تحميل رواية «ما بين الألف وكوز الذرة» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الاول * هام قبل القراءة* ( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني ) وتاني هقول رجاءً بلاش تحرقوا الأحداث اللي جاية في الفصول الاولى يا جماعة كده انتم بتفسدوا متعة...
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم رحمة نبيل
”لو رُزِق العبد الدُّنيا وما فيها ثمَّ قال الحمدُ للّٰه، لكان إلهام اللّٰه له بالحمدِ أعظم نِعمة من إعطائه الدُّنيا؛ ﻷن نعيم الدُّنيا يَزول وثَواب الحمدِ يَبقى.“
- ابن القيّم.
صلوا على نبي الرحمة..
_________________
كانت نظراته تحوم حولها، وهي فقط تنظر له منتظرة أن يفعل ما تريد دون حتى أن تنطق، تثق في قدرة صلاح على معرفة ما تفكر به، وهو كان على قدر كبير من الثقة إذ فهم ما تريد ...
حلم طفولي قديم عاشت تتمناه، رغبة مجنونة طمرتها داخل قلبها في انتظار أن تفصح عنها، لكن التجربة السابقة لم تكتفي بأن محت تلك الرغبة، بل دفنتها ودهستها أسفل اقدام الظلم .
ابتسم صلاح يتذكر جملتها التي أفصحت عنها في لحظة صراحة معتادة بينهما، كانا يجلسان على إحدى العتبات في الشوارع جوار سيارة صلاح يتناولان بعض الطعام قبل استكمال رحلتهما وفجأة قطع صلاح كل ذلك :
" ميمو هي ايه كانت احلامك عن الجواز قبل كده ؟! حابب أخد فكرة عن تفكيرك "
صمت يقضم من شطيرته قائلًا بنبرة هادئة بعض الشيء :
" قصدي يعني قبل ما تتشرسي بالشكل ده "
أطلقت ميمو ضحكات مرتفعة وهي تضع يديها على معدتها من نظراته لها، ذلك الرجل لن ينسى ما قصته على مسامعه، توقفت وهي تنظر بترقب لسؤاله غير المتوقع، لكنها رغم ذلك ابتسمت بسمة واسعة ومنحت لنفسها الإشارة الخضراء للحلم مرة أخرى بعدما سُلبت ذلك الحق :
" هو أنا تقريبا قولتلك قبل كده، موضوع البلاليين اللي فشل ده، وانك تيجي تتقدم ليا وأنا اعمل نفسي مكسوفة وده نلغيه عشان أنا مش مكسوفة منك، بس انا اكتر حاجة نفسي فيها بقى وعشت عمري احلم بيها هي أن..."
صمتت تنظر له تستكشف ردات فعله، وصلاح فقط يتابع بفضول شديد يسجل داخل عقله كل رغباتها، يود فقط أن تعيش التجربة معه كأنها مرتها الاولى، يتمنى أن يمحو كل ما سبق لها من فشل في أمر العلاقات والزواج، وربما يستطيع ذلك بمساعدة منها .
تركت ميمو شطيرتها على الحقيبة الخاصة بها ونهضت بحماس تقول :
" نفسي اللي يجي يطلب ايدي يقف في ميدان مثلا او مش شرط ميدان، يعني قدام الناس وخلاص، ميتكسفش أنه يركع قدامي ويمد أيده ليا وهو ماسك خاتم ويقول بكل حب ...."
كانت تنفذ كل ما تنطق به، إذ جلست على ركبتها أمامه تنظر له ببسمة وتمد يديه قائلة ما تود سماعه في مثل تلك اللحظات :
" ميمو تقبلي تكوني حياتي ومراتي وحبيبتي وكل ما ليا ؟؟؟"
ابتسم صلاح لها، ثم وضع شطيرتها في يدها الممدودة يقول بعبث :
" أنا فاكر اني عملت كده ليكِ قبل كده ركعت وطلبت منك الجواز، وجبتلك خاتم وطيرتيه، اعمل ايه تاني ؟؟"
قبضت ميمو على شطيرتها تعتدل في وقفتها، ثم عادت لتجلس جواره تقول بجدية :
" أيوة بس عملت كل حاجة على حدى، أنا بقى عايزة ميكس بينهم، نفسي أحس الشعور ده، اللي بشوفه في الافلام وبقرأه في الروايات، نفسي اعرف البطلات دول بيحسوا ايه في اللحظة دي، ولا اكمني يعني الشريرة مليش حق اعيش ده، وكمان أنا عايزة يتعمل ليا كده قدام الكل "
أنهت جملتها تستدير برأسها لصلاح الذي كان يحدق في وجهها بهدوء، ثم ابتسم لها قائلًا :
" متقوليش كده يا ميمو أنتِ يمكن شريرة في كل القصص اللي حواليكِ، بس أنتِ بطلة قصتي الوحيدة "
صمت ثواني، ثم أكمل :
" هفكر في إمكانية تنفيذ كلامك ده "
" بجد أنت ممكن تعمل كده يا صلاح ؟؟"
كانت نبرتها مصدومة، هي لن تتوقع أن يفعل ذلك لأجلها مجددًا، فهو فعلها بالفعل ودون أن تطلب منه، صلاح الذي يمثل لها صورة لرجل مصنوع من الهيبة والهدوء والرزانة والتعقل، قد يفعل ذلك لأجلها على مرمى ومسمع من الجميع ؟
" مش أنتِ عايزة كده ؟؟"
هزت ميمو رأسها ببطء ليجيبها ببساطة شديدة :
" يبقى هعمل عشانك ."
أفاق صلاح من شروده في تلك الذكرى القريبة، وهو يرى ميمو تقف أمام الجميع تطالبه بوعده، ابتسم لها يقبل تحديها الذي التمع في عيونها، مدّ يده داخل سترته يخرج خاتمه الذي اشتراه لها منذ ذلك اليوم وقد تجهز لتلك اللحظة ..
ودون أي كلمة جلس صلاح على ركبته أمام الجميع ورفع العلبة أمام عيونها، ينظر لعيونها التي كانت متسعة بصدمة وكأنها لم تصدق أنه فعلها .
وقد كانت كذلك، هي فقط كانت تمازحه مطالبه إياه بوعد سابق، ولم تصدق أنه قد يفعلها لأجلها، ارتجف جسد ميمو تستمتع لكلمات صلاح الذي منحها بسمة هادئة عاشقة يردد عليها نفس كلماتها :
"مَقدس تقبلي تكوني حياتي ومراتي وحبيبتي وكل ما ليا ؟؟؟"
شعرت ميمو بأعين الجميع تُوجه عليها ووجها يحمر بقوة وقد استحكم الخجل منها، ابتلعت ريقها تنظر له تراه منتظرًا ردها.
بالله عليك أي رد ذلك وقد أضحت كل خلية بجسدي تشتاق قربك صلاح ؟؟
ابتسمت ميمو تأخذ منه الخاتم تضعه في اصبعها تقول بصعوبة بسبب نظرات الجميع حولها، كانت تود معرفة شعور البطلات، وهي لم تستشعر سوى الخجل والخجل فقط، بالإضافة لتسارع ضربات قلبها ..
" موافقة يا صلاح "
ابتسم صلاح ينهض عن ركبتيه يعدل من وضعية بدلته وهو يغمز لها واضعًا العلبة داخل جيبه، حيث كانت مستقرة لأيام طويلة ...
بينما الجميع حولهم يراقب ما يحدث بتأثر شديد، عدا صالح ومحمود اللذين علت نظرات الاستنكار ملامحهما، وقد تشنجت تعابيير وجهيهما بشكل مضحك :
همس صالح بعدم فهم لذلك المشهد أمامه :
" كويس أن رانيا مش معانا، دي كانت خلتني زحفت على ركبتي بلاد وعبرت بحور، أو بدلتني بصلاح ودفعت الفرق أسهل"
ومحمود وافقه الرأي يشكر ربه أن هاجر لم تحضر هكذا لحظة :
" حاسس أن احنا بعاد اوي، اخوك ده ...ده.. طب ما تقول لاخوك يعلمنا ويكسب ثواب، لاحسن هاجر على تكة اساسا "
رمقه صالح باستنكار شديد :
" يعلمك ؟! مش لما يعلمني أنا الاول، قعدته قدامي ساعتين عشان جملة واحدة وفي الآخر نسيتها، اللي زينا يا محمود مفقود الامل فيهم، فارضخ للأمر الواقع واتعامل مع هاجر بدماغك زي ما أنت، ربنا يتولانا برحمته "
تحرك الجميع داخل غرفة نيرمينا، حيث سعيد الذي كان يطعمها بحنان شديد، وحينما أبصر الجميع قد دخلوا قال وهو يحدق في ميمو :
" خلاص هتتجوزي ؟؟"
هزت ميمو رأسها تقول ببسمة :
" عقبالك يا سعيد"
سخر منها سعيد في نفسه يراقب الجميع يتحركون صوب الأريكة الجانبية ليجلس عليها الشيخ ويبدأ في خطبة عن الزواج والمعاملة الحسنة وغيرها من الأمور التي تقال في مثل تلك المناسبات، ثم بدأ يعقد القرآن وصلاح يردد كل كلمة وقبله يتراقص بقوة، لا يصدق أنها أضحت قريبة لهذه الدرجة ..
وصالح الذي استوعب للتو ذلك الاسم قال بعدم فهم :
" يعني ايه مقدس دي ؟! مين ده ؟!"
هز محمود كتفيه بعدم فهم، ليسمع الجميع صوت سعيد يقول بسخرية :
" ده اسم العزيزة ميمو الحقيقي"
تشنج وجه صالح :
" أم سعيد ؟؟ مقدس ؟؟ من أي إتجاه ؟؟"
ابتسم له ميمو بكل برود وهي تتجاهل الرد عليه، بينما صالح لم يستوعب بعد كيف تحولت من " أم سعيد " لـ مقدس ؟؟
نظر لمحمود الذي لم يكن منتبهًا بكل ذلك، وصالح ما يزال يهذي بكلمات غير مفهومة :
" مقدس ازاي مش فاهم "
وبمجرد نطق الشيخ بجملته المعروفة معلنًا بذلك زواجًا رسميًا بينهما، حتى انتفض صلاح مبتسمًا يطلق نفسًا كان يكبته أيامًا، ومن ثم تحرك صوب ميمو جاذبًا إياها بعيدًا عن الجميع مرددًا :
" خمس دقايق وراجع ..."
ودون تفسير سحب ميمو _والتي حتى لم تكد تستوعب ما حدث منذ ثواني_ من بين الجميع تاركًا الكل ينظر لاثره بصدمة، فهذا صلاح الهادئ والرزين يخرج عن طور هدوئه دون حسبان، فما بالهم بصالح، والذي لا طور له من الأساس ليخرج عنه.
وعلى ذكر صالح، تحرك الاخير صوب والده يقف خلف المقعد الخاص به يقول متنحنحًا يميل بنصف جسده عليه هامسًا :
" بقولك ايه يا حاج، ما تكسب ثواب فيا وتجوزني أنا كمان؟!"
" اجوزك ايه مش احنا اتفقنا هناك أن كتب الكتاب كمان أسبوعين بعد ما فضحتنا وكنت هتولع فينا كلنا ؟!"
ابتسم صالح بسمة واسعة وقدر رقص قلبه فرحًا لتذكر الأمر :
" لا ما أنا عايز اولعها اكتر ونكتب الكتاب بدري شوية، إيه رأيك ؟؟ مش حابب تطمن على عيالك ؟!"
نظر له والده بحاجب مرفوع والحيرة تعلو ملامحه :
" امتى يعني ؟؟"
منحه صالح بسمة مستفزة وقحة :
" دلوقتي، إحنا نطب عليهم ونقولهم نسينا حاجة عندكم، فهما يقولوا ايه هي، وأنت يا حاج مرتضى يا كبارة يا محترم أنت تقولهم ...نسينا مرات ابني "
صمت ثم أضاف ببسمة :
" بزمتك مش حركة صايعة ؟!"
رمقه مرتضى بتهكم واضح :
" ربنا يصبرني عليك يا بني، ويصبر المسكينة اللي هتلبس فيك عمر كامل "
اعتدل صالح معترضًا على تلك الكلمات من والده :
" مسكينة ؟! دي محظوظة يا حاج، بكرة دي كل البنات تبصلها وتقول عملت ايه حلو في حياتها عشان تتجوز واحد زيي من اللي هوريه ليها "
سخر منه مرتضى بخفوت :
" من ناحية هتوريها فأنت هتوريها فعلا ...."
____________________________
كانت الغرفة ممتلئة بسحابة كثيفة من الدخان الابيض وكأن هناك مصانع تعمل بها، وهو يجلس بين كل ذلك لا يعطي اهتمام لشيء ولا حتى لوالده الذي يجلس أمامه يحاول أن يتحدث معه بجدية، هو لا يهتم لشيء سوى لتخفيف تلك النيران داخل صدره .
" ها قولت ايه يا غانم ؟؟ موافق على حوار الصفقة ولا اشوف غيرك ؟!"
نظر غانم لوالده من بين الأدخنة يحاول أن يلتقط ملامحه التي تلاشت بفعل العمر، منذ متى لم ير والده، عام ؟؟ اثنين ؟!
" ايه دلوقتي افتكرت غانم !! مش عندك سعيد باشا بتتعامل معاه وراميني زي الكلب ؟؟"
زفر متولي يتحرك ليجلس أمامه تاركًا ذلك المقعد النائي :
" ما أنت وأنا والكل عارف أن التعامل معاك صعب خاصة أنك بتتعامل بأسعار اغلى من الكل وأنا كده باخد بضاعتك بخسارة "
ابتسم غانم بسمة جانبية ليست بالسعيدة أو البريئة اطلاقًا :
" وايه اللي جد ؟؟ أنا لسه زي ما أنا وبضاعتي بنفس السعر، ده يمكن كمان سعرها زاد عن الاول "
" اللي جد إن سعيد مبقاش يقدر يفيدني في حاجة وأنا محتاج بضاعة عشان في ناس واعدهم ببضاعة جديدة ولو منفذتش وعدي هروح في داهية "
صمت ثم قال محاولًا بكل يأس أن يستعطف تلك الصخرة أمامه :
" يرضيك يعني ابوك يتضر أو يحصله حاجة؟؟"
رمقه غانم ثواني قبل أن يهز رأسه بنعم مطلقًا ضحكات صاخبة، تسببت في اشتعال نظرات متولي الذي هتف صارخًا :
" بقولك ايه انا مش فاضي لللعب ده ولا الضحك بتاعك، اخلص وقولي معايا ولا اشوف غيرك ؟؟"
حدق به غانم لدقيقة كاملة دون رد قد يرضيه أو يخمد نيرانه، ومن ثم هز رأسه ببساطة شديد وهو يقول متنهدًا بتعب :
" ماشي ...."
" ماشي ايه ؟؟ ما تكلمني زي ما بكلمك "
اعتدل غانم في جلسته يقول بجدية كي لا يستفز والده أكثر وهو يعلم تمام العلم كيف يكون حينما يُستفز :
" تمام موافق، بس بشروطي "
جلس متولي مجددًا يظهر اهتمامًا مبالغ به قائلًا :
" ايه هي الشروط دي ؟؟؟؟؟؟؟"
_____________________
كان يقف معها في أحد الممرات الصغيرة التي يبدو كما لو أنها تحتوي مخزنًا أو ماشابه، ابتلع ريقه وهو يطيل النظر بها، وكأنه يراها لمرته الاولى ..
يتأملها بحب وهي تراقبه بتوتر، لمرتها الاولى تشعر بكل ذلك الخجل، وكيف لا وهي أمام الرجل الوحيد الذي انحنت له مشاعرها بعد سنوات من الجمود .
شعرت بجسدها يرتجف بقوة حينما استشعرت بكف صلاح يضم جانب وجهها لدرجة أن عيونها تحركت بشكل غريب صوب تلك الجهة التي يضمها لتظهر له مضحكة، انفجر صلاح في الضحك على مظهرها وهو يضع كلتا يديه على وجنتيها مرددًا على بعد صغير عن وجهها :
" اهو عشان متحولّيش في جهة واحدة "
نظرت له بتوتر ليبتسم ودون أن يعطيها فرصة التفكير اختطف قبلة صغيرة من وجنتها لتبتلع هي ريقها وتعود برأسها للخلف ترمقه بصدمة ..
وصلاح لم يتمكن من كبت ضحكاته على مظهرها :
" ايه بتبصي كده ليه ؟؟"
وميمو المسكينة والتي كانت تختبر مشاعر جديدة البتة عليها، تشعر أن قلبها يحلق ولم تستطع أن تتحكم في ردات فعلها، لذلك فجأة وعلى غير المتوقع هجمت عليه تضمه كي تتلاشى أي تلاعب من جهته مرة أخرى .
وصلاح صرخ يعود للخلف بسرعة وقد فاجئه الأمر، لكن ميمو ضمته بقوة كأنها بذلك تكتفه و تعيق كل ما يحاول فعله بها.
" ده ايه ده ؟؟"
نظرت له ميمو تقول بجدية مطلقة :
" كفاية كده انهاردة وبكرة نكمل "
ثواني فقط وانفجر صلاح في الضحك وهو يمد يديه يضم خصرها له بقوة شديد حتى كاد يطبعها عليه :
" هو ايه اللي نكمل بكرة؟؟ هو أنا يابنتي بعذبك ؟؟ بعدين فين الشراسة؟ لا فوقي كده ده أنا لسه بهزر معاكِ "
وفجأة وقبل أن تستفسر عن شيء من حديثه أبعدها صلاح عنه ينظر لعيونها بقوة ممسكًا بكتفيها يقول بنبرة جادة اشعرتها بأهمية الحديث :
" ميمو حبيبتي أنا شخص مش متطلب أبدًا وكمان صبور أكثر مما تتوقعي، لكن أكثر من كام ساعة بعد كده مش هسمح ماشي ؟!"
وميمو لم تفهم ما يريد لأول مرة :
" أيوة يعني عايز ايه مني ؟؟ قول كلام بوضوح متلفش "
" وأنا من امتى بكلمك بوضوح يا ميمو، هو الجواز كبس على عقلك ولا ايه، لا ده الايام الجاية دي هي أكثر أيام محتاج تفهميني بالتلميح "
رفعت حاجبها مبتسمة بسمة جانبية :
" عشان تقل ادبك ؟!"
ربت على كتفها مشجعًا :
" الله ينور عليكِ عشان أقل ادبي، وهو أنا متجوزك عشان نلعب سوا شطرنج ؟؟ "
أبعدت يديه عن كتفيها تحاول أن تخفي ارتجافها :
" أيوة بس أنا الفترة دي مشغولة في ..."
قاطع صلاح حديثها مقتربًا منها يقول بجدية كبيرة وتحذير :
" لا يا قلبي مش أنا اللي باجي بالكلمتين دول، والله لو عندك اجتماع في الأمم المتحدة لتحديد مصير دول في حالة حرب برضو هتقفي قدامي وتستقبلي أحضاني وحبي كما أريد وأحب، اتفقنا ؟؟"
ختم جملته واقفًا أمامها، وقبل أن تجيبه بكلمة قاطعها صلاح واضعًا يديه أعلى فمها قائلًا بنبرة هادئة متعقلة :
" خلاص اتفقنا، دلوقتي ممكن اعمل اللي كان نفسي اعمله من زمان ؟!"
تراجعت للخلف خوفًا من نظراته ليبتسم لها مطمئنًا يقترب نفس الخطوات التي تراجعتها، ودون كلمة واحدة جذبها له بكل لطف يمتلكه وبهدوء شديد متناسيًا المزاح والعبث الذي كان يمارسه عليها منذ لحظات فقط .
وميمو رغم صدمتها الاولى ابتسمت تستشعر أحضانه ودفئها، الاحضان التي تاقت يومًا للارتماء بها متمرغة بها كقط صغير بين الرمان الدافئة.
تنهدت بصوت مرتفع تستمتع بكل لحظة داخل احضانه، وصلاح زاد من ضمها أكثر يقبل خصلات شعرها هامسًا لها :
" ميمو "
" امممم"
" أنا كنت بهزر معاكِ، أنا مستعد اصبر سنوات وعقود لو هلاقيكِ جايزة لصبري في الاخير "
ابتسمت ميمو بين أحضانه تقول دون خجل منه وقد شعرت باستقرار نبضات قلبها وأخيرًا:
" وأنا مش عايزة اخرج من أحضانك يا صلاح، أنا ... أنا في عز ضعفي كان الشيء الوحيد اللي بفكر فيه هو أحضانك، ومهما قعدت اتخيل مكنتش هتخيل كل الدفى ده، صلاح أنا...."
تنفست بصوت مرتفع ترفع عيونها له مبتسمة :
" بحبك "
تأوه صلاح مقبلًا جبينها بحب شديد :
" وصلاح مجنون بميمو، وعاشق لمقدس المنطقة المقدسة في قلبه، محدش له الحق يطأها ولا يسكنها غيري "
ابتسمت له مقدس بسمة واسعة عبرت فيها عن القليل فقط مما تمتلك له من مشاعر داخل صدرها، تداعب لحيته المرتبة بأناملها هامسة :
" وأنت يا صلاح، كنت صلاح لأي خراب في حياتي، صلاح لنفسي وحياتي وكل مشاكلي "
غمز لها صلاح قائلًا بخبث :
" الدور على قلبك، محتاج تصليح سريع "
بادلته البسمة بأخرى مستمتعة بذلك :
" خلاص أنا مستعدة اسلمه ليك واستلمه بعد ما يتصلح "
" مظنش اني هقدر اسلمه ليكِ تاني "
رفعت ميمو يده تتحسس خصلات صلاح محققة بذلك رغبة غبية كانت تؤرقها الكثير من الايام :
" إذن سيد صلاح ...هو لك بالكامل "
ضمها له صلاح مرة أخرى يقبل خصلاتها بحب شديد :
" مش هتلاقي حد يحافظ عليه قدي يا ميمو، ولا حد هيعتني بيه زيي ..."
" وأنا واثقة في كده يا صلاح ..."
___________________
ومن بعد كل استراحة تحين لحظة العودة للمعركة، لحظة تخرج بها كامل الطاقة التي جمعتها خلال استراحتك النفسية، وها هم جميعًا يعودون لساحة المعركة .
في اليوم التالي ..
خرج صالح من غرفته يعدل من وضعية ثيابه، ثم ألقى بملف أمام رائد يقول :
" شوف كده وابقى سيبه في اوضتي تاني "
كانت جملة غامضة على الجميع لكنها ليست كذلك على رائد الذي ابتسم محدقًا بالاوراق أمامه، ثم رفع عيونه لصالح :
" تمام متقلقش أنا هعامله بما يرضي الله "
في تلك اللحظة خرج صلاح من غرفته يتحدث في الهاتف مع أحدهم أثناء تعديله لسترته وتمرير يده عليها خوفًا أن تكون بها مجرد كسرة صغيرة تبعثر من هيئته المرتبة :
" لا أنا جاي اهو ومعايا المقال......متقلقش هو أنا عمري في حياتي عملتلك مقال أي كلام ؟! المقال على الفرازة عشان خاطرك....تمام نص ساعة وأكون عندك "
أغلق الهاتف ينظر لرائد الذي كان مرتديًا زي العمل بعد أيام قضاها في إجازته :
" رايح الشغل أخيرًا ؟!"
وضع رائد اشياءه داخل جيبه، ومن ثم أخفى سلاحه باحترافية معتادة منه يقول ساخرًا من حالته :
" اهو قولت بلاش اختبر صبر سيادة اللواء أكتر من كده، لاحسن شوية وهيحولني للفرقة الموسيقية في احتفالات عيد الشرطة "
تحرك الثلاثة صوب الباب الخاص بالمنزل ليجدوا تسبيح تستقبلهم وهي تقول بنبرة هادئة :
" صباح الخير، حضرت ليكم الفطار "
كانت تتحدث وهي تمد يديها بثلاث حقائب تحتوي بعض الشطائر مما جعل رائد يبتسم لها بحب متحركًا لأخذ الثلاث حقائب له :
" تعبتي نفسك يا توتا والله ما يستحقوا "
سحب منه صالح الحقيبة الخاصة بعنف شديد وكأنه يستنزع حقه، ودون تفاهم بدأ يفتح الحقيقة ويخرج ما بها من شطائر متناولًا إياها بنهم شديد :
" سندوتشات ايه دي ؟؟"
أطلق رائد صوتًا ساخرًا :
" هيفرق معاك ايه ؟؟ ما أنت طفحتها "
لم يهتم صالح وهو يتلذذ بفطوره متحركًا صوب درج المنزل كي يلحق بعمله :
" جبنة رومي، مع اني بحبها مثلثات بس مقبولة منك يا تسبيح، يلا امشي أنا بقى عشان زمان محمود اتحمص تحت البيت "
وبمجرد رحيله نظر صلاح صوب تسبيح يقول بهدوء وبسمة واسعة :
" شكرًا يا آنسة تسبيح تعبناكِ معانا والله "
ضرب رائد كتفه حانقًا :
" ايه يا عم الاعمى، آنسة مين؟؟ مش شايف البأف اللي واقف قدامك ؟!"
ابتسم له صلاح يجذب منه الحقيبة الخاصة به على حين غفلة منه غامزًا :
" شايفك يا حبيبي، ربنا يباركلنا فيك يا رائد، يلا امشي أنا عشان متأخرش على الجريدة "
وبمجرد رحيله نظر رائد لتسبيح التي أطلقت ضحكات خافته مقتربة منه وهي تربت على ذراعه بحب :
" ربنا يوقفلك ولاد الحلال يا رائد، متنساش تقرأ الاذكار وأنت ماشي عشان تحفظك "
ابتسم لها رائد بحب شديد، ثم امسك رأسها يجذبها له مقبلًا إياها بحنان كبير :
" حاضر ياقلبي، خدي بالك من نفسك، هكلمك كل شوية اطمن عليكي، اتفقنا ؟؟"
هزت رأسها له مودعة إياه، ثم عادت صوب الشقة الخاصة بها كي تكرر يومها السابق ويومها الذي يليه، ستجلس لقراءه القرآن، ومن ثم تنهض لتحضير الطعام للجميع، حياة مملة للبعض، لكنها كانت أكبر أمنياتها قديمًا، أن تحظى بحياة عادية هادئة .
_________________
يقود السيارة وهو يتحدث بحنق شديد حول ما يعانيه، متهمًا صالح بعدم الاهتمام به أو بمشاكله، وفي الحقيقة صالح كان فقط يحاول أن يتحدث مع رانيا منذ الصباح وهي لا تستجيب .
" أنا مش عارف هقولها ايه ؟؟ ابرر ليها ايه ؟! اقولها معلش اصل أنا كنت متخلف وطايش وغبي ؟! ولا اقولها ايه؟؟"
كانت تلك كلمات محمود المتذمرة قبل أن يقاطعه صوت صالح الشارد :
" معقولة يكون اخواتها اخدوا منها التليفون عشان متكلمنيش ؟؟ وصلت بيهم للدرجة دي ؟!"
نظر لمحمود متسائلًا :
" تفتكر أرن على عبدالله ولا هيكون عشم اوفر ؟؟ اقولك أنا هكلم عم رؤوف "
تشنج وجه محمود وقد شعر بالغيظ الشديد يملء صدره من ذلك الأخرق الذي لا يستمتع لما قال ولا يشعر بمصابه :
" أنت يا بني آدم مش بتحس ؟! بقولك النواعم بتضيع مني، أنا بضيع دلوقتي وأنت تقولي رانيا ؟؟ يا اخي ما رانيا معاك مش هتطير، خليك فيا أنا "
رمقه صالح باستهجان شديد :
" محمود أنت حاطط عينك في حياتي ؟؟ مش كفاية صلاح امبارح ؟؟ احنا اتفقنا محدش يبص للتاني في حياته يا صاحبي ولا ايه ؟؟"
" احط عيني في ايه ؟؟ يوم ما أحط عيني في حياة حد هيبقى أنت ؟؟؟ أنت مش معايا اساسا ولا مركز في ...."
وقبل أن يكمل محمود جملته شعر بضربة كبيرة تصيب سيارته من الخلف، ولم يكد يتحكم بها حتى انزلقت الاطارات وانحرفت السيارة بقوة شديدة عن الطريق تدور بشكل مرعب وصوت صرخات صالح يعلو يحاول أن يتمسك بالسيارة، ومحمود قد ملء الرعب وجهه حتى شعر بقرب توقف قلبه يحاول التحكم بالسيارة، ولم يوقف السيارة عن الدوران سوى عمود إنارة اصطدمت به في قوة مرعبة تسببت في تدمير الجزء الامامي بالكامل.
كان لا يعي شيئًا، سائل سميك يهبط أعلى وجهه وصوت صراخ يحوم حول السيارة المدمرة، حاول تحريك يده ليجذب صديقه او يحرك جسده، لكن الأخير كان كمن فارق الحياة، ابتلع ريقه بصعوبة يهمس بصوت مرتعب وقد بدأت دموعه تهبط بقوة ورعب :
" محمود...محمود "
ولم يلقى ردًا منه، ليتململ صالح في جلسته بعنف شديد تسبب له في الام مبرحة، قاومها وهو يجذب ذراع محمود :
" محمود أنت كويس؟؟ محمود رد عليا "
ولم يشعر صالح بشيء، سوى بمن يحاول سحبه من السيارة وأصوات الاكفة تُضرب في الخارج وصوت الابتهالات والدعوات تكاد تصم أذنه ...
قاوم صالح السحب يرفض ترك محمود وهو يبكي بوجع :
" محمود، محمود فتح عيونك يا محمود، بالله عليك ما تعمل كده، يا محمود "
جذبه رجل للخارج وهو يحاول أن يساعده على الخروج من أسفل حطام الجزء الامامي للسيارة :
" لا حول ولا قوة إلا بالله، متخافش يابني إحنا طلبنا الاسعاف، حاول تخرج رجلك، ساعدنا نطلعك "
بكى صالح برعب وقد اخافه مظهر محمود الذي كان فاقدًا لكل معالم الحياة، لا يجيبه ولا يحرك اصبعًا حتى :
" لا مش هطلع واسيبه، حد يطلعه، بالله عليك حد يطلعه الاول أنا كويس، طلعوه بس الاول، هو...هو مش بيرد"
بكى أكثر يجذب كم ثوب محمود :
" يا محمود رد عليا بالله عليك، بالله عليك ما تخوفني كده، بالله عليك رد عليا يا محمود "
وبسبب ضعفه في تلك الحالة، استطاع الرجال إخراجه من السيارة تاركين إياه جانبًا يبكي ويرثي صديقه، يتوسل الجميع حوله أن يساعدوه :
" حد يطلعه بالله عليكم، مش قادر اتحرك "
كان يبكي وهو يترجاهم، وقد كان الجميع في تلك اللحظة يحاولون اخراج محمود والذي يبدو كما لو أن جسده قد علق ..
مرت دقائق وصالح كان يحاول أن يتحرك ليساعدهم في اخراج محمود، وبعد محاولات تغلب على إصابة قدمه وتحرك بصعوبة شديدة صوب جهة محمود يناديه بلهفة :
" محمود، محمود رد عليا، أنت سامعني صح ؟!"
أبعده أحد الرجال جانبًا :
" يابني مينفعش كده استنى لغاية ما الإسعاف يوصل والشباب هيخرجوا اخوك، استهدى بالله "
بكى صالح برعب :
" خليني بس ...اشوفه ...اشوفه عايش او ..."
صمت يبتلع غصته يود فقط أن يطمأن عليه، يقسم أنه سيطمئن عليه ويعود للجلوس ولن يتحدث بكلمة، فقط يتحسس نبضه ويستشعر أنفاسه ولن ينطق بكلمة واحدة ..
وقبل أن يقترب من السيارة مرة أخرى نجح بعض الشباب في استخراج جسد محمود من بين الحطام، ليتلقفه صالح منهم سريعًا يسنده رغم وجعه، ويحمله رغم آلامه وهو ما يزال يناجيه بصوت منخفض ..
دقائق مرت يحتضن محمود رافضًا أن يبعده شخص عنه، يتحسس نبضه كل ثانية ويقترب منه ليسمع صوت أنفاسه مخافة أن يتوقف كل ذلك في غفلة منه .
وفجأة ارتاح واغمض عينه حين سماعه لصوت الإسعاف، سمع اصوات بعض المسعفين يقتربون منه ليقول بتعب شديد :
" أنا كويس، بس ...هو تعبان عنده إصابة في الرأس ورجله وضربات قلبه ضعيفة .."
ساعده أحد الرجال لينهض وسار نحو سيارة الإسعاف بخطوات مرهقة وعرج بسيط بسبب إصابة قدمه، ولم يشعر بالراحة، إلا حينما صعد للسيارة واستكان برأسه على الفراش الذي يحمل جسد رفيقه ممسكًا بيده مطمئنًا بوجوده مستأنسًا بنبضه الذي يلقى صداه داخل كفه هو ...
_________________________
" يعني ايه المقال مرفوض ؟؟"
اعتدل رئيس التحرير في مقعده يجيب بنبرة باردة بعض الشيء وهو يحدق لاعين صلاح المشتعلة :
" يعني زي ما سمعت يا استاذ صلاح، خلاص الجريدة مبقتش تشتغل في نوع الاخبار دي "
ابتسم صلاح بسمة جانبية :
" والجريدة بقت تشتغل في ايه ؟؟ وصفات اليوم ؟؟ ولا جمالك سيدتي ؟؟"
حذره الرجل بنظرات صارمة :
" صلاح احترم مكانتك في الجريدة، إحنا خلاص منعنا أي أخبار من النوع ده، مش عايزين مشاكل مع حد "
اقترب صلاح من المكتب بخطوات هادئة، ثم مال عليه هامسًا :
" ويا ترى ده بمقابل من غانم باشا، ولا بالحب ؟؟"
نظر له مدير التحرير باستنكار ليكمل صلاح حديثه دون اهتمام لشيء :
" فلوس صح ؟؟"
ضرب الرجل مكتبه منتفضًا عنه صارخًا بجنون :
" أنت اتجنيت ؟؟ اسمع نفسك بتقول ايه قبل ما تيجي تكلمني وتحاسبني، احنا هنا خلاص مبقيناش حمل المشاكل اللي حضرتك بتعملها كل يوم مع واحد شكل، خلاص الجريدة قربت تقع بسببك"
" يا فندم متقولش كده، ده أنا حتى ساند الجريدة على كتافي واكيد مش هيسعدك إني انفضها وامشي "
نظر له مدير التحرير بصدمة وقد بُهتت ملامح :
" قصدك ايه ؟؟"
ابتسم له صلاح يلقي في وجهه حديثه صراحةً :
" قصدي إن الخبر ده لو منزلش فأنا هنزله يا فندم، هنا او برة، ومتنساش أن الأعداد اللي بتتباع وكل الهلومة اللي انتم فيها دي من تحت اسمي أنا، والعدد اللي مبيكونش فيه اسم صلاح السقاري بيتعمل عليه طعمية ويتمسح بيه الازاز يا ثروت باشا "
ابتلع ثروت ريقه يدرك جيدًا صحة قوله، فصلاح ليس فقط صحفيًا، بل كاتبًا استطاع استقطاب قُراءه نحو مقالاته وأخباره، و تركهم كما المدمنين لكل مقال له .
" عايز ايه يا صلاح من الآخر ؟؟"
ابتسم صلاح بسمة صغيرة يفرك ذقنه بهدوء وقد علم كيف يلعب على أوتار ضعف من أمامه بكل حرفية :
" مش عايز يا فندم غير حقي كصحفي حر أنشر اللي شايف أنه صح"
" وأنت شايف أن صنع عداوة مع واحد بحجم غانم ده صح ؟!"
ابتسم صلاح يقول بمزاح خشن :
" ده نفخ يا فندم متصدقش الصور، ده آخره شكة دبوس وهيكون حجمه زي عيل عنده سوء تغذية من سن عشر سنين "
رفع مدير التحرير حاجبه :
" والشكة دي هي بقى المقال بتاعك ؟!"
" يعني مؤقتًا لغاية ما اجيب دبوس تاني ونفشه "
تراجع المدير في مقعده ينظر له بنظرات غامضة وصلاح يبادله النظرات بأخرى واثقة، حتى تنفس ثروت باستسلام وقد نال صلاح ما يريده ...
خرج من مكتب مديره سعيدًا ليقابل أحد عاملي الجريدة الذي ركض صوبه يحاول أن يستشف ما حدث :
" ها عملت ايه ؟؟"
" اطبع المقال، عايزين نصبح على غانم، ويكون أول حاجة يشوفها اول ما يصحى من النوم هي المقال الجميل بتاعنا"
ابتسم له الشاب والذي كان يعمل تحت التدريب :
" حضرتك بجد محدش يفوز عليك في الكلام "
غمزه صلاح يقول بهدوء شديد :
" وأنا وظيفتي ايه غير الكلام يا منعم، يلا شوف شغلك بسرعة عشان العدد يلحق ينطبع "
وبمجرد انتهاء حديثه سمع رنين هاتفه ليستأذن من الشاب ويتحرك صوب مكتبه بخطوات هادئة يضع الهاتف على أذنه متحدثًا بهدوء شديد لأحد الارقام الغريبة التي لا يعلم لها صاحبًا :
" الو، صلاح السقاري معاك "
وتوقف سيره فجأة، وتوقف جسده في منتصف الممر بشكل جعل الجميع يرمقه بصدمة، بينما صلاح شعر بقلبه يكاد يتوقف، حينما سمع صوت صالح الخافت يتحدث بتعب واضح :
" صلاح ... أنا... أنا عملت حادثة مع محمود ودلوقتي في المستشفى ."
_______________________
تضع حقيبتها أعلى كتفها، وأعلى رأسها ترتدي قبعة رياضية تسير داخل النادي بعدما انتهت لتوها من جولة أعلى ظهر الخيل، أخرجت علكة تنظر لها بهدوء تفكر هل تتناولها الآن أم تنتظر حتى تصعد للسيارة متذكرة تحذير صلاح لها.
" والله أنا بدأت اتقبل كل شيء في شخصيتك وبقى محبب لقلبي ما عدا شيء واحد اللي بيعمل ليا error، بلاش تاكلي لبان برة البيت، اقولك بلاش تاكلي لبان ابدا، عشان مش ماشي مع شخصيتك، سواء ميمو أو مقدس"
أخفت العلكة داخل جيب بنطالها القماشي الرياضي ترتضي اعلاه سترة بيضاء، تتحرك صوب السيارة، أخرج مفتاحها تضغط على الزر الخاص، لكن فجأة توقفت لتبصر أحد إطارات السيارة مُفرغ من الهواء .
اعتدلت في وقفتها تزفر بحنق شديد، تنظر حولها تبحث عمن يساعدها، استدارت تفتح الباب لتلقي بحقيبتها، لكن مجددًا أبصرت إطار ثاني بلا هواء، ابتسمت بسمة خبيثة تجلس القرفصاء جوار الإطار تتحسسه :
" والله ؟؟ ده لو عايزين يقولوا أنها مقصودة مش هيكونوا بالغباء ده "
نهضت تعتدل في وقفتها تزفر بضيق، حملت حقيبتها مجددًا تشير لأحد الحراس :
" أنا هبعت أي حد ياخد العربية خد بالك منها، ولا تاخد بالك ايه، ده وأنت واخد بالك فيه كوتشين فسوا، سيبها منها للطل كده "
تحركت خارج بوابة النادي تبحث بعيونها عن سيارة تستقلها للمنزل، في وقت ارتفاع رنين هاتفها، أخرجته تجيب :
" صباح الخير يا سعودي، ايه كنت بتحلم بيا ولا ايه ؟؟"
تململ سعيد يفرك وجهه متحدثًا بصوت ناعس :
" خلي بالك عشان غانم تقريبا حاطك في دماغه وباعت ليكِ رجالته دلوقتي "
أبصرت ميمو سيارة تقف بشكل مريب ذو نوافذ سوداء، رفعت حاجبها تقترب بخطوات هادئة صوبها :
" رجالة غانم راكبين عربية سودة كبيرة ؟؟"
تحدث سعيد يتحرك من فراشه صوب نافذة الغرفة التي تقبع داخل منزلهم الجديد المؤقت :
" والله نسيت اسأله على مواصفات العربية اللي هتتخطفي فيها "
توقفت ميمو أمام السيارة تنظر لها بسخرية لاذعة :
" الظاهر مش رجالته بس اللي متخلفين، أو أنت اللي عطيت رجالة غانم عين "
ختمت حديثها تطرق نافذة السيارة لتجد الزجاج يتحرك للاسفل ويظهر خلفها رجل بملامح مصدومة من وقوفها أمام السيارة بهذه الهيئة وهذه البساطة، كانت الخطة أن يقوموا بتفريغ الاطارات لتخرج هي بنفسها ويتحركون صوبها ويخطفونها ملقيين بها داخل السيارة ..
انحنت ميمو قليلًا تتساءل كما لو أنها تقف أمام سيارة أجرة :
" غانم اللي باعتكم ؟؟"
ولم يفهم الرجل شيء مما تتحدث به، هل أخطأ قائدهم في وصف طريقة إحضارها ؟؟ أيعقل أنها رفيقة له وهو عندما أخبرهم باختطافها قد كان تعبيرًا مجازيًا فقط ؟؟
تحدثت ميمو في الهاتف تتحرك للباب الخلفي للسيارة :
" خلاص يا سعيد لقيت العربية بتاعة غانم، سلام بقى أما اشوف الدنيا"
وبمجرد أن أغلقت الهاتف صعدت للسيارة تجلس في المقعد الخلفي جوار أحد الرجال الذي كان يمسك بين يديه بعض الأشرطة السوداء لتكميم فمها وعيونها .
ابتسمت تقول بجدية :
" يلا اطلع يا حبيبي "
نظر لها الرجال بعدم فهم لتعود ميمو بظهرها للخلف، هي في موقف كهذا لا تمتلك شيء بقدر امتلاكها لثقة كبيرة، تعلم ما ستفعله في القادم ..
وبالفعل تحرك الرجل وقد شعر فجأة بالبلاهة لما جرت به الأمور، هل ما حدث للتو طبيعي ؟؟ صعدت معهم بإرادتها ودون أي مقاومة ؟؟
وميمو كانت تبتسم بخبث تجد أن أول خطوة في خطتهم تسير كما توقعوا ...
تحركت هاتفها ترسل رسالة موجزة لصلاح تخبره بما حدث، وفي أثناء ذلك ابصرها الرجل الذي يجلس في الامام فهمس لزميله بتسائل :
" هو عادي كده نسيبها تتكلم في التليفون بتاعها ؟!"
أجابه الآخر حانقًا :
" وهو يعني اللي عملته من شوية ده هو العادي ؟! يا عم تلاقيها واحدة من البنات بنوته وعصلجت معاه فحب يخطفها "
رفعت ميمو عيونها له مبتسمة بسخرية على مستوى الذكاء الذي يتمتعون به، لكنها لم تتحدث وانتظرت في السيارة نصف ساعة تقريبًا، حتى شعرت بتوقفها، هبطت منها تحمل حقيبتها ونظرت لأحد الرجال الذين ارشدوها للمنزل ومن بعده لمكتب غانم .
وبمجرد أن خطت المكتب حتى نزعت قبعتها تقول ببسمة واسعة :
" ايه الصباح الجميل ده يا غانم ؟؟ شكلي وحشتك من آخر مرة "
رمقها غانم بسخرية لاذعة يراقب ملامحها المشرقة الهادئة، وماذا يتوقع منها ؟؟ فتلك المرأة أمامه لا تمت بصلة للفتاة الصغيرة الضعيفة الخائفة التي أحبها يومًا، تلك شرسة وهو لا يحب هذا النوع من النساء .
" شايف أنك سعيدة بالزيارة "
جلست ميمو أعلى المقعد ترتاح بظهرها للخلف :
" يعني هو أنا أكيد مش هكون سعيدة بأني اشوفك من الصبح كده، لكن سعيدة بالفسحة في العربية بتاعتك مع رجالتك "
سخر منها غانم يتحرك عن مكتبه صوبها، وحينما أصبح على مقربة منها انحنى بعض الشيء ليصبح أمامها، لكن ميمو في تلك اللحظة كانت في أكثر لحظاتها شجاعة إذ قاومت وبصعوبة كبيرة رغبتها في التقهقهر للخلف بعيدًا عنه، فمهما ادعت بطشًا وبأسًا، تظل تلك الغصة داخلها والمشاعر المبعثرة لمثل ذلك النوع من الرجال اقوى منها ...
وهي ابتسمت ولم تدعه يفكر للحظة واحدة أنه يتفوق عليها تنظر لعيونه بجدية كبيرة :
" أنتِ فكراني زي جاد الاهبل اللي من نظرة منك يريل ويعملك اللي تحلمي بيه ؟؟"
" والله أنا حلمي في اللحظة دي ابسط مما تتخيل يا غانم"
رفع غانم حاجبه مبتسمًا بسخرية والفضول يزين نظراته، لتجيبه ميمو ببسمة أكثر برودًا :
" أنك تغسل سنانك، اغسل سنانك مش هتفقد هيئتك كشرير، مش لازم تكون سنانك صفرا وعندك انياب وريحة بؤقك تقرف عشان نصدق أنك شخص زبالة، والله واضح على وشك ولو لبست ملاك "
أطلق غانم ضحكات مرتفعة جعلت ميمو تسخر منه، لكن فجأة انكب عليها يمسك شعرها من الخلف بقوة شديدة تسببت في انتشار ألم امتد حتى رأسها لتشعر بالخدر هناك ...
" مشكلتك أنك وخداها بخفة الدم يا ميمو، ودي مش ميزة عشانك خاصة دلوقتي "
" صدقني والله أنا مش بهزر، ده بجد، ريحة بؤقك مرعبة اكتر من فكرة خطفك ليا "
تركها غانم بقوة وقد شعر بالغضب يملء صدره، تلك المرأة أمامه مزعجة ومستفزة للحد الذي جعله يقفز عن كل المقدمات التي حضرها في رأسها، وتحرك لمكتبه يخرج منه بعض الأوراق، ثم ألقاها على الطاولة الزجاجية أمامها قائلًا دون اهتمام بشيء :
" وقعي هنا "
نظرت ميمو للاوراق أمامها بجهل :
" ودي ايه ؟! "
تحرك غانم واستند على المكتب الخاص به يقول بجدية :
" دي اوراق بتقول إن أنا ليا حق في شركة جاد زيي زيكم، يعني النص بالنص، لأن المرحوم كان داخل معايا صفقة ومدفعش غير ربع المبلغ، وطبعا يا حلوة كلنا عارفين إن الشركة باسمك، فامضي وامشي "
سخرت ميمو ترفع عيونها له :
" وطالما الموضوع كده يا جميل، مخلتش ليه جاد يمضيلك بباقي المبلغ، بالله عليك ما تقول إنك عملت معاه الصفقة بضمان شرفه وكلمته"
ابتسم غانم ساخرًا :
" لا، بس الصفقة دي بالذات كان جوزك المصون داخل بالمجهود وربع الفلوس مقابل تلات ارباع مني حسب اتفاقنا، وبسببه وبسبب غباء رجالته خسرنا الصفقة "
كانت ميمو تحدق في الأوراق أمامها :
" اسم الله على رجالتك، طبعًا الصفقة دي مكانتش صفقة بامبرز ؟!"
" مخدرات وأسلحة "
ابتسمت مستهجنة سهولة حديثه عن الأمر :
" وايه الفخر اللي بتتكلم بيه ده ؟؟ مش خايف أبلغ عنك ؟؟"
مال برأسه يقول بجدية :
" هتبلغي تقولي ايه ؟؟ الحقوني غانم بيتاجر في المخدرات والأسلحة والاعضاء؟؟ كان غيرك اشطر، مشكلتكم يا بتوع الجانب الابيض أنكم مش عارفين اللعبة دي اكبر منكم ميت مرة، فكرك يا ميمو أنا داخل الموضوع ده بطولي ؟؟"
نظرت له بفضول وعدم فهم، ليكمل بصوت خبيث ماكر :
" أنا متأمن من فوق ...من فوق اوي اوي يا حبيبتي، فكل الهبل اللي بتقوليه ده مش هيعمل حاجة، يلا امضي من غير كلام "
ختم جملته مقتربًا منها يشهر سلاحه في وجهها بشكل مرعب.
نظرت له ميمو وقد شعرت بالخطر فجأة من ملامحه، ودون كلمة واحدة قامت بالتوقيع على الورقة، أنتزعها غانم من أمامها يتأكد من توقيعها، ثم ابتسم يشير صوب الباب :
" تقدري تتفضلي يا مدام دورك خلص "
نهضت ميمو دون كلمة، حملت حقيبتها وخرجت بسرعة من المكان تحت أنظار غانم الذي سعد كثيرًا لبثه الرعب داخل قلبها، ورؤيته ملامح الهلع على وجهها لأول مرة منذ سنوات .
وميمو التي خرجت من باب الفيلا رأت ثلاث رجال يقفون بشكل متحفز تعرفت عليهم بسهولة وقد كانوا يعملون لصالح سعيد، نظروا لها نظرات غامضة فهزت رأسها بسرعة تتحرك خارج أسواء المنزل بأكمله .
وبمجرد أن خرجت، ابتسمت فجأة بخبث تخرج علكتها تتناولها باستمتاع شديد، وملامح الخبث تعلو وجهها وهي تتحس اقراطها التي كانت تحتوي جهاز تسجيل صغير ...
_____________________
" بقولك مجاش المخبز خالص يا رانيا، مشوفتش حد منهم من الصبح، ودي حاجة غريبة "
زفرت رانيا بحنق شديد تلقي بنفسها أعلى الفراش، تشعر بوجود خطبٍ ما بعدما رأت العديد من المكالمات الصادرة لها من صالح، وهي فقط كانت حمقاء لتنسى هاتفها وقت الفطور داخل غرفتها .
" اعمل ايه يعني يا هاجر أنا قولت أنتِ اللي هتطمنيني، أنا مش عارفة مش بيرد ليه، تليفونه مغلق "
صمتت ثم قالت بتخمين :
" تفتكري يكون زعل مني عشان مردتش ؟؟"
جلست هاجر أعلى طاولة في مخبزها الفارغ تقريبًا تحاول مدها بطمأنينه هي نفسها لا تمتلكها :
" مظنش يعني صالح من النوع القموص ده، اللي اعرفه أنه لو كويس هيفتح عليكِ مخصوص عشان يهزقك مش يقفل التليفون أو يتجاهلك "
" يا هاجر أنتِ كده بتوتريني اكتر، أنا مش عارفة اعمل ايه، اجي القاهرة عشان أكلمه طيب ولا اعمل ايه ؟!"
صمتت ثم قالت بعد دقائق :
" تفتكري ممكن حد منهم يرضى إني اجي القاهرة ؟؟"
منعتها هاجر من ذلك الحديث تود لو تحتوي خوفها وهي من تشعر بالقلق، فغياب محمود عن مخبزها لهو أمرٌ مقلق خاصة إن اتفقا سويًا على الجلوس معًا والتحدث، ولهذا تحديدًا عادت للقاهرة مبكرًا .
" مش حل يا رانيا واساسا مستحيل حد منهم يقبل أنك ترجعي، اقولك أنا هكلم تسبيح يمكن تكون عارفة حاجة"
قالت رانيا بلهفة شديد :
" أيوة ماشي كلميها، بس بالله عليكِ ما تنسي تطمنيني يا خالتو "
ابتسمت هاجر بحنان، تلك الكلمة التي تخرج من فمها بهذه العفوية تشعرها بكم هائل من المسؤولية، وهي لن تصمت حتى نعلم لها ما حدث وأين صالح، وايضًا سبب اختفاء ذلك المحمود الاحمق الذي تركها تتلظى بنيران الفضول ونيران أخرى ترفض الاعتراف أنها تشتعل داخل صدرها ...
حملت هاتفها تبحث عن رقم تسبيح الذي أخذته منها في آخر لقاء لهما، ومن ثم أجرت اتصالًا بها ببسمة ولطف شديد :
" صباح الخير يا تسبيح ...."
________________________
هبط من السيارة يتحرك صوب المقعد المجاور له، فتح الباب بهدوء، ثم أشار لها لتهبط وهي نظرت له بتردد شديد جعله يتساءل بعيونه عما تريد ..
ابتسمت له نيرمينا ترفع يديها في الهواء بدعوة صامتة أن يحملها، ونادر نظر لها دون فهم لثواني، تنحنحت نيرمينا وقالت بهدوء تستغل كل فرصة ممكنة لتكون اقرب له :
" هو مش المفروض تشيلني ؟؟ أنا الدكتور قالي ارتاح كويس اوي، انا ماشية بكلية واحدة "
رفع نادر حاجبه وهي عندما رأت ملامح الاستنكار تعلو وجهه ابتسمت قائلة :
" معلش مش قادرة امشي"
فرك نادر ذقنه، ثم جلس ارضًا أمامها يعطيها ظهره في دعوة منه أن تصعد فوق ظهره، وهي فقط كانت ترمقه باستنكار شديد :
" أنت بتعمل ايه ؟؟ لا أنا مش عايزة اتشال كده، أنا عايزة اتشال الشيلة الرومانسي على دراعك زي الناس كلها "
نظر لها مختار من خلف ظهره حانقًا، لترفع هي ذقنها برفض أن تضيع فرصتها التي طالما حلمت بها، وتصعد فوق ظهره كطفلة صغيرة يصطحبها للتنزه .
ونادر زفر بصوت مرتفع، ينهض من مكانه يشير لها بالنزول عن السيارة، وكذلك فعلت نيرمينا بحذر تمسك السيارة بكف والثاني تستند به أعلى صدر نادر تقول بهدوء وهي تنظر لقدمها أثناء الهبوط كي تحذر أن يحدث لها أي شيء :
" أهم حاجة وأنت بتشيلني تشيلني برقـ "
وقبل أن تكمل كلمتها أو حتى تطأ الأرض التقطها نادر بسرعة جعلته تطلق صرخة مرتفعة تتمسك برقبته في فزع شديد تنظر لملامحه القلقة، يسألها بعيونه إن كانت تأذت، لكن نيرمينا لم يكن هذا ما يشغلها في تلك اللحظة، بل لوت فمها تقول بحنق :
" أنت بتشيل بسرعة كده ليه ملحقتش استمتع باللحظة "
أطلق نادر ضحكات مرتفعة يقترب بوجهه من خاصتها مقبلًا جبينها بحب شديد وهي أغمضت عيونها كي تستمتع بكل لحظة جواره، وبمجرد أن أبتعد جذبت نيرمينا رأسه لها مجددًا تهمس بصوت منخفض :
" ينفع لما احتاج أي حاجة بعد كده اناديك تشيلني ؟!"
ابتسم نادر، يهز رأسه لها وقد كان كل ما تطلبه كالأمر على قلبه، تحرك بها بهدوء صوب باب المنزل الذي استأجره سعيد، وهي فقط تستند أعلى صدره تستمتع بضربات قلبه، تغمض عيونها وتشعر كما لو أنها أعلى غيمة قطنية لطيفة ...
وفجأة انتفضت على صوت سعيد الذي قال بحنق :
" أنت برضو خرجتها ؟؟"
هز نادر رأسه وهو يراقب سعيد الذي كان يجلس أعلى الأريكة يرتشف بعض العصير ببرود شديد، أشار له بتحذير :
" الفترة الجاية هي أمانة في رقبتك لأني هكون مشغول بشغل ماشي ؟!"
ومجددًا هز نادر رأسه ببرود يتحرك صوب الأريكة الواسعة والضخمة يضع عليها نيرمينا بلطف لتتذمر الأخيرة .
نظر حوله يبحث بعيونه عن ميمو، قبل أن يشير بيده في حركات واضحة أنه يسأل عن مكان أحدهم .
ارتشف سعيد عصيره ببرود :
" بتسأل عن ميمو ؟؟"
اومأ برأسه ليقول سعيد ببرود شديد :
" مخطوفة شوية وراجعة "
ونادر لم يفهم إن كان يمزح معه أم يتحدث جديًا، فهذه ليست طريقة شخص عاقل يخبر أحدهم أن شقيقته مخطوفة .
لكن سعيد لم يكن مهتمًا بكل ذلك وهو يتواصل مع أحدهم عبر هاتفه، ليجن جنون نادر مقتربًا منه بملامح سوداء مشيرًا بأصابعه في عصبية واضحة :
" اختي فين ؟؟"
نظر له سعيد ورغم فهمه ضمنيًا لما يقصد قال :
" مش فاهم عايز ايه ؟؟ عصير ؟؟"
زفر نادر وقد نفذ صبره ينزع كوب العصير من يد سعيد واضعًا إياه أعلى الطاولة قبل أن يجذب ثيابه صوبه يضغط على أسنانه وقد تولت عيونه إيصال ما يريد من كلمات.
لكن سعيد كان متمرسًا في تلك اللعبة التي اتقنها لكثرة خوضها مع ميمو مرات عديدة :
" لا لا أنا في مقام حماك دلوقتي، يعني تحترمني وإلا أنت من طريق ونيمو من طريق "
اتسعت عين نيرمينا والتي كانت لا تفهم ما يحدث أمامها ولا سبب غضب نادر ولا ما يقبع خلف كلمات سعيد، لكنها فقط أدركت التهديد الذي نطق به سعيد لتقول :
" معلش يا نادر احترمه عشان ميعملش مشاكل "
نظر لها نادر بتحذير أن تصمت، ففعلت دون كلمة وهي لا تعلم ما يجب فعله وقد شعرت بالغيظ الشديد منهم، لتقول فجأة بصوت مرتفع وسعادة كبيرة وعيونها أعلى الباب :
" ميمو كويس أنك جيتي، تعالي شوفي سعيد بيتخانق مع نادر "
اقتربت منهم ميمو تخلع قبعتها وتلقي الحقيبة ارضًا، ثم جذبت نادر بعيدًا عن سعيد :
" ايه يا نادر حد يعمل عقله بعقل سعيد ؟؟ فيه ايه ؟!"
ابتسم لهما سعيد بخبث شديد، ليرى نادر ينظر لها يحاول إن كان اصابها شيئًا وهي ابتسمت له بحنان تربت أعلى وجنته :
" أنا بخير ياقلبي، بس هي زيارة صغيرة لغانم وجيت "
نظرت لسعيد بغموض ليغمز الاخير لها يعود لجلسته على الأريكة، وهي نظرت لنيرمينا وتحركت لها بهدوء تميل علينا مقبلة رأسها بحب شديد :
" عاملة ايه ياقلبي دلوقتي ؟!"
" أنا بخير يا ميمو، شكرا "
ابتسمت لها ميمو تقبلها أعلى وجنتها بلطف وحنان، ثم اعتدلت تقول بجدية :
" نادر الفترة الجاية عايزاك تفضل جنب نيمو ومتسبهاش لوحدها ابدًا"
نظر لها معترضًا يحرك أصابعه:
" بس أنتِ ؟!"
" متقلقش أنا زي الفل ومش لوحدي، معلش عايزة اكون مطمنة على نيرمينا"
وقبل أن يعترض نادر على كلماتها قاطهم صوت ارتفاع رنين الهاتف لتنظر به ترى رقم صلاح، أجابته مبتعدة عن الجميع قليلًا :
" الو صلاح ...."
__________________
قبل ذلك بساعة تقريبًا، كان يركض بين ممرات المشفى التي أعطاه صالح عنوانها، يشعر بالجدران تضيق عليه، قلبه يكاد يعلن حدادًا ويتوقف حزنًا على ما حدث لهما .
وبمجرد أن اقترب من الممر حتى أبصر صالح الذي يجلس في أحد الأركان ارضًا يضم قدميه لصدره بقوة دافنًا وجهه بينهما، نفس الوضع رآه سابقًا حينما كان يعاني صالح قديمًا وينأى بنفسه على الجميع في غرفته .
تنهد صلاح بتعب وهو يقترب منه يحاول تهدئه نفسه كالعادة كي يحتوي شقيقه ويؤازره في مصابه، لكن بمجرد أن نطق اسم صالح ورفع الاخير وجهه له، هاله الشحوب والحزن اللذان توسطا وجه صالح .
ابتلع ريقه يقترب منه قائلًا :
" صالح أنت... أنت كويس ؟؟"
نظر له صالح دون اجابه وقد منحه وجهه وتعابيره إجابة وافية عما يريد معرفته، اقترب صلاح منه يجلس ارضًا جوار صالح يجذبه لاحضانه بحب وقلبه يرتجف خوفًة عليه :
" هيكون كويس يا حبيبي، متقلقش، اللي زي محمود بسبع ارواح، دلوقتي تلاقيه قام زي القرد متخافش "
ضم صالح نفسه لصلاح بتعب شديد وهو يستكين له كالعادة، لكن تلك المرة دون بكاء أو غيره، كان فقط صامتًا بشكل كئيب، وعم صمت طويل لم يقطعه سوى صوت صالح الذي أصبح أبحًا لكثرة البكاء والصراخ :
" أنا...أنا خايف يموت، يموت قدام عيني زي ماما وأنا مقدرتش اعمل ليه حاجة يا صلاح "
أغمض صلاح عيونه بقوة، شقيقه ما يزال متأثرًا بكل ما حدث، كل شيء يدفعه صوب تلك النقطة، يبدو أنه ما يزال يحتاج الطبيب لكي يساعده على تخطي كل ذلك .
" متقلقش هيكون بخير، أنا سألت عليه قبل ما اجيلك وطمنوني "
هز صالح رأسه ولم يتحدث بكلمة في الوقت الذي سمع صوت جوراهم يتحدث بأنفاس مقطوعة وفزع ما يزال ظاهرًا في نبرته :
" خير يا صلاح، صالح كويس ؟؟ حصله حاجة ؟؟"
رفع صلاح عيونه لرائد الذي جلس القرفصاء جانبهم يرمق حالة صالح بشفقة :
" هو بخير متقلقش، هو بس تعبان شوية وكمان خايف عشان محمود "
ربت رائد أعلى ذراع صالح بمؤازرة، ثم قال بجدية :
" طب المفروض تخليه يكشف يا صلاح، نادي دكتور يشوف لو فيه حاجة يعالجها "
ضم صالح نفسه أكثر لأحضان صلاح كطفل صغير يرفض الخروج عن احضان والدته :
" لا أنا ...أنا عايز افضل هنا لما اشوف محمود، أنا كويس يا رائد "
ربت عليه صلاح يقبل رأسه بحنان شديد، ثم نظر لرائد يقول بهدوء :
" سيبه زي ما هو يا رائد طالما مرتاح "
تنهد رائد بصوت مرتفع يجلس ارضًا جوارهم مستندًا على الجدار خلفه، وهو يحدق أمامه، واستمر الصمت بين الجميع دقائق أو ساعات لم يشعروا بالأمر...
فجأة انتفض رائد على رنين هاتفه وأبصر رقم تسبيح لينهض مبتعدًا عن الجميع يتحدث معها، وصلاح ما يزال يضم له صالح، حتى انتفض فجأة على انتفاضة جسد صالح الذي كان في يعيش في ذكرى بعيدة له...
كان صالح يضم نفسه لأحضان صلاح أعلى الفراش الخاص به يستمع لكلمات الشرطي الذي جاء يحقق في الجريمة ويسمع حديث والده حول هوية ذلك الشاب .
قال مرتضى بقهر وحزن شديد :
" فيه فيلا على اول البلد قريب من البيت كده، متأجرة لجماعة من كبارات البلد عشان يعالجوا فيها عيالهم بعيد عن العيون في القاهرة، بيتعالجوا من الزفت اللي بيشربوه، والولد ده مش اول مرة يهرب ويجي هنا "
صمت ينظر لصالح الذي كان في عالم بعيد عنهم :
" قبل كده جه لاميرة وكان شكله مريب، لكن هي مكانتش تعرف هو ماله وفكرته مريض وساعدته، وقتها كان الشاب ده مش حاسس بنفسه وبيبص حواليه بنظرات غريبة لغاية ما قالها أنه جعان، فهي راحت وعملت ليه اكل ولما رجعت عشان تديه الاكل لقت ناس كتير بيشدوه برة البيت وهو بيصرخ وبيحاول يفلت منهم "
كانت ملامح صلاح سوداء وقد شعر بدمائه تكاد تغلي وينفجر، جسده يرتجف، لكنه لا يظهر ذلك لأجل صالح، الذي كانت دموعه تهبط دون شعور ويردد كلمات غير مفهومة ..
أكمل مرتضى وقد بدا أنه زاد عمرًا على عمره وسقطت دمعة من عيونه :
" أميرة وقتها حاولت تديه الاكل وهما رفضوا وسحبوه ومشيوا، وبس من الوقت ده الولد مظهرش تاني ولا نعرف عنه حاجة، ولا كان فيه علاقة لأميرة بيه، غير اليوم اللي ....اليوم اللي هرب فيه في المرة التانية و..."
صمت ولم يكمل جملته التي كانت واضحة، ذلك الشاب هزمته أعراض الانسحاب وشعر بروحه هي الأخرى تُسحب ليجن جنونه ويهدد بقتل نفسه، ومن ثم حينما سنحت له الفرصة هرب من المكان يحاول التخلص ممن يلاحقه، ولم يجد سوى منزل واحد تعرف عليه عقله الباطن أثناء حالته الهيسترية ليقتحم المنزل مهددًا الجميع بأميرة، لكن الرجال الذين كانوا يلاحقونه لم يأخذوا التهديد على محمل الجد، ليقرر الشاب تنفيذ تهديده بأعين غائرة وايدي مرتجفة، وحركات مريبة وقد بدا كمسخ لا عقل ولا روح به.
ذبحها دون ذنب وهي التي اشفقت عليه يومًا وظنته مسكينًا، ذبحها، ثم انتفض يصرخ جوارها بجنون ..
سقطت دموع صالح يدفن نفسه بجسد صلاح أكثر وأكثر، وصلاح يستمع لحديث والده يحاول أن يتمالك نفسه، وداخل عيونه تلتمع رغبة بالايذاء، يشعر الآن برغبة عارمة في القتل، شيطانه تحكم به بالكامل .
ذلك اليوم صلاح لم ينم كالجميع، بل حمل عصا غليظة وركض صوب ذلك المنزل وهجم على الجميع يكسر ما به ويحطمه دون تفكير، اختفى عقله وحل محله سواد يحركه، يصرخ بالجميع بجنون مهددًا، وقد اجتمع أهل القرية برعب عليه وهو يستمر في الصراخ بجنون وقهر :
" أنتم السبب كلكم، أنتم السبب كلكم، امي ماتت بسببكم، كلكم السبب، والله العظيم ما هسيب واحد فيكم، والله ما هرحم واحد منكم ولو هموت بعدها "
كان يصرخ ورائد يجذبه للخارج بصعوبة بمساعدة سليمان الذي هرع فور إبلاغه بما يحدث، صلاح يصرخ حتى كاد يفقد صوته، ورائد يجذبه للخارج وقلبه يرتجف حزنًا عليه باكيًا :
" خلاص يا صلاح، تعالى معايا، والله حقك هيرجع، والله هعمل اللي تحتاجه وارجعلك حقك "
انتفض صلاح يصرخ في الجميع وعيونه قد أصبحت حمراء مخيفة يحرك عصاه عليهم وهم يتراجعون للخلف :
" كلكم، كلكم هتتحاسبوا، كلكم، مش هسيبك نفر منكم "
وقد كان، نفذ صلاح ما قال ورفع دعوى أغلق ذلك المكان الذي كان بلا تأمين أو أوراق رسمية، ومن ثم بدأ لعبته في الانتقام منهم واحدًا تلو الآخر، رفع قضية على هؤلاء الذين تجاهلوا تهديد الشاب وتسببوا بشكل غير مباشر في مقتل والدته، ومن ثم رفع قضايا عديد على آباء هؤلاء الفاسدين، لكنه لم يصل لشيء لذلك وضعهم على قائمة الانتظار، وكشف فسادهم وحطمهم واحدًا تلو الآخر بانتقام أعمى لا يفرق بين مذنب وبرئ.
ووضع الشاب أمام عيونه والذي صُدم بعد أسابيع من تهريبه لشدة نفوذ والده، هرب مخلفًا وراءه جحيمًا لم يخمد داخل صلاح، حتى دمر سمعة والده وفضحه بكل شائنة فعلها وجعله يشحذ في الطرقات...
وفي النهاية ؟؟
اضطر المدلل للعودة وهنا أخذ القانون مجراه وأخذ صلاح انتقام وقصاص لم يُرحه، لكنه على الأقل شفى صدر أخيه بعض الشيء، ولم يكتفي بذلك، بل تأكد أن يتعفن جوار والده بسبب كل الأعمال المشينة التي قاما بها .
ومنذ ذلك الوقت وصلاح يزيح كل فاسد من طريقه، يدمر كل من له يد في إدخال ذلك السم بلاده والتسبب في تلك الكوارث، يطاردهم كالكابوس ..
أفاق صالح من ذكرياته على صوت الطبيب الذي خرج يتحدث مع إحدى الممرضات، انتفض بسرعة كبيرة يركض صوبه متسائلًا :
" هو كويس؟! صاحبي ..هو جه معايا من شوية في حادثة، هو كويس صح ؟!"
ابتسم الطبيب ينظر له بهدوء شديد مربتًا أعلى كتفه :
" أنت صالح ؟؟"
اومأ له صالح بلهفة ليقول الطبيب بجدية :
" صاحبك بيسأل عليك من وقت ما فاق "
وعند تلك الكلمة انتعشت روح صالح وركض صوب الغرفة بسرعة كبيرة مبتسمًا، لترتسم بسمة تلقائية على فم صلاح الذي استفسر من الطبيب على صحة محمود واطمأن ..
واخيرًا تنفس الصعداء وارتاحت نفسه، عاد رائد اهم يحمل هاتفه يقول بهدوء :
" خطيبة صالح عايزة تكلمه "
هز صلاح رأسه يقول بتعب شديد :
" اصبر شوية يطمن على محمود وبعدين هخليه يكلمها "
في تلك اللحظة سمع صوتًا يناديه بلهفة :
" صلاح .."
انتبه صلاح لركض ميمو صوبه التي قالت بقلق شديد :
" صالح كويس ؟؟"
ابتسم لها صلاح يهز رأسه بهدوء شديد :
" متقلقش يا ميمو هو بقى كويس وكمان صاحبه بقى كويس، أنتِ كويسة ؟؟ أنا شوفت الرسالة بتاعتك قلبي كان هيقف "
ضربت ميمو كتفه بمزاح خشن تقول :
" لا اطمن أنت وراك ميمو "
نظر لها رائد بعدم فهم لتبتسم لهم بخبث تقص عليهم ما حدث ..
وفي الداخل حيث صالح ..
كان يضم رفيقه لصدره بحب شديد يقبل رأسه، يمارس عليه دور صلاح في حياته :
" أنت كويس ؟! فيه حاجة وجعاك يا محمود ؟؟"
ابتسم محمود بسمة صغيرة وقد أبصر رعب صالح أعلى ملامحه؛ لذا قاوم اوجاعه وقال ممازحًا :
" قلبي يا صاحبي، قلبي اللي واجعني، اتصل بالبسكوتة بتاعتي تيجي تطببه"
أبعده صالح عنه بعنف ضاربًا صدره في قوة جعلت صرخات محمود تعلو تزامنًا مع ارتفاع سبات صالح الحانقة والغاضبة :
" أنت ياض حيوان ؟؟ بقى أنا كنت هموت وتقولي هاجر ؟؟ ده انا قعدت اعيط عليك في الشارع زي العيال التايهة يا زبالة "
تحسس محمود صدره يضحك بوجع شديد :
" مرة من نفسك يا أخي، كل ده عشان مش مهتم بيا، ربنا حطك في اختبار عشان تحس أنك هتفقدني وتقدر النعمة اللي معاك "
تشنج صالح يضرب رأس محمود متجاهلًا إصابته :
" النعمة دي اللي هي أنت ؟!"
" يابني خف ايدك، هو أنت مش بتشوف غير مكان اللزقة الطبية وتضرب ؟؟ ما تبطل تخلف بقى، هعلم فيك لغاية امتى ؟؟"
تنفس صالح بتعب شديد يسحب مقعد ليرتاح عليه :
" أنا مش مصدق أنك لسه عايش يا محمود بجد "
" هو أنا خيبت املك ولا ايه ؟؟ اموت طيب عشان خاطرك ؟؟"
نظر لها صالح يقول بتأثر :
" اصل أنت مشوفتش منظرك وأنت زي الجثة ومتخرشم من كل حتة ومش بتنطق، وأنا بنادي عليك لما روحي كانت هتطلع "
امتص محمود شفتيه بتأثر يميل بنص جسده العلوي صوبه يضم بحب :
" يا حبيبي يا صالح، للدرجة دي خايف عليا ؟؟"
" لا، بس أنت عارف محدش بيرضى يصاحبني غيرك، فكده هبقى في الشغل لوحدي، وتسيبني مع الاموات لوحدي "
ابتعد عنه محمود بغيظ شديد :
" أنت ياض مصلحجي، امشي غور من وشي، قال وأنا اللي عمال أسأل عليك اول ما فوقت، كنت سألت على هاجر احسن طالما هيجيبولي كل حاجة كده "
أطلق صالح ضحكات عالية، وهو ينهض معانقًا محمود مرة أخرى يحاول أن يهدأ ويتنفس براحة كبيرة في الوقت الذي دخل به صلاح ورائد تتبعهم ميمو التي رمقتهم بخبث وبسمة متهكمة....
قال رائد بسخرية وتهكم :
" أنا جيت في وقت مش مناسب ولا ايه؟!"
انتفض صالح بعيدًا عن محمود حانقًا، ثم نظر صوب رائد يقول بغيظ :
" عايز ايه أنت؟؟"
رفع رائد الهاتف في وجهه قائلًا :
" مش أنا اللي عايز يا حبيبي، خطيبتك اللي عايزة "
وبمجرد أن لمح صالح شاشة الهاتف تحمل أرقامها حتى ابتسم بسمة واسعة يختطفه منه متحركًا صوب النافذة تاركًا الجميع يطمأن على محمود .
وضع صالح الهاتف أعلى أذنه يقول :
" الو رانيا ؟؟"
وفجأة انفجر صوت بكاء عنيف لرانيا التي كانت تتحدث بكلمات عديدة، وشهقاتها تغطي على كلماتها ليغمض صالح عيونه يحاول أن يفهم منها شيئًا، لكن لم يصل له سوى صوتها تقول :
" أنا في الطريق جيالك القاهرة .... "
________________________
" يعني امتى بتقول ؟؟"
اعتدل متولي في جلسته يقول بجدية كبيرة :
" بعد يومين بالضبط، الصبح انتشرت اخبار في الجرايد عن غانم فيها فضايح كتير عليه، وهو عشان كده قرر يخلص من العملية دي ويطفش بسرعة "
ابتسم له سعيد بسمة واسعة وهو يراقبه، وقد بدأ يشعر بالراحة لقرب خلاصه من كل ذلك، هو مل وتعب واراد راحة له ولقلبه ..
هز رأسه يقول بجدية كبير :
" تمام يا متولي الفلوس هتوصل ليك انهاردة، هتروح البيت تلاقيها سبقتك، وبكده يكون نصيبي معاك "
مال متولي بجسده مقتربًا منه :
" أيوة بس أنت كده مش هتحضر معايا العملية ؟؟"
منحه سعيد أكثر البسمات خبثًا :
" لا ازاي، هحضر وهكون حواليكم، عشان استلم نصيبي يا متولي، بس محدش فيكم هيشوفني عشان أنت عارف معزتي عند غانم "
كان متولي يتفهم كل ما يتشدق به سعيد، يتمنى أن تسير أموره كلها كما تمنى، لأنه إن لم يفعل سيفقد مقابلها حياته، وهو لا يتمنى أن يحدث ذلك، بالإضافة أن ذلك المقال الذي نُشر كان في صالحه إذ سرع من عملية خلاصه .
سعيد كان يجلس ويتأمل تتابع الملامح أعلى وجه متولي يمني نفسه بليلة تنتهي بها كل أحزانه، ليلة ينهي بها كل ما يحدث حوله ..
تنفس بصوت مرتفع ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع الاثنان صوتًا يعلو خارج المكتب وغانم ينادي بنبرة لم تكن تحمل خيرًا أبدًا ..
وفجأة اقتحم غانم المكتب بملامح مخيفة يحرك عيونه على والده و ...سعيد .
_______________________
و....نحن لم ننتهي بعد .
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم رحمة نبيل
مساء الخير ..
بكامل الاسف أعلن بداية العد التنازلي لـ ( ما بين الألف وكوز الذرة ) وبالتالي بداية موسم التصويتات لاختيار الرواية الجديدة من بين مجموعة مختارة من التصنيفات المختلفة هعلن عنها واحد تلو الآخر وهنزل اقتباسات من كل رواية وفي النهاية نعمل فوت ونختار اللي حابينه .
وافكركم كلهم هيتكتبوا وينزلوا الفكرة في الترتيب وهنبدأ بمين الاول ..
هنحكم من الفوت اللي هينزل بعد انتهاء الرواية ..
وعشان الواتباد مش فيه فوت فأنا وقتها هنزل التصنيفات وكل اللي يعجبه تصنيف يعمل كومنت وهاخد عدد الكومنتات ونشوف الافضل الكل نبدأ بيه، ده طبعا بعد نهاية الرواية بالكامل، ونزول اقتباسات للجداد ...
ولاخذ نظرة سريعة على ما ينتظرنا. ..
( فانتازيا رومانسي كوميدي )
( اجتماعي قضايا رومانسي )
( غربي مافيا رومانسي )
(جرائم غموض رومانسي )
مع العلم متبقي في الرواية وفي رحلتنا مع صالح وصلاح ( اربع أو خمس فصول ) تقريبا او ستة لسه معرفش ..
بكامل الحزن نودعهم و......نجهز عشان اللي جاي حمادة تاني خالص
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم رحمة نبيل
يُسمى يوم الخميس عند العرب «مؤنس»، يؤنس بهِ لبركته♡.
-أبو جعفر النحاس.
صلوا على نبي الرحمة .
( نهاية مرحلة، وبداية أخرى)
_________________________
لم يتحرك ولم يبدي أي ردة فعل واحدة قد تفشي ما يعتمر داخله من مشاعر أو ...لحظة هو بالفعل لا يهتم داخليًا حتى، ابتسم يراقب بعيون باردة تحرك غانم في المكتب ينظر لهم بشر قبل أن يقول :
" شايف أنك لسه منضفتش حياتك يا متولي "
ابتسم سعيد بسخرية لاذعة ولم يتكلم يريح رأسه على المقعد يراقب تحرك غانم في الغرفة، ولم يتحدث كلمة، بدا كما لو أنه يستمتع بصمته ..
بينما متولي نظر لولده يقول بحنق :
" أنت عايز ايه غانم؟! وازاي تدخل عليا كده ؟؟ "
" هو مش المفروض ده بيت العيلة يا والدي ؟؟"
تهكم منه متولي يعتدل في جلسته وعيونه تتحرك على سعيد الذي يراقب ما يحدث دون أن ينبث ببنت شفة :
" وهو عشان بيت العيلة تقتحم عليا المكتب بتاعي كده؟! مش فيه حاجة اسمها باب تخبطه ؟!"
اقتحم سعيد الحوار يقول بتكاسل شديد :
" معلش يا متولي ما أنت اللي مربتوش فطلع زبالة، اكيد يعني مش هيكون بيفهم في الاتيكيت وكل ده "
نظر له متولي بحنق وقبل أن يتحدث بكلمة، وجد غانم يندفع كالرصاصة صوب سعيد الذي كان ينتظر انتفاضته منذ وطأ المكان، يدرك أن غانم ليس بذلك الصبر الذي يجعله يراه _بعد ما فعل_ ويصمت بكل بساطة .
وحين هجوم غانم انتفض سعيد عن مقعده بقوة شديدة يستقبل جسده بلكمة قوية أعادته للخلف متأوهًا، ابتسم سعيد مستهجنًا، بينما متولي لم يدرك بعد سبب كل تلك العداوة الكبيرة التي تنبعث من ولده، ليس وكأنه كان رفيق سعيد، لكن أن يهجم عليه بهذا الشكل الشرس لا يعني سوى أنه يحمل الكثير داخله .
تحرك من خلف مكتبه يمسك غانم من الخلف قائلًا بتحذير :
" فيه ايه أنت وهو ؟!"
اشتد غضب غانم أكثر يحاول الإفلات من يد والده :
" سيب ايدي والله لاوريه ازاي يمد أيده عليا الزبالة ده، والله يا سعيد لاندمك على كل نفس بتتنفسه بعد ما فكرت تيجي عليا "
نظر بعدها لوالده يصرخ في وجهه بشر :
" أنت بتقابل الزبالة ده ليه ؟! هو مش أنت بتشتغل معايا ؟! ولا عايز ترجع ليه ؟!"
اتسعت أعين متولي بقوة يحاول أن يجد مبرر ونظر لسعيد حتى يساعده لكن سعيد لم يكن يهتم بكل ذلك يأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته :
" طب يا متولي دي مشاكل عائلية وميصحش إني أتدخل فيها، راضي ابنك كده وهديه لاحسن شكله مش عاجبني، اقولك خده اديله حقن السُعار لاحسن يأذي حد "
زمجر غانم بغضب شديد ليغمز له سعيد بهدوء، ثم تحرك خارج المكتب بكل ثقة، وغانم ما يزال يرمقه بشر وقد اشتعلت داخله رغبة عميقة بالقتل، يريد أن يقتله، يتخلص منه ويأكله بأسنانه.
دفع والده للخلف بقوة جعلت متولي يصطدم في الجدار ساقطًا ارضًا، لكن غانم لم يهتم وهو يتحرك في الغرفة بجنون كأسد داخل قفصه، وفجأة تحرك صوب جدار به أرفف من المشروبات الكحولية، ونزع زجاجة يرتشفها بنهم، ومن ثم حدق في متولي الذي كان قد نهض يحاول تمالك وجعه وقد اشتدت نظراته صوب غانم .
ابتلع غانم ما في فمه، ثم نظر صوبه يقول بشر :
" اسمع يا متولي، مش أنت عايز بضاعة ؟!"
اقترب منه متولي بشر وقد استاء من طريقة ابنه في الحديث وتوجيه الاوامر، لكن رغم ذلك هز رأسه بهدوء يقول :
" أيوة "
" طب أنا عندي استعداد اديك كل البضاعة اللي تحتاجها وهدية مني من غير ولا قرش حتى "
اتسعت عيون متولي بشدة وقد تدلى فكه، يقترب من غانم أكثر ينظر له بلهفة، محاولًا أن يستشف صدق حديثه من عدمه :
" أنت... أنت بتقول ايه ؟؟ بتتكلم جد ؟!"
ابتسم له غانم بسمة سوداء وقد أضحت عيونه مخيفة أكثر:
" أيوة بتكلم جد، هديك كل البضاعة اللي تحتاجها عشان بس أنت ابويا وعزيز عليا، لكن طبعا مفيش حاجة ببلاش "
" ما أنت لسه قايل انها من غير قرش واحد "
ابتسم له يقول :
" لا أنا مش عايز فلوس "
" امال ؟!"
اقترب منه غانم يهمس بصوت يقطر سوادًا :
" راس سعيد، عايز اشوف راس سعيد بتتدحرج قدامي"
نظر له متولي وقد شعر فجأة بخطورة ابنه وجنونه الذي بدأ يزداد، سيطرت عليه النرجسية وتحكمت به السادية، أصبح مخيفًا بحق، لكن ...هو في النهاية سيساعده ويعطيه ما يريد دون أموال، وهو في المقابل على استعداد لدفع كل ما يملك، ألن يكون بقادر على الدفع بسعيد نحوه ؟؟ ومن هذا سعيد حتى يتخلى عن حياته وأمواله لأجله ؟!
اتسعت بسمة متولى يهز رأسه بهدوء قائلًا :
" استلم البضاعة واسلمك سعيد في نفس الوقت "
نظر له غانم بريبة ليمنحه متولي بسمة أكثر اتساعًا :
" سعيد هيكون موجود يوم التسليم، المفروض أنه كان شريك معايا في الصفقة، فأنا هستلم الصفقة عادي كأني لسه على اتفاقي معاه، وأنت يبقى تتصرف معاه ...."
________________
وصلت المشفى تركض بين طرقاتها يلاحقها شقيقها ورفيق جميع رحلاتها ومن غيره عبدالجواد، يتحرك خلفها بين ممرات المشفى بعدما علموا مكان الغرفة التي يتسطح بها صالح كالقتيل بعد حادثة مروعة، على وعد أن يلحقه باقي إخوته ووالده لرؤية ما حدث له والاطمئنان عليه ...
وبمجرد أن توقفا أمام الغرفة التي أخبرهما الممرض عنها، تنفست رانيا بصوت مرتفع وقد شعرت بقلبها يكاد يتوقف رعبًا لرؤية ما ينتظرها خلف ذلك الباب، وقبل أن تمد يدها لتفحته سمعت صوتًا يناديها :
" رانيا .."
نظرت رانيا لبداية الممر تبصر ركض هاجر صوبها وقد كانت ملامحها شاحبة، وبمجرد أن وصلت لهم تعجب عبدالجواد مجيئها :
" فيه ايه يا هاجر مال وشك كده ؟؟ اهدي مفيش حاجة "
قالت هاجر تقاوم رغبة عنيفة في البكاء :
" أنا... أنا كويسة يا عبدالجواد، بس ...بس ..هما كويسين ؟؟ سألتوا اي دكتور هنا ؟!"
أشار عبدالجواد للباب :
" كنا لسه هندخل نشوف اهو، اهدي اكيد صالح كويس يعني ما هو رد على رانيا "
قالت رانيا باكية تتذكر كلمات صالح لها في الهاتف :
" أيوة يا عبدالجواد بس أنت مسمعتش صوته في التليفون كان عامل ازاي ؟؟ ده قالي أنه... أنه كان هيموت، وأنه مبقاش قادر يتحرك "
كانت تتحدث بقهر شديد لا تصدق ما حدث بين ليلة وضحاها، بالأمس فقط كان يقف جوارها مبتسمًا بعد أن ألبسها خاتم خطبتها، واليوم ؟؟؟
طرق عبدالجواد الباب يقول بصوت مرتفع نسبيًا :
" صالح "
و قبل دقائق من وجودهم داخل الغرفة .
كان صالح يتناول من الطعام الذي احضرته تسبيح لأجلهم ورحلت بعدها مع رائد، يرى محمود يحدق فيه بحنق شديد :
" هو أنت الدم اتعدم في عروقك ؟! مش شايفني تعبان أنا كمان ؟؟ خلي عندك شوية احساس واديني اكل، أنا عامل الحادثة على لحم بطني وأنت فطرت "
اقترب منه صالح قليلًا يردد من بين مضغاته :
" ده اساسا اكلي وتسبيح جيباه ليا، بس هأكلك منه شفقة مش اكتر ."
لوى صلاح شفتيه حانقًا على ما يحدث امامه، يحرك رأسه بيأس عليهما ..
سمع صوت ميمو تردد جواره بتفكير :
" يعني كده غانم اللي عمل كده ؟؟"
" اكيد، مين غيره ليه مصلحة يعمل كده فيهم، خاصة أننا عارفين كويس اوي اللي حصل وخلاه يتجنن بالشكل ده على صالح ومحمود، اكيد كل ده بسبب جثة وسيم اللي شرحوها واكتشفوا بصماته عليها "
أجابت ميمو عليه بتفكير :
" هو اساسا غانم ميعرفش أن صالح اخوك صح ؟! يعني كل ده عداوة اساسا مع الدكتور اللي شرح الجثة بتاعته "
" بالضبط والدليل على كده العربية اللي هددت صالح على طريق اسكندرية آخر مرة، ولما صالح وقتها قل أدبه عليهم وطلع عيونهم ومشي، اتجنن غانم وقرر يخلص على طول "
تحدث محمود بعدما ابتلع الطعام في فمه يرفع إصبعه غاضبًا :
" والله لولا أنهم ضربوا العربية من ورا ومواجهوش راجل لراجل، أنا كنت خليتلك ممرات المستشفى مفروشة بجثثهم واحد واحد "
أنهى حديثه يتنفس بتعب وقد بذل مجهودًا كبيرًا في النهوض مهددًا بغضب، بينما صالح رمقه بسخرية :
" اسكت يلا اسكت، ده أنت اول ما حسيت بضربة العربية اتجمدت في ارضك ومكنتش بتنطق "
" أيوة ما أنا كنت في الوقت ده جوا عقلي شغال وبخطط، ولولا ضيق الوقت أنا كنت فرجتك على اللي هعمله "
دفع صالح للخلف ساخرًا :
" بالله عليك لتتنيل وتسكت "
نظر بعدها لصلاح بجدية أثناء تناوله الطعام :
" وأنت هتقول ناوي على ايه أنت وأم سعيد ولا هتسبونا زي عواجيز الفرح كده؟! لا احنا قادرين نسقف ولا عارفين نروح ؟؟"
ابتسم صلاح يهز رأسه له قائلًا بجدية :
" لا ازاي، ده أنتم الخير والبركة ودوركم معانا كان كبير يا حبيبي "
رفع محمود يده متألمًا :
" لا أنا منسحب من الحوار، ممكن تشوفوا ممثل غيري يلعب الدور ده او حتى دوبلير، يا روح ما بعدك روح، أنا لسه داخل على جواز وتجهيزات فرح وبلى ازرق "
حط صالح بيده أعلى كتف محمود قائلًا بسخرية :
" بس يا عسل جواز ايه مش لما هاجر ترضى تبص في وشك يا شمام يا حشاش "
رمقه محمود بغضب، ثم رفع يده يصفع كتفه ليرد له صالح الصفعة، وفجأة نشأ بينهما شجار عنيف على فراش المرض .
وميمو تراقبهم بعدم فهم لكل تلك البلاهة التي تقبع على عقولهم ..
قال صلاح بصوت منخفض :
" متستغربيش هما متخلفين كده على طول بتيجي ليهم حالات زي دي كل فترة "
في هذا الوقت سمع الجميع صوت طرق على باب الغرفة يليه صوت رجولي ينادي باسم صالح .
اتسعت عين صالح بصدمة ونظر صوب محمود يقول بعدم استيعاب :
" ده صوت عبدالجواد "
" وايه يعني ؟؟"
دفعه صالح جانبًا يردد برجاء :
" الله يكرمك وسعلي كده شوية لاحسن أنا فهمتهم إني أنا اللي اتبهدلت في الحادثة "
وقبل أن يعترض محمود جاوره صالح في الفراش مدعيًا المرض، وقد بدا شكلهما مثيرًا للضحك أكثر من الشفقة، ارتفعت ضحكات ميمو عليهما ليردد صلاح أثناء تحركه صوب الباب :
" مش قولتلك متخلفين "
فتح الباب يستقبل عبدالجواد الذي رمقه ثواني يستوعب أنه صلاح، لتتغير ملامحه للحنق ويبدو أنه لم ينس شيئًا بعد، لكن رغم ذلك حياه تحية مقتضبة، ورحب بهم صلاح بهدوء ورقي، ثم تحرك جانبًا يدعوهم للدخول .
وقف الجميع مصدومين من ذلك المشهد الغير مألوف، اثنان على فراش طبي واحد .
ابتسم صالح بسمة حاول أن يظهرها ضعيفة، بينما محمود جواره كان يشعر بالغضب والتهكم مما يحدث هامسًا :
" أنت يابني عبيط، هما كده صدقوا يعني أنك مريض ؟؟ السرير يعني اللي هيقنعهم ؟؟ ده سرير التشريح مش بيشيل جثتين وهما اموات ومش هيشتكوا، يبقى السرير اللي المريض ياخد راحته فيه يشيل اتنين؟؟"
" اهدى هقولهم اني جيت اوضتك عشان كنت خايف عليك "
نظر بعدها صوب رانيا التي تحركت صوبه تقول بلهفة :
" صالح أنت كويس ؟؟"
نظر لها صالح بحب واجاب:
" لا يا رانيا أنا مش كويس خالص، أنا شوفت الموت بعيني كانت لحظات بشعة اوي "
رمقته رانيا بشفقة وعبدالجواد خلفها يراقب ما يحدث بعدم فهم، بينما هاجر كانت تقف بخجل جوار باب الغرفة تراقب محمود في هدوء وصمت جعل الأخير لا ينتبه لها وهو يهمس بحنق شديد :
" قوم من على السرير أنا مش عارف افرد جسمي، أنت يابني متخلف ؟؟ جسمي متكسر وأنت كل اللي هامك خطيبتك متعرفش أنك سليم ؟؟ طب اللهي كنت أنت اللي عضمك اتكسر، طالما ميت على المرض كده "
أنهى جملته في الوقت الذي أبصر به هاجر تقترب منه على استحياء شديد، جعله يدفع صالح دون اهتمام مبتسمًا بسمة بلهاء يرحب بها بنظرات مشتاقة :
" نواعم ؟؟"
ابتسمت له هاجر بخجل شديد .
بينما صالح قد نهض من الأرض يسير بشكل طبيعي يرحب بعبدالجواد دون اهتمام حقيقي، ثم أولى كامل اهتماته لرانيا داعيًا إياها صوب الاريكة لتستريح .
ورانيا كانت تسير خلفه ببلاهة شديدة تنظر له ولحركته بشكل طبيعي وجسده الخالي من أي إصابات عدا خدوش قليلة، جلست تجاوره على الأريكة، في الوقت الذي خرج عبدالجواد ليجيب اتصال محمد . .
دعى صلاح ميمو للتحرك معه تاركين الجميع في أمورهم، وهم ذهبوا ليتولوا ما يخصهم، فقد حان وقت وضع نهاية تلك القصة التي طالت فصولها حتى كادوا يشعرون بالملل الشديد منها .
في الداخل ابتسم محمود يشير على المقعد المجاور له :
" تعالي يا هاجر استريحي "
جلست هاجر بخجل شديد ولم تعلم مايجب أن تتحدث به في مثل هذا الموقف، لكنها كبداية تلت عليه الجملة المعهودة في مثل تلك الجلسات :
" ألف سلامة، ولا حمدلله على سلامتك ؟؟ مش عارفة اقول ايه "
ابتسم لها محمود يتقبل منها كل ما تقول حتى إن أخبرته ( البقاء لله) فسيتقبلها بنفس راضية .
" الله يسلمك يا هاجر، معلش مقدرتش اكلمك لما فوقت واعتذر على اني معرفتش اجي المخبز، المفروض كنت اقابلك انهاردة بس اديكي شايفة محصلش نصيب "
هزت رأسها تتفهم كل ذلك :
" المهم أنك بخير، أنا...أنا بس جيت مع رانيا عشان هي كانت خايفة اوي على صالح "
رفع حاجبه بشك لما تقول، فهو ليس بالابله ليتجاهل كل تلك الملامح الخائفة أو المتوترة التي تعلو وجهها :
" عشان صالح ؟؟ صالح زي القرد مفيش فيه غير خربوش صغير في راسه، أنا اللي طلع عيني وكنت هروح فيها"
" بعد الشر عليك يا محمود، الحمدلله ربنا نجاكم وخرجكم منها على خير "
ابتسم لها محمود وشرد في ملامحها يقول بتسرع وقد مل كل الانتظار، يرغب بها بإلحاح، أصبحت حاجة ضرورية ليعيش، فأصبح بقاؤه معتمد على الهواء والماء والبسكوت النواعم :
" هو ينفع استغل اللحظة دي والخوف اللي باين على ملامحك، واقولك إن موافقتك على الجواز مني حالة إنسانية وطلب اخير لشخص على فراش الموت ؟؟"
علت الصدمة ملامح هاجر وتراجعت خطوات صغيرة بالمقعد للخلف، ليبتسم محمود على تعابير الخوف التي انتشرت في كل قسماتها وكأنه سينهض وينقض عليها، حسنًا حتى إن أراد تحقيق خيالها الجامح، فحالته ستمنعه من ذلك .
" اصل انا الدكتور قالي الزعل وحش عليك، وإني الفترة الجاية محتاج افرح شوية، فأنا قولت مفيش غير فرحنا اللي هيسعدني ويخرجني من الحالة دي "
رفعت له هاجر حاجبها، فابتسم هو يقلل من طموحه :
" خطوبتنا ؟؟"
ابتسمت ساخرة، ليهبط درجة أخرى في أحلامه :
" تعارفنا؟"
ولم تتغير ملامح هاجر ليقول هو بجدية كبيرة :
" بصي يا هاجر عشان تقدري تستوعبي اللي حصل لغاية ما أطلع من المستشفى وتجهزي للفرح، أنا هقولك الموضوع كله من أول دكر الوز اللي اسمه سالوم وبيرقص صالصا لغاية هجوم المكرونة الاسباجتي بقيادة مستر سلطع "
تلك الكلمات الغير مرتبة اصطدمت بعقل هاجر، بشكل جعلها تفغر فاهها ببلاهة شديدة، نحاول أن تعلم ما يريد من خلفها، هل هي رموز لشيء هام يأبى أن يستمع له أحد غيرها، ومحمود أطلق ضحكات عالية على ملامحها :
" لا اجمدي كده ده أنا هاخدك لعالم تاني، عالم موازي يا جوجو، بس بعد ما نرجع من رحلتنا، هتوافقي عليا وده اجباري يعني لاني رخم ولازقة ومش هرتاح غير لما انصبك أميرة على العالم بتاعي ...العالم الموازي والأميرة نواعم "
نظرت له هاجر بخجل ليميل برأسه متسائلًا :
" موافقة ؟؟"
صمتت ولم تجبه ليقول بحب شديد :
" هعتبر أنك قولتي موافقة وافرح يا هاجر "
رفعت هاجر عيونها في وجهه وهزت رأسها ببطء شديد :
" أحب اسمع من الاول يا محمود "
___________________
" يعني أنا جايبة الطريق من اسكندرية للقاهرة عياط وصياح لما عبدالجواد كان هيرميني من العربية عشان تقولي أنها عدت على خير ومحصلش حاجة ؟؟"
تهكم صالح من استنكارها لما حدث، معترضًا على حنقها :
" مش فاهم أنتِ زعلانة يعني عشان جيتي لقيتيني كويس ؟؟ هو أنتِ اخواتك مسلطينك عليا ؟؟"
" لا زعلانة عشان العياط اللي عيطته ده، والبهدلة على مفيش يا صالح "
أشار صالح صوب ذلك الجرح الذي عالجه في جبينه معترضًا:
" لا والله فيه اهو، ده بيوجع اوي "
رفعت حاجبها حانقة، ليبتسم لها صالح بسمة لطيفة حنونة جعلتها تهدأ وتخفت نيرانها قائلة براحة شديدة :
" كويس أنك بخير يا صالح، أنا كنت هموت من الرعب اول ما سمعت اللي قالته تسبيح "
ابتسم لها صالح بحنان شديد يقترب قليلًا منها :
" بعد الشر عليكِ يا رانيا، أنا مقصدتش اخوفك بس ..."
صمت، ثم مال يهمس وكأنه يخشى أن يصل صوته لعبدالجواد في الخارج فيعود ويجتذبها منه :
" بيني وبينك أنا ما صدقت اشوفك يعني، ولما عرفت أنك جاية خوفت اقولك اني كويس وترجعي، لاحسن أنا عارف اخواتك "
كبتت رانيا ضحكتها عليه وقالت :
" هو فعلا لو كنت قولت أنك كويس كان عبدالجواد لف ورجع، بس أنا كنت هكمل لوحدي حتى لو مشي عشان اتأكد بعيوني أنك كويس"
صمت صالح ولم يحسن اختيار كلمات في موقف كهذا، يحاول جمع كل أحاسيسه وشحذ كامل مشاعره ليصف لها ويعبر عن جزء صغير مما يخفي لها داخل مضغته .
لكن بعد كل هذا، ما خرج منه كان :
" لو اعرف إن نهاية الموضوع هتكون كده، كنت عسكرت تحت بيتكم من أيام اعدادي بالموتوسيكل وعملت خمسات عندكم، وفي أول فرصة أسرق تليفونك وأهرب عشان تيجي ورايا"
نظرت له رانيا ثواني ببلاهة قبل أن تستوعب مقصده لتطلق ضحكات عالية على حديثه وتقول :
" متفكرنيش يا اخي دي كانت فترة ما يعلم بيها إلا ربنا، حسيت اني مش هشوف تليفوني تاني أبدًا، كانت فترة صعبة بجد"
" فترة صعبة ؟! امال أنا أقول ايه ؟؟ تخيلي واحد عايش حياة هانئة سعيدة هادية مع محمود ومعتصم، وفجأة ألاقي بنت كل شوية تنط في وشي وتقولي عايزة التليفون ولا كأنه اثري "
ارتفع حاجب رانيا معترضة على تهكمه من خوفها على الهاتف :
" أيوة المفروض يعني اسيبه ليك ؟؟ ده عليه كل الاكونتات بتاعتي وارقام السر اللي في حياتي كلها، ده غير إن أهم حاجة واللي هي ايميل المنحة كان هيتبعت على ايميلي "
" اه صحيح أمال مسمعتش عن المنحة دي من وقت ما اخدتي التليفون ؟؟"
تغضنت ملامح رانيا بحنق شديد وقد تذكرت الرفض الذي تلقته للمرة التي لا تعلم عددها من تلك المنحة :
" ما هم رفضوني، ومش أول مرة "
" هي منحة ايه ؟؟ "
نظرت له وقالت بعد تنهيدة عالية :
" منحة إدارة اعمال، كنت حابة اخدها جنب دراستي عشان اشتغل مع اخواتي، ده اللي ظاهر للكل، اللي باطن بقى وبيني وبينك اني كنت عايزة اقضي وقت لطيف في البلد دي "
نظر لها بفضول شديد :
" بلد ايه بالضبط ؟؟"
نظرت له ثواني، ثم هزت كتفها تقول بلا اهتمام حقيقي :
" سنغافورة "
هز رأسه وصمت قليلًا، لتغير هي الحوار كليًا مبتعدة عن تلك النقطة التي مسحتها من جميع دفاترها، فالأمر كان مجرد حلم بائس سعت له وفشلت، لتدرك في النهاية أنه ليس لها .
نظرت لصالح الذي كان شاردًا في وجهها وملامحها لتشعر بالخجل الشديد وتقول :
" ايه بتبص كده ليه ؟؟"
ابتسم صالح يقول بلا مقدمات :
" لا بس كنت بحاول ادور في ملامحك على رانيا اللي كانت كل شوية تتخانق معايا وتزعق ليا "
" ولقيتها ؟؟"
هز رأسه يقول مبتسمًا :
" لقيتها ومش ناوي ابدا اسيبها "
صمت وصمتت هي وترك لعيونه مهمة إيصال كل ماعجز عنه لسانه، يحدثها ويبوح لها بما يملك من مشاعر تجاهها، مشاعر لم يعلم عنها شيئًا وأصر على كتمها، حتى فاضت كؤوس عشقه واغرقت من حوله، وكانت هي أول من جرفتها امواج عشقه .
الأمر وما فيه أن كلًا منهم عثر على نصف روحه داخل جسد الآخر، كابروا وعاندوا وصرخوا ووصل الأمر أن كاد يتخلص كلٌ منهم من الآخر، لكن في النهاية رضخوا لأحكام القلب وابتسموا، وتلك كانت البداية ..
بسمة رسمت الطريق ومهدته لمعارك طويلة خاضها صالح بكل جسارة لأجل الوصول لمن يحب ويرغب، وكانت هي كل ما يرغب .
______________________
" يعني هو مكتشفش صح ؟؟"
زفر سعيد وهو يقود سيارته على الجانب الآخر وقد مل ذلك السؤال الذي كررته ميمو على مسامعه مئات المرات منذ أخبرها ما حدث بمكتب متولي.
" قولنا لا مكتشفش، بعدين اساسا السوسة اللي متجوزاه اول ما نزل الخبر هو اتوتر وبدأ يستعجل متولي عشان يخلص من الصفقة، وكان بيتكلم أنها تتم خلال ايام، ويمكن بكرة أو بعده كمان "
نظرت ميمو صوب صلاح الذي كان يستند بكل هدوء على مقدمة السيارة يستمع للحديث الصادر من مكبر هاتف ميمو، لا يهتم بكل ذلك، بل فقط يهتم أن ما خطط له قد لقى صداه لدى غانم العزيز .
" طب اسمع يا سعيد أنت..."
قاطعها سعيد بلا أي رغبة في الحديث :
" لا سعيد في الوقت الحالي غير متاح، في حالة رغبتك في عمل أي مصيبة، يرجى التوجه لجوزك وهو يعملها، شكرا لك "
وبمجرد انتهاء كلماته أغلق الهاتف في وجه ميمو التي اتسعت عيونها بحنق شديد وقد شعرت بالغضب يتصاعد داخلها :
" هو عبيط ؟؟ محسسني اني بحارب عشان نفسي، أنا مش فاهمة ايه اللي مخليني لغاية اللحظة دي مستحملاه، مكانتش وصية اللي تعمل فيا ده "
ضحك صلاح ضحكات خافتة، يضم كتفها له في حركة لطيفة كما لو كانت رفيقًا قديمًا :
" معلش يا ميمو أنتِ دايمًا بتقولي ايه ؟! مين يعمل عقله بعقل سعيد ؟؟ وعشان كده ياقلبي بقترح تسبيه بدماغه يعمل اللي هو عايزه، صدقيني ده أكبر عقاب لأمثال سعيد"
نظرت له ميمو قبل أن تميل على كتفه مستندة براحة تحاول أن تبعث بعض الطمأنينة لنفسها، تهدأ وتفكر في القادم، تخبر ذاتها أن كل شيء سيكون بخير، صلاح جوارها وهو سيساعدها .
شعرت فجأة بقبلة رقيقة تحل على خصلاتها لتبتسم بسمة ناعسة تقول من بين اجفانها التي كادت تنغلق :
" مش مصدقة إن ممكن يجي يوم عليا في حياتي واعيش عادي، وانام وأنا مطمنة ومش قلقانة من بكرة، ومن غير ما اشوف كوابيس "
كانت كلماتها الأخيرة تخرج من بين اصوات التثائب المنبعثة من بين شفتيهتا، تميل أكثر على صلاح، وتضم ذراعه لصدرها كي تستأنث بوجوده جوراها، وما هي إلا ثواني قليلة حتى غرقت في غفوة سريعة جعلت بسمة صلاح ترتسم باتساع، يعود برأسه للخلف ضاممًا جسدها له بحنان شديد وهو يجلس في حديقة المشفى الخاص، ينظر للسماء فوقه هامسًا :
" يا ترى نهاية القصة هتكون عاملة ازاي ؟؟ واللي جاي هيغير ايه ؟؟ "
نظر بطرف عيونه لميمو ومن ثم زفر زفرة قصيرًا مقبلًا خصلاتها يطمئن نفسه قبلها :
" أيًا كانت أحداث القصة، وايًا كانت الحبكة، بس النهاية معروفة يا ميمو، إن صلاح المراهق المسكين لقى واخيرًا بطلة أحلامه اللي هتكمل معاه الحكاية وتعيش معاه باقي الفصول "
________________________
كانت جلسة صافية يتخللها بعض الأحاديث الهادئة بينهما، رائد يفتتح الحديث ويقوده، وتسبيح تكتفي بمجاراته فيه مبتسمة، وهو يكتفي ببسمتها أنيس.
لكن فجأة ترك رائد الملعقة من يده حينما سمع رنين هاتف تسبيح، لتتوتر الأخيرة وتشرع دقات قلبها تتسارع وقد فهمت أنها هالكة لا محالة، ابتلعت الطعام بفمها تنظر للهاتف جوارها لتبصر اسم نعمة ينير شاشتها .
هنا وتنفست تسبيح الصعداء واشرقت بسمتها تحمل الهاتف لتجيب نعمة غافلة عن أعين رائد الذي تابعها بهدوء حتى انتهت مما تفعل، وبمجرد انتهاء حديث قصير بينهما تركت الهاتف مبتسمة ثم قالت :
" ماما كانت بتقول الإجازة الجاية نروح ..."
تناول رائد طعامه ببرود وقال مقاطعًا حديثها :
" متقلقيش مش هيزعجك تاني ولايتصل، يعني ردي على تليفونك وأنتِ متطمنة يا تسبيح، هو خلاص اتربى"
لم تفهم تسبيح مقصده، أو لم ترد أن تفهم ما يرنو إليه، خائفة من هكذا مواجهة قد ينتج عنها قطيعة أو غضب بينهما، وهي قد تتحمل أي شيء إلا أن يجافيها رائد ثانية واحدة ...
" قصدك ايه يا رائد ؟؟ دي ماما عادي كانت... "
مجددًا يقاطعها بهدوء شديد مبتسمًا :
" قصدي الولد اللي بيرن عليكِ من ارقام غريبة يا تسبيح وأنتِ بقالك فترة عندك استعداد تعيشي في خوف ومكدرة حياتك ولا أنك تيجي تقولي ليا وتريحي نفسك "
شعرت تسبيح بأنها أصبحت في موضع الاتهام، تشعر كما لو أنه يجلس أمامها في هيئته كشرطي وهي كمجرم احمق فشل في إخفاء جريمته الاولى .
تركت الملعقة تقول بصوت خافت متقطع :
" أنا يا رائد ...هو أنا بس كنت... أنا كنت خائفة لأحسن.."
صمتت وكيف تتحدث إن كان مبررها ضعيفًا، وهل يعد مبررًا من الأساس ؟؟ ماذا تخبره؟؟ معذرة يا رائد فأنت تزوجت حمقاء اباحت لرجلٍ مجهول برقمها الشخصي فقط لأنه يضع اسم وصورة فتاة وأرسل لها رسالة صوتية بصوت مزيف ؟؟
رفعت عيونها لرائد الذي كان ينظر لها بترقب فابتسمت بسمة صغيرة واختصرت كل تلك المبررات والحجج السخيفة التي لن تزيد الأمر إلا سوادًا :
" أنا.. أنا آسفة يا رائد والله مكانش قصدي، حقك عليا اول واخر مرة والله "
بالنسبة لرائد يبدو هذا اعتذارًا لطيفًا مقبولًا، لكن عليه ألا يتساهل كي لا تعيد الكرة :
" تسبيح اسمعيني عشان مش حابب يكون فيه بينا حواجز، أي مشكلة تحصل معاكِ مهما كانت حتى لو كانت بلوة وأنتِ اللي غلطانة فيها، تعالي قوليلي، قوليلي يا رائد أنا عملت بلوة، وارميها عليا يا ستي ولا يهمك، إني أشيل بلوتك احسن عندي من إني اشوفك شايلة الهم كده "
صمت يراقب تتابع الحزن أعلى ملامح تسبيح، قبل أن تهز رأسها بكل طاعة، وتقول بهدوء وقد وجدت مبرر آخر، لكن هذه المرة كان المبرر نابعًا من داخلها :
" أنا يا رائد والله مش بعرف اتصرف مع الناس، وحتى التليفون أنا مكنتش عايزاه عشان كده، أنا قفلت الفيس وكل حاجة ومش هعملهم تاني، حقك عليا "
تحرك رائد من مقعده صوبها، يجلس القرفصاء أمام مقعدها هامسًا بحنان ولطف وقد رأى دمعات تلتمع داخل مقلتيها :
" اسمعي يا توتا، مش معنى أننا في الحياة فشلنا في شيء، يبقى خلاص نمنع محاولتنا في الشيء ده ونبعد عنه تمامًا، لا يا قلبي أنا بفشل عشان اتعلم، ما هو الانسان مش بيتعلم من الصح، هو بس بيتعلم من الغلط، وعشان كده اغلطي، الغلط مش عيب، العيب إني معترفش بالغلط أو أكابر"
هزت رأسها تتفهم كلماته، لتمتد أنامل رائد يمسح دمعاتها بكل حنان عن عيونها، ثم رفع كفها يقبله :
" أنا بكلمك كده عشان لو في يوم لا قدر الله مكنتش جنبك يا توتا تقدري تتصرفي، لكن أنا لو موجود فصدقيني مش هسمح بحاجة ابدا تقرب منك، قبل حتى ما المشكلة تحصل هتلاقيني واقف قدامها "
" ربنا يخليك ليا يا رائد وميحرمنيش منك "
نهض رائد يضم رأسها لصدره بحب شديد :
" ولا يحرمني منك يا قلبي..."
صمت ثواني ثم قال متسائلًا :
" صحيح يا تسبيح هو الحصار لسه متفكش ؟؟"
نظرت له بفضول ليوضح أكثر :
" قصدي يعني الجواز ياقلبي، عايز اتجوز واعمل فرح زي الناس، ايه رأيك ؟؟"
تعجبت حديثه ليبتسم هو بغيظ :
" ايه يا تسبيح بتبصي ليا كأني بقول حاجة مريبة؟؟ ما ده الطبيعي ياقلبي أننا نتجوز طالما كتبنا الكتاب، ولا أنتِ خلاص بقيتي عايشة على أساس مفيش اليوم ده ؟!"
ضحكت تسبيح على كلماته توضح نظراتها :
" لا أنا بس استغربت أنك مرة واحدة فكرت في الموضوع ده "
" والله أنا بفكر فيه دايمًا بس برجع وبقول اخلي عندي دم واستنى شوية، لغاية ما خلاص عروقي نشفت وريقي نشف يا تسبيح، فها ؟؟"
نظرت له تسبيح بهدوء شديد وكأنها تفكر، ليقاطعها رائد مقبلًا وجنتيها كلًا على حدة بحب شديد :
" تسلمي يا توتا، والله مش هتندمي أبدًا على قرارك ده، بصي أنا عندي مهمة كده، لو خلصت على خير هنعمل الفرح على طول تمام ؟؟"
نظرت له تسبيح بصدمة ليسعد هو ويقبل خصلات شعرها :
" ربنا يديمك ليا يا قلبي هروح افرح الحاج"
راقبته تسبيح يبتعد وهي ما تزال متسعة الأعين متعجبة مما حدث، لكن فجأة ابتسمت وهي تراه يتحدث في الهاتف على بعد قصير منها يردد بصوت مرتفع وسعادة :
" جهز يا حاج الصوان عشان كلها ايام وهاجي اتجوز ..."
___________________
الأمر لا يعجبه بالمرة، ولن يحدث، حاول يقسم أنه حاول تقبل الوضع لكنه لم يستطع، منذ خمس دقائق حاول عشر مرات أن يتقبل كل ذلك الهراء أمامه وفي كل مرة من العشر مرات فشل فشلًا ذريعًا، والآن ماذا ؟؟ هل سيضطر لتحمل الأمر أكثر من خمس دقائق .
ويبدو أن كل تلك الأفكار السوداوية كانت مرتسمة بوضوح أعلى وجهه، حتى أن جميع الضيوف _ الغير مرغوب بهم لديه _ لاحظوا نظراته السوداء لهم، وكأنه يخطط لقتلهم واحدًا تلو الآخر، وقد كانت تلك حقيقة في الواقع، لكن هو لم يتوقع أن تكون تلك الحقيقة واضحة لهذه الدرجة .
فجأة انتفض على صوت رسالة وصل له عبر هاتفه، أخرجه ليرى من يراسله في ذلك الوقت قاطعًا عليه مخططاته، ليرى أنه ليس سوى الشخص المتسبب في كل ذلك .
رفع نادر عيونه صوب نيرمينا التي كانت تنظر له برجاء أن يبتسم فقط لأجل ألا يخجلها أمام رفقتها الذين أتوا فقط لرؤيتها بعدما مرت بوعكة صحية .
رفع حاجبه مستنكرًا طلبها، لكنها نظرت له نظرات لطيفة متوسلة جعلته يزفر بضيق، ثم تحرك صوب الأريكة التي تتوسطها ووقف أمام فتاة تجاورها تلك الأريكة في دعوة صامتة منه أن تتنحى جانبًا لأجله .
نظرت له الفتاة بعدم فهم :
" نعم ؟! حضرتك محتاج حاجة ؟؟"
أشار لها نادر أن تتحرك عن اريكته ليجلس جوار زوجته، لكن الفتاة لم تفهم ونظرت لنيرمينا التي فهمت وللعجب ما يريد، لتبتلع ريقها بخجل :
" معلش يا سهى هو بس عايز يقعد مكانك "
نظرت لها سهى باستنكار شديد، ثم رفعت عيونها لنادر الذي ضم يديه لصدره ببرود كطفل يتدلل على والدته أمام ضيوفهم ..
" هو ايه أصله ده ؟؟ يعني ايه اقوم عشان يقعد هنا ؟؟ إحنا في مدرسة ولا ايه ؟! بعدين مش ده الحارس بتاعك يا نيرمينا ؟؟ مش ملاحظة أنه واخد عليكِ بشكل اوڤر؟!"
ابتسم نادر ببرود شديد يزيد من استفزاز من أمامه وهو يستمع لجملة نيرمينا التي خرجت دون تردد أو تفكير :
" لا نادر جوزي مش الحارس بتاعي اساسا "
ألتفتت جميع الرؤوس صوبها بصدمة كبيرة، ومن ثم حدقوا في نادر الذي كان يقف بثبات لا يهتم بمن حوله، هو فقط ما يزال يستمع لصدى كلماتها في أذنه مستمتعًا بها وبشدة .
وبعض الوقحين من ضيوفها لم يستطيعوا لجم ألسنتهم، ليسارعوا في الاستفسار بكل فضول عما تقصد :
" يعني ايه جوزك ؟! هو مش كان الحارس بتاعك لما جيتي الرحلة ؟!"
" أنتِ اكيد بتهزري يا نيمو، أنتِ لسه ١٩ سنة تتجوزي دلوقتي ليه اساسا؟؟ هو حد اجبرك ؟؟"
" بس ازاي اساسا بتفهموا بعض ؟؟ ده مش بيتكلم خالص، ولا هو بيتكلم ومش بيرضى يتكلم قدامنا ؟!"
كنت أعين نيرمينا تدور بين الجميع بعدم فهم لكل تلك الاعتراضات وكأنها للتو اخذت عنهم قرار يخصهم هم وليس هي، ما كل ذلك الاستنكار والتهكم الذي يعلو وجوههم ؟؟
نظرت صوب نادر الذي كان وجهه كما اعتادت سابقًا، صخرة لا حياة فيها، جمود لا تعابير به، فقط يحدق بها دون أي رد.
تحدث أحد الرجال الذي رافقوا اصدقاء نيرمينا :
" اكيد اخوها جبرها طبعًا و..."
" لا "
كانت كلمة واحدة حادة هي ما أوقفت كل ذلك الهراء، وقد سئمت نيرمينا من الأمر، حسنًا هي ضعيفة غبية وحمقاء بعض الشيء، لكنها ليست بالطفلة التي تدع الجميع يحرك لها أمور حياتها .
" محدش جبرني ولا حد فرض عليا حاجة "
مدت يدها لنادر الذي تلقفها بحب لتقول هي مبتسمة :
" أنا اساسا اللي شبه أجبرت نادر عليا، كنت بلزق ليه وبقعد معاه اكتر ما بقعد مع اخويا، لغاية ما زهق مني وقال يتجوزني ويكسب فيا ثواب، مش كده يا نادر ؟!"
نفى نادر برأسه يرفع لها أصابعه في حركته المحببة لها يعبر بها عن أن ما حدث كان حلمًا ورغبة عميقة داخله أن تصبح قطعة الحلوى الهشة هذه زوجته، ليثبت أصابعه على حركتهما المحببة قائلًا بلغته الخاصة ( أحبك)
ونيرمينا ردت له نفس الحركة مبتسمة بسمة واسعة جعلته يتناسى الجميع من حولهم مشددًا من مسكته ليدها، والكل يراقبهم البعض بتأثر والبعض الآخر بفضول شديد لما سيحدث .
نهضت الفتاة من جوار نيرمينا تاركة الأريكة له ليجلس هو براحة جوارها ومازالت يده تأسر خاصتها سعيدًا بملمسها الرائع بين كفه، رفع عيونه واخيرًا صوب شخص بعينه يرمقه بنظرات سوداء، ذلك الشاب الذي لم يرفع عينه عن زوجته منذ وطأ المكان ..
تفاجئ الشاب من نظرات نادر له ليبعد عيونه بسرعة كبيرة عنهما قائلًا بتوتر :
" طب أنا ...أنا هسبقكم بقى عشان مشغول شوية "
تحدثت نيرمينا بكل عفوية :
" ليه يا حاتم ما تستنى شوية كلنا قاعدين سوا "
وفجأة أطلقت تأوه حينما شعرت بضربة خفيفة على جانب رأسها، نظرت لنادر الذي كان يرمقها بشر وهي لم تفهم ما يريد :
" ايه ؟؟ أنا عملت ايه ؟؟"
حذرها نادر بعيونه وهي كالعادة لم تفهم ما يريد، لتسمع صوت حاتم يقول بهدوء :
" معلش يا نيمو أنا بس متأخر على ميعاد مهم و..."
وقبل أن يكمل جملته رأى نظرات نادر تحتد أكثر وأكثر بشكل مرعب، ليبتلع ما كاد ينطق به ويستأذن بكلمات خافتة وكل ذلك تحت أعين نادر التي تكاد تحرقه حيًا ..
دقائق وبدأ الجميع يتحرك للرحيل مودعين نيرمينا ومنهم من بارك لها الزواج، حتى فرغت الغرفة إلا منها ومن نادر الذي نظر لها بشر، وهي كالعادة لم تفقه سبب نظراته :
" ايه ؟؟ أنت زعلان عشان جبت صحابي يقعدوا معايا ؟؟"
رفع حاجبه متهكمًا لتكمل هي التخمين حول السبب الذي قد يغضبه :
" طب ايه مش عايزني اقول لحد أنك جوزي طيب، مكسوف مني ولا إيه ؟!"
ونفس الضربة السابقة نزلت أعلى رأسها بقوة أكبر وملامح نادر بدأت تحتد أكثر من جملتها السابقة، لتطالعه هي بتذمر شديد :
" ايه ما تكتب عايز ايه ؟؟ مش بتعرف تستخدم ايدك غير في الضرب ؟؟"
أخرج هاتفه يكتب عليه كلمات بأصابعه تظهر مدى غضبه الشديد ..
ومن ثم رفعه في عيونها لتقرأ بصوت منخفض :
" الولد اللي اسمه حاتم كان بيبص ليكِ بشكل وحش، وبيقولك نيمو "
رفعت عيونها له قائلة :
" لا يا شيخ، حاتم ؟؟ ده عيل طيب والله، الوحيد اللي مكانش بيتريق عليا ولا بيزعلني وكان بيجبلي سندوتشات وهدايا كتير و..."
صمتت فجأة تستوعب ما تقوله، لتجد أنها ما تقدم له إلا أدلة تثبت صحة كلامه، رمشت بسرعة وقد حللت في هذه الثانية تصرفات حاتم، تشهق بقوة واضعة يديها أعلى فمها :
" تصدق صح ؟؟ ده كان بيجبلي حاجات كتير وبيقعد يقولي كلام كتير حلو احلى من الكلام اللي أنت مقولتوش ليا "
ومجددًا تلقت ضربة على رأسها وقد أشعلت غضب نادر أكثر وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الركض خلف ذلك الحاتم والتخلص منه .
تأوهت نيرمينا بقوة تبرر ما قالت :
" والله مش قصدي بس هو كان لطيف معايا عكس الكل "
رفع حاجبه لتمنحه هي بسمة بلهفاء تميل ببطء شديد كي لا تتوجع بسبب خصرها، تضمه لها قائلة بحب :
" مالك يا مختار اوعى تكون بتغير عليا، أنا عمر ما حد غار عليا خالص "
ابتسم نادر على حديثها يجذبها أكثر له، لتبتسهم هي قائلة :
" بعدين أنا لو كنت بفكر في حاتم ما أنا كان ممكن أكل السندوتشات اللي بيجيبها ليا، بس انا كنت برفض ده كله، وباجي أكل مكرونة معاك أنت يا ميخو"
ابتسم نادر مزهوًا بنفسه وقد شعر بالراحة لكلماتها تلك وقبل رأسها، لتبتسم له اكثر وتقول :
" أنا بحبك أنت يا مخـ يا نادر، بحبك أنت وعمري في حياتي كلها ما حبيت أي إنسان غيرك أنت"
تنهد نادر بصوت مرتفع يحاول تهدئة ضربات قلبه، في الثلاثة وعشرين عامًا لم يشعر بمثل تلك المشاعر التي استطاعت نيرمينا أحداثها في ثواني قليلة .
قبل رأسها بحب شديد يسمع تمتماتها حول الايام التي كانت تعود ركضًا فقط لتشاركه الجلسة، أو تعد له طعامًا ..
________________
خرجت من المطار يستقبلها هواء دافئ يعلن بكل أسف قرب انتهاء فصل الشتاء، وحلول الصيف بحرارته ..
تنهدت بتعب شديد وقد بدت ملامحها ذابلة على غير العادة، كانت خائرة القوى، ليست تلك الرياضية المعروفة بادمانها للجسد المثالي، كانت ببساطة مجرد صورة ضعيفة من نفسها، ما الذي أجبرها على خوض مثل تلك الرحلة لتخرج منها خاسرة لكل ما تملك، ولنفسها ؟؟
وفجأة ظهرت أمامها سيارة تحمل الذي أجبرها على خوض الرحلة، وهو يبتسم لها قائلًا بهدوء شديد :
" الظاهر اني وصلت في الوقت المناسب "
نظرت له زهرة ثواني قبل أن تتحرك ساحبة حقيبتها نحوه، ترفعها ملقية بها على المقعد الخلفي له، ثم صعدت دون مناقشة للسيارة، كما لو أنها أصبحت لا تهتم لشيء .
وسعيد لم يفهم ملامحها، لكنه رغم ذلك تحرك بالسيارة لا يعجبه الصمت الذي ساد بينهما، وزهرة كانت كمن نُحتت من صخر، لم تتحرك إلا عندما وجّه لها سعيد الحديث :
" زهرة "
" نعم ؟؟"
" أنتِ كويسة ؟؟"
نظرت له زهرة ثواني، ثم قالت بكل بساطة :
" أنا آخر مرة كنت كويسة فيها يا سعيد هو النهار اللي فكرت اروح الحرم الجامعي وخاصة تجارة عشان أكل سندوتش سجق "
صمتت ليكمل هو عنها مبتسمًا بتهكم :
" وقابلتي وقتها شرير القصة اللي حول حياة الأميرة لجحيم "
ابتسمت وما زالت انظارها معلقة بالزجاج أمامها :
" مش بالضبط والله يا سعيد، هو مكانش شرير، يمكن رخم أو عنيد، لكن ابدا مكانش شرير هو ...."
اتسعت بسمتها أكثر وأكثر تصف الأمر بكامل مشاعرها :
" كان شخص لطيف حنون، كان وقتها بطل الحكاية، لكن فجأة أتحول للشرير، عايز تعرف ازاي ؟!"
صمت سعيد ولم يتحدث بكلمة وقد بدأت يده تضغط على المقود بقوة شديد، يستمع لها بكل جوارحه، لا يعلم بالتحديد الشعور الذي يراوده في تلك اللحظة، لكنه ليس بالسعيد ابدًا.
مهلًا ومتى كان سعيدًا، هو لم يرى من السعادة سوى اسمه، أصبح يشعر أن عائلته منحته ذلك الاسم خصيصًا ليكون كابوسًا يذكره بمدى تعاسته، هو الوحيد في هذا العالم الذي لم يأخذ من اسمه جزءًا، بل نبذ اسمه واختار مقابله .
سمع صوتها ينطق بشكل أوحى له مقدار الضغط النفسي الذي تمارسه على نفسها :
" ببساطة اخدوا الشاب اللطيف ده شربوه من القسوة كاسات، وزرعوا رأسه امراض الدنيا والآخرة، وياريت بعد ما اللي عمل فيه كده راح هو اتعدل ورجع طيب تاني، لا ده هما راحوا وسابوه لشيطانه اللي كان بيمثله أن كل اللي بيعمله صح، وأنه مينفعش يوقف، كان قدامه ابواب كتيرة يرجع منها عن اللي بيعمله، لكن هو اختار الباب الوحيد اللي مكتوب عليه ( واصل الطريق ) اختار الباب الوحيد اللي وراه سواد "
نظرت له وقد كانت ملامحها سوداء بمقدار ملامحه، تشربت منه الكثير خلال تلك السنوات :
" تفتكر يا سعيد البطل ده جاني ولا ضحية ؟!"
توقف بالسيارة جانبًا وصمت، وكيف يتحدث وهناك صوت في رأسه يصرخ أنه الجاني، والآخر ينادي باستماتة أنه الضحية في كل هذا والجميع يظلمه، بل ويستغيث من العالم بأسره .
صمت وقد كان ذلك هو الرد الذي توقعته زهرة، ابتسمت ونظرت أمامها لتكمل :
" وبطلة الحكاية الغبية اللي وقعت في حب البطل الطيب اللطيف، بقت مضطرة تتعامل معاه اول ما اتحول وملاه السواد، مضطرة كل يوم بليل قبل النوم تقعد تردد أنها مش هتستسلم لعواطفها، وأنها مش الغبية اللي تسمح بعذاب نفسها لما تعيش مع شخص زيه "
صمتت ثم صرخت مجددًا تضرب السيارة بجنون :
" بقت مضطرة تتعالج نفسيًا عشان تتقبل نفسها أنها لسه بتحبه، بتحب واحد المفروض تبعد عنه، وهي نفسها عارفة الحياة معاه هتكون ازاي، هيفضل الاتنين يأذوا بعض لغاية ما يدمروا بعضهم يا سعيد "
صمتت تتنفس بصوت مرتفع تحاول معرفة عدد المرات التي انهارت أمامه فيها بالصراخ، لا تدري كم مرة صرخت وانهارت وهتفت بذلك الكلام ..
" خلاص يا زهرة كل ده هيخلص اوعدك "
ارتفعت وتيرة دقات قلب زهرة واستدارت له كالرصاصة وقد علىٰ الرعب ملامح وجهها، وكأنها لم تكن هي نفسها من صرخت منذ ثواني .
" يعني ايه ؟! قصدك ايه يا سعيد ؟؟"
شهقت تسمح بأكبر قدر ممكن من الهواء بالنفاذ لصدرها :
" أنت... أنت هتعمل ايه ؟؟ سعيد أنت هتـ "
قاطعها سعيد مبتسمًا، يشعر بالراحة الشديدة لأجل قراره ذاك، وقد عقد العزم على تنفيذه :
" أنا كنت جاي اودعك بس يا زهرة، وعايز منك وعد "
نظرت له زهرة بصدمة لا تدري ما تقول، ليبتسم لها مكملًا :
" متزعليش أنا كده هكون مرتاح، وهبقى مرتاح اكتر لو وعدتيني أنك...متنسنيش...متنسنيش يا زهرة لأن أنتِ ممكن تكوني آخر شخص يفتكرني في الحياة دي، مش عايز لما اغيب وارجع ألاقي مبقاش ليا أثر في الدنيا ولا حد يفتكرني، أنا....عارف إني حملتك فوق طاقتك كتير واكيد مش هطلب منك تستنيني لأني أنا نفسي مش عارف ممكن اغيب قد ايه، بس اتمنى تكوني اول شخص اشوفه بعد ولادتي الجديدة، توعديني ؟؟"
كانت زهرة تحاول أن تفهم ما يقوله، لتسقط دموعها فجأة وهي تحاول الابتسام لأجله:
" هتعمل ايه يا سعيد ؟؟"
" مش أنتِ طلبتي سعيد القديم يرجع ؟؟"
هزت رأسها بالايجاب، ليقول مبتسمًا :
" وانا بحاول ارجعه عشانك يا زهرة، بس ...بس ممكن يرجع ناقص شوية، أو يرجع بس مش زي الاول، هيكون فيه ندوب وشوائب، لكن صدقيني أنا بحارب عشان يرجع هو سليم، هختفي من حياته واسيبه يعيش بسعادة "
سقطت دموع زهرة بقوة وهي تخفض وجهها تحاول أن تتماسك، هي ما سافرت لأجل مؤتمر كما أخبرته، بل سافرت للقاء معلمها الذي كان بمقدوره المساعدة ..
فجأة انتفضت على شعورها بشيء معدني بارد يلامس بنصرها، نظرت صوب ذلك الخاتم الفضي بتعجب لتسمع صوت سعيد يقول بنبرة غريبة :
" يمكن موضته قديمة ورخيص شوية، بس ...فاكرة المشروع اللي قولتلك عليه ايام الجامعة بتاعي انا وصاحبي ؟! كانت وقتها عربية سندوتشات "
صمت، لتضحك هي بخفوت شديد من بين دموعها وهو ابتسم قائلًا :
" العربية دي وقتها اول فلوس طلعت ليا منها، جريت وجبت ليكِ الخاتم ده، وكنت هديه ليكِ قبل ما يحصل كل ده، بس الظاهر مكنش مقدر ليه وقتها يبقى معاكِ، دلوقتي أنا بديه ليكِ وبطلب منك تحتفظي بيه لأنه آخر ذكرى من سعيد القديم، ولو....ولو ...لو في يوم حصل وارتبطي بغيري، أنا .. هبقى اخده لو مش حابة تحتفظي بيه، بس ارجوكِ متتخليش عنه "
نظرت له زهرة من بين دموعها تقول بصوت خافت سعيدة لأجله ولأجل خطواته الأولى في طريق العودة :
" اوعدك "
صمتت ثم أضافت :
" اوعدك اكون أول شخص يستقبلك، وإن الخاتم هيفضل في امان معايا يا سعيد ...."
ابتسم لها سعيد وقد شعر لأول مرة في حياته بسعادة كبيرة، اعتدل وقد بدأ يتحرك بالسيارة مرة أخرى يقول مستغلًا الوضع :
" ايه رأيك نروح ناكل سوا؟؟ من زمان وأنا نفسي اعمل كده "
وزهرة لم ترفض له هذا الطلب وابتسمت له محققة ما يريد، وقضى الإثنان ليلة لا مثيل لها في حياتهما كلها، ليلة سيعيشان على ذكراها للكثير حتى العودة ...
____________________
نظرت خلفها حيث يقبع شقيقها داخل سيارته يشير لها بالانتهاء حتى يرحلا، وهي نظرت له تترجاه أن يصبر قليلًا، ثم عادت بنظرها لصالح الذي كان يبتسم لها قائلًا :
" المرة دي تختلف يا رانيا، بوعدك بلقاء قريب اوي، والمرة الجاية مش هودعك تاني أبدًا "
شعرت رانيا بقلبها يكاد يقفز من صدرها فرحًا وهو ابتسم لها، يزيد من حديثه على مسامعها :
" استني اسبوعين بس ووقتها مش هسمح تودعيني تاني أبدًا، ولو حصل وودعتك وداع مؤقت مش هيكون بالشكل ده "
ختم جملته يشير للمسافة بينهما، وقد أدركت رانيا مقصده لتلتمع عيونها بسعادة كبيرة واحمر وجهها بخجل أكبر، تهز رأسها بهدوء :
" أنا بس مش عايزة امشي غير وأنا متأكدة أنك كويس يا صالح، أنت مش حاسس بأي تعب من الحادثة صح ؟!"
" أنا كويس والله يا رانيا الحمدلله ربنا نجانا برحمته، وبقيت كويس اكتر لما شوفتك و..."
صمت ثم عاد صوب السيارة الخاصة به يخرج منها حقيبة ورقية جميلة الشكل وعاد لها، يقول ببسمة واسعة :
" أنا جبتلك هدية على فكرة "
نظرت رانيا للحقيبة بيده متعجبة، لكن فجأة قالت بمزاح :
" دي زي هدية آخر وداع ؟؟ كشري وحواشي ؟؟"
أطلق صالح ضحكات صاخبة على تلك الذكرى :
" لا دي هدية تانية أنا جبتها بنفسي ليكِ، اول ما شوفتها افتكرتك فجبتها "
صمت ثم قال بأعين حنونة :
" فاكرة لما قولتلك آخر مرة أن اللي بيجي القاهرة هيرجع ليها خاصة لو قابلني ؟!"
هزت رأسها وهي ترى أن جملته قد صدقت وها هي عادت للقاهرة ركضًا لأجله هو.
اكمل صالح جملته :
" والمرة دي هقولك نفس الشيء، اللي بيجي القاهرة هيرجع ليها تاني خاصة بقى لو يخصني يا رانيا "
ابتسمت رانيا له بحب ليعطي هو لها الحقيبة بنظرات لطيفة تتنافى كليًا مع صفاته المعروفة، ورانيا فتحت الحقيبة لتتفاجئ بعلبة ذات جزء شفاف من الاعلى يظهر منه حذاء ابيض جميل المظهر، جعلها تفتح عيونها بصدمة وهو قال مبتسمًا:
" كنت هجبلك فستان كتب الكتاب، بس لسه مخترتش هيبقى عامل ازاي، لأن التخيل اللي في دماغي مش لاقيه وشكلي هفصله مخصوص عشانك، بس لقيت الجزمة ودي بداية لطيفة للتجهيز "
امتلئت عيون رانيا بدموع سعادة وهي ما تزال تحدق بالحذاء :
" صالح هو ...هو أنت اللي بتختار الحاجات دي بجد ؟؟ فستان الخطوبة والجزمة وكل دول ذوقك ؟؟"
هز صالح رأسه لها بنعم لتنظر له بأعين مصدومة :
" وبتقول أنك مش بتعرف تجيب هدايا حلوة، يا صالح دول ...دول اجمل هدايا في حياتي "
ابتسم صالح لبسمتها ومال عليها هامسًا :
" اقولك على سر صغير كده بس محدش يعرفه غير صلاح ؟؟"
نظرت له بفضول ليبادلها هو النظرات بحب ويهمس ومازال الاتصال مع عيونها قائمًا :
" أنا أكثر انسان في الدنيا دي ممكن يكون عنده ذوق في اللبس النسائي وكل ما يخصهم، لأني كنت ببقى دايما مع امي في مشاوير السوق وكانت بتاخد رأيي في كل حاجة، فعشان كده مش هتلاقي حد خبرة في الحاجات دي قدي، وبكده اضمن أن مش هتلاقي مرافق للتسوق احسن مني "
كانت رانيا تستمتع لكلماته ولا تدرك ما نطق به، كيف ؟؟ كيف لشخص كصالح، يتعالم بخشونة مع النساء ولا يجيد الحديث معهم، أن يكون ذا ذوق رفيع فيما يتعلق بهن !!
وصالح استغل صدمتها تلك وقرر أن يلقي بسر آخر طمره في نفسه :
" واقولك على سر كمان ميعرفوش غير صلاح ورائد ومحمود ؟؟"
نظرت له بفضول شديد، ليهمس لها بصوت لطيف حنون :
" إني بحبك "
وبعد انتهاء صالح من لحظة الصراحة وافشاء أسراره تلك، اعتدل مبتسمًا بكل هدوء يرى ملامح رانيا التي كانت وكأنها ليست في عالمهم هذا، حسنًا هو نفسه تفاجئ من الأمر، لكن شعر أنه يحتاج لقول هذا .
حدقت فيه رانيا بملامح متأثرة مما قال، لتبتسم له بأعين ملتمعة تسمع صوت زمور سيارة عبدالجواد في الخلف، لتنظر له سريعًا، ثم عادت بنظراتها لصالح تقول وقد ارتفعت وتيرة تنفسها بقوة تضم الهدية لصدرها بحب يوازي حبها لصاحبها :
" و.. وأنا كمان "
وقبل أن يستفسر صالح عن مقصدها وجدها تركض بسرعة صوب سيارة عبدالجواد تاركة إياه يرمقها ببلاهة شديدة وأعين متسعة وهي لوحت له من السيارة مبتسمة تراقب ابتعاده عن السيارة، نفس الوضع السابق، لكن هذه المرة هي ليست حزينة لوداعه، بل متشوقة للقاء آخر..
وصالح فقط يقف مكانه مصدومًا، قبل أن يبتسم بسمة واسعة، يقف يراقب السيارة بأعين ملتمعة وبقوة حتى شعر بأن قلبه سيتحرر من صدره ويطير خلف السيارة ليبثها باقي مشاعره ...
_______________________
كل الخطوات التي خطاها الجميع تؤدي لنقطة واحدة، وليلة واحدة، وقد كانت الليلة هي الليلة المنشودة، فبعد يومين أرسل متولي لسعيد يخبره بموعد التسليم ..
وها هو سعيد يختفي في مكان بعيد عن الأنظار لا يعلمه أحد سوى صلاح الذي يجلس جواره وكذلك صالح الذي أصر على المجئ لحماية أخيه ..
بينما ميمو مُنعت وبقوة بواسطة صلاح أن تطأ تلك البقعة من الأرض، ومعها في السيارة محمود الذي بقي فقط ليظل أحدهم مع ميمو يحافظ عليها ويمنعها من التدخل إن احتدم الأمر.
ونادر أُجبر على البقاء مع نيرمينا في المنزل بأمر من ميمو التي صرخت في وجهها أنها لن تقترب من أي شيء خطير، فقط ستلتزم بمكانها بعيدًا حتى تدخُل رائد بالشرطة ..
وبدأ الأمر وقد وصلت سيارات متولي وبدأت بأخذ البضائع المكونة من أسلحة ومخدرات وتضعها في العديد من السيارات المصفوفة، ونظرات متولي السعيدة تراقب كل ذلك بلا تصديق، يدخن سيجارة مستمتعة وهو ينظر لابنه بخبث .
بينما غانم يستند على سيارته يراقب كل ذلك بهدوء شديد وبلا اهتمام، لكن داخله كان هناك شخص يطلق ضحكات صاخبة متشفية، ففي الوقت الذي تُحمل به البضائع، هناك رجاله في طريقهم لسعيد .
همس صلاح وهو يراقب ما يحدث ملتقطًا العديد من الصور بكاميرا ليلية أحضرها خصيصًا للأمر :
" فيه حاجة غريبة بتحصل "
نظر له سعيد بعدم فهم ليوضح صلاح :
" فيه رجالة كتير عمالة تبعد عن المخزن وتتحرك في المكان بشكل مريب، حتى مش بيراقبوا العربيات ولا مهتمين بيها "
انتزع منه سعيد الكاميرا يراقب ما يحدث جيدًا يحركها يمينًا ويسارًا، حتى توقفت على وجه متولي الذي كان يتطلع بنقطة اختباءه بشكل غير مُطمئن بالمرة، ومن ثم نظرات غانم لنفس النقطة التي ينتظر هو بها ..
قال سعيد بغضب مريع :
" اه يا ابن الـ ****، والله لاوريك يا متولي الكلب "
نظر له صالح بتعجب وكذا صلاح الذي قال :
" حصل ايه ؟؟"
وقف سعيد يعتدل ويعدل ثيابه يتأكد من وجود مسدس داخل جيبه :
" متولي الكلب باعني لابنه، وعرفوا مكاني، والرجالة اللي بيتحركوا دول جايين على هنا، لازم أظهر ليهم قبل ما يكشفوا مكانا "
وقبل أن يقول أحدهم كلمة، تحرك سعيد بسرعة مبتعدًا عن المخبأ الخاص بهم تاركًا صالح وصلاح يراقبون الأمر، لكن قبل أن يتحرك قال :
" كلم صاحبك يستعجل قبل ما يخلصوا عليا "
وبعد هذه الكلمات تحرك سعيد صوب غانم ومتولي بكل برود وهدوء شديد، ينظر للجميع بأعين باردة وبسمات خبيثة يدعي برودًا:
" والله مش قليل يا متولي، قدرت تاخد لينا بضاعة على الفرازة من ابنك "
نظر له غانم مبتسمًا يرفع يده في الهواء مشيرًا لرجاله بالعودة وقد ظهر الهدف فلا حاجة للبحث عنه .
ومتولي رمق ما يحدث، لم يكن يتوقع ظهور سعيد الآن، هو رتب نفسه أن يسلمه بعد انتهاء تحميل البضاعة والرحيل، لكن ظهوره في تلك اللحظة أفسد مخططاته .
نظر سعيد حوله وقد ارتص الرجال في المكان بشكل أوحى له أن في حال تأخر ذلك الرائد ثواني فقط فقد يصبح هدفًا حيًا لرصاصاتهم .
" مش عيب عليك يا غانم تضحك على ابوك ؟؟ ولا اكمنه عبيط يعني تعمل عليه كده وتقوله البضاعة اصلي وهي عبارة عن دقيق ومسدسات مايه ؟!"
اتسعت عين غانم بصدمة لمعرفة سعيد بما فعل، بينما متولي انتبه لما قيل واقترب منهما يقول بعدم فهم :
" أنت بتقول ايه ؟؟ أنا بنفسي شوفت البضاعة والرجالة بيحملوها "
تأتأ سعيد ببرود شديد :
" وهو غانم مقالكش أن المخزن ده فيه اوضة مخبي فيها نسخة طبق الأصل من البضاعة اللي أنت عاينتها لكن مغشوشة ؟؟ ودلوقتي اللي بيتحمل ليك مسدسات مايه ودقيق يا حاج متولي، والله ما عرفت تربي "
تحركت عيون متولي صوب غانم الذي لم يكن يفهم كيف علم سعيد بخطته، وفجأة شعر بمن يجذبه صارخًا :
" الكلام ده حقيقي يا متولي؟! أنت بتنصب عليا ؟! عايز توديني في داهية وتخلص عليا ؟؟ "
أبعد متولي يد والده بغيظ غير مهتمًا بكل ذلك فقد نال غرضه وهو قدوم سعيد له اعزلًا :
" وأنت بكل عقلك مفكر اني هديك بضاعة بملايين من غير شلن ؟؟ ليه فاتحها سبيل بروح اهلك ؟؟ فوق يا متولي ده أنت اكتر واحد عارفني "
وبهذه الكلمات استطاع غانم استفزاز كل ذرة غضب داخل أوردة والده لينقض عليه متولي صافعًا إياه وهو يسبه بغضب شديد، ثم رفع يده ليتبع الصفعة بأخرى، لولا أن امسكه غانم محذرًا :
" لا مش كل مرة هسكتلك يا والدي العزيز، لمّ نفسك وامشي من هنا وبلاش رجلك تيجي في اللعبة "
جن جنون متولي الذي كان يفكر فيما سيقول بشأن من وعدهم ببضاعة وأخذ منهم أموال مقابلها و بددها .
دفع غانم للخلف وهو يصرخ في وجهه :
" خلي رجالتك تطلع البضاعة اللي أنا شوفتها لأحسن والله لاكو...."
وقبل أن يتم متولي جملته دفعه غانم بقوة ليسقط ارضًا، ثم رفع سلاحه وأطلق رصاصة على قدمه صارخًا بجنون :
" قولتلك بلاش تيجي في اللعبة يا متولي، بس أنت اللي مصر تخرج ميت انهاردة "
ومع ارتفاع صوت الرصاص انتبه جميع رجال متولي وركضوا صوب تجمع الرجال، وكذلك فعل رجال غانم، لتحتدم المعركة وسعيد يقف في المنتصف يقول بصدمة مصطنعة :
" لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده يا جماعة ده أنتم اهل، ده شيطان والله ودخل بينكم "
وقبل أن يتم سعيد جملته وجد سلاح غانم يتوسط رأسه والشر يملء عيونه، بينما رجال غانم ومتولي كلٌ يرفع سلاحه على الآخر وقد أصبح الوضع متأزمًا .
ابتسم سعيد ينظر بثقة صوب متولي الذي اقترب منه يحدق في عيونه بشر، وسعيد يبادله النظرات بأخرى مرعبة واثقة ومتحدية :
" اضرب يا غانم، أضرب رصاصتك وخليك راجل "
وقبل أن يفعل غانم ذلك شعر برصاصة حادة تتوسط كتفه ليطلق صرخات مرتفعة، ناظرًا حوله ليرى صلاح يحمل سلاحًا وينظر له بشر شديد هامسًا :
" قولتلك يا غانم كلها مسألة وقت دورك جاي جاي، كل اللي في القايمة هياخدوا نصيبهم ..."
نظر له غانم يمسك بذراعه متألمًا وقد أعادت له تلك الجملة ذكرى بعيدة، ذكرى مر عليها سنوات طويلة لنفس العيون ونفس النظرة ونفس السواد، ذكرى بداية عداوته مع صلاح ....
كان صلاح يقف في منتصف مكتب غانم ورجال الاخير يحاولون جذبه بعدما تهجم على مكتبه صارخًا بجنون :
" هتندم، اللي عملته ده هندمك عليه سنين يا غانم، ومساعدتك للزبالة اللي قتل امي أنه يهرب برة البلد مش هتعدي بالساهل، والله لارجعه ولو في آخر بلاد الله واوريه الويل، وأنت دورك جاي، بس اصبر هوصلك وهدمرك "
أشار غانم لرجاله باخراج ذلك الغر التافه الذي تهجم على مكتبه يطالبه بإرجاع الشاب الذي ساعد والده في تهريبه من السجن ومن ثم خارج البلاد بأكملها، الأمر كله كان مصلحة بينهما وهو نفذ جزءه لينال ما يريد من والد ذلك الشاب .
نظر له صلاح بشر والسواد يملء جميع اجزاء جسده :
" كلها مسألة وقت دورك جاي جاي، كل اللي في القايمة هياخدوا نصيبهم يا غانم، هندمك ندم عمرك ..."
كان غانم يحدق في ملامح صلاح والذي خرج من المخبأ حينما وجد الأمور تحتدم، واستغل انشغال رجال العصابتين في بعضهما البعض ودخل من بينهم ليطلق رصاصته على ذراعه فقط، هو بالطبع لا يتمنى لغانم ذلك ميتة رحيمة كالرمي بالرصاص، بل سيدع القانون يتولاه .
وقبل أن يرفع غانم سلاح شعر بضربة تسقط ارضًا، ومن ثم انقض عليه سعيد بالضرب ..
وصالح الذي خرج ركضًا خلف شقيقه كان يقف في الخلف، يحمل مديته، والتي يعلم جيدًا أنها غير مجدية وسط كل تلك الأسلحة، لكن هي فقط ما يعلم استخدامها ...
استمرت المعركة بين الجميع وقد بدأت تشتعل أكثر وأكثر حتى ارتفع صوت جهوري في المكان صارخًا بنبرة رجولية مرعبة :
" كله يرفع أيده، أيدكم لفوق وإلا هضرب في المليان ....."
كانت ميمو تقف في تلك اللحظة، و قد ركضت صوب منطقة التسليم بعدما سمعت صوت رصاص، ومحمود خلفها بعدما لم يتمكن من إيقافها .
ورائد يقف جوار أحد رجال الشرطة ذوي الرتب العسكرية العالية، وخلفه عدد كبير من رجال الشرطة .
ابتسم سعيد ينهض عن غانم وهو ينظر لذلك الشرطي الذي كان يتابع العملية معه خطوة بخطوة، رفع يديه في الهواء، بينما غانم نظر حوله يبحث عن مخرجًا ووالده كان قد سقط في غفوة قصيرة بسبب شدة وجعه ...
تحدث الشرطي يحرك سلاحه في الهواء مشيرًا لرجاله:
" فرغوا المكان كله، وخرجوا البضاعة اللي في المخازن، مش عايز قشة في المكان ..."
أنهى حديثه، ثم اقترب من غانم الذي كان يحاول النهوض باحثًا عن أحد رجاله لاغاثته، وبالفعل وجد يد تُمتد لمساعدته .
امسكها بيده غير المصابة لينهض، وبعدما فعل انتبه أن من ساعده لم يكن سوى الشرطي الذي قال ببسمة وهو ينفض ثيابه بقوة :
" ده السجن هينور بيك يا غانم، جهزلي عضلاتك دي بقى عشان هتحتاجها كتير اوي جوا ...."
______________________
انتهت المرحلة ما قبل الأخيرة .
وها نحن نخطوا لمرحلتنا الأخيرة.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم رحمة نبيل
السلام عليكم جميعًا...
عساكم تكونوا بخير يارب .
بعتذر كتير عن فصل انهاردة، وده بسبب إن والدتي عاملة عملية، والحقيقة هي تعبانة الفترة دي جدا، وأنا منشغلة في اموري وأمور البيت إلى جانب اعتنائي بوالدتي...
( دعواتكم تقوم بخير )
وكمان الفصل الجاي زي ما وضحت فهو فيه نقلة كبيرة اوي في الأحداث، واحداث مهمة جدا وكتيرة، فمحتاج يتكتب بتركيز أكثر، واوعدكم بأحداث مختلفة خالص ..
وأنا بإذن الله يكتب في أي لحظة بكون فاضية فيها بمسك الفون واكتب، وإن شاء الله ربنا ييسر ونلتقي على خير يوم الخميس، مع احداث كتير وتشويق أكثر واستعدوا ....
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم رحمة نبيل
بعتذر لإلغاء الفصل السابق بسبب ظروفي الحالية، والتي لا أعلم لها من نهاية، ولولا أن هذا الفصل قد كُتب بعضه بالفعل، ما كان قد نُشر اليوم بسبب سوء حالة والدتي، لذا إن تأخرت عليكم اعذروني ...
وأنا سأبذل قصارى جهدي ألا أقصر في النشر باذن الله .
وفي النهاية رجاءً دعواتكم لوالدتي ..
ولا تنسوا أهالينا في فلسطين من دعائكم، اذكروهم في صلواتكم..
صلوا على نبي الرحمة ..
_____________________
هدوء وسكينة وراحة كبيرة هي كل ما يمكن لك أن تستشعرهم بمجرد أن تخطو لذلك المكان المظلم، وعلى عكس المعتاد، لم يكن الظلام يمثل له حزنًا أو خوفًا، بل فقط راحة نفسية ومعزل له عن جميع البشر .
ابتسم يرتكن لأحد الجدران بعدما فرغ من صلاته، يُسبّح على أصابعه كما تعلم من شيخه ومعلمه في المكان، وبعدما انتهى، تنفس بصوت مرتفع ينظر لنافذة صغير تطل على حرية مقيدة، هي فقط تطل على ساحة السجن، لكنها تشعره أنه حر كلما نظر للسماء .
استند سعيد برأسه على الجدار خلفه يغمض عيونه وقد بدأ قلبه ينبض بقوة... ست أعوام مروا عليه، جحيم عاشه، للحظات كثيرة كان يصرخ ويوبخ نفسه على أنه لم يهرب، ليته هرب، ليته لم يفعل بنفسه كل ذلك، لكن بقايا ضميره وروحه المعذبة تخبره أنه استحق كل ذلك، وأن ست سنوات هي أقل ما يجب أن يمر به .
ابتسم بسمة جانبية يتذكر يوم محاكمته، اليوم الذي فكر فيه بالهرب مئات المرات كلما استشعر ملمس القضبان المعدني أسفل أنامله، لكن كالعادة كانت ميمو له بالمرصاد ....
" محكمــــــة ..."
انتفض الجميع داخل قاعة المحكمة، ميمو تنظر صوب قفص سعيد تحاول أن تطمئنه، وجوارها صلاح يضغط على كفها بمؤازرة .
وخلفهم كانت تجلس زهرة التي لم تستطع أن تتجاهل الأمر، حضرت جميع جلسات الحكم، وشهدت بكل شيء تعلمه دون مواراة أو كذب، أخبرتهم ما تعلم عن حالة سعيد، حاولت تخفيف الحكم عنه تحت بند أن أغلب ما قام به لم يكن بوعيه، بل كان الأمر كما لو أن هناك من يتحكم به داخل عقله .
وآخر الحاضرين كان نيرمينا التي لم تنبث بكلمة لسعيد ولم تنظر له أبدًا، حاولوا أن يخفوا عنها، لكنها في النهاية سمعت حديث ميمو وصلاح وعلمت كل شيء، شقيقها ومصدر الأمان لها، كان مجرد مجرم استحل لنفسه كل المحارم، كان صورة اسوء من الشخص الذي تمقته، أصبح كوالدها.
سقطت دموعها بقوة تشعر أنها تكاد تنهار وهي تستمع لكلام بعض المحاميين الذين وكلتهم ميمو لأجل شقيقها، ونادر جوارها ينظر لها بعجز على مواستها بكلمة تخفف عنها، فقط يمسك يدها ويحرك أصابعه كما أعتاد .
وها هو بعد كل ما فعل في حياته يقف في قفص الاتهام، هل هذه هي نهاية كل فاسد يا ترى ؟؟ إذن من هؤلاء الوحوش في الخارج إن كان الجميع نهايته مثله ؟! أم أن حتى الصالحين فاسدين بطريقتهم؟؟
الآن يجاور من يشبهونه، المجرمين والقتلة والفاسدين، هذا هو مكانك سعيد، هيا اعترف أنك تستحق أكثر من ذلك .
لا لا، أنا لا استحق كل ذلك، كان من المفترض أن أكون الآن حرًا، أعيش حياتي سعيدًا، ألم أُعاقب بالفعل، عوقبت بما حدث لشقيقتي وكرهها لي، وفقداني للفتاة الوحيدة التي أحببت، أليس ذلك كافيًا ؟؟
والإجابة كانت واضحة على ملامحه، انكمشت ملامحه وازدادت قبضته على القضبان أمامه يستمع لصوت القاضي وهو يتلو على مسامع الجميع قراره الذي أعتمد على العديد من الأوراق وبعض التلاعبات :
" بعد الاستماع للشهود ومراجعة الاوراق والنظر في حالته، قررت المحكمة بسجن المتهم سعيد جاد محمد، الشهير بسعيد الاشموني، ست سنوات مع الشغل والنفاذ، رُفعت الجلسة "
انتهى من كلمته معلنًا بذلك نهاية تلك القضية لتنتفض ميمو بقوة تقول بعدم فهم :
" ده ظلم ...ده ظلم يا سيادة القاضي، ست سنين ايه ؟؟ ست سنين ازاي مش فاهمة؟؟ "
حدقت بسعيد الذي نسي ما سمع بالنظر لملامحها المصدومة تقترب منه مشيرة إليه :
" يا سيادة القاضي ست سنين ازاي، ده ...ده بتاع مخدرات وأعضاء، ده ناقصله قتل ويعمل هاتريك "
أطلق سعيد ضحكات عالية وهو لا يدري أيحزن أم يضحك على ملامحها؟! ست سنوات محذوفين من سجل حياته، ست سنوات لا يدري أسيصلحون ما بداخله أم يفسدوا ما تبقى من روحه؟؟
اقترب ميمو والتي كانت تحاول تهوين الأمر عليه من خلال بعض الكلمات المستفزة المعتادة منها، إذ التصقت بالقضبان تقول :
" أنت بتضحك على ايه يا مسجون ؟! حصل ايه ؟! المحامي عمل كده ازاي ؟؟"
ازدادت ضحكات سعيد، ثم قال غامزًا بمزاح أسود لا يليق البتة مع ملامحه السوداء وعيونه الذابلة :
" ميمو حبيبتي فوقي، هنا القاتل بياخد عشر سنين وبيخرج بعفو، طالما القاتل نفوذ وسلطة والمقتول فقير، ثم أنا كنت شاهد ملك واتخفف ليا حكم عشان حالتي، والمحامي اللي أنتِ جبتيه شكله شاطر، أصل لو كل شيء مشي بالعدل يا ميمو مكناش وصلنا لهنا"
ضيقت ميمو عيونها وأشارت له :
" المحامي ده غلطة ومش هتتكرر، بس معلش ست سنين ست سنين المهم تتربى جوا يا سعيد "
نفخ سعيد بعدم اهتمام، لكن فجأة اختض جسده بقوة يراقب نيرمينا التي تحركت صوبه بخطوات مترددة وأعين ذابلة لكثرة البكاء، توقفت أمام القضبان لتسمع همس سعيد الخافت لها :
" نيمو .."
أجابه صوتها الحزين الضعيف :
" مكنتش متخيلة أنك في يوم ممكن تبقى زيه يا سعيد، ليه ؟! أنت أكتر واحد عارف أنا بكرهه قد ايه، أنا مليش غيرك ليه تعمل كده فيا وفي نفسك ؟؟ "
اتسعت عيون سعيد يمسك يدها بقوة يضمها له برعب وقد بدأ جسده يرتجف من تلك النظرة في عيونها، نظرة قتلته أكثر من كلمات القاضي :
" لا لا يا نيمو أنا ... أنا والله مكنتش، لا بصيلي يا نيرمينا، بصيلي ارجوكِ "
بكت نيرمينا أكثر ليقترب منهم نادر يضمها، وهي تزداد في البكاء ليشعر سعيد برغبة عارمة في تحطيم القضبان وضمها لصدره، لكنه حينما رأى ارتجاف جسدها قال بصوت خافت يكبت غصة بكائه :
" خدها بعيد يا نادر لو سمحت، طلعها من هنا وخلي بالك منها "
وافقه نادر وتحرك للخارج مع نيرمينا التي كانت شبه منهارة، ابتلع سعيد ريقه ونظر لميمو التي كانت تشعر بالحزن لما يحدث وهمس ببسمة تخللتها دموعه :
" ميمو "
" نعم ؟؟"
صمت وقال بعد تفكير :
" تعرفي أنك الشخص الوحيد غير نيرمينا اللي كنت على استعداد أضحي بحياتي عشانه ؟؟"
رفع صلاح حاجبه بحنق شديد، لكنه صمت وترك له حرية الحديث لا يريد أن يصبح وقحًا أو يتدخل في أمور زوجته وهو يعلم ما تكنه لسعيد، بينما نيرمينا
وسعيد أكمل ولاول مرة بكلمات هادئة، ربنا حنونة بعض الشيء لميمو :
" الوحيدة اللي عمري ما كنت بفكر أاذيها، بغض النظر يعني عن المرة اللي ضربتك فيها عشان عصبتيني "
ضحكت ميمو بخوت، لكنه ابتسم وأكمل بنبرة مختنقة :
" لأني عارف أن لو فيه انسان في الدنيا دي ممكن ياخد باله من نيرمينا غيري فهو أنتِ، ولو فيه حد له اليد أنها تطلع كويسة بدون مشاكل بعد ربنا، فهي أنتِ، أنتِ الشخص الوحيد في الدنيا دي يا ميمو اللي حطيتك بمرتبة امي واختي وكنت شايل همك معاهم وخايف عليكِ من جاد بنفس المقدار حتى لو مبينتش، خلي بالك من نفسك ومنها يا ميمو "
ابتسمت ميمو تربت على كفه القابض على القضبان، وقد سقطت دموعها قهرًا على ما فعل بنفسه، لكن انتهت مرحلة العتاب، شعرت بصلاح يضمها بحنان من الخلف مربتًا عليها، فابتسمت له بحب شديد، ثم ودعت سعيد ورحلت..
واخيرًا اقتربت منه، روحه التائهة وقلبه الثائر، زهرته الندية وحبيبته الغالية، توقفت زهرة أمام القضبان واحتارت بما يجب قوله، لا تدري أتواسيه أم تصمت ؟!
وكان فقط ما استطاعت نطقه هو كلمات صغيرة تحمل مؤازرة مبطنة، وصوت قلبها يعلو فوق صوتها هي، لكنها اخمدته بصعوبة :
" خد بالك من نفسك يا سعيد، خلي الست سنين دي هدنة لقلبك من السواد، وراحة لعقلك من التعب اللي عشته، بلاش تخليها فترة اعتراض أو سخط، عشان نفسك، عشان نفسك مش عشاني ولا عشان نيمو ولا عشان حد، عشان سعيد يا سعيد ."
ابتسم سعيد بتعب، وهو يستمع لصوت فتح باب زنزانته، ثم لصوت اعتاده منذ سنوات يتحدث باحترام شديد :
" مساء الخير يا شيخ سعيد، فيه زيارة ليك "
نظر له سعيد ثواني قبل أن ينفجر ضاحكًا خارجًا من زنزانته يتحدث بهدوء للرجل خلفه :
" أنا يا عماد لو حد كان جالي قبل كام سنة، وقالي يا سعيد هيجي اليوم والناس تناديك شيخ، كنت وقعت في الأرض من الضحك "
ابتسم عماد يسير خلفه باحترام لذلك الرجل، والذي عاش أول عام له بين الجدران صارخًا ساخطًا وكارهًا للجميع، يتعامل معهم كما العبيد، يكرر أنه ليس له مكان بين مجموعة من القذرين أمثالهم، حتى التقى بمن استطاع اختراق قبته وتحطيمها :
" ازاي بقى ده أنت الخير والبركة في السجن هنا بعد الشيخ شاهين "
ابتسم سعيد بهدوء ولم يتحدث، فالجميع هنا يدري كيف مرت عليه الست سنوات كما لو كانت عمرًا بأكمله، أيام لن ينساها لو عاش اعمارًا على عمره، تحرك يخرج معه صوب مكتب المأمور يلاقي زائره الوحيد ومن غيره الذي يتذكره في سجنه، ميمو العزيزة والتي لم تنقطع يومًا عن زيارتها منذ وطأ للمكان، لا يدري حتى كيف تحصل على إذن بالزيارة، لكنها لا تتوقف عن ذلك .
فتح عماد الباب وهو يدعوه للدخول، فدخل مبتسمًا ممازحًا :
" لحقت وحشتك من كام يوم و...."
توقف فجأة عن الحديث مصدومًا مما يرى ليهمس بلوعة ولهفة شديدة :
" نـ..نيرمينا ؟؟؟"
_____________
" يعني أنت عايز تفهمني أنك صحيت الصبح لقيتها مش طيقاك من غير أي حاجة ؟!"
هز صالح كتفيه لأعلى وأسفل بجهل شديد لما يحدث في حياته، يصف لصديقه سبب تعكر مزاجه منذ الصباح :
" مش فاهم مالها، زعلانة وأنا مش فاهم زعلانة ليه، ومش حابب أنها تفضل زعلانة كده عشان بحس يومي اتعكر "
ترك محمود مشرطه على الطاولة يخلع قفازاته، ثم استند جوار الجسد الذي انتهوا للتو من تشريحه بالكامل واستخراج عينات لفحصها :
" طب ما تقلب في دفاترك كده وافتكر عملت إيه آخر حاجة معاها ؟؟"
هز صالح رأسه يحاول أن يتذكر آخر ما حدث معهم، يتحرك حول الطاولة حتى توقف جوار محمود يستند معه على الطاولة ملوحًا بيده الملوثة :
" مش عارف أنا امبارح نمت واحنا زي الفل، فتحت عيوني الصبح، لسه بقول صباح الخير، لقيت بسمتها اختفت وقالت من غير نفس صباح النور، وبعدين خرجت من الاوضة "
نظر لوجه محمود يتساءل بجدية :
" تفتكر زعلت عشان قولت صباح الخير من غير حبيبتي ولا حاجة ؟؟ "
نظر له محمود بشك شديد :
" هو ممكن، بس معتقدش إن رانيا يعني متوقعة منك تقولها صباح الخير يا حبيبتي، هي يعني مش هتتوه عنك يا صالح "
اعتدل صالح في وقفته يزفر بضيق، ثم خلع قفازه وتحرك خارج المكان يلحق به محمود بعدما أشار لأحد الممرضين أن يتولى تنظيف الغرفة، يسير في الممرات، يتجاهل تلك الفتاة التي تنتظر أمام الباب الذي يفصل ممر المشرحة عن باقي المشفى.
كانت هناك فتاة تقف بلهفة شديدة مبتسمة ببلاهة أمام الباب تنتظر مروره وبمجرد أن أصبح صالح جوارها قالت بسرعة :
" دكتور صالح أ...."
وقبل أن تكمل كلمتها كان صالح يضرب الباب بقوة شديد لدرجة أنها انتفضت بفزع للخلف، وهو يكمل حديثه حانقًا وكأنه لم يبصرها، وقد كان كذلك بالفعل:
" يعني أعمل ايه عشان اعرف هي زعلانة ليه ؟! ما تفكر معايا "
نظر محمود خلفه للفتاة التي ما تزال في صدمتها الكبرى مما حدث، وكأنها يومًا لم تتعرض للتجاهل الغير مقصود من صالح منذ اسبوع تقريبًا :
" ما تقولها أنك متجوز يا بني وريحها "
نظر له صالح بأعين مفكرة وتوقف فجأة :
" تفتكر ؟؟ اقولها إني متجوز عليها عشان تغير عليا ونحرك المياه الراكدة "
" مياه راكدة مين ؟؟ أنا بتكلم على ميرا، قول للبنت اللي كل يوم تقف تستناك دي أنك متجوز ومخلف "
كان يتحدث مشيرًا صوب الفتاة التي تقف عند الباب ترتشف صدمتها بحسرة شديدة، وصالح استدار لينظر لها متعجبًا تلك الفتاة التي يشعر أنه يراها للمرة الأولى في حياته :
" هي مين دي اساسا ؟؟"
ضرب محمود كف بالآخر يتحرك صوب مكتبهم :
" لا ده أنت رانيا لحست ليك مخك على الآخر"
زفر صالح من سخريته :
" شوف الواد التقيل، ده على اساس أنك مبقتش دكتور صباحا، خباز مساءً "
ابتسم محمود يرتاح على مقعده :
" على قلبي زي العسل "
" طب يا عسل فكك مني دلوقتي "
استقام محمود يحاول أن يخرج صالح من حالته تلك :
" طب هو قبل كده الايام اللي فاتت حصل حاجة يعني، اصل ممكن تكون حصل حاجة، وافتكرتها دلوقتي وزعلت عادي كدا، بتحصل مع هاجر "
هو صالح رأسه نافيًا يحاول تذكر الأيام السابقة لهما :
" مكانش فيه حاجة غريبة أو ...مكانش فيه غير ذكرى وفاة امي، ده الحدث الوحيد اللي حصل غير كده كل شيء كان طبيعي "
صمت صالح يتذكر ذلك اليوم من كل عام، اليوم الذي تلتصق به رانيا كالعلقة، منذ علمت ما حدث معه وهي تسير بحذر كلما خطت لتلك المنطقة الشائكة لديه، وهي من اقنعته للذهاب إلى الطبيب ..
استند برأسه على مكتبه يراقب محمود الذي انشغل في الحديث مع هاجر على الهاتف مبتسمًا ..
وهو شرد في ذلك اليوم، يوم أفضى ما في نفسه لرانيا، يوم عقد قرآنه، أسعد أيام حياته والذي قرر بكل غباء أن يصبح هو يوم اعترافه بما حدث لوالدته.....
جميلة مبهرة، كالملاك...
حينما أختار لها ذلك الثوب خصيصًا لليوم، لم يعتقد أنها ستكون بمثل هذا البهاء، تنفس بصوت مرتفع يستمع لصوت صلاح جواره وهو يهمس له :
" زي ما اتفقنا يا صالح، هنتصرف بعقل ونتقي شر اخواتها، اليوم يومك فحاول تخليه يمشي على احسن وجه، افرح وعيش كل لحظة "
نظر له صالح بحب، ثم عاد بنظره لرانيا التي استقبلها رؤوف أسفل الدرج يضمها بحب، آخذًا إياها صوب اشقائها، يتبادلون المباركة والعناقات فيما بينهما، وقد كانت تلك اللحظة تمثل لهم عالمًا بأسره، شقيقتهم الحبيبة على وشك عقد قرانها .
على بُعد صغير منهم، كان صالح يراقبهم هامسًا لصلاح :
" صلاح قولهم عايزين نكتب الكتاب، كفاية احضان هي مش هتطير من بينهم، أحسن أنا لو روحت قولتلهم كده هيعاندوا اكتر "
ضحك عليه صلاح، ثم تحرك صوب رؤوف وابنائه يتحدث معهم بهدوء واحترام شديد، وما هي إلا دقائق قليلة استغرقها، ثم عاد لصالح يغمز له جاذبًا إياه صوب طاولة عقد القرآن..
جلس الجميع وأمسك صالح يد رؤوف يردد خلف المأذون كلماته بقلب يرتجف سعادة، لا يصدق أنها أضحت له واخيرًا بعد نضال وحروب ومعارك انتصر بالبعض وانسحب من البعض الآخر فقط ليلتقط أنفاسه .
وبمجرد أن أعلنهم المأذون زوجًا وزوجة حتى انتفض جسد صالح بقوة يتحرك بأقدام متلهفة صوب رانيا، لكن توقف في وجهه صلاح الذي جذبه لاحضانه مبتسمًا، لكنه همس له بصوت منخفض :
" أعقل بلاش غباء قدام اخواتها لاحسن يغيروا رأيهم في ثواني "
نظر له صالح باستنكار شديد، هل فعل كل ذلك وعجّل زواجه منها ليتريث ؟؟
وقرأ صلاح استنكاره واضعًا ليربت على كتفه مبتسمًا :
" اصبر وأنا هخليك تاخدها وتبعد عن الدوشة دي كلها "
صمت صالح وهدأ جسده قليلًا ينظر لصلاح منتظرًا ما سيفعل، وهو تحرك كـ ولي أمر لصالح صوب رؤوف يتحدث معه بعيدًا عن الاربعة فرسان الذين أحاطوا بالاميرة، خوفًا من الوحش .
لكن المساعد الأول للوحش، استطاع أن يسلبهم الأمير بالحديث المعسول والكلمات الراقية التي أقنعت محمد ..قليلًا فقط .
تحركت رانيا بخجل صوب صالح الذي كان ينتظرها بلهفة، وبمجرد أن أصبحت أمامه، امسك يدها يجذبها بعيدًا عن الجميع متحركًا صوب غرفة الضيوف واغلق الباب خلفه، ورانيا لم تستوعب بعد ما حدث .
وبمجرد أن استدار لها صالح حتى تراجعت للخلف، نظرت له بريبة تحاول أن تبتسم بسمة عادية إلا أن الريبة غطت ملامحها :
" ايه فيه ايه ؟! بقولك أنا محمد قالي اساسا متـ "
قتل صالح باقي حروفها في عناق كبير انساها ما كانت تريد قوله أو تنطق به حتى، لتتسع عيون رانيا، تشعر به يزيد من ضمها وهي ما تزال تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها .
ابتسم صالح يهمس لها بصوت خافت :
" أنا انهاردة اسعد يوم في حياتي كلها "
وبهذه الكلمات استطاع بكل سهولة أن يمحي أي تعجب أو صدمة اعتلت ملامح رانيا، لتذوب بين ذراعيه مبتسمة، تبادله العناق على استحياء، مبادلة جعلت قلب صالح يرفرف .
" بحبك "
هذه المرة الثانية التي ينطقها، لكن كأنها المرة الأولى، نفس ضربات القلب المتسارعة، والانفاس التي اختنقت فجأة داخل صدرها، والنظرات الزائغة .
" رانيا "
أجابت رانيا تحاول أن تتفاعل معه بأي ردة فعل عدا الصدمة والبلاهة :
" نعم ؟؟"
" أنا بحبك "
تأوهت رانيا بقوة تدفن رأسها داخل كتفه تجيب بأحرف مرتجفة :
" وأنا.. وأنا يا صالح "
ابتسم صالح يستمتع بتلك اللحظة معاهدًا نفسه أن يجعلها تكررها مئات المرات على مسامعه حتى يمل، ولن يفعل .
ابتعد صالح ثواني، ثم تحدث بحماس ولهفة كبيرة :
" ها الفرح امتى بقى ؟!"
اتسعت أعين رانيا بصدمة من حديثه ذلك، هذا الرجل لا يكاد يلتقط أنفاسه بين كل خطوة والأخرى، تنفست بصوت مرتفع تجيبه ساخرة :
" الاسبوع الجاي ايه رأيك "
ابتسم لها صالح وقد أخذ حديثها بجدية :
" تمام اتفقنا أنا هكلم عمي و اشوف فاضيين يوم ايه الاسبوع الجاي ونحدد الميعاد"
كان يتحدث وهو يخرج هاتفه ليبحث عن يومٍ مناسب ليتمم زفافه من رانيا، كي يستعد من الآن للحرب التي سيخوضها في سبيل تحديد ذلك اليوم
وفجأة توقف عن الحديث وتصنمت أعينه على الهاتف، لتتعجب رانيا انقلاب ملامحه بهذا الشكل الغريب :
" ايه مالك يا صالح ؟؟"
ابتلع صالح ريقه يدس هاتفه داخل جيب بنطاله يقول بصوت حاول جعله طبيعيًا يبتسم بسمة صغيرة هادئة :
" مفيش بس أنا الاسبوع الجاي مش هعرف ..مش هقدر اعمل حاجة عشان هكون مشغول شوية، اول ما اخلص اللي ورايا هكلم عمي ونحدد ميعاد "
تعجبت رانيا حديثه ولولا ملامحه المقتضبة تلك لكانت سخرت منه أنها فقط تمزح ولا تقصد الأمر جديًا، وأن تلك الأمور يتحدث بها مع والدها، لكن اسوداد ملامح صالح وجحوظ عيونه أوقفوا مزاحها، تتحرك لتقف أمامه متسائلة :
" مالك يا صالح ؟؟ وشك اتغير فجأة كده ليه ؟؟فيه مشكلة ؟!
نظر لها صالح يحاول أن ينهي تلك الحالة التي دخل بها، ليس اليوم على الأقل، لكن إصرار رانيا جعله يتحدث بصوت مختنق خرج منافيًا تمامًا لبسمته الصغيرة :
" الاسبوع الجاي سنوية والدتي، وأنا الفترة دي مش بقدر اعمل حاجة بكون مشغول شوية "
اشفقت رانيا عليه خاصة من ملامحه المعذبة تلك، لا تفهم سر عذابه كلما ذُكرت والدته في حديث، نعم له الحق بالحزن عليها، هي تحزن كلما ذُكرت والدتها أو افتقدتها، لكن الأمر مع صالح مختلف عن شاب يفتقد وجود والدته في حياته، فهذه ليست ملامح فقدان أو حزن، بل عذاب ...
اقتربت منه ببطء تقول مبتسمة تحاول أبعاده عن تلك النقطة :
" هو أنا ممكن ازورها عادي ؟!"
نظر لها صالح مبتسمًا وهمس بخفوت :
" أكيد هبقى ..هبقى افوت عليكِ لو تحبي "
بادلته البسمة بأخرى أكثر اتساعًا، تمد يدها بتردد تضم وجهه بين كفيها وقد شعرت بمدى جرئتها لتلك الحركة، لكنها تخطت الأمر تقول :
" أكيد هحب اوي، عايزة اتعرف عليها "
هز صالح رأسه مبتسمًا، لكن غصة اختناق قد استحكمت حلقه، أسبوع عذاب آخر يمر عليه، اسبوع لا يخرج منه بسهولة، كل يوم يصادف ذكرى وفاة والدته، أو الأحرى ذكرى قتلها، يشعر أن المشهد يتجدد أمامه.
شعرت رانيا بحيرة وحزن صالح، لتميل عليه تجذبه لاحضانها تقول :
" تعيش وتفتكر يا صالح، هي دلوقتي عند ربنا "
نظر لها صالح ثواني يقول بأعين ملتمعة بالدموع وقهر خلل نبرته، رغم بسمته :
" مش عايز افتكر اليوم ده يا رانيا، ده اليوم الوحيد اللي بتمنى امسحه من راسي، مش عايز افتكر"
أنهى حديثه يحاول كتم دموعه وهي ضمته اقوى، ليقول صالح بوجع وقهر، ودون أن يشعر :
" عايز انسى، وعايز ...عايزها ترجع ليا تاني يا رانيا"
صمت ثم قال بصوت موجوع لا يشعر بنفسه وبما يتحدث :
"اندبحت قدام عيوني، كنت واقف مش قادر أعمل حاجة ولا اتحرك، جه دبحها قدامي "
اتسعت أعين رانيا بقوة شديد، وقد كتمت بصعوبة شهقة مرعوبة اوشكت تفلت منها، تشعر بارتجاف اصابها، لا تدري منها أم من صالح الذي كان يحاول أن يتمالك نفسه، لكنه ضعف وخسر أمام ذكرياته، وبكى، لأول مرة خارج أحضان صلاح، يبكي في أحضان رانيا التي لم تدري أي تفاصيل غير أن والدته ذُبحت أمام عيونه، وذلك اليوم قضى صالح نصفه بين أحضان رانيا باكيًا والنصف الآخر مبتسمًا لأجل عقد قرآنه عليها، محاولًا تمرير ما حدث .
حتى ذكرياته لم تدع له فرصة التنفس بسعادة، ليته لم يمسك هاتفه أو يتذكر الأمر حتى في تلك اللحظة، لكن رانيا كانت من الذكاء الذي جعلها تخرجه من تلك الحالة بمشاكستها ومزاحها ليعود لها صالح بالتدريج...
خرج صالح من شروده على صوت محمود الذي ضرب مكتبه بخفة :
" ها يا بني مش هتتغدى معايا ؟؟"
" قرص زي كل يوم ؟؟"
" إن كان عجبك "
ابتسم صالح ينهض آخذًا أمتعته متحركًا مع محمود صوب مخبز هاجر المعتاد لجلساتهم :
" لا عاجبني يا بتاع البسكوت والفراولة"
ابتسم محمود يسير معه بين الطرقات مبتسمًا يخرج من شارع لآخر حتى وصل لمخبز زوجته الحبيبة، وحلم العمر :
" وهو فيه اطعم ولا احلى من الفراولة والبسكوت بزمتك ؟!"
أنهى حديثه يدفع باب المخبز يقول بصوت مرتفع نسبيًا وهو يجلس على ركبتيه مبتسمًا يفتح ذراعيه كعادته :
" فراولة بابا "
في تلك اللحظة كانت تقف الصغيرة في منتصف المخبز تحمل صينية صغيرة احضرتها لها هاجر خصيصًا، ترتدي قبعة الطباخين وزيّ الطباخين مقلدة والدتها، تنظر للجميع وهي تتحدث بكلمات مبعثرة تتناسب مع عمر فتاة في الرابعة من عمرها، وبمجرد أن استمعت لصوت والدها، حتى تركت الصينية ارضًا بقوة تركض صوب محمود تصيح بسعادة، ليتلقفها محمود مقبلًا إياها بحب، يتلاعب بوجنتيها المحمرتين وقد أخذت الصغيرة ملامحه كلها، ولم تأخذ من هاجر سوى لطفها وشعرها فقط :
" إيه القمر ده ؟؟ كده تاخدي الوظيفة من بابا ؟! ألاقي مخبز فين دلوقتي اشتغل فيه ؟؟"
أطلقت الصغيرة ضحكات عالية خرجت على أثرها هاجر التي ابتسمت مرحبة بهما :
" يا صباح الخير، كويس أنكم جيتوا عشان تساعدوني اختار تصميم لكيكة رانيا، لأني محتارة من الصبح "
نظر لها صالح بعدم فهم و ريبة شديدة يتحرك صوبها متسائلًا
" كيكة رانيا ؟؟ هو أنتم عندكم مناسبة انهاردة ولا ايه ؟! "
نظرت له هاجر بعدم فهم تمسح يدها في منشفة صغيرة :
" ذكرى زواجكم انهاردة يا صالح....."
__________________
تحرك بخطوات بطيئة صوب طاولة الطعام، يتسحب وكأنه يسير على قشور البيض، وبمجرد أن أصبح على مقربة منها ومن الطاولة، حتى انقض يضم خصرها له مقبلًا خصلات شعرها بحب شديد :
"صباح الخير يا توتا "
ابتسمت تسبيح وعلى عكس المتوقع لم تنتفض أو تتراجع أو تهلع، فـ ست سنوات من العيش مع رائد كانت أكثر من كافية لتعلم كل شيء عنه، حركاته همساته، وتقلباته، وحتى عدد أنفاسه كل ثانية .
أمسكت تسبيح كفه واستدارت تقبل وجنته بهدوء شديد :
" صباح الفل يا سيادة الرائد، عامل ايه انهاردة "
ابتسم لها رائد يهز رأسه لها وهو ما يزال يضمها ويأسرها بين ذراعيه، يميل عليها بعض الشيء هامسًا بمزاح :
" حاسس إن الموضوع بدأ يقلب بتريقة وذل، من يوم الترقية وأنتِ مش بتقولي غير سيادة الرائد "
أطلقت تسبيح ضحكات عالية، تتذكر ذلك اليوم بعدما نجح رائد في المساعدة للقبض على بعضٍ من أخطر مجرمي البلاد، ليعلو اسمه في القسم الخاص به ويتلقى ترقيته المنشودة، لا تنسى تلك اللحظة أبدًا ..
كان يتناول طعامه وهو يتحدث بنبرة هادئة :
" لا هو عامة الدنيا هتبقى زي الفل، بس ده دروب كده بنمر بيه كلنا في فترة من الفترات "
وضعت أمامه بعض الطعام بعدما انتهت من تجهيز طعام آخر لصالح وصلاح :
" أنت بس خليك جنبهم الفترة دي يا رائد "
ابتسم لها يردد بهدوء شديد :
" أكيد يا توتا، أنا عمري ما اسيبهم "
وضعت له حقائب الطعام، ثم جلست جواره وبدأت تضع أمامه العديد من الطعام، وهو ينظر لها بتعجب :
" ايه يا توتا، ما تاكلي أنتِ، أنا باكل اهو عادي "
نظرت له بتعجب كأنه يتحدث بكلمات أعجمية عليها، لتدفع المزيد من الطعام وكأنه لم يقل شيئًا، ورائد يراقبها بعدم فهم، وهي تستمر بوضع الطعام، ليدرك رائد أن بها خطبًا ما :
" فيه ايه يا تسبيح ؟؟ عملتي ايه ؟؟"
نظرت له تسبيح بتوتر وتعجبت أن كشفها، ليس وكأن كل ما تحاول إخفاءه ظاهرًا للعيان :
" أنا معملتش حاجة يا رائد، بس ...بس "
صمتت والخجل أضحى يزين ملامحها وقالت :
" رائد هو أنا...يعني كنت بسأل يعني لو ينفع "
صمتت مجددًا بشكل جعله يرتاب أكثر ليميل عليها متسائلًا :
" تسبيح أنتِ عملتي مصيبة صح ؟؟"
سارعت بلهفة لتقول:
" لا والله مش مصيبة بس ..بس كنت عايزة اروح تجمع بتاع بنات عند هاجر في المخبز هي عزمتني وأنا يعني كنت ...."
رفع رائد حاجبه باستنكار شديد مما يحدث، كل ذلك التوتر والشرود والملامح الصامتة الخجلة، لأجل أن تستأذنه للخروج ؟!
" تسبيح أنتِ عبيطة ؟؟"
ها هو يعود مجددًا لذلك الرائد الذي لا يستطيع التحكم بكلماته المنسابة من بين شفتيه، لكنه حقًا شعر بحنق كبير من كلماتها تلك .
" تسبيح حبيبتي هو أنا واخدك رهينة ؟؟ بتقضي فترة سجنك في الشقة هنا طيب ؟؟"
نفت تسبيح برأسها ليقول ببسمة غير مصدقة لتصرفاتها :
" امال ليه حسستيني فجأة كده كأنك بتطالبيني بكِلية أو عايزة فص من كبدي ؟؟ اخرجي يا تسبيح اخرجي يا حبيبتي، عايزة اوصلك ؟؟ عايزة فلوس طيب ؟!"
أومأت تسبيح في إيجاب والخجل يملئ قسمات وجهها، ليقول هو :
" اه ايه ؟؟ اوصلك ولا فلوس ؟!"
نظرت له بتردد ليبتسم قائلًا قاطعًا عليها طريق أي حديث :
" خلاص هعملك الاتنين "
اتسعت بسمة تسبيح بامتنان له وما كادت تشكره، إذ قاطعهم صوت رنين هاتف رائد، نفض رائد كفيه يسحب الهاتف من جيب بنطاله مشيرًا لها :
" كلي يا تسبيح، كلي يا حبيبتي "
أجاب الهاتف على نفس الشرطي الذي كان معه أثناء الهجوم :
" مساء الخير يا فندم...على ايه يا ده واجبي والله "
صمت دقيقة تقريبًا يستمع لكلمات كثيرة اصطدمت بإذنه من الطرف الآخر، يتلقاها بملامح عادية مبتسمة، قبل أن تتلاشى فجأة بسمته وتتسع عيونه بقوة ينظر صوب تسبيح التي كانت تتناول طعامها كما طلب منها، لكن بالنظر لملامحه توقفت مرتابة :
" خير يا رائد حصل حاجة ؟؟"
نظر لها رائد يحاول أن يتحدث بكلمة، لكن عجزت كلماته عن عبور حدود شفتيه، وانتهت المكالمة بكلمات مقتضبة من جهته، ثم اغلق الهاتف ونظر لتسبيح بلا ردة فعل، فقط ملامح شاخصة جعلتها تمسك مرفقه متحدثة بخوف :
" رائد مالك ؟! دي مكالمة من الشغل ؟؟"
هز رائد رأسه بنعم، فارتابت أكثر وشعرت بالرعب خاصة أن رائد كان قد أفضى لها بتحذير قائده إن كان يفعل أمورًا من وراء ظهره قد يخسر وظيفته ومنصبه .
" رائد حصل حاجة ؟؟ "
ومجددًا أومأ بإيجاب، لتقول بمواساة :
" بالله عليك ما تزعل والله هما اللي خسرانين يا رائد، أنت احسن ظابط في الدنيا دي كلها "
" أنا هترقى ."
" معلش والله بكرة ربنا يعوضك و...."
فجأة توقفت عن الحديث حينما بلغ الوعي عقلها، نظرت له بعدم تصديق، وهو المسكين الذي عافر طيلة حياته ليصل إلى ترقية مستحقة له، تعب وناضل وفعل كل ما بوسعه، لم يعتمد على منصب غيره أو يستند على اسم آخر، والآن يرى أمامه ثمار تعبه وقد نضجت وحان وقت قطفها .
شعر رائد بسعادة كبيرة، أن تنال حلمك بعد سنوات انتظار وكفاح لهو أمرٌ في غاية اللذة ...
اقتربت منه تسبيح تردد بصدمة وأعين دامعة :
" هتترقى ؟؟"
هز رائد رأسه بقوة وهو يكرر كلماته :
" هترقى يا تسبيح، أنا...أنا هترقى "
ودون كلمة ألقت تسبيح نفسها بين أحضانه، ليطلق رائد صرخة سعيدة، يدور بها في قوة كبيرة سعيدًا، وهي تحمد الله وتبارك له، ورائد ينقصه فقط أن ينتب له جناحين ويحلق بهما في الإرجاء سعيدًا، لحظة لن ينساها مدى حياته، قد يظهر الأمر للبعض هينًا أو سخيفًا، لكن لرائد الذي عاش عمره بأكمله يسعى لذلك كان يعني له الكثير والكثير .
كان يشعر برغبة عارمة في الصراخ، يفكر في ردة فعل والده حينما يعلم، أنه أصبح اسمًا على مسمى، وأنه خطى واخيرًا أولى خطواته في طريقٍ حلم به طوال طفولته وشبابه ..
لحظة من أسعد لحظات حياة رائد القديم، لكن بالنسبة لرائد _ الذي أعاد ترتيب أولوياته منذ اقتحمتها تسبيح واضعًا إياها على رأس القائمة_كانت لحظة زفاف تسبيح عليه هي أهم لحظة عاشها ...
ابتسمت تسبيح وهس تنظر لوجه رائد الذي نضج خلال الست سنوات، وبدأت ملامحه تزداد وسامة على وسامته، جذبته للطاولة الخاصة بهما تقول ببسمة واسعة :
" ببساطة هفضل اقولك كده لغاية ما تترقى الترقية الجاية"
ابتسم لها رائد بسمة واسعة وهو يجذبها لتجاوره الطاولة، ممسكًا كفها بحب :
" أنا أخدت ترقيتي الكبرى يا توتا، يوم ما بقيتي ليا "
وعجزت تسبيح كالعادة على رد كلماته بأخرى تنافسها جمالًا، واستغلت حالة الهدوء في المنزل، إذ أن جميع الأطفال قد غادروا للقرية، حيث والديّ رائد قد اخذوهم لتقضية عطلة الأسبوع كما جرت العادة، وهم يلحقون بهم بعد انتهاء عمل رائد .
دفعت تسبيح الاطباق صوب رائد تقول بحب شديد :
" بالهنا والشفا على قلبك يا رائد، اتمنى يكون يومك انهاردة سعيد "
_____________________
تجمد جسده لا يصدق ما يراه أمامه، نيرمينا الصغيرة تقف بهيئة اخرى، ناضجة بعض الشيء وبريئة كما عهدها، نظراتها الحبيبة التي افتقدها في آخر لقاء لهما يوم إصدار الحكم، ومنذ أعلن رفضه التام لمقابلة أحد أو رؤيته لأحد، ورفض رفضًا قاطعًا أن تبصره نيرمينا أو حتى زهرة في وضعه ذلك، رفض كبرياؤه أن يسمح لأحد برؤيته.
لكن تبًا لكبريائه أمام ميمو، التي رفضت كل ذلك ساخرة منه، وأصبحت تقفز له في كل مرة حسب مزاجها وكأنها تفعل ذلك فقط لتعاند قراره.
إن كانت سعيدة أتت لتشاركه سعادتها وتثير حنقه، وإن كانت حزينة أتت تلقي باحزانها في وجهه لتزيد من حزنه هو .
أقترب سعيد من نيرمينا بتردد شديد، ثم نظر لميمو التي كانت تنظر له بشر أن يتقدم منها، وسعيد يشعر بالغربة والوحشة داخل قلبه، هل إن قال أنه أضحى يراها بعيدة سيتهمه البعض بالجنون ؟؟
توقف يخشى الاقتراب، يراها أمامه ولا يقوى على احتضانها كما يحب ويرغب، ابتلع ريقه ينظر حوله بتردد :
" نيرمينا.....ليه جيتي دلوقتي و..."
ولم يكد يكمل كلماته حتى وجد نيرمينا تركض صوبه تلقي نفسها بين أحضانه باكية بقوة، انهارت بقدر الست سنوات التي قضتها باكية عليه حزينة، تحاول التغلب على خوفها منه، دون إرادتها كانت تخشاه تخافه، حاولته رؤيته مرات وهو رفض رفض تام ..
والآن حينما غافلته وأتت مع ميمو يرفض الاقتراب منها ؟! بكت نيرمينا وهي تلقي نفسها بين ذراعيه قائلة بحزن شديد :
" أنت مبقتش تحبني يا سعيد ؟؟ أنت مبقتش عايز تشوفني ؟؟ والله العظيم أنا ما كان قصدي ازعلك مني ولا اقولك حاجة تزعلك "
هبطت دموع سعيد ولا يدري كيف يخبرها أنه لم يرغب يومًا في رؤيتها، خجلًا من النظر لها ورؤية عيونها التي ترمقه بلوم وكره ؟!
شعر بارتجاف جسدها بين أحضانه اقوى وهي تردد :
" والله انا بحبك وكنت دايما بسأل ميمو عليك، وعايزة اجيلك وأنت مش بترضى "
كانت تتجدث وتعاتب من بين شهقاتها، لتزداد دموع سعيد يقبل رأسها بحب شديد محاولًا أن يهدأها:
" بتقولي ايه يا نيمو؟؟ أنا عندي اغلى منك في حياتي ؟؟ أنا مليش غيرك يا قلبي "
بكت نيرمينا أكثر وسعيد يزيد من ضمها، لا يصدق أنها واخيرًا بين ذراعيه، بعدما سهر أيام وليالٍ طويلة يناجيها ويبكي غيابها، يقتل نفسه ويجلدها بسياط الذنب، أن جعلها تواجه نسخة أخرى من جاد داخله، عرضها لما عاش سنوات يبعدها عنه، ست سنوات كانت فترة أكثر من كافية ليذيق نفسه عذاب البعد عمن يحب عقابًا لها كي تتأدب، ويجلدها بالحرمان كي يقومها..
لا ينسى تلك الأيام التي خرج بها سعيد المتجبر وأخذ يصرخ بالجميع أنه ليس بمذنب وأنهم جميعًا اسوء منه، وهو لا يجب أن يكون هنا، ليالٍ قضاها متدحرجًا بين ذنبٍ وتوبة، يبحث عن حافة ثابتة توقف تدحرجه، حتى اصطدم بشيخه الفاضل الذي عكف سنوات على تقويمه وإصلاحه...
قبّل سعيد رأس نيرمينا بحب شديد هامسًا :
" وحشتيني يا ميمو، وحشتيني اوي اوي "
ازداد بكاء نيرمينا :
" وأنت يا سعيد بجد وحشتني اوي، أنا مش مصدقة أنك قدرت تبعد عني ست سنين يا سعيد "
كانت تتحدث منهارة في بكاء عنيف، ثم قالت تلومه على بعد لم يكن بيده :
" أنت حتى مشوفتش بنتي "
ابتعد عنها سعيد مصدومًا، ينظر لها وكأنه تذكر للتو أن صغيرته نضجت وأصبحت امًا، كيف نسي وقد أخبرته ميمو سابقًا بالأمر، نظر حولها بلهفة يهمس :
" زينب؟؟ هي معاكِ ؟!"
نفت نيرمينا برأسها وقالت :
" هي مع نادر في الشركة، خفت اجيبها ومقدرش ادخل أو اتبهدل بيها "
ابتسم سعيد يقول بحنين وشوق اضناه :
" شبهك ؟!"
سقطت دموع نيرمينا وهمست بصوت مختنق بالدموع :
" شبه ماما "
تأوه سعيد وقد زاد شوقه لرؤية من تشارك والدته اسمها وملامحها، سعيدًا مبتسم الثغر متشوقًا لحملها، ابتسمت له نيرمينا تقول :
" هي عايزة تشوفك اوي والمرة الجاية لما نيجي نخرجك هجبيها ليك معايا، على فكرة بتحبك اوي يا سعيد "
قال سعيد بشفاه مرتجفة :
" هي ...هي تعرفني ؟؟"
" أكيد يا سعيد، يعني مش هتعرف خالها؟؟ ده البيت مليان صورك، وعارفاك وعارفة كل حاجة عنك، ومستنية تشوفك عشان تجبلها الحلويات اللي مش بنرضى أنا ونادر نجيبها ليها "
صمتت ثم قالت بعد ضحكة قصيرة :
" أصل هي فاكرة أنك هتيجي تاخدها مننا وتجيب ليها اللي تحبه، بتعاملك معاملة بابا نويل "
سقطت دموع سعيد بقوة يشعر بالقهرة والحسرة، بالله ما الذي جنته يداه ؟؟ ماذا نال غير وجع الماضي وتعب في الحاضر، ودمار مستقبله؟! أين ما عاند ضميره وخالف فطرته وعصى ربه لأجله ؟!
أين كل ذلك ؟!
عند تلك النقطة أنهار سعيد باكيًا بين أحضان نيرمينا ليزداد بكاء الاخيرة تباعًا له، وتعلو صرخات الصغير أعلى أكتاف ميمو على أثر أصواتهم لتردد هي حانقة :
" هو أنت يا بني ابنه وأنا معرفش ؟! يضحك تضحك يعيط تعيط ؟!"
رفع سعيد عيونه لها وقد كانت الدموع تملئها، ولأول مرة منذ دخوله يبصر رفيقه المقرب والحبيب الذي جاء بعد سنوات تعب وبكاء .
ابتسم يمد ذراعيه للصغير صاحب العام وبضعة أشهر، يلتقطه من بين أحضان ميمو مقبلًا إياه بحب شديد، يهمس له بكلمات صغيرة وهو يهدهده ويقبل وجنته بحب، ليهدأ الصغير شيئًا فشيء وتشعر ميمو أنها خسرت طفلها لصالح سعيد .
جلست على المقعد ترتاح بسبب حملها الثاني زافرة بضيق شديد :
" والله الولد ده مدسوس في عيلتي "
ضحك سعيد ماسحًا دموعه، يقبل الصغير الحبيب ورفيقه منذ بدأت ميمو تحضره معها أثناء الزيارات :
" ده قلب سعيد، مش كده يا أنس ؟!"
ابتسم له الصغير رغم عدم فهمه لما يتحدث به سعيد لتتسع بسمة نيرمينا بسعادة كبيرة على شقيقها، تقول متسائلة :
" الظاهر أنك ضربت صحوبية مع أنس"
رفع رأسه لها يردد بهدوء أثناء جلوسه يحرك الصغير بحب :
" ممكن تقدري تقولي إني لما بقف قدام أنس بحس إني قدام معجزة كبيرة، اتنين زي ميمو وصلاح يجيبوا كائن ملائكي زي القمر ده ؟؟ سبحان الله "
أطلقت نيرمينا ضحكات صاخبة وهي تراه، قد توقف عن العديد من الأمور، عدا استفزازه لميمو .
زفرت ميمو بحنق شديد تتحس معدتها بتعب :
" لا هي المعجزة الوحيدة أنه مطلعش شبهك الحمدلله، اصل سمعت إن في الحمل الأم لما تتغاظ من حد الطفل بيطلع شبهه، الحمدلله عدت على خير، ربنا يسترها في اللي جاي "
ارتفع حاجب سعيد باستنكار شديد :
" وأنتِ تطولي ابنك ولا بنتك يطلعوا شبهي ؟؟ مش احسن ما يبقوا شبهك أنتِ أو التاني اللي متجوزاه ؟؟"
تشنجت ملامح ميمو تجيبه ببرود شديد :
" هو شبه أي حد هيكون احسن منك يا سعيد والله "
تجاهلها سعيد مستمرًا في ملاعبة الصغير :
" حياتي أنا، بكرة أخرج من هنا وانقذك من جحر الأفاعي اللي عايش فيه يا حبيبي "
ضحكت ميمو ساخرة :
" لص يتحدث عن الأمانة "
" والله لولا أنك الوحيدة اللي بتجيبي ليا أكل أنا كنت رديت عليكِ رد مش هيعجبك "
رمقته ميمو بتشفي وبسمتها تتسع أكثر :
" يااه على الدنيا والذل، كل ده عشان لقمة العيش "
اقتربت نيرمينا تضم سعيد بحب شديد مقبلة أعلى رأسه، والاخير ينظر لها بحب شديد يسمعها تقول :
" ده انا اعمله كل اللي يحبه على عيوني "
قبل سعيد يدها :
" تسلم ايدك ياقلبي، أنا بخير متتعبيش نفسك أنتِ، ميمو تتعب نفسها عادي، مش كده يا ميمو ؟؟ "
سحبت منه ميمو الصغير تردد بحنق وتهكم :
" امال يا قلب ميمو مش المرمطون بتاعك ؟؟"
"اعيش وامرمطك يا ميمو "
حركت ميمو الصغير بين ذراعيها تهمس له ببضع كلمات، ثم ابتسمت وقالت :
" معلش بكرة تطلع واطلعهم عليك يا سعيد، يلا بقى يا نيمو عشان ألحق صلاح قبل ما يخلص حفلة التوقيع بتاعته "
ابتسم سعيد يقبل الصغير، ثم رآها تضع له حقيبة طعام وبعض الكتب التي طلبها منها، وودعته نيرمينا متحركة للخارج مع ميمو، وقبل أن تخرج ميمو من الغرفة سمعت صوت سعيد يوقفها :
" صحيح يا ميمو "
توقفت متعجبة تنظر له بترقب ليبتسم قائلًا بحنان واستحسان لما تفعل في حياتها :
" هو متأخر كام شهر عشان اقول كده، بس مبارك الحجاب......."
__________________________
يجلس على طاولة تتوسط الجميع، يبتسم كعادته ويتحدث بكل هدوء ورقي يمتلكه، يجيب على اسئلة البعض ويمازح البعض الآخر بشأن كتاباته الأخيرة .
هز رأسه يستمع لسؤال أحد معجبيه الذي نهض يطرحه بفضول شديد :
" استاذ صلاح هو صحيح أن الكتاب الاخير مستوحى من قصة حياتك ؟!"
ضم صلاح حاجبيه بتعجب لتلك الفكرة التي يعتقدها الجميع، فكتابه الأخير لا يمت بصلة لحياته هو، مجرد كتاب أنتجه خياله الخصب، لكن ربما لأن الجميع يبحث بين سطور الخيال عن واقع اعتقدوا ذلك به .
ابتسم لهم يجيب بهدوء شديد بعد صمت قصير :
" لا الكتاب الاخير غير مستوحى من حياتي، ربما يكون واقعي بنكهة خيالية، وربما يكون واقع بعض الأشخاص بالفعل لكنه مش واقعي أنا، أنا واقعي افضل بكثير الحمدلله "
صمت يبصر واقعه الجميل يسير بين الجميع حاملًا بين يديه مستقبله الحبيب، ويبتسم له، ليبادلها صلاح البسمة دون وعي :
" قصتي أكبر من أن مجرد صفحات تضمها، اعتقد لو قررت في يوم اكتب قصتي هحتاج مجلدات من مليون صفحة أو أكثر، صفحة اوصف فيها معاناتي، و ٩٩٩,٩٩٩ صفحة اوصف فيهم كرم ربنا عليا وعوضه الجميل ليا"
أنهى حديثه بغمز صغيرة التقطتها ميمو لتتسع بسمتها بقوة تبادلها الحب بعشق مقابل، ذلك الرجل الذي عانى معها سنوات وسنوات، ولم تتوقف معاناته عند زواجهم، بل بدئا الإثنان رحلة لا تنتهي من المعاناة لأجل إحضار صغيرهما الأول، وبعد سنوات من المحاولة، كان يستمر صلاح في ضمها وتقبيل رأسها كلما يأست، رزقهما الله بأنس ليؤنس حياتهما، وهي لم تتبع تعليمات الطبيب بالتريث لحمل الطفل الثاني، بل أرادت أن تعوض صلاح عن انتظاره سنوات وتمنحه نطفتهما الثانية والتي تقبع داخل رحمها بكل راحة منذ شهور قليلة ...
سمع صلاح شخص يتسائل بفضول :
" معنى كده أن حضرتك مش ممكن في يوم تعمل مثلا سيرة ذاتية أو حتى قصة عن حياتك، يعني حضرتك ما شاء الله صحفي ناجح ومقالاتك قوية اوي، اكيد ورا كل مقال قصة اقوى تستحق أنها تتحكي "
صمت صلاح ثواني يفكر في كلماته ثم قال بهدوء :
" أنا بالفعل كتبت قصتي في كتاب، قصة بدأتها وأنا ١٨ سنة تقريبًا، ولسه منتهتش، كل يوم بتنضاف ليها فصول جديدة واحداث جديدة "
" وحضرتك مقرر تنشره امتى ؟؟"
أطلق صلاح ضحكات خافتة يهز كتفيه بجهل شديد :
" معرفش امتى ممكن احط كلمة الخاتمة في قصتي، بعدين هي القصة دي مش قصتي مع الصحافة ولا كل ده، دي قصة تانية بعيدة كل البعد عن حياتي الظاهرة، ومعتقدش إني ممكن في يوم هحب أظهر الجزء الخفي في حياتي للعلن "
أنهى حديثه بهدوء شديد رافضًا أي مناقشة فيه، ليتحدث مدير دار النشر متدخلًا في الأمر مبتسمًا، وقد أخذ يتناقش معهم حول الاصدار الجديد لكتاب صلاح في المعرض القادم وغيرها من الأمور التي لم تهم صلاح بقدر اهتمامه بميمو التي كانت تراقبه بفخر شديد، كل يوم تزداد حبًا له....
استغل صلاح انشغال البعض بالحديث مع كاتب آخر من دار النشر يشترك معه في حفلة التوقيع، واستأذن بخفوت منهم متحركًا لخلف الصفوف صوب ميمو تحت أعين البعض الفضولي.
وصل لها يأخذ منها صغيره الحبيب، ضمه لصدره يقبل وجنته وخده بحب شديد، ومن ثم اقترب من ميمو يهمس لها بصوت منخفض :
" روحتي لسعيد ؟! "
هزت رأسها بإيجاب مبتسمة :
" أيوة وكمان نيرمينا جات معايا"
" وهو عامل ايه ؟! "
ربتت على خصلات الصغير بحنان شديد :
" كويس الحمدلله، وكل مرة بيتحسن عن اللي قبلها، وكمان بعد ما نيرمينا جات اعتقد بقى كويس، بس قبل ما امشي أكد عليا إني اخلص اللي طلبه "
صمتت وقالت بتردد شديد :
" أنا تقريبًا خلصت كل حاجة بس ناقص شوية اوراق كده محتاجين يـ "
قاطعها صلاح يفهم ترددها ورغبتها، ابتسم يعدل من وضعية الحجاب الخاص بها، يدفع ببعض الخصلات لداخل الحجاب وهي نظرت له تدفع هي الأخرى، وصلاح يربت على وجنتها بحنان بعدما انعزل بها عن الأعين الفضولية :
" أنا كلمت محامي بالفعل يا مقدس، متقلقيش ياقلبي كل شيء هينتهي وبدون أي مشاكل "
ابتسمت له ميمو بحب شديد شاكرة إياه فهي لم تتوقف عن عادتها باقحامه في أمورها وأمور سعيد، وصلاح لم يتوقف عن تقبل ذلك الاقحام بصدر رحب وبسمة، بل إنه هو من يطالبها بعض المرات باقحام نفسه، وحينما سمع صلاح رنين هاتفه علم أنه يجب عليه العودة لمقعده، وقبل أن يعطيها أنس للرحيل، منعته ميمو ببسمة خبيثة :
" لا معلش هو أنس قالي أنه عاوز يقعد معاك هناك على الكرسي ده، مش كده يا أنس ؟!"
كان أنس مشغولًا في اللعب بقلم والده الذي سحبه من جيب سترته السوداء، وصلاح يرمق ميمو باستنكار شديد، ومن ثم نظر لولده يقول :
" أنس هو اللي قالك عايز يقعد هناك معايا ؟! "
" أيوة، حتى اسأل أنس، أنا يعني هكدب عليك ؟!"
ضحك صلاح يفهم جيدًا ما تفكر به، يشير ببنصره صوب خاتم الزواج الخاص به :
" ميمو يا حبيبتي، الكل عارف إني متجوز والله، متقلقيش"
ربتت على ظهر أنس وهو يعلو كتفه قائلة ببسمة أوسع:
" معلش زيادة تأكيد، خده قعده معاك شوية، أصل أنا حسيت فجأة كده بتعب واني مش قادرة اشيله"
سخر منها صلاح يتحرك صوب الطاولة التي تجمعه مع باقي أفراد دار النشر، يقبل صغيره ويهمس له بحنق :
" تعالى يا حبيبي لأحسن ماما شوية وهتربطني فيك "
ضحكت ميمو بخفوت تتأكد أن حجابها بخير ولم يحدث له ضرر، ثم جلست بهدوء على المقعد تتابع حوار صلاح، الذي كان يتحدث بهدوء ورقي يتنافى تمامًا عن هيئته بسبب حركات أنس ولعبه في خصلات شعره مبعثرًا إياها، في حركة اعتاد عليها مع صالح، همس له صلاح :
" بس يا حبيبي انا بابا مش عمو صالح، أبقى روح ألعب في شعره هو، بس ده شعر بابا سيبه زي ما هو "
نظر له أنس مبتسمًا وقال :
" بابا "
ضحك صلاح بخفوت وهمس :
" أيوة والله، بابا بس مرهق شوية، ممكن أظهر ليك دلوقتي صالح بس أنا والله صلاح، تشوف البطاقة؟! "
ضحك أنس وهو لم يفقه نص الحديث، بل فقط يظنه أنه يلاعبه ليس إلا، وصلاح اندمج معه في الحوار تارة، وفي المناقشة تارة أخرى، حتى انتهى الأمر ونهض صلاح يتحرك به صوب ميمو لولا أن أوقفته فتاة لتأخذ منه بعض الصور ...
توقف صلاح يحمل بين ذراعيه أنس الذي بدأ يجذب خصلات شعر الفتاة بوقاحة، جعلت صلاح يبعده للجانب الآخر معتذرًا والتقط صورة سريعة معها، ثم تحرك صوب ميمو التي كانت تضحك بصوت عالي عليهم، وبمجرد أن وصل لها أخذت منه الصغير تقول بمزاح :
" تمت المهمة بنجاح يا أنس، فكرني اديك مكافأة لما نرجع"
سخر صلاح يتحرك معها للخارج وهو يحاول تصفيف شعره :
" مجندة ابني ضدي ؟؟ "
" واجند جيش كامل يا صلاح، المهم نحمي حدودك بعيد عن أي دخيلة، ولا ايه يا أنس؟! "
هز أنس رأسه لتبتسم ميمو وتتحرك صوب سيارة صلاح الذي قال بمزاح :
" الواحد هيبدأ يستعد من دلوقتي عشان يجند الفرد الجديد لطرفه ..."
________________________
دخل المنزل ينظر حوله يحاول أن يتبين وجود أيًا من الشياطين الذين أنجبهم، لكن لا شيء الهدوء يعم المنزل، مما يعني أن لا أحد هنا عدا زوجته الحبيبة .
على ذكرها سمع صالح صوت دندنات يأتي من جهة مطبخهم، رفع حاجبه يتحرك صوب المطبخ بخطوات بطيئة يرهف السمع ليصل له صوت رانيا مغنيًا بألحان لطيفة هادئة، توقف على باب المطبخ يراقبها مبتسمًا، وهي تغني وترقص ....
ارتفع حاجبه يقترب منها أكثر، من توقف خلفها يميل ببطء نحو كتفها هامسًا بلطف كلمات لا تمت للـ لطف بصلة :
" عاملة إيه على الغدا ؟؟ "
انتفض جسد رانيا بقوة واختض من الصدمة، قبل أن تتماسك فجأة، وتنكمش ملامحها تدعي غضبًا ليس بها في الحقيقة فهي لن تتعرف على صالح بالأمس..
" مالك قلبتي كده، ما من شوية كنتِ بتغني وبترقصي "
تجاهلته رانيا وهي تكمل عملها، لكن صالح لم يسمح لها بذلك يجذبها بعيدًا عن طاولة الطعام، يسحب من يدها السكين ببطء شديد تحسبًا لأي شيء، ثم ابتسم يقول بهدوء ونبرة متحمسة :
" نسيت اقولك، ذكرى زواج سعيد يا رانيا، ويارب العمر كله سوا "
نظرت له رانيا بريبة وقالت :
" مين قالك ؟؟"
" محدش طبعا، انا افتكرت لوحدي "
رفعت حاجبها باستنكار تكذبه، لكنه لم يهتم وهو يقول بجدية كبيرة :
" ولعلمك بقى أنا اساسا فاكر من اسبوعين تقريبًا، لا أنا اساسا منستش عشان افتكر، وكنت مش راضي اقولك الصبح باعتبار إني هعملك مفاجأة انهاردة، لكن حسيت كده الصبح أنك زعلانة مني، فقولت اقولك اني فاكر وابوظ المفاجأة وخلاص "
ختم حديثه حانقًا وقد بدأ يقتنع هو الأخر بكذبته لدرجة اصابه الغضب لأنها أفسدت مفاجئته التي لم يفكر بها حتى .
ورانيا اقتربت منه بريبة وشك، لا تصدق ما يقول، لكن رغم ذلك ابتسمت وقالت :
" بجد يا صالح ؟!"
زفر صالح يمسح وجهه :
" طبعًا يا رانيا، أنا كنت بجهز الهدية عشانك، بس أنتِ بوظتي الدنيا، يلا مش مشكلة تتعوض الذكرى الجاية، أنا هخرج اغير وجايلك اساعدك "
" طب استنى احطلك حاجة تاكلها لغاية ما الأكل يجهز"
" لا اكلت مع محمود عند هاجر و..."
فجأة توقف عن الحديث حينما شعر أنه ارتكب خطأه الذي سيحيل يومه والأيام القادمة لجحيم، دعى وابتهل في أعماق قلبه ألا تنتبه رانيا لذلته تلك وتمررها، اكمل طريقه بخطى عادية، لكن رانيا ليست تلك الحمقاء التي يفوتها كل ذلك ...
" كنت عند هاجر ؟؟ "
ابتلع ريقه وقال بنبرة حاول جعلها عادية :
" أيوة فطرت عندها كالعادة يعني ما أنتِ عارفة محمود مبقاش ياكل غير هناك كل يوم "
اقتربت منه رانيا خطوات وقالت بتسائل:
" وهي قالتلك حاجة ؟!"
استدار لها مبتسمًا :
" بتسلم عليكِ يا حبيبتي "
" الله يسلمك يا صالح، مقالتش ليك حاجة غير أنها بتسلم عليا ؟؟ زي مثلا أنها انهاردة بتحضر حاجة عشان ذكرى جوازنا، أو فكرتك إن انهاردة ذكرى جوازنا ؟؟"
صمت صالح ثواني وهو يرى ملامح رانيا المتحفزة، قبل أن يمنحها بسمة واسعة، يقول بصراحة كبيرة ودون أن يحيد عن الطريق المستقيم :
" أيوة فعلا هي قالتلي إن انهاردة ذكرى جوازنا، بعد ما أنا كنت ناسي، بس صدقيني لو كنتِ سبتيني، كنت هفتكر لوحدي على العصر أو المغرب كده "
أنهى حديثه مبتسمًا لتهز رانيا بيأس شديد عليه تتحرك خارج المطبخ :
" والله كنت عارفة يا صالح، أنت عمرك ما تتغير "
خرج صالح خلفها معترضًا وبشدة على حديثها :
" لا يا رانيا، أنا اتغيرت وأنتِ اكتر واحدة عارفة إني اتغيرت، ولا الكلام الحلو اللي كل يوم بتنامي وتصحي عليه ده مبقاش ياكل معاكِ؟! مين اللي بيقولك يا حبيبتي ساعات ؟؟ مش أنا ؟؟ ومين اللي لما الاكل يبقى حلو بيقولك تسلم ايدك ؟؟"
نظرت له رانيا بتشنج تحاول أن تكتم داخلها صوتًا ساخرًا متهكمًا :
" صالح يا حبيبي، اللي بتقوله ده مش كلام حلو، ده اسمه ذوق وأخلاقيات عادي "
" أيوة بس أنا معنديش ذوق، والكل عارف كده، فلما اقولك تسلم ايدك يا حبيبتي، يبقى بجاهد عشانك ولا لا ؟؟"
جاهدت رانيا لتكبت ضحكة صاخبة كادت تخرج من فمها، وهو أشار لها بتحذير ألا تضحك وتفسد جديته، لكنها لم تتحمل لتنفجر ضاحكة ويعلو الحنق وجه صالح الذي حاول الخروج من المكان غاضبًا، لكن رانيا أمسكت يده بسرعة تردد :
" استنى معلش خلاص والله، أنا مكانش قصدي اقلل من جهودك العظيمة، أنا بس ... أنا بس والله مش قادرة بجد ملامحك بتضحكني "
زفر صالح حانقًا ولم يكد يتحرك، حتى امسكته هي تضمه بحب شديد :
" حقك عليا والله أنت عسل يا صالح وأنا بحبك زي ما أنت كده، بقلة ذوقك وكل الأخلاقيات اللي مش فيك "
ابتسم صالح بسمة واسعة وقال بحب شديد يتمتع بيدها التي تضم خصره :
" على فكرة والله أنا كنت هفتكر وهجبلك هدية، هو أنا عندي اسعد من اليوم اللي بقيتي فيه ليا يا رانيا ؟؟"
ابتسمت رانيا بحب له :
" أنا عارفة أنك مش هتفتكر يا صالح، ومش زعلانة على فكرة، أنا كده كده كنت هجهز الليلة مع ميمو عشان نحتفل سوا "
ابتعدت عنه تنهي كلماتها مذكرة صالح بيوم زفافه الذي تشاركه مع صلاح، فقد أصر أن يتزوجوا في يوم واحد سويًا، وصلاح كان أكثر من مرحب .
ابتسم يلاحظ حركات رانيا ليتساءل بتعجب :
" طيب هو الاولاد فين ؟! "
قالت تنتهي من الطعام أمامها :
" بعتهم عند تسبيح عشان اجهز الدنيا لغاية ما ميمو ترجع"
صمتت ثواني، ثم استدارت له وقالت بجدية :
" صالح هو أنا لو طلبت منك تلبس بدلة انهاردة ممكن تلبس ؟؟ عايزة نقضي يوم لطيف يفكرني بيوم الفرح ايه رأيك ؟؟"
صمت صالح ثواني لا يفهم سبب طلبها ذلك، لكنه لم يعترض، بل هز رأسه ببساطة شديدة مبتسمًا :
" حاضر هلبس بدلة، طلب تاني ؟! تحبي اسرح شعري زي صلاح ؟؟"
" لا أنا عايزاك صالح بس "
ابتسم صالح يميل عليها ملتقطًا قبلة سريعة، ثم اعتدل يقول هامسًا بحب :
" وصالح هيكون ليكِ أي شيء تطلبيه يا رانيا "
وعند تلك الجملة اقتربت منه رانيا مجددًا تضم وجهه بين يديها، ذلك الرجل أمامها تحول لاجلها، جاهد نفسه وجاهد طبيعته، وأظهر الطفل _الذي كان يلحق والدته_ داخله، أظهر صالح آخر غير ذلك الذي علمته في البداية، أو صالح الآخر الذي علمته بعد الخطبة .
صالح الزوج يختلف كليًا، حنون احيانًا، و ممازح أحيان أخرى، وحانق اوقات أكثر، ببساطة هي أحبته بكل صفاته وتعقيداته .
وبينما هي تضم نفسها له بحب شديد، قال صالح فجأة:
" رانيا هو ينفع تعملي ليا مكرونة عشان مكملتش أكل عند هاجر بعد ما سدوا نفسي باللي حصل ؟؟"
نظرت له بتعجب ليكمل :
" أصل ملحقتش أدخل، لقيتها في وشي وبتقولي أنها بتعمل كيكة عشان اليوم انهاردة، وأنا الحقيقة ميت من الجوع وعايز أكل مكرونة "
صمتت رانيا ولم تتحدث وهو قال بتردد :
" أنا ممكن اساعدك على فكرة "
ابتسمت له رانيا تربت على كتفه بحنان كبير :
" روح غير وانا هجهزها يا صالح "
قبلها صالح سريعًا يركض صوب الخارج :
" هاجي اساعدك أنا بقطع الفراخ حلو على فكرة "
ضحكت رانيا تتحرك لتجهز له ما يريد، وهو انطلق صوب غرفتهم يبدل ثيابه ممنيًا نفسه بجلسة لطيفة داخل مطبخهم الدافئ يشاركها صنع الطعام والحديث في مختلف الأمور، أوقات رائعة ينعزل بها صالح عن عالمه، رفقة عالمه ....
__________________
" أنا ممكن اساعد على فكرة "
رفضت الصغيرة تدخل والدها فيما تفعل، ليتذمر محمود مبتعدًا عنها تاركًا إياها تعبث في العجين كما تشاء وتحب، فهاجر عادة ما تشتري لها عجين الوان مخصص للأطفال وتتركها لتلعب بها مقتنعة أنها تفعل كما تفعل هاجر ..
ابتسم محمود يراقب هاجر ولا يصدق أنها زوجته، لا يعلم كيف بدأ الأمر وكيف وصل لهذه اللحظة، آخر ما يتذكره من حياته القديمة هو زفافهما حينما أدلت بموافقتها عليه ...
يقف متوترًا أسفل الدرج، صالح يجاوره محاولًا أن يجعله يتوقف عن الدوران في المكان :
" يابني ما تتنيل تهدى بقى، قولنا دقايق وخارجة "
نظر له محمود بحنق شديد :
" صالح مش نقصاك الله يكرمك، أنا على أخري ادخل امسكها احطها في العربية وامشي على البيت اساسا "
نظر له ماجد بشك :
" أنت دخلت المعمل بلبعت حاجة يا محمود ؟!"
نظر له محمود باستنكار شديد، لكن والده لم يتوقف عن النظر له يتفحصه، وفجأة سمع صوت الزغاريد بدأت تنطلق، وبسكوتته الهشة الجميلة تهل عليه في طلة ملائكية لطيفة ورقيقة، وفي تلك اللحظة نفذ محمود رغبته المجنونة وتحرك لها دون أن ينتظر شيئًا .
توقف ينظر لها بحب، ثم قال :
" هو أنا لو خطفتك من هنا هتزعلي مني ؟؟"
نظرت له بعدم فهم ولم تكد تستفسر عن مقصده، حتى وجدته يمسك يديها يسحبها صوب السيارة الخاصة به يساعدها على الصعود تحت أنظار الجميع، ثم صعد جوارها وتحرك بالسيارة في إتجاه اخر غير اتجاه قاعة الزفاف .
أقترب ياسين ومحمد من صالح، ليتساءل الاخير حانقًا :
" هو صاحبك أخد هاجر وراح بيها فين ؟؟"
ابتسم صالح بسمة سخيفة ولم يعلم ما يجب قوله سوى أن قال بهدوء :
" أصل ... أصل محمود حابب يشرب عصير قصب فقال هيروح يشرب شوب ساقع ويحصلنا على القاعة "
خرج محمود من أفكاره على صوت هاجر التي كانت تراقبه مبتسمة بتعجب :
" مالك يا محمود بناديك ومش بترك "
أقترب محمود منها يقول بمشاكسة :
" فجأة كده افتكرت يوم جوازنا "
نظرت له هاجر ثواني قبل أن تنفجر في موجة ضحك عنيفة تصيبها كلما تذكرت ذلك اليوم، تتذكر اللحظات التي أخذت تصرخ في السيارة بجنون تطالبه أن يعيدها وأنها تريد أن تصبح عروسة وتجلس في مقعدها كما الجميع ..
"متفكرنيش، أنا يومها كنت بجد مستعدة اخلص عليك وارجع بالعربية للفرح عشان اقعد على الكوشة زي كل العرايس "
هقهقه محمود بصوت مرتفع يقترب منها يداعب وجنتيها بحنان :
" وهو لما تخلصي عليا هتكوني عروسة ازاي يعني من غير عريس ؟؟"
" ما أنا كنت لابسة الفستان وفيه قاعة وبوفيه "
" والعريس كماليات؟؟"
هزت رأسها بهدوء منشغلة في الأنتهاء مما تحضر أمامها، وكل ثانية تنظر صوب ابنتها بخوف أن تعبث باشياء تؤذيها، انتبهت لصمت محمود فنظرت له، وجدته يحدق بها دون فهم، لكن محمود أطال تأملها لدقيقة تقريبًا، ثم قال :
" بعد السنين دي يا هاجر، ندمتي يوم أنك اتجوزتيني ؟؟ يعني أنا قصرت قبل كده معاكِ ؟؟"
تعجبت هاجر سؤاله الغريب، لكن رغم ذلك تركت كل ما بيدها وتحركت صوبه تتحدث بجدية وقلق:
" أبدًا يا محمود، ليه بتقول كده ؟! أنا عمري ما ندمت ثانية إني اخترتك، أنت أكتر اختيار صح أنا اخدته في حياتي يا محمود "
ابتسم لها محمود بحنان شديد يداعب وجنتها بإصبعه هامسًا :
" طب والإختيار الصح ده ميستحقش إجازة صغيرة ليه وليكِ لوحدكم، ونسيب الفراولة عند رانيا أو ياسين ؟؟"
ارتفع حاجب هاجر بتعجب شديد تعود للخلف وقد اكتشفت لعبته التي يسعى لها منذ وطأ المكان :
" وأنت هتقدر تسافر من غير فراولة يا محمود ؟!"
" عادي يا هاجر هي هتحمض ؟! يا ستي هسيبها مع عيال صالح هما بيحبوا يلعبوا سوا، بس أنا عايز أسافر معاكِ إيه رأيك ؟؟"
نظرت له هاجر تفكر ثواني في اقتراحه، هي لا تعترض أبدًا على إجازة خاصة بها مع محمود، بل تتمناها فما أجمل من قضاء أيام بين أحضان حبيبها، لكن الصغيرة؟؟ هي فقط تخشى عليها أن تُخدش بالخطأ .
ابتسم محمود يعلم ما تفكر به :
" متقلقيش هي واخدة على رانيا وعيالها ومش هتزعل، بالعكس دي هتفرح عشان هتبات معاهم، وافقي أنتِ بس"
شردت هاجر ثواني قبل أن ترتسم بسمة معلنة بها موافقة مبدئية على ذلك الاقتراح، هزت رأسها تقول بموافقة :
" تمام معنديش مانع بس أهم حاجة كلم صالح وبلغه الأول واستأذنه "
" يابنتي صالح مين ده اللي استأذنه، ده هيفرح ويـ "
وقبل أن يكمل جملته سمع رنين هاتفه يصدح باسم صالح، ابتسم يردد بسعادة :
" أهو ابن حلال جه على السيرة "
فتح محمود المكالمة يقول بسعادة كبيرة :
" صالح حبيب قلبي "
وصله صوت صالح من الجانب الآخر يردد بلهفة :
" محمود صديق عمري "
ابتسم محمود بريبة وقد بدأ يشعر أن هناك خطب من كلمات صالح تلك، وكذلك صالح الذي ضيق عيونه بشك، ونطق الإثنان في وقت واحد :
" كنت عايزك في خدمة ..."
صمت الإثنان وقد زادت ريبتهما..
نظر محمود صوب هاجر التي كانت تتابعه باهتمام شديد تحاول معرفة ما يحدث، ليبتعد عنها مبتسمًا بسمة صغيرة، ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت صالح يقول بجدية :
" عايزك تاخد العيال عندك يومين كده عشان هسافر مع رانيا سنغافورة..."
____________________
جلس في أحد أركان السجن يناجي ربه ويناجي ذاته التائهة بين دروب العصيان لا تدري للتوبة من باب، كلما طرق أحد الأبواب وسوس له شيطانه أن هناك سواد يختبأ له خلفها، فيبتعد كارهًا خائفًا ..
تنفس سعيد بصوت مرتفع يمسك وجهه بكفيه، ثم قال بصوت خافت :
" يوم وأخرج، بس هعمل ايه ؟؟ هعيش ازاي برة ؟؟"
شعر في تلك اللحظة أنه يود قضاء باقي حياته هنا بين الجدران والسجون، على الأقل لن يكون مضطرًا لمواجهة الناس أو مواجهة أخطاء ارتكبها في لحظات حمق، ولن يكون مضطرًا لمواجهة روحه التي تركها قبل ست سنوات رافضًا مقابلتها مرة أخرى أو حتى مواجهتها، رافضًا التفكير بها أو فيما حدث لها .
أتركته ؟؟ ووجدت من يستحقها أكثر منه ؟؟ نبذت ذكراه ؟!
بالله عليك يا سعيد وهل تركت لها ذكرى واحدة حسنة لتتشبث بها، فعدا شطائر السجق خاصتك التي كنت تحضرها لك، لا شيء جيد فعلته لها .
آه يا زهرة لكم أتوق لرؤية محياكِ فقط حتى ولو على بعد أمتار طويلة ..
واقترب ذلك اليوم، فهل تحنثين الوعد وتخلفين الميعاد؟! أم سأجدك في الانتظار ؟؟
________________________
هبطت من عيادتها بعد يوم عمل شاق، تشعر أن ساقيها لم تعد تحملها، هل عليها أن تزيد من حدة تمارين ساقيها لتقويتها؟! أم أن الضعف نابع من داخلها وانعكس على جميع اجزاء جسدها .
تنفست بصوت مرتفع تخرج جهاز التحكم بالسيارة عن بعد، تجنز السيارة للتحرك وهي تردد بصوت خفيض :
" الواحد بعد كده يبات في العيادة أفضل له من البهدلة دي"
فتحت باب السيارة لتدخلها، وما كادت تفعل حتى شعرت بذراع تضمها من الخلف، وبشخصٍ يجذبها لاحضانه بحنان شديد، وصوت انفاس يعلو جوار أذنها، وحرارة تلك الأنفاس تصطدم برقبتها، وذلك الصوت الشجي خرج هامسًا :
" وحشتيني يا زهرة ...وحشتيني اوي "
تصنم جسد زهرة بقوة وشعرت بأطرافها ترتجف لتسقط حقيبتها ارضًا وهي تشعر بالمكان يدور حولها، ابتلعت ريقها تحاول الأستدارة ببطء وهي تهمس :
" ........."
____________________
وكل ذلك كان مجرد تمهيد وتعريف صغير عن المرحلة الجديدة التي خطونا لها .....
دمتم سالمين.
رحمة نبيل ....
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم رحمة نبيل
دعواتكم لأهلنا في غزة وأدلب .
دعواتكم لوالدتي بالشفاء
صلوا على نبي الرحمة ..
__________________
تحرك صوب بهو المنزل يحمل بين ذراعيه الصغير بحنان مشفقًا أن تحمله ميمو في حالتها تلك، وضعه ارضًا وجمع بعض الالعاب الخاصة به يضعها حوله، ثم تحرك صوب الغرفة الخاصة به يخلع سترته وقميصه ويرتدي ثياب منزلية ..
خرج من الغرفة يتحرك صوب البهو مجددًا يطمئن على صغيره، ثم ابتسم غامزًا لميمو متحركًا صوب المطبخ يرتدي الثوب المخصص له :
" ها تحبي تاكلي إيه انهاردة ؟؟"
ابتسمت ميمو تقترب منه تحاول نزع ثوب المطبخ عنه، قائلة بلطف شديد :
" لا معلش استريح أنت وأنا انهاردة اللي هطبخ، هعملك مكرونة بشاميل زي ما بتحبها مني "
ابتسم صلاح ولم يتحدث بكلمة، بل جذبها يجلسها على أحد المقاعد، يتحرك ليجهز الأدوات اللازمة للطبخ :
" اليوم يا مقدس هانم اعتبري نفسك ملكة، أصل مش كل يوم هيكون ذكرى جوازنا، فاعتبري ده بداية اليوم لينا سوا، لغاية بليل عشان محضرلك مفاجأة "
ابتسمت ميمو بسمة واسعة تتنفس بصوت مرتفع، تجذب مقعدها بعيدًا عن الطاولة المستقرة في أحد أركان المطبخ، تتحرك به صوب صلاح تضعه جواره وجلست عليه تراقبه بحب شديد :
" عشان عيد جوازي ولا عشان تداري على اللي اتنشر انهاردة الصبح يا صلاح ؟!"
توقفت يد صلاح عما كان يفعل وترك السكين بقوة حتى كاد يكسر أحد الاكواب أمامه، وقد اشتعلت عيونه بالنيران، حاول التنفس ليهدأ، ثم قال بصوت خافت دون حتى أن يستدير لها :
" وهو من امتى الكلام وقف يا مقدس ؟؟ من سنة وفيه كل يوم مقال جديد بقصة جديدة، كل ما المبيعات تقف عندهم أو اخبط أنا فيهم يفتكروا اني اتجوزت ميمو مرات جاد الاشموني اللي كان جوزها فاسد، واكيد طبعا عملت كده عشان ليا مصلحة معاها هي وسعيد الاشموني "
استدار ينظر لها دون اهتمام لكل ذلك :
" يا ترى شايفة ده شيء يستحق اوقف حياته عشانه ؟؟ يستحق أخرب يومي واعكر مزاجي عشانه ؟؟"
صمتت ميمو ولم تجب وصلاح جفف يده يقول بجدية كبيرة :
" ببساطة يا مقدس خليهم يتكلموا براحتهم ويخبطوا فيا براحتهم، كلامهم مش مضايقني ولا هامنني ولا مأثر عليا بذرة واحدة "
" بس مضايقني أنا، وهامنني أنا يا صلاح "
نظر لها صلاح بحاجب مرفوع لتنهض هي متجهة له تحاول أن تتحدث بكلمات توصل بها ما يدور في خلدها ويؤرق مضجعها :
" أنس بيكبر ويوعى على الدنيا، مش عايزة يجي الوقت اللي يبدأ يلاحظ اللي بيحصل ويكرهنا، مش عايزة ابني يعيش صراعات هو في غنى عنها يا صلاح، انا تعبت من كل ده والله، أنا... أنا كنت معاك في الاول إن منتكلمش ونسيبهم لما يسكتوا، بس حصل ايه ؟؟"
نظرت حولها بغضب وحقد شديد :
" بيسكتوا ويرجعوا يتكلموا في كل مناسبة تظهر أنت فيها، أول ما تعمل إنجاز بيفكروك أنك اتجوزت واحدة أرملة لشخص فاسد حقير، ومش بعيد تكون مراته زيه و..."
قاطعها صلاح قبل أن تكمل كلماتها، لا يود سماع المزيد، هو بالفعل بدأ يستاء الأمر، في البداية لم يكن يعطيهم أي اهتمام لأنه كصحفي يدرك ما يدور وراء كل ذلك الحديث، يريدون استفزاز بحاره الهادئة ليهيج عليهم، ويعطيهم ما يريدون ويزيد من الجدل القائم حول عائلته، صمت وهو يدرك أنه إن تحدث سيزيد من الطين بلة، فإن كان هناك ١٠ أشخاص يقرأون تلك الأخبار، بعد حديثه سيصبحون الآلاف الأشخاص.
الأمر بدأ من الأساس بمولد أنس وظهور ميمو بعد اختفاء للعلن كزوجته في بعض المناسبات ليبدأ متابعي صلاح في التكشير عن أنيابهم ..
تنهد يجذب ميمو له بحنان شديد يربت أعلى ظهرها بحب شديد :
" أنتِ تؤمري يا ميمو، اللي عايزاه هيحصل ياقلبي، من بكرة مش هتسمعي ليهم صوت "
نظرت له ميمو بترقب :
" هتعمل ايه ؟؟"
أجاب باقتضاب شديد ومازال عقله يعمل على إيجاد حل غير أن يلجأ للحديث هو بنفسه، حل في صمت دون إثارة بلبلة أكثر:
" هتصرف واقولك يا قلبي، ودلوقتي تحبي مكرونة بشاميل ولا ايه ؟!"
نظرت له ميمو ثواني بشك تفهم جيدًا أنه لم يصل بعد لحل يرضيه ويرضي الدبلوماسي داخله، لكنها رغم ذلك ابتسمت وقالت :
" أحب أي حاجة هتعملها يا صلاح "
قبلها صلاح بحب شديد، ثم تحرك صوب المطبخ يعد الطعام، ينشغل فيما يفعل وهو يتحدث بجدية :
" صحيح سعيد خلاص هيخرج صح ؟!"
جلست ميمو بتعب شديد على المقعد :
" أيوة باذن الله بكرة، بفكر اصحى بدري واروح أنا استقبله مع نيرمينا ونادر "
" تمام هاجي معاكِ"
" لا متتعبش نفسك أنا.."
قاطعها صلاح بجدية :
" مين قال إن فيه تعب ؟؟ أنا حابب اجي معاكِ، خاصة إن سعيد وحشني من آخر زيارة "
صمت ثم أضاف ممازحًا :
" عايز اشوف البركة بتاعنا "
أطلقت ميمو ضحكات عالية تتحرك صوب الثلاجة الخاصة بها تبحث عما تتناولة وقد كاد الجوع يأكل معدتها رغم أنها من ساعات قليلة فقط تناولت الطعام مع نيرمينا :
" تخيل سعيد المعفن بقى بركة، والله الدنيا دي دوارة يا جدع "
استدار لها صلاح يجذبها خارج الثلاجة ليبحث عن بعض الاشياء، ثم أخرج الأطعمة وأحضر الخبز يصنع لها بعض الشطائر بحب شديد :
" يا ستي ربنا يهديه، أنا مش مصدق أن ربنا كرمه كده، صحيح يهدي من يشاء، المهم ربنا يثبته ويثبتنا جميعا يارب "
توقف عن الحديث يضع الشطائر أمامها لتتناولها ميمو وهي شاردة بشكل أثار انتباه صلاح الذي اقترب يجلس على ركبتيه أمامها هامسًا :
" مالك يا مقدس ؟؟"
" صلاح هو ...هو أنا.."
صمتت وكأنها تعطي لعقلها مهلة كي يفكر فيما تود قوله، وصلاح شاركها ذلك القرار وترك لها ما تريد من الوقت، حتى قالت هي :
" هو أنا هكون أم كويسة ؟! اقصد لو ...هو أنس لو كبر وعرف اللي حصلي ممكن في يوم يتكسف مني و..."
قاطعها صلاح بلهفة يمنعها من إكمال تلك الترهات التي تتفوه بها، رافضًا رفض تام أن تتطرأ لتلك النقطة من حياتهما :
" مقدس، أنس لو حصل وعرف اللي مريتي بيه، هيعرف قد ايه ربنا بيحبه عشان رزقه بأم قوية وشجاعة زيك، زي ما أنا بالضبط بفتخر بيكِ، ومحظوظ إني ليا شريكة فهماني اكتر من نفسي، وصائبة في كل قرارتها زيك يا ميمو "
ابتسمت له ميمو بتردد ليمسك هو كفها هامسًا بحنان :
" تعرفي ايه اللي بيميز قصتك عن أغلبية البنات يا ميمو ؟! "
نظرت له بفضول ليردد هو بحب :
" أنك في قصتك كنتِ الفارس والأميرة، الأميرة الرقيقة والجميلة اللي اتظلمت، والفارس اللي جاب حقها، مستنتيش اللي يجي ويجبلك حقك، موطتيش راسك وسكتي، لا اخدتي حقك وبدون ما تستني الفارس بتاعك"
" بس أنا كنت مستنياك يا صلاح "
قبّل صلاح يدها قائلًا :
" وأنا آسف إني خليتك تستني ده كله يا مقدس"
ابتسمت ميمو له بحب لينهض هو يضم رأسها لصدره بحنان شديد :
" محدش ممكن يسمع اللي حصلك يا ميمو، إلا ويحس بالفخر أنه يعرفك، يعرف واحدة زيك قدرت تصنع قصتها بنفسها بدون ما تضعف وتنكسر ، بكرة أنس يكبر والتاني يشرف، ويمشوا مرفوعين الراس أنك امهم "
_________________
" أنا... أنا مش ..."
صمتت تحاول إيجاد كلمات مناسبة تصف حالتها التي تعيشها في تلك اللحظة، لحظات رعب عاشتها في تلك الثواني التي شعرت بيديه يلامسان خصرها بكل وقاحة .
ابتلعت ريقها ويدها المرتجفة تحاول إبعاد ذراعيه عنها، لكن فشلت في ذلك، وشعرت بالهلع يملئ قلبها.
" داغر، داغر أبعد شوية معلش "
لكن المدعو داغر لم يكن من ذلك النوع المتفاهم، إذ أنه عاند وشدد من عناقه لخصرها، وهي فقط تتنفس بصوت مرتفع، لا تريد أن تهلع أو تتوتر أو تتصرف بشكل مريب قد يؤدي لنتائج غير مرغوبة فيها .
تحركت يدها صوب حقيبتها الخاصة، تحاول التملص منه وهو فقط يقترب من أذنها هامسًا بصوت منخفض وحنان يقطر من بين حروفه :
" مقدرش أبعد عنك يا زهرة، أنا خلاص تعبت من كل البعاد ده، اعمل ايه اكتر من اللي عملته عشان تحسي بيا؟! اتقدمت ليكِ أكتر من مرة وبرضو رفضتي، أعمل ايه تاني قوليلي ؟!"
أمسكت زهرة بالصاعق الكهربائي الذي ابتاعته خصيصًا لأجله، ولأجل أمثاله ممن يعكرون صفو حياتها الفوضوية من الأصل .
وبمجرد أن شعرت به يقترب مجددًا من أذنها للتحدث حتى رفعت يدها لتصعقه :
" هتفضلي طول عمرك كده ؟؟ فوقي يا زهرة أنتِ عديتي الـ ٣٠ سنة بكتير، هتفضلي مستنية لغاية امتى و..."
فجأة انتفض للخلف صارخًا بوجع شديد وقد شعر بجسده بالكامل ينتشر به لسعات كهرباء عنيفة، اسقطته ارضًا، وقبل أن يستوعب ما يحدث شعر بضربة في معدته وصوت زهرة خرج منها حاقدًا كارهًا :
" ولو وصلت لـ ١٠٠ سنة، مش هبص ليك ولا لغيرك، خلاص قفلنا "
ختمت حديثها تصعد سيارتها بسرعة كبيرة قبل أن يستعيد وعيه ويؤذيها، تحركت باسرع ما يمكن أن تفعل سيارتها، تتنفس بصوت مرتفع تحاول أن تتماسك وصورة سعيد تُعرض أمامها..
نبض قلبها بقوة وشعرت بارتجاف جسدها يهدأ، لكن عيونها ما هدأت يومًا، ولا ألمها خفت وجعه منذ اختفى سعيد، ولم يكتفي بذلك بل رفض أن يلقاها حتى ..
تجلس داخل مكان الزيارات حولها العديد من العائلات الذين جاءوا خصيصًا ليقروا أعينهم بأقاربهم، وهي لم تكن أقل منهم، فهي ما جاءت إلا لتراه، بعد أشهر من المكابرة والدوران حول مركزه دون أن تجرأ على الاقتراب منه .
زفرت تحاول أن تصمت دقات قلبها العالية، في الوقت الذي شعرت به بأقدام تقترب منها، رفعت رأسها تنظر صوب القادم لتتفاجئ بسعيد آخر، هزيل رث الشكل ذابل الوجه، ذو عيون مشتعلة غريبة .
وبمجرد أن ابصرها سعيد تراجع فورًا وقد ظن أن من جاءت هي ميمو فقط، لو كان يعلم أن زهرة هي من أتت ما كان خرج ورآها، ليس الآن وليس هكذا ..
تعجبت زهرة تراجع سعيد ونهضت لترحب :
" سعيد عـ "
" بتعملي ايه هنا ؟؟ "
فتحت زهرة عيونها بعدم فهم تنظر حوله في المكان، ثم ابتلعت ريقها تقول بهدوء :
" أنا جيت عشان ا..."
ومجددًا قاطعها بحدة كبيرة والكره يلتمع بعيونه :
" عشان تشوفي إني حققت اللي أنتِ عايزاه صح ؟؟ اطمني يا دكتورة المريض بتاعك خلاص رمى نفسه في النار عشانك وعشان انانيتك "
اتسعت أعين زهرة بقوة لا تعلم ما يقول أو سببه، لكن بالنظر بأعين سعيد المشتعلة والزائغة وحركات يده الغريبة علمت أن المتحدث الآن لم يكن سوى ذلك المقيت الذي تحكم به سابقًا، هزت رأسها تقول بهدوء :
" اهدى يا سعيد، أنا بس جاية عشان اطمن عليك "
" واطمنتي ؟؟ شوفتي اللي حصل فيا بسببك ؟! خلاص امشي، امشي ومش عايز اشوف وشك تاني هنا يا زهرة، كل ما بشوفك بفتكر غبائي اللي خلاني اتخلى عن حريتي وحياتي وجيت حبست نفسي في المكان المقرف ده، بسببك أنتِ أنا بتعذب "
شعرت زهرة بقلبها يختض في موضعه، وجسدها يأبى أن يتحرك خطوة من أمامه، فقط تنظر له نظرات غير مفهومة، قبل أن تقول بصوت خافت :
" سعيد فوق بالله عليك، بلاش تخلي غضبك يعميك عن كل اللي حواليك و..."
" ايه اللي حواليا ؟؟"
صمت يقترب منها بشكل مخيف يهمس من بين أسنانه بغضب جحيمي :
" ايه اللي حواليا يا زهرة؟! ايه اللي حواليا غير أسوار مانعة عني حريتي والنفس اللي بتنفسه ؟؟"
لم يكن سعيد من يتحدث، بل كان الجزء الاسود داخله، بينما سعيد خلصتها يستغيث أن تساعده وتنقذه، حاولت أن تتماسك تقول بهدوء :
" حواليك فرصة أنك تصلح من نفسك يا سعيد "
ضحك سعيد بسخرية لاذعة يحرك عيونه على الجميع حوله ليبصر عائلات كثيرة أتوا لرؤية ذويهم، وهو؟؟ حتى شقيقته فقدها، كرهته، كان من الممكن أن يكون الآن حرًا معه نيرمينا دون أن تنبذه، لكنه رفض كل ذلك لأجل ماذا ؟! لأجلها هي ؟؟
ازداد الكره في عيونه لتشعر زهرة بالرعب من نظراته له، وفجأة اقترب أكثر منها هامسًا :
" أنا خسرت الكل يا زهرة، ومجاتش عليكِ "
شعرت زهرة بجسدها بأكمله يهتز من صدمة ما سمعت، في طريقها لإعادة سعيد، خسرته وخسرت نفسها، سقطت دموعها تقول بهدوء يخفي خلفه عواصفها :
" يعني ايه ؟؟"
بصق سعيد الكلمات في وجهها بكره شديد :
" يعني مش عايز اشوفك هنا تاني، ولا عايز ألمحك ابدا يا زهرة خلاص، مش عايز اشوفك، إياكِ تيجي تزوريني "
أنهى حديثه يرحل بسرعة كبيرة رافضًا أن يكمل الزيارة، وزهرة نظرت حولها لا تعي ما حدث، تشعر أن العالم أصبح فجأة صامتًا والحياة أضحت باهتة، مسحت وجهها بقوة تشير لأحد العساكر وهي تقول بصوت خافت موجوع تمد يدها بالطعام الذي أعدته خصيصًا لأجله، أعدته منذ الصباح الباكر بعدما زف لها أخوها خبر الموافقة على الزيارة والذي توسط هو لها به باستخدام معارفه في إدارة السجون ...
" لو سمحت اديه الأكل ده، قوله ...قوله ...متقولش حاجة خلاص "
هبطت دمعة منها تحمل حقيبتها راكضة للخارج تبحث عن مكان تنأى بنفسها وبجراحها، كي تلعقها وتضمدها وحدها..
فاقت زهرة على صوت زمور سيارة عالي جعلها تفتح عيونها بقوة تنظر حولها تعي أين هي وماذا تفعل، مسحت دموعها بقوة تكمل قيادة السيارة وهي تحاول الابتعاد عن تلك النقطة في حياتها..
هيا زهرة ألا شيء في حياتك تفكرين به سوى سعيد ؟؟ نعم الهر الجديد الذي احضرته عليها إحضار طعام له، نعم يبدو هذا موضوع شيق رائع تخفي خلفه أفكارها المتلاطمة حول سعيد ....
____________________
تجلس في منتصف المنزل ترتب طفلها استعدادًا لتجمع العائلة اليوم احتفالًا بذكرى زواج التوأم الاكثر جنونًا في المحروسة ...
يوم سيُخلد في أذهان الجميع لشدة الجنون الذي حدث به ..
يوم زفاف صالح وصلاح ..
خرج الشقيقان من غرف التجهيز وتعالت ضحكات صلاح يرى هيئة صالح التي تشبهه وكأنه ينظر لنفسه في المرآة، حتى أنهما ارتديا نفس البدلة، فكان الاثنان نسخة طبق الأصل من بعضهما البعض .
وصل محمود للممر يتحدث وهو يرتب أكمام بدلته الزرقاء :
" يلا يا صالح هاجر كلمتني أن رانيا خلصت وكمان مرات اخوك و..."
توقف عن الحديث يحدق بالاثنان، فرك عيونه، ثم نظر لهما مجددًا ولم يتغير شيء :
" ما هو يا اما أنا عندي اعراض انسحاب وبقيت اشوف حاجات غريبة، أو إنكم فعلا اتنين بنفس الهيئة"
تعالت ضحكات صالح وهو يقترب من محمود يضمه بسعادة كبيرة، وضربات قلبه قد بدأت تقرع بالتزامن مع قرع الطبول في الاسفل، بادل محمود صالح الاحضان لا يدري هل يعانق صالح أم صلاح :
" مبارك يا صالح أو صلاح "
ابتسم صلاح في الخلف بسمته الساخرة ليدرك محمود أنه يعانق رفيقه، ابتعد عنه، ثم تحرك صوب صلاح يعانقه هو الآخر مباركًا له الزفاف، ولأول مرة يتقبل صلاح عناق من أحد غير ميمو وصالح، يبادل محمود ببسمة :
" الله يبارك فيك، عقبالك يا محمود أنت كمان "
ابتعد محمود عن صلاح بتعجب وقد عادت حيرته تلتمع في عيونه :
" ايه الحيرة دي بقى ؟؟ مين فيكم صالح ؟! "
وصل مرتضى مبتسمًا بسعادة كبيرة يبارك لأبنائه :
" يلا يا ولاد عشان البنات جاهزين و..."
توقف فجأة ينظر لهما بحيرة وهو يقف جوار محمود الذي كان هو الآخر يحاول استخراج صديقه من بينهما، فمنذ ثواني ظن أنه علم الفرق بينهما لرؤيته نظرات السخرية في أعين صلاح، لكن حديث صلاح معه بلهجة عادية دون سخرية أو حدة جعلته يعود لنفس الحيرة .
أخرجهم مرتضى من كل ذلك يلوح بيديه في الهواء :
" مش مهم أي واحد منكم يروح يشوف مراته أو مرات اخوه محتاجة ايه ؟!"
نظر له الاثنان بعدم فهم ليتحدث صلاح مستفسرًا عن مقصد والده :
" مين فيهم ؟؟"
" ميمو، كانت بتقول عايزة صلاح و..."
وقبل أن يكمل كلماته وجد صلاح يندفع كالقذيفة من بينهم لتتعالى ضحكات مرتضى يقول بغمز لمحمود :
" عيب عليكم محدش بيلعب على بابا يا حبيبي "
توقفت اقدام صلاح الذي لم يكن قد عبر الممر، ونظر للخلف حيث والده يقول بعدم فهم :
" أنت بتهزر يا حاج ؟؟ هي ميمو مش عايزاني ؟؟"
" لا يا حبيبي بس دي طريقة حلوة اكتشفتها من ثواني غير الحسنة بتاعة اخوك، خوفا اقلعكم عشان البدل متتكرمش "
أنهى مرتضى حديثها وتحرك من أمام الجميع يشير لهما أن يتبعونه، ومحمود التصق بصالح كي لا يتوه منه مرة اخرى، والشقيقان سارا خلف والديهما بحنق شديد، في الأساس هذه فكرة صالح يود فقط أن يعلم إن كانت رانيا ستميزه كما فعلت ميمو يومًا ؟!
هبط الاثنان الدرج وتوقفا في الأسفل في انتظار أن تطل كل فتاة مع ولي امرها، ولم تمر دقيقة حتى طلت رانيا التي كانت محاطة بوالدها وجميع اشقائها، ومن ثم ميمو التي كانت تتأبط ذراع نادر بسعادة كبيرة وعيونها مثبتة على أسفل الدرج .
وحينما وصلت الفتاتين توقف الجميع بعدم فهم لما يرون، لا أحد يعلم من منهم زوج شقيقته ؟! وقد بدا ذلك العرض ممتعًا للضيوف الذين تعالت ضحكاتهم وهم يرون الحيرة تعلو وجوه الفتيات وذويهم .
تحركت عين رانيا بين صالح وصلاح تبحث بينهم عن العشوائي الخاص بها، تحاول أن تجده، تبحث عن أي لفتة قد تظهر عشوائية، وجوارها ميمو كانت تشاركها البحث قبل أن ترتسم بسمة خبيثة متحركة صوب صلاح في الوقت ذاته ابتسمت رانيا وقد علمت من منهم صالح في لحظة واحدة وقبل حتى أن ترى تحرك ميمو ..
توقفت ميمو أمام صلاح تعدل من وضعية رابطة العنق الخاصة به تقول بصوت خافت :
" المرة الجاية ابقى ألبس نضارة يا لذوذ عشان نظراتك واضحة اوي ومكشوفة "
ارتفعت ضحكات صلاح بقوة، يمسك يدها بحنان مقبلًا إياها، ثم انحنى نصف انحناءة يقول بحب :
" نظراتي قدامك ملهاش حاكم غير قلبي، و قلبي ملوش حاكم غيرك يا مقدس "
التمعت أعين مقدس بقوة من كلمات ولمسات صلاح الحنونة، ونظرت لنادر الذي كان يبتسم بسعادة يضم له نيرمينا محاولًا ألا يدعها لأفكارها ...
ضم صلاح كف ميمو وسار بها صوب مقعدهما تحت تصفيق الجميع ونظراتهما ..
بينما صالح كان يراقب رانيا التي تألقت في الفستان الذي شاركها في اختياره بكل سعادة يقول بغمزة :
" والله طلعتي شاطرة يا رانيا، عرفتيني ازاي ؟؟"
ابتسمت رانيا تقول بصوت هامس وصل له واضحًا رغم الصخب حولهما :
" نظراتك يا صالح كانت عليا، اكيد يعني صلاح مش هيبصلي بالنظرات دي، وكمان من الشراب بتاعك "
نظر صالح بسرعة صوب الجوارب الخاصة به والتي كان يظهر طرفها من الحذاء الأسود الأنيق الذي ابتاعه لزفافه خصيصًا ..
سمع ضحكات رانيا التي قالت :
" أكيد يعني صلاح مش هيلبس شراب عليه بطيخة "
ابتسم صالح لها يضم كتفها له كما يضم محمود في العادة، يتحرك بها وهو يردد من بين ضحكاته :
" لا طبعا صلاح ذوقه مش حلو للدرجة دي "
أطلقت رانيا ضحكات عالية تسير خلف صالح الذي امسك يدها يتحرك بها للمقعد الخاص بهم، لكن فجأة اشتعلت بعض الأغاني والموسيقى في القاعة ليبدأ محمود بالرقص في حماس شديد وصالح ترك رانيا على مقعدهما وتحرك لمنتصف القاعة يغني ويرقص بسعادة كبيرة ليخبر الجميع ممن لا يعلمون هوية زوجة كلٍ منهما، من بالتحديد صالح ومن صلاح .
لكن صلاح أفسد كل ذلك وهو ينهض من جوار ميمو بسبب جذب صالح له ليشاركه الرقص بسعادة يحرك يديه وكتفيه بسعادة كبيرة وشاركهما مرتضى الذي بدأ يتراقص بينهما ومعه سليمان ورائد الذي ترك تسبيح واندفع لهم يرقص بحماس شديد ...
اشتعلت القاعة وصالح وصلاح يمسكان بعضها البعض من اكتفاهما ويتراقصان بسعادة كبيرة، وقد انضم لهما محمود ورائد ...
رانيا تراقب ما يحدث مبتسمة، وجوارها هاجر التي كانت تجلس مكان صالح تراقب محمود بأعين عاشقة، وقد منحته موافقتها قبل الزفاف بدقائق معدودة..
نظرت ميمو صوب نادر الذي كان يجلس بهدوء بعيدًا عن الجميع، لتشير باصابعها صوب صلاح أن يشركه، وكذلك فعل صلاح الذي تحرك ليجذب له نادر يجبره على مشاركتهما الاحتفال ودون أن يشعر نادر بدأ يندمج بينهما مبتسمًا، فما على قلبه أسعد من هكذا مناسبة، يعيش مع شقيقته الفرحة ويعوض عليهما مر تجربة سابقة..
وميمو تعيش التجربة كما لو كانت الأولى، وقد كانت كذلك بالفعل، لا تصدق أن الله منحها فرصة أن تعيش تلك اللحظات كما جميع الفتيات، تشعر بقلبها يرتجف سعادة .
التقت عيون نادر بعيون نيرمينا التي كانت تراقبه ببسمة حنونة رغم كل ما تحمل داخل قلبها من حزن، فمنذ شهور فقط سُجن سعيد، وميمو رفضت إقامة الزواج قبل أن تطمئن عليه داخل سجنه، بل وذهبت له تمازحه وتستفزه كعادتها مخبرة إياه..
" الزيارة الجاية هجيلك بشريط الفرح تتفرج "
أقترب نادر من نيرمينا يمسك كفيها بحنان يضمها لصدره وبدأ يتحرك حركات بطيئة لا تناسب إيقاع ال الموسيقى السريع، فقط يتحرك بها كما لو كان يهدهدها بلطف وهي ابتسمت له تشير بإصابعها متجنبة الحديث بسبب الموسيقى الصاخبة، وايضًا لتطبيق كل ما تعلمته الشهور السابقة :
" أنا بخير يا نادر، افرح مع ميمو "
ونادر أجابها بأصابعه وبسمة حنونة :
" وأنا بفرح مع ميمو و نيمو كمان، فرحتي مش هتكمل من غيرك يا نيرمينا "
ابتسمت له نيرمينا بحب شديد تستكين على صدره بسعادة لا ينغصها سوى ما حدث لشقيقها، تراقب سعادة ميمو التي انضم لها صلاح أعلى المسرح الخاص بهما يجذب يدها له ويحركهما في الهواء مبتسمًا بسعادة وهي تشاركه السعادة بسعادة أكبر..
وكذلك فعل صالح الذي صعد اعلى المقعد الخاص به يرقص ويحرك كتفه في حركات مستفزة لمحمد والثلاثة الآخرين، ومن ثم جذب رانيا له من كتفها أمام أعينهم، ليزفر الجميع بغيظ وحنق شديد ..
قال جبريل بغيظ :
" اللهي تقع تنكسر رقبتك "
ابتسم عبدالله يراقب الجميع بسعادة وعبدالجواد ما يزال يراقب مروة فقط مبتسمًا بسعادتها وقد حصل لها قبل شهور قليلة على مقابلة أخرى مع صلاح راضاها خلالها ...
صعد صالح للمسرح وأمسك مكبر الصوت وبدأ يغني مع الموسيقى بصوت لا بأس به، جعل البعض يضحك والآخر يصفق له، وكان أكبر معجبي صالح هو صلاح الذي أخذ يصفر له ويصفق حتى أنه صعد للمسرح جواره يشاركه الغناء والضحكات تحت أنظار الجميع السعيدة ....
استيقظت ميمو من تلك الذكريات على صوت صلاح الذي سحب الصغير منها حاملًا بين يديه مشطًا يقول بحنان مقبلًا وجنتها :
" روحي اجهزي أنتِ، أنا هسرح لانس"
ابتسمت له ميمو تتحرك صوب غرفتهما تقول بصوت خافت :
" أنا بتعبك معايا يا لذوذ والله "
أطلق صلاح ضحكات عالية يلملم خصلات طفله الناعمة والتي ورثها من خاله مازن كما تقول ميمو :
"أنا أعمل أي حاجة عشان الكلمة دي يا قلبي "
ابتسمت له ميمو تخطو لغرفتها التي شهدت سعادة وحزن، ضحكات وبكاء، تنهدت تجذب ثيابها من الخزانة وهي تتذكر أول يوم لها مع صلاح بتلك الغرفة، يوم بكت خائفة ولم تنطق سوى بكلمات مبعثرة أكثرها وضوحًا كان :
" أنا خايفة افتكر يا صلاح "
بكت مرتعبة أن تعيد لها لمسات صلاح ذكرى امتهانها على يد جاد يوم زفافها، يوم أن فرت منه وكأن شياطين الأرض تلحقها، تبكي وتصرخ مرتعبة، تبحث لها عن منقذ .
وما كان رد صلاح سوى ضمة حنونة، وقبلة رقيقة أعلى جبهتها وكلمات صغيرة رددها على مسامعها ما تزال لليوم تحفظها له :
" ولو افتكرتي يا مقدس، أنا جنبك هشاركك كل ذكرياتك الوحش منها قبل الحلو، نامي وأنا جنبك ..."
شعرت ميمو بيد تضمها من الخلف وصوت صلاح يهمس لها بحب :
" مالك يا ميمو، سرحانة في ايه ؟؟"
نظرت له ميمو مبتسمة بحب وأجابت مباشرة :
" فيك "
اتسعت بسمة صلاح يداعب وجنتها بإصبعه بحب :
" ما أسعد قلبي بكلماتك مقدسي الحبيب "
استدارت ميمو تضمه لها بحب شديد، وهي تهمس له بكل كلمات العشق التي تملكها له.
صلاح كان اسمًا على مسمى، صلاح لها، ولكل ما فسد في حياتها، كان يُؤثر على نفسه الحزن أثناء حزنها، يرفض الانهيار كي لا يغفل عن دمعاتها.
حتى يوم أن قص عليها ما حدث مع والدته، لم يبكي ولم يحزن، فقط ضم نفسه لها وصمت، صمت صمتًا طويلًا حتى ظنته نائمًا ..
كادت تتحرك لتشعر به يقول بصوت خافت :
" خليكِ شوية كمان يا مقدس، عايز ارتاح "
تأوهت ميمو تحاول أن تتمالك نفسها، تربت أعلى خصلات شعره بحنان شديد :
" صلاح أنت أكثر شخص قوي في الدنيا، قدرت ترجع حق والدتك، ومضعفتش لحظة "
دفن صلاح رأسه في معدتها يردد بصوت خافت :
" أنا بس ... أنا بس كان نفسي اضمها مرة اخيرة، ملحقتش اشوفها، ملحقتش احضنها واقولها إني بحبها "
أنهى جملته ينفجر في بكاء قوي جعل ميمو تبكي هي الأخرى تزيد من ضمه، وصلاح يصف لها وجع كتمه سنوات داخل قلبه ولم يفرغه يومًا سوى في أحضان صالح، والآن بين ذراعيها ..
" كنت عاوز اضمها بس محدش رضي يخليني اضمها قبل ما تندفن، نزلت دفنتها بنفسي، لوحدي، فضلت واقف في العزا أسلم على الكل وأنا من جوايا عايز اصرخ واقولهم مش حابب اشوف حد، كل لحظة كان صالح بينهار فيها أنا كنت بموت مليون مرة، كنت ...كنت ..."
صمت ثم قال من بين شهقاته بوجع :
" كنت بستنى صالح ينام عشان اعرف اعيط، كنت ببعد عنه واحبس نفسي في ركن عشان اقدر أخرج كل اللي جوايا، كنت بخاف انهار قدامه فأزيد من وجعه أكتر، صالح استحمل وشاف اللي لو أنا شوفته مكنتش عمري هقف على رجلي تاني "
كانت ميمو تستمتع فقط كاتمة شهقاتها عن مسامعه، تربت على ظهره بحنان شديد تعطيه كامل الفرصة للانهيار بين احضانها بالامس كانت هي من تبكي له ظلم الحياة، واليوم هو من يفعل.
لم تترك الحياة منهم نفرًا إلا وأشبعته وجعًا، لكنها في المقابل منحت لهم من يشاركهم ذلك الوجع ويربت عليهم، كانت من الكرم الذي جعلها تضع ميمو في وجه صلاح، وتقاطع طرقات صلاح مع ميمو ...
أفاقت على صلاح يمسح دموعها التي هبطت، يدرك جيدًا أنها ربما تذكرت شيئًا ما جعلها تبكي دون شعور، بالإضافة لحملها الذي يجعلها في غاية الهشاشة تبكي على أي شيء تراه، ما يزال يتذكر يوم رأت قطة جالسة أمام بنايتهم لتبكي وتخبره أنها وحيدة في هذا البرد، وتلك القطة المسكينة التي كانت تسترخي دون اهتمام بأحد هربت من صوت بكاء ميمو ..
ضحك صلاح وهو يرى ملامح ميمو تنكمش بحنق، ثم أخرجت ثيابها تقول :
" أنت بتضحك عليا؟؟"
" لا يا قلبي أنا بضحك ليكِ "
نظرت له ميمو بشك ثم قالت :
" سرّحت لأنس ؟!"
هز رأسه بإيجاب في الوقت الذي سمع به ضحكات أنس تتعالى ليقول :
" صالح وصل من شوية مع رانيا "
ابتسمت تقول :
" طب رحب بيهم لغاية ما اجهز وبعدين تعالى عشان تلف ليا الطرحة ونخرج سوا، تمام ؟؟"
" حاضر "
____________________
خرج صلاح من الغرفة يغلقها خلفه، حتى وصل للبهو الذي كان صالح يجلس به حاملًا أنس يقذفه في الهواء بقوة وهو يصدر اصواتًا تسببت في تصاعد ضحكات الصغير .
واخيرًا استقر أنس بين أحضان عمه الذي قال بحنق يبعثر خصلات الصغير بعض الشيء :
" ايه القرف ده ؟؟ رايح تقدم في الخارجية يابني؟؟ مش فاهم ليه طفل يبقى شعره مترتب كده ؟!"
أنتزع صلاح صغيره من بيد اكفاف صالح بحنق شديد وغضب محاولًا تدارك ما فعله بخصلات أنس:
" عشوائتك دي تمارسها على ابنك، مش ابني، بعدين مسمي شعره قرف ؟؟ امال شعرك أنت ايه ؟!"
نظر صالح ليده التي كانت تحمل منذ ثواني أنس وقال بحنق :
" يا بني أرحم الولد هتجبله عقد، بعدين ماله شعري وشعر ابني؟؟ ده إحنا في قمة الروشنة ولا ايه يا بلال ؟؟"
لكن الصغير كان لا يستمع لما يقول والده بل فقط مندمجًا في تناول حلواه المفضلة بشكل جعل رانيا تكاد تسقط ارضًا وهي تبصر تعب ساعات في تحضيره يذهب هباءً .
أشار صالح لولده صاحب العامين فخورًا :
" شايف حبيب بابا مستمتع وبينشأ نشأة سليمة خالية من العقد والكلاكيع ازاي ؟؟"
تشنجت ملامح صلاح يردد :
" واضح النشأة السليمة، هو فعلا العقد والكلاكيع مش في عيالك يا صالح، دي هتيجي لمراتك يا حبيبي "
نظر صالح صوب رانيا التي كانت تحاول إصلاح ما أفسد الصغير بمساعدة ابنتها صاحبة الأربعة اعواء تقريبًا:
" مين رانيا ؟؟ يا عم دي في قمة سعادتها وهي بتقضي أوقاتها في التربية الإيجابية، هات بقى أنس خليني أعلمه بعض أساليب التربية الحديثة "
رفض صلاح جاذبًا الصغير لاحضانه، لكن صالح ارتدى نظارة صلاح الموضوعة على الطاولة يصفق بكفيه لانس :
" تعالى يا قلبي لبابا "
ابتسم أنس بسمة واسعة يفتح ذراعيه لصالح ظنًا أنه صلاح :
" بابا "
التقطه صالح يبتسم له بحب، وصلاح يراقبه بصدمة منتزعًا منه نظراته ليرتديها، ثم أشار للصغير :
" أنا بابا يا أنس تعالى يا قلبي "
نظر أنس لصلاح ومن ثم لصالح، ثم تحرك بجسده صوب صلاح لتتعالى ضحكات صالح، فمنذ ولادة الاطفال وهو يستغل الشبه بينهما اسوء استغلال ..
في تلك اللحظة تعالت أصوات ميمو باسم صلاح، ليتحرك الاخير صوب الغرفة آخذًا معه صغيره تاركًا صالح يذهب ليجلس ارضًا مع الصغير بلال يساعده على تنظيف نفسه ورانيا تعدل ثيابه وهي تبتسم على صالح الذي كان يتحدث له بجدية كما لو كان يفهمه :
" إحنا اتفقنا على ايه ؟؟ أي حركات مش تمام قدام عمو صلاح تثبت صحة كلامه في إني أب غير مسئول، فيها حرمان من السيرلاك على طول وبدون تفاهم واضح ؟؟"
تناول بلال حلواه وهو يحدق في صالح بأعين واسعة جميلة جعلت الاخير يقبل وجنته بحب :
" متبصليش بعيون خالك دي، هتخليني أحب محمد وأنا مش عايز "
ضربته رانيا في كتفه ليضحك بصوت عالي يخبرها أنه يمزح، وقد علت ضحكات الصغير وكأن ضرب صالح أعجبه ليعلو صوت الاخير:
" اهو شوفتي، بقى عامل زي اخوكِ والله "
ضحكت رانيا عليه تضم الصغير لها تمسح وجهه وهي تقبله وتلاعبه، بينما أميرة والتي كانت اسمًا على مسمى، مدللة صالح، ذهبت لتجلس بين أحضان والدها براحة شديدة، والاخير فقط ضمها لصدره بحب شديد يداعب خصلاتها يتنعم بوجودها جوار قلبه ...
______________________
يدفع عربة الشراء داخل أحد مجمعات التسوق العالمية داخل البلاد، وداخل تلك العربة تقبع الصغيره التي تتلاعب بعروس وردية ذات شعر اصفر وأعين ملونة، تمامًا مثلها، فتلك الصغيرة ورثت ملامح جدتها ووالدتها كذلك لتكون نسخة مصغرة من نيرمينا، ولم تأخذ من نادر سوى لون بشرته فقط...
تنهد نادر بلا صوت وهو ما يزال يسير خلف نيرمينا لساعات طويلة وكل ذلك فقط لشراء ما سيحتاجه سعيد عند خروجه من السجن .
فجأة توقفت نيرمينا بشكل غير متوقع، وتوقف نادر بسرعة كبيرة قبل أن يصطدم بالعربة فيها، وقد كانت عيونه متسعة برعب ..
لكن نيرمينا كانت تحمل علبة حليب تستدير صوب نادر تتساءل بحيرة :
" تفتكر اعمله رز بلبن ؟؟؟"
تشنجت ملامح نادر بحنق لتبتسم هي تقول :
" ولا بلاش هو مش بيحب اللبن اساسا غير على العصاير، أنا ممكن اعمله كريم كراميل ايه رأيك ؟!"
لم يجيب نادر بحركة واحدة من أصابعه وهي ما تزال تتابع عيونه منتظرة إجابة منه، وهو فقط دفع العربة تاركًا إياها دون أي بادرة منه لمشاركتها ذلك الهراء ورحل مع طفلته يحرك شفتيه في تمتمة صامتة حانقة ..
تركت نيرمينا ما بيدها وركضت خلفه تتحدث ببسمة غبية :
" عندك حق أنا اشتري حلويات من برة عشان معطلش نفسي وانا بجهز حلويات، أنا هعمل الاكل الأساسي "
توقف نادر بالعربية، ثم استدار لها يحرك أصابعه في الهواء بكلمات ساخرة :
" نيرمينا أنتِ لا بتعرفي تعملي حلويات ولا بتعرفي تعملي أكل اساسا، اعملي مكرونة بس والباقي نجيبه من بره "
اتعست عيون نيرمينا بصدمة من كلماته الجارحة، تقترب منه تهمس بحنق شديد :
" نادر متقولش كده قدام البنت، أنت كده بتصغرني قدامها "
نظر نادر لزينب التي كانت تلاعب عروستها الوردية دون أن تهتم، وحتى لو اهتمت فهي لم تكن لتفهم حركات أصابع نادر والتي قضت نيرمينا ثلاث سنوات كاملة حتى تتقنها بعد العديد والعديد من التراخي والكسل ..
ضرب نادر رأسها بخفة يشير صوب فمه ساخرًا :
" اقول ايه ؟؟ أنا بشاور "
" برضو متشاورش افرض شافتك دلوقتي ؟؟"
أشار لها بكل بساطة :
" مش هتفهم "
أنهى حديثه يتحرك بالعربة صوب ممر آخر خاص بالأطعمة المعلبة يحضر ما يهدأ جوعه وجوع طفلته في ليالي الشتاء الطويلة ..
ونيرمينا تسير خلفه تضم ذراعيها لصدرها بحنق شديد لا تفهم ما مشكلة ذلك الرجل معها، تقسم أنه يحاول أن يفرض رجولته عليها، لكنه يحلم فهي لن تدعه يستغل ضخامته وطوله فقط ليصمتها .
فتحت فمها في نية واضحة للصراخ به ألا يتعامل معاها كما لو كانت فتاة صغيرة و ..
توقفت لرؤيتها سيدة تدفع عربة بها طفل وتقترب من حدود نادر الذي لم يكن يعطيها أي اهتمام منشغلًا بالنظر لمحتويات أحد الأطعمة في هوس معروف ..
لكن تلك السيدة لم تعطي لكل ذلك اهمية مقتحمة مساحته الشخصية وهي تقول ببسمة صغيرة :
" معلش ممكن تناولي علبة كورن فليكس اللي بالفواكه فوق دي عشان مش طايلة"
رفع نادر عيونه عن العلبة يحدق في السيدة بعدم فهم، إذ لم يكن منتبهًا أثناء حديثها معه، أشار لها برأسه إن كانت تنتظر منه شيئًا أو تحتاج لشيء، وما كادت السيدة تعيد عليه حديثها حتى وجدت فتاة شابة تقتحم المسافة الضيقة بينهما وهي تقول :
" نعم، محتاجة مساعدة!"
نظرت لها السيدة بعدم فهم لتدخلها، لكنها فقط ابتسمت وقالت باحترام شديد :
" أيوة من فضلك لو ممكن تتحركي من قدام الاستاذ عشان كنت عايزة منه يساعدني في حاجة "
نظرت نيرمينا خلفها لنادر الذي كان يراقب ما يحدث بعدم اهتمام بعض الشيء، لكنها فقط ابتسمت وقالت :
" أيوة محتاجة ايه وأنا اساعدك، أنا بفهم في تغذية الطفل اكتر منه "
شعرت السيدة بحنق كبير يملئها من تلك الفتاة التي لا تعلم لِمَ تتدخل ؟؟ لذلك حاولت دفعها جانبًا مشيرة لأحد المعلبات الغذائية التي تقبع أعلى رفوف المكان :
" أيوة لو سمحتي كنت عايزاه يجبلي الكورن فليكس اللي بالفواكه فوق دي ممكن توعي شوية ؟؟"
نظرت لها نيرمينا ثواني ولم يخرج منها سوى إشارة على بعض المعلبات جوارهم في الاسفل :
" ليه ما اللي بالشوكولاتة حلو "
نظر لها نادر من الاعلى متشنجًا والسيدة رمقتها بعدم فهم، وهي شعرت بالخجل يكتنفها تعود للخلف تدفن ذاتها وغباءها بين جنبات صدر نادر الذي ضحك بلا صوت والسيدة ترمقهما بعدم فهم .
رفع نادر ذراعه وأحضر لها ما تريد باحترام شديد، لتمسك من المعلبات مبتسمة :
" شكرا اوي يا ..."
صمتت تقول بهدوء :
" أنت اسمك ايه ؟؟"
لم يجيبها نادر بشيء وفقط نظر صوب نيرمينا التي جذبت العربة تقول بهدوء شديد :
" يلا خلينا نخلص باقي الطلبات عشان نلحق الكل "
ابتسم نادر يتحرك خلفها بلا كلمة مما جعل السيدة تتطلع لاثرهما بملامح مفكرة تقول بتلقائية تعليقًا ليس مقصودًا البتة :
" أخرس ده ولا ايه ؟!"
فجأة توقفت اقدام نادر عن التحرك وكذلك نيرمينا التي نظرت له لترى اقتضاب خفيف على ملامحه قبل أن يكمل الطريق بكل هدوء وهي فقط نظرت للسيدة بلوم وكره شديد جعل الأخيرة تتعجبهما ...
أكملت نيرمينا كل شيء، ثم توقفت ليدفع نادر ثمن مستلزمات المنزل، وهي تراقبه ببسمة أثناء مداعبة صغيرتها .
مجددًا سمعت صوت السيدة تقف خلفهما في الصف متحدثة بتسائل :
" هو حضرتك مردتش عليا لما كنا هناك، أنا آسفة لو ازعجتك مش قصدي والله، أنا بس ..."
صمتت حينما وجدت نادر يخرج بطاقته البنكية يدفع بها، ثم اخذها بهدوء وحمل حقائب الطعام بيد وباليد الأخرى حمل صغيرته وأشار لنيرمينا أن تتحرك أمامه، وكذلك فعلت لتستاء السيدة أكثر وهي تردد بغيظ شديد :
" على فكرة دي وقاحة وقلة أدب، أنا كل ما اكلمك تسيبني وتمشي بدون حتى ما تستأذن أو تعتذر أنك مش عايز تتكلم "
تحدثت فتاة الحسابات التي كانت على معرفة مسبقة بنادر ونيرمينا، فهما كانا من الزبائن الدائمين في المكان، فقالت بصوت خافت هامس لكنه وصل واضحًا لنيرمينا ونادر :
" هو مش بيتكلم يا مدام، أخرس يا عيني "
شهقت السيدة تنظر لأثر نادر الذي أكمل طريقه دون اهتمام وقد كان يقبل وجنة صغيرته بحب، وآخر ما وصل لمسامعه صوت السيدة المشفقة عليه :
" أنا مكنتش اعرف، فكرته متكبر والله، والله ما قصدي ابقى قليلة الادب كده، بس حرام والله شاب زيه كده يبقى ...."
وكلمات أخرى تجاهلها نادر أثناء توجهه صوب سيارتهما، وضع الحقائب في الصندوق الخلفي، ثم زينب في المقعد الخلفي يضع لها حزام الامان مع عروسها المفضلة، ومن ثم فتح الباب لنيرمينا مبتسمًا، والأخيرة تراقبه تحاول البحث عن أي ملامح حزن أعلى وجهه، لكنه فقط قابلها ببسمة لتتحرك صوب السيارة وتصعد، وهو جاورها وبعدها تحرك بالسيارة صوب منزل ميمو حيث يتجمع الجميع للاحتفال بذكرى زواجها .
يقود السيارة بهدوء شديد في انتظار لانفجار نيرمينا، وما هي إلا ثواني حتى انفجرت الأخيرة في بكاء مرير وهي تهتف بكلمات غير مفهومة، أخرج نادر بعض المناديل يعطيها لها وهي تأخذها منه تقول ببكاء :
" دي ست مش كويسة، هي ليه تقول عليك كده وتقولك يا حرام، ايه شيفاك ماشي بتلت رجول؟! دي واحد مش محترمة اساسا، بعدين دي كانت بتبص عليك وبتعاكسك قدامي يا نادر "
ابتسم نادر يربت أعلى رأسها مهدئًا إياها، وكأن السيدة اعابت بها هي وليس هو، فهكذا هي نيرمينا كلما تعرض هو لشيء سييء بكت بالنيابة عنهما، بل ويضطر هو لمواستها بسبب ما تعرض له..
ابتسم يحرك يده أعلى رأسها وهو يداعب وجنتها بأصابعه حتى هدئت عن البكاء واستكانت لكتفه أخيرًا تقول ببسمة صغيرة :
" أنت جميل اوي يا نادر على فكرة "
ابتسم نادر يحرك أصابعه في الهواء لها :
" وأنتِ الجمال كله يا نيرمينا "
اتسعت بسمتها بحب لذلك الرجل الذي أُعجبت حينما كان يودع مراهقته، وعشقته حينما استقبل شبابه، وهامت به حينما غاص في النضج، نادر كان لها عائلة حين غابت عائلتها، وعالمًا حينما نبذها عالمها، وحياة حينما بصقتها حياتها، باختصار مثّل لها نادر كل شيء وأي شيء في هذه الحياة .
لا تنسى أنه كان الوحيد الذي جاورها بعد سجن سعيد بالإضافة لميمو بالطبع، لكن مساندة نادر اختلفت عن الجميع، وافق أن يؤجل زفافهما حتى تنتهي من الجامعة بالكامل، من ثم أقام زفاف صغير لم يحضره سوى عائلتهما فقط، قضته باكية لعدم وجود سعيد لولا وعد من ميمو أن تريه الزفاف قسرًا .
وبعد الزواج عكف على تعليمها لغته وحياته وطريقة تعبيره عن حبه لها، ورغم انشغاله بالشركات الخاصة بميمو وعمله معها في العديد من الأمور، لم يهملها يومًا أو يتركها وحيدة أبدًا وحينما علمت بحملها للطفلة كانت سعادة نادر قد بلغت عنان السماء لدرجة أنه بكى بسعادة بين أحضانها...
ابتسمت نيرمينا وهي تنظر لنادر الذي لم تتوقف يده عن التربيت على رأسها تفكر، ترى إن لم يكن نادر في حياتها، ماذا كان سيحدث لها بعد رحيل سعيد؟؟ أي حياة بائسة كانت ستعيش ؟! وحيدة مشردة، ولربما يسحبها بعض اصدقاء السوء كما سبق وفعلوا معها، وينتهي بها الأمر مدمنة أو مجرمة، أو حتى فاسقة دون أن يهتم بها أحد..
لكن وكأن نادر كان بطلها الخارق الذي انتشلها من مصير بائس، هبطت دموعها تشعر بحبه يتضخم داخل قلبها مرددة بصوت هادئ :
" نادر أنا بحبك اوي "
ابتسم نادر بسمة واسعة زادته وسامة على وسامته، وقد نضجت وسامته مع ملامحه، فهو الآن لم يعد ذلك الشاب ذو الثالثة والعشرين عامًا، بل هو الآن رجلٌ في التاسعة والعشرين ...
مال نادر يمنح خدها قبلة حنونة ثم حرك شفتيه على خدها بكلمة لا ينفك يرددها حتى وإن لم يستطع نطقها :
" بحبك ..."
_______________________
" رائد يلا عشان منتأخرش و..."
توقفت تسبيح عن الحديث بصدمة حينما أبصرت جسد رائد الممد أعلى الفراش واضعًا قدمه أمامه والتي كان الدماء يسيل منها بشكل جعل أعينها تتسع مشيرة لها محاولة البحث عن كلمات توفي فزعها حقه .
ورائد رفع عيونه بهلع يحاول الحديث :
" اصبري هوضحلك، ده ...ده صلصة وقعت عليا مش دم، اصبري بس ..."
لكن تسبيح كانت قد انقضت عليه تتحدث برعب كبيرة وهي تمسك قدمه تضعها أعلى فخذها :
" منين ؟! مين اللي عمل فيك كده، وازاي ...ازاي يا رائد تسيبها كده من غير ما تشوف دكتور ؟؟"
نظر لها رائد يربت أعلى كفها الذي يمسك قدمه، محاولًا أن يفسر لها ما حدث، لكن تسبيح لم تمنحه الفرصة وهي تنزل النقاب أعلى وجهها تسحب يده واضعة إياها أعلى كتفها تسنده ليسير :
" قوم هنروح نخيطها دلوقتي، بسرعة قبل ما الجرح يبرد"
تطلع فيها رائد مستنكرًا :
" اخيط ايه؟؟ يا تسبيح عادي ده جرح حصل بالغلط وانا في ..."
نظرت له تسبيح بتحذير :
" متتناقش معايا يا رائد، امشي بهدوء عشان نشوف الجرح ده، بعدين محتاج تكون مسؤول شوية، أول ما تتعور تجري على المستشفى تشوف أي دكتور يعالج "
" اتعور ؟؟"
" أنت شخص مهمل يا رائد، مهمل وغير مؤهل أنك تشيل مسؤولية حد فما بالك بنفسك، المدير بتاعك ده غلط لما حملك مسؤولية لقب زي الرائد ده"
" كل ده عشان جرح في رجلي هيخلص بحتة شاش وقطن ؟؟"
نظرت له وقد زاد حنقها من تصغير الأمور، ورائد الذي كان يستند عليها لا يفهم حقًا ما يحدث هنا، لكنه فجأة توقف وأشار لتسبيح أن تتوقف هي الاخرى، وابعد النقاب عن وجهها كي يرى ملامحها أثناء الحديث :
" بصيلي كده كويس ...شايفة أي حاجة فيا ؟؟ يا تسبيح الجرح عادي والله، هو لو كان خطير كان زماني واقف بكلمك دلوقتي ؟؟"
نظرت له بشك ليقترب منها مبتسمًا :
" الموضوع كله يتلم بقطنة وشاش ياقلبي والله أنا بخير "
اطالت تسبيح النظر بوجهه، ثم قالت متسائلة :
" يعني مش هتيجي معايا المستشفى ؟؟"
" لا مستشفى ليه ؟؟ ده جرح بسيط والله، ادخلي بس هاتي حاجة اعالج بيها رجلي "
انكمشت ملامح تسبيح بحنق وغيظ وغضب، ثم سارت صوب الداخل تتحدث كعجوز نقمة متهكمة :
" أنت طول عمرك كده واجع قلبي معاك ومش بتحب تريحني، والله لاتصل بماما واقولها عليك "
حدق رائد باثرها متعجبًا، ثم تحرك ببطء صوب الأريكة يلقي بجسده عليها، ليجدها تخرج من الغرفة تحمل هاتفها وهي تحدث أحدهم :
" لا مش راضي يروح المستشفى، أنا هعالجه واديله العلاج وانيمه "
تحدث رائد مشيرًا لها بإصبعه:
" قوليلهم أنك هتديني الرضعة كمان لأحسن يقلقوا اني أنام جعان ولا حاجة، افضحيني كمان وكمان "
نظر له ثم أكملت حديثها :
" هي عايزة خياطة اه، معلش بقى يا ميمو كنت عايزة اجي بس ...."
قاطعها رائد الذي سحب منها الهاتف يقول بصدمة :
" ايه ايه ياما ميمو ايه ؟؟ أنتِ فضحتيني عندهم، وانا مفكرك بتكلمي أمي وقولت معلش مننا وعلينا وعارفة كل بلاوينا؟؟ بتقولي لميمو هديله العلاج وانيمه ؟؟ ايه ابنك بيسنن وبتشتكي منه للناس ؟؟"
نظرت له تسبيح بعدم فهم، ليتحدث هو في الهاتف مع ميمو بصوت هادئ وكلمات مقتضبة أنهى بها المكالمة :
" لا أنا بخير متقلقوش ده جرح صغير خالص، هضمده ونيجي، لا إحنا جايين، مع السلامة "
اغلق الهاتف ونظر لتسبيح التي قالت باعتراض :
" هتروح فين ؟؟ أنت مش هتتحرك من هنا غير لما الجرح يلم "
رفع رائد الهاتف وهو يتظاهر برغبته في إلقائه عليها :
" ده انا اللي هلمك يا تسبيح لو ما اتعدلتي، قولتلك أنا كويس وده جرح بسيط، ايه فيه ايه مالك كده ؟؟"
نظرت له تسبيح بخوف تقول بصوت خافت :
" أنا بس .. أنا بس خايفة يكون بيوجعك، والله مش قصدي اعصبك "
تعجب رائد لملامحها التي انقلبت فجأة واقترب منها يقول بحنان :
" ايه يا توتا مالك ؟؟ أنتِ كويسة ؟؟"
نظرت له تسبيح تقول بحزن شديد :
" أنا بس بخاف عليك يا رائد، أنا بترعب كل يوم لغاية ما ترجع البيت، مليش غيرك أنت والاولاد في الدنيا دي، ولو حصلك حاجة أنا ممكن أروح فيها والله، المرة دي بموتي يا رائد مش هلاقي اللي يقويني"
تأوه رائد بحزن عليها وهو يجذبها بين أحضانه جالسًا على الأريكة، يقول بحنان شديد :
" ليه يا توتا حابسة نفسك في الخوف ده ياقلبي، كلها اقدار والاقدار بيد الله يا حبيبتي، عشان كده سيبيها على الله وتوكلي عليه، ويا ستي أنا معاكِ أهو وكلنا بخير، ليه الزعل والنكد ده ؟؟"
مسحت تسبيح دمعة يتيمة كادت تعبر حدود اجافنها، ثم ابتسم تقول بصوت هادي :
" أنا بس بعزك زيادة يا رائد، عشان كده مش بحب يحصل حاجة ليك "
" بتعزيني ؟؟ مش شايفة إن ده وصف امهاتي شوية، يعني ده تقوليه لعيالك لما حد يسألك بتحبي مين اكتر، لكن مش كلمة تتقال لجوزك يا توتا "
نظرت له تسبيح بعدم فهم ليبتسم هو مربتًا أعلى رأسها يجيب جملتها :
" متاخديش في بالك يا تسبيح، الله يعزك يا رب ويسعدك ويخليلك عيالك يا حبيبتي "
أطلقت تسبيح ضحكات عالية جعلت رائد يزيد من ضمها له وهو يداعب رأسها حتى أفسد خمارها بالكامل، وهي فقط مستمرة في الضحك ليبدأ رائد في إفساد هيئتها بيديه ممازحًا ..
" مش كنا عدينا مرحلة الأمهات دي من زمان ؟؟ بترجعينا ليها ليه ؟؟ أنا ما صدقت بقيت اكلمك من غير أدعية الله يرضى عليكِ خرجينا من منطقة المامي دي"
لم تتوقف تسبيح عن الضحك وهو يزيد من زغزغة معدتها، ثم مال يقبل وجنتها بحب شديد :
" ضحكتك دي ترياق يا توتا"
نظرت له مبتسمة ليضيف :
" مش مصدقة ؟؟ بصي على رجلي هتلاقيها بقت زي الفل"
وكأن تسبيح قد صدقت الأمر، إذ مالت بنصف جسدها لتنظر على قدمه، لتجد أن الدماء ازداد سيلانها أكثر من ذي قبل، رفعت عيونها لرائد الذي قال بلهفة :
" ده كان تعبير مجازي، عالجي رجلي بسرعة قبل ما دمي يتصفى ..."
______________________
" جبت الهدية يا محمود ؟؟"
اغلق محمود الباب الخلفي لسيارته، ثم تحرك وجلس جوار هاجر يضع بينهما علبة هدايا متوسطة الحجم مبتسمًا :
" أيوة جبت دي بتاعة صالح وبتاعة صلاح ورا "
ختم حديثه يتحرك بالسيارة وهو يسمع اصوات صغيرته التي تتلاعب بهاتف هاجر في الخلف، لعبة صنع المخبوزات، وكأن الحياة الواقعية ويومها الطويل الذي تقضيه داخل مخبز والدتها ليس كافيًا ..
ابتسم محمود يضم كف هاجر لتنظر له ببسمة تقول بسعادة :
" هو كده انكل ماجد هو اللي هياخد باله من جهاد ؟؟"
" أيوة كلمته وهو رحب بالموضوع، وكمان فرغ نفسه من أي مؤتمرات أو شغل الفترة الجاية عشانها، أنتِ عارفاه معندوش اغلى منها في الدنيا، ممكن يرميني في الشارع ويقلبلها اوضتي مخبز "
ابتسمت هاجر بحب شديد، فهي لا تصدق أنها حظت بتلك العائلة السعيدة الهادئة، كان قرارها الذي اتخذته منذ سنوات أن تمنح محمود فرصة، هو أكثر قرار صائب في حياتها ..
" مقولتيش تحبي تروحي فين ؟؟ "
" أنت حابب نروح فين ؟؟"
نظر لها يقول ببساطة شديدة :
" أنا ميفرقش معايا، غير أنك معايا يا نواعم"
وبتلك الكلمات استطاع محمود تفجير قنبلة من الزهور الوردية والقلوب الحمراء والبالونات البيضاء داخل عقل هاجر التي اتسعت بسماها، وعلت السعادة وجهها تقول :
" ايه رأيك نسافر اسكندرية نقضي هناك يومين سوا، نزور اماكن كتير ونلف في الشوارع سوا ؟؟"
نظر لها بتعجب كبير إذ توقع أن تتطالبه بجولة حول العالم، ورحلات تكلفه كلية وعين وجزء من كبده، لكن هاجر تظل هاجر، نفس الفتاة الشاعرية التي ترى الجزء الرومانسي من كل شيء، ابتسم لها يشدد الضغط على يدها بحب :
" لو أنتِ حابة ده انا عيوني ليكِ يا جوجو "
ابتسمت هاجر باتساع تشعر يتوقف السيارة أمام البناية التي يسكن بها كلٌ من صالح وصلاح والتي تقع على بعد شارعين من منزل رائد ..
هبط محمود يسير صوب المقعد الخاص بطفلته يحملها على ذراعه يساعدها الهبوط، ثم أمسك بيدها وحمل الهدايا يشير لهاجر أن تسبقه، لكن وقبل أن تتحرك هاجر خطوة واحدة سمعت صوتًا انثويًا ينطق باسم زوجها مستوقفًا إياهم .
استدارت ببطء تراقب سيدة تضع زينة مبالغ بها بعض الشيء، تقترب من محمود مبتسمة متحدثة بود وكأنها تعرفه منذ سنوات ..
وقد كانت كذلك بالفعل إذ قالت بعدم تصديق :
" محمود عاش من شافك"
طالعها محمود بتفكير وكأنه يحاول تذكر أين رآها ليقول فجأة وقد تذكر، مورطًا نفسه في شجار غير محسوب مع هاجر :
" سجدة فانيليا ؟؟ أنتِ بتعملي ايه هنا؟؟ مش كنتِ اتجوزتي العريس اللي هو من قطر ده ؟؟"
" الامارات "
" مش هتفرق راجل كان معاه فلوس كتير، مش سافرتي معاه من سنين؟ "
لوت سجدة فمها تقول حانقة من ذلك الحديث :
" اتطلقت من سنتين، أنت ايه الاخبار وصالح برضو و..."
وقبل أن تكمل كلماتها سمعت صوتًا جوارهما يقول متدخلًا :
" لو مش بقاطع الحديث اللطيف ده، ممكن الهدايا يا محمود وأنت أبقى حصلني "
نظر لها محمود يقول بهدوء شديد :
" لا استني يا هاجر أنا طالع معاكِ، حمدلله على سلامتك يا سجدة نورتي مصر"
هزت سجدة رأسها وهي تنظر لهاجر نظرات غير مهتمة البتة :
" هشوفك بعدين أصل أنا رجعت لشغلي في المستشفى، هشوفك وهشوف صالح "
لوح لها محمود مودعًا يتحرك خلف هاجر التي جذبت منه جهاد بغضب شديد وقد بدت في تلك اللحظة شخصًا آخر غير زوجته الهادئة المسالمة، ليلعن محمود في تلك اللحظة سجدة وصالح ومعرفتهما التي لن يجني من خلفها سوى وجع الرأس ..
" هاجر دي سجدة كانت زميلتي أنا وصالح في الشغل من ..."
وقبل أن يكمل جملته تقدمت هاجر من المصعد، وهو دخل خلفها لا يفهم تلك الملامح المخيفة التي علت وجهها والتي يبصرها لأول مرة، صمت وقد قرر أن يتحدث لها عند عودتهم .
" راجعة مخصوص من الخليج يا سجدة عشان تعكنني عليا عيشتي، بس لما اشوفك والله لاطفحك الشوكولاتة اللي بتلفي بيها على المكاتب ..."
__________________
" ودي ايه اللي رجعها دي ؟! "
ارتشف محمود بعض المشروبات يراقب النساء يتضاحكون جانبًا ويمرحون عدا هاجر التي كانت ترمقه بنظرات غريبة جعلته يفرد كفيه في الهواء ولسان حاله يقول ( ماذا فعلت ؟!)
زفر يشعر بضربة صالح أعلى كتفه :
" بقولك هي رجعت ليه ؟؟"
رمقه محمود بحنق وغضب مبعدًا كفه عن كتفه :
" عشان أتطلقت يا حبيبي، وشكلها كده راجعة وعيونها عليك وحابة ترجع الود بتاع زمان، فحرّس كده عشان متلقيش كمان يومين اخوات رانيا جايين يعلقوك وهما على تكة اساسا "
مسح صالح وجهه يحاول أن يتجاهل كل ما قيل، فما شأنه وتلك سجدة ؟! هي كانت نخطوبته وخطأ ارتكبه قديمًا وانتهى الأمر، لِمَ عليه الخوف الآن من عودتها ؟؟
" سيبك منها دي عيلة على الله "
أطلق محمود صوتًا ساخرًا يراقب اقتراب رانيا منهم بخطوات مبتسمة تحمل بين يديها علية صغيرة ليتركهما محمود بعدما همس في أذن صالح :
" تمام بس خد بالك، عشان سجدة اللي رجعت غير اللي كانت بتوزع شوكولاتة كل ما ضفر جديد يطلعلها "
أنهى حديثه يتحرك صوب هاجر يلتصق بها والأخيرة تساعد صغيرتها في تناول الحلوى التي تعدها بفواكهة طبيعية لأجل الصغار .
اقترب منها محمود يقول بصوت خافت :
" مالك يا جوجو ؟؟ والله العظيم سجدة دي كانت زميلتنا من سنين طويلة وبعدين اتجوزت وسافرت ولسه راجعة "
نظرت له تشعر بالغيرة تملء قلبها حتى كاد يفيض بها، ومحمود ابتسم على تلك النظرات، فأمسك قطعة من الحلوى يتناولها بنهم شديد، ليس لأنها لذيذة، بل لأنها من صنع يد بسكوتته الحبيبة .
حمل عنها جهاد واضعًا إياها ارضًا ومن ثم وضع أمامها طبق الحلوى يقول مقبلًا خدها :
" خدي يا قلبي لغوصي فيها لغاية ما نرجع "
ثم سحب هاجر خلفه يتحرك بها صوب الشرفة التي كانت مفتوحة على مصرعيها، يتحدث بصوت حنون :
" جوجو تفتكري احتمالية إني ابص لبنت تانية غيرك قد ايه ؟؟"
نظرت له ولم تحسن اختيار إجابة فابتسم هو وقال بتخمين :
" يعني لو راجل عيوني بصباصة فاحتمالية إني اعمل كده هي ٣٠٪، نحط بقى بند إني متجوز هتقل لـ ٢٠٪، وبحب مراتي ومقدرش اعيش ثانية من غيرها يبقى ١٠٪، وطلع عين اللي خلفوني عشان اوصل ليها ومش مستعد اضيعها يبقى ٥٪، واخيرًا سجدة كانت خطيبة صالح القديمة اساسا، ومفيش بيني وبينها عمار غير الشكولاتة اللي كانت بتوزعها على روح صالح يبقى ٠٪"
كانت هاجر تستمع لحديثه بملامح مقتضبة سرعان ما بدأت تنفرج شيئًا فشيء، لتملء البسمة وجهها، بهذه السهولة ودون تعب حتى، هاجر من ذلك النوع البسيط الذي يمكنك اسعاده بكلمة، ومراضاته بنظرة ...
" خلاص كده روقتي ؟!"
ابتسمت له هاجر تهز رأسها بلطف شديد، ليقترب منها محمود قائلًا بحنان وحب :
" أنا عشان طيبتك ورقتك دي يا هاجر بخاف اخدشك ولو خدش واحد بالغلط، صدقيني والله طول ما أنا عايش عمري ما هزعلك أو اخذلك يا جوجو، فاهماني ؟؟"
هزت هاجر رأسها بهدوء، هي تثق بمحمود فست سنوات ليست مدة صغيرة لتجهل مع أي الأشخاص تعيش، هي تعلم محمود وتعلم مقدار الصفاء داخله، وطيبة قلبه، فإن كان يعتقد محمود أنها بسكوتة هشة، فهو قطعة حلوى خطمية في غاية اللطف واللذة ...
________________
" دي ليا ؟؟"
ابتسم صالح يرى اشتعال عيونها بالحماس تمسك علبته التي أحضرها لها، إذ انعزل بها بعيدًا عن الأعين يمنح لها علبة صغيرة بها الهدية التي عمل لأجلها أيام طويلة ..
" أيوة، افتحيها يلا "
وبسرعة كبيرة بدأت رانيا تفتح العلبة أمامها ببسمة واسعة، وقد كانت أناملها ترتجف لهفة لترى ما يختبئ لهم في تلك العلبة الصغيرة و...
توقفت فجأة عن التفكير حينما وجدت العلبة فارغة، رفعت عيونها لصالح الذي كان يتابع الأمر ببسمة غريبة .
" ايه دي ؟؟"
" الهدية "
" هي فين الهدية ؟؟ أنت بتهزر معايا يا صالح صح ؟؟"
نظر لها صالح بعدم فهم مشيرًا صوب العلبة يقول بجدية :
" والله ابدًا مش بهزر دي العلبة بتاعة الهدية و..."
توقف عن الحديث حينما اكتشف ان العلبة فارغة تمامًا، نظر لرانيا بعدم فهم وهي كانت تراقب ما يفعل تترقب أن يمارس فقرة السحر ويخرج لها هديتها من العدم ..
لكن كل ما خرج هو صوت صالح المبهوت :
" هي فين الهدية ؟؟"
رمقته بعدم فهم :
" هي ايه اللي فين ؟؟ أنت اللي جايبها ليا، أنت اللي عارف هي فين ؟؟"
نظر للعلبة مرة أخرى يحركها في الهواء بقوة وكأنه يجبرها على إخراج هديته التي ابتلعتها، ثم نهض من مكانه يتحرك يفتش ثيابه، وقد بدأت رانيا تبحث عن هدية مجهولة الهوية معه، وصالح يردد :
" كانت هنا والله أنا... أنا بقالي اسبوعين برتب فيها، هي راحت فين يا...."
توقف عن الحديث فجأة بعدما استشعر ملمس الهدية أسفل أنامله داخل جيب بنطاله لتتسع بسمته فجأة بشكل جعل رانيا تقول بلهفة :
" ايه لقيتها ؟!"
هز صالح رأسه بلهفة شديدة لتقترب منه رانيا بلهفة تضاهي لهفته، تتمسك بمرفقه كطفلة تنتظر عيدية العيد، وصالح ابتسم على نظراتها، يخرج من جيبة ظرف يحتوي بعض الأوراق ورانيا تتابعه بأعين شغوفة...
حتى وجدت ورقتين تلوحان أمام عيونها وصوت صالح يردد بحب :
" فاكرة لما كنتِ بتقولي أنك نفسك تسافري سنغافورة ؟!"
هزت رأسها بهدوء ليبتسم صالح مربتًا أعلى رأسها بحب، لتلتمع أعين رانيا لا تستطيع التحدث بكلمة واحدة من شدة المشاعر التي ازدحمت داخل صدرها، قالت بصوت منخفض :
" صالح ...صالح أنت.."
صمتت وقد هبطت دموعها بقوة ترفع عيونها له، وهو مسحها بحنان شديد يقبل عيونها بحب :
" اتأخرت ست سنين تقريبًا عشان اقدر اظبط الموضوع، لكن حبيت لما اعمله أكون مجهز كل حاجة، فاجهزي يا رينو عشان نسافر نقضي أي لحظات كنتِ نفسك تقضيها، بس المرة دي معايا، معلش استحمليني "
ألقت رانيا نفسها بين أحضانه وهي تقول بغصة بكاء :
" يا صالح أنا... أنا حتى لو مروحتش فكفاية ليا أنك فكرت في الموضوع، ولسه فاكرة اساسا، ده أنا كنت نسيت "
ختمت حديثها بضحكة قصيرة وصالح ضمها له بحب شديد :
" أي حاجة ليها علاقة ليكِ يا رانيا عمري ما انساها.."
نظرت له بحب وصمتت وقد كان صمتها فسحة صغيرة استطاعت عيونها أخذ لجام الحديث تخبر ذلك الرجل أمامها كم تهواه وتعشقه، فصالح الذي لم يكن يفقه في أمور النساء سوى القليل، أصبح خبيرًا لأجلها هي فقط ...
انتفض الاثنان على صوت ميمو التي نادت الجميع للطعام، فتحركوا جميعهم صوب الطاولة الكبيرة التي تتوسط منزل صلاح، وقد جلس الاطفال جوار آبائهم، والجميع يتحدث في الوقت ذاته، وقد علت أصوات الضوضاء، لكنها كانت ضوضاء محببة للقلب ..
ابتسمت ميمو بسمة واسعة وهي تدفع بالطعام للجميع، ذلك الطعام الذي ساعدها صلاح في إعداد بعضه، واشتروا الجزء الآخر .
ابتسمت تقول بصوت حنون لنادر :
" عايز حاجة تاني يا نادر ؟!"
قبّل نادر يدها بحب شديد ثم هز رأسه نافيًا، يرى نيرمينا التي تولت بالفعل دفع كل طعام الطاولة لصحنه الخاص، نظر لطفلته التي تتوسط قدمه يناولها الطعام ...
رفع عيونه يبصر تلك العائلة التي اكتسبها بعدما فقد اخرى، اهتز قلبه يحاول الابتسام مترحمًا في نفسه على جميع أفراد عائلته، ومن ثم نظر لميمو يرى نظرات صلاح لها، وبسماتها وعيونها التي تلتمع بالسعادة ليسعد هو الآخر تلقائيًا، وينظر لنيرمينا والتي كانت سعادتها واضحة، ولِمَ لا وغدًا تستقبل شقيقها حرًا .
______________________
صباح اليوم التالي ...
توقفت سيارة صلاح، وكذلك سيارة نادر وهبط الجميع من السيارات يتحركون صوب بوابة السجن ليكونوا أول من وصل لاستقباله، لكن خاب أملهم ولم يكونوا أول الواصلين ...
داخل السجن .
بدأ سعيد يودع الجميع، ثم تحرك صوب أغلى الأشخاص على قلبه في تلك الفترة، جلس جوار شيخه الجليل والذي تولى تعليمه كل شيء خلال الثلاث سنوات الأخيرة.
" مش هتودعني يا شيخ شاهين ؟؟"
ابتسم شاهين يحرك حبات السبحة بين أصابعه يردد بصوت هادئ ثم نظر له يقول :
" وليه الوداع يا سعيد، هو أنت خلاص مش هترجعلنا تاني؟! ايه اوام كده تنسانا ؟!"
" لا يا شيخ ليه بتقول كده، ده أنا عمري ما انساكم، وتحديدا أنت، أنا محدش ساعدني هنا قدك "
صمت ثم قال بهدوء شديد :
" أنا أول ما أخرج هكلم المحامي عشان يعيدوا النظر في قضيتك، ومش هسكت غير لما تخرج وترجع بيتك لعيلتك يا دكتور "
ابتسم شاهين حتى ملئت البسمة وجهه يقول بصوت راضي مستكين :
" تصدق قربت أنسى إني دكتور من كتر ما الكل بيقولي شيخ؟؟ "
" هنا أي حد بيحفظ سورتين من القرآن بنسميه شيخ، فما بالك وأنت خاتم المصحف يا شيخنا ؟!"
ضحك شاهين بصوت مرتفع :
" بس أنت مش حافظ سورتين يا سعيد، أنت حافظ جزئين تبارك الله عليك "
هز سعيد رأسه يقول بمزاح :
" هي ميمو اللي طلعت عليا شيخ دي من اول ما قولتلها إني ختمت جزء، ومن وقتها بقى الكل يقولي يا شيخ، بيني وبينك أنا حاسس أساسا أنها تريقة، نفسي مش متقبلة اللقب، تقيل عليا وحاسس اني مش قادر اشيله اساسا "
نظر له شاهين بهدوء شديد ثم هز رأسه وقال :
" يبقى قوي نفسك وتمسك بدينك أكثر يا سعيد وخليك قده وشيله "
ابتسم مضيفًا :
" أنا كنت زيك، كنت بستاء لما حد يقولي شيخ وأنا يا دوبك بصلي وبصوم وبقرأ قرآن زيي زي أي مسلم ملتزم ومتبع لدينه، لكن مع الوقت لما انشغلت في تعليمي واتخرجت من صيدلة واهملت كل حاجة ولسه برضو الناس بتقولي شيخ، حسيت باحتقار لنفسي، وبدأت اتعلم وارجع احفظ، ودرست فقه وشريعة كمان عشان استحق اللقب ده، فأنت كمل يا سعيد واستحق اللقب ده "
كان سعيد يستمع له مبتسمًا وقد أشفق أن يجلس شخص بمثل علمه وفقهه داخل تلك الجدران، خسر العالم عالِم جليل وشيخ فصيح كشاهين وكل ذلك لأنه رفض أن يكون يد معاونة لاذية الغير داخل شركة الأدوية التي كان يعمل مشرفًا بها ..
ربت سعيد على كتفه يقول بوعد :
" هيحصل يا شيخنا، لكن مش هيحصل غير على ايدك، أنا أول ما أخرج مش هرتاح غير لما اخرجك "
" ربنا يسعدك يا سعيد وحياتك ترجع زي الاول وأحسن، أنا شايفك مبسوط من يوم ما اختك جات زارتك، هي بطلت تحرق دمك زي كل مرة ؟!"
أطلق سعيد ضحكات عالية يدرك أنه يقصد ميمو بكلماته، فكان طوال الوقت يعود من زيارتها بملامح مشتعلة مغتاظة، وأحيانًا مبتسمة ..
" لا ميمو مش بتبطل حرقة دم، أنا بس كنت سعيد لأن شوفت نيرمينا أختي الصغيرة اللي حكيتلك عنها "
" ربنا يسعدك طول الوقت، أخرج يا سعيد وعوض اخواتك عن غيابك، وشيل شوية عن الكبيرة اللي كانت شيلاك هنا ورد جميلها، اللي يقف معاك في محنة زي دي تشيله في عينك "
شرد سعيد في ميمو، وهو يعلم داخله أنه يدين لها بالكثير، هي الوحيدة التي لم تتركه يومًا حتى بعدما انفجر في وجهها صارخًا أنه يكرهها ولطالما فعل، ولا يطيق رؤية وجهها لأنها تذكره بأيامٍ يمقتها، وما كان رد ميمو عليه سوى أن أشارت لعلبة الطعام :
" أنا عملتلك مكرونة بدل الرز قولت أغير عشان متزهقش"
سمع صوت شاهين يخرجه من شروده :
" مالك مبتسم كده ؟!"
" مفيش بس افتكرت ميمو واللي بتعمله فيا"
" شكل اختك دي بتعزك يا سعيد "
هز سعيد رأسه يتنهد بصوت مرتفع :
" بس ميمو مش اختي يا شيخ شاهين "
تعجب شاهين من حديثه، فطوال تلك السنوات التي قضاها سعيد هنا وهو يعلم أن لا أحد يزوره سوى شقيقته :
" أمال مين ؟! زوجتك ؟؟ بس أنت المفروض مش متجوز حسب ما حكيتلي "
ابتسم سعيد يستقيم في وقفته حينما سمع صوت الاقفال يتحرك وقال هو يخطو صوب الباب :
" ميمو تبقى أرملة ابويا يا شيخنا مش اختي "
اتسعت أعين شاهين بصدمة كبيرة يراقب خروج سعيد بعدم فهم، كيف ؟؟ فعلت كل ما فعلت وهي أرملة والده فقط ؟! لهذه الدرجة العلاقة متينة بينهما ؟!
ابتسم ينهض من فراشه متحركًا صوب الباب يودع سعيد الذي عانقه، ثم قال له :
" متنساش تعدي على دكتور سمير عشان كان عايز يشوفك قبل ما تخرج "
هز له سعيد رأسه وتحرك مع العسكري يودع شاهين على أمل لقاء قريب :
" أنا هرجع يا شيخ، بس المرة الجاية مش همشي غير وأنت معايا "
رفع شاهين يده في الهواء مبتسمًا له :
" في أمان الله يا سعيد، خد نصيبك من اسمك يا صاحبي..."
تحرك سعيد بين الممرات يودعها، ولا يدري أيحزن أم يضحك، كيف يواجه عالمه وقد نبذه سابقًا، انتهى من توديع طبيبه ورفيق السجن الذي ساعده تلك الفترة، وتحرك مغادرًا وفجأة قفزت صورتها التي حرمها على نفسه منذ نفر وجودها ..
يندم ويشعر بالوجع، رغم ما فعل معها وطردها تلك المرة، إلا أنها طلبت زيارته مرات وهو رفض، لا يقوى على مواجهتها بعد ما فعل، ولا رؤيتها والذنب يكبله، رفض رؤية أحد عدا ميمو، فهي الوحيدة التي رأته في اسوء حالاته، فلن يهمها الآن أن تراه مسجونًا رثًا، بل على العكس كانت تجلس وتشاهده باستمتاع شديد كما لو جاءت لعرض حصري ..
ابتسم وهو يشعر بضربات قلبه تقرع بقوة، حينما وصل لمنطقة الامانات والتي منحته كل ما أُخذ منه سابقًا قبل سجنه، حمل أغراضه وتحرك مع بعض الرجال صوب الباب الذي يخفي خلفه حرية، حرية تسبب له انقباض صدره، حرية لن تكتمل دونها، خطى مرتجفًا ألا يراها خلف ذلك الباب، أن تخلف وعدًا قطعته عليه سابقًا، لكن هو لن يلومها إن فعلت .
فُتح الباب وخطى للخارج بأقدام مترددة، يود العودة ركضًا صوب شاهين ويختبأ في زنزانته بعيدًا عن الجميع، لكن رؤيتها تقف أمامه تستقبله قبل الجميع بددت تلك الرغبة داخله وثبتت أقدامه في الأرض يراها تستند على سيارة وتراقبه بأعين مغطاه بنظارة سوداء .
ابتلع سعيد ريقه يجبر أقدامه على التحرك صوبها، وقلبه يرتجف بكافة الشاعر التي حبسها بسور ذنبه، والآن بعدما ثقب ذلك السور بمطرقة توبته، بدأت تلك المشاعر تتجمع حول ذلك الثقب، تتدافع للخروج ...
توقف سعيد أمامها ولم يبصر من الأشخاص سواها، وزهرة فقط تحدق في عيونه تبحث عن ذلك السعيد الذي نبذها وبصقها خارج حياته، لكنها فشلت، وفت بودعها له أن تكون أول من يستقبله، ولم يكن ذلك الوعد الوحيد الذي وفت به زهرة، إذ أخرجت خاتم سعيد الذي منحه لها ورفعته أمام عيونه تقول ببسمة :
" حافظت على وعودي ليك يا سعيد، جه الوقت اللي يرجع كل شيء لصحابه..."
نظر سعيد بعدم فهم صوب الخاتم وهو لم يزل مسجونًا داخل ملامحها التي لم تتغير، بل زادت بهاءً، وزهرة المسكينة كانت ترى أمامها سعيد آخر قوي ووسيم، ونظراته هي نفسها نظرات سعيد القديم مع لمحة قوة غريبة .
ابتسمت في نفسها تتوعده بالويل.
تضع الخاتم داخل كفه، تقول ببساطة شديدة :
" حمدالله على سلامتك يا سعيد ..."
____________________
الزواج لم يكن النهاية السعيدة الوحيدة للقصص، بل كانت بداية جديدة لهم .
لا تنسوا أن تشاركوا بكل ما تستطيعون لأجل مساعدة إخواننا في غزة، كل كلمة تنطقها أو تخطها يدك تساهم في إيصال رسالة شعب بأكمله، وادعوا لأهالي سوريا وأدلب كذلك....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم رحمة نبيل
السلام عليكم جميعًا ...
وبسبب الظروف اللي كلنا بنمر بيها والحالة النفسية السيئة اللي مأثرة علينا، بعتذر عن فصل بكرة، أنا بالفعل كتبت نصفه، لكن صدقًا أنا في حالة نفسية سيئة جدًا بسبب الاخبار حواليا واليوم تلقيت خبر استشهاد بنت من غز.ة اسمها خديجة وكانت واحدة من القراء عندي، وحقيقي من امبارح وحادثة المشفى واخبار كل يوم وانا بعاني من مزاج سييء، بالإضافة لحالة والدتي اللي كل يوم بتتغير، ومضطرة تعمل عملية تانية ..
فلكم مني كامل الاعتذار عن فصل بكرة، ولو قدرت انزله فيما بعد هينزل وهيكون تعويض ليكم، بس نعدي الفترة دي أهم شيء...
دعواتكم لغزة وشعبها ولخديجة ولجميع الاطفال اللي راحوا ضحايا المشفى .
وصدقًا يعز عليا ألغي الفصل، لكن باذن الله اعوضكم، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا وكل شيء يتحسن، وما ذلك على الله بعزيز....
أكثروا من الدعاء لهم...
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم رحمة نبيل
📍هل أصابكم اليأس؟
من يستطيع أن يغير هذا الكتاب؟
[كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ]
من يستطيع أن ينتزع هذا الإرث؟
[وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا]
من يستطيع أن يؤخر هذه الكلمة؟
[وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ]
حين تشعر أن المنافذ كلها مغلقة سيصل إليك لطف الله من المنفذ المستحيل.
صلوا على شفيع الأمة ...
____________________
علت البلاهة ملامحه ولا يدري ما يجب قوله، هو لا يعلم حتى ما يحدث ليتحدث، هي فقط جاءت واعطته خاتمًا طالبها سابقًا أن تحتفظ به حتى تتزوج غيره وحينها ...
فجأة تحركت أعين سعيد بسرعة كبيرة صوب أصابع يدها يبحث بينهما عن ذلك الدخيل الذي سينهي قصته وللابد، هل فعلتها ؟! تزوجت غيره وهو من عاش سنوات يبكي ويلوم نفسه لما فعل، عاش يشجع نفسه ويصبرها أنه في نهاية ذلك الطريق المظلم الموحل سيجدها تحمل مصباحًا وتنتظره ؟!
سمع صوتها يردد بنبرة غريبة :
" لا متجوزتش "
رفع سعيد عيونه الزائغة المرتعبة لوجهها، لتبتسم هي بسمة غريبة جعلته يشعر بالريبة، نزعت زهرة النظارة السوداء التي كانت تخفي خلفها عيونها تطيل النظر في عيونه تمنحه نفس النظرة التي رماها في وجهها منذ سنوات وطاردتها في منامها ويقظتها، نظرة استشعر سعيد مقدار وجعها .
" اللي يعرفك يا سعيد مش هيقدر يعرف راجل تاني او يفكر يعيش مع راجل تاني، مش عشان أنت متتعوضش، لا عشان كرهتني في جنس الرجالة كلهم "
ابتسمت له تقول بهدوء شديد :
" رغم أنك آخر مرة طلبت متشوفنيش تاني وانك مش طايق تبص في وشي، إلا أني احسن منك يا سعيد وجيت عشان انفذ وعدي وارجع ليك حاجتك "
صمتت تطيل النظر لوجهه الشاحب، تدرك جيدًا ما يشعر به، أوليس هو نفسه ما مرت به قبل سنوات عقب زيارته ؟!
" المرة دي أنا اللي هقولك، مش عايزة اشوفك يا سعيد، كل التوفيق ليك في حياتك "
ختمت حديثها تخطو بعيدًا عنه تاركة إياه يقف يتجرع صدمته بعدم استيعاب، وهي فقط استدارت مبتسمة تشعر بالانتشاء لرؤية ملامحه، ملامح عاشت هي بها سنوات طويلة حتى استطاعت تقبلها .
فجأة سمعت صوت سعيد يناديها بنبرة خافتة مجروحة :
" زهرة .."
لكن هي لم تقف ولن تفعل، لن تضعف له، يكفي ما جعلها تعانيه السنوات السابقة وهي تسلك أي طريق يؤدي له، لتكتشف أنه سد نهايته مانعًا إياها من الوصول له، لن تسعى له مجددًا ولن ترهق نفسها مقدار ذرة بالمحاولة معه، هي اكتفت ..
لوحت بيدها التي تحمل النظارة في الهواء دون حتى أن تستدير له :
" مع السلامة يا سعيد، اتمنالك حياة سعيدة "
صعدت للسيارة تعلن بذلك انتهاء وعد كان كالجبل أعلى صدرها، وضعت نظارتها السوداء تخفي خلفها أعينها، ثم تحركت بسرعة كبيرة تبصر في مرآة السيارة نظرات سعيد الذي كان كمن سُلبت روحه للتو ..
وبمجرد رحيل زهرة ارتفع في الأجواء صوت تصفيق حاد، تبعه صفير صادر من نفس الشخص، استدار الجميع صوب ميمو التي ابتسمت بتشفي على ملامح سعيد تقول بملامح حادة وأعين تطلق شرارًا :
" تستاهل واكتر يا سعيد، تستاهل واكتر "
ازدادت ملامح سعيد قتامة وهو يحدق في وجه ميمو بشر، لتبتسم الأخيرة بلا اهتمام تبادله النظرات بأخرى متحدية وكأنها تخبره جيدًا أنها تعلم ما فعل .
تحرك سعيد صوب سيارة نيرمينا يتجاهل وجود ميمو يضم له شقيقته بحب شديد، وهي بادلته الحب بآخر مشابهه، تقبل كتفه متجاوزة كما الجميع عما حدث منذ لحظات :
" حمدالله على سلامتك يا حبيبي، أنا مش مصدقة أنك اخيرا خرجت، حاسة إن هيحصل حاجة ليا من الفرحة يا سعيد "
ابتعد سعيد يقبل رأسها بحب شديد :
" ربنا يبعد عنك أي شر يا نيرمينا، أنا لو سعيد عشان شيء فهو عشان خرجت وشوفتك ياقلبي "
صمت، ثم نظر لنادر يرحب به ببسمة، ونادر فقط هز رأسه هزة صغيرة يستقبله ببسمة مقتضبة دون كلمة، وسعيد لم يهتم بذلك ولم يهتم سوى بتلك الصغيرة التي كانت تتوسط أحضان نادر .
تأوه بحب مقتربًا منها :
" زينب ؟؟"
هز نادر رأسه بنعم يسمح له بأخذ الصغيرة لاحضانه، وزينب تلك الجميلة صاحبة الثلاثة أعوام اندفعت لاحضانه بسعادة كبيرة تردد بصوت طفولي :
" خالو .."
سقطت دموع سعيد بقوة وهو ينكب عليها بالتقبيل وقد بدأت يده ترتجف من هول مشاعره، وضربات قلبه تزداد وصوت تهدج قائلًا :
" يا روح وقلب خالو، يا حياتي أنا، ايه القمر ده، معقولة حد ياخد كل الحلاوة دي لوحده "
ضحكت الصغيرة بصوت مرتفع ساهم في زيادة ضربات قلب سعيد الذي استقبل ضحكاتها كالارض المتصحرة لقطرات الغيث بعد سنوات عجاف ..
مشهد جعل نيرمينا تبكي بتأثر مشيرة لهما وهي تميل على نادر :
" شايف يا نادر حلوين ازاي؟؟ حياتي زي القمر "
أخرج نادر منديل من جيبه يعطيه لها وهو يهز رأسه موافقًا إياها فقط ليوقف بكاءها، ونيرمينا تقبلت منه المنديل مبتسمة بسعادة، ويد نادر تربت أعلى رأسها..
كان سعيد يضم الصغير لصدره دافنًا وجهه بها باكيًا بتأثر يشتم رائحتها بحثًا عن رائحة والدته، فإن كانت تحمل الاسم والملامح نفسها، فأين رائحتها الدافئة المنعشة !؟
أفاق سعيد على صوت ميمو التي اقتربت منهم تقول :
" بص يا أنس، بص على سعيد حبيبك واحفظ المشهد ده كويس، عشان تعرف بس أن محدش هيدوم ليك غير امك و ابوك يا ابني "
أطلق صلاح ضحكات خافتة، وسعيد نظر لانس بحب يداعب خصلات شعره، ثم مال وقبله، ومازالت يده تحمل زينب، رفع عيونه لصلاح يرحب به في صمت مبتسمًا بسمة غريبة جعلت صلاح يبادله البسمة بالمثل وهو يضم له زوجته وطفله مرددًا :
" نورتنا يا شيخنا، بركتك هلت علينا "
نظر سعيد صوب ميمو ومن ثم نظر لصلاح يقول بحنق وغيظ من ذلك الثنائي المزعج :
" سبحان الله ما جمع إلا ما وفق "
أنهى جملته متحركًا صوب سيارة نادر وميمو خلفه تطلق ضحكات مرتفعة رنت في الأجواء، وصلاح يبتسم عليه مستمتعًا بما يحدث، نظر لميمو يقول :
" يلا نخلص المشوار بتاعنا ونحصلهم "
" مشوار ايه ؟؟"
غمز لها يتحرك صوب سيارة نادر حاملًا صغيره بين أحضانه بحب، يضعه على اقدام نادر يودعه في أمانته حتى يعود ويأخذه :
" مشوار لأجل راحة مقدس هانم ..."
______________________
يسير بين الممرات كعادته يضع القلم بين شفتيه، حاملًا بين يديه بعض نتائج الفحوصات متحركًا صوب مكتبه مبتسمًا فها هو ما قاله في البداية تحقق، القتيل لم يذهب نتيجة الغرق، بل تم تسميمه قبل إلقائه في البحيرة .
وفجأة خرج من كل أفكاره على صوت يألفه جيدًا، صوت غاب عنه سنوات وهو لم يكن حزينًا للأمر حقًا، بل كان في غاية الراحة، والآن عادت له قلة الراحة بعودتها ..
" صباح الخير يا دكتور صالح "
نظر صالح صوب سجدة ليجدها كما وصف محمود، نبذت الفانيليا وأصبحت من مشجعي ألوان الطيف .
" صباح النور يا دكتورة سجدة، حمدالله على سلامتك "
ابتسمت له سجدة تجيبه بهدوء ما كان يراه سابقًا منها سوى وقت حنقها، لكن الآن الهدوء والتعقل يزين ملامحها، الحياة تغير الكثير بالبشر، إذن لِمَ هو الوحيد الذي لم يتغير ؟؟
ابتسمت منه سجدة تقول ببسمة واسعة :
" عامل ايه يا صالح؟؟"
أجاب صلاح ببساطة وهو يطوي صفحات التقرير بين يديه دون اهتمام :
" متجوز وعندي ولد وبنت، وأنتِ ؟؟"
فتحت سجدة عيونها بعدم فهم، لتتراجع قليلًا تقول بكل بلاهة وكأنها لم تستوعب بعد أن يصمد أحدهم رفقة صالح :
" أنت لسه متجوز ؟؟"
" يعني بتجوز شوية وباخد بريك لما اتعب، وبعدين برجع اكمل واهي ماشية "
استشعرت سجدة سخريته لتقول ببسمة صغيرة :
" مش قصدي، أنا بس كنت ...كنت مفكرة أنك يعني ..هي مراتك نفسها اللي كنت خاطبها ؟!"
ومجددًا أجاب بنفس السخرية:
" أيوة هي نفسها، بعملها صيانة كل سنة "
" أنا بس مكنتش متخيلة إن ممكن حد يستحملك غيري و.."
أطلق صالح ضحكات عالية على حديثها يرفع القلم واضعًا إياه خلف أذنه يتجهز للرحيل من أمام عيونها قائلًا :
" قال يعني أنتِ اللي استحملتيني، بعدين بتتكلمي كأني كنت بمشي على أيدي ورجلي عشان محدش يستحملني، مش كل الناس زيك يا سجدة"
" وهي يعني اللي زي كل الناس ؟؟"
توقف صالح يقول بهدوء وجدية كبيرة :
" هي غير كل الناس، عشان كده اخترتها من بين الكل "
ارتفع حاجب سجدة باستنكار شديد لتلك النسخة الغريبة من صالح الوقح، متى بدأ صالح يطلق شعارات رومانسية أو كلمات كتلك ؟؟
" ما شاء الله وكمان اتعلمت تبقى رومانسي ؟؟"
" أنا يا سجدة طول عمري رومانسي، لكن اكيد مش همشي اتعامل برومانسية مع أي حد واجيب ورد لعم محسن بتاع الجراج ؟؟"
في تلك اللحظة اقتحمت المعنية بالحديث الحوار بينهما تقول بصوت حاد وصوت تنفسها يعلو مظهرًا مقدار غضبها على الجميع حولها :
" صباح الخير، أنا بقاطع حاجة مهمة ؟!"
نظر لها صالح بعدم فهم، فرانيا لم تأت يومًا لزيارته في المشفى حيث يعمل، إلا مرات قليلة حينما تحدث كارثة .
نظرت سجدة لرانيا من رأسها وحتى اخمض قدمها، تحاول معرفة أين رأت ذلك الوجه سابقًا، لكن عقلها لم يساعدها في معرفة ذلك .
لم تهتم وهي تقول متسائلة :
" هي دي بقى مراتك ؟!"
" أيوة هي يا سكر، مين القمر دي يا صالح ؟؟"
نظر لها صالح باستنكار لتحدجه رانيا بغيظ وغضب وهو نفخ متمتمًا بحنق شديد :
" يعني مكنتيش عارفة تيجي بدري ثواني وأنا بشكر فيكِ قدامها؟! لازم يعني جو التشويق والإثارة ده ؟؟"
سحب صالح يد رانيا ليجعلها تقف جواره يقول ببسمة :
" دي سجدة يا رانيا، زميلة لينا في الشغل هنا كانت مسافرة ولسه راجعة من كام يوم "
نظرت له سجدة تقول ببسمة جانبية :
" وأنت عرفت منين إني رجعت من كام يوم يا صالح ؟!"
" من ريحة الفانيليا اللي اتنشرت في المستشفى يا سجدة "
ختم حديثه يستأذن منها جاذبًا رانيا خلفه، والأخيرة ما تزال تحدق في سجدة من أعلى لاسفل بشر كبير، تشعر برغبة عميقة في إحاطة صالح بأسلاك شائكة وبعض كلاب الحراسة .
دخل صالح وهو ما يزال يسحب يدها خلفه واغلق الباب ليرى نظرات رانيا له التي لم تعطه فرصة التنفس تنقض عليه تسحبه من معطفه الطبي قائلة :
" عرفت منين أنها وصلت من كام يوم يا صالح ؟؟ ومتقولش حوار الفانيليا ده عشان مش هياكل عليا "
نظر صالح ليدها بعدم فهم، يختبر تلك التصرفات الشرسة منها لأول مرة :
" هكون عرفت منين يعني يا رانيا ؟؟ ما أنا مطبق ٢٤ ساعة على الاكونت بتاعها، بتابعها بشغف، وسايب رجالة في المطار عشان اول ما تنزل مصر يبلغوني "
اتسعت أعين رانيا بصدمة كبيرة، ليقترب منها صالح يربت أعلى رأسها:
" ربنا يهديكِ يا حبيبتي، هكون يعني عرفت منين؟! ما هي نطت لمحمود امبارح وهو قالي أنها رجعت"
" يعني أنت مش بتراقب الاكونت بتاعها ؟!"
ضرب صالح كف بالآخر حانقًا :
" يابنتي أنتِ دماغك دي فين ؟؟ أنا بتريق، بعدين ما أم الباسوور معاكِ ادخلي شوفي بتابعها ولا لا "
ختم حديثه يتحرك صوب مكتبه يضع عليه الملف والقلم، ثم نزع المعطف ولم يكد يتحرك ليشعر برأس رانيا تستند على ظهره من الخلف وهي تقول :
" يعني أنت مش بتحن ليها يا صالح، بالله عليك ما تكدب"
استدار صالح يضمها له قائلًا بواقعية :
" وأنا لو بحن ليها ما كنت رجعت يا رانيا بدل وجع القلب، على الاقل سجدة معندهاش اخوات ولاد ومش هتطلع روحي عشان اوصل ليها، ثم أنا قولتلك قبل كده إن خطوبتي بسجدة كانت عملية بحتة، كنت عايز استقر مش اكثر بعدين عرفت أن الاستقرار ده مش سكتي، لغاية ما شوفتك "
ابتسمت رانيا بسمة واسعة تستقبل كلماته براحة، وصالح ابتسم لبسمتها وقد فرح كثيرًا لرؤية تلك الشراسة أثناء دفاعها عن حقها به..
" مين اللي قالك صح على سجدة؟ سمعتينا امبارح ؟؟"
" لا خالتو هي اللي قالتلي إن خطيبتك رجعت وسألت محمود عنك وشكلها كده هتحوم حواليك "
عض صالح شفتيه بحنق شديد :
" خالتك وجوزها دول عايزين يتبادوا، ما علينا كويس أنك جيتي عشان ناكل سوا "
ابتسمت رانيا بسعادة وهي تنظر لعيونه :
" بجد، هناكل فين ؟؟"
" ده سؤال يا رانيا ؟! احنا لينا غيره ؟؟ مخبز خالتك طبعًا، يلا قبل ما الشيفت بتاع محمود هناك يخلص، لاحسن أنا هذله "
قهقهت رانيا بصوت مرتفع وهي تتحرك خلف صالح الذي كان يجرها معه مبتسمًا، وخرج بها من مكتبه تاركًا سجدة ما تزال تقف وهي تحدق بهم بحزن، لا تدري ندمًا على ما اضاعته ؟؟ أم حسرة أنها لم تستطع العثور على تلك النسخة من صالح واكتفت بالنسخة الباهتة الوقحة منه، لم تحاول حتى أن تتفهمه أو تتعامل معه بشكل جيد ..
وما تجهله سجدة أن صالح لم ينتظر أن تتفهمه رانيا أو تبحث داخله عن تلك النسخة منه، بل هو من سارع وخلقها لأجلها خصيصًا.
____________________
دفع الباب الذي يفصله عن معركة كلاميه حامية يعدها في رأسه منذ مساء أمس، خطط لكل شيء كي لا تسوء الأمور أكثر وأكثر، وخلفه تتحرك ميمو وقد فهمت منذ رأت المكان ما عناه صلاح بحديثه عن راحتها .
وصل صلاح صوب المكتب لينظر إلى المساعد يقول ببسمة :
" مستر جودت موجود ؟؟"
رفع الشاب رأسه للمتحدث يقول بهدوء وعملية :
" أيوة يا فندم و...."
صمت فجأة لتتسع بسمة منتفضًا عن مكتبه يشير لصلاح يشكل جعل الأخير ينظر خلفه بريبة ظنًا أن هناك وحشًا على وشك الانقضاض عليه :
" استاذ صلاح ؟! أنت هنا بجد ؟!"
ابتسم له صلاح بسمة ودودة يربت على كتفه :
" أيوة أنا هنا "
صمت ثم قال :
" ممكن لو سمحت تبلغ استاذ جودت إني منتظر أقابله في موضوع مهم ؟!"
كان الشاب مايزال يحدق في وجه صلاح بعدم تصديق، ثم هز رأسه يتحرك صوب مكتب رئيس التحرير في الجريدة، وبمجرد أن دخل قال بلهفة كبيرة :
" يا فندم استاذ صلاح برة "
رفع الرجل رأسه له بعدم فهم :
" استاذ صلاح مين ؟! "
اقترب منه الشاب يقول بحماس شديد وكأنه للتو رأى معجزة تحدث، وربما كان كل ذلك نابعًا من كون صلاح يعني له الكثير كصحفي وكاتب :
" صلاح السقاري يا فندم، الكاتب والصحفي المعروف "
انتفض جسد نجدت ينظر لوجه الشاب بريبة، فما سبب قدوم صلاح هنا الآن ؟؟ هل يعقل أنه ما تطاول الصحفي الخاص بجريدته عليه وقرب الخروج عن صمته، رغم ذلك أخبره أن يسمح له بالدخول .
ولم يكد الشاب يخرج حتى ظهر صلاح على باب مكتبه تتبعه سيدة تسير برأس مرفوعة وأعلى فمها ترتسم بسمة تنافس بسمة صلاح رعبًا .
سحب صلاح المقعد لميمو كي ترتاح، ثم جلس هو يقول بهدوء شديد :
" بعتذر لو جيت من غير ميعاد يا استاذ نجدت، بس أنا من امبارح بحاول اتواصل مع المكتب هنا ومش عارف "
" لا ابدا أنت نورت الجريدة كلها يا استاذ صلاح، ده حصلنا الشرف أنك نورتنا والله "
ابتسم له صلاح يقول بتعجب :
" يا راجل ما أنا كل يوم منوركم في الصفحة الأولى في الجريدة بتاعتكم "
صمت ثم مال بجسده يقول بصوت خافت :
" هو الجريدة حالها واقف اوي كده، لدرجة أنكم بتاكلوا عيش من اخباري أنا وعيلتي ؟! لو كده قولي وأنا اساعدكم بشكل لطيف، بدل قلة الأدب اللي بتحصل عندكم دي "
توتر الرجل وشعر بالغرفة تضيق به، ابتلع ريقه يقول بتردد :
" أنا مش ...مش فاهم حضرتك بتقول ايه، أصل أنت عارف إن الاخبار دي مش أنا اللي بكتبها والصحفي اللي بيعمل كده بـ "
" يا استاذ نجدت أنت مش بتكلم سمكري سيارات، عايز تقولي إن الخبر مش بيكون على مكتبك قبل النشر ؟؟ اعتقد أنك محتاج تشد شوية على الجريدة بتاعتك، يمكن بكرة تلاقي اسرار بيتك في الصفحة الأولى وأنت متعرفش"
انتفض جسد نجدت بضيق :
" استاذ صلاح لو سمحت احترم نفسك أنت مش ..."
نهض صلاح يقف أمامه مهيمنًا عليه من الاعلى متحدثًا بنبرة حادة :
" أنا محترم نفسي كويس اوي يا استاذ نجدت، واظن الكل عارف كده واني في حياتي كلها عمري ما خضت في أعراض حد ولا جبت سيرة شخص مسالم في مقالة واحدة "
كان نجدت يستمع لحديث صلاح بصمت ودون رد منه، حتى فرغ منه صلاح ليباشر بالحديث :
" أنا مش شايف أي أذى ليك، ده مقال عادي زي أي مقال، وأنت سيد العارفين "
ازدادت ملامح صلاح خطوة وهو يضغط على أسنانه بغضب شديد يهدر في وجهه :
" وهي حياتي الشخصية والخوض في الحديث عن زوجتي وعيلتي مقال عادي زي أي مقال ؟؟ استاذ نجدت أنت اكيد مش حابب تخليني انزل مقال بكرة عن قضية الدعارة اللي ابنك اتمسك فيها وعن المخدرات بتاعته؟!"
اتسعت عين نجدت بقوة، وكذلك ميمو التي ابتسمت بسمة ماكرة تراقب لعبة زوجها باستمتاع شديد .
ونجدت الذي تلقى الخبر كالصاعقة أعلى رأسه انتفض يقول بعدم فهم :
" أنت بتقول ايه ؟؟ أنت اتجننت ؟؟"
" لا أنا متجننتش، أنا بكلمك بلغتك يا استاذ نجدت، طالما شايف أن اسرار البيوت مقال عادي فتمام أنا هنزل مقال احكي فيه لياليه الجميلة في فيلتك والتعاطي اللي بيحصل، ولأن المصداقية عندي رقم واحد عكسكم، فهتلاقي مع المقال عنوان الديلر بتاعه وصورة جماعية للأسرة الكريمة "
ابتسم عقب حديثه يحرك حاجبيه :
" عداني العيب مش كده ؟؟"
بدأ نجدت يتعرق بشدة وقد شعر بالجو يزداد سخونة حوله، وصلاح عاد بظهره للمقعد يرتاح عليه بكل هدوء مراقبًا تتابع الملامح والنظرات أعلى وجهه، ثم ابتلع ريقه بصعوبة قائلًا :
" وأنا أضمن منين أنك بعد ما امنع المقالات بتاعتك مش هتنزل اللي بتقول عليه "
" استاذ نجدت، أنت مش بتكلم صحفي فاسد من اللي عندك، أنا الحمدلله عارف حدود وظيفتي كويس اوي، وعارف ازاي استخدمها لمصلحة الناس مش لنشر الإشاعات، عشان كده ليك وعد مني إن اللي قولته من شوية اعتبره محصلش "
هز نجدت رأسه يقول بصوت ذهب رعبًا مما سمع :
" تمام وأنا هوقف أي كلمة عنك هنا"
" يا ريت لأني مش بحب اكرر كلامي أكتر من مرة وبفضل الأفعال أكتر، ونصيحة مني بلاش تبني جريدتك على سمعة غيرك أو على أخبار زائفة زي اللي بتنشروها عني أنا وبيتي "
صمت ثم قال باحترام شديد :
" معلش طلب كمان، حابب اشوف الصحفي اللي بينزل الاخبار دي عني "
نظر له نجدت بعدم فهم، لكن صلاح لم يبرر أو يوضح أكثر يستغل موضع القوة الذي يمتلكه، وانتظر دقائق قليلة حتى احضر نجدت شابًا يبدو على مشارف الثلاثينات من عمره، اقترب منهم وبمجرد أن لمح وجه صلاح توقف مصدومًا .
ابتسم له صلاح وهو يقترب منه يقول :
" اتشرفت بشوفتك من زمان وأنا كان عندي فضول اقابلك بنفسي عشان اعرف الشخص اللي بيقطع في فروتي أنا وعيلتي عامل ازاي عشان أوصله رسالة .."
صمت والرجل أمامه يترقب القادم، والذي لم يكن سوى لكمة عنيفة من يد صلاح الذي هدر من بين أسنانه بشر كبير :
" كلمة عني وعن زوجتي سواء كدب أو صدق، هشردك أنت واللي يتشددلك، وكلمتي قصاد كلمتك وهنشوف كلمة مين اللي هتّسمع، ماشي ؟؟"
نظر له الرجل وهو ما يزال يمسك فكه، فابتسم له صلاح وأمسك يد ميمو وخرج من المكان، وبمجرد أن خطى خارج المكتب حتى ركض له الشاب يحمل بين يديه ورقة وقلم يطالبه بتوقيع، وهو فعل مبتسمًا هادئًا، كما لو كان شخصًا آخر غير ذلك الذي حطم فك الصحفي في الداخل .
خرج صلاح من الجريدة بأكملها وميمو تسير جواره فخورة :
" والله وطلعت سوسة يا صلاح "
غمز لها صلاح فاتحًا لها الباب برقي منحنيًا بعض الشيء :
" بعضًا مما لديكم سيدة مقدس ...."
______________________
" برضو مش هتيجي معانا البيت يا سعيد؟! أنا مش فاهمة ليه معاند كده هو أنا غريبة ؟!"
ألقى سعيد اشياءه على الطاولة أمامه ينظر حوله في المكان، تلك الشقة الصغيرة التي تقبع في بناية راقية بعض الشيء تتوسط أحد أحياء القاهرة الهادئة، والتي اختارتها ميمو خصيصًا لأجله .
" أنا كده مرتاح يا نيمو، أنتم بس متغيبوش عليا بزينب "
انكمشت ملامح نيرمينا بغيرة مصطنعة تتدلل على شقيقها، وقد اشتاقت أن يدللها ويعانقها بحب كما كان يفعل سابقًا :
" زينب بس ؟! وام زينب يا سعيد !!"
ضحك سعيد ضحكات خافتة يقترب من نيرمينا يضمها بين أحضانه بقوة كبيرة، يرتشف من عناقها ما يطفئ ظمأ سنوات مرت في وحدة موحشة :
" أم زينب دي حياتي وأول بنت ليا يا نيمو "
ابتسمت نيرمينا بحب تردد :
" عقبال البيبي الجاي يا سعيد، هتكون اجمل أب في الدنيا أنا واثقة "
علت نظرات ساخرة متوجعة أعين سعيد، يشعر أن الأمر بات شبه مستحيل، أن يصبح زوج وأب لهو أحد أحلامه التي لم ولن يحققها، فعقله سلّم منذ سنوات الأمر، إن لم تكن زهرة هي والدة أطفاله، فلن تكون غيرها، وها هي زهرة نبذته كما سبق وفعل بها ...
" إن شاء الله ياقلبي "
نظر خلفها صوب نادر الذي كان يستقر أعلى الأريكة في القهوة يلاعب زينب بكل حب وحنان شديد رسم بسمة على فم سعيد متسائلًا :
" مرتاحة يا نيرمينا ؟؟"
نظرت له نيرمينا بعدم فهم ليحدق في ملامحها بحب شديد :
" يمكن سؤال متأخر ست سنوات، بس عايز اعرف إني مظلمتكيش بأجباري على جوازك من نادر "
نظرت نيرمينا صوب نادر بحب شديد، نظرة أخبرت سعيد أنه لم يظلمها أو يؤذيها بقراره القديم :
" يكفيك تعرف أن لو مكنتش أنت جبرتني على الموضوع، كنت أنا اللي جبرت نادر يتجوزني "
اتسعت عيون سعيد بصدمة لتضحك نيرمينا بصوت مرتفع تؤكد له أنها تعني كل كلمة نطقتها، فهي كانت ستصل لمرحلة أن تلاحق نادر وتعرض عليه الزواج بها، تقسم أنها ستفعل ذلك ولم تكن ستتراجع ..
" سعيد أنا لولا اللي عملته وأنك جوزتني نادر أنا كان زماني دلوقتي متدمرة، أنت ببساطة ساهمت بشكل أساسي في أنك تبني سعادتي، شكرًا "
ابتلع سعيد ريقه يبتسم لها بحنان شديد، ثم عانقها مجددًا سعيد وقد أزاح عنه ذلك الحمل، فكم من ليالٍ قضاها في ظلام سجنه يفكر أنه ظلمها بقراره، نعم نادر يحبها كما أخبرته ميمو، لكن شقيقته الصغيرة ما كان لها حاكم على مشاعرها المراهقة في ذلك الوقت وخشي أن تندم لاحقًا وتحمله هو مسؤولية ذلك .
نظرت نيرمينا له تقول بحب :
" نادر قالي بعدين أنه عمره ما كان هيفكر ياخد الخطوة دي غير لما اتحط قدام الأمر الواقع"
اطلقت ضحكات خافتة :
" أصله كان خايف يظلمني معاه، عبيط ميعرفش إني أنا اللي ضحكت عليه وظلمته معايا "
ضحك سعيد بصوت مرتفع بعض الشيء، ونادر الذي كان يستمع لكل كلمة ابتسم بيأس عليها يتنهد بحب يضم لصدره زينب وهو يراقب نيرمينا بكل الحب داخله ..
وحينما انتهت الزيارة القصيرة رحل الزوجان ومعهما الصغيرة زينب على وعد بالعودة لزيارة سعيد مجددًا مع الجميع .
تحرك الإثنان صوب المصعد الخاص بالمنزل وبمجرد أن دخلت نيرمينا تبعها نادر واغلق المصعد وبدون كلمة مال عليها يقتنص منها قبلته الحبيبة والتي حطت على وجنتها بكل حنان..
وهي لم تتراجع أو تخجل كما كانت تفعل سابقًا، بل مالت ترد له قبلته اثنتين، ليبتسم بسمة واسعة لا ينالها أحد منه سوى ثلاث نساء، ميمو ونيمو والحبيبة الصغيرة، عدا ذلك فهو كالصخرة لا يسمح لأحد أن يخترق اسواره ..
قبلته نيرمينا قبلة أخرى لتتعالى ضحكات صامتة من نادر يرفع أصابعه مشيرًا بغمزة :
" أنا كنت هاخد الخطوة على فكرة، حتى لو اتأخرت كنت هاخدها . "
أطلقت نيرمينا ضحكات عالية تضم ذراعه الأخرى لها، تميل عليها وكأنها على وشك النوم :
" وأنت لو مكنتش اخدتها، أنا كنت هخدها وهاخدك أنت كمان يا نادر "
ابتسم لها نادر يضم جسدها بحب حتى فُتح باب المصعد وخرج الجميع صوب السيارة، نظرت نيرمينا للمنزل ثم قالت :
" تفتكر هيكون كويس لوحده ؟؟"
هز نادر رأسه يفتح الباب واضعًا الصغيرة في الخلف وحولها أحزمة الأمان، ومن ثم فتح الباب لها وصعد لمكانه مشيرًا :
" متقلقيش هيكون بخير واحنا معاه اهو ..."
في الأعلى كان سعيد يدور بين ممرات المنزل يستشعر واخيرًا وحدته المفضلة، ربما الأمر مزعج للبعض، لكنه مريح لنفسه، تنفس بصوت مرتفع يفكر فيما حدث اليوم صباحًا، هل فقدها بالكامل ؟! وهل تظن أنه سيستلم دون قتال أخير، بعد كل تلك السنوات؟! ألا يستحق محاولة أخيرة، محاولة سيبذل فيها كل أنفاسه ليفوز بها ؟؟
تنهد بصوت مرتفع يحاول أن يهدأ نيران قلبه، يفتح أحد نوافذ البهو كي يستنشق بعض الهواء، لكن فجأة انتفض على صوت قادم من نافذة مقابلة لخاصته :
" عجبتك الشقة يا سعودي ؟؟"
فتح سعيد عيونه بصدمة كبيرة يرى ميمو تستند على شرفة أمامه بكل استرخاء حاملة بين أناملها علبة مثلجات تتناولها باستمتاع .
" أنتِ بتعملي ايه هنا ؟!"
" ايه اللي بعمل ايه هنا دي ؟؟ دي شقتي، احنا جيران يا سعيد هو أنا نسيت اقولك ؟؟ "
رفع حاجبه لتبتسم قائلة ببرود
" أصل عارفاك بلوة ومش هتعرف تعمل لنفسك حاجة فقولت لصلاح ابو قلب ابيض زي البفتة يشوفلك شقة قريبة فجابلك دي مخصوص عشان تفضل تحت عيني واراقبك "
زفر سعيد بحنق شديد :
" الله يسامحه، ما صدقت ارتاح منك "
" بعينك، مش هتخلص مني غير بموتي، عيني عليك في كل خطوة"
نظر لها سعيد بحنق ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت الصغير يبكي لتقول هي بسرعة قبل أن تتحرك للداخل :
" لما الأكل يجهز هبقى ابعتلك غداك مع البواب، عملتلك أكلة بتحبها...سمك "
أنهت حديثها تتحرك صوب صغيرها وهو نظر لاثرها مبتسمًا بيأس يغلق النافذة قائلًا بسخرية :
" يا ريتك ما عرفتي إني عندي حساسية من السمك .."
_________________
هبط من السيارة متحركًا صوب مقعدها يساعدها على الهبوط، وهي فعلت تشعر بالاعياء الشديد منذ الصباح، ورغم رفضه لفكرة المجئ أثناء حالتها تلك إلا أنه وافق تحت إصرارها .
تنهد رائد بحنق شديد وهو يسندها بعدما رفضت أن يحملها :
" امشي يا تسبيح امشي "
نظرت له تسبيح حانقة من طريقته في الحديث، تشعر أنه يصرخ في وجهها حتى وإن لم تكن نبرته حادة عالية، لكنها تظل نبرته لا تعجبها البتة .
لوت فمها تسير دون كلمة، معلنة غضبها وعصيانها عليه، وهو اتسعت عيونه بعدم فهم :
" ايه ؟؟ بتبصيلي كده ليه ؟! يعني عجبك بهدلتك دي وأنتِ تعبانة؟؟ كان هيحصل ايه يعني لو قعدتي في البيت الاسبوع ده بدون زيارتهم ؟!"
" أنا بستنى الزيارة دي من الاسبوع للأسبوع يا رائد "
زفر يميل بجسده كي يحملها بعدما أبصر ضعفها الناتج عن حمى إصابتها مساء الأمس فجأة، وكأنها تشاركه الإعياء باعياء..
لكن وقبل أن تمس يد رائد جسدها منعته بسرعة وهي تعود للخلف بشكل جعل حدقتيه تتسعان بعدم فهم :
" ايه فيه ايه ؟؟"
" أنت هتعمل ايه ؟؟"
نظر لها باستنكار شديد وغضب :
" هعمل ايه يعني ؟! هشيلك مش شايفة نفسك هتقعي ازاي من طولك "
نفت بعنف مستخدمة رأسها في حركات غير مفهومة تحاول الثبات كي لا يصر على حملها في الشارع وأمام الجميع .
سارت خطوات بطيئة وجسدها يغلي من الحرارة المنتشرة به :
" لا أنا كويسة، مينفعش احنا في الشارع و.."
وقبل أن تكمل كلمتها شعرت بموجة اغماء تصيبها وقد كان وجهها مختفيًا خلف نقابها يغلي من الحرارة وعيونها تكاد تخرج منه، سقطت تسبيح ارضًا ليركض لها رائد يتلقف جسدها برعب شديد وقلبه يكاد يتوقف خوفًا :
" تسبيح ...تسبيح مالك، اسندي عليا .."
تمتمت تسبيح بصوت منخفض :
" مش قادرة اقف على رجلي، مش قادرة "
حملها رائد هذه المرة بالقوة يصيح في وجهها عائدًا للسيارة وهو يقرر أن يذهب بها للمشفى :
" أنتِ واحدة عنيدة، قولتلك ميت مرة لما تتعبي ممنوع تخرجي أو تتحركي، الحمى بتيجي معاكِ بسرعة ترسيب ومش هتقدري تمشي "
نظرت له بأعين غير واعية لما يقول :
" محمد وحسام ؟؟ "
" ما هم في البيت يا تسبيح مع اهلي هيحصل ليهم ايه ؟؟ اهدي بس الله يكرمك عشان أنا على اعصابي دلوقتي "
صعد بها واضعًا إياها في السيارة رافعًا النقاب عن وجهها حتى تحسن التنفس، ثم استدار بسرعة يصعد جوارها جاذبًا رأسها لكتفه وانطلق للمشفى الخاص بالقرية وهو ينظر لها كل ثانية وأخرى .
شعر ضربات قلبه تزداد وهو يستشعر أنفاسها الملتهبة وبشرتها المشتعلة ..
توقف بالسيارة سريعًا إذ كانت المشفى لا تبعد كثيرًا عن منزله، هبط يتحرك صوب تسبيح التي كانت دموعها تسقط لشدة الإعياء تتمتم بكلمات غير مفهومة لم يتضحم منها سوى كلمة ( النقاب )
ضمها له رائد يضع رأسها على صدره يحاول ألا يكون قماش النقاب حائلًا لها لتتنفس جيدًا، دخل المشفى بأقدام مهرولة ينادي كي يساعده احدهم، لكن فجأة توقفت أقدامه عند منطقة الاستقبال وهو يرى تجمهر للعديد من الأشخاص في منتصف المشفى وهناك معركة قائمة، لم يفهم ما يحدث، لكنه فقط علم أن الأمر لن ينتهي بسرعة، لذلك استدار سريعًا مقررًا البحث عن أي عيادة خارجية، وقبل أن يخطو سمع صوت صرخات تعلو ورصاصات تدوي، ومن ثم جسد يرتطم بالارضية الرخامية للمشفى ...
_____________________
تصرخ ولأول مرة، يعلو صوتها بالغضب وقد بدت ملامحها في تلك اللحظة مختلفة تمامًا عن الاستكانة المعتادة منها، تنفست بصوت مرتفع تشعر بالنيران تعلو داخل جسدها، تسحب زوجها للخلف بعيدًا عن كل تلك الضوضاء :
" خلاص يا محمود الله يكرمك، أنا همشيهم "
أبعد محمود هاجر جانبًا دون أن يأبه لأي حديث لها، يسحب ذلك المراهق من خلف ظهر والدته التي تحاول حمايته من بطشه، لكن وكأن شياطينه اقسمت على أن تري ذلك الحقير مقامه ..
أمسك رأس الصغير يجذبه له وأعينه تشتعل بقوة متجاهلًا تمامًا همسات المرأة له وتهديداتها أن والده ليس بالشخص العادي وأنها ستدمر مستقبله.
تجاهل كل ذلك وهو يسحب الصبي من تلابيبه متسلحًا بصبر لا يمتلك منه سوى ذرات معدودة :
" عارف تقرب منها تاني أنا هضيع عمرك ومستقبلك، سامع، هدمرك واوريك الويل، لا هيهمني عيل ولا زفت، عيل تبقى تتربى سامع ؟؟"
نطق كملته الأخيرة بصوت مرعب جعل المراهق يهز رأسه مرتعبًا باكيًا ووالدته تسحبه من بين أنامل محمود زاجرة :
" أنت واحد حقير وهجمي وأنا مش هسكت على اللي عملته ده، وابني هاخد حقه وهخليك تقضي باقي عمرك في السجن "
ابتسم محمود بسمة مريبة :
" هحب اشوفك وأنتِ بتعملي كده، ابقي ربي ابنك وقوليله يخلي ايده جنبه، وبلاش تتمد على بنات الناس بالغلط، عشان وربي اكون قاطعها ليه"
جذبت السيدة طفلها وخرجت من المكان بأكمله صارخة منتحبة ومتوعدة له بالويل، وهو تجاهل هاجر متحركًا صوب صغيرته التي كانت تحمل الصينية الصغيرة الخاصة بها وتجلي على طاولة جانبية بعدما وضعت لها هاجر سماعة صوت عالية وجعلتها تعطيهم ظهرها وتشاهد برنامجها المفضل .
حمل محمود صغيرته ينزع عنها سماعة الصوت ثم قبل وجنتها بحب شديد يحملها بين ذراعيه، ونظر لهاجر آمرًا إياها بصرامة :
" قفلي الدنيا يا هاجر ويلا "
نظرت له هاجر وكادت تعترض، لكنه زجرها بنظراته لتتحرك مطيعة تنفذ ما قال، في الوقت الذي ظهر به صالح على باب المخبز متعجبًا :
" هو أنت يابني مش قولت جاي تجيب حاجة وراجع الشغل؟! بعدين فيه ايه بتقفلوا بدري ليه ؟؟"
أبصرت رانيا ملامح هاجر الباكية ووجهها المحمر :
" هو فيه ايه بالضبط ؟! حصل حاجة ؟!"
نفى محمود وهو ينظر للمكان حوله :
" مفيش يا رانيا، بس هاجر تعبانة فهروحها هي وجهاد وهرجع الشغل تاني "
لم يقتنع صالح بالأمر، لكنه لم يتدخل، بل وأمسك يد رانيا محذرًا إياها بنظراته أن تدخل، خرج الجميع من المخبز وودع صالح محمود وعائلته، قائلًا ببسمة كي يشغل رانيا عن التفكير بما حدث :
" شكلنا كده هنضطر نفطر على عربية فول "
ابتسمت رانيا له :
" هي دي الخروجة الحلوة يا صالح ؟؟"
ضم صالح كتفها بمزاح يسير معها :
" دي اجمل خروجة يا قلب صالح ، هفطرك بقى شوية فول هتعيشي عمرك كله عليهم ...."
_____________
وصلت سيارة محمود لمنزله، يهبط متحركًا مع هاجر للداخل، سار صوب معمل والده تاركًا هاجر في منتصف المنزل تنتظر عودته .
هبط الدرج ليجد ماجد يجلس على مقعد وأمامه بعض النباتات التي يعمل عليها، لكن فجأة وجد جهاد توضع أعلى قدمه، وصوت محمود يقول بحنان :
" العبي مع جدو يا فراولة بس ملكيش دعوة بالنباتات ماشي ؟؟"
هزت الصغيرة رأسها بسعادة وهي تنظر لماجد ببسمة، ليقبلها ماجد وهو ما يزال ينظر لولده بعدم فهم، وقبل أن يتساءل غادر محمود سريعًا صوب هاجر .
" ماله بابا يا جيجي ؟!"
نظرت له جهاد بجهل ليبتسم متجاهلًا هو الجميع طالما هي الآن بين أحضانه:
" مش مهم، خليكِ معايا عشان أعلمك حاجات احسن من الخبز "
صعد محمود لهاجر يجذبها معه صوب الغرفة الخاصة بهما وبمجرد أن دخلها نظرت له هاجر بريبة، ومحمود فقط تحرك صوب الفراش يجلس عليه محاولًا أن يلجم غضبه وقال :
" الولد ده عمل اللي عمله ده قبل كده لجهاد ؟! قرب منها بالشكل الزبالة ده ؟؟"
نفت هاجر سريعًا وهي لم تستوعب بعد ما حدث، مراهق لم يكد يعلم من الحياة شيئًا، حاول التحرش بصغيرتها التي لم تكمل الخمسة أعوام، لم يهتم لشيء ولا لوجودها في محيط ابنتها، بل تعمد التظاهر بملاعبتها ولمسها بشكل بشع، لتهب هي صارخة في وجهه أن يتوقف في نفس وقت وصول محمود لمخبزها .
" دي اول مرة اشوفه اساسا "
تنفس محمود بصوت مرتفع، وهي اقترب منه مبتلعة ريقها تحاول أن تنفذ له من ثقب لا يزيد من إشعال غضبه :
" محمود والله العظيم ما حصل حاجة انا.. أنا والله مش بغفل عنها لحظة واحدة ..."
صمتت تبتلع غصتها وصوت ضميرها هو ما خرج منها :
" أنا مش أم مهملة يا محمود، والله العظيم عيني عليها طول الوقت و..."
توقفت فجأة تبكي وهي لا تصدق ما تعرضت له، كاد أحدهم يلوث صغيرتها ولو حتى بمجرد لمسات قذرة، وهي من المفترض أنها مسؤولة عنها وتحميها :
" أنا والله كنت براقبها يا محمود، أنا مش ..."
توقفت عن الحديث حينما جذبها محمود لصدره يدفعها صوبه وكأنها جزء لا يتجزأ منه، يهادنها ويهدهدها، يحاول مراضاتها :
" متقوليش كده يا هاجر أنتِ اجمل ام في الدنيا دي كلها، وأنا عارف أنك اكتر حد ممكن ياخد باله من جهاد "
ابتسمت هاجر وهي تنظر له تسأله بعيونها إن كان صادقًا وهو فقط اومأ برأسه يقبل خدها، وما زال غضبه لم يهدأ، لكنه يحمد الله أن هاجر تداركت الأمر قبل أن يسوء .
" أمال كنت متعصب عليا ليه وخليتني اقفل الفرنة ؟؟"
نظر لها محمود ثواني قبل أن ينفجر في ضحك صاخب لم تفهم هاجر سببه، وهو سقط بنصف جسده على الفراش ضاحكًا :
" الله يكرمك يا هاجر بلاش تتأثري أنتِ بيا، ابويا مجوزني على أمل أنا اللي اتعلم، فمتكسفنيش قدامه لأحسن يسحب مننا فراولة ويحلف ما هي قاعدة معانا "
كانت هاجر تحدق به لا تفهم سبب حديثه وهو جذبه لاحضانه يقول بعدما هدأ من موجة ضحكه :
" اسمه مخبز يا هاجر، بلاش ابويا يسمعك وأنتِ بتقولي فرنة "
اتسعت عيونها وكأنها للتو فقط استوعبت ما قال، وهو ضحك على ملامح يقبل وجنتها :
" بكرة تقولي للزباين قرص بالعجوة "
أطلقت هاجر ضحكات مرتفعة وهي تتخيل ما وصلت له، بسبب كثرة تعاملها مع محمود، تنهدت بصوت مرتفع وهي تستند برأسها على صدره هامسة بحب :
" يا محمود أي حاجة منك جميلة"
ارتفع محمود برأسه يقبل خاصتها :
" وأنتِ الجمال كله يا نواعم .."
_____________________
تحمل طفلها تسير به ذهابًا وإيابًا تحاول تهدئته بحنان شديد، قبل أن تستمع لصوت قرع عالٍ على باب منزلها، تحركت صوبه حاملة الصغير بين أحضانها تقول بصوت مرتفع :
" لحظة "
اقتربت من الباب تتساءل بتعجب أثناء فتحها للباب :
" أيوة مين ؟؟"
لكن ما كادت تتبع سؤالها بآخر، حتى وجدت يدًا غليظة تدفعها بقوة داخل المنزل دون أن تعطي اعتبار لحملها طفل صغير او بطنها البارز قليلًا، وميمو سريعًا ابتعدت عن وجوههم تضم لها أنس بنظرات قطة تحمي صغارها، لكن هؤلاء الرجال ضخام الجسد لم يهتموا بها أو يقتربوا منها، بل انطلقوا في المنزل يحطمون كل ما تطاله أيديهم، وميمو تحركت للخلف دون أي كلمة أو مقاومة من طرفها، قيدها رعبها على الصغير، وكمم فمها خوفها من أذية طفلها .
صمتت تراقب بأعين مشدوهة ما يحدث في المنزل من تخريب وتدمير، يتحركون في كل ممرات المنزل يحطمونه تحت أعين ميمو التي كانت تتابع كل شيء باهتمام شديد وكأنها تشاهد أحد مشاهد الأكشن في التلفاز، والصغير يحدق بما يحدث وأعينه متسعة ..
وفي الشقة المقابلة حيث سعيد خرج لتوه من غرفته التي اختار أن تصبح لنومه، انتبه لحركة غريبة قادمة من شقة ميمو، اقترب من النافذة بشك يضيق عيونه محاولًا معرفة ما يحدث عندها وفجأة لمح أجساد رجال يحطمون العديد من الأشياء لتتسع عيونه ويركض للخارج بسرعة مخيفة وقد كاد قلبه يتوقف رعبًا، أن تكون ميمو أو الصغير قد تأذوا ...
ركض في طرقات الشارع يتحرك صوب البناية الخاصة لا يدرك رقم الطابق الذي تسكن به، لكن شقتها تقبع مقابله، إذن ربما هي في نفس الطابق الخاص به، هكذا دعا وابتهل داخل قلبه .
ضغط على أزرار المصعد ينتظر أن يتحرك وقلبه يقرع برعب شديد...
في ذلك الوقت انتهى الرجال من المهمة التي أتوا خصيصًا لأجلها، وتحركوا صوب الباب، لكن أحدهم توقف قبل أن يخرج وهو يرمق ميمو نظرات مهددة :
" ابقي قولي لجوزك يسأل كويس عن اللي هيكتب عنه بعد كده، وياخد باله لأن المرة دي قرصة ودن "
وبمجرد انتهاء كلماته تلك تحرك الرجال بسرعة كبيرة على درجات البناية وقد استغلوا أن الطابق باكلمه لا يحوي سوى شقتين فقط، شقة صالح والتي كانت فارغة في ذلك الوقت وشقة صلاح وهي المطلوبة .
كل ذلك وميمو لم تنطق كلمة منذ دخلوا المنزل وخرجوا، فجأة أبصرت جسد سعيد يندفع لها من المصعد صارخًا بوجه شاحب وخوف شديد :
" ميمو أنتِ كويسة أنتِ وأنس ؟؟ أنا شوفت من شقتي ر..."
وقبل أن يكمل كلماته ارتعب من مظهر ميمو التي وضعت الصغير بين يديه وركضت لمطبخ المنزل تحضر منه شيء، واضعة حجابها أعلى رأسها، ثم تحركت بسرعة مخيفة خارج المنزل بأكمله تخرج هاتفها تتحدث مع أحدهم :
" الو البوليس ..."
نظر سعيد للصغير بيده متعجبًا ما حدث، ثم نظر للمكان الذي تدمر بالكامل وقال :
" ايه اللي حصل يا أنس؟؟"
لكن لم يصل له رد من أنس الذي كان يحمل لعبته منشغلًا بها، وهو بالطبع لم يكن ينتظر، نظر خلفه يبحث عن ميمو التي هرولت خارج المنزل وركض هو الآخر حاملًا الصغير بين ذراعيه بعدم فهم :
" دول جايين عشان البلوة أمك صح ؟؟ عملت مصيبة ايه المرة دي ؟!"
توقف على بداية الدرج ينظر لأعلى وأسفل :
" طب هي طلعت ولا نزلت ولا هببت ايه ؟! هي مسكناني جنبها عشان وجع القلب ده ؟!"
وفجأة توقف عن الحديث حين سمع صرخات وصوت تحطيم عنيف قادم من الخارج، دخل المنزل يركض صوب الشرفة التي كان الصوت يصدر منها ونظر للشارع لتتسع عيونه بصدمة مما يرى، رمق أنس يدير وجهه بعيدًا عن ذلك المشهد :
" والله العظيم أنا قولت أهلك دول مينفعش يتعاملوا مع اطفال، أنا هتقدم بطلب ضمك لحضانتي مش هسيبك مع الست المفترية دي "
وفي الاسفل كانت ميمو تحمل عصى غليظة يحتفظ بها صلاح داخل منزله تحسبًا لأي حالة طوارئ، وها هي تتحرك صوب الشارع بأعين تقدح شرار، تستغل وجودها في شارع عام وعلى مسمع ومرأى من الجميع، كانت النيران مشتعلة داخلها وهي تهجم على السيارة التي صعد لها الرجال تحطم زجاجها بكل غضب ..
تحطم كل ما تطاله يدها من السيارة، النوافذ والمصابيح والسيارة نفسها، كل ذلك وهي تتذكر ما فعلوه بمنزلها أمام صغيرها، وشعور العجز لوجوده معها .
كانت تحطم السيارة أعلى رؤوس الرجال وهم يصيحون محاولين الخروج، لكن كلما حاول أحدهم فتح الباب ضربته هي بعنف صارخة في جنون كبير، جعل الجميع يخرجون أسلحة رغم أنهم أخذوا أوامر بعدم استخدام عنف على أحد، بل مجرد تهديدات فقط ...
اجتمع العديد من الأشخاص بسرعة حول تلك الضوضاء يحاولون معرفة ما يحدث وإبعاد ميمو عن السيارة، لكن تلك الأخيرة لم تكن لتدع شخص آذاها يعبر ويتمختر من أمامها كما فعلوا، بل ويهددون زوجها وطفلها، للجحيم إن تركتهم يرحلون .
وبعد دقائق من تحطيم السيارة أضحت كعلبة صفيح دهستها الاقدام وميمو تصيح أمام الزجاج الامامي الذي تحطم فوق رؤوسهم تلوح بالعصى مبتسمة بشر :
" ابقي قول لللي بعتك يسأل كويس عني بعد كده، وياخد باله لأن المرة دي قرصة ودن "
أنهت حديثها تحرك تلقي العصى ارضًا مبتسمة بسخرية، والرجال وبمجرد أن هدأت موجة جنونها هبط أحدهم من السيارة يصرخ بجنون في وجهها :
" اه يا بنت الـ ****، طب والله لاخلي جوزك يتحسر عليكِ وعلى ابنك اللي ..."
وقبل أن يكمل كلمته اصمتته صفعة ميمو التي أدارت وجهه تحذره بشر :
" أقسم بربي تلمس شعره من حد فيهم هاكلك بسناني"
اشتعلت أعين الرجل وقبل أن يقترب منها، كان سعيد يقف حائلًا بينهما يدفع الرجل للخلف بأعين مخيف وعلى أحد ذراعيه يقبع أنس الذي كان مبتسمًا لا يفهم ما يحدث حوله ظنًا أنها لعبة لا أكثر.
نظر له سعيد يردد بسخرية كبيرة :
" صدقني هي مش بتهدد وخلاص، دي واحدة مفترية سجنتني ست سنين عشان ضربتها في مرة، تخيل تعمل فيك ايه ؟!"
نظر له الرجل بعدم فهم ولم يكد يتقدم حتى وجد ميمو تأخذ الطفل منه بعيدًا عن تلك المواجهة تعود للخلف تاركة سعيد يستقبل غضبهم عنها، فهي رغم كل شيء سيدة مسكينة " مبتورة الجناحين" لا تقوى على مواجهة هؤلاء الرجال .
وسعيد دفع الرجل للخلف يشزره بشر أن يقترب خطوة واحدة، وقبل أن يتطور القتال من النظرات للأيدي سمع الجميع صوت صافرة الشرطة تصدح في الأجواء، وميمو ابتسمت بسمة متسعة وهي تراهم يترجلون من السيارة متحركين صوبهم لتقول بسرعة وبكل براءة تضم لها الصغير تدعي خوفًا لم تشعره سوى على طفلها :
" كويس أنكم جيتوا يا باشا، أنا اللي بلغت، والناس دول هما اللي اتهجموا عليا في الشقة فوق أنا وابني وكسروها وهددونا، ودلوقتي كانوا عايزين يتهجموا عليا أنا واخويا "
ختمت كلماتها تشير صوب سعيد الذي تشنجت ملامحه يراقب البراءة التي لا تليق بملامحها أبدًا، والشرطي نظر لبعض العناصر معه مشيرًا لهم أن يصعدوا للشقة كي يتأكدوا مما حدث قائلًا :
" خدلي يابني العيال دي على البوكس، وأنتِ يا مدام اتفضلي معانا عشان المحضر "
هزت ميمو رأسها تشير لسعيد الذي كان يتابع كل ذلك دون أن يتدخل :
" وهو كمان يا باشا هيجي معانا عشان يشهد "
نظر لها سعيد بصدمة يسحبها بعيدًا عن الشرطي :
" طب وأنا مالي ؟؟ أنا لسه مكملتش ساعة برة، هترجعيني تاني ؟؟ "
رمقته بشر وهو لم يهتم لها يهمس بغضب :
" والله أروح اقولهم أنك كسرتي عربيتهم وكنتِ هتخلصي عليهم، وأنس كمان شاف كل حاجة وهيشهد عليكِ معايا "
" أنت ياض معندكش ريحة الدم ؟؟ عايزني ادخل قسم لوحدي من غير راجل وسط كل دول ؟!"
التوت ملامح سعيد بسخرية لاذعة وهو يخرج صوتًا متهكمًا من حنجرته :
" وسط مين يا حبيبتي ؟؟ كل دول أنتِ كنتِ هتبلعيهم من شوية، اياكش تكوني فكرتي إني أتدخلت عشانك، لا أنا بس كنت بدافع عن الرجالة منك "
زجرته بنظراتها ليزفر هو بحنق وهي تقول :
" سعيد بطل هبل، أنا مش هدخل قسم لوحدي ومعايا أنس مش هعرف اركز، بعدين أنت زعلان ليه هي أول مرة تدخل قسم؟؟ "
عض سعيد شفتيه بغيظ شديد يود لو يجذب تلك المرأة وينهال عليها بالضرب باستخدام سلاحها الذي كادت تحطم به رؤوس الرجال منذ دقائق:
" والله العظيم كنت مرتاح هناك من وشك، بعدين ما تكلمي جوزك "
" أنت عايزني اتصل بصلاح اقوله الحقني فيه رجالة هجمت عليا أنا وابنك في الشقة وكسروا الدنيا فوق دماغنا ؟؟ ده كان يكسر باقي الشقة فوق دماغي إني متصلتش بيه من الأول "
وقبل أن تضيف كلمة سمعت خلفها صوت مخيف ونبرة مرعبة :
" هو أنا فعلا هكسر يا ميمو، لكن اللي هيتكسر هو دماغك الناشفة يا قلبي ...."
_____________________
" يا حبيبتي والله بشتغل، مش هعرف كده والله، اقولك ارجعي ورا ٢ سنتي بس عشان اعرف اشوف هعمل ايه "
نظرت له رانيا بحنق وهي تسحب أحد المقاعد تلصقه بخاصته، وتجلس أمامه واضعة إياه تحت المراقبة وصالح لا يفهم ما تفعل، لكنه للحق ليس مستاءً أو منزعجًا من وجودها، يكفيه أن تشاركه أنفاسه ...
" هخلص بس الملف ده ويتسلم، بعدين تروح نجيب الاولاد من الحضانة "
هزت رأسها بإيجاب تعجبها تلك الفكرة، هي تحب أي لحظة تتجمع وتكتمل فيها عائلتها، وأثناء جلستهم تلك ارتفع رنين هاتف رانيا لتجيب بلهفة وسعادة كبيرة :
" محمد ..."
رفع صالح رأسه لها وقد تحفزت جميع حواسه لما سيصدر من تلك المكالمة والتي تضم رئيس قسم المعارضة له، محمد العزيز والذي يتفنن في إثارة غضبه، وهو المسكين الذي لا يُحسن حتى الرد عليه .
" لا يا محمد احنا كويسين والعيال كمان كويسين يا حبيبي، طمني عليكم أنتم بخير كلكم ؟!"
صمتت ثواني ثم نظرت لصالح الذي كان يتابع ما يحدث باهتمام، وقد علم أن الحديث انتقل له وبسرعة كبيرة، اكبر مما يتوقع، إذ قالت رانيا :
"صالح كمان الحمدلله كويس "
امتص صالح شفتيه بتأثر، هل يعقل أن محمد يطمئن على حالته ؟؟ يا الله يكاد يخر باكيًا من التأثر الآن.
" لا متقلقش والله صالح بياخد باله مني "
نعم الآن أصبحت الأمور أكثر واقعية، هو فقط يسألها إن كان عذبها أو منع عنها الطعام، وقطعها أشلاء ام لا ؟؟
ذلك الرجل لا يضع اعتبارًا أنه متزوج من أخته منذ ست سنوات ويزيد، كل هذا لا يهتم به، بل هو فقط لا يراه سوى شخص سرق منه شقيقته التي كان ينتوي الاحتفاظ بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فجأة وفي وسط تلك المكالمة سحب صالح الهاتف من رانيا مبتسمًا :
" محمد حبيبي، عامل ايه ؟؟"
أبعد محمد بعض الأوراق من أمامه يردد مبتسمًا ببرود :
" الحمدلله بخير، لسه كنت بسأل رانيا عنك "
" أيوة ما أنا اخدت بالي فعلا، وكمان اخدت بالي من الثقة الكبيرة اللي بينا وأنت بتسألها إذا كنت خلصت عليها هي والعيال ولا لسه "
أطلق محمد ضحكات عالية على حديث صالح يمازحه بخشونة :
" لا متقلقش اكيد مكنتش هسألها سؤال زي ده، هي بس مكانتش حابة تبين إني مش طايقك بصراحة، أنا كنت بقولها مزهقتيش من صالح عشان اجي اخدها هي والعيال ؟؟"
" إذا كان كده تمام، أنا فكرتك بس مش واثق اني بعاملها كويس "
" لا يا عم متقولش كده، دي عشرة عمر، أنا اساسا مش بثق فيك أنت شخصيًا"
ابتسم صالح يجيبه بود كبير :
" والله يا محمد أنت فعلا من أكثر اخوات رانيا المقربين ليا بعد عبدالله وعبدالجواد، جبريل ده اخر شخص ممكن يكون قريب مني "
تعالت قهقهات محمد وهو يدرك أن تلك الحالة من الاستنفار والقتال بينه وبين جبريل لن تنتهي إلا بموت أحدهما :
" سيبك منهم وطمني الدنيا عندك تمام ؟؟"
اعتدل صالح في جلسته يمسك بين يده كف رانيا يداعبه بأصابعه في حنان شديد ودون شعور منه :
" الحمدلله الكل هنا كويس، والأمور مستقرة والأمن مستتب "
ابتسم محمد ثم ردد بعض الكلمات وانهى المكالمة معهم، وصالح ترك الهاتف على الطاولة، ثم نظر لرانيا التي كانت تبتسم بسمة غريبة جعلت حاجبه يرتفع متعجبًا:
" ايه بتبصي كده ليه ؟؟"
ابتسمت بسعادة تقول :
" مفيش بس سعيدة إن العلاقة بينكم أنت واخواتي بقت كويسة "
تنهد صالح بصوت مرتفع يصف لها الحال بوضوح :
" حالتي مع اخواتك يا رانيا عاملة بالضبط زي الدولتين اللي عاملين معاهدة سلام على عنيهم وكل طرف مستني التاني يخرق المعاهدة دي عشان ينفجر فيه "
ابتسمت تقول وهي تهز كتفيها بلا اهتمام :
" معاهدة معاهدة احنا كنا فين وبقينا فين "
كاد يجيبها بكلمات كثيرة حانقة لولا أنه استمع لصوت رنين هاتفه، امسك الهاتف يجيبه بهدوء شديد :
" الو .."
صمت ثواني قبل أن ينتفض متسائلًا بعدم فهم :
" مين وامتى حصل ده ؟؟"
نظرت له رانيا بفضول شديد وهي تقترب منه ملتصقة بذراعه :
" ايه يا صالح ؟! حصل ايه ؟؟ حد من العيال عمل حاجة ؟! انطق يا صالح .."
نظر لها صالح بحنق مغتاظًا منها :
" انطق ازاي وأنا بتكلم، اصبري ..اصبري يا حبيبتي أما اشوف في ايه؟!"
ومن ثم صمت يستمع للصوت القادم من الجهة الأخرى، وملامحه تزداد انعقادًا :
" طب تعرف قسم ايه ؟!"
اتسعت عيون رانيا بفزع تهز يد صالح :
" قسم ايه يا صالح، قسم ايه ؟!"
أمسك يدها بحنق وغيظ شديد :
" ما أنا بسأل اهو، بسأل، اهدي "
صمت ثم تنفس بصوت مرتفع يقول :
" طب شكرا لحضرتك أنا هشوف اللي حصل سلام"
وبمجرد أن اغلق الهاتف قفزت رانيا في وجهه برعب وملامح شاحبة وكل فكرها ذهب لأطفالها :
" ايه اللي حصل وقسم ايه ده ؟!"
امسك صالح رأسها يجذبه له وكأنه على وشك مناطحتها بالرأس :
" هتغابى عليكِ، قولتلك اصبري"
نظرت له ولملامحه القريبة وصمتت وهو تنفس بعمق يطبع قبلة صغيرة أعلى جبهتها بحب :
" البواب قالي إن حد هجم على شقة صلاح وهو مش هناك، وأم سعيد فرجت عليهم المنطقة وجابت البوليس وحاليا في القسم ..."
اتسعت عيون رانيا بفزع :
" طب ميمو وأنس هما كويسين ؟!"
حمل صالح اشياءه وهو يتجهز للرحيل قائلًا :
" السؤال دلوقتي يا رانيا هو ...هل المجرمين دول كويسين ؟؟؟"
______________________
" يعني حضرتك متأكد أنك حابب تتقدم بالبلاغ ده ؟؟"
ارتسمت بسمة جانبية على فم صلاح الذي كان يتابع ذلك الشرطي وهو يسجل المحضر ضد من اقتحموا منزله وهددوا أسرته وكادوا يتسببون في أذيتهم، والآن يسأله إن كان متأكدًا من رغبته في التقدم بشكوى ضدهم وضد من ارسلهم .
" والله يا فندم أنا حابب، حضرتك مش حابب اتقدم ببلاغ ؟؟"
ارتفع حاجب الشرطي وقد اعتلت ملامحه امارات الغضب، لكن صلاح ليس بالمبتدأ لطالما تعامل مع كل ذلك سابقًا، بل وقد وصل به الأمر للسجن أيام، ثم يخرج بكل هدوء وببساطة شديدة :
" أصل شايف يعني أنك متردد في الموضوع، فلو فيه مشكلة تمنع الموضوع قولي أنا اكيد مش هحب اضرك"
" أنت بتقول ايه يا أستاذ؟ أعرف أنت بتكلم مين قبل ما تهلفط بالكلام "
اعتدل صلاح في جلسته يقول بقوة ودون خوف، فهو قد رمى خوفه سابقًا في أعمق المحيطات حينما أختار مهنة كمهنته، واختار بنفسه اللعب بين الثعابين ومواجهة سمومهم :
" يا فندم أنا اكيد عارف بكلم مين، بس الظاهر حضرتك اللي مش مقدر الوضع، زوجتي وابني كان ممكن يحصلهم حاجة من شوية، وحضرتك قاعد دلوقتي تناقشني في رغبتي إني اتقدم ببلاغ أو لا ؟!"
هزت ميمو الجالسة أمامه على المقعد رأسها توافقه الحديث، تلتزم الصمت بسبب تحذيراته طوال الطريق لها، وسعيد يجلس على أريكة مقابلة يحمل بين أحضانه أنس وهو يهمس له بصوت خفيض :
" أنت صعبان عليا يا أنس والله، أنا بفكر اتكفل بيك لوجه الله تعالى "
ابتسم الصغير يتلاعب في وجه سعيد، ثم ألقى برأسه على وجهه يقبله، أو بالأحرى يحاول أكل خده، وسعيد يبتسم بحب كاتمًا ضحكة كادت تفلت منه ..
بدأ الشرطي يسجل المحضر الخاص بما حدث وأخذ اقوال ميمو التي وصفت له كل ما حدث تتلاشى نظرات صلاح الذي يطالعها بشر مستطر، كان لديها فرصة الركض والاتصال به، لكنها اختارت أن تشاهد وتستمتع، ثم تأخذ حقها بيدها.
ميمو ستظل ميمو حتى وإن أصبحت جدة.
انتهى الأمر وتحرك الثلاثة للخارج، وبمجرد الخروج فتح صلاح فمه للحديث، لكن ميمو قاطعته مشيرة صوب سعيد الذي كان منشغلًا في أنس تقول :
" خد بالك يا صلاح، أي كلمة هتقولها ومش هتعجبني، هاخد أنس وأروح اقعد مع سعيد ومش هتشوف وشي "
نظر صلاح صوب سعيد بشر كبير ليهز الاخير رأسه رافضًا ما قيل وكأنه ينفي عن نفسه رغبته في استقبال ميمو داخل منزله، لكن ميمو لم تصمت إذ قالت :
" ولو سعيد لسه زبالة زي ما هو ورفض، فربنا يخليلي نادر وميحوجنيش لحد"
صمتت ثم نظرت بلوم لسعيد الذي زفر بحنق شديد يضع الصغير بين يديها، ثم قال مغتاظًا :
" بقولك ايه، انا مش خارج من السجن عشان تقرفيني بحوارتك، والله ارجع تاني "
نظر لصلاح يقول بغيظ شديد :
" وأنت، ابعد مراتك دي عني لاحسن والله أنا اللي هقدم فيكم محضر أنتم الاتنين، ومشوفش حد من العيلة بتاعتكم غير أنس تسيبوه قدام الشقة وتمشوا "
أنهى حديثه يغادر المكان بأكمله حانقًا وميمو تنظر لأثره بشر :
" سعيد ...سعيد يا حيوان، خسارة فيك السمك "
فجأة شعرت بمن يلتقط منها الصغير وصوت صلاح يقول بحنان رغم غضبه وحنقه منها :
" اتحركي يا ميمو عشان ترتاحي بلاش الوقفة كتير ليكِ"
نظرت له ميمو ثواني قبل أن تقول :
" والله ما ليا غيرك يا صلاح "
اتسعت بسمة صلاح قبل أن تتحول لضحكات يضم يدها بحنان متحركًا للخارج :
" وأنا ليكِ على طول يا مقدس .."
صمت ثم أضاف بشر :
" بس ده ميمنعش أن فيه حساب بينا لما نرجع "
_____________________
توقف بالسيارة أمام البناية التي لطالما هجم عليه، وفي رأسه تمر صور كثيرة له، حينما كان يتوقف أمامها باسطول سيارات، ويقتحم العيادة عليها، يشعر أن الذكرى قريبة جدًا وكأنها كانت البارحة، عاد برأسه على المقعد خلفه يغمض عيونه يفرك وجهه وفي رأسه صور عديدة لآخر يوم قضاه معها، ابتسم وهو يرى أمامه بسمتها وهي تخرج رأسها من النافذة وتضحك بسعادة لم يرها منذ كانت في الجامعة ..
فتح عيونه يستشعر اختناق شديد داخل صدره، غصة كبيرة تعيق مجرى تنفسه، ولا يريد أن يحررها فهو يعلم أنها إن تحررت ستخرج بشهقات وآهات مكتومة، آهات منعها سنوات وتنتظر لحظة الخروج .
تنهد وقد بدأ صدره يهتز بقوة يتمنى، فقط يتمنى أن يعود لتلك اللحظة التي بدأ عندها كل شيء، يوم ذهب لشراء طعام له ولمحها ..
يقف وسط صديقه يخطط معه بأحلام غبية ساذجة :
" بكرة نفتح عربية الاكل بتاعتنا، ومن بعدها تتوسع وتبقى مطعم كبير و..."
توقف فجأة عن الحديث حينما أبصرها، تقف بين جموع من الأشخاص الذي تجمعوا لشراء ما يسد جوعهم ..
ضحكات عالية من بعض الفتيات يصاحبها كلمات متقاذفة من الشباب، لكن أيًا من ذلك لم يكن مسموعًا له، ولا حتى صوت رفيقه الذي كان يتحدث معه حول مشروع العمر_ كما أسموه _ كل ما يسمعه هو صوتها تقول بملامح مفكرة :
" ماشي مش حراق اوي، يعني حراق شوية صغيرين ينفع ؟؟ وممكن بطاطس اكتر لو سمحت "
ابتسم يتجاهل رفيقه وهو يتحرك صوب تلك الفتاة التي بدت زهرة ملونة بين العديد من نباتات الصبار _ في عيونه _ كانت جميلة، وأكثر ما جذبه هي بسمتها .
توقف بالقرب منها وهي لم تنتبه له، بل ظلت تنتظر ما طلبت بتوق شديد، تنظر في ساعة يدها كل ثانية والأخرى، حتى واخيرًا بعد دقائق بدت لسعيد ثواني قليلة لم تسد رمقه، استلمت زهرة شطيرتها وركضت سريعًا صوب جماعة من الفتيات وتحرك الجميع بعيدًا، آخذون معه زهرته الجميلة ..
أفاق سعيد من شروده على صوت قوي يصدح في الإرجاء، نظر حوله يجد الأمطار تتساقط، ليس الأمطار وحدها، بل دموعه كذلك أعلنت العصيان على ثباته وشاركت الأمطار السقوط، امسك سعيد هاتفه الذي يعلو بالرنين يجيب بصوت ابح بعض الشيء :
" الو.."
" مالك يا سعيد، صوتك ماله ؟!"
كتم سعيد شهقة صغيرة يردد بصوت خافت :
" مفيش يا ميمو أنا كويس، فيه حاجة ؟؟"
ورغم عدم اقتناعها لم تود الضغط عليه :
" أنت مشيت وانا نسيت اقولك إن بكرة باذن الله هنستلم المطعم، الراجل كلمني النهاردة الصبح ومستني بس تشوفه، وبالنسبة لكل الاوراق متقلقش أنا خلصت كل حاجة، ناقص بس توقيعك و..."
كانت ميمو تتحدث بكلمات متلاحقة لم يصل لسعيد منها شيء، إذ أنها وللمرة الثانية تصم آذانه عن أي شيء عدا صوتها هي، حتى وإن لم يصل له، فعقله تولى الأمر وهييء له اصوات ضحكات وانفاس متسارعة ..
خرجت زهرة من البناية تتأفف من الأمطار، تضع يدها أعلى رأسها تركض صوب السيارة، وفجأة كادت تسقط في اللحظة التي انتفض بها جسد سعيد بتحفز، لكنها اعتدلت تبتسم وتضحك بسخرية على نفسها، وسعيد الآخر ابتسم متضامنًا مع بسمتها .
اقتربت زهرة من السيارة وما كادت تفتحها حتى توقفت عيونها تبصر سيارة تتوقف أمام البناية بشكل مريب، سيارة تعلم جيدًا هوية صاحبها، هوية من يدق له القلب صخبًا، وانتظرت أن يطل عليها .
هبط سعيد من سيارته يقف أمامها ولا يدري أي حديث يقال في تلك اللحظة، لكنه فقط أقترب منها أكثر وفجأة قاطع طريقه جسد رجولي وصوت أجش ينادي زهرة بنبرة حميمية دافئة :
" زهرة ..."
_____________________
فإن كان الصوابُ لديكِ هجري
فعَمّاكِ الله عن الصوابِ.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة لا تنسوا التصويت للرواية ( زر النجمة) وابداء رأيك بتعليق بعد الانتهاء، كتشجيع صغير ..
*وأي حد بيلاقي الفصل ناقص عنده، فده بيكون مشكلة من الواتباد غالبا بتتحل لما تحذف القصة من عندك وتحملها تاني هتلاقيه كامل، نهاية الفصل دائما بتكون ( دمتم سالمين) فلو خلص مرة واحدة أو قبل ما تشوف الكلمة دي اعرف أنه ناقص عندك ..
قراءة ممتعة
#الرابع_والثلاثون
كَان الصَّالحُون يَستَحيُون مِنَ اللَّه أن يكُون يَومِهم مِثلَ أمسِهِم، فيَجتَهدُون لِلاجتِهَاد في عمَل صَالِح جَدِيد، فَاحرصْ أن يكُون يَومِك خَيرٌ مِن أمسِك، ولو بِزيادةِ تَسبيحة واستِغفَار، أو صَفحَات وِردك مِن القُرآن، أو تَنوي عَمل خَير.
يقُول أحَد طُلاب الإمَام أحمَد:
«صَحبتَه عِشرِين سَنة مَا مِن يَوم إلَّا وهُو أفضَل مِن اليَوم الذِي قَبلَه!».
صلوا على نبي الرحمة ...
________________
حيرة شديدة تلبست رائد ما بين أن يعود ويلبي واجبه الوطني والمهني، وما بين أن يستمر ويلبي واجبات قلبه التي ترن داخل صدره هاتفه به ألا يقف كالاحمق ويتحرك ليخرج بزوجته من كل ذلك .
وما بين هذا وذاك، صراع انتهى بالتفكير في أن يذهب ويضع زوجته داخل سيارته والعودة لإلقاء نظرة سريعة، لئلا تحتدم الأمور وتزداد سوءًا ويتأذى الكثير من الأشخاص .
لكن ما كاد يفعل ويخرج حتى أبصر مجموعة من الرجال المسلحين في البلد، يعلمهم جيدًا فهم من أكبر العائلات هنا يدخلون للمشفى ويغلقون الابواب صارخين في الجميع أنهم لن ينجو منهم أحدًا، وكل ذلك أمام أعين رائد الذي سبق وقابل الكثير من حالات تحكم الغضب بالرجال وتهورهم لدرجة القتل، لكن في هذه الحالة وهي بين يديه لم يكن في مزاج يسمح له بالتعامل معهم .
نظر حوله يبحث عن مقر آمن لها، وصوت تسبيح يخرج خافتًا مكتومًا بسبب التصاق وجهها بصدره، أنفاسها تحرقه ومرضها يقتله ..
دخل إحدى الغرف المخصصة للطوارئ ووضعها بها، ثم نظر حوله ليبصر عدد من الممرضات المختبئات بعيدًا عن كل ذلك .
نظر لهم مشيرًا صوب تسبيح قائلًا :
" حد يساعدها، ساعدوها ارجوكم لأنها تعبانة جدا، وأنا...أنا هخرج وهحل الموضوع برة "
وبمجرد انتهاء كلماته تحرك بسرعة للخارج، لكن يد تسبيح حالت دون إكمال خطواته وهي تردد بصوت مرهق :
" رايح فين، فيه صوت ضرب برة يا رائد "
ربت رائد على يدها يحاول انتزاع كفه منها، لكنها كانت مصرة، بل وشرعت في البكاء رغم مرضها، إلا أن خوفها على رائد تغلب على مرضها تردد بصوت خافت :
" لا يا رائد بالله عليك ما تخرج، بالله عليك لو بتحبني، متخرجش "
كانت تتحدث بنبرة مختنقة بغصة بكاء، سرعان ما تحولت تلك الغصة لأصوات عالية وشهقات مدوية لاقت صدى لدى رائد الذي انحنى على ركبتيه، يقبل كفيها متحدثًا :
" يا قلبي ده شغلي، لازم اوقف اللي بيحصل لأحسن حد يأذي التاني يا توتا، يرضيكِ يكون في أيدي اساعد حد واتأخر ؟؟"
ارتفعت شهقات تسبيح بخوف شديد تتذكر اصوات مثل تلك الاصوات، صرخات وبكاء ونحيب، مثل تلك الشجارات كانت يومية في حارتها ولم تأبه لها يومًا، بل كانت تصم الأذن عنها، حتى انتقلت الشجارات من حارتها لمنزلها وراح ضحيتها والدها، منذ تلك اللحظة وهي أصبحت ترتجف كلما رأت شجار أو قتال، والآن هو يريد إلقاء نفسه بين ذلك الشجار ؟؟
ازدادت شهقات تسبيح تحاول النهوض من مستقرها، تقول وهي تنزل النقاب على وجهها بتعب شديد واعين حمراء منتفخة من البكاء :
" تعالى ...تعالى نمشي من هنا، أنا كويسة مش عايزة اتعالج، عايزة نروح سوا بالله عليك يا رائد "
لم يكد رائد يجيبها إلا وارتفعت الصرخات وزادت حدتها، ليشعر بالعجز، ينهض من مكانه يقبل رأس تسبيح بحب وحنان شديد، ثم رفع عنها النقاب ينظر لعيونها مرددًا :
" مش هتأخر عليكِ، هرجع على طول "
وبمجرد انتهاءه من تلك الكلمات هرول للخارج قبل أن يضعف ويعود لحملها والقفز من النافذة وتنفيذ رغبتها، فقط لتتوقف عن البكاء له .
تنهد رائد يغلق الباب خلفه بقوة متحركًا صوب الشجار، يصرخ في الجميع أن يتوقفوا يخرج سلاحه فقط للتهديد ليس إلا..
وبمجرد أن اندمج في القتال محاولًا أن يفكه، وجد أحد أفراد العائلة يهجم على طبيب من الطاقم الطبي للمشفى يصرخ في وجهه أنه من تسبب في قتل والدته .
وما بين شد وجذب ارتفع صوت رصاصات، وهذه المرة كان من مسدس رائد الذي صاح بصوت جهوري قذف الرعب في صدور المحيطين به :
" اقسم بالله أي حد هيتحرك أو يعمل حاجة أنا هبيته اللي باقي من حياته في السجن "
نظر له الجميع وصمتوا ليبدأ رائد في الصراخ :
" ايه عايشين في غابة ؟؟ اللي له حق هياخده لكن مش بالشكل الهجمي ده "
فتح أحدهم فمه للتحدث، لكن رائد زجره بشر هامسًا :
" ولا كلمة، مش عايز اسمع صوت حد، قاعدين تتخانقوا وتضربوا رصاص في مكان عام وكمان مستشفى وتسببوا في ترهيب العامة، وكل ده عشان ايه يا ترى ؟!"
تحدث أحد الشباب بصوت يقطر غلًا وشرًا وكره :
" امي ماتت بسببهم، أول ما دخلت المستشفى هنا وماتت"
" أنت هتعترض على قدر ربنا ؟؟ ده قدرها ونفذ، عشان والدتك ماتت هتقتل قصادها كام ؟؟"
صمت الرجل ليخرج رائد هاتفه يتصل بوحدة الشرطة في المكان وأعينه لم تتحرك عنهم، وقبل أن يغلق هاتفه ويتحدث لهم أن يتحركوا للخارج حتى وصول الشرطة، تفاجئ باشتعال الشجار بين شابين أحدهما طبيب شاب والآخر من أفراد العائلة، وحين قرر رائد التدخل بينهما أبصر الشاب يخرج سكين ويغرزه في معدة الطبيب بشر وحقد تمكن من عقله....
وكان رائد اسرع الموجودين في ردة الفعل وهو ينطلق له يبعد الشاب عن الطبيب بشر صارخًا في وجهه، ثم نظر للطبيب برعب يضع يده على معدته :
" دكتور بسرعة ...دكتور يجي يلحقه بسرعة "
اجتمع عليه بعض الأطباء وبدأوا يحاولون مساعدته صارخين في الممرضين بإحضار الفراش لنقله سريعًا إلى غرفة العمليات، كل ذلك استغله رجال العائلة الذين تشاجروا معهم في محاولة تهريب الشاب الذي طعنه ..
وكادوا ينجحون لولا رائد الذي امسك تلابيب ذلك الشاب قائلًا بشر :
" على فين ؟! لسه يومك طويل معانا يا حبيبي "
ابتلع الشاب ريقه برعب شديد بعدما تلاشت سحابة غضبة وظهرت شمس هلعه ساطعة في وجهه، نظر صوب قريب له يرتجف، يطالبه بالمساعدة، والاخير لم يتأخر إذ هجم على رائد من الخلف غير مهتمًا لا لمكانته أو غيره، فإن تم القبض على الشاب فسيعدم وتنتهي حياته .
اتسعت عيون رائد بفزع وحاول الإفلات من بين يديه، يراقب هروب الشاب دون أن ينظر خلفه، وهو يصرخ غاضبًا حينما قيده ثلاثة أشخاص وهو مد يده لسلاحه والغضب تمكن منه:
"والله لاندمكم كلكم، واحد واحد ..."
في الداخل كانت تسبيح تحاول الإفلات من الممرضات صارخة بهن أن يتركونها، وصوت صرخات رائد يصل لها يزلزل استقرارها، خرجت من الغرفة بأقدام مرتجفة تبحث عنه بين الوجوه لتجده مكبل من بعض الرجال بوجه احمر والغضب يكاد يفجر رأسه ..
بكت بخوف وهي تخرج هاتفها تتصل بسليمان مرة أخرى تستعجل قدومه، لكن في تلك اللحظة شاهدت سليمان يدخل من باب المشفى مع بعض رجاله يصرخ في الجميع بصوت جهوري :
" سيب ابني يا زيدان وإلا والله العظيم لأكون مضيع عيلتك نفر نفر، سيبه "
ترك المدعو زيدان رائد والذي بمجرد أن أفلت منهم حتى هجم عليه يوجه له لكمة صارخًا بجنون :
" والله لاوريكم الويل "
ولم يكد يتم جملته حتى سمع صوت انفاس عالية في الخلف، وصوت تسبيح يناجيه، نظر لها بتعجب لخروجها ولم يكد يتذمر أو يغضب حتى وجد جسدها ينهار ارضًا .
وكان هو من تلقفها بين أحضانه يهمس لها بكلمات لطيفة قلقة ومرتعبة، يضمها له مطمئنًا ..
_____________________
احتدت نظرات سعيد شيئًا فشيء حين سماعه صوت رجولي ببحة مميزة تبدو عاشقة وينطق اسمها، اسمها الذي كان حقًا مكتسبًا له فقط .
استدار ببطء صوب مصدر الصوت ليبصر رجل طويل القامة ذو عضلات معتدلة الضخامة، وملامحه تنطق بالقوة والوسامة، ارتفع حاجب سعيد، يحلله من فوق لأعلى، عض شفتيه ثم عاد لزهرة التي كانت صامتة بشكل غريب .
تساءل سعيد بعيونه عن هوية ذلك الذي ينطق اسمها بكل الحب الذي وصل له واضحًا، وزهرة فجأة ابتسمت تقول :
" دكتور داغر .."
تشنج وجه سعيد وقد ارتسمت بسمة عدم تصديق لتلك النبرة المبتهجة التي نطقت بها اسمه، وذلك الطبيب داغر تحرك يتخطاه دون اهتمام مقتربًا من زهرة بقوة حتى كاد يلتصق بها قائلًا ببسمة :
" أنا بس جاي عشان اعتذر عن آخر مرة، بجد مكنتش واعي و..."
قاطعته زهرة بسرعة كبيرة وقد اتخذته فرصة كي تذيق سعيد المزيد من الويل :
" لا ولا يهمك، أنا اللي بجد بعتذر آخر مرة كنت مرهقة من الشغل ومقدرتش اتصرف كويس"
اتسعت بسمة داغر دون تصديق، وسعيد يراقب ما يحدث بملامح مشدوهة يحاول فهم ما يحدث الآن، ليجد ذلك الرجل المقيت يمسك كف زهرة بحنان شديد رافعًا إياه صوب شفتيه مقبلًا إياه.
كل ذلك تحت عيونه التي اشتعلت بقوة، وصدره الذي أخذ يعلو ويهبط، شعر كأن أحدهم وجه له ضربة في منتصف قلبه .
وزهرة لم تصبر أن تحط شفتيه على كفها، إذ سحبته بسرعة كبيرة صوب أحضانها تخفي رجفة جسدها الرافضة والمشمئزة، وسعيد فقط يراقب بصمت قبل أن يتساءل:
" مين ده ؟؟ وازاي يلمسك بالشكل ده ؟؟"
كان سؤاله الاخير محتدًا غاضبًا وبشدة حتى كاد يهجم عليهما محطمًا رأس ذلك الرجل وزهرة كذلك، لكن زهرة ابتلعت عيونها تشير صوب داغم قائلة :
" ده ...ده "
أشار لها سعيد محذرًا بأصبعه :
" اهدي شوية دلوقتي، اهدي عشان مضعيش ست سنين من عمري عليكم "
صمت يتنفس بصوت عالي، في الوقت الذي قال به داغم بعدم فهم :
" معلش مين حضرتك ؟!"
" جوزها، أنا جوزها "
اتسعت عيون زهرة لتصرخ محتدة :
" لا مش جوزي، ولا هتكون جوزي ولا ناسي مين اللي نبذ التاني ؟؟"
نظر لها سعيد بشر، لكنها لم تهتم قائلة :
" ولعلمك اللي أنت بتكلمه ده اساسا عارض عليا الجواز ميت مرة وانا بفكـ...."
أوقفها سعيد بعصبية كبيرة :
" والله ؟؟ يعني هو العمر ضاق بيكِ، استنيتي ست سنين، واول ما خرجت افتكرتي أنك عايزة تتجوزي فجأة؟! ايه موسم التزاوج ؟؟"
اتسعت عيون زهرة بصدمة من حديثه ووقاحته، لكن إن كانت تظن أن هذه وقاحة فهي نست كيف كان سعيد سابقًا، وأنه في حالته السابقة ما كان ليترك داغر حي يرزق حتى هذه اللحظة .
نظر داغر لزهرة التي كان وجهها مشتعل بقوة وقد تناست تقريبًا وجوده، تحدق في وجه سعيد الذي كانت اوداجه منتفخة بالغضب ورأسه تكاد تخرج دخان غضبه، يناظر زهرة بشر :
" أنا يمكن اتعالجت شوية، بس بلاش تعتمدي على النقطة دي عشان يا زهرة مش حابب ازعلك مني، وأنتِ اساسا مش طيقاني "
أشتدت نظرات زهرة تبتسم ساخرة :
" الله ينور عليك، وطالما أنت عارف أنك خلاص مش طيقاك، يبقى فضها سيرة وبطل تنط في وشي كل شوية، يا اخي أنا كنت مرتاحة منك السنين اللي فاتت"
كاذبة، هكذا هتف عقلها، أي راحة تلك التي رأيتها، لقد عشتي ست سنوات جحيم في بعده، كنتِ تتلمسين طيفه في كل ركن، تبحثين عن وجهه في كل شخص، والآن تتبجحين أمامه أنكِ كنتِ مرتاحة، بل أنتِ لم تتذوقي الراحة إلا حينما رأيتيه يطل عليكِ من بين أسوار سجنه .
وسعيد كان من الذكاء الذي يجعله يدرك كذبتها :
" أيوة فعلا كنتِ مرتاحة، عشان كده كل شوية كنتِ بتطلبي تزوريني وتشوفيني صح ؟!"
اشتعل وجه زهرة وشعرت به يدهس كرامتها وكبرياءها أسفل اقدامه، شعرت برغبة عارمة في تقطيع وجهه باظافرها، ابتلعت ريقها ترفض البكاء معترفة بصدق كلماته وأنها اشتاقت له وبشدة، ليس الآن زهرة، ليس قبل أن يذوق جحيم ما اذاقكِ إياه.
" لا كنت بحاول ازورك عشان اساعدك شفقة يا سعيد مش أكتر، شفقة على شخص عرفته وعاشرته سنين، وصعبان عليا، فاهم؟؟ شفقة "
ابتسم سعيد بسمة صغيرة يجيبها بكل بساطة :
" تمام، ممكن تتجوزيني شفقة برضو وتكسبي ثواب فيا ؟؟"
أي تغيير ذلك الذي يتغنى به، وأي علاج ذلك الذي تلقاه؟! هي لا ترى به فرق سوى هدوءه وثباته، مازال يمتلك نفس الاستفزاز والكلمات المزعجة .
رفعت زهرة رأسها له وقد كان جسدها كله قد ابتل من الأمطار التي توقفت منذ دقائق، هزت رأسها تقول ببسمة باردة :
" اعذرني، ممكن امنحك أي شيء شفقة إلا قلبي يا سعيد، ده لما اديه لحد هيكون حب مش شفقة، عشان كده ياريت تشوف حياتك في مكان بعيد عني، لأن خلاص أنا قفلت حياتي على كده"
أنهت حديثها تفتح باب سيارتها بسرعة تدس جسدها بها، ثم تحركت بها مصدرة رذاذ تناثر على وجه سعيد الذي اغمض عيونه مبتسمًا، يمسح المياه عن وجهه متجاهلًا داغر الذي كان يقف متيقنًا أن ذلك هو نفسه الذي شغل قلب زهرة منذ سنوات وتسبب في اعتزالها الرجال، وفقدانه فرصة عادلة معها.
تحرك سعيد صوب سيارته دون اهتمام بداغر يتحرك بها في هدوء شديد، يخرج هاتفه ليتحدث مع ميمو التي أغلق المكالمة سابقًا في وجهها، وبمجرد أن أجابت قال بجدية :
" أيوة يا ميمو، بكرة الصبح هكون معاكِ عشان حوار المطعم "
_______________________
" تمام يا سعيد، قولتلك أنا مخلصة كل حاجة، قولي كنت بتعيط ليه لما اتصلت بيك ؟؟ هي زهرة زحلقتك تاني ؟؟"
فجأة أبعدت ميمو الهاتف عن أذنها تحاول أن تتغاضى عن صوت صراخ سعيد الصادر من الهاتف وبعدما يأست من توقفه، اغلقت الهاتف بحنق شديد زافرة يصوت مرتفع :
" زعلتك كلمة زحلقتك اوي، ده أنا مش عايزة ازعلك بكلمات اسود "
ولم تكد تستدير لتتحدث، حتى انتفضت بفزع للخلف حينما أبصرت صلاح يجلس جوارها مباشرة واضعًا قدم فوق الأخرى ببرود شديد ينتظر أن تفرغ من حديثها مع سعيد .
ابتسمت ميمو تضع الهاتف جانبها :
" اجهزلك الاكل ؟؟"
ابتسم لها يهز رأسه نافيًا :
" لا يا قلبي بلاش تتعبي نفسك، أحنا هتكلم سوا مش اكتر "
هزت رأسها تقترب منه أكثر، تضم ذراعه لها بحب شديد، ثم مالت عليه تقول بهدوء :
" خير يا صلاح ؟؟ "
ابتسم صلاح يدرك جيدًا أنها تعلم ما يريد لكنها تتحايل، وإن أرادت تحايل فهو سيد التحايل :
" خير يا قلب صلاح، حابب بس نتكلم في انجازت السيدة المقدس لليوم"
ومجددًا تتحايل وتحاول أن تدور حول النقطة التي يرنو إليها:
" يعني معملتش حاجة حتى الاكل أنت جبته من برة، بس كنت بلعب مع أنس وكده "
" وهو اللعب مع أنس وكده بيتضمن أنك تكسري عربية رجالة كانوا جايين يأذوكم، وبدون ما تعملي حساب أن ممكن واحد فيهم ينزل يكسر دماغك ؟!"
اشتعلت عيون ميمو تشعر بالغيظ الشديد من تلك الفكرة، لكنها أخفت تعبيراتها تلك خلف أعين بريئة لا تمت لها بصلة لا من قريب أو بعيد :
" أنا كنت بس عايزة أرد عليهم وكمان اطفي ناري، أنت مشوفتش هما خوفوا أنس ازاي يا صلاح"
" تقومي تتهوري بالشكل ده يا مقدس ؟! افرضي حد فيهم اذاكِ ؟؟ التهور عمره ما كان صح ولا التسرع كان من صفاتك يا ميمو، ايه اللي حصلك ؟؟"
" عصبوني، حسيت اني هنفجر لو معملتش حاجة "
زفر صلاح بصوت مرتفع يقترب منها وفي نيته الحديث معها بهدوء وحنان شديد، يريد أن يدخل فكرة التريث لعقلها، فما فعلته غير مقبول ابدًا، ولن يسمح به مجددًا، لكن ميمو قطعت عليه كل تلك الأفكار السلمية الدبلوماسية وهي تقول :
" اقسم بالله لولا أن أنس معايا في الشقة أنا كنت كسرتها على دماغهم وخليتهم يتصلوا بالبوليس بنفسهم يستنجدوا مني "
تمتم صلاح بسخرية لاذعة :
" قادرة وتعمليها"
" سمعتك على فكرة، ومش موضوع قادرة، موضوع أن متعودتش اسيب حقي ابدا ولو عملتها في مرة وسيبته بيبقى حق مؤجل، وهيجي يوم واخده أضعاف "
صمتت وهي تنظر له تنتظر منه أي رد، لكنه فقط نظر لوجهها دون كلمة، يوجه لها عتاب ولوم صامين، لتندس ميمو بين أحضانه تردد بصوت خافت :
" يعني كنت عايزني اسكت على اللي عملوه ويفلتوا يا صلاح ؟؟ بعدين لو كنت بلغت عنهم بس كانوا هربوا، أنا بس كنت بعطلهم لغاية ما البوليس يوصل"
تنهد صلاح يضمها بحنان شديد، تلك المرأة مرهقة، بكل ما فيها مرهقة، عنفوانها، نظراتها ضحكاتها، كل ذلك مرهق لقلبه، قبّل رأسها قبلة حنونة يتنهد بصوت مرتفع، وقد صمت يستمتع بذلك الهدوء رفقتها، قبل أن يقول حينما شعر بها تتململ في انتظار إجابته، وكلماته التي ستخفف عنها شعورها بالخطأ :
" أنا بس خايف عليكِ يا مقدس، أنتِ حامل وتعبانة، ويعز عليا ترمي نفسك في مشاكل ممكن تتعبك "
" أنا متعبتش والله يا صلاح، بالعكس أنا كنت سعيدة "
أطلق صلاح ضحكات عالية بعض الشيء يقبل رأسها بحب شديد وعينه تحيد صوب أنس الذي يتلاعب في الأرض جوارهم ببعض ألعابه، عاد ينظر لمقدس التي تتوسط أحضانه، ومنزله الدافئ والهدوء الذي يعم المكان، ماذا يطلب أيضًا لتكتمل حياته ويختتم قصته ؟
أفاق صلاح على يد ميمو التي همست له بحب :
" بالله عليك ما تزعل مني، والله بعد كده مش هتصرف بالشكل ده وهستناك نتصرف سوا "
قبل صلاح كفها الذي يعبث بلحيته وابتسم لها بحب :
" لو ده خلاكِ سعيدة فسماح لأجل بسمتك يا مقدس، لكن اوعديني في يوم ما تغامريش في حاجة لو المقابل سلامتك "
هزت رأسها في وعد صامت منها وهو اقترب منها يميل برأسه على خاصتها، يحدق في خصلاتها الحبيبة التي أضحت تأسرها خلف حجابها بكل رضى وسعادة..
هام يتذكر يوم جاءت له تخبره أنها اتخذت قرارها وسترتدي الحجاب ...
انتهى من تصفيف خصلات شعره في صباح أحد الأيام، وبمجرد أن استدار يحمل هاتفه حتى توقف جسده فجأة على صوت فتح الباب بعنف شديد ودخول ميمو منه تقول دون مقدمات :
" صلاح... أنا قررت وعايزة اتحجب"
رفع صلاح عيونه لها يرمش بعدم فهم، فهو سبق وتحدث معها بذلك الأمر، لكنها طلبت منه أن يتركها فقط كي تقتنع بما تفعل، مخافة أن يتسرب لها الشيطان وتنزع الحجاب مجددًا، خاصة أن ميمو لم تكن بذلك القدر من الثبات لتلتزم بحجاب وهي من اعتادت الحرية ...
صمت صلاح يترك ساعة يده على الطاولة يتقدم منها يحاول تبين جديتها، وقد أثبتت له ميمو ذلك وهي ترفع الحجاب في وجهه تقول ببسمة :
" رانيا اشتريته ليا هدية لما عرفت إني عايزة البسه، وكنت مقررة البسه وادخل بيه افاجئك، بس حسيت شكلي مزري فيه وانا مش عارفة اساسا اعدله زي ما رانيا علمتني "
كانت ميمو تتحدث وهي تتحرك صوب المرآة تنظر لنفسها بحنق وخيبة أمل، بعدما فشلت في ارتداء الحجاب كما علمتها رانيا، وصلاح لم يفق من صدمته بعد، اقترب منها يسحب الحجاب من بين أناملها يقول :
" أنتِ متأكدة يا ميمو، مقتنعة بالحجاب طيب ؟!"
استدارت له تبتسم قائلة :
" أيوة أنا الشهرين اللي فاتوا كنت ببحث عن الحجاب وكل حاجة تخصه "
صمتت تقول بخجل شديد من نفسها وما تقوله :
" عارف كنت عاملة زي اللي لسه داخل الاسلام جديد، بيدور على قشة يتعلق بيها، أنا بس كنت ...كنت عايزة أبقى من جوايا مقتنعة كامل الاقتناع، صلاح أنا مفيش حد في حياتي دي قالي ألبس حجاب أو نصحني بيه غيرك أنت والشيخ سعيد "
ضحك ضحكة صغيرة وهي شاركته الضحكة تقول بتذكر :
" آخر زيارة لقيته بيقولي مش ناوية ترحمي الناس من شكل شعرك وأنتِ عاملة زي الساحرة اللي طالقة تعابينها على الناس؟؟ "
أطلق صلاح ضحكات عالية يربت على خصلاتها الناعمة بحب شديد :
" بصي هو عنده حق في أنك تلبسي الحجاب، لكن مش عنده حق في وصف شعرك "
هزت رأسها تدرك أن سعيد ما قال تلك الكلمات الممازحة سوى ليلفت نظرها بشكل غير مباشر للأمر، فهذه هي اللغة المستخدمة بينهما، ينصحان بعضهما البعض خلف جمل ساخرة، يوجهان بعضهما بالتهديد، هكذا كانوا ومازالوا .
" عشان كده بقولك اني عمري ما فكرت في الحجاب ولا اعرف عنه حاجة...ماما لما ماتت كنت لسه بنت ومكنتش بحب ألبسه اوي، وبعدين...بعدين أنت عارف اللي حصل وحياتي مع جاد "
صمتت تتنهد بصوت مرتفع تشعر بمقدار تقصيرها، هي كانت تصلي مستخدمة ملابس الصلاة ذات الحجاب الجاهز، ومن ثم تخلعه ملقية إياه، حتى صلاتها لم تكن تنتظم بها سابقًا إلا بعدما تزوجت جاد وعلمت أن لا ملجأ لها منه إلا الله ...
أمسك صلاح الحجاب يضعه أعلى رأسها يبتسم بحنان لها، يساعدها على تعديل وضعه :
" أنتِ جميلة ياميمو، وطيبة وعشان كده ربنا حابب أنك تقربي منه اكتر، وبيمهد ليكِ كل السبل عشان تقربي منه ياقلبي، وأنتِ كل اللي عليكِ تمشي الطريق ده زي ما امرك، وأنا هكون دايما ماسك ايدك وماشي معاكِ "
انتهى من وضع الحجاب ليبهره مظهرها به، مال يقبل جبينها بحب شديد :
" ايه القمر ده؟؟ "
استدارت ميمو للمرآة تنظر لنفسها بسعادة طاغية. أعين لامعة لا تدري هل انعكاس بريق فرحتها في عيونها، أم أنها دموع التأثر :
" صلاح أنت لفيته حلو اوي "
" أنتِ اللي حلوة يا ميمو وعشان كده شيفاه حلو "
استدارت ميمو فجأة تضم يديها حول خصرة بقوة وفي حركة غير متوقعة جعلت صلاح يتراجع للخلف لوهلة فقط، قبل أن ينحني هو رافعًا إياها بين أحضانه سعيدًا :
" مبارك عليكِ يا قلبي، زادك الحجاب بهاءً مقدسي "
نظر صلاح لميمو التي كانت تحدق في وجهه محركة يديها على وجهها بشكل جعله يخرج من ذكرياته :
" قولت ايه يا صلاح ؟؟"
" فيه ايه ؟!"
ابتسمت ميمو تعتدل بحماس :
" بقولك وحشني الخيل اوي، عايزة اركب حصان يا صلاح الله يخليك، بجد وحشني اوي عايزة احس نفسي حرة تاني "
هز رأسه بحنان شديد مبتسمًا :
" وعد مني لما تولدي وتقومي بالسلامة، هأجرلك أي مكان خيل لينا لوحدنا ونتسابق يوم كامل زي الاول، إيه رأيك ؟؟"
هزت رأسها تجيبه بقبلة صغيرة على وجنته :
" موافقة طبعًا "
ضمها صلاح يتنهد براحة شديدة، يشكر ربه على تلك النهاية العادلة لقلبه، لا يصدق أنه مر بكل ذلك، لكن بالنظر لما يعيشه فهو بالفعل لا يتذكر أي معاناة خاضها يومًا، هو فقط يتذكر عوض ربه ورحمته ...
________________
يقف أعلى الأريكة يحمل بين يديه عصى صغيرة وجواره ابنائه يتراقصون مثله يدمرون المكان حولهم، ويصيحون بصوت مرتفع ..
وبمجرد أن انطلق صوت التلفاز بجملة ( من يسكن البحر ويحبه الناس ؟؟) جاءه الرد قويًا من صالح والصغار وهم يصرخون بصوت مرتفع كما لو كانوا يودون إيصال صوتهم له بالإجابة المعروفة ( سبونج بوب سكوير بانتس)
صالح والأطفال يقفزون بحماس شديد على الأريكة يرددون خلف الأغنية وقلوبهم تنتفض باللهفة، أو على الأقل الاولاد هكذا، بينما صالح والذي لا يمقت في حياته أكثر من افلام الكرتون كان مجبرًا على مشاركتهم ما يحبون بنفس الحماس واللهفة، فقط ليصنع بينهم جسر تواصل، ولا يضع فرق اجيال بينه وبين أطفاله .
وبمجرد أن انتهى تتر البداية، جلس الجميع على الأريكة واخيرًا يسترخون لمشاهدة المسلسل، وصالح يرمق أولاده ببسمة واسعة وهم يشاهدون، وفجأة شعر بقبلة تحط على وجنته من الخلف، استدار بسرعة ليجد رانيا تبتسم له :
" تعبناك معانا يا دكتور انهاردة "
أطلق صالح ضحكات مرتفعة يأخذ منها العصير الذي حضرته لهم، يقول بسعادة :
" وأنا عندي مين اتعبله غيركم يا رينو ؟؟ "
ضحكت رانيا بصوت خافت قبل أن تنضم لهم على الأريكة تحديدًا داخل احضان صالح الذي ضمها لصدره بحنان شديد مقبلًا رأسها يراقب الطفلين اللذين انكمشا أسفل المفرش يشاهدون ما يُعرض بحماس شديد متناولين ما أحضرت والدتهم من أشياء .
قالت رانيا ببسمة وهي تنظر لهم :
" صالح هو أنت مش حابب تجيب بيبي تاني ؟؟"
نظر لها صالح بتعجب، وهي طالعته بحب شديد :
" أنا لو عليا يا رانيا فأنا اتمنى أني اجيب منك كتيبة كلهم شبهك، لكن أنا مش حابب اعيش تجربة الاستاذ بلال لما تعبتي في أمر الحمل وجسمك كل ورم بشكل مرعب "
صمت يتذكر تلك الأيام المرعبة، عانت رانيا كثيرًا في ولادتها لبلال إذ انتفخت أقدامها واجزاء كثيرة من جسدها وأصبحت تبكي وتتألم ليل نهار وتعاني ما يسمى " زلال حمل " وهو فقط لا يملك سوى أن يجلس جوارها ويربت عليها، ويؤازرها بكلمات حنونة، وأصبح يعود من عمله سريعًا ليحضر الطعام للجميع، ليس كل يوم إذ كانت تسبيح أو هاجر أو حتى ميمو يساعدونها، لكن هو كان في كثير من الأحيان يرفض رغبة هو أن يشاركها تلك الفترة حتى وإن كان بمجرد اعمال منزلية يعلمها ولم تكن بالغريبة عليه .
" أيوة بس الدكتور قال إن عادي ده بيحصل لستات كتير يا صالح اكيد مش هنوقف حياتنا عشان شيء زي ده "
" وأنا يا رانيا مش معارض لفكرة الحمل لو أنتِ حابة، والله لو هشيلك فوق راسي واسيب الشغل واقعد جنبك معنديش مانع، أنا بتكلم عليكِ، مش حابب تتوجعي تاني، أنا في غنى عن اللحظات دي، انتِ ..."
صمت يبتلع غصته وقد بدأ جسده يرتجف :
" أنتِ مشوفتيش منظرك يوم الولادة، لما ...لما ...رانيا أنا كنت بنطقك الشهادة، أنتِ كان نبضك بيقف وكنت هموت، لا أنا بالفعل مت في الوقت ده ميت مرة، أنا والله مش ممانع، بس لو حصل لازم نشوف دكتور كويس غير الـ ..."
صمت يتنفس بعنف لا يود أن يتذكر ذلك الغبي الذي أخذ يتلو عليهم كلمات لا علاقة لها بحالة زوجته التي تعرضت لتسمم حمل وكادت ترحل هي والصغير لولا رحمة الله بهما، وذلك بسبب ارتفاع الضغط لديها مع الزلال مما أدى لكارثة كادت تودي بحياتها والصغير .
ما يزال صدى بكائه يصدح داخل عقله وذلك اليوم يظهر أمامه ..
" بالله عليك يا صلاح لتسرع، بالله عليك بسرعة، هتروح مني يا صلاح "
كان صوت صالح يخرج هامسًا مرتجفًا يجلس في الخلف يحمل رأس زوجته على أقدامه وفي الامام تجلس ميمو جوار صلاح الذي كان يطير بالسيارة وضربات قلبه تكاد تتوقف من الموقف ..
وصالح في الخلف يبكي ويرتجف رعبًا يتحسس يدها وهو يلعن ويسب ويصرخ :
" ابن الـ ...يقولي عادي انتفاخ بسبب الحمل، والله العظيم لو حصل ليها حاجة لاقطعه بسناني، والله العظيم لاقتله"
كانت يتحدث ويقسم دون أن يعي ما يتحدث به، ضربات قلبه تتباطؤ شيئًا فشيء وكأنها تشارك زوجته الوضع، وحينما شعر بتوقف انفاس رانيا أبيض وجه صالح بقوة يميل على صدرها هامسًت بهلع :
" لا لا ...رانيا، رانيا حبيبتي سمعاني ؟؟"
ولم يصل له رد من رانيا، وصالح يواجه الموت مجددًا، يختبر الموت في أقرب المقربين ليدخل في حالة هيستيرية، يده تضغط على جسد رانيا بقوة قائلًا برعب :
" لا رانيا، رانيا افتحي عيونك، بالله عليكِ لتفتحي عيونك، يا رانيا "
كان جسده يترجف بقوة وهو يصرخ بجنون بها أن تستيقظ وصلاح من مشفى لمشفى يتحرك وقد رفضت بعض المستشفيات أن تستقبل حالتها ليتحرك بها صوب مشفى أكبر مجهزة لمثل تلك الحالات، دقائق وتوقفت سيارة صلاح أمام " القصر العيني " وهو يهبط بسرعة يساعد صالح على الخروج، وبمجرد أن وطأت قدم صالح الأرض، حتى ضم جسد رانيا له، يركض في المكان صارخًا برعب :
" مراتي بتموت، مفيش نبض ...."
اجتمع حوله العديد من الأطباء يأخذون منه جسد رانيا التي كانت في تلك اللحظة تحاكي شحوب الأموات، وهو لم يحسن فعل شيء سوى مراقبتها ترحل معهم، شُلّ جسده ولم يشعر سوى بصلاح يضمه لاحضانه، ولأول مرة لا يبكي بين أحضان صلاح، بل كان جامدًا يراقب تحرك جسد رانيا بعيدًا عنهم ..
ساعة مرت قبل يهجم إخوة رانيا على المشفى وقد ابلغهم صلاح بما حدث قبل أخذ رانيا للمشفى بساعات، كان الأربعة يركضون يرعب بين ممرات المشفى وقد شعر محمد بقرب توقف قلبه يستمع من صلاح ما حدث لشقيقته ...
ولأول مرة ينهار عبدالجواد باكيًا برعب شديد، وشعوره بقرب خسارة شقيقته قتله، يبكي كالطفل بين أحضان جبريل الذي كان جسده يرتجف، ومحمد يحمل هاتفه يحاول الإتصال بمشفى خاص يؤمن لها فراش إن احتاج الأمر، وعبدالله فقط يقف بعيدًا يربت على يد رؤوف الذي كان يجلس بضعف على أحد المقاعد يستغفر ربه ويدعو بقلب ورع لابنته .
وكانت تلك اللحظة هي أول مرة يشفق الأربعة على صالح الذي كان كالميت بين أحضان صلاح، يناجي رانيا بصوت منخفض ويرتعش برعب وهو يردد من بين شهقاته :
" مش عايز غيرها والله ما عايز غيرها "
وكل ذلك توقف حينما خرج لهم الطبيب يقول بكل الاسف :
" للاسف قلبها وقف، بس الطفل عايش وهنولدها ..."
تنفس صالح بصوت مرتفع يسحب نفسه من تلك الذكرى البشعة، يوم لن ينساه ما عاش، يوم ربما تتخذه رانيا نفسها مزحة، لكنه كان رعب، رعب عاشه ويخشى أن يمر به مجددًا، أن تحيا رانيا بعدما انطقها الشهادة ثلاث مرات، بل ويحيا طفله كذلك، كان معجزة كبيرة، معجزة سيعيش عمره يشكر الله عليها مع كل نفس يخرج منه .
" روحت فين يا صالح ؟!"
ابتسم لها صالح بحب يداعب خصلات شعرها :
" هروح فين يا قلبي، معاكِ "
ابتسمت له رانيا بسمة صغيرة قبل أن تقول بصوت منخفض :
" أنا موافقة نروح لدكتور تاني ونتابع معاه في البيبي الجاي، بس أنت مش هتزعل مني لو بقيت حامل ؟!"
نظر لها صالح بحنان :
" هزعل منك ليه ياقلبي ؟! أنا دكتور وعارف إن دي حالات بتحصل لأي حد ومش شرط كل حمل يحصل، بس انا برضو زوج وبخاف عليكِ، عشان كده زي ما قولت الحمل الجاي هتابع يوم يوم مع دكتور كويس "
هزت رأسها تقول ببسمة واسعة :
" وأنا موافقة يا صالح، دور بقى على دكتور كويس عشان تتباع معاه يوم يوم "
اتسعت عيون صالح بريبة لتهز رانيا رأسها تؤكد ما يفكر به :
" أنا حامل يا صالح ...."
_____________________
في الصباح التالي ...
تجلس جواره تراقب ملامح الطبيب الذي كان يحمل بين يديه بعض الأوراق التي توضح جيدًا حالته، وما التطورات التي حدثت خلال فترة العلاج المكثفة السابقة، وملامحه المكفهرة لم توحي بأي خير، مما جعل يدها تزداد انقباضًا وجسدها يرتجف ...
وكعادته المعروفة امتدت يد نادر تضم يد نيرمينا يهدئها، بدل أن تفعل هي ذلك .
ابتلعت ريقها تنظر له بحب وحزن، ثم نظرت للطبيب تقول :
" خير يا دكتور، فيه تطورات في الحالة ؟؟"
نظر الطبيب لها يخلع نظارته واضعًا إياها على المكتب أمامه، يضم كفيه لبعضهما البعض وكأنه يبحث عن ابسط وأيسر الكلمات التي قد تصف حالته، ومن ثم قال :
" في الحقيقة مش عارف اقولكم ايه، لكن فيه بالفعل تطورات ....طفيفة جدًا "
نهض الطبيب يضع أشعة على الجهاز الخاص بها يشير لنقطة بها :
" الصدمة اللي سبق وتعرض ليها جوز حضرتك تسببت ليه في شيء اسمه (حبسة كلامية) يعني الكلام جواه وهو عايز يتكلم، لكن كأن فيه سور أو حاجة حابسة الكلام ده، وده كله حصل بسبب تأثير الصدمة على الجزء المسؤول عن الكلام بالعقل، والحالة دي مش غريبة وموجودة كتير وبعد فترة بيبدأ المريض يرجع لطبيعته "
صمت يعود لمقعده يقول بعد تنهيدة عالية :
" مع الوقت ممكن يكون عنده قابلية العودة لحياته، لكن حالات قليلة جدا هي اللي ممكن الصدمة دي تفضل تأثر عليها على طول، وبتكون فرصة الكلام ضعيفة وبيكون التطور طفيف جدا، زي حالة استاذ نادر "
في تلك اللحظة حاولت نيرمينا أن تتماسك، أن تبتسم وتظهر الرضى على ملامحها، أن تقول لا بأس هي تحبه كما هو، وهذه هي الحقيقة، هي تحب نادر بكل ما فيه، بصمته وهدوءه، لكن رغم كل ذلك لم تتحمل وانفجرت في بكاء عنيف جعل نادر ينهض عن مقعده متحركًا صوبها، يضم رأسها له يربت عليها بحنان شديد، يواسيها على مصابه هو، يخفف دموعها التي تذرفها على وجعه .
ابتسم برضى وحب وهو يجلس على ركبتيه أمام مقعدها لا يهتم بوجود الطبيب حتى، يرفع كفيها عن وجهها يشير لها بأصابع هادئة :
" متعيطيش، أنا لو عايز اتكلم فكان عشان أنتِ تفهميني، وكمان زينب، وأنتِ فاهماني، وزينب هعلمها تفهمني وهتساعديني صح ؟؟"
نظرت له نيرمينا بحزن شديد، تشعر بعجزه يقتلها هي وليس العكس، لكن نادر لم يسمح لها أن تيأس أو تدخل لتلك الحالة من الحزن، إذ أشار بأصابعه:
" الدكتور قال فيه تطور ..هو طفيف، لكن يظل فيه تطور، ولو بعد ميت سنة، أنا يكفيني أنك فهماني، وإن فيه طريقة اقدر اعبرلك فيها عن اللي جوايا يا نيمو، ده مش كفاية ليكِ؟؟ مكسوفة من وضعي ؟؟"
اتسعت عيون نيرمينا بفزع تهز رأسها بسرعة كبيرة وهي تتحدث بنفس لغته كي لا يفهمها الطبيب :
" لا لا يا نادر والله العظيم ولا لحظة واحدة اتكسفت، واتكسف من ايه ؟؟ أنت في نظري اجمل راجل في الدنيا وكامل، ومش عايزة حاجة تاني غير سعادتك، أنا بس زعلانة على زعلك أنت"
ابتسم لها يمسح دموعها مستقيمًا في وقفته :
" وأنا مش زعلان، أنا لو هزعل فهزعل على دموعك "
ابتسمت له تنهض تجاوره، ثم نظرت للطبيب ببسمة بعدما هدأت :
" شكرا لحضرتك يا دكتور، هو هيستمر على متابعة الدكتور المختص وباذن الله قريب نيجي للاستشارة "
ابتسم لهما الطبيب وهو يرمقهما بنظرات معجبة، يدعو لهما بالتوفيق في حياتهما، فما رآه منذ ثواني رغم غرابته كان مثيرًا للاعجاب، هي من تبكيه و هو من يراضيها ..
غادرت نيرمينا العيادة تستند على نادر بحب شديد، وهو فقط يضمها بذراعه لصدره، يتنهد بصوت مرتفع، يشعر بالراحة، ليس بالطبع لحديث الطبيب، فهو منذ سنوات وقد سلّم أمره لربه يدبره كيفما يشاء وهو راضٍ، لكنه فقط سعيد أنه رغم كل شيء امتلك أكثر قوارير العالم رقة .
صعد للسيارة رفقتها يضم رأسها له بحب شديد، قبل أن يتحرك بالسيارة صوب وجهتهما التالية، حيث جميع أفراد العائلة مجتمعين معًا، حتى أن الصغيرة ظلت هناك رفقة الخال سعيد ..
توقف نادر أمام مطعم يقع في بداية حيوي داخل منطقة " وسط البلد " وتحرك له ليجد سعيد يصافح أحد الرجال مبتسمًا ويبدو أنه خطى خطوته الأولى في تحقيق حلمه .
ابتسم سعيد يودع صاحب المطعم بعدما وقع عقود شرائه، وفجأة حمل زينب لاحضانه يصرخ بسعادة كبيرة، ها هو يحقق حلم ظنه مستحيلًا في مراهقته، ورآه سخيفًا في شبابه، والآن في مرحلة نضوجه يراه بابًا لعالم آخر .
كان سعيد يحمل زينب بين أحضانه وأعلى كتفه يحمل أنس يردد بكلمات ممازحة :
" بص يابني ع اللي بكرة هيبقى مليونير، يورو ولا جيندر ولا يني ولا ايه "
أطلقت ميمو ضحكات صاخبة تراقب ما يفعل، ليس وكأنه سابقًا كان يمتلك من الشركات ما يسد ضوء الشمس عن القاهرة، ولا من الأموال ما يكفي لإطعام مدن بالكامل لشهور طويلة، لكن سعيد أمامها، كان يحتفي بحلم دفنه الزمان بأيدي جاد .
يدور سعيد في المكان يتفقده، حاملًا الصغار بسعادة كبيرة، تتردد ضحكاتهم مندمجة مع ضحكاته الخاصة .
ابتسمت ميمو حينما أبصرت نادر الذي توجه له يميل عليها يعانقها بحب كبير، ينحني كي يصل لقامته، رغم أن ميمو مقارنة بالنساء كانت طويلة القامة، لكن نادر مقارنة بالرجال كان عملاقًا، وذلك العملاق على استعداد أن ينحني المتبقي من عمره إن كان لأجلها، والدته وشقيقته وحياته بأكملها .
" عملت ايه يا قلبي، الدكتور طمنك ؟!"
ابتسم لها نادر يهز رأسه بنعم، وهي قبلت جبهته بحب شديد :
" المهم أنك بخير ياقلبي "
اتسعت بسمته يشير بأصابعه :
" الحمدلله، أنا في حال احسن مما كنت اتخيل "
رمقته ميمو بحب، قبل أن تسمع صوت طرق وغناء بالقرب منهما، نظرا صوب منطقة استقبال الطلبات، ليجدا أن سعيد يمسك أيدي أنس يراقصه و نيرمينا تحمل بين ذراعيها زينب وتتراقص بها، ويد سعيد الأخرى تطرق على الطاولة أمامه..
رفعت ميمو حاجبها تقول :
" ولاد الاشموني عقلهم فلت"
ضحك نادر ضحكات صامتة يراقبهم بحب شديد، وضحكات الصغيرة المدمجة بضحكات زوجته اطربت قلبه .
" يا شيخ سعيد سيبك من الاغاني والفسق ده وتعالى عشان نشوف هنبدأ تجديد في المطعم امتى ؟؟ وهتسميه ايه عشان اوصي على اللوجو واليافطة "
نظر لها سعيد ببسمة واسعة والتمعت عيونه بقوة يقول :
" نبدأ من انهاردة، وبالنسبة للاسم فأنا حابب اسميه La FLEUR "
رفعت ميمو حاجبها تقول بسخرية :
" ايه يا عيوني ؟؟ ومن امتى وأنت ثقافتك فرنساوي ؟؟"
" من انهاردة، بعدين أنا اساسا عندي عرق اجنبي، ولا الشكل مش واكل معاكِ "
" إحنا لو هنمشيها بمبدأك يبقى نص مصر اجانب، ثم أنت فاكر يعني لما تسمي المطعم تيمنًا بالدكتورة هترجع ليك بعد اللي عملته فيها يا ناقص ؟؟"
زفر سعيد بقوة يحمل أنس متحركًا صوبها يقول بحنق شديد :
" أنتِ مع مين بالضبط ؟! المفروض تساعديني ارجعها"
" بعد اللي عملته أنت، فأنا اكيد معاها، اقسم بالله يا سعيد أنا لو مكانها لكنت دوست عليك باللي في رجلي "
سخر منها يشعر بالغضب الشديد من تلك الحقيقة :
" الحمدلله أنك مش مكانها "
تحركت له ميمو تقول بجدية مطلقة تلوح بيدها في الهواء تحاول أن تدخل الأفكار داخل رأسه بالقوة :
" أنت عايز ايه ؟؟ واحدة اتهزقت منك لما جات عشان تشوفك، ورفضت تقابلها أكتر من مرة، ده غير طبعا تصرفاتك قبل السجن"
نظرت له تكمل ساخرة :
" وبعد ده كله عايز تخرج تستقبلك بالاحضان وتقولك.. ولا اقولك بلاش الملامة سيدي أنا حمدالله على السلامة ؟؟"
نظر لها سعيد بملامح حزينة مقتضبة وهز رأسه بنعم، هو كان يريد كل ذلك، يريدها أن تستقبله بالبسمات وتخبره أن ينسوا كل ما سبق ويبدأوا من جديد.
وفجأة صرخ سعيد بصوت مرتفع يعود للخلف حينما تلقى ضربة قوية على رأسه من حقيبة ميمو التي قالت :
" ده أنت بجح يلا، بجح، اقسم بالله أما خليتك هي تحفى كده وتلحس تراب المحروسة عشان ترجعلك، لأكون أنا اللي مبهدلاكم أنتم الجوز "
فرك سعيد رأسه بغضب شديد صارخًا :
" وأنتِ مالك بينا؟ هو أنا بحكيلك عشان تهزقيني ولا تساعديني ؟!"
" عشان اديك بالجزمة "
زفر سعيد بغضب شديد، وهي تنفست بصوت مرتفع ترى ملامحه الحزينة والمهمومة بعدما كاد يطير من السعادة، ودون شعور اشفقت عليه زافرة بصوت مرتفع :
" تمام هساعدك يا سعيد، بس والله العظيم لو حصل مرة تانية وقليت ادبك لأكون اللي مربياك "
اتسعت بسمة سعيد بقوة شديدة يقترب منها :
" يعني هو مش كفاية تربية ؟؟ بعدين عيوني يا ميمو أنا مليش غيرك، قولي هتساعديني ازاي؟! "
نظرت له تقول بعد تنهيدة طويلة :
" هقولك تعمل ايه، بس لازم تعرف إن قلبي مش راضي عن الموضوع كله وعايزاك تاخد بالجزمة "
" يا ستي هبقى أضرب نفسي بيها ولا تزعلي، قولي ازاي اصالحها عشان أنا امبارح طينتها اكتر "
كان الحوار يحدث على مرأى ومسمع من نادر الذي أخذ أنس من يد ميمو كي يتفادى ذلك الشجار، ونيرمينا التي تحمل الصغيرة ويجلس الجميع على طاولة بعيدة بعض الشيء لأخذ ساتر من أي قذائف طائشة أو صواريخ غاضبة من أحدهما ..
اقتربت ميمو من سعيد تتسائل بريبة :
" عملت ايه بالضبط يا سعيد ؟؟"
______________________
يجلس أمامها يتأكد أنها أصبحت بخير، ومن ثم وضع صينية مليئة بالعديد من الأطعمة على قدمه يحمل لها ملعقة دافئة من الحساء الذي أعدته والدته لأجلها .
" يلا يا توتا خدي عشان الدوا "
نظرت له تسبيح ببسمة تلتقط كل ما يعطيها إياها ببسمة واسعة ونفس راضية، تشكر ربها داخلها أنه بخير .
" أنتِ اللي اتصلتي بالحاج سليمان صح ؟!"
هزت تسبيح رأسها وهي ما تزال تشعر بوجع فيها لكثرة سقوطها عليها هذا اليوم، تتناول الحساء من يده، ثم تمضغ قطع الدجاج التي يطعمها إياها بكل حب :
" خفت يحصل حاجة يا رائد، وأنت سيبتني ومشيت مرضتش تفضل معايا "
اعتلى وجه رائد غضب وحنق شديد يتذكر ما حدث :
" وياريت كان بفايدة، الولد ضربه بالسكينة قدام عيوني وفي غفلة عني، كل ما افتكر اللي حصل احس بالغضب، حاسس دمي بيفور "
ربتت تسبيح على يده بحب شديد، ثم امسكتها تقبلها، وبعدها اسكنتها بين أحضانها، تواسيه بما تستطيع، ورائد تقبل منها كل ذلك ببسمة محبة، وقلب عاشق .
" أنت أكيد عمرك ما كنت هتقصر لو كنت شوفته، بعدين متنساش أنك كنت لوحدك عليهم كلهم، وباذن الله الدكتور يبقى بخير، متزعلش نفسك أنت بس بالله عليك "
ابتسم لها رائد يقطع الدجاج لها، يطعمها بحب شديد وهي تتناول دون تذمر أو حنق، يكفي أنه يجلس ليعتني بها..
في تلك اللحظة سمع الاثنان اصوات طرق على باب الغرفة تبعها دخول طفليها، محمد الأكبر ومن ثم حسام الصغير .
ابتسم محمد ينطلق صوب احضان والده ووالدته، تبعه حسام بخطوات متعثرة بعض الشيء، ضمه رائد بين أحضانه يقبل رأسه:
" حبايب بابا عاملين ايه ؟؟"
جلس محمد على الفراش جوارهم يقول ببسمة :
" بخير، ماما كويسة ؟؟"
هز رائد رأسه يداعب خصلاته بحنان :
" كويسة يا قلبي، هي بس محتاجة ترتاح شوية "
قاطعته تسبيح وهي تضم محمد لصدرها بحب :
" لا خليهم يا رائد أنا كويسة، خليهم جنبي عشان وحشوني اوي "
ابتسم رائد باتساع يراقب ملامح بكره ذو الخمسة أعوام يقول بحماس شديد :
" أنا كنت هبقى رائد زي بابا، بس خسرت في الانتخابات "
انعقدت ملامح تسبيح بجهل، بينما رائد شعر بلعنة تلك الرتبة تلاحقه وتلاحق عائلته باكلمها :
" معلش يا قلبي المرة الجاية هتبقى رائد "
نظر له يقول الصغير بيأس :
" امتى؟! أنا كنت عايز ابقى رائد الفصل بس خسرت"
أشار رائد صوب خصلات شعره التي تخللها القليل فقط من الخصلات البيضاء يقول بحسرة وسخرية :
" شايف شعري الابيض ده؟؟"
هز الصبي رأسه ببسمة يراقب خصلات والده، ليرفع رائد رأسه يقول ببسمة ساخرة :
" لما يطلع ليك شعر ابيض زيه هتبقى رائد "
نظرت له تسبيح بحنق تحذره أن يحطم من معنويات طفلها، لكن رائد كان فقط يحاول أن يخبر ولده بالحقيقة كي لا يصطدم بمرارة الواقع مثله :
" ايه بوعي الولد، بدل ما يطلع متفتح على الدنيا ومفكر أنه ممكن يبقى رائد بسرعة كده"
ابتسم الصغير يرى أن ذلك الشرط الذي قاله والده سهل، أعني ما المشكلة في أن يصبح لديه خصلات بيضاء تزيده هيبة كوالده :
" يعني أنا لو طلع ليا شعر ابيض زيك هبقى رائد شرطة ؟؟"
ابتسم له رائد يخبره بكل تفائل :
" لا ده عشان تبقى رائد في الفصل، أما رائد الشرطة فمش كفاية يطلع ليك شعر أبيض، محتاج تطلع روحك عشان توصل ليه "
زجرته تسبيح بغيظ :
" رائد، مش كده "
" ايه بوعي الولد "
ومحمد الصغير والذي كان متعلقًا بوالده، يراه بطله الخارق وجد تلك الشروط هينة طالما سيصل لما يرى والده عليه الآن:
" انا موافق طالما هبقى زيك "
اتسعت بسمة رائد الحنونة يميل على رأس ولده يقبلها بحب شديد :
" وهتبقى أحسن مني يا محمد، وأنا بنفسي هشتغل على أن حياتكم تكون أسهل مني، واموركم تبقى متيسرة عني ياقلبي "
ابتسم له محمد، وصوت حسام ذو العامين تحدث خرج مغمغمًا بكلمات غير مترابطة بعد، ليستدير له رائد يقبل وجنته هو الآخر مرددًا بحب :
" وأنت كمان ياقلبي "
اتسعت بسمة تسبيح تراقب عائلتها السعيدة، ما كانت يومًا لتتخيل أن يمنحها الله مثل تلك السعادة التي تكاد تبكيها، تشعر بخافقها ينتفض تأثرًا بهم حولها ..
سحب محمد شقيقه بناءً على رغبة رائد كي ترتاح تسبيح بعدما أعطاها ادويتها، وما كاد يخرج هو الآخر ليتركها تنعم بنومة هنيئة، إلا وجذبته يد تسبيح تقول بصوت ناعس مرهق :
" خليك جنبي يا رائد، متخافش هبعد نفسي عنك عشان متتعديش "
خلع رائد حذائه، يصعد للفراش جوارها، ساحبًا إياها جوار قلبه حيث بنى لها منذ سنوات مستقرًا ومسكنًا لا يسكنه سواها .
" فداكِ عمري يا توتا، مش مجرد دور برد "
" ده تعبير مجازي برضو ؟؟"
ضحك ضحكة خافتة يقبل رأسها يتنعم بدفء جسدها :
" لا تعبير صادق يوحي بمقدار حبي ليكِ يا توتا ...."
صمت ثم أضاف ممازحًا :
" مش اوي عشان بس اجازاتي خلصت "
_____________________
" ده مش تسمم، واضح اوي أنه مات مخنوق "
وافقه صالح الرأي وهو يتفحص أجهزته الحيوية أكثر، يتأكد من تلك النظرية التي اكتشفها محمود منذ ثواني، واندمج الإثنان في تشريح الجثة أمامهما، ومن ثم انتزع صالح قفازه يقول بتفكير :
" المؤشرات الحيوية بتقول أن الأجهزة وقفت قبل التسمم بسبب نقص الاكسجين في الجسم، لكن ده ميمنعش أنه شرب السم قبل توقف الأجهزة دي "
وضع محمود مشرطه أعلى الطاولة يشاركه التحليل في أمر تلك الجثة :
" الخنق مكانش حوالين الرقبة أو غيره، ده منع الأكسجين يوصل للرئة بطرق مختلفة عن الخنق، يعني ممكن مخدة على وشه، أو حط رأسه في مايه، وده مستبعد شوية لعدم وجود أي مايه على الرئة "
أبتسم صالح يقول بتفكير :
" يبقى مخدة، لأن حتى كتم الفم مش هينفع يسبب أن اصابعه كانت هتسيب اثار على وشه "
وبذلك اعتمد الاثنان حديثهما ووضعا العينات رفقة التقرير الذي سيمر على العديد من الهيئات الأخرى للانتهاء منه، إذ تستلزم احيانًا عملية التشريح بجميع نواحيها ما يفوق الثمانية عشر شخصًا .
خرج صالح برفقة محمود متجهين صوب مكاتبهم، ومحمود يلاحظ منذ الصباح ملامح صالح المكفهرة والمقتضبة وكأنه تلقى خبرًا سيئًا .
" مالك يا صالح ؟؟ من الصبح وأنت مكشر "
توقف صالح في منتصف الممر وخلفه تقف تلك الفتاة التي تحاول التقرب منه منذ جاءت للعمل في المشفى من أسابيع قليلة، ابتلعت ريقها تود التحدث بكلمة، تضم صوب صدرها بعض الملفات بخجل شديد .
ولم تكد تفتح فمها للحديث حتى استمعت لجملة صالح الحزينة والتي تحمل في طياتها غضبًا طفيفًا مصحوبًا برعب شديد :
" رانيا حامل ..."
اتسعت أعين الفتاة تعود للخلف بصدمة، وهي تنظر لصالح مستنكرة أن يكون من ذلك النوع الذي تغريه العربدة وتغويه الخطايا، هل اخطأ مع فتاة وحزين لأنها حملت منه طفلًا .
وقبل أن يجرفها عقلها لمناطق أخرى بعيدة، سمعت صوت محمود يقول بترقب :
" وأنت زعلان عشان مراتك حامل ؟؟"
اشتدت صدمة الفتاة أكثر، متزوج ؟؟ هو متزوج ؟؟
تراجعت للخلف تبتعد عن المكان بأكمله دون أن تستمع لكلمة إضافية منهما، تود أن تنأى بعيدًا لتستوعب مقدار غبائها، يالله هي كانت معجبة برجل متزوج ؟؟ شعرت فجأة بالاشمئزاز من نفسها، وهرولت بعيدًا عنهما ..
ولأن صالح لم يكن معتادًا على السير في مقر عمله بخاتم زفافه، بسبب طبيعة عمله، فالبعض فقط يعلم أمر زواجه، ولم يكن الأمر خطأ تلك الصغيرة التي فتنتها شخصيته الجادة الممازحة والمشاكسة وبشدة، بل واغوتها تصرفاته البربرية، وكانت هذه من الحالات القليلة التي تنظر لصالح بهذا الشكل، وكل ذلك بالطبع لأنها يومًا لم تستمع لأحاديث النسوة عنه أو شيء آخر..
دخل صالح مكتبه يحاول التنفس جيدًا وهو يشرح وجهة نظره لمحمود :
" لا طبعًا يا محمود، أنا ... أنا... فرحان والله أنا أكثر انسان سعيد في الدنيا، إن ربنا هيرزقني بطفل تالت من رانيا، أنا أي شيء من رانيا بيخطف قلبي سواء بسمة أو كلمة، فما بالك بطفل ؟؟"
صمت ثم أضاف برهبة :
" بس آخر مرة ساعة بلال، أنت عارف اللي حصل، محمود أنا نطقتها ....نطقتها الشهادة ٣ مرات، الدكتور لما خرج قالنا أن قلبها وقف وهي ماتت بس الطفل عايش أنا وقتها حسيت ..."
ابتلع غصته يتذكر تلك اللحظات التي سقط جسده ارضًا كالجثة الهامدة، دون كلمة واحدة، واخواتها الذين صرخوا في وجه الطبيب أن شقيقتهم حية ترزق .
" حسيت أن روحي طلعت، تخيل يقولوا ليا عوض الله عليك في زوجتك، بس ابنك لسه عايش، أنا يا محمود وقتها مكنتش عارف افكر و...لولا معجزة ورحمة ربنا كانت ضاعت مني"
زفر بصوت مرتفع وتلك الذكريات ترهقه، أصبح كل شيء يتعلق بالرحيل والموت يقتله :
" أنا كان زماني مش موجود هنا لو رانيا كان حصلها حاجة يا محمود، هي تعبت في الولادة دي وابني اتحجز شهرين كاملين في الحضّانة والبيت عاش فترات صعبة خايف أكررها تاني "
" أيوة يا صالح بس ده كان غلط من الدكتور اللي هي تابعت معاه، ما هو لو كانت اكتشف حوار التسمم ده من الاول وعمل ولادة مبكرة مكنتوش وصلتوا للمرحلة دي، ثم كل شيء بيد الله وابنك ده رزقك ربنا رزقك بيه، هتقول للرزق لا ؟؟"
مسح صالح وجهه يجيب براحة شديدة بعدما تحدث مع محمود :
" معاذ الله يا محمود والله العظيم أنا راضي وسعيد، لكن خايف ومش هتطمن غير لما اروح معاها لدكتور بنفسي، ووقتها أنا هتأكد أن كل اسبوع يكون فيه فحص دوري عليها، ولو هضطر أنا أبحث وادرس عن الحمل بنفسي واعملها فحص دوري كل دقيقة هعمل كده "
ابتسم محمود باتساع، يعود بظهره للخلف :
" لو نرجع بالسنين لورا وحد يقولي أنك هتحب بالشكل ده مكنتش هصدق، أصل مش كل الناس هيولفوا معاك يا صالح ولا يستحملوك "
أطلقت صالح ضحكات عالية :
" ولا أنا كنت هصدق والله "
في تلك اللحظة سمع الجميع طرق على باب المكتب تلاه دخول أحد الممرضين يقول بريبة :
" دكتور محمود فيه حد عشانك هنا "
نظر له محمود بعدم فهم ولم يكد يتحدث بكلمة حتى وجد الشرطة تدخل المكتب واحدهم يتحدث بقوة :
" مين فيكم دكتور محمود ؟؟"
نظر صالح للشرطي بريبة، ومن ثم نظر لمحمود الذي نهض يقول بتسائل :
" أيوة أنا محمود اتفضل "
اقترب منه الشرطي يقول بجدية مصدرًا الأمر لمن خلفه :
" مطلوب القبض عليك بتهمة التعدي على طفل بالضرب...."
_________________________
يجلس داخل مكتبه يحاول الانتهاء من المقال الجديد، يرتشف من كوبه رشفات صغيرة دون أن ينزع عيونه عن الحاسوب أمامه، وفجأة وجد العديد من الاشعارات تظهر على شاشته، رفع حاجبه متعجبًا وتجاهل الأمر يكمل ما يفعل لولا باب مكتبه الذي فُتح فجأة يقتحم أحد المتدربين مكتبه ..
" استاذ صلاح حضرتك شوفت اللي حصل ؟!"
رفع صلاح عيونه للشاب يقول بهدوء شديد :
" حصل ايه ؟؟ "
ابتلع الشاب ريقه يقترب من مكتبه مخرجًا هاتفه وصوته يخرج مصدومًا مما حدث :
" الأخبار اللي اتنشرت من الصبح عن حضرتك، الدنيا مقلوبة عليه "
رفع صلاح حاجبه يتنفس بصوت مرتفع، يفكر أن ذلك الحقير نجدت خدعه، يقسم أن يحيل حياته هو ومدلله لجحيم و..
قبل أن يكمل كلامه وجد الشاب يقول :
" مش في الجرنال زي كل مرة، دي مدونة شخصية على الفيس بوك، بس التفاعل عليها مش طبيعي "
ابتسم صلاح يعود بظهره يردد بسخرية لاذعة :
" اكيد مش جاب اسمي فيها، محبي الخير كتير اوي في البلد يا منعم "
اقترب منه يمد يده بالهاتف قائلًا بصوت خافت وكأن الجدران تتلصص عليهم :
" على فكرة هو نفس الصحفي اللي كان بينشر عنك في الجريدة التانية، بس شكله لقى الناس بطلت تقرأ جرايد واتجه للسوشيال ميديا "
أمسك صلاح الهاتف وهو ما يزال مستريحًا للخلف ببرود كبير وبسمة أكبر وبمجرد أن مرت عيونه على السطور أمامه حتى اتسعت بسمته لتتحول إلى ضحكات عالية، ضحكاته تعالت أكثر وأكثر حتى كادت تبلغ عنان السماء ..
ومنعم يراقبه بعدم فهم، هو توقع غضب، سخط وتوعد من طرفه لا ضحكات عالية، وصلاح فقط يرمق صورته مع امرأة داخل سيارته، وكذلك جلوسه معها في مطعم، وصعوده معها لإحدى البنايات .
" ده شكله معجب كبير اوي، حاطط حد يصورني في كل حتة "
أعطى الهاتف لمنعم يقول بعدم اهتمام مكملًا ارتشاف مشروبه باستمتاع :
" كبر دماغك يا منعم، دي حلاوة روح، بيحاول ينقذ ما تبقى له من ماء الوجه بعد ما مسحت بيه الجريدة بتاعته هو ومديره، عموما سيبه شوية وأنا هوريه ماذا اخفي في جعبتي "
" أيوة بس يا فندم ده كاتب ..."
رفع صلاح عيونه له وقال بهدوء شديد :
" كاتب ايه؟ حاطط كام صورة عبيطة وكاتب فوقها ( ترى ماذا يخفي صلاح في جعبته ؟؟) ده هبل، والله لو ..."
وقبل أن يكمل كلمات وجد العديد من الاشعارات تظهر له والعديد من الاشخاص قاموا بالاشارة له في ذلك المنشور، ضغط على أحد الاشعارات بأعين غير مهتمة، وداخل رأسه يجهز ردًا قويًا لذلك الـ
فجأة توقفت افكار صلاح حينما أبصر ردًا على ذلك المنشور من ملف شخصي يضع صورة تشبهه، لكنه ليس هو ببساطة، بل كان توأمه العزيز ..
قرأ صلاح تعليق صالح لتتسع عيونه بصدمة مما عُرض أمامه يردد بعدم فهم :
" ايه ده ؟؟؟"
______________________
" يعني هو فيه أمل صح ؟؟"
نظر المحامي للاوراق أمامه يهز رأسه مبتسمًا :
" اكيد يا سعيد باشا فيه أمل، أنا هقدم بطلب لفتح القضية بتاعته تاني وباذن الله اللي فيه الخير ربنا يقدمه "
نهض سعيد عن مكانه يصافح المحامي على وعد بالمجيء إليه مرة أخرى ليرى أين وصلت الأمور معه في قضية الشيخ شاهين .
خرج من مكتبه يقود سيارته يراجع في رأسه قائمة أعماله، انتهى من توقيع عقود المطعم، واتفق مع العمال الذين سيباشرون العمل لديه، وذهب للمحامي ينتهي من أمر قضية شاهين، والآن ماذا ؟؟
فكر وهو يبحث عن شيء قد يفعله في يومه، ما الذي كان يفعله عادة حينما يشعر بالملل عدا استفزاز ميمو أو ملاحقة زهرة ؟؟
فجأة اشتم سعيد رائحة أعادت له ذكريات كثيرة، ترسم على فمه بسمة واسعة، نظر جواره صوب إحدى عربات الاكل المشهورة في احياء القاهرة، ليتذكر صوت زهرة القادم من الماضي تقول ببسمة واسعة :
" أنا اكتر حاجة بحبها هي السجق، خاصة بقى لو سبايسي"
نظر للعربة ثواني، قبل أن تلتمع عيونه بقوة وقد فكر في شيء جيد، سيكون نقطة لصالحه في حربه مع الجميلة زهرة .
تحرك بالسيارة سريعًا وهو يردد في نفسه :
" هانت يا زهرة، هما يومين مش هصبر اكتر منهم وتكوني ليا ومعايا "
أنهى حديثه يتذكر كلمات الحكيمة ميمو له، وقد منى نفسه بانتهاء فترة الحصار تلك وحصوله على تصريح الحياة بشكل طبيعي عما قريب ...
تنفس بصوت مرتفع يخرج هاتفه ليتحدث مع نيرمينا ويخبرها إن كانت تحتاج لشيء بعدما أصرت على أن يتناول معهم الغداء، لكن ما كاد يفتح هاتفه ليتصل بها، حتى ارتفع رنين الهاتف باسم ميمو ..
أجابها بهدوء وهو يقلل من سرعة سيارته كي لا يحدث ما يحمد عقباه :
" الو يا ميمو "
" أنت فين يا سعيد ؟؟"
نظر سعيد حوله :
" لسه خارج من عند المحامي وكنت هعدي على أي سوبر ماركت عشان اشتري شوية طلبات للبيت، عايزة حاجة ولا ايه ؟؟"
سمع سعيد صوت تنفس ميمو من الطرف الآخر ومن ثم كلماتها الهادئة :
" لا مفيش بس أنا قابلت زهرة في النادي من شوية وكلمتها"
توقف سعيد بالسيارة بلهفة شديد وصوت هامس داخله يخبره بأمل احمق كاذب، أنها لربما ذهبت إلى ميمو كي تتحسن الفرص وتعود له، أو حتى تلمح على رغبتها بالعودة .
عودة؟ ومنذ متى كانت معك سعيد حتى تعود ؟؟ أفق هي فقط كانت تنفرك وتنبذك .
استفاق على صوت ميمو التي قالت بجدية كبيرة :
" سعيد أنت معايا ؟!"
" أيوة معاكِ كانت عندك ليه ؟! قالت ايه ؟؟ كلمتك عني ؟؟"
يائس هو، يشعر بالوحشة داخله، حتى أنه بدأ يفقد الأمل في حياته، أو أنه سيكون سعيدًا يومًا ما، متى تبتسم له الحياة وتفتح له عناقها؟! متى يعيش كما الجميع، وتصبح له عائلة ينعم بدفئها ؟؟
سمع صوت ميمو تقول بصوت خافت لا ينبأ بالخير :
" سعيد، زهرة قفلت العيادة بتاعتها واتخلت عن وظيفتها، ومن اللي شوفته قدامي، شكلها ناوية على سفر وهتسيب البلد كلها "
اتسعت أعين سعيد بقوة وهو يشعر بأن الهواء أصبح خانقًا حوله، ما الذي تهذي به تلك المرأة، أي عيادة تلك التي اغلقتها وأي وظيفة تلك التي تخلت عنها ؟! زهرة ما كانت يومًا لتفعل ذلك، ما كانت يومًا لتتخلى عن حلمها .
" سعيد أنت معايا ؟؟"
أجاب سعيد وهو يتحرك بالسيارة الخاصة به بسرعة صوب عيادتها، لن يصدق، هي الآن داخل العيادة تعالج مرضاها وهو سيقتحمها كما أعتاد ليؤكد لميمو أنها لربما أخطأت الأمر.
اغلق الهاتف بعد كلمات مودعة مقتضبة لا معنى لها وهو يزيد من سرعة سيارته صوب عيادتها، وبعد دقائق لا يدري طويلة كانت أم قصيرة، توقف أمام البناية وهبط من السيارة يهرول أعلى درجاته، حتى توقف أمام العيادة ليجد أن لا لوحة تحمل احرف اسمها ولا شيء يدل على وجودها، سوى ورقة صغيرة مطبوعة أعلى الباب خط عليها كلمات مقتضبة ( تم غلق العيادة )
هبط سعيد الدرج بوجه جامد لا يفهم شيئًا مما يحدث، هل بالفعل ستتركه وتهرب بعدما خرج لها، هل ستفعل ؟؟ التمعت عيونه بالشر يتحرك صوب سيارته وقد أقسم ألا يسمح لها بالأمر..
قاد سيارته بسرعة كبيرة صوب منزلها الذي يعرفه منذ كانت في الجامعة، وبمجرد أن وصل هبط وتحرك صوب الحديقة الخلفية حيث تقبع نافذتها، ووقف أسفلها كما كان يفعل قديمة ودون تفكير نادى بصوت مرتفع :
" زهــــرة ."
في الداخل كانت زهرة تجلس أعلى فراشها، تشعر بالقهر والحنق لما آلت إليه حياتها، أصبح الجميع يقودها صوب رغبات لم تحلم بها ولم تردها يومًا، الجميع يجبرها على ما لم تطلبه ولا تطيقه .
وفجأة انتفضت على صوت قوي يناديها، حاولت أن تقنع نفسها أنها تحلم، لكن ارتفاع الصوت مرة ثانية جعلها تنتفض بسرعة كبيرة صوب النافذة والرعب دب في قلبها أن يستمع لها والدها والذي عاد لتوه من السفر خصيصًا ليحيل حياتها جحيمًا ..
توقفت زهرة بالنافذة ترمق سعيد بذهول :
" سعيد أنت بتعمل ايه هنا ؟؟"
اتسعت أعين سعيد بقوة لرؤية ملامحها الحبيبة شاحبة عدا عيناها التي تحولت لحمراء، ضيق عيونه بصدمة يقول :
" فيه إيه يا زهرة ؟؟ ايه اللي بيحصل ؟؟؟؟"
______________________
نحن نقترب من النهاية، بل إن النهاية أصبحت على بعد خطوات صغيرة .
لا تنسوا إخباري برأيكم
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الأربعون 40 - بقلم رحمة نبيل
رجاءً لا تنسوا تعليق برأيكم قبل القراءة، والتصويت للرواية، لأن ده بيشجعني أكثر، خاصة أننا خلاص بنودع الرواية .
لو حصل ولقيت الفصل ناقص عندك امسح الرواية وحملها تاني، هيكمل .
متنسوش التعليق لأن التعليقات قليلة بعض الشيء عن المعتاد، وشكرًا ...
لا يزال المؤمن يكابد الفتن والشواغل التي تحول بينه وبين ورده من القرآن حتى يَغلِبها -بفضل الله- فيتم ورده قبل نومه.
فإن اعتادت نفسك فوات الورد؛ فتداركها قبل أن تغلبك فتوهمك أن فواته لايهُمّ -والله المستعان-.
- ماذا عن وردك لهذا اليوم؟!
صلوا على النبي
_________________
خرج من المشفى يدسّ هاتفه داخل جيب بنطاله بعدما اسمع ذلك المتحذلق من لسانه ما لن يتجرأ صلاح يومًا على قوله لأجل صورته أمام الجميع ككاتب محترم راقي ذو لسان عذب، ولحسن حظه وسوء خاصتهم هو ليس صلاح وليس عذب اللسان حتى ليتغاضى عما حدث ولن يصمت ...
ركض خلف محمود الذي كان يسير أمام الشرطة خارج المشفى بملامح جامدة لا يهتم بشيء ولا ينطق بكلمة واحدة، وصالح خلفه يقول بصوت مرتفع :
" متقلقش يا محمود أنا هكلم رائد يجيلك، مش هسيبهم يضيعوا شبابك جوا السجن يا صاحبي "
نظر له محمود بحنق شديد وصالح منحه بسمة واسعة وكأنه يشمت به، لكن محمود قرر أن يتجاهله كي لا ينفجر في وجهه وتصبح القضية اثنتين .
وصالح لم يتوقف عن الحديث وهو يركض خلفه :
" متقلقش يا صاحبي لو باظت خالص واتحكم عليك هربيلك بنت واجوزها لابني "
ازداد جنون محمود يترك رجال الشرطة راكضًا صوب صالح يسحبه من ثيابه صارخًا في وجهه :
" تجوز فراولة لمين يالا ؟! والله اروح فيك في داهية أنت وابنك يا زبالة "
ابتسم صالح ببرود شديد يزيد من استفزازه فقط؛ كي يخرجه من حالة الجمود التي تلبسته ونظراته السوداء التي كانت تعلو وجهه حينما سمع كلمات الشرطي :
" يا حبيبي متستعجلش كده كده رايح في داهية، بعدين فراولة في عيوني، ثم هي تطول تتجوز ابن بنت خالتها ؟؟"
صمت صالح ثواني يستوعب ما قاله يتساءل بجدية :
" هو الموضوع عادي ولا حرام ولا ايه ؟؟"
تركه محمود بغيظ :
" بنتي اكبر من ابنك بسنتين وشهور يا حبيبي، فانسى ايدي تتحط في ايدك في يوم من الأيام"
" وأنت تطول يا معفن؟؟ مش كفاية ابوها هيبقى رد سجون "
نظر له محمود بشر وقبل أن يتحدث بكلمة وجد يد الشرطي تسحبه، وهو يغادر مشيرًا صوب رقبته بعلامة سكين في إشارة واضحة لصالح عما سيكون مصيره إن اقترب من الفراولة خاصته .
لكن صالح ابتسم باستفزاز يتحرك خلفه صوب سيارته يود اللحاق به حتى يرى ما سيحدث ويوكل له محامٍ إن أراد .
وبعد دقائق طويلة بعض الشيء وصلت سيارة صالح وهبط منها يلحق بمحمود، يحاول التواصل مع رائد، لكن فجأة اهتز الهاتف بين أصابعه معلنًا إتصال من صلاح، أجاب متحركًا للداخل يبحث بعيونه عن الطريق الذي سلكه محمود مع الشرطة .
" الو يا صلاح "
" الو يا صلاح ؟؟ أنت يا بني ايه اللي عملته ده ؟؟"
توقف صالح ينظر حوله بعدم فهم :
" عملت ايه ؟؟ أنا مع محمود في القسم !!"
" قسم ؟؟ قسم ايه ؟؟"
تحرك بين الممرات يتساءل عن مكان محمود :
"أصل محمود جم اخدوه من المستشفى ومش فاهم فيه ايه ويحاول اوصل لرائد بس مش بيجمع "
زفر صلاح بصوت مرتفع يحاول أن يهدأ:
" سيبك من ده كله وقولي ايه اللي كتبته ده على المقال بتاع الزفت الصحفي ؟!"
توقف صالح أمام باب أحد المكاتب يأمل أن يكون هو المرجو له، يقول وهو يتذكر فجأة ما فعل :
" كتبت ايه ؟؟ ده واحد عبيط حاطط صورتي أنا ومراتي ويقولك ماذا يخفي صلاح في جعبته ؟!"
قال صلاح بحنق شديد :
"تقوم تقوله لو جيتلك ووريتك هتزعل ؟؟ ده كلام ناس طبيعيين بيفهموا ؟!
ابتسم صالح بسمة صغيرة يضيف على حديث صلاح :
" عندك حق مش كلام ناس طبيعية، بس لو نسيت أنا مش بمشي على القوانين والمبادئ اللي بيمشي عليها البشر الطبيعين امثالك، ولو هو فاكر أن التعليق ده هينجده مني يبقى بيستهبل وربي لأكون مضيع مستقبله "
زفر صلاح بصوت مرتفع وصالح لم يهتم، هو فقط أراد أن يقول ذلك وفعل، الأمر لا يستحق كل هذا، سمع صوت صراخ يأتي من داخل المكتب الذي يقف أمامه، ليقول مسرعًا يغلق حديثه مع صلاح :
" طب يا صلاح اقفل دلوقتي لغاية ما اشوف القدر محبي لمحمود ايه في جعبته، حلوة جعبته دي هضيفها لقاموسي "
اغلق الهاتف دون أن يعبأ بشيء وهو يقترب من الباب يتحدث مع العسكري المتوقف أمامه يطالبه بالسماح له بالدخول، لكن الأخير طلب منه الانتظار قليلًا كي ينتهي الشرطي مما يشغله في ذلك الوقت.
وفي الداخل كان محمود يقف ببرود شديد يواجه غضب ذلك الرجل أمامه الذي يتهمه بالوحشية والسادية والعنف فقط لتجرأه على طفل صغير_ بغض النظر أن ذلك الطفل هو مراهق فاسد_ ومحمود لا يجيبه سوى بنظرات هادئة باردة ..
" ده أنا هخليك تقضي باقية عمرك في السجن "
نظر له محمود دون كلمة واحدة، ثم تحرك مقتربًا من المكتب يردد في جدية:
" قولتلي بقى القمر الصغنن يقربلك ايه ؟!"
نظر له الشرطي بأعين مشتعلة ليكمل محمود حديثه :
" لأن حرقة دمك دي وزعيقك لما عروقك هتنفجر دي، اكيد مش عشان أنت شخص مناصر لحقوق الطفل، ما كل يوم اطفال بتتقتل ونص اطفال الشوارع بتتعذب، تعرف أنا بشرح كام جثة طفل كل اسبوع مُفرغ الاعضاء ؟؟ ومش بشوف يعني واحد من الناس اللي بيعملوا كده واقف هنا يسمع زعيقك "
ارتفع حاجب الشرطي يتنفس بصوت مرتفع :
" أنت بتدخل حوارات أنا مليش علاقة بيها في الكلام ليه؟! أنت دلوقتي متهم قدامي بأنك اعتديت على طفل بالضرب "
" ماشي لو هنسمي عجل التسمين اللي أمه احسنت تغذيته وفشلت في تربيته طفل، فأنا اولا كل اللي عملته إني هددته وشديته من لبسه وضربته على خفيف لو عايز الدقة وكاميرات المخبز تثبت، في المقابل بقى حضرتك تعرف الاستاذ ده عمل ايه ؟!"
صمت الشرطي ولم يجب بكلمة بل كانت اعينة مشتعلة بالتحدي والكره لذلك المتذاكي الذي يقف أمامه، ومحمود ليس بالغبي ليتجاهل كل الإشارات التي تدل على أن ذلك الشرطي هو أحد أقارب الصبي، فمن يهتم لشكوى أم تقدمت بها لأجل مدللها، والذي لم يُمس بخدش واحد في الحقيقة، ثم هذا الصراخ ليس من فراغ .
لذلك مال على المكتب يهمس بصوت منخفض بعض الشيء :
" تحب أفرغ الكاميرات وافرجك هو عمل ايه ؟! بس صدقني أنا لو عملت كده هتزعل أنت والست أم الولد والولد وعيلتكم كلها هتزعل مني "
انتفض الشرطي بقوة يصرخ بصوت مرتفع :
" أنت اتجننت ؟؟ بتهددني يا زبالة ؟؟"
" تمام بما أنك بتقول إني زبالة، فأنا هكمل زبالة لآخر لحظة، لو سمحت أنا عايز اتقدم دلوقتي بمحضر تحرش في حق بنتي اللي مكملتش خمس سنين من الطفل المسكين اللي جاي تدافع عنه "
اتسعت عين الشرطي وشحب وجه وقد ظهر عليه الصدمة مما قيل، يردد باستنكار :
" تحرش !! أنت بتقول ايه ؟!"
" ايه هي المدام مقالتش ليك الملاك البريء عمل ايه ؟؟ بس معلش أنا هوريك صوت وصورة ومش أنت بس ده أنا هفضحه ومش هسكت غير لما ينور الأحداث، طالما الادب والذوق مش بيجيب معاكم سكة "
جلس الشرطي وهو ما يزال يعاني أثار صدمة قوية مما قيل، لم يتوقع في احلك خيالاته أن يكون ابن شقيقه قد تمادى لهذه الدرجة من القذارة .
فجأة انتبه الاثنان على صوت فتح الباب العنيف، والذي تسبب في اشتعال نظرات الشرطي والتي سرعان ما خفتت حين رأى القادم ..
نظر وائل صوب الشرطي يقول بملامح هادئة لا تنذر بالخير :
" خير يا عصام باشا، ابن عمي مشرفك ليه ؟؟؟"
نظر عصام لمحمود الذي كان يضم ذراعيه لصدره غير مهتمًا بأحد، ومن ثم عاد بنظره لوائل يتساءل بخفوت وتوتر :
" ابن عمك ؟؟"
" أيوة ابن عمي، ايه اللي بيعمله ابن عمي هنا يا باشا ؟؟"
ابتسم محمود بسمة جانبية ساخرة يرى الرعب قد بدأ يخط ملامح عصام، هؤلاء الأشخاص لا يعترفون بسلطة سوى سلطتهم ...
ابتلع عصام ريقه يحاول ايجاد كلماته وقد شعر أن زوجة شقيقه ستتسبب في نهاية عاجلة له، فمعنى أن ذلك الشاب ابن عم وائل، فهذا يعني أن عمه هو رأفت .
" يا باشا الموضوع مجرد سوء تفاهم مش اكتر و..."
قاطعه محمود بصوت حاد وملامح مخيفة وقد أدرك أنك إن تماديت بكرمك مع بعض الأشخاص الوحين سيظنون أن كرمك هذا حق وواجب عليك؛ لذلك هو اكتفى من الأمر :
" لا مش سوء تفاهم، أنا عايز دلوقتي اقدم بلاغ ضد المراهق الزبالة اللي حاول يتحرش ببنتي، ومش هقول بأي تعويضات أو مساومات ....."
__________________
حدقت في وجهه المنكمش حزنًا ورعبًا، لا تعلم ما تقوله في تلك اللحظة أو ما يدور في خلدها من مشاعر تجاه ذلك الرجل، سعيد كان كاللغز الذي لم تستطع يومًا حله، حنون وقاسٍ، جامد ولين، هو الشيء وعكسه ..
تحدث سعيد حينما طال صمتها ولم تجب سؤاله :
" ايه اللي حصل يا زهرة ؟! أنتِ ...أنتِ سيبتي عيادتك؟! رايحة فين ؟؟ هتسبيني يا زهرة ؟!"
نظرت له ولم تحسن اختيار رد على حديثه، بل فقط قالت ببساطة شديدة :
" ايه اللي جابك يا سعيد مش كنا خلاص خلصنا ؟!"
صرخ سعيد بوجع من تلك الكلمة التي أصابت قلبه بدقة متسببة في ارتعاده وانتفاضه :
" لا يا زهرة مخلصناش، أنتِ بس اللي قولتي خلصنا، أنا مقولتش "
اشتعلت عيون زهرة بقوة تعض شفتيها مانعة دموعها، وفي داخلها نبرة قهر وحسرة تحولت وترجمها لسانها لسخرية لا تدري من نفسها أم منه :
" لا قولت يا سعيد، ولا ناسي ؟! أنت اللي قولت الاول أنا بس بكرر كلامك مش اكتر "
" مكنتش في وعيي يا زهرة، والله وقتها كنت مش شايف قدامي، كنت ...كنت مريض، ليس على المريض حرج يا زهرة، اسمعيني، انزلي بس هكلمك شوية ارجوكِ، اسمعيني يا زهرة الله يكرمك "
كان يتحدث بلهفة شديدة ويده ترتجف بقوة، هل ستضيع حياته ومستقبله الذي رسمه معها، ألم يكتب له الله سعادة في حياته البائسة تلك ؟؟ ألن يبتسم لمرة واحدة من قلبه ؟؟ لقد تعب الحزن وتجرع الوجع كؤوسًا حتى فاض قلبه به .
ابتلع ريقه يقترب من النافذة يحاول أن يهدأ ويُحكّم عقله، هو لم يعش ست سنوات يقوّم نفسها ويؤدبها، ليأتي ويفقد حلمه أمام الشخص الأول والوحيد الذي فعل كل هذا لأجلها بعد نفسه .
" زهرة أنا...بلاش ارجوكِ...بلاش تضيعي ١٦ سنة من عمرنا، بلاش تضيعي اكتر من كده يا زهرة، أنا تعبت وأنا بجري ورا سعادتي، هو أنا مش مكتوب ليا افرح؟؟"
أنهى حديثه يمنع غصته وقد شعر بالوجع يملئه ونفسه تمتلئ حسرة عليه، وكأن روحه استوعبت فقط في تلك اللحظة مقدار القهر الذي مر به، هو لم يختر شيء في حياته، لم يفعل شيء بإرادته يومًا، حتى الشيء الوحيد الذي تمناه من كل قلبه ونام يحلم بتحقيقه فشل به، فشل في تعذيب جاد وقتلت بيده، لم ينل شرف إزالة قذارته عن العالم، جاد كان يعلم جيدًا ما يفعل، منع عنه أي فرصة ليصبح ذو نفوذ كي لا ينقلب عليه ولا يمتلك قوة الأموال لاذيته، وهو لم ييأس فقد حاول أن يسير في طرق وعرة فقط ليصل إلى السبيل الذي سيمكنه من التخلص منه، وحينما كاد يفعل وصله خبر وفاة والده .
اغلق سعيد عيونه بقوة وشيطانه يعود بقوة، تلك الليلة التي أخذ يضحك ويصرخ، يبكي ويحتفل، يحطم ويرقص، تخلص من جاد، تخلص منه، لكن لحظة هو لم يفعل ...هو لم يستطع أن ينظر في عيونه للمرة الاخيرة ويخبره بكل الحقد والكره في قلبه أن هذا لأجل والدته ولأجل الضعف الذي اشبعه إياه في طفولته ومراهقته، لم يتمكن من رؤية ملامح الخوف أو ربما الندم على وجه جاد، لم ينل لذة تلك اللحظة، طبيبه أخبره أنه لو انتقم يومًا من جاد ما كان وصل لهذه النقطة من حياته، لو نالت الضحية داخله القصاص العادل ما عاشت ذلك الجحيم، لكن الطبيب لم يكن يعلم أن الانتقام الوحيد الذي كان يفكر فيه سعيد ويعمل لأجله هو اسوء ميتة قد ينالها بشري على هذا الكوكب ..
ابتسم سعيد بسمة صغيرة موجوعة يحاول التنفس والاستغفار، هو تعالج أخرج كل تلك الشرور من داخله، والآن في هذه اللحظة لا يملك لجاد سوى شفقة مما سيلاقى في آخرته، وامتنان أن اطال الله بعمره كي يتوب ولا يلحق جاد بخطاياه، يرضى ويقتنع بقدر الله، هو يتقبل كل ذلك، يرضى بكل هذا، لكن هو اكتفى ولن يتحمل فقدانها....
ابتلع ريقه يقول بصوت خافت شارد وكأنه يتحدث مع نفسه :
" مكنتش في وعيي، وقتها كنت متعصب ولسه متعالجتش و..."
كانت زهرة في الاعلى تنظر له بجمود ظاهري، بينما داخلها تنتحب على كلماته ونظراته وملامحه، تتسائل إن كانت بالفعل قد عالج نفسه أم لا، لكن تلك النظرة الأخيرة والهدوء الذي ملء نفسه جعلها تتنفس الصعداء تقول :
" سعيد أنت مش واعي باللي قولته وقتها ؟؟ أنت قولتلي أنك بتكرهني ومش عايز تشوفني "
" والله كنت غضبان، وساخط على حياتي، وأنا لما بتعصب والله ما بحس بنفسي، وأنتِ اكتر شخص عارف كده "
كان يتحدث وهو ينظر لها علّه يجد منها استجابة، وهي كاد قلبها يترك جسدها ويحلق صوبه يربت عليه بحب وحنان مخبرًا إياه أنه يحبه رغم كل شيء، لكن عقلها منعه من الأمر، ليس قبل أن ينال جزاءه ويتعلم أن يبعد علاقتهم عن أي غضب أو سخط، ليش قبل أن تطمئن أن حياتها معه لن تكون على الحافة تنتظر نسمة هواء لتتهاوى للاعماق السحيقة، تريد حياة سعيدة هادئة مستقرة .
" ولو حصل واتجوزنا يا سعيد واتعصبت أو غضبت، وقتها ممكن بكل سهولة تتخلى عني او تطلقني كمان، طالما غضبك بيتحكم فيك فالحياة معاك هتبقى عاملة زي اللي ماشي على قشر بيض خايف يتكسر، هكون عايشة معاك وأنا مرعوبة من لحظات غضبك اللي ممكن فيها تتخلى عني بكل سهولة يا سعيد "
" لا لا أنا ... أنا اتعالجت يا زهرة والله اتعالجت هناك أنا قعدت تلات سنين في مصحة بتعالج و...وتوبت والله العظيم توبت لربنا يا زهرة، هو أنا..."
صمت يبتلع غصته وأكمل :
" هو أنا مش هيتقبل ليا توبة ؟؟"
نظرت له زهرة تحاول أن تتمالك نفسها، ليجيب سعيد على سؤاله :
" حشاه ربي يرد شخص وقف على بابه يتوسل رحمته، وانا اتوسلت رحمته ليالي، زهرة أنا كان عندي سنوات مش بعمل فيها غير اني احاسب نفسي واستغفر، أنا اتغيرت يا زهرة لو ما اخدتيش بالك، وعشان نفسي المرة دي مش عشان حد، عشان مش مستعد اموت واقف قدام ربنا وانا مملكش عمل خير واحد في كتابي، وكمان عشانك وعشان ...."
صمت يشعر بدموعه تغلبه وقلبه يرتجف حزنًا من ذكرى غبية كانت تراوده داخل جدران السجن تبث له أمل وهمي يساعده على قضاء لياليه :
" وعشان اولادنا، خوفت في يوم اشوف في عيونهم نفس نظرة نيرمينا ونظرتك، خوفت يتكسفوا مني، بس ...والله العظيم أنا غيرت من نفسي يا زهرة "
صمت ثم نظر للأرض أسفله كي يمسح دموعها، ومن ثم رفع رأسه يتنفس بصوت مرتفع :
" عملت كل ده عشان لما أخرج وأطالب بيكِ حق ليا أكون فعلا مستحق للحق ده، ومكونش مكسوف اقولها وبأعلى صوت أنك حقي، وأنا مش هتخلى عن حقي فيكِ، مش بعد ١٦ سنة عذاب ونار اسيبك يا زهرة .."
أنهى حديثه يأخذ نفسًا عاليًا كي يزيد من هدوئه :
" أنا همشي دلوقتي، ومش هاجي تاني ولا تشوفيني غير لما اخبط باب بيتك وادخل اطلبك على سنة الله ورسوله، ووقتها أنتِ هتوافقي يا زهرة "
ابتسمت زهرة بسمة ساخرة تخفي خلفها سعادة ولهفة كبيرة :
" واثق اوي من نفسك، بابا مش هيقبل يا سعيد انسى"
هز رأسه يتحرك للخلف بظهره :
" لا واثق في ربنا وأنه هيعوضني، هيعوضني عن كل اللي فات، وأنا طلبتك في كل صلاة عوض يا زهرة ..."
ختم كلماته يتحرك من أمامها بسرعة كبيرة يتنفس بصوت مرتفع وصل لها، يجاهد نفسه كي لا يعود ويترجاها أن تذهب معه الآن وتصبح زوجته، بينما زهرة ابتسمت بسمة واسعة تراقب زهرة، ثم أغمضت عيونها تردد بصوت منخفض :
" هيعوضك يا سعيد ...هيعوضك، بس لما أخد حق سنوات العذاب اللي عيشتها ليا، وحق الـ ١٦ سنة اللي عيشتهم بجري وراك عشان تتعالج ويتصلح حالك .."
________________________
نظرت جوارها صوب صلاح الذي كان يمشط خصلات صغيره بحنان متسائلًا :
" مالك يا ميمو ؟؟"
نظرت له ميمو ثواني قبل أن تقول بريبة :
" صوت سعيد لما قفلت معاه كان مش طبيعي، خايفة يعمل في نفسه حاجة"
ابتسم صلاح يقبل رأس صغيره ضامًا إياها لصدره بحنان شديد، ثم رفع عيونه لميمو القلقة :
" تحبي نروح ليه شقته تطمني عليه ؟!"
نظرت له ميمو بشك، فمنذ متى كان صلاح بمثل هذا التفهم، حسنًا صلاح بالفعل متفهم في جميع الأمور، إن لم تكن متعلقة بسعيد، فهو على أية حال يشبه زوج والدته بالمعنى الحرفي .
" من امتى ده ؟!"
" هو ايه اللي من امتى ؟؟ أنا مش حابك تفضلي قلقانة كده، فلو هتستريحي لما تشوفيه نروح "
هزت رأسها ببطء تقول :
" أنا... أنا بس استغربت أنك يعني عادي كده تاخدني لسعيد عشان اشوف ماله "
ابتسم صلاح يربت أعلى شعرها بلطف شديد :
" لأجل الورد يسقى العليق يا ميمو، وبعدين سعيد بقى كويس وأنا عداوتي كانت مع الفاسد اللي هو كان عليه، مش معاه كشخص في العموم "
ابتسمت تميل عليه متسائلة :
" يعني أنت مش بتغير عليا من سعيد ؟!"
" لا مش بغير، هو ابن جوزك و محرم ليكِ، ده علميًا، إنما عمليًا أنا بغير منه ومن اهتمامك بيه وكلامك عليه، وكلامك معاه، ومن حتى خناقك معاه "
ابتسمت تحرك حاجبيها :
" ومش بتغير ؟؟"
" أبدًا، أنا متفهم كبير للوضع "
أطلقت ميمو ضحكات عالية رنّ صداها في المكان بأكمله، وهو يراقبها ببسمة، بينما أنس ينظر لها ببسمة ويضحك معاها بصوت ينافس اصوات ضحكاتها، وصلاح يراقبهما بحب كبير وحنان قطعه صوت رنين هاتف مرتفع أخرج الجميع من تلك اللحظات الأسرية الدافئة ...
" الو .."
صمت يستمع للجانب الآخر :
" أيوة أنا اتفضل ؟؟"
نظر لميمو التي كانت ترمقه بفضول شديد، وهو فقط أجاب محدثه بهدوء :
" عن رواياتي وكتبي ؟؟ مفيش مشاكل، هشوف الدنيا وأبلغ حضرتك، سلام "
ختم الحديث يغلق المكالمة وميمو اقتربت منه بفضول متسائلة :
" مين ده ؟؟"
" قناة حابة تعمل معايا لقاء عن أعمالي الكتابية "
رفعت حاجبها تشعر بالريبة :
" أعمالك الكتابية ؟! "
هز رأسه لتقترب منه أكثر تهمس بصوت مرتفع :
" يمكن يكون عايز يعمل معاك لقاء عشان الحوارات بتاعة عيلتنا، وآخرهم خيانتك ليا يا صلاح"
صمتت ثم أضافت :
" هنت عليك يا ابو أنس، بعد العشرة دي كلها ؟؟ تخوني مع واحدة تانية وفي وضح النهار وانت لابس لبس صالح وعامل شعرك زيه وماشي نفس مشيته مع مراته؟؟"
مال صلاح صوبها وبين رأسيهما يقبع رأس الصغير الذي كان ينظر لكلٍ منهما بأعين متعسة يحاول معرفة ما يحدث، وصلاح يهمس لميمو بصوت منخفض :
" يعني لو خنتك بليل عادي ؟!"
" اعتقد اه، على الأقل خيانتك بليل معناها أنك خايف ومكسوف على دمك، إنما في عز النهار يعني ايه ؟! محدش هامك ولا ايه ؟! "
مال صلاح أكثر وهي تبتسم له، بينما أنس رفع كفيه يحاول بهما ابعاد رؤوس والديه بحنق وغيظ منهما، وصلاح أبعد كفه يهمس بصوت منخفض :
" أبعد كده يا أنس عشان والدتك بدأ يطلع ليها اضافر"
أطلقت ميمو ضحكات مرتفعة لا تتخيل أن البعض ما يزال يطهل حقيقة وجود توأم لزوجها، لدرجة أن التقطوا صور لتوأمه وزوجته أمام بنايتهم ونشروها تحت عنوان الخيانة والفسوق، حقًا لا تود تخيل رظة فعل صالح .
ابتسمت ميمو بسمة واسعة لنظرات لها، ثم قالت بصوت منخفض :
" تشرب حاجة يا صلاح ؟!"
أجابها بكل جدية يراقب ملامحها الخبيثة :
" أي حاجة ماعدا النسكافيه "
أطلقت ميمو ضحكات صاخبة تجذب رأس صلاح لها تقبل جبهته بحب، ثم مالت تقبل رأس أنس الذي ابتسم لهما مجددًا .
رفعت رأسها تقول بحب :
" أنا مبقتش اعمل مشاريب سخنة من يوم ما عرفتك يا ابو صلاح "
ابتسم لها صلاح يضمها له وبين أحضانه أنس الذي كان يحاول دفعها بعيدًا عن أحضان والده، ناقم من مشاركتها لمسكنه المؤقت، وهي تعانده كطفلة صعبة المراس، تلقي بنفسها أكثر بين أحضان صلاح :
" قول لابنك ملوش دعوة بيا يا صلاح "
ضحك صلاح بصوت مرتفع يجذبها لأحضانه مبعدًا أنس للجانب الآخر، فأصبح هو جالسًا في المنتصف يضم أنس بذراع والآخر يضم ميمو بحب، يتنهد بصوت مرتفع :
" تفتكري اروح بكرة اللقاء يا ميمو ؟!"
نظرت له ميمو تقول بتفكير :
" مش عارفة افرض قلوا باصلهم ؟!"
" أنا عمري يا ميمو ما اروح لحد وأنا مش عامل حساب أي قلة أصل، عمري ما أواجه حد وأنا أعزل، لازم يكون معايا سلاح، وسلاح الصحفي كلمته ياقلبي "
" زي ما عملت مع جودت كده ؟!"
ابتسم صلاح يغمز لها بخبث :
" الله ينور عليكِ، زي ما عملت مع جودت كده، بعدين أنا عايزهم يقلوا باصلهم بكرة، ده غرضي اساسا "
ابتسمت له ميمو بمكر شديد تفهم غرضه وتفهم مقصده، ليقبل هو وجنتها يقول :
" مش هتروحي لسعيد ؟!"
انتفضت من مكانها تبحث عن الحجاب تقول بلهفة :
" لا تعالى نروح سوا نشوفه، تلاقي زهرة نكدت عليه "
" وأنتِ رايحة عشان تراضيه ؟؟"
ابتسمت ميمو ببراءة شديد تتحرك صوب صلاح كي يقوم بوضع الحجاب لها بشكل صحيح ويساعدها في اراتدائه وهو فعل ذلك بأنامل متقنة، يسمعها تقول بهدوء شديد :
" لا هكمل عليه ..."
______________________
كانت تجلس في المنزل تدور حول نفسها تشعر بالنيران داخلها وقد حمدت الله أن انشغلت طفلتها في اللعب مع أبناء رانيا ..
تنفست بصوت مرتفع قبل أن تعيد على مسامع رانيا نفس الجملة التي تستمر في الحديث بها منذ وطأت للمنزل :
" لو حصل حاجة لمحمود والله لأكون مودياها هي وابنها في ستين داهية، أنا استاهل الجذم اني مضيعتش مستقبله عشان دموع أمه وهي بتتحايل عليا، العقربة "
زفرت رانيا تربت على الأريكة جوارها :
" معلش يا خالتو تعالي اقعدي واهدي، صالح قال الموضوع خلص ومحمود اساسا هو اللي هيقدم محضر فيهم "
جلست هاجر بطاعة تحاول أن تهدأ :
" متأكدة ؟! يعني محمود هيرجع لينا ؟! "
" هو ايه اللي هيرجع ليكم دي يا هاجر؟؟ هو متاخد جناية ؟! ده يا دوبك ضرب عيل "
انتفضت هاجر ترفع إصبعها في الهواء تحذرها أن تتطاول بالحديث عن زوجها الحبيب الرقيق :
" لا مسمحلكيش، هو محمود ايه معندوش قلب عشان يضرب عيل حيوان عنده ١٣ سنة ؟؟ هو بس عطاه كام قلم وشده من لبسه كرمشه "
" اصيل جوز خالتي "
هزت هاجر رأسها توافقها الحديث، وفجأة انتفضت رانيا بقوة تركض خلف هاجر صوب باب المنزل حينما تناهى لهما صوت صالح وهو يقول:
" ما تتنيل ادخل، ايه عامل نفسك متعصب ؟!"
أبعد محمود يد صالح عنه بغضب :
" أنا مش عامل نفسي متعصب يا صالح، أنا فعلا متعصب وأقسم بالله ما ههدى غير لما اضيعلهم الحيلة اللي مبسوطين بيه ده "
انقضت هاجر عليه في تلك اللحظة تمسك ذراعيه وهي تدور حوله كهرة تشتم صغارها كي تتعرف عليهم :
" حد عملك حاجة يا محمود ؟!"
تحرك صالح للداخل يجذب رأس رانيا له بحب أسفل ذراعه وكأنه على وشك خنقها :
" قولي هو عمل فيهم ايه، جوزك لم علينا القسم ولولا ابن عمه وعمه اللي مش بحبه جم كان كسر المكان فوق راس الظابط هناك "
" طب هتعمل ايه يا محمود ؟!"
نظر محمود لهاجر بحنان شديد يربت أعلى رأسها، ثم قال بصوت خافت ليس وكأنه هو نفسه الذي كان يصرخ منذ ساعات في المركز، لكن عند حدود بسكوتته الهشة تتداعى جميع اسوار غضبه وتتهدم قلاع عصبيته :
" متشغليش بالك يا جوجو، روحي بس نادي لفراولة عشان نمشي "
نظرت له بتردد، بينما رانيا تدخلت :
" ليه يا محمود أنا جهزت الاكل لينا، اصبر كل معانا أنا وصالح والعيال "
هز صالح رأسه يرفض ذلك الاقتراح، لتضربه رانيا محذرة وهو قال بحنق :
" ايه، أنا قولتلك اعملي ليا أنا ورق العنب، هتقعديه عشان يخلصه وأنا مطولش حاجة ؟!"
نظر له محمود ببسمة واسعة قبل أن يقول :
" والله يا رانيا لو أنتِ مصرة فأنا مقدرش ارفضلك طلب، حطي يا ستي ورق العنب خلينا ناكل"
رمقه صالح بشر ومحمود بادله النظرات باستفزاز، لينقض فجأة الاثنان على بعضهما البعض كالاطفال، صالح يدافع عن ورق العنب المفضل لديه، ومحمود يحاول اخراج طاقة الشر داخله في وجهه .
نظرت لهما رانيا ثم قالت لهاجر بلا اهتمام :
" تعالي يا هاجر جهزي معايا السفرة "
وبالفعل تحرك الاثنان صوب المطبخ ينتهيان من تجهيز الطعام، بينما صالح وحينما تعب من تلك اللعبة، ابعد عنه محمود بغيظ شديد يعدل من وضعية ثيابه التي افسدها محمود أكثر مما كانت عليه يردد حانقًا :
" كرمشت التيشيرت، رانيا هتزعل وتقولي مش بحافظ على هدومي "
ختم حديثه يحاول تصفيف خصلات شعره بأصابعه ساخرًا :
" اتغيرت يا صاحبي، مكنتش كده قبل الجواز، الظاهر كتر الكيك والبسكويت غيرك "
ابتسم له محمود بسمة واسعة مسترخية يريح جسده على الأريكة بكل أريحية :
" اه والله يا صالح، الواحد مبقاش عارف ازاي كان عايش حياته من غير كيك وبسكويت "
نظر لصالح لتتبدل بسمته المسترخية لملامح مشمئزة :
" ازاي كنت عايش على الفسيخ والملوحة ؟؟"
ضرب صالح قدمه مسقطًا إياها ارضًا :
" والله وبقى ليك صوت يا ابن ماجد وبقيت تاكل كرواسون وتشيز كيك، الله يرحم ايام صباع الفينو والبقسماط المملح "
أطلق محمود ضحكات عالية يرى صالح يجاوره على الأريكة :
" بس والله كانت احلى ايام يا صالح، رغم كل البهدلة اللي شوفتها كانت اجمل أيام لأني قضيتها معاك يا صاحبي "
اتسعت بسمة صالح وهو يجذب محمود لاحضانه بحنان كبير، يربت على ظهره تربيتات كانت أشبه بوعود قطعها صالح على نفسه منذ سنوات، بأنه لن ولم يدع أحدهم يمس رفيقه وصديق العمر .
في تلك اللحظة خرجت هاجر مع رانيا والأخيرة تقول :
" مش قولتلك خمس دقايق ويبطلوا خناق ؟؟ اهو بقوا زي السمنة على العسل "
ابتسم هاجر تتحرك صوب محمود الذي ابتعد عن صالح يستقبلها بحب شديد يحمل من بين أناملها الصحون متحركًا صوب السفرة وهو يقول :
" متتعبيش نفسك يا نواعم، أنا هساعدك "
بينما رانيا تقف مكانها وهي تنظر لأثر محمود وهاجر بملامح حانقة، ثم حدقت بصالح الذي كان يجلس بهدوء على الأريكة وكأن شيئًا لم يحدث، وتلك المسكينة تنتظر منه بادرة لطف كما فعل محمود مع هاجر .
وعندما يأست فكرت أن تدفعه هي بقوة صوب تلك البادرة تتنحنح بصوت مسموع، جعل صالح ينظر لها بعدم فهم متسائلًا، وهي ابتسمت له بلطف تساعده أكثر مشيرة صوب اطباق الطعام بين يديها وكأنها تخبره ( بالله عليك تحلى ببعض الرقي وأحمل عني تلك الأطباق )
وصالح فجأة فتح فمه مستوعبًا، لينهض بسرعة يلتقط اصبع محشي من بين الاطباق التي تحملها :
" معلش يا رانيا ما اخدتش بالي ."
اكل الطعام ظنًا منه أن رانيا تقف لتأخذ رأيه في الطعام وقال :
" تسلم ايدك يا رانيا المحشي زي العسل، بعدين هو أنتِ يعني محتاجة رأي مني اساسا ؟؟"
ضغطت رانيا على أسنانها بحنق دافعة إياه بكتفها في قوة كبيرة :
" لا وأنت الصادق محتاجة شوية نظر "
نظر صالح لاثرها بعدم فهم وسار خلفها ينضم للجميع على السفرة، وقبل أن يجلس بدأ يساعد الصغار في الجلوس على مقاعدهم، عدا بلال الصغير الذي أحضره ليجلس جواره هو حتى يهتم بطعامه، وبشكل عفوي أخذ يضع بعض الطعام أمام رانيا يقول ببسمة :
" كلي اكيد ما اكلتيش من الصبح "
نظرت له رانيا تبتسم بسمة واسعة وكأنه لم يثر حنقها يومًا، تفرح وكأنه لم يزعجها لحظة، ذلك الرجل المعقد أمامها يستطيع أن يكون لوح ثلج لا يشعر ولا يفقه للحب مبدأ، ويمكنه أن يصبح شاعرًا رائدًا في مضمار الحب وطرقه، الأمر فقط يعتمد على طبيعته، وعفويته ...
ابتسم لها صالح يراها تطيل النظر في وجهه ليشير بأعينه متسائلًا، وهي فقط هزت برأسها تخبره أن لا شيء :
" كل يا صالح أنت بتحب الاكل ده، عملته عشانك مخصوص "
ابتسم صالح يرمقها بحنان شديد وعشق :
" تسلم ايدك يا رانيا تعبتك معايا "
اتسعت بسمتها وشعرت أن لحظات التعب التي مرت بها بين ألسنة اللهب والحرارة العالية داخل مطبخها تبخرت بالكامل بعد كلماته وبسماته .
" تعبك راحة، أنا ليا كام صالح أتعب عشانه "
وود صالح لو أنه كان من الوقاحة ليطرد محمود والجميع شر طردة، وحتى أولاده يخرجهم معه ويضم له رانيا بقوة يخبرها كم يحبها، وكم تؤثر به كلماتها الرقيقة المراعية...
لكن مهما كان وقحًا، فوقاحته تتوقف عند حدود عائلته، بمن فيهم محمود وأسرته.....
__________________
" يعني أنت زعلان دلوقتي عشان كنت محترم ومدخلتش خطفتها واتجوزتها غصب عن عين ابوها ؟؟"
نظر لها سعيد بأعين حانقة يتحرك في المنزل يحمل اشياء لا يريدها ومن ثم يضعها على الطاولات، لا يعلم ما يفعل، هو بالفعل مشتت، يحتاج لشيء يطمئنه، يحتاج لمن يخبره أن النهاية ستكون معها، والحكاية ستنتهي بين أحضانها...
اقترب من ميمو التي كانت مستقرة جوار صلاح على أريكة في منتصف منزله وأمامهم على الأرض يقبع الصغير يتناول حلوى أحضرها له سعيد :
" ميمو قوليلي الحقيقة، تفتكري أنها ممكن تسيبني وتمشي بعد ده كله، يعني شايفة إن فيه امل في الموضوع ؟! يعني ممكن ترضى بعدين تتجوزني؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة واسعة وهي تنظر لوجه سعيد المترقب لاجابتها، اخذت نفس طويل وهي تستعد لإلقاء السموم في وجهه وتوضح للمرة المليون له شماتتها، وتصفعه صفعة عنيفة تخرجه من وهمه، لكن سعيد سرعان ما اعتدل يشير له بعدم الحديث :
" خلاص متقوليش حاجة أنا عارف ردك، ومش عايز اسمعه "
حدق بصلاح الذي كان بالفعل لا يهتم بكل ذلك، يراقب صغيره بأعين حريصة، قبل أن ينتفض من سؤال سعيد الذي لأول مرة يلجأ له :
" صلاح أنت عاقل وهعتمد عليك بعيدًا عن مراتك دي، شايف أن فيه أمل ؟؟"
ابتسم صلاح بسمة صغيرة يخفي تعجبه من لجوء سعيد له وصمت ثواني، ثم قال بعد تفكير :
" لو هتكلم بالنظر لكل جوانب الموضوع، ولو هي حكمت عقلها ...فلا مفيش ذرة أمل واحدة، وكل المؤشرات بتقول انك هتعيش عمرك كله وحيد ملكش حد يعبرك غير البركة اللي قاعدة جنبي "
ابتسمت ميمو تشير على نفسها وكأنها تؤكد له حديث زوجها، ثم ربتت على كتف صلاح بحب شديد وكأنها تشكره على نصرها أمام سعيد وموافقتها الرأي وصلاح أطلق ضحكات عالية على حركاتها يهمس لها :
" مرات أبوه كما يقول الكتاب بجد "
زفر سعيد يحرك خصلات شعره بغيظ شديد، ثم ألقى جسده على المقعد وعيونه تشرد في الفضاء أمامه لا يرى شيء حوله، ولم ينتبه على شيء على صوت صلاح الذي أكمل حينما رأى ملامحه التي تعود لغريق يبحث عن قشة تخرج من بحار الظلام تلك :
" ده لو هي حكمت عقلها ...السؤال هنا هل هي كده ؟!"
نظر له سعيد بلهفة يتساءل عن معنى كلماته تلك، ليبتسم صلاح يقول بجدية كبيرة :
" يعني لو هي حكمت عقلها وفكرت في كل اللي انت عملته الفترة اللي فاتت، فمش هترجع، لكن يا سعيد من امتى كانت الست اللي بتحب بتحكم عقلها ؟!"
ابتسم سعيد بسمة واسعة جعلت ميمو تتشنج بغيظ شديد تزجر صلاح حانقة أنه يتحدث بهذا الشكل مع سعيد، هي لا تريده أن يطمئن هكذا، لا تريده أن يظن ما فعله أمر طبيعي كي لا يقرره.
والآن تحدق في صلاح بغيظ شديد وكأنها تلوم أحدهم على تدخله في تربية صغيرها .
نهض سعيد من مكانه يقترب من مقعد صلاح يجلس جواره بلهفة :
" طب بما أنك ذكي اوي كده يا صلاح وراجل زيي زيك وحاسس بيا، قولي ارجعها ازاي، لأحسن مراتك دي هتوديني في داهية "
ارتفع حاجب ميمو بسخرية من كلماته، وصلاح نظر لالتصاق سعيد به، ومن ثم التوى ثغره بحنق :
" على فكرة أنا لسه مش طايقك عادي اللي بعمله ده شفقة، فاهم يا سعيد ؟!"
ابتسم سعيد يهز رأسه بقوة :
" ماشي يا غالي، إن كان ليك حاجة عند الكلب، هعصر على نفسي لمونة وامرر كلامك "
" أنا كلب ؟؟ "
نفى سعيد سريعًا يرى ملامح صلاح المنكمشة بغضب وشيك، ليندفع سريعًا قائلًا :
" لا دي ميمو اللي كلب وستين كلب، دلوقتي بقى قولي المفروض اعمل ايه مع زهرة عشان ترضى إني اتقدم ليها واتجوزها "
نظرت له ميمو بتحذير وقد تولد داخلها حقد وشر لذلك السعيد النذل الذي باعها لصالح زوجها :
" متقولوش يا صلاح .."
جذب سعيد رأس صلاح له، يود أن ينتبه له ويولي له كامل تركيزه واهتمامه وتفكيره، يستغله ويعلم أنه سيساعده، أوليس هو نفسه الذي كان ينغص عليه حياته بسبب تفكيره وعقله وكلماته ؟! إذن يستطيع أن يعكس تأثيرع ويصلح حياته .
" لا يا صلاح قول، وأنا مستعد اقعد معاك تعمل لقاء معايا بعد خروجي من السجن وافتن ليك عن كل المجرمين اللي جوا واللي عملوه "
أطلق صلاح ضحكة عالية، وميمو تكتم ضحكتها فلهفة سعيد للحصول على زهرة بعد كل تلك السنوات من الجفاف حولته لطفل يشتاق لقطرة حليب بعد الفطام ..
نظر له صلاح بخبث، يميل عليه هامسًا :
" كل حاجة ؟؟"
هز رأسه لا يهتم بما سيطلب، لتتسع بسمة صلاح يقترب منه أكثر هامسًا ببعض الكلمات، بينما ميمو تضم ذراعيها لصدرها لا ترضى عن كل ذلك ولا يعجبها ما يحدث ....
________________________
يقف في مطبخ منزلهم يجلي اواني الطعام وجواره تقف زوجته تقوم بجمع الطعام المتبقى في بعض علب الحفظ، وعندما انتهت خرجت من المكان بأكمله متحركة صوب غرفة الصغار تتأكد أنهم خلدوا للفراش براحة ...
ثم عادت صوب المطبخ تشمر اكمامها تدفع صالح جانبًا بلطف :
" تسلم ايدك يا صالح، أنا هكمل الباقي، تعبتك معايا "
ابتسم صالح يتركها تفعل ما تشاء فهو يعلم أنه سيستمر في الاصرار وهي ستصر وتمضي نصف ساعة تقريبًا حتى تنتصر هي وتستلم منه المهمة، وهو كالعادة سيقول بغيظ لأنها انتصر ( حسنًا وأنا سأعد لنا مشروب لذيذ ) لذلك اختصر صالح كل ذلك الطريق يقول بهدوء :
" تمام، وانا هجهز لينا عصير حلو عشان السهرة "
ابتسمت له تهز رأسها بحب وهو تحرك صوب الثلاجة يخرج منها بعض الفواكهة، ثم امسك السكين كي يقطعهم بمهارة شديدة ورانيا تشاهده باستمتاع، تفكر في سنوات سابقة حينما كانت ترى أحد المشاهد الدافئة للبطل رفقة البطلة داخل مطبخ منزلهم يعدون الطعام، كانت تبتسم متخيلة هل يمكن أن يتحقق في واقعها ذلك المشهد؟!
وحين تعرفت على صالح، وعلى شخصيته عامة شعرت لوهلة أن الأمر مستحيل بعض الشيء مع شخصية مثله، لكن حينما تعمقت به، علمت أن لا شخص في هذه الحياة قد يحسن تجسيد تلك المشاهد الدافئة سواه .
" قمر وانا بعمل العصير مش كده ؟!"
انتبهت رانيا أنها شردت به ويدها ما تزال أسفل المياه، لترمش بسرعة تحاول أن تتجاوز عن تلك الحالة التي تعيشها جواره، تبتسم له :
" أيوة فعلا قمر، أنت قمر على طول يا صالح "
ابتسم لها صالح، ثم حمل قطع الفواكه يضعها داخل الخلاط ليمزجها مع بعض الحليب ورانيا تراقبه، ثم عادت لما تقوم به :
" عمري ما تخيلت أنك ممكن في يوم تقف تساعدني في المطبخ كده زي ابطال المسلسلات الرومانسية "
" مش لايق عليا دور الرومانسية صح !!"
ابتسمت تحاول انتقاء كلمات تصف الأكثر الأمر:
" يعني مش حوار لايق أو لا، بس اعتقد الكوميدي والاكشن ماشي معاك أكثر "
أطلق صالح ضحكات عالية بعض الشيء يصب لهما بعض العصير، ثم شرع يجهز لهما بعض المسليات لقضاء ليلة أخرى لطيفة هادئة :
" مش حوار اكشن أو كوميدي يا رانيا، بس أنا شخص كبرت ونضجت على الصورة الغير نمطية للأسرة المصرية، شوفت والدي كان بيخلص الأرض والدنيا ويرجع جري عشان يساعد والدتي وهي حامل وتعبانة ويقف معاها في المطبخ، وأنا كمان اتعودت إني اساعد امي طول الوقت واعمل معاها البيت والأكل وكل حاجة، فالموضوع بالنسبة ليا كان شيء معتاد وواجب "
كانت رانيا تستمتع لحديثه بكل تأثر، تستشعر الحنين داخل نبراته، تحركت له تود احتضانه بحنان :
" صالح أنت بجد اكتر راجل مـ "
فجأة توقفت بشكل مريب تقول بعدم فهم :
" شوفت والدك كان بيساعد والدتك وهي ايه ؟؟ حامل ازاي معلش ؟! هو أنتم جيتوا على مراحل يعني ؟! أنتم مش توأم ؟؟"
أطلق صالح ضحكات مرتفعة جعلتها تنظر له في فضول وهو لم يستطع الشرح لها بسبب ضحكاته، وبعد ثواني هدأ قائلًا :
" لا احنا منزلناش على مراحل ولا حاجة، وحتى لو نزلنا على مراحل، فصلاح هو الأكبر مني بدقيقتين"
صمت ثم قال بعدما تنفس :
" بعد ولادتنا بسنوات، مش فاكر كان عندي كام سنة كده، امي كانت حامل، لكن للأسف ربنا ما اردش تجيب الطفل ده ومات، وتعبت بسبب الإجهاض "
هزت رانيا رأسها متفهمة تقول :
" يعني كان زمان عندكم اخ او اخت ؟؟"
" أخ، كان ولد مش بنت "
ابتسمت تقول :
" تفتكر كان هيبقى شبه مين ؟؟"
صمت يحاول التخيل :
" على حسب التأثير الاقوى، ينضم لحزبي، اوصلاح يغريه بالثقافة والرقي "
رفعت رانيا كفيها تضم وجه صالح بينهما كما لو كانت تلاعب صغيرها، تضغط عليهما حتى كادا يخرجان من وجهه، وصالح يرمقها بعدم فهم، لكن رانيا ابتسم تقول :
" هو يطول يبقى زيك، ده أنت عسل يا صالح، أنا نفسي بلال يكون زيك في كل حاجة، لطفك وطيبة قلبك وكل حاجة فيك، أنت في عيوني مثالي "
ابتسم صالح يربت على كتف رانيا :
" القرد في عيون أمه غزال يا رانيا، حبيبتي أنا ناس كتير اوي مكانتش بتقدر تستحملني ولا تتعامل معايا، عامة محدش استحملني في الحياة دي غير صلاح ومحمود وابويا وأميرة وأنتِ "
صمت ثم أضاف :
" ورائد برضو ساعات "
ابتسمت رانيا تحاول جذب رأسه لتضمه لها، لكنها عجزت عن الوصول، ساعدها صالح إذ انحنى لها وهي جذبت رأسه بحب تقول :
" كلنا بنحبك، واللي بيفهم بس هو اللي هيحبك يا صالح، أنت أنقى واكتر شخص طيب في الدنيا كلها "
" أنتِ اللي طيبة والله يا رانيا،و على الله، وأكبر دليل على كده، أنك فاكرة اخواتك برضو طيبين ومساكين "
نظرت له تقول بجدية :
" هما كده فعلًا "
ابتسم يربت على رأسها بحنان يعود لإكمال ما كان يفعل :
" مش قولتلك طيبة يا قلبي "
عادت رانيا تنهي كل ما كانت تفعل، تلملم آخر ما تبقى من الأواني، ثم تغسل حوض الغسيل وهي تقول بصوت عادي :
" خلصت يا صالح !!"
حمل صالح الصينية يقول غامزًا :
" خلصت، يلا ورايا "
وسريعًا جففت رانيا يدها، ثم تحركت خلفه وبمجرد أن توسط صالح الأريكة جلست رانيا بين أحضانه تتنفس براحة شديد، فبعد يوم مرهق لا تجد اجمل من الاستكانة لأحضانه، وصالح يضمها له بحب، يشعر بأن حياته في السابق كانت باهتة، يتعجب كيف عاش كل تلك السنوات دونها، كيف كان يتنفس دون رانيا ؟؟
نظر لملامحها التي كانت شاردة في التلفاز وهو قبل جبهتها بحنان يتنهد بصوت مرتفع يعود برأسه على الأريكة خلفه، ثم قال بجدية :
" صحيح أنتِ رايحة مع ميمو بكرة لمطعم سعيد ؟؟"
نظرت له تقول بتردد :
" هي قالتلي لو حابة اروح، عندك مانع ؟؟"
نظر لها مبتسمًا :
" لا طبعًا، أنتِ لو حابة روحي براحتك يا قلبي "
هزت رانيا رأسها مبتسمة تقول بتقرير :
" تمام اتفقنا هبقى اروح بكرة، حابة إني أكون موجودة وهما بيخلصوا فيه عشان الافتتاح ..."
______________________
توقف رائد بسيارته أمام ذلك المطعم الذي أخذت ميمو تدعو الجميع له وكأنه يخصها هي، نظر صوب تسبيح التي كادت تطير من الحماس، ليس لمشاركة الجميع تجديد المطعم، بل لتجمعها مع الجميع بعد غياب ايام قليلة في بلدتهم ..
نظر لساعة يده :
" هتكوني بخير ؟؟ معاكِ الأدوية بتاعتك ؟؟"
" يا رائد والله أنا بقيت زي الفل وخفيت وهنزل اتنطط قدامك عشان تصدقني اني بقيت تمام الحمدلله "
ابتسم رائد :
" بسأل عشان اطمن يا تسبيح ولا مستكترة عليا اطمن عليكِ ؟؟"
ابتسمت له تسبيح تقول بحب شديد :
" سألت عليك العافية يارب يا رائد "
ابتسم رائد لها بحنان يتحسس وجنتها بحب وهي أغمضت عيونها تستمتع كثيرًا بلمساته الحنونة، قبل أن يقاطع هو لحظات الاستمتاع تلك قائلًا :
" حاولي لما تقعدي مع امي وستات البلد متلقطيش منهم كلام يا تسبيح "
نظرت له تسبيح بجهل وهو ابتسم يرتب لها النقاب بعدما أسقطه على وجهها قائلًا ببسمة :
" متاخديش في بالك، يلا فوتك بعافية يا حبيبتي "
أجابته تسبيح بملامح بلهاء دون أن تدرك سخريته :
" الله يعافيك يا رب، ربنا يوقفلك في كل خطوة سلامة ويوقفلك ولاد الحلال يارب يا رائد، خد بالك من نفسك، وطمني عليك وقولي عملت ايه مع الشاب بتاع البلد ده "
أطلق رائد ضحكات عالية، يميل على تسبيح يضمها له بقوة، يعشقها ويعشق ما يتعلق بها، بداية من بلاهتها أثناء حديثها معه، مرورًا بحنانها وحتى خوفها عليه كطفل مدلل وليس رجل بلغ بالفعل الخامسة والثلاثين تقريبًا .
" وأنتِ خدي بالك من نفسك يا توتا، وأي تعب تحسيه رني عليا ياقلبي ماشي ؟؟"
هزت رأسها وهو بدأ يعدل لها وضعية النقاب :
" تمام يا توتا أنتِ كده زي الفل، استمتعي يا حبيبتي مع الكل، ملكيش دعوة بأي ذكر جوا، ومتشليش هم الأولاد أو الأكل، أنا هجيب أكل لينا من برة انهاردة "
كادت تعترض على حديثه مخبرة إياه أن ذلك الطعام ليس أبدًا الطعام الذي يمكنهم الاعتماد عليه كمصدر للغذاء والفائدة، لكنه قاطع حديثها :
" لو ريحتي يوم مش هيحصل حاجة يا تسبيح، يلا عشان تلحقي تقعدي معاهم براحتك "
هزت تسبيح رأسها، ثم كادت تفتح باب السيارة لكنها توقفت فجأة بتردد ورائد نظر لها بعدم فهم، يراها تستدير له مرة أخرى تقول بتوتر :
" بقولك يا رائد هو ينفع يعني تديني فلوس عشان لو جبنا حاجة ؟؟"
ضيق رائد ما بين حاجبيه بتعجب، يخرج محفظة نقوده :
" وأنتِ ما اخدتيش ليه من الفلوس اللي معاكِ في البيت يا تسبيح ؟! مش انا بديكِ فلوس ؟!"
" أيوة دي فلوس البيت، واللي أنا هعمله ده مش من التزامات البيت فمينفعش اصرف منها "
وضع لها رائد الأموال داخل حقيبتها، ثم اغلقها بهدوء واعتدل في جلسته يقول بهدوء :
" أنا فقدت الأمل فيكِ، اتفضلي يا تسبيح انزلي عشان متعصبش "
" يا رائد افهمني أنا مش ...."
وقبل اكمال جملتها مال يقبل وجنتها من فوق النقاب، ثم ربت أعلى رأسها كما لو كان يعامل طفلة :
" يلا يا حبيبتي روحي اقعدي مع صحابك ولما ترجعي البيت يبقى نشوف الحوار "
" يعني عادي مش زعلان ؟!"
هز رائد رأسه يكتم حنقه خلف بسمة مصطنعة :
" لا أبدا ده انا في قمة سعادتي، مراتي حبيبتي بتوفر مصروف البيت وبتحرم نفسها من كل حاجة، كأني ماسك ليها الكرباج واخر كل شهر بحاسبها بالقرش، ده انا دلوقتي هروح اجيب حلويات اوزعها على صحابي "
علمت تسبيح فيما يفكر، لكن هو ينظر للأمر من منظور أنها زوجته وتفعل ما تشاء وهي تنظر من منظور الامانة، تلك الأموال تخص كل أمور منزلها واحتياجاتهم، ولا يحق لها التصرف بهم على متعها الشخصية .
ابتسمت تمازحه :
" طب ابقى اعمل حسابي أنا والاولاد من الحلويات دي "
نظر لها رائد بشر لتهبط من السيارة تهرول صوب المطعم وهو هبط يود اللحاق بها، ثم سب بغيظ شديد يتوعد لها متحركًا صوب السيارة مجددًا :
" هعيش واموت وأنا لسه بحاول افهم دماغها شغالة ازاي"
زفر بحنق شديد، ثم تحرك بالسيارة يخرج هاتفه يكتب بعض الكلمات كتذكرة له كي لا يتناسى في خضم أموره اليومية ..
خط بأصابع سريعة كي ينتبه للقيادة ( حلويات لتوتا والاولاد ) ومن ثم عين وقت الرنين تزامنًا مع انتهاء عمله، يزيد سرعة السيارة :
" أما نشوف بقى حوار المصايب اللي بتتلقح على الواحد دي "
فجأة صمت حينما تذكر فجأة أمر ترقيته التي تم التلميح له بها، اتسعت بسمة كثيرًا يشعر أن نحسه يكاد يتركه، حسنًا ليس بالكامل فهذه الترقية كان من المفترض أن تصبح له منذ عام، لكن تأجلت بسبب ما يحدث معه من مصائب خلال عمله، لكنه الآن لن يدع تلك القضية تمر دون أن يحمل فوق اكتافه ( نجمة ونسر ) ويصبح رسميًا المقدم رائد سليمان ....
__________________
كانت تتناول بعض الحلوى التي تركها صلاح لأجل أنس وحتى لا ينزعج من قضاء الوقت خارج المنزل، لكن هي من تناولتها وليس الصغير الذي انشغل يلهو هنا وهناك وحده بعدما غاب الجميع وذهبوا للروضة، وهذا الصغير تتمنى أن يكبر ليذهب معهم قليلًا فقط .
تحدثت ميمو تشير صوب أمرأة تسير مع سعيد هنا وهناك تخبر ما ستفعل في كل ركن من أركان المطعم كتجديد له :
" تفتكروا اقولها أنه رد سجون ؟!"
تحدثت رانيا بعدم فهم وهي تنظر صوب تسبيح التي كانت تساعدها في اختيار الالوان الخاصة بالجدران :
" هي مين دي ؟! بتقولي ايه ؟!"
أشارت ميمو صوب سعيد الذي كان يقف في أحد الأركان غافلًا أن ملامحه المختلفة عنهم جميعًا جذبت أنظار تلك السيدة الشابة التي كانت تبتسم :
" المهندسة اللي جابها الاستاذ"
" وهي عملت ايه يابنتي، ما هي شايفة شغلها عادي اهو ولا هو أي تلقيح جتت وخلاص "
مالت ميمو على الطاولة تبتسم بخبث :
" هو أنا عبيطة ولا حاجة يا رانيا، مش هعرف افرق بين النظرات المعجبة والنظرات العادية العملية ؟!"
نفت رانيا برأسها تعود للخلف خوفًا من ملامح ميمو المرعبة، والأخيرة عادت بظهرها للخلف تتناول باقي الحلوى دفعة واحدة :
" أتحداكم أما على آخر الأسبوع كانت وقعت على بوزها وحبيته، خاصة وهو بيعاملها معاملة معاملهاش لحد من بعد المرحومة أمه"
صمتت ثم قالت :
"يمكن دلوقتي مجرد اعجاب بكلامه وشكله، لكن لو سيبنا الإعجاب ده هيزيد ويبقى اسوء "
قالت تسبيح بتردد :
" طب ما يمكن هي تتقبل موضوع أنه كان مسجون عادي، سيبيه يمكن يتجوز ويعيش حياته "
اشتدت ملامح ميمو بشكل مخيف :
" والمتخلفة اللي ضيعت عمرها عليه كل ده ؟!"
قالت رانيا بتفكير :
" أنتِ ؟!"
" لا، أنا مضيعتش عمري عليه، أنا كنت عايزة اضيع عمره هو، أنا بتكلم عن زهرة "
اقتربت تسبيح منها بفضول :
" هي لسه زهرة حاطة أمل في الموضوع وممكن ترجع يعني ؟؟"
ابتسمت ميمو بسخرية لاذعة :
" ولو مش حاطة أمل، هترجع غصب عنها، مش بعد ما ضيعوا عمرهم يبعدوا، أنا مش هسمح بكده "
هزت رانيا رأسها باقتناع :
" صالح كان عنده حق لما قال عليكِ أم سعيد، أنا شايفة أنك بتعامليه على أساس أنه ابنك فعلا يا ميمو، ومتغاضية تمامًا عن أنه راجل ناضج اكبر منك شخصيًا وشايلة همه "
اطالت ميمو النظر في رانيا ثم هزت رأسها بكل بساطة :
" أنا فعلا شيفاه صغير وابني، سعيد شخص هش غبي وعايز اللي يمشي وراه بعصايا وكل ما يغلط يديه فوق دماغه، ثم أنا مش هينفع اسيبه كده غير لما اطمن عليه، كفاية اوي اللي شافه "
صمتت ثواني ثم قالت بتنهيدة :
" بغض النظر عن كل القذارة اللي كان بيعوم فيها قبل كده، لكن أنا مش هسيبه غير لما ينضف ويستقر في حياته، عشان ماما زينب على الأقل تكون مرتاحة، واهو خلصنا نص الطريق باقي بس حوار زهرة يخلص .."
ابتسمت تسبيح تنظر لميمو بتقدير، هي لطالما قدرت بها شجاعتها وذكاءها وكل شيء لأجل الآخرين :
" طب وده هيحصل ؟؟ يعني زهرة ممكن توافق ؟؟"
ابتسمت ميمو بخبث تطيل النظر بسعيد الذي ترك السيدة وحدها وذهب ينهي بعض الامور بعيدًا عنها وقالت :
" ومين قال إنها مش موافقة اساسًا ؟؟"
_____________________
خرجت من الجامعة التي عُينت بها مساعد معلم، تنظر حولها تبحث عن سيارة تحملها صوب مطعم شقيقها، وقد كانت تحاول التواصل مع نادر في ذلك الوقت، إلا أن فجأة شعرت بمن ينتزع منها الهاتف بسرعة مخيفة ويهرب على دراجة نارية، بعدما أسقطها ارضًا بعنف كبير تسبب أذية يدها .
كل ذلك ونرمينا لا تستوعب ما حدث، وحولها تجمع بعض الطلاب يحاولون التحدث والاطمئنان عليها .
" دكتور حضرتك كويسة ؟؟"
" نطلب الإسعاف يا دكتور ؟؟"
ونيرمينا فقط تنظر صوب الدراجة النارية التي أخذت هاتفها بصدمة كبيرة :
" ده سرق تليفوني، ده فيه ...فيه كل حاجة"
ابتلعت ريقها تنتفض من بينهم تخبرهم أنها بخير، ثم ودعتهم بسرعة كبيرة تركض بين الطرقات تحمد ربها أنها لا تحمل حقيبة يد، بل تحمل أخرى خاصة بالظهر، أوقفت سيارة وهي تخبرها بصوت مبهوت ما يزال يحمل بين طياته صدمة :
" لو سمحت خدني على اقرب قسم من هنا، بسرعة الله يكرمك "
وبالفعل تحرك السائق بالسيارة وهي تشعر بقلبها ما يزال يقرع، هي حتى لم تستطع أن تطمئن نادر أنها أنهت عملها وستذهب لسعيد، ابتلعت ريقها حينما توقفت السيارة قرب مركز الشرطة والذي يقع على بعد شوارع قليلة من الجامعة، وضعت الأموال للسائق، ثم تحركت داخل المركز تحاول البحث عمن يساعدها في ذلك الأمر.
وأثناء تحركها داخل الممرات رأت وجه تألفه لتركض صوبه بسرعة كبيرة تناديه بقلق وريبة، ورغم معرفتها السطحية وبشدة به إلا أنه وحيد الذي يستطيع مساعدتها.
" حضرة الظابط....رائد باشا "
استدار رائد والذي كان يتحرك صوب مكتبه للصوت الصادر خلفه، ضيق عيونه بتعجب يقول :
" نيرمينا ؟؟"
توقفت نيرمينا أمامه تقول بأنفاس لاهثة تحاول أن تصف له ما حدث :
" اول ما خرجت من الجامعة حد سرق مني التليفون بتاعي، هو عليه كل حاجة ايميلات الشغل وكل حاجة عليه ووو..."
أوقفها رائد يحاول جعلها تهدأ :
" اهدي بس شوية، خدي نفسك، تعالي معايا للمكتب ارتاحي وقولي حصل ايه بالضبط "
هزت رأسها تلحق به وهي تضم حقيبتها لصدرها، تفكر أن تستعير منه اتصالًا حينما تصل المكتب، نعم ستتحدث لنادر وتخبره كل ما حدث معها كي لا يقلق ..
_________________
وعلى الطرف الآخر كان نادر يقف في منتصف المطعم الخاص بسعيد يشعر بجسده يشتعل غضبًا وقلقًا، فهو جاء هنا بعدما انتهى من الأعمال المتعلقة، وقرر أن يذهب لأخذ نيرمينا حينما تخبره بانتهاء العمل، وها هو موعد انتهاء عملها قد ولى وانتهى، وهي لم تتحدث معه ولا تجيب اتصالًا من أحد.
ولم يكن وحده القلق، بل سعيد كان يجلس على جمر والخوف ينهش صدره، هل ...هل يعقل أن هناك من عاد من مواضيع لينتقم منه فيها مجددًا، بالله هل سيعيش حياته بأكملها يشعر بهذا الذنب الذي يقتله؟؟ سيحيا مرتعبًا أن يؤذي أحدهم عائلته لأجل قذارته، أي حياة تلك صنعت لنفسك يا سعيد ؟؟
تنفس بصوت مرتفع وهو يسمع صوت ميمو تقول :
" خلاص يا نادر أنت وسعيد، الله يكرمكم أنا على أخري وحامل وممكن يحصلي حاجة من مناظركم دي "
تنفست بحنق شديد تتمنى لو كان صلاح هنا يساعدها على الهدوء، لكن لسوء حظها كان صلاح في مقابلة التلفاز التي اتفق عليها بالأمس، تلك التي تُذاع الآن على التلفاز أمامهم لكن لا أحد يهتم أو في مزاج يسمح له بسماع ما يحدث.
فجأة ارتفع رنين تسبيح برنين مرتفع واسم رائد ينير شاشتها، ابتسمت بتوتر تبتعد عن الجميع تجيبه بصوت منخفض، وبعد حديث قصير عادت لهم بلهفة تقول :
" نيرمينا مع رائد.."
وفي تلك اللحظة استدار نادر كالرصاصة صوب تسبيح وعيونه تشتعل بخوف وغضب وجسده بأكمله متيبس بشكل مخيف ...
ودون كلمة منها سحب الهاتف بكل وقاحة يتنحى به جانبًا، رغم معرفته أنه لن يستطيع التحدث، لكن تصرفه كان دون تفكير، هو فقط يريد أن يسمع صوتها ويعلم ما حدث .
وتسبيح ما تزال تنظر لكفها بعدم فهم ..
في تلك اللحظة دخلت هاجر المكان معها محمود وصالح اللذين انتهيا من أعمالهم ومروا بها، متجهين جميعًا صوب المطعم حيث الجميع .
تحرك نادر صوب تسبيح مجددًا يضع لها الهاتف بعدما أخبرته نيرمينا بمكانها حينما سمعت الصمت المصحوب بوجوده، أشار نادر بحركات سريعة صوب ميمو يخبرها باختصار ما علم، ثم تحرك للخارج تحت نظرات سعيد الذي فتح عيونه يقول :
" أنا معرفتش حصل ايه ؟؟ دي اختي أنا كمان على فكرة"
وقبل أن يلحق به، أوقفته ميمو تقول :
" سيبه نيمو كويسة "
" هو طمنك عليها يعني ؟؟ هي كانت فين ؟؟"
هزت ميمو رأسها تنظر للتلفاز في اهتمام شديد تتابع ما يحدث مع صلاح، إذ كان يجري لقاءً مباشرًا :
" في القسم ..."
اتسعت أعين سعيد بصدمة وما كاد يتحدث بكلمة حتى أمسكت ميمو جهاز التحكم عن بعد تزيد من ارتفاع الصوت حتى أصبح صوت صلاح هو المسموع فقط في الأجواء وانتبه له الجميع عدا سعيد الذي كان يصرخ في وجهها بغضب :
" ده مطعمي أنا وده تلفزيوني، اقفلي الزفت وقوليلي اختي حصل ليها ايه يا ميمو ؟!"
نظرت له ميمو بانزعاج كبير :
" ما قولتلك في القسم ونادر راح يجيبها خلاص اسكت شوية عايزة اتفرج على جوزي "
ختمت حديثها ولم تكد تضيف كلمة حتى سمعت صوت المذيع يصدح بسؤال رنّ صداه في المكان بأكمله :
" يعني اللي كانت في الصور دي مش مراتك، حسب الاخبار اللي وصلت لينا من مصدر خاص أنك على علاقة وثيقة بيها، والبعض بيقول أنه شهد على جوازكم من بعض وشافكم كتير سوا في أماكن مختلفة ...."
اتسعت عيون ميمو بصدمة من كل تلك الأحاديث، بينما سعيد نسي شجاره يسحب مقعدًا جوار ميمو، ومن ثم امسك جهاز التحكم يزيد من ارتفاع الصوت أكثر قائلًا ببسمة واسعة :
" عندك حق خلينا نتفرج على جوزك ..."
__________________
بداية النهاية، تبقت محطتين فقط ونصل لنقطة النهاية ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل