تحميل رواية «عازف بنيران قلبي» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماتت حروف الحب من دفتر الكلمات، فقد ظلمت مثلما ظلمت، مثلما حكم الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمع أحد أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة. حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخل قلوبهم لقلبي. أصبحت قلوب الجميع قاسية لا تعرف عن الحب شيئًا، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحه أو لا. مات الحب مثلما قتلوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي...! -*-*- في إحدى الأحياء الراقية في مدينة القاهرة، خاصة في ذاك القصر المقام على مساحة شاسعة يحاوطه الحرس من كافة...
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيلا وليد
كاذب أنا . . عندما همست في أذنها
"سعيد أنا من بعدك"
كاذب أنا . . عندما أخبرتها أن
"قلبي ما زال ينبض من بعد فراقك"
كاذب أنا . . عندما قلت
"ما زالت الكرة الأرضية تدور حتى بعد رحيلها"
حقا!
اشتقت إليك .. ما عاد لي القدرة على تحمل غيابك أكثر ..
فمتى ستعودين ...!!
انتهى حفل الزفاف الذي حمد ربه أنه تحمل ما أصاب قلبه. رفع نظره للتي يضمها والدها وتبكي بأحضان. حدث قلبه الضعيف المسكين:
- هل تبكي لابتعادها عن والدها؟ أم تبكي أنها لم تكن ملكه؟
أطبق على جفنيه بألم يعاتب نفسه على ما أحس به وبدأ يلوم نفسه:
- اوعى يا غبي. دا أخوك حبيبك. مجرد التفكير فيها خيانة. أصابته رغبة عارمة في نزع قلبه وتمزيقه لأشلاء بسبب ما جعله بهذا الضعف.
اتخذ نفسًا طويلًا يشحن رئتيه المتألمتين بالأكسجين الذي شعر بأنه فقده. توجه لسيارته سريعًا يبعد بصره عنها عندما خرجت من أحضان والدها تنظر إليه تعاتبه.
اتجه سليم يضمها ويربت على ظهرها هامسًا لها بصوته العاشق:
- حبيبي ليه الدموع دي؟ هو أنت مش واثقة فيا؟
استجمعت شتات نفسها وقوتها حينما فقدت القدرة على نفسها وتمنت دفعه بعيدًا عنها. انزلقت عبراتها وسارت بخطى ثابتة رغم ضعفها وتحركت تستقل سيارته المزينة بجوار سليم. ابتسم سليم واقترب يزيل دمعاتها العالقة بأهدابها:
- حبيبتي بطلي عياط كلها شهر وترجعيلهم. بلاش تحسسيني أنا هخطفك.
فقدت قدرتها على الكلام وبدأت تهدأ رويدًا رويدًا. اتجه بأنظاره لراكان الذي يقود السيارة بصمت فتحدث:
- مش عارف أشكرك إزاي ياراكان. ربنا يخليك ليا ياحبيبي ومتحرمش منك.
رفع بصره ينظر إليه من خلال المرآة وتحدث بصوت جعله متزنًا بعض الشئ:
- متقولش كدا ياحبيبي. انت أخويا الصغير ولو طلبت روحي مش هتأخر عنك. اتجه ببصره إليها وأكمل:
- مستعد أتخلى عن نفسي عشانك ياسليم. خليك متأكد من كدا.
تقابلت نظراتهما بعتاب فأغمضت عيناها وانزلقت عبراتها كالشلال مما جعله فقد قدرته على حركة السيارة. صاح سليم بصوت مرتفع كي ينتبه:
- راكان إيه اللي حصل؟
أنفاسه مرتفعة. وصدره تحول لكتلة من النيران تحرقه دون السيطرة على حال. أخيرًا سيطر على السيارة متوقفًا على جانب الطريق، يأخذ أنفاسه بصعوبة. ثم ترجل سريعًا معتذرًا:
- آسف. شكلي شردت شوية. عندي قضية مهمة بحاول ألاقي لها حل. هجيب ميه وراجع. قالها متحركًا نحو المتجر الذي يقربهما ببعض الخطوات. تحرك سريعًا، تاركًا عبراته تنزل على وجنتيه تغسلها كما يغسل المطر ذنوب البشر.
توقف عندما شعر بإنسحاب أنفاسه. وكأن هناك صخرة تطبق على صدره. واضعًا يديه يمسد على صدره ينظر للسماء وتحدث قلبه كحال لسانه. فليت ربي يسمع لي ما أقوله. ليت ربي يعفو عن عبده المذنب:
- ياربي ماهذا الاختبار الثقيل الذي وضعتني به. يارب ارحم قلبي. يارب عارف إني عبدك الضعيف الذي اتجه لطريق الذنوب ولكنه أعاد بعدما شعر بضياع نفسي. بعينين هالكتين وقلب فتته الوجع أطلعه من شدة قساوة القدر.
ربي لقد ثقل قلبي بالهموم. ربي أخرجني من ظلمات طريقي وردني إليك ردًا جميلًا.
تذكر دعاء والدته في كثير من الليالي:
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
هو لم يكن يعلم تعني له هذه الأدعية. لرجل فاقد لمعنى الإيمان. رجل مليئ بالذنوب.
لحظات واقفًا ثم اتجه يجلب قنينة من المياه. ثم عاد بعد فترة. دلف السيارة لم يتوجه بالنظر إليها مرة أخرى. وقاد السيارة بصمت. فيكفي ما فعله سليم عندما قام بتشغيل كاسيت السيارة على الأغاني الرومانسية. ضمها حتى وضعت رأسها على كتفه وأدعت نومها.
وصلوا بعد قليل لمطار القاهرة. ترجل سليم أولًا متجهًا إليها يساعدها في النزول من السيارة. ترجل هو الآخر متجهًا معهما لداخل.
ظل معهما لبعض الوقت حتى انتهيا من المعاملات الرسمية. ثم توجها لطائرتهما الخاصة التي تنقلهما للأراضي اليونانية في بداية الأمر.
ضم سليم وربت على ظهره:
- ألف مبروك ياحبيبي وربنا يتم سعادتك على خير. عيش واتبسط مع عروستك. وبلاش تشغل بالك بتوفيق. كل الكلام اللي قاله ماهو إلا هوى. هي خلاص بقت من عيلة البنداري. ودا كفيل أنه ممنوع حد يقترب منها.
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه متجها إليها مع أخيه ثم أردف:
- ألف مبروك للمرة التانية ياباشمهندسة. بالرفاء والبنين إن شاء الله.
ابتسمت ابتسامة بسيطة وأجابته:
- عقبال حضرتك إن شاء الله.
أومأ برأسه دون حديث. وظل واقفًا حتى أقلعت الطائرة بهما. ظل لبعض الوقت ينظر حوله كطفل فقد والدته. تحرك بساقين هلامتين. متجها لسيارته. جلس بالسيارة لبعض الدقائق بصمت. ثم اتجه مغادرًا لمنزل حمزة.
عند سيلين اتجهت مع والدها ووالدتها لمنزلهما.
توقف يونس أمام سيارة والدها. ترجل سريعًا متجهًا لعمه:
- عايز أتكلم مع سيلين شوية ياعمي.
أجابته زينب سريعًا:
- سيلين تعبانة يا أسعد. همست له ببعض الكلمات حتى لا تعطي فرصة ليونس الاختلاء بها.
أجابه أسعد:
- بلاش النهاردة ياحبيبي. بكرة يبقى اتكلم. وبعدين إيه الموضوع اللي كل شوية عايز سيلين فيه؟
لم يجب عمه وأسرع يفتح باب السيارة وجذب يديها كالمجنون.
حاولت التماسك أمامه ولم تظهر أي تعابير على وجهها رغم ضعفها بحضرته ولكنه حطم كبريائها فدنت منه تشير بكفيها لوالدتها التي غضبت من يونس وأردفت:
- مفيش بينا كلام يابن عمي. الكلام خلص يوم ماطعنتني واستهزأت بمشاعري. ودلوقتي عيب تكون دكتور محترم وتقطع الطريق على عمك زي قطاعين الطرق.
نزعت يديها بعنف ودفعته:
- روح كمل سهرتك مع خطيبتك يايونس وحل عني.
استقلت السيارة وهي تشير لوالدها:
- الدكتور يابابا مضايق مفكر أن "علي" صديق سليم فيه بينا علاقة. وهو قصده شريف وكان عايز يتكلم مع حضرتك. لكن طبعًا الدكتور يونس مفكر نفسه واصي. نسي أن فيه حضرتك وأخواتي. نجحت في غرز سهمها في منتصف قلبه.
احتدت نظرات أسعد وأشار إليه:
- ابعد عن الطريق بدل ما أنزلك يايونس. قالها بغضب عندما شعر بحب يونس لابنته ورغم ذلك خطب سارة. كأنه يعيد أيامه. فغضب عندما تذكر ضعفه أمام والده. لا لم يترك ابنته لتكون لقمة صائغة لهم. هم اكتشفوا أمرها. فهي وما بعدها الطوفان.
عند أسما كانت تجلس على فراشها. تقوم بالتقليب بين الصور. ضحكاتهما المنيرة بهم.
ليلى وأسيا وهي. صداقة تجمعهم منذ عشر سنوات. مثل صداقة نوح وراكان وحمزة ويونس ولكن صداقتهم منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. صداقة لم يصل إليها شوائب. أو خيانة.
ابتسمت بحب عندما وجدت صورة ليلى على الحصان. مدت أناملها لتكبر الصورة وجدته. كان يقف يناظرها وعيناه ينبعث منهما العشق.
تنهدت بوجع تعاتب نفسها:
- إزاي ما أخدتيش بالك من الحب دا كله يا أسما؟
خايفة يكون أنا السبب في وجعهم. أنا اللي فضلت أقولها انسيه.
رجعت خصلاتها للخلف بضيق. يارب ساعدها. وانزع حبه من قلبها. عارفة ليلى ضعيفة من جهة راكان.
تذكرت ذاك اليوم وهو اليوم الذي كانت على خطوة من فقدانها أعز مالديها. وصل حمزة إليهم بعدما علم ما فعله نوح. وبدأ يثور بغضب:
- وبعدين انتوا فيه إيه؟ واحد بيعشق واحدة وسايب أخوه يتجوزها. والتاني سايب حبيبته برضو ورايح يخطب واحدة ولا كان عايز يغتصبها.
صاح بغضب وبدأ يحطم ما يقابله:
- قولي ياحضرة وكيل النيابة النابغة. هتتصرف إزاي مع أخوك يوم فرحه؟ راكان لازم توقف جوازة سليم. متخلينيش أدخل وأقوله إنك بتحب ليلى.
شهقة قوية خرجت من جوفه واتجه سريعا.
يضع كفيه على فمه وتحدث بصوت جحيمي:
- هموتك ياحمزة. اقسم بالله أموتك. أخويا هيتجوز البنت اللي بيحبها. سمعتني قولت إيه؟ قولتلك البنت اللي بيحبها أخويا. مش اللي راكان بيحبها.
دفعه حمزة بغضب:
- بتغلط ياراكان. انت بتغلط ومش أي غلط. لا دا جنون ممكن يوصلك للخيانة.
أشعلت كلماته جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه والتي تحولت للون الأحمر وملامحه التي اكفهرت وباتت مرعبة.
هز رأسه كالذي مسه مسا جنونية:
- عمري ماهعملها. إنت واحد مجنون.
اقترب حمزة يدقق النظر بعينه وأردف:
- النظرة منك هتكون خيانة ياصاحبي. ماهو القلب ملوش سلطان. هتقدر تتحمل تشوف ليلى في حضن أخوك؟ هتحمل توقف تبارك لهم يوم الفرح وتتمنى له السعادة؟ فوق ياراكان قبل ما توصل لطريق آخره دمار ليكم انتوا التلاتة.
- اسكت ياحمزة مش عايز أسمع صوتك. آه هقدر وهعمل كل اللي يسعده. وليلى يوم ما لبست دبلة أخويا حرمتها على نفسي. حتى لو اضطريت أكمل حياتي مع أحقر ست قبلتها في حياتي. أهم حاجة ما أكسرش سليم.
جلس حمزة ينظر إلى نوح الصامت:
- وانت ياحليوة. إيه رأيك في موضوع حضرة النايب؟
نظر له بعيون دامعة قائلاً بصوت متقطع:
- ياريته يسمع مني. على الأقل عرف أن ليلى بتحبه. يعني وقتها المفروض يوقف الجوازة دي.
جحظت أعين حمزة قائلاً:
- ليلى بتحب راكان! بدأ يدور حول نفسه.
لما بتحب راكان هـتتجوز سليم إزاي؟
رمقه راكان بنظرة جحيمية:
- نوح اتجنن وبيقول كدة وخلاص. مش عارف بيقول إيه.
نهنهات متقطعة وأصوات مستنكرة خرجت من جوفه.
أطبق نوح على جفنيه وتحرك للخارج:
- أنا بقول يمكن. معرفش.
دقق حمزة النظر بأعين راكان:
- ليلى بتحبك؟
اتجه بنظره للجهة الأخرى ولم يجبه.
وضع رأسه بين راحتيه وتحدث:
- يبقى كدا أنا عرفت اللعبة.
ضيق عيناه متسائلا:
- تقصد إيه؟
ابتسم بسخرية وأكمل:
- إنها عملت كدا عشان تضرب عصفورين بحجر. تنتقم منك وتهرب من أمجد.
مسح راكان على وجهه وتوقف متجهًا لسيارته.
- أنا تعبان وعايز أنام. هدخل أنام هنا مش راجع البيت.
خرجت أسما من شرودها عندما استمعت لرنين هاتفها. وجدت اسمه ينقش على هاتفها.
ابتسمت بسخرية على القدر الذي تحكم بمصيرهما. انسدلت عبراتها تتذكر طفولتها من ذاك الرجل المتجبر الذي يدعى والدها.
(فلاش باك)
- ألقاها على الأرضية الباردة بتلك المنامة الصيفية التي كانت ترتديها بفصل الشتاء القارص وصاح بغضب:
- راح تشتكيني للدكتور يحيى؟ أنا يابنت الـ*** مانع عنك الفلوس والدروس. طب والله ما فيه مدرسة تاني.
زحفت تتعلق بأقدامه:
- والله يابابا أنا ماقولتله حاجة. هو بيسألني مرحتيش الدرس ليه يا أسما؟ قولتله تعبانة. بس ياسر قاله بابا مش معاه فلوس لدرسها.
بكت بنشيج وتحدثت بصوت متقطع:
- وحياتك يابابا بلاش تحرمني. أنا بحب المدرسة ونفسي أدخل ثانوي عشان أكون مهندسة.
دفعها بقدمه ثم سكب أبريقًا من المياه الباردة على جسدها. ثم تحدث متهكمًا:
- ثانوي إيه يابت. اتجننتي ومين هيصرف عليكي؟
نهضت مستندة على ذراعيها النحيفتين وأشارت لنفسها:
- أنا هشتغل وأصرف على نفسي يابابا. مش هقولك عايزة حاجة.
اقتربت تقبل كفيه:
- وحياتي يابابا بلاش تحرمني من التعليم.
أمسك ذقنه يمسد على ذقنه وتحدث:
- أوماله. بس طبعًا هاخد منك شوية فلوس. مفيش مانع. وكمان متنسيش هتخدمي مرات أبوكي طول الليل وهي بتبسط أبوكي. يمكن تتعلمي وتشوفيها بتعمل إيه مع أبوكي. عشان لما تتجوزي تبسطيه وتقلديها بحركاتها. ودلوقتي قومي فزي. جهزي الحمام لمرات أبوكي. وحضري نفسك عشان تنبسطي يا أسوم.
خرجت من ذكرياتها الأليمة وهي تشهق شهقات مرتفعة. تضع يديها على أذنيها حتى تمنع تلك الضحكات المشمئزة التي أصمت أذنيها وصورهما أمامها. ظلت تبكي وتبكي إلى أن جفت دموعها.
***
عند ليلى وسليم.
وصلا الفندق الذي يقع بأحد أشهر الجزر اليونانية. ويقع بأحد الغابات. حيث تمتاز هذه الجزيرة بالغابات ومظاهرها الطبيعية الخلابة.
سحبها للداخل وهو يحثها على التقدم لقضاء حفلهم المخصص.
عند نوح. بعد انتهاء حفل الزفاف. اتجه مع زوجته لفيلا الكومي. جلس بعد الوقت. اتجهت إليه لميا وجلست بمقابلته.
- نوح إزاي سليم يتجوز حبيبة أخوه؟
قام بإشعال تبغه ولم يجب عليها. نهضت واستندت على ذراع مقعده تربت على كتفيه.
- طيب وآخرة اللي بتعمله دا إيه؟ ممكن تقولي.
اتجه يقف أمام النافذة وتحدث بصوت حزين:
- أنا يعتبر مش عايش يالميا. نوح اتقتل يوم مارضيت بالأمر الواقع.
اتجه بنظراته إليها ونظر إليها نظرة غريق يحتاج من ينقذه من ظلمات البحر وأردف:
- عايز أهرب من كل دا. تقدري تساعديني؟ تقدري تقنعي يحيى الكومي يبعد عن حياتي.
دنت منه تربت على ظهره وأخذت نفسًا تزفره بهدوء قائلة:
- نوح إنت لسة بتفكر في أسما. هو مش إنت قولتلي إنك نسيتها؟
أخذ نفسًا طويلًا من سيجاره ونفثه دفعة واحدة وهو يطالع أخته.
- تفتكري حب عشرين سنة يتنسي في يوم وليلة؟
وصل والده وتحدث بغضب:
- تعالى على المكتب يامحترم فيه موضوع لازم نتكلم فيه.
ابتسم بسخرية ينظر لأخته:
- أهو الدكتور مابيكلمنيش غير لما يكون عايز يؤمرني بحاجة.
تنهد بوجع وقبل رأس أخته:
- ارجعي لجوزك. بلاش تطولي في القاعدة عند يحيى الكومي ليفكرك متخانقة معاه ويفضل يضرب مواعظ.
- نوووووح! صاح بها يحيى بغضب.
أومأ برأسه ودلف للداخل. ثم جلس أمام والده الذي يرمقه بغضب.
- بقالك أد إيه متجوز يادكتور؟
مط نوح شفتيه ورفع بصره لوالده:
- مش فاكر. ممكن سبعين سنة.
ضرب يحيى بكفيه على سطح المكتب وصاح بصوت ارتجت له جدران المنزل وتحدث بغضب:
- انت هتستعبط؟ بقالك أكتر من شهر ولسة مدخلتش على مراتك لحد دلوقتي. انت عايز تجلطني؟ مش خايف على سمعتك ياحمار.
لفظ الهواء بقوة من رئتيه قبل أن ينظر للبعيد ولم يجيب والده. ظل يقاوم نيرانه الملتهبة عاجزًا على الرد على والده. أفاقه والده عندما توقف أمامه ولكزه بكتفه.
- إيه يلا؟ فين رجولتك؟ لما تخلي عروستك بعد شهر تفضل بنت زي ماهي؟
نصب نوح عوده وتوقف واستدار للمغادرة. توقف والده وبدأ يهزه بعنف عندما وجد بروده.
انزل يد والده ودنى منه قائلًا:
- عايز تعرف إيه؟ أيوة أنا كدا بالظبط مش راجل. يارب ترتاح يادكتور. وياريت تشوفلك صرفة في البنت اللي ملهاش ذنب فوق دي.
ذهل يحيى من حديث ابنه. وهز رأسه غير مستوعب حديثه.
- إزاي مش راجل يعني؟ يعني اللي فهمته صح؟ انت بتقول إيه؟
هز رأسه وبدأ يتمتم:
- لا مستحيل. أنا ابني مش ناقص.
سقط هاويًا جالسًا على المقعد كمن تلقى ضربة موجعة قصمت ظهره نصفين وهشمت عموده الفقري.
ابتسم نوح بسخرية وتحدث بتهكم:
- ليه؟ عشان ابن الدكتور يحيى.
وصل يحيى إليه بخطوة وسحب كفيه:
- تعالى نروح لدكتور نشوف إيه العيب.
نزع يديه من والده وتحدث بغضب لأول مرة أمام والده:
- هي الرجولة عندك في كدا بس يادكتور؟ اهدى على أعصابك شوية. الرجولة عندي ياحضرة الدكتور إني مطلعتش أد كلمتي مع البنت اللي بحلم بيها.
ظل يحيى يطالعه مصدومًا يستوعب كلماته. ثم جذبه من كفيه وتحرك غاضبًا.
- دلوقتي هتطلع لمراتك وتتم جوازك عليها. وسيبك من شعاراتك دي.
نزع يديه ورمق والده بنظرة خذلان. ثم خرج سريعًا ولم يتحمل مكثه بذاك المكان الذي أطبق على صدره حتى شعر بعدم قدرته على التنفس. وبدون مقدمات تحرك مستقلاً سيارته سالكًا طريقًا واحدًا بسرعة جنونية ألا وهو طريق مزرعته.
***
أما عندها كانت تحتضن نفسها كطفل رضيع يحاوطها الظلام. ودموعها التي كالشلال تحرق وجنتيها كاحتراق قلبها. رن هاتفها. نظرت لشاشته. فتحته وأردفت بصوت باكي:
- ليلى وصلتي ولا إيه ياقلبي؟
أجابتها ليلى:
- وصلنا الفندق بس عاملين حفلة ولسة هتبدأ. قولت أطمن عليكي. أشوفك عاملة إيه بعد ماشوفتي مرات نوح النهاردة في الفرح.
- أنا كويسة ياليلى. متخافيش مريت بأكتر من كدا.
أطبقت على جفنيها وشهقة خرجت من جوفها:
- لا مش كويسة خالص. أنا هموت ياليلى.
استمعت لصوت توقف سيارة أفزعها. فكأن أحدهم اقتحم المزرعة.
- ليلى اقفلي هكلمك بعدين. هشوف إيه اللي بيحصل برة. واتبسطي بالحفلة حبيبتي ولما تكوني فاضية يبقى كلميني.
قالتها أسما بمزاح ثم أغلقت الهاتف.
استمعت لطرقات قوية فوق باب منزلها وهو يصيح بصوت كالذي مسه مس شيطاني:
- أسمااا افتحي الباب والله هكسره فوق دماغك.
انسدلت عبراتها بقوة. فصوت بكائه وهيئته التي تخيلتها بليلة كهذه أبكت قلبها. أمسكت هاتفها بيد مرتعشة وهاتفته:
- الحقني ياحضرة المستشار نوح هنا وشكله شارب. لو سمحت ألحقني متخلنيش أضطر أتصل بالدكتور يحيى.
- تمام ياباشمهندسة. أنا هتصرف.
كان جالسًا بعد توديعه لأخيه عند حمزة. نهض يجمع أشيائه الخاصة.
- نوح راح لأسما وشكله شارب. قوم قبل ما يعمل مصيبة.
اتجه الاثنان ووصلا بعد قليل للمزرعة. بحث عنه ولكنه غير موجود. توجه لمنزله وجده يجلس ويتجرع من الكحول حتى فقد عقله.
قهقه عندما وجدهما:
- راكي باشا اللي سلم حبيته لأخوه. وعامل أسد الغابة. لا برااااافو عليك ماتسلمني قلبك البارد دا شوية. يمكن أعرف أنام.
أطبق راكان على جفنيه. ثم اتجه إليه ينتزع منه كأسه. وساعده في النهوض.
- نوح كفاية شرب. إيه اللي عامله في نفسك؟
قهقهات وهو يتخبط بسيره:
- لا جدع يلا. أسد حق وحقيقي.
اقترب من راكان وأمال بجسده ينظر لمقلتيه:
- راكي باشا إنت عارف أخوك بيعمل إيه في حبيبتك دلوقتي؟
توقف مجرى الدم بعروقه وتثلجت أوصاله. فلم يشعر بنفسه إلا وهو يصفعه صفعة قوية هوت على وجنتيه. ثم دفعه وكأنه تحول لمارد. جذبه من ثيابه ودفعه بقوة بغرفته حتى سقط على الأرض. أشاح بعينيه بعيدًا عنه يحاول تمالك أعصابه الذي أشعلها بكلماته.
وقف حمزة بينهما:
- راكان اهدى اتجننت؟ هو مش حاسس بنفسه. بيقول أي كلام وخلاص.
خرج من المنزل سريعًا متجهًا لسيارته. أسرع حمزة واقفا أمام السيارة:
- مش هتمشي وانت كدا. انزل ياراكان.
توهجت عينيه وضرب على المقود وصاح بغضب:
- ابعد عني هموتك وهموته. ابععععد ياحمزة.
قالها راكان بغضب عارم.
وقف حمزة عاقدًا ذراعيه أمام صدره وتحدث:
- عايز تمشي دوس عليا الأول.
خرجت أسما على صوت راكان وحمزة. تخيلت أن نوح أصابه مكروه. وصلت لعندهما وتساءلت بصوت متقطع:
- فيه إيه؟
وصل حارس الخيول على صياحتهم هو كذلك. وكذلك أسيا التي استيقظت من نومها.
نظر راكان للجميع ثم ترجل من السيارة عندما وجد أسما تقف بجوار حمزة وعينيها مرتعبتين.
دلف وبدأ يتجرع من الكحول. فكلما تذكر حديث نوح. قبضة قوية تعتصر قلبه وكأن قلبه فوق نيران تحترقه. انسدلت عبراته وهو يحدث نفسه بجنون:
- ياترى هي سعيدة دلوقتي وهي معه؟ ليه ياليلى تعملي فيا كدا؟ ليه توجعي قلبي كدا؟ دا لو عدوي عمره ما يفكر يأذيني زي ما إنتِ عملتي فيا.
آه حارقة خرجت من قلبه تحرق جوفه بنبضه:
- عمري ماحبيت زيك. وعمري ما اتوجعت زي ما اتوجعت منك.
ظل يتجرع وخيل له صورتها مع أخيه.
جذب البار بغضب حتى سقط متهشمًا بكل ما به.
بدأ يثور ويحطم كل ما يراه. ويصيح بصوته الصاخب:
- أنا بكرهك بكرهك ياليلى. بكرهك آآآه.
ثم جلس بظهر منحني ومقلتين مغروقتين بالدموع يشعر بالقهر. ضغط على صدره بقوة:
- وحياة كل وجع ليا لأمسحك من حياتي حتى لو كلفني الأمر أني أوقف نبض قلبي خالص.
همس بها لنفسه متوعدًا.
اتجهت أسما بأنظارها لحالته واردفت:
- هو ماله ونوح فين؟
تساءلت أسما التي تقف بجوار حمزة وأسيا.
اتجه حمزة إليه، نظر إليه بوجع، هامسًا لنفسه:
- ولسة الوجع هيبدأ ياصاحبي، لسة مش شفت حاجة.
وصل إليه ثم ساعده على النهوض. أجلسه على الأريكة وضمد جراح يديه، ممسدًا على ظهره.
- راكان، ممكن تهدى؟ يعني لما تشرب وتعمل كدا هتستفيد إيه؟
فرد جسده بعدما حرر حمزة جاكيته من عليه. أغمض عينيه، واضعًا كفيه المجروحتين فوق وجهه.
- راكان مكتوب عليه الوجع بس ياحمزة، جاي الدنيا دي تخليص ذنوب.
ربت على كتفه وتحدث:
- لدرجة دي حبيتها ياراكان؟ عمرك ما اتعلقت بواحدة كدا، عمري ما شفتك ضعيف كدا، حتى لما حلا سابتك ببدلة فرحك مكنتش كدا.
حاول فتح جفنيه، وانزلقت عبراته.
- بقالها سنة وحبها بيتمكن مني، أصلها حلوة قوي، مش شفتهاش زي ما أنا شفتها، أنا شفتها بقلبي ياحمزة.
تنهد حمزة وتساءل:
- لما بتحبها قوي كدا، ليه سبتها تتجوز أخوك؟ إنت عارف نتيجة اللي عملته إيه؟
ابتسم بسخرية:
- قدرنا كدا، يمكن عقاب من ربنا على ذنوبي، يمكن مستهلهاش.
قاطعه حمزة:
- ويمكن هي مستهلكش، مع أنها حست بيك راحت اتجوزت أخوك، يبقى دي تنداس عليها ياراكان، مش دي اللي أوجعت قلبي عشانها.
رفع بصره لحمزة:
- تفتكر هي حاسة بإيه دلوقتي؟
سحب حمزة نفسًا وطرده دفعة واحدة:
- تفتكر واحدة مع جوزها ليلة فرحها هتبكي على واحد مش شفت منه غير إنه بتاع ستات.
دنا وهمس له:
- اللي تفكر تدوس على قلبها عشان توجع حبيبها، دي تعمل كل حاجة عشان تنساه، ودلوقتي هي بتعامله كزوجة، ياريت تفوق وتمسحها زي ما مسحتك، ودوس على قلبك زي ما عملت مع حلا وتوفيق، مش حمزة اللي هيقولك تعمل إيه ياراكان.
تنهد ثم نهض، ناظرًا إليه:
- مش راكان البنداري اللي واحدة تكرهه في أخوه، مش دا كلامك.
- إنت صح ياحمزة، أنا هعالج نفسي، وهرجع أقوى مما تتخيل.
يارب تفوق قبل ما يحصل مالا نحمد عقباه ياصاحبي.. وتعمل اللي راكان دايمًا بيعمله لما التيار يجرفه.
قالها ثم خرج للخارج يبحث عن أسما. كانت أسما وأسيا يجلسون أمام المنزل مع عامل الأسطبل، يدونون بعض الأشياء. اتجه إليهم ملقيًا السلام.
رفعت الفتيات أبصارهما إليه وأجابوه. نهضت أسما متجهة إليه.
- حضرة المستشار بقى كويس؟ تساءلت بها أسما.
جلس حمزة على الأريكة التي توضع بالخارج. فرفع نظره لأسما:
- عايز منك طلب ياباشمهندسة.
تحركت أسيا قائلة:
- أسما هعمل قهوة، أعمل حسابكم. قالتها وهي تنظر لحمزة.
ابتسم بهدوء:
- لو مش هتعب حضرتك يابشمهندسة.
تحركت أسيا متجهة للمنزل التي تمكث به أسما:
- لا تعب إيه ياأستاذ حمزة.
جلست أسما بمقابلة حمزة:
- سامعة حضرتك ياأستاذ حمزة. تنهد وأردف:
- كنت عارفة راكان وليلى بيحبوا بعض.
اتجهت بنظرها للبعيد ولم تجاوبه. تنهد ثم سحب نفسًا وطرده مرة واحدة:
- بصي ياباشمهندسة، أنا شغليتي محامي، يعني بحاول أوصل للحقيقة، وأنا مع راكان، راكان بيقول فيه حاجة خلت ليلى توافق على سليم، وأكيد الحاجة دي محدش يعرفها غيرك، يارب متخيبش ذكائي.
وقفت تفرك كفيها ببعضهما ثم أردفت:
- أنا تعبت وعايزة أنام، متنساش حضرتك النهاردة كان فرح وتعبانة.
نصب عوده وأردف بجدية:
- لو سمحت ياباشمهندسة لازم أفهم، لو سمحت عايز أفهم فيه حاجة مش عارف أوصلها، إنت فاهمة المصيبة اللي ليلى حطت نفسها فيها؟ يعني تحب واحد وتتجوز أخوه؟
أشار بيديه على راكان الذي يجلس ويتجرع من الكحول:
- تخيلي كدا لو اتواجهوا في الوقت دا، إيه اللي ممكن يحصل؟
رفعت بصرها إلى راكان ثم اتجهت إليه:
- حضرتك عايز تفهمني إن سيادة المستشار عامل كدا عشان ليلى؟ لا ياأستاذ حمزة هو على طول كدا.
اقترب بعض الخطوات وتحدث بهدوء:
- اللي هو إيه ياباشمهندسة؟ قصدك إنه يشرب بالطريقة دي؟
أبعدت ببصرها عنه وصمتت. وقف أمامها وجهًا لوجه وتحدث بهدوء رغم حزنه على صديقه:
- "اسما" تسمحيلي أقولك أسما بدون ألقاب؟ اعتبريني زي أخوكي.
أومأت برأسها صامتة. اتجه بنظره للأريكة:
- اقعدي، لازم نتكلم.
تفشى الخوف بأوردتها، فجلست تستمع إليه.
***
عند ليلى وسليم.
دلفا إلى جناحهما الذي يعد خاصًا للعروسين. دلفت ليلى أولًا تحمل فستان زفافها، لأنه يعوق حركتها. كان جسدها ينتفض من شدة خوفها، فكيف ستواجه الليلة الأصعب بحياتها. على عكس الكثيرات من الفتيات اللاتي ينتظرن هذه الليلة لينعمن بها. دلفت تنظر حولها بشتى أركانها تتذكر حديثه الذي شق قلبها لنصفين.
قبضت على فستانها وانزلقت عبراتها، تهمس:
- ليه ياراكان تكسرني كدا؟
حاولت أن تتنفس فلم تعد تتحمل ما تمر به. نعم أخطأت، ولكنها ماذا كانت ستفعل؟ أتترك عائلتها لذاك المنحط الذي خرج فوق سطوة القانون.. زفرت بإختناق يعوق تنفسها.
دلف سليم بعدما توقف مع المسؤول عن الفندق ليشكر على استقبالهما وحفلتهما التي أعدت خصيصًا لهما. دلف يبتسم وهو يتحدث:
- بجد مش عارف أشكر راكان إزاي، ربنا يخليهولي، تعرفي ياليلى على الرغم إن السن مابيننا مش كبير لكن بحسه أبويا مش أخويا.
دموعها صارت كالشلال. نهضت عندما لم تقو على السيطرة أمامها. فكل حديثًا عنه يشعرها بخيانتها، حتى أيقنت لنفسها لو ظهر أمامها الآن ستترك كل شيء وتعانقه فقط حتى تشبع روحها. دلفت سريعا متجهة للمرحاض وهي تتخبط بسيرها ويعوقها فستانها حتى كادت أن تسقط.
استغرب سليم حالتها التي أصبحت عليها، فهي صامتة منذ صعودهما السيارة، ولم تتوقف عن البكاء. دموعها فقط التي كان يراها.
أمسكت هاتفها بيد مرتعشة، تضع كفيها على فمها تبكي بنشيج.
- أسما.. قالتها ببكاء زلزل قلب أسما. نهضت أسما وحاولت التحدث إليها.
نبرة الألم في صوتها، وأحست أسما أنها ليست بخير كما ادعت. سحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة بكاء تجتاحها بقوة، فأردفت:
- "ليلى" اهدي خالص تمام، انسي أي حاجة دلوقتي، فكري في حاجة واحدة بس ياليلى، إن سليم جوزك وبس، وإياكي تفكري في حاجة غير إيمانك بربك، متخليش شيطانك يتلاعب بيك. سليم راجل ويستاهل حبيبتي.
مسحت أسما دموعها التي سقطت رغما عنها عندما استمعت لصوت شهقاتها.
- طيب أقولك حاجة عشان ترتاحي، راكان دلوقتي مع واحدة هنا في مزرعة نوح، واتجوزها عرفي وجاي يقضي ليلته هنا، يعني إنت صح زي ما قولتي، كان عايزك من جواريه، ويقضي ليلة، واتأكدت بنفسي، لما سمعته بيقول لنوح.
تابعت أثر كلماتها النارية عليها ولم ترحم قلبها، فأكملت: وكمان قاله...
- إنت صدقت إني ممكن أحبها؟ أنا بقولك كدا عشان مخسرش الصحوبية بس، دي زيها زي اللي بسهر في حضنهم.
شوفتي هو بيعمل إيه؟ دا ميتبكيش عليه يالولا، امسحيه من حياتك ياقلبي وعيشي حياتك، سليم راجل بجد، وأهم من دا كله إنه بيحبك.
ساد صمت مختنق بحزن لعدم استيعابها لما قالته أسما. هزت رأسها رافضة حديثها. أغمضت جفونها من أثر الرجفة التي هجمت على جسدها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة، فصاحت بصوت مختنق:
- لا ياأسما، أنا أول مرة أشوف دموعه النهاردة.
هبت أسما من مكانها ثم أخذت عدة أنفاس علها تستطيع الوصول إلى ما تسعى إليه، فصاحت بغضب:
- ليلى فوقي بقولك راكان مش بتاع حب، وهو بس صعبان عليه إنك هزمتيه، أنا اللي أعرفه أكتر منك، سامعة.
اجهزي ياعروسة لعريسك، ومتنسيش إنك دلوقتي متجوزة، إيه عايزة تطلعي خاينة؟ خلاص مينفعش نبكي على اللبن المسكوب، حتى لو ما جوزتيش سليم، أنا كنت مستحيل أسيبك تتجوزي راكان، سمعتيني.
أغلقت الهاتف وأنفاسها تتسارع بصدرها، حتى أصبح جسدها يصعد ويهبط بصوتها المفعم بالبكاء والأنتفاضة ورعشة جوفها، همست لنفسها:
- وحياة خيانتك كل مرة لأخليك تتعذب زي ما عذبتني ياراكان. آآه، قالتها بقلبها يأن وجعًا.
نهض حمزة ووقف أمام أحد الأشجار واتجه بنظره إلى أسما:
- شكرًا ياباشمهندسة، بجد شكرًا، عارف إحنا ممكن نكون اتصرفنا غلط، بس كان لازم نعمل كدا.
نهضت ووقفت بمقابلته وتساءلت:
- إيه اللي عرفك إن ليلى هتتصل بيا في وقت زي دا؟
تنهد ورفع نظره إلى الذي يغط بنوم عميق بسبب الكحول الذي تجرعه وتحدث:
- نظرات الحب اللي شفتها في عينها، غير لما راكان سلم عليها، مسكت إيده جامد كأنها بتستنجد بيه إنه يخطفها، وطبعًا كلامك اللي أكدلي إنها عملت كدا عشان تنقذ عيلتها.
تنهد ورفع نظره إليها:
- غلطي إنك خبيتي، المهم بلاش راكان يعرف الموضوع دا نهائي لو سمحتي، وفيه حاجة كمان، لازم كل ماتكلميها توهميها إنه عايش حياته كل ليلة مع ست.
هزت رأسها واتجهت لمنزلها ولكنها توقفت:
- أنا عايزة أشكرك على حاجة تانية.
ضيق عيناه متسائلًا:
- تشكريني!
على إيه؟
ابتسمت بوجع وتحدثت:
- إنك خبيت على نوح تهديد والده.
اقترب بخطوات متمهلة ونظر إليها:
- أسما، حكايتك مع نوح غير ليلى وراكان. بلاش تكسري نوح بالطريقة دي. أنا مش هقولك هو عايش إزاي، بس هقولك لازم تعرفي نوح إنك مش بعتيه، زي ما أوهم نفسه.
عند ليلى وسليم:
خرجت من المرحاض عازمة على احتراق قلبها ونزعه من جسدها. فكلما تذكرت حديث أسما يندلع لديها شعور أهوج بغيرة نارية تريد أن تحرقه. خطت وهي تتذكر حديثها له عندما كانت تودع والدها:
- راكان، أنا مش هقدر أسافر. قول أي حاجة لسليم وامنع السفر ده.
كل ما فعله ابعد انظاره عنها وقام بفتح باب السيارة مردفاً:
- رحلة سعيدة يامرات أخويا. وإياكِ تتجاوزي حدودك معايا. بعد كدا متشليش التكليف بينا. زي ما أنا بقولك ياباشمهندسة، إنتِ هتقولي حضرة المستشار. متنسيش نفسك يامرات أخويا.
اتجهت بانظارها إلى سليم الذي يقف يضم سيلين ويونس، فخطت خطوة إليه ورمقته بنيران قلبها المحترق:
- حاضر ياحضرة المستشار. قالتها ثم اتجهت لسليم بعدما فقدت قدرتها على الحديث معه.
خرجت من شرودها عندما اصطدم جسدها بسليم الذي وقف ينتظرها بالخارج.
حاوط خصرها بذراعيه مانعاً سقوطها:
- حبيبتي خلي بالك. ضمها لصدره. أطبقت على جفنيها تريد تهدئة نبضات قلبها الخائفة منه.
تراجعت خطوة للخلف ثم استدارت بظهرها:
- آسفة. حاولت أخلع الفستان، بس مقفول من ورا. ممكن تساعدني؟
ابتسم ثم جذبها بقوة فارتطم ظهرها بصدره.
هامساً لها:
- على الرحب والسعة حبيبتي.
ارتعشت بين ذراعيه فأردفت بتقطع:
- سليم، ممكن نأجل أي حاجة الليلة، أنا تعبانة. وخلينا ناخد على بعض الأول.
أدارها سريعاً إليه ينظر إليها بنظرات عاشقة، ضاما وجهها بين راحتيه:
- بحبك بجنون ياليلى. وصدقيني مش هقدر تكوني بين أيدي وملكي وأجل حاجة. قالها وهو يجذب رأسها وينتزع قبلة حميمة بينهما جعلت دموعها تنزرف بقوة.
قاطع قبلته ينظر إليها بصدمة فصاح بصوتاً غاضباً:
- فيه إيه مالك؟ كل ما أقرب منك تعيطي. سألتك فيه حد في حياتك حلفتي وقولتي لأ.
هزت رأسها وزرفت عبراتها:
- سليم، أنا طالبة منك وقت. أنا مش مستعدة دلوقتي. لو سمحت.
سحبها بقوة نحوه وهي تتلوى بين ذراعيه ثم تحدث:
- ليلى، الليلة دخلتنا. ولو فعلاً مفيش حد في حياتك اثبتيلي دا. غير كدا معرفش.
بدت كلماته تعصب الجروح المدفونة بقلبها، فكان ما عليها إلا أنها تقترب منه تاركة نفسها له حتى لا تخلف أمر ربها وتقع في معصيته، ناسية ذاك المتجبر الذي أسقطها بالهاوية.
بدأت ليلتها محاولة بكل أحاسيسها أن تتجاوب معه، تقنع نفسها أنه زوجها حبيبها الذي ستكمل حياتها الأبدية معه.
ذابت لبعض اللحظات معه متناسية أو ضاغطة على قلبها بقوة لتعصر آلامه وتبدأ حياتها الجديدة بنقاء تربيتها وإعداد تربية قلبها.
أعتصر جسدها بين ذراعيه القوية حتى احست إنها دلفت لحصنه المنيع فأصبحت زوجته قولاً وفعلاً.
ذهبا الأثنين بنوم عميق بعد قضاء أولى ليلتهما برضى تام له، وقلب يأن وجعاً لها، ولكنها أقنعت نفسها إنه حماها وأمانها.
باليوم التالي:
استيقظ راكان وألمٌ يفتك برأسه. اتجه ببصره على المكان الذي تحطم وأصبح أشلاء بكل مكان.
مسح على وجهه ثم اعتدل يعدل ملابسه، واتجه للخارج يبحث عن حمزة ونوح اللذان مازالا مستغرقين بنومهما.
خطى لسيارته متجهاً لمنزله. استيقظ حمزة على صوت السيارة. اتجه بنظره يوقظ نوح.
ظهرا بمكتبه بالشركة. دلف نوح إليه المكتب كان منكباً على عمله بسبب سفر سليم.
حمحم نوح حتى ينتبه إليه. رفع بصره إليه ثم اتجه لعمله مرة أخرى.
جلس بمقابلته وقام بإشعال تبغه قائلاً وهو ينفث دخانه بوجهه:
- راكان.
اخذ راكان يتنفس بغضب من أنفاس تبغه فرفع بصره:
- مش وراك شغل؟ ولا فاضي وجاي تحرق دمي على الصبح؟
وقع عيناه على تلك العينين الضائعتين اللتين طمس بريقهما الحزن فاردف بهدوء:
- وبعدين ياراكان هتعمل إيه؟
أطل من عينيه نظرة جوفاء قاسية اتبعها قولاً جحيمياً:
- أنا امبارح دفنت قلب راكان. فياريت يانوح تقنع نفسك بكدا.
ودلوقتي قولي عايز إيه على الصبح؟
جز نوح على شفتيه السفلية وتحدث متهكماً:
- لا جاي أصبح على عريس الليلة.
مط راكان شفتيه بطريقة مسرحية وتحدث:
- لا شاطر. وياترى مين العريس يادكتور المساوئ دا؟
حدق به وأردف بهدوء حتى أحسه بغليان الدم بأوردته:
- س...ل...يم أخوك ياأسد الغابة.
ثورة حارقة أندلعت بجوف راكان. ورغم ذلك ابتسم ببرود:
- وماله نتصل ونصبح كمان. وبلحظة منه رفع هاتفه يتصل بسليم.
كان سليم مستغرقاً بنومه. أفاق على رنين هاتفه. وضع الهاتف على أذنه وتحدث بصوتٍ مفعم بالنوم:
- صباح الخير ياراكي. إيه ياحبيبي كنت بتحلم بيا ولا إيه؟
قهقه راكان وهو يتلاعب بحاجبه لنوح:
- وحياتك دا نوح اللي جاي من الفجر وعايز يكلمك. بيقولي شوف سليم سبع وضبع.
اتجه بنظره للتي تنام بجواره، وظهرها العاري أمام ناظريه فابتسم وأطلق ضحكة مرتفعة شقت صدره وتحدث:
- يعني أخو راكان البنداري هيكون ضبع. سبع وسبع كبير كمان.
نزلت كلماته على صدره كنيران تلتهم كل مابه. ظل نوح يحدق به ثم ابتسم بسخرية ورفع صوته لسليم:
- مبروك ياأسد. طلعت نمس ياجربوع. وحياتك جدع ياباشمهندس.
قهقه سليم وجلس معتدلاً ومازال نظراته على التي تغفو بجواره. ربما توهمه بذلك فتحدث راكان هنا فتح مكبر الصوت:
- مبروك ياحبيبي. وياله شدي حيلك عايز أكون عم يلا.
ضحكة أخرجها نوح وهو يرفع حاجبه بسخرية لراكان:
- اه وحياتك ياسليم أصل راكان ناوي يفتح حضانة ويشتغل فيها بيبي سيتر.
القاه راكان بقلمه. فظل يقهقه عليه. قاطعهم سليم:
- لا شكلكم رايقين على الصبح وانا واحد كانت دخلته امبارح. ولسة يعني. ياريت يبقى عندكم شوية دم.
أغلق الهاتف يرمقه بنظرات نارية:
- صبحّت على العريس قوم امشي ياله.
نهض من مكانه واستند على المكتب أمامه:
- آسف عارف طلعت واطي معاك. خناقة بينا وطلعت عليك.
أرجع راكان خصلاته للخلف مستنداً بظهره على المقعد يرمقه:
- إيه اللي حصل خلاك توصل لكدا؟ إحنا مش اتجوزنا ليه راجع لأسما تاني؟
- أنا متجوزتش ياراكان. أنا روحت فرح ساعتين ورجعت قعدتي في بيتي زي أي واحد كان معزوم على الفرح.
صدمة أذهلت راكان فوقف بمقابلته وتساءل:
- تقصد إيه يانوح؟ إنك مدخلتش بمراتك؟
اتجه إليه وصاح بغضب:
- أكيد إنت مجنون إنت فاهم نفسك بتقول إيه؟
تحولت ملامحه الهادئة إلى أخرى ثائرة بجبروت وهو يشير بسبابته:
- حرام عليك البنت ذنبها إيه؟
كأنه لم يستمع إليه فنهض متجهاً لباب المكتب وتحدث:
- مقدرتش يااخي. هو أنا إيه؟ حيوان. ثم استدار بجسده ودقق النظر به:
- بلاش انت اللي توعظني. كنت عملتها ياصاحبي يوم فرح أخوك. اوعي تفكرني مش واخد بالي منك.
قاطع حديثهما رنين هاتفه فرفعه:
- أيوه ياحمزة...
هب فزعاً وجحظت عيناه.
- انت بتقول إيه؟ مين اللي ضربه.. عشر دقايق وهكون في النيابة.
جمع أشياءه. رجع نوح إليه:
- في إيه ياراكان؟
- أمجد الزفت خطف كريم أخو ليلى وضربينه ورمينه قدام بيت أبوها.
- انت بتقول إيه؟ وليه أمجد يعمل كدا؟ تحرك وهو يناظره بغضب:
- روح اسأل بنت خالتك. اللي موتها هيكون على أيدي. دي ناوية تجيب أجلي معرفش إنت متأكد إن دي واخدة دكتوراة في الهندسة. المدام كانت مخبية عليا تهديده وعرفت بالصدفة. طب والله لو شفتها دلوقتي لأخنقها بأيدي.
وصل راكان للنيابة وجد حمزة ينتظره بمكتبه:
- إيه اللي حصل وازاي الزفت دا يخرج؟
جلس واضعاً قدماً فوق قدم وتحدث وهو ينظر لأصابع يديه:
- أبوه خرجه ياسيدي. ومش بس كدا. القضية اتحفظت.
رفع هاتفه وقام الأتصال على شخصٍ ما:
- أيوه ياجاسر. جه الوقت اللي اقابل فيه جواد الألفي. ممكن ميعاد ياحضرة الظابط. وكمان عندي قضية عايزك تمسكها. عايز اعرف ابن جواد الألفي طالع أسد لأبوه.
على الجانب الآخر:
- تمام ياراكان باشا. لكن بابا مش موجود في القاهرة. هو في اسكندرية وممكن مايرجعش قبل تلات أيام كدا. ونتكلم على القضية لو في دايرتي متأخرش طبعاً.
أومأ برأسه وتحدث متسائلاً:
- عايز أسأل عن واحد باباك زمان كان ماسكله قضية. تفاصيل القضية عندي لكن فيه ثغرات ودي جواد الألفي الوحيد اللي عايزه يفهمها لي.
مط جاسر شفتيه ينظر لجواد حازم أمامه ثم تحدث:
- ابعتلي التفاصيل وأنا هبعت لبابا واشوف رده.
صمت راكان لبعض اللحظات ثم أجابه:
- لا ياجاسر. أنا عايز أقابله شخصياً. القضية دي مش مجرد قضية بوظيفتي.
- تمام. قالها جاسر ثم أغلق الهاتف.
عند راكان:
نهض يبحث في بعض الملفات أمامه ثم وضعه أمام حمزة:
- عايزك تعرف كل حاجة عن الراجل دا. وآه كمان خلي حد يراقب أبو ليلى من بعيد.
تحرك حمزة فاوقفه راكان:
- هو ليه حاسس التسجيل بتاع بتاع أمجد ناقص حاجة. الكلام مش راكب على بعضه.
كانت عيناه تستقر على ملامح حمزة ليرى أنه أخفى شيئاً عليه أم لا.
قوس حمزة فمه. ثم تحرك وهو يضع يديه بجيب بنطاله:
- هو أنا الوكيل نيابة ولا إنت؟ ماهو التسجيل عندك. وأبحث بنفسك.
أطلق زفرة حارة من أعماق قلبه لعله يخفف أوجاعه. فنهض يجمع أشيائه:
- هروح أشوف كريم. يمكن اعرف أخرج منه بحاجة. ثم أخرج تصريح يعطيه لأحد الضباط:
- دا أمر بالقبض على أمجد الشربيني.
تحرك بجوار حمزة خارجاً من النيابة. متجهاً للمشفى.
بعد قليل وصلا كان والد ليلى بالخارج بجواره نوح. ألقى السلام. نهض عاصم يحيه:
- كريم عامل إيه؟
اتجه بنظره لحمزة وشخصٍ آخر يبدو أنه من النيابة فأجابه:
- كويس. لسة مستنين الأشعة.
حمحم معتذراً:
- ألف سلامة عليه. ممكن أشوفه؟
أومأ برأسه وفتح الباب دالفاً للداخل. كانت سمية تجلس بجواره تقرأ بعض من الآيات القرآنية. ودرة تقف أمام النافذة. اقتربت درة من راكان:
- حضرتك ممكن أعرف مين اللي عمل في كريم كدا؟
طالع راكان كريم الذي مغروزاً بالأبر. وحاملة عنق حول عنقه. وبعض الردود على الوجه. وساقيه التي تجبر.
- سلامته!
قالها راكان وهو ينظر لسمية. أغلقت مصحفها، ونهضت من مكانها، ويبدو على ملامحها البكاء.
"أهلاً يا بني!"
ابتسم إليها واتجه بنظره لكريم.
"عامل إيه دلوقتي؟"
"الحمد لله على كل حال."
جذب مقعداً وجلس بجوارها وتساءل:
"إمتى حصل معاه كدا؟"
جففت عبراتها واتجهت لدرة التي قاطعت والدتها:
"فيه حد من صحابه اتصل بيه بعد الفرح وقاله هنراجع على كام درس عشان الاختبار. مافيش غير ساعتين ورجع بالمنظر دا."
"هو متعود يخرج متأخر يذاكر مع صحابه؟"
"أيوه دايماً بيذاكروا لحد الفجر، وبعدين دول ولاد كويسين مالهمش في الحاجات الوحشة."
أومأ متفهماً ثم اتجه بنظره لحمزة الواقف بصمت.
"أستاذ حمزة هيرفع لكم القضية وأنا هتابع معاه."
اتجه عاصم إليه:
"مين اللي عمل كدا ياحضرة المستشار؟ مين عايز يأذيني في ابني بالطريقة دي وخصوصاً مفيش سرقة ولا حاجة؟"
نهض راكان وتوقف أمامه:
"دا اللي هنعرفه يا أستاذ عاصم."
ولكن حمزة قاطع حديثهما:
"إيه اللي بينك وبين أمجد الشربيني؟"
جحظت عين عاصم، فارتبك متحدثاً:
"معرفش."
اقترب حمزة مدققاً النظر بعينيه:
"أستاذ عاصم إحنا بنحاول نساعدك، فياريت بلاش تخبي علينا حاجة."
رفع نظره لزوجته التي انسدلت عبراتها وخرجت للخارج. اتجهت درة لوالده ممسكة بكفيه:
"بابا قول لحضرة المستشار مين أمجد دا."
"اسكتي يادرة، أحنا منعرفش حد بالاسم دا."
"إزاي مش دا اللي عملك قضية سرقة قبل كدا؟"
قالها حمزة بعصبية.
"مش ملاحظ حضرتك بتزعق مش بتسأل؟" قالتها درة بصوت غاضب.
هنا استيقظ كريم متألماً. أسرعت درة إليه:
"حبيبي عامل إيه؟"
أجابها بصوت كاد أن يُسمع:
"دماغي حاسس دماغي فيها وجع."
اتجه راكان إليه:
"ألف سلامة عليك يا كريم، عامل إيه؟ تقدر تتكلم شوية؟"
أومأ بعينيه.
"ألف سلامة عليك أولاً."
"الحمد لله، شكراً لحضرتك." قالها بصوت هامس.
جذب المقعد وجلس بجواره:
"ممكن ندردش شوية، قادر نتكلم؟"
هز رأسه بالموافقة. نظر للرجل الذي بجواره لكي يبدأ تحقيقه.
"اكتب اسمه وكل حاجة تخصه." قالها راكان بعد الإدلاء بالمعلومات.
رسم ابتسم ثم مسد على خصلاته:
"قولي يا كريم مين عمل فيك كدا؟ يعني دي خناقة ولا إيه؟"
"فيه واحد صاحبي متعودين نذاكر في كافيه مع بعض، ساعات وساعات بنكون في البيت. اتصل بعد فرح ليلى عشان بقالي فترة مشغول بالفرح ومرحتش الدرس. فقالي تعالى نذاكر لحد ميعاد الدرس. الدرس كان الساعة سبعة."
"قبل ما أوصله بكام شارع طلع شباب وخطفوني لمكان مهجور وضربوني."
"مشفتش حد معاهم؟ يعني حد بيأمر كدا؟"
"أيوه، بعض ما ضربوني جه واحد وقالي دي قرصة ودن صغيرة عشان أختك تعرف تضحك عليا وتروح تتجوز."
بعد فترة من أسئلة راكان له توقف وخرج. اتجه عاصم إليه:
"عايز تعرف إيه يابني؟ إن أمجد بقاله سنين بيلاحق ليلى، وخطفها كذا مرة، وعمل قضية وكان هيموت ابني. أنا كنت مسالم وبقول الناس دي إحنا مش قدها ياحضرة المستشار، لكن بعد اللي عمله في ابني أنا مش هسكت وهروح أقدم بلاغ في أمجد الشربيني."
"برافو، دا اللي مستنيه منك. أستاذ حمزة هيمسك القضية، وأنا بوعدك لأخليه ياخد عقوبة محترمة."
وصل نور إليهم:
"كريم عامل إيه دلوقتي؟"
"كويس." أجابته بها درة.
جذبها بعنف متجهاً للخارج:
"إيه اللي موقفك مع الغرب؟ ممكن تفهميني؟"
نزعت يديها وتحدثت غاضبة:
"دي مش طريقة تتكلم معايا فيها. ممكن ماتكلمنيش بالطريقة دي تاني؟"
جذبها بقوة ويجز على أسنانه:
"إيه الباشمهندسة صعبان عليها؟ عشان جبتها من القعدة الحلوة بتاعة الرجالة. يعني أخلص من سليم يطلعلي أخوه، ولا يمكن عينه منك وبيقرطسيني؟"
"أخرس، أنت أكيد مجنون."
رفعت كفيها ونزعت خاتم الخطبة ثم فتحت كفيه ووضعته به:
"للأسف إحنا ماينفعش نكمل مع بعض. أنت مش طبيعي، وأنا تعبت منك." قالتها وتحركت مغادرة.
كان حمزة يتحدث بهاتفه. استمع لبعض الأصوات على بعد خطوات منه. تحرك لأخر الردهة، وجده يجذبها بعنف ويصيح غاضباً:
"لا دا أنت مجنونة، وماصدقتي قلت كلمتين عشان كشفتك."
حاولت دفعه إلا أنه كان كالجدار. حاول جذبها بعنف والخروج بها من المشفى وهو يتحدث بغضب عارم:
"لا شكلك متعرفنيش ياباشمهندسة، دا أنا نور العوضي اللي محدش يهزه."
ولكنه توقف عندما اصطدم بجسد بشري. اتجه حمزة بنظره إليها:
"فيه حاجة ياباشمهندسة؟" قالها حمزة وهو يطالع نور بتقييم.
دفعه نور:
"إنت مالك؟ واحد وخطيبته بتتدخل ليه؟"
استدار ينظر لدرة وتحدث بصوت رزين:
"فيه حاجة؟ سمعت النقاش من غير قصد. لو محتاجة حاجة."
وصل راكان ووالدها بتلك الأثناء. أسرعت لوالدها تبكي بصدره:
"بابا خليه يمشي مش عايزة أشوف وشه تاني."
صدمة أصابت والدها وهو ينظر إلى ابنته الباكية. رفع ذقنها:
"حبيبتي إيه اللي حصل؟"
صاح نور بصوت مرتفع:
"عشان بسأل بنتك المحترمة بقولها مين اللي واقفة معاهم دول. دا مش من حقي، ولا من حقها بس تتأمر تقول ممنوع أخرج معاك، ممنوع نقعد مع بعض، وهي مقضياها هزار وضحك مع الكل إلا مع خطيبها."
ربت عاصم على كتفه وحاول السيطرة على نفسه:
"امشي دلوقتي يادكتور وبعدين نتكلم. لا المكان ولا الزمان ينفع نتكلم فيه."
اختنق من حديث عاصم فأردف قائلاً:
"لا مش همشي لما نتفق على الجواز. أنا قررت نتجوز أخر الشهر."
توقفت أمامه وصرخت به حينما فقدت السيطرة على نفسها:
"أنا نهيت الخطبة، ودبلتك معاك، كل واحد منا راح لحاله. ياله امشي مش عايزة أشوف وشك."
قالتها وتحركت متجهة لغرفة أخيها. أسرع خلفها يجذبها بعنف.
توقف حمزة حينما وجد ملامحه الغاضبة:
"الأستاذ عاصم قالك نتكلم بعدين، والباشمهندسة قالتلك انتهينا. يعني مينفعش حضرتك طريقتك دي."
دفعه صارخاً به وتحدث بجنون:
"وأنت مين كمان؟ إيه حضرة المهندسة معجبينها كتير."
تنهد عاصم يسحب ابنته وتحرك من أمامه:
"ربنا يهديك يابني، وزي ما بنتي قالت كل واحد في طريقه."
غادر عاصم وتبقى راكان وحمزة. نظر راكان لحمزة وتحرك مغادراً قائلاً:
"اتصرف شكله عامل زي بنت خالته."
***
عند ليلى وسليم.
بعدما أغلق الهاتف مع راكان استدار يطالعها بعينيه العاشقة، ممسداً بأنامله على خديها:
"مبروك ياحبيبتي."
أومأت دون حديث. نزل بجسده لمستواها رافعاً كفيها يقبله:
"ليلى حبيبتي ممكن متزعليش مني، والله عملت كدا عشان بحبك."
اعتدلت تجذب الغطاء على جسدها وتحدثت:
"مش زعلانة ياسليم، دا حقك طبعاً."
دنى من وجهها يجذبها إليه:
"طيب مفيش مبروك ياحبيبي."
ابتسمت على مظهره الذي أصبح كالأطفال:
"مبروك ياسيدي، حلو كدا."
لكزها بمزاح وتحدث:
"وفيه واحدة زي القمر تقول لجوزها اللي زي القمر اللي هو أنا ياسيدي. أنا مش هتنازل غير لما تقولي ياحبيبي."
حاولت النهوض ولكنه حاوطها بذراعيه غامزاً بعينيه:
"عايزة تقومي."
هزت رأسها بنعم فأردف قائلاً:
"عايز بوسة دا أولاً، وعاوز تقولي ميرسي ياحبيبي دي اتنين، ثالثاً بقى عايز حضن كبير وبعدين ننام شوية."
قهقهت عليه بصوتها الأنثوي الذي حوله من رجل جليدي إلى رجل عاشق حد النخاع. نزل بجسده يضع وجهه بعنقه مردفة:
"ليلى أنا بحبك قوي، نفسي تحبيني ربع حبي."
رفعت يديها تعانقه وتحدثت بصوت متقطع:
"أنا مش بكرهك ياسليم بالعكس إنت تستاهل الحب كله."
رفع رأسه ونظر لعيناها القريبة منه واردف بصوتاً مبحوح من مشاعره الفياضة بحضرته:
"طيب حبيني ولو شوية."
رفعت كفيها تلمس وجنتيه، وفجأة أردفت:
"أنا بحبك قوي حبيبي صدقني، ونفسي نكمل حياتنا لآخر العمر مع بعض."
هنا توقف الكون وجذبها لداخل عالمه مرة أخرى.
بعد فترة كانت تقف بمرحاضها وعبراتها تنسدل بقوة على وجنتيها. وضعت كفيها على فمها تمنع شهقاتها ثم اتجهت تغتسل حتى تؤدي فرضها.
***
مساء جلسا يتناولان الطعام. كان سليم يطالع هاتفه. فجذبت هاتفها وأردفت:
"غريبة ماما مااتصلتش بيا!!"
رفع بصره لها وأردف:
"يمكن اتصلت وإنت ما أخدتيش بالك."
هزت رأسها نافية وقامت بالرنين عليها.
في المشفى كانت سمية تقوم بصلاة العشاء فاجابتها درة:
"ليلى حبيبتي عاملة إيه ياقلبي."
نهضت ليلى تقف في الشرفة تحادثها:
"كويسة، ماما فين؟ انتوا نسيتوني ولا إيه؟"
هنا دلفت الطبيبة تتحدث لدرة:
"للأسف فيه نزيف داخلي ولازم يدخل عمليات. عنده خبطة في دماغه، دا اللي بان في الأشعة وكمان في انزلاق غضروفي. إحنا بنجهزه للعملية بعد شوية."
"عملية ودلوقتي!"
العملية دي مكلفة.
ابتسمت الطبيبة واردفت:
- الأستاذ راكان وصانا ندخله عملية يا أستاذة، إنما التكاليف معنديش علم والله. ممكن تسألي تحت.
صدمة أصابت جسدها فتحدثت بصوت كاد أن تسمعه درة:
- مين اللي هيعمل عملية يا درة؟ بابا مش كده؟
بكت درة على الجانب الآخر وتحدثت:
- كريم أمجد الكل ضربه وحالته صعبة قوي يا ليلى.
دارت الأرض تحت قدميها وترنح جسدها وهي تبكي بصرخات لأختها:
- إيه اللي وداها لأمجد يا درة؟
أسرع سليم بعدما استمع لصوت بكائها:
- ليلى حبيبتي في إيه؟
- نزلني مصر دلوقتي يا سليم.
جحظت عيناه فهمس:
- مصر النهاردة؟ انتِ واعية بتقولي إيه؟
ضربت أقدامها باعتراض وبكت بصرخات:
- نزلني مصر حالا يا سليم، أخويا مضروب وهيعمل عملية، عايزة أنزل حالا.
ضمها لأحضانه يربت على ظهرها:
- تمام، اهدي. هننزل مصر حاضر. ممكن تهدي وبلاش تعيطي.
مسحت دموعها تحاول السيطرة على شهقاتها. حملها سليم حينما تحول وجهها وأصبح شاحبًا كالأموات وهي تهمس:
- قولتلي هتحميني منه يا سليم، وشوف عمل إيه في أخويا يوم الفرح.
قالتها وسحابة سوداء تحاوطها فسقطت هاوية بين يديه.
بعد عدة ساعات كانا يقفان بمطار القاهرة، لإنهاء معاملاتهم. اتجها للمشفى. ترجلت سريعا متجهة للداخل تسأل عن غرفة أخيها. صعدت للطابق المنشود وسليم خلفها. وصلت بجسد مرتعش وجدت درة تجلس تحتضن والدتها، ووالدها يجلس بجوار نوح وحمزة.
توقفت أمامهم وانسدلت عبراتها قائلة:
- كريم ماله؟ إيه اللي حصل؟
نهض والدها مصدومًا من وجودها في تلك الأثناء. اتجه بأنظاره إلى سليم الذي وصل للتو.
- إيه يا ابني اللي جابكم؟
ألقت نفسها بأحضان والدها تبكي بنشيج:
- عملوا في كريم إيه يا بابا؟ هانوا عليه يعملوا في شاب كده يا بابا.
جذبها سليم لأحضانه:
- ليلى حبيبتي اهدي. انتِ مش شايفة حالة والدتك.
اتجهت لوالدتها التي تجلس بصمت وكأنها مغيبة. رفعت كفيها تقبلها:
- كريم يا ماما، حبيبي لسه صغير، ليه يعملوا فيه كده يا ماما.
اتجه نوح يجذبها وأوقفها:
- ليلى ممكن تهدي؟ انتِ شايفة حالة الكل عاملة إزاي.
سحبها سليم وأجلسها على المقعد:
- خدي حبيبتي اشربي واهدي.
بعد عدة ساعات خرج كريم من غرفة العمليات متجهًا للعناية. توقف الطبيب أمامهم:
- هو كويس. والعناية عشان ميكونش هناك مضاعفات. سلامته.
قالها وتحرك للخارج.
تحركت سمية وساقيها تكاد أن تسندها حتى وصلت لغرفة العناية تنظر من خلف الزجاج عليه وتبكي بقلب مفطور على فلذة كبدها.
توقفت ليلى بجوارها:
- هيبقى كويس يا ماما، عندي يقين بربنا هيبقى كويس.
ربت والدتها على ظهرها وأردفت:
- إن شاء الله حبيبتي. روحي ارتاحي. جوزك باين عليه التعب. مينفعش يا بنتي اللي عملتيه، متنسيش إنكم عرسان.
هزت رأسها رافضة حديثها:
- مش هسيبكم يا ماما.
وصل والدها:
- مينفعش حبيبتي عشان جوزك. روحي ارتاحي والساعة دلوقتي عشرة الصبح وطبعًا بقالكم يومين صاحيين.
ربت على كتفها يحثها على المشي:
- يلا حبيبة قلبي.
هزت رأسها واتجهت لسليم الذي غفى بجوار حمزة ونوح.
لكزته بخفة واردفت:
- سليم قوم عشان نمشي.
نهض من مكانه:
- إيه؟ كريم بقى كويس؟
سحبت كفيه واردفت:
- هو لسة مفقش. هنروح نرتاح شوية وبعدين نرجع.
أومأ برأسه متفهمًا.
فتح حمزة عيناه وتساءل:
- فيه حاجة؟
- لا، إحنا هنروح شوية. متنساش محدش يعرف أننا رجعنا.
دقق النظر لحمزة وتساءل:
- أنت قلت لراكان إننا رجعنا؟
اتجه حمزة بنظره لليلى واردف:
- لا، راكان مش فاضي.
ثم غمز بعينيه لسليم، فاطلق سليم ضحكة وتحرك وهو يتحدث:
- أهو راكان دا عايش حياته ولا على باله.
قبل قليل اتصل به حمزة:
- راكان، نوح بيقولك بات في المزرعة النهاردة، خايف على أسما. أسيا سافرت كفر الشيخ. وطبعًا أسما لوحدها ومفيش حد يثق فيه، وأنا زي ما انت عارف معاه في المستشفى.
خرج من شروده. أطبق على جفنيه عله فعل الصحيح.
باليوم التالي عاد لمنزله وليس لديه علم برجوع أخيه. دلف ملقيًا تحية الصباح ولكنه تصنم بوقفته حينما وجدهما يجلسان على مائدة الطعام فهمس:
- سليم.
نهض سليم وهو يطلق ضحكات صاخبة:
- إيه يابني اللي يشوفك يقول شوفت عفريت.
تقدم ونظر إليها لعله يكون بحلم ولكنه افاقه صوت سليم مرة أخرى:
- أهو كل اللي يشوفنا يعمل زيك كدا.
- سليم يخربيتك إيه يلا شهر العسل اللي مدته ليلة دا.
ضحك أسعد متهكمًا:
- أول عريس أشوفه بيخلص شهر عسله في ليلة.
حمحمت زينب تربت على ظهر ليلى:
- معلش يا سليم اطمنوا على اخوها وبعد كدا يبقى كملوا شهرين عسل مش.
ثم رفعت نظرها إلى راكان وتحدثت:
- أهو أحسن من الكبير اللي كل ليلة يبات فيها بره البيت.
جلس بجوارها غامزًا بطرف عينيه:
- إيه يازوزو شغل؟ ادعيلي انتِ من قلبك.
قالها ممسكًا كفيها يقبله.
لكزته وابتسمت:
- اسكت يابكاش. فوق ياله عشان تحدد على فرحك.
جذب بعض الخبز وهو يتحدث:
- إن شاء الله اجهزي انتِ بس. وبعد كدا نشوف الفرح.
كان الهواء الذي يحاوطه يحرق صدره من فرط الوجع بحضرتها.
- يعني إيه يا راكان؟
قالتها زينب متسائلة. وصلت سيلين:
- صباح الخير يا راكي. أخيرًا شفتك. دا أنا شفت سليم العريس أكتر منك.
تناول طعامه وأجابها:
- أنا موجود يا حبيبتي. انتِ اللي بتنامي بدري. محتاجة حاجة؟
هزت رأسها ثم أردفت:
- لا يا حبيبي. سلامتك.
اتجه بنظره لسليم:
- كريم عمل العملية.
أجابه وهو ينظر لليلى الصامتة:
- اه اتصلنا من شوية وفاق الحمد لله.
وضع الطعام بفمه يلوكه بهدوء ثم تحدث:
- العملية مش صعبة، مكنش له لزوم إنكم تقطعوا شهر عسلكم.
نهضت ليلى عندما فقدت سيطرتها:
- سليم لو خلصت ممكن توديني المستشفى.
- كملي فطارك يا بنتي. مكلتيش حاجة.
اتجهت بنظرها إليها:
- شبعت والله يا طنط. أنا أصلًا ماليش نفس.
كان يتناول طعامه بصمت وكأن حديثها لا يعنيه ولكنه رفع نظره عندما أردفت:
- ممكن خمس دقايق يا حضرة المستشار.
رفع بصره إليها ثم عاد لطعامه ولم يجب عليها.
لكزته والدته:
- ماترد على مرات اخوك.
رغم إنها كلمة بسيطة إلا أنها شقت قلبه لنصفين:
- عايز أفطر يا ماما. وبعدين أشوف مرات اخويا.
قالها مستهزئًا. بعد عدة دقائق نهض بعدما أنهى طعامه وتحدث وهو يطالع الذي تهز ساقيها بعنف:
- مع إني لسة جعان، بس نفسي اتسدت.
قالها وتوقف وهو يشير إليها:
- اتفضلي يا باشمهندسة. بسرعة معنديش وقت.
نظرت إلى سليم وتحدثت:
- هشوف عمل إيه في أمجد. حمزة بيقول القضية عنده.
أومأ متفهمًا. فتحركت خلفه. دلفت للداخل.
وجدته جالسًا يقوم بإشعال تبغه وتحدث:
- سامعك.
سحبت بعض الهواء وزفرته فتحدثت غاضبة تمنت لو تقبض على عنقه. ورغم ذلك وصلت وتوقفت أمامه:
- أمجد كان بيهددني قبل جوازي بشهر. وقالي ممكن أخطف اختك. وأعمل لباباكي قضية.
نفث تبغه وتحدث بهدوء رغم نيران المستعيرة بصدره منها:
- غيره. لو معندكيش حاجة تانية فيكي تمشي وأخر التطورات حمزة هيقولهالك.
نظرت إليه بصدمة كانت تعتقد أنه سيثور عليها ويهتم بحديثها ولكنه صعقها برده. دنت منه خطوة ثم رفعت رأسها بشموخ واستندت بذراعيها على المكتب تنظر لداخل مقلتيه:
- تعرف أنا أستاهل إني جيتلك أصلًا. واحد مغرور. فعلًا عندك حق. إيه اللي يخليني أتكلم معاك أصلًا. عايزة حد عاقل أعرف أتكلم معاه. مش واحد بيقول أنا ربكم الأعلى.
أشار على باب المكتب وأردف عندما أمسك هاتفه الذي أعلن رنينه:
- خلصتي. اطلعي برة. وبعد كدا مالكيش كلام معايا.
ثم رفع هاتفه:
- أيوة يا نورسين. لا نص ساعة وأكون عندك حبيبي. سلام.
ظلت واقفة ترمقه بنظرات نارية للحظات ثم تحركت خارجة وهي تسبه بسرها.
بعد عدة أيام. صباحًا كانت متجهة لجامعتها. توقف أمامها يجذبها بعنف متجهًا لمكان هادئ بالحديقة:
- ليه بتعملي فيا كدا؟ عايزة توصلي لأيه يا سيلين؟
دفعته وهي تلكمه بصدره:
- سيب إيدي يا يونس. بتوجعني. أنت دلوقتي ولا حاجة في حياتي ولا تعنيني. اللي بينا إنك ابن عمي وبس.
ببطء بدأ يخفف ضرواة ذراعيه من حولها. نظر لها بأعين فاض منها الألم وهو يهز رأسه ويكرر:
- أنا بالنسبالك ولا حاجة يا سيلين. لدرجة دي شايفاني وحش أوي.
خبأت آهاتها الصارخة داخل قلبها ونظرت له بقيلة حيلة من أمرهما:
- الحب مش بالعافية يا دكتور.
ثم ابتسمت بسخرية:
- وأنت ماشاء الله عليك معندكش وقت تحزن عليا ولا على غيري.
اقتربت تنظر داخل مقلتيه بقوة وأردفت:
- أنا معنتش العيلة الهبلة اللي هتضحك عليها بكلمتين.
أمسكت هاتفها وأدارته له:
- شوف عظمة دكتورنا العظيم.
قالتها مشمئزة منه ومن قلبها المتيم بعشقه. ورغم ماتشعر به من الآلام إلا إنها رفعت رأسها تناظره بشموخ أنثى جرح قلبها من أعز مالها:
- مش سيلين البنداري اللي حبيبها كل يوم مع واحدة شكل. أنا علاقتي بيك انتهت يا يونس من يوم مارضيت بأمر جدي ووافقت على خطوبتك. أنا اللي بتحكم بقلبي مش قلبي اللي بيتحكم فيا. ويوم مايتحكم بيا أدوس عليه بجزمتي. سوري يا دكتور.
نصب عوده واقترب بخطوات بطيئة من وقفتها بعث الرعب لقلبها المسكين. حتى أقترب منها للحد الغير مسموح وهمس بجانب أذنها بصوت كفحيح أفعى:
- أحلمي ودوسي على قلبك مليون مرة.
ثم رفع عينيه ونظر لمقلتيها واكمل وهو يشير لقلبها:
- بس مستحيل اسمحله يدق لغيري.
قالها ثم تراجع عدة خطوات يفسح لها الطريق:
- آسف يا حضرة المهندسة العظيمة اخدت من وقتك الثمين.
على الرغم من أن كلماته لامست أوتار قلبها الذي سرى به كهربا نابعة من عشقها الطفولي له وألهب جميع حواسها ليجعلها تغفر له، إلا أنها رمقته بسخرية:
- أحلام وردية يا يونس. سلام يا حبيبي.
قالتها مغادرة سريعًا حتى لا تضرب كل هذا عرض الحائط وترتمي بأحضانه تعاقبه على فترة بعده عنها.
يا الله ماذا تفعلين بي صغيرتي.
ألم تشعرين بلهيب قلبي الذي يتلظى بنيران هجرك.
لقد سرقتي من عيناي النوم وانتزعتي قلبي من بين ضلوعك تاركة إياه يتألم من فراقك وبعدك الضغين.
أما عندها هرولت سريعا من أمامه حتى لا تخر صريعة بعشقه. اصطدمت بشخص ما، وودت أنها لم تره أبداً.
وقفت سارة عاقدة ذراعيها أمامها وهي تتحدث بشماتة عندما وجدت دموع عينها تنسدل بقوة:
- تعرفي كل ما أشوف دموعك دي قلبي يبرد وبحس إن الدنيا مش سايعاني.
مسحت دموعها بقوة وخطت أمامها مباشرة:
- شكل سيادة المحامية فاضية ومالقتش حد تحط غلّها فيه فجاتلي. بس كان نفسي ألبي لك رغبتك بس زي ما أنتِ شايفة وقتي غالي وعندي محاضرة.
رمقتها بنظرة نارية:
- مش تافهة زي ناس. أصلك متعرفيش الهندسة بتعمل إيه. هقول إيه بس لناس يا دوب دخلوا حقوق حتى بفلوس دادي.
أردفت بها وتخطتها بكبريائها.
كان يجلس في الشرفة يحتسي قهوته وحديثهما يصل إليه بسبب قرب المسافة.
وصلت سارة إليها بخطوتين ثم أمسكت ذراعيها بقوة.
التفتت إليها بحنق وضيقت عيناها:
- اتجننتي؟ بتمسكيني كدا ليه؟
قالتها عندما شعرت بأن دمائها تغلي من شدة غضبها من تلك التي تود أن تزهق روحها.
ناظرتها بعيون حادة شرسة:
- ابعدي عن خطيبي وبلاش ترمي نفسك عليه. متنسيش نفسك واعرفي حجمك. روحي دوري على أهلك. بلاش شغل بنات الشوارع دا. متحطيش نفسك ببنت من عيلة البنداري. كفاية لمينك من الشوارع.
سارة أردف بها بصوت زلزلت له أركان المنزل. نزل سريعا من جناحه الذي يتميز بدرجات خارجية للحديقة.
وصل إليها ووقف يناظرها بجموده والغضب يعمي بصره وبصيرته وصاح بصوت مرتفع:
- متنسيش نفسك وأفتكري اللي واقفة تهنيها دي أخت راكان البنداري.
اقترب حتى اختلت أنفاسهما وتحدث بصوت كفحيح:
- اللي بس يغلط فيها بدون قصد أمحيه من على وش الدنيا. تخيلي بقى اللي يضايقها بقصد. مش حتة عيلة زيك يا بت تغلطي في المهندسة سيلين. فوقي لنفسك لافعصك.
ثم أكمل حديثه والشر يتقاطر من مقلتيه:
- وربي لو حطيتك في دماغي لاخليكي تكرهي نفسك. ودلوقتي اعتذري لها.
خرج الجميع على صوته الصاخب.
وقفت ليلى بجوار سارة تنظر إلى عينيها الباكية من إهانة راكان لها.
- فيه إيه؟ مال سارة بتعيط ليه؟
صمت هنيهة يحاول تمالك أعصابه فكلمات تلك التي أخرجت الوحش الثائر بداخله.
- إنتِ مالك؟ خليكي في حالك. موضوع ما يخصكيش. آخرك جوزك وبس.
خرجت كلماته كسهم نفذ إلى صدرها ليخترق جدران قلبها. انسدلت دمعة غادرة على وجنتيها مسحتها سريعا.
- إيه يا راكان يا ابني؟ هي كانت قالت إيه؟
قالتها فريال بتخابث.
وقف بين الجميع وأشار بسبابته:
- كل واحد في البيت دا يلتزم حده. كل واحد يخليه في نفسه. ومن هنا ورايح اللي أشوفه بس يلمح لأختي بحرف يوجعها صدقوني هتشوفوا راكان واحد أتمنى محدش يشوفه. سامعني يا جدي؟
حاولت ادعاء الثبات أمامه. رمقه بنظرة حادة. لو تقتل لقتلته في الحال:
- أولاً أنا مجتش جنب سيلين. أنا بسأل إيه اللي حصل بعد ما شفت انهيار سارة. ويا ريت يا حضرة المستشار تاخد بالك من كلامك.
وصل يونس على حديث ليلى:
- متتكلميش لما جوزك ييجي. ليا كلام معه.
- فيه إيه يا مدام ليلى؟
قالها يونس وهو يتجه بنظره لوالدته التي تقف تضم سارة. رفعت حاجبها متزامنة مع شفتيها تتحدث بسخرية:
- معرفش راكان ماله على الصبح نازل تهزيق في الكل ليه.
ثم أشارت لليلى حتى تسكب الزيت على البنزين:
- حتى مرات أخوه مسلمتش منه.
اقتربت زينب تضم ليلى من أكتافها:
- متزعليش منه يا حبيبتي. هو لما يكون مضايق مبيعرفش بيقول إيه.
رمق والدته بحزن:
- ليه شايفيني مجنون؟ قبل ما حد فيكم يتكلم. يسأل السنيورة كانت بتقول إيه لبنت عمها.
رفع نظره ليونس مشمئزا:
- ابعد عن أختي يا يونس. متخلنيش أتغابى عليك.
وزع نظراته للجميع وهو يضم سيلين ثم أشار عليها:
- دمعة واحدة من عينيها. أمحيهم كلكم من على وش الأرض. كل واحد يخلي باله من كلامه.
رفع سبابته ونظر لسارة نظرات جحيمية:
- اشبعي بخطيبك. مش خطيبك بس. اشبعي بالعيلة كلها. لكن نظرة تجرح أختي هدوس ومش هرحم. وقد أعذر من أنذر.
بعد عدة أيام.
عصراً خرجت من جامعتها وهي تحادث والدتها:
- خلاص يا ماما. هعدي على ليلى. تمام حبيبتي واهو فرصة أروى مجتش النهاردة.
أغلقت الهاتف تنظر سيارة أجرة. وإذ فجأة توقفت أمامها سيارة وترجل سريعا منها يجذبها بعنف واركبها السيارة. لحظات لم تستوعب ما صار. واضعاً منديل منوم على أنفها. لحظات وغمي عليها.
عند ليلى وسليم.
كانت تجلس تقرأ بكتابها. دلف متجهًا إليها. جلس بجوارها يمسد على خصلاتها مستنشقا رائحتها حينما وضع رأسه بها. ثم رفع وجهه إليها:
- حبيبتي وحشتيني. معقول مش وحشتك؟ فيه عروسة وعريس يفضلوا أسبوع كامل بعيد عن بعض بالشكل دا؟
أغلقت كتابها ونظرت إليه مبتسمة:
- آسفة يا سليم. أنت شفت الظروف اللي مرينا بيها.
دنى ضاما ثغرها بين خاصتيه ليجذبها إليها لجنة عشقه. بعد فترة كانت تستلقى بجواره تمسد على وجهه مبتسمة ثم همست لنفسها:
- والله أنتِ محظوظة يا ليلى. ربنا باعِت لك راجل جميل زي سليم.
أغمضت عيناه متمنية بحياة هادئة. مالت على وجهه لأول مرة ثم طبعت قبلة على وجنتيه. نهضت ترتدي مأزرها متجهة للمرحاض. بعد فترة أنهت صلاتها واتجهت تجلس بالشرفة تحادث أسما:
- كويسة الحمد لله. هنسافر تاني بس أطمن على كريم. ماما قالت لي هو كويس وهيطلع بكرة من المشفى.
سحبت نظرها للذي يجلس بالحديقة يتحدث بهاتفه وعلى وجهه ابتسامة. أغلقت مع أسما ووقفت تطالعه لبعض اللحظات.
- عرفت إني وحشتك. خلاص يا بنتي قولت هلبس وأجي. وهنسهر مع بعض للصبح.
أطلق ضحكة رجولية جذابة وهو يلتفت حوله. فذهب بصره للتي تقف بإسدالها بالشرفة ولم يفصلهما سوى عدة أمتار فأجاب على الجانب الآخر عندما أبعد نظره عنها:
- لا يا حبيبتي أنا أخري ورقة عرفي.
قهقه على حديثها. ثم نهض وهو يردف:
- طيب وحياة العريس لأكل حمام الليلة.
قالها وهو يدلف للداخل ومازال يتحدث بابتسامته الجميلة.
بعد قليل هبطت للأسفل لأول مرة تكتشف القصر. تحركت إلى أن وصلت لغرفة الرياضة الخاصة بهم. ابتسمت وهي تتحرك للعجلة الرياضية وبعض الأحمال الثقيلة.
خطت إلى أن وصلت وأمسكته ترفعه. فصرخت بصوتها:
- يالهوي! بيتشال إزاي؟ لا لازم أخلي سليم يعلمني.
حملت أصغر واحد وابتسمت فاستمعت لصوته الجهوري خلفها:
- دي مش مصاصة يا ماما. حاسبي لتوقعي على رجلك. حطيها وروحي شوفي طبخة اتعلميها.
ضغطت على شفتيها حتى كادت أن تدميها وهي مازالت تواليها بظهرها. استدارت وخطت للخارج وبيديها الحديد وتحركت إلى أن وصلت فوقف أمامها:
- هاتي اللي معاكِ. ليعورك.
بسطتها لتعطيها إياه فجأة تركتها حتى سقطت على قدمه. ورغم ثقلها واصطدامه بقدمه إلا أنه لم يتحرك ولكن ظهرت على ملامح وجهه الألم. فنظرت إليه بسخرية واردفت:
- آسفة. شكل المصاصة وجعتك.
قالتها وتحركت مغادرة.
عند سيلين كانت تجلس بالحديقة تستمع للموسيقى وترسم بعض المخططات الخاصة بالجامعة.
توقف أمامها بأنفاس مرتجفة ولسان تجمدت فوقه الكلمات وبعين مغروقتين:
- عايزة تعرفي خطبت سارة ليه؟
نهضت تجمع أشيائها وقبل أن تخطو جذبها يضمها بقوة يعتصرها بأحضانها هامسًا بجانب أذنيها:
- أنتِ دبحتيني يا سيلين. لما خبيتي عني إنك مش بنت عمي. لما عرفت إنك بنت من الملجأ.
ترنحت خطوة للخلف بأعين جاحظة وشفتين فاغرتين. مصعوقة وكأن ما قاله كحجر ثقيل أصلب قلبها داخل صدرها. فهزت رأسها بطريقة جنونية:
- أنت شارب؟ واحد مجنون نسونجي هتقول إيه يعني؟
هزها بعنف وصاح بغضب:
- دي الحقيقة اللي بتحاولوا تخبوها عن الكل. بس ليه؟
عند أسما.
استمعت لرنين المنزل حدثت حالها:
- معقول أسيا رجعت؟
توجهت تفتح الباب. تصنمت بجسدها ولونت الصدمة تقاسيم وجهها فقالت بنبرة متقطعة:
- نوح؟ بتعمل إيه؟
تحرك حتى ظهر المأذون خلفه ثم وضع بيديها ورقتين:
- اختاري يا أسما.
نظرت للورقتين بيديها وسؤاله المباغت الذي كصاعقة كهربائية أصابت قلبها الممزق بين أحاسيس قوية بين الرفض والقبول.
استمعت لصوته خلفه وهو يقول:
- لا إن شاء الله هنقول مبروك. مش كدا يا أسما؟
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيلا وليد
الفصل الثاني عشر
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
كان يعلم أن حزني عميق، ومع ذلك أحزنني.
كنت أنتظر لو عاد معتذراً.
لـ دفنت رأسي بضلوعه.
لـ أخبرته بكل لحظة مرت ولم يكن بها.
لـ أغسل قلبه بدموعي.
لـ أجعله يدرك خطأ ما فعله بي.
ثم ألملم أشتاتي من بين ذراعيه.
وأرحل بعيداً عنه.
من قال أني قبلت اعتذاره؟
يطلب مني أصف حالتي وأنا التي
لم أعرف كيف أصف مكان وجعي.
كيف لا يشعر به؟ إنه وجع الروح وأنا لا أعرف أصفه.
كيف وهو لا يشعر بأن روحي روحه؟
ليت أحداً يخبره.
أنا التي توجعت حتى فاض الألم أوجعي.
أنا التي اخترق قلبي بالحزن ولم يشعر به أحد.
حتى هو كان لي القاضي والجلاد.
***
وصل نوح مع المأذون إلى منزل أسما الملحق بالمزرعة. قرع جرس الباب.
تسمرت بوقفتها عندما توقف نوح أمامها وخلفه المأذون، وبجواره لميا.
وضع نوح بيديها ورقتين ومعه حقيبة وضعها بجانب باب المنزل.
ناظرته بإستفهام لم تفصح عنه شفتيها واكتفت بالنظر إليه. كانت نظراتها تحمل الكثير من اللهفة والأشواق. احتضن كفيها وأردف بصوتاً مبحوحاً:
- أسما، آخر فرصة، وآخر مرة هطلب منك الجواز. عندك حياتنا وأنتِ اختاريها.
رفعت بصرها للورقتين، إحداهما تذكرة ذهاب إلى لندن والأخرى ما يُعرف بقسيمة زواجهما.
اتجهت بنظرها للميا، أخت نوح، وهي تومئ رأسها بالموافقة، وأسيا التي ربتت على ظهرها تحثها على القبول. رفعت نظرها لحمزة لإنقاذها ولكنه ذهب ببصره هارباً منها.
أدار نوح وجهها إليه وتساءل وقلبه ينبض بعنف من ردها:
- قولتي إيه يا أسما؟ اختاري يا الهجرة يا الجواز.
استمعت لصوت خلفها وهو يردف بصوته القوي:
- أسما طبعاً هتوافق على الجواز، مش كدا ولا إيه يا أسما؟
ترقرق الدمع بعينيها وتذكرت حديثه قبل يومين.
***
فلاش باك
جلست بجوار مهرته البيضاء تمسد على خصلاتها وتبتسم.
- معرفش حضرة النايب سماكي إيه، بس شكله هيسميكي ليلى.
قالتها بضحكة أفلتتها من شفتيها. كان يقف خلفها فتحمحم.
التفت إليه وإذا بها تنظر إليه بذهول. خطى إلى أن وصل إليها مبتسماً:
- بتعاكسي حصاني ياباشمهندسة؟
اتجهت بنظرها للحصان وأردفت:
- المهرة دي خطفت قلبي من أول ما جت، وحضرتك خطفتها قبل الكل.
اتجه للحصان يمسد عليه ويطعمه من الحبوب التي توضع بجواره قائلاً:
- فيه حاجات بتخطفك من أول نظرة ومستحيل تنسيها حتى لو شفت زيها مليون مرة. بنرجع نندم إننا مش حافظنا عليها.
أومأت برأسها موافقة حديثه.
- فعلاً حضرتك. وبنرجع نقول ليت الزمان يعود يوماً.
أطلق ضحكة خافتة ورفع بصره يدقق بنظراتها المشتتة:
- وليه مانقولش نعيش الحاضر ونبني للمستقبل وندفن الماضي؟ بدل الماضي بيوجع قلوبنا ليه نعمله مكانة.
كان يشدد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه وكأنه قاصداً حديثاً بعينيه.
تقابلت بعينيه التي يدقق بها فتساءلت:
- اللي ما يحفظش على ماضيه مش هيبني مستقبله ياحضرة المستشار.
وضع ذراعيه على الحصان واقترب بجسده منها ينظر لعيناها مباشرة:
- أسما، إحنا مش الفراعنة عشان نتكلم ونتباهى على إنجازات ماضينا. إحنا ناس اتأذينا من الماضي، واللي يأذينا ندفنه.
ظلت تطالعه تفكر بحديثه بشتى المعاني فهمست:
- مش فاهمة معنى كلام حضرتك.
اتجه للخارج مردفاً:
- إيه بقيتي بخيلة ولا إيه؟ عايز أشرب قهوة وياريت سادة.
تحركت خلفه وجدته يجلس أمام بعض الشجيرات التي يقوم المزارع بقصهم. اتجهت لمنزلها وأعادت بعد قليل عندما علمت أن وجوده ما هو إلا من أجلها.
جلست بمحاذته وتحدثت بهدوء:
- سامعة حضرتك ياسيادة المستشار.
- منير العشري. قالها وهو يرتشف من قهوته بهدوء ويتلذذ بطعمها. فاردف وكأن الاسم الذي قاله اسم عادي لا ينتمي لها:
- يابخت نوح بيك عليكي فنجان قهوة حقيقي تسلم ايدك.
ظلت تناظره لبعض اللحظات فابتسمت بسخرية:
- هو حضرتك بتتريق؟
وضع الفنجان ناظراً إلى مقلتيها مباشرة وهو يستند بظهره على الأريكة واضعاً ساق فوق الأخرى:
- بصي، أنا مبحبش اللف والدوران. منير العشري أبوكي. إشارة منك أخليه يتمنى الموت. بس نصيحة مني، بلاش مهما كان دا اسمه أبوكي، والواحد مابيخترش أبوه وأمه.
انسدلت عبرة بجانب عينيها فتساءلت بصوت متقطع:
- حضرتك عايز توصل لإيه؟
نصب عوده واضعاً يديه بجيب بنطاله ثم أردف:
- يعني لو خايفة منه ومن تهديد يحيى الكومي، أنا بقولك ماتخفيش. أنا لو عايز أدفنه هدفهنه، لكن محبتش أعمل كدا من غير ما أقولك.
نهضت تقف أمامه:
- الموضوع مش بابا أبداً. وبما أن حضرتك عارف تهديد دكتور يحيى، فأنا وعدته أبعد عن نوح. مش معقول أعض الإيد اللي وصلتني لكدا.
استدار إليها عندما اشتعل غضبه من حديثها:
- محدش له فضل عليكي يا أسما. أنتِ وصلتِ لكدا بمجهودك. شهادتك أخذتيها بتعبك مش اشتريتيها بفلوس يحيى الكومي. أما الفلوس اللي كان بيدهالك دي مش شفقة، دا لتعبك في المزرعة.
اقترب خطوة منها وأكمل حديثه:
- كلنا عارفين شغفك للزرع وحبك للأرض، وأنتِ المسؤولة الأولى عن المزرعة دي. يعني محدش فضل عليكي. ليه بتستقلي بنفسك؟
هزت رأسها رافضة حديثه:
- حضرة المستشار، إنت مش عارف حاجة.
قالتها بصوت مقهور وحالة العجز التي انتابتها، وهي تغطي ألمها بغلاف شفاف من التنهيدات المنحصرة تخرجها مع الهواء. ثم استدارت له وأكملت:
- أنا والدكتور نوح منفعتش لبعض. زي ما بيقولوا كدا، هو الملك وأنا الجارية بتاعته.
- أنتِ واحدة غبية يا أسما.
قالها راكان بصوت غاضب. تحرك بعض الخطوات مغادراً، ولكنه توقف واستدار بنصف جسده:
- البنت اللي تستقل بنفسها متستاهلش حب زي حب نوح.
رفع سبابته وتحدث بتحذير:
- يبقى امشي من هنا خالص. بلاش تقعدي وتعذبيه.
اقترب خطوة وأكمل:
- مش مستعد أخسر صاحبي عشان واحدة غبية مش عارفة قيمة نفسها. ودايماً بتحارب الراجل اللي بيعمل المستحيل عشانها.
استدار ولكنه تذكر شيئاً فاردف وهو يوالي ظهره:
- نوح ملمسش البنت اللي اتجوزها ياباشمهندسة. ومش بس كدا. لا، دا قال على نفسه إنه مش راجل في وسط عيلته عشان بيحب واحدة غبية.
قالها وتحرك مغادراً بسيارته بعدما أشعل قلبها بضربات عشقها.
***
فاقت من شرودها عندما اقترب راكان من أسما واضعاً يديه بجيب بنطاله ينظر إليها بخبث:
- اقعد ياعم الشيخ عندنا كتب كتاب الدكتور على المجنونة اللي شايفها مستنية عريسها بترنج. عمرك شفت عروسة كدا.
اتجهت سريعاً للداخل وكأن قلبها تحول لمعزوفة من الضربات الموسيقية. جلست على مخدعها وهي تضع يديها على قلبها. ثم أمسكت هاتفها:
- ليلى، ممكن تيجي لعندي حالاً. بليز ليلى.
كانت تجلس على تختها تقرأ بمصحفها بجوار سليم الغافي.
تحركت للشرفة حتى لا تيقظ زوجها فتساءلت حينما شعرت بشيئا:
- مالك يا أسما؟
ابتسمت أسما مع عبراتها المنسدلة وتحدثت:
- تعالي بسرعة وأنتِ تعرفي يا لولة بسرعة.
وقفت للحظات تنظر من الشرفة تفكر بأمر صديقتها، ثم اتجهت لزوجها. مسدت على خصلاته. فتح عينيه نصف فتحة وأردف:
- فيه حاجة حبيبي؟
نزلت برأسها تقبله على خديه ثم تحدثت:
- عايزة أروح لأسما. لو ينفع يعني. أخد عربيتك. وبعد ما تصحى من النوم يبقى تعالى لي.
نظر بساعة هاتفه:
- الساعة تمانية. أنا مفكر نمت كتير.
جذبها فجأة ناظراً لمقلتيها:
- بقولك عايز رشوة الأول.
لكزته عندما علمت ما يريده. هزت برأسها وحاولت الفكاك من قبضته.
- وسع ياسليم.
ولكنه التقط ثغرها بقبلة شغوفة. تركها بعد قليل ثم استدار للجانب الآخر:
- امشي بسرعة قبل ما أغير رأيي وأنوِّمك جنبي. عندي عشا عمل وهخلص وأجيلك.
ارتدت ملابسها سريعاً متجهة لغرفة سيلين:
- ممكن ادخل؟
نهضت سيلين التي كانت تظهر على ملامحها البكاء وأجابتها:
- تعالي اتفضلي.
حمحمت ليلى وهي تفرك بيديها:
- ممكن نخرج مشوار أنا وأنتِ؟ بصراحة سليم بقاله يومين سهران ونايم ومش عايز يصحى. وكمان عنده اجتماع وأسما كلمتني وعايزة أروح لها حالاً وأنا خايفة أخوكي يفضل نايم وأرجع لوحدي.
ابتسمت سيلين من وسط حزنها وأمسكت يديها:
- أول مرة أحس إنك طفلة كدا.
ابتسمت ليلى لها وأجابتها:
- مش موضوع طفولة. لكن متعودتش أخرج أرجع البيت في وقت متأخر. ولولا إنها محتاجاني عمري ما أخرج بالليل لوحدي.
اتجهت سيلين لغرفة ملابسها وهي تضحك عليها:
- شكلك عايشة في العصر الحجري يابنتي.
***
بعد قليل وصلوا للمزرعة. دلفت السيارة من الباب الرئيسي، ولكنها توقفت من كثرة السيارات التي توجد بالمزرعة.
اتجهت بنظرها لسيلين وأردفت:
- دا شلة الفاشلين كلها هنا.
ذهبت سيلين بأنظارها لتلك السيارة التي أمامهم مباشرة وأردفت:
- إيه اللي جاب يونس هنا؟
ترجلت ليلى وهي تخطو ببطء متجهة إلى سيلين:
- معرفش إيه اللي بيحصل. تعالي هنعرف دلوقتي.
وصلتا أمام المنزل تفاجؤا بوجود راكان ويونس ولميا يجلسون على طاولة ويبدو إنها مزينة لحفلة ما.
اقتربت حتى وصلت أمامهم بعودة حمزة الذي يتحدث بهاتفه:
- إزيك ياباشمهندسة؟
أردف بها حمزة. هنا استمع راكان لصوت ليلى وبجواره سيلين التي تهرب من يونس الذي ما أن رآهما توقف سريعاً متجه إليهما.
- بتعملي إيه ياسيلين هنا دلوقتي؟
أسرعت لراكان الذي توقف ينظر إليهم بنظرات مستفهمة:
- سيلين خير جاية هنا ليه؟
ألقت نفسها بأحضانة:
- راكي حبيبي وحشتني.
رفع حاجبه بسخرية وتحدث متهكماً:
- مجنونة يابت. أنا كنت معاكي الصبح.
رفع بصره لليلى التي تحركت بجوار حمزة تتحدث إليه:
- إيه اللي بيحصل هنا يا أستاذ حمزة؟
حمحم حمزة لامساً أنفه ثم أجابها:
- بنجوز أسما لنوح.
جحظت عيناه، ثم وضعت يديها على فاهها من الصدمة مردفة:
- أكيد بتهزر مش كدا؟
وضع يديه بجيب بنطاله:
- ليه بتقولي كدا؟
وأخيرًا أسما وافقت ورحمت نوح.
رفع نظره لراكان وأكمل:
- عقبال راكان عليه الدور إن شاء الله.
أومأت برأسها وتحركت متجهة إلى منزل أسما دون أن تعيره اهتمامًا.
دلفت للداخل قابلها نوح ابتسم إليها.
- كنت عارف إنها هتكلمك. إيه سليم معاكي؟
هزت رأسها رافضة.
- لا رجع من الشغل نام. وعنده اجتماع وأنا معرفش يادكتور حتى العروسة مقلتش.
قالتها بغضب، ثم دلفت لغرفة أسما.
مابين الانتفاضة والرعشة والفرحة والخوف، استدارت أسما تنظر إليها. وعبراتها تترقرق على خديها.
اقتربت مبتسمة تضمها بمحبة.
- ألف مبروك ياحبيبتي. ربنا يسعدك دائمًا ياأسما.
أحاطتها تتشبث بها بقوة. هنا فقدت سيطرتها وانهارت باكية بأحضان ليلى.
مسدت ليلى على خصلاتها وبكت لبكائها، ثم أخرجتها بهدوء تحتضن وجهها.
- أنا معرفش إيه اللي حصل. لكن اللي أعرفه إن دا أحسن قرار ياأسما. صدقيني حبيبتي مفيش أحلى من إنك تكوني سعيدة في حضن اللي بتحبيه. بلاش تفقدي الحاجة الوحيدة اللي بتخليكي تقاومي عشان تعيشي.
انتقلت أناملها لتزيح بعض خصيلات شعرها التي التصقت بوجهها بسبب بكائها. فرفعت وجهها مبتسمة.
- حاربي عشان دا. قالتها ليلى وهي تشير لقلبها.
دا هيخليكي إنك مالكة الدنيا ومش محتاجة حاجة.
كانت تقف على باب الغرفة وعبراتها تنسدل بغزارة من كلمات ليلى. أسرعت للخارج عندما فقدت قدرتها على التحمل. لقد انشق قلبها وأصبح لا يصلح للنبض. تعشقه حد الجنون. وابتعاده وهجرها له فقدت طعم الحياة حتى شعرت بعلقمها. تود ولو تلقي بنفسها بأحضان.
رآها أخوها الذي أنهى مكالمته للتو. توجه إليه ووقف خلفها.
- وبعد ما تعيطي. وقلبك يوجعك هتستفيدي إيه؟ هل وجع قلبك ولا عياطك هيفيدك؟
استدارت إليه تطالع بعينها الباكية فخطت لتوقفت أمامه.
- بقالي أكتر من أسبوعين بحاول أوازن نفسي. وبحاول أسيطر على شيطاني. لكن شيطاني غلبني وغلب تربيتي ياآبيه.
- أنا بنت مين؟ أنا أختك فعلاً زي ما كلكم بتقولوا. ولا بنت ملجأ زي ما يونس بيقول.
اختل توازنه قليلًا وشعر بدوران الأرض وكأنها تسحب من تحت أقدامه. كأن حديثها اخترق قلبه بنيران الوجع الذي ستواجهها. نظر للبعيد يهرب بنظراتها التي صوبتها لعينيه الشمسية بقوة كصياد مفترس يوجه بندقيته للصيد.
بتركيز. دنت بخطواتها حتى أصبح لا يفصل بينهما انش واحد. ثم رفعت كفيه بين راحتيها مع انسدال عبراتها من حالته وسكونه. علمت حينها سقوطها بمهب الريح.
همست من بين بكائها ومازالت تمسد على كفيه بحنو وتنظر إلى كفيه:
- يعني الراجل الحنين اللي واقف قدامي دا مش أخويا. طلعت كذبة. وسليم كمان مش أخويا. ولا ماما زينب ولا بابا طلعوا أهلي. يعني أنا كذبة. حياتي كلها كذبة.
رفعت نظرها مع يديها المرتجفة تحتضن وجهه.
- قولي إن الكلام دا كذب. قولي إنك أخويا حبيبي وسليم برضو أخويا. متسكتش كدا ياراكان.
جذبها لأحضانه بقوة وكأنه يخفيها عن العالم.
- اقسم بالله إنتِ اختي. وسليم أخوكي. متسمعيش كلام حد حبيبتي. هتفضلي اختي اللي ربيتها لحد آخر يوم في عمري.
خرجت من أحضانه مبتسمة وهي تومئ برأسها.
- يعني يونس بيكذب عليا ياراكان صح؟
وصل يونس وهو يضع يديه بجيب بنطاله مقاطعًا حديثها.
- مين اللي بيكذب ياراكان؟ أنا ولا إنت؟
تحركت إليه كالمجنونة وبدأت تلكمه بقوة.
- اخرص يايونس. تعرف أكتر واحد قرفانة منه إنت.
حاوط خصرها بقوة وهو يطالع راكان وصاح بصوت صاخب.
- قول لأختك اللي بتحلف إنها اختك هي بتكون مين. وقبل ما تفرد صدرك قوي. أنا عملت تحليل DNA ليك وسليم وهي الصدمة بقى اللي جننتك ياصاحبي.
- لا أنت أخوها ولا حتى سليم ولا حتى سليم.
اتجه راكان يلكمه بوجهه.
- إخرص يلا. متعرفش حاجة متتكلمش.
ناداهم حمزة لعقد القران. ضم راكان سيلين التي تنظر بتشتت وتيه حولها.
- يعني إيه؟ نظر لمقلتيها مردفًا.
- بتثقي في راكان قد إيه ياسل؟ النهاردة هعرف إن فعلاً بتثقي في أخوكي ولا لأ.
وضعت يديها على يديه التي تحتضن وجهه واجابته.
- بثق فيك أكتر ما بثق في نفسي.
قبّل جبينها وأكمل.
- نروح ووعد مني هحكيلك كل حاجة وهثبتلك إنك اخت راكان وسليم. وسيبك من الغبي اللي بيعمل حجج عشان يبرر موقفه.
رفع نظره ليونس الذي ذهل من حديثه.
- أنا ببرر ياراكان بقولك عملت تحليل.
دفعه راكان بقوة.
- حسابي معاك بعدين يايونس. متخلنيش أوصل لقطع علاقتي بيك. ولو لمحتك جنب أختي هموتك.
سحب كف سيلين من يديها ولكنها توقفت أمام يونس واتجهت لراكان تتحدث.
- ممكن كلمتين ليونس ياآبيه؟
زفر كم من الهواء دفعة واحدة وتحرك متجهًا لنوح وحمزة. أما سيلين وقفت قدام يونس تطالعه بنظراتها العاشقة ثم ابتسمت ترفع يديها لوجهه تحتضن وجهه ودنت تطبع قبلة على وجنتيه مردفة.
- تعرف حبيتك قوي. حبيتك حب سرمدي. حب خلاني أغير حتى من أختك عليك. حب خلاني أشوف الدنيا كلها بمبي. حب أعمى خلاني مش أشوف عيوبك. لكن على قد الحب دا يايونس على ماكرهتك قوي. والبوسة اللي بوستها لك دلوقتي دليل إنك بقيت ولا حاجة. دي ذكرى من سيلين البنداري عشان كل ما تقف قدام المرايا تفتكر إن الخد دا سيلين ودعتك بيه ومسحتك للأبد.
كانت كلماتها كأشواك تخربش جدران قلبه. حاول جذبها ولكنها نزعت نفسها تشير بسبابتها.
- بتمنى ماكونش من عيلة البنداري. عشان ما اندم على واحد زيك يادكتور.
بعد لحظات خرجت أسما بصحبة ليلى وعالية. جلس الجميع أمام المأذون الذي بدأ بعقد القران. كانت ليلى تجلس بجوارها وابتسامة جميلة على محياها. همس لنوح الذي يجاورها بالجانب الآخر.
- عارف لو زعلتها هقطعك بضوافري.
نظر لاصابع يديها ثم ابتسم بتهكم.
- الأيد دي آخرها تضرب قطة.
قاطعهم المأذون وهو يسأل عن وكيل العروس.
أجابه راكان.
- العروسة وكيلة نفسها. هي معدية السن القانوني ومش محتاجة. قالها حتى لا يتطرف السؤال عن والدها.
ورغم ذلك ابتسمت له عندما كان المأذون يدون بياناتهم فأردفت.
- حضرة المستشار هيكون وكيلي.
صدمة أذهلت الحضور. مما أدى إلى توجه نوح بالنظر إليها.
هزت رأسها وهي تسأله.
- إيه في إيه بتبص لي كدا ليه؟ الشيخ سأل وأنا جاوبت.
ابتسم راكان وهو يرمق نوح بنظرة متهكمة فأردف قائلًا.
- أهو عشان أعرف أربيك. مش كدا ياأسوم.
هنا جحظت أعين ليلى وهي تطالعه بنظرات جحيمية فأردفت سريعا غير منتبهة للحضور.
- هي تقول راكان وكيلي. وانت تقولها أسوم. لا وحياة ربنا دا شكله حلم. لا مش حلم دا كابوس.
ضحك الجميع على كلماتها العفوية. مما جعل أسما تلكزها.
- اتجننتي يابت. أنا وحضرة المستشار بقينا أصحاب.
ابتسمت بسخرية رافعة حاجبها لأسما.
- شوف إزاي وأنا اللي كنت ظلمكوا. وفهمت غلط.
قاطعهم نوح.
- إيه مش هنكمل ياباشمهندسات.
أما راكان الذي ظل يطالعها بصمت وهي تنفخ وجنتيها بضجر. رفعت نظرها إليه. ابتسم عندما شعر بها.
ودت لو أطبقت على عنقه. كانت نظرات نارية لو تحرق لأحرقته.
انتهى عقد القران. نهض الجميع مهنئين نوح وأسما. بعد قليل غادر المأذون ومن معه وبقى الأصدقاء يحتفلون بهما.
توجهت لميا لأخيها.
- ألف مبروك ياحبيبي. ربنا يسعدك. وبالرفاء والبنين إن شاء الله.
ضمها بحب وهو يهمس لها.
- مش هنسى وقفتك معايا يالولو.
ضمت وجهه قائلة.
- أهم حاجة عندي سعادتك يانوح. أنا هسافر بكرة بدري لازم أمشي دلوقتي قبل بابا يلاحظ غيابي. وانت اعمل زي ماقولتلك.
أومأ برأسه ثم تحركت متجه لأسما التي تجلس بجوار أسيا. ضمتها بحب.
- أسما نوح بيحبك قوي. ياريت تحافظي على الحب دا.
نظرت إليه بنظراتها العاشقة.
- نوح في قلبي قبل عيني يالميا.
ابتسمت لها تضمها.
- ربنا يسعدكوا يارب. ثم استأذنت مغادرة.
بينما توقفت ليلى تجيب على هاتفها الذي ارتفع رنينه بالأجواء. تساءلت سيلين.
- دا سليم ولا إيه؟
هزت رأسها رافضة وتحدثت.
- لا دي ماما. بعد إذنكم.
خطت إلى أن وصلت تحت شجرة مانجو وأجابت والدتها.
- أيوه ياماما حبيبتي.
على الجانب الآخر تحدثت سمية.
- حبيبتي درة اتأخرت. دا كله عندك.
ضيقت عيناها وتسألت.
- درة عندي تعمل إيه ياحبيبتي؟ لا درة مش عندي.
كان هناك من يطالعها بعينيه التي تشبه قرص الشمس. استدارت عندما وصلت رائحة عطره لأنفها. اتجهت فتقابلت نظراتهما حتى فقدت سيطرتها وشعرت بقشعريرة قوية سرت بعمودها الفقري للحظات فقط. عبرة سريعة غائرة انسدلت لوجنتيها ولكنها هربت من براثن نظراته الموجهه إليها وهو ينفث سيجاره ويتذكر حديث سيلين. هو أتى ليحادثها حتى تكون عونًا لسيلين في الفترة القادمة. عندما وجد ترابطها القوي بأسما. أحب صداقتهما. هنا تمنى أن تقترب من أخته.
ظل واقفًا خلفها على بعض أمتار حتى تنهي حديثها. في نفس الوقت رفع هاتفه وأرسل رسالة لأخيه.
- سليم تعالى على مزرعة نوح. لازم سيلين تعرف حقيقة نسبها. مستنيك هناك. ومتخافش مراتك هنا كمان. مش هخليها تمشي إلا لما تيجي.
زوت مابين حاجبيها تستمع لحديث والدتها.
- طيب ياماما. اقفلي وأنا هكلمها وأشوفها فين.
بكت والدتها على الجانب الآخر.
- بتصل بيها ومبتردش ياليلى تليفونها مقفول. يالهوي ليكون أمجد خطفها ويعمل فيها حاجة.
هنا استدارت سريعا لراكان وانتفض جسدها وهي تهز رأسها رافضة حديث والدتها.
- لا ياماما متخافيش. أنا هتصرف هشوف.
قاطعتها أمها وهي تبتعد عن غرفتها حتى لا يسمع والدها حديثها.
- ليلى أبوكي تعبان بقاله كام يوم. ممكن يروح فيها. لو الزفت دا وصل لأختك.
تنهدت وأكملت.
- شوفي راكان يابنتي هو وعدني إنه هيوديه في داهية.
كان يقف يطالعها بتركيز على تغير ملامحها. دنا بخطواته منها.
- فيه حاجة؟ تسائل بها.
سحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة البكاء التي كانت على وشك الانفجار في أي لحظة فأردفت وهي تنظر للأعلى.
- خلاص ياماما هتصرف واطمنك.
اتجهت تجلس على الأريكة عندما شعرت بفقدان قدرتها على الوقوف.
- مش قادرة أقف جسمي بيرتعش. أمسكت الهاتف بيد مرتعشة. جلس بجوارها.
- أنا بسألك فيه إيه؟
رفعت نظرها وعيناها محجرة بالدموع.
- درة مرجعتش البيت وفونها مقفول. ومحدش يعرف عنها حاجة. مش أمجد محبوس؟
نهض وهو يردف.
- شوفيها ممكن تكون عند حد من صحابتها. مش شغلانة، متخافيش أمجد محبوس ومش هيخرج دلوقتي لأن القضية شروع في قتل.
حاولت الأتصال عدة مرات، هزت رأسها.
- لا درة مالهاش صحبات غير اروى. وأروى مسافرة مطروح.
وضعت يديها على رأسها وظلت تخطو ذهاباً وإياباً.
- ياربي أعمل أيه؟ بابا ممكن يروح فيها.
أمسك هاتفه وقام الأتصال بأحدهم.
- هبعتلك رقم شوفه فين.
جلس الجميع حول ليلى منتظرين اي اخبار، وحمزة وراكان يواصلون مع شركة الهاتف.
بكت بإنهيار حينما لم يتوصلوا لشئ. نهضت سريعا وبدأت تبكي بوجه أسما.
- قولتلك مش هيسبني في حالي. فقدت عقلها قائلة:
- شوفتي مسكهم واحد واحد. روحت اتجوزت سليم عشان يبعد برضو مفيش. دا شيطان. ياترى الدور على مين؟ على بابا ولا راك..
نهضت أسما عندما وجدتها بتلك الحالة. وضعت كفيها على فمها حينما فقدت سيطرتها وبدأت تتحدث بكلمات وقعت على رؤسهم كالماء المغلي بيوم قائظ الحرارة.
وصل إليها بخطوة يمسكها من رسغها بعنف.
- اتجوزتي سليم عشان تهربي من امجد؟
مسح حمزة على وجهه بعنف عندما فقدت الأمور من بين يديه. بينما يونس الذي تحدث.
- مش أمجد دا إبن شريك جدو؟
هنا فقد راكان عقله وبدأ يصيح بغضب.
- تتجوزي اخويا عشان تهربي من امجد؟ مفكرة كدا بيحميك؟
توقف حمزة بينهما حتى لا يتأزم الوضع أكثر.
- راكان اللي حصل حصل.
دفع حمزة واتجه إليها كالمجنون.
- سألتك وقولتلك مخبية إيه وقتها قولتي مفيش. ودلوقتي جاية بتقولي اتجوزتي أخويا عشان يحميكي.
- الله ياخدك ياليلى وارتاح منك. قالها بصوت اهتز له جدران البيت.
جلست بأحضان أسما تبكي بنشيج وجسدها يهتز. طالع نوح بنظرات جحيمية.
- أخويا لو حصله حاجة صدقني هدفنها مكانها.
لكمه حمزة عندما فقد سيطرته.
- راكان اهدى اتجننت. قالها بصوت صاخب.
- اهدى دي واحدة خلت في الجسم عقل. سألتها ياحمزة. انت عارف دا واحد مجرم. لو جت وقالتلي وقتها وعرفنا تهديده كان ممكن يروح في داهية. أهو في السجن وخطف اختها.
- تخيل دا ممكن يرتب لسليم ايه. دا واحد مهووس بالهانم. قالها وهو يركل المنضدة حتى تهشمت.
ارجع خصلاته بعنف. كاد أن يقتلعها بيديه. قاطعه رنين هاتفه.
- وبعدين دا كله مش عارفين فين حتة تليفون.
أمسك حمزة جهازه يتواصل مع شركة الهاتف التي توصل إليها عن طريق راكان يبحث.
نهضت ليلى سريعا متجهة لسيارتها وهي تهذي.
- انا هوصل لأختي من غير مساعدة حد. هروحله واسلمه نفسي.
حاولت سيلين وأسيا إيقافها. ولكنها فقدت عقلها وهي تتحرك. في حين كانت أسما تقوم بعمل ليمونادا لتهدئتها.
أسرعت سيلين تصيح لأخيها عندما فقدت قدرتها على إيقافها.
- راكان ليلى ركبت عربيتها وبتقول هتروحله.
هب فزعا من مكانه وهو يشير لسيلين.
- اتصلي بسليم خليه يجي ياخدها بدل ماافقد أعصابي عليها.
تحرك متجها للسيارة.
فتح باب السيارة وجذبها بعنف من رسغها.
- بصي أنا على آخري متخلنيش افقد أعصابي. كفاية غباءك يامدام.
بكت بنشيج وهي تهمس بصوت متقطع بين بكائها.
- اختي. قالي هيغتصبها ياراكان. اختي معرفش عنها حاجة. ومش عارفة اروح بيت أبويا عشان ميعرفش قولي هعمل ايه. هو عايزني أنا.
هزت رأسها كالمجنون وبكائها ارتفع في الأرجاء.
- خلاص هخلي سليم يطلقني. واروحله. لا مش هستنى يعمل حاجة تانية. هو عايزني. انت صح. أنا واحدة غبية. لو كنت وافقت عليه مكنش سجن أبويا. مكنش ضرب أخويا وعجزه. مكنش خطف اختي. ودلوقتي الدور على بابا. لا أنا لازم اروحله.
- ابعد عني. قالتها تدفعه. فقد كان صدرها يحترق من خوفها على اختها. أما هو تصنم من حديثها الذي بدأت تهذي به.
نهرها صارخاً.
- هتفضلي هنا لحد ماجوزك يجي ياخدك. لحد مانلم معجبين باربي هانم عروسة المولد ومسمعش صوتك.
فجأها بردة فعله القاسية التي اشعرها بالإهانة فاكفهرت تعبيرها بشكل مخيف.
- أمشي من قدامي. انت مين اصلًا! إنت ولا حاجة ياراكان يابنداري.
جذبها بقوة حتى اختلطت أنفاسهما وهمس لها.
- أنا الراجل اللي حاولتي تختميه على قفاه. لكن وحياة ربي لادفعك تمن دا كله.
ثم دفعها بقوة بعيدا عنه يصيح بغضب.
- أسما تعالي خدي صاحبتك من قدامي!!
قالها واستقل سيارته مغادراً. لحقه يونس وهو يتحدث لسيلين.
- متخلهاش تمشي. وسليم على الطريق لما أشوف راكان راح فين.
خرج حمزة هو ونوح.
- عرفنا مكان التليفون! فين راكان؟
تسائل بها حمزة. اجابته أسيا.
- خرج منعرفش خرجنا لقيناه خرج والدكتور يونس خرج وراه.
رفع نظره لليلى التي تقف كطفل فقد والدته.
استقل السيارة يسأل نوح.
- تعالى نشوفه فين.
اتجه لأسما.
- سليم هيجي ياخد ليلى. خدي دا مفتاح البيت مينفعش أروح عندك وأسيا موجودة. قالها ثم طبع قبلة على خديها.
زفر حمزة بغضب وضرب على قيادة السيارة.
- بتعمل إيه يامتخلف دا وقته.
ضحك نوح يستقل السيارة بجواره.
- الليلة انضربت الله يخربيتك انت وراكان.
نظر للخارج من نافذة السيارة.
- أنا متأكد مش أمجد اللي خطف درة. أمجد مش عبيط يعمل حركة زي دي وهو عارف انه هيكون المسؤل الأول.
طالعه نوح بتفكير وهو ينظر لطريق مرة وإليه مرة فتسائل.
- تفتكر ممكن يكون نور اللي كان خطبها؟
أشار حمزة بيديه إليه.
- دا اللي فكرت فيه. وبعت ابحث عن تليفونه على طول. المشكلة لازم يكون عندنا دليل قوي عشان نراقب تليفونه.
وصل راكان للسجن ودلف للداخل. حتى وصل لأمجد. فتح زنزانه وتوجه وجده يجلس يستمع للتلفزيون.
جذب التليفزيون محطماً اياه.
- قوم يلا. مفكر نفسك في فندق ياروح أمك. جذبه من تلابيب ثيابه. ثم دفعه على الأرضية.
- بقى إنت ياصرصار تهدد بنت بالجواز بالأجبار. يااما تتجوزها ياتغتصب اختها. لا وتشوه سمعة ابوها.
حاول تهدئة نفسه حتى لا يليقه صريعا. فكلما تذكر انهيارها يفقد أعصابه. سحب نفسا ثم
جلس واضعا ساق فوق الأخرى وبدأ ينفث تبغه ناظرا للذي تحت قدمه ثم أمال بجسده ينظر إليه.
- طيب شوف ياحيلتها. دي بقت من عيلة البنداري. واللي يقرب منها همسحه من على وش الأرض.
مسح أمجد وجهه وزم شفتيه وتحدث ساخراً.
- طلعت غلطان ياباشا. عارف ليه. لأني هددتها بالإنسان الغلط.
نهض ينفض ثيابه وجلس على فراشه.
- منكرش كنت خايف منك وأنا بهددها بيك. كنت مفكرها بتحبك طلعت عبيط بس ملحوقة ياراكان باشا. البت الصراحة يندفع فيها العمر كله. متخافش هيجي الوقت وأحاسبها.
لم يتحمل المزيد من قسوة حديثه الذي نهش قلبه كحيوان مفترس فانقض عليه يكيله بلكمات حتى وصل الضابط المسؤل.
- راكان باشا بتعمل إيه.
أخيرا استطاع إنقاذ أمجد من تحت يدي راكان الذي حول وجهه لخريطة من اللكمات.
تراجع راكان وهو يكاد يأخذ أنفاسه.
- الكلب دا في انفرادي. مش أوضة في فندق سبع نجوم. وأنا بنفسي هعاقب اللي يوصله حاجة من برة.
- سمعتني ياحضرة الظابط. وأنا مضيت على قضيته لجاسر الألفي هو اللي هيمسكها.
قالها وتحرك والنيران تأكل خطاويه. قابله يونس.
- راكان عملت ايه. إيه اللي بيحصل بالضبط.
- تروح لتوفيق الزفت اللي هموته قريب وحذره يبعد عني قاسم الشربيني. أصل قسما عظما ماهفكر انه جدي اصلا.
قالها متحركاً يجيب على هاتفه.
- إيه ياسليم.
أجابه سليم.
- انا رايح المطار ياراكان. الوفد الألماني جه ولازم حد يكون في انتظاره. كنت ناسي. ولسة السكرتيرة معرفاني دلوقتي.
مسح على وجهه بغضب وأنفاسه بالأرتفاع.
- ماتخرجش من غير حراسة. وسلاحك معاك. ولسة هنتحاسب يابن أبويا عشان تخبي عليا سبب جوازك ياسليم باشا.
قطب مابين حاجبه وتسائل.
- وانت زعلان ليه ياراكان. اتجوزت البنت اللي بحبها وخلاص. مش فارقة طريقة الجواز.
ضرب على مقود السيارة وصاح بغضب.
- كنت عارف مراتك متهددة عشان كدا روحت تتجوزها. طيب أهم ضربوا اخوها. وخطفوا اختها. قولي ياحضرة المهندس العظيم.
- إيه هي نتيجة جوازك.
أجابه سليم بعدما توقف بالسيارة على جانب الطريق.
- ايه ياراكان ممكن تهدى. لاحظ انا مش متهم.
- قدامك. ممكن تهدى. دي مش طريقة.
زفر راكان الهواء المكبوت بصدره محاولاً السيطرة على نفسه.
- خلاص ياسليم. كمل مشوارك وانا هرجع باختك ومراتك. قالها ثم أغلق الهاتف وهو يحدث نفسه.
- مين له يد بخطف درة. بدل الحقير دا ميعرفش.
ظل يطرق بأصابعه ويفكر حتى قاطعه رنين هاتفه باسم حمزة.
- وصلت لحاجة! تسائل بها راكان.
- التليفون مكانه في فيلا على طريق القاهرة اسماعيلية الصحراوي. بس طبعا دا قانون فاهم كلامي.
خمدت ثورته قليلا ثم أردف.
- تمام خليك عندك وأنا هتصرف.
وصلت قوة من الشرطة بعد فترة أمام المكان الذي أرسله حمزة لراكان. هاجمت القوة الفيلا التي لم يكن بها حراسة ودلفوا للداخل.
كانت متقيدة من أقدامها ويديها وتحتجز بإحدى الغرف. دلف جاسر يبحث مع قوة الشرطة عنها حتى وجدها.
أسرع وقام بفك وثاقها متسائلا.
- إنت كويسة ياآنسة.
هزت رأسها بالرفض وجسدها يرتعش وكأنها فقدت الحديث.
في مكتبه بالنيابة.
جلس ينتظر عودة جاسر بعدما أخبره. كان يونس وحمزة يجلسون بمحاذته.
- تفتكر جدك هيرضى بالأمر الواقع في موضوع قاسم الشربيني ياراكان.
مسح على وجهه بغضب.
-يونس صدقني مش طايق نفسي. الكل يتلاشني دلوقتي.
اقترب يونس جالسا بمقابلته.
- إيه اللي قالهولك بن الشربيني مخليك متعفرت كدا.
ارجع خصلاته للخلف بعنف.
- يوووونس انا قولت أيه. روح على المزرعة روح ليلى وسيلين. لو شوفتها قدامي ممكن اقتلها.
رمقه حمزة متسائلا.
- إيه اللي حصل ياراكان؟
مش ناوي تقولنا ولا إيه؟
لم ينبس ببنت شفة، فقد أصبح جسده كنيران تلتهم الأخضر واليابس كلما تذكر حديث ذاك المعتوه. أخرج تبغه وهو يحاول أن يسيطر على نفسه حتى لا يذهب إليها ويحطم عظامها.
اتجه إليه يونس:
- راكان هتفضل كدا؟ ممكن تشاركنا. عمري ماشفتك كدا.
استدار ليونس، مطبقاً على جفنيه بوهن شديد:
- جدك متورط مع الكلب قاسم في بلاوي كتير، وبيهددني الكلب لو مخرجتوش هيطلع كل الورق اللي عنده.
تحرك حتى جلس خلف مكتبه، وملامحه عبارة عن لوحة من الغضب والوجع بآن واحد، ثم رفع نظره لهما وأكمل:
- لو على توفيق في داهية، المشكلة دلوقتي فيه ورق سليم وبابا مضي عليه. معرفش إزاي واحد زي سليم يعديه ورقة يمضي عليها من غير ما ياخد باله.
عقد حمزة حاجبيه متسائلاً:
- الورق دا فيه إيه ياراكان؟
جلس يضع رأسه بين راحتيه:
- كل أعمالهم المشبوه، توفيق الزفت مخلي بابا ماضي عليها، غير غسيل أموال.
اعتدل حمزة مصدوماً من كلماته:
- هتعمل إيه؟
تساءل بها يونس:
- هتعمل إيه؟
قاطعهم رنين هاتف يونس:
- أيوه. قالها يونس وهو يجمع أشيائه.
- لازم أتحرك. عندي ولادة متعثرة. الدكتورة معرفتش تتصرف. هنتقابل بقى في البيت.
تحرك خطوتين ثم استدار:
- خف على ليلى ياراكان، ليلى دلوقتي مرات سليم.
نفث دخان تبغه وأكمل:
- روح ولد الست هتموت، زمانها ماتت فطيس.
قهقه عليه يونس وهو يتحرك:
- عقبال مانسمع صريخ مراتك ياحبيبي.
اتجه حمزة يجلس أمامه:
- الموضوع كدا فلت منك ياراكان، دا أبوك وأخوك. نفث دخان سيجاره وابتسم بسخرية.
- ومرات اخويا ياحضرة المحامي، دا الولا حاطهها في دماغه زي المجنون، لا وبيقولها في وشي ولا همه.
دقق حمزة النظر بعينيه التي تهرب في جميع أنحاء الغرفة:
- قالك إيه مخليك مش على بعضك ياراكان؟ إيه اللي قاله معصبك؟ موضوع جدك دا مش أقنعني، لأني عارف هتعرف تخرج منه بتسجيل صوتي أقل حاجة، غير اللي بترتبله.
أخذ نفس طويلاً من لفافة تبغه ثم اتجه بنظره لحمزة:
- تفتكر ليلى اتجوزت سليم عشان تهديد أمجد بمين بالظبط؟
دلف جاسر بدرة إلى المكتب. نهض راكان إليها:
- انت كويسة؟
- عايزة أروح. قالتها بصوت متقطع.
وصل الكاتب إليه وقام بفتح قضية، وبعد الانتهاء من أخذ أقوالها:
- حمزة روح الباشمهندسة، وأنا هطمن ليلى.
توقف حمزة متجها إليها:
- انت كويسة؟
رفعت بصرها إليه وانسدلت عبراتها، ثم تحركت بوهن بجواره:
- عايزة أروح، ممكن أروح.
أومأ برأسه متحركاً بجوارها ببطء عندما شعر بإختلال توازنها. توقفت تأخذ أنفاسها بهدوء عندما شعرت بعدم مقدرتها على التنفس. استدارت إليه تحاول الصمود أمام قوة الإغماء التي انتابتها، ولكنها لم تقو، فسقطت كورقة خريف متهاوية. تلقفها سريعاً بقبضته.
وصل بعد قليل للمشفى، وهو يحادث راكان:
- أنا وخدها المستشفى دلوقتي، هات ليلى وتعالى، شكلها هتدخل في إنهيار عصبي.
في المزرعة.
كانت تجلس بالخارج بجوار أسيا وسيلين:
- اتأخروا ليه؟ المفروض يكونوا وصلوا!
ربتت على كفيها:
- إن شاء الله شوية وهتلاقيهم. وصل نوح وأسما التي تحمل القهوة ثم وضعتها.
- ليلى مش نوح لسة جاي وقالك وصلولها، ليه قلقانة؟
نهضت وهي تفرك كفيها:
- خايفة بابا يروح على البيت عندي، هو مقتنعش بفكرة مبيتها عندي. بابا تعبان يااسما مش عايزة يعرف حاجة.
ضمها نوح يربت على ظهرها:
- حبيبتي اهدي شوية وهتلاقي راكان داخل بيها.
استمع لصوت سيارة راكان. أسرعت ليلى إلى السيارة حتى كادت أن تصطدم بها. ترجل وهو يرمقها شرزا:
- ياريتها كانت خبطتك وارتحت منك!
ارتجف جسدها، واخترقت كلماته قلبها، فرفعت نظرها متناسية أمر اختها:
- يااه لدرجة دي بتكهرني؟ حتى عايزني أموت وأتخلص مني. انسدلت دمعة من عينيها وأنحنت تبحث عن أختها بالسيارة، متجاهلة تصلب جسده ونظراته التائه إليها.
تحركت إلى أن وصلت نوح وهي تبكي:
- قوله فين اختي يانوح.
وصل إليهم يوزع نظراته بينهم وكأن الكلمات هربت من فوق شفتيه للحظات فقط، فتوقفت نظراته عليها:
- درة أغمى عليها وحمزة مروحها، ودلوقتي هي في المستشفى.
ترنح جسدها للخلف، بأعين مغمضة مصعوقة مما قاله، فارتطم جسدها بصدره:
- ليه هو ممكن يكون عمل فيها حاجة؟ قالتها ولم تشعر بنفسها وهي تسقط بين يديه فاقدة للوعي.
بعد قليل بالمشفى كان يقف بخارج الغرفة التي تقوم الطبيبة بالكشف عليها. خرجت أسما أولاً تنظر إلى نوح ثم استقرت بنظرها على حمزة مردفة:
- هي كويسة، كل الحكاية إن لولا هتبقى أم بعد تمن شهور.
انظارهم كلها اتجهت إليه، بأنفاس مرتجفة ولسان تجمدت فوقه الكلمات لبعض الوقت وهو يوزع نظراته بينهم بتشتت، وقلب مفطور، وكأن أحدهم صعقه بقوة حتى فقد عقله.
أفلت ضحكة من بين شفتيه مع دمعة غائرة وهو يتمتم:
- هكون عم.
تراجع لبعض الخطوات بظهره وهو يكرر تلك الكلمات، حتى استدار متحركاً لخارج المشفى، ودموعه تنسدل بغزارة وذكرياته بها من أول لقاء بها حتى سقطت بين يديه.
وود لو أحرق قلبه الذي يأن بألم حبها. ظل لبعض الوقت يدور بالسيارة بالشوارع من غير جهة حتى استمع لرنين هاتفه:
- أيوة ياحمزة أنا تحت قدام المستشفى، انزلوا.
اتجهت سيلين التي تتراقص فرحاً وهي تحاوط ليلى:
- هبقى عمتو ياناس، الله الله، أهي دي الأخبار ولا بلاش. قبلت ليلى على خديها. نظرت لراكان الجالس بعيداً بالسيارة وتحدثت:
- تعرفي من صدمة راكان بكى، والله شوفت دموعه، أخيراً هنفرح بحفيد للعيلة.
وصلت إلى راكان ونظراتها عليه. كان يجلس ينفث تبغه ولم يتوجه بالنظر إليها. فتحت سيلين باب السيارة الأمامي:
- اركبي هنا عشان متتعبيش ورا.
هزت رأسها رافضة:
- هكون ورا مرتاحة أكتر.
وضعت يديها على أحشائها بعفوية منها وتحدثت:
- متخافيش هعرف أحافظ عليه.
استدارت تجلس بالخلف. رفع راكان نظره لأخته:
- خليكي ورا ياسيلي، هاخد حلا من الطريق نوصلها شقتي.
نظر إليها في المرآة:
- حمزة أخد درة يوصلها متقلقيش عليها، حمزة شخص كويس متخافش منه. فكري في ابنك بس.
قالها وقام بتشغيل محرك السيارة مغادراً المكان.
بعد قليل وصل لحلا التي جلست تصفق بيديها.
بعدما قبلته على خديه واعطته أحد الأوراق:
- كدا تمام ياحبيبي، كل الورق عندك.
أمال بجسده يطبع قبلة بجانب شفتيها:
- كدا تستاهلي سهرة ياحبيبي.
احتضنت ذراعيه ونظرت لوجهه ملمسة ذقنه:
- هتبات عندي الليلة، دا اللي طلبته منك ياراكان، من وقت ما اتجوزنا مبقاش غير ليلتين بس وكمان.
قاطع حديثها واضعاً أصبعه على شفتيها:
- إشش عيب معانا ناس ورا.
استدارت لهما:
- آسفة مكنتش واخدة بالي.
نظرت إليه ثم أكملت حديثها وهي تلمس وجنتيه:
- راكان نساني حتى أسمي.
وضعت ليلى رأسها على النافذة. تمنت لو أصيبت بالعمى والصمم. هل كان يشعر بذلك عندما تكون مع سليم؟ قلبها يحترق كاحتراق الوقود. أطبقت على جفنيها تضع يديها على أحشائها وهي تبتسم بعفوية. رن هاتفها:
- أيوة ياسليم. لا ياحبيبي في الطريق.
توقفت السيارة بصوت صريرها فجأة. رفع يديه معتذراً:
- آسف، شردت شوية. فيكوا تنزلوا، هرجع مع حلا.
نزلت بساقين هلامين لم تقو على حملها. وصل سليم الذي ينتظرها بالخارج يضمها لأحضانه ويدور بها بضحكات صاخبة:
- ألف مبروك ياأجمل مامي.
كان يناظرهم بإبتسامة على وجهه من فرحة أخيه التي ظهرت عليه. مسح على وجهه وظل لبعض الدقائق ينظر إليهم ثم استدار عائداً بسيارته.
- نفسك في بيبي ياراكان؟ قالتها حلا متسائلة.
نظر إلى الطريق ثم إليها وأجاب:
- أيوة ياحلا، نفسي أكون عيلة.
رفع يده يضع أنامله بخصلاتها وابتسم بوجع.
- مستعدة تكوني أم؟
ابتسمت بحبور، ثم وضعت رأسها على كتفه. أمال برأسه يقبل خصلاتها وقرار بنفسه ينزع قلبه الذي يتمرد عليه.
عند ليلى وسليم
دلف بها الغرفة وهو يدندن.
- مشبعش منها الكلمة دي.
لكزته بكتفه.
- بس بقى كسفتني قدام طنط وعمو وسيلين.
غمز بعينيه.
- هو أنا عملت حاجة يالولا؟ دا العمايل لسة هتيجي الليلة.
عند نوح واسما
يحاوطها بين ذراعيه يمسد على خصلاتها الشقراء. رفع ذقنها بأنامله.
- شعرك أحلو قوي عن الأول.
ابتسمت إليه بحب، تداعب وجنتيه.
- وانت كمان بقيت وسيم وحلو.
ظلا يتبادل النظرات بينهما حتى أفصحت عيناه عن ما يريده. هربت من أنظاره الشغوفة بها مغيرة مجرى حديثهما.
- تفتكر ليلى وراكان هيتحملوا لحد إمتى؟
رفعها حتى أصبحت بمقابلة وجهه.
- ليه بتهربي مني يا أسما؟ يعني ليلة زي دي بتتكلمي عن ليلى وراكان.
اعتدلت تجلس أمامه ممسكة كفيه تربت بحنو عليها.
- مش هربانة أبدا يانوح. بس محتاجة منك شوية وقت حبيبي. متنساش إنك فجأتني والحاجات دي عايزة ترتيب.
رفعت بصرها تنظر لسواد عيناه.
- دا مش معناه أنا رافضة علاقتنا أبدا. عايزة استعد لحياتنا ووعد مني هحاول على قد ما أقدر استقبل حياتنا الجديدة بسرعة.
جذبها من رأسها مطبقاً بشفتيه فوق ثغرها ليتناغم معها بأفضل الألحان. ظل يرويها من شهد عشقه بقبلاته التي جعلته مالكاً لقلبها قلباً وقالباً.
تسطح على الفراش يحذبها لتغفو فوق صدره. فلأول مرة يغفو وقلبه وجسده مطمئناً.
باليوم التالي استيقظ راكان على صوت هاتفه.
فتح عيناه يتحدث بصوت مفعم بالنوم.
- صباح الخير. فيه ايه على الصبح؟
كان يرتدي ثيابه ويحادثه من مكبر الصوت.
- صح النوم ياعريس. فوق عشان اجتماع الوفد الألماني بعد ساعتين. وآه بالنسبة لشركات عمك محمود وبتعتك انت وسيلين عملت زي ماقولت بالضبط.
- صباح الخير ياحبيبي. قالتها حلا وهي تقبل وجنتيه. ثم أكملت حديثها.
- نمت كويس.
أشار للهاتف.
- بتكلم في الفون.
حلا. جلست أمام المرآة ونظرت إليه.
- جهزتلك الحمام.
زفر بغضب.
- أيوه ياسليم كنت بتقول ايه. حلا فصلتني على الصبح.
ضحك سليم الذي يعدل من رابطة عنقه ناظراً لزوجته التي تجلس بهدوء على مخدعها مستندة بظهرها على الفراش.
- بقولك حولت كل حاجة من ألمانيا زي ماقولت لسة الأمضى بتعتك بس. وكمان كل ماهو مرتبط بوالدتك نقلته على اسمك زي ما حمزة طلب. دلوقتي فيه مشكلة.
هتعمل إيه في الشراكة اللي كانت بين توفيق ووالدتك وخاصة ماما زينب متعرفش عنها حاجة بعد اللي جده عمله.
اعتدل جالساً وأجابه.
- حبيبي اشرب قهوة وأفوق وبعد كدا نتكلم. دماغي بتوجعني.
تنهد سليم وتحدث بصوتا غاضب بعض الشئ.
- من الشرب ياراكان. معرفش هتفضل لحد إمتى كدا.
المهم الأسبوع الجاي مضطر أسافر عشان حضرتك موكلني بكل حاجة وقاعد تقضي كل ليلة في حضن واحدة. ممكن تفوق من القرف دا وياسيدي هات مراتك هنا خلاص هرضى بالأمر الواقع.
- سليم بقولك عندي صداع. وبعدين مضايق ليه انت؟ دي حياتي. مش مراتك عندك. خلي بالك منها انت ومبروك ياحبيبي نسيت أباركلك. هتكون أحن أب في الدنيا كلها.
- سمعتي ياليلى. زي ما انت سامعة مبعرفش أوصل معاه لحاجة. اعتدل وكأن الهواء أنسحب من الغرفة بالكامل فأردف بتقطع.
- بتكلمني قدام مراتك.
قهقه سليم وهو يغمز لليلى.
- وحياتك سامعة كل بلاويك.
أغلق الهاتف وهو يسبه بسره ثم اتجه للمرحاض.
نهضت ليلى تقف بمحاذته متسائلة.
- مين هي هيلينا دي؟ واحدة من جواري أخوك ولا إيه؟
قبل جبينها مردفًا:
- دي مامته ياحبيبي. لما أرجع من الشغل هحكيلك كل حاجة. وضع يديه على أحشائها.
- خلي بالك من حبيب باباه. يعني بعد ماقررنا نسافر. الأستاذ هل علينا.
جلست وهي تتحدث:
- عادي ياسليم. أنا أصلا مكنتش حابة نسافر. بقولك عايزة أعدي على ماما عشان اطمن على درة وأشوف الحقير نور دا عمل كدا ليه.
ياما نفسي يمسكوه. بس هيروح فين.
ضمها لأحضانه ثم اردف:
- سيلين هتجيلك بعد شوية. هتنزلي معاها مشوار وبعد كدا اعملي اللي انت عايزاه من غير ماترجعيلي.
أومأت موافقة.
بعد يومين، سافر سليم. هبطت للأسفل في يوم تجمع العائلة. كان الجميع على مائدة الإفطار سوى سليم. جلست بجوار سيلين تبتسم لها.
دلف ملقيًا تحية الصباح. رفع نظره لجده الذي يجلس هادئا على غير عادته. اتجه لوالدته مقبلا رأسها:
- صباح الفل يازوزو. إيه الحلاوة دي. بتصغري يازوزو. قالها وهو يرمق توفيق.
جلس وبدأ بتناول قهوته ثم تناول الجريدة ينظر فيها وهو يحادث توفيق:
- مفيش مبروك لمرات حفيدك ياتوفيق باشا.
نظر توفيق لليلى بذهول. ثم اتجه بنظره لراكان:
- إيه دا هي العروسة حالا حملت. دا شكل سليم عامل شغل عالي.
رغم كلماته التي شقت صدره الا انه ابتسم بسخرية:
- مش عيب كلامك دا قدام الكل كدا. وعلى فكرة وصيت سليم عشان حضرتك تكون فرحان مش أكتر. قالها وهو يرمق ليلى التي كانت تجلس ووجها عبارة جمرة من نيران الغضب.
ظل يرتشف من قهوته بهدوء ثم اردف:
- بمناسبة الخبر الحلو دا لازم اعرفك إن سليم هيسحب كل أملاكه في شركة البنداري الأم. ماهو ابنه أولى بيها من الغرب.
ظل يدور بفنجانه على الطاولة وهو يرمقه بنظرات سخرية ثم تحدث مسترسلا:
- تعرف ياتوفيق باشا الشيطان يتعلم منك.
نهضت زينب وتحدثت:
- راكان افطر ياحبيبي وعيب كدا. مش كل مرة نتخانق.
اتجه ببصره لوالدته وأجابها:
- هو أنا قولت حاجة ياماما. أنا بس بعرفه على اللي هيحصل. نظر في ساعته وتحدث:
- دلوقتي حمزة اصلا خلص كل حاجة. مبروك ياجدي. شركتك اتسحب منها فرد من العيلة. ومش بس كدا. كل التوكيلات اللي باسم سليم اتلغت وخد الكبيرة عشان الذبحة الصدرية تيجي مرة واحدة.
نهض متجها لوالدته ونزل بجسده يضم مقعدها من الخلف وهو يوزع نظراته بين الجميع:
- وسحبت شركات الست هيلينا بوراك من تحت ايدك. قبل رأس زينب وأكمل وهو يدور حول جده:
- أنا عارف من عشر سنين ان هيلينا هي اللي ولدتني. بس ذكائك خانك ياجدو عشان اللي الأم هي اللي بتربي مش اللي بتولد ابدًا.
أمال بجسده مستندا بيديه على طاولة الطعام ينظر لمقلتيه:
- راكان البنداري رجل لايعرف المستحيل. هز رأسه وابتسم غامزا بعينيه:
- نسيت اقولك مش انا رجعت حق ماما زينب بيع وشرى بامضتك الحلوة دي. حتى شوف.
رفع كف جده وأشار على أنامله:
- شوفت الايد الحلوة دي اللي كلها دهب مضت لحلا اللي هي مراتي على كل اللي عاوزه.
أشار بيده للجميع:
- آسف عمو خالد. آسف عمو جلال. عمتو سميحة حبيبة قلبي. بحبك والله. خلي بالك من والدك العزيز وفهميه داين تدان.
يلا باي بالهنا للجميع.
كان يونس يمنع ضحكاته أما سيلين التي تجلس ولا تفقه شيئًا. نهضت لتلاحق راكان ولكن اوقفها صوت توفيق البغيض:
- استني يابنت الشوارع انتِ.
تسمرت بوقفتها وانسدلت عبراتها. وصل توفيق إليها عندما جن جنونه من راكان. ففكر سريعا ظنا منه أنها لا تفقه شيئًا. جذبها من خصلاتها وهو ينظر لزينب بتشفي:
- بنت الحرام دي مستحيل تقعد في البيت دا دقيقة واحدة.
صرخت سيلين وزينب. بينما جحظت أعين ليلى التي وضعت يديها على أحشائها.
استمع راكان لصيحات سيلين. هب من مكانه بغرفته. بينما يونس الذي وقف أمام جده. محاولا تخليص سيلين من يديه:
- جدي اللي بتعمله دا مش من حقك.
وقفت زينب تحرر خصلات سيلين من قبضته. أما الباقي جلسوا كالمشاهدين فقط سوى سميحة وابنتها عاليا اللتان حاولتا التدخل.
رفع توفيق كفيه حتى يصفع زينب ولكن توقف راكان أمامه يمسك كفيه وصاح بصوته الذي هز أركان المنزل قائلا:
- عملتها قبل كدا ياتوفيق باشا. ورضيت. كنت عيل دلوقتي بحذرك ايدك تترفع على أمي تاني قسما عظما هكسرلك ايدك اللي فرحان بيها.
الايد اللي كلها دم وقرف. أنا كنت ساكت على بلاويك عشان ماما زينب وعدتها بكدا. إنما تطاول بعد كدا مش هرحم حد.
ضم أخته ووالدته:
- دول بعيلتك الحلوة دي كلها. فبلاش تخرجني عن صمتي. بحاول اسيطر عشان عمتي وبابا مش أكتر ودلوقتي انت غير مرحب بيك في البيت دا.
- برة ومش عايزك تدخل أي مكان مكتوب باسم راكان البنداري. ودا كرم من أخلاقي اني أسيبك في قصر البنداري. كفاية رضيت انكم تقعدوا في قصرنا.
بعد عدة أيام عاد لمنزله ليلا. قابله سلمى تبكي على باب قصره:
- مالك يابت واقفة كدا ليه. تحركت تمسك كفيه وتحدثت:
- انا في مصيبة يابن عمي ولازم تساعدني. مش انت كبير العيلة.
زفر بغضب واردف:
- سلمى خلقي ضيق وعايز اطلع انام بقالي يومين منمتش مش شايف قدامي. اي حركة واطية منك هدفنك مكانك. كلام توفيق اني اتجوزك دا بأحلامك.
سحبت كفيه وجلست بالحديقة:
- اقعد بس ياراكان هحكيلك اهو. وصلت العاملة اليهما:
- تشرب حاجة ياباشا.
ضيق عيناه وبعدما كان ينوي المغادرة وجد ليلى تقف في الشرفة وتنظر اليهما. ابتسم بسخرية فاردف:
- اعملي قهوة ياشادية.
غمزت سلمى بعينيها. فتحركت العاملة للمطبخ بينما جلس راكان مستندا على الاريكة مغمض العينين مرة ويطالع تلك التي تحتسي شيئا.
- قولي ياسلمى سامعك. دنت منه وهو مغمض العينين تمسد على خصلاته وتحكي له. ابتسم عليها بسخرية فهم ماتنتويه. ظل كما هو يحلو له اغاظة من تقف تنظر إليهما قائلا بسره:
- دوقي من صنع يداكِ زوجة أخي. همس بها لنفسه حزينا. فتح عيناه فجأة عندما مالت سلمى تقبله.
اعتدل يبعدها بغضب:
- اتجننتي يابت.
وصلت العاملة تضع قهوته أمامه وعصير أمام سلمى ثم تحركت للداخل.
ارتشف القهوة وهو يطالع تلك التي جلست بمقابلتهما وكأنها تحادث أحدهما. استدار بعينيه لسلمى وكأنه بدأ يشعر بتغير على جسده.
نهض وهو يشير إليها:
- بكرة نكمل كلامنا. تعبان ومش قادر. أمسكت كفيه تحثه على الجلوس. دفعها بقوة حتى سقطت على الأرض:
- قولتلك بكرة. مبتفهميش.
كان هناك من يراقب الوضع. دلف راكان للداخل وهو يشعر بنيران تستولى على جسده. حاول جاهدا الوصول لغرفته حتى يوصل لمرحاضه. ويبرد جسده ولكنه ثقل بالحركة.
بالخارج صاح بغضب:
- خليكي وراه. ولازم تصوريه هموتك لو محصلش دا. وانتِ هتستفادي متنسيش.
تحركت سلمى خلفه. وصل لأخر الدرج وجدها تقف تعقد ذراعيها متحدثة بغضب:
- ممكن أعرف إزاي تخليها تقرب منك كدا. انت ايه مش حرام عليك اللي بتعمله دا. عايز توجعني انا اتوجعت مافيه الكفاية واتكسرت.
فقد السيطرة على حاله وصل إليها يجذبها من خصرها مردفًا:
- أوجعك وأكسرك. مش أنا. اللي احاول اكسرك. هو فيه حد بيكسر حبيبه برضو.
دنت تلمس وجهه واقتربت حتى اختلطت انفاسهما:
- طيب ليه بتعمل كدا. ليه بتوجعني كدا. كل شوية في حضن واحدة ياراكان.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيلا وليد
كان يؤلمني الكتمان، أما الآن أشعر أن شيئًا داخلي يبتلع كل شيء دون أن أشعر، وكأن روحي اعتادت على الاحتراق.
فاهمني قليلًا قلبي، سأقتلعك من صدري وأعيد ترميم نفسي فالجرح جرحي والقلب المقروح قلبي.
فلا تظن أن صمتي هزيمة ورحيل.
بل صمتي مقبرة تدفن نبضك حتى لا أشعر بمرارة وجعك.
فلم يتركني قدري حتى أن أتألم بصمت، بل شاركني بوجع أكثر.
عندما أتى بما شطرني، فذات يوم أغلق عيناه ورحل وانتهى.
***
حاول استجماع نفسه وهو يتحرك متجها لجناحه، خطاه ثقلت وبدأ يشعر بنيران تغزو جسده وكأن هناك ما يغير طبيعته. توقف بمنتصف الدرج ينظر للأعلى عندما فقد الحركة. ثوانٍ، بل دقائق معدودة حتى استجمع رعشة قلبه التي أصابته عندما وجدها تخرج أمامه بثيابها البيتية الضيقة وهي تحادث سيلين من أمام جناحها. مسح على وجهه بعنف وهو يحاول السيطرة على نفسه. استدار على نداء سلمى إليه وهي تصعد خلفه سريعًا، ولكنها تسمرت بوقفتها حينما وضع يديه أمامها وتحدث بفظاظة.
- حسابك معايا بعدين.
قالها وتحرك للأعلى. زفرت بغضب وهي تضغط بقبضتها على الدرج. ورغم ما قاله صعدت خلفه.
توقفت سيلين أمامه.
- حمد الله على السلامة ياحبيبي.
اتجه بنظره للتي تضم مأزرها بقوة عليها من نظراته المخترقة لجسدها متخيلاً قربها منه ومعاتبتها له على قربه من سلمى.
- ممكن أعرف إزاي تخليها تقرب منك كدا؟ انت ايه مش حرام عليك اللي بتعمله دا؟ عايز توجعني؟ اتوجعت مافيه الكفاية واتكسرت.
فقد السيطرة على حاله وصل إليها يجذبها من خصرها مردفًا:
- أوجعك وأكسرك؟ مش أنا اللي أحاول اكسرك؟ هو فيه حد بيكسر حبيبه برضه؟
دنت تلمس وجهه واقتربت حتى اختلطت أنفاسهما.
- طب ليه بتعمل كدا؟ ليه بتوجعني كدا؟ كل شوية في حضن واحدة ياراكان؟
أيقظه من تخيله كلمات سيلين.
***
- كنت بتكلم مع ليلى وبسأل هتروح إمتى للدكتور، عايزة أكون معاها عشان أشوف البيبي.
نزل بنظره لبطنها، وما كان عليها إلا أن تضع كفيها تحتضن أحشائها، مستغربة نظراته التي لأول مرة تراه بها.
أيقظه من تأمله بها عندما لكزته سيلين بكتفه.
- مالك ياآبيه مبتردش ليه؟
كانت نظراته تائهة مرة، وأخرى تخترق ليلى حتى أجزمت ليلى أن به شيئًا. اقتربت منه على بعد مسافة تنظر إلى مقلتيه.
- إنت كويس؟
كانت سلمى تقف خلفه على بعد مسافة تنتظر ردة فعله، ولكنه فاجأها حينما أردف بلسان ثقيل:
- كويس.
تحرك خطوة متجها لجناحه الذي بجوار جناح سليم، ولكن جذبته سيلين من ذراعه.
- قولتلي هنتكلم بعدين وعدى كام يوم ومتكلمناش في حاجة، حتى أبيه سليم انشغل بالبيبي ولولة ياسيدي.
هنا شعر بنيران تحرق أحشاؤه تجاه أخاه. فنظر للتي تقف تراقب حركاته. تقابلت نظراته بعتاب لثوانٍ. ثوانٍ فقط كفيلة له أن يحرقها بنظراته.
أما هي فضيقت عيناها متسائلة:
- متأكد إنك كويس؟
اقتربت سلمى تحاوط ذراعه تردف بابتسامة:
- هو كويس بس عايزني في موضوع مهم مش كدا ياراكي؟
قالتها وهي تجذبه ليتحرك معها، ولكنه صدمها عندما دفعها بقوة حتى كادت أن تسقط لولا ذراع ليلى التي تلقتها تستند عليها.
ثم اقترب منه فأصبح قريبًا منه.
- هو يعني عشان عندك شوية عضلات فرحان بيهم؟ كل شوية عامل لي تنين وعايز تبلع الكل.
كانت أمامه كتفاحة آدم المحرمة. عيناها السوداء الجميلة التي تشبه عين الغزال. كرزيتها وهي تتحدث، وجهها الذي تغير للون الوردي بسبب تعصبها وغضبها. حقًا كانت شهية ويجب إلتهامها بالحال.
أطبق على جفنيه بقوة كالذي يحاول إفاقة نفسه من سكر النبيذ. لم ترحمه سلمى عندما طوقت خصره وتحدثت بصوتها الناعم:
- نسيت ياراكي انت كنت بتقولي إيه تحت؟ ولا عشان سيلين ومرات أخوك واقفين؟
تشوشت الرؤيا أمامه محاولًا الهروب من محاصرتهم. دفع سلمى بعيدًا عنه حتى اصطدمت بالدرج بقوة.
فزعت سيلين من حالته التي لأول مرة تراه بها. حركته أغضبت ليلى كثيرًا. اقتربت منه وبدأت تحادثه بغضب عندما وجدت الدماء تزرف من جبهة سلمى.
لم يشعر بنفسه عندما فقد سيطرته على نفسه وهو يجذبها من خصرها حتى أصبحت بأحضانه هامسا بصوته الذي حاول أن يكون متزنًا:
- بلاش إنت بالذات دلوقتي. بحاول أسيطر عليها أميرة باربي.
توقفت سيلين بينهم عندما وجدته بتلك الحالة.
شعرت ليلى بالدوران يسيطر عليها من رائحته التي غزت رئتيها. وشعورها بالغثيان جعلها تدفعه بقوة ودقاتها الهادرة من أنفاسه ورائحة عطره دلفت سريعًا لغرفتها وهي تضع كفيها على فاهها.
نظر لتحركها بصدمة. بينما سيلين التي دلفت خلفها وخرجت بعد لحظات إليه وأردفت:
- بترجع؟
أطبق على جفنيه بقوة عندما تحدثت سيلين بذلك حتى أصابت قلبه الممزق بين أحاسيس قوية تجتاحه كالأعصار اتجاهها. ود لو دخل خلفها ليهدأ من آلامها.
- حبيبي مالك؟
هنا خرج من شروده، دفع سيلين عندما تشبثت بذراعه وتحرك سريعًا لداخل غرفته مغلقًا بابه خلفه بقوة رجت له جدران المنزل.
بدأ خلع ثيابه متجهًا لمرحاضه وهو يلكم الحائط مرة، ويضرب رأسه به مرة، متحدثًا:
- غبي إنت واحد غبي. كنت هضيع نفسك لولا ستر ربنا.
ظل لوقتًا ليس بالقليل.
صباحًا باليوم التالي.
هبط للأسفل وجد الجميع على مائدة الإفطار.
- صباح الخير.
قالها بصوت هادئ، ثم تحرك لوالده.
- حمد الله على سلامتك يا أسعد باشا.
قهقه والده عليه.
- عملت إيه من ورايا ياحضرة النايب؟ نفسي أرجع من سفرية والاقيك مهدي الدنيا، إنما متكنش راكان لو مولعتش في البيت.
سحب مقعده وهو يقهقه على والده:
- تربيتك يا أسعد باشا. وبعدين هم اللي بيجوا لحد عندي. أنا والله طيب، بس حضرتك اللي مش واخد بالك.
ضحكت زينب عليه قائلة:
- على يدي ياحبيبي.
رفع بصره يبحث عن سليم.
- هو سليم ما وصلش ولا إيه؟
قالها وهو ينظر لليلى المشغولة بالحديث مع سيلين.
- لا في الطريق لسة مكلمني وقالي على وصول.
أومأ برأسه، ثم اتجه لوالده.
- مش عايزك تحن لتوفيق من أولها.
تناول أسعد طعامه بهدوء ثم أردف:
- مينفعش ياحبيبي. دا والدي مهما كان. وانك تطرد جدك بالشكل المهين دا أنا مش هحاسبك عليه. لأن في الأول والآخر من حقك تتعصب عشان أختك. لكن في حدودك ياراكان فاهمني؟ بلاش تحسسني اني موت.
قاطعت زينب حديثه.
- بعد الشر عليك. ليه بتقول كدا؟
اتجه إليها.
- عجبك اللي عمله؟ يعني جده يطرده بالطريقة دي قدام ولاده يازينب؟ هو أبويا كدا من زمان ورضينا بالأمر الواقع.
كان يتناول قهوته بهدوء ولم يتحدث. نصب عوده يجمع أشياءه الخاصة.
توجهت زينب إليه.
- راكان مفطرتش ياحبيبي. هتفضل كدا قهوة من غير أكل؟
استدار متحركًا بعض الخطوات، ولكنه توقف حينما استمع لوالده:
- راكان انت زعلت ولا إيه؟
استدار بجسده لوالده.
- لا يابابا. حضرتك شايف إن دا والدك. وطبعًا مقدرش ألومك. زي من حقي محدش يجبرني اتقبله في بيتي. عايز يجي مرحب بيه. بس مش الوقت اللي أكون موجود.
تحرك مقتربًا من والده وأكمل.
- متجبرنيش أتقبله بعد اللي عرفته.
نظر لوالدته.
- أنا عازم حد مهم على العشا يازوزو عايز عشا نباتي.
ابتسمت بحب واجابته:
- حاضر ياحبيبي. قولي الأول حلوة اللي هتعزمها عشان طعم الأكل بس.
رسم ابتسامة على وجهه مردفًا:
- احكمي انت لما تشوفيها.
قالها ثم تحرك متجها لمنزل عمه خالد.
بغضب لون ملامحه وامتزجت نبرة صوته الفظة.
يتحرك حول مائدة الإفطار عند عمه.
- أنا النهاردة جاي أتكلم بكل هدوء.
توقف أمام التي جسدها ينتفض بخوف وهي تنظر ليونس أخيها، حتى أنزل جسده لمستوى جلوسها.
- عارفة لو سارة أو فرح عملوا كدا مكنتش هلوم عليهم. إنما إنت توصلي للمستوى المنحط دا ليه؟
قالها وهو يضرب بكفيه بقوة على طاولة الطعام.
انخرطت عيونها بالدموع واردفت:
- معرفش بتتكلم عن إيه؟
رفع حاجبه بسخرية مع شبه ابتسامة تظهر على شفتيه:
- لا والله.
قاطعه يونس متسائلًا:
- مالك ياراكان؟ سلمى عملت إيه؟
جذب المقعد متناولًا قهوة يونس ثم رفع نظره لفريال الصامتة:
- شايف حضرتك ساكتة يعني ياطنط فريال. مش عايزة تسألي بنتك عملت إيه؟
انكمشت ملامحها وتعبير ساخر مع تهكمها.
- مش شايف الأيام دي بقيت بتغلط مع الكل ياراكان. مفيش حد إلا لما تفرض عضلاتك عليه.
نصب قامته القوية بتكبر متجاهلًا حديثها ثم تحرك خطوة للخروج ولكنه استدار بنصف جسده.
- السؤال دا يتسأل لأختك والست الوالدة يادكتور.
تشعب الغضب على وجهه.
- أنا مش هعاقبك المرادي. مش حبًا فيك ابدًا. دا عشان عرفت مين وزك لكدا. افتكري اني حذرتك.
اتجه يونس بنظره لأخته ورمقها غاضبًا.
- سؤال واحد ومش هعيده. أنا كدا كدا هعرف. عملتي إيه مع راكان؟
طالعت والدتها لتنقذها، فتحدثت فريال:
- مالك يايونس؟ إزاي تتكلم مع أختك كدا؟ انت تايه عن راكان؟ كل شوية بيعمل أي حركات فاكسة.
عقد حاجبيه متسائلًا:
- قصدك مين راكان؟ راكان بتاع حركات؟
نهض مستندًا بذراعيه على المائدة.
- طب اسمعيني ياماما. عشان سلمى بنت ومش هتغاضى عن غلطها. دي مش زي عدي الصايع. اللي بياخد السنة بخمس سنين. لو عرفت انها غلطت قسمًا عظيمًا ماهرحمها.
قالها ثم تحرك للخارج. رفع هاتفه الذي أعلن رنينه.
: أيوة مين؟
توقف للحظة يستوعب ما قاله الطرف الآخر، ثم تحرك متجهًا لعيادته.
***
بمنزل عاصم المحجوب، بغرفة درة.
كانت تنام متكورة، تحتضن نفسها كالجنين. دلفت والدتها وقامت بإشعال المصباح. جلست بجوارها على مخدعها، تمسد على خصلاتها.
- أروى جت بره ياحبيبتي، عايزة تشوفك. هتفضلي ساكتة كدا؟ بقالك يومين قافلة على نفسك. حتى ليلى مردتيش تكلميها.
جففت دموعها الغزيرة وهي تجهش بالبكاء وتأخذ أنفاسها بصعوبة. ضمتها والدتها لأحضانها تبكي على بكائها.
- وبعدهالك ياقلبي؟ قولتي مفيش حد عملك حاجة. واللي يشوفك كدا يقول غير كدا. طمنيني قلبي يابنتي. أختك هتموت من القلق عليكي. وباباكي كل شوية يسأل عليكي.
طالعت والدتها بعيونها الباكية الذابلة، واهدابها الملاصقة.
- عايزة أروح لليلى ياماما. عايزة أغير جو. ممكن؟
مسدت على خصلاتها، ثم دمغتها بقبلة حنونة قائلة:
- روحي يابنتي. لو عايزة بابا يوصلك أقوله.
هزت رأسها رافضة.
- لا، هاخد تاكسي ياماما.
بعد قليل، خرجت من منزلها بمرافقة أروى. توقفت أروى أمامها.
- مش عايزة تقوليلي إيه اللي حصل عامل فيكي كدا؟ وليه معنتيش بتيجي الجامعة؟ وليه وجهك مطفي كدا؟ مخبية إيه يادرة؟
أخذت عدة أنفاس، علها تهدأ من ضرباتها العنيفة. ترتجف خوفًا مما ينتظرها. ثم تحدثت:
- دلوقتي تعرفي...
رفعت هاتفها.
كان جالسًا بمكتبه بالنيابة، يتفحص بعض القضايا التي أمامه. بملامحه الحادة القوية، وصلابة عظامه، وفتول عضلاته البارزة التي ظهرت من خلال ثنيه لأكمام قميصه وتعمقه بالقضية. قاطع تركيزه رنين هاتفه. ضيق عينيه عندما وجد رقم درة ينير هاتفه. رفعه يجيب.
- أيوة ياباشمهندسة. عاملة إيه؟
عند درة، وقفت تنتظر سيارة أجرة.
- ممكن آخد من وقت حضرتك ربع ساعة؟ أنا رايحة عندكوا الفيلا. في الطريق عايزة أشوف ليلى وفيه موضوع مهم لازم أتكلم مع حضرتك فيه.
شعر أن هناك خطبًا ما يصيبها، فأجابها سريعًا.
- لو حاجة عن موضوع خطفك، بلاش تعرفي أختك حاجة إلا لما أرجع. قدامي ساعتين بالكتير.
استمعت لحديثه، ثم تابعت بنبرة يشوبها التوسل.
- لو سمحت ضروري. أو ممكن تبعتلي رقم أستاذ حمزة...
قالتها بصوتها المفعم بالبكاء. هب ناهضًا عندما شعر بأن هناك أمرًا خطيرًا يصيبها. نظر بساعة يديه قائلًا:
- ربع ساعة وأكون عندك. وأستاذ حمزة معايا. شكل الموضوع خطير.
وصلت لقصر البنداري، دلفت للداخل.
بالأعلى، بغرفة ليلى. قبل قليل، كانت تتسطح بجوار سليم، وتشعر بألم يسري بجسدها. اتجهت بنظرها لزوجها الذي يغط بنومه. تحركت بهدوء، متجهة للمرحاض، تكاد ساقاها تحملها. لا تعلم ماذا به اليوم ليفعل بها ذاك. رغم إنها حامل ومرهقة، إلا أنه كان عنيفًا بعض الشيء. قامت بملء البانيو وجلست به وقتًا ليس بقليل، حتى شعرت بالراحة.
خرجت بعد فترة، وجدته استيقظ. نهض متجهًا إليها، يضمها من الخلف. دفعته بهدوء.
- سليم، أنا تعبانة. متنساش أنا حامل. مينفعش كدا.
نبرة الألم في صوتها وحدقتها التي توسعت بفعل الغضب من لمسه لها، أغضبته كثيرًا، فجذبها بعنف.
- ليه دا كله ياليلى؟ مالك مش متحملة ألمسك ليه؟ ولا شايفة إن أمجد اتحبس وجوازنا ملوش فايدة؟
طالعته بغضب، تدفعه بقوة من اتهاماته التي كالأسهم اخترقت صدرها.
- إيه اللي بتقوله دا؟ انت مدرك للي بتقوله؟ معقول أنت سليم؟
تحركت لغرفة الملابس حينما اشتعل غضبها. توقف أمامها، يضمها لأحضانه بقوة.
- اثبتيلي ياليلى إنك مش متجوزاني مصلحة. اثبتي إن جوازنا حقيقي مش عشان أنقذك من أمجد. أنا من حقي وقت ما أحب أكون معاكي تكوني جاهزة.
صدمة قوية نالت منها لدرجة شعرت بأن الأرض تسحب من تحت قدميها. فنظرت إليه بذهول قائلة:
- أنا قولتلك قبل جوازنا على كل حاجة. وعرفتك إنه بيطاردني. وانت طلبت تتجوزني. رغم عارف كل حاجة. وأنا حاولت أفهمك. فاكر قولتلي إيه؟
- ليلى، أنا هكون جنبك متخافيش. مش هخليه يقرب منك بس إنت وافقي. وأنا هخليكي ملكة لقلبي.
قالتها وعبراتها تنسدل على وجنتيها.
- وقتها قولتلك إيه ياباشمهندس؟ قولتلك أنا مبفكرش في الجواز دلوقتي ولا مستعدة أحب حد. حضرتك أصرت ووعدتني إنك هتعمل كل اللي تقدر عليه عشان تسعدني. اضطريت أوافق وانت عارف ومتأكد وقتها أنا حالي وظروفي كانت إزاي.
تابعت كلماتها مسترسلة.
- منكرش أنك شخص جميل ومحترم وتتحب. بس دا ميدلكش الحق أكون جارية عندك. قولتلك أنا تعبانة من الحمل. غير الروايح بتتعب معدتي. ورغم كدا بحاول مزعلكش وبحاول أكون زوجة ترضى عنها زي مارسولنا قال. فلو سمحت ياسليم الأيام دي راعي حالتي وظروفي. المفروض ميكنش فيه لقاءات بينا عنيفة زي ماحضرتك عملت من شوية.
***
ضمها لأحضانه، واضعًا قبلة فوق خصلاتها. ثم رفع ذقنها يحتضن وجهها.
- آسف. متزعليش مني. كنت وحشاني قوي. معرفتش أعبر غير بكدا.
أنزلت يديه بهدوء قائلة:
- خلاص ياسليم. أنا بفهمك على اللي بمر به الأيام دي. فيه حاجة كمان وياريت متزعل مني.
- حاول تخفف من ريحة البرفيوم بتاعتك دي. بتقلب معدتي ومبقدرش أستحمل.
لمس وجنتيها بأنامله مبتسمًا.
- لا، كدا الموضوع بقى صعب معاكي حبيبتي.
أطبقت على جفنيها متحاملة آلامها التي تشعر بها. ثم وضعت رأسها على صدره.
- ابنك بدأ يتعبني قوي ياسليم.
وضع يديه على أحشائها يقهقه عليها.
- واخد بالي ياقلبي. لو سمحت يا...
صمت ثم سألها.
- هنسميه إيه صحيح؟
ابتسمت تضع يديها على يديه ثم رفعت أكتافها متجاهلة حديثه.
- معرفش لما يجي. وبعدين لسة منعرفش بنت ولا ولد.
حرك أنامله على بطنها وهو يردف:
- أن شاء الله ولد. وهسميه راكان.
هزة عنيفة أصابت جسدها وشعرت بوجع حاد في كامل جسدها والألم بصدرها أخذ يزداد بقسوة. دقات قلبها، فأسرعت للمرحاض تتقيأ بما أصاب معدتها بذاك الوقت.
بعد قليل، جلست أمام المرآة لتجفيف خصلاتها. استمعت لطرقات على باب الغرفة. دلفت العاملة تتحدث بوقار.
- أخت حضرتك تحت ياهانم.
أومأت برأسها قائلة:
- تمام، شوية ونازلة.
تحركت العاملة للخارج. نظرت إلى سليم المتسطح على الفراش بالمرآة.
- مش هتنزل الشركة ولا إيه؟
فرد جسده وهو يتمطى ثم أجابها.
- النهاردة لا. مش قادر. مفيش حاجة مفيدة. وبعدين نوح وراكان هناك. يعني وجودي كمالة عدد.
نهض إليها يقف خلفها يضمها بذراعيه.
- إيه رأيك نخرج نتغدى برة ونغير جو؟ من وقت مارجعنا من شهر عسلنا اللي هو ليلة وحيدة مخرجناش مع بعض.
قالها وهو يدفع وجهه بخصلاتها. ابتسمت له من خلال المرآة.
- تمام ياسليم. هشوف درة. متنساش اللي مرت بيه مش سهل. وبعدين نخرج. وزي ماانت قولت اليوم دا هنقضيه مع بعض لوحدنا.
بالأسفل، جلست بجوار سيلين يتحدثون في مختلف المواضيع إلى أن وصلت ليلى إليها. ضمتها بحب متسائلة.
- مبترديش على تليفونك ليه؟ كدا تقلقيني عليكي.
قالتها ليلى وهي تجلس بجوارها. نهضت سيلين.
- هعملك فروت سالاد يالولة. وهعمل لدرة عصير فريش.
ابتسمت ليلى إليها بمحبة. قاطعهم دلوف يونس. تجولت أنظاره عليهم، ملقيًا السلام. ثم رفع بصره إلى سيلين.
- سيلين، عايزك في موضوع.
قالها وهو يسحبها بقوة من رسغها. راقبت ليلى مغادرتهما. ثم تنهدت بحزن متجه لأختها.
- مش عايزة تحكيلي إيه اللي حصل مع أمجد يادرة. كل ما أروحلك نايمة على طول.
شردت درة بذهاب سيلين فتساءلت.
- هو يونس بيحب سيلين ولا إيه؟
تجاهلت ليلى سؤالها تلزها.
- جاوبيني الأول. سيبك من يونس وسيلين.
قاطع حديثهما وصول راكان إليهما. تجولت عيناه بالغرفة.
- هي ماما مش موجودة ولا إيه؟
رفعت أكتافها متجاهلة.
- معرفش أنا كنت نايمة.
وصل سليم وهو يطلق صفيرًا.
- أوبا حضرة المستشار اللي ولع في جده والكل كليلة.
قاطعهم وصول العاملة وعيناها متورمة.
- سليم باشا ممكن أتكلم مع حضرتك.
وضع راكان يديه بجيب بنطاله متجهاً للنافذة.
- خمس دقايق.
ثم استدار ينظر إليها بغضب.
- قدامك خمس دقايق لو شفتك لسة قدامي، هولع فيكي.
طالعت سليم مستفهمًا بنظراته. أشار عليها مستاءً.
- البنت دي عيشها اتقطع من هنا، ومش بس كده، الكل يعرف إنها مطرودة بفعل فاحش من قصر البنداري.
جحظت أعين سليم من حديثه.
- ليه عملت إيه لدا كله.
أشار بيديه إليها.
- لو شفتك قدامي بعد دقيقة وربي هقتلك.
قالها بصوت غاضب.
تحركت سريعًا وهي تبكي بنشيج.
- والله ماعملت حاجة هما اللي هددوني.
ضيق سليم عيناه مستفهماً.
- البنت دي شكلها عملت مصيبة، عمرك ماكنت مؤذي وبتقطع عيش حد.
جلس بمحاذاة ليلى ودرة. اتجه لدرة.
- معرفتش أتكلم معاك يوم الحادثة، ومعنديش أي معلومات على اللي حصل.
فركت كفيها ببعضهما ثم رفعت نظرها إليه.
- عرفتوا حاجة عنه.
قالتها بصوت متقطع.
أشعل تبغه ناظراً إليها بتركيز.
- بصي ياباشمهندسة أنا مردتش أضغط عليكي بالأسئلة وقتها، مع إني عارف ومتأكد إن فيه حاجات إنت مخبياها.
قاطعته ليلى بغضب.
- ليه حضرتك دايماً بتحسسنا إننا أغبياء وانت الوحيد الذكي.
نفث دخان تبغه ولم يجب عليها وكأنها سراب أمامه. فأكمل حديثه لدرة.
- سامعك، وأي حاجة لو بسيطة تخبيها صدقيني هتفدنا في العثور عليه.
رفعت رأسها ودموع العجز تغمر جفونها وتحدثت بنبرة مرتعشة.
- خدرني محستش بحاجة غير في الفيلا، ولما صحيت كان فيه مأذون ومعاه الشهود.
ابتلعت ريقها بصعوبة وأكملت حديثها.
- طبعًا وقفت زي المجنونة وحاولت أهرب من حصاره.
قاطعهم وصول الحمزة.
تحمحم جالساً.
- آسف اتأخرت إيه الموضوع المهم.
نظر إليها راكان لكي تكمل. لقد أوجعت قلبه حالتها.
ضمته ليلى حينما انهارت باكية.
- ضربني بالقلم وهددني وقالي لو سمعت صوتك ولو معملتيش اللي هقول عليه هوصل للعايزه وانت الخسرانة.
أعطاها سليم كوباً من المياه مربتاً على ظهرها.
- درة اهدي، ولو مش قادرة تتكلمي دلوقتي بلاش.
نهره راكان قائلاً بغضب.
- بقالها أسبوع ساكتة، دلوقتي لازم تتكلم يمكن نعرف نوصله من كلامها، وزي ما انت شايف، أنا مش واخد حاجة رسمي.
طالعت ليلى متسائلة.
- يعني انت اللي اتصلت بيها تيجي هنا.
هزت درة رأسها وتحدثت.
- لا ياليلى أنا اللي اتصلت بيه عشان أوصل للأستاذ حمزة.
ضيق حمزة عيناه متسائلاً.
- ليا ليه! القضية شغالة ومفيش جديد عندي، راكان عارف كل حاجة.
هزت رأسها رافضة. سحبت نفساً قوياً وأجابته.
- ترفعلي قضية طلاق.
شهقت ليلى وهي تضع يديها على فمها، فيما توسعت أعين الجميع من حديثها.
زفر راكان بغضب ينظر للجميع.
- ممكن تسبوها تكمل.
سألها وعيناه متسلطتان بقوة عليها.
- كملي، سامعك.
أغمضت جفونها من أثر الرجعة التي هجمت على جسدها تأخذ أنفاسها بصعوبة لتتحكم بنفسها حتى لا تبكي فأكملت مستطردة.
- رفضت تهديده.
تذكرت ذاك اليوم.
فلاش باك.
جذبها من رسغها ثم ألقاها بالغرفة وهو يشير بيديه إليها.
- دلوقتي هتخرجي وتوافقي على جوازنا، يا إما هاخد منك كل اللي عايزه من غير جواز، ودا عشان تعرفي إن نور ميترفضش.
ارتفع صوت بكائها بينهم.
ضمتها ليلى بقوة متخيلة انهيار أختها بذاك الوقت.
- خلاص حبيبتي اهدي، لو مش عايزه تحكي متحكيش.
رفعت نظرها لليلى وأكملت ببكاء.
- طلع مجنون، هو إحنا فينا حاجة غلط عشان ربنا يرزقنا بالمجانين. خفت منه ياليلى كان عايز كان.
قالتها وصوت بكائها شق الصدور.
اتجهت إلى راكان تنظر إليه بغضب.
- اختي مش هتكمل حاجة، خلاص عرفت إنه اتجوزها بالغصب.
مسح راكان على وجهه ولم يعرها أي اهتمام.
- يعني كتب كتابه عليكي صح كدا.
أومأت برأسها وهي تنهار باكية.
أطبق حمزة على جفونه بشدة محاولاً استيعاب تلك العاصفة التي اجتاحت جسده. فهمس بصوت متقطع لاحظه راكان.
- لم..س..ك.
جحظت أعين ليلى وهي تستدير لأختها بذهول تنتظر جوابها.
- هزت رأسها بالنفي مع شهقة مرتفعة قائلة.
- حد خبره إن الشرطة عرفت مكانه، هو كان محضر لسفرنا أصلاً، بس أنا رفضت أخرج معاه.
ومكنش عنده وقت ربطني وقالي.
- اهم حاجة بقيتي مراتي، وكفاية عليا أخليكي متعلقة العمر كله.
نهض حمزة متجهاً للخارج دون حديث. لحقه راكان والغضب يستولي عليه.
ربتت ليلى على ظهرها. ناظرة إلى سليم.
- خليك معاها لحد ما أشوفهم هيعملوا إيه.
خرجت سريعا خلفهم وهما متجهان لسيارتهما.
- استاذ حمزة.
قالتها ليلى بصوت مرتفع.
استدار إليها راكان الذي كان يبعدها ببعض الخطوات.
- فيه حاجة!
تساءل بها راكان.
اقتربت منه وهي تنظر إلى حمزة.
- ممكن أعرف إيه المفروض درة تعمله؟
أخذ نفسا طويلا وزفره قائلاً:
- هشوف محامي أسرة يطلقها منه. الموضوع سهل إن شاء الله.
قالها حمزة متحركاً لسيارته. بينما توقف راكان ينظر إليها بسخرية.
- سؤال غبي جه في بالي. يعني رجالة البلد كلها خلصت من قدامكم، حتى رايحين تناسبوا واحد مجنون؟ طيب أمجد وقولنا دا مجنون، باربي عاملة متوحشة، فقال أجرب النوعية الجديدة دي. أما درة كيوتي خالص، إيه اللي يوقعها في واحد زي نور ده؟
تحركت حتى وقفت أمامه.
- أنا واثقة فيك وعارفة إنك هتعمل اللي تقدر عليه عشان درة. لو سمحت بلاش الموضوع يكبر وبابا يعرف.
نظر إليها بذهول من نبرة صوتها الحزينة. استدار متحركاً ثم تحدث قائلاً:
- هعمل اللي أقدر عليه. أتمنى متتهوريش ومتعمليش حاجة من ورايا.
ظلت واقفة بمكانها بعد مغادرته، تنظر بتشتت. لا تعلم ماذا تفعل. قاطعها شرودها رنين هاتفها باسم والدتها.
- أيوه ياماما.
على الجانب الآخر تحدثت سمية بصوت هامس:
- أختك عندك يا ليلى.
تنهدت ليلى بوجع وترقرق الدمع بعينيها.
- أيوه ياماما خليها عندي شوية. قاعدة جوا مع سيلين. خليها النهاردة تغير جو. شكلها مش عاجبني.
- أبوكي هيرفض. لا خليها تقعد شوية. وحاولي تعرفي حصل معاها إيه. أختك مش عاجباني. كفاية تعب أبوكي وكريم.
وضعت ليلى يديها على رأسها عندما شعرت بصداع يفتك بها. حاولت السيطرة على بكائها وتحدثت:
- ماما حبيبتي مفيش حاجة. مضطرة أقفل دلوقتي وهكلمك بعدين.
قاطعتها والدتها.
- معلش حبيبتي نسيت أسألك عاملة إيه وأخبار حملك؟
أجابتها مبتسمة وهي تضع يديها على أحشائها.
- كويسة ياماما. بس الترجيح بيزيد أوي. هيقف إمتى؟
حزنت والدتها قائلة:
- أعذريني حبيبتي مش عارفة أكون جنبك وأخفف عنك.
قاطعتها ليلى.
- ماما حبيبتي أنا كويسة والله.
احتضنها سليم من الخلف وهو يحادث والدتها.
- متخافيش عليها يا طنط سمية. ليلى في قلبي قبل عيني.
- ربنا يسعدكم يا حبيبي.
قالتها سمية قبل إنهاء مكالمتها. أدارها سليم ثم رفع ذقنها بأنامله مزيلاً عبراتها.
- متخافيش على درة. راكان وحمزة مش هيسكتوا لما يجيبوه ويطلقوها منه.
مسحت على وجهها تزفر بحزن.
- معرفش ليه بيحصل معانا كده. الأول أنا وبعدين كريم ودلوقتي درة. غير تعب بابا.
جذبها سليم لأحضانه. وضعت رأسها على صدره.
- أنا تعبانة قوي يا سليم. نفسي أفتح عيني ألاقي ده كله كابوس وأفوق منه.
مسد على ظهرها وأردف بكلماته الحنونة.
- إن شاء الله خير يا حبيبتي. صدقيني كله هيعدي.
سحب كفيها متجهاً للداخل.
سحبها بقوة للحديقة الخلفية من القصر. عقد ذراعها خلف ظهرها وتحدث بصوت غاضب.
- أقسم بالله لو ما تظبطي لأخليكي تشوفي وش عمرك ماشفتيه. أنا بحاول أكون الدكتور العاقل.
حاولت دفعه بجسدها، ولكنه حاوطها بذراعيه بقوة حتى أصبحت بأحضانه وأكمل بأنفاسه الحارة التي ضربت بشرتها.
- سيلين يوم ما تفكري تكوني لحد تاني غير يونس، أدفنك حية.
ضغط على خصرها وهمس كفحيح أفعى.
- أشوفك واقفة مع ما يذكر بالراجل، هموتك يا سيلين.
ضغط بإصبعه على ذراعها حتى انغرزت بلحمها وتحدث بجنون.
- خليكي متأكدة إن قدرك يونس وبس. زي ما أنتِ قدري. ألف وأروح مليون مرة بس برجعلك. يعني زي ما بيقولوا كده أنتِ اتخلقتي من ضلعي. فاهمة كلامي يا حبيبة يونس؟
باتت كلماته تعصب جروحها المدفونة منذ عدة أيام. فنظرت لعينيه القريبة من وجهها وثورة حارقة اندلعت بجوفها. أرادت أن تلتهمه بها ولم تترك إلا دماره. فأردفت بهسيس أنثى دعس على كبريائها من ظنته رجلها الأول.
- وأنا بوعدك يا دكتور إنك مش هتلمس مني شعرة. وإنك تقرب مني وأكون ملك دي في أبغض أحلامي. قبل ما تلمسني يا يونس، هقتل نفسي ولا أكون لواحد خاين ضعيف زيك.
قالتها بأنفاس عالية، حتى رأى هبوط وارتفاع صدرها. دنا يلمس شفتيها عندما أحكم قبضته على جسدها.
- وأنا بوعد يا حبيبة يونس قريب هتكوني ملكي. ومش ملكي بس. لا هتكوني في حضني وبرضاكي مش غصب عنك. ماشي يا طفلتي المدللة.
قالها ثم انقض على شفتيها ليطفئ لهيب ما أشعلته تلك الطفلة.
حاولت الخلاص من قبضته ولكن قوته أضعفت قواها الهشة. انسدلت دموع العجز تغمر جفونها حتى ابتلعها. فابتعد عنها بشق الأنفس وهو يتنفس بصعوبة.
وصل لمبتغاه وتذوقه لكرزيتها التي يشتاقها كثيراً. رفع أنامله يجفف عبراتها متعمقاً بنظراته التي تحاصر زرقة عيناها قائلاً.
- متأكد الدموع دي عشان ضعفك معايا؟ عارف إنك بتحبيني ومش قادرة تبعدي عني. وفي نفس الوقت زعلانة عشان خطبت واحدة تانية.
وضع جبينه فوق جبينها.
- اتأكدي إن قلبي مادقش غير ليكِ. كنت مفكر إنك خدعتيني. أنا مش زعلان على أنك مش من البندارية. أنا زعلان عشان خبيتي على حبيبك اللي يعتبر مربيكي حاجة زي كدا.
هنا فاقت من قوة مشاعرها التي حاصرها به فدفعته بقوة قائلة وهي تشير بسبابتها.
- أنت واحد مريض وحيوان يا يونس. وأنا بعيط عشان قرفانة منك. بقت أقرف من نفسي بسبب قربك. ابعد عني. وإياك تقربلي تاني.
قالتها ثم تحركت سريعاً وشهقاتها ترتفع.
قابلها سليم. تسمر بوقفته من مظهرها الباكي. اتجه بنظره إلى يونس الذي توجه لسيارته واستقلها مغادراً المكان بسرعته الفائقة.
سحب سليم يديها واتجه للمسبح. جلس وأجلسها بجواره. وضعت رأسها بأحضانه تبكي بمرارة ما تشعر به. مسد على خصلاتها بحنان ثم انحنى يدمغها بقبلة برأسها.
- لسة موضوع يونس يا سيلين.
رفع وجهها يحتضنه ناظراً لزرقة عيناها.
- تعرفي نفسي بنتي تطلع شبهك حلوة وامورة.
ابتسمت من بين بكائها. طبع قبلة على جبينها. ثم أزال عبراتها التي تنسدل على وجنتيها.
- يونس بيحبك. هو معذور في موضوع سارة. أنا اللي هقولك على جدك برضو.
أمسكت كفيه تضمه ثم أردفت.
- سليم هو أنا أختك فعلاً ولا بنت من الملجأ؟ زي ما يونس بيقول.
هب فزعاً ناظراً إليها بذهول.
- إيه اللي بتقوليه ده يا سيلين؟ ملجأ إيه اتجننتي؟ ويونس ليه بيقول كدا؟
توقفت أمامه وانسدلت عبراتها.
- يونس بيقول عمل تحليل. وأنا كمان فكرت في كدا ورحت عملت تحليل ليا ولراكان. ماهو لازم أعرف أنا أختكم فعلاً ولا بنت من الملجأ.
توتر سليم بعض الشئ فسحبها من كفيها يجلسها بجواره.
- اللي أقدر أكدهولك إنك بنت البندارية. مش من ملجأ زي ما بتقولي.
تجلس بأحضانه يطعمها بعض الفواكه. كانت شاردة بنظراتها. رفع وجهها يملس على وجنتيها.
- مالك حبيبي؟ بتفكري في إيه؟
وضعت رأسها على صدره وخللت أناملها بأصابعه.
- نوح هتعمل إيه مع مراتك؟ أنا حاسة إنك ظلمتها. ليه تعمل كدا؟
تسطح على الأريكة يجذبها لتتوسد صدره. خلل أنامله خصلاتها قائلاً.
- أنا مظلمتهاش يا أسما. لما جتلك آخر مرة وأنتِ رفضتي وبابا أصر. وعشان أفك الخناق معاه ضد ماما روحت وحكيتلها كل حاجة. قلتلها أنا بحب واحدة ومعنديش استعداد أحب غيرها. ياريت ترفضي الارتباط ده.
طبعاً باباها شريك بابا في المستشفى. مكنتش عايز أحرج بابا وأصغره بعد ما كلمه من غير ما يعرفني.
ابتلع غصة مريرة وبنبرة تقطر وجعاً.
- طبعاً بعد كلامك ليا ومحاولاتي الفاشلة، روحت اتكلمت معاها. قلتلها.
- أنا مش مستعد للجواز خالص. ولو اتجوزتك مش هسعدك. عارفة قالتلي إيه؟
اعتدلت تستمع إليه باهتمام وهزت رأسها منتظرة حديثه. هنا تذكر نوح حديثها.
- حب إيه وكلام فاضي إيه؟ إحنا جوازنا هيكون وجهة اجتماعية قدام الناس. بيزنس آيز بيزنس يا دكتور. أنت راجل أي واحدة تتمناه وشخصية اجتماعية مرموقة. غير طبعاً دكتور يحيى وإخواتك وقيمتهم الاجتماعية. ده كفيل إني أقبل كل شروطك. وأنا مش هخبي عليك، أنا ميهمنيش إلا إننا نتجوز قدام الناس وبس.
ذهل من حديثها فنظر إليها بغضب.
- قصدك إن الجواز عندك حالة اجتماعية قدام الناس بس؟
نهضت تجلس بجواره على المقعد وأردفت.
- دكتور نوح، بلاش تحسسني إنك عاطفي قوي كدا. مع إن اللي يشوفك مايقولش كدا. عايز تعمل علاقات براحتك معنديش مانع. بس طبعاً مش قدام الناس. عشان شكلي ما يتهزش.
زفر ثم نهض ولم يعقب على حديثها. ولكنها أوقفته.
- نوح جوازنا هيتم. لو عايز تتجوز حبيبتك معنديش مانع. لكن مكانتي قدام الناس متتأثرش. وطبعاً حضرتك عارف معنى كلامي إيه.
طالعته أسما تهز رأسها.
- تقصد إيه بكلامها دا؟
جذبها يضمها لأحضانه.
- قصدها إن اتجوزك في السر حبيبي. مش قدام الدنيا.
جحظت عيناها مردفة.
- دي مجنونة إزاي توافق إن حد يشاركها جوزها؟
نظرت لمقلتيه مباشرة.
- ممكن تكون بتحب حد ولا إيه؟
حدق بها وهو يهز رأسه رافضاً حديثها.
- لو كدا كانت اتجوزته هو.
هتتجوزني ليه؟
سيبك منها، أنا أصلا مش حاططها في دماغي، ولا حتى دخلت عليها.
وضعت رأسها بعنقه مردفة:
- عارفة كل حاجة يا حبيبي، عارفة إنك ملمستهاش، وعارفة إنك اتجوزتها عشان باباك هددك بطلاق لميا من جوزها.
حاوطت خصره وأكملت:
- كنت خايفة ليكون ظلمتها يا نوح، كان لازم أسألك عنها، مش بخونك أبدا، لكن ما رضيهوش لنفسي، مش عايزة حد يحزن بسببي.
أخرجها من أحضانه ينظر لعيناها:
- مين قالك ملمستهاش؟ وكنت هتعملي إيه لو كان جوازنا حقيقي؟
أغمضت عيناها رغمًا عنها، صدرت منها شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماقها التي احترقت بتلك الفترة.
جذبها بقوة يدفنها بأحضانه حتى كاد أن يهشم عظامها:
- حبيبتي ليه الدموع؟ مكنتش هقدر يا أسما، مستحيل قلبي يدق لغيرك، ولا يشوف نظرة حزن من عيونك الحلوة دي. جفف دموعها.
يحتضن وجهها بين راحتيه:
- أنا بعشقك، ومستحيل أسيبك تبعدي عني، أنا كان لازم أضغط عليكي. دنا من شفتيها يهمس لها:
- تعرفي كان ممكن أعمل حاجات متتخيليهاش عشان أوصلك. رفعت نظرها لعيناه القريبة وانسدلت عبرة على وجنتيها.
- عملت يا نوح، فاكر لما حاولت تغتصبني؟
لم يجد كلمات تعبر عما شعر به سوى دموعه التي تساقطت، فتحدث متأسفًا وهو يضع جبينه فوق جبينها:
- آسف يا روح نوح، مكنتش حاسس بنفسي، متزعليش مني، كنت عامل زي المجنون، وجعتيلي قلبي قوي يا أسما.
أزالت دموعه تقترب منه تقبله ببطء قائلة:
- مش عايز أفتكر الأيام دي يا نوح، أنا كنت بموت، لأ كنت ميتة. وضعت رأسها بأحضانه.
- أوى تبعد عني مهما حصل بينا، هموت يا نوح، بعدك هيموتني، أنا مكنتش عايشة الفترة دي يا حبيبي.
لم يفعل سوى يضم ثغرها بقبلة جامحة أشعرتها بأنها هي النبض ولا أحد سواه. فصل قبلته وهو ينظر لعيناها:
- مين قالك مكملتش جوازي؟ وعشان كده وافقتي على جوازنا.
وضعت يديها على خديه:
- راكان حكالي كل حاجة، جه وكلمني، وفيه حاجة لازم تعرفها، دلوقتي انت جوزي ومينفعش أخبي عليك، بس قلبي وجعني قوي، حاسة أنا السبب في كل اللي بيحصل مع ليلى.
بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من الألم والندم، ولكن ندمها الأكبر هو بعد ليلى عن راكان بسببها أكملت حديثها.
- ليلى كلمتني يوم فرحها وكانت منهارة بسبب راكان، فأنا يعني قولتلها كلام مش كويس في حق راكان.
توقفت عن الكلام لثواني تنتظر ردة فعله.
جذبها لصدره متنهدًا بألم على صديقه:
- كويس حبيبتي، للأسف النار جنب البنزين، كويس إنك اتصرفتي، دلوقتي فهمت نظراتها الغاضبة منه، وكمان حملها زاد الفجوة.
نهض يبسط يده إليها:
- تعالي يلا عايز نلف شوية بالأحصنة ننسى راكان وليلى، الصراحة متنساش أكون مكانه.
عند حمزة وراكان
وصل جاسر لمكتبه إلى النيابة دلف بخفة دمه:
- حضرة وكيل النيابة المبجل، بعتلي يبقى أكيد فيه مصيبة حصلت.
أشار لجاسر بعينه للجلوس، رفع نظره لحمزة:
- هو حضرة النايب شغال في جمعية الصم والبكم ولا إيه؟ أطلق حمزة ضحكة ليست بمحلها وجذب مقعده يجلس بمقابلته:
- لا هو لسه هيوصلها وإن شاء الله.
استند واضعا وجهه على كفيه قائلا:
- كده فهمت يعني، فيه إيه؟ حصل جديد في القضية؟
هنا ارتفعت ضحكات راكان وهو يشير على جاسر بسخرية:
- أهو دا اللي كان ناقصني، ظابط نص كم، ومفكرة وحش الداخلية وهو مش محصل حتى عسكري من اللي واقفين على باب القسم عنده.
رفع جاسر حاجبه بسخرية:
- الكلام دا ليا؟ طيب كويس إنك عارف قدراتي.
مسح راكان على وجهه بغضب وحاول السيطرة على نفسه ثم رفع نظره إليه:
- هو مين الظابط أنا ولا إنت؟ يعني مين اللي مفروض عنده أخبار؟
استند بذراعيه على المكتب قائلا:
- الولد في مصر، مالوش أي اسم في المطارات والموانئ، غير طبعًا إنه مالحقش يهرب.
عندنا تالت محافظات مشكوك فيهم، دا بسبب معظم شركات والده فيهم، غير إنهم حدود، وأنا برشح محافظة البحر الأحمر، نبدأ فيها.
نهض راكان يضربه بقوة على كتفه:
- عارف قدامك أسبوع الولد دا لو مش قدامي. قاطعه جاسر:
- متخافش ياباشا.. الموضوع وصل جواد باشا، أصله له تار قديم معاه.
جلس راكان مرة أخرى ينظر بقلمه:
- وعلى ذكر حضرة اللوا، هقابله إمتى دا لو وزير الداخلية كنت قابلته.
نصب جاسر عوده ورفع حاجبه بسخرية:
- ماهو دا مش وزير الداخلية دا جواد الألفي ياباشا، خليك فاكر الاسم دا كويس، دا كان عامل رعب في الداخلية.
ضحك راكان بسخرية:
- أيوة ما أنا واخد بالي، حتى ابنه طالع غبي أهو.
اتجه جاسر بنظره لحمزة يشير على نفسه بمزاح:
- هو يقصدني أنا؟ لا أكيد هو قصده حد تاني، عارف سيادة المستشار أذكى من أنه يغلط فيا صح ياباشا.
قوس فمه بشبه ابتسامة:
- والله ما أعرف إنت بقيت ظابط إزاي، شكلك داخل بواسطة يابني ولا إيه؟ وهتغرقني معاك.
عقد حاجبيه بغرور ثم اتجه متحركا وأردف قائلا:
- حضرة اللوا مستنيك بكرة الساعة سبعة، يالا عد الجمايل يا عم. قالها جاسر متحركًا.
اتجه بنظره إلى حمزة الذي يجلس صامتًا، انكمشت ملامحه قائلا:
- مالك يابني؟ من وقت ما جينا وإنت ساكت. نهض حمزة بعدما أشعل سيجاره ينفثها بغضب:
- مفيش، شوية شغل ضاغطة عليا مش أكتر.
أقترب منه ثم جذب المقعد جالسًا أمامه:
- مالك ياحمزة؟ فيه حاجة مضيقاك ولا إيه؟
كور قبضته عندما شعر بأنياب حادة تنهش بقلبه حينما تذكر حديثها، رفع نظره إلى راكان وتسائل:
- تفتكر ممكن يكون آذاها؟ يعني ممكن يكون قرب منها؟
ضيق عيناه متسائلا:
- إنت بتتكلم على مين ياحمزة؟ هب فزعًا وكأنه تحول لشخص آخر.
- هتجنن من فكرة إنه يكون لمسها يا راكان، هي ما قالتش كل حاجة، عايز أتأكد الحقير دا عمل فيها إيه، دا واحد مجنون.
كانت نبرته قوية غاضبة جعلت راكان يقف مذهولًا من ردة فعله حتى أمسكه من ذراعه:
- حمزة إنت إيه حكايتك؟ وليه مضايق كدا؟
انتزع ذراعه من راكان وتحرك بعض الخطوات يقف على باب غرفة المكتب:
- أنا خليت سامي العمدة يرفع قضية طلاق، لازم توكله، وخلال أسبوع هنجبلها الطلاق.
قالها وتحرك مغادرًا دون حديث آخر.
تحرك وخطاويه تأكل الأرض فكلما تذكر ما فعله ذلك الحقير كانت الغيرة تتشعب بداخله بنيران تحرق أحشائه دون رحمة.
عند ليلى
بعد مغادرة درة جلست بحديقة القصر تفكر بما يحدث لهما، وحالة والدها التي بدأت تتدهور. جلس سليم يحاوطها بذراعيه.
- حبيبي قاعد كده ليه؟ وضعت رأسها على كتفه:
- سليم أنا خايفة على بابا لو عرف موضوع درة ممكن يروح فيها، دا عنده السكر والضغط يا حبيبي.
ربت على ظهرها بحنان وتحدث ليطمئن روحها:
- متخافيش حبيبتي، قولتلك حمزة وراكان هيتصرفوا.
وصلت فرح إليهما تجلس بجوار سليم على ذراع مقعده:
- هكون عزول ولا حاجة لو قعدت معاكم؟ جذبتها ليلى من رسغها:
- معلش يا فرح وسعي كدا حبيبتي، قطعتي علينا الهوا. قهقه عليها سليم، نصب عوده يحملها وهو ينظر لفرح.
- بحبك يا فروح والله. لكزته ليلى بكتفه:
- نزلني يا سليم، متبقاش رخم، وروح حب في بنت عمك ياسيدي. قال بحبك يا فروح.
قالتها ليلى وهي تشير بيديها بغضب، ثم أكملت.
- مش ملاحظ إن مراتك قاعدة معاك، ينفع تقول لواحدة تانية بحبك؟ نظر لعيناها وهمس إليها:
- طيب عايزة أعمل فيكي دلوقتي غير إني أكلك يا مراتي الجميلة.
تسمر بوقفته وهو مازال يحملها، عندما استمع لصرير سيارة راكان، توجه بنظره لراكان الذي يجلس بالسيارة ينظر إلى سليم بصمت. ترجل راكان متجها للباب الآخر، أمسك بيديها حتى ترجلت من السيارة ضمها من خصرها متجها للداخل.
أنزل سليم ليلى بهدوء ينظر إلى راكان متحدثًا:
- ياليلتك السودة ياراكان، ملقتش غير الصاروخ دي وتعزمها هنا، يارب ماتفرقع في وشنا.
ضيقت ليلى نظراتها متسائلة:
- مين البنت اللي مع حضرة النايب دي ياسليم؟
وضع يديه بجيب بنطاله قائلا:
- حلوة صح، الصراحة البنت صاروخ أرض جو. لكمته بصدره، جذبها يقهقه عليها:
- ملاحظ حبيبي بقى غيران مش كدا ولا إيه؟ رسمت ابتسامة على وجهها وأجابته:
- مش موضوع غيرة ياباشمهندس، الموضوع كرامتي قدام فرح وكمان قدام نفسي وأنت بتغازل ست الحسن والجمال، معرفش إيه العيلة الستاتي دي. قالتها وتحركت متجه للداخل.
كان يجلس على الأريكة وبجواره تلك الجميلة ويتحدثون بأصوات ضحكاتهما المرتفعة. وصلت زينب إليهما.. توقفت زينب أمامها.
شهقة قوية خرجت من جوفها وهي تنظر لتلك الجميلة هامسة باسمها:
- تولين. وقفت تولين وهي تبتسم بسعادة:
- أنطي زينب وحشتيني قوي. ضمتها زينب بحنان أموي وهي تتحدث:
- حمد الله على سلامتك حبيبتي، جيتوا إمتى؟
أشارت على راكان:
- ليه راكان ما قالكِش ولا إيه؟
نظرت إلى راكان وأجابتها:
- هيقولي إيه؟ تايهة عنه اللي عايز يقوله بيقوله واللي مش على مزاجه بيعمل من مالطا.
قهقه راكان عليها بعدما توقف يضمها من أكتافها:
- دايمًا ظلماني يا زوزو والله. أنا عرفت من أسبوع بس اتقابلنا صدفة.
لكزته وتحدثت بضجر:
- أسبوع وما تقوليش؟ ماشي يا حضرة النايب.
أمسكت تولين من يديها:
- عاملة إيه ووالدك ووالدتك؟
قالتها زينب بعدما جلسوا.
- كويسين والله يا طنط. أنا بس اللي في القاهرة. هخلص شوية حاجات لبابي وهرجع تاني.
هزت رأسها بتفهم، ولكنها توقفت:
- هروح أجهز لكم الغدا. راكان موصيني، مع إنه ما عرفنيش مين اللي جاي. فرحت قوي إني شفتك يا تولين.
- وأنا كمان والله يا طنط. بقالنا كتير مشفناش بعض. من وقت ما سيلين رجعت مصر.
- معلش حبيبتي لازم نستقر في مصر. مينفعش كل واحد فينا في بلد.
تحركت ثم نادت على راكان. وقفت بعيدًا بعض الشيء ثم تساءلت:
- أنت مش خايف من توفيق يا ابني؟ عايز تجننه.
مسد على ذقنه ونظر للبعيد:
- ماهو عشان توفيق، عزمتها عندنا يا أمي. لازم أخليه دائمًا يشوف مصايبه قدامه، ويعرف إني مبقولش كلام وخلاص.
تنهدت بحزن تربت على ذراعه:
- جدك مش هيسكت يا راكان. ودي بنت ألد أعدائه، بلاش تعاديه أكتر من كده يا حبيبي عشان خاطري.
قبل جبينها وتحرك:
- يالا يا زوزو أنا جوعت.
قابلته ليلى وهي تدلف للداخل. توجهت بخطواتها نحو غرفة المعيشة ألقت السلام:
- عندنا ضيوف ولا إيه؟
قالتها وهي تنظر لتولين.
أشار راكان لتولين:
- دي الباشمهندسة ليلى مرات سليم يا تولين.
رفعت بصرها إليها:
- واو تبدو رائعة يا سليم.
قالتها وهي تنظر إلى سليم الذي دلف خلف ليلى.
ضمها سليم من أكتافها:
- أيوه يا تولي دي ليلى. بعت لكِ صورها.
هزت رأسها وأكملت:
- الحقيقة أجمل من الصور يا سليم بصراحة.
وزعت ليلى نظراتها بينهم:
- انتوا تعرفوا بعض ولا إيه؟
نزل سليم برأسه يهمس لها:
- دي حبي القديم.
ابتسمت بسخرية متجهة للمقعد الذي بمقابلته وجلست تتحدث إليها وهي تقيم نظراتها اتجاه راكان وسليم:
- حضرتك عرفتها عليّ، بس أنا معرفتهاش.
قالتها وهي تنظر إلى راكان.
ألقت كلماتها بملامحها الهادئة الجميلة. ابتسمت تولين وتحدثت:
- تقدري تقولي صديقة قديمة، وبنت صديق لعمو أسعد.
قاطعها سليم وهو يضم أكتاف تولين، وهذا ما أشعر ليلى بالحزن:
- تولين بنت صديق بابا. عايشة في ألمانيا. دي الحكاية. وآه قصة حب قديمة بينها وبين راكان.
كانت تنظر لذراعه الذي يضم بها تولين، ترقرق الدمع بعينها، فنهضت وتحدثت بملامح مرتجفة وعينين تثقل بها العبرات:
- نورتينا يا تولين. بعد إذنكم حاسة بالتعب، هطلع أرتاح شوية.
قالتها متحركة للأعلى ولكنها توقفت عندما استمعت إلى راكان:
- اطلع مع مراتك شوفها، ليكون تعبانة ومحتاجة حاجة.
اعتدل بجلوسه بجوار تولين:
- هي هتنام. خليني شوية معاكم. إيه مش عايز عزول؟
تحركت ليلى للأعلى وعبراتها تتساقط على خديها، حتى وصلت لغرفتها. نزلت بأقدامها وجلست خلف الباب تبكي عندما علمت أن تلك التي رأت صورتها على هاتف زوجها وبينهما محادثات طويلة.
وضعت كفيها على فمها تمنع شهقاتها. بالأسفل كان يجلس صامتًا، فهو رأى نظراتها الحزينة اتجاه زوجها بعدما وجدته يجلس بجوار تولين بتلك الطريقة. حمحم، فنظر إليه سليم الذي كان يتحدث مع تولين:
- اطلع شوف مراتك. تولين هتتغدى معانا. وبعدين تعالى كمل كلامك.
زفر سليم ونهض واقفًا:
- هنكمل كلامنا بعدين.
اتجهت تولين بنظرها إلى راكان:
- هما متخانقين ولا إيه؟
هز رأسه رافضًا وأجابها:
- لا، بس هي حامل وطبعًا عارفة الحوامل بيكونوا عاملين إزاي. إيه مجربتيش ولا إيه؟
قهقهت عليه ورفعت حاجبها بسخرية:
- بتتريق حضرتك؟
ارتشف من قهوته وأجابها:
- أبدًا والله. بسأل حقيقي.
- ما عندكش أولاد ولا إيه؟
نهضت تجلس بجواره ثم رفعت ذراعيه تضعها على أكتافها تنظر لوجه القريب:
- ليه ما اتجوزتش لحد دلوقتي؟
قطب مابين حاجبيه:
- ما اتجوزتش إزاي؟ مش فاهم مين قال لكِ كده؟ لا أنا متجوز.
جحظت عيناها مردفة:
- بس سليم قال لي إنك ما اتجوزتش.
ضمها لأحضانه يرجع خصلاتها التي تمردت على وجهها مع ابتسامته الرجولية متحدثًا:
- اعتبريني ما اتجوزتش يا ستي. مش هتفرق كتير.
رفعت يديها تلمس ذقنه ثم أردفت بعيونها الزرقاء التي تشبه أمواج البحر:
- لسه فاكر أيامنا يا راكان.
ضحكات خرجت من جوفه حتى فقد السيطرة على نفسه في دخول يونس وهو يضيق نظراته:
- هو انتوا عندكم حفلة من ورايا ولا إيه؟
قالها وهو يجلس بجوار تولين يغمز لراكان:
- مين المزة دي يا منحرف؟ وفرحان بيها وصوت قهقهاتك وصلت أوضة نومي.
اعتدل راكان وهو يرمق يونس:
- دا الدكتور المنحل بتاعنا.
بسط يونس يديه:
- متسمعيش كلامه. هو اللي بيغير مني.
ضحكت بصوتها الأنثوي الرقيق:
- لا بجد فظيع يا دكتور، زي ما اتخيلت بالظبط.
دنى بجسده منها وتحدث:
- ليه قالوا لكِ عني إيه؟ أوعي تسمعي كلامهم، هما بيغيروا مني. أنا كيوتي وحلو قوي، وبحل المشاكل الستاتي بكل سهولة ويسر.
قاطعتهم زينب:
- الغدا جهز يا حبايبي.
نظرت ليونس:
- هتتغدى معاهم يا يونس؟ ولا وراك عيادة؟
تحرك للداخل وهو يسحب زينب من كفيها:
- شميت ريحة أكلك يا طنط زينب. ينفع أمشي ومعدتي بتنادي على أكلك؟
نزعت يديها منه وأردفت غاضبة:
- ربنا يهديك أنت وابن عمك يارب، وتبطلوا سرمحة.
قالتها ثم تحركت للداخل.
هبط سليم ووجهه عبارة عن الألم والغضب. جلس بجوار راكان الذي كان يراقبه بصمت.
نظرت زينب إليه:
- فين مراتك يا حبيبي.
وضع محرمته وتحدث بهدوء:
- قالت تعبانة ومش هتاكل.
وصلت سيلين التي تفاجأت بتولين تجلس بجوار يونس وراكان وتضحك بمرحها وخفة دمها:
- تولين.
قالتها سيلين. نهضت تولين:
- سيلي كبرتي وحلوتي قوي. يااه الأيام بتجري. بقالنا كتير مشفناش بعض. والجمال عدى الحدود. دلوقتي نتحب ونتغازل.
رفع يونس بصره إليها. كانت زينب تراقبه. جلست ونظرت إلى سيلين:
- اقعدي حبيبتي اتغدي. بابا هيرجع متأخر.
فرد يونس:
- فعلًا دي تتحب وتتغزل، بس مش مع حد غير يونس.
قالها وهو يهمس إليها.
بحثت عن ليلى بنظرها فاتجهت إلى سليم:
- فين ليلى؟
كان يتناول طعامه بصمت فلم يجبها. تحدثت زينب:
- مرات أخوكي تعبانة. خليها ترتاح وشوية يبقى ابعت لها غداها.
جلست بجوار يونس بهدوء ولم تنظر إليه ثم تحدثت:
- أيوه يا ماما امبارح طول الليل مبطلتش ترجيع. وكمان معرفتش تنام. أنا فضلت معاها طول الليل. وطبعًا أبيه سليم مكنش موجود. ياريت يا أبيه متسبهاش كتير لوحدها.
أطلقت ضحكة فجأة ونظرت إلى سليم:
- على فكرة أنا اللي شلت كل برفاناتك. كانت كل ما تقرب منها ترجع.
اتجهت لوالدتها:
- بجد يا مامي لو تشوفيها امبارح متعرفيش تضحكي ولا تعيطي. تالت مرة نغير فرش السرير. وكل ما تيجي تنام تقول ريحته فظيعة، وتجري ترجع.
ابتسمت تولين قائلة:
- أيوه فعلًا فيه حمل بيكون مزعج من الروائح. أنا لما كنت حامل كنت بخلي جوزي في أوضة وأنا في أوضة.
ضيق يونس عيناه:
- إيه دا هو انتِ متجوزة؟
ابتسمت إليه بحزن قائلة:
- كنت بس انفصلنا.
- معندوش نظر والله يا بنتي. حد يبقى معاه الجمال ده ويطلقه.
قالها حتى يرى ردة فعل سيلين، ولكنها كانت تتناول طعامها بهدوء وكأنه غير موجود.
أما راكان الذي كان يستمع إليهم ولكن كأنه يجلس على حمم بركانية. قاطعهم دخول توفيق. دلف كالثور الهائج وهو يشير لتولين:
- البنت دي اللي جابها هنا؟
نهض راكان يقف أمامه:
- حضرتك جدي على عيني وراسي، إنما تدخل بالطريقة دي وتهين ضيوفي دا مش مسموح بيه.
ثار يتحدث بغضب:
- البنت دي لو ما خرجتش حالًا هطربقها عليك يا راكان.
جلس راكان وهو ينظر إلى تولين:
- كملي أكلك. توفيق باشا زعلان عشان متعزمش على الغدا. اتفضل اتغدى معانا يا توفيق باشا.
استند توفيق على المنضدة ينظر لمقلتيه بغضب:
- بتخرج شياطيني. خليك فاكر يا ابن أسعد أنا حذرتك.
قالها وتحرك.
حل الصمت كضيف لبعض الوقت حتى قاطعه هو بابتسامة واسعة على محياه مردفًا:
- نكمل أكلنا. كلنا عارفين إنه هيعمل كده.
ضيقت تولين عيناها وتساءلت:
- معرفش ليه دايما جدو توفيق واخد موقف مننا. هو يعني بابا كان يعرف اللي هيحصل؟
ربتت زينب على كفيها:
- هو دايما كده متعصب. وكل اللي خسره فلوسه زمان مفكره عدوه. متفكريش كتير.
ابتسم راكان وأكمل:
- ده الوجه الحقيقي لتوفيق باشا. وطبعًا بعد ما والدك رفض يكمل شغله معاه، وسحب الشركات اتجنن وفكر والدك السبب في خسارته كل شركاته بعد ما البنوك حجزت عليه. ولولا بابا طبعًا كان زمانه في مستشفى المجانين.
- راكان.
قالتها زينب بغضب:
- مش ناوي تكمل أكلك؟
نهض وهو ينظر لتولين.
- أنا أكلت الحمدلله، كملي أكلك براحتك.
ثم اتجه إلى سيلين التي تجلس بصمت.
- تعالي ياسلي، عايزك.
تحركت سيلين متجه معه للأعلى، يضمها من أكتافها. كان يونس يراقبهما بنظراته مردفًا لنفسه.
- لو راكان مش أخوها، ممكن يكون فيه حاجة بينهم عشان كدا مش عايزني أقرب منها.
مسح على وجهه بغضب والغيرة تنهش بقلبه. هز رأسه يبعد وساوس الشيطان قائلًا.
- لا راكان ميعملش كدا، دا هو اللي مربيها.
أطبق على جفنيه ثم نهض متحركًا معتذرًا.
كانت زينب تراقب حركاته، شعرت بالحزن عليه. هي تعلم إنه يحب أبنتها، ولكن تحكم توفيق بالعائلة يضعف قلبه.
وصل راكان لغرفته، توقف أمام سيلين يضم وجهها بين راحتيه.
- روحي شوفي ليلى، اقعدي معاها. هي زعلانة عشان أختها، وكمان حملها، وسليم مش فاهم حالتها. هوصل تولين وهرجعلك نتكلم في كل حاجة. بس خليكي متأكدة قبل أي حاجة إنك أختي حبيبتي اللي ربيتها.
كادت أن تتكلم ولكنه وضع كفيه على شفتيها.
- لو سمحت، اعملي اللي قولت عليه، تمام حبيبتي.
هزت رأسها واتجهت لجناح سليم دون حديث آخر.
بغرفة ليلى تحتضن نفسها كالجنين وعبراتها تنسدل بقوة على وجنتيها. استمعت لطرقات على باب الغرفة. أزالت دموعها وسمحت إليها بالدخول بعدما استمعت لصوتها.
باليوم التالي وخاصة الساعة السابعة مساء توجه راكان لمنزل جواد الألفي.
بمكتب جواد الألفي جلس بمحاذته وبعد الترحيب والمعرفة. وضع جواد ملفًا يضم العديد من الأوراق.
- دا الورق اللي طلبته من جاسر. القضية دي مكنتش أنا اللي ماسكها، دي كانت تبع صديق واتقتل للأسف أثناء القضية. وبعدين مسكها باسم المرشدي لو تعرفه. أنا وهو كنا مع بعض بس للأسف قتلوا مراته وابنه، وحالته اتدهورت وفي نفس الوقت خطفوا بنتي. فطبعًا تركت القضية لباسم واهتميت بخطف البنت. ولما باسم وصل لبعض الشركا اللي كانوا معروفين في البلد، اتحفظت القضية وبعدها خرج الشربيني وسافر لمدة عشر سنين برة.
طالع راكان متسائلاً:
- وليه حفظوا القضية، مع إن فيها متورطين ومعروفين؟
تنهد جواد بصوت عالٍ ثم زفر الهواء دفعة واحدة.
- زي ماقولتلك لعبوها صح، موتوا زميلنا، ومرات باسم وابنه، وخطفوا بنتي. في الوقت اللي احنا التلاتة كنا قربنا نوقعهم كلهم.
طبعا أنا في الوقت دا أخدت إجازة وسافرت أدور على بنتي، وباسم انشغل بابنه اللي فضل محجوز أكتر من شهر في المستشفى وفي الآخر مات. القضية مسكوها لظابط أي كلام ومعرفش يوصل لحاجة واتحفظ.
نظر راكان في الأوراق ثم رفع نظره إليه.
- الورق دا مهم وخطير، إزاي حضرتك مقدمتوش للنيابة؟
استند جواد بذراعيه على مكتبه مردفًا.
- الورق دا لسه جايبه من يومين، ومحدش يعرف عنه إنه خرج. تعرف الورق دا فيه إيه؟ خلي بالك لأنه خطير عليك قبل ما يكون خطير على اللي فيه.
نهض وهو يشير بيديه.
- فيه ناس فيه خرجوا برة البلد، وفيهم اللي مات وولادهم مكملين، وفيه اللي كبر في البلد قوي.
جلس في المقعد المقابل وأكمل.
- لو مش واثق فيك مكنتش خاطرت وجبته، ومش عايز أنبه عليك الورق دا خطير على حياتك. غير عايزة ظابط عقر، يعني يعرف يلاعبهم كويس. صدقني الورق دا لو وصلني في وقت شغلي مكنتش رحمت حد. لكن للأسف هم عملوا حسابهم كويس، ولهو كل واحد منا في مصيبة.
تنهد وأكمل.
- الورق دا اتقتل فيه ناس كتيرة، وباسم كان هيموت لما عرفوا عنده بعض منه.
أغلق راكان الملف ونهض يشكره.
- الظابط اللي هيمسك القضية دي هيكون جاسر.
جحظت أعين جواد يهز رأسه رافضًا.
- لا جاسر صغير مينفعش يمسك قضية كبيرة زي دي بقولك عايزة ظابط عقر، مش ظابط لسة في أول حياته العملية. جاسر صغير ياحضرة النايب، لا شوف حد غيره.
توقف راكان يدقق النظر بمقلية جواد مردفًا.
- متخيبش ظني فيه، أنا عارف إنه هيكون قدها. وبلاش أخد فكرة غلط عن اللي بسمعه على حضرتك، يعني أكيد ابن الوز عوام، وجاسر عنده عزيمة في شغله، يا إما حضرتك خايف عليه فدي حاجة تانية.
ضحك جواد بصوته كاملًا.
- لا غلبتني ياحضرة النايب، مش موضوع خايف عليه، الموضوع إن الحاجات دي عايزة خبرة وتجارب.
ارتخت ملامحه بعد إقناعه عندما تحدث قائلًا.
- بص ياحضرة اللوا، القضية دي خبرتها مع حضرتك ونجاحها مع عزيمة جاسر.
أنا كل اللي هعمله دلوقتي هخرج ببعض الورق اللي عايز أخرجه، وأشوف ردة الفعل. يعني ممكن نسقطهم بس مش دفعة واحدة، لا واحد واحد عشان أشوف الرهبة جوا كل واحد مشترك في الجرايم دي.
أعجب جواد من ذكائه مربتًا على كتفه.
- بالتوفيق إن شاء الله، وأنا هكون ورا جاسر، وقت التدخل هدخل، وربنا يوفقكم يارب.
عند درة خرجت من منزلها تنتظر حمزة للتوجه للمحامي الذي تقوم بتوكيله. وصل بسيارته. توقف بالسيارة ركبت بجواره.
- متشكرة لحضرتك على تعبك معايا.
لم ينظر إليها ولم يجيبها. كل ما عليه أومأ برأسه دون حديث. وضعت رأسها على زجاج النافذة ودموعها تنسدل عندما تذكرت ما صار لها.
توقف على جانب الطريق. سحب بعض من الهواء ثم زفره بغضب قائلًا وهو ينظر أمامه دون النظر إليها.
- ممكن أعرف بتعيطي ليه؟ قولتلك هنطلقك من أول جلسة، ليه بتعيطي؟
استمع لشهقة خرجت من فمها. استدار بنظره إليها.
- باشمهندسة ممكن تبصيلي.
استدارت بعينيها الباكية. غاصت عيناه على ملامحها الجميلة. ود لو يرفع أنامله يزيل عبراتها، ويضمها ليخفف عنها. تقابلت نظراتهما للحظات حتى تحاشت درة نظرها بعيدًا عنه.
حمحم ليجلي صوته إليها قائلًا.
- ممكن أسألك سؤال.
أومأت برأسها موافقة.
اتجه بنظرة للأمام فتحدث.
- هو لمسك؟
اتسعت عيناها من هول ما تلفظ به فأحست بأنسحاب الأكسجين من حولها فتحدثت متمتمة.
- إيه اللي بتقوله دا، مسمحلكش تتكلم معايا كدا، أنا جاوبت قبل كدا وقولت لا.
تضجرت ملامحه بجمرة الغضب واستدار إليها.
- لا لازم تسمحيلي ياباشمهندسة، لازم بعد كدا كل حاجة تخصك تسمحلي فيها ومن غير أي كلام.
قالها وهو يشغل محرك سيارته وتحرك. وهي تطالعه بصدمة، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل تفرح أم تحزن.
بعد أسبوع.
بقصر خالد البنداري جلست بجوارها سارة واردفت.
- عرفتي هتعملي إيه؟ يارب ماتفشلي زي سلمى الهبلة، كان زمنها عملتله فضيحة واضطر يتجوزها.
توقفت فرح وهي تنتقي ثيابها بعناية.
- لا متخافيش وحياتك لتفرحي لأختك قريب.
بغرفة سليم
كانت تتسطح على مخدعها تتألم. دلف سليم إلى الغرفة وجلس بجوارها يمسد على خصلاتها.
- ليلى مش هتقومي بقى؟ قولتي هنخرج ومخرجناش. والنهاردة من الصبح حابسة نفسك وعاملة زعلانة من علاقتي بتولين.
ليه مش عايزة تقتنعي مفيش بينا حاجة؟ والله اللي بينا صداقة. هي كان بينها علاقة حب مع راكان مش معايا. حتى الرسايل اللي شوفتيها كلها هزار.
أمال برأسه وبدأ ينثر قبلاته على وجهها وعنقها.
دفعته بعيدًا عنها بقوة عندما اشتدت آلامها قائلة بصوتها المتقطع:
- أنا تعبانة دلوقتي ومش قادرة لا اخرج ولا اتكلم مع حد.
نهض يردف بغضب بصوت مرتفع:
- وبعدهالك ياليلى؟ مش ملاحظة بقيتي لا تطاقي؟ عرفت إنك حامل وتعبانة، بس مش بالطريقة دي. دا احنا يعتبر لسه عرسان. ليه عايزة تكرهيني فيكي؟ أنا راجل ووقت ما أحتاج مراتي المفروض تبقى جاهزة.
استدارت بجسدها تواليه ظهرها ولم تجبه.
ثارت جيوش غضبه ولم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها بعنف.
- دلوقتي أنا عايزك ودا من حقي. مش تحسسيني إنك كرهاني.
وضعت يديها تبعده قائلة بصوتها المتعب:
- سليم أنا تعبانة بجد لو سمحت ابعد دلوقتي مش قادرة.
وضع رأسه بعنقها وكأنه لم يستمع ولا يرى حالتها المتألمة.
- ليلى أنا بحبك وعايزك. أنا مردتش اروح الشغل النهاردة عشانك، وانت مش معبراني. ينفع كدا؟ ليلى عمرك ما قولتيلي حتى كلمة حبيبي. ليه دايما بحس إن فيه حد بينا.
انزلقت عبراتها وأحست ببرودة بجسدها.
- سليم ابعد. ريحتك قلبت معدتي. لو سمحت ابعد عني.
رفع رأسه ينظر لمقلتيها بصدمة.
- انت بتقولي ايه؟ مش طايقة ريحتي؟ طيب الأول كنت مفكرك بتهزري. بس نسيتي أنا جوزك ياهانم. قالها وهو يقبلها بقوة وغضب.
حاولت التملص منه بسبب آلامها ولكن قبضته القوية وحالته جعلتها تفشل فتنهدت بوجع وتساقطت دموعها بغزارة على وجنتيها تاركة نفسها بآلامها إليه. بسبب قوته التي بدأ يتعامل بها معها. حتى شعرت بأنها جثة أمامه.
انتهى سليم بما كان يفعله متجها للمرحاض بغضب. عندما وجد نظراتها ودموعها الحزينة.
خرج بعد دقائق وهو يصفع الباب خلفه بقوة.
قابله راكان صدم من حالته ودموعه التي تنزرف لأول مرة يراه بها. امسكه من ذراعيه.
- مالك فيه ايه؟ اتجه بنظراته بعيدا عن أخيه مردفًا:
- مفيش حاجة. يمكن اتسرعت في جوازي. انت كنت صح ياراكان. قالها وتحرك للخارج سريعا.
نظر راكان لغرفته بغضب. ود لو اقتحم الغرفة وصفعها بقوة على وجنتيها. فبكاء أخيه أحرق جسده بالكامل. قاطعه وصول توفيق يمسكه ويصيح بصوتا هز أرجاء المنزل:
- انت مجنون يلا؟ رايح ترفع قضية على الشربيني وشركائه. انت مستغني عن عمرك.
امسكه توفيق من أكتافه.
- راكان الناس دي مبيتلعبش معاها. مش هقولك عشان خاطري. عشان خاطر أخوك.
تحرك وهو يردف:
- لازم الكل يتعاقب ياتوفيق باشا. وبنصحك تحاول تحمي نفسك. عشان كله بميعاده.
بعد قليل أمسك هاتفه محاولا الوصول لأخيه ولكن هاتفه مغلق. زفر ووقف متجها لشرفته. قاطعه طرقات على غرفته.
دلتفت سيلين.
- ممكن نتكلم شوية ياآبيه؟ نظر للقهوة التي تحملها. ابتسم بسخرية على نفسه عندما تذكر تلك الليلة. فأشار بيديه.
- تعالي ياسيلي. كنت لسة هبعتلك.
سحب كفيها وتحرك لشرفته. جلس وأجلسها بجواره يرتشف قهوته. ثم غمز بعينيه.
- بترشيتي بالقهوة؟ وضعت رأسها على كتفه وتحدثت بنبرة صوت متألمة:
- راكان أنا بنت مين؟ وقبل ماتكذب أنا عملت التحليل ولسة وصلني النهاردة. اعتدلت تنظر إليه.
- أنا من الملجأ. يعني مش بنت البندارية فعلا.
نهض يجلس على عقبيه أمامها ثم احتضن كفيها وقبلها مردفًا:
- مين قال كدا؟ انت بنت البندرية. وضعت كفيها على شفتيه وتحدثت ببكاء:
- ليه مصر تضحك عليا وتعاملني كأني طفلة ياراكان. وضعت الظرف بيديه.
- هو فيه دليل أكبر من كدا. ضمها لأحضانه عندما تلعثمت الكلمات بحلقه ولم يقو على الحديث. هو يهرب منذ عدة أيام لهذا اللقاء ولكن لقد حان وقته.
جلس بجواره ثم تحدث.
- ماما زينب كان عندها اخت اسمها زينة. هي وعمو محمود حبو بعض جدا. بس جدي رفض العلاقة دي. وقال إن زينب عايزة تعصي ولاده عليه. عمو محمود سافر ألمانيا وساب مصر عشان جدي ماوفقش على جوازه. وطبعا بابا كان هناك وعملوا شركة صغيرة بعيد عن شعل ماما زينب وجدو.
تنهد بوجع ثم نظر لعيناها يمسح دموعها.
بابا أخد عمو محمود وحاولوا يقنعوا ماما زينب على الجواز بالسر. وفعلا اتجوزها من غير ما جدي يعرف. عدى سنتين وهم متجوزين. وعمو محمود اضطر ينزل مصر بمراته في اجازة كانت جدتي في أخر أيامها بتموت. شريك جدك شافه بالمطار مع مراته وطبعا كانت حامل.
جدك اتجنن وقال إن زينب هي اللي عملت كدا عشان تبعده عن انه يتجوز بنت شريكه. اللي هو قاسم الشربيني.
نصب عوده وتوقف ينفث تبغه وهو يتذكر تلك الايام. فاكمل حديثه.
- أنا كان عندي عشر سنين في الوقت دا وسليم خمسة. وماما زينب كانت حامل. بابا اتصل بيها من مصر وقالها أن توفيق عرف علاقة زينة بمحمود. ماما زينب كانت لسة قدامها شهرين لما تولد. نزلت مصر لما خافت على اختها من جدك.
قعدوا في فيلا باباها. فجأة لقينا خالتو بتصرخ من الألم وبابا وعمو مكنوش موجودين.
ماما نزلت بيها عشان تاخدها المستشفى في الوقت اللي بابا وعمو وصلوا فيه. عمو محمود ركب عربية ماما زينب هو وخالتو. وبابا أخد ماما ومشيوا وراهم.
اطلق زفرة حارة من جوفه عندما تذكر ذاك اليوم وانهيار زينب. ثم اتجه لسيلين وأكمل.
- العربية اتقلبت بيهم. عمو محمود مات في وقتها. وضعت سيلين كفيها على فمها من الصدمة. فأكمل راكان.
- وخالتو فضلت شهر على الأجهزة عشان يولدوها أصلها كانت لسة في الشهر السادس. بابا وماما حاولوا بكل الطرق إنها تفضل على الأجهزة بدل فيها نفس.
انسدلت عبراتها. وضم سيلين يدمغها بقبلة على خصلاتها.
- عدى شهر واسبوع وكل حاجة وقفت. الدكاترة حاولوا ينقذوا الجنين. وولدوها فعلا. قبل موتها بساعة واحدة. وأخدوا الطفلة على الحضانة. الطفلة دي نزلت بدم ملوث. وكان لازم ينقلولها دم عشان فصيلتها نادرة. يوميها عملوا تحاليل للكل ومن حظي الحلو طلعت أنا اللي دمي من نفس فصيلتك. وبابا كمان. بس بابا مريض سكر مكنش ينفع ننقل منه.
احتضن وجهها ينظر لمقلتيها.
- يعني دمك اللي بيجري فيك دا من دمي. واللي يقول إنك مش أختي هدفنه مكانه.
أشارت على نفسها وتحدثت بصوتها المتقطع.
- يعني أنا الطفلة بنت عمك ياراكان.
هز رأسه رافضًا حديثها وانسدلت عبراتها وهو يرفع يديه أمامها.
- انت اختي اللي بأيدي دي اول واحد شلتك وضميتك لحضني. أنا اللي مفروض اكون أبوكي مش اخوكي كمان. يعني انت اقرب من سليم ليا. شوفتي إيه.
ألقت نفسها بأحضانه وظلت تبكي بنشيج.
- انت أحسن أخ في الدنيا والله العظيم. أنا كنت خايفة اكون مش أختك.
طبع قبلة على جبينها.
- كنت هتجوزك متخافيش لو مكنتيش اختي. لكزته بصدره.
- هو أنا أطول جوزي يكون راكان البنداري.
توقفت فجأة ثم تسائلت.
- طيب فين ابن ماما زينب.
رفع نظره إليها واجابها.
- مات. جالها نزيف فيه ومات وكانت هتموت لولا ستر ربنا.
- نزيف ليه. قالتها سيلين.
- معرفش. بس يمكن عشان ربنا بيحبك. عشان وقتها ماما عملت معاكي زي ماعملت معايا. عوضتك عن مامتك. بس الفرق بينا. هي اخدتني عندي خمس شهور او يمكن اكتر مش فاكر. إنما انت. نزلتي من الحضانة عليها على طول.
- طيب البيبي مات إزاي. ضمها مغيرا الحديث.
- إيه علاقتك بيونس ومن إمتى وانتوا على علاقة.
توترت وتوردت وجنتيها من سؤاله المفاجئ. ففركت يديها تهرب من سؤاله ولكن قاطع تركيز راكان صوت ليلى المتألم.
أسرعت سيلين وهو خلفها. دلفت لغرفتها وجدتها تجلس بالأرضية وعبراتها تنسدل بقوة.
جثى راكان بركبتيه أمامها.
- ليلى مالك فيه إيه؟
رفعت عيناها الباكية إليه وبشفتين مرتجفتين من البكاء همست بصوتها المتقطع.
- راكان وديني للدكتور بسرعة. بتصل بسليم مبيردش.
وضعت سيلين حجابها عليها سريعا. ثم نظرت إلى راكان الذي تصنم جسده عندما وجد الدماء تحتها. لكزته سيلين بكتفه.
- راكان شيلها دي بتنزف. هز رأسه سريعا ولكن شعر بإرتجاف جسده حتى فقد السيطرة على الوقوف. وضعت كفيها على ذراعيه متألمة.
وهمست بصوتها الضعيف.
- هموت. قالتها ثم غابت عن الوعي.
هز رأسه رافضا مارآه. فثنى ظهره وحملها ولكن تفاجأ من خفة وزنها. أيعقل إنها فقدت الكثير من الوزن في تلك الشهور المنصرمة. كانت نظراته تطالع شحوب وجهها.
- هاتي مفتاح العربية بسرعة ياسيلين. قالها ثم تحرك بها للخارج. بعد قليل وصل للمشفى.
جلس بالخارج ينتظر خروج الطبيبة من غرفة الكشف. خرجت الطبيبة وعلامات الغضب ترتسم على وجهها.
- على فكرة دي جريمة وممكن أعاقبك عليها.
ضيق عيناه مستغربا حديثها القاسي.
فتسائل بفظاظة.
- أنا مستني تقولي حالتها إيه مش هجوم على الفاضي. توقفت سيلين بجواره تنتظر حديث الدكتور.
- الجنين كويس. بس دا ميمنعش إنه مش في آمان. المدام متعرضة للأغتصاب. تصنم جسده محاولا إدراك ماتفوهت به الطبيبة الذي سقط على رأسه كالصاعقة. تسارعت أنفاسه. عندما شعر بالأختناق وحاول أن يبتلع ريقه الذي جف. ولسانه الذي توقف. فنظر بذهول للطبيبة.
- يعني إيه الكلام دا. قالها راكان بجسد مرتعش. وصور له اشياء رفض العقل أن يستوعبها.
توقفت الطبيبة عن حديثها تنظر إليه بهدوء بعدما وجدت صدمته قائلة بعد لحظات.
- هو مش حضرتك جوزها؟
قبض قبضته بغضب حتى ابيضت عروقه وتحرك مغادرا المكان وكأن أحدهم يطرقه بمطرقة من الحديد على صدره.
وقف يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يهمس لنفسه:
- إيه اللي وصل سليم لكدا؟ معقول تكون منعت نفسها عنه؟ معقول حسسته إنها مش بتحبه؟
هز رأسه رافضا حديثه:
- لا، هي مش كدا. مستحيل تعمل كدا.
جلس بخارج المشفى وبدأت الأفكار تضاربه بقوة قائلا لنفسه:
- طيب ماانت مقدرتش تقرب لحد من وقت ماحبيتها. مايمكن هي عملت زيك؟ لا لا مستحيل ليلى تعمل كدا فيه. مستحيل تحسسه بكدا.
مسح على وجهه بعنف كاد أن يمزق جلده، ولا يعلم بماذا يشعر. قلبه سعيد وعقله يوبخه بشدة.
أطبق على جفنيه بقوة يعتصرها قائلا:
- ويعلم الله أني بذلت حتى ذُلت.
- وأني تغاضيت حتى سئمت.
- وأني تمسكت بحبال الصبر والضغط حتى جُرحت كفاي.
ونزف قلبه.
حاول الإتصال بأخيه ولكن هاتفه مغلق، حتى شعر بالقلق عليه. ظل لبعض الوقت حتى أشرقت الشمس بنور ربها، ثم صعد متجهًا لغرفتها. وجد سيلين تجلس بجوارها تمسد على خصلاتها التي لأول مرة يراها.
توقف يملأ عيناه وقلبه بجمال نومها الهادئ، وخصلاتها الحريرية التي تنسدل بنعومة على وسادتها. خصلات تشبه خصلات أجمل الأحصنة.
اقترب ولم يشعر بنفسه. لقد ساقه قلبه وغلبه شيطانه جالسًا بجوار مخدعها. ثم بسط يديه يلمس خصلاتها بيديه، ولكن توقف قبل أن يشعر بملمس نعومتها.
نهض سريعا يضغط على قلبه المتألم وجسده المرتجف.
قاطعته سيلين التي كانت تبحث عنه:
- راكان، كنت فين حبيبي؟ دورت عليك. ياله عشان نروح. ماما مبطلتش اتصالات وعايزة تيجي.
هز رأسه حينما فقد الكلام. واتجه إليها يحملها بعدما أطمئن من الطبيبة على حالتها، وإفراغ محلولها، والتوصية بعلاجها وتثبيت حملها.
حملها وهي بين اليقظة والغفوة، فهمست بلسان ثقيل:
- تعبانة وعايزة أنام. أنا تعبانة. ابعد عني.
قالتها ودموعها تنزلق بجانب جفنيها. حزن على حالتها، ودَّ لو يقربها لصدره ويشبع روحه منها، ولكن كيف وهي أصبحت كتفاحة آدم المحرمة عليه.
وصل بعد فترة بسبب تخفيض سرعة السيارة حتى لا تفقد جنينها. ترجل من سيارته. كانت والدته تنتظرهما. أسرعت إليهما:
- هي عاملة إيه ياراكان؟!
حملها واجاب والدته:
- كويسة ياماما. هي عايزة الراحة التامة. ممنوع الحركة نهائي.
نظر حوله متسائلا:
- سليم لسة مرجعش.
أومأت برأسها:
- لسة يابني. معرفش راح فين وتليفونه مقفول.
دلف للداخل. تسمر بوقفته عندما وجد سليم متجها نحوه بهيئته المبعثرة وحالة الفوضى التي بها. لم يطمئن قلب راكان.
هنا فاقت ليلى ونظرت إلى راكان الذي كان يحملها. حاولت الخروج من قبضته فقالت:
- نزلني. وازاي تسمح لنفسك اصلا تشلني.
قالتها بعدما نزلت بقدميها تلامس الأرض. اختل توازنها. استندت عليه وعلى سيلين ولكنه كان تركيزه على أخيه الذي يهرب بنظراته منه.
- سليم.
صاح بها راكان عندما وجد هروبه للداخل. تصنم بوقفته يواليه ظهره.
اتجه راكان بنظراته لليلى:
- تقدري تمشي ولا لا.
رفعت نظرها لزوجها فهمست له:
- عايزة أروح لماما. ممكن توصلني لماما.
نظر إليها بغضب ودنى منها:
- لمي الدور عشان صبري نفد يامدام يامحترمة.
جحظت عيناها. فرفعت عيناها المتحجرة بالدموع وأردفت بوجع بقلبها كوجع جسدها في ذلك الوقت:
- هستنى منك إيه؟ أنا مستحيل اقعد في البيت دا ولا يوم بعد كدا.
قالتها وتحركت تستند على سيلين. وصلت إلى سليم ووزعت نظراتها بينه وبين زينب فتحدثت:
- ماما زينب، عايزة أروح عند بابا كام يوم لحد مااحس اني بقيت كويسة.
***
ربتت زينب على ظهرها قائلة:
- اطلعي ارتاحي الأول ياحبيبتي وبعد كدا نتكلم.
تحركت ليلى للأعلى في حين وصل إليه راكان يدقق النظر يهيئته:
- كنت فين يلا؟ وإيه اللي وصل مراتك للمرحلة دي؟
قاطعهم وصول فرح وهي تبكي. وقفت أمام سليم تلكمه بصدره:
- انت بتقول ايه؟ عايز ترميني بعد اللي عملته فيا.
قطب راكان حاجبيه متسائلا، يتمنى بأن أخاه لم يكن وقع بفخهم:
- إيه اللي حصل يافرح؟ وسليم عمل ايه؟
رمقت سليم بنظراتها ثم استدارت إلى راكان:
- أخوك المحترم الباشمهندس. جالي امبارح وكأن بيعيط وقالي كلام.
أسرع إليها سليم بخطوة يضع يديه على فمها وصاح بغضب:
- اخرصي يافرح. لو سمعت صوتك هموتك.
دفعته بقوة وصاحت بصوت مرتفع:
- لا، ماهو مش هسكت ياسليم. لازم أخوك وابوك يعرفوا عملت مع بنت عمك إيه.
صفعها بقوة على وجنتيها وامسكها يهزها بعنف:
- أنا مش فاكر حاجة. معرفش ايه اللي حصل. كل اللي فاكره انك قولتي عايزة تتكلمي معايا. واشربنا قهوة. أما ايه اللي حصل مش فاكر. إزاي روحت أوضة نومك. وإيه اللي حصل مش فاكرة.
صرخت بوجهه:
- يعني مش فاكر كلام الحب اللي قولته؟ مش فاكر كنت بتقولي إيه واحنا مع بعض؟ طيب إزاي مش فاكر اللي حصل بينا؟
قالتها وهي تنظر إلى راكان الذي شعر بصدمة قوية نالت منه لدرجة شعر بأن الكون يدور به وتسحب الأرض من تحت أقدامه.
أطبق على جفنيه. فلقد نجحوا بكسر أخيه.
ولم يشعر بنفسه عندما ارتفعت يديه لتهوى بصفعة قوية على وجهه وتحدث قائلا:
- أمشي من قدامي. مش عايز أشوف وشك. ياخسارة ياسليم.
جذبه من ياقته هامسًا:
- اغتصبت مراتك وكنت هتموت ابنك. ورحت كملت سهرتك مع بنت عمك.
قالها ثم دفعه بقوة وتحرك بسيارته للخارج.
أما زينب التي ووقفت أمامه تناظره بغضب:
- انت مين؟ مستحيل تكون ابني. لا مش معقول ابني مايعملش كدا. ودلوقتي اطلع راضي مراتك يامحترم.
ثم رفعت نظرها لفرح:
- مشفتش ابجح منك يافرح. طيب لو هو حاول يقرب منك ليه يامحترمه ممنعتهوش.
قالتها وتحركت للداخل بعدما رمقتهما بنظرة مستاءة.
تحرك سليم للداخل. امسكته فرح من ذراعيه:
- سليم هتعمل إيه في المصيبة دي.
دفعها بقوة فكل مايفكر به ماذا يفعل لو ليلى علمت بما حدث. ذهب بذاكرته قبل قليل.
شعر بقبلات على وجنتيه. ابتسم ظنا أنها زوجته فاردف بصوت مفعم بالنوم:
- إيه الرضا دا كله؟ قبلات كدا على الصبح.
دنت فرح تقبله من شفتيه قائلة:
- صباح الخير على اجمل راجل شافته عيوني.
هب فزعا وهو ينظر لوضعهم. في غرفتها. على مخدعها. بلاثياب ولم يسترهما سوى شرشف من اللون الأبيض الخفيف.
نظر إليها بذهول:
- إيه اللي جابني هنا.
ضيقت عيناها ونظرت إليه بمكر:
- إيه ياسليم نسيت إحنا سهرنا مع بعض وبعد كدا. جينا كملنا سهرتنا هنا مع اعترافاتك اللي خلتني أسعد واحدة في الدنيا دي كلها.
ارتدى ثيابه سريعا. وهو يهز رأسه رافضا حديثها:
- أنا مش فاكر حاجة. ومقلتش حاحة. كل اللي متأكد منه كان فيه حاجة في القهوة. مش فاكر بعدها إيه اللي حصل. ابعدي عني يافرح انا راجل متجوز ومراتي حامل.
خرج من شروده. على صوت بكائها:
- مستحيل تعمل فيا كدا وتسبيني. متنساش انا بنت عمك.
بعد أسبوعين.
ظل الحال كما هو بين سليم وليلى. العلاقة بينهما متباعدة. لم تتحدث معه. حاول الاقتراب ليحادثها ولكنها رفضت. وحاولت الذهاب لوالدها ولكنه رفض تماما. ابتعد راكان عنه ولم يحادثه. اختار عقابه. حتى يصل لمعرفة الحقيقة.
ذات مساء كان الجميع يتناولون العشاء ولأول مرة تحضر ليلى لتناول الطعام معهم منذ اكثر من أسبوعين. كانت ملازمة فراشها. والبعد عنه.
قاطعت جلستهم دلوف عايدة غاضبة بصحبة جلال وسارة وفرح. توقف جلال ينظر للجميع متسائلا:
- سؤال واحد ياأسعد. ينفع اللي ابنك عمله في بنتي. وجاي يقولها مش فاكر حاجة. ابنك نام مع بنتي ياأسعد وبينكر. دي بنت عمه يعني لحمه ودمه.
جحظت أعين ليلى تنظر إلى راكان بذهول ظنا منها انه المقصود. همست لنفسها:
- شوف ياقلبي الشخص اللي دقتله في يوم من الأيام وكنت تتمنى الموت عشان اتجوزت غيره.
تقابلت نظراته معها. هو حزنًا عليها لما ستسمعه. وهي غضبًا منه ظنًا أنه الفاعل.
ولكن صدمها وقوف سليم وصراخه بوجهها:
- أنا مش فاكر حاجة. وقولت لبنتك اللي حصل. كل اللي فاكره كنا قاعدين بنشرب قهوة عند البسين.
رفعت ليلى نظرها إلى سليم وتسائلت بصوت متقطع:
- هي تقصد مين بكلامها.
نهض راكان يجمع أشيائه ينظر إلى جلال:
- تعالى معايا المكتب ياعمو لازم نتكلم.
ولكن ليلى أوقفته وتحركت تنظر إلى فرح:
- إنت تقصدي مين اللي...
قاطعتها سارة:
- جوزك ياباشمهندسة. وهم أختي بالحب. وعمل علاقة جسدية معاها ودلوقتي بينكر. وانت بنت وعارفة نتيجة عملته إيه.
قاطعها راكان هادرا بعنف نبع من إضطراب قوي بداخله من ذهول ليلى الذي أدى إلى شحوب وجهها مما فقدها السيطرة على وقوفها. فهوت جالسة على المقعد.
- يعني أنا كنت بنزف وبموت في المستشفى وانت بتخوني. كنت بتخوني ياسليم.
كررتها ثلاث مرات. حتى نهضت بساقين تكاد تحملنها تتحرك للخارج بثيابها البيتية وكأن عقلها أصابه الجنون.
- كنت بتخوني. يعني أغتصبتني. ورحت بعدها تخوني.
أسرعت سيلين خلفها تحاول إيقافها. أما زينب التي جلست تضع رأسها بين راحتيها.
تردف ليه يابنتي تعملي كدا.
تصنم سليم بوقفته ينظر للجميع بتشتت:
- أنا مش فاكر حاجة. والله مافاكر حاجة.
ثم أسرع خلف ليلى محاولا ايقافها:
- ليلى أنا مش فاكر حاجة.
نظرت إليه بغضب وبدأت تلكمه بصدره:
- أنا بكرهك ياخاين بكرهكككك.
قالتها بصراخ عندما تخيلت وتذكرت أفعاله الأخيرة.
دنت منه واردفت بما قسمه لنصفين:
- عمري ماحبيتك ياسليم. واتجوزتك عشان أهرب من الحقير أمجد. وللأسف لقيتك أحقر منه. أنا بكرهك.
وصل راكان إليهما واستمع لحديثها.
اتجه بنظره إلى سيلين:
- خديها جوا ياسلين. بعدين نتكلم.
نهرته صارخة:
- انت مين عشان تقولي أعمل ايه؟ انت ولا حاجة ياراكان يابنداري. أكتر شخص كرهته في حياتي هو انت. انت السبب في اللي أنا فيه.
أشارت بيديها ترمقهما بنظرات تحقيرية.
- بتكلم على مين انتوا الاتنين أحقر من بعض. دنت خطوة منه ونظرت لمقلتيه.
- جيت ووقفت قدامي بكل غرور وعنجهية. وقولتلي:
- مش عايز غير السعادة لأخويا. مفكرتش فيا.
نظرت إليه نظرة جوفاء قاسية اتبعتها بلهجة هازئة.
- كنت مفكراه غيرك. لكن للأسف انتوا...
صمتت ولم تقو على إكمال حديثها عندما صاح أسعد بغضب.
- براحة ياباشمهندسة. لسة متأكدناش من حاجة.
استدارت ودموعها تنسدل بقوة تنظر لأسعد.
- تتأكد؟ وياترى تتأكد من إيه ياعمي؟ تتأكد من براءة ابنك.
اتجهت بنظراتها إلى سليم وتحدثت.
- انا مش عايزة حاجة. خلي ابنك يطلقني.
وصل إليها بخطوة وامسكها بعنف.
- بتحلمي ياليلى. مستحيل اطلقك. ودلوقتي تعالي معايا لازم نتكلم.
نزعت يديها منه ودفعته بقوة.
- ابعد عني وإياك تلمسني. وهطلقني غصب عنك.
- ماما...
قالها راكان وهو ينظر إلى ليلى.
- طلعوا الباشمهندسة اوضتها.
تحركت للسيارة ولم تعري أهمية لكلماته ولكنها توقفت عندما جذبها سليم بعنف وحملها متجها للداخل.
نزل بعد قليل ينظر بغضب إلى فرح.
- انا مش فاكر حاجة من اللي قولتيها. واياكي تتكلمي قدام مراتي تاني.
قالها وتحرك لسيارته يبحث عنها. تذكر بأن يونس أخذها في الصباح.
اتجه لسيارة راكان المصفوفة بعيدا بعض الشئ بعدما تناول مفتاحها واستقلها وتحرك مسرع كالذي يطارد عدوه.
ظل راكان يراقبه حتى اختفى من أمام عيناه. قاطعهم وصول سيلين.
- الحقيني ياماما. ليلى كسرت الأوضة فوق ومش قادرة عليها ومفيش غير على لسانها بكرهكوا.
شعر بدوار يتسرب إلى رأسه. ورعشة أصابت قلبه. ماذا عليه أن يفعل الآن؟ نيران الذنب تحرق أحشائه.
بعد مرور أكثر من ساعتين. كان يجلس بمكتبه بجوار نوح قاطعه رنين هاتفه.
- أيوة مين؟
هب فزعا من مكانه. وكأنه تلقى ضربة موجعة قصمت ظهره لنصفين وهشمت عموده الفقري عندما أستمع.
- حضرتك راكان البنداري. أخو حضرتك عمل حادثة وحالته خطيرة جدا. فلو سمحت ممكن تيجي بسرعة.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيلا وليد
لا شيئ في غيابك يملأ وحدتي
فكل الوجوه من حولي عند ذكراك تتلاشى وتختفي
بقيت على ذاك الوعد أنتظر فلعلك تعود وتنهي غربتي
فبعدك الحياة مظلمة ولا أحد سواك ينير ظلمتي
"فأنا ميتٌ وأنا على قيد الحياة عندما فقدت شخصاً كنت أحبه أكثر من نفسي."
ويعلم الله أني بذلت حتى ذبلت
وأني تغاضيت حتى سئمت
وأني تمسكت بالحبال حتى جرحت كفاي..
بعد خروج سليم جلست على مخدعها تبكي بنشيج على ما حدث لها
لقد أحرقت قلبها حتى تسعده
لقد وعدت ربها تكون له زوجته وجنته في دنياه
ولكن ماذا فعل بها؟
كل ما فعله وجنته هي الألم والحزن لقلبها
لقد انشق قلبها حتى لم تشعر بشيء
دَلفت سيلين بساقين مرتعشتين تبكي على مظهرها
فماذا فعلت لتجني الخيانة؟
لقد شعرت بالجنون
هل يفعل بها سليم ذاك؟
لو أحدهم قال ذلك لم أصدق أبداً
ولكن حديثه زرع مزرعة من شياطين الشك
تحركت حتى وصلت وجلست أمامها على عقبيها تضم يديها وتنظر إليها بألم
- أنا مش عارفة أقولك إيه ولا أراضيك بالكلام وأطيب جرحك إزاي
لكن كل اللي عايزة أقوله
- سليم مستحيل يخونك لأنه عمره ما كان دا من صفاته
ضغطت على كفيها وانسدلت عبراتها
- طيب عارفة فرح دي من زمان وهي بتجري وراه
لو بيحبها كان اتجوزها
ليلى حاولي تهدي وتفكري
ومتيأكدة من براءة أخويا
كانت تجلس بجسد كل شبر بها يرتجف ويرتوي بدموع حزنها
مالذي فعلته لتجني انكسارها بذاك الشكل؟
ماذا فعلت لكي يجرحها بتلك الطريقة المؤذية لروحها؟
هبطت سريعاً للأسفل تبحث عنه
وجدته جالساً يضع رأسه بين راحتيه
توقفت أمامه حتى انتبه إليها
نهض واقفاً يتطلع على هيئتها التي أبكت قلبه
فمهما فعلت تظل جزء من نبض قلبه الصامت
غاصت في ملامحه وتحدثت بصوتٍ باكي
- قولتلي لو أسعدتيه هخليكي ملكة
دلوقتي أنا طالبة حقي
ولا هو بس اللي له حق؟
ولا عشان ابن البنداري يدوس عليا؟
فين عدلك ياحضرة القاضي؟
أنا اتهنت واتخانت وحقي عندك قبله
ودلوقتي عايزة حقي
نظر إليها مكبل الأيدي مصفد المشاعر ولا يعلم أيشفق عليها أم يجلدها
فهي المسؤولة الأولى بما صار
رسمت عيناه ملامحها الحزينة فاستدار بعيداً بنظراته عنها قائلاً
- سليم مخونكيش
وبدل مخونكيش مالكيش حق عندي
وفيه حاجة لازم تعرفيها لو مش واخدة بالك
- انت السبب في اللي عمله فيكي
تجمدت بمكانها محاولة استيعاب كلماته
اقتربت كالمجنونة تلكمه بصدره
- هتقول إيه غير كده؟
كنت مفكرة إنك بني آدم لكن غلطت للأسف
انت أحقر واحد شفته في حياتي
- احترمي نفسك ولما توقفي تتكلمي قدامي تعرفي انت بتتكلمي مع مين
فوقي واعرفي مكانتك في البيت ده
وصلت زينب على صراخ ليلى
- هطلق منه وهمشي من البيت المقرف ده
أمسك رسغها يضغط عليه حتى غرز أنامله بلحمها وتحدث بصوتٍ كفحيح أفعى
- اتحركي خطوة لبرة وشوفي هعمل فيكي إيه
شكلك متعرفنيش
وصلت زينب محاولة فكاكها من قبضة راكان
- ليلى اهدي يابنتي
ولما سليم يجي هعرف ليه عمل كدا
مفيش حاجة بتتاخد كدا
حدقتها وهي تجيبها
- هيقول إيه يا طنط؟
إحنا خلاص مينفعش نكمل مع بعض
أنا همشي من البيت ده ولما يجي يبعتلي ورقة طلاقي
دا آخر كلام عندي
- ماما طلعي الباشمهندسة فوق لحد ما جوزها يجي
متخلنيش اتهور واعمل حاجة مش هتعجبكم
وصل توفيق ينظر إليهما بشماتة قائلاً
- قولتلك احفادي مش بتوع جواز
دا هيتجوزك متعة شهرين تلاتة ويرميكي
ومصدقتنيش وعندتي
فرحان فيكي اشربي
ابتلعت جمرات كلماته التي ألهبت حواسها
فاقتربت منه قائلة
- مش ذنبي اني اتجوزت من بيئة أكبرها فاسدة
قالتها واتجهت بنظرها إلى راكان
- انتوا فعلاً مش غلطانين
أنا الغلطانة
أنا اللي غبية فعلاً
قالتها وتحركت من أمامهم تأكل خطوايها الأرض كما تأكل النار سنابل القمح
تقدم بخطواته إلى جده بخطوات ثابتة
- يارب تكون ارتحت وإنت شايف بيت حفيدك بينهار بسبب دناءة تفكيرك
أنا مش هتغاضى على اللي حصل
بس اللي المفروض يتحاسب أنا لاني ماخدتش موقف حاسم من أول مرة حبيتوا تلعبوا عليا بيها
أطلت من عينيه نظرة قاسية اتبعها حديثه
- صدقني انتوا اللي فتحتوا باب الجحيم
أتمنى تعرفوا قيمة الشخص اللي قدامكوا
زوى توفيق مابين حاجبيه قائلاً بإستنكار
- هو ليه دايماً بتفكرني عدوك؟
ليه مبتفكرش في المصلحة للكل؟
وضع يديه بجيب بنطاله واستدار بظهره ولم يجبه
رمق زينب الجالسة
- حافظي على ولادك يازينب
راكان داخل النار برجله
وبيدق مسمار نعشه
حاولي تلمي ولادك حواليكي
كفاية اللي ضاعوا منك قبل كدا
قالها توفيق وتحرك مغادراً
بالأعلى دلفت غرفتها وبدأت تحطم كل مايقابلها
وصلت سيلين على صوت التحطيم وصرخاتها
حاولت إيقافها ولكنها لم تقو عليها
اتجهت للأسفل في حين أمسكت ليلى هاتفها بيد مرتعشة وانفاسها متقطعة من سرعتها
- تعالى خلصني من صاحبك الحقير ده
أصل اقسم بالله اموته
قدامك نص ساعة يانوح لو مجتش خرجتني من البيت ده هموت نفسي
قالتها وأغلقت الهاتف تلقيه بالمرآة حتى تهشم
نظرت لكفيها الذي جرحت وشهقة خرجت من جوفها بنيران تلتهمه
- أنا يتعمل معايا كدا..طيب ليييييييه
قالتها بصراخ هزت له جدران المنزل حتى شعرت بآلام تحطم جسدها
فهوت جالسة على الأرضية الصلبة
جسد بلا روح
عينان ضائعتان تنسدل عبراتها بقوة
بالأسفل جلس بجوار والدته محاولا تهدئتها
- ماما حاسس فيه حاجة مش مظبوطة
مش معقول سليم يكون بالحقارة دي
هو بيحب ليلى
يعني موضوع قسوته معاها دا مش مرتحله
قاطعتهم سيلين وهي تكاد تأخذ أنفاسها من سرعتها
- ليلى مش مبطلة صراخ وتكسير فوق أنا خايفة عليها
مسح على وجهه بغضب وهو يزفر بغضب
- معرفش أعمل إيه
أنا بدوس عليها
بس هي عندها حق ياماما
دي واحدة من كام يوم جوزها عاملها بقسوة
ودلوقتي بتقول بيخونها
اتجه خلف والدته التي أسرعت بعد صوت صراخ ليلى
وصل راكان إلى غرفتها أولاً
كان الباب مفتوحاً على مصراعيه
دلف يبحث عليها بعينيه في وسط الفوضى التي فعلتها بالغرفة
- مدام ليلى
قالها بهدوء عندما وقعت عيناه على عيناها الضائعتين اللتين طمس بريقهما الحزن
تفجر قلبه بالحزن على ما توصلت إليه
وصلت والدته شهقة خرجت من فمها عندما وجدت حالة الغرفة
اتجهت تجلس بجوارها تجذبها لأحضانها تربت على ظهرها عندما وجدت حالتها المتهشمة كحال الغرفة التي بها
- ليلى يابنتي
مش عايزة منك غير انك تصبري نتأكد من سليم انه ممكن يعني
خرجت من أحضانها تمسح دموعها وتتحدث بصوتٍ متقطع
- ابنك بقى غريب
مش دا الشخص اللي اتجوزته؟
دا واحد تاني
ولا هو كان كدا
ولعب عليا
أمسكت يدي زينب وتابعت بنبرة يشوبها التوسل
- اعتبريني سيلين وساعديني وخليني أمشي لو سمحت
خليني اروح عند بابا
مش هقدر اتحمل وجوده في مكان واحد
تحرك راكان وهو يتحدث إلى والدته
- ماما ممنوع الخروج من باب البيت لحد ما جوزها يرجع
وخليكي فاكرة يامدام إنك حكمتي قبل ماتعرفي الحقيقة
أنا معرفش حالة أخويا عاملة إزاي دلوقتي بعد الكلام اللي حضرتك قولتي
ممكن هو ينسى عشان بيحبك
لكن أنا كلماتك وشمت في ودني
أغلقت جفونها بشدة تحاول السيطرة على نفسها حتى لا تنهض وتمزق قلبه القاسي الذي لا يشعر بنيران جسدها من الخيانة
بعد قليل بمكتبه
كان يجلس بجوار نوح ويقص عليه ما صار
نهض نوح وهو يلومه
- مستني منها إيه ياراكان تاخده بأحضانها وتقوله برافو عليك؟
ماتعقل ياراكان وتوزن كلامك المجنون ده
واحدة لسه بقالها تلات شهور متجوزة
وفجأة تعرف ان جوزها بيخونها
هتوقف تصقفله ولا إيه؟
يعني مش كفاية وجع قلبها وهي شايفاك قدامها طول الوقت
لا كمان بتوجع قلبها بموضوع سليم
كان واقع كلمات نوح على قلبه كنغزات توقف نبضات القلب
رفع نظره إلى نوح وأردف بلسان ثقيل
- مين السبب في وجع قلوبنا؟
انت تعرف أنا بكون حاسس بإيه لما بشوفها؟
أنا بحاول أبعد طول الوقت على البيت يانوح
رجفة قوية مرت بسائر جسده وهو يتذكر تلك الليلة
لولا لطف ربه به لكان صار مالايحمد عقابه
تاهت نظراته كتيه قلبه وهو يتحدث بقلبٍ منشطر
- أنا في نار من جحيم يانوح
وعلى قد مابشعر بيه بس لازم أكون قدام الكل القوي
اللي مفيش حاجة تهزه
للأسف بنت خالتك هي اللي رمتني في النار دي
متجيش دلوقتي وتبكي على اللبن المسكوب
لازم تتحمل قراراتها الغلط
ذهل نوح من حديثه فنهض يقف أمامه
- إنت عايز تقنعني إن ليلى غلطانة؟
لا وكمان عايز تلبسها غلط سليم
ابتعد يرمقه بغضب قائلاً
- متخليش وجعك من ليلى تظلمها
ودلوقتي أنا جاي كأخ اخدها ودا حقها ومن قبل ماتتكلم
هي هتبعد شوية يكون أحسن للكل
هب فزعاً من مكانه يخطو إليه محاولا منعه
ولكن توقف عندما استمع إلى رنين هاتفه
- أيوة مين
قالها راكان باستفهام
حضرتك سليم البنداري
في المستشفى وحالته خطيرة بسبب حادث
هوى على مقعده كمن تلقى ضربة موجعة قصمت ظهره نصفين فهشمت عموده الفقري
ثم تحدث بلسان ثقيل
- بتقول مين؟
سليم البنداري
- أيوة يافندم وياريت حضرتك متتأخرش هو دخل عمليات وحالته خطيرة
نهض بتثاقل يتخبط بسيره
توقف نوح أمامه متسائلاً
- راكان فيه إيه؟
أستند على كتف نوح عندما شعر بفقدان وعيه
وشعور بضعف الدنيا يحتل كيانه
من سنيورهات تخيله
رفع نظره إلى نوح وأردف بلسان ثقيل كالذي يتعلم الحروف
- نوح مش قادر أتحرك وديني المستشفى حاسس بنار في صدري
- فيه ايه ياراكان؟
مين كلمك؟
-سلي..سلي..سليم عمل حادثة وحالته خطيرة. وديني لأخويا يانوح مش قادر أتحرك. خايف يكون حصله حاجة ومقالوش.
اتجه نوح متجهًا للخارج. توقفت ليلى، التي تحمل حقيبتها، تنظر إلى نوح.
-أنا جاهزة يانوح..كنت هتمشي من غير ما تاخدني. هو حضرة المستشار سكتك بكلمتين.
تحرك بخطوات مبعثرة تاركها تتحدث مع نوح. كاد أن يسقط بسبب ثقل خطواته كأنه يتحرك على نيران تحرق أقدامه.
وصل إلى سيارة نوح. أسرع نوح خلفه وهو يحادث ليلى:
-بعدين ياليلى مش وقته. لازم ألحق راكان دا ممكن يعمل حادثة بحالته دي.
هوى قلبها بين اقدامها حينما استمعت لكلمات نوح. وجهه الشاحب، وعيناه الزائغة، وخطواته الثقيلة، أجزمت أن هناك شيئًا أصابه. أسرعت خلفهم وامسكت يد نوح.
-إيه اللي بيحصل ماله راكان.
أطلق رأسه للأسفل ولم يرفع نظره إليها.
-تعبان ولازم أوديه للدكتور حالا. قالها وتحرك من أمامها. توقف قبل ركوبه السيارة لقيادتها.
-اوعي تتحركي لما أرجع. اتجه بنظره إلى راكان الذي فك رابطة عنقه عندما شعر بالاختناق قائلاً: ياله يانوح.
أحست بألم يغزو قلبها من حالته. جلست على الدرج، تنظر لمغادرة السيارة تبكي بصمت. وصلت سيلين وزينب التي كانت تبحث عنها.
جلست زينب بجوارها تمسد على ظهرها.
-أنا مش هلومك يابنتي، بس عايزة أكدلك ابني مظلوم أكيد اتلعب عليه. إنتِ متتخيليش العقارب دول ممكن يعملوا إيه. لكن أنا عندي يقين بربنا إنه هيظهر الحق.
وضعت رأسها بأحضان زينب تبكي ببكاء مرير.
-سليم اتغير وبقى واحد أنا معرفوش يا طنط، من وقت ما رجع من السفر واتغير خالص.
احتضنت زينب وجهها.
-خدي جوزك في حضنك، ومتخليهمش يلعبوا بيكي. حتى لو غلط زي ما بيقولوا هيكون غصب عنه. أنا مش باخد حق ابني، لا إنتِ زيك زيه حبيبتي، ربنا أعلم أنا بحبك قد إيه. دلوقتي هخليكي تروحي عند باباكِ تقعدي كام يوم تغيري جو، وتبعدي عن جو النكد، عشان الحمل بتاعك زي ما الدكتورة قالت غلط الزعل.
أومأت برأسها موافقة.
-هعمل كدا إن شاء الله. اتجهت زينب بنظرها إلى سيلين.
-خدي مرات أخوكي ووصليها. قاطعتها سيلين.
-راكان قال ماتخرجش غير لما سليم يجي يا ماما.
-أنا هتصرف مع راكان، مالكيش دعوة. هو مالوش حكم عليها. ولما سليم يجي هفهمه، وهيتقبل الوضع إن شاء الله.
نهضت ليلى تجذب حقيبة ثيابها، ولكن أوقفتها زينب.
-بلاش الشنطة دي يابنتي، اللي يشوفك يقول مغادرة ومش هترجع.
ظلت للحظات صامتة، ثم اتجهت لحقيبتها ونظرت إلى سيلين.
-هطلع الشنطة وأصلي العصر وهنزلك ياسيلين.
هزت سيلين رأسها بالموافقة وجلست بجوار والدتها متسائلة.
-ماما أنا مش مصدقة إن سليم يعمل كدا. اتجهت زينب بنظرات تائهة وهي تتحدث.
-أنا متأكدة إنهم عملوا حاجة. نهضت من مكانها.
-هروح أصلي العصر، وأقرأ شوية في المصحف قلبي واجعني، وحاسة بضيق بصدري.
سحبت سيلين كفيها وتحدثت.
-ماهو لازم بعد دا كله تحسي بكدا.
في المشفى عند راكان، ترجل من السيارة بأنفاس متقطعة وشعور بضلوعه التي تنقبض بقوة معتصرة قلبه. بصوت متقطع بجواره نوح تسائل:
-سليم البنداري اللي جه في حادثة فين؟
نظرت لجهازها وأجابته:
-في الدور التالت، هو في العمليات. تحرك سريعًا كأن كلمة عمليات صفعته حتى يفيق لحاله، ويؤكد له أن أخيه مازال على قيد الحياة.
وصلا وتوقفا بالخارج ينتظران الأطباء حتى يطمئن. خرج الطبيب ووجه يظهر إليهم بأسف.
وصل إليه بخطوة يسأله بأنفاس حارة متقطعة.
-اخويا اخباره إيه؟
نزل الطبيب بنظره للأسفل قائلاً:
-الحالة صعبة، إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا، ادعوله، هو مش محتاج غير الدعاء.
جحظت عيناه وهو يطالع الطبيب بصدمة، حتى اتجه يمسكه من تلابيبه.
-أخويا لازم يعيش سامعني، انتوا لازمتكوا إيه. حاول نوح التدخل.
-راكان اهدى، هو بيقول عملوا اللي عليهم، ممكن تهدى. هو فين؟
تسأل بها راكان. أجابه الطبيب في العناية المركزة.
بخطى متعثرة اندفع متجها يركض بعض الخطوات الملكومة بنيرانها، حتى وصل إلى العناية، وجده على الأجهزة. ظل ينظر إليه من خلال زجاج النافذة لبعض اللحظات وجسده يرتعش من حالته.
اتجه للممرضة: عايز أدخله. رفضت الممرضة المسؤولة عن العناية.
-ممنوع يافندم، هو مش حاسس بحاجة. دفعها راكان بغضب.
-قولتلك عايز أشوفه. دلف للداخل، ظلت تصرخ عليه. طيب لو سمحت ألبس الواقي.
تراجع لخطوتين مردتيا الخاص بالعناية. دلف إليه، وقف بجوار فراشه، وعيناه على جسده. ظللت العبرات مقلتيه، وأطلق شهقة بكاء قوية وهو يردف متسائلاً لنفسه.
-مين دا؟ فين سليم؟
جثى بركبتيه أمامه، يرفع يديه المرتعشة على وجهه الموصلة بالأجهزة.
"إيه اللي عمل فيك كدا ياحبيبي؟!" قالها بدموعه المنسدلة بقوة على خديه حتى منعت عنه الرؤية.
مسد على خصلاته يحادثه من بين بكائه.
"انت زعلان مني عشان مديت أيدي عليك؟ طيب قوم اكسرها ومش هقولك حاجة." وضع رأسه بالقرب من أذنيه.
"سليم متزعلش من اخوك، أخوك غبي وغلط. افتح عيونك وبلاش تكسرني كدا ياحبيبي."
لحظات بل دقائق وهو يحادثه ببكاء. ظل لفترة حتى وصلت الممرضة.
"كفاية لو سمحت، مينفعش كدا."
رفع نظره للممرضة وتسائل.
"هو المفروض يفوق إمتى؟"
نظرت الممرضة إليه بأسف وأجابته وهي تنظر لحالته.
"معرفش يافندم، كل اللي اعرفه أن حالته خطيرة ادعيله."
شعر بتحرك أصابع يديه. اقترب منه يبتسم.
"كنت عارف انك قوي وهتقوم. ياله ياسليم، متكسرش أخوك وافتح عينك حبيبي."
"ليلى" همس بها بصوتا متقطع.
وضع راكان اذنه بجوار فمه حتى يسمعه.
"ليلى، عايز ليلى."
قبّل جبينه وأردف.
"حاضر ياحبيبي، هجبهالك حالا."
خرج سريعا يمسك هاتفه.
عند يونس، ترجل من السيارة. وجد العديد من المكالمات التي لم يجب عليها بسبب عملياته.
"ياترى نوح بيتصل ليه دا كله؟ ربنا يستر."
رفع الهاتف لمهاتفته، ولكن قطع رنين هاتفه برقم راكان.
"ياااه دا أنا مهم يخليكم هتموتوا وتكلموني."
"اسمعني كويس وإياك تغلط، هتوقف على الباب الخارجي للقصر. ليلى هتيجي لعندك تجبها وتيجي عندي خلال عشر دقايق، سمعتني؟ أرجع على القصر مهما كان مكانك وتتصرف حالا."
"اتجننت ياراكان، عايز مرات أخوك ليه؟ انت ناوي تخطفها ولا إيه؟ شكلك اتجننت."
"يوننننس!" صرخ بها راكان. "قدامك عشر دقايق تكون عندي في مستشفى."
صدمة أصابت جسد يونس، فتصنم جسده متسائلا.
"مستشفى ليه؟ مين عيان؟ ابوها هيموت ولا إيه؟"
أغلق راكان واتجه يهاتف ليلى.
بغرفة ليلى، أكملت ارتداء ثيابها. متجهة لحقيبة صغيرة توضع بها ثيابها البسيطة. قاطعها رنين هاتفها.
ضيقت عيناها متسائلة.
"ودا عايز إيه؟ هو مفكر هرد عليه دا بيحلم."
وضعت الهاتف بالحقيبة ولم تجبه. صار يهاتفها عدة مرات متتالية وكأنها لم تستمع لرنين الهاتف.
زفرت بملل من صوت الهاتف. فاستمعت إليه مرة أخرى بعدما انقطع الرنين.
"نعم.. افندم؟ لسة ناوين تعملوا فيا إيه؟"
***
سحب نفسا وزفره حتى أفرغ شحنات ندمه وبأسه وتذكر كلماته التي اخترقت قلبه تعنفه على أهانتها وإيذائها.
حمحم ليجلي صوته.
"ليلى اسمعيني كويس، سيبي كل الخلفات اللي بينا، وتعالي مع يونس. سليم عمل حادثة وهو عايز يشوفك."
على الرغم انشطار قلبها من كلماته الحزينة، إلا أنها اردفت بقسوة.
"لا، إلعب غيرها انت واخوك. أنا مستنية ورقة طلاقي، سمعتني ياحضرة المستشار، غير كدا ياريت تنسى في يوم إنك قابلتني."
كانت أنفاسه المرتفعة تخترق اذنها، حتى قاومت بشدة. وأكملت ماهشم قلبه.
"راكان لو سمحت سبوني في حالي، عايزة أرجع نفسي اللي ضاعت من يوم ماعرفتكم."
صرخ بوجهها عندما فاض به الحال.
"عشر دقايق وتكوني هنا مع يونس، وبلاش شغل الستات دا، وشغل الكرامات دا. جوزك عمل حادثة يامدام."
أغلقت الهاتف بوجهه وصاحت بصراخ.
"كداب، واحد كداب! إزاي سليم عمل حادثة؟ وعمو أسعد نايم تحت وماما زينب؟ دا بيشتغلني! وحياة ربنا لأدوس عليكم كلكم."
وضعت يديها على أحشائها.
"متخافش ياحبيبي، هعرف اربيك في بيئة نضيفة عن القذارة دي."
سحبت حقيبتها وأمسكتها متجهة للخارج.
هبطت. كانت زينب تجلس بغرفة المعيشة. توقفت عندما وجدتها. انسدلت دموعها وأردفت بصوت حنون.
"ليلى، روحي ارتاحي يومين ياحبيبتي، يومين وتعالي. بلاش تخلي الشيطان يفرح فيكم ياحبيبتي."
دنت بخطوة من زينب وامسكت كفيها.
"عايزة أقولك حاجة ياطنط زينب، أنا بحبك قوي. بجد لو حزنت في البيت دا، هحزن على فراقك بس مش أكتر."
جذبتها زينب لأحضانها تربت على ظهرها.
"لا مفيش فراق ولا حاجة. هتروحي ترتاحي شوية، ومتخافيش هربيلك سليم، بس عايزاكي تتأكدي انه مظلوم. سليم مش بتاع كدا."
تذكرت حديث راكان فأردفت.
"طيب ممكن أطلب منك طلب؟"
أومأت زينب برأسها وتحدثت.
"قولي ياحبيبتي."
حمحمت ليلى قائلة.
"اتصلي بسليم وعرفيه، عشان ميرجعش يلومني."
أمسكت هاتفها سريعا لمهاتفته. ظل الهاتف يرن بيد راكان الذي جلس بجوار نوح بجسدهاوي، لا يشعر إلا بإختناق أنفاسه.
بسط يديه إلى نوح بالهاتف.
"رد على ماما، قولها نوح راكب الحصان وبعيد عني. مش عايزها تعرف دلوقتي لما اطمن عليه. دي ممكن تروح فيها."
أومأ نوح برأسه ساحبا الهاتف.
"طنط زينب حبيبتي."
نظرت زينب إلى ليلى مبتسمة.
"عامل إيه ياحبيبي؟ ينفع تيجي وتمشي من غير ماأشوفك؟"
نهض نوح مبتعدا عن راكان الذي جلس مغمض عيناه من قسوة الألم الذي يشعر به بصدره.
"اكيد عايزة سليم مش كدا؟" أجابته زينب.
"أيوة ياحبيبي، ياريت أكلمه. قول له مامتك عايزاك ضروري."
وقف نوح ساكننا للحظات يفكر بحديث راكان فأجابها سريعا ورغم سرعة حديثه إلا أن الحروف خرجت ثقيلة عندما اردف.
"سليم بعيد عني ياطنط، راكب الحصان هو وراكان. لما يرجعوا هخليهم يكلموك."
هزت رأسها بتفهم قائلة.
"طيب يا حبيبي، خليهم يكلموني ضروري، وخصوصا سليم، قلقانة عليه من وقت ماخرج بحالته دي، وقلبي وجعني."
هنا انذلقت دمعة من جفنيه وهو يطالع راكان الذي مازال على حالته، فأجابها.
"اكيد ياطنط زينب، وقت مايوصل هخليه يكلمك. ممكن تدعي له كتير، شكله حزين ومضايق قوي ادعيله ياطنط زينب، محتاج لدعواتك كتيير."
"ربنا يسعد قلبه ياحبيبي، بدعيله يانوح، وهروح أصلي وادعيله كمان هو وراكان."
أغلقت الهاتف تنظر لليلى المنتظرة حديثها على نيران ملتهبة خاصة عندما ذكرت دعوتها.
أمسكت كفيها تطالعها بنظراتها المستفهمة دون حديث. ورغم ماتشعر به زينب من إختناق صدرها إلا أنها ابتسمت لها تربت على يديها التي احتضتنت يد زينب قائلة.
"هو مع راكان في مزرعة نوح، راكبين الأحصنة، وطبعا بيكونوا مجانين زي العيال الصغيرة، بيجروا في المزرعة. لما يجي هخليه يكلمك، وهفهمه كل حاجة."
هزت رأسها رافضة وتحركت بعض الخطوات تبحث عن سيلين.
"لا خلاص، حبيت أعمل كل حاجة عشان مطلعش وحشة، وشوفي سابني وراح يعمل إيه. أنا كنت همشي. ممكن تنادي لسلين لو سمحت."
جلست على المقعد.
"سيلين مستنياكي برة."
تحركت للخارج تبحث عن سيلين التي كانت تقف تنتظرها بجوار سيارتها حزينة على ما صار لأخيها. وصلت ليلى واستقلت بجوارها وهي تهمس لنفسها.
"واحد كذاب، معرفش الراجل دا إيه؟ حياته كلها كذب وخداع ومقرفة."
وصلت ليلى بعد قليل لمنزل والدها. دلفت للداخل بعدما فتحت درة الباب ووجدها بحقيبتها بصحبة سيلين. وصلت والدتها إليها.
"إيه دا يابنتي، إيه اللي معاكي دا؟"
دققت النظر بعيناها. دنت مقتربة.
"ليلى، مالك انت؟ معيطة ولا إيه؟!"
هزت رأسها بالنفي وتحركت للداخل، وهي تحاول الأ تبكي أمام والدتها.
"إيه ياماما مش عايزة بنتك ولا إيه؟ جاية اقعد شوية عندكم، ولا معدش ليا مكان في البيت؟"
سحبتها والدتها وهي لم تقتنع بكلماتها. جلست وأجلستها تنظر إلى سيلين.
"اقعدي حبيبتي واقفة ليه."
استمعت سيلين لهاتفها فتحركت معتذرة.
"أنا مش قولتلك ما تتصلش بيا تاني!!"
مسك يونس هاتفه بأصابع مرتعشة وأعطى الهاتف إلى راكان الذي حاول لملمت شتات نفسه.
"سيلي حبيبتي إنت فين ومعاك ليلى؟!"
أجابته سيلين بنبرة يشوبها الحزن.
"أيوة ياآبيه، ماما قالتلي اوصلها لبيت باباها، فيه حاجة."
اشتعل نيران الغضب لدرجة جعلته يتوعد إليها، بعدما أخبره يونس أنها خرجت بصحبة سيلين.
"تمام حبيبتي ارجعي على البيت حالا، لما توصلي كلميني هطلب منك حاجة من هناك."
استمع لحركات الأطباء تتجه بحركات سريعة نحو العناية التي يوجد بها سليم.
تحركوا سريعا متجهين للعناية. توقفوا أمام النافذة والأطباء يحاولون انعاش قلبه.
جف حلقه ورجفة أصابت جسده، وعيناه على نبضات قلبه الذي توقفت يهمس.
"ياله ياسليم، ياله حبيبي اتمسك بالدنيا عشان ابنك."
لحظات عدت كسنوات عليه.
رفع يديه على الزجاج وكأنه يلمسه وعيناه تحجرت بالدموع. لأول مرة يشعر بتوقف قلبه لما رآه من حالة أخيه. عاد تنفسه عندما عادت نبضات أخيه.
خرج الطبيب. أسرع إليه راكان.
"إيه اللي حصل؟ ليه قلبه وقف؟"
وزع الطبيب نظراته بينهم قائلا.
"أنا فهمتكم الوضع حالته خطيرة."
اتجه راكان بنظراته إلى نوح وأردف.
"كلم باباك يجهز لسليم غرفة في المستشفى بسرعة، لازم انقله من هنا. أنا مش كل شوية هموت من الخوف عليه."
توقف الطبيب أمامهم يحذره من نقله.
"اللي بتعمله غلط، مش عايز اقولك أخوك يعتبر ميت."
أظلمت عين راكان بشكل مخيف، وأطبق على عنقه قائلا.
"حياتك قصاد حياته سمعتني."
جذبه يونس بقوة وصاح بغضب.
"راكان اتجننت! أبعد عنه هتموته."
استدار يونس إلى الطبيب.
"إحنا هنجيب دكاترة تانية، اعذرنا دا مش تقليل منكم ابدًا بس دول دول دكاترة العيلة، فياريت تقدر الحالة اللي احنا فيها."
هز الطبيب رأسه ولكنه قبل تحركه اردف.
"معنديش مشكلة، لكن ممنوع خروجه بالحالة دي."
أعاد راكان خصلاته للخلف محاولا السيطرة على نفسه. زفر الهواء الذي أصبح كنيران تلتهم جوفه.
"اتصل باسما يانوح خليها تجبلي بنت خالتك، لازم تكون هنا، أنا معرفش إيه اللي هيحصل."
أجابه نوح بحزن.
"أسما مش هنا ياراكان، أسما عند والدتها بالجيزة. أنا هروح اجيبها."
أومأ برأسه في وصول حمزة الذي وقف يوزع نظراته بينهم.
"سليم ماله؟ وإيه اللي حصل؟"
تحرك راكان إلى غرفة العناية مرة أخرى، بينما جلس يونس وحمزة بالخارج. ذهب نوح لليلى.
دلف للداخل يجلس بجواره، يمسد على خصلاته.
- سليم حبيبي، كدا تخضني عليك. ياله قوم، بلاش تموت امك ياسليم.
وضع رأسه بجانب رأس أخيه، وشهقة ملتاعة بالألم خرجت بأنفاسه الحارة:
- مبقاش لماما غيرك ياسليم، عايز تموتها بحسرتها. مهما كان أنا وسيلين مش ولادها، ياله حبيبي لو بتحب ماما افتح عيونك وأرجع.
دقائق مرت عليه وهو يحادثه، حتى شعر كصخرة منعت تنفسه حينما وجده على حالته كجثة هامدة. رفع كفيه يحتضن كف أخيه.
- ماهو إنت لازم تقوم، مش هسيبك تستسلم كدا. لازم تفوق عشان ابنك وأمك.
استمع إلى همسه.
- ليلى.
كررها عدة مرات. أطبق راكان على جفنيه بقوة حتى شعر بإحتراق عبراته.
- راكان.
أردف بها سليم بتقطع. دني منه.
- بلاش تتعب نفسك حبيبي، ليلى في الطريق.
حاول رفع يديه ليمسك يد راكان وهمس بصوتا يكاد يسمع.
- خلي ليلى تسامحني، أنا مخنتها. أنا بحبها.
تقاطعت أنفاسه وارتفع صوت الأجهزة.
دنى راكان منه:
- حبيبي متتكلمش، ليلى دلوقتي هتيجي.
انسدلت عبرة بجانب جفنيه وأكمل.
- مش هتيجي، ليلى مش هتسامحني. ابني ياراكان، أبني وصيتك، مفيش حد هيحميه زيك.
انسدلت دموعه كالشلال وهو يستمع لحديث أخيه فأردف بصوت مفعم بالبكاء.
- سليم اسكت، انت هتقوم وتربي ابنك، لازم تقوم سمعتني. سليم لو بتحبني قاوم عشان مراتك.
أغمض عيناه وهو يهمس بصوته المتقطع.
- ليلى ياراكان.
هنا استمع لصوت بانذار توقف الأجهزة وتوقف النبض نهائيا.
جحظت أعين راكان عندما انزلقت يدي أخيه من يديه، وانسدلت العبرات بقوة. وتوقف نبضه. أسرع الأطباء إلى الغرفة. بوقوف حمزة ويونس الذي شعر وكأن الأرض تميد به عندما حاول الأطباء لفترة لأنعاش قلبه ولكن لقد انتهت حياتك يا إنسان. ولم يتبقى سوى المرحوم فلان ابن فلان.
وصل حمزة إلى راكان الذي وقف ونظراته مصوبة تخترق أخيه وهو يهز رأسه رافضا عندما تملك الرعب من قلبه بما يصير. ارتجفت أوصاله من الذعر من هيئة الطبيب وهو يهز رأسه.
- آسف البقاء لله، ربنا يصبركم.
تجمد بوقوفه وتثلجت أوصاله حينما شعر بالبرودة تجتاح جسده بالكامل. حاول حمزة سحبه للخارج ولكن كأن ساقيه تصنمت وجسده شل بالكامل. اتجه بنظره إلى حمزة وإلى يونس مرة وهو يبتسم من بين دموعه.
- سامعين الدكتور بيقول ايه؟ حد يقوله هو اتجنن ولا إيه. قوله يايونس سليم عايش بس هو اللي غبي ومش عارف يصحيه.
تنقل بخطواته حتى وصل إلى فراش أخيه ونزع عنه جهاز التنفس، وبعض الأبر المغروزة به والأجهزة الموصلة به، ورفعه بين أحضانه ينظر لملامح وجهه التي كادت أن تختفي بسبب الحادث الذي تعرض له.
اتجه بنظره إلى يونس وأردف كالذي فقد عقله.
- تعالى شيل ابن عمك معايا، لازم نخرج من هنا.
توقف الطبيب يمنعه عما يفعله. نظر حمزة للطبيب يسحبه.
- سيبه لو سمحت، هو مصدوم، شوية وهيفوق.
ثم نظر إلى راكان الذي بدأ يتحرك خطوة وهو يحمل أخيه.
- أنا هأكدلكم انه غبي، مستحيل أسيبه هنا ولا لحظة.
وقف حمزة أمامه وحاول جذب سليم من بين يديه وحضنه.
- راكان، مينفعش كدا، فين إيمانك بربنا، كل نفس ذائقة الموت.
رفع نظره إلى حمزة ورمقه بنظرات نارية. كانت عيناه لهيب من اللون الأحمر من كثرة بكائه.
- بقولك أبعد عني، أخويا عايش، وهاكدلكم دا.
نزل ببصره لأخيه ودموعه تفترش خديه.
- كدا ياسليم، كدا تسيب الأغبياء دول يشمتوا في راكان البنداري، ويقوله عليا غبي.
ضمه كطفل رضيع وشهقات مرتفعة منه.
- مش مهم، أنا غبي، هم عندهم حق، راضي بكل اللي يقوله، المهم تفتح عيونك.
جثى بركبيته على الأرض أمام الجميع وهو ينهار وصوت بكائه شق المكان، يضم أخيه عندما تسربت برودته ليديه، ويصيح بأسمه.
- سلييييييم.
صرخ بها راكان حتى اهتزت جدران المشفى. وقفت ليلى بجوار نوح على باب الغرفة، وهي تهز رأسها رافضة ماتراه عيناها. دلفت بخطوات مهزوزة وعيناها المحجرة بالدموع. وصلت حيث جلوس راكان وضمه لأخيه بمشهد يبكي العدو قبل الصديق.
جلس يونس بجواره يربت على ظهره.
- راكان، سيب سليم ياراكان، هو خلاص عند ربنا، بلاش تعذبه ياحبيبي، ياله خليهم ياخدوه، ينفع تكون ضعيف كدا، سبت إيه لطنط زينب، انت دلوقتي قوتها.
وضع كفيه على فم يونس.
- اسكت يايونس، متقولش كدا، ماما ممكن تموت فيها.
أطبق على جفنيه يعتصرها، ورغم عنه صدرت منه شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماق قلبه المحترقة على أخيه.
حاوطه أصدقائه وهو يضع رأسه فوق راس أخيه ويردف.
- أنا مش هسيبك ياحبيبي، هسيبك وأروح اقول لماما إيه، هسيبك وأروح اقول لماما إيه، اقولها ابنك التالت مات، لا محدش هياخدك مننا، لا محدش يقولي انك مت.
ظل يردف بكلماته الهسترية كالمجنون. كانت تقف على بعد خطوتين منهما لم تقو على الحركة. انظارها على الجاثي الذي يحمل أخيه بأحضانه ويبكي بهستريا. تمنت حينها لو تصرخ من أعماق قلبها صرخة لتزهق روحها مما رأته.
أيعقل ماحدث؟ لقد ذهب زوجها عن دنياه وهو حزين. هل يعقل أنها لن تراه مرة أخرى.
لم تلمسه، وضعت كفيها على أحشائها وانسدلت عبراتها تحرق وجنتيها.
- ابني هيجي الدنيا من غير أب.
آهة خفيضة خرجت من جوفها بنيران تكويه. تحركت كجسدا بلا روح إلى أن وصلت إليهم. نهض يونس عندما رآها.
جثت بركبتيها بجوار راكان. هنا انهارت قواها وشهقات مرتفعة ببكائها وهي تردف.
- سليم أنا جيت.
بسطت يديها إليه تمسد على خصلاته وهمست من بين بكائها.
- سليم ماتعملش فيا كدا، قوم حبيبي، قوم أنا مش زعلانة.
اتجهت بنظرها إلى راكان.
- راكان سليم ماله، وشايله كدا ليه، وليه جسمه عامل كدا.
قالتها بشهقات مرتفعة. هنا افاق راكان، يمسح دموعه بجانب كفيه، يرمقها بنظرات جحيمية، قائلا بصوت كفحيح أفعى.
- خدوا البت دي من قدامي.
صدمة عنيفة أصابتها وهي تهز رأسها وعبراتها تتجمع بعينها.
- راكان متعملش كدا لو سمحت، أنا مكنتش أعرف.
لم تتحرك عضله من وجهه واستمر على نفس وضعه. أمسكت كتفه.
- راكان.
صرخ بصوت جهوري غاضب.
- قولت خدوها من قدامي، مش عايز أشوف وشها قدامي.
اقترب نوح يجذب ليلى عندما وجد تحول راكان للجنون.
- ليلى قومي معايا حبيبتي.. تعالي.
هزت رأسها رافضة حديثه.
- عايزة أشوف جوزي يانوح، هو سليم عامل كدا ليه، اوعي تقولي انه.
قالتها وهي تضع كفيها على فمها تبكي بصوت مرتفع.
جذبها راكان من ذراعها بقوة واشتعلت نظراته بشكل مخيف غارزًا أظافره في لحمها يتعمد إيلامها ثم هدر بصوت كاد أن يخترق أذنيها.
- وحياة أخويا اللي موتيه بحصرته لأنتقم منك، وأعرفك إزاي تعاندي.
قالها ثم دفعها بقوة حتى سقت بجلستها. أسرع نوح إليها يضمها لأحضانه يربت على ظهرها، يهز رأسه بغضب إلى راكان.
- أنا مراعي حالتك مش أكتر.
قالها نوح وهو يساعد ليلى في النهوض.
- تعالي حبيبتي، تعالي ارتاحي، جوزك في ذمة الله دلوقتي، ادعيله بالرحمة.
وضعت رأسها بأحضانه وهي تبكي بنشيج وشهقات مرتفعة.
- متقولش كدا يانوح، قولي دا مقلب عشان اسامحه، والله انا مسمحها، خليه يفتح عيونه يانوح، محدش يقولي ان ابني هيجي مالوش أب.
هنا رفع نظره إليها بعدما أخذوا سليم من بين يديه بمساعدة حمزة ويونس. نظر إلى بطنها وكلمات أخيه.
- راكان ابني، حافظ عليه.
نصب عوده ونهض يجذبها من أحضان نوح متحركا بها للخارج. حاول حمزة إيقافه.
- راكان هتعمل ايه، متبقاش مجنون اهدى.
كانت تتحرك بجواره كإنسانة آلية فقط، نظراتها للخلف تنظر إليهم وهم يقومون بتغطية وجهه.
صرخت بصوت مرتفع وهي تنزع يديها من راكان وهرولت إليه تبكي وتضع كفيها على فمها تمنع شهقاتها. وصلت تجذب الغطاء من فوقه وبكت بكاء مرير.
- سليم متسبنيش ياسليم، قوم ياسليم عشان خاطري.
بدأت تهز جسده بهستريا.
- بقولك قوم مين هيربي ابنك، سمعتني بقولك ابنك ياسلييييم.
جذبها نوح محاولا السيطرة عليها، وهو ينظر للممرضة بإنهاء عملها. ضمها وخرج بها حيث وقوف راكان الذي نظراته على وجه أخيه الذي أصبح أمامه ماهو إلا جثة هامدة بعدما قاموا بتغطيته بالكامل. هرول للخارج يحبس أنفاسه داخل صدره ضاغطا على كل عصب في جسده حتى لا ينهار كليا قبل إخبار والده ووالدته.
خرج يونس خلفه سريعا، بينما جلس نوح يضم ليلى التي انهارت كاملا، وصوت بكاء يقطع نياط القلوب، حتى خارت قواها وفقدت وعيها.
خرج بخطوات أقرب للركض، ورغم أنها خطوات سريعة إلا أنها متخبطة من يراه يقسم أنه أصابه مس. أنفاسه تتصارع داخل صدره، دمعاته تلاحق بعضها واحدة تلو الأخرى، يبكي في صمت، وهو يتخيل حالة والدته.
استقل يونس السيارة بجواره يقودها إلى منزلهما. جلس ينظر من الشرفة، وعيناه تائه كطفل فقد والده. دموع كزخات المطر، ليتها كذلك حتى تغسل ذنوبه. أغمض عيناه يدعو ربه بقلبه.
" يارب صبر امي على ماسيؤذي قلبها، رحمتك بعبدك"
توقف يونس حينما وصلوا أمام القصر. نظر إلى القصر بمقلتين جاحظيتن وتحدث.
- إحنا وصلنا بسرعة كدا ليه.
ربت يونس على ظهره قائلا:
- راكان لازم تقوى، الجاي صعب، بلاش ضعفك دا.
انتحب بحرقة خرجت من بين أعماقه المحروقة.
- بتطلب مني أقوى، أقوى إزاي يايونس وانا هدفن أخويا، أخويا بدل يستنى ابنه، هدفنه بالتراب.
اتجه بنظره ليونس.
- الألم صعب قوي يايونس، أنا مش قادر أواجه امي، هروح أقولها تعالي ودعي ابنك التالت وادفنيه واترحمي عليه، الست دي الله يكون في عونها دا لو فضلت سليمة.
ترجل مترنحا بأعين مغمضة مصعوقا بما صار له. توقف للحظات ينظر إلى يونس الذي ربت على ظهره يحثه بالدخول. وضع كفيه على صدره فكأن حجرا ثقيلا أصاب صدره ونزف قلبه. خطى للداخل قابلته سيلين وهي تخرج من باب القصر. توقفت تنظر إلى حالته، ثم نظرت إلى يونس متسائلة.
- مالكم!!
فيه إيه وسليم فين؟
بأنفاس مرتجفة ولسان تجمدت فوقه الكلمات، جذبها يونس للخارج.
- تعالي معايا ياسيلي، فيه موضوع هنتكلم فيه ضروري.
رفعت نظرها إلى راكان تمسك كفيه.
- آبيه راكان مالك، إيديك بترتعش كدا ليه؟
توجه ليونس حتى يخرج بها.
جذبها يونس بروح محترقة وقلب يتمزق ألمًا.
- تعالي حبيبتي لازم نتكلم.
بخطوات ظاهرها ثابت ولكنها متعثرة، وحجر ثقيلا يطبق على صدره كمن يساق لمنصة الإعدام ويذهب للجحيم، صعد للأعلى.
وصل لغرفة والدته.
سكن أمام باب غرفتها برهة يمسح عبرة غائرة احرقت وجنتيه بل احرقت جدران قلبه كذلك.
دلف يخطو وكأنه يذهب لجحيم جهنم.
وجدها تجلس بيديها مصحفها.
وقف يتأمل وجهها المبهج لقرائتها القرآن.
ببؤس مزق المتبقى من روحه المحترقة لأشلاء، خطى حتى وقف أمامها.
رفعت نظرها بإبتسامة.
- تعالي ياحبيبي واقف كدا ليه؟ الحمدلله طمنتني عليك يابني، كدا دايمًا وجعلي قلبي عليك ياراكان.
كانت نظراته تهرب من نظراتها المحاصرة به.
"راكان" أردفت بها زينب.
رفع عيناه المتورمة الحمراء وجلس تحت أقدامها متهدل الكتفين بحزن وألم لم يشهده روحه من قبل.
وضع رأسه على ساقيها وانسدلت عبراته وهي تمسد على خصلاته.
- فيك إيه ياضي عني؟ زعلان على سليم؟ أنا كمان زعلانة عليه قوي.
بكى بنشيج مرير وارتجفت أوصاله.
كيف له يمزق قلبها؟ كيف له أن يخبرها بما حطمه وأشعره باليتم؟
كيف اخبرك ياأمي أن روحي انتزعت مني؟ ليتني أنا وليس هو، ليتني أنا حتى لأرى قهرك على فلذة كبدك. ليتني أنا ياأمي حتى لا أرى ولا أشعر بما سيحدث لكي.
من الذي قال أن الحزن للمفقود؟ بل الحزن لفارقه، الحزن ثم الحزن لقلبا توقف نبضه عن الحياة عندما فقدت الروح ملجأها.
راكان.
قالتها بلسان مرتجف وقلبا بالضلوع يتمزق عندما وجدت حالته تلك.
- مالك ياحبيبي...
آهة حارقة خرجت بعلقم مايشعر به الآن.
قائلا"اللهم لا إعتراض".
رجعت للخلف بجسدها ثم رفعت وجهه تحتضنه بين كفيها.
- إيه اللي حصل؟ والدك كويس؟ اه هو لسة مكلمني وقالي عنده اجتماع مهم.
جحظت عيناها فجأة ثم دققت النظر إليه.
- س.. س.. سليم فين؟ بتصل بيه مبيردش.
اكتسى الحزن ملامحه وبكائه المرتفع الذي أيقنت من خلاله أن هناك مكروه أصاب إبنها.
نهضت واقفة تتأمل شحوب ملامحه.
ووصول أسعد الذي يقف على باب الغرفة مناديًا.
- راكان فين أخوك؟ إيه اللي حصل؟ فين سليم؟ حادثة إيه اللي يونس بيقول عليها؟
صرخة شقت الصدور من سيلين وهي تصيح بصرخاتها بأسم سليم.
ذهلت زينب وهي تهز رأسها نافيه ماتسمعه.
تجمعت العائلة بالكامل بعدما استمعوا لصيحات سيلين.
وزعت زينب نظراتها بينهم جميعًا حتى توقفت بنظراتها على راكان.
ودموعه التي لم تتوقف، عيناه المتورمة من البكاء وملامحه الشاحبة.
هوت جالسة وهي تقول.
- قصدكم سليم مات؟ يعني ابني راح لأخواته؟
ضمها أسعد وهو يردف بصوته المتقطع.
- اللهم لاإعتراض، إن لله وإن إليه راجعون.
هزة عنيفة أصابت قلبها من كلمات أسعد البسيطة.
صمتت عن الحديث وهي تنظر في نقطة وهمية.
تقاوم صرخة عبأت صدرها لكنها كتمتها وتابعت بصوتها الذي حاولت أن يكون طبيعيا.
- وديني لأبني ياأسعد، عايزة أودع ابني ياأسعد، عايزة أشوف أخوك قبل ماتدفونه ياراكان.
هز رأسه وهو يضمها ويقبل رأسها.
- أنا آسف ياأمي، آسف ياحبيبة قلبي، ياريتني كنت أنا عشان مشفش كسرتك دي.
رمقته بنظرة نارية وأردفت.
- ربنا يخليك لشبابك ياحبيبي، انت إيه وهو ايه، الوجع واحد، وابني ربنا بعتهولي هدية، وجه الوقت اللي ياخد هديته، أنا راضية بقضاء.
اللهم لا اعتراض.. اللهم لا إعتراض.
رغم كلماتها إلا أن قلبها مشطور، وجسدها متألم من الحزن.
تحرك الجميع إلى المشفى.
زينب التي أصبحت جسدا بلا روح، ورعشة قلبها الحزين على فلذة كبدها.
ترجلت بخطوات مرتعشة وهي تخطو بين حشود الصحفيين الذين يقفون بالخارج ليعرفون ماذا أصاب رجل الأعمال سليم البنداري.
وصلت حيث غرفته، يحاوطها راكان بين ذراعيه.
واسعد الذي يضمه خالد أخيه وهو يتمتم إبني، انت فين يابني.
دلفت للغرفة التي يوضع بها سليم.
كان نوح وحمزة بالخارج مع الطبيب الذي أوصى به راكان لفحص أخيه.
دلفت بساقين تكاد تحملناها.
صرخة بآهة عالية خرجت من جوف حسرتها يتبعها نحيبها الذي بدأ يعلو لأول مرة في الأرجاء.
- يا حبيبي يابني، يا حبيبي ياسليم، كدا ياحبيبي هانت عليك امك، كدا عايز تسيب امك ياسليم.
آآه يابني، صرخت بها زينب عندما فقدت السيطرة وجثت بجانب فراشه.
رفعت الغطاء على وجه وصرخاتها صمت الآذان وهي تضمه بكفيها المرتعش.
نزلت تطبع قبلة على جبينه.
سلامتك من الموت يانور عيني، بدل ماتدفني ادفنك ياحبيبي.
"اللهم ما اعتراضي، الصبر من عندك يارب".
قالتها زينب عندما شعرت بضعف جسدها.
وسقطت كمن تلقى ضربة موجعة مغشيًا عليها.
بعد عدة ساعات توقف الجميع أمام المقابر.
بيتك الأخير أيها الفاني.
فياإنسان يامن كنت تجري هنا وهناك تمشي على الأرض او تسبح في الماء او تركب الفلك، أو تطير في الهواء.
ولك من المال والأولاد والزوجة الحسناء، سيأتيك في يوم من الأيام لهذا المكان.
لا ملك يفر ولا انسان.
نعم أحبتي في الله الموت أعظم المصائب التي تحل بالإنسان وقد سماه الله في كتابه مصيبة.
"فأصابتكم مصيبة الموت".
وهاهنا نجد فقيد الشباب، يقف حوله الاهل والأحبة ينظرون لتلك الجثة الذي يقومون عليها بالدعاء.
هل هذا الذي ملأ الدنيا ضجيج وصراخ؟ أهذا الذي منذ قليل كان يتحرك هنا وهناك؟
أين هو الآن؟ هو الآن أصبح جثة هامدة بها لقد تقلصت الشفتان وشخصت العينين وبردت القدمان وتوقف اللسان.
وتحرك الأهل والأحباب ولم يكن سوى عملك.
فاللهم ارزقنا حسن الخاتمة.
نزل نوح إلى قبره لتلقيه لمثواه الأخير عندما انهار راكان كاملا فلم يعد له القدرة على الحركة او الكلام بعدما أصيب والديه بجلطة اودتهم لحجزهم بالمشفى.
كانت تقف بعيدا وعبراتها تنسدل بقوة على خديها بجوار اختها تبكي وتردف..
أنا السبب انا اللي قتلته، ربنا ينتقم منكم.
قالتها سلمى بنحيب.
طالب الشيخ بمسامحة الفقيد.
رفع راكان نظره إلى ليلى التي تمكث بأحضان والدتها واختها وتبكي بصمت.
أتجه إليها أمام الجميع بعدما أنهى الشيخ الدعاء.
وسحبها من كفيها حتى وصل إلى جثة أخيه.
- سامحيه، مش عايز اكتر من إنك تسامحيه، عشان يرتاح.
كان الجميع ينصت حتى يسمعوا حديثه.
ولكنه كان صوته منخفض من كثرة آلامه.
ضغطت على كفيه حينما فقدت الكلام.
شعرت بالدوران يجتاحها وهمست له.
- مسامحه ياراكان.
قالتها وغمامة سوداء تسيطر عليها.
فهوت ساقطة بين ذراع نوح الذي تحرك خلفهما ووقف على بعدا من خطوة.
كان ينظر إليها ولم يرف له جفن.
حملها نوح وأسرعت والدتها ووالدها عليها.
متجهين لسيارتهما.
بعد فترة انتهى دفن الفقيد.
وقف أمام قبره ينظر بجمود.
كجمود عيناه التي توقفت عن البكاء.
فلقد رحل أخيه، والظلام حاوطه من أعدائه.
والضربات تهاوت لقلبه.
وكأن القدر يصفعه دون رحمة.
كان يقف بنظارته السوداء التي غطت حزن عيناه.
ولكن كيف للعين ان تحزن دون حزن القلب؟
فالقلب أصبح دامي.
- هتفضل واقف كتير هنا؟
قالها حمزة الذي يقف خلفه.
ظل ينظر لقبر أخيه.
- عايزك ورا قاسم الشربيني متسبهوش غير وهو على حبل المشنقة.
اقترب حمزة قاطبًا حاجبه.
- عمل إيه تاني؟
ظل كما هو ولم يجيب. ثم استدار متحركاً بشخص آخر إلى أن وصل لسيارته.
- الحادثة مدبرة، وسليم كان بيتعاطى حاجة، هو اللي عمل فيه كدا. عايزك انت وجاسر تجبهولي من غير غلطة.
قالها واستقل سيارته بطريقه للمشفى.
بعد مرور أسبوعين، دلفت ليلى إليه المكتب بساقين هاوية، بملامح مرتجفة وعينين تهتزان من ثقل العبرات، وقلب فتته الوجع. اتجهت تقف أمامه. كان جالساً مغمض العينين، شاحب الوجه. رسمت ملامحه بوجع. رغم ما فعله بها في تلك الأيام المنصرمة إلا أنها أشفقت عليه كثيراً.
تمتمت بصوت متقطع:
- "راكان" ممكن نتكلم شوية.
فتح عيناه التي تشبه قرص الشمس ولكنها يغشاها الحزن والوجع. اعتدل جالساً ولم يجيبها. جلست بمقابلته تفرك يديها. ثم رفعت عيناها إليه. كان ينظر في اللاشيء. انزلقت دمعة غائرة من طرف عيناها.
- عايزة أقولك أنا ماليش دعوة باللي حصل لسليم. اللي عملته كان رد فعل على اللي حصل.
رفع عيناه إليها وبداخله نيران تغلي وتحرق أوردته التي ثارت عليه بالحال من وجودها. استند بظهره للمقعد وتحدث بهدوء رغم نيرانه التي تحرق دواخله:
- سليم الله يرحمه يامدام. حقه وهعرف اخده منك ومن غيرك. جاية بعد إيه تكلميني؟ بعد مامات وشبع موت. عايزة تعرفي مين السبب في موته...
أشار بيديه عليها وعلى نفسه:
- أنا وانت. أنا اللي موثقتش في أخويا، ومقدرش أحافظ عليه. وانت وغرورك لما حاول يفهمك إنه مظلوم.
صاح بصوته على أحد العاملين:
- روحي هاتيلي فرح، وابعتيلي كاترين ونعيمة.
تحركت العاملة من أمامه بعدما ردت بطاعة:
- حاضر ياباشا.
بعد قليل وصلت فرح، بملامح شاحبة، وجسداً ينتفض رعباً. وقفت أمامه:
- بعتيلي ياآبيه.
نهض يضع يديه بجيب بنطاله واتجه إليها:
- جواز سفرك جاهز. بالليل ما ألمحش خلقتك دي هنا. وحياة ربنا يافرح أنا اللي حاشني عنك وخليتك عايشة لحد دلوقتي أمي ليس إلا. هتتغابي وتعملي حوارت هتكون بموتك.
تراجع خطوة يشير على نفسه قائلاً:
- اللي واقف قدامك دا بايع الدنيا واللي فيها. يعني مفيش حاجة هخسرها لسة. بس اللي مخليني واقف بعقلي امي وسيلين، فخليني بعقلي. ودلوقتي قبل ماتمشي أحكي للمدام إيه اللي حصل في الليلة إياها.
هزت رأسها بالرفض:
- أبيه راكان أنا ماليش دعوة. هم اللي قالولي لو بتحبي سليم لازم تعملي كدا عشان يرضى بالأمر الواقع ويتجوزك.
أشعلت كلماتها جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه التي احترقت بإحمرار داكن وملامحه التي اكفهرت فدبت الرعب لقلب فرح. دنا يجذبها من خصلاتها:
- متقوليش حاجة أنا عارفها ياحيوانة. أنا عايز اللي يخص المدام. سليم عمل إيه معاك.
وقفت ليلى تخلصها من يديه:
- راكان سيب شعرها حرام بتوجعها.
اتجه بنظره إليها ورمقها بنظرة نارية:
- اخرصي. مش عايز أسمع صوتك. دورك جاي.
دنا يهمس لفرح بهسيس مرعب:
- قولي ياحقيرة إزاي سليم لمسك.
قالها ثم دفعها بعيداً عنه، كأنها عدوى. وقفت خلف ليلى تتحامى فيها عندما وجدت لهجته المرعبة ونيرانه التي تظهر على ملامحه.
- سليم كان واخد منشط ومش حاسس بحاجة. كان مفكرني إنت. كل كلامه ليا في الليلة دي بإسمك. هو مكنش حاسس بحاجة.
ذهلت ليلى من حديثها غير مستوعبة. فهمست "منشط" قالتها بتقطع. يعني إيه.
أشار راكان على الباب:
- ثانية واحدة لو شوفتك قدامي هموتك. برة. ومش عايز اشوفك في البيت دا تاني. واعملي حسابك لو جيتي وقولت أنا حامل هدمنك. قسمًا عظيمًا هدمنك. غورررري.
دلفت العاملة نعيمة وكاترين. توقفا أمامه وجسدهم يرتعش من الرعب عندما وجدوه بتلك الهيئة المرعبة. أشار لنعيمة، وحاول السيطرة على نفسه:
- تعالي يانعيمة. اقعدي.
خطت بخطواتها المهزوزة ووقفت بجوار ليلى:
- احكي اللي قولتيه من يومين.
اتجهت بنظرها لليلى ثم رجعت إليه، فأردف بغضب:
- قولت احكي. مبتسمعيش.
فركت يديها وبدأت تقص:
- قبل سفر المرحوم بكام يوم، كاترين كانت دايمًا تعمل قهوة الباشمهندس وتقولي أنا بحب اعمل قهوته. ماخدتش الموضوع على خوانة. قولت يمكن بتحترمه وبتحب تعمله حاجاته. لحد مارجع من السفر. أنا كنت بعمله قهوته. لقيتها جت بسرعة وقالتلي سيبي القهوة يانعيمة. أنا هعملها وروحي اعملي كوباية حليب للمدام. وفعلاً اتحركت على أساس كدا. اليوم دا بعد فترة كنت طالعة لفوق. قابلني الباشمهندس وكان فيه دموع بعيونه. أنا فكرت انه مضايق. أو مخنوق. المهم عديت الموضوع. بعدها بشوية سمعت المدام بتصرخ وحضرتك اخدتها المستشفى. وعرفت انها تعبت ونزفت. والله ياباشم مكنتش أتصور انهم بيحطوله حاجة في القهوة.
دنى بخطوات مرعبة إتجاه كاترين ولم يشعر بنفسه إلا هو يهوي بصفعة قوية حتى أسقطتها أرضاً. صاح بصوته المرعب:
- عامر.
دلف إليه الرجل سريعا. فأشار على كاترين:
- ارميلي الحقيرة دي في مذبلة لما أفوقلها.
خرج الجميع وظلت ليلى بمكانها وكأن الأرض تسحب من تحت قدميها. وكأنها بكابوس وستفيق منه. جلس أمام مكتبه يشعل تبغه وينفثه. يطالعها بسخرية فتحدث مستهزئاً:
- أنا بعرفك ببراءة أخويا. عشان يرتاح في تربته. مش عشانك ابداً. اوعي تفكري إنك تعنيلي إنك تبرئيه ولا لا. أنا حبيت أنزل بغرورك وأعرفك قدر نفسك. للأسف مكنتيش تستاهلي واحد زي سليم. لكن معلش ملحوقة يامدام.
لكل حدث حديث. ودلوقتي مش عايز ألمحك قدامي. متخرجيش من اوضتك طول ما أنا موجود في البيت. نظر إلى بطنها وأكمل:
- لحد ماتولدي وبعد كدا هقرر أعمل معاك إيه.
ألقى كلماته عليها ثم استدار يواليها ظهره ينفث تبغه بشراسة. دنت منه عدة خطوات حتى وقفت خلفه تماماً وهمست:
- عارفة فقدان سليم صدمة هزتك من جوا. بس ارجوك ياراكان بلاش تظلمني. اوعى تدوس عليا وتظلمني.
استدار متجها إليها حتى اختلطت أنفاسهما. أمسك كفيها الذي تشبست بذراعه حتى لا تسقط. وضغط عليه حتى كاد أن يحطمه وهمس بالقرب من شفتيها حتى كاد أن يلامسها:
- أظلم مين يامدام. إنت مين أصلًا عشان ادوس عليك. أو تهميني. إنت هنا عشان حاجتين بس الولد اللي في بطنك اللي هو ذكرى أخويا. ثانياً عشان أخد حقي وحق أخويا. في الأول اتهاونت في حقي. معلش كل وقت وله آدان.
دفعها بعيداً عنه حتى اصطدم ظهرها بسطح المكتب فصرخت متأوهة. لم يعيره آلامها. فأشار إلى الباب:
- غوري من وشي. متخلينيش اتجنن وأقرف من نفسي كل ما أشوفك.
انسدلت عبراتها. وكلماته التي غرست أسهم الإهانة بصدرها فهزت رأسها مع عبراتها فكانت عبارة عن لوحة من الألم والحزن. فتحدثت بصوت متقطع:
- "راكان".
استدار إليها سريعاً ورمقها بنظرات جحيمية:
- متنسيش نفسك هنا. اسمي حضرة المستشار.
عند حمزة ودرة. جلست أمامه تبكي بنشيج:
- هعمل إيه. دا اتجنن على الأخر.
أطاح بيديه كل ما قابله على سطح المكتب. وصاح بغضب:
- هقتله وحياة ربي لأقتله.
دلف جاسر على صراخ حمزة. زفر بغضب ونظر إلى درة:
- مسكنا نور. وبيقول أنا مخطفتهاش دي مراتي. هو فيه حد بيخطف مراته. ودلوقتي عمل دعوة. إن درة هربت منه وعاملة علاقة غير شرعية معاك.
هوت جالسة على المقعد وهي تصرخ بصرخات مدوية. أسرع إليها حمزة. جلس أمامها:
- درة اهدي. ممكن تهدي. ماهو احنا كنا عارفين كدا. لازم نهدى ونفكر.
رفع بصره لجاسر واردف:
- دعوة بيت الطاعة مش كدا.
أومأ جاسر رأسه بحزن على حالة درة. فتحدث:
- دعوة الطلاق عملتوا إيه فيها.
هز حمزة رأسه حتى يصمت. نظر إلى درة:
- أهدي درة لو سمحت. أنا معاكي مش هسمحله يوصلك.
عند أسما ونوح. كانت تجلس بين الزروع تنظر بشرود. وصل نوح يضمها من الخلف:
- حبيبتي بتفكري في إيه!
استدارت تمسح عبراتها. ضمها لأحضانه متسائلاً:
- أسما، إيه اللي حصل لدموع دي كلها؟
وضعت رأسها بأحضانه وبكت بشهقات وهي تتحدث من بين بكائها:
- راكان بيعامل ليلى وحش قوي يانوح. ليلى صعبانة عليا. مش قادرة أتكلم. ولا قادرة ألجأ لبابا عشان مايعرفش حاجة.
ضم وجهها بين راحتيه:
- حبيبتي، ممكن تهدي؟ هو فيه واحد عاشق ممكن يأذي حبيبه يا أسما؟ راكان مجروح دلوقتي، عامل زي المدبوح. شوية ويفوق.
هزت رأسها رافضة حديث نوح:
- لا، دا بيحملها موت سليم يانوح. دا اتجنن.
ضمها من خصرها متجهًا لمنزله:
- حبيبتي، قولتلك راكان معذور الأيام دي. متنسيش سليم كان بالنسباله إيه.
توقفت بجسد متيبس:
- وليلى تبقى عنده إيه؟ مش دي اللي كان بيقول عليها بيحبها؟
زفر نوح بحزن وسحبها من رسغها:
- أسما، ممكن نسيب ليلى وراكان شوية ونركز في حياتنا؟ قولتلك إن راكان بيعشق ليلى ومستحيل يأذيها.
قاطعهم وصول أحداهن:
- هي دي اللي مقاطع العيلة كلها عشانها يانوح؟
استدار ينظر بصدمة للتي وقفت أمامه.
***
عند سيلين.. تجلس بجوار والدتها تطعمها:
- عارفة ياماما، أول مرة أشوف جدي حزين كدا. لدرجة شكيت إن توفيق البنداري جه من اليومين وطلب مني صورة لسليم. اخدها ومشي. قابله راكان تعرفي عمل إيه؟ ضمه لحضنه وقاله كلام غريب. قاله:
- بلاش تلعب بالنار ياحبيبي، مش مستعد أخسرك زي أخوك.
انزلقت دمعة زينب وتحدثت بصوت متقطع:
- هاتيلي راكان ياسيلين. قوليله تعالى لماما عايزاك ضروري.
***
بعد مرور شهرين كاملين، مازال أسعد في العناية. أما زينب خرجت ولكنها عاجزة. تتحرك بمقعد العجزة.
دلف مقتحماً غرفتها دون استئذان. كانت تجمع ثيابها بحقيبتها. رفعت نظرها إليه، لأول مرة تراه منذ شهر بعدما عاقبها بأشد العقاب.
وقف منتصب العود بملامحه الجامدة. لقد تغير كثيراً. فقدانه للوزن، لحيته التي طالت عن سابقيها. ورغم ذاك، إلا أنه مازال وسيماً.
- إيه قلة الذوق دي؟ إزاي تدخل الأوضة بالهمجية دي؟
نظر لحقيبتها ورفع نظراته الخاوية إليها:
- مفيش خروج من البيت إلا بإذني. متنسيش إنك حامل في ابننا.
ضيقت عيناها مستفهمة:
- يعني إيه؟ هتحبسني؟ اللي كان رابطني بيكوا خلاص مات.
جذبها من رسغها بقوة وهو يهمس إليها بهسيس:
- البيت دا مش هتخرجي منه غير في حالتين. وأنتِ رايحة تولدي. والتاني لما تموتي. غير كدا مالكيش تخرجي منه، سامعة؟ ولا أسمعك بطريقتي.
نزلت كلماته على قلبها كصاعقة، بل أشواك تخربش جدران قلبها المجروح. طالعته بذهول:
- أكيد اتجننت، مش كدا؟ وإن شاء الله هتمنعني بصفتك إيه؟
استدار متحركاً ولم يجيب عليها حتى وصل لدى الباب وأردف دون أن يعريها اهتمام:
- تفتكري ممكن أسامح في حق أخويا اللي اتقتل لواحدة زيك؟
هرولت حتى وقفت أمامه وهي تصيح بوجهه:
- أنت مش طبيعي، ليه بتحملني موت أخوك؟
أمسك ذراعيها يعقدها خلف ظهرها وهمس بفحيح:
- عشان أنتِ المسؤولة الأولى في موته، وعجز أمي، وركض أبويا بين الحيا والموت. ودلوقتي لو سمعت صوتك هدَفنك. أنا اللي مصبرني عليك ومستحمل أشوف وشك اللي أكتر وش بقيت أكره هو ابن أخويا اللي في بطنك.
وضع كفيه على أحشائها وأكمل ما هشّم قلبها:
- حياتك قصاد حياته، هتحاولي تقتليه هدَفنك حية. قسماً عظماً أدْفِنك حية.
قالها ثم دفعها بقوة بعيداً عنه، يمسح يديه من ملامستها قائلاً:
- اعملي حسابك بعد ولادتك هكتب عليك. ودا مش حباً فيك. دا عشان ابن أخويا. لو عليا عايز أخلص منك. وأدفنك في سابع أرض.
استدار بجسده كله يتابع أثر كلماته على ملامحها، رسم ابتسامة انتصار عندما وجد تبدل ملامحها وشحوب وجهها.
دنى إلى أن وصل أمامها واقترب يهمس بجوار أذنيها:
"أهلاً بيكِ في جحيم حبيبك، مراتي المستقبلية."
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيلا وليد
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
أبتسمت بغرور حينما سألني:
"ألم تعرفين ماذا فعلت بي؟"
"من أنت وماذا أقول عنك؟"
وقفت بشموخ وأجبته:
"إذا سألوك عني، قل لهم: هي الفتاة الوحيدة التي أدمنتني وأنا كسرتها."
"لا تخف معذبي، سأقدم اعتذار لقلبي، فقد أجهدته نبضًا لمن لا يستحق."
ثم وضعت يدي على صدري وهمست:
"أمهلني قليلاً يا قلبي، سأرتب حياتي من جديد وأعيده غريبًا كما كان."
***
بغرفة ليلى، بعد شهر ونصف الشهر من حديثه الأخير معها، حبست نفسها بغرفتها وساءت حالتها. الآن أصبح جلادها الذي لا يعرف الرحمة كأنه يعاقبها على اختراقها لحصونه التي لا يعلم كيف انهار أمامها.
خرجت للنافذة علها تستنشق بعض الهواء الذي أحست أنه انسحب من غرفتها كما سلبت حياتها من بين يديها. جلست تستند ظهرها للمقعد وتتذكر حديثه ذاك اليوم:
"مفيش خروج من البيت إلا بإذني، متنسيش إنك حامل في ابننا."
ضيقت عيناها مستفهمة:
"يعني إيه؟ هتحبسني؟ اللي كان رابطني بيكوا خلاص مات."
جذبها من رسغها بقوة وهو يهمس إليها بهسيس:
"البيت ده مش هتخرجي منه غير في حالتين، وانت رايحة تولدي، والتاني لما تموتي، غير كده مالكيش تخرجي منه، سامعة ولا أسمعك بطريقتي."
نزلت كلماته على قلبها كصاعقة، بل أشواك تخربش جدران قلبها المجروح. طالعته بذهول:
"أكيد اتجننت مش كده؟ وإن شاء الله هتمنعني بصفتك إيه؟"
استدار متحركًا ولم يجيب عليها حتى وصل لدى الباب وأردف دون أن يعريها اهتمام:
"تفتكري ممكن أسامح في حق أخويا اللي اتقتل لواحدة زيك؟"
هرولت حتى وقفت أمامه وهي تصيح بوجهه:
"انت مش طبيعي، ليه بتحملني موت أخوك؟"
أمسك ذراعيها يعقدها خلف ظهرها وهمس بفحيح:
"عشان انت المسؤولة الأولى في موته، وعجز أمي، وركض أبويا بين الحيا والموت. ودلوقتي لو سمعت صوتك هدَفنك، أنا اللي مصبرني عليك ومستحمل أشوف وشك اللي أكتر وش بقيت أكره هو ابن أخويا اللي في بطنك."
وضع كفيه على أحشائه وأكمل ما هشّم قلبها:
"حياتك قصاد حياته، هتحاولي تقتليه هدَفنك حية، قسما عظيمًا أدَفنك حية."
قالها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه، يمسح يديه من ملامستها قائلاً:
"اعملي حسابك بعد ولادتك هكتب عليك، وده مش حبًا فيك، ده عشان ابن أخويا. لو عليا عايز أخلص منك وأدفنك في سابع أرض."
استدار بجسده كله يتابع أثر كلماته على ملامحها، رسم ابتسامة انتصار عندما وجد تبدل ملامحها وشحوب وجهها. دنا إلى أن وصل أمامها واقترب يهمس بجوار أذنيها:
"أهلاً بيك في جحيم حبيبك، مراتي المستقبلية."
ثم استدار للخروج. لم تحتمل روحها إهانته ولا مزيد من الجروح التي أحرقها بها، فتحدثت قائلة:
"شكلك محتاج دكتور نفسي، حالتك صعبت عليا."
توقف قبل خطوة لدى الباب حينما شعر بنيران تحرق أوردته من تلك المرأة وعنفوانها. استدار ووصل إليها بخطوة:
"وماله أروح لدكتور نفسي، معنديش مشكلة بعد ما نتجوز إن شاء الله، عشان متأكد وقتها هتصاب بالجنون من واحدة مغرورة زيك."
قالها وهو يخترقها بنظراته. رفعت بصرها ونظرت بملامحها الشاحبة:
"معرفش ليه مصر توجعني كل ما تشوفني."
دنت منه بخطواتها السلحفية وهتفت بصوتها الضعيف:
"أنا مش هقعد في البيت ده ولا لحظة بعد ما تمر عدتي فيه، غير كده أشرب من البحر يا حضرة المستشار، وعايزة أشوف هتتجوزني إزاي."
ازداد الغضب بداخله من كلماتها، فجذبها من رسغها وهمس بصوت غاضب حد الجحيم:
"أنا مش باخد رأيك، وأوعي تفكري هتجوزك جواز حق وحقيقي، لا إنسي، انت هنا هتكوني زي مربية لابن أخويا وبس."
نزعت يديها التي ألمتها بسبب ضغطه القاسي عليها، وصرخت بصوتها الهزيل مع انسدال عبراتها:
"مش هتجوزك يا راكان، سمعتني؟ مستحيل اتجوزك، حتى عندي الموت أفضل إني أكون مرات واحد مغرور زيك."
شعور مقيت أصابه جعل دقات قلبه تتقاذف بين ضلوعه في حرب طاحنة تهلك أنفاسه وتحرق رئتيه دون رحمة من حديثها الذي شق قلبه لنصفين. اللعنة عليها وعلى قلبي الذي يضعف أمام دموعها.
وقفت أمامه بجسد مرتجف حينما وجدت صمته، ونظراته النارية لها، فاستدارت متحركة من أمامه وهي تتحدث بصوت متقطع:
"عايزة أرتاح، ممكن تخرج دلوقتي، وزي ما قلت لحضرتك أنا هنا ضيفة لحد ما أيام عدتي تخلص، وإن كان على ابنكم مستحيل أحرمكم منه."
أشعلت بجوفه عاصفة غضب هوجاء، أوشكت أن تقضي عليها حينما اقترب منها بهيئته الجنونية وجذبها من الخلف يضمها ويهمس بحوار أذنها:
"احمدي ربنا إن ماما موصياني عليك، بحاول أتغاضى ومتعصبش عليك، بلاش تخليني أفقد شوية الرحمة اللي لسه موجودين في قلبي ناحيتك."
هزة عنيفة أصابت جسدها من اقترابه منها بهذا الشكل لأول مرة، ناهيك عن أنفاسه الحارة التي ضربت بشرتها، فجعلتها لم تقو على الوقوف. كأنه شعر بحالتها ولم يرحم ضعفها فدنى أكثر حتى أقسمت أن شفتيها لامست حجابها فأشعرتها بماس كهربائي وهو يقول:
"من حظي الحلو يا ليالي ومن حظك الزفت إن اللي مات سليم مش أنا، ما أنا نسيت أقولك يا مراتي المستقبلية، أنا اللي كنت مقصود، فجت في سليم. عارفة ليه يا ليالي؟ عشان آخد حقي منك وحق أخويا."
حاولت دفعه بكل قوتها عندما شعرت بجنونه. نعم هي أيقنت أنه ليس على ما يرام وخاصة قربه منها بتلك الطريقة:
"ابعد عني، إنت اتجننت!"
حاوطها بامتلاك وأكمل:
"أخويا مات وهو بينادي عليك، آخر حاجة نطقها كانت إنت، وحضرتك بكل غرور وعنجيهة صدقتي نفسك وعملتي زعلة حتى من غير ما تتأكدي. اتصلت وقولتلك سليم عمل حادثة، رضيتي وقولتي إلعب غيرها."
ضغط بقوة على خصرها وعبراتها تنسدل بقوة على وجنتيها ولم يرحمها فأكمل:
"يبقى موتيه بغرورك ولا لا؟ إزاي المدام تسمع كلام راكان عدوها وتيجي تشوف أخوه؟ بس ملحوقة يا مدام هعرف أخليكي إزاي تندمي على حاجة أقولها ومتتسمعش."
قالها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه، وتحرك مغادرًا وهو يتحدث:
"حافظي على الولد عشان ده اللي شفعلك عندي، وإياكي ثم إياكي تخرجي من باب البيت ده دون علمي."
شعرت بأن الأرض تدور بها، وكأنها داخل كابوس. دقائق وهي جالسة بمكانها. هزت رأسها رافضة حديثه، وجنونه الذي أوصلها لزرع بذرة الشك:
"لا مستحيل اتجوزه، ده مستحيل يكون الراجل اللي تمنيته في يوم من الأيام."
أسرعت تهبط إليه.
دَلفت إلى مكتبه دون استئذان وهو يقوم بعمله:
"إيه اللي بيحصل ده؟"
استجمعت شتات نفسها وقوتها وسارت بخطى ثابتة نحوه. وقفت أمامه ورفعت سبابتها:
"أنا مستحيل أوافق على المهزلة دي، سامعني."
اقتربت ونظرت له كقطة شرسة:
"اللي يقرب مني يستاهل اللي يجراله."
نصب عوده الفارغ واقترب بخطواته السلحفية التي بعثت الرعب لقلبها وقال بجانب أذنها بصوت كحفيف أفعى:
"خفت أنا من تهديدك ولازم أتخبى مش كده."
ثم رجع بجسده للخلف، واضعًا يديه بجيب بنطاله:
"إحنا مش لسه متكلمين ونهيت الموضوع ده."
"أنا مستحيل أخلي ابن أخويا يتربى بره."
ثم صوب نظرات شرزا لها:
"ولا مستحيل أضحي بوالدتي اللي عجزت بسبب موت ابنها."
نفث تبغه ثم قوس فمه متحدثًا:
"فيه معلومة نسيت أقولك، أنا هتجوز واحدة تانية وهعيش معاها، يعني متخافيش مني ولا كأنك موجودة."
قبضة قوية اعتصرت فؤادها وهو يطالعها ببروده المستفز، واستدار يدور حولها يرمقها بنظراته المميتة:
"وياريت متدخليش كده تاني عليا، متنسيش نفسك."
نظرت لداخل مقلتيه بتحدٍ، وودت لو تصل إليه وقبضت على عنقه:
"خلصت كلامك ولا لسه فيه حاجة عايزة تقوليها. زي ما حضرتك شايفة عندي شغل."
زفرت باختناق وظهر اليأس على ملامحها ورغم ذلك ناطحته بقوتها الواهنة:
"احلم كويس وياريت تستغطى وانت بتحلم." قالتها بسخرية ناظرة لعيناه بقوة.
صدى صوت ضحكاته التي لا تعبر عن شخصيته أو ذلك الموقف. ثم رمقها بنظرة محاولاً استكشاف ما تفكر به، ورغم عدم وصوله لشيء غير أن سواد عيناها الذي يشبه السماء في ليالي الشتاء القاسية تجذبه للنبض مرة أخرى.
اتكأ بظهره على مقعده وأردف بهدوء:
"أنا مبحلمش يا مدام." قالها ناظرًا بقوة إليها. ثم استطرد:
"دي حقيقة وواقعية أكتر ما تتخيلي، هنشوف كلام مين اللي هيمشي."
فقدت قدرتها على الحركة أو الكلام بعد ثقته من كلماته القليلة معها في آخر فترة. شعرت بتمزق قلبها إلى أشلاء عندما عجزت على المواجهة أمامه. أغمضت عيناها بقهرها وعجزها فهي كقلعة على تلال من الرمال الواهية. لمن ستلجأ؟ ورغم ذلك استدارت له:
"هن شوف يا سيادة المستشار..."
واقع ولا خيال، وخليك فاكر دا كويس. افتكر إنّي جيت وحذرت.
وصل إليها سريعًا قبل مغادرتها، وجذبها من رسغها، ناظرًا لمقلتيها بغضب جحيمي.
- عيني عليك لو شوفتك برة أوضتك، ولا حاولتِ تضايقي أمي. بلاش أقولك هعمل إيه. ومن دلوقتي أنتِ خطيبتي وفي حكم مراتي، فاهمة؟
نظرت إليه بنظرات نارية، وأصابتها رغبة عارمة في احتراق صدره وتناول قلبه وتمزيقه لأشلاء، كما بعثر قلبها وروحها بكلماته وأوامره، والكُره البائن على ملامحه.
دفعته بلكمة في صدره وأردفت:
- هنشوف يا راكان يا بنداري، هنشوف كلام مين اللي هيمشي. ملعون أبو اليوم اللي دخلت شركتكم فيه.
قالتها وتحركت، تصفع الباب خلفها حتى هز جدران المنزل.
***
خرجت من ذكراها وهي تنظر للحديقة التي أظلمت بظلام الشتاء، كحياتها التي أظلمت بوفاة زوجها.
أمسكت هاتفها وبدأت تتفحصه، تتذكر ذكرياتها مع زوجها. بسطت أناملها، تكبر صورته التي بهاتفها، وتتحسسها. انسدلت عبراتها.
- وحشتني قوي يا سليم. حقيقي وحشتني. ما كنتش أعرف هتبهدل كدا من بعدك.
ظلت تملس بيدها على صورته ودموعها في الانهيار، وتذكرت حديثه وشقاوته معها. شهقة خرجت من جوفها، ولم تشعر بنفسها وهي تقول:
- سليم، لو قالولي نفسك في إيه تعوضيه، هقولهم نفسي أشوفك قدامي وأنت بتضمني وبتطبطب عليا. عايزة أقولك أنا حبيتك. بجد حبيتك قوي. وما كنتش أعرف. ياريت الندم يفيد. عايزة أعرفك كنت غلطانة في حق نفسي لما فكرت في واحد زي أخوك. دا مستحيل يكون بني آدم. ياترى هو كدا وأنا اللي ما كنتش واخدة بالي ولا...
أجهشت بالبكاء مرة أخرى.
تنظر إلى السماء التي بدأت بصوت الرعد، وكأن السماء تبكي لبكائها. رجعت برأسها وبدأت تحدث نفسها:
- غصب عني كل حاجة حصلت لي، غصب عني. حاسة إني ضايعة ومش عارفة أعمل إيه. ابني اللي اتكتب عليه إنه يجي للدنيا من غير أب، ولا أختي اللي القدر بيلطش فيها، ولا مرض أبويا وكل يوم عند دكتور. ولا الراجل الوحيد اللي فكرت نفسي حبيته، بقى أكبر ظالم وكل ما يشوفني عايز يدبحني.
اتجهت بنظرها لصورة زوجها مرة أخرى:
- أحكي لمين وجعي يا سليم؟ أنا تعبانة قوي يا سليم ومنهارة. مراتك ضعيفة وضايعة من غيرك. صدقني حبيبي ضعت من غيرك.
اندفع باب الغرفة ودلف منه يبحث عنها. كانت جالسة مغمضة العينين وصورة سليم مضاءة على هاتفها. وجد باب الشرفة مفتوحًا، اتجه إليها سريعًا عندما وجدها بتلك الحالة، ظنًا أنها فقدت وعيها.
وقف ينظر إليها بعينان تقطران ألمًا، وملامح يكسوها الحزن من تبدل حالها. فتحت عيناها حينما شعرت به من خلال رائحته التي استنشقتها. اعتدلت، تجذب معطفها الصوفي على أكتافها، ونظرت للبعيد ولم تحاكيه.
أظلمت عيناه بنظرة جوفاء قاسية وتحدث:
- ما أكلتش ليه من الصبح؟ أنتِ ناسيه إنك حامل؟ وليه قاعدة في البرد؟
ظلت كما هي، لم تعره اهتمامًا. جذبت حتى أوقفها وسحبها للداخل. تحركت معه دون حديث، وكأنها فقدت الحياة.
جلست على مخدعها ولم ترفع نظرها إليه. دلفت العاملة تحمل طعامها. أشار بعينيه للعاملة أن تخرج، ولكنه أوقفها.
- فين اللبن؟ أنا مقلتش كل وجبة اللبن.
هزت رأسها وخرجت سريعا لتلبي طلبه.
جلس بمقابلتها، يضع ساقًا فوق الأخرى.
- خلصي أكلك يا مدام. عندنا ميعاد مع الدكتورة النسائية.
ظلت صامتة ولم تفعل شيئًا. نهض من مكانه حينما وجدها تعاني بهذا الشكل الموجع، ألم مفرط اجتاح كل خلية بجسده. روحه تتمزق. عبراتها أمامه تحولت إلى قطع زجاج تشحذ صدره. أغمض على جفنيه واقترب من جلوسها.
حاول يستعطفها كما أوصته والدته.
- باشمهندسة لو سمحتِ، اهتمي بأكلك. متنسيش إنك حامل.
جلس بجوارها على الفراش، يدقق النظر لملامحها الباهتة التي أكثرت شحوبها وهمس يستعطفها.
- ليلى، أمي بقت قعيدة، وأملها كبير في اللي بطنك. يعني الولد مقابل حياة أمي. عارف قسيت عليكِ، بس دا ميمنعش إنك متسرعة ومبتحكيش عقلك في قراراتك.
حركت شفتيها الجافتين بنبرة يبدو عليها الندم، فرفعت بصرها إليه:
- أنا عملتلك إيه عشان أستاهل كدا؟ أنا ماليش دعوة باللي حصل. عارفة إني غلطت بس ما كنتش أعرف. قولتلك خليت والدتك تتصل وقالت إنكم في المزرعة..
أطبقت على جفنيها وأكملت:
- أنا ما كنتش أعرف كل دا هيحصل. أنا كنت مجروحة. واحدة جوزها خانها في أول شهور جواز. كنت مستنية مني إيه؟ ليه دايما بتحملني كل حاجة؟
زفر بحزن مما وصلت إليه الأمور بينهما، فنهض ينظر للطعام، يحبس أنفاسه داخل صدره، ثم تحدث:
- خلاص مش هنتكلم في اللي فات. دلوقتي لازم تهتمي بنفسك. أكلك مش تاكليه غير من إيد مها اللي جابتلك الأكل دلوقتي. ممنوع تخرجي من باب الأوضة دي وأنا مش موجود.
نظرت إليه والدمع يترقرق من عينها:
- أنا مش عايزة أقعد هنا. كدا كدا هرجع بيت أبويا، فبلاش أسلوب الجبروت بتاعك دا. الجواز مش بالغصب.
اكتفى بتنهيدة مرتجفة أفلتت من بين شفتيه، فلم يجد كلمات تعبر عن غضبه سوى أن ينزل بجسده، ينظر لمقلتيها بغروره.
- مفيش خروج من البيت دا يا مدام. مش مستعد أموت أمي عشان واحدة كرهتني في نفسي أنا شخصيًا.
قالها وتحرك مغادرًا سريعًا، حينما جذبته بعيناها السوداء الساحرة. بخطوات ظاهرها ثابت ولكنها متعثرة، ضعف قلبه الذي فرض سيطرته بالكامل من قربها. وحجر ثقيل يطبق على صدره كلما تذكر أنها ما هي إلا أرملة أخيه.
وصل لغرفة والدته، يطرق على بابها، ثم دلف إليها.
- مساء الورد يا زوزو.
رفع كفيها يقبلها وجلس أمامها.
- إيه يا زوزو، عجبك قعدتك على الكرسي دا؟ ياله يا ماما، عايز أرجع أشوفك واقفة على رجليكي من تاني.
رفعت كفيها تمسد على خصلاته وأردفت:
- أنا كويسة يا حبيبي طول ما أنت وأختك كويسين.
اكتسى الحزن ملامحها حينما تذكرت فلذة كبدها، فهمست بصوت متقطع:
- مراتك عاملة إيه؟ إيه أخبار اللي في بطنها؟
جحظت عيناه بصدمة وأردف:
- مراتي!! إيه يا زوزو، ما أنتِ عارفة أنا وحلاطلقنا من زمان، وهي سافرت أمريكا. وبعدين مش دا كان شرطك إني أبعد عنها عشان ترضي عليا وأكون راكان ابنك اللي ربتيه؟
ملست على وجهه ثم رفعت ذقنه ونظرت لمقلتيه:
- أنا مقصدش حلا يا راكان. أنا قصدي ليلى!!
ذهل من حديثها، فنظر إليها بشفتين فاغرتين مصعوقًا، وكأن ما قالته أدمى قلبه فشطره نصفين. ظلت تمسد على خصلاته بكفيها مردفة:
- أنت قلتلي اطلب، وأنا عليا أنفذ. وأنا مش عايزة منك غير كدا. إن ليلى متخرجش من البيت دا، لأني بشم ريحة ابني فيها.
أطبق على جفنيه بقوة حتى شعر بتمزق عيناه.
فهمس بأنفاس ثقيلة مرتجفة:
- كلمتها يا ماما. عرفتها إنها هتفضل معانا. وطلبت منها الجواز.
هزت رأسها منتظرة تكملة حديثه. صمت لثوانٍ يقاوم صرخة عبأت صدره حينما تذكر حديثها بأنها تتمنى الموت ولا الجواز منه.
قاطعت شروده زينب:
- قالتلك إيه يا حبيبي؟!
حمحم، ناهضًا من مكانه يوالي ظهرها، فأردف:
- مش موافقة. عايزة تروح بعد العدة. وطبعًا باقي شهر وهتمشي من هنا.
بحثت على هاتفها، فقالت:
- أنا هروح لها. هتصل بسليم توديني عندها.
أوقفها راكان قائلًا بهدوء:
- سيبها دلوقتي يا ماما، بلاش نضغط عليها. أنا حجزتلها عند الدكتورة. هنروح نطمن على البيبي. وبعد كدا ربنا يحلها من عنده.
صاح على الممرضة.
خليك جنبها، إياك تبعد عنها لحظة، لحد ما الباشمهندسة تيجي.
قبل رأس والدته متجهًا للخارج، ولكنه تسمر بوقفته عندما استمع لكلماتها.
"مردتش عليا يعني ياحضرة النايب؟ لما سألتك وقولتلك إيه رأيك في ليلى كزوجة؟"
ظل للحظات مولّيها ظهره، ورغم ذلك شعر بانسحاب أنفاسه، وكأن والدته تضغط فوق جرحه المتقيح. فاستدار ببطء ينظر إليها، ثم أجابها:
"زيها زي أي ست، وهي في الأول والآخر مرات أخويا، وأم ابنه. وزي ما اتفقت مع حضرتك، الجواز ماهو إلا أمان للولد وبس، ياماما. بلاش تفكري في حاجات مش هتحصل."
طالعته بهدوء وهزت رأسها رافضة.
"ليلى أرملة أخوك مش مراته ياراكان، وأنت زيك زي سليم الله يرحمه. أوعى تفكرني عبيطة يابني، مبفهمش. لا، دا أنا أفهمك من نظرة عينك."
نظر للممرضة التي تقف تستمع لحديثهما، وأشار إليها بالخروج، ثم اتجه لوالدته.
"عايزة توصلي لأيه ياماما؟ ممكن متخيبش ذكائي وتقولي من الآخر، عايزة توصلي لأيه؟"
دققت النظر بمقلتيه وأشارت لقلبه.
"عايزة أوصل لقلبك يابني. ليه بتهرب منه؟ ليه مش عايز تدي نفسك فرصة إنك تعيش مع اللي اختارها قلبك؟ مش ليلى دي حبيبتك اللي جيت وحكيتلي عنها في يوم من الأيام؟"
هزة عنيفة أصابت جسده حتى شعر بدوران الأرض تحت قدميه. هرب بنظره من والدته وهو يهز رأسه رافضًا حديثها، وتحدث بصوت متقطع:
"إيه اللي بتقوليه دا ياماما؟ ليلى دي مرات سليم وحبيبته، نسيتي ولا إيه؟"
تحركت بالمقعد حيث وقوفه وأردفت:
"مش دي المهندسة اللي جيت تقولي عليها قبل ما أخوك يخطبها بأسبوع؟ واتفقت معايا نروح نزورها. وبعد كدا حالك اتشقلب وقولتلي إنك نسيت الموضوع، ودا بسبب إن أخوك اتجوزها."
هز رأسه كالمجنون رافضًا حديثها، وترقرقت عيناه بالدموع:
"لا مش هي. مين اللي قالك كدا؟ دي واحدة تانية واختلفنا."
جذبته من كفيه حتى هوى على المقعد أمامها.
"لا هي ياحضرة النايب. هي البنت اللي كنت بتحكي عليها وعيونك كلها سعادة. ثم وضعت كفيها على صدره."
"هي البنت اللي خلت قلب راكان البنداري يدق ويضعف، ويشوف السعادة. وفي اللحظة كل حاجة انطفت ورجع زي الأول."
"ماما"، همس بها راكان مع انزلاق عبرة خائنة من جفنيه. اقتربت بجسدها تزيل دموعه.
"ليه ياحبيبي؟ ليه تعمل في نفسك كدا؟ الفرصة جاتلك لحد عندك. ليه عايز تكسرها؟ والله يابني ماكنت أعرف، ولا أخدت في بالي. مستحيل أسيبك تعيش الوجع دا ياحبيبي."
رفعت كفيه تقبله ونظرت لداخل عينيه.
"أوعى تفكر أني كنت هفرق بينك وبين أخوك ياحبيبي. عمري ماكنت أعملها. بس زعلت عليك ياراكان. نهض سريعا يمسح عبراته قائلا بصوت مرتجف."
"غلطانة ياماما. مش دي البنت اللي قولت عليها. وعلى فكرة، أنا كنت هخطب البنت اللي كلمتك عليها، بس جه موت سليم وقف كل حاجة. وأن شاء الله ناوي بعد ما تعدي سنويته أروح أخطبها. مش دا اللي حضرتك عايزاه؟ عايزة أكون عيلة."
تنهدت بوجع تطالعه، ثم هزت رأسها وسألته:
"وليلى يابني؟ ترضاها لسيلين أختك؟"
أستدار يطالعها:
"ليلى مستحيل يربطنا ببعض حاجة، وزي ما حضرتك قولتي، ريحة أخويا فيها. غير أنا بحب واحدة تانية."
"وياترى مين البنت دي اللي حضرتك عايز تتجوزها؟" قالتها زينب غاضبة.
أجابها سريعا دون تفكير:
"نورسين النمساوي ياماما. بقالنا أكتر من سنة على علاقة والصراحة شايف نفسي معاها."
هزت رأسها وأجابته:
"ملقتش غير بنت النمساوي ياراكان؟ طيب ياحبيبي. ربنا يسعدك."
خرج سريعا وترك والدته خلفه تنظر إليه بحزن.
دلف غرفته كالثور الهائج وبدأ يحطم كل مايقابله.
"ليه بيحصل معايا كدا؟ هو لدرجة دي أنا ملعون؟"
آآه، قالها وهو يكز بأسنانه على قبضته المتكورة.
حاول أن يتنفس، فحديث والدته عراه أمام نفسه. ماذا عليه يفعل الآن؟ هل سيفعل ما قاله؟ ويذهب لتلك الشمطاء الذي جنت عليه؟
تذكر حديثه معها آخر مرة بإحدى الحفلات.
دلف للحفل بجوار حمزة ونوح متجها إلى أحد رجال الأعمال المشهور بالبلد. أسرعت إليهم تلوح بيديها ثم توقفت أمامه تضمه.
"راكي فينك مش باين؟ حتى الشغل خطفك مننا ومعنتش بتيجي الشركة."
سحبها من ذراعيها متجها بها للخارج. وصل لمكان هادئ وتوقف أمامها يرمقها بنظراته النارية.
"كويس إني شوفتك هنا. كنت هروحلك مخصوص."
اقتربت تحاوط عنقه مردفة:
"إيه وحشتك ولا إيه؟"
ضغط على ذراعيه بقوة وهو يناظرها بغضب جحيمي.
"لا، كنت عايز أطمن على ابننا. مش إنت حامل برضو ولا إيه؟"
هزة عنيفة أصابت جسدها حتى تمنت أن الأرض تنشق وتبتلعها. حاولت الحديث ولكنها لم تستطع، فارتبكت قائلة:
"مش فاهمة قصدك. حمل إيه ياراكي؟"
دنى يحاوطها من خصرها وابتسامة شيطانية رسمها على ثغره.
"أيوة، مش دا كلامك للنجوى برضو؟ دا حتى لسة قايلة أكتر من كدا."
ضغط حتى صرخت من الألم.
"راكان أيدي بتوجعني."
جز على أسنانه وتحدث بنيران تخرج من عينيه.
"عشان جيت سهرت عندك ليلة يبقى خلاص عملنا علاقة ولا كمان حامل؟ اتجننتي يابت؟ دا أدوسك بجزمتي. مين دي اللي تقدر تقرب مني من غير إذن؟ ويوم ما أفكر أعمل علاقة أعملها مع واحدة عديمة الشرف."
نزعت يديها بغضب منه وصاحت بغضب:
"هو في إيه لدا كله؟ كنت عايز مني إيه؟ وأنا شيفاك هتاكلها بعينك. أوعى تفكرني هبلة ومعرفش غرامك بمرات أخوك ياحضرة النايب، وخايف حد يعرف بعلاقتك معاها."
صفعة قوية بظهر كفيه على وجهها. ثم ضغط على فكيها وكاد أن يحطمه.
"اتجننتي؟ بتغلطي في شرف مرات اخويا ياحقيرة؟ ومع مين معايا؟ دا جذمتها فوق دماغك يابت." قالها ثم دفعها بقوة أسقطها أرضًا.
يشير عليها بإحتقار.
"شوف مين بيتكلم عن الشرف. دا انت رميتي نفسك عليا، ومستنضفتش أقرب منك حتى."
نهضت تحتضن كفيه.
"راكان أنا قولت كدا عشان بحبك. خفت إنك تبعد عني وتروحلها. صدقني قولت كدا عشان بقيت مجنونة بيك."
رمقها بإستخفاف ثم تحدث.
"لو شفتك قدامي صدفة هموتك." قالها وتحرك من أمامها.
خرج من شروده عندما استمع لرنين هاتفه.
عند نوح وأسما.
جذب يدها متحركًا وهو يتحدث بغضب.
"وبعدهالك ياأسما؟ هنفضل طول حياتنا نتكلم عن راكان وليلى؟"
توقفت تحاوط خصره.
"نوح حبيبي عشان خاطري. لازم تكلمه يخف عليها شوية. دا محملها موت سليم. وحياتي يانوح، كل ما أتخيل إنها بتتعذب بسبب حبيبها بزعل."
رفعت رأسها من حضنه وأردفت بصوت حزين.
"انت متخيل إن فيه واحد بيحب واحدة ويعذبها؟"
ضم وجهها بين راحتيه وأردف:
"حبيبتي راكان بيحب ليلى فوق ما تتخيلي. محدش عارفه قدي. وعارف قد إيه اتعذب. مستحيل يأذيها. دا روحه فيها. اللي كان باعده عنها أخوه عشان كدا كان بيحارب قلبه ونفسه. ودلوقتي مفيش سليم يعني ربنا رحمه. وقاله حبيبتك رجعتهالك اهو. تفتكري ممكن يفرط فيها؟"
قاطعهم صوت خلفهم.
"دي اللي سبت عيلتك كلها عشانها. دي اللي بعت شركات والدك ومستشفياته عشانها."
ابتسم بسخرية، عندما وجدها بثيابها التي تنتقيها بعناية من أشهر مصممين الأزياء المشهورة. وزينتها رغم إنها بسيطة إلا أنها من أغلى الماركات. اقترب منها يطالعها بهدوء.
"مرحبًا أنسة راندا. مش حضرتك أنسة برضو على حد علمي للنهاردة..."
اقتربت ترمقه بنظرات نارية.
"نوح تعرف إحنا بقالنا قد إيه متجوزين وحضرتك سايب البيت عشان البت دي؟"
امسكها من رسغها بغضب، وصاح بعيون مشتعلة.
"دي مراتي. وقبل ما تكون مراتي. هي حبيبتي وروحي اللي مقدرش أستغنى عنها. ودلوقتي أمشي من هنا، وإياك تيجي المكان دا تاني من غير إذن صاحبته."
توسعت عين أسما من رد نوح القاسي، وحديثه مع راندا. فضغطت على كفيه تطالع التي ظهر على ملامحها نيران الغضب. فتحدثت قائلة:
"أهلاً بحضرتك. أنا مكنتش أعرف إنت مين."
رمقتها راندا بإستعلاء قائلة:
"أنا واحدة تحمدي ربنا إنك في يوم وقفتي قدامها واتكلمت معاها. أشارت بيديها على أسما بسخرية."
"بقى دي روحك؟ دي اللي تسيبني عشانها؟ تمام يادكتور، مبقاش راندا الدميري اللي مادفعتك تمن كلامك غالي قوي."
قالتها واستدارت تتحرك بكبرياء وكأنها لم تغضب ولم تثور.
رفعت أسما نظرها إلى نوح وترقرق الدمع بعيناها.
"نوح دي ناوية على إيه؟ ممكن تقول لوالدك؟"
حاوطها بذراعيه مقبلًا جبينها.
"تقول اللي تقوله. هو أنا خايف منها؟ دي واحدة فاضية مالهاش لازمة. معرفش إزاي كنت مجنون وكملت في الجوازة دي."
احتضن وجهها بين راحتيه، ينظر في عيناها البندقية التي تشبه لون القهوة قائلًا.
"حبيبتي ولا كأنها جتلك هنا. أسما انت بس اللي مراتي. ودا أنا عرفتهولها قبل ما أجي أكتب عليك. إياك ثم إياك تخليها تهدم حياتنا. أنا بحسب بفارغ الصبر لليوم اللي أقدر أوشمك بحبي. بلاش تفقدي الثقة في جوزك."
نظر حوله ثم أمال يحتضن ثغرها بين خاصتيه، فاصلًا قبلته بغمزة من عينيه قائلًا:
"أنا شايف إنك بترتبي لجواز مصر كلها حبيبي. إيه مش ناوية ترحمي حبيبك شوية؟"
ابتسمت بخجل توضع رأسها بصدره قائلة.
"نوح بس بقى هزعل منك والله."
سحبها من كفيها ودلف للداخل وهو يردف.
"لا والله أبداً. كدا كتير على قلبي. دا إنت عايزة واحد عاقل بارد ثلاثي الأضلاع والميزة دي مش عندي خالص."
رغم وجعها الذي شعرت به منذ ذهاب راندا، إلا أنها ابتسمت له وتحركت لمنزله.
دلف للداخل ينادي على العاملة.
"سيدة، تعالي."
وصلت العاملة إليه سريعًا.
"نعم يادكتور."
حاوط خصر أسما وتحدث.
"عاملة غدا إيه النهاردة؟"
ابتسمت له العاملة قائلة.
"هو يعني حضرتك..." قالتها وهي تفرك بيديها وتنظر لأسما التي أجابته.
"أنا اللي طبخت النهاردة يانوح. عاملة فراخ مشوية. ومحشي ورق عنب."
ضيق عيناه متسائلاً.
"فراخ ومحشي؟ لا دا حبيبي متوصي بجوزه. وناسي إني عريس ولا إيه؟"
توردت وجنتيها وسحبت نظرها من أمام عيناه، تنظر لسيدة قائلة.
"روحي إنت ياسيدة وأنا هحط الأكل للدكتور."
خرجت العاملة. سحبها نوح من خصرها لأحضانه.
"ينفع عريس ياكل محشي وورق عنب ليلة دخلته برضو؟ فين السي فود والحمام والكوارع والحاجات اللي بنسمع عنها دي؟"
لكمته بصدره.
"نوح اتأدب. هو أنا قولتلك الليلة ليلة دخلتنا؟"
قاطعهم رنين هاتفه. سحبها وجلس ضامًا إياها لأحضانه.
"أيوه يالولا. عاملة إيه ياباشمهندسة."
أجابته ليلى على الجانب الآخر.
"نوح بابا هيروح يغسل كلى بكرة. كنت تعرف ومخبي عليا؟"
تنهد نوح يمسح على خصلاته متسائلاً.
"مين اللي قالك كدا؟"
صرخت ببكاء.
"بابا عنده فشل كلوي يانوح ومخبي عليا. طيب ليه؟ ليه تخبي عليا موضوع مهم زي دا؟"
اعتدل بجلوسه قائلاً.
"ليلى حبيبتي أنا عرفت بالصدفة. وولدتك حلفتني مقولش لحد. عشان ظروف حملك وكمان متنسيش جوزك لسة ميت بقاله كام شهر."
أزالت عبراتها وتحدثت بجديه.
"نوح تعالى فوراً. عايزة أروح أشوف بابا. والتنين صاحبك عامل كردون عليا. بس هو مفكر نفسه مين؟ والله لو مخرجنيش دلوقتي أشوف بابا لولعله في القصر البارد بتاعه دا."
أطبق على جفنيه. ثم أخرج تنهيدة حارة ونظر لأسما قائلاً.
"أجهزي. الحق التنين والتنينة دي. أنا عارف الليلة مضروبة والله."
لكزته أسما بكتفه قائلة.
"والله انت رخم ياعني هتموت من العياط وعايزة تشوف ابوها وانت بتهزر."
احتضن وجهها واردف.
"حبيبتي ليلى جوزها ميت بقاله أكتر تلات شهور لسة. يعني قدامها شوية عشان تخرج من البيت. ودا اللي باباها فهمهله. معرفش اهم حاجة تتخانق مع راكان وبس."
اومأت برأسها متفهمة وقالت.
"حاول تضغط على راكان يانوح. ممكن يسمع منك."
ارتدى جاكتيه واتجه بنظره إليها يضع شالها فوق كتفيها.
"راكان هيتجوز ليلى ياأسما."
رفعت نظرها بذهول إليه.
"قول والله؟ راكان هيتجوز ليلى؟ طيب كويس أوي واخيرا هتجوز الشخص اللي حبته." ثم صمتت ونظرت إليه. تفتكر بعد اللي قولتهولها هي هتوافق؟
سحب كفيها متجها لسيارته.
"هي رافضة طبعًا لأن التنين على رأيها مفهمها هيتجوزها عشان ابن سليم. وعايز ينتقم منها."
توقفت تنظر إليه متسائلة.
"يعني إيه؟ يعني راكان عايز ليلى عشان الولد بس؟"
استقل السيارة وقام بتشغيل المحرك.
"صدقيني راكان كل شوية له قرار أصعب من اللي قابله. لسة قافل معايا وانت في المطبخ وبيقولي هخطب نورسين بعد سنوية سليم."
مسح على وجهه وهو يفكر في شيئا ثم ابتسم.
"بس على مين؟ مش هو عامل استاذ ورئيس قسم؟ أنا هلعب معاه على إني طالب غبي."
ضيقت عيناها متسائلة.
"تقصد إيه بكلامك؟"
رفع كفيه يقبله ثم غمز بعينيه
- ماتيجي نلعب أنا وانت لعبة يا أسوم
رجعت برأسها تهزها وتصفع يديها ببعضهما
- بجد مش معقول يانوح، إحنا في إيه وانت في أيه
جذبها يخطف قبلة سريعة على شفتيها ثم تحدث
- اسمعي هقولك ايه وتعمليه مع التنينة الصغيرة
قهقهت على حديثه قائلة
- فهمتك يادكتور نلعب منلعبش ليه
رفع هاتفه وقام الاتصال بأحدهما
في منزل عاصم المحجوب
تجلس بغرفتها تقوم بتصميم بعض المشروعات المطلوبة منها استمعت لرنين هاتفها رفعته ثم ابتسمت ووضعته على اذنها قائلة
- مساء الخير
على الجانب الآخر يقف أمام منزلها ينظر لشرفتها
- اطلعي البلكونة ونزلي السبت معايا حاجتين عايزك تاخديهم
أسرعت تنظر من خلف الستارة وجدت سيارته مصفوفة بمقابلة منزلها
ولكن قاطعها حينما أردف
- شعرك باين من ورا الستارة ياباشمهندسة
تراجعت بخطواتها قائلة
- حضرتك اللي مدقق زيادة عن اللزوم، المهم إيه اللي معاك
- نزلي حاجة وانت تعرفي
ارتدت اسدالها واردفت
- أنا هنزل اخدهم
أطلق تنهيدة وهمس
- ياريت
شعرت بخفقات قلبها تنبض بعنف بقفصها الصدري فأجابته
- خمس دقايق وأكون عندك
قالتها وخرجت لوالدتها التي تجلس على سجادتها تقرأ بمصحفها بدموع الحزن والوجع بآن واحد
- ماما هنزل تحت خمس دقايق، أستاذ حمزة معاه حاجة مهمة ليلى بعتاها ينفع أنزل
رفعت بصرها بعدما صدقت بقرأتها
- وليه مطلعش يابنتي، مينفعش تنزلي وتوقفي معاه لوحدكم افرض حد شافكم يقول إيه
اقتربت من والدتها تدقق النظر
- ماما إنت كنتي بتعيطي! طيب ليه!
أزالت دموعها وهي تهز رأسها قائلة
- لا ياحبيبتي، ليلى وحشتني قوي، وتأثرت وأنا بقرأ القرآن، اتصلي بيه قوليله يطلع، مينفعش تنزلي
أومأت برأسها وتحركت لغرفتها تهاتفه
- آسفة ماما رافضة انزل، لو مش هتعب حضرتك ممكن تطلع
ترجل من سيارته وهو يحادثها وعيناه على غرفتها
- لو هشوفك أطلع حتى لو على سطح القمر
سرت بجسدها قشعريرة لذيذة إثر حديثه، فرفرف قلبها من السعادة كالفراشة وأجابته بخجل
- مستنياك
تحرك للمصعد وهو يتنهد قائلا
- هديلك ورق بلاش مامتك تشوفه، وفيه صندوق صغير دا هدية مني للورق اللي هتشوفيه، تمام
ابتسمت بسعادة واجابته بحبور
- شكرا، شكلي عرفت الورق فيه ايه
استمعت لرنين الجرس فاسرعت تقابله، فتحت الباب ومازالت تحادثه على الهاتف، أغلق هاتفه ينظر إليها بإشتياق
- أسبوع كتير على فكرة، بس هعديها
نزلت ببصرها للأسفل تخجل من نظراته، وصلت والدتها
- اتفضل يابني واقف كدا ليه
دلف ملقيا السلام ثم بسط يديه بصندوق لدرة
- دا باعتته ليلى، وهتيجي بكرة ان شاء الله مع راكان، وآسف غلطت قدامها وعرفت أن باباها بيغسل كلى
استدارت درة لوالدتها تنتظر حديثها
- ولا يهمك يابني، هي كدا كدا كانت هتعرف
صمت حمزة للحظات ثم تحمحم مجليا صوته فتسائل
- ممكن أعرف الأستاذ عاصم صاحي ولا نايم
تحركت تشير إليه لداخل
- ادخل اشرب قهوة ونتكلم
هز رأسه رافضا
- آسف عندي ميعاد مهم، كنت عايز اشوفه
اجابته
- خرج هو آسر معرفش نوح طلبه، ممكن يكون عايزه في حاجة مهمة
- خلاص هشوفه في يوم تاني
- ان شاء الله لما يجي هخليه يكلمك
أومأ رأسه متفهما ثم ودعهم وخرج، دلفت لغرفتها وأغلقت بابها وجلست على فراشها، تفتح الصندوق وجدت به الكثير من أنواع الشيكولاتة المختلفة وبجانبها مظروف به رائحته وبداخله "مبروك" عقبال لما تتنقلي على أسمي
أمسكت الورق التي توضع بالمظروف الأخر ويوجد بها خلاصها من ماضي اسود كتب عليها ورقة طلاقها
وضعتها بجوارها، وأمسكت تلك القصاصة من الورق التي بها عطره تستنشقه ثم تسطحت على مخدعها وهي تبتسم بسعادة من تلك الاحاسيس التي تجتاحها لأول نرة
عند ليلى جلست تنتظر نوح، دلفت العاملة تنظر لطعامها
- حضرتك ماأكلتيش حاجة ياهانم
رفعت رأسها بوهن تشعر بصداع يفتك بها تتسائل
- سيلين فين! جت ولا لسة من برة!
- الباشمهندسة تحت مع الباشا بيتعشوا
أومأت برأسها وتحدثت قائلة
- شيلي الأكل ماليش نفس، وابعتيلي سيلين
- بس الباشا هيزعق ياهانم، حضرتك مش تايهة عنه
رمقتها بنظرة نارية رغم ضعفها قائلة
- قولي للباشا بتاعك الأكل مش بالعافية
تحركت العاملة للخارج، شعرت بغثيان بعدتها استندت على الحائط متجه لمرحاضها، قامت بخلع حجابها الذي يلازمها معظم الوقت بسبب استخدامه اسلوب الهمجية التي وصفته به
ظلت تتقيأ ما بداخل معدتها حتى ضعفت وأصبحت هشة فنزلت بساقيها على أرضية المرحاض، لقد فقدت قدرتها تماما، وشعرت بسحابة سوداء تضرب جسدها، دلف لغرفتها كالمجنون يبحث بعيناه عنها، لم يجدها، دلفت خلفه سيلين وهي تتحدث
- لو سمحت ياآبيه بلاش تزعلها عشان خاطري
صرخ بسيلين
- دي عايزة تموت اللي في بطنها، اطلعي يامدام إنت فين
لم يتلقى ردا، شعر بألم يغزو قلبه، فاتجه بنظره إلى سيلين
- شوفيها في الحمام كدا
هرولت سيلين عندما استمعت لهمهمات ليلى، صرخت تناديه عندما وجدت رأسها توضع على حافة الحوض كأنها مغشيا عليها
أسرع راكان بأتجاهها، ارتعدت أوصاله ودب الرعب به حينما وجدها بتلك الحالة، ثنى جسده يرفعها من فوق الأرضية، همست له بإعياء
- عايزة أرجع ابعد عني
اتجهت سيلين إليها تمسح على وجهها بالماء وجذبت المنشفة تجفف وجهها الذي يغزوه العرق
جلس راكان خلفها حينما نزلت برأسها مرة أخرى وبدأت تتقيأ وآلام جسدها تضربها بقوة، حتى شعرت بالبرودة تتسرب لجسدها، فتح صنبور المياه وبدأ يغسل وجهها قائلا
- ليلى اهدي، اضغطي على نفسك متسبيش نفسك لكدا
مسح بالمياه مرة آخرى يمسح وجهها وفمها، ثقلت برأسها عليه، مش قادرة، جسمي بيرتعش، قالتها ورأسها بأحضانه، فحملها متجها للخارج، وهو يضغط على نفسه من رائحتها الذي تسربت لأعماقه بالكامل، أيعقل أن هذا الألم يشطره لهذه الدرجة
كان جسدها يرتعش كالذي أصابه حمى، قام بمهاتفة الطبيبة المتابعة لحالتها
جلست سيلين بجوارها وقامت بدثرها جيدًا بالغطاء متحدثة
- ليلى اجبلك حاجة
أغمضت عيناها
- اطفي النور عايزة أنام بس
كان يقف بعيدا يتابع حركاتها، يحاول السيطرة على نفسه حتى لا يصل إليها بخطوة ويضمها لأحضانه علها تشعر بالراحة
همست إلى سيلين قائلة
- تعبانة قوي حاسة مش قادرة أخد نفسي
هنا احس بانقباض شديد في قلبه كاد يمزقه من الألم، تحرك للخارج استغرق بضع دقائق ثم عاد يحمل سرفيس يوضع به كوبًا من الحليب وبعض السندوتشات
طرق الباب لأول مرة ثم دلف بعض لحظات
وجد سيلين مازالت بجوارها تمسد على خصلاتها، وضع الطعام أمامها
- لازم تاكل ياسلين، كدا هتموت وتموت اللي في بطنها
ربتت سيلين على كتفه
- راكان انت مش شايف حالتها عاملة إزاي لو اكلت هترجع
سحب سيلين من كفيها وجلس على الفراش كانت تغط بنوم عميق كأنها تغفو منذ ساعات وليست دقائق معدودة
نزل بجسده يهمس بجوار أذنيها
- ليلى قومي عشان تاكلي
وصلت والدته بمساعدة الممرضة، وجدته بهذا القرب، شهقة خرجت من فمها مع عبور دمعة على خديها، حينما تخيلته إبنها الراحل
-" ماما" قالتها سيلين، استدار راكان ينظر لوالدته، وشعر بالارتباك من نظراتها التي تخترقه، فتحدث قائلا
- بحاول أصحيها تاكل، من الصبح مااكلتش، وكان المفروض نروح للدكتورة وهي تعبت زي ماحضرتك شوفتي
تحركت إلى أن وصلت إليها بمقعدها
- ليلى قومي يابنتي، لازم تاكلي، قومي كلي أي حاجة
فتحت جفنيها بوهن وأردفت بصوت ضعيف
- مش قادرة، عايزة أرجع بس
نظرت إلى سيلين
- ممكن تسنديني أروح الحمام
جن جنونه من حالتها فاقترب منها يميل بجسده مستندا بمرفقيه أمامها
- هتفضلي تعاندي لحد إمتى خافي على اللي في بطنك، ودلوقتي مفيش ترجيع وهتاكلي
راكان صرخت به والدته
- مش المفروض تروح لباباك عشان هيخرج من المستشفى النهاردة
قالتها زينب حينما وجدت نظرات ليلى الخائفة منه وهي ترجع بجسدها للخلف
حاول التماسك فأسبل جفنيه وتحدث
- بابا ميعاده بكرة ياماما، ونوح جاي في الطريق المدام رايحة شكاني له، وعلى العموم انا خارج ولما ارجع الاقي الأكل بتاعها اكلته، والأدوية اخدتها، الدكتورة هتيجي تشوفها، بدل إحنا ماروحناش
قالها وتحرك للخارج بخطوات تأكل الأرض كالنيران تأكل سنابل القمح
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيلا وليد
هبط للأسفل قابله نوح وأسما.
توقفت أسما متسائلة:
- ليلى فوق؟
هز رأسه وهو يبعد نظره بعيدًا. كان وجهه عبارة عن الغضب والألم.
سحبه نوح متجها للأريكة:
- مالك عامل زي التنين على رأي ليلى.
مسح على وجهه بغضب، وابتسم بحزن يمسح دمعة عالقة بين أهدابه الكثيفة متمسكًا بسيطرته.
- كدا كتير قوي عليا خالص. قوتي بدأت تضعف. مش عارف ألاقيها منين ولا منين.
أخذ نفسًا ثقيلًا ثم زفره بنيران غضبه وألمه.
- كل ليلة بحلم بسليم بيعاتبني، معرفش ليه.
استدار إلى نوح متسائلًا:
- تفتكر عشان قررت اتجوزها؟ ولا عشان اللي قتلوه لسة أحرار؟
تنهد بألم شديد وكأنه يحارب نصل سكين حاد مغروس في صدره. ثم أردف بخفوت:
- ولا عشان كنت بحب مراته. تفتكر سليم حس بحاجة؟ أنا بقيت أكره نفسي بطريقة قذرة قوي ياخي. واحد أخوه لسة مكملش خمس شهور وراح لمراته يهددها بجوازه.
ربت نوح على ظهره.
- كل اللي بتحس بيه دا عشان عايز تهرب من حب ليلى اللي محاصرك يا راكان. قسوتك معاها. واحلامك بسليم دا يأكدلك إنك خايف تقرب يقولوا عليك خنت أخوك. ودا مش صح.
ساد صمت مختنق بنيران قلبه. ثم استدار بوجهه.
- أنا حرمتها على نفسي. مستحيل أنا وهي نكون مع بعض. مستحيل أنسى إنها كسرتني في يوم من الأيام. مستحيل أنسى أنها وصلتني للحظة كرهت أخويا فيها. جوازي منها عشان الولد وبس. هي مش بتعنيلي حاجة أبدًا.
فتح نوح فمه للاعتراض ولكنه أشار بأصبعه.
- ماما اللي طلبت يا نوح. ولولا ماما مستحيل كنت أقرب منها. ومتفكرش هسيب حقي لبنت خالتك.
تذكر بعد وفاة سليم بشهرين.
جلس يدخن سيجاره بشراسة بشرفته.
دلتفت له والدته بالكرسي المتحرك الذي تدفعه سيلين.
- "راكان".
هب واقفا متجها إليها.
- ماما فيه حاجة يا حبيبتي. ليه جاية؟ كنت أبعتلك وأنا أجيلك.
امسكت يديه واردفت:
- اقعد ياحبيبي. فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
وقف مستندا على الجدار خلفه، ونظرة الحزن تتملك منه.
- قولي ياحبيبتي. أنا سامعك.
نظرت إليه نظرة الغريق الذي يبحث عن منقذه. انتابها حالة من الوحشة لقرة عينيها. ظلت تناظره بقلب أم فقدت وليدها.
- تعالي يا راكان جنبي. عايزة أتكلم معاك. قالتها وهي تحاوطه بنظراتها.
جلس بجوارها ثم طبع قبلة مطولة على رأسها حينما وجد نظرات الحزن بعينيها. ليته يمسح على قلبها ويشعرها بالسعادة التي سرقت منها. رفع نظره إليها.
- سامعك يا ست الكل. قولي اللي نفسك فيه.
مسحت على خديه. وانسدلت عبراتها على وجنتيها.
- معدش ليا أمل في الدنيا غيرك وغير ابن الغالي ياحبيبي. ربنا يكمل لمامته حملها ويجيب لنا بالخلقة التامة.
أمن على حديث والدته.
رفعت ذقنه ونظرت داخل مقلتيه.
- بتحب أمك يا راكان؟
رفع يديها وقبلها.
- معنديش أغلى منك في الدنيا ياحبيبتي.
رفع نظره إليها.
- عندك شك في كدا يا ماما؟ عندك شك ماكنتش بحبك؟
ملست على خصلاته الناعمة.
- ابدا ياحبيبي. علشان كدا جيتلك وعارفة إنك مش هتكسر بخاطري.
استمع إليها باهتمام.
- عايزة منك تتجوز مرات المرحوم.
خرجت كلماتها إليه كالسهم الذي اخترق قلبه دون رحمة.
ارتجفت شفتيه وتحدث.
- بتقولي إيه يا ماما؟ عايزة مني إيه؟
لمست خديه ونظرت إليه بدموع عينيها تترجاه.
- البنت لسة صغيرة وحلوة قوي. أنا مش هظلمك طبعًا إنك تتجوز واحدة كانت متجوزة. ثم أكملت مستطردة:
- ليلى بنت حلال. وأنا حبيتها ومش عايزة أخسرها. والبنت تتحب ياحبيبي. والله يرحمه كان بيموت فيها. لولا الشيطانة اللي دخلت بينهم. هقول إيه غير حسبي الله ونعم الوكيل فيهم زي ما حسروني على ابني.
***
أغمض عينيه مستسلمًا لعذاب روحه لعله يجد ما يقوله. فتح جفنيه بهدوء يطالعها. وحاول الحديث. ولكن كلماته هربت كأنه أبكم لا يعلم الحديث.
ربتت على كتفه وتحدثت:
- ليلى لو مشيت من البيت دا واخدت الولد أمك هتموت يا راكان. عارف يعني إيه؟ يعني أملي فيك كبير يابني أنها تفضل حواليا من ريحة الغالي. كل لما أشوفها هفتكره. كل ما أشم ريحتها هشم ريحته ياحبيبي. ربنا يسعد قلبك يابني. مش عايزة منك غير الطلب دا بس. وبعد كدا مش هطلب منك حاجة لعند ما أموت.
رفع كفيها يقبله ودموعه تساقطت بغزارة على قدره الذي يصفع قلبه بقوة قائلًا:
- أنا حياتي كلها تحت رجلك يا ست الكل. ومهما أعمل مش هوفيلك حقك يا أمي. لكن موضوع جوازي منها صعب. مش هقدر. وحضرتك لسه قايلة سليم كان روحه فيها.
احتضنت وجهه بكفيها المرتعش وتحدثت.
- وانت إيه ياحبيبي وسليم إيه؟ عندك شك في حب أمك ليك زي سليم الله يرحمه؟ يارب يابني مشوفكش زيه أبدا. وافق ياحبيبي عشان خاطر أمك وافق. أنا عارفة إنك الوحيد اللي هتقدر تحافظ على ابن أخوك. غير جدك مش هيسيب البنت في حالها صدقني أنا أعرفه أكتر منك.
صمت لبرهة قبل أن يقول بفظاظة:
- طيب أنا لو وافقت هي هتوافق؟
ربتت على كتفه:
- هتوافق لما تعرف اللي جدك عايز يعمله.
وقف كالملدوغ ونظر بتوهان إليها.
- ليه جدي عايز إيه؟ قالها وهو يكور قبضته.
أخذت نفسًا طويلاً:
- مش ناوي على خير. بيقول هيسبها تولد وياخد منها الولد. ومالهاش حق فيه. بيقول دا حفيده ومستحيل يسيبه يتربى بعيد عنه.
صدمة ذلذلت كيانه وشعر باحتراق صدره. جعله يرفع يديه يمسح صدره مغمضًا عينيه ألمًا لما يشعر به.
- أكيد مش هتسيب جدك يعمل فيها كدا. مش كدا؟ وانت الوحيد اللي تقدر تحافظ عليها.
استدار لوالدته.
- موافق يا ماما. أنا مش هسيب جدي يتحكم في ابن أخويا اللي لسه ما وصلش للدنيا.
ابتسمت والدته.
- ربنا يكملك بعقلك ياحبيبي ويبارك لي فيك. نادي على سيلين توديني عند ليلى.
- تعالي أوديكي أوضتك. وسيلين هتقولها تروح لك.
- لا ياحبيبي أنا عايزة أروح لها بنفسي. هي الحمل تاعبها. وزي ما قولتلك من شوية جدك مش ناوي على خير.
دفعها متجها لغرفة ليلى.
- خلاص هوديكي أنا عند ليلى. ابتسمت برضا ودعت في نفسها:
- يارب يابني تكون من عندك ونصيبك.
وصل إلى الغرفة المنشودة وقام بطرقات خفيفة عليها.
قامت بفتح الباب وعيناها منتفخة من البكاء وشعرها يتطاير بعشوائية على وجهها. لم تعتقد أنه سيصعد إليها بعد حديثه الأخير بحبسها بالغرفة لأنه لا يريد أن يراها.
نظرت إليه متفاجئة ودموعها محجرة بعينيها.
- راكان. قالتها بتقطع.
رعشة قوية ضربت جسده عندما وجدها بتلك الهيئة التي أدمت قلبه. وصوتها باسمه الذي جعله يحبس أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصب في جسده حتى يسيطر على قلبه الضعيف. حقًا مهما يقسو عليها. ويحادثها بأبشع الأحاديث إلا أنها قلبه النابض. فلم يره منذ وفاة أخيه بشهر.
- ماما جاية. قاطعت حديثه عندما أسرعت للداخل تضع وشاحها فوق رأسها. رجعت بعد لحظات.
- آسفة يا ماما. كنت فاكرة سيلين. متوقعتش حضرتك النايب.
ابتسمت لها وربتت على يديها.
- ولا يهمك ياحبيبتي. أنا اللي خليته يوصلني. وحشني الكلام معاكي. بقالي كتير مشفتكيش.
- عايزة أتكلم معاكي ياليلى ممكن يابنتي. قالتها زينب.
- أيوه طبعًا حبيبتي اتفضلي.
جاءت لتأخذ مقعدها المتحرك.
- لا يابنتي راكان هيدخلني البالكونة لحد ما تغسلي وشك الوارم دا.
رفعت نظرها إلى راكان وبهدوء ظاهري ونبرة عميقة وهي تناظره.
- ممكن تاخدها لجوا ياحضرة النايب لحد ما أرجع.
كانت والدته توزع نظراتها بينهما.
رمقها بنظرة خاطفة وتحرك دون حديث وكأنها لم تكن.
اتجه بنظره لثيابها الموضوعة على طرف الفراش. كانت عبارة عن منامة شفافة باللون الأسود.
أبعد نظره سريعا للجهة الأخرى. ولكن كيف لرجل عشق امرأة أن يتغاضى عن تفاصيلها.
بلع ريقه بصعوبة وتحدث لوالدته.
- حاولي متتعصبيش ياماما ولو كلمتك بحدة عرفيني. قالها ظنًا أنه يهرب بنظراته عن شيئًا يخصها.
فكيف لقلبه المتألم الذي أعطاه القدر لكي يحيا مرة أخرى.
وصلت إليهما ليلى. قبل جبين والدته.
- أنا خارج دلوقتي. محتاجة حاجة؟
اتجهت بنظرها لليلى.
- كنت عايزة تخرجي مع ليلى مشوار ياحبيبي. حتى لو هتاخدها لامها حتى بدل ما هي حابسة نفسها كدا.
نظرت إلى راكان ثم اتجهت لوالدته.
- أنا كويسة يا ماما. لو تعبانة هقولك.
- روح يا راكان اجهز وليلى هتجهز علشان توديها بيت أهلها ياحبيبي وانت راجع من مشوارك تجيبها.
تحرك وهو يتحدث.
- جهزي نفسك وانزلي. فركت يديها قائلة.
- مينفعش أخرج يا ماما. أنا لسة في شهور العدة.
وقف لدى الباب وأستدار يرمقها.
- يعني اللي مانعك من الخروج شهور العدة؟ ليه المدام كانت ناوية على إيه لو مفيش شهور العدة؟
استدارت إلى زينب.
- ماما زينب لو سمحت. عرفي المستشار أننا بنلتزم بدينا مش بالمظاهر. وأنا مش هستنى بعد شهور العدة هنا. واتكلمت مع ماما زينب من يومين في كدا.
هنا علم لماذا طلبت والدته الزواج منها. خطى سريعا للخارج وكأنه يهرب من عدو يطارده.
ظلت تتابعه بنظراتها بحزن على معاملته الجافة لها منذ وفاة سليم وتحملها موته.
كانت تتابعها بنظراتها. ثم تحدثت.
- حبيبي كل حاجة جت فوق دماغه. حزين أوي على أخوه. غير تعبي وتعب أبوه. وكمان حملك ومسؤوليتك.
ضيقت عيناها وتحدثت.
- وماله ومالي. أنا هعرف أتولى شؤن نفسي وابني كويس يا ماما.
- تعالي ياليلى جنبي عايزة أتكلم معاكي.
جلست بجوارها. مسحت على ذراعيها بحنان.
- راكان مفيش أحن منه وكمان مفيش أجدع منه والله يابنتي مش بقولك كدا عشان هو ابني. بكرة لما تعاشريه هتعرفي قصدي.
وقفت تفرك يديها وأردفت.
- لا أعرفه ولا يعرفني يا ماما. أنا فيه موضوع كنت عايزة أتكلم مع حضرتك فيه بس لما أرجع من عند الدكتور.
- تمام روحي يابنتي اجهزي. علشان مش تأخريه عن ميعاده وهو هيروح معاكي. أومأت برأسها وتحركت تستعد للذهاب بصحبته للطبيب.
بعد قليل تجلس بجواره في السيارة.
وضعت رأسها على زجاج النافذة تنظر بالخارج وتذكرت تلك الليلة قبل وفاة سليم بأسبوعين.
- كنت فين يا سليم؟ وأنا تعبانة في المستشفى.
اهتزت نظراته أمام ثورتها فلم تسعفه الكلمات.
مسح على وجهه بعنف واردف.
- كنت سهران مع فرح ومعرفش نمت إزاي.
ثم استدار لها.
- والله ما أعرف دا حصل إزاي، يعني إيه نمت مع فرح.
ابتلع ريقه وتحرك للمرحاض.
- هو انت هتحققي معايا؟ مش حضرتك اللي كل شوية مانعة نفسك عني ومش عايزة نتكلم ولا نخرج مع بعض؟ أهو رحت قعدت شوية مع بنت عمي ومحستش بنفسي إلا وهي بتصحيني من الجنينة. لسه فيه أسئلة تاني؟
- أيوه.
أشارت لباب الغرفة وتحدثت.
- مش عايزة أشوف وشك هنا في الأوضة، مستحيل أقعد مع واحد اغتصبني.
جن جنونه واقترب يمسكها بغضب.
- مفيش راجل بيغتصب مراته إلا لما مراته بتبعد نفسها عنه، وانت منعت نفسك عني في وقت كنت محتاج مراتي، إيه أجرمت؟
وتذكرت مرة أخرى اليوم الذي علمت بكذبه.
اقتربت منه وبدأت تلكمه في صدره.
- ليه تعمل فيا كده؟ روحت خونت بعد جوازنا بشهرين، أومال لو قعدت سنة هتعمل إيه؟ وجاي تقولي كنت نايم في الجنينة وأنت نايم في حضنها.
ضمها لحضنه وأردف.
- والله يا ليلى ما أعرف إيه اللي حصل.
دفعته بقوة وظلت تصرخ في وجهه.
- إياك تلمسني يا خاين! أنت واحد خاين يا سليم!! مستحيل أكمل معاك دقيقة واحدة من اللحظة دي، أنت في طريق وأنا في طريق. وابنك وقت ما ييجي على وش الدنيا تعالى شوفه.
جحظت عيناه من كلماتها.
- لا يا ليلى مستحيل أبعد عنك.
اقترب محاولاً ضمها.
- والله يا حبيبتي غصب عني وأنا مش فاكر حاجة، معرفش إيه اللي حصل.
نظر لأخيه ووالدته.
- أنا مش فاكر حاجة، مستحيل أخون البنت اللي بحبها، مستحيل.
خرجت من شرودها وهي تصرخ.
وضعت يديها على أذنيها وبدأت تبكي بهستيريا.
توقف راكان بجانب الطريق.
- ليلى مالك، إيه اللي حصل؟ موجوعة من حاجة؟
استدارت ودموعها تنذرف بقوة.
- أنا مكنتش أعرف إنه عمل حادثة، والله ما كنت أعرف. هو مات زعلان مني مش كده؟
نظرت إليه بدموعها.
- قول لي وريح قلبي، هو مات زعلان مني مش كده؟
سحب نفساً طويلاً ثم زفره مرة واحدة وهو ينظر أمامه دون رد. حاول أن يسيطر على حاله حتى لا يصفعها، فكلما تذكر ذاك اليوم ينشطر قلبه. حدجها بنظرة استخفافية وتحدث.
- متخافيش، سليم مش من النوع اللي قلبه أسود، ممكن يشيل من حد قبل ما يموت. وخاصة لو الحد ده كان معتبره كل حاجة في حياته. وبلاش كل شوية دموع التماسيح بتاعتك دي.
قالها ثم قاد السيارة دون حديث آخر. تطلعت عليه بصدمة. ثم أغمضت جفونها محاولة استيعاب ما شطر قلبها به.
بعد قليل وصل أمام العيادة النسائية. ترجل وهو يرمقها قائلاً.
- انزلي ولا مستنية أشيلك.
أحست بانهيار لم تشعر به من قبل. فرفعت بصرها إليه وتحدثت.
- هتفضل تعاملني كده لحد إمتى؟
تضجرت ملامحه بغضب وامال بجسده ينظر إليها من تحت نظارته السوداء التي تخفي معالم حزنه منها ومن نفسه. فتحدث بهسيس.
- أنت مين عشان أحطك في دماغي؟ وأعاملك بكده ولا غيره؟ أنت معايا عشان ابن أخويا اللي حضرتك مهنش عليك تيجي تودعيه وهو مكنش بيقول غير اسمك.
افترسها بملامحه الحادة وأشار بيديه عليها.
- عايزة تعرفي أنا شايفك إيه دلوقتي؟ شايفك أسوأ نقطة مرت بحياتي. ويالا انزلي مش عايز كلام تاني.
وصل لغرفة الطبيبة وهي خلفه. كل انش بجسدها يتألم من قسوته. ماذا عليها أن تفعل حتى تخرج من تلك الاتهامات الشنعاء؟
تسطحت على فراش الطبيبة للكشف. وضعت الطبيبة السائل على بطنها بمساعدة جهاز الفحص. كان يقف بعيداً بعض الشيء. رفعت الطبيبة نظرها إليه وابتسمت.
- مش عايز تسمع نبضات قلبه ولا إيه؟ قرب عشان تشوفه.
خطى بهدوء ودقات قلبه بالأرتفاع. ينظر لتلك الشاشة التي يظهر بها ابن أخيه الذي لم يكتمل بعد.
أشارت الطبيبة إليه.
- شوف هو خلاص على وشك الأكتمال الخارجي. النهاردة دخلنا في الشهر الخامس نقدر نقول مبروك. عقبال باقي الشهور.
قامت بتشغيل نبضات قلبه. الذي بدأت بالأرتفاع وحركته أمامهم. انسدلت دموع ليلى عندما تذكرت سليم في أول كشف لهما.
كان يقف مكانه وينظر بسعادة إلى الشاشة حتى دمعت عيناه. ثم اقترب منها يطبع قبلة على وجنتيها هامساً إليها.
- مبروك يا أجمل مامي في الدنيا كلها.
ربتت على كفيها مبتسمة.
- الله يبارك فيك يا سليم. ربنا يجيبه لنا بخلقة تامة ويجعله ذرية صالحة.
رفع كفيها يطبع قبلة وينظر لعيناها.
- أهم من الولد أنت يا حبيبة سليم. المهم تقومي بالسلامة.
هنا فاقت من ذكرياتها بشهقة خرجت من فمها تبكي بنشيج حينما تذكرته. تمنت لو يعود بها الزمن لدلفت لأحضانه دون الخروج منها أبداً.
اعدلتها الطبيبة وقامت بمساعدتها. عندما خرج راكان سريعاً من أمامها حتى لا يضعف ويضمها لأحضانه يربط على قلبها. ولكن كيف له أن يفعل ذلك وهو بدى يظهر بأنه الخائن لأخيه؟ ضغط على نفسه يلوم حاله.
- كيف أفكر بذلك وأخيك لم يكمل بقبره سوى عدة شهور.
ظل بالخارج حتى خرجت بمساعدة الممرضة جسداً خالياً من الحياة.
خرج من شروده يزيل دموعه التي خرجت عن سيطرته وهو ينظر إلى نوح.
- بحاول ألاقي لها عذر يا نوح مش لاقي غير وجع قلبي أنا وأخويا. عارف إنك هتزعل مني بس حقيقي مش قادر أسامحها.
بالأعلى بغرفة ليلى. وصلت الطبيبة وقامت بفحصها.
- لا يا مدام ليلى كدا أنت اللي هتموتي. إهمالك لنفسك كدا ده دمار لنفسك.
قاطعت زينب حديثها تنظر لليلى بحزن.
- كدا يا بنتي عجبك نفسك كدا؟ ليه مش بتحافظي على نفسك؟ يعني أنا بلوم راكان بس هو عنده حق. مينفعش اللي بتعمليه ده.
كانت تنظر في اللاشيء ولم تجيب أحداً. دونت الطبيبة بعض المحاليل.
- لازم من المحاليل دي. جسمها بقى ضعيف. الضرر مش على الجنين قد ما عليها. أتمنى يا مدام ليلى تهتمي بصحتك شوية.
خرجت الطبيبة بمصاحبة سيلين حيث وجود راكان الذي أوصى أخته بمقابلتها بعد فحص ليلى.
وقفت أمامه وتحدثت قائلة.
- كان نفسي أطمنك ياحضرة المستشار. لكن للأسف حالة مدام ليلى كل شهر بتدهور عن اللي قبله. هي دلوقتي في أخر الشهر السادس. ولو فضلت بالطريقة دي ممكن تموت.
اتسعت عيناه من هول ما تلفظت به وهبت زعابيب غضبه وهو ينظر لأخته.
- أنا مش قولتلك لازم تهتمي بيها يا سلين وتغصبي عليها في الأكل.
قاطعته الطبيبة قائلة.
- مدام ليلى محتاجة دكتور نفسي. أنا معرفش إيه اللي حصل معاها. بس حالتها دي حالة نفسية وممكن تكون اكتئاب فياريت نراعي معاملتها شوية.
قالتها وخرجت.
طاحت يمينه بكل ما يقابله على سطح مكتبه وجهر بصوت غاضب.
- بتعمل كدا عشان تموت الولد. عايزة تهرب من البيت والله لأدفعك التمن يا ليلى اصبري عليا.
نهض نوح وتوقف أمامه.
- الصراحة مش قادر أفهمك، أنت بتعاقب ليلى على أساس إيه؟ عايز تهرب من نفسك؟ اهرب بعيد عنها. راكان أنا مش هسمحلك إنك تحملها مسؤولية موت سليم. أنت عارف ومتأكد إنه مات بسبب قضيتك. غير إنك كنت المقصود. بلاش تخليني أفقد أعصابي عليك وأنسى إنك صاحبي.
ليلى قبل ما تكون بنت خالتي فهي بتعتبرني أخوها الكبير. اتأكد لولا مرض والدها مكنتش قعدت في البيت ده يوم واحد. عدتها خلاص باقي أيام وتخلص.
جحظت عيناه ناظر لنوح وتحدث بدقات عنيفة.
- قصدك إيه من عدتها؟
اقترب نوح وهو يدقق النظر بمقلتيه.
- ليلى هتبقى حرة نفسها. يعني مالكوش دعوة بيها. فأنا لو سبتها قاعدة هنا كام يوم كمان فده إكراماً مني عشان والدتك مش أكتر. إنما ضغطك عليها يوصلها أنها تدخل اكتئاب فلا يا صاحبي وقتها هدوس عليك ومش هرحمك. ومتقدرش تغصبها على حاجة هي مش عايزها.
بلع غصة مريرة وهو يطالعه بصدمة من حديثه.
- قصدك إيه يا نوح؟ يعني ممكن تبيعني عشانها.
قاطعهم دخول يونس قائلاً.
- مساء الخير يا راكان.
اتجه بنظره إلى نوح وتحدث.
- والد ليلى بره مع ابن عمها.
اتجه بنظره إلى يونس وكأنه تلقى صفعة على وجهه. والدها بره.
جلس نوح يضع ساقاً فوق الأخرى ينظر لأصابع يديه ثم غمز إلى يونس قائلاً.
- هو أنا مقولتلكش يا حضرة المستشار إن باباها هييجي ياخدها في وقت من الأوقات. بس هو جاي النهاردة عشان يعرفها إن ابن عمها طلب يتجوزها وراضي كمان بابنها. فأنا جيت أمهد لطنط زينب. وأعرف حضرتك ليس إلا.
وقف وكأن الأرض تدور به وكأنه شعر بالظلام يحاوطه حينما أحس أنه مكبل الأيدي من فعلتهم النكراء. اقترب من نوح بخطى سلحفاوية ونظرات جحيميه يود أن يحرقها بها. فنزل بجسده يحاوطه بذراعيه.
- عارف ممكن أموتك دلوقتي ومالكش دية عندي.
قالها حينما أطبق على عنق نوح. في حين كتم يونس ضحكاته واقترب من راكان يدفعه بعيداً عنه.
- اتجننت؟ هو كان عمل إيه؟
أبوها برة مع والدتك وعايز بنته بعد عدتها ومن حقه.
ظل يطبق فوق عنق نوح وهمس بفحيح:
- هتخرج تقنعه وتقوله ليلى مش هتسيب البيت دا وراكان هيتجوزها عشان ابن أخوه ميبعدش بعيد. ومتنساش تقوله هي موافقه، سمعتني يلا.
دفعه يونس عندما وجد شحوب بوجه نوح:
- يخربيتك هتموته. طيب ماتروح تقوله الكلمتين دول. مش انت العريس.
تحرك من أمامهم وهو يردف:
- وماله هروح أقوله. بس لازم اطلعلها الأول.
وصل بعد لحظات لغرفتها، دفعها بقوة ودلف للداخل. كانت أسما وسيلين تجلسان يطعمناها.
ذهلت أسما من طريقة دخوله. رمق ليلى بنظراته قائلاً:
- اطلعوا برة عايز الباشمهندسة في كلمتين.
نهضت أسما أمامه وتحدثت:
- طيب ممكن بعد ماتخلص أكلها.
- قولت برة عايز اكلمها على انفراد.
سحبت سيلين كف أسما وتحركت حينما وجدت حالة أخيها. خطى حتى جلس أمامها على المقعد يطالعها لعدة لحظات وهي تنظر بعيدا عن مرمى عيناه.
- والدك تحت جاي عشان يعرفك انه هياخدك بعد كام يوم. استدارت بوجهها إليه مبتسمة وحاولت النهوض. ولكنها تصنمت بجلستها حينما اكمل:
- وطبعا مينفعش تخرجي من بيت جوزك. نهض يبتسم على ذهولها وأكمل:
- عشان انت هنا في حكم مراتي دلوقتي. يعني قدرك معايا.
ارتجفت شفتيها وحاولت الحديث قائلة بصوت متقطع:
- بس أنا مش موافقة. مش عايزة اتجوزك. وقولتلك قبل كدا.
نهض من مقعده واقترب ينزل بجسده يحاوط جلوسها. ودنى منها حتى استنشق عبيرها واختلطت أنفاسه بأنفاسها قائلاً وهي ينظر لمقلتيها:
- ليه مش أنا اللي خفتي عليا من أمجد وحاولتي تبعديه عني ليقتلني. مش أنا اللي حبتيه وروحت اتجوزتي أخوه.
كان قريب من وجهها بطريقة غير المسموح بها. نظرت لعيناه تسأل نفسها:
- هل هذا بالفعل الذي أحبته وفعلت من أجله ماحطم قلبه.
دنى أكثر وأكثر هامساً بصوته الرجولي:
- عايز اقولك انت لو آخر واحدة عشان أحبها عمري ماهحبها عارفة ليه. نظر لداخل ليلها الأسود الذي لمع بخيط من الدموع قائلاً:
- لأنك أكتر واحدة كرهتها في حياتي. وجوازنا هيتم غصب عنك وبشكل صوري. ودا عشان أعرفك يوم ماتحاولي تعاقبيني وتوجعي قلبي زي ماقولتي قبل كدا. تفتكري عملت فيك ايه.
مش راكان البنداري اللي ياخد بقايا غيره. وانت بقايا من أخويا. انت النقطة السودا في حياتنا إحنا الاتنين. هو عشان مفهمش الست اللي اتجوزها ماهي إلا أنها ترضى غرورها وتعاقب اخوه. وأنا لاني في يوم من الأيام فكرت اني ممكن احب واحدة زيك.
قالها ثم اعتدل يرمقها بسخرية على ملامحها التي شحبت وأكمل ليؤكد لها جوازه منها ماهو إلا انتقام ليس إلا:
- باباكي مريض. واخوكي طبعا معدش زي الأول من وقت ماأمجد علم عليه. ومن عملية لعملية. ولولا تدخلي مكنش هيدخل امتحانات السنادي غير المدرسين اللي بيرحوا لعنده البيت. غير قضية طلاق أختك اللي جبتها من فم الأسد. ضيفي على دا كله اني ممكن اخد منك الولد واحرمك منه.
جلس مرة أخرى وأكمل بغرور رحل حطم كبرياء أنثى:
- زي ماقولتلك هتعيشي هنا مكرمة معززة وأم حفيد البندارية اللي هتحميه برموش عيونك. وعلاقتي بيك زي ماهي يعني مش هقرب منك.
قوس فمه ونظر بإستعلاء قائلاً:
- مبحبش المستعملين وخصوصا لو كانت في حضن أخويا في يوم من الأيام. نهض واقفاً وأكمل:
- بلاش شغل الضعف والمناحة اللي كل شوية تعمليها دي. لأنك مهما تعملي هتفضلي هنا برضو.
استدار متحركاً ولكنه تسمر حينما أردفت:
- طيب لو الولد نزل. هفضل هنا بصفتي إيه.
استدار سريعاً إليها. ووصل إليها بخطوة واحدة:
- الولد لو نزل وكان ليك يد فيه صدقيني هدفنك معاه. أما لو نزل قضاء وقدر هتفضلي هنا برضو وهنتجوز اصلي نسيت اقولك امي قالتلي انها بتشم ريحة إبنها فيك يامدام.
نزل بجسده واقترب يكرر كلماته بصوت مختنق:
- بتشم ريحة سليم فيك. شوفتي أحسن من كدا كلمات. تخيلي بقى لما تكوني قدامي كدا زي ماما ماقالت ريحة أخويا فيك يامدام. فياريت تحافظي على ريحة أخويا. وتعرفي أني مستعد احرق الكون عشان كلمة امي دي. ماهو انا حرقت قلبي قبل كدا لأخويا. فعادي أحرق الدنيا عشان أمي.
في فيلا خالد البنداري جلست عايدة وفريال:
- بس دي مخاطرة ياعايدة. انت فاهمة يعني إيه ولد ينزل في الشهر السادس دا ممكن الأم تموت كمان.
نهضت عايدة وهي تتحدث بفحيح:
- اومال اسبها تتهنى بالعز دا كله. بعد مانفى بنتي لأخر البلاد وحرمها تيجي هنا. لا وكمان عايز يتجوز المدام. والله لأحرق قلبهم على حفيدهم. استدارت تكمل حديثها كساحرة:
- لو ليلى مشيت وابنها مات ممكن سلمى تتجوز راكان. شوفي بقى راكان يعتبر هو المالك الأساسي لأمبرطورية البنداري. وفي نفس الوقت اكون شفيت غلى من زينب والزفتة ليلى.
نهضت فريال تربت على ظهرها:
- أنا حاسة بيك. بس متنسيش لو توفيق عرف ممكن يموتنا. وهو قال هياخد الولد بعد ماتولده. يعني بلاش نتسرع.
استدارت ترمقها بسخرية:
- إيه يافريال بقيتي تخافي ولا إيه. انت ناسية ان يونس لسة ماكتبش على سارة. ودفنو موضوع سيلين ومنعرفش إيه اللي حصل بين راكان وجده. مش واخدة بالك انهم بقوا يقربوا من بعض. دا حتى لسة شيفاه قاعد مع راكان بيشرب قهوته. مفكرتيش أن فيه موضوع ورا راكان من كدا.
هزت رأسها وتحركت تعطيها زجاجة:
- لازم نخلص من الولد. ودا هيتحط في قزازة الدوا وتاخده كأنه دوا. ولا مين شاف ولا مين دري.
تنهدت فريال وبدأت تفكر بتلك الفكرة التي ستؤدي بهم إلى الجحيم. فأومات برأسها:
- حاضر هروح كأني بطمن عليها واغيرها بالدوا. بس حلو نوع الدوا دا عرفتيه إزاي.
أشارت للدوا قائلة:
- دا اي حامل بتاخده. سألت يونس بخبث كدا. وجبته وطبعا بدلت اللي فيه.
بمنزل جواد الألفي:
جلس جاسر أمام والده. يضع بعض الملفات الهامة:
- ودا كمان وصلنا له. تراجع جواد بظهر يحرك قلميه ثم رفع نظره إلى جاسر:
- المعلومات دي غلط ياحضرة الظابط. دقق في الملف وانت تعرف. دا كمين بيسحبوا بيه راكان ليس إلا.
ضيق عيناه متسائلاً:
- معقولة يابابا. دا كدا يبقوا شياطين. أنا إزاي مااخدتش بالي فعلا من البنت دي. طيب ممكن يكون راكان عارف حاجة ومخبي.
نهض جواد واتجه يجلس بمقابلته:
- راكان عارف كل حاجة بس بيسويهم على نار هادية. وأعتقد أنه مرديش يقولك حاجة عشان خاف عليك بعد اللي حصل لأخوه.
مسح جاسر على وجهه محاولا إستيعاب حديث والده:
- ممكن ياحضرة اللوا تفهمني براحة ماهو انا مش زي معاليك برضو. أنا لسة تلميذ.
أمسك جواد الملف ورفعه أمامه:
- هو فيه واحد هيروح يسيب ورق يوديه في داهية في غرفة اجتماعات قدام وكيل نيابة برضو. دا طعم ياأهبل. عايزين يشدوا بيه راكان. ويطلع صورته قدام الكل وحش. غير أن اسم جده وباباه في كل ورقة. هم عايزين يفهمه إن دا الورق المهم. بس عجبني وعرف يلعبها صح وأخد الورق يفهمهم انه المطلوب.
وهو بيخطط من ناحية تانية. بس بيخطط لأيه دا اللي هنعرفه قريب.
نهض يشير إلى جاسر:
- اللي زي راكان دا ميسبش حقه ابدا. وغير انه ميغامرش بسمعة باباه. حتى جده اللي عرفنا انه بعيد تماما عن حادث اخوه. بدليل خناقاته وفض شركاته مع الشربيني.
توقف جاسر متسائلاً:
- طيب يابابا ليه أمجد لحد دلوقتي مش بيحكموا عليه.
ربت جواد على كتف ابنه قائلاً:
- كل حاجة بميعاد، وأمجد مش واحد عادي. واللي متأكد منه إن راكان ناوي يوصله لأقصى عقوبة، مش مجرد عشر أو خمستاشر سنة.
عند عاصم، جالس بجوار آسر الذي رجع من سفره.
- يعني إيه يابني؟ إنت هتتجوز ليلى؟
تدخلت زينب حتى تهدئ عاصم.
- ليلى حامل في ابن سليم يا أستاذ عاصم، وأنا مقدرش ابعدها عني. وبعدين ليلى حلوة وأي حد يتمناها. ولا إنت هتستكترها على راكان؟ ومتخافش، راكان زيه زي سليم هيحطها جوه عينه.
قاطعهم آسر محمحماً.
- عارفين طبعاً حضرتك، وحضرة المستشار لا غبار عليه. لكن إحنا آسفين والله. أنا أولى ببنت عمي، وأنا أصلاً كنت ناوي أتوزها بس الباشمهندس سابقني ومقدرتش أتكلم وقتها وسافرت. ولما عرفت اللي حصل رجعت عشانها.
- من الآخر كده يا هانم، أنا بحب ليلى بنت عمي ومستحيل أتسلى عنها. وبما إنكم أهم حاجة حفيدكم، إحنا مش هنحرمكم منه.
هب من مكانه يرمق نوح للتدخل. فوقف نوح أمام عاصم قائلاً:
- عمو عاصم، راكان كان لسه بيقولي إنه عايز يروح لحضرتك عشان يطلب إيد ليلى، قبل ما نعرف موضوع آسر.
نزلت ليلى بمساعدة سيلين وأسما. هرولت لوالدها بجسدها الواهن تحتضنه وتبكي.
- بابا حبيبي، وحشتني قوي.
قبل جبينها يمحو دمعاتها.
- إيه دا يا ليلى؟ ليه كده يا بنتي؟ إيه اللي عمل فيكِ كده؟
مسحت على أحشائها مبتسمة من بين دموعها.
- قول لجدو، أنا تاعب ماما قوي ومخليها مش عارفة تنام يا جدو.
جذبها بقوة لأحضانه كأنه يحبسها بداخل صدره.
- حبيبي جدو، فداك جدو إنت وماما يا حبيبي.
انسدلت دموع زينب تطالع ليلى. كان راكان يراقب والدته، كور قبضته حتى ابيضت مفاصلها. خاصة عندما اقترب آسر منها ينظر بإشتياق حبيب إليها.
- ليلى عاملة إيه؟ وحشتيني.
ابتسمت إليه وأجابته.
- الحمد لله. حمد الله على سلامتك يا آسر. جيت إمتى؟
قطع حديثهم راكان قائلاً:
- اقعدي، متقفيش كتير عشان ماتتعبش.
جذبها والدها لأحضانه جالساً بجوارها ينظر لبطنها التي بدأت بالظهور.
- وصلتي للشهر الكام حبيبتي؟
وضعت رأسها على كتف والدها تتحسس جنينها بحنان.
- في السادس يا حبيبي. هانت أهو، كلها كام شهر ويشرف حفيدك.
رفع ذقنها وسألها.
- عايزة تيجي معايا بعد كام يوم؟ ولا تفضلي هنا لحد ما تولدي؟ ولا ناوية على إيه؟
رفعت نظرها إلى راكان وتحدثت.
- لا يا بابا، هفضل هنا خلاص. البيت ده بقى بيتي.
ثم اتجهت إلى زينب قائلة.
- مقدرش أبعد ماما زينب عن حفيدها.
هب آسر كالملدوغ، فهو كان يأمل برفضها. فتحدث متسائلاً.
- بصفتك إيه يا ليلى هتقعدي هنا؟
رمقه راكان شزراً، فنهضت من مكانها متجهة إليه تقف بجواره.
- بصفتي هكون مرات حضرة المستشار يا آسر.
لم يشعر بنفسه حينما سحب كفيها يشبك أصابعه بأناملها النحيلة. شعر كلا منهما برجفة تسري لجسديهما. اتجهت بنظرها إليه وحادثته بعينيها.
- أتظن أنني أتخلى عن كبريائي سيدي القاضي؟ أجننت؟ ألم تعرف أن الأنثى إذا تحطم كبريائها تحولت لمفترسة شرسة تأخذك بين أنيابها.
مرحباً بك معذبي في نار أنثى حطمت قلبها الذي عشقتك به. فاليوم منذ تلك اللحظة، سأحضنك مع ذكرياتي المؤلمة.
أما هو، ناظرها وتحدثت عيناه.
- أعلم أنك لن تنهزمين بتلك السهولة، كما أعلم أنك ستعاقبيني بأشد عقابك، وهو نبض قلبي لك. ولكن مهلاً مولاتي، ألم تعلمي ليس على العاشق حرج، كما ليس على المجروح من عشقه حرج. مرحباً بك مولاتي في جنة جحيم معذبك.
بمزرعة نوح.
عاد نوح وأسما إلى المزرعة. دلفت لداخل المنزل وألقت بجسدها على الأريكة.
دلف خلفها ينظر إليها رافعاً حاجبيه.
- لا والله، يعني أنا تركت المعركة عشان حضرتك تيجي تنامي على الصوفية كدا.
أغمضت عيناها ووضعت كفيها فوق وجهها.
- نوح، أنا تعبانة وعايزة أرتاح شوية. ممكن تسبني شوية حبيبي لو سمحت.
جلس بجوارها ثم جذبها لأحضانه رافعًا ذقنها.
- مالك يا أسما؟ من وقت ما خرجنا من عند راكان وإنت ساكتة.
أستدارت تضع رأسها بصدره وتبكي قائلة:
- ليلى صعبانة عليا جدًا يا نوح. أول مرة في حياتي أشوفها ضعيفة ومنهارة كدا.
مسد على خصلاتها بعدما حررها من حجابها.
- حبيبي، إحنا كنا متوقعين بعد موت سليم راكان هيعمل فيها كدا. متنسيش سليم مات وكان نفسه يشوفها وهي عاندت وكبرت.
خرجت من أحضانه تطالعه بعيونها الباكية.
- ليه هي كانت تعرف أن دا كله هيحصل؟ ليه محدش عايز يعذرها؟ مش كفاية هي محملة نفسها موته؟ لا كدا كتير على فكرة. ولازم راكان يفوق قبل ما يخسرها.
رجعت بجسدها تستند على الأريكة وأكملت:
- تعرف النهاردة قالتلي إيه؟ قالتلي أنا خسرت الشخص الصح وعمري ماهعوضه. دي كارهة راكان جدًا.
زفر نوح ثم اعتدل بجلوسه ممسكًا كفيها.
- أسما حبيبتي، ليلى بتقول كدا عشان مجروحة من راكان مش أكتر. وأنا بأكدلك وقت ما ياخدها في حضنه وحياتك يا قلبي، لا تنسى حتى قالها إيه في يوم من الأيام.
ذهلت أسما من حديثه فأردفت قائلة:
- أنت إزاي بتقول كدا؟ بقولك دا مدمرها نفسيًا وجسديًا. أنت عارف هددها عشان توافق تتجوزه.
أطلق نوح ضحكة صاخبة ورفع حاجبه بسخرية.
- وصدقتي الفيلم الهندي اللي عمله دا؟
ظل يطلق ضحكاته وهو يضع كفيه على عنقه عندما تذكر هجوم راكان عليه وتحدث من بين ضحكاته:
- يابنتي دا كان هيخنقني. وحياة ربنا لولا يونس كنت زمانك بتقولي الله يرحمك يا نوح يا حبيبي.
ضيقت عيناها وأقتربت تناظره بإستفهام لم تفصح عنه شفتيها.
- أنا مش اتصلت بعمو عاصم وقولته تعالى زور ليلى عشان الحمل تاعبها؟
هزت رأسها وانتظرت تكملة حديثه فأكمل:
- دخلت ألعب معاه وفهمته أن ليلى شهور عدتها هتخلص. وأن باباها جاي ياخدها عشان آسر هيتجوزها.
أطلق ضحكة كلما تذكر ما صار.
- عارفة التنين عمل إيه؟ دا حتى المتخلف مفكرش أنها حامل. لا، كل اللي فكر فيه أنها هتسيب البيت. رغم الغبي لو فكر شوية هيعرف أن شهور عدتها بعد ولادتها. لا، مجرد ما عرف أن فيه حد بيفكر فيها وأنها هتمشي اتجنن وكان هيموتني. وراح زي المجنون يضغط عليها.
برقت عيناها تحاول استيعاب حديث زوجها.
- أكيد بتهزر يا نوح. اتجننت رايح تقوله أن ليلى هتتجوز ولسة أخوه ميت لسة مكملش خمس شهور...
توقفت لحظة ثم أكملت:
- استنى، ما أخدتش بالك من كلام آسر؟ قال إيه؟ دا شكله اللعبة أحلوت في نظره.
نظر نوح للبعيد وأردف:
- دا اللي صدمني. أنا عارف آسر كان بيحب ليلى. لكن إنه يطلبها للجواز وهي حامل دا اللي مفهمتوش.
اتجه لأسما وضحك ضحكة مستهزئة.
- دا شكلنا داخلين على معجنة يابنتي بين التنين والتنينة برعاية آسر المحجوب. ما اعتقدش راكان هيسيبه ماشي على رجليه. أنا شوفته كان عايز يبلعه.
ضربت أسما كفيها ببعضهما.
- مش لما يتصالحوا وبعد كدا يدخل آسر، هي ناقصة.
رفعت نظرها إليه.
- هروح أجهز الأكل أنا جعانة موت وبعد كدا ننزل نمشي شوية بالخيل. الساعة لسة عشرة.
إقترب نوح وهو يطالعها بخبث ثم جذبها يحملها للداخل يقهقه عليها.
- والله أنا مستحيل أسيبك. وعايز أكل حاجة تانية.
لكزته بكتفه وهي تقهقه بضحكاتها المرتفعة.
- لا يا نوح نزلني لو سمحت. فيه حاجة لازم تعرفها. استنى يامجنون.
أنزلها بعدما دلف للداخل يحاوطها بذراعيه، واضعًا جبينه فوق جبينها هامسًا بمشاعره:
- ينفع كدا؟ بقالنا أكتر من خمس شهور يا أسما. أنا استويت حبيبي. دا لو بتنتقمي مني مش هتعملي كدا.
رفعت كفيها تحتضن وجهه وهي تنظر بعمق لعيناه.
- وعد من حبيبتك آخر مرة أجل. لكن النهاردة مش هينفع خالص صدقني.
ضغط على خصرها يقربها إليه وهو يداعب وجهها بأنفه.
- وحبيبك بيقولك هو مش هيسيبك ولا دقيقة بعد كدا.
لامست وجنتيه تقبله.
- حبيب أسما هيعذرها عشان عندها ظروف قاسية جوية خماسية.
قالتها وخرجت سريعا تقهقه عليه.
تسمر بوقفته وهو يردد حديثها.
- ظروف قاسية جوية خماسية. البت دي اتجننت ولا إيه.
بقصر البنداري قبل قليل.
نهض عاصم يقف أمام ابنته ونظر ليداها المتشابكة بيد راكان.
- ليلى، إنتِ فاهمة معنى كلامك؟ يعني هتجوزي أخو جوزك بعد ما تولدي يابنتي.
حاولت سحب كفيها ولكنه ضغط عليها حتى يعلمها أنها بقبضته دائمًا. فاتجهت لوالدها.
- بابا، أنا مش هقدر أبعد ابني عن جدته. وكمان سليم وصى راكان بكدا.
إستدارت برأسها ترمقه بنظراتها الهادئة.
- مش كدا ولا إيه يا حضرة النايب؟ مش سليم الله يرحمه وصاك بكدا.
نبرة الألم في صوتها وكلامها الموجه له بمغزى جعله يترك كفيها متجهًا لوالدها.
- أستاذ عاصم، عايز أعرفك آخر حاجة قالها أخويا مراته وابنه. فمهما كانت الظروف أنا مستحيل أفرط فيهم. يعني عشان نبقى على نور كدا.
- ليلى مش هتخرج من البيت دا. سواء عدتها خلصت أو لا، فهي خلاص بقت فرد من عيلة البنداري. فياريت حضرتك تراعي الظروف.
قاطعه عاصم هادرًا:
- أفهم من كدا إيه؟ حضرتك بتهددني إنك هتتجوز بنتي حتى لو غصب عني.
حمحمت زينب عندما وجدت خروج راكان عن سيطرته فأردفت:
- معاذ الله أستاذ عاصم، مش قصدنا كدا أبدًا. بدليل أننا اتكلمنا مع حضرتك ومع ليلى قبل ولادتها أهو. ليه التهديد؟
أتجه عاصم لأبنته.
- حبيبتي، لو عايزة تمشي من البيت دا بعد ولادتك، متخافيش محدش هيقدر يعملك حاجة.
قبلت يد والدها وابتسمت له.
- أنا قولت لحضرتك يابابا، إنهم بقوا أهلي. ومقدرش أبعد طنط زينب عن حفيدها. وبعدين انتوا بتتكلموا في إيه؟ أنا لسة قدامي تلات شهور لما أولد. وبعد كدا يبقى نتكلم.
أومأ عاصم برأسه قائلاً:
- فعلاً عندك حق حبيبتي. لسة بدري إحنا بنتكلم في إيه.
اتجه راكان سريعا بنظره إلى نوح حينما اكتشف لعبته. كور قبضته وهو يحدث نفسه.
- إزاي مااخدتش بالي أن عدتها بعد الولادة. يانوح ياكلب. ماشي بتلعب بأعصابي.
رفع نوح حاجبه يغمز له ثم تحدث:
- طيب ياعمو عاصم، بدل اطمنت على لولة هنمشي ولا أمشي وحضرتك تكمل سهرتك.
تحرك راكان إليه وتحدث.
- لا فيه موضوع يانوح عايزك فيه.
غمز نوح لأسما.
- بعدين ياراكان. أسما تعبانة ولولا ليلى كلمتها مكنتش هتيجي. هجيلك بكرة سلام.
قالها وهو يجذب أسما من كفيها متحركًا يهمس ليونس.
- كله ماشي بالمظبوط. عايزك تزود الجرعة الليلة. عايز بعدها اتصل بيه يقولي اغتصبتها.
أفلت يونس ضحكة صاخبة جعل الجميع ينظرون إليه.
خرج الجميع بعد فترة قليلة. جلست ليلى بجوار سيلين في الحديقة بعد مغادرة زينب غرفتها. كانت تجلس مغمضة العينين. تستنشق رائحة المطر ثم تحدثت:
- بحب ريحة المطر قوي. تعرفي طول الشتا مفيش حاجة أعملها غير أقعد في البلكونة. وأشرب قهوتي وأسمع فيروز وبإيدي قصة أو كتاب علمي. أو ممكن أجيب قصص أجنبية وأترجمها.
- واو إيه الجمال والرومانسية دي. مع إن اللي يشوفك ميقولش كدا.
فتحت عيناها تطالعها متسائلة:
- مش فاهمة يعني إيه مش باين عليا.
اعتدلت سيلين تطالعها.
- متزعليش مني مش كدا.
طالعتها بعيونها الذابلة واهدابها الحزينة.
- قولي يابنتي بدل ما أنا هبلة ومش عارفة نفسي.
أمسكت كفيها.
- بحسك شديدة كدا. مش رومانتيك. لا واقعية جدًا. مع إنك كيوتي خالص.
دنت وهمست لها:
- عمري مادخلت عليك الأوضة لقيتك بتسمعي أغاني رومانسية يالولا. ودايما بترنج ماما فاتيكات.
ضحكت ليلى عليها. رغم مامرت به منذ ساعة تقريبًا إلا أن حديث سيلين البسيط أخرجها من آلامها.
رجعت كما كانت قائلة:
- لا ياسيلي. الرومانتيك مش بالمظاهر. الرومانتيك بالإحساس.
قاطعهم وصول يونس.
- سيلين ممكن أتكلم معاكِ شوية.
عقدت حاجبيها ترمقه ثم اجابته:
- مش فاضية. ولا ليا مزاج أكلم حد. فيك تعدي علينا في وقت تاني.
كأنه لم يستمع حديثها. فأمال يجذبها من رسغها.
- مش باخد إذنك وهعرفك لما أتكلم تردي إزاي.
قالها وهو يجذبها. بدأت تلكمه ولكنه كان كالجدار لم يتحرك.
ظلت تتابعهم بعينيها حتى اختفيا من أمامها. شعرت بشيء ثقيل يوضع على كتفيها. رفعت نظرها وجدته معذب قلبها.
أزالت الوشاح الذي وضعه. ونهضت متحركة للداخل. أمسكها من رسغها واقترب منها.
- عجبتيني الصراحة مكنتش أتوقع منك كدا.
انكمشت ملامحها بإعتراض على حديثه فاستدارت إليه ودنت منه.
- لا لا زوجي المستقبلي متخيبش ذكائي قصدي غبائي وتقولي اني رضيت بتهديدك ليا ولعيلتي.
دنت حتى تجرأت ترفع كفيها على قميصه وكأنها تزيل شيئًا به ثم رفعت عيناها تنظر لمقلتيه مباشرة.
- أنا هفضل في البيت زي ما حضرتك أمرت طبعًا. اومال مش راكان البنداري أمر. الكل عليه الطاعة.
دنت أكثر من المسموح وأكملت ما جعلته هشًا.
- عشان كل لما تشوفني قدامك تفتكر سليم. وكمان عشان والدتك تشم ريحة إبنها اللي يستاهل الحزن العمر كله عليه. وكمان أهرب من كلام الناس كل شوية دي أرملة. وبابا يزهق من العرسان فأنا كدا أحسنلي.
قالتها وتحركت من أمامه.
هزة اصابته من تلك الشرسة. وتصاعد غضبه حتى اسودت عيناه يجذبها بعنف لتستقر بأحضانه.
اهتزت حدقيتها خاصة حينما استنشقت رائحة عطره التي جعلت ساقيها كالهلام. حاولت الخروج من أحضانه إلا أنه كان الأكثر تحكمًا.
تحدثت من بين أسنانها.
- اتجننت ماسكني كدا ليه؟ انت هنا أخو جوزي لسة يامحترم.
حاوطها بالوشاح على أكتافها.
- قصدك أرملة أخويا. وكمان مراتي المستقبلية. وعايز أعرفك من وقت ما قولتلك هكتب عليكي. اعتبري أنك مراتي. يعني بالبلدي كدا ياليالي دلوقتي تخصيني. والورقة وشهور العدة دول بس اللي بعديني عنك.
دنى ينظر لسواد ليلها الذي أقسم بأنه كرحيق الزهور لعسل النحل.
وأردف وهو يرسم ملامحها بشمسه.
- قولتيلي ريحة أخويا. اقترب يهمس بجوار أذنيها.
- وعد مني يالولة أول حاجة هعملها أفركك من الريحة اللي كل شوية نافخاني بيها دي.
خليكِ فاكرة كويس إنك اللي ابتديتي.
دفعته بقوة وانتزعت يديها من قبضته والتفت تصرخ بوجهه.
- إيه الجنون دا؟ ابعد عني. متخلنيش اشتكيك لماما زينب. انت محرم عليا يا أستاذ يابتاع القانون. ولا مشيك البطال نساك دينك. اللي المفروض عارفه وحافظه يابتاع القانون.
دنت خطوة ترمقه بشراسة. ثم لكمته بصدره.
- كل مرة بتنزل في نظري ياراكان يابنداري. فيه واحد محترم جاي عايز يتجوز مرات أخوه وهو لسة مكملش خمس شهور ولسة في شهور عدتها.
اقتربت اكثر ونظرات نارية لو تحرق لأحرقته كاملًا وأكملت.
- أنا هشفي نفسي منك ياراكان. ووعد من ليلى المحجوب لأخليك تندم على كل دمعة نزلت من عيوني بسبب مستفز زيك.
قالتها وصعدت سريعا لغرفتها. وأنفاسها كمصارع. أمسكت أحشائها وهي تسرع للوصول لمرحاضها للتقيؤ عندما غلفت رائحته رئتيها.
أما عنده لحظات بل دقائق تصنم جسده ليكرر عقله ماقالته. أسرع خلفها وقبل إغلاقها لغرفتها دلف يجذبها بغضب جحيمي.
وثبت كالملدوغة عندما وجدته يجذبها بتلك الطريقة. دفعته وصاحت بغضب. عندما فقدت السيطرة على نفسها لتقيؤ.
- وبعدهالك هو عشان سكتلك كل شوية تنطلي في أوضتي. متنساش أنا ست في شهور العدة.
قالتها وأسرعت لمرحاضها وقامت بإفراغ ما في معدتها. كان ينتظرها بالخارج. خرج يبحث عن سيلين ولكنه لم يجدها.
- مها صاح بها راكان. أسرعت العاملة إليه.
- افندم ياباشا.
أشار لغرفتها قائلا.
- ادخلي شوفي مدام ليلى وخليكي ملازماها. انتِ هنا عشانها وبس. وأي حاجة تحصل تعرفيني. ادخلي شوفيها فورا.
هرولت للداخل وهي تهز رأسها بالموافقة.
وصل عاصم بصحبة آسر لمنزله. جلس آسر ووجهه عبارة عن لوحة من الغضب.
- هما مفكرين نفسهم مين. لا واللي اسمه راكان دا محدش قادره. معرفش ياعمو إزاي تسكت كدا.
خرجت سمية تطالعهم بإستفهام.
- فيه إيه ياعاصم؟
وقف آسر وبدأ يثور وهو يرجع خصلاته للخلف بغضب.
- راكان البنداري عايز يتجوز ليلى. قال إيه بيقول مش هيسيب ابن أخوه يتربى برة.
جلست سمية تطالع زوجها بهدوء ثم أردفت:
- المهم ليلى رأيها إيه؟ أنا شايفة الراجل كويس وميتعيبش، وكمان هو طلق مراته يعني هو عنده حق.
جحظت أعين آسر فاستدار بجسده يطالعها بغضب:
- يعني حضرتك موافقة يا طنط؟ موافقة ليلى تفضل في البيت دا طول عمرها؟ غير إنه هددنا هيتجوزها، دا تأمنيله؟ وكمان عنده الستات زي القمصان اللي بيلبسها.
نهضت سمية تقف بمقابلته وتحدثت:
- آسر حبيبي خلينا نتكلم بالعقل. ليلى حامل في ابنهم ودول عيلة البنداري يابني، يعني إيدهم طايلة. دول ممكن ياخدوا الولد ويقولها اخبطي دماغك في الحيطة، وليلى ممكن تموت فيها. والصراحة يابني مشفتش حاجة وحشة من الراجل بالعكس.
تراجعت تنظر لزوجها وأردفت:
- أنا موافقة ياعاصم. راكان شخص محترم، ليه نوقف في وشهم وهما عايزين مصلحتها.
***
بعد قليل بغرفة درة كانت تجلس بشرفتها تتحدث مع حمزة:
- كنت تعرف موضوع راكان إنه عايز يتجوز ليلى؟
ازدرد ريقه محاولًا السيطرة، فحمحم يجلي صوته قائلاً:
- إيه اللي حصل؟ أنا مشفتش راكان بقالي يومين ومعرفش حاجة.
كان صوته متقطع يتخبط بحديثه، ضيقت عيناها وتسائلا بنبرة هادئة ورغم هدوء حديثها ولكنه يحمل الكثير:
- حمزة!! إيه الموضوع وبلاش تعاملني على إني طفلة لو سمحت. هتقولي إيه الحكاية؟ ولا أعرفها بطريقتي. ولكن قبل أي حاجة أعرف أنا سألتك ومجاوبتش.
هرب اللفظ من بين شفتيه حينما استمع لأسمه لأول مرة دون تحفظ، فارتفعت دقاته بصدره، فجلس يحاول أخذ أنفاسه التي اضطربت داخل صدره:
- ليلى وراكان بيحبوا بعض من قبل جوازها من سليم. دي كل الحكاية وقبل ما تتكلمي. دا سر أمن دولة اضطريت أفشي بيه لحبيبة قلبي عشان قالتلي حمزة بس من غير أستاذ وأنا اللي بقالي شهور بتحايل عليها.
صاعقة أصابتها لم تستمع لباقي حديثه، سوى كلماته التي أصابتها بالذهول فرددت:
- ليلى وراكان؟ طيب ليه اتجوزت سليم؟ إزاي ليلى تعمل كدا؟ تحب واحد وتتجوز أخوه.
أجابها سريعًا دون تفكير:
- تخلف وحياتك ياحبي. الباشمهندسة فكرت بكدا بتنقذكم من أمجد، اللي فهمته بعد كدا. إن أمجد هددها بيكي وبكريم، وكمان راكان.
جلست حينما فقدت قدرتها على الوقوف، وانزلقت دموعها وهي تحادثه بصوتا مفعم بالبكاء:
- انت عارف معنى كلامك إيه؟ إنها ضحت بسعادتها عشان تنقذنا من واحد مجرم. ياحبيبتي ياليلى إزاي قدرت تعيش مع واحد وحبيبها قدامها؟ دي شكلها اتعذبت قوي.
زفر حمزة يمسح على وجهه، فأجابها:
- من الناحية دي متخافيش، لاني اتعاملت مع ليلى. اللي أتألم بجد راكان يادرة مش ليلى، فاهمة يعني إيه واحد بينه وبين حبيته جدار وهي في حضن أخوه.
تغيرت ملامح حمزة وتحدث بحزن:
- متزعليش مني ليلى اتسرعت، ومحاولتش تفكر صح ووجعت قلبها وقلب سليم وحطمت راكان.
تجمدت درة بجسدها وهي تهز رأسها:
- لا مستحيل ليلى تعمل كدا. طيب ليه تتجوز سليم؟ لا فيه حاجة غلط. ممكن متكنش بتحب راكان أصلًا، ودا مجرد تخيل مش أكتر.
ارتشف من قهوته ينظر للخارج وأكمل بصوته الحزين:
- ياريت اللي قولتي، لكن للأسف الاتنين بيحبوا بعض بغباء. لكن معرفش إيه اللي حصل خلى راكان يطلبها للجواز. اللي اعرفه حاليًا، إنهم عاملين زي النار والبنزين. انشغلت بنور ومعرفش حاجة. وعد مني الصبح هروح أشوف إيه موضوع الجواز. تخميني بيقول وصية ممكن.
اتسعت عيناها بذهول:
- يعني كمان مش جواز حب؟ ممكن يكون انتقام صح؟ ممكن راكان عايز ينتقم منها.
هز حمزة رأسه رافضا حديثها:
- لا مستحيل. راكان مش كدا، مش مؤذي لدرجة دي.
بعد فترة من أحاديثهم أغلق هاتفه، ثم اتجه يهاتف راكان الذي كان جالسًا بمكتبه يراجع بعض أعماله:
- حمزة!! فيه حاجة؟ تسائل بها راكان.
- إيه اللي سمعته دا ياحضرة النايب؟ فعلًا هتتجوز ليلى؟ وإزاي وهي لسة في شهور العدة؟
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرج تبغه وقام بإشعاله:
- أيوه، هتجوزها. والمتخلف نوح وحياة ربي لاهرسه هو ويونس الكلب. أنا يلعبوا بيا.
قطب حمزة حاجبه متسائلاً:
- إيه اللي حصل؟ زفر بغضب واجابه:
- بعدين مش فاضي. سيبك من الموضوع دا. إيه أخبار قاسم الشربيني؟ وصفوت عدلي الزفت دا كمان.
اتجه حمزة لجهازه وفحص به بعض المعلومات وأجابه:
- حطين جدك دلوقتي في القايمة السودا، ومش هيسكتوا غير لما يصفوا. متنساش أعمالهم المشبوه كلها هو عارف تفاصيلها.
- غيره.. قالها راكان.
- أمجد ناوين يهربوه برة البلد، بعد قضيتك الأخيرة اللي جابت أجله. اغتصاب وهيروين، وسلاح دا كله ضربة معلم منك ياوحش.
نفث دخان تبغه وهو ينظر للخارج لوقوف يونس وسيلين فأكمل:
- عرفتوا مين اللي لعب بفرامل العربية ولا لسة.
هز رأسه رافضا واجابه:
- جاسر لسة بيعمل تحرياته، بس فيه حاجة عايز تاخد بالك منها.
- كاميرات الجنينة وقف اليوم دا، يعني الأمن عندك ملعوب فيه.
مط شفتيه للأمام وتحدث:
- عارف دا كله، وعرفت مين. بس مستني أوقعهم ورا بعض. الصغار دول ميمونيش. أنا عايز اللي وراهم. ياترى مين قاسم ولا غيره.
تنهد وسحب نفسًا وأكمل:
- متنساش قضية الخلية اللي كانت من كام شهر، يعني مقصود من كذا جهة. فلازم أعرف الحرب من أي جهة بالظبط.
- تمام ياراكان، بكرة هشوف جواد الألفي وجاسر وصلوا لأيه وأخبرك. وكويس إنك بعدت عن جواد عشان ميعرفوش تمويلك منين.
أومأ برأسه وأغلق الهاتف، ومازالت عيناه على يونس وسيلين، التي قامت بصفع يونس على وجنتيه وتحركت مغادرة.
أطلق ضحكة شرسة من فمه وهو ينظر لأخته بسعادة:
- برافو سيلي. بنت أخوكي يابت. قالها وجلس يتابع عمله وكأنه لم يرى شيئًا.
ظل فترة ولكنه لم يكن بحالة للتركيز فنهض متجهًا لغرفتها، ليطمئن عليها. طرق عدة مرات.
نهضت بجسد هزيل، وقامت بفتح الباب.
ارتجف جسدها من وجوده أمامها مرة أخرى، تشعر بضعفها أمامه، رغم ما تفعله امامه، ولكن داخليا هشة.
نظر لعيناها التي تهرب منه، شعر بالعجز والضعف الشديد حينما يرى تعبها. كذاب مخادع من يقول أن اقترابه منها ماهو إلا انتقام.
اقترب ومازال يرسم ملامح وجهها:
- عايز أتكلم معاكي. البسي حاجة من البرد وانزلي تحت نتكلم.
عقدت ذراعيها وابتسمت بسخرية:
- دا إيه الأدب والأحترام اللي نزلوا عليك مرة واحدة دول؟ رجعت للحائط تستند عليه، حينما فقدت قدرتها على الوقوف أمامه. ورغم ضعفها أردفت:
- مفيش بينا كلام، ولا عايز أقاك تقرب مني، ولا كأني موجودة، ومش كل شوية تنطلي زي عفريت العلبة.
طعنته بخنجر بارد وبعثرت رجولته فازادت دقات قلبه وتسارعت أنفاسه بفعل كلامها، فاقترب بخطى سلحفية ينظر داخل مقلتيها وتحدث:
- دموع إيه اللي سببتها للمدام؟ ياترى جوازها من أخويا؟ ولا اتهامها بالباطل لشخصي حتى وصل بيها الحال تطلعني شخص بتاع ستات.
بلعت غصة أحزانها حينما ذكرها بما شطر قلبها فأردفت بنبرة مبطنة بالبكاء:
- انت أكبر كابوس في حياتي. من يوم ما قابلتك وحولت حياتي لجحيم.
ضغط على رسغها بقوة:
- ليه عملتلك إيه لدا كله؟ عشان قولتلك هكتب عليك؟ عشان ابن أخويا؟ جوازنا هيكون عشان الولد. جذبها من خصرها.
- في يوم من الأيام عجبتيني. حاجة جديدة عليا منكرش انجذبت جدا. وكان نفسي أجرب الجديد. لكن فهمتي اللعبة زي ما مخك الذكي ماشاء الله عليه صورها لك. يومين بس وبعد كدا ولا كأنك مريتي من قدامي. فبلاش تصوّرك المريض يصورلك هتجوزك لأني بحبك. تؤ تؤ يالولا. بلاش تحطي في دماغك حاجة أكتر من إنك أم الولد.
دفعته قائلة:
- ابعد انت اتجننت. اقترب قائلاً:
- مفكراني هموت عليك. أنا بحاول أفهمك الواقع اللي هتعيشي فيه. ياريت تتأقلمي على كدا. وابعدي عني.
زفرت ونيران الغضب استولت عليها فصاحت صارخة:
- أنا هنا عشان ابني وبس. وأعرف لو اتجوزتك هيكون غصب عني ياراجل القانون يامحترم يالي جاي تهددني بعيلتي.
استدارت تتحرك حينما شعرت بنيران صدرها تحرقها بالكامل ثم توقفت بعد بعض الخطوات.
وتحدثت وهي تواليه ظهرها:
- اعرف اليوم اللي هكون مراتك فيه إنه شهادة وفاتي انت كتبتها بإيدك. على قد ماحبيتك على قد ماكرهتك من كتر ما شفته منك. وباكدلك دلوقتي أنا ميتة مش عايشة من وقت ماعرفت هكون مراتك. فبلاش سنيورهاتك الخايبة دي، عشان تفهمني إنك مش في بالك.
لم تستطع التماسك أكثر من ذلك فانهمرت دموعها لتجري فوق وجنتيها فأكملت:
- انت صح أيوة أنا اتجوزت سليم عشان أحمي عيلتي. وأيوة أمجد هددني بيك. وزي ما قولت من شوية. عجبتني وممكن تقول حبيتك. بس خلاص اتجوزت سليم وكان حضنه أماني وحمايتي. حضنه نساني واحد مغرور زيك في الوقت اللي حضرتك من حضن لحضن. تفتكر ممكن أشفعلك ولا أفكر فيك؟ وسليم سيطر بكيانه عليا.
اقتربت خطوة تدقق النظر بملامحه التي شحبت وتحدثت:
- بالعكس كرهتك فوق ما تتخيل. كرهت قلبي عشان فكر للحظات فيك. ودلوقتي اعرف كل ما تقرب مني. كل ما بتمنى موتي.
أحس ببرودة جسده وتصلب كفوفه التي كانت تضم كفيها. تزلزلت الأرض من تحت قدميه فارتخت ملامحه تدريجيًا وهوى كفيه بجانبه كشجرة خريف دفعتها الرياح. عندما استمع لكلماتها التي أصبحت كأشواك تخربش جدران قلبه دون رحمة. فاقترب منها حتى اصطدمت بالمرآة خلفها ظلت ترمقه بنظرات خرساء منتظرة جوابه. ورغم ملامحه الثابتة أمامها على ما قالته، إلا أنه لكم الزجاج خلفها حتى تهشم وجرحت كفيه كاملة. شهقة خرجت من فمها حينما صارت دماء يديه تسيل. وهي تجذب كفيه بدموعها حينما هوى قلبها خوفًا عليه ولكنه دفعها. وخرج كشيطان مارد يلعن قلبه الضعيف بحضرتها.
وصلت سارة تقف خلف مقعده الذي جلس عليه يدخن بشراسة كلما تذكر حديثها بخطبتها من ذاك المنحل بعد سنوية أخيه.
ضغط على سيجاره حتى حطمها بكفيه، وأردف:
- والله لأموتهولك، اصبري عليا ياحيوانة، وحياة حبي لأدفعك التمن غالي.
آآهة حارقة خرجت من جوفه، كادت أن تحرق ما أمامه. وصلت سارة وهو بتلك الحالة ووقفت خلفه تعانقه.
ثم رفعت كفيها لصدره العاري تتحسسه.
- الجو برد عليك ياحبيبي قاعد كدا ليه؟
ابتسم بسخرية، ثم جذبها حتى جلست على ساقيه وهو يطالعها بغموض. داعبت أنامله خصلاتها المنسدلة على وجهها ودنى يهمس بجانب أذنها.
- عايزة ايه ياكلب البحر؟ مش أنا قولتلك أنا مبحبكيش ومش هتجوزك.
جذب خصلاتها يقربها من أنفها قائلاً:
- مبحبش الريحة دي، فيه ريحة أحسن منها مليون مرة.
ثم دفعها مرة واحدة حتى سقطت بالمسبح. فنهض واقفاً.
- لو قربتي مني تاني هقطع ايدك، المرادي وقعتي في البيسين المرة الجاية هغرق فيه، وهقولهم كنا بنلعب عروسة وعريس وهي مستحملتش، فاعقلي يابنت عمي.
قالها وتحرك لداخل الفيلا. أما هي فوقعت في المسبح ودموعها تنسدل بغزارة قائلة:
- والله لأدفعك التمن غالي يايونس، انت وبنت الشوارع دي.
***
بعد أسبوع بمكتب حمزة.
كان يجلس يراجع بعض القضايا. دلف إليه السكرتيرة الخاصة.
- دا كارت واحد عايز يقابلك بيقول موضوع مهم.
أمسك الكارت يدقق النظر فيه، ثم رفع نظره إليها:
- ودا جاي يدور على مي عمر عندي ولا إيه؟
ابتسمت السكرتيرة إليه فأشار بيديه:
- دخلي الأستاذ محمد سامي يمكن عايزني بطل للمسلسل بتاعه في رمضان، ياسلام ياجيجي دا هتلعب معايا على الآخر.
خرجت وهي تضحك على كلماته. أشارت للشخص الذي طلب مقابلته.
دلف أحد العملاء الذي يدعى محمد سامي، وبعد التحية والمقدمات.
- سمعت عن حضرتك كتير، عشان كدا جاي لحضرتك في قضية كبيرة، ولو القضية دي كسبتها لي هحولك كل القضايا الخاصة بيا.
كان يستند على مقعده ينظر لقلمه الذي بيديه مرة ويطالعه بغموض مرة حتى قطع حديثه.
- يعني حضرتك جاي عشان أترافع عن قضية لأبنك ضرب واحدة بعربيته والبنت دي، في المستشفى بين الحيا والموت بسبب دلال المحروس، وعايزني اسوء سمعة البنت كمان؟
تقابل الرجل بنظراته يؤكد له ما قاله فأجابه:
- إحنا ممكن نراضيها بقرشين بعد مانخلص القضية.
قاطعه حمزة ينظر لساعة يديه ونهض واقفاً.
- آسف يافندم أنا مابقبلش القضايا المشبوه اللي زي دي، ولو سمحت أخدت من وقتي.
نهض الرجل يرمقه شرزاً.
- إنت إزاي تكلمني كدا؟ إنت ماتعرفش أنا مين ولا إيه؟
تحرك حمزة متجها لباب المكتب.
- اتفضل لو سمحت أنا عندي ميعاد، وقولت لحضرتك أنا مش بقبل قضايا كدا.
تحرك الرجل ووقف أمام حمزة قائلاً:
- خمسين مليون جنيه، والمستشار القانوني لشركاتي.
مط حمزة شفتيه للأمام وتحدث وهو يرمقه بنظراته الهادئة.
- واو لا بجد فجأتني والعرض مغري جداً.
هز رأسه كأنه يفكر ثم رفع نظره إليه.
- ورغم كدا يا أستاذ محمد عرضك مرفوض.
قالها وتحرك للخارج.
- جيهان وصلي الأستاذ محمد سامي، يدور على بطل بعيد عني.
خرج الرجل ونيران تحرق حمزة. وصل لسيارته ورفع هاتفه.
- معرفتش أجيب معاه سكة، زي ماقولت صعب وحويط، فكر في حاجة تانية.
على الجانب الآخر أردف:
- يبقى مفيش غير البنت اللي بيحبها، دي سكته، وغصب عنه هيعمل اللي عايزينه.
بمكتب آخر.
جلسوا أمام الشاشة التي بها صور لكل من "راكان، حمزة، نوح، يونس". أشار أحدهم على نوح.
- دا ابن الكومي ابعد عنه، الكومي لدغته والقبر.
اتجه بنظره ليونس قائلاً:
- دا الدكتور اللي منار شغالة معاه الأيام دي، ويارب تضرب ضربتنا ونخلص.
أجابه الآخر:
- هو الولد مش بتاع عمليات شمال ولا إيه؟ هيونها كتير لو كدا.
قال أخرهم:
- لا بس بتاع ستات ودي نقطة في صالحنا.
اتجهوا لصورة حمزة.
- دا مالوش سكة، أبوه عايش برة من عشرين سنة، وساعات بينزل كام يوم، وهو بيسافرله ساعات، مالوش نقطة ضعف.
نظر أحدهم بصورة أمامه ووضعها أمامهم قائلاً:
- البت دي عرفنا إنه بيروح عندهم كله فترة، فيه بيقول خطيبته، وفيه بيقول حبيبته، المهم البت دي اخت مرات ابن البنداري، وراكان عامل حصار عليها وعلى أخوها، حراسة مشددة من وقت موت أخوه.
نهض واقفاً ينظر لصورة راكان.
- هو مفكر إنه سابقنا بخطوة، بس على مين، ميعرفش إننا بنخططله على تقيل.
رجع أحدهم للخلف قائلاً:
- بلاش نقرب منه دلوقتي خليه مطمن، العبوا على اللي حواليه، شوفوا ولاد عمه، الهوه بيهم، ولا اخت مرات أخوه، ولا حمزة دا اللي حاسس دا وكر أسرار راكان كلها.
***
عند حمزة بعد خروجه.
بعد قليل وصل حمزة أمام منزل عاصم المحجوب ينتظرهما بالخارج. ترجل من سيارته عندما وجدهما يهبطان.
- آسف اتأخرت عليكم.
ربت عاصم على كتفه قائلاً:
- ربنا يبارك فيك يابني، استقلوا السيارة متحركين متجهين للطبيب المعاين.
بمزرعة نوح.
استيقظ على رنين هاتفه الذي لم ينقطع لعدة مرات. نظر للتي تجاوره تتوسد ذراعيه، وضعها بهدوء على الوسادة وتحرك للخارج.
- أيوه يابابا فيه حاجة على الصبح، عشر دقايق وتكون عندي يامحترم.
قالها وأغلق الهاتف.
وقف ينظر للبعيد، وسحب نفساً عميقاً يطرده. قاطع شروده دلوف سيارة راكان. تحرك متجهاً إليه. ترجل سريعاً متجهاً إليه كأسد مفرس يريد أن ينقض على فريسته.
- أنا ياكلب تلعب عليا وتعملي كمين؟
أطلق نوح قهقهات مرتفعة وهو يحاول أن يبتعد عن لكماته، ولكن ثوران راكان جعله ينقض عليه حتى أوقعه أرضاً وظل يلكمه كلما تذكر ما صار.
دافع نوح على لكماته حتى سقط الأثنين يأخذون أنفاسهم بصعوبة. تسطح نوح فارداً ذراعيه يرمق راكان بتسلية.
- ماهو إنت الغبي، وكل تفكيرك إزاي حبيبة القلب ماتبعدش عنك.
أطبق على جفنيه ينظر لسماء الشتاء الملبدة بالغيوم كحياته، التي أصبحت كبئر مظلم لا نجاة منه. أطلق زفرة محملة بالأوجاع وتحدث.
- متتوهمش نفسك يانوح بخيالات كاذبة، أنا وليلى مينفعش نتجمع تاني، طرقنا افترقت من يوم ما اتكتبت بأسم أخويا الله يرحمه.
اعتدل نوح يستند على مرفقيه ودارت حرب الأعين بينهما فتحدث.
- راكان سليم الله يرحمه، وربنا بعتلك فرصة إنك تعيش مع اللي قلبك اختارها.
اعتدل واقفاً وقام بنفض ثيابه مرتديًا نظارته.
- دا كان قبل ما تكون مرات أخويا، دلوقتي زيها زي أي واحدة، وقبل ما تقول حاجة، أنا النهاردة هلبس نورسين خاتم الخطوبة، وهنتجوز بعد سنوية سليم.
جحظت أعين نوح فهب كالملدوغ.
- أكيد اتجننت!!
ربنا بعتلك فرصة تعوضك على وجع قلبك، إزاي مش عايز تستغلها؟ راكان فوق قبل ما تندم.
اقترب يطالع نوح من تحت نظارته السوداء.
- بنت خالتك ماضي اندفن من يوم ما اتجوزت أخويا ومش عايز أكرر كلامي. هي هتفضل عشان ابنها ما يتخدش منها. غير ابعد العيون من عليها. أنا معرفش اللي برة بيفكروا إيه فبلاش تخليني أكرهها أكتر من كرهي ليها.
طالعه نوح بهدوء قائلاً:
- بتغلط ياراكان. اللي بتعمله غلط. وبكرة تندم. وخدني تجربة قدامك. أنا قعدت شهرين متجوز كنت فيهم ميت روحي مارجعتليش غير لما أخدت اللي بحبها في حضني.
تحرك متجهًا لسيارته.
- وأنا بقولك من وقت ما شفتها وأنا مت ومش متحمل أشوفها قدامي.
قوس فمه بسخرية.
- تمام ياحضرة النايب. انت حر.
تحرك مغادرًا وهو يتذكر ما صار منذ أسبوع وهو لم يراها.
انسدلت الدماء من كفيه. احتضنت كفيها بكفيه المرتعش وتحدثت بصوت متقطع:
- انت مجنون. دا الطفل ما بعملش كدا.
سحبت كفيه حتى تقوم بتطهيره وجرحه العميق. انسدلت دموعها.
- ينفع كدا. شوفت جرحت ايدك ازاي.
كان يطالعها بنظراته العاشقة ود لو ضمها لأحضانه كي ينعم برائحتها العبقة ولكن تذكر حديث والدته.
- بشم ريحة سليم فيها ياحبيبي.
شعر بخنجر بارد يغرز بقلبه ولم يرحمه من الأنين. كيف له يتحمل ذاك الألم الذي يدميه بقوة. خرج من شروده عندما وصل لقصره. وجد فريال تخرج من قصرهما.
- عامل إيه ياراكان. محدش بقى يشوفك.
كويس واتجه للأعلى ولم يعرها اهتمام.
بغرفة سيلين كانت تغفو على فراشها تضم جسدها كالطفل الرضيع وتتذكر حديثه.
دفعها بقوة حتى اصطدم جسدها بالجدار. يضغط على خصرها:
- قولتلك بلاش توقفي مع جنس راجل برضو مسمعتيش الكلام. عايزة توصليني لمجرم ولا إيه. وماله ياهانم اتحول لمجرم. وعربجي كمان.
تجولت أنظاره عليها وهو يدنو من شفتيها.
- هكهرب اللي يقرب للي خلفوكي وحياة سيلين عندي.
ضغطت بحذائها على قدمه حتى صرخ مبتعدًا.
- إياك تقرب مني تاني. متخلنيش أروح أحكي لراكان قذارتك يامحترم. ياريت تروح تكمل سهراتك المقرفة. ويوم ما قلبي يرجع يدق هيدق لراجل مش شبه الرجال.
قالتها وتحركت من أمامه بثقة أنثى داست بكل جبروت على من حطم كبرياءها.
في المستشفى عند عاصم.
جلست سمية بجوار زوجها الذي يقوم بغسيل كليته. أما بالخارج كانت تجلس بجواره تبكي.
اقترب يبسط يديه بمحرمة ورقية.
- درة لو سمحت. ممكن تبطلي تعيطي. والله قلبي بيوجعني عليكي كدا.
بصوت باكي ورعشة جوفها نظرت إليه.
- بابا هيفضل يعاني كدا كل مرة. لازم يكون فيه حل. أنا مش هستحمل وجعه كدا.
رفع يديه وربت على كفيها.
- إن شاء الله هيكون كويس. ممكن نزرع كلى.
رفعت نظرها إليه وهمست.
- زرع كلى. ودي هتكون إزاي.
توقف يجذب مقعده وجلس أمامها يحتوي كفيها.
- لو عايزة أسفره برة ونعمل زرع كلى معنديش مانع.
سحبت كفيها المرتعش سريعًا وهزت رأسها رافضة.
- لا دي شكلها غالية قوي. واحنا مستحيل نوافق على حاجة زي كدا.
رفع ذقنها بأناملها ينظر لمقلتيها مردفًا بمشاعره المبحوحة.
- هو فيه فرق بينا. انتي هتكوني مراتي. وباباكي زي بابا. ليه عايزة تعتبريني غريب.
كانت ضربات قلبها تتقاذف بداخل ضلوعها بعنف من كلماته الرقيقة التي اخترقت قلبها دون حواجز.
مساء بغرفته جلس يحاكي جاسر.
- برافو جاسر كنت عارف إنك هتعملها بذكاء. اسمعني كويس وأعمل اللي هقولهولك. فيه ضابط تبعهم هو اللي بيدخل كل حاجة لأمجد. عايز أمجد انفرادي وممنوع يرجع عنبره تاني. اضغط عليه عشان يوقع. ومتخافش عامله كمين حلو عشان يعرفوا بيلعبوا مع مين. وحياة رحمة أخويا لأخليهم يطلبوا الرحمة يلاقوهاش.
جلس بشرفته يحتسي قهوته تحرك ببصره للحديقة الشاسعة يتذكر طفولته مع سليم وولاد عمه. نزل ببصره وجد عاليا بنت تجلس تضع رأسها على كتف سيلين وهم يشاهدون شيئًا بهاتف سيلين ويضحكون. ظل لبعض الوقت ثم اتجه لمخدعه يتسطح عليه. ولكن قاطع هاتفه اتصال نوح.
- شوفت الكلبة عملت إيه. وحياة ربي لأدفنها الحيوانة دي. راكان أنا هتجنن.
اعتدل جالسًا متسائلاً.
- إيه اللي حصل ممكن تهدى؟
- الكلبة منزلة صور ليا أنا وهي وعاملة حفلة للاحتفال بولي العهد. دي عايزة تقهرني أنا وأسما. وبابا حالف لأدخل عليها.
مسح راكان على خصلاته.
- اهدى وأنا هتصرف يانوح. عايز أشوف ميتها إيه البنت دي كمان. متحاولش تغلط.
بعد فترة من إغلاق هاتفه تسطح على الفراش وهو يضع رأسه فوق ذراعيه ينظر لسقف الغرفة. يفكر بمعذبة قلبه. لقد مر أسبوع كامل ولم يراها. عاقبته بأشد العقاب. حبست نفسها بغرفتها. ظل يفكر ماذا سيفعله معها الأيام القادمة حتى غفى.
بعد فترة.
استيقظت ليلى على ألم بأسفل بطنها حاولت الاعتدال ولكنها لم تقو. آهة خرجت من جوفها تبعها أنين مكتوم. ماذا تفعل في هذا الوقت. حاولت ثم حاولت إلى أن اعتدلت ووقفت متجهة للخارج. بحثت بعينها عن أحدهما ولكن لم تجد أحدا. اتجهت لغرفته التي تجاورها ببعض المسافات. حينما فقدت الحركة للأسفل. أو لغرفة سيلين. فتحت الباب عندما وجدت قطرات الدماء تتساقط بين ساقيها. يكاد الألم يمزق أحشائها. انسدلت دمعاتها عندما شعرت بضعفها وكأن روحها تنسحب من جسدها.
كان يغط بنوم عميق ولم يرتدي سوى سروالًا واسعًا.
خطت إليه وقطرات العرق تغزو جسدها بالكامل. حاولت أن تناديه ولكنها لم تقو وكأن حروفها سرقت من شدة آلامها. أستندت على فراشه.
"راكان" نادته بصوتها الهامس ورغم إنه منخفض إلا أنه فتح عينيه ينظر بصدمة لوجودها بغرفته لأول مرة بهذه الطلة.
بثوبها القصير الرقيق وشعرها المنسدل على ظهرها ويتمرد بعضه على وجهها بعشوائية. حقًا خطفت أنفاسه بطلتها حتى شعر أنه بحلم وليس حقيقة. كانت نبضاته الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعه. أخرجه من تأمله بها حينما استمع إليها.
"راكان" أردفت بها وهي تشعر بدوار يغزو جسدها. إلى هنا استيقظ من غفوته وصدم عندما وجدها حقيقة وليس حلمًا. أعتدل ينظر إليها متسائلاً بصوته المفعم بالنوم.
- ليلى. هو أنا بحلم ولا إيه.
ناظرته بدموعها حتى غشت الدموع رؤيتها وعجزت عن الكلام من آلامها. ودت أن تصل نبرتها المتألمة إلى أعماق قلبه حتى يشعر بها وينقذها.
- راكان!! آآه.
جحظت عيناه وانتفض واقفًا.
- فيه إيه؟
ارتعش جسدها ولم تقو على الحركة فنزلت عبراتها قائلة وهي تمسك أحشائها.
- ألحقني ياراكان ابني. ألحق ابني هيموت.
نزل ببصره على كفيها الذي تحتضن به بطنها ووجدها تغرق بدمائها تطالعه بعينيها المترجية.
هب مذعورًا يتلقاها بين ذراعيه حينما شعر بفقدانها للوعي. ارتفعت أنفاسه وهو يضمها.
- ليلى إيه اللي حصل انتي بتولدي ولا إيه. طيب إزاي.
رفعت نظرها إليه وهي تتألم وهمست بصوت يكاد يسمع.
- الحقني هموت. هموت الألم صعب مش قادرة.
هز رأسه بذعر وانسدلت دموعه وهي تغمض عيناها.
- ليلى افتحي عيونك.
جذب هاتفه سريعًا.
- يونس الحقني. ليلى بتنزف ومش عارف أتصرف تعالى بسرعة.
على الجانب الآخر.
- اديني نص ساعة أنا لسة خارج من عمليات وهركب العربية أهو.
ألقى الهاتف ونظر للتي بأحضانه.
ضغطت على كفيه وهمست.
- ابني بيموت. انقذ ابني.
لامس وجهها بحنية.
- ليلى حبيبي افتحي عيونك متعمليش فيا كدا.
فتحت جفونها ورفعت كفيه على بطنها ولم تقو على الحديث. كانت تناظره بدموعها وشفتيها المرتجفة. وبعد لحظات أغمضت عيناها.
اختل توازنه قليلًا وشعر بدوار. احتضن بطنها بكفيه.
- متخافيش. هننقذه.
نهض سريعًا بعدما وضعها بهدوء على فراشه يرتدي ثيابه سريعًا. ثم أسرع إليها رفعها لحضنه وهو يضمها بقوة.
"آسف" حبيبي افتحي عيونك خليكي معايا ياليلى. هاخدك للدكتور.
حملها عندما وجد البرودة تجتاح جسدها متجهًا للخارج وهو يضمها كطفل رضيع.
قابله عدي بن عمه الذي يدلف بسيارته من باب القصر. أسرع إليه.
- آبيه راكان مالها ليلى.
استقل سيارته بالخلف وصاح به.
- وديني أقرب مستشفى بسرعة ياعدي واتصل بيونس يلحقنا.
هز رأسه.
- تمام اهدى.
استقل السيارة سريعًا وذاك الذي يجلس بالخلف يلامس وجهها مرة ويضمها بقوة لصدره مرة.
- ليلى ماتموتنيش لو سمحت. افتحي عيونك.
رفع كفيها الباردة يضمه بين راحتيه يدلكه حتى يدفيه. ثم رفعه لشفتيه يطبع قبلة عميقة عليه بدمعة غائرة.
وصل للمشفى ترجل سريعا وهو يحملها ويسرع بها مطالبا دكتورة. عايزة دكتورة بسرعة.
وصلت الممرضة إليه.
- فيه دكتور سامح هيخرج بعد دقايق من العمليات.
صاح بغضب.
- عايزة دكتورة مش دكتور.
قالها بصراخ وهو يدلف بها لغرفة الكشف. وضعها على الفراش وقام بدثرها ينظر إليها بقلب مفطور.
أمال يطبع قبلة فوق جبينها هامسًا إليها.
- ليلى هستناكي برة. متتأخريش هتكوني كويسة انت وأمير.
لامس وجنتيها بأنامله وهمس بجوار أذنها.
"بحبك".
وصل يونس إليه بعد اتصال عدي به. خرج راكان وامسكه قبل دلوفه.
- يونس اللي جوا دي روحي. ومش عايز أخسرها. أعمل أي حاجة يايونس. سمعتني.
ربت على كتفيه قائلاً.
- اهدى ياراكان. هدخل أشوف الدكتور.
هز رأسه.
- أنا مش واثق في حد هنا. انت هتدخل وتطمني متخليش حد يقرب منها غيرك. وأعرف دي مرات أخوك وحياتها بتساوي حياتي.
هنا ألمه فاق حدود الوصف حتى شعر بأن روحه كادت أن تفارقه. فاتجه بنظره ليونس ليتحرك.
تحرك يونس وهو يطالعه بنظرات حزينة. مر الوقت ولم يخرج يونس حتى شعر بإنهيار قواه بالكامل فجلس على المقعد وهو يشعر بإنسحاب أنفاسه كاملاً. بل يشعر بأنياب حادة تنهش قلبه بحوافر مشتعلة من نيران الخوف من أن يحدث لها مكروه.
أخيرًا خرج يونس بجوار الطبيب ونظراته لا تبشر بالخير. انتظر لحديثهما وكأنه ينتظر نتيجة لأعدامه.
- ربت يونس عليه. هتكون كويسة. الحمدلله وقفنا النزيف. لكن وضعها غير مستقر. خليها تحت الملاحظة لحد الصبح. نطمن على الجنين ممكن نفقده في أي وقت.
اقترب منه ونظرات غاضبة.
- هي عاملة إيه يايونس.
نزل يونس بنظره للأسفل ولم يجيبه. جذبه من تلابيبه.
- مراتي عاملة إيه يايونس؟
رفع يونس عيناه.
- إحنا وقفنا النزيف ياراكان، والاتنين حالتهم مش مطمنة.
دفعه بقوة حتى اصطدم جسده بالجدار خلفه متأوهًا، ثم دلف للداخل بساقين متهاويتين، سيقان كالهلام. تحرك إلى أن وصل لفراشها.
أغمض جفنيه من أثر الرجفة التي هجمت على جسده محاولًا أخذ أنفاسه بصعوبة عندما وجدها بتلك الهيئة الشاحبة.
جذب مقعدًا وجلس بجوار فراشها، ثم سحب كفيها الذي يغرز به الأبر.
- معرفش ليه دايما الدنيا ظلماني، لدرجادي أنا منحوس. أول مرة قلبي يدق حبيت واحدة طلعت ذبالة وسابتني ببدلة فرحي. بعدها قولت مستحيل ادي قلبي لواحدة ست بعد كدا، وربنا يريد ويرمي بنت بريئة لذئاب بشرية حاولوا ينهشوها ولم وقفت تاخد حقها قتلوها حية. وحاولت أعرفهم ان ليها سند، ورغم ماحبتهاش بس طعنوني وقتلوها بدم بارد يوم صباحيتها.
وقعت عيناه عليها، رفع كفيه يمسد على خصلاتها واقترب يدمغها بقبلة، كأنه يشعرها إنها ملاذ الحياة إليه.
فأكمل وكأنها تسمعه:
- وعدت سنين كتيرة، وأنا قررت أن الستات ماهي إلا كسرة وبس.
ابتسم ينظر لملامحها وأنامله تداعب وجنتيها وتحدث بصوت مبحوح من شدة مشاعره.
- لحد ماجيتي قدامي، ووقفتي وعاندتي كقطة شرسة. معرفش وقتها حسيتك صحيت النبض اللي اندفن بقاله سنين. انزلقت دمعة عبر وجنتيه واقترب يمسد على خصلاتها.
- خلصت شغلي ومفيش غير صورتك قدامي. معرفتش اسيطر على مشاعري وقتها. مين اللي خلتني بعد سنين أمشي تايه. لأول مرة أحس بحاجة غريبة. معرفش سعادة ولا وجع ولا إيه.
سحب نفسا ومازال ينظر إليها.
- تلات أيام ياليلى بس وكانت حياتك من وقت ماتولدتي لحد ماوقفتي قدامي. إزاي معرفش كان لازم أعرف كل حاجة عنك. قلبي كان بيسحبني لعندك زي المغناطيس.
قفلت عليكي كل الشركات. عملت كل حاجة تتخيليها عشان تيجي قدام عينيا. واقدر أشبع منك. سنة وتلات شهور وانا كظلك. بس مكنتش أتوقع أن قدري هيرجع يصفعني بالطريقة الظالمة دي ويقولي مش بس هخليها معاك في الشركة. لا هخليها معاك في البيت. واشوفك وانت بتتألم وهي في حضن أخوك.
نزل برأسه يضع جبينه فوق جبينها، وعبراته انسدلت بقوة على وجنتيه.
- ووقتها موت كتييير. موتيني لما دخلت عليا وايدك بأيد اخويا. موتيني لما وقفتي قدامي وقولتي هعذبك. يعني كنتي عارفة انك تهميني. موتيني يوم فرحك وانت بتضغطي عليا بعيونك عشان انقذك. موتيني لما عرفت إنك حامل.
احتضن وجهها بين راحتيه وأكمل.
- مش كفاية موت عليا. معدش فيا روح. أنا أعرف الواحد بيموت مرة واحدة. إنما إنت كل شوية بتموتي فيا جزء. بلاش تخلصي على آخر نفس فيا. لازم تقوي وتفوقي وترجعيلي. ووعد مني مش هقرب منك. كفاية أشوفك قدامي كويسة. رفع كفيها يقبله.
- ليلى لو سمحت. بلاش القسوة دي.
دنى يهمس إليها.
- مش معقول بعد الحب دا كله أسيبك تضيعي مني. أنا بحبك بجنون.
دلف يونس بعد قليل لفحصها. نهض يطالعه.
- فيه جديد.
هز رأسه بإبتسامة بسيطة.
- ان شاء الله الوضع كويس لحد ما. عايز أقولك لو اتأخرنا كان أقل حاجة تفقد الجنين. الحمدلله شايف المؤشرات كويسة.
دقق النظر إلى راكان.
- النزيف دا مش عادي. يعني مش مجرد حالة نفسية. وأنا عملت تحليل. وهيظهر بكرة إن شاء.
حاول ترتاح شوية هي كدا كدا مش هتفوق غير الصبح.
هز رأسه رافضا واجابه.
- لا مش هسبها غير لما تفتح عيونها. روح إنت ولو فيه جديد هعرفك. ومتنساش الصبح تخلي سيلين تجبلها هدوم وحجاب. أنا من الصدمة مركزتش في هدومها. وياريت تبلغهم مش عايز دكتور يدخل هنا.
رفع يونس حاجبه بسخرية مردفًا.
- مش دي النقطة السودا في حياتك. وبعدين تعالى هنا. هي مين دي اللي مراتك ياحليوة.
ابتسم ينظر لليلى قائلا.
- دي مراتي من وقت ماربنا جابها على وش الأرض. برضاها او غصب عنها. بعد اللي شوفته امبارح. صدقني مش هستنى دقيقة واحدة بعد شهور عدتها.
قهقه يونس عليه:
- ياواد ياراكان ياجامد. ماكنت تقول كدا من الأول. لازم يعني البت تموت عشان تفوق.
دفعه للخارج.
- ياله روح واعمل زي ماقولتلك. وخلي تليفونك مفتوح وتحت ودانك. إياك ثم إياك اتصل ومتردش.
نظر اليه وتسائل:
- هو فين تليفونك صح.
ضرب على جبينه.
- نسيته في البيت. خلي سيلين تجيبه معاها. ولا انزل اشتري واحد وهاته. لازم يكون معايا تليفون.
أومأ يونس وتحرك وهو يغمز بعينيه.
- اوعى تنفرد بمراتك ياشقي. فيه كاميرات في الأوضة خلي بالك.
اتجه إليها بعد خروج يونس. وجلس بمكانه وظل يرسم ملامحها بعينيه. ابتسم حينما تذكر كل حديث لهما.
مرت ساعتين فتحت جفونها بألم شديد. كان يحتوي كفيها بيد ويحاوط جسدها بيد أخرى وهو جالس بجوارها على المقعد. همست بصوت متألم.
- ابني. راكان ابني.
ضغطت على كفيه الذي يحتضن كفها. فتح عيناه معتدلا بجلوسه.
- ابني. ابني حصله إيه.
- انت حاسة بإيه الأول. قالها راكان وهو يطالع ملامحها الباهتة. همست بشفتيها.
- ابني سقطه. الولد حصله حاجة.
اقترب يمسد على خصلاتها ويرفعها خلف أذنها.
- ابنك كويس متخافيش. لسة الدكتورة كانت هنا وطمنتني. طمنيني انت لسة موجوعة.
نظرت لكفيه الذي يمسد بها على خصلاتها.
- فين حجابي. إزاي جيت من غير حجاب.
دنى يهمس أمام شفتيها.
- حجاب إيه يامجنونة. دا إنت موتيني من الخوف. ينفع كدا تخضيني. انت عارفة تمن الخضة دي ايه.
قطبت جبينها وتحدثت بصوت متعب.
- يعني إيه.
داعب خديها وابتسم بجاذبيته التي خطفت قلبها من هيئته التي تراه بها لأول مرة.
- خضتك دي هتخليني عقيم الأنجاب. لازم تدفعي حقها.
أغمضت عيناها من أنفاسه التي ضربت وجنتيها تهرب من نظراته التي تفترسها. وتحدثت بصوت متقطع.
- ابعد ياراكان مينفعش كدا. انت وشوية.
قطعت كلمتها ولم تكملها. فغمز بعيناه.
- شوية وإيه ياليلي.
رفعت كفيها بصعوبة على وجهه. حتى أمسك كفيها وثبته على وجنتيه.
قائلة:
- انت سخن ولا حاجة. إنت مين. اومال فين راكان البنداري.
طبع قبلة على كفيها وطالعها بانظاره المتيمة بها عشقًا. وهو يبتسم بسعادة. ثم أمال عليها لوهلة أدرك كم المسافة بينهم أصبحت ضئيلة للغاية للحد الذي باتت أنفاسه تداعب وجنتيها حتى دبت الحمرة فيها قائلا.
- قصدك راكان أنهي. راكان مجنون ليلى. ولا راكان التنين خاصتها.
لمعت عيناها من تمرده بالعشق لأول مرة أمامها.
فهمست.
- راكان انت طبيعي بجد ولا شارب حاجة.
نزل حتى اخترق قانون المسافات بينهما وداعب انفها بأنفه هامسًا بصوته المبحوح الذي قضى عليها وأصبح دقات قلبها كالطبول.
- خلينا في راكان مجنون ليلى. عشان ليلى جننته على الآخر.
حاولت ترفع يديه لتدفعه. ولكن كأن جسدها خدر بالكامل وفقدت حركتها.
فهمست وعبراتها تنسدل.
- ابعد لو سمحت اللي بتعمله دا حرام. أنا تعبانة مش قادرة.
نهض بعدما طبع قبلة سريعة على وجنتيها حينما فقد قدرته على سيطرة قلبه. فتحرك سريعا خطوة. وملامحه تبدو كأنه طالب مجتهد فاز بجائزته.
أما هي فقد بعثر كيانها بقبلته حينما لامس شفتيه الحارة وجنتيها. فبعثت قشعريرة قوية سرت بعمودها الفقري إلى سائر جسدها. فأخفضت عيناها تهرب من براثن نظراته المخترقة وهي تتمتم بخفوت.
- دي اخر مرة تقربلي بالطريقة دي.
اقترب خطوته التي ابتعدها وسألها بعينان مفترستان.
- هو أنا قربت. هتتبلي عليا.
جحظت عيناها ترمقه بنظرات خرساء. فتحرك للخارج قائلا.
- هشوف الدكتورة. عشان نروح بيتنا. لسة قدامنا كتير يالولا عشان تتبلي بضمير.
حاولت لملمت مابعثرته قبلته. وضعت يديها على خديها مبتسمة فتحدثت.
- مجنون. وقليل الأدب.
انسدلت دمعة من عيناها ووضعت يديها على أحشائها.
- ياترى الحياة هتكون بينا إزاي. أنا حقيقي مقدرش أعيش بعيد عنه.
اغمضت عيناها بقوة.
وهي تهمس بسعادة تخترق قلبها.
- كل اللي أعرفه اني بحبه وبس. رغم اللي بقوله بس متمناش أبعد عنه.
تنهدت بوجع وسحبت نفسا مطولا واضعة كفيها على أحشائها.
- عمو هيطلع صعب قوي ياحبيبي لازم نستحمله.
عند راكان خرج متجهًا يبحث عن الطبيبة قابله يونس وسيلين.
- راكان ليلى مالها. وازاي ماتعرفناش.
- ماما هتموت من الخوف عليها.
ضم أخته يربت على ظهرها.
- اهدي حبيبتي. هي كويسة. روحي ساعديها خليها تغير هدومها وأنا هشوف الدكتور.
وصل الطبيب الذي قام بالكشف عليها بالأمس ونظر إلى يونس قائلا:
- المدام اتناولت حاجة لإجهاد الجنين. الحمدلله لحقناه بس دا ميمنعش انه حياة الاتنين هتفضل في خطر بسبب مفعول الدوا. للأسف شكلها بتاخد منه من فترة. وبتمنى ميكونش أذى الطفل. فأنا بقترح نعمل إشاعة عشان نطمن عليه.
وقف للحظات يستوعب حديث الطبيب اتجه ليونس ليؤكد حديثه. فأومأ له.
ابتلع غصة مريرة ملأت جوفه بطعم العلقم.
- يعني هي كانت عايزة تموت الولد.
هزة عنيفة أصابته. بل صاعقة صفعته بقوة حتى شعر بأن أحدهم سكب بصدره بنزينًا مشتعلًا. تراجع للخلف خطوة وكأن الأرض تميد به. وهو يهز رأسه رافضا حديث الطبيب.
- معقول حاولت تقتل الولد عشان متتجوزنيش.
رفع نظره ليونس بتيه. وانزلقت عبرة غائرة.
- معقول تكون قاسية لدرجة إنها تقتل برئ عشان ماترتبطش بيا يايونس. معقول الملاك دي تعمل كدا.
اقترب منه يونس محاولا تهدئته.
- راكان اهدى لازم تفكر كويس هتقولها إيه.
اتجه سريعا. امسكه يونس.
- راكان مفيش ام تتمنى موت إبنها. لازم اثباتك حضرة القاضي.
دفع يونس وتحرك بخطوات تأكل الأرض كالنيران التي تلتهم القمح.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيلا وليد
خرج متحركا وخطواته تأكل الأرض كالنيران التي تلتهم سنابل القمح. توقف نوح أمامه الذي وصل للتو.
- راكان إيه اللي حصل؟ لسة عارف من يونس.
سحب نفسًا طويلًا ثم طرده، يمسح على وجهه بغضب.
- تعبت امبارح مع نزيف وجبتها وجيت بقالنا حوالي عشر ساعات والحمد لله يونس والدكتورة طمنوني.
شعر بمشاعر مقيتة داخله حينما تذكر ما قاله الطبيب منذ قليل، جعلت دقات قلبه تتقاذف بين ضلوعه تحرقها. فأطبق على جفنيه قائلاً:
- الدكتور بيقول فيه حاجة اخدتها سببت النزيف، وكان ممكن نخسرها أو نخسر البيبي.
كان يناظر نوح بهدوء يتنافى مع ضجيج قلبه. ماذا عليه أن يفعل؟ قاطعه كلمات نوح:
- ناوي على إيه؟
استند على الجدار خلفه يعقد ذراعيه.
- أنا مخصص لها واحدة لأكلها وشربها يانوح، واحدة واثق فيها مليون المية، دي معلهاش غبار. أنا كنت هحط كاميرا في أوضتها لكن حستها مش كويسة، دي مهما كانت لسة غريبة عليا.
أظلمت عيناه وارتسم بها نظرة قاسية.
- لو اتأكدت ان هي اللي حاولت تقتل الولد صدقني وقتها حبي ليها هحوله لجحيم.
هز نوح رأسه رافضًا حديثه.
- لا مستحيل ليلى تعمل كدا! متظلمهاش.
اتجه ينظر إلى الفراغ بعينان تقطران ألماً وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل لقلبه، فأردف:
- هي قالتلي قبل كدا تتمنى تموت ولا تتحوزني يانوح، انت عارف معناه إيه؟ يارب المرادي تخيب ظني.
اقترب نوح يربت على كتفيه.
- دا كلام ياراكان، ليلى بتحبك.
تحدث من بين أسنانه قائلاً:
- كان يانوح، دي مش طيقاني، وكل شوية ابعد كأني عدوها.
- راكان ليلى مش نورسين ولا غيرها عشان تاخدك بالأحضان، وانت عارف تربية ليلى غير البنات اللي نعرفهم، وعندها دينها أهم حاجة. معتقدش هتخليك تقرب منها حتى لو بتموت فيك. يارب تفهم كلامي. أنا ابن خالتها وبيكون في حدود بينا، تخيل كدا انت بقى هيكون إيه.
تحرك متجهاً لغرفتها.
- روح وبعدين نتكلم، كدا كدا إحنا هنمشي، لازم أعرف مين اللي بيحاول يموت الولد. لولا عارف تعلق جدي بالولد كنت قولت هو، دا مستني الولد قبل امي نفسها.
اوقفه نوح قائلاً:
- أسما عندها.
أومأ رأسه وتحرك للغرفة.
عند ليلى قبل قليل.
وصلت سيلين إليها، فتحت الباب وهي تنظر بالداخل.
- ممكن ادخل يا ام الولد؟
ابتسمت ليلى لها وهي تشير بيديها بتعب.
- تعالي ياعمتو.
دلفات للداخل تطالعها بنظرات تقيمية.
- لا دا لولا قمر والله ياناس.
ثم رفعت الهاتف.
- مامي ليلى كويسة وافتحي الفيديو ياحبيبتي عشان تكلميها.
تناولت الهاتف من سيلين ثم تحدثت:
- ماما زينب أنا كويسة وهجي بعد شوية متخافيش حفيدك كويس.
على الجانب الآخر بكت زينب بنشيج أم ملكومة.
- صحيح ياليلى، يعني الولد كويس ياحبيبتي، يعني هشوف سليم الصغير.
انزلقت عبرة على وجنتيها وأجابتها:
- متخافيش مستعدة افقد حياتي عشان ابنه يجي لوش الدنيا ياماما، مستحيل اخليكي تحزني مرتين. ادعيلي انت بس ياست الكل.
دلفت أسما وهي تتحدث مع زينب، وبعد إغلاقها، توجهت إليها.
- ليلى ألف سلامة عليكي يا حبيبتي كدا مش تعرفيني.
ابتسمت بهدوء وهي تضع كفيها على أحشائها.
- الحمد لله كله عدى ياأسما.
ساعدتها سيلين في تغيير ثيابها بعد دخولها للمرحاض، مع وضع حجابها. نظرت ليلى لها.
- مالك ياسيلي؟ فيه حاجة مزعلاكي؟
وزعت نظرها بينها وبين أسما.
- ماما من وقت ماعرفت وهي مش مبطلة عياط، أنا خايفة عليها قوي.
سحبتها ليلى وأجلستها بجوارها.
- عايزة أقولك أنا كنت هموت عليه، ابني دلوقتي أغلى من حياتي، صدقيني ياسيلين لو خيروني بينه وبين حياتي هختاره هو.
أزدرق ريقها بصعوبة تستجمع الكلمات التي جفت على طرف لسانها.
- بتمنى يكون شبه سليم.
اتجهت أسما تجلس بمحاذتها وتدقق النظر في مقلتيها قائلة:
- ربنا يباركلك فيه حبيبتي ويقر عينك بيه، والمهم يكون ذرية كويسة تفتخر بيه.
أومأت رأسها دون حديث واتجهوا بنظراتهما إلى سيلين التي وقفت تنظر في هاتفها بذهول.
تسائلت ليلى:
- مالك ياسيلي؟ إيه اللي شوفتيه مخليك متصنمة كدا؟
قطبت جبينها وتحدثت ومازالت تحت الصدمة.
- هو مش المفروض انتِ وابيه راكان هتتجوزوا؟ طيب إزاي نورسين منزلة خبر خطبتها منه لا وكمان متصورة بخاتم الخطوبة؟ إزاي أبيه راكان يعمل حاجة زي كدا؟
شعرت بالدوار يضرب رأسها بالإضافة إلى تهدل ذراعيها بعدما رأت صورتهما التي أنزلتها نورسين بمشاركة راكان.
نهضت أسما تجذب الهاتف من نورسين، عندما وجدت تبدل ملامح ليلى وشحوبها.
- تلاقي نورسين بتقول أي كلام.
هنا تذكرت حديثه.
- لا الكلام حقيقي، اخوكي قالي انه هيتجوزها، أنا وهو مستحيل يكون بينا جواز حقيقي.
رفعت نظرها إلى سيلين بعينيها المترقرقة بالدموع.
- متزعليش مني، بس راكان دا مش الإنسان اللي آمن له على حياتي، وعايزاكي تتأكدي. هو لو هيتجوزني هيكون بالغصب عني، ومضطرة أوافق عشان ابني.
انزلقت دموعها بالعجز وأكملت.
- الشخص دا اكتر واحد كرهته في حياتي، وكل ما أتخيل ان هيربطني بيه حاجة بتمنى الموت.
شهقات خرجت من فمها كلما تذكرت صورته مع تلك النورسين وأكملت ماشطر قلبه لنصفين وهو بالخارج.
- لو بأيدي كنت قتلته واتخلصت منه على جبروته، ماهو مش معقول بعد ما اكون مرات الباشمهندس سليم، اسمي يرتبط بواحد زي راكان دا. ولو بأيدي أخلص عليه عشان مربطنيش بيه حاجة.
قالتها بأنّين حطم قلبها وعبراتها تنسدل بقوة عبر وجنتيها حتى تمنت الموت.
قبل قليل وصل ترك نوح قائلاً:
- هعرف مين عايز يموت ابن سليم، لو مش ليلى ليها يد يبقى مفيش غيرها مرات عمي بتنتقم، لازم أتأكد، وهعرف وقتها.
قالها متحركاً متجهاً إليها.
رفع يديه للطرق على باب الغرفة ولكنه استمع ماشطر قلبه نصفين من حديثها.
لحظات بل دقائق معدودة. ابتلع غصة مريرة ونبرة تقطر وجعاً.
- ليه ياليلى؟ ليه شايفني وحش كدا؟
تراجع للخلف بهدوء حينما شعر بفقدان وعيه من كلماتها التي اخترقت روحه، شعر بانقباض ضلوعه داخل صدره، بل نيران تحرقه بالكامل.
تحرك سريعا قبل أن يراه أحد. ظل يتحرك بسرعة جنونية ورغم خطواته السريعة إلا أنها متعثرة. لم يعلم أين يسير وأين يتجه. طابق فوق الآخر حتى وصل إلى سطح المشفى، وهو لم يشعر بكم الطوابق التي صعدها.
كتم صرخة مهتاجة بآلامه شقت صدره. هو يملس على صدره حينما شعر بكم آلامه.
وقف بأنفاسا متسارعة كمتسابق لماراثون من الكيلومترات. دمعة خائنة انزلقت بجوار جفنيه بعدما حاول السيطرة على نفسه ألا يضعف مرة أخرى، ولكن شعوره بضعف قلبه وانهياره جعله يشعر بضعف الدنيا أمامه.
سقط كمن تلقى ضربة موجعة اخترقت صميم قلبه حتى شعر بتوقف نبضه.
آآآهة صرخة خرجت من أعماق روحه قائلاً لنفسه بعتاب من قلبه الذي تمادى على شخصيته.
- انت تستاهل، اللي يخلي واحدة ست تعمل فيك كدا، غبي وضعيف، حب ايه اللي يعمل كدا.
دقائق وهو بتلك الحالة حتى استمع إلى رنين هاتفه. نظر للهاتف محاولا السيطرة على نفسه.
- أيوه يايونس.
على الجانب الآخر تسائل يونس.
- راكان إنت فين؟ أنا روحت أوضة ليلى وانت مش موجود.
أطبق على جفنيه بألم يعتصر عيناه قائلاً.
- نزلوها تحت وأنا كنت في مشوار، شوية وجاية، هستناكم تحت.
قطب يونس جبينه متسائلاً.
- راكان انت كويس؟ صوتك بيقول فيه حاجة. راكان عرفت مين حاول ينزل الولد.
- لا لسة معرفتش. ياله انا مستنيكم تحت.
نظر يونس إلى نوح بإندهاش قائلاً:
- دا بيقول نزلوها تحت، تفتكر صدق إنها هي اللي حاولت تنزل الولد؟
هز نوح رأسه رافضاً حديثه.
- لا مش معقول دا يبقى اتجنن رسمي. هو لسة قالي هتاكد منها، واللي عرفته انه مجاش عندها. لا فيه حاجة تانية حصلت معاه توصله انه ميجيش ينزلها، لدرجة يقولك هاتها.
مش راكان.
دلف نوح إليهم يوزع نظراته.
- متاكدين راكان مجاش هنا؟
- لا ياآبيه هو قابلني برة، ومن وقتها مشفتوش.
نظر إلى ليلى التي تنظر في شرود، وعيناها الذابلة.
- ليلى هتقدري تمشي؟ ياله عشان نوصلك.
رفعت نظرها إليه بحزن، وتسائلت بعينها.
- أين هو؟
اقترب نوح يساعدها على الوقوف بمساعدة أسما هامساً لها.
- هو تحت، مستنيك.
نهضت ثم جلست على المقعد المتحرك للخروج بها.
وصلت للأسفل. في أثناء هبوطه من مبنى المشفى، استقل السيارة دون التوجه إليها بنظره.
فتح يونس الباب الأمامي حتى تركب ولكن قاطعه راكان.
- ركبها ورا عشان تاخد راحتها.
قالها وهو ينظر أمامه.
ذهل يونس من جموده الذي ظهر على وجهه، وعيناه التي أخفاها بنظارته السوداء.
رفعت ليلى نظرها إلى نوح.
- نوح وصلني، شكلي تقلت على حضرة النايب، بس عايزة أقوله، أنا مكنتش هركب جنبه.
كانت النيران مازالت مشتعلة بصدره حتى أصبحت عيناه بلون نيرانه فتحدث.
- خلاص اقفل يايونس، وخلي نوح يجبها، أنا هسبقكم.
قالها وهو يتحرك بسيارته دون حديث آخر.
صدمة أصابت الجميع مما فعله. نظرت أسما إلى نوح بصدمة قائلة:
- هو فيه إيه؟
جلس نوح أمام ليلى التي بكت بنشيج من أفعاله.
"ليلى متزعليش منه، انت متعرفيش إيه اللي حصل. راكان مفكرك إنك اللي حاولتي تجهدي نفسك، بعد ماعرفوا الإجهاد بفعل فاعل."
هزة عنيفة أصابت جسدها وشعرت بإنهيار عالمها. لم تستمع لباقي حديث نوح إلا من كلماته:
"شاكك فيا يعني ممكن توصل بيه أنه يفكرني مجرمة واقتل ابني؟"
لم تشعر باحدا حولها. تساقطت دموعها بشهقات مرتفعة. حتى ضمتها ليلى تنظر بحزن إلى نوح.
"ودا معقول انها عايزة تقتل إبنها برضو؟"
دقق نوح النظر إليها.
"مش إنت اللي قولتي له، بتمنى اموت وابني يموت ولا اتجوز واحد ذيك."
تجمدت بجلوسها وشعرت للحظة برغبتها في التلاشي. فلم تعد تتحمل كلمة أخرى يكفيها ماعانته منذ معرفته.
بعد قليل وصلوا إلى قصر المحجوب.
ترجلت ببطئ، كانت تنتظرهم زينب بمقعدها المتحرك على أعتاب الباب الداخلي للقصر. وصلت ليلى إليها بمساندة أسما وسيلين.
طالعتها زينب بعيناها المغروقتين بالدموع.
"عاملة إيه ياحبيبتي؟ والجنين عامل إيه؟"
أومأت برأسها حينما شعرت بعدم قدرتها على الحديث. فأجابتها سيلين:
"ماما ليلى كويسة، ممكن تسبيها ترتاح وبعد كدا نتكلم."
دلف إلى المصعد جسد بلا روح حتى وصلت غرفتها.
***
مساءا اليوم بمزرعة نوح.
دلف للداخل يبحث بعينيه عليها. وجدها تقوم بإعداد مائدة الطعام. وضع أمامهم صندوق كبير وبجواره علبة صغيرة.
رفعت نظرها إليه وتسائلت:
"إيه دا ياحبيبي؟"
اقترب، ثم طبع قبلة على جبينها قائلا:
"افتحيه وانت تعرفي."
قامت بفتح وإذ بها تضع كفيها على فمها من الذهول.
"فستان فرح!! إحنا هنعمل فرح؟"
اقترب، حاوط خصرها رافعا ذقنها.
"أنا آسف حبيبتي، كان لازم أعملك فرح. جهزي نفسك هنعمل حفلة صغيرة. ولو عايزة تعرفي مامتك واختك معنديش مانع."
احتضنت كفيه ورفعت عينيها المترقرقة بعبراتها.
"نوح أنا بحبك قوي."
ضمها لأحضانه وطبع قبلة على خصلاتها.
"وأنا بعشقك ياقلب نوح."
بفيلا خالد البنداري.
استيقظ يونس بعد عدة ساعات استغرقها بالنوم، بسبب سهره بمشفاه الخاصة ليلة أمس.
هبط للأسفل بعد روتينه اليومي. قابله أخته سلمى.
"أخيرا صحيت. إحنا فكرناك مغمي عليك."
تحرك للخارج ولكنه توقف عندما تسائلت:
"يونس هو حمزة معدش بيجي عندنا ليه؟"
استدار مضيقا عيناه.
"وانت يخصك في إيه؟"
رجع إليها بخطوة ووقف أمامها.
"سلمى حبيبتي انسي حمزة هو خلاص لقي البنت اللي هيكمل معاها حياته."
جحظت عيناها ودمعاتها التي انسدلت على وجنتيها فجأة فهمست:
"بتقول ايه؟ خطب حمزة خطب غيري."
احتضن وجهها وأردف:
"حبيبتي ليه جاية تندمي دلوقتي!! مش دا حمزة اللي قولت مبشوفش غير انه أخ."
وضعت كفيها على فمها لتمنع شهقاتها وتحركت سريعا من أمامه. صدمة أصابته. وقف ينظر إلى تحركها بذهول.
"إيه اللي حصل ياسلمى؟ ياترى ليه دلوقتي حمزة عجبك؟ الموضوع دا مش مريحني."
تنهد بألم متجها لقصر عمه الذي بجوارهم. قابله درة تدلف من البوابة الرئيسية.
"مساء الخير يادكتور."
أومأ رأسه بأبتسامة.
"عاملة ايه باشمهندسة؟"
نظرت للأسفل واجابته:
"الحمد لله. بعد أذنك رايحة أشوف ليلى."
أومأ برأسه. فتحركت من أمامه. وقف وقام بإشعال سيجاره. ينفثه ينظر لمكان تحركها.
"تستاهل ياحمزة. صبرت ونولت ياصاحبي."
جز على شفتيه ورفع هاتفه بابتسامة تسلية.
"عامل إيه يانص متر؟"
على الجانب الآخر.
"اهلا بدكتور الستات."
قهقه يونس بعدما جلس على الاريكة في الحديقة.
"عقبالك لما انثاك توقع تحت ايدي."
"ولا...اتجننت ولا إيه هو أنا اهبل عشان اخلي مراتي تروح لواحد فاشل زيك. دا إنت اخرك تضرب سرنجة عضل."
رفع إحدى حاجبه وتحدث:
"لا والله انا فاشل. غيرك قالي قبل كدا. وامبارح كان هيتجنن وأول واحد فكر فيه العبد لله."
قطب حمزة مابين حاجبيه متسائلا:
"قصدك راكان؟ ليه إيه اللي حصل؟"
وضع ساقا فوق الأخرى وهو يقهقه:
"كان نفسي اصوره وابعتهولك. شوفت المجنون اللي هرب من مستشفى المجانين."
نهض حمزة وصاح فيه بغضب:
"انت واحد مجنون يابني. وليلى حصلها حاجة."
توقف يونس متجها لسلين الذي ترجلت من سيارتها.
"كويسة وروحت. وحبيبة القلب هنا. جاية تزور اختها."
زفر حمزة بغضب قائلا:
"عارف قالتلي رايحة اشوف ليلى. لكن مقالتش انها تعبانة."
أغلق يونس واتجه سريعا إلى سيلين بعد قال له:
"تمام تعالى وصلها يابغل بدل ماتروح لوحدها."
دلف سريعا خلف سيلين ثم جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه.
"ميت مرة اقولك بلاش تبقى قليل ادب كدا. مش مشكلتي إنك هلاس."
دفعته بقوة وصاحت بغضب.
خرج راكان من مكتبه على صوت صرخات أخته. وقف يوزع نظراته بينهما. فهو في حالة لا تنم الا على الغضب.
دفعها يونس اتجاه راكان. ودلف يجذبها لداخل المكتب. وهو يصيح بغضب أمام راكان:
"البت دي كانت فين؟ هي معندهاش جامعة النهاردة."
جلس راكان على مكتبه واضعا رأسه بين كفيه.
عندما اسرعت سيلين تلكمه بقوة كقطة شرسة:
"اوعى تفكر عشان اكبر مني بكام سنة. هكون ملزومة منك. أنا ملزومة من اخويا وابويا. انت مالكش دعوة."
جذبها من خصلاتها ودفعها يلكمها بقوة بالحائط:
"لمي نفسك يابت. هو عشان انا ساكت هتسوقي فيها وحياة ربي ادفنك في سابع أرض."
نظرت إلى راكان بعيناها الباكية من عنف يونس إليها. ولكنه كان مازال واضعا رأسه بين كفيه. فهمست بصوت مفعم بالبكاء:
"سايبه يهين فيا وانت قاعد. طيب لما بيعمل كدا وانت موجود. هيعمل ايه وانت مش موجود."
رفع نظره إلى يونس وتحدث بهدوء رغم نيران قلبه المشتعلة:
"يونس. سبها."
ثم اتجه بنظره لأخته:
"اطلعي اوضتك. بعدين نتكلم."
تركها يونس وهو يرمقها بنظرات جحيميه بعدما اقترب يهمس لها بصوت كفحيح أفعى.
"هموتك لو شوفتك قريبة من اي جنس مذكور انه ذكر. حبيبتي الجميلة."
تحركت سريعاً من أمامه وشهقاتها بالأرتفاع. اتجه يونس إلى راكان يدقق النظر بملامحه:
"مالك ياراكان؟ من وقت ماعرفت نتيجة التحليل. وانت متغير. هو انت عرفت مين عمل كدا."
فتح الكاميرا التي أمامه ووجهها إلى يونس:
"محدش طلعلها غير والدتك."
هب فزعا كالملدوغ.
"اتجننت ياراكان. انت عارف بتقول ايه. ماما مستحيل تعمل كدا."
نهض راكان متجها للنافذة ينظر بالخارج وكأن الأكسجين انسحب من غرفته.
"كله هيتحاسب يايونس. اتأكد الاول. هعرف انا لسة متكلمتش مع الباشمهندسة."
اتجه يقف بجواره يرمقه متسائلا:
"باشمهندسة؟ إنت حكايتك إيه يابني. مرة تقولي امي. ومرة تشك في ليلى."
"أمشي دلوقتي يايونس مش عايز اتكلم مع حد."
استدار له بجسده فتحدث:
"عايز افحص ليلى. وأطمن عليها. كان المفروض اكون شوفتها من ساعة. بس نمت من التعب."
تحرك معه للأعلى مرتديا نظارته الشمسية. توقف يونس أمامه:
"بعد مااطمن عليها لازم تحكي لي كل حاجة."
تحرك دون حديث. صعد للأعلى دلفا بعد الطرق.
كانت تخرج من مرحاضها بمساعدة اختها. تعثرت بخطواتها حينما وجدته بغرفتها. لولا أيدي يونس الذي تلقفها ودرة من جانب آخر.
"مدام ليلى خلي بالك."
نزلت ببصرها بعيدا عنه تهز رأسها وتحركت للمخدعها.
"شكرا لحضرتك."
قالتها بألم حينما توجه راكان للشرفة.
"خلص كشف يايونس. معاك الباشمهندسة درة لو محتاج حاجة."
اطبقت على جفنيها. وتسطحت بمساعدة أختها.
"أنا هكشف مبدئي ضغط. ونبض. لكن طبعا بكرة لازم تروحي تراجعي سونار."
بعد قليل انتهى من كشفه قائلا:
"عال العال. نسيت أسألك ناوية تسمي زعبولة ايه؟"
تسائلت درة بإبتسامة:
"هي هتجيب ولد."
هز رأسه بابتسامته الخلابة ونظر بالخارج إلى راكان الذي ينفث تبغه بغضب.
"ايوة هتجيب ولد. واتمنى مايكونش نرفوز زي عمه."
اتجهت بنظهرها سريعا إلى يونس:
"وهو يطلع شبه عمه ليه؟"
وصل راكان على حديثها فابتسم بسخرية وأجابها:
"لا طبعا لازم يطلع محترم لأبوه. معقول بعد سليم الباشمهندس المحترم هيطلع لعمه الحقير بتاع الستات."
اقترب يرمقها بنظرات لو تقتل لأوقعتها صريعة قائلا:
"صدقيني لا إنت ولا ابنك حتى تهموني. وخليكي فاكرة ان وقوفي معاكي ومع ابنك عشان خاطر أخويا وأمي. أما لو عليا مش هبص في وشك. مش عشان الجميلة معجبتنيش لا عشان تفضلي ليلى هانم المحترمة اللي مبتعرفش غير المحترمين. أما أنا واحد حقير وزي ماقولتي كل حياتي باطل في باطل يامدام."
اقترب يونس حينما وجده خرج عن سيطرته:
"راكان اهدى. إحنا بنهزر."
دفع يونس بعيدا عنه قائلا بصوت جهوري حتى وصلت والدته على أثره:
"إيه شايفني مجنون؟ أنا برد على المدام مش اكتر. متحاولش تقرب مني ولا ليها دعوة بحياتي. بدل حياتي هتفضحها."
.قطع حديثه على صوت والدته:
"راكان..."
صاحت بها زينب.
تحرك متجها لوالدته وجلس بمقابلتها ثم رفع كفيها يقبله:
" ماما عاملة."
نظرت إليه بتقييم. ثم رفعت نظرها إلى ليلى.
"بتزعق ليه مع ليلى...؟"
توقف يضع يديه بجيب بنطاله قائلاً بهدوء:
- آسف يا ست الكل، مش هقدر أحقق لك رغبتك وأتجوز أرملة أخويا. شوفي حد تاني. يونس مش غريب عن العيلة. وحتى لو يونس موافقش، متخافيش محدش يقدر يقرب من حفيدك ويحرمك منه. لكن أنا هتجوز واحدة تانية.
قالها ثم نهض سريعاً متجهاً للخارج. صاحت زينب تناديه، ولكنه اختفى.
- الحق ابن عمك يا حبيبي، معرفش إيه اللي حصل معاه.
أما هي، فشعرت وكأن روحها خرجت من جسدها بسبب ما قاله. وتذكرت ما قالته إلى سيلين، فهمست لنفسها:
- معقول سمعنا؟
أطبقت على جفنيها بقوة. اقتربت زينب منها تطالعها متسائلة:
- راكان طيب يا بنتي، بلاش تقسي عليه بالكلام. ميغركيش قسوته، لكن جواه طفل محتاج الاحتواء. زعلتيني يا ليلى، آه انت غالية عليا، بس مش أغلى منه.
قالتها وخرجت متجهة لغرفتها بمساعدة الممرضة.
ارتفعت دقات قلبها وارتجف جسدها عندما تحدثت درة قائلة:
- حبيبتي راكان واتجوزتي سليم، ودلوقتي إيه اللي بيحصل؟ هو انت مين؟ أنا معرفكيش.
فرت دمعة من عينيها تسيل فوق وجنتيها ببطء. فوضعت كفيها المرتعش تزيلها.
- أنا أكتر واحدة ظلمت نفسي، أنا اللي كسرت قلبي وقلب واحد مالوش ذنب، ومات ومفكرني زعلانة منه.
شهقة خرجت من جوفها. ثم رفعت نظرها إلى أختها.
- أنا ضعت يا درة، ومش لاقية نفسي. ليلى القوية ضاعت. تفتكري دا ذنب سليم عشان اتجوزته وقلبي مع حد تاني؟
انتفض جسدها وازداد احمرار وجهها من البكاء.
- والله ما كان قصدي أوجع حد، حتى لما قولت لراكان عشان أوجع قلبك كان مجرد كلام. ماهو مفيش حد بيتمنى لحبيبه الوجع.
قالتها بصوت مفعم بالبكاء. جلست أمامها درة تنظر إليها بذهول. فجذبتها لأحضانها عندما ارتفع صوت بكائها.
- ليلى حبيبتي اهدي، أنا مش هلومك على اللي عملتيه، لكن ليه راكان بيقول هيتجوز واحدة تانية؟ وهو فعلاً بيحبك ولا إيه؟ مش فاهمة حاجة.
- درة ممكن تنامي جنبي أنا محتاجة أشعر بالراحة وللأسف مش لاقياها. للأسف قلبي وجعني على الشخص الغلط.
مسحت درة على خصلاتها وتسطحت بجوارها، وظلت تمسح على خصلاتها حتى غفت. ثم توقفت وتحركت للشرفة وقامت بمهاتفة والدتها.
- ماما ليلى تعبانة للأسف، ونفسيتها مش تمام. هقعد معاها للبليل، وهكلمك تبعتي آسر ياخدني.
- أختك تعبانة قوي يا درة، أنا مش عارفة أسيب باباكي تعبان وأجي أشوفها.
أخذت عدة أنفاس لعلها تهدأ من حالة والدتها المرتابة.
- لا يا ماما، هي كويسة حبيبتي وكمان الدكتور يونس بيقول هجيلك حفيد زي القمر. وآه يا ست ماما متنسيش إن درة هتتجوز، يعني بلاش الحب كله لسيادة حفيدك.
بعد فترة أنهت اتصالها، واجابت على حمزة الذي هاتفها عدة مرات.
- حمزة.
قالتها بصوتها الهادي. كان جالساً على مكتبه يتابع قضية له، ولكنه أغلق ملفه وتحدث:
- عرفت الأخبار عندك مش تمام.
شعرت بوجع حاد في كامل جسدها والألم الذي بصدرها. فأجابته:
- جداً يا حمزة، راكان صرخ في ليلى ومعرفش ليه، وكمان قال كلام مفهمتوش، انه هيتجوز واحدة تانية.
نهض حمزة من مكانه يجمع أشيائه.
- هعرف كل حاجة حبيبي وأقولك، أنا رايح لعنده النيابة، هضطر أقفل دلوقتي ومتمشيش لما أعدي عليكي أوصلك.
هزت رأسها رافضة.
- لا آسر هيعدي عليا، أنا قولت لماما.
قاطعها حمزة بصوت صاخب.
- قولت هعدي عليكي، واعملي حسابك بعد كدا، لا آسر ولا غيره له حكم عليكي، وأنا هتكلم مع باباكي ونشوف هنعمل إيه. سلام بهدوء دلوقتي يا درة، مش عايز أتعصب عليكي.
باليوم التالي، ذهبت أسما لزيارة ليلى. قصت لها ليلى ما صار.
جلست ليلى بمحاذتها.
- يبقى كلام نورسين مش صح، وأي راجل طبعاً هيسمع الكلام ده هيعمل أكتر من كده.
قفلت جفونها بشدة تحاول أن تستوعب كلمات أسما، فهمست لها:
- هو قالي هيتجوز نورسين، يعني حقيقة يا أسما.
- وهتسيبيه يتجوزها؟
فتحت عيناها تطالع أسما بصمت.
- عايزة مني أعمل إيه؟ أنا واحدة لسه جوزها ميت من كام شهر، وعمال يضغطوا عليها عشان تتجوز أخوه، اللي معرفش أصلاً نيته إيه، وأنا عند رأيي لو هو آخر راجل مستحيل أوافق عليه. أنا عايزة ابني وبس.
- ليلى لازم تتكلمي مع راكان، لازم تعرفي آخر اللي انتوا فيه ده إيه.
قاطع حديثهما طرقات على باب الغرفة. دلفت العاملة.
- غداكي يا هانم، وحضرة المستشار بيقولك اجهزي عشان هتروحي تكشفي.
أومأت برأسها بابتسامة هادئة.
- تمام يا هدى، ممكن تحضريلي الحمام.
أومأت العاملة برأسها متجهة لمرحاضها.
ابتسمت أسما على صديقتها بسخرية.
- أيوه فعلاً باين إنك مش طايقاه، ولو آخر راجل مش هتوافقي.
توقفت أسما وسحبت طاولة الطعام.
- اتغذي حلو حبيبتي عشان متقعيش من طولك وتضطري التنين الوحش اللي مش طايقة تشوفيه، واللي مش هتموتي وتشوفي.
ربتت على كتفها بسخرية رافعة حاجبها.
- يابت ده وشك ردت فيه الدموية مجرد ما عرفتي إنه هياخدك للدكتور، اومال لو اتجوزك هتعملي إيه؟
شردت بكلمات أسما. نعم أسبوع بعيداً عنها لم تلمحه وكأنها جسد بلا روح. ولكن كيف تغفر له ما فعله معها؟ كيف تفعل لرجل مثلها تعشقه تريده ولا تريده؟ كان شعوراً متقلباً لا تعلم ماذا عليه فعله.
رجل رغم صلابته إلا أنه متهاون في بعض المواقف. ينهزم أمامه أعتى الرجال. ذكاء يكلله بعض الدهاء. تذكرت ما صار بينهما في المشفى. فابتسمت بغرور وتوقفت متجهة لمرحاضها.
كانت أسما تراقبها، فتحدثت متسائلة:
- الضحكة دي وراها حاجة؟ ناوية على إيه؟ بس قبل أي حاجة عايزة أقولك الكلام اللي قولته يوم فرحك كان كله كذب. بالعكس راكان جه المزرعة وشرب كتير ليلتها، وكان حالته صعبة جداً، لدرجة ضرب نوح.
اقتربت منها.
- أنا معرفش ليه عايز يتجوز نورسين، بس اللي متأكدة منه، إنه مجروح ومكسور من جوه يا ليلى. واوعي تفكري إني غبية ومعرفش نظرة الحب بتكون إزاي. ممكن هو عايز ياخد حق قلبه اللي كسرتيه، فبكذا يقرب من نورسين، ويعيش يومين انتقام لكرامته مش أكتر.
كانت الغيرة تتشعب بداخلها، كالنيران التي تلتهم أحشاءها. فابتسمت بمكر قائلة:
- تمام يا أسما.
ضيقت أسما عينيها متسائلة:
- ناوية على إيه؟!
- مش حضرة المستشار خطب؟ مش الواجب أبركله؟ ولازم هدية كمان.
أطلقت أسما ضحكة مرتفعة.
- أيوه يا واد يا جامد! أيوه كده! مش عايزة ليلى الضعيفة محبتهاش، خدي حقك يا قلبي. وحياة ربنا يا ليلى راكان بيحبك.
بعد قليل هبطت للأسفل بمساعدة أسما، تبحث عن سيلين.
- سيلين لسه مرجعتش من الجامعة؟!
تساءلت بها أسما للعاملة. قاطعهما وصول زينب.
- الله وأكبر يا حبيبتي انت شكلك كويس. أومأت لها بابتسامة:
- أيوه الحمد لله خلاص يا ماما دخلت في التامن اهو، ربنا يعدي الشهرين دول بسرعة.
خرج من مكتبه وهو يتحدث بهاتفه.
- قدامي ساعتين تلاتة كدا، مش عايزاه يبعد عن عينك.
بغضب لون ملامحه وامتزج صوته الفظ.
- لا متعملش حاجة بغباء، قول لجاسر وهو هيتصرف.
تحرك أمامها بعدما رمقها بنظرة متجاهلاً وجودها، فأشار للعاملة.
- هاتي للمدام شال على كتفها، لتتعب وطبعاً التعب يؤثر على الولد، عايزين الولد يجي بصحة كويسة، مش كده يا ماما.
تشعب الغضب بجوفها فأجابته:
- محدش هيخاف على ابني أكتر مني.
تحرك للخارج وهو يبتسم بسخرية.
- أيوه طبعاً، ماهو من ريحة الغالي، حياته بتساوي حياتك.
- امشي يا محمود، وكلم رئيس الحرس ياخدوا بالهم.
وضعت رأسها على النافذة وهي تضع يديها على أحشائها وتنظر للذي بجوارها. ولكنه كان مشغولاً بما يفعله.
مرت عدة دقائق على الطريق، إلا أن أوقفه اصطدام سيارة الأمن أمامه وإطلاق النيران بعشوائية حولهم.
أغلق جهازه سريعاً يتساءل:
- إيه اللي بيحصل يا محمود؟
استدار محمود يتحدث في سماعته.
- تمام أنا هحاول أحمي الباشا، وانتوا اتعاملوا.
صرخ راكان عندما وجد تلك المنكمشة بجواره تناظره بخوف.
- فيه إيه يا بني؟!
حرك السيارة بالإتجاه المعاكس قائلاً:
- سطو علينا يا باشا، متخافش حضرتك، إحنا بنحاول نتعامل معاهم.
طلقات عشوائية حولهم بكل مكان، وتساقط جرحى وموتى بين الفريقين، وتوقف السيارات على الطريق.
لم يشعر بنفسه وهو يجذبها لأحضانه وهو يصرخ:
- اتحرك بسرعة.
مسح على وجهها الغارق بالدموع.
- ليلى اهدي، متخافيش أنا معاكي.
دفنت رأسها بأحضانه وهمست وهي تمسك أحشائها:
- راكان مين الناس دي أنا خايفة.
انتفض ذعراً عندما شعر بجسدها يرتعش بين يديه.
همس بجوار أذنيها:
- ليلى اهدي، خلاص بعدنا عنهم.
لم يكمل حديثه، إذ وجد طلقات تخترق زجاج السيارة. فضمها بكامل جسده حتى اخترقت رصاصة كتفه وأصيب السائق بطلق ناري بصدره. أما الضابط المسؤول عن حمايته، فتحكم بالسيارة التي بدأت تخترق السرعات.
مرت دقائق صعبة عليهم حتى تحكم فريق أمنه بالسيطرة، وتحكم الضابط بالسيارة وإيقافها. ينظر للسائق الذي تم قتله بدم بارد من الخارجين عن القانون.
ثم اتجه إلى راكان.
- حضرتك كويس؟
كان يطالع التي تضمه ببكاء وتنظر إليه بخوف. فهمس إليها وهو يبحث بعينيه عن شيئاً أصابها.
- ليلى إنت كويسة فيه حاجة بتوجعك؟
كانت تناظره فقط. كان قريباً منها جداً حتى شعرت باختلاط أنفاسهما. فانسدلت عبراتها.
هز رأسه حتى لا يشعرها بالذعر قائلاً:
- أنا كويس.
اعتدل واستند بظهره للخلف.
- راكان أنت كويس مش كده؟
شعر بآلام بكتفه فهز رأسه.
- أنا كويس.
نظر لبطنها.
- الولد، حاسة بحاجة؟
قالها وهو يغمض عيناه بألم، فهمس وهو يحتضن كفيها:
- أنا كويس طول ما إنت كويسة.
قالها ثم غاب عن الوعي.
جحظت عيناها من حالته، فصرخت بمحمود:
- ده اتصاب. ودي المستشفى بسرعة.
***
بعد قليل، كانت تجلس أمام غرفة العمليات بجوار نوح ويونس، الذي قامت بالاتصال عليهما.
نهضت متحركة، وآلام جسدها تخترق عظامها بقوة، ودموعها التي تنسدل بقوة.
ضمتها أسما:
- بطلي عياط يابنتي، عشان اللي في بطنك. وبعدين ما يونس دخل وقال ده مضروب في كتفه، يعني بسيطة إن شاء الله.
خرج الطبيب، فهب نوح متجهاً بجواره يونس:
- إيه الأخبار؟
أجابهم الطبيب بعملية:
- الحمد لله خرجنا الرصاصة. هي مكانها مش خطير، حمدلله على سلامته.
تحركت بخطى بطيئة مردفة:
- ممكن أشوفه؟
ابتسم الطبيب وأشار له أثناء خروجه:
- أكيد، هو هيتنقل على أوضته، ممكن تشوفوه هناك.
بمكان آخر، دلف إلى مكتبه وأمسكه من عنقه:
- انت تحاول تقتل حفيدي، قتلت واحد وجاي تخلص على التاني. لا فوق ده أدْفِنك مكانك.
دفعه بقوة وأشار بيديه:
- أنا بحذرك ياقاسم، تقرب من راكان، هفعصك تحت رجلي.
وضع قاسم يديه على عنقه محاولاً أخذ أنفاسه.
ثم نظر إلى توفيق بغضب قائلاً:
- أنا هعتبر ده من زعلك على حفيدك، ومش هعاقبك ياتوفيق. ومتنساش إن حفيدك اللي بدأ. ابني يخرج بكرة من السجن، بلاش آخد عزاه ياتوفيق.
خرج توفيق بعدما أرسل إليه نظرات جحيمية.
تحرك متجهاً إلى المشفى.
بمكتب حمزة، دلف إليه أحد الأشخاص وخلفه رجل ذو هيبة. صاحت بهم السكرتيرة:
- لو سمحت، مينفعش اللي بتعمله.
توقف حمزة يشير بيديه عندما علم بهويته.
جذب مقعد وجلس أمامه يطالعه، ثم أخرج تبغه الغالي ينفث. رجع حمزة بمقعده يستند للخلف ويطالعه بنظرات هادئة رغم نيران جسده الداخلية من فعلته، فأردف:
- خير؟ محدش يعمل كدا غير الحيوانات. قالها وهو يطالعه بغضب.
وضع الرجل ساقاً فوق أخرى قائلاً:
- أكيد عارف أنا مين. دنا الرجل منه.
- لو حاولت تقرب من ابني تاني، هموتك، ودا مش تهديد يامتر. وبعدين البنت البيئة دي متلزمناش. لو كنت جتلي كنت حليت الموضوع. أما شغل المباحث دا مش بحبه.
قالها ثم توقف وهو يرمق حمزة بسخرية:
- مش ابن عز الدين اللي يترفض. وعرف بنت الحواري دي ازاي ابني الدكتور هيعرف ياخد حقه.
قالها ثم خرج وخلفه أمنه الذي يحوطونه من كافة الاتجاهات.
ظل جالساً بمكانه ينظر بشرود خلفهم حتى قاطعه رنين هاتفه:
- حمزة راكان انضرب بالنار واحنا بالمستشفى.
هب فزعاً متجهاً للمشفى، دون حديث آخر.
بالمشفى، دلفت إليه بجوار أسما تنظر إلى تسطحه على الفراش. انزلقت عبرة غائرة عبر وجنتيها، تضع كفيها على فمها:
- هو عامل كدا ليه ياأسما؟ هو هيموت وبيضحكوا عليا؟
ضمتها أسما لأحضانها:
- حبيبتي، هو كويس أهو. هو نايم بس وهيفوق كمان شوية.
هزت رأسها رافضة حديثها، تقترب منه.
جلست بجواره تنظر إليه بدموعها المنسدلة:
- حقيقي معرفش انت بالنسبالي إيه، بقت معرفش. بحبك ولا بكرهك ولا إيه بالظبط. لكن كل اللي اعرفه بخاف عليك، ومت رعب عليك.
فوق ياراكان عشان خاطري، ووعد مني مش هزعلك بكلامي تاني.
بعد أسبوعين.
تجلس بحديقة المنزل بجوار حمام السباحة تتناول الفواكه، وبجوارها سيلين تقرأ رواية.
- بقولك ياسيلي، الجو حر أوي، هو ممكن أخلع الحجاب... مفيش حد بيدخل الحديقة هنا عند البيسين صح.
قطعت سيلين قراءتها وتحدثت:
- لا ياقلبي، خدي راحتك. مفيش غيرنا بس اللي بيدخل هنا. راكان عامل حصار على البيسين بالذات، علشان أنا على طول بنزله فبيخاف عليا جداً وخصوصاً الحرس ملين المكان.
رفعت حاجبها متزامناً مع شفتيه وتحدثت مستنكرة كلمات سيلين:
- والله. اللي يسمعك كدا مايقولش إنه ماشي مع نص بنات مصر. بجد مع إني مبحبش نورسين دي، بس الصراحة صعبانة عليا. دا واحد مستحيل واحدة تتحمله.
أغلقت سيلين كتابها واستدارت لها.
دققت النظرات في ملامح وجهها، فبعدما تحدث يونس إليها بحقيقة مشاعر راكان لليلى وهي تحاول التقرب بينهما، وخاصة حالة الزعر التي انتابتها بعد إصابته، وكذلك هو عندما أفاق وهو يردد باسمها.
فلاش باك.
دَلفت سيلين إليه سريعاً، يحاوطها يونس بذراعيه:
- سيلين اهدي، راكان كويس.
بكت بشهقات وهي تردف:
- قولتلي كدا في سليم، عايزة أشوف أخويا يايونس، ولا مستني يودوه التلاجة.
خرجت ليلى على صوت بكائها، أسرعت إليها:
- قولي راكان كويس وماتش ياليلى. قولي أخويا الوحيد عايش.
هزت ليلى رأسها:
- هو كويس. ادخلي شوفيه. قالتها وهي تجلس على المقعد، وجسدها يرتعش، وتضم جسدها بيديها بعيون زائغة.
- هيكون كويس، هو وعدني بكدا. مش معقول هيخلف بوعده. وصلت جميع العائلة.
أمسكها توفيق بعنف:
- من وقت مادخلتي البيت دا ووشك شؤم. موتي واحد، والتاني هيموت كمان.
هزت رأسها تصرخ من آلامها عندما ضغط على ذراعها بقوة. حررها نوح صارخاً:
- ودي ذنبها إيه؟ حضرتك ناسي إن حفيدك وكيل نيابة والمعظم عايز يتخلص منه. وأولهم شريكك.
انكمشت ليلى في أحضان نوح تمسك أحشائها وهي تبكي:
- نوح أنا ماليش دعوة يانوح. والله.
ربت على ظهرها وأجلسها بجوار أسما:
- خلي بالك منها. لما أشوف توفيق رايح للدكتور عشان إيه.
بالداخل عند سيلين.
وصلت إلى أخيها، واحتضنت كفيه تقبله بدموع عيناها:
- حبيبي، راكان افتح عيونك. أوى تسبني. راكان أنا يتمية وانتوا عزوتي حبيبي.
استمعت إلى همسه:
- "ليلى". ابتسمت وهي تستمع لندائه لليلى. مسدت على خصلاته:
- ليلى كويسة حبيبي. فوق انت بس.
فتح جفونه بتثاقل وهمس مرة أخرى باسمها:
- ليلى برة. هروح أناديها. هز رأسه رافضاً.
ونظر إليها:
- بتعيطي ليه حبيبتي. وضعت رأسها بأحضانه وشهقات مرتفعة.
- خفت عليك ياحبيبي. خفت أتيم ياراكان.
رفع ذراعه السليم يمسد عليها:
- متخافيش حبيبتي، لسة في العمر بقية ومش هموت غير لما أجوزك يابت. قالها بصوت متقطع متعب.
رفعت رأسها مبتسمة:
- واشوفك وانت كمان أحلى عريس مع لولة اللي هتموت عليك برة. ياله قوم بسرعة، والله منهارة برة ومفيش غير راكان، راكان.
ابتسم لها وتذكر قبل إغمائه وقربها منه:
- راكان انت كويس. رفعت ذراعيها تبحث بجسده عن إصابته:
- انت اتصبت فين؟
خرج من شروده عندما دلف توفيق ويونس.
***
نهاية الفلاش.
نظرت سيلين إليها فغمزت بعينيها قائلة:
- غلطانة يالولة، راكان مفيش أحن منه. وبعدين ياحبيبتي مش كل اللي تشوفيه وتسمعيه بيكون حقيقة. ثم اقتربت وهمست لها:
- أنا لو دعيت عليه هدعي عليه إن يبعد عن نورسين، ويتم جوازكم على خير بعد ما يشرف الأستاذ اللي هموت وأشيله.
اتسعت عيني ليلى واردفت بخفوت:
- ليه بتفكريني بس ياسلين. فيه حاجة بحاول أتلاشاها. على فكرة ياسيلي، مستحيل أنا وأخوكي يجمعنا رابط واحد أبداً. ثم ملست على بطنها المنتفخ:
- الجواز دا غصب عني وأنا مش راضية بيه. وهو استغل ضعفي. اغرورقت عيناها بالدموع وتحدثت، عندما تذكرت خطبته بنورسين، ونيران غيرتها المشتعلة:
- رايح خاطب واحدة، وجاي فترد ذراعه عليها.
سحبت نفساً وأردفت بصوت مرتعش:
- أنا بكرهه قوي ومش عايزة أتزوجه وهو استغل مكانته وهددني بابني. رفعت نظرها وتطايرت خصلاتها حولها وأكملت:
- لو بأيدي صدقيني كنت هربت بابني. بس برجع أشوف والدتك بزعل عليها.
كان يقف بالقرب منهما واستمع إلى حديثها المبكي والمدمي للقلب مرة أخرى.
تنهدت سيلين بحزن، ووقفت فجأة:
- هروح حمام السباحة. ثم اتجهت لداخل غرفة صغيرة بجوار حمام السباحة:
- أنا هنزل أعوم شوية وانت خليكي كل الفروالة دي. واظلمي أخويا ياختي. بس ياريت متندميش تاني يالولة. قالتها متحركة سريعاً عندما رأت قدوم راكان إليهما.
أرجعت برأسها واستندت على الجدار خلفها:
- ياريت أكون بظلمه ياسيلين. رفعت نظرها للسماء:
- يارب ارحمني بعطفك. وانظر لي نظرة رضاو رحمة. فجأة شعرت بوجود أحداً بجوارها.
جلس بجوارها يطالعها بغضب:
- لمي شعرك اللي فرحانة بيه دا.
شهقت عندما وجدته بجوارها، وأسرعت ترفع حجابها فوق خصلاتها:
- انت إزاي تقعد جنبي كدا من غير دستور.
نظر لها من تحت نظراته:
- والمفروض أخبط على الباب يعني. وأومال لو مش قاعدة في جنينة وفارد شعرك اللي هولع فيه دا.
رفعت سبابتها له وصاحت بغضب:
- ماتتخطاش حدودك معايا سمعت ولا لا.
اتكأ بمنكبه السليم على الوسادة الموضوعة:
- لا ماسمعتش. عايزة أشوف آخرك. حرمي المصون. صرخت بوجهه:
- أنا مش مرات حد سمعتني. وبعدين مش انت قولت مش هتجوزني. رجعت في كلامك ليه.
رفع نظره إلى والدته التي تجلس بشرفتها وتنظر إليهم مبتسمة. تنهد بألم وتذكر حديثها قبل إصابته بيوم.
دَلفت بمقعدها إلى غرفته، يبدو عليها الحزن وكأنها كانت تبكي:
- ممكن أمك تتكلم معاك. لو بتعتبرني أمك زي مابتقول.
نهض من فوق فراشه، واتجه يسحب مقعدها إلى الشرفة. جلس بمقابلتها:
- لدرجة دي شايفة إنك متستهليش تكوني أمي. رفعت كفيها على وجهه وانسدلت عبراتها:
- لدرجة دي عايز تحرمني منك ياراكان!!
جحظت عيناه بذهول، فأردف حزينًا:
- إيه اللي بتقوليه حضرتك دا؟ من إمتى وأنا بعيد عنك؟
نظرت إلى الحديقة أمامها وأردفت بصوتها المفعم بالبكاء:
- من يوم ما سليم مات، بقيت أشوفك واحد تاني.
اتجهت بأنظارها إليه وأكملت:
- يمكن عشان بتهرب مني، وخايف أعاتبك.
هب واقفا مستندًا على سور الشرفة ينظر إليها بحزن وألم في آن واحد:
- ليه بتقولي كدا؟ حضرتك عارفة غلاوتك عندي.
بكت بصوت مرتفع قائلة:
- ليه مش عايز تريحني، وتريح نفسك ياحبيبي؟
استدار للجهة الأخرى وأردف:
- ماما أنا مش هتجوز ليلى، ودا آخر كلام عندي. وبعيد عن أي حاجة، أكيد عارفة غلاوتك عندي.
استدارت بمقعدها متجهة للخارج قائلة:
- خلاص يابني مش هغصبك على حاجة، وأنا هتصرف.
أسرع خلفها وتوقف أمامها، وجد دموعها تغرق وجهها. جلس أمامها يزيل عبراتها:
- طيب ليه الدموع دي؟ والله ياماما لو أقدر مش هتأخر. وبعدين ماهي قالتلك هتفضل قاعدة معاكي ومش هتحرمك من ابنك.
- أنا مش ظالمة يابني، ليلى لسة صغيرة وحلوة ومن حقها تتجوز. ماهي مش معقولة هتفضل من غير جواز. دي ما قعدتش مع جوزها غير شهرين بس.
تنهد متألماً، فكلما تذكر حديثها يشعر بنيران تحرق قلبه:
- يرضيكي ابنك يتجوز واحدة غصب عنها؟ كل اللي شيفاه أنه بتاع ستات وبس.
ابتسمت على كلماته من بين دموعها:
- ويعني هي قالت حاجة غريبة؟ ماهو إنت كدا يا أستاذ راكي، نسيت ولا إيه.
جحظت عيناه:
- حتى إنتِ يا ماما!!
- ولد انت هتستهبل؟ ما انت كل ليلة مع واحدة شكل، ولا إحنا بنوهمك بكدا.
صمتت للحظات وأردفت:
- راكان حياتك كلها غلط ياحبيبي، ومتفكرش هتفضل طول عمرك وأنت كدا. أعمل لأخرتك يابني، وبلاها نورسين يا حضرة النايب اللي رحت اتفقت معاها من ورا أمك. معرفش البت المعصعصة دي عجباك فيها إيه.
نهض من أمامه ثم أجابها:
- اهي واحدة والسلامة يا ماما.
هزت رأسها وهي تدقق النظر به:
- طيب اللي عايز ينسى واحدة بواحدة، يجيب أحسن منها.
قالتها وهي تتحرك للخارج. توقفت لدى الباب قائلة:
- نصيحة من أمك، عشان تفرس واحدة، لازم تجيب اللي يغيظها، بس تكون أدب وأخلاق. وأنا عارفة خطوبتك من بنت النمساوي ماهي إلا فرقعة تثبت لنفسك إنك ممكن تعيش عادي بعيد عنها. غلطان يابن زينب، مش هتاخد غير وجع قلبك ولو هي بتحبك هتجلطها. اصبر على ليلى كلامها كله من غيرتها ياحضرة النايب.
ولو على سليم فهو ربنا يرحمه ياحبيبي، عيش حياتك. ودا مش نقص من رجولتك بالعكس، الرجولة إنك تحتوي اللي بتحبه يابني، مش اللي تجبره وتضغط عليه يعني من الآخر.
الحب مفهوش كبرياء، لو انت اتنازلت شوية وهي اتنازلت هتلاقوا الدنيا بينكم حلوة.
خرج من شروده على وصول نورسين، وهي تجلس بجواره تقبله على خديه:
- عامل إيه ياحبيبي؟
- أهلا يانور، عاملة إيه؟
قالها وهو ينظر لتلك التي جلست تنظر إلى سيلين وتتناول حبة الفراولة تلوكها بهدوء. حتى ثبت نظراته على شفتيها التي تلونت بحمرة الفراولة، وبدأ يتمنى تذوق تلك الفراولة. ولم يستمع إلى نورسين عندما قالت:
- هنزل البيسين شوية مع نورسين، شوية وتعالى.
أومأ دون حديث.
أقترب من جلوسها، رفع يديها التي بها ثمرة الفراولة فجأة ووضعها بفمه كأنها تطعمه.
تلونت وجنتيها بحمرة الخجل، وشعرت بدقات عنيفة حتى زعمت أنه استمع إليها فهمست بتقطع:
- بتعمل إيه؟ اتجننت!!
اغمض عيناه متلذذا بطعمها ثم نطق بخفوت:
- جوزك مصاب زي ما أنت شايفة، مش المفروض تأكليه؟ ولا تاكلي لوحدك؟
غمز بعينيه عندما ارتجفت شفتيها من فعلته، وتورد وجهها بالكامل فتحدث قائلاً:
- طعمها يجنن بس بحبها طبيعية مش صناعية.
جحظت عيناها من بروده واستفزازه لها:
- جوز مين إن شاء الله؟ جوز حمام ولا فراخ؟ ابعد عني، وروح لعروسة المولد تبعك.
نظر لعيناها الغاضبة، وشفتيها المنتفخة فرفع جسده إليها، فجذب منها أخرى وفعل مثل الأول قائلاً:
- أنا باكل فراولة صناعية على فكرة مش طبيعية.
قالها وهو ينظر لشفتيها المنفرجتين أمامه. ثم أكمل ومازالت نظراته تحاصرها:
- ظلماني بس اوعدك هدوق الطبيعي. عارف ومتأكد طعمه محصلش.
رعشة اصابت جسدها عندما رفع يديها مرة أخرى ويضع باقي حبة الفراولة:
- اكلي جوزك ياحبيبتي، متخليش نفسه في حاجة. وخصوصا عريس بعد كام شهر، ولازم تهتمي بيه. ضرتك غبية مالهاش غير في المكياج.
ابتعدت عنه بعض الشئ وهي ترمقه بنظرات لو تحرق لأحرقته فهمست:
- جنازة تاخدك يامستفز.
رفع كفيه يلوح لنورسين:
- اوعي تغرقي يانور شوية وجايلك حبيبي عشان اعلمك العوم صح.
قالها وهو يرمق التي بجواره عبارة عن كرة ملتهبة. فنهض من مكانه:
- تسلم ايدك الفراولة تحفة. هقوم أهو عشان متزقيش هتاكليني بدل الفراولة. هروح أعلم خطيبتي السباحة.
نظر لبطنها ورسم ابتسامة سخرية:
- خليكي انتِ مع البطيخة بتاعتك أكليه فراولة. حاسس في الآخر هتولدي سحلية شبهك.
اتجهت بنظرها سريعا إلى نورسين التي ترتدي مايوه قطعة واحدة وهو ما يعرف بالبيكيني. فاستدارت بنظرها إليه:
- أوعى تقولي أنك هتنزل تعوم معاها وهي بالشكل دا. لا دا كدا حرام. هي مش مراتك عشان تشوفها بالشكل المقرف دا.
- ود ا أسميه إيه؟ غيرة ولا حاجة تانية، يامراتي المستقبلية.
ابتعدت بنظرها عنه قائلة:
- أنا واحدة أرملة عايشة لابني وبس.
ثم تحدثت ببابانة:
- ولو على انك غصبتني على الموافقة بجوازك، فالجواز هنا باطل. يعني اعمل اللي انت عايزه. أنا بنصحك مش أكتر.
رفع انامل وامسك خصلاتها المتمردة واضعا اياها خلف اذنها بعدما سقط حجابها بفعل الهواء:
- وايه كمان يالولة قولي.. اشجي قلب جوزك ياحبيبي.
رغم أنه اردف بها ليضيقها، إلا انها اخترقت قلبها وتسارعات نبضاته. ناظراته بليلها الدامس وتمنت ان يقوم بخلع نظارته. للحظة شعرت باشياقها للنظر لعيناه.
كانه شعر بها. فقام برفع نظراته على خصلاته:
- لو شايفة جوازك مني غصب... اوعي توافقي عليه. ومتخافيش من جدي، مش هيقدر يعملك حاجة. أنا صعبان عليا ماما، فخلينا متفقين.
- نظرتك ليا انا مش حاببها خالص. فبقولك لو جوازك مني هيتعبك، كلمي ماما وفهميها. وصدقيني هكون مع قرارك. بلاش أنا اللي أوجع قلبها. لكن متأكد من قرار امي، فهي دلوقتي شايفاكي مراتي. فخليها تشوفنا كدا، عشان منزعلش من بعض. ووعد مني مش هقرب منك وكأنك مش موجودة. بدل بينا الاحترام.
كلماته اخترقت روحهها حتى شعرت بالصدمة. فخرج الكلام منها متقطع:
- انت عايز ايه؟ مرة احسك طيب ومرة.
توقفت. فرفعت بصرها تدقق النظر في مقلتيه. أكمل حديثها:
- طول ما انت كدا عمرنا ماهنتقابل.
فرد جسده بجوارها ونظر إلى نورسين وأكمل:
- أنا مش هغصبك على حاجة عيشي حياتك. وزي ما انت شايفة، أنا ونورسين هنتجوز. أصل عمرها ما قالتلي اني بتاع ستات، ولا بتكرهني.
اعتدل مستنداً على ذراعيه السليم، يدقق بملامحها الجميلة فأردف:
- نورسين حلوة صح. وتحسيها فهماني من نظراتي.
قالها وهو ينظر إلى نورسين. ثم تنهد بعمق في محاولة لأستجماع رباطة جأشه. فرفع نظره إليها وجدها مغمضة العينين، حتى لا تبكي من حديثه. ولكنها فتحت عيناها عندما استمعت إليه:
- مقولتيش رأيك في ضرتك يامراتي المستقبلية.
- زي الزفت على دماغك ودماغها.
قالتها بتحقير وغضب ونظرات نارية موجهة له.
- لا لا زوجتي المصونة بتغلطي في ضرتك.
ظلت تضغط على يديها واعصابها بقوة. ودون وعي لكمته بصدره وهو متسطح بجوارها:
- انا مش مرات حد افهم بقى. ولو كنت اخر راجل في الدنيا.
جذبها بقوة حتى اختلت جلستها واضعة يديها على صدره. فكالعادة كلماتها تحرقه.
اقترب منها ونظراته نارية.
- طيب أنا بحاول أكون متعاطف معاكي، دا مش ضعف أبداً مني، دا رأفة بحالك. إنتِ في حكم مراتي دلوقتي، مش لسه باخد رأيك.
وصلت نورسين إليهما، جلست بجواره تتناول من الفواكه.
استندت على الجدار خلفها، فرمقتها مستهزئة، تنظر لثيابها التي عبارة عن بيكيني من قطعة واحدة وهي تقف أمامهما.
- بقولك ياعروسة المولد، وسّعي كدا ياحبيبتي، قطعتي عني الهوا. كفاية حزلئوم بتاعك، واه خدي طبق الفراولة، كرهتها.
كتم ضحكة بداخله وهو يجذب نورسين حتى اقتربت منه.
- ماتأكليني يانور، دا حتى أم البطيخة بتقولي خلي حبيبتك تأكلك.
حاولت النهوض عندما شعرت بنيران تكوي قلبها دون رحمة من إقترابهما بشكل مؤذي لقلبها، ولكن ثقلها لم يساعدها، فتحدث.
- إيه، أجيبلك ونش يرفعك يا أم سحلول.
أمسكت الصحن الذي أمامها وألقته عليه، حتى تفداه بصعوبة. ثم اتجهت إلى نورسين قائلة:
- قولي لحزلئوم بتاعك يبعد عني، ولا عروسة المولد مش مالية عنيه.
تحدثت نورسين:
- وهو ينشغل بيكي ليه؟ على فكرة راكي قالي كل حاجة، يعني جوازكم صوري، فبلاش حركاتك دي.
نظر إليها بحزن دفين، فعشقه لها يوازي كبرياءه اللعين. ولتجاوزه كبرياءه، عليه أن يجعلها تصل إليه وهي ترتمي بأحضانها لتنعم بعشقه دون أن يجرح كبريائه. فاتجه إلى نور.
- سيلين خرجت من البسين، روحي وأنا هلحقك.
وقفت ترمق ليلى بنظراتها، فتحدثت:
- متتأخرش عليا ياحبيبي، عايزين نرجع أيام زمان، فاكر لما كنت بتعوم وانت شايلني.
قوس فمه بسخرية عندما وجد نظراتها إلى ليلى، فأردف:
- وماله ياحبيبي، نعوم منعمش ليه.
تحركت وهي تشير بيديها.
- متتأخرش.
انزلقت دمعة من عيني ليلى. كان يتأمل ملامح وجهها الحزين، ببؤس مزق روحه المحترقة.
- ليلى، متزعليش من نورسين، كان لازم أعرفها إن جوازنا هيكون صوري. ثم رفع نظره إلى نورسين التي تسبح.
- أما الجواز الحقيقي هيكون معاها هي، هنام في حضنها هي، هي.
فجأة توقف عندما وجد دموعها تتساقط بغزارة على وجنتيها.
رعشة أصابت قلبه من حالتها، وحاول استجماع شجاعته الواهية، فأخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول بنبرة مرتعشة:
- ما يرضينيش إنك ترتبط بواحد ذبالة، واحد بتكرهيه ومحول حياتك لجحيم. كان لازم أكدلك، بعمل كدا عشان ماما وبس.
أمسك كفيها مردفاً:
- إنتِ صح، أخر الست عندي السرير، يعني ممكن بعد جوازنا أغير رأيي و...
نزعت يديها بعنف، فأطبق على جفنيه.
- إنت إيه؟ مستحيل تكون بني آدم وعندك إحساس. ليه دايماً تأكدلي أهم حاجة عندك توجعني وخلاص؟ ليه ياراكان دايماً بتحسسني إني رخيصة؟
نهضت تحاول السيطرة على نفسها حتى لا تضعف أمامه. نظرت إليه قبل تحركها.
- ربنا يوجع قلبك زي ما وجعت قلبي.
فتح عيناه وكأنها صفعته بقوة على وجهه.
فنهض يجذبها من رسغها ونظر إليها شرزاً.
- هيكون أكتر من كدا وجع، بس ماتخافيش. هيشفى، نورسين هتطبطب عليه وبلمستها هيشفى.
- الله ياخدك ياراكان، ربنا ينتقم منك. قالتها وهي تلكمه بقوة.
تركها عندما ساءت حالتها بالبكاء.
وأرجع بجسده عنها مغلقاً عيناه، ساباً نفسه بأبشع السباب من حالتها التي أوجعت قلبه.
- ليلى بهزر معاكي، صدقيني، إنتِ غبية أصلاً، متعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه.
حاوطها بذراعيه.
- ليلى اهدي، مش هتكلم تاني.
شهقات متتالية وهي تبكي.
- أنا غبية فعلاً عشان حبيت واحد بتاع ستات، واحد أهم حاجة عنده...
قطعت حديثها عندما وجدت نظراته التي اخترقتها.
- حبيتي الراجل اللي إيه؟ قولي وسمعيني كدا تاني، قولي إني مسمعتش غلط. قالها وهو يجذبها لأحضان. حاولت دفعه ولكن قوتها انهارت وتلاشت حينما تسربت آلامها بكامل جسدها. همس لها:
- وإنتِ متعرفيش إني حبيتك بجنون يامجنونة. والله العظيم مفيش حاجة من اللي في دماغك.
وصلت نورسين عندما وجدتها بأحضان. فصاحت:
- إيه اللي بيحصل دا ياراكان؟
كانت تضغط على كف راكان الذي كان يحتضنها به. لم يشعر بشيء سوى أنها بأحضان لأول مرة بإرادتها. وكأنه لم يرى ولم يسمع كلمات نورسين. هي فقط همسها، رائحتها التي أسكرته حتى همس بجانب أذنها.
- ليلى، تأكدي مش عايز غيرك، تأكدي من حبي ليكي.
كانت لا تشعر بكلماته ولا به، كل ما تشعر به آلامها التي أصبحت تخترق جسدها كاملاً، فصرخت.
- أنا تعبانة، شكلي هولد.
أخرجها من حضنه.
- خدي نفس، مفيش ولادة ولا حاجة، لسة بدري.
جذبته من قميصه بيديها من شدة الألم الذي اجتاحها.
- راكان هولد، اتصل بيونس، أنا تعبانة، هموت.
صرخت بقوة به.
- بقولك هموت.
احتضن وجهها ينظر لمقلتيها وأردف.
- اهدي حبيبتي.
أغرقت وجنتيها بالدموع، تضع يديها أسفل بطنها وصرخة مليئة بآلامها.
وقف كالملدوغ عندما وجد المياه تخرج منها.
قام بحملها سريعاً متجهاً لسيارته.
- ليلى هنروح المستشفى، حاولي تهدي.
صرخت صرخات متتالية. وصلت سيلين على صرخات ليلى، واستقلت سيارتها سريعاً.
ركب راكان بالخلف وهو يصيح بسيلين.
- مستشفى يونس بسرعة ياسيلين وكلميه.
أومأت برأسها وصرخات ليلى تصم آذانهما.
- هموت ياراكان، آه. قالتها ودموعها تنسدل بقوة. ضمها بقوة لأحضانه.
- بعد الشر عليكي ياحبيبتي، لا هتولدي وتقومي بالسلامة. ضم وجهها بين يديه.
- ليلى حاولي تتماسكي عشان خاطري. نزل بجبينه إليها.
- ليلى عايزك متخافيش، أنا جنبك، واعرفي إنك أهم شخص بحياتي.
ضغطت على كفيه من شدة آلامها.
وصلوا بعد دقائق للمستشفى.
قاموا بتحضيرها للعمليات. امسك يد يونس.
- مش المفروض باقي شهر، إيه الولادة البدري دي؟
ابتسم يونس رافعاً حاجبه بسخرية.
- متخافش ياعم المغرم، اومال كنت عامل دراكولا ليه من يومين.
امسكه من تلابيبه.
- روح ولدها مش ناقص برودك دا، وطمني.
هدأ يونس حينما وجد حالته فتحدث.
- دا بيحصل كتير، ولادة مبكرة.
خرجت على الفراش وهي لا حول لها ولا قوة. اقترب مقبلاً جبينها وأردف بصوتاً حزين.
- ليلى هستناكي هنا، عايزك تخرجيلي بسرعة، المهم اخرجي بالسلامة. لامس خديها بإصبعه.
- أهم حاجة عندي إنتِ، أهم حتى من الولد.
امسكت يديه واردفت بصوتاً منهك من كثر الصرخات.
- راكان متسبنيش لوحدي.
رفع نظره إلى يونس ورغم خوفه الشديد إلا أنه قال.
- يونس معاكي، متخافيش.
- سامحني، قالتها بألم. قبل جبينها.
- مسامحك، مقدرش مسمحكيش. قالها ونظراته تمشط وجهها بالكامل. وأكمل بعيون عاشقة.
- وبحبك مولاتي.
- راكان، أردفت بها بخفوت. جرتها الممرضة تدلف للغرفة، وهي تتمتم باسمه.
"راكان أنا بحبك."
دلف إليها بعد ولادتها ليطمئن عليها. جلس ينتظر إفاقتها. وجد الممرضة تدلف عليه بالطفل بجوار يونس.
- مبروك يافندم، يتربى في عزك.
حمله راكان بقلب يرتعش. نظر إليه بإبتسامة. ثم رفع نظره إلى يونس.
- الولد شبهي مش كدا؟
قهقه يونس عليه.
- أيوه ملاحظ، واخد الرخامة كلها، الولد مبطلش عياط من وقت مانزل.
طبع قبلة على جبينه ثم أردف.
- دا هيكون أمير العيلة.
فاقت ليلى وهي تهمس: ابني، فين ابني؟
خرج يونس وهو يسحب سيلين حتى يترك لهما مساحة.
- ابني فين؟ ابني عايش. أقترب وهو يحمل الولد.
- خدي السحلية اللي قرفاني بيه أهو، يعني بدل ماتفوقي وإنتِ بتقولي راكان، بتقولي ابني.
ابتسمت بألم وتحدثت بصوت متألم.
- إنتوا الاتنين، متزعلش. دنا منها يطالع ملامحها المتعبة.
- لا طبعاً، أنا مبحبش الشريك، أنا عايز أكون لوحدي بس. أغمضت عيناها مرة أخرى وذهبت بنومها.
بعد شهر، كانت ترتدي فستان زفافها. تنظر إلى نفسها بالمرآة. وضعت يديها على صدرها حينما شعرت بألم بصدرها. استمعت بإشعار رسالة إلى هاتفها.
- شوفي حبيبك أهو في حضني، ماهو ميقدرش يبعد عني.
مش أنا اللي اترفض ياحلوة، وياريت تنسي إنه هيرجعلك تاني. وبلاش أقولك حبيبك كان عامل إزاي معايا. إنتِ حب لرغباته فقط.
ترقرق الدمع بعينيها، تهز رأسها بغضب وتصرخ بصرخات حتى أوشكت على انقطاع أحبالها الشوكية. فسقطت مغشياً عليها.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيلا وليد
وصل المشفى وهو يضمها لأحضانه. ترجل سريعًا من السيارة وهو يحملها متجهًا بها للداخل. كان يونس ينتظره.
دلفت للداخل وهو يضم كفيها بإحتواء. أمال بجسده يضم وجهها.
"ليلى" سمعاني، عايزك تدخلي الأوضة دي وانتِ متأكدة من حبي ليكِ، المهم إنتِ عندي. ليلى اتأكدي أنا بحبك.
أغرورقت عيناها بالدموع ولم تقو على الحديث.
وضعت كفيها على أحشائها وانسدلت عبراتها وهي تطالعه فقط. وضع كفيه فوق كفيها.
شعر بضعف الدنيا من آلامها، ليته يستطع أن يمتص آلامها بدلا عنها.
احتوى وجهها وهمس بصوتًا حاول أن يكون متزنًا.
"هتقومي بالسلامة حبيبي، ليلى أنا عرفت كل حاجة، لازم تقومي بالسلامة."
ضغطت على كفيه وهمست بآلامها.
"راكان أنا خايفة، عايزة ماما."
رسم ابتسامة وهو يحاوطها بنظراته.
"أنا مش مكفيكِ، لسة طفلة وعايزة ماما."
آهة... خرجت من بين شفتيها ودموعها تجري كالشلال على وجنتيها.
أطبق جفنيه وبركان عشقه وخوفه عليها زلزل كيانه.
"حبيبتي يونس معاكي جوا، متخافيش أنا هستناكي هنا."
رفعت عيناها وتقابلت نظراتهما. وجدت الرعب على عيناه فتحدثت بصوت مفعم بالبكاء.
"سامحني لو سمحت ممكن مخرجش عايشة..."
دفعت الممرضة الفراش.
"إن شاء الله هتقومي بالسلامة."
أمال بجسده ثم طبع قبلة على جبينها.
"ليلى أنا هستناكي."
تحرك الفراش ويداهما متشابكتين حتى وصل لغرفة العمليات. فانزلق كفيها وانسحب الفراش للداخل، ونظراتها متعلقة به، حتى شعر بإنسحاب أنفاسه.
فجلس بالخارج وبجواره سيلين تربت على ظهره ببكاء.
"ليلى هتقوم بالسلامة مش كدا."
ضمها لأحضانه.
"إن شاء الله حبيبتي، ادعيلها ياسيلين، انتِ قلبك نضيف ربنا هيتقبل منك."
وضعت رأسها بأحضانه تبكي.
"أنا خايفة عليها قوي ياراكان."
أخرجها يزيل دموعها.
"سيلي حبيبتي أنا محتاج اللي يقويني، بلاش تعيطي، اتصلي بمامت ليلى وعرفيها."
وصل يونس الذي تجهز لدلوفه للداخل. هب واقفا ينظر إليه.
"هتكون كويسة يايونس مش كدا، هي مش لسة بدري على ولادتها."
ربت يونس على ظهره.
"راكان أنا كشفت عليها، لازم عملية عشان دي ولادة قيصرية، هي كويسة أن شاء الله، الولد مقلوب ابن المؤذية دا."
امسكه راكان من تلابيبه.
"دا وقت هزار يابني آدم."
أنزل يديه وهو يرمق التي تجلس تبكي فأردف.
"فيه ستات كتيرة بتولد في التامن، متخافش ان شاء الله هتقوم بالسلامة وتتجوزوا ياسيدي، اللي يشوفك دلوقي، مايقولش من كام يوم عامل دراكولا."
استدار إليه عندما وجد نورسين متجهة إليهما. فهمس إلى يونس.
"مش عايز نورسين تعرف حاجة، وكمان ممنوع حد يدخلها، بلاش أقولك واكدلك."
"حياتها في خطر هي والولد."
أومأ برأسه ودلف للداخل.
"إيه ياراكان صحيح ليلى هتولد."
جلس ورسم على وجهه الجمود قائلا.
"أيوه أخيرا ابن سليم هيجي، وهاخد حقه وحقي."
ضيقت عيناها متسائلة.
"تقصد إيه ياراكان..."
رفع نظره إليها.
"امشي دلوقتي مش عايزك تكوني هنا، وأنا كدا كدا همشي مستني حد من أهلها."
دنت تحاوط عنقه وهمست أمام شفتيه.
"ايه الشو اللي عملته عند البيسين دا."
ضيق عيناه متجاهلا حديثها.
"عملت إيه مش واخد بالي..."
جلست بجوار سيلين تطالعه قائلة.
"أحضانك ليها، مش دي اللي عايز تنتقم منها."
جذبها من رسغها وتحرك بعيدًا عن أخته.
"اتجننتي بتقولي إيه قدام سيلين، وبعدين إنتِ جاية ليه، ياله أمشي من هنا، وإياكِ تجي من غير أذن."
وضعت رأسها على صدره.
"حبيبي أنا آسفة متزعلش، أنا همشي واستناك تيجي نسهر مع بعض زي زمان."
جذب خصرها بقوة حتى اختلطت أنفاسهما ثم همس بجانب اذنها.
"الليلة لازم أبارك للمدام اللي فرقت بيني وبين أخويا، وكانت السبب في موته، أمشي دلوقتي وبعدين نتكلم."
تحركت بعدما طبعت قبلة على وجنتيه. وصل توفيق يرمقهما بسخرية.
"في المستشفى، هو انت مش فارق معاك مستشفى ولا غيره."
"أمشي ياروحي وبعدين نتكلم." قالها راكان وهو يرمق توفيق.
تحركت وهي تلوح بيديها قائلة.
"هستناك ياحبيبي، سلام."
نظر توفيق إلى غرفة العمليات.
"إيه أخبار حفيدي، وليه بتولد دلوقتي."
جلس متكئ بظهره على المقعد، ولم يجبه. فيكفي مايشعر به من خوفًا.
أطبق على جفنيه عندما وصل الجميع وهم ينتظرون خروج حفيدهم، سوى زينب التي لم تعلم بولادة ليلى بأمر من راكان.
نهض وهو يتحرك ذهابًا وإيابًا، لا يعلم ماذا عليه فعله في وسط ذاك الحشد. تمنى لو دفع ذاك الباب ودلف. لم يتيح إليه الفرصة للتفكير فدلف عندما وجد الجميع منشغل.
دلف بهدوء يبحث بعيناه. قابله يونس بعدما انتهى. نظر إليه بذهول.
"راكان بتعمل ايه هنا؟!"
"ليلى عاملة ايه يايونس، وتأخرت ليه؟!"
جذبه متحركًا للخارج من بابًا آخر.
"هي كويسة والممرضة اخدت البيبي، عشان نطمن عليه عند دكتور الأطفال، ونشوفه محتاج حضانة ولا لأ، متقلقش عليها."
توقف ممسكًا كفيه.
"يونس مش مخبي عليا حاجة مش كدا."
سحبه يونس متجهًا لغرفتها. وجدها تخرج على فراش المشفى لا حول لها ولا قوة. أسرع خلفها.
"هتفوق إمتى."
نظر لساعته وتحدث.
"عشر دقايق متخافش، هي كويسة وكله تمام."
"مش عايز حد يعرف إنها فاقت، ممكن سيلين بس عشان كانت خايفة عليها."
أومأ برأسه وتحرك يونس للخارج.
دلف لغرفتها وجدها مازالت نائمة. جلس بجوارها ممسكًا كفيها ثم رفعه يطبع قبلة عليه.
بعد قليل وصلت الممرضة تحمل الطفل بجوارها يونس وسيلين. أسرعت سيلين إليه.
"مبروك ياراكان، ابن سليم."
حمل الطفل ينظر إليه، رجفة أصابت جسده، وشعور متناقض استحوذ عليه. لا يعلم ماذا يشعر، أهو سعيدًا أم حزينا، لا يشعر بشيئا سوى أن ذكرى أخيه أمامه. همس إلى نفسه.
"أيعقل أن أكرهه."
ظل يطالع الطفل للحظات، انسدلت عبرة غائرة على وجنتيها. هنا شعر بجمود جسده وعيناه معا، فهز رأسه رافضًا أحاسيسه قائلا لنفسه.
"دا إبن اخويا، هو مالوش ذنب دا هيكون أغلى من حياتي، مش اللي فرقنا ابدا، فراقنا كان قدر ومكتوب."
رفع الطفل ثم طبع قبلة على جبينه قائلا.
"ربنا يبارك فيك، أنا معرفش ايه المفروض أعمله، كل اللي أعرفه وحاسس بيه إنك غالي قوي حبيبي."
ضمه لأحضانه واغمض عيناه كأنه يشم به رائحة أخيه الغائبة.
كان يونس يراقب حالته، شعر بالحزن عليه. نعم شعور مقيت لعاشق أن يرى ابن حبيبته من رجل آخر، ولكن هنا سيطر حب الأخوة على حب القلب.
اقترب يونس يربت على ظهره متسائلا.
"راكان حاسس بإيه."
رفع نظره بتيه مردفًا.
"لو قولتلك كان نفسي سليم يكون موجود دلوقتي وهو اللي يضم ابنه هتصدقني."
اقتربت منهما سيلين تبكي على كلمات راكان ودموعه التي انزلقت رغمًا عنه. أكمل راكان وهو يطالع الطفل.
"سليم كان ابني قبل مايكون أخويا، وعمري مافكرت اخطف سعادته ابدا، والله يايونس عمري مااتمنيت له غير انه يكون سعيد مع البنت اللي بحبها."
حاول يونس تغيير الكلام حينما شعر بتخبط راكان وحزنه الذي ظهر على ملامحه فأردف.
"الولد دا شبهي..."
ضحكت سيلين من بين بكائها وأجابته.
"شبه مين هو إحنا ناقصين رخامة وتلزيق."
مسد راكان على خصلات الطفل، ثم أردف مبتسمًا.
"بس ياحمار الولد شبه عمه."
أطلق يونس ضحكة مرتفعة.
"أيوه هتقولي، واخد منك الرخامة ولد رزل من وقت مانزل من بطن أمه مش مبطل عياط."
رفع نظره للممرضة وهو يضم كفيه.
"الولد كويس..."
أومأت الممرضة برأسها قائلة.
"كويس زي الفل."
استمع لهمس ليلى. تحرك متجهًا إليها بإبتسامة جذابة خرجت من شفتيه وهو ينظر لعيناها المنغلقة وهي تهمس.
"ابني..."
جلس بجوارها ونزل بجسده إليها يهمس إليها.
"أنا موجود هنا، افتحي عيونك حبيبي عشان أشوف بيهم جمال الدنيا."
سحب يونس كف سيلين وخرج.
فتحت ليلى جفنها بتثاقل. وجدته قريبًا لوجهها همست.
"ابني فين ابني، هو كويس."
رفع الولد إليها وابتسم عندما شعر بإحساس عميق وشعور من نوع خاص، شعور اخترق قلبه وتمنى لو يضمها إلى صدره، ناهيك عن هزة قلبه التي اجتاحت كيانه، فظل ينظر إليها وكأنه غريب عن بلده لأعوام متتالية، واجتاحه الإشتياق واللهفة.
وضع الولد بأحضانها هامسا لها.
"عقبال لما تجيب ابننا، واللي متأكد منه هتكون بنت زي القمر شبه أمها."
برقت عيناها ثم أغلقتها بألمًا، فهمس لها مرة أخرى.
"تفتكري هسامح في حقي ياحبيبي، تؤتؤ ياقلبي، إستني عليا أسبوعين وشوفي حبيبك هيعمل إيه، مش أنا حبيبك برضو، واللي بحب حد قوي، بسمع انه بيحب يجيب منه ولاد كتير أنا مش عايز غير خمسة ستة بس، ولو أكتر معنديش مانع." قالها وهو يغمز لها بطرف عينيه.
توقف مجرى الدم بعروقها تنظر إليه بصدمة، فسحبت نظرها بعيدًا عن إختراق نظراته.
"راكان ابعد، شكلك شارب حاجة ولا إيه."
أدار وجهها بأنامله.
"ابعد ياليلى، أكتر من كدا بعد."
استدارت بوجهها بالجانب الآخر.
أدارها مرة أخرى يلمس وجنتيها وينظر لملامحها الشاحبه، فأردف بصوتًا مبحوح من كثرة مشاعره التي سيطرت عليه.
" بتبعدي عيونك عني ليه طيب، مش إحنا اتصفينا..."
رفع كفيها يطبع قبلة عليه.
سحبت كفيها سريعًا.
"إنت اتجننت قوم مينفعش تقعد جنبي كدا."
حاوطها بذراعيه وابتسامة بجاذبية وهو يتطلع عليها بإنبهار لعيناها التي تشبه ظلام الليل وهي تسحره بها. ثم أردف بنبرة رجل عاشق حتى النخاع.
" النهاردة الجمعة، هسيبك جمعتين بس ياليالي، وبعد كدا هتكوني في حضني."
كست الحمرة وجنتيها مما زاد من سحرها فلم يشعر بنفسه وهو ينزل حتى يلتقط شفتيها.
صرخت به بصوتًا متألم، رافعة كفيها لتمنعه حتى شعرت بآلاما تخترق جسدها بالكامل.
تراجع خطوة للخلف وهو يشير بيديه، ثم تحمحم كي يجلي صوته الذي تأثر من قربها.
"خلاص اهدي يخربيتك هتفضحينا، وهتصحي السحلية اللي جنبك."
"آآه بطني مش قادرة."
دنى منها.
"آسف مكنش قصدي." قالها وهو يجذب كفيها.
"اجبلك يونس يشوفك."
وضعت يديها موضع جرحها.
"بطني بتوجعني قوي."
خرج سريعًا متجها إلى يونس. دلف الجميع بعدما علموا بإفاقتها.
بعد عدة ساعات ذهب الجميع لمنازلهم سوى توفيق. نظر راكان إليه بإستفهام.
"هو حضرتك مروحتش ليه؟!"
ابتسم بسخرية قائلا.
"مستني اخد حفيدي، البنت اللي جوا دي مش ضامنها." ثم استرسل بنبرة حزينة وعينان منكسرة.
"نفسي أخده في حضني ياراكان، ممكن تجيبه يابني عايز اشم ريحة سليم، بكى لأول مرة قائلا:-حبيبي وحشني قوي، وحياة ابوك عندك تجيبه أشوفه وخده تاني، كل ماادخل لعنده يقولوا نايم."
دقق النظر إليه فأشار بيديه.
"تعالى ياجدو شوفه جوا، ليلى نايمة اصلا، بس أقول لوالدتها إنك هتدخل."
أومأ برأسه موافقا، ثم دلف للداخل بعد طرقه على باب الغرفة، وجدها استيقظت ومازالت تتألم وتحاول الوقوف بمساعدة والدتها وأختها وسيلين. رفعت نظرها إليه.
توجه إليها، وهو ينظر إلى درة وسيلين.
"خدوا البيبي برة لجدو يشوفه، مينفعش يدخل وهي كدا."
ابتسمت سلين واردفت.
"اومال انت بتدخل ليه."
حاوط خصرها حتى تتحرك بمساعدته يدقق النظر داخل عيناها. واسترسل بعينان تهيم عشقها.
"ليلى في حكم مراتي.."
حاولت الأبتعاد عنه فأردفت.
"راكان مينفعش كدا لو سمحت إحنا لسة متجوزناش."
هزت والدتها رأسها.
"أيوه يابني اللي بتعمله غلط، لسة مفيش عقد بينكم، لو سمحت يابني بلاش تغضبوا ربنا."
تأفف بجذع وهو يردف.
"هو أنا عملت حاجة، أنا بساعدها عشان تمشي، بدل ماتوقع."
تحركت بعض الخطوات معه، ثم جلست تلتقط أنفاسها بتعبًا.
تحركت والدتها للرد على آسر. جلس بجوارها يعدل من وضعية حجابها ووضع خصلاتها المتمردة بداخله.
"كدا كويس."
وضعت رأسها على كتفه حينما شعرت بآلام جسدها وهمست.
"عايزة أنام مش قادرة اقعد ولا أمشي."
حاول إخفاء ابتسامة قدر المستطاع على إرهاقها حتى لم تشعر بوضع رأسها على كتفها، فرفع ذراعيه يحاوط خصرها.
" نامي حبيبي صدري حنين متسع للحبايب كلها."
اعتدلت حينما استمعت لكلماته، ونظرت بذهول إلى صدره فرمقته بنظرة جحيمية.
"صدر مين اللي يتسع الحبايب، طيب كويس انك فتحت الموضوع دا ياحضرة المستشار."
"ليلى المحجوب مش هتتجوز واحد خاطب، ولا حتى مجرد نظرة لأي ست، ودا شرطي ياأما كدا ياإما كل واحد يلتزم حدود نفسه."
"مش ليلى المحجوب اللي جوزها كل شوية في حضن ست، سامعني." قالتها والكبرياء يعتلي كل ذرة بها.
جذب رأسها حتى اختلطت انفاسهما وهي تضغط على آلامها واردف.
"اسمعي ياليلى يابنت المحجوب، أنا مباخدش أمر من حد، حتى لو كنتٍ إنتِ."
رفع كفيه يضع خصلة متمردة خرجت من حجابها خلف أذنيها.
"أنا آه بحبك، لكن دا مايدلكيش الحق إنك تتمادى."
دفعته بارهاق.
"تبقى مجنون ياحضرة المستشار، دا أنا ادوس على قلبي وعليك شخصيًا، أوعى تفكرني ضعيفة عشان بحبك، لا ياحبيبي، ساعات الحب بيتحول لحاجات تانية لما الست تشوف الراجل اللي بتحبه بيأذي قلبها."
رجفة قوية مرت بسائر جسده من اعترافها بحبه لأول مرة دغدغت مشاعره فكان لكلماتها أثرا على قلبه حتى شعر بدقاته العنيفة تخترق صدره.
ابتعد بجسده يطالع نظراتها وشفتيها وهي تتحدث بغضب، رغم آثار الألم عليها، إلا أنها أنثى طاغية الكبرياء تود أن تحطمه بكبريائها.
صمتت عندما وجدت نظراته الموجهه إليها.
"فيه ايه بتبصلي كدا ليه زي مايكون عايز يرسموني."
دنى يحاوطها بذرعيه قائلا بصوته الرجولي.
"قولتي لا ياحبيبي هدوس عليك مش كدا."
ضيقت عيناها مستفهمة.
"شغل الشرطة دا مبحبوش، قول عايز ايه انا تعبت وعايزة أنام."
أشار بعينيه قائلا.
"عيدي اللي قولتييه كدا..."
دب الجنون بملامحها، فصاحت باسم والدتها.
"ماما تعالي ساعديني عايزة ارتاح." ثم أكملت هامسة.
"شكل حضرة النايب متقل في الشرب، ولا اتجنن معرفش."
دنى حتى اخترق قانون المسافات بينهم جاذبا رأسها محاولا الثبات بصعوبة حتى لا يقبلها، فهمس بجوار شفتيها.
"شارب من حبك كتير ياروحي، فخلينا بعقلي ياست المهندسة، بدل مااقلب جنان حق وحقيقي."
حاوطها بنظراته الثاقبة فاكمل حديثه.
"هنتجوز ياليلى وفي أقرب وقت، بلاش تخليني ابعت اجيب المأذون دلوقتي ومالكيش دعوة بعلاقتي."
تولد الألم بداخلها متحدًا مع غضبها الذي تحول إلى غيرة جنونية على رجل لا تشعر بدقات قلبها سوى معه فقط.
لملمت بعثرة مشاعرها التي بعثرها بقربه ونظراته فتحدثت كقطة شرسة متناسية آلامها.
"طيب عايزة أعرف هتتجوزني إزاي."
جلس عندما فقد سيطرته، فلقد شلت أعضائه من حركاتها الجنونية، ود لو يعانقها حتى يسحق عظامها. نظر لشفتيها التي تشبه حبة الكريز الناضجة وتمنى تذوقها. مسح على وجهه ولم يتحدث.
حرب النظرات كانت المعذرة عن شعور كلا منهما، فتعالت الأنفاس بدقات القلوب، قطع صمتهم هو قائلا.
"ليلى مفيش حاجة بيني وبين نورسين ابدًا، وخليكي واثقة في حبيبك." قالها وهو يدقق النظر بعيناها.
انكمشت ملامحها بتعبير ساخر مع نظراتها المتهكمة.
"دي واحدة السبب في كل حاجة، جت وقفت بكل برود وقالت إنها حامل منك، في الوقت اللي كنت رايحة لعندك عشان اقولك على تهديد امجد، حطمت كل حاجة."
وضعت يديها على قلبها.
"حطمت قلبي ياحضرة النايب، وانت عملت إيه ولا حاجة."
ثنى جسده وقام بحملها فجأة، صرخت به.
"تعالي نامي وارتاحي ياليلى وبعد كدا نتكلم، بس عايز أقولك انتِ السبب في كل حاجة مش نورسين ولا غيرها."
دثرها بالغطاء وتعمق بنظراته التي تعانقها، حتى أشعرتها برجفة قوية تضرب عمودها الفقري حينما اقترب من وجهها ومازالت ذراعيه تحاصرها قائلا.
"لازم ننسى الماضي ونفتح حياة جديدة، وصدقيني لو اتحاسبنا هتطلعي مديونة بكتير، قبل مااقفل على الموضوع دا فيه حاجة لازم تتأكدي منها."
"أنا بحبك انتِ وبس، نورسين مفيش حاجة بينا غير شغل وبس."
قاطعهم صوت الطفل الذي دلفت به سيلين.
"خدي يالولا رضعي الولد، آه صحيح هتسموا إيه؟!"
حمحم راكان حتى يتجلى بإخراج صوته متزنا ثم استدار إلى اخته وحمله متجها إليها.
"هسميه أمير إن شاء الله، عشان يكون أمير لعيلة البنداري."
كانت تطالعه بنظرات صامتة. حقا هو اعترف لها بحبه، أغمض عيناها تتذكر حديثه معها عند المسبح، وأثناء دخولها لغرفة العمليات، والآن. نعم تعشقه بكل كيانها، ولكن كيف لها تصمت أمام جبروته مع الأخريات، تنهدت بألما تطبق على جفنيه، تتمنى حياة هادئة مع طفلها، فتحت عيناها عندما استمعت حديثه.
"إيه رأيك في أسم أمير."
رفعت نظراتها إليه ودققت النظر به عندما قالت.
"بس سليم كان عايز يسميه على اسمك."
رفع نظره إليها بسخرية.
"لا مستحيل اسميه راكان." قالها بوجع ثم أكمل.
"خلاص هو أمير، عندك اعتراض ولا إيه."
"حلو أمير ياليلى..." قالتها درة ثم نظرت لأختها.
"ماما روحت ياليلى عشان بابا تعبان وآسر كلمها، معلش حبيبتي انا معاكي."
"بابا وحشني قوي يادرة، حبيبي لسة تعبان."
أومأت درة برأسها.
بعد اسبوع من ولادة ليلى.
بمكتب جاسر دلف حمزة إليه.
"إيه وصلت لحاجة؟!"
تأفف بضيق، ثم وضع بعض الصور أمامه.
"دول مين، وليه بيراقبوا سيلين ودرة، وكمان نورسين دي عليها علامة استفهام كبيرة، لازم راكان ياخد باله منها."
عند نوح.
دلف مكتب والده، توقف يحيى يرمقه بنظرات مستاءة.
"لسة فاكر ان ليك أب يادكتور."
جلس دون حديث وأردف.
"حضرتك طلبتني ممكن أعرف ليه؟!"
نهض متجهًا يجلس بمقابلته.
"ممكن أعرف مقاطع البيت ليه، لولا مراتك بنت ناس كانت زمانها فضحتك."
ابتسم نوح بسخرية فأردف.
"أيوه عارف انها بنت ناس بدليل واخدة تعويض خمسين مليون مش كدا."
نهض نوح متجهًا لمكتب والده.
"من الآخر كدا يادكتور البنت دي متلزمنيش، وأنا كنت هطلقها لولا هي اللي قالت خلينا فترة قدام الناس."
تنهد بحزن ونظر لوالده بوجع.
"أنا قولتلك مش هقدر اعيش بعيد عن المزرعة، اصريت اني اتجوز وأقعد في الفيلا."
تحرك واقفا أمام والده وأكمل.
"أنا زي السمك يادكتور لو طلعت من المية اموت."
رفع يحيى حاجبه وتحدث بسخرية.
"قصدك البعد عن الباشمهندسة مش كدا يابن الكومي."
قال كلمته وهو ينصب قامته بغل واتجه يقف أمامه.
"اوعى تفكر أني معرفش انك مشهيص معاها وواخدها الفيلا عندك، بس الصبر حلو."
اخذ يتنفس الصعداء، عندما اندلعت ثورة حارقة بجوفه فاتجه لوالده.
"غلطان يادكتور، دي مراتي على سنة الله ورسوله ومن زمان قوي، يعني تقدر تقول سبع شهور، كان نفسي افرحك بحفيد بس الصبر حلو."
توسعت أعين يحيى الكومي فخطى إليه.
"بتقول اتجوزتها، انت اتجوزت البنت دي، انت اتجننت متعرفش ابوها دا بيعمل ايه."
كرة من النيران الملتهبة خرجت بنظراته.
"دي بقت مراتي، أنا متجوز أسما مش متجوز أبوها."
اتسعت عينيه من هول ما تلفظ به نوح وهبت زعابيب غضبه قائلا.
"ولما تخلف منها تقولهم ايه، جدكم حشاش، وبيجيب ستات شمال البيت، مين هيكون جدهم ياحضرة الدكتور."
تحرك متجهًا للخروج.
"هقولهم امهم ست عظيمة بنت نفسها، هقولهم إزاي الست العظيمة دي قدرت تعمل لنفسها كيان، هقولهم ان ابوكم بيعشق امكم دي."
استدار بجسده لوالده وأكمل.
"كفاية عليهم يعرفوا حضرتك جدهم يادكتور."
قالها وتحرك سريعًا متجها لفيلا والده.
عند راكان بمكتبه.
جالسا يراجع بعض ملفات المهمة المرتبطة بقضيته. استمع إلى رنين هاتفه.
"أيوة يايونس، فيه حاجة ولا إيه ليلى كويسة؟!"
على الجانب الآخر أجابه.
"راكان فيه واحدة جاتلي وشكلها مش مريحني، زي ماانت اتوقعت، البنت عايزة تعمل إجهاض."
رجع بجسده على المقعد يستمع إليه بإهتمام، فتسائل.
"وبعدين."
"المهم البنت دي تخيل جات مع مين، مع نورسين."
نهض راكان يقف ينظر بالخارج وهو ينفث تبغه.
"وبعدين عملت إيه؟!"
أجابه يونس.
"رفضت طبعا، الغريب ان نورسين مُصرة على العملية."
سحب نفسًا مطولا فاجابه.
"يونس إياك تغلط، ولم نفسك وزي ماوعدتك، هتكلم مع سيلين، لكن قسما عظما اي غلط ماهخليك تشوف ضفرها، وفيه حاجة كمان."
"متدخلش بين اللي هيحصل بيني وبين مامتك تمام."
قالها ثم أغلق الهاتف.
اتجه إلى مكتبه مرة أخرى، قاطعه دلوف أحد الضباط.
"قاسم الشربيني برة وعايز يقابل حضرتك يافندم..."
نقر على مكتبه بالقلم للحظات ثم رفع نظره إليه.
"خليه برة نص ساعة وبعدين دخله."
بعد فترة دلف قاسم الشربيني ووجهه عبارة عن لوحة من الغضب والحزن.
"دا ايه الشغل اللي مخلي حضرتك تلطعني نص ساعة برة."
وضع ساقًا فوق الأخرى، وأشعل سيجاره.
"وقتي غالي مش لأي حد." قالها بسخرية.
"عايز ايه من ابني يابن البندارينه."
نهض راكان وجلس بمقابلته.
"انت هنا في النيابة، يعني شغل البلطجية بتاعك دا برة." نفث سيجاره وهو يطالعه ثم أكمل.
"ابنك غلط ولازم يتحاسب، فمتحاولش ياشربيني، أنا حاشا لله متبلتش عليه."
رمقه قاسم شرزا قائلا.
"افتكر جيت لعندك، وانت مقابلتنيش كويس."
دنى راكان بجسده، ونظر لمقلتيه.
"واتأكد اني ماخدتش عزا أخويا، وناوي أخده قريب، وكله بالقانون، إحنا مش مجرمين."
ظلت حرب النظرات بينهم، فنهض راكان.
"خدت من وقتي ياقاسم، وزي ماانت شايف معنديش وقت للمجرمين، ممكن تقول مشكلتك لبلطجي يحلها مش لراجل قانون."
نهض قاسم بعدما صفعه راكان بكلماته، وصل لدى الباب فتوقف يطالعه بهدوء متحدثًا.
"هي أرملة اخوك أسمها ايه، ايوة افتكرت ليلى."
ودلعها لولا.
قهقهات مرتفعة من قاسم عندما وجد تحول وجه راكان لكرة نارية، فكان واقع كلماته كنيران ألتهمت صدره، فوصل إليه بخطوة واطبق على عنقه يحادثه من بين أسنانه.
"هموتك لو جبت سيرتها."
ابتسم بسخرية عليه، رغم شعور بالأختناق فتحدث بصوت متقطع قائلا.
"ايوة، ماهي الحب المكنون اللي اتخطف، بس ياترى ليه عشان اتلعب عليها ولا عشان تهديدها بموتك."
دفعه راكان بقوة على الحائط حتى اصطدم جسده بعنف. فشعر بآلام ظهره فتحدث.
"قسما عظما لو قربت منها لأدفنك مكانك، وبلاش تخليني احطك في دماغي."
ابتسم بسخرية ثم تحدث بصوته الغليظ.
"يبقى اللي وصلني صح، حضرة النايب عاشق مرات أخوه، بس ياترى الكل يعرف ان حضرة النايب مقضيها معها."
"اخرص ياحيوان." ضغط على زره حتى لا يفقد اعصابه ويقتله.
"خد الحيوان دا من قدامي، وإياك تدخله لعندي تاني."
تحرك قاسم وهو يعتدل ثيابه قائلا.
"خلاص عرفت اللي كنت عايز أعرفه، وامجد هيطلع وبكرة أعرفك قيمة قاسم الشربيني."
جلس على مقعده عندما شعر بأن اقدامه أصبحت كالهلام، لأول مرة يشعر بهذا الألم الذي أصابه سوى ألم فراق أخيه.
حاول التنفس ولكنه لم يستطع، لفظ الهواء بقوة ثم توقف متحرك للخارج سريعًا وتوجه إلى منزله.
استقل سيارته، وقام الأتصال على أحدهم.
"ربع ساعة هبعتلك الملف سري على الأيميل، وفيه حاجة كمان، عايز شركة أمن كويسة لو حضرتك تعرف يكونوا عندي بعد ساعة."
على الجانب الآخر.
"نص ساعة وهتلاقي أكفأ ضباط الأمن، فيه حاجة لازم تعرفها."
"جدك بيفكروا يتخلصوا منه."
سحب كم من الهواء وزفره ثم تحدث.
"عرفت، هو اللي وصل نفسه لكدا."
"لا...مش علشان كدا، عشان يوم ماانضربت آخر مرة راح لقاسم وهدده، ادخله من الحتة دي خليه يوقعهم."
"تمام، هشوف هنعمل إيه."
وصل إلى قصره، ترجل من السيارة سريعا متجهًا للداخل.
"فين ماما؟" تسائل بها راكان.
"في اوضتها ياباشا."
نظر حوله بكل مكان، يبحث عن شيئا ثم تحدث.
"مفيش حد يعرف موضوع ليلى غير صحابي بس ودول مستحيل يخنوني، ياترى مين الخاين."
تذكر حديثه مع فريال منذ فترة.
دلف مساء لمنزل عمه.
"مساء الخير ياعمو خالد، فين طنط فريال."
خرجت فريال وهي تتحدث بهاتفها. تسمرت بوقفتها عندما وجدته. خطى إليها ينظر إليها بهدوء فتحدث.
"ممكن أشرب فنجان قهوة مع مرات عمي الجميلة."
ارتعش جسدها من نظراته، فتمتمت بتقطع.
"أيوه طبعا، هو أنا أطول، أشرب قهوة معاك، لكن آسفة انا خارجة حالا ياراكان كنت اتمنى اقعد معاك."
"لا...ماهو هنشربها وتمشي ياطنط." قالها وهو يرمقها شرزًا، بدا تصميمه جلي في نظرته، وتضمنت لهجته التي كانت فظة ثم اتجه بنظره لعمه الذي يراقبه.
"نعمل حسابك ياعمي ولا لا."
نهض خالد يطالعهما ثم تسائل.
"فيه إيه؟!"
"راكان عايز تشرب قهوة مع فريال ليه."
جلس وهو يشير إلى عمه.
"طنط فريال هتقولنا دلوقتي، ليه؟!"
هزت رأسها رافضة حديثه.
"معرفش بتتكلم عن ايه."
أخرج زجاجة الدواء ووضعها أمامه وأشار إليها.
"طيب لو عايدة عملت كدا هقول معذورة، انما انتِ ليه."
جحظت عيناها بذهول وهي تهز رأسها.
"لا أنا هعمل ايه، معرفش بتتكلم عن إيه."
نصب عوده ونيران مشتعلة بعينيه، وتحدث بحديث يحمل تهديدات واضحة.
"الصبح لو مجتيش لعندي وقولتي مين اللي وراكي، صدقيني هنسى إنك مرات عمي."
استدار بنظره إلى عمه قائلا.
"عرف مراتك اللي كان عايزة تموته دا، ابن الغالي سليم ومراته، ومفيش ذكرى غيرهم، تخيل كدا اللي يجرحهم ممكن أعمل فيه ايه."
ارتعش جسدها وهي تهز رأسها كالمجنون.
"انتو اللي ابتديتوا، انتظروا وشوفوا راكان هيعمل ايه."
كانت طريقته احترافية وهو يتحدث أمامها بثبات على عكس نيرانه المستعيرة.
خرج من شروده على رنين هاتفه.
"راكان، نورسين كانت من يومين عند قاسم الشربيني في مكتبه، هي ايه علاقتها بيه."
اتجه بنظراته الحادة ينظر لكاميرات القصر بالكامل فأردف بقسوة.
"دا عش دبابير محاوطنا ولا إيه، دلوقتي عرفت مين اللي قال لقاسم على موضوع ليلى."
أخرجه جاسر من شروده.
"راكان أنا فرحي بعد شهر، بلاها القضية اللي هتقطع خلفي دي يابني."
"راقب قاسم كويس، عينك عليه، وعلى ابنه، خلاص الحكم النهائي بعد أسبوعين اللي متأكد انه هيكون أقل حاجة تأبيدة ان شاء الله."
"جاسر قاسم مش سهل."
بعد إغلاقه اتجه لغرفة متيمة قلبه، بعدما وجد درة وسيلين بشرفتها.
بعد أكثر من شهر.
دلف للداخل بعد السماح له، وجدها تحمل طفلها وتتحرك به. تناوله منها، بعدما وضع علبة على الفراش.
"شوفي الفستان دا كدا، عشان هتلبسيه الليلة وقت كتب الكتاب."
فتحت العلبة، وإذ بها تتفاجئ بروعته.
"جميل قوي، تعرف بحب الأستايل دا جدا."
اقترب منها وهو يرسمها بعينيه.
"ماهو لازم أحس إنك بتحبي إيه وبتكرهي إيه."
"اعملي حسابك هنروح مزرعة نوح بعد كتب كتابنا، الليلة نوح عامل فرح لأسما."
وضعت كفيها على فمها بذهول.
"نوح" حبيبي، عايز يفرحها."
شيعها بنظرة لو تقتل لقتلتها قائلا.
"إيه نوح حبيبي دي، اتجننتي ولا إيه."
اقتربت منه ترمقه بنظرات تقيمية.
"موضوعك مع نورسين انتهى مش كدا، يعني المخلوقة دي مش عايزة أشوفها قدامي."
أشاح بعينيه بعيدا عنها مصطنعا اهتمامه بالولد قائلا.
"خلاص قولتلك أنا بعدت عنها، ياريت مش كل شوية تقولي الفيلم بتاعك دا."
أشارت لنفسها وتحدثت.
"أنا فيلم ياراكان، بعمل أفلام، عشان ببعد واحدة حقيرة زي دي عن جوزي، يبقى بعمل أفلام."
سحبها من كفيها وأجلسها عندما وجد غضبها الذي ظهر على ملامحها.
"ليلى قولتلك موضوع نورسين خلاص، بلاش تخليني ازعل منك، بتحسسيني اني حقير قوي، حبيبتي بعد كام ساعة هتكوني مراتي، ودي عندي بالدنيا ومافيها، عايز شوية ثقة ياليلى لو سمحتي."
سحبت كفيها وأردفت بصوت مفعم بالبكاء.
"اوعى تكسر قلبي ياراكان لو سمحت."
دنى منها حتى شعرت بأنفاسه، فاردفت بشفتين مرتجفتين.
"يخربيتك ابعد والله هدخل النار بسببك."
داعب وجهها بأنفه.
"هندخلها مع بعض ياحبيبي متخافيش."
بعد الثواني قبل الدقايق عشان اخدك في حضني.
رفعت كفيها تدفعه.
"راكان ابعد، الولد بيعيط."
رفع حاجبه بسخرية قائلا.
"الله وأنا ماسكك، ماتقوميلكمته بصدره بضعف."
"راكان ابعد مش قادرة..."
دنى من اذنيها وهمس لها.
"هبعد ياروح راكان بس بشرط أسمع منك 'بحبك'."
ارتجفت عيناها وابتعدت بنظراتها حينما فقدت السيطرة على نفسها من رائحته التي اخترقت رئتيها، لم يرحم قلبها الضعيف وحالتها فهمس.
"بحبك مولاتي."
قالها ثم نهض سريعا متجها للخارج ولكنه توقف.
"جهزي نفسك النهاردة لأول مرة حاسس إني عايش ياليلى بلاش تقتلي فرحتي بحاجات وهمية."
جاء المساء سريعا.
هبطت للأسفل بفستانها السماوي، وبه بعض الفراشات البيضاء، وحجابها الأبيض الذي جعلها كأميرة للأساطير. تحركت إلى أن جلست بجوار والدها ووالدتها. كان يطالعها من حين لآخر.
وصل الشيخ المسؤل عن كتب كتابهما. دقات عنيفة بداخل كل واحدًا منهما، أخذت تتنفس الصعداء، بعدما استمعت لقول المأذون.
" بارك الله لكما وجمع بينكم في الخير."
شعرت وكأن ساقيها لم تحملها، عندما اقترب منها قائلا.
"ألف مبروك يامدام ليلى." قالها وهو يقف أمامها على بعد بعض الخطوات.
هزت رأسها دون حديث، فشعورها الآن لم تقو على وصفه.
تحدثت فريال.
"معرفش ايه الجواز الصامت دا، هو فعلا مجرد كتب كتاب وخلاص ياراكان."
لكزتها عايدة قائلة.
"ترمق ليلى بنظرات متهكمة. انتِ متعرفيش دا عشان الولد بس، الفرحة الكبيرة هتكون من جوازة راكان على نورسين مش ياراكان."
رمقهما بنظرة اخرصتهم. تحركت زينب مبتسمة.
"لا دي فرحتي الكبيرة إن ليلى تفضل مرات ابني مهما حصل، راكان ولا سليم مش مهم الاتنين عندي واحد."
نظر إليها بحبور، بعد كلمات والدته وهي بأحضان والدها، تمنى لو ضمها هو لأحضانه حتى يشبع روحه المفقودة ولكن مهلا باقي القليل جدا، هذا ماحدث قلبه به.
رفع نظره لوالدته التي نهضت من مقعدها بمساندة سيلين وأردفت.
"راكان..."
توسعت مقلتيه وهو يرى والدته أمامه تقف مرة أخرى على قدميها. أسرع إليها يلقي نفسه بأحضانها وارتفعت شهقاتها.
"أخيرا ياحبيبي قدرت أخدك في حضني، وحشتني قوي يابني."
انسدلت دموعه بأحضانها.
"حمدلله على سلامتك ياحبيبة قلبي."
توجه أسعد إليها وهو يستند على عكازه.
"حمدلله على سلامتك يازينب."
خرج راكان من أحضانها، فاقتربت بخطوات متمهلة من زوجها.
"الله يسلمك ياحبيبي." طبع قبلة على جبينها.
"الحمد لله." كررها أسعد عدة مرات.
رفعت نظرها إليه.
"انت كمان حمدلله على سلامتك، سليم وحشني قوي ياأسعد، نفسي اضمه حتى لو دقيقة زي ماضميت راكان كدا."
ضمها لأحضانه، نظر الجميع إليهما بعينان تقطران ألما قائلا بصوته الحزين.
"ربنا يرحمه حبيبتي ويصبرنا على فراقه، وبعدين البركة في ابنه يازوزو."
"مامي حبيبتي." قالتها سيلين التي أسرعت تلقي نفسها بأحضان والدتها تهمس لها.
"ألف مبروك يازوزو وأخيرا راكان اتجوز ليلى، من غير مايعرف إنك كنتي بتمشي قبل جوازه."
ابتسمت لها وتذكرت بعد ولادة ليلى وخاصة يوم سبوع الطفل. استمعت لبكائه مع المربية، فاتجهت إليه متسائلة.
"والدته فين يابنتي، بيعيط ليه كدا."
كانت تهزه حتى تقوم بتهدئته فأجابتها.
"مدام ليلى مانمتش خالص، والأستاذ راكان قال ممنوع حد يصيحها، عشان مرهقة، ودلوقتي غيرتله وعملتله رضعته، بس هو مش عايز يرضع من اللبن دا."
تناولته زينب وحملته لأحضانها تربت على خصلاته ثم تحركت بمقعدها متجهة إلى غرفة ليلى. بكى الطفل بصوتًا مرتفع، حاولت حمله، فلم تشعر سوى بتحرك قدميها، ابتسمت تنظر للطفل ثم نهضت كطفل يتعلم المشي.
رأتها سيلين التي استمعت لبكاء الطفل.
"ماما إنتِ وقفتي."
ابتسمت لأبنتها وانسدلت دموعها قائلة.
"أيوه ياحبيبتي، ماما وقفت، امك هترجع تمشي تاني ياسلين، أحمدك يارب."
نظرت للطفل الذي صمت للحظات وهو يضع انامله بفمه.
"خدي الولد وديه لليلى عشان ترضعه، وبلاش تعرفي حد دلوقتي حبيبة ماما."
قطبت سيلين جبينها.
"ليه ياماما، دا راكان وبابا هيفرحوا قوي."
نظرت بشرود وتحدثت.
"لما راكان يتجوز ليلى يابنتي، ميغركيش كلامه المعسول، دا بيقلب في ثواني ابني وعرفاه أكتر من اي حد."
خرجت من شرودها عندما اقتربت عايدة وفريال.
"مبروك يازينب، من كتر فرحتك وقفتي، حفيدك هيفضل في حضنك طول الوقت بعد جواز راكان من مرات أخوه."
ظل الجميع يتسامرون، جلس عاصم بجوار راكان.
"عايز اقولك خلي بالك من ليلى يابني، ليلى طيبة، يارب تكون عوضها الحلوة، ومتخيبش نظرتي فيك."
هز رأسه قائلا.
"متخافش ياأستاذ عاصم بنتك وحفيدك في ايد امينة، وبعدين حضرتك عارف مستحيل حد يأذيها طول ماهي في بيت البنداري، مش كدا ولا إيه."
بعد قليل صعدت ليلى للأعلى بعدما بكى طفلها. أما هو خرج لمهاتفة أحدهما.
"ايوة، سامعك."
على الجانب الآخر.
"أمجد هرب ياراكان من المستشفى."
جز على شفتيه بغضب وهتف بغضب.
"هموتك ياجاسر سمعتني، لو مجبتوش قبل الصبح هقتلك يافاشل."
مسح على وجهه بغضب، أرجع خصلاته للخلف بقوة حتى كاد أن يقتلعها.
"آآه عملتها ياقاسم الكلب."
تحرك متجهًا لجده.
وجده جالسا مع والده وعمه جلال.
"كنت تعرف أن قاسم هيهرب ابنه مش كدا."
ارتشف من قهوته بهدوء وأجابه.
"ألف مبروك ياعريس، اطلع شوف مراتك، إنما عايز أسألك يابن أسعد إزاي هتقرب من مرات أخوك، يعني مش هتتخيل سليم قدامك."
صاعقة صفعته بقوة حتى شعر ببرودة أطرافه، وتجمد الدم بعروقه، فنظر إلى والده كطفل مشتت، ضائع فرفع نظره وتحدث بلسان ثقيل.
"دا اللي قدرت تقوله، مفكرتش غير في إنك تحرق دمي وبس، هستنى منك إيه، لكن عايز أقولك جوازي عشان احمي الطفل وللأسف هحميه من قرايبه قبل أعدائه."
قالها وتحرك بساقين متراختين، ونيران تحرق جسده بالكامل. توقف حمزة أمامه.
" انا همشي وهسبقك عند نوح، اوعى تعمل فيها عريس الليلة، لما ترجع، عايزين نفرح المنحوس التاني."
تحرك خطوتين ثم توقف متسائلا.
"عرفت ان أمجد هرب."
فك رابطة عنقه متجها للأعلى دون الرد على حمزة. استغرب حمزة حالته، نظر إلى يونس مستفهما.
"ماله دا، دا اللي مستنينه في ليلة زي دي."
قهقه يونس رافعا حاجبه.
"من الصدمة، خايف عليه الليلة، حلو فكرة فرح نوح دي أهو نلهيه شوية."
دفعه حمزة حتى هوى على مقعده قائلا.
"اقولك حاجة يادكتور الستات، أنا مش متفائل وحاسس فيه كرسي هينضرب في الكلوب."
قوس يونس فمه قائلا.
"معرفش حاسس الكرسي دا هينضرب في وشك ليه." قالها ثم تحرك من أمامه سريعًا.
ذهب يونس إلى سيلين التي تتحدث بهاتفها.
"تمام بكرة هقول لبابا، وانت كمان سلام."
استدارت بجسدها فاصطدمت به.
ثورة حارقة اندلعت بجوفه وارد ان يلتهمها فتحدث من بين أسنانه.
"بتكلمي مين يابت؟!"
دنت بخطواتها ورفعت كفيها تتلاعب بزر قميصه ثم رفعت نفسها وهمست بأذنه.
"دا حبيبي هيجي بكرة يطلبني للجواز، عندك مانع، بقولك عشان تحضر نفسك وتقابله ياآبيه."
تجمد بمكانه محاولا استيعاب ماقالته، وقف للحظات مكبل الأيدي، وهي تتلاعب على رجولته التي حاولت إهدارها بكل برود.
فاستدارت بعدما نظرت إليه ترمقه بتهكم.
"ابعد عني يايونس، أنا اتعرفت على واحد راجل وحبيته وهيجي يطلبني من بابا."
باتت كلماتها تعصب جروحه التي اشعلتها بلهيب نيران عشقه، فجذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره، ثم جذبها من خصلاتها يهمس إليها بصوت كفحيح أفعى قائلا.
"عمرك سمعتي عن الحب وماقتل، دنى حتى لامست شفتيه اذنها قائلا.
"هقتلك ياسيلين، ومش قتل عادي ياحبيبي، لا دا هقتلك بحبي ليكي، طبعا عايزة تعرفي إزاي."
"بلاش أقولك الحبيب بيعمل ايه في حبيبه لما بيفقد اعصابه وبيعرف بخيانته، ودلوقتي مجرد كلامك مع راجل تاني وقولتيله حتى لو بالوهم إنك بتحبيه خاينة في نظري."
قالها بعدما جذب رأسها يقبلها بكل عنف حتى ادمى شفتيها، ثم دفعها بقوة.
"دا عنوان اللي هيحصلك، استني شوفي يونس المغدور هيعمل ايه."
قالها متحركا لسيارته، وقادها بسرعة جنونية، جلست سيلين بمكانها تبكي بشهقات وتمسح فمها بعنف.
"بكرهك يايونس، والله لاندمك."
عند راكان.
وصل إلى غرفة ليلى، فتح الباب بهدوء يبحث بعيناه، هو يريدها فقط، يريد أن يشكو آلامه إليها.
كانت تخرج من مرحاضها، ترتدي بورنس الحمام، وجدته امامها، ولكن هيئته تنم عن حدوث شيئا له، جلس على الأريكة عندما فقد القدرة على الحركة ينظر حوله، وكأن سليم يطالعه، هب واقفا، ثم سحب كفيها عندما وجدها متصنمة بوقفتها تنظر إليه، حاولت جذب يديها، ولكنه كان المسيطر الأقوى.
دلف إلى جناحه، وقفت وجسدها ينتفض، تشعر بالخوف من حالته، رفع نظره بعينيه التي تحولت للون الأحمر من الغضب، شعر بألم تسرب لقلبه عندما رأى الخوف البادي على ملامحها.
وضع جبينه فوق جبينها بعدما حاوطها بذراعيه.
"ليلى ضميني، حبيبتي عايز احس انك في حضني، ليلى إنت حقي انا، أنا ماخدتش حق حد."
رفعت كفيها تضم وجهه.
"راكان مالك، أنت كنت كويس."
ظل فترة وهو على هذه الحالة، حتى اعتدل بجلوسه يضمها.
"ليلى تعرفي أنا بحبك من إمتى."
وضعت رأسها على صدره مطبقة جفنيها.
"عايزة أسمعك، عايزة أعرف الراجل اللي وجع قلبي الفترة دي كلها، عايزة أحس بحبك فعلا."
ضمه بقوة كأنها ستهرب منه، ثم طبع قبلة على جبينها.
"من يوم ماكنتِ عندي في المكتب، سحرتيني بعيونك، وقوة شخصيتك."
استنشق خصلاتها المبتلة مكملا.
"وقتها حركتي مشاعر اندفنت لسنين، بقيت عايز أشوفك قدامي على طول، عايز أسمع صوتك، عايز ألمسك، عملت حاجات كتير عشان اللحظة دي."
خرجت من أحضانه تطالعه بنظراتها العاشقة له وحده. أزال خصلاتها ووضعها على جانب كتفها، ثم دفن وجهه بعنقها قائلا.
"ألف مبروك ياليالي، أخيرا بقيتي ملكي، كان المفروض أمير يكون ابني أنا، لكن قدر الله وماشاء فعل."
اختلج صدرها الكثير من المشاعر المتناقضة، من الخوف والأمان. نهضت تنظر إلى غرفته لأول مرة.
"إحنا بنعمل إيه هنا، أنا هروح اوضتي، بعد إذنك."
جذبها حتى سقطت على ساقيه.
فضمها لأحضانه واضعًا جبينه فوق جبينها.
"ليلى خايفة مني."
حاولت الإفلات من قبضته.
"راكان وسع كدا، عايزة أروح أشوف الولد."
التوت زاوية فمه بإبتسامة عابثة مائلا برأسه ونظراته تتفحصها.
"اطبقت على البونس، تغلقه بقوة."
"دي مقابلتك ليا بعد اللي قولته."
ضمت ثيابها بقوة، عندما وجدت نظراته الثاقبة لجسدها.
نهضت من فوق ساقيه فجذبها مرة أخرى وهو يضمها قائلا.
"أسما حكتلي كل حاجة، عرفت كل حاجة من يوم الحفلة لحد قبل يوم الولادة، ثم نزل برأسه يضعها مرة أخرى بعنقها وطبع قبلة، عرفت إنك بتحبيني، وجوازك خوف عليا."
ارتفعت دقات قلبها، وارتجف جسدها، حتى شعر بها.
فرفع نظره لعيناها المنغلقة.
"لدرجة دي كنتِ بتحبيني ياليلى، لدرجة دي وصلت تضحي عشاني."
ظلت مغلقة الجفنين، وصدرها يعلو ويهبط.
ملس على وجنتيها إلى أن وصل شفتيها فهمس بانفاسه الحارة.
"حبيبي افتحي عيونك، ليلى." همس بها، فتحت عينها فتقابلت النظرات تهيم عشقا لكل منهما.
"بحبك ياليلى."
أطبقت مرة أخرى على جفنيها تستمع لهمسه، صمتت الألسن وتوقف دوران الأرض حولهما، كما توقفت عقارب الساعة.
فهمست له وهي ترفع أناملها تزيل عبراته العالقة.
"وليلى بتحبك قوي."
هنا جذبها بقوة يسحقها بأعماق روحه، حضنها بكل قوة كأنه يود أن يخفيها بقفصه الصدري، حتى ذابت في احضانه لأول مرة تذوقت قربه، لأول مرة تشعر براحة قلبها، وضعت رأسها بعنقه تستنشق رائحته الرجولية التي باتت تعشقها حتى أصبحت لها ككأس خمر لمسكر، لا يختلف الحال عنده وهو يعتصرها بين ذراعيه القوية يضمها بكل قوة ويستنشق عبيرها كمدمن يتجرع جرعته.
استمع لهمسها.
"تعبت كتير قوي ياراكان، تعبت لدرجة أتمنيت الموت."
أخرجها يحتوي وجهها ويحتضنها بنظراته.
"أنا كمان اتعذبت ياليلى، وحياتك عندي اتعذبت كتير، بس دا غلطنا إحنا الاتنين حبيبي."
ضمة قوية مرة أخرى لجسدها ليعبر لها كم يعشقها، فهمس بجوار أذنيها.
"بحبك مولاتي."
فتحت عيناها ورفعت كفيها على خديه وانزلقت عبرة عبر وجنتيها.
"أنا كنت فقدت الأمل في لحظة زي دي ياراكان."
احتضن وجهها يطبع قبلة على جبينها.
"وعد من حبيبك هنسيك أي ألم مرتي بيه."
رفع ذقنها ينظر لشفتيها.
"مش كفاية عذاب أنا جوزك على فكرة وجه الوقت عشان أدوق الفراولة الطبيعية."
ترنح جسدها بين يديه وأنزلت بصرها للأسفل.
"راكان لازم انزل تحت، ماما وبابا لسة تحتر."
رفع ذقنها مرة أخرى بأنامله.
"طيب مفيش مبروك لجوزك حبيبك، مفيش حاجة تصبره، لحد مانرجع."
رجفة أصابت عمودها الفقري، وانفاسه تضرب وجنتيها حتى شعرت بلهيبها، كان يرسمها بعينان فنان بارع في الرسم فاقترب يتذوق كريزيته لأول مرة، لامست شفتيه لأول مرة كرزيتها. ولكن قاطعه طرقات الباب العنيفة.
"ليلى." قالتها سيلين بالخارج.
توقف وهو يزفر بغضب، بعدما حاول لملمت شتات نفسه من تلك الجنية التي بعثرتها، اطلقت ضحكة بعدما وجدت تغير ملامحه للغضب فتحدث.
"فرحانة ياختي، طيب اجهزي حبيبي عشان خارجين، وبعد مانرجع هعرف اسكتك إزاي."
استمع لطرقات الباب مرة أخرى زفر بغضب ثم فتح الباب وهو يصيح بنيران قلبه في إيه.
غمزت له وهي تعقد ذراعيها.
"مكنش اتفاقنا ياراكي أنك تخطف لولا من اول يوم."
دفعته متحركة للداخل.
"ليلى والدك هيمشي وعايز يمشي، انزلي شوفيه."
تحرك راكان للأسفل دون حديث، وهو يسب أخته بداخله.
بعد قليل اتجه لغرفة والدته، استمع لصوت شهقاتها، تسمر بوقفته عندما وجدها بأحضان والده.
"حبيبي مالحقش يتهنى غصب عني والله ياأسعد، أنا عمري مافرقت بينهم لكن سليم صعبان عليا قوي، البنت اللي كان بيعشقها الليلة هتكون في حضن أخوه، وابنه اتحرم منه قبل مايشوف النور، تفتكر الولد هيقول بابا لراكان، ولا عمو."
ربت أسعد على ظهرها بحنان وبكى على بكائها.
"أهو راكان هيخاف على الولد غير الغريب يازينب، وربنا يسعده ياحبيبتي نفسي راكان يتهنى بحياته، مسحت دموعها ونظرت إلى أسعد بذهول.
"راكان ابني البكري، انت عارف معنى الكلمة ايه، يعني نور عيني وحياتي كلها، عمري مااتمنى له غير السعادة ياحبيبي، مستعدة اضحي بحياتي والله عشان اشوفه سعيد ومتهني، لكن أنا أم وغصب عني الشعور اللي حسيته، اوعى تفكر بقول كدا عشان حاجة تانية، وعايزة أفهمك، راكان ابني أنا غصب عن عين أي حد."
تراجع بخطواته للخلف، لم يعلم ماذا عليه فعله أيسعد من كلمات والدته عن حبها له، أم يحزن على كلماته عن سليم.
تحرك متجهًا للخارج وجد ليلى تتحدث مع مربية أمير، اتجه إليها.
سحب كفيها متجهًا لمكتبه، جلس وأجلسها على الأريكة بجواره ضامما إياها لأحضانه.
"حبيبتي فيه حاجة لازم نتكلم فيها."
خرجت من أحضانه تنتظر حديثه. ضم كفيها بين راحتيه وتحدث بصوتًا حزين.
"مش عايز ماما تعرف العلاقة بينا ايه، يعني بلاش نفهما إننا بنحب بعض، ومش ماما بس، لا البيت كله، عايزة قدامهم العلاقة رسمية شوية، بلاش نوجع قلبها كفاية عليها فراق سليم."
ظلت نظراتها تحتضن نظراته بصمت، وعيناه الحزينة، وتحدثت لنفسها.
"معقول الشخص القوي البارد دا، يكون حنين كدا، معقول بيخاف على شعور واحدة تعتبر مش امه."
لم تشعر بنفسها إلا حينما اقتربت منه ثم لأول مرة تتجرأ وتطبع قبلة سطحية على شفتيه قائلة بحبك ياراكان.
قالتها وتحركت سريعا للخارج وهي تقول بصوتا متقطع من جرأتها.
"هجهز عشان نروح لنوح."
ورغم خطاها السريعة إلا نظراته لها كانت كلهيب اشتعل للتو وهو يطالع سيرها بقدها المهلك لقلبه، تمنى لو ظلت لدقائق فقط لعلمها كيف تكون قبلة الحياة.
إبتسامة على وجهه وهو يتخيلها بأحضانه، قاطعه دلوف العاملة بعد الطرق على باب المكتب.
"نورسين هانم برة ياباشا وعايزة تقابل حضرتكم."
مسح على وجهه بغضب، ثم تحدث.
"خليها تدخل ياهدى، واطلعي للمدام قوليلها ماتنزلش غير لما اطلع."
دلفت نورسين بخطواتها المتمايلة.
"عامل ايه حبيبي، بابا معايا برة عند جدو، جه يتفق بشغل فقولت اجي أشوفك وحشتني."
ضيق عيناه متسائلا.
"باباكي انت شغال مع جدي، ليه يعني مش صفوا الشراكة."
اقتربت تجلس أمامه على سطح المكتب، وهي تحرك ساقيها العارية ثم نزلت بجسدها حتى ظهر صدرها أمامه بوضوح.
وتحدثت بصوتها الأنثوي الناعم.
"معرفش هو قالي هيشاركه، فأنا فرحت عشان هشوفك أكتر من كدا."
رفع حاجبه بسخرية قائلا.
"ليه هو إحنا هنتقابل في الشغل، انتِ عارفة شغلي مش مع جدي."
وضعت كفيها وقامت بفك زره قائلة.
"مايمكن إنت كمان تشارك بابي."
ازاح كفيها قائلا.
"جاية ليه مش قولت متجيش من غير ماأعرف."
نزلت من فوق المكتب تضع رأسها بعنقه تستنشق رائحته.
"دي ريحة واحدة ست، إيه ياراكي مش قولت بطلت حركات السهر دي."
دفعها بعيدا عنه، تسمرت تنظر إليه.
"فيه إيه دا عشان قولت ريحتك حريمي، اوعى ليكون عيشت لحظاتك مع اللي قتلت أخوك."
احس بارتفاع ضغط دمه واختنق حلقه.
"هو فيه حد ينسى برضو مين السبب في تعاسة قلبي ووجعي على أخويا."
جلست أمامه مرة أخرى.
"عرفت انك كتبت كتابك النهاردة، إيه ناوي تعلن عن جوازنا إمتى، عملت زي ماقولتلي، وعرفتها أننا انفصلنا."
نصب قامته القوية بتكبر وتحرك للأريكة يجلس عليها، ثم قام بإشعال تبغه ينفثه ونيران صدره تحترق كتبغه.
"برافو يانور، دلوقتي أمشي لازم اخرج عروستي ونروح حفلة الليلة، واستني مني اتصال هقولك فرحنا إمتى بالظبط."
اتجهت تجلس بجواره تضع رأسها بأحضانه.
"راكان إنت وحشتني، من وقت الولادة ماتقابلناش ولا مرة، وقولت هتنتقم من مرات اخوك، عشان تتنازل عن الولد بس انت بتوحشني بجد."
رفع كفيها يلامس وجهها.
"حبيبتي اصبري شوية، لسة النهاردة كاتب كتابنا، ماهو مش معقول هطلب منها تتنازل دلوقتي."
هبت واقفة تعقد ذراعيها.
"معرفش كان ليه الجواز اصلا وانت قادر تاخده بالغصب."
توقف بمحاذتها.
"إنت اتجننتِ إنتِ ناسية اني رجل قانون، مقدرش اخد حاجة بالغصب، كان لازم أعمل كدا عشان تتنازل بعد ماأعيشها في جحيم عمرها ماشفته."
بالخارج كانت تقف على أعتاب الغرفة تستمع إليهما بعدما صعدت العاملة قبل قليل.
دلفت المربية إلى غرفتها.
"مدام الباشا بيقولك اجهزي ومتنزليش غير لما يطلع لعندك."
قطبت جبينها.
"هيطلع لعندي ليه إحنا خارجين، رفعت نظرها للعاملة."
"هو في اوضة المكتب ولا راح لماما زينب."
"لا يامدام هو مع نورسين هانم في المكتب."
صاعقة أصابت جسدها حتى شعرت بعدما قدرتها على الحركة فجلست مكانها لعدة لحظات ثم نهضت متجهة إلى الأسفل.
توقفت تستمع إليهما بانين قلبها مشطور، ترنح جسدها خطوة للخلف بأعين مغمضة وشفتين فاغرتين مصعوقة وكأن مااستمعت إليه ارتطم بجسدها حجرا ثقيلا حتى أصاب قلبها مباشرة فأدماه فإذا به ينزف وللحظة توقف الزمن وتمنت الموت في تلك اللحظة.
بأنفاسًا مرتجفة وعينان محجرتين بالدموع هرولت لغرفتها وتحدثت للمربية.
"هنخرج مع بعض مشوار يانورة، فيكِ تروحي الليلة انا ههتم بأمير."
جهزت حقيبته سريعا، وخرجت بروح محترقة وقلبا يتمزق ألما تقاوم رغبة بصرخات عاتية من أعماق روحها الذي أحرقها عاشق قلبها.
تحركت من الباب الخلفي للقصر في غفلة عن أمنه الذي ركز إهتمامه على بوابته الرئيسية.
أوقفت سيارة أجرة وترجلتها سريعا وهي تكاد تلتقط أنفاسها احتضنت طفلها ببكاء شق الصدور وانسدلت عبراتها الغزيرة على وجنتيها.
"حبيبي اهدى هنروح عند جدو اهو، احسنلك من بيت الأفاعي السامة دا."
بعد قليل صعد راكان لغرفته وتجهز متجهًا إليها.
دلف يبحث عنها ولكنها لم تكن موجودة، اتجه لغرفة اخته، ثم لغرفة والدته، بحث بكافة القصر مع العاملات.
أسرعت سيلين إليه.
"ليلى مش موجودة."
نظر حوله وتسائل.
"يعني إيه مش موجودة ياسيلين، شوفيها عند البيسين كدا."
صاح بصوت صاخب على العاملة.
"مدام ليلى راحت فين."
"معرفش هي قالت هتخرج مشوار مع أمير وحتى خلت المربية تروح."
دنى منها يسحبها بعنف.
"ايوة مشوار فين وإزاي ومفيش حد دخل ولا خرج من البوابة."
بكت العاملة وتحدثت من بين بكائها.
"والله ياباشا مااعرف."
قبضة عنيفة اعتصرت فؤاده، حتى هوى ساقطا على مقعده وهو ينظر للكاميرا ويراها تتحرك من الباب الخلفي تحمل الطفل وتتلفت حولها.
أطاح بكفيه كل ماقابله على سطح المكتب.
"غبية لتاني مرة تتصرفي بغباء، وحياة ربي ماهرحمك ياليلى."
توقفت والدتها عندما وجدت حالته.
"حبيبي اهدى وعرفني إيه اللي حصل انت زعلتها في حاجة، يعني حاولت تقرب منها وهي رفضت."
نظر بذهول لوالدته.
"ليه حد قالك اني حيوان، ايوة صح ماأنا حقير البيت دا بس المحترم مات، أنا هجبلك أرملة ابنك، اعرفي من اللحظة دي البنت دي هوريها جحيم جهنم."
قالها وتحرك كشيطان يحاربه مؤمن تقي.
رفع هاتفه الذي ارتفع رنينه.
"فيه ايه ياحمزة انا مش جاي، على الجانب الآخر."
"راكان لازم تيجي حالا هنا، الدنيا هنا زفت وأسما هربت ونوح زي المجنون."
توقف فجأة بسيارته حتى اصطدم جسده بالقيادة.
"يعني إيه هربت؟!"
"كل اللي اعرفه إن فيه لعبة حقيرة بينهم."
مسح على وجهه بغضب.
"إيه اللي حصل يانوح، هو هلاقيها منك ولا من بنت خالتك اللي دبحتني دي."
"حمزة ليلى هربت ورايح عند باباها أشوفها."
بعد قليل وصل إلى منزل عاصم.
طرق على باب المنزل. فتحت درة الباب.
"استاذ راكان، فيه حاجة."
دقق النظر بملامحها فتسائل بهدوء، رغم نيرانه المستعيرة.
"ليلى كلمتك يادرة وياريت متكذبيش عليا."
صاعقة نزلت على الجميع، وصل حمزة إليهما.
اقتربت سمية متسائلة.
"هو أحنا مش كنا عندكوا من ساعتين يابني، إيه اللي هيجبها."
تحرك راكان دون حديث عندما علم بعدم وجودها، ثم رفع هاتفه.
"هبعتلك رقمين تشوفلي هما
رواية عازف بنيران قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيلا وليد
اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
وعدتكِ أن لا أحبكِ
ثم أمام القرار الكبير جبنت
وعدتكِ أن لا أعود ..... وعدتُ
وأن لا أموت اشتياقاً .... ومتُّ
وعدتُ مراراً وقررت أن أستقيل
مراراً ولا أتذكر أني .... استقلت
وعدتُ بأشياء أكبر مني
فماذا غداً ستقول الجرائد عني؟
أكيداً ستكتب إني جننت
أكيداً ستكتب إني انتحرت
وعدتكِ أن لا أكون ضعيفاً
وكنتُ أن لا أقول بعينيكِ شعراً
وقلتُ
وعدتُ ألا وألا وألا
وحين اكتشفتُ غبائي
ضحكتُ
وعدتكِ أن لا أبالي بشعركِ
حين يمر أمامي
وحين تدفق كالليل فوق السماء
❈-❈-❈
جذب آسر ودفعه ثم نظر إليها نظرات جحيمية
إيه معندكيش قهوة سادة يامدام؟
هزة عنيفة أصابت جسدها حينما وجدته، همست
راكان!
اقترب منها بخطوات سلحفية، وهو يضع يديه ب جيب بنطاله، حتى وقف أمامها مباشرة، ثم جذبها بقوة جعلتها تصطدم بصدره.
ثم استدار إلى آسر وهو يحاوط خصرها ويضغط عليه بقوة آلمتها.
دقيقة لو لقيتك قدامي هرميك من هنا.
معلش ياباشمهندس، بنت عمك نسيت تقولي وهي رايحة تغير جو، وتبعد عن البيت شوية عشان تاخد قرارها الجديد نسيت تقولي إنها هتروح عندك. مكنتش متوقع هلاقيك هنا، فكرتك حرامي.
اتجه بنظرات نارية إليها.
متوقعتش إن مراتي حبيبتي تكون في بيت راجل غريب.
رفع أنامله يلمس وجنتيها.
مش كدا ياحبي؟
حاولت الخروج من تحت قبضته، ثم اتجهت إلى آسر ولم تعره اهتمام.
آسر إنت كويس؟
خرجت أسما بجسد واهن يرتعش، فهمست.
ليلى فيه إيه؟
تسمرت بوقفتها.
راكان!
جذب راكان ليلى وهمس بصوتًا كفحيح أفعى.
هتقربي منه هوريكِ أيام سودة.
ثم استدار إلى آسر.
وإنت مش قولت مش عايز أشوف وشك؟
استمعوا لصوت ارتطام خلفهم.
استدارت ليلى سريعا تصرخ بصوت هز جدران المنزل.
اتجه راكان ثم حملها ووضعها على الأريكة وحاول إيفاقتها.
تحركت ليلى سريعا تجذب قنينة من العطر وحاولت إيفاقتها.
فتحت عيناها تنظر حولها ودموعها تنسدل على خديها.
نوح .. فين نوح !! هو معاك مش كدا؟
ضمتها ليلى تمسد على خصلاتها.
إهدي ياأسما، نوح مش هنا.
زفر بغضب ثم تحدث.
خمس دقايق والاقيكي تحت.
توقفت وهي تعتدل من جلوس أسما، ثم نهضت عقدت ذراعيها وهي ترمقه بإذراء.
مين بقى اللي هيعمل كدا!! أنا مش هروح معاك في مكان.
ضغط على رسغها وهمس إليها.
أنا لسة بكلمك بعقل متخلنيش أفقد أعصابي عليكِ.
نظر إلى ساعته.
عدى دقيقتين.
ظلت واقفة ولم تعره اهتمام، أشاحت بعينيها بعيدا عنه، تحاول تمالك أعصابها.
دلف للداخل وحمل الولد وخرج به.
توقفت أمامه تنظر للولد الذي بيديه.
انت واخد الولد فين؟
توهجت عيناه قائلا بتحدي واضح ولهجة صارمة.
واخد الولد بيته، انتِ مش عايزة تيجي خليكِ، أهم حاجة عندي الولد وبس.
قالها ووجه عبارة عن لوحة من الألم والغضب، متجهم الملامح.
تحرك بثبات أمامها متجاهلا آلامه الذي برعت فيه حتى أصبحت نقطة دامية بقلبه.
شعرت بصاعقة كهربائية أصابت قلبها الممزق فوصلت إليه كالإعصار.
ابني انت مجنون عايز تاخده مني، دا اللي كنت بتخططله، أبعد عن ابني.
جذب الولد بعنف حتى صدح بكائه بأرجاء المكان.
الولد هيعيش معايا عجبك ولا مش عجبك اشربي من البحر، انتِ متهمنيش.
انزلقت عبراتها على بكاء طفلها.
هات الولد ياراكان، الولد عايزني.
ضم الولد وتحرك.
صرخت بصوتها انت واحد أناني ياراكان، أنا بكرهك وعمري ماهسامحك، ياريتني موت ولا وافقت ارتبط بشخص ألعوباني زيك.
استقرت كلماتها في منتصف صدره الذي ضاق فجأة حتى أوشك على الاختناق.
ضم الولد يبعده عن يديها، فقد نجحت وبجدارة بإخراج شياطين الجحيم بداخله.
هنتحاسب، والله لأحاسبك ياليلى.
قالها وهو يخرج بالطفل في وسط صرخاتها.
اتجهت بثيابها سريعا خلفه وهي تصيح عليه.
راكان متاخدش الولد، وحياتي ياراكان.
هبطت سريعا حتى كادت أن تسقط من فوق درجات السلم.
انزلق حجابها ودموعها تغرق وجهها.
شعرت بإنهيارها حينما وصلت للطابق الأرضي تبحث بنظراتها عنه أو عن سيارته ولكنه لم يكن موجود.
جلست تبكي بنشيج وتنظر حولها بتيه وهي تهمس.
ابني اخد ابني.
بكت وبكت حتى خارت قواها وسقطت مغشيًا عليها.
وصلت أسما بإرهاقًا تبحث عنها بعيناها، شهقة خرجت من فمها حينما وجدتها بتلك الحالة.
أسرعت إليها.
ليلى.
صرخت بها وهي تحاول إيفاقتها.
نظرت حولها بدموعها تبحث عن أحدهم لكي يساعدها.
أخرجت هاتفها بيد مرتعشة وبحثت عن رقمه.
كان يجلس بالسيارة وقلبه يتمزق ألمًا عليها، وعبراتها التي نزلت على صدره كنيران مشتعلة.
أطبق على جفنيه بقوة آلمته.
أيقظه صوت رنين هاتفه، نظر إليه وجدها أسما.
أغلقه ولم يرد عليها، مرة واثنان حتى فتحه صارخًا.
عايزة إيه متحاوليش، غلطوا انتوا الاتنين ولازم تدفعوا تمن غلطكم، والله لأدفعها تمن اللي عملته غالي، قوليلها.
قطع حديثه وهي تصرخ بالهاتف.
ليلى.. ليلى اغمى عليها، ليلى معرفش أعمل ايه، اروح فين، ليلى.
استمع لصوت أحد الأشخاص بجوارها.
مالها يا آنسة واقعة كدا ليه.
ألقت أسما هاتفها وهي ترجو التي أمامها.
لو سمحتِ ممكن تساعديني، هي مبتردش عليا.
❈-❈-❈
رعشة أصابت قلبه، حتى فقد النطق من صراخ أسما بإسمها.
لحظات مرت عليه كالدهر مردفًا لسائقه.
أرجع للمكان اللي كنا فيه.
اتجه السائق مستديرًا مرة أخرى، نظر للطريق أمامه، وكأنه شعر بطوله حتى انقطع تنفسه، ونيران الذنب تحرق أحشاءه تجاهها، نيران فقط داخل صدره، لو خرجت لأحرقت العالم.
تمنى لو يمتلك جناحين حتى يصل إليها ويطمئن روحه عليها.
وصل أمام المبنى ولكنها لم تكن موجودة.
استمع لبكاء الطفل الذي لم ينقطع.
انتوا فين يا أسما؟
تساءل بها راكان بشفتين مرتجفتين.
أجابته وهي بسيارة الإجرة.
رايحين المستشفى، ليلى مابتفوقش.
تحركت السيارة وهو مازال يحادثها وبكاء الطفل الذي لم ينقطع وكأنه شعر بوالدته.
وصل بعد قليل، حمل الطفل ودلف للداخل يبحث عنهما.
وصل للغرفة التي يتم بها الكشف مثلما قالت له أسما.
وجدها متسطحة على الفراش، والطبيبة تقوم بفحصها.
رفعت نظرتها الطبية وتحدثت بعملية.
هبوط حاد في الدورة الدموية، وقلة غذاء غير الأرق والإجهاد اللي واضح عليها.
اقترب منها بعدما أعطى الطفل لأسما، ثم ثنى جسده وحملها.
صاحت الطبيبة صارخة.
حضرتك دي لازم يتعلق لها محاليل فورًا.
تحرك دون حديث، وهو يوجه نظراته لأسما بالتحرك.
تحركت أسما خلفه بالطفل حتى وصلت لخارج المشفى، وجدت نوح وحمزة بالخارج.
أسرع نوح إليها يجذبها بعنف صارخًا بها.
اركبي حسابنا بعدين.
تلقف الطفل وهي تبتعد وتهز رأسها.
مش هروح معاك في حتة، سمعتني.
أعطى الطفل إلى راكان الذي جلس بالخلف بجوار ليلى وهو يحاوطها بذراع، وحمل الطفل بالذراع الآخر.
تحركت السيارة وهو يضمهما بذراعيه.
نظر لخصلاتها المتمردة بلونها الذي يشبه ظلام الليل.
اكتسح الحزن ملامحه وسقط قناع القوة عن وجهه متنهدًا بألم يمزق روحه.
وضع ذقنه على رأسها التي بأحضانه.
معرفش ليه دايما الحظ معاكسنا ياليلى، تفتكري ربنا بيجازيني على حبي ليكِ.
لامست أنامله وجهها وهو يرسمها بعينيه، ملامح وجهها الذي أبدع الخالق بها، ثغرها المرسوم كعناقيد عنب، ووجهها رغم شحوبه إلا أن به سحر خاص يجذب أعتى الرجال، منحنياتها المفعمة بالأنوثة، وخصرها المنحوت بأنوثيتها كقيثارة رائعة، ناهيك عن عيناها التي تسحره بجاذبيتها.
لامست أنامله وجنتيها التي تشبه التفاح الناضج.
لم يشعر بنفسه وهو يميل بشفتيه يطبع قبلة عليها هامسًا لها.
عايز أعاقبك وقلبي مش قادر، قوليلي أعاقبك إزاي بعد ما عيشتيني أسوأ ساعات في حياتي.
مازال ينظر إليها وإلى عيناها المنغلقة.
كرهت الحب اللي بيضعفني دا، عمري ماكنت ضعيف كدا، لازم تتعاقبي ياليلى مستحيل أسيبك من غير ما أشفي غليلي ووجع قلبي منك.
ضمها يستنشق رائحتها بتلذذ وأكمل.
كان لازم أعاقبك أصلا من الأول، من وقت ما اتنازلتي عن حبي وروحتِ اتجوزتي أخويا، لو عاقبتك وقتها مكنتيش غلطي تاني، بس الصبر حلو، لولا متأكد من حبك ليا كنت خليتك تتمني الموت، أنا هعاقبك بطريقة قلب راكان، ماهو اللي يحب ميستحملش يشوف حبيبه بيتوجع وأنا مش بس بحبك.
همس بجوار أذنها.
أنا بعشقك مولاتي، وعلى قد عشقي على قد عقابي، لازم تتحملي ياليالي القلب.
وصل بعد قليل إلى القصر.
توجهت زينب إلى السيارة سريعا، تهرول بخطواتها ناحية السيارة كطفلة تبلغ من العمر عشر سنوات.
نظرت بداخل السيارة تبحث عن حفيدها.
أمير فين أمير ياراكان.
فتح باب السيارة، وتناولت الطفل تضمه بقلب أم فقدت قرة عينيها.
ياحبيبي يابني، كدا تبعد عن نَاناَ ياأمير.
نظرت للتي مغشيا عليها حينما حملها راكان ودلف بها للداخل، وجد الجميع ينتظرونه بالداخل.
اتجه توفيق صائحا بغضب.
البت دي جبتها ليه؟ البت دي لازم تترمي في مذبلة برة.
توفيق باشا.
صرخ بها راكان، استدار بجسده وهو يحملها.
شكلك نسيت اللي بتتكلم عنها دي بتكون مرات راكان البنداري، اللي بس ينظر لها مجرد نظرة مش تمام أمحيه من على وش الدنيا، حتى لو كان إنت، فابعد عن مراتي.
وزع نظراته على الجميع ثم اتجه بنظره إليها.
اللي أنا شايلها دي مراتي، عارفين يعني إيه مراتي؟ أنا المسؤل بس عليها والولد من يوم ما سليم مات بقى ابني، أي حد عنده كلمة يوفرها لنفسه.
قالها ثم صعد بها بعض الدرجات.
مراتك اللي هربت منك بعد كتب الكتاب بساعتين ياحضرة النايب، طيب قول الكلام دا لحد تاني.
توقف وكأن كلماته ضغطت فوق جرحه المتقيح، فانفلتت أعصابه وصاح بصوت جهوري.
كلمة كمان وهنسى إنك جدي، سكت ابوك يابابا أنا مليش خلق، فهمه إن دي مرات راكان مش سليم.
وصل لجناحها ووضعها على الفراش كقطع من إحدى الجواهر النادرة.
مسد على خصلاتها ثم أمال وطبع قبلة على جبينها.
لازم نتعاقب إحنا الاتنين، إحنا غلطنا وعقابنا الوحيد اللي يوجع نبعد عن بعض.
وضع جبينه فوق جبينها.
بعدك عني أكتر عقاب ليا، شوفتي حبيب بيعاقب نفسه زي كدا، عايزك تتأكدي من حبي ليكِ، نورسين دي متهزش فيا شعرة، عارف ان اللي سمعتيه صعب بس غصب عني حبيبي.
دلت سيلين بالطبيبة، ونظرت للتي تتسطح على الفراش بعينًا حزينة.
الدكتورة جت ياآبيه.
نهض من جوارها وتحرك حينما دلفت والدته بالطفل.
تحرك بجوار والدته، فأمسكت كفيه.
أنا عارفة ان ليلى مش كلمتك، زي ما أنا عارفة ان فيه حاجة كبيرة حصلت خلتها تعمل كدا.
رفعت نظرها وتلاقت بنظراته.
عملت إيه ياراكان خليت مراتك الكل يشمت فيها، اوعى تفتكر أمك عبيطة عشان تصدق مسرحيتك دي.
صمت لثواني يقاوم صرخة عبأت صدره، حاول السيطرة على نفسه حتى لا يغضب والدته.
ماما لو سمحتِ، بلاش تدخلي في علاقتي مع ليلى، اللي بينا هيكون زي ماهو بلاش تحطي في دماغك أكتر من كدا، واعملي حسابك بعد سنوية سليم هتروحي معايا عشان نتمم خطوبتي على نورسين.
قالها وتحرك.
❈-❈-❈
بمزرعة نوح.
حملها وهي تصرخ وتلكمه بصدره.
ابعد عني أنا مش هقعد معاك ولا لحظة ياخاين.
انزلها بهدوء وهو يحاوطها، ودفعها بقوة إلى داخل الغرفة.
تراجعت للخلف وهو يقترب منها حتى اصطدمت بالحائط.
عايز مني إيه يادكتور هو أنا مش قولتلك انتهينا، إحنا انتهينا يابن الكومي.
جذبها بقوة وحاصرها من خصرها بقوة.
دا لما ياخدو عزاي ياحبي، انتِ من يوم ما جيتي على وش الدنيا وانتِ ملك لنوح الكومي، يعني هتعملي عبيطة هعمل مجنون وهطلع عين اللي خلفوا أبوكي هنا، سمعتي يابشمهندسة ولا لا، واجهزي الليلة دخلتنا، ماهو مفيش راجل عاقل يفضل مستني على مراته المدة دي كلها قبل مايدخل عليها.
دفعته بقوة حتى تحررت منه.
دا في أحلامك إن شاء الله يابن الكومي، احلم واتغطى كويس. انت موت يوم ما خنتني وجيت بكل بجاحة تبص في عيني وتاخدني في حضنك وهي ريحتها فيك، وأنا الهبلة العبيطة اللي صدقت كلامك.
اقتربت منه حتى اختلطت أنفاسهما ونظرت لمقلتيه.
أنا بكرهك يانوح، وأعرف اليوم اللي هتلمسني فيه هتكون قتلتني؛ لأنك متستاهلش.
دفعها حتى سقطت على الفراش خلفها وحاوطها بذراعيه.
مين اللي وصلنا لكدا مش إنتِ، مش إنتِ السبب اللي خلاني أروح أتزوج واحدة عديمة الشرف زي دي، مش إنتِ اللي أجبرتيني أسمع كلام أبويا عشان ما يجيش يهد حياتنا، كنتِ منتظرة مني إيه، وأنا بين الست اللي بعشقها وبين طلبات أبويا اللي شرط ياطلقك ويا يكمل جوازي من مراتي التانية، إيه يا آنسة نسيتي يحيى الكومي ممكن يعمل فيكِ إيه، كان لازم أعمل كدا عشان تفضلي في حضني عشان متحرمش منك، وشرطي الوحيد أعمل فرح والناس كلها تعرف إنك مراتي.
شعرت بتمزق بقلبها من كلماته، فهمست له.
يعني قربت منها يانوح، يعني قدرت تقرب من واحدة تانية غير أسما.
انسدلت عبرة عبر وجنتيه ودفن رأسه بصدرها.
غصب عني صدقيني، والله ماشفت غيرك، هي مرة واحدة، كان لازم أحافظ على جوازنا، كان لازم.
قاطعته بشهقات مرتفعة.
اعتدل بعيدا عنها، يعلم ما فعله خطأ، بدا وكأن قلبه يضخ نيران إلى أوردته من صوت بكائها وشهقاتها.
جذبها حتى اعتدلت جالسة، وضمها لأحضانه.
أسما وحياتي بطلي عياط، بتموتيني وحياة نوح عندك بلاش توجعي قلبي أكتر ما هو موجوع.
وضعت رأسها بأحضانه وتحدثت بصوتها الباكي.
تقدر توقف وجع قلبي، تقدر تشفيه يانوح، ياريتني موت ولا سمعت ولا شفتك كدا.
ضمها بقوة لأحضانه كأنها ستهرب منه.
بعد الشر عنك ياقلب نوح، أخرجها يحتضن وجهها بين راحتيه.
أسما أنا بتنفس حبك، مقدرش أبعد عنك، وعد مني عمري ماهعمل حاجة تزعلك تاني.
أشاحت بعينيها بعيدا عنه، أدار وجهها إليه ينظر لمقلتيه، ثم بدأ يرتشف دموعها وهو يتحدث.
سامحي حبيبك، نوح مايقدرش يعيش لحظة واحدة وإنتِ بعيدة عنه.
ارتجفت شفتيها وهمست.
ابعد عني خليني أشفي جراح قلبي الأول يانوح، وبعدها أقرر هقدر أكمل معاك ولا لا.
تنهد بحرقة شديدة ثم وضع جبينه فوق جبينها وأردف.
هشفيلك قلبك ياحبيبتي، هلملم جراحك يا أسما وإنتِ في حضني.
رفع نظر لعيناها.
متبعديش عن حضن نوح يا أسما.
أزالت عبراتها وتحركت متجهة لخرانتها.
لو بتحبني ابعد عني لازم ألملم بقايا روحي اللي باقية بعد ما حرقتني يانوح، لو سمحت بلاش تخليني أوصل لطريقة توجعنا إحنا الاتنين.
صعق من حديثها فنهض مقتربًا منها ثم حاوطها بذراعيه.
هتقدري تبعدي عني يا أسما.
أطبقت على جفنيها حتى لا تضعف من نظراته، ولا رائحته التي تسربت لدواخلها فنزعت نفسها مبتعدة عنه.
والته بظهرها.
انت دلوقتي قدامي الراجل الخاين اللي استباح حبي بدون رحمة، اللي كذب عليا.
استدارت تنظر إليه.
مش شايفاك قدامي غير واحد راجل مخادع وكداب وخاين، فلو سمحت احترم قراري.
تحرك سريعا خارج من الغرفة بخطى متعثرة متجهًا إلى حظيرة الأحصنة ليتمطى حصانه ويتحرك به سريعا وسط الحقول.
أما هي جلست بشرفتها ونظراتها تراقب تحركه، جلست تضم ركبيتها إلى صدرها وذكريات ذاك اليوم الأليم.
فلاش باك.
دلت لمرحاضها وتجهزت بعد وصول العاملة المسؤلة عن تجهيزها لحفل الزفاف.
انتهت من تجميلها بعدما وضعت اللمسات التجميلية الرائعة حتى أصبحت كأميرة.
اتجهت مرتدية فستان زفافها لتكمل زينتها وتصبح الملكة المتوجة المنتظرة فارس أحلامها ليهبط بها إلى حفل الزفاف.
تناولت هاتفها وقامت باتخاذ عدة صور وأرسلتها إلى ليلى ثم رفعت هاتفها.
كانت ليلى تتجهز للتوجه لحفل زفافها.
عروستنا الجميلة إيه الحلى دا كله، خايفة على نوح الليلة، براحة ياقلبي هتغرقي الراجل.
أطلقت ضحكة قائلة.
حلوة بجد ياليلى.
أجابتها ليلى.
قولي ملكة ياحبي، بجد طالعة قمرين، متنزليش لما اوصل، أنا بجهز أهو، مستنية راكان بس بيخلص شوية شغل.
وانتِ كمان ألف مبروك كنتي زي القمر النهاردة، نوح بعتلي صورك.
استندت ليلى برأسها على المقعد وأجابتها وهي تنظر لنفسها بالمرآة.
أنا مكنتش حلوة بفستاني ولا مكياجي، أنا كنت مرتاحة يا أسما، مجرد لما تكوني في حضن حبيبك دي أكبر سعادة لأي ست، شعور الأمان والراحة دا أهم من كنوز الدنيا كلها.
نهضت وهي ترتدي حجابها وأكملت.
لأول مرة أحس بكياني النهاردة، أنا بحب راكان قوي يا أسما.
ابتسمت وأكملت.
وهو كمان طلع بيحبني قوي.
بس إزاي ياهانم تروحي تحكيله كل حاجة.
ابتسمت أسما وأجابتها.
هو جالي وعملي كمين والصراحة شوفت حبه في عينيه ياليلى، راكان فعلا بيحبك، ربنا يبعد عنكم عقارب العيلة دي وخصوصا فرح دي.
ابتسمت ليلى وأجابتها.
خليها تقرب منه كدا، عايزة أقولك راكان جميل قوي في حبه وحنين قوي يا أسما، لما اخدني في حضنه كنت حاسة بأمانه بيحاوطني من الدنيا كلها.
واو لا دا فيها أحضان اوعي يابت تكوني وقعتي من أول حضن وخطف قبلته المجنونة.
وضعت ليلى إبهامها على شفتيها وتذكرت حينما اقترب منها ولامست شفتيه ثغرها لولا وصول سيلين.
اطبقت على جفنيها متنهدة بعشقه فهمست.
ياريت ياختي، ملحقناش.
قهقهت أسما عليها مردفة.
يالهوي الحب ولع في الدرة، دا انتِ حالتك بقت خطر، خايفة أسيبكم مع بعض ساعة.
لا لازم أتدخل.
ضحكت ليلى قائلة.
خليكِ إنتِ بخوفك ياهبلة فيه واحدة عاقلة تفضل متجوزة أكتر من سبع شهور ومتخليش جوزها يقرب منها، يابنتي أنا خايفة يكون عندكم عيب خلقي.
قهقهت أسما وهي ترتدي الإكسسورات الخاصة بها قائلة.
لا متخافيش ياختي، دا من أسبوع كان هيغتصبني، لولا ستر ربنا.
تذكرت شيئا ثم أردفت.
نوح وقتها مكنش طبيعي حسيت فيه حاجة غلط، فكرني باليوم إياه، كان عامل زي المجنون.
تنهدت بألما قائلة.
أنا خايفة ياليلى، كان لازم أتأكد ان حياتنا هتكون مستقرة، ملقيش نفسي حامل ولوحدي في نص الطريق، معرفش اللي عملته صح ولا غلط لكن كان لازم أشوف هينفع نقدر نكمل ولا.
أجابتها ليلى.
حبيبتي أهم حاجة نوح بيحبك، سيبك من كل حاجة وافتكري انه ممكن يهد الدنيا كلها عشانك وبس، هقفل دلوقتي عشان أشوف راكان جهز ولا لا.
طيب حبيبتي وانت كمان انسي كل حاجة وعيشي لحبيبك وبس، راكان بيحبك حافظي عليه.
وقفت أمام المرآة لتنظر لطلتها الأخيرة، استمعت لإشعار رسالة، أمسكت هاتفها وفتحت الرسالة.
هوت على المقعد خلفها وهي تنظر لصورة زوجها وهو بأحضان أخرى ولم تكن سوى زوجته التي تدعى راندا، صور جعلت قلبها ينزف بقسوة، وضعت كفيها على صدرها عندما شعرت بإنسحاب تنفسها، ثم استمعت لرسالة أخرى.
أكيد عارفة ومتأكدة ان دا حبيبك وجوزي، حبيبك قالتها بضحكات مشمئزة.
شوفتي إنك مجرد محطة إعجاب فقط، وأهو دلوقتي معايا، وفي حضني أنا، ومنتظرين بيبي، دي هدية فرحك ياعروسة كان نفسي أحضر وأباركلك بس البيبي تعبني ونوح قالي بلاش الحركة عشان ابننا يجي بالسلامة، أصله هيموت ويشوف ابنه.
قالتها بضحكات صاخبة.
لحظات بل دقائق وهي تجلس بفستان زفافها، ثم نهضت سريعا وقامت بنزعه سريعا وتحركت مغادرة المزرعة بالكامل.
وجدت يحيى يترجل من سيارته بخارج المزرعة توقف أمامها وابتسم بسخرية.
إيه العروسة رايحة تشتري حاجة ولا إيه.
تسمرت بوقفتها وجسدها يرتعش.
اقترب ينظر إليها بإذراء ومقت وتحدثت بجفاء.
أنا سبته يلعب معاكي شوية، كنت عارف انه هيزهق ويروح للي تقدره وتشيل اسمه، وزي ماشفتي أهو زي ما اتوقعت.
لم يرحم حالتها فاقترب حتى لم يفصل بينهما سوى خطوة وتحدث بفحيح.
اعتبرتك بنتي، بس طلعتي شيطانة وبصيتي لفوق انتِ أخرك تكوني خدامة لابني، بصي على قدك يابنت العشري.
رمقته بإحتقار ثم رفعت سبابتها أمامه.
اشبع بابنك، ولا إنت ولا عيلتك كلها تهموني، وحياة كسرة قلبي لأخد حقي منكم.
قالتها وتحركت مستقلة سيارة أجرة ورفعت هاتفها وتحدثت.
ليلى أنا سبت الفرح ومستحيل أرجع تاني ابن خالتك طلع كذاب وخاين أنا بكرهه.
على الجانب الآخر كانت تبكي وأجابتها.
أنا رايحة بيت بابا يا أسما، أنا هربت من راكان، ومعرفش بابا هيعمل إيه ممكن يموت فيها.
ترجلت من السيارة أمام منزل والدها وأردفت.
تعالي لعندي يا أسما مش مركزة في كلامك.
وجدت آسر متجها لمنزل والدها.
خرجت أسما من شرودها على دخول العاملة.
باشمهندسة فيه واحدة برة بتقول مرات الدكتور نوح.
ابتسمت بسخرية وهزت رأسها.
روحي ياسيدة وأنا هخرج لها.
❈-❈-❈
في قصر البنداري.
بعد قليل كان يجلس ينظر إليها من خلال الكاميرا، بعدما قامت الطبيبة بالكشف عليها، توجهت إليه بعدما أخبر العاملة بمقابلتها.
المدام كويسة، هي ضعيفة من قلة الغذا، أنا علقت محاليل، كل تمن ساعات هيتعلق لها محلول، وكمان كتبتلها شوية فيتامينات.
أشار بيديه فخرجت الطبيبة بمساعدة العاملة.
ظل يراقبها من خلال جهازه المحمول.
رجع بجسده يمسح على وجهه بغضب، قاطعه رنين هاتفه.
أيوة يا جاسر، وصلت لمكان أمجد.
زفر جاسر على الجانب الآخر قائلا.
لا لسة، أنا متصل عشان حاجة تانية، زي ما توقعت حاولوا ينزلوا خبر هروب مدام ليلى، بس عز ابن عمي اتعامل ووقف أي خبر مرتبط، وفيه دلوقتي رقابة كاملة منه على الأجهزة.
تنهد راكان وهو يكور قبضته حتى ابيضت فأردف.
جاسر مش عايز أي هوا يعدي عليك، أتصرف وهاتلي أمجد الكلب دا.
راكان أنا فرحي بعد أقل من شهر، يعني هكون مشغول الأيام دي.
تمام يا جاسر أنا هتصرف، ابعتلي عز ابن عمي على النيابة محتاجه في حاجة مهمة.
بعد إغلاقه رجع مرة أخرى لمعذبة قلبه واستمع لهمسها، كانت والدته تجلس بجوارها، فتحت جفونها بتثاقل وهي تتمتم بإسمه.
راكان، ابني.
اتجهت تمسد على خصلاتها.
ليلى حبيبتي حاسة بإيه يابنتي.
فتحت عيناها تنظر حولها.
فين راكان، ابني هو أخد ابني، عايز يحرمني منه.
ضمتها زينب لأحضانها تربت على ظهرها.
ابنك في اوضته هجبهولك حبيبتي اهدي.
بكت بنشيج وهي تتحدث من بين بكائها.
عايز يحرمني من ابني، عايزني اتنازل عنه.
رفعت نظرها بعيناها الباكية وامسكت كف زينب تقبله.
وحياة رحمة سليم ياماما زينب متخلهوش يحرمني من ابني، هو بيحبك وهيسمع كلامك.
ضمتها زينب تربت على ظهرها.
اهدي حبيبتي محدش يقدر ياخد ابنك منك يابنتي.
هزت رأسها كالمجنونة تمسح عبراتها بكفيها حتى نزعت المحلول وانسدلت دماؤها.
لا هو كذاب بيضحك عليكوا، انتوا مخدوعين فيه، أنا عرفت انه عايز ياخد ابني، عايز ينتقم مني مفكرني أنا السبب في موت سليم والله أنا مكنتش اعرف انه عمل حادثة.
بكت زينب على بكائها تمسد على خصلاتها.
حبيبتي اهدي مفيش حد هيقربلك، وأنا هقف إلى راكان لو قرب منك.
تراجعت تضم ركبتيها إلى صدرها تهز رأسها.
لا دا محدش بيقدر عليه، ضحك عليا لحد ما اتجوزني، عشان يعرف يتحكم فيا وياخد الولد، لا هو طلع ذبالة قوي.
صعق من حديثها المؤذي لقلبه، ارتجفت أوصاله من الخوف على حالتها، ابتلع ريقه بصعوبة محاولا إخفاء زعره حينما وجد الدم ينسدل من كفيها.
ظل ينظر إليها وإلى ملامحها التي بهتت بالكامل.
ماما زينب لو بتحبيني زي مابتقولي خليه يطلقني ويسبني أمشي بالولد من هنا.
نظرت إليها زينب بحزن قائلة.
وتحرميني من حفيدي ياليلى، يرضيكي يابنتي تحرميني من ريحة سليم.
شهقات مرتفعة وهي تهز رأسها رافضة.
مش هقدر أعيش معاه في مكان واحد، دا واحد خاين، أنا مكرهتش قده بحياتي كلها.
قالتها بشفتين مرتعشتين.
تنهد بألمًا واضعًا رأسه بين كفيه ينظر بعتاب على صورتها بشاشته وأغرقت عيناه بالدموع قائلا بصوت يملئه الألم.
دا حبك ليا ياليلى، من موقف مسحتيني وبتوجع فيا، لسة عايزة إيه كل مرة بتدبحي فيا.
رفع أنامله يلمس صورتها.
حسابك تقل قوي ياقلب راكان، وكل ماحبي بيزيد كل ما عقابنا بالبعد بيزيد، أغلطي واعملي اللي تعمليه، بس مش هنولهم اللي عايزينه، هيجي وقتنا ونشفي بعض.
بعد فترة صعد لغرفتها دفع الباب وهو يرمقها بإزدراء ثم نظر لوالدته.
ممنوع تطلعي من أوضتها من غير إذني، الولد يجي لها بمواعيد رضاعته، ماينامش هنا.
نهضت سريعا وهجمت عليه تلكمه بصدره ورفعت كفيها تمزق وجهه بأظافرها.
انت مين عشان تتحكم فيا، مفكر نفسك إيه.
جذبها بقوة حتى اصطدم ظهرها بصدره وهمس بأذنيها.
أنا قدرك ونصيبك الحلو.
لكزته بكوعها ببطنه متألما.
انت أحقر إنسان قابلته في حياتي.
نهضت زينب عندما تحولت نظرات إبنها لهيبًا من النيران.
ابعد عنها ياراكان.
اتجه بنظره لوالدته قائلا.
سبيني مع مراتي شوية ياماما لو سمحتِ.
صاحت زينب بغضب قائلة.
أنا بقولك سيب ليلى ياراكان، إيه ياحضرة النايب مش هتسمع كلام أمك.
بصعوبة حاول السيطرة على نفسه وتحدث.
وأنا بقولك سبيني مع مراتي ياماما لو سمحتِ.
نظرت زينب لليلى المنكمشة بأحضانه ولنظرات أبنها النارية، فاقتربت تجذبه.
حبيبي سيبها وأنا هقعد معاها.
ماما صاح بها بغضب وتحدث.
قولت سبيني مع مراتي ياإما هاخدها مكان تاني وأحاسبها.
هزت ليلى رأسها عندما وجدت نظرات زينب المشتتة بينهما.
متسبنيش معاه لو سمحتِ.
نظرت لأبنها فطالعها بجمود.
إيه خايفة عليها مني، هو أنا في نظرك حقير زي ما هي قالت.
هزت زينب رأسها.
لا ياحبيبي، انت سيدي الرجالة كلهم، بس سبها ياابني، عشان خاطر أمك.
ابتعد بنظراته عنها وتحدث.
خاطرك في قلبي ياست الكل، بس عايز أقعد مع مراتي شوية إيه مش من حقي.
ربتت على كتفه ثم نظرت لليلى وأردفت.
وحياتي عندك براحة عليها.
قالتها وتحركت للخارج.
مازال محاوطها بذراعيه، ارتجف جسدها وهي بأحضانه، نزل برأسه يهمس إليها.
اشجي جوزك وعرفيه يامحترمة إزاي تهربي منه وترجعي تقولي عليه حقير.
لمس خديها بشفتيه وهو يهمس بجوار أذنيها.
عرفي حبيبك الحقير إزاي لجأتي لراجل من شهر كان جاي يوقف قدامي بكل بجاحة ويقول أنا بحب حبيبتك وعايز أتجوزها، قولي لجوزك يامحترمة إزاي تهربي منه وتروحي تقعدي في شقة واحد غريب ليلة كاملة وهو هنا زي المجنون بعد ما عرف بهروب أمجد.
صاعقة شلت حركتها وهي بأحضانه بعدما علمت بهروب أمجد.
رفعت رأسها إليه وتحدثت بصوت متقطع.
أمجد هرب، يعني هو برة السجن دلوقتي.
نظر لعيناها وشعور مقيت يجعل دقاته تتقاذف بين ضلوعه في حرب طاحنة تهلك أنفاسه من قربها المؤذي لقلبه ورائحتها التي غيبت عقله للحظات مطبقًا على جفنيه لينعم بصوتها الدافئ رغم بكائها ونفورها منه، فتح عيناه حينما استمع لهمسها.
أمجد ممكن يقتلني ويخطف ابني صح.
هنا توقفت عقارب الساعة وهو يرى ذعرها عليه حينما استدارت بجسدها إليه، ثم تذكرت ما استمعت إليه.
انت عايز مني إيه، يعني اتجوزتني عشان أحميني من أمجد، ولا عشان إيه.
تركها بغتة بشكل عنيف كهجومها الضاري منذ لحظات عليه ثم تراجع بخطوة للخلف يضع كفيه بجيب بنطاله وقام بإشعال سيجاره.
اتتجوزتك عشان أحمي ابن أخويا، ماهو مش معقول أسيبك تاخديه وتمشي من البيت دا وتجبيله جوز أم يتحكم فيه.
إزداد الغضب بداخلها حتى تشكلت غصة مريرة جعلتها عاجزة عن التنفس فهوت ساقطة على المقعد.
يعني كلامك ليا كان كله كدب.
جلس واضع ساق فوق الأخرى وتحدث.
أنا مكذبتش عليكِ، انت كنتِ عارفة ان نورسين خطيبتي وقولتلك الكلام دا، أما لو قصدك ليه قولتلك سبتها فدا عشان أضمن موافقتك، مش بيقولوا الخدعة في الحب والحرب.
ارتسم تعبير مندهش ممزوج بالغضب فهمست.
حب وحرب.
رفعت نظرها لمقلتيه ترمقه بإحتقار.
فين الحب دا، انت دبحتني.
نصب عوده واقترب يحاوط مقعدها.
ماهو إنتِ دبحتيني قبل كدا، نسيتي عملتي إيه، رغم إنك عرفتي بحبي روحتي بكل جبروت كملتي جوازك بأخويا.
اتجه بنظره لفراشها وسرت النيران بداخل صدره حتى شعر بها تحرق أحشاءه فتلونت حدقتاه باللون الأحمر وهو يشير على الفراش.
هنا كنتِ بتنامي في حضنه، ووراكي بحيطة أنا كنت بموت من الألم.
هنا دقاته كانت بتنبض بحبك وكلامه المعسول وأنا وراكي دقاتي بتنبض بنار بتكوي قلبي وأنا بتخيلكوا مع بعض.
ضغط على فكها بقوة وأردف كالمجنون.
قولتليه بتحبيه مش كدا، انسدلت عبرة وهو يكمل بما شطر قلبه.
قولتيله زي ماقولتلي كدا، ردي يامدام، اتوجعتي زي ما اتوجعت، أنا كان قلبي بينزف وانت بتسمعي بحب أخويا.
نظر لعيناها التي توسعت من كلماته ببكائها وشفتيها المرتجفة بالخوف، فأنقض يقبلها بعنف حتى أدمى شفتيها، ثم تركها وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة، فرفعها بقوة حتى نهضت وأصبحت بأحضانه ولم تقو على الحديث كأن الذي أمامها شخص لا تعرفه.
رفعت أناملها تمسح الدماء من شفتيها.
دنى ينظر لتورمها فرمقها بنظرات جحيميه، ووضع إبهامه يتحسس شفتيها بقسوة.
إيه بتوجعك، ولا مش متحملة ألمسك، متخافيش مبحبش المستعمل، أنا كنت بحاول أزيل آثار سليم من عليها، عشان وقت مايجيلي مزاج مايكونش عليها حاجة من أثاره.
أظلمت عيناه وارتسم بها نظرة جوفاء قاسية.
عايزة نتحاسب، ماشي يامدام، هنتاحسب وكل واحد هياخد حقه، بس متنسيش حسابي هيكون صعب يارب تتحمليه.
ودلوقتي عايزة تعيشي بأمان مع ابنك اياكِ، ثم إياكِ تخطي خطوة واحدة بدون علمي، بلاش أقولك أعدائي في كل مكان حتى في البيت دا، ياريت تكوني عاقلة وتحافظي على نفسك وابنك.
قالها وخرج بعد يومين بكلية الهندسة، خرجت درة تبحث عن سيلين وجدتها تقف بجوار شخص ما.
وصلت إليها.
سيلين ممكن لحظة.
استدارت سيلين وهي تنظر لذاك الشخص.
بعد إذنك يافريد.
هز رأسه وتحدث.
طيب همشي وبكرة هنزوركم باي.
قالها ذاك الشاب متحركًا.
اتجهت إلى درة التي تقف بجوار البوابة الرئيسية.
فيه إيه يابنتي، مالك.
سحبتها متجه للكافتريا.
ليلى عاملة إيه، وراكان عمل معاها حاجة.
ربتت سيلين على كفيها قائلة.
والله يابنتي ليلى زي الفل، وفيكي تيجي معايا عشان تشوفيها كمان.
نهضت قائلة.
ياله هموت وأعرف إيه اللي حصل معاها.
خرجت من البوابة بجوار سيلين قطع يونس طريقهما بسيارته.
باشمهندسة درة اذيك.
أومأت برأسها وأجابته.
الحمد لله يادكتور.
أشار على وصول حمزة قائلا.
المتر وصل، شكله عاملك مفاجأة.
اتجهت إلى سيلين قائلة.
طيب ياسيلي، هخلي حمزة يوصلني، وآه بكرة كتب كتابي انتِ أول واحدة تعرفي هستناكي.
ثم ترجلت من السيارة.
رمقتها سيلين قائلة.
مكنتش عايزة تطمني على اختك يابنتي.
تحركت وهي تلوح بيديها.
حمزة هيوصلني، باي حبيبتي.
استقل يونس بجوارها وأردف هو ينظر أمامه.
أمشي بتبصيلي ليه كدا ليه.
رفعت سبابتها أمام وجهه قائلة.
انزل مش عايزة أتكلم معاك.
أردف بحركة مسرحية.
يالهوي دكتور زي القمر كدا ينطرد من العربية.
وصلت سارة وسلمى إليهما.
وأنا بقول الجامعة منورة ليه؛ عشان دكتور يونس موجود عندنا يابشر.
قالتها سلمى بإبتسامة.
ترجل من السيارة يوزع نظراته بينهما.
إيه اللي مقعدكم لحد دلوقتي في الكلية، مش المفروض تكونوا خلصتوا من ساعتين.
أردفت سارة سريعا.
كنا مستنين سيلين عشان نروح.
استمع يونس لزمور سيارة حمزة يلوح بيديه متحركًا أمامهم.
اتجهت سلمى إليه بنظرات حزينة، كانت سارة تراقب نظراتها الحزينة لحمزة فهمست إليها.
اصبري وهخليه يرجعلك زاحف.
رفعت سلمى عيناها قائلة.
بجد ياسارة.
ضمتها سارة بخبث وأجابتها.
بجد ياقلبي، هي البت المعصعصة دي احسن منك ياعبيطة، دا بيفرسك مش أكتر انا شوفت نظراته عليكِ هتاكلك ياعبيطة.
ابتسمت سلمى وهي تنظر إلى يونس الذي يتحدث بهاتفه بجوار سيلين.
وصلت إليه.
قولها أهي ياراكان.
امسكت الفون بعدما ناولها هاتفه.
أيوة ياراكان.
كان يجلس بمكتبه بالنيابة.
سيلين اقعدي واسمعي يونس، وأنا معاكي في أي قرار لازم تسمعيه حبيبتي وشوفي أعذاره.
أجابته وهي تنظر إلى يونس.
مفيش بينا كلام حبيبي، خلاص انتهينا مفيش كلام يتقال وأنا لسة عند رأيى وفيه شخص هيكلمك النهاردة.
قالتها واغلقت الهاتف وتحركت بسيارتها بعدما ألقت الهاتف تنظر إلى سارة التي تقف بمقربة منه قائلة.
لمي خطيبك ياسارة شكلك مش مكفياه.
ثم تحركت سريعا بسيارتها.
انتفض يونس واخذ هاتفه وهرول إلى سيارته حتى يلحق بها تاركًا سلمى وسارة.
عقدت سارة ذراعيها تنظر إلى سلمى.
شوفتي اخوكي عمل إيه، يعني إجازته النهاردة كانت عشان البت دي.
سحبتها سلمى متجهة إلى سيارتها.
تعالي بس وهنشوف هنعمل إيه فيها.
مساء عاد راكان لقصره، دلف للداخل ولكنه تسمر بوقوفه وهو يستمع لحديث جده مع والده.
إحنا ممكن نعملها قضية إهمال وناخد منها الولد، دي ممكن نوديها ورا الشمس وعرفت ان أبوها بيودع مش مستحمل غسيل الكلى.
تحرك سريعا متجهًا للداخل هو يرمق جده بإذراء.
هي مين دي اللي عايز يعملها قضية.
بقولك إيه ياتوفيق أنا جبت آخري منك، وبحاول أتحمل وجودك عشان خاطر أبويا.
اتجه بنظره لوالده.
قولي هتفضل ساكت لحد إمتى، قولي هتسيبه لحد إمتى، لحد ما يموت حد تاني.
اقترب وصرخ بصوت ذلذل المكان حتى وصل صوته لليلى الجالسة بغرفة إبنها.
سليم لسة مكملش سنة، الدور على مين قولي، أنا مش هسكتلك تاني ياتوفيق باشا، واللي يقرب من مراتي وابن أخويا هدفنه حتى لو كان الحد دا إنت.
تحرك بعض الخطوات ثم استدار بجسده قائلا.
شيل الولد اللي رميه قدام أختي ياتوفيق، متخلنيش أجبهولك في شوال.
نهض توفيق ووقف أمامه.
ابعد بنت الشوارع عن حفيدي، يونس لو مكتبش على سارة هدفن اللي بتقول عليها أختك دي، اللي بعدني عنها الفترة اللي فاتت موت سليم، ودلوقتي فوقت لها، يونس هيتجوز سارة ودا آخر كلام، وانت هتكتب على عاليا لما بنت عمتك ترجع من السفر ودا آخر كلام يابن أسعد.
قهقه راكان قهقهات مرتفعة على غير شخصيته وهو ينفض بدلة جده قائلا.
بتهدد مين جدي العزيز، مين على مين رايح فين.
قالها وتحرك وهو مازال يطلق ضحكاته قائلا.
يونس يتجوز سارة وأنا مالي لا والجنان بيحكم عليا اتجوز عاليا.
توقفت سيلين أمامه ببكاء وتحدثت بصوت مرتفع.
قول لجدي يشبع بحفيده، أنا مش هتجوز أشباه رجال، سيلين يوم ما تتجوز هتتجوز واحد راجل زي أخوها.
سحبها راكان لأحضانه وارتفعت ضحكاته قائلا.
سمعت ياتوفيق باشا، اشبع بحفيدك.
بعد أسبوع وهو يبتعد عنها يراقبها من خلال شاشة حاسوبه.
نهض متحركًا للأعلى.
دفع الباب ودلف للداخل، كانت تخرج من مرحاضها بثياب الحمام الخاصة (البورنس) تفاجأت بوجوده بالغرفة، زفرت بضيق، ولم تعره اهتمام، ضمت ثيابها ودلفت إلى غرفة الملابس؛ لترتدي شيئا مناسبًا، دلف خلفها.
استدارت غاضبة.
مين ادالك الحق تدخل كدا، دي أوضتي أنا، وياريت تحترم نفسك وتطلع برة عايزة أغير هدومي.
اقترب منها حتى حاوطها بذراعيه على الجدار، اختل توازنها من رائحته وشعرت بدوار قلبها وراسها في آن واحد.
متقربش مني، أنا مش من جواريك، واوعى تفكر عقد الجواز دا بيربط بينا حاجة، أنا سمعت كلامك وقعدت هنا عشان أحمي ابني وبس.
كانت ملامحه ثابتة جامدة على عكس دواخله التي اضطربت من رائحتها المسكرة لرئتيه، حتى أصبح مدمن.
سحب نفسًا طويل وخرج من رئتيه متحررًا من نيرانه المشتعلة، طالعها بنظرات ثاقبة فالتوى على ثغره ابتسامة ماكرة.
أنا جاي أساعدك، شايفك طول الليل سهرانه فقولت أساعدك في هدومك يعني ممكن تعتبريني زي جوزك.
ثورة حارقة اندلعت من عيناها وأشارت بيديها.
اطلع برة وإياك تقرب من الباب دا.
قالتها وصدرها يعلو ويهبط بطريقة ملفتة للنظر.
حدجها بنظرات ثاقبة وهو يطالع هبوط وارتفاع صدرها؛ حتى انفتح جزء من البورنس وظهر معظم صدرها أمامه بإنتشاء.
دنى وهو يقترب منها ناسيا كل ما صار بينهما، ونزل برأسه لعنقها، فدفعته صارخة بوجهها.
إياك تقرب مني تاني، إيه وصلت بيك البجاحة تقرب مني من غير إذني.
طالعها بنظراته التي أرعبتها مما جعلها تتراجع للخلف وبعينيه نيران جحيميه لو وصلت إليها لأحرقتها.
جذبها من خصرها بقوة، حتى ارتطمت بصدره العريض، وضغط بقوة آلمتها فهمس بفحيح أفعى.
أنا مكنش ليا مزاج، فدلوقتي فتحتي نفسي اجهزي عشان هتنامي في جناحي.
جذب خصلاتها يستنشقها ثم تحدث.
غيري الريحة دي محبتهاش، بعد شوية هبعتلك الروايح اللي بحبها.
اتسعت عيناها متلألئة بالدموع ثم تحدثت كقطة شرسة.
اعرف قبل ما تقرب مني هحرق جسمي دا، أبعد عني أنا هنا عشان ابني وبس.
جذبها من خصلاتها وهمس لها.
لا يامدام وعشان جوزك، انتِ هنا عشان مزاجي وقت ما يجيلي نفس.
رجع بجسده خطوة يدقق النظر بها قائلا.
مش حرام تحرقيه من غير ما استمتع بيه.
لم تتحمل المزيد من قسوة كلماته إليها.
فخطت متجهة إليه ونظرت إليه بإزدراء.
بان على حقيقتك، هستنى من واحد نسونجي إيه، واحد مش شايف الستات غير سلعة في السرير وبس.
طعنته بخنجر بارد غرزته، ابتلع كلماتها فحاوطها بذراعيه هامسًا أمام شفتيها حتى لامسها قائلا.
من أسبوع كنتِ بتموتي في اللي مش عجبك وتتمني بس يقرب منك حتى لو بلمسة.
قالها وهو يلمس شفتيها بأنامله.
دفعته بقوة، فقد كانت كلماته كزجاج يشحذ صدرها دون رحمة، فرفعت نظرها إليه وخط من الدموع بعينيها قائلة.
عادي مش جوزي، ما أنا قولت لسليم الله يرحمه كدا، دنت وحاوطت عنقه ترفع نفسها حتى تصل لمستواه ونظرت لداخل عيناه.
وكمان كان بينا أكتر من كدا، لما أحس إنك تستاهل زي حبيبي سليم وقتها هقولك أكتر من اللي سمعته ياحضرة المستشار.
أشعلت كلماتها جحيم غضبه، والذي تجلى بعينيه وتحولت لإحمرار داكن وملامحه التي اكفهرت فباتت مرعبة، لم يشعر بنفسه وهو يجذبها من رباط البورنس الذي ترتديه؛ ليصبح جسدها مكشوفًا أمامه بالكامل قائلا بصوت كالذي مسه مسا جنونيًا.
لا عايز أعرف دلوقتي مراتي كانت بتقول وبتعمل إيه، ياله اشجي جوزك وحبيبك يامحترمة.
ضمت ثيابها تصرخ بوجهه.
إياك تقرب مني.
دفعه بقوة على الفراش، انسدلت عبراتها بقوة.
حاوطها بذراعيه ونظر بجمود لمقلتيها.
تفتكري من طبيعتي أقرب من واحدة غصب عنها، وخاصة أنها متهزنيش حتى، لا وعايزة تحرق جسمها.
حاوط جسدها بذراعيه، ثم رفع نظره بسخرية ينظر لجسدها المكشوف أمامه.
واحدة بتقول لجوزها لو قربت هولع في نفسي، تفتكري دي ممكن يتقال عليها إيه، غير إنها واحدة مستعملة قبل كدا.
رفع نظره يرمقها بسخرية مشيرا إليها.
مفيش ست قابلتها إلا واتمنت قربي حتى إنتِ.
قبضة قوية اعتصرت قلبها حتى شعرت بنيران تكوي قلبها.
رمقها بملامح متهكمة، ثم اعتدل وتحرك للخارج.
جلست بمكانها بعد خروجه، وكأن جسدها شُل بالكامل، استمعت إلى رنين هاتفها، تحركت متجهة إليه.
أيوة يادرة.
أستمعت لبكائها.
ليلى بابا تعبان قوي، أنا مش قادرة أتحمل آلامه كل مرة.
جلست متهاوية على فراشها، ودموعها مترقرقة بعيناها.
ليلى لازم بابا يزرع كلى.
أنا فكرت نبيع البيت، بس البيت مش هيجيب سعر العملية حتى.
تنهدت بألمًا ثم تحدثت.
هفكر يادرة يمكن آسر يدينا مبلغ ولا حاجة.
قاطعتها درة قائلة.
حمزة قالي مستعد يسفره بره ويعمل العملية.
نهضت ليلى متجهة لشرفتها حينما شعرت بإختناقها فأردفت.
لا بلاش، حمزة مهما كان لسة خطيبك، يومين واقولك نعمل إيه، هجي بكرة وأشوف هنعمل إيه.
بعد شهرين دلف إلى جناحها وجدها تقوم بإرضاع إبنها.
وضعت الولد سريعا ونظرت إليه بغضب.
إيه تور هايج، نفسي أحس أنك محترم مرة واحدة.
تحركت غاضبة إلى الباب.
دا عاملينه عشان كدا.
ثم طرقت على الباب.
حمل الولد يقبله.
امك دي مجنونة، محدش قالها الباب دا عشان يسد الهوا ومتبردش.
جذبت الولد من يديه تضمه.
متحاولش تقرب من الولد تاني، هموتك لو حاولت تقرب منه.
أحرقته تلك المرأة بعنفوانها وجبروتها، حتى شعر بأنه عدوها وليس حبيبها.
أشارت بسبابتها للولد وهتفت.
دا أمير سليم البنداري اللي ليا الشرف كنت مراته وبقيت مستعملة ياحضرة النايب من واحد محترم مش واحد نسونجي كذاب مخادع.
أشعلت بجوفه عاصفة غضب هوجاء أوشكت أن تقضي عليه، فاقترب منها بعينين ارتسم بها الجنون وانفاسًا لاهثة جعلتها تتراجع للخلف.
مبروك يامدام أنا جاي أقولك النهاردة خطوبتي على نورسين، بما إنك ضرتها فحبيت تعرفي مش أكتر، عشان مترجعيش تقولي خبيت عليا، ومتخافيش قريبًا هتسمعي أخبار حلوة وهجيب لأمير أميرة تشغل قلبه.
صاعقة أصابت قلبها حتى شعرت بسيقانها لم تحملنها فهوت على المقعد تهز رأسها رافضة حديثه بعدما دققت بمقلتيها لهيئته الجاذبة وبدلته وكأنه عريس يوم زفافه.
تفشى الخوف بأوردتها من جموده، حتى صارت ترتجف وعبراتها تنهمر بغزارة على وجنتيها.
لو يعلم كم آلمها هذا الشعور والذي يعتبر كسكين باتر ينحر قلبها ببطء شديد فأغمضت عيناه بقوة تحاول أخذ أنفاسها التي سلبها منها وتحدثت بصوت متقطع.
بس إنت كدا بتموتني ياراكان أنا لحد دلوقتي كنت بكذب كل حاجة.
بس كدا إنت بدوس على قلبي بدون رحمة.
نفث تبغه الذي قام بإشعاله، وكأنه لم يستمع إليها ولا يرى حالتها المزرية، بسبب ما قالته عن علاقاتها بسليم وجرح كبريائه، ورجولته، فلقد حولته لرجل وكأن قلبه خرج عن جسده وأصبح إحساسه بغيره إحساس معدوم لدى شخص دفعته الحياة دائما بغيبات الجب تجه بعينيه التي أظلمت كظلمات البحر وتحدث.
إنتِ عندك حق، لازم تفضلي على ذكرى جوزك المحترم، إنما راكان دا حقير، ميستهلش الأميرة ليلى.
نهضت تقف أمامه تهمس بصوت متقطع.
إنت اتجوزتني وقولت مش هتعمل حاجة تزعلني وزعلتني، ضحكت عليا.
مدت يديها تمسك كفيه.
راكان متعملش فيا كدا، متخلنيش أكرهك لو سمحت.
أزال دموعها التي انسدلت عبر وجنتيها.
مفيش وقت للندم دلوقتي، للأسف وأحمدي ربنا أن لسة فيا عقل وواقف بكلمك بهدوء، إنت وجعتيني كتيير قوي ياليلى، لدرجة خليتني شخص بأذي اللي حواليا.
دنى منها ونظراتها الراجية إليه وبصعوبة كمم صراخ قلبه كأنه شخص آخر لأول مرة تراه فتحدث.
لازم نتعاقب على غلطنا، لازم نتحرم من بعض إنتِ دايما شايفاني إنسان وحش، وأنا دايما شايف أخويا فيكي، نصيبنا ولازم نرضى بيه و.
مفيش طريق هيجمعنا تاني، الطرق افترقت وبأيدينا إحنا الاتنين، إنتِ هتفضلي هنا زي ما أنت.
حاولت سبل أغوار عقلها ولكنها لم تستطع، فوصلت تلكمه بصدره.
انت ايه مش معقول يكون عندك قلب، أنا بكرهك سمعت أنا بكرهك.
حاوطها بقوة حتى يسيطر على جنونها قائلا.
اهدي ياليلى، انتِ كمان مبقتيش تعنيلي سمعتي ولا لا.
هزة عنيفة أصابت جسدها حتى شعرت بإنشطار قلبها فتراجعت للخلف تنظر إليه بذهول وهو يتحدث.
تقدري تقولي كنتِ عاملة زي جرعة الهيروين اللي المدمن كان بيعتبرها إنقاذه من الحياة، لكن فاق بعد ما اتعالج وبقى أكتر حاجة يكرهها إن يسمع عن سيرته ويتمنى لو يحرق كل ماهو له علاقة بالمخدرات.
❈-❈-❈
توسعت بؤبوتها مشدوهة وهي تهز رأسها رافضة ما تسمعه منه.
لم تستطع أن تصمت على سحق كبريائها فاستدارت له وضمت وجهه بين راحتيها ولم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع نفسها وتقتنص قبلة من شفتيه.
لحظات لم يستوعب ماذا فعلت ولم تصمت على ذلك بل همست أمام شفتيه وهي تضع يديها على صدره موضع قلبه.
إياك تفتكر إن دا ينبض لغيري.
رفعت أناملها ملمسة شفتيه ونظرت لمقلتيه.
أنا مش غبية وعارفة أنت بتعمل كدا ردا لكرامتك.
كان يقاومها بشدة عندما شعر إنها بدأت تسيطر عليه مرة أخرى وتتسرب إلى داخله دون أن يشعر.
فرفعها من خصرها على حين غرة وهمس قائلا.
إنتِ ليلى مرات سليم المحترم، وممكن نقول وحبيبة قلبي ساعات اللي كل شوية مفيش غير الموسيقى اللي حفاظها بكرهك بكرهك، بس هي هتكون مراتي داخل حضني.
اقترب حتى طبع قبلة سطحية على شفتيها.
لكمته بقوة ونزعت نفسها منه تمسح شفتيها بعنف.
اطلع برة، مش عايزة أسمع صوتك ولا أشوفك قدامي.
وضع يديه بجيب بنطاله واستدار.
لو عايزة تيجي الحفلة معنديش مانع بس طبعًا هتدخلي الحفلة على إنك أرملة سليم مش أكتر.
قالها وخرج سريعًا.
بعد ساعتين وهي جالسة بمكانها لا تشعر سوى بإحتراق قلبها، وتخيلها ابتسامته وقربه لتلك الشمطاء.
دلت زينب تنظر إليها بحزن وتذكرت منذ عدة ساعات بعدما دلف راكان إليها.
ماما اجهزي عشان هنتحرك بعد ساعتين.
نهضت تقف أمامه.
لسة مُصر يابني تخطب البنت دي، أنا مش برتحلها، مالها ليلى ياحبيبي والله البنت زي الفل.
استدر وهو يطبق على جفنيه مكور قبضته.
معلش ياماما ريحيني، أنا ريحتك قبل كدا، الدور عليكي تريحيني، بابا وافق واتكلمنا في الموضوع دا واقتنع، واتمنى انتِ كمان تقتنعي.
أومأت برأسها وأردفت.
هروح ياراكان، بس بشرط ليلى هتيجي معايا.
جحظت عيناه بذهول.
أكيد بتهزري ياماما، عايزة ليلى تحضر الخطوبة.
جلست وتحدثت.
دا شرطي الوحيد.
تحرك متجها للخارج قائلا.
يبقى مفيش داعي لوجودك ياماما.
تمام يابني، بس من حق مراتك تعرف ياراجل القانون، لو فعلا تعرف الحق.
تنهدت وهي تنظر لليلى التي تجلس بتظر بنقطة وهمية.
راكان قالك راح يخطب.
نهضت وتصنعت ترتيب الغرفة.
ميهمنيش يخطب ولا يتجوز، أنا هنا عشان ابني وبس.
نهضت زينب تقف أمامها ودققت النظر لمقلتيها.
طيب اسمعي اللي هقوله وافهميه كويس بدل عقلك مش عايز يشتغل.
راكان مجروح وينتقم منك، ماهو مفيش راجل يتحمل مراته تروح بيت الراجل اللي وقف قدامه وقال بيحبها.
تنهدت ثم سحبتها وأجلستها.
بصي ياليلى أنا خسرت واحد ومش ناوية أخسر التاني، من الآخر كدا عايزة أقولك توفيق بيلف عشان يتمم الجوازة دي بأسرع وقت، وأنا بقولك ان لو الجوازة دي تمت مش هتخسري جوزك بس لا هتخسري ابنك، لازم تدافعي على ابنك قبل جوزك، متخليش حتة البت دي تفوز عليكي، وتاخد جوزك وابنك وانتِ واقفة تتفرجي، ليلى اللي أسمعت عنها قوية مش ضعيفة.
وبراحتك في الأول والآخر.
أشار على حقيبة على الفراش.
دا فستان بعت جبته واتمنى يطلع مظبوط، اجهزي عشان تروحي تباركي لخطيبة جوزك وعينك في عينها وتفهميها إنك الأقوى.
دنت منها ورفعت ذقنها تنظر لعيناها.
راكان بيحبك، وشوفي الراجل لما بيحب بيغير ونار الغيرة بتولع في قلبه، يارب تكوني فهمتي انتِ ساكنة روحه ومهما يعمل ويداري ميقدرش يخبي، مجرد كلمة منك هتهدي ناره اللي بأيدك ولعتيها، ياريت يابنتي متخليش شيطانك يسيطر عليكِ، أنا معرفش ليه بيعمل كدا، بس اللي متأكدة منه وراه حاجة.
ليلى خدي حقك وانت راسك مرفوعة مش محبوسة بين أربع حيطان، عايزة أعرفك إنك أقوى حتى من راكان؛ متنسيش انك ام حفيد البندارية.
تحركت حتى وصلت لدى الباب واستدارت.
اجهزي عايزة أشوف الباشمهندسة ليلى راكان البنداري هتعمل إيه في الحفلة الديكور دي.
قالتها زينب وخرجت.
ظلت لعدة دقائق ثم نهضت سريعا ورفعت الهاتف.
أسما فين نوح.
أجابتها أسما.
راكان جه أخده ومش من شوية.
طيب اسمعيني كويس ونفذي اللي هقوله.
بعد قليل وصلت للمكان الذي يقام به الحفل، بصحبة زينب وأسما وسيلين، كان حفلا ضيقا سوى من بعض الأشخاص المقربون للعائلتين، ترجلت زينب أولا وبجوارها أسما وليلى نظرت بإبتسامة لليلى قائلة.
أنا كنت حالفة ما أحضر الحفلة دي.
ابتسمت لها وتحدثت.
أنا بحبك قوي ياماما زينب، ربنا يخليكِ ليا.
ربتت على ظهرها تنظر لفستانها، وأردفت.
هتدخلي دلوقتي وراسك مرفوعة قدام الكل، وعايزة تعملي اللي اتفقنا عليه مش هو بيقولك مش بيحب المستعملين، خليه يلف حوالين نفسه.
ابتسمت أسما قائلة.
كفاية عليكِ ماما زينب ياليلى، وامشي وراها وهتتاكدي ان حضرة المستشار بيحبك ياهبلة، موضوع نورسين دا ردا لكرامته مش أكتر.
اتجهت زينب لأسما قائلة.
وانت كمان ياهبلة خليتهم يلعبوا بيكِ الكرة بعد الحفلة لينا قاعدة مع بعض.
امشوا قال مهندسين دا انتوا اخركم قفص طماطم تعملوه صلصة.
ضحكوا على كلمات زينب ثم تحركوا.
تحركت زينب بجوار سيلين واشارت بيديها لليلى.
يالة ادخلي وخليكي قوية مفيش حاجة تهزك.
دلت الحفل بجوار أسما بفستانها الأسود، وحجابها الأبيض الذي أظهر جمالها بسخاء، كان يقف بجوار جاسر يتحدث معه في بعض الأمور.
قطع تركيزه همهمات حوله، استدار خلفه حتى يرى لمن هذه الأنظار، وإذ به يتجمد بوقوفه، كور قبضته، ثم التفت إلى نوح الذي تحرك سريعًا نحوهم، تحركت هي بإتجاه ولم تستمع لتحذيرات نوح حتى وصلت ووقفت بجواره مبتسمة.
مساء الخير.
قالتها وهي توجه نظراتها إلى جاسر ويونس، متجاهلة صدمته بوجودها.
بسط يونس يديه وهو يطلق ضحكة من شفتيه ثم غمز إلى راكان.
مساء الجمال ياسيدة الحفل والقصر كله.
معاكي يونس البنداري، خمسة وتلاتين سنة، عازب، دكتور ستات محترم خبرة سبع سنين، قيصري وطبيعي وكمان تأخير إنجاب.
ابتسمت على كلماته، ثم تحدثت بعدما شعرت بنيران تحرق وجنتيها.
تشرفنا يادكتور.
قطب حاجبيه متسائلا.
إنما الجميل معرفناش هو مين.
اتجهت إلى راكان الذي بدأ ينفث سيجاره بغضب فتحدثت.
دي ابن عمك يجاوبك عليها، معرفش ممكن تقول فراشة حرة.
جذب يونس جاسر الصامت وتوقف أمامها عندما استمع للموسيقى.
ممكن الجميلة تسمحلي بالرقصة دي.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل العشرون 20 - بقلم سيلا وليد
كم هو صعب أن ترضى بالغياب
ولكن الذكرى لا ترضى بالرحيل
فلا نحتاج إلا شعلة نسيان تدفيء برودة المشاعر
فكلنا نكره الفراغ الموحش بعد الامتلاء
فنصير غرباء حتى عن أنفسنا
بعد أن كان لنا وطن صرنا مثقلين بالهزائم
حد التلاشي
تؤلمنا كل تلك الأشياء التي لم نقولها فالإفصاح أحياناً مؤذٍ لأرواحنا
ليبقى الصمت سيد المواقف
هناك أرواح تجعل حزنك يغفو
وربيعك يزهر لكنهم ليسوا دائمين
فتعلموا أن لكل شيء نهاية
لا حزن ولا فرح يدوم
حينها سنعتذر لأنفسنا
"عن كل الخيبات والإنكسارات التي أغرقناها بها".
دلفت إلى الحفل توقفت بجواره قائلة:
- مساء الخير.
قالتها وهي توجه نظراتها إلى جاسر ويونس متجاهلة صدمته بوجودها.
بسط يونس يديه وهو يطلق ضحكة من شفتيه ثم غمز إلى راكان:
- مساء الجمال ياسيدة الحفل والقصر كله. معاكي يونس البنداري، خمسة وثلاثين سنة عازب، دكتور ستات محترم خبرة سبع سنين. قيصري وطبيعي وكمان تأخير إنجاب.
ابتسمت على كلماته ثم تحدثت بعدما شعرت بنيران تحرق وجنتيها:
- تشرفنا يادكتور.
قطب حاجبيه متسائلاً:
- إنما الجميل معرفناش هو مين.
اتجهت إلى راكان الذي بدأ ينفث سيجاره بغضب فتحدثت:
- دي ابن عمك يجاوبك عليها. معرفش ممكن تقول فراشة حرة.
جذب يونس جاسر الصامت وتوقف أمامها عندما استمع للموسيقى:
- ممكن الجميلة تسمحلي بالرقصة دي؟
ابتسمت له:
- أكيد يزدني شرف يادكتور، بس مينفعش متزعلش. فيه حاجات مينفعش نتهاون فيها. إنت آه ابن عم سليم، لكن مينفعش أرقص مع واحد غريب.
أقترب راكان وداس على قدم يونس حتى صرخ من الألم. جذب كفيه بوجه صارم متجهم الملامح متجاهلاً صراخه. فاقترب يجذبه من ذراعه متحركاً:
- كنت عايز ترقص مع مراتي. يلا.
ضيق يونس عيناه متجاهلاً نظراته النارية:
- ليه هو عيب؟ دا إنت طول اليوم من حضن دي لحضن دي. عايز أجرب أنا كمان.
رفع نظره إليه بصدمة، فقد نجح وبجدارة في أن يخرج شياطين جحيمه. فاردف:
- لو شوفتك قدامي بعد ثانية أترحم على نفسك يامتخلف.
تحرك يونس وهو يقهقه عليه:
- بحبك ياراكان وأنت متعصب.
وصل إليها كانت تقف بجوار أسما ونوح. سحبها من كفيها بعض الخطوات. توقفت تنظر حولها وابتسامة على وجهها للجميع.
وصل بها إلى مكان هادئ بعض الشيء فأردف:
- ممكن أعرف إيه اللي جابك؟
لونت الصدمة معالم وجهها وهي تقترب منه قائلة:
- مش فاهمة قصدك ياحضرة المستشار.
جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره يهمس بجوار أذنيها:
- دا إيه الجبروت اللي عندك دا؟ فيه واحدة تحضر خطوبة جوزها؟ ومش جوزها بس، لا حبيبها كمان.
تعثرت الكلمات على شفتيها من قربه ورائحته التي تغلغلت داخلها حتى تمنت أن يخطفها ويهرب بعيداً عن الجميع. رفعت نظرها إلى عيناه وتلاقت النظرات وعيناها تلمع بالدموع:
- فعلاً زي ماقولت جبروت. يمكن من كتر اللي شوفته منك معنتش تفرق معايا. أو ممكن تقول عشان أثبت لنفسي إنك بقيت ولا حاجة.
لكزته بسبابتها بصدره وهي تنظر لمقلتيه بجمود:
- عايزة أكدلك وأكد لنفسي الوقت اللي خرجت من باب أوضتي ومرحمتش قلبي وأنا بترجاك متعملش كدا. ورغم كدا دبحتني وجيت بكل برود تكمل جوازك وكأني عبيدة عندك. إنت بقيت خلاص زيك زي سليم اللي اندفن.
دنت حتى اختلطت أنفاسهما وهمست أمام شفتيه وهي تنظر لمقلتيه:
- إنت موت في قلبي ياراكان. متعرفش الست اللي جوزها يحرق قلبها ممكن تعمل إيه. دنت ودنت حتى وصلت للمحظور بقربه الذي اعتبرته ذلك من قسمها لنفسها.
- وحياة كسرة قلبي اللي انت بكل جبروت دبحته وخليت وجعه مستباح لأوجع قلبك.
قالتها ثم تحركت بخطوات مهرولة لاتعلم أين وجهتها. كل ما فعلته أنها انتصرت وبقوة عليه. هي أصبحت لاتعلم أيحبها كما زعم؟ أم يتلاعب بها؟
وصلت حيث جلوس زينب التي كانت تراقبهما.
جلست تأخذ أنفاسها المتسارعة وعيناها المترقرة بالعبرات.
تنهدت زينب تنظر إلى راكان الذي يقف بجوار أصدقائه ووجهه عبارة عن لوحة من الحزن والوجع.
أشارت إلى يونس بعيناها ففهم ما تريد. تحرك متجها إلى نوح وتحدث:
- نوح عايزك.
تحرك نوح بعيداً عن راكان:
- ليه راكان مصر يتجوز نورسين وهو عارف بلاويها؟
زفر نوح يمسح على وجهه ثم أجابه:
- والله يابني ولا أعرف. هو جه وقالي تعالى النهاردة خطوبتي فجيت معاه. حاولت أفهم بيفكر في إيه ومعرفتش أوصل لحاجة.
اقترب منه قائلاً:
- طيب أسمع الليلة دي كلها عند المتر اللي معرفش محضرش الخطوبة دي ليه. فلما نوصل للمتر إحنا لازم نعمل لعبة حلوة عليه.
قطب نوح حاجبه متسائلاً:
- مش فاهم قصدك؟
حاوط يونس كتفه قائلاً:
- ليلى.
ضيق نوح عيناه متسائلاً:
- مالها ليلى؟
همس له ببعض الكلمات.
توسعت عين نوح قائلاً:
- يخربيتك دي متجوزة. انت عارف راكان ممكن يعمل إيه فيك لو عرف.
دفعه يونس ساخراً:
- والله انت غبي وتستاهل اللي فرندا عملته فيك.
بعد قليل اتجه لوالدته وجلس بجوارها يرمق التي تتحدث مع أسما فتحدث:
- شايفك جيتي ياماما.
دقت النظر بملامحه:
- مكنتش أعرف إنك هتزعل لما أجي.
توسعت عيناه بذهول قائلاً:
- أنا أزعل لو جيتي ياماما.
اقترب من والدتها وتحدث بصوت لا يسمعه سواها:
- كوين زينب بلاش تلعبي بيا ولا عليا. ابنك مش غبي. بلاش نزعل من بعض ياكوين زوزو.
غمز بعينيه قائلاً:
- إنك تجيبي مراتي لخطوبتي وراها حاجة. فبقولك بلاش تستغبي ذكائي. ابنك بيفهمها وهي طايرة. ولمي خروف العيلة دا. أصل وحياة ربنا لو نفخته لأطيره.
قاطعهم وصول فريال مع ناهد والدة نورسين:
- زينب هانم وأنا بقول الحفلة نورت ليه.
ابتسمت زينب ثم توجهت بنظرها لأبنها قائلة:
- الحفلة منورة براكان ومراته طبعاً.
رجفة شعر بها حينما رفعت ليلى نظرها إليه. لم يفكر كثيرا فتوقف عندما استمع للموسيقى بافتتاح الحفل وهو يبسط يديه إليها.
توقفت ناهد تنظر له بذهول قائلة:
- معقول ياركان، هترقص رقصتك الأولى مع أرملة أخوك؟ أمال بجسده حينما تحدثت ليلى قائلة:
- أنا مش هرقص يامدام متخافيش.
سحب كفيها متحركاً وهو يقول:
- دي مراتي مدام ناهد قبل بنتك.
تحركت معه ودقات قلبها بالارتفاع لأول مرة حيث نظرات الجميع متركزة عليهما.
توقفت أمامه في المكان المخصص للرقص:
- أنا مبعرفش أرقص. إزاي تسمح لنفسك تقرر بحاجة من غير ما تاخد رأيي.
جذبها وحاوط خصرها بذراعيه هامساً لها:
- الناس بتبص علينا. وبعدين الكل عارف إنك مراتي. ياريت تلتزمي بحدودك. من شوية يونس كان عايز يرقص معاكي.
قالها وهو يرفع ذراعيها حول عنقه ودنى يجذبها ويتحرك مع الموسيقى.
نظرت لشمسه الساطعة بالإضاءة وابتسمت:
- مش ذنبي إنه عايز يرقص معايا. ماهو يونس شبه ابن عمه نسيت ولا إيه؟ مش إنت الخبرة بتاعهم.
أطلق ضحكة رجولية جعلتها تتناسى ما صار بينهما. فتحركت معه وهي تبتسم بحالمية.
على الطاولة التي تجلس بها زينب، بدأت ناهد تتأكل من الغضب فتحدثت:
- يعني إيه يرقص مع أرملة أخوه؟ مش المفروض يرقص مع نور؟
تهكمت فريال قائلة:
- متعصبيش قوي كدا ياناهد. بدل راكان قال هيرقص معاها فهيرقص معاها مهما تعملي.
كانت النيران تتأكل بداخلها، فتحركت إلى نورسين التي تقف بجوار توفيق وأسعد.
ابتسمت زينب بتهكم. فوقع نظرها على توفيق الذي يقف مع نورسين ويحاوط كتفها وضحكاته تعلو بالأرجاء.
اتجهت بنظرها لأبنها الذي كان يحاوط ليلى والسعادة تشق ثغره، متناسياً ما يحاوطه وكأن لا يوجد بالمكان سواهما. فهمست بداخلها:
- ياترى بتحاول تعمل إيه ياراكان؟ يارب يابني متكونش بترتب لحاجة تقضي عليك.
عند نورسين وتوفيق... وصلت ناهد والغضب يتملك منها تبحث عن زوجها. لمح توفيق الغضب بعينيها:
- مالك مدام ناهد فيه حاجة؟
ابتسمت تنظر حولها وهي تتحدث من بين أسنانها:
- مش عارف فيه إيه. بص لساحة الرقص وانت تعرف ياتوفيق باشا.
اتجه بنظره إلى راكان، فاطلق ضحكة وتحدث:
- زعلانة عشان بيرقص مع البت دي؟ لا ياناهد تبقي هبلة. دا مفيش عدوة على وش الأرض لراكان قد البت دي.
أشارت نورسين لمامتها وتحدثت:
- قوليها ياجدو. ماما مكنتش موافقة بتقولي إزاي يكون متجوز وتتجوزيه.
راقب توفيق راكان ومازال يضحك قائلاً:
- متخافيش من البت دي. متستهلش إنها تزعل ناهد هانم. دي آخرها يوم ما تغلب ليلة مع حفيدي.
ثم رفع نظره لنورسين:
- وطبعاً البركة في الجميل بتاعنا مسيطر على الكل.
قبلت نورسين خد والدتها:
- اتفرجي وشوفي يامامي. إزاي بنتك هتغلب بت زي دي.
تحركت نورسين متجهة إليهما.
عند زينب.. زفرت بغضب من كلمات يونس:
- انت يابني ليه مش مصدق؟ والله عرف كل حاجة يعني مهما تعمل ولا حاجة.
نصب عوده ووقف:
- اقفي واتفرجي يازوزو. هو إنت معاكي أي حد برضو؟ دا أنا الدكتور يونس البنداري.
صمتت للحظات ثم قهقهت عليه:
- حبيتك خلاص يادكتور.
رفع حاجبه بسخرية واتجه بنظره إلى سيلين التي تقف بجوار أسما قائلاً:
- وانت تحبيني ليه؟ حد قالك هموت قريب؟ أنا عايز بنتك اللي تنضرب وواقفة بعيد عني.
قهقهت زينب عليه قائلة:
- طب إلحق نورسين رايحة.
غمز بطرف عينيه قائلاً:
- متنسيش يازوزو، يبقى تزوريني في المستشفى. أنا بقع من أول قلم.
عند راكان، كانت نظراته تحتضنها كذراعيه اللذين يحاوطها. حاول استجماع نفسه والتمسك بالسيطرة على نفسه. فشدد من احتضانها. رفعت يديها حول عنقه، تتحرك معه على أنغام الموسيقى. اتجه بأنظاره للجميع، فرأى معظم العيون عليهما.
دنى يهمس لها:
- شايفك بترقصي حلو أهو. أومال "تؤ تؤ" دي كانت ليه من الأول؟
رفعت حاجبها وتحدثت:
- ماهو مكنش ينفع أخطف الأجواء من العروسة. ينفع برضو تفتتح رقصة الحفلة مع "المستعملة"؟ طيب كنت سيباها للعروسة.
أطلق ضحكة رجولية وهو ينظر لليلها الدامس:
- أصلك صعبتي عليا. مينفعش أسيبك نار الغيرة تاكلك وتتعبي ومتعرفيش تسهري بأمير.
ضحكت بصوتها الأنثوي الناعم، فشددت من عناقه ودنت تقترب منه، ناظرة لشمسه مباشرة وهمست له:
- غلطان ياراكان. بص حواليك ياحبيبي وشوف الكل يتمنى يرقص معايا. بس حضرتك طلعت نار زي التنين.
ضغط على خصرها بقوة حتى آلمها:
- كنتِ عايزة ترقصي معهم يامحترمة؟
أتت لتتحدث، قاطعتهم نورسين تنظر إليه بغضب:
- ممكن أعرف حضرتك هتفضل إمتى؟
قطع كلامهم يونس:
- مدام ليلى تعالي معايا، سيب العرسان وتعالي.
قاله. توقف ثم اتجه إلى يونس يرمقه بنظرة نارية وتحدث قائلاً:
- كنت بتقول إيه يايونس؟
قالها ونيران عيناه تشتعل. تحرك يونس إلى نورسين وتحدث:
- كنت بقول لنورسين عايزك في موضوع مهم. كانت جاتلي العيادة من كام يوم.
قاطعته نورسين وهي تتحرك معه بعيداً قائلة:
- أيوه أيوه يادكتور تعالى.
كور على قبضته وهو ينظر لتحركهما، ثم اتجه للتي تقف تنظر إليه بصمت. جذبها متجهاً لوالدته:
- تقعدي جنب ماما وإياكِ تتحركي من مكانك لحد ما الحفلة تخلص.
نزعت يديها غاضبة:
- إنت متقولش أعمل إيه، ولا ليك دعوة بيا سمعتني؟ أنا هنا مع ماما زينب.
قالتها متحركة.
بعد قليل، كان يقف بجوار نورسين وعيناه على تلك التي تجلس بجوار والدته تتفحص هاتفها وكأنها لم تفعل شيئاً. قاطع شروده بها أحد الأشخاص:
- ازيك ياراكان!!
نظر إليه راكان صامتاً، فتحدث الرجل قائلاً:
- إيه مش فاكرني؟
ضيق عيناه ثم نظر إلى نورسين قائلاً:
- آسف مش واخد بالي...
أشار على يونس الذي يواليه بظهره قائلاً:
- أنا إيهاب زميل يونس ياعم افتكر.
ابتسم له بتصنع قائلاً:
- أهلا دكتور إيهاب. آسف.
مدت نورسين يديها:
- أهلا إيهاب افتكرتك.
أومأ برأسه دون حديث، فاستدار يشير إلى ليلى متسائلاً:
- دي أرملة سليم مش كدا؟
كور قبضته حتى ابيضت، وظل يرمقه بهدوء. فتحدث من بين أسنانه قائلاً:
- مالها؟ تعرفها منين؟
هز رأسه رافضاً حديثه، ثم اقترب قائلاً:
- كنت عايز أتواصل مع باباها. شكلها ما ارتبطتش من بعد سليم فقولت يعني.
لم يكمل حديثه، فسحبه بعنف للخارج. توقفت نورسين تنظر إليه بغضب:
- راكان رايح فين؟ اتجننت؟ هنلبس الدبل أهو.
لم يستمع إليها وتحرك للخارج، فلقد ثارت جيوش غضبه وأشعلت نيران صدره وكأن أحدهم سكب بنزيناً بصدره ليتقد إشعاله، وهو يتخيل ذاك الرجل يأكلها بعينيه.
وصل لخارج الحفل، فدفعه بقوة للخارج وهو يلكمه، فلقد تحول إلى شيطان مارد وكل ما يراه نظراته لها، لمالكة روحه ومدمرتها. ظل يلكمه ثم صاح غاضباً:
- جاي عايز تتجوز مراتي يابن ال...
وصل يونس إليه وحاول إبعاد راكان عنه، ولكنه كان كالمفترس. وصلت ليلى تصرخ به وتقف أمامه:
- إنت اتجننت!! وسع هيموت في إيدك.
هنا فاق واستدار إليها كأسد مفترس، وصاح بها بغضب:
- تعرفيه منين؟ آه.
قالها بعيون تطلق نيران جحيمية.
- خايفة عليه؟ بعتالي واحد عشان يخطبك ياهانم.
تراجعت للخلف كالملسوعة خوفاً من مظهره البادي عليه، فلقد تحول لشيطان وصاحت به بغضب:
- إنت اتجننت؟ عارف بتقول إيه.
لحظات مرت عليهم كالجحيم وهو يضغط على ذراعيها بقوة آلمتها متحدثاً:
- إنت إيه اللي جايبك أصلاً؟ ماهو مش معقول جاية تباركيلي. إيه جاية تشوفي حد ولا إيه؟
رفعت يديها وصفعته بقوة في وصول نوح وأسما التي وضعت يديها على فمها بذهول.
جذبها بقوة ودفعها بداخل السيارة. خرجت نورسين تسرع خلفه ووقفت أمام السيارة:
- رايح فين ياراكان؟
- نور عشر دقايق وراجعلك.
قالها وتحرك بالسيارة. اتجه نوح إلى يونس الذي يقوم بضمد جراح إيهاب:
- أنا آسف ياإيهاب صدقني مكنتش عارف إنه هيتعامل بغباء كدا.
ركله نوح حتى سقط وصرخ به:
- قولتلك بلاش يامتخلف. دي مراته. ياترى هيعمل في ليلى إيه.
اتجه بنظره إلى أسما الصامتة وعيناها مترقرقة بالدموع. تحرك إلى أن وقف بجوارها:
- متخافيش عليها ليلى قوية. وشوفتي إزاي ضربته قدام الكل.
ارتجف جسدها ثم نظرت إليه وبشفتين مرتجفتين:
- هو ممكن يعمل فيها إيه؟ دا مش حاسس بنفسه. شكله مجنون.
قالتها ودموعها تنسدل بدموعها.
وصل بعد قليل لمنزله، ترجل من السيارة سريعاً متجهاً إليها، ثم سحبها بقوة حتى وصل لجناحه ودفعها حتى سقطت على الأرضية أمامه. أمال بجسده وعيناه لهيباً:
- ساعتين وراجع. الاقيكي عروسة على السرير دا. عشان اعرفك إزاي تمدي إيدك عليا.
نهضت سريعاً ولكمته بصدره:
- دا في أحلامك إن شاء ياراجل القانون. إنت راجل قانون؟ إنت راجل عصابات.
دفعها بقوة حتى سقطت على فراشه، ثم نزل بجسده سريعاً وهي تتراجع بجسدها:
- راكان انت اتجننت أبعد عني.
جذبها من عنقها بقوة حتى أصبحت بأحضانه:
- ساعتين وهرجع الاقيكي مستنياني. سمعتيني ياعروسة المولد.
قالها وهو يرمقها جسدها بنظرات خارقة، ثم دنى ليقبلها. دفعته صارخة ووقفت متجهة لباب غرفتها:
- على جثتي تقرب مني. روح كمل جوازك يامحترم جاي للي قتلت أخوك ليه؟ إيه مش أنا عدوتك.
دنت خطوة وصاحت بغضب:
- أنا هطلق منك ياراكان! سمعتني؟ مستحيل أفضل على ذمتك.
جذبها من ذراعيها:
- هرد عليكي بنفس ردك على جثتي. ودلوقتي غوري من وشي. آخرتيني على عروستي.
قالها ثم دفعها بقوة حتى هوت على فراشه.
بعينين هالكتين وقلب فتته الوجع من قساوة من أحبت، أردفت بلسان قلبها الذي خانها قائلة:
- لو خرجت ورجعت الحفلة هتكون نهايتنا للأبد.
توقف لدى باب الغرفة وأجابها وهو مواليها ظهره:
- أصلاً من يوم ما مشيتي وضحك الكل عليا وإحنا انتهينا. من يوم ما روحتي ولجأتي للغريب إحنا انتهينا. إنت هنا عشان ابنك وبس دا لو عايزة تعيشي في البيت دا.
قالها وتحرك بعض الخطوات. ثارت جيوش تمردها من كلماته، فرفعت رأسها بشموخ تنفي مشاعرها اتجاهه. فاقتربت منه:
- عندك حق ياحضرة المستشار. إحنا انتهينا حتى من قبل ما نبتدي. وعلاقتنا هتكون أخو جوزي وبس. ملكش حكم عليا في حاجة.
استدار إليها سريعاً كالملسوع ونظر لمقلتيها:
- إنتِ مراتي وغصب عنك عجبك ولا مش عجبك.
قالها وتحرك سريعاً حتى لا يضعف أمامها وياخذها بأحضانه.
بعد يومين بمكتب حمزة.
دلف راكان وجلس أمامه قائلاً:
- مفيش جديد عندك ياحمزة.
دقق حمزة في ملامحه قائلاً:
- مالك ياراكان؟ لسة موضوع نورسين قلقك.
رجع بجسده على المقعد مغمض العينين قائلاً:
- أنا تعبان من الكل. ومعنتش عارف الضربات هتيجي من مين. ملعون الفلوس اللي تعمل في الناس كدا.
نهض حمزة يربت على كتفيه وجلس بمقابلته:
- معلش مركزك حساس متنساش.
فتح عيناه وأردف قائلاً:
- عارف توفيق كان عايز يعمل قضية زنا لليلى عشان ياخد الولد.
جحظت أعين حمزة مذهولاً:
- لا دا الراجل دا مجنون.
وضع رأسه بين كفيه وتحدث:
- كان لازم أكمل خطوبتي عشان أدخل بينهم. لازم أكون مستعد للجاي. دا وصل بيهم الفجر.
- إنهم يعملوا قضية ليونس ويشطبوه من النقابة.
- جدك عايز يعمل كدا في يونس إزاي؟
رجع خصلاته للخلف وهو يسحب كماً من الهواء ثم زفره بغضب:
- من ورا جدي. جدي ميعرفش. بقولك بيلعبوا عليه. وماشي وراهم عايزين يتخلصوا مني ومنك عشان القضية الأخيرة.
نهض متجهاً للخارج. توقف لدى الباب قائلاً:
- خلي بالك من درة كويس ياحمزة. كفاية المجنونة اللي عندي.
- راكان استنى عايز اتكلم معاك في حاجة.
قطب مابين جبينه متسائلاً:
- فيه حاجة؟
جلس حمزة على الأريكة يشير إليه قائلاً:
- اقعد الأول.
جلس راكان بجواره منتظراً حديثه. حمحم حمزة ثم رفع نظره:
- هو سؤال خاص شوية ارجو مكنش بتطفل عليك. إحنا أصدقاء من زمان ودايماً عيوبنا قبل مميزاتنا صح ولا إيه.
زفر بغضب وصاح متسائلاً:
- هتقول عايز إيه من الآخر ولا اخبطك خبطة اموتك وارتاح.
تأفف حمزة بضيق ثم تحدث:
- "ليلى".
هب فزعا وصاح به:
- وبعدهالك ياحمزة عايز تقول إيه انت كمان؟ مش كفاية يونس البغل.
جذبه ليجلس قائلاً:
- اقعد بس واسمعني. ليلى دلوقتي انت متأكد من مشاعرها ناحيتك؟ متنساش انها اتعلقت فترة بسليم وممكن يعني.
هب كالملسوع وبدأ يركل كل ما يقابله صائحاً بغضب:
- وبعدهالكم حتى انت ياحمزة. عرفت ياسيدي انها كانت مرات اخويا. حفظتها والله ومستعد اكتبها على جبينكم عشان تتاكدوا اني عارف.
نهض حمزة وحاول إخماد بركانه الثائر فتحدث بهدوء:
- مش قصدي كدا ياراكان ممكن تهدى وتسمعني.
جلس وهو يحاول أن يتنفس حينما شعر بإنسحاب الهواء من رئتيه. أكمل حمزة قائلاً:
- قصدي أن ليلى قعدت فترة مع سليم. وطبعاً يعني سليم كان مسالم جدا وكان مفكر انها بتحبه فأكيد معاملته معاها هتكون معاملة حبيبة. وطبعاً بعد اللي عملته في ليلى قارنت بينكم وهي دلوقتي عندها انطباع ان حب سليم احسن منك. وممكن تكون كرهتك فعلاً.
أحس ببرودة جسده وتصلبه، حتى لم يستطع الوقوف فاتجه ينظر بتشتت وضياع وهو يهز رأسه. فكلمات حمزة عصبت جروحه المدفونة الذي يحاول دفنها وتلاشيها.
- حمزة سليم كان عارف إن فيه حد في حياة ليلى.
توسعت بؤبؤة حمزة متسائلا:
- إزاي يعني؟ وهو كان راضي؟
جلس واضعًا رأسه بين راحتيه وتحدث بصوت مختنق يشعر بسكين باتر ينحره:
- اللي بيحب بيعمل أكتر من كدا. تعرف سليم كاتب كل حاجة باسمه لليلى غير الرصيد اللي حوله لها.
- نعم إزاي؟ وبعدين مقليش حاجة زي كدا. انت ناسي أنا المحامي بتاع الشركة ولا إيه؟
- ماهو دا اللي مجنني. ليه يخبي عليا؟ أنا لما المحامي جالي وكمان فيه وصية إن ليلى وأنا نكون المسؤولين عن الولد. تفتكر عرف أنا اللي كنت بحبها؟ ولا عرف إيه؟ لا وكاتب رسالة بنص الوصية ليا بيأكدلي فيها إن ليلى مشاعرها كانت لحد تاني. دايما كان حاسس فيه حد بينهم كان ناقص يقولي انت السبب في تعاسة قلبي يا راكان.
تجمد حمزة بمكانه وهو يربط ما فعله سليم. فأخذ يتنفس بهدوء ثم زفر قائلاً:
- ما أعتقدش. متشيلش نفسك فوق طاقتك. عشان كدا بتنتقم فعلاً من ليلى؟
قهقه راكان حتى انسدلت دموعه قائلاً:
- لو قولتلك مش عارف هتصدق. حقيقي مبقتش عارف أنا بتعامل معاها كدا ليه. عايزها ومش عايزها. بحبها وبعشقها وبكرهها. عايز أوجعها ومش متحمل عليها حتى الهوا. أنا اتجننت مش كدا.
حدجه حمزة برفض قاطع لما قاله فأردف:
- يعني انت خطبت نورسين عشان تنتقم فعلاً منها.
هز رأسه رافضًا:
- ابدا ياحمزة مش دا اللي كان في بالي ابدا. أنا عايز أحميها وكمان أعرف خطوايهم. متنساش إنهم كانوا هيتخلصوا مني.
أومأ حمزة متفهماً وتحدث:
- خلي بالك من نفسك. ومتزعلش مراتك ياحضرة المستشار. الغيرة ولعت وحرقتك كل حاجة وصلتني.
نهض متحركاً ولم يجيبه فتحدث:
- هتروح فرح جاسر ولا لا؟
- لا. عندي قضية في إسكندرية مش هكون موجود.
أومأ متفهماً ثم تحرك للخارج دون حديث آخر.
***
بمزرعة نوح.
جلست ترتشف قهوتها وتستمع إلى فيروز. دلف إليها ظل يطالعها بإشتياق. فخطى إلى أن وصل إليها حاوطها من الخلف قائلاً:
- وحشتيني حبيبتي.
نهضت مبتعدة عنه:
- أنا كويسة يانوح. قولتلك مليون مرة ياريت تخبط قبل ما تدخل.
جذبها لأحضانه يحاوطها بذراعيه ويضمها بقوة:
- إنسي يا أسما إني أستأذن وأنا داخل لمراتي.
طبع قبلة على جيدها، مما جعل جسدها يرتجف بين يديه. فدفعته بوهن وتحدثت بصوت متقطع:
- أبعد عني. إياك تقرب مني. روح لمراتك اللي قدرت تخوني معاها. إحنا في حكم المطلقين.
قالتها وتحركت من الغرفة سريعاً.
خرج متجهاً ثم استقل سيارته متجهًا إلى شركة البنداري. وصل بعد قليل ودلف إلى مكتب راكان ثم جلس أمامه دون حديث. كان منشغلاً بعمله. أغلق الملف الذي بيديه ووضع خديه على كفيه قائلاً:
- خير ياحيلة امك. عملت إيه تاني أشجيني ياخويا. ماهو أنا مش ورايا غير المجانين.
- أسما عايزة تتطلق.
نهض راكان متجهاً لشرفة مكتبه وقام بإشعال تبغه قائلاً بهدوء:
- برافو عليها. حقها. طلقها وريحها.
هب فزعاً متجهاً إليه ودون حديث لكمه بوجهه.
وضع راكان أنامله موضع تألمه ينظر إليه غاضبًا:
- يخربيت شكلك متخلف. انت حمار. واحدة وعايزة تطلق من بغل خانها وراح اتجوز. وياريته سكت لا مراته البغلة اللي شبهه مصورة نفسها صور رخيصة زيها وبعتاها. مستني تاخدك بالأحضان. احمد ربنا إنها لسة على ذمتك أصلاً.
جذبه نوح من تلابيبه ونظر إليه بغضب:
- عارف تستاهل اللي ليلى بتعمله فيك. وحياة ربنا لأخليها تشربك بنزين عربيات.
قهقه راكان وهو يدفعه ثم جلس يضع ساقاً فوق الأخرى وهو ينفث سيجاره:
- لا في دي متخافش. شربت من ميت البحر كمان. هو فيه زي لولة برضو. دي يابني حاجة كدا تتحط في الصاروخ ينفجر. ماشاء الله عليها قنبلة موقوتة كل شوية تنضرب في وشي.
تذكر شيئاً فاطلق ضحكة مرتفعة قائلاً:
- لولة ياسلام عليها وعلى انتقامها. دي عايزينها في الأمم المتحدة. دا البت دي جبروت. امبارح وقعت القهوة عليا وتقولي سوري ما أخدتش بالي بنت عاصم. لا وجايبة هدية وداخلة أوضتي بكل جبروت وممسكاها لأمير وبتقوله:
- متقولش لعمو مبروك ياميرو. حبيبي عمو هيتجوز ويجبلك أميرة.
ظل يضحك عندما تذكر فنظر إلى نوح رافعاً حاجبه بسخرية:
- تخيل باربي جايبة لي إيه.
ضيق نوح عيناه منتظراً حديثه.
تراجع للخلف متكئاً على الأريكة رافعاً ذراعيه حوله قائلاً:
- قميص نوم عشان العروسة.
أطلق نوح ضحكات مرتفعة وهو يضرب كفيه ببعضهما قائلاً:
- تستاهل والله. لولا دي مفيش منها.
هز رأسه بوجع عندما تذكر أيامه الأخيرة معها:
- فعلاً أستاهل أكتر من كدا يانوح.
نهض نوح ونظر لمقلتيه مردفاً:
- تمم جوازك من ليلى ياراكان. يمكن اللي عامل فيك كدا بعدك عنها. يمكن لما تقربوا من بعض تلملموا جراح بعض.
أطبق على جفنيه وتنهد متمنياً قربها:
- ربنا يسهل. أقعد وقولي إيه اللي حصل معاك.
جلس بعدما أشعل سيجاره:
- راندا جت من فترة لأسما وقالتلها إنها حامل.
- وبعدين؟ تساءل بها راكان.
- قالتلها كلام موجع طبعاً. أسما محكتش بس سيدة قالت بعض الكلام. فهمت اللي دار بينهم.
تراجع راكان بجسده ثم تحدث مردفاً:
- ليه تممت جوازك بيها؟ قدرت تخون حبيبتك إزاي يابني آدم.
توقف كطائر ذبيح وتحدث وكأن غصة منعت تنفسه قائلاً:
- غصب عني. انت متعرفش يحيى الكومي دا ممكن يعمل.
نصب راكان عوده ودنى منه ينظر لمقلتيه:
- دي حجة خايبة يانوح. اللي بيحب حد بيموت عشانه. مش بيخونه.
ثارت زعابيب غضبه ثم صاح بصوت مرتفع:
- انت متعرفش ممكن يعمل فيها إيه. إيه نسيت جوز لميا اللي عمله قضية أمن دولة وقالهم تبع جماعات إرهابية دا كله عشان مسمعش كلامه. كنت مفكر إنه هيرحم أسما مقدرش أشوفها قدامي بتتعذب بسببي ياراكان مقدرش. بخاف عليها من الهوا.
- كان ممكن تعمل أي حاجة غير الخيانة يانوح.
نظر نوح إليه متهكماً:
- زي ما انت عملت كدا. روحت خنت ليلى واتفقت مع نورسين.
جحظت عيناه بذهول فأردف:
- انت اتجننت؟ هتجيب دي لدي؟ أنا بعمل كدا عشان أوقع شبكة إجرامية. وبعدين مستحيل أقرب من الحقيرة دي.
أشار لصدره قائلاً:
- دا بيتعذب ليل نهار عشان مش قادر أمسح وجع قلبها وأعرفها إنها لعبة. لو عارف ومتأكد إنها هتقدر تحافظ على السر صدقني كنت قولتلها. بس أنا معرفش إيه اللي هيحصل بكرة. كان لازم أخبي. مش بيلعبوا عليا بس دا بيلعبوا على حمزة ويونس كمان. أنا معرفش مين دول. بحاول أربط الكل عشان أعرف مين.
تنهد ساحباً بعض الهواء وأكمل:
- أنا بقيت أشك في كل اللي حواليا. عامل كاميرات في كل البيت ومش عارف أوصل لحاجة. ياترى عمامي؟ ولا مراتتهم؟ ولا الشغالين؟ دول عرفوا علاقتي بليلى قبل جوازها. يعني بيشككوني في كل اللي حواليا يانوح.
لقد سقط في بئر مظلم لا يشعر بنفسه سوى أنه مكبل الأيدي مغلول الأقدام لم يمتلك سوى قلبه النابض بعشقها. أطبق على جفنيه قائلاً:
- بحاول أحميها يانوح مش بخونها أبداً.
ربت نوح على ظهره قائلاً:
- بكرة تتعدل وزي ماقولتلك تمم جوازك صدقني هترتاح كتير. وتقدروا تتخطوا وجعكم حتى من غير ما حد يعرف.
***
بعد شهر من خطوبة راكان.
الشمس قد هلت بشائرها وأيقظ الفجر نورا فأحيا به عباد الله على الأرض ليبتغون من فضله.
تجلس على فراشها تضم ركبتيها إلى صدرها مستندة برأسها. وعبراتها تنسدل من عينيها كلما شعرت بالعجز. أيقظها من هموم أحزانها رضيعها. اتجهت إليه كأن هذا الطفل دوماً ما يخرجها من أحزان قلبها التي لا تنتهي.
حملته وبدأت تهمهم له بكلمات الأمومة الحنونة التي زرعها الله بالفطرة لكل أنثى. بعدما أطعمته، جلست تمسد على خصلاته الناعمة فاليوم بلغ الشهر التاسع.
- صباح الخير يا أمير باشا. قايم زعلان ليه؟
ابتسم الطفل لها بعدما شعر بسعادتها وهي تلاغيه. قطع وصلة حديثها مع طفلها طرقات على باب غرفتها.
سمحت بالدخول لمن بالخارج اعتقاداً أنها الخادمة. ولكن فوجئت به يدخل بهيئته الجذابة والمؤذية لروحها.
- صباح الخير. قالها دون أن ينظر لها.
اتجه بنظره لابن أخيه:
- صباح الخير يا عمو. وحشت عمو يا أميري. ثم طبع قبلة على خديه.
رفع الطفل كفيه الصغيران وامسك الطفل لحيته وبدأ يهمهم:
- بابا. بب.
ضحك له وهو يرفعه في الهواء:
- روح بابا أميري إنت.
ظل يداعبه بذقنه النابتة:
- إكبر بسرعة علشان أعلمك حاجات كتير.
اتجه بنظره للتي تجلس وتحيد ببصرها عنه فأردف متسائلاً:
- منزلتش على الفطار ليه؟ ثم اتجه بأنظاره لأمير وتحدث:
- شايف أمير صاحي. مش من الأولى إنك تنزلي بيه علشان ماما وبابا.
أردف بها وهو يدقق نظره بملامحها الباهتة.
نكست رأسها للأسفل وتحدثت:
- ماليش نفس. وأمير سيلين هتيجي تاخده وتنزل بيه تحت شوية في الشمس.
اختلج صدره بضربات عنيفة من حالتها فدنى منها يرفع ذقنها بأنامله:
- مالك فيه إيه مش متعود ألاقيك كدا. إنت تعبانة؟
دفعت يديه بعيدًا عنه واستدارت متجهة للشرفة ولم تعره اهتمامًا.
زفر بغضب وتحرك خلفها وهو يحمل الطفل الذي ارتفع صوت ضحكاته في الأرجاء.
"إحنا مش قررنا ناخد هدنة شوية ونريح بعض؟"
استدارت له بجسدها ورغم حزنها المكنون على والدها إلا أنها تحدثت:
"عايز مني إيه ياحضرة المستشار؟ هو إنت مش مبسوط بحياتك؟ أبعد عني بقى أنا زهقت وتعبت من تحكماتك. سبني أخد الولد وأمشي وإنت عيش حياتك زي ما أنت عايز."
جز على شفتيه ثم جذبها بقوة وتحدث من بين أسنانه:
"بت بقولك إيه مش تخليني أعمل عليكي عبيط. هكرهك نفسك. إنت مبتزهقيش من أسطوانتك دي؟"
***
ساد صمت مختنق بحزن من ناحيتها. أغمضت عيناها للحظات بعدما اتجه خارجًا بالولد واتجهت تنظر للحديقة تتنهد بحزن، مستسلمة لعذاب روحها.
ثم رفعت هاتفها وهاتفت نوح.
"عامل إيه يانوح؟"
ابتسم بتهكم وتحدث:
"هعمل إيه يعني أهو بحضر لعملية تجميل. طفلة جاية من حادثة حريق بحاول أشوف لها حاجة."
انزلقت عبرة على وجنتيها هامسة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لسة مبتكلمش عمو يحيى؟"
زفر بغضب وتحدث:
"ولا عايز أسمع اسمه حتى. هكلمك بعدين ياليلى. عندي كشف مهم."
أومأت برأسها وتحدثت:
"تمام. بالنجاح والتوفيق."
مساءً بغرفتها دلفت لمرحاضها وانعمت بحمام دافئ حتى تشعر بالراحة كي تستطيع النوم. فالحزن خيم على قلبها منذ رجوعها من منزل والدها.
أخرجت منامة شفافة باللون الأسود، ظهرت جمال جسدها الحليبي تصل إلى ركبتيها. ورفعت خصلاتها للأعلى، فظهر عنقها بسخاء.
ثم اتجهت إلى فراشها وأحضرت بعض الكتب في الهندسة وبعضها في السنة النبوية. ثم جلست على فراشها تتفحص بعض الموضوعات للهندسة حتى استمعت لطرقات على باب غرفتها.
"مدام ليلى، أمير مش راضي يسكت ولسة واخد شاور معرفتش أجيبه لحضرتك."
نهضت سريعا عندما استمعت لبكاء الطفل بصوته الصاخب. أسرعت لغرفته متناسية ماترتديه. دلفت سريعا إليه.
"إيه ياحبيب مامي زعلان وبتعيط ليه؟"
قالتها وهي تحمله لتهدئة بكائه.
ظل صرخات الطفل تعلو. وضعت يديها على جبينه وجدت حرارته مرتفعة. اتجهت تقيس حرارته ونظرت بفمه ثم تحدثت:
"هاتي خافض الحرارة بتاعه. شكله بيطلع سنان أميري وأسنانه بتوجعه."
أعطتها المربية دوائه.
كان يقف على باب الغرفة. استمع لصرخات الطفل فخرج حتى يرى مابه. دلف ولكنه تسمر عندما وجدها بتلك الطلة. هي لم تراه كانت تواليه ظهرها تهتم بطفلها. شعر ببعض الحرارة تتسرب إلى جسده. فأشار للمربية بخروجها. ثم اقترب يقف خلفها يستنشق رائحتها وهو مغمض العينين.
كانت تمسد على خصلات طفلها. شعرت بأحد خلفها ظنت المربية فاستدارت وإذ بها تتجمد بوقفتها. شعرت برجفة بعمودها الفقري من وجوده بتلك الحالة خلفها. فكان يقف مغمض العينين.
ارتجف جسدها حينما اقترب يحاوطها على فراش الطفل قائلاً:
"أمير ماله؟"
أطبقت جفنيها حتى تستطيع السيطرة على نفسها ولا تلقي نفسها بأحضانه.
"ليلى."
همس بها بجوار أذنيها. فتحت عيناها تبتعد عنه.
"أبعد عني. المربية هتيجي تقول إيه."
حاوطها بذراعيه وهو ينظر للطفل قائلاً:
"الولد نام. تعالي معايا عايزك."
تسمرت بوقفتها ولم تتحرك. وصلت المربية فابتعد عنها قائلاً:
"خلي بالك من أمير. ولو عيط أو تعب تاني اتصلي بيا."
ثم سحب كف ليلى وخرج متجها لجناحها.
"ليلى إزاي تخرجي من أوضتك كدا؟!"
تراجعت مبتعدة عنه بعدما تذكرت ماترتديه. وتحدثت بصوت متقطع:
"أصل.. أصل أمير كان بيعيط وهو وهو."
اقترب بخطى سلحفية. وعيناه تخترق جسدها الذي يظهر بوضح من تحت ثيابها.
اتجهت سريعًا ناحية الباب فجذبها بعنف حتى اصطدمت بصدره وضمها لأحضانه وهو يهمس لها:
"ليلى إمتى هنعيش زي أي اتنين متجوزين بيحبوا بعض."
دقات عنيفة بصدرها حتى شعرت بهبوط وارتفاع صدرها قائلة:
"أبعد عني. أنا قولتلك مستحيل هتقرب مني طول ما أنت كذاب ومخادع كدا. إحنا انتهينا من يوم ما ضحكت عليا."
وضع رأسه بعنقها وكأنه لم يستمع لحديثها قائلاً:
"بكرة هتنقلي لجناحي. مفيش نوم برة الجناح دا تاني. وإياك أشوفك هناك. إنت هنا مراتي. والمكان اللي أنام فيه تنامي فيه."
احتضن وجهها بين راحتيه ينظر لمقلتيها.
"ليلى إحنا محتاجين بعض. أنا محتاجك جدًا الأيام الجاية. عايز حد يحس بيا. وإنت أكيد محتاجني."
***
كانت تمارس أقصى درجات النفس على قلبها حتى لا ترمي بأحضانه عله يزيل همومها ولكن كيف لها هذا وهو أكثرهم جراحًا. ورغم ذلك رفعت أنظارها إليه:
"قولي ياحضرة المستشار ليه مصر إني انقل جناحك."
ثم اقتربت وهي تحاول تملئ رئتيها ببعض الهواء حتى لا تجرح من غصتها كلما تذكرت بأن أخرى بحياته فأردفت بصوت متقطع:
"على حد علمي إنك هتتجوز بعد شهر. يعني نقلاني هنا ملوش داعي."
قالت ذلك وهي تغطي ألمها بتنهيداتها المنحسرة مع شهيقها وزفيرها.
تنهد على عنادها وكبريائها. فظلت نظراته مثبتة عليها قبل أن يتحدث:
"على حد علمي إنك مراتي والكل عارف كدا ومينفعش نبقى قدام الكل إننا أعداء."
لكمته بقبضتها الصغيرة بصدره الصلب.
"إنت بتقول إيه مرات مين دا. شكلك نسيت نفسك. قولتلك ميت مرة جوازنا دا علشان الولد وبس. ومتنساش إنك متجوزني بألاعيبك القذرة."
قالتها وهي ترفع سبابتها بوجهه.
ارتفع إحدى حاجبيه تزامنا مع كلماتها وبدون وعي منه أردف:
"اللي أعرفه إنك مراتي أنا وتخصيني أنا. متجوزك ولا لا؟"
ثم رفع يديه ملمسا جانب وجهها وأكمل مستطردا:
"وحتى حرام تمنعي نفسك عني."
امتقع لونها وكادت أن تفقد وعيها من لمسته لها. ولكن أيقظها عقلها سريعا عندما أغمضت عيناها منتشية رائحته الشهية لأنفها وبداخلها اقترابها أكثر منه. ولا يقل الشعور عنده. تمنى أن يتذوق تلك الكريزة الشهية حتى يعلم مامذاق طعمها بجوفه الآن. فقد اشتاق إليها. بعدما امتنعت عن وجودها بمكان يجمعهما منذ خطوبته. رفع أنامله يتلمسها.
فاق عندما دفعته بقوة:
"إيدك ياحضرة المستشار. ماتحاولش تستفزني وتخرج الوحش اللي جوايا."
برقت عيناه من الغضب الذي أخافها عندما اقترب أكثر حينما أغضبته حركتها ودفعها الغير مقبول بالنسبة له. حاوط خصرها بقوة ناظر لسواد الليل بعينيها وأردف:
"مفيش واحدة محترمة تزق جوزها كدا. دا حتى إنت عارفة دينك ومحجبة ولا الحجاب دا ساتر."
حاولت دفعه بكل قوتها إلا أنه أصبح كالحائط لم يتحرك انش واحد. ضغط على خصرها بقبضته.
أنزل برأسه لمستواها وهو مازال يطوقها.
"حركة كمان وهشيلك كدا زي ما أنت بقميصك دا وآخدك في مكان محدش يعرفه غيري."
ارتفعت دقات قلبها وارتجف جسدها مع احمرار وجنتيها عندما لافحتها أنفاسه الحارة مع ملامسة ذقنه لشفاها.
"راكان ابعد ماينفعش كدا."
جذبها أكثر واكثر عندما ذكرته باسمه. الذي حرمت شفتيها بنطقه منذ فترة. فنطقها لاسمه يعد لحن موسيقي يغزو قلبه ويجعله يرفرف كالفراشة. أغمض عيناه عندما لافحته رائحتها.
"عايز أسمع كنتي بتقولي جوازنا باطل مش كدا. وانك متجوزاني غصب عنك."
نظر لمقلتيها التي جذبته كالمنوم المغنطيسي. "إنت شايفة جوازنا باطل ياليلى؟"
رعشة قوية أصابت عمودها الفقري من نظراته وهمساته ناهيك عن أنفاسه وقربه الذي ارغمها على عدم ايجابها عنه. تنظر فقط لعيناه الساحرة التي تتمنى أن تسبح بالنظر دائمًا إليها. انه زوجها ملكها ولكن كيف تتمنى. وهو بعيد كل البعد عن أمانيها.
تركها عندما وجد صراعها مع عقلها وقلبها.
اتجه مغادرًا ولكنه تسمر عندما اردفت:
"أنا مستعدة أجيلك الليلة وأكون تحت أمرك بس بشرط."
اتجه بنظره إليها ودقات قلبه المرتفعة التي أعلنت انهزامه أمامها من مجرد كلمات طاغية بعفويتها.
"عايزة عشرة مليون جنيه يتحطوا في حسابي قبل أي حاجة."
صاعقة صفعته بقوة حتى أوشكت على فقدانه للوعي. انتفض ينظر إليها كمن لدغ بأفعى. كل ما فعله وقف حائرًا عاجزًا لا يعلم بماذا يشعر.
تجمد جبينه بنظرة أشبه بالعاصفة النارية التي أوشكت لإحراقها فتحدث بصوت متقطع:
"سمعيني كدا قولتي إيه. آسف ممكن مكنش سمعت كويس."
اقتربت إليه بخطى سلحفية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها. لم يرف لها جفن متجاهلة حالته التي تحولت كاملًا:
"عايزة عشرة مليون وهتلاقيني على سريرك."
شعر بالعجز وعدم قدرته على الكلام. كأنه لم يعلم الحروف. أو كأن مخارجها هربت من فمه فلم يعد له القدرة أو حتى البوح على ما يعتليه صدره من صدمته بها.
هناك كلمات أو تعبيرات تكون أثرها علينا كالصاعقة تصفعنا بقوة دون رحمة.
اقترب متحملا على نفسه وتعمد لمس خديها بأنامله مرة وبخديه مرة. لا يشعر بما يفعله. كطائر جريح ذبح عنقه بسكين بارد حتى جعله يتعذب بذبحه.
وعلى حين غرة ضم ثغرها بقبلة قوية جريحة لقلبه بكل ماتحمله معانيها. لم يكن يعتقد أبدًا أول قبلاته لها. بعد فترة جفاء متواصلة لشهر كامل. تكون بهذه الطريقة.
ظل يقبلها فترة وكل ما يشعر به الطعن برجولته وقلبه المسكين.
حاولت دفعه. كانت تعلم سيكون رده قاسي ولكنها لم يصل لتلك الدرجة.
أنهى قبلته وهو يضم وجهها بين راحتيه يتلذذ بدموعها التي انسدلت على خديها.
"طالبة عشرة مليون في حاجة لسة ما عينتهاش. مش يمكن ماتستهلش المبلغ دا."
اقترب لشفتيها وهو يكاد يلمسها.
"أدوق الأول وبعد كدا نشوف ست الحسن والجمال تستاهل المبلغ دا ولا لا."
تجمدت مكانها لا تعي معنى كلماته. هل هذا يهينها. يهين أنوثتها.
***
"باي يامدام هشوف تستاهلي ولا لا. وبعدها أقرر."
قالها وهو يمشط نظراته على وجهها الذي أصبح كالأموات. هنا شعرت بألم هائل يجتاح قلبها قبل جسدها. قبضة قوية اعتصرت قلبها وهو ينظر لها بتلك النظرات.
أمتلأت عيناها بنيران الغضب. نظرت له بذهول.
"إيه اللي بتقوله دا."
خرج ولم يلتفت لها، كفى ما يشعر به من نيران أوردته. دلف إلى غرفته كالثور الهائج، وبدأ يطيح بكل ما يقابله ويصرخ:
- لييييييه!
قالها بصرخات هزت جدران المنزل. حطم الغرفة بالكامل.
دلت زينب سريعا إليه:
- راكان، فيه إيه ياحبيبي؟
أزال دموعه وخرج سريعًا دون رد. توقفت تنظر إلى مغادرته بقلب مفطور. بكت بحرقة عليه بعدما جلست على فراشه تتذكر ما استمعت إليه بعد وفاة سليم.
كان يجلس بغرفة مكتبه مع نوح.
- يعني هتتجوز ليلى ولا إيه؟ مش فاهم.
أطبق على جفنيه وأجابه:
- شوفت سوء حظ أكتر من كدا؟
توقف نوح وجلس بجواره مجيبًا:
- ليه بتقول كدا؟ ربنا بعتلك فرصة عشان ترجع لحبيبتك.
شعر بغصة منعت تنفسه، فأردف بلسان ثقيل:
- مش هقدر دي دلوقتي أرملة أخويا وبس. ولو اتجوزتها عشان أحمي ابنها، وجوازنا هيكون صوري.
نهض نوح فزعا وأردف:
- تبقى مجنون لو فرطت في ليلى يا راكان. مش دي اللي ربنا حرمك منها واتجوزت أخوك؟ دلوقتي بيراضيك أهو وبيقولك خد العوض. تقولي جواز صوري؟ فوق يا راكان قبل ما تخسرها.
هز رأسه وتحدث:
- ليلى عمرها ما هتكون غير مرات سليم في نظري يا نوح. كفاية وجع لحد كدا. أنا معنتش قادر أتحمل وجع تاني. عايز أرتاح. أنا مبقتش أنام من وقت ما أمي طلبت مني اتجوزها. مجرد تخيلي للفكرة بتدبحني. خايف على نفسي.
خرجت من شرودها حينما دلفت أسعد يبحث عن راكان.
- فين راكان يا زينب؟ وليه قاعدة كدا؟
رفعت نظرها بعينيها الباكية وأردفت:
- ابنك هيضيع مننا يا أسعد. الراجل اللي بتحامى في ظله بينهار ومش عارفة أساعده.
جلس بجواره مضيقًا عيناه ثم تساءل:
- قصدك إيه؟ مش فاهم؟
أزالت عبراتها ونهضت ثم تحدثت:
- ولا حاجة. خلاص وقت السكوت خلص.
قالتها ثم تحركت خارجة.
بغرفة ليلى كانت تجلس خلف باب الغرفة، تضع كفيها على أذنيها ودموعها تنسدل بقوة عندما استمعت لتحطيمه بالغرفة. همست لنفسها:
- غصب عني والله غصب عني. سامحني.
***
باليوم التالي.
وقفت بالشرفة تتحدث مع أختها بالهاتف. دلف من البوابة الرئيسية للقصر بسيارته. نزل بهيئته الخاطفة للأنفاس. أسرعت إليه عاليا، إبنة عمته التي رجعت من سفرها.
- راكان.
وقف مستدارًا لها.
- عاليا، حمدلله ع سلامتك.
اقتربت منه قائلة:
- الله يسلمك. وحشتني على فكرة.
ضمها وهو يضحك رغم حزنه:
- وانت كمان يا حبيبتي.
أرجعت خصلاتها المتمردة على وجهها وهي تتحدث له بصوت عذب طاغٍ:
- عرفت النهاردة إنك هتروح فرح.
قطب جبينه وتساءل:
- ودا يخصك في إيه؟
- محتاجة أغير جو شوية. فعرفت إنك هتخرج مع سيلين فقولت أخرج معاكم.
قطب جبينه قائلاً:
- يعني لسه جاية من سفر وزهقانة؟
دنت تتمسك بكفيه:
- عشان خاطري يا راكان خدني معاك الفرح.
اقترب منها وهو يركل بعض الحصى بقدمه، ثم رفع نظره إليها:
- تعرفي أنا بحبك أكتر واحدة في العيلة دي بعد سيلين.
اقتربت منه وابتسامتها تملأ وجهها، واضعة يديها على ذراعه:
- طيب ليه رفضت حكم جدي ومشيت ورا واحدة تانية؟
أنزل يديها بهدوء:
- عاليا إيه اللي بتقوليه دا؟ انتي أختي زيك زي سيلين. عمري ما فكرت فيكي غير كدا.
ثم أوضح مستفسرًا:
- أنا لو شايفك غير كدا صدقيني مكنتش هستنى جدي.
ابتسم رافعًا ذقنها:
- وبعدين ابن عمك بيمشي ورا البنات. إيه مشيت ورا واحدة؟
انسدلت عبراتها على خديها:
- يعني مفيش أمل يا راكان إننا نتجوز؟
لكمها بكتفها بمزاح:
- إيه يابت البجاحة دي؟ شوية وممكن ألاقيقي خطبتيني كمان.
رفع نظره لغرفة ليلى التي تقف تناظرهم وهي تتحدث بهاتفها. طوق أكتافها متحركا لمنزل عمته:
- عايزك تحطي الكلمة دي في ودانك يا عاليا. أنا مستحيل أتزوج حد منكم كلكم. أخواتي.
تنهد محاولا أخذ شهيقًا ببطء:
- متنسيش إني متجوز كمان وخاطب. شوفتي حلاوة أكتر من كدا؟
اتجهت تنظر له:
- كلنا عارفين حكاية جوازك من مرات سليم. متضحكش على نفسك. بس اللي مش قادرة أستوعبه إنك تتجوز واحدة زي نورسين دي.
توقفت أمامه وأردفت:
- تعرف ياريت تكمل مع ليلى بدل مفيش أمل بينا. لكن نورسين دي أنا مبحبهاش.
زفر بغضب من تلك المتطفلة، ثم تحرك وتركها مغادرًا متجهًا لمنزله.
بالأعلى كانت نيران الغيرة تحرق صدرها، ورغم ذلك تحدثت بخفوت لأختها:
- بكرة إن شاء الله هتكون الفلوس موجودة وبابا هيدخل العمليات ويزرع الكلية كمان.
بكت درة وهي تردف بنشيج:
- يارب يا ليلى يارب. بابا دا قوتنا وسندنا في الدنيا.
قطبت جبينها من حزن أختها الموجود بنبرة صوتها:
- إن شاء الله حبيبتي.
تساءلت درة:
- ليلى إنتي لسة متخانقة مع راكان؟
- لا ياحبيبتي أنا كويسة. هقفل دلوقتي عشان هشوف أمير.
بعد فترة قامت بتجهيز نفسها بعد ما أخذت شاورها لتستجم لما هو آت. تذكرت منذ ساعات.
فلاش باك.
تجلس بشرفتها، دلفت زينب إليها:
- مساء الفل يا لولا.
وقفت تبتسم لها:
- مساء الخير يا حبيبتي. محتاجة حاجة؟
اتجهت وجلست بمقابلتها:
- اجهزي يا لولو. عايزكي تكوني نجمة الليلة.
ضيقت عيناها وتساءلت:
- مش فاهمة حضرتك يا ماما؟ نجمة إيه وهجهز ليه؟
دققت النظر في ملامحها الجميلة ثم تحدثت:
- فيه حفلة جواز النهاردة. ظابط صديق راكان.
ثم أكملت مستطردة بتمهل:
- وطبعًا لازم مراته تكون معاه. ولا عايزاه ياخد نورسين؟
قالتها وهي تدقق النظر إلى مقلتيها.
فركت كفيها ونهضت قائلة:
- ميهمنيش ياخد اللي ياخده.
تنهدت زينب وتوقفت بمقابلتها قائلة:
- إحنا مش اتفقنا؟ ليه رجعنا نضعف تاني؟
ربتت زينب على كتفها تحثها على النهوض:
- مينفعش تسيبي جوزك لوحده.
وقفت كالملسوعة تفرك يديها:
- لا أروح معاه فين ولوحدي؟ حضرتك متعرفيش هو بقى يعاملني إزاي.
جذبتها زينب بقوة وأجلستها بجوارها:
- بقولك إيه يا ليلى. انتي عايزة راكان جوزك يابنتي ولا لأ؟
نظرت داخل عينيها وأكملت مفسرة:
- مفيش واحدة متجوزة بتسيب جوزها كدا. انتوا بقالكم فترة متجوزين وكل واحد منكم في أوضة. غير إنك سيباه كل ليلة يبات برة. لا وكمان سبتيه يخطب. فيه إيه يا بنتي اتجننتي ولا إيه؟ قبل أي حاجة أنا مش هبلة وحاسة باللي بيحصل بينكم.
وقفت ونظرت للحديقة وأردفت بحزن:
- فيه إن جوازنا كان غلطة يا ماما. هو اتجوزني بلعبة بس أنا صابرة عشان متحرمش من ابني.
- يعني مش فارق معاكي يابنتي لو اتجوز نورسين؟
ارتجفت أوصالها من حديث زينب ورغم ذلك ابتسمت بسخرية:
- ومين قالك يا ماما إن ابنك مستني جواز نورسين أو غيرها. ابنك عايش حياته بيا ومن غيري.
اتجهت زينب ووقفت بجوارها تنظر للحديقة الشاسعة المليئة بالأزهار:
- تبقي عبيطة يا ليلى. ومتعرفيش حاجة.
نظرت لها وأردفت متسائلة:
- مش فاهمة قصدك؟
ظلت تنظر كما هي:
- مش كل اللي بنشوفه يا بنتي بيكون حقيقة.
ثم اتجهت للداخل:
- راكان بعتلك الفستان دا. بيقولك اجهزي واعملي حسابك على اتفاقنا الليلة. حتى قالي أهتم بأمير عشان هتروحوا عند نوح.
***
ربتت على كتفها قائلة:
- جهزي نفسك وروحي مع جوزك. بلاش تسبيه لوحده في ليلة زي دي. ومتنسيش انتي قدام العيلة كلها مرات راكان البنداري. بغض النظر إن جوازكم غصب زي ما انتي بتقولي بس انتي مراته.
خطت عدة خطوات للخارج:
- لو باقية على جوزك خليه ما يشوفش غيرك. دا لو شايف حد أصلا. وبلاش وسوسة شيطانك. الحفلة بالليل. قدامك وقت طويل لسه تهتمي بنفسك.
زفرت بغضب بعد خروج زينب من الغرفة، وتذكرت حديثها معه بالأمس.
انتهت من لمساتها التجميلية. جلست على فراشها تلتقط أنفاسها وهي ترى اسمه ينير هاتفها. أخذت نفسًا طويلا ثم طردته:
- أيوة.
- على الجانب الآخر.
- أنا خلصت لو خلصتي انزلي عشان منتأخرش.
اتجهت تلقي نظرة أخيرة لهيئتها ثم تحركت لغرفة ابنها. رفعته ثم طبعت قبلة على جبينه:
- اسمع كلام نانا يا حبيبي.
ثم وضعت أمامه ألعابه. استدارت عندما دلفت زينب:
- الله أكبر عليكي حبيبتي. طالعة تاخدي العقل.
- ميرسي يا ماما عيونك هي الحلوة.
قامت بخلع خاتمها ووضعته بأصبعها:
- دا هيكون بتاعك بعد كدا. وإن شاء الله تديه لمرات أمير. على فكرة الخاتم دا وراثة، ماشي ياحبيبتي.
ابتسمت لها ثم تحركت للخارج. أوقفتها زينب قائلة:
- ليلى. عايزة راكان يرجع يضحك زي الأول. يارب تكوني فهمتي قصدي.
بعد قليل كان ينتظرها بالأسفل بهيئته الجذابة الخاطفة للأنفاس، ولا يختلف الأمر عليها. نزلت بطلتها التي جعلته كالمسحور بجمالها. نعم خطفته أميرته بجمالها، سارقة قلبه وحواسه.
قيم فستانها الذي باللون الأزرق الداكن وحجاب باللون الأوف وايت مع لمستها التجميلية التي أظهرت رونق عينيها السوداء وأهدابها الطويلة. نعم تشبه عيون الغزال بصفوها ورونقها. اتجه إليها وقام بفتح باب السيارة.
ركبت دون حديث، فهيئته أمامها حبست أنفاسها وجعلتها غير قادرة على الحديث أو التنفس.
قام بتشغيل كاسيت السيارة الذي صدح بالأجواء بأغنية العندليب "حبك نار".
نظر من النافذة إلى الخارج أثناء قيادته حتى لا يضعف أمامها ويقوم بضمها. ظل يضغط على أعصابه حتى وصل إلى الحفل خلال دقائق. أمسكها من يديها بهدوء وأنزلها من السيارة، ثم أخرج علبة من جيبه وفتحها.
أمسك كفيها ووضع ببنصرها خاتم زواجهما.
رفع كفيها ثم طبع قبلة مطولة عليه:
- أتمنى مش تخلعيه أبدا.
نظر إلى مقلتيها مردفًا:
- ممكن تخليعه لو مت.
وضعت إبهامها على شفتيه:
- بعد الشر. متقولش كدا.
أطبق على جفنيه وهمس:
- أنا أصلا ميت.
ارتجفت شفتيها قائلة:
- آسفة.
ثم تحركت بعض الخطوات. جذب كفيها بعدما خرج من حالته قائلاً:
- متحاوليش تبعدي عني. هنقعد شوية ونمشي.
أومأت برأسها دون حديث، فشعورها بقبضة يديه كأنه يقبض على قلبها المسكين. ناهيك عن رائحته التي غلفتها بالكامل.
تحرك للداخل وهو يطوق خصرها، ينظر بانتشاء للجميع. فاليوم كأنه يمتلك الدنيا وما عليها. ابتسم على نفسه بسخرية وبدأ يحدث حاله:
- فرحان من مجرد أنها جنبي الليلة وتخصني. طيب هعمل إيه لما تكون في حضني طول الليل.
اتجه عز الألفي إليهما:
- حمد الله على السلامة ياحضرة المستشار.
قالها عز بحبور وهو يضمه بقوة.
- نورت حي الألفي.
نظر عز إلى ليلى.
- نورتي الفرح يامدام ليلى.
ابتسمت له وأردفت.
- ميرسي.
رفع نظره إلى جاسر الذي اتجه إليهم.
- أهلا باحضرة المستشار وأنا بقول الفرح نور ليه.
اقترب منه قائلاً.
- اسكت يافاشل، عايز أخنقك وحياة ربنا، بقى تعرف مكان أمجد ورايح بطولك ياأهبل.
تراجع خطوة ينظر إليه بتقييم، ثم رفع نظره إلى جواد الذي يقف بجوار ريان وصهيب، ثم استدار إليه مرة أخرى.
- إنت متأكد يابني إنك ابن جواد الألفي، أصلي أشُك الصراحة.
قاطعهم وصول بيجاد.
- اوبااا مين عندنا المحترم بزيادة.
قهقه عليه راكان.
- يخربيتك انت ايه اللي جابك هنا.
ضمه بيجاد بمحبة.
- عامل ايه، وإيه أخبار سليم.
تصنم بوقوفه، ثم رفع نظره إلى ليلى قائلاً.
- سليم الله يرحمه بقاله أكتر من سنة ونص أهو.
ربت بيجاد على كتفه.
- آسف مكنتش أعرف، الوقت دا كان مراتي تعبانة، عشان كدا ماأخدتش بالي ومعرفتش.
ابتسم راكان.
- ولا يهمك، أشار إلى ليلى.
- دي مدام ليلى مراتي.
- أهلاً مدام ليلى.
أومأت برأسها دون حديث.
***
انتهى الحفل وكلا منهما حاملاً بقلبه غصة من نوع آخر. صمت مقتول بالسيارة لفترة ليست بالقليلة حتى قاطعه هو محمحماً.
- جاهزة، أحنا مش هنرجع على البيت. قالها بصوت متألم.
أطبقت على جفنيها وهي تهز رأسها تنظر من النافذة بالخارج. لم يشعر بنفسه، فجذبها يضمها إلى صدره. أغمضت عيناها مستمتعة برائحته.
اتجه بها إلى منزل يخصه اشتراه منذ زواج سليم بجوار إحدى المزارع. كان يقضي بع معظم أوقاته بعيداً عنهما، بمشاعر غاضبة ونوبات جفاء وكبرياء منه نزل واتجه لها.
فتح باب السيارة وامسك يديها التي كانت بمثابة الثلج الذي أرجعه لبرودة الجو.
تفقدت المكان تشعر برعشة قلبها وسرعة اضطرابه. رغم إنها بحضرته، ضم خصرها جاذباً إياها إليه. أنزل يديه بهدوء.
- مفيش حد موجود. وبعدين ايه البيت دا.. ليه مروحناش.
وضع إصبعه على شفتيها.
- اشش... المكان روعة وهيعجبك. وبعدين عايزة الليلة مميزة. ماهو مش أي سهرة برضو.
جذبها بقوة فهو يشعر بنيران قلبه التي تحرقه دون رحمة.
دلفت للداخل بسيقان مرتعشة وقلب يكاد يقذف من محله خوفاً من اقترابه.
- اطلعي فوق وغيري فستانك دا... وأنا مستنيكي هنا.
رفعت نظرها إليه وأردفت بشفتين مرتعشتين.
- أنا غيرت رأيي.
ابتسم واتجه إليها.
- يعني هنروح ومش عايزة فلوس!!
- لا مش دا قصدي. قصدي أنا مش عايزة اكون معاك لوحدي هنا... هنروح على الفيلا بتاعتنا.
جن جنونه من هول كلماتها. قام بفك رابطة عنقه.
- روحي غيري أنا مستنيكي. قالها واستدار.
مواليها ظهره. فركت يدها.
- أنا مجبتش حاجة معايا.
أستدار يرسمها بعينه قائلاً.
- كل حاجة هتحتاجيها فوق.
صعدت للغرفة التي أشار إليها.
جلست لدقائق تلملم شتات نفسها. حاولت التراجع ولكن تذكرت حديث الطبيب عن صحة والدها المتأخر.
وقفت واتجهت للمرحاض وقامت بالاغتسال مقنعة نفسها.
قامت بارتداء ثيابها الخاص بهذه الليلة الذي انتقاه بعناية.
"قميص أحمر شفاف مفتوح بقصة صدر واسعة... يصل مافوق الركبة" حقاً يبرز مفاتنها الأنثوية بسخاء ليجعلها أميرة قلبه.
جلست أمام المرآة التي يوجد بها جميع العطور الأنثوية الخاصة بها. أمسكت قنينة العطر تشمها قائلة.
- دي بتاعتي. في بداية الأمر استوقفت على ماذا يعني... ولكن أرجعته أنه أتى به لاستمتع بليلته... أو ربما سيكون صدفة.
نظرت حولها بالغرفة. اتجهت بنظرها للفراش الموضوع بالمنتصف.
- ياترى كام واحدة جت هنا. انزلقت عبراتها. ثم.
ارتدت مأزرها ونزلت بساقين مرتعشتين تبحث عنه بعينيها. وجدته جالساً أمام المدفأة شارداً. ظلت تنظر له ولسكونه ولظهره لبعض اللحظات.
شعر بها من خلال رائحة برفانها الذي انعشت روحه وجعلته كالمدمن الذي ينتظر جرعته.
تنهد معاقب قلبه وأردف وهو مازال على وضعيته.
- قربي يامدام. قالها مختنقاً يتمنى أن تتراجع يتمنى أن تصرخ بوجهه.
ولكن خاب ظنه عندما اقتربت ووقفت خلفه مباشرة.
- أنا جاهزة. بس الأول زي مااتفقنا.. عايزة الفلوس الصبح تتحول على حسابي.
قبض على يديه بغضب. وخناجر تطعنه بقوة في قلبه. أغمض عينيه فانسكبت دمعة من طرف عينيه. أزالها سريعاً. ثم استدار إليها بهدوء.
نظر إليها نظرات حبيب عاشق حد النخاع بقلب يتمزق إلى أشلاء.
بدأ ينفث سيجاره بغضب. ويتناول من نبيذه. كان هيئتها هذه تحرق صدره مثلما يحرق تبغه رئتيه.
ألقى السيجارة أرضاً. ضاغطاً عليها بقدمه. يحاول يخرج عصبيته بها قبل أن يخرجها بها.
اقترب منها بخطى سلحفية. وكأنه يخطو على نيران قلبه. اقترب واقترب حتى اختلطت أنفاسهما.
حاوطها بذراعيه واضعاً جبينه فوق جبينها.
وأردف بصوت مختنق حزين.
- خليتي أجمل ليلة في عمري. أسوأ ليلة في عمري كله.
رفعت رأسها تناظره.
- مش فاهمة. قالتها متقطعة.
رفع يديه ولمس خديها الناعم. الذي أثار نعومته جسده بالكامل فشعر بحرارة تنبعث بداخله. حبيبته... عشقه... أمامه بكل ما تملك ولكن بطريقة مؤذية لقلبه.
آهة خفيضة خرجت من اقتناص قبلته التي أحيت قلبه بعد أن جفا صحراويته مع دمعة تحررت من شمسه. فما أجمل من لذة اقتراب العاشقين. رغم إنها بطريقة مؤلمة للقلب ولكن منعشة للروح.
استمعت بقلبها له.
ظلا وقتاً وهو يعزف لها معزوفة عشقه الأبدي. كل ما شعر كلا منهما اغتنام السعادة لروحهما. ولكن هناك نقطة فاصلة جعلته يشعر بنيران تأكل قلبه عندما شعر أنه ليس الأول بحياتها. اعتدل سريعاً متجهاً للمرحاض دون حديث.
اعتدلت تلملم شتات نفسها التي بعثرها منذ قليل. ورغم ما كانت تشعر به إلا إنها استغربت حالته التي وصل إليها بعدما امتلكها كاملاً.
وقفت تبحث عن ملابسها. ولكن قميصها الذي مزقه بقبضه لم يعد ينفع لارتدائه. اتجهت لقميصه الموضوع على حافة الفراش. وارتدته سريعاً قبل خروجه. اتجهت لباب الغرفة. ولكن تسمرت مكانها عندما خرج.
- استني عندك.
شعرت بدقات عنيفة ظناً منه أنها سيكمل مابدأه مرة أخرى. ولكن أدمى قلبها عندما قال.
- حولتلك عشرين مليون.
اتجه إليها ونظر إليها نظرات ذات مغزى وهو ينظر لجسدها بوقاحة.
- الصراحة أول مرة أتمتع مع واحدة كدا. بس فيه حاجة بس زعلتني إني للأسف مش أول راجل يلمسك.