تحميل رواية «ما بين الألف وكوز الذرة» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الاول * هام قبل القراءة* ( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني ) وتاني هقول رجاءً بلاش تحرقوا الأحداث اللي جاية في الفصول الاولى يا جماعة كده انتم بتفسدوا متعة...
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رحمة نبيل
#العشرون
قبل القراءة متنساش الفوت ( النجمة ) ..
اليأسُ جاسُوسُ الأروَاحِ؛ ينمُّ عن هزيمتِك الدَّاخليَّةِ لكلِّ مُتربِّصٍ، يعلِّقُ انكسَارَك على صفحَاتِ وجهِك ليرَاه العَابرُون، وحَرامٌ على قلبٍ عرفَ اللّٰهَ وسننَ الحياةِ أن يفتحَ البَابَ لطُرقاتِه !
' شَيخنا المُرشِد: بَدر آل مرعي.
صلوا على نبي الرحمة ....
__________________________
كلمة واحدة كانت كفيلة بإشعال حرب؛ حرب غير عادلة بين طرفين؛ أحدهما مكون من أربعة أشخاص كالثيران _ كما يصفهم صالح _ مستعدين للقتال أيام متتالية دون كلل، والطرف الآخر مكون من صالح، وصلاح الذي لا يحبذ قتال الجسد، بل يفضل صراع العقول، ومحمود الذي لا يمكث في عالمنا سوى ثواني، قبل أن يُسحب لعالم ملئ بـ "البسكويت " والمخبوزات .
بالطبع ليست عادلة البتة ...
نظر محمد صوب رانيا وملامح الصدمة تزين وجهه بشكل كبير، وهي حاولت أن تتلاشى النظر له وللاخرين، لكن كيف تفعل وهي محاطة بالأربعة من جميع الجهات ؟؟
ثواني وسمعت كلمة محمد يتأكد منها أنه لم يخطأ السمع :
" موافقة ؟؟ "
ترددت رانيا لحظات في رفع رأسها، ولكنها فعلت أخيرًا وهي تهز رأسها بهدوء وتناظر أعين محمد بجدية كبيرة تحاول ألا تتراجع أمام صدمته، وقلبها يؤلمها أن عصت يومًا رغبة اخوتها ..
والثلاثة الباقون يراقبون بافواه متسعة صدمة وغيظًا، لكن كل ذلك قاطعه صوت صالح الذي خرج سعيدًا يرفع كفيه في الهواء مرددًا :
" الفاتحة بقى لأجل ما ربنا يكرمنا في الجوازة دي "
وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة معترضًا، كان صالح يغمض عينيه ويقرأ آيات الفاتحة، وصلاح يحرّك عيونه في المكان حوله بضحكة مكبوتة، لكن رفع يده هو الآخر يشارك شقيقه وكذلك فعل مرتضى ورؤوف، الجميع تقريبًا عدا الأربعة أشقاء ....
وبمجرد انتهاء الجميع انتفض صالح من مكانه بسرعة كبيرة يتحرك صوب رؤوف يضمه بسعادة مربتًا أعلى ظهره :
" مبارك يا عمي عقبال يارب باقية عيالك وتريح دماغك منهم"
ومن ثم تحرك صوب محمد يجبره على النهوض، يعانقه بقوة مانعًا أي مقاومة، ومحمد يحاول أن يدفعه متأففًا :
" يا عم ابعد هي ناقصة قرف "
لكن صالح عاند وزاد العناق وهو يهمس :
" لا خلي نفسك طويل كده يا ابو النسب ده لسه قدامنا تحضيرات كتير على الفرح "
اشتد غضب محمد وهو يضع يده أعلى ظهر صالح ضاربًا إياه بشكل متتالي كما لو كان يربت عليه :
" بعينك .."
ضحك صالح يبتعد عنه، ثم تحرك صوب جبريل الذي رفع يده يرفض منه الاقتراب، لكن صالح لم يهتم وهو يضم عبدالجواد والاخير يتأفف ويحاول أن يخرج من أسر يديه :
" والله يا عبدالجواد قلبي بيقولي أننا هنكون حبايب "
دفعه عبدالجواد بحنق :
" في احلامك "
ابتسم له يتحرك صوب الأخير والذي كان يراقب ما يحدث بهدوء وحينما اقترب منه ليضمه، فاجئه عبدالله بالمبادرة وهو يهمس له بتحذير :
" دمعة من اختي، برقبتك "
ربت صالح على ظهره بسخرية :
" حبيبي تسلم، عقبالك إن شاء الله "
ابتعد عنهم وقد نال منهم ما يكفيه لليوم، نظر للجميع حيث والده الذي بدأ يتبادل حوار ودي مع رؤوف، وصلاح الذي أشار له بأنه سيخرج للقيام بمكالمة مهمة، ومحمود الذي اختفى منذ دقائق ولا يدري أين ذهب ...
واخيرًا سقطت عيونه على رانيا التي اتسعت بسمتها تخجل أن تنظر له مباشرة بعد ما قالت ..
ابتسم لها صالح بسمة واسعة أظهرت أسنانه، ثم غمز لها يحاول اخبارها بشيء، وهي لا تفهم ما يريد ..
نظر صالح حوله يبحث عن اخوتها ليجدهم يتحدثون في اجتماع مغلق، على الأغلب يحاولون ايجاد طريقة للتخلص منه .
تحرك يتجاهلهم مستغلًا انشغالهم وهو يقترب من رانيا ودون أن يراه أحدهم أخرج ورقة من جيب بنطاله والقاها عليها لتتلقفها رانيا بفزع، نظرت لوجهه متسائلة، بينما هو أشار لها بسرعة أن تخفيها ..
فعلت رانيا ما طلب وهي تبتسم بغباء في الوقت الذي اقترب منها عبدالجواد يهمس لها بصوت منخفض :
" عطاكِ ايه ؟!"
حدقت به رانيا مصدومة وبشدة من انتباهه لما حدث، نظرت حولها تبحث عما إذا كان الباقيين قد انتبهوا أم لا، لكن عبدالجواد قاطع ذلك هامسًا :
" محدش شاف حاجة غيري، بس لينا حوار طويل بليل ماشي ؟؟"
صمت ثم نظر حوله وقال :
" متفتكريش أن الموضوع خلص، ده محمد شايل جواه كتير ومستني الدنيا تهدى عشان ينفجر في وشنا، والمرة دي أنا مش هدافع عنك يارانيا "
نظرت له رانيا بأعين متوسلة وملامح حزينة، ليتراجع في كلمته ويقول بصوت خافت :
" شوية، هدافع شوية صغيرين مش كتير، عشان أنا كمان متعصب منك "
ابتسمت له بحب ليزفر عبدالجواد بحنق مبتعدًا عنها حتى لا ينتهي به الأمر راقصًا سعيدًا في حفل زفافها، وأثناء نهوضه انتبه لتحرك مروة من أمام الغرفة التي يجلسون بها، تتحرك سعيدة وهي تحمل هاتفها صوب مكانٍ ما في منزلهم .
تحرك صوبها بتعجب شديد، وخرج من الغرفة يناديها ظنًا أنها قررت الرحيل ..
لكن صُدم حينما وجدها تقف مع صلاح تتحدث بأريحية كبيرة وبسمة واسعة لم يرها يومًا تبتسمها له، اشتعلت النيران بصدرة وشعر أن أبناء مرتضى أصبحوا كاللعنة عليه، يحاولون سلب منه كل امرأة يحب، اولًا شقيقته الحبيبة، وثانيًا حبيبته الوحيدة .
وعند صلاح وأثناء محاولته الاتصال بميمو، شعر بصوت خلفه، صوت رقيق هادئ وخافت يناديه بلطف وقد فطنت أنه هو نفسه صلاح، حيث أن رانيا أكدت عليها أن صالح لا يرتدي ثياب رسمية، ومن حسن حظها أنه كان صلاح بالفعل وليس صالح :
" استاذ صلاح؟؟ "
ابعد صلاح الهاتف عن أذنه ببطء شديد مستديرًا صوب الصوت ليجد فتاة ذات ملامح مألوفة له، ابتسم بهدوء يردف :
" أيوة اتفضلي ؟؟"
قالت مروة بتردد شديد خوفًا أن يكون قد نسيها حقًا، ويخيب أملها للمرة الثانية بعد فعلة توأمه بها، لكن صلاح كان أبعد ما يكون عن صالح، حتى وإن لم يتذكر اسمها إلا أنه يتذكر رؤيته لها لذلك ابتسم يضيف :
" أنا شوفتك قبل كده صحيح ؟!"
اشرق وجه مروة وبقوة عن بسمة سعيدة وملامحها مُلئت أمل وقبل أن تتحدث بكلمة تصف مدى سعادتها بذلك شعرت بمن يدفعها جانبًا ويحل محلها وبقوة :
" وحضرتك بقى شوفتها فين قبل كده ؟!"
رمشت مروة سريعًا لا تستوعب ما حدث منذ ثواني وجسد عبدالجواد حال بينها وبين كاتبها المفضل والذي جائت اليوم خصيصًا لأجله ..
" فيه ايه ده ..."
استدار لها عبدالجواد نصف استدارة :
" اششش، اصبري أنتِ دلوقتي "
نظر بعدها لصلاح الذي كان يرمقه ببرود كبير :
" نعم ؟! فيه حاجة ؟!"
ابتسم عبدالجواد بغيظ :
" والله ده سؤالي، نعم فيه حاجة ؟! واقف مع خطيبتي ليه ؟؟"
شهقت مروة تردد من خلفه ببلاهة :
" خطيبتك ؟؟ خطيبة مين ؟!"
حدق به صلاح ثواني قبل أن يقول بجدية :
" عبدالجواد؟؟ مش كده ؟؟"
ضم عبدالجواد ذراعيه لصدره ولم يمنحه ردًا، لكن صلاح في الأساس لم يكن ينتظر منه رد وهو يربت على كتفه بهدوء :
" بص يا عبدالجواد حاول أنت وأخواتك متاخدوش كل حاجة على اعصابكم كده، الآنسة وراك واحدة من القراء بتوعي وقابلتها قبل كده في لقاء "
هزت مروة رأسها موافقة بسعادة :
" أيوة صح، حضرتك لسه فاكر ؟!"
حدجها عبدالجواد بشر محذرًا إياها أن تتمادى في الحديث معه، لكن مروة لم ترى تلك النظرة وهي تخرج الهاتف الخاص بها تتجاوز عبدالجواد بسرعة، تلقي له بهاتفها :
" معلش خد ليا صورة مع استاذ صلاح "
أنهت جملتها وهي تقف جوار صلاح الذي حفظ مسافة مناسبة بينهما ونظر صوب عبدالجواد ببسمة هادئة ...مستفزة .
وعبدالجواد يشاهد الهاتف بعدم فهم، ويحرك نظراته بينهما وبينه، حتى رفع عيونه أخيرًا لمروة التي كانت تبتسم بسعادة وترقب لضوء الكاميرا :
" عايزاني اصورك ؟؟"
" أيوة لو مش هتعبك، بص عادي من غير فلتر أنا هظبطها بعدين "
رفع عبدالجواد الهاتف عاليًا وهو يعض شفتيه بغضب جحيمي وكم ود لو هبط به أعلى رأسها صارخًا :
" والله لو ما اتحركتي من قدامي لكون نازل بيه على نافوخك يا مروة، اتحركي من وشي "
نظرت له مروة بصدمة واعين متسعة لتعلو صرخاته :
" بقولك غوري من قدامي مش عايز ازعلك مني "
حدقت مروة بصلاح ثواني و نظرت مرة أخرى لعبدالجواد بغضب تنتزع منه الهاتف، معتذرة من صلاح بهدوء شديد، ثم غادرت المكان والمنزل بأكمله كعاصفة هوجاء تاركة عبدالجواد يجاهد أنفاسه ليهدأ ..
ابتسم صلاح وهو ينظر له بشفقة :
" يفضل المرة الجاية وأنت رايح تصالحها توضح ليها أنك كنت غيران عليها مش اكتر، عشان اللي عملته ميتفهمش غلط، ده لو مصلحتك "
ختم حديثه يتحرك من أمام عبدالجواد الغاضب وهو يبتسم بسخرية، لكن فجأة لمح بطرف عينيه مكالمة جارية مع ميمو، هل كانت طوال الوقت تستمع لما يحدث ؟!
_____________________
اصطدمت يد هاجر بقوة في قطعة الكيك لتسقطها ارضًا ويعلو التوتر وجهها وهي تقول بنبرة مصدومة مشيرة للحلوى التي سقطت :
" أنا بس خبطت فيها غصب عني "
ابتسم لها محمود بحب وقبل أن يبادر بقول كلمة، انحنت هاجر تجلس القرفصاء وهي تجمع ما اسقطته فقط لتعطي نفسه هدنة تتنفس بها بعيدًا عن نظراته، ومحمود يراقبها بشفقة، لا يدري أيتركها تلتقط أنفاسها، أم يعمل بمبدأ طرق الحديد وهو ساخن ؟؟
وهاجر تجلس ارضًا تشعر بارتجاف يديها، ولا تدري أن خلفها من يرتجف كله لأجلها.
وبمجرد أن انتهت اخذت نفس عميق وكأنها على وشك الغوص في محيط، ثم نهضت فجأة تمسك طبق الحلوى تقول ببسمتها المعتادة :
" كويس أني عاملة كيك زيادة، وإلا كان زمان فيه واحد ما اخدش نصيبه "
ومحمود لم يرحمها وهو يندفع بهجوم آخر أكثر شراسة عليها :
" أنا ممكن اتخلى عن نصيبي في الحلويات دي، واخد نصيبي فيكِ، وقصدي هنا بنصيبي هو كلك"
تركت هاجر الطبق على الطاولة بقوة تنظر له كمن على وشك البكاء :
" محمود .."
" نعم ؟!"
ابتسمت له تقول بتوتر وهي تدفع له قطعة حلوى :
" ممكن تدوق دي وتقول رأيك ؟؟"
نظر محمود بعدم فهم للحلوى، هل هذه طريقتها للهرب منه ؟؟ حسنًا طريقة مبتكرة لطيفة، لكنه لن يتركها تنطلي عليه، إذ حمل ملعقة يتذوق قطعة حلوة بتلذذ :
" جميلة اوي، ها بقى اقدر اكلم اخوكِ امتى ؟!"
هزت هاجر رأسها تدعي الانشغال في تجهيز الحلوى فقط لتتلاشى النظر لوجهه، لا تريد أن تنظر لعيونه في تلك اللحظة، ابتلعت ريقها تجيب بنبرة مرتجفة :
" ممكن لما يرجع تكلمه "
اقترب محمود خطوات يقول برجاء كبير وأمل اكبر :
" يعني أنتِ موافقة ؟؟ أكلمه واتكل على الله ؟!"
نظرت له هاجر بعجز، كيف تخبره أنها لا تستطيع أن تجيب سؤاله، كيف تقول انها الآن حتى وإن كانت لا تمتلك أي شيء قد يمنعها من الموافقة إلا أنها لا تستطيع أن تنطق بها صراحة ؟؟
" أنت بس كلمه يا محمود، وباذن الله ردي هيبلغك بيه ياسين "
أشفق محمود على ملامحها التي كانت تخبره وبوضوح أنها ليست مؤهلة للتحدث في هكذا أمور، ليس وأنها فتاة ناضجة تدير مخبزًا وحدها وتقابل في اليوم مئات الأشخاص ..
في تلك اللحظة اندفعت رانيا للمطبخ لتنأى بنفسها عن أعين صالح واخوتها، وهاجر المسكينة بدى كما لو أن أحدهم امسك بها في وضع سييء لتبدأ التحدث بسرعة :
" أنا كنت بحط الكيك في الأطباق و محمود دخل يشرب و...."
لكن رانيا لم تكن حتى تسمع ما تقوله هاجر وهي تتحرك صوب أحد المقاعد تجلس عليه وتخرج الورقة التي كتبها لها صالح تقرأها بشغف كبير .
ومحمود يراقب ملامح حبيبته المسكينة :
" متخافيش اللي معاه صالح مش بيكون عنده وقت يفكر في حاجة تانية، ربنا يكون في عونها "
نظرت له بعدم فهم ليمنحها غمزة متبوعة ببسمة واسعة عاشقة :
" عقبالك كده لما تكوني معايا "
حملت هاجر الصينية فجأة وهي تردد ببسمة متوترة :
" هروح أخرج الكيكة للكل وأنت ..أنت ممكن، بص اعمل اللي تحبه براحتك "
هز لها محمود رأسه لتمنحه بسمة صغيرة، ثم غادرت المطبخ سريعًا تطلق زفرة عالية مرتاحة، لكن فجأة فتحت عيونها بصدمة وهي ترى محمود يجاورها مبتسمًا، لتحدق أمامها برعب أن ينتبه لهما أحد :
" أنت بتعمل ايه ؟؟ ماشي جنبي كده ليه ؟!"
اجابها محمود ببساطة :
" أنتِ جوا قولتيلي اعمل اللي بحبه براحتي وانا حابب اكون جنبك كده "
اتسعت عين هاجر بقوة وما كادت تتحدث بكلمة واحدة حتى سمعت صوت كالرعد يقول بنبرة جامدة :
" هاجر فيه مشاكل ولا ايه ؟؟"
نظرت هاجر بفزع لجبريل تنفي سؤاله :
" لا ...أنا بس ..الاستاذ كان بيعرض يساعدني وانا قولتله ان الصينية مش تقيلة "
هز جبريل رأسه بهدوء يقترب منها يأخذ الحلوى، ثم أشار لها بعينه أن تبتعد عن المكان يحدق في محمود بتحفز جعل الأخير بتشنج رافعًا طرف شفتيه بحنق...
راقب محمود رحيل هاجر وابتعاد جبريل وهو يزفر بضيق، قبل أن يسمع صوت صالح جواره يقول بتعجب :
" كنت فين يا محمود ؟؟ أنت جاي هنا تشوف مصلحتي ولا تسرح بمصلحتك؟!"
أشار محمود على جبريل بكره شديد تولد في صدره له :
" وانا عارف اعمل حاجة بسبب الحصار ده ؟؟ يا اخي الله يكون في عونك دول ناس ثقيلة اوي "
ربت صالح على كتفه بمؤازرة :
" معلش يا صاحبي بلاء لا بد منه، استحمل أنت بس اعدي حواري بعدين افوق ليك أنت والبسكوتة بتاعتك "
________________
سقط مسعد ارضًا يشعر بوجع كبير ينخر خصره، تأوه بقوة يضع يده أعلى منطقة الوجع وهو يرفع نظراته صوب سليمان الذي كان يستند على عكازه بعدما استخدمه ليسقط مسعد ارضًا غير مهتمًا بكونه ضيفًا في منزله، ولم يضع اعتبارًا لعمر ومكانة مسعد، والمعرفة بينهما التي امتدت سنوات، هو لم يفكر سوى بأنه شخص أهان نساء منزله وفي وجوده دون اهتمام ..
" لما تتكلم عن مرات ابني تتكلم باحترامك يا اما تمشي باحترامك، بدل والله يا مسعد لهتشوف مني تصرف مش هيعجبك، قوم أخرج من بيتي ومش عايز اشوف وشك قدامي عشان تتعلم تحترم حرمة البيوت "
نظر له مسعد بقوة وقد أسقط سليمان بهيبته ومكانته الأرض، ابتلع ريقه ينظر لرائد الذي كانت أعينه تطلق نيرانًا تكاد تحيله رمادًا ..
وحينما طال تحديقه بهم ضرب سليمان عكازه بالارضية في عنف صارخًا :
" برة بدل ما انادي اللي يرميك وأقل بكرامتك قدام أهل البلد، أنت عارف أن اللي يجي على حرمة بيت هنا ملوش احترام، وأنا ممكن اقعدك في قعدة أبيعك اللي وراك واللي قدامك على كلمتك دي، بس مش هعمل رأفة بسمعة بنتك وعشان أنت واحد غبي مش عارف تتحكم في غضبك، فزّ(انهض) امشي من بيتي "
نهض مسعد وصدره يغلي غضبًا على تلك الإهانة التي تعرض له، ورغم أنه يدرك جيدًا مقدار خطأه وأن سليمان قد يتسبب في تجريده من كل ما يملك إن عقد جلسة عرفية وجمع بها كبار البلدة، لكن هو أيضًا اخطأ في حقه وحق ابنته .
صمت ولم يقل كلمة واحدة يتحرك خارج المنزل وهو يشعر بالشياطين تلاحقه، ورائد يضغط على سلاحه بقوة و ود لو يخرج رصاصة تتوسط رأسه ..
كل ذلك تحت انظار تسبيح التي لم تصدق أن سليمان دافع عنها بهذه الضراوة، فجأة انتفضت على صوت سليمان الذي قال بتقرير رافضًا تأجيل شيء :
" جهزوا نفسكم، كتب الكتاب بكرة بعد صلاة العصر "
وبهذه الكلمات أصدر سليمان فرمانًا لم يلقى اعتراضًا من احدهم، وكيف يحدث ورائد في تلك اللحظة كان يطير في السماء سعادة، حتى أنه ود لو يركض لمنزل مسعد ويضمه ويقبله امتنانًا .
وتسبيح كانت تقف متسعة الاعين والفم وصوت زغاريد نعمة تعلو بقوة حولها وهي فقط تراقب ما يحدث كأنه لا يخصها، ولم تفق سوى على صوت رائد الذي قال بسعادة كبيرة :
" هروح اكلم صالح وصلاح واقولهم عشان يلحقوا يجوا "
اقتربت منها نعمة تضمها والسعادة تملء جميع خلجاتها، ابنها الوحيد سيتزوج واخيرًا، سيصبح عريسًا ..
" يلا يا عروسة تعالى نطلع نشوف أي محل فاتح نتشري منه فستان حلو عشانك "
نظرت لها تسبيح دون فهم، هل تتحدث لها هي ؟! هي ستقتني فستانًا جديدًا؟؟ هل تتذكر حتى متى آخر مرة اشترت لنفسها ثياب ؟؟ وقبل أن تدرك ما يحدث وجدت رائد يسحب والدته جانبًا يتحدث لها بجدية :
" اشتري ليها كل اللي تحبه يا امي ماشي؟! هي مش هتتكلم ولا هتقولك أنا عايزة ده، دي ممكن ترفض اساسا تشتري ليها حاجة أنا عارفها كويس، بس أنتِ يا امي اوعي تسمعي منها، هاتي ليها كل اللي تحتاجه لغاية ما بإذن الله نخلص كتب الكتاب وبعدين انا هاخدها اشتري ليها اللي تحبه "
كانت كلمات رائد خافتة، لكنها سمعت كل ما نطق به لتبتسم دون وعي، تراه ينظر لها بطرف عيونه ثم غمز مشاكسًا حينما رآه تحدق به، وهي أبعدت وجهها خجلة تراقبه يتحرك خارج المنزل بعدما القى عليها السلام ..
ووالدته عادت لها تقول ببسمة :
" استني يابنتي هروح اغير العباية دي وجاية "
هزت لها تسبيح رأسها بهدوء، ثم راقبتها تتحرك بعيدًا عنها وهي ما تزال تقف مكانها دون حراك، وقبل أن تجلس على الأريكة وجدت رائد يعود مهرولًا لها، مخرجًا بعض النقود من جيب بنطاله يضعهم في يدها دون انتظار كلمة منها :
" دول احتياطي عشان لو تهتي من امي في السوق تعرفي تاخدي توكتوك وترجعي، قوليلهم بس بيت العمدة تمام ؟؟ ولو حصل حاجة رقمي معاكِ، متسبيش الحاجة خالص، ماشي ؟؟ ماشي "
هكذا سأل رائد السؤال واجابه بالنيابة عنها، ثم رحل مجددًا ليرتب الأمور ويتحدث للمأذون، وكل تلك اللحظات التي يعيشها تمنحه راحة وسعادة كبيرة، ربما لأنه اوشك واخيرًا على الاستقرار ..
وتسبيح ما تزال تنظر ليدها التي دس بها الأموال في عدم فهم، قبل أن تستمع لصوت نعمة تقول بحماس شديد :
" يلا يا بنتي عشان نلحق نخلص الحاجة ..."
_________________________
" ايه يا محطم قلوب العذارى يا رقيق ؟؟"
أطلق صلاح ضحكات صاخبة وهو يستمع لكلام ميمو الذي ارتفع بمجرد أو وضع الهاتف أعلى أذنه ونطق بـ ( اهلا) ..
وميمو التي استمعت لكل كلمة قيلت لم تتحكم في شعورها الخانق وهي تستمع ضحكات، ذلك الخبيث يستمتع بغيظها وغضبها وهي تتلوى هنا .
زفرت بضيق :
" ايه متصل بيا عشان تضحك كتير كده ؟؟"
" لا والله متصل بيكِ عشان وحشتيني مش اكتر "
صمتت ميمو ثواني قبل أن تجيب بنبرة حاولت جعلها ممازحة لتكسر تلك الأجواء التي يبرع صلاح في خلقها :
" مش شايف أنك صريح شويتين ؟؟"
" لا الحقيقة أنا صريح كتير بس أنتِ اللي لسه مجربتيش صراحتي كلها، تحبي نتعرف اكتر وتعرفي اكتر عن صراحتي "
تحركت ميمو من مكانها تتوسط النافذة مراقبة بأعين متفحصة نيرمينا التي أخذت تتحدث مع مختار بشغف والاخير فقط يستمع لها وهو يحرك رأسه في أشارة منه على انتباهه .
ابتسمت تتمنى لو يومًا امتلكت علاقة نقية كتلك العلاقة، أن تتعامل مع الجميع بلا حذر، أن تتعامل بخفة دون أن تشعر بماضي يثقلها، لكن أكان مختار كما تتحدث أم أن هناك ما يثقله مثلها ؟!
تنهدت بصوت مرتفع لتنتبه الى صلاح الذي قال بجدية :
" ميمو أنتِ بخير ؟؟"
مسحت ميمو وجهها تستند بظهرها على النافذة وقد شعرت بمشاعر كثيرة تتكاثف داخلها :
" أنا مش بخير خالص، أنا حاسة بخنقة جوايا، حاسة إني مش قادرة اتنفس بحرية، أنا ...أنا محتاجة اتكلم مع حد وكنت هتصل بيك لقيتك بتكلمني "
نظر صلاح حوله، ومن ثم تقدم من الغرفة التي يجلس بها الجميع ليشير إلى صالح بالقدوم، وبالفعل اقترب منه صالح ليتحدث صلاح بجدية :
" لحظة يا ميمو خليكِ معايا "
انتظرت ميمو على الهاتف وهي تنصت باهتمام لصوت صلاح يتحدث بصوت منخفض وصل لها لقرب الهاتف من فمه :
" صالح باقي حاجة تانية محتاجني فيها ؟؟"
" ليه حصل حاجة معاك ؟!"
حرك صلاح رأسه نافيًا، ثم قال بصوت خافت أكثر :
" لا يا حبيبي متقلقش، بس فيه موضوع ضروري هضطر ارجع عشانه القاهرة "
تفهم صالح الأمر ليهمس بكلمة واحدة :
" ميمو ؟؟"
اومأ له صلاح، ليبتسم صالح يربت على كتفه بحب :
" لا خلاص يا صلاح روح أنت كده زي الفل انهاردة، تسلم يا حبيبي مش عارف من غيرك كنت عملت ايه معاهم "
ضحك له صلاح، ثم ضمه بحب :
" أي وقت هتلاقيني في ضهرك يا صالح"
ابتعد يخرج مفاتيح من جيب بنطاله، ثم وضعها في يد أخيه يقول بهدوء وجدية كبيرة يستعد للمغادرة :
" دي مفاتيح العربية عشان متتبهدلوش، أنا خفيف هرجع مواصلات "
تفهم صالح مقصده ليودعه :
" تمام أنا خلاص باقي اتفق على حاجات أخيرة وهنلحقك"
" تمام "
وبمجرد نطق الكلمة عانقه صلاح سريعًا، ثم قال سعيدًا لأجله :
" مبارك يا حبيبي "
وفورًا تحرك خارج المنزل وهو يتحدث في الهاتف :
" أنا جاي يا ميمو ساعتين بالكتير باذن الله واكون عندك "
شعرت ميمو بشعور رائع، أن يهتم بك أحدهم لدرجة أن يترك الجميع لأجل مشاركتك لحظات ضعفك لهو أمرٌ مريح للروح ..
تحركت ميمو خارج الغرفة وهي تقول بجدية :
" هستناك يا صلاح "
" مش هتأخر عليكِ "
وقد أخذت كلمته وعدًا واطمأنت له، هبطت الدرج دون أن تأبه بأخذ أموال معها أو أي شيء، قررت أن تجلس في الحديقة في انتظار صلاح، لكن وأثناء خروجها سمعت أصوات تأتي من مكتب سعيد، اصوات مريبة جعلتها تتحرك صوبه بحذر ..
_____________________
بعد مغادرة صلاح بدقائق ..
كان صالح يتحدث وهو يعرف نفسه أكثر لهم ويخبرهم بتفاصيل أدق، وعيونه تتابع ملامح رانيا محاولًا معرفة ما تفكر به .
" أنا عندي بيت ملك في البلد غير شقتي في بيت اهلي، وبفكر اشتري شقة في القاهرة عشان شغلي، الحمدلله الأمور متيسرة ومرتبي كويس، يعني باذن الله مش هخلي رانيا تحتاج حاجة"
خرج صوتًا حانقًا حنجرة جبريل، ليناوله صالح كوبًا من الماء ببسمة ودودة :
" بالشفا يا حبيبي إن شاء الله "
نظر بعدها لرؤوف الذي كان يبتسم باتساع على ما يرى :
" ها يا عمي، قولت ايه ؟؟"
نظر رؤوف لابنائه، فحتى إن كانوا رافضين الأمر برمته، هم في النهاية إخوتها ولهم حق المشاركة في ذلك، نظر لهم ينتظر أن يشاركه أحدهم ويسعد رانيا، وكان المتحدث هو عبدالجواد الذي تساءل بهدوء مثير للأعصاب :
" واختنا بقى هتعيش في القاهرة معاك ولا في البلد ؟؟"
أجابه صالح بكل هدوء ومنطقية :
" مراتي هتكون في المكان اللي انا فيه، وانا شغلي كله في القاهرة، فأكيد هتكون معايا، ولو هي حبت البلد معنديش مشكلة استقر معاها لهناك، كده كده المسافة ساعة من القاهرة أو اقل بكتير "
اطال محمد التحديق به قبل أن يقول بنبرة لا تقبل النقاش، وهو يتمنى أن يناقشه صالح في الحقيقة لتكون له حجة للرفض :
" اختي هتسكن هنا في اسكندرية عشان نكون جنبها في أي وقت "
وعلى عكس المتوقع من صالح هز كتفيه يجيب ببسمة لطيفة رقيقة تتنافى مع شخصيته، حتى أن والده نظر لشعره سريعًا ظنًا أنه أُستبدل بصلاح ..
وصالح تحدث بكل بساطة :
" تمام، موافق "
شهق محمود باستنكار شديد وهو يهمس لصالح :
" أنت بتقول ايه ؟! هتنقل اسكندرية بجد ؟!"
أطلق صالح صوتًا ساخرًا من حنجرته يرد بصوت خافت :
" يا عم هو الكلام بفلوس، النوع ده متعاندوش، ده تاخده على قد عقله، خليهم يتشرطوا وانا عليا حاضر ونعم، وبعدين هتكلم مع ابوهم بهدوء "
كانت رانيا مصدومة من رد صالح تحاول البحث في وجهه عن أي بادرة للمزاح، وفورًا تحدثت دون حسبان :
" أيوة بس شغلك والمستشفى ؟؟"
نظر لها صالح ببسمة واخوتها بشر، لكنها لم تهتم سوى لحديث صالح، هل سيضحي بعمله لاجلها ؟؟
وصالح في الحقيقة كان على أتم الاستعداد لتنفيذ ذلك الشرط إن انتهت سبل التفاوض ولم يستطع أن يقنعهم برأيه، لكن نظرات رانيا له جعلته يود الضحك، تلك المسكينة تظنه صاحب عملٍ تجاري لا يستطيع نقله من مكانٍ لآخر...
" هقدم على طلب نقل يا رانيا، الموضوع مش مستحيل كده، ولا أنتم معندكمش مشرحة في اسكندرية اشتغل فيها ؟!"
ردد الأربعة فجأة بذهول وصدمة كبيرة :
" مشرحة ؟؟"
تعجب صالح صدمتهم ليقول ببسمة غبية :
" واضح أن فيه حاجات كتير ناقصة في الحوار ده، أنا طبيب شرعي وتحديدًا الطب الشرعي الباثولوجي، اللي هو تشريح الجثث وما إلى ذلك "
نظر له الجميع بصدمة وعدم استيعاب أن يكون شخص كصالح صاحب منصب ووظيفة بمثل تلك الأهمية، وصالح انتبه لجميع نظراتهم ليرفع يديه في الهواء قائلًا ببسمة واسعة :
" تمام عشان نشيل الغموض ده، نبدأ من اول خالص بقى، بسم الله الرحمن الرحيم ..."
وهكذا شرع صالح يتحدث باستفاضة عجيبة عن نفسه وعن صلاح وعائلته، ووالده يراقبه بتحذير أن يتوقف عن ذلك الهراء الذي يفعله، والجميع يرمقه باستهجان لما يقص عليهم، لكن صالح لم يهتم لشيء وهو يزيد من كلماته وقد اندمج وبشده في الأمر ..
" وفي يوم وانا قاعد في الأرض كده مرة واحدة حسيت إني عايز ابقى حاجة في المستقبل، بيني وبينكم فكرت ادخل هندسة في الاول، لكن بعدين اول ما شوفتكم قولت الحمدلله اني غيرت رأيي، أصل أربعة ومكدرين حياتي، بالكم بقى لو كل تعاملي مع مهندسين وخاصة لو زيكم كده، جحيم حقيقي جحيم "
يتحدث ويتحدث ولا يهتم أنه في منزلهم وهم أهل الفتاة التي يحب ويرغب، يتحدث دون حسبان وهم فقط يستمعون له بأعين متسعة من الصدمة التي تولدت حين سماعهم لحديثه ..
ورانيا تشير له أن يتوقف عما يفعل، لكن صالح كان قد اقسم على كل إهانة تلقاها منهم، دفع بطبق الحلوى صوب رؤوف يقول بجدية :
" لا فوق كده يا عمي احنا لسه يا دوبك في اعدادي، لسه مقولتش أنا عملت ايه في ثانوي وجامعة "
وعلى الأريكة جوار صالح كان محمود على مشارف السقوط في نومة عميقة وهو ينظر للجميع من بين جفونه، ورؤوف يراقب الأمر بتعجب، ليس لما يفعل صالح، بل لصبر ابنائه كل ذلك الوقت يستمعون له ولمغامراته، أم أنهم يتعمدون ذلك لجمع أكبر قدر من المعلومات عن نفسه ؟!
واخيرًا وصل صالح لجزءه المفضل :
" وبعدين قابلت محمود في تقديمات الجامعة "
وبمجرد أن سمع محمود انتفض سريعًا ينظر حوله بأعين ناعسة :
" ايه ؟؟ هنمشي ؟؟"
ابتسم صالح يربت عليه بفخر :
" لا وصلنا للجزء بتاعك في الحكاية يا صاحبي "
" يعني خلاص وصلت للمستشفى وهتخلص ؟!"
والرفض المستنكر الذي رمق به صالح محمود، أخبر الاخير أن الأمر ليس بهذه السهولة أبدًا :
" مستشفى ايه يا محمود أنا لسه في جزء تقديمات الجامعة لما قابلتك عند الشؤون وكنت ناسي اجيب وصل نور فاخدت وصل النور بتاع بيتكم"
هز محمود رأسه متفهمًا يغمض عيونه مجددًا :
" طب لما توصل لليوم اللي روحت تتقدم فيه لرانيا صحيني "
ربت عليه صالح بحنان، ثم استدار للجميع يكمل قصته كلها، لكن وقبل أن ينطق بكلمة قاطعه والده الذي ملّ تصرفاته الغريبة تلك :
" خلاص يا صالح، خلاص عرفنا أن حياتك مكانتش سهلة ومريت بصعاب كتير، وأنك متربتش، خلاص الناس هيرفضوا يبصوا في وشك "
ابتسم صالح يحدق في الأربعة الذين كانوا يراقبونه باهتمام شديد وبسمة متسلية يخفون خلفها ضجر وضيق به وبتلك الجلسة ..
" تمام كفاية كدة، المرة الجاية فكروني احكيلكم اول ميد تيرم "
وبعد كلمات مترامية من الطرفين تم بها الاتفاق على كل شيء أعلن رؤوف ببسمة واسعة وقد نال صالح أعجابه على الرغم من كل شيء به، إلا أنه لمس فيه أصل طيب و ورجولة أضحت نادرة في زمن الاشباه، والأهم حب لابنته، واخيرًا وبعد شجارات طويلة ومناقشات، قال رؤوف :
" تمام الخطوبة باذن الله آخر الاسبوع الجاي "
نظر صالح صوب رانيا التي كعادتها كانت تنظر ارضًا وقال ببسمة واسعة :
" على خير باذن الله يا عمي "
رفعت رانيا رأسها لتجده ما يزال ينظر لها بهدوء ..
في ذلك الوقت بدأ مرتضى يوقظ محمود الذي فتح عيونه يقول بتساؤل :
" ايه هنروح ؟؟ "
" أيوة يا بني قوم خلاص هنروح "
نهض صالح وبدأ يودع الجميع باحترام، ثم اقترب من محمد وقبل أن يتقدم خطوة مد محمد كفه يمنعه من العناق، لكن صالح لم يهتم وهو يمسك بكف محمد يصافحه ببسمة واسعة :
" اشوفك على خير الجمعة الجاية يا ابو النسب، عايزك كده تلبس بدلة وتتشيك "
ختم جملته، ثم مر على الثلاثة الباقيين يعانقهم بالاجبار، بل ويقبلهم ليزيد من غيظهم، ومن ثم اقترب من رانيا يهمس لها بصوت منخفض :
" قرأتي الجواب؟"
نظرت له رانيا بشر ليضحك صالح ضحكة خافتة كي لا يجذب انتباه أحد لهم :
" هستناكِ برة تاخدي هديتك، ماشي ؟!"
أبعدت رانيا وجهها عنه، ليقول صالح بصوت خافت :
" لا افردي وشك كده لاحسن اخواتك يشوفوكِ وياخدوا تكشيرتك حجة عشان يلغوا الجوازة، أنا مثبتها على تكة والله "
ابتسمت رانيا، كانت بسمتها متشفية لما يحدث معه تشعر بالانتشاء للانتقام منه على كل مرة اغضبها واخافها قديمًا، نظرت لعيونها وقالت بهدوء :
" طب حاول متزعلنيش بقى عشان هما التانيين بيزعلوا وزعلهم وحش "
تشنج صالح بغيظ :
" هما اللي يزعلوا ؟؟ والله أنتم المفروض بعد اللي بيحصل فيا ده تعاملوني معاملة بسكوت النواعم اللي بيتسقى في شاي "
سمع صوت محمود يتحدث من الخلف :
" بتقول ايه أنت ؟؟ سامعك بتجيب في سيرة البسكوت "
حدجه صالح بتهكم شديد وقد فاض به الكيل من هذه العائلة التي أخرجت اسوء ما فيه، ليس وكأنه هو من ظل طوال الجلسة يستفزهم ويثير حنقهم :
" هو مفيش بسكوت غير البسكوت بتاعك ؟! ايه رئيس قسم البسكوت في شركة بيسكو مصر ؟؟ ما ترحمني يا محمود مش هتبقى أنت وهما عليا "
رفعت رانيا حاجبها بعدم فهم من انفجاره:
" أنت بتقول ايه ؟؟ مين اللي عليك ؟؟ ده أنت من وقت ما قعدت وأنت مبطلتش حرق دم في اخواتي الأربعة، ما شاء الله مفيش واحد فيهم فلت منك "
" فكرك ده مش مرهق ؟؟ عامة اهو اليوم خلص الحمدلله، يلا تعالي عشان تاخدي الهدية بتاعتك "
اتسعت عيون رانيا وهي تقول بتوتر :
" هدية ايه ؟! مش هينفع أخرج معاك خالص ولا اعمل حاجة "
رفع صالح حاجبه حانقًا، ثم تحرك خارج الغرفة يشير لها أن تلحقه محذرًا إياها بكلمات مقتضبة :
" لو مخرجتيش تاخديها، هدخل أنا بيها "
وبتلك الكلمات أعلن صالح ما سيحدث تاركًا رانيا تتلظى بنيران غيظها منه، لمحت هاجر تقف جانبًا وهي تتحدث مع عبدالله بشكل ودود لتشير لها بالاقتراب .
تحركت هاجر صوب رانيا التي قالت بجدية :
" هاجر ممكن تعطلي الكل لغاية ما ارجع ؟!"
لم تفهم منها هاجر شيئًا :
" اعطل مين و...."
قبلتها رانيا بحب شديد :
" تسلمي يا هاجر، بصي ركزي اكتر حاجة مع محمد وجبريل ماشي؟؟ لو حد سأل قولي إني روحت الاوضة اعمل حاجة ضروري، انما لو بابا قوليله الحقيقة عادي "
أنهت حديثها تركض صوب الخارج وكلها لهفة لترى ما احضر لها صالح واخبرها بضرورة استلامه، وهاجر تراقبها بجهل :
" أقوله حقيقة ايه ؟؟ وانا اعرف اساسا أنتِ رايحة فين؟"
_____________________
كانت تراقب المكتب بتفحص، ودون أن تفكر في شيء دفعت الباب ببطء شديد لترى الظلام يعم المكان بأكمله وهناك جسد ممدد ارضًا يستند بنصفه العلوي على المكتب وهو يرفع رأسه محدقًا للسقف وهناك تأوهات تخرج منه ..
نطقت ميمو بتعجب :
" سعيد ؟؟"
وسعيد كان في عالم آخر يناجيها بوجع كبير، ينطق اسمها الصادر من أعمق نقطة به، دموعه تهبط بقوة، حاول أن يتحدث لها، سار كل الطرق التي تؤدي لها، لكنها كلها كانت مسدودة.
اقتربت ميمو من سعيد ببطء تتحدث بصوت منخفض :
" سعيد، فيه ايه ؟؟"
رفع سعيد عيونه لها يعض شفتيه بقوة شديدة قبل أن ينفجر في الضحك بشكل هستيري جعلها تشعر بوجود خطب، وحينما اقتربت أكثر تسربت لها رائحة سيئة وبقوة جعلتها تنظر له بصدمة صارخة :
" سعيد أنت سكران ؟؟"
نظر لها سعيد يردد من بين ضحكاته :
" لا أنا حران، حاسس اني قاعد في بركان والنار عمالة تزيد من حواليا، هاتي أي طفاية من برة وطفي النار "
صمت ثم نظر لها بدقة قبل أن يلوح بيده :
" اه صحيح نسيت أنك مرات ابويا ومش طيقاني "
غضبت ميمو وتغضنت ملامحها بالنزق، تنهض من مكانها، ثم خرجت من المكتب بسرعة تتصل بأحدهم وهي تتحرك صوب مطبخ المنزل، وحينما وجدت استجابة من الطرف الآخر تحدثت دون انتظار إجابة :
" اوعى تخلي نيمو تدخل البيت دلوقتي، اشغلها لغاية ما اشوف الغبي اللي اسمه سعيد ده، ومتخافش مفيش اي خطر عليا "
أغلقت المكالمة تدس الهاتف في جيب بنطالها، ثم أحضرت شيء من المطبخ وعادت أدراجها صوب المكتب تضئ جميع الانوار به، ودون كلمة واحدة كانت تسكب مياه مثلجة فوق جسد سعيد صارخة بحنق :
" لو عايز تعمل القرف بتاعك ده يبقى برة البيت، مش ناقصين جاد تاني في البيت يا سعيد، فوق بدل ما اختك تيجي تشوفك كده ويحصلها حاجة من قهرتها عليك "
نظر لها سعيد يحاول التنفس وجسده ينتفض من برودة المياه التي زادت من بروده الأجواء حوله، وعندما استوعب جسده الصدمة أطلق سعيد سبة نابية لها قبل أن ينهض ويدفعها بقوة صوب الأريكة شاتمًا إياها بكل ما يعلم من السبات وميمو تستقبل ما يقول دون كلمة وحينما توقف ليلتقط أنفاسه باغتته ميمو بصفعة مدوية :
" دي عشان تتعلم مترفعش عليا صوتك ولا تطول لسانك في يوم على واحدة ست، ولو فاكر أن اللي بتعمله ده هيرجع ليك زهرة، فأنت غلطان، فوق وبطل غباء زهرة ابعد ليك من نجوم السما، لو عايز فعلا تكسبها ارجع لسعيد اللي هي حبته وبطل القرف ده "
نظر لها سعيد من خلف خصلاته المبتلة واعينه قد غزاها الاحمرار وبقوة، وميمو تتذكر اصوات بكاء زهرة لها وهي تخبرها ما حدث معها ومع سعيد :
" سعيد أنت واعي أن كل الكره من زهرة ده ليك وهي لسه متعرفش اللي بتعمله ؟؟"
نظر لها سعيد بأعين غائرة وكأنه يتخيل ما تقول ووجهه بلا ملامح، جامد لا يؤتي ردة فعل .
" تخيل بقى لو عرفت ؟؟ "
ابتسم سعيد بسمة جانبية يقول بسخرية لاذعة وصوته خرج بنبرة شبه مخدرة :
" ومين بقى اللي هيقولها ؟؟ أنتِ يا ميمو ؟؟"
ورغم أنها ما كانت لتفعل ذلك، ليس لأجله، بل لأجل زهرة تلك المسكينة التي ما تزال تعاني لتتعالج من حب سعيد، إلا أنها قالت ببساطة :
" ليه لا ؟؟ على الأقل اكسب فيها ثواب "
أطلق سعيد ضحكات عالية وهو يتحرك ببطء يلقي نفسه على الأريكة التي تجاور مكتبه وميمو ما تزال تقف في منتصف المكتب تراقبه بحرص..
" قوليلها، قوليلها كل حاجة، مبقتش فارقة خلاص، زهرة ضاعت، واخر حاجة كانت ربطاني هنا ضاعت "
راقبته ميمو دون ردة فعل، ثم قالت بصوت مشفق :
" مش فاهمة بجد شيطانك ده باالقوة دي ازاي ؟؟ واحد غيرك كان زمانه عايش يكافح ويحارب عشان ميبقاش نسخة من اللي دمره ودمر امه، شخص غيرك كان عاش يجري ويتعب ويطلع عينه عشان لما يكون عنده اولاد ميعيشوش اللي هو عاشه، شخص غيرك كان تخطى كل ده وعاش حياته "
سقطت دموع سعيد أمامها بوجع، قبل أن يبتسم لها بسمة غريبة متسائلًا :
" وأنتِ ؟؟ عشتي حياتك يا ترى؟؟ مش شايفك يعني ماشية تغني عايشة سني وبغني وبحب الحياة ؟؟ "
ضحك بقوة مكملًا :
" أنا شايفك ماشية تغني أنا موصلتش لحاجة من اللي حلمت بيه، وشكلي أنا كمان همسك طبلة وهمشي اغني وراكِ"
تغضنت ملامح ميمو بقوة وارتسمت أكثر تعابير مؤلمة قد تراها يومًا على وجه انسان :
" وأنت بتقارن نفسك بيا ؟؟ بأي حق تقارن اللي حصلك باللي حصلي ؟؟"
نظر لها سعيد بأعين خاوية دون إجابة، لتكسر ميمو اول شيء رأته في وجهها وقد كانت مزهرية صغيرة تتوسط طاولة في ركن مجاور لها تصرخ بجنون ودموعها تهبط وقد عادت لها الحالة السيئة والاختناق ازداد وبقوة داخل صدرها :
" بتقارن نفسك بيا على اساس ايه ؟؟ أنت اساسا عشت ايه من اللي انا عشته ؟؟ ابوك كان بيضرب امك وبيعاملك وحش ؟! ابويا كان كل يوم يصبح امي بعلقة ويمسيها بعلقة ويشغلها خدامة في البيوت والحضانات عشان بس ياخد فلوسها يشم بيها القرف اللي بيشمه، كل يوم كنا بنام على صوت عياطها وبنصحى على صوت صويتها "
صمتت تتنفس، ثم صرخت من بين دموعها وقد انفجرت كل أحزانها فجأة وكأنها تنتظر أن تخرجها، مشيرة لنفسها :
" شوفت عيلتك كلها بتولع قدامك زيي ؟؟ شوفت امك وهي بتصرخ وتستنجد حد يلحقها ؟؟ سمعت صوت صريخ اهلك وهما بيموتوا ؟؟ اختك معاك، لكن أنا اخواتي فين ؟؟ "
صمتت ثم صرخت بجنون :
" ماتوا ...ماتوا مع اهلي كلهم، كلهم ماتوا وسابوني لعمي اللي باعني لابوك عشان كل يوم يكمل عليا ويقتلني اكتر، ابوك يا حرام كان بيعاملك وحش وضربك ؟؟ أنا ابوك كان عاملني زي الدواسة رايح جاي يدوس عليا وبالقوي، كل يوم ضرب وإهانة ومعاملة خلتني اتمنى لو سابوني اموت في الحريق مع اهلي "
كان سعيد يراقبها دون أن يبدي أي ردة فعل وميمو قد جن جنونها وهي تحط كل ما حولها :
" قولي ايه معاناتك في الحياة ؟؟ قولي عشت ايه من اللي انا عشته ؟؟ ورغم كده شوفتني بقيت زبالة زيك وبأذي غيري ؟! "
صمتت وهي تشعر أن ساقيها لم يعودا قادرين على حملها لتسقط ارضًا تصرخ وتبكي بقوة، وسعيد ما يزال يراقبها بأعين ضبابية لا يرى أمامه سوى صور متلاحقة لما عاناه في طفولته :
" فكرك ابويا كان بيضرب امي ليه ؟؟ عشان عملتله البيض اومليت وهو بيحبه عيون ؟؟"
كان يتحدث بنبرة ساخرة جعلتها ترفع عيونها له وتحدق به وصدرها يعلو ويهبط لا ترى أمامها سوى دموع فقط، مصدومة مما قالته ومن إخراج آلامها وأمام سعيد تحديدًا ..
ابتسم سعيد يقول ببساطة كلمات إصابتها في مقتل :
" ابويا كان بيضرب امي لأنها مكانتش بترضى تخلي صحابه يغتصبوها وهي ساكتة، كانت بتدافع عن شرفها وتترجاه يطلقها أو يرميها ويسيبنا ليها، لكن هو مكانش عاجبه أنها ترد عليه قدام حد فكان ينزل فيها ضرب واول ما تتعب ويغمى عليها يرميها لصحابه عشان يمشي مصالحه وكل ده قدام ابنه اللي مكانش كمل حتى ١٢ سنين وبنته اللي عمرها سنة واحدة "
صمت ثم قال بصوت خافت متسائلًا :
" ميمو أنتِ تعرفي امي ماتت ازاي ؟؟"
نظرت له ميمو دون أن تملك القدرة على الرد، ليقول سعيد ببسمة شقت وجهه بشكل غريب من بين دموعه :
" مامتتش بالسرطان زي ما الكل مفكر، امي ماتت بالإيدز بسبب واحد زبالة من اللي نهشوا فيها، فأنتِ تحمدي ربنا أن جاد اكتفى بضربك وموصلش بيكِ لمرحلة امي "
صمت ثم نظر للسقف بهدوء شديد وميمو تجلس أمامه متسعة الاعين وجسدها ارتجف بقوة وهي تتخيل ما حدث مع زينب، تلك السيدة الطيبة التي كانت كل يوم تتأكد من تناولها للطعام ونومها بشكل جيد بعيدًا عن يد جاد .
شعرت بموجة اشمئزاز تضربها وبقوة وهي تتخيل أن يد ذلك القذر والتي كانت تقذف بزوجته لرجال آخرين ينهشون بها كما الكلاب، تتلمسها ...
ودون أن تشعر ركضت صوب المرحاض تتقيأ وبقوة وهي تشعر بوجع كبير في معدتها وقلبها يرتجف لما تسمعه، بينما سعيد يراقبها بلا اهتمام، ثم تنفس بصوت مرتفع يقول ببسمة هادئة :
" الظاهر أن زهرة عندها حق وانا محتاج اتعالج، تحبي تيجي معايا تتعالجي ؟؟ وناخد بالمرة نيرمينا ونخلي الدكتور يعملنا خصم ؟؟ "
ابتسم وهو يهز رأسه بهدوء، ثم فجأة أطلق ضحكة مدوية :
" جاد ده كان لعيب والله، عمل هاتريك ودمر تلاتة في وقت واحد "
نهضت ميمو من أرضية المرحاض تتحرك ببطء شديد صوب الخارج، لا تريد أن ترى أحد في تلك اللحظة، لِمَ كلما حاولت الهرب تجد الحزن يطاردها بضراوة وكأنه يرفض فكرة ابتعادها ؟؟
________________________
خرجت رانيا من المنزل لتجد صالح يقف أمام السيارة مستندًا عليها باسترخاء وكسل شديد، وبمجرد أن رأى طيفها ابتسم معتدلًا في وقفته وهو يخرج حقيبة صغيرة من النافذة التي تجاوره ..
اقتربت منه رانيا بخجل شديد تحاول منع ابتسامة بلهاء من الارتسام على فمها، وقفت أمامه تقول بصوت خافت :
" كنت بتقول عايزني عشان هدية كده؟! "
ابتسم صالح يمد يده بالحقيبة لها وهي تلقفتها بلهفة شديدة، تحاول أن تخترقها بعينيها، لكنها ادعت التعقل أمامه :
" تعبت نفسك يا صالح، مكانش له لزوم كفاية الورد والشوكولاتة اللي جبتهم "
ابتسم لها صالح بحنان :
" لا الورد الشكولاتة ده كانوا فكرة صلاح اساسا، أنما الهدية اللي معاكِ دي أنا اللي اخترتها بنفسي، يارب تعجبك"
زاد فضولها اضعافًا حينما سمعت كلماته تلك، وارادت وبشدة أن ترى ما تخفيه تلك الحقيبة، لربما تكون نافذة لها لتتعرف على جزء آخر من صالح، جزء شاعري حالم كذلك الذي غازلها بكلمات معدودة في الداخل ..
ومن بين أفكارها انبثق صوت صالح يقول بسعادة تنافس خاصتها ليعلم ردة فعلها على هديته :
" افتحيها "
نظرت رانيا بتردد للحقيبة وقد نال منها الفضول بالكامل، لتسارع في فتحها، لكن فجأة توقفت تنظر له بشك :
" دي حاجة بتتاكل؟؟"
رمقها بتعجب لسؤالها، وهي وضحت بسخرية :
" تكون جايبلي طاجن عكاوي أو بامية باللحمة؟؟ "
أطلق صالح ضحكات عالية جعلتها تبتسم تلقائيًا وهو يقول بغمزة :
" لا مش بتتاكل دي بتتشال "
وتلك الكلمة لم تساهم سوى في زيادة فضولها أكثر وهي تفض الحقيبة بأيدي متلهفة وعيونها تلتمع بسعادة كبيرة، يراقبها صالح بنظرات سعيدة لسعادتها تلك، وفي هذه اللحظة أدرك صالح أنه على استعداد لمحاربة الكون بأكمله ليظل محافظًا بتلك البسمة وينال مكافئته الكبرى التي تمثلت في رانيا، لذلك اخوتها لن يكونوا أبدًا عقبة امامه للحصول عليها ...
أخرجت رانيا علبة سوداء غريبة، رفعت عيونها لصالح، ليشجعها الاخير بإكمال فتح الهدية، وكذلك فعلت حيث أمسكت العلبة تقبلها بين يديها، تفتح الجزء العلوي لها تخرج منها جزء كرتوني آخر به شيئان، أحدهما جهاز كهربي والآخر زجاجة تشبه العطر ..
رفعت رانيا عيونها صوب صالح بعدم فهم :
" أيه ده ؟؟ أنت جايبلي مكنة حلاقة وبرفيوم ؟؟ أنت بتهزر معايا ؟!"
اتسعت عيون صالح منها، لينفجر بالضحك وقد شعر أن سيسقط ارضًا من شدة الضحك ورانيا تراقبه بملامح متجهمة، قبل أن يتكرم عليها ويتوقف عن الضحك قائلًا :
" مكنة حلاقة وبرفان ايه؟ دول صاعق كهربا وبخاخ فلفل لأجل حماية الذات وكده "
زادت حيرة رانيا أكثر لينتزع منها صالح الجهاز وهو يشغله ويلوح به في الهواء :
" أنا لقيت أن دفاعك عن النفس مش قد كده، وقت ما عصبتيني وزعقت في وشك انكمشتي على نفسك زي السلحفة من غير حتى ما تخرجي أي أداة دفاع عن النفس، وعشان الموضوع ميتكررش مع واحد زيي تاني، جبتلك دول، بصي أي حد يفكر يقرب منك عايزك تنشفي دمه بالجهاز ده "
وحينما نطق جملته الأخيرة قام بتشغيل الجهاز يحركه صوبها لتصرخ رانيا متراجعة للخلف، وصالح لم يتوقف بل أخذ البخاخ وقال :
" خفتي من الجهاز، ممكن تستخدمي البخاخ ده مؤقتًا لغاية ما أعلمك أنا تستخدميه "
كانت رانيا تراقبه متسعة الاعين، وهو يقوم بإعادة كل شيء للعلبة الخاصة به يردد بهدوء :
" لولا شكلك كبنت وإن دي حاجة وحشة اساسا، كنت جبتلك مطوة زي بتاعتي، بس دي مش حاجة لطيفة خالص عشانك"
أنهى حديثه يضع العلبة بين يديها، ثم ابتسم لها بلطف :
" استخدميهم كويس، واي حد يقرب منك خلصي عليه وابعتيلي جثته أنا اكمل عليها "
ودون شعور اتسعت بسمة رانيا شيئًا فشيء وقد شعرت بالحماس والادرينالين يندفعان لجسدها وبقوة :
" يعني دول بتوعي ؟؟ اقدر استخدمهم ؟؟"
غمز لها صالح ممازحًا :
" مؤقتًا بس لغاية ما نتجوز ووقتها مش هتحتاجيهم بإذن الله، هناخد المطوة بتاعتي شيفتات "
ضحكت رانيا بقوة تضم العلبة لصدرها بسعادة كبيرة، لطالما تمنيت أن تقتني هكذا اشياء، لكن اخوتها كانوا يمانعون خوفًا أن تتأذى، وايضًا بحجة أنها لا تحتاج مثل تلك الأمور في وجودهم .
رفعت رانيا أعين تلتمع بالسعادة لصالح شاكرة إياه بامتنان :
" شكرًا اوي يا صالح، بجد فرحتني "
وتلك الكلمة كانت كافية على صالح ليشعر بعالمه يتحول للـ لون الاحمر الزاهي ويزدهر بورود حمراء وفراشات فجأة.
وهو يحدق في ملامحها يراها تخفي الهدية في الحقيبة مخافة أن ينتبه لها أحد اخوتها ..
رفعت عيونها له تقول :
" شكرًا هاخد بالي منها اوي "
" خدي بالك من نفسك أهم يا رانيا "
كانت كلمات صالح خافته حنونة وهو يشملها بنظراته كلها، ومن ثم ابتسم يقول بهدوء مقتربًا منها يميل بنصف جسده قليلًا :
" خدي بالك من نفسك بس لغاية ما تكوني معايا ووقتها سيبيلي نفسك أنا أخد بالي منها، اتفقنا ؟؟"
كانت رانيا تحدق فيه بصدمة وهي تشعر بالمكان يدور حولها، وبالتفكير في حالتها المذرية الآن علمت أنها تفضل صالح الوقح اكثر، على الأقل ذلك الآخر لا يجعلها بمثل تلك البلاهة ..
هزت رأسها ببطء ليمنحها صالح بسمة واسعة أظهرت أسنانه يشير برأسه لها أن تفيق :
" خلاص ارجعي البيت .."
نظرت له بشرود ليكرر كلامه بصوت اوضح :
" ارجعي البيت يا رانيا عشان محدش يلاحظ"
سارعت رانيا بتحريك رأسها لأعلى وأسفل ومن ثم نظرت له نظرة أخيرة وركضت سريعًا صوب المنزل وهو يرمقها ببسمة واسعة، قبل أن يتنهد بصوت مسموع ينتظر خروج والده ومحمود للرحيل .....
________________________
بعد ساعات ...
توقفت السيارة أعلى التلة نفسها التي قضى عليها الاثنان ليلة فيما مضى، ليلة انتهت بضحكات صاحبة وبسمات عديدة، لكن اليوم كانت الوجوه غائمة بالحزن والضحكات مستترة خلف تلك الغيوم، تنتظر الأمطار لتنجلي الغيوم وتظهر واضحة.
استندت ميمو أعلى سيارتها الخاصة، وهي تنظر للسماء دون كلمة واحدة، وصلاح جوارها يعطيها كامل الوقت الذي تحتاجه، واستمر الصمت حتى امتد لنصف ساعة .
تنفس صلاح بقوة، ثم قال يجذب انتباهها :
" تحبي اقول للمطعم يشغل اغنية حزينة ؟؟ "
نظرت له ميمو بتعجب ليبتسم لها في هدوء شديد :
" يعني عشان الأجواء دي "
نظرت له ميمو مطولًا قبل أن تتحدث بكلمات لا تدري سببها، ولا تعلم ما تريد من خلفها، لكنها فقط شعرت أنها تريد قول ذلك وبشدة، وله بالتحديد :
" تعرف اني وانا صغيرة كنت بحب اقرأ اوي ؟؟"
ورغم غرابة طرحها للأمر في هذه اللحظة بالتحديد وبهذه الملامح المليئة بالشجن، إلا أنه أظهر لها اهتمام كبير وهو يولي لها كامل انتباهه يشاركها ما تحب، حتى وإن لم يكن شغوفًا به، فما بالكم وهي تتحدث في مجاله الأحب ؟؟
" بجد ؟! أنا كمان كنت بحب اقرأ وانا صغير، كنت بقرأ اي حاجة قدامي كتب روايات جرنال مجلة، أي حاجة بشوفها "
ابتسم ميمو بسمة صغيرة من بين ملامحها الحزينة :
" لا أنا كنت بحب اقرأ روايات بس ...رومانسي كمان "
نظرت له بأعين دامعة دون أن تشعر تردد عليه احلامها التي عاشت تحلم بها طوال فترة طفولتها، لتتحطم على صخرة الواقع في مراهقتها، وتبكيها حسرةً في شبابها ..
" كنت بحب اوي اعيش الرواية واتخيل نفسي مكان البطلة، قرأت روايات مترجمة وعربية وكل اللي يخطر على بالك، وانا طول الوقت بقول لنفسي إني في يوم من الأيام هعيش اللحظات دي مع الشخص اللي هختاره..."
ابتلعت ريقها ثم أكملت بصوت أبح :
" هنخرج سوا ويعزمني على قهوة، هنسافر سوا بلد فيها تلج ونتنطط تحته، هنسهر طول الليل نتكلم، ويجبلي الهدايا اللي نفسي فيها، هيشتري ليا فساتين ويقولي أنها بقت احلى عليا، هيفضل سهران يكلمني طول الليل في التليفون "
سقطت دموعها ولا تدري أحزنًا على احلامٍ واهية، أم قهرًا على حياة ضائعة :
" حتى اني تخيلت لما يجي يطلبني من بابا ويجبلي الورد اللي بحبه، ويقف تحت الشباك قبل ما يدخل البيت ويشاورلي أنه جه عشاني ويكون معاه بلالين كتير فيها خاتم الخطوبة، وبعدين لما يقعد معايا يفضل يهزر معايا ويحاول يخفف احراجي، وبعدين يقولي قد ايه بيحبني، وفي يوم الاقيه ركع على ركبته ويطلبني تاني بشكل احلى"
تشنجت ببكاء خفيف، وكأنها لم تعد قادرة على إبداء حزن أكثر من ذلك :
" بس محصلش أي حاجة من ده، محصلش اني اعيش اللحظات دي يا صلاح، اتحرمت إني اعيشها واتسحبت من بيت عمي على بيت جاد زي الحيوان اللي بيشدوه للمذبح"
رفعت عيونها الدامعة لصلاح الذي كان يراقبها بهدوء دون أن يفكر في مقاطعة حديثها، يستمع لكل ما تقوله بقلبٍ نازفٍ، يرى دموعها تهبط على قلبه تكويه لوعة وحسرة ..
ابتسمت ميمو من بين دموعها وقالت وهي ترتجف :
" حتى لما لقيت بطل الرواية اللي بحلم بيه، مبقاش ينفع يكون لينا قصة باسمنا، لأن خلاص انا مبقتش الطفلة اللي مستنية فارس أحلامها "
سقطت دمعة منها تقول بوجع كبير قتل صلاح مئات المرات وتركه شاحبًا مذهولًا :
" يا ريتك كنت جيت في وقت تاني يا صلاح، يا ريتك كنت سبقت جاد، كنت جيت قبله واخدتني من كل ده، كنت هقولك قد ايه انا بحبك ومستعدة استناك العمر كله "
تأوه صلاح بقوة ولا يدري أيلوم الزمان، أم يبكي الظروف التي جعلته لا يراها سوى الآن ؟!
وارتفع صوت ميمو مجددًا تقول :
" مازن كان هيحبك اوي لأنك شبهه، وهو دايما كان يقولي مش هسلمك غير لواحد زيي عشان يعرف يحميكِ من دماغك "
ابتسم لها بحنان، لتكمل هي بشجن وحنين :
" ونادر كان ممكن يغير منك لأنه متعلق بيا، لكن كان بعدين هيبقى صاحبك ويحبك اوي، لأنه كان الطف واطيب واحد فينا، وبيحب أي حد بحبه أنا "
ابتسم صلاح يتساءل بلا مقدمات وبلا مناسبة :
" اتجوزتي وأنتِ كام سنة ؟!"
نظرت له ميمو بملامح خالية من أي شيء تجيبه بهدوء :
" كنت لسه ١٥ سنة وقتها "
ابتسم لها صلاح بسمة عاشقة يقول بحنان ولطف شديد وهو يتأمل ملامحها الحبيبة، أعين سوداء تأسره وملامح شرسة ورقيقة في ذات الوقت، تلك الفتاة تمتلك الشيء وعكسه :
" كنت أنا ١٧ سنة، على مشارف الـ ١٨ كده، في الوقت ده كتبت اول قصة في حياتي، كانت وقتها قصة خطتها بأنامل مراهق ساذج بيدور على الحب في كل حتة وهو ميعرفش أن حبه بعيد عنه ومستنيه "
اكان يوجه لها كل كلمة ويضغط على كلماته ليوصلها إلى عقلها :
"كانت الرواية الوحيدة الرومانسي اللي اكتبها في حياتي، الرواية الوحيدة اللي مشافتش النور ولا اخترت ليها اسم ولا حطيت ليها نهاية، رواية كتبت فيها جزء البطل بس واستنيت ألاقي البطلة عشان اكملها، فها ؟؟"
نظرت له ميمو بعدم فهم من بين دموعها ليبتسم لها صلاح، يجلس على ركبتيه ارضًا راكعًا يحقق لها أول حلم ومطلب، يبتلع ريقه مرددًا :
" تقبلي تكوني الجزء الناقص من قصتي، تشاركيني حكايتي وتكملي روايتي يا ميمو ؟! "
صمت ثم قال بهدوء وهو يرى اتساع عينيها القوي ونظراتها المصدومة من كلماته التي نطقها، وصلاح لم يهتم لشيء سوى لما يريد، وهو يريدها هو :
" تقبلي تكوني زوجتي وبطلة كل حكاياتي يا ميمو ؟!"
سقطت دموع ميمو بصدمة كبيرة لا تصدق ما تسمع، كيف ؟؟ هل يمكنها حتى أن تفكر في الأمر ؟! تتزوج صلاح وهي المحطمة ؟؟ تتزوج وهي مجرد ركام وبقايا انثى ؟؟
سقطت دموعها بصدمة ليخرجها صلاح من كل تلك الأفكار بصوت هامس حنون، وعيونه ترسل لها رسائل رجاء وتوسلات :
" وافقي يا ميمو، وافقي بدل ما روايتي تفضل مركونة طول العمر، لأن لو أنتِ مكنتيش بطلتها، فهتنتهي من غير بطلة وهيفضل البطل تايه بين الصفح يدور عليكِ "
بكت ميمو تهز رأسها نفيًا، هو لا يعي ما بها، هو لا يعلم ما عاشته، لا يعلم شيئًا :
" أنت... أنت متعرفش أي حاجة..أنا .."
" ايًا كان اللي معرفوش، ميهمنيش غير أنتِ، ايًا كان اللي حصل أنا مش عايز غير ميمو بس من كل الحكاية دي، هاخدك واحطك في حكايتي "
بكت ميمو وقد شعرت لأول مرة بنفس المشاعر الوليدة التي كانت تخبره بها منذ دقائق، أيحق لها العيش بعدما استحالت لرماد، أيكون لها فرصة الانتفاض من أسفل الركام ؟!
" ميمو ...اتجوزيني "
ابتلعت ميمو ريقها تقول بدموع وهي تحدق في عيونه بوجع كبير وشفتيها ترتجفان بقوة كبيرة :
" مَقْدِس....اسمي مَقْدِس "
رمقها صلاح بدهشة كبيرة واعين تلتمع بمشاعر عديدة، اختل نبضه لثواني ثم عاد اقوى من قبل، نطق اسمها بتمهل وكأنه يتذوقه بتلذذ :
" مَقْدِس ؟؟ "
هزت رأسها ببسمة تتوسط دموعها :
" ناديني باسمي حابة اسمعه من حد قريب مني وبيحبني"
منحها صلاح بسمة عاشقة وجسده يرتجف بأكمله لأجلها :
" اسمك مش بس يتنطق يا مَقْدِس، اسمك بيتقال فيه اشعار "
ابتسمت ميمو من بين دموعها تجففها بظهر كفها، ثم ركعت ارضًا أمامه تحاول أن تصل لعيونه بخاصتها، وصمتت قليلًا، قبل أن تقول ببسمة :
" مستعد تسمع الحكاية يا لذوذ ؟؟ "
مال صلاح برأسه متسائلًا :
" حكاية ؟! "
هزت رأسها تقول ببسمة لا تجد لها تصنيفًا :
"جزء البطلة بتاعة روايتك، ولو وافقت بعد ما تسمع، يبقى تقدر تنهي حكايتك يا صلاح "
منحها صلاح بسمة واثقة يهز رأسه :
" اعتبري النهاية اتحطت يا مَقْدِس، لأن مفيش كلمة ممكن تقوليها تغير رأيي ولو بنسبة سنتي واحد"
" شكلك واثق اوي "
غمز لها يردد ببسمة :
" تؤتؤ انا عاشق اوي .."
_________________________
تجلس أعلى فراشها تحاول تجاهل كل ما يحدث حولها، لا لن تضعف أو تستسلم أو تنحني لذلك المرض الخبيث المسمى _ ظلمًا _ بالحب .
لكن تلك الأصوات الصاخبة أسفل نافذة شقتها ازدادت وبقوة، لدرجة جعلتها تتحرك وتنظر من النافذة بضيق شديد، لكن لم تبصر شيئًا فتعجبت سماعها لأصوات مألوفه منذ ثواني .
عادت مجددًا للفراش، ترى حال غرفتها المزري، مناديل مستعملة في كل ركن من الغرفة، الملائات ملقاه ارضًا والوسائد مقذوفة بعشوائية ..
تنفست بعنف تحاول أن تلملم شتات نفسها، لكن ارتفاع جرس المنزل حال ما دون ذلك، لتتحرك بقوة صوبه صارخة :
" يابني قولتلك أنا كويسة مش كل خمس دقايق تـ .."
توقفت فجأة عن الحديث حينما أبصرت وجهه ينظر لها نظرات أصابتها في مقتل، اخفضت وجهها بسرعة كبيرة، ثم دفعت باب المنزل مجددًا وقبل أن ينغلق بالكامل منعه سعيد وهو يردد :
" لحظة ...لحظة يا زهرة ارجوكِ اسمعيني "
توقفت زهرة وهي تحاول مقاومة ارتجاف وقد أخذت عهدًا على نفسها ألا تريه ضعفًا :
" خير يا استاذ سعيد ؟! جاي بيتي في وقت زي ده ليه ؟؟"
ابتلع سعيد ريقه وهو ينظر لها :
" ممكن نتكلم، ارجوكِ أنا بس هقول كلمتين وامشي مش هكتر "
نظرت له زهرة بدقة شديدة تحاول أن تصل لمكامن نفسه، وملامح الحزن التي تزين وجهه قد اشعرتها بالشفقة لثواني، لكنها لم ولن تتناسى ما حدث أبدًا :
" تتكلم هنا ؟؟ ودلوقتي ؟! وبالشكل ده ؟؟ مش شايف أن الموضوع غلط ؟؟ لو مش خايف على نفسك خاف على سمعتي يا سعيد في العمارة، أنا ساكنة لو حدي وكده ممكن حد يـ "
قاطعها سعيد بلهفة شديدة وقد كانت ثيابه رثة وبشدة، خصلاته مبعثرة، عيونه حمراء وكأنه تجرع من الخمر كؤوسًا حتى أصبح لا يشعر باطرافه، لكن الحقيقة هي أنه فقط تناول كأسين وما يزال يعي كل ما يفعل :
" هتعالج..هتعالج يا زهرة "
اتسعت عين زهرة بصدمة كبيرة وهي تحدق في وجهه بقوة، تحاول معرفة إن كان جادًا أو لا، لكن صوتًا داخلها منعها أن تصدقه، لربما مجرد مقلب صغير فقط ليجذبها له مجددًا :
" اتعالج يا سعيد أنا مليش علاقة بيك، تتعالج أو لا ده يعود ليك، بعد اذنك"
وقبل أن تغلق الباب قاطعها سعيد وهو يقول بقوة وغضب شديد من عدم اهتمامها به، وفكرة أنها تناست كل ما بينهما يقتله :
" لا اصبري، زهرة أنا ...أنا هتعالج عشانك، أنا هعمل اي حاجة عشانك صدقيني أنا ...أنا مش عايز اعيش لوحدي و...أنا خايف يا زهرة اموت لوحدي بعيد عنك، أنا مستحمل الحياة دي عشان مفكر اني هموت في الآخر بين أحضانك"
ارتجف جسد زهرة حزنًا على ملامحه، لكن أن تضعف الآن هو أمر مرفوض تمامًا، وقبل أن تتحدث بكلمة رأت دمعة تهبط من عيون سعيد يزيد على حديثه السابق بقهر :
" أنا مش عايز اعيش كده طول عمري، أنا تعبت، أنا بس كنت ....كنت بصبر نفسي أنك معايا يا زهرة و...هتعالج عشانك، و...ارجعي، ارجوكِ"
سقطت دموع زهرة بقوة تبعد وجهها عنه تحاول أن تزيح صورة سعيد اللطيف من رأسها، تحاول أن تتناسى ذلك الخيال الذي يرسم لها سعيد الشاب يبكي في أحد أركان ذلك السعيد أمامها يترجاها للمساعدة ..
" مينفعش تتعالج عشاني، لو حابب تتعالج فلازم تتعالج عشان نفسك الاول، اتعالج عشان تعيش مرتاح، عشان التقل التي على قلبك ده يخف، اتعالج عشان خاطر سعيد وبس "
صمت سعيد ثواني قبل أن يهز رأسه موافقًا بيأس :
" موافق، أنا هتعالج عشان نفسي وعشان ترجعي ليا تاني"
تقطع قلبها اربًا وهي تستمع لنبرته :
" أنا عمري ما كنت معاك يا سعيد عشان ارجعلك، أنا كنت على طول مع سعيد التاني اللي أنت بايدك قتلته وبنيت على انقاضه شخصية تانية سيئة، شوف ايه الغلط في حياتك وصلحه يا سعيد، عالج كل مشاكلك، ولو محتاج مساعدة كل اللي اقدر أقدمه اني ارشح ليك دكتور نفسي كويس اوي يقدر يساعدك "
نظر لها سعيد برجاء :
" ساعديني أنتِ، كوني الدكتورة بتاعتي وساعديني "
ابتسمت له بسمة صغيرة تقول بهدوء وهي تتوسل له أن يلغي من رأسه فكرة أن تكون هي طبيبته :
" تمام، بس خليك فاهم إني لو بقيت الدكتورة بتاعتك، عمري ما هكون غير دكتورة يا سعيد، لأن تنسى إني ممكن في يوم احب مريض عندي، ولا ادخل مشاعري في شغلي"
فكّر سعيد ثواني قبل أن يقول بجدية وإصرار :
" تمام، خلاص ...قوليلي ابدأ ازاي وانا هبدأ ..."
____________________
كان ينام بعمق أعلى فراشه في غرفته التي خصصتها له ميمو حينما بدأ العمل معها، غرفة واسعة تتوسط حديقة القصر الخلفية، تقلب مختار في نومته وهو يستشعر بالقلق الشديد، فهو لم ير ميمو منذ عاد ...
ابتسم يتذكر أن سبب انشغاله كان تلك المدللة اللطيفة نيرمينا، وعلى ذكراها شرد فيما مر به معها وسقط في نومٍ عميق ..
نوم تخلله العديد والعديد من الاحلام، اصوات من الماضي وصرخات تعلو وبكاء وعويل جعله يسقط في هوة تمنى ألا يعود لها يومًا ..
كان يقف وهو يحمل سكين ملئ بالدماء وأصوات الصرخات جواره تكاد تصمه، نظر للرجل الملقى في دمائه ارضًا بسبب فعلته وهو يستشعر ارتجاف جسده، ما الذي فعله ؟؟ قتله ؟؟ لقد قتل انسان للتو ؟!
شهق مختار يعود للخلف برعب شديد وبدأت دموعه تسيل بقوة وجسده يرتجف بقوة يهز رأسه نافيًا وكأنه ينفي تهمة عن نفسه ...
فجأة شعر بيد تمسك كتفيه وتهمس له بلوعة شديدة وبكاء حار :
" اهرب يابني ...اهرب بسرعة قبل ما حد يشوفك، اهرب...اهرب بسرعة "
نظر لها مختار بأعين مفزوعة باكية، وبدون انتظار لكلمة أخرى كان يطلق لساقيه الريح ويركض من المكان بأكمله يتنفس بصوت مرتفع، يشعر بالادرينالين يندفع لجسده بأكمله وصوت شهقاته يخرج بصعوبة، يبكي وهو لا يرى أمامه بسبب بكاءه، الحياة تضيق به والطرقات تؤدي كلها لمكان واحد، الموت ...
وحينما وصل عقل مختار لتلك النقطة انتفض جسده بقوة يحاول الصراخ بجنون، وهو يشعر بجسدٍ يكبله، أحذ يتلوى بهيسترية، ودموعه تهبط يحاول دفع ذلك الذي يكبل جسده، لكن فجأة تلاشى كل دفاعه ومقاومته حينما سمع صوتها الهامس الحنون وهو يردد بدموع مكبوتة :
" أهدى، اهدى، كل شيء عدى، كل شيء خلص يا قلبي اهدى "
نظر لها مختار ثواني قبل أن ينفجر في البكاء وهو يبادلها العناق وبقوة، يبكي وينهار بين أحضانها وهي تشاركه البكاء وقلبها ينتفض حزنًا لأجله، ومختار يزيد من ضمها بقوة شديدة يفتح فمه يحاول الصراخ والشكوى ...
الحريق والمنزل المتفحم وصورة عائلته بأكملها تنازع للحياة، كل ذلك يُعرض أمام أعينه، صرخات الاستجداء وصوته الذي بُح من الصراخ وهو يرى مظهر الانفجار مسقطًا إياه ارضًا، كل ذلك هو ما يدور أمام عيونه الآن...
ضمته ميمو أكثر وهي تقبل رأسه بحنان والدموع تسيل من عيونها بلا توقف، تطلب منه أن يهدأ، لكنه لم يتوقف عن البكاء والاترجاف بقوة، قوة ازدادت حتى فزعت أن يصيبه انهيارًا كما حدث قديمًا وتسوء حالته أكثر، لذلك شددت من ضمها بشكل أقوى تناديه هي بحب وحنان :
" نادر ..."
_____________________
الحب نوعان :
نوع يريك كيف من الممكن أن يتمثل الجحيم في الدنيا.
ونوع آخر يريك صورة مصغرة عن نعيم الآخر.
ولا يدري أحد بأي نوعٍ قد يوقعه به قدره ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رحمة نبيل
قيل: "من كان مع الله فلن يضره ضعفه، ومن لم يكن مع الله لن تنفعه قوته!"
فاللهم اجعلنا في معيتك.
صلوا على نبي الرحمة..
___________________
اشباح الماضي تلاحقك ولا فرار لك منها سوى إليها، لا تنفك تقفز أمام عيونك، تفتح لك ذراعيها وهي تقول ببسمة واسعة ( أولم تشتق لوجعي وسوادي ؟؟)
وهو كان لديه من الماضي ما يكفي ليظل طوال حياته في المنطقة المظلمة ...
كان يسير عائدًا في ميعاده المحدد من تلك الورشة التي يعمل بها كصبي مساعد، لكن وقبل أن يخطو نادر لشارعه اتسعت عيونه بقوة ضاربًا جبهته حانقًا من ذاكرته اللعينة :
" نسيت الشنطة بتاعة مَقدس "
وسريعًا استدار صوب مقر عمله، متخلفًا عن ميعاده المعروف في العودة، لينجو من كارثة أصابت تلك الأسرة جميعهم دون استثناء لأحد .
امسك نادر الحقيبة وهو يتحدث لرب عمله الذي كان يستقر بمقعده أمام المحل يسحب دخان ارجيلته بكل أريحية :
" لا أنا كده خلاص خلصت انهاردة ومش عايز اتأخر، اصل انا عايز ارجع قبل ما اختي تنام واديها الشنطة دي هدية "
كانت يتحدث بسعادة كبيرة وقد أوشك على أن تنبت له أجنحة، لا يصدق أنه وبعد أيام عمل طويلة تمكن من شراء حقيبة مدرسية جديدة لشقيقته الحبيبة، الآن يتخيل نفسه يقدمها لها وهي تنقض عليه بالتقبيل والعناق وهو يبادلها الحب حبًا مضاعفًا .
لكن ذلك الرجل المقيت الذي يعمل معه أجبره على البقاء وانهاء ذلك العمل الذي جاءه متعجلًا، وضع نادر الحقيبة أعلى أحد المقاعد بحذر شديد، ثم تحرك ينهي ذلك العمل سريعًا يتمتم بغضب :
" افضل أنت طول الوقت قاعد تشد في الشيشة اللي في ايدك وملكش ريحة اللازمة وفي الآخر ترميلي قرشين "
وهكذا تأخر نادر أكثر وأكثر عن موعد عودته، حتى مرت ساعتين، وبمجرد أن انتهى من نصف العمل، قرر أنه يكفي تأخرًا، حمل الحقيبة وركض سريعًا خوفًا أن يوقفه ذلك البغيض، يركض وهو يسمع سبابه له وتوعداته بالويل .
ونادر يضحك بصوت صاخب، يهرول بين الطرقات صوب المنطقة التي يقطن بها، حيث كان عمله يبعد عن منزله ..
وبمجرد أن خطى للشارع الخاص بهم حتى رأى تجمهرًا للجميع؛ البعض يتحسر والبعض يضرب الاكفة قهرًا على ما حدث، لم يفهم نادر شيئًا، لكنه تجاهلهم وسار صوب منزله.
لكن لحظة واحدة، لحظة توقف بها العالم حوله وهو يرى منزلًا محترقًا وصرخات تعلو من داخله، وذلك المنزل لم يكن سوى ......حياته .
سقطت الحقيبة من يد نادر وقد ارتجف جسده بقوة وشعر بطنين قوي اصمه عما يحيط به، الجميع يتحرك ويتحدث وهو لا يرى سوى منزله الذي يشتعل أمام عينيه، ابتلع ريقه يتحرك بأقدام مرتجفة صوبه، دهس الحقيبة أسفل أقدامه وكأنه يدهس معها طفولة ضاعت من بين أنامله ..
وفجأة زادت خطواته حتى أصبح يهرول بقوة وهو يصرخ بجنون :
" ماما ...مقدس ... مازن"
اخذ يردد جميع اسماء عائلته يتمنى لو يسمع صدى لصرخاته واحدهم يخبره أنهم نجوا وهم بالخارج، لكن كل ما شعر به يد تجذبه بعيدًا ورجل يستغفر الله ويردد كلمات غريبة حول حالته البائسة بعد موت جميع أفراد اسرته، مهلًا جميع أفراد أسرته ؟؟
وفجأة أطلق نادر صرخة عالية يضرب الرجل راكضًا صوب المنزل، يصرخ ويبكي وينتحب على الجميع ولم يكد يصل للنيران، حتى شعر بمن يجذبه ليسقط جسده على الأرضية الترابية التي تمسك بها صارخًا، رافضًا التحرك :
" لا، سبوني، سبوني، هما جوا، حد يخرجهم الله يكرمكم، أنا مليش غيرهم، يا ماما ...يا ماما "
كان يبكي وينتحب بقوة حتى شعر بمن يجذبه في قسوة وبطش شديد، ثم باغته بصفعة قوية وصرخة اقوى لم يستوعب منها شيء.
عمه يقف أمامه ويصرخ به في غضب شديد أن الجميع رجل وحتى ابنه الوحيد رحل، أخذ عمه يصرخ ويوبخه، وهو لا يشعر بشيء، ولم يتوقف معتز عن الصراخ إلا حينما أبصر جسد نادر يرتطم بقوة في الأرض ...
وحينما أفاق وجد نفسه في المشفى محاط بالعديد والعديد من المرضى، في غرفة مليئة بالبكاء والضجيج والصراخ، حاول الحديث، البكاء، أو الصراخ ..
لكنه عجز، عجز عن ابسط حقوقه في التعبير عن حزنه والبكاء، وفجأة وجد عمه يقترب منه بخطوات بطئية ضعيفة، ابتسم نادر بأمل من بين دموعه يتمسك بمرفق عمه يشير له بعينيه أن يخبره أن كل ذلك حلم، لكن كل ما فعله عمه هو أنه ألقى في وجهه كلمات أصابته برصاصة أخرى اخترقت صدره :
" كل عيلتك ماتوا، ومتبقاش غيرك، انت بتعرف تشتغل وتصرف على نفسك، شوف حالك بعيد عني ومش عايز المحك تاني "
صمت ثم قال بحقد شديد وغضب :
" كل ما بشوفك بشوف ابني اللي ضاع بسبب ابوك واللي عمله"
أنهى حديثه بقسوة وكأنه ما جاء سوى لينهي علاقاته بذلك الصبي المسكين الذي فقد شعوره بالحياة حوله، جميع أفراد عائلته رحلوا؟! جميعهم ؟؟ والدته والصغيرة، مازن وميمو الحبيبة، جميعهم تركوه بكل أنانية ليقاسي الحياة وحده ؟؟ والآن ماذا ؟؟
حرك نادر عيونه حوله وهو يرى العديد من الأسرة والعديد من الأشخاص، كلمات مترامية، صرخات معترضة، صيحات مستنكرة، الحياة حوله تدور وهو من توقفت حياته، الجميع محاط بعائلته وهو وحيد هنا، جميع عائلته تركوه وحده، ما له في هذه الحياة سوى الوجع ..
ودون أن يشعر ألقى رأسه على الوسادة ببطء وحدق في السقف الملئ بالشقوق دون كلمة واحدة، ومن داخله هناك حرب طاحنة تدور، هو لا يمتلك القدرة على الحديث أو الاعتراض، أُلقي على قارعة الطريق في وسط غابة اعزلًا، لا رفيق له ولا أنيس لوحدته، كل ذلك وهو صبي لن يكد يتم الثالثة عشر من عمره، هبطت دموع نادر وهو ما يزال يحدق بجمود كبير في سقف المشفى أعلاه ...
" نادر حبيبي ..نادر "
أبعد نادر رأسه ببطء عن صدر شقيقته الذي كان يرتاح عليها، وحدق في وجهها من بين دموعه لتمسحها هي بحب شديد وهي تقرب رأسه لها تقبلها بلطف :
" مالك يا قلبي زعلان ليه ؟؟ مش مَقدس معاك ؟؟ "
هز نادر رأسه وهو يحاول أن يتمالك نفسه أمام نظراتها لتبتسم له بحنان وتردف بجدية :
" أنت بتروح للدكتور بانتظام صح ؟!"
هز نادر رأسه بإيجاب، ورغم أنه لا يرى فائدة من هؤلاء الاطباء الذين يحاولون منذ سنين مساعدته للحديث، إلا أنه لا يستطيع التوقف عن الذهاب فقط لأجل ألا يغضبها .
ربتت ميمو أعلى رأسه بحب شديد :
" جدع يا قلبي، أكلت ؟؟"
صمت نادر ثواني ليتذكر نيرمينا ويبتسم بلا إرادة، وميمو التي تراقبه باهتمام.
ارتسمت بسمة مكر أعلى شفتيها لتطلق ضحكات قوية لم يكن الهدف من خلفها سوى إزاحة غيمات حزن شقيقها الأصغر :
" طالما ابتسمت كده يبقى نيمو صح ؟؟ اللي يشوفك دلوقتي ميشوفش اول ما جيت وأنت كل شوية تشتكيلي أنها لازقة فيك "
رفع نادر أصابعه يحركها في إشارات معروفة يفهمها، وتفهمها ميمو التي تعلمتها معه خصيصًا لأجل خلق لغة مشتركة بينهما، ونادر يشير لها بكلمات وحركات حادة ..
" هي اللي كانت كل شوية تنط في وشي وانا مش بحب كده، وبعدين هي عايزة نكون صحاب وانا وافقت "
ارتفعت قهقهات ميمو أكثر وهي تغمز له :
" معجبة بيك يا نادر يا قمر انت، بزمتك حد يقاوم الكاريزما والغموض ده، تعرف أنت لو مكنتش اخويا أنا كنت ارتبطت بيك، حتى لو أنا اكبر منك مكنتش هسيبك"
منحها نادر بسمة محبة وحنونة لتبتسم له، قبل أن تقول فجأة وهي تضرب كفيها ببعضهما البعض :
" شوف كنت هنسى أنا جيت ليه "
نظر لها نادر باهتمام شديد لتنظر هي بقوة صوب عينيه وصمتت ثواني قبل أن تقول ببساطة وهدوء وبسمة مترددة :
" فيه عريس اتقدملي .."
اتسعت أعين نادر بقوة، قبل أن تسوّد ملامحه وهو يتذكر ذلك الزوج الذي سبق واقتطف شقيقته الحبيبة وأراها من الويل حتى ذبلت، ليته وصل قبل موته، فقط لو كان جاء ورآه يقسم أنه كان ليأخذ منه قصاصه ...
رفع نادر أصابعه يشير بغموض :
" صلاح ؟؟"
ابتسمت له تهز رأسها بخجل شديد وكأنها أمام والدها تخبرها برغبة صديقها في الجامعة بالتقدم لها.
وعلى تلك النظرات ارتسمت بسمة نادر الحنونة يشير لها بتفهم :
" بتحبيه ؟؟"
وهي التي لم تعتد الكذب أو الالتفاف حول المواضيع، هزت رأسها بايجاب فورًا، تنظر لأخيها بحب تعلم في قرارة نفسها أنه وحتى إن كان يرفض أن يقترب أحدهم منها، فلن يرفض شخصًا هي تريده ..
وقد كان حيث رفع نادر أصابعه يشير لها :
" طالما هيخليكِ سعيدة، فأنا اكيد مش هعترض عليه، أنا بتشعلق في أي حاجة تفرحك "
وفورًا أطلقت ميمو ضحكة عالية وصرخة سعيدة وهي تنقض على نادر بالاحضان ليسقط الاخير على الفراش بقوة وهي تقبله بحب من وجنته، يشعر أن ميمو عادت بالسنوات لتلك الصغيرة الحالمة التي كانت تقفز فرحًا حينما يحضر لها شيئًا تشتهيه .
ضمها نادر بحب وهو يضحك عليها بلا صوت يقبل رأسها بحب وفي عيونه تلتمع نظرات حمائية وخطر كبير، فهو اقسم منذ علم أنها حية، بعد سنوات من الوحدة والمعاناة، ألا يدع شيئًا يقترب منها، ولو كان ذلك على روحه....
______________________
يجلس على مقعده في نافذة المنزل التي تتوسط البهو، يشعر أنه خارج هذا العالم، هو هناك في عالم آخر، عالم خاص بهما فقط .
تنفس بصوت مرتفع وسعادة طاغية تحوم حول رأسه، لا يصدق أنها وافقت على الزواج منه، وافقت على منحه قلبها طواعية، وهو من ظن أنه سيخوض حروبًا ليظفر به ..
وفجأة شعر ببسمته تخفت شيئًا فشيء حينما تذكر كل ما أخبرته به، غضب وصدمة هو كل ما ظهر على ملامحه الشاحبة، ولكم تمنى لو أن ذلك القذر حي ليقتله مئات المرات بيديه، تنفس بصوت مرتفع يحاول أن يبتعد عن تلك النقطة ويسير بخطى مستقرة صوب اللحظة التي أخبرها فيها أنه لا يهتم لكل ذلك .
" انسي كل ده وركزي في اللي جاي معايا، قدامنا فصول كتير نكتبها سوا يا مقدس "
وتلك البسمة التي ظهرت من بين امطار عينيها أخبرته انه أحسن ردة فعله، وحينما ودعها ورحلت هي، سار في طريقه يشعر بنيران تحرقه، غضب كبير وحسرة على ما حدث لها، حتى أنه ارتكن لأحد الجدران وبكى بقهر لكل ما سمعه منها ...
كان يقف في أحد أركان مكانٍ قريب من موقف السيارات بعدما طلب من ميمو أن تتركه في هذا المكان، لم يستطع أن يتحمل مكوثه جوارها وكلماتها تتردد في أذنه، يدرك جيدًا أن ما أخبرته به لا يمثل شيئًا مما حدث لها، وكان ذلك واضحًا من تعابير وجهها..
انهار ارضًا يضم ركبتيه لجسده وهو يدفن وجهه باكيًا بصوت مرتفع وقوي، صوت جعل المارة ينظرون له بشفقة، البعض يظنه يبكي ظروف قاسية، والبعض الآخر يظنه مجروحًا، وهو كان كذلك، جُرح حتى نزف ..
أفاق صلاح من كل شروده فجأة على جسد يهجم عليه مسقطًا إياه ومقعده ارضًا بقوة، وصوت صالح يقول بسعادة كبيرة :
" خلاص وافقوا وحددنا ميعاد الخطوبة يا صلاح، أنا مش مصدق بجد "
ضحك صلاح من بين امواج غضبه يحاول أن يبعد صالح عنه ليعدل من وضعيته، لكن صالح كان مصرًا على تشديد عناقه وتعبيره عن حبه بتلك الطريقة البدائية ..
" مبارك يا حبيبي، ربنا يسعدك دايما "
نهض صالح سريعًا وساعد شقيقه ليفعل المثل، ثم ضمه بقوة وفي تلك اللحظة بادله صلاح العناق بحب شديد يربت عليه سعيدًا لأجله، أنه واخيرًا وبعد ابحار لأعوام وجد اخوه مرساه، كما وجد هو طوق نجاته ...
ابتعد صلاح عنه يقول بحب اخوي :
" ها حددتوا امتى الخطوبة ؟!"
" كمان اسبوع باذن الله، بس اسمع يا صلاح أنا عايزك طول الخطوبة جنبي لاحسن الواحد مش ضامن يبقى واقف في امان الله يلبس العروسة الدبلة يلاقي رصاصة دخلت في صدره ولا سهم رشق في نافوخه "
ارتفعت ضحكات صلاح بقوة على ذلك الصراع الناشئ بين شقيقه واشقاء رانيا :
" ليه يابني هي الخطوبة في صالون بيتهم ولا في ساحة الحرب ؟!"
أطلق صالح صوتًا ساخرًا عاليًا من حنجرته معبرًا عن غيظه وغضبه منهم جميعًا :
" والله يا صلاح كلمة ساحة حرب دي اقل كلمة توصف اللي بيحصل، أنا بروح هناك وانا عارف إن دمي هيتحرق، حسبي الله ونعم الوكيل في كل ظالم، بيتعبوني والله، طول القعدة على اعصابي عشان ارد على أي كلمة بتتقال"
ابتسم عليه وهو يردد بصوت منخفض :
" الحمدلله ربنا نجاني من الحوارات دي كلها "
" بتقول ايه ؟؟"
رفع له صلاح رأسه ليقول بجدية وهو يتحرك صوب الباب يلاقي والده مساعدًا إياه ليرتاح على الأريكة :
" بقول إن رائد كلمني وقال إنه حاول يوصلنا من بدري بس معرفش، بلغني ننزل البلد بكرة عشان كتب كتابة على تسبيح "
ابتسم مرتضى بسعادة كبيرة لذلك الخبر المفرح :
" طب والله جدع الواد رائد، مش بيضيع وقت، مش زي اخوك اللي رايح يحدد معاهم ميعاد الخطوبة بدل ما يقولهم عايز اكتب كتاب على طول "
ألقى صالح بجسده جوار والده وهو يحدق في وجهه باستنكار شديد :
" يا حاج أنت مكنتش قاعد معانا ولا ايه ؟؟ كتب كتاب ايه اللي عايزني احدده؟؟ احنا هنفتري من أولها ؟؟"
صمت ثم قال بسخرية وهو يلوح بيديه في الهواء :
" أنت مفكر الموضوع بالسهولة دي ؟! خطوة زي كتب الكتاب محتاجة قبلها نقاشات واتفاقيات ومعاهدات سلام وتدخل قوى الأمن المركزي، وحضور الأمم المتحدة، ولو اضطرينا هنتخذ منهم رهائن واسرى، ده انا عشان بس اعمل خطوبة واخطب أختهم وكانوا هيولعوا فيا عايش "
خلع مرتضى نعاله يطلق تأوهًا عاليًا :
" أنا برضو مش فاهم مالهم اخواتها دول ؟؟ "
" مرضى نفسيين يا حاج ربنا يسترها، ويحفظ علينا نعمة العقل يارب "
وقد اقتنع مرتضى بتلك الإجابة، ومن ثم نظر لصلاح الذي كان صامتًا شاردًا بشكل غريب جعل والده ينتبه له متسائلًا :
" مالك يا صلاح يا بني ؟؟ من وقت ما رجعت وأنت سرحان كده "
نظر له صلاح دون أن يجيب لثواني قبل أن يبادر القول :
" حاج هو ينفع واحنا بنكتب كتاب رائد تكتب كتابي أنا كمان ؟!"
اتسعت أعين مرتضى بقوة، واستدار صالح صوب أخيه يحدق فيه بأعين ضيقة مفكرة، وصلاح لا يهتم بكل ذلك، هو فقط طرأت له تلك الفكرة وسينفذها ..
بادر مرتضى بالتساؤل :
" ايه وافقت على منال ؟! والله يا بني البنت فعلا تستاهل و..."
قاطعه صلاح سريعًا باستهجان :
" منال مين بس يا حاج، مين جاب سيرتها دلوقتي بس، أنا عيني على واحدة بعينها وهتجوزها يعني هتجوزها "
نظر له مرتضى بفضول وصالح ببسمة جانبية يستمع لكلمات والده :
" ومين دي وبنت مين ؟؟"
اعتدل صلاح في جلسته وقال بجدية :
" اسمها ميمو يا حاج"
تشنج وجه مرتضى بعدم فهم :
" ايه ميمو ده ؟! دلع ده ولا اسم ولا ايه حكايته، بعدين تبقى بنت مين ميمو ولا عيلتها فين ؟!"
أجابه صلاح بهدوء تام وثقة كبيرة وغضب مكبوت :
" للاسف يا حاج كلهم توفاهم الله، عيلتها وجوزها الله يجحمه كلهم ماتوا "
علت نظرات الشفقة وجه والده يضرب كفًا بالآخر وقد ظهر صوته متحسرًا مقهورًا لأجل تلك الفتاة :
" لا حول ولا قوة إلا بالله، كلهم ماتوا كده و....ايه ؟؟ جوزها ؟؟ جوزها ازاي مش فاهم ؟!"
نظر له صلاح وقد تحفز جسد صالح للدفاع عن شقيقه والوقوف بجانبه إن استلزم الأمر، يعلم أن والده ليس بذاك الشخص عقيم التفكير، لكنه أيضًا من ذلك النوع المشكك بكل شيء .
تحدث صلاح بقوة وثقة كبيرة :
" ميمو تبقى ارمله يا حاج ...."
________________________
دارت عيونها في المحيط الخاص بها، تحاول الفكاك كفأر صغير مسكين وقع في شرك مجموعة من القطط الشرسة، هكذا كانت هي بين الأربعة، لا تدري لها مخرجًا ولا تجد لها منقذًا، خاصة وأن والدها العزيز لم يجد افضل من اليوم للذهاب إلى القهوة ..
" اصبروا بس انا هفهمكم "
وقبل أن تضيف جملة أخرى للأولى وجدت جبريل ينحني بجسده على فراشها ليصبح في مثل طولها :
" عايزة تتخطبي لده يا رانيا؟؟ من بين كل اللي اتقدموا ورفضتيهم، وافقتي على ده ؟!"
أجابت رانيا وهي تفرد كفيها أمامهم بقلة حيلة :
" والله ما انا اللي كنت برفض اللي فاتوا، أنتم اللي رفضتوهم "
صرخ محمد بصوت جعلها تنتفض وتتمسك في جبريل الأقرب لها، وهي تختفي خلفه والاخير يحاول أن يدفعها بعيدًا عنه ليس فقط لتجنب أن يُصب جام غضب محمد فوق رأسه هو، بل ولأنه أيضًا غاضبٌ منها :
" اوعي من ورايا مش هحميكِ من حد تاني "
لكن رانيا تشبثت في سترة جبريل باظافرها تردد متوسلة له :
" لا لا الله يكرمك يا جبريل، اصبر بس خمس دقايق اول ما يهدى ابعد عادي "
" خمس دقايق عشان يهدى ؟؟ يا حبيبتي محمد عايزله خمس سنين عشان يبتدي يروق ويفكر كويس "
وبانتهاء جملته دفعها أمامه لتكون في مواجهة محمد الذي امسكها من كتفها وهي شعرت بالأرض تهتز أسفلها، ابتلعت ريقها تقول ببسمة صغيرة :
" أنا مش فاهمة ليه كل العصبية دي ؟؟ ماله بس صالح يا جماعة ده حتى شخص محترم و..."
وقبل أن تكمل كلمتها وجدت جميع الأجساد حولها تتضخم، لا تدري بسبب الغضب كانت أم أنهم على وشك التحول وأكلها، ابتلعت ريقها ثم قالت بتراجع :
" بس ...بس احيانا يعني بيكون شخص مش كويس ومش حلو، اه اصلا أنا ....أنا بس وافقت عشان بابا يا عيني صعب عليا، هو جالي قبل ما صالح يوصل وقعد يتحايل عليا اوافق وافرحه بيا"
رمقها الأربعة بسخرية لاذعة لتحاول هي الخروج من تلك الدائرة التي كانت تُحكم حول كل من تجرأ وطرق بابها، والآن وقعت هي في مصيدتهم ...
" معلش ممكن بس أخرج من هنا دي لاحسن الأكسجين مبقاش يوصل وحاسة اني هقع منكم "
أنهت جملتها تدفع أقلهم شراسة جانبًا وهي تنظر له باستجداء ولم يكن سوى عبدالله الذي سمح لها بالعبور، لكن ما كادت تبعتد خطوة واحدة حتى شعرت بمن يجذبها معيدًا إياها لمكانها وصوت عبدالجواد يعلو :
" استني لسه مخلصناش "
نظرت له بنظرات مليئة بالرجاء والتوسل ليرفع حاجبه محاولًا ألا يتعاطف معها :
" متبصليش كده، اللي هقوله يتنفذ يا رانيا، مكالمات مع الولد ده ممنوع، مقابلات وكل الهبل ده ممنوع، ضحك وهزار وحوارات ممنوع "
رمشت رانيا بدون فهم :
" ينفع اتنفس وهو موجود عادي ولا ممنوع ؟!"
ورغم معرفته أنها تسخر منه إلا أنه قال :
" لو قدرتي تكتمي نفسك يبقى كتر خيرك، ولما تحسي أنك هتموتي خلاص، تتنفسي نفس صغير "
رمقته رانيا بنظرات حانقة وضيق شديد من تلك المبالغة في حمايتها، والتي بدأت تشعر أنها ليست حماية بقدر ما هو تحكم بها، تنفست بصوت مرتفع وقالت :
" حاضر هموت عشان متجوزش صالح، تمام كده ؟؟"
نظر الأربعة لبعضهم البعض وقد هالهم أن تسود ملامح شقيقتهم، بل واوشكت على البكاء، تراجع غضبهم فورًا وحل محله قلق وحنان ومحمد الذي كان يصرخ منذ ثواني تحول لشخص رقيق القلب يضم شقيقته بحب شديد :
" خلاص يا رانيا متعيطيش والله العظيم احنا بنعمل كل ده عشانك، خايفين الولد ده يتعبك في حياتك قدام، أنتِ مش شايفة بيتكلم ازاي وبيتعامل ازاي؟؟ بعدين يا رانيا يهون عليكِ تسيبينا ؟؟ "
بكت رانيا في احضان محمد بقوة وهي تقول من بين شهقاتها :
" لا يا محمد والله انا بحبكم اوي بس ..بس بس انا عايزة صالح يا محمد "
نظر الأربعة لبعضهم البعض وقد تأكدت شكوكهم حول معرفة شقيقتهم المسبقة لصالح، وأن الأمر لا يعتمد فقط على كونه جارًا لخالتهم، ورغم ذلك قبّل محمد رأسها بحنان يدفعها بلطف صوب الفراش :
" اللي أنتِ عايزاه هيحصل يا رانيا، بس متحاسبيناش على خوفنا عليكِ، احنا والله لا قصدنا نخوفك أو نزعلك، احنا بس مش حابين أن أي حد يستغلك أو يأذيكِ، وافتكري إن اللي بيجي سهل، بيكون التفريط فيه اسهل "
نظرت له رانيا بدهشة كبيرة من بين دموعها ولم تستوعب شيئًا سوى أن الأربعة قبلوها تباعًا، ثم ارقدها عبدالجواد بحنان في الفراش مقبلًا إياها واغلق الانوار وهو يهمس لها :
" نامي ومتفكريش في حاجة يا رانيا، واعرفي أن أي حاجة هنعملها هتكون عشان مصلحتك وعشان نتأكد أن الشاب ده هياخد باله منك "
وبمجرد انتهاء الكلمات خرج الجميع بهدوء من الغرفة تاركين رانيا تنظر في أثرهم بأعين متسعة، تحركت عيناها صوب السقف تحدق به في صدمة :
" هما وافقوا كده على صالح ؟؟ مش مصدقة بجد "
ولم تهتم أنهم وافقوا ولكن لم يمنحوا صالح الرضى بعد، لكن هي ستكون جاحدة قانتة إن أرادت أكثر من ذلك، وفجأة انتفض جسدها عن الفراش حينما سمعت صوت هاتفها ينهي هدوء غرفتها ...
نظرت لشاشة الهاتف في جهلٍ لهذا الرقم الغريب، لكن ثواني حتى أظهر لها التطبيق الخاص بجهات الاتصال اسم المتصل والذي كان ( صالح بتاع الميتين )، كتمت رانيا ضحكتها بصعوبة وهي تجيب على الهاتف :
" الو ..."
" الو رانيا، صحيتك ؟؟"
كتمت رانيا ضحكتها بصعوبة كبيرة تتساءل وكأنها لا تعلم مع من تتحدث :
" صالح ؟!"
" أيوة أنا صالح، لقيتك مرنتيش بعد ما سبتلك رقمي في الجواب، فلجأت للوسيلة اللي بوصل ليكِ بيها دايمًا "
صمت ثم قال ببسمة :
" كلمت محمود يكلم هاجر عشان تديني الرقم بما اني بقيت خطيبك "
صمت ثواني ثم تساءل بجدية :
" حد عملك حاجة ؟!"
ابتسمت هي على خوفه الواضح وعلى تغيره في معاملتها هذه الأيام وكأنه تم استبداله بشقيقه :
" أنا بخير متقلقش يا صالح، دول اخواتي واكيد مش هيأذوني يعني "
" أي حد منهم يقل أدبه عليكِ استخدمي الهدية اللي جبتهالك "
وصل له صوت رانيا مستنكرًا وبشدة :
" أنت بتقول ايه ؟؟ عايزيني استخدم ادوات دفاع عن النفس على اخواتي !!"
ابتسم صالح بسمة جانبية ساخرة :
" أنا اصلا جايبهم مخصوص عشان الأربعة اللي عندك دول"
صمتت رانيا بحنق من كلماته، لا يعجبها أن يتحدث بهذا الشكل عن اخوتها :
" على فكرة بقى هما اساسا عمرهم ما يمدوا ايدهم عليا، دول حتى من شوية كانوا عندي وشكلهم كده تقبلوا الموضوع وتقبلوك "
" تقبلوني أنا ؟؟ الله يجبر بخاطرك، رانيا اخواتك ممكن يتقبلوا العمى ولا يتقبلوني، أنا عارف أشكالهم كويس اوي"
زفرت رانيا بغيظ منه :
" أنت متصل بيا دلوقتي عشان تقعد تتكلم على اخواتي يا صالح ؟؟"
هز صالح رأسه رافضًا يقف في نافذة غرفته يراقب السماء في محاولة بائسة لاستدعاء لحظات رومانسية قد توحي له ببعض الكلمات الرقيقة، لكن كل ما خرج به هو :
" انهاردة كان فستانك حلو اوي، تفصيل ده صح ؟؟ أصله كان كأنه معمول مخصوص عشانك "
ورانيا المسكينة التي لم تعد أذنها التقاط كلمات مغازلة من صالح، لم تستوعب النصف الأخير من جملته، وتوقفت عند النصف الأول منها :
" بجد والله ؟! متصل بيا الساعة ١ بليل عشان تسألني الفستان تفصيل ولا لا ؟! متحسسنيش اني هتجوز ترزي الله يكرمك "
وتلك الكلمة العفوية التي خرجت منها تسببت في رسم بسمة واسعة على فم صالح الذي تنهد بصوت مرتفع وصل لها واضحًا ليجعلها تضيق حاجبيها في حيرة شديدة :
" مالك يا صالح ؟!"
وكان الرد من صالح كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لوصف حالته :
" سعيد "
" سعيد ؟؟"
همهم في استجابة خافتة :
" أنا سعيد يا رانيا لأول مرة اكون سعيد اوي كده، حاسس اني ...حاسس بنفس فرحتي ايام ما كانت ماما عايشة، عارف ممكن ميكونش ده وقت مناسب عشان اقولك كده، بس انا فعلا بحس معاكِ بسعادة كبيرة حتى لو بنتخانق "
ابتسمت رانيا بحنان شديد على كلماته والتي اعتبرتها اعتراف مبعثر، وبشكل عشوائي، لكن ما الضير أن يكون عشوائيًا كصاحبه؟! هي تتقبله مؤقتًا، لكنها في المستقبل ستتطالبه باكثر من ذلك ..
" هي ...هي والدتك اتوفت وأنت صغير زي ماما كده ؟؟"
اغمض صالح عيونه بقوة قبل أن يجيبها بصوت مختنق، رافضًا أن يدخل في تلك الحالة الآن ومعها بالتحديد، ليجيب بنبرة غريبة :
" كان عندي ١٩ سنة "
تعجبت رانيا نبرته ورغم ذلك لم تحب أن تضغط عليه كثيرًا :
" الله يرحمها "
سقطت دمعة موجوعة من أعين صالح :
" ربنا يرحم امواتنا كلهم يارب"
ابتلعت رانيا ريقها تتساءل بوجع لتلك النبرة :
" صالح أنت بخير ؟؟"
" هكون بخير يا رانيا، هكون بخير متقلقيش، كلها اسبوع وتكوني خطيبتي واقدر اجي ازورك في البيت براحتي "
ضحكت بخفوت تعلم أنه يحاول تغيير الأمر، إلا أنها لم تضغط عليه وهي تقول بصوت مرح :
" قصدك كلها اسبوع ويرحل السلام عن بيتنا "
ضيق صالح نظراته بقوة وهو يقول بإصرار شديد :
" يرحل السلام أو يستقر السلام، أنا ميخصنيش في البيت ده كله غيرك يا رانيا، ومش هتخلى عن حقي فيكِ ..."
صمت ثم قال بكل ثبات وثقة :
" تعرفي يعني ايه أنانية ؟؟"
وتعجبت رانيا ذلك السؤال الغريب :
" أيوة طبعا، بس ليه ؟؟"
ابتسم بسمة جانبية غامضة :
" تمام، دلوقتي هتشوفيها عملي يا رانيا "
____________________
في صباح اليوم التالي ...
توقفت سيارة صالح أمام منزل سليمان في قريتهم، هبط صلاح فورًا وهو يعدل من هيئته يحاول أن يهدأ من نفسه لأجل لقاء اليوم مع ميمو التي طلب منها المجئ لحضور عقد قرآن رائد دون توضيح أي شيء آخر...
انتفض يستمع لصوت صالح الذي أخذ نفسًا بصوت مرتفع يردد فاتحًا ذراعيه براحة :
" اه على الراحة النفسية يا جدع "
ابتسم له صلاح يراقب والده وهو يتحرك داخل المنزل تاركًا إياهم يستقبلون موطنهم بالبسمات والذكريات، وتبعه صلاح الذي بحث بعيونه عن رائد وبمجرد أن لمحه اقترب منه ..
في ذلك الوقت كان رائد يتناول فطوره بهدوء مع تسبيح التي لم تمس الطعام، ليس لشيء إلا لأنها لا تشعر بالجوع ففضلت الجلوس بجوار والدة رائد والتمتع بصحبتها، ورائد يجلس أمامها على المقعد يتناول طعامه، لكن فجأة انقض صلاح أو صالح _هي لا تعلم حتى الآن كيف تفرق بينهما _يسحب رائد من ثيابه بقوة مرددًا :
" تعالى بسرعة عايزك "
إذن هذا صالح بالتأكيد فهو الشخص الهمجـ ...توقفت عن التفكير وهي ترى الشقيق الثاني ألقي بجسده على المقعد مكان رائد جاذبًا صينية الطعام له متناولًا ما تطوله يده بنهم شديد :
" صباح الزبدة يا نعمة، ايه الجمال ده بس ؟؟"
ابتسمت نعمة بخجل شديد ولم تكد تجيبه حتى اكمل صالح جملته المتعلقة :
" قشطة وبيض وعسل وجبنة ومربى، أنا اخر مرة شوفت الفطار ده كان في الحلم من سنتين ووقتها صحيت على صوت محمود وهو جايبلي بسكوت مملح وعلبة عصير تفاح "
ضربته نعمة بشكل خفيف على كتفه ضاحكة من طريقته في الحديث :
" يووه جاتك ايه يا واد يا صالح "
" رانيا "
نظرت له نعمة بعدم فهم، ليبتلع هو ما في فمه مرددًا:
" قولي جاتك رانيا يا واد يا صالح، لاحسن بعيد عنك يا نعمة دي معصلجة وشكلها مش جاية غير على الاربعين"
نظرت له تسبيح بعدم فهم كيف ذلك صالح؟! والآخر الذي سحب رائد من بينهم هو صلاح ؟؟ ما الذي حدث في فترة غيابها ؟! آخر مرة رأت بها صلاح كان منمقًا هادئًا عاقلًا .
_______________
في الخارج نظر رائد بصدمة لصلاح :
" هتتجوزها؟"
" المفروض اني اتفقت امبارح مع الحاج وعلى أساس كده كلمت ميمو تيجي عشان اقولها الموضوع كله وش لوش، لكن عايزك في حوار كده "
ولم يفهم منه رائد شيئًا، فقال صلاح بصوت خافت وكلمات مقتضبة :
" عايز اعمل مفاجأة ليها ومحتاج مساعدتك "
تعجب أكثر رائد ولم يفهم شيئًا ليصرخ صلاح في وجهه بحنق :
" يابني ما تركز معايا كل ما اقول كلمة تبصلي بالشكل ده ؟؟ "
نفخ رائد بقلة صبر، في الأساس هو يحسب الدقائق والثواني لتصبح تسبيح زوجة له، لا ينقصه أن يأتي صلاح ويشغله في أموره هو وتلك الميمو خاصته :
" يا عم فهمت أنك عايز تعمل ليها مفاجأة، عايز ايه قول، اخلص "
" عايزك تجبلي شوية حاجات كده، ابعت حد يجيبهم واول ما تجيبهم هقولك تعمل ايه ماشي ؟؟"
نظر له رائد باستنكار ليمسك صلاح كتفه مترجيًا :
" أنا واثق فيك يا صاحبي، ارجوك عدي معايا اليوم ده، صدقني مش هنسالك أي مساعدة، وأنت عارفني لما بساعد حد، أنا بس عايز افرح مَقدس مش اكتر "
ابتسم رائد بخبث شديد :
" ايه ده انت عرفت ؟؟"
وصلاح الذي لم يستوعب حتى تسرب اسمها من بين شفتيه بكل عفوية، هتف :
" عرفت ايه ؟!"
" اسم المدام يا حبيبي "
نظر له صلاح متسائلًا :
" أنت تعرفه ؟؟"
أطلق رائد ضحكات عالية يربت على كتف صلاح الذي يبدو كما لو أن ذلك اللقاء ألغى كامل تعقله :
" الظاهر كده نسيت اني شوفت بطاقتها يوم ما جات تضمن بنت جوزها "
نعم صحيح، كيف فاته الأمر وتجاهل تلك المعلومة، هل تعطل عقله بميمو لتلك الدرجة؟! لكن ايًا كان، ذلك أفضل، أن يعلم الاسم منها هي نفسها فهذا أفضل ما حدث له في حياته .
ابتسم بسمة صغيرة ولم يكد يتحدث حتى سمع رنين هاتفه يصدح في جيب بنطاله، أخرج الهاتف بسرعة ليجد اسم ميمو ينير الشاشة، أجاب سريعًا مبتعدًا عن رائد الذي راقبه ببسمة، ثم تحرك صوب المنزل ليتحدث مع تسبيح قبل انشغاله في الترتيبات، لكن أثناء ذلك سمع صوتًا يهمس باسمه ..
نظر حوله بتعجب يبحث عن مصدر الصوت، يقترب خطوات صغيرة من الشجرة التي تقع على حدود منزلهم ليجد أن منال تختبئ خلفها متحدثة بخفوت :
" كويس اني لقيتك برة، وفرت عليا كتير "
صُدم رائد من وجودها ليقترب أكثر قائلًا بتعجب :
" منال ؟؟ بتعملي ايه هنا ؟؟ ابوكِ لو شافك هيطين عيشتك "
" ما أنا عارفة، عشان كده انا جيت "
نظر لها بعدم فهم :
" عشان يطين عيشتك ؟؟"
هزت رأسها نافية :
" لا عشان ابويا، أنت قولتله ايه خليته يتعصب بالشكل ده ويراقبني في الرايحة والجاية؟؟ اوعى تكون قولتله على اللي حكيتلك عليه ؟؟"
نفى رائد سريعًا برأسه ثم قال مطمئنًا :
" لا متخافيش أنا جبت الرفض مني "
هزت رأسها ثم نظرت له بامتنان رغم كل شيء أنه لم يضطرها للحديث هي ومحاولة تبرير موقفها ورفضها لذلك الزفاف :
" بجد مش عارفة اشكرك ازاي يا رائد، شكرا اوي، الحمدلله شكل اللي عملته نفع وبابا مبقاش طايق يسمع سيرتك ولا طايق يلمحك "
ابتسم لها رائد يجيبها بهدوء ولا يدري أيغضب لكلماتها أم يسعد لسعادتها تلك :
" على ايه يا منال، أنا اساسا محدش بيطيقني غير عيلتي، بعدين أنا عملت كده عشاني أنا كمان يا منال "
شكرته منال أخيرًا وهي تتحرك بعيدًا عنه صوب منزلها، لكن في تلك اللحظة سمعت صوتًا انثويًا ينادي رائد بصوت غير مطمئن البتة :
" رائد ؟؟؟"
التفت رائد للخلف بريبة ليجد تسبيح تقف بتحفز وخلفها صالح الذي كان يرتشف كوبًا من الحليب مرددًا بكلمات زادت الطين بلة وهو يراقب رحيل منال وتحفز جسد تسبيح :
" موقف لا أتمناه للاربع تيران، لا استنى كده، في الحقيقة أنا بتمناه وبشدة، اللهي يتنكد عليهم نفر نفر يا رب ما يتهنوا بيوم مع أي بنت يختاروها زي ما هما منغصين عليا عيشتي كده "
نظر له رائد ببرود وكأنه يسأله بحنق وتذمر شديد ( أترى أن هذا وقتًا مناسبًا لتعلن كرهك لاشقاء مخطوبتك ؟؟) لكن صالح وكعادته لم يهتم وهو يستمع لصوت والده يناديه من الداخل :
" ما تيجي يا صالح اظبط الاريال ده عشان الماتش هيبدأ"
وبتلك الكلمات سحب صالح نفسه من الحوار تاركًا تسبيح تحدق في رائد الذي حاول التحدث بهدوء شديد مبتسمًا بسمة غبية :
" دي ..دي منال "
جيد رائد ها انت ذا على الطريق الصحيح لإنهاء تلك العلاقة قبل بدايتها، وكأنها تحتاج اثباتًا منك على هوية الفتاة التي كانت من المفترض أن تصبح زوجتك ..
تنحنح رائد بهدوء :
" هي بس كانت جاية تشكرني عشان نهيت الجواز وكده يعني "
هزت تسبيح رأسها بهدوء وأبدت برودًا استفز رائد وبشدة :
" ربنا يقدرك على فعل الخير دايما يارب "
وبهذه الكلمات أعلنت نهاية الحوار تاركة رائد يرمقها باستنكار وغضب طفيف :
" بس كده ؟؟ مفيش غيرة ولا عصبية ولا اي ذرة احساس حتى ؟؟ مفيش أنت جوزي او أي كلمة تثبت إن الانسان ده يلزمك في حاجة؟!"
كان يتحدث وهو يراقب دخولها، وهي بدا أنها لم تستمع لجملته، بل فقط تحركت صوب المنزل بحنق وغضب، ورائد توعد لها حينما تصبح زوجته أنه سيريها ..
سمع صوت صلاح خلفه يقول بجدية :
" ميمو وصلت على اول البلد، هاخد عربيتك اروح استقبلها ...."
_________________
قبل ذلك بساعة ونصف تقريبًا ...
ابتعدت نيرمينا عن احضان سعيد تضم وجهه بين يديها في حنان شديد وحب :
" أنا بس مش حابة تقعد لوحدك، ما تيجي معانا يا سعيد "
استدارت بلهفة قبل أن تنتظر رده صوب مختار الذي كان ينتظر أن تنتهي من كل ذلك ليرحلوا صوب قرية صلاح تلبية لدعوته ..
وقالت برجاء :
" مختار ممكن سعيد يجي معانا ؟؟ هو طيب والله مش هيزعج حد "
ضحك سعيد على تصرفات شقيقته التي تتعامل معه كما لو كان طفلًا صغيرًا تود اصطحابه لمكانٍ ما، اقترب منها يقبل رأسها بحب شديد، ضامًا إياها لصدره :
" لا يا حبيبتي روحي أنتِ واستمتعي، أنا كده كده مش هكون فاضي وكنت شايل همك تفضلي لوحدك، كويس أن ميمو هتاخدك معاها "
نظرت له بحب وقالت :
" هتكون بخير ؟؟"
" أنا بخير طول ما انتِ بخير يا نيرمينا "
شعرت نيرمينا بالدموع تتدافع لعيونها وابتسمت باتساع شديد وهي تضم نفسها له بحب، في الوقت الذي هبطت به ميمو الدرج تراقب ما يحدث ببسمة جانبية ..
" يلا يا نيمو جاهزة ؟!"
ابتعدت نيرمينا عن احضان سعيد تقول بحماس شديد :
" أيوة جاهزة، أنا جهزت شنطة ليا فيها كل حاجة"
أنهت حديثها تشير صوب حقيبة ملابس كبيرة، جعلت مختار يتشنج مستنكرًا حجمها، بينما ميمو أطلقت ضحكة كبيرة وهي ترى ما أحضرت نيرمينا :
" كويس بس يا رب متكونيش نسيتي حاجة يا قلبي "
هزت نيرمينا رأسها برفض، في الوقت الذي نظرت ميمو صوب مختار بخبث وقالت :
" شيل يا ميخو شنطة نيمو لبرة يلا عشان هنتحرك "
نظر لها مختار حانقًا، لكنه لم يبدي اعتراضًا وهو يحمل الحقيبة متجهًا للخارج وخلفه نيرمينا تركض تقول بخجل أن يحمل كل تلك الحقيبة لأجلها :
" لا سيبها أنا هشيلها و..."
وقبل أن تكمل جملتها وجدت مختار يلقي لها بالحقيبة لتتلقفها وتسقط بها ارضًا بشكل جعلها تنصدم، وهو يقف من الاعلى واضعًا يديه في جيب بنطاله يراقبها تنظر له بدهشة، قبل أن ينحني حاملًا الحقيبة مانحًا إياها بسمة مستفزة، ثم أشار بأصابعه لها بكلمات لم تفهم منها شيئًا :
" متقوليش حاجة أنتِ مش قدها "
ونيرمينا كانت تحرك عينيها فقط مع اصابعه التي تتحرك أمام فمه بشكل غريب، لم تستنتج منه سوى :
" عايز تشرب ؟؟"
فتح مختار فمه بحنق قبل أن يضرب رأسها بخفة متحركًا صوب الخارج وهي تركض خلفه تتحدث بصوت مرتفع :
" ايه ما أنا مش فاهمة ؟؟ عايز تاكل طيب ؟؟ أنا جبت معايا سندوتشات لانشون وجبنة، أنت بتحبهم صح ؟! "
في الداخل وبعد رحيلهم كان سعيد يراقب شقيقته وهو يفكر في القرار الذي اتخذه، ثواني وسمع صوت ميمو خلفه يقول بصوت خافت :
" متقلقش نيرمينا معايا "
نظر لها دون ردة فعل سوى أنه هز رأسه ببطء، وبعدها قال بهدوء شديد وبرود :
" عمر عامل ايه دلوقتي ؟؟"
اتسعت أعين ميمو بقوة ليبتسم لها سعيد وهو يقول :
" محتاجة شوية كمان عشان تعرفي تعديني يا ميمو "
أنهى حديثه، ثم خطى صوب مكتبه وميمو تراقبه دون ردة فعل، فبعد تلك المواجهة الشرسة بينهما ما عادت تستطيع أن تتحدث بحرية مع سعيد ..
ابتلعت ريقها ثم قالت :
" سعيد "
توقف سعيد لكن لم يستدر لها، وهي قالت ببساطة شديدة :
" الطريق اللي أنت ماشي فيه آخرته مش كويسة صدقني، سيبك منه وعيش حياتك "
ختمت جملتها وهي تتحرك بعيدًا عنه تاركة إياه شاردًا لا يدري منذ متى يقف بهذا الشكل يحدق في باب مكتبه قبل أن ينطق بكلمات غامضة :
" هعيش، بس مش دلوقتي، لازم انهي اللي بدأته "
دخل مكتبه يخرج هاتفه وهو ينظر له بتردد، ما عاد يستطع التراجع وقد أنهى جميع المعاملات وظل التنفيذ، هو فقط سينهي تلك العملية ومن بعدها سيحاول الانسلاخ عن الأمر برمته، ويتعالج ويغادر تلك البلدة بأكملها مع زهرته، أو يستقر بها إن أرادت، لكن فقط ينتهي منها .. ابتلع ريقه يضع الهاتف على أذنه :
" الو يا وسيم ...جهز للعملية عايز اخلص منها في اسرع وقت "
__________________
لأول مرة يكون وحده في المشفى دون صالح، ولولا أن أحدهما فقط هو من يحق له أخذ إجازة لكان ذهب معه، لكنه ولأجل ألا يضطر صالح للبقاء هنا، قرر البقاء وانهاء العمل الخاص بهما سويًا بمساعدة أطباء آخرين..
خرج محمود من قسم الفحص وهو يتحدث مع أحد الاطباء بجدية كبيرة :
" تمام العينات عامة واضحة وباذن الله ميكونش فيه أي مشاكل في النتايج، اهم حاجة بس هو تحليل الـ.. "
توقف فجأة بتعجب حينما أبصر بتعجب سجدة تتحرك باكية بين الممرات وخلفها رجل يركض وهو يتحدث بصوت مرتفع وتوسلات وصلت للجميع واضحة ..
وقبل أن يتحدث بكلمة سمع الطبيب جواره يقول بسخرية :
" ربنا يتوب علينا من حوارات الستات في العمل، أنا مش فاهم ليه بينزلوا يشتغلوا ما كل واحدة تفضل في بيتها وتسيب الشغل للرجالة"
رمقه محمود بسخرية لاذعة :
" مش أنت برضو اللي رفضت زوجتك تولد عند دكتور وعملت مشكلة في المستشفى إن هما ازاي مش عندهم دكتورة نسا ست ؟؟ "
نظر له صديقه باستنكار لكلماته التي تظهره بدائيًا منافقًا :
" أيوة بس دي حاجة لازم فيها ست، مش كل الشغل محتاج ستات، شغلتنا دي مش عايزة غير ستات "
ربت محمود أعلى كتفه ببسمة :
" لا أنت بس بص كويس هتعرف أنها محتاجة ستات برضو "
وبهذه الجملة أنهى محمود جملته وتحرك صوب مكتبه يخلع المعطف الخاص به في تعب شديد، فمنذ مساء البارحة وحينما عاد من الإسكندرية تم طلبه على وجه السرعة وقضى ليلته في المشفى، بالطبع صالح جاء له بضع ساعات، ثم رحل ليتجهر للسفر ..
جلس على مقعده بتعب شديدي يحاول أن ينال قسطًا من الراحة، لكن فجأة انتفض على صوت رنين الهاتف الخاص به، نظر له بأعين ضبابية ليجد أن المتصل هو نفسه ياسين شقيق هاجر والذي تحدث معه قبل أيام ..
ابتلع ريقه يجيب بلهفة :
" الو ..."
" دكتور محمود ؟؟ حضرتك كنت كلمتني من يومين عشان موضوع مهم "
ابتسم محمود باتساع شديد وكأنه نال جائزة كبيرة :
" أيوة يا فندم، ممكن اقابل حضرتك امتى ؟؟"
وصل له صوت ياسين يقول بهدوء شديد :
" بكرة هكون في القاهرة، تقدر تيجي المكتب بتاعي هبعتلك عنوانه "
قاطعه محمود بلهفة شديدة لا يصدق أن الأمر يقترب، بسكوتته على أعتاب أن تصبح له ومعه للابد :
" عارفة يا فندم، ممكن بس تقولي بكرة الساعة كام وانا هكون عندك ؟؟"
أخبره ياسين ما يريد ثم اغلق المكالمة ومحمود انتفض سعيدًا، ونزع سترته وتحرك خارج المشفى بأكملها يتحدث لأحد الممرضين :
" لو حد سأل عليا قولهم في استراحة الغدا .."
ركض بين الطرقات يود لو يتوقف في منتصف الطريق يرقص تعبيرًا عن سعادته، كل ذلك وهو فقط أخذ موعدًا من شقيقها، فما بال قلبه كمن لاقى القبول؟!
ماذا سيحدث له لو نال موافقة وأصبحت له وملكه؟!
ومن شدة سعادته اخرج هاتفه يتحدث لصالح، ثواني مرت قبل أن يسمع صوت صالح يتحدث له ليصرخ بسعادة كبيرة :
" كلمت اخوها وهو راجع بكرة القاهرة وهقابله يا صالح "
وصل له صوت صالح السعيد والمهنيء له كما لو أن زفاف محمود على الابواب:
" مبارك يا صاحبي، خلاص كلها خطوة وتبقى ليك، أنا هحاول باذن الله اكون في القاهرة بكرة عشان ابقى جنبك"
ابتسم محمود حينما أبصر مخبز هاجر مفتوحًا للزبائن ليهرول صوبه بأقدام متلهفة وعيون مشتاقة ..
" تسلم يا صالح ده العشم، تفتكر المفروض أخد ماجد معايا؟"
" لا متبقاش غشيم زيي، اصبر نروح أنا وأنت نشوف الدنيا والمرة اللي بعدها ناخد ماجد وصلاح بالمرة معانا هو بيعرف يتكلم في المناسبات دي، مش عايزين نعمل مشاكل ليكون لبش زي اخوات رانيا اصلا العيلة دي كلها متعبة "
هز محمود رأسه بخفة وهو يدفع الباب مصدرًا اجراس رقيقة بأصوات خافتة :
" اتفقنا و..."
توقف عن الحديث حينما أبصر هاجر تقف أمام طاولة مليئة بالأطفال تقدم لهم الحلوى ببسمة تنافس حلواها جمالًا، كانت فاتنة بكل بساطة، تلك المرأة خُلقت من الرقة، وخُلقت الرقة لأجلها ..
ابتسم وهو يتجاهل صوت صالح في الهاتف، يغلقه دون اهتمام وهو يدسه في جيبه يراقبها ببسمة واسعة وهي تتحرك كنحلة بين ازهار ملونة، ترتشف الرحيق وتوزع من عسلها على الجميع، وهو المسكين يقف كيتيم على قارعة الطريق ينتظر أن تمن عليه برشفة عسل وحيدة، بل هو يكتفي بنظرة فقط أو بسمة ...
استدارت هاجر وهي تصفق للكل ببسمة، فقد كان المكان مزينًا لأجل أحد اعياد الميلاد، كانت تغني وتصفق مع الجميع مبتسمة، قبل أن تتوقف فجأة بتوتر حينما أبصرت محمود، ومحمود لم يعي شيئًا سوى أنه يود أن تصبح زوجته في تلك اللحظة لينتهي من كل ذلك العذاب الذي يمارسه على نفسه للتحكم بها أمام نظراتها...
تحرك صوبها لتسارع هي بالهرب كمن رأت شبحًا صوب المطبخ تاركة محمود ينظر لاثرها بصدمة كبيرة، رمش بعدم فهم، ثم تحرك خلفها وبمجرد أن دخل المكان وجدها تقول بملامح متوترة وبسمة واسعة تنافي ذلك التوتر :
" كنت مستنياك عشان تشوف الكيكة الجديدة اللي اخترعتها"
فرك محمود ذقنه بتعجب من طريقتها :
" هو ده هيبقى محتواكِ الفترة الجاية عشان تهربي مني ؟؟ اصل لو اتبعنا المنهج ده لغاية الفرح مش هلاقي بدلة تدخل فيا "
ابتسمت له هاجر تحاول أن تنفي جملته تلك ..
" اهرب منك ؟؟ اهرب ليه ؟؟ أنا بس حباك تدوق الكيكة بتاعتي "
" مش واضح يا هاجر، أنا شايفك متوترة ومش على بعضك"
نفخت هاجر في استهزاء شديد تقول باستياء من ظنه الظالم ذلك :
" متوترة ؟؟ فين ده ؟! أنا مش متوترة خالص على فكرة "
حرّك محمود نظراته صوب يد هاجر التي كانت تنقبض وتنبسط على السكين، وقدمها اليمنى التي تهتز بسرعة كبيرة، مبتسمًا بسخرية لتتنهد هي بصوت مرتفع :
" ماشي أنا متوترة شوية صغيرة، بس ....اصل هقولك "
صمتت ثواني تقترب منه بشكل صغير هامسة :
" أنا اساسا دي اول مرة حد يقولي كده، وانا مش عارفة المفروض اعمل ايه، فقولت احاول اتجنبك اليومين دول لغاية ما افهم الدنيا ماشية ازاي "
نظر لها محمود ثواني لا يصدق ما تقول يرمقها بعدم فهم متسائلًا بجدية :
" أنتِ بتهزري صح ؟؟"
نفت هاجر برأسها، ليطيل محمود النظر لها ثواني قبل أن ينفجر في موجة ضحك كبيرة، كانت تهرب منه لأنها لا تدري ردة فعل لمثل تلك المواقف ..
وهاجر تراقبه وهي تشدد من تمسكها بالسكين ليجذبه منها محمود بحنان وحرص شديد، ثم وضعه على الطاولة ونظر لها بلطف :
" أنتِ حابة تتصرفي معايا ازاي يا هاجر ؟!"
حدقت به هاجر بجهل تحرك كتفيها ليوضح لها بحنان أكثر :
" يعني عايزة تعملي ايه واعمليه عادي، شوفي حابة تتجاهليني عادي، أو تعملي مكسوفة برضو عادي، وانا هعمل نفسي مش واخد بالي أنك مش عارفة تعملي ايه "
ابتلعت هاجر ريقها تنظر له تهمس :
" يعني هو...هو ينفع متظهرش كل شوية في وشي، مش قصدي يعني متجيش بس انا ...أنا بجد بتوتر وبحس اني المفروض اعمل حاجة وانا مش عارفة اعمل ايه "
ابتسم لها محمود بسمة واسعة وقال ببساطة :
" بس كده ؟؟ تمام أنا موافق "
افتر ثغر هاجر عن بسمة مصدومة :
" ده بجد ؟؟ فعلا هـ...هتعمل كده ؟! "
ابتسم لها محمود يهز كتفه بهدوء شديد، ثم قال في جدية واضعًا يده جهة صدره :
" أيوة اوعدك وعد شرف اني مش هظهر قدامك تاني إلا بعد ما اقابل اخوكِ "
وارتاحت هاجر لذلك الوعد، فمعنى أنه سينتظر عودة ياسين للظهور مجددًا أي أنه على الأقل سينتظر اسبوعًا آخر، فهي تعلم جيدًا أن ياسين دائمًا ما يخبرها أنه سيعود، لكنه يتخلف عن موعده ويمد سفره لأيام..
" تمام اتفقنا، مش هتيجي غير لما تقابل ياسين تمام ؟!"
هز لها محمود رأسه ببراءة شديدة :
" عيب عليكِ أنا وعدتك "
ازدادت الراحة والسعادة أعلى وجه هاجر تتخيل أيام خالية من ذلك التوتر وتلك المشاعر الغريبة التي تختبرها معه، وتهرب منها، حملت صينية الحلوى وهي تتحرك صوب الخارج :
" تمام اوي، شكرا يا محمود بجد، أنت شخص لطيف ومراعي جدا "
وبتلك الكلمات ختمت هاجر حديثها تستأذن منه لتقدم الحلوى للاطفال تاركة إياه يراقبها ببسمة، ومن ثم نظر لقطعة الحلوى التي وضعتها لأجله وبدأ يتناول فيها يحرك كتفيه بهدوء :
" آسف يا هاجر، كل شيء مباح في الحب والحرب ياقلبي "
_____________________
كان يتحرك بالسيارة الخاصة بشقيقه على الطريق العام للقرية، والذي كان من ضمن الطرق القليلة المؤهلة لعجلات السيارات ...
وفجأة توقفت سيارته في منتصف الطريق حينما قابل سيارة يعلمها جيدًا وقد كانت سيارة ميمو، ابتسم يتوقف، ثم هبط يتحرك صوبها ..
وميمو هبطت من السيارة تنتزع نظارتها الشمسية مبتسمة له بسمة مشرقة واسعة ساهمت في سرقة نبضة أخرى من نبضات قلبه ...
تحرك لها صلاح بخطوات بطيئة حتى توقف أمامها يحدق فيها بحب :
" نورتي البلد كلها "
" منورة بأهلها يا لذوذ، البلد جميلة اوي وشوفت اراضي كتير وانا جاية بجد كنت هركن العربية وانزل اقعد فيها "
ضحك لها صلاح وهو يتحدث معها باندماج وسعادة متجاهلًا مختار الذي هبط من السيارة يضرب بابها في قوة واضحة، ومن ثم تحرك صوبها .
وصلاح يقول بجدية وحنان :
" لو تحبي ممكن اخدك الأراضي بتاعتنا بعد كتب كتاب رائد انهاردة "
ابتسمت ولم تكد تتحدث، حتى سمعت خطوات مختار خلفها تقترب لتهمس بصوت منخفض لصلاح :
" موافقة اكيد، بس هنضطر ناخد مختار معانا، عشان هو مش بيحب يسيبني "
نظر صلاح لمختار يتجاهله بشكل كامل، ثم هز رأسه موافقًا :
" مفيش مشكلة ابقي هاتيه يتسلى "
رمقه مختار بجمود ليمنحه صلاح بسمة مستفزة، ثم تحرك صوب السيارة وهو يشير لهما أن يتبعانه :
" يلا اركبوا عشان اخدكم لبيت العريس "
وبالفعل صعدت ميمو جوار مختار الذي قاد السيارة على الطريق خلف سيارة صلاح، وفي الخلف تجلس نيرمينا وهي تنظر لكل شيء حولها بانهبار شديد وفرحة كبيرة جعلت مختار يبتسم عليها ...
وصل الجميع لمنزل رائد والذي سيقام به عقد القرآن في الوقت الذي كان جميع الرجال يعملون على قدم وساق، البعض يعلق اضواء متدلية على جدران منزل العمدة الخارجية احتفالًا بعقد قرآن بكره ووحيده ...
وفي الداخل بعض الرجال يعلقون العديد والعديد من الأضواء وفتاة تقوم بصنع زينة من البالونات بشكل متناسق، ورائد يتحرك ليتأكد أن كل شيء تم جيدًا..
وحينما أبصرَ صلاح وضيوفه فابتسم يتحرك لهم وهو ينادي والدته التي أسرعت له لترحب بالضيوف ..
" نورتوا البلد كلها والله "
ابتسمت له ميمو وهي تأخذ من يد مختار علبة متوسطة الحجم تقدمها له ببسمة :
" مبارك يارب، ربنا يتمم ليكم على خير "
نظر رائد للهدية ثواني قبل أن يقول ببسمة :
" مكانش له داعي تتعبي نفسك، كفاية وجودكم والله وتشاركوني الفرحة "
فتحت ميمو فمها لتجيب لكن صلاح تدخل وهو يقول :
" خلاص يا حبيبي خد الهدية وامشي، روح شوف بتعمل ايه، عم سليمان بيناديك "
رفع له رائد حاجبه بسخرية متحركًا بعيدًا عنهم بعدما ودع ميمو بكلمات ودودو :
" الحاجة دلوقتي هتيجي تاخد البنات لاوضة تسبيح"
ثواني وابصر الجميع صالح الذي هبط الدرج يحمل سماعة صوت أعلى كتفه مرتديًا عباءة سوداء ناسبت طوله وأبرزت جسده، يتحرك بسعادة كبيرة متخيلًا نفسه في عقد قرآنه..
يغني بسعادة كبيرة يجمع حوله فتيان القرية الذين سعدوا وهن يصيحون بسعادة يجذبون رائد بالاجبار ليرقصون معه .
ضحك عليهم صلاح بقوة، لكن فجأة سمع صوت ميمو جواره تحدق في صالح باستحسان :
" ما شاء الله الجلبية ماشية اوي مع صالح، أنت هتلبسها ؟؟"
نظر لها صلاح بعدم فهم لتقول بحماس غريب :
" ما تلبسها كده عايزة اشوف شكلك بيها "
رفع صلاح حاجبه مبتسمًا بسمة جانبية يقول بهدوء :
" شكلي هيبقى زي صالح كده بالضبط بس مسرح شعري"
أطلقت ميمو ضحكات عالية وهي ترى اقبال نعمة عليها تفتح ذراعيها، لتغمز له مشاكسة قبل أن تلقي بنفسها بين احضان نعمة :
" أيوة بس صلاح مش صالح ولا شبه صالح، فاكر كلامك ؟؟"
وبعد تلك الكلمات ذهبت لنعمة التي قبلتها بترحيب هي ونيرمينا وسحبتهما صوب الغرفة التي تقبع بها تسبيح، ونيرمينا تنظر لمختار وهي تودعه ملوحة له ببسمة سعيدة، والأخير يهز رأسه بيأس ..
أما عن صلاح فقد كان يقف ينظر لأثر ميمو بشرود قبل أن يبتسم فجأة، وقد استحسن فجأة فكرة ارتداء عباءة في حين أنه في المواقف العادية كان يرفض ارتدائها عكس صالح الذي يحبها كثيرًا، لكن إن أرادت هي أن تراه بها فلها ذلك .
أفاق فجأة على شعوره بيد أحدهم على كتفه، نظر جواره ليجد مختار ينظر له بحاجب مرفوع وتحفز شديد، ابتسم له بسمة صغيرة :
" ايه أنت كمان عايز تشوفني بالجلبية ولا ايه ؟؟"
ارتفع طرف شفاة مختار ليبتسم له صلاح :
" ده تقدم كبير اني خليتك تبتسم، عقبال ما تضحكلي يا حبيبي "
تجاهله مختار وهو ينظر للمنزل وقبل أن يفكر بالخروج والبقاء جوار السيارة سحبه صلاح خلفه يقول بجدية :
" تعالى معايا خلينا نشوف هنجيب مقاسك منين ؟؟"
_____________________
ركضت إحدى الفتيات الصغار صوب غرفة الفتيات وهي تصيح ببسمة واسعة وحماس كبير :
" الرجالة خرجوا من الصلاة خلاص وجابوا المأذون معاهم عشان كتب كتب ابيه رائد "
توتر جسد تسبيح بقوة وهي ترتجف لولا يد ميمو التي ضغطت على أكتافها بحنان شديد مطمأنه إياها:
" اهدي شوية، مفيش حاجة تخليكِ تقلقي اوي كده .."
نظرت لها تسبيح بخوف تحاول أن تتنفس بشكل منتظم، قبل أن تسمع صيحات الفتيات وهم ينظرون من النافذة على جموع الرجال الذين خرجوا من الصلاة مباشرة على منزل العمدة .
تحركت صوبهم ميمو وتسبيح التي التصقت بالنافذة لتبصر رائد يتوسط الرجال وهو يسير مبتسمًا سعيدًا يتلقى مزحات الجميع بضحكات صاحبة وسعادة تكاد تقفز من عيونه ..
ابتسمت بسمة شاردة عليه، كان أكثر من وسيم بتلك العباءة البيضاء التي جعلته يبدو كما لو كان يشع، وجوارها ميمو اتسعت عيونها حينما أبصرت صلاح يتحرك خلف الرجال وهو يتحدث مع صالح مرتديًا عباءة باللون الرمادي، وما كادت تبتسم حتى اتسعت عيونها بصدمة ترى مختار يسير خلف صالح وصلاح وهو يرتدي هو الآخر عباءة باللون الكحلي يسير فيها متأففًا لا يبدو على وجهه الارتياح أبدًا، يمسك طرف العباءة كما لو كان سيسقط..
اتسعت بسمتها بصدمة تحدق فيه بحب شديد، صغيرها يبدو ناضجًا وسيمًا بتلك الثياب، ولم يكن تأثير مختار مقتصرًا على ميمو، بل امتد ليشمل تلك المسكينة جوارها والتي كانت تراقب مختار بأعين متسعة، تلك المرة الأولى التي تراه في هكذا ثياب ...
اقتربت نيرمينا من ميمو تقول وهي تشير لمختار :
" الحقي مختار لبس زيهم "
ابتسمت ميمو بأعين ملتمعة بدموع وهي ترى صلاح يجذب مختار لاحضانه بالقوة يجبره على السير جواره بدلًا من البقاء وحده :
" شايفة، حلوين اوي "
في تلك اللحظة انتفضت جميع الفتيات على صوت نعمة التي اقتحمت الغرفة تملئها زغاريد عالية وهي تصفق و تغني بكل قوتها والنساء يرددن خلفها بسعادة وتسبيح تجلس بينهن بسعادة لم تكن تتخيل أنها ستحياها يومًا ..
وفي أحد الأركان كانت ميمو تراقب كل ذلك بأعين دامعة وبسمة واسعة أعلى فمها، تتذكر حينما كانت فتاة صغيرة تتوسط تلك الجلسات بسعادة واحلام غبية تنتظر أن تتوجه لها كلمات الأغنية يومًا ما، لكن ما غنى لها أحدٌ، وما صفق لها انسان ...
مسحت دمعتها حينما رأت نيرمينا تحاول أن تتوسط النساء وترقص لهن جميعًا، تمارس هوايتها القديمة، ضحكت بقوة وهي تراها تبهر الجميع بحركاتها وتتذكر كلماتها قديمًا حينما كانت تركض لها هاتفة :
" هو أنا لو بقيت رقاصة عادي ؟؟ أنا بحب ارقص اوي وهبقى رقاصة شاطرة"
بدأت ميمو تصفق أكثر لنيرمينا التي أشعلت الأجواء وحينما لمحتها جذبتها معها، لتترك ميمو لنفسها العناء وتسعد في تلك اللحظات ..
وفي الاسفل
بدأ المأذون يخطب في الجميع خطبته المعتادة التي يذكر فيها كل ما يتعلق بتلك العلاقة المقدسة، والجميع يستمع له ببسمة وكلٌ يتخيل من سكنت القلب ..
وبعد ذلك بدأ المأذون يعقد القرآن، ثم نظر لهم يستدعي وكيل العروس والذي كان مرتضى الذي تطوع ليكون كذلك و صالح وصلاح كانا شاهدين على العقد، ومن ثم تم إحضار تسبيح لتدلي بموافقتها أمام الجميع وهي تشعر بارتجاف جسدها ومن ثم مضت باسمها ليرتاح جوار اسم رائد ..
واخيرًا أعلنها المأذون أمام الجميع :
" بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير "
وبتلك الكلمات أعلن المأذون انطلاق سلسلة لا متناهية من الزغاريد التي رن صداها في المكان وبدأ الرجال ينقضون على رائد بالعناق والمباركات، وتسبيح التي خجلت من نظرات الجميع لها لتقرر الركض إلى الأعلى، لكن والدة رائد جذبتها صوب إحدى الغرف وهي تقول ببسمة :
" خليكِ هنا شوية ورائد جاي "
اتسعت أعين تسبيح برعب وصدمة ولم تكد تعترض حتى أغلقت نعمة الباب وخرجت ..
في الخارج كانت ميمو تراقب ما يحدث ببسمة وسعادة لتلك الأجواء واندماج مختار حوله، حتى وإن كان جامدًا لا يتحرك من مكانه أو ينغمس معهم، يكفيها أنه كان يحرك عينيه في المكان باهتمام وفضول، أو لتكون دقيقة، هو يحرك عيونه مع نيرمينا التي كانت تقفز في المكان بسعادة وقد بدأ الرجال يتحركون صوب مجالسهم ...
اقترب صلاح من ميمو يغمز لها :
" اتمنى تكون تضحيتي جات بفايدة"
ابتسمت له ميمو بسمة واسعة وهي تجيبه بهدوء :
" جات بفايدة اوي متقلقش "
ضحك لها يشير لها بالابتعاد مع النساء:
" تمام روحي مع مرات عمي لمكان الستات بعيد عن الكل هنا "
ومن ثم تحرك صوب غرفة الرجال ليجد رائد يتقدم صوب الغرفة التي أخبرته عن أن تسبيح بها، وخلال سيره شعر بتربيته على كتفه من كف صلاح الذي قال بسعادة :
" مبارك يا رائد، ربنا يجعلها زواجة العمر يا رب "
ابتسم له رائد يعانقه بحب :
" عقبالك يا صاحبي "
وبعد هذه الكلمات هرول بسرعة صوب الغرفة ودخل لها بلهفة شديدة، لكن ولشدة لهفته لم ينتبه أنه أفزع تسبيح التي انتفضت عن مقعدها بقوة ..
ابتلع ريقه يراها تنظر له بأعين متسعة، اقترب منها خطوات لتتراجع هي المثل، وهو يصر على التقدم منها أكثر، حتى أصبح على بُعد صغير منها، امتدت يده ببطء لنقابها يسألها بعينيه أن يفعل وهي أبدت رفضًا واضحًا، لكن لهفته اعمته عن توترها وهو يرفع عن وجهها ذلك النقاب ..
ابتسم حينما أبصرت عيناه وجهها المليح مجددًا، بتلك الملامح الرقيقة والصغيرة، ابتسم لها يدرك خوفها :
" تبارك الرحمن، جميلة وجمالك غطى على كل جمال يا تسبيح "
كانت تسبيح تفرك كفيها بتوتر، وابتسمت له بسمة صغيرة مرددة :
" أنا ...هو ...الله يكرمك يارب "
ضحك رائد بقوة عليها قبل أن يقتنص فرصته ويميل مقبلًا جبهتها مرددًا بسعادة :
" هو فعلا ربنا كرمني بوجودك يا تسبيح "
نظرت له تسبيح بأعين شاردة في تفاصيله ولا تدري ما تقول، إلا أنه لم ينتظر منها كلمة وهو ينظر لعينيها بقوة وحنان في الوقت ذاته :
" ينفع اقولك اني طول الوقت معاكِ وجنبك بس بطريقتي وبشكل صح اكتر "
رمقته بجهل ليمنحها بسمة صغيرة وهو يميل معانقًا إياها، ضاممًا جسدها لصدره، حيث الضلع الذي انشقت عنه وكأنه يود إعادتها لمكانها جوار قلبه وهمس بصوت حنون محب :
" أنا معاكِ طول الوقت وجنبك على طول يا توتا .."
________________
بعد رحيل جميع الرجال وبقاء أفراد العائلة فقط، غادر مرتضى رفقة صالح ليغيرا ثيابهما بأخرى مريحة، ومن ثم يعودا لاستكمال السهرة مع الجميع ..
وصلاح بقي ليساعد سليمان في إنهاء بعض الأمور ومن ثم خرج من المنزل يشير لمختار الذي تجهز وحمل الحقائب أن يتبعه بالسيارة الخاصة بهما يرشدهما لمنزله حتى يستبدل الجميع ثيابه ويرتاحوا من عناء الطريق واليوم ..
دقيقتين وتوقفت جميع السيارات أمام منزل محاط بسياج عالٍ بشكل غريب، وأمامه يقف رجل يرتدي جلباب يعطيه هيبة كبيرة، وجواره تقف امرأة بملامح مقتضبة سوداء .
وفي السيارة عند صلاح انقبضت ملامحه بغيظ وغضب مكتوم حينما أبصر وجه تلك السيدة، هبط من السيارة الخاصة بصالح وأغلق الباب بقوة شديدة خرج على إثرها صالح يصيح :
" ما براحة على ام الباب مش كل شوية اوديها التوكيل ولا هي عشان مش ....ايه ده مين اللي جاب الست دي هنا ؟؟"
أنهى جملته بصوت غاضب وهو يشير لتلك السيدة التي كانت طاعنة في السن ليحدجه والده بنظرات محذرة جعلته يلجم لسانه وهو ما يزال يوجه لها نظرات كالسهام والأخيرة ابتسمت بلا اهتمام وبتجبر تحدثت :
" ايه يا صالح يا حبيبي، لسه لسانك فالت زي امك ؟! مش عارف بتقول ايه او بتكلم مين ؟؟"
وفي تلك اللحظة اندفع صوبها صالح، لكن ما وجد سوى جسد صلاح يتوسط المكان بينهما وهو يضمه محاولًا أن يجبره على الهدوء :
" اششش اهدى، بلاش تخليها تغلطك، دي ست كبيرة وأي كلمة هتتحسب عليك مش ليك، أهدى وأعقل دي عمتك الكبيرة "
صاح صالح في اعتراض شديد وكره يملء صدره لتلك المرأة :
" مش عمتي ولا هتبقى عمتي في يوم، الست اللي تقول كلمة على امي ملهاش احترام مني "
ونظرة عمته أصابت مرتضى بالرعب من غضبها، فهو يدري بشأن أخته الغير شقيقه والتي تترأس العائلة بأكملها لكبر عمرها مقارنة بالجميع :
" صالح ..عيب كده يا بني، دي عمتك "
نظر له صالح بقهر وهتف من بين أسنانه وكأنه يبصق الكلام :
" قولت مش عمتي، الست دي أنا لا ليا علاقة بيها، ولا ليها عندي اي احترام "
ولشدة غضب صالح لم يكن يحسب لكلماته حسابًا، لكن صلاح والذي احتفظ بآخر ذرات عقله جذبه للداخل بقوة شديدة :
" بس بقى يا صالح مش كده، متصغرش ابوك، عيب عليك "
نظر له صالح بقهر شديد ولم يكد يتحدث حتى سمع كلاهما شهقة عالية خرجت من فم عمتهم المصون واعينها جاحظة في إحدى الجهات ...
نظر الاثنان صوب تلك الجهة ليروا أن السبب الذي جعل أعين عمتهم تتسع بصدمة كمن صادفت شبحًا، وفمها يُفتح بهذا الشكل المثير للضحك هو رؤيتها لميمو التي كانت ترتدي بنطالًا من الجينز وسترة سوداء من الصوف أعلى ثياب بيضاء، نزعت ميمو النظارة وهي تبتسم للجميع وما كادت تتحدث بكلمة حتى عاجلتها تلك السيدة بصرخة :
" مين دي ؟؟ ولابسة كده ليه دي ؟؟ بنت مين يا بت أنتِ ؟؟"
استدارت لها ميمو بتحفز وضيقت أعينها ومختار الذي توقف في ظهر ميمو نظر لها بشر، لكن لم يتحدث أحدهم بكلمة سوى صالح الذي ابتسم بسواد شديد وقد وجد أخيرًا شيء قد يحرك مياه عمته الراكدة، لذلك دفع صلاح جانبًا وهو يتحرك صوب ميمو يقول بفخر شديد أصاب عمته في مقتل :
" دي ؟؟ دي عقبال احفادك يا عمتي، تبقى خطيبة صلاح وقريب اوي مراته ...."
والشهقة التي أطلقتها عمتهم كانت أكبر دليل أن صالح أصاب هدفه بامتياز، وارتسمت بسمة متشفية أعلى شفتيه، دفعه صلاح جانبًا بغيظ شديد أن أستخدم ميمو في حرب لا علاقة لها بها، وخاصة أن تلك الحرب مع الحرباء المسماة _ جورًا_ عمتهم ...
ارتفع صوت عمتهم باستنكار واشمئزاز مشيرًا لميمو :
" دي ؟؟ خطيبتك يا صلاح ؟؟ ملقتش غير قليلة الحيا دي تتجوزها ؟!"
ارتفع حاجب ميمو بقوة وقد ارتسمت بسمة جعلت اجراس الانذار تضرب في عقل صلاح وهو يراها تعقد ذراعيها أمام صدرها مجيبة عمته بهدوء مستفز غامزة لها بخفة :
" قليلة الحيا وانا لسه مقولتش ولا كلمة ؟؟ طب استني تشوفي بعينك طيب عشان تعرفي قلة الحيا على حق الله "
نظرت العمة لها بتحفز وميمو تقف بثبات في وجهها تنتظر منها كلمة، وصلاح المسكين بينهما يسب صالح الذي أعلن تلك الحرب المبكرة، والمبكرة جدًا ...
_______________________
خيوط تتشابك وأخرى تتفكك، قصص تبدأ وأخرى اقتربت من وضع نقطة نهايتها، والفوز للاذكى والاسرع...
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رحمة نبيل
#الثاني_والعشرين
فوت قبل القراءة ( النجمة)
صلوا على نبي الرحمة ..
________________
هي خطوة ... إما أن تخطوها بكاملك، أو لا تفعل، فلا يمكنك أن تخطو نصفها وتتجاهل النصف الآخر، وهذا ما فعله سعيد، قرر أن يتعالج، لكن هل جميع اخطائه تكمن في مرضه؟؟ أم أنه تجاهل شروره وأفعاله، فإن عالج النفس، من يعالج القلب وما فيه من سواد ؟!
خطى لتلك العيادة التي أخبرته زهرة عنها، ينظر حوله وهو يشعر أنه يريد الهرب، هذا ليس مكانه، هذا ليس ملجأه، وإن فكرنا قليلًا، فلا مكان له أو ملجأ سوى بجانب زهرته .
ابتلع ريقه يتوجه صوب الاستقبال يخفي وجهه بقناع طبي اسود ونظارة سوداء كذلك ..
" لو سمحت كنت حابب استفسر عن ميعادي مع الدكتور علاء "
نظر الرجل في الحاسوب أمامه ينقر عليه بحركات سريعة :
" اسم حضرتك ؟!"
أجابه بهدوء يتجاهل لقبه المعروف به :
" سعيد جاد محمد "
ابتسم له الرجل بهدوء وأشار له على غرفة الانتظار بكل هدوء وعملية :
" اتفضل ارتاح يا استاذ سعيد، شوية وهنادي حضرتك، قدامك بس شخصين "
حسنًا ربما هذه إشارة له كي يهرب من المكان، إشارة كي يغير رأيه، ربما يستطيع الكذب على زهرة ويخبرها أنه بالفعل ذهب لطبيب وهي لن تعلم شيئًا .
كانت هذه كلمات سعيد لنفسه وهو يتحرك صوب الغرفة التي أشار لها الممرض، لكن فجأة توقفت اقدامه وتغيرت وجهته، وتحرك بسرعة صوب باب الخروج ، وقد قرر أنه بالفعل سيهرب، هو لا قِبل له أن يجلس أمام شخصٍ غريب ويصف له آلامه وحياته فقط لأن بطاقته تحمل لقب طبيب ..
وقبل أن يخطو للخارج اصطدم بقوة في جسد جعله يتراجع بحدة، وما كاد ينطق بكلمة حتى تحدث ذلك الجسد بجدية كبيرة وسخرية لاذعة :
" كنت عارفة انك هتعمل كده يا سعيد "
رفع سعيد رأسه كالرصاصة صوب زهرة التي ضمت ذراعيها لصدرها بتحفز، تشير بعيونها صوب الداخل في إشارة واضحة له أن يعود حيث كان .
ابتلع سعيد ريقه متوترًا من مجيئها غير المتوقع :
" أنا بس ...بس كنت رايح اجيب حاجة اشربها لغاية ما يجي دوري "
ارتسمت بسمة سخيفة ساخرة وارتفع طرف شفتي زهرة تزامنًا من سخريتها الواضحة :
" طب ادخل وانا هروح اجبلك يا سعيد "
هز سعيد رأسه وهو ما يزال يحدق بها وقد نسي لثواني ما كان يهرب منه أو ما يفكر فيه، إن كان دخوله لذلك الرجل وجلوسه على مقعد أشبه بالفراش والتحدث معه بأريحية عن حياته، سببًا لبسمتها فهو على استعداد تام ليكرر الأمر يوميًا دون كلل أو ملل .
دخل سعيد للعيادة مرة أخرى وزهرة التي قررت أن تبقى خلفه لتجبره على العلاج، شفقة أن يتحول من كائن مسالم لذلك الوحش القذر، حتى وإن لم يُقدر لهما البقاء سويًا، لكن يكفيها أن تساعد أحدهم في عيش حياة سعيدة مسالمة ..
كل ذلك وجملة ابن عمها الحبيب _ والذي تلقى من سعيد ضربات قاتلة _ تتردد في أذنها:
" ده نفسه الشاب اللي كنتِ بتحكيله عليه ايام الجامعة صح؟؟"
نظرت له زهرة من بين دموعها، ثم هزت رأسها:
" أيوة هو "
"طب ليه قررتي تسيبيه ؟؟"
نظرت له زهرة ثواني، هي لا يمكنها أن تفشي أي اسرار حتى وإن تلقت تلك الأسرار بصفة أخرى غير طبيبة، حتى وإن أخبرها سعيد بماضيه باعتبارها صديقة وليست طبيبة، لا تستطيع أن تفشيها، لذلك قالت بشكل محايد ..
" احنا مش شبه بعض، ولا عمرنا هنكون شبه بعض، سعيد اللي اتعلقت بيه زمان مش هو سعيد بتاع دلوقتي، باختصار سعيد بالشكل ده مستحيل أفكر فيه كشخص في حياتي، عمري ما هقبل ارمي نفسي في حفرة زي دي، الحياة بينا مش هتمشي والعواطف مش هتقدر تزق مركبنا"
صمت ابن عمها ثواني قبل أن يضيف بعفوية :
" طب ما تجربي ترجعيه للي كان عليه زمان، جربي تساعديه يا زهرة، أنتِ بتساعدي ناس كتير، مش هتساعدي الشخص الوحيد اللي بتحبيه ؟؟ "
" مش هقدر اعامل سعيد بنفس معاملتي لأي شخص مريض عندي، وإلا وقتها هكون بمارس عليه دور غير الدور اللي المفروض امارسه وهيكون في نظري مجرد مريض بساعده "
وكان الرد في منتهى البساطة :
" خلاص حطيه على الطريق وساعديه كصديق بلاش كطبيبة "
وقد كان فها هي تحاول مساعدته، لكن بشكل غير مباشر فهي لن تمارس على شخصٍ_ قد تتخذه يومًا شريكًا_ مهنتها، هي لا تستطيع أن تفعل ذلك وتتقبله بعدما عالجته ..
تنفست بعمق تراقب سعيد يجلس جانبًا على أحد المقاعد وقد أخرج هاتفه يعبث به دون أن يهتم لأحد حوله، ولم تكد تتقدم منه حتى سمعت رنين هاتفه لينتفض جسد سعيد ويتحرك خارج الغرفة ..
وقفت زهرة أمامه ليقول بهدوء وبسمة صغيرة :
" متخافيش مش ههرب، هشوف بس الرسايل دي بعيد عن الدوشة "
نظرت له بشك فابتسم لها بسمة مطمئنة :
" أنا وعدتك اني مش ههرب "
ورغم شكها به إلا أنها قررت أن تمنحه الثقة وتتركه يتحرك بينما هي تحركت لأحد المقاعد وجلست عليه تهز قدمها لا تدري هل ما تفعله جيد ام لا ؟؟
ابتلعت ريقها وهي فقط تعد نفسها أنها ستتأكد من دخوله للعيادة، ومن ثم تتركه ولن تتدخل في رحلة علاجه، يكفيها فقط أنها أوصلته لهنا وهو سيكمل طريقه، وإن احتاج ستدعمه خفيةً ..
في الخارج كان سعيد يراقب هاتفه بعيون ضيقة قبل أن يطلق سبة عالية، يسارع للاتصال بأحدهم وجسده يغلي غضبًا، لكن لم يصل له أي رد ليطلق سبة أعلى جعلت الجميع ينظر له، لكنه لم يهتم وهو يصرخ بجنون :
" هقتلك يا ميمو، والله لاقتلك "
وبتلك الكلمات نسي سعيد ما وعد به زهرة وما جاء لأجله وهو يسارع كالمجنون صوب الخارج، يحطم الأرض أسفله، والصور التي وصلت له للتو كرسالة متأخرة جعلته يُجن جنونه، ميمو تهدده بصور ومحادثات بينه وبين عمر مقابل ان يتخلى عن صفقته الأخيرة، أو سترسل كل شيء لزهرة .
في ذلك الوقت سمعت زهرة سباته وخرجت سريعًا خائفة أن يكون تشاجر مع أحدهم، لكنها ابصرته يركض بجنون خارج العيادة ليشتعل جسدها بقوة وتشعر بالغدر للمرة الثانية، عضت شفتيها بقوة وهي تركض بسرعة مخيفة خلفه ..
في الوقت الذي صعد به سعيد للسيارة كاد يتحرك وهو لا يرى أمامه سوى دماء ميمو، لكن وقبل أن تتحرك السيارة خطوة وجد زهرة تلقي نفسها أمام السيارة وهي تضرب على مقدمتها لتتسع عيونه بقوة وقد نسي الأمر تمامًا، أوقف السيارة مرتعبًا وهو يهبط :
" أنتِ مجنونة ؟؟ كنت ههرسك تحت العربية "
تحركت له زهرة دون كلمة واحدة ومن ثم رفعت حقيبتها بقوة تضربها في وجهه باقسى ما تملك صارخة بغضب مخيف :
" أنت واحد حيوان يا سعيد، حيوان وكداب وانا استاهل اللي بيحصلي عشان اصدقك تاني، أنت واحد كداب، سامع كداب، كداب ومريض ومش هتتعالج لو فضلت كده "
كانت تصرخ بجنون ودموعها هبطت لشدة غضبها وسعيد وقف مبهوتًا أمامها يستوعب فجأة أنه للتو وبسبب غضبه وجنونه أضاع فرصته الأخيرة معها ..
تحركت زهرة صوب سيارتها بعنف شديد تلتهم الأرض أسفلها في خطوات غاضبة، وهو يراقبها قبل أن يركض صوبها يمسك ذراعها بسرعة ولهفة شديدة :
" لا لا والله العظيم يا زهرة ما قصدي اكدب عليكِ، والله انا ...أنا بس ...اسمعيني ارجوكِ...أنا جاتلي مكاملة مهمة وحصل مشكلة كبيرة اوي في الشغل ومن عصبيتي اتحركت وانا ناسي أنا هنا ليه اساسا، ارجوكِ والله ما بكدب ..اسمعي يا زهرة ارجوك "
نظرت له زهرة بقسوة تبعد ذراعه عنها، ثم قالت تدعي قسوة ليست بها، لكنها أدركت الآن أن سعيد لن يتقدم إلا عندما يلاقي قسوة منها :
" أنت طلبت مني مساعدة قبل كده، ودوري اني اساعدك واجيبك عند دكتور كويس، اهو الدكتور قدامك يا سعيد حابب تدخل ادخل مش حابب براحتك، مبقتش فارقة أنا ريحت ضميري من ناحيتك "
وما كادت تخطو للسيارة حتى شعرت بسعيد يمسك كم ثيابها بسرعة وهو يتحدث بصوت مختنق :
" والله العظيم ما كدبت لما قولت اني هتعالج، زهرة أنا والله بحاول احسن حياتي عشانك، فارجوكِ صدقيني "
هزت زهرة رأسها تستشعر بقرب انهيارها بين ذراعه الآن، لكن هي لا تستطيع، تقسم أنها لن تستطيع العيش معه وهو بهذه الحالة، لن تتقبله بهذه الصورة، هي طبيبة وتدرك جيدًا كيف يكون الحال عند العيش مع شخص بمثل حالته، ابتلعت ريقها تقول ببساطة :
" الله معك يا سعيد، اتعالج عشان نفسك، دي نصيحتي "
" و...ولو اتعالجت، هتـ...هتقبلي تكوني معايا ؟؟"
نظرت له وودت لو تصرخ بنعم، لكن كل ما فعلته هي أن ابتسمت وقالت :
" سيبها لوقتها يا سعيد، أنت بس صلح حياتك، ولو عليا متقلقش أنا خلاص اكتفيت في الحياة دي باللي شوفته فمش هتيجي تلاقيني مع حد تاني متقلقش "
أنهت كلماتها ببسمة صغيرة ودموع ابت أن تهبط على وجهها، ثم سحبت يدها منه ببطء وهي تراقبه ينظر لها بضعف وحب، وهي لم يهن عليها أن ترحل وتلك النظرة تعلو وجهه، ضعفت وستعاني لأجل ضعفها ذلك :
" كون بخير عشاني يا سعيد، اتعالج وصلح حياتك عشانك.......وعشاني "
ختمت جملتها وهي تصعد للسيارة تتمنى أن تكون كلماتها تلك الداعم له في ذلك الطريق، وهي ستكون كذلك لكن دون أن تلعب مع دور الطبيبة، ثم رحلت سريعًا دون أن تنظر خلفها وهو ابتسم بسمة صغيرة وقال وقد نسي غضبه بأكمله من ميمو :
" هيحصل يا قلب سعيد، بس الاول لازم انهي آخر نقطة سودة في سجلي "
__________________
ونظرات عمته لميمو أخبرته جيدًا أنه أصاب هدفًا لصالحه، اتسعت بسمة صالح بقوة وهو يراقب صنيع يديه، يرى اتساع عين عمته، وشهقتها التي أيقظت الاموات من قبورهم، وملامحها الشاحبة حينما سمعت جملة ميمو التي احسنت انتقائها.
قلبه يخبره أن " أم سعيد القادرة " ستكون له حليفًا قويًا في حربه ضد تلك العقربة التي تصنف في عائلته عمة ..
نظرت العمة صوب مرتضى باستنكار شديد وكأنها تسأله إن كان ما وصل لمسامعها صحيحًا، ولم تكتفي بسؤالها الصامت بل ترجمه لسانها وهي تقول مستنكرة :
" أنتِ قولتي ايه من شوية؟؟؟ قولتي ايه كده عيدي تاني ؟!"
مالت ميمو قليلًا تتساءل ببراءة شديدة :
" خير يا لذوذ هي عمتك عندها مشاكل في السمع ولا ايه ؟؟ "
ارتفعت شهقات العمة مرة أخرى تصرخ بجنون :
" ايه قلة الأدب اللي بتتكلمي بيها دي ؟؟ مين دي وبنت مين ؟! مش كفاية لبسها وشعرها اللي ماشية تعرضه لخلق الله، لا وكمان لسانها طويل، هو ده النسب يا استاذ يا محترم يا متعلم ؟!"
نظرت ميمو لصلاح وهي تضم ذراعيها أمام صدرها مبتسمة تحرك رموشها بحركة سريعة قصدت منها أن تعطي مظهرًا بريئًا، لكن صلاح كاد ينفجر ضحكًا عليها وهي تقول :
" صحيح، هو ده النسب يا استاذ يا محترم يا متعلم ؟؟"
وضع صلاح يده أمام فمه وهو يُذّكر نفسه ألا ينقاض خلف شياطين ميمو التي كانت على وشك أن تتحرر ويفكر أنه الآن يقف أمام سيدة كبيرة وتلك السيدة هي عمته، حتى وإن كان يمقت تلك العلاقة، فهي واقع وعليه أن يحترمها .
نظر صلاح صوب عمته يقول بهدوء وتعقل :
" خلينا ندخل جوا الاول يا عمتي و..."
" لا، مش هتدخل جوا، أنا قولت لو دخلت بيتنا مش هدخله "
وكانت تلك الجملة صادرة من صالح الذي هب يوضح ما يريد، تلك الرغبة التي انبأ بها والده منذ وفاة والدته وفعلة عمته، ووالده احترم الأمر وتحدث مع شقيقته وحاول أن يظهر الأمر بشكل أفضل، لكن صالح الآن بتسرعه وعناده انشأ عداوة جديدة مع عمته التي نظرت له بشر، تهمس بحقد وغل مكبوت:
" طول عمري اقول أنك زي امك في كل حاجة، لسانك اللي عايز قطعه ودلعك الفارغ وتصرفاتك اللي زي العيال الصغيرة، اكبر شوية عيب على طولك "
ارتجف جسد صالح بغضب وهو يردد ببرود :
" والله اول جملة تفرحني منك، أنا فعلا شبه امي، وشرف ليا اكون شبهها، وهعيش عمري كله زي ما أنا حابب، اللي مش عاجبه ميتعاملش معايا "
نظرت العمة صوب مرتضى الذي كان يشعر نفسه بين المطرقة والسندان، لا يدري أيرمم جروح ابنه الغائرة والتي تتفتح كلما واجه عمته، أم يقف في صف أخته الكبرى احترامًا لها فقط ؟!
وكالعادة أنقذه صلاح من ذلك الموقف وهو يتدخل متحدثًا :
" خلاص يا جماعة استهدوا بالله، مينفعش اللي بيحصل ده، نقعد حتى في الجنينة قدام البيت ونتكلم "
ضربت العمة بالعكاز ارضًا غاضبة :
" ولا نقعد ولا نيلة، بقى أنا اللي اول ما عرفت أنكم راجعين جيت عشان ازوركم وأنتم واحد قليل ادب والتاني جايبلي واحدة ناقصها صاجات وتبقى رقاصة ويقولي هتجوزها "
خرجت كلمة صلاح غاضبة لكن بصوت هادئ :
" عمتي لو سمحتِ، دي هتكون مراتي "
" ومالك فخور اوي كده "
أجابها صلاح بثقة كبيرة :
" عشان هي فخر لأي حد، ولو حضرتك مش هتقدري البنت اللي اخترتها فاسف دي مش مشكلتي، أنا اتجوز اللي تعجبني ومحدش له الحق يتدخل في اختياري، ارجو تحترمي رغبتي "
ضم صالح يديه لصدره يقول بتحفز وبرود شديد :
" سمعتي يا صفاء ؟! يا ريت تحترمي رغبته، وبالمرة وأنتِ بتحترمي رغبته، تحترمي حرمة الميت ولسانك مينطقش كلمة في حق امي تاني "
وتلك الكلمات التي كانت أشبه بتهديد أثار زوابع غضب داخل العمة والتي نظرت لمرتضى الذي تنهد بصوت مرتفع وهو يقول منهيًا ذلك الحوار :
" تعالي يا صفاء اوصلك البيت و..."
قاطعته صفاء وهي تفرد كف يدها في الهواء مانعة إياه من الاقتراب :
" ملوش لزوم يا خويا، كفاية اوي اللي حصلي في بيتك، يحرم عليا دخول بيتك لغاية ما اموت "
وبتلك الكلمات أنهت صفاء الحديث وهي تتحرك بعيدًا عن المنزل وصوت ميمو يتبعها بحنق شديد :
" اخص عليكم زعلتوا البركة، تعالي يا عمتو أنا معايا عربية اوصلك "
توقفت صفاء ونظرت لها باشمئزاز واضح وكره، جعل ميمو تبتسم بسمة جانبية وهي تضيف :
" مكيفة على فكرة "
رفعت صفاء رأسها تتحرك بعيدًا عنهم وصالح يصيح في أثرها:
" طب اجبلك أنا توكتوك يا عمتو ؟؟"
لكن صفاء كانت قد ابتعدت عن المكان بأكمله تاركة الجميع ينظر لاثرها، وميمو قالت بحنق :
" عمتكم دي قموصة اوي على فكرة "
هز صالح رأسه موافقًا إياها :
" دي حقيقة فعلا"
نظر لهما صلاح وهو يعض شفتيه بغيظ شديد، ليقول صالح وميمو بعدم فهم لتلك النظرات التي وجهها لهما :
" ايه؟؟ "
ضرب مرتضى كف بكف وهو ينظر للجميع :
" لله الامر من قبل ومن بعد"
تحرك لداخل المنزل يشعر براحة أن حالة صالح لم تسوء، وفي نفس الوقت يشعر بالحزن بإصرار أخته على ما تفعل له، وعلى كرهها لزوجته حتى بعد وفاتها .
قالت ميمو لصلاح بعيون بريئة :
" اتمنى ميكونش الحاج أخد فكرة سيئة عني "
___________________
في تلك اللحظة وأثناء ذلك الشجار الذي نشب بين ميمو وعمة صلاح، كان هو قد سُحب قسرًا لأجل التقاط بعض الصور لها، ونيرمينا لم ترحم مختار لثواني حتى وهي تجبره على التقاط العديد من الصور لها جوار البحيرة الاصطناعية وتلك المروج الخضراء الجميلة .
زفر مختار بحنق شديد يكاد يلقي الهاتف على وجهها مسقطًا إياها في البحيرة خلفها، لكن رؤيته السعادة تشع من عيونها تجبره على الاستكمال..
رفعت نيرمينا يديها في الهواء تقول ببسمة واسعة :
" ارجع ورا شوية عشان تجيب دراعي في الصور معاك "
أشار لها مختار في حركات عصبية وملل :
" أنا اللي هاجي اقطع دراعك واريحك منه "
لكن نيرمينا ولأنها بالطبع لم تفهم فقررت أن تجيبه حسب رغبتها، فهي أضحت تفهم الجمل على حسب مزاجها؛ لذلك ابتسمت ترفع ذراعيها أكثر وهي تقول :
" لا خليها بالطول احسن "
عض مختار شفتيه، يميل قليلًا حتى يلتقط لها الصورة واخيرًا استطاع أن يعدل من زاوية التصوير وقبل أن يلتقط الصورة وجد من يقف أمامه ويسد في وجهه الرؤية بأكملها .
رفع عيونه بتعجب ليرى مراهق قد توقف بدراجته أمام الكاميرا يحدق بفم مفتوح في نيرمينا التي تنظر له بعدم فهم، ومختار ينظر له بتشنج، لكن ذلك الفتى لم يكن يستوعب شيء عدا تلك الفتاة الجميلة التي تقف على حافة البحيرة ..
" أنتم بتصوروا فيلم هنا ؟؟"
كان الصبي يتحدث وهو ينظر حوله بفضول شديد، لكن نيرمينا أبعدت خصلات شعرها عن وجهها، ثم أشارت له ليبتعد عن الكاميرا :
" اوعى معلش شوية عشان بتصور "
استدار الصبي وهو يبحث عن الكاميرا التي تتصور بها، ليجد شاب طويل القامة بجسد متناسق يحدق فيه ببرود جعله يقول بعدم فهم :
" فيه حاجة يا سطا ؟؟ بتبصلي كده ليه ؟؟"
أشار له مختار بكفه أن يتحرك جانبًا، لكن الصبي ادعى عدم الفهم وهو يتجاهله، ثم نظر صوب نيرمينا وقال ببسمة :
" هو أنتِ ممثلة ؟؟ بتطلعي في التلفزيون ؟؟ على فكرة أنا بعرف أمثل حلو اوي، ممكن اعملك مشهد دلوقتي "
نظرت له نيرمينا بجهل ولم تكد تجيبه حتى وجدت مختار يسحب الدراجة بالصبي جانبًا، وأشار له على رقبته بتحذير ومن ثم عاد صوب نيرمينا بملامح قاتمة تظهر نفاذ صبره الواضح ..
أشار لها أن تقف مجددًا حتى ينتهي من هذا وما كاد يلتقط الصورة حتى وجد الصبي يقف أمامه مرة أخرى يردد بضيق :
" أنت بتمسك العجلة كده ليه يا عم أنت ؟! "
اعتدل مختار في وقفته، دس الهاتف في جيب بنطاله، ثم اقترب من الصبي الذي بدأ يدرك خطورة ما القى نفسه فيه، وقبل أن يصل له مختار تراجع الصبي للخلف بسرعة كبيرة مستخدمًا دراجته، مما جعل نيرمنا تعود تلقائيًا للخلف بقوة ولم تعي شيء سوى أن قدمها لم تخطو على أرضية، بل أصبحت معلقة في الهواء وفجأة أطلقت صرخة عالية خطفت دقات مختار الذي استدار لها كالرصاصة .
ولم يسمع مختار بعد صرخة نيرمنيا سوى صوت اصطدام جسدها بالمياه، لتتسع عيناه ويدفع الصبي جانبًا بقوة مسقطًا إياه هو والدارجة وركض يخلع سترته ملقيًا إياها ارضًا، ثم ألقى نفسه في المياه خلفه ..
في الوقت الذي ظهرت نيرمينا على سطح المياه تتنفس بصوت مرتفع، وقد أنقذها أنها تستطيع السباحة من الأساس، نظرت نحو الصبي الذي نهض وغادر سريعًا لتصرخ به :
" والله لاجيبك يا زبالة، عيل حيوان "
فجأة أبصرت جسد مختار يسبح جوارها وهو ينظر لها بشر لتبتسم له بغباء :
" ايه بتبص كده ليه ؟؟"
أشار لها مختار بغيظ شديد :
" لما أنتِ بتعرفي تعومي بتصرخي ليه ؟؟"
مسحت نيرمينا وجهها تبعد قطرات المياه عنه تقول وهي تتحرك صوب حافة البحيرة لتخرج :
" مش فاهمة قصدك ايه، بس لو بتسأل عليا فأنا زي الفل، المايه حلوة الصراحة "
تحرك مختار بحركات سريعة صوب الحافة ليجدها تحاول الصعود بكل برود وهو الذي كاد يموت رعبًا حينما رأى مظهرها تسقط أمامه، لذلك جذب مختار قدمها مسقطًا إياها مرة أخرى دون اهتمام، ثم صعد وأمسك السترة الخاصة بها ومن ثم حمل الهاتف يلتقط لها صورًا عديدة وهي تنظر له بشر وجسدها يطوف أعلى البحيرة ..
ابتسم مختار يرفع إبهامه في الهواء دلالة أن الصور رائعة .
_____________________
كانت ما تزال مستكينة بين أحضانه وقد فقدت شعورها بأي شيء سوى ذلك الدفء النابع منه، دفء افتقدت الشعور به منذ رحل المصدر الوحيد الذي كانت تستمده منه ..
ابتسمت تسبيح والراحة تتسرب لها بخبث شديد، بينما رائد ابتسمت بسمة واسعة، يجاهد لكتم ضحكاته على ملامحها المسترخية وكأنها على وشك السقوط في غفوة، وتسبيح كانت كالطفلة التي لم تصدق وجود دفء احضان في وسط برد الشتاء وسقطت بالفعل في نومة سريعة جعلت أعين رائد تتسع بصدمة وهو يبعد رأسها عن صدره حينما سمع صوت انتظام تنفسها...
" دي ...دي نامت بجد ؟؟"
ضحك بعدم تصديق ينظر حوله كأنه يبحث عمن يؤكد له ظنه، ابتلع ريقه يربت على وجنتها بلطف شديد :
" تسبيح، أنتِ يا ماما اصحي أنا لسه متكلمتش كلمة حتى، يابنتي لسه مقولتش الكام جملة اللي حضرتهم "
لكن تسبيح لم تسمع منه شيء ولم تسمع سوى سمفونية هادئة تدعوها للنوم أكثر وأكثر، مال رائد على رأسها المستند أعلى صدره يشتم أنفاسها :
" هو حد شربك حاجة ولا ايه ؟! اصل مش طبيعي تنامي براحة في موقف زي ده وأنتِ واقفة كمان "
اعتدل لا يدري ما يفعل، فجأة سمع تمتات تسبيح التي كانت تطلقها خلال نومها، لتتعالى ضحكات رائد بصخب كبير، ثم انحنى بسرعة يلتقط جسدها كله بين أحضانه وهي استكانت براحة شديدة هناك ..
قبّل رائد جبهتها بحب، ثم تحرك صوب باب الغرفة ينادي والدته بصوت هادئ خشية أن يوقظها :
" امي ...يا امي "
ركضت له نعمة والتي كانت تنظف المنزل مع بعض فتيات القرية اللواتي جئن للمساعدة :
" نعم يا حبيبي ....ايه ده ؟؟ هي نامت ؟؟ "
نظر لها رائد بحنان شديد، ثم قال بحب ولطف :
" تقريبًا كانت الايام اللي فاتت سهرانة بسبب التوتر وتعبت فنامت من غير ما تحس، معلش بس شوفي لو فيه راجل في الطريق عشان مش عايز انزل نقابها وهي نايمة لاحسن تتخنق "
هزت والدته رأسه وهي ما تزال تنظر صوب تسبيح بدهشة كبيرة، لكنها تحركت بسرعة تستكشف الطريق له، ومن ثم عادت تقول :
" تعالى يابني مفيش رجالة في الصالة "
عدّل رائد من وضعية حمله لتسبيح، يتحرك صوب الدرج صاعدًا إياه بخطوات واسعة وهو يحرص على ألا تتعرض تسبيح لأي ازعاج، وبمجرد أن وصل لذلك الطابق تحرك صوب الغرفة التي تقطنها تسبيح وحاول فتح الباب بصعوبة شديد وهو يلقي بجسدها على كتفه يرفع يده بسرعة يفتح الباب ثم دخل مغلقًا إياه خلفه ..
وضعها على الفراش بحنان شديد يساعدها لتخلع ذلك الحذاء النسائي الابيض ومن ثم النقاب الخاص بها، واخيرًا خلع الحجاب، واطال النظر فيها لثواني قبل أن يتحرك مقتربًا منها ينحني بنصفه العلوي هامسًا :
" اعتقد مفيش طريقة اغرب من دي لقضاء يوم كتب كتابنا يا توتا "
صمت يراها تنام بشكل هادئ، وملامح غاضبة بعض الشيء ليبتسم متحسسًا خصلاتها المتموجة بعض الشيء، ومن ثم قال بتفكير :
" بس مفيش مانع لو ختمناها بشكل الطف"
وفورًا تمدد جوارها ببطء شديد وحرص ألا تستيقظ، وبعدها مد يديه يجذب جسدها له لتنام بين مسكنها الذي سقطت به في النوم .
تنهد تنهيدة عالية مرتاحة وهو يقول :
" وبكده نختم ليلتنا الاولى سوا بشكل احسن، تصبحي على خير يا توتا "
______________________
دخل غرفته كي يبدل ثيابه ويرتاح قليلًا من ذلك اليوم المرهق، ابتسم يتحرك صوب المرحاض الصغير الذي أصر على والده لبنائه داخل غرفته حينما بلغ الثامنة عشر، مدلل كان وصعب المراس تمامًا كوالدته، فإن صدقت تلك الحرباء في شيء فهو أنه يشبه طباع والدته بالضبط .
ابتسم بسمة شجن وهو يتحرك صوب فراشه يمسك الصورة التي تتوسط الطاولة جواره يتحسسها بحب :
" شوفتي رانيا يا ميرو ؟؟ عجبتك ؟؟ "
صمت ثم رفعها يقبلها بعشق كبير :
" متاكد انك هتحبيها اوي، لأني أنا كمان بحبها وأنتِ قولتي أنك بتحبي أي حد أنا بحبه صح ؟؟"
صمت ثم قال ببسمة وضحكة خافتة :
" وانا برضو بحب اي حد بتحبيه ومش بحب اللي مش بتحبيه، عشان كده عمتي متغاظة مني "
سقطت دمعة على الصورة بين يديه وقد سافرت به ذكراه لذلك اليوم الذي شيدت فيه صفاء قلاع كرهٍ داخل عقل صالح ..
بعد وفاة والدته بيوم، وبعد دفنها قرر أن يدفن نفسه معها ويعيش بلا روح، سجن نفسه في غرفته ورفض مقابلة أحد أو أخذ العزاء أو مجاورة شقيقه ووالده، فقط يبكي بلا توقف ويدفن نفسه بين طيات فراشه ..
حتى فُتح باب غرفته بعنف شديد يسمع صوت صيحات عمته وصوت والده الذي يحاول أبعادها عنه .
" يا صفاء مش كده، بقولك الولد مش قادر دلوقتي سيبيه في حاله "
صرخت به صفاء وقد ساءها أن يبكي بهذا الشكل دون أن يتمالك نفسه، غير مدركة لما اضطر أن يراه ويتعايشه ..
" ويفضل كده لغاية امتى يعني ؟؟ هيفضل يبكي عليها لغاية امتى ؟؟ مش يبقى راجل كده ويقوم ياخد عزاها؟؟ أمه خلاص ماتت بلاش يوقف حياته بالشكل ده "
كان صالح يهتز بجسده وهو يدفن رأسه بين ساقية المضمومتان إلى صدره يتحرك للإمام والخلف وهو يزيد من هدير بكائه، لا يود سماع صوت أحد ..
ثواني ووصل له صوت صلاح الذي حاول تدارك الأمر بين عمته ووالدته :
" يا عمتي مينفعش كده، الدكتور قال منضغطش عليه، لو سمحتي اتفضلي برة وسيبيه لوحده "
صرخت صفاء في وجهه بعنف شديد :
" أنت كمان هتقولي اسيبه لوحده ؟؟ الناس برة يقولوا ايه؟ مش عايز يطلع ياخد عزا امه ؟؟ نقولهم معلش اصل الاستاذ مش قادر يمسك نفسه لما العزا يتفض عشان يقعد يعيط عليها ؟!"
ارتفع صوت بكاء صالح أكثر وبدأ جسده يرتعش لتزيد من حدة صراخ صفاء وصوت مرتضى يعلو أكثر وأكثر يحاول إخراج أخته من المكان، أخته التي رضعت القسوة مع حليب والدتها وورثت الشدة مع منصبها ككبيرة للعائلة بأكملها ..
" يا صفاء مينفعش اللي بتعمليه ده، سيبي ابني في حاله، يا ستي أنا مش عايزه ياخد العزا معانا، سيبيه في حاله الله يكرمك "
" افضل أنت كده دلعه واعمله اللي عايزه، لما هيطلع طري وملوش شخصية، من صغره وانا اقولك أنك مدلعه وغلط اللي بتعمله بس انت مسمعتش واهو شوف اللي ...."
الاصوات تتزايد حول صالح والصراخات تتقاذف بين الاثنين وصوت بكاء صالح يزداد بقوة، حتى انتفض الجميع على صرخة صلاح الذي خرج واخيرًا عن هدوءه وطارت آخر ذرات تعقله يدفع بعمته للخارج دون وضع أي اعتبار لسنها، انهيار صالح جعله يفقد أعصابه وهو يصرخ بها في جنون :
" اطلعي برة، اطلعي برة الاوضة والبيت كله، ملكيش دعوة بيه، برة، اخرجي من هنا ملكيش دعوة بينا"
كان يتحدث وهو يدفعها بشكل هيستري جعل مرتضى يسحب شقيقته بخوف من تصرفات صلاح والذي كانت عروقه بارزة بشكل مرعب وعيونه حمراء وصوته جلب انتباه الجميع في المنزل :
" ملكيش دعوة باخويا، عايزة روحي خدي أنتِ العزا لاحسن الناس ياكلوا وشك، لكن اخويا متقربيش منه، محدش ليه دعوة بيه، كلكم ملكوش دعوة بيه "
أنهى حديثه، ثم نظر لوالده وهو يتنفس بعنف شديد ليجذب والده صفاء المصدومة للخارج مقدرًا حالة ابنه، وصلاح اغلق الباب بقوة، ثم تحرك صوب الفراش سريعًا يجذب جسد صالح له وهو يهمس له أن كل شيء سيكون بخير، يهمس له أنه جواره للابد، ويقبل رأسه بحب :
" عيط يا حبيبي، عيط واوعى تكتم حزنك، عيط يا صالح، عيط وانا جنبك على طول ياقلبي "
وفجأة ضمه صالح بقوة وهو يشهق ويبكي ويردد كلمات حول والدته، كلمات لا علاقة لها بأي شيء وهو يصرخ وجعًا :
" قتلها ....هي ملهاش ذنب ...قتلها يا صلاح "
سقطت دموع صلاح وهو يتسطح جاذبًا رأس أخيه له يقرأ عليه كل ما يتذكر من آيات القرآن ويردد له أن يهدأ، وصالح يحاول أن يخفي جسده في أخيه مرتعشًا، وصلاح يغمض عيونه وهو يتحدث معه في أمور لا علاقة لها ببعضها فقط ليشغل باله عن أي وجع قد يناله .
" صالح بقولك ..."
انتفض صالح عن فراشه فجأة حين سمع صوت صلاح، ليمسح دموعه بسرعة ملقيًا صورة والدته على الفراش وهو ينظر له ببسمة صغيرة :
" نعم يا صلاح ؟؟"
نظر له صلاح بشك :
" أنت كنت بتعيط ؟!"
هز صالح رأسه بلا، ليقترب منه صلاح يتحدث بجدية كبيرة :
" اوعى يكون كلام عمتك زعلك ؟!"
نفى صالح برأسه يقول بمشاكسة :
" لا، أنت عارف أن كلامها مبقاش يفرق معايا، بعدين أنا مش بسكت ليها "
ربت صلاح على كتفه بحب قبل أن يضمه له، ثم قال بجدية :
" اوعدني في أي لحظة تزعل تيجي تقولي، الحمل بيخف لو شاله اتنين يا صالح "
بادله صالح العناق وهو يقول بغموض شديد وصوت هامس :
" والكلام نفسه ليك يا صلاح، اوعى في يوم تشيل همومك لوحدك، مش معنى أنك اكبر بدقيقتين يبقى تعيش دور الكبير عليا وترفض تشاركني في أحزانك "
نظر له صلاح بأعين غائمة بالعديد من المشاعر لكنه رغم ذلك ابتسم بسمة صغيرة هامسًا :
" صدقني لو الاحزان دي كانت أحزاني أنا مكنتش هلاقي غيرك اشاركه فيها، لكن مقدرش اقول حاجة"
ابتسم له صالح يمازحه بحب :
" خلاص مش لازم تقول، عيط من غير ما تتكلم "
أطلق صلاح قهقهات عالية عليه وهو يربت عليه بحب شديد :
" اوعدك وقت ما احتاج اعيط، هاجي اقولك عايز اعيط يا صالح، اصلا مش هتلاقي غير حضنك تعيط فيه "
ضمه صالح بحب كبير، فصلاح ليس شقيقه وتوأمه فقط، بل هو انعاكس لنفسه، النص الآخر لروحه:
" إن شاء الله متجيش اللحظة دي يا صلاح "
_________________
ها هو اليوم قد انتهى واخيرًا وحانت لحظته مع نفسه ليحتفل كما يجب أن يكون، نظر حوله في المنزل يبحث عن شيء ما وهو يفكر ما الذي ينقصه لمثل هذا الاحتفال ؟!
نعم، شريك .
لذلك تحرك سريعًا صوب الطابق الذي يوجد أسفل المنزل وهو ينادي بصوت مرتفع وسعادة طاغية :
" ماجد ...ماجد أنت فين ؟؟"
وصل له صوت والده وهو يجيبه بلا تركيز تقريبا :
" مكاني يا محمود، هكون فين يعني ؟؟"
وصل محمود حيث والده ليجده كالعادة مندمجًا فيما يفعل يقطع اجزاء من بعض النباتات يغمسها في سائلٍ ذي لونٍ غريب، ثم يضعه أسفل المجهر وهو يتساءل :
" خير جيت بدري يعني ؟!"
استند محمود على طاولة الادوات الخاصة بوالده ينظر حوله لكل تلك النباتات المتناثرة بشكل عشوائي :
" بدري ايه بس يا ماجد، أنا مطبق من امبارح في شيفت"
" أيوة وايه الجديد أنت بتطبق باسبوع ومش بشوف وشك في البيت غير لما تحتاج تغير هدومك اللي عفنت عليك "
التوى ثغر محمود بحنق من حديث والده :
" ده عشان بكون عند صالح اساسا، واه على فكرة أنا بغير هدومي وبلبس من عنده مش بعفن، المهم كنت عايز اقولك حاجة مهمة كده "
ابتعد ماجد عن المجهر وهو يولي كامل انتباهه لولده، بينما محمود ابتسم بسمة واسعة :
" حبيت اشاركك فرحتي و..."
لكن قاطع حديثه صوت ماجد الذي قال كما لو أنه تذكر فجأة :
" اه صح قبل ما انسى عمك رأفت كلمني عشان حوار يخصك كده وقالي اقولك عليه "
اتسعت عين محمود بدهشة كبيرة :
" ايه ده هو عرف منين اني فرحان ؟! "
نظر له ماجد بعدم فهم ليوضح له محمود بغيظ شديد :
" اصل عمي مش بيلاقي وقت يقوي أواصر العيلة العزيزة غير لما اكون فرحان ومزقطط كده "
امسك ماجد محرمة يمسك بها كفيه جيدًا وهو يقول بصوت منخفض خائفًا من هياج ابنه حين يسمع ذلك الخبر الذي سيلقيه على مسامعه، لكنه قاله على أية حال :
" لا ما هو اللي انا هقوله ده فرح برضو "
نظر له محمود بشك جعل ابتسامة ماجد تتسع أكثر وأكثر، ليدرك محمود في تلك اللحظة أن القادم لن يعجبه بأي شكل من الأشكال، لكنه رغم ذلك استمع باهتمام لوالده ..
وماجد قال بهدوء مُقلق :
" اصل عمك شافك مش نافع في حياتك العملية فقال يساعدك في حياتك العاطفية "
اتسعت أعين محمود بقوة وهو يلتقط بعض النباتات المتناثرة على الطاولة يحركها بين أصابعه :
" هو بيراقبني ولا ايه ؟؟ متقولش هيجي يتقدم معايا لهاجر "
انكمشت ملامح ماجد بعدم فهم :
" هاجر مين؟! هي اسمها سحر "
رفع محمود عيونه عن تلك النباتات الغريبة :
" سحر مين ؟؟ أنا هتجوز هاجر "
صمت ثم أضاف بتشنج :
" بعدين أنا معرفش حد اسمه سحر "
وضح له ماجد يستند بيده على الطاولة وهو يشمر أكمام قميصه مرتديًا نظارته التي يخفي خلفها أعين تشبه عين ولده :
" ولا هتعرفها، بس هي عارفاك كويس اوي وشكلها لمحت لابوها اللي هو اخو مرات عمك، وهو راح كلم أخته اللي هي مرات عمك "
تناول محمود تلك النباتات التي استفزته بملمسها الجميل يمضغها دون أن يعلم هويتها :
" أيوة طب وانا مالي بمشاكل عمي ومراته وأخوها ؟!"
انتفض جسد ماجد عن الطاولة صارخًا يمسك فك ابنه ليمنعه ابتلاع تلك الأوراق :
" أنت يا مصيبة بتعمل ايه ؟! تف يازفت تف اللي طفحته يا متخلف دي مرخية للأعصاب وممكن تعملك شلل "
بصق محمود النبتة بسرعة كبيرة وسارع ماجد يفحص فمه قبل أن يضربه على رأسه بقوة يصيح في وجهه :
" أنت ياض رمرام ؟؟ أي حاجة على بؤقك على طول كده، جاتك القرف في خلفتك "
أنهى حديثه يمد يده له بسائل ارتشفه محمود بسرعة يقول بحنق شديد وتذمر من معاملة ماجد له :
" ما هي اللي ريحتها زي المانجة"
" تقوم راميها في بلاعتك من غير تفكير ؟؟ أنت فاكر نفسك فين؟! سوق الخضار ؟؟ هنا اي حاجة بتكون مضرة اكتر من انها نافعة "
نفخ بضيق شديد ثم قال :
" استغفر الله يارب على البلوة اللي جاية تعكر عليا آخر أيام حياتي دي "
التوى فم محمود بتذمر شديد وهو يسمع حديث والده الذي أخذ يلملم النباتات من أمام أعين ذلك الكارثة المسماة ابنه :
" قصره، اقول لعمك ايه ؟؟"
ابتسم محمود يرد بدون تفكير :
" قوله مكانش يتعز يا غالي، بس انا اساسا مش طايق العلاقة من طرف واحد، عايز تربطني بيك من طرف تاني ؟؟"
رفع ماجد حاجبه يقول بسخرية :
" أقوله كل ده ؟!"
" لا قوله الجزء الاول بس، التاني ده فضفضة مني ليك "
ضحك ماجد وهو ينفض يديه حين انتهى ثم قال :
" طب قولي بقى ايه اللي كان مفرحك اول ما دخلت ؟!"
اقترب منه محمود فجأة وكأن الحماس دبّ في الصاله مرة أخرى :
" أيوة صح فكرتني، أنا كلمت اخو هاجر وهروح أقابله بكرة، ادعيلي اتوفق ويوافق عشان نتقدم رسمي "
شقت بسمة حنونة فم ماجد وهو يتحسس وجه ابنه بحب شديد وعيونه بدأت تترقرق بدموع السعادة :
" يا حبيبي ألف مليون مبارك يا حودة، ربنا يتمم ليك على خير يا بني "
حدق به محمود ثواني قبل أن يلقي بنفسه بين احضان ماجد، يضمه له بقوة وهو يردد :
" ربنا يديمك ليا يا بابا، أنا لولاك مش هكون موجود، أنا كملت حياتي عشانك وعشان أنت معايا بس "
ابتسم ماجد باتساع يزيد من ضمه لمحمود :
" وانا لو عايش في الدنيا دي عشان حاجة، فأكيد عشان شغلي يابني "
ضحك محمود بصوت مرتفع يبتعد عن ماجد وهو يمسح دمعة وهمية :
" كده يا ماجد وانا اللي لسه كنت هدمع؟! طب انسى اني أديك من الاكل اللي جبته "
اعتدل والده في وقفته بملامح جادة :
" ايه ده بجد جبت اكل !! أنا هموت من الجوع من بدري"
ابتسم له محمود يتحرك خارج المعمل :
" لا خلاص مفيش اكل "
ركض ماجد يتجاوز محمود بسرعة كبيرة صوب المطبخ :
" عندك حق، مفيش اكل ليك "
اتسعت أعين محمود بصدمة ليسرع بالهرولة خلف والده يعلم القادم، فماجد حينما يقضي ساعات طويلة داخل المعمل يتحول لوحش على استعداد تام لاكله هو شخصيًا ..
" لا بابا متهزرش أنا جايب اكل لينا احنا الاتنين، طب ...طب استنى طيب اصبر أنا جعان أنا كمان ..."
_____________________
نجح الجزء الاول من خطته، حيث وضع ميمو بالتحديد داخل غرفته هو، ليستغل وجود نافذة على الحديقة الخلفية وتتيح له تنفيذ ما خطط له ..
وقف يعدل من وضعية ثيابه، ولاول مرة يرتدي رابطة عنق بلا سترة، فقط قميص ابيض وبنطال اسود ورابطة عنق سوداء زادته وسامة .
ابتسم يشير بإصبعه صوب رائد وصالح اللذين يحملان العديد من البالونات، وهو أيضًا يحمل بين أصابعه بالونات، لكن خاصته كانت مميزة، إذ وضع في آخر خيط البالونات خاتم الخطبة الذي انتقاه بكل حب .
تنفس صلاح بصوت مرتفع قبل أن يخرج هاتفه يتصل بها، ثواني ووصل له صوتها، ابتسم بسمة واسعة فقط لسماع نبرته الناعسة بعض الشيء، ولم يطل الحديث إذ قال :
" اطلعي للشباك اللي جنب دولابي ."
تعجبت ميمو مما يقول، تفرك عيونها بقوة محاولة استيعاب ما يحدث، لكن صوت صلاح جعلها تنتفض بسرعة متحركة صوب النافذة وضربات قلبها تزداد دون معرفة شيء، لكن نبرته وحدها كانت كافية لتشعرها أن هناك ما يخفيه ..
وقفت ميمو بالنافذة وهو ما يزال يقف في الاسفل يمسك خيط به العديد من البالونات الملونة وفي نهاية الخيط وضع خاتمها.
اول خطوة لتحقيق حلمها الذي أخبرته عنه قبلًا .
اتسعت عيون ميمو بقوة وقد بدأ قلبها ينتفض وهي تشعر بالكون حولها بدأ يحتفل ويتراقص لأجلها، احضر لها بالونات ووقف أسفل نافذتها كما تخيلت يومًا ؟!
ضحكت بعدم تصديق وهي تضع كفها أعلى فمها :
" أنت...أنت بتعمل ايه ؟؟"
ابتسم صلاح بسمة واسعة وهو يقول بحب :
" بحقق أول احلامك "
شعرت ميمو بتجمع دموع في عينها، ولأول مرة تكون دموعها فرحة وليس حزنًا أو وجعًا أو حتى قهرًا .
ابتلعت ريقها تقول :
" أنا ...أنا مش ..صلاح بجد أنا حاسة قلبي هيقف من الفرحة "
وكانت هذه الكلمات البسيطة اكثر من كافية لذلك الرجل ليخر ارضًا يطالبها بالرحمة، ارتجف جسد صلاح شوقًا لها وهو يقول في الهاتف وعيونه مثبته على وجهها :
" خليني المرة دي اعرضها بشكل مختلف يا ميمو ..."
صمت قبل أن يقول بصوت أجش محمل بكل مشاعره :
" تقبلي تكوني زوجتي العزيزة وبطلتي الوحيدة اللي هذكرها في كل فصول حياتي يا مقدس "
سقطت دموع ميمو بقوة وهي تشهق بصوت مرتفع جعل صلاح ينظر لها بخوف، لكن قاطعت هي نظرات خوفه تهز رأسها بسرعة كبيرة :
" أيوة ...موافقة يا صلاح، موافقة "
ابتسم صلاح وهو يقول بحب كبير :
" طب أنا هسيب البلالين تطلع شوية لغاية عندك امسكيها، ماشي ؟!"
ورغم أنها لم تفهم ما يريد إلا أنها قالت بسعادة :
" ماشي، سيبها "
ابتسم صلاح وهو يحرر الخيط شيئًا فشيء من بين أصابعه، مع احتفاظه بنهايته حتى يتأكد أنها أمسكت بهم ويتركه، وحينما تأكد انها فعلت ابتسم وقال :
" تمام سيبيهم براحة وامسكي نهاية الخيط "
وبتلك الكلمات حرر صلاح الخيط ببطء شديد يراقبه يعلو في الهواء بسبب امتلاء البالونات بغاز الهيليوم الذي يتسبب في طوفانها .
نظرت له ميمو بتعجب وهي تمسك بالبالونات، لكن فجأة انزلقت من بين أصابعها لتطير في الهواء وتبتعد عنها وهي حاول القفز وامساكهم، لكن فشلت مساعيها، ولم تكد تعتذر لصلاح عن الأمر حتى سمعت صرخة صلاح المقهورة :
" البالونات ...يا مصيبتي البالونات "
نظرت له بتعجب واعتذرت :
" معلش غصب عني، اعتبرني اخدتهم "
أعاد صلاح خصلات شعره للخلف بصدمة وهو يحدق بالبالونات تبتعد عنهم بحسرة يكاد يبكي :
" اخدتي ايه يا مصيبة البالونات فيها الخاتم "
" خاتم ؟!"
" أيوة الخاتم، مش دي أمنيتك اعلق الخاتم في البالونات"
شهقت ميمو بصوت مرتفع في الوقت الذي خرج صالح من خلف المنزل وهو يقول بتشفي واضح ومازال يحمل باقي البالونات بين أصابعه والتي كان من المفترض أن يتركها تطير في الهواء من حولهم حينما تردي الخاتم :
" عشان قولتلك بطل الفزلكة بتاعتك دي وارميلها علبة الخاتم في وشها هي تتصرف فيها براحته، تطيرها بقى تعلمها سباحة هي حرة، لكن ازاي أي تقاليع فارغة وخلاص"
استدار صلاح لصالح يصرخ غاضبًا في وجهه وهو يجذب ثيابه له :
" أنت هتقف تشمت فيا يا خويا، اجري اتنيل شوف البالونات راحت فين "
" هو ايه اللي اشوف البالونات راحت فين دي ؟؟ ايه بتكلم دكر وز هطير وراهم ؟؟ انت عبيط يا حبيبي ؟!"
زفر صلاح بقوة وهو يشير لرائد :
" مستخبي ليه ما تتنيل تطلع أنت التاني، اجري شوف أي عيل يضربهم بنبلة أو ينشن عليهم وهاتوا الخاتم منك ليه "
في تلك اللحظة كانت ميمو قد هبطت لهم وهي ترتدي أحد السترات الصوفية الخاصة بهم، وبمجرد أن وصلت لهم وضعت يدها على فمها بقوة تكتم ضحكة صاخبة كادت تفلت من فمها، لكن نظرات صلاح للسماء وهو يبحث عن البالونات بعيون متحسرة جعلتها تنطلق في الضحك بقوة ...
" أنا آسفة والله بس ...بس مش قادرة بجد، يارب هموت، نظراتك هتموتني "
نظر لها صلاح بغيظ شديد وهي تزيد من ضحكاتها في الوقت الذي تحرك صالح بعيدًا عنهم بتفاخر :
" عشان بس تسمع كلامي، أما اروح اتصل برانيا اقولها تقف فوق السطح يمكن البالونات توصل ليها ويبقى من نصيبها الخاتم "
رمقه صلاح بشر ليقترب منه رائد يقول بصعوبة كبيرة بسبب كتم ضحكاته :
" معلش يا صلاح ...تعيش وتطيّر يا حبيبي "
وبمجرد انتهاء كلماته انفجر في ضحك صاخب وهو يحمل باقي البالونات يقول بصوت ضاحك :
" وبما إن مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد، فأنا هاخد باقي البالونات دي لزوجتي العزيزة طالما كده كده الليلة خربت على دماغك "
راقبهم صلاح يرحلون وهو فقط مقتضب الملامح جامد الوجه، لكن صوت ضحكات ميمو جعله ينظر لها وهي لم تتمكن من كتم ضحكتها لتسقط ارضًا جالسة :
" والله حقك عليا، بس ...بس مش قادرة، مكانش قصدي غضب عني "
نفخ صلاح يجلس ارضًا جوارها يرفع أكمام قميصه وهو يقول بنزق :
" اهي الليلة باظت والدنيا باظت، قعدت اظبط فيها ساعات "
نظرت له ميمو من بين ضحكاتها بأعين تلتمع بمشاعر عديدة، ومن ثم ابتسمت له بحب كبير :
" أنا فرحت اوي، ولاول مرة احس بالفرحة والضحكة خارجة من قلبي، شكرا ليك، واسفة اني بوظت اللي كنت بتخطط ليه"
اطال صلاح النظر لها ثم هز رأسه بهدوء وقال مبتسمًا بحنان :
" مش اتبسطتي ؟؟"
هزت رأسها بنعم ليحرك كتفيه :
" يبقى فداكِ يا مقدس "
شعرت ميمو بقلبها يعلن احتفالًا بمناسبة عيد مولده الاول بعد ركود طويل، حدقت فيه وقالت :
" أنا سعيدة اوي "
" عشان البلالين ؟؟ لو تحبي ممكن أخد باقيتهم من رائد ونطيرهم و..."
قاطعته ميمو وهي تقول بتأثر شديد :
" لا مش قصدي كده، مع أن البلالين فرحتني، وأنك فاكر كلام في لحظة انهيار ليا، بس ...بس انا سعيدة أنك بتناديني باسمي، اسمي اللي دفنته وانا خايفة شخص يلوثه بعد ما كان انقى شيء في حياتي "
عيونها وهي تتحدث له، حركات يديها وهي تتحدث له، حركات رأسها وبسماتها التي تتخلل حديثها، كل تلك الإماءات جعلته يتلذذ بالحوار، ويستشعر بقيمة الثانية التي تمر عليه وهو جالس أمامها ..
كانت العلاقة بينهما في تلك اللحظة طردية، هي تتحدث وهو يحسن الاستماع، تشير وهو يستجيب لها، تبتسم وهو يهيم.
" اسمك جميل اوي ومميز وكأنه بيوصفك بالضبط"
رمقته بفضول ليتساءل هو :
" مين اختارلك اسمك ؟!"
وسريعًا ارتسمت بسمة حنونة على طرف شفتيها تنطق اسمها بتلذذ شديد وكأنها تفتقد أن يخرج منها ذلك اللفظ التحببي الذي لم تجد ما ينافسه جمالًا:
" ماما، هي اللي اختارت ليا الاسم ده، وعلى عكس تفكير ناس كتير، فالاسم الحقيقة مش وراه قصص حماسية وهكذا هو كان في الحقيقة الاسم اللي ماما كان ليها حق اختياره، وهي من صغرها كانت شغوفة بالقضية الفلسطينية وأخبارها وكان نفسها تكون مذيعة وتسافر غزة وهكذا"
ابتسمت بحزن وهي تكمل :
" لكن خاب أملها لما جدي جوزها وهي صغيرة، فقررت تخليني احقق أحلامها، وحاربت عشان تسميني اسم لشيء هي بتحبه، فقررت تديني اسم مَقدس "
مال صلاح قليلًا وهو يردد ببسمة :
" وكان عندها وجهة نظرة لأن الاسم بيوصفك تمامًا "
نظرت له بفضول، لكنه تجاوز ذلك الجزء لجزء اهم، أن يعرض عليها عقد قرانهما فقد تاق لضمها له، ومل من ذلك البعاد :
" ميمو...هو ممكن ا..."
وقبل أن يكمل كلمته وجد جسد يقاطع جلستهما بقوة وهو يركض صوب ميمو يجذبها من اكتافها وجسده ينتفض بقوة ..
ولشدة توترها من ملامح مختار المرتعبة والشاحبة قالت وهي تضم وجنتيه بحب وحنان :
" مالك حصل ايه ؟؟"
تحفز جسد صلاح بقوة وقبل أن يتدخل بكلمة أشار مختار باصابعه لها بكلمات لم تكن مفهومة لصلاح لكنها جعلت أعين ميمو تتسع بقوة وهي تردد برعب :
" نيرمينا ؟؟ راحت فين ؟؟ مش لاقيها ازاي ؟؟"
______________________
" لا يا رانيا أنا قولت مش هتكلم معاه تاني، هو مين عشان يدي لنفسه الحق أنه يزعقلي بالشكل ده ؟؟"
كانت تلك الكلمات تتردد في غرفة رانيا بقوة تكاد تحطم الجدران أعلى رؤوس قاطني المنزل، وكل ذلك لأنها تحدثت معها حول غضبها من عبدالجواد .
ابتلعت ريقها تحاول أن تجد ثغرة للدخول منها، لكن مروة قطعت عليها أي طريق وهي تردف بجدية :
" رانيا متتكلميش معايا في الموضوع ده لو سمحتي، اخوكِ اساسا عايز يتربى "
تمتمت رانيا بصوت منخفض وهي تعبث في هاتفها بلا اهتمام :
" والله الأربعة عايزين يتربوا، اكسبي فيهم ثواب وشوفي حد يربيهم معاكِ وأنتِ بتربي عبدالجواد، عشان يعرفوا أن الله حق "
" بتقولي ايه !!"
ابتسمت رانيا وهي ترفع رأسها لمروة مرددة بجدية كبيرة :
" لا يا حبيبتي بقولك أنتِ صح "
فجأة انتفضت رانيا من جلستها بسبب اهتزاز هاتفها والذي أصبحت تضعه على وضعية الصامت اغلب الوقت تحسبًا لوجود أحد اخوتها جوارها، والذين إن علموا أمر حديثها مع صالح في الهاتف لحطموا الهاتف فوق رأسه واطعموه إياه..
نظرت لها مروة بشك لتبتسم رانيا بسمة صغيرة وهي ترى اسم صالح ينير هاتفها، تراقص القلب طربًا لرؤية احرف اسمه أمامها.
ابتسمت لها مروة وهي تنتزع حقيبتها عن المقعد وتسير خارج الغرفة بأكملها :
" طب همشي أنا بقى عشان تتكلمي براحتك "
ابتسمت لها رانيا وهزت رأسها تودع مروة، خرجت من الغرفة وتحركت للاسفل، ومنه لباب المنزل لكن وقبل أن تصل له توقفت أمامه على صوت عبدالجواد الذي ناداها :
" مروة لحظة "
توقفت مروة واستدارت له ببطء وقالت بهدوء :
" نعم يا باشمهندس ؟؟ فيه حاجة ؟؟"
نظر لها عبدالجواد بحنق شديد لا يعجبه تلك المعاملة التي أضحت تتبعها معه وكأنها تنتقم منه عن طريق تجاهلها ومعاملتها الرسمية معه .
" مروة ما كفاية المعاملة دي، أنا مكانش قصدي احرجك قدام حد، أنتِ اللي عصبتيني اساسا وأنتِ بتطلبي مني اصورك معاه، بالله عليكِ مين يتسحمل كده، اصلا مينفعش"
" هو ايه اللي مينفعش يا باشمهندس ؟! أنا بس معجبة بكتاباته مش اكتر، اكيد يعني مش هبصله بالشكل اللي في دماغك "
زفر بصوت مرتفع وهو يحاول توضيح وجهة نظره لها، وهي التي لا ترى ابعد من أحلامها الزاهية:
" مروة الموضوع مش بيتقاس كده، ده في الاول والاخر راجل وغريب عنك، وانا مقدرش اسمح أن شيء زي دي تحصل، فقدري موقفي "
نظرت له مروة بملامح حزينة وقالت وهي تستشعر خطأها:
" أنا بس كان نفسي اتكلم معاه في الروايات بتاعه واخليه يوقع ليا على باقي الكتب والروايات والله ما كان قصدي حاجة وحشة "
وتلك النظرات أثارت في نفسه حزنًا وضيقًا، فزفر وهو يقول بتفكير :
" يعني لو خليته يوقعلك على الكتب بتاعك هتسامحيني وتكلميني عادي ؟!"
نظرت له مروة بصدمة وعدم فهم لتلك الكلمات :
" ايه ؟؟"
_______________
في الاعلى حيث رانيا ...
كانت تتحرك في الغرفة ذهابًا وايابًا وهي تسمع صوت صالح يصدح في هاتفه، تحاول أن تكتم بسمتها وكأنه يراها .
" بتحبي البلالين يا رانيا ؟!"
تعجبت رانيا السؤال، لكن خيالها الخصب أقنعها أن تسير مع في تلك المحادثة وتجاريها، لربما قرر صلاح أن يفعلها ويفاجئها بشكل رومانسي :
" اممم بحب البلالين الحمرا اوي "
نظر صالح للبالونات امامه وهو يفكر :
" للاسف اللي معايا ابيض و اسود، بس تقريبا رائد خد الحمرا، هروح اجيبهم منه "
ضيقت رانيا ما بين حاجبيها بعدم فهم :
" رائد ايه وملونة ايه ؟؟ أنت بتقول ايه ؟!"
ربط صالح البالونات في الفراش الذي نقله لشقته في منزل والده وترك غرفته لمختار ..
" اصل انا معايا شوية بلالين كده خرجت بيهم من خيبة صلاح، وكنت الصراحة مستخسرهم، المهم سيبك أنتِ وركزي معايا "
صمتت رانيا وكأنها كانت تتحدث من الأساس وهو قال ببسمة واسعة وسعادة طغت على صوته :
" اكيد فاكرة أنك اخر الاسبوع ده هتكوني خطيبتي صح ؟؟"
وكعادتها شعرت رانيا برغبة عارمة في إغلاق الهاتف والقاءه من النافذة والاختفاء أسفل مفرش السرير لتخفي خجلها عنه وكأنه يراقبها، وصالح الذي كان بالفعل يشعر بكل ما تفعله قال :
" عشان كده قررت اني حابب اشوفك لابسة فستان جميل في الخطوبة "
قالت رانيا بصعوبة بسبب خجلها :
" طيب ...طيب انا هشتري فستان و..."
قاطعها صالح وهو يفرك خصلات شعره بقوة كي يتمالك نبرة صوته التي خرجت ممتلئة بالمشاعر التي أجمعت كلها على إدمانه للحديث مع تلك الفتاة :
" امممم لا ماهو حسب عادات البلد عندي فالفستان بتاع الخطوبة والجذمة وكل ده على العريس "
رمشت رانيا بقوة وهي تقول متفاجئة :
" ده بجد "
" أيوة والله بجد، وحتى لو مش بجد بس انا حابب اديكِ الفستان ده"
" الفستان ده ؟؟؟"
تحرك صالح صوب الهاتف الخاص بصلاح والذي صادره منه لتتبع الطلب الخاص به وقال وهو ينظر له بأعين متفحصة :
" كمان دقيقة هتسمعي الجرس بيرن، تنزلي بسرعة تستلمي الاوردر اللي بعته ليكِ ووقتها قوليلي رأيك "
شعرت رانيا بالصدمة وهي تقول :
" اوردر ؟؟ أنت طلبت عشاني حاجة!!"
" أيوة "
ركضت رانيا بسرعة خارج غرفتها والحماس يكاد يجمد أطرافها، ابتسمت تركض صوب باب المنزل، تتجاهل أم اخوتها اجمعين يجلسون رفقة والدها في بهو المنزل ..
فتحت الباب تخطو خارجة لولا صوت جبريل الذي تساءل بعدم فهم :
" رايحة فين كده يارانيا ؟؟"
" فيه اوردر هستلمه يا جبريل و..."
وقبل أن تكمل جملتها جذبها جبريل للداخل ببسمة هادئة :
" طب في اوضتك وانا هجيبه ليكِ، اكيد مش هتستلميه بشعرك يا رانيا "
صُدمت رانيا تتحسس خصلاتها، في الوقت الذي علىٰ رنين المنزل ليتحرك جبريل ويذهب لاستلام الطلب الذي ظن أن شقيقته هي من طلبته...
أخرج الأموال ليدفع ثمنه لكن العامل قاطعه :
" لا يا فندم ده اوردر مدفوع "
أخذ منه جبريل الحقيبة بعدم فهم :
" مدفوع ؟؟"
هز العامل رأسه يتحرك من أمام المنزل بينما هو دخل المنزل ليجد رانيا تنتظر بشوق :
" هو مين دفع الاوردر ده يا رانيا ؟!"
نظرت له رانيا بصدمة ولم تحسب حسابًا لذلك، وشعرت بقلبها يطرق برهبة وقد انتبه لها الباقيين، لولا صوت رؤوف الذي خرج بنبرة عادية وهو يتناول بعض التسالي :
" أنا اللي دفعته يا جبريل يا حبيبي"
نظر جبريل لوالده وهو يعطي لرانيا التي اخذتها منه وقبلت وجنته بحب رغم كرهها للكذب عليهم، لكنها قررت أن تخبرهم بالأمر لاحقًا، نظرت لوالدها الذي غمز لها مشيرًا لمعرفته بالأمر ...
تحركت صوب غرفتها وعاد رؤوف لمشاهدة التلفاز يتذكر مكالمة صالح له يستأذنه أن يهادي ابنته بفستان وحذاء وكل ما يخص طلتها في حفل خطوبتهما اتباعًا لعادات بلدته ...
وصلت رانيا الغرفة وهي تلقي الحقيبة على الفراش تستمع لصوت صالح الذي التزم الصمت طوال رحلتها للغرفة :
" افتحي الشنطة "
وبالفعل نفذت حديثه لتبصر أمامها ثوب طويل مظهره خاطف الأنفاس باللون السماوي وحجاب ابيض جميل، وحذاء ابيض، كان كما لو أنه أختار طلة لملاك ..
" عجبك ؟!"
" صالح ده ...ده ...أنا ..ده حلو اوي اوي، أنا مش مصدقة عيوني بجد، صالح أنا "
صمتت تستشعر دموعها التي سقطت سعادة، صالح ذلك الخبيث يصمت ويهدأ و فجأة يلقي بنقبلته على حين غرة ودون أن يستوعب أحد شيء .
" سعيد أنها عجبتك اوي يا رانيا، لانك تستحقي كل جميل"
حسنًا هذا كثيرٌ عليها، وقد فاض كيلها ولم تستطع أن تحتمل، ودون أن تعطيه اي مقدمات أغلقت الهاتف بسرعة وهي تقول كلمات سريعة :
" شكرا ..شكرا، جميلة اوي "
أغلقت الهاتف تلقيه على الفراش برعب وكأن صالح سيخرج ليلتهمها، ابتلعت ريقها وهي تقترب منه تراقبه بريبة وخوف شديد، ثم ابتسمت بقوة ترفع الثوب أمام عينيها وبعدها ضمته لصدرها بقوة وحب شديد تقول هامسة :
" شكرا اوي ..."
وعلى الطرف الآخر كان صالح هائمًا في الهاتف ومن ثم نظر للسماء يتنفس بصوت مرتفع :
" العفو....."
______________________
دخل بسيارته البلدة ينظر حوله، يتابع هاتف شقيقته الذي قاده لمنزل تلك العقربة السامة التي هددته بحياته، تهدده بزهرة وبخسارتها، لكن لن يسمح لها ..
توقف بالسيارة في منتصف القرية وهبط منه يوقف أي شخص يتحرك أمامه لسؤاله عن منزل صلاح السقاري والذي يشكر حظه أن تذكر اسمه .
وبعد أن علم مكان المنزل قاد سيارته صوب المنزل حسب وصف إحدى السيدات التي كانت تغازله وهي تتحدث عن عيونه ومظهره .
زفر يخلع سترة ثيابه يلقي بها داخل السيارة ثم هبط يغلق بابها بقوة شديدة، تحرك يتخطى باب الحديقة الصغير، متوجهًا صوب الباب الداخلي ليطرقه ..
وفي الداخل كانت ميمو على وشك الانهيار وهي تصرخ باسم نيرمينا وصلاح يعرض كاميرات أمام منزله لتتسع أعين الجميع من مشهد نيرمينا التي كانت تقف أمام المنزل تلتقط لها بعض الصور، لكن فجأة توقفت سيارة بجوارها تستغل أن الشارع يكون فارغًا في ذلك الوقت المتأخر وسحبتها لها بقوة ..
ارتج قلب مختار بقوة وهو يشعر بالنيران تشتعل داخله وجنون ميمو قد زاد للضعف وهي تتحرك بسرعة كبيرة صوب الباب صارخة :
" مختار تعالى معايا بسرعة، عرفت مين الكلاب اللي اخدوها "
ركض خلفها مختار وصلاح نظر لهما قبل أن يلحق بهما ووالده عاجز عن المساعدة ..
أمسكت ميمو مقبض الباب في اللحظة التي على الطرق عليه وبمجرد أن فتحته صُدمت لرؤية سعيد يقف أمامه وهو يرمقها بشر كبير :
" تصدقي بالله يا حرباية انتِ أنا هـ ..."
وتوقف عن الحديث فجأة حينما أبصر ملامح الجزع والغضب على وجوه الجميع، ليشعر بوجود خطبٍ ما في المكان .
تساءل بريبة وشك وقد قفز قلق مجهول لصدره :
" هو فيه ايه ؟؟؟؟؟؟؟"
__________________
هي خطوة تفصلك عن الغفران، فأما أن تخطوها بكامل قناعتك وتتقبلها، أو تعزف عنها وتنفرها.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رحمة نبيل
بعتذر على التأخير الدقائق اللي فاتت بسبب انقطاع الكهرباء ولسه راجعة ...
#الثالث_والعشرين
دعواتكم لأهلنا في المغرب، ربنا يرحم موتاهم وينجيهم من أي كرب ألمّ بهم ...
صلوا على نبي الرحمة ..
خطى للغرفة يحمل بين أصابعه بقايا خيبة صلاح _كما سماها صالح _ يتحرك صوب الفراش يربط في أطرافه الأربعة بالونات حمراء اللون، وهو يراقب تسبيح ما تزال تنام بعمق شديد ..
ابتسم بسمة جانبية، مقتربًا منها يجلس على ركبتيه جوار الفراش :
" ايه يا مدام، نومة أهل الكهف دي ولا ايه ؟؟ أنتِ بقتلك سنين منمتيش ؟؟"
صمت، ثم مد أنامله ببطء شديد وحذر جعله يجذب يده بخوف كل ثانية أن يزعجها في نومها أو يوقظها، ابتسم أكثر حينما وجدها تتقلب صوبه ليصبح وجهها أمام أنامله بالضبط، تحدث مازحًا :
" شكلك صاحية يا سوسة، وعاملة نفسك هبلة صح ؟؟"
شرد يراقب ملامحها عن قرب، يقترب من وجهها أكثر هامسًا وهو يضع رأسه أعلى يديه جوار رأسها :
" اقولك على حاجة سر ؟؟"
صمت، ثم قال بصوت خافت أكثر وكأنه يخشى متلصصًا بالجوار :
" أنا لما ...لما عرضت عليكِ نتجوز كنت بعمل كده عشان استقر وعشان اعرف اهتم بيكِ براحتي لأني كنت حاسس بمسؤولية مجهولة ناحيتك، مش هكدب عليكِ واقولك كنت ميت في دباديبك "
تقلبت تسبيح وهي تزفر بصوت منخفض جعله يطلق ضحكة صغيرة وهو يتحرك صوب الجهة الأخرى التي انقلبت لها وجلس نفسه جلسته السابقة وأكمل :
" اصبري بس متتقمصيش كده، أنا مش قصدي اللي فهمتيه، بصي أنا زي أي شاب عايز يستقر يعني أنا ٢٨ سنة وكلها شهور قليلة واقفل ٢٩ سنة، يعني من حقي الاقي ليا سكن وبيت وعيلة وأشيل مسؤولية والحوارات اللي أنتِ عارفاها، لكن...."
صمت يتلاعب في خصلات شعرها بحنان ورقة شديد :
" لكن يا توتا اول ما عرضت عليكِ الجواز وحسيت أن الموضوع بيقرب فعلا، حسيت بمشاعر غريبة عليا، اساسا أنا كنت معجب بيكِ من قبل كل حاجة، على الاقل كنت مرتاح ليكِ عشان افكر فيكِ زوجة ليا، لكن لما وافقتي وبدأت احط في دماغي أن كلها مسألة وقت وتكوني ليا، حسيت بفرحة غريبة، ولما المأذون نطق أنك بقيتي زوجتي رسميا، أنا قلبي اتنفض من السعادة، تفتكري ممكن يكون حصل وحبيتك عادي ولا دي اعراض لحاجة تانية ؟!"
في تلك اللحظة فتحت تسبيح عيونها بنعاس شديد لا تفقه شيء، تحدق في وجه بعدم وعي، وهو ينظر لها ببسمة :
" ها تفتكري الموضوع حب ولا ايه ؟؟"
نظرت له تسبيح بعدم فهم :
" حب ايه ؟!"
" أنتِ كنتِ نايمة بجد بقى، طب نعيد من الاول "
صعد ليجلس على الفراش جوارها وهي تحدق فيما يفعل بجهل وعيونها تتحرك مع جسده بعدم فهم، بينما رائد استند بذراعه على الفراش وقال :
" كنت يا ستي بكلمك على الوقت اللي عرضت عليكِ فيه الجواز "
رمشت هي بقلة استيعاب وهو اقترب منها أكثر :
" أنتِ واعية باللي بقوله صح ؟؟"
خفضت تسبيح نظرها له ثواني تحاول فهم ما ينطق به من بين اجفانها التي كادت تنغلق، قبل أن تنتفض فجأة بشكل جعلها تصطدم في رأس رائد الذي تراجع للخلف متأوهًا..
بينما هي تراجعت للخلف بفزع وهي تتحسس رأسها:
" أنت ...أنت ازاي ...بتعمل ايه هنا ؟؟ دخلت ازاي ؟؟"
فرك رائد رأسه بحنق :
" دخلت لما كنت شايلك "
اتسعت عين تسبيح بصدمة :
" شايلني ؟؟"
ابتسم لها يرى أنها كانت في ميتتها الصغرى بدون مبالغة :
" أيوة لما نمتي اول ما حضنتك "
ابتلعت ريقها تحاول أن ترتب تلك الكلمات وتتذكر أي شيء منها :
" حضنتني ؟؟"
اقترب منها يقول بخبث :
" أيوة لما اتجوزنا "
" أتـ...اتجوزنا ؟؟ احنا اتجوزنا ؟؟"
اقترب منها رائد اكثر على حين غفلة منها يشتم فمها بجدية في حركة معتادة منه مع المجرمين والسكارى، ثم ابتعد عنها حتى لا يخفيها :
" هو حد شربك حاجة ولا ايه ؟؟ أنا شاكك من اول الليلة على فكرة "
نفت رأسها بسرعة كبيرة، ليقول بحاجب مرفوع :
" امال ايه ؟؟ مش فاكرة إن من كام ساعة كتبنا الكتاب ؟؟ أنا وأنتِ اتجوزنا وعملنا الاشهار والبلد كلها عرفت وخلاص بقيتي مراتي يا توتا "
اشارت تسبيح لنفسها بجهل :
" توتا ؟؟ أنا توتا ؟؟"
ابتسم يهز رأسه بنعم، لتبتسم هي دون وعي، ثم اعتدلت في جلستها تحاول أن تلملم خصلات شعرها الهائجة جراء نومتها والخجل ملء وجهها وكيانها بأكمله :
" أنا...أنا فاكرة أننا اتجوزنا و...بعدين مش فاكرة حاجة "
أطلق رائد قهقهات عالية :
" اكيد مش هتفتكري يا قلبي، أنتِ اول ما دخلتلك بعد كتب الكتاب، وحضنتك سافرتي العالم التاني "
وضعت تسبيح يديها على وجهها تحاول أن تخفي احمرار وجنتيها، لكن فجأة انتفض جسدها بقوة وهي تبحث بعينيها حولها وكأنها تستوعب الآن ما حدث ورائد يبحث معها عما يجهله :
" ايه فيه ايه؟؟"
" النقاب بتاعي، أنا قلعته ازاي ؟"
استنكر رائد حديثها ليلتوي فمه متهكمًا :
" بالنسبة لشعرك اللي عمالة تليسي فيه من وقت ما صحيتي ؟؟ ولا عادي نبين الشعر بس النقاب لا ؟!"
توترت تسبيح تستوعب مدى غبائها، لكن هي في الأساس لا تفقه أو تدرك شيئًا مما يحدث حولها، للتو استيقظت ومازالت لم تفق بشكل كامل..
نظرت له نظرات التائه ليضحك رائد عليها بصوت مرتفع مقتربًا منها دون إنذار يضمها لصدره مربتًا عليها بحنان وحب :
" يا تسبيح يا حبيبتي أنتِ مراتي والله فعادي اشوف شعرك ووشك، لكن أنا بس ماشي ؟!"
وإن ظن أنه بهذه الطريقة يخفف من وطأة توترها فقد أخطأ، فهي توترت بشكل مضاعف وصمتت دون القدرة على الحديث ..
" ايه يا تسبيح ساكتة ليه ؟؟ اوعى تكوني نمتي تاني "
ضربته تسبيح على كتفه بغيظ شديد وهو شرع يضحك بصوت مرتفع.
أما عنها هي فقد خجلت أن تخبره أنها بالفعل ترغب بالنوم مرة أخرى فهي لم تنل كفايتها ..
وفجأة انتفض الاثنان على صوت رنين هاتف رائد ليشير لها بالهدوء وهو يجيب الهاتف ليصل له صوت صالح الذي كان يتحدث بسرعة كبيرة جعلت رائد ينهض مبتعدًا عن تسبيح وصمت يستمع لصالح الذي ردد على مسامعه بعض الكلمات، ثم اغلق الهاتف .
احتدت عين رائد بقوة شديدة ينظر صوب تسبيح التي شعرت بوجود خطبٍ ما، فتحت فمها للسؤال، لكنه سبقها بالقول :
" تسبيح أنا هرجع القاهرة، مش هتأخر وهاجي تاني عشان اخدك ماشي ؟!"
_______________________
قبل ذلك بساعتين ...
الجميع توتر فجأة بدخول سعيد المفاجئ ووجوده الغير متوقع في هذا المكان، وسعيد شعر بوجود شيء مريب، فملامح الغضب والخوف التي علت وجه ميمو كانت نادرة، لا يراها كثيرًا .
اقترب بشك يتساءل للمرة الثانية :
" فيه ايه يا ميمو ؟؟ حصل ايه ؟؟"
كانت ميمو تنظر في كل مكان بغضب مخيف قبل أن تقترب منه ودون أي مقدمات دفعته بقوة، ثم انقضت عليه تكيل له الضربات وسعيد لم يستوعب شيء، أو يدافع عن نفسه حتى ..
لولا تدخل صلاح الذي جذبها للخلف بسرعة وهي تصرخ بجنون في وجه سعيد باكية :
" فيه أن اختك طالتها لعبتك الزبالة يا سعيد، نيرمينا اتخطفت بسببك وبسبب قذارتك، وخمن مين اللي خطفها ؟؟ "
صمتت ثم صرخت بصوت اعلى :
" الكلاب بتوعك، وسيم ورجب "
كان جسد سعيد متيبس بشكل مخيف وهو ينظر لها بأعين جاحظة، هو من كاد يصرخ في وجهها ويجن عليها لأجل تهديده، لكن ذِكرها لنيرمينا جمده مكانه وهو يردد بعدم فهم :
" نيـ ..نيرمينا ؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة ساخرة موجوعة :
" أيوة يا سعيد نيرمينا، نيرمينا اللي الله اعلم الكلاب دول خطفوها ليه ؟؟ أنا شوفت عربيتهم هي اللي بتاخدها من قدام البيت"
قال سعيد كطفل صغير يحاول تبرير أو اختلاق كذبة لينفي واقع مرير أمامه يحرك يديه يحاول أن يشرح لها استحالة تدخل رجاله في الأمر :
" بس ...بس هو وسيم ورجب مش موجودين ...هما ...هما دلوقتي"
صمت فجأة وهو يضع يده أمام فمه يشهق بصوت مرتفع وقد بدأ جسده يرتجف بشكل مخيف، سمع في تلك اللحظة صوت تهشم قلبه وهو يردد بارتعاش :
" وسيم ورجب في ...في العملية، هما مش ...هما "
صمت وهو يرتجف بقوة، ثم نظر صوب ميمو وكأنه يطلب منها أن تساعده في أمر يجهله وقال بأعين مرتعبة وحدقتيه بدأتا ترتعشان يتساءل وكأنها هي من تعرف الإجابة :
" هما في العملية ؟؟"
أطلقت ميمو صرخة عالية وهي تزيح صلاح بقوة وتنقض على سعيد تجذبه من ثيابه :
" أنت بتقول ايه ؟! أنت موقفتش القذارة بتاعتك دي ؟؟؟ أنت لسه بتعمل القرف ده ؟؟؟ بعد كل اللي حصلك ؟؟؟ يا اخي حرام عليكو حرام عليك يا سعيد، حرام عليك "
نظر لها سعيد يحاول أن يتحدث، لولا تدخل مختار الذي جذبها بقوة بعيدًا عنه وأشار لها في حركات سريعة جعلتها تلقي بسعيد وتنفضه بتقزز وكره شديد وهي تصرخ :
" هما فين ؟؟ وسيم ورجب فين ؟؟"
نظر لها سعيد بعدم استيعاب يحاول أن يجد في رأسه اسباب أو يجد مبررات قد يجعل وسيم ورجب يأخذان شقيقته عدا ذلك الأمر الذي خطر لرأسه، ربما ..ربما أرادوا أموال إضافية فقط واختطفوها للتهديد !!
افاق على صوت صرخة ميمو التي خرجت باكية :
" انطق يا سعيد فين الاتنين دول ؟!"
نظر لها سعيد ثواني قبل أن تدق اجراس الانذار في رأسه ويركض خارج المنزل كالمجنون وخلفه الجميع، صعد سعيد للسيارة الخاصة به قبل أن تلقي ميمو نفسها بها دون أي تفكير، ومختار قاد سيارته ومعه صلاح الذي رفض ترك ميمو في تلك اللحظة .
كانت يد سعيد ترتجف وهو يقود واضعًا الهاتف أعلى أذنه يحاول الاتصال بوسيم ورجب لكن لم يجبه أحدهم، الأمر ليس كما يفكر، هو فقط لأنه خائف يظن هذا الظن، لكن صغيرته بخير نعم ..
كانت ميمو تبكي جواره برعب وهي تقول من بين شهقاتها :
" مش هسامحك يا سعيد لو حصلها حاجة، مش هسامحك، والله ما هسامحك"
علت شهقات سعيد دون أن يشعر وهو يضرب المقود بقوة وكأنه يخبرها بموافقته لحديثها وأنه هو نفسه لن يسامح نفسه ..
فجأة ارتفع رنين هاتفه ليمسكه بلهفة وهو يتحدث بصوت مرتجف :
" الو وسيم ..."
وصلت له ضحكات صاخبة جعلت يتعجب مبعدًا الهاتف عن أذنه ليرى رقم محجوب، وقبل أن يغلق الهاتف ويلقيه سمع صوت رخيمًا يردد :
" زمان كانوا بيقولوا طباخ السم بيدوقوا يا سعيد، دوق بقى كده وقولي طعم السم اللي بايدك أنت صنعته "
شعر سعيد بموجة رعب تضرب أوصاله وهو يحاول التعرف على الصوت وقدمه تضغط على المكابح أسفلها بقوة :
" أنت ...أنت عملت ايه في اختي ؟؟"
" خمن كده ؟؟"
وقبل أن يتحدث بكلمة وجد ميمو تجذب الهاتف من يده وهي تصرخ بجنون :
" قسمًا بربي ما هسيبك يا وسيم، هقتلك بايدي لو حصلها حاجة أنت والكلب التاني "
وصلت لها تنهيدة مرتفعة وصوت غريب يردد بنبرة اغرب :
" ميمو الجميلة، تصدقي بقالي سنين مسمعتش صوتك ؟؟ وحشتيني اوي "
وقبل أن تقول ميمو كلمة تستفسر بها عن هويته، فهو بالطبع ليس وسيم أو رجب.
جذب منها سعيد الهاتف واغلقه بقوة دون أن يهتم بشيء وهي تنظر له بعدم فهم :
" ده مين ؟؟ مين ده يا سعيد ؟؟"
أجابها سعيد دون أن يحيد بعيونه عن الطريق :
" غانم ..."
رددت الاسم بجهل، هي لم تسمع ذلك الاسم قبلًا، رغم معرفتها لدائرة علاقات سعيد بأكملها :
" غانم ؟؟"
قال سعيد بشرود دون أن يشعر بأي شيء حوله :
" نفس الشاب اللي حاول يعتدي عليكِ قبل كده في البيت"
صمت ولم يكمل وقد علم أنها بدأت تتذكره وتعلم من هو.
بدأت تتذكر ذلك اليوم حينما كانت في المنزل تجلس رفقة زينب تقرأ لها بعض الجرائد وسمعت الخادمة تناديها لترى أحد الضيوف ..
هبطت ميمو الدرج لترى رجل ضخم الجثة حتى أنها لثواني ظنته أحد رجال الحراسة الخاصين بجاد، نظرت له بعدم اهتمام :
" أيوة اتفضل؟! "
ابتسم لها غانم بسمة جعلتها ترتاب، ليس فقط بسمتها من جعلتها تشعر ذلك الشعور، بل أيضًا نظراته التي كانت كما لو أنه يجردها من ثيابها .
اقترب منها يمسك يديها على حين غرة وهو يضع بها زجاجة هامسًا بنبرة جعلتها ترتجف :
" حطي دي في التلاجة لغاية ما جاد باشا يوصل "
نظرت ميمو لما بيدها لتتسع عيونها بقوة هامسة :
" خمرة ؟؟"
ضحك غانم بصخب وهو ما يزال ينظر لها ببسمة واسعة :
" اممم أنا عن نفسي بحب اسميها شامبانيا، خمرة دي مش ماشية اوي مع الازازة الشيك دي، جاد باشا جاي ورايا عشان عندنا سهرة "
أنهى حديثه بغمزة لتتراجع هي للخلف بقوة ملقية الزجاجة ارضًا تنفض يديها بتقزز ورفعت رأسها له وما كادت تصرخ في وجهه وجدته ينقض عليها وهو يدفعها لأحد الأركان في المنزل يضع يديه على رقبتها حتى اوشك على قتلها، وهي المسكينة كانت كالعصفور بين انياب نسر، تحاول الفكاك منه وهو يهمس لها يتلامس معها بشكل جعلها تشعر بالتقزز :
" محظوظ جاد ده، بياخد كل اللي عايزة، تعرفي إني من يوم ما حضرت كتب كتابكم وانا هتجنن؟! فكرت اعرض على جاد يرجع ايام الخوالي ويعمل زي ما كان بيعمل، لكن الظاهر أنك مجنناه وهو مش هيقبل "
ولم تفهم منه ميمو ما يقول وهو فقط يضغط على رقبتها أكثر حتى شعرت بالدماء لا تصل لرأسها والهواء لا يصل لرئتيها وقبل أن تفقد آخر ذرة تمسك، شعرت بذلك الجسد يبتعد عنها بقوة، ومن ثم رأت سعيد ينقض عليه وهو يسبه ويصرخ في وجهه كالمجنون...
انتفضت ميمو فجأة من ذكراها على صوت توقف السيارة بقوة، تحركت عيونها في المكان لتبصر مشفى قديم مهجور، وقبل أن تستفسر عن شيء وجدت سعيد يهبط وهو يتحرك داخله كالمجنون.
وهبطت هي لتلحق به في نفس وقت توقف سيارة مختار الذي ركض داخل المبنى بارجل ترتجف رعبًا، وصلاح شعر برغبة ملحة في الحديث مع صالح وأن القادم لن يسره لذلك اسرع الاتصال به :
" الو يا صالح، هات رائد وتعالى على العنوان اللي هبعته ليك "
_____________________
استدار يلقي النظرة الأخيرة على تلك البلاد التي عاش بين حواريها أما متشردًا أو هاربًا، رمقها بعدم اهتمام، بل وسعادة طاغية لحصوله أخيرًا على ما يريد ويرغب في تلك الحياة البائسة وكل ذلك مقابل ثمنٍ زهيد ...حياة إنسان برئ.
وهل هناك ارخص من الإنسان في الوقت الحالي ؟؟
ابتسم جلال يتقدم للمطار، يحمل على ظهره حقيبة مليئة بأدوات شخصية ابتاعها منذ حدّثه غانم عن تلك المهمة، فعل كل ما حلم به يومًا، فعل كل ما رأى الرجال الأثرياء يفعلونه استعدادًا لمغادرة البلاد في رحلة عمل، لكن هو سيغادر في رحلة حياة، ذهاب بلا عودة .
استلم من الشرطي جواز السفر الخاص به وهو ينظر له بسخرية لاذعة، آه يا جلال أي مصباح وجدت لتتغير حياتك، منذ أيام فقط كنت تحمل اوراق للف سجائر الحشيش والسفر للعالم الموازي، واليوم تحمل اوراق سفرك لمغادرة عالم الفقر بأكمله .
خطى الأرضية يسير براحة شديدة يفرد ظهره، الآن فقط يستطيع القول أنه أصبح انسانًا، أصبح شخصًا يعيش كما الباقيين .
صعد درجات الطائرة وهناك بسمة واسعة ترتسم أعلى فمه، وقبل أن يخطو داخل الطائرة توقف يلقي النظرة الأخيرة وقال بهدوء شديد :
" مع السلامة وبدون رجعة يا ...بلادي العزيزة "
وهكذا حقق جلال رغبته، حقق حلمه على حساب رقبة شخص آخر، لكن وهل يهتم؟! هو سابقًا كان يجني الأموال على حساب عائلات بالكامل حينما يدس السم بين ايادي ابنائهم.
وفي النهاية هو من نجى من تلك السفينة _ التي ثقبها بيده_ وغرق الباقيين ...
ومن هنا عزيزي جاءت مقولة ....
" الحياة ليست عادلة "
_______________
انتفض من نومته على صوت صراخ يعلو في منزله، نظر حوله يحاول معرفة أين هو؟؟ ليجد أنه في غرفته، وهو من ظن أن هناك من جاء يصرخ في المشفى من أهالي بعض الضحايا .
ومجددًا ارتفع الصراخ أكثر ليزفر محمود بحنق وقد تعرف على ذلك الصوت، يبدو أن والده كان سريعًا بايصال الرسالة لعمه .
هبط محمود صوب البهو وقبل أن يخطو له سمع صوت رأفت يرن في المكان بأكمله :
" متحاولش تبرر لابنك يا ماجد، هو مش فاهم يا اخي مصلحته فين، وعيه أنت، انصحه متبقاش اناني وتغرقه زي ما غرقت أنت زمان واتجوزت واحدة اقل منك نزلتك بدل ما تطلعك، البنت دي ابوها مستشار كبير و..."
قاطعه ماجد بهدوء شديد لكن خلفه كمنت تلال غضبه :
" لا معلش أنا وابني بنحب قعدة القاع، اصل الطرواة هنا احسن، وأنت خد بالك لاحسن ممكن وأنت بتطلع لفوق اكتر الشمس تحرقك يا رأفت "
نظر له رأفت بسخرية:
" هو ده اللي ناصح فيه يا ماجد، كلام وشعارات بتحاول تصبر نفسك "
ضم ماجد يديه لصدره باردًا في الحديث :
" والله يا رأفت أنا شاطر في حاجات كتير اوي، بس أنت اللي عامي نفسك عنها، تحب تنزل المعمل بتاعي تتفرج عليه ؟؟"
" انزل اشوف ايه ؟! زارع ملوخية ولا بامية؟؟ "
اجابه ماجد دون تفكير، مباشرة :
" سم، تحب تجرب ؟؟"
اتسعت عين رأفت ليهز ماجد رأسه مبتسمًا :
" لا صح؟ اكيد مش هتحب تجرب، مين هيحب يجرب سم ؟! تخيل بقى أنا وابني بنطفح سِمْك بقالنا قد ايه ؟! بس خلاص بقى احنا ملينا من السم يا اخي وعايزين نشرب شربات "
ولم يفهم رأفت مقصده وملامح أخيه قد كانت مخيفة بحق :
" قصدك ايه يعني ؟؟"
ابتسم له ماجد وهو يعلن بسعادة كبيرة نطقت بها ملامحه بعدما كان ينظر له بشر يصفق بكفيه في الهواء :
" يعني ابني هيخطب عقبال عيالك، ابقى تعالى نورنا"
توقف ثم لوح بكفيه :
" أو متجيش لو هتعمل الشويتين بتوعك دول ولا تجيب حد من عيلتك اللي انا خلاص مبقتش حابب اشوفهم، ولولا اسمكم اللي لازق في اسمي أنا وهو كنت اتبريت من معرفتكم، أنا وابني هنفرح لوحدنا وهنكتفي ببعض، اللي عايز يفرح معانا ينور واللي مش عايز ميجيش، واتفضل عشان عطلتني كتير "
اتسعت عين رأفت وشعر بالوجع يضرب صدره، فجأة شعر بشعور قوي يصيبه، هل تبرأ منه شقيقه الأصغر ؟؟
" ماجد أنت... أنت بتتبرى مننا ؟؟"
أجابه ماجد وقد ملّ كل ذلك وسأم تلك الحياة التي لم تجلب له ولصغيره سوى المتاعب والأحزان والشعور طوال الوقت بالنقص :
" أنت اللي أجبرتني يا رأفت، أنا هبعتلكم دعوة لخطوبة ابني، هتيجوا تفرحوا معانا تنوروا، مش هتيجوا ده يرجع ليكم "
هبط محمود الدرج واقترب منهم بصدمة من كلمات والده، بينما صدمة رأفت كانت واضحة بشكل كبير أعلى ملامحه، ابتلع ريقه ينظر لمحمود الذي وقف جوار والده، ورأفت في تلك اللحظة شعر أنه خسر ...خسر أحد أفراد عائلته، ولأن كرامته أبت أن يبقى بعد حديث شقيقه، خطى للخارج بخطوات بطيئة مرهقة وكأنه زاد فجأة في العمر، لم يتوقع، لم يتوقع أن تلك المرة كانت قاسمة لظهر شقيقه ..
بينما محمود شعر بوجع والده الذي كان يراقب ظهر رأفت بدموع مكبوتة، اقترب منه وهو يربت على كتفه بمؤازرة وصوته خرج مختنقًا :
" بابا أنت كويس ؟؟"
مسح ماجد دمعة سقطت منه وهو يقول بوجع :
" هكون كويس يا محمود، خلاص متخافش محدش هيوجعك بكلمة تاني ولا حد هيزعلك "
اقترب منه محمود وضمه من ظهره بقوة يقبل كتفه بحب :
" والله عندي استعداد اعيش واسمع كل اللي يقولوه ولا أنك تزعل لثانية واحدة "
ابتسم ماجد بسمة موجوعة وهو يستدير له يضمه لصدره بحنان يكتفي به عالمًا وعائلة :
" بس انا مش عندي استعداد اغامر باستقرارك عشان ناس مقدروش أننا عيلة، أنا خلاص يا محمود هكتفي بيك وبهاجر وعيالك عيلة ليا لغاية ما اروح لامك "
شهيق محمود باكيًا وهو يتمسك بماجد بعنف شديد :
" لا بالله عليك ما تقول كده، اوعى تسيبني يابابا، أنا ممكن اموت فيها، إلا أنت"
ابتسم ماجد بسمة واسعة وقد شعر بالسعادة وهو يربت على ظهر ولده يقول بمزاح :
" متخافش مش همشي دلوقتي، همشي واسيبلك المعمل تدخل تبلبع في النباتات وتعمل دماغ بيها وتطلع عيال هبل زيك، أنا اللي هربيهم اساسا "
ابتعد عنه محمود ينظر له بصدمة كبير، ويتساءل كيف علم بشأن تناوله لتلك النباتات، والرد من ماجد كان ضربة قوية وصوت مستنكر :
" المعمل مليان كاميرات يا متخلف، ابقى اتنيل خبي وشك على الأقل مش داخل تقف في وشها وتبصلها زي الاهبل ولا كأنك بتتصور صورة أربعة في ستة "
ضحك محمود بصوت مرتفع يحاول أن يفلت من أسفل يد والده :
" والله توبت وبطلت من زمان "
" عارف يا حبيبي، الحمدلله أنك رجعت لعقلك "
نفى محمود يقول ببساطة وبسمة واسعة بلهاء :
" لا دي جوجو اللي رجعتني لعقلي "
صمت ثواني ثم تساءل بجدية كبيرة وشك :
" طب هو أنت طالما عرفت من الاول محاولتش تنصحني ليه ؟؟ ولا كان عادي بالنسبة ليك أن ابنك يبقى مدمن نباتات مخدرات "
ضحك ماجد يضرب جبهة محمود ساخرًا:
" نباتات مخدرات ايه يا اهبل انت، دي نباتات طبية اساسا"
لم يفهم محمود شيئًا، لكن ماجد لم يهتم بالتوضيح وهو يتمطأ متحركًا صوب معمله ليكمل العمل الذي قطعه مجئ أخيه ..
ومحمود ركض خلفه بصدمة :
" لا لحظة كده، يعني ايه نباتات طبية كده؟؟ يعني دي مش زي المخدرات ؟!"
قهقه عليه ماجد بصخب وهو يقول :
" دي نباتات مخدر موضعي، زي البنج كده، كانت بتُستخدم زمان في عمليات خلع الاسنان المريض بيمضغها عشان تخدر حواسه دقايق وبعدين عادي "
كان محمود يقف مكانه لا يبدي ردة فعل يحاول أن يستوعب ما حدث ..
" يعني أنا كنت بشم بنج موضعي ؟؟؟"
_________________________
دفع الجميع من أمامه صارخًا في وجوههم بجنون، يكاد يخرج سلاحه ليفرغه في جميع الرؤوس، وصوته يهز اركان المشفى قاذفًا الرعب في قلوب الجميع ...
" هما فين ؟؟ وسيم ورجب فين انطقوا ؟؟ "
تحدث أحد الرجال بخوف من نظرات سعيد الزائغة فقد بدا في تلك اللحظة كمختل على استعداد لقتلهم اجمعين :
" يا باشا والله ما حد يعرف هما فين، مفيش حد هنا غيرنا احنا والدكتور وهو دلوقتي شغال مع الرجالة بتوعه على الحالة اللي حضرتك وصيت عليها "
توقف سعيد عن الضرب والشد وقد شعر بأن أحدهم ألقى بفأسٍ فوق رأسه وهو يستدير لذلك الرجل كالرصاصة في نفس اللحظة التي وصل بها صلاح ومختار ..
" حالة ..حالة ايه دي ؟؟ أنا موصتش على أي حاجة"
نظر الجميع لبعضهم البعض ليصرخ سعيد في وجههم بجنون :
" انطقوا حالة ايه ومين ؟؟"
" ياباشا هما وسيم ورجب جابوا و.."
وقبل أن يتحدث أي شخص فيهم بكلمة إضافية، دفعتهم ميمو جانبًا دون أن تعطي أحدهم فرصة الدفاع أو الاعتراض ولحق بها سعيد بسرعة كبيرة وكذلك مختار ..
وبمجرد أن دفعت الباب واقتحمت الغرفة التي يقام بها كل تلك العمليات الغير قانونية سمعت صوت أحدهم يهتف بغضب :
" أنتم يا شوية حيوانات ما قولت محدش يقاطع اللي ..."
وقبل أن يكمل جملته تحرك له سعيد يدفعه بقوة بعيدًا عن الفراش ليراقب بنفسه نتيجة ما جنت يداه، ذاق السم كما أخبره غانم، استشعر مرارته .
وضع يده أعلى فمه وهو لا يستوعب ذلك المشهد أمامه شقيقته متسطحة أعلى فراش بلا حول ولا قوة وهي مفتوحة البطن ودماؤها تسيل بقوة على الطاولة .
انهار ارضًا وهو يصرخ بصوت عالٍ يمسك بيد نيرمينا التي امتلئت دماءًا وهو يبكي وينوح، يصرخ ويعتذر ويقبل يدها ..
بينما ميمو خلفه كادت تسقط ارضًا من الصدمة لولا الجدار خلفها ..
ومختار بمجرد أن وطأت قدمه المكان، فتح فمه بقوة يرتعش بلا صوت، هبطت دموعه بقوة وهو يتحرك صوب نيرمينا يراقب ما فعلوه بتلك الصغيرة البريئة، كان يتنفس بقوة كبيرة وكأنه في مكان خالي من الهواء، صدره يتحرك بعنف شديد واقدامه بدأت ترتجف حتى سقط ارضًا منهارًا يبكي .
وصلاح يراقب ما يحدث دون أن يقدر على التحرك، لأول مرة يشهد ما يحدث أمامه، كل ذلك والطبيب وجميع مساعديه استبد بهم الخوف وتحركوا بسرعة حينما أدركوا من هلوسات سعيد ما تعنيه تلك الفتاة له .
كان سعيد يتمسك بيد نيرمينا باكيًا :
" أنا آسف والله العظيم أنا آسف، فكرت اني ممكن اعمل اللي عايزة ومحدش هيحاسبني، حقك عليا، نيرمينا حقك عليا، أنا آسف، أنا آسف "
كان الجميع في حالة انهيار كبيرة، ميمو تضم نفسها في أحد الأركان تراقب شبح الموت يحوم حولها للمرة التي لا تدري عددها، أهذا قدرها أن تراقب الجميع يرحلون أمام أعينها؟!
فجأة خرج صلاح من الغرفة مندفعًا وهو يضع الهاتف أعلى أذنه يتحدث بكلمات مقتضبة :
" ادخل يا صالح، ادخل بسرعة ارجوك "
كان يركض في ممرات تلك المشفى وصوت صالح يصل له جاهلًا بما يحدث :
" ايه يا صلاح اللي بيحصل ؟؟ وليه أنت في المكان المهجور ده؟"
توقف صلاح أمام الدرج يشير لصالح أن يصعد ومع رائد الذي رفض أخذ تسبيح معه وقد شعر أن الأمر غير مطمئن، لذلك تركها مع وعد بالعودة واحضارها..
صرخ صلاح بارتجاف :
" صالح بسرعة ارجوك، فيه ...فيه واحدة فوق بطنها مفتوحة ومش عملوا ايه فيها "
هرول له صالح بسرعة كبيرة وهو لا يفهم من أخيه شيئًا، لكن صلاح لم ينتظر أن يفسر له وهو يجذب يده صوب الغرفة التي كان بها منذ ثواني ..
دخل الغرفة يجذب خلفه صالح الذي صُدم من كل ذلك ولم يكد يفتح فمه للتحدث حتى اتسعت أعينه بصدمة يجد جثة ممدة أعلى طاولة بمعدة مفتوحة ..
اقترب منها دون كلمة يدفع سعيد بعيدًا عنها، لينتفض سعيد بقوة وهو يركض له ليبعده عن شقيقته، لكن صلاح كتفه من الخلف وهو يتحدث بلهفة :
" سيبه ده صالح، هو هيساعدها، سيبه يساعدها "
توقف سعيد عن المقاومة وهو يراقب ما يفعل صالح الذي بمجرد رؤيته للمظهر أمامه حتى صاح بصوت مرتفع :
" حد يتصل بالاسعاف بسرعة"
سقطت دموع سعيد وهو يقول برجاء كبير :
" هي لسه عايشة صح ؟؟ هي عايشة ؟!"
لم يجبه صالح بكلمة وهو يلتقط ذلك المشرط الذي لم يعرف هل كان معقمًا أو لا، لذلك سارع وقام بتنظيفه في سائل الكحول الموضوع على طاولة الادوات وسريعًا اكمل ما كان يفعل الطبيب السابق، لكن بشكل أكثر احترافية ...
راقب سعيد ما يحدث بأعين متسعة وهو يراقبه يخرج جزء من جسد شقيقته ليصرخ بجنون وهياج يحاول الافلات من صلاح الذي ابعد عيونه عما يفعل شقيقه :
" أنت بتعمل ايه ؟؟ أنت...أنت بتشيل ده ليه، بتعمل ايه ؟؟ ابعد عنها متاخدش منها حاجة"
تحدث صالح دون النظر له بجدية كبيرة لا يصدق أنه يتعامل مع جسد حي وأمام مرأى العديد من الأشخاص، وفي مكان ردئ كهذا :
" الظاهر أنه كان ناوي يستأصل الكلية، وبالفعل قطع كل الأنسجة وبقت الكلية شبه منفصلة عن الجسم وملهاش أي وظيفة أو لازمة حاليا، انا شيلتها لكن للاسف وبسبب الظروف و المكان مظنش أن الموضوع هيعدي بالبساطة دي "
توقف عن الحديث دون توضيح اكثر لشكوكه التي يتمنى أن تظل شكوكًا فقط ..
وسعيد كان في عالم آخر لا يعي بشيء حوله.
لا أحد تحرك وتصرف عدا رائد الذي تحرك سريعًا وطلب الإسعاف، معرفًا عن هويته لربما يزيد ذلك من سرعة حضورهم ..
لتمر عشر دقائق فقط ويسمع الجميع صوت صافرة الإسعاف التي أخرجت الجميع من صدمته وهم يرون رائد يدخل أمامهم ويأمرهم بحمل نيرمينا التي كان صالح قد ساعد كثيرًا في احتواء حالتها.
وخرجت نيرمينا مُحملة على الفراش أمام أعين الجميع الذين لم يستوعبوا شيئًا مما يحدث بعد، أن تعيش مشهد كذلك في الحقيقة لهو أمر كان مستبعد على الجميع، أن ترى جسد حي يُنتزع أحد اجزاءه، كان يمثل لهم رعبًا خالصًا
ترك صلاح سعيد ببطء، ليسير الآخر كالمُخدر خلف الفراش الخاص بشقيقته، يرفض ترك يدها وهو ما يزال يهلوس بكلمات عديدة .
نهضت ميمو تحاول أن تتبعهم، تستند على الجدار بوهن شديد، لكن ما كادت تخطو حتى انهارت ارضًا ..
انهارت بعد كل تلك السنين من الصمود، أعطت لنفسها إشارة الانهيار والراحة اللحظية على أمل ألا تستيقظ مجددًا ..
انهارت وقد سأمت كل ما تعيشه واستسلمت بعد حربٍ طويلة مع أحزانها، وآخر ما سمعته هي صرخة صلاح باسمها....
_________________________
صباح اليوم التالي ..
تحرك بين الطرقات يحاول أن يعدّل من وضعية ثيابه، سأم من كثرة اتصاله بصالح دون رد من الاخير، تنفس بصوت مرتفع يحاول أن يهدأ، حسنًا هو ليس بالطفل ليخشى هكذا لقاء، هو يستطيع أن يتحدث مع ياسين بكل هدوء وتعقل وحده .
كانت تلك آخر كلمات محمود لنفسه حين توقفه أمام بناية عالية يقع بها مكتب ياسين، بوابته للحصول على بسكوتته الهشة .
ابتلع ريقه يحاول أن يتخذ تلك الخطوة ويطأ البناية، وكذلك فعل بعد تفكير دام لدقائق ليست بالقليلة، تحرك صوب المصعد لكن وقبل أن يضغط على الزر توقف يرى ورقة صغيرة مكتوب عليها بأحرف عرجاء ( الاسانسير في التصليح ) ..
مرحى يا محمود ها هي بداية يومك تفسد، والآن أمامك تحدي اكبر من ياسين للوصول إلى هاجر، وهو صعود عشرة طوابق دون استخدام المصعد، حسنًا تحدي شبه مستحيل خاصة لشخصٍ مثله، إلا أنه سيفعله، فقط لأنه حينما يقسم لهاجر أنه فعل المستحيل لأجلها يكون صادقًا ..
بدأ محمود رحلة الألف درجة بخطوة وهو يذكر نفسه أن كل ذلك لأجل هاجر، لكن وأثناء رحلته وتقريبًا حينما مر بالطابق الثالث سمع صوت رنين هاتفه ..
أخرج الهاتف من ثيابه وقد بدى صوته مرهقًا وانفاسه تخرج بصعوبة :
" الو يا خاين يا واطي يا غشاش "
وصلت كلمات محمود لصالح على الطرف الآخر بشكل عجيب، فقد خرجت من بين لهاث محمود وصوت أنفاسه العالي، ليرسم في رأس صالح فورًا صورة لمحمود يحمل زجاجة كحول وجسده يترنح بلا هدى ووجهه متعرق...
" محمود أنت سكران ولا ايه ؟؟ مالك كده ؟!"
توقف محمود عن السير ينظر للمتبقى من الدرج :
" سكران ...ايه ؟؟ أنا ...أنا .."
فجأة انتفض جسد صالح وهو يتحرك بعيدًا عن الجميع في المشفى :
" فيه ايه يا محمود أنت تعبان ولا ايه ؟؟ بتتكلم كده ليه متقلقنيش "
ابتسم محمود ساخرًا يكمل الدرجات :
" وهو انا اهمك اوي كده يا صاحبي ؟؟"
شعر صالح بالرعب يتملك منه وهو يبحث بعيونه عن صلاح ليستأذن منه ويذهب ليرى صديقه، لكن لم يبصره في أي مكان، لذلك قرر أن يركض هو لمحمود وبعدها يتحدث لصلاح :
" أنت بتقول ايه يا محمود !! اكيد تهمني، أنت فين دلوقتي ؟! في مستشفى ايه وانا اجيلك "
اجابه محمود بعدم فهم :
" مستشفى ايه ؟! أنا رايح لياسين عشان اتقدم لهاجر "
توقفت اقدام صالح عن الهرولة حينما أصبح على بعد خطوة واحدة من مغادرة المشفى :
" عند ياسين ؟! وهو ياسين حابسك في ازازة عشان مش عارف تجيب النفس كده ؟؟"
" لا، مكتبه في الدور العاشر والاسانسير عطلان "
وصلت لمحمود سبات عالية من صالح الذي تحرك عائدًا صوب المشفى وهو يصيح في استنكار وغيظ :
" محمود أنا فيا اللي مكفيني مش ناقصه غباء على الصبح"
توقف محمود عن الصعود متسائلًا بخيبة أمل:
" وهو ايه اللي فيك يا حبيبي ويخليك تنسى وعدك ليا أنك تيجي معايا عشان اطلب هاجر، كده يا صاحبي، ده انا يا اخي كنت أول واحد يرقصلك لما اتقدمت لرانيا .."
تنهد صالح بتعب شديد يلقي بجسده على المقعد يراقب جسد سعيد الذي أبى التزحزح من أمام غرفة شقيقته، ومختار الذي كان يقف في أحد الأركان صامتًا بشكل مريب ..
" حصل حوار طويل اوي امبارح لما اشوفك هبقى احكيلك عليه، بس شكل كده لا فيها خطوبتي ولا خطوبتك "
تنفس محمود بصوت مرتفع حينما وصل الطابق التاسع :
" ليه ايه اللي حصل وهيوقف خطوبتك ؟؟"
" المشكلة اللي حصلت كانت مع ميمو، وأنت عارف صلاح متعلق بيها ازاي، فلو الموضوع مخلصش أنا هضطر اأجل الخطوبة عشان صلاح "
" طب ده اخوك ومرات اخوك أنا مال امي ايه دخل خطوبتي بيكم "
خرج صوتٌ مستنكر من فم صالح وقد صدم من كلمات محمود :
" أنت بتقول ايه يا محمود، بقولك صلاح مش هيكون في مزاج يسمحله يحضر "
" يا اخي وهو انا واخوك يعني كنا حبايب اوي، ده مش بيطيقني، ده حتى لو في مزاج مكانش هيحضر خطوبتي اخوك وانا عارفه "
مسح صالح وجهه بغيظ :
" محمود صلاح لو مش كويس أنا كمان مش هبقى كويس ومش هحضر "
كان يتحدث بغضب شديد وهو يعلم جيدًا أن ذلك هو الشيء الوحيد الذي قد يردع محمود، رغم أنه لن يفعل ذلك، فهو من المستحيل أن يدع محمود وحده إن قرر إقامة خطبته :
" يا خويا بركة، عنك ما جيت، أنا هعمل الخطوبة على الضيق "
" كده يا محمود !! ومين يلبسك البدلة لو أنا مش موجود "
" ابويا هيلبسها ليا عادي "
اغتاظ منه صالح وصرخ بصوت مستهجن :
" اقسم بالله يا محمود لو عملت خطوبتك قبلي لأكون منكد عليك، مبقاش أنا خاطب الاول وأنت تيجي تعمل الخطوبة قبلي "
ضحك محمود :
" أيوة قول كده، طب إيه رأيك اني هحدد الخطوبة بعد صلاة العصر "
أنهى حديثه مغلقًا الهاتف، ثم توقف أمام مكتب عليه لافتة مزينة باسم ياسين المحامي ..
تنفس بصوت مرتفع، ثم خطى بكل ثقة صوب الداخل، توقف أمام المساعد الذي يجلس أعلى مكتب خشبي في منتصف الشقة، املاه اسمه ومن ثم انتظر دقائق قبل أن يدعوه للدخول ومقابلة ياسين ..
وبالفعل طرق الباب ودخل بخطوات هادئة كي يعطي لياسين انطباع مسالم وجيد عنه، وبمجرد أن خطى ابتسم متحركًا صوب ياسين الذي قال :
" صباح الخير يا استاذ محمود "
في تلك اللحظة رفع محمود رأسه لياسين مبتسمًا :
" صباح النور يا ...."
صمت فجأة لتتلاشى بسمته وتتسع اعينه، صُدم مما يرى أمامه وشعر بالحياة تعطيه ظهرها مرة أخرى :
" نقيت فيها يا صالح، اهي شكلها مش فيها خطوبة غير لما مزاج اخوك يتحسن ويشوف أحفاده قدامه .... "
____________________
يتابعها بكل هدوء، يخشى أن يزعجها في راحتها التي اختارت الدخول لها بعد سنوات من العناد، ابتلع ريقه يراقب ملامحها بحب شديد، وداخل قلبه غصة كبيرة تستحكمه، كلما ظنت أن الحياة ابتسمت له، اكتشفت أنها فقط تكشر عن أنيابها وهي ظنتها بكل حماقة ابتسامة .
مال صلاح على الفراش الخاص بميمو، وهو يسترجع اللحظات التي سمع اصطدام جسدها بالأرض ..
صدمته بما حدث لها لم توازي شيئًا مقابل صدمته بما فعل مختار في تلك اللحظة ..
اتسعت أعين صلاح بقوة وهو يراقب استقرار جسد ميمو على الأرض الرخامية أسفلها، ليركض لها برعب هيستيري، يتحرك صوبها وهو ينادي باسمها في رعب شديد، لكن سبقه نحوها جسد آخر، جسد انتشلها بقوة عن الأرض يضمها بين أحضانه..
كان مختار يشدد من ضم ميمو له وهو يحاول الحديث برعب شديد فخرجت كلماته على هيئة تمتمات كما لو كان طفلًا يتعلم الحديث، قلبه يكاد يتوقف من الرعب، ويله نيرمينا و ويله شقيقته..
ضم له ميمو وهو يبكي بقوة ويهتز بجسده وذكرى رحيل العائلة بأكملها يُعاد أمام عيونه، يضمها وهو يميل على أذنها يحاول أن يتحدث بكلمة تخرجها من ذلك الظلام، لكن كل ما خرج معه كان بعض الأحرف المتقطعة ليشعر بالعجز يقتله ...
ازدادت دموعه وهو يرفع عيونه لها يقبل رأسها، كل ذلك تحت أنظار صلاح الذي كان لا يفهم شيئًا، فقط شعر بموجة شلل تصيب جسده، ابتلع ريقه يحاول أن يخرج من صدمته يرى مختار يتمسك بيدها واضعًا إياها على صدره.
ولم ينقذه من دوامته تلك سوى ارتفاع صوت صالح في المسعفين أن يحملوها، وتشبث مختار بميمو جعله يتعجب أكثر وأكثر عما يجمع بينهما ....
افاق صلاح من تلك الذكريات التي سحبته بلا رحمة، تنهد بصوت مرتفع وهو يحدق في ميمو يحاول معرفة صلة القرابة بينها وبين مختار، بالطبع هما ليسا على علاقة، ميمو لن تفعل به هذا، وهي أيضًا ليست من ذلك النوع، صمت لتطرأ في رأسه فكرة جعلته ينتفض فجأة وهو يركض صوب الخارج بحثًا عن مختار ليتأكد من شكه...
وفي الخارج حيث الجميع كان سعيد يجلس في الأرض دون أي ردة فعل، لا يتحرك ولا يتحدث مع أحد ولا يبكي حتى، فقط يجلس ويفكر، يفكر في كل شيء ولا شيء، ماذا فعل في حياته ؟؟ هل ظن أنه سيخرج من كل ذلك دون أي ضرر ؟؟
والإجابة كانت نعم، هو اعتقد أنه سينجو دون أي شيء قد يصيبه، أولم يحدث هذا لجميع الفاسدين حوله ؟؟ جميعهم يعيشون حياة مرفهة سعيدة على حساب أرواح الآخرين ولم يحدث لهم أي شيء، إذن ماذا عنه ؟؟ هل اخطأ ؟؟
(اين اخطأ ؟!)
ارتسمت بسمة غريبة على فمه وهو يفكر أن السؤال هو (أين أصاب؟)، حياته كلها خطأ، هو ما كان له أن يعيش من بعد العشرين، كان يجب عليه الموت وقتها، ربما حينما كان ليرحل انسانًا طاهرًا، لكن هل ودّ ذلك؟؟ هل اراد حقًا أن يكون طاهرًا، أم أنه عشق القذارة وغاص بها كالخنزير مستمتعًا ؟؟
كان عقل سعيد في تلك اللحظة يفكر في اشياء عديدة، وشيطانه يستغل لحظات ضعفه بشكل متمرس، وهو كان من الضعف الذي جعله يدفن برأسه بين قدميه يهمس بصوت مرتجف وجسد مرتعش :
" أنا فعلا وحش، وحش اوي ومكنش ينفع اكون غير كده، مكنش ينفع حد يكون شرير القصة غيري، بس ...بس "
صمت فجأة وقد ارتفعت ضحكاته فجأة يعود برأسه مستندًا على الجدار خلفه تحت أعين مختار الدامعة والباردة في نفس الوقت، يراقبه بحقد وكره تمكن منه حتى أنه وفجأة وبدون أي مقدمات ركض صوبه يجذب جسد سعيد وضربه في الجدار بقوة وهو يخرج اصوات مكتومة من فمه، كان يضربه بقوة حتى تفجرت الدماء من رأس سعيد، وصلاح الذي صُدم بما حصل ركض صوبهما هو وصالح يحاول أن يبعد مختار عنه قبل أن يقتله ...
وسعيد لا يبدي أي ردة فعل، لا يدافع عن نفسه ولا يتحرك ولا يتحدث بكلمة، ولم يوقف مختار عما يفعل سوى صرخة ميمو التي كانت تدعي النوم وانتفضت على صوت صرخات الجميع .
" نــــــــادر "
توقفت يد نادر عما يفعل واستدار بعيونه صوب ميمو التي اقتربت منه بسرعة كبيرة تبعد يده عن سعيد صارخة وهي تدفعه للخلف :
" أنت بتعمل ايه ؟؟ هتبقى مجرم على آخر العمر ؟؟"
نظر لها نادر بلا أي ردة فعل، سوى أن دموعه ازدادت ..
ولم يبصر أحد صدمة صلاح الذي تأكد من شكوكه، إذن مختار هو نفسه نادر، لكن ...لكن هي أخبرته أن جميع أفراد عائلتها قد ...
توقف عن التفكير وهو ينظر ببسمة لميمو قبل أن يتحرك خارج المكان بهدوء وصمت شديد، وميمو لم تشعر برحيله في وسط كل تلك الفوضى .
وصالح لم يجد سوى أن يتبع صلاح ويترك الثلاثة معًا .
في تلك اللحظة خرج الطبيب الذي يناوب على رعاية نيرمينا وتحدث بأسف :
" شكوكنا كانت صحيحة، حصل عدوى التهاب مكان الجرح، وكمان الظاهر اللي عمل استئصال للكلية قطع الأنسجة بشكل مريع فأدى لضرر كبير في الجنب اليمين ليها، عامة احنا حاولنا نعالجها على قد ما نقدر وباذن الله خير، الكلية التانية كويس ومفيش خوف باذن الله "
أنهى حديثه ثم تحرك تاركًا الجميع، والثلاثة استمروا في صمتهم الذي لم يقطعه سوى اصوات احتكاك عجلات فراش طبي بالارضية النظيفة أسفله، وبمجرد أن أبصر مختار الفراش يتحرك أمامه حتى ركض صوب نيرمينا، يمسك بالفراش بأعين دامعة يتحسس يدها وهو يبكي دون القدرة على الحديث بكلمة ..
وكل ما استطاع فعله هو الامساك بيدها وتحريك أصابعه على أصابعها في حركات معينة وهو يخبرها بكلمات عجز فمه على النطق بها :
" متسبنيش مليش صحاب غيرك "
وفي ذلك الممر الفارغ إلا من غرفة العمليات وسعيد الذي انهار ارضًا دون ردة فعل وجسده يرتجف بقوة، والخوق قد أنهى المتبقي من تعقله، اقتربت منه ميمو بغضب كبير وهي تلومه بقوة صارخة بجنون :
" شايف نتيجة أفعالك ؟؟ شوفت عملت ايه في اختك ؟؟ حاولت اساعدك كتير لكن انت شيطان، شيطان يا سعيد، كام مرة أحذرك وبرضو تتجاهلني"
بدأت تضربه بيديها وهي تصرخ في وجهه بجنون :
" كام مرة احبسك واطلعك تاني واقول يمكن يتعلم، وأنت لسه القذارة متأصلة فيك "
نظر لها سعيد بعدم فهم لتقول ببكاء :
" كل مرة دخلت فيها السجن كنت انا السبب، وكل مرة خرجت من السجن كنت انا برضو السبب، حاولت أحذرك حاولت اساعدك، حاولت انفذ وعدي لامك بس فشلت يا سعيد، فشلت "
قالت آخر كلماتها تنهار جوار سعيد تخفي وجهها بين يديها وهي تبكي بقوة وكلمات زينب تتردد في أذنها .
" انتِ بتكرهي سعيد يا ميمو ؟؟"
توقفت ميمو عن تقطيع الفاكهة وهي تحدق في وجه زينب بتعجب :
" اكره سعيد ؟؟ أكرهه ليه؟ أنا مشوفتش منه حاجة وحشة من وقت ما دخلت البيت "
ابتسمت لها زينب وهي تقول بخوف ودموعها تهبط ببطء :
" هو ...هو ...سعيد يابنتي شيطانه قوي، وانا عارفة اني مش هعيش ليه ...وخايفة، خايفة شيطان جاد يتمكن منه، هو والله العظيم ما وحش بس ...بس بعيد عن ربنا، بعيد عن ربنا ومعندوش ايمان بشيء وده اللي مبهدلة "
اشفقت ميمو على تلك السيدة من الحزن :
" اهدي بس يا ماما، هو ماله بس سعيد، هو كويس اهو، يمكن طايش ومتسرع شوية بس مش وحش للدرجة دي "
انفجرت زينب في البكاء أمامها وهي تقص عليها كل أفعال ولدها غير الشرعية والتي غاص بها دون أن يشعر، وجاء إليها في إحدى الليالي ظنًا أنها نائمة بسبب ادويتها وأخذ يبكي لها ويعترف بكل شيء ..
اتسعت عيون ميمو بصدمة وهي تستمع لكل تلك الكلمات من فم زينب والتي ختمت حديثها باكية :
" خايفة يا بنتي، خايفة اموت واسيبه لشيطانه، هيضيع نفسه ويضيع الكل معاه، ابني وانا عارفاه، اوعديني، اوعديني يا ميمو تقفي ليه، اقفي ليه يا ميمو، اوعك تسيبيه لشيطانه "
بكت ميمو لا تدرك ما يجب فعله في تلك اللحظة، هل تعدها بما لا تستطيع فعله ؟! مالها وشخص كسعيد؟! أين هي بحالتها تلك من سعيد بكل جبروته وغضبه؟؟
لكن وأمام نظرات زينب لم تجد حلًا سوى أن تعدها بدموع وبسمة حنونة :
" متقلقيش يا ماما، صدقيني والله هعمل اللي اقدر عليه ومش هسيب سعيد يدمر نفسه، هحاول اساعده والله، أنا وعدتك وانا متعودتش اخلف وعدي "
صمتت ثم أكملت بمزاح :
" سعيد ده انا هربيه، هبقى مرات أبوه قولا وفعلا "
أفاقت ميمو من ذكرياتها على صوت بكاء مرتفع جوارها، صوت نحيب قوي، نظرت لسعيد الذي كان يتحدث كلمات غير مفهومة وهو يبكي بشكل هيستيري وجسده يرتجف بقوة، سقطت دموعها لأجله شفقة على ما اوصل نفسه له .
اقتربت منه ميمو ببطء ودون مقدمات جذبت جسده لها وهي تربت على ظهره بحنان.
سعيد كان درعها الوحيد في حربها مع جاد، ورغم أن ذلك الدرع كان صدئًا، إلا أنه حماها من بطشه مئات المرات حتى وإن رمقها بكره بعد كل مرة يساعدها فيها، كانت في تلك اللحظات لا تراه سوى مازن شقيقها، يحميها ويوبخها ثم يرحل، ورغم أنه شتان بينه وبين مازن الحنون المحب، إلا أنها لا تنكر أنه لولا وجود سعيد في تلك السنوات مع جاد، لكان الاخير قتلها مئات المرات.
حاولت في البداية أن تتبع طريقة التقرب منه لتجذبه بعيدًا عن طريقه ذلك، لكنها نالت منه صدًا وتجبرًا وكرهًا جعلها تسلك طرق اقسى في محاولة لتربيته وإعادته للطريق الصحيح .
شعر سعيد بتربيتات ميمو على ظهره ليمد يديه ويضمها بقوة منفجرًا في بكاء حار يتحدث بكلمات غير مفهومة لها ..
" هتكرهني ...نيرمينا ...مش عايزها تكرهني يا ميمو، أنا هعمل اي حاجة عشانها والله "
ربتت ميمو على ظهره وهي ترى أمام عيونها فشلها في الشيء الوحيد الذي طلبته منها زينب، سامحك الله يا سعيد على ما فعلته بالجميع .
" متقلقش كل شيء هيتحل، كل شيء هيكون بخير يا سعيد، أنا هكون معاك متقلقش، هربيك ونعدي من كل ده سوا "
ضحكت ضحكة خافتة مع نهاية كلماتها وهي تراه بدأ يهزي مجددًا بكلمات غريبة، لتعلو عيونها نظرة غامضة ..
____________________
يسير بخطوات بطيئة ميتة صوب الخارج، وما كاد يعبر حديقة المشفى حتى سمع صوت خلفه يناديه بقوة، ولولا معرفته أن صاحب الصوت هو أكثر من يحتاج في تلك اللحظة، لكان تجاهل صلاح الأمر .
لكنه توقف وهو يستدير صوب صالح الذي اقترب منه بحنان وبسمة يقول بمزاح رغبة في محو ذلك الحزن الذي يعلو وجه شقيقه :
" هو كده الخطوبة هتتأجل ولا الدنيا بقت تمام ؟؟"
نظر له صلاح دون رد وصالح يقترب منه، لكن فجأة توقفت أقدامه عن السير حينما أبصر صلاح يتحرك صوبه بسرعة كبيرة وهناك بسمة غريبة ترتسم على فمه وهو يقول بصوت مبحوح يفتح ذراعيه لصالح :
" مش انت قولت لما احتاج اعيط اجيلك ؟؟"
لم يفهم صالح شيء ولم يستوعب أي شيء سوى أن صلاح ألقى بنفسه بين أحضانه فجأة وهو ينفجر في بكاء عنيف لم يشهده يومًا، حتى حينما توفت والدته كان صلاح يبكي وحيدًا خوفًا أن يزيد من حزنه .
شعر صالح بالوجع وهو يجذب شقيقه بعيدًا عن الأنظار يضمه له بقوة وخوف شديد عليه :
" مالك ؟؟ مالك يا صلاح، بتعيط ليه ؟! متخوفنيش ارجوك "
كان صالح يتحدث برعب شديد على صلاح الذي ازدادت شهقاته وكأنه كان ينتظر تلك القشة التي قسمت ظهره لينفجر بكل أحزانه مرة واحدة، مرت جميع احزان صلاح أمامه في تلك اللحظة، لا يدري لماذا يبكي بالتحديد، أيبكي ميمو وما حدث لها، ام يبكي وجعه لتخيل أن هناك من انتهكها دون رحمة، أم يبكي خيبته من عدم ثقتها به واخفاء حقيقة شقيقها عنه ؟؟ أم يبكي والدته التي رحلت دون أن يمنح نفسه وقتها حق الانهيار لئلا يتسبب في إيذاء شقيقه أكثر؟!
وصالح فقط يضمه وهو يشعر بالوجع لأجله، يقتله أن يتصدع جدار الامان في حياته، هل ضغط على صلاح ذلك الوقت وحمله الكثير دون أن يمنحه مرة واحدة فرصة التعبير عن حزنه ؟؟
استمر صالح لدقائق طويلة يردد على صلاح نفس الكلمات التي كان هو سابقًا يرددها عليه، يخبره أن كل شيء سيكون بخير، ويتلو عليه نفس الآيات القرآنية التي كان يتلوها صلاح، انقلبت الأدوار وأجاد صالح لعب دور صلاح بامتياز ومهارة شديدة .
بعد مرور عشر دقائق تقريبًا وتوقف صلاح عن البكاء إلا من شهقات صغيرة، سقطت دموع صالح ليشعر بمدى ضعفه الشديد، حتى في لحظات احتياج شقيقه له، بدأ هو بالضعف والبكاء معه، لم يتحمل رؤيته بتلك الحالة لينفجر هو الآخر بالبكاء :
" أنا آسف...أنا آسف يا صلاح، حقك عليا والله العظيم عمري ما كنت اقصد احمل عليك، بس ...بس انا مكنش ليا غيرك اروح ليه، مكنتش اعرف إني بحملك فوق طاقتك "
خرجت ضحكات من بين بكاء صلاح وهو يضرب صالح على ظهره بخفة يتحدث بصوت مختنق بالضحكات والشهقات :
" يا اخي بقى سيبني اكمل عياط في هدوء، حتى في عياطي بتعيط معايا؟؟ اراضيك دلوقتي ولا اركز في ذكرياتي المحزنة ؟؟"
نظر له صالح وهو يمسح دموعه بسرعة لا يدرك المزاح خلف كلمات صلاح، يجذبه لصدره مجددًا :
" لا خلاص اهو والله، عيط تاني "
انطلقت ضحكات صلاح بقوة عليه وهو يجذب رأس صالح له يضمه بحب شديد مقبلًا خصلاته وقد انقلبت الأدوار في ثانية، وعادوا كما كانوا، صلاح هو الذي يحتوي وصالح هو الذي يستكين .
" عمرك ما حمّلت عليا يا صالح، عمرك ما زودت عليا وجع، أنت لو مكنتش بتيجي ليا وتشتكي أو تبكي في حضني أنا وقتها فعلا حملي بيزيد، لكن لما اضمك واراضيك أنا بحس اني في اللحظة دي بخير، فاوعى في يوم تفتكر أنك بتتقل عليا، يا صالح أنا لو اقدر مش بس هشاركك الحمل، لا ده انا هاخد حملك اشيله لوحدي "
ابتعد عنه صالح يقول بحب :
" وانا للاسف الشديد مليش غيرك حاليا اشتكي ليه، استحمل بس لغاية ما رانيا تيجي وانا كل يوم هروح اشتكي ليها "
ضحك صلاح بقوة وهو يبعثر خصلات شقيقه، ثم قال بحنان :
" حتى لما تيجي رانيا هتفضل غصب عنك تيجي ليا وتشتكي سامع ؟؟"
غمز له صالح يقول مشاكسًا :
" وهو أنت هتكون فاضيلي وقتها يا عم، ربنا يباركلك في ام سعيد هتاخدك مننا "
تلاشت بسمة صلاح فجأة ليستشعر صالح بوجود خطب ما، امسك كتف شقيقه يهمس بجدية شديدة :
" صلاح انت كويس ؟؟ مالك كده؟ أنت اتخانقت مع ام سعيد ولا ايه ؟؟"
" والله ولا اتخانقت معاه ولا شوفت وشه من وقت ما صحيت، وانا اللي قولت هفوق الاقيه منهار جنبي "
استدار صالح بقوة خلفه ليجد ميمو تقف وهي تضم يديها لصدرها وحاجبها مرفوع بحنق شديد ويبدو عليها التحفز لقتال احدهم، وهذا الاحدهم كان أخوه الذي بدا كما لو أن وجهه نُحت من صخر ..
مال صالح على صلاح يهمس بصوت منخفض :
" هي العقربة دي عملتلك ايه يا خويا ؟؟"
اقتربت ميمو منهما تقول دون أن تحيد بعيونها عن صلاح، ترسم بسمة جانبية أعلى فمها :
" لاحظ أنك بتقل ادبك كتير وانا محترماك عشان فرق السن بينا "
رفع صالح فمه ساخرًا ولم يكد يتحدث كلمة واحدة ليزجر تلك " العقربة القادرة " ويوقفها عند حدها، حتى أبصر اسم محمود ينير شاشته ليحرك إصبعه محذرًا إياها :
" يا ويلك لو زعلتي اخويا، هحسرك على سعيد اللي جوا دي وهفرغه من كل اعضائه "
ابتسمت له ميمو بسمة واسعة :
" تكون عملتلي معروف والله، وياريت ترمي مخه في أي سلة زبالة، يلا توكل على الله "
فتح المكالمة يتحدث بحنق وهو يضع الهاتف أعلى أذنه متحركًا من أمامهم :
" عقربة "
وصل له صوت محمود في الهاتف يقول بصوت مرتفع وحنق وصراخ وكأنه يرثي معبده الذي تهدم فوق رأسه:
" يا عم سيبك من العقربة وتعالى شوف الحمار اللي أنت مصاحبه "
" عايز ايه يا حمار أنت كمان؟؟ حد قالكم اني دكتور بيطري "
جلس محمود في سيارته وهو يضرب رأسه بالمقود :
" اخو هاجر "
تعجب صالح نبرته المستاءة واردف :
" ماله ؟؟ طلع زي اخوات رانيا؟! طب والله انا قولت أن العيلة دي كلها ولاد ..."
ولم يكد ينتهي من سبته حتى وصل له صوت محمود يقول ملقيًا قنبلته :
" ياريته كان مترباش زي اخوات خطيبتك، كان آخره معايا الجذمة وخلصنا، لكن ده ...ده طلع ياسين اللي انا سبق واتخانقت معاه في الشغل "
لم يفهم منه صالح شيئًا :
" ياسين مين اللي اتخانقت معاه في الشغل ده!؟ مش فاكر، فكرني كده براحة "
أخذ محمود يندب حظه العثر الذي اوقعه من بين كل الناس في حب شقيقه الشخص الوحيد الذي تشاجر معه في حياته شجار كاد يصل للشرطة لولا تدخل صالح ..
هبط محمود من السيارة وهو يدور حول نفسه يقول بصوت أوشك على البكاء :
" أنا برضو عمال اقول ايه العلاقة اللي ماشية بدون مشاكل دي، مش طبيعي كل العلاقات حواليا زي الزفت زيك كده انت واخوك، واجي أنا الاقيها متيسرة وأخوها ذوق، اهو لقيت المصيبة "
" يا بني ادم اتكلم ياسين مين ده اللي اخوها واتخانقت معاه؟؟ "
صمت محمود وكأن هناك من يتلصص عليهما وقال :
" فاكر ياسين المحامي اللي كان جاي ياخد نتيجة تشريح جثة عشان قضيته ودخل عليا المكتب لقاني بشد بنج ؟؟"
" بتشد بنج ايه ؟؟ "
ضحك محمود بحسرة :
" اه ما أنا نسيت اقولك مش انا طلعت بشد بنج مش ملوخية "
وعلامات الاستفهام اخذت تدور فوق رأس صالح الذي قال بغيظ :
" لا هو أنت فعلا شارب ومش واعي بتقول ايه او أنا اللي بقيت متخلف "
" يا عم سيبك من ام الملوخية، قصدي على ياسين اللي دخل عليا المكتب ولقاني مش واعي وقعدت اخرف قدامه وهو وقتها كان حالف يبلغ عني لولا أنك اتدخلت وكدبت عليه "
صمت صالح ثواني بفم مفتوح قبل أن ينفجر فجأة بالضحك وقد شعر بأن هناك من يفوقه نحسًا في هذا العالم :
" طب ايه كده خلاص بح ؟؟"
" خلاص ايه خلصت روحك، هو اساسا مفتكرنيش، بس الخوف لما اروح اتقدم رسمي يفتكرني وتبقى مصيبة "
توقف صالح عن الضحك بصعوبة :
" لا ده انا اجي معاك بقى، وهجيب صلاح برضو يضحك شوية لاحسن موده مش قد كده الفترة دي "
وفجأة سمع صوت صافرة تعلن اغلاق المكالمة ليغرق في موجة ضحك أخرى وعيونه ترصد تحركات ميمو حول أخيه وهي تحاول مراضاته ليبتسم وهو يتحرك بعيدًا عنهم :
" اهو بنحاول نخرج من عنق الزجاجة ..."
رفع هاتفه أمام عينيه وهو يبحث عن اسم رانيا ليتحدث إليها بعد ليلة طويلة من التعب ...
وعلى بعد صغير منه اقترب ميمو من صلاح تتحدث بهدوء شديد تدرك سبب غضبه، لكنها لن تدع له فرصة الانزواء بعيدًا وخلق افكار قد تزيد من الهوة بينهما :
" ايه يا لذوذ مكنتش فاكرة أنك بتغير اوي كده ؟! على فكرة مختار هو نادر اخويا "
ارتسمت بسمة ساخرة على جانب فم صلاح وهو يتحرك للجلوس على أحد المقاعد :
" أيوة ما أنا اخدت بالي جوا"
جلست ميمو جواره تقول بصدق شديد :
" أنا ....أنا كنت هقولك والله يا صلاح، امبارح بالتحديد لما عرضت عليا الجواز كنت هقولك عشان تطلبني من نادر "
نظر له بطرف عينه لتسارع هي وتقول بجدية كبيرة :
" والله ما خبيت عنك بقصد، وكنت هقولك يا صلاح، لأن لو فيه حد في الدنيا دي ممكن اسلمه نفسي وانا مطمنة أنه مش هيغدر بيا فهو أنت ونادر، وانا على فكرة كلمت نادر عنك وقولتله على طلبك وهو موافق "
ولم يتحدث صلاح بكلمة فقط ظل شاردًا بعيدًا حتى بادرت هي وقالت :
" صلاح، أنا بجد في وقت مش هينفع فيه ابدا أنك تتخلى عني أو تسيبني لوحدي، اسمعني ارجوك وأنا هحكيلك كل حاجة"
استدار لها صلاح ببطء يولي لها كامل انتباهه لتبتسم هي وتقول بحب وقد شعرت بالأمل يتجدد في صدرها، تثق في نضج صلاح وأنه سيعطيها فرصة للحديث، لكنها تخاف بل ترتعب فكرة ابتعاده عنها ثانية :
" نادر مكانش في الحريق اللي حصل لعيلتي، ولما شاف اللي حصل اغمى عليه واتنقل للمستشفى وهناك عمي كدب عليه وقاله أن كل العيلة بما فيهم أنا ماتوا "
نظر لها صلاح باهتمام شديد لتبتسم هي بحزن :
" كان خايف نادر يقف في وشه ويرفض اللي هو عايزه، لكن اللي حصل أن نادر فعلا صدقه وانهار وبعد عن الكل وفضل يلف في الشوارع لغاية ما لقى شغل في ورشه وبقى ينام فيها ومبقاش يتكلم، لغاية ما الكل فكره اخرس وبقوا ينادوه مختار وخلاص، لكن في مرة شاف واحد من جيرانا هناك في الورشة كان رايح يوصي على تصليح دولاب "
صمتت قليلًا تسترجع كل ما أخبرها به نادر حينما عاد إليها تلك الليلة قضاها نادر يكتب لها كل ما مر به ويقص عليها كل معاناته بانامله ...
" وقتها شاف نادر وقاله على اللي حصل وأن فرحي كان من يومين وعمي جوزني لراجل كبير في السن وغني "
ومن هذه النقطة بدأت ملامح ميمو تسود بشكل مخيف وهي تتذكر ما حدث مع نادر ذلك اليوم الذي ذهب لعمها كي يطالبه بها ..
كان نادر يركض في الطرقات كالمجنون وهو يمسك بين يديه سكين صغير، لا يدري من أين أحضره، لا يعلم كيف أمسك به وركض في الشوارع به دون خوف أو قلق، كل ما يراه أمام هو دماء عمه الذي خدعه .
مسح دموعه بقوة وهو يصرخ بحقد مقتحمًا حارته دون أن يعبأ بأحد من المارة، ومتى عبأ به أحدهم أو اهتم لشأنه .
وقف أمام باب منزل عمه وطرق الباب بقوة ليطل عليه وجه وفاء التي بكت بمجرد رؤيته :
" نادر، كنت فين يا بني، حاولت الاقيك و ..."
لكن لم تكمل جملتها بسبب دفع نادر لها جانبًا يقتحم المنزل، يبحث بعيونه عن عمه حتى ابصره يخرج من غرفته فاشتعل الغضب بين أوردته بقوة ....
أفاقت ميمو من شرودها على صوت صلاح الذي قال بهدوء شديد وتخمين لما حدث بعمها :
" وقتله ؟؟"
ابتسمت ميمو ساخرة :
" لا، معتز كان زي القطة بسبع ارواح، لسه ميت من اسبوع اساسا "
نفخت بعدم اهتمام وهي تحاول الخروج من تلك الحالة، ثم نظرت له وهي تقول بجدية:
" فاكر يا صلاح لما سألتني ايه هدفي من ورا اللي بعمله لسعيد ؟؟"
اومأ بايجاب لتتسع بسمته وهي تقول بأعين غامضة :
" هقولك، بس بعدها هنغير قوانين اللعبة "
" يعني ؟؟؟"
صمتت وقد بدأت تنظر له بشكل مخيف انبأه أن العقربة قد تلبست ميمو اللطيفة :
" استعد يا لذوذ عشان هديك اكبر سبق صحفي ممكن تعمله في تاريخك كله، وصاحبك اللي عايز يترقى ده هنرقيه ..."
___________________
توقف أمام الشقة يحدق بتلك اللائحة التي تعلو الباب، لائحة بها العديد من الأحرف، لكن فقط أحرف اسمها هي ما خطفت دقات قلبه، ابتسم بسمة صغيرة وهو يخطو الداخل ليجد أن الممرضة تتحدث دون أن ترفع رأسها له :
" انهاردة مواعيد العمل خلصت و..."
توقفت عندما تجاوزها سعيد بلا اهتمام يتحرك صوب المكتب وضربات قلبه تعلو وبشدة، يحتاجها، هو في أمس الحاجة للتحدث مع احدهم، وهي الوحيدة التي يمكنه أن يفعل ذلك معها .
فتح سعيد الباب ليراها تجمع اشياءها تقول ببسمة :
" أنا خلاص خلصت لو عايزة تـ ..."
توقفت عن الحديث فجأة حينما أبصرت سعيد، حسنًا رؤيتها لسعيد على باب مكتبها لم يكن بالشيء الغريب، لكن الغريب هي هيئة سعيد التي كانت رثة، واهنة .
" سعيد ؟؟ فيه ايه ؟؟"
ابتسم سعيد وهو يتحرك كالجثة الهامدة صوب الأريكة الخاصة بالمرضى وألقى بجسده عليها يغمض عينيه براحة لثواني قليلة منذ ليلة أمس وقال :
" عايز اتكلم "
رمقته بعدم فهم :
" سعيد أنا ...أنا مينفعش اااا"
سقطت دموع سعيد وهو يقول بصوت موجوع :
" ارجوك لاخر مرة اسمعيني، مش شرط تسمعيني كدكتورة، اسمعيني كزهرة البنت اللي حبيتها من أول نظرة في ساحة تجارة "
كان يتحدث ببسمة تخللت وجهه من بين دموعه .
سمعت زهرة صوت الممرضة خلفها تقول بشك :
" تحبي اعمل حاجة يا دكتورة ؟!"
أشارت لها زهرة بيدها :
" لا شكرا تقدري تتفضلي تروحي لو حابة وانا هخلص واقفل العيادة .."
رحلت الممرضة بهدوء تاركة زهرة مازالت تحدق في وجه سعيد الذي شرد في السقف يقول دون تفكير :
" فاكرة لما كنت بقولك اني بأذي ناس ؟؟ واني مش كويس؟؟"
اومأت له زهرة لتسقط دموع سعيد أكثر يتساءل :
" تفتكري أنا وصلت لفين بالاذى بتاعي ؟؟"
هزت رأسها بعدم معرفة، هي بالفعل لا تستطيع التخمين، لا تنكر أنها لمرات عديدة فكرت في الامر، هل يضرب البعض أو يدخل في شجارات عنيفة، أو حتى يضايق البعض، الأمر أثار حيرتها العديد من المرات وكذلك ...رعبها لما يمكن أن يصل له سعيد ....
ابتسم سعيد بسمة صغيرة وهو يقول دون مقدمات :
" الأذى اللي عملته كفيل يخليني اقضي الباقي من حياتي في السجن يا زهرة، "
اتسعت عين زهرة بعدم فهم ليكمل هو بهدوء :
" أنا كنت بتاجر في أي حاجة تيجي في راسك دلوقتي، وقصدي بأي حاجة ...أي حاجة ....."
___________________
وها نحن ذا نخطو لمرحلة " عنق الزجاجة "
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رحمة نبيل
#الرابع_والعشرين
دعواتكم لأهالينا المغرب وليبيا وكل منكوب، ربنا يرحم موتاهم ويشفي نرضاهم، ويجيرهم في مصيبتهم ..
صلوا على نبي الرحمة .
____________________
تسلل لغرفتها دون أن يراه أحدهم، لا يهتم إن كان ذلك يُمثل خطرًا أو لا، هو حتى لم يفكر بالأمر، لم يفكر سوى أنه يحتاج أن يراها، يحتاج أن يتحدث معها حتى وإن لم تكن تسمعه، هو يحتاج الأمر وبشدة .
تقدم مختار من فراشها يتأمل ملامح وجهها الشاحب الفاقد للحياة، تلك الملامح الحبيبة التي كان يستمتع بكل لحظة تمر عليه وهو يتأملها بجمود ظاهري وهيام باطني .
تنهد بصوت مرتفع، يتحرك صوب الفراش لا يجد مقعدًا في الجوار فهذه ليست غرفة يُستقبل بها أية زيارات .
جلس ارضًا على ركبتيه يستغل طول قامته ليرفع أكتافه وينظر لوجهها يبتسم بسمة صغيرة، وتمنى أن يعود صوته ثواني فقط، ثواني معدودة تمنحه رفاهية التلذذ بأحرف اسمها الحبيب .
سقطت دمعة مختار وهو ينظر لها بعجز، يتذكر أول مرة رآها بها، وكيف كان يقاوم نظرات بلاهة وانبهار بملامحها الطفولية وقتها، كان فقط متعجبًا كيف يمكن لمراهقة كتلك تحمل اسم أكثر رجل يمقته أن تكون بمثل تلك الملائكية والغباء..
ابتلع ريقه يقترب برأسه منها يتحدث لها بقلبه لا بفمه، لا يصدق أنه مر بكل ذلك معها وكان من القوة أن يمتنع عن النظر لها بأي نظرة عشق، سقط في عشقها منذ وجدها تزهر وتنمو أمام عيونه، ربما فعل مع عيد ميلادها الثامن عشر حينما كان هو في الثانية والعشرين، لكن هل كان الأمر منذ ذلك الوقت فقط ؟؟
لا يدرك ولم يهتم وقتها أن يفعل، هو فقط كان في حرب طاحنة مع نفسه ليخفي كل مشاعره عنها خلف قناع الجمود واللامبالاة، فما لها من شاب أبكم لا يستطيع أن يُسمعها من الكلمات ما تريد كما أي فتاة؟! هو حتى لا يملك ابسط الأمور وهو مناداتها باسمها، لا يستطيع أن يمنحها شيئًا سوى حزن وماضي اسود يهرب هو منه .
بكى مختار يدفن وجهه في الفراش أسفله يترجاها بصمت أن تكون بخير، امسك كفها يتواصل معها بالشكل الوحيد المتاح لها يهمس بما لا يجرأ على النطق به، أو يقدر حتى على نطقه :
" بحبك "
شدد ضمه لكفها يرفع لفمه يقبله وهو يشير لها بأصابعه على الأقل يعبر عن القليل في صدره لها :
" من زمان وانا بحبك، وعمري ما كنت باكل مكرونة ولا بحبها، بس حبيتها عشانك أنتِ بس، وكنت بعمل نفسي مش عايز أكل واول ما تمشي أكلها بكل سعادة، كنت بفرح لما تلزقي فيا وحابب تكوني جنبي اكبر وقت، لكن ..."
توقف عن تحريك أصابعها ليرتجف فمه معلنًا انفجار آخر وشيك، وقد كان..
انفجر في بكاء عنيف وهو يتخيل استحالة الحياة بينهما، هو ملئ بالسواد وهي صغيرة نقية يخشى أن تعاني معه، هو لن يسعدها يومًا، حاول، يقسم أنه حاول أن يتحدث مئات المرات لكنه ...فقط فشل .
رفع أصابعه يحركها في شكل كلمات صغيرة تعبر عن جزء صغير منه :
" أنا كنت بغير من رامي الدكتور بتاعك، وبغير من أي شخص يقرب منك، وبغير من أي حد يقدر ينطق اسمك وانا لا، أنا آسف اني كنت غبي "
امسك يدها يضعها أعلى كفه يحرك أصابعه عليه في رسالة صامتة :
" كان نفسي اقابلك في زمن تاني، كنت هحبك واجبلك هدايا كتير واشتغل أي حاجة وكل حاجة عشان بس اسعدك، كنت هعاملك زي الاميرة، لأنك أميرة رقيقة وجميلة يا نيمو "
قبل كفها وهو ما يزال يبكي يكمل حديثه باستخدام أصابعه :
" كنت هبقى وقتها نادر مش مختار، كنت هحبك بقلب نادر الصافي، هشاركك كل لحظة بسعادة واعملك كل اللي تحبيه، لكن مبقاش ينفع لأن نادر مات في حريق من عشر سنين وللاسف متبقاش غير بقايا نادر على هيئة شخص اسمه مختار، وده أنا متمنهوش ليكِ أبدًا "
ترك يدها ببطء لتسقط على الفراش، ثم نهض ببطء شديد يرمقها من علياه يمسح دموعه، قبل أن يتحرك خارج الغرفة وبمجرد أن أغلق الباب أبصر ميمو التي كانت تنتظر في الخارج لمعرفتها أنه مع نيرمينا .
ابتسمت له بسمة صغيرة تفتح له ذراعيها، ليلقي بنفسه بينهما وهو يبكي دون صوت، وهي فقط تربت فوق ظهره تعده أن القادم افضل لهما وللجميع ..
لكن هو فقط لا يظن ذلك، لا يوجد افضل له، فالافضل هو أن يكون مع نيرمينا، لكن ذلك أشبه بمهمة مستحيلة .
___________________
" معلش بس منين جه خطيبك ده وامتى ؟! أنتِ غطستي مرة واحدة وهوب طلعتي بخطيبك ؟!"
" طب هو عامل ازاي ؟؟ معاكِ الاكونت بتاعه فيس ؟؟"
" وأخواتك وافقوا كده عادي ؟؟"
كانت تلك هي بعض الجمل المتراشقة التي وصلت لرانيا بمجرد أن فجرت في وجه رفيقاتها أمر خطوبتها القريبة، كان الجميع يجلس أعلى فراشها يحدقون فيها مترقبين إجابة منها، لكن هي فقط لا تستطيع أن تستوعب شيء ..
زفرت بضيق لكل تلك الأسئلة التي احاطوها بها :
" يا جماعة هو فيه ايه ؟! هو أنا مش انسانه طبيعية ممكن تتخطب عادي زيها زي أي بنت فيكم ؟؟ أنا إنسان عادي يعيش ويتعايش، ليه بقى الاسئلة المريبة دي كأني خرقت قوانين الكون كله؟! "
تحدثت صديقة لها وهي تقترب منها بشك :
" ما هو ده اللي حصل يا رانيا يا حبيبتي، لأن في شرع اخواتك اللي زي القمر دول أنتِ كده خرقتي قوانين الكون، بعدين تعالي هنا وقوليلي عرفتي منين الشاب ده ؟؟"
ولم تكد رانيا تجيب بكلمة حتى ارتفع رنين هاتفها بقوة جذبت انتباه الجميع له، فقد كان يتوسط الفراش بينهما لتتوجه له جميع الأنظار ببطء شديد وقبل أن تمسكه رانيا هجمت عليه كل الفتيات حينما أبصروا اسم ( صالح ) يجاوره قلب أحمر يعلو شاشته .
لكن وبسبب كثرة عدد الأيدي التي تحاول الوصول له انزلق الهاتف من بين أيديهم وسقط أسفل قدم محمد الذي اقتحم الغرفة بعد طرقها عدة مرات وعدم وجود استجابة منها جاهلًا وجود أحد مع شقيقته، ولم يكد يعتذر ويخرج حتى شعر بشيء يصطدم بقدمه .
نظر ببطء للاسفل وكاد ينحنى ليرى الأمر، لولا صرخة رانيا التي انتفضت عن فراشها تقول وهي تمسك رأس محمد ترفعها مجددًا:
" لا لا اوعى ترد ده ...ده خطيب رشا اللي هي متخانقة معاه وعاملة نفسها مقموصة منه، وكده هتبوظ القمصة مش كده يا رشا؟! "
في تلك اللحظة انتفضت المدعوة رشا عن الفراش تتحدث بجدية كبيرة ولهفة شديد تنتزع الهاتف والذي لم يتبين محمد أنه تابع لشقيقته بعد :
" أيوة صح يا باشمهندس ده ...ده خطيبي الحيوان وانا مش بكلمه حاليا "
وضعت الهاتف بسرعة خلف ظهرها ورانيا تقف أمام محمد بشكل مثير للريبة، ومحمد يبتسم بسخرية لاذعة يبعد يد رانيا عنه قائلًا بهدوء :
" طب قولي لخطيبها الحيوان إني محتاجه يتنيل يجي أقابله قبل الخطوبة عشان عايزة في حوار "
صمت ثم مال عليها يهمس بنبرة مريبة :
" ولينا كلام طويل بعدين "
هزت رانيا رأسها بقوة لا تستوعب ما يرنو إليه من حديثه، كل ما تستوعب أنه غادر الغرفة لتبتسم باتساع شديد تضع يدها أعلى صدرها براحة شديد :
" الحمدلله فلتنا منه "
ضربتها رشا أعلى رأسها بغيظ صارخة في وجهها وهي تشير للباب حيث كان يقف محمد منذ دقائق :
" فلتنا مين يا متخلفة؟؟ اخوكِ قفشك "
صمتت ثم رفعت الهاتف بتحذير في وجه رانيا :
" ومرة تانية لاقي حد غيري تلبسيه بلاويكِ، اهو بسبب كلامك اخوكِ هيفكرني مخطوبة وتوقفي سوقي "
لكن رانيا كانت لا تستوعب كل ذلك بل فقط ترى أحرف اسم صالح تنير الشاشة لتلتقط منها الهاتف وهي تتحرك بسرعة صوب مرحاض غرفتها تسجن نفسها به تجيبه بعيدًا عن ضوضاء الجميع :
" الو يا صالح "
وصل لها صوت صالح من الجهة الأخرى وهو يقول ببسمة واسعى لسماع صوتها بعد ليلة مليئة بالصرخات والبكاء :
" صباح الخير يا رانيا "
ابتسمت رانيا بخجل شديد وهي تستعيد مكالمة البارحة حينما ارسل لها الفستان وكيف أغلقت الهاتف خجلة في وجهه :
" صباح النور يا صالح،عامل ايه ؟؟"
" أنا الحمدلله بخير، خير يعني عمري ما شوفت رقمك بيرن عليا مرة، يعني عمرك كده متوغوشتي عليا وقولتي أما اروح اتصل بصالح اشوفه عامل ايه، ولا هو مفيش دم خالص ؟!"
حسنًا يقسم أنه حينما احضر اسمها على شاشة هاتفه واتصل بها كان ينتوي أن يبدأ صباحه بشكل هادئ لطيف وراقي معها، إذن ما الذي حدث للتو، تلك الفتاة تخرج اسوء ما به .
صدح صوت رانيا من الجهة الأخرى :
" تصدق بالله "
ابتسم صالح يجيب :
" لا إله إلا الله"
" محمد كان عنده حق لما قال عليك حيوان من شوية "
" محمد قال كده ؟؟"
هزت رأسها بحنق شديد :
" أيوة "
" عشان بس لما اقولك اخواتك كلهم بما فيهم أنتِ متربتوش تصدقيني، عيلة غجر من اكبركم لاصغركم ماعدا الحاج رؤوف"
شعرت رانيا بأنه تمادى أي حديثه وقالت بغيظ شديد وغضب واضح في أحرف كلماتها :
" وأنت ايه اللي يجبرك يا دكتور تناسب عيلة متربتش ؟؟ ما نفضها سيرة بقى طالما كده "
أجابها صالح بكل بساطة ويسر :
" ما هو عشان أنا كمان متربتش "
صمتت رانيا وقد تبدد غضبها فورًا ولم تدري هل تضحك ام تستمر في الغضب، إلا أن صالح تحرك وجلس على أحد مقاعد الحديقة يقول بجدية :
" اصل انا هحكيلك، ابويا اول ما صلاح اتولد من فرحته نسيوني دقيقتين في بطن امي، وبعدين انشغل هو في تربية صلاح وسابني أنا اربي نفسي تربية ذاتيه، وعشان الحق أميرة حاولت تربيني شوية، وكادت تنجح لولا اصدقاء السوء في مدرسة الشهيد الاعدادية "
صمت ثم أردف بجدية كبيرة :
" تخيلي يا رانيا العيال الفاسدة كانوا بيشربوا سجاير في الحمامات ويخمسوا قدام مدارس البنات بالموتوسيكلات ؟!"
تساءلت بفضول كبير رغبة منها في كشف المزيد مما يحمل ذلك الصالح الذي لا يحمل من اسمه سوى احرفه فقط :
" وأنت كنت بتشرب سجاير معاهم ؟!"
انتفض جسد صالح بقوة يدافع عن نفسه :
" اقسم بالله ولا لمستها في يوم، أنا بس كنت بخمس معاهم قدام مدرسة البنات "
" أنت كنت من النوع ده يا صالح ؟؟ وأنا اللي قولت أنك معقد وملكش في البنات "
نظر صالح حوله بسرعة خوفًا أن يكون هناك من يجاوره ويستمع لكلمات تلك البلهاء التي لا تدري ما تقول :
" اششش ايه مليش في البنات دي الله يسامحك، الدنيا لبش اليومين دول، اسمها محترم مش بيحب يرفع عينه في بنت "
ضحكت منه رانيا ساخرة :
" محترم ايه ده أنت كنت بتخمس قدام مدرسة البنات يا صالح "
" والله هما مرتين وفي المرة التانية أنا اللي كنت بخمس والحماس زاد والجلالة اخدتني وعملت حتى عرض خمسات قدام البنات كانوا بيترموا في الأرض كده من الانبهار، الحمدلله في الاخر جابونا بالونش من الترعة اللي قصاد المدرسة "
صمتت رانيا ثواني قبل أن تستوعب كلماته لتنفجر في الضحك وهو أخذ يتذكر ماحدث معه :
" من كتر الحماس ما اخدتش بالي اني بقرب من الترعة وفضلت اخمس واخمس لغاية ما لقيت الموتوسيكل بيبقلل في المايه وخرجت بكسر في دراعي اليمين، وروحت الحاج الله يكرمه كسر الشمال "
لم تتوقف رانيا عن الضحك وهو يقص عليها الأمر وقد انقلبت ملامحه للحزن فجأة وكأنه تذكر مقدار الألم في تلك اللحظة وقتها، يقول بحسرة شديدة :
" باذن الله في الفرح بتاعنا اعوضها ونعمل خمسات بالعربية بتاعتنا "
رفعت رانيا حاجبها ساخرة :
" نعم ؟؟ تعملي خمسات عشان نقع في أي بلوة؟؟ أنت بتهزر يا صالح ؟! بعدين مين قالك إن اخواتي هيسمحوا ليك تعمل كده اساسا ؟!"
صمت قليلًا ثم ابتسم فجأة يقول بحماس شديد :
" ولا اقولك أنا اجيب عربية اركب اخواتك كلهم معايا واخمس أنا بيهم "
" صالح ..."
" ايه ؟؟"
تنفست بصوت مرتفع وصل له واضحًا ليكبت ضحكته عليها :
" أنا هقفل عشان ميحصليش حاجة، الظاهر أنك بليل بشخصية والصبح بشخصية تانية، المهم قبل ما اقفل محمد كان عايز يقعد معاك قبل الخطوبة "
" ايه خلاص عرف هيخلص عليا ازاي ؟؟"
" صالح أنا مش بهزر "
" وهو أنا يعني اللي بهزر ؟؟ ما اخواتك عايزين يخلصوا مني يا رانيا ولا أنتِ مش شايفة بيبصوا ليا ازاي ؟؟ طب ده اخوكِ اللي اسمه جبريل آخر مرة كان هيقوم يخنقني وسطيكم "
ابتسمت رانيا تقول بحب شديد :
" بيحبوني ويخافوا عليا يا صالح "
زفر صالح بصوت مرتفع :
" يا ستي هما هيزفوكِ لقاتل متسلسل؟؟ اعملهم ايه يثبتلهم اني هحافظ عليكِ اكتر من اني جبتلك عدة دفاع عن النفس ؟؟ اوقفلك فرقة مكافحة شغب قدام اوضتك، ولا اجيب المطوة بتاعتي واجي ابات قدام باب بيتكم "
ابتسمت رانيا يعجبها ما يحدث مع صالح، أن يعاني حتى يصل لها، كل ذلك ينعش روح الانتقام داخلها وكأن اخوتها يعيدون لها حقها من صالح المتشرد سابقًا .
أفاقت على صوت صالح الذي قال بهدوء :
" قولي لاخوكِ اني هحاول اجيله، بس الاقي يوم إجازة في الشغل عشان لو قولت للمدير أخد إجازة تاني الفترة دي هتطرد "
اومأت له تقول بهدوء :
" تمام هبلغه، أنت خد بالك من نفسك يا صالح "
" وأنتِ يا رانيا خدي بالك من نفسك لغاية ما يجي الوقت واخد أنا بالي منك، اتفقنا ؟؟"
صمتت رانيا بخجل شديد وهناك بسمة واسعة ترتسم على شفتيها ليجيب صالح من الجهة الأخرى نفسه يقول ببسمة واسعة :
" اتفقنا ..."
__________________
كانت زهرة في حالة صدمة تامة، تسمع ولا تفقه، ترى ولا تدرك، تلك الكلمات التي ينطق بها سعيد بالطبع هي أضغاث احلام، هي ما تزال في مكتبها تجمع اشياءها للرحيل، ربما غفت على المقعد ورأت ذلك الكابوس المتمثل بسعيد وهو يقص عليها ما لم تتوقع أن تسمعه يومًا منه، لا هو لم يصل لتلك المرحلة، هو لم يتخطى تلك الحدود ...
هبطت دموع سعيد وهو يكمل دون أن ينظر لها كي لا يضعف، هو اقسم على إنهاء كل ذلك، هو سيتحدث معها كما يتحدث مع نفسه، سيخبرها بكل ما يؤرقه :
" أنا ...أنا بس فكرت ...أنا "
صمت لا يستطيع أن يتحدث بكلمة ودون أية مقدمات انفجر في البكاء يقول بصوت مختنق ونبرة مقتولة :
" نيرمينا، أنا شوفتها كانت بطنها مفتوحة، كانوا عايزين يقتلوها وياخدوا أعضائها زي ما أنا بعمل "
شهقت زهرة بقوة لتشعر بالأرض تدور بها وقلبها يضرب بعنف شديد، استندت على المقعد جوار المكتب الخاص بها تحاول التنفس من تلك الكلمات، ليقول سعيد بحسرة وهناك شخصان يتصارعان داخله وقد تحدث الصوت المتجبر داخله :
" زهرة أنا وِحش صح ؟؟ بس أنا... أنا مكنتش الوِحش الوحيد، هما كمان كلهم كانوا كده، كلهم عملوا كده واكتر مني، اشمعنا أنا ؟؟ اشمعنا أنا الوحيد اللي اتعاقب وهما لا؟؟ كلهم كان لازم يتعاقبوا زيي "
بكى بصوت متقطع وهو يقول من بين شهقاته :
" اشمعنا نيرمينا اللي يحصل فيها كده؟؟ ليه أنا اللي بيحصل معايا كده؟؟ أنا بس كنت ...أنا بس كنت عايز .."
صمت ثم نظر لها بأعين حمراء زائغة يقول بصوت كما لو أنه جاء من بعيد :
" أنا مش عارف، أنا مش عارف كنت عايز ايه من ورا ده كله، أنا بس كنت حاسس اني محتاج اعمل كده، أنا بس كنت عايز ...كنت عايز اوري جاد إني مش ضعيف وإني مش خايب وإني اقدر اعمل كل اللي عمله واحسن منه، بس هو ...هو متعاقبش وأنا اللي اتعاقبت، هو عمل حاجات اسوء مني وأنا... أنا بس كنت بساعد الناس "
شعرت زهرة بقرب انهيار سعيد لتزيح صدمتها جانبًا وهي تحاول التماسك لاحتواء حالة الخلل التي اصابته، وبوادر صدمة عنيفة تتحكم في ردات فعله .
" طب ...طب سعيد أهدى بس، أهدى أنت شكلك مش واعي "
هز سعيد رأسه بقوة وهو يقول ببسمة وكأنه وجد أخيرًا مبرر له يقف وهو يتحرك لها لتتراجع زهرة لخلف بخوف وهو لم يبصر نظراتها تلك يمسك كتفها ببسمة مختلة :
" أنا كنت بساعد الناس يا زهرة، هما كانوا بياخدوا مني فلوس، أنا عمري ما اذيت حد، هما كلهم ميتين كده كده وأهلهم محتاجين فلوس فكنت بساعدهم، والمخدرات ..المخدرات أنا بس مكنتش بتاجر فيها، أنا ... أنا بس كنت بخليهم يخزنوها عندي ويوزعوها هما أنا مليش دعوة، بعدين هما اللي بيشتروا وكل ده بإرادتهم يعني أنا مليش دخل صح ؟؟ أنا مغلطتش مع حد يا زهرة"
صمت يقول بأمل أن توافقه :
" صح يا زهرة ؟؟"
ارتجفت زهرة بين يديه ليهزها هو بقوة قائلًا ببكاء حاد حل محل بسمته الواسعة :
" صح أنا مأذتش حد، أنا بس كنت ....ليه يحصل كده مع نيرمينا، تعرفي نيرمينا في المستشفى دلوقتي، شالوا كليتها واخدوها منها، اخدوها منها يا زهرة "
واخيرًا انهار جسد سعيد ارضًا وبقوة لتشعر زهرة بجسدها يرتجف من قوة السقطة وسعيد أخذ يبكي وينتحب :
" أنا مكنتش عايز كل ده يحصل، أنا كنت هخلص العملية دي واخدك ونروح نعيش بعيد عنهم كلهم، مكنتش عايز كل ده يحصل ليا، أنا مكنتش عايز اعيش كل ده، أنا كنت عايز اموت زي جاد، اشمعنا هو مات وارتاح وأنا اللي بتعذب هنا "
شعرت زهرة بدموعها تسقط وهي ترى علامات الانهيار والمرض تظهر جلية أعلى ملامح سعيد الذي كانت إصابة شقيقته القشة التي قسمت ظهره .
انحنت زهرة تحاول تدارك حالته :
" اششش اهدى يا سعيد، اهدى، أنت بس اهدى وكل حاجة هتكون بخير "
هز سعيد رأسه بقوة باكيًا، يشعر بقرب توقف قلبه :
" لا ..لا مفيش حاجة هتكون بخير، نيرمينا لما تفوق هتكرهني حتى أنتِ هتكرهيني، كله بيكرهني ومحدش هيكون جنبي، أنا أنا.."
صمت فجأة قبل أن يرفع عيونه لزهرة يردد بصوت خافت وكأنه يخشى أن يستمع له أحدهم :
" زهرة أنا فيه صوت جوايا بيقول إني صح، وصوت تاني بيقول إني غلط، أنا مين فيهم ؟؟ أنا مش وحش أنا ... أنا وأنا صغير كنت بصلي وكنت بصوم مع ماما، بس حتى هي سابتني، سابتني لأن جاد قتلها "
بكى بقوة وهو ينوح بصوت مرتفع وقد صدح صوت الضحية داخله :
" قتلها ومحدش كلمه ولا حد حاسبه، وأنا أنا عمري ما قتلت حد والله، عمري ما قتلت حد ورغم كده بتعذب، هو ممكن يكون ربنا بيحاسبني على اللي جاد عمله، زي ما بيحاسب نيرمينا على اللي انا عملته ؟؟ هما كلهم اذوني وانا اللي بتعذب"
وصل سعيد لنقطة بعيدة لم تتمنى زهرة أن يصل لها، لتقترب منه وهي تتحدث بصوت خافت :
" سعيد محدش بيشيل وزر حد، ربنا حاشاه يكون ظالم، أنت بس .. أنت بس بعيد عن ربنا يا سعيد ومش عارف بتقول إيه، أنت محتاج تتعالج، محتاج تقرب من ربنا وتتعالج وتتصالح مع سعيد، أنت مش جاد ولا هتشيل ذنب جاد، أنت سعيد، صاح حياتك عشانك "
صمتت ترى نظراته التي ثبتها على وجهها يستمع لكلماتها بأعين خاوية .
بينما هي أكملت :
" كل الأصوات اللي جواك دي بتشتغل ضعفك عشان تتحكم فيك، اوعى تسيبهم يتحكموا في سعيد، أنت مش جاد ولا زي جاد، ولا عمرك هتكون جاد فاهمني يا سعيد ؟؟ أنت سعيد وبس، سعيد الشاب اللي شاف ظلم وحاول يطلع الظلم ده على الناس كلهم، سعيد اللي شاف أن الكل لازم يعانوا زيه، لكن رغم كده كان جواك سعيد تاني مش حابب حد يعيش اللي هو عاشه "
سقطت دموع سعيد أكثر وهو يقول بوجع :
" هو ...هو أنتِ ممكن تفضلي معايا ؟؟ ممكن تساعديني ؟؟ والله يا زهرة هبقى كويس خلاص، أنا ...أنا روحت لشيخ قبل ما اجيلك و..سألته بس "
صمت لا يدري كيف يبلور كلماته المبعثرة في جملة مفيدة:
" هو قالي إن ربنا ممكن يغفرلي فيه حقه، بس حق العباد لا، أنا المفروض اعمل ايه ؟؟ أنا معملتش حاجة وحشة، هما اللي كانوا بيقبلوا هما اللي وافقوا اعمل كده مقابل فلوس، يعني أنا مش غلطان صح؟؟ "
" بس أنت اعنتهم على أذية نفسهم وغيرهم يا سعيد، يعني شايل ذنب برضو "
سقطت دموع سعيد وقد شعر بالدنيا تظلم أي وجهه بضع يده أعلى فمه يكتم شهقات وصرخات كادت تحرك منه مقهورة :
" طب أنا عملت كده ليه ؟؟ أنا مستفدتش أي حاجة ليه حصل كل ده؟؟ دي كانت تاني مرة اعمل عملية زي دي، والله تاني مرة ومكملتش، أنا معملتش ليهم حاجة "
كان يستمر بالإنكار يحاول البحث في عقله عن مبررات لأجل نفسه، يبكي حياته وما ضاع منها هباءً ما الذي جناه سوى كوابيس واحزان ومخاوف وضياع شقيقته منه والفتاة التي أحب ..
صمت فجأة قبل أن ينظر لزهرة بأمل شديد يقول مبتسمًا وهو يفرك كفيه في بعضها البعض :
" هو أنا لو سلمت نفسي واتحكم عليا واتعدمت ممكن تسامحيني وتحبيني ؟؟"
هنا وشعرت زهرة بكامل طاقة تحملها تتبخر وتماسكها يتلاشى، نسيت عهدها ونسيت كل ما تعلمته، أصبحت فتاة ضعيفة وهي تنفجر في البكاء أمام سعيد بقوة لا تستطيع الحديث، كادت تفقد أنفاسها لشدة البكاء ..
وسعيد يناظرها لا يفهم سبب بكائها، لكنه استحسن فكرته الأخيرة، يمكنه أن يفعل ذلك، بل هو يتوق لذلك سوف يموت ويرتاح من كل ذلك العذاب، وحينها ربما ينتقم من نفسه للجمي، وتغفر له زهرة وكذلك نيرمينا العزيزة، لكن قبل أن يفعل لديه حساب سيقوم بتصفيته .
وقبل أن يندمج في أفكاره سمع صوت زهرة تقول من بين شهقاتها تترجاه ألا يفعل ذلك كان يمكن أن تنفر منه بل وتهرب من أمام، لكن هي أكثر شخص في هذه الحياة يدرك ما يعانيه سعيد وما يعايشه في تلك اللحظة :
" لا لا سعيد أنت... أنت مش ... أنت مش هتسيب نيرمينا لوحدها صح، وأنا...سعيد أنا بحبك يا سعيد "
ولأول مرة تنطقها، عشر سنوات كاملة مرت قبل أن يسمع الكلمة التي سعى لها في حياته، ابتسم بسمة سعيدة لا يصدق أنها أخبرته بما تمنى وحلم .
نظرت له زهرة تحاول أن تجد له شيئًا يريحه، هي ستساعده حتى وإن كان آخر شيء ستفعله :
" أنا ... أنا ممكن اشهد معاك في المحكمة أنك مكنتش في وعيك، سعيد أنت فعلا مكنتش في وعيك أنت.. أنت مريض يا سعيد وده هيخفف الحكم، بس لازم تتوب لازم توعدني أنك تتوب، وتندم وتصلح كل ده وتتعالج يا سعيد، بلاش ترمي نفسك في التهلكة وأنت لسه متوبتش، بلاش تقابل ربنا وأنت لسه متوبتش يا سعيد ..عالج نفسك وصلح حياتك عشان نفسك "
كانت تتحدث بسرعة تحاول أن تجد له حجج ومبررات، هي ستتحمل أن يُسجن، بل تشجعه على أخذ عقابه والتوبة، لكن أن يُعدم فهذا يقتلها، هي ستقدم كل ما تستطيع لإثبات أنه لم يكن بوعيه، هو مريض فعل كل ذلك لأجل مرض ربما لم يكن يعلم بوجوده، بل ويكابر ...
فجأة اقتحم المكان ميمو وخلفها صلاح الذي كان يرافقها في كل خطوة ..
رفعت ميمو حاجبها وهي تنظر لسعيد بيأس وتوبيخ:
" برضو جيت تحكيلها ؟؟ كده تخوف البنت منك يا سعيد ؟؟"
رفع سعيد رأسه لها يرمقها بتعجب من بين دموعه، لتتحرك له ميمو وتنحني تجلس القرفصاء أمامه وهي مبتسمة تردد :
" فاكر يا سعودي لما قولتلك أن صلاح هيربيك معايا ؟؟"
رفع سعيد رأسه صوب صلاح الذي كان يلوح بيده له مبتسمًا، ثم عاد لميمو التي قالت بغمز واحرف تقطر خبثًا :
" استعد عشان هنبدأ يا سعودي، بس قبل ما تتربى محتاجين نربي واحد كده صاحبنا اسمه غانم، تعرفه ؟؟؟"
___________________
تلك كانت الليلة الأطول في حياته كلها، قضى ليلة كاملة مع القوات في تمشيط المنطقة التي تقع بها المشفى محاولين البحث عمن هرب، جمعوا جميع الجثث وارسلوها للمشرحة، ورفعوا البصمات وهو فقط يراقب دون أن يتدخل فذلك ليس بعمله البتة، لكن ما كان يؤرقه هو اتصال صلاح به وأمره ألا يتحدث بكلمة قد تدين سعيد وهو سيخبره لاحقًا بكل شيء .
أمر آخر غير قانوني يُضاف لسجله المهني، لكن هو يثق بصلاح ويثق أنه لن يضره في أمر كهذا .
دخل المنزل الخاص به بعدما رفض أن يقتطع إجازة زواجه لأجل أمر كهذا لن يفيده على أية حال، فربما يحب اللواء أن يعطي شرف تلك القضية لأحد أفراد عائلته الموقرة .
بحث بعينه عن أي أحد في المنزل، لكن ما أبصر من سكان المنزل سوى زوجته التي رآها تخرج من المطبخ تحمل بين يديها صينية ممتلئة بالطعام والعجيب أنها كانت تسير بلا نقابها في المنزل وبكامل حريتها، اتسعت بسمته بسعادة كبيرة لظنه أن تسبيح قد ألفت منزله وأضحت تسير بين جدرانه بكل حرية دون خجل منه أو من والده .
اقتربت ببطء منها وخطواته كانت غير مسموعة لها، ليفاجئها من الخلف ممازحًا إياها :
" صباح الخير يا توتا "
انتفض جسد تسبيح تضع الصينية على الطاولة، مطلقة صرخة مرتفعة تركض عائدة صوب المطبخ بسرعة لولا يد رائد الذي امسكها وهو يطمئنها موبخًا نفسه على اخافتها :
" ايه يا توتا اهدي، ده انا رائد متخافيش "
وبمجرد قوله لتلك الكلمات حتى سارعت تسبيح تمسك بطرف حجابها تخفي به وجهها ليعلو الاستنكار وجه رائد الذي قال :
" نعم؟؟ ده ايه ده؟؟ اول ما عرفتي أني رائد غطيتي وشك ؟؟ ده على اساس اني لو حرامي اشوفه عادي ؟؟"
استدارت له تسبيح تترك طرف الحجاب بسرعة مبررة لنفسها الأمر :
" لا والله مش كده انا بس ...بس اتخضيت ومعرفتش اعمل ايه، بعدين أنا اساسًا لسه مش متعودة تشوفني من غير نقاب، ينفع البس النقاب واحنا قاعدين لغاية ما اتعود عليك ؟؟"
ضرب رائد كف بالآخر متهكمًا :
" وكان لازمته ايه الجواز يا تسبيح، ما كنت وفرت حق الجلبية والمأذون وشوفتك بالنقاب برضو عادي "
نظرت له تسبيح بخجل شديد، ليقترب منها رائد وهي بدورها تراجعت، ارتفع حاجب رائد يبتسم لها بسمة صغيرة متهكمة قبل أن ينقض عليها ممسكًا إياها على حين غفلة منها قائلًا بحنق :
" يابت هتغابى عليكِ، أنا لو مُحصل النور مش هتعامل المعاملة دي "
نظرت له تسبيح بريبة من نظراته وحديثه المخيف ليتركها هو ببطء دون أن يفك أسرها بشكل كامل :
" بصي يا تسبيح يا قلبي ممكن نتكلم بهدوء وبراحة لأن احنا الاتنين اساسا طينة في الكلام واحنا هاديين، مش عايزين نطينها أكثر واحنا متوترين، تمام ؟!"
نظرت له تسبيح بأعين متسعة ليأمرها بلطف :
" تمام يا توتا؟؟"
وهي رددت خلفه بكل طاعة :
" تمام "
ضحك رائد يمنح خدها قبلة صغيرة رقيقة :
" تمام يا توتا، تعالي "
سحبها خلفه بعدما امسك صينية الطعام التي كانت على وشك المغادرة بها قبل اقتحامه لمنزله بكل همجية :
" ألا فين الحاج وامي ؟؟ مش شايف حد هنا يعني ؟؟"
جلست تسبيح على أحد المقاعد جواره تقول بصوت خافت خجل ولم تخرج بعد من لحظة قبلته :
" بابا أخد ماما وراحوا يزوروا قرايب ليهم هنا "
تجاهل رائد كل ما تحدثت به وعلق في رأسه جملة واحدة فقط هي ما جعلته يبتسم لها بحنان شديد ولطف :
" بابا وماما ؟! والله والحاج سليمان بقى يتقاله بابا "
ابتسمت له تسبيح بخجل شديد وقد خرجت كلماتها عفوية تنفيذًا لمطلب سليمان لها :
" هو هو بابا اللي قالي اقولهم كده "
امسك رائد يديها وهو يحدق في عيونها بجدية كبيرة يحاول أن يتواصل معها ويبثها ثقة :
" اسمعي يا تسبيح، ممكن نتفق على حاجة ؟؟"
نظرت له تسبيح بترقب تهز رأسها بطاعة، ليقترب هو بالجلوس منها ويقول بنبرة هادئة حنونة :
" ممكن تعتبري كل عيلتي عيلتك، بدون خجل أو كسوف، وكمان يا ريت بالمرة تعتبريني جوزك معاهم واكسبي فيا ثواب ؟؟"
ابتسمت تسبيح بسمة واسعة تعقيبًا على كلماته التي خرجت منه متحسرة :
" ما أنت جوزي والله "
" والله؟؟ امال مين اللي اول ما شافتني جريت على المطبخ كأنها شافت عفريت، ده أنتِ شوية كنتِ هتغطسي راسك في طبق الفاصوليا اللي شيلاه ولا إني اشوفك، مش كده يا ماما، والله أنا اساسا شوفت وشك من قبل الجواز، متجيش بعد الجواز تعملي حصار "
هزت تسبيح رأسها تشعر أنها تزيد من خجلها منه بشكل مبالغ فيه، لذا عليها أن تعتاد عليه أكثر من ذلك .
حكت راسها ثم أشارت على الطعام أمامها :
" تحب تاكل ؟!"
" هو أنا الحقيقة ما اكلتش من امبارح، بس هل عاملة حسابي في الاكل ده ولا لو اكلت معاكِ هكون متطفل ؟!"
نهضت تسبيح من فورها تردد ببسمة واسعة :
" لا ده فيه اكل كتير من باقية امبارح اروح اجبلك ؟!"
ضحك رائد بقوة على حماسها الشديد للأمر ونهض يمسك الصينية الخاصة بها يقول غامزًا لها :
" تعالي أنا وأنتِ نستكشف المطبخ، اكيد الحاجة مخبية لحمة بدل ما أنتِ جايبة اكل كده من غير اي بروتين "
تحدثت تسبيح بخجل وهي تتبعه :
" هو كان فيه بس انا الحقيقة خوفت اكل تكون ماما عايزة تعمل بيهم حاجة أو بتوع حد "
توقف رائد ونظر لها باستنكار وتشنج :
" هتعمل بيهم ايه يعني يا تسبيح ما اكيد مخبياهم عشان احنا ناكلهم يا ماما، تعالي يا امي ربنا يهديكِ يارب ويديني الصحة عشان اقدر اكمل الجوازة دي على خير "
سارت خلفه تسبيح ولا تدري كيف تخبره أن الأمر محرج، أن تكون في منزل جديد عليها وتعبث بالاواني وتأكل طعامهم دون استئذان الأمر في غاية الاحراج، ولولا جوعها الشديد ما كانت تجرأت وخطت للمطبخ دون معرفة والدته .
أشار له رائد على المطبخ :
" بصي يا ست الكل، ده مطبخ البيت، وبالصدفة البحتة ده بيتي وسبحان الله عشان أنتِ مراتي بقى بيتك برضو، يعني أي شيء داخل حدود البيت ده تتصرفي فيه براحتك، حتى انا اشطا ؟!"
هزت رأسها ببسمة ليمنحها هو بسمة مشيرًا للمكان حولهم وهو يضع يديه على كتفه كما لو كانت رفيقًا قديمًا :
" بصي يا ست الكل عايزك تنتشري في المكان واي زفر تلاقيه ارميه في الطبق الكبير اللي هناك ده عشان نصادره، وأي حلويات هاتيها برضو ميضرش، اتفقنا ؟؟"
اندفعت الحماس لصدر تسبيح بقوة تهز رأسها له :
" اتفقنا "
امسك رائد قبضتها يرفعها مقابل قبضته يضربها بخفة :
" انطلقي يا توتا ..."
______________________
" أنا مش فاهمة أنت قصدك ايه يا محمود ؟! ثم مش احنا اتفقنا متجيش غير لما تقابل ياسين ؟!"
توقف محمود أمامها يقطع عليها الطريق للزبائن، يحاول أن يجد جملة مفيدة في رأسه، يود فقط الاطمئنان أنه سينالها كما يحب ويريد ..
" اسمعي بس يا هاجر شوية "
صمت ثواني ثم قال :
" أنا روحت قابلت ياسين "
اتسعت عين هاجر بقوة لا تستوعب سرعة تنفيذه لما يريد، ابتسمت بسمة غير مصدقة تقول :
" قابلت ياسين ازاي ؟! ده لسه مكملش كام ساعة في القاهرة، أنت روحت جبته من المطار ولا ايه ؟؟"
" لا مش كده انا قابلته في المكتب، وبلغته بطلبي واني حابب اتجوزك "
خجلت منه هاجر وهي لا تدري ما تقول، فهو الآن يقف أمامها ويخبرها أنه ذهب ليطالب أخاها بها .
ابتسمت فجأة وهي تضع الصينية على الطاولة أمامها تعطي ظهرها لمحمود تحاول أن تتلاشى النظر له في تلك اللحظة، تفكر في الخطوة القادمة، هل تهرب أم تواجه
فركت كفيها ببعضها البعض في خجل تقول بصوت منخفض تشعر بجهل شديد يصيبها كلما وضعت في ذلك الموقف :
" محمود هو الموضوع ممكن يظهر ليك غريب او ..."
كانت تتحدث بكلمات لا تصل لمحمود الذي كان في عالم آخر يحاول ايجاد أي كلمة تصف قلقه وريبته مما سيحدث، كيف يطلب منها الأمر ؟؟ وهل ستشك به إن طلب منها ما يريد طلبه ؟؟
كانت هاجر في تلك اللحظة تحاول أن تخبر محمود عما تريد منه، وأنها فقط لا تستطيع أن تتحدث معه ببساطة حينما يتعلق الأمر بطلبه :
" فممكن لو مش هزعجك تقلل من ..."
قاطعها محمود بسرعة بطلب غريب :
" هاجر هو أنا هكون غريب لو طلبت منك متعرفيش اخوكِ وظيفتي ؟!"
فتحت هاجر عيونها بصدمة، أو على الأرجح غير متوقعة لذلك الطلب منه، لكن محمود ولرؤيته ملامح الدهشة على وجهها ابتسم فجأة يقول بتبرير غبي :
" اصل ..اصل أنا من زمان وأنا متعقد من شغلتي، تخيلي يا هاجر تبقي ماشية في المكان كده والناس تشاور عليكِ وتقول المشرحجي راح المشرحجي جه، تبقي ماشية وتلاقي ناس معندهمش ضمير يقولوا بتاع الميتين اهو "
صمت يرسم على وجهه أكثر ملامح بائسة، ثم قال بجدية وحزن :
" هاجر أنا بس ...محتاج بس فرصة اتعالج من كل ده واتقبله وبعدين انا بنفسي هقول لاخوكِ اني دكتور تشريح"
رفع عيونه لها يدعو في قلبه أن يكون تمثيلة المقرف قد اقنعها، لكن تفاجئ من ملامح هاجر الحزينة التي كانت ترمقه بشفقة كبيرة :
" ده بجد ؟؟ يعني ايه مكسوف من شغلتك، مش فاهمة، بس أنا كنت شايفة أنك سعيد يعني "
امتص شفتيه بحسرة مصطنعة :
" مش بحب اني أبين حزني لحد، مش بحب اني أشيل حد همي، أما بالضبط زي ما قالت الفنانة اليسا وقالوا سعيد في حياته واصل لكل طموحاته، بس انا اساسا مش كده خالص "
رمشت هاجر تحاول أن تستوعب ما قال :
" هي اليسا قالت كده ؟؟"
" معرفش والله مش متابع، بس المبدأ نفسه يعني "
صمت ثم نظر لها يحاول أن يطمئن أن كل ما فعله منذ ثواني لم يذهب هباءً :
" اقتنعتني باللي قولته ولا اشوف طريقة تانية اصعب بيها عليكِ ؟؟"
رفعت هاجر حاجبها وقالت بجدية :
" عايز الحق ؟؟ أنا مش مقتنعة بحاجة أنت قولتها "
" ولا بأغنية الفنانة اليسا ؟؟"
ابتسمت له ساخرة وهي ترى أنه يحاول إخفاء شيء خلف كل الكلمات الغريبة دي :
" خاصة الأغنية بتاعة الفنان اليسا "
هز رأسه يفرك شعره يحاول أن يفكر في حل للأمر :
" امممم طلعت ذكية، شيء غير متوقع "
تنهد بصوت مرتفع، ثم نظر لها وقال :
" طب بصي خلينا نتفق على حاجة، اخوكِ لو افتكر اني شغال في مشرحة، الجوازة دي مش هتتم، ومتسأليش ليه ؟؟"
وهاجر بالفعل كانت تريد معرفة السبب لكل ذلك :
" ليه ؟!"
" هقولك بس مش دلوقتي "
تساءلت مجددًا بفضول :
" امتى طيب ؟!"
ابتسم محمود يقترب منها هامسًا بصوت حنون :
" لما تبقي مراتي يا جوجو، قصدي أو بقيتي مراتي يعني "
ابتسمت هاجر بخجل شديد وقد سعد هو لانه أجبرها على الصمت، لكن هاجر لم تتوقف عن الحديث كما يريد وهي تقول ببسمة واسعة تطالبه بوعدًا :
" وعد يا محمود ؟؟"
ابتسم لها محمود بحب ورغم كل تلك التصرفات الهادئة الرقيقة بها، إلا أن رقتها تمثل لقلبه اعصارًا شرسًا قادر على اقتلاع كل جذور تعقله الواهية، ترك النباتات ونبذ الخدر، وسقط سكيرًا في بحار عيناها ...
" وعد يا هاجر "
ابتسمت له هاجر بسمة متسعة تحمل طبقًا عن الطاولة جوارها، ثم أعطته له وهي تقول برقة وحنان :
" طبقك بتاع انهاردة "
__________________
كان يجلس في المقعد الخلفي وهو يتمتم بكلمات هادئة مغمض العين، وفي الامام يجلس صلاح يقود السيارة بهدوء شديد وميمو تجاوره وهي ما تزال تنظر صوب سعيد الذي كان لا يريد أن يتحدث مع أحد منهم أو يتفاعل مع أي شخص حي في تلك اللحظة .
لكن ميمو لم تصمت وهي تقول :
" خلاص يا سعيد خلصت بكى على الاطلال ؟؟"
تحدث سعيد دون أن يفتح عينيه وبهدوء شديد :
" لا لسه، لو خرستي شوية هخلص، أنا مش عارف ايه اللي خلاني اجي اركب معاكم مخلفات الحرب دي واسيب عربيتي "
ضحك صلاح ساخرًا منه وقد غضب أن يسخر ذلك الحقير من سيارته العزيزة الجميلة والأنيقة :
" مخلفات الحرب دي هي اللي هتاخدك وش وقفا لو سمعت صوتك بيتردد ورايا، أنا اساسا مش طايقك "
اعتدل سعيد في جلسته وقد وجد أخيرًا متعته في تلك السيارة الكئيبة يبتسم بسمة جانبية جعلت صلاح يبادله البسمة بأخرى ساخرة أكثر ..
وصوت سعيد صدح في السيارة ينظر يمينًا ويسارًا باستخفاف شديد :
" مش مكسوف من نفسك تبجح عشان عربية متر في متر ؟؟ "
اجابه صلاح بنبرة متزنة هادئة :
" المتر في متر ده قبرك باذن الله هدفنك فيه بنفسي بعد ما ربك ياخد امانته، أما عربيتي زي الفل، هي بس النفوس السودة اللي طول الوقت بتحس بخنقة في أي حد حتى لو ليموزين"
نظر سعيد صوب ميمو التي كانت تتابع المجادلة ببسمة ساخرة :
" هو ده اللي اخترتيه؟؟ اكيد عشان نفس طولة لسانك، ده الواحد يتحبس ارحم ما يتعامل مع امثالكم "
تحدثت ميمو بنبرة باردة تزينها بسمة واسعة تتجاهل سعيد وما يلقي من كلام سخيف من وجهة نظرها :
" سيبك منه يا لذوذ وقولي هتعمل كتب الكتاب بتاعنا في البلد زي رائد ؟!"
ابتسم صلاح بسمة واسعة وكاد يجيبها بجدية كبيرة حول مخططاته ليوم عقد قرآنه المنتظر :
" أنا كنت بقول لو نعملها في الـ "
" أنا برفض الاقتراح ده "
نظر الاثنان صوب سعيد الذي تدخل في حوارهما بكل سخافة، بينما سعيد كان يضم ذراعيه لصدره مبتسمًا بسمة سمحة مستفزة جعلت صلاح يود لو يقلب السيارة به ويتخلص منه :
" نعم ؟! وحضرتك مالك اساسا ؟! أنت راكب معانا العربية شفقة بس عشان صعبت على الست اللي قاعدة جنبي دي وأنت بتعيط، لكن تدخل في كلامنا ده مش هسمح بيه "
اقترب سعيد برأسه يحشرها بين مقعديهما :
" ازاي بقى ؟؟ مش انا ابقى في مقام ابنها ؟؟ يعني حاليًا اعتبر عمك، تيجي تطلبها مني وتجبلنا جاتوه وورد وتتذلل ليا زي الكلب عشان اقبل اجوزها ليك، وفي الآخر البسك علبة الجاتوه واطردك زي الكلب برضو، مش اصول دي ؟!"
أجابه صلاح بمنتهى الهدوء والتعقل وهو ما يزال يقود السيارة :
" لا والله احنا لو هنتكلم في الأصول، فأنت اخرك تحت عجلات عربيتي زيك زي أي كلب متشرد دوسته بالغط، هننزل نعيط عليه ونمسكه ندفنه تحت اي شجرة، ونكمل طريقنا "
ابتسم له سعيد ساخرًا على حديثه يعود لمقعده يستقر به هادئًا وهو يشير لصلاح أن يكمل طريقه :
" طب كمل سواقة وأنت ساكت مش عايز صداع "
وفجأة توقفت السيارة بقوة ليرتد جسد سعيد للأمام بقوة شديدة حتى كاد يسقط أسفل اقدام صلاح الذي ابتسم يقول ببرود شديد :
" انزل يا حبيبي من العربية "
اعتدل سعيد بغيظ وغضب شديد :
" أنت حيوان ؟؟ مش تاخد بالك وأنت بتقف "
" لا مش باخد بالي، وانزل لاحسن والله أنا ماسك نفسي عنك بالعافية ومستحملك لأجل ميمو اللي قعدت ساعة تقنعني اساعدك وقال ايه مسكين والدنيا جات عليه وشيطانه غلبه "
ابتسم سعيد يمتص شفتيه بقوة متأثرًا من حديث صلاح، أو على الأقل يدّعي تأثرًا، يميل برأسه على كتف ميمو جواره، التي حدقت به متشنجة وهي تراه يتمسك بيديها كما لو كان طفلها :
" ياااه يا ميمو، أنا كان قلبي حاسس أن جوا السواد اللي في قلبك و ورا الست الرخمة دي، فيه أم حنونة "
أطلقت ميمو صوتًا ساخرًا :
" يا عيون أمك، أنا برضو اللي جوايا سواد ؟! والحلو جواه ايه؟! حشوة قشطة بالمكسرات ؟؟ "
ولم يكن سعيد يفعل ذلك حبًا في ميمو بالطبع، بل فعل ما فعله لأجل استفزاز ذلك الرجل الذي يحدق بهما في شر قبل أن يترك عجلة القيادة ويلقي بجسده أعلى سعيد وقد استعر في رأسه غضب شديد وهو يصرخ :
" تمام، أنت امثالك لا يستحقون سوى الأحذية "
وبتلك الكلمة اندفع بجسد سعيد الأريكة الخلفية ونشب شجار بين الاثنين، وسعيد يدفعه متحدثًا باستفزاز :
" بيهزقني بالفصحى، بيحاول يعجزني، بس على مين، تبًا لك "
انهى جملته وهو ينغمس في قتال شديد مع صلاح الذي ازداد غضبه، وميمو تناظرها بحنق شديد :
" صلاح خلاص سيبه، أنت هتحط عقلك بعقل سعيد ؟؟"
أجابها صلاح وهو يلكم سعيد والغضب قد تمكن منه :
" شخص زيه من حثالة المجتمع المفروض يتكسف من نفسه ويدفن راسه في الأرض، ماشي يبجح ويتشرط، على ايه ؟؟ ده أنت من شوية كنت هتسلم نفسك وتتعدم يا معفن "
ابتسم له سعيد مستفزًا، رغم أن الكلمات أصابته في مقتل، يحاول أن يندمج مع صلاح في حديث سخيف وشجار أسخف فقط ليتناسى ما حدث له، يتناسى ما سيحدث لاحقًا :
" وغيرت رأيي، فجأة كده حبيت الحياة "
جذبه صلاح من ثيابه يقرب وجهه منه يهمس بشر وبصوت منخفض وصل كالفحيح لسعيد :
" ميمو لو قربت منها سنتي أنا هخليك ترجع تكره حياتك تاني يا سعيد، اياك ثم إياك تتجاوز حدودك معاك، خلينا حلوين مع بعض لغاية ما نلم الليلة دي "
ابتسم له سعيد بسمة صغيرة مستفزة :
" دي مرات ابويا يا حبيبي يعني محارمي "
" اسمها أرملة ابوك مش مراته، وبرضو متقربش منها أبدًا "
" ولو قربت ؟؟"
حدق الاثنان في بعضها البعض بقوة قبل أن تقاطع ميمو كل ذلك وهي تشير لصلاح أن يعود مكانه تنظر له نظرة فهمها جيدًا:
" صلاح معلش ارجع مكانك "
ترك صلاح جسد سعيد بقوة ليتداعى جسد الأخير على الأريكة ويبتسم بعدم اهتمام يضع يديه أسفل رأسه يتسطح بكامل جسده على الأريكة يصفر باستمتاع ظاهري، محاولة بائسة منه ليغطي على صوت صراخه الداخلي، وأصوات الرعب التي انطلقت في صدره منذ مصيبته الأخيرة في شقيقته، ونظرات زهرة أيضًا وهو يسير كالجثة أمامه تقتله، لم يستطع أن ينظر لها ليرى نظرتها، لكنه قبل أن يخرج نظر لها وقال دون أن يواجه عيونها :
" يا ريتني ما حبيتك يا زهرة، يمكن وقتها كانت حياتي تبقى اهون عندي من كده "
وكان ردها قاتلًا وهي تقول بصوت متقطع :
" يا ريتني ما حبيتك يا سعيد، يمكن حياتي كانت تبقى أبسط من كده "
نزلت دمعة من أعين سعيد وهو يستدير بعيدًا عن المرآة التي قد تنقل لهما ألمه، يتنفس بصوت مرتفع وهو يُذّكر نفسه بكلمات ميمو له:
" هساعدك يا سعيد وهنعدي من كل ده متقلقش، لكن عشان ده يحصل لازم تتربى الاول وتندم وتتوب، وكل ده انا بنفسي هتأكد أنه يحصل "
أبعدت ميمو عيونها عن سعيد وهي تنظر أمامها بحزن ليشعر صلاح بالحزن عليها يقول بصوت منخفض :
" أنا آسف "
نظرت له بتعجب شديد ليقول بهدوء :
" آسف لو زعلتك، بس أنا غصب عني اتعصبت، لو عايزة أنا ممكن اعتذر منه و..."
ابتسمت له ميمو بسمة عاشقة تقول له بامتنان شديد :
" مساعدتك ليا في اللي جاي يا صلاح تخليني مدينة ليك طول العمر، أنت مش محتاج تعتذر على شيء، هو سعيد اللي مترباش "
قال سعيد بصوت مختنق وهو ما زال يوليهما ظهره :
" سمعتك "
قالت ميمو بحنق وتوبيخ :
" ما تسمع، هو أنا كدبت ؟!"
زفرت ميمو ثم نظرت لصلاح الذي كان يقود السيارة بانتباه شديد للسيارة، وهي فقط تنظر له تشعر بالذنب أنها دائمًا ما تورطه بأمورها، لذلك وحين وصلوا للمشفى، ودخلوا للمكان المخصص لركن السيارات ...
نبهت ميمو سعيد لينهض ويتحرك صوب غرفة شقيقته دون كلمة واحدة، يتمتم بحنق وكلمات ناقمة وصلت لصلاح الذي فتح باب السيارة يهبط، ثم تحرك صوب الباب الخاص بميمو التي كانت شاردة ...
فتح لها الباب ثم صمت ينتظر أن تنتبه وتهبط وهي فقط كانت في عالم آخر هو محوره، ابتسم صلاح يراها تحدق في الزجاج الأمامي للسيارة بنظرات حزينة.
لذلك كل ما فعل هو أنه نهض ليقف جوار مقعدها ينظر حوله يتأكد أن لا أحد ينظر له، ثم أخرج من سترته ثلاث بالونات قام بملئهما بالهواء مستخدمًا فمه يلوح بهما في الهواء لتنبه له ميمو التي نظرت له بعدم فهم .
وصلاح كان يلوّح بالبالونات في الهواء، ثم فجأة وضعهم على في قدم ميمو يردد بهدوء وبسمة واسعة منحنيًا بنصفه العلوي :
" اتفضلي يا مودمازيل، اتمنى هديتي البسيطة تعجبك "
حدقت ميمو بالبالونات على قدمها في تعجب تتحسسهم وهي لا تدرك ما يفعل ليقول صلاح بهدوء وهو ما يزال ينحني قليلًا حتى يصل لطولها وهي جالسة :
" بس للاسف المرة دي مش معايا خاتم نطيره فيهم "
نظرت له ميمو ثواني قبل أن تنفجر بالضحك وقد استطاع صلاح أن يقتنص بكل خبرة ومهارة ضحكتها، لم يستلزمه الأمر مجهوًا سوى ثلاث بالونات وبعض الانفاس، وإن اعتمدت ضحكاتها في الأيام القادمة على ذلك فهو مستعد ليقدم لها كل البالونات وجميع أنفاسه دون أي نقم .
ابتسم وهو يراها تضم البالونات لصدرها بأعين ملتمعة بالسعادة وقد استطاع أن يخطف قلبها بمثل تلك اللفتة البسيطة :
" أنت... أنت جبت منين البالونات دي ؟؟"
ابتسم صلاح يجذب طرف جيب سترته يريها ما فيه لتمد هي جسدها قليلًا ترى العديد من البالونات بها، وصلاح أشار صوب السيارة يقول ببساطة وبسمة :
" وايه كيس في العربية كمان، هصادر كل البالونات اللي في السوق، طالما بتفرحك كده "
تأوهت ميمو بتأثر شديد وشعرت برغبتها في البكاء، لكن خشيت أن تصبح أمامه طفلة حمقاء تبكي لأنه فقط أحضر لها بعض البالونات، لكن الأمر كله يتمثل في أنه فكر في الشيء الذي يسعدها وفعله، أمر لم تختبره سوى مرات قليلة قديمًا مع اخوتها قبل نكبتهم .
شعرت ميمو برغبة عارمة في ضم صلاح وشكره، لمن كل ما خرج منها هو صوتها تقول بتأثر :
" صلاح هو احنا ممكن نعمل كتب كتاب زي رائد ؟؟"
اتسعت أعين صلاح بصدمة وقد شعر أن أخطأ السمع، هل لكثرة حلمه بتلك الأمنية أضحى يسمعها في يقظته ؟؟
" أنتِ قولتي ايه ؟؟"
ضحكت ميمو تتجرأ لأول مرة في مثل تلك الأمور :
" عايزة ابقى مراتك يا صلاح، ينفع ؟؟ "
تأوه صلاح بقوة يقول من بين امواج سعادته التي انطلقت تنتشر في المكان بأكمله :
" أنا اللي ارجوكِ يا مَقدس "
ابتسمت ميمو بقوة تقول بجدية وهي تتحرك صوب المشفى :
" خلاص تعالى اطلبني من مختار دلوقتي "
توقف صلاح فجأة ثم قال بتردد :
" بس نيرمينا و..."
توقفت ميمو تنظر له ببسمة واسعة واثقة :
" تفتكر اني كان ممكن اقترح اقتراح زي ده او افكر افرح ونيمو مش كويسة ؟؟ نيمو هتشاركني فرحتي وهنعمل كتب الكتاب هنا عشانها "
نظر لها بعدم فهم لتقول بجدية كبيرة تشرح له ما حدث :
" الدكتور كلمني أنها فاقت شوية وبعدين رجعت نامت بسبب المخدر اللي اخدته، لكنها بقت كويسة الحمدلله وطمني عليها، وقال إنها استجابت للعلاج "
هز صلاح رأسه ببسمة واسعة وقد ارتاح قلبه وهو يقترب منها يجاورها:
" تمام لغاية ما تقوم وتكون قادرة تتحرك وتستوعب اللي حواليها، اكون انا ظبطت كل شيء وكلمت الحاج "
هزت رأسها له وما كادت تتحدث بكلمة حتى سمعت صوت هاتفها يرن برسالة، رفعته أمام عيونها لتجد رسالة مقتضبة من سعيد يقول بها ( تعالي عند نيرمينا .)
توقف قلب ميمو بقوة وقد ارتجف جسدها وهي تركض لداخل المشفى ولحق بها صلاح الذي لم يفهم ما الذي حدث فجأة كي يقلب كيانها بهذا الشكل ...
_________________
توقف أمام باب غرفة التشريح وهو يحمل الهاتف يتحدث معها مشيرًا بعينه لمحمود أن يسبقه وهو يقول بضحكة صغيرة:
" طبعًا مش هتصدقيني اني الصبح كنت متصل ليكِ عشان اقول كلام حلو "
" لا طبعا ومصدقكش ليه يا صالح، هو أنت بيطلع منك غير كل حلو يا راجل ؟؟"
ابتسم لها صالح يقول بتفاخر احمق :
" طول عمري وأنا أقول يا بختها اللي هتكون معايا وتصحى كل يوم على كلامي "
تحركت رانيا داخل المكتبة الخاصة بجامعتها تتحدث ساخرة :
" أنت هتقولي يا راجل ده أنت احلى ما فيك لسانك، ده كفاية كلامك اللي يسم البدن على الصبح "
ضحك صالح يرى طبيبة تقترب منه وتعطيه عظة اوراق ليهز رأسه بهدوء يتسلمها منها وهو يقول بجدية :
" تمام أنا بس كنت بكلمك عشان اقولك اني لقيت إجازة لبكرة باذن الله، مش عارف ازاي بس لقيت "
ابتسمت رانيا بسمة واسعة، لا تدري أسعادة برؤيتها له بعد كل ذلك الغياب، أم رغبة في الشعور به جوارها .
اغلق معها صالح المكالمة مع وعد بلقاء آخر بينهما، لقاء سيكون بمثابة حرب، لكن لأجلها قد يقيم مائة حرب ...
بعد دقائق ..
تحرك المشرط بشكل رأسي يشق الجزء الأوسط من جسد الرجل الذي يتوسط طاولتهم، كان الاثنان يعطون كامل تركيزهم لكل ما يفعلونه ..
صالح ينظر في كل شيء بدقة وجوارهما العديد من أدوات سحب العينات، يسحبون بعض سوائل الجسم، ويأخذون بعض الأنسجة لتحليلها وفحصها في المختبرات بشكل دقيق، الأمر معقد، فتلك الجثة لا آثار قتل أو خنق أو حتى تسسم على جسدها، مجرد جثة مجهولة وجدوها ملقاة على أحد الطرق الصحراوية .
" مفيش أي علامات تبين أي شيء، الأجهزة كلها طبيعية والجسم نفسه مش فيه أي علامات تدل على سم أو أي مادة كميائية ممكن تكون اتاخدت "
كانت تلك كلمات صالح الذي كان يحاول جاهدًا الوصول لأي معلومة قد تخبرها سبب وفاة ذلك الرجل بعدما تسلموه الشرطة .
بدأ الاثنان يتحققان من وقت الوفاء عن طريق عدة أمور معروفة .
أشار صالح لمحمود بجدية :
" افحص العين وترسب الدم في الأجزاء السفلية "
في ذلك الوقت بدأ صالح يختبر تيبس الجسد ومدى صلابته وأيضًا درجة حرارته ..
بينما محمود انتهى من أخذ مؤشرات ترسب الدم والعينين، وبدأ يفحص الجهاز الهضمي ليكتب وقتًا تقديريًا لموته حتى يتأكدوا من الأمر بطرق أخرى..
وأثناء ذلك أبصر محمود شيئًا جعله يتوقف عما يفعل وهو ينحنى بركبتيه قليلاً حتى أصبح أمام ذراع المريض يراقبه بأعين ثاقبة :
" صالح تعالى هنا بسرعة "
ترك صالح ما يفعل وتحرك صوب محمود الذي أشار له على نقطة معينة في ذراع الرجل يقول بجدية :
" شايف ؟؟"
انحنى صالح يحمل مصباحًا يدويًا يوجهه على تلك النقطة التي أشار لها محمود، دقق النظر أكثر وأكثر فيها حتى نظر لمحمود بحاجب مرفوع وهو يهمس بصوت متعجب :
" يعني ايه ؟! تفتكر تكون دي سبب الموت ؟؟"
مد محمود شفتيه بجهل يقول :
" ممكن رغم أن مفيش علامات ظاهرة على الاعضاء أو الجسم تدل أنه مات بمخدر أو سم، بس أثر الحقنة اللي دراعه ده بيقول عكس كده، لأن مفيش في جسمه أي علامة تانية تدل على طريقة الموت غير دي "
اعتدل صالح في وقته يقول بجدية :
" تمام احنا كده كده هنبعت عينات من سوائل الجسم للمعامل وكمان من الأنسجة ولو فيه أي مادة كميائية هنعرف ونعرف سبب وجودها وتأثيرها "
نظر الاثنان للجثة المجهولة وبدئا في محاولة أخذ كل العينات التي قد تفيدهم في الأمر وحددوا وقت الوفاة حسب المؤشرات أمامهم، وانتهوا من الأمر وخرجا من غرفة التشريح...
تنهد صالح بتعب يحاول تحريك رقبته :
" الواحد يرجع يقول هيرتاح يلاقي الشغل بيدق بابه "
نظر له محمود يدفع باب مكتبهم يلقي بجسده على الأريكة قبل أن يفعل صالح يقول بحنق :
" شوف أنا في ايه وأنت في ايه ؟؟ يا بني ادم بقولك مستقبلي العاطفي بيضيع، ساعدني أفلت من يوم التقدم الرسمي ده على خير، أنا خايف اروح يفتكرني "
صمت ثم انتفض فجأة وقال وكأنه استوعب الأمر :
" أو لما يشوفك يفتكرك أنت، بقولك ايه انت مش جاي معايا "
ترك صالح الملفات من يده وهو ينظر له بشر :
" ولا هنستهبل، ما أنت جيت واتفرجت عليا يوم ما روحت لرانيا، أنا جاي معاك يعني جاي معاك"
" يابني وهو انا رايح سينما ؟! ده مستقبلي اللي بيضيع "
ابتسم له صالح يقول بجدية واستفزاز :
" هاجي اتفرج عليه وهو بيضيع "
ولم يكد يعترض محمود على الأمر حتى ارتفع رنين هاتف صالح لينظر له متعجبًا، بينما محمود أخذ يتمتم بصوت حانق يلعن تلك الصداقة التي لا يأتيه منها سوى المصائب ..
اجاب صالح هاتفه من ذلك الرقم الذي ظهر له على برنامج الاتصالات باسم ( المهندس عبدالجواد ) ورغم ذلك حاول تكذيب حدسه، فهو يعلم أن هؤلاء الحمقى ما كان أحدهم ليتنازل ويتحدث معه، لكن عبدالجواد خيب ظنه وهو يقول بجدية عبر أسلاك الهاتف :
" صالح معايا ؟؟؟؟"
_____________________
تقدمت ميمو من غرفة نيرمينا وصلاح يلحق بها، وقد كان كل تفكيرها يدور حول أن حالة نيرمينا ساءت فجأة، وهذا ما جعل حلقها يجف وجسدها يرتجف .
اقتربت من الممر وهي تحاول أن ترى أي طبيب في المكان تسأله عما حدث لها، تسرع من لحظة الاطمئنان، لكن ما رأت منهم أحدًا وما رأت أي شخص في تلك الممرات عدا سعيد ونادر الذي كان يستند على النافذة الزجاجية التي كانت تطل على غرفة نيرمينا، يستند بجبهته غير عابئًا بسعيد أو بأحد آخر..
وسعيد فقط يحدق أمامه بشرود كبير، يفكر في صحة قراره الذي اتخذه في ثواني قليلة ودون تفكير وعقله يصور له أن هذا هو ما يجب أن يحدث .
ابتلع ريقه حينما وجد صوت يصدح في المكان حوله وهي تقول بصوت مرتعش من الخوف تقترب من نادر متسائلة :
" نيرمينا مالها ؟؟ حصل ايه ؟؟ هي كويسة صح ؟؟ الدكتور قالي أنها كويسة و..."
أوقفها نادر بعدة حركات بيده مخبرًا إياها في إيجاز تام أن تهدأ وتتنفس جيدًا فنيرمينا لم يصبها سوء .
نظرت ميمو صوب سعيد الذي كان يراقبهما بأعين غامضة ونظرات توحي بأنه يفكر في كارثة كعادته .
" امال ايه الرسالة اللي بعتها دي يا سعيد ؟؟ "
نظر لها سعيد يقول بهدوء وبنبرة عادية :
" كنت محتاج اتكلم معاكِ في موضوع "
نظرت له بفضول ليشير لها أن تجلس لكنها رفضت تصيح بغيظ واعصاب ما تزال مشدودة، وكل ذلك تحت أعين صلاح الذي يتابع بهدوء شديد يدرس كل ما حوله ..
اعتدل سعيد في جلسته يفرد ظهره وهو ينظر للجميع حولها يقول بجدية كبيرة :
" أنا موافق على كل اللي طلبتيه مني وهساعدك في كل اللي عايزة توصلي ليه يا ميمو، لكن ...."
صمت ينظر لها بقوة :
" لكن قبل ده كله محتاج أأمن الجزء الوحيد الكويس اللي باقيلي ...نيرمينا "
ابتلع ريقه يقول بنبرة مختنقة :
" محتاج اطمن عليها، مش هغامر اني اسيبها كده في الحياة لوحدها "
قاطعته ميمو بثقة نابعة من مكانة نيرمينا لديها، فهي ليست ابنة زوجها اللعين فقط، بل هي ربيبة يدها و صغيرتها الحبيبة، ومصدر النقاء في حياة ملوثة .
" نيرمينا مش لوحدها يا سعيد وأنت عارف كده "
هز سعيد رأسه يقول بنظرات غامضة :
" عارف، بس أنتِ هيجي يوم وتتجوزي، واعتقد اليوم ده مش بعيد، ووقتها هتنشغلي في حياتك حتى لو اخدتيها معاكِ، برضو مش هتكون رقم واحد في حياتك يا ميمو "
فتحت ميمو فمها لتعترض، لكن سعيد قاطعها بسرعة يرفض أن يتوقف الآن وقد اقترب من غايته :
" سيبيني أكمل، بكرة هيكون ليكِ حياتك، وهي هتفضل في النهاية وحيدة، عاجلًا أو آجلًا هتبقى وحيدة "
تنفس بصوت مرتفع وقد شعر بتفتت قلبه :
" أنا هعمل كل اللي عايزينه ومعاكم في اللعبة بتاعتكم، لكن في المقابل عايز تنفذوا شرطي .."
نظر له الجميع بفضول ليقول هو ملقيًا قنبلته دون الإهتمام بأي أحد في المكان :
" نادر اخوكِ يتجوز نيرمينا ....."
__________________________
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رحمة نبيل
مساء الخير...
فيه نوفيلا لطيفة خفيفة كنت كتباها عشان احتفالية على الفيس ..فحبيت انزلها هنا عشان اللي حابب يقرأها
هي بتدور حول يوميات طبيب نفسي في العيادة وحكاياته مع مرضاه، وفيها جزء رومانسي ..
عامة اتمنى تكون فسحة صغيرة خفيفة في اليوم .
يعني اعتبروها ( ساعة لقلبك)
هتلاقوها على صفحتي باسم ( يوميات طبيب نفسي )
وسهرة ممتعة مع معاذ وسلمى ...
النوفيلا كاملة ومش هتنزل فصول ولا شيء، هي نزلت بالكامل على الواتباد والفيس .
انما روايتنا ما بين الألف وكوز الذرة مستمرة عادي ولسه معانا زي ما احنا ( اثنين وخميس)
موجودة في صفحتي
AnaZilzail
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رحمة نبيل
بعتذر عن التأخير بسبب انقطاع الكهرباء ...
متنساش قبل القراءة فوت ..
صلوا على نبي الرحمة
______________
الحياة تمنحك العديد من الفرص في طريقك نحو هدفك، لا لا يا عزيزي الحياة ليست بذلك الكرم الذي تظنه لتمنحك كل تلك الفرص لأجل لا شيء، لأنه إن حدث فتأكد أنه مقابل تلك الفرص ستخسر الكثير والكثير، لكن القليل فقط من تلك الفرص يكون بلا مقابل، فرص جيدة دون أن تخسر في المقابل شيئًا وهذا ما نسميه نحن " فرص ذهبية " والذكي فقط من يستطيع استغلال تلك الفرص بمهارة شديدة ..
ونادر لم يكن من ذلك النوع الذكي الذي يستغل ما يُقدم له من فرص ذهبية، وكل ذلك تحت مسمى الخوف، أبدى رفضًا واعترض بقوة على تلك الجملة التي خرجت من فم سعيد، توقف قلبه لثواني فقط احتفالًا بذلك الخبر، قبل أن يمسكه العقل ويصفعه موبخًا إياه، يذكره أن تلك التي يعرض سعيد زواجه منها هي نيرمينا التي تعهدا سويًا بحمايتها حتى من أنفسهما ...
تنفس نادر بقوة يتراجع للخلف يحرك أصابعه بقوة وهو يتحدث لميمو رافضًا أن يترك لقلبه القيادة ويتقبل ذاك القرار :
" لا أنا مش موافق، مش هتجوز نيرمينا "
أبعدت ميمو عيونها عن نادر الذي كانت أصابعه ترفض وعيونه تتوسل القبول، يأبى وقلبه يرفع رايات الاعتراض على قراره المجحف .
نظرت ميمو لسعيد الذي كان يحاول تحليل حركات نادر العصبية والتي تظهر رفضًا صريحًا، لكن هو لن يتقبل أي رفض، ليس على استعداد لفعل ما يخططون له دون أن يتأكد من ترك شقيقته بيد أحدٍ يعتني بها، وهو لن يجد أفضل من مختار أو نادر ايًا كان ذلك الشاب فهو الوحيد الذي قد يأمن على شقيقته معه .
" عرفت منين إن مختار هو نادر اخويا ؟!"
أطلق سعيد صوتًا ساخرًا على قلة ملاحظتها، وعلى استهانتها بعقله، تلك الفتاة تقلل كثيرًا من ذكائه .
" مشكلتك يا مرات ابويا أنك مستهونة اوي بيا "
صمت ثم ابتسم بسمة جانبية :
" واحدة زيك الحياة خادتها وش وضهر وقفا وعطتها لما قالت يا بس، اطحنت بمعنى اصح، هتثق في عيل اصغر منها أنه يكون حارسها بكل بساطة وتسلمه حياتها وهي مغمضة ؟؟ "
ابتسمت ميمو بسمة واسعة وهي تستمع لكلماته ليكمل سعيد وهو يشير لنادر :
" طبعًا أنا كنت شاكك بس أنه حد قريب اوي منك مش مجرد حارس غريب زي ما قولتي، حاولت ادور وراه بس هو كان خبيث بالقدر الكافي اللي يخليني ملقيش أي شيء يخصه، لكني برضو كنت متأكد أنك تعرفيه، وشوفتك مرة داخلة اوضته بليل، و لما كان اخوكِ بيضربني من شوية نادتيه بنادر، طبعا مستوعبتش في الاول بس لما هديت عرفت "
صمت يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يضم يديه لصدره يقول بجدية وقد انتهى من كل ذلك :
" ودلوقتي خلصنا كل ده، ها موافقين على شرطي ؟؟"
رفع نادر أصابعه يحركها بقوة للجميع وقد غفل _ بسبب غضبه _ أن لا أحد يفهم ما يريد سوى ميمو :
" مش هينفع، أنا مش هينفع أبدًا اتجوز نيرمينا "
أمسكت ميمو يده تنظر لعينه تتساءل بلغته الخاصة عن سبب رفضه، لا تريد التحدث أمامهم بكلمة حتى تفهم ما يريد شقيقها .
ليجيبها نادر بملامح معذبة :
" مش هينفع، أنا مش هنفع ابدًا لنيرمينا، أنا مش ...مَقدس أنا مش هقدر أسعدها، خايف أئذيها غصب عني، خايف اجرحها "
ابتسمت ميمو تتفهم خوفه تشير له بهدوء بحركات مماثلة :
" خلاص يا نادر اهدى أنا هقول لسعيد أنك رافض "
تنفس نادر الصعداء مرتاحًا من تلك الكلمات _ ظاهريًا فقط_ بينما داخله ينتحب ضياع فرصته، وقد أعلن القلب حداده وارتدى السواد حزنًا على قرارًا رفض تأييده...
ابتسمت ميمو تشير له :
" خلاص أنا هقول لسعيد يجوزها لحد تاني، أمير الحارس بتاع سعيد عينه منها وأنا هعرض على سعيد يختاره هو بدالك و.."
وفجأة توقفت ميمو عن الإشارة وهي تشعر بيد نادر تمسك أصابعها بقوة كما لو أنه يمنعها من الحديث وقد تصلب جسده بشكل مخيف واشتد سواد عيونه وظهر الرفض واضحًا في خلجاته .
ابتسمت له ميمو تقول بهدوء شديد وهو ما يزال يقبض على أصابعها تحت انظار صلاح وسعيد اللذين لا يفهمان ما يحدث بينهما .
" طب يا نادر يا حبيبي أقوله ايه عشان الواضح أن سعيد مستعجل، موافق ولا لا ؟؟"
هو يريد الرفض، يريد أن يمنعها من اقتحام سواده كي لا تتلوث به، لكن ربما .... أعنى ربما هي من تنشر نورها داخله، لكن ماذا إن لم يحدث ؟ هل يرفض وينالها آخر ؟؟ أمام عينيه ؟! يكون له حق التمتع بالنظر لها وتدليلها ورؤية ابتسامتها كل صباح كما تمنى هو، يترك غيره يحقق أحلامه ؟؟
زفرت ميمو تعلم أن شقيقها ما يزال عنيدًا متخوفًا ويحتاج دفعة قوية ليتناسى كل ذلك الهراء ويعيش حياته بشكل طبيعي :
" خلاص يا سعيد نادر مش مـ "
وفجأة جذبها نادر بقوة صوبه يمنعها من إكمال الكلمات يحرك رأسه بسرعة ولهفة كبيرة لأعلى وأسفل معلنًا واخيرًا موافقة صريحة، موافقة على سعادته، سيكون انانيًا معها ويحصل عليها رغم كل شيء .
ابتسم سعيد بسمة واسعة يخرج هاتفه :
" هكلم المأذون يحضر عشان نكتب الكتاب .."
بهذه الكلمات أنهى سعيد حديثه يتحرك بعيدًا عنهم، يده ترتجف، هل يفعل الصواب لشقيقته ؟؟
نظر خلقه صوب نادر الذي كان متسع الأعين وكأنه لا يصدق ما سيحدث، حسنًا هو أيضًا لم يتوقع يومًا أن يُسلم شقيقته بهذا السرعة، هي ما تزال صغيرة، لكن هو أخطأ ولن يستطيع أن ينهي ما بدأه سوى بهذه الطريقة .
وضع الهاتف أعلى أذنه:
" الو يا أمير، هات المأذون وتعالى على المستشفى "
اقترب منه صلاح ينتزع الهاتف من بين أنامله ليعترض سعيد وهو ينظر له بشر كبير :
" خير عايز ايه ؟؟"
نظر له صلاح ببرود شديد يقول وهو يحاول أن يصبر على ذلك الرجل الأحمق :
" بس يا حبيبي، هتجوز اختك ازاي وهي مش واعية ولا صاحية ؟؟ "
حدق به سعيد يقول بتلقائية شديدة :
" أنا ولي أمرها وليا حق اجوزها "
ابتسم صلاح وهو يربت على كتف سعيد، ثم نفض له غبارًا وهميًا كما لو كان يتحدث مع طفل صغير وليس رجل بالغ يسبقه أعوامًا في العمر :
" لا تنكح البكر حتى تُستأذن، ولا تنكح الأيم حتى تُستأمر، واختك مش مطولة يعني هتفوق في أي وقت، يعني زي الشاطر تصبر أختك تفوق وتكون واعية وتدخل تتكلم معاها أو ميمو تكلمها وتاخد منها موافقتها وبعدها جوزها إن شاء الله تجوزها لقرد "
ارتفع حاجب مختار بتهكم ليمنحه صلاح بسمة صغيرة :
" معذرة يا نسيب، لكن ده واحد يا عيني عقله على قد بنحاول نفهمه "
ارتفعت زفرات سعيد الغاضبة، يدفع صلاح بعيدًا عنه بغيظ :
" مش فاهم طلعتلي منين أنت"
هو أراد أن ينتهي من أمر نيرمينا، لكن صلاح معه حق، ليصبر ويأخذ أذنها فهو لا يريد أن يُغضبها على أية حال ...
اقتربت منهم ميمو تشير لسعيد بالتحرك :
" دلوقتي خلاص اطمنت على اختك وناقص موافقتها، نطمن احنا على نفسنا بقى ؟؟"
نظر لها بعدم فهم لتقول ببسمة صغيرة مخيفة :
" زيارة صغننة لحبيبنا غانم .."
____________________
" مش فاهمة يعني ايه جواد كلمك ؟!"
تناول صالح قضمة من شطيرته وهو يجلس في مخبز هاجر كعادتهم كل استراحة غداء، ليس لحبهم الشديد في الشطائر اللذيذة التي تصنعها هاجر، ولكن لإدمان رفيقه على البسكوت وحبه لرائحة المخبوزات وصاحبة المخبوزات .
ابتلع صالح الطعام بعدما مضغه :
" اه يا عيني أنتِ عبيطة، بصي يا بنتي جواد كلمني يعني رفع التليفون بتاعه وكتب رقمي اللي معرفش جابه من أي مصيبة وضغط على زر الاتصال وانتظر يسمع صوت الجرس بعدين فجأة سمع صوتي الشجي الرائع وأنا بقول ( الو ) "
فركت رانيا خصلات شعرها تفكر في كلماته :
" صالح أنت بتهزر ؟؟ ما أنا عارفة كل ده، أنا قصدي ليه؟؟ اشمعنا يعني عبدالجواد يكلمك ؟؟ وكمان محمد قالي اقولك تيجي يكونش ..."
صمتت تنظر حولها في الجامعة برعب قبل أن تخفض جسدها على الهاتف هامسة بصوت منخفض جدًا وكأن صوتها سيصل لاخوتها في شركتهم :
" يكونش عاملين ليك فخ وهيجروا رجلك واول ما توصل... يضربونك ضربة رجل واحد ويخلصوا عليك ؟؟"
" ايه يا ماما حيلك حيلك، خاطب واحدة من قبيلة بني مخزوم؟؟ ايه هناسب بنت من بنات قريش ؟؟ "
عدلت رانيا من وضعية حجابها بتوتر شديد وقد على صوت تنفسها حتى وصلت ذبذبات خوفها لصالح عبر الهاتف فقال بهدوء :
" رانيا ..."
صمتت رانيا ولم تستطع الحديث بسبب امتلاء عيونها بالدموع، تخاف وبشدة أن يتهور أحد اخوتها ويسأم منها صالح ويغادرها، وهي ...هي أحبته، لأول مرة تشعر أنها تريد أن يصبح أحدهم قريبًا منها ومعها طوال الوقت كما تشعر مع صالح.
" رانيا أنتِ معايا ؟؟"
هزت رانيا كعادتها رأسها وكأن صالح يجلس أمامها يراقبها، ابتلعت ريقها تقول بصوت خافت به غصة بكاء :
" معاك "
" اسمعي يا رانيا عشان مش هتلاقيني طول الوقت بالمزاج الهادي ده، والله لو اخواتك الأربعة اتنططوا على الحيط أو مشيوا على أربعة، أنا مش هزهق، وإن كانوا متربوش فأنا مش احسن منهم، اتفقنا ؟!"
ابتسمت رانيا من بين دموعها تتنفس بصوت مرتفع، تشعر أنه سمع نداء قلبها، سمع رجاءها أن يطمئنها، هل يمكن أن تمتلك رجلًا أكثر لطفًا وحنانًا من ذلك الرجل ؟؟
" بعدين يعني مش فاهم أنتِ خايفة ليه من المقابلة دي بالذات ؟! هما اخواتك يعني استقبلوني بالورد المرة اللي فاتت عشان تخافي من دي؟! دول اربع تيران كل ما يشوفوني يتجننوا كأنهم شافوا واحد ماسك راية حمرا قدام عيونهم "
لا بالطبع لن تجد من هو أكثر لطفًا وحنانًا من صالح، وأين تفعل وهي وجدته صدفة أثناء رحلة البحث عن هاتفها ؟! وكما قال والدها فلن ينفع اخوتها سوى شخص كصالح .
" على فكرة أنت بتغلط فيهم كتير وأنا ساكتة، لكن أنا مش بحب حد يغلط في اخواتي، أنت متعرفش قد ايه هنا حنينين وطيبين ورقيقين "
تشنجت ملامح صالح يراقب بعيونه محمود الذي يقف جواره وهو يحرك عيونه مع هاجر وكأنه لا يرى في المكان سواها، ذلك الفتى جُنّ تمامًا .
" حنينين ورقيقين ؟؟ بذمتك أنتِ مصدقة نفسك ؟! يعني جبريل اخوكِ ده رقيق ؟؟ ده أرق حاجة فيه ..."
صمت قليلًا محاولًا البحث في عقله عن شيء متعلق بجبريل و يمكن وصفه رقيقًا ..
" تصدقي مش لاقي، مفيش حاجة فيهم رقيقة، رانيا خلينا متفقين أن أرق حاجة في بيتكم كله هو أنتِ "
ابتسمت رانيا بخجل شديد وتقبلت منه ذلك المدح ببسمة وصدر رحب، لكن فجأة وكالعادة لم يمنحها صالح رفاهية التمتع بكلماته إلا لثواني محدودة حيث اكمل بجدية :
" يعني تخيلي تكوني أنتِ بكل عصبيتك وزعابيبك أرق شيء في البيت، وضع مزري الحقيقة"
صمت يمضغ طعامه بتلذذ :
" وده يعرفنا إن عندكم نقص في مخزون الرقة، والله عم رؤوف أرق منكم واحد واحد "
اشتد غضب رانيا بقوة وكادت تنفجر في وجه صالح لولا سماعها لصوت رجولي يحدثها، رفعت رأسها لذلك الشاب الذي كان طويل القامة بشكل مبالغ به، يقف أمامها في ساحة الجامعة يتحدث لها ببسمة رجولية جذابة ونبرة لينة بعض الشيء جعلت رانيا تتحسر على ما أوقعت نفسها به مع ذلك الوقح صالح .
" معذرة لو بزعجك يا آنسة، لكن إذا تكرمتي ممكن تقوليلي فين المكتبة العامة ؟؟"
رمشت رانيا ثواني تحاول أن تترجم سؤاله في عقلها، لكن فجأة انتفضت بقوة على صوت شخص آخر قد تناسته في خضم انشغالها بسؤال ذلك الشاب، وما كان الصوت سوى صوت صالح الذي قال ببساطة :
" قوليله عند أمك"
اتسعت عين رانيا بقوة تضع يديها أمام شفتيها وهي تنظر للشاب الذي ينتظر اجابتها، بينما صوت صالح ما يزال يصدح في أذنها:
" قوليله يلا "
ابتلعت رانيا ريقها تبتسم بسمة غبية للشاب تقول بصوت هامس من أسفل أسنانها :
" صالح عيب كده، أنت بتقول ايه ؟!"
" هو ايه اللي عيب، يعني هو الحلو ساب الجامعة بكل الأمن اللي فيها والشباب واللوحات بتاعة الاماكن وجايلك أنتِ؟؟ ليه فيه GBS على وشك ؟؟ مشي الواد ده، ده عيل بيستهبل "
" يا صالح عيب كده، شكله لسه سنة أولى وميعرفش حاجة "
كانت تتحدث وهي تنظر للشاب الذي لم يهتم كونها تتحدث في الهاتف وهو واقف، هو فقط كان يستمتع بالنظر لها ورانيا تحاول أن تجعل صالح يخفض صوته، أو تخفض هي صوت الهاتف مخافة أن يصل صوته للشاب ويحرجه :
" في سنة أولى مين يا متخلفة أنتِ ؟؟ ده مش بعيد يكون خريج وجاي يشقطك، اقولك مش معاكِ الصاعق؟! طلعيه اديله شحنتين خليه ينور "
" يا صالح ..."
صرخ صالح بجنون في الهاتف يشكل جعل جميع من في المخبز ينتبه له :
" بلا صالح بلا زفت، الواد واقف يشقطك وأنا معاكِ على التليفون، والله يا رانيا أما قولتي للواد ده يغور لاجي أنا اتصرف معاه ووقتها هعرفك إن اللي شوفتيه مني كان صالح المحترم اللي متربي مرتين على ايد أميرة بالغلط "
زفرت رانيا بقوة ترفع نظرها لذلك الشاب العجيب والذي رغم أنها جعلته ينتظر وتجاهلته إلا أنه لم يتحرك ..
" بعتذر أنا ..أنا معرفش فين المكتبة للأسف، ممكن تسأل أي شخص تاني "
ابتسم الشاب لها يتحرك ليجلس جوارها لتتسع عينيها بقوة وهي تشعر بالخطر، فهذه المرة الأولى التي تتعرض لمثل ذلك الموقف ويجلس جوارها شاب غريب، هذا إذا استثنت صالح من الأمر حينما كانت تتشاجر معه .
وعلى الجانب الآخر كان محمود يحمل بين يديه طبق الحلوى اليومي الخاص به وهو يتناول منه بنهم يتحدث من بين مضغاته بعدم فهم لملامح صالح التي كانت تبدو مرعبة بحق :
" حصل ايه ؟! مالك متعصب كده ؟!"
نظر له صالح ولم يجبه بكلمة واحدة بل فقط انتفض من جلسته يصرخ بقوة حينما سمع صوت ذلك الشاب قريب من الهاتف مما يعني أنه اقترب من رانيا :
" هو قرب منك ؟؟ "
هزت رانيا رأسها بنفي وهي تبتعد عن الشاب تنطق بثبات :
" لا، هو ...هو بعيد و..."
قاطع حديثها صوت الشاب الذي قال بجدية يتنحنح :
" أنا آسف لو بقاطعك بس محتاج اتكلم معاكِ في موضوع ضروري، ممكن استناكِ لو تحبي "
اغمض صالح عيونه بقوة وقد بدأ يشعر بشعور سيء، شعور هو لا يحبذه، أن يشاركه أحدهم فيمن يحب :
" رانيا، طلعي الصاعق نشفي دم العيل الثقيل اللي جنبك ده، بدل ما أنا اللي اجي اصفي دمه "
نهضت رانيا بسرعة شديدة تنظر للشاب باعتذار :
" معلش مش هقدر، عن إذنك "
ولم تكد تتحرك خطوة واحدة ليهدأ صالح حتى لحق بها الشاب وهو يقول بصوت مرتفع :
" رانيا لو سمحتي استني، أنا فعلا من زمان محتاج اتكلم معاك "
لكن رانيا تجاهلته وركضت منه بسرعة كبيرة، ليس فقط لأجل صالح، بل لأن اخوتها إن علموا أنها وقفت تتحدث مع أحد الشباب والذي لا يبدو عليه أنه يحتاجها للسؤال عن الطقس، سيقتلونها ...
في تلك اللحظة ازداد غضب صالح يدفع عنه محمود الذي اسقط طبق الحلوى به ارضًا واتسعت عينيه صارخًا :
" أنت ياض أعمى ؟! ما تبص قدامك "
اقتربت منهم هاجر بفزع تنظر حولها للجميع تحاول معرفة ما حصل :
" ايه يا جماعة فيه ايه ؟!"
نظر لها صالح بشر لتتراجع للخلف تقول بعدم فهم :
" والله ما عملت حاجة"
قال صالح بغيظ وغضب :
" هي بنت اختك دي عبيطة ؟؟ واقفة تتكلم معاه ليه ؟؟"
هزت هاجر رأسها بعدم فهم :
" والله ما اعرف، أنا معرفش هي واقفة معاه ليه، يمكن يمكن عايز حاجة"
ورغم أنها لا تعلم عمن يتحدث صالح، إلا أنها أجابت ما جاء في رأسها لشدة خوفها، نهض محمود من الأرض بعدما نظف ما سقط من الحلوى يشير لصالح بتحذير :
" ولآ عصبيتك دي تطلعها على حد تاني، خلي مشاكلك أنت والمتشردة بتاعتك دي بعيد عننا، هتخوف الزباين "
تحرك صالح خارج المخبز بسرعة مخيفة ومحمود ما يزال يرفع إصبعه في الهواء يقول بحنق شديد :
" بنت اختك هتضيع الواد الحيلة"
نظرت له هاجر بعدم فهم، تدرك أن الصراع احتدم مجددًا بين رانيا وصالح، ألم يقم الاثنان معاهدة سلام ؟؟
اقتربت هاجر من محمود تضم صينية لصدرها :
" تفتكر ممكن يروح يقتل رانيا ؟؟ اتصل بمحمد يلحقها ؟!"
ابتسم لها محمود بحنان شديد :
" متخافيش يا نواعم صالح ده بؤق، شوية وهتلاقيه رجع زي الكلب يخلص القرصة بتاعته "
نظرت له بتعجب ليهز هو رأسه مؤكدًا حديثه السابق، ثم قال مبتسمًا يمد لها بقايا الحلوى التي أسقطها صالح :
" ممكن حتة تانية بدل اللي وقعها صالح ؟؟؟"
_____________________
" خلاص يا حاجة أنا مش هاخدها واهج بيها، ده الموضوع كله ساعة عن هنا "
ابتعدت والدته عن تسبيح تجفف دموعها التي هبطت حزنًا على رحيل من آنسها وملء منزلها بالصخب طوال ذلك اليومين ..
" يا بني وهو أنت حد بيشوف وشك غير كل عيد؟! مستخسر عليا أودع مرات ابني اللي ملحقتش اتهنى بيها"
سقطت دموع تسبيح تأثرًا بحديث تلك المرأة التي عاملتها كما لو كانت ابنتها، عاملتها بكل حنان وحب دون أن تشعرها لحظة واحدة أنها دخيلة عليهم، فسيدة غيرها كانت تهكمت من طريقة اقتحامها حياتهم دون أي مقدمات، لكن تلك السيدة فقط استقبلتها بالاحضان والقبلات .
اقتربت منها تسبيح مرة أخرى تضمها بحب شديد وهي تهمس لها بامتنان :
" متخافيش يا ماما أنا هخلي رائد يجبني على طول ازورك، مش هتأخر عليكم "
ابتعدت عن نعمة التي اخذت تربت على رأسها بحب، ثم تحركت صوب سليمان لتصافحه، لكن سليمان بدلًا من مبادلتها المصافحة، ضمها لصدره بحنان ابوي يهمس لها بصوت خافت :
" أي وقت تحسي أنك عايز تتكلمي مع حد بعيد عن رائد، أو رائد زعلك، رني عليا رنة واحدة وانا هكون عندك في وقتها اخدك بنفسي وارجعك هنا "
نظرت تسبيح لرائد الذي كان يرمق الجميع برضى وبسمة واسعة وقالت بشكر :
" شكرًا يا بابا هتكون اول شخص افكر فيه لو زعلت من رائد، مع أني أشك أن حد زي رائد ممكن يزعل حد "
ربت سليمان أعلى كتفها بحنان :
" ده عشان أنتِ طيبة يا بنتي، إنما رائد ده عيل
عصبي و..."
تدخل رائد يسحب تسبيح من بين يدي والده حانقًا مما آلت إليه تلك المحادثة التي كانت تصب في صالحه في بدايتها :
" لا مؤاخذة كده يا حاج، ايدك عن البنت، هتعصيها عليا من دلوقتي ؟! ناقص تقولها إني واكل مال اليتيم، و باجي على المظلوم "
ضحك سليمان عليه :
" مش بوعي البنت بدل ما تضحك عليها "
" شكرا يا حاج مش عارف من غيرك طلاقي كان هيكون على ايد مين "
جذب يد تسبيح مكتفيًا بكل تلك الكلمات من الجميع، وقد شعر أنه إن وقف ثانية إضافية لن يغادر بتسبيح، بل سيغادر بورقة طلاقه وهو حتى لم يحصل على وثيقة زواجه بعد .
صعد رائد السيارة يرتدي نظاراته السوداء كي يُحسن القيادة دون أن يتأثر بالشمس، وجواره استقرت تسبيح تلوح للجميع قبل أن يتحرك رائد بسرعة كبيرة يخرج يده من النافذة يودعهم، ثم اغلقهم وهو يقول ببسمة :
" ارفعي النقاب عادي يا توتا خدي راحتك عشان متحرريش"
نظرت له تسبيح بعدم فهم مشيرة للنافذة :
" بس ممكن حد يشوفني و..."
قاطعها رائد وهو يمنحها بسمة واسعة :
" متقلقيش أنا مفيّم العربية يعني خدي راحتك خالص محدش هيشوفك "
" يعني ايه مفيم العربية دي ؟؟"
بدأ رائد يشرح لها بطيب نفس، فما أحب على قلبه من حوار طويل مع من ملكت القلب :
" بصي يا ستي الفاميه ده عبارة عن زجاج شفاف من الداخل معتم من الخارج، يعني أنتِ تشوفي اللي برة واللي برة ميشوفش اللي جوا "
اتسعت عين تسبيح تنظر له باستفسار وقد أعجبتها تلك الفكرة وبدأت ترفع نقابها تكشف له عن ملامحها الحبيبة بكل ما فيها من تفاصيل :
" وده عادي ؟؟ طب ليه مش كل العربيات بتركبه؟! ولا هو غالي ؟!"
ضحك عليها رائد وعلى تلك النظرات المنبهرة :
" هو غالي شوية عن النوافذ العادية، لكن محدش بيركبه عشان دي مخالفة اساسا "
اتسعت عيونها بصدمة :
" مخالفة ازاي ؟؟ يعني ممكن تتحبس ؟!"
انطلقت ضحكات رائد اكثر :
" حبيبتي يا توتا فيه فرق بين مخالفة وجنحة وجناية، مخالفة يعني آخرها غرامة ٣٠٠٠ جنيه وتحذير وخلصنا، بس متقلقيش أنا عندي معارف في المرور"
ارتفع حاجب تسبيح تنظر له ببسمة متهكمة :
" وسايط يعني ؟؟"
" اممم تقدري تقولي إني لقيت المشي السليم مش جايب همه، فقولت نستمتع شوية ببعض الامتيازات اللي بيوفرها مركزي المتواضع في الشرطة، أنا اساسا لسه مركبه عشان خاطرك وعشان تاخدي راحتك في الرحلة "
ورغم أنها لم يعجبها أن يخالف القانون، لكن اتسعت بسمتها حينما علمت أنه فعل ذلك لأجلها، حسنًا شعور رائع آخر يضيفه لها رائد على قائمة الاحاسيس التي اكتسبتها بفضل معرفته ..
انتبه رائد لبسمتها الواسعة :
" ايه يا توتا حبيتي الجزء الإجرامي فيا ولا ايه ؟؟"
نظرت له تسبيح قبل أن تفغر فاهها عن ضحكة صاخبة فعلت الافاعيل بقلب رائد الذي كان لا يفوت لفتة صغيرة منها، مستمتعًا بكل ما تمنحه له برضى .
" لا أنا بس ...بس حاسة نفسي مميزة عشان أنت بتعمل كل ده ليا "
" أنتِ فعلًا مميزة يا توتا، مميزة اوي كمان "
ابتسمت له تسبيح بحب شديد، حب لم ينطق به لسانها، لكن عيونها فاضت بكل ما تضمره هي بكل كرم، ورائد التقط منها كل تلك الرسائل الصامتة، ليتنهد ينهي ذلك الحوار الصامت ويعود للقيادة، وهي فقط صمتت مبتسمة بسمة واسعة، قبل أن تقول بلا شعور :
" أنت حلو اوي يا رائد"
شعر رائد بحالة بلاهة لثواني معدودة لا يفهم ما سمع للتو، أو مناسبته، لكنه فعل ما يحسن فعله كلما أصبح معها، ابتسم بحب يقول :
" وأنتِ الحلى كله فيكِ يا توتا .."
نظرت له تسبيح بخجل ليشعر رائد أن قدرته على التحمل قد نفذت، تحرك بالسيارة لجانب الطريق، ثم قادها ببطء ونظر لها يقول بعبث شديد :
" على فكرة أنا عندي معارف كتير اوي في الآداب برضو "
نظرت له تسبيح ثواني تحاول أن تزن كلماته في رأسها، قبل أن ترتفع شهقاتها بقوة تصرخ في وجهه مؤنبة إياه على ما قال :
" أنت بتقول ايه يا رائد عيب كده على فكرة "
انطلقت ضحكات رائد بقوة عليها وهو يتحرك بالسيارة مجددًا ، يقول من بين ضحكاته :
" وأنا عملت ايه بس ؟؟ أنا بعرفك إن جوزك ليه وسايط كتير في كل أجهزة الدولة، ذنبي اني عايزك تفتخري بيا ؟؟"
نظرت له تسبيح ساخرة ليعلم أنها أدركت كذبته، لكنه لم يهتم حقًا ..
مر الوقت سريعًا قبل أن تتوقف سيارة رائد أمام البناية الخاصة بهم واخيرًا يعود برأسه على المقعد خلفه يتنفس براحة :
" واخيرًا وصلنا "
حملقت تسبيح بالبناية في حنين شديد :
" تعرف أن البيت وحشني ؟!"
" والله وانا كمان، يلا انزلي عشان نستريح شوية قبل ما حد من البلاوي يرجع من شغله ويقلبوا العمارة بصوتهم "
نزلت تسبيح من السيارة بعدما وضعت نقابها أعلى وجهها :
" أنا في شقتي صح ؟؟"
" اكيد يا تسبيح امال هتيجي الشقة عندي مع شوية العجول اللي معايا ؟؟"
صمت يخرج الحقائب الخاصة بهم والتي ملئتها والدته بالعديد من الأطعمة :
" الاكل اللي امي بعتته خليه عندك لأحسن صالح وصاحبه بيخلصوا على الأخضر واليابس، اطلعي ارتاحي وانا هجيب الشنط وهحصلك "
اطاعته تسبيح وتحركت صوب المنزل الخاص بهم، لكن فجأة توقفت على صوت نسائي خلفها ينادي اسمها، استدارت تسبيح تنظر للمنادى لكن فجأة شعرت بشيء ثقيل يهبط على كتفها بقوة لتعلو صرخاتها في المكان ..
في تلك اللحظة كان رائد يتحدث في هاتفه من صلاح :
" دلوقتي ؟؟ لا أنا وصلت القاهرة اهو بس هطلع الشنط واطمن على تسبيح و....."
فجأة انتفض جسده بقوة حينما استمع لصوت صرخات اصابه بالصمم خلفه استدار كالمجنون ليرى أمرأة تحمل عصى غليظة وهبطت بها فوق رأس تسبيح ، اغلق الهاتف الخاص يركض صوبهم يصرخ بصوت جهوري مرعب :
" ابعدي عنها "
وتبع كلماته صوت رصاصة في الهواء خرجت من مسدسه، وقبل أن تتحرك السيدة خطوة واحدة واحدة كانت يد رائد تجذب أول ما طالته وقد كان حجابها يصرخ بجنون :
" ده أنا هطفحك الويل يا زبالة "
كان يتحدث وهو ينظر لها بشر، قبل أن يخرج هاتفه ويتحدث مع المركز الذي يعمل به، ثم جر تلك السيدة بقوة صوب البناية ينادي حارسها والذي خرج له سريعًا ..
" افتح المخزن اللي تحت السلم ومتخرجش الزبالة دي غير لما البوكس يوصل "
نظر له الرجل بريبة ليصرخ رائد في وجهه ويفتح هو باب المخزن يلقي به الفتاة التي أخذت تصرخ به وتسبه هو وتسبيح وتصرخ بهما :
" والله لاوريكِ يا تسبيح، هندمك على اللي عملتيه في اخويا وامي "
اتضحت الرؤية تلك ابنة إحدى النساء التي سبق و تهجمن على تسبيح وأيضًا شقيقة لأحد المجرمين الذين أبلغت عنهم تسبيح .
أغلق رائد الباب بعدما أكد على الحارس ألا يخرجها إلا بحضور الشرطة :
" لو خرجت غير على البوكس هخليهم ياخدوك أنت "
أنهى تحذيره يركض صوب الخارج ليجد تسبيح تستند على الجدار وهي تحاول أن تتمالك نفسها، وقد شعرت بكتفها يكاد يسقط عن جسدها، تحرك لها رائد يسندها للسيارة، ثم تحرك بها صوب المشفى الأقرب لهم وهي جواره جسدها يتحرك بقوة ليظنها تبكي .
رفع رائد النقاب عن وجهها يقول بخوف :
" متخافيش يا قلبي مش هـ "
لكن فجأة توقف حينما وجد تسبيح تضحك بقوة، اعتلى التعجب ملامحه يحرك نظراته بينها وبين الطريق :
" بتضحكي على إيه يا تسبيح ؟؟"
نظرت له تسبيح تقول بصوت ساخر :
" اصل أنا من يومين كده قولت خير يعني مفيش مشاكل في حياتي، استغربت إن خلاص الحياة بدأت تضحكلي، الظاهر كده كانت بتضحك عليا "
تنفست من بين ضحكاتها قبل أن تنظر له ببسمة صغيرة :
" عامة الحمدلله المرة دي جات في كتفي، شكلي مش هعرف اعملك الاكل اللي كان نفسك فيه "
أنهت حديثها تضحك بصوت مرتفع ليقول رائد ببسمة :
" هبقى أنا أجي اعملنا أنا الأكل يا تسبيح، أنا اشيلك في عيوني "
ابتسمت تسبيح له بسمة واسعة وقد شعرت في تلك اللحظة أنها نالت مكافئتها الكبرى بحصولها على رائد، فقدت الكثير ونالت نصيبها في الحياة متمثلًا على هيئة رائد، أغمضت عيونها تحمد ربها ورائد جوارها يمسك بكفها يداعبه بلطف شديد ..
" أنتِ اقوى واحدة أنا شوفتها في حياتي يا توتا"
نهضت تسبيح ولأول مرة تبادر بلفتة بمثل تلك الجرائة حيث اقترب تقبل خد رائد بحب وامتنان شديد، ثم استقرت برأسها أعلى كتفه :
" عشان أنت بس معايا رائد "
شعر رائد بصدمة جمدته ومنعته الكلام أو الرد، لكنه كان سعيدًا، بل كاد يطير من السعادة ..
ابتسم يميل مقبلًا رأسها بحب شديد، يشكر الله أن رزقه بها ..
______________________
يجلس أعلى مكتبه يتكأ بجسده على المقعد الخاص به يراقب أمام عيونه صور مختارة لجثث من حاولوا بيعه، ابتسم بسمة واسعة يتحسس تلك الصور بشفقة :
" ليه كده يا وسيم أنت ورجب ؟؟ يعني مكنتوش عارفين تعملوا زي جلال وتمشوا من سكات؟؟ لازم تتطمعوا ؟؟ شايفين اضطرتوني اعمل ايه ؟؟"
زفر يلقي الهاتف أعلى المكتب يتمطأ بكسل شديد :
" كلفتوني جرعتين غاليين، بس ميغلاش عليكم يا حبايبي"
كان يتحدث للصور التي أُلتقطت لوسيم ورجب بعدما أُلقي كلاهما على قارعة الطريق بثياب رثة وهيئة شاحبة بعض الشيء، يتحدث للصور كما لو كانوا أمامه ويعاتبهم .
فجأة سمع صوت رنين هاتف مكتبه الذي خرج منه صوت مساعدته الشخصية :
" فيه حد هنا عايز يقابلك يا فندم "
" حد مين ؟؟ اسمه حد يعني ؟؟ ما تقولي اسمه ايه واخلصي"
ولم تكد الفتاة تجيبه حتى وجد باب مكتبه يُفتح بقوة يتقدم منه سعيد الذي أعاد ترتيب هيئته مرتديًا بنطال أسود وقميص رمادي اللون يقول ببسمة واسعة :
" غانم حبيبي وصديق الجيم العزيز، شايف ما شاء الله نفخت زيادة "
رفع غانم رأسه صوب سعيد الذي تحرك داخل مكتبه بكل أريحية يتبعه رجل يعرفه وكيف لا وهو نال من لسانه ومقالاته الكثير حتى كاد يذهب بنفسه ويتخلص منه، وقد حاول بالفعل لكنه فشل في ذلك مرات ومرات .
ابتسم صلاح بسمة واسعة :
" يا جماعة مش تقولوا أنه غانم بتاع المخدرات المضروبة ؟؟ ده عشرة عمر وصديق عزيز، ولا ايه يا غانم ؟؟"
تحفز جسد غانم أكثر وهو يرى اجتماع غريب عليه، ما الذي أوصل سعيد الفاسد لصلاح الذي يحارب الفساد، ما حلقة الوصل بين الاثنين ؟!
ودون انتظار وجد حلقة الوصل تخطو مكتبه وهي تمسك بين يديها رابطة شعر تجمع بها خصلاتها تقول بارهاق مصطنع :
" السكرتيرة اللي برة دي متعبة اوي "
انتفض جسد غانم بالكامل ينظر للثلاثة بعدم فهم، وجود سعيد كان هو الوحيد المنطقي هنا، وقد كان في الحقيقة ينتظر ذلك اللقاء وعلى استعداد له، لكن وجود صلاح وميمو معه أثار ريبته .
" ايه اللي لمى الشامي على المغربي يا ترى ؟؟"
ابتسمت ميمو تتحرك بخطوات رشيقة صوب المقعد الذي يتقدم مكتبه :
" أنت يا غانم، أنت اللي لميتنا يا غالي "
أضاف صلاح يجلس على المقعد المقابل لميمو :
" شوفت يا غانم حركاتك البايخة اضطرتني اعمل ايه ؟؟ خلتني اساعد سعيد، ينفع كده ؟! الله لا يسامحك يا اخي"
ابتسم غانم بسمة قاسية شرسة يظهر لهم وجهًا مقيتًا مرعبًا يشهره في وجه كل من يفكر يومًا أن يتحداه :
" معلش يا حبايبي عادي الزبالة تتلمى على بعضها، مش شيء غريب "
وضعت ميمو قدم أعلى الأخرى تلوي ملامحها بحنق شديد واعتراض على حديثه :
" لا لا يا غانم، بلاش تغلط عشان كلنا في المكتب ده عارفين مين بالضبط اللي زبالة "
أنهت حديثها تشير بعيونها عليه هو وسعيد الذي ابتسم بسمة جانبية :
" عادي أنا معترف اني زبالة، الدور والباقي على الزبالة اللي عايشة عيشة الانتيكات "
كان يتحدث وهو ينظر لغانم الذي ابتسم لهم وقد اعجبته تلك اللعبة :
" من الآخر كده عايزين ايه ؟؟ اكيد مش جايين المكتب بتاعي عشان تدسوا فيا وتلقحوا عليا "
هزت ميمو رأسها توافقه الحديث، ثم أشارت لسعيد تقول :
" قوله يا سعيد إحنا جايين ليه "
هز سعيد رأسه، ثم تحرك من مكانه يخطو صوب غانم الذي كان يحرك عيونه تزامنًا معه، حتى أصبح سعيد يقف أمامه يتحدث معه بكل هدوء :
" أنا جايلك عشان اعاتبك يا غانم، بقى ينفع كده ؟؟ يعني تسيب كل الناس وتيجي على اختي الصغيرة؟؟ ما عندك ميمو اهي قادرة ومفترية ولا هو مش بتيجوا غير على المسكين"
نفض ثياب غانم في حركة بطيئة يكمل حديثه بصوت هادئ منخفض :
" بعدين يا أخي ده احنا كنا مشتركين في نفس الجيم، ولا هو عشان ربنا نفخ في صورتك وانا لسه زي ما أنا هتدوس علينا؟!"
كان غانم يحدق في وجهه بعدم فهم، لا يفهم ما الذي يحدث وكيف يتحدث بتلك النبرة العادية، وقبل أن يقول كلمة واحدة أسقطه سعيد بقوة هو ومقعده حينما ضربه في معدته بقدمه، وقبل أن يستوعب غانم شيئًا كان سعيد يمسك تمثال يعلو المكتب ويهبط به فوق رأسه بجنون، ومن ثم انكب عليه بالضربات يفرغ به كل لحظة رعب شعر بها حينما علم ما حدث لشقيقته .
كل ذلك وغانم يحاول أن يدفعه لكن سعيد استغل كبر حجم غانم وثقل جسده ليحصره بين المقعد والمكتب ويهبط فوق رأسه بكل ما وجد أمام عينه ..
وبعد دقائق طويلة نهض تاركًا غانم خائر القوى ارضًا، وسعيد يتنفس بقوة وجنون وقد أصابته نفس الحالة التي تصيبه أحيانًا حينما يشتد به الغضب، رغبة عميقة في إيذاء من أمامه، أن يذيق الجميع وجعًا.
ابتسم بسمة جانبية يهتف في وجه غانم الذي اختفت جميع معالمه، بينما هو يعدل من وضعية ثيابه :
" طلع نفخ يا غانم، يا خسارة البروتين اللي صرفت عليه دم قلبك "
أنهى حديثه يتحرك بعيدًا عنه، لكن فجأة لمح صور لوسيم ورجب يعلو المكتب ليبتسم ساخرًا هاتفًا بينه وبين نفسه، أنهم نجوا من شِركه ..
تحرك خارج المكتب، بينما صلاح اقترب من غانم يخرج هاتفه يلتقط له عدة صور بزوايا مختلفة ليقول موضحًا ببسمة واسعة :
" دي بس عشان النعي، المرة الجاية يبقى ناخد صور بطقم تاني بقى "
ابتسمت ميمو تطلق ضحكات عالية على حديث صلاح، ثم سارت صوب غانم تحدق فيه ثواني قبل أن ترفع قدمها وتهبط بها في قوة مرعبة أسفل معدته، تبصق على وجهه بكره شديد، ولحقت بالجميع.
والاخير كان مسطحًا ارضًا يرى أمامه الشياطين تتراقص ليشتعل رأسه بقوة ويشعر بالغضب يندفع بين أوردته، حتى صرخ صرخة عالية هزت جدران المكتب بأكمله ...
____________________
يشاهدها باستمتاع شديد وقد كانت تلك مرته الأولى التي لا يشعر بأي ذنب، أو رغبة في إخفاء لهفته عن أحد، أذلك لعلمه أنها لا تشعر به، ولا تستطيع أن تمسك به يتلصص النظر لها، أم لأنه يدرك جيدًا أن الأمر يحتاج لساعات فقط وتصبح له وزوجته ؟!
زوجته ؟؟ ذلك اللقب الذي كان يطارده أحلامه الوردية ويهرب هو منه خوفًا من ثِقله على قلبه، كيف يتقبله الآن، ربما بسبب كلمات ميمو التي جعلته يرتعد خوفًا أن تكون لأحد غيره .
تنهد بصوت مرتفع يميل على الفراش بجسده، مستندًا برأسه جوار جسدها يحاول أن يتمتع بالنظر لها، وطالت نظراته حتى شعر فجأة بالنوم يهاجمه، فسقط به دون مقاومة ..
وبعد ساعة أو أكثر لا يدري، استيقظ على صوتٍ ضعيف هامس اشتاقت له أذنه، صوت سمع به همسة أثارت جميع حواسه وتسبب في زيادة معدل خفقاته عن الحد الطبيعي .
" مختار.."
رفع نادر رأسه ببطء يرى أمامه ملامحها التي اعتاد مراقبتها خلال الأيام السابقة، لكن تلك المرة مع إضافة زادتها جمالًا ...عيناها .
ابتسم مختار في وجهها بسمة جميلة جعلتها تهمس بنبرة مرهقة :
" أنت بتبتسم عادي زينا؟! "
رمقها نادر بنظرات عاشقة قبل أن ينفجر في الضحك على كلماتها، بعد كل ما حدث وبعد كل ذلك كان أول ما نطقته أو انتبهت له هو بسمته، وهذا ما زادها اتساعًا يحرك أصابعه بهدوء :
" مستعد ابتسم كده على طول لو فضلتي تبصيلي كده "
ويبدو أنه فقط يتحدث بثقة ودون توتر فقط لإدراكه أنها لا تفهم منه شيئًا، وقد كان هذا ما حدث، حيث حدقت به نيرمينا ثواني ودون وعي تمد يديها لوجهه تجذب وجنته بقوة لها :
" أنت مش بتعرف تكتب ؟! اكتب اللي عايز تقوله "
نظر لها بحاجب مرفوع وعينه تثبتت على يدها التي تضم وجنته، لكن نيرمينا لم تتوقف عن العبث بوجنته تشعر كما لو أنها ما تزال في حلمها الذي ظلت تراه طوال لحظات نومها، ونادر يجلس مترقبًا لكل ما تفعل، وهي فقط ابتسمت تقول :
" تعرف اني كنت مفكراك زمان مركب وش بلاستيك ؟؟ كنت مفكرة أنك لابس قناع "
ابتسم لها نادر بسمة واسعة لتتجرأ هي وتحرك اصبعها ودون أن يتوقع حركتها التالية كانت تدفع اصبعها بقوة كبيرة صوب أسنانه تضربه بها، ليتراجع نادر للخلف بصدمة كبيرة يخفي أسنانه خلف يديه ..
بينما هي رمقته تلوي ثغرها مبتسمة بخدر :
" سنانك طلعت حقيقية، أنا فكرتك مش بتضحك عشان معندكش سنان ومركب طقم "
انطلقت ضحكات نادر يتحرك جسده دون صوت وهي تراقبه ببسمة، وحينما انتهى من الضحكات رفع يده يضرب رأسها بخفة شديد، ثم أخرج هاتفه سريعًا مكتفيًا بلعب دور الصامت :
" أنتِ كويسة ؟؟"
رمشت نيرمينا وهي تقرأ الأحرف لفترة طويلة قبل أن ترفع رأسها وتحدق في الغرفة حولها :
" أنا كويسة، هو أنا فين اساسا؟؟ أنا ... أنا"
صمتت ثواني ثم قالت تحاول أن تستوعب وتتذكر ما حدث :
" هو أنا مش فاكرة ليه اللي حصل ؟! أنا كنت بتصور مع الحمار قدام البيت في البلد ومش فاكرة حاجة "
حِمار ؟؟ حقًا تعرضت للخطف وفقدت إحدى كليتيها وكادت تصيب نصفهم بانهيار وتتسبب للنصف الآخر بشلل فقط لأنها أرادت التقاط صورة لها مع حِمار ؟!
كتب نادر بأصابع عصبية على الهاتف جملة غاضبة، احرفها توحي بمقدار ما يشعر به من انفجار وشيك :
" بتتصوري مع حمار ؟! ده الحمار هو اللي يتصور معاكِ بعقلك ده يا غبية يا متخلفة، كنتِ هتموتي وتموتيني وراكِ عشان حمار ؟!"
ونيرمينا التي ما تزال تعاني من توابع تلك العملية وكم كبير من المخدر الذي ينتشر في دمها لم تجد له ردًا منطقيًا وهي تقول بصوت ناعس بعض الشيء تحرك يديها في الهواء :
" كان عنده شعر طويل اوي "
تبًا لعجزه الذي يجعله لا يستطيع الصراخ في تلك اللحظة ليخفف مقدار الغضب الذي يسري بين أوردته، ونيرمينا تنظر له بعدم فهم، ثم جذبت ثيابه لينتبه لها وهو ما يزال يتنفس بصوت مرتفع ...
" أنا ما اكلتش في الفرح وصلاح قال هيجبلي أكل، أنا جعانة "
زفر نادر بتعب وإرهاق شديد، يدرك أنها لم تفق بشكل كامل، لذلك اراد أن يتلاعب معها يستغل حالتها تلك ويعترف بما يريد، لربما تستيقظ المرة القادمة ولا تتذكر من حديثهما شيئًا .
لذلك حمل هاتفه يكتب عليه كلمات مقتضبة، يحقق حلم غريب أحمق، ومن ثم رفعه في عيون نيرمينا التي كانت ترمقه بأعين ضبابية تقرأ كلماته بصوت منخفض ضعيف بعض الشيء :
" بحبك يا نادر "
ابتسم نادر بسمة واسعة وقد التمعت عيونه بشكل أوسع يشعر بضربات قلبه تعلن إقامة حفلة صاخبة داخله، هذا الشعور الذي يتحدث عنه الجميع ؟؟ حسنًا إما أنهم قصّروا في وصفه، أو أن مشاعره كانت أقوى منهم جميعًا .
مسح ما كتب سريعًا ليكتب رده لها وهو يريها الهاتف لترى جملته :
" وانا كمان بحبك يا نيمو "
نظرت له نيرمينا بعدم فهم ثواني وبملامح بلاهة جعلت نادر ينفجر في الضحك وهو ينهض عن الأرض يتحرك في الغرفة يشعر أن المكان لا يستوعب مقدار سعادته، يتنفس بقوة يستمتع بلفظ اسمه من بين شفتيه، حتى أنه ود لو يعود ويكتب لها اسمه مئات المرات ويجبرها على قرائته له لساعات، ويسجل لها تسجيلًا صوتيًا به ..
الأمر أشبه بتلك المقاطع المصورة التي يراها عادة، أراد أن يصنع له مقطعًا ويسميه .. ( ساعة كاملة من {بحبك يا نادر بصوت نيرمينا} )
ونيرمينا كل ذلك كانت تراقب ما يفعل نادر ببسمة بلهاء لا تفقه شيء منه، لكنه سعيد وهي أيضًا سعيدة، تحدثت بصوت خافت وبسمتها ما تزال تزين ثغرها :
" مختار هتجبلي أكل من الفرح "
انطلقت ضحكات نادر بقوة يتحرك صوب فراشها، يشير لها برأسه، يضم يديه صوب صدره مشيرًا لها بكامل الحب :
" هجبلك الفرح نفسه يا نيرمينا ..."
_____________________
توقفت السيارة أمام المنزل بعدما أصر سعيد على العودة لتجديد حيويته، أُستنزف بالكامل وعليه أن يعيد حساباته، ويعود كما كان بل واسوء...
راقبته يتحرك بخطوات قوية صوب المنزل يأمر رجاله بصوت جهوري وكلمات عالية حانقة، يصرخ في الجميع دون تفرقة لتنتفض فجأة على صوت صلاح يقول بهدوء :
" ايه اللي جاي ؟؟ "
ابتسمت له ميمو بسمة صغيرة :
" اللي جاي أن سعيد هيبقى عامل زي اللي بيغرق وهيفضل يرفص بايده ورجله في كل اللي حواليه بدون تمييز، وأي حد هيقف في وشه هيشده معاه ويغرفه قبله، وهو ده اللي عايزينه "
نظر لها صلاح، ثم هز رأسه بهدوء شديد ونظر للسيارة ثواني قبل أن يقول :
" هترجعي المستشفى تاني ؟!"
اومأت له ميمو، ثم شردت بعيدًا قبل أن تنظر فجأة لصلاح وتتساءل دون مقدمات وكأنها تذكرت الأن ما قاله لها في لحظات نادرة من حزنه :
" صلاح "
" نعم ؟؟"
نظرت له وأطالت التحديق، ثم قالت :
" ايه اللي حصل لوالدتك ؟!"
تعجب صلاح سؤالها هذا وفي ذلك الوقت، لا يفهم ما السر وراءه أو كيف تذكرته فجأة، إلا أنه هز كتفه يقول ببسمة صغيرة :
" خليها بعدين يبقى اقولك "
شعرت ميمو أنه لا يريد إدخالها لتلك النقطة تحديدًا في حياته، رغم أنها أخبرته كل شيء وكل ما يخص حياتها ولم تخفي عنه جزء صغير منه ..
وصلاح أدرك ما تفكر به ليدحض كل ظنونها قائلًا بنبرة هادئة وبسمة راقية :
" متفكريش كده يا ميمو، أنا بثق فيكِ اكتر من نفسي، وعندي استعداد اكون كتاب مفتوح قدامك، عندي استعداد احكيلك حكاياتي كلها واقولك فصول حياتي قبل ما اعرفك، لكن مستني اللحظة المناسبة "
اقتربت منه ميمو تنظر في عمق عيونه تستكشف صدق كلماته من كذبها، قبل أن تبتسم فجأة تقرأه بوضوح، صلاح منذ رأته وهي تفهم صمته قبل كلماته، تدرك مقصده دون أن يتحدث، وربما هذا هو ما أنشأ بينهما روابط غير مرئية للآخرين، محسوسة لهما وبقوة .
" وامتى اللحظة المناسبة ؟؟"
صمت صلاح لا يرغب أن يقص عليها شيئًا وهي لم تبرأ بعد مما مرت به، يشفق عليها أن تستمع لمشاكله وهي ما تزال في طور حل مشكلتها..
ابتسم يمارس هوايته التي يبرع بها، وهي الحديث المنمق والكلمات الراقية الرقيقة :
" وقت ما تكوني زوجتي، عشان لو ميّلت ألاقيكِ جنبي وتسنديني، اتفقنا ؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة أخبرته أنها بالفعل تدري تملقه بالكلمات، ومن يفهمها بقدره، إلا أنها هزت رأسها بكل هدوء تقول مقترحة عليه :
" تحب تشوف الخيل بتاعي ؟؟ "
تحرك معها صلاح بصمت، وهي في الأساس لم تكن تسأله، بل كانت تخبره ما يحدث في ثوب سؤال هادئ واقتراح لطيف .
توسط الاثنان اسطبل الخيل تشير ميمو صوب فرسها الحبيب :
" ده سكر الفرس بتاعي"
ابتسم صلاح يتحرك صوبه بخطوات هادئة يتحسس خصلاته الناعمة تحت أعين ميمو المدهوشة وهناك بسمة متعجبة ارتسمت على فمها جعلت صلاح يقول بتسائل دون أن يبعد عيونه عن الفرس الذي منذ رؤيته وابصر في عيونه ميمو أخرى، بنفس الجموح ونفس القوى .
" مالك بتبصي كده ليه ؟!"
" اصل سكر مش من النوع الودود مع أي حد، قبل كده سعيد حب يغيظني ويركبه فوقعه وكسره، عشان كده استغربت أنه تقبلك "
ضحك صلاح يقترب من الخيل يقبله أعلى رأسه :
" شكله وفيّ لأي حد يخصك "
اقتربت منه ميمو تتحدث بخبث :
" وأنت بقى تخصني ؟!"
ارتسمت بسمة جانبية على فم صلاح يبادلها الخبث بخبث أكبر :
" اممم، زي ما أنتِ بالضبط تخصيني، وفي انتظار عقد الملكية يا ميمو .."
صمت ثم قال مقترحًا :
" تسابقيني بسكر ؟!"
فتحت عيونها بصدمة قبل أن تطلق ضحكات عالية :
" مش معنى أنه سابك تحسس على راسه وتبوسه أنه يسيبك تركبه في وجودي لا وكمان يسابقني "
وقبل أن تكمل جملتها كان صلاح قد أخرج سكر من مكانه يحضر سرجًا يلقيه أعلى ظهره ويغلقه بشكل حريص، ثم قفز يلقي نفسه أعلى ظهر ممتطيًا إياه بكل شموخ غامزًا :
" قولتلك وفيّ لكل اللي يخصك "
ابتسمت ميمو تتحرك سريعًا صوب أحد الخيول الأخرى تختار منهم واحدًا تعلم جيدًا قدرته الكبيرة على السباق وجهزته، ثم صعدت أعلى ظهره وتحركت صوب صلاح الذي بمجرد أن وقفت جواره قال بهدوء :
" المرة دي مش هتهاون ."
وبمجرد انتهاء كلمته كان سكر يسابق الريح بشكل مرعب جعل ميمو تطلق صفيرًا، تنغز خيلها بقدمها، تدفعه ليركض خلف صلاح الذي كان جسده يتحرك لأعلى وأسفل بقوة وسترته تطير ليتحرر منها بسرعة كبيرة ملقيًا إياها دون اهتمام مكتفيًا بقميص ابيض لائم جسده الرياضي، يطلق صيحات عالية فاتحًا ذراعيه بقوة .
بينما في الخلف ميمو كانت قد رفعت يدها تلتقط سترته من الهواء قبل أن تسقط في الأرض، ثم ربطتها أعلى خصرها تنغز فرسها في معدته ليزيد من سرعته حتى أصبح يجاري سكر ..
أطلقت ميمو ضحكات عالية وهي تشعر لأول مرة منذ فترة طويلة انقطعت فيها عن الخيل، بأن روحها قد رُدت إليها، هي أيام فقط وشعرت أن روحها سُجنت، فما حال هؤلاء الذين لم يمتطوا فرسًا يومًا ويجربون ذلك الشعور الرائع ؟؟
أمسكت ميمو رابطة الشعر التي قيدت بها خصلاتها وعلى عكس عادتها نزعتها تترك للهواء حرية العبث بخصلاتها .
لتتطاير في المكان بقوة جعلتها تنتعش، احتدم السباق وجاورت ميمو صلاح لتقول له بصوت مرتفع :
" ايه يا لذوذ فين الجنتلة اللباقة اللي خليتك تخسر المرة اللي فاتت مخصوص عشاني؟! "
أطلق صلاح ضحكات عالية وهو يراقبها، ثم غمز لها متحدثًا بصوت مرتفع :
" كنت لسه في البداية وحابب أجر رجلك، خلاص أنتِ دلوقتي غرزتي ومش مسابقة خيل اللي تخليكِ تفلتي مني يا لذوذة "
أنهى حديثه يزيد من سرعة سكر ليسبق ميمو التي ابتسمت بسمة واسعة، تلحق به دون أي مجهود وقد انتهى الخيل من لف المضمار المخصص له مرتين أو ثلاثة، ومازال السباق لم يحسم بعد .
تحدثت ميمو وهي تضحك بصوت مرتفع :
" صدقني لو موقفتش واستسلمت هفضل اسابقك ولو ليوم كامل "
ابتسم صلاح يقول بقوة :
" مستعد أسابق عمري كله، لو هيكون شريكي في السباق هو أنتِ، وهلاقيكِ عند خط النهاية في الآخر .."
ضحكت ميمو أكثر وهي تستمتع بكلماته، تشعر أنها تعيش في حلم الآن، الراحة تملء صدرها رغم كل ذلك ولا ينغصها شيء سوى أن تنتهي من مشكلة سعيد :
" أنا ممكن اسيبك تفوز عادي بعد الكلمتين دول "
" وأنا ممكن اسيبك تفوزي عادي من غير كلام، يكفيني ضحكة منك عشان أسلم يا ميمو "
انتعش صدر ميمو ورقص قلبها سعادة، وقد أعلن موسم الازهار داخلها، ينشرون عبير الحب والعشق في أرجاء جسدها بأكمله ..
نظرت له ميمو وقالت وهي تقلل من سرعة فرسها :
" لو وقعت هتمسكني يا صلاح ؟؟"
نظر لها صلاح بجدية ثم نظر حولهم يتأكد أن كل شيء جيد في خيلها :
" مش هسمحلك تقعي اساسا يا مقدس "
ابتسمت له ميمو تقول بجدية تجمع خصلات شعرها مرة أخرى آسرة إياهم بين عقدتها، ثم رفعت أكمام ثيابه وشددت من ربط سترته على خصرها وقالت :
" طول عمري كان نفسي اعمل كده بس خوفت اعملها ملقيش اللي ينجدني لو وقعت "
نظر لها صلاح بفضول ولم يكد يتساءل عن ذلك الذي تتحدث عنه، حتى وجدها تعتدل على الفرس تجلس القرفصاء وتحرر اللجام شيئًا فشيء وهو قد تنبهت جميع حواسه وأخذ يُبطء من حركات فرسه يراقبها تجلس على ركبتها ثواني قبل أن تقف بكامل جسدها على ظهر الخيل وبكل تمرس، ثم فتحت ذراعيها تحاول التوازن وكادت تسقط مما جعل صلاح يهرع صوبها يمد يديه لالتقاطها، لكنها توازنت أخيرًا تفتح ذراعيها للهواء ثم أطلقت صرخة عالية؛ صرخة شعرت بها تخرج من اعماق روحها مُخرجة معها كل ما كبتته من أحزان واوجاع، ثم أغلقت عيونها تتنفس بقوة شديد وقد شعرت براحة لا مثيل لها .
وصلاح يسير جوارها متحفزًا لأي شيء، وحينما رأى جسدها يتوازن اخيرًا ابتسم وهو يقلل من حركة خيله أكثر، لكن فجأة ارتفعت رأسه بقوة حينما سمع ميمو تقول بنبرة صافية سعيدة :
" المرة دي حابة اقولها وانا سعيدة يا صلاح .... أنا بحبك "
ابتسم صلاح لها يمنحها في نظراته ما عجز هو عن قوله :
" وأنا لأول مرة تعجز كلماتي عن التعبير عن مشاعري يا ميمو .."
اتسعت بسمة ميمو تستمتع بالاجواء والهواء حولها ومشهد السماء، وصلاح أيضًا يستمتع ببسمتها وملامحها.
كلٌ يستمتع بما يحب ...
_____________________
" متهزرش يا صالح أنت عارف أم الشغل اللي فوق دماغنا، وتقولي مسافر اسكندرية ؟؟ هي عملت ايه البلوة اللي انت خطبتها دي عشان تعصبك كده ؟!"
خرج صالح من البناية الخاصة به بعدما أبدل ثيابه واستعد للسفر، صعد للسيارة يتحرك بها في جدية كبيرة، سوف يذهب لينهي لقائه مع عبدالجواد ومحمد، وأيضًا يرى رانيا ..
" محمود مفيش حاجة هما كام عينة هتسلمهم وبس، احنا خلصنا الجزء الصعب سوا، بعدين أنا هسافر اخلص اللي عايزه واجي قبل الشغل بكرة، أنت بس غطي على غيابي "
" شغلني ملاية عندك"
زفر محمود ثم قال بهدوء يحاول أن يهدأ :
" طيب بس حاول متقتلهاش جامد، اهدى كده قبل ما تدخل عليها، اقولك روح كل جيلاتي عزة بيقولوا حلو، في أمان الله يا صاحبي متسبش بصمات أنت عارف الطب الجنائي صعب ازاي "
أنهى الحديث مع صالح يغلق الهاتف يلقيه على الطاولة في اللحظة التي اقتربت بها هاجر تحاول فهم ما وصل لمسامعها منذ ثواني، ما الذي قصده بجملته الأخيرة .
" أنت بتتكلم عن مين كده ؟! "
سحب محمود المقعد لهاجر يقول ببسمة واسعة :
" هيكون مين يعني، بنت اختك عصبت صالح وتقريبًا ناوي يخلص عليها، ده سافر ليها مخصوص ....سيبك منهم دلوقتي وخلينا فينا "
رمشت هاجر تحاول أن تستوعب ما حدث، ما الذي يقصده أنه ذهب ليتخلص من رانيا ؟؟ هل يمزح معها .
ابتسم محمود يرى ملامح القلق تعلو وجهها :
" متخافيش هو شاطر في التقطيع مش هيوجعها، ده صالح ده عليه مسكة مشرط فن والله، الولد بيمسك الجثة من هنا يعملها طرنشات ولا اجدعها جزار بيقطع لحمة، بسم الله ماشاء الله خبير "
شعرت هاجر في تلك اللحظة بمعدتها تتلوى بقوة وهي تنظر له بصدمة مبتلعة ريقها ومحمود يزيد من وصف ما يحدث وما يفعلونه، حتى انتفضت فجأة رانيا تركض صوب المرحاض وقد سببت لها كل تلك الصور التي تفنن محمود في وصفها بالغثيان .
لحق بها محمود خائفًا وقد شعر بالذنب من تماديه في الحديث عن مهنته وهو يعلم جيدًا أنها تشمئز من كل ذلك .
توقف على باب المرحاض في الخارج ينتظرها أن تخرج بعدما تنتهي، وكذلك فعلت هاجر التي كانت تبدو مرهقة بشدة :
" ألف سلامة يا نواعم، يقطع سيرة صالح ورانيا مش جاي من وراهم غير وجع القلب، تعالي اقعدي استريحي وهعملك عصير ليمون ."
ابتسمت له هاجر بسمة صغيرة تشفق من ملامح الرعب والذنب التي توسطت ملامحه، تتحرك صوب طاولات المطعم التي كانت فارغة في ذلك الوقت ما بين الإفطار والغداء ..
جلست تريح جسدها على الطاولة، وهي تتنفس ببطء ومحمود يراقبها بخوف قبل أن ينهض ويغيب عنها دقائق، ثم عاد لها يحمل بين يديه مشروبًا يضعه أمامها ..
وهي أخذته منه شاكرة مبتسمة تحاول أن تنتعش :
" متقلقش أنا .. أنا بس بتعب بسرعة من الحاجات دي، لكن أنا بخير ."
نظر لها محمود ثواني قبل أن يقول بهدوء :
" هاجر أنا ...أنا آسف والله، أنا كنت بهزر، صالح مش هيعمل حاجة لرانيا، ده يروح فيها، الواد ما صدق يلاقي واحدة يحبها وتحبه "
ضحكت هاجر ضحكة خافتة على ملامحه التي بدت كما لو أنه صدق رعبها، هي بالطبع لم تصدق أن صالح قد يؤذي رانيا، وحتى إن فعل فلن يستطيع وهناك أربعة جدران تحيط برانيا ...
" أنا عارفة يا محمود، متخافش كده انا بخير والله، أنا من صغري كده بتعب وببهدل الدنيا من أبسط شيء، ماما حتى كانت دايمًا تقولي إن نفسي وحشة عشان برجع من أي حاجة "
أنهت حديثها تضحك بصوت مرتفع ومحمود في قمة سعادته لرؤيتها تتحدث معه براحة وحرية وتضحك له ايضًا، هل اليوم يوم حظه ؟؟
تلاعبت هاجر بالكأس في يدها :
" أنا بابا وماما جابوني وهما في سن كبير، فمقدرتش اشبع منهم، وكنت طول طفولتي جبانة وبخاف وبتعب من أقل حاجة، ودلع بابا ساهم أنه يخرجني بشخصية هشة زي ما انت شايف كده، محمود أنت قولت عايز تتجوزني، لكن هل أنت هتقدر تستحملني ؟؟؟"
" في قلبي يا نواعم لو تحبي، اللي بتقولي عليه ده مش عيوب أبدًا، دي المميزات اللي شدتني ليكِ اساسًا، رقتك والهشاشة اللي أنتِ فيها دي ميزة، طيبتك دي اكتر حاجة جذبتني ليكِ "
صمت ثواني ثم قال بتسائل مبتسمًا لها بسمة حنين صغيرة :
" تعرفي يا بسكوتة أنا بحبك من امتى؟!"
ورغم خجلها من كلمته التي خرجت عفوية بشكل كبير، إلا أنها نفت برأسها، جاهلة منذ متى بدأ محمود بالانجذاب لها، بينما محمود ابتسم لملامحها الخجلة يقص عليها أول مرة رآها بها ..
دفع الباب يزفر بغيظ شديد وخلفه صالح الذي اقتحم معه المخبز تاركًا محمود يرغي ويزبد معترضًا على ذلك الفطور الذي لا يسمن ولا يغني من جوع كما يقول .
" يعني اقولك ابويا منزلني من غير فطار وميت من الجوع، جايبني فرنة اكل قرص بسمسم وبقسماط مملح ؟؟ أنت ياض اتربيت ؟؟"
" لا متربتش، واخرس شوية، بقولك مش عايز أكل على الصبح طعمية وفول والأكل ده، تعبان يا أخي أنت مش بتفهم "
دفعه محمود بقوة مغتاظًا بشدة منه وقد شعر بالقهر يملء صدره من إجباره على تناول المعجنات صباحًا، كما لو كان أحد سكان باريس، يا عالم هو مصري اعتاد تغميس الخبز الساخن بالفول الحار الملئ بالطحينة والزيت اللذين يساهمان في سد شرايينه صباحًا ليرتمي على مقعده غير قادرًا على التحرك .
جلس صالح على أحد المقاعد يقول مشيرًا صوب منطقة طلب الطعام :
" روح بقى شوف عندهم ايه واطلبلنا حاجات حلوة كده، يعني بص نوّع شوية بسمسم على شوية بملبن ولو فيه سادة وكوباية شاي بلبن يبقى فلة اوي "
دفع محمود المقعد ناقمًا عليه وعلى الحياة، متحركًا صوب الطاولة التي تستقر خلفها هاجر لأخذ الطلبات بعدما حضرت منذ الصباح الباكر العديد من المخبوزات الشهية .
كانت تميل على الطاولة أسفل الحاجز الزجاجي تسجل بعض المعلومات عن الطلبيات، لكنها فجأة سمعت صوت تصفيق ورجل يتحدث :
" يا عم ...مين اللي بيعمل الاكل هنا، هو مفيش حد في الفرنة دي ؟!"
رفعت هاجر رأسها سريعًا تستقيم في وقفتها تعدل من وضعية الثياب التي ترتديها :
" صباح الخير يا فندم، نورت المخبز تحب تبدأ يومك بايه ؟! "
وبالنسبة لشخص كمحمود، كامل تعامله مع عائلته وأفرادها ذوي اللسان السليط، وصالح صاحب الكلمات العذبة، والجثث، كانت تلك هي مرته التي يتعرض فيها لذلك الكم من الكلمات الراقية اللطيفة في جملة واحدة، ومن فتاة تنافس كلماتها رقة ولطفًا .
ابتسم و نسي لثواني ما جاء لأجله وقال دون وعي :
" مظنش اني احب ابدأ يومي بشيء افضل من البداية دي ؟!"
نظرت له هاجر ببلاهة ليبتسم هو لها وقد غاص في ملامحها دون أن يشعر، وكانت تلك بداية لعنته؛ لعنته أصابته ليركض خلف البسكوت النواعم المتبقي من حياته .
انتهى محمود كلماته لتظل هاجر تراقبه بصدمة وقد كانت ذاكرتها لا تساعدها في تذكر ذلك الموقف من كثرة ما مرت به في هذا المخبز، لكنها فقط ابتسمت بسمة واسعة سرعان ما تحولت لضحكة عالية سلبت لب محمود للمرة العاشرة بعد المليون ....
__________________
امسك صالح الهاتف يجيب الاتصال الثالث من رانيا وقد نفذ صبره ومحاولته الحثيثة ليدعي الغضب والثقل، وبمجرد أن أجاب سمع صوت رانيا تهتف بغضب شديد :
" يابني أنت ايه ؟! ما بتصدق تتعصب ؟؟ بقولك والله ولا اعرفه ولا نيلة "
" ما أنا عارف أنك متعرفهوش يا رانيا "
زفرت رانيا بصوت مرتفع تتحرك على عتبات المنزل، ثم جلست ارضًا تضع يديها أسفل وجنتها :
" امال متعصب ليه طالما عارف ؟!"
أجابها صالح بصوت غاضب :
" عشان منفذتيش كلامي وضربتيه بأي جذمة جنبك، الواد كان بيشقطك وأنتِ زي الهبلة قاعدة تردي عليه وخال عليكِ أنه فعلًا تايه "
التوى ثغر رانيا وقد شعرت أنه محق، لكنها بالطبع لن تعترف بذلك :
" حتى ولو يا صالح، أنا مش صغيرة وبعرف اتصرف مع كل دول، ولا ناسي عملت معاك ايه ؟؟"
أطلقت صالح ضحكات صاخبة هزت السيارة، يتذكر ما مر بهما في بداية تلك العلاقة، كانت أيام صاخبة ممتعة للحق .
" ما هو عشان أنا مش ناسي ياقلبي بقولك تتنيلي تستخدمي الصاعق، رانيا أنا كنت كل ما اقرب منك يا اما بتقفلي على نفسك زي القنفد وتقعدي تهددي تهديدات عبيطة، يا ما بتجري مني "
ابتسمت رانيا بسمة صغيرة تدرك صحة حديثه، وكيف لها أن تدافع عن نفسها بشكل ملائم، صالح كان الشاب الاول الذي تتعامل معه بهذا الشكل المباشر بعيدًا عن اخوتها ووالدها .
" لا ما أنا خلاص اخدت خبرة من التعامل معاك وبقيت اعرف ادافع عن نفسي "
ابتسم صالح يزيد من سرعة سيارته :
" أيوة هتقوليلي، عامة يا رانيا أنتِ مش محتاجة تدافعي عن نفسك كتير لأن خلاص قريب اوي أنا هستلم الموضوع ده "
شعور لذيذ أن تتمتع بكلمات صالح، لكن كالعادة خجلها يقف عائقًا في وجهها، تنفست تهدأ من ضربات قلبها :
" هو ..ايه الصوت اللي جنبك ده ؟؟ أنت راجع من شغلك دلوقتي ؟؟"
" لا أنا في طريق اسكندرية الصحراوي اهو "
انتفضت رانيا عن الدرج تقول بعدم تصديق :
" ايه ده بجد ؟! مش أنت قولت عندك شغل ؟؟"
" أيوة عندي شغل فعلا، لكن مقدرتش أصبر، كنت متعصب وجاي اقتلك واخلص عليكِ، لكن عصبيتي هديت "
ضحكت عليه رانيا وهي تتحرك صوب المنزل بسرعة كي تتحضر لحضوره، تبحث في رأسها عن ثوب يناسبها ويكون غير مبالغ به، كي لا تظهر له اهتمامها الشديد وسعادتها بحضوره .
" طب أنت فين دلوقتي ؟؟"
نظر صالح للطريق حوله يزيد من سرعة قيادة سيارته كي يختصر الوقت ويعود سريعًا :
" عديت الاستراحة اللي في نص الطريق من شوية، جاي من طريق الموقف الجديد "
ولم يكد يكمل جملته حتى سمع صالح صوت احتكاك عالي خلفه، وكأن هناك سيارة تقاوم انزلاقًا أعلى طريق رطب، نظر للمرآة المجاورة له يحاول تبين ما يحدث، ليجد سيارة سوداء تتبعه، نفس المشهد يتكرر معه كما حدث يوم المؤتمر سابقًا ..
" هو ايه حكاية اسكندرية ؟! كل ما اخطيها الاقي عربية ماشية ورايا ؟؟ ويا ترى المرة دي عشاني ولا عشان صلاح ؟؟"
كانت رانيا تستمتع لكلماته بعدم فهم وهي تفتح خزانة ثيابها تحاول معرفة ما يحدث :
" فيه حاجة يا صالح ؟؟ ايه صوت العربيات المزعج اللي حواليك ده ؟؟"
انحنى صالح بسيارته جانبًا يحاول إفساح الطريق للسيارة لربما يكون سائقها يحاول المرور أو ما شابه :
" معرفش فيه عربية عاملة زي الفرخة الدايخة عمالة تعمل خمسات في الطريق بشكل مريب "
كان يتحدث وهو ينظر للمرآة الخلفية، ويده تمسك بالمقود، والأخرى تحركت تفتح ادراج السيارة تبحث عن المدية الخاصة به يتأكد أنها بحوزته ..
ثم تعلقت عيونه بالسيارة التي تخطته قبل أن تقف أمامه بشكل مريب جعله يبتسم زافرًا بصوت مرتفع :
" امممم جايين عشاني، تمام كده ،يا ترى هببت ايه تاني يا صلاح ؟!"
وعلى الجانب الآخر كانت رانيا تستمع لكلماته برعب وهي تتحرك خارج الغرفة وكأنها ستركض له :
" فيه ايه يا صالح ؟؟ أنت كويس ؟!"
" لا العربية و..."
وقبل أن يكمل كلمته ارتفعت أصوات تصادم قوية وسبات نابية عالية من فم صالح، ثم صوت فتح باب وإغلاقه بقوة، واخيرًا صرخات صالح بصوت مرتفع غاضب وكأنه يوبخ أحدهم وهذا كان آخر ما وصل لمسامع رانيا التي شعرت بالرعب وهي تركض على الدرج كالمجنونة....
في نفس اللحظة التي خرجت بها من المنزل أبصرت محمد يهبط من سيارته يرتدي بدلته كالمعتاد ونظارة سوداء وفي أذنه سماعة يتحدث بها مع أحدهم، لكن حينما لمح الرعب الذي ملء وجه رانيا ضغط على السماعة يغلقها ينظر لرانيا بعدم فهم :
" رانيا فيه ايه مالك ؟؟؟"
نظرت له رانيا وكأنها أبصرت طوق النجاة وسط محيط هائج، تتمسك بيده متوسلة بخوف ودموعها تكاد تهبط :
" محمد صالح، ألحق صالح ....."
______________
لأجل الورد يُسقى العليق .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رحمة نبيل
اتمنى الفصل يعجبكم لأن الفترة اللي كتبته فيها كنت مضغوطة لأسباب عديدة ...
صلوا على نبي الرحمة ...
قراءة ممتعة
______________________
صوت أنفاسها وصوت قرع الكرة الضخمة بالأرض هي ما يمكن أن تسمعه في ذلك المكان الواسع، الاضواء خافتة والأجواء ساكنة، هدوء يخفي بين طياته صرخات وانفجارات لو تُرك لها العنان لهدّمت الجدران من حولها .
كانت تمسك الكرة الضخمة بين أصابعها تحملها لأعلى ثم تلقيها ارضًا بقوة كما لو كانت تلقي بحجر، ثم تنحني وتحمل الكرة لتكرر نفس الأمر مرة أخرى في حركات رياضية معروفة، لكن هي ما كانت تفعلها لأجل صحتها أو جسدها كما اعتادت، بل كانت تفعلها لأنه الشيء الوحيد الذي تخرج به كامل طاقتها السلبية .
لكن حتى ذلك لم يساهم بقدرٍ ضئيل في تخفيف ما بداخلها ولو لجزء صغير .
حملت الكرة مرة أخرى ترفعها وتفرد جسدها لأعلى، ثم ألقتها باقوى ما عندها وهي تصرخ بصوت مرتفع، صوت صرخاتها بدأ يعلو مبددًا ذلك الصمت الكئيب حولها .
ومع صوت صرخاتها كانت تسمع أصوات جاءت من الماضي تلاحقها، اصوات تترد في المكان حولها حتى كادت تعتقد أن هناك من يضع مسجل صوت في الإرجاء وقد وضع به شريط بكل احاديث سعيد لها، سعيد الذي أحبته وسلب لُبها ..
" أنا جبتلك الورد ده عرفت أنك بتحبيه، سألت صاحبتك وهي قالتلي "
" زهرة هو أنا لو اتقدمت ليكِ توافقي ؟؟ مش دلوقتي يعني قصدي بعدين، على فكرة أنا ..أنا عامل مشروع مع اتنين صحابي وهينجح أنا متأكد، بس محتاج ..محتاج تطمنيني أنك هتستنيني "
" زهرة استني ...زهرة أنتِ ما اخدتيش ورد انهاردة "
" الأمن كل شوية يطردني من الكلية عشان أنا مش طب، بس أنا بدفعلهم وبدخل عادي عشانك بس "
" لما نتجوز هبقى افتحلك اكبر عيادة، وهكون أنا المريض الوحيد ليكِ، مجنون زهرة "
" يا زهــــرة، أنا جايلك من الحرم الجامعي مشي على فكرة يعني أقل حاجة تسمحيلي اشوفك من بعيد حتى "
صرخت زهرة صرخة عالية تحاول أن تبعد كل تلك الأصوات عن رأسها، صوت سعيد يتردد في عقلها وهو يناديها ويدللها بحب، تراه أمامها، وهو يبتسم لها ويقفز أمام عيونها كل ثانية يحمل ورود أو طعام تحبه .
سقطت زهرة ارضًا في غرفة التمارين داخل أحد النوادي التي ترتادها، حبست نفسها في أحد أركان الغرفة تحاول أن تتنفس من بين شهقاتها، لكن فشلت فشل ذريع حينما شعرت أنها لا تقوى حتى على إخراج صوتها ..
بكت بصوت مرتفع وهي تقول بقهر :
" يا رتني ما شوفتك يا سعيد، يا ريتني ولا شوفتك ولا عرفتك، يا ريتني شوفك وأنت مجرد مريض بس "
دفنت رأسها بين قدمها تحاول أن تتحكم بغصات بكائها، لكن فشلت في ذلك مجددًا .
فجأة سمعت صوت رنين الهاتف الخاص بها يشاركها الضوضاء في تلك الغرفة، نظرت بعيدًا حيث الطاولة التي يقبع عليها الهاتف..
ترددت في النظر له، لكنها رغم ذلك تحركت وامسكت به لترى اسم سعيد ينير شاشته، وهذا ما شعرت به وصدق حدسها، ابتلعت ريقها وشعرت برغبة عارمة في سماع صوته، سماع تبريرات قد تحسن من صورته، تبريرات قد تخبرها أنها ليست بذلك البأس لتعشق مجرمًا .
وضعت الهاتف أعلى أذنها وصمتت، وهو على الجانب الآخر كان يقف في نافذة غرفته يراقب بأعين شادر الأحصنة تتسابق في الاسفل ..
" زهرة "
تقهقرت زهرة ارضًا تضم الهاتف بقوة صوب أذنها وكأنها تشعر بفقدانها للسيطرة على اطرفها، فخشيت أن تتهدل يداها وتُسقط الهاتف ارضًا ..
ابتسم سعيد على الجانب الآخر بسمة صغيرة وقال :
" عارف إني المفروض بعد اللي قولته ميكونش ليا عين اتصل، بس ...بس انا بجح يا زهرة، بجح من ايام ما كنت برجع امشي وراكِ في الجامعة بعد ما تقوليلي معملش كده تاني "
خرجت شهقة من فم زهرة دون أن تتحكم بها، ليشعر سعيد بمدى حقارته وما وصل له مما فعل، حقًا ماذا جنى من كل ذلك؟! سؤال سيظل يطرحه حتى يجد له إجابة، ولا يظن أنه سيفعل يومًا .
" زهرة أنا ...أنا آسف... أنا...أنا خلاص هصلح كل ده، مش أنتِ طلبتي مني اصلح حياتي وارجع ليكِ، لو صلحتها فعلًا ..هـ هتقبلي ترجعي ليا "
أطلقت زهرة ضحكة صاخبة تقول بعدم فهم لتلك الجرأة التي جعلته يطالبها بما لا تقوى عليه :
" هسأل سؤال يا سعيد "
صمتت ثم قالت بجدية :
" لو واحد زيك حب نيرمينا، كنت هتقبل بيه يكون زوج ليها ؟؟"
صمت سعيد وقد تفاجئ من سؤالها ليشعر بالوجع يدرك أن إجابته ستكون نفيًا قاطعًا، لن يسمح لأحد مثله أن يقترب من جوهرته الصغيرة، بل يمكن أن يصل به الحال لقتل من يحاول ذلك، لكن هل يستطيع قول كل ذلك لزهرة ؟؟
صمت ولم يجب، لتقول زهرة بدموع وكلمات شبه مستحيلة :
" اكيد لا صح ؟؟ طب ...طب يا سعيد أنا ممكن اوافق، أنا عندي استعداد اوافق، بس تصلح كل ده وترجع الحقوق لصحابها، وتوعدني أنك بعد الجواز مش هتعمل فيا نفس اللي كان جاد بيعمله مع والدتك "
شعر سعيد بصدمة قوية تصيبه وجسده بالكامل يتيبس، وقد انقطعت أنفاسه لثواني يتذكر ما فعل جاد لوالدته، يتخيل نفسه مكانه وزهرة هي ضحيته .
شعر بموجة غثيان تصيبه، وزهرة على الجانب الآخر تدرك جيدًا كل ما سيمر به جراء كلمتها، لكن شخص كسعيد لن يتم علاجه إلا بهذه الطريقة، بالضغط على جروح قديمة وإخراج الصدى منها، وارعابه من فكرة أن يكون ذلك الشخص الذي كانت والدته تبكي منه .
" أنا... أنا عمري ..زهرة أنا عمري ما أعمل كده، أنا مش جاد، لا لا أنا مش ممكن اوصل لكده يا زهرة أنا آه كنت بشتغل معاه بس ...بس انا عمري ما اعمل كده "
شعرت زهرة أنها على الطريق الصحيح لتقول دون تفكير :
" بس أنت سبق وعملت كل بلاويه يا سعيد، ولو سبت لشيطانك التحكم أكثر مش بعيد تعمل اكتر من كده، وقتها عقلك الباطن مش هيقولك إن ده غلط، وهيقولك اني استحق اتعذب زي ما والدتك اتعذبت، نفس المبدأ اللي أنت استعملته مع الكل، شوفت أن الكل لازم يعاني زيك "
تقهقر سعيد بقوة للخلف وهو يشعر بصدمة كبيرة، هو لم يفكر في تلك النقطة سابقًا، هو بالفعل كان يحاول أن يباري جاد، بل إنه عمد ليتجاوزه في فساده، لم يشعر بأي ندم، بل كانت نشوة هي ما تغمره حين يرى أمامه ما جنت يده، لم ينظر للأمر من ذلك المنظور أبدًا ..
شعرت زهرة بالتردد للاكمال خوفًا أن تسوء حالته، لكن سعيد يحتاج لذلك، هو حتى هذه اللحظة لا يزال جزء منه مؤمن أنه لم يخطأ، ما يزال جزء منه مسكونًا باشباح جاد، وإلا ما كان تحدث معها ببساطة عن إصلاح ما حدث دون ذرة ندم .
" سعيد أنت متقمص دور المتعدي، تقمصت دور جاد عشان تلغي جواك شعور الضحية، عملت اللي بيعمله وتجبرت زيه عشان مش حابب تبقى قدام نفسك ضحية، حابب أنك تبقى قوي، لكنك هش يا سعيد "
جلس سعيد على الفراش خلفه وقد شعر أنه تعرى أمامها، شعوره الداخلي كُشف لها وشعر بمدى دنائته ..
" طب ..طب أنا... أنا ممكن ..ممكن اتعالج يا زهرة صح، أنا قولتلك اساسا إني هتعالج، زهرة أنا خايف ابقى زيه وأذي نيرمينا أو أئذيكِ"
تنفست زهرة بصوت مرتفع تمسح وجهها، ثم قالت :
" الرحلة طويلة اوي يا سعيد، طويلة اوي وأنا هكلم الدكتور اللي قولتلك عليه قبل كده، وأنت محتاج تتابع معاه باهتمام، وكمان محتاج تصلح حياتك، عشان نفسك وعشان نيرمينا "
قاطعها سعيد بلهفة :
" وأنتِ يا زهرة ؟!"
وزهرة نفسها لم تجد إجابة لذلك السؤال، تقسم أنها لا تعلم ما يحدث معها، تحب سعيد الذي كان يمثل لها رمز النقاء والحيوية، وتكره سعيد الذي أظهر لها جانبًا سوداويًا .
هي مريضة، تشعر أنها أصبحت مريضة نفسية مثله فقط لأنها تحبه، ما تزال تحبه رغم معرفتها بكل ذلك، ما تزال حمقاء تبحث داخله عن سعيد البرئ، تنتظر أن يظهر من بين تلال سواد ذلك السعيد، هي لن تستطيع أن تحيا معه بهذا الشكل، ستكون حمقاء وغبية إن فعلت، لن تلقي بنفسها بين جحيم سيعاني هو منه قبلها، لن تلقي بنفسها في حياة ستدمرهما سويًا، فلن يستطيع ايًا منهما نسيان كل ذلك .
لكن رغم كل ذلك قالت ساخرة من نفسها قبله تدرك استحالة ما تقول:
" لو رجعت ليا سعيد القديم بكل طيبته وبرائته، فأنا هكون معاك يا سعيد ...."
____________________
" مش فاهم يعني ماله سي زفت ده ؟!"
بكت رانيا بقوة تتمسك بيد محمد متوسلة المساعدة، صوت صراخ وسباب صالح تنبأها أنه يواجه شيئًا مجهولًا لها، وسيئًا له.
" هو...هو كان بيكلمني "
ارتفع حاجب محمد في حركة تدل على غضبه الشديد واستياءه مما تقول، كانت ملامح عدم الرضى واضحة على وجهه :
" بتكلميه ؟؟ مش معنى اني عملت نفسي عبيط يبقى تسوقي فيها يا رانيا، الولد ده انا اساسا مش طايقة و.."
قاطعته رانيا بسرعة كبيرة وهي تقول متوسلة :
" كان جاي في الطريق هنا عشان يقابلك وفيه عربية طلعت عليه وشكلهم ناس مؤذية "
ابتسم محمد بسمة واسعة وقد شعر فجأة بالراحة الشديدة جراء تلك الأخبار، ها هو القدر يزيح صالح من أمام وجهه دون أن يلوث يديه بقطرة دماء واحدة .
مال محمد يقبل وجنته رانيا بحب، ثم ربت أعلى رأسها:
" طيب يا قلبي الحمدلله هم وانزاح، يلا ندخل نتصل بعبدالله يجيبلنا اكل حلو ونحتفل كلنا سوا "
وكاد بالفعل يطبق كلماته بالاتصال بعبدالله، لكن رانيا قاطعت كل ذلك وهي تصرخ من بين دموعها بغيظ شديد :
" محمد أنا مش بهزر، بقولك فيه ناس هتأذيه، صالح هيتأذي "
ربت محمد أعلى كتفها ببسمة :
" وده المطلوب .."
وقبل أن يتحرك خطوة أوقفته رانيا تقاطعه بشر وبصوت مرتفع وكأنها ورثت منه صفاته، يرى محمد نفس غضبه يتمثل أمامه في هيئة أنثوية قصيرة وصغيرة، ورانيا ترفع إصبعها في وجهه صارخة :
" محمد أنت لو مساعدتش صالح، أنا في حياتي دي كلها مش هكلمك ولا هكلم حد منكم ابدا ...."
تخيل أن تُجبر فتاة ضئيلة الحجم طويلة اللسان أربعة رجال بأجساد كاجسادهم على فعل ما لا يطيقونه، أمر مقيت مزعج بحق صحيح ؟؟
وهذا ما حدث فبعد نصف ساعة تقريبًا توقفت سيارة محمد بالقرب من سيارات متجمعة على بداية اسكندرية والأربعة داخل السيارة يدعون أن تكون العصابة قد انتهت من ذلك الصالح .
هبط جبريل من السيارة يحرك لسانه على الجزء الباطني من خده يخلع نظارته بحنق :
" قولتلكم نسوق على ١٠، ادينا وصلنا بسرعة، وهو لسه عايش "
تحركت انظار الجميع صوب صالح الذي كان يقف أمام ثلاث رجال يتحدث معهم ببرود وكأنهم يجرون اجتماعًا أو ما شابه .
فرك محمد خصلاته بتفكير :
" أنا شايف أنه هو كويس ولسه عايش، معتقدش وجودنا هنا له لازمة "
وافقه الجميع وكادوا يتحركون صوب السيارة، لولا ارتفاع فجأة صوت صرخات مجددًا، وسباب نابية من كلا الطرفين، ولا أحد يفهم ما يحدث .
تحدث عبدالله يراقب تحرك صالح صوب سيارته، ثم عودته بمدية يلوح بها في الهواء :
" طلع مبيهزرش لما قال معاه مطوة "
وعبدالجواد أضاف بحنق شديد :
" طب مش هنروح ولا ايه ؟؟ عايز انام "
نظر محمد لاحتدام الشجار الذي لا يدري سببه أو عما يدور وقال بحنق يرفض الاعتراف بذلك :
" اعتقد أننا مجبرين نساعده ..."
وعند صالح بدأ الأمر أنه هبط من سيارته وتحرك نحوهم ليرى ثلاث رجال يهبطون من سيارتهم وأخذ أحدهم يتحدث بكلمات غير مفهومة له ..
" فرد علينا والاحسن تكون على الجنب بتاعنا بدل ما تخسر في الآخر "
وصالح لم يفقه شيء مما يريد ذلك الرجل، لكنه أدرك من حديثه أنه هو المقصود وليس صلاح، فهذا الرجل ذكر شيئًا حول تشريح جثة وتقارير عليه أن يزور نتائجها :
" بص يا غالي هو أنا مش عارف أنت مين ولا عايز ايه، بس شكلك كده جايلي أنا صح ؟؟"
نظر له الرجل بعدم فهم ليبتسم صالح موضحًا :
" اللي بعتك يعني بعتك ليا أنا صالح؟؟ قالك روح للدكتور ؟؟ ولا للتاني ابو بدلة ؟!"
" مش أنت الدكتور صالح بتاع الطب الشرعي ؟!"
اومأ له صالح :
" أيوة أنا يا حبيبي، قولي بقى عايز ايه عشان أنت مأخرني على نسايبي "
قال الرجل بجدية كبير وهو يشرح له الأمر منذ البداية للمرة الثانية :
" فيه جثة اتسلمت انهاردة ليكم عشان التشريح وعرفنا أنك أنت اللي توليت تشريحها "
" والله وكان معايا صاحبي، يعني مش فاهم سبتوه وجيتوا ليا أنا ليه ؟؟ مع أنه هو يعني اسهل هتلاقي لازق في مخبز جنب المستشفى وممكن تجبله علبة بسكوت نواعم هيديك عينه "
والرجل لم يهتم بكل تلك التفاهات التي أصدرها صالح وقال بجدية كبيرة :
" احنا بقى مش طالبين منك غير أنك تلعب في تقارير الجثة دي، يعني مش عايزين حاجة توصل للبوليس "
" معلش عشان أنا فهمي على قدي شوية، بس أي جثة بالضبط عشان أنا فيه ١٠٠ جثة بشرحها، يعني المرحوم مثلا معندوش حاجة مميزة افتكره بيها ؟؟ حسنة أو وحمة مثلا؟؟"
شعر الرجل أن صالح يستهين بهم ويسخر منهم لذلك قال بتحفز :
" صدقني اللي بتقوله ده مش في مصلحتك، اللي في مصلحتك أنك تبقى زي الشاطر كده تساعدنا "
ضرب صالح كف بالآخر :
" هو أنا قولت حاجة؟؟ أنت بتكلم دكتور تشريح، يعني بيمر عليا جثث اكتر ما بشوف احياء، فمتجيش تقولي اطمس كل الأدلة بتاعة الجثة، وأنا اعرف منين الجثة دي ؟؟ هي من باقية عيلتي ؟؟"
أخرج الرجل صورة من بين ثيابه، ثم تحرك صوب صالح الذي ترقب وصوله ونظر للصورة ليجد أنها هي نفسها الجثة التي شرحها صباح اليوم وكانت بلا أية أدلة توضح سبب الوفاة :
" ده انا مشرحها انهاردة الصبح، لحقتوا تجمعوا بعض وتجيبوا طقم بدل سودة وعربية جيب آخر موديل؟! بسم الله ما شاء الله "
صمت ثواني ثم أشار لها بجدية :
" مرسيدس دي ؟؟"
اشتعل غضب الرجل وقد أدرك أن صالح ليس من ذلك النوع الذي سيساعدهم على ما يريدون ليأمر الجميع بالتحفز وهو يصرخ في وجه صالح .
ابتسم له صالح وعاد صوب سيارته يخرج منها مديته العزيزة ويعود لهم :
" لا بقولك ايه علو الصوت ده ميمشيش معايا و..."
توقف حينما وجد البعض منهم يرفع عليه السلاح، نظر لهم يحاول الخروج من ذلك المأزق بأقل الخسائر، فهو ليس ذلك الغبي الذي الذي يحارب الأسلحة بمدية مسكينة..
"طب نتفاهم من الاول .."
لكن الرجل أمامه قد بدا أنه فقد صبره تمامًا واشتعل غضبه، حيث أمر رجاله بالقتال والانتهاء منه ورميه بنفس الطريقة التي ألقوا بها الجثة، وصالح لم يستسلم أو يخضع لهم، بل هجم يمسك الرجل الذي كان يتحدث معه وينكب عليه بالضربات، وقبل أن يتكالب عليه الباقيين وجد أربعة أشخاص يتدخلون ممسكين إياهم وهبطوا فوق رؤوسهم بالضرب .
وصالح كان يشعر أنه هو من تلقى ضربة فوق رأسه حين رؤيته للاربعة يحاربون على طرفه، ولولا أنهم يحاربون على جانبه لخمن أنهم هم من أرسلوا هؤلاء الرجال .
كان عبدالله هو أكثر الأربعة مهارة في الضرب وذلك فقط لأنه يحترف أحد الفنون القتالية، يليه جبريل الذي كان يمسك رجلًا منهم يكاد يخرج روحه بين كفيه .
و عبدالجواد يمسك الاخير لمحمد الذي كان يضرب بقوة مغتاظًا من وقوفه على طرف صالح .
اقترب منهم صالح :
" والله ما مصدق عيني، أنتم جايين تساعدوني، ولا بتعملوا كده عشان خايفين حد يخلص عليا قبلكم ؟؟"
نظر له محمد بشر يضرب الرجل لكمة قوية، ثم استدار لصالح يقول بحنق شديد :
" لأجل الورد يُسقى العليق بقى "
ابتسم له صالح بسمة جانبية ساخرة :
" كرمكم ده اخجلني والله "
في تلك اللحظة ترك جبريل من بيده يسقط ارضًا خائر القوى لينتبه إلى آخر يتحرك صوب محمد الذي كان يجاور صالح، ركض له سريعًا ورفع يده في الهواء، ثم ودون أي تفكير هبط بها فوق وجه ذلك الرجل، لكن ولحسن حظه وسوء حظ صالح أدرك الرجل ما يفكر به وافلت منه لتصيب يده صالح الذي مال صارخًا :
" اه يا زبالة "
نظر له جبريل وهو سعيد يرى صالح يعتدل في وقفته رامقًا إياه بغضب ليبرر هو سريعًا :
" مكانش بقصد والله "
وبمجرد انتهاء جملته تبعها بلكمة وضع بها كل حنقه وغضبه وغيظه من ذلك الشاب وهو يقول ببسمة :
" دي كانت بقصد "
رفع صالح وجهه ونظر له بشر وفي ثواني تحول القتال من بين صالح والرجال، إلى صالح وجبريل، حيث هجم الاثنان على بعضهم البعض وقد تدخل عبدالله ليبعد عنهم وكذلك عبدالجواد، بينما محمد وقبل أن يفعل شيئًا جاءه اتصال، لم يحتج كثيرًا ليخمن هوية المتصل.
" أيوة يا رانيا. "
تحدثت رانيا بشهقات مرتعبة و جوارها يجلس والدها يحاول تهدئتها :
" أيوة يا محمد، لقيتوا صالح ؟؟ هو كويس ؟؟ اوعى يكونوا قتلوه "
نظر محمد أمامه حيث الشجار بين أخيه وصالح :
" لا متقلقيش مقتلهوش، بس جبريل هيقتله "
انتفضت رانيا برعب :
" ايه ؟؟ بتقول ايه يا محمد ؟! وهو جبريل ماله بصالح، هو عمله ايه ؟؟ "
وفجأة توقفت عن الحديث قبل أن تطلق شهقة مرتفعة :
" محمد اوعوا تكونوا أنتم اللي بعتوا الناس دي عشان يأذوا صالح، والله قلبي كان حاسس، عشان كده قولتلي أقوله يجي "
أطلق محمد صوتًا ساخرًا من فمه :
" وهو احنا فاضيين لسي صالح عشان نقعد نجمع في ناس مخصوص عشانه ؟؟ ده احنا نخلص عليه بنفسنا اسهل، بعدين أنا قولتلك تقوليله يجي، ايه يعرفني أنه جاي انهاردة ؟؟ "
مسكت رانيا وجهها بتعب وخوف :
" طب الله يخليك يا محمد ما تخلي جبريل يأذيه لاحسن والله صالح مسكين وطيب ومش بيعرف يعمل حاجة، هو بس لسان"
رفع محمد وجهه صوب صالح الذي تسبب في سقوط جبريل ارضًا، ثم انكب عليه بالضربات بكل غضب وجنون، وجبريل يحاول دفعه بقوة، لكن صالح كان كالثور الهائج.
ابتسم محمد ساخرًا :
" واضح فعلا أنه لسان، ده قرب يخلص على جبريل، اقفلي يا رانيا أما اشوف الاتنين دول عشان أنا جبت اخري من لعب العيال ده "
ختم حديثه يتحرك صوب الاثنان يرفع صالح عن جبريل ملقيًا إياه لعبدلله :
" خد ده دخله عربيته واتحرك بيه للبيت "
ومن ثم ساعد جبريل على النهوض يدفع به صوب سيارتهم، والاخير يلعن ويسب ويتوعد لصالح، بينما صالح كان ينظر له ببسمة واسعة ينفض ثيابه :
" اتمنى اللي حصل ده ميأثرش على رأيك فيا يا ابو النسب، احنا عيلة وأهل ودي مجرد مشاكل صغيرة "
أطلق جبريل سبة عالية ليبتسم له صالح بسمة أوسع :
" ده العشم يا حبيبي، يلا في أمان الله سوق على مهلك لاحسن العربية تتقلب بيكم والجوازة تتأجل بسببكم "
وبمجرد انتهاء كلماته صعد السيارة جوار عبدالله الذي بدأ يتحرك بها قبل أن يفلت جبريل من قبضة محمد.
تنفس صالح بصوت مرتفع وبراحة شديد :
" والله أنت اللي فيهم يا عبدالله "
نظر له عبدالله ثواني قبل أن يعود بنظره للطريق، فابتسم صالح وقال :
" الله يكرمك والله، شكلنا هنبقى صحاب اوي "
ابتسم عبدالله بسمة جانبية، بينما صالح عاد برأسه للخلف يتنفس بعمق شديد، قبل أن يبصر هاتفه الذي على رنينه باسم رانيا ...
___________________
تحرك صوب السيارة التي توسطت الممر الصخري أمام المنزل، مال بنصف جسده العلوي يمد يده من النافذة، ثم أخذ يطلق زمورها بقوة شديد والضيق يعلو ملامحه .
أبصر اقتراب الاثنان منه، كلٌ يتوسط ظهر فرسه وهو يقف هنا ينتظرهم للعودة إلى المشفى :
" والله عال، أنا بولع والأساتذة عايشين حياتهم "
زفر بقوة يضغط بكامل يده على الزمور وهو ما يزال ينظر لهما بشر يجبرهم على العودة بسرعة، لم ينزع سعيد كفه عن الزمور وهو مصر على إصابة الجميع بالصمم ..
وعلى بعد قصير منه كان صلاح يتحرك مع ميمو صوب الاسطبل لربط الخيل، قبل أن يسمع الاثنان فجأة صوت قوي صادر من الجهة الأمامية للمنزل، نظر صلاح لميمو التي ابتسمت وهي تتحرك بالفرس تقول بسخرية :
" سعيد هيفضل سعيد، اللي مبدأه في الحياة، إن لم تستطع إسعاد نفسك فعليك بإفساد سعادة الآخرين "
أنتهى الاثنان مما يفعلان وعادا صوب السيارة المصفوفة أمام المنزل، ورغم رؤية سعيد لهما إلا أنه لم ينزع يده عن السيارة، بل زاد من حدة الصوت، ليسير صالح بخطوات واسعة صوبه وبلا مقدمات كان يهبط بكفه على يد سعيد التي تطلق الزمور كما لو كان يوبخ طفلًا :
" عربية ابوك هي ؟؟ ايه خلاص مرة وسمعنا مش حوار هو"
نظر لهما سعيد بضيق شديد :
" كنتم فين ؟؟ عايزين نرجع المستشفى نشوف الدكتور ونيمو "
اقتربت منه ميمو تقول بضيق :
" ما ترجع يا سعيد هو احنا ماسكينك ؟؟ بعدين يعني هو أنت لا منك ولا كفاية شرك؟! "
اعتلى الحنق ملامح سعيد الذي شعر بالغضب منهم، تحرك صوب إحدى السيارات الخاصة به وهو يقول بغضب شديد لا مبرر له :
" أنا هروح لنيرمينا اللي عايز يجي يجي "
أنهى حديثه يفتح باب سيارته بغيظ شديد يصعد إليها وهو ما يزال يتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة وغير مفسرة، وكل ذلك كان صلاح يتابعه بعدم فهم :
" هو ماله ده ؟؟ عامل زي العيل اللي غيران على أمه من جوزها الجديد "
نظرت له ميمو ثواني، ثم انفجرت في الضحك تتحرك صوب سيارته تستقر في مقعدها جوار مقعده :
" لا متقلقش أنا وسعودي العلاقة بينا مش ودودة اوي كده، احنا لو في ظروف تانية كان اتحزم ورقص في نص البيت عشان هيخلص مني، هو بس تلاقي حد نكد عليه، والحد ده مش هيكون غير واحد من تلاتة، أنا ... وأنا كنت معاك، نيمو ...ودي في المستشفى مكسورة الجناح...واخيرًا زهرة ....وهي المرشح الأقوى بينا "
نظر لها صلاح ثواني قبل أن يقول بجدية :
" رغم اني مش بحب اعترف بكده، لكن أنتِ فعلا عاملة كأنك ام سعيد زي ما بيقول صالح "
رفعت ميمو حاجبها للأعلى ثم غمزته بمكر :
" وماله أبقى أم سعيد، المهم يتربى "
استقر صلاح في المقعد المجاور لها، يجهز سيارته للانطلاق :
" امممم، بس متطوليش في الموضوع لأني مش طايق سعيد اساسا، وأكيد مش حابب إن اللقب ده يكون ملازم ليكِ "
" ليه يا لذوذ ده حتى سعيد بدأ يتعدل اهو "
انطلق صلاح بالسيارة يطلق صوتًا ساخرًا عليها :
" ميمو مش عارف أنتِ واخدة بالك ولا لا، بس سعيد اللي بتتكلمي عليه كأنه البيبي بتاعك هو عبارة عن راجل ثلاثيني أكبر منك ومني أنا شخصيًا "
نظرت له ميمو ثواني قبل أن تقول بهدوء :
" ما تقول إنك غيران من سعيد "
" تمام، أنا غيران من سعيد "
منحته بسمة واسعة تقول بكل بساطة :
" مش محتاج تعمل كده يا صلاح، لأنك في كفة والعالم كله في كفة "
أبعد صلاح نظره بصعوبة عن الطريق يحدق في عيونها يستشعر جمال تلك الجملة التي أصابت مضغته، ابتلع ريقه يقول بجدية كبيرة :
" بجد ولا مبالغة عشان انسى اللي بيحصل حواليا ؟؟"
" والله عيب عليك يا لذوذ، وأنا من امتى ببالغ في وصفك أو وصف شيء يخصك ؟؟ أنت فعلا في كفة لوحدك ."
صمتت ثواني، ثم أضافت بمزاح :
" بس يعني ممكن نادر يكون معاك في نفس الكفة على جنب كده، مش هياخد مكان كبير فيها "
انطلقت ضحكات على كلماتها ثم غمز لها:
" نستحمل نادر لأجل أخته يا ميمو "
ابتسمت له ميمو بحب وهو اغمض عيونه لها مُطمئنًا إياها:
" متقلقيش هنعدي النفق ده قريب ...قريب اوي يا مقدس "
__________________
ضرب بقوة أعلى مكتبه وقد كانت ملامح الغضب تزين وجهه بشكل مريب جعل رائد يتجهز للقادم، ثواني وسمع صوت اللواء يصرخ كعادته، حتى أنه ربما نسي كيف تكون نبرته دون صراخ .
" أنا الكلام ده ميمشيش معايا يا حضرة الظابط، أنت فكرك كلامك عن آخر قضية خال عليا ؟؟ أنا عارف كويس اوي أنك معاك معلومات تقدر تفيدنا لي تحديد "
ولم يتحدث رائد بكلمة واحدة فقط يقف باحترام شديد يرفع رأسه واضعًا يديه خلف ظهره منتظرًا أن ينتهي قائده من تقريعه .
وحدث ذلك بعد دقائق قليلة، حيث قال رأفت ببقايا غضب :
" ممكن اعرف كنت فين وقت ما اتصلت بالبوليس عشان العملية الأخيرة؟ ايه اللي عرفك بوجود حد في المستشفى دي ؟؟"
نظر له رائد باستفسار، لكنه رغم ذلك قال أول ما خطر في باله :
" المستشفى على الطريق يا فندم للقاهرة وأنا كنت مسافر مع صاحبي في الوقت ده، ولمحت انوار في المستشفى وفجأة سمعت صوت زعيق عالي فدخلت اشوف فيه ايه، لكن كان الكل هرب يا فندم "
" هربوا ازاي وليه ؟؟"
اجابه رائد دون تفكير :
" معنديش علم بالأمر يا فندم، أنا عملت اللي شوفته صح وقتها وهي اني كلمت القوات "
نظر له رأفت بشك، ثم نهض عن مكتبه يتوجه صوب رائد الذي ظل ثابتًا دون أن يهتز مجرد هزة صغيرة، توقف رأفت أمامه يحدق به، ثم قال بجدية :
" تعرف يا رائد لو طلعت بتعمل حاجة بدون أوامر رسمية هيكون عقوبتك ايه ؟؟"
قال رائد بصوت جاد :
" هتحول للتحقيق يا فندم "
هز رأفت رأسه وقال ببساطة :
" بالضبط، ووقتها أنا هحرص أنك متخرجش من التحقيق إلا على بيتك "
كان وجه رائد كما لو نُحت من صخر، لم يتأثر ولم يتحرك خطوة أو تتغير أي ملامح به، ليبتسم رأفت بسمة باردة صغيرة :
" اتفضل يا حضرة الظابط على مكتبك "
تحدث رائد باحترام شديد ودون أن يحيد بعيونه عن نقطة أمامه:
" أيوة يا فندم بس أنا لسه باقيلي يوم في اجازتي "
سخر منه رأفت وقال :
" تمام يا رائد اتفضل كمل اجازتك ومن بكرة تكون قدامي عشان المهمة الجديدة "
أدى رائد تحيته العسكرية باحترام وخرج من المكتب كليًا يبتسم ساخرًا مما يحدث معه :
" اكيد حد من العيلة اتزنق في تريقة وجاي ياخدها على قفايا "
صمت وقد شكر ربه أن استمع لحديث صلاح ولم يخبرهم كل ما اكتشفه، لا يدري نهاية ذلك الطريق، لكنه يعلم جيدًا أن صلاح لم يخذله يومًا ولن يفعل ..
خرج رائد من المركز الخاص بعمله يبحث عن سيارته التي ترك بها تسبيح بعد استدعائه بأمر طارئ للعمل ..
اقترب من السيارة ليبصر أحد العساكر الذي يقفون أمام المركز يضرب على زجاج نافذته صارخًا :
" مين صاحب المخروبة دي ؟؟ يعني عامل مخالفة وراكن قدام القسم ؟؟ يا بجاحتك يا اخي "
كانت تسبيح تنظر له من الداخل خائفة، لا تدري هل تفتح الباب وتعتذر أو تنتظر حتى عودة رائد ؟؟
وكأن الاخير خرج من أفكارها وتمثل أمام عينيها، تراه يربت على كتف العسكري يقول بهيبة وهدوء شديد :
" دي عربيتي أنا يا طارق "
تراجع المدعو طارق سريعًا للخلف يؤدي التحية لرائد :
" لا مؤاخذة يا باشا فكرت حد تاني "
هز له رائد رأسه يصعد للسيارة مودعًا إياه، ثم تحرك بها بملامح مقتضبه جعلت تسبيح تشعر بوجود خطب فاقتربت منه تقول بجدية :
" رائد أنت كويس ؟؟"
نظر لها رائد ببسمة يطمأن على كتفها ورأسها اللذين عالجهما قبل حضوره هنا :
" أنتِ اللي بخير ؟؟"
هزت رأسها بالإيجاب، فابتسم لها وقال :
" يبقى أنا كمان كويس يا توتا "
ابتسمت له تسبيح ليربت على رأسها بحب، يساعدها على التمدد عن طريق تحريك المقعد لوضعية مريحة :
" ارتاحي وريحي نفسك يا تسبيح لغاية ما نوصل، وانا هعمل لينا اكل كويس ونقعد ناكل ونتكلم سوا باقي اليوم، حابب اقضي معاكِ اليوم كله "
ودون أن يتنفس حتى بعد انتهاء حديثه سمع رنين هاتفه باسم صلاح، ليلوي شفتيه قائلًا بحنق :
" ده لو الاستاذ صلاح سمحلنا ومكانش عنده مانع يعني"
__________________
" يعني ايه ؟! أتجوز اخوكِ ازاي ؟؟"
كانت نيرمينا لا تعي ما سمعته منذ ثواني من فم ميمو، تحاول أن تفهم ما تقصده أنها ستتزوج شقيقها، نظرت خلفها صوب سعيد الذي كان يقف بعيدًا عنهما يراقب ما يحدث بأعين قلقة، ما يزال يأبى الاقتراب منها خوفًا أن يرى في عيونها نظرة كره أو بغض .
لكن فجأة انتفض قلبه بسعادة حينما نادته بنفس نبرتها القديمة، لا كره فيها ولا اشمئزاز، نفس النبرة البريئة التي اعتادها منها :
" سعيد..."
اقترب منها سعيد بسرعة كبيرة يلتقط يدها الممتدة بحب شديد :
" قلب سعيد، ايه يا نيمو حاسة بوجع ؟!"
ابتسمت له نيرمينا بحب تضغط على يديه بحب كبير :
" لا أنا كويسة، أنا بس ... أنا مش فاهمة ايه اللي حصل عشان تجوزوني اخو ميمو، هو أنا بقيت تقيلة عليك يا سعيد ؟! "
تأوه سعيد بقوة ينحني على يد نيرمينا يقبلها بكل الحب والحنان الذي يحفظه في صدره لأجلها، شدد من ضم يديها لصدره وهو يقول بلطف كبير :
" اوعي في يوم تقولي كده يا نيمو، أنتِ عمرك ما تكوني تقيلة عليا، أنا هشيلك في قلبي يا نيرمينا ولا اشتكي يوم واحد "
ابتسمت له نيرمينا تقول بوجه منكمش حزنًا :
" طب ليه عايزين تجوزوني لحد معرفوش، أنا والله ما هزعج حد أبدًا، أنا بس بحب اقعد معاكم أنتم الاتنين ولو مش فاضيين هقعد مع مختار هو بقى صاحبي "
نظر سعيد بعجز صوب ميمو التي ربتت على كتفه تبعده عن نيرمينا تداعب خصلات شعرها بحنان اموي كبير رغم الفرق الصغير في العمر بينهما، لكن نيرمينا حجزت لنفسها داخل قلب ميمو مكانة الابنة، كما فعل نادر وأصبح بمنزلة طفلها الاول ..
" نيرمينا مش أنتِ بتحبي مختار ؟!"
اشتعل وجه نيرمينا بالخجل فجأة ولا تدري ما تريد ميمو من خلف تلك الكلمة، هل تقصد حب كذلك الحب بين شاب وفتاة، أم تقصد راحة معه، حاولت نيرمينا أن تتحدث بأي كلمة تخرجها من حالة الخجل تلك :
" هو ...هو مختار اللي قالكم تجوزوني عشان يخلص مني ؟؟ هو لسه مش حابب يكون صاحبي ؟!"
ضحكت ميمو على تعليقاتها الغريبة تجلس على الفراش جوارها تقول بجدية كبيرة :
" أيوة يا نيمو، مختار جه واشتكى ليا وقالي أنه مبقاش حابب يكون صاحبك "
شهقت نيرمينا بحزن شديد وقد شعرت بقلبها يتصدع، هي كانت تشك من البداية في الأمر، هو قال ما قاله فقط شفقة على حالتها ذلك اليوم حينما أُصيبت في رحلتها، لذلك أشفق عليها من أن تتوسله الصداقة ويرفض .
" أنا...أنا ممكن اسيبه في حاله، بس ...بس هو كان "
صمتت ولم تدري ما تقوله، هل تخبرهم أنها لا تريد تركه، لا تشعر بالأمان في غيابه ولا تستأنس لسواه، خمس سنوات، خمس سنوات ليست بالوقت القصير لتتجاهل شخص مثل مختار، أو تنكر مكانته لديها ..
ابتسمت ميمو لكل تلك الملامح التي التقطت ما تحمله من مشاعر لاخيها، مشاعر لا تدري نيرمينا عنها شيئًا، وربما لا تعلم لها اسمًا ..
" نيمو .."
" نعم ؟!"
قالت ميمو بحنان شديد :
" مختار مش عايز يبقى صاحبك، هو حابب يكون جوزك، مختار عايز يتجوزك يا نيمو موافقة ؟؟"
فجأة انفجرت نيرمينا في بكاء حار ومازالت الكلمات التي نطقت بها ميمو لم تصل لعقلها، هي فقط توقفت عند جملتها الاولى لتقول بوجع من بين شهقاتها :
" أنا والله ما عملت حاجة تزعله، أنا كنت بحب اقعد واتكلم معاه بس، هو ليه مش عايز يبقى معايا ؟؟"
كانت تتحدث واضعة يديها على جانبها الأيمن تشعر بوجع ينبض هناك، ولم تستوعب بعد أنها فقدت كليتها ولم تجد وقتًا حتى لتتساءل به عما حدث حتى باغتها الجميع بأمر زواجها .
في تلك اللحظة اقتحم مختار الغرفة وقد سأم من البقاء في الخارج تحت حراسة صلاح ..
تحرك بسرعة صوب نيرمينا التي كانت تبكي بقوة وهي تقول كلمات مبعثرة حول أنها تحب البقاء معه، وهي لم تزعجه، وأنها ستحسن التصرف .
كانت نيرمينا من الهشاشة والضعف وقلة الثقة التي تجعلها تشعر أنها غير مرغوبة ممن حولها، أنها ثقيلة على الجميع .
اقترب مختار منها بسرعة لتبتعد ميمو عنها تاركة له المجال ليعبر عما يريد، جلس مختار على ركبته ارضًا يشير لها بيديه كي تنتبه له .
ونرمينا انتبهت له لتقول من بين شهقاتها ودموعها :
" مختار والله ما هزعجك تاني، أنا آسفة والله اني كنت برخم عليك وأنا عارفة انك مش بتحب افضل انط ليك بس ...بس "
صمتت تحاول إكمال حديثها، لكن مختار سارع وأخرج هاتفه يكتب عليه بعض الكلمات لها، ثم نظر لها يجبرها على قرائتها وعيونه قلقة من ملامح الرفض الظاهرة على وجهها، شعور قتله ..
" نيرمينا أنتِ مش حابة تتجوزيني ؟؟"
كانت نيرمينا تنظر للكلمات من بين دموعها بصدمة، تقرأها مجددًا علها اخطأت المرة الأولى، رفعت رأسها ببطء صوب نادر :
" اتحوزك أنت ؟؟"
هز نادر رأسه بخوف أن يلاقي رفضًا من عيونها، لتطيل نيرمينا النظر به قبل أن تشير صوب سعيد ونيرمينا باكية :
" بس هما عايزين يجوزوني اخو نيرمينا يا مختار، أنا مش عايزة اتجوز واحد معرفوش، أنا معرفش اساسا إن ميمو ليها اخ، أنا ...أنا هتجوزك أنت"
اتسعت بسمة نادر لا يصدق ما سمعه، شعر بقلبه يقفذ معلنة إقامة احتفالات بعد سنوات وسنوات من الحداد .
ابتسم بسمة واسعة ثم أشار لها بأصابعه وقد انسته السعادة أنها لا تفهم شيء منه :
" أنا أخو ميمو اللي عايز يتجوزك "
نظرت له نيرمينا ببلاهة، لتقترب منها ميمو تقول بجدية وحنان شديد :
" بيقولك أنه هو اخويا اللي عايز يتجوزك يا نيرمينا "
ونيرمينا من صدمتها تناست كل شيء ولم تنتبه سوى لأمر واحد :
" أنتِ فهمتيه ؟؟"
ضحكت ميمو بصوت مرتفع وقد ابتسم سعيد على كلمات شقيقته يقترب منهم يقول موضحًا لجميع الأمور :
" نيمو حبيبتي، مختار يبقى هو نفسه نادر اخو ميمو الصغير "
" نادر ؟؟"
رددت نيرمينا ذلك الاسم بشرود تحاول تذكر أين سمعته، أو بالأحرى أين قرأته، لتعود لها تلك الذكرى المشوشة منذ ساعات، ذكرى ظنتها حلمًا، فلماذا سيجبرها مختار على قراءة جملة ( بحبك يا نادر ؟) ومن ثم يخبرها هو أنه يحبها ؟! مختار لا يحبها، أو هل يفعل ؟!
نظرت فجأة جوارها صوب نادر الذي كان يبتسم لها بحنان يهز رأسه موافقًا على كل ما يظهر أعلى وجهها، لتشعر نيرمينا بالحيرة من كل تلك المعلومات لكنها فقط قالت :
" يعني دلوقتي مختار هو اللي عايز يتجوزني ؟؟"
هز لها نادر رأسه بلهفة لتبتسم نيرمينا دون شعور وتتساءل بأمل:
" أنت عايز تتجوزني يا مختار، محدش اجبرك ؟؟"
هز نادر رأسه بقوة وقد لمع الاصرار في عيونه لتبتسم له نيرمينا وقد كانت بسمتها اكبر دليل على موافقتها.
ولم تمر سوى ساعة حتى كانت زغاريد ميمو ترتفع في الغرفة وهي تسمع صوت نيرمينا قد نطق أخيرًا بخجل شديد :
" موافقة "
ومازالت المسكينة لم تستوعب شيء مما يحدث حولها، لا سبب وجودها هنا ولا حتى كيف انتهى الأمر بزواجها من مختار الذي هو نادر شقيق ميمو، كل ما تدركه أنها أصبحت زوجة لمختار الذي كانت أقصى أحلامها أن يوافق على مصادقتها لدقائق يوميًا ......
__________________________
توقفت السيارة أمام المنزل ليتعجب عبدالله جلوس رانيا أعلى الدرجات الداخلية والتي حينما أبصرت قدوم سيارة صالح، انتفضت بقوة تتحرك نحوه والخوف قد ملء صدرها عليه .
توقف أمام السيارة ليهبط منها صالح يقول ببسمة :
" اتأخرت عليكِ ؟؟"
ابتسمت رانيا بقوة وسعادة تراه يقف أمامها وهو بخير، اقتربت منه ببطء تتنفس واخيرًا الصعداء، قبل أن تقف أمامه مباشرة:
" حمدالله على سلامتك "
" الله يسلمك يا رانيا "
وما أجمل اسمها الذي خرج منه بنبرة محبة حنونة وليس بتلك المستفزة المغتاظة، ابتسم صالح على ملامح رانيا الخجل ليعود بخطوات قصيرة صوب السيارة يميل بنصف جسده العلوي يحضر حقيبة مجهولة يعطيها لها ..
نظرت لها رانيا بتردد لا تفهم ما تحتويه تلك الحقيبة أو ما تخفيه لها، لكنها رغم ذلك اخذتها حينما قال صالح بهدوء :
" دي حاجة ليكِ يارب تعجبك "
أمسكت منه رانيا الحقيبة تضمها لصدرها في حركة معتادة منها، قبل أن تمنحه أكبر مكافأة قد ينالها على مبادرته تلك، وهي بسمة ممتنة منه، بسمة تخبره أنها تقبلت هديته بكل الحب حتى وقبل أن تدري ما تحتويه ...
فجأة انتفضت رانيا على صوت عبدالله الذي نست أنه موجود والذي كان يستند على السيارة بهدوء شديد يتابع ما يحدث دون كلمة، فقط لأنه يعلم أن شقيقته ستسعد من هدية ذلك الشاب .
" ممكن تدخلي جوا يا رانيا عشان ثواني وهيكون الكل هنا"
نظرت له رانيا وهزت رأسها قبل أن تنظر لصالح نظرة أخيرة وتتحرك لتقبل وجنة عبدالله بحب شديد هامسة له بامتنان اكبر :
" شكرًا يا عبده، أنا بحبك اوي على فكرة "
ابتسم عبدالله لها بسمة حنونة يربت على رأسها:
" وأنا بحبك يا قلبي وكلنا بنحبك ومعندناش اغلى منك، بس يمكن كل واحد عنده طريقة معينة للتعبير عن حبه فمتزعليش من حد فيهم "
ابتسمت له رانيا وقالت :
" لو هزعل من الدنيا كلها عمري ما هزعل منكم، أو من صالح "
همست بكلمتها الأخيرة في صوت هامس خافت، لكنه وصل لمسامع صالح الذي ابتسم بسمة واسعة لها، وجعلت عبدالله يضرب جبهتها بإصبعه في خفة قائلًا :
" طب ما تزيديش فيها عشان هتلاقيني قلبت على محمد دلوقتي "
ضحكت رانيا ضحكة جعلت أعين صالح تخرج قلوبًا حمراء، بعدما كانت تخرج في العادة صخرًا ونيرانًا ..
" لا أنت حلو وأنت عبدالله"
انتهت من حديثها ثم رمقت صالح مرة أخيرة وركضت سريعًا صوب المنزل في الوقت الذي لمحت به سيارة محمد تدخل لساحة المنزل الأمامية ..
تنفست الصعداء حينما دخلت المنزل وسمعت صوت والدها :
" اطمنتني خلاص ؟!"
ابتسمت رانيا تشير بابهامها :
" تمت العملية بنجاح يا فندم "
____________________
كان الجميع يجلس في الشقة التي سبق وكانت مقرًا لاجتماعهم عند تحضير أي خطة للتخلص من كارثتهم المسماه سعيد، والآن يجلسون مع كارثتهم شخصيًا لمساعدتها .
وملامح رائد الحانقة توحي جيدًا بمقدار عدم رضاه عما يحدث، لكن صلاح يحرك له عينيه كي يهدأ ..
وعيون سعيد تتحرك في المكان بأكمله وكأنه يبحث عن شيء ضائع، قبل أن تتثبت عيونه على ميمو يقول متأففًا :
" أنا شايف نجتمع في بيتنا احسن بعد كده "
ابتسم صلاح يربت على كتف سعيد بحركات خشنة بعض الشيء كما لو أنه يتحين أي فرصة فقط ليتخلص منه :
" حبيبي يا سعيد صدقني المكان ده وشه حلو علينا، ده ياما شهد معانا اخبارك الزبالة، وحطينا فيه خطط كتير عشانك "
منحه سعيد نظرة مستفزة وبسمة أكثر استفزازًا :
" عشان كده ولا خطة نجحت "
نظر له صلاح بسخرية لاذعة ليندمج سعيد في الحديث بكل استفزاز، لا يريد أن يمنح الراحة لذلك الحقير الذي لطالما اذاقه مرارة العيش، لطالما جعله يركض حول نفسه ليزيل آثار التخريب التي ألقاها في حياته .
" صدقني أنا بتكلم عن علم ومعرفة، البيت ده عشان صغير فهيسبب عدم راحة نفسية ليكم، وده هيأثر على وظايف المخ، ومش هتعرفوا تفكروا كويس "
أطلق صلاح صوتًا ساخرًا تبعه بضحكة صاخبة جعلت سعيد يندمج في الحديث وهو يقول بجدية كبيرة :
" أنا بتكلم عن علم زي ما قولت، اللي قدامك ده كان بيحضر محاضرات في الطب النفسي اكتر من الدكاترة النفسيين اساسا "
أنهى حديثه ليمد له صلاح يده بكوب عصير يضعه أمامه ثم ربت على كتفه :
" اشرب يا سعيد العصير بتاعك واسكت عشان أنا مانع رائد عنك بالعافية "
ختم حديثه بالاشارة إلى رائد الذي كان يجلس متحفزًا في انتظار همسة واحدة من سعيد تجعله يخرج سلاحه ويتخلص منه، هو ليس بمرونة صلاح ليجلس وجهًا لوجه مع مجرم ويتحدث معه بكل بساطة كما يفعل الآن ..
رفع سعيد كوب العصير الخاص به، يرتشف منه بتمهل وبرود شديد مستمتعًا بكل ما يدخل جوفه، مستثيرًا بذلك استفزاز كل من حوله .
والأعين جميعها عليه حانقة غاضبة، حتى شعر فجأة سعيد بضربة قوية أعلى كتفه وصوت ميمو يخرج غاضبًا :
" ما تخلص يا سعيد بدل والله اسيبك تتعفن في السجن، أو تتعدم "
نظر لها سعيد بحنق شديد وقد سأم تصرفات تلك المرأة:
" والله اعفن في السجن ارحم من قعدتي في وشك، ده أنتِ كرهتيني في عيشتي، والله كنت عايز اطفش من البلد بسببك "
وفجأة تلى كلماته ضربة أخرى من ميمو وهي تصرخ في وجه بحنق وغضب شديد حتى كادت عروق رقبتها تنفجر :
" والله لولا ماما زينب الله يرحمها أنا كنت سيبتك تبكي وتشكي، أنا اساسا مش عارفة بساعدك ليه ؟؟ "
ابتسم سعيد فجأة وقد ارتخت ملامحه ومال بجانب رأسه يقول بلطف شديد :
" عشان قلب الام يا امي "
أطلقت ميمو سبة جعلت أعين صلاح تتسع بتعجب لقدرتها على معرفة مثل تلك الكلمات النابية، وميمو التي استوعبت فجأة ما قالت وضعت يدها أعلى فمها تنظر حولها ببسمة خجلة، لا تدرك حقًا كيف خرجت تلك الكلمة منها، هي سبق وسمعتها في حارتها وكانت تنفر منها ومن كل الكلمات القذرة المماثلة، والآن سعيد بكل ما فيه أجبرها على إحراج ما كانت تنفر منه .
أطلق سعيد ضحكات عالية رنت في المنزل بأكمله جعلت ميمو تزداد خجلًا وغضبًا ..
لكن سعيد قال بهدوء يحاول التنفس :
" معلش يا صلاح اصل بنتنا لسانها زفر شوية، متربتش بعيد عنك "
امسك سعيد يدها يجذبها كأم توبخ ابنها :
" بس يا حبيبتي فضحتينا هتطفشي الراجل واحنا ما صدقنا حد يعبرك "
جذبت منه ميمو يدها وهي ما تزال مذهولة مما حدث، لكنها أفاقت على كلمات صلاح الذي ملّ كل تلك الألعاب وقد اكتشف أن ذلك السعيد ليس من النوع المخيف الذي كان يظنه، هو احمق غبي وجاهل للعديد من الأمور، على الأقل هذا هو الجانب الذي ظهر منه، أو بالأحرى الجانب الذي يظهر مع ميمو فقط ...
تنفس بصوت مرتفع يقول :
" رائد هيساعدنا نوصل لاشخاص ممكن يساعدونا داخل الشرطة، وسعيد هيسلم نفسه ليهم بس كشاهد ملك، ومقابل معلومات تقدر أنها تخفف شوية عنه من الحكم اللي هيلبس فيه "
صمت ينظر لسعيد الذي استعاد ملامحه الباردة وأصبح يولي لهم كامل انتباهه، فاكملت ميمو بجدية كبيرة :
" بس طبعا مش أي إنسان نقدر نسميه شاهد ملك يا سعيد، أنت عشان تبقى كده محتاج تدي للنيابة والشرطة معلومات مهمة اوي ودقيقة وكمان متكونش طرف أساسي في العملية وحاجات تانية هما هيبلغوك بيها "
كان سعيد شاردًا بعض الشيء في كلماتهم، يدرك أن الأمر ليس بتلك السهولة واليسر الذي يتحدثون به، حتى سمع صوت رائد يضيف :
" أنا اتواصلت بنفسي مع صاحب ليا في النيابة وهو هيساعدنا نوصل لسلطة أعلى، الناس اللي أنت هتبلغ عنهم مش شوية ومش مجرد عيال صغيرين، وعشان كده مساعدتك لينا هتخفف كتير من حكمك "
نظر سعيد لميمو بجمود وقال :
" وأنا ايه المطلوب مني دلوقتي ؟؟"
نظرت له ميمو ثواني قبل أن تبتسم وتقول :
" الحاج ابو غانم، مش كان صفقتك الأخيرة هتتسلم ليه ؟!"
اومأ لها سعيد لتبتسم هي بسمة غريبة فهمها صلاح الذي كان يعلم جيدًا ما تنتويه وأكمل عنها :
" يبقى تتصل بالحاج تشتكيله أن عمليتك الأخيرة باظت بسبب ابنه، وأنك حابب تعوض خسارتك فهتدخل معاه شريك في صفقة وتشتروا من ابنه غانم بس من غير ما يعرفه أنك معاه "
بدأت الأمور تضح أمام عين سعيد ليقول بهدوء شديد وتوقع للقادم :
" ويوم التسليم ...."
رسم صلاح ملامح مريبة على وجه وقال باسمًا :
" الله ينور عليك، بالضبط كده ."
________________________
كانت تجلس أمام الفراش الخاص بها تراقب هدية صالح لها، والتي جعلت أعينها تتسع بقوة وقد ارتسمت العديد من القلوب الحمراء داخلها، احضر لها حلواها المفضلة، العديد والعديد منها .
أمسكت رانيا العلبة وهي تلتقط منها قطعة حلوى تلوكها بتلذذ شديد، وقد زادت لذتها بلمسة صالح المحبة .
" اصابع الست ؟؟ هو عرف منين ..."
صمتت ثواني قبل أن تبتسم وتقول بتخمين :
" أكيد عبدالله "
أخفت رانيا سريعًا علبة الحلوى وتحركت سريعًا صوب الخزانة الخاصة بها تضعها فيها، ومن ثم خرجت من غرفتها وهبطت الدرج ليصل لها صوت محمد يتحدث بنبرة باردة لكن عالية بعض الشيء :
" تمام، يبقى نفضها سيرة الجوازة دي "
نظر صالح صوب رؤوف الذي كان يقرأ الجريدة ببرود شديد وهو يتحدث له بصوت منخفض :
" قوله ماشي وريحه يا بني، هو كده عفريته حضر "
زفر صالح وقد بدأ يفقد هدوءه :
" وكل ده ليه ؟؟ عشان رافض اعمل فرحي بعيد عن اهلي في البلد ؟؟"
" وأنا وضحت ليك أننا كمان لينا اهلنا هنا ولازم الفرح يكون هنا "
اغمض صالح عيونه بقوة يحاول أن يصبر على ذلك الرجل، يدرك جيدًا أن كل ذلك ما هو إلا حجج واهية غبية فقط ليبعده عن رانيا، لكنه لم يحزر .
ابتسم صالح ببرود شديد وقد عاد للساحة :
" تمام يا محمد أي طلب تاني، قول اعملهولك على عيوني"
تعجب محمد تغيره وتغير رأيه بهذه السرعة :
" وافقت ؟؟"
" اكيد وافقت أنا عندي كام محمد يعني ؟؟"
رفع محمد حاجبه ساخرًا من تلك الجملة الودودة، لكن صالح لم يعطه تلك الرفاهية ليستمتع باحترامه وعذوبة لسانه وهو يكمل :
" هو محمد واحد ومكدر عيشتي ومش طايق نفسي بسببه "
ابتسم له محمد ساخرًا ولم يتحدث، بينما تدخل جبريل وقال :
" هنعمل الفرح في اكبر فنادق اسكندرية، دي اختنا الوحيدة "
" وماله يا حبيبي اعملهولك في استاد برج العرب لو تحب، أي أوامر تانية ؟؟ "
نظر صوب عبدالجواد :
" حابب تقول حاجة يا عبدالجواد ؟! يعني مش عايزين المعازيم تيجي في طيارات خاصة ولا عبدالله حابب البوفيه تحت إشراف الشيف بوراك ؟؟ "
نظر له محمد وقد كانت نظرات غامضة مريبة بعض الشيء :
" لا بس أنت اعمل اللي احنا طلبناه الأول "
هز صالح رأسه، ثم نظر صوب رؤوف، لكن فجأة انتبه لوقوف رانيا على باب الغرفة فابتسم لها وقد نسى كل حنقه وغيظه من الجميع حينما رأى نظرتها المتوسلة له أن يمرر الجلسة تلك ..
تنهد صالح بصوت مرتفع وقال بجدية كبيرة :
" أنا مستعد اعمل أي شيء عشان رانيا، هي تستحق كل شيء اساسا "
كان يتحدث وهو ينظر صوب الباب بحنان لرانيا التي منحته بسمة محبة، لكن فجأة وقف محمد في وجهه بشكل جعل ملامحه تتغضن وتنكمش بملل وضيق شديد :
" خير ؟! عايزين ايه تاني ؟؟ يا رب نخلص "
ربت محمد على كتفه بجدية يقول :
" عايزين تلم نفسك وتحترم أنك قاعد في بيتنا ودي اختنا"
نظر صالح لرؤوف فجأة وقال بهدوء وبسمة :
" عم رؤوف ممكن اقعد مع رانيا لوحدنا لو سمحت ؟!"
نهض رؤوف يطوي جريدته واضعًا إياها أسفل ذراعه، وهو يتحرك صوب باب الغرفة صوب البهو المواجه للغرفة :
" خد راحتك يابني البيت بيتك "
وقبل أن يخرج أوقفه صالح الذي حرك حاجبيه بعبث :
" وخد معاك عيالك الله يكرمك يا عم رؤوف عشان بيبصوا عليا بشكل غريب كأني أكلت منابهم "
نظر لهم رؤوف بحزم :
" سيبوا اختكم مع خطيبها "
اعترض جبريل بقوة على تلك التسمية المرفوضة لهم :
" خطيبها ايه ؟؟ هو لسه بقى خطيبها ؟؟"
قال صالح باستفزاز شديد :
" يوم و١٠ ساعات يا حبيبي وهكون خطيبها، ابقى نورنا في الخطوبة "
فتح جبريل فمه وكاد يتحدث لولا كلمات والدهم :
" قولت اخرجوا وسيبوا اختكم لوحدها "
رمى الجميع صالح بنظرة أخيرة مرعبة، ثم تحركوا واحدًا تلو الآخر عدا عبدالجواد الذي رمقه بنظرة غامضة غريبة ومن ثم خرج ..
واخيرًا أصبح معها وحدهما ...
" الهدية بتاعتك بجد جميلة اوي اوي يا صالح، مش عارفة اشكرك ازاي، أنت كل الهدايا اللي جبتها ليا حلوة اوي "
أشار لها صالح لتجلس يقول بجدية كبيرة مبتسمًا :
" سعيد أنها عجبتك، وخلاص بعد كده كل ما اشوفها هجبلك علبة منها، ولو فيه حاجة تاني بتحبيها قوليلي، عشان أنا ...أنا مش بعرف اتصرف مع البنات أو اجيب هدايا بحس الموضوع معقد، يمكن صلاح بيفهم شوية بس هو مش فاضي، فأنتِ لو حبيتي حاجة قوليلي وانا اجبلك، تمام ؟؟"
كان يتحدث كطفل يرتجي من والدته مساعدة لاختيار شيء يريده هو، ابتسمت له رانيا وقد شعرت بمشاعر غريبة تتفاعل داخلها، أن يحاول لاجلك شخص، أن يفعل ما لم يعتدعاى فعله فقط لأجل اسعادك، أن يتصرف عكس طبيعته ويحاول مراضاتك بشتى الطرق، لهو افضل شعور قد تشعر به يومًا، من قال أن الحب مع شخص كصالح سيكون معقدًا مملًا وبلا مشاعر ؟؟!
بالله أن صالح خُلق ليكون رائدًا في الحب _ بطريقته الخاصة_ يجيد الحب ويجيد التدليل، لكنه يعتمد أساليبه هو؛ تلك الأساليب التي جعلتها تنظر له نظرة العاشقة ...
" لا يا صالح، أنا عايزة هدايا من بتاعتك، أنا حبيتهم كلهم، من اول الكشري والحواوشي ومرورا بالصاعق والبخاخ وحتى الحلويات، أنت بجد شخص مبدع في الهدايا وأنا حبيتهم اوي شكرًا ليك "
ابتسم صالح بسعادة كبيرة وقد شعر فجأة بالإنجاز، كلماتها تلك دفعت داخله ثقة كبيرة بعدما كان يظن نفسه مجرد احمق لا يفقه في الحب سوى أن ضربات قلبه تزداد بقوة حين اقتراب رانيا، وتضطرب حين رؤية بسمتها، تمامًا كما تفعل الآن...
" رانيا أنتِ عايزة حاجة معينة للفرح ؟؟"
نظرت له بعدم فهم ليوضح ما يقصد :
" يعني كله اتكلم في الفرح وهو ميخصهمش، هو فرحك أنتِ تفصليه على مزاجك، يعني عايزة حاجة تكون موجودة هناك؟؟ "
ودون أن تشعر ولأنها انغمست في حالة الهيام التي أحاطت بهما قالت بخجل شديد وبسمة واسعة :
" أنا يكفيني أنك هتكون موجود جنبي وقتها .."
توتر صالح فجأة وشعر بقلبه يقفز فرحًا واحتفالًا بتلك الكلمات، بحث في رأسه فورًا عن رد مناسب على كلماتها، واستمر البحث ثواني قبل أن تتسع عينه ويبتسم حينما أدرك ما يجب قوله، لكن وقبل أن يفعل اقتحم عبدالجواد الغرفة وهو يقول بجدية :
" بقولك ايه محتاجك في خدمة كده ...."
_______________________
" يابني يعني كنت قولي قبلها بشوية، ينفع يعني تجرني بالشكل ده عند الناس، ده أهم حاجة هو الانطباع الاول "
أجاب محمود والده وقد ابتسم باتساع لغياب صالح وانشغاله في أموره وهذا ما سيسهل عليه أن يضلل ياسين فيما يخص هويته وما حدث معهم سابقًا .
ضغط ماجد على جرس المنزل ينتظر إجابة وجواره يقبع محمود الذي كان يحمل بين يديه وردًا وشوكولاتة ..
ثواني وابتسم بسمة واسعة حينما أطل عليهم ياسين الذي كان في انتظارهم وحدق في وجه محمود ثواني بشكل غريب قبل أن يبتسم وينزاح جانبًا مشيرًا له بالدخول :
" اتفضلوا نورتونا ..."
دخل محمود يتبعه والده زمن، ثم اغلق ياسين الباب وأشار لهم صوب غرفة الضيوف ليستقر بها الاثنان وقد ابتسم ماجد بسمة واسعة يضع ما احضر من هدايا على الطاولة .
جلس أمامهم ياسين يرحب بهم :
" نورتوا البيت والله ..."
نظر صوب محمود يقول بملامح مقتضبة بعض الشيء :
" عاش من شافك ...يا دكتور محمود "
_________________
كان يجلس معهم يستمع لكل الكلمات التي يتحدثون بهم وينصت لخطتهم حول الإمساك بجميع الاوغاد الذين يعلمهم ..
لكن فجأة سمع صوت رنين هاتفه الذي جعله يجيب وقد أخذ الهاتف حجة جيدة ينسلخ بها عن ذلك الحوار لأخذ أنفاسه بعيدًا عن الجميع .
" هرد على التليفون "
تحرك سعيد بعيدًا عنهم جميعًا ليجيب على الهاتف تاركًا خلفه ميمو تضع وجهها بين يديها تحاول أن تتنفس فقط لتمرر تلك اللحظات ..
لتشعر أنها غير قادرة على التنفس؛ لذا تحركت خارج الغرفة بأكملها صوب شرفتها الحبيبة التي كانت تقف بها كلما جاءت لصلاح .
وقفت تستنشق بعض الهواء، في حين أن رائد استغل الأمر للذهاب إلى تسبيح في شقتها يطمأن عليها وأنها اخذت الأدوية الخاصة بها .
فجأة وأثناء وقوفها سمعت صوت صلاح يقول بهدوء أثناء استناده بكتفه على باب الشرفة يراقبها بهدوء :
" تحبي اعملك نسكافيه ؟!"
ابتسم له ميمو ترفض عرضه بلطف :
" لا شكرًا مليش نفس دلوقتي "
تحرك صلاح صوبها يقول بجدية وهو يرى ملامح الهم تعلو وجهها :
" متقلقيش كل شيء هيعدي وهيكون بخير، وأنا معاكِ "
ابتسمت له ميمو بسمة واسعة :
" وده اللي مطمني يا صلاح "
راقبها صلاح ببسمة وملامح حنونة قبل أن يعرض مجددًا عليها رغبة في إخراجها من تلك الحالة:
" متأكدة مش عايزة تشربي نسكافيه ؟! أنا اتعلمت اعمله بطرق كتير مختلفة عشانك، قضيت يوم كامل قدام التليفون ببحث عن عشر طرق لصناعة النسكافيه بشكل يعجب مقَدس "
أطلقت ميمو ضحكات خافتة وهي تقول بشرود :
" فكرتني بأول مرة عملت فيها نسكافيه، كان وقتها كارثة، لكن آخر مرة عملته كان رائع "
قالت الكلمة الأخيرة بنبرة غريبة جعلت صلاح يتعجب تحدثها بهذا الشكل عن كوب مشروب دافئ، لكن ميمو لم تكن تعني كل ما فهمه، بل شردت وهي تقول بنبرة مخيفة :
" آخر مرة عملت نسكافيه كانت لجاد، وكانت آخر حاجة يشربها"
صمتت، ثم نظرت له ببسمة خبيثة تقول :
" تحب تعرف عملت النسكافيه ازاي ؟؟؟؟؟؟"
___________________
مرحبًا بكم في " مرحلة الوحش ..."
دمتم سالمين
رحمة نبيل ...
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رحمة نبيل
#السابع_والعشرون
لا أحترم إلّاكَ.❌
لا أحترم إلّا إياك.✅
قال ابن مالك:
"ولا يلي (إلّا) اختيارًا أبدا."
يقصد الضمير المتّصل، ويجوز لدى الضرورة الشعرية فقط.
#أخطاء_شائعة
صلوا على نبي الرحمة ...
______________________
استدارت الرؤوس صوب باب الغرفة في تعجب شديد وقد شعر صالح في تلك اللحظة برغبة ملحة للتخلص من عبدالجواد ومحمد وجبريل وعبد....لا عبدالله جيد، وقد تمت تربيته بشكل غير مفهوم حتى الآن له، لكنه حقًا سأم سكان هذا المنزل، وبالطبع إن اقترح عليهم رغبته في الخروج مع شقيقتهم لأي مكان لن يجد سوى رأسه تتدحرج أمامه، حتى وإن أخبر أحدهم بمرافقتهم .
كان عبدالجواد يقف ببرود أمام صالح يضع يديه في جيب بنطاله، ليس وكأن صالح هو من جاءه يطالبه بخدمة وهو يقف بكل كبرياء يستمع له ليرى إن كان سيقبل أم لا .
" ها قولت ايه ؟؟"
زفر صالح بصوت مرتفع، يحدج رانيا بنظرات حانقة وكأنه يخبرها ( كي لا تغضبي إن انتهى بي الحال سجينًا بسبب قتلهم )
" نعم هقول ايه يعني ؟؟ ربنا يخلصني منكم على خير، عايز ايه مني ؟؟"
وتجاهل عبدالجواد كل جملته وانتبه للاخيرة والتي تخصه في كل ذلك :
" مش حاجة كبيرة يعني، اتصال صغير بالنسخة المستفزة الثقيلة بتاعتك وخليه يعملي مصلحة "
ارتسمت بسمة جانبية مغتاظة على فمه :
" اولا اخويا في العادة مش ثقيل ولا مستفز، ولو كان معاك كده، فده معناه انك على القايمة السودة بتاعته، ولو أنت كده فعلا، فأنسى أنه يعمل ليك أي مصلحة ولو عبرت بلاد وبحار"
نعم هذا ما توقعه، اعتراضات و محاولات للتملص من مساعدته، حسنًا هو جهّز لكل ذلك بالفعل :
" تمام، أنا ممكن انفذلك أي طلب تحبه مقابل تعملي اللي أنا عايزه "
اتسعت عين صالح بقوة وقد شعر فجأة أنه نال لتوه جائزته الكبرى، الله سمع دعاءه منذ ثواني وأرسل له عبدالجواد لتحقيق أمنيته، وهو سيستغل كل ذلك اسوء استغلال .
ابتسم يقول بجدية :
" امممم ممكن افكر، اصل صلاح حبيبي مش بيرفض ليا طلب، بس يا ترى أنت ممكن تنفذ اللي أنا عايزه ؟؟"
" عارف أنك عايز حاجة هتخلي محمد يخلص عليا قبلك، لكن مش مشكلة اتنيل قول خليني اشوف هعرف ولا لا "
ابتسم صالح بسمة واسعة يضع قدم أعلى الأخرى وقد أصبح في موضع قوة، وكل ذلك لأجل صلاح الذي لأول مرة يستشعر لذة شهرته ويتربح من خلف اسمه اللامع :
" عايز أخد رانيا وأخرج بعيد عن البيت ده "
اتسعت عين رانيا بصدمة تهمس بصوت منخفض وصل لصالح :
" مش اوي كده يا صالح، متسوقش فيها، أنت بتقول ايه ؟!"
ابتسم صالح بسمة جانبية يرى ملامح عبدالجواد التي احتدت فجأة وقال :
" سيبنا نحلم شوية، بعدين اخوكِ في وضع لا يسمح ليه أنه يناقش، اكيد بيعمل ده كله عشان البنت اللي كانت معاكِ ساعة المؤتمر "
صمت ثم ابتسم بسمة خبيثة يقول :
" وأنتِ متعرفيش حال الرجالة المساكين، لما يتزنقوا بسبب واحدة في طلب، بيكون عندهم استعداد يعملوا المستحيل عشانها، اكيد مش هتيجي على طلبي الصغير ده ويعطل "
ورانيا لم تقتنع بما قال وهي ترى ملامح عبدالجواد قد بدأت تحتد وتشتد حتى شعرت به سينفجر، لكن فجأة بصق عبدالجواد كلمته بغيظ شديد :
" موافق "
اتسعت عينه رانيا بصدمة كبيرة، بينما صالح ابتسم بسمة واسعة بدأت تتلاشى حينما سمع تكملة جملة عبدالجواد :
" لكن أنا هكون موجود معاكم "
هز صالح رأسه بعدم اهتمام، هو في الأساس لم يكن سيرافقها وحدها، واحد افضل من أربعة بالطبع، سيأخذها ويتحدث معها بعيدًا عن ذلك المنزل الذي يشعره كما لو كان في زيارة لأحد المساجين تحت أعين حراس السجن .
" تمام، قولي بقى عايز ايه من صلاح عشان نشوف الموضوع "
صمت عبدالجواد هو حقيقة لا يدرك ما يريد بالتحديد، هل يجعله يرسل له مقطعًا مصورًا خصيصًا لمروة، أم ماذا ؟؟
وأثناء تفكيره انتبه لصالح فمال برأسه جانبًا يفكر أن صالح طلب ما هو مستحيلًا له، إذن هو لن يتهاون في طلب ما يريد مقابل تضحيته العظيمة تلك :
" عايز اخوك يجي بنفسه هنا يوقع لمروة على كل الكتب بتاعتها ويجاوب على كل اللي هي حابة تسأله عنه "
رفع صالح حاجبه ساخرًا من حديثه ليجيبه متشنجًا :
" مش عايزني ألفه في علبة هدايا وأحط على رقبته فيونكه؟؟!"
" لا يا حبيبي كفاية تجيبه هنا يعمل اللي قولت عليه، يا كده، يا أنسى حوار تخرج مع رانيا "
نظر صالح لرانيا حانقًا :
" والله انا كنت خطفتك واتجوزتك غصب واستحملت كرهك وزعيقك اهون من كل ده، ايه الذل ده ؟!"
ضحكت رانيا بصوت مرتفع، تشفق عليه في بعض الاحيان، والبعض الآخر تشعر أنه بالفعل يستحق له ما يحدث :
" معلش يا صالح ساعده الله يكرمك، حتى لو مش هتخرج معايا ساعده واكسب ثواب الولد بائس "
أطلق صالح صوتًا حانقًا، وقد علىٰ الاستنكار ملامحه :
" حتى لو مش ايه ياختي ؟؟ هو اخواتك دول يتعمل معاهم حاجة لله ابدا ؟؟ ده عايزني اجيبله صلاح اسكندرية، هو فاضي ليا ولا ليهم، الولد يا حبة عيني ام سعيد مشرباه المر في كاسات "
صمت يتنفس بصوت مرتفع، ثم نظر صوب عبدالجواد الذي كان يراقبه بملامح عابثة وخبث واضح يضم ذراعيه نحو صدره، وقد قرر صالح أن يحاول محاولة، هو لن يخسر شيئًا ..
أخرج هاتفه يتحرك من مقعده صوب النافذة واضعًا الهاتف أعلى أذنه ينتظر ردًا من أخيه، وهو يدعو الله أن يقبل، هو لن يضغط عليه ليحضر فهو يدرك أن مصائب ( أم سعيد القادرة) تستهلك كامل طاقته.
سيحاول فقط؛ كي لا يظن عبدالجواد أنه لا يريد المساعدة، حسنًا هو بالفعل لا يريد، لكنه فقط يفعل ذلك لأجل رانيا التي ترجته، هي تستحق كل شيء وليس فقط مجرد محاولة صغيرة لإقناع شقيقه بشيء .
_______________________
وقبل ذلك بساعة تقريبًا عند صلاح .
كان يراقب ملامح ميمو التي استحالت للسواد وقد بدأت نظراتها تصبح أكثر شراسة تنظر له تنتظر رده فيما عرضت عليه، وهو رمقها يدرك أن سؤالها ليس بالبرئ، حسنًا لا شيء يتعلق بميمو قد يصنفه بريئًا عدا اسمها وملامحها ...
اقترب منها خطوات يجاري خبثها بخبث آخر:
" عملتيه ازاي يا ترى ؟؟ "
اتسعت بسمة ميمو أكثر تميل عليه قليلًا تهمس بصوت لا يصل سوى لغيره وبنبرة خطيرة قالت :
" غليت مايه وصبيتها على كوباية فيها نسكافيه وسكر"
صمتت ثم أكملت بنبرة أكثر خطورة :
" ومن غير لبن حتى "
ارتفع حاجب صلاح يرمقها باستنكار شديد وهي أطلقت ضحكات مرتفعة على ملامحه التي زينتها خيبة الأمل، حركت رأسها تقول :
" ايه عندك طريقة احسن ؟؟"
نفخ صلاح بسخرية يتحرك صوب سور الشرفة يستند عليه وهو ينظر للخارج يقول بصوت ماكر :
" فكرتك ضفتي عليها حاجة تحسن من طعمها "
" لا لا يا لذوذ أنت اذكى من كده، فكرك أنا شخص سييء لدرجة أحط حاجة زي دي لراجل في عمر جدو ؟؟"
صمتت، ثم حركت كتفيها للأعلى تقول ببساطة شديدة :
" أيوة أنا ممكن اعمل كده، بس جاد يستحق حاجة احسن من كده، مينفعش يموت بالبساطة دي "
نظرت له، ثم مالت مجددًا تهمس بصوت منخفض :
" بس ده ميمنعش إني ضفت حاجة صغيرة كده، لمستي السحرية اللي خلت جاد يحلق في السماء، يحلق بجد مش تعبير مجازي "
شعر صلاح بقلبه يتحفز وملامحه تترقب لما ستقول وميمو، ارتسم الشر أعلى وجهها تقول وبسمتها لم تزل عن وجهها :
" الاسوء من الموت يا لذوذ، هو انتظار الموت"
ابتعدت عنه ترى ملامحه قد امتلئت بالفضول حتى أنه كاد يقتحم عقلها ليعلم ما تفكر به، وهي ابتسمت ولم تطل عليه تقول :
" تحب تعرف رأي جاد في النسكافيه كان ايه ؟؟"
نظر لها بترقب لتقول هي مبتسمة :
" ملحقش يقول للاسف "
ومن بعد تلك الكلمات شردت ميمو فيما حدث ذلك اليوم، وهي تتحدث لصلاح بكل ما تتذكره، يوم لن تنساه مهما مر عليها، يوم تخلصت من جاد وكل شروره، يوم انتقمت لعائلتها وزينب ولنفسها وسعيد ونيرمينا وكل من خسر حياته ورحل، أو من خسر حياته ولم يرحل بعد ..
كانت ميمو ترتدي فستانًا اسودًا، تحمل صينية عليها كوب من ذلك المشروب الذي يفضله جاد بالإضافة لكوب ماء، وضعت المشروب أعلى الطاولة التي يجلس جوارها جاد، ثم تحركت خلف المقعد الخاص به تميل عليه وهي تهمس بنبرة مثيرة :
" عملتلك النسكافيه زي ما بتحبه يا جاد، وبايدي "
ابتسم جاد يستدير لها بنصف جسده العلوي، ويقبلها أعلى وجنتها قبلة صغيرة، ثم رفع كفها عن كتفه يقبله بحب :
" تسلم ايدك يا ميمو، احسن حد يعملي نسكافيه يظبط دماغي "
سحبت ميمو كفها ببطء شديد من بين يديه، ثم تحركت حركات مغوية مقصودة صوب المقعد الذي يقابل جاد تجلس عليه بكل هدوء وكبرياء واضعة قدم فوق الأخرى تراقبه يرتشف من كوب المشروب الخاص به بتلذذ شديد .
ابتسمت له بسمة لطيفة كعادتها، تطرح سؤالها المعتاد، لكن تلك المرة كانت مختلفة عن كل مرة :
" إيه رأيك في النسكافيه يا جاد ؟؟ عجبك ؟؟"
نظر لها جاد ثواني، ثم ارتشف رشفة إضافية، وبعدها حاول أن يستكشف ما يرتشف :
" هو حلو يا ميمو كالعادة بس ...مش عارفة حاسس فيه حاجة غريبة، مش فاهم ايه الطعم ده ؟!"
هزت ميمو رأسها ترتاح في مقعدها وقد آن لها أن تتسيد هي الموقف، خمس سنوات مرت بهم كالجحيم، خمس سنوات استنزفوا شبابها وحياتها بالكامل، صبرت كي تصل لتلك اللحظة دون خطأ واحد، تقربت من جاد وتشربت منه نفوذًا وسلطة، اخذت من أمواله ما استخدمته لتدميره، هو أخبرها ذات يوم أن الأموال تفتح الأبواب المغلقة، وهي كتلميذة نجيبة سارت خلف نصيحته، وجمعت كل ما وجدت من أموال..
وقد كان محقًا فتلك الاموال هي التي جعلتها تشتري رجال سعيد وتجعله يخسر الصفقة التي فقد بها أموال والده، وهي نفسها التي جعلتها تتخلص منه وتسجنه ومرات وتخرجه مجددًا، وهي أيضًا ما جعلت جميع رجال جاد يصبحون رجالها هي، السلطة أمر ممتع للغاية وهي استطاعت أن تتمتع بكافة امتيازات تلك السلطة التي منحها لها جاد بكل غباء .
يالروعة الأموال حينما تستخدم بالشكل الصحيح، أو ربما بالشكل الخاطئ ...
" اممم أصل أنا غيرت النوع يا جاد، قولت هيعجبك، بس خلاص طالما معجبكش يبقى آخر مرة هتشربه "
اومأ لها جاد يضع الكوب بعدما انتهى منه، ثم ارتشف بعض المياه يقول بجدية مزيحًا الاوراق جانبًا يتحرك صوبها بخبث :
" يا حياتي طالما من ايدك اشربه حتى لو سـم."
أطلقت ميمو ضحكات مرتفعة :
" لا لا يا جاد بعد الشر عليك يا حبيبي، سم ايه بس، أنت قد السم "
ابتسم لها بسمة خبيثة وهو يدنو منها :
" ابقى قده عشان خاطرك يـ ..."
وفجأة توقف عن الحديث وتوقف عن السير يشعر بشيء غريب يحدث له، نظر لميمو التي كانت ما تزال على جلستها، ظهرها مستقيم، واضعة قدم فوق الآخر، تلك الجلسة التي تدربت عليها مئات المرات لتجلسها حين مشاهدتها إياه يغادر الحياة، الأمر يستحق ..
" ايه ...ايه اللي .."
صمت، ثم سقط ارضًا يتأوه بقوة شديد وقد شعر فجأة بوجود العديد من السكاكين تقطع بامعائه، نظر لها يتأوه بقوة :
" هو فيه ايه ؟؟ أنا...ااااه، بطني، بطني بتتقطع "
ابتسمت ميمو ولم تُحرك ساكنًا تراقبه باستمتاع شديد :
" النسكافيه الجديد شكله كان تقيل على معدتك شوية يا جاد"
رفع جاد عيونه لها يصرخ بتوجع وصوته قد هز جدران المنزل :
" نسكافيه ايه ؟؟ أنا ... أنا بموت مش قادر "
تأتأت ميمو باستنكار :
" ليه بتقول كده يا جاد، كل ده يعني عشان كوباية نسكافيه ؟؟ ما أنت على طول بـ "
صمتت فجأة تطلق شهقة مرتفعة تلعب على أوتار خوف جاد، ذلك العجوز أكثر رجال العالم رعبًا وحرصًا على صحته، كان مهووسًا بها طوال الوقت وهي ستلعب على تلك النقطة جيدًا :
" يكونش ده من الـ "
صمتت، بينما جاد بدأ يتلوى ارضًا ويصرخ بقوة وقد بدأ صوته يرن صداه في المنزل، واخيرًا استقبلت جدران المنزل صرخات غير صرخاتها هي أو زينب أو سعيد، صرخات جديدة لأول مرة تعلو متأوه .
سقطت دموع جاد وهو يعض شفتيه بقوة حتى كادت تنقطع بين اسنانه، يتكوم كالجنين يصرخ بها :
" أنتِ... أنتِ حطيتي ايه ؟؟ عملتي ايه ؟؟"
كانت ميمو تراقبه من علياها، تستمتع بتألمه، تراه يرتشف من نفس كأسه الذي كان يجبرها على تجرعه يوميًا .
" يعني حبيت ابتكر شوية وحطيت شوية سم صغيرين "
اتسعت عين جاد وقد بدأت معدته تتلوى وجعًا ويصرخ بقوة وجنون يشعر بروحه تخرج من جسده، كان يزحف نحوها صارخًا، وهي فقط رسمت ملامح بائسة أعلى وجهها تدعي حزنًا وهميًا :
" كده يا جاد؟! مش أنت اللي دايمًا تقولي حتى لو سم اشربه من ايدك يا ميمو ؟! ولا أنت كنت بتقول كلام وبس؟؟ بتضحك عليا ؟؟"
ازداد احمرار وجه جاد وهو يضغط على أسنانه حتى كادت عيناه تخرجان من محاجرهما، يطلق سبابًا عالية ولعنات تجاهلتها ميمو :
" متخافش، أنا مكترتش، هما نقطة او اتنين، أو ...تصدق مش فاكرة حطيت قد ايه ؟؟ لحظة هشوف "
وسريعًا تحركت من أمامه خارج الغرفة تهبط الدرج صوب المطبخ تنتزع حقيبه من أحد الإدراج تستلذ بهدوء المنزل إلا من صرخات جاد، توقيت ممتاز، سعيد في سفره ونيرمينا ترافقه، وجاد العزيز أخلى المنزل كي يقضي معها ليلة لا تنسى، وهي لم ترد أن تخيب آماله وجعلت ليلته لا تنسى بالفعل .
دخلت ميمو الغرفة لترى جاد يحاول التقيأ بقوة وقد بدأ جسده يشحب ويرتجف، وهي أخرجت زجاجة صغيرة من الحقيبة تقول بجدية :
" تعالى نشوف حطيت كام نقطة "
حركت الزجاجة لتتعجب خفتها، فتحت الغطاء تنظر داخلها، ثم قلبتها لترى أنها فارغة تمامًا، رسمت ملامح الاسف والصدمة بمهارة على وجهها :
" اوبس، الظاهر كده محستش بنفسي وأنا بعمل النسكافيه، بس متخافش يا جاد ياقلبي أنا خليت اللي عمل السم ده يعملك مصل عشان تبقى كويس بص اهو معايا "
أنهت حديثها تخرج زجاجة صغيرة بها سائل احمر اللون تحركها في الهواء وعين جاد ثبتت عليها يرفع يديه بصعوبة ليمسك منها الزجاجة، يراقب ترياق الحياة يلوح أمامه، فرصته للعيش في زجاجة بين أنامل من سلبها كل فرص العيش .
ابتسمت ميمو ترى عينه تكاد تخرج :
" عايزها ؟؟"
نظر لها جاد برجاء يحاول أن يتوسلها :
" ميمو أنا .. أنا آسف اديني الازازة، وأنا اوعدك هسيبك حرة، هعملك اللي عايزاه، مش هبلغ البوليس ولا هعمل حاجة، بس اديني الازازة "
بكى بقوة يضرب الأرض بجنون :
" اديني الازازة "
تحركت ميمو صوبه في نية منه لإعطاءه ما يريد وقد اكتفت من تلك اللعبة، لكن فجأة تركت الزجاجة تسقط ارضًا بقوة، ثم دهستها بحذائها، تراقب صدمتها حينما رأى فرصة الحياة تُسلب منه..
تذيقه نفس ما اذاقه لها، تلتهم النظرات المصعوقة بنهم شديد ..
" سوري يا جاد ضاعت مني، بس متقلقش أنا معايا واحدة تانية "
وبالفعل أخرجت الثانية ليختض جسد جاد بقوة ويزحف نحوها بسرعة كبيرة يصرخ ويبكي :
" اديني يا ميمو، اديني الازازة دي "
لكن ميمو وللمرة الثانية تترك الزجاجة لتتحططم أسفل اقدامها، وتراقب نظرات اليأس التي اصابته، نفس نظراتها قبل سنوات حينما أدركت أنه سلبها كل ما قد تستند عليه يومًا، تذيقه نفس الكأس وترى ملامح الذعر التي ارتسمت على وجهه، تمامًا كما حدث معها قديمًا .
" يا خبر دي اتكسرت هي التانية "
سقطت رأس جاد ارضًا وهو يبكي بصوت مرتفع صارخًا ولاعنًا :
" يا زبالة يا حيوانة، نضفتك ولميتك من الحواري، أنتِ اخرك الزبالة، يا ريتني كنت سيبتك لكل اللي طلبك، كنت كسرتك زي ما كسرت زينب يا حيوانة، بعد كل اللي عملته عشانك تعملي فيا كده "
ابتسمت ميمو بسمة مرعبة تقول بصوت حاقد كاره :
" قليلة الأصل بقى هنقول ايه، طالعة ليك يا جاد "
انحنت تجلس القرفصاء تراقب ملامح اليأس قد استولت عليه وقد بدأ تأوه يزيد، نظرت لساعة يدها تقول :
" ايه مالك يا جاد تعبت ولا ايه ؟؟"
بكى جاد بقوة ألمًا وخوفًا يترجاها ويتوسلها :
" ارجوكِ يا ميمو، ابوس رجلك ارحميني، هموت مش قادر، هموت "
قالت ميمو بتعجب شديد :
" ايه يا جاد ده أنت مكملتش عشر دقايق يا اخي "
مالت أكثر تهمس بنبرة مرعبة :
" تخيل اللي مقدرتش تعيشه عشر دقايق أنا عشته خمس سنين، شعور وحش ها ؟؟ "
نظر لها جاد وقد بدأ يفقد أنفاسه من البكاء والخوف، ارتفع الادرينالين في جسده بقوة وضرباته زادت وكذلك الانقباضات وهي تراقب كل ذلك تهمس بهدوء ترى الحياة تنسحب منه ببطء بسبب زيادة الخوف :
" تفتكر باقي كام ثانية وتودع يا جاد ؟؟"
لكن جاد في تلك اللحظة كان لا يرى سوى السواد، سواد يقترب منه، وقد تباطئت دقات قلبه بقوة شديد جعلته يفقد الوعي فجأة لتقف ميمو تراقبه من علياها وقالت بتعجب شديد :
" يااه هي الاعشاب تعمل ده كله ؟! العطار قالي آخرها مغص ووجع كبير مش اكتر "
ابتسمت ترى فقدانه الوعي جراء نوبة رعب أدت لارتفاع الادرينالين وزيادة ضربات القلب وانقباضاته، ومن ثم تباطؤ ضربات القلب بشكل حاد وهبوط في الدورة الدموية واخيرًا فقدان وعي و....
حسنًا هذه معلومات بحثت عنها، استطاعت أن تلعب على عنصر الخوف الذي يشغل حياة شخص مهووس بصحته كجاد .
انتهت ميمو مما تقول لترى ملامح الصدمة قد علت وجه صلاح، تلك الفتاة مرعبة، مرعبة بشكل اخافه هو شخصيًا، ابتسمت ميمو وهي تقول :
" وبس يا سيدي أنا كأي زوجة مطيعة اتصلت بالاسعاف اللي جه اخدوه، واعلنوا الوفاة بسبب توقف مفاجئ في ضربات القلب وهبوط حاد في الدورة الدموية "
صمتت ثم قالت :
" وده حصل طبعًا بسبب الاعشاب اللي كان جاد بيشربها على الفاضي والمليان عشان صحته طبعًا ورجالته شهدوا أنه كان بيبعتهم يشتروا ليه الاعشاب مخصوص، بس هو زود فيها والطب الشرعي اثبت كده، أنا مليش دعوة "
صمتت ثم قالت تدعي المسكنة :
" أنا ست مكسورة الجناح، اترملت في عز شبابها "
أنهت حديثها بغمزة جعلت صلاح يتراجع بعيدًا عنها، وهي أطلقت ضحكات عالية تقول كمركة كتفيها بهدوء :
" الموضوع في غاية البساطة، عايز بس صبر وهدوء وتخطيط، خوف جاد ساعدني، أنا مقتلتوش، خوفه اللي قتله، أنا بس كنت بهدده، والاعشاب دي كانت اعشاب بتعمل مغص ووجع في البطن مش بتموت اساسا، بس نقول ايه مكتوبة ليه "
تنفس صلاح بقوة يقول :
" أنتِ واحدة ...قادرة اوي "
ابتسمت له تقول بهدوء وهي تميل برأسها في براءة :
" والله كنت طيبة زمان "
وقبل أن يسخر منها صلاح استمع الاثنان لصوت سعيد المرتفع وهو يصرخ في الهاتف :
" امتى حصل وازاي ؟؟ "
خرجت ميمو بسرعة كبيرة له والرعب قد ملء خلجاتها، ليس وكأنها هي نفسها المرأة التي كانت تصف كفاحها منذ ثواني .
" حصل ايه يا سعيد ؟؟"
تحدث سعيد في الهاتف منهيًا الحوار :
" طب اقفل دلوقتي "
نظر صوب ميمو يتنهد بصوت مسموع :
" القصر ولع، غانم بدأ بدري ..."
_______________________
كان يقف أمام الفراش الخاص بها يراقبها تغوص في نوم عميق، مشهد أعاد له ليلة عقد قرآنه، تلك الفتاة تستغل أي فرصة يكون جوارها لتسقط في نوم هاربة منه، لكن تلك المرة لن يسمح لها.
عاد رائد للخلف وفي نيته أن يقفز على الفراش ويوقظها بصوت مرتفع، لكن فجأة وقبل أن يأخذ خطوته الأولى توقف ينظر لها بتردد، أشفق أن تستيقظ مفزوعة أو يخيفها .
ابتلع ريقه يقترب منها بخطوات بطيئة، ثم جلس على الفراش جوارها يراقب ملامحها الحبيبة، وفجأة ابتسم بسمة واسعة وقد أدرك كيف يجبرها على الاستيقاظ.
مال رائد بسرعة كبيرة يقتنص من وجنتها قبلة، ثم ابتعد عنها يراقب ملامحها التي لم تتغير، كما لو أن ذبابة فقط عبرت من جوارها .
ابتسم بسخرية :
" كده هننتقل للمرحلة التالية "
اقترب أكثر منها يهمس بصوت منخفض :
" تسبيح أنتِ صاحية ؟!"
ولم يجد منها ردًا ليتمادى أكثر مستمتعًا بكل لحظة جوارها :
" على فكرة لو مصحتيش أنا هعمل اللي نفسي فيه من زمان "
استدارت فجأة تسبيح صوبه ليصبح وجهها أمامه، كتم هو ضحكة صاخبة كادت تفلت من فمه، يقول بصوت خافت :
" اعتبر دي موافقة ؟؟"
وتسبيح لم يصدر منها حركة إضافية على الحركة السابقة، ليميل رائد صوبها يهمس بصوت منخفض :
" أنا بلغتك عشان متقوليش اني بستغلك "
وفجأة مال بقوة صوبها، لكن تسبيح كان اللاوعي عندها متيقظ بشكل كبير، لتشعر بأن هناك ظل يقترب منها، فتحت عيونها بقوة لتبصر وجه رائد على بُعد صغير منها :
" أنت بتعمل ايه ؟؟"
كان صوتها ناعسًا غير مدركة لما يحدث، ورائد أجاب ببساطة :
" كنت بستغل نوم "
عادت تسبيح للخلف ببطء شديد تحاول أن تدرك ما يحدث، وفجأة انتفضت عن الفراش بقوة أدت لانخفاض المفرش عنها واظهار الثياب المنزلية التي ترتديها.
تحركت عين رائد عليها وقد بدأت تتسع بشكل أثار انتباه تسبيح، هبطت بعيونها على جسدها لتشهق بصوت مرتفع جعل رائد يقول سريعًا :
" أنا جوزك والله "
لكن تسبيح لم تدع له الفرصة ليستفيض في التحدث معها وهي بهذه الهيئة، ركضت بسرعة خارج الغرفة تبحث عن المرحاض دون أن تميز، ورائد متعجب أنها فعلت كل ذلك لأنه رآها بعباءة منزلية دون أكمام، بل هو بالأحرى متعجب لأنه هو من تصنم أمامها وهي بهذه الهيئة .
مسح وجهه بحنق شديد وهو يلقي بجسده على الفراش يقول معترضًا على كل ذلك :
" طب على فكرة بقى العباية حلوة وأنتِ زي القمر فيها و لو مكنتيش صحيتي أنا كنت هـ.."
توقف عن الحديث حينما سمع صوت رنين الهاتف الخاص بتسبيح، نظر له يعلو الطاولة ليناديها بصوت مرتفع :
" تسبيح تليفونك "
لكن لم تجب عليه بشيء، ربما لبُعد المرحاض عنه، امسك هو الهاتف مدركًا أن من يتصل لن يكون سوى والده أو والدته، فمن غيرهم سيتحدث لها إن كان هو معها، وقد صدق حدسه ليرى اسم والدته ينير شاشة الهاتف .
نظر للباب وهو يتحرك له ينادي بصوت مرتفع :
" تسبيح امي بترن عليكِ "
كانت تسبيح تقف داخل المرحاض تشعر بمدى غبائها، هي ركضت لهنا، والآن ماذا ؟؟ هي حتى لم تأخذ ثياب ساترة معها .
ابتلعت ريقها تحاول أن تتحدث :
" رد يا رائد عليها معلش "
هز رائد رأسه واجاب بهدوء بعد أخذ أذنها، لا يحب أن يكون متطفلًا عليها حتى لو كان المتصل والدته .
اندمج هو في الحديث مع والدته، وتسبيح استغلت ذلك لتتحرك داخل الغرفة تراه يعطيها ظهره ويتحدث لها .
اقتربت من الخزانة تكتم صوت تنفسها بصعوبة، تفتح باب الخزانة، ثم التقطت منه قطع الثياب التي تجتاجها، لكن فجأة استدار لها رائد يقول ساخرًا :
" لا ازاي بقى يا امي، هو فيه زي تسبيح ودلع تسبيح ؟! ده أنا من كتر الدلع قربت ابوظ ومحدش يعرف يلمني تاني "
توقفت تسبيح متسعة العينين ترفع الثياب أمام جسدها وهو يرفع لها حاجبه ساخرًا مما تفعل :
" تمام أنا أول ما تخرج من الحمام هخليها تكلمك "
اغلق الهاتف ينظر لها بحنق :
" مكانتش عباية يا تسبيح أمال لو فستان قصير ولا حاجة مش تمام ؟!"
وكم ود لو يوجه هذا السؤال لنفسه، ماذا إن كان الأمر كما يقول هو ؟؟
فجأة شعر باهتزاز الهاتف بين كفه ليمده صوب تسبيح يقول بحنق :
" خدي يا ختي ردي على امي، والله حاسس أنها خايفة عليكِ مني ولا كأني ها...."
توقف عن الحديث حينما وجد أن المتصل ليس والدته، بل رقم غريب وقد ظهرت هويته على تطبيق الاتصال باسم رجل جعله يرفع حاجبه متعجبًا، يرفع الهاتف في وجه تسبيح يتساءل بهدوء :
" تعرفي الرقم ده يا تسبيح ؟؟"
نظرت تسبيح للرقم بعدم فهم :
" لا أنا معطتش رقمي لحد، كل اللي اعرفهم مسجلة رقمهم "
نظر لها بهدوء قبل أن يفتح الاتصال ويضع الهاتف أعلى أذنه دون التحدث بكلمة، حتى إذا كانت فتاة لا يفزعها، لكن خابت آماله وسمع صوتًا ذكوريًا يتحدث بنبرة رخيمة :
" الو...تسبيح معايا ؟؟"
رفع رائد عيونه لتسبيح التي نست هيئتها وتابعت ما يحدث بفضول شديد، وهو تابع الانصات لذلك الصوت الذي أكمل :
" الو يا تسبيح، أنتِ معايا ؟؟ معلش اتصلت بيكِ بس مقدرتش امسك نفسي من وقت ما عطتيني رقمك امبارح"
ابتسم رائد بسمة صغيرة وهو يرى نظرات تسبيح له بأعين فضولية، ليداعب خصلات شعرها يشير لها بالتحرك يكتم صوته عن المتصل :
" روحي البسي يا توتا عشان هنخرج "
نظرت تسبيح له ثم للهاتف، لكنه ابتسم يشير لها بالتحرك :
" يلا عشان منتأخرش "
تحركت تسبيح بعيدًا عنه بريبة وهو اغلق المكالمة بهدوء، ثم فتح الهاتف والذي كانت تترك تسبيح دون كلمة مرور أو شيء قد يحميه من أي تطفل .
تحرك إصبعه يبحث عن ذلك الرقم وأرسله لنفسه، قبل أن ينتبه أن تطبيق الرسائل WhatsApp به رسالة من نفس الرقم .
فتح الرسالة لتتسع بسمة مريبة أعلى شفتيه، بلل شفتيه يأخذ لقطة شاشة للرسالة، ثم خرج من التطبيق بأكمله بعد حذف كامل المحادثة وحظر ذلك الرقم واغلق الهاتف ....
_____________________
اغلق الهاتف بعد حديثه القصير مع صلاح ليجد أنه مشغول بشكل يمنعه حتى من الرد عليه، زفر بحنق، ثم استدار صوب عبدالجواد الذي كان ينتظر منه أي رد حتى يطمئن منه أنه سيعيد المياه لمجاريها بينه وبين مروة .
لكن ملامح صالح أخبرته عكس ذلك، وهو بنفسه قال :
" صلاح مشغول وعنده مشاكل كتير ومش هيقدر يكون موجود، فلو تحب ممكن تستنى أما يفوق وأقنعه يجي، أو يوم الخطوبة حتى "
رفع عبدالجواد حاجبه وقال بجدية محركًا كتفه لأعلى وأسفل :
" تمام يبقى خروجتك كمان لما أخوك يفوق ويجي أو يوم الخطوبة حتى "
ختم عبدالجواد حديثه يتحرك صوب الخارج تاركًا صالح يرمق أثره بحنق شديد، يتحرك صوب رانيا التي نظرت له باعتذار :
" معلش يا صالح عارفة أنك قربت خلاص تجيب اخرك منهم بس ..."
قاطعها صالح بحنق شديد :
" قربت ؟؟ يا رانيا ده انا جبت اخري وخلص ورحت جبت آخر تاني، أنا خلاص هطق من اخوتك دول، ايه مفيش حد عنده اخت بنت غيرهم ؟؟ يا ستار يارب "
زفر لتبتسم هي عليه، وقد انتبه هو على بسمتها تلك ليقول حانقًا :
" شوفت على فكرة، أنتِ مبسوطة صح ؟؟ حاسك مبسوطة فيا "
تركت رانيا لضحكاتها العنان كي يرن صداها في أرجاء الغرفة مثيرة بذلك كامل استفزاز صالح الذي زفر اكثر وأكثر..
" معلش والله يا صالح، بس حواراتك مع اخواتي مضحكة"
" والله أنتِ وأخواتك عايزين يتولع فيكم بجاز، ده ربنا يعينه عم رؤوف عليكم، الراجل يا عيني من كتر ما هو يأس منكم بقى يواجه الحياة بالجرنال بتاعه، أي مشكلة بيديها جرنال، وهو هو نفس الجرنال مش بيتغير "
ازدادت ضحكات رانيا أكثر وأكثر وقد أحسن صالح وصف والدها، حاولت التوقف عن الضحك، لكن لم تستطع.
وفي الحقيقة صالح كان شاكرًا لذلك، فما أحب لقلبه من رؤية كل تلك الضحكات الربيعية التي تبدد شتاء قلبه ؟
سيطرت رانيا على ضحكاتها بصعوبة كبيرة :
" هو بابا طول عمره كده، من زمان وهو دايمًا بيعمل نفسه مش عايش معانا، هي ماما يا حبيبتي اللي كانت شايلة الهم دايما بسببنا وبسبب خناقات اخواتي "
كانت تتحدث بحنين شديد، جذب صالح لتلك المنطقة التي لم يطأها يومًا عند رانيا :
" فين والدتك، ممكن اشوفها ؟؟"
ابتسمت رانيا تشير على صورة كبيرة تتوسط الجدار أعلى رؤوسهم :
" في الصورة اللي وراك على طول "
نظر صالح للخلف بتعجب أنه لم ينتبه يومًا لها، حسنًا هو لم يكن ينتبه لشيء في هذا المنزل سوى لاعين رانيا، وملامح إخوتها النارية ...
ابتسم يرى أن والدتها كانت جميلة ورقيقة بشكل يتنافى مع هيئة ابنائها الاربعة :
" مامتك باين عليها هادية ولطيفة اوي "
ابتسمت رانيا تقول بحب شديد :
" اممم ماما كده فعلا، كانت مسالمة وفي حالها، شبه خالتو هاجر، نفس طريقتها في الحياة بالضبط، ولو أن ماما كانت متماسكة شوية عن هاجر، لكن تقدر تقول إنهم زي بعض، عشان كده هاجر بتفكرني بيها "
ابتسم لها صالح بحنان شديد :
" ربنا يرحمها كانت جميلة اوي "
ابتسمت له بسمة واسعة، تترحم على والدتها في نفسها، زمن ثم تجرأت أن تسأله ما تخشى أن تفعل منذ تحدثت معه .
" وأنت ؟؟"
" أنا ؟؟"
" والدتك شبه مين وكانت عاملة ازاي ؟؟"
فجأة تلاشت بسمة صالح بشكل جعل رانيا تدرك أن هناك ما يخص والدته وقد ترك في نفسه أثرًا ليس بالجديد أبدًا .
ابتلع صالح ريقه يقول ببسمة صغيرة حزينة :
" امي عكس والدتك خالص، كانت عاملة زي العيال بتحب تضحك وتهزر واحيانا كانت بتعمل مشاكل لينا واحنا نقعد نصلح وراها، مشاغبة ساعات، وعاقلة وهادية ساعات"
صمت يبتلع غصة استحكمت حلقه :
" هي كانت شبهك الحقيقة، كانت زيك اوي وحركاتها زيك، لما ...لما كنتِ بتقفي قصادي تتكلمي معايا وكأنك مش خايفة وأنتِ اساسا مرعوبة، كان بيفكرني بأمي لما تقف تدافع عني أنا وصلاح قدام ابويا بشجاعة وهي اساسا بتكون مرعوبة يطولها العقاب"
أنهى حديثه يمسح وجهه في حركة بدت لرانيا طبيعية، لكنه فقط كان يفعل ذلك كي يمسح دمعة فرت من عيونه بالخطأ، حتى بعد كل تلك الاعوام ليس مستعدًا للحديث عنها، ليس بالشجاعة الكافية ليخوض تلك المنطقة في عقله، هو ربما كما وصفته عمته سابقًا، مدلل جبان وضعيف، لم يستطع أن يتخطى لحظة ذبحها حتى الآن، الأمر فقط مستحيل، هو ما يزال مسجونًا في تلك اللحظة ...
أفاق صالح على صوت رانيا التي قالت بمزاح تريد أن تمحو تلك التعابير عن وجهه، وقد اقسمت في نفسها ألا تخوض معه ذلك الحديث مجددًا ما لم يأتي هو ليخبرها بنفسه .
" شبهي ايه ؟؟ أنا حاسة أنها شبهك، وأنا أقول طالع لمين في العيلة؟؟ اخوك وابوك حاجة وأنت حاجة تانية خالص "
أطلق صالح ضحكات قوية :
" أحنا كنا متقسمين أحزاب، بابا وصلاح حزب المثقفين اللي بيحلوا المشاكل، وانا وماما حزب المهيبرين اللي بيعملوا المشاكل "
شاركته رانيا الضحكات تقول :
" وأنت ما شاء الله يوم ما جيت تختار، اخترتني، عشان تعادل الحزبين تاني "
ابتسم لها صالح غامزًا :
" دي مقصودة خلي بالك، أنا يا بنتي اختارتك على الفرازة عشان اكمل فريقي تاني "
أدت رانيا تحية عسكرية لصالح :
" إن شاء الله أكون عند حسن ظنك يا فندم "
انفجر صالح في الضحك أكثر عليها، ثم قال بحب شديد :
" وأنا متأكد من كده يا رانيا "
ابتسمت له رانيا بحنان ليهتف صالح بهدوء شديد :
" تحبي تشوفي صور أميرة ؟؟"
اتسعت عين رانيا، وقبل أن تستوعب شيئًا كان صالح يقترب منها ببطء مع ترك مسافة مناسبة بينهما، يخرج هاتفه يشاركها شيء خاص في حياته، شيء لا يشاركه لأحد، لكن رانيا ليست أي أحد، بل هي كل أحد في حياته ....
______________________
حسنًا منذ ساعات كان الأمر ابسط من كل هذا، كانت الغرفة أكثر اتساعًا وكانت كمية الأكسجين في المكان كافية للتنفس، ماذا حدث الآن ؟!
أصبح المكان ضيقًا، واضحةطى التنفس صعبًا، والاسوء هي نظراته التي تلاحقها كلما أصدرت همسة أو مجرد حركة صغيرة، ابتلعت ريقها تحاول الحديث، لكن توقفت الكلمات بصدمة تراه يتجه صوب الباب مغلقًا إياه، ثم عاد لها يبتسم بسمة لم ترى لها مثيل من بين المرات القليلة التي ابتسم لها ...
جلس مختار على طرف الفراش أمام نيرمينا ينظر لها بحب وصمت، يتأملها دون تصديق وهي فقط تحاول البحث عن أي شيء تقوله ..
" هو ...هو سعيد فين ؟؟"
لكن مختار لم يصدر أي حركة أو يحرك حتى أصابعه، وهي لم تصمت، بل أرادت كسر ذلك الصمت :
" وميمو معاه ؟؟"
ومجددًا لم يصدر أي شيء لتبتسم هي بغباء :
" بس مقولتش يعني أنك اخو ميمو، تصدق شبه بعض "
رفع مختار حاجبه مستنكرًا فعن أي شبه تتحدث هي؟! لكن نيرمينا لم تتوقف عن الحديث، وكيف تفعل وهي اخيرًا وجدت حديث لتكسر ذلك الصمت ؟!
مدت كفها بتردد وهذه المرة وهي بكامل وعيها، كانت تجذب يدها مرة وتمدها أخرى، تحاول أن تلمس وجهه لسبب لا يفهمه هو، لكنه ابتسم يقترب منها بوجهه يمنحها ما تريد، وهي أمسكت بوجنته ليغمض مختار عيونه يستشعر نعومة كفها، لتقول نيرمينا بصوت شارد في ملامحه :
" أنت جميل اوي، ملامحك جميلة اوي يا مختار "
فتح عيونه لها يشير بأصابعه يحاول أن يوصل لها اسمه الحقيقي، وهي لم تفهم منه شيئًا فكتب لها على هاتفه_ الذي كان وسيلته الوحيدة لإيجاد نقطة مشتركة بينهما _ يرفع الهاتف أمام وجهها :
" نادر، اسمي نادر "
همست هي بتعجب، لم تعتد الاسم بعد :
" نادر ؟! أنت ازاي عندك اسمين ؟!"
ضحك نادر ضحكة خافتة، ثم كتب لها ممازحًا :
" اسم الشغل، واسمي الحقيقي "
رفعت نيرمينا حاجبها بعدم اقتناع، لكنها لم تعلق على الأمر قائلة :
" هو أنت اخو ميمو من زمان ؟؟"
تشنجت ملامح مختار بعدم فهم لتسارع هي وتوضح جملتها التي خرجت مظهرة إياها بمظهر البلهاء.
" مش قصدي كده، بس ...بس ميمو لما جات عندنا مكانش معاها حد خالص "
نظر لها ثواني، ثم كتب باختصار على الهاتف :
"مكنتش اعرف أنها اتجوزت "
وتلك الجملة تركت حيرة لدى نيرمينا لم تستطع أن تكسرها، ولم يمنحها هو الفرصة لذلك، يميل ليخلع حذائه بشكل جعل نيرمينا تميل بشكل جزئي متغلبة على وجعها في جانبها الأيمن.
وهو انتهى يقترب منها على الفراش لتتراجع ميمو بقوة للخلف وبفزع جعلها تطلق صرخة متوجعة من ذلك الألم الذي ضرب خصرها بقوة ..
انتفض نادر برعب يتقرب منها يبعد يدها عن خصرها بقوة يفحصه بعيونه وكأنه سيعالجها أو ما شابه، لكنه لم يفقه شيء، رفع عيونه لها يسألها بأصابعه :
" بتوجعك ؟؟ انادي الدكتور ؟؟"
وهي كالعادة لم تفهم، لتشعر بالعجز على التواصل معه وتقرر في نفسها أن تتعلم لغته لتجد نقطة تلاقي بينهما :
" أنا كويسة متخافش، بس رجعت بسرعة فوجعتني "
رفع لها نادر رأسه قبل أن يضرب جبهتها بخفة مؤنبًا إياها على حركتها غير المسؤولة، وهي ضمت جبهتها تعود بنصف جسدها العلوي للخلف، تحاول أن تبعد رأسها عن يده..
ابتسم نادر على ملامحها، ليقترب فجأة منها مستغلًا التصاقها بالفراش وعدم إمكانية رجوعها أكثر..
نظر لعيونها ثم أشار لها :
" عايز اقولك حاجة "
نظرت له بعدم فهم ليخرج هاتفه ويكتب جملته التي أشار بها، رأت نيرمينا ما كتب لترفع عيونها له وكأنها ستقرأ ما يريد قوله في عيونه ..
ابتسم لها نادر يشير لها بحركة، حركة لم يكن يعتقد يومًا أنه سيحتاج لها، ظن أن ذلك اليوم لن يأتي، لن يرى اليوم الذي سيقول به صراحةً تلك الكلمة، حرك أصابعه في ثلاث حركات، كل حركة تدل على كلمة، وفي النهاية جمع الثلاث حركات في حركة واحدة تعبر عما يريد :
" أنا... بحب..ك، بحبك "
كانت نيرمينا تتابع حركة أصابعه، حيث قام بحركات كثيرة، جمعهم في النهاية في حركة أخيرة رأتها سابقًا في العديد من المسلسلات والافلام، لا تتذكر تحديدًا معاناها .
رفعت نيرمينا كفها مثله واخذت تحاول تقليد حركته وهو يتابع أصابعها تقلد حركاته حتى وصلت للكلمة التي أرادها، ابتسمت بسعادة كبيرة وقد استطاعت أن تفعل ما فعل .
قالت بحماس تشير لاصابعها :
" مخـ..نادر بص، أنا بعرف اعمل زيك "
التمعت أعين نادر يرى نظراتها لما فعلت، ليبتسم لها بحب شديد، وهي نظرت له تتسائل ما معنى تلك الحركات ..
وهو سريعًا أخرج لها هاتفها وبحث عن تلك الحركة على الهاتف، ثم عرض لها صورة للثلاث حركة ومن ثم الحركة النهائية التي كُتب تحتها ( أحبك)
نظرت له بصدمة كبيرة وقد اتسعت عيونها بشكل مضحك، تراقب أصابعها بعدم فهم وكأنها تنفي عن نفسها معرفتها بتلك اليد، ولم تفق سوى على اهتزاز جسد نادر هزات خفيفة دلالة ضحكه ..
نظرت له بعدم فهم :
" أنا مكنتش اعرف والله انا بس عملت زيك و..."
وفجأة شهقت بقوة تستوعب ما حدث منذ ثواني، نادر كان يعترف لها وهي كالحمقاء تحاول أن تبحث عن مبررات لما فعلت، لحظة هل فعلها حقًا، هل اعترف للتو أنه...شهقت فجأة تتراجع برأسها واضعة يديها فوق فمها ليتعجب نادر الأمر وهي نظرت له بأعين متسعة :
" هو أنت فعلا ... أنت بجد يعني ..."
ولم تستطع النطق لترفع أصابعها تعيد تلك الحركة عليه، تشير لاصابعها قائلة :
" أنت بجد ؟!"
نظر نادر لاصابعها، ثم هز رأسه وهو يرفع أصابعه هو الآخر يقوم بتلك الحركة مجددًا لتشعر نيرمينا بالصدمة تحتل كامل جسدها :
" ازاي ...ده أنت... أنت كنت ... أنت مكنتش بتطيق تبص في وشي حتى "
ابتسم لها ينفي كلماتها تلك وكم ود لو يخبرها أنه لم يحب شيء في حياته بقدر حبه لتلك اللحظات التي يراقب ملامحها .
وقبل أن تبارد بقول كلمة أخرى قاطع نادر كل تلك المحاولات الفاشلة وهو يقترب منها بحذر شديد يسحب جسدها صوبه برفق وحنان، ثم ضم رأسها لصدره وقبل أن تنطق بكلمة واحدة شعرت بقلبة تحط على وجنتها وشفتي نادر تتحرك على خدها وكأنه يقول لها كلمات عجز لسانه عن النطق بها .
ونادر في تلك اللحظة كان يحيا اجمل لحظات حياته بأكملها، يحرك شفتيع باسمها يستلذ بنطقه ...
_____________________
كان يقف أمام المنزل يراقب ما حدث به، أصبح رمادًا، إذا ما هبت ريحٌ ستبعثره.
أهذا ما عاش والده سنوات يكافح لأجله ؟! هذا ما كان يتفاخر به ويتباهى أمام الجميع بامتلاكه ؟!
ابتسم سعيد بسمة ساخرة يضع يده أمام عيونه، يرفع رأسه للأعلى يرمق القصر من أعلى لاسفل بأعين متفحصة :
" لا بس تسلم ايده مسابش طوبة إلا أما اتفحمت، رجالته عندهم ضمير عن رجالتي "
في ذلك الوقت أبصر ميمو تعود مع صلاح من جهة الاسطبل تقول متنفسة براحة شديدة وهي تشير له بابهامها تتحدث بصوت مرتفع كي يصل له :
" الدنيا زي الفل، الاسطبل سليم وكمان الخيل وكل حاجة تمام، مفيش غير بيت ابوك اللي اتفحم "
نظر سعيد صوب المنزل يقول معترضًا بحنق شديد :
" يعني ابويا أنتِ خلصتي عليه، والبيت بتاعه هو خلص عليه، محدش عاطيني فرصة اطلع اللي السواد اللي جوايا"
اقتربا الاثنان من سعيد وتوقفا جواره يرمقون المنزل بأعين محتارة على الخطوة القادمة، لا أحد يعلم ما سيحدث بعد ذلك سوى لقاء سعيد بأحد عناصر الشرطة .
فركت ميمو خصلاتها تقول بتفكير :
" ده بوظه على الآخر، ده يترمم ولا يتهد ويتبني من الاول اسهل ولا هنعمل ايه ؟!"
كان سعيد يمسك ذقنه بتفكير :
" أنا بس اللي هيجنني هو لحق امتى يعمل كده، ده احنا سيبناه من كام ساعة بس، لحق يجيب منين كمية البنزين دي كلها عشان يحرق قصر بالحجم ده ؟؟"
نظر لها ثم قال ببساطة وهو حقًا لا يعينه احتراق القصر، هو على أية حال كان لا يحب البقاء به، ولم يتحدث لظنه أنه سينتهي من عمليته الأخيرة ويغادر البلاد بأكملها تاركًا إياه لميمو، فلم يكن يعنيه احتراقه من عدمه..
" طب والله جدع عنده رجالة أيدها تتلف في حرير، اشتغلوا في صمت ومحدش حس بيهم غير بعد ما البيت اتفحم، مش أنا مشغل معايا شوية متخلفين نصهم باعني والنص التاني بيفضحني قبل ما يفكر ينفذ أوامري اساسا "
نظرت له ميمو ثواني بحنق على طريقة حديثه بهذا البساطة، لكن فجأة انفجرت في موجة ضحكة وهي ترى ملامحه الخانقة يحدق في منزل طفولته وشبابه وقد ضاع :
" معلش بقى يا سعودي اصل هي الطيور على اشكالها تقع، واحد زيك كان معاه وسيم ورجب، يحمد ربنا أنه خرج بدون امراض مزمنة"
انقلبت ملامح سعيد بمجرد سماع اسم الاثنين، ليقول بحنق شديد يخرج هاتفه :
" متفكرنيش بالكلاب دول، والله لولا أنهم اتكلوا على الله انا كنت خلصت عليهم بايدي "
وضع الهاتف أعلى أذنه يتحدث بجدية لأحد ما :
" الو أنت فين دلوقتي ؟؟ "
صمت يستمع للطرف الآخر :
" طب خليك هناك إياك حد يدخل أو يخرج من عندها غير مختار أو أنا وميمو سامع ؟؟"
صمت قليلًا، ثم اغلق الهاتف ونظر للقصر يقول بعد تنهيدة عالية خرجت منه :
" ودلوقتي هنعمل ايه ؟!"
وأخيرًا تحدث صلاح بعد صمت طويل، يضع يديه داخل جيب بنطاله يراقب القصر بنظرات ساخرة بعض الشيء :
" كان نفسي اقولك تعالى معايا شقتي اقعد فيها، بس أنت عارف الشقة يا دوبك على القد وضيقة، حتى في علم النفس بيصنفوا شقتي أنها خنيقة وفيها طاقة سلبية "
كان صلاح يتحدث وهو يرمق سعيد بخبث ونظرات ساخرة، ثم نظر بعدها للقصر يقول مقترحًا بجدية :
" وعشان كده انا بقترح عليك، تقعد بين جدران قصرك الواسع حيث الطاقة الإيجابية والراحة النفسية وروح الصعلوق والدك "
نفخ سعيد يقول ببرود شديد :
" أنا اقعد في اسطبل الخيل مع سكر ناكل في بعض طول الليل ولا إني اقعد ساعة في علبة الكبريت اللي عايش فيها"
" علبة كبريت ؟؟ اقول أيه ما أنت مش بتتعظ، عايز يحصلك ايه اكتر من كده عشان تنزل من البرج بتاعك؟؟ ولا متنزلش خليك كده لغاية ما في يوم هشدك تقع على جدور رقبتك "
صرخ سعيد بغيظ شديد وقد ملّ كل ذلك :
" بقولك ايه انا مش عايز مساعدة منك يا جدع أنت، أنا اساسا مش بحبك ولا بطيق سيرتك، أنا مش عارف ايه اللي دخلك في حياتي ومشاكلي "
ابتسم له صلاح يجيبه بهدوء :
" احيانًا بيضطر الصحفي يتعامل مع اشكال زيك كده يا سعيد لأجل شيء مهم اسمه الشغل والاخبار المثيرة للجدل، فأنت متفكرش اني بساعدك كده لوجه الله، أنت كلك في نظري سبق صحفي مش اكثر، وترقية للواد رائد المسكين، يعني تخيل مستقبل اتنين واقف على خرابك"
استدار سعيد صوب ميمو بملامح حادة وكأنه يخبرها أن ترى أفعال من احضرته تحت مسمى المساعدة، وميمو ابتسمت له تربت على كتفه :
" متزعلش منه هو صلاح صريح شويتين، خلينا نبص للجانب الكويس في الموضوع، أنك هتعمل حاجة كويسة وتكسب ثواب في اتنين "
تنفس سعيد بصوت مرتفع ولا يدري حقًا ما يحدث في حياته، هو أشبه بمن يرقص ويضحك على انقاضه، يضحك ويمزح ويشاكس وحياته تحترق في الخلفية كما احترق القصر، لكن الفرق أن حياته ما تزال تحترق ولم تصل لمرحلة الرماد ..
إضافة على ذلك، هو ما يزال داخله هاجس مخيف يخبره أن يهرب، أن يتوقف عن تلك اللعبة ويترك الجميع ويهرب طالما ما يزال ذلك ممكنًا، لكن لا يدري ما يكبله ويمنع ذلك..
ربما هو الصوت المضاد في عقله الذي يجبره على سلك الطريق الصحيح هذه المرة والتوقف عن الفساد والخراب .
أفاق فجأة على صوت رسالة تصل له على هاتفه من نفس الرقم الذي علم أنه يخص غانم وكان محتوى الرسالة كلمة واحدة .
( بالشفا..)
ابتسم سعيد بسخرية ليشعر بميمو تميل على الهاتف الخاص به لترى كلمة غانم، رفعت عيونها لهم تشير لصلاح بالاقتراب :
" ضم يا صلاح على اخوك شوية كده "
ورغم استنكار صلاح لتلك الكلمة التي وصفت بها سعيد، إلا انه اقترب منهم لتسحب ميمو هاتف سعيد ترفعه في الهواء مبتسمة :
" يلا ابتسموا "
نظر لها سعيد باستنكار شديد :
" هو أنا مكانش القصر في دماغي، بس مش لدرجة أخد سيلفي معاه وأنا مبتسم، دي ملايين ضاعت في الأرض "
ربتت ميمو على كتفه بهدوء :
" التأمين باذن الله يغطي، بعدين هنديله وش دهان ويبقى زي الفل، يلا بسمة حلوة لأجل غانم "
وبالفعل ابتسم سعيد بسماجة وكذلك صلاح وميمو التي أخذت تلك الصورة وارسلتها لغانم أسفل رسالة ( تسلم ايدك )
ألقت الهاتف بعدها لسعيد بملامح محتدة وقد شعرت بالغضب يتصاعد، هي لا يعنيها القصر، هي لم تكن ستسكن به على أية حال بعدما تنتهي من كل ذلك، قصر كهذا لم يحمل لايًا منهم لحظة سعادة واحدة، بل هي كانت في الحقيقة تتمنى لو هي من احرقته بيديها كي ترى كل ذكرياتها تتحول لرماد، تحرقه كما أحرقوا منزلها وعائلتها، تحرقه كما حرقوا حياتها سابقًا، هي شاكرة وناقمة على غانم، شاكرة أنه نفذ لها حلمها دون أن تتكبد العناء، وناقمة لأنه سبقها في ذلك .
سمعت صوت صلاح يتحدث جوارها :
" هتيجي تباتي مع تسبيح في شقتها "
ولم يكن الأمر سؤالًا بقدر ما كان معلومة يخبرها بها من باب العلم بالشيء ليس إلا، نظرت له بشكر مبتسمة وقد شعرت فجأة بنيرانها تخمد بنظرة واحدة منه .
بينما سعيد يقف خلفهم وهو يراقب المنزل الذي ضم صرخاته وصرخات والدته يحترق، يرى مصدر تعاسته ينتهي، لم يهتم ولم يغضب سوى لتلك الصور القليلة التي كان يحتفظ بها داخل المنزل لوالدته، ولحسن الحظ لديه بعض النسخ على هاتفه .
أفاق على صوت ميمو تقول بجدية :
" سعيد كلم والد غانم عشان نخلص من ده كله، اللعبة طولت وابنه بدأ يتخطى حدوده "
صمتت تنظر لصلاح الذي قال بهدوء وكأن قرأ نظراتها :
" هكلم رائد يتواصل مع الظابط اللي قال عليه وفي أقرب فرصة هنقابله "
هزت ميمو رأسها تضم ذارعيها وهي تراقب بأعين ضبابية ما حدث حولها، بدا كما لو أن العالم فجأة انقلب للسواد، انقلب ؟؟ وكأنه كان بغير لون؟!
عالمها كان دائمًا باللون الاسود، متى إذن يحين موعد تلوينه ؟؟؟
_____________________
يقود سيارته عائدًا لمنزله بعد استراحة نفسية قضاها رفقة رانيا، تنفس جوارها براحة واخيرًا بعد أيام طويلة مرهقة بعيدًا عنها..
ابتسم يتذكر شكلها أثناء وداعها له :
" كنت قعدت ومشيت بكرة "
" بالله عليكِ لو قولت كده لاخواتك هيرضوا ؟! اقعد فين ؟؟ دول بيبصولي كأني واكل ورثهم "
نظرت رانيا خلفهم لتجد الأربعة يقفون على باب المنزل يراقبون ما يحدث بحرص شديد جعلها تزفر، ثم ابتسمت لصلاح :
" معلش يا صلاح والله هما ..."
" طيبين، عارف يا رانيا، والله من كتر ما أنتِ بترددي الكلمات دي أنا بدأت اصدق أنهم فعلا طيبين وأنا اللي ظالمهم "
ضحكت رانيا ضحكة خافتة، خوفًا أن يسمعها أحدهم ويهب فجأة ليتساءل عن سبب ضحكاتها، وماذا قال ليتسبب بها، ولماذا قال ذلك الذي اضحكها ؟؟
ابتسم لها صالح وتلى على مسامعها كلماته التي أضحت كالعهد بينهما :
" خدي بالك من نفسك يا رانيا لغاية ما أنا اجي أخد بالي منها، كلها يوم وهكون هنا واخيرًا وهتكوني خطيبتي "
انتفض صالح من ذكرياته القريبة على صوت رنين هاتفه الذي ارتفع منبهًا إياه أنه ليس بمنزله كي يشرد بخياله، بل هو على طريق سفر وداخل سيارته .
امسك الهاتف ليبصر اسم محمود، فتح المكبر ووضع الهاتف أمامه يقول بمزاج صافي :
" مساء الخير يا حودة يا حبيبي، الدنيا عاملة ايه عندك والشغل عامل ايه !!"
وصل له صوت محمود الذي أطلق لعنات وكلمات حانقة وقد امتلئت السيارة بالعديد من الجمل الغير مرتبة التي لم يفهم منها سوى أنه ساخط لأمر لا يعلمه :
" اهدى يا حبيبي واتكلم براحة عشان أنا رايق متخلنيش اقفل في وشك "
على الطرف الآخر تنفس محمود بصوت مرتفع يتناول من والده كوب العصير يشكره بكلمات خافتة :
" تسلم يا ماجد، ربنا ما يوريك حرقة دم قادر يا كريم "
ربت ماجد أعلى كتف محمود وهو ما يزال يضحك بقوة لا يستطيع أن ينسى ما حدث :
" اشرب يا حبيبي، اشرب وابلع اللي حصل معاك "
تركه ثم تحرك صوب معمله :
" أنا هكمل شغلي عشان عندي سفر كمان ساعتين لمؤتمر مهم، لو عوزت حاجة، رجاءً شوفها بعيد عني "
عاد محمود لصالح الذي قال في الهاتف :
" هو ابوك شمتان كده فيك بسبب ايه ...لحظة كده، هو انهاردة معادك مع ياسين اخو هاجر ؟؟"
ارتشف محمود بعضًا من العصير أمامه يقول بغيظ شديد :
" أيوة، وأنا اللي قعدت اقول كويس أنك مشيت عشان اروح لوحدي والأمور تتيسر، طلع فاكرني يا صالح، طلع فاكرني ."
أطلق صالح ضحكات صاخبة وهو يقود سيارته براحة شديد وبسرعة متوسطة :
" طب والله أنت عيل ندل، كان نفسي اتفرج "
" وتتفرج ليه، ده انا هحكيلك من وقت ما كبسني لغاية ما ودعني عند الباب .."
رفع محمود عيونه لياسين بصدمة شديدة تسببت في اتساع بسمة ياسين، يراقب ملامح محمود بدقة متناهية، بعدما أخذ يوم كامل ليتذكره، ومن ثم سأل هاجر عنه لتتوتر وتقول كلمات غير مرتبة انتهت بقولها أنه يعمل طبيب في مشفى جوار محبزها، لكن للحق هي لن تخبره أنه طبيب تشريح، هو من استنبط ذلك .
ابتلع محمود ريقه ولم يُحسن اختيار رد، مما أثار تعجب ماجد الذي رمق ابنه باستنكار :
" ايه يا حبيبي مالك وشك ابيض كده اول ما قالك دكتور ؟؟ هو أنت غيرت المهنة من غير ما تقولي يا محمود؟!"
امسك محمود يد والده يهمس له بصوت منخفض :
" غيرت مهنة ايه، أنا في ورطة ده شكله افتكرني يا ماجد، انجدني الله لا يوقعك في ضيقة يارب "
" فيه ايه يابني ؟؟ حصل ايه انا مش فاهم "
فتح محمود فمه ليجيبه ويخبره ما يحدث، لكن قاطع ذلك حديث ياسين الذي قال ببسمة :
" أنا أول ما شوفتك قعدت افتكر يا ترى شوفتك فين، لكن معرفتش افتكر، ملامحك كانت مألوفة اوي عليا، اصل مش كل يوم بقابل شاب عيونه زرقا واشقر زيك "
ابتسم له محمود بسمة سخيفة يحاول تمرير تلك الليلة بأقل الخسائر الممكنة :
" الله يكرمك يا فندم "
" لغاية ما سألت هاجر عنك يمكن تساعدني افتكرك وهي قالتلي أنك شغال في مستشفى جنب المخبز "
"الله يسامحها يا فندم "
رمقه ياسين بنظرات غامضة، غريبة في أعين ماجد الذي لم يفهم ما يحدث :
" الحقيقة هي موضحتش أنت دكتور ايه وتوهت في الموضوع "
كتم محمود صوتًا ساخرًا كاد يفلت من فمه مرددًا بتهكم :
" لا حويطة البنت "
" بس انا افتكرت على طول اول ما قالت دكتور في مستشفى جنب المخبز "
تنحنح محمود يحاول أن يستدعي أي كلمات كان قد حضرها سابقًا، لكن خاب أمله وما خرج من عقله سوى بكلمات خرقاء عادية لا تصلح في مثل موقفه :
" أنا يا فندم يشرفني اني اكون مع حضرتك هنا والله واطلب ايد الآنسة هاجر منك "
نظر له ماجد بحنق شديد واستهجان :
" هي مش المفروض دي جملتي ؟؟ اقوم امشي أنا طيب؟!"
" معلش يا ماجد أنا اساسا مش مركز ابقى خد جملتي، بس عدي اليوم ده "
نظر ياسين لهما بجدية قبل أن يعتدل في جلسته يفرد ظهره وقد أظهرت جلسته هيبة وكبرياء متأصلين به :
" الشرف ليا طبعا يا دكتور، بس مش اعرف عنك الاول كل حاجة عشان اعرف اديك ردي ؟؟ حضرتك بتشتغل دكتور تشريح صح ؟!"
صمت محمود ولم يدري ما الحل في تلك الحالة، أيهز رأسه موافقًا، أم يتخذ الصمت جوابًا، أم يترك لوالده دفة القيادة؟؟ لكن حتى والده لا يدري ما الأمر ولا يتوقف عن زجره بنظرات متسائلة يسشتعر وجود خطب .
" أيوة يا فندم أنا شغال دكتور تشريح "
ابتسم له ياسين بسمة صغيرة يهز رأسه بهدوء، ثم قال بجدية كبيرة :
" طب كلمني معلش عن نفسك شوية، حابب اتعرف عليك"
تنفس محمود بصوت مرتفع يدعو الله أن ينتهي ذلك اللقاء على خير :
" اسمي محمود ماجد، والدي الدكتور ماجد عالم نباتات وعقاقير "
ابتسم له ماجد يهز رأسه، بينما ياسين رمقه باحترام شديد وتقدير، ومحمود استمر في التعريف عن نفسه بطل هدوء وثقة لا يعلم من أين اكتسبها :
" عندي ٢٧ وعلى مشارف الـ ٢٨، طبيب شرعي وعايش مع والدي في بيتنا، هو فيلا صغيرة كده بس هي مريحة وكويسة"
كان ياسين يستمع له بهدوء قبل أن يقول بجدية كبيرة :
" طب بتشرب حاجة يا دكتور ؟! قصدي يعني في العادة بتشرب أي حاجة زي سجاير أو غيره ؟!"
نظر محمود صوب والده الذي أدرك أن هذا الرجل على معرفة بشيء يخشاه ولده، لذلك تدخل بهدوء وبسمة واسعة راقية :
" الحمدلله ابني مش بيشرب شيء وهو عاقل عشان يعرف اللي يضره واللي ينفعه "
وبالنظر للسخرية التي علت وجه ياسين أدرك أنه ربما اصطدم بالنسخة الحمقاء من ولده ليقول :
" هو جات عليه فترة كان بيحب يلعب في الاعشاب بتاعتي في المعمل ويشرب أي حاجة فيهم زي العيال الصغيرة، لكن ربنا تاب عليه الحمدلله وعقل ...شوية "
أضاف كلمته الأخيرة، ثم ابتسم بهدوء ونظر لياسين الذي أطال التحديق بمحمود في نظرات غامضة، والاخير حاول أن يتماسك، وقد شعر برغبة عارمة في الهرب من المكان، لكن فجأة أبصر هاجر التي كانت تقف بعيدًا خلف أحد الأبواب تراقبهم، هي تستحق، من وجهة نظره هي تستحق كل ما يفعل وما سيفعل لأجلها، فقط يأمل ألا يتسبب طيشه واستهتاره في ضياعها...
" ها وحصل ايه بعد كده ؟؟"
ترك محمود الكوب الفارغ من يده يجيب على صالح وقد بدأ يهدأ، بعدما شعر بمشاعر هيستيرية خوفًا أن تتأزم الأمور مع ياسين ويخسر أثناء ذلك هاجر .
" بصلي كأني عيل عبيط، وتلاقيه كان بيفكر مين الغبي اللي يقعد يشرب في اعشاب ونباتات "
" عنده حق والله "
" وبعدين اتكلمنا في أمور عادية و...بس، حتى هاجر مقدرتش اشوفها أو اقعد معاها قبل ما امشي "
أشفق عليه صالح ينظر للسماء أثناء قيادة السيارة وتنهد يستشنق الهواء بصوت مرتفع :
" متقلقش يا صاحبي أنا حاسس من كلامك أنه شخص عاقل، المرة الجاية أنا هاجي معاك ونشوف الموضوع ده، بعدين عندك خطوبتي قربت وهخليك تشوف هاجر اهو "
انتعش قلب محمود وقد سمع تلك الأخبار السعيدة :
" صح فكرتني، مبارك يا صاحبي عقبال الليلة الكبيرة يارب"
" تسلم يا حودة، أنا راجع اهو القاهرة هعدي عليك قبل ما اروح، وكمان عشان عايز اشوف صلاح واللي وصل ليه، لما كلمته كان شكل فيه حاجة "
تحرك محمود من مكانه صوب الدرج، وقد شعر بالارهاق الشديد بعد هذا اليوم الطويل المشحون :
" تمام هستناك متتأخرش عشان متجيش تلاقيني نمت "
زاد صالح من سرعته بعدما خفضها سابقًا ليركز في التحدث مع محمود :
" لا متقلقش لو جيت لقيتك نايم هصحيك، يلا باي بقى عشان اكلم صلاح اشوفه ..."
_________________
في منزل تسبيح كان رائد يقف أمام الباب من الداخل يراقب صلاح يتحدث لميمو التي تجلس على الأريكة وكأنه والدها جاء يودعها في أول يوم روضة لها .
" تمام يا ميمو؟؟ لو احتجتي حاجة خبطي الباب وانا هخرجلك، أو رني عليا ماشي ؟؟"
زفر رائد وقد سأم كل ذلك الحوار :
" خلاص يا صلاح لو حصل حاجة الدادة هتكلمك يا حبيبي "
نظر له صلاح بشر ليصمت رائد مكرهًا من كل ذلك، بينما صلاح عاظ بنظره لميمو التي ضحكت عليه وقالت :
" هو عنده حق والله يا صلاح متحسسنيش اني عيلة صغيرة، والله عيب ده أنت اكتر واحد عارفني، روح نام واطمن واستريح، أنا تعبتك معايا انهاردة كتير "
ابتسم لها صلاح ينهض يعدل من ثيابه، يشعر أنه ربما بالغ، لكنه فقط يريد أن يتأكد أنها بخير، هو ليس بالاحمق ليغفل عن نظراتها التي كانت مثبتة على القصر المحترق، يدرك جيدًا أن الأمر ترك أثره ولم يمر مرور الكرام عليها، لا هي ولا سعيد كما اظهرا، يخشى فقط أن تعيد تلك الذكريات ذكريات أخرى مشابهة وتسوء حالتها .
تحرك مع رائد للخارج ولم ينس أن يلقي لها بنظرة أخيرة حنونة يخبرها بها أنه هنا جوارها، وهي استقبلت تلك النظرات بامتنان كبير ..
دخل صلاح المنزل مع رائد وألقى الاثنان جسديهما على الاريكة دون كلمة واحدة، كلٌ يفكر في مصابه، رائد يحاول معرفة من ذلك الذي يحوم حول تسبيح، وصلاح يحاول أن يعلم القادم في حياته ومتى ستنتهي تلك الدوامة وينال مكافئته في النهاية .
في نفس الوقت وصل صالح مرهقًا للمنزل، ودون كلمة وبمجرد أن فتح الباب تحرك صوب الأريكة يلقي بجسده جوار الاثنين .
وفجأة تنهد الثلاثة بصوت مرتفع في الوقت ذاته، ومن ثم نظروا لبعضهم البعض وانفجروا في الضحك، لا يدرون على حالتهم أم ما ينتظرهم جميعًا ..
وبعد موجة غير مبررة من الضحك قال رائد بصوت مرهق :
" كان علينا من ده بأيه بس ؟؟"
اجابه صلاح وهو شارد في سقف المنزل فوقه :
" مفيش حاجة بتيجي بالساهل يا رائد، فما بالك لو كانت الحاجة دي هتكون حياتك اللي جاية كلها ؟؟"
" عندك حق "
ابتسم صلاح بتفاخر :
" أنا طول عمري عندي حق "
قال صالح وهو يحدق في السقف مثله مثل الجميع وكأن هناك فيلمًا يُعرض في الاعلى :
" واخرتها ؟؟ "
ربت صلاح على كتفه :
" اخرتها خير يا صالح، اتفائل بالخير، بعدين أنا مش عارف أنت ايه مشكلتك في الحياة غير اخوات رانيا؟! بعدين لو فيه حاجة أنا معاك "
قال صالح ببساطة شديد :
" أنت، أنت كمان مشكلتي يا صلاح، فكرك أنا اخوات رانيا في دماغي ؟؟ دول آخرهم استفزاز وغيظ وحرقة دم، أنا بتكلم عليك أنت وعلى حياتك اللي بقت على كف عفريت "
نظر له صلاح بحب قبل أن يلقي نفسه بين احضان صالح، ليربت الأخير على ظهره بحنان ومؤازرة يخبره بصمت أنه هنا معه، ورائد يراقبهما ببسمة قبل أن ينتفض الجميع على صوت غلق الباب بقوة .
نظر صلاح لصالح متسائلًا :
" أنت مقفلتش الباب ؟؟"
نفى صالح وهو يتمطأ بتعب شديد :
" لا اصل محمود كان بيشتري حاجة وطالع"
ابتسم محمود يقتحم جلستهم وهو يدفع رائد جانبًا :
" وسع كده خدني جنبكم "
أشار صلاح لمحمود الذي كان يحمل حقيبة مليئة بالطعام أعلى قدمه يفرغها على الطاولة أمامه ويتناول منها بتلذذ :
" هو بيعمل ايه هنا ؟!"
ابتسم محمود يقول بهدوء دون أن يبعد عينه عن الحقائب :
" ماجد سافر من شوية وأنا مش بحب انام لوحدي، فجيت أنام مع صالح "
زفر صلاح بحنق ولم يكد يعترض، حتى سارع محمود بالقول :
" أنا جبت أكل لينا كلنا "
نظر له صلاح باستنكار شديد، هل يظن ذلك الاحمق أنه سيشتري موافقته ببعض الطعام الشهي الذي كاد يتذوقه في فمه ؟؟
نعم الآن فقط يستطيع فعل ذلك فهو يتضور جوعًا، نهض الجميع وتجمعوا حول الطاولة يتناولون الطعام الذي أحضره كلٌ من صالح ومحمود، وقد بدأت رؤوس الجميع تدور في فلك مختلف عن الآخر..
فجأة توقف صلاح عن الطعام وتساءل بجدية :
" لحظة هما البنات أكلوا ؟؟"
نظر الجميع له وكأنهم استوعبوا للتو ما فعلوا، للمرة الأولى ينسى رائد إحضار طعام لتسبيح، هو فقط شعر بتفكيره يُشل بسبب ما رأى.
زفر بحنق يمسك بنصيبه من الطعام وهو يتحرك صوب المنزل الخاص بتسبيح، وصلاح نظر له بحنق لا يدري ما به :
" هو رائد ماله ؟؟"
هز صالح كتفه بجهل، ليلحق صلاح برائد يمسك حصته من الطعام لأجل ميمو التي يعلم أنها لم تتناول طعامها منذ ساعات طويلة .
مخلفين ورائهما صالح ومحمود اللذين نظرا صوب الباب، ثم عادا لتناول الطعام بلا اهتمام .
في ذلك الوقت داخل منزل تسبيح .
انتبهت ميمو لملامح تسبيح الشاحبة التي علت وجهها بشكل مريب جعلها تدرك أن هناك شيء بها ..
ابعدت خصلاتها المبتلة عن وجهها تتساءل بجدية وهي تربت أعلى كتف تسبيح :
" تسبيح هو فيه حاجة ؟؟"
نظرت لها تسبيح بخوف شديد، ترفع في وجهها الهاتف الخاص بها تقول برعب :
" أنا ... أنا معرفش اعمل ايه، أنا والله قبلته على أساس أنه بنت و..و فجأة لقيت اسم الصفحة بتاعته قلبت ولد "
صمتت وميمو تحاول معرفة ما تقصد وهي تقرأ ما عُرض امامها، وتسبيح استفاضت فيما تقول تتلمس بها مساعدة :
" هو والله بعتلي ريكورد وهو بيتكلم وكان صوت بنت، بقالي فترة بكلمه على أساس بنت، وامبارح اتغابيت وبعت ليه رقمي، ودلوقتي ...دلوقتي عمال يرن عليا من أرقام كتير وانا مرعوبة اقول لرائد، خايفة يتعصب أو يفتكر حاجة تانية "
نظرت لها ميمو تحاول أن تفهم ما يحدث، فهي في حياتها لم تتعرض لمثل تلك المواقف، أو حتى إن كانت تعرضت لها، كان الأمر يكلفها فقط مقطع صوتي لذلك المزعج تخبره به ما سيناله إن لم يتوقف عن ازعاجها وينتهي الأمر .
انتفضت تسبيح فجأة على صوت قرع الباب الذي تلاه صوت رائد يقول بجدية تزامنًا مع ارتفاع رنين الهاتف :
" تسبيح افتحي خدي عشاكم"
ارتجف جسد تسبيح بقوة وشعرت بالرعب وهي تسمع صوت هاتفه الذي يهتز بين أنامل ميمو، وبكل بساطة أغلقت ميمو المكالمة ودست الهاتف في جيب بنطالها المنزلي تقول ببساطة :
" افتحي الباب يا تسبيح وبطلي هبل يا حبيبتي، مش هيطلعلك يعني من التليفون، روحي افتحي الباب وابتسمي كده، ولا أنتِ منتقبة اساسا خبي وشك عشان التوتر الواضح ده وشوفي جوزك عايز ايه وسيبك من الحوارات دي "
نظرت لها تسبيح بخوف شديد :
" أنتِ شايفة كده ؟؟"
" أيوة يا حبيبتي انا شايفة كده، افتحي الباب واسترخي، ده عيل عبيط فكك منه "
وبالفعل تنفست تسبيح بصوت مسموع، ثم تحركت صوب الباب تنزل نقابها _ الذي لم تخلعه بعد منذ رحيلهم _ وفتحت الباب بهدوء ليستقبلها رائد ببسمة حنونة يمد يده ببعض علب الطعام :
" خدي ده عشاكي انتي وميمو "
نظرت تسبيح ليده وأخذت ما يحمل لترى صلاح يقف خلفه بهدوء يراقب ميمو التي تقف في بهو المنزل تحمل هاتف ما، لا تدري أخاصتها كان أم لا ؟؟
لكن فجأة ارتفع رنين هاتف جعل جسدها يرتجف بقوة أثارت ريبة رائد وكاد يتسائل عن سبب توترها الملحوظ لولا سماع الجميع صوت صرخات ميمو في الهاتف:
" أنت بتقول ايه ؟؟ وقفه اوعى تسيبه يمشي، أنا شوية وجيالك "
أغلقت الهاتف ليندفع لها صلاح بملامح متسائلة وهي قالت دون أن تنتظر منه استفسارًا :
" أمير حارس سعيد بيقول أن سعيد ركب عربيته واتحرك بيها ناحية المطار "
أجرت سريعًا اتصالًا برقم سعيد تنتظر رده، وبعد انتهاء الاتصال أعادت الكرة مرة أخرى وقد بدأ الغضب يتحكم بها، وفجأة اتسعت عيونها تستمع لصوت سعيد الذي بدا من الضوضاء حوله أنه وصل المطار بالفعل لتصرخ :
" سعيد أنت فين ؟؟ والله لو خطيت خطوة واحدة برة المطار لأكون مخلصة عليك بايدي ....."
____________________
أوشكت اللعبة على الانتهاء، ومن سيحدد مسارها هو الرابح في النهاية ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل الثلاثون 30 - بقلم رحمة نبيل
#الثامن_والعشرين
صلوا على نبي الرحمة
___________________
يجلس أعلى أحد المقاعد زافرًا بضيق شديد، لا يعجبه أن يجلس هنا وينتظر عجوز كادت سنوات عمره تكمل قرنًا، ذلك الرجل الحقير أجبره على المجئ فقط ليصطحبه، وكأنه السائق الذي اشتراه .
كانت اللعنات تخرج من فم سعيد متتالية ودون تفكير أو تريث، ينظر في الوجوه حوله ساخطًا، ألم يكن ذلك العجوز متولي بقادرٍ على أن يتصل بأي سيارة تأتي لتأخذه؟؟ أمازال البخل متأصلًا بين خلاياه ؟!
نفخ ساخرًا من ذلك الرجل يردد بنقم :
" اه من الذل اللي يخلي الواحد يتعامل مع متولى وغانم ..وصلاح، بس اخلص من كل ده وانا هـ.."
وقبل أن يكمل جملته رآها تسير أمام عيونه، كطيف خرج من خياله يتمثل أمامه ليزيد من جنونه، ألا تكفيه أحلامه كي تظهر له في واقعه ؟؟
تنفس سعيد بقوة وقد بدأ يشعر بتدهور حالته :
" شكلي بدأت اشوف خيالات، مرض نفسي كمان ينضاف لقايمة امراضي"
ختم جملته ساخرًا وهو ينظر أسفل قدمه لينتقض فجأة على صوت رنين هاتفه، أخرجه من جيب بنطاله ليرى اسم ميمو أعلى شاشته، وقبل أن يجيب أبصر نفس الخيال يتحرك في المكان ليتعجب ويسهو عن رنين هاتفه الذي انخفض، ثم على مرة أخرى أجاب بهدوء وملل وعيونه ما تزال تتابع خيالها الذي يتحرك أمامه :
" الو يا ميمو عـ "
وقبل أن يكمل حتى جملته سمع صراخ ميمو بصوت جعله يبعد الهاتف فزعًا وصراخها يصل له واضحًا تهدده وتتوعده ..
وضع الهاتف أعلى أذنه مجددًا يحاول التحدث وصوت ميمو وصل له مشحونًا بالغضب :
" المرة دي حتى اللي هيعملوا فيك غانم اهون من اللي هتشوفه مني يا سعيد، اطلع برة الزفت ده "
استاء سعيد من كل ذلك وما كاد يجيبها حتى سمع صوتًا يألفه القلب وتعشقه الأذن، رفع رأسه بسرعة كبيرة صوب الصوت ليجد خياله الحبيب يتحدث مع أحد الأشخاص في المطار ببسمة :
" آسفة ما اخدتش بالي وأنا ماشية "
هز الرجل رأسه وغادر، وهي تحركت صوب داخل المطار لتتسع عين سعيد ويتأكد أنها حقيقة، إذن الجميع يراها هنا ليس هو وحده .
ودون أن يهتم بميمو اغلق الهاتف تاركًا إياها تسب وتلعن وتتوعد .
وهو .......
يسير في المكان الفسيح لا يعلم من الوجوه احدًا، لا يميز من الأشخاص نفرًا، بل الأحرى أنه لا يميز من الوجوه سواها، فعينه تلك لم تعد ترى إلا هي ...
كان يركض بين الطرقات يخشى أن يكون قد تأخر، يأست، يأست منه وقررت الهرب، وهو من كان يمني نفسه باحضانها في نهاية ذلك الجحيم .
توقف سعيد في منتصف المطار يتنفس بصوت مرتفع مستندًا بكفيه أعلى ركبتيه، يحاول أن يهدأ كي لا يفقد رباطة جأشة وينهار في المكان، إلا هي .
رفع رأسه واستقام بجسده يركض بين الأجساد، ويبحث بين الوجوه عنها، يتبع قلبه ليرشده لها، وفجأة توقف يبصرها جالسة على أحد المقاعد في صالة الانتظار شاردة بشكل جعله يتأوه حزنًا عما حدث..
آهٍ على غبائك يا سعيد، أما كان لك أن تفق مبكرًا، أما كان بإمكانك أن تبتعد عن كل ذلك وتنأى بنفسك واختك وروحك بعيدًا عن كل هؤلاء البشر ؟
اقترب منها بخطوات متمهلة وهو يحاول التنفس، نسي سبب مجيئه من الأساس، نسي قلقه وحياته وخوفه من القادم أمام عيونها، وككل مرة نطق اسمها بتلذذ :
" زهرة ..."
ارتفع رأسها بحدة شديدة تبحث عن مصدر الصوت الذي تعلمه وتألفه، لترى سعيد يقف أمامها متعرق الوجه، وانفاسه متسارعة، ينظر لها بلهفة شديدة جعلتها تتعجب وهي تقول :
" سعيد ؟؟ بتعمل ايه هنا ؟؟"
اقترب منها بخطوات حثيثة متلهفة يرى دهشتها تعلو وجهها وكأنها تستنكر وجوده لمنعها الرحيل .
بينما سعيد تحرك لها يقف أمامها، ودون أن يتحدث كلمة ركع على ركبتيه أمام مقعدها ينظر لعيونها وقد شعر فجأة بالرعب من فكرة رحيلها، حسنًا هو يعلن استحالة وجودهما معًا، لكن ...لكن يكفيه أنها جواره تتنفس نفس الهواء الذي يتنفسه، هي لا يمكنها تركه، ليس الآن .
كانت زهرة تنظر له بصدمة لا تصدق ما يفعل :
" سعيد أنت ..."
قاطعها سعيد يبتلع ريقه برجاء :
" متمشيش، ارجوكِ يا زهرة بلاش تسيبيني، أنا...أنا بس ... أنا بس عايش عشان عندي أمل كداب غبي أن ممكن في نهاية الطريق الاقيكِ، وهم عايش عشانه، فبلاش حتى الوهم ده تسحبيه مني "
شعر بقلبه يتلوي رعب من تلك الفكرة، هو يعيش على أمل كاذب أنها ستكون له بعد كل ذلك، ألا يستحق ولو مقدار صغير من السعادة في حياته البائسة تلك !!
" حتى لو مش هتكوني ليا، يكفيني اشوفك يا زهرة، متسبنيش دلوقتي، أنا ... أنا بضحي بكل شيء عشان ارجعلك شخص قتلته بايدي، بضحي بحريتي وحياتي عشان ارجعلك سعيد اللي أنتِ ..."
صمت لاهبط دمعة من عيونه :
" زهرة ارجوكِ أنا... أنا والله ..."
قاطعته زهرة مشفقة عليه من كل ذلك الضغط الذي يظهر أعلى ملامحه، لا تدري حزنه ذلك كله جراء رحيلها أم أنه يعاني الكثير والكثير وجاء لينفجر الآن أمامها .
كان سعيد ينظر لها وهو على وشك انهيار آخر، هنا وسط جمع غفير من الأعين الفضولية، الجميع يراقبهم لتنحني له قائلة بصوت منخفض :
" سعيد قوم ميصحش كده اللي بتعمله، أنا مش مسافرة يا سعيد ده مؤتمر هحضره "
نظر لها سعيد بشك من بين دموعه التي لم تهبط بعد، لم يبكي لكنه كان على وشك ذلك :
" ده بجد ؟؟"
هز له رأسها وهي تحاول أن تجعله يترك تلك الجلسة :
" أيوة يا سعيد والله، أنا رايحة مؤتمر يومين وراجعة مصر تاني، ارجوك كفاية كده وقوم "
كانت تتحدث بصرامة كبيرة وقلبها يرتجف حزنًا عليه، لكنها أخذت عهدًا على الثبات، هكذا أخبرتها رفيقتها والتي تعمل طبيبة نفسية.
هذا ما جنته من خلف رأس سعيد، أن تتعالج لدى طبيب نفسي آخر...
نهض سعيد وهو يحاول أن يتمالك نفسه لتنظر له بحنق، وقبل أن تقول كلمة له شعر باهتزاز هاتفه،اخرجه ليجيب ميمو وينفجر في وجهها وينهي غيظه منها، لكن فجأة وجد اسم متولى يلوح أعلى شاشته مما جعله ينظر حوله بشك مجيبًا بصوت متماسك قوي غير ذلك الذي كان يتحدث لزهرة منذ ثواني معدودة ..
" أيوة أنت فين ؟؟ .....أنا في المطار مستنيك "
فجأة نظر خلفه ليجد رجل يلوح له بالهاتف مبتسمًا مما جعله يزفر قائلًا :
" لحظة يا متولي وجايلك "
" براحتك يا حبيب قلبي، بس مين القمر اللي معاك دي ؟؟"
وكعادته قال سعيد بصوت مستفز قوي وبنبرة خافتة مخيفة :
" وأنت مالك ؟ قولتلك لحظة وجاي "
اغلق الهاتف، ثم نظر صوب زهرة التي شعرت بالريبة من طريقته في الحديث أو التحديق وابصرت ذلك الرجل الذي يلوح له بالهاتف :
" سعيد مين ده ؟؟ أنت رجعت تتعامل مع ناس مش كويسة تاني ؟؟"
نظر لها سعيد بهدوء، وضع يده داخل جيوب بنكاله يجيبها بثقة :
" متقلقيش ياقلبي دول مش ناس اساسًا، يلا اتحركي وانا هستنى تدخلي صالة المغادرة "
نظرت له بحاجب مرفوع قبل أن ترفع حقيبتها تقول ساخرة وقد شعرت باليأس منه ومما يفعل :
" لا شكرًا متتعبش نفسك أنا مش هتوه "
ومن ثم غادرت بخطوات قوية عصبية جعلت سعيد يزفر بضيق شديد وهو يبعد عيونه عنها بصعوبة ومن ثم نظر لمتولي وتحرك صوبه :
" يارب نخلص من القرف ده كله ..."
_____________________
ومن وسط الاحزان ربما تمنحك الايام استراحة نفسية صغيرة فقط كي تأخذ نفسًا عميقًا لتعود مجددًا لحربك وأنت بكامل طاقتك ..
و خطبة صالح كانت هي تلك الاستراحة للجميع، استراحة أحسن صالح استغلالها لإخراج صلاح من ذلك المزاج الكئيب الذي يحلق فوق رأسه، وايضًا لتحريك رائد الذي كان يبدو جامدًا بشكل مريب ..
في منزل رؤوف كان جميع أقارب رانيا مجتمعين ليشهدوا واحدة من عجائب الدنيا، رانيا الفتاة التي كاد الجميع يقسم أنها في حياتها لن ترى ذكرًا بعيدًا عن محيط منزلها ..
نظرت رانيا حولها لذلك الجو الهادئ إلا من بعض التمتمات الصادرة، البعض يتناول الحلوى والآخر يحتسي المشروبات الباردة في جو هادئ لطيف كما أمر محمد، هو لا يحب الصخب وبالطبع لن يحبه في مثل تلك المناسبة، صارم وصعب التحمل، هكذا كان محمد ..
" ايه رانيا اروح اجيب مخدة وبطانية واجي استغل الهدوء ده وانام على جنب ؟!"
نظرت رانيا صوب مروة وقد شعرت بالحنق يملئها وهي ترى الجميع من أفراد عائلتها، يتحدثون ببسمات وكأنهم في عشاء عائلي هادئ وليس فرحة كادت تصبح مستحيلة .
" اعمل ايه ؟؟ ما أنا قولتلك تقولي لعبدالجواد يجيب حتى سماعة واحدة، وأنتِ عاملة نفسك مقموصة وبوظتي خطوبتي "
شهقت مروة بصوت مرتفع :
" أنا ؟؟ أنا اللي بوظت خطوبتك ؟! يعني مش اخواتك ؟؟"
" اه، لأن أنا وأنتِ وكل العيلة عارفة أنك لو قولتي لعبدالجواد يجيب على الاقل أي حاجة تعمل بهجة في المكان، كان عمل كده "
زفرت مروة وقد بدأت بالفعل تشعر بالذنب أنها لم تستجب لرجاء رانيا، لكن هي لن تنسى أبدًا كلمات عبدالجواد لها، رفعت عيونها صوبه منبهرة بهيئته التي تألقت في بدلة سوداء كما جميع إخوته وكأنهم جاءوا لحضور عزاء أحد المقربين وليس خطبة شقيقتهم .
في تلك اللحظة رفع عبدالجواد عيونه لها لتشعر مروة بالتوتر الذي جعلها تبعد عيونها بسرعة كبيرة، تسببت في ارتسام بسمة واسعة على فم عبدالجواد..
كان الأربعة رجال مرتصين جوار جدرا يراقبون ما يحصل في انتظار وصول العريس المزعوم، وقد تحدث عبدالله له منذ دقائق واخبرهم أنهم وصل منذ ساعة، لكنه فقط ينتهي من بعض الأمور وعلى وشك الوصول .
زفر جبريل يخفف من شدة رابطة العنق حول رقبته :
" انا زهقت، مش قولنا نص ساعة ونلم الدنيا ؟!"
نظر محمد لساعة يده يقول بهدوء شديد ويضم ذراعيه لصدره :
" باقي سبع دقايق ونلم الليلة نقولهم العريس هرب، وبعدين نروح نضربه عشان هرب وكسر فرحة رانيا "
ابتسم الجميع لتلك الفكرة عدا عبدالله الذي أخرج هاتفه مبتعدًا عنهم خطوات يتصل بصالح، وهو يرى توتر رانيا وقد بدأت تتململ في جلستها .
" الو يا صالح أنت فين ؟؟"
أمام المنزل كان صالح قد هبط من السيارة وهو يشير للرجال أن يتجهزوا للدخول، يعدل من وضعية ثيابه :
" أنا قدام الباب داخل اهو "
اغلق الهاتف بعدما ودع عبدالله، ثم أشار بيده للجميع يلحقون به..
وبالفعل تحرك الجميع خلف صالح الذي توقف قبل وصوله للبهو يشير لمحمود ورائد كي ينتهوا من توصيل ما أحضروا، وبالفعل ترك الجميع سماعات الصوت الضخمة ارضًا وقام صلاح بتوصيلها ..
في الداخل حيث الجميع، بدأ محمد يغضب بالفعل من تخلف صالح عن موعده، بعيدًا عن المزاح هو بالطبع لن يعجبه أن يغيب عن يوم كهذا ويكسر قلب شقيقته حتى وإن لم يكن يطيق رؤيته ...
وقبل أن يتحرك من مكانه انتفض الجميع على صوت اغاني صاخب يأتي من منطقة الاستقبال في المنزل، جعل أعين الجميع تتسع بتعجب ورانيا تنظر صوب الباب بأعين مصدومة من صالح الذي كان يرتدي بدلة رمادية مع قميص ابيض ويدخل المكان وهو يغني ويرقص بكل سعادة وحماس .
وصالح يهز كتفه ويحرك يديه في الهواء بسعادة كبيرة وهو يردد كلمات الأغنية بسعادة كبيرة، ومعه صلاح الذي كان يشاركه السعادة ويتراقص معه في منتصف البهو تحت أعين الجميع ..
ورائد يصفر لهم ويصفق ..
كان صالح يغني ويرقص وهو يتجاهل رائحة الدخان التي بدأت تصدر من جهة الأربعة رجال، يحرك قدمه بحركات رشيقة جذابة، ثم امسك كتف صلاح وهو يراقصه بسعادة لسعادة صلاح ..
وصلاح ما كانت سعادته سوى لرؤية فرحة صالح، وأعينه الملتمعة وكأنه ولد للتو من جديد .
كان الاثنان يضعان أيديهما على أكتاف بعضها البعض يتراقصان بكل ما في قلبهما من السعادة ..
ومحمود يصفر لهما هو ورائد، بينما سليمان يراقبهما بفخر وسعادة، جواره مرتضى الذي كان يصفق لهما بفرحة .
بينما ذلك المسكين الذي جاء بالاجبار تحت رجاء شقيقته _التي لم تحضر حتى_ يقف في أحد أركان المنزل يحدق في الجميع بحنق شديد وقد شعر بسخافة ما يرى، لكن فجأة انتفض على صوت ميمو التي قالت :
" ايه يا بومة يا عدو الفرحة، افرد أم وشك ده متقفلش الليلة علينا "
رمقها سعيد بسخرية لاذعة لا يدري حقًا سبب استجابته أطلرجاء نيرمينا بالقدوم لرؤية كل ذلك :
" اعمل ايه يعني ؟؟ اروح ارقص معاهم ؟!"
ابتسمت له ميمو بسعادة مصطنع :
" يعني ياريت والله وانا هقف اسقفلك هنا "
أطلق سعيد صوتًا ساخرًا من حنجرته، وقبل أن يسخر من كل تلك الخيالات السخيفة في رأسها، شعر بمن يسحب يده ويلقيه بين جمع من الرجال يقفز ويصرخ بسعادة وهو يقف في المنتصف لا يستوعب ما يحدث ..
هو شخص انطوائي لم يحضر يومًا في حياته بأكمله مثل تلك المناسبات، عدا تلك الافراح الفاخمة الهادئة التي كان يحضرها فقط تلبية لدعوة أحد القذرين الذين يعلمهم ..
وعند رانيا كانت تراقب ما يحدث تكتم ضحكة صاخبة كادت تفلت من فمها على حركات صالح الذي خلع سترة بدلته وهو يشارك صلاح حركات عجيبة، والاكثر اضاحكًا هي نظرات إخوتها جميعهم، فقد كان محمد يراقب ما يحدث بأعين متسعة وفم متشنج، وجبريل يكاد يخرج سلاحه ويفرغ رصاصاته في الجميع، أما عبدالجواد لم يكن يهتم بكل ذلك بقدر اهتمامه بمروة التي كانت تراقب كل ذلك بانبهار سعيدة ..
وعبدالله كان يضم ذراعيه لصدره يراقب ما يحدث ببسمة صغيرة، ووالده يصفق للجميع ويصفر بصعوبة شديدة لهم.
نظر له محمد باستنكار :
" ايه يا بابا ؟؟"
نظر له رؤوف حانقًا :
" ايه يا محمد ؟؟ بنبسط، بفرح من نفسي بدل سدة النفس اللي عايش فيها بسببكم يا اخي "
ومن بعد انتهاء كلماته ركض صوب تجمع الرجال يشاركهم الرقص والسعادة، يقفز بينهم بشكل مناسب لعمره .
وميمو كانت تراقب صلاح بأعين ملتمعة ترى سعادته التي لم تكن تراها في كثير من الأحيان، ترى جانب آخر منه، جانب حيوي مبتهج، نفس الجانب الذي كان يخبرها عنه قديمًا، جانب لا يظهر سوى مع صالح فقط .
كان الأمر مبهرًا نسختان طبق الاصل إلا من اختلافات في الثياب والهيئة الخارجية يتراقصان بسعادة في منتصف البهو، بشكل أجبر جميع الحضور على مشاركتهم ..
وأخيرًا بعد ساعة تقريبًا من الغناء والاحتفال، تحرك صالح صوب رانيا يجلس على مقعد جوارها يتنفس بصوت مرتفع جراء رقصه الطويل مع الجميع وقد انهكه الأمر ليظهر متعرقًا مبعثر الهيئة .
" يعني أنت معرفتش تكمل جميلك وتيجي بشكلك اللي دخلت بيه نتصور الاول صورة وأنت مترتب وبعدين روح بهدل نفسك ؟!"
نظر صالح صوب رانيا ليطلق ضحكات صاخبة على تزمرها منه، رفع يديه يحركها بحركات معتادة داخل خصلاته يعدل منها، ومن ثم نظر لها ببسمة قائلًا :
" كده زي الفل"
" والله هو هو نفس الشكل "
استدارت صوب صلاح الذي نأى جانبًا مع ميمو وقالت :
" طب ما تستلف مشط من اخوك لو مش عندك "
استنكر صالح حديثها مشيرًا صوب شعره :
" استلف مشط ؟؟ ده على اساس اني بسرح شعري بفرشة سنان يعني ؟!"
" بسم الله ماشاء الله وهو أنت كنت بتسرح شعرك اساسا؟؟"
اعتدل صالح في جلسته يعدل من وضعية قميصه، ثم ارتدى السترة مرة أخرى لتكتمل هيئته :
" أنا مش هرد عليكِ، الواضح أنك عديمة البصر، وقليلة الخبرة في تسريحات الشعر بتاعة الناس المحترفة"
كتمت رانيا ضحكاتها عليه ترى اقتراب والدها، يلقي على مسامعهم المباركات والتهاني وتبعه الجميع وهم تقبلوها ببسمات، حتى وصل صلاح الذي اقترب منهم، لينهض صالح ويضمه دون كلمة هامسًا له بحب :
" شكرًا يا صلاح، أنا يومي مكانش هيكمل غير بيك، مش عارف اقولك ايه "
ابتسم صلاح يربت أعلى ظهره بحنان شديد :
" تقولي عقبالك يا صالح، هتقول ايه يعني، دي اكتر كلمة أنا محتاجها الفترة دي "
ابتسم صالح ينظر خلفه لميمو التي كانت تقف جوار سعيد تتحدث معه بكلمات هامسة، لكن عيونها تحلق حول صلاح وكأنها تخشى أن يفلت من بين يديها :
" قريب يا حبيبي قريب "
ابتعد عنه صلاح، ثم نظر صوب رانيا يحرك رأسها لها بهدوء مبتسمًا بسمة راقية هادئة :
" مبارك يا رانيا، ربنا يجعلها زيجة العمر يارب "
نظرت له رانيا، ثم استدارت لصالح وكأنها تجري داخل عقلها مقارنة صغيرة، ومن ثم ابتسمت مجيبة :
" الله يبارك فيك يا دكتور "
نظر لها صالح مستنكرًا ما تقول :
" ايه ياما أنا اللي دكتور هنا مش هو "
" أيوة بس هو لايق عليه دكتور اكتر "
رسم صالح ملامح مستنكرة أعلى وجهه، وقد شعر بالرغبة في الشجار معها شجارًا حامي الوطيس كما الايام الخوالي..
تتنحنح صلاح ليهدأ الأمور بينهما مربتًا أعلى كتف صالح :
" صالح برضو احيانًا بيكون زي الدكاترة والله "
ابتسم صالح ساخرًا من كلماته :
" الله يكرم اصلك "
اقترب منهم في تلك اللحظة محمود الذي قال بكلمات متلهفة :
" مساء الخير يا رانيا، مبارك على الخطوبة"
ابتسمت رانيا بسمة صغيرة :
" الله يبار..."
لكن محمود قاطعها إذ أنه من البداية ما جاء ليهنئهما إلا ليعلم ما يريد :
" فين هاجر ؟؟"
أشارت رانيا متعجبة صوب المطبخ الخاص بالمنزل :
" بتجهز الضيافة مع العمال جوا، بس ..."
لكنه لم يمنحها الفرصة للحديث إذ تحرك بخطوات مهرولة صوب المطبخ تاركًا رانيا تنظر لاثره، ثم استدارت لصالح ترمقه بحنق وغضب جعله يتعجبها :
" ايه بتبصي عليا كده ليه ؟! هو اللي قليل الذوق ومشي "
" أنت عمرك دورت عليا بين الكل بلهفة كده؟؟ عمرك سبت الكل عشاني ؟؟"
نظر صالح حوله يراقب الجميع المندمجين في الرقص والغناء والتهاني :
" أنتِ شايفة ده وقت مناسب عشان تكتشفي أنك اتجوزني واحد معندوش أي ذرة رومانسية ؟؟ بعدين ايه اسيب الكل دي، وانا من امتى كنت مع الكل عشان اسيبهم ؟؟"
" حاسة كده اني اتسرعت "
أخرج صالح صوتًا متهكمًا من حنجرته يستنكر تلك الكلمات وبشدة :
" حاسة أنك ايه يا امي ؟؟ اتسرعتي ؟؟ ده انا مأجر سماعات وشايلها فوق العربية لما كانت هتنزل علينا واحنا جواها وجاي وجبتلكم البهجة معايا يا عيلة نكد، وتقولي اتسرعتي ؟؟ "
صُدمت رانيا من كلماته وقبل أن توضح له مزحتها قاطعها قائلًا بصوت خافت مريب :
" بت اتعدلي لاحسن والله اخطفك من نص بيتك وبدل ما تبقي خطوبة تبقى فرح، وابقي وريني اهلك دول هيشوفوا وشك فين بعد كده، غير عم رؤوف اللي كل يوم هيشوف صورك في صفحة المفقودين "
اتسع فم رانيا بعدم تصديق لكل ما ينطق به :
" أنت... أنت... أنت شخص ميئوس منك يا صالح بجد "
____________________
" اسكندرية جميلة في الليل ها ؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة واسعة، وهي تستنشق أنفاسها براحة شديد، تميل برأسها للخلف، تستشعر نفس الشعور أعلى خيلها، تاركة للهواء حرية تحريكها كما تشاء، فهي أصبحت من الارهاق ما لا يدعها تتحرك كما تريد .
" جميل جدا "
نظرت له تراه يستند على سور الشرفة التي تتوسط البهو جوارها :
" سيبت صالح لوحده ليه ؟؟ مش هيلبسوا الدبل ؟؟"
" لسه مش دلوقتي، لما الاتنين اللي جوا يخلصوا نقار، بعدين شكل في معركة على وشك البدء مع اخوات رانيا "
ابتسمت له بسمة صغيرة تهمس :
" طب وأنت سايب معركة اخوك ليه ؟؟ مش هتقف معاه ؟؟"
نظر في عيونها بقوة ثم قال بحنان :
" صالح مش محتاج حد يشاركه معركة زي دي، هو كفيل يفوز بيها لوحده، لكن أنتِ يا مقدس ..."
صمت يشرد بملامحها، ثم قال :
" محتاج اكون جنبك في معركتك مع نفسك قبل معاركك مع غيرك "
اطالت ميمو النظر به، حتى شعرت بضعف يصيب اوصالها، هي تعبت، أُستهلكت من كل تلك المعارك التي تضطر يوميًا لخوضها، ويلها نفسها و ويلها شقيقها وسعيد، تعبت، تعبت ولا تستطيع أن تقول ذلك، كيف تخبرهم أنها أوشكت على الانكسار، أوشكت على السقوط ...
مالت ميمو برأسها تدفنها بين ذراعيها المستندين أعلى سور الشرفة تد بصوت خافت مرهق :
" أنا نفسي مش عارفة إذا كنت هخرج من المعارك دي سليمة او لا يا صلاح، ويعز عليا ارهقك معايا واضعفك بمعارك أنت ملكش يد فيها "
رفع صلاح كتفه ببساطة يحدق في المكان أمامه بهدوء، يستمتع بصوت الرياح الذي يحارب للظهور بين اصوات الاغاني الصاخبة في الداخل :
" أنا ليا أنتِ فيها يا مقدس، وأنا عمري ما اسيب اللي ليا لوحده في معركة، ما بالك لو اللي ليا ده حياة كاملة ؟؟ تفتكري ميستحقش احارب عشانه ؟؟"
نظرت له ميمو ثواني دون رد، قبل أن تهز رأسها له مبتسمة بحب كبير، ثم نظرت ارضًا تحاول اخفاء ملامحها المنهكة:
" بس المعركة طولت اوي، طولت لدرجة اني مش عارفة إذا كنت هخرج منها سليمة أو لا، وخايفة بدل ما تكون الخسارة خسارة نفسي، تبقى خسارة نفسي وروحي يا صلاح، مش هستحمل "
" أنا مؤمن بشيء مهم اوي يا ميمو في حياتي، وهو أن الشيء اللي بيجي بعد تعب كبير بيكون ليه طعم تاني، فصدقيني بعد كل البهدلة دي هتكوني اطعم شيء في حياتي الماسخة "
نظرت له ميمو ثواني دون رد قبل أن تنفجر فجأة في موجة ضحك تخللتها كلمات غير مفهومة جزئيًا :
" أنت بتعاملني على اساس اني طبق مكرونة ايه ؟؟"
ابتسم لها صلاح يقول بجدية :
" طبق مكرونة ايه بس، أنتِ بالنسبة ليا عبارة عن طبق حلويات، مستني اخلص من كل المرار اللي في حياتي، عشان اعرف استطعم بيه براحتي "
هزت رأسها تقول باقتناع شديد :
" بدأت أحس أن مستوى الغزل عندك في انحدار ملحوظ، أنت بتقعد مع صالح كتير ؟؟"
ضحك صلاح ساخرًا من كلماتها :
" صالح ؟؟ والله أنتِ مسكينة، عارفة حتى الغزل المنحدر ده بالنسبة لصالح قمة الرومانسية، ده لو نطق بيه اساسا "
تعجبت ميمو كلماته ليوضح لها مقصده :
" صالح من النوع اللي متحطيهوش في مواجهة مع الجنس الاخر، معندوش تحكم في لسانه، معندوش موضوع التفكير قبل الكلام، وده من صغره، هو طالع لامي كانت بنفس التسرع وكل شيء "
ابتسمت له ميمو تغوص في تلك النقطة في بحار حياته :
" والدتك كانت زي صالح كده ؟!"
" نسخة كربون من صالح أو بالأحرى صالح نسخة منها، بس هي مع شوية دلع زيادة بتستغل أنها البنت الوحيدة بين تلات رجالة "
ابتسمت له تقول بحنين شديد :
" نفس المبدأ اللي كان بيتعامل بيه اخواتي معايا، بيعاملوني كأني ملكة، كان كل واحد فيهم عنده تعامل مختلف "
نظرت له بأعين ملتمعة بالحب والحنين الشديد :
" تخيل نادر اللي مطفي ده هو نفسه اللي كان مصدر البهجة في حياتي، كان أكثر شخص فرفوش وبيحب الضحك بينا، كان بيتجاهل أي مشاكل ممكن تعكر مزاجه لكن ...."
صمتت تبتلع غصتها، تراقب ملامح صلاح المنتبهه لما تقول :
" لكن جه اللي يكسره مش بس يعكر مزاجه، حول نادر ١٨٠ درجة، لشخص اسود غير الطفل اللي كان كل حياته الوان، ومازن ..."
صممت تستشعر قرب انفجار دموعها :
" ومازن لو ...يمكن لو كان عاش كان ....كان قدر يلملم انهيارنا، مكانش حصل ده كله، مازن كان شديد وكان مسؤول اوي، مكانش عمره هيسمح لعمي يعمل اللي عمله فيا، حتى ...حتى نادر مسمحش بكده، بس عمي استغل هشاشة نادر وقتها وخدعه، و..."
صمتت تبكي بحزن شديد :
" كسره ودمر أخر ذرة إنسانية جواه، خلاه من الشخص الحيوي لنسخة باهتة ساكت طول الوقت، يمكن لو مازن كان عايش دلوقتي كان قدر يضمنا ويحمينا من كل ده، أنا يا صلاح حاسة اني حملت نادر فوق طاقته، هو عاش دور الأب والاخ الكبير، رغم أنه هو الصغير، بس اضطر يعيش دور أكبر منه .."
صمتت تمسح دموعها التي هبطت دون شعور منها، ثم أخذت نفس عميق تقول :
" وماما ...ماما كانت أقوى شخص أنا عرفته في حياتي، وقفت قدام بابا بكل قوته وجبروته ودافعت عني بكل ما تملك"
نظر لها بفضول لتقول بشرود :
" لما كبرت وقربت من جاد عرفت منه إن سبب كل ضرب بابا لماما مكانش الفلوس ابدا، لا ده كان بسبب أنها رافضة جوازي منه، فبابا كان بيضربها لغاية ما يتعب ويمشي، وهي كانت تكدب وتقول عايز فلوس "
مسحت وجهها، ثم ابتسمت له تقول :
" عائلة بائسة ها ؟؟ مشاكل كتير أنا لو منك مش هفكر حتى اقرب منها، الافضل تبعد لغاية بس ما ..."
" مَقدس تتجوزيني ؟؟ "
نظرت له بصدمة ليس لعرضه الزواج فهو سبق وعرضه عليها كثيرًا وهي وافقت، لكن لعرضه في ذلك الوقت وبهذه الطريقة، لكن صلاح لم يتراجع وقد عزم أمره على إنهاء كل ذلك، والده هنا والجميع هنا فقط ينقصهم نادر ولن يكون عائقًا له ..
" انهاردة، عايز اتجوزك انهاردة قبل ما ابويا يرجع البلد، بعد الخطوبة هنرجع ونكتب كتابنا ...."
______________________
كان يتحدث مع والده بصوت مرتفع بعض الشيء كي يستمع كلٌ منهما للآخر، في تلك الأثناء اقتربت هي منهما تتحدث بصوت خفيض خجل :
" رائد لو سمحت ممكن تليفونك ؟؟ عايزة اتصور مع العروسة وهبعتها لنفسي وامسحها تاني "
ارتفع حاجب رائد بعدم فهم، ورغم ذلك تحركت يده تلقائيًا يخرج هاتفه من جيب بنطاله، يحاول فهم ما يحدث هنا متسائلًا:
" أمال فين تلفونك يا تسبيح !!"
توترت ملامح تسبيح بشكل أثار ريبة رائد اكثر واكثر :
" هو في البيت، أنا سيبته عشان ...مش متعودة افضل شيلاه يعني وكمان كان محتاج يتشحن "
اومأ لها رائد بملامح هادئة ظاهريًا عكس ما طمرت نفسه من شكوك وهواجس جعلت دماءه تغلي كالمراجل داخل أوردته .
تحركت تسبيح بعدما التقطت منه الهاتف، وهو عاد بالحديث لوالده الذي قال جاذبًا انتباهه :
" حصل ايه يا رائد ؟؟ "
نظر له رائد بعدم فهم :
" حصل ايه يا حاج مش فاهم ؟!"
" رائد متصيعش على ابوك، مالك أنت وتسبيح ؟؟ نظراتك ليها وتوترها مش طبيعيين، اوعاك تكون مزعل البنت منك يابني دي يتيمة وملهاش غيرك، ومراتك "
تحدث رائد بصدمة من كلمات والده، هل يظن أنه يومًا قد يجور عليها أو يستغل قوته عليها :
" ايه يا حاج الكلام اللي بتقوله ده ؟! هو أنا صغير يعني ؟! متخافش على تسبيح دي مراتي وفي عيوني وعمري ويشهد ربنا ما اظلمها ولو بكلمة أنا ابنك وأنت عارفني "
ضرب سليمان الأرض أسفله بعكازه معترضًا على كل تلك الكلمات التي لم تضف له سوى تأكيد قوي على أن هناك ما يحدث بينهما .
" وعشان أنت ابني يا رائد وعارفك بقولك فيه حاجة بينك وبين تسبيح، البنت مالها متوترة منك كده ليه ؟؟"
صمت رائد يحاول أن يظفر بعض الأنفاس التي يكبتها داخل صدره :
" متقلقش يا حاج والله ما مزعلها ولا هعملها يوم بقصد، أنا بس الفترة دي مضغوط في قضية وأمور كتير وانا اللي مقصر معاها وهي يمكن تكون زعلانة مني مش اكتر "
" يبقى تروح تراضيها، واقف معايا ليه ؟! روح شوف مراتك وانا هروح أقعد مع عمك مرتضى ونسيبهُ "
وبمجرد إنتهاء تلك الكلمات تركه راحلًا صوب مرتضى، ورائد وقف مكانه يراقب تسبيح عن بعد تلتقط ما تريد من صور، ثم وبعدما انتهت نظرت صوبه معتقدة أنه ما يزال يتحدث مع سليمان، لكنها تفاجئت من تحديقه بها مبتسمًا، رفع رائد إصبعه يشير لها بالاقتراب منه وكذلك فعلت على استحياء والقليل فقط من التوتر، وبمجرد أن أصبحت جواره رفعت له الهاتف تقول ببسمة لطيفة صغيرة :
" شكرا يا رائد "
أخذ رائد الهاتف من يدها، ثم امسك بها قبل أن تنزلها :
" العفو يا توتا"
نظرت له تسبيح ببسمة واسعة وقد شعرت أنها أخذت تصريح الأمان منه بنطقه للقب التدليل الخاص بها، اقتربت منه ببطء تناظره من خلف نقابها :
" شكرا ليك يا رائد "
ومجددًا أجابها رائد بنفس البسمة :
" العفو يا توتا، كل ده عشان التليفون، خديه كله لو عايزه"
" لا عشان بسمتك دي وعشان توتا "
رمقها بعدم فهم لتقترب هي منه أكثر حتى كادت تلتصق به، ورائد حرك عيونه في المكان يتأكد أن لا أحد يتابعهم، متعجبًا تصرفات تسبيح التي ابتسمت له بسمة ظهرت واضحة في عيونها :
" أنت أكثر زوج طيب في الدنيا دي على فكرة، وانا بحبك"
ربت رائد على رأسها بحب وقال بهدوء شديد :
" ايه المزاج الر... "
وفجأة توقف شاعرًا بتوقف الحياة من حوله والهدوء التام الذي عم المكان بأكمله، ابتلع ريقه يشعر بصفير تبع كلمتها .
امسك يدها وسحبها ببطء لأحد الأركان بعيدًا عن الجميع وقد شعر بضربات قلبه تزداد أكثر وأكثر :
" أنتِ قولتي ايه ؟؟"
وتسبيح أدركت الكلمة التي يرجوها من خلف سؤاله، لذا لم تبخل عنه وهي تردد بكامل الحب :
" قولت أنك اكتر زوج طيب في الدنيا دي على فكرة واني بحبك يا رائد"
تأوه رائد بقوة وشعر بقلبه يتضخم بحب تلك المرأة أمامه، ودون مقدمات مال جاذبًا إياها لاحضانه، متجاوزًا كونهما في مكان عام، مستغلًا اختفائهما وعلو صوت الموسيقى الذي غطى على ما يحدث .
شعرت تسبيح به يشدد العناق عليها وهو يهمس بكل ما يحمل لها من مشاعر :
" وانا يا تسبيح ...وانا بحبك اوي ...بحبك اوي يا توتا "
ابتسمت تسبيح بسمة واسعة وهي تستمتع بأحضانه، وهو يتنعم بلحظاتهما، لولا صوت صلاح الذي خرج من الشرفة خلفها يضرب رأس رائد بحنق شديد :
" خف يا عسل مش في البيت احنا، ويلا عشان صالح هيلبس الدبل "
خرج تتبعه ميمو التي ابتسمت لهما غامزة بمشاكسة، كل ذلك وتسبيح تدفن وجهها ارضًا مخافة أن تقابل أعين ايٍ منهما .
وبمجرد خروجها أطلق رائد سبة جعلت أعين تسبيح تتسع باستنكار وهو استنكر استنكارها :
" ايه مش شايفة الرخامة ؟!"
رفعت حاجبها ولم يظهر حنقها سوى في عيونها، ليزفر بضيق ممسكًا بيدها في قوة شديد يضمها لجانبه :
"لينا كلام بليل، مخلصناش الحوار ده، وكمان فيه حوار تاني محتاجين نتكلم فيه ...."
ورغم شعورها بالتوتر من نبرته في الجملة الأخيرة إلا أنها ابتسمت ببساطة وسارت خلفه لتشهد واخيرًا خطبة صالح ورانيا في جو ملئ بالبهجة والسعادة ....
_____________
" هو ياسين قالك متقابلنيش ؟؟"
كانت نبرته متخوفة أن يكون شقيقها قد حذرها من رؤيته ولذلك تتعمد التهرب منه منذ وطأ بقدمه أرضية المطبخ، شعور موحش ملء قلبه منذ رؤيته نظرات هاجر التي التقطها إليه دون أن تحسن إخفائها.
" لا ابدًا وياسين هيمنعني عنك ليه يا محمود ؟؟ هو أنا يعني عيلة صغيرة وهيخاف عليا منك ؟!"
وكأنها أجابت سؤالها بنفسها مو خلال نظراتها الشاردة في البعيد ومحاولتها لتلاشي التقاء نظراتهما، لكن محمود أصبح شبه متأكدًا أن ما يحدث الآن ليس ذلك الخجل الفطري الذي يصاحب هاجر طوال الوقت معه ..
" هاجر قولي بصراحة، هو ياسين قالك على مقابلتي ليه قبل كده ؟؟"
تركت هاجر السكين الذي كانت تستخدمه لقطع الكعك ونظرت له ثواني دون رد، ليكون ردها بعد ذلك الصمت هي هزات بسيطة من رأسها..
ابتسم محمود وقد تأكدت شكوكه، تنفس بصوت مرتفع يحاول أن يجد كلمات يبرر بها طيشه وغباءه، هو في الحقيقة لا يجد مبررًا لكل ذلك.
" هاجر نتكلم بصراحة ؟؟"
" ياريت يا محمود لاني مش قادرة احدد دلوقتي موقفي من الموضوع "
صمتت ثواني، ثم قالت بخجل شديد وتردد :
" ياسين ساب الموضوع في أيدي والموافقة أو الرفض يكون مني، وقالي إني عاقلة وكبيرة بالقدر الكافي اللي يسمح ليا اخد قرار زي ده، لكن ..."
رفعت عيونها له تقول بملامح أثارت في قلبه مشاعر عدة، هي في تلك اللحظة أشبه بطفل تائهة لا يجد لمنزله سبيلًا :
" أنا... أنا مش عارفة أخد قرار يا محمود، أنا مش عارفة أنت كويس ولا شخص مش واعي بنص حياته زي ما قال ياسين، أنا... أنا مش بحب أندم على قراراتي فما بالك لو كان قرار هيحدد مصير حياتي الجاي "
هز محمود رأسه يتفهم كل ما تفكر به :
" أنا عارف يا هاجر ومقدر كل ده، وعارف أن ياسين غلط لما ساب القرار ليكِ"
رمقته باستنكار ليكمل هو لحظات الصراحة التي يعيشها :
" خلينا واضحين يا هاجر، أنتِ مش وش إدارة حياة، أنتِ أخرك تديري المخبز بتاعك "
شعرت هاجر بالغضب لاستهانته بها، ليس لأنها لم تواجه من الحياة سوى القليل وتفتقد لخبرات كثيرة، أنها شخص غير مسؤول ولا يمكنه إدارة حياته .
" على فكرة أنا بعرف كويس اوي ادير حياتي، ومتخلنيش اجرب أول قرار في الإدارة عليك يا محمود، أنت فاكرني ايه بالضبط ؟!"
ابتسم محمود يرى الشراسة المرتسمة أعلى ملامحها :
" فاكرك هاجر اللي زي البسكوت النواعم أقل ضغطة هتكسرها "
كادت هاجر تعترض وبشدة على ذلك الوصف، هي ليست هشة لتلك الدرجة، هي فقط انسانة لم تحسن الاختلاط بفئات كثيرة، لم تصطدم بالعديد من التجارب، ربما لأنها في بداية عمرها أرادت أن تكون مديرة نفسها وتنشأ مشروعها الخاص دون احتكاك مع مدير وموظفين وحياة أخرى ..
سارع محمود لتوضيح كلماته :
" أنا أبدًا مش بقلل منك، بالعكس دي ميزة مخلياني متمسك بيكِ، هاجر أنا كمان شخص ممكن أظهر البعض غير مسؤول وتافهة، ناس كتير واخدة عني الفكرة دي بسبب تصرفاتي، لكن فيه فرق بين التافه وبين اللي بيعمل نفسه تافه عشان ميوجعش دماغه بحوارات كتير"
نظرت له بفضول وكادت تتساءل عن مقصده ليسمعا صوت موسيقى معروفة ومألوفة لدى الجميع تعلن ببساطة بدء ارتداء الذهب للعروس ...
ابتسم محمود يشير لها برأسه :
" الحوار لسه مخلصش يا نواعم، عندنا كلام كتير، بس بعدين عشان صالح هيلبس الدبل، يلا عقبال دبلتك يارب"
نظرت له هاجر بخجل ليبتسم لها متنحيًا جانبًا مشيرًا على الباب لتتحرك أمامه، وهي تحركت بكل بساطة ولهفة شديدة لتكون جوار ابنة شقيقتها .
وبمجرد أن خرجت أبصرت الأربع شباب يقفون كالسور أمام رانيا يشاهدون ما يحدث بأعين متربصة .
بينما صالح استلم العلبة من صلاح الذي ربت على كتفه بحب شديد يخرج هاتفه ليصور ما يحدث بسعادة كبيرة، رغم أن هذه المرة الثانية التي يعقد بها صالح خطبته، إلا أن السعادة المرتسمة أعلى وجه صالح كانت توحي بكل ما يحمل في قلبه من السعادة .
وعند صالح كان يشعر بسعادة غامرة يكاد ينبت له جناحين ويحلق في أرجاء المنزل فرحةً..
كانت بسمة رانيا الواسعة هي ما يرى صالح في تلك اللحظة..
صلاح يقف أمام الأربعة يعطيهم ظهره، حتى إذا حاول أحدهم التدخل وإفساد فرحة شقيقه يكون لهم بالمرصاد .
وعلى العكس كان الأربعة يحدقون في رانيا بحب شديد، تلك البسمات التي توزعها على الجميع والسعادة الملتمعة بعينيها، ساهمت في إزالة أي عبوس على وجوههم وقد ارتسمت بسمات حنونة .
انتهى صالح مما يفعل ونظر لرانيا غامزًا بحب :
" عقبال الفرح يا متشردة "
أطلقت رانيا ضحكات صاخبة ليبتسم لها صالح هامسًا جوار أذنها بسبب صوت الموسيقى الصاخب :
" أنا كنت خليت صلاح يكتبلي كلمتين حلوين عشان اقولهم ليكِ بعد ما البسك الدبل، والصراحة كده انا نسيتهم، فممكن تعملي نفسك مكسوفة وإني قولتهم عشان صلاح قعد ساعتين يحفظهم ليا ولو عرف اني مقولتش وضيعت وقته على الفاضي هيخلص عليا "
استدارت له رانيا بصدمة كبيرة لينظر لها بأعين متوسلة، وهي ثواني فقط حتى كان صدى قهقهاتها يصدح في المكان بشكل أثار ريبة إخوتها، وهي لم تستطع أن تتوقف عن الضحك، وصالح يرمقها باستنكار شديد :
" اششش بقولك كلام رومانسي مش نكت "
ازدادت ضحكات رانيا بقوة ليبتسم صالح وقد حقق مراده في رؤية ضحكاتها، استدار ليبصر صلاح الذي كان يقف جوار الأربعة والخمسة رجال يضمون اذرعتهم لصدرهم رافعين حاجبهم رامقين إياهم باستنكار شديد .
ابتسم صالح يفسر الامر لصلاح :
" هتموت من السعادة يا حبيبي، تسلم ايدك على الكلام"
ابتسم له صلاح بسخرية يتحرك صوبه ضاربًا رأسه بمزاح، ثم ضم صالح له بكامل الحب والسعادة، يربت أعلى ظهره هامسًا :
" نسيت الكلام صح ؟؟"
" صح "
" كنت عارف، على العموم يا صالح إنك تضحك البنت ده شيء يُحسب ليك، وافضل من ميت جملة محفوظة يا حبيبي، اتصرف معاها كأنك صالح وعيش معاها على طبيعتك، بس مش اوي يعني "
ابتسم صالح يتنفس بعمق وهو يزيد من ضمه لصلاح يتذكر جملته حينما أخبره أن يعطيه جملة لطيفة تسلب لب رانيا .
" ممكن اديك دفتري كله يا صالح، واحفظك مليون جملة مش واحدة، بس وقتها أنت هتكون كأنك صلاح مش صالح، عبر ليها بطريقتك يا حبيبي، متحسش ابدا أنك قليل أو أنك مش بتفهم في الحاجات دي، خليك على طبيعتك اللي رانيا حبيتك بيها، هي محبتكش في ندوة شعرية يا صالح، قولها اللي يجي معاك ويكون من قلبك "
ابتعد صالح عن صلاح يقول بحب :
" عقبال ما افرحلك يا صلاح "
اتسعت بسمة صلاح بشكل خطير جعل صالح يشعر بالريبة قائلًا :
" هو فيه ايه ؟؟"
ربت صلاح أعلى كتفه هامسًا :
" قريب اوي، أقرب مما تتخيل يا حبيبي "
وعند رانيا كانت تنتقل من احضان هذا لأحضان ذاك، ووالجميع يقبلها بحب شديد وقد شعروا في تلك اللحظة بالتأثر، أصغرهم هي أول من خطت ذلك القفص .
ضمها محمد بحب شديد :
" اتمنالك كل السعادة ياقلبي، يارب حياتك الجاية تكون افضل يا عيوني ؟؟"
كان يتحدث وهو يقبل ما بين عيونها، لتشعر رانيا بسعادتها تكتمل بموافقة ورضى اخوتها، ومن بين احضان محمد قام جبريل بجذبها يرفعها عن الأرض بقوة يشدد ضمها وهي ابتسمت تتنعم بأحضان جبريل والذي كان أكثر إخوتها قسوة وخشونة، لكنه ارقهم قلبًا، ومن ثم عبدالله الذي أمسك كفيها يقبلهما هامسًا :
" إن شاء الله تكون جوازة العمر ياقلبي "
ابتسم له رانيا لتشعر بمن يجذبها لاحضانه، وقد كان ذلك هو رفيقها الأقرب وصديقها الاعز، عبدالجواد الحبيب الذي كان رفيق الليالي الطويل وشريك الطرق الصعبة :
" مبارك يا روني، يارب تكون بداية سعادة كبيرة ليكِ ياقلبي "
___________________
في تلك اللحظة كان ميمو منعزلة عن الجميع تتحدث في الهاتف مع نادر، تكتب له وهو يراسلها يخبرها عن أحواله وأحوال نيرمينا ..
أطلقت ضحكات مرتفعة على ما أخبرها من حديث نيرمينا له، سمعت صوت سعيد خلفها زافرًا بحنق شديد وقد على صوت ضجره ليصم الجميع حوله، وكان أولهم ميمو التي استدارت له ترى ملامح عابسة أعلى وجهه :
" أنا زهقت وعايز امشي، يعني هي نيمو تجبرني اجي وهي اساسا مجتش، وتقولي هنبسط، أنا جيت هنا اتنكدت اكتر "
نظرت ميمو خلفه صوب الجميع المحتفل واقتربت منه تتساءل :
" ليه زعلان كده يا سعيد ؟؟ مش حابب ترقص معاهم وتهيص، بكرة تدخل السجن ومتلاقيش فرحة في حياتك"
رمقها سعيد باستنكار شديد :
" المفروض أنك كده بتواسيني ؟؟ "
" يعني بحاول "
تركها سعيد وتحرك صوب الشرفة يجلس ارضًا جوار السور يقول بتعب وإرهاق شديد :
" طب سيبيني وامشي عايز اقعد لوحدي، مش طايق اشوف حد"
نظرت له ميمو متعجبة كلماته :
" حتى انا يا سعودي ؟؟"
رفع سعيد وكهه لها مغتاظًا قائلًا بنبرة حانقة :
" خاصة أنتِ يا ميمو "
هزت ميمو رأسها متفهمة حاجته للبقاء وحده، لذلك تحركت صوب واستقرت ارضًا تضم قدميها لصدرها تقول متنهدة :
" الجو جميل انهاردة "
نظر لها سعيد مستنكرًا لتضربه في كتفه ممازحة إياه بشكل خشن :
" متبصش كده يا سعيد، بكرة تتحبس ونخلص منك واوحشك وتتمنى لحظة من اللحظات دي ترجع بعد ما تقضي يومك كله مع المساجين"
سخر منها سعيد يبتعد عنها بغيظ شديد :
" على الاقل ارحم منك ومن قعدتك، آخرها ايه ؟؟ خناقة معاهم ممكن تنتهي بسكينة في بطني وموتي ؟؟ برضو ارحم منك ومن قعدتك "
زفرت ميمو بصوت مرتفع تقول :
" ماما زينب كان عندها حق لما كانت بتكلمني عنك، كانت دايما تقولي يا ميمو يا بنتي سعيد ابني ده حيوان مش بيفهم ولا يعرف يعمل حاجة، فاكر نفسه فاهم وخطير وهو لا بيفهم ولا نيلة، وآخره سلة الزبالة "
" امي قالت كده عني ؟؟"
ابتسمت ميمو تقول باستفزاز :
" مش بالضبط أنا ضفت شوية كلمات معبرة اكتر على كلامها "
" طبعا كلماتك المعبرة دي هي الكلمات الزفرة اللي في الجملة "
" الله ينور عليك "
صمت وهي بدورها صمتت تستمتع بالهدوء حولها، وسعيد شرد في النجوم أمامه أمامه وساد الهدوء حولهم إلا من بقايا ضجيج استطاعت تخطي حواجز الستائر الضعيفة وتخطو صوب منطقتهم .
وفجأة قطع كل ذلك صوت سعيد الذي قال ولم ينزع عينه عن النجوم :
" ميمو .."
" اممم"
" لنفترض أنك بنت عادية زي باقي البنات، كان ممكن في يوم تسامحيني لو مكان زهرة ؟! وتفضلي جنبي وتتتجوزيني في آخر الحكاية ؟؟"
نظرت له ميمو من أعلى لاسفل تحاول البحث فيه عن شيء أثار ريبته لتقول:
" مش شايفة ميزة فيك تخليني اتغاضى عن قذارتك يا سعيد غير عيونك الملونة، وأنا مش بحب اساسا العيون الملونة، فلا.. لو كنت بنت عادية ومكان زهرة مش هسامحك "
صمت يهز رأسه مقتنعًا بذلك الرد :
" طب ده لو أنتِ بنت عادية، طب لو ميمو الزبالة هتعملي ايه ؟؟"
ابتسمت ميمو بسمة جانبية تقول وهي ترمقه بشر :
" كنت هوريكِ الزبالة بتتعامل ازاي مع الزبالة اللي زيها يا سعيد، مكنتش هكتفي بس اني مسامحكش، ده أنا كنت هطفحك الجذمة واندمك على اليوم اللي عقلك وزك فيه تيجي عليا وتضحك عليا "
ومجددًا هز رأسه يقول بهدوء :
" طب الحمدلله أنك مش مكان زهرة ولا أنك بنت "
أطلقت ميمو ضحكات مرتفعة، ومن ثم صفعت رأس سعيد تقول بملامح منقبضة كأنها لم تضحك منذ ثواني :
" متهزرش معايا تاني بقى "
ضرب سعيد يدها بغضب شديد :
" أنتِ اللي قاعدة معايا، قومي غوري من هنا "
في تلك اللحظة اقتحم صلاح جلستهما يقول ببسمة مغتاظة وملامح مخيفة :
" اتمنى مكونش بقاطع عليكم الحوار اللطيف ده، بس انا كلمت مأذون اعرفه واتفقت معاه يروحلنا المستشفى بعد كام ساعة كده، فاجهزوا لغاية ما اشوف صالح هيمشي امتى "
ألقى قنبلته ومن ثم تبعها بنظرات حانقة صوب سعيد الذي تجاهله محدقًا في ميمو بصدمة كبيرة :
" أنتم هتكتبوا الكتاب ؟؟؟"
_____________________
كان يحدق فيها ولا يكاد يصدق ما عاشه منذ ثواني، هل الأمر كان بهذه البساطة التي شعرها أم أن سعادته انسته كل ما مر به حتى وصل لتلك اللحظة !!
ابتسمت رانيا تدفع بطبق الحلوى صوبه مرددة :
" دوق الحلويات اللي عملتها هاجر، دي جميلة اوي "
ابتسم صالح يتناول قطعة من الحلوى، ثم قال بلا مقدمات :
" ها هنكتب الكتاب امتى ؟؟"
اتسعت عين رانيا بعدم فهم، ونظرت حولها للمنزل الذي لم يخلو يعد من باقي أفراد العائلتين، لكنها أحبت أن تنفرد بصالح قبل عودته للقاهرة بسبب ظروف عمله هذه الأيام ..
" صالح احنا لسه مكملناش مخطوبين ساعة"
" طب ما هو كده فل اوي، يعني أنا شايف نحدد دلوقتي كتب الكتاب ويكون خلال اسبوع، والفرح براحتنا بقى بعد شهر شهرين اللي تحبوه "
ابتسمت رانيا تميل بعض الشيء كي يصل صوتها المنخفض له :
" ويا ترى عديت العدة للمعركة الجديدة ولا هتدخل أعزل ؟!"
وبمجرد إنتهاء جملتها مال صالح هو الآخر على مسافة مناسبة منها ودس يده في جيبه مخرجًا إياها بمديته يضعها على الطاولة بينهما هامسًا :
" معايا دي ...ومعايا أنتِ "
وبسمة بلهاء أخرى كادت تُرسم أعلى شفتيها :
" وأنا مش هخليك مضطر تحارب يا صالح "
" يعني ؟؟؟"
اعتدلت في جلستها قائلة بجدية :
" يعني أنا وقت ما تتكلم في الموضوع أنا هقنع بابا يقنع اخواتي متقلقش "
منحها صالح بسمة عاشقة يهز رأسه لها :
" مش قلقان والله انا بس مشتاق للحظة دي يا رانيا "
كادت رانيا تجيبه لولا اقتحام عبدالجواد للمكان مرة أخرى وبنفس الشكل، يقف نفس وقفته السابقة يقول بأمر وليس مجرد طلب :
" اخوك برة يلا اطلع قوله اللي طلبته منك عشان ننفذ اتفاقنا "
عض صالح شفتيه بغيظ وغضب مكبوت جعل رانيا تحدق فيه بتوسل أن يهدأ ويساعده وهو فقط استدار لعبدالجواد مردفًا باشتعال :
" تصدق بالله، أنا لو هتنيل اعمل كده فأنا هعمل عشان تخف عن دماغي مش عشان اتفاق ولا نيلة "
هز عدبالجوار رأسه مبتسمًا ببرود شديد غير مهتمًا بكل ما تكرم به صالح :
" المهم أنك هتعمل وخلاص، يلا تعالى معايا "
أشار له صالح ليخرج :
" طب معلش روح اسبقني وانا شوية وجاي"
رمقه عبدالجواد بشك، ليزفر صالح :
" والله جاي وراك، يا اخي عايز اقول كلمة لأختك قبل ما الباقيين يحسوا أننا مش موجودين "
قال عبدالجواد بسخرية لاذعة مشيرًا للخارج:
" هما اساسا حسوا انكم مش موجودين، بس اخوك عامل عليهم حصار برة وانا هربت منه بحجة اني رايح اعمل مكالمة "
أشار له صالح مبتسمًا وهو يميل هامسًا لرانيا :
" شايفة الاخوات، مش الاربع تيران اللي معيشني في حلبة مصارعة "
زجرته رانيا بلطف وتحذير شديد مشيرة بعيونها صوب عبدالجواد الذي لم يتحرك خطوة واحدة تدل على نيته في الخروج من المكان :
" صالح عيب كده "
زفر صالح بحنق شديد كارهًا لكل ذلك الوضع ينهض من مكانه وقد فاض به الكيل من تلك العائلة بأكملها :
" بلا صالح بلا زفت، فين ابوكِ، فين عم رؤوف ؟؟"
كان يتحدث وهو يتحرك صوب الخارج يبحث بعيونه عن رؤوف وخلفه رانيا التي تعجبت انقلاب حالته، وعبدالجواد الذي لا يفهم ما حدث بالضبط .
وصالح يدور في المنزل بحثًا عن رؤوف حتى ابصره يجلس ويتضاحك مع والده وسليمان في اندماج شديد، اقترب منهم مهرولًا يقول وقبل حتى أن يصل لمكانهم :
" عم رؤوف أنا عايز ميعاد لكتب الكتاب "
ألتفت اجساد الجميع حوله من إخوة رانيا، وقد بدا كما لو أن صالح ألقى قنبلة، وهذا ما حدث بالفعل إذ امتلئت ملامح الأربعة بالاستهجان والاستنكار الشديد رافضين تحديد أمر مصيري كالزواج بهذه السرعة، لكن صالح لم يكن يضع أي اعتبارات لكل هذا هو فقط أراد ميعادًا يجعله عيدًا وفرحةً مرتقبة لقلبه ..
كانت رانيا تتابع كل ما يحدث بخجل شديد تحاول أن تتلاشى النظر في عين أيٍ من إخوتها الذي اتسعت أعينهم صدمة ورفضًا لما يُقال .
ابتلعت هي ريقها تحاول أن تتسلح بالشجاعة، وقبل أن تنطق بكلمة، شعرت بقوتها تخونها من نظرة محمد الذي حدق بها يحاول أن يستشف موافقتها من عدمها، ورانيا بسرعة شديد استطاعت أن تدعي البلاهة والصدمة مثلهم تحرك يديها في الهواء ضاربة كف بالآخر ولسان حالها يردد ( لم نكد ننتهي من الخطبة حتى يخرج لنا بأمر عقد القرآن)
وصالح لم تكن تعنيه كل تلك الصراعات أو الأحاديث الصامتة، بل قال بكل جدية :
" مش همشي غير لما أخد ميعاد اجيب فيه المأذون "
_____________________
ساعات طويلة قضاها جوارها يتنعم بانفاسها و يستمتع بملامحها، دون أن يسمح لعينيه أن تحيد عنها لثواني، يستغل اخذها للمخدر اسوء الاستغلال، يضمها بين أحضانه، ويعيش أخيرًا لحظات كانت كالحلم البعيد له .
مد نادر كفيه يربت أعلى خصلاتها بحب، هو هكذا منذ ساعات تقريبًا، ساعات قضاها دون ملل في تأمل ملامحها، بعدما تغلب عليها التعب ودار بينهما حوار طويل انتهى بنومها بفعل المخدر .
تنهد يعود برأسه لساعات قليلة سابقة ..
" يعني أنا فيه ...فيه حد اخد كلية من عندي ؟؟ اتخطفت وكنت هتباع أعضاء ؟؟"
كانت تتحدث بملامح شاحبة، بعدما أصرت على نادر أن يخبرها الحقيقة فهي لم تقتنع بجملة أن إحدى كليتيها تضررت فجائت هنا لإجراء عملية، هل يعتقدونها مجرد حمقاء لا تفقه شيئًا؟؟ إن كان ما يقولونه صحيح فلِمَ إذن لم تشعر بالجوع سابقًا أو أي اعراض جانبية قد تصاحب مرضها ؟؟
ونادر يراقبها بهدوء يدري أن الأمر ليس بسيطًا أو هينًا عليها، هي الرقيقة والهشة تعلم فجأة أنها كادت تذهب ضحية إحدى العصابات .
امسك نادر يدها يحاول أن يجبرها على النظر له والهدوء، لكن نيرمينا كانت تنتفض خوفًا ويدها تحسس جانبها الأيمن، لكن فجأة شعرت باصابعها تتحرك بشكل غريب، نظرت صوب نادر الذي كان يمسك يدها يضعها أعلى يده ويحرك اصابعهما معًا يحاول أن يخبرها ما يعجز عنه، ونيرمينا تراقب أصابعه من بين دموعها ...
كانت دموعها تهبط بهدوء وصمت تسشعر حركات أصابعه على يدها، ورغم عدم فهما لما يريد إيصاله إلا، أنها ابتسمت من بين دموعها، ونادر ابتسم على بسمتها وقرر أن يتبع اسلوبًا آخر ليوصل لها ما يريد .
وضع كفها أعلى شفتيه، ثم بدأ يحركهما ببطء شديد أعلى كفها بكلمة ما، وهي تنظر له تحاول أن تعلم تلك الكلمة التي ينطقها، لتبدأ في تحريك شفتيها بنفس الشكل الذي تشعر به على كفها، مرة وأخرى حتى نطقتها نيرمينا بصوت مرتفع :
" بحبك ..."
ابتسم نادر لها يحرك رأسه لها..
نظرت نيرمينا في عيونه ثواني قبل أن ترفع الغطاء عن قدمها، ثم تحركت ببطء حريصة ألا تزيد من وجع خصرها، ونادر يراقبها بأعين حريصة يأبى عليها الوجع ..
لكن فجأة تناسى كل حرصه وكل شيء يسشتعر بجسدها الذي سكن أحضانه، وهي تضع رأسها أعلى كتفه تهمس بصوت خافت :
" وأنا بحبك "
قلبه ...ويل قلبه من تلك الكلمات التي تجهل تلك الحمقاء تأثيرها عليه، هو في تلك اللحظة على استعداد لنسيان أمر العملية الخاصة بها ويشبعها تقبيلًا وعناقًا، لكنه أشفق عليها، خاصة مع صوت تأوهاتها المتألمة التي بدأت تعلو .
قبلها نادر قبلة رقيقة أعلى خصلات شعرها يعيدها لوسادتها، ثم أشار لها بأصابعه مرتجفة من هول مشاعره أنه سيذهب لينادي الطبيب .
وها هو منذ ذلك الوقت يضمها له رافضًا أن يبتعد، ساعات مرت ولا يدري عددها، هو فقط يستمتع بكل لحظة يقضيها جوراها .
ومن بين كل تلك المشاعر انبثق صوتها هامسًا :
" مختار "
ابتسم ينظر لها بحب لتقول بصوت منخفض :
" أنا عطشانة...عايزة مايه"
تحرك نادر ببطء مزيحًا جسدها بحنو شديد، ثم تحرك خارج الغرفة مشيرًا لها أنه سيحضر لها ما تريد، وقد قرر أن يطالب المشفى بطعام لها .
دقائق حتى عاد يحمل بين يديه صينية يعلوها طعام وشراب لأجل زوجته، وآه من ذلك اللفظ المحبب لقلبه وعقله ..
لكن وأثناء سيره في ممرات المشفى توقف ليبصر من نهاية الممر عدد كبير من الأشخاص يتقدمهم سعيد وميمو وصلاح وشيخ يرتدي زي يعلمه جيدًا ..
اقترب الجميع منه وهو ما يزال يحدق بهم في عدم فهم ليسمع صوت صلاح يفتح يديه له مبتسمًا :
" والله ابن حلال كنت لسه جاي ليك "
نظر لهم نادر بعدم فهم وقبل أن يبادر بالسؤال عما يحدث قال سعيد بجدية وعدم اهتمام لما يحدث :
" هروح اشوف نيمو "
وقبل أن يخطو للغرفة امسك نادر يده يشير له نحو الصينية التي أحضرها لنيرمينا، تعجب سعيد ليتساءل :
" دي لنيرمينا ؟؟"
اومأ له نادر ليأخذها منه سعيد ويدخل الغرفة بكل هدوء، بينما أشار له صلاح بالحديث منفردًا، لكن نادر أبى التحرك وهو ينظر لميمو التي كانت تشعر بالخجل منه ومن نظراته، ولولا يد صلاح لما تحرك :
" تعالى يا نادر عايز اتكلم معاك "
تحرك معه نادر وهو مايزال يرمق ميمو بتعجب، بينما صالح يراقبه يسير مع شقيقه :
" قلبي كان حاسس أن الواد ده يقربلك، تحسي نفس السم بينقط منكم، قلبي مكانش مستريح ليه من اول مرة زي ما مكانش مستريح ليكِ "
وسريعًا تناست ميمو خطلها لتقول غامزة بخبث :
" مش مهم تستريح أنت ليا يا غالي، المهم صلاح
يستريح "
" ما هو عشان التاني زيك، صحيح ما جمع إلا أما وفق "
نظرت له بطرف عينيها تقول قبل أن تتحرك صوب نادر وصلاح لتساعدها على التواصل بيسر :
" ما هو كله بيقع على اللي شبهه يا صالح، بس مش عارفة ليه الموضوع خلف معاك ورانيا اتدبست فيك "
أنهت حديثها تترك صالح يقف بحنق وجواره محمود الذي قال مقتنعًا بكلامها :
" أيوة صحيح عشان كده انا وجوجو وقعنا على بعض"
رمقه صالح باستنكار شديد :
" مش فاهم قصدك من الجملة، اوعك تكون قاصد أنك أنت وهاجر زي بعض ؟!"
" أمال أنت شايف ايه ؟؟"
ربت صلاح أعلى كتفه يقول بجدية :
" أنا شايف تفكر في اللي هتبرر بيه هبلك المرة الجاية لهاجر، وهتصارحها ازاي أنك كنت بتشرب نباتات من نعمل ابوك "
وفجأة انكمشت ملامح محمود بغيظ شديد :
" أنا مش عارف اعمل ايه بجد، الموضوع بقى معقد، كل ده مكانش هيحصل لولا اخوها الفتان "
ضرب صالح كف بالآخر يتعجب وقاحة رفيقه، بدلًا أن يبحث عن حل لازمته، يبحث عمن يلقي الأمر على عاتقه ..
نظر صوب صلاح ونادر وميمو الذين كانوا يتحدثون بهدوء شديد وبسمة تعلو وجه ميمو والتفهم يزين ملامح نادر، امتص شفتيه بحسرة :
" شايف ياض يا محمود الناس اللي حياتهم متيسرة، مش انا اول ما نطقت اني عايز ميعاد لكتب الكتاب فتحوا عليا ابواب الجحيم وكأني جاي اطالبهم بإقامة حرب عالمية "
وافقه محمود وشاركه الحسرة :
" ما هي الدنيا كده يا صاحبي، حظوظ، واخوك حظه من السما، معاه واحدة قادرة زي دي وأخوها طيب ومش فتان وشكله هيوافق على طول، ومش محتاج عقود ولا اتفاقيات عشان يتجوز "
تحدث رائد مغتاظًا من كل ذلك وهو يمسك بيد تسبيح جواره كي يشهد على زواج رفيقه، بينهما مرتضى برتاح مع سليمان على أحد المقاعد الجانبية :
" يا ستار يارب، ربنا يستر والولد يلحق يدخل دنيا، بدل ما يطلع منها على نقالة "
ابتسم له صالح يشير صوب صلاح الذي انكب فجأة بالعناق على نادر والبسمات تزين أوجه الجميع :
" يا عم وأنا اكره الخير لاخويا، ده أنا لو ينفع كنت زغرطله، بس هو يفرح ويستريح ويتهد هو والست القادرة اللي معاه دي "
ابتسم رائد يراقب سعادة صلاح الواضحة وهو يعانق والده يسحب الجميع صوب غرفة نيرمينا لعقد قرانه واخيرًا ..
لكن فجأة وقبل أن يصل الجميع لباب الغرفة توقفت ميمو وهي تنظر للجميع قائلة بجدية :
" لحظة قبل ما نكتب الكتاب أو نعمل حاجة، عندي طلب أو بالأحرى شرط..."
نظر رائد لصالح مغتاظًا، ليبتسم الاخير باحراج كبير ويتحرك صوب الجميع الذين التفوا حول ميمو و التي نظرت لهم نظرات غير مفهومة، وصلاح ينتظر أن تفرغ ما بجعبتها ..
وهي حدقت في عيونه بقوة، ليبادلها النظرات بالمثل، وهناك بسمة خبيثة ترتسم أعلى فمه ينتظر، بل يتوقع ما ستقول، وقد صدق حدسه إذ قالت :
" .............."
___________________________
كل ذلك كان التمهيد للمرحلة القادمة من اللعبة، تمهيد صغير لتلتقطوا الأنفاس استعدادًا للقادم ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل