولتيش صح ؟؟"
هزت رأسها بنعم ليقول بهدوء :
" طب ايه نعيد الموضوع من الأول ولا نتخطى حوار الموافقة ده ونعتبرك قولتي ؟!"
رمقته تسبيح بتهكم دون أن تتحدث بكلمة ليبتسم هو قائلًا :
" تمام هنعمل skip وندخل على الخطوة اللي بعدها، اساسا أنا مكنتش هقبل برفض، عارفة ليه ؟!"
قالت تسبيح بتساءل وهي تبتسم بسمة ظهرت واضحة في عيونها :
" يا ترى ليه ؟؟"
أخرج رائد المدونة الصغيرة الخاصة به من جيب بنطاله الخلفي يلوح بها في الهواء بمزاح واضح وصوت مهدد باصطناع :
" عشان أنا مسجل هنا كل جرايمك"
لوح بالدفتر لها وهو ينسحب بظهره صوب المنزل يردد بصوت أجش خافت كصوت الاشباح في التلفاز :
" افتكري يا تسبيح، الدفتر معايا ..."
ولم تستطع تسبيح أن تكبت ضحكاتها وهي تدخل منزلها تتنهد بصوت مرتفع تترحم على والدها وشقيقها ووالدتها الحبيبة، وتدعو الله أن يزيح كل تلك الاحزان من قلبها، علّها يومًا تستطيع أن تضحك ملء فاهها ومن اعماق قلبها ....
________________________
توقف بالسيارة بعد قيادة ساعات أمام المشفى التي أخبرته عنها ميمو، بحث بعينه في المكان حوله يحاول معرفة أين هي لينتفض فجأة حينما وجدها تدس جسدها على المقعد المجاور له مرددة بصوت غاضب حاد :
" يلا "
وبالفعل تحرك صلاح بالسيارة وهو ينظر لها متعجبًا :
" ايه اللي جابك هنا في الوقت ده ؟؟ ومن غير عربية كمان ؟؟"
وكأنها كانت تنتظر أن يسأل لتمنحه إجابته على هيئة انفجار غاضب وصراخ وحنق لم يكن موجه له، بل كان موجه لذلك الحقير الذي تركها في مثل هذا الطريق المهجور في ذلك الوقت :
" الزبالة اللي اسمه سعيد جيت معاه عشان اشوف نيرمينا في المستشفى قام سابني ومشي"
صمتت وهي تتنفس بعنف وبشكل مخيف جعل صلاح يتلاشى التحدث معها كي لا يغضبها أكثر ويثير حنقها، ابتسم وهو يراها تزفر محاولة أن تهدأ وتمرير ما حدث الان فقط حتى تعود .
ليتحدث صلاح حينما أبصر أنها أخيرًا أصبحت بخير :
" احسن ؟؟"
هزت رأسها رافضة :
" لا، مش هبقى احسن غير لما اشوفه مسحول قدام عيني كده "
صمتت ثواني قبل أن تستدير له فجأة بشكل جعله يجفل لثواني وهي تقول بجدية :
" بقولك ايه ما تنزل خبر في الجريدة اللي بتشتغل فيها عن سعيد إنه اتقفش في بيت دعارة ؟؟"
فتح صلاح عيونه بصدمة مرددًا بعدم فهم :
" بيت دعارة ايه ؟؟ هو فعلا اتمسك في بيت دعارة ؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة مخيفة تقول بجدية مرعبة :
" لا بس هيتمسك "
هز صلاح رأسه بيأس منها :
" طب لما يحصل يبقى ننشر باذن الله واطفيلك نارك، اتفقنا ؟؟"
" اتفقنا يا لذوذ "
ضحك صلاح بصوت مرتفع وهو ينظر لها بطرف عينه أثناء القيادة :
" تعرفي بقالك قد ايه مقولتيش ليا لذوذ دي؟؟"
منحته ميمو بسمة خبيثة ذكرته بتلك الفتاة التي صُدم بها اول مرة حينما سحبت المقعد وجلست أمامه تتحدث معه بخبث وغموض، ومازال الغموض قائمًا .
" تعرف انت أنك كنت اول شخص اقول ليه لذوذ دي ؟؟"
نظر لها بعدم فهم، أليست تلك الكلمة ملازمة لها ؟؟ ما الذي تقصده بأنه اول من نادته بهذه الطريقة .
ضحكت ميمو بصوت مرتفع على ملامح الحيرة التي استقرت أعلى وجهه، وأعطته ما يدور حوله وهي تقول بهدوء شديد :
" انا منكرش أن أنا في العادة بتكلم مع بعض الناس بالشكل ده، اللي هو كلمات من عمق الحواري المصرية زي ما بتقول، بس كلمة لذوذ دي كانت حصري ليك "
سخر منها صلاح بغيظ شديد :
" ولصالح، ولا نسيتي أنك كنتِ بتقولي لصالح لذوذ ؟؟"
أطلقت ميمو قهقهات عالية عليه :
" بس هو نفس الشكل، فبرضو مبعدناش كتير، كأني مقولتش لحد غيرك "
قال صلاح بهدوء يسترجع ذكرى أول لقاء لهم مبتسمًا :
" فاكر اليوم ده كنت رايح على أساس اقابل نيمو،لكن مصطفى قالي مفيش نيمو تاخد ميمو، وبعدها لقيتك وشديتك عشان اتكلم معاكِ ومكنتش عارف أن الموضوع هيتطور كده "
ضحكت ميمو أكثر وهي تستمتع لما يقوله وقالت من بين ضحكاتها ببساطة شديدة وكأنها تتلو عليه حالتها لليوم :
" قصدك أنا اللي لقيتك وشديتك .."
نظر لها صلاح بعدم فهم لتمنحه هي بسمة انبأته بأن ما سيسمعه الآن سيساهم في ازدياد إعجابه بتلك المرأة، وهذا ما حدث حين هزت ميمو كتفيها لأعلى وأسفل بكل هدوء تصف له ما حدث :
" انا اللي خليت مصطفى يقولك إن نيرمينا مش هناك وأن مفيش غيري، عشان اجبرك تطلبني واقنعك أنك أنت اللي عايزني وبتدور عليا مش العكس يا حبوب "
اتسعت عين صلاح بشدة لا يفهم ما تقول، لتبتسم له ميمو بسمة جانبية تهمس بخفوت شديد :
" أنا اعرفك من قبل ده كله يا صلاح، اعرفك من اول مقال ليك وأنت بتجيب في سيرة سعودي
، وعشان كده رميت الطعم وجبتك لغاية عندي، فاكر محمد اللي قالك أن نيرمينا في النادي وبعتك لهناك؟! محمد ده تبعي اساسا "
كانت الصدمة تعلو وجه صلاح وهو ينظر لها بأعين متسعة، وسرعان ما ضاقت عينيه وتلاشت صدمته شيئًا فشيء وعلىٰ المكر وجه صلاح يردد بأريحية شديدة :
" ومين قالك أنك أنتِ اللي رميتي الطعم يا لذوذة؟!"
حدقت به ميمو دون أي ملامح وبوجه جامد، تحاول أن تخترق عقله لمعرفة ما يفكر به، لكن صلاح وكأنه قرأ أفكارها فكان دوره هو ليضحك بصوت مرتفع وهو يقول :
" متحاوليش لاني طالما مش عايز، مش هخليكِ تفهمي أنا بفكر في ايه، بس انا هجاوبك عشان فضولك ده ومتهونيش عليا "
صمت ثم أضاف ما يخفيه بين طيات نفسه :
" محمد اللي بتقولي أنه تبعك، أنا اللي رميته عليكِ يا ميمو عشان يقنعك أنه هو معاكِ وهيخدمك، وخليته يقنعك أنه سحبني للنادي بأمر منك "
ما هذه اللعبة التي وقعت بها، ظنت أنها تلعب به، والحقيقة هي أنه هو من يتلاعب بخيوطها، أم أنه خُيّل له الأمر ؟!
صفقت له ميمو والإعجاب كلل نظراتها، وقالت بهدوء :
" برافو عليك والله، كان عندي حق يوم ما اخترتك تكون معايا في اللعبة دي، لكن يا لذوذ فيه حاجة فاتتك"
نظر لها صلاح بترقب لتهمس له :
" انا عارفة من الاول اساسا إن أنت اللي زقيت محمد عليا، وأنه معاك، بس انا قولت طالما هيخدم مصالحي، فليه لا، خليني اعيش دور الاستعباط واخليه يفهمك أنه نجح يدخل دايرتي "
ارتفعت ضحكات صلاح أكثر وأكثر وهو يقول :
" يعني في الآخر طلعنا احنا الاتنين بنلعب ببعض "
" تقدر تقول كده و...."
وقبل أن تكمل حديثها شعر الاثنان باصطدام عنيف جعل جسد ميمو يرتد للإمام بسرعة كبيرة لدرجة أن رأسها كادت تخترق الزجاج، لكن يد صلاح كانت الحائل لها، قبل أن يتوقف بالسيارة في سرعة كبيرة وينظر لها ليطمأن على حالتها، وبعدها نظر بفزع للشيء الذي تسبب في إيقافه بهذه السرعة .......
____________________
اخبرتكم أن المتعة بدأت وستزداد ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمة نبيل
متنساش قبل القراءة تعمل فوت ( اضغط على علامة النجمة ) وكمان تعلق برأيك وبس كده ❤️
صلوا على نبي الرحمة...
__________________
صرير السيارة المرتفع بشكلٍ مزعجٍ هو ما يمكن سماعه في تلك المنطقة الراقية في أحد أحياء القاهرة، يقود سيارته بجنون وضربات قلبه تكاد تتسبب في تفجير صدره .
فعلتها وتركته لنيرانه، كان يقود دون أن يهتم لمن حوله، كل ما يراه هو صورتها تُزف لآخر وما يسمعه هو صوتها تتلو على مسامع آخر كلمات عاش حياته كله يتمنى أن يسمعها منها .
ابتلع ريقه وهو يوقف السيارة أمام العنوان الذي أعطاه له رجاله، ثم أشار للرجل الذي ركض له مقاطعًا أي حديث قد يقوله :
" خليك جنب العربية عشان نيرمينا فيها "
ختم جملته يصعد درجات المبنى وقلبه يرتجف بضعف.
تستغله وتقتله دون أن تشعر حتى، تستغل حاجته لها لتصيبه بالوجع .
توقف أمام المكتب الذي أخبره عنه رجاله، يحاول التنفس وتجاهل ذلك الوجع الذي ينغز قلبه، وقبل أن يخطو داخله سمع صوتها وضحكاتها تعلو مترافقة مع ضحكات رجوالية عميقة، لتنخر بقلبه وتخفر لنفسها وجعًا آخر يُضاف لقائمة اوجاعه .
ثواني حتى طلت زهرة من المكتب :
" ياعم هو فيه حد يكتب الكتاب في وقت زي ده ؟؟ ده المأذون قالنا كنتم استنوا نصلي الفجر وبعدين نكتبه، جبتلنا الكلام يا ..."
وقاطع جملتها لكمة عنيفة سقطت اعلى وجه من تتحدث معه، وقبل أن تستوعب ما حدث وجدت سعيد يهجم عليه وهو يصرخ بجنون وحالة هيسترية جعلت زهرة تطلق صرخات عالية وهي تنحني محاولى دفعه عن الشاب :
" ابعد عنه ...ابعد عنه هتموته، ابعد عنه يا سعيد، أنت جنيت؟؟ "
لكن سعيد في تلك الحالة لم يكن يرى سوى أحلامه التي تحطمت أسفل اقدام واقع فر منه لسنوات طويلة، حلم حصوله على زهرة الذي كان يعلم جيدًا استحالته، لكنه كان يخبر نفسه أنه يومًا ما سيحقق ذلك المستحيل، لكن حتى حلمه الوحيد سُلب منه، سُلب منه منتزعًا منه آخر ذرات مشاعره، تاركًا إياه صخرًا لا يشعر .
كان يصرخ بجنون وهو يضرب الشاب بشكل هيستيري، والاخير يحاول صده دون استطاعه، وصوت صرخات زهرة يعلو في المكان منافسًا قوة صرخاته، وبكاؤها يعلو بجنون :
" حرام عليك هتموته، ابعد عنه، سعيد سيبه حرام عليك "
كان سعيد قد غرق في حالته وما من طريقة لإخراجه، ولم يستطع أحد أبعاده، حتى زهرة التي كانت تبكي وتصرخ وهي ترى دماء الشاب تسيل ...
دقيقة وأخرى مروا حتى شعر سعيد فجأة بالحياة تُسحب منه بقوة حينما استفاق من تلك الحالة على صرخة صاخبة من فم زهرة باسمه .
فتح عيونه بصدمة وهو يتراجع للخلف بعدم فهم، لكن زهرة لم تنتظر أن يتحدث وهي تميل بسرعة تمسك رأس الشاب باكية :
" حد يتصل بالاسعاف، حد يلحقه "
كانت تبكي وهي تضمه بعنف ورعب، وسعيد يراقبها بصدمة لا يعلم ما يحدث، وما هي سوى ثواني حتى أبصر الشاب يتحدث بصوت خافت لزهرة وزهرة تقبل رأسه وهي تتكلم له :
" حبيبي اهدى الإسعاف جاية، أهدى متتحركش "
رفع الشاب رأسه بصعوبة وهو يحاول أن يتحكم في تأوهاته بسبب ضربه على حين غرة بواسطة شخص مجنون، نظر لسعيد الذي تحولت نظراته من مصدومة لغاضبة وهو يرى تصرفات زهرة معه .
كان جنون سعيد يعميه لدرجة أنه لم يُبصر تلك الفتاة التي ترتدي فستان ابيض رقيق تبكي وتنوح منذ هجم على زوجها كالثور الهائج .
كانت تميل على زوجها تتحسس وجهه بحب وخوف، ومن ثم رفعت رأسها لسعيد تصرخ فيه بجنون :
" يا زبالة يا حيوان، والله لاوديك في داهية، هو عملك ايه عشان تضربه بالشكل ده!!"
امسك الشاب يدها ليجعلها تصمت، ثم نظر لزهرة نظرة صغيرة وهو يحاول أن ينهض وقد فهمت زهرة نظراته، ساعدته لينهض، تسنده لخارج المكان تحت نظرات سعيد الذي لحق بهم بسرعة كبيرة ليراه يصعد لسيارة جوار تلك الفتاة صاحبة الفستان الابيض والتي نظرت له بشر وهي تصرخ :
" والله لاندمك على اللي عملته في جوزي، مش هسكت غير لما اسجنك "
ولم يفقه سعيد من كلماتها سوى ( زوجي) التي أطلقتها على الرجل الذي كاد يقتله منذ ثواني، ظنًا منه أنه سرق منه حلمه، ولم يدرك أنه هو من ألقى بحلمه في أعماق بئر مظلم بسبب تصرفه .
راقب سعيد السيارة تتحرك بسرعة كبيرة تاركة زهرة التي كانت تراقبها بنظرات غامضة، اقترب منها بخطوات مترددة، لأول مرة يقف أمام زهرة بعجز، وشعور بالاختناق يكاد يقتله ..
تحدث بصوت خافت ومبررات سخيفة لا تنفي أنه كاد يقتل شخصًا بين يديه في غمرة جنون .
" زهرة أنا ...أنا مكنتش اعرف، فكرتك ..."
وقبل أن تكتمل جملته كانت صفعة زهرة تهبط فوق وجنته محدثة صدى صوت عنيف في المكان بأكملة متسببة في استدارة وجه سعيد بقوة وصوتها خرج حادًا :
" إياك المحك قدامي مرة تانية "
ولم تستطع أن تزيد كلمة واحدة على تلك الجملة وسارعت صوب سيارتها المصفوفة وهي تحاول أن تهدأ من ارتعاشة جسدها، يا الله كادت تشهد مقتل ابن خالتها وشقيقها للتو وعلى يد من لقبته يومًا حبيبًا، سعيد استطاع بفعلته تلك انتزاع أي ذرة مشاعر له داخلها .
كانت تبكي وهي تسير صوب السيارة وصدرها يعلو ويهبط بقوة وجسدها ما يزال يرتعش، وقبل أن تلمس مقبض السيارة شعرت بيد تمسك يدها وصوت سعيد يخرج متوسلًا :
" لا لا، زهرة أنا والله ما قصدي، أنا فكرته ...فكرتك هتتجوزي غيري، والله ما حسيت بنفسي وانا شايفك بتضحكي ليه وخارجة معاه من المكتب بتاع الماذون، أنا آسف أنا ممكن اروح اعتذر ليه والله واعوضه، زهـ...."
جذبت زهرة يده بقوة وهي تنظر له بهدوء مخيف :
" اعمل اللي تعمله يا سعيد، الموضوع مبقاش يخصني، وايًا كان اللي هتعمله، صدقني مش هيزود من مكانتك عندي سنتي واحد، لأن ببساطة مبقاش ليك مكانة عندي"
جذبت يدها تتركه متوقفًا في منتصف الطريق يراها ترحل كما تفعل كل مرة، لكن تلك المرة كان صدى رحيلها مدويًا ...
تحركت سيارة زهرة مخلفة ذرات من الغبار اخفت الرؤية عن سعيد وكأنها تحرمه النظر لها ولو لمرة أخيرة .
وسعيد نظر حوله لا يعلم ماذا يفعل، أو بما يشعر، فقط خواء ووجع كبير، بيده انتزع بتلات زهرته ودمرها، احرق كل بذور أمل كانت تنبت لهما معًا .
سقطت منه دمعة وهو ينظر حوله بتيه ولا يدرك ما يفعل، أيركض خلفها ويترجاها، أم يعود منزله ويلعق جراحه ليداويها ومن ثم يعود لها متوسلًا الغفران ؟!
لا يعلم شيئًا، هو فقط يعلم أن زهرة هي الضوء الوحيد الذي يجعله يصبر على ظلام نفق حياته، يكمل حياته لمعرفته أنه سيجدها في النهاية .
__________________
استدارت ميمو ونظرت للزجاج أمامها لتجد سيارة تقف في منتصف الطريق بشكل مثير للريبة...
نظرت لصلاح الذي كان يحدق في السيارة بشك خوفًا أن يكون فخًا قد نصبه أحد الرجال الذي يذكر اسماءهم طوال الوقت في مقالاته ..
" خليكِ هناك لغاية ما اشوف في ايه !!"
وقبل أن يتحرك من مقعده جذبت ميمو طرف ثيابه محذرة إياه من خطورة ما يفعل :
" استنى متنزلش ممكن يكون فخ "
ابتسم صلاح ولا يدري كيف يخبرها أنه هبط خصيصًا لمعرفته يقينًا أن هذا فخ، فمن هذا الاحمق الذي يترك سيارة ماركة ( مرسيدس ) حديثة في منتصف الطريق، إلا بعض الحثالة الذين يبحثون عن خلاصه ؟؟ أو ربما بعض الأشخاص الذين ضلوا طريقهم أو حدث لهم شيئًا خطيرًا .
" عارف أنه فخ، بس لو شايفة فالعربية واقفة بالعرض يعني مش هنعرف تتحرك ومفيش طريق تاني نروح منه غير ده، وعشان أنا عارف الاشكال دي كويس هنزل اتكلم معاهم وراجع تاني "
أنهى حديثه يدرك جيدًا أن ما يفعله لن يعود عليه بالنفع ابدًا، لكنه رغم ذلك لا يستطيع المخاطرة بها، ففكرة العودة قد تحمل خطورة أكثر من الحديث معهم .
فتح الباب وخرج وهو يقترب من السيارة وتبعته ميمو التي قررت ألا تبقى مكتوفة اليدين طالما تستطيع المساعدة، كانت تمسك بمسدسها وتسير خلفه والصمت يعم المكان بأكمله ..
نظر لها صلاح بتعجب :
" أنتِ بتعملي ايه ؟؟ اطلعي العربية تاني "
رفعت ميمو حاجبها معترضة على تلك الأوامر وهي تلوح بسلاحها في الهواء :
" والله انا اللي معايا سلاح هنا، يعني لو حد مش متأمن هنا فهو أنت"
ولم يناقشها صلاح لمعرفته أنها محقه، بل فقط قال ببساطة :
" تمام، فكريني اطلع سلاح مترخص "
سار صلاح صوب السيارة التي كانت تقف في منتصف الطريق يرى زجاجها المغلق لا يعكس ما بداخلها خاصة في ذلك الليل المظلم .
مد كفه ليطرق النافذة واضعًا احتمالية وجود من يحتاج مساعدة بالداخل ..
لكن فجأة صدرت شهقات مرتفعة من ميمو وهي تتراجع للخلف حينما باغت صلاح رجل قفز من الأشجار المرصوصة على جانبي الطريق، وكأنه رجل ادغال، يضع سكين أعلى رقبته يقول :
" من غير شوشرة وكلام كتير طلع كل اللي معاك أنت والسنيورة بتاعتك "
في تلك اللحظة لم يكن صلاح خائفًا أو هلعًا، بقدر ما كان متفاجئًا فآخر ما توقعه أن يكون ذلك فخًا لقطاع طرق .
نظر حوله ليجد ثلاث رجال آخرين يحيطون بهم من جميع الجهات، ليرفع حاجبه وهو يشير نحو السيارة وقد قتله فضوله لمعرفة ما يحدث :
" أنتم اللي حاطين العربية دي في الطريق ؟!"
نظر الأربعة صوب السيارة ليجيب أحدهم ببسمة خبيثة :
" أيوة دي عشان نوقف بيها العربيات ونعرف نقلب الاغبيا اللي فيها زيكم "
أجابتهم ميمو بسخرية لاذعة وهي ما تزال ترفع سلاحها بتهديد :
" هما برضو اللي اغبية ؟! بتستخدموا عربية مرسيدس عشان تقلبوا ناس في ١٠٠ أو ٢٠٠ جنيه ؟؟ ده أنتم المخ عندكم قد حبة العنبة والله "
حدق فيها الأربعة بجهل، ليدرك صلاح أمام أي نوع من الأشخاص يقف، لذلك ابعد السكين عن رقبته ببطء وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه :
" متأخذوهاش، بس اصلها دقة قديمة وآخر حاجة فاكراها في قطاع الطرق أنهم كانوا بيحطوا فرع شجرة أو طوبة في الطريق متعرفش أننا في عصر التقدم والتكنولوجيا، أحييكم على اختيار العربية "
ضحكت ميمو بصوت مرتفع وهي تضع سلاحها في جيب بنطالها، تراقب ما يحدث باستمتاع وصلاح يرى نظرات الجميع صوبه لذلك قال ببسمة :
" انا عارف أنتم بتتعبوا ازاي وبتشقوا عشان اكل عيشكم، وعشان كده انا عندي استعداد اديكم كل اللي معايا واللي مع السنيورة بتاعتي، وتدوني العربية دي لو مش لزماكم، ولو يعني مزنوقين في حاجة تقطعوا بيها الطريق ممكن اسبلكم عربيتي "
وضحكات ميمو المتعالية جعلت الأربعة يشعرون أنه يسخر منهم ليصرخ في وجهه أحد الشباب صخام الجسد :
" أنت بتقول ايه أنت ؟؟ هتهزر معانا، خرج اللي معاك يا روح امك وغور من هنا بدل ما نقطعك ونرميك في أي خرابة هنا "
مسح صلاح وجهه، ثم نظر لهم بحنق :
" يعني هي الساعة والألف جنيه اللي معايا هما اللي هيغنوكم ؟؟ بالنسبة للمرسيدس دي ايه ؟؟"
نظر الأربعة صوب السيارة ليجيب أصغرهم ببسمة فخورة بلهاء، يستعرض أمام صلاح انجازات جماعته الغبية :
" دي عربية سرقناها من قدام مطعم، بس ايه فخمة اوي من جوا "
همس صلاح بشفقة شديدة :
" يا زين ما اخترتم والله، فعلا العربيات المرسيدس احسن اختيار لاستعمالها كفرع شجرة لقطع الطريق، هو أنتم في الشغلانة دي من امتى ؟؟"
ومجددًا أجاب أصغرهم بسعادة وفخر كبير :
" من انهاردة الصبح، احنا اساسا كنا شغالين عمال بُنا وزهقنا من التعب والفرهدة."
ابتسم يشير لأحدهم وهو من كان يمسك صلاح في البداية :
" فسمير قالنا نعمل كده فسرقنا اي عربية عشان نوقفها في الطريق ده "
قال صلاح باستنكار :
" اي عربية ؟!"
" أيوة أي حاجة نوقف بيها العربيات "
هز صلاح رأسه مقتنعًا بجملته حول وصفه المرسيدس بـ " أي حاجة" :
" على رأيك أي حاجة بتقول بيب بيب "
نظر لهما المدعو سمير بشر وهو يصرخ في وجه الصبي :
" أنت يا متخلف بتقول اسمي ؟؟ بعدين ما تحكيلهم قصة حياتنا بالمرة "
اجاب الصغير بحنق شديد :
" يا عم هو مفيش سمير غيرك في البلد "
قاطعهم صلاح وقد شعر أنه يضيع وقته مع هؤلاء الشباب، يعمل جيدًا أنهم مجرد حفنة من الاغبياء أرادوا غنى سريع دون إرهاق، و لأنهم كما يظهر عليهم ما يزالون في بداية الشباب فقد ارشدهم عقهلم الصغير إلى اتخاذ ذلك الطريق ظنًا أنه طريقهم للراحة والرغد، ومن يلومهم فهم يعيشون في بيئة كل ثري هو في الأساس لص، لذلك سلكوا ذلك الطريق، لكن حتى ذلك فشلوا فيه .
" تمام، اسمع يا حبيبي، اللي بتعملوه ده مش هو طريقكم للنعيم، ده طريقكم للهلاك خاصة بدماغكم دي، يعني حد غيركم لو قدر يسرق مرسيدس ومتمسكش بيها كان باعها لأي واحد معندوش ضمير، أو قطعها وباعها خردة، لكن مستوى الذكاء اللي عندكم ده مينفعش في الشغلانة دي "
نظر الأربعة لبعضهم البعض بتفكير، بينما ميمو تراقب ما يحدث بفضول شديد، ترى صلاح يعطي دروسًا لللصوص حول كيفية التصرف في مسروقاتهم .
وفجأة أطلقت ضحكة مرتفعة جذبت الجميع لها حينما سمعت صلاح يخبرهم أنهم يحتاجون لتنمية مهاراتهم في ذلك العمل، فقط ينظرون حولهم ويتعلمون من كبار اللصوص في الدولة ...
نظر لها الجميع ليقول سمير بغيظ شديد وغضب :
" مالها الست دي بتضحك كده ليه!!"
رفعت ميمو حاجبها لا تعجبها نبرته تلك :
" لا ليه كده ؟! ايه ست دي ؟؟ قولي يا ميمو"
وفي ثواني كان مدية سمير تُفتح أمام وجه ميمو التي ضمت يديها لصدرها وهي، تنظر للمدية ببرود :
" نزل اللعبة اللي في ايدك يا عسل"
لكن سمير كان قد وصل لذروة غضبه مما يحدث، فشل في كل شي حتى في عمله كقاطع طريق وجاءت الآن تلك المرأة مثيرة به كل الغضب :
" اتعدلي في وقفتك واتكلمي كويس بدل والله هـ "
وقبل أن يكمل جملته كان مسدس ميمو يستقر أمام رأسه وقد اسودت ملامحها :
" بقولك ايه يا سمير أنا اساسا مش طايقة نفسي على المسى فبلاش تكون أنت الشخص اللي هخرج فيه كل عصبيتي"
تدخل صلاح، يحذرها أن تضع السلاح جانبًا :
" خلاص يا ميمو نزلي السلاح وأنت يا سمير نزل سلاحك وركز معايا "
نظر الجميع لصلاح منهم الحانق ومنهم المعترض، ليقول صلاح بهدوء شديد :
" انا ممكن اجبلكم شغل بعيدًا عن الحوارات دي كلها ومش متعب زي البنا ومرتبه حلو، بس بشرط ... "
تجاهلت ميمو كل ذلك وهي تتحرك بعيدًا عنهم صوب السيارة تاركة صلاح يكمل حديثه معهم حول امرٍ لا تفهمه ولا تهتم أن تفعل، دقائق حتى عاد صلاح للسيارة وحرّك سمير السيارة جانبًا ليدعه يمر بعدما تعهد لهم صلاح بالمساعدة .
وميمو فقط تنظر له دون كلمة ليقول :
" ايه بتبصي كده ليه ؟!"
ابتسمت ميمو وهي تقول :
" مكنتش اعرف أنك شاطر في حوار السرقة، ماشاء الله عليك واقف تدي الحرامية دروس مجانية "
أجابها صلاح بسخرية لاذعة :
" اصل التعامل مع الحرامية يا ميمو بيعلمك شغلتهم، عامة هما اساسا مش حرامية دول عبط، بزمتك لو كانوا حرامية بجد كانوا وقفوا يتكلموا معانا ولا كأنهم من باقي عيلتنا ؟! دول لو حد تاني كانوا خلصوا علينا واخدوا كل اللي معانا وهربوا"
هزت ميمو رأسها دون أن تعقب، وعم صمت طويل في السيارة قبل أن تتحدث بجدية :
" في صفقة سعيد هيعملها قريب"
نظر لها صلاح بترقب لتقول :
" اعضاء...هي نفسها الصفقة اللي كان محتاج اخوك عشانها، واللي اعرفه أنه هيكلم عمر قريب اوي، سمعته بيقول كده انهاردة "
صمت ثم راقب ملامحها المتغضنة وقال :
" نبلغ البوليس ؟؟"
نظرت له ميمو بشرود وقالت :
" مش دلوقتي يا صلاح، اصبر شوية ووقت ما اقولك ناخد خطوة في الموضوع ..."
___________________
في الصباح التالي كان يسير في طرقات المشفى يحمل بين يديه طلب الإجازة الذي قرر اخذها لأجل زفافه، وبمجرد اقترابه من مكتب مدير المشفى طرق الباب ودخل حينما أذن له، ابتسم صالح وهو يخطو للمكتب يردد بسعادة .
" صباح الخير يا دكتور، اتمنى يكون يومك سعيد يارب "
ابتسم له المدير بهدوء :
" صباح النور يا دكتور صالح، ايه المزاج الرايق على الصبح ده "
وضع صالح الورقة أمام المدير يقول ببسمة واسعة :
" الحقيقة يا فندم أنا كنت جاي اقدم على إجازة عشان يعني عقبال اولادك رايح اتقدم لبنت ومحتاج يوم إجازة عشان هسافر "
ابتسم المدير بفرحة شديد وهو ينظر لصالح وما كاد ينطق المباركة حتى وجد ورقة أخرى توضع جوار ورقة صالح وصوت يقول :
" وانا كمان عايز إجازة زيه يا فندم "
نظر الاثنان صوب محمود الذي كان يبتسم باتساع يراقب المدير في انتظار الموافقة على إجازته، لكن كل ما سمعه هو اعتراض صغير من المدير :
" إجازة ايه يا دكتور؟ طب هو هيتقدم لبنت أنت عايز إجازة ايه ؟!"
أشار محمود صوب صالح :
" ما أنا هتقدم معاه برضو "
تشنج وجه صالح وهو يضربه في كتفه :
" ما تتعدل يا زفت "
" مش قصدي، قصدي يعني اني هروح معاه وهو بيتقدم للعروسة "
نظر له صالح بحنق لا يفهم سبب التصاقه به، لكن محمود والذي كان يصر على مرافقته إلى تلك المقابلة، لا يريد أن يفوت تلك الفرصة كي يرى رفيقه عريس قال :
" وافق يا فندم ارجوك، أنت متعرفش وجودي مهم قد ايه لصالح، صدقني أنا الوحيد اللي هقدر اخفف توتره"
رفع صالح حاجبه، ومن ثم رفع طرف شفتيه في تزامن ساخر يستمع لمحمود الذي شرع يصف للمدير أهمية وجوده في تلك الجلسة .
ومدير المشفى والذي يدرك جيدًا علاقة الصداقة التي تجمع الاثنين، علم صدق حديث محمود، لذلك وافق مرغمًا على طلب الإجازة خاصة أن رصيد الاثنين من الإجازات لم يُمس ...
خرج محمود من المكتب سعيدًا يمني نفسه بترك انطباع جيد لدى أهل رانيا والذين هم نفسهم عائلة هاجر، وكونه الصديق المقرب لزوج ابنتهم المستقبلية قد يزيد من رصيد محمود لديهم ويحفز ثقتهم به ليسلمونه هاجر مطمئنين..
فجأة شعر محمود بمن يمسك ثيابه من الخلف وصوت صالح خرج حانقًا :
" هو ايه ياض اللي وجودك مهم ؟! هو انت أم العروسة ؟؟"
ابعد محمود يد صالح عنه يردد ببسمة متسعة وتمني :
" جوز خالتها باذن الله "
قلب صالح كفيه باستهجان وهو يتحرك صوب مكتبه :
" يارب صبرني ناقص أنا بلاوي في اليوم ده "
ركض محمود كي يسبقه صوب المكتب ومن ثم قاطع طريقه بأن وقف أمام بابه وهو يردد بعتاب :
" كده يا صالح ؟! انا بلوة ؟؟ ده الحق عليا اني عايز اشاركك فرحتك، مش يمكن اسيب انطباع كويس عند أهل رانيا عشان يساعدني في جوازتي من هاجر ؟! ولا انت مش عايزني اتجوز هاجر ؟؟"
ربت صالح على كتفه يحاول أن يوصل له الصورة كاملة خاصة أن لا أحد علم ما حدث معه في منزل رانيا عدا صلاح :
" ما هو عشان أنا يا حبيبي عايزك تتجوز هاجر فمينفعش تيجي معايا ولا يعرفوا أنك من طرفي اساسا عشان هيحطوك black list، أنت لما تروح تتقدم اهاجر أنكر أي معرفة ليك بيا، واياك حد يعرف انك تبعي لغاية ما تجيب اول عيل "
لم يفهم محمود مقصده :
" ليه كل ده ؟! أنت عملت ليهم ايه ؟؟"
أصدر صالح صوتًا ساخرًا من حنجرته وهو يسأل نفسه السؤال ذاته، ماذا فعل لهؤلاء الثيران الأربعة حتى يحاولون جهدهم لاقتلاع أي فرصة له مع شقيقته :
" عايز اتجوز اختهم "
دخل الاثنان المكتب ومحمود ما تزال الصورة غير مكتملة في رأسه، لكنه ورغم ذلك قال بجدية :
" مش مشكلة يا صالح، أنا كده كده عايز اجي معاك، عايز افرح معاك يا صالح "
استدار له صالح بعدما خلع السترة الخاصة به يربت على كتف محمود بحب :
" انا مقدر المشاعر النبيلة دي يا محمود، بس اللي هيحصل مش هيفرحك معايا، ده ممكن يفرحك فيا "
" برضو جاي معاك "
ضحك صالح بقوة وهو يضرب كتف محمود الذي كان يربت عليه منذ ثواني :
" طيب براحتك، تعالي معايا يا محمود اهو نلاقي واحد يحوش مع صلاح "
ابتسم محمود بسعادة كبيرة قبل أن يقطع حديثهم طرق على الباب، منح صالح الاذن للطارق بالدخول لتطل عليهم سجدة حاملة معها علبة حلوى كعادتها حينما يحدث لها أي شيء جيد في حياتها، فهي إن نمى شعرها سنتيمترًا تسارع لإحضار علبة شوكولاتة وتوزعها على زملائها وخاصة صالح علها ترى منه نظرة ندم على اضاعتها .
" صباح الخير يا دكتور صالح "
أجابها صالح وهو يجلس أعلى مقعد مكتبه بهدوء :
" صباح النور، خير المرة دي عشان ايه ؟؟ "
وضعت سجدة علبة الشوكلاتة أعلى المكتب ليسارع محمود ويلتقط منها خمس قطع يضعها في جيب بنطاله يسمعها تردد :
" اصل عقبال عندك فرحي كمان اسبوع "
فتح صالح عينه يدعي الصدمة وهو يلتقط قطعة حلوى يلوكها باستمتاع :
" يااه ايه الصدف الحلوة دي، أنا كمان خطوبتي كمان اسبوع وكنت هاجي اقولك توزعي شوكولاتة بالمناسبة دي بما أنك يعني بتحبي توزعي شوكولاتة اوي كده "
صُدمت سجدة من حديثه، لا تستوعب أن هناك من قبلت بصالح زوجًا، أين وجد حمقاء غيرها تقبل به :
" هتخطب ؟؟ "
" أيوة باذن الله ابقي نورينا بقى "
هزت سجدة رأسها بهدوء :
" اها معلش مش هكون فاضية بسبب تحضيرات فرحي "
أنهت جملتها تنتزع العلبة من أمام محمود وخرجت سريعًا من المكتب وصالح يراقبها بهدوء ومحمود أخرج ما خزنه أي جيب بنطاله يتناوله بتلذذ يستمع لصوت صالح الذي استند بظهره على المقعد يردد وهناك بسمة صغيرة ترتسم أعلى فمه بتكبر :
" شايف يا صاحبي البنت بتتلوى ندمًا عشان سيبتها وشوفت واحدة غيرها "
ابتلع محمود الحلوى وهو يقول بسخرية :
" لا وأنت الصادق، دي تلاقيها بتتلوى ندمًا عشان كل الشوكولاتة اللي جابتها دي لأجل تفرسك وأنت واحد مش بتحس "
فجأة انتفض صالح على صوت رنين هاتفه، أخرجه سريعًا وبلهفة شديد يستقبل اتصال حماه المستقبلي بعدما تحدث له صبيحة اليوم لأخذ معاد الزيارة القادمة .
و جاءه الرد الذي جعل قلبه يتراقص :
" شوف يابني والدك وتنورونا بكرة بعد صلاة العشاء باذن الله "
______________________
فرغت من صلاة الضحى وهي ترفع كفيها تدعو ربها أن يرحم والديها وشقيقها ويغفر لهم جميعًا، ومن ثم نأت لركنٍ من الغرفة وحملت مصحفها وبدأت تتلو على نفسها بعض الآيات استكمالًا لوردها مع والدها، هبطت دمعة ساخنة أعلى صفحات المصحف لتمسحها بهدوء وتكمل وهي تتذكر صوت والدها الخاشع حينما كان يتلو عليها الآيات يوميًا .
ابتسمت، تشعر براحة كبيرة تغمر قلبها حينما تذكرت كلماته التي كان يطرب بها مسامعها ..
" يا تسبيح يابنتي بلاش طول الوقت تفضلي كابتة نفسك كده ومستحرمة الفرحة على قلبك، وطول الوقت بتجري في الحياة تسابقيها، مش هيحصل حاجة لو في يوم هي سبقتك، طالما أنتِ مرتاحة فمتشغليش دماغك بأمور الدنيا، اعقليها وتوكلي "
ابتسمت تسبيح وهي تردد كلماته :
" اعقلها وتوكل "
فجأة انتفضت من جلستها على صوت رنين الجرس، تحركت صوب الباب بسرعة لكن فجأة شهقت حينما استشعرت برودة أعلى وجهها لتستوعب أنها لا تغطي وجهها، لذلك عادت ادراجها تضع النقاب أعلى وجهها ومن ثم تحركت للباب تفتحه لتستقبلها بسمة مشرقة من رائد وهو يرفع حقائب عدة أمام وجهها :
" شوية طعمية سخنة انما ايه حوار تاني "
التقطت منه تسبيح الحقيبة دون مجادلة كعادتها، فهي تدري أن نهاية كل جدال سيكون اخدها للحقيبة.
" يا ختي ايه الشطارة دي ؟؟"
ضحكت تسبيح بخفوت..
ابتسم لها رائد ولم يطل الحديث معها، فبمجرد أن التقطت منه الحقيبة منحها بسمة رقيقة، ثم قال :
" بالهنا والشفا يا تسبيح، هعدي عليكِ اجبلك الغدا بعد شوية واي حاجة نقصاكِ اكتبيها في ورقة وانا عيوني ليكِ "
صمت يستشعر أنه تجاوز بكلماته وهو يرى اتساع عينيها :
" قصدي يعني، تحت امرك "
أنهى حديثه مستأذنًا منها وهو يتحرك صوب منزله، وهناك شعور رائع يصيبه كلما اختبر تلك المواقف، أن يعتني بأحدهم، ويرى خجلها منه، أن يعيش تلك اللحظات لهو امرٌ رائع .
دخل المنزل بعدما سمع صوت اغلاق تسبيح للباب، وضع الحقائب أعلى طاولة الطعام ولم يكد يفرغها حتى سمع صوت رنين هاتفه، أبصر اسم اللواء يزين شاشته ليعلم أنهم استلموا معلومات القضية التي تركها لأجلهم .
اجاب بهدوء :
" أيوة يا فندم "
لكن كل ما وصله هو صراخ مرتفع باسمه :
" خلال ساعة تكون قدام مكتبي يا رائد سامع "
هذا ما قاله رأفت قبل أن يغلق المكالمة، لكن رائد ترك الهاتف بكل هدوء وهو يفرغ الحقائب يستمع لصوت مرتضى الذي كان يوقظ صلاح على عكس المعتاد، فصلاح دائمًا ما كان أول المستيقظين، لكنه عاد البارحة متأخرًا لذلك لم يستيقظ حتى الآن.
لم يهتم رائد بالأمر كثيرًا وهو يجهز الطاولة للافطار، لكن فجأة توقفت أنامله عن العبث بالحقائب حينما سمع صوت مرتضى يصرخ برعب رجّ جدران المنزل :
" فيه جثة على سرير صالح جواا"
فتح رائد عيونه بريبة وتيبست أصابعه وهو يردد بتعب :
" صباح مشرق فعلا "
___________________
كان يتسطح على فراشه البالي وعيونه مثبته في السقف امامه، لا يدري فيما يشرد، دموعه تهبط دون توقف، وكلمات ابنة أخيه تجلده بسياط الندم، بعد كل تلك الأعوام ماذا جنى ؟؟ بضعة أموال زائلة وصحة متردية وعمل سيثقل من ميزان سيئاته .
ابتلع معتز ريقه يشعر بجفاف في حلقه، وجسده يرتجف بقوة وكأنه ينازع الموت، وكأن روحه تستعد لمغادرة جسده، وشريط حياته يمر أمام عيونه .
وسوسته لأخيه بأن يوافق على زواج ميمو من جاد الذي اغراه بالاموال، لكن شقيقه في تلك اللحظة كان ما يزال يحتفظ بآخر ذرات تعقله ورفض رفضًا تمامًا بحجة أنها ما تزال صغيرة وحتى إن وافق هو فزوجته مستعدة أن تُقطّع حية ولا تترك ابنتها يحدث بها ما حدث لها سابقًا .
وحينما أخبر جاد برفض شقيقه، جاءه الحل الذي اقترحه عليه جاد كشيطان خبيث :
" خلاص يبقى ننفذ اللي قولتلك عليه "
" أيوة ياباشا بس ....بس ده اخويا وانا مقدرش اعمل معاه كده، بعدين الموضوع ده اساسا ممكن يوديني في داهية "
أخرج جاد سيجار غالي الثمن يضعه بين شفتيه وهو يقول ببسمة واسعة :
" وهو يعني هيحصله ايه ؟! دول كام حقنة على كام برشامة واول ما رجله تدب للطريق ده ويغرز فيه نساومه على مزاجه، الموضوع ده معروف يا معتز لو حابب تجبر حد على حاجة امسكه من دراعه اللي بيوجعه "
ابتلع معتز ريقه يحاول أن يتمسك بآخر ذرات إنسانيته التي تحذره من الانقياد لذلك الخبيث :
" بس....بس هو يعني ممكن يتأذي و.."
" يتأذى يحصله ايه ؟؟ احنا بس هنخليه مش قادر يسند طوله من غير البرشام، ومن بعدها نقطع عنه الكيف بتاعه لغاية ما ينفذ اللي احنا عايزينه، صدقني الإنسان في الوقت ده مش بس بيكون عنده استعداد يبيع بنته، لا ده بيكون مستعد يبيع نفسه وعيلته كلها مقابل شمة بس"
وقد صدق جاد فشقيقه والذي ارهقته الحياة، واثقلته الهموم بعد تسريحه من العمل وبأمر من جاد، ضاقت به السبل ولم يجد له مهربًا إلا في تلك المواد السامة، وكان معتز هو الوسيلة للحصول عليها، حتى أصبح يدمنها وتحققت رغبة جاد بأن تحكم في عقل أخيه، ومنذ تلك اللحظة بدأ معتز يوسوس له بما سيناله إن زوّج ابنته لجاد، وبأنه قد يعطيه ما يشاء ويرغب من تلك المواد دون حدود، بالإضافة لاموال طائلة .
ومن هنا بدأت عائلة شقيقه تسير لحتفها، فكل يوم ينشأ شجار بين شقيقه وزوجته حول زواج ميمو، هو يصر على تزويجها لجاد والحصول على ما يريد وهي تقسم أنها لن تترك ابنتها لذلك العجوز يعبث بها كما يشاء .
انتفض جسد معتز وهو يحاول التنفس بصوت مرتفع، حتى أنفاسه كرهت دخول ذلك الجسد الذي تعفن من الذنوب، جاهد لالتقاط أنفاسه ودموعه تهبط بقوة، جسده يرتجف وشعوره بروحه تخرج جعله يزيد من بكائه، يجاهد لنطق الشهادة يود مغفرة، يطمع بتوبة متأخرة، لكن تأخر معتز وفاته قطر التوبة وخرجت روحه وصعدت لمن يمهل ولا يهمل....
خرجت روحه ظالمًا وليس مظلومًا، غادر الحياة متجبرًا قاسيًا، فأين ما باع لأجله نفسه الان ؟؟
في تلك اللحظة دخلت وفاء المنزل بعدما عادت من السوق، تجفف العرق الذي نبض أعلى جبينها وهي تتنفس بصعوبة :
" انا رجعت يا معتز، اخدت دواك ؟؟"
لكن لم يصل لها رد من معتز، ارتشفت بعض المياه الباردة، ثم ملئت الكوب لتعطه علاجه الذي يتجاهله طوال الوقت :
" اكيد طبعًا ما اخدتهوش و..."
فجأة تيبس جسد وفاء بقوة وهي ترى جسد زوجها متخشبًا كالعصا، واعينه جاحظة بشكل مرعب وهو يحدق في السقف دون رد أو حركة واحدة، ليصدح صوت صرخاتها في المنزل بأكمله :
" معــــــتــــــز ..."
_________________
اعينهما تدور على تلك اللافتة التي تحمل اسم هاجر واسم المخبز الخاص بها، ابتسم صالح، يضع كفه في جيب بنطاله وجواره محمود الذي كان ناقمًا حانقًا، فها هو صالح يتفنن في إفساد الفترة التي يتحمل اليوم لاجلها، يفسد الجزء الذي ينتظره كل يوم ...ألا وهو لحظاته مع هاجر .
انكمشت ملامح وجهه بحنق أكثر وهو يستمتع لصوت صالح المستفز الذي وضع ما سيحدث شرطًا ليوافق على حضور محمود معهم :
" عرفت هتعمل ايه يا حودة؟!"
ابعد محمود يد صالح عن كتفه بغيظ شديد وهو يبدي اعتراضًا واضحًا لا يلقي له صالح بالًا :
" عرفت يا عم، خلاص بقى "
صمت، يضع يده أعلى خصره، ثم استدار لصالح محذرًا :
" بس والله يا صالح بعد ما اعملك اللي عايزة لو قربت من الترابيزة بتاعتي أنا وهاجر هعلقك سامع ؟؟ تاخد التليفون تكلم رانيا وملمحش وشك في المكان غير بعد ما اخلص "
ابتسم له صالح بوداعة محركًا رأسه لأعلى وأسفل ببراءة شديدة يشير صوب فمه في علامة القفل :
" مش هتمسع صوتي لغاية ما نروح بس جيبلي تليفون هاجر اتصل برانيا "
هز محمود رأسه موافقًا علّه يتخلص منه، ثم تقدم الاثنان صوب المخبز، وبمجرد أن خطوا له وجدوا المكان بأكمله على قدم وساق وكأن هناك اسدًا طليقًا في المخبز ..
وقبل أن يفتح محمود فمه للاستفسار سمع صرخة هاجر التي كانت تجلس أعلى منطقة استقبال الطلبات وهي تلوح بيديها في الهواء لينتبهوا لها :
" أجروا بسرعة استخبوا في أي حتة بسرعة، بسرعة اطلعوا على أي كرسي "
نظر الاثنان صوب الزبائن والجميع في المحل بتعجب شديد ودون فهم لما يحدث وصالح يلوي شفتيه بحنق :
" هو فيه اسد هربان ولا ايه ؟؟"
نفت هاجر استفساره وهي تقول :
" لا ده رعد هرب ومش لاقيينه وهو لسه واخد تطعيم ومتعصب وماشي يعض في الكل فاستخبوا بسرعة قبل ما يلمحكم"
نظر محمود لصالح هامسًا :
" اروح اطلع على الترابيزة هيكون شكلي وحش قدامها اني بخاف من الكلاب ولا اعمل ايه ؟!"
اجابه صالح ببساطة :
" هاتلي منها التليفون بتاعها وبعدين حلوا مشاكلكم مع رعد براحتكم، عايز اعرف البنت عايشة ولا خلصوا عليها "
زفر محمود وهو يتحرك في المخبز صوب هاجر التي كانت تشير له بتحذير أن يختفي، لكنه فقط سار صوبها يتحدث بجدية :
" معلش يا هاجر محتاج بس تليفونك عشان ..."
وقبل أن يكمل كلمته سمع صرخة أحد الزبائن بصوت مرتفع وهو يشير صوب الباب المؤدي للمطبخ الخاص بالمخبز محذرًا :
" اهو رعد هناك اهو "
وفي اقل من ثانية كان جسد محمود يسابق الريح وهو يقفز أعلى المكان الذي تقف عليه هاجر يصرخ برعب، وصوت هاجر تشير لأحد الرجال الذي يحمل قفصًا لامساك رعد :
" بسرعة يا استاذ سالم، امسكه بسرعة ."
تحركت عين الجميع صوب سالم الذي سار الهوينة وبخطوات مدرسة وكأنه يستعد للانقضاض على فهدٍ داخل إحدى الغابات الاستوائية.
لكن يبدو أن رعد شعر بخطرٍ وشيك فاختفى من مكانه وركض بسرعة صوب صالح الذي كان ما يزال يقف أمام باب المحل من الداخل يراقب الكل باستهجان، يبحث بعينيه عن ذلك الكلب الذي أشاع الفوضى في المكان حتى شعر فجأة بشيء يصطدم في قدمه وصوت مواء يعلو، هبط بعينيه مائلًا برأسه ليرى قط صغير رمادي اللون يحاول أن يحتوي قدم صالح بين أسنانه الصغيرة ..
مال صالح وأمسك القط من قدمه كما لو كان يحمل ارنبًا مشيرًا له وهو يؤرجحه في الهواء بكل تجبر :
" متقولوش أن ده رعد ؟؟"
وفورًا انطلق الرجل صاحب القفص ينتشل منه السيد رعد واضعًا إياه بحرص، ثم تنهد براحة يقول :
" خلاص يا جماعة الخطر انزاح "
حرّك صالح عيونه في المكان ليجد الجميع يهبطون عن المقاعد بهدوء وهم يتنفسون الصعداء وهاجر تبتسم للجميع، وهو يقف كالاحمق لا يفهم ما الذي فعله السيد رعد ليبث ذلك الرعب في القلوب هنا ؟!
" والله أنتم اللي عقولكم في خطر "
لم يهتم صالح للامر وهو يتحرك صوب هاجر التي كانت في طريقها للهبوط، يمد يده لها :
" ممكن تليفونك ؟!"
ودون أن تفهم هاجر شيء أخرجت هاتفها سريعًا ووضعته في يده ليبتسم لها صالح متحركًا صوب أحد المقاعد تاركًا إياها ترمقه بعدم فهم تسمع صوت محمود يعلو في الخلف متذمرًا :
" ما كنتم قولتلوا أنها قطة يا جماعة بدل قلة القيمة دي، بعدين أنا مش فاهم دي رعد ازاي؟! دي مش محصلة شرارة حتى، أنتم مسميينه الاسم ده بتذلوه يعني ولا ايه ؟؟"
نظرت له هاجر تقول بعدم فهم مشيرة صوب صالح :
" هو صاحبك عايز تليفوني ليه ؟؟"
رفع محمود حاجبه مستهجنًا :
" وأنتِ جاية تسأليني أنا السؤال ده ؟! وبعد ما عطتيه التليفون ؟! ما كنتِ سألتيه هو، أي حد يقولك عايز التليفون تديه ليه كده ؟!"
قالت هاجر بعدم فهم وتردد :
" انا معرفش أنا يادوبك نزلت لقيته واقف قدامي وبيقولي هاتي التليفون ومستوعبتش اللي حصل "
ابتسم لها محمود بصدمة، ثم أطرق يفكر في الأمر :
" هاجر أنتِ بتشربي صنف معين ؟! "
هزت هاجر كتفها وهي تتحرك صوب منطقة اعداد الكعك، تعد له ما تحب شربه في الأوقات العادية :
" يعني لو مشروبات باردة فبحب البطيخ والموز والفراولة، ولو سخن مش بشرب غير لاتيه أو موكا "
ضحك محمود وهو يقترب منها يساعدها دون حتى أن تعرض الأمر أو تتحدث بكلمة له :
" لا اصل انا كان فيه صاحبي ايام الجامعة نفس الدماغ بس هو كان بيضرب برشام، كان مش واعي بالدنيا حواليه، تقوليله هات يا حازم التليفون يديه ليكِ، هات يا حازم ١٠٠ جنيه يطلعلك الفيزا، فأنا شكيت تكوني بتتعاملي مع نفس الديلر "
اتسعت عين هاجر تترك السكين من يدها وقد صدمها تشبيه محمود لها بشخص مدمن، هل تصرفاتها أشبه بتصرفات هؤلاء الفئة من الأشخاص، هي فقط لا تستوعب الأمور سريعًا ولا تستطيع رفض طلب لأحد .
" يعني أنا زي المدمنين يا محمود ؟؟"
نظر لها محمود ولم يكد يتحدث حتى قالت هاجر بصراحة ونبرة جادة رافضة رفض تام ذلك التشبيه :
" محمود انا اكتر فئة بكرهها هو الشخص اللي بيختار يدمر نفسه بأيده، ويدمن مخدرات، ده شخص غبي "
توقف محمود عما يفعل وقد زاغت نظراته في كل مكان، يبعد ثيابه عن رقبته في حركة تدل على التوتر، يحاول التنفس بشكل لا يؤثر على نبرته التي خرجت مختنقة :
" بتكرهي الناس دول ؟؟ طب ولو مدمنين نباتات ؟؟"
" يعني ايه مش فاهمة ؟! ما هي المخدرات نباتات اساسا"
ابتلع ريقه يبتسم لها بسمة غبية متوترة :
" لا مش مخدرات، هي نباتات زي الملوخية، نباتات وكده يعني، حاجات مش معترف بيها دوليا أنها مخدرات "
لوحت هاجر بالسكين في الهواء ليتراجع محمود سريعًا يرفع يديه في وضعية دفاع، وهي فقط ترمقه بعدم فهم :
" انا مش فاهمة قصدك ايه يا محمود، لكن عامة الحلال بيّن والحرام بيّن، والغلط معروف والصح معروف، فحوار النباتات دي طالما تُغيب العقل يبقى حرام برضو، فاهمني ؟؟ "
هز محمود رأسه في شرود كبير وكأنه سافر لنقطة بعيدًا عن هاجر التي أخذت تتحدث في أمور كثيرة، وهو فقط يفكر في كلماتها، ليس وكأنه يسمعه للمرة الاولى، لكن أن يسمعه من هاجر الفتاة التي يحب أكثر من كل شيء آلمه وبشدة، وجعله بعيد ترتيب حساباته.
استفاق محمود على صوت هاجر التي قالت ببسمة لطيفة :
" بتفكر في ايه ؟؟ "
" لا معاكِ"
هزت هاجر رأسها تكمل تقطيع الكعك بمهارة شديدة، تستمتع كثيرًا بفعل شيء تحبه، هذا المخبز هو حياتها، هنا بين روائح المخبوزات تجد هاجر نفسها، ومن هذا المنطلق قالت بمشاكسة :
" ليه الإنسان يدمن حاجة تضره لما ممكن يدمن مخبوزات وكيك ؟"
أنهت جملتها تدفع بطبق به قطعة كعك أمام محمود تغمز له ببسمة، ثم تحركت خارج المكان لتوصل الطعام للزبائن، ومحمود تابعها ببسمة قبل أن يحدق في الطبق أمامه :
" أو بسكوت نواعم "
_____________________
محظوظ هو فبعد أن نسي أمر كلمة المرور الخاصة بهاتف هاجر، وجد أنها اساسًا لا تضع كلمة مرور فقط لتسهل على أي لص مهمة التصرف في هاتفها كما تشاء، تلك الفتاة طيبة القلب حقًا .
وضع الهاتف أعلى أذنه ينتظر الرد بفارغ الصبر، يهز قدمه في حركات سريعة يتشوق لسماع صوتها، وها هو ينال مراده حينما وصلته نبرة رانيا التي تحدثت بسعادة كبيرة غافلة عن أن هاتف هاجر أصبح في الآونة الأخيرة أصبح ملكية مشتركة مع صالح :
" هاجر أنا مش مصدقة، بابا دلوقتي دخل قالي أنه كلم صالح وحددوا ميعاد بكرة "
ابتسم صالح بسمة متسعة ولم يتحدث بكلمة حتى لا يفسد تلك اللحظة الجميلة التي يستمتع فيها بلهفة رانيا لما يفعل، هل تبادله ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به نحوها .
ورانيا من شدة حماسها لم تنتظر ردًا من صالح الذي تظنه هاجر، لتكمل بكامل لهفتها وشوقها :
" انا ...أنا مش عارفة البس ايه؟! ولا عارفة اعمل ايه ؟! تفتكري المفروض أتقل ومردش عليه على طول؟؟ يعني أخد اسبوع او اتنين كده وبعدين ارد ايه رأيك ؟؟ أنا اساسا مش عارفة المفروض اعمل بس أنا فرحانة "
وجاءها الرد قاتلًا بصوت رجولي اعتادت سماعه عبر الأسلاك الناقلة لمكالماتها مع هاجر، ولا تدري سبب أنها أغفلت تلك المعلومة .
وضعت رانيا يدها أعلى فمها بصدمة تمنع شهقة عالية كادت تصل لاذن صالح وهو يردد على مسامعها بتهكم شديد :
" اسبوع ايه !؟ أنا جايب اهلي على اساس انك وافقتي اساسا وجايين نتفق على الفرش"
صمت يضيف بصوت أجش خافت :
" رانيا انا جاي ومش خارج غير بموافقتك"
وقبل أن يضاعف جملته بأخرى وصل له صوت صفارة تعلن انتهاء المكالمة من طرف رانيا التي ألقت الهاتف على الفراش وكأنها كانت تحمل جمرة مشتعلة ..
نظرت للهاتف بصدمة وضربات قلبها تتسارع وبقوة، يا الله ما الذي فعلته للتو، هل صرحت على مسامع صالح أنها سعيدة بمبادرته للزواج منها، ما الذي فعلته؟؟
شعرت رانيا في تلك اللحظة بخجل يكتنفها من أطراف أصابعها وحتى منابت شعرها، نظرت حولها وكأنها تبحث عمن شهد فعلتها الحمقاء، لكن فجأة انتفضت على صوت رنين في الهاتف؛ ولأنها تعلم المتصل أمسكت الوسادة ورمتها أعلى الهاتف كأنها تخنق صوته، ترفض رفض تام أن تتحدث معه بعد ما قالته .
لكن صالح لم يتوقف عن الاصرار بالاتصال، يتصل مرات ومرات حتى سمعت هي صوت وصول رسالة، أمسكت الهاتف لتجد رسالة من هاتف هاجر محتواها ( أنا قدام باب البيت عندك )
اتسعت أعين رانيا بقوة وهي تركض صوب النافذة تنظر منها باحثة عن ذلك المجنون، لكن لم تجد أحد، وبمجرد ارتفاع رنين الهاتف مجددًا حتى أجابت عليه بفزع
" أنت قدام البيت بجد ؟! جيت تاني ؟!"
" قدام بيت مين يا هبلة انتِ، ليه بتكلمي ساحر هختفي وأظهر عندك في ثانية ؟؟"
وهل كانت تنتظر ردًا آخر كـ ( لأجلك سأقطع بحار واسافر بلدان) أو أنها ترقبت إجابة كـ ( وكيف لي بتركك ؟؟)
افيقي رانيا أنتِ لا تحدثين كاظم الساهر الذي يتغنى بالعشق ليلًا نهارًا، بل هذا صالح السقاري الذي يلقي من فمه قمامة على هيئة كلمات .
انتبهت على صوت صالح الذي قال معلقًا على جملتها الأخيرة قبل أن تغلق الهاتف في وجهه :
" بعدين يا رانيا متقلقيش نفسك بموضوع اللبس "
ابتسمت رانيا بخجل وقد سمعت في أذنها جملة تتمناها بكل سذاجة وهي أنها جميلة في أي شيء، لكن صالح حطم آمالها ومن ثم دهسها أسفل أقدامه بقوة :
" انا كده كده مش هعرف اشوفك لأني هكون مشغولة مع اخواتك اللي لو بعدت عيني عنهم ممكن الاقي سهم رشق في صدري "
أطلقت رانيا ضحكة خافتة اخترقت أذن صالح ليبتسم تلقائيًا عليها، وهي تردد من بين تلك القهقهات :
" والله أنت ظالمهم، دول طيبين اوي وكويسيين، هما بس بيغيروا وبيخافوا عليا شوية "
" انا ظالمهم ؟! وهما اللي عندك دول بيتظلموا ولا حد بيعرف يجي عليهم؟! يا شيخة ده انا حسيت نفسي وقعت وسط عصابة، الواحد لو كان قصير شوية كان غرق بينهم ومقبش تاني "
تعالت ضحكات رانيا مجددًا، لكنها توقفت فجأة تسمع صوت صالح يهتف بهدوء شديد :
" حد قالك حاجة أو زعلك ؟!"
هل تستطيع الاعتراف في تلك اللحظة أنها احبت ذلك الصالح المراعي والرقيق !!
" لا متقلقش، اخواتي عمرهم ما يأذوني ابدا مهما حصل، بعدين أنا عندي خطط انسحاب كتير اوي "
ابتسم صالح يقول وهو ينظر حوله يرى محمود يحمل بعض اطباق الكيك وهو يضعها للجميع أعلى الطاولات وهاجر تسير خلفه معترضة على ما يفعل مرددة أنه طبيب ولا يجوز أن يعمل بين الجميع هكذا، ماذا إن رآه أحد المرضى ..
ومحمود يجيبها بسخرية لاذعة :
" مرضى مين بس يا هاجر؟؟ أنا كل المرضى بتوعي بيتحاسبوا دلوقتي "
انتبه صالح للمكالمة الخاصة به مع رانيا وهو يقول :
" انا جاي بكرة مع عيلتي"
" عارفة بابا قالي "
صمت قبل أن يقول بهدوء شديد وصوت خافت :
" البسي اللي ترتاحي فيه يا رانيا بلاش توتري نفسك وتقلقي نفسك "
ابتسمت رانيا بسمة واسعة وقلبها قد وصلت عدد دقاته لمستوى مخيف.
اكمل صالح حديثه بعدما شعر بسخافة ما قال :
" كده كده شوفتك في اسوء حالاتك معتقدش فيه اسوء من اللي شوفتك بيه "
وكان الرد من رانيا بعض السبات والدعوات التي امطرته بها، وكلمات حانقة متذمرة منه، قبل أن تنهي كل ذلك بأنها ستكون حمقاء إن قبلت به ...
لكن جاءها من صالح آخر رد توقعت سماعه وهو يردد بخفوت ونبرة خبيثة :
" والله انا اللي هكون اهبل لو سبتك ترفضي "
ومجددًا لم تجد رانيا ردًا سوى أنها أغلقت المكالمة بسرعة كبيرة تتنفس بصوت مسموع
وعلى الطرف الآخر، غرق صالح في موجة ضحك وهو يضع الهاتف أمامه يحدق به، ومن ثم توقف يلتقط أنفاسه ببسمة واسعة...
_______________________
كان ما يزال غارقًا في ميتته الصغرى، يرتشف من الاحلام ما يروي ظمأ الواقع، يغرق بين تفاصيلها داخل أحلامه ليعوض عزوف عينيه عن النظر لها مخافة أن تفضحه تلك النظرات ..
أبتسم يتقلب في الفراش وهو يتذكر آخر حديث له حينما اوصلها للمنزل، يراها تترجل من سيارته تميل بجسدها قليلًا حتى تصل لمستوى النافذة :
" مش عارفة اشكرك ازاي يا صلاح، لكن أنت فعلا انقذتني، واستمتعت بالرحلة معاك "
هز صلاح رأسه بهدوء وهناك بسمة ساحرة ارتسمت أعلى شفتيه يراقب ملامحها أسفل تلك الاضواء القادمة من القصر خلفها :
" انا في الخدمة طول الوقت يا مودمزيل، ٢٤ ساعة لو تحبي "
ونال صلاح مكافئته على تلك الكلمات الراقية، إذ ابتسمت له ميمو واحدة من تلك البسمات التي تساهم في زيادة معدل ضربات خافقه :
" وانا واثقة في كده يا لذوذ، اتمنى لك عودة سالمة "
وقبل أن تتحرك أوقفها صلاح مناديًا إياها :
" ميمو "
توقفت تستدير له نصف استدارة وهي تطالعه بفضول ليقول صلاح بنظرات غامضة وبسمة غريبة ارتسمت أعلى وجهه :
" هو لو طلبت منك متناديش حد بالكلمة دي غيري هتفهميني غلط ؟!"
انكمشت ملامح ميمو بعدم فهم، ليوضح لها مقصده :
" لذوذ، مش بتقولي أن الكلمة دي حصري بس ليا ؟؟ أنا ورغم نفوري منها في البداية وتعجبي، إلا اني دلوقتي بطالب بحقي الحصري ليها وأنها تكون احتكار ليا، مش لحد غيري حتى لو كان الحد ده صالح "
صمت ثم أضاف :
" حتى لو صالح شبهي، بس أنتِ الوحيدة اللي مش حاببها تقول كده، الوحيدة اللي مهتم تشوفني صلاح بدون نسخ شبيهه ليا "
كانت ميمو تحدق فيه بأعين متوترة من كلماته، لكنها رغم ذلك ابتسمت تحاول هدم تلك الحالة التي بناها صلاح بمجرد كلمات قليلة :
" ده كله ومش بتحب الكلمة، امال لو حبيتها هتمضيني عقد احتكار!!"
ابتسم صلاح يجهز السيارة للتحرك وهو يهز رأسه موافقًا ما تقوله :
" يمكن مكونش بحبها، بس هي الكلمة الوحيدة اللي بتخصيني بيها دونًا عن غيري، عشان كده هتقبلها راضيًا سعيدًا ومنتشيًا كمان، فارجو تحفظي حقوق الملكية الخاصة بيا، وإلا هضطر اطالبك بحقوق اكتر والقاب مستواها أعلى من لذوذ وحبوب "
ضمت ميمو ذراعيها لصدرها ترفع له حاجبها بترقب :
" زي ؟؟"
تحرك صلاح بالسيارة بعدما نطق غامزًا :
" خليها لوقتها، لما اديكِ اللقب اللي في دماغي "
وبتلك الكلمات أعلن صلاح انتهاء اللقاء وهو يتحرك بالسيارة تاركًا ميمو تحدق في أثره بأعين متسعة وبسمة غير مستوعبة لما حدث .
أنتفض صلاح من فراشه على صوت صرخات عالية في المنزل وكلمات متراشقة من والده وسليمان .
نهض سريعًا لا يفهم ما يحدث، لكنه ركض بين ممرات المنزل بشعر هائج وجذع عاري وهو يبحث عن مصدر الصوت الذي كان غرفة صالح .
تباطئت اقدام صلاح عن السير حينما علم ما يحدث داخل الغرفة وما هو سبب صرخات والده وسليمان، ابتلع ريقه وهو يدخل ليجد رائد يحاول أن يُهدأ الاثنين .
" اهدوا بس وانا هفهمكم، الموضوع مش زي ما انتم فاهمين "
صاح مرتضى مشيرًا للفراش بحنق :
" هو ايه اللي مش زي ما احنا فاهمين ؟؟ الراجل وراك دايس عليه قطر وبينازع في أنفاسه الأخيرة وتقولي مش زي ما أنا فاهم ؟؟ مين ده وبيعمل ايه هنا ؟؟"
انتبه رائد لوقوف صلاح خلف الاثنين ليشير له بعينه أن يتدخل وينقذه، وقد كان، حيث هب صلاح يقول بجدية وهو يشير لجسد عمر :
" ده يابابا واحد مسكين صاحب ...صاحب رائد، ظابط معاه وانصاب في مهم بطلق ناري يا عيني وهو اكمنه عازب زي حالتنا وعايش لوحده اقترح رائد نجيبه هنا عشان ناخد بالنا منه، مش كده يا رائد؟"
مال عليه رائد بعدما اقترب منه يردد من بين أسنانه :
" متحشرش اسم رائد في بلاويكم، أنا من غير حاجة وهتكدر، فمتلبسنيش تهمة "
نظر له صلاح بتحذير :
" أنت لو مأكدتش على كلامي هنا هقول لابوك أنك أنت اللي ضربته بمسدسك سامع "
رمقه رائد بشر قبل أن ينظر لوالده ومرتضى قائلًا بحنق وغيظ :
" أيوة فعلًا أنا اللي ضربـ...قصدي أنا اللي طلبت منه يجي عندنا عشان ناخد بالنا منه "
اقترب منه رائد يربت أعلى رأس عمر الذي كان ما بين اليقظة والنوم يحاول استيعاب ما يحدث معه وأين هو ومن هؤلاء الذين يتحدثون فوق رأسه، ورائد يربت بقوة مغتاظًا :
" ده عمر ده حبيبي وشقيقي، اول ما عرفت اللي عمله فيه شوية الحيوانات والبلطجية قولت لازم اجيبه هنا اشيله في عيوني "
قلب مرتضى كفيه متحسرًا على ما حدث لذلك الرجل المسكين :
" منهم لله اللي عملوا فيه كده، اللهي لا يكسبوا ولا يربحوا يابني، العيب على اهاليهم يسيبوا ولادهم لاذية الناس كده"
سعل صلاح بقوة وهو يهتف من بين سعاله :
" متتكاش على الدعاوي اوي يا حاج، قول ربنا يسامحهم وسيبهم منهم لربنا "
" ربنا يسامحهم يابني "
ابتسم له صلاح وهو ينظر لرائد حتى يصرف الجميع معه وكذلك فعل رائد الذي نهض يشير لوالده ومرتضى بالخروج :
" طب يلا عشان نفطر، أنا جبت طعمية سخنة انما ايه زي العسل والله "
نظر له سليمان باعتراض وهو يتحدث :
" طب يا بني مش تصحي صاحبك يفطر معانا و...اهو صحي شوف والله ابن حلال، قومه وساعده يخرج يقعد ياكل لقمة معانا برة "
استدار صلاح ورائد بقوة صوب عمر الذي كان ينظر حوله دون فهم لما يحدث وهناك العديد من الخراطيم الخاصة بالمحاليل التي تغذيه متصلة بيده، لكن وبسبب إرهاق جسده تسطح على الفراش مجددًا .
قال صلاح وهو يجذب والده :
" متقلقش يا حاج أنا هجيبله الفطار بنفسي وهعمله كوباية شاي، أنتم بس اطلعوا استريحوا برة وانا شوية وهحصلكم "
أنهى حديثه يدفع الأجساد خارجًا، ثم نظر لرائظ يتنهد بصوت مرتفع :
" الراجل ده مش لازم يفضل هنا كتير، لازم نتصرف فيه "
" هنعمل ايه يعني ؟!"
صمت صلاح وهو يفكر بجدية في حل لأمر عمر ثم قال بهدوء :
" هقولك نعمل ايه، بس بعد ما نخلص من موضوع صالح جوازه ..."
____________________________
تجلس في مكتبها تحاول إنهاء العمل سريعًا قبل نهاية مواعيد عمل المهندسين في الموقع المجاور لمكتبها، وكل ذلك كي تتجنب رؤيته هو تحديدًا، بالله أما كانت قادرة على الوقوف في وجه محمد والقول أنها لا تريد الانتقال هنا ؟؟
لكن من يقف في وجه محمد ويعارضه على شيء ؟؟ خاصة أن ذلك القرار كان من المفترض أنه صادر منها، لكن الحقيقة أنه صادر من عبدالجواد الذي اعتبر موافقتها تحصيل حاصل فقط ..
فُتح الباب فجأة لتنتفض مروة في مكانها وهي تتمسك بالمكتب بعنف وكأنها ستطير من الغرفة، وعبدالجواد يرمقها بعدم فهم لحركتها تلك، لكنها ابتسمت بسمة غبية وهي تُعدل من وضعية الاوراق أمامها :
" الورق كان هيطير بس "
ابتسم لها عبدالجواد وهو يتحرك صوبها يحمل حقيبة بلاستيكية سوداء صغيرة واضعًا إياها أعلى مكتبها :
" دي شنطة الحلويات بتاعتك، عشان شوفتك داخلة انهاردة من غير شنطة حلويات تسليكِ "
خجلت منه مروة، هل كانت بلهاء لتلك الدرجة أن تصطحب كل يوم حقيبة حلوى كالصغير حين ذهابه لرحلة ؟!
ابتسم عبدالجواد على ملامحه يحاول تخفيف بعضًا من خجلها :
" كمان عشان الجو هنا حر شوية والمشروبات الباردة مهمة اوي "
هزت رأسها تتقبل الحقيبة بخجل شديد وهي تتذكر عادة عبدالجواد القديمة حينما كان يمطرها هي ورانيا بالعديد والعديد من الحلوى بمناسبة وبدون .
ابتسمت بحنين قبل أن تتساءل :
" صحيح عملتوا ايه في حوار عريس رانيا ؟؟"
وفجأة اختفت بسمة عبدالجواد واختفى المرح ليظهر ذلك الحانق :
" والدي عطاه ميعاد بكرة يجي مع اهله، مش فاهم هو بيعاند نفسه ولا بيعاندنا ؟؟"
" وانتم ليه مش موافقين يا عبدالجواد ؟!"
نظر لها عبدالجواد قليلًا يرفض أن يصرح لها بعدم رغبته في ابتعاد أخته في ذلك الوقت أبدًا، لكنه فقط قال :
" العريس مش مناسب بعدين رانيا لسه صغيرة "
" مش مبرر على فكرة، أنتم مقعدتوش مع العريس عشان تعرفوا مناسب أو لا وكمان رانيا مش صغيرة، رانيا ٢٢ سنة، طب ما أنا جالي عريس واهلي عادي يعني معندهمش الأفكار دي "
هز عبدالجواد رأسه في تفهم لكل ما تقوله وهو يتحجج :
" أيوة بس مش ...."
صمت فجأة يرفع رأسه لها بشكل مباغت جعلها تتراجع للخلف وهو يتحدث بصوت مصدوم :
" جالك عريس ؟؟ امتى ده ؟!"
اجابته مروة بريبة وخوف :
" من تلات ايام، بس انا رفضت والله "
ولم تلن ملامح عبدالجواد الذي شعر أن تلك اللعبة بينهما قد طالت، مروة سيخسرها لأنه يصعد الدرج ببطء، حسنًا هو ملّ ذلك وسيستقل المصعد ويتجاهل كل التأني وما شابه لذلك باغتها بجدية كبيرة :
" تمام، اول ما اخلص من موضوع رانيا، هاجي أنا أطلب ايدك موافقة ؟!"
" نعم ؟؟"
هز رأسه بعدم اهتمام وهو يخرج من المكتب :
" تمام كده ناقص موافقة ابوكِ، انا هكلمه واشوف الحوار ده "
انتفض جسد مروة على صوت غلق الباب العنيف لتتسع عيونها بتفكير :
" ماله ده ؟؟"
_________________________
صباح اليوم التالي، ومنذ الباكر مع صوت صياح الديك، دخل صالح المنزل بعدما كان يبيت ليلته في منزل محمود كالعادة، وخلفه محمود ما يزال يسير كالاموات، وبمجرد أن أبصر الأريكة أمامه ألقى نفسه عليها .
بينما صالح كان يحدث ضوضاء في كامل أرجاء المنزل منبهًا الجميع للوقت، كي يلحقوا السفر ..
اقتحم غرفة صلاح يدفع الباب بقدمه وهو يلقي بجسده فوق صلاح بقوة جعلت الاخير يطلق صرخة مرتفعة، وصالح يضمه بقوة :
" يلا يا صلاح اصحى، يلا رايحين نطلب ايد رانيا "
ابعده صلاح عن ظهره بقوة وهو يصيح بوجع شديد :
" وأنت عشان تطلب ايدها، تكسر ضهري؟؟"
قبل صالح وجنة أخيه وهو ينهض من الفراش صوب خزانة صلاح يقول بجدية وبسمة :
" بحبك والله يا صلاح، بص أنا اللي هختارلك بدلي على ذوقي ماشي ؟!"
اعتدل صلاح في جلسته وهو يحاول فتح عينه ليرى ما يحدث، وصالح يخرج ثيابه ويلقيها في الغرفة بشكل جعل أعين صلاح تكاد تحرك من محاجرها، في الوقت الذي دخل به محمود وألقى نفسه على الفراش جوار صلاح .
بينما الاخير انتفض عن فراشه بقوة ينقض أعلى صالح صارخًا وهو ينتزع ثيابه من بين يديه :
" أنت يا كائن يا عشوائي، ايه البهدلة دي ؟! مفكرها الزريبة اللي بتنام فيها ؟!"
أنهى حديثه يدفعه جانبًا بغيظ شديد :
" أوعى كده من وشي كرمشت الهدوم "
لكن صالح لم يهتم بكل ذلك وهو يلتقط بذلة سوداء بقميص اسود أنيق يقول بسعادة كبيرة :
" حلوة دي، ألبسها "
انتزعها منه صلاح بملامح غاضبة محذرة :
" هاتها، أخرج برة وخد البلوة صاحبك من على سريري مش ناقص قرف على الصبح، بعدين هو مش المقابلة دي اساسا بعد العشاء ؟؟ ايه اللي جابك من الصبح كده ؟!"
ابتسم صالح وهو يتحرك صوب الباب :
" يا دوبك نلحق نجهز ولغاية ما ابوك يجهز ويوقفنا ١٠٠ مرة في الطريق عشان يشتري حاجات تكون العشاء أذنت وخلصت ودخلنا على الفجر، بعدين عايز اصحي عمك سليمان ورائد عشان يسافروا البلد "
طرده صلاح وهو يدفعه للخارج بقوة، ثم اغلق الباب في وجهه :
" طب روح صحيهم أو اعمل أي حاجة مفيدة "
وبمجرد أن أغلق الباب تنفس بصوت مرتفع، يجمع ثيابه من الأرض والفراش والاريكة وهو يتمتم حانقًا على ما يحدث، تحرك صوب الفراش يجمع ما عليه، لكن فجأة انتفض للخلف حينما أبصر محمود ينام بعمق أعلى فراشه .
رفع صلاح يده يدفع محمود بغيظ :
" أنت يا زفت أنت كمان هي ناقصة، ما تقوم أخرج "
لكن محمود كان كمن التصق في الفراش وأبى التزحزح سنتيمترًا واحدًا .
ليزفر صلاح بحنق وينظف غرفته سريعًا، ثم خرج صوب المرحاض حاملًا ثيابه في الوقت الذي أبصر به رائد يخرج من غرفته وهو يسير بأعين مغلقة وجذع عاري لا يفهم ما يحدث أو من ايقظه، بل فقط ركض للمرحاض يسبق صلاح الذي تنفس بصوت مرتفع كي يهدأ .
ومن ثم تحدث لصالح الذي كان يرتب ثياب أحضرها مع محمود لاجله :
" كلمت صاحبك اللي هيجي ياخد البلوة اللي جوا ؟!"
قال صالح بهدوء :
" أيوة، قبل ما نمشي هيبعت عربية إسعاف تشيله للمستشفى عنده، ومتقلقش أنا بلغته بنفس القصة بتاعتك أنت ورائد وأنه انصاب في هجوم لكن أصر يخرج من المستشفى وبعدين حالته تعبت اكتر فقررنا نرجعه مستشفى تاني "
خرج رائد في تلك اللحظة وهو يجفف وجهه وشعره يلقي المنشفة اعلى وجه صالح :
_ افضلوا أنتم احشروا رائد في أي مصيبة، مش كفاية امبارح كنت هتحول تحقيق ؟!"
نظر له صلاح بفضول وقد نسي كليًا أن يسأله عما حدث :
" صحيح عملت ايه في حوارك ؟!"
ابتسم رائد بسخرية وهو يُخرج عبوة حليب من الثلاجة :
" يعني هكون عملت ايه ؟؟ قولتله أن أنا معرفش غير المعلومات دي يا فندم "
" وسكت ؟؟"
" هيقول ايه يعني ؟؟ اللي عمله اساسا إكرام منه لابن اخوه، هو اساسا راجل مش مظبوط فمش هيدخل نفسه في حوارات كتير خاصة إن المعلومات اللي انا وصلتلها كانت لسه متمش اثباتها رسمي"
ارتفع صوت محمود الناعس وهو يتحرك صوب رائد يجذب منه عبوة الحليب قبل أن تمس فمه يرتشف منها بنهم شديد :
" هو مين ده اللي راجل مش مظبوط ؟!"
قال رائد بسخرية وهو ينتزع منه العبوة بغيظ :
" عمك"
هز محمود رأسه مقتنعًا :
" عندك حق "
خرج سليمان في ذلك الوقت من غرفته وهو يردد بنشاط كبير اعتاده خلال سنوات حياته :
" صباح الخير يا شباب، ها جبتم الفطار ؟! "
نظر الجميع صوب سليمان ليتحرك صوبه رائد يعطيه عبوة الحليب يقول ببسمة :
" باقي بوقين حلال عليك "
نظر سليمان ليد ابنه باستنكار، أبعدما كان يتناول الفطير والعسل والجبن والقشطة والالبان الدسمة والسمن صباحًا، ينتهي به الحال لرشفة حليب صناعية ؟؟
حمل صالح الثياب التي أحضرها له محمود سابقًا يقول ببسمة واسعة :
" هروح اجهز نفسي وانتم خلصوا بسرعة عشان منتأخرش"
نظر له رائد ببلاهة ثم حدق بساعة الحائط :
" متتأخروش ايه ؟؟ أنتم كنتم واعدين الناس على الفطار ولا ايه ؟!"
نفخ صلاح بحنق وهو يدخل المرحاض :
" لا بس صالح حابب يلحق الطريق من الصبح قبل ما الشيفت بتاعه يخلص ويلموه "
ابتسم محمود بسعادة يمني نفسه بيوم مثمر له ولعلاقته مع هاجر ..
وبعد مرور ساعات ...
تم نقل عمر لسيارة الإسعاف التي حملته صوب مشفى أحد أصدقاء صالح ومحمود المقربين، ومن ثم خرج رائد ووالده ومعهم تسبيح التي كانت ترتجف من المجهول، لكن نظرات رائد طمئنتها وهو يقول ببسمة وحنان شديد :
" متخافيش يا تسبيح، أنا معاكِ "
صعد الثلاثة لسيارة رائد وتحركوا في طريقهم صوب قرية رائد لينتهوا من الأمور المعلقة وتتم خطبته واخيرًا على تسبيح .
وفي الاعلى خرج صالح من الغرفة وهو يبتسم يعدل من وضعية البدلة التي يرتديها والتي كانت سوداء بالكامل عدا القميص كان باللون الابيض .
اتسعت عين صلاح بصدمة من مظهر صالح الذي تغير حتى أصبح ...هو .
" ايه ده ؟؟ "
غمز له صالح وهو يقول بمشاكسة :
" ايه رأيك فيا ؟!"
" شكلك ...أنا "
ضحك صالح وهو يهز رأسه موافقًا ليشعر صلاح بالبلاهة وكأنه يحدق في مرآة، حتى أنه أخرج بطاقته سريعًا يتأكد أنه هو صلاح، ومن ثم قال :
" ايه اللي أنت عامله ده ؟ أنا حاسس اني بيبص في المرايا"
قال صالح يضع يده في جيب بنطاله :
" ده مقصود عشان لما التيران اللي هناك يتعصبوا ميعرفوش يضربوا مين فينا، هنزاولهم"
رفع صلاح حاجبه بحنق ثم همس :
" أنت ياض زبالة والله "
في تلك اللحظة خرج محمود من الغرفة بعدما تجهز ببدلة كحلية اللون وقميص أبيض، فقد كانت الثياب تتلائهم مع بشرته وعينيه، اتجه صوب صلاح يفتح له ذراعيه بحب شديد، ثم قبله بحب :
" مبارك يا صاحبي عقبال يارب الليلة الكبيرة "
أبعده صلاح عنه بحنق وغيظ :
" أنا صلاح يا زفت، صالح وراك "
استدار محمود بتعجب خلفه ليرى صالح يرمقه بحاجب مرفوع وتذمر، ليضمه بحب مرددًا وهو يقبله :
" مبارك يا صاحبي عقبال الليلة الكبيرة يارب "
بادله صالح العناق بحب :
" وعقبالك أنت كمان يا حودة يارب "
واخيرًا تجهز مرتضى الذي خرج يطل عليهم بجلباب اسود فخم وثياب منمقة يردد :
" يلا يا ولاد أنا جهزت خلينا نلحق الناس "
نظر صوب صلاح يقول ببسمة :
" امال فين صالح يا صلاح ؟!"
أشار صلاح خلفه صوب صالح الذي كان غير ظاهرًا بسبب جزء بارز في الجدار، استدار له مرتضى يحدق فيه قليلًا قبل أن يقول :
" امال فين صالح يا صلاح ؟!"
اجابه صالح بتعجب :
" انا صالح يا حاج "
نظر مرتضى خلفه لصلاح الذي كان يضم يديه لصدره بترقب لما يحدث، ومرتضى لا يفهم شيئًا :
" هو فيه اتنين من صلاح ؟؟ مش كان فيه واحد فيكم اسمه صالح برضو ؟!"
" يا حاج ما أنا قدامك اهو "
نظر مرتضى مجددًا صوب صالح ثم قال بتفكير :
" الصوت صوت صالح، لكن الشكل شكل صلاح "
قال صلاح بسخرية لاذعة :
" لا ما هو الأستاذ صالح فكر يلبس زيي عشان لما يجي ينضرب ميعرفوش مين فينا صالح "
نظر له مرتضى بعدم فهم وقد شعر أن هناك شيء خاطئ يحدث لذلك قال :
" طب اعمل ايه عشان افرقكم هناك واعرف العريس فيكم ؟ "
فجأة ابتسم وهو يقول بتذكر :
" أيوة صح صالح كان عنده حسنة في ضهره"
اعترض صالح بغيظ على تلك الأساليب التي كان يستخدمها والده في طفولته للتفرقة بينهما، ليقوم بإفساد ترتيب شعره ومن ثم خلل أصابعه به يثبته على الهيئة المعروف بها فأعطى شكلًا يتناقض مع الثياب الرسمية، ولكن هيئته كانت خاطفة ...
" اهو يا حاج تمام كده ؟؟"
ابتسم مرتضى برضى ثم قال :
" أيوة كده تمام، يلا بسرعة "
تحرك مرتضى أمامهم تاركًا محمود يقول بتعجب :
" ليه بوظت شعرك كده ؟؟ كنت حلو"
ابتسم صلاح بسمة جانبية على مدح محمود لهيئته التي كان يتخذها صالح من قليل :
" شكرًا يا محمود أنت كمان ساعات بتكون ماشي حالك "
انهى حديثه يتحرك خلف والده، وصالح سار خلفها يردد بحنق :
" يا عم ابويا وانا عارفة مش بعيد يقلعني القميص قدام الناس هناك عشان يشوف الحسنة ويعرف أنا صالح ولا صلاح، خلي ربنا يستر على الجوازة "
ضمه محمود بحب :
" سيبك أنت زي الفل يا صاحبي في أي حاجة، افرح كده الليلة ليلتك يا عريس "
اغلق صالح الباب خلفه وهو يطلق ضحكات عالية :
" والله يا محمود اكتر واحد رافع معنوياتي "
وهكذا انطلق الجميع في رحلته صوب منزل رانيا وقد كان الوقت قد شارف على صلاة المغرب لتتوقف السيارة على الطريق ويؤدي الأربعة رجال صلاتهم، ثم يستكملون الطريق، حتى دخلت سيارة صلاح لمنزل كبير وفخم ووتوقفت أمام الباب وهو يقول بتساؤل وحاجب مرفوع :
" هو ده بيت رانيا ؟؟"
اجابه صالح والذي كان يجلس خلفه بصوت ملئ بالحماس :
" لا يا صلاح، دي ساحة المعركة ........."
_____________________
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل العشرون 20 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنساش تعمل فوت للفصل ( اضغط على النجمة ))
الصامت في المجالس ثرثار في مجالس أخرى، والغائب عنك حاضر مع سواك، كالشمس حين تغرب على ديارك لتشرق على ديار أخرى، لذلك لا يوجد شخص غامض أو صامت أو غائب، إنما هي منازل ومفاضلات..
"أُفصح عن نفسي بقدر الأمان الذي أشعر".
صلوا على نبي الرحمة ...
__________________
خرجت من المرحاض تلقي المنشفة اعلى المقعد بإهمال شديد، وهي تشعر بانقباضة غريبة في صدرها، ما السبب لا تدري، لكنها فقط تشعر برغبة عارمة في البكاء، ابتسمت بسمة سخيفة لا تليق بمثل هذا الموقف، تتحرك صوب المرآة التي تتوسط جدار غرفتها تحدق بها ثواني قبل أن تمسك وجنتيها تتحسسهم بشكل مريب وصوتها خرج غريبًا :
" يا خسارة الخدود يا ميمو، كان جاد بيحبهم اوي "
ضحكت وهي تستقيم بكامل جسدها أمام المرآة تراقب نفسها بأعين متحفصة شغوفة، تبحث في نفسها عن تلك الميمو التي خطت لذلك المنزل قبل عشر سنوات، مراهقة بأعين سوداء متسعة ووجه بلون القمح ذهبي، وجنتان مكتنزات بشكل مغري، جسد طفولي غبي يختفي داخل ثياب واسعة كالسيدات المسنات .
اين تلك الذليلة الضعيفة التي خضعت لشياطين جاد من تلك المتجبرة التي تدهس من يقف في طريقها، أين تلك البريئة التي ألقاها القدر أسفل اقدام جاد؟!
منحته طاعة عمياء حينما يأست من الخلاص، ارتجف جسدها، تستعيد في رأسها تلك اللحظات التي طأطأت رأسها له، تقبلت كل ما فعل بطيب خاطر وبسمة، بل وكان يجبرها على التودد له ليشعر بشعور مَرضي أنه ما يزال محبوبًا رغم كهولته .
ابتسم جاد وهو يراقبها تتهادى أمامه بثياب جميلة استطاعت أن تنقل له صورة جيدة عما تخفي تلك الصغيرة عن أعينه ..
وهي كانت تسير وتتلوى حوله ببسمة خبيثة كما الافعى، أعطته نشوة الانتصار، وجعلته يتجرع كذبتها في كؤوس، أظهرت له خضوع وهمي مُرضيًا له، فإن لم تستطع مواجهة الموجة، سر معها، وهي قررت أن تسير مع امواج غضب جاد، بل وأصبحت راكبة امواج محترفة، في سنة واحدة فقط استطاعت جعله يلهث خلفها كما الكلب خلف عظمة، بعدما كانت تقبل هي قدمه باكية، أصبح يقبل هو قدمها متوسلًا نظرة منها ورضاها عليه ..
انتصرت انتصار بُني على أنقاض طفولتها وبرائتها، تجرعت من خبثه كؤوسًا حتى امتلئت نفسها به، كانت تلميذة نجيبة بشهادته، والآن جاء الوقت لتبهر معلمها بتطبيق ما تعلمته عليه ..
امسكته من ثيابه تجره صوبها بلطف هامسة :
" كنت فين انهاردة يا جاد ؟؟ كده تسيبني في البيت لوحدي ؟؟"
نظر لها جاد كالمسحور وهو يهتف بتبرير :
" لا ياقلب جاد، أنا بس كان عندي شغل وبخلصه، هو أنا أقدر اسيبك برضو "
ابتسمت ميمو متحركة صوب الفراش تجلس عليه براحة شديدة واضعة قدمًا فوق الأخرى :
" شغل ايه ده ؟؟ ما تسيب الشغل لسعيد بقى وتفوق ليا يا عيوني "
نفخ جاد بحنق شديد وهو يتحرك من مقعده صوب الخزانة يخلع سترته :
" وهو حد بقى يقدر على سعيد دلوقتي ؟؟ ده واحد ابن *** أنا هوريه، الاستاذ سافر عشان شغل، واسمع أنه بقى صاحب كيف وبيشرب مخدرات وبيهربها، ومش عامل حساب لاسمي لو اتقفش بيهم "
ابتسمت ميمو بسمة مريبة وهي تنظر لظهره واعينها تلتمع بشر مخيف :
" ليه كده بس ؟؟ بعدين مش هو راجع ؟! اوعى يكون هيسافر بيهم لاحسن يتقفش في المطار "
نفخ جاد يبعد رابطة عنقه بحنق شديد :
" راجع بيهم الاستاذ مصر وبيقولي مخافش لأنه مش اول مرة يعمل كده، طلع خبرة ابن الاستاذ، بس والله لما يرجعلي لأكون شايف حسابي معاه "
نهضت ميمو عن الفراش تتحرك صوبه متمايلة، تضع يديها أعلى كتفه تدلكها وصوتها كالفحيح في أذنه:
" أنت بس أهدى يا روحي وسيبك من أي حاجة تحرق دمك، بعدين مش هو بيقولك أنه متعود ودي مش اول مرة ؟؟ خلاص سيبك منه وركز في حياتنا "
نظر لها ببسمة واسعة وشعور بالانتشاء يسير بين اوردته، أن يمتلك زهرة كتلك الصغيرة، لهو انتصار لعجوز مثله ..
" مالها حياتنا يا قلبي ؟؟ ما هي زي الفل اهي "
رمقته ميمو بنظرة غير مفهومة، تجذب ياقة ثيابه بشكل ظهر له ممازح، لكنها هي والتي كانت روحها تتلوى اشمئزازًا في الداخل، كانت تود لو تشدد الخناق على رقبته وتنتهي منه :
" هي جميلة فعلا ياقلبي، بس أنت مش ناسي حاجة ؟! مش ناسي أنك وعدتني تسمح ليا أخرج من البيت واروح النادي اتدرب على الرياضة اللي نفسي فيها من زمان ؟؟"
نظر لها جاد نظرة انبأت ميمو أنها مقابل تلك الخطوة لتدمره، سيكون عليها دهس جزء آخر من ذاتها، ستقتل جزء آخر منها، ابتلعت ريقها تستقبل نظراته ببسمة حاولت ألا تظهر فيها اشمئزازها منه ومن نفسها، تكره نفسها وتكره كل جزء تدنس بلمسات جاد، لكن لا فرار لها منه سوى بهذه الطريقة، صبرًا جاد ...
وقبل أن يقترب منها جاد خطوة واحدة أنقذها صوتًا جعلها تبتسم بسعادة وراحة مبتعدة عنه بتحجج وهي ترسم القلق واضحًا على ملامحها :
" ايه ده ؟؟ سامع الصوت ده ؟!"
نفخ جاد بحنق شديد وقد استاء أن تزعجه زينب كل ليلة بصيحات وتأوهات، متى يتخلص من تلك الحشرة، لولا خوفه غضب سعيد وتمرده أكثر لكان القى بها في اقرب سلة مهملات، اقترب يمسك ذراع ميمو جاذبًا إياها إليه أكثر :
" سيبك منها، هي كل ليلة كده، يعني أنتِ مش عارفة زينب؟؟ خليكِ معايا دلوقتي "
لكن ميمو أبعدت يده بصرامة وهي تنظر له بتحذير، ثم تحركت صوب الخارج تقول بهدوء :
" هروح اشوفها مالها وراجعة "
خرجت تتجاهل سبات وصراخ جاد بحنق ولعناته التي خص بها زينب، تسير في الممر بسعادة كبيرة، فخطة زينب في إبعاد جاد عنها تنجح اغلب الليالي، هم بالطبع لا يكررون نفس الأمر في ليالي متتابعة، لكنها اليوم كانت في حاجة حقًا لطوق النجاة الذي تلقيه لها زينب ...
دخلت الغرفة بهدوء وهي تغلق الباب خلفها تقول بصوت خافت وامتنان شديدة لزينب التي مثلت لها والدة أخرى منحها لها الله بعد وفاة والدها، حتى أنها أضحت تناديها بماما عرفانًا وشكرًا لها :
" خلاص يا ماما أنا جيت اهو، والله جدعة ده كان لسه هيـ ..."
توقفت عن الحديث فجأة حينما رأت تأوهات زينب تزداد وجسدها يرتجف بقوة وصرخاتها تعلو، هنا وشعرت ميمو أنها لا تدعي الأمر كالعادة، اقتربت منها بسرعة مخيفة وهي تقول بخوف :
" ماما ...ماما فيه ايه ؟؟ ماما مالك ؟!"
بكت وهي ترى جسد زينب يرتجف ونظراتها تجحظ بشكل جعلها تطلق صرخة مرتعبة، تركض خارج الغرفة تصرخ بصوت رجّ جدران المنزل :
" جـــــــاااد ...جـــــااد الحقني، ماما بتموت "
اقتحمت الغرفة وهي تصرخ بوجه شاحب وعيون تسيل منها الدمع، تجذب يده بقوة :
" الحق ماما، بسرعة ابوس ايدك، بتموت اتصل بالدكتور بتاعها بسرعة، يا جاد اتحرك ابوس ايدك"
ها هي عادت للتذلل له، عادت لأجل امرأة اعتبرتها والدة، لكن جاد لم يفعل سوى أنه نفض يدها بحنق لضياع ليلته يتحرك صوب الفراش يلقي بجسده عليه :
" شوية وهتسكت، مش اول مرة يعني، بعدين ايه ماما دي ؟؟ دي ضرتك لو ناسية "
بكت ميمو برعب وهي تنظر له، ثم لباب الغرفة، قبل أن تقرر هي الركض والاتصال بالطبيب، اقتحمت الغرفة وجسدها يرتعش بجنون :
" فين الكارت بتاع الدكتور، طب أي علاج ارجوكِ ردي عليا"
كانت تتحدث وهي تعبث بكل الأدوية التي تتوسط الطاولة جوار زينب، لكن فجأة تحقق حديث جاد وصمتت زينب، استدارت لها ميمو ببطء وقلق لتراها تحرك شفتيها حركات بطيئة، ومن ثم رسمت على وجهها ابتسامة غريبة و...
انطفئت الحياة بأعين زينب وغادرت الدنيا بعدما نالت نصيبها من المعاناة، والآن حانت لحظتها لترتاح واخيرًا، ماتت مبتسمة وكأنها لا تصدق أن الله كتب لها الفرج من ذلك الجسد، أن روحها تحررت من كل ذلك .
في تلك اللحظة أطلقت ميمو صرخة شقت سكون الليل وهي ترتمي على جسد زينب تبكي وتنتحب بقوة :
" لا متسبنيش لوحدي، ارجوكِ متسبنيش لوحدي، أنا خايفة، يا ماما خديني معاكِ، كلكم سبتوني، متسبنيش، مــــــامــــا "
انتفض جسد ميمو من تلك الهوة على صوت طرق على بابها، تنفست بعمق وهي تمسح دموعها، تحاول أن تخرج من تلك الحالة سريعًا، تسمع صوت نيرمينا تطلب أذنها للدخول ..
" تعالي يا نيمو "
خطت نيرمينا للغرفة لتبتسم لها ميمو وهي ترى بها زينب أخرى، نفس الملامح الشقراء التي ورثتها منها هي وسعيد، ولم ترث نيرمينا من جاد شيئًا سوى اسمه، عدا سعيد الذي استخلص كل سواد جاد لنفسه .
ابتسمت نيرمينا وهي تقول ببسمة واسعة بعدما استيقظت واخذت مسكن لأجل رأسها:
" أنا خليت الدادة تعمل لينا مكرونة، تحبي تأكلي معايا ؟!"
اقتربت منها ميمو تضمها بحب مقبلة رأسها :
" طالما مع نيمو، يبقى احب اوي يا عيوني"
____________________
وبمجرد أن سمع الجميع صوت الجرس يصدح في المكان حتى انتفض الأربعة بشكل مخيف جعل رؤوف يرفع قدميه سريعًا على المقعد خوفًا أن ينتزعها أحدهم أثناء هرولته للخارج .
الأربعة يتسابقون على من يصل له اولًا ويكون له نصيب الأسد من صالح، ورؤوف ينظر للباب بأعين متسعة ورعب وقلبه يخبره أن اليوم لن يمر مرور الكرام ...
وعلى الدرج كانت تقف الثلاث فتيات؛ هاجر التي سافرت صبيحة اليوم لأجل أن تكون مع رانيا في يوم كهذا، ليس وكأنها تفعل ذلك دائمًا، لكن هذه المرة اختلفت الأمور، وكذلك مروة التي جاءت لتشدد من أزر رفيقتها، واخيرًا العروس المنشودة للطبيب صالح .
الجميع يحاول أن يصل بانظاره صوب الباب ليروا ما يحدث، لكن خابت جميع آمالهم، فمن موقعهم هذا لن تصل رقابهم _ولو كانت تماثل رقبة الزرافة طولًا_ للباب ..
في الاسفل كان أول الواصلين للباب هو جبريل، الذي اتفق مع إخوته على التخلص من ذلك الشاب اليوم والانتهاء من وجع الرأس الذي جلبه على منزلهم الهادئ..
فتح جبريل الباب بقوة كبيرة جعلت الطارق ينتفض للخلف، لكنه لم يسمح له بالتقاط الأنفاس وهو يجذبه من ثيابه للداخل وتجمع الكل حوله ..
وصلاح يقف بين الأربعة لا يفهم ما يحدث سوى أنه وقع بشرك أخيه الذي طلب منه هو طرق الباب .
قال جبريل وهو يجذبه بقوة من سترته :
" جيت تاني يعني ؟! ايه وحشناك ؟؟"
حاول صلاح أن يبعد يد جبريل عنه وهو يردد بهدوء وبسمة :
" دي مرتي الأولى اللي اتشرف بيها برؤيتك يا استاذ "
انتزعه محمد من يد جبريل وهو ينفث فيه بعض دخان غضبه :
" والأخيرة باذن الله يا حبيبي "
واخيرًا استطاع صلاح أن يفلت من بين قبضة محمد وهو يعدّل من وضعية سترته يقول بجدية كبيرة :
" واضح أن فيه معاني مبطنة في كلام حضرتك، لكن أنا مش هفترض السوء، وهقول أنك حابب تتم الزواج بسرعة وعشان كده مش هندخل البيت، وانتم اللي هتنورونا في بيتنا "
ورغم النظرات والكلمات التي تختلف كليًا عن الخاصة بصالح، إلا أن الأربعة والذين يجهلون وجود توأم لصالح، كانوا يقفون على صفيح ساخن وهم يستمعون لكلمات صلاح ظنًا أنه يحاول السخرية منهم؛ لذلك اندفع عبدالجواد ينتزعه من بين الجميع صارخًا في وجهه :
" أنت ياض ملتك ايه ؟! مش بتحس ؟! يعني المرة اللي فاتت شوفت أننا كلنا رافضين ومش طايقين وجودك، ورغم كده جيت تاني، ايه عايز تشوف وش تاني لينا ؟؟"
في تلك اللحظة ارتفع صوت صالح الذي دخل المنزل بعدما رأى أنهم ابتلعوا طُعمه، وامسكوا بصلاح ظنًا أنه هو، يمر من جوارهم بكل برود صوب الداخل وهو يقول باستفزاز :
" هو فيه وش اوحش من الوش اللي شوفته ؟؟ يا اخي الله يكون في عون اللي عايشين معاكم "
أنهى حديثه يدخل الغرفة تحت أنظار الأربعة الذين اتسعت أعينهم وقد شعروا فجأة بالصدمة، لدرجة أن عبدالجواد سريعًا استدار ليرى إن كان يمسك بصالح أم أنه تسرب من بين يديه ودخل للغرفة .
لكن كل ما رآه هو نسخة منمقة من صالح، وتلك النسخة مدت يدها ترسم بسمة غريبة أعلى فمها يبعد يده، ثم نفض سترته بهدوء شديد وهو يقول بنبرة راقية على الأقل مقارنة بأخيه:
" أنا صلاح، اخو صالح التوأم، اتشرفت بيكم وباستقبالكم ليا "
أنهى حديثه يرميهم بنظرة مستفزة، ثم تحرك بخطوات هادئة واثقة خلف صالح، والأربعة يحدقون بظهورهم في صدمة ..
وبمجرد أن دخل صالح للغرفة، حتى تحرك يستقبل حماه الغالي بالاحضان والقبلات :
" ابو محمد الغالي، والله ليك وحشة "
ضحك رؤوف وهو يبادله العناق مربتًا أعلى ظهره بحب وقبل أن ينطق بكلمة أبصر فجأة نسخة من صالح يقف خلفه ينظر لهم ببسمة، انتفض رؤوف للخلف بخوف ليتعجب صالح ويقول :
" ايه فيه ايه ؟؟"
أشار رؤوف خلف صالح وهو يبتلع ريقه بخوف :
" قـ..قرينك "
نظر صالح لصلاح الذي ابتسم بسمة جانبية وقال :
" لا قرين ايه بس، ده صلاح اخويا التوأم "
تحرك صلاح صوبه يمد يديه باحترام شديد وهيبة يصافحه :
" مساء الخير يا فندم، اتشرفت بمعرفتك "
نظر رؤوف بعدم فهم لصالح الذي ابتسم وهو يقول :
" اصله متربي زيادة شوية "
في تلك اللحظة أبصر الأربعة يدخلون للغرفة وهم يبحثون عن صالح بينهم، وقد نسوا من كان بين أيديهم، ورغم اختلاف الوان القميص، فصلاح يرتدي الاسود، وصالح الابيض، واختلاف شكل الشعر، إلا أن الصدمة انشأت عند الجميع حالة عدم التمييز بينهم .
ابتسم صالح يشير لنفسه بثقة :
" أيوة أنا يا حبايبي"
أنهى حديثه وهو يخرج هاتفه يقول بجدية لصلاح :
" اخلي محمود يدخل ابوك ؟؟"
نظر صلاح لهم وهو يضم ذراعيه لصدره، فتلك كانت فكرته هو، أن يدخلوا ويدرسوا الأمور بحجة اخبار الجميع بمجيئهم ومن ثم يستدعون والدهم ومحمود ..
هز صلاح رأسه موافقًا، ليتصل صالح بوالده وهو يشير لهم بالجلوس:
" اقعدوا بدل ما الحاج يدخل يتفزع من منظركم كده "
أشار لهم رؤوف بتحذير أن يجلسوا، ورغم الاعتراضات والتأففات جلس الأربعة بتحفز شديد أعلى المقاعد وفي الجزء المقابل لصالح وصلاح، وكأنهم صنعوا جبهتين حرب ..
خرج رؤوف يستقبل بنفسه والد صالح، تاركًا خلفه الجميع يسنّ أسلحته استعدادًا لمعركة حامية بين الطرفين، وصالح كان أول من شنّ هجومه محركًا المياه الراكدة لدى الطرف الآخر متسببًا في امواج عاتية :
" شوفت يا صلاح، عشان قولتلك دول شوية همج مصدقتنيش "
نظر صلاح لهم ثواني، قبل أن يردد بتقريع :
" عيب يا صالح، الناس قاعدين هاديين اهو واستقبلونا احسن استقبال، عيب لما تقول كده عليهم وقدامهم يا حبيبي، مش اخلاقك دي "
ابتسم عبدالله ساخرًا من الأمر والمشهد أمامه :
" شكل رانيا وقعت في قليل الادب اللي فيهم "
وافقه جبريل وهو يراقبهم بملامح مقتضبة :
" طول عمري اقول البنت دي حظها زي الزفت "
امتص صالح شفتيه يتحسر معهم على حال رانيا، وقد تبقى أن ينتحب و يولول على حياة تلك الفتاة التعيسة التي القتها الاقدار لمثل هذا الأمر :
" والله عندك حق، ده نفس اللي قولته اول ما عرفت انكم اخواتها "
تنهد بصوت مرتفع، ثم أكمل برضى :
" بس يلا اهو ربك مش بيظلم عباده، عوضها بيا، وإن شاء نتجوز وانسيها اسمكم "
اشتد غضب الأربعة ليهب محمد ضاربًا الطاولة بقدمه وهو يصرخ بجنون :
" ده لو بقى....اصل مش بعد ما رفضنا مهندسين ودكاترة وناس محترمة كتير وكبار في البلد نقبل بيك أنت "
وقف صالح أمامه يقول بمجادلة وعناد :
" كبار في البلد، كام سنة يعني ؟؟ أنا كلها كام شهر واتم ٢٨، بعدين ما أنا كمان دكتور على فكرة "
تشنج الجميع أمامه برفض لذلك التصريح الذي خرج من فم صالح، وكان أول المتحدثين والمعبرين عن الصدمة هو عبدالله الذي قال :
"دكتور؟ هي هزّلت في نقابة الطب عشان يقبلوا بيك ؟؟"
" أيوة يا حبيبي هزّلت، هزّلت بالضبط زي ما نقابة المهندسين قبلوا بيكم أنتم الأربعة دفعة واحدة "
ارتفع صوت عبدالجواد متسائلًا بفضول :
" دكتور ايه إن شاء الله ؟؟ اكيد دكتور اطفال، اصل رقة القلب واللسان الطيب ده عمرهم ما يكونوا غير في قسم زي الاطفال "
ضحك صالح وهو يجلس مجددًا يريح جسده ببرود شديد، وصلاح يراقب ما يحدث متحفزًا للتدخل إن تمادى أحدهم وتعدى حدوده أكثر مع أخيه ..
" لا يا حبيبي فيه قسم تاني مناسب لرقة قلبي اكتر من الأطفال، عقبالكم جميعًا يارب لما تنوروه كده واشوفكم على اربع سراير قدامي متغطتيين بملايات بيضة"
وقبل أن يبادر أحدهم بالصراخ أو الاستفسار عن مقصده، سمعوا جميعًا صوت رؤوف يضحك بألفة شديد وهو يدخل المكان مرحبًا بمرتضى :
" اتفضل اتفضل، والله نورتونا "
دخل الثلاثة رجال تباعًا، وكان آخرهم محمود الذي تمعن في المنزل حوله ورغم أن منزله يشابهه في المستوى، إلا أنه أحبه .
تحرك محمود وجلس جوار صالح يهمس له بتفاؤل شديد :
" ايه يا صالح الدنيا ؟؟ اتصافيتوا ؟؟"
ابتسم صالح بسمة ساخرة جانبية :
" اتصافينا ايه بس، دي اتعكرت اكتر يا محمود، لسه مصرين أنهم يبوظوا جوازتي "
ربت محمود أعلى قدمه بمؤازرة وتأكيد :
" متقلقش يا صاحبي والله هتتجوزها متخافش "
هز رأسه وهو ينظر لصلاح الذي طمأنه بنظراته هو الآخر، ومن ثم والده الذي انسلخ عن حديثه مع رؤوف وقال :
" ها يا بني مهدت ليهم الموضوع ؟؟ اتكل على الله واقول الكام جملة اللي حفظتهم "
نظر صالح حوله وهو يميل على والده يهمس بعدم فهم :
" كام جملة ايه اللي حفظتهم يا حاج ؟؟ أنت جاي امتحان شفوي ؟؟ الله يكرمك أنا مثبت الجوازة دي على تكة "
وضع والده يده أعلى صدره بهدوء :
" يابني أهدى كله متظبط، أنا بس حفظت خمس جمل من اللي بيتقالوا في المناسبات دي عشان نفتتح الحديث "
ابتسم صالح يتأمل من حديث والده خيرًا:
" حيث كده، اتفضل يا حاج ابهرهم وافتتح الحديث "
أشار له مرتضى بإبهامه مبتسمًا، ثم اعتدل يتنحنح بصوت مرتفع يجذب انتباه الجميع، فقد كانوا هم أيضًا يتناقشون سويًا بصوت منخفض .
واستهل مرتضى حديثه بقوله :
" طبعًا احنا بنعتذر أننا جينا من غير ميعاد "
جذبه صالح بسرعة نحوه حينما رأى نظرات الاستنكار تعلو وجه رؤوف متسائلًا عما يقول والده ..
" ايه يا حاج من غير ميعاد ايه ؟؟ ما أنا متفق معاهم على الميعاد "
" بجد ؟؟ مقولتش ليه عشان اعدل الجملة طيب "
نظر له صالح يتساءل بجدية :
" هي دي واحدة من الخمسة ؟؟"
اومأ له مرتضى، ليشير له صالح بتجاوزها :
" سيبك من دي ونط على الجملة التانية، وربنا يستر على باقية الأربع جمل اللي حيلتنا"
أنهى جملته وهو يشير لصلاح بالاقتراب فقد كان صلاح يجلس على مقعد منفرد وهو يتوسط محمود ووالده ..
مال صلاح بنصف جسده ليقترب من صالح الذي همس له بجدية كبير :
" لو ابوك خلص الجمل بتاعته، تدخل أنت في الحوار وتكمل، مش هنسكت ونقول للناس معلش اصل الحاج مش محضر "
كتم صلاح ضحكة صاخبة كادت تفلت من فمه، وهو يغمز لصالح ببسمة واسعة :
" متقلقش أنا معنديش اكتر من الكلام، دي مهنتي يا حبيبي "
ألقى له صالح قبلة في الهواء يعتدل في جلسته نافخًا صدره يستمع لوالده يتلو عليهم الجمل التقليدية التي مكث ليلًا يجمعها من الأفلام القديمة ويبحث على متصفح جوجل حول ( خمس جمل لطلب عروس ) ..
" أنا يا استاذ رؤوف يسعدني ويشرفني اطلب ايد بنتك البكر الرشيد .... "
توقف مرتضى في منتصف الحديث وهو يميل على صالح متسائلًا مرة أخرى بشكل جعل الجميع يتعجب:
" أنت مقولتليش العروسة اسمها ايه ؟؟"
ابتسم صالح للجميع يقول من تحت أسنانه :
" رانيا يا حاج اسمها رانيا، بعدين ايه بكر رشيد دي ؟؟ أنت بتكتب الكتاب؟؟ "
تجاهله مرتضى وهو يعتدل في جلسته مرة أخرى والاربعة يراقبونهم بأعين ساخرة واجساد متحفزة وافواه مزمومة بشكل يوّضح للاعمى أنهم رافضون لكل ذلك ...
" بنتكم الآنسة رانيا على ابني الدكتور صالح "
ابتسم صالح وهو ينفخ صدره يحرك حاجبيه باستفزاز للاربعة، ووالده يتعجب نظراتهم لهم بشكل مخيف جعله يتساءل :
" هو اخواتها مالهم بيبصوا عليا كده ليه ؟؟"
انحنى صالح يقبل كتف والده بسعادة ثم حرك يده عليه كأنه ينظفه من غبار وهمي :
" مش مصدقين طبعًا أن القمر ده يبقى ابويا، سيبك منهم يا حاج وكمل باقيلك تلات جمل، سمعهم وشرفني يا غالي"
وكلمات صالح دفعت الثقة لصدر مرتضى، وصلاح يضع يده أعلى فاهه يعضها بقوة مخافة أن تنطلق ضحكاته صاخبة في المكان، جيد أنه لم يفوت ذلك العرض الممتع، بينما محمود لم يكن يهتم بكل ذلك حينما أبصر هاجر تدخل للمكان وهي تحمل لهم جميعًا الضيافة ...
انتفض جسد محمود بحركة تلقائية حينما يراها، فهي الوحيدة الذي تتسبب في انتفاضة كل خلية داخله، وهاجر كانت تنظر للجميع ترحب بهم باحترام شديد، لتقع عيونها على محمود الذي سبب ارتباكًا طفيفًا في حركتها .
ابتسم لها يحرك رأسه بتحية صامتة لها، وهي دفنت وجهها ارضًا بسرعة كبيرة والخجل تملك منها، ليزداد التماع عين محمود، وتزداد دقاته بشكل مبالغ فيه ..
سارع بالجلوس وهو يميل على صالح قائلًا وعيونه لم ينتزعها عن هاجر :
" بقولك ايه يا صالح، ما تخلي ابوك يسيبلي جملة في الآخر كده يطلب بيها ايد جوجو ليا "
دفع صالح وجهه بعيدًا عنه :
" ابقى هات ابوك هو يتكلم، أنا ابويا عامل جمل يا دوبك على قد القعدة كلها "
ابتسم مرتضى وهو يراقب هاجر ببسمة :
" دي عروستك يا صالح ؟؟ قمر يابني "
دفع محمود جسد صالح للخلف يقترب من مرتضى وهو يردد بجدية كبيرة :
" لا يا حاج دي مش عروسة صالح، دي بسكوتة محمود "
اعتدل يتمتم بحنق شديد وقد انقشعت الغيمة الوردية فجأة وعلى الغضب وجهه :
" صحيح البسكوتة في ايد اليتيم عَجبة "
استأذنت هاجر من الجميع تنسحب سريعًا من الغرفة ومحمود يراقبها باهتمام، ثم انتبه لصوت محمد الذي قال بنبرة جامدة :
" والله يا استاذ كلامك كله تمام، لكن للاسف احنا اختنا مش هينفع تتجوز ابنك خالص ..."
__________________
هبطت من السيارة تستقبلها رياح لطيفة تحمل معها روائح الأراضي المزروعة حولها، ابتسمت وهي ترى رائد يخرج من السيارة، ينظر للإطار الذي ثُقب على بداية البلدة وتسرب منه بعض الهواء...
نظرت حولها لكل تلك الأراضي الخضراء على مد البصر، مظهر ستكون سعيدة لرؤيته المتبقي من عمرها حين استيقاظها، تحسد قاطني ذلك المكان، فبدلًا من الاستيقاظ على أصوات الصراخ ومناظر البيوت الملتصقة، يستيقظون على هذا .
أفاقت تسبيح من شرودها على صوت رائد يتوقف جوراها يقول ببسمة واسعة لا يرى من ملامحها سوى عينيها، وقد كانتا أكثر من كافيتين لتوضيح مدى راحتها بما ترى :
" عجبك المكان ؟!"
استدارت له تسبيح تقول بصوت خافت رقيق :
" سبحان الله المناظر بجد جميلة اوي، بارك الله لأصحابها فيهم يارب "
أجابها رائد ببساطة :
" كل دي اراضي والدي وشغال فيها فلاحين من البلد، وبعضها متأجرة بالسنة "
شهقت تسبيح بصدمة وهي تحدث به لا تصدق ما يقول :
" ما شاء الله، دي املاك والدك ؟؟"
ابتسم رائد يهز رأسه ثم قال بجدية :
" معظم الأراضي الشرقية هنا ملك لوالدي، والجنوبية ملك لعمي مرتضى والد صلاح وصالح، وباقي الأراضي في البلد متوزعة على الفلاحين "
مازحته تسبيح بخفوت :
" ماشاء الله طلعتوا اغنيا وانا اللي كنت مفكراكم شوية شباب الدنيا جاية عليكم ومش عارفين تأمنوا لقمة عيشكم"
ضحك رائد بصوت صاخب وهو يقول من بين ضحكاته :
" والله يا تسبيح هي الدنيا جاية علينا فعلا، جاية علينا بالقوي كمان "
صمت يوضح لها من بين أنفاسه حين أبصر نظرات الجهل تعلو حدقتيها :
" الاراضي زي ما قولت ملك لأهلنا مش لينا يا تسبيح، يعني كل ده نتيجة تعب اهالينا، ورغم أن لينا فيها عادي، لكن احنا التلاتة عندنا مبدأ في الحياة، أننا بنتعب ونأسس نفسنا بنفسنا، واهو صلاح بيكتب وشغال صحفي، وصالح بيقضي يومه تشريح، وانا بروح القسم اخسر قضية وارجع كل يوم "
نظرت له تسبيح بشفقة كبيرة تستشعر المرارة في صوته :
" بس أنت احسن ظابط أنا شوفته في حياتي يا رائد "
نظر لها رائد ببسمة حنونة يقدر لها تلك الكلمات التي انعشته من الداخل وجعلته يشهؤ كما لو أنه ارتشف كوبًا مثلجًا من الماء في حرارة الصيف وفي وسط الصحراء :
" مش قصدي أتجاوز حدودي أو حاجة والله، بس ...كلماتك دي عندي اكبر من الترقية اللي عايش عمري اجري وراها "
وفي تلك اللحظة ابتأس رائد أنه لم يوفر جملته تلك والتي خرجت عفوية منه لما بعد عقد قرآنه بها، وقتها كان ليرى ذلك التأثير الكبير الذي انعكس في عيونها ..
وتسبيح تشعر وكأنها لا تمس الأرض أسفلها من شدة سعادتها، كيف يمكن لإنسان أن يكون بارعًا في التحكم بمزاج انسان آخر بهذه الطريقة، رائد يستطيع في ثواني أن يضحكها من بين دموعها ...
في تلك اللحظة أفاق الاثنان على صوت سليمان يستدعيهم لدخول المنزل :
" رائد هات تسبيح وتعالى مينفعش وقفتكم كده "
خجلت تسبيح وهي تهرول أمامه بعيدًا عنه، بعدما تناست أين هي ومع من ..
ورائد يسير خلفها ببسمة يراها تخطو صوب والده الذي قابلها ببسمة يشير لها بدخول المنزل، ومن ثم استقبله هو بنظرات يرفع عكازه يدفع به كتفه بخفة :
" ما كفياك حب يا خويا هتفضحنا واحنا لسه مخلصناش من حوار منال، استرنا خلي ربك يسترها معانا، بدل ما تلاقي نفسك قاعد جنب منال في الكوشة "
فتح رائد عيونه شاهقًا باعتراض شديد :
" لا يا حاج هلم نفسي اهو حاضر، أنت بس خد معاد مع ابوها خلينا نخلص واكتب كتابي على تسبيح "
ضربه والده بالعكاز في خفة :
" ما تثبت شوية يا خويا، مالك مسروع كده "
ضحك رائد بسعادة وهو يسير مع والده داخل المنزل والذي كان كبيرًا وتراثيًا لكن فخمًا ومنظمًا بشكل مبهر :
" يا حاج عايز اتكلم معاها براحتي مش من ورا النقاب كده"
نظر له سليمان قليلًا قبل ان يهتف بجدية :
" أنت شوفت شكلها صحيح ؟؟ أنت عارف أن ده حقك يا بني أنها تخلع النقاب قدامك ولو لمرة كرؤية شريعة عشان تشوفها "
ابتسم رائد وفي رأسه يستعيد كل تلك الصور لها، مواقف عديدة مرة بها مع تسبيح، وقتها لم يهتم بمظهرها بقدر ما اهتم بالموقف الذي رآه به لكن الآن يحاول استدعاء صورتها في رأسه ليردف بجدية :
" أيوة يا حاج شوفتها، ومش شكلها اللي هيخليني اغير رأيي أو افكر "
في تلك اللحظة سمع الاثنان صوت نعمة ( والدة رائد ) تتحدث بعدم فهم لتسبيح التي كانت تحدق فيها بخجل ولا تعلم ما تخبرها به :
" ما تتكلمي يابنتي أنتِ بنت مين هنا ؟؟ طب تايهة ؟؟"
تحدث رائد والذي تدخل في الحوار سريعًا يلقي أعلى رأس والدته قنبلته دون تمهيد :
" دي تسبيح يا امي، خطيبتي وهتبقى مراتي قريب اوي "
حدقت نعمة في تسبيح بأعين مدهوشة، ومن ثم نظرت لابنها وزوجها الذي قال يتدارك صدمتها :
" أنا هفهمك يا نعمة بس اصل ابنك هـ "
وقبل أن يتمم جملته قاطعتهم نعمة بإطلاق زغرودة عالية رن صداها في المكان بأكملة، ومن ثم انقضت بجسدها كله على تسبيح تمطرها بوابل من القبلات والاحضان والكلمات التحببية :
" والله ما مصدقة، أخيرًا هتتجوز يا رائد ؟؟ يا ختي ايه القمر ده، والله وعرفت تختار يا واد "
كل ذلك وهي لم تبصر من تسبيح سوى عينيها، فما ردها حينما تراها دون نقابها، وما حاله هو حين يبصرها بنفس الهئية امامه ..
كانت تلك افكار رائد وهو يراقب بأعين شاردة ما تفعل والدته وكلماتها العفوية لتسبيح التي كانت تضحك ضحكات خافتة وتبتسم لها، وكأنها كانت مكبوتة وحينما أمنت ردة فعل والدته انطلقت تتصرف بعفوية؛ عفوية لم يرها هو سوى في ردودها الحمقاء مثل خاصته .
قالت نعمة وهي تجر تسبيح خلفها صوب المطبخ والفضول يأكلها لترى مظهرها :
" تعالي معايا يا حبيبتي احطلك شوية بسكوت وشاي بلبن لغاية ما الفطار يجهز "
راقبهم رائد يعلم جيدًا أن والدته اخذتها لمرحلة الفحص الكلي لتتأكد من اختياره، ابتسم ينظر لوالده بجدية :
" كنت عايز أسألك يا حاج، امتى اقدر اكتب كتابي ؟؟ أنا خلاص مبقاش عندي صبر، عايز اتعامل معاها براحتي بدون ما احس نفسي متقيد، وكمان بعد كتب الكتاب عايزك تعملي اشهار في الجوامع كلها عشان الكل يعرف"
ومن بين كلمات رائد انبثقت كلمات اخرى لرجل يتحدث بتعجب :
" كتب كتاب ايه ؟؟ أنت خلاص هتكتب كتابك على بنتي؟؟ ومن غير ما اتبلغ قبلها يا رائد ؟!"
استدار سليمان ببطء صوب مسعد والذي كان هو نفسه والد منال، ليشعر أنه وقع في مأزق قبل أن يحضر نفسه له، ورائد جواره يعض شفتيه وداخله كان سعيدًا لأنه عاجلًا او آجلًا كان سينهي الأمر؛ لذا لا ضير إن فعل الآن..
" كويس أنك جيت يا حاج مسعد، أنا والحاج كنا عايزينك ضروري في موضوع....."
__________________________
تحرك داخل المكان بريبة، لا يدري سبب إحضاره هنا، لكنه يدرك جيدًا أنه ليس بالخير ابدًا، فمتى كان الخير مقرونًا باسم غانم ؟!
توقف في منتصف المكتب يحدق بجسد غانم الذي يكاد المقعد أسفله يتداعى لضخامته، وأرجله الخشبية تستغيث من ذلك الحمل الكبير عليها ..
اعتدل غانم في جلسته وهو يبتسم بسمة لم تطمأنه، بل ساهمت في اثاره رعبه أكثر وأكثر، وازداد الرعب اضعافًا حينما تحدث غانم :
" ازيك يا جلال ؟!"
ابتلع جلال ريقه، يجيبه بارتباك واضح عليه، ورغم أن غانم لا يفضل العمل مع الحثالة امثال جلال إلا أنه وعملًا بمقولة ( عدو عدوي صديقي ) فجلال الآن السبيل الوحيد له لتنفيذ ما يحلم به .
" الحمدلله يا باشا أنا ...أنا زي الفل"
ابتسم له غانم، ثم أشار له بالجلوس وفعل جلال سريعًا وقد حصل أخيرًا على فرصة ليريح قدميه اللتين كانتا ترتجفان تحت وطأة ما يحدث ..
تحدث غانم بجدية كبيرة يضم كفيه أعلى المكتب :
" قولي يا جلال، مزعل منك سعيد ليه ؟؟"
نظر له جلال بعدم فهم لثواني، قبل أن ينتقض قائلًا بجهل لما يحمل غانم في صدره لسعيد :
" محصلش ياباشا والله، هو بس سعيد باشا اللي بقى في الفترة الأخيرة خلقه ضيق "
" بس انا عايزه يحصل يا جلال "
نظر له جلال بعدم فهم ليوضح له غانم ما يقصد :
" أنت بتقول محصلش أنك زعلته، بس انا عايزك تزعله يا جلال، واهو منها تفش غلك بسبب الرصاصة اللي لسه سايبة أثرها ومنها تاخدلك قرشين حلوين وتهج برة البلد كلها "
ابتسم جلال باتساع وهو لا يصدق ما يسمع، هل عرض عليه للتو أموالًا وفرصة للسفر، والأهم أهداه انتقامًا تحت حمايته ؟!
" اؤمرني ياباشا، أنا خدامك من ايدك دي ..لايدك دي "
ابتسم غانم وهو يعبث بعدة صور أمامه قبل أن يلقي بواحدة لجلال الذي سال لعابه على صاحبة الصورة وصوت غانم يصدح في الخلفية :
" شايف اللي في الصورة دي ؟؟ عايزها تكون واحدة من الحلوين اللي هيتشرحوا الدفعة الجاية"
رفع جلال عقله بصدمة وقد فرقعت تلك الكلمات الفقاعة الوردية حوله وردد بجهل ؛
" دفعة جاية ايه ؟! حضرتك سعيد باشا بيشتغل في الاموات، أنت عايزنا تقتلها ؟!"
هز غانم رأسه بقوة رافضًا
" لا مش عايزها تموت خالص، أنت بس عليك تخطفها وتسلمها لوسيم ورجب والباقي عليهم وملكش دعوة أنت"
" أيوة ياباشا بس ..."
ضرب غانم المكتب بقوة وهو يصرخ في وجهه :
" اخلص أنا مش عايز كلام كتير، هتعمل كده ولا مش هتعمل ؟؟"
وافق جلال بسرعة كبيرة وهو يقول :
" هعمل ياباشا هعمل، بس أنت معلش فهمني براحة أنا هعمل ايه بالضبط "
ضم غانم كفيه وهو يميل قليلًا، ثم همس بجدية :
" هقولك، بس تصحصح معايا ..."
____________________
استيقظت من غفوتها الصغيرة التي سقطت بها دون أن تشعر بعدما تناول الغداء مع ميمو، والآن فتحت عيونها على نبضات ألم عنيفة تضرب رأسها، نظرت حولها بتعب تحاول البحث عن ذلك العلاج الذي يُسكن آلمها والذي أضحت تأخذه دون حساب ..
لكن تذكر أنها تركته في المطبخ حينما كانت تأكل مع ميمو ..
تحركت من فراشها صوب الخارج وهي تحاول الوصول للمطبخ، لكن في طريقها شعرت بدوار عنيف يتملك منها .
أمسكت في الجدار تقاوم إغماء وشيك قبل أن تستمتع لصوت ملهوف جوارها يردد بنبرة خافتة :
" نيمو حبيبتي أنتِ بخير ؟!"
استدارت نيرمينا تحدق بوجه أخيها الشاحب منذ البارحة، لا تعلم ما أصابه، لكنه جامد ذابل وفاقد لكل معاني الحياة منذ استفاقت من المخدر ..
" أنا بس حسيت نفسي تعبانة شوية، عايزة المسكن عشان راسي "
نظر لها سعيد ثواني قبل أن يميل حاملًا إياها متوجهًا لمطبخ المنزل وهو يقول بجدية كبيرة :
" مينفعش تاخدي أي أدوية بدون ما تاكلي، بعدين أنا حاسس أن المسكنات الكتير دي غلط عليكِ "
ضمت نيرمينا رقبة سعيد بقوة، وبدون أي مقدمات قبلت وجنته بحب، ثم استندت برأسها أعلى كتفه تردد بحزن على ملامحه المنطفئة :
" مالك يا سعيد ؟؟ أنت زعلان ؟؟"
بل اموت قهرًا، فكرة أن حياتي قد تنتهي في أي مكان عدا ذراعيّ زهرتي تقتلني، أن أعيش دون فكرة أنه وعند كل حزن سأذهب لاروي ظمأ قلبي من بحار بسماتها، حتى وإن صرخت في وجهي، تصيبني بالجنون ..
افكار وكلمات كثيرة تدور في رأس سعيد، لكن ايًا منها لم تعبر عما يكنه داخل صدره، وكل ما استطاع قوله هو :
" أنا بخير يا نيمو بس كنت خايف عليكِ يا قلبي "
ضمته نيرمينا أكثر وهي تربت على كتفه بذراعيها وكأنها تحاول اصلاح ندوب داخله، ندوب لن تمحيها مائة ربتة، لكن وجود نيرمينا الآن جوار خافقه يخفف من وجعه :
" متخافش أنا كويسة طول ما انت معايا يا سعيد"
قبل سعيد رأسها يضعها بحرص شديد أعلى مقعد المطبخ :
" وسعيد هيفضل سعيد طول ما أنتِ معاه يا نيمو "
ابتسمت نيمو له ببسمة واسعة وهي تتذكر مشاغبته لها قديمًا مستخدمًا اسمه، تحرك سعيد يحضر بعض الطعام التي تأتي سيدة لتُعده، ثم ترحل فهو لا يحبذ وجود الغرباء بشكل دائم في منزله...
وضع الطعام أمام نيرمينا، ومن ثم صب لها كوب عصير في الوقت الذي شعر فيه باهتزاز هاتفه، وضع الكوب أمام نيرمينا، قبلها قبلة سريعة يقول بجدية :
" هرد على التليفون وراجع ماشي ؟!"
هزت نيرمينا رأسها وهي تنظر للطعام بلا شهية حقيقية، لكنها رغم ذلك اكلت بعض اللقيمات لأجل إنهاء ذلك الدوار المزعج، وأثناء ذلك لمحت من الباب الخلفي للمطبخ جسد يسير في الظلام، ودون تفكير علمت صاحب ذلك الجسد الرياضي والطويل، جسد يتميز به صاحبه ..
أمسكت نيرمينا الطعام سريعًا وتحركت صوب الحديقة مبتسمة بسمة واسعة، فهي لم تر مختار منذ عادت من المخيم مع سعيد، وقد أخبرها الأخير أنه ذهب ليحزم امتعتها، وأمر آخر هي لا تعلم عنه شيئًا ...
ابتسمت ترى جسد مختار وقد استقر في الظلام أسفل إحدى الأشجار، تحركت صوبه تمسك الطعام لأجله وهي تهمس باسمه :
" مختار ...أنت اكلت ؟! جبتلك اكل "
لكن لم يصل لها ردًا من مختار سوى رؤيتها لجسده يتحرك ببطء وبهدوء، فجأة ضربها الإدراك وهي تنظر بصدمة صوب مختار :
" مختار أنت... أنت بتعيط ؟؟"
شعرت نيرمينا بالذهول يضربها وبالدموع تتجمع في عيونها دون معرفة سبب بكاء مختار أو إن كانت تلك بكاء أو لا، هي فقط تحدثت بصوت باكي وهي تقترب منه ببطء :
" مختار أنت كويس ؟؟"
وللعجب ازداد ارتعاش جسد مختار، هو حتى يعجز عن البكاء، يعجز عن الصراخ، حنجرته تأبى أن تريحه .
وضعت نيرمينا الطعام جانبًا وهي تجلس على ركبتيها أمامه تنظر له بتردد ترى اهتزاز جسده، لا تفهم ما يحدث، هي في حياتها لم تر مختار يتفاعل كما البشر، لم تعتقد أنه يشعر مثلهم، وحينما ترى منه بادرة شعور ...تكون بكاء ؟؟
ومختار في تلك اللحظة كان يحاول أن يوقف دموعه، يدفن وجهه بين أقدامه رافضًا أن ترى هي لحظة ضعف لم يحسب لها حساب، هو دفن كل مشاعره في أقصى اركان عقله منذ سنوات طويلة، ما الذي حدث الآن ؟؟ ذلك اليوم من كل عام يكون اسوء يوم عليه، يوم فقد كل حياته...
بكت نيرمينا بهيسترية وهي تتحدث من بين شهقاتها بصعوبة :
" مختار أنت بتعيط ليه ؟؟ متعطيش بالله عليك "
وحديثها يتنافى مع بكائها، تتراجاه ألا يبكي وهي تبكي جوراه بانهيار شديد، رفع مختار وجهه الذي لم تراه نيرمينا بسبب الظلام المحيط، مسح دموعه التي هبطت، وهي ما تزال تبكي أمامه وكأنها هي الحزينة، أو هي المدمرة هنا...
ومختار الذي كان يرثي حالته منذ ثواني، بدأ يحاول تهدأتها بلا كلمات حينما خرج لها في الإضاءة الخافتة الخاصة بالحديقة يشير لها ألا تبكي ويحاول أن يجعلها تكف عن البكاء وهي لا تتوقف :
" أنت كنت بتعيط ؟! حد زعلك ؟!"
حرّك مختار رأسه للجانبين ينفي جملتها بقوة يحاول أن يراضيها بدلًا أن تعكف هي على مراضاته ...
توقفت نيرمينا وهي تنظر له تقول بحزن :
" يعني أنت مكنتش بتعيط ؟!"
هز مختار رأسه بنعم، ثم ابتسم بسمة صغيرة ليؤكد على صدق كذبته، وهي توقفت سريعًا تتنهد براحة أنه بخير، فهي من ذلك النوع الذي حينما ترى باكيًا تجلس لتبكي جواره دون معرفة مصابه، فما بالكم بصديقها الوحيد؟!
ابتسم مختار بيأس عليها وهي تحركن تمسك طبق الطعام، ثم أعطته له وهو الذي لم يتناول طعامًا منذ يوم ونصف تقريبًا ..
اخذ منها الطبق ينظر لها بتساؤل لتقول هي :
" جبته ليك، أنا وميمو اكلنا من المكرونة دي وكانت حلوة اوي "
دفعت الطبق صوبه أكثر تراقبه يحمل الملعقة، ثم بدأ يأكل بهدوء وهي تراقبه ببسمة واسعة تقول :
" أنت مش ناسي أننا صحاب صح ؟!"
رفع لها مختار أنظاره بتعجب، لتوضح هي مقصدها :
" أنا بس قولت افكرك لتكون قولت كده وقتها عشان تسكتني بس "
ابتسم مختار بسمة واسعة قبل أن تتحول لضحكات بلا صوت جعلت نيرمينا تراقبه بعيون واسعة مذهولة، ما هذا الذي تراه الآن ؟؟ مختار يضحك؟! ورغم أنها لن تسمع صوته إلا أنه هُيئ لها صوت ضحكات رجولية إصابتها بقشعريرة لذيذة على طول عمودها الفقري .
أفاقت من شرودها على نظرات مختار الذي أشار برأسه مضيقًا ما بين حاجبيه، في إشارة منه إن كان هناك خطب، لكنها فقط هزت رأسها بلا شيء، ثم أشارت للطعام تقول :
" ممكن حتة بانيه ؟؟"
نظر مختار للطبق أمامه، قبل أن يدفعه صوبها بلطف وكأنه يخبرها أن تأخذ ما تريد، لكن نيرمينا في تلك اللحظات ما كانت تفعل ذلك سوى لتشغله عن شرودها به والذي لا تفهم هي ما تريده منها، ابتسمت وهي تراه قد بدأ يتناول بنهم شديد لتتظاهر أنها تأكل معه، وهي لم تمس الطعام، ومختار ينظر لها كل ثانية بلطف ..
لتضم قدميها أسفل جسدها متحدثة بفضول شديد :
" مختار هو أنت كنت فين قبل ما ميمو تجيبك تشتغل هنا ؟!"
توقف مختار عن تناول الطعام، ثم نظر لها ثواني دون رد حتى ظنت أنه لن يجيبها، إلا أنه خيب ظنها وهو يرفع يديه ويشير ببعض الحركات المعروفة لمثل حالاته، لكنها لم تفهم منها شيئًا ..
" يعني ايه مش فاهمة "
ابتسم يهز كتفه، ثم أخرج الهاتف وكتب عليه بعض الكلمات ورفعه في وجهه لتقرأ بجبين متغضن :
" طالما مش هتفهمي رَدي... بتسألي ليه ؟؟"
رفعت نظرها له بحنق وقالت :
" وأنت طالما تقدر تكتب على التليفون بتشاور ليه ؟؟"
ضحك مختار مجددًا بلا صوت ليهتز قلب نيرمينا في مضجعه، وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة وهو مستمر في الضحك وهي تعترض بتذمر وحنق ...
كل ذلك تحت انظار ميمو التي كانت تتحدث في هاتفها داخل شرفتها ورأت جلستهما معًا، رفعت حاجبها وهي تقول ببسمة واسعة ماكرة :
" الظاهر الاستاذ مختار اللي كان مش طايق البشر اول ما جه يشتغل عندي، بدأ يكون علاقات طيبة مع البشر ....أو مع نيمو تحديدًا "
______________________
انتبه الجميع لجملة محمد التي جذبت الأنظار له، وبدلًا أن يحاول صالح تدارك الأمر وتفسيره لوالده الذي نظر له ينتظر تفسيرًا لما قاله، اقترب هو من والده يهمس :
" سيبك منه يا حاج وقول لعم رؤوف أنك عايز تشوف العروسة، خليه ينادي رانيا وشوية كده وقوله ما تيجي نسيب العرسان شوية "
نظر له مرتضى بعدم فهم، ثم أشار على محمد قائلًا بسخرية :
" يابني أنت اطرش ؟! مش سامع اخوها قال ايه من شوية ؟! ده بيقولك مش هينفع خالص، هو أنت اخدت الموافقة من مين بالضبط، أنا مش شايف حد موافق فيهم غير ابوهم "
قبّل صالح يد والده هامسًا :
" وهو ابوهم شوية ؟؟ ده هو الخير والبركة، سيبك بس من اخواتها وخليك معايا، قول لعم رؤوف عايزين نشوف العروسة "
حدق به مرتضى بحنق شديد، لكنه رغم ذلك تنهد وهو يوجه حديثه لروؤف الذي كان في تلك اللحظة يوبخ محمد وبقوة :
" معلش يا استاذ رؤوف بس احنا مش هنشوف العروسة ولا ايه ؟؟ عايزين نعرف رأيها "
اتسعت عين محمد بشر حينما وجد تجاهل لكلماته، لذلك نهض وبقوة يقول رافضًا أي محاولة من والده لمنعه :
" يا حاج مجيتك على راسي والله، ويعز عليا ارفض ليك طلب، لكن زي ما قولت احنا ..."
قاطعهم صوت صلاح الذي نهض يتدارك الأمر حينما التقط نظرات صالح له :
" استاذ محمد "
نظر محمد صوب صلاح بتحفز ليمنحه صلاح نظرة هادئة متعقلة وهو يردد بجدية كبيرة :
" أنا مدرك كويس اوي أنك كأخ خايف على اختك ومش حابب أنها تبعد عنك، لكن صدقني الأسلوب ده مش الطف حاجة عشان تظهر خوفك، ليه متثقش في اخت حضرتك واختيارتها وتسيبها تقعد مع اخويا وتفكر كأي آنسة ناضجة في سنها وتاخد قرارها، ولما تاخد قرارها تقدر تقعد معاها وتسألها وتتناقش معاها بهدوء "
نظر له محمد ثواني قبل أن يقول ببساطة مستفزًا صالح بكل ما فيه وهو يشير لصلاح :
" تمام أنا عاجبني ده اكتر، وموافق عليه لرانيا "
رفع صلاح حاجبه بغضب وهو يردد بينه وبين نفسه :
" هو كل بيشحت عليا ليه، هو أنا مقطوع فيا الامل للدرجة دي ؟"
اشتعلت عين صالح بقوة ليعطي لمحمد ما يطمح إليه من خلف حديثه، فهو لم يقل ما قال إلا ليستفزه وقد نجح في ذلك، حيث هب صالح يقول بغضب وصوت مرتفع :
" وأنت مين اساسا عشان تختار لأختك على مزاجك "
وقف محمد أمامه وخلفه باقي عصابته ينتظرون إشارة منه :
" اديك قولتها، اختي، اختي وانا حر اختار اللي يعجبني واللي ميعجبنيش "
" ليه ؟؟ أنت اللي هتتجوز ولا ايه ؟؟"
اتسعت عين محمد وهو يسمع صوت جبريل يردد بشر :
" اسمع عشان احنا سكتنا كتير ولولا وجود والدك احنا كان زمانا اتصرفنا بشكل تاني "
تدخل رؤوف في الحدث مانعًا أي تجاوز قد يزيده ابناؤه في حضوره :
" جبريل ...محمد ..احترموا نفسكم واحترموا اني واقف، ولا أنا مبقاش ليا وجود أو احترام بينكم ؟!"
وسريعًا تراجع الأربعة وطأطأ جبريل رأسه معتذرًا بخفوت ومحمد اقترب من والده يهمس له :
" يا بابا أنت عارف والله أننا مش بنقلل من احترامك، بس بلاش الشاب ده انا محبتوش، أنت مش شايف بيتكلم ازاي ويتعامل ازاي ؟؟"
نظر له رؤوف بصرامة شديدة يحذره بعيونه أن يتمادى في تصرفاته الوقحة أمام الجميع، وقد أحرجه أمام والد صالح الذي كان يتابع ما يحدث وقد أدرك جيدًا أن ولده ذلك الغبي كعادته يتهور ويعاند بشراسة لأجل ما يريده، لكن هو لن يلومه هنا أمام الجميع .
نظر روؤف لعبدالجواد الذي كان ينأى بنفسه في أحد أركان الغرفة يشاهد ما يحدث، حتى انتفض على صوت والده :
" عبدالجواد، روح هات اختك "
اعتدل عبدالجواد ينظر له برفض، لكن نظرة منه جعلته يوافق بصمت ويتحرك للخارج، واعين صالح قامت بتشفير كل ما حوله عدا باب الغرفة يترقب إطلالتها، وقد كان صلاح يقف جواره يكتف يديه لصدره مستعدًا لصد أي هجوم قد يُشن على أخيه، والغرفة بأكملها كانت أشبه بساحة حرب...
ثواني حتى انتبه الجميع لدخول عبدالجواد وهو يسحب خلفه رانيا التي كادت تسقط ارضًا وهي لا تستطيع رفع عيونها قط، لا تدري أخجلًا من الموقف بأكمله، أم رهبة من الأمر..
وعبدالجواد يسير أمامها كسدٍ منيع، يتحدى صالح أن يقترب، لكن صالح في تلك اللحظة كان فقط يراقب دخول رانيا دون أن يأبه لأحد، وما أفسد متعته تلك سوى وقوف ثلاثة من الصخور أمام عيونه لتمنع عنه الرؤية..
رفع عيونه لهم يهمس بحنق :
" ايه القرف ده بقى ؟؟"
ولم يتزحزح أحدهم من أمامه وقد نهشت الغيرة قلوبهم، وعبدالجواد ضم رانيا من كتفها له وكأنه يعمل فرد امن لديها، نفخ صالح بحنق شديد ينظر خلف ظهورهم لرؤوف الذي ملّ تصرفات ابنائه وقال :
" ايه يا ابو محمد ما تشوف عيالك "
نظر رؤوف لهم بشر يحذرهم من تخريب أي شيء :
" عبدالجواد سيب اختك يا حبيبي مش هتطير "
نظر له عبدالجواد باعتراض واهي :
" يابابا أنا بس بـ ..."
" قولت سيب اختك وابعدوا من هنا، يا تقعدوا مكانكم يا اطلعكم كلكم برة "
وبمجرد أن أبتعد عبدالجواد عن رانيا على مضض حتى اختطفها محمد لتجلس جواره يحدق في أعين صالح بتحدي أن يقترب منه لأخذ اميرتهم، ورانيا لا تدري ماذا تفعل، هي فقط تنظر ارضًا دون رد .
ومرتضى الذي واخيرًا أُتيحت له فرصة النظر إلى رانيا ابتسم برضى شديد وهو يتمتم :
" بسم الله ماشاء الله، زي القمر يا بنتي تبارك الله "
خجلت رانيا أكثر وهي تستشعر تصلب جسد محمد جواره، وصوت عبدالله يقول بجدية ردًا عن شقيقته :
" شكرا لحضرتك "
كان صلاح يراقب كل ذلك ببرود وقد ملّ تلك الألعاب التي تحاول دفع شقيقه بعيدًا عن الفتاة التي يريد، لذلك ابتسم بدبلوماسية شديدة :
" مش ممكن نسيب العرسان شوية يتكلموا، اعتقد ده حقهم كرؤية شرعية ولا ايه ؟؟"
نظر صالح لشقيقه بسعادة كبيرة وكم يود النهوض وتقبيله، لكن صوت محمد المعترض قاطع كل ذلك وهو يقول :
" ليه ؟؟ يشوفها واحنا قاعدين، احنا موافقناش اساسا لسه عشان يقعدوا سوا "
جادله صلاح بهدوء وبسمته لم تختفي :
" ما هو القعدة دي بتكون قبل ما العروسة تقول رأيها، عشان تقول رأيها براحة بعد ما تتكلم وتعرف هتعمل ايه، يعني لو مش فيها ازعاج ليكم "
نظر رؤوف لابنته التي كانت تبدو خجولة وبشدة من نطق كلمة أمام اشقائها، وهو شعر أن الأمر قد زاد عن حدة وأن غيرة ابنائه قد أصبح مبالغ بها، لذلك نهض يقول ببسمة :
" اتفضل معايا يا استاذ مرتضى نقعد في الصالة برة قصاد الاولاد وخليهم يتكلموا مع بعضهم "
أنهى جملته، ثم شدد على جملته :
" لوحدهم .."
ارتفعت أعين ابنائه له بفزع شديد واتساع جعله يكتم ضحكة متشفية وهو يشير لمرتضى أن يتبعه :
" اتفضل معايا يا استاذ مرتضى نقعد برة "
وبالفعل سار خلفه مرتضى ببسمة بشوشة مقدرًا لاحترام ذلك الرجل، تاركًا خلفه صراع بين الجميع وصالح، ليقطع ذلك الصراع صلاح الذي تدخل وجذب محمد من مرفقه كرفيق قديم يسحبه للخارج :
" معلش يا باشمهندس حابب نتكلم برة شوية "
أنهى حديثه يشير لمحمود بعيونه أن يتبعه ويخرج الجميع وكذلك فعل محمود يجذب يد عبدالجواد وعبدالله اللذين كانا يقفان مكانهما دون حراك، وجبريل الذي خرج مجبرًا ليتركوا المكان فارغًا إلا من صالح ورانيا .
ابتسم صالح وهو يجلس على مقعد مجاور لها، لكن مع حفظ مسافة مناسبة بينهما يردد بصوت خافت :
" مقولتليش يعني وقت ما عرفتك أنك متحاطة بأسوار شائكة كده، دول كانوا هيخنقوني لولا ابويا وابوكِ موجودين "
ابتسمت رانيا وقالت بصوت هامس :
" هما بس بيخافوا عليا "
" والله يا رانيا أنتِ اللي زيك يتخاف منهم مش عليهم، أنتِ ناسية كنتِ بتعملي فيا ايه ؟؟"
رفعت رانيا رأسها بسرعة كبيرة وهي تحدق فيه بشكل مرعب، لتتسع بسمته يقول بسعادة كبيرة :
" أيوة كده ارجعي لاصلك، جو الكسوف ده مش واكل معاكِ خالص "
تنهدت رانيا بصوت مرتفع، صالح ينجح مجددًا في اخراج اسوء ما فيها، مسحت وجهها ببطء قبل أن تستدير وتنظر له لتتحدث بحنق، لكن سبقها هو ليلقي قنبلته في وجهها :
" في الآخر اخترتي الفستان، مخليكِ ....بنت "
كانت رانيا مبتسمة بخجل في بداية جملته، حتى بدأت بسمتها تتلاشى وهي تحاول أن تستوعب معنى جملته، ماذا يقصد أن ذلك الفستان يجعلها فتاة ؟! هل كان يراها ذكرًا ؟؟ وقبل أن تنفجر في وجهها قال :
" قمر ...مخليكِ بنت قمر "
لاعب ماكر محترف في ثواني يدفعها لقمة غضبها، وقبل أن تفرغ غضبها يسحبها لقاع هدوئها، يدفعها ويجذبها، يتلاعب بمشاعرها واعصابها، لا تدري هل يقصد الأمر أم أنه لا يستوعب مقدار تأثيره عليها .
وكل تلك الخلجات ظهرت واضحة على وجه رانيا ليبتسم صالح، يقول بصوت خافت :
" أنتِ وافقتي صح ؟!"
نظرت له رانيا ثواني دون فهم ليوضح هو مقصده :
" قصدي على طلبي، لما والدك يسألك هتوافقي ؟؟"
هل خرجت نبرته مليئة بالرجاء أم أن خجلها قد شوش على مشاعرها، حتى كادت لا تفرق بين شيء والآخر ؟!
" رانيا ..."
نظرت له رانيا بتشوش وملامح مذهولة، فاقترب هو برأسه هامسًا بحنان يتنافى مع محتوى جملته:
" أنتِ لو موافقتيش عليا أنا هخطفك واحرق قلب اخواتك عليكِ وكل يوم هبعتلهم صور سيلفي لينا واحنا بنصيف واقهرهم "
دُهشت رانيا من تهديده لها، وهو ابتسم وقد اوصل رسالته واضحة لها، ثم قال بهدوء :
" أنتِ متعرفيش أنا بعمل ايه عشان افوز بيكِ ولا كم المعارك اللي هخوضها عشان بس اوصل للحظة المأذون، عشان كده عايزك تقدري اللي بعمله وبعد الجواز تشيليها جميلة ليا"
" أنت هتذلني يا صالح ؟!"
ابتسم صالح بسخرية :
" اذلك ايه ؟؟ ده انا همضيكِ على تعهدات طاعة، ده انا كل قعدة بيتحرق دمي ميت مرة"
نظرت له رانيا بغضب :
" وايه اللي مضطرك على حرقة الدم دي ؟! ما تختصر الموضوع وتشوف واحدة تانية تكون مريحة بدل ما تتعب نفسك معايا "
كانت تتحدث من خلف قلبها وهي تنتظر رده وتقسم أن تحيل حياته جحيمًا إن وجدت منه تفكيرًا في الأمر، لكن صالح ابتسم وهو يقترب منها هامسًا بخبث :
" اسكتي مش انا واحد بحب وجع القلب ؟؟ والله أميرة طول عمرها تقولي أنت اتخلقت يابني لوجع القلب "
وصوت رانيا الذي خرج محملًا بالغيرة جعل صالح يحتفل سعادة :
" أميرة ؟؟ مين أميرة دي ؟؟"
لعب صالح على اوتار غيرتها بمهارة شديدة وقد خرجت نبرته صادقة :
" أميرة دي حبي الاول "
شحب وجه رانيا فجأة وهي تفكر إن كان لصالح حب أول، نعم فشاب مثله يتعامل مع النساء بهذه الحدة بالطبع تم الغدر به مرة من قبل، ابتلعت ريقها وقد شعرت فجأة بانطفاء سعادتها وانقباضة صدرها، أبعدت عيونها عنه دون أن تبدي ردة فعل ..
ليشعر صالح أنه تمادى في مزاحه وما كاد يفتح فمه لتوضيح ما قال، حتى وجد العمالقة الأربعة يقتحمون الغرفة عليهم ومحمد يردد بقوة :
" الوقت خلص "
نهض صالح من مكانه حانقًا :
" طب مفيش وقت بدل ضايع؟!"
" والله ده اللي عندنا، مش عجبك اتفضل امشي "
ابتسم له صالح مستفزًا :
" لا ازاي عاجبني يا ابو النسب، عاجبني يا حبيبي "
دخل الجميع في تلك اللحظة واقترب محمود من صالح يهتف في أذنه :
" تفتكر لو طلبت هاجر في اللحظة دي ممكن الاقي القبول ؟؟"
نظر صالح صوب هاجر التي اقتربت من رانيا تتحدث معها بصوت منخفض ليقول ساخرًا:
" أنت لو طلبت هاجر دلوقتي مش هتلاقي غير الجذمة تنزل فوق دماغك "
في تلك اللحظة كانت هاجر تحاول أن تتلاشى النظر لمحمود بالحديث مع رانيا :
" مالك يا رانيا ملامحك قلبت كده ليه ؟؟"
هزت رانيا رأسها بلا شيء، ثم نظرت لصالح الذي كان يحدق بها خوفًا أن ترفض بسبب مزاحه الثقيل معها؛ لذلك ولاول مرة يذكر صالح والدته بصوت عالي وفي حوار عادي، يذكرها بين الجميع لا بينه وبين نفسه :
" كان نفسي ماما أميرة تكون معانا في اليوم زي ده، كانت هتحب تشوف رانيا اوي "
نظرت له رانيا باهتمام شديد ليبتسم هو لها قائلًا :
" هتحبها اوي لأنها زيها، شبهها في الروح، وفي كل شيء"
كان يتحدث بشجن جعل رانيا تبتسم دون شعور وهو يبادلها البسمة بأخرى أشد حنانًا حتى وقف جبريل في وجهه فجأة قاطعًا عليه الرؤية ليردد صالح بتأفف :
" اللهي يسد في وشك أبواب الرحمة يا جدع "
ابتسم له جبريل يشير له أن يعود لمكانه :
" ارجع اقعد مكانك يا حبيبي "
ربت صالح على كتفه ببسمة :
" أنا هرجع عشان بس ذوقك ده وكلمة حبيبي اللي زي العسل منك ..."
وبالفعل عاد صالح صوب مقعده.
في الوقت الذي تسلل به محمود للخارج خلف هاجر التي دخلت المطبخ لتحضر الحلوى للجميع، وقفت على أطراف أصابعها تحاول الوصول للاطباق لتشعر بمن يقف جوراها يحملها ويضعها على الطاولة أمامها، ثم ابتعد ..
نظرت له هاجر بخجل شديد تشكره :
" شكرًا يا محمود "
وكانت الإجابة منه بسيطة وهو يقول :
" العفو على ايه ؟؟ "
صمت ثواني ثم قال بصوت ملئ بالمشاعر :
" سعيد إني شوفتك هنا .."
نظرت له هاجر ببسمة وصمتت، ولم تدري ما تقول سوى أنها الآن تشعر بمطبخ رؤوف الواسع وقد أضحى ضيقًا، اقترب منها محمود بتردد لا يفقه لوضعه شيئًا سوى أنه يشتاق لجلسة كتلك التي يجلسها صالح وتكون هي المنشودة من الجلسة، لذلك وبدون مقدمات تحدث :
" هاجر هو اخوكِ مش هيرجع من السفر ؟؟"
نظرت له بتعجب :
" خلال يومين راجع باذن الله، أنت مكلمتوش فون ؟؟"
هز رأسه نافيًا :
" لا الحقيقة اللي أنا عايزه فيه مش هينفع فون "
رتبت هاجر الاطباق بشكل منمق أعلى الصينية ومن ثم أخذت ترص عليها قطع الكعك بشكل لطيف وهي تقول مبتسمة كعادتها :
" عايز اي يا ترى ؟؟"
والرد من محمود لم يفكر فيه ولو لثواني، بل قذفه في وجهها دون مقدمات أو توضيحات :
" عايزك أنتِ ..."
وفي الداخل كانت هناك قنبلة أخرى تماثل قوة القنبلة التي القاها محمود، حيث اسودت وجوه الأربعة بقوة حينما سأل رؤوف ابنته عن رأيها وكان ردها هادئ خجول وخافت وهي تكاد تشعر أن اخوتها سيتقتلونها بأعينهم :
" موافقة ..."
وبتلك الكلمة البسيطة والصغيرة أشعلت رانيا نيرانًا بين الجميع، واطلقت شرارة الحرب ...
______________________
انتفض جسد مسعد بقوة من مقعده وقد سقط عليه ذلك الخبر كالصاعقة، هل يظنونه ابلهًا ليقتنع بكل تلك الحكايات والتخاريف التي حاكوها عن اضطرار رائد للزواج بقريبتهم اليتيمة عملًا بوصية جدها ؟!
" أنت بتقول ايه يا عمدة ؟! أنت فاكرني هصدق الفيلم ده ؟؟ لو عايز تخلي مسؤوليتك من الجواز قولي بدون لف أو دوران، في النهاية مش انا اللي هيتقال عليه مش قد كلمته، بالنسبة لبنتي فذنبها في رقبتك أنت وابنك "
هب رائد فورًا يدافع بشراسة عن والده وعن صورته التي اهتزت بسبب عادات بالية قيدته :
" حاج مسعد، حضرتك في بيتنا يبقى تحترم والدي وتتكلم معاه كويس، ومش معنى اني رفضت بنتك يبقى فيها عيب، العيب كله في العادات القديمة اللي ماشيين عليها، مش أي عيلين لعبوا في الطين سوا يبقى نقرأ فاتحتهم على بعض، أنتم بتربطوا مصاير أولادكم بأشخاص هما اساسا ميعرفهمش "
نظر له مسعد بقوة قائلًا :
" أنت عايز تقول ايه ؟! قصدك إن أنا ظلمت بنتي ؟؟ يا حضرة الظابط يا محترم أنا بنتي عمرها ما كانت هترفضك ولا ترفض ليا طلب وهي تعرفك كويس يعني مش هجوزها لواحد غريب، الكلام اللي بتقوله ده حجج بتقنع بيه نفسك أنك صح أنت وابوك وأنكم مضيعتوش بنتي"
اشتد صراخ رائد وقد ابهره ذلك المسعد ببدائية تفكيره، ويريده أن يضع يده في يد مسعد بعد كل هذا؟! رجل يتاجر بابنته ويعتبرها بضاعة مستهلكة فقط لأنه لم ينفذ وعدًا قطعه والده في طفولتهم ؟؟ سامحك الله يا ابي .
ومن الداخل كانت تقف تسبيح في إحدى غرف المنزل مع الحاجة نعمة التي كانت تدور في مكانها بخوف تضرب كفيها ببعضهما :
" ربنا يهديك يا مسعد ويرحمك من دماغك دي ويهدي رائد وميخلصش عليك "
صُدمت تسبيح من حديث نعمة وهي تقول بتردد :
" يخلص عليه ؟؟ ليه رائد كويس ومش ممكن يوصل لكده أبدًا "
نظرت لها نعمة بشفقة :
" كويس ؟؟ والله يابنتي أنتِ اللي كويسة، ده رائد ده شيطانه قوي ولما يتعصب مش بيشوف قدامه، ربنا يسترها علينا "
أنهت حديثها وهي تدعو أن يمرر الله تلك المواجهة على خير، وتسبيح اقتربت من الباب تفتح جزء منه ببطء وخوف شديد أن يلمحها أحدهم تتجسس عليهم ..
لتفتح عيونها بصدمة وهي ترى رائد آخر غير ذلك المرتبك، الحنون الهادئ والمراعي لها، رائد غاضب وثائر، يمسك تلاييب رجل بقوة وهو يهز جسده وقد برزت عروقه بشكل مخيف وسليمان يصرخ عليه أن يدع الرجل، لكن رائد كان في أقصى حالاته جنونًا وهو يصرخ وقد هزّ صراخه جدران المنزل :
" اخــــرس، تجيب سيرتها على لسانك هقطعك حتت ومش هعمل حساب لعمرك طالما أنت مش محترم نفسك، بنتك اللي واقف تدافع عنها اساسا مش عايزاني ولا أنا عايزها، روح شوف بنتك وبطل بقى القرف اللي بتعمله ده، بطل تتحكم في حياتها وحياة غيرها عشان كلام الناس "
حاول مسعد أن يفلت من يد رائد وهو يعاند ويصر على حديثه، وقد تحكم به الجهل وقيده رعبه من حديث الناس عن ابنته، فبعض القرى ينشأ بها الطفل ويتوارث الجهل والتخلف إلا من رحم ربي ونجى من تلك الدوامة بنفسه وبعائلته ..
" عصبيتك دي اكبر دليل إن كلامي صح، وأنك جايب البنت اللي معاك تتجوزها عشان تداري على عربدتك في القاهرة يا ...."
في تلك اللحظة استحكم شيطان رائد به ليدفع مسعد بعيدًا ويخرج سلاحه وهو يصرخ في وجهه مهددًا، لكن فجأة تيبست يده حين استمع الجميع لصوت صرخة عالية خرجت من تسبيح وجعلت جميع الرؤوس تستدير لها ومنهم مسعد الذي حدق فيها بشر وقال بصوت حاقد :
" متقولش أنها هي دي البنت اللي بديتها على بنتي ؟؟ وعلى ايه لابسة النقاب يا ست الشريفة؟! ما عملتكم ريحتها فاحت "
ومن بعد تلك الكلمة لم يستمع أحد لشيء في المنزل سوى صرخة مسعد التي رنت بين جدران المنزل .....
___________________
وأعلم أنه حينما تتكاثف الاسرار ويتعاظم الغموض، فقد حانت لحظة كشف المستور ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل .