تحميل رواية «عازف بنيران قلبي» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماتت حروف الحب من دفتر الكلمات، فقد ظلمت مثلما ظلمت، مثلما حكم الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمع أحد أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة. حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخل قلوبهم لقلبي. أصبحت قلوب الجميع قاسية لا تعرف عن الحب شيئًا، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحه أو لا. مات الحب مثلما قتلوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي...! -*-*- في إحدى الأحياء الراقية في مدينة القاهرة، خاصة في ذاك القصر المقام على مساحة شاسعة يحاوطه الحرس من كافة...
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سيلا وليد
خرجت ليلى من غرفة الاجتماعات وقلبها ينتفض بشدة، تكاد تأخذ أنفاسها بصعوبة. هي لم تحتاج سوى الاختلاء بنفسها.
دَلَفَت سريعا إلى مكتبها وهي تضع يديها على صدرها تحاول أن تلتقط أنفاسها التي شعرت بإنسحابها. انسدلت دمعة بجانب جفنها، أزالتها وهي تضغط على هاتفها بقوة حتى لا تفقد سيطرتها وتقوم بالاتصال به. ارتفع صوت شهقاتها حتى وضعت كفيها على فمها، ظلت لفترة ثم اتجهت إلى سيارتها.
قبل شهر. فلاش باك.
جاء الصباح، استيقظت على ألم يفتك بها. فتحت عيناها تنظر حولها متذكرة أحداث الأمس. وجدت أسما تجلس بجوارها تقرأ بمصحفها. اتجهت أسما لها بعدما استمعت لتأوهاتها، ابتسمت تمسد على خصلاتها.
"صباح الخير حبيبتي، نمتي كويس؟"
"الفجر أذن ولا إيه؟"
أجابتها أسما بابتسامتها الجميلة.
"صبح، صبح ياعم الحج. الساعة خمسة ونص حبيبتي الفجر أذن من ساعة."
اعتدلت تتثاءب وهي تضع كفيها على فمها، ثم توقفت فجأة. بللت حلقها وابتلعت ريقها بصعوبة تتسائل عنه.
"راكان، راكان فين؟"
وضعت أسما وجنتيها على راحتيها تتأملها بصمت وبؤس مزق روحها. رفعت ليلى رأسها متسائلة.
"فيه إيه يا أسما بتبصي كدا ليه؟ أنا بسأل عن راكان."
وبعدين إزاي متصحنيش للفجر؟ كدا تضيعي صلاة الفجر.
قاطعتها أسما.
"راكان مشي امبارح بعد ماحضرتك قلبتي التربيزة عليه، ومش بس كدا وعدني انه مش هيقرب منك وقالي خلي بالك منها."
تحركت عندما شعرت بأن قلبها هوى بين قدميها. أغلقت باب المرحاض خلفها واستندت تبكي وهي تهمس لنفسها.
"ارتحتي كدا؟ ودا هعرف أعيش من غير ماأشوفه إزاي ولا أشم ريحته؟"
ابتلعت غصة مريرة ملئت جوفها بطعم الصدأ.
"لازم أفوّق ياليلى، متخليش قلبك يجرك."
وضعت كفيها على قلبها.
"يارب ريحني من الوجع دا."
اتجهت لتقوم بالوضوء متجهة للحي القيوم.
بعد قليل أنهت صلاتها وجلست تذكر ربها وتقرأ وردها إلى أن أشرقت الشمس وقامت بصلاة الضحى.
انتهت ليلى من صلاتها، وجلست بأجندتها كعادتها تتدون بعض الأشياء التي تشعر بها.
ثم دونت بعض السطور متنهدة وكأن صورته على صفحات دفترها.
"ولا زال الخريف يأخذنا معه في رحلته بين الفصول..
يتعمد أن يبعثر مشاعرنا..
ليخبرنا أن لا شيئ يدوم..
وأن الأحوال تتغير..
وأنه يخبئ في نهاياته أمطارا غزيرة..
يسكبها على قلوبنا الظمأى..
ليتنا مثل الخريف ننفض أوراق مشاعرنا الجافة..
لننتظر أن تعود خضراء في ربيع ننتظره بكل شغف..."
مرت الساعات تلو الأخرى إلى أن أشرقت الشمس وملأ شعاعها بنور ربها بقطرات فصل الخريف الندية. توقفت تعقد ذراعيها تحتضن نفسها تنظر لتلك المناظر الجميلة مبتسمة وكأن حبيبها يعلم بما تشعر به من حضورها بين تلك الأشجار. ابتسمت وهي تضع كفيها على أحشائها.
"أتمنى ما أشعر به أن يكون حقيقيا وليس حلما، فيارب تجعل لي نطفة في أحشائي لكي أتذوق حنانه الذي حرمت منه."
دَلَفَت أسما وجلست بمقابلتها تتفحصها بنظراتها.
"سمعاكي ياليلى، قولي إيه اللي وصلكم لطلاق والحب الكبير دا بينكم."
رفعت بصرها إليها تكاد تسمع دقات قلبها من فرط اضطرابها. نظرت للخارج وقامت بقص كل شيئا لها ابتداء من خطف والدها إلى أن أتى بها لذاك المنزل.
فغرت شفتيها بعدم تصديق ثم نهضت واقتربت منها تتحدث بعصبية.
"إيه الناس دي؟ وازاي ترمي ودانك للي اسمها عايدة وتوفيق؟ وبعدين تعالي هنا طنط زينب حذرتك ليه مسمعتيش منها؟"
وضعت كفيها على وجهها واجهشت بالبكاء.
"عارفة أني غلطت، بس ميكنش نتيجة غلطي أنه يرميني بالطريقة دي."
ساد صمت مختنق بحزن بينهما فربتت أسما على ظهرها متحدثة.
"ليلى راكان معذور، أي حد مكانه كان هيطلقك من وقتها، ماهو اللي اتعمل مش سهل عليه."
اتجهت بأنظارها وتحدثت بصوتها المفعم بالبكاء.
"ولا سهل عليا يا أسما، أنا شوفتُه بعيوني والحقيرة دي بتقرب منه، تستحملي تشوفي جوزك واحدة تتحسس جسمه يا أسما وتقفل في وشك؟ تتحملي تكون في حضن جوزك طول الليل وهو بيبنيلك قصر في الجنة وفجأة تلاقي القصر دا جدرانه عبارة نار تحرق قلبك."
ابتسمت أسما بسخرية تنظر للخارج.
"لا عيشت أكتر من كدا ياليلى، شوفت جوزي وهو بعلاقة كاملة، أنا اتجردت من ملابسي كلها وتصورت مع راجل، عايزة أكتر من كدا إيه؟"
تنهدت بألم شديد وكأنها تحارب نصل سكين حاد مغروس في صدرها ثم أردفت بخفوت.
"عارفة حسيت بإيه؟ حسيت وكأني في قبر وعايزة أصرخ بس صوتي مش طالع لحد."
اتجهت بجسدها تطالعها بنظرات حزينة.
"أنا عيشت جوا الوجع ياليلى، ونوح واقف متكتف، بس إنت جوزك بيحارب وبيتحارب من الكل، راكان بيعشقك ودا مش كلام، دا حقيقة، متخليش شيطانك يلعب بيكي، وحاولي تحافظي على جوزك، وزي ماقولتي هو مكنش قصده أنه يقرب منك ولا يدبحك ياليلى، بس قلوبكم اتحكمت فيكم، وراكان مش الشخص الضعيف اللي يسمح لقلبه يضعفه كدا."
رفعت كفيها تمسد على خصلاتها بعدما استمعت لتأوهاتها ونحيبها.
"أنا ضايعة يا أسما مبقتش عارفة دا حب ولا لعنة، بيحبني ولا بيلعب بمشاعري لما اتأكد أني بحبه أوي كدا."
اقتربت أسما تجلس على عقبيها أمامها وامسكت كفيها.
"والله بيحبك وكتير كمان، أنا أكتر واحدة عارفة ومتأكدة من كلامي، أنا عشت معاه وجعه، مش هقولك بلاش انت بتحسي بأيه لما بتقربوا من بعض، بس هثبتلك دا لحظة وراجعة."
أطبقت على جفنيها وعبراتها كزخات المطر تغسل وجنتيها إلى أن أتت أسما إليها وقامت بالرنين عليه ثانية، مجرد ثانية من رنين الهاتف. رفعه سريعاً.
"أيوة ياباشمهندسة ليلى حصلها حاجة؟"
نظرت بعمق لداخل عينيها وأجابته.
"لا.. ليلى كويسة، آسفة اتصلت بدري بس كنت بستأذنك هاخد ليلى عندي البيت تغير جو شوية."
مسح على جبينه وهو جالس أمام غرفة العمليات.
"أسما ليلى مش هتطلع من بيتها دا إلا بعد موتي وعشان منتعبش مع بعض وتقولي شعارات، أنا أه دكتاتوري ياستي ومتحكم ودا آخر كلام، واسف مضطر أقفل، خلي بالك منها."
أغلقت الهاتف وهي تطالعها.
"إيه رأيك دا واحد بيتلاعب بالمشاعر؟ بلاش دا."
قاطعتها ليلى قائلة.
"صوته باين عليه الحزن والإرهاق ياترى وصلوا لسليم؟ كنت عايزة تسأليه."
ربتت على كتفها متحدثة.
"دا مش تسأليه حبيبتي، دا تروحي وتقابليه وتقفي جنبه، بلاش تقولي الكرامة وشغل الهبل دا، إنت اللي غلطتي من الأول، ولو باقية عليه لازم تتنازلي شوية.. فيه حاجة كمان عايزاكي تشوفيها، بس أشوف مين بيخبط."
نهضت متجهة إلى طفلها بعدما استمعت إلى بكائه مع مربيته.
"صباح الخير ياميرو."
رفع ذراعيه وهو يبكي.
"بابا.. بابا."
هنا تجمد جسدها للحظات وهو يجذب ثيابها مردفاً بين بكائه "بابا".
اتجهت بنظرها إلى مربيته.
"هو بيعيط من زمان."
حملته بين ذراعيها محاولة تهدئته.
"مالك ياحبيبي."
ارتفع بكائه أكثر بصوته ينادي أبيه.
وصلت أسما إليها.
"ليلى طنط زينب تحت، بتقول جاية تشوف أمير وحشها، بس شكلها حزينة أوي."
اتجهت وهي تحمل طفلها متجهة إلى زينب.
"ماما زينب صباح الخير!!"
ليه تعبتي نفسك؟ كنت عرفيني وأنا أجيبه لحضرتك.
تلقت الطفل وجلست والحزن يتعمق على وجهها.
- يعني أهمك يا ليلى؟ لو أنا مهمة عندك، مكنتيش مشيتي وسبتيني في الظروف دي؟ وأنا هموت على سيلين.
ربتت ليلى على ظهرها.
- والله يا ماما، راكان محذرني من الخروج. وحضرتك عارفة هو مضغوط بسبب موضوع سيلين، محبتش أضغط عليه بأمير كمان.
هزت رأسها وهي تتساءل: هو بيعيط ليه كدا؟
اهتزت شفتيها وللحظة شعرت بأن لسانها غير قادر على إجابتها. ثم رفعت نظرها لأسما وأجابتها:
- بيسأل على راكان، عايزه.
قالتها وهي تهرب بنظراتها منها.
ضمته زينب بكل شوق زرع في قلوب الأمهات المكلومين على فلذات أكبادهم، ودمغته بقبلة مطولة وانزلقت عبراتها وهي تتلمس خصلاته.
- يا حبيبي يا ابني، اتحرمت من أبوّاتك الاتنين، واحد مدفون تحت التراب والتاني عايش فوقه زي اللي تحته بالظبط.
قالتها وهي تطالع ليلى بأنظارها الحزينة. قاطعهما دخول نوح.
- صباح الخير، عاملة إيه يا ماما زينب؟
- صباح الخير يا حبيبي، إيه خير جاي ليه على الصبح كدا؟
وقف صامتا للحظات ينظر إلى ليلى، يشعر بأنياب حادة تنهش قلبه، فتحدث بهدوء:
- روحت القصر، فنعيمة قالت راحت تشوف أمير. عرفت إنك هنا.
هبت ليلى فزعة من مكانها ودقاتها بالارتفاع وشعور جسدها بالدوران وكأنها ستفقد وعيها، متسائلة بلسان ثقيل:
- راكان حصله حاجة ولا إيه؟ بس إزاي؟
برقت زينب عيناها متجهة بنظرها سريعًا إليه.
أردفت بتقطع عندما وجدت صمته وشحوب ملامحه:
- ابـ...ـني... را...كان.
اقتربت ليلى وجسدها ينتفض بقوة وروحها كادت أن تفارقها حينما رسم عقلها سيناريو مفزع ومؤلم لقلبها، فامسكت نوح الصامت.
- جوزي فين يا نوح؟
ابتلع ريقه وهو ينظر إلى زينب.
- راكان كويس، بس سيلين اتصابت بطلق ناري وهي في المستشفى.
ضربت زينب على صدرها وهي تصرخ:
- بنتي، يا حبيبتي يا بنتي.
أنزلت أمير من أحضانها وبدأت تبكي ممسكة بيد نوح.
- قولي إنها عايشة يا نوح، قولي إنك مش مخبي عني حاجة. وديني لبنتي يا نوح.
استنى يا نوح، هلبس وأجي معاكم بسرعة.
صرخت زينب التي وصلت لباب المنزل. نوح أشار لأسما التي تقف متجمدة تبتعد بنظراتها عنها، فأردف:
- أنا لازم أمشي، وأنت تعالي مع أسما.
قالها وتحرك للخارج. أسرعت لغرفتها وقلبها ينفطر.
- ياترى راكان عامل إيه دلوقتي؟
اقتربت أسما وتوقفت أمامها.
- قبل ما تقابلي راكان، ولو مقتنعتيش بكلامي، شوفي الفيديوهات دي. طبعًا أنتِ عارفة نوح حاطت كاميرات في المزرعة، ومكنش قصدي أشوفهم، بس شوفتهم صدفة وافتكرت حاجة حبيت أبرئ نفسي منها، يمكن تثقي في جوزك شوية. أنا هروح ألبس.
جلست ليلى على مخدعها تنظر لذاك الفيديو الذي ظهر به راكان وهو يوم زفافها على سليم.
"أوه، حضرة المستشار قاعد بيشرب هنا، وحبيبته في حضن أخوه. اقترب نوح يطالعه. ياترى عارف أخوك بيعمل إيه في حبيبتك؟"
هجم عليه راكان وبدأ يلكمه بكل قوة ويركله حتى اقترب حمزة للفكاك بينهما. انسدلت عبراتها وهي تتحسس وجهه والألم يعصف به.
فيديو آخر.
- عايز تعرف إيه يا نوح؟
- آه، بحبها، ومش بحبها بس بعشقها. تقولي إنّي واطي إن خنتك وخبيت عليك، قول. عايز تعرف إن بقالي سنة وأنا بقفل في وشها كل الشركات علشان توصل لعندي، علشان بس أشبع من النظر فيها.
اقترب نوح قائلاً:
- ليلى مش زي البنات اللي تعرفها، ما تخليّنيش أزعل منك.
- ومين قالك إن ليلى كدا؟ أنا بحبها يا نوح، وناوي أخطبها، لأ مش هخطبها، هنتجوز. بس لازم أتأكد من مشاعرها الأول، مش عايز وجع لقلبي تاني. المرة دي صدقني، هتكون بموتي.
اهتز جسدها بالكامل وهي ترى فيديوهات كثيرة له عن حبه لها. شعرت بنبضها يحترق ألمًا، ونيران بداخل صدرها تمنت لو أنه أمامها الآن حقًا. مظهرها أصبح مبعثرًا ونظراتها ضائعة وشفتيها ترتجف هامسة باسمه:
"راكان... آسفة حبيبي."
بعد فترة قليلة وصلوا إلى المشفى. كانت تبحث عنه بقلبها قبل عينيها. قابلهم حمزة على باب المشفى.
- هي كويسة، مفيش قلق، الحمد لله، الرصاصة مش في مكان خطر.
هزت ليلى رأسها تتساءل عنه.
- فين راكان يا حمزة؟
قالتها وقلبها ينتفض اشتياقًا لضمه. أشار بسبابته.
- قاعد جنب ماما زينب هناك أهو.
أسرعت بخطى متعثرة وعينيها لم تفارق وجوده الطاغي لقلبها. وصلت وهي تستمع لصوت زينب، ولكنها كالصم البكم وهي تراه بتلك الهيئة.
نظرت إلى زينب.
- الحمد لله يا ابني، الحمد لله، يا رب إني استودعتك ابنتي.
ظلت ترددها وهي تجلس بقلب أم انتزع قلبها على فلذة كبدها إلى أن وصل إليها يونس الذي كان يقف أمام غرفة العمليات.
- إن شاء الله هتقوم بخير، مستحيل ربنا ياذيني فيها، لا مستحيل.
ظل يرددها وهو يذهب إيابًا وذهابًا أمامهم.
... أما راكان الذي جلس بكتفين متهدلين وقلب يأن وجعًا وكأنه فقد أخاه اليوم. وقفت تتأمل شحوب وجهه بأعين دامعة ولم تشعر بنفسها وهي تتحرك باتجاهه، تجلس على عقبيها أمامه تحتضن كفيه التي بها آثار الدماء.
"راكان."
أردفت بها بصوتها الهامس. رفع عينيه.
لامست وجنتيه وملامحه المتوجعة التي ظهرت على وجهه جعلتها تأن ألمًا.
انزل كفيها بهدوء وانكمشت ملامحه مع نظرات متهكمة مردفًا:
- ياترى جاية تشمتي فيا، ولا كنتِ مستنية أموت وتفرحي؟
قالها بنبرة قوية يشوبها قسوة رغم ما يشعر به من حزن وألم على أخته.
نهضت ليلى وهي تتجه بحديثها إلى نوح.
- مش مستنية منك دا يانوح والله. أنا مش هسيبه الوقت دا ولا غيره مهما يعمل.
نهض يقف بمحاذاتها.
- ليه راكان طلقك ياليلى رغم الحب اللي بينكم؟
ظلت للحظات صامتة ولم تجيبه، ثم تنهدت قائلة.
- عقاب لينا احنا الاتنين. أنا غلطت كتير وهو غلط أكتر فبنعاقب بعض دا اللي أقدر أقوله.
قالتها وتحركت خلفه بعدما وجدته يدلف للمرحاض بعد خروج الطبيب من غرفة العمليات وحديثه الذي هدأ من روعهم.
دلفت للداخل وهي تراه يضع رأسه تحت صنبور المياه وكأنه يريد برودة جسده. اتجهت تقف خلفه. شعر بها نظر للمرآة وجدها تقف بعينين ضائعتين طمس بريقها من الحزن. كور قبضته عندما شعر بعدم سيطرته على نفسه حينما فقد قدرته على التحكم ود لو يلقي نفسه بأحضانها.
- را...كان...
قالتها بتقطع ونبرة يشوبها التوسل. استدار إليها سريعا.
- عايزة إيه جاية للحقير ليه.
أشار على نفسه واردف بصوت متألم حزين.
- أنا واحد حقير بجري ورا غريزتي. مش دا كلامك يامدام.
اقترب منها وعيناه ترمقها بنظرات نارية وهي تتراجع للخلف مردفاً.
- نزعتك من حياة الحقير المقرف دا عشان متربطيش نفسك بواحد قذر بيجري ورا غريزته. واحد كل همه السرير يامدام.
دنى يهمس بجوار أذنها.
- رميتك برة حياتي عشان تفضلي ليلى النضيفة بعيد عن راكان القذر.
أشار بكفيه للخارج.
- القذر اللي بتقولي عليه لولا سيلين كان زمانكوا دافنينه تحت التراب لولا سيلين. موتيها لما تفوق. قولي ليها ليه أنقذتي الحقير دا.
هزت رأسها ودموعها تسيح بغزارة على وجهها من اتهاماته التي أصبحت كالسهام تخترق صدرها. فلم تتحمل ذاك واقتربت تلقي نفسها بأحضانه وتجهش بالبكاء بشهقات مرتفعة.
- بعد الشر عليك. يارب أنا ولا إنت.. متقولش كدا لو سمحت.
رجفة قوية اجتاحت جسده حتى تجمد من فعلتها وحديثها الذي بعث قشعريرة قوية سرت بعموده الفقري إلى سائر جسده بعدما استمع إلى صوتها الحزين وهي تعتصر نفسها بأحضانه.
- راكان مقدرش أعيش من غيرك. إنت حبيب قلبي وحياتي كلها.
سحب نفسا قويا حتى يسيطر على نفسه من قوة المشاعر التي اجتاحت جسده. ظل للحظات متجمداً لا يبادلها أحضانها رغم تمنيه إذابة عظامها وفرم لحمها بين ذراعيه. ولكن كفى لما صار بينهما.
حرب دامية اجتاحت قلبه حتى شعر به كأنه فوهة بركانية فتراجع للخلف حتى تبتعد عن أحضانه.
- حرام يامدام اللي بتعمليه إيه نسيتي إنك طلقتي زيك زي اللي قبلك. وأنا اللي بطلقها برميها ورايا ومبصش عليها تاني.
نزلت كلماته على قلبها كالطلقات النارية التي اخترقت قلبها دون رحمة رغم كلماته التي مزقتها إلى أشلاء إلا أنها حاوطت عنقه وتعمقت بعينيه التي يهرب بها.
- لا ما حبيبي هيرجعني تاني لعصمته. دا لو مرجعنيش مش كدا ولا إيه. مش إنت رجعتني ياراكان.
أنزل ذراعيها وتهكم مبتسماً بسخرية.
- شكل الباشمهندسة مسمعتش كويس أنا اللي بطلقها أو بمعنى أصح برميها برة حياتي مش برجعلها تاني. واه مش مشكلتي أن أحلامك كبيرة.
أصابها بخنجر غرزه دون رحمة في جدار كبريائها. ابتلعت إهانته وشعورها بإنسحاب أنفاسها وشحوب وجهها بالكامل. تراجعت للخلف مستديرة المغادرة ولكنه أوقفها.
- مدام ليلى شكراً لاهتمام حضرتك مالوش داعي وجودك في المستشفى ممكن تمشي تروحي لابنك ماينفعش تسبيه لوحده.
أجابته بصوتها المكتوم بالبكاء وهي تواليه ظهرها.
- هطمن على سيلين وأمشي. آسفة لو هضايق حضرتك لكن متخافش هقعد بعيد عن حضرتك.
قالتها وتحركت سريعاً ودموعها تفترش خطواتها المبعثرة حتى وصلت إلى غرفة. فتحتها ودلفت سريعاً تقف خلف الباب. تنزل بجسدها وصوت بكائها يرتفع مما جعلها تضع كفيها تمنع شهقاتها. جلست لفترة تعيد سيطرتها على نفسها ثم خرجت متجهة للمرحاض تغسل وجهها وتزيل دموعها العالقة بعينيها. تنهدت تجمع شتاتها المبعثرة. متيأسيش ياليلى كنت عارفة انه هيكون دا رده. فترة وقفت تسترد نفسها ثم خرجت محاولة السيطرة على حزنها. قابلتها درة بجوار حمزة.
ضمتها لأحضانها.
- وحشتيني أوي حبيبتي عاملة إيه!
أجابتها ليلى برسم ابتسامة على شفتيها.
- الحمد لله. بابا وماما عاملين إيه. بفكر أجي أقعد يومين قبل ما أنزل الشغل.
قالتها وهي متجهة لجلوس الجميع. استمعت لصرخات يونس وهو يقوم بتوبيخ والده.
- مش عايزهم هنا. حقي واللي مش عاجبه يخبط دماغه.
اقترب حمزة منه يدفعه بعيداً عن والده وعايدة وفريال.
- يونس اهدى. دا لا وقت ولا مكان للي بتعمله.
اتجه بنظره لحمزة جاحظاً عيناه يشير عليهم.
- دول يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته. معرفش هما عاملين إيه. بس اللي متأكد منه إنهم خربوا حياتي كلها ياحمزة. دمروني ودمروا البنت اللي بحبها.
ربت حمزة على ظهره.
- بعدين ياحمزة. نتكلم بعدين مش دا وقته. إحنا عايزين نطمن على سيلين أهم حاجة.
اتجهت ليلى تجلس بعيداً عن زينب التي يضمها راكان لأحضانها مطبقاً على جفنيه. ورغم ما فعله وقال إلا أن حالته أدمت قلبها.
نهضت زينب تنظر إليه.
- ممكن تدخلني أطمن على اختك. مش قادرة يابني عايزة أشوفها.
توقف وهو يضمها من أكتافها متجهاً لغرفة العناية. دلفت زينب بجسد مرتعش وكأن الذي أمامها ابنها الفقيد.
- ياحبيبي يابني. ياحبيبي.
انزلقت عبراتها المتلألئة على وجنتيها تزيلها بكفيها وهي تقترب من فراش ابنتها تهمس باسم سليم.
كتم صرخاته وهو يكور كفيه بعدما استمع لهمسها الذي أدمى قلبه. فاتجه إليها يمسك كفيها ويحتويها.
- ماما حبيبتي دي سيلين مش سليم عشان خاطري بلاش توجعي قلبي أكتر ماهو موجوع.
هزت رأسها رافضة مانطقه.
- اطلع برة ياراكان سبني مع ابني شوية.
تجمد جسده وشعر بإنسحاب أنفاسه. فانعقد لسانه وتوقف الكلام بحلقه. دفعته للخارج وهي تصرخ.
- أمشي ولادي بيموتوا بسببك أمشي من وشي مش مسمحاك على عملته حتى ما استكترت فيا حفيدي. أمشي ياحضرة المستشار روح شوف ابن أخوك صاحي من النوم ومفيش على لسانه غير بابا.
هزت رأسها ارتفعت شهقاتها.
- ربنا يسامحك يابني على عملته فينا.
آه خفيضة خرجت من أعماقه لتحرر مدى آلامه المحفورة بقلبه. ثم استدار متجهاً للخارج بخطواته الذي يجزم من يراه أنه يتحرك على بلور يشحذ قدميه دون رحمة. وصل حيث جلوسها يجذبها بعنف من ذراعيها وسط الحضور.
- تعالي معايا.
تحركت معه دون مقاومة حتى وصل إلى غرفة ودفعها بقوة داخلها ثم حجزها بين ذراعيه يحرقها بنظراته.
- إنتِ قايلة لماما إيه. إيه موضوع أمير وإنه عايزني دي. بترسمي على إيه قولي.
بأعين زائغة غير مستوعبة حديثه. ارتجفت شفتيها وتسائلت.
- تقصد إيه من كلامك دا؟
طحن ضروسه ضاغطا على كل كلمة تخرج من فمه بقسوة قائلا:
- أنا مش هرجعك تاني لحياتي يا ليلى. وبلاش تضغطي على ماما بأمير. أنتِ قتلتيني مرة مش مسموحلك تقتليني تاني. أنا تعبت من سلبيتك في حبي ليكي، كل شوية شك تعبت.
أنا حياتي متعرفيش عنها حاجة عشان تحكمي عليا. رغم اللي عملتيه وجوازك من سليم جيتلك وفتحتلك قلبي. أنتِ عملتي إيه؟ ولا حاجة. روحتي ودستي على قلبي ورجولتي بكل جبروت، واتفقتي مع ناس يدمروني. لولا تدخلت في الوقت المناسب كنت زماني بقيت أضحوكة.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، تحاول الحديث لكنها فقدت النطق من شرارة نظراته وكلماته النارية. ضغطت على نفسها ورفعت كفيها تحتضن ذراعيه.
- مش أنا اللي رفعت القضية. وحياة ربنا ما أنا. أنا اتجبرت على الإمضا دي.
دفعها بقوة وابتعد عنها.
- مش مهم، المهم النتيجة واحدة. اتكسرت وخلاص. كسرتيني. عارفة يعني إيه تكسري جوزك وتحطي السيف على رقبته؟ مفكرتيش شكلي هيكون إزاي وسط صحابي.
دنت منه ودموعها تنسدل على وجنتيها.
- كنت هقولك والله بس سبقوني.
أشار بسبابته.
- اخرصي. دلوقتي أنا عايز أتعالج من قلبي اللي خلاني إنسان كاره نفسي بسببه. سبيني أتعالج لو سمحت.
اتجه بأنظاره متألمة وحاوط ذراعيها.
- عارف أنا ساعات بقسى عليكي كتير. وعارف ردود فعلك بتحاولي تحافظي على كرامتك. بس أنا بضعف قدامك. مش هنكر وأقولك أنا بكرهك وعايز أنتقم منك ورميتك زي غيرك.
أنا قولتلك كدا من قهري. هتصدقي إني قولتلك كدا عشان أقنع نفسي بكرهك. بس لا يا ليلى مقدرتش أكرهك ولا قدرت أنتقم منك.
لامس وجنتيها بإصبعه.
- إحنا وجعنا بعض ما فيه الكفاية. مش هقولك أنتِ لوحدك غلطانة، للأسف أنا كمان غلطت. لازم أرجع نفسي الـ ضعيتها. وأنتِ كمان لازم تعالجي نفسك زي ما قولتيلي. يمكن نرجع نقدر نكمل مع بعض.
أنزلت ذراعيه وهي تهز رأسها.
- حاضر يا راكان. هبعد عنك. أنا كمان لازم أداوي قلبي من كتر الضغوط والوجع اللي شفتهم معاك.
استدارت للتحرك. أمسك كفيها مردفاً.
- هكون قريب منك وقت ما تعوزيني هتلاقيني.
تحركت وهي تمسح دموعها، متحركة حتى تفتح الباب. جذبها من كفيها يوقفها أمامه. رفعت أهدابها المنطفئة وأردفت:
- راكان أنا تعبانة وضايعة. عايزة اللي يقويني. أنا آسفة حقيقي آسفة. عارفة إني وجعتك وتعبتك قوي. سامحني.
شهقاتها اخترقت جدار روحه تطعنه بخناجر مسمومة. وللحظة أحس بأن الأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه أمام بكائها وشعوره بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبة باختطافها وسحق كرامته بعيداً عن قلبه.
- صدقيني كدا أحسن لكل واحد فينا. علاقتنا ما أخدناش منها إلا الوجع. وشوفتي أنتِ قلتي إيه امبارح؟ هفضل في عيونك زي ما رسمتي مهما عملت.
تحركت تخرج بخيبة أمل تلوم نفسها على ما وصلت إليه. أما هو ظل بمكانه يود لو يصرخ من أعماقه ويجذبها لأحضانه. جلس لبعض الدقائق حتى استعاد شتات نفسه وتحرك للخارج.
جذبه نوح من ذراعيه، يجاهد في إخفاء غضبه منه. خرجا إلى حديقة المشفى. جلس وأشار إليه بالجلوس.
- وعدتك قبل كده من يوم ما قولت بتحبها. قولتلك هكون معاك. ولكن لو آذيتها هقفلك يا راكان. إيه اللي حصل وصلكم لكدا؟
مسح على وجهه بغضب، فالنقاش حالياً سيصل إلى خسارة بعضهما البعض. أشعل تبغه وهو ينظر للبعيد.
- مشكلة بيني وبين مراتي مالكش دخل فيها.
تنهد نوح وحاول سحب نفس طويل يزفره بهدوء حتى لا يغضب عليه.
- مرات مين يلا؟ أنت من كام يوم قولت طلقتها. جاي دلوقتي بتقولي مراتي.
نفث دخان تبغه بوجهه وهو يرمقه بنظرات غير مفهومة وتحدث.
- طول ما إحنا في شهور العدة هي مراتي. اطلع منها أنت.
استدار إليه.
- راكان لو سمحت. ليلى مش زي البنات اللي أنت اتجوزتهم قبل كده.
توقف راكان وولاه ظهره قائلاً.
- ماتدخلش بينا. ملكش دعوة بينا. واسمها الباشمهندسة مش ليلى. ليلى دي مراتي يعني أقرب لي منك.
- رااااكان. صرخ به نوح.
- دلوقتي ابعت ورقة طلاق ليلى. وإياك تقرب منها.
التوت زاوية فمه بابتسامة باهتة.
- لم نفسك يلا وشوفلك جثة ألعب معاها بشوية التجميل بتوعك وأبعد عني وعن مراتي عشان متندمش.
اقترب نوح بعدما فقد سيطرته وامسكه من تلابيبه.
- أنت طلقتها يا راكان ابعد عنها. سيبها تعيش. ليلى من يوم ما قابلتك وحياتها ادمرت. لو سمحت وحياة صداقتنا لتسيبها في حالها.
فجأة أحس بانقباض شديد في قلبه يكاد يمزقه من الألم، فرفع رأسه مضيقاً عينيه.
- بتتكلم جد يا نوح؟ أنت عايزني أبعت لليلى ورقة طلاقها.
لكزه نوح بقوة في صدره.
- راكان متبقاش غامض معايا. قولي إيه مشكلتك بالضبط. ماشي بمثل لا بحبه ولا قادر على بعده. ليلى دي أختي وأنا مرضاش أشوفك بتبهدل فيها وأسكت. قولي آخرة اللي بتعمله إيه؟ الحب مش بالكلام. وأكيد عرفت أنا عملت إيه عشان أسما.
- أنا معملتش حاجة يا نوح. ولا أي حاجة عشان حبي. بس برضه هسيبها كدا متعلقة لاهي مطلقة ولا متجوزة.
أشار بسبابته قائلاً:
- عشان تعرف مش كل اللي تلعب معاهم. أنا راكان البنداري مش حتة بنت تدوس عليا.
أشار على نفسه يضرب على صدره.
- على آخر الزمن حتة بنت ترفع عليا قضية طلاق. وكل شوية طلقني. طلقني مش متحملة أكون مراتك.
دنى منه يغرز عينيه بعينيه مردفاً.
- بنت خالتك بتقولي أنا مستحيل أجيب منك ولاد. عشان ميعديهاش على أبوهم يا حضرة الدكتور. كرهت نفسها لأنها ارتبطت بواحد زي.
رفع سبابته قائلاً.
- متقربش مني يا نوح عشان ما أوجعكش.
- خلاص يا راكان طلقها طلقة بائنة وكل واحد يروح لحاله. خليها تأسس حياتها مع حد تاني يعرف يلملم جروحها. بدل أنت موجوع منها أوي كدا.
قبضة بكفيه على عنقه وهو يدفعه بقوة على الجدار حتى كادت أنفاسه تخرج. عندما تغير وجهه للشحوب وأصبح كشحوب الموتى.
لولا حمزة الذي وصل بالوقت المناسب يدفع راكان بعيداً عن نوح. ورغم قوة حمزة إلا أن غضب راكان فاق الحدود وهو يجز على أسنانه متحدثاً بصوت كالفحيح:
- ده إن شاء الله في قبرها. لما تدفنها كدا يبقى خليها تبني حياة الآخرة يا حيوان.
دفعه حمزة بكل قوة حتى صفعه على وجهه ليفيق من حالة غضبه الأعمى اتجاه صديقه.
بدأ يسعل نوح ليلتقط أنفاسه بصعوبة، حتى شعر بالاختناق. ساعده حمزة في الجلوس، يربت على ظهره ليستعيد أنفاسه وجلس يطالع راكان المتجمد يرمقه بنظرات نارية قائلاً:
- متقربش مني تاني عشان مدفنكش عايش. مراتي خط أحمر حتى عليكوا. محدش يقولي أعمل إيه. أنا قولت عايزة تربية يبقى لازم أربيها. لازم تتربى عشان متغلطش تاني.
قالها وتحرك بخطوات تأكل الأرض كالذي يتربص بعدوه. وصل إليها وجدها تجلس بجوار سيلين التي استيقظت للتو. ابتسمت سيلين عندما رأته. احتضن وجهها.
- حبيبة قلبي حمدالله على السلامة. كدا تخوفيني عليكي.
قبلت كفيه.
- فداك يا حبيبي. فاكر قولتلي إيه بعد العملية زمان؟ أفديكي بروحي يا سيلي مش بكليتي. كنت مستخسر فيا حتة رصاصة يتيمة.
طبع قبلة مطولة على جبينها متحدثاً.
- ولو طلبتي روحي مش هتأخر.
قاطعهم دلوف يونس بخطوات متعثرة وعينيه تعانق عينيها. سحب راكان ليلى من كفيها.
- تعالي عايزك. خلي يونس مع سيلين شوية.
خرج للخارج وجلس أمام الغرفة يشير بعينيه إليها.
- كلمتين حطيهم حلقة في ودنك.
سحب نفسا ثم زفره متجهاً بنظره إليها ثم رفع نظره إلى عايدة التي تطالعهم بترقب فتحدث مبتسماً وهو يطالعها:
- ابعدي نوح عني. بلاش يخليني أفقد أعصابي. عايزة تعيشي حياتك اعملي تنازل عن الولد.
نزل ببصره إليها يدقق النظر بعينيها.
- ورقة طلاقك هتوصلك. ووقت ما تفكري مجرد تفكير بس إنك تتجوزي صدقيني مش هرحمك وهدوس عليكي وآخد الولد حتى لو متي قدامي. ودلوقتي روحي لابنك.
ضحكت ضحكة مستهزئة.
- مستر راكان. متتعبش عقلك بيا. وقت ما أحب أمشي همشي. بلاش تعمل وصي عليا. ودلوقتي أنا اللي بقولك ابعد عن حياتي وملكش دعوة بيا.
قالتها ونهضت متحركة اتجاه نوح الذي دلف بجوار حمزة.
- نوح أنا هاخد أسما ونمشي. اطمنت على سيلين. دلوقتي مالوش داعي القعدة.
اتجه بنظره إلى راكان الذي يصوب نظراته إليهما.
- هي فين أسما؟
أشارت للخارج.
- برة مع درة. لازم أمشي عشان أمير.
اتجه بنظره إلى راكان مرة أخرى. فبسط يديه إلى ليلى.
- تعالي يلا عشان أوصلكو. وكمان أشوف أمير.
استدارت تنظر إلى راكان. ثم احتضنت كفيه وتحركت معه للخارج. توقف سريعا. ولكن حمزة توقف أمامه.
- بتغلط يا صاحبي اللي بتعمله غلط. نوح عنده حق. أنت مش عارف بتعمل إيه يا راكان. اتغلب على غضبك شوية. بص حواليك شوف بيبصوا عليك إزاي.
ضغط على قبضته يحاول التمسك بكل قوة حتى لا يخرج يدمر فك نوح المبتسم له. ثم جلس يضغط على نفسه وهو يهمس.
- وحياة أمك يا نوح لأموتك. بتغيظني وبتدوس عليا ماشي.
أطلق حمزة ضحكة خافتة.
- ماتتهد يا عم الحبيب. هو أنت مريض؟ طلقتها ومش عايز حد يقرب منها.
دنى يهمس بأذنه.
- أقطع دراعي من لغلوغه لو كنت طلقتها فعلاً.
رمقه راكان باحتقار قائلاً.
- دراعي ولغلوغه ليه دراعك بيتكلم.
رفع حمزة حاجبه بسخرية وأجابه.
- سايب المهم وماسك في المقشة. أنت مطلقتش ليلى صح يلا. أنا مش مختوم على قفايا يا كينج. وافهمها وهي طايرة. ماهو مش معقول بعد مطحنة العشق اللي بتفكرني بمباراة خنزير ضرب خنزير وبعد كدا تطلقها بسهولة كدا.
رجع برأسه على الجدار مغمض الجفنين وهو يتحدث بصوت متألم.
- سيبني يا حمزة عندي مشاكل بالكوم. آخرهم ليلى.
قطب حمزة مابين جبينهم.
- فيه حاجة حصلت ولا إيه؟
- فرح. قالها راكان وهو مازال على وضعه.
- فرح راجعة بولد وبتقولي ابن سليم. والولد فعلاً ابنه. أنا عملت التحليل بنفسي.
شهقة خرجت من حمزة متسائلاً.
- وبعدين ناوي تعمل إيه؟
فتح عيناه ثم هز كتفه.
- معرفش. سليم كاتب كل حاجة لليلى. ودا وراه سر مخوفني. إزاي سليم يغامر بحاجة زي كدا. هو كان عارف إنه هيموت ولا إيه. لا وموضوع حضانة أمير دا وراه لغز. ليه ربطنا ببعضنا.
قاطعه حمزة.
- طيب إنت عارف الحاجات دي من زمان ليه خايف وشاكك من إيه دلوقتي؟
مسح على وجهه ينفخ بكفيه قائلاً:
- الأول مكنش فيه ولد تاني، دلوقتي فيه حاجات مريبة بتحصل، ودا خطر على حياة أمير وليلى.
- اووووه، أنا كدا فهمت عشان كدا طلقتها وبعدتها عن البيت مش كدا؟
اتجه ينظر إليه بضياع.
- ياريت كدا بس، بقسى علينا بطريقة توجع، إحنا الاتنين بنشيل اغلاط غيرنا، ليلى حواليها تعابين وهي غبية، عايدة بترتب لحاجة نفسي ادخل جوا دماغها، وانت شوفت أهو توفيق باشا شلله مش في صالحنا ابدا، كنت عايز اوصل مين ال بيحاول يقتلني، مين ال قتل سليم، هتجنن وانا بربط بين الشربيني والنمساوي، وجواد الألفي بيقولي بيلعبوا بجدك، يعني جدي فيه حاجات كتير خرجت من وراه، انت تعرف أنا حاسس بأيه، حاسس بالعجز والوجع وانا طول الفترة دي بعامله كأنه مجرم حرب، واتضحلي انه ضحية من غير مايعرف، لعبوا بيه كويس، واخرتها أهو لا كلام ولا حركة، والدكتور بيقول حالته مفهاش تقدم وممكن يموت.
لم تظهر تعابير على وجه حمزة وهو يحاول التفكير بمعضلته قائلاً:
- نورسين.. دلوقتي حلك الوحيد دا اللي بتفكر فيه مش كدا؟
ابتسم بسخرية قائلاً:
- تعرف الغبية حطتلي جهاز تصنت في تليفوني، شوفت وصل بيهم الحال لفين، والله يابني دول مجرمين، عايزين يخرجوا ابن التيت من السجن عشان شحنة الأسلحة، بيحمدوا ربهم بعد ما جواد استقال، اغبية ميعرفوش انه بيدكنلهم.
نظر إليه حمزة.
- طيب ليه جواد يغامر بحاجة زي كدا معاك؟
أجابه وهو يزفر بغضب:
- عشان ميوصلوش للورق دا، غير انهم فاقدين الثقة فيه.
- دا كله عشان الورق؟ تساءل بها حمزة.
اعتدل بجلسته يميل بجسده مستندا على مرفقيه ينظر إليه.
- الورق مش مجرد قضية عادية، إحنا بس مستنين الأشخاص اللي برة عشان يرجعوا مطمنين، وبعد كدا نعرضه للنائب العام تعرف مين على رأس الورق دا.
اقترب يهمس له حتى جحظت أعين حمزة قائلاً:
- بتهزر، الراجل ال كل كلامه مواعظ وعبر، يطلع بالقذارة دي، غسيل ومخدرات.
ابتسم راكان ساخراً.
- ودعارة وحياتك، وتجارة اعضاء، دول شبكة قذرة، اصبر بس وهيوقعوا كلهم، المهم دلوقتي نورسين مفكرة مطلق ليلى عشان هتجوزها، أنا عايز الفكرة دي تكون مترسخة عندهم، فيه حاجة لازم اعملها، ودي مش هتتعمل الا لما تتأكد بعدي عن ليلى فعلا بس طبعا فرح ال نطتلي زي عفريت العلبة دي وقفت عقلي، وخلتني افكر في حاجات تانية.
اتجه بنظره إليه.
- نور فاكرة، دا بيخطط مع عايدة على ايه، بشوفه عندهم معظم الوقت، طيب لو بيحب سارة زي ماهو عايز يفهمني، ليه اللعبة الحقيرة دي، طيب لو عايز فرح، ازاي بعد مابقى عندها ولد، فيه ريحة مش عجباني.
- الحقير دا رجع إمتى من السفر، هو مكنش اترفض من الجامعة؟
ربت راكان على كفيه.
- وحياة ابوك متتجنش، كفاية عليا نوح، هو بعيد عن خطيبتك، وأنا مراقبه متخافش، بلاش تخليني اندم اني قولتلك.
بالداخل عند سيلين نهضت زينب.
- هروح اصلي العصر حبيبتي.
ثم اتجهت إلى يونس.
- خلي بالك منها يادكتور.
اقترب يونس وجلس بجوارها.
- عاملة ايه حبيبتي؟!
اطبقت على جفنيها متألمة.
- إزاي تتجوزني من غير ماترجعلي، إيه مفكرني هرضى بالأمر الواقع؟
- دلوقتي أنا مش هتكلم كتير، خفي وبعدين نتكلم.
- مفيش كلام يتقال بعد ال شفته منك يايونس.
- ودلوقتي طلقني لو راجل محترم يادكتور، الجواز كان من ورايا، ودلوقتي بطلب الطلاق.
هب فزعاً يحاوطها بذراعيه.
- بت اوعي تفكري عشان تعبانة هعديلك كلامك لمي الدور، أنا قولتلك قبل كدا يابنت عمي، موتيني وبعد كدا عيشي بعيد عني، وبما انك عرفتي اني جوزك، شيدي حيلك عشان بعد ماتكملي شفاءك، هنعمل الفرح.
وضع اصبعه على شفتيها عندما أتت للحديث فاقترب يهمس أمام شفتيها.
- وحياة سيلين عندي لأتجوزك حتى لو غصب عنك، ومهما تقولي مش هسمع، أنا مش محترم، ولا راجل ارتاحي ومتفكريش غير في حاجة واحدة بس، إزاي هتبسطي جوزك ال حرمتيه منك سنتين كاملين وانت بتموتي فيه.
لامس وجنتيها وهو يحاوطها بنظراته الهائمة وأكمل.
- فكري هتسمي عيالنا ايه، مش كلام غبي زيك.
- هطلقني يايونس، حتى لو غصب عنك.
قهقه ودنى من شفتيها يلمسها بهدوء.
- عادي ياحبي نموت مع بعض هو دا خلاصك مني.
دفعته بضعف.
- ابعد كدا.
احتضن شفتيها بين خاصتيه بقسوة كأنه بيعاقبها على ماتفوهت به.
ثم فصل قبلته قائلاً.
- ريحي نفسك ياعروسة، وبعد كدا نتكلم.
***
تعاقبت الأيام واحدا تلو الأخر حتى جاء ذاك اليوم.
استمعت إلى جرس منزلها.
فتحت العاملة الباب.
دلف عاصم بجوار آسر.
نهضت سريعا تحتضن والدها.
- حبيبي يابابا وحشتني.
ضمها والدها بين احضانه قائلاً.
- يعني لو جيتي قعدتي معايا مش احسن من كدا.
ربتت على كفيه تقبله.
- اعذرني حبيبي دلوقتي أنا مش ليلى الصغيرة، كبرت وبقى ليا حياتي مع ابني يابابا، وزي ماحضرتك عارف بنتك مبتحبش تكون تقيلة على حد.
صفعها بهدوء بابتسامة.
- هو أنا حد ياعبيطة، دا أنا ابوكي، وجد الولد الشقي دا.
رفع ذراعيه لأمير.
- حبيبي جدو.
اسرع أمير وهو يصفق.
- دود.
حمله يقبله ويضمه لأحضانه.
ينظر بالمكان.
- راكان مبيجيش خالص عندك من وقت الطلاق.
فركت كفيها وهي تشير للجلوس.
- حضرتك عارف علاقتي براكان كانت عشان أمير، ودلوقتي هو بيجهز لفرحه.
تسارعت نبضاتها من تلك الفكرة وهي تهرب بنظراتها من والدها الذي كان يدقق النظر بعينيها قائلاً.
- راكان هيتجوز إزاي وهو بيحبك ياليلى.
تجمد جسدها وشعرت بتوقف نبضها وهي تنظر لوالدها بأعين جاحظة.
- ايه اللي حضرتك بتقوله دا، حضرتك عارف لولا وصية سليم.
رفع ذراعه أمامها.
- ابوكي مش عبيط ياليلى ويعرف يميز الراجل ال بيحب من ال بيكره وبلاش يكره دي ال بيأدي واجبه، أنا شوفت نظرات واحد بيحب يابنتي، ولو انت عايزة تفهمي ابوكي غير كدا يبقى بتحاولي تداري حاجة هو عملها معاكي.
اقترب يحتوي وجهها.
- هو خانك ياحبيبتي، يعني فيه حد حب يدخل بينكم وفهمك انه بتاع ستات زي ماقولتي قبل كدا ايام ماكنتي مخطوبة لسليم.
كانت عاجزة تناظر والدها بعينها تائهة.
وشعورها بالضياع مستحوز عليها حتى همست له.
- لا يابابا، راكان شخص كويس، بس هو كان خاطب قبل ماسليم يموت، وأنا مش من شخصيتي اخليه يبعد عن خطيبته ويغير حياته، وكمان إحنا جوازنا عشان أمير فبكدا اتفقنا على كل حاجة وبدليل البيت دا، بيته وانا قاعدة فيه.
جلس عاصم ومازال حديثها يؤلمه.
تنهد متوجعاً على حالها وهروبها.
هو يعلم بحب ابنته له فتحدث.
- طيب ياليلى، قعدتك لوحدك مش عجباني، وقبل ماتتكلمي، أنا مش موافق، ودلوقتي آسر عايز يخطبك، عارف انك لسة في شهور العدة، بس دا تأمين له عايز ردك، لحد ماتخلصي عدتك.
هزة عنيفة أصابت جسدها من فكرة ارتباطها بشخص غيره.
فهزت رأسها رافضة حديث والدها.
- انا مش هتجوز، أنا هعيش لابني وبس يابابا، ودا هيفضل بيتنا، مستحيل اسيبه، آه إحنا اطلقنا بس هو مش بيقصر معايا.
اقترب والدها يحاوطها بذراعيه.
- ليلى دا آخر كلام عندي، مش باخد رأيك على فكرة، انت هتيجي تعيشي معايا، ومحدش يقدر ياخد ابنك عشان في حضانتك، أما عن ارتباطك بآسر براحتك، قعدتك لوحدك لا.
نهض آسر الذي كان صامتا وتحدث.
- ليلى اديني فرصة وهعوضك عن سليم وال شوفتيه من راكان، أنا عرفت كل حاجة.
رمقته بنظرات تحذيرية.
تحرك عاصم للخارج بعدما قال.
- جهزي نفسك هبعتلك كريم ياخدك بالليل، مفيش بيتان هنا تاتي، لما ابوكي يموت يبقى اقعدي في بيت البنداري.
- بابا.
قالتها وهي تناظره بعينين هالكة من فرط الألم الذي اجتاح كيانها.
هز رأسه بالنفي وخرج.
أمسك آسر كفيها وهي تطالع خروج والدها بعينين حزنتين.
- ليلى تعالي نتجوز بعد شهور العدة، هعيشك ملكة، وهنربي ابنك مع بعض.
صفعة قوية على وجنتيه وهي تشير بسبابتها.
- كلمة كمان وهنسى إنك ابن عمي، اوعى تفكرني غبية ومعرفتش إنك ورا الصور ياحقير.
اقتربت تلكمه بصدره.
- أنا حياتي ملك راكان البنداري وبس، وعايزة اكدلك حاجة بدل بتلعب على المكشوف.
- أنا وراكان بنحب بعض من سنين، ومتفكرش انه طلقني كرها فيا، لا طلقني عشان انا ال طلبت منه عشان واحد حقير ذيك صورني مرضتش إن جوزي حد يكسر عينه بمراته، فاهمة الاعيبك ياآسر وانا بحذرك تقرب من حياتي، أنا هفضل ليلى راكان البنداري لحد اخر يوم في عمري، ماهو مش بعد مااكون مراته اتجوزك انت.
دنت حتى لم يفصل بينهما انش واحداً.
- مفيش راجل قلبي دقله غيره، يعني هو حبيبي وعشقي وكل حاجة، ولو موتوني كدا عشان ابعد عنه مستحيل، خلي في عقلك الجملة دي.
- ليلى بتعشق راكان البنداري، وعمرها ماهتكون ملك لحد غيره وياله أمشي اطلع برة دا بيت جوزي مش مرحب بيك فيه.
انكمشت ملامحه بألم وتحول سكونه لغضب حارق وهو يجذبها بعنف من رسغها.
- راكان ال كل شوية في حضن واحدة دلوقتي بتدافعي عنه.
دفعته بقوة.
- عجبني وبموت فيه، احسن منك.
ضغط على رسغها.
- وحياة حبي ليكي يابنت عمي، لاندمك على كل كلامك دا، وبكرة يرميك بتاع الستات الحقير دا، عايز وقتها اشوف وشك، هخليكي تتذللي ياليلى.
دفعته بقوة تصرخ بوجهه.
- كلمة كمان صدقني هندمك.
دنى حتى اختلطت انفاسهما وهمس بجوار اذنها.
- ليلى انت ملكي أنا، وأنا أحق بيك.
قالها وتحرك للخارج سريعاً.
جلست على المقعد تضع كفيها المرتعش على صدرها.
وبعدين في وجع القلب دا، انت فين ياراكان، اسبوعين وأنا ولا على بالك لدرجة دي نسيت ليلى، رمتني فعلا زي ماقولت.
قبل قليل بشركة البنداري.
دلف احد الرجال إليه.
أشار إليه متسائلاً.
- فيه ايه، المدام خرجت النهاردة.
أومأ الرجل يضع أمامه ملف.
- دول الأماكن اللي رحتلهم، بالصور يافندم.
إومأ برأسه.
وأشار إليه بالخروج.
فتح هاتفه يراها كانت تتلاعب مع طفلها وهي تعصب عيناها وهو يضحك.
ابتسم بحزن، تمنى لو ان يكون ثلاثتهم.
قاطعه دلوف نوح.
أغلق هاتفه متجها إليها بنظرات متهكمة.
- نعمين، جاي ليه!
جلس نوح أمامه وهو ينظر لكفيه، يتلاعب بحديثه.
- عامل ايه يا مطلق.
أشعل تبغه وهو يرمقه شزراً قائلاً:
- لم نفسك عشان مزعلكش.
نصب عوده يتجه لشرفة مكتبه وهو ينظر للمارة وأكمل حديثه:
- عايز ايه يا نوح؟ اوعى تتلاعب بمشاعري، عشان هنخسر بعض.
نهض نوح يقف أمامه يضع يديه بجيب بنطاله.
- راكان، ليلى جالها عريس، وهما راحولها دلوقتي لو مش مصدق انت حر.
مسح على أنفه عندما رأى نظراته النارية حتى تحولت للهيب، قائلاً:
- آسر طلب ليلى مني وأنا وافقت وهو راح لأبوها عشان يطلبها رسمي لحد ما عدتها تخلص.
دنى منه وهو يغرز عينيه بعين راكان قائلاً:
- البت حلوة أوي، معرفش بتحلو كل يوم عن اليوم اللي قبله. عارف ليه يا صاحبي؟ عشان اتخلصت منك ومن انفاسك. ياسلام، البنت دي لو حبتها قبل اسما، كنا زمنا عصافير كناري. ومش بس كدا، كنا عشنا قصة حب روميو وجوليت، وجبنا عيال حلوة شبه امهم.
وضع ذراعه على كتف راكان يرمقه بطرف عينيه.
- إنما يا راكان، كنت بتحس بأيه وانت مع قمر زي ليلى كدا؟ ياخي نفسي بنتي تطلع شبهها.
لم يشعر راكان إلا وهو يثور عليه كالوحش الضاري، يلكمه بكل قوته حتى اسقطه على الأرض. رغم قوة نوح الجسمانية، إلا أن ضربات راكان فاقت الحد، وهو يزأر بصوته الذي زلزل الغرفة بل المكان بأكمله قائلاً:
- قولتلك يا حيوان ماتلعبش بأعصابي.
وصل يونس وحمزة بعدما استمعا لشجارهما المرتفع وهو يصيح بغضب.
- هموتك يا نوح واخلص منك.
قالها وهو يطبق على عنقه. جذبه يونس بقوة بمساعدة حمزة.
- راكان، فوق يخربيتك هتموته.
دفع يونس بقوة وهو يجذبه من تلابيبه بقوة حتى نزع زراير قميصه بأكملها.
- ورحمة أمي لاقتلك يا حيوان.
توقف حمزة بينهما، ونوح يمسح دمائه التي سالت على وجنتيه.
- ولد غبي وحمار. ايدك يا خنزير. إيه جحلوف يا حلوف. طب وحياة ربي لاندمنك عليها بحسرتك.
دفعه حمزة للخارج غاضباً عندما لم يستطع يونس منع راكان من الوصول إليه.
- امشي يا نوح من هنا دلوقتي.
أشار بسبابته.
- ماشي يا راكان، ماشي. هعرفك إزاي تعمل معايا كدا، ومبقاش نوح الا لما احصرك عليها.
دفع يونس متجهًا إليه.
- تعالى يلا وريني نفسك. قرب من حياتي يا نوح وشوف هعمل فيك ايه.
دفعه حمزة بقوة.
- ماتتهد يابني. فين هي حياتك دي؟ هو عشان ساكت هتسوق فيها.
جلس راكان وانفاسه كالطبول وهو يثني كم قميصه ويفتح أول زر لقميصه حتى يلتقط أنفاسه.
- ماشي يا حيوان، والله لاندمك. أنا تقولي كدا.
طاح بكل ما يقابله على سطح مكتبه وجهر بصوته.
- هموته، والله لأموته الحيوان دا.
دنى يونس وهو يشير لحمزة بالصمت بعدما وجد حمزة اقترب ليتحدث.
- راكان، ممكن تهدى وتفهمنا ايه اللي حصل بينكم.
ثورة حارقة اندلعت بجوفه، أرادت أن تلتهم كل ما يقابله. اخذ يتنفس الصعداء وهو يمسح على وجهه.
- سبوني لوحدي لو سمحتم، مش عايز اتكلم.
اقترب حمزة قائلاً:
- راكان، لازم نتكلم. انت مش شايف نفسك الأيام دي.
أغمض جفونه وتحدث بوجع وانهيار بآن واحد، وكأن كرة ملتهبة تحرق أوردته. فأشار بكفيه.
- لو سمحتم، عايز اكون لوحدي.
جذب يونس حمزة متجهًا للخارج.
- تعالى نطمن على نوح يا حمزة. سيب راكان لما يهدى.
ابتلع ريقه وبنظرات ضائعة ينظر لغرفة مكتبه التي تناثرت بسبب حالته المتوجعة. شعر كأنه في بئر من الظلام مكبل الأيدي مصفد المشاعر. قلبه يرتجف بداخل صدره، ونيران تحرقه. آهة خرجت من جوف حصرته كارهاً حالته ولما وصل إليه، يردد لنفسه:
- بكرهك يا ليلى وبكره نفسي وضعفي.
دمعة غادرة نزلت من جفنينه المتحجر، أزالها بقسوة.
- فوق يا غبي من اللعنة اللي انت فيها، إيه يعني تتجوز ولا تتنيل.
ظل يوهم نفسه أنها لا تهمه بقدر انتقامه منها. أراد أن يرضي غروره بتلك الكلمات، أن ليس هناك من أنثى تحطمه بتلك الطريقة. ولكن كيف لصمود القلب عن تلك الاتهامات المغلفة بالوجع، حدثه قلبه.
- هترتاح وانت شايفاها مع راجل غريب.
تذكر حديث نوح. أطبق على جفنيه يكور قبضته ويلكمها بالمكتب.
- مستحيل حد يقرب منك، هقتلك يا ليلى. مش بعد الوجع دا كله تستمتعي بحياتك بعيد عني.
اتجه لهاتفه يراقب منزلها. جحظت عيناه وهو يستمع لحديث والدها. تصلبت تعابير وجهه واجتاحه رغبة شديدة في الوصول إليهما وتحطيمهما. ولكن هدأ عندما استمع لحديثها مع آسر. هنا خمدت ثورته وتحولت حالته من الثوران إلى الهدوء، وهو يستمع إليها بقلب ينتفض عشقًا. أحس برعشة أصابت قلبه وهي تدافع عنه وتثور ضد ابن عمها. ابتسم برضا متنهدًا براحة أصابت قلبه الضعيف بالأرتواء بعد فترات أصابته بالقلح، وهي تصرخ له:
- آه، هفضل ليلى راكان البنداري لحد آخر يوم في حياتي.
ود لو يمتلك جناحين حتى يصل إليها يسحقها بأحضانه. اخذ يمرر يديه المرتجفة على ملامحها. ولكن توقف عندما وجدها هوت تضم ساقيها إلى صدرها تنظر حولها بخوف، وكأن يحاربها أحدهما. استمع بمنادتها إليه.
أطبق على جفنيه يعتصرهما من الألم يهمس لنفسه.
- خايف عايز أقرب بس خايف لتكسرني مرة تانية. لازم أتأكد ياليلى. آسف سامحيني..
قالها بملامح جامدة تبدلت تمامًا بعد ماكانت منذ قليل يهيم بها عشقًا. ولكن لذاكرة القلب والروح أحكام.
***
عودة للحاضر. بعد تلك الأحداث. وخاصة بعد أكثر من شهر.
خرجت ليلى متجه لسيارتها واستقلتها تنظر خلفها لذاك الرجل الذي عينه لها لحمايتها. تحركت إلى منزلها مبتسمة على مايفعله معها.
بالجامعة وخاصة كلية الهندسة. خرجت درة وهي تتحدث بهاتفها.
- أيوه حبيبي. لا خلصت ومروحة. حاضر هرَكَب مع عمر. معرفش مالك ياحمزة بقيت صعب كدا ليه. بتحسسني إني هتخطف.
على الجانب الآخر كان يراقبها من مسافة ليست بالقريبة. وهو مرتدٍ نظارته السوداء. وجدها تتحدث بهاتفها وابتسامتها تنير وجهها. ترجل من سيارته متجهًا إليها. اقترب حتى تلامس جسده ظهرها. التفتت سريعا وهي تنظر حولها بخوفًا. كاد أن يوقف نبضاتها. شعرت برائحته حولها. ظلت تدور حول نفسها تبحث عنه. ولكنه غير موجود. حدثت نفسها.
- معقول دا هوس. بس إزاي أنا متأكدة إني شفته.
استمعت لرنين هاتفها. سقط الهاتف فجأة عندما ارتجف كفيها من الخوف. أجابت حمزة.
- أيوه ياحمزة.
قالتها بتقطع. أجابها.
- درة مخرجتيش لعمر ليه. مستنيكي برة.
ظلت تلتفت حولها فأجبته.
- حا.ضر أنا خارجة أهو. كان فيه زحمة.
صمت للحظة واردف.
- مالك يادرة فيه حاجة.
هزت رأسها بالنفي.
- مفيش حاجة حبيبي أنا خارجة أهو.
بِقصر البنداري وخاصة بفيلا جلال البنداري. جلست عايدة وهي تفرك يديها تنظر لأبنتها.
- يارب نور ينجح يافرح. من وقت مانورسين قالتلي إنه اتنزل لليلى هجن. لازم نتخلص منها.
توقفت. ثم أمسكت هاتفها تحادث احدهما.
- راكان فين دلوقتي.
أجابها الشخص.
- داخل كافيه دلوقتي على النيل.
ابتسمت وهي تطالع ابنتها.
حلو أوي أعمل زي ما فهمتك. والصور ابعتها على الرقم اللي عندك.
- تمام يافندم.
جلست وهي تهز ساقيها بعنف تنتظر اتصال نور ولكنه لم يتصل. قامت بالاتصال عليه.
- نور إيه الأخبار.
أجابها بابتسامة.
- متخافيش ياخالتوا الراجل دخل بيت ليلى. وكمان راكان موجود في مكان بعيد. واحنا سيطرنا على الأمن. كله هيكون تمام وخلال دقايق الشركة هتكون بتاعتك.
ابتسمت مردفة.
- برافو يانور. مخيبتيش ظني. بس متستهونيش براكان. أوعي أي حاجة تحصل تبوظ تخطيطنا.
توقفت فرح تعقد ذراعيها.
- ماما معرفش ليه مصرة إننا ننطرد من القصر. تعرفي لو نور فشل أقل حاجة هتتعمل فينا إيه.
صرخت عايدة بوجهها.
- اخرصي مش عايزة أسمع كلامك. ماهو إنتِ ال غبية معرفتيش تقنعي راكان إنه يكتب عليكي. وضاع كل حاجة. قشطت بالولد اللي معاها. لا وكمان كانت حامل من كبير العيلة. لولا تدخلت في الوقت المناسب كان زمانها طردتنا كلنا واتربعت على عرش البنداري. أنا اللي قتلت الولد سمعتيني.
هبطت سارة تجر حقيبتها خلفها. استدارت عايدة إليها ترمقها.
- انتِ رايحة فين.
تحركت حتى توقفت أمام والدتها.
- طالعة من البيت دا. أحاول أرجع نفسي اللي ضيعتوها. وحضرتك شايفة بعد مرض جدو. كل حاجة ضاعت ومبقاش ليا نفس أقعد في البيت دا. سيلين طلعت أحسن مننا كلنا والله برافو عليها.
جرت حقيبتها. أوقفتها عايدة تصرخ بها.
- مفيش خروج. عايزة تعملي زي سيلين وتهاجري. هدبحك. أنا مش زينب متساهلة أسيبك تسافري وتعيشي لوحدك.
استدارت تنظر لوالدتها متهكمة.
- بلاش تقارني ياماما. علشان للأسف هتطلعي خسرانة. انتِ مش متساهلة للأسف انتِ طماعة ومفيش غير الانتقام بس. ياترى بتنتقمي من طنط زينب علشان الورث فعلاً ولا علشان خطفت منك الدكتور الحليوة اللي كنتِ متراهنة عليه.
صفعة قوية نزلت على وجنتيها.
- اخرصي ياغبية. جذبتها من خصلاتها. ودلوقتي مفيش خروج من البيت دا. هتفضلي هنا لحد ما تموتي بحسرتك وانتِ شايفة يونس بيتجوز سيلين. أوعي تصدقي مسرحيته إنه مسحها من حياته وكلامه الأهبل قدام الكل دا. دا راجل مجروح مش أكتر. وبكرة يهدى ويجيبها غصب عنها. متفكريش لما تعملي كدا هيجري عليكي.
عند ليلى ترجلت من سيارتها متوجهة لحارسها.
- مفيش داعي تفضل حارسني كدا. روح قول للمشغل ليلى مش محتاجة حماية من حد.
قالتها وتحركت للداخل. أمسك هاتفه قائلاً.
- راكان باشا المدام وصلت البيت. وشكلها متعصبة. وفيه حاجة لاحظتها معرفش عندك علم ولا لا.
أجابه راكان بعدما توقف معتذرًا من حسن صديقه.
- إيه اللي حصل.
نظر الرجل حوله يطالع الجميع بنظرات ثاقبة وتحدث.
- حضرتك غيرت شركة الأمن. فيه وجوه جديدة واقفة.
تجمد بوقوفه. ونظراته تتحرك بكل الأرجاء. حتى أصاب هدفه قائلاً.
- ادخل عند ليلى يابهاء. شكيت في حاجة ابعتلي وأنا في الطريق. وهتصل بجاسر.
تحرك متجها لصديقه وأمال يهمس له.
- أنا متراقب. متبصش وراك. قوم خلينا نتمشى شوية.
تحرك حسن بجواره بهدوء.
- سلاحي مش معايا ياجدع. شكلنا هنموت من غير سلاح.
كان في وقت لا يسمح له بالمزاح.
- حسن أنا همشي كدا وانت تابع لحد المدخل عشان نمسكه. مراتي فيه حد وصلها. تمام أنا عقلي واقف حاول تستوعب الموقف.
أومأ برأسه موافقًا.
- تمام متخافش. انت مكلمتش بهاء.
تحرك راكان وامسك هاتفه حتى يبحث في المراقبة. ولكن قاطعه اتصال جاسر.
- راكان. انت متراقب. متبصش وراك. ومدام ليلى فيه راجل عندها من فترة تقريبًا فيه حد عرف يسيطر على الوضع.
سقط قلبه بين أضلعه واظلمت عيناه بالغضب قائلًا.
- جاسر أنا عارف إني متراقب. المهم توصل ليلى بسرعة لو انت قريب. وأنا هتصرف وأعرف مين الكلب دا.
- راكان خلي بالك من نفسك هو مشير مسدسه عليك.
توقف فجأة وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. وعقله يصور له سيناريو حزين.
- أوصل ليلى بسرعة ياجاسر. وخلي بالك من أمير.
قالها بعدما وجد بعض الملثمين يحاصرون المنزل. من خلال كاميرا المراقبة.
نيران الذنب تحرق أحشاؤه من الخوف عليها. ووقوعها لقمة صائغة في أيدي أعدائهم. دلف لأحد الأماكن حتى يستطيع الإمساك بأحد الأشخاص. وبالفعل تحرك الرجل خلفه. ولم يجد نفسه سوى أنه جاثيا على الأرض. بعدما ركله راكان. ممسكًا سلاحه الذي دفعه بعيدًا عنه.
- انت مين يلا. ومين زقك عليا.
ابتسم الرجل بسخرية وهو ينظر إلى حسن الذي وصل إليهما.
- طليقتك اللي قالتلي أقتلك. لأنك خانقها.
سحب السلاح وكاد أن يقتله لو توقف حسن أمامه.
- قوات الشرطة في الطريق. سيبه هما هيعرفوا يتعاملوا معاه.
عند ليلى دلفت وإذ بها ترى أحدهم يضع السلاح أمامها ثم وضع كفيه على فمها.
- صوتك لو طلع هنقتل جوزك. ومش بس كدا ابنك اللذيذ دا هنموته. حتى شوفي المشهد دا يمكن تودعيه.
نظرت بشاشة هاتفه وجدته جالسًا مع أحد أصدقائه والسلاح مصوبًا على صدره. شهقت وكأن أحدهم هوى فوق قلبها بمطرقة. وهي تراه أمامها. اغرورقت عيناها بالعبرات.
- انتوا مين وعايزين إيه.
دفعها بقوة حتى هوت على المقعد بجوار المربية وهي تضم أمير الذي يبكي بصوته المرتفع. ماما. ماما.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تطالع ذاك الرجل الذي يشبه الخارجين عن القانون.
- انت مين وعايز إيه.
اقترب يضع أمامها بعض الأوراق.
- امضي هنا ومالكيش دعوة أنا مين. وإلا هنموته ونموتكوا.
أمسكت الورق بأيدي مرتعشة وكأنها فقدت النطق. وجدت تنازل عن حضانة ابنها بأحد الأوراق. والورقة الأخرى تنازل عن جميع أملاكها بيع وشراء باسم أحد الأشخاص. ضيقت عيناها تنظر للاسم باستغراب.
نهضت متجهة إليه.
- انت مين وليه الورق دا. اتنازل عن حضانة ابني لمين إن شاء الله انت شكلك مجنون.
دفعته بقوة وصرخت.
- أوعى تفكرني هخاف من مسدسك دا. لا تبقى غبي. اتنازل عن ابني يعني اتنازل عن روحي. وياله اقتلني.
ورغم قوتها الواهية التي رسمتها أمامه إلا أن قلبها يدق كالطبول من الخوف. استمع الرجل لحركة خلفه وماهي إلا ثواني حتى انقض عليه بهاء من الخلف. ولكن كان يوجد أحد الأشخاص الآخرين معه الذي رأى بهاء يتسلل من أحد أركان المنزل.
- ارمي مسدسك لفرتك نفوخك.
قالها أحد المجرمين إلى بهاء. نظر بهاء إلى ليلى على هاتفها ففهمت ماذا يعني. تحركت بهدوء تجلس على المقعد وهي تتحدث لإلهائه.
- تمام همضي على الورق. وعلى غفلة فتحت هاتفها باليد وهي تنظر إليه.
- اعرف بس انتوا تبع مين وبعدين إنت بتقول هتموتني. يعني مفيش خوف مني.
ضغطت على رقمه. كان يسارع الموت وهو يسرع بأقصى سرعة حتى يصل إليها. استمع لهاتفه فتحه سريعا عندما وجد صورتها تنير هاتفه.
- ليلى.
قالها بقلب منتفض. ولكن استمع لأحد الأشخاص.
- ماتتكلميش كتير. دني منها وخطف الولد وأشار بسلاحه عليه وصرخ بها.
- امضي يابت يا أما نقتله.
ارتعشت يديها وهي تهز رأسها.
- طيب سيبه وأنا همضي حاضر. عايزني اتنازل عن أمير. وكمان الشركة. حاضر هتنازل بس سيب الولد.
لحظات وجسدها يرتجف من بكاء ابنها وهي ترمق هاتفها بجوارها وترى مكالمتها وصلت إليه.
نهضت حتى تأخذ الولد لتمضي بعض الوقت، ولكنه صفعها بقوة على وجهها.
- ابعدي يابت، إياك تلمسيها.
هوت على الأرض وهي تصرخ باسم زوجها. وما هي إلا دقائق واقتحم جاسر المنزل. تراجع الرجل وهو يحمل الطفل، وليلى تتحرك اتجاهه وتصرخ. قابله راكان على الباب الخارجي.
- سيب الولد، هموتك.
نظر الرجل حوله بخوف، ينظر للرجل معه.
- خليهم يبعدوا عني.
وصلت ليلى إليه وهي تقترب منه.
- ابني.
قالتها ليلى وهي تتحرك خلفه. صرخ راكان بها.
- ليلى ابعدي.
هزت رأسها رافضة.
- ابني.
اتجه الرجل بنظره إليها.
- عايزاه؟ تعالي معايا وأنا هدهولك.
أشار راكان بالنفي.
- إياك تتحركي من مكانك.
أشار لجاسر ليتحرك. وزع الرجل نظراته وهو يتراجع، وصوت أمير يرتفع بالمكان حتى شل حركة راكان وهو يرى اندفاع ليلى اتجاه الرجل وهي تصرخ عندما وجدته يصل لتلك السيارة التي تنتظره بالخارج.
- لا ابني، ابني.
تحركت وهي تبكي وتنادي على طفلها. أطلق جاسر رصاصته التي استقرت برأسه مباشرة حتى وقع صريعًا. تحركت السيارة التي تنتظره سريعًا. فأسرع راكان إليه حتى يتناول أمير الذي سقط على الأرض بسقوط الرجل.
حمله وضمه لأحضانه. في حين توقفت ليلى وهي تنظر إليهما وتبكي حتى فقدت حركتها وحديثها. فجثت على ركبتيها وشهقاتها ترتفع كلما تخيلت فقدان ابنها. ضمه راكان يهدئه.
تحرك جاسر خلف السيارة التي هربت مع الشخص الآخر. بينما اتجه راكان إليها سريعًا بعدما وجدها بتلك الحالة.
جلس بمستواها يضم أمير بأحد ذراعيه، وبالذراع الآخر يضمها لأحضانه.
- اهدي، كل حاجة تمام، اهدي.
توقف وأوقفها يضمها بقوة لأحضانه مناديًا على المربية.
- داليا خدي الولد.
لكنها التقطته تضمه بقوة وتبكي تستنشق رائحته.
- خلاص ياحبيبي بطل عياط، الوحش مشي.
أخذ راكان الولد يمسح على وجهه.
- حبيبي روح مع أنطي داليا.
هز رأسه بالنفي وهو يبكي.
- ماما، عايز ماما.
حملته ليلى ودلفت للداخل بساقين مرتعشتين، لا تعلم كيف وصلت لغرفة ابنها والقت نفسها على فراشه تضمه بقوة وتبكي.
وقف بالخارج مع بهاء.
- فين الناس اللي قولت عليهم.
وزع نظراته على المكان.
- شكلهم انسحبوا بعد ما جاسر اقتحم المكان.
أومأ برأسه.
- شوفوا الكاميرات الخارجية.
وتحرك مع جاسر. قالها ودلف للداخل يبحث بعينيه عليها. استمع لصوت بكائها. تحرك للداخل وجدها تحتضن ابنها وتبكي.
جلس بجوارها يجذبها لأحضانه.
- هتفضلي تعيطي كدا، خوفتي الولد.
جذب منها أمير يجلسه على ساقيه يداعبه بأنفه.
- وحشتني ياميرو، كدا تطلع قاسي ومتجيش تزور بابا ولا مرة. يعني نسيت بابا، معنتش بتسأل عليه.
قالها وهو يرمقها بنظرات جانبية. هنا فاقت من حالتها ورفعت رأسها ونظرت إليه والكبرياء يعتلي كل ذرة بوجهها.
- اللي يبيعنا ياأمير نبيعه.
قالتها ونهضت متجهة إلى غرفتها. صك على أسنانه من الغيظ من عجرفتها. ورغم ذلك فقد اشتاق إليها كثيرًا. لمعت عيناه عندما تخيلها بين أحضانه. فنهض وهو يضع لأمير ألعابه، مناديًا على داليا.
- خلي بالك منه، حاولي تلهيه عشان ينسى اللي حصل.
أجابته بابتسامة.
- متخافش حضرتك.
اتجه لمعذبة قلبه. طرق على باب غرفتها ثم فتحه بهدوء يبحث عنها. وجدها تخرج من غرفة ملابسها. عقدت ذراعيها قائلة:
- رجعنا نقتحم الأوض ونقول بيتي ومش بيتي و...
قطعت حديثها عندما استمعت لهمسه.
- ده بيتك حبيبي، مش هطفل عليك. بس عايز أطمن وهمشي على طول.
استدارت تواليه ظهرها بعدما فقدت سيطرتها بهمسه بتلك الطريقة.
- إحنا كويسين مش ناقصنا حاجة. ممكن تمشي دلوقتي لو مفيش حاجة تانية.
اقترب منها قائلاً.
- ليلى.
استدارت تضع كفيها أمام وجهه.
- ليلى ماتت من يوم ما دبحتها وهجرتها. اللي قدامك دي بقايا أنثى. لو سمحت بلاش نتعب بعض. وياريت تعرفني مين اللي اقتحم بيتي وعايز ياخد ابني. أنا مش هامنني الفلوس.
قالتها متجهة لمرحاضها قائلة.
- اقفل الباب وراك.
بعد أسبوع آخر بمزرعة نوح. جلس بجوارها صامتًا يطالعها بهدوء لبعض الوقت حتى قطعه.
- هتفضلي مخصماني كدا؟ ده حتى حرام على فكرة.
نهضت تجمع الصحون قائلة.
- إحنا اتفقنا على كل حاجة، بلاش تخليني أسيب لك البيت يادكتور. قولت شهر وأطلقك، ودلوقتي عدى أكتر من شهر.
جذب مفرش طاولة الطعام يجذبه بعنف حتى تبعثر الطعام بالمكان وصرخ بوجهها.
- مفيش طلاق ووريني آخرك ياأسما.
قالها وتحرك للخارج. جلست ترفع حاجبها بسخرية.
- استنى عليا يا نوح، لو مش علمتك إزاي تقدر تسيب حقي مبقاش أنا أسما الكومي يا نوح يا بن الكومي.
توقفت فجأة.
- هو فين حمايا العزيز مختفي ليه؟ ربنا يستر ميكونش هو الحرباية بيحضروا لمصيبة.
بمكتب يحيى الكومي. دلف أحد الأشخاص. جلس أمامه وتحدث.
- عملت تحليل DNA وزي ماحضرتك شكيت الولد مش ابن نوح.
صاعقة نزلت على رأسه حتى شعر بدوران الأرض حوله وانسحابها من تحت أقدامه. فتحدث بتقطع.
- يعني إيه؟ يعني بنت الكلب بتستغفلني.
بمكتب راكان يتحدث بهاتفه.
- ما وصلتش لحاجة خالص.
أجابه جاسر وهو يفرك جبينه.
- للأسف لا. لو أمجد مش محبوس كنا قولنا هو.
رفض راكان حديثه.
- لا أمجد مالوش دخل بكده. ده واحد قريب إنه عايز الشركة.
صمت وأكمل.
- عندي شك في شخصين، يا بنت النمساوي، يا أما عايدة هانم.
مط جاسر شفتيه.
- نشوف الاتنين متقلقش.
دلف يونس إليه وألقى نفسه على المقعد وثقوب الألم تجتاح كيانه. أغلق هاتفه متجهًا إليه.
- مالك يايونس.
أطبق على جفنيه متألمًا.
- تعبان أوي ياراكان، حاسس إني مش عايش.
ربت راكان على كتفه.
- ومين سمعك. معلش فترة وهتعدي ونرجع نهلس تاني. متخافش.
فتح عينيه نصف فتحة ينظر إليه.
- بتتريق يا حضرة المستشار.
ضرب كفيه ببعضهما.
- قولي أعملك إيه، هي اللي عملت مش أنا.
تنهد بوجع ينظر إليه.
- صدقني مش هرحمها لما ترجع. مش بيقول من الحب ما قتل.
سحب نفسًا وزفره قائلاً.
- ولا هتقدر تعمل حاجة. متفكرش كتير. المهم عايزين نوجب مع حمزة حنته بعد أسبوع.
رفع حاجبه بسخرية.
- ليك نفس توجب؟ البعيد ما عندوش قلب ولا دم.
لكزه راكان.
- لا دي مفهاش كلام. انسى وجعك عايزين نفرح حمزة. يعني أنا هدوس على نفسي عربية ليمون وأضطر أقعد مع نوح البارد.
أطلق يونس ضحكات مرتفعة عندما تذكر خناقاته مع نوح. فا اقترب يغمز بعينيه.
- الولد نوح ده نمس والله العظيم. نفسي أعرف قالك إيه خلاك زي التور كدا.
تحرك للخارج.
- أمشي يابغل من قدامي بدل ما أقلب عليك.
بعد عدة أيام وهو اليوم المقرر لحفل حناء درة وحمزة. اتجهت ببعض الأشياء الخاصة بأختها لتضعها بمنزلها. أما عنده استمع لرنين هاتفه امسكه.
- راكان ليلى راحت عندي البيت زي ما أنا خططت أي خدمة. بس إياك تدنس البيت يلا.
زفر يمسح على وجهه بغضب قائلاً.
- احترم نفسك يا متخلف. وبعدين أنا مطلبتش منك حاجة. تروح ولا تيجي مايهمنيش.
قهقه حمزة مردفًا.
- يعني مش هتموت وتشوفها بعد ما سابت كاميراتك وراحت بيت أبوها. وكمان مفيش خروج من البيت.
ابتسم راكان عندما تذكر آخر لقاء بينهما بعدة أيام بعد اقتحام منزلها.
دلت إلى قصر البنداري.
- إحنا جينا يانانا.
خرجت زينب تفتح ذراعيها.
- قلب نانا ياحبيبي.
أسرع أمير إلى زينب. كانت تبحث عنه بعينيها. رآتها زينب ولكن تجاهلت نظراتها وحدثت أمير.
- بابا قاعد مع خطيبته جوا، شوية ويطلع يلعب مع أمير.
لم تشعر بنفسها وهي تتحرك تقتحم الغرفة بعدما شعرت بنيران الغيرة تأكل صدرها كالنيران التي تأكل سنابل القمح. دفعت الباب. وجدت نورسين تجلس أمامه على سطح المكتب وتتلاعب بزر قميصه. دفعت الباب ودلفت للداخل.
- أووه آسفة شكلي جيت في وقت غلط. معلش يا آنسة نورسين هاخد حبيبك شوية عايزاه ضروري.
كتم ضحكة بداخله وهو يرى نيران تخرج من نظراتها. حبس أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصب بجسده مانعًا رغبته في ضمها وتذوق شهدها الذي حرم منه.
توقفت نورسين وهي تزفر. ثم طبعت قبلة بجوار شفتيه.
- نزلت على قلبي كالنيران التي تأكل أحشائي. روحي وبكرة نتقابل ونكمل كلامنا.
قالها راكان الذي يطالع ليلى بهدوء.
- تمام ياحبيبي.
قالتها وتحركت أمام ليلى بخيلاء ترمقها بنظرات احتقارية. نهض يضع كفيه بجيب بنطاله.
- خير يا مدام ليلى.
اقتربت ترمقه بنظرات نارية.
- هتفضل لحد إمتى كدا.
ضيق عيناه متسائلاً.
- كدا إزاي مش فاهم كلامك.
سحبت نفسًا ودفعته مرة واحدة.
- انسى يا أستاذ. أنا هنزل بكرة عند بابا، فرح درة بعد أقل من شهر. أكيد حضرتك عارف. هسيب أمير الأسبوع ده مع ماما زينب، وممكن يبقى تبعته مع حد تاني لو تعبها.
اقترب يضغط على ذراعها بقوة ونظرات لو تحرق لأحرقتها.
- تروحي فين؟ عشان الحقير آسر كل شوية ينط عند أبوكي.
دفعته بقوة ترفع سبابتها وتحدثت بغضب.
- مالكش دعوة بحياتي. أظن من شوية كنت في حضن واحدة تانية. مالكش دعوة بحياتي سمعت ولا لا. أنا مجرد أم أمير، متنساش ده كلامك.
قالتها وتحركت سريعًا من أمامه.
أطاح كل ما قابله على المكتب يصرخ بها.
- طيب خليه يقرب وأنا أقتلك.
استمعت لكلماته وتحطيمه للأشياء. فابتسمت بغرور وتحركت للخارج.
خرج من شروده على حديث حمزة الذي لم يستمع للكثير منه. ولكن أفاقه حديثه عندما قال.
- عارف إنها لسة مراتك، بس بحب ألعب بأعصابك. سلام يا راكي باشا.
بعد قليل دلفت ليلى إلى منزل أختها. وضعت بعض ثيابها التي أحضرتها وانهت بعض الأشياء. دلفت لمرحاضها وقامت باغتسال وجهها بالماء البارد بعدما شعرت بالدوران وألم بمعدتها.
وضعت كفيها على أحشائها مبتسمة.
- هتطلع شقي زي بابا. لسة في الأول وبتعمل فيا كدا.
اغمضت عيناها وهي تشعر بنسمة هواء محملة برائحته. استدارت تنظر للوراء، وجدته خلفها كالحلم. ابتسمت، لا تعلم أتحلم أم أنه حقا خلفها.
أخرجها من شرودها عندما همس بجوار أذنها:
- وحشتيني لدرجة الموت.
احتضن وجهها، يضع جبينه فوق خاصتها، يسحب نفسًا مختلطًا بأنفاسها.
- مش قادر. جتلك راكع ورافع الراية البيضة وبقولك مش قادر أعيش من غيرك.
رفعت كفيها تحتضن وجهه حتى تتأكد من وجوده، بذاك الوقت وذاك المكان الذي لا يربطهما. همست له:
- را... كان. أنا مش بحلم مش كدا.
قالتها وعبراتها كزخات المطر تغسل وجنتيها.
نزل برأسه يقبل وجنتيها مزيلًا دموعها، حتى وصل لشفتيها يقبلها بلهفة واشتياق، كمحروم من لذة الخمر. رفعت ذراعيها تعانقه وتبادله جنون عشقه. فصل قبلاته المحمومة وهو يسحبها من كفيها.
- تعالي نروح بيتنا. البغل بيقولي إياك تدنس بيتي.
توقفت تتذكر ما صار منذ لحظات.
- هاجي معاك ازاي. مينفعش.
حملها يضمها لصدره حتى يشبع روحه المفقودة.
- ينفع ومليون. نزلني ياراكان. مالبستش حجابي.
أنزلها بهدوء وهرول يجذب حجابها، يضعها بعشوائية على رأسها، ثم اتجه بها لسيارته سريعا.
وصل إلى منزله. ترجلت من السيارة واتجهت معه لداخل المنزل الذي زينه وأصبح منتظرًا عروسه. رفعت نظرها إليه.
- انت ال عملت كدا.
نزل بجبينه على خاصتها.
- نفسي أعملك فرح أوي. وإن شاء الله ناوي أعملك أحسن فرح.
رفعت نفسها تطبع قبلة على وجنتيه ثم همست له:
- عندي خبر هيجننك.
ثم أمسكت كفيه تضعها على أحشائها.
- حبيبي هيجلنا بيبي. شبه باباه.
حامل. أردف بها بقلب مرتعش وعيون لامعة بالعبرات. أصابته قشعريرة تختلج كيانه وتملكتة عاطفة قوية وهو ينتظر ردها بشق الأنفس، عله أخطأ بسماعه.
أومأت رأسها وعبراتها تنزرف بغزارة على وجنتيها، وانفرجت شفتيها بابتسامة، ثم حاوطته تضم نفسها بأحضانه.
- هتكون أجمل بابي في الدنيا كلها.
ارتجفت أوصاله جميعا من كلماتها، فأخرجها يحتضن وجنتيها وتلاقت أعينهما يتعانق فيها نبض كليهما. فهمس لها:
- مش بحلم مش كدا.
رفعت كفيها واحتضنت وجهه.
- آسفة. حقيقي آسفة على كل حاجة.
جذبها لأحضانه، يشد على عظامها بذراعيه يعتصرها وقلبه يقفز بين ضلوعه.
- أنا اللي آسف على كل كلمة وجع وجعتك بيها.
لكمته بصدره بقوة قائلة:
- لا ياحبيبي لسة هحاسبك على اللي شوفته في المكتب متخافش.
أطلق ضحكات مرتفعة وهو يحملها متجها بها للأعلى. ولكنه توقف عندما استمع إلى أحدهما يصرخ به. استدار لمصدر الصوت وجده بهاء. لحظات واستمع لطلقات نارية تحاوط المنزل بالكامل. ارتجفت أوصاله وهو ينظر لزوجته التي وضعت كفيها على أذنها تصرخ عندما اخترقت رصاصة من النافذة الزجاجية.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سيلا وليد
وبمجرد أن اتجه إلى الخارج شعرت بالضيق يدب أوصالها، فمن الممكن أن تعترف سلمي بكل شيء، وخصوصًا أنها أصبحت شخصًا مختلفًا تمامًا.
معاذ بهدوء: سلمي؟
سلمي بانتباه وهي تنظر نحوه بعيون منتفخة من كثرة البكاء، هاتفه بحزن: نعم يا معاذ.
معاذ بصدمة: مالك يا سلمي؟ بتعيطي ليه؟ إيه اللي حصل؟
سلمي بدموع أكثر: أنا حاسة إني السبب في دا كله.
معاذ بصدمة: نعم؟
سلمي بدموع: أنا حاسة بالذنب يا معاذ، وسكوتي دا تعبني أكتر.
معاذ بهدوء وهو يجلس أمامها: احكي لي كل حاجة وأنا سامعك.
لتأخذ سلمي نفسًا عميقًا وكادت أن تتفوه، ولكن قطعها صوت والدتها هاتفة بحدة: سلمي!
سلمي بصدمة: ماما؟
عفاف بغضب وهي تتوجه نحوهما، هاتفة ببعض التوتر: تعالي يا سلمي، عايزاكِ في حاجة مهمة.
معاذ بضيق: لازم دلوقتي يعني يا عمتي؟
عفاف بنفاذ صبر: أيوه يا معاذ دلوقتي، وبعدين أنت عايزها في إيه يعني؟
معاذ بصدمة: هكون عايزها في إيه يعني؟ أنا كنت زهقان وقولت نتكلم شوية مش أكتر.
عفاف بضيق وهي تسحب سلمي خلفها: يبقى تتكلموا أي وقت تاني.
وبمجرد أن اتجهوا إلى الداخل، وتحديدًا غرفة سلمي.
هرول معاذ إلى الداخل، وبالتحديد إلى اللاب الخاص به، ليبدأ تتبع ما سيحدث في الداخل.
في غرفة سلمي، وبمجرد توجههم إلى الداخل، قذفتها والدتها على الفراش هاتفة بحدة: كنتي هتقولي إيه؟
سلمي بدموع: كنت هبلغهم بكل حاجة.
عفاف بغضب، صفعتها على وجهها بكل قوة، لتمسك سلمي بوجهها وتزداد أكثر في البكاء، تتطلع إلى والدتها بعيون خائفة.
أما معاذ، فقد توقع ردة فعل عمتها.
عفاف بضيق: والله يا سلمي ما تحاولي تعملي أي حاجة أو تقولي على اللي حصل، لموتك.
سلمي بصدمة من بين دموعها: تموتيني؟
عفاف بغل: أيوه أموتك، وأموت أي حد يفكر يقف قدام إني آخد اللي عايزاه.
سلمي: وأنا مش هسيبك تموتيهم أو تأذيهم.
لتكمل بحده: أنتِ إزاي كده؟ أنتِ مكنتيش كده.
لتتحرك نحوها ممسكة بيدها تحاول استعطافها، هاتفه برجاء: ماما تعالي نسافر ونسيب كل حاجة، أنا مش عايزة إلا وجودك بس، هعمل إيه بكل دا وأنتِ مش معايا؟ عارفة أنا هعيش بأي طريقة وعلى أي حال بس تكوني جنبي، وكده كده خالي هيساعدنا زي ما هو ومش هيتخلى علينا بحاجة، بس أنتِ تعالي معايا ونمشي، وكفاية أوي لحد هنا اللي حصل.
نظرت عفاف نحوها بهدوء وهي تمسك بيدها، هاتفه بحزن: مش بيدي يا سلمي، أنا لازم أعمل كده وآخد كل حاجة أنا عايزها، وأنتِ لازم تساعديني لو بتحبيني فعلاً. أنا مش هتتنازل عن اللي في دماغي.
لتتحول نبرتها إلى الغل مجددًا، لتنظر نحوها سلمي بحزن، هاتفه بدموع: يعني مش هتغيري رأيك؟
عفاف بغضب: لا يا سلمي، وانتِ لا تساعديني، لا هأذي الكل.
سلمي بحزن: طيب ولو ساعدتك، هتعملي إيه؟ ما أنتِ هتأذيهم بردو.
عفاف بضيق: هاخد كل حاجة يملكوها، ومش هأذي شخص واحد.
سلمي بدموع: وأنا موافقة، بس قولي لي هتعملي إيه.
كانت الصدمة الأكبر من نصيب معاذ، الذي صدم أكثر من عمته بموافقة سلمي.
عفاف بابتسامة، اقتربت منها واحتضنتها بشدة، هاتفة بحنان: وأنا هوعدك تاني مش هأذي حد، عشان تكوني مطمنة تمام.
سلمي بحزن وهي تمسح دموعها: تمام.
لتغادر عفاف الغرفة وهي تبتسم تلقائيًا، أما سلمي، فأخذت تبكي بحرقة، لا تدري ماذا تفعل، تعرف الجميع بأفعال والدتها وتنال جزاءها، وتفقد أمًا تساعدها في هذا الفعل.
لتمسح دموعها، عازمة على فعل شيء.
عند معاذ.
أما هو، فشعر أن رأسه تكاد تنفجر من شدة صدمته، فهل حقًا عمته كانت عازمة على أذيتهم؟ ولماذا تفعل هذا؟ وماذا تريد منهم؟ وهل سلمي ستساعدها حقًا؟ كل هذه الأسئلة اقتحمت رأسه، لا يدري ماذا يفعل سوى أن يهاتف سليم ويخبره بجميع ما حدث.
سليم بهدوء: الووو.
معاذ بتوتر: سليم.
سليم بقلق: خير يا معاذ؟ في إيه؟
معاذ بحزن، سرد له حوار عفاف وابنتها كاملاً.
ليكمل: ها يا سليم، هنعمل إيه؟ أنا خايف من عمتك أوي، دي شكلها ناوي على الشر.
سليم بحزن: مقالتش لسلمي هي بتعمل كل دا ليه؟
معاذ بهدوء: مش عارف، كل اللي فهمته منها إنها عايزة تنتقم، ليه بقى مش عارف.
سليم بتفكير: آه تمام، إحنا لازم نستنى، مفيش أي خيار تاني غير الانتظار، وخصوصًا إنها ممكن تكون ناوية على حاجة، ولما نكشفها تنفذها بعد كده وهتكون أخطر من الأول.
معاذ بتفكير: أنا مش عارف إيه في كل دا، وإيه أصلًا اللي حصل، طول عمرنا مع بعض وفي ظهرها، وبابا عمره ما زعلها، ودايمًا طلبتها أوامر.
سليم بحزن: منا بردو هتجنن، مش لاقي سبب والله.
معاذ بحزن: اللي تعملوا تعملوا بقى، أنا بـراقبها أهو، وإن شاء الله مش هتقدر تعمل حاجة.
ليكمل: أنا كل استغرابي من سلمي، إزاي مقهورة وبتحاول معاها كده، وفي نفس الوقت بتقول هساعدها.
سليم بتفكير: مش عارف.
ليكمل: يمكن بتحاول تعرف هي بتخطط لإيه عشان توقفها عن اللي هتعمله.
معاذ بأسف: ياريت يا سليم تكون بتفكر كده.
سليم بهدوء: إن شاء الله.
ليكمل: أنا هسيب مسؤليتهم عليك، وخلي عينك عليهم وعلى بابا، محدش يضمن تفكر تعمل إيه.
معاذ بهدوء: عندك حق، وبردو لا أنا معاهم أهو، وإن شاء الله ربنا يسترها علينا، إحنا عمرنا ما أذينا حد.
ليكمل: آه صحيح، فكرتني.
سليم بهدوء: فكرتك بإيه؟
معاذ بهدوء: سلمي كانت جايه تتكلم معايا، وكانت لسه هتتكلم، وبعدين عمتك دخلت بصوت عالي كده وخدتها أوضتها، وبعدين بقى زي ما حكيت لك.
سليم بتفكير: آه معقول، كانت هتحكيلك على اللي حصل؟
معاذ بتفكير: مش عارف، بس يمكن كانت هتنبهني تاني.
سليم بهدوء: مش عارف، بس لو جات تتكلم، حاول تعرف منها كل حاجة عشان نكون عارفين بتخطط لإيه.
معاذ بهدوء: تمام.
ليكمل: مريم عاملة إيه؟ كان باين عليها الزعل.
سليم بحزن: زعلانة على عمتك وعلى اللي إحنا فيه، والغموض دا، وخايفة طبعًا بعد ما عمتك حاولت تجهضها.
معاذ بهدوء: قولها خير، وتفوض أمرها لربنا، واللي فيه الخير يقدمه ربنا، والحمد لله إننا عرفنا قبل ما كان حصل حاجة للجنين، قولها مش دا كلامك بردو يا مريم؟
سليم بهدوء: أيوه فعلاً، الحمد لله.
ليكمل: والله بقول يا معاذ، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
معاذ بهدوء: تمام، روح ارتاح شوية، باين عليك التعب.
سليم بتعب: فعلاً والله تعبان ومش بنام كويس.
معاذ بحنان: لا ارتاح يا سليم، الفترة الجاية محتاجة كل قوتنا.
سليم بحزن: آه إن شاء الله.
ليكمل: يلا سلام.
معاذ بهدوء: سلام.
في بيت أم ضحى.
ضحى بهدوء: خير، عايز إيه؟
مصطفى بهدوء: عايز طنط.
ضحى بصدمة: وكمان جاي هنا تضايقني؟
مصطفى بابتسامة: ما خلاص بقى يا ضحى، قلبك أبيض.
ضحى بمشهد كوميدي وهي تشير بإصبعها بطريقة مضحكة: ولو لا يمكن أسامحك.
مصطفى بضحك: وسعي كده يا بت أنتِ عشان الجيران هتتلم.
ضحى بصدمة: بت طيب يا مصطفى، أنا مخصماك.
مصطفى بضحك: وابعد عني، أنا مش طايقاك.
ضحى بضحكة بسيطة: لا، أنت ناوي تجنني.
مصطفى بمشاكسة: بحبك وأنتِ متعصبة يا جميل.
ضحى بعبوس أطفال: بردو زعلانة.
مصطفى بابتسامة: هصالحك، بس استني عليا.
ضحى بشك: ليه إن شاء الله؟ بتعمل إيه؟
مصطفى بهدوء، بعدما رأى والدتها تترجل إلى الداخل: هقولك سر، بس ارحب بطنط الأول.
ضحى بانتباه: آه تمام.
مكثت والدتها لبعض الدقائق قبل أن تهتف بابتسامة: هقوم أجبلكم حاجة تشربوها.
توجهت والدتها إلى الداخل، ليجلس على الكرسي المجاور، هاتفا بهدوء: موضوع مريم، ما أنتِ عارفاه.
ضحى بانتباه: أيوه، هو حصل حاجة ولا إيه؟
مصطفى بتوضيح، بعدما شرح لها كل ما حدث، وكافة الأشياء التي حدثت من وضع أجهزة وكاميرات مراقبة.
لتهتف ضحى بصدمة: نعم؟ طيب افرض واحدة فيهم نايمة بهدوم نوم أو أي حاجة كده، هتشوفوهم؟
مصطفى بابتسامة: يا زوجتي العزيزة، إحنا مش هنفتح الكاميرات غير لو هي ومامتها حاولوا يتكلموا، وبعدين معاذ قالي إنه هيفرغ الكاميرات ومش هيخلي غير مقطع كلامهم، وبردو أهم حاجة هو تسجيل الصوت، فهمتي؟
ضحى بابتسامة: أيوه كده فهمت.
مصطفى بابتسامة: خلاص، صافي يا لبن.
ضحى وهي تنظر نحو الأعلى بابتسامة: لا بردو، عشان أبقى أرن عليك ومتردش، حلو.
مصطفى بهزار: ياساتر عليك، دا أنتِ طلعتي مفترية.
ضحى بصدمة: واتجوزتني ليه بقى؟ كنت اتجوزت واحدة طيبة زيك، لتلقي كلمتها وهي تستهزئ.
مصطفى بابتسامة صادقة: وأنا حبيتك واتجوزتك وأنا عارفك، ومش عايزك تتغيري، لأن وبكل بساطة بحب عندك خناقك، ضحكتك، ابتسامتك، كل حاجة فيك بحبها.
ضحى بابتسامة حب: إيه الكلام الخلو ده؟ عرفت تضحك عليا يا مصطفى؟
مصطفى بابتسامة: دا أقل حاجة عندي يا حبيبة مصطفى.
لتكتفي ضحى بالابتسامة.
مصطفى بهدوء: معلش متزعليش مني لو قصرت معاك الفترة الجاية بدون قصد، بس أنا لازم أكون جنبك سليم ومعاذ في الفترة دي.
ضحى بابتسامة: وأنا عمري ما هزعل منك، أنا عارفة ومقدرة كده كويس، وبعدين أنت هتكبر في نظري أكتر، لأن دا واجب الصحاب مع بعض إنهم بيكونوا سند لبعض في الحزن والمشاكل قبل الفرح.
مصطفى بابتسامة واسعة: أنا فعلاً عرفت أختار أحلى وأجمل بنت في الدنيا كلها.
ضحى بابتسامة: شكراً.
لتكمل: على فكرة، أنا كنت بهزر معاك، أنا مزعلتش ولا حاجة، لأني عارفة إنك مضغوط الفترة دي.
مصطفى بصدمة: نعم؟ وعمالة تذلي فيا من الصبح.
ضحى بابتسامة: عاجبك ولا مش عاجبك؟
مصطفى بابتسامة: عاجبني يا ستي ضحى، أنا أقدر أتكلم.
ليقطع حديثهم ترجل والدتها وهي تحمل بعض الأشياء على صينية التقديم.
مصطفى بابتسامة: تسلم إيدك يا حماتي.
أم ضحى بابتسامة: تسلم لي يا حبيبي.
لتحمل ضحى منها الصينية، مقدمة لمصطفى بعض الأشياء من عليها.
في صباح يوم جديد.
استيقظت مريم بتعب واضح، فالرأس لم يتركها على مدار اليومين السابقين، لتتأوه بتعب.
سليم بتعب هو الآخر وهو يعتدل في جلسته: مالك يا حبيبتي؟
مريم بتعب: أنا كويسة، دول شوية صداع بس من التفكير.
سليم بحزن: يا حبيبتي متشغليش بالك بحاجة غير صحتك، وأنا إن شاء الله ومعاذ ومصطفى هنحاول نوصل للحقيقة.
مريم بحزن: دي حاجة مش بإيدي يا سليم، أنا خايفة عليكم وعلي ابني.
سليم بابتسامة وهو يقبل يدها: إن شاء الله خير، وبعدين معاذ بيقولك خير، وفوضي أمرك لربنا، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
مريم بابتسامة: الحمد لله على كل حال.
سليم بهدوء: يلا يا حبيبتي، أنا هقوم أجهز وأروح الشركة، وأنتِ بقى قومي اطلعي اقعدي شوية بره مع طنط واتكلمي عشان تحاولي تتعاملي وتنسي شوية.
مريم بابتسامة: حاضر يا حبيبي.
لتكمل: بس خلي بالك من نفسك.
سليم بابتسامة: حاضر يا حبيبتي.
ليكمل: وأنتِ كمان، خدي بالك من نفسك.
ليغادر سليم بعد ساعة تقريبًا، وبعدما صممت أسماء أن يتناول سليم القطار قبل نزوله.
ليودعهم متجها نحو الشركة.
في فيلا الكيلاني.
استيقظ معاذ على صوت طرقات على باب غرفته.
ليترجل من الفراش متجها إلى الباب، ليجد سلمي في وجهه، هاتفه بإحراج: معلش صحيتك من النوم.
معاذ بدهشة: ولا يهمك يا سلمي.
سلمي بتوتر: كنت عايزة أتكلم معاك شوية.
معاذ بتفكير: حاضر، انزلي وأنا هحصُلك.
سلمي بتفكير: تمام.
لتكمل: بس بسرعة، ماما خرجت وعايزة أتكلم قبل ما ترجع.
معاذ بتفكير: طيب، يلا بينا على الجنينة.
ليجلسوا في الجنينة، ليسود الصمت لدقائق قبل أن يهتف معاذ بهدوء: عايزة تقولي إيه يا سلمي؟ اتكلمي ومتخافيش.
سلمي بتوتر: بصراحة كده يا معاذ، ماما هي السبب في إن مريم تجهض.
معاذ بهدوء: بجد؟
سلمي بدموع: بس والله أنا حذرتهم، بس هما ما خدوش حذرهم منها، وهي انتهزت الفرصة ونفذت وأجهضت مريم.
معاذ بصدمة مصطنعة: وعمتي عملت كده ليه؟ إيه السبب اللي يخليها تأذي روح بريئة؟
سلمي بدموع: أنا والله ما عارفة حاجة، غير إنها عايزة كل حاجة تكون ليها.
معاذ بحزن: تاخد اللي هي عايزاه، وأنا أول واحد هعملها التنازل، بس هي كانت هتكون عندنا بالدنيا كلها، مش عايزة تضحي بينا عشان الفلوس.
سلمي بحزن: أنا والله قولتلها نسافر وأنا هشتغل، وخالي هيساعدنا، بس هي مسمعتش الكلام ومصممة على اللي في دماغها وهتنفذه.
معاذ بانتباه: وهو إيه اللي في دماغها غير إنها تاخد أملاكنا؟
سلمي: مش عارفة والله، هي هتعمل إيه.
لتكمل: أول ما هعرف حاجة هبعت لك على الواتس، لأني مش هعرف أكلمك، هتاخد بالها، وأنا مفهمها إني هكون معاها وهساعدها.
معاذ بهدوء: وأنا معاك، وعايزك تساعديني إننا نفهم هي بتخطط لإيه.
ليكمل: حاولي تعرفي منها غرضها إيه عشان نحاول نوقفها.
سلمي بهدوء: حاضر يا معاذ.
لتكمل: هو مصيرها هيكون إيه لما تعرف هي بتخطط لإيه؟
معاذ بتفكير: الصراحة مش عارف يا سلمي، بس يارب نعرف هي عايزة إيه قبل ما تأذي نفسها.
في المساء، كانت سلمي جالسة تفكر فيما تفعل، ليقطع بالها فكرة ما.
سلمي بهدوء: ممكن أدخل شوية؟
عفاف بهدوء: أيوه يا حبيبتي، اتفضلي.
سلمي بهدوء، جلست بجوارها، هاتفه بهدوء: عايزة أتكلم معاكِ شوية.
عفاف بانتباه: اتفضلي.
سلمي بهدوء: أنتِ عايزة تاخدي كل حاجة منهم ليه؟
عفاف بابتسامة شرسة: لأسباب كتير.
سلمي بصدمة من شكل وجهها الذي تغير فجأة، لتهتف بقلق: ليه؟ إيه اللي حصل؟
عفاف بتفكير: أقولك، بس تمسكي نفسك ومتضعفيش.
لتكمل: وتفضلي تساعديني زي ما اتفقنا.
سلمي بخوف: أيوه طبعًا اتفقنا، زي ما هو، مهما تقولي.
عفاف بغل...
سلمي بصدمه وهي تضع يدها فوق وجهها ايه...
بقلم نورهان محمد
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
•
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سيلا وليد
الثالث والثلاثون
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
كان بعدك...
كنزع الروح عن الجسد...
وقساوتك كقلب من حجر...
وكأنه انتقام من أشد عدو....
كان كل شيء فيه...
مؤلم وجمر...
يتبعه ثورة لهب...
فياهذا لاتترك قلبي ينصهر
أجابها بعين عاشق حد الجنون
طويتكِ في قلبي فاطمئني.
ولاتخشي مفاجأة الدواهي.
جريتِ مع العروق وصرتِ مني.
وذوبنا في الهوى حد التناهي.
أكاد أبوح باسمكِ، غير أني أغار عليكِ من همس الشفاه.
***
قبل شهر، خاصة يوم زفاف حمزة ودرة.
أنهى نوح عمليته واتجه إلى مكتبه بالمشفى الخاصة به وهو يدون بعض الأشياء المتعلقة بالمريض. قاطع اندماجه بعمله رنين هاتفه.
زفر باختناق وأجاب على الهاتف.
"نعم.."
على الجانب الآخر أجابه والد راندا.
"محتاجين نقعد مع بعض يا دكتور.."
سحب نفسًا ثم زفره قائلًا بهدوء:
"قبل أي كلام حضرتك، مفيش بينا حاجة نتكلم فيها. بنتك طلقتها وبعت ورقة طلقها وحقوقها بالكامل وصلتلها."
نهض المدعو راجح البحيري وهو يتحدث بفظاظة غليظة مغلفة بالتهديد.
"مفيش طلاق، والبنت حامل. إيه يا دكتور مش عارف أمور دينك؟"
رجع نوح بجسده وهو يمسح على وجهه قائلًا برزانة:
"حضرتك شكل الباشمهندسة مش معرفاك إننا اتطلقنا من قبل ما أعرف بالحمل. ورغم كدا خليتها في بيت بابا واتعاملت أحسن معاملة لحد الولادة."
صرخ راجح قائلًا:
"مش بنتي اللي تتطلق من جوزها في أول شهور جوازها. لا وبعدها تكون حامل يا دكتور. أنا ماكنتش أعرف بموضوع الطلاق دا. ودلوقتي هترجعها لعصمتك لحد ما أنا اللي أقولك هتطلقها إمتى."
"بنتك طلقتها بالتلاتة يا راجح باشا. مش عايز أسمع كلمة تاني." قالها ثم أغلق هاتفه يلقيه على مكتبه بغضب.
"غلطة وهفضل أتحاسب عليها طول عمري. إزاي نزلت للمستوى الزفت دا."
بمدينة لوس أنجلوس.
سحبهما إحدى الرجال وتحدث بلكنته الإنجليزية.
"سيدي، لقد أحضرت لك الفتيات."
استدار ينفث تبغه وهو يشير بيديه للخروج. ثم اتجه لشاشته ينظر لتلك التي تصرخ بأحد رجاله.
"سأمزقك بأسناني أيها الغبي. أغرب عن وجهي."
تراجع بجسده وظل يراقبها بصمت قائلًا لنفسه:
"أبله وأحمق أيها الرجل. منذ متى وتقف بوجهك أنثى تتدلى عليك مثل تلك الشرقية التي تتفعم بطاقتها الحيوية."
نفث تبغه ونظراته الثابتة عليها لم تتوانى عنها لحظة. دقائق يراقبها بنظراته الثاقبة. بالغرفة.
كانت تجول ذهابًا وإيابًا وتحطم ما يقابلها.
"كفى حبيبتي اهدئي. الآن سنعرف من الذي فعل ذلك."
جذبت خصلاتها الشقراء بعنف.
"كيف لي أن أهدأ وذاك الجبان مختبئ ولا نعلم لماذا نحن هنا."
نظرت حولها فوجدت بعض الكاميرات توضع بالغرفة. أشارت بسبابتها.
"من أنت أيها الغبي الجبان. ولما نحن هنا؟"
عند راكان وليلى.
جلس بجوارها يمسد على خصلاتها. استمع لصوتها بين النوم واليقظة.
"بحبك."
ابتسم وكأنها لأول مرة تنطقها. شعور مفعم بالعشق. استند يدمغ جبينها بقبلة مطولة هامسًا بجوار أذنها.
"وأنا أعشقك يا مولاتي."
مسح على وجنتيها يتذكر ما مر به منذ أن رآها لليوم. ثلاثة أعوام أنهك قلبه المعذب بعشقها النادر. وهجرها كهجر النجوم للسماء بليل الشتاء. وضع رأسه ومازال يملس على وجنتيها بعيون سعيدة همس لنفسه قبلها.
"أوعد نفسي وقلبي قبلك أن حياتنا الجاية تكون هادية وسعيدة. هحاول بكل جهدي أعوض أيام الحزن والوجع اللي دفعنا فاتورتها غالية أوي."
أطبق جفنيه يسحب عطر أنفاسها لامسًا شفتيها. ود لو فتحت ليلها ليقر قلبه الملتاع بقربها. أيقظه من أحلامه رنين هاتفه. أمسكه متجهًا للخارج بعدما دثرها جيدًا.
"أيوة يا زفت متصل ليه."
ولكنه صمت عندما استمع لشهقات أسما.
"فيه ناس ضربوا نوح وهو في المستشفى حالته خطيرة. حالته خطيرة."
قالتها بصوت باكي متقطع. حتى سقط الهاتف من يديه هامسًا "نوح". شل جسده وكأنه لم يعلم كيف يكون السير. وتاهت نظراته بالمكان كأنه شخص غريب يعيش بصحراء قاحلة. فقد بها كل شيء. دقائق مرت عليه كالدهر. حتى ثنى جسده وعقله يرسم أشياء خطيرة. أمسك هاتفه وبأصابع مرتعشة. وقلب ينتفض خوفًا.
"يونس." قالها بتقطع وأنفاس سحبت من رئتيه هامسًا.
"نو..ح..ن..و..ح. فين يا..يو.نس."
على الجانب الآخر كان يقود السيارة بسرعة جنونية يتحدث.
"أنا كنت عنده وحصل مشكلة مع سيلين، لازم أسافر حالا. أنت خلي بالك من نوح. لازم أقفل دلوقتي."
جحظت عيناه من حديثه الصادم. حاول الاتصال به. ولكنه أغلق هاتفه.
واتجه للخارج. استقل سيارته متوجهًا للمشفى سريعا. وصل خلال دقائق معدودة. ترجل سريعا من سيارته ودلف للداخل. وجد أسما تقف أمام غرفة العمليات وبجوارها كريم أخو ليلى.
"إيه اللي حصل؟ ومين ضربه؟"
ابتلع كريم غصة مريرة وأجابه.
"ما نعرفش. هو بقاله نص ساعة جوا."
اتجه لمدير المستشفى ليعرف آخر الأخبار التي وصلت إليه.
***
عند يونس.
قبل صعوده للطائرة، قام بالاتصال بوالده.
"بابا أنا هركب الطيارة وأكون عندك في أمريكا. قابلني على السفارة المصرية بعد ما أوصل هناك."
أجابه خالد قائلًا:
"أنا مع السفير دلوقتي يا يونس. وعملنا بلاغ وبندور يابني متخافش."
أغلق هاتفه بعدما تحدث.
"تمام يا بابا. حاول توصل لحاجة. مش هقولك حالتي إزاي."
بعد فترة وصل راكان إلى منزله. صعد للأعلى.
اتجه بنظره لغرفة زوجته فخطى للداخل بخطوات متعثرة وكأنه يسير على نيرانه تحرقه دون رحمة. دلف للداخل بهدوء وجدها تتقلب بفراشها. شعرت به. ابتسمت له.
"متى تيجي تنام بدل ما أنت مراقبني كدا. صدقني لو قادرة أقوم أقعد معاك كنت قمت." قالتها وهي تغمض عيناها بين النوم واليقظة.
توقف ينظر إليها بهدوء. لا يعلم كيف يخبرها بما حدث. اتجه إليها وقام بحملها دون حديث.
فتحت عيناها تضع رأسها بحنايا عنقه.
"راكان صدقني مش قادرة خالص. معرفش عايزة أنام على طول بطريقة غبية."
اتجه للخارج دون حديث. ثم وضعها بالسيارة. هنا توسعت عيناها وهي تنظر حولها بإستفهام.
"إحنا رايحين فين حبيبي."
استقل السيارة بجوارها وجذبها لأحضانه.
"هنروح القصر. المكان هنا مبقاش آمان. بس مش عايز حد يعرف بحملك حتى ماما نفسها."
توقف عن الحديث متسائلًا.
"عرفتي حد بالحمل؟"
هزت رأسها بالنفي.
"إزاي هعرفهم قبل ما أقولك يا حبيبي."
طبع قبلة على جبينها ثم قام بتشغيل المحرك. محاولًا السيطرة على آلامه وحزنه.
"حافظي على علاقتنا قدامهم مش عايز حد يشك إننا رجعنا لبعض. الدنيا كلها فوق دماغي. فلو سمحتي حبيبتي بلاش أنتِ كمان."
قالها وملامح الحزن تكسو وجهه. متنهدًا بألم والخوف على صديق عمره يشق صدره.
كان يقود السيارة بصمت استغربته ليلى. أدارت وجهه "مالك يا راكان إيه اللي حصل وبعدين مش المفروض نروح عند بابا ليه هنروح على القصر؟"
سحب نفسًا قاطعه رنين هاتفه أجابه سريعا.
"إيه وصلت لحاجة."
أجابه الرجل.
"ماوصلناش لحاجة يافندم. بس والله هي رفضت."
جز على أسنانه صارخًا به.
"حسابكم معايا بعدين."
هز رأسه وهو يضغط بكفيه على المقود.
"روح السفارة بلغهم لحد ما أشوف هعرف أجيلكم امتى." قالها وأغلق هاتفه دون حديث آخر. ارتفعت دقاتها بخوفًا وهي ترى تبدل حالاته. فأردفت بتقطع.
"را..كان فيه إيه؟"
اتجه بأنظاره إليها وحاول التحدث بهدوء رغم حزنه الكامن.
- سيلين اتخطفت. معرفش مين اللي خطفها. ونوح فيه حد ضاربه وفي المستشفى بين الحياة والموت.
شهقة خرجت من فمها وهي تصرخ.
- يالهوي إمتى حصل دا كله.
أطبق على جفنيه محاولا السيطرة حتى لا يفقد اتزانه أمامها ويخوفها، فهو يشعر بأن هناك حجر ثقيل يطبق على صدره. جذبها وهو يوزع نظراته بين الطريق وبينها.
- حبيبي لازم نتماسك قدام ماما. أكيد حمزة هيأجل الفرح. ماهو مش معقول نوح يكون حالته خطيرة وهو يكمل فرحه. المشكلة تليفونه مقفول مش عارف أوصله. أنا هوديكي القصر بس خلي بالك مش عايز ماما وبابا يعرفوا حاجة، وخاصة بابا قلبه مش هيتحمل. آخر مرة الدكتور قالي حالته في النازل يعني ممكن لا قدر الله يموت فيها.
رفعت كفيها على وجهه وترقرق الدمع بعينيها.
- متخافش. كله هيكون تمام. أهم حاجة عندي إنك تكون بخير. بعدها كله هيكون كويس.
طبع قبلة مطولة على كفيها.
- ربنا يخليكي ليا ياروح قلبي. حافظي على نفسك عشان البيبي. ومش هقولك أكتر من اللي قولته، أهم حاجة تحافظي على هدوئك لو حاولت عايدة أو نورسين يضايقوكي. مش هقولك انت عايشة في بيت جوزك دلوقتي. انت عايشة في بيت ابنك. فهماني يا ليلى.
أومأت برأسها ونظرت للخارج وهي تضغط على ثيابها. زفر مختنقاً عندما شعر بها فتحدث.
- ليلى نورسين عندها معلومات مهمة. هي مش عندها. هي عند باباها. عايز أعرف مين اللي قتل سليم. أو بمعنى أصح مين بيحاول يقتلني. وآخر محاولة خطف أمير وتهديدك. مين دول مش عارف أوصل لحاجة. عقلي عاجز وخصوصاً بعد حالة جدي المتأخرة.
أدار وجهها إليه.
- مش عايز أضعف بيك. عايزك تكوني قوتي. أهم حاجة خافي على ولادنا. ممنوع حد يعرف ارتباطنا حتى في الشركة. أنا دلوقتي بقيت أشك في الكل. إنهم يوصلوا لسيلين. دا كسرني في وقت حادثة نوح. دول محترفين فاهمة حبيبتي.
وضعت رأسها في أحضانه.
- راكان أنا بحبك أوي. وبموت لما نورسين دي تقرب منك. بحس إحساس بشع. انسدلت دمعاتها حتى شعر بها راكان.
توقف بجانب الطريق ثم أخرجها من أحضانها.
- آسف حبيبتي. بس وعد هحاول على قد ما أقدر مخليهمش يقربوا.
تقابلت نظراتهما الولهة لبعض اللحظات حتى أنه نسي ما يدور حوله. فنزل برأسها يعزف لحنه الأثير على أوتار خاصتها. رفعت كفيها تعانقه. لما لا طالما كانت القبلة بلاغة أفصح من حروف الأبجدية أجمع تخبر عن عشق يسكن ويتغلغل بداخل قلبيهما.
ظل ينهل من عسلها متناسياً حالة الحزن التي سيطرت على كليهما. من فراق سيدوم لبعض الوقت. فصل قبلته عندما شعر بإختناقها. بدأت تسحب أنفاسها بصعوبة تضع رأسها بأحضان صدره. وهو يقوم بتشغيل محرك السيارة دون حديث. فكفى وجودها ورائحتها التي تملأ روحه وحياته بل جلبت السعادة.
وصل بعد قليل إلى القصر. أخرجها من أحضانه مبتسماً.
- نمتي ولا إيه.
وجد آثار الدموع بعينيها. مسح دموعها بأنامله.
- مش عايز الدموع دي تاني. عايز ليلى القوية اللي شفتها أول مرة وخطفت قلبي وخلتني قديس لها.
ابتسمت من بين دموعها واستدارت.
- خايفة على نوح أوي. وكمان زمان أسما منهارة.
هز رأسه وأجابها.
- إن شاء الله يقوم بالسلامة. فترة وهتعدي زي غيرها.
قالها وهو ينظر للبعيد. ربتت على كفيه وتحدثت.
- طيب جاهز يا حضرة التنين عشان المسرحية اللي هنعملها دلوقتي.
أسبل عيونه وأشار لها بالنزول. تحركت بساقين مرتعشة تخطو بجواره وهي تحتضن جسدها بذراعيها وهي تهمس.
- بابا هيزعل مني على فكرة. وممكن يقطعني.
ارتدى نظارته قائلاً.
- عامل حسابي. ادخلي عند ماما ولو سألتك اخترعي أي حاجة. مش هتغلبي. ما أنا شرير الرواية.
- اسكت عشان مضحكش. قالتها وهي تخطو للداخل. أمسك ذراعها ونظر لمقلتيها.
- مش هتروحي لأسما.
أشارت لثيابها.
- هروح بالترنج وبشعري اللي حضرتك جبتني بيهم.
وصلت زينب بعدما استمعت لحديثهما.
- ليلى إيه اللي جابك.
سحبت ذراعها وهي تتجه بنظرها إليها.
- ابن حضرتك اللي جابني غصب. وشوفتي جايبني إزاي.
تحرك للأعلى وهو يردف.
- اجهزي بسرعة لحد ما أغير. هنزل لو مالقتكيش جاهزة همشي.
كانت تراقب تحركه بابتسامة باهتة ورغم بهتانها. إلا أن عيونها العاشقة له فضحتها أمام زينب. فجذبتها زينب لأحضانها تربت على ظهرها.
- والله هو كمان بيحبك وبيـموت فيكِ. ومعرفش ليه عايز يتجوز نورسين. يمكن زي ما قالي إنك بتضعفيه.
شهقت بشهقات مرتفعة عندما فقدت السيطرة على نفسها.
- مش قادرة يا ماما. مش قادرة حاسة إني بموت وبختنق وأنا بشوفه ملك لغيري. بحاول أدوس على قلبي بس بضعف ومبقدرش. ابنك أخد كل قوتي بقيت ليلى الضعيفة الهشة.
أخرجتها من أحضانها تحتضن وجهها وتتعمق بنظراتها.
- تعرفي يا ليلى لو واحدة غيري سمعت منك كده كان ممكن تكرهك أوي.
انسدلت دموع زينب رغم عنها قائلة:
- انت كنتِ مرات ابني وحبيبته. وبقيتي ملك لواحد غيره وشوفت حبك له في عيونك عمري ما شفتهم لأبني. بس مقدرش مفرحش بكده. عشان الاتنين ولادي. عجزت يا بنتي إني أفرح لراكان اللي الدنيا مش رحماه من هو صغير وبين حزني ووجع قلبي على فقيدي اللي ماشافش الدنيا وكان كل أمنيته إنه يكون أسرة ويعيش حياة هادية وبس.
أزالت ليلى دموعها قائلة بنبرة متقطعة.
- سليم كان غالي عندي يا ماما. وأيامه عمري ما هعوضها. دا أول راجل في حياتي.
لكمتها زينب بهدوء مردفة.
- بس راكان حبيبك مش كده.
وضعت رأسها بأحضانها وأكملت.
- بس مش لما كنت متجوزة سليم صدقيني. أنا حبيته بعد ما قربت منه ودلوقتي بتمنى لو يرجع بيا الزمن عشان ما أحبوش ويوجعني كده.
مسحت على خصلاتها.
- متزعليش أنا هشد لك عليه. وانت كمان متبقييش غبية كده. شغلي عقلك شوية واستخدمي حيلك الأنثوية.
خرجت من أحضانها تمسح دموعها بكفيها.
- هروح أجهز عشان ميطلعش ذعابيبه عليا.
قطبت زينب مابين حاجبيها متسائلة.
- فين أمير؟ وازاي جابك كده من عند باباكي؟ هو مش المفروض الفرح النهاردة.
- إيه يا ماما دي كلها أسئلة. قالها راكان الذي وصل ينظر إلى ليلى.
- لسة واقفة. أنا لازم أروح المستشفى وانتِ بتدلعي. خلاص أنا همشي ويبقى تعالي براحتك.
أسرعت إلى الدرج.
- لا هلبس بسرعة أهو. متمشيش.
جلس وامسك هاتفه يحاول الوصول إلى حمزة.
- انت فين يا حمزة.
كان حمزة يخرج من مرحاضه وهو يقوم بتجفيف خصلاته.
- إيه مستعجل عشان توجب مع العريس.
سحب راكان نفساً يزفره على عدة دفعات قائلاً بحزن.
- نوح في المستشفى. قابلني على هناك. حالته خطرة. أنا اتكلمت مع مدير المستشفى. هو لسة في العمليات. ربنا يستر.
ترنح جسده للخلف. وهو يتساءل بحزن.
- بتقول إيه. إزاي دا حصل. ومين اللي عمل كده؟
نهض راكان وهو يبتعد عن والدته التي جلست تستمع إليه بقلب منتفض.
- حمزة الغي الفرح. كلم الأستاذ عاصم فهمه الوضع. مش وقت فرح دلوقتي. أنا هسافر أمريكا بالليل. ومفيش غيرك هتكون مع نوح. قابلني على هناك عشان نعرف هنعمل إيه.
نزلت ليلى متجهة إليه.
- راكان أنا خلصت.
توقفت والدته تنظر بعمق لعيناه.
- انتوا مخبين إيه عليا. وفين أمير. إزاي تجيب ليلى وتسيب أمير. وليه نوح في المستشفى.
وصل أسعد وهو يستمع لحديثهما.
- عرفت اللي حصل لنوح ياراكان؟
جذب ليلى من كفيها. وأجاب والده.
- عرفت يابابا. ورايح دلوقتي أشوف إيه اللي حصل.
تحرك بعض الخطوات. ثم توقف متسائلاً:
- جدي مفيش أي جديد في حالته؟
مسح أسعد الذي جلس متنهداً.
- للأسف مفيش. كنت عايزك تخلي سيلين تنزل. يمكن لما يشوفها قريبة منه يخف يابني.
استدار راكان بكامل جسده. ينظر إلى والده ونار أشعلت صدره.
- ودا في حكم مين إن شاء الله.
ضغطت ليلى على كفيه عندما وجدت الغضب يتحكم فيه فهمست.
- راكان لو سمحت اتأخرنا.
نظر أسعد إلى كفيهما المتشابكتين. فتحدث متهكماً.
- هو انت رجعت مراتك تاني حتى من غير ما ترجع لنا. يعني وقت ما تحب تطلق تطلق. ووقت ما تحب تتجوز تتجوز. طيب نورسين اللي عمال تلف العالم كله تشتري فستان فرح. انت ناوي تتجوز الاتنين.
سحبت ليلى كفها سريعاً واختلج صدرها شعوراً متألماً جعل قلبها يتقاذف بدقات عنيفة. ويتمزق ما تبقي في رئتيها من أنفاس مبعثرة. رفعت نظرها إليه. ثم اتجهت إلى أسعد والدمع يترقرق كطبقة كرستالية زينت عيناها السوداء فتحدثت بصوت متألم.
- إحنا مرجعناش لبعض. بس كالعادة ابن حضرتك المتجبر جابني هنا غصب عني. بعد ما فيه ناس معندهاش ضمير هجموا علينا وحاولوا يخطفوا أمير.
شهقة خرجت من جوف زينب تصرخ به.
- ابن أخوك فين يا حضرة المستشار؟
اتجهت ليلى تهزها بعنف.
- فين ابنك؟ إزاي تسبيهم ياخدوه.
ربتت ليلى وحاولت تهدئتها فجذبها راكان من رسغها متحركاً.
- ماما الكلام ده من فترة. أمير مع جدته. هبعتهولك مع بهاء ممنوع تفارقه وداليا عينك عليها. ماما كفاية عليا كوين ليلى. مش يبقى انتِ وهي.
تحرك سريعاً وهي تتحرك بجواره. فخطواته السريعة جعلتها تتعثر بخطواتها.
- أهدى يا حضرة المستشار. هتقعني.
توقف فجأة حتى اصطدمت بصدره. فتأوهت.
- آه. يخربيت كده.
حاوط خصرها بذراعيه عندما اختل توازنها قائلاً من بين أسنانه.
- غباء متواصل مولاتي. أنا معرفش بتكلم في إيه. ناقص آخدك بالحضن وأبوسك عشان الكل يشوفنا بنموت في بعض. أمشي يا ليلى بدل ما أديلك قلمين على وشك يمكن تتعدلي.
دفعته بقوة مشيرة بسبابتها صارخة به.
- احترم نفسك. أنا هنا حرة أعمل اللي عايزاه. ومتفكرش بتلوي دراعي.
ضيق عيناه مستغرباً هجومها. فتح فاه للحديث ولكن أو قفته فريال.
- مالك يا راكان. رجعت ليلى ليه. كنا مرتاحين من خناقات توم وجيري!!
دفعته بقوة متجهة لفريال كالقطة الشرسة.
- مش ذنبي إن العيلة بتاعتكم دي عيلة مقرفة. عيلة عايزة جهنم وبئس المصير. وأولهم حضرة المستشار.
مسح على وجهه كاد أن يشحذ جلده.
- وحياة ربنا هموتك. مين دول اللي عايزين جهنم وبئس المصير. ياسلام عليك بتفكريني بالخنساء.
ضربت فريال على كفيها.
- وحياة ربنا البت جننت الراجل. بس يستاهل. بالهنا والشفا يازينب.
استمعت لصوت السيارة التي تحركت للخارج. فتوقفت متسائلة.
- ودي بتعمل إيه هنا؟ النهاردة يوم فرح أختها. لا فيه حاجة غلط.
استدارت إلى عايدة التي وصلت إليها.
- ليلى رجعت ولا إيه يافريال.
استدارت إليها تهز كتفها.
- ولا أعرف حاجة. بس البت دي لسانها بينقط شهد. والله فرحانة في راكان.
نظرت إليها.
- إنتِ خارجة ولا إيه.
أومأت برأسها تتحرك أمامها بخيلاء وعنجهية.
- أيوه رايحة بيت أختي. عايزة أتغدى معاها النهاردة.
قالتها وتحركت لسيارتها. وقفت فريال تعقد ذراعها.
- ياترى ناوية على إيه يا عايدة. ياخوفي منك.
قالتها وتحركت متجهة لمنزل أسعد.
***
بالمشفى وخاصة أمام غرفة العمليات.
كانت تبكي بجسد مرتجف وتستجدي حضناً يحميها من ظلمة فراقه المميتة. فحديث الأطباء لا يبشر بالخير.
استمعت إلى فتح باب الغرفة وخروج الممرضة سريعاً.
توقفت أمامها تحادثها بصوتها المبحوح من كثرة بكائها.
- لو سمحتِ طمنيني. هو ليه محدش بيتكلم.
طالعتها الممرضة بشفقة قائلة.
- ادعيله. لو سمحتِ. لازم أجيب دم. محتاجين دم.
قالتها وتحركت سريعاً. توقفت تنظر حولها كالتائه بجيبات الجب. احتضنت جسدها ودموعها كالشلال تندفع بقوة.
توقفت تهاني والدة نوح.
- تعالي ياحبيبتي اقعدي. الوقفة غلط عليكِ.
استدارت تنظر إليها بحدقتين متسعتين كالذي فقدت صوابها.
- هو مات ومخبين عليا ولا إيه.
شهقة خرجت من بين شفتي والدته وهي تهز رأسها.
- بعد الشر عليه. ليه بتفولي عليه.
وصل راكان وهو يحاوط ليلى.
- ليلى حبيبتي متنسيش إنك حامل.
تركت ذراعه وأسرعت تلقي نفسها بأحضانه خالتها.
- خالتو نوح عامل إيه.
ضمتها والدته وهي تشهق ببكاء.
- محدش عارف حاجة. مفيش حد بيطمنا يابنتي.
اتجه راكان إلى يحيى الجالس بصمت وتنهيدة متألمة خرجت قائلاً.
- لسة مفيش جديد.
رفع رأسه قائلاً.
- عايز أعرف مين اللي عمل في ابني كدا ياراكان. مش انت وكيل نيابة. شوف شغلك ياحضرة الوكيل.
ابتلع غصة مسننة جرحت حلقه فخرج صوته مرتعشاً.
- يقوم بالسلامة الأول ووعد أجيبلك اللي عمل كدا وأعمل فيه زي اللي عمله معاه.
قالها بصوت فظ غليظ.
بينما اتجهت ليلى لأسما التي تستند رأسها على الجدار. وتنزرف عبراتها بقوة تدعو من الله أن يقوم زوجها بكامل صحته.
- أسما. همست بها ليلى بتقطع.
استدارت إليها تطالعها بهدوء وظلت كما هي. ثم اتجهت بنظرها إلى راكان ورجعت تستند على باب الغرفة وهي تتحدث.
- نوح هيموت ويسيبني صح. ولا هو مات أصلاً وبيضحكوا عليا. هو فيه عملية تقعد الوقت دا كله.
جذبتها ليلى لأحضانها وشعوراً بألم قوي يفتت عظام كلتاهما مصحوباً بضيق تنفس.
اتجه راكان إليهما.
- مش عايز حد يعيط. هو جوا لسة في العمليات. ادعوله بدل المحزنة اللي عملنها دي. دي والدته معملتش اللي بتعملوه.
مسحت ليلى دموعها وسحبت أسما من كفيها المرتعش.
- تعالي حبيبتي لازم ترتاحي. وأن شاء الله هيخرج بالسلامة.
قاطعهم خروج الطبيب. توقف راكان أمامه.
- إيه الأخبار يادكتور.
اتجه الطبيب ليحيى الصامت مردفاً.
- الضرب كان شديد. مش هخبي عليك الوضع يادكتور يحيى. فيهم ضربة أثرت على عموده الفقري. وطبعاً حضرتك عارف النتيجة ممكن تكون إيه.
صرخات وشهقات خرجت من الجميع حتى صرخ راكان بهم.
- مش عايز أسمع صوت. المهم إنه عايش. وبعد كدا كله هيكون تمام. الحمدلله المهم يكون عايش.
اتجه للطبيب.
- حياته في خطر ولا إيه عايزين نعرف.
وضع الطبيب يديه بجيب معطفه الطبي.
- طبعاً زي ما الدكتور يحيى كشف وعارف. كان فيه ضربة شديدة على الدماغ. ودي مش هنعرف نتيجتها إلا لما يفوق بالسلامة.
جثت أسما على الأرضية بعدما تلاشت قواها وجلست تنظر حولها بضياع تتمتم.
- كذب. بتضحكوا عليا. هو هيفوق ويقولي.
- تعالي نربي ولادنا مع بعض.
كتمت ليلى شهقاتها الباكية بشق الأنفس وهي ترى حالة أسما. رفعت نظرها لراكان وضعت نفسها مكانها انسدلت دموعها تغرق وجنتيها تحاول توقفها.
- أسما قومي معايا. نوح هيقوم بالسلامة.
آهة صارخة من جوف عاشقة وهي تصيح بأسمه.
- هموت ياليلى لو حصله حاجة. أنا راضية بكل حاجة. راضية حتى لو خرج عاجز بس أهم حاجة يحاوطني بحبه وبدفء حنيته. مقدرش أعيش من غيره.
وضعت كفيها على صدرها وهي تبكي بنحيب وتصرخ منادية الواحد القهار.
- يااااااارب.
وقف راكان عاجزاً بعد تركه للطبيب بعدما سحبه من أمام الجميع متسائلاً.
- متخبيش عني حاجة لو سمحت. حياته عن حالته.
أنزل الطبيب بنظره للأسفل بأسى.
- للأسف الكام ساعة دول صعبين. الضرب كله مميت في أماكن حساسة. سلامته إن شاء الله.
قالها وتحرك. انحبس النفس بصدره ونبضات قلبه التي ارتفعت بشكل عنيف. حتى شعر بتجلط دمه.
وصل حمزة الذي وقف أمامه بقلب منتفض بخوف.
- راكان نوح. نوح حصله حاجة. واقف كدا ليه.
تراجع راكان بعض الخطوات يجلس على المقعد عندما شعر بتثاقل أنفاسه.
- حالته خطيرة ياحمزة. نوح لو حصله حاجة مش هسامح نفسي أبداً.
استمع لصرخات ليلى على أسما التي تهاوى جسدها وسقطت مغشياً عليها. أسرع إليهما في حضور المسعف ونقلها لغرفة للمعاينة.
***
ألقت ليلى نفسها بأحضانه تبكي وجسدها يرتجف. حاوطها بذراعيه.
- ليلى اهدي. نوح هيقوم بالسلامة.
تمتمت بصوتها الهامس.
- راكان أنا بحبك أوي. بحبك أوي.
ظلت تتمتم بها. أطبق على جفنيه متألماً من حالتها التي شعر بها. حاوطها متجهاً للمقعد ثم أجلسها يضمها لأحضانه.
- ليلى أنا كويس أهو قدامك. ممكن تبطلي عياط متنسيش إنك حامل. مكنتش عايز أجيبك معايا.
ارتفعت شهقاتها كلما تذكرت ما أصاب نوح وحالة أسما التي تدهورت فتحدثت.
- قتلوه. كانوا عايزين يقتلوه. زي ماكانوا عايزين يقتلوك. صح. هم مش هيبطلوا لما يقتلوك.
وصلت والدتها ووالدها بجوار درة التي أسرعت إلى ليلى.
- نوح حصله إيه ياليلى.
رفع راكان نظره لحمزة.
فجذبها حمزة قائلاً.
- اهدي حبيبتي هو كويس. في العناية.
توقف عاصم أمام يحيى.
- حمدلله على سلامته يايحيى.
أومأ يحيى برأسه ثم توقف متجهاً للعناية.
- إن شاء الله هيقوم بالسلامة. ابني هيقوم بالسلامة.
قالها وهو يتحرك بتثاقل. احتضن عاصم ذراعه ينظر لزوجته.
- شوفي أختك فين مش باينة.
تحركت تبحث عنها حتى وجدت ليلى المنهارة بحضن زوجها فاتجهت إليها.
- ليلى حبيبتي. جلست بجوارها تمسد على ظهرها تطالع راكان بصمت.
- هو عامل إيه دلوقتي فيه أخبار عنه.
نهض راكان وأجابها.
- لحد دلوقتي كويس. أمير بهاء أخده القصر.
أومات برأسها.
- أيوه أخده. اتصلت بليلى كتير مردتش.
أشار عليها قائلاً.
- خلي بالك منها. لازم أروح النيابة. وزي ماحضرتك شايفة منهارة.
أمسكت كفيه تهز رأسها بالرفض.
- متسبنيش. لو سمحت ياراكان متسبنيش.
جلس بجوارها يحتضن وجهها.
- حبيبي أنا جنبك أهو. مش هسيبك. هروح نص ساعة وارجع.
انسدلت عبراتها بشهقات هامسة.
- هيقتلوك زي نوح.
-ليلى، عايز أشوف شغلي، لازم أعرف مين اللي عمل كدا.
احتضنت ذراعه وبكت بصوت مرتفع.
-هيقتلوك، مش هقدر. ياراكان، لو سمحت بلاش ترحلهم.
توسعت أعين سمية وهي تشير على ابنتها.
-هي مالها يابني؟ ومين اللي عايز يقتلك؟
احتضن وجهها وقربها، يطبع قبلة على جبينها.
-حبيبتي، دا مجرد حادث، مفيش قتل ولا حاجة. ممكن يكونوا حرامية. لازم أشوف شغلي.
ضمته بقوة، تهز رأسها رافضة مغادرته.
-لا، دول كانوا هيقتلوك. وسليم مات. مش هقدر أعيش لو بتحبني، متسبنيش. أنا خايفة ترجعلي زي نوح.
سحب نفسًا، ينظر لوالدتها التي تساءلت.
-راكان، إيه اللي بيحصل يابني؟ طيب عرفت مسرحية الطلاق عشان تحميها؟ طيب من مين؟ ونوح ذنبه إيه؟
توقف، يجذب ليلى وأجابها.
-طنط سمية، مش وقته. دلوقتي ليلى لازم ترتاح. هاخدها للدكتورة تديلها مهدئ.
تحركت بجواره، تجر أقدامها بصعوبة.
-أنا خايفة عليك بس، أنا مش تعبانة.
حاوطها بذراعيه بقوة، كاد أن يشق صدره ويدخلها بين عظامه من حالتها التي وصلت إليه.
-تعالي نشوف البيبي مع بعض، إيه رأيك؟ ونعرف هو ولد ولا بنت.
حاوطت خصره بقوة.
-مش عايزة غيرك دلوقتي صدقني، بتقول كدا عشان تسبني وتمشي.
رجفة عنيفة أصابت جسده وهزت كيانه من كلماتها. ماذا يحدث لها حتى تفعل ذلك؟ ضمها يهمس لها.
-مش هسيبك وعد، بس لازم أطمن على ابني، مش من حقي.
خرجت من أحضانه، تومئ رأسها وتحركت بجواره حتى وصلت لغرفة الطبيبة.
بعد قليل.
تسطحت على الفراش المعد للكشف بمساعدته، وقامت الطبيبة بتشغيل جهازها ووضعت السائل أسفل بطنها مع تحريكه ببطء، تنظر بشاشتها مبتسمة.
-الجنين وضعه ممتاز واحنا في نص التاني، كل حاجة مستقرة.
نظر للشاشة ولتلك النقطة التي يراها أمامه، تحجرت الدموع بمقلتيه. رفعت ليلى نظرها له وضغطت على كفيه عندما شعرت بحالته، فنزل بأنظاره إليها.
الآن ودّ لو يحطم عظامها بين ذراعيه. لقد اخترق عشقها الجارف قواعده وانهارت حصونه، فنزل بجبينه على خاصتها متجاهلاً وجود الطبيبة، فتعثرت الكلمات على شفتيه. أطبق على جفنيه وأنفاسه ثقلت بصدره، فلم يعد التحمل ببعادها عنه. ودّ لو يخوض معها الآن معركة من معارك عشقه الجارف. سكت هنيهة يستجمع رباطة جأشه. فتحرر من صدرها نفسًا ناعمًا، مبتسمة من ردة فعله التي كانت تتيقن منها.
-حبيبي، إحنا طردنا الدكتورة، شكلنا بقى وحش.
أخرج ضحكة خفيفة وقال ببحة رجولية عذبة.
-مستعد أطرد العالم كله عشان نظرة الحب والحنان اللي بشوفها في عيون مولاتي.
رفعت كفيها على وجهه.
-ربنا يخليك ليا، وتشوف ابنك ولا بنتك بخير.
أمسك كفيها يطبع قبلة عليه قائلاً.
-لازم تخافي على نفسك عشان أقدر أواجه، أنا من غيرك ولا حاجة.
أومأت برأسها عندما تذكرت ما صار لنوح، واعتدلت بعد مساعدته لها، متجهين إلى الطبيبة.
جلست الطبيبة تدون لها بعض الأدوية، جلست بمقابلتها وهو يحاوط مقعدها.
-مفيش قلق من وضع البيبي.
ابتسمت الطبيبة.
-كله تمام بس المامي تهتم شوية بأكلها مع شوية الفيتامينات دي، طبعًا الزعل والتوتر مش كويس لأي حامل.
اتجه بنظره إلى ليلى وتحدث.
-قوليلها يادكتور، ولو ينفع مهدئ تاخده ياريت.
قاطعته ليلى وهي تمسد على بطنها.
-لا، أنا كويسة، خلاص مش هعيط تاني، صدقني مش عايزة حاجة تأثر على البيبي.
خرجا بعد نصائح الطبيبة.
-هتقعدي مع ماما لحد ما أرجع تمام.
أومأت وهي تنظر للأرض.
-متتأخرش عليا.
أمال يطبع قبلة على جبينها هامسًا لها.
-باباكي عارف إني رديتك، بلاش نظرة الكسوف منه دي، أنا جوزك قدامهم كلهم، فمتخافيش.
وضعت رأسها على صدره متسائلة.
-نوح هيبقى كويس مش كدا؟
مسد على ظهرها محاولاً السيطرة حتى لا يضعف أمامها.
-إن شاء الله، وهعرف مين عمل فيه كدا.
سحبها متجها للخارج.
عند درة وحمزة.
كان يجول الردهة ذهاباً وإياباً حتى توقف أمام الزجاج ينظر إليه وهو متسطح لا حول له ولا قوة. ظل يطالعه لبضع دقائق ودموعه محتجزة بمقلتيه، يتذكر تلك السنوات التي عاشوها معاً، كم مرت عليهم لحظات سعيدة وأخرى حزينة. وضع رأسه على النافذة.
وآهة حارقة اندلعت بجوفه، أرادت أن تصل إليه حتى يشعر بكم الآلام التي تسكن روحه بما صار له. وصل راكان إليه ثم ضمه من أكتافه قائلاً.
-هيعيش ياحمزة، وهناخد حقه، وحياة وجع قلبي عليه لأحصرهم على حياتهم. دا مش وقت ضعف أبداً، لازم نتكاتف مع بعض.
رفع حمزة نظراته الحزينة.
-تفتكر مين اللي ورا اللي حصله دا؟ وانت عارف إنهم مستحيل يقربوا منه عشان أبوه.
كور قبضته بعنف حتى ابيضت.
-ماهو دا اللي مجنني، مين اللي عمل في نوح كدا؟ عقلي عاجز عن التفكير. المهم أنا لازم أسافر أمريكا، يونس مجنون وممكن عصبيته تضيعه.
ربت حمزة على كتفه.
-متخافش أنا هنا سداد، المهم نطمن على سيلين، بس مين اللي ممكن عمل كدا؟ وليه بعتولك فيديو اختطافها؟
نظر للبعيد غارقًا بتفكيره بعقل محصور، حتى شعر بتوقف عقله فأردف.
-هعرف، بس لازم أزور توفيق باشا، جه وقت المواجهة.
أمسكه حمزة من مرفقيه.
-راكان بلاش تهور، جدك ممكن يموت وتكون السبب ويشيلوك ذنب موته.
أنزل ذراع حمزة.
-ما أنا شايل سبب اللي هو فيه، رغم الحال معكوس ياخي، دا حتى أمي شالتني ذنب موت سليم، وضرب سيلين وعارف لو عرفت بخطف سيلين هتقولي انت السبب. تفتكر ممكن الواحد يقول كلام موجوع في عز حزن اللي لما يكون بيفكر فيه، وهي بتفكر فيا كدا، حتى خلتني أبدأ أعيد حسابي إنها بتعاملني كابن درتها من وقت ما عرفت أنا وليلى بنحب بعض، حستها اتغيرت. خايف أفوق على كابوس منها.
جحظت أعين حمزة رافضًا حديثه.
-لا، متخليش شيطانك يتحكم فيك يابني.
هز رأسه وتحرك قائلاً.
-هشوف هعمل إيه وأرد عليك.
مر يومان والحال مازال عليه، يونس الذي سافر ولم يعلم شيئاً عن سيلين، ونوح مازال غارقًا بغيبوبته بعدما توقف قلبه لعدة مرات حتى شيع خبر موته، مما أدى إلى انهيار أسما وتنوميها بعقاقير طبية، وتأجل سفر راكان بعد تدهور حالته حتى شعر بعجز كامل يعصف به، فأحس كأنه طائر مقصوص الأجنحة مربط الأرجل، ومحبوس بداخله قفصًا، فقد كل ما يشعره بالحياة. ولكن تواصله مع يونس والسفارة التي أكدت بأنها لم تخطف من قبل مجرمين جعله يظل بجوار نوح يومًا آخر.
يوم آخر والوقت يمر ثقيلاً عليه، وهو يبحث بكل ما يخص نوح عما حدث له حتى وصل لمكالمة هاتفية بينه وبين والد طليقته أثارت ريبته. فتحرك يبحث بناءً عليها، بعدما تم نقل يحيى للعناية بسبب سكتة قلبية.
أتت ليلى ببعض الشطائر وجلست بجواره.
-راكان، مأكلتش حاجة من امبارح، حاول تاكل حاجة عشان تقدر تقف على رجلك.
هز رأسه رافضاً الطعام بعدما أشعل سيجاره.
-ماليش نفس صدقيني، أنا هروح أشوف الدكتور، يمكن يطمنا، لازم أسافر، اختي هناك معرفش عنها حاجة.
قاطعه رنين هاتفه برقم خارجي. ضيق عيناه وأجاب.
-أيوة.
على الطرف الآخر.
-مستر راكان البنداري، أهلاً بك، أعتذر لك عن طريقتي في الوصول إليك، ولكن ظننت إنك ستصل قريباً ولكنك تأخرت كثيراً، ولكن أعلم أنك مشغول بصديق لك، فهل صديقك أهم من حياة أختك؟ أو بنت عمك كما تقولون بالمصري؟
شعر بدوران يضرب رأسه فهوى على مقعده يسحب أنفاسًا حينما شعر بإنسحاب الأكسجين من حوله فتحدث بصوت جعله متزناً بعض الشيء.
-مين معايا؟
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سيلا وليد
الرابع والثلاثون.
أنتظرك وكلي شوق أن تعود بشوق مثل اشتياقي إليك.
في كل لحظة أترقبك ولا أشعر أني بخير.
كلما طال بعدك طالت وحدتي.
كيف لا تشعر بي كيف لا تلمس إحساسي بك؟
أخاف أن تموت اللهفة والاشتياق.
أخاف أن تذبل داخلي وتتراجع الكلمات.
رغما عني أبتعد ورغما عني أريد البقاء.
نعم أشتاق إليك ولكن ماذا عنك.....
---
تمر الأيام والخوف مازال يخنقه على صديق عمره. جلس مطبق الجفنين منتظر أي آخبار تريح قلبه قبل عقله. وصلت إليه زوجته ببعض الطعام، جلست بجواره تسمد على كتفه ببطئ.
"راكان قوم عشان تاكل أي حاجة بقالك كام يوم من غير أكل."
قام بإشعال تبغه وهو يهز رأسه بالرفض.
"ليلى ماليش نفس."
لم يكمل حديثه عندما جذبت منه سيجاره وتحدثت بغضب ودموعها محتجزة بمقلتيها.
"حرام عليك نفسك ياراكان. قهوة وسجاير من غير أكل. عايز تموت نفسك."
تنهد بحرقة شديدة يمسح على وجهه.
"ليلى أنا عامل زي الدايخ الي الكل بيخبط فيه. اختي معرفش عنها حاجة، ومين اللي عايزها. وكمان نوح الي حياته في خطر. وحمزة اتلغى فرحه يوم الفرح. ولا يونس الي مش عارف اوصله من كتر جنانه وبيحملني الي حصل لسيلين."
صمت للحظات ونظر لبطنها.
"ولا ابني اللي ملحقتش أفرح بيه. وكأن الوجع بس المكتوب عليا."
رفعت كفيها تمسد على ظهره.
"كله هيعدي. نوح هيقوم بالسلامة. وحمزة هيعمل احسن فرح. وابنك هيجي وهتفرح بيه إن شاءالله. دي هتكون ذكريات مش أكتر حبيبي."
شدد من إحتضانها يضمها لصدره قائلا.
"أكتر حاجة مصبراني ومقوياني وجودك جنبي وكلمة حبيبي دي كفيلة اني أجاهد عشان في الأخر اضمك زي دلوقتي كدا."
قاطعهم رنين الهاتف. أخرجها من أحضانه ينظر لذاك الرقم الدولي. قام بالأيجاب عليه.
"أيوة.. على الطرف الأخر."
"مستر راكان البنداري. أهلا بك. اعتذر لك عن طريقتي في الوصول إليك. ولكن ظننت إنك ستصل قريبا ولكنك تأخرت كثيرا. ولكن أعلم أنك مشغول بصديق لك. فهل صديقك أهم من حياة أختك؟ أو بنت عمك كما تقولون بالمصري؟"
شعر بدوران يضرب رأسه فهوى على مقعده يسحب أنفاسًا حينما شعر بإنسحاب الأكسجين من حوله فتحدث بصوت جعله متزنًا بعض الشيء.
"مين معايا؟!"
"يعقوب المنسي."
قطب جبينه محاولا التذكر ولكن لم يصل لهويته. فقاطعه يعقوب قائلا.
"انت لم تعرفني. ولكنني اعرفك جيدًا. واعلم كل شيء يخص صاحبة ذات العيون الزرقاء. والشعر الأشقر..."
تحرك راكان لبعض الخطوات.
"ماذا تقصد؟!"
نفث الرجل تبغه وهو يتابع سيلين من شاشته قائلا:
"سيلين أسعد البنداري."
تنهد راكان بهدوء بعدما علم بما يقصده فجلس على الفراش وهو يرجع بخصلاته للخلف قائلا.
"اتعني انك من قمت بإختطاف سيلين البنداري؟"
نفث يعقوب تبغه وأطلق ضحكة خافته.
"هل يخطف العاشق معشوقة يارجل؟ بلى هي في أمان وليست كما تظن."
جحظت أعين راكان وحاول أن يتحكم بسيطرته. فسحب نفسًا.
"سأكون مساء الغد بضيافتك مستر يعقوب. أود أن أطمئن على أختي."
أشار يعقوب للرجل الذي يقف بجواره وهاتفه قائلا.
"أحضرها بيتر حتى تحادث أخاها."
جلست ليلى تنظر إليه بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب.
"انت إزاي هادي كدا واختك مخطوفة؟"
وضع إصبعه على شفتيها حتى تصمت وهو يستمع للجانب الآخر.
"أختك كان أحد العصابات تلاحقها. علمت هويتها بالصدفة. ورأيت هناك من يراقبها. بعثت أحد الرجال ليلاحقه. فعلمت انه ينضم لإحدى العصابات هنا. فتدخلت لأن أمرها يهمني كثيرًا. أتمنى تكون علمت بما أشير له."
---
دَلفت سيلين وهي تدفع الرجل صارخة به.
"ابتعد أيها الأحمق."
توقفت عندما وجدت أحدهما يقف موليًا ظهرها ويضع كفيه بجيب بنطاله ويتحدث بهاتفه.
"دعها تتحدث مع أخاها بيتر." قالها يعقوب وهو مازال على وضعه. أسرعت تخطف الهاتف منه.
أغمضت جفونها وقلبها يتقاذف بين ضلوعها. فلأن قواتها الواهية سقطت. ارتجفت شفتيها كحال جسدها وهي تهمس.
"راكان.."
هب واقفًا. محاولا السيطرة على نفسه.
"حبيبة راكان عاملة ايه؟"
وضعت كفيها على فمها تمنع شهقة عندما استمعت لصوته. فأردفت بتقطع متناسية ذاك الرجل الذي مازال على وضعه.
"أنا كويسة حبيبي. هتيجي إمتى عشان تاخدني من هنا."
سحب نفسًا وطرده ثم أجابها وعيناه تنظر لليلى التي وقفت بمحاذته تربت على كتفه.
"بكرة هكون عندك. يونس وعمو خالد هبعتهم دلوقتي. بس قوليلي ايه اللي حصل ومين دا."
أخيرًا استدار بجسده وملامحه الصلبة.
"كفى بيتر، انتهى الوقت، دعني أتحدث مع أخيها."
جذب الهاتف من كفيها متجهًا إليه. ثم أشار بكفيها قائلا.
"هيا اذهب الآن. ودعنا بمفردنا."
وضع الهاتف وهو يطالعها بعينيه التي يخترقها بها وتحدث.
"أنا بانتظارك أيها الفرعوني. لا تقلق على أختك فهي بحمايتي. ولا تدع القلق يتسرب لقلبك. فهي بأمانة يعقوب المنسي."
قالها وأغلق الهاتف بوجه راكان. الذي صاح غاضبًا يس به.
"كان ناقصني مجانين."
جلس يضع رأسه بين راحتيه.
"دا شكله مجنون ولا إيه." جلست ليلى على عقبيها أمامه تحتضن كفيه.
"مين دا ياراكان؟ وعايز إيه من سيلين؟"
رفع رأسه كالضائع وأجابها:
- معرفش، بس اللي فهمته واحد كان عايز يخطف سيلين. ودا شكل سيلين عجبه. وشكله من بتوع الأنا اللي مفكر نفسه بياخد كل حاجة بلوي الدراع.
تنهد بحزن وأكمل:
- أكيد من كلامه، بس أعرف إزاي وصلها؟ وهي تعرفه ولا إيه؟
مسح على وجهه بغضب:
- يونس هيقوم القيامة ومحدش يقدر يلومه. أنا شكيت في حد من أعدائي، بس بعد ما السفير أكد إنها مش مخطوفة، وبعد اتصالها بخالد، ابعدت ده. دلوقتي مين اللي كان بيهاجم سيلين؟ وليه سيلين طردت الأمن اللي معين له؟
نصب عوده واتجه للمرحاض قائلاً:
- هغسل وشي يمكن أفوق شوية. القهوة معدتش بتأثر.
امسكته ليلى من ذراعه:
- لا، إحنا لازم نرجع على البيت النهاردة. ترتاح شوية. حرام عليك نفسك، بقالك كام يوم وأنت واقف ومفيش نوم ولا راحة.
احتضن وجهها ناظراً لعيناها:
- ليلى، مش هقدر أمشي وأسيب نوح كده. ممكن يفوق. روحي أنتِ، متربطيش نفسك بيا. متنسيش إنك حامل.
حاوطته بذراعيها ووضعت رأسها على صدره:
- مش هسيبك هنا وأمشي. أنت هتيجي تبات معانا الليلة.
رفعت رأسها ومازالت تحاوطه بذراعيها تنظر لشمسه الضائعة هامسة له:
- أمير بيسأل عليك كتير. وكمان أنت وحشتني أوي. نفسي أنام في حضنك أوي أوي.
ضغط يقربها لأحضانه، طبق على جفنيه، واضعاً ذقنه فوق رأسها:
- أنتِ كمان وحشاني فوق ما تتخيلي. بس مقدرش أسيب المستشفى في الوقت ده، بعد اللي حصل للدكتور يحيى.
ربتت على ظهره:
- حمزة هنا وكريم. وكمان لميا وجوزها. كلهم حواليه. وكلهم روحوا ارتاحوا إلا أنت. عشان خاطري لازم ترتاح لو كام ساعة ويبقى تعالى تاني.
أشارت عليه وتحدثت بحزن:
- شوف نفسك بقيت عامل إزاي.
ابتسامة شقت ثغره وهو يلمس بظهر كفيه وجنتيها:
- أفهم من كدا مولاتي خايفة عليا أكتر من ابن خالتها؟ مش ده نوح اللي من كام أسبوع كان الدرع الواقي؟
رفعت نفسها وحاوطت عنقه تهمس أمام شفتيه:
- نوح زيه زي كريم. أما أنت معذب قلبي وحبيبي اللي مجنني...
أطلق ضحكة خافتة يرفعها من خصرها:
- لا مش تثبتيني بالكلمتين دول. إحنا لسة متحسبناش. الحساب تقيل مولاتي. متخافيش كله بأوانه.
قهقهت تحرك ساقيها بالهواء:
- أنت السبب متنساش، لكل فعل ردة فعل ياحضرة النايب.
تحرك بها للفراش بعدما فقد سيطرته من ضحكاتها التي بعثت ابتسامة جميلة على محياه. وضعها على الفراش، وحاوطها بذراعيه، ونزل بشمسه يقابل ليلها الدامس، حتى تقابلت الأعين وتعالى الأنفاس بنيران العشق والاشتياق. نزل برأسه يداعب أنفها قائلاً:
- أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ بتلعبي بأعصابي.
رفعت كفيها تلمس وجنتيه:
- مين اللي بيلعب بأعصاب مين؟ تفتكر أنا أقدر أواجه طوفانك ده؟
أطبق على جفنيه يسحب عطر أنفاسها هامساً لها:
- ليلى، وحشتيني أوي أوي حبيبي.
لمست شفتيه بأصبعها هامسة له:
- وأنت كمان ياحبيب ليلى. ياله خلينا نروح بيتنا نرتاح كام ساعة وارجع تاني.
اعتدل ناصباً قامته وهو يجذبها من كفيها:
- هروح أشوف نوح وأعرف حمزة. وأنتِ لمي الحاجات اللي هنا لحد ما أرجع.
اعدلت حجابها، واجابته:
- أنا كمان هعدي أطمن على أسما، وأشوف خالتوا ولميا.
قاطعهم طرقات على باب الغرفة.
***
دلف حمزة معتذراً:
- راكان، راندا جت برة وحرب قايمة بينها وبين لميا.
تحرك مع حمزة متجهاً للخارج.
جلست ليلى تطبق على جفنيها، تضع كفيها على صدرها، وانسدلت عبراتها بغزارة حتى ارتجف جسدها. استمعت لرنين هاتفه بجوارها. نظرت به وجدتها زينب.
- أيوة ياماما زينب.
تنهدت زينب براحة تامة بعدما اجابتها ليلى:
- ليلى، الحمد لله أخيراً حد رد عليا. فين راكان؟
اجابتها بصوت مفعم بالبكاء:
- خرج مع حمزة يشوفوا نوح.
أومأت وتسائلت بتحفز:
- لسة يابنتي مفيش جديد بحالته؟
شهقة خرجت من فم ليلى تضع كفيها على فمها:
- مفيش ياماما. ومفيش دكتور بيطمنا للأسف. خالتو صعبانة عليا وراكان حالته وحشة جداً. بحاول أتماسك قدامه بس أنا تعبت ومش قادرة خلاص.
تنهدت زينب وانسدلت دمعة من عينيها عندما تذكرت فلذة كبدها:
- ربنا يقومه بالسلامة. ده الوحيد لناهد. يعني لو حصل له حاجة هتموت. ربنا يصبرها.
ارتفع صوت بكاء ليلى:
- وأنا كمان مقدرش أتخيل حياتي من غيره. نوح كان أخويا الكبير. بحاول ما أضعفش قدامهم بس قدرتي خلصت خلاص ياماما وأنا شايفة صديقة عمري مش حاسة بحاجة حواليها. ولا راكان اللي ممكن يوقع من طوله في أي وقت.
بلعت زينب ريقها بصعوبة خوفاً على ولدها واجابتها:
- لازم تتحملي وتصبري عشانه حبيبتي. المهم عايزة أعرفك إنه أسعد جاب توفيق على البيت عشان وقت مايرجع ما يتفاجأش.
توسعت أعين ليلى قائلة:
- ودة وقته؟ ياربي إيه المصايب دي كلها؟ تمام ياماما. أنا الحمد لله أقنعته إنه يروح يرتاح ساعتين ولا حاجة. بس على كلامك ده يبقى هنروح على بيت المزرعة منعا للتصادم مع عمو أسعد. خلي بالك من أمير.
مسدت زينب على خصلات أمير الغافي على ساقيها وأجابتها:
- متخافيش عليه. وأنتِ كمان خافي على اللي في بطنك. ابن راكان أهم منك يالولة. طبعاً عارفة معنى كلامي ومتخافيش سرك في بير.
ابتسمت ليلى من بين دموعها وهي تضع كفها على أحشائها:
- وأهم من حياتي نفسها ياماما. بس أوعي توقعي بالكلام قدامه.
ابتسمت زينب ومازالت نظراتها على أمير:
- ربنا يسعدكم حبيبتي. بس برضو لازم أخليه يدوق نار الغيرة شوية.
اجابتها ليلى:
- ماما بلاش وحياتي هو فيه اللي مكفيه. ومقدرش أخليه يتعب أكتر.
أطلقت زينب ضحكة وتحدثت:
- شوفي البت العبيطة اللي بينضحك عليها بكلمتين. خايفة عليه.
شعرت بألم بقلبها وتحدثت بصوتها كاد أن يسمع:
- مش عايزة فراق تاني عشان ولادنا ياماما. عايزة ولادي يعيشوا بينا. لو حصل مشكلة بينا تاني هيكون صعب نواجهها.
- لا ياحبيبتي مفيش فراق ولا حاجة. وزي ماقولتلك قبل كده، هو بيحبك بس كرامته كانت ناقحة عليه. واهو الحب اتغلب على الكرامة. هسيبك ويبقى طمنيني. بس لازم تيجوا على البيت عشان الولد بيسأل عليكم.
- إن شاء الله ياماما.
قالتها ليلى ثم أغلقت الهاتف.
خرجوا بعد قليل. استقلت السيارة بجواره واقتربت تحتضن ذراعيه تضع رأسها على كتفه:
- إيه رأيك نروح بيت المزرعة؟
هز رأسه بالرفض واجابها:
- لا هنروح القصر. ماما وحشتني. وكمان أمير.
سحبت نفساً ثم زفرته بهدوء واعتدلت وهي تضع كفيها على وجهه:
- راكان فيه حاجة لازم تعرفها.
ابتسم بسخرية وإجابها:
- بلاش شغل الحريم ده يالولة. عارف هتقولي إيه؟ توفيق باشا في القصر مش ده اللي عايزة تقوليه.
مطت شفتيها كالأطفال:
- ده إيه الغباء اللي أنا فيه ده؟ أكيد هتكون عارف.
رمقها بطرف عينيه قائلاً:
- بتلعبي مع الشخص الغلط يالولة. وبلاش شغل الحريم الهبلة دي تاني. قولي على طول من غير لف ودوران.
طبعت قبلة على وجنتيه قائلة:
- ذكي في كل حاجة ال في حب مراتك.
قالتها وهي تهرب ببصرها بعيداً عنه. هي تريد إخراجه من حالة الحزن واليأس التي وصل إليها. رفع ذراعيه يحتويها بأحضانه:
- مفيش كلام من ده ياليلي. عقلك الصغير حبيبي بيهيأ لك حاجات من التهيأت.
فغرت شفتيها مصعوقة من حديثه. تلكمه:
- أنا بتاعة تهيؤات ياراكان.
أمال برأسه يدمغها بقبلة على رأسها:
- ليلى، أنا مش طفل عشان تلهيني ولا غبي يعني. قادر أتحكم في وجعي وحزني. بلاش شغل العيال اللي بتحسسيني بيه ده. أنا راجل كبير وواعي وأفهمك من مجرد نظرة واحدة من عينيكي الحلوة دي. عارف بتحاولي توصلي لأيه.
رفع ذقنها وادار وجهها:
- أنا كويس. بس بالي مشغول بيونس. وخايف يوصل لسيلين و يتهور. فعشان كده هسافر الصبح ضروري أكون هناك.
ارتعدت أوصالها متسائلة بصوت متحشرج:
- هو ممكن يأذي سيلين او يونس؟
ابتسم بألم حاول إخفائه قائلاً بمزاح:
- ده شكله مجنون سيلين. اللي يخليه يخطفها عشان بيحبها يبقى مجنون.
أسدلت جفنيها تنظر للأسفل قائلة بألم:
- الحب أكبر وجع في الحياة للأسف.
رفعت أهدابها المنطفئتين عندما رفع ذقنها ينظر لعيناها:
- بس كل ما تتألم كل ما تعيش حلاوته. مش كدا ولا إيه.
وضعت رأسها بأحضانه تحاوط خصره واخرجت تنهيدة:
- فعلاً إحساس جميل وانت في حضن حبيبك. بس ده بتدفع فاتورته غالية أوي أوي. وممكن تفضل تدفع فاتورته وماتوصلش للحظة أمان ودفى بسبب عند، سوء فهم، كبرياء. المهم ممكن تفضل خسران.
ابتعد عن أحضانها يمسح دموعها بإبهامه محاولاً تهدئة نبضات قلبه التي تدق بصدره بعنف واقترب يطبع قبلة مطولة على جبينها ثم اردف هامساً بصوته المبحوح:
- آسف. آسف على كل حاجة.
هنا خارت قواها جميعها وضمته بقوة باكية بكل ما تشعر به. تود لو تصرخ وتعبأ الدنيا صراخاً على ما صار بها من تسرع وغباء. أحس بوجع أضلعه وكأن أحدهم يقوم بإختناقه فاحتوى وجهها:
- إش. إيه العياط ده كله؟ لسة مانستيش.
اختبأت أكثر بأحضانه لما لا وهو ملاذها الوحيد لم تعد تستطع البعد عنه حتى لو عدة ساعات:
- أنا اللي آسفة حبيبي بجد آسفة على كل حاجة.
ابتسم يهمس لها:
- كدا كتير وشوية مش هيمني السواق وهبوسك.
اعتدلت تبعد عنه وتلكزه بكتفه:
- بس خلاص. متبقاش بجح.
رفع حاجبه بسخرية:
- تصدقي صح. أنا اللي المتحرش من وقت ماخرجنا.
وضعت كفيها على فمه:
- اسكت بقى هتفضحني الراجل يقول علينا إيه.
رمقها بتسلية عندما تورّدت وجنتيها عندما نزل بمستوى جلوسها يهمس لها:
- نوصل بس وأعرفك المتحرش ده هيعمل إيه.
***
بمدينة لوس أنجلوس الأمريكية.
تحركت حتى وصلت أمامه.
- من أنت؟ ولما أنا هنا أيها الغبي؟
كان يطالعها بصمت، ينفث تبغه بهدوء كحال وقوفه أمامها. تحركت حتى لم يتبقى سوى خطوة واحدة قائلة:
- أ أنت اخرص، أو ماذا بك؟ لما لم ترد أيها الأجدب؟ أ أنت من العصابات؟
نظرت سريعة حولها حتى وجدت تلك اللافتة التي يكتب عليها:
- يعقوب المنسي.
حاولت تتذكر ذاك الاسم إلى أن وصلت بذاكرتها لذاك اليوم. أخذت نفسًا ثقيلًا عندما تذكرته قائلة:
- أنت صاحب ذاك المطعم؟
جلس يضع ساقًا فوق أخرى وتحدث:
- بلى أنا. هلا تذكرتي؟
حاولت الحفاظ على انفعالاتها حتى لا تثير انفعاله مثل ذاك اليوم، فتساءلت:
- لما أنا هنا؟
أجابها بابتسامة شقت ثغره لأول مرة منذ زمن:
- لأني أريد ذاك.
أطبقت على جفنيها وضغطت على ثيابها حتى لا تصل إليه وتصفعه على وجهه، فأخذت نفسًا طويلًا وزفرته على دفعات قائلة:
- أ أنت مختل عقليًا؟
نصب عوده واتجه إليها يطالعها بغموض قائلاً:
- ستكونين زوجتي، ولكن انتظر ذاك المدعو أخيك.
شهقت بصدمة ثم صكت على أسنانها وشعرت بالغضب يتسرب إلى أعصابها، فاتجهت إليه سريعا:
- دا أنت مجنون فعلا، ومش عارف بتتكلم مع مين.
- بلى أعلم أنك بنت البنداري.
جحظت عيناها عندما علم بما قالته، فهمست لنفسها:
- دا بيعرف عربي ومصري.
قاطعها حديثه:
- الآن سننتظر أخاك حتى نعلم ماذا يريد، حتى تعلمين أنني ديمقراطي وليس كما تظنين.
تجهمت ملامحها غاضبة:
- أنا أريد أن أرحل الآن، لما أنتظر أخي؟
- ستكونين زوجتي حتى لو أحرقت العالم أجمع.
اتجهت إليه كالقطة الشرسة:
- سأمزق وجهك أيها الغبي.
حاوطها بذراعيه ينظر لموج عينيها، فضغطت على قدمه وقامت بصفعه:
- ابتعد عني، أنا لست للبيع كالعاهرات اللاتي يجلسن بينهن، ابتعد الآن وإلا سأمزقك بأسنان.
اللمعت عيناه واقترب منها، فأشارت بسبابتها:
- إياك أن تقترب مني مرة أخرى، والآن دعني أرجع الغرفة مع صديقتي إلى أن يحين وجود أخي.
قالتها وتحركت ونيران تتسرب بداخلها وصورة يونس أمام ناظريها. خرجت سريعا حتى لا تضعف أمامه وانسدلت دمعة من طرف عينيها عندما تذكرت ذاك اليوم الذي تقابلت به.
فلاش باك.
خرجت من كليتها مصطحبة صديقتها، إلى أن وصلت أحد المطاعم استمعت لرنين هاتفها.
- ارتجفت كفيها عندما وجدت رقم معذب قلبها. ابتلعت ريقها وأجابته:
- أيوة يادكتور.
على الجانب الآخر تحدث غاضبًا:
- قولتي هسافر أسبوع أغير جو ياباشمهندسة، عدى شهر مش أسبوع وحضرتك كمان مبترديش، بتسغفليني ياسيلين؟ أقسم بالله لأعاقبك عقاب عمرك ما توقعتيه، بكرة تكوني في مصر، ومتنسيش إنك متجوزة ياسيلي هانم.
شعرت بالدوار يضرب رأسها من ارتفاع صوته الغاضب، فاردفت:
- يونس طلقني، أنا نقلت كل ما يخصني، ومش هرجع مصر تاني، انساني وابدأ حياتك مع سارة، بلاش تغدر بيها يابن عمي، دي مش غريبة عشان تعشمها بالجواز وفي الآخر ترميها، مش بتكلم عن الفيديو، بتكلم عن الدبلة اللي أنت لبستها، ودي وعد يادكتور.
شعر وكأنه غرس بخنجر حادا في منتصف قلبه فتحدث:
- بتقولي إيه؟ مش هترجعي تاني؟ وكمان عايزة أطلقك؟ كنتي بتستغفليني ياسيلين؟
تنفس بتثاقل وكأن حجرًا ثقيلًا يطبق على صدره عندما شعر بطعن رجولته وكرامته، فتحدث قائلاً:
- قدامك أسبوع لو مرجعتيش صدقيني هنسى إنك حبيبتي، وافتكري أنا قولت إيه.
قالها وأغلق الهاتف.
وقفت تنظر حولها بضياع وانسدلت دموعها، هي تعشقه ولكن كيف لكرامتها بعد ما رأته وسمعت عن مغامراته؟ أيعقل هذا الرجل الذي أغرمت به وتمنته طيلة حياتها أن يكون بتلك الصورة؟
تذكرت تلك الفتاة التي قامت بزيارتها حينما كانت بالمشفى، وتعد إحدى الطالبات في الفرقة النهائية لكلية الطب، وكانت تتدرب تحت يديه، فأعجبت به بل عشقته وقامت بعلاقة غرامية معه انتهت بالزواج العرفي لبعض شهور، انتهت بحملها الذي أجزم يونس بالتخلص منه وقام بتطليقها، وأثبتت بالصور من عقود الزواج وصورهما سويا، غير رسائله الغرامية. قصت لها كل شيئًا، هنا شعرت بانهيار عالمها وقررت الرحيل عن حياته.
خرجت من ذكرياتها متراجعة للخلف إلا أنها اصطدمت بذاك الذي دلف للمطعم يرتدي نظارته الشمسية بملامحه الشرقية، فمن يراه يجزم أنه عربي وليس أجنبيًا. كان يتحدث بلكنته الإنجليزية بهاتفه، فصرخت بوجهه، تدفعه بكفيها الصغير بعدما أسقط هاتفها:
- ألم ترى أمامك أيها المتعجرف؟ أما أن عيناك هذه لم ترى بها، ربما تكون أعمى؟
قالتها متحركة وهي مازالت تسبه.
باك.
انتهت من ذكرياتها عندما وصلت لصديقتها التي أغلقت هاتفها سريعا. ضيقت سيلين عينيها متسائلة:
- ألم يأخذ هاتفك كما قلتي؟
ارتبكت قليلا وأجابتها:
- بلى، ولكن أحضره لي ذاك الرجل الذي يجلب إلينا الأطعمة.
هزت رأسها ودلفت للمرحاض. توقفت أمام المرآة وانهار عالمها كاملا عندما شعرت بإشتياقها الكامن بداخل قلبها، ولكن كيف أن تتغاضى عن دعس كرامتها وعشقها الذي تذبذب بداخله بعض الأوقات؟ كيف ينعتها بعشقه الدائم وتأكدها بعد ذلك إلا أنها مرحلة من مراحل حياته فقط.
عند يونس.
كان يجلس أمام السفير الذي أكد له تواصل راكان لأحد الأشخاص الذي علم بمكانها، فخرج ونيران صدره تود لو تخرج للعالم لتحولها رمادًا.
استقل سيارته يضرب على المقود بصراخ:
- ليه ياراكان بتعمل كدا ليه؟
أمسك هاتفه وقام بالرنين عليه. كان قد وصل لقصره ودلف للداخل بدخول نورسين التي ترجلت من سيارتها ترمق ليلى التي تحركت مبتعدة عنهما قائلة:
- هشوف أمير وأستناك بالمكتب.
قالتها وتحركت سريعا عندما فقدت السيطرة على دموعها. وضعت كفيها على صدره، فرؤيتها لتلك الرقطاء حقيقة موجعة تجعل قلبها ينزف ألمًا ويئن كوتر مقطوع. اقتربت نورسين تلقي نفسها بأحضان.
ولكنه ابتعد يضع كفيه قائلاً:
- أنا في حالة لا تسمح بوجودك دلوقتي يانور، فلو سمحتي راعي شعوري.
قطبت مابين حاجبيها وتساءلت:
- دا كله علشان نوح؟ مش نوح دا اللي مبكلمكش وكان عايز يرفع قضية بفسخ الشراكة وخلى أسهم الشركة تنزل؟ إزاي بعد دا كله تزعل عليه؟
وبعدين إيه اللي جاب البت دي هنا؟
ضغط على ذراعها بقوة آلمتها قائلاً بلهجة فظة:
- مش اسمها بت، دي أم أمير، وجت بناءً على رغبة ماما، واللي ماما تطلبه أجيبه تحت رجليها، متنسيش نفسك، مش علشان خطيبتي تتعدي حدودك، مدام ليلى هنا بناءً على طلب زينب هانم اللي هي صاحبة القصر دا، حتى بعد جوازنا دا مش هيكون بيتك عشان تقولي مين يقعد ومين يمشي، تمام ياباشمهندسة.
رفعت كفيها على زر قميصه وتغيرت كالحرباء قائلة:
- آسفة حبيبي بغير عليك ياراكان، مش بعد كام يوم هتكون جوزي.
انزل كفها متحركًا للداخل بغضب يأكل عظامه كلما تذكر نظرات ليلى الحزينة، ود لو ضمها لأحضانه وطمأن روحها. وصل يبحث عنها بعينيه، قابلته والدته تنظر بمقت لنورسين قائلة:
- أهلاً ياحبيبتي اتفضلي.
ثم اتجهت بنظرها إلى راكان:
- أخيراً يابني جيت، شوفت بقيت عامل إزاي.
تحرك لغرفة جده قائلاً:
- ماما نوح مش مجرد صديق وبس.
توقف واستدار ينظر لنورسين:
- نسيت أفهمك قوة العلاقة بينا لو عايزة تكملي معايا، حمزة ونوح دول خطوط حمرا، إياكي ثم إياكي تحاولي تقربي منهم حتى لو بنظرة، أما بالنسبة ليونس فهو كفيل يرد.
دلف للداخل وجد الممرضة تجلس بجواره. اتجه بنظره إليها:
- اطلعي بره.
ثم تحرك وجذب المقعد وجلس أمامه يطالعه بصمت. سحب نفسًا وزفره يمسح على وجهه. رغم شعوره بالغضب ومقته منه، إلا أن حالته أحزنته. وجد نظراته تدقق به فرسم ابتسامة قائلاً:
- عامل إيه يا جدو.
ظهرت طبقة من الدموع بعين توفيق محاولاً الحديث ولكنه لم يقو. فاقترب راكان بجلس بجواره وتحدث:
- تعرف مكرهتش حد قدك، بس في نفس الوقت متنمش نومتك دي أبدًا، وجعتني أوي فوق ما تتخيل، جبروتك من صغري واخدك ليا عشان تحرمني من ماما وتضغط عليها بجبروتك، معرفش دا كله ليه.
أشار بكفيه عليه:
- أخدت إيه من جري الوحوش ياتوفيق باشا؟ كان نفسي بس تاخدني في حضنك وتعوضني عن غربة بابا، بس إزاي؟ توفيق باشا لازم يتجبر ويضغط عشان يعرفنا إنه أقوى وإنه يقدر يعمل كل حاجة.
دلفت ليلى وهي تمسك بكف أمير. استدار بجسده وجدها تقف على باب الغرفة، فأشار بكفيه إليها:
- تعالي حبيبتي. عارف إنك خايفة أتهور وأموت.
تحركت بجسد مرتعش من حزنها على ما وصل إليه زوجها، حتى وصلت إليه. أسرع أمير إليه رفعه بين ذراعيه وطبع قبلة مطولة على جبينه:
- عامل إيه ياحبيب بابي.
- أنا حلو.
ابتسم وهو يرفعه بين ذراعيه مبتسمًا يشير لجده:
- عارف مين دا.
نظر أمير ولم يرد. أشار على توفيق وتحدث:
- دا جده الكبير، وبحمد ربنا إنك مطولتش أذاها.
- راكان إيه اللي بتقوله دا.
قالتها ليلى وهي تأخذ أمير قائلة له:
- روح عند ماما حبيبي.
هرول أمير للخارج. جذبها يجلسها بجواره ويحاوطها بذراعيه، ينظر لتوفيق:
- دي ليلى راكان البنداري، أظن كنت هتموت وتعرف مين صاحبة الرسالة "مولاتي". دفعت كام عشان تعرف.
رفع كفه يلمس وجنتيها مردفاً:
- أهي ليلى هي مولاتي ياتوفيق باشا.
توسعت أعين توفيق، فأطلق راكان ضحكات حتى ادمعت عيناه وهو يشير إليه:
- مستغرب صح؟ ماهو الصراحة خفت منك اوي.
أومأ برأسه قائلاً:
- آه خوفت منك، بعترف بضعفي. ماانت قتلت مراتي في حضني في يوم فرحنا. خوفت عليها لتعمل فيها زي شمس. فاكر شمس ياتوفيق باشا؟ كان ذنبها ايه؟ انها وقفت وقالت عايزة حقي من الي حاولوا يغتصبوني. كان ذنبها انها اتحامت بحفيدك الي خلاها تاخد حقها من شوية انجاس مخلوقين عشان ينجسوا الأرض.
كانت تطالعه مستغربة أحاديثه مع جده. فاستدار إليها وخانته ذكرياته وارتسم الألم والحزن معاً على ملامحه:
- مستغربة ليه؟ بعدين نتكلم.
اتجه لجده قائلاً:
- بسببك خلتني اتعامل مع ناس آخرهم بس ارمي عليهم السلام.
اقترب منه ينظر لمقلتيه:
- مين الي قتل سليم؟ وعايز يموتني؟ مين ال قتل ابنك ومراته؟ أنا عارف انك حاولت تقتل زينة بس مش انت اللي قتلتها. عارف هخليك تموت بحصرتك كدا ونفسك تشوف سيلين وتحضنها. هحصرك عليها ياباشا.
انسدلت دموع توفيق وشعر بإنسحاب أنفاسه وشحبت ملامحه. فجذبته ليلى:
- قوم ياراكان كفاية بقى لو سمحت. شوف الجهاز نبضاته انخفضت.
نهض وامسك كف ليلى قائلاً:
- أنا معرفش ايه اللي جابني اصلا مش مستاهل اني احرق دمك. كفاية حالتك دي.
استمعوا لطرقات على باب الغرفة فابتعدت ليلى عنه. دلفت نورسين:
- راكان ممكن ادخل اطمن على جدو.
نظر إليها ثم اتجه إلى جده قائلاً:
- تعالي شوفي المتبقي منه يانورسين هانم.
قالها وتحرك للخارج.
تحركت ليلى خلفه تستدعي الممرضة:
- مش تفارقيه خليكي جنبه.
قالتها وهي تنظر لتوفيق بحزن يكسو ملامحها. عقدت نورسين ذراعيها أمام صدرها ورمقتها بجفاء قائلة:
- اللي يشوفك وانت بتؤمري يقول صاحبة البيت.
استدارت إليها ليلى واقتربت منها ونيران الغيرة تغزو قلبها. تناست كل شيئاً وتذكرت قربها من زوجها. بل عاشق روحها فتحدثت:
- أنا فعلاً صاحبة البيت. متنسيش إني ام امير.
غير توقفت عندما تذكرت تحذير راكان لها. ربتت نورسين على ذراعيها وتهكمت:
- وطليقة صاحب البيت عرفتها ياروحي. بس أنا هكون مراته وأم ابنه ان شاءالله.
استدارت متحركة سريعا حتى لاتفقد أعصابها وتلكمها تخرصها. وصلت لمائدة الطعام والحزن مرسوم على ملامحها الجميلة. وجذبت مقعد بغضب وجلست بجواره:
- ايه ياليلى اهدي. شوية هتطيريني.
طالعته بغضب غير متحكمة بنفسها. وهمست كالمعتوه:
- ياريتك طرت بدل ماوجعلي قلبي كدا.
استمعت زينب لهمسها فابتسمت رغم عنها. بينما هو اقترب يرمقها بنظرات استفاهمية فهمس بجوار أذنها:
- ماتسمعيني حبيبي اللي بتقوليه عشان أرد.
دفعته بقدمها:
- بص قدامك ماما زينب بتبص علينا. غير العقربة عورسين بتاعتك جوا. لا تقفشنا ياحبيبي.
قاطعهما حديث زينب:
- ليلى قاعدة عندك ليه. نسيتي إنك اطلقتي يابنتي ولا ايه. قومي تعالي جنبي.
اتجه بنظره لوالدته:
- فيه إيه ياماما. عايزة تقوميها من مكانها ليه. أنا مش عبيط. بلاش تستخفي بذكائي.
قطعت اللحم زينب بالسكين تنظر إليه:
- خطيبتك جوا ياحضرة المستشار وطبعا هي عارفة انكم مطلقين. وأنا الصراحة مايرضنيش أرملة ابني حد يقول عليها كلمة بطالة. مش كدا ولا إيه.
جز على ضروسه حتى اصدرت صوتاً قائلاً:
- متلعبيش معايا يازوزو عشان منتعبش بعض.
ضيقت عيناها متصنعة الذهول:
- ألعب هو انت لسة صغير للعب ياحضرة المستشار.
وصلت نورسين وجذبت مقعد تجلس بجواره قائلة:
- راكان مسألتش يعني عن الفستان. جبت فستان حلو أوي ياحبيبي وجبته معايا هتغدى واجيبه من العربية عشان تشوفه عليا.
أومأ برأسه دون حديث. كانت نظراته على التي جلست بمقابلته تأكل بصمت. فتسائل حتى ترفع نظرها إليه:
- فين أمير.
أجابته والدته:
- داليا طلعت بيه فوق هو عايز يلعب. وكمان سبح كتير النهاردة.
اومأ برأسه وتحدث متسائلاً:
- أنا كلمت مدرب السباحة ولغيت السباحة. لسة كمان شوية. لحد مايكمل تلات سنين.
لم تعريه إهتمام ظلت انظارها لصحنها تأكل بصمت. تحدثت زينب تنظر إلى نورسين:
- يارب الفستان يكون زي بتاع ليلى. عايزة أقولك ماشفتش بجماله.
استدارت لليلى:
- هو فين صحيح ياليلى. يمكن يعجب نورسين وتاخده تحضر بيه فرحها.
منعت ليلى إبتسامة عندما علمت بما تنويه زينب فأجابتها:
- فوق ياماما.
رفعت نظرها إلى نورسين وتحدثت:
- بس مش هينفع عورسين. سوري قصدي نورسين. أصله محترم.
رفعت سبابتها أمامها:
- مش قصدي إنك مش محترمة. قصدي انه بتاع محجبات. وانت ماشاء الله فاتحها على البحري.
كتم راكان ابتسامته وأكمل طعامه وترك الحرب بينهما. قطته شرسة بطعم نيران الغيرة. ولكنه رفع نظره إلى ليلى عندما أردفت زينب:
- طبعا ياليلى هو راكان كان ممكن يجبلك حاجة مفتوحة لا سمح الله.
همست ونظراتها تعلقت به. كانت مشدوهة لما تسمعه ملجمة اللسان للحظات حتى تعلقت عيناهما ببعض فتحدثت:
- هو راكان ال جاب فستان فرحي.
طالعها بنظرات حزينة تحمل بصدره من الغصص مايكفي لأنقطاع حبل وريده بتلك الفترة المؤذية لروحه. استمع لها وهي تردف بهمسها الحزين:
- مكنتش أعرف. شكرا فعلا الفستان كان حلو.
استمع لرنين هاتفه. فنهض دون تكملة اكله وتحرك للخارج. هنا تحدثت غاضبة:
- مش هتكمل اكلك ولا تروح تشرب سجاير من غير أكل.
لكزتها زينب عندما رفعت نورسين حاجبها بسخرية:
- وانت مضايقة ليه.
نهضت من مكانها وارتبكت أمامها:
- مبحبش اشوف اي حد بيدمر صحته واقف اتفرج عليه.
قالتها وهي ترمقه بنظرات حزينة وتحركت سريعا. أطبق على جفنيه مكور قبضته بغضب كاد ان يمزق أوردته قائلاً:
- ماما خلي نعيمة تجبلي القهوة برة.
تحرك للخارج يرد على يونس:
- انت فين مبتردش عليا ليه.
صرخ يونس به:
- مين يعقوب المنسي دا ياابن عمي. مراتي في بيت راجل غريب بتعمل ايه.
توقف يمسح على خصلاته محاولاً سحب نفساً قائلاً:
- يونس اهدى بلاش تهور. دا واحد سيلين عملت مشكلة معاه من فترة فحب يلعب معانا شوية.
قاطعه صارخاً:
- اخرص ياراكان مش عايز أسمع صوتك. والحيوانة التانية هعرف ادبها بس اوصلها.
قالها وأغلق هاتفه.
توجه للداخل سريعا وهو يتحدث مع أحدهما:
- عايز طيارة لنوريورك بعد تلات ساعات بالكتير.
استمعت زينب إليه فهبت متجه له:
- ايه اللي حصل يابني.
توقف على أولى درجات السلم ناظرا إليها. ثم توجه لنورسين قائلاً:
- آسف يانور لازم اسافر امريكا حالا. يونس سافر لسيلين واتجنن عليها. لازم أسافر دا مجنون وممكن يعمل فيها حاجة.
اقتربت منه:
- خلاص ياحبيبي نو بروبلم "مفيش مشكلة".
قبل جبين زينب التي وقفت بأعين تائهة قائلة:
- يونس مستحيل يأذيها صح ياراكان.
- متخافيش ياماما. لازم اطلع اجهز عشان متأخرش. قدامي نص ساعة واكون في المطار.
أمسكت ذراعيه قائلة:
- استنى أوصلك للمطار.
هز رأسه رافضا:
- لا روحي انت. أنا هعدي على نوح قبل السفر.
قالها وصعد للأعلى سريعا. دلف غرفته يبحث عنها. استمع لصوت رذاذ المياه. فتحرك للمرحاض بعدما أغلق باب الغرفة. فتح باب المرحاض بهدوء وجدها ترتدي مأزرها. اقترب بهدوء يضع كفيه على رباطه هامسا بجوار اذنها:
- يعني تغريني في المستشفى ودلوقتي تسبقيني.
حاولت رسم إبتسامة على وجهها قائلة:
- حسيت اني تعبانة وعايزة أنام فقولت أخد شاور قبل مااكسل.
نظرت لمقلتيه قائلة:
- معرفش أن عورسين هتسيبك ببساطة كدا تطلع. قبل ماتشوف فستان جنازتها ان شاءالله.
ابتسم من نيران غيرتها ولمس وجنتيها:
- مولاتي غيرانة وبطلع نار.
رفعت مقلتيها المغروقتين بالدموع:
- دا مش غيرة أد ماهو وجع. مكنتش اتوقع انك تسبها وتجيلي.
جذبها يضع رأسه بعنقها بأنفاسه الحارة. يستنشق رائحتها قائلاً:
- أنا اسيب الدنيا كلها علشانك. ليلى. ولا نورسين ولاغيرها.
شهقة خفيضة باسمه خرجت من رئتيها خفيضة ولكنها مسموعة تحمل مدى اشتياقها له.
رفع رأسه عندما شعر بارتجافها ودقات قلبها المرتفعة. ناهيك عن هبوط وارتفاع صدرها أمامه بأنفاسها المتسارعة. احتضن وجهها وتلاقت اعينهما بنظرة تعانق فيهما نبض قلبيهما المرتفع فهمس أمام شفتيها:
- آسف. آسف.
ظل يكررها من بين نثرات عشقه على شفتيها ووجها. حتى انسدلت عبراتها بغزارة. تبادله ذاك الشعور الذي جعلها كملكة متوجة على قلبه. حينما رفعها بين ذراعيه يخرج بها ومازال عشقهما متواصل. ولم يفصلهما سوى أخذ انفاسهما. ليذوبا بملحمة عشقا لكليهما. بعزفهما المتواصل المنفرد بهما لا يستمع إليه سواهما فقط. هي تعزف بكلماتها العاشقة. وهو يعزف بقبلاته المسكرة لروحيهما إلى أن أخذها لجنة عشقه. متناسيا كل مايدور حولهما. حتى اصدرت روحيهما الحانا لجمال اللقاء.
بعد فترة توسطت صدره متسائلة:
- مين شمس دي ياراكان. هو انت فعلا اتجوزت خمس مرات.
كان يفتح عيناها بتثاقل بسبب شدة تعبه فهمس لها:
- شمس دي كانت مراتي من حوالي خمس سنين.
اعتدلت تتكأ على ذراعيها:
- وجدك فعلا قتلها.
هنا اعتدل وامسك هاتفه الذي أعلن رنينه وقام بالرد:
- أيوة.
يعني إيه مفيش طيارة قبل خمسة الصبح، طيب خلاص.
زفر مختنق وأجابه:
- خلاص، اجهز علشان هتسافر معايا.
تراجع بجسده وأشعل سيجاره، يجذبها لتصبح بأحضانه.
- عايزة تعرفي إيه؟
ضيقت عيناها تشير للهاتف.
- انت مسافر؟ وياترى كنت هتقولي وانت ماشي ولا إيه؟
زفر مختنقًا ورفع ذقنها.
- يونس عرف مكان سيلين. حطي يونس مع سيلين والشخص الغريب اللي معرفهوش ده. أنا بعت اسمه لجواد الألفي وبيقولي هشوفه، بس جاسر مش موجود، مسافر السعودية.
فلازم أسافر وأشوف عمو رميو دا كمان.
هزت رأسها غاضبة.
- وكنت هتقولي إمتى إن شاء الله؟
أطلق ضحكة رجولية جذابة وهو يحتضن وجهها.
- نفسي يعدي ساعة واحدة بس بشخصية ليلى الهادية المسالمة، إنما انت ما شاء الله صاروخ أرض جو.
وضعت رأسها بأحضانه تلكمه.
- رخــم على فكرة.
طبع قبلة على جبينها.
- بس بيعشقك مولاتي.
تشابكت بكفيه متسائلة.
- إيه حكاية مولاتي دي صحيح، تقصد إيه بيها لجدك؟
مسد على خصلاتها قائلاً.
- فاكرة البوكس اللي سبتهولك قبل ما أسافر؟ دا معايا من سنتين. حتى الخاتم والعقد. طبعًا توفيق عرف، فكان بيدور ورايا عشان يعرف انت مين. متوقعش إنك أبدًا.
رمشت بأهدابها قائلة:
- بحبك أوي أوي.
ضمها لأحضانه بقوة.
- مش أكتر مني. عايزة تعرفي مين شمس؟ أولًا أنا اتجوزت مرتين شرعي. أول مرة بعد ما اتعينت بالنيابة. اتعرفت على محامية كويسة واتجوزتها، بس للأسف كان نفسها تجيب أولاد وأنا رفضت، فافترقنا بهدوء. ودي كان بعد موت شمس بحوالي سنة تقريبًا.
رفعت عيناها فتلاقت بعيناه القريبة.
- وشمس إيه حكايتها؟ حبيبة برضه؟ زي حلا؟
زفر بقوة وهو يهز رأسه بالرفض.
- لا، مش حب، بس كان حماية. دي بنت شوفتها صدفة وإحنا راجعين من فرح بالاسكندرية، وشوفنا كلاب سعرانة بيحاولوا يغتصبوها. دافعنا عنها طبعًا. عارفة مين كان من الشباب دول؟
ضيقت عيناها منتظرة إجابته.
- أمجد الشربيني وابن عمه وواحد زميل له، مش فاكر اسمه.
اعتدلت تنتظر التكملة.
- ضربوني في بطني وقتها بآلة حادة، وقعدت يومين بالمستشفى. بعد ما عملنا بلاغ. طبعًا جدي اتجنن عشان هو وقاسم الشربيني كانوا صحاب جدًا. وحاولوا اتنازل عن القضية. بس أنا رفضت. يعملوا إيه؟ وأنا في المستشفى، يروحوا يسجنوا البنت ويعملوا قضية دعارة ليها وبلاوي كتيرة. أنا لما عرفت روحت القسم.
تذكر ذاك اليوم.
فلاش.
وقفت أمام الضابط بجسد منتفض وعبراتها تنسدل على وجنتيها، وهو يجلس ينفث دخان تبغه قائلاً:
- آه، يعني عايزة تفهميني إن أصحاب النفوذ دول هيبصوا لواحدة زيك.
حاولت الحديث والدفاع عن نفسها، ولكنها توقفت عندما دلف بهيبته متوجهًا بنظرة حانية باتجاهها. شعرت بالاطمئنان من مجرد وجوده فقط.
نهض الضابط مندفعًا.
- انت مين وازاي تدخل كدا من غير إذن؟ انت يابني.
صاح الضابط على العسكري بغضب.
جلس يضع ساقًا فوق الأخرى وأشعل تبغه وهو يرمق الضابط بنظرات احتقارية.
- راكان البنداري، أو نمشيها المستشار راكان البنداري. جوز المدام اللي قدرت تاخدها من بيتي بلبس البيت ونزلت بيها وكأنها متهمة وليست المعتدي عليها.
نهض يرمقه بنظرات نارية.
- الواحد لازم يحترم القسم اللي أقسمه على مهنته، مش شوية رتب تقدر تغير ضميرك المهني يا حضرة الظابط. وعشان كدا لازم تتعاقب عشان وقت ما تفكر إنك تأذي حد، تفتكر هتتعاقب. ودلوقتي اعتذر من مراتي، وزي ما أخدتها من بيتها، هترجعها معززة مكرمة، وتعتذر منها كمان.
قالها واتجه يحاوطها بذراعيه.
- هترجعي حالا مع حضرة الظابط، وأنا هخلص شوية شغل وراجعلك. لازم الكل يتحاسب، عشان بعد كدا مش كل واحد يستغل منصبه.
خرج من شروده ينظر إليها.
- كان لازم اتجوزها وقتها عشان احميها. طبعًا بعد ما اتأكد من هويتي رجع بيها، وأنا تاني يوم كتبت كتابي عليها. خوفت يعملوا فيها حاجة. مكنتش أعرف الرحمة انتزعت من قلوبهم لدرجة إنهم يقتلوها وهي في حضني. معرفتش وقتها دا كان تهديد ليا ولا ليها.
أطبق على جفنيه متألماً.
- كانت صدمة كبيرة عليا لدرجة فضلت يومين مش قادر أستوعب اللي حصل. قتلوا روح عشان وقفت في المحكمة وقالت عايزة حقي. لازم يتعدموا عشان يكونوا عبرة.
ابتسم من بين أحزانه واتجه بنظره إليها.
- تعرفي جدي أخد صدمتي على إيه؟ إنها بنت مش كويسة واتقتلت من عشيقها. ولما عرف إنها اتجوزت، أصلي نسيت أقولك إنهم خدرونا. حطولنا منوم في الأكل. وقال إيه الفندق بيحتفل بالعروسين.
كور قبضته وتحولت عيناه لجمرتين وكأن هذا الحدث بالأمس، فانسدلت عبرة غادرة من طرف عينيه مسحها بكفه سريعًا.
- البنت ماتت بسببي، لولا وقفت وقولتلها لازم تاخدي حقك مكنوش عملوا كدا. فضلت سنة من محكمة لمحكمة عشان يتحاكم لها بالقضية، ولولا تدخل البعض من معارفي كانوا موتوا القضية.
وضع رأسه بعنق ليلى وأكمل.
- غدروا بينا بعد ما جه الشربيني بابنه يعتذر منها. وهي العبيطة راحت مسامحة وقالت هتنازل. مقدرتش أقولها حاجة، أصلها كانت طيبة أوي ياليلى، وضعيفة هشة، بس جميلة. جذبتني برائتها بشكل ملفت. آه محبتهاش أوي بس كنت بستمتع بالكلام معاها. رقتها كانت زي الطفلة. جت لي في يوم قالتلي عايزة أبدأ حياة كويسة، بكرة يكون عندي أولاد، مش عايزهم يعرفوا حاجة. وشكرتني وقالتلي مش مضطر تتجوزني خلاص القضية انتهت. بس أنا رفضت واتمسكت بيها. يمكن علشان نوعيتها ما قبلتنيش. كنت بحسها طفلة. هي كانت لسة في كلية فنون جميلة. مش هخبي وأقولك ما جذبتنيش. لا هي جذبتني جدًا. كنت بحسب الوقت علشان أشوفها وأقعد أبصلها وهي بتحكيلي عن يومها في الجامعة. كان بينا سبع سنين. بس لما جت وقالت هتنازل.
وافقتها وقولت كفاية فضيحتهم في مصر كلها وخسراتهم. طبعًا كل الشركات انسحبت ومحدش بدأ يتعامل معاهم. كنت مفكر إني أذتهم، معرفش إنهم بيخططوا لدمار أكبر من دا. تلات شهور واتجوزنا وليلة الفرح قتلوها بدم بارد.
تذكر تلك الليلة.
استيقظ صباحًا من نومه، تذكر ليلته الأولى مع زوجته الجميلة، ابتسم يرفع خصلاتها من فوق وجهها قائلاً.
- شمس حبيبتي قومي، إحنا بقينا الضهر.
ظل يحادثها، وضع كفيه على وجنتيها يلامسها، ولكن جحظت عيناه وهو يرى شحوب ملامح وجهها وتشنج جسدها الذي انتقلت روحه لعالم بارئها.
صرخ باسمها يضمها لأحضانه وهو يهز رأسه رافضًا ما يراه. علمت إدارة الفندق، ووصل نوح ويونس وحمزة، بعد اتصال أمن الشرطة بحمزة عندما فقد راكان الحديث.
جلس حمزة بجواره يربت على كتفه.
- راكان وحد الله، دا عمرها.
كأنه لم يستمع إليه، ينظر لذاك الفراش الذي كان منذ ساعات يضج بضحكاتها وعفويتها. جميلة وبريئة كالأطفال. أطبق على جفنيه وانسدلت عبراته رغما عنه. لقد بكى ذلك الحجر الذي لم يبك من قبل، حتى بعد ترك حلا له، لم يشعر بذاك القهر. رأى المسعفون يحملونها، فنهض متحركًا يجذبها منهما.
- واخدينها فين؟ مش لما أعرف مين اللي عمل كدا. مراتي أنا اللي هعرف آخد حقها.
اتجه بنظره للطبيب.
- مش هتتشرح، محدش له دعوة بيها.
حاوطه نوح بذراعيه.
- راكان اهدى، مينفعش كدا. لازم تقوى عشان تعرف مين اللي عمل كدا.
نظر للطبيب.
- تحليل الدم كان فيه مواد مخدرة صح؟ ماتنطق ساكت ليه.
نظر الطبيب للأسفل بأسى.
دفع نوح وصاح غاضبًا.
- يا ولاد الكلب. والله ما هسيبكم.
***
خرج من ذكرياته الأليمة واعتدل ينظر إليها.
- فضلت وراهم لحد ما حبست الشربيني الكلب هو وابن اخوه. أمجد طبعًا سافر أمريكا بعد ما شمس اتنازلت عن القضية، فمكنش له يد في موتها. بس كالعادة خرجوا بعد سنتين بعد ما واحد شال القضية وراح اعترف وقال زي ما حفظوه إنها كانت عشيقته.
تنهد بوجع وتسطح على الفراش قائلاً.
- دي حكاية شمس، اللي يعتبر ما اتجوزتش بعدها. أما موضوع الجوازات اللي كان بيسمعها يونس كان بيقول كدا لماما زينب عشان يضغط عليا بيها، فاتجوز تاني. فضلت حوالي تلات سنين لحد ما اتقابلنا في قضية باباكِ، ورجع أمجد قدامي تاني، وعرفت إنه كان بيطاردك.
وعرفت إنك مسحتي بكرامته الجامعة كلها.
حاوطته بذراعيها وتحدثت.
- أمجد كان أكبر مني بتلات سنين في الكلية. معرفش إزاي كان معيد. المهم كان بيخنقني بنظراته حتى الكل لاحظ. جه في يوم خلاني مروحة ووقف قدامي بالعربية. طبعًا أنا لميت عليه الشارع، والناس اتلموا وبعدها مشي. تاني يوم بالجامعة لقيته عاملي استقبال وخاتم خطوبة وشغل الأفلام القديمة دي. ووقف قدامي بورود وقالي:
- ليلى بحبك، تقبلي تتجوزيني؟
طبعًا أنا اتحرجت جدًا، وبصيت لكل اللي حواليا والكل بيصقف وبيقولي وافقي. رغم كدا قولتله أنا آسفة ومشيت. طبعًا هو كان مغرور وإزاي أقف وأقوله لأ. اتجنن ومسكني.
- انت اتجننتي إزاي ترفضيني؟
محستش بنفسي إلا وأنا بضربه بالقلم على وشه. مكنتش أعرف إن بابا شغال في شركة باباه. وبعد كدا اتجنن وبدأ يضايقني كتير. كنت في آخر سنة وارتحت منه. معرفش قعد سنة فين ورجع تاني يقطع طريقي ويهددني. فضل يخنق فيا لحد ما رحت أنا وأسما مع نوح وعملنا قضية. واختفى كمان فترة لحد ما خلصت الرسالة بتاعتي ونسيته تمامًا. وقولت خاف، فجأة لقيت قضية بابا والباقي انت عارفه.
طوقها بين أحضانه يعتصرها، ورغم نيرانه المستعيرة ابتسم بغموض قائلاً:
- المفروض أشكرك، عارفة لو ما عملتش كده ما كناش اتقابلنا.
وضعت رأسها بصدره تتمسح به كقطة أليفة.
- مش قادرة أوصف لك سعادتي دلوقتي إزاي.
طبع قبلة بجانب ثغرها.
- مش محتاجة توصفيني عشان أنا حاسس بكل حاجة حلوة منك، فبالتالي أرواحنا سعيدة.
وضع جبينه فوق جبينها هامساً بصوته الدافئ:
- ليلى أنا بعشقك، وبدل وصلتني لكده اعرفي إنك كسرتي كل الحواجز. بخاف عليكي من الهوا، لو طايل أحطك جوه قلبي وأقفل عليكي مش هتأخر.
لامس وجنتيها وأكمل:
- بقولك كده عشان تثقي في حبي، أنا اتجوزت قبلك آه، بس عمري ما اتمنيت عيال من غيرك، ولا اتمنيت أم لأولادي غيرك إنت. بغير عليكي بجنون، فبلاش تدخلي من حتة الغيرة دي عشان وقتها مش هرحمك. اللي عملتيه إنتِ ونوح أنا مش ناسيه، بس لولا عارف ومتأكد إن كرامتك وقتها اللي خلتك تعملي كده ما كنت رحمتك. أنا مبحبش لوي الدراع.
- إنت إزاي اتجوزت حلا ياراكان بعد اللي عملته فيك؟ كنت متجوزها عشان تضايقني مش كده؟
تسطح على الفراش يجذبها لأحضانه.
- اتجوزتها عشان تجيب لي ورق مهم من عند جدي، جدي عشان يبعد حلا عني، خطف أخوها وكمان جوّزها ابن شريكه وشوية فلوس. هي طبعاً حبت الفلوس أكتر مني، وكمان بحمد ربنا.. انسيه. اتجوزتها عشان كده بس.
ارتعشت شفتيها عندما أدار وجه لها.
- أنا اتجوزتها وقعدت معاها ليلة واحدة بس، وده بناءً على اتفاق.
دفنت رأسها بصدره.
- بت معاها يوم فرحنا مش كده؟ حبيت تدوس على قلبك، فقلت أعيش وأعمل اللي بتعمليه.
اعتدل سريعا يجذبها بقوة وتحول كلياً.
- ليلى إنتِ حامل؟ متخلينيش أغضب عليكي لو سمحتِ. يوم فرحك كنت في مزرعة نوح، ما كنتش مع حلا، وبلاش تجيبي لي سيرة الزفت الفرح ده. أنا بحاول أنسى.
قالها واتجه للمرحاض بغضب. جلست تنظر لذهابه بعيون متحجرة.
- مستحيل هننسى وجعنا من بعض ياراكان، مهما حاولنا نرسم إننا نسينا. هفضل عندك اللي ضحت بيك واتجوزت أخوك، وهتفضل عندي الراجل اللي دفني معاه.
اتكأت بظهرها على الفراش تنظر لمكانه الذي برد بعد مغادرته. سحبت مأزرها وارتدته متجهة إليه. دلفت المرحاض وجدته يقوم بحلق ذقنه. تقابلت نظراتهما بالمرآة.
- عايزة حاجة؟ أوعي تكوني عاملة مفاجأة وجاية عشان تقولي لي إنك ناوية تحميني.
ابتسمت واقتربت منه تحاوطه من الخلف.
- ليه لأ، مش إنت جوزي.
استدارت تقف أمامه، تنظر لمقلتيه.
- آسفة، سامحني. عايزة أقولك أنا كل يوم بكون خايفة إن واحدة تدخلي بعيل وتقولي دا ابنك.
رفعها بذراع وأجلسها أمامه على المقعد المرتفع أمام المرآة.
- لا متخافيش وتأكدي مش هيحصل، لأني مش أهبل ولا عبيط.
قطبت جبيناها.
- ده إيه الغرور ده كله.
أمسك ماكينة الحلاقة متنهداً.
- دي ثقة مش غرور مولاتي. إزاي بس.
وضع إصبعه على شفتيها وأشار بماكينة الحلاقة.
- احلق لي وبلاش هبل الستات العبيطة ده. متخلينيش أستغباكي أكتر من كده.
رفعت حاجبها بسخرية وتحدثت.
- ليه يا حبيبي إيه الغباء في كده؟ ماهو مش معقول كنتوا بتحكوا حواديت طول الليل.
أطلق ضحكة صاخبة يغمز بعينيه.
- ما بلاش أقولك كنا بنعمل إيه، أصلك تزعلي.
نزلت بغضب من فوق المقعد تدفعه بقوة حتى كاد أن يسقط.
- وادي ضريبة اللي تحب راجل فلاتي بتاع ستات.
جذبها وهو مازال يضحك قائلاً من بين ضحكاته.
- تعالي ياهبلة، مش إنتِ اللي سألتي؟ وبجاوبك أهو.
دققت النظر بعينيه وأردفت بتقطع.
- راكان لو سمحت متوجعليش قلبي، مش هتحمل.
اقتربت تضع كفيها على صدره وتعمقت بالنظر بعينيه قائلة.
- أقولك حاجة معرفش هتصدق ولا لأ، بس دي الحقيقة. أنا لما بشوف أمير بزعل من نفسي أوي إنه مش ابنك. قلبي بيوجعني، علشان سوء الفهم وصل بينا الحال لفين.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
- حُبي ليك خلاني فكرت في إيه.
آه خرجت من صدره محملة بنيران الألم الذي أشعلت قلبه.
- ده عقاب زي ما قولتلك قبل كده، وكان لازم ندفعه. يمكن أنا غلطت كتير فربنا عاقبني بأكتر حاجة اتمنيتها. انسيه يا ليلى، أنا بحاول أنسى، وافتكري حاجة واحدة.
- أنا وإنتِ مع بعض وإنتِ حامل في ابني وده عندي أهم حاجة حبيبي. إنك ملكي وبس. ويالا عايز حبيبي يحلق لي.
قالها وهو يرفعها مرة أخرى على المقعد. قهقهت وهي تهز ساقيها بالهواء.
- شكلك عايز تتشلفط النهاردة.
حاوطها بذراعيه ينظر لعيناها الساحرة.
- ومين قال لو من إيدك موافق. المهم أي أثر منك.
حاوطت عنقه.
- لا.. حضرة المستشار عايز يتشوه بجد.
تعلقت عيناه بعيناها قائلاً.
- حضرة المستشار عايز أثر للمسات مراته. عايز أكد للدنيا كلها إن عشقي تخطى بمراحل الحب.
لامست خاصتيه هامسة.
- وأنا بعشقك يا حبيب ليلى. ونفسي مانبعدش عن بعض أبداً.
ابتلع باقي كلماتها بقبلة شغوفة أشعلت نيران عشقهما ولم يفصلها سوى احتياجهما للهواء. ابتعدت تلتقط أنفاسها بصعوبة.
- في مرة هموت منك بجد.
ابتسم وألتمعت عيناه بعدما رأى تورم شفتيها.
- بعد الشر ياحبيبي.
حملها متجهاً للبانيو.
- تعالي استجمي شوية بالميه السخنة لحد ما أحلق عشان أساعدك. مش ضامن نفسي.
قهقهت بصوتها الأنثوي فتحرك سريعاً من أمامها.
- والله لولا إنك حامل كنت عرفت أسكتك إزاي.
عند نورسين جلست أمام والدها والشربيني تدخن بشراسة وهي تتحدث بصراخ.
- بقولك رجعها البيت يابا ونظراتها له مش مريحاني.
تراجع الشربيني بجسده على المقعد وأشار عليها.
- بسببك إنتِ سيبناه عايش، كنا زمان ارتحنا منه.
استدار للنمساوي متسائلاً.
- البت الممرضة بتعمل شغلها كويس مع توفيق ولا تغرقنا.
أومأ برأسه وهو يرتشف من كأسه قائلاً.
- توفيق كده مع السلامة.
ابتسم بسخرية وأكمل.
- والله هيوحشني صراخه كل شوية اللي يقرب من حفيدي هموته و.. و..
قهقه الشربيني.
- أهو خلي حفيده ينفعه.
نهضت نورسين متأففة بضيق.
- هو طول عمره بوق وخلاص وحضرتك يا بابا عارف. فاكر لما قالي خلال شهر هتكوني مرات حفيدي. عدى خمس سنين وأنا زي ما أنا.
اتجه قاسم الشربيني بجسده يتفحصها بنظراته.
- معرفش عجبك فيه يا نور، ده غير إنه نسونجي. يابنتي ما إنتِ عايشة حياتك مع أمجد وخلاص وفكك من ابن البنداري. هو خلاص كده كده ميت.
تحركت حتى وصلت إليه ثم أمالت بجسدها وتحدثت بفحيح.
- غلطان يا عمو. اللي بيني وبين راكان كبير أوي. لازم أرد اعتباري الأول قدام الكل. كفاية كلمة اللي اسمها ليلى دي وهي بتقولي.
- ما إنتِ مرمية قدامه طول السنين دي كلها اشمعنى عايز يتجوزك دلوقتي. ممكن يكون عايز يغيظ حد فملاقش أرخص منك.
جزت على أسنانها وثورة حارقة اندلعت بجسدها وهي تتحدث بغضب حتى اشتعل وجهها.
- ده رفضني أهانني. تعرف يعني إيه. أنا مستحيل أنسى ده كله وأعديه. لا مفكرني غبية ومعرفتش علاقاته بست الحسن والجمال أرملة أخوه.
دارت بجسدها تجذب خصلاتها وقالت بنبرة خبيثة.
- وحياة ربنا لادفع إهانتي غالي قدام صحابي. ورفع إيده عليا كويس. مبقاش نورسين النمساوي اللي مضربت عصفورين بحجر. تفتكر سلمى هتكون أشطر مني. لازم أحصرها وأذلها كمان. مش عايزة حد يقرب منه من غير ما آخد حقي. ومش بس كده ولازم أحمل منه كمان.
قالتها وتحركت للخارج سريعاً.
طالع الشربيني والدها قائلاً.
- نور هتضيع اللي بنعمله يا نمساوي. شكلها بتحبه فعلاً.
أومأ برأسه ونهض متحركاً يجلس بمقابلته.
- هي بتحبه الغبية. بس سيبك هتزعل عليه شوية وخلاص. المهم لازم نطلع أمجد من السجن قبل ما نتخلص من راكان.
هز الشربيني رأسه بالرفض.
- لا أمجد مش هطلعه قبل ما نخلص من راكان عشان ميتهمش بقتله. بس إنت اتواصل مع بيتر خليه يبعتلنا اللي يخلصنا منه في أقرب وقت بدل اللي هنا فاشلة.
تناول هاتفه الذي أعلن رنينه.
- أهلاً أهلاً بالبحري باشا.
على الجانب الآخر.
- شكراً يا شربيني باشا. حبيت أشكرك بنفسي على اللي عملته في ابن الكومي.
نهض متجهاً للنافذة ينظر بالخارج.
- بس يحيى الكومي لو عرف هيكون آخرتنا وآخرتك معانا. فيا ريت تفهم الباشمهندسة خطورة الوضع.
قالها وأغلق الهاتف متجهاً للنمساوي الذي غضب.
- غلطت يا قاسم. قربك من ابن الكومي هتخلي العين علينا. مالك إنت ومال ابن الكومي. إنت متعرفش يحيى ده نابه أزرق قد إيه.
قهقه قاسم وتحدث بصوته الغليظ.
- شكل الأخبار الجديدة مش عندك ولا إيه.
ضيق عيناه متسائلا:
- تقصد إيه؟
أشعل سيجاره ينفثه بالهواء قائلا:
- فيه دعوة مرفوعة من بنت البحيري بتتهم فيها ابن البنداري بمحاولة قتل صديق عمره، ياحرام. وكمان فيه شهود على كده. غير الكاميرات اللي مالية الشركة. وكمان القضية اللي كان ناوي نوح يرفعها ضده عشان يفض الشراكة.
توسعت أعين النمساوي:
- يابن الإيه! دا كدا أنت ولعت الدنيا. ومش بس كدا وقعت العيلتين في بعض.
نفث سيجاره وأكمل:
- تحب تسمع التقيلة. البنت اللي قالوا إنها بنت محمود البنداري دلوقتي محبوسة مع أكبر عدو لينا. فاكر ابن المنسي؟ يعقوب المنسي بتاع إسكندرية، اللي بيدور على اللي قتلوا أبوه.
هب فزعا يقف أمامه:
- وإيه اللي وصلها لابن المنسي؟ لتكون جواد الألفي وصله؟
هز رأسه رافضا:
- جواد مايعرفش إنه عايش أصلًا، عشان لو عرف كان زمانه عنده. وأنت عارف الباقي.
تنهد براحة بعدما استمع له ثم جمع أشياءه:
- لازم نخلص من جواد دا كمان ياشربيني. أهو رجع يحفر ورانا بعد اللي عمله أمجد في بنت أخوه. بس تفتكر هو عرف إن أمجد ورا الحادثة؟
أبعد أنظاره يهز رأسه قائلا:
- معتقدتش عشان خلى ابنه يسيب قضية أمجد. ومش جواد اللي يسيب حقه. المهم سيبك من جواد الألفي وركزلي على راكان قبل ما يغرقنا بالورق اللي معاه. والكبار يزعلوا مننا.
بعد مرور عدة ساعات بأمريكا، جلس يرتشف قهوته بجوار يونس:
- جنان مش عايز جنان. قولتلك معرفش لسة الموضوع. كل اللي عرفته ناس كانوا عايزين يخطفوها وهو أنقذها. وكمان هي ضربته بالقلم وحب ينتقم منها بس مقربش منها واتصل بيا عشان أجي أخدها.
افترسه يونس بنظراته ثم نهض:
- قوم ياراكان عشان منحسرش بعض.
ظل راكان بمكانه محاولا التفكير حتى لا يأخذه فالمواجهة ستكون شرسة.
طاح يونس بكل ما وُضع على المنضدة وجهر قائلا:
- أنت مخبي عليا إيه مخليك قاعد بتخطط لحاجة؟
وقع راكان في براثن الحيرة. أيقص عليه أم يأخذه لمواجهتها؟ مسح على وجهه ونهض متحركا دون حديث. وصلا بعد قليل مع بعض الأشخاص الذي أرسلهم إليه يعقوب. دلفوا لمكتبه وجدوه ينتظرهما. جلس راكان بمقابلته أما يونس الذي توقف يعقد ذراعيه قائلا:
- إحنا هنا مش جايين نضايف. عايز مراتي عشان أمشي.
جحظت أعين يعقوب هامسا:
- زوجتك؟ متزوجة؟
اقترب يونس وهو يمسح على ذقنه عندما علم بمكنوناته قائلا:
- نعم تكون زوجتي.
جلس يضع ساقاً فوق الأخرى ثم ابتسم قائلا:
- جئت لكي أشكرك على حمايتها. فلك مني جزيل الشكر سيد يعقوب. ولكن لم يكن من الأخلاق حجزها عندك. لما لا تتصل بالسفارة وتبلغهم بالأمر.
دلف بيتر قائلا:
- السيدة بالخارج سيدي.
كان يطالعه بتيه فأومأ برأسه حتى تدلف. دلفت سيلين تسرع إلى راكان وألقت نفسها بأحضانِه تبكي:
- اتأخرت عليا كتير ياابيه. دا كله.
أما يونس الذي تجمد بوقوفه. كأنها انتزعت قلبه ولم يعد للنبض مكان. شعرت بوجوده فخرجت من أحضان أخيها تتجه بنظراتها إليه. شعرت بأن الأرض سحبت من تحت قدميها وهي ترى جموده. ملامحه الجامدة التي اصطنعها بامتياز. دارت حرب الأعين بينهما. سحبتها قدمها إليه تتأمله عن قرب. شهرين مفترقين. لقد اشتاقت إليه كثيرا. تناست كل ما صار وتركت لقلبها العنان فهمست باسمه وهي تلقي نفسها بأحضانِه:
- يونس.
أحس بوجع يغزو قلبه. فقد كان غارقاً حد الثمالة بتفاصيل ملامح وجهها الذي اشتاقها كثيرا. ارتعش جسدها عندما حاوطها بذراعيه مطبق الجفنين يتمتع بقربها ورائحتها. استمع لهمسها:
- وحشتني حبيبي.
هنا فاق من وضعهما. وابتعد يجذبها من كفيها ينظر إلى راكان:
- هـنـسـتـنـاك بـرا.
ثم اتجه بنظره إلى يعقوب:
- أشكرك كثيرا.
قالها وتحرك للخارج. كان يراقب تحركها معه بنظرات حزينة تمنى لو حلمه تحقق. فاق على صوت راكان:
- هل لديك علم بمن حاول أن يؤذيها؟
لم يقو على إجابته فهز رأسه بالنفي. توقف يمد يديه إليه:
- أشكرك لحمايتك لها. وودت أن أفيدك بما قلته لي. ولكنك رأيت أنها متزوجة.
أومأ رأسه مبتلعا غصة مريرة منعت تنفسه. فخرج صوته مهتزا بعض الشيء:
- لا عليك. مننت بمعرفة شخص بمثلك.
تحرك راكان للخارج بمصاحبة رجله حتى وصل حيث وقوف يونس بعيداً ببعض الخطوات عن أخته. استقل سيارته يشير ليونس بالتحرك. وصل بعد قليل لمنزل عمه بأمريكا. ترجل يونس سريعاً متجهًا للداخل. فكلما تذكر نظرات ذاك الرجل إليها ود لو يحرقها بأكملها. نادته سيلين بصوت خافت:
- يونس!!
استدار يقف أمامها وجسده ينتفض بقوة:
- ولا كلمة. مش عايز أسمع نفس.
استدار متحركًا للخارج. أمسكه صديقه:
- ممكن تهدى خلينا نعرف نتكلم.
رمقه بنظرة ثم دفعه وعيناه كجمرتين من النيران يشير إليها بما يمزق قلبه:
- أنا اللي أستاهل. فعلاً أنا حيوان ورخصت نفسي بس لحد هنا وكفاية.
اقترب منه وتعمق بالنظر بعينيه:
- لو إنت هترضاها لنفسك.
ابتلع راكان ريقه عندما عجز عن الرد فصاح يونس قائلا:
- ما ترد. ساكت ليه.
قالها بصوت زلزل المكان حتى اقتربت منه ودموعها تنسدل على خديها:
- أنا معملتش حاجة.
استدار يرمقها باحتقار:
- أنتِ طالق.
قالها وتحرك سريعًا للخارج.
بعد عدة أيام بالقاهرة وخاصة بالعناية كان يجلس بجواره يتحدث معه كأنه يسمعه:
- كدا يانوح شهر كامل وأنت ضعيف كدا. وحشتني ياصاحبي. لازم تفوق وترجع لي بسرعة. أقولك سر.
تنهد مقتربًا منه:
- ليلى حامل. شوفت صاحبك جامد إزاي. قوم عشان نتريق على بعض. طيب أقولك على خبر حلو. أسما حامل في توأم. مراتك هتجيب ولدين ياحمار. عارف لو مسمتش واحد راكان هربهولك على قلة الأدب.
انسدلت عبرة من طرف عينيه:
- اتهموني بمحاولة قتلك. أغبية معرفوش بكدا جابوا آخرهم. بس شوفت صاحبك عمل إيه. سجنتلك أبو راندا. استنى وشوف هجرهم واحد واحد. عايزك تفوق عشان تشوفهم وهم جنب بعض. مش هرتاح لما آخد حقنا كلنا من شوية كلاب.
أحس بحركة أصابعه. نهض مقتربًا منه وهو يتحدث بفرحة:
- نوح إنت سامعني.
ضغط على الزر ليستدعي الطبيب. همس بصوت متقطع:
- راكان.. أسما.
ابتسم بسعادة وهو يطلق ضحكات بصوتا مرتفع مع انسدال عبراته:
- الحمد لله.. الحمد لله.
صباح اليوم التالي.
جلست تضع الطعام أمام ابنها:
- ميرو مامي عايزة الأكل دا كله يخلص عشان ميرو يروح يلعب مع بابي لما يخلص.
صفق بيديه وهو يقوم بفتح فمه. قاطعهما دلوف العاملة:
- مدام ليلى فيه واحدة برة عايزة تقابل حضرتك.
اعتدلت تنظر للعاملة:
- مين دي أنا أعرفها.
فركت الخادمة كفيها تنظر إلى زينب قائلة:
- معرفش حضرتك تعرفيها ولا لا. بس زينب هانم تعرفها.
ضيقت زينب عيناها متسائلة:
- مين دي يانعيمة اللي أعرفها وعايزة ليلى؟
دلفت حلا وهي تمسك بكفيها طفلا يبلغ من العمر أكثر سنة ونصف:
- أنا ياماما زينب. إزي حضرتك.
نهضت ليلى تنظر إليها بأعين جاحظة وقلبا ينتفض ألمًا بخروج راكان من مكتبه وهو ينادي عليها:
- ليلى اجهزي اتأخرنا.
ولكنه قطع كلماته عندما وجد حلا أمامه. استدارت إليه:
- عامل إيه ياراكان.
قطب جبينه مردفًا:
- طالعها بنظرات تقيمية متسائلا:
- حلا بتعملي إيه هنا.
دفعت الطفل إليه وتحدثت:
- سليم ابنك اللي جابني هنا.
رسم ابتسامة سمجة على وجهه وهو يردف ناظرًا لوالدته:
- ابني.
دنت عقدت ذراعيها:
- إيه هتبلى عليك.
قهقهات مرتفعة منه حتى أحست ليلى بأنه سينقض على كل ما يقابله. فاقترب من الطفل يجلس على عقبيه يطالعه بهدوء ومازالت ابتسامته تزين ثغره فتحدث:
- إزيك يابن راكان. عامل إيه. إنتِ قلتي عنده قد إيه.
اقتربت ليلى منه تجذبه:
- راكان أنت اتجننت.
رفع نظره إليها وهو يطلق ضحكات رغم حزنه قائلا:
- الواد يونس فين. دا عليه حكم إنما إيه. إنما قوليلي ياماما هي السما بتحدف عيال من كل حتة علينا ليه. دا على كدا ولادك ياخدوا وسام الجمهورية.
نصب عوده وتحولت ملامحه عما كانت عليه. ثم استدار إلى حلا واظلمت عيناه قائلا:
- ابني مش كدا.
توقفت ليلى بينهما:
- راكان اهدى لو سمحت.
انزل بصره إليها:
- هو أنا مجنون ماأنا هادي أهو.
بلعت ريقها بصعوبة من نظراته النارية وحاولت تهدئته:
- ياله هنتأخر على نوح لازم نمشي.
ثم اتجهت بأنظارها إلى حلا:
- وأنتِ. امشي دلوقتي.
تجمد جسده وهو يزيحها من أمامه ثم وصل لحلا:
- دا ابني مش كدا. تمام شكرا ومع السلامة.
قام بالمناداة بصوت مرتفع على العاملة ومازالت نظراته تراقب حلا:
- طلعي الولد دا فوق. لحد ما أشوف حكاية مدام حلا دي.
جذبت الولد إليها:
- يعني تطلع الولد. يعني جزاتي إني حبيت أفرحك.
ضغط على ذراعها بقوة حتى صرخت:
- هو حد قالك أنا عبيط يابت. جاية بتلعبي على مين.
اتجهت بنظرها لليلى:
- حوشيه عني معرفش ليه بيعمل كدا.
ابتلعت ريقها واقتربت منه محاولة السيطرة عليه:
- راكان ابعد عنها. هو مفيش حاجة اسمها تحليل.
دفع حلا بقوة حتى سقطت على الأرض:
- التحليل دا يتعمل لواحد غبي مش عارف هو بيعمل إيه.
اتجه بنظره لوالدته الصامتة وتحدث:
- ساكتة ليه. عارف إنك دلوقتي فرحانة فيا عشان ياما حذرتيني من الأشكال دي. بس الولد دا مش ابني سمعتيني ياماما.
قالها وهو يجذبها بعنف متجهًا بها إلى منزل عمه جلال. يصرخ على عايدة ثم دفعها بقوة عليها:
- عايزين إيه بالظبط مني. أنا أديت ابن فرح حقه. رغم إنه ابن زنا. بس أخد حقه. ليه بتلعبي بيا مفكرين إن أنا عبيط.
صرخ وهو يجذب حلا من خصلاتها:
- قولي لمدام عايدة الولد دا ابن مين.
- شعري ياراكان بيوجعني.
جذبه بعنف صارخًا:
- قولي يابت الولد دا ابن مين.
بكت بصوت مرتفع:
- ابن جلال البنداري. متجوزني في السر. ارتحت.
دفعها بقوة على عايدة التي وقفت بجسد شاحب بالكامل. وشعرت بدوران الأرض حولها فهمست:
- جلال متجوز عليا.
اتجه بنظره إلى ليلى التي وصلت للتو قائلا:
- عرفتي ليه قولت لنعيمة تطلع بيه فوق. أصله طلع ابن عمي يالولة.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سيلا وليد
لو كان قدري الحب
فحبك أنت يكفيني
ولو كان قدري الحياة
فدقة قلبك تحييني
ولو كان قدري دمعة عين
فبعدك عني يبكيني
ولو كان قدري لغيرك
فلا غير الموت يكفيني
دنى بجسده لعايدة وهو يرمقها بشماتة.
- إيه مش تباركي لضرتك يا مرات عمي؟ دار حولها وهو يرمقها بنظرات احتقارية.
- طبعًا ماكنتيش تعرفي، ولا كنتي حاسة بحاجة، ماهو اللي زيك هيحس إزاي وأنتِ مش فاضية غير للخطط والتكويش على الدنيا.
لوح بيديه أمام وجهها واسترسل مكتملاً باحتقار.
- واحدة عندها فلوس قد كده، غير أراضي وعماير، ومش مكفيها، الطمع وما أدراك ما الطمع، لدرجة استخدمت بناتها ووصلت لمستوى أدنى من أي ست منحرفة.
هز رأسه يميناً ويساراً مستنكراً فعلتها الشنعاء قائلاً:
- أنا بكلم مين، واحدة نزلت للحقارة واستخدمت بنتها في القرف عشان شوية فلوس، يا شيخة دا لو اتربوا يتامى أحسن من يكونوا ليهم أم زيك.
كانت تطالعه بنظرات صامتة فقط، ملامح جامدة وعقل مشوش لما استمعت إليه منذ قليل، عيناها تتعلق بتلك التي تجلس على الأرضية تضم نفسها. وصلت فرح تقف أمام راكان ونظرت مستفهمة.
- إيه اللي بيحصل؟ وليه حلا قاعدة كده؟ قالتها وهي تنظر لليلى التي تحاول جذب راكان.
- راكان كفاية بقى يالا. استدار بجسده إليها.
- إنتِ مالك بتدخلي ليه؟ موضوع مايخصكيش، روحي شوفي ابنك.
نكست رأسها أسفاً وقالت بصوت متقطع.
- آسفة. قالتها وتحركت بخطوات متعثرة.
كانت تطالعها فرح، فاتجهت إليه.
- طبعًا أنا معرفش إيه اللي حصل علشان تتعصب عليها كده وتهينها قدامنا، بس كالعادة راكان باشا محدش يقدر يقوله لأ.
وزع نظرات مشمئزة عليهم، حتى توقفت نظراته على حلا قائلاً:
- يبقى فكري كويس قبل ما تيجي تتبجحي قدامي، وردًا لطعن كرامتي مالكيش عيال عندي، مش دا ابني وجيتي بعين بجحة ووقفتي قدامي وقولتي ابني، وكله صوت وصورة، قربي تاني من البيت وشوفي هعمل فيكي إيه. اتجه بنظره إلى فرح وابتسم بسخرية.
- وأنتِ يا حضرة خضرة الشريفة متتعديش حدودك معايا، وإلا هقص لسانك ده، وروحي نضفي نفسك وتعالي يا بت علمني الأدب، وأه نسيت أفهمك حاجة ياريت تعرفيها لمامي اللي شكلها انجلطت ولسانها وقف ابنك مش هياخد أي قرش غير لما يوصل السن القانوني، أنا متكفل بكل اللي يخصه، يعني تقدري تقولي حقه أنا الواصي عليه، بدل عقلكم الفاسد ده مش رحمني. لوح بيديه إلى حلا قائلاً.
- إجازة سعيدة مع ضرتك يا مدام حلا. قالها ثم تحرك للخارج.
عند يونس بالمستشفى الخاصة به.
جلس بعد انتهاء عمليتيه، استمع لطرق الباب سمح بالدخول. دلفت سارة إليه ووقفت أمامه منتظرة حديثه. أشار بيديه ثم مسح على وجهه.
- اقعدي ياسارة فيه حاجة عايز أقولهالك ونتفق عليها.
جلست منكسة الرأس وتحدثت بصوت متقطع.
- عملت اللي وعدتك بيه، نزلت كليتي مع سلمى وبعدت عن كل المؤامرات الخبيثة. رفعت نظرها إليه واردفت بدموع محتجزة.
- وحياة ربنا ماعملت حاجة تانية. نصب عوده وتوقف متجهًا إليها، ثم جلس بمقابلتها وهو يشعل تبغه قائلاً.
- عارف، أنا متصلتش عشان كده. عايز أتفق معاكي على اتفاق. فرقت كفيها منتظرة حديثه. كان يتابع حركاتها بهدوء فتحدث.
- إيه رأيك تسافري عند بابا أمريكا وتكملي تعليمك هناك؟ أنتِ شاطرة مش غبية، وأهو هتكوني مع عاليا بنت عمتك وتبعدي عن هنا شوية، مش دا اللي كنتِ عايزاه.
نظرت بتشتت وتسائلت:
- تفتكر ماما هتوافق إنها تخليني أسافر؟
نفث دخان تبغه ثم طالعها بهدوء قائلاً.
- ماهو هنعمل لعبة أنتِ هتستفادي وأنا كمان هستفاد. بس قبل أي حاجة، أنتِ من اللحظة دي أختي، يعني مش عايز الهبل بتاعك وبحبك والكلام الفاضي ده. انحنى بجسده يحتضن وجهها ونظر لداخل مقلتيها وأردف ببحته الرجولية.
- سارة عايزك تتأكدي إن حب سيلين بيجري في دمي، يعني مستحيل أتجوز وأحب غيرها. حاولت وجربت وفشلت. دي طفلتي ويمكن أنتِ عارفة أنا وسيلين زي السمك والميه منقدرش نعيش بعيد عن بعض.
انسدلت عبراتها وتحدثت بصوت مفعم بالبكاء.
- بس أنت طلقتها.
أزال بإبهامه دموعها وتحدث بهدوء رغم حزنه الكامن بداخل قلبه.
- مش معنى كده إني كرهتها، أنا طلقتها عشان أدبها، اتأكدي لو وصل بيا الحال أموتها عشان متفكرش في حد تاني هعملها ومش هتأخر.
قطبت جبينها ورفعت كفيها على وجهه.
- للدرجادي بتحبها؟ أنا بحسدها على الحب ده.
تراجع للخلف وأنزل كفها من على وجهه، ثم أخرج تنهيدة طويلة متعبة ومهمومة على ما أصاب قلبه فأردف بهدوء رغم نيران قلبه المستعيرة.
- وأكتر ياسارة، بعشقها بجنون، مكنتش مستني الفترة دي كلها من غير جواز إلا عشانها.
مسحت دموعها بظهر كفها وأخرجت شهقة منتظرة حديثه.
- سيلين اتخطت حدودها معايا، ولازم أربيها وأعرفها تفكر مليون مرة قبل ما تدوس على قلبي.
تهكمت سارة مردفة.
- غبية متعرفش قيمة النعمة.
أطلق ضحكة حتى أدمعت عيناه ورغم الضحكة إلا أن القلب يئن. هدأ من ضحكاته وإن دلت تدل على وجعه المستميت. ابتعد بنظره عنها.
- دا نصيب مش غباء، المهم اسمعيني كويس، وسيبك من غبائها ده، هي مش غبية هي مجروحة وشعنونة، بس مهما تعمل مقدرش أكرهها، دي ساكنة روحي وكياني، فهماني ياسارة متزعليش مني لو سمحتي.
أومأت بعبراتها قائلة.
- ربنا يسعدك يايونس، سيلين فعلاً تستاهل الحب ده، بس أنا مطلوب مني إيه؟
- عايزك تخرجي من هنا عليها، ولو قدرتي تعملي اللي هقوله صدقيني هتلاقيني دايما جنبك ومستحيل حد يقرب منك.
بالمستشفى وخاصة بغرفة نوح.
كانت تتسطح بالفراش بجواره، تمسد على خصلاته مبتسمة من بين بكائها، تحمد الله على ما وصل إليه. أهمها وجوده بحياتها تذكرت ذاك اليوم عندما زارها والدها.
- أنتِ لازم تعرفي نوح عنده إيه، عشان وقت مايدفنوه ميضحكوش عليكي وتعرفي تاخدي حقك.
وضعت كفيها على أذنها وصرخت حتى دلفت ليلى إليها تضمها لأحضانها.
- أسما حبيبتي اهدي. ظلت تصرخ وهي تهز رأسها قائلة.
- نوح عايش نوح مامتش. ضمتها ليلى بقوة تنادي على راكان الذي دلف سريعًا مع الطبيبة.
- مالها إيه اللي حصل؟ هبت واقفة تتشبث بذراعيه.
- نوح عايش مامتش صح؟ هو عايش ياراكان، طمنيني وقولي جوزي عايش.
اتجه بإنظاره إلى والدها الذي انكمش بوقوفه متسائلاً.
- مين قالك نوح مات؟ نوح كويس ياباشمهندسة، اطمني، يوم ولا حاجة ويفوق. ثم اتجه بنظره للطبيبة.
- ممكن تديها مهدئ؟ حضرتك شايفة حالتها إزاي؟ تراجعت للخلف وصوت شهقاتها بالأرتفاع.
- لا، عايزة أشوف جوزي، طمنوني عليه. بوجه راسخ من الحزن والألم وقلب مثقل بعلامات الموت اتجهت بأنظارها لليلى.
- عايزة أشوف جوزي، وديني عنده ياليلى. وصلت الطبيبة حتى تحقنها ولكنها تراجعت تهز رأسها.
تحدث راكان.
- هشوفه شوية صغيرين بس.
- خديها ياليلى خليها تشوفه دقيقة واحدة متخليهاش تطول عنده، بلاش نتعبها أكتر ما هي. همس بها راكان ثم جذب منير العشري والدها وتحرك للخارج. دفعه بغضب.
- عارف لو ملمتش نفسك واتهدّيت هسجنك، مش ناقص قرف. قالها وتحرك للخارج.
خرجت من شرودها على همسه باسمها.
اعتدلت تنظر إليه.
- حبيبي حاسس بإيه؟ فتح جفونه بتثاقل وتحدث بصوت ثقيل.
- راكان مجاش. انخفضت لمستوى نومه واردفت.
- لسه، معرفش ليلى كلمتني من ساعتين وقالت إنهم جايين. أغمض عيناه وتسائل.
- حمزة برة، لو برة نادهولي.
نزلت بهدوء واتجهت للخارج. وجدت حمزة جالسًا بجوار زوج لميا أخت نوح فتحدثت.
- أستاذ حمزة نوح عايزك. نهض متسائلاً.
- فيه حاجة؟ هزت رأسها قائلة.
- معرفش ادخل شوفه. أنا هنا لو احتاج حاجة. قالتها واتجهت تجلس بجوار أسامة زوج لميا تطبق على جفنيها.
- الحمدلله، الحمدلله. كررتها عدة مرات.
- إن شاء الله هيبقى كويس، قولي يارب.
رفعت أنظارها للأعلى هامسة.
- ياااارب.
قاطعها وصول لميا، ووالدة نوح ناهد.
- أسما قاعدة هنا ليه؟ نوح حصله حاجة.
هزت رأسها بالنفي واجابت.
- لا دا بيتكلم مع حمزة جوه، سبتهم براحتهم.
تحركت ناهد تربت على كتفها.
- أنا هروح أشوف يحيى وأرجعله، وأنتِ ارتاحي شوية، متنسيش إنك حامل. توقفت تنظر إليها.
- نوح عرف إنك حامل؟ هزت رأسها.
- عرف وكان فرحان أوي. جلست لميا بجوارها.
- ربنا يكمل حملك على خير حبيبتي. اتجهت تسأل عن كريم.
- كريم لسه مجاش من الجامعة. همست أسما التي أطبقت جفنيها.
- كان هنا، وقال هنزل أشرب قهوة تحت.
بالداخل جلس حمزة بمقابلته.
- عامل إيه النهاردة أحسن! تسائل بها حمزة.
أومأ برأسه واجابه وهو يطبق على جفنيه متألمًا.
- الحمدلله أحسن، نفسي ضيق بس مكان الضرب في ضلوعي.
- قادر تحكي لي اللي حصل؟ ولا لأ.
تابعه بنظرات تائهة ومعالم الصدمة تلون وجهه.
- ليه هو راكان معرفش مين اللي عمل كده؟
اقترب حمزة وجلس بجواره على الفراش.
- راكان حبس البحيري، وهو بينكر إنه ورا ده، وأخد خمسة عشر يوم احتياطي وآخرهم بكرة، يعني لو مفيش دليل قوي هيطلع. اللي مخليه لحد دلوقتي، المكالمة التليفونية، وكمان التحليل اللي عمله دكتور يحيى. صمت للحظات متسائلاً.
- هو فعلًا الولد مش ابنك؟ بلع غصة بطعم الصدأ وابتعد بنظره عن حمزة قائلاً.
- الحاجات دي مينفعش نتكلم فيها ياحمزة من غير دليل، وبدل راندا ولدت أنا هعرف هل حقيقي اللي بابا قاله ولا لا. ورغم إني محبتهاش بس متمناش اللي سمعته، صعب تخيل الفكرة. المهم كنت عايزك تجهزلي أوضة بالمزرعة، مش عايز أروح الفيلا عند بابا، مش عايز أسيب بيتي لحد ما أقدر أقف على رجلي تاني.
ربت حمزة على كتفه قائلاً.
- اعتبره حصل ياحبيبي، وكمان الممرضة. رفع كفيه يربت على يديه قائلاً.
- عايزك تكتب المزرعة باسم أسما، جهز الورق وهاتهولي، عايز كل حاجة تخلص قبل ما أسافر للعملية.
أومأ برأسه.
- حاضر، هعمل كل اللي عايزه. فكر بس في صحتك عايزك تخف بسرعة. متبقاش غلس عايز أعمل الفرح اللي بوظته ده.
ابتسم من بين آلامه.
- ودا كمان عايزك في أقرب وقت تعمل فرح، مالوش داعي التأخير.
قاطعه حمزة مستنكرًا حديثه.
- أكيد بتهزر صح.
قاطعه وهو يرفع كفيه المنغرز به الإبر قائلاً.
- لو فعلاً بتحبني أعمل الفرح في أقرب وقت ياحمزة، متخلنيش أزعل منك. أنا كويس، وهكون كويس لما أشوفك عريس.
دلفت لميا مقاطعة حديثهما.
- عامل إيه النهاردة حبيبي.
رفع كفه.
- تعالي يالولو. اقتربت وانحنت بجسدها تطبع قبلة على جبينه.
- ربنا يخليك لينا ياحبيبي. رفع بصره مبتسمًا.
- بابا عامل إيه النهاردة؟
جلست بجواره.
- لسه زي ما هو، بس متخافش بكرة يفوق ويبقى كويس. المهم إنك كويس وبابا لما يفوق هيعرف وهيتحسن.
دلف راكان رافعًا حاجبه بطريقة مستفزة، قائلاً بابتسامة باردة:
- قام وهيقرفنا، كنا مرتاحين. بس كويس إنه قام عشان عندنا حساب متصفى.
توتت زاوية فمه بشبه ابتسامة عابثة.
- الحساب لأهل الحساب يا حضرة المستشار.
دفع حمزة من جواره وجلس يربت بقوة على كتفه.
- مرحب بسبع البورمبة، كنت وحشنا يا أخويا.
- لميا سبيني شوية مع حمزة وراكان.
احتوت كفيه.
- حاضر، بس متتكلمش كتير عشان متتعبش.
قالتها وتحركت للخارج.
تنفس بتثاقل، ثم اتجه بنظره إلى راكان.
- عملت إيه مع البحيري؟ ومين أكدلك إنه ورا ده؟
نظر إليه بحزن.
- مش وقته الكلام ده، فوق الأول وخف، وبعدين نتكلم.
ضغط نوح على كفيه بقوة.
- أنا سامعك.
- نوح مفيش غيره، بعد ما باباك راح هدده ببنتُه، عملتُه. وبعدين أنا مش غبي عشان أحبسه من غير دليل. مكالماته كلها عندي. وكمان...
صمت للحظات قائلاً:
- اتفاقُه مع الناس اللي خطفوا أسما قبل كده. ولسة كل ما التهمة تثبت عليه هنكتشف بلاوي. وإيه اللي ربطه بقاسم الشربيني؟
اعتدل واسترسل بإبانة.
- التحليل والمقابلة وتهديدُه الواضح، دي كلها تثبت التهمة عليه.
أغمض عينيه رغماً عنه وأصدر زفرة محملة بزفيره الحار قائلاً:
- عرفوا إن أسما حامل، وده جننهم، وعشان كده حبوا يتخلصوا منك ويتهموني بموتك بسبب اللي حصل بينا. أسما كانت حاجزة عند الدكتور على أساس لما ترجع تروحوا، بس طبعًا هما سبقوها.
أنهى حديثه ونهض يضع كفيه في جيب بنطاله.
- يعني من الآخر كانوا بيرتبوا لحاجة تانية لأسما كمان. لولا وجود والدك عند أسما وعرفوا طبعًا بالحادثة، فبالتالي أسما خرجت مع والدك، مالقوش وقت لينفردوا بيها.
غضب نوح حتى شعر بألم في جسده مما جعله يضع كفيه على صدره من شدة الآلام. اتجه راكان إليه سريعًا:
- نوح اهدى، آسف مكنش قصدي إنك تتعب كدا.
أعدله حمزة واضعًا ماسك التنفس على وجهه.
- اهدى واسحب نفس براحة، ومتخافش، مراتك كويسة، وولادك كمان. وأهو راكان محاوط المكان كله بالأمن، حتى الدكاترة اللي بيدخلوا بعيد عن محل شك.
هدأ قليلاً وشعر بالنعاس وهو يتمتم:
- أسما وولادي أمانة عندكم، أنا بقيت عاجز لحد ما رجلي تتعدل.
احتضنه راكان يصرخ به:
- متقولش كدا، يلا سمعتني؟ هتقوم وتوقف على رجلك وهتربي عيالك كمان، سمعتني؟ لازم تقوى عشان مراتك وولادك يا نوح، بلاش نظرة الضعف دي تاني.
انزلقت دمعة شريدة وهو يتحدث بصوت متألم.
- هما ماكنوش عايزين يموتوني يا راكان، عايزين يعجزوني بس. معرفش رجلي مش قادرة أحركها خالص، حاسس فيها حاجة.
اتجه راكان لحمزة.
- الدكتور قالك إيه؟
ارتبك قليلاً وحاول السيطرة قائلاً:
- أعصابه من الضرب مش أكتر، أسبوع ولا حاجة وهيعمل العملية ويفوق.
داعب راكان خصلاته بقوة ورسم ابتسامة.
- مش قولتلك مش هيقدروا؟ سمعت مش هيقدروا؟ إنت مش ضعيف.
اتجه راكان إلى حمزة الذي جلس واضعاً رأسه بين كفيه، يمنع دموعه، فتحدث قائلاً:
- ما تقوله يا حمزة، قوله إنهم مش هيقدروا يكسروا حد فينا، حتى يونس، دا مقدروش على يونس، هيقدروا عليك يا نوح.
نهض حمزة وشعوره بالاختناق يعيق خروج زفراته، متجهًا للخارج.
- عندي شغل، أنا همشي ويونس هييجي بعد شوية.
راقب راكان خروجه مستغربًا حالته التي أصبح عليها منذ حادثة نوح. قابلته ليلى، توقفت أمامه مستغربة حالته.
- حمزة فيه حاجة؟ نوح حصل له حاجة؟
هز رأسه بالنفي وأخرج صوته بصعوبة.
- لا، هو كويس بس عندي شغل، راكان جوا، ادخلي.
بالداخل:
- هي ليلى فين؟ مجتش معاك ولا إيه؟
تسائل بها نوح.
وقفت بجوار الباب عندما استمعت لسؤال نوح، وانتظرت إجابة راكان.
مكث بجواره مرة أخرى وأخرج تنهيدة حارة، وأجابه:
- عند والدك. قالت: هتشوفه الأول.
رفع نوح نظره يدقق النظر إليه:
- مبروك عرفت إنك رجعتها.
ابتسم رغم ثورته الغاضبة واتجه ببصره إليه:
- تفتكر يانوح بعد الوجع اللي شوفته في حياتي، وبعد ماربنا أنعم عليا بيها، افرط فيها بسهولة؟
وضع كفيه يدلك صدره عندما شعر بألم يجتاحه واسترسل:
- أنا ردتها بعد كام ساعة، مجرد ماقولتلها إنت طالق وحسيت إنها ممكن متكونش ملكي بعد كدا حسيت إن روحي فارقت جسمي، مقدرتش أتحمل الفكرة ولا أتخيلها.
ابتسم واتجه بنظره إليه:
- وحياتك هما ساعتين بس ومقدرتش، بس حبيت أأدب نفسي ببعدها وكمان أدبها معايا. ورغم كدا ضعفت ورحت لعندها ومقدرتش.
ابتسم نوح وهو يغمض عينيه:
- كنت عارف إنك ردتها، بس حبيت ألعب معاك شوية.
قالها وذهب بنومه بسبب العقاقير التي أخذها. شعرت بالفراشات تطير بمعدتها من فرط سعادتها حتى وضعت يدها فوق قلبها عندما أحست بارتفاع دقاتها التي أصبحت كالطبول. ونظرت إليه وعيناها التي لمعت بالسعادة.
ربت راكان على ذراعه:
- مهما تقول هحاسبك، بس قوم على رجلك وشوف هعمل فيك إيه ياغبي.
ابتسم نوح مابين النوم واليقظة. ظلت نظراته عليه، حتى غفى تماماً. هنا حرر عبراته التي أضعفه حالة صديقه هامساً:
- وحياة رقدتك دي لا أخليهم يكرهوا اليوم اللي فكروا يقربوا منك فيه. أنا كفاية عليا فراق سليم، مش هقدر أفقد حد تاني منكم يانوح. وقتها هقع بجد. ميغركوش الجسم اللي واقف بيضحك ويتكلم قدامكم.
آهة خفيضة حررها من بين شفتيه مستنداً بظهره على المقعد، وأطبق جفنيه حتى شعر بقبلة على وجنتيه هامسة:
- وأنا هموت لو حصلك حاجة حبيبي.
تلقاها بين ذراعيه عندما جذبها بقوة كادت أن تسقط.
- حبيبك طول ما أنت جنبه شديد وقوي.
وضعت رأسها بصدره.
- زعلان مني؟
أخرجها يضم وجهها وينظر لليلها الدامس وهو يهز رأسه قائلاً:
- تؤ، مقدرش أزعل منك.
طوقت عنقه وتحدثت بدلال:
- يعني لما جتلك المستشفى كنت مراتك، وعاملت فيها دراكولا.
اقترب من شفتيها هامساً:
- مش فاكر، هو إيه اللي حصل.
دنى حتى اختلطت أنفاسهما وكاد أن يلمس ثغرها ولكنها نهضت سريعاً:
- إحنا في المستشفى يامجنون.
أرجع خصلاته يمسح على وجهه محاولاً السيطرة على دقات قلبه فتحدث:
- ضيعتي الهيبة ياليلي، مبقتش بفرق الصح من الغلط.
جلست بجواره واحتضنت كفه:
- أنت ضيعت ليلى كلها مش الهيبة بس.
حاوطها بذراعه:
- تدوملي ليلى في حياتي وأضيعها كمان وكمان.
وصلت أسما. اعتدل راكان يبتعد عن ليلى ببعض السنتيمترات. اقتربت ونظراتها المتألمة لم تفارقه متسائلة:
- هو نام.
أجابها راكان:
- أيوة الممرضة جت واخد العلاج ونام.
أومأت برأسها وجلست بجواره تنظر إليه متسائلة:
- عملت إيه في راندا، وليه ماجتش من اليوم اياه.
نهض واتجه للنافذة:
- ولا حاجة متشغليش بالك. المهم خلي بالك من نفسك كويس، ومتخرجيش من المستشفى من غير ما تعرفيني. يومين تلاتة الوضع يهدى.
***
اتجهت إلى نوح بنظراته ثم اتجهت له:
- نوح عايز يروح، حتى طلب من حمزة ينقله للمزرعة.
- لأ، أجابها راكان سريعاً.
- نوح لو خرج من المستشفى هيروح عند الدكتور يحيى، أو عندي، ومعتقدش إن دكتور يحيى هيوافق إن ابنه الوحيد يبعد عنه، فبالتالي أسسي نفسك على كدا يامدام أسما.
نهضت حتى وقفت بالقرب منه وتحدثت:
- نوح هيرفض، ولو أصريت هيحس بعجزه، وأنا مش عايزة كدا لو سمحت.
قاطعهما دخول يونس:
- مساء الخير. مالكم واقفين كدا ليه. إيه نوح نايم.
قالها وهو يتوجه لأسما. نهض راكان يمد يده لليلى:
- ياله بدل يونس جه، هيفضل مع أسما.
أجابته أسما:
- هو نايم دلوقتي يادكتور، وأسامة موجود هنا. أنا هروح الليلة دي ولميا وأسامة موجودين.
تحرك راكان وهو يسحب ليلى قائلاً:
- خلي بالك يادكتور.
جلس يونس يمسح على وجهه بغضب:
- مغرور ومتعجرف. يخربيت تناكتك.
- دكتور يونس.
أردفت بها أسما. اتجه بنظره إليها بدخول لميا متسائلاً:
- فيه حاجة.
اقتربت منه قائلة:
- مالوش داعي وجودك. كريم وأسامة موجودين معانا. شكلك مرهق ممكن تروح ترتاح.
رفع يده قائلاً:
- أنا كويس. مينفعش أسبكم لوحدكم لحد ما الدكتور يحيى يفوق.
- روُح يايونس. إحنا هنا متخافش، وكمان علشان أسما تاخد راحتها فاهمني.
أومأ رأسه متفهماً ونهض قائلاً:
- طيب أنا تحت ولو فيه حاجة اتصلي على طول.
أمسكت لميا ذراعه:
- روح يايونس. نوح كويس واحنا معاه.
هز رأسه رافضاً وتحرك:
- أنا تحت.
اتجه للطابق الأسفل حيث غرفة نوح. دلف وخلع جاكيت بدلته، وجلس على المقعد يمسح على وجهه. شعر بالنعاس يداعب جفنيه بسبب إرهاقه. استمع إلى رنين هاتفه. اتجه يمسكه، ابتسم عندما وجدها طفلته. لم يجيبها وتركها للمرة الثانية بالرنين، حتى رفعه وهو ينفث سيجاره:
- مالك فيه إيه. مردتش اعرفي مش عايز أكلمك.
انزعجت من كلماته فتحدثت:
- بقولك إيه أنا مش شغالة عندك. إنت فين؟
- في مستشفى الكومي. ليه وحشتك.
قالها بسخرية.
توقفت فجأة غير قادرة على السير من فرط ألمها حتى سحبت نفساً تنظم ضربات قلبها واهدرت به:
- عايزة أتكلم معاك. عشر دقايق وأكون عندك.
نفث دخانه حتى اختفى خلفه وأجابها:
- وماله. تعالي أنا في أوضة نوح الاستراحة.
قالها وأغلق هاتفه، يرفع قدميه فوق المقعد وقام بإطلاق صفير بسعادة:
- قطتي حبيبة قلبي جيتي لقدرك.
عند حمزة. خرج يتحرك بخطوات متعثرة، يكاد يتنفس بصعوبة كلما تذكر حديث الطبيب:
- مش هخبي عليك. الإشاعات بتبين كسر في ضلعين، وكمان الضرب كان شديد في العمود الفقري. يعني ممكن يؤثر بالسلب عن تحركه مرة تانية.
استقل سيارته وتحرك، وعيناه المغروقتين حجبت رؤيته وهو يبكي:
- معقول هيفضل عاجز. معقول مش هشوفه تاني وهو راكب حصانه.
آآه خرجت من جوفه وكأنها تكوي جوفه وشهقات مرتفعة حتى توقف بجانب الطريق يضع رأسه على المقود، عندما فقد السيطرة بالكامل على نفسه. استمع إلى رنين هاتفه:
- أيوة يادرة.
قالها بصوته الباكي. شعرت به فأردفت:
- إنت فين ياحمزة. ليلى قالتلي شكلك فيك حاجة.
- أنا جايلك انزلي. محتاجك.
اتجهت لغرفتها قائلة:
- حاضر هلبس وانزلك.
وصل بعد دقائق كانت تهبط سريعاً بدرجات السلم. هرولت إليه عندما وجدته واقفاً ينظر بضياع حوله، أنظار مشتتة ضائعة. أحس بوجودها. فتح ذراعيه إليها حتى ألقت بنفسها داخل أحضانه. مرغ وجهه بحجابها، يطبق على جفنيه، يتنهد بألم قائلاً:
- أنا تعبان أوي يادرة، ومحتاجك أوي حبيبتي.
خرجت من أحضانه واحتوت كفيه:
- إيه اللي حصل أول مرة أشوفك كدا.
فتح باب سيارته وأشار إليها:
- اركبي. عايز أبعد من هنا. هنروح شقتنا. هنبات هناك. اتصلي بباكي واستأذني. مش عايز أتكلم مع حد.
أومأت برأسها دون حديث واتجهت للسيارة تتحدث مع والدها. وصلا بعد قليل إلى منزلهما الذي جُهز لهما.
ترجلا أولاً ثم اتجه يسحبها من كفيها متجهين للداخل. دلفوا للداخل وأشعل الإضاءة، ثم توجه وألقى نفسه على الأريكة مغمض العينين.
- مش قادر أشوف نوح كدا. أنا تعبان أوي يادرة تعبان أوي. كل ما أتخيله ممكن يفضل على كرسي طول حياته.
جثت أمامه مضيقة عيناها وتسائلت:
- يعني إيه ياحمزة. يعني نوح هيفضل عاجز. وخالتو عرفت الكلام دا.
وضع يده على وجهه مبتعداً بنظراته عنها:
- محدش يعرف لسة. ولا حتى راكان. أنا اتفقت مع الدكتور ميعرفش حد دلوقتي. عايزة يفوق الأول وبعد كدا نقوله بهدوء. هو فاكر فيه حاجة في عصب رجله. ميعرفش إنه من العمود الفقري اللي أذوه ولاد الكلب.
شعرت بدوار حتى اهتز جسدها هامسة:
- معقول نوح هيفضل عاجز.
وضعت كفيها على وجهها واجهشت ببكاء:
- مش قادرة أصدق دا. ليه يعملوا فيه كدا. دا مراته حامل. ياحبيبي يانوح ميستهلش ابداً كدا.
اعتدل جالساً، يسحبها لتجلس بجواره، ثم احتواها بذراعيه:
- درة متوجعيش قلبي. أنا مخنوق. مش قادر أتكلم مع حد. ملقتش غيرك أفضفض معاه. مش قادر أعرف يونس وراكان. بلاش أوجعهم دلوقتي. معرفش ردهم هيكون إيه.
احتضن وجهها ونظر لمقلتيها:
- متخلنيش أندم إني قولتلك. عايزك تقويني أتحمل الكام يوم دول لحد مايسافر ألمانيا ويعمل فحوصات كاملة. وقتها أكيد كلهم هيعرفوا. بس حالياً محدش ناقص وجع. شايفة راكان ومصايبه من كل حتة. ويونس وطلاقه. يعني محدش متحمل وجع تاني. اوعديني حبيبي محدش يعرف حتى والدتك. واياك تعرفي ليلى.
وضعت رأسها بأحضانه وبكت بشهقات:
- مش قادرة أستوعب كلامك ياحمزة. براحة عليا لو سمحت.
***
عند راكان وليلى بالسيارة.
ضمها بذراعيه واضعة رأسها بصدره، تشاهد بعض صوره مع نوح وحمزة ويونس ويتحدث عن كل صورة عن تلك الأيام التي قضوها بعامهم الجامعي.
وصلت السيارة إلى منزل المزرعة فنظرت حولها ثم اتجهت بنظرها إليه:
- حبيبي جايبنا هنا ليه.
طبع قبلة على كفيها وتحدث ببحته الرجولية:
- عايز أنفرد مع مراتي شوية. إيه بلاش.
اللمعت عيناها بالسعادة، فترجلت من السيارة. استمعت لصوت الرعد بالسماء فابتسمت:
- شكل الجو هيمطر. حلو أوي.
حاوط خصرها متحركاً للداخل، وغمز بطرف عينيه:
- حلو عشان تلاقي اللي يدفيكي.
دلفت للداخل وجدت المنزل محاط بالأمن كاملاً فتسائلت:
- هو لسة معرفتش مين اللي دخل البيت ولا إيه.
دلف للداخل ومازال محاوط خصرها:
- دول عشان كدا. عادي ماهو القصر عليه أمن.
توقفت أمامه:
- لا أكيد فيه حاجة تانية. البيت مفهوش حاجة.
اتجه يشعل المدفأة:
- اطلعي غيري هدومك يالولة. ومتشغليش بالك. فيه طقم فوق يارب يعجبك. وأنا هجهز السفرة عشان جعان جداً. واطمن على أمير.
لاحت على ثغرها ابتسامة متلاعبة فاقتربت تطوق عنقه متسائلة:
- ياترى إيه المناسبة. لا وكمان فستان. دا إيه المفاجأة الحلوة.
وضع إصبع يمسح أنفه ثم أمال يزيل حجابها حتى انسدل شلال خصلاتها الفحمية التي جمعها على جنب، وقام بفتح سحاب فستانها مقترباً يهمس بجوار أذنها عندما شعر برجفة جسدها:
- اطلعي فوق وأنت تعرفي.
رجفة قوية سارت بجسدها عندما لامست أنامله عنقها، فاستدارت بخطوات أقرب إلى الركض رغم تعثرها وأنفاسها تتصارع. ظلت نظراته تراقب مغادرتها، حتى اختفت متجهًة إلى المدفأة.
دَلفت للداخل وجدت غرفتهما مزينة ببعض الشموع بالروائح العبقة. تحركت متجهة حتى وصلت إلى الفراش وجدت رداء حريري ناعم باللون الأحمر، يصل ما فوق الركبة، عاري الصدر، ذو حملات رفيعة ويوضع بجواره حذاء بكعب مرتفع من نفس اللون وبه بعض الأربطة التي تلف حول الساقين. أمسكت تلك الورقة التي يكتب بها:
- قدامك ربع ساعة. عايز أشوف مولاتي بطلتها الجذابة. متتأخريش. لقد تعذب القلب وذاب.
اكتفت بتنهيدة حالمة تضع كفيها على موضع نبضات قلبها العازفة بعشقه. تحركت متجهة للمرحاض. دقائق وخرجت تجلس أمام مرآتها وقامت بوضع بعض اللمسات التجميلية الخفيفة. ارتدت حذاءها وجمعت خصلاتها للأعلى حتى ظهر جمال عنقها ترتدي ذاك العقد الذي أهداها إياه منذ زمن.
ألقت نظرة أخيرة على نفسها بالمرآة، وتحركت بالهبوط. كان يقوم بإشعال الشموع ذات الروائح التي جعلت المكان يحلو بمكان العاشقين. استمع لكعب حذائها، ورغم دقات قلبه التي أجزم أنها ستخرج من صدره من لهفته بالنظر لصفحات وجهها إلا أنه مازال يوليها بظهره. وقفت خلفه ببعض الخطوات تنظر لظهره. كان يرتدي قميصه الأبيض ويقوم بثني ذراعه، ناهيك عن زره الأول الذي تركه مفتوحاً فظهر جسده الممشوق الذي تعشق كل ما يميزه به. اقتربت وهي تخطو بنعلها حتى شعر بأنها تخطو فوق قلبه الذي أصبح كفوهة بركانية لم يصمد سوى الاستدارة ورؤيتها ليشبع روحه بجمال طلتها.
استدار بهدوء حتى تعانقت نظراتهما، كما تعانقت دقت قلبيهما. دَنى منها وسار نحوها بخطوات متمهلة عندما توقفت فقد جعلت أنفاسه تتعثر بصدره بكل ما تحمله من أنوثة.
أمسك كفيها ثم طبع قبلة مطولة عليه، وهو ينظر لبريق ليلها الساحر. قربها منه وبحركة دائرية جعلها تلتف حول نفسها تتطاير بفستانها القصير ورغم قصره إلا أنه كان واسعاً فطار حولها كاشفاً ساقيها المرمر، وخصلاتها التي تطايرت بعشوائية على وجهها. أطلقت ضحكة ناعمة عندما شعرت بالدوار:
- راكان دخت هقع.
حاوطها يضمها بقوة لصدره.
هامساً بعذوبة وجمال اللحظة بينهما:
- توقّعي وأنا موجود. مش عيب حبيبي تغلطي في جوزك.
طوقت عنقه تنظر لشمسه:
- تؤ. مش جوزي بس حبيبي وروح كياني.
وضع جبينه فوق خاصتها يحبس أنفاسه، ويسحب أنفاس عطرها يضغط بقوة على خصرها:
- حبيبك ضاع في ليلك ياليلة قلبي.
رفعت نفسها وطبعت قبلة بجانب شفتيه:
- حبيبي أحسن راجل في الدنيا كلها. وعلشان كدا هيقولي إيه المناسبة السعيدة دي.
رفع سبابته يتلمس شفتيها قائلاً:
- النهاردة عيد جوازنا ياحياتي. أول عيد لحياتي كلها. أول مرة أحس فيه بسعادة حقيقية. من سنة زي النهاردة. رويت قلبي العطشان وروحي التائهة بوجودك بجانب قلبي. لدرجة دي ناسية أجمل يوم في حياتي.
ابتعدت تبلع ريقها بصعوبة، ولمعت عيناها بالعبرات تنظر إليه بأسف:
- آسفة والله نسيت. مش موضوع نسيت. موضوع نوح أصلاً. مكنتش.
بدأت تتمتم بعض الكلمات ولم يفصلها إلا بحركة أجفلتها عندما وجدت شفتيها محتجزة بين خاصتيه في قبلة ناعمة. قبلة شغوفة. عاشقة لروحيهما. رفعت ذراعيه تحاوط عنقه. ابتعد عنها طلباً للهواء. ألقت بثقلها على جسده عندما فقدت القدرة على الوقوف فكان أكثر من مرحب يضمها لصدره كما يضمها لروحه قائلاً:
- أنا عندي اليوم دا يوم ميلادي ياليلي. يوم سعادتي على الأرض.
رفعت كفيها تلمس وجنتيه وتنظر لعيناه:
- حتى لو مقربناش من بعض فيه.
دفن وجهه بحنايا عنقها:
- مين قالك السعادة بتكون في الأجساد. السعادة بتكون بتقارب الأرواح. السعادة بقرب حبيبك منك بأي شكل حتى لو مجرد نظرته اللي تدل على حبه.
تمسحت بصدره من كلماته الشافية لروحها فهمست باسمه:
- راكان أنا بحبك أوي.
رفعها من خصرها متجهًة للمائدة التي أعدها، وبها جميع الأطعمة التي تحبها:
- راكان مش بيحبك ياليلي. راكان عايش عشان أنت موجودة بحياته.
ابتسامة رضا فقط أشعرتها بكينوناتها وانتمائها له.
نظرت للمائدة مشدوهة ثم تركت ذراعه تدور حولها قائلة بإبتسامة:
- إيه دا كله. أوعى تقولي إنك إنت اللي طبخت.
جذبها بقوة حتى ارتطمت بصدره العريض ينظر لمقلتيها التي تشبه ظلام الليل قائلاً:
- يعني عشان عارفة ماليش في المطبخ بتتريقي.
رفعت أناملها الرقيقة وسط خصلاته مردفة:
- ربنا يخليك ليا.
قالتها وفجأة وجدت نفسها بالهواء عندما رفعها بين ذراعيه قائلاً:
- حاولت أصبر لحد ما ناكل. بس حضرتك نو إحساس.
قهقهت وهي تحرك ساقيها بالهواء.
- وحياتي يارا، كان عايز أكل الأكل قبل ما يبرد، يرضيك مراتك حبيبتك تنام جعانة؟ ماهو أنا لو طلعت فوق، وحياتك، ماهنزل تاني.
توقف بعد عدة خطوات وأنزلها بهدوء متسائلاً.
- جعانة؟ دنت تحاوط خصره.
- ابنك ولا بنتك معرفش، جعانة ولازم تاكل دلوقتي. سحبها متجهًا سريعًا للمائدة.
جلس وأجلسها بجواره، يحاوطها بذراع ويطعمها بذراعه الآخر.
كانت تراقبه بنظراتها الحالمة فأردفت.
- أنت مبتحبش الجمبري، ولا أي نوع سمك، جبته ليه؟
وضع بعض فصوص الجمبري بفمها قائلاً.
- لازم أحبه، بدل بتحبيه، مفيش حاجة بتحبيها محبهاش.
ابتسمت برضا وتوقفت تجلس على ساقيه واستدارت تطعمه كما يفعل معها.
لم يشعرا بالوقت وهما يجلسان يتحاوران في مواضيع عدة، حتى انتهيا متجهة للمرحاض عندما شعرت بالغثيان يجتاح جسدها.
تحرك خلفها سريعا عندما وجدها تتحرك.
- ليلى رايحة فين؟
رسمت ابتسامة قائلة.
- هروح أغسل إيدي وراجعة.
قالتها وتحركت سريعا. قامت بإخراج ما في معدتها التي آلمتها بشدة. هي لم تريد حزنه ولم ترفض الطعام رغم نفورها من رائحته. شعرت بالوهن الشديد فجلست بأرضية المرحاض حتى تستعيد نشاطها. وتحجرت عبراتها عندما شعرت بانتزاع ليلته التي حاول أن يخرجها من حزنها بسبب نوح. شعرت بوجوده خلفها فحاولت النهوض سريعًا حتى لا يشعر بآلامها. ولكنه انحنى يحملها متجهًا لحوض الغسيل وقام يغسل وجهها وعنقها بالكامل. أغمضت عيناها تضع رأسها بعنقه مردفة بصوتها الباكي.
- آسفة.
نزعت الليلة. حملها ويضمها لصدره بقوة كأنها أغلى ما يملك.
- فداكي مليون ليلة ياروح راكان.
صعد لغرفتهما ووضعها بهدوء على الفراش وقام بخلع حذائها ودثرها.
- هنزل أشوف حد من الرجالة اللي تحت ياخد الأكل علشان يتعشوا. أنا دفيت الأوضة كويس، مش هتتبردي.
أمسكت كفيه وهمست.
- متتأخرش.
أمال يطبع قبلة على جبينها مردفاً.
- مقدرش أتأخر.
قالها وتحرك للخارج. شهقة خرجت من فمها تضع كفيها على فمها.
- مكنش المفروض أتعب. أعمل إيه دلوقتي؟
نزلت متجه تبحث عن هاتفها كان جسدها يأن ألمًا حتى شعرت بارتجاف ساقيها بسبب التقيؤ فرجعت تجلس مرة أخرى. كانت تريد أن تعمل شيئًا يسعده.
بالأسفل جلس يشعل تبغه وينفثه بحزن كلما تذكر حالتها وسقوطها على الأرض بتلك الطريقة يجعل قلبه يتألم. حبها يجري بعروقه مجرى الدم، بل عشقه عنيف بدرجة تخطت انفجار فوهة البركان. انتهى وصعد للأعلى وهو يحمل بعض المشروبات الدافئة.
دلف بهدوء وجدها تجلس بإنتظاره. تعلقت نظراتهما بإبتسامة متسائلاً.
- لسة صاحية؟ فكرتك نمتي.
هزت رأسها.
- معرفش أنام بعيدة عن حضنك.
وضع الذي بيديه وجلس بجوارها يضمها لأحضانه.
- لسة تعبانة؟
حاوطت خصره تهز رأسها بالنفي.
- بتعب لما بتبعد عني.
رفعت رأسها تنظر لعيناه.
- زعلان مني مش كدا؟
لم تجد سوى عزفه الأثير على خاصتها يخبرها بأنها تتغلغل بداخل روحه. فليس ليلة هي التي تحكي عشقه لها. أنهى قبلته مسترسل بعينان تهيم عشقًا بجمال عيناها، يلامس وجنتيها.
- هزعل منك ليه؟ أنا زعلان على تعبك ده. وأنا واقف عاجز ومش عارف أعملك حاجة.
وضعت كفيه على أحشائها تحركها وابتسامة عذبة تشق ثغرها تنظر لعيناه.
- ده أجمل تعب. لو التعب ده هيتعبني أنا عايزة أتعب على طول. كفاية بس يكون روح حبيبي جوا.
رعش قلبه من كلماتها وشعر بنفسه كطالب مجتهد فاز بالتخرج، فلقد كرمته حبيبته بتكريم مغلف بدقات قلبها. دنى منها مسلط نظراته على شفتيها التي تورمت ولف خصرها بذراعيه يقربها منه وصدره يعلو ويهبط كلما تذكر كلماتها، واضعًا رأسه بعنقها وأنفاسه تتثاقل شيئًا فشيئًا. خرج من أحضانها ونظراته التي تحاكي وتطلب الكثير والكثير. حتى شعرت به فدنت هامسة.
- كل سنة وأنت في حضني يا حبيب عمري.
ما كان عليه سوى أن يعقد علاقة منفردة ليأخذها لعالمه الساحر الخاص بهما وحدهما، خاطفًا أنفاسها وروحها لجنة عشقهما.
بالمشفى عند يونس، وصلت سيلين. قامت بالطرق على باب الغرفة. دلفت للداخل عندما لم يجيبها أحد. وجدته يخرج من المرحاض عاري الصدر ولم يرتدي سوى بنطال واسع.
صرخت به مستديرة تضع كفيها على وجهها.
- إيه قلة الأدب دي؟ أنت متعرفش إني جاية؟
جلس كما هو ووضع قدميه فوق الطاولة قائلاً.
- إيه حران؟ هو أنت كمان مش حرانة؟
استدارت كالقطة الشرسة ودفعته بصدره بقوة تجز على أسنانها.
- أنت واحد حقير يايونس ومتفكرش إني هصدق لعبتك الحقيرة أنت وبنت عمك المحترمة. أنا مسحتك من حياتي. تتجوز ولا متتجوزش ميهمنيش.
نهض يجذها بقوة حتى أصبحت بأحضانه بالكامل وهمس بجوار أذنها.
- أنت ماضي ومسحته ياسيلي هانم. مفيش مسرحية ولا حاجة. أنا وسارة هنتجوز قريب. فانت بح كان فيه منه وخلص. مبقتيش تعنيلي.
ركلته بقدمها واستدارت تلكمه صارخة به.
- ميهمنيش حتى لو فرحك بكرة.
ضربت على صدرها بقوة وانسدلت عبراتها.
- أنا بكرهك وبكره قلبي اللي كل مرة بدوس عليه وبيسامحك.
اقتربت منه ونظرت داخل مقلتيه.
- أقسم بالله يايونس لأمحيك من حياتي. ومن اللحظة دي أنت ماضي ومسحته بأقذر مساحة.
جن جنانه فالآن الألم بداخله متحدًا مع غضبه من كلماتها التي أشعلت فتيل نيرانه. حتى شعر بغيرته المجنونة ولم يرى سوى نظرات ذاك المدعو يعقوب إليها. حتى دفعها بقوة على الفراش يحتويها بجسده ولم يشعر بحاله وهو ينقض عليها كالحيوان المفترس يقتنص كل ما يقابله.
بفيلا النمساوي.
كانت تتسطح على بطنها تشاهد بعض الماركات العالمية قاطعها رنين هاتفها.
- حضرة المستشار مع الباشمهندسة في بيت المزرعة ياهانم.
هبت تجلس على الفراش.
- إمتى الكلام ده؟
أجابها الرجل.
- من حوالي ساعتين وأكتر. من الساعة تسعة طلعوا من المستشفى على بيت المزرعة.
- لسة جاي تقولي يامتخلف؟ فيه حد تاني معاهم؟
تحرك الرجل عندما شعر بحركة خلفه ولم يكمل حديثه عندما اختطف هاتفه من يده.
- امشي قدامي ياحيوان.
قالها بهاء وهو يسحبه متجها للداخل.
عند عايدة اتجهت كالمجنونة عندما فقدت السيطرة بعدما وصل جلال واعترف أمامها.
- أيوه ابني. من حقي يكون عندي ولد. نسيتي إنك رفضتي تخلفي بعد البنات؟ ونسيت إنك زوجة وأهم حاجة تخططي إزاي تتخلصي من زينب؟ نسيتي ياهانم إن جوزك له حق عليكي.
اتجهت كالمجنون وهي تمسك سلاحه إلى زينب. توقفت أمام زينب وأسعد تصرخ فيهما.
- فين الولد اللي جه هنا النهاردة؟
عند راكان وليلى.
جلس بجوارها يراقب كل حركة حتى أنفاسها. يمسد على خصلاتها ويزيحها بعيدًا عن عينيها.
فرد جسده ومازالت نظراته تعانقها هامسا بالقرب منها.
- معقول الحب يغير الإنسان كدا؟
ابتسمت من بين نومها هامسة له.
- بحبك أوي.
جذبها لصدره واضعا رأسها فوقه ومازالت أنامله تتخلل خصلاتها مجيبًا عليها.
- وأنا بعشقك أوي أوي.
بالمشفى عند نوح.
كان الجميع نيام. دلفت إحدى الممرضات متجهة إلى محلوله وغرزت تلك الإبرة بمحلوله واتجهت للخارج سريعا، إلا أنها اصطدمت به. نظر إليها بنظرات جحيمية.
- أنت مين وبتعملي إيه هنا؟
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سيلا وليد
بمنزل المزرعة قبل قليل، استيقظت على ألم تشعر به أسفل بطنها، تأوهت بخفوت وهي تضع كفها على أحشائها، وجدته يحاوط بطنها بكفه، فتح عينيه بتثاقل، وجدت نفسها محاطة بحصن أمانه بذراع يحضتنها به، والآخر يحضن أحشائها، فتحت أهدابها وأغلقتها لعدة مرات، فاعتدلت بهدوء بعدما وجدت نفسها مكبلة بدفء انفاسه.
تراجعت بجسدها بهدوء حتى أصبحت بمقابلة أنفاسه، لمعت عيناها ببريق العشق، ودنت تضع كفيها بخصلاته تتخللها بأناملها الرقيقة.
اقتربت حتى تشربت أنفاسه وهي مغمضة العينين، ابتسامة غزت جسدها وسعادة شملت كيانها من مجرد دفء أحضانه.
مسدت على وجنتيه تتذكر منذ ساعات كيف كان الحمل الوديع الذي يغفو بأحضانها كجندي محارب في العشق، تسللت لأحضانه تضمه بقوة تتمسح بأحضانه.
"أنا كدا مبقتش عايزة حاجة تانية خلاص، كفاية وجودك وحبك ليا."
رفعت رأسها تنظر إلى هدوئه بنومه ودنت تلمس خاصته بثغرها، مما جعلته يشعر بما تفعله، ورغم إيقاظه إلا أنه تركها حتى يتمتع بذاك القرب المغذي لروحه، جاهد بسيطرته على اعتصارها بأحضانه.
رفعت كفيها تضعه موضع نبضه، توسعت عيناها عندما شعرت بإيقاظه بسبب ارتفاع دقات قلبه، فتجمدت حركاتها وحاولت الابتعاد عنه، ولكن كأنه قرأ حبل أفكارها فرفع ذراعه يجذبها لصدره ثم حاوطها بجسده حتى اختفت بداخل أحضانه.
"كنتِ هربانة رايحة فين؟"
ارتبكت بإيجابه، خاصة عندما بعثر كيانها ويده تعبث بجسدها، وضعت رأسها بصدره وتحدثت بتقطع.
"راكان عايزة أقوم."
أخرجها يتعمق بسواد عيناها.
"وأهون عليكي تبعدي عني؟"
استمعت لصوت الرعد بالخارج وصوت مياه المطر الشديد.
لمست وجنتيه وتحدثت طالبة.
"حبيبي ادعي الجو بيمطر، والدعوات بتستجاب دلوقتي."
دنى يداعب وجهها بأنفه مرة وبشفتيه مرة.
"أنا معنديش غير دعوة واحدة وبتمنى ربنا يتقبلها مني."
أطبقت على جفنيها مستمتعة بهمسه المذاب لقلبها، تنتظر حديثه.
"ربنا ما يحرمني منك أبداً، وتنوري حياتي على طول."
لامست كلماته حواف قلبها، فرفعت نفسها تطبع قبلة بجانب شفتيه.
"ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبداً أبداً."
داعب وجهها بشفتيه هامساً.
"أبداً، أبداً."
ارتفعت دقاتها كالطبول وعيناها تعانق عيناه، وتهز رأسها مصدرة صوت من شفتيها.
"أبداً، أبداً."
احتضنها بقوة يدفن وجهه بحناياها، ويديه تفعل بها ما لا يتحمله قلبها الضعيف بحضرته.
"الجو بيمطر شديد أوي برة."
قالتها بهمس، شق ثغره ابتسامة متسائلا بمكر تجلى بعيناه.
"إيه بردانة؟ أجيب لك حاجة تلبسيها؟"
ابتعدت بنظرها حينما أحست بالحرارة تزحف لوجنتيها الملتهبتين خجلاً من مغزى كلماته، رفع ذقنها ونظر إليها بأعين تفيض ولها.
"لو بردانة أدفيِك برموش عيني."
ضغطت على خصره واغمضت عيناها تستمتع بدفء كلماته، لامس وجنتيها بإبهامه ودنى من أذنها يهمس ببحته الرجولية.
"مولاتي مبتردش عليا ليه؟"
فتحت عيناها سريعاً وتمتمت بتقطع.
"أر..د، أق.ول إيه؟!"
تعلق بعيناها قائلاً.
"بتحبيني؟"
قالها وهو يفترس ملامح وجهها بشمسه، حتى رسمها قلبه فأصبحت لوحة مرسومة بأبدع ريشة لفنانيها.
تراجعت برأسها تحاوط عيناه.
"حقيقي بتسأل بحبك ولا لأ؟!"
ابتسمت عندما وجدته صامتاً، وإن دل صمته فيدل على انتظار إجابتها بشغف، وكأنه لم يسمعها من قبل، فلما لا ونطق شفتيها بها لقلبه عزف موسيقي.
لم تحاوره بل دنت تعزف له إجابتها بقبلة حنونة، هامسة له ولم يفرقها عنه سوى أنفاسهما، فحركت شفتيها بقرب شفتيه مغردة كالكروان بحروف متمهلة متقطعة.
"بحبك معذبي."
تلك النبرة الشجية التي أرسلت ذبذبات جعلته عاشق بلا حدود، عاشق مجنون حد الثمالة، جعلت الزمن يتوقف حوله، فنطقها له بتلك الطريقة وقربها الذي أصبح قرب الدم بالوريد، لم تكف عن ذاك بل همست باسمه لتروي قلبه الحالك وحياته الضائعة.
"راكاني ماهو إلا عشق الليالي."
تسارعت أنفاسه عندما شعر بتوقف الدم بشريانه، وآه لو تعلم ما يتحمله الآن حتى لا يتحول لحيوان بري شرس ينفض عليها ولا يتركها سوى مضغة بفمه.
طبعت قبلة أخرى على وجنتيه قائلة.
"يدوم حبك ليا ويدوم حبي ليك، معنديش غير دا لأقوله."
آهة طويلة كانت أبلغ رد على كلماتها التي لامست حواف قلبه، فلم يتبقى من صبره سوى اسمه، فتعانقت روحه بروحها بنغم موسيقى يغرس بأعماقهما نبض الحب، ونيران العشق تتأجج بداخلهما حتى أصبحت أنفاسهما العاشقة دفء البرد الذي يحاوطهما، مرت دقائق والعشق متواصل دون فصال حتى أنْهكت الأجساد فلم يتبقى سوى دقات القلوب التي تعزف بلحنها الأثير ملحمة العشق الطاغية لتصل لبر الأمان.
فردت جسدها تنظم دقات قلبها التي كادت تخرج من جسدها، وصدرها يعلو ويهبط بقوة دون سيطرتها عليه، أغمضت جفنيها بابتسامة عذبة حينما وجدته يطبع قلبه مطولاً على جبينها متحدثاً بنبرته الرجولية الهادئة.
"آسف، مكنش قصدي أتعبك كدا، عارف إنك تعبانة، ودستي على نفسك علشان مزعلش."
استدارت تنظر إليه تضع كفيها على وجنتيه مردفة بصوتها الهامس المعذب لروحه.
"ليه بتقول كدا؟!"
تدفن رأسها بأحضانه تغمض عيناها مستنشقة رائحته التي أصبحت جرعتها اليومية.
"لو أطول ابقى طول الوقت في حضنك هعملها، راكان إنت متعرفش إنت بالنسبالي إيه."
خرجت من أحضانه وتعمقت ببريق عيناه التي تحتضنها قائلة.
"إنت روحي، هو فيه جسم يفضل من غير روح؟"
ظل يطالعها للحظات دون حديث، نظرات فقط تحتوي كل انش بوجهها حتى أخرج تنهيدة طويلة ودنى مغمض العينين.
"ناوية على إيه ياليلى؟ بقيتي خطر أوي عليا، دا لو سحرتيلي مش هتعملي فيا كدا."
رفع كفيه يمسح بهما رأسه ممرراً اصابعه بين خصلاته، ثم سحب نفساً عميقاً داخل رئتيه واتجه يفرد جسده على الفراش يجذبها لأحضانه، ثم حاوطها بذراعيه.
"أول مرة أخاف من الجاي."
اعتدلت تضع ذقنها على صدره متسائلة.
"خايف مني ياراكان؟ خايف أخذلك؟"
وضع أنامله عند شفتيها يتلمسها.
"الشفايف الحلوة دي بقت بتعك ولا إيه؟"
اعتدل يتكأ على ذراعه ينظر إليها جاذباً رأسها يضع جبينه فوق خاصتيها قائلاً.
"خايف عليكي، ممكن يؤذوني فيكي، ليلى لو حصلك حاجة هموت."
دقات عنيفة داخل قفصه الصدري عندما تخيل أذيتها حتى لم يشعر بنفسه وهو يجذبها بقوة يحتضن ثغرها بقبلات قوية كادت أن تمزق شفتيها، ساحباً أنفاسها بالكامل.
رفعت كفيها على وجهه عندما شعرت بانسحاب أنفاسها مطبقة جفنيها بقوة، إلى أن تركها والألم يتسلل ليسكن روحه، يضمها بقوة يمسد على ظهرها.
"آسف، آسف."
قالها راكان بحزن.
شهقة عالية خرجت من فمها تحاول تنظيم أنفاسها.
نظر عليها بألم مغلق جفونه بحزن.
"شوفتي خوفي عمل إيه؟ دا مجرد خوف بس، لازم أزود عليكي الحراسة، ولازم تاخدي بالك وتحاولي ماتخرجيش غير معايا."
تعثرت الكلمات عند شفتيها حينما وجدت الزعر على ملامحه، فخففت من حدة زعره واقتربت تحتضن وجهه.
"كان فيه أم بتخاف على ابنها أوي، المهم الأم سمعت في الأخبار إن الجو فيه عواصف وكدا يعني وابنها عنده سفر، ف قالت أنا مش هخليه يسافر، ف نامت وحلمت إن ابنها عمل حادثة ومات، صحيت تستعيذ من الشيطان وقامت جهزت الفطار وهي بتسمع الأخبار إن الطيارة اللي ابنها كان حاجز فيها وقعت في البحر."
جلست تحمد ربها أنها ما صحتوش، بعد فترة خلصت تجهيز الأكل وراحت تصحيه علشان يفطر وهي مكررة تقوله إنه مش هيسافر ويبعد عنها.
دخلت وفضلت تصحي فيه الولد مبيردش، حطت إيدها على وشه لقيته ميت، المهم ياحبيبي عايزة أقولك مش أمانك وحرصك اللي ربنا كاتبه هنشوفه.
خللت اناملها بأنامله وضعت رأسها بصدره قائلة.
"كل ما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا ياحبيبي، يعني لو ربنا رايد يحصلي حاجة وأنا في حضنك هيحصل."
أطبق على جفنيه ومازالت ذراعيه تحاوط جسدها، كيف يطمئن روحه؟ لم يتخيل حياته بدونه سوى حياة الأموات، ألا يكفي صموده وإخماد ثورة عشقه لها ببعض الأحيان، ناهيك عن مشاعره التي تفتك بثباته أمام الجميع وهو يتلظى بنيران عشقها ويريد ضمها أمام الجميع لينسبها لنفسه، فهي عشقه الضاري الذي انتظره منذ زمن.
"راكان."
همست بها ليلى.
فتح جفونه وأجابها بهمسه.
"حياته وروحه."
خرجت من أحضانه.
"هنرجع إمتى على القصر؟"
داعب وجنتيها.
"زهقتي مني ولا إيه؟!"
رعش قلبها من كلمته، ورغم ذلك ابتسمت وحاولت استجماع كيانها الذي بعثره ذاك المحتال كما أطلقت عليه.
"يعني مش أوي، بس أمير وحشني."
رفع حاجبه بسخرية متمتم.
"لا والله."
دنى يداعب وجهها.
"ماشي هوديكي لأمير اللي وحشك دا، وأنا أقعد هنا مع ذكرياتنا الحلوة هنا."
رفرفت بأهدابها مستنكرة حديثه.
"اكيد بتهزر، يعني إيه تقعد هنا؟"
أغمض عيناه وأجابها.
"ماهو إنتِ ال عايزة تروحي القصر، وأنا عايز أفضل هنا، بتقولي زهقت مني."
لفت خصره بذراعها ووضعت رأسها على صدره.
"مقدرش ابعد عنك، هو فيه حد يزهق من روحه."
على رنين هاتفه، جذبه ينظر به وجده يونس، اعتدل سريعاً.
"فيه إيه؟"
على الطرف الآخر.
"تعالى ضروري للمستشفى."
اعتدل وملامحه تحولت للذعر فتسائل بتقطع.
"نوح حصله حاجة؟"
اعتدلت ليلى تستمع باهتمام ودقات قلبها تتقاذف بعنف عندما شعرت بالخوف، ولكنها هدأت عندما استمعت إلى راكان.
"لا خليها محبوسة عندك، وإياك حد يقرب منها حتى لو دكتور، وركز في الأوضة مايكونش فيها حاجة تموت نفسها، وأنا ساعة وهكون عندك."
أمسكت ذراعيه بعدما وضع هاتفه يرجع خصلاته محاولا السيطرة على ثباته الذي تذبذب بسبب مكالمة يونس.
"راكان إيه اللي حصل؟!"
بلل حلقه وابتلع ريقه عندما عجز عن كيف إخبارها بما حدث. اتجه إليها وحاول أن يبعدها عما صار، فدنا يجذب رأسها ملتقطًا ثغرها بقبلة شغوفة جعلتها تضع كفيها بخصلاته متناسية ما صار. ظل يقتنص من عشقها المسكر لبعض الدقائق. ثم اعتدل متجها سريعًا للمرحاض قائلاً:
- معرفش الواحد ملوش مزاج لحاجة ليه. تفتكري دا عيب فيكي ولا فيا يالولة.
دفعت الوسادة به حتى اصطدمت بظهره وهو يقهقه. وصل المرحاض وأغلق باب المرحاض وتغيرت ملامحه كاملاً، حتى من يراه يقسم أنه ليس ذاك الشخص الذي كان ينعم منذ لحظات بأحضان حبيبته.
كور قبضته يضغط بأنيابه يكتم صرخاته داخله حتى لا يرتكب خطأ أمامها ويخيفها. دقائق اغتسل وخرج، وجدها ارتدت قميصه وتجلس على حافة الفراش تعبث بهاتفه.
اقترب منها وهو يتمتم بصوت خافت:
- لا كدا كتير على قلبي على فكرة. يعني عايزة أقفل علينا هنا وأمنع أي تواصل بالعالم الخارجي.
رفعت نظرها مستفهمة عن حديثه.
غمز بطرف عيناه عليها وأشار بيديه:
- عجبك شكلك دا. ينفع تلبسي قميصي كدا.
نهضت وتوجهت إليه حافية الأقدام، عارية الساقين وطوقت عنقه وابتسامة شقت ثغرها:
- هو ينفع!
أطلق ضحكة رجولية جذابة ورفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلة وجهه. أزال خصلاتها المتمردة على وجهها وابتسامة حالمة بات يتطلع بانبهار لجمالها الآخاذ بسحره. ولمس ثغرها قائلاً بنبرة رجل عاشق:
- جننتيني يامولاتي. وعلى استعداد حرق العالم كله عشان أخدك زي ما انتِ كدا في حضني.
استرسل بعينان تهيم عشقًا بجمال ليلها وهدوء صفاء وجهها هائمًا بتفاصيلها:
- ليلى بحبك أوي مهما أوصفلك إحساسي إيه وأنتِ هنا.
أشار على نبض قلبه وأكمل حديثه:
- حبي ليكي يوقف دوران الأرض، حبيبي عايزك تثقي في دا. مهما عملت ومهما قولت. اعرفي إنك المحتل لكل راكان البنداري، احتلال القلب للجسم. يعني لو معادلة.
دقات قلب راكان بتساوي حياته ليلى راكان البنداري.
"قضي الأمر الذي فيه تستفيان".
قالها وهو يتوجه بها للفراش يدثرها ثم أمال يطبع قبلة مطولة على جبينها:
- عندي مشوار ساعتين وراجعلك. وزي ماقولتلك القصر مش هنرجعه لما أحس إني عايز أرجع هناك. البيت دا أكتر مكان بحبه. كفاية فيه أجمل لحظاتنا.
أمسكت كفيه الذي يضم بها وجنتيها وطبعت قبلة عليه:
- أي مكان المهم تكون معايا وبس. حتى لو آخر العالم.
وضع جبينه فوق خاصتها يحبس أنفاسه قائلاً:
- ليلى بحبك.
ابتسمت مردفة:
وليلى راكان البنداري بتعشق راكان البنداري.
قشعريرة اختلجت كيانه يتملكه عاطفة قوية وإحساس صادق من كلماتها التي غزت روحه. انفرجت شفتيه وانعقد لسانه ولم يستمع سوى لأنفاسها العطرة ورؤيتها لخفقان صدرها بالعلو والهبوط.
- لازم أمشي دلوقتي. كدا الموضوع زاد عن حده. وهكون قتيل الحب دلوقتي لو حد فكر بس مجرد تفكير يكلمني.
اغمضت عيناها وإرهاق جسدها يسحبها لنوم قائلة بصوت متقطع:
- لا خلاص هنام أهو. وأنت متتأخرش عليا.
طبع قبلة بجانب شفتيها وتحرك سريعًا لغرفة الملابس. أما هي ابتسامتها شقت عنان السماء وهي تهمس لنفسها:
- أحمدك وأشكر فضلك يارب. يارب متحرمنيش منه.
بالمشفى قبل ساعتين عند يونس وسيلين.
ثارت جيوش غيرته العمياء وهو يقتنص من شفتيها ما يخمد ثورته الطاغية. ركلته بقوة حتى تاوه متألماً فابتعد، ودموعها تسقط بقوة على وجنتيها صارخة به:
- طول عمرك حيوان. غريزة بس اللي بتحركك.
أمسكت كنزتها وشقتها لنصفين واشارت على صدرها:
- تعالي ياحيوان. ماهو طول عمرك حيوان يايونس. اللي يضحك على بنت ويوهمها بالحب ويتجوزها بطريقة مقرفة لا تمت للجواز بشئ هستنى منه إيه.
لكمته بصدره بقوة وتصيح بغضب:
- حيوااان. اللي يخلي بنت تنزل جنينها يكون حيوااان وحقييير. انت حقييير وأنا بكرهك. إزاي انت دكتور. المفروض يعدومك ياحقير.
قالتها بقلب أنثى زهقت روحها وتعثرت نبضات قلبها من حبيب ظنته يومًا لها الطبيب المداوي لجروحها. ولكن كيف للقدر أن يجيبها بعدما صارت أشلاء قلبها محطمة.
مسحت دموعها بقوة آلمت خديها الرقيق وهي تصيح وتثور لكرامتها:
- بتحبني.
ضربت كفيها ببعضهما وهي تحدثت من بين بكائها:
- اديني عقل يقولي واحد بيحب واحدة من عشر سنين ويروح يخونها ويتجوز وكمان مراته تحمل ولا وراجع يقولي بحبك. دنت تنظر لداخل مقلتيه ونيران قلبها قبل عينيها تريد أن تحرقه قائلة:
- بتحبني صح. وأنا الظالمة الحقيرة اللي روحت اتخطبت لواحد تاني. وجاية أقرفك وأقولك انتِ ملكي غصب عنك.
لكزته بكتفه بقوة حتى تراجع خطوة للخلف يقف صامتا مذهولاً من قوتها شراستها وأكملت جرائمه الشنعاء:
- تعالي أوقف يامحترم. وخليك راجل مرة واحدة وقولي إيه الدليل إنك بتحبني. تعالى قول.
دنت حتى اختلطت أنفاسهما ثم طوقت عنقه وهمست له قائلاً بنبرة يشوبها الأشمئزاز:
- شوية البوس. وشوية الكلام الحلو.
رفعت كفيها تضعها بخصلاته وتوزع نظراتها على ملامحه التي شحبت بالكامل:
- صح ياحبيبي.
أصدرت صوت بشفتيها يدل على رفضها لحالته:
- تؤ. لا مالك ياحبيبي اتصدمت من كلامي.
جذبت خصلاته ورفعت نفسها تهمس بجوار أذنه:
- دي حقيقتك القذرة للأسف يايونس. وأنا الهبلة اللي مكنتش شايفاها. أو تقدر تقول حبك عمّاني. ماهو مراية الحب عمية.
تراجعت عنه لبعض الخطوات واشارت على نفسها:
- ودلوقتي أنا قدامك أهو أعمل اللي حقيقتك القذرة بتعمله مع غيري. وعادي آخر الليلة هنضرب ورقة عرفي.
اقتربت مرة أخرى وتعمقت بداخل عينيه:
- ماتتكسفش ياحبيبي علشان أنا بنت عمك يعني. اعتبرني بنت من الشارع زي ماكنت مصدق في الأول.
دارت حوله وتحركت بشموخ تمنحه نظرات احتقارية:
- علشان لما أولع في نفسي بعد ماتلمسني يبقى أكون مرتاحة. ماهو مش معقولة هسيب جسمي بعد ماايدك القذرة لمسته.
وقربت منه.
خمدت ثورتها وجلست تضع ساقاً فوق الأخرى تنظر حولها بالغرفة، تسأله بجرأة:
- إيه مفيش كاس هنا ولا إيه. شكلك مش مكنتش عامل حساب لأحتفالنا بس ملحوقة. ممكن سيجارتين عادي هي هتكون صعبة في الأول بس هتعود بعد كدا.
وقف مذهولاً وكلماتها كأشواك تخربش صدره بطريقة مؤلمة ومؤذية لروحه. أطبق جفنيه، وابتلع مرارة كلماتها مقترباً من خزانة نوح دون حديث يجلب لها جاكيته، ثم استدار إليها يجذبها من كفيها ويضعه على جسدها، يغلق زره، ثم اتجه لمرحاضه لدقائق معدودة. وهي واقفة متصنمة، كانت تظن أنه سيثور عليها ولكن صمته أزهق روحها أكثر. خرج يضع قميصه ببنطاله وتحرك يجذبها من كفيها، بعدما جذب مفاتيحه وهبط للأسفل متوجهاً لجراج سيارته. فتح باب السيارة واركبها بهدوء ثم اتجه لمكان القيادة متحركاً بسرعة جنونية. كانت تراقب حركاته الصامتة، وسرعته الجنونية. هدأت قليلاً عندما توقف بالسيارة ظناً منه أنه سيحادثها ولكنها تفاجأت به يقول:
- انزلي وصلنا.
نظرت حولها وجدت نفسها أمام القصر. فتحت باب السيارة ونزلت بهدوء متحركة للداخل. ظل يراقبها حتى فتح باب القصر ودلفت وأغلق بعد دلوفها.
استدار بالسيارة يعود سريعا كما أتى. سحب نفساً قوياً حتى لا يدخل بنوبة بكاء. ورغم ذلك شعر بإنسحاب أنفاسه وكأن الهواء سحب من حوله. ركن سيارته يدلك صدره لدقائق، ويسحب أنفاساً ولكن كيف وكأن الهواء يحرق صدره من فرط وجعه. اليوم عرت حقيقته النكراء أمام نفسه. أرجع رأسها على المقعد وهنا انفجرت برك دموعه كلما تذكر ما فعله بها. تحولها من طفلة وديعة إلى امرأة متجبرة انجرحت بقبلة العاشق. أطبق على جفنيه الذي شعر بتألم عيناه بل قلبه ونبرة صوتها المتألم بكلماتها. ورغم كلماتها النارية التي سقطت على قلبه مزقته إلا أنه حزن لكسرها. تألم لألمها. شعر بإنكسار عموده الفقري عندما شقت ثيابها بتلك الطريقة. أهو بالفعل مثلما وصفته. ماذا كان عليه فعله وهي ترفض حبه وعدم نزولها. ماذا على رجل يفعل لاهدار رجولته من فتاة لم تبلغ من العمر عشرين عاما وهي تهينه بتلك الطريقة.
..فلاش باك
منذ خمس سنوات بأحدى زياراته لها بألمانيا مع راكان. توقف يونس أمامها:
- بت ياسيلي لازم تنزلي مصر. كفاية قعدتك هنا. عايزين نجوزك ونطمن عليكي.
- أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي خالص ياآبيه. ولا عايزة اتجوز.
تهكم راكان وهو يرتشف من قهوته:
- بطل غباء يايونس. مين قالك أنا هأوافق أجوزها دلوقتي حبيبة أخوها لسة صغيرة. مش كدا حبيبتي.
اقتربت تطوق راكان بجلوسه من الخلف:
- أنا بموووت في ابيه راكان علشان بيحب سيلين ومستحيل يزعلها.
قاطعهما رنين هاتف راكان فتحرك يجب عليه. جذبها يونس مبتعداً إلى غرفتها يدفعها بقوة:
- هتستهبلي يابت. يعني إيه مش هتنزلي مصر. سيلين أنا كملت تلاتين سنة ولازم اتجوز وأعمل عيلة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها واجابتها:
- وأنا مالي. ماتتجوز. هو أنا اللي هختار العروسة ولا إيه.
عقد ذراعها خلف ظهرها يهمس بفحيح:
- عارفة لو متلمتيش ونزلتي معانا وحياة ربنا لأتجوز ولا هعبرك.
قطبت حاجبيها تحاول الخلاص من قبضته:
- إيدي يايونس. أنا مالي ماتروح تتجوز.
دفعها بقوة حتى سقطت على الفراش وأشار بسبابته:
- دا آخر كلام.
تراجعت على الفراش قائلة:
- معنديش غيره. انت حر بحياتك. هو أنا مالي يابن عمي.
هز رأسه عدة مرات وأجابها:
- تمام ياسيلين. افتكري إن جيتلك.
توقفت مستغربة حديثه فتسائلت:
- ليه بتقولي كدا يايونس. عايزني أحضر فرحك يعني. قصدك لازم أكون موجودة.
تسمر بوقفته ثم استدار ينظر إليها بصدمة متسائلاً:
- حقيقي متعرفيش ياسيلين. متعرفيش انتِ بالنسبالي إيه.
رجفة قوية سارت بجسدها، تنتظر حديثه بشق الأنفس، قائلة:
- انت أخويا زيك زي راكان وابن عمي، مش كدا ولا إيه؟
هز رأسه بالرفض، وفتح فمه للحديث، قاطعهما دخول راكان، يوزع نظراته بينهما.
- بتعملوا إيه هنا؟ يالا يابني هنتأخر على الطيارة.
- وانت يا حبيبة أخوكي، خلي بالك من نفسك، وبلاش تطلعي من غير بودي جارد علشان مزعلش منك.
اقترب يطبع قبلة على جبينها، وتحرك ينظر ليونس الصامت.
- يالا يابني.
اتجه بنظره إلى سيلين، يقترب منها، ثم احتضن وجهها، ينظر لموج عينيها، ونزل يطبع قبلة على جبينها، هامساً لها:
- هستناكي آخر الأسبوع، لو جيتي هعرف أنا أهمك ولا لا.
- يونس! صاح به راكان الذي توجه للسيارة.
تنهد، وهو يسحب نفساً، يتذكر تلك الأيام. مرت شهور وشهور ولم تعد. ومكالمته التي رفضتها.
بعد خمس شهور، تعرف على طالبة بالفرقة السادسة بكلية الطب، كانت تحت تدريبه لفترة سنة كاملة، وهو ينتظر تلك القاسية للقلب، المتجبرة للروح. ولكن كأن القدر له رأي آخر. ظل العلاقة بينه وبين تلك الفتاة سنة، حتى وصلت لسنة الامتياز، وعملت بعيادته، ودلفت لحياته، وأصبحت تشغل ركناً بحياته. ورغم ذلك، قلبه أغلق لتلك المتجبرة.
***
بإحدى الليالي، وصل إليه رسالة يكتب عليها:
- دكتور.. سيلين هانم سهرانه مع شاب بترقص معاه في ديسكو.
ثم أرسل صورتها.
ثارت شيطانه، وهاتفه يصرخ به:
- رجعيها البيت فوراً، حتى لو بالغصب.
واتصل بـ راكان، وعرف أخته المحترمة بتعمل إيه. ظل يثور ويثور كالبركان، الذي أصبح على وشك الانفجار. حتى استمع لرنين هاتفه، يسمعها تصرخ به:
- مش معنى إنك ابن عمي تتحكم فيا، مالكش دعوة بحياتي، ارقص ولا مرقصش.
- بت، احترمي نفسك. أقسم بالله لو ملمتي نفسك، لتلاقيني في أول طيارة عندك، وأجرك من شعرك زي الحيوانة. امشي، روحي مع البودي جارد، وإياكي أسمع نفسك.
استمع لشجار بجوارها.
- اترك حبيبتي أيها المتخلف.
تحركت سيلين ووقفت أمام البودي جارد، مردفة:
- لا تفعل له شيئاً، إنه صديقي وحبيبي.
هنا انهار عالم يونس بالكامل، وشعر بأن الأرض تسحب من تحت قدميه. وشعوره بفقدان وعيه يجتاح جسده بالكامل. جلس على المقعد عندما فقد اتزانه، فتحدث بصوت متقطع إلى الرجل:
- خلي بالك منها، متخليش حد يقرب منها.
قالها وأغلق الاتصال. رجع بظهره إلى المقعد، ينظر بتشتت لمكتبه حوله. حاول أن يهدأ من روعه، ولكن كيف؟ ونيران الغيرة تتشعب بداخله، كنيران تلتهم سنابل القمح. هب إلى الغرفة، يحطم كل ما يقابله كفيه، ويركل كل شيئاً، حتى أصبحت الغرفة أشلاء متناثرة.
استمعت تلك الفتاة التي تجاوره بالمكتب، وتدعى ضحى، فدلفت إليه سريعاً.
جحظت عيناها وهي ترى الغرفة التي تحطمت بالكامل، وكفيه الذي ينزف الدماء بغزارة.
هرولت إليه، تحتضن كفيه، قائلة بنبرة يشوبها الذعر عليه:
- دكتور، ايدك بتنزف.
سحب كفيه سريعاً منها، واتجه للخارج لغرفة استراحته، وألقى بنفسه على الأريكة، يضع كفيها النازفة على وجهه، حتى لا يرى أحد ضعفه. أطبق على جفنيه، وانفاسه تتسارع كالحرب، حتى استمع لطرقات على الباب، صاح غاضباً:
- مش عايز أشوف حد.
دلفت ولم تستمع إلى كلماته، وبيديها علبة الإسعافات، وجثت بجواره.
- لازم أطهر الجروح، حضرتك دكتور وعارف ممكن يحصل إيه.
تركها تنظف جرحه. كانت تراقبه بنظراتها الحالمة، تتمنى قربه. استمعت لهمهمات من شفتيه:
- اطفي النور واطلعي وروحي، وخلي أمين يودي الكشوفات لدكتور تاني.
- حاضر.
قالتها ونهضت متحركة. نهض بعد خروجها، يمسح على وجهه، يحدث حاله:
- أحسن، تستاهل. علشان تحب عيلة. مرمطتك.
خلع معطفه الطبي، يلقيه بعنف، وتسطح مرة أخرى، محاولاً النوم. ولكن كيف النوم؟ وهو يجافيه كلما تذكر صورها وملامسة غيره لها. فتح خزانته، وأخرج مشروباً خالياً من الكحول، ولكن بحالته يحتاج ليمحي ندوبه التي تحولت إلى قيح يغزو جسده.
بعد فترة، دلفت إليه تلك الفتاة المدعوة بضحى.
كان متسطحاً بنومه، ولم يشعر بها. جثت بجواره، تطالعه بهيام، حتى رفعت كفيها على خصلاته، تتخلل اناملها بخصلاته الفحمية.
فتح جفونه عندما شعر بها، فهمس بدون تركيز:
- إنت هنا حبيبتي.
ابتسمت له، وأجابته تهز رأسها:
- هنا ياحبيبي.
اعتدل، يجذبها لأحضانه، يطبق على ثغرها بقبلاته، ولم يشعر بما يفعله، وهو يهمس لها بكلماته العاشقة لها. ولكن فاق بعدما استمع لصوتها، الذي أوضح له أن مشروبه أخرجه عن شعوره.
- أنا ضحى يايونس، مش سيلين.
جلس يمسح على وجهه غاضباً، وتحدث:
- إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟
أجابته بعبرات تغرق وجهها.
- خوفت عليك، جيت أطمن.
رفع كفيه، يصيح بغضب:
- ليه تطمني؟ أعيش أموت، إنت مالك؟
- يونس، أنا بحبك أوي.
قالتها له، حتى اعتدل سريعاً، يدفعها بعيداً عنه.
- إنت مين؟
اقتربت منه تلمس وجهه.
- أنا بحبك ومش عايزة غير قلبك بس.
ثارت ثورته عليها، وظهر على وجهه الغضب، فتوجه بنظره إليها.
- امشي ياضحى، ربنا يهديكي.
نظر لشفتيها التي جرحت بسببه، فتنهد غاضباً من نفسه، قائلاً:
- أنا شكلي شربت كتير. آسف، محستش بنفسي. ممكن تسبيني لو سمحت؟
نهضت متأسفة، وعيناها مترقرقة بالدموع.
كور قبضته، ضاغطاً عليها، حتى ابيضت مفاصله من فرط غضبه.
باليوم التالي، اتجه لمكتبها، وهو كله عزيمة وإصرار، يدعس على قلبه. دلف مبتسماً، يسأل عنها. أشارت الممرضة إليه:
- في مكتبك يادكتور، كان فيه كشف، وقفت مع دكتورة هنا.
أومأ برأسه، واتجه إليها. وجدها تقف بجوار النافذة، تستند برأسها عليها. حمحم، يخطو إليها. اعتدلت، تمسح عبراتها.
- آسفة يادكتور، محستش بوجودك. قالولي حضرتك مش جاي النهارده.
سحبها من كفيها، وأجلسها بجواره. سحب نفساً وزفره بهدوء، متجهاً بنظره إليها.
- ضحى، عايزك تسمعيني للأخر، وبعد كدا فكري وخدي وقتك. إنتِ بنت جميلة، ومنكرش إنك معجبتنيش. بس أنا كنت بحب واحدة. هي مش واحدة، دي بنت عمي، بس افترقنا. ودلوقتي أنا مش جاهز أدخل علاقة جديدة. ورغم كدا، عندي اقتراح.
رفعت نظرها إليه، منتظرة إجابته.
- نتجوز عرفي لفترة. ولو قدرنا نتعايش مع بعض، وقدرتي تنسي، هنكمل مع بعض. أما إذا...
نهضت من جواره.
- يبقى ترميني. ماهو هكون مكان فاضي لبنت عمك. آسفة يادكتور، مقدرش أعمل كدا. أنا بعد شهرين هتخرج، وهكون دكتورة وليا احترامي. إيه اللي يخليني أحط نفسي بمكانة زي دي، وأتجوز من ورا أهلي؟ ليه مش متربية؟
أمسك كفيها، وأجلسها بجواره مرة أخرى.
- ضحى، إحنا هنتجوز بعلم أهلك، يعني مش بالسر ولا حاجة. وكمان حقوقك كلها عندك. وعقد جواز.
استدارت تنظر إليه.
- وإيه اللي يجبرني على كدا؟
اقترب يحتضن وجهها، وفرض سيطرته على قلبها، هامساً ببحة رجولته:
- قلوبنا ياضحى. إنتِ بتحبيني، وأنا كمان عايز أخرج من سيطرة سيلين عليا. إحنا بقينا سنتين مع بعض، أكيد عرفتي كل حاجة عني. وأنا كمان قربت منك، وعرفت كتير عنك. ليه مندّيش فرصة لبعض؟
أمسكت ذراعيه الذي يحتضنها، متسائلة:
- وليه منتجوزش قدام الكل بدل أهلي؟ هيعرفوا.
ابتعد عدة خطوات، وأخرج سيجارة، ينفثه قائلاً:
- مش دلوقتي. فيه مشاكل الأيام دي في العيلة، مقدرش أتجوزك دلوقتي. ودلوقتي، فكري وردي عليا. لو وافقتي، هعملك عيادة لوحدك. هأسسلك حياة حلوة أي بنت تتمناها.
أومأت برأسها، وأجابته:
- هفكر وأرد عليك.
مر أسبوع، ينتظر جوابها، متناسياً سيلين، كما وهَم نفسه. ذات ليلة، استمع لطرقات على باب مكتبه، ودلفت تجيبه:
- أنا موافقة. ممكن تيجي تقابل بابا النهاردة؟
بعد عدة أيام، دلف بجوار حمزة ونوح لمنزل والدها، وتم كتابة عقد الزواج كما اتفقا. همس له حمزة:
- عارف لما راكان يعرف، هيهد الدنيا على راسك.
تهكم نوح قائلاً:
- دا لو معرفش، وهو في ألمانيا دلوقتي. اجهز للرد ياحبيب أخوك.
أسبوع فقط مر على زواجهم، وأصبح لا يتحمل قربها. تذكر بأول ليلة له معها.
دلفت إليه بعدما تأخر بالخارج، وجدته يجلس ويتجرع الكثير من الكحول. اقتربت منه.
- يونس، إنت بتشرب خمرة؟
نهض وهو يضحك، يهز رأسه:
- لا، دي شامبانيا. إيه، بلاش نحتفل؟
جذبت الكأس من كفيه، ودلفت للمرحاض، وفتحت صنبور المياه.
- اغسل وشك يادكتور، مالوش لازمة طريقتك دي. عادي، إحنا كبار ومش مجبورين.
جذبها بقوة لصدره، وفتح الدش، حتى أغرقتهما المياه، وهو يحاوطها، يجذبها لعالمه، عالم رسمه مع الذي يتمناه لحبيبته فقط، ولكن هناك من النصيب ما يؤلم الروح.
باك.
خرج من شروده على رنين هاتفه، فتح الخط دون حديث.
- يونس، يبقى راقب أوضة نوح من الكاميرا عندك. خلي بالك، مش عايز حد غير اللي نعرفهم يدخلوه.
- تمام، ياراكان. إنت روحت؟
تحرك راكان وهو يحمل المشروبات الدافئة، وأجابه:
- لا، أنا مع ليلى ببيت المزرعة.
ابتسم يونس من بين آلامه، قائلاً:
- ليلة سعيدة حبيبي، وكل سنة وانتو مع بعض، وربنا ما يحرمك منها. اتذكر الوقت الحلو مابيتعوضش ياراكي باشا.
قهقه راكان قائلاً:
- مين اللي بيتكلم؟
- دكتور الستات.
أجابه يونس وهو يتحرك بسيارته:
- لا، دكتور الوجع.
توقف راكان على الدرج، متسائلاً:
- يونس، مالك؟ فيه إيه؟ وإنت برة ليه؟ إنت سبت نوح لوحده؟
أرجع خصلاته بكفه، قائلاً:
- كنت بشتري سجاير. ويالا، روح استمتع بليلتك.
قالها يونس، وأغلق الهاتف. وصل إلى المشفى، صعد سريعاً لغرفة نوح. بالداخل، دلفت الممرضة ووضعت تلك الإبرة بمحلولها، وخرجت سريعاً. اصطدمت به.
- إنت مين؟ وبتعملي إيه هنا؟
ارتبكت في بادئ الأمر، ثم أجابته بتقطع:
- كنت بشوف الدكتور صحي وعنده مواعيد دوا ولا لا.
جذبها من ذراعيها، عندما وجد ارتباكها والزعر بعينيها، متجهاً لغرفة نوح، ينظر بالكاميرات. جحظت عيناه، عندما وجدها تدلف، تنظر حولها بخوف، وأخرجت تلك الإبرة من ملابسها، تحقنه بها. دفعها بقوة، حتى ارتطمت بالحائط، يصيح بقوة على أمن المشفى:
- البت دي ماتخرجش من الأوضة.
ثم اتجه سريعاً لغرفة نوح، ينزع عنه المحاليل. استيقظ نوح على حركة يونس، فتحدث بصوت متألم:
- فيه إيه؟
ابتسم يونس.
- فيه عايز أموتك وأخلص منك. دمك سم ومضايقني.
ابتسم نوح.
- يبقى عملت معروف. وأهو تتجوز أسما وتربي العيال.
تجمد جسده وتوقف عما يفعله. ينظر بوجع، ورغم ذلك تحدث بصعوبة.
- بعد الشر عليا ياخويا. ليه حد قالك إني أهبل؟ واحد أهبل حتة علقة خلته هيموت خلاص. طيب فوق وأنا أضربك علقة كمان. فاكر علقة الثانوية؟ يا حمار نفسي أرجع أضربك وأنت تعيط وتروح تشكيني للبغل التاني.
أطلق نوح ضحكة خافتة حتى شعر بتألم صدره مما جعله يضع كفيه على صدره.
- بس يلا. مش قادر.
قام بحقنه بمحلول آخر، طالباً أدويته من الممرضة الخاصة به.
جلس بجواره يرفع ذقنه ويغمز بعينيه.
- خليك اعمل عيان ومش قادر تتحرك. وكل شوية ممرضة تيجي تتحرش بيك.
ارتفعت ضحكات نوح حتى أدمعت عيناه.
- بس ياحمار. والله صدري مش قادر أتكلم.
لكزه بهدوء بذراعه.
- ألف سلامة. إن شاء الله راكان دلوقتي وهو هايص.
غمز بطرف عينيه.
- صاحبك هايص الليلة. وأنت خليك هنا زي الست الوالدة اللي كل شوية تتأوه.
تحركت أنامل نوح حتى أمسك كفيه يضغط عليها متألماً. تركها عندما شعر بعدم قدرته.
قهقه يونس وهو يلاعب حاجبه.
- يابني بدالك مش قد اللعب بتلعب ليه؟ مش عارف هفضل أعلم فيك لحد إمتى.
أقولك حاجة؟ تعالى نرخم على راكان ونمثل عليه إنك بتموت. هو الصراحة مش تمثيل لأنك شكلك هتودع وأنا جنبك. يخربيت فقرك.
أطبق على جفنيه متألماً.
- اخرس ياحيوان. بطني وجعتني من الضحك.
رفع حاجبه متهكماً.
- شوف إزاي وأنا أراجوز قدامك. دي حقايق يا أهبل. والله مش مصدق الليلة عيد جواز المعلم الكبير التنين والتنينة.
دنى وتحدث بتصنع.
- إنما لما تنين يحب تنينة يخلفوا تنين برضه.
دفعه نوح وتحدث.
- فين الواد حمزة؟ حد يبعت لحمزة. سيبلي مجنون دا ليه؟
نهض يونس يقهقه بصوت مرتفع. من يراه يقسم أنه لم يذق طعم الألم.
وضع كفيه في جيب بنطاله.
- يابني دي مواهب. انتوا مش عارفين قمتي والله.
دلفت أسما تكاد تتحرك من شدة إرهاقها.
- نوح إيه اللي حصل وليه الأمن بره؟
ضيق عيناه متسائلاً.
- إيه اللي حصل؟
استدار يونس لأسما وأجابها.
- لا دول جاين عايزين الدكتور نوح يعملهم عملية تجميل. اطلعي قوليلهم هو نايم شوية مش فاضي.
تحرك للباب وهو يضرب كفيه ببعضهما.
- أمن يابنتي في المستشفى عادي. واحد مضروب علقة ما أكلهاش كلب جربان. فضروري نعمل احتياطات ونعمل حركة رئيس الورزا. ونحرصه. عشان ميجيش حد يضرب فيه تاني. أصل جوزك دا من صغره وهو بياكل كل علقة وعلقة. وأنا أكبر دليل.
- أسما حد ياخد الواد دا من قدامي. هموته. أقسم بالله هموته.
وقفت أسما تحاول أن تسيطر على نوبة الضحكات. تراجع يونس إليها مضيقاً عيناه.
- طب احلف بحياة ولادك اللي معرفش اتجرأت وجبتهم إزاي إن كلامي غلط. وبعدين عايزك تقوم كدا وتوريني عضلاتك. وقتها أحلفلك بمراتك اللي معرفش بحلف بيها ليه. لأنط من الشباك زي الحرامي. والأمن يجري ورايا. يعمل حرمة قدام التنين ويقول أمسك حرامي.
رفع نوح كفيه على وجهه يمسحه بغضب حتى نزع الكانولا من كفيه.
تحرك يونس سريعا ومازالت ضحكات أسما عليهما إلى أن وصل إلى الباب يفتحه وغمز بعينيه.
- أنت يادوك لو سمحت خلي بالك. أنا مراقبك من الكاميرا. يعني بلاش شقاوة ماشي.
قالها غامزاً له ثم خرج.
أغلق الباب مستنداً عليه محاولاً سحب نفسه بعدما شعر بإختناقه. اتجه بنظره إلى رئيس الأمن الذي ينتظره قائلاً.
- البنت اللي في مكتب دكتور نوح احبسها في أوضة لحد ما راكان يجي.
قالها وتحرك يتصل بحمزة.
عند حمزة ودرة.
كان يتسطح على الأريكة يتوسد ساقيها. جلست تتكأ بظهرها على الأريكة واناملها تتخلل خصلاته تستمع لكلماته.
- قولتي لبابا زي ما قولتلك يادرة؟
تنهدت ثم ملست على وجهه.
- أنت ليه رافض ياحمزة؟ احنا كدا كدا مكتوب كتابنا مش لازم فرح. ليه رفضت كلام بابا؟
اعتدل يجلس بمقابلتها ويحتضن كفيها.
- درة قلبي. أنا عايز أعملك فرح الكل يتكلم عنه. أنت جميلة وتستاهلي كل حاجة حلوة. ليه تيجي من غير فرح؟ وبعدين مش هقدر أكون طبيعي معاكي ونوح تعبان.
رفع ذقنها ينظر لمقلتيها.
- فهماني حبيبي.
أومأت له متفهمة.
- اللي شايفه صح اعمله.
جذبها لأحضانه يعانقها بدفء دافناً وجهه بحناياها يستنشق عبيرها بأنفاسه الحارة قائلاً.
- بحبك أوي جميلتي وعايز أعملك كل ماهو حلو.
حاوطت خصره مبتسمة.
- أنا مش عايزة غيرك ياحمزة. مش فارق معايا فرح ولا غيره.
رفع رأسه يحتضن وجهها بين راحتيه.
- وأنا مش عايز غيرك. بس بردو لازم تاخدي حقك.
ابتسمت تحاوطه بنظراتها.
- أنت حقي وبس مش عايزة غيرك.
دنى يقترب منها يلتقط ثغرها بقبلة ناعمة كحالها. قاطعهما رنين هاتفه. ابتعدت عنه بوجنتيها التي غزتها الحمرة.
- أيوة يايونس فيه إيه.
استمع إلى يونس. فنهض واقفاً يستمع إليه بتركيز، ثم أجاب:
- احبسوها في مكان مقفول كويس وما فيهوش أي أدوات ممكن تستخدمها، وأنا جاي في الطريق.
أغلق الهاتف، ونظر إليها:
- جهزي نفسك يا حبيبتي، هروحك عشان رايح المستشفى. وزي ما قلت لك، محدش يعرف حاجة.
اتجهت عايدة تمسك سلاح زوجها، ترفعه أمام أسعد وزينب:
- الولد فين يا زينب؟
اتجهت لأسعد:
- أخويا يتجوز عليا أنا؟ وكمان يخلف؟ أقسم بالله لأندمه، وآخد اللي قدامه واللي وراه. أنا عايدة عطوان، يتعمل فيا كده؟ أنا في الآخر يتجوز عليا لمامة ابنك؟ كان متجوزها ورماها زي الكلبة.
دفعت التمثال الذي بجوارها حتى تهشم. اقترب أسعد يقف أمام زينب خائفاً من تهور عايدة، قائلاً:
- عايدة، اهدي. نزلي السلاح. الولد راكان أخذه، ما نعرفش وداه فين.
نظرت إليه ثم إلى زينب وأشارت عليها:
- خايف عليها يا أسعد؟ بتحميها بنفسك؟ طول عمرك بتخاف عليها أكتر حتى من ولادك. عملت لك إيه للحب ده كله؟
حاوط زينب بذراعيه، ينظر إليها:
- زينب دي حياتي يا عايدة. اللي بينا محدش يفهمه.
وصلت فريال بجوار جلال:
- نزلي المسدس يا مجنونة.
اتجهت إليه، تطالعه بغضب واشمئزاز:
- أنت تخرس خالص. لازم أندمك وأعرفك إزاي تتجوز على عايدة، اللي ياما حفيت وراها يا باشمهندس.
اقتربت فريال:
- هاتي المسدس يا عايدة. عايزة تضيعي نفسك في حاجة متستاهلش؟ وبعدين أسعد ذنبه إيه؟
رفعت بصرها لأسعد وتحدثت:
- أسعد سبب كل حاجة يا فريال. المفروض العتب كله عليه مش على جلال. هو السبب.
وضعت فريال كفها على فمها وجذبت منها السلاح:
- اسكتي يا عايدة وتعالي معايا.
اتجهت لأسعد وتحدثت:
- معلش، اعذروها. الصدمة كبيرة عليها.
ثم اتجهت لجلال وتحدثت:
- يا ريت يا جلال تبعد حلا عن البيت، إحنا مش ناقصين وجع قلب. كفاية اللي حصل. ويا ريت تسأل نفسك ليه حلا جت لراكان تقول له: خد ابنك. ولا أنتوا متفقين مع بعض؟
قالتها، تسحب عايدة التي تحركت بجوارها كإنسان آلي.
اتجه أسعد إلى جلال:
- إيه اللي بيحصل هنا؟ أنت إزاي تتجوز على مراتك؟
اقترب جلال قائلاً:
- إيه؟ مش مرتاح مع مراتي؟ ماليش حق أتزوج؟ ولا أنت عشان أخويا الكبير هتستخسر فيا الفرحة؟ أنا حر، محدش له دعوة. وعلى فكرة، أبوك كان عارف. أنا متجوزها من بعد طلاقها من راكان.
ضغط أسعد على ذراعه، يجز على أسنانه:
- غبي يا جلال، غبي. البنت دي جاية عشان تدمرك. مفكرتش ليه راكان طلقها؟ حتى منسبهاش لنفسه زي ليلى. فرق بين دي ودي، وأنت تعرف. ده محدش عرف إنه اتجوزها غيرنا وبس. ليه ياترى؟
- مسألتش نفسك ليه جت ورمت ابنك لراكان وقالت: خد ابنك؟
صرخ جلال صارخاً به:
- عشان ده ابن راكان يا أسعد، مش ابني. أنا اتجوزتها وهي حامل.
توسعت أعين أسعد من حديثه، وأمسكه بعنف:
- أنت مجنون؟ هو ينفع واحد يتجوز واحدة وهي حامل؟ يا متخلف.
ارتبك جلال وشعر بأن هناك ما يخفى، فنظر إلى أخيه:
- أيوة، هي قالت لي حامل، لسه بقالها شهر واحد. وخايفة إن راكان ياخد منها الولد، فأنا اتجوزتها لما اتحامت فيا.
دفعه أسعد صارخاً:
- راكان مقربش منها يا باشمهندس، إزاي حملت منه؟ راكان طلقها قبل فرح سليم.
هز رأسه رافضاً حديث أسعد:
- يعني إيه؟
دنى أسعد منه قائلاً:
- يعني البنت دي مكنتش حامل وعملت لعبة عليك عشان تتجوزها. بس الولد بقى ابن مين ياترى؟
عند راكان، خرج متجهًا لسيارته. وقف بجوار بهاء، مرددًا نظارته:
- عملت إيه؟ مسكته؟
- أيوة، وهو جوا.
رفع نظره يشير بيديه:
- مش عايز غلطة يا بهاء. هاتوه لي.
اتجه بعد قليل وهو يجذب الرجل إليه:
- الواد ده يا باشا، لقيناه واقف بيراقب البيت.
خلع راكان نظارته، يطالعه بغموض، فتسائل:
- بتراقبنا ليه يا ابني؟
ارتبك الرجل وهو يهز رأسه قائلاً:
- والله يا باشا، أنا كنت معدي وبكلم واحد صاحبي، لقيته هاجمني وحبسني.
أشار راكان إلى بهاء:
- أنت عبيط يابهاء؟ أي واحد يقف يتكلم في التليفون تاخده؟
أجابه بهاء:
- أصل... أصل...
رفع راكان كفيه:
- اسكت. وسيبه يروح. اديله تليفونه وبطل غباء.
فتح باب سيارته وتحدث بمغزى:
- الست اللي فوق دي ممنوع تخرج بره. وإياك حد يدخلها.
قالها واستقل سيارته وخرج.
خرج الرجل وقاد سيارته سريعًا يتصل بنورسين:
- أيوة يا هانم.
أجابته تصيح بصوت مرتفع:
- كنت فين يا زفت؟ تليفونك فصل شحن ولا إيه؟
أجابها سريعًا وقص لها ما صار.
ضيقت عيناها متسائلة:
- يعني إيه قاله: متخليش الست دي تطلع برة؟ هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟ طيب هو راح فين؟
- أنا وراه يا هانم، بس بعيد شوية عشان ما يشكش.
- تمام. إياك يكشفك.
أجابها:
- لا، متخافيش ياهانم. كله هيكون تمام.
عند راكان، قاد السيارة وهو ينظر من تحت نظارته، يستمع إلى مكالمتها.
ضغط على المقود حتى ابيضت مفاصله:
- ناوية على إيه يا حقيرة.
تنهد، يسحب أنفاسه ويطلقها بهدوء. ثم رفع هاتفه واتصل بحمزة:
- حمزة، رقم هبعتهولك. عايزك تراقبه أربعة وعشرين ساعة. الرقم ده مهم.
قالها وأغلق هاتفه.
بالمنزل، كانت تغفو بعمق.
تجلس على حافة المسبح، تنظر بابتسامة مؤلمة لابنها الذي يسبح:
- أمير، اطلع بقى، كفاية.
ثم صاحت غاضبة براحة:
- واقف يتأمل ملامحها الحنونة وهي تصيح عليه بأن يهدأ. لوح بيديه له. اتجهت تنظر للخلف، وجدته يقف خلفها، يضع كفيه في جيب بنطاله. استقبلته بابتسامتها الساحرة، رغم شدة حزنها منه. تحرك بعدما خلع حذائه وجوربه، يرفع بنطاله، يجلس بجوارها محاوطًا جسدها. أسرعت المربية تخرج أمير من المياه عندما أشار لها. خرج متجهاً له:
- ماما مش قالت لك اطلع من شوية؟ مسمعتش الكلام ليه؟
- سوري بابي. حبيت أسبح كمان شوية صغيرين.
غمز بطرف عينيه عليها. فاتجه أمير إليها:
- سوري مامي.
أمالت تطبع قبلة على وجنتيه:
- اطلع مع عمتي وشوف زين لسه نايم عشان ما يتعبش.
- حاضر.
قالها أمير متحركًا. جذبها لأحضانه، يعانقها بدفء.
دافناً وجهه بين خصلاتها:
- لسه زعلانة مني؟
ابتعدت بأنظارها قائلة بهدوء:
- هزعل منك ليه؟ حقك، ومقدرش أقولك لا.
أبعدها عنه قليلاً، يحتوي وجهها الشاحب بين راحتيه، وهو يضع خصلة شعرها المتمرد على وجهها خلف أذنها، يهمس بجوارها:
- آسف، مكنش قصدي.
اعتصرت عيناها، تمنع عبراتها أمامه، ورفعت كتفها للأعلى:
- كالعادة يا راكان. آسف والوجع يتكرر تاني.
نزل لحمام السباحة وجذبها فجأة حتى سقطت بالمياه، تصرخ.
أحاط خصرها بذراعه، يرفعها، وأمسك كفها ورفعه ليستقر عند موضع قلبه. رفعت نظرها وترقرق الدمع في عيناه، فاقتربت تضع رأسها بصدره، وأجهشت بالبكاء:
- عارفة إني غلطت، بس مكنش عندي حل تاني. كانوا هيموتوك لو معملتش كده، غير زين. عارفة هتقولي دايمًا متسرعة في القرارات. عندك، مبقدرش أهدى صدقني. أنت وابني كتير عليا أوي وأنا لوحدي. أنا من غيرك بكون يتيمة في كل حاجة. حاولت أعمل زي ما قلت، مقدرتش. كفاية اللي حصل لحمزة.
تراجع، يخرج من المسبح وتركها، يهز رأسه قائلاً:
- ده من قلة ثقتك فيا للأسف. كل ما أقرب، أنت بتبعديني عنك.
قالها وتحرك.
استدارت له وصاحت بغضب:
- هتسبني أغرق يا راكان؟
تحرك ولم ينظر خلفه. بدأت تختفي تحت الماء، فنادته بصوتها الذي شعرت باختناقه، كأنها تحت الأرض.
نهضت من نومها، تضع كفيها على صدرها:
- أعوذ بالله، إيه ده؟ ومين زين؟
مسحت على وجهها، تنظر حولها بذعر. استمعت لصوت أذان الفجر. تحركت إلى مرحاضها لتغتسل. بعد قليل، خرجت تؤدي فرضها، وجلست لفترة كعادتها، تتلو آيات الذكر الحكيم، وقرأتها للأذكار، حتى أشرقت الشمس.
توجهت للشرفة تنظر لتلك المزارع الواسعة حولها، تستنشق رائحة المطر. ظلت لبعض الوقت، ثم تحركت للداخل وأدت صلاة الضحى، ثم اتجهت للأسفل تعد الطعام، تنتظر حبيبها.
بعد قليل، استمعت لصوت قرع جرس الباب. اتجهت تفتحه سريعًا، ظناً منها راكان، ولكن وجدتها سيلين، التي يظهر على وجهها آثار الدموع وعيونها المنتفخة، ووجهها المتورم.
أخذتها للداخل، وأتت للحديث، ولكن قاطعهما دخول راكان بجوار يونس. اتجه يونس إليها بعدما وجدها:
- إيه اللي جابك هنا؟ أنا مش وصلتك البيت؟ إزاي تطلعي منه من غير علمي؟
دفعته بقوة عندما اقترب، تصرخ بوجهه:
- مليون مرة أقول لك ما تلمسنيش. أنت هتفضل حيوان لحد إمتى؟
صاعقة نزلت على راكان من حدة أخته وصراخها بتلك الطريقة. جذب يونس متوجهاً إليها:
- مالك؟ فيه إيه؟ من إمتى وأنت بتعلي صوتك على ابن عمك؟ بلاش أقولك بوجودي. احترمي واحد أكبر منك بعشر سنين يا هانم.
تراجعت تمسح عبراتها، قائلة بصوت متألم:
- ما أنت شبهه، هتقول إيه غير كده؟ أنا بكرهكم أنتم الاتنين. عارف ليه؟ عشان حبيته، عشان هو شبهك. أعمل إيه؟ كان نفسي في واحد شبهك، بس مكنتش أعرف إنكم شبه بعض في الحقارة كده.
صفعة نزلت على خديها، حتى شعرت بتخدّر وجنتيها، وانسدلت عبراتها بقوة، وهي تضع يدها على وجنتيها، تنظر إليه متألمة.
شهقة خرجت من فم ليلى، تصرخ باسمه.
اقترب، يضغط على ذراعها بقوة:
- شكلي اتهاونت في تربيتك. واحدة قليلة الأدب واقفة تتبجح في أخوها الكبير. امشي من قدامي.
مسحت دموعها بقوة واقتربت منه، تنظر إليه بغضب:
- أنت مش أخويا، سمعتني؟ ولا عمرك كنت أخويا. سليم بس اللي أخويا. ليه هو اللي مات؟
شعر بأن روحه فارقت جسده، وأنياب حادة نهشت صدره، وهو يهمس لها:
- أنا مش أخوكي.
صاحت ببكاء:
- محدش له حكم عليا.
جن راكان واقترب منها، يجذبها من خصلاتها:
- أنت شاربة حاجة يابت؟
ابتعدت تبكي:
- سيب شعري يا راكان. شوف ابن عمك المحترم عمل إيه، وبعدين تعالى حاسبني.
جذبها، يقربها منه:
- ابن عمي ده جوزك يا هانم. وجهزي نفسك، يوم الخميس هنجوزكم، وده غصب عنك مش برضاكي، بدل الدلع اللي دلعتهولك.
- راكان، قولت لك سيبها. أنت إزاي تضربها؟ أنت اتجننت.
اتجه بنظره إلى يونس:
- اسكت، مش عايز أسمع صوتك.
قال: سارة. سارة مين دي اللي هتتجوزها؟ ده أنا أدفنك وأدفنها.
وانت ياباربي هانم ملكيش رأي بعد كدا
دا هتموتي يابت لو اتجوز غيرك
صرخت بوجهه لأول مرة
-انا مش ضعيفة واقدر اتحكم في مشاعري كويس
تحركت ليلى إليها عندما وجدت نظرات راكان الجحيمية
-سيلين ممكن تهدي انت مش عارفة بتقولي ايه
دفعت ليلى وصاحت بقلب ممزق
-ليلى أنا مش زيك ولا مكسورة عشان ارضى
اشوف جوزي ولا حبيبي كل شوية في حضن واحدة
لا دا بالناقص الحب ال يذلني
ثم اتجهت إلى يونس
-لو ترضى بواحدة ماكرهتش ادك تعالى واتجوزني ووقتها افتكر انا حذرتك وقولت ايه
جحظت أعين راكان وشعر وكأنها أطلقت طلقات نارية حتى اخترقت صدره فاقترب منها وكل انش بجسده ينتفض من كلماتها المؤلمة
ولكن توقف يونس أمامه قائلا
-لحد هنا وخلصنا ياراكان
مراتي وهعرف اتصرف معاها
ملكش انك تتدخل بينا
دفعته وصاحت بهم
-مرات مين انت اتجننت إنت طلقتني ومتنفعش ترجعني الا بعقد جديد
وبما ان مفيش حد سألني فالجواز باطل
دفع راكان يونس بعيدا عنها وجذبها يجرها للغرفة قائلا بفحيح
-انا هعرفك ياحيوانة توقفي تبجحي فيا إزاي
هرول يونس خلفه يخلصها منه
-قولتلك مالكش دعوة بيها
دي مراتي أنا وأنا الوحيد ال له الحق عليها
تجمدت وشعرت ببرودة جسدها عندما اتجهت بأنظارها لليلى التي شحب وجهها وشعرت بدوران الأرض حولها حتى هوت ساقطة على الأرضية الصلبة
استدار راكان ينظر بذهول لصوت الأرتطدام
هرول إليها بقلب منتفض يرفعها ودقات قلبه تصم الآذان
-ليلى
حبيبي افتحي عيونك
أمسك يونس كفيها يقيس نبضها
ثم تحدث
-طلعها اوضتها
متخفش مفهاش حاجة
ممكن يكون انخفاض في مستوى السكر
حملها يضمها إلى صدره كالطفل الرضيع وقلبه يأن بما حدث لها
اقتربت سيلين تبكي
-يعني هي كويسة
توقف يرمقها بنظرات تحذيرية
-إياكي تقربي منها
اتجه بها إلى غرفتهما وضعها على الفراش بهدوء
توقفت سيلين وعبراتها تنسدل بغزارة
توقف يونس خلفها
-تعالي علشان أوصلك
متخافيش مش هقرب منك
استمع لصوت راكان
-تعالى طمني على ليلى الأول
تحرك متجه ا للخارج
-هجيب شنطتي من العربية
توجه بعد قليل للأعلى
دلف وجدها تفتح عينيها تهمس
-أنا كويسة
يمكن علشان مأكلتش بس
قام بالكشف عليها
-مفيش حاجة مبروك يامدام ليلى
رفع نظره لراكان
-تخبي عليا مراتك حامل
مكنش العشم يابو العيال
مسح على وجهه بغضب قائلا
-يونس مش وقتك خالص
طمني عليها
نهض يجمع اشياؤه
-قلة غذى يابني مش اكتر
مش كدا يامدام ليلى
ابتعدت بنظرها عن عيونه التي تحاوطها وأردفت
-أيوة وكمان عايزة انام
نهض يونس متحرك ا للخارج بعدما أردف
-احنا هنمشي وفكر في ال قولته
اغلق خلفه الباب بهدوء وتوقف يتنهد بحزن متجه ا للأسفل يبحث عن جنيته الصغيرة
لم يجدها خرج يسأل الأمن عليها
-خرجت من دقايق يادكتور
استقل السيارة وقادها سريعا خلفها
بالأعلى بغرفة ليلى وراكان
-حبيبي متناميش هجبلك أكل
دلف للمطبخ ينظر للأطعمة التي احضرتها
اتجه يوضع بعض الأطعمة على سرفيس مخصص للأطعمة
وصعد للأعلى بها
فتح الباب ودلف يرسم إبتسامة على شفتيه
-جبت الفطار لمامي ال بابي زعلان منها علشان مبتهتمش بأكلها
اطبقت على جفنيها تجذب الغطاء
-اطفي النور قولتلك عايزة أنام
رفع الغطاء وقام بإعتدالها يجذب الطعام
-لازم حبيبي ياكل الأول وبعد كدا ينام براحته
علشان ماازعلش منها
ابتعدت برأسها عنه وعبراتها متحجرة تحت اهدابها قائلة بصوتا متقطع
-ماليش نفس
مش عايزة
أدار وجهها يلمس وجنتيها
-حبيبي زعلان مني علشان اتأخرت ولا إيه
رفع كفيها يطبع قبلة مطولة عليه ثم رفع نظره إليها
-آسف
دكتور يحيى فاق وكان ولازم يتواجه مع نوح
وطبعا مش هقولك على الدكتور يحيى لما الموضوع يخص ابنه بيكون ازاي
فكان لازم اقعد معاه شوية
انكمشت ملامحها مردفة
-يعني عمو يحيى فاق وبقى كويس
اقترب يحاوطها بذراعه
-أيوة ونقلنا نوح للمزرعة كمان بعد حوار طويل عريض باعتراض الأتنين دا عايز يروح معاه وطبعا نوح رفض خالص
دنى يطبع قبلة بجوار شفتيها يهمس لها
-آسف
كررها مرة آخرى على الجانب الأخر
-آسف
مش عايز حبيبي يزعل مني
وضعت رأسها بأحضانه واجهشت بالبكاء
-انا مش ضعيفة ياراكان ولا غبية انا بس حبيتك
مش ذنبي ان قلبي مقدرش يحب حد تاني
مش بأيدي انساك
عارفة اتأذيت كتير من الحب دا
رفعت وجهها وعيناها تسدل عبراتها كالأمطار
-حاولت اكرهك مقدرتش
معرفتش اكرهك
رغم ال حصل بينا كأن حبك لعنة واتوشمت بيها
جذب رأسها يثبتها مبتلعا كلماتها
ظل لفترة ينهم من شفتيها حتى شعر بإنسحاب أنفاسها
احتضن وجهها وداعب أنفها
-وأنا بموت فيك
انت سحرتيني
واتوشمتي بوريدي
بلاش الكلام ال يزعلنا من بعض دا
الهم دلوقتي احنا مع بعض وبعد كام شهر هتكوني ام لأبني ودي كفيلة انك تنسي كل حاجة
بمنزل عاصم المحجوب دلفت سمية تحمل طعام زوجها
وضعته بجواره عندما وجدته شاردا فأردفت متسائلة
-مالك ياعاصم
وراكان كان عايز منك ايه
ليه دخلتوا جوا وطولتوا كدا
اتجه بجسده إليها وأردف
-بلاش ليلى تعرف انه جه هنا
وجهزي اوضة ليلى علشان هتيجي تقعد عندنا بعد فترة
توسعت عيناها متسائلة
-ليه هو مسافر ولا لا
تنهد متألم وأجابها
-لا
بس هو مش مرتاح معاها
ضربت على صدرها وتحدثت بصوت متقطع
-ليه ناوي يطلقها تاني ولا ايه
يابختك الأسود يابنتي
اتقي ربنا ياسمية
دا نصيب لا حول ولا قوة إلا بالله
مش عايز أسمع كلمة لو جت تاخديها في حضنك
وفيه خبر كمان
البنت حامل
شهقة خرجت من فمها وهي تهز رأسها
-وازاي هيطلقها وهي حامل
دا واحد مجنون فعلا زي ماآسر قال
اخصي عليه طلع واطي
-سمية
قالها عاصم محذرا اياها
بلاش نحكم على الناس
الراجل قالي انه مش مرتاح معاها
وبنتك عنيدة
قالي هيبعدها شوية عنه يمكن مشاكلهم تقل
نهضت متجه إلى المطبخ قائلة
-اهي دي حجته كل شوية
أنا دلوقتي صدقت كلام آسر عليه وأنه بتاع ستات
قام عاصم بجذب الطعام إليه قائلا بتحذير
-بلاش نرمي الناس بالباطل ياسمية
ببيت المزرعة دثرها جيدا بعدما ساعدها بتغيير ثيابها واطعامها
غاصت بنومها
جلس بجوارها يمسد على خصلاتها يرسمها بقلبه قبل عينيه
يحفظ كل انش بها
تراجع للخلف يستند على الفراش ثم رفعها بين أحضانه يحاوطه بذراعيه الأثنين
-عايز أشبع منك ياروح راكان
زي مايكون مكتوب علينا الفراق طول حياتنا
ضمها بقوة وآهة خرجت بنيران قلبه وهو يطبق على جفنيه يتذكر إتصال جواد
-أمجد طلع من السجن
بعد مااخفوا كل الأدلة ال تدينه
وفيه حاجة كمان
شريكهم الأجنبي دا نزل مصر
دا أكبر ضلع للمافيا
طبعا كله من تحت الترابيزة محدش قادر يمسك عليه حاجة
لازم تعرف ان الموضوع تخطى قضية كدا
حافظ على هدوئك
وبلاش اللعب مع ابن الشربيني دلوقتي
واه بنت النمساوي بلاش تحرقها علشان هتفيدك في الجاي
هتعرف كله عن طريقها
لأن البنت بتحبك فعلا
خرج من شروده وهو يستمع لصوت ليلى
-راكان أنا بردانة أوي
تسطح بجوارها يجذبها لحضنه بقوة حتى اختفت داخل جسده يطبع قبلة على جبينها
-الجو برة برد أوي
شوية وهتدفي انا شغلت الدفاية حبيبي
ابتسمت تحاوط خصره متنعمة بدفء أحضانه
ساعات مرت عليه وهو مازال على وضعه
وضعها بهدوء على الفراش متجها للخارج يحادث يونس
-اتكلمت مع سيلين
كان يجلس بغرفته بفيلا والده
-لا خلاص ياراكان سبها براحتها
مش عايز اضغط عليها
أخرج زفيرا قويا مردفا
-سيلين مبتجيش بالعند
قاطعه يونس قائلا
-سيلين عرفت موضوع ضحى علشان كدا مجروحة
اتجه للمطبخ واقام بإعداد قهوته متسائلا
-انسى موضوع سيلين دلوقتي وركز في ال هقوله كويس
اولا مفيش حد يعرف ان ليلى حامل غيرك
وأنا محتاجك الأيام الجاية تصحصح معايا كويس
ونفذ بالحرف ال هقوله
استمع يونس لما قاله فهب من مكانه
-لا دا إنت مجنون
جلس يرتشف من قهوته قائلا
-يونس اعمل ال بقولك عليه سمعتني
صرخ به يونس قائلا
-مراتك حامل انت عارف ممكن يحصلها ايه
انت نسيت المرة ال فاتت
نظر للبعيد وأجابه
-يونس المرة ال فاتت عايدة كانت بتديلها دوا ينزل الجنين
المرادي ليلى هتخاف عليه
أنا متأكد
اجابه مستنكرا حديثه
-مش موافق على كلامك
فكر في حاجة تانية
انت ممكن تخسر مراتك ياراكان
مسح على وجهه وحاول التحدث بهدوء
-يونس مش مهم هخسرها شوية أحسن مااخسرها العمر كله
وضع يونس يديه بجيب بنطاله ينظر لقطرات المطر بالخارج واجابه
-غلطان يابن عمي
ليلى ممكن تكرهك بعد ال هتعمله
مش مهم
اجابه راكان
ثم استرسل
-يومين يايونس وكل حاجة تتم
المهم خلي بالك مش عايز حد يعرف
هزعل منك
حد تكون واثق فيه
ولو سيلين يكون احسن
أغلق هاتفه وقام بفتح درج مكتبه وأخرج بعض الأوراق يضعها على مكتبه
مساء استيقظت تبحث عنه لم تجده
هبطت للأسفل ولكنه غير موجود
اتجهت للمطبخ وصنعت كعكة من الشيكولاتة وقامت بتزينها بعد فترة
ثم صعدت لغرفتها وادت فرضها
ثم اتجهت تجهز نفسها لقضاء ليلة رومانسية مع معذب قلبها
انتهت من لمساتها وهبطت للأسفل وأعدت طاولة لفردين وقامت بتزيينها بعد إتصالها بزينب والاطمئنان على ابنها
استمعت لخطواته بالخلف
استدارت ترحب به
أسرعت بقدميها الحافية وألقت نفسها بأحضانه
-وحشتني
رفعها يدور بها وقبلاته يمررها على وجهها بالكامل
تعلقت بعنقه
-اتاخرت قولت هترجع تمانية والساعة دلوقتي تسعة
رفعها من خصرها متحركا للأريكة يضمها لأحضانه
-تعرفي كان نفسي في الجو الشاعري دا كله
لا وموسيقى رومانسية بتسمعي مين
-بسمع نجاة عيون القلب
داعبها بأنفه قائلا
-اوووه عيون القلب حيرانة
ابتعدت عنه تنظر لمقلتيه
-ايه دا انت ليك في الأغاني القديمة
نهض يسحبها من كفيها متجها للطعام
-يعني مش اوي
بس بحب أسمع ميوزك هادية
مش بتاعة حسن شاكوش
قهقهت عليه مردفة
-بنت الجيران
غمز بطرف عينيه قائلا
-لا بنت قلبي والله
جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره ثم رفعها على الطاولة وجلس أمامها
-عايز اكل جعان
ضيقت عيناها هامسة بصوتها الأنثوي
-جعان أوي أوي
حاوط وجهها بين راحتيه ينظر لعيناها.
- فوق ما تتصوري.
استدارت تمسك بصحنه وتضع به الطعام، وهو يراقب كل حركة تفعلها حتى اتجهت تجلس أمامه.
- اتفضل، عاملة كل حاجة بتحبها. وكمان عاملة حلو.
- أكليني. قالها وهو يتعمق بالنظر لليلها.
ابتسمت وهي تقوم بقطع شرائح الستبرس بالسكين، ولكنه أمسك السكين والشوكة يبعدهم.
- لا، اكليني بأيدك. قطعي الأكل كدا واكليني عادي.
أمسكت قطع الفراخ وبدأت تقطعها قطع صغيرة وتطعمه وهو يقبل أناملها، حتى شعرت برجفة بسائر جسدها. فعل مثلما فعلت حتى انتهى من الطعام. أتت لتحمل الصحون ولكنه جذبها يمسح فمها بهدوء.
هزت رأسها رافضة.
- لا، هغسل ايدي وبوقي. لحظة وراجعة.
جذبها يرفع ذقنها.
- إيه؟ عايزة ترجعي ولا إيه؟
هزت رأسها بالنفي وتحركت للداخل تهرب من نظراته التي تخترقها.
شعرت بوقوفه خلفها، تعلقت نظراتهما بالمرآة.
- خايف لأكون برجع.
اقترب يحاوط جسدها من الخلف وفتح صنبور المياه، يغسل فمها ويديها.
ثم أمسك المنشفة يجفف المياه عنها. استدارت تجذبه.
- اشمعنى أنا بس؟ إنت كمان تعالى اغسلك.
أطلق ضحكة خافتة يداعبها.
- تغسلي إيه يامجنونة؟
لم يكمل حديثه عندما وجدته تضع الغسول على وجهه بالكامل وتضحك بصوت مرتفع.
اقترب يشير إليها.
- كدا غرقتيني.
مسحت وجهه بالمياه وقامت بتجفيفه، وهو يستند بذراعه على الحوض. دنت تطبع قبلة بجانب شفتيه.
- حبيبي قمر وعايزة أعاكسه.
حملها متجها للكعكة التي أعدتها. قامت بإشعال شمعة وقامت بإغلاق جميع الأنوار إلا من نور الشمعة.
أمسكت كفيه وقامت بتقطيعها.
- دي علشان امبارح ملحقتش أعملها.
أمسكت قطعة ووضعته بفمه وهمست تقبله.
- كل سنة وانت حبيبي.
أمسك قطعة يضعها بفمها مثلما فعلت ولكن بالكثير من الشيكولاتة التي ظهرت أثرها على شفتيها مما جعله يميل يهمس لها.
- بعد إذن مولاتي، لازم أدوق شيكولاتة بطعم العشق.
لم يعطيها فرصة وهو يقتنصها ملتقط ثغرها.
جلس وجذبها وأجلسها على ساقيه يضع رأسه بحناياها، يهمس بأنفاسه الحارة.
- بعشقك ياليلي، هفضل أحبك لأخر نفس جوايا. مستعد أبيع الدنيا دي كلها علشان أشوف ضحكتك الحلوة.
وضع كفيه على أحشائها.
- أكتر راجل محظوظ في الدنيا إن حبيبته حامل بابنه.
رفع رأسه وتعانقت نظراتهما قائلا.
- خليكي فاكرة إن راكان محبش في حياته غير ليلى وبس.
تمسحت به كقطة وديعة.
- روحي وقلبي، إنت حبيبي. قالتها وهي تلمس وجنتيه.
نهض يجذبها من كفيها.
- تعالي نرقص.
أشارت على الأكل.
- إيه؟ مش هتاكل؟
حاوط خصرها بذراع والأخر يضع كفيها على نبض قلبه الذي يقفز داخل قفصه الصدري وتحرك مع الموسيقى يرفع قدميها لتصبح فوق أقدامه هاتفا لها.
- اجهزي، هنسافر بكرة اسكندرية. عندي قضية هناك وحابب أخدك معايا المرادي. مبقتش أقدر أبعد عنك.
أومأت بعيون سعيدة ثم وضعت رأسها بأحضانه تستمع لترانيم قلبه باسمها مطبقة الجفنين دون حديث. فيكفي حالة كل منهما.
ظل لفترة طويلة من الوقت لم يشعر بالوقت وهما يتمايلان على نغمات قلوبهما، حتى أرهقت من الرقص فحملها بين ذراعيه ليقص لها ترنيمة جديدة من ترانيمه المقدسة لقلبه.
مر أسبوع والعشق بينهما يتزايد حتى شعرت بأنه أصبح لها كالهواء. جلست تدون بعض أبيات الشعر.
أخبـرك ســرا..!!!
تهامسـنا أنا وقلبـي عنـك اليـوم...
فكانـت جلسـة نمـيـمـة لطـيـفـة ..
استمعت إلى أشعار رسالة، فتحتها وإذ بها تنتفض وهي ترى مابها.
- صعبانة عليا أوي ياليلى. راكان بيضحك عليكي. متكونيش هبلة، متخليهوش يقضي عليكي. عارفة مش هتصدقيني. أنا آسفة إني كلمتك بأسلوب وحش بس دي الحقيقة. ولو مش مصدقة روحي الشاليه اللي شاريه من فترة علشان يقابل فيه نورسين. هبعتلك العنوان. وبراحتك. أكيد عارفة أنا بحبك قد إيه.
برقت عيناها للحظة تشعر بتجمد الدم بأوردتها وهي تهز رأسها وكأن لسانها توقف عن الحديث.
لم تشعر سوى بدموعها التي كوت وجنتيها وهي ترى صورته وهو يدلف يحاوط خصر نورسين ويدلف لذاك الشاليه. صورة تلو الأخرى بمواضع مختلفة. حاولت عدم التصديق، وأنها صور قديمة. ولكن كيف وملابسه الذي خرج بها.
اعتصرت عيناها الباكية، وبخطى متعثرة اندفعت خارجة بثيابها البيتية وخصلاتها المتمردة حول وجهها. ركضت بلا هدى حتى وصلت لسيارتها تستقلها سريعا. وشعور قاسي وهي تشعر بأن ضلوعها تنقبض بقوة حتى كادت تموت من الألم.
ترجلت بخطوات مرتعشة وحاولت السيطرة على نفسها حتى لا تفقد وعيها عندما شعرت بالغثيان بمعدتها. وهي تقود سيارتها وعبراتها تغزو وجنتيها وصلت لذاك المكان.
بالداخل قبل قليل.
بنيران قلب محترق أمسك هاتفه وأرسل رسالة له قائلا.
- يونس، اتحرك.
نهض يونس يرجع خصلاته بغضب كاد أن يقتلعها من جذورها.
- بلاش. فكر تاني. اسمع اللي بقولك عليه. قالها وأغلق هاتفه متجهًا لسيارته. أمسك يونس هاتفه ينظر لنوح الذي تسأل.
- إيه اللي بيحصل؟
رفع كتفه للأعلى وأجابه.
- اللي أقدر أقوله وجع وحزن ومرار. أيوه، اعملي اللي هبعتهولك.
بإحدى الشاليهات بعروس البحر المتوسط. وقفت أمام باب الشاليه ورفعت كفيها المرتعشة. لا تعلم أترتعش من برودة الجو القاسية أم من برود روحها على ماهي قادمة نحوه. قامت بقرع الحرس.
كان يتسطح بصدره العاري على الأريكة ينفث تبغه بشراسة. خرجت وهي تحادثه.
- مش سامع الباب؟ ممكن يكون الدليفري.
وضع كفيه على عينيه ولم يعرها اهتمام. فتحت الباب وإذ بها تنصدم من تلك الواقفة. تنظر بالداخل تتمنى ما رأته يكون ماهو إلا كابوس. دفعتها ودلفت للداخل. وجدته يتسطح بهيئته التي أدمت قلبها. بلعت غصة مسننة أوقفت مجرى تنفسها متسائلة بصوت متقطع.
- ليه؟
اعتدل ينظر بذهول إليها. لحظات مرت كالدهر وعيناها التي أزرفت عبراتها بغزارة وكأنها دفنت أحدهما.
تراجعت للخلف تتمنى أن يصيبها الله بالعمى وتصبح كفيفة ولا تراه بذاك الوضع.
شعرت بأن أقدامها تجمدت وكأن جسدها شل، فسقطت كمن تلقى ضربة موجعة هشمت جسدها بالكامل. وصرخة بآهة عالية خرجت من جوف حسرتها وهي تصرخ باسمه وتلكم الأرض.
- ليييييه؟ ليه تعمل فيا كدا؟
اتجه بخطوات سلحفية يجثو أمامها.
- مش عارفة ليه.
رفعت نظرها وتشوشت الرؤية أمامها تهز رأسها رافضة ما فعله.
- علشان آخد منك أمير. إنت امبارح عملتي تنازل كامل على كل حاجة ومنهم أمير.
هنا انهار عالمها بالكامل وشعرت بتوقف نبضها. فكأن قلبها لم ينبض سوى نبضا يحرقها.
انهمرت عبراتها متزوجة بنزيف روحها واشتهت الموت بكل جوارحها في تلك اللحظة. فاقشعر جسدها وشعرت بارتعاشه كاملا وهي ترحب بتلك الغمامة السوداء وهي تهمس له.
- موتني معذبي.
ثم سقطت بين ذراعيه يتلقفها بلهفة قلبا متألم.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سيلا وليد
افتقدك جدا.
افتقد همساتك التي كانت تشعرني بالأمان والحنان، حتى ولو لم تكن بجانبي.
افتقد صوتك الذي لم ولن يغادر مسامعي.
افتقد ضحكاتك وعتابك وكبريائك.
افتقدك كثير.
لو كنت قريب ووضعت يدك على قلبي لهدأت الحروب.
لو كنت قريب وعانقتني لتلاشت الرغبة بالموت.
لو كنت قريب ومسحت دمعي لأزهرت عيناي من جديد.
لكنك تقف بعيداً وأقدام المسافة ثابتة لا تتحرك.
ولسان قلبي أخرسته غصته.
ليس لأنك أضعتني في الزحام.
وليس لأن قلبي أحرقته الشمس وهو ينتظر.
بل لأنني عجزت أن أكون ظلك.
عجزت أن أكون بالقرب منك.
إن غيابك ينهش ما تبقى مني.
أنا حقاً أفتقدك جداً وغيابك هذا يجعل ساعاتي في أشد ثقلها.
وكأن حجراً ثقيلاً وضع فوق قلبي.
قبل أسبوع استيقظت وهي تستمع لصوت قراءة الفجر. استعاذت بالله الحي القيوم. حاولت الفكاك من حصاره، ولكنها كانت مكبلة بساقيه.
أنزل يديه بهدوء عن خصرها واتجهت بذراعها تبعد ساقيه. تنفست بهدوء بعدما نجحت. ابتسمت وهي تراه يغرق بنوم كأصحاب الكهف. زحفت من فوق مخدعهما إلى أن وضعت ساقيها على الأرضية الباردة. جذبت قميصه الموضوع على طرف الفراش وارتدته سريعا عندما شعرت بالغثيان. أمسكت معدتها عندما اشتدت آلامها حتى فقدت سيطرتها فارتجف جسدها. تتحرك متعثرة لتصل للمرحاض. فتح جفونه بتثاقل من شدة إرهاقه. اتجه يبحث عنها. استمع لتأوهاتها بالداخل. هب من فوق الفراش متجهًا سريعًا إليها.
وجدها تجثو على الأرضية وتقوم بالتقيؤ بشكل مؤلم أكثر عما قبل.
جلس خلفها يضمها ويرجع خصلاتها. يمسد على خصلاتها. دفعته بإرهاق وتحدثت بصوت متقطع:
"ابعد عني."
ضم رأسها لصدره وقام بغسل وجهها وفمها. ثم ضمها لأحضانه وطبع قبلة على جبينها المتعرق.
"آسف حبيبي، ما حسيتش بيكي. نمت من تعبي."
رفعت كفيها المرتعش على وجهه:
"أنا كويسة، أخدت خلاص على كدا. بس المرة دي كان مؤلم شوية."
حملها بين ساعديه واتجه للخارج. أوقفته قائلة:
"لا، عايزة آخد شاور عشان أصلي. الفجر أذن."
نفذ ما أمرت به وتراجع للخلف يضعها على حافة البانيو ويقوم بتجهيزيه بالمياه الدافئة وبعض الروائح التي يعشقها عليها. رفع بصره إليها. كانت مغمضة العينين تضع يدها على معدتها التي تؤلمها.
اتجه يجلس على عقبيه أمامها ويحتضن كفيها يطبع قبلة عليهما:
"ليلى حبيبي، حاسة بأيه؟"
وضعت رأسها بصدره:
"أنا كويسة، عايزة أصلي بس."
رفع كفيه واحتضن وجهها:
"حبيبي انت تعبانة، مش ضروري."
خرجت من أحضانه:
"مستحيل أسب صلاتي مهما كانت ظروفي. مسموح لي أصلي حتى لو أنا نايمة. يعني ربنا رخصلنا كل حاجة، وإحنا نستخسر فيه عشر دقايق."
صمتت هنيهة ثم اقتربت تضم وجهه وتعمقت بنظراته:
"نفسي تصلي أوي حبيبي. صدقني حياتك هتتحسن وتحس بالراحة. غير الصلاة دي أهم ركن في الإسلام. هو أنا برضه اللي هقولك أمور دينك حبيبي."
تصنم بجلوسه وأحس برعشة بكامل جسده حتى اغرورقت عيناه. وآهة خفيضة خرجت من شفتيه قائلاً وهو يجذبها ويضع ذقنه على رأسها:
"أنا كنت بصلي والله لحد ما خلصت ثانوية عامة وبقيت في الجامعة كمان. معرفش من وقت ما جه جدي وقعد معانا وكان كل كلامه تريقة عليا لما بيشوفني بصلي. كرهني في نفسي. لدرجة ماما كانت بتقولي متسمعش كلامه، هو بس زعلان عشان نفسه يصلي ومش عارف."
صمت يسحب نفسًا ويزفره واسترسل:
"بقى ياخدني معاه الشغل عشان أتعلم، ما هو أنا الحفيد الكبير وكان لازم أتعلم كل حاجة. في الوقت اللي يونس كان في أولى طب وكلية محتاجة مذاكرة وحضور كتير."
"هو يونس قدك في السن؟" تساءلت بها ليلى.
هز رأسه بالنفي واستند على الجدار قائلاً:
"أنا أكبر منه بسنتين، وأكبر من سليم بخمس سنين، وسيلين بعشرة."
وضعت رأسها على كتفه واستمعت بتركيز. ضيق عيناه ونظر إليها:
"إحنا هنقعد هنا عشان تسمعي ولا إيه؟"
قطبت مابين حاجبيها متسائلة:
"قصدك إيه؟"
نهض يحملها بين ذراعيه واتجه للبانيو:
"هكملك بعدين، لازم دلوقتي تاخدي شاور دافي وتخلعي أم قميصي اللي شكلك بتتوحمي عليه ده."
توقف وهو يحملها ينظر إليها رافع حاجبه متسائلاً:
"مقولتيش ياليلي، انتي بتتوحمي على إيه؟ كنت بسمع الستات بتتوحم على حاجات صعبة كدا."
أطلقت ضحكة خافتة ترفع حاجبها عليه.
همست بجوار أذنه:
"هتجيبلي اللي بتوحم عليه."
ضيق عيناه متسائلاً:
"هو أنا هسترخص فيكي حاجة؟"
رفعت عيناها اللامعة بسعادة مأخوذة بعشقه اللامتناهي، ونبض قلبه الذي تشعر به تحت كفيها.
"عارفة إنك مش هتسترخص."
"بس يمكن..." توقفت عن الحديث عندما أزال قميصه من فوق جسدها فأصبحت كما ولدت. جحظت عيناها تقفز للبانيو وهو يقهقه عليها. مطبقة الجفنين وقلبها يتقافز داخل ضلوعها بقوة خجلة. شعرت بكفيها وهو يدلك جسدها بهدوء متحدثًا:
"ليلى افتحي عينك، أنا جوزك على فكرة."
ظلت كما هي فتحدثت بتقطع:
"مم.. ممكن تسبني، عايزة آخد شاور لوحدي."
جذب رأسها وطبع قبلة أعلاها قائلاً:
"هسيبك يا عمري بس مش عشان إنت عايزة.. لا."
"ده عشان مشغول أوي."
قالها ونهض متحركًا، ولكنه توقف عندما استمع لقولها.
"راكان تعالى خد شاور علشان نصلي مع بعض. أنا شايفة إن دا أهم حاجة، أهم إنشغال."
استدار بجسده كليًا إليها، وارتجف جسده عندما أعادت حديثها.
"نفسي جوزي يصلي بيا جماعة، عشان لما ولادنا يجوا ويشوفونا بنصلي مع بعض يتعلموا القيم والأخلاق ونكون قدوة ليهم."
لم تشعر بنفسها وهي تخرج متجه له، تسحبه من كفيه.
"النهاردة هنبدأ حياتنا الجديدة مع بعض في كل حاجة. اعتبر الليلة دي أول ليلة لينا مع بعض. عايزاها تكون نقطة لمسح الماضي ونبدأ من أول السطر."
لحظات وهو يتأمل عيناها الراجية، وعبراتها المحتجزة تحت أهدابها، فهمست من بين شفتيها.
"لو سمحت، ولادنا عايزة نربي قبل ما نعلم. نربيهم على دينهم، ومينفعش دا من غير لما تصلي."
دنى ليحتضن وجهها.
"ليلى إنتِ أجمل حاجة حصلتلي. ربنا يخليكي ليا طول العمر."
بعد قليل كانت تقف خلفه يؤم بها لأول مرة بصلاتهما، حتى انتهى من صلاة الفجر. فجلس على سجادته بقلبٍ ينتفض حزنًا لما فعله من آثام. تذكر شريط شبابه من معاصيه، شعر بتثاقل جفونه بسبب عبراته التي تكورت به.
كانت تجلس خلفه مباشرة، تسبح ربها مع بعض أدعيتها. تركته يغسل همومه بسجدة ضاعت في غيبات عصيانه، فلا توجد سعادة أيها الإنسان دون التقرب إلى الله الواحد القهار. شعرت باهتزاز جسده، فانحنى يسجد لله كي يزيل همه من آلام قلبه المثقلة التي أظلمت بذنوبه. ظل لبعض الدقائق وهو يدعو رباه. انسدلت عبراتها من جمال مارأته بزوجها الحنون. اعتدل جالسًا يستند على الجدار، يدعو ويستغفر ربه بقلبٍ منتفض حزينٍ بما فعله. أطبق على جفنيه، فربتت على كفيه.
"مش هتقوم تروح شغلك؟"
نظر لوجهها الذي يشع نورًا.
"ما أجملك زوجتي بنور وجهك الذي ظهر به نور الإيمان."
فرد جسده متوسدًا ساقيها ثم أطلق زفرة حارة وهو يهمس.
"لا مش هروح. هعتذر. إحنا هنسافر بعد العصر، لسة بدري. المهم عايز أنام دلوقتي. عايز أنام كتير أوي ياليلى. ينفع؟"
مسدت على خصلاته قائلة.
"قوم نام على السرير، الجو برد. علشان ضهرك مش يوجعك."
اعتدل يطالعها وكفيه يلامس وجهها.
"وانتِ مش هتنامي؟ شكلك مرهق."
ابتسمت له وطبعت قبلة على كفيه الذي يلامسها به قائلة.
"هقول الأذكار، وأقرأ وردي وبعدين هنام."
رجع منفردًا كما كان قائلاً.
"هنام هنا لحد ماتخلصي. معرفش أنام بعيد عن حبيبي."
ظلت تمسد على خصلاتها، فنزلت بجسدها تطبع قبلة على جبينه.
"لو هتفضل صاحي، سبح ربنا على صوابعك ياحبيبي."
أغمض عيناه وفعل مثلما تفعل ممسكًا كفيها يسبح معها، حتى غفى بمكانه.
انتهت بعد قليل، أيقظته بهدوء، فنهض مرهقًا ثم اتجه يسحبها من كفيها.
"هنام. مش عايزك تقومي من جنبي حتى لو البيت ولع، سمعتي؟"
ابتسمت وهي تقوم بخلع إسدالها. أتت لتجمع خصلاتها، ولكنه أمسك كفيها.
"سبيهم. بحب أشوفهم وهم مفردين على وشي وأنا نايم."
حاوطت خصره بذراعيها، تتمسح به كالقطة.
"هيضايقك؟"
أخرجها يرفع ذقنها بإبهامه.
"يضايقني."
قالها وهو يرسم ملامحها المهلكة لقلبه، فاقترب يطبع قبلة مطولة على وجنتيها، ثم جذبها لصدره متجها لتختهما.
"تعرفي أنا اتمنيت كدا أد إيه؟ اتمنيت لحد ما فقدت الأمل."
تراجع بجسده يستند على ظهر تختهما واسترسل وعيناه تهيم عشقًا بعينيها.
"كنت بقول مش عايز غير دقايق بس ألمسك فيهم. أحط إيدي جوه شعرك. ألمس وشك. دنى يهمس بجوار شفتيها أقولك بحبك."
رفع كفيه يلامس وجهها بالكامل.
"واشوف عيونك الحلوة دي وهي بتبتسم بسعادة وتردي عليا وتقولي أنا كمان بحبك. ومش عايزة من الدنيا غيرك. إنت حبيبي وكل حاجة."
وضعت رأسها بصدره تحاوط خصره.
"إنت حبيبي وروحي وعمري وكل حاجة. إنت راكاني ونبض قلبي."
أطبق عيناه، فاردًا جسده، يجذبها لأحضانه لينعم بنومٍ هادئ وهي تختبأ بداخل أحضانه.
بمشفى الكومي بعد يومين. دلف يحيى الكومي لتلك المنكمشة بعد أخذها من راكان إجباريًا.
جلس على المقعد ينادي على أحد آمنه.
"فكوها وهاتولها أكل."
فعل الرجل مثلما طلب منه. بعد قليل كانت تجلس أمامه بجسد ينتفض رعبًا وعيناه الحارقة تحرقها. أشار بيديه وتحدث بصوته الفظ الغليظ.
"تعالي هنا يابت."
اتجهت إليه بساقين كالهلام، حتى توقفت تحتضن جسدها من برودة الجو.
وضع ساقه فوق الأخرى، يدخن سيجاره.
"كنتِ حاطة إيه في الحقنة ومين طلب منك تعملي كدا؟"
أنكرت حديثه وهي تهز رأسها.
"معملتش حاجة."
نصب عوده مقتربًا منها يجذبها من خصلاتها ثم لكمها بقوة بالجدار حتى أطلقت صرخة.
"هقول، هقول. اللي طلب قاسم الشربيني والحقنة كان فيه مركب يدمر أعصاب المخ بالكامل."
لم يشعر بنفسه إلا وهو يلكمها بقوة حتى نزفت رأسها، ثم اتجه إلى رجله قائلاً.
"البت دي عايزك تقطع صوابع إيديها كلها عشان تفكر مليون مرة إزاي تأذي الناس. وبعد كدا ارميها في مذبلة."
اتجه بنظره إليها قائلاً.
"آياكي أشوفك وأسمع إنك قولتي حاجة لحد."
أسرعت تتشبس بركبته.
"والله ياباشا ماهعمل كدا تاني. متخلهمش يعملوا فيا حاجة."
ركلها بقوة، ونزل بجسده يمسكها من خصلاتها.
"كنتي عايزة تموتي ابني ياكلبة؟ احمدي ربنا إني هسيبك عايشة. بس عايشة ميتة. عشان يبقى تلعبي مع يحيى الكومي حلو."
خرج متجها لمكتبه متصلًا بمدير أعماله.
"عايزك في مكتبي بعد خمس دقايق."
جلس وهو يتحدث بهاتفه بعصبية.
"قدامك يوم ومسمعش عن واحد اسمه قاسم الشربيني. عايزك تمسحه من السوق. عشان بعد كدا يفكر إزاي يقرب ويأذي ابني الحقير. كل ما يملك يكون في الأرض. وعايزك تبعتله ناس يربوا ابنه. بس مش ابنه الصايع دا. لا دا الولد اللي عند أمه بتاع الطب. مشفش فيه حتى سليمة. بس إياك تموته. مش عشان الحقير لا عشان الولد يستاهل إنه يعيش لأمه. بس لازم أبكي الشربيني عليه لأنه بيموت في ابنه دا."
بمزرعة نوح.
حاول أن يعتدل ولكنه لم يستطع. ضغط بكفه على الفراش بقوة يطبق على جفنيه وأنفاسه تحرق مايقترب منه. طاح بيديه على الكومود حتى أسقط ماعليها صارخًا.
"مش معقول. فيه حاجة غلط."
هرولت أسما التي كانت تعد له طعامه. اتجهت تقف أمامه وتحاول تهدأ من روعه ممسكة كفيه الذي بدأ ينزف.
"نوح حبيبي إيه اللي حصل؟ إيدك بتنزف كدا ليه؟"
نظر إليها بغضب.
"رجلي فيها إيه؟!"
أنا نصي اللي تحت دا مش قادر أحركه خالص ليه؟ ومتقوليش أعصاب، بلاش تستفزيني عشان مزعلكيش.
كانت تمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى لا تبكي أمامه وتضعف. فاقتربت منه وقامت بتعديل وسادته قائلة بنبرة هادئة متزنة:
"إحنا منعرفش إيه اللي في رجلك، وحضرتك دكتور وعارف إن الحاجات دي بتظهر من الأشعات. وبما إن الدكتور يحيى رافض يعمل أي أشعة هنا، فأنا معرفش غير إن حبيبي ربنا بيختبر قوة صبره وإيمانه."
رفعت أهدابها المنطفئتين وارتعش قلبها تطالعه: "أنا كل اللي فكرت فيه إنك تكون قدامي، أسمع صوتك وأشوفك بخير. ميهمنيش رجلك ولا حتى دراعك." جلست بمقابلته تحتضن كفيه بين راحتيها، وانهارت قواها الواهنة واسترسلت:
"أهم حاجة تكون قدامي وبس. دي أكبر أمنية أتمنيتها لما شفت حالتك." سحبت كفيه تضعها على أحشائها وأكملت بصوت متحشرج بالبكاء:
"مش عايزة غير إننا نربي ولادنا مع بعض، حتى لو هتفضل على الكرسي. ميهمنيش. اللي يهمني إنك موجود وعايش. ده في حد ذاته أكبر نعمة ليا."
أصعب شعور قد يمر على الإنسان هو شعوره بالعجز أمام من يحبه. نهضت للتحرك. جذبها إليه يحاوطها بين ذراعيه طابعًا قبلة على رأسها:
"آسف حبيبتي اتعصبت عليكي. خايف من اللي بفكر فيه يا أسما. خايف مقدرش أقف تاني. وقتها أتمنى الموت ولا أكون عاجز."
رفعت رأسها تنظر لمقلتيه والدموع تترقرق في عينيها وأردفت:
"صدقيني يا نوح، أهم حاجة إنك تكون قدام عيوني وبتكلمني كده. ميهمنيش الباقي. أنا واثقة في ربنا، مستحيل يوجع قلبي عليك. وعارفة إنك هتقوم تمشي تاني. بس عايز صبر وقوة تحمل."
لمست وجهه تنظر لعيناه:
"أهم حاجة إنك عايش وبس. وبعد كده كله سهل. إنت مشوفتش نفسك كنت عامل إزاي. أنا كنت فاقدة الأمل إنك تفتح عيونك تاني." سحبت كفيها على رأسه المضمد بالشاش:
"بص لنفسك وإحمد ربنا إنك معافى. يمكن ده اختبار من ربنا عشان نفوق من غفلتنا."
عصرها بأحضانها، وآهة من جوفه كأنفاسه الحارقة:
"آه يا أسما، مش هتحمل حبيبتي العجز. صدقيني مش هتحمل." ضغطت على خصره وأجهشت بالبكاء:
"إن شاء الله هتقوم تاني. نوح، أنا كنت هموت عليك. كنت مستعدة أضحي بحياتي كلها وأشوفك بتناديني باسمي بس. ده كان أقصى أمانيا. تقول رجلك؟ مستعدة أفضل طول حياتي تحت رجلك وأنت كده ولا أتحرم منك يوم واحد حبيبي. أنا ماليش غيرك يا نوح. إنت كل حياتي. تخيل لو حصلك حاجة، هيكون لازمته إيه إني أعيش."
ابتلع جمرات حزنه، معنفًا نفسه على ما قاله لها. وأخرجها يحتضن وجهها، يوزع نظراته على وجهها الذي بهتت ملامحه. فدنى يلتقط ثغرها بقبلة جامحة شغوفة يبث فيها آسفه واعتذاره.
***
دلف أسعد لوالده ينظر للممرضة التي تنشغل بهاتفها متسائلاً:
"بابا عامل إيه النهاردة؟ مفيش تحسن خالص."
اتجهت إليه مرتبكة:
"لا يافندم زي ماهو." تحرك حتى وصل لفراشه يجلس أمامه. سحب نفسًا وزفره بحزن من حالته:
"عامل إيه ياحبيبي؟ ليه الاستسلام ده يابابا؟ عندي ليك مفاجأة حلوة. استناني دقيقة وراجعلك."
تحرك حتى وصل إلى جناح سيلين الذي نقله راكان بالخلف بعيدًا عن توفيق. وطلب منها ألا تقترب منه مهما حدث.
كانت تتسطح بظهرها على الفراش تنزل ساقيها للأسفل تنظر لسقف الغرفة وهي تتذكر سقوط ليلى بسبب كلماتها الجارحة، ورفض راكان لها.
تذكرت بعدما تركت المزرعة واستقلت سيارتها. كانت تقود السيارة بسرعة جنونية تبكي:
"أنا السبب. بقيت وحشة ليه كدا؟" ضربت على المقود بقوة حتى آلمتها كفيها:
"ليه ياسيلين تعملي كدا؟ ليه توجعيها كدا؟ وأنتِ عارفة قد إيه هي عانت مع أخوكي." صمتت للحظات متذكرة حديثها المؤذي لراكان الذي أيقنت أنه سيحاسبها عليه أشد الحساب. هي تعلمه جيدًا. لم يتهاون بما جرحته به. رأت ذلك بنظراته الحزينة. عندما صفعته بقوة بكلماتها أنها لا تنتمي له. أطبقت على جفنيها، وارتفع بكاؤها:
"آسف ياراكان مكنش قصدي. والله ما كان قصدي." أمسكت هاتفها سريعًا بيد مرتعشة وقامت بالاتصال به سريعًا.
كان يقف بالمطبخ يقوم بتحضير وجبة لزوجته. استمع لرنين هاتفه. نظر به. أمسكه سريعًا وأجابها ظنًا منه قد يكون أصابها مكروه:
"سيلي حبيبتي إيه اللي حصل؟" قالها بقلب منتفض بقلب أب وليس أخ أصابه رعبًا بأن يكون أصابها شيء.
ارتفعت شهقاتها عندما استمعت للهفته وخوفه عليها. وضع ما بيده وارتفعت دقاته بعنف متسائلاً بهدوء حذر:
"سيلين حبيبتي اهدي واحكيلي إيه اللي حصل." مسحت دموعها وهمست:
"أنا آسفة متزعلش مني. لو سمحت متزعلش مني. أنا بحبك أوي. إنت أغلى واحد عندي في الدنيا دي."
تنهد بارتياح عندما علم ما أصابها فتحدث بهدوء:
"روحي ياسيلين. وبكرة نتكلم. دلوقتي مش فاضي." أتى ليغلق هاتفه استمع لهمسها:
"أبيه راكان وحياتي ما تزعل مني. وحياة ليلى عندك. أنا عارفة قد إيه إنك بتحبها. حتى بتحبها أكتر مني مش كدا ياآبيه."
توسعت عيناه ذهولاً مما قالته فاردف بهدوء. رغم ضجيجه الداخلي. وجدت سيارة يونس تعرقل طريقها. ترجل منها سريعًا متجهًا إليها يجذبها من السيارة بقوة:
"إنتِ عايزة توصلي لأيه؟" إيه صرخ بها قائلاً:
"تهورك وغضبك كان ممكن يخلي مرات أخوكي تخسر ابنها. هتفضلي عيلة لحد إمتى؟"
لكزها بصدرها وثارت جيوش غضبه وهو يضرب على صدره بقوة:
"غضبانة مني يبقى الكلام ليا. ادبحي فيا زي ما إنتِ عايزة." هدأ قليلاً ينظر لعيناها المنتفخة بالبكاء:
"إنما تجرحي ودوسي على ناس بريئة. فده لا ومليون لا يا سيلي هانم." جذبها لسيارته بعدما أغلق سيارتها متصلًا بأحد أمن القصر. ثم توجه يستقل السيارة بجوارها قائلاً:
"لازم نتكلم وبعد كده اعملي اللي انتِ عايزاه." كانت تجلس بجواره كإنسان آلي فاقدة شغف الحياة. رجعت بجسدها للمقعد مستسلمة له. فقد أنهك عقلها وقلبها بما يكفي.
وصل بعد قليل لشققته. ترجل متجهًا إليها يجذبها بعنف صاعدًا للأعلى. وصل لباب شقته ودفعها بقوة للداخل يركل بابه بقدمه.
دفعها حتى سقطت على الأريكة يدور حول نفسه ويرجع خصلاته بعنف كاد أن يقتلعها من جذورها صارخًا:
"دلوقتي راكان مش أخوكي. دلوقتي بقى حقير وقذر. ليه كان عملك إيه؟ هو فيه واحد يتحمل اللي هو اتحمله معاكي ومن غيرك؟ بقى راحة تعصي ليلى عليه. وتقولي الكلام اللي محدش يتحمله؟"
اقترب يحاوطها بذراعيه قائلاً:
"آه اتجوزت عليكي. افهمي اتجوزت عليكي. يعني إيه الكلمة دي؟ يعني من عشر سنين وأكتر لما الطفلة كبرت نسبتها لنفسي. وقولت هي وبس. هي وبعدها العالم يحترق. عارف غلط لما سمعت لجدي وروحت خطبت سارة. بس ده مش عشان محبتكيش. لا ده عشان فكرتك ضحكتي عليا. مش نسب أبدًا. ده وجع هنا."
أشار على قلبه. وهتف بصوت متقطع من كثرة آلامه:
"تصدقي بالله ده غبي إنه فكر في واحدة زيك. بس أعمل إيه قوليلي معرفتش أحب غيرك ياغبية. ارجعي بالذاكرة كده لخمس سنين ورا وافتكري إني رحتلك وقولتلك عايز اتجوز. وقتها قولتي إيه؟"
مسحت دموعها وهزت رأسها:
"متقنعنيش بكلام فاضي يايونس. علشان اللي يحب ميخونش."
جلس على عقبيه أمامها واضعا جبينه فوق خاصتها.
- سيلين أنا مخنتكيش، أنا حاولت أنساكي ومقدرتش. أنا مظلمتش حد ولا طلبت إنها تنزل الحمل، لأن الحمل جه غلطة ومكنتش حاسس بنفسي، كنت شارب كتير. مقربتش منها وأنا في وعي، وبعدها حصل حمل ومعرفتش إلا لما افترقنا بكام شهر. متوقعتش وقتها إنها تكون حامل. مجتليش إلا وهي بتنزف، ووقتها كان لازم الجنين ينزل عشان مشوه. قولتلها ده هيموت لما يتولد لأنه جسمه كان ناقص. خلتها تنزله عشان عارف النتيجة بعدها، والأشاعات تأكد كلامي، فهماني.
رفعت نظرها وانسدلت دموعها قائلة بشفتين مرتجفتين:
- كنت بتعاقبني يايونس؟ روحت اتجوزت عشان تعاقبني.
عصرها بين أحضانه يطبق على جفنيه بألم روحه قائلاً:
- كنت بعاقب نفسي صدقيني. كنت عايز أدوس على قلبي اللي مش قادر يدق إلا لطفلة. أعمل إيه وقتها وأنا شايفك إن يونس مش على بالك.
لكمته بصدره تدفعه وهي تزيل دموعها بقسوة:
- وانت كنت جيت وقولتلي تعالي عشان نتجوز. كنت قولتلي بتحبني. كل اللي قولته إنك عايز تكون أسرة وسبتني ومشيت.
ضم وجهها يضغط عليه بعنف وتحدث بنبرة فظة وعيناه تشتعل بنيران تحرق جفنيه:
- ليه مكنتيش حاسة ولا بتستعبطي؟ كنتي شايفني بعمل مع حد تاني كدا غيرك.
أه قولتلك ارجعي كدا ليوم عيد ميلادك العشرين، افتكري قولتلك إيه وقتها.
انسدلت دموعها بغزارة تهز رأسها رافضة حديثه:
- قولت إيه وقتها؟ أنا عمري مانسيت كلمة قولتهالي. كل كلمة قولتها حفظها بقلبي قبل عقلي، لأنك كنت أهم شخص في حياتي. لو بس كنت صارحتني مكناش وصلنا لكدا.
ذهل من حديثها وتراجع للخلف يدور حول نفسه كالمجنون صارخاً بها:
- عايزة إيه أكتر من إني أقولك مش بحس بالحياة إلا وانت جنبي وجوا حضني. افتكري ياهانم وقتها أنا بوستك. هو فيه واحد هيبوس واحدة إلا لما يكون بيحبها.
نهضت واتجهت حتى توقفت أمامه:
- ووقتها اعتذرتلي وقولتلي آسف وسبتني ومشيت. كنت متخيل أقولك إيه وقتها.
لا يايونس متمشيش أنا بحبك. قول كنت عايزني أمسك فيك. ماتبررش يايونس خيانتك.
أومأ برأسه واتجه للأريكة يجلس عليها، يمسح على وجهه ثم رفع نظره إليها:
- عايزة إيه ياسيلين؟ عايزاني أبعد عنك حقيقي. قالها وصمت لبعض اللحظات ينتظر ردها بلهفة.
اتجهت تجلس بجواره:
- انت فعلاً رديتني. طب إزاي.
مسح على وجهه قائلاً:
- انت عاملة توكيل ليا ياسيلين بعد ماراكان وافق على جوازنا. إيه نسيتي.
طالعته بصمت منتظرة حديثه:
- بتبصي ليه؟ أيوة اتجوزتك بيه. وراكان وليك زي المرة اللي فاتت. مقدرتش أبعد عنك. مقدرتش تكوني ملك لغيري. بس لو عايزة أطلقك معنديش مانع، بس المرادي وعد مش هضايق ولا أقرب منك. وهتنازل عن التوكيل.
نهضت تعقد ذراعيها وتنظر من الشرفة:
- سيبني وقت أقدر أستعيد قلبي اللي انت حطمته. بس عايزة أكدلك حاجة يابن عمي، لو إنت بتتوجع سنتي أنا بتوجع مليون سنتي، يعني متجبش اللوم عليا.
اتجه إليها يحتضنها من الخلف واضعاً ذقنه فوق كتفها يهمس لها:
- غلطانة ياروحي. أنا جوايا نار تحرق الدنيا كلها. بس هتحمل عشانك ياسيلين. مع إنك غلطي ودست بافترا، بس مش مهم المهم تكوني في حضني في الآخر. قالها وهو يطبع قبلة مطولة على وجنتيها.
أغمضت عيناها عندما فقدت سيطرتها على رعشة قلبها من قربه المهلك. فهمست بتقطع:
- يونس ابعد لو سمحت متضغطش عليا.
أدار جسدها إليه قائلاً:
- سيلين أنا بحبك. بلاش نعذب بعض واحنا بنحب بعض. لو عندي شك إنك مش بتحبيني كنت سبتك. ماهو مش معقول أقبل على نفسي اتجوز واحدة مبتحبنيش.
هزت رأسها متراجعة:
- سبني شوية وبعد كدا أقولك هنعمل إيه.
سحبها من كفيها خارجاً من باب منزله:
- تعالي نروح عشان مغلطش معاكي وترجعي تلوميني.
خرجت من شرودها على طرقات على باب غرفتها. دلف والدها بعد السماح له. نهضت عندما وجدته وأسرعت تلقي نفسها بأحضانه تبكي بصوت مرتفع:
- بابا أنا زعلت راكان مني وقولتله كلام قاسي أوي.
ضمها لأحضانه يربت على ظهرها:
- اهدي واحكيلي إيه اللي حصل.
خرجت من أحضانه وقصت له ما صار. جلس وأجلسها بجواره يضمها من أكتافها:
- راكان مش هيزعل منك. ده بيحبك أكتر من روحه. وبعد كدا حاولي متغضبيش تاني وترفعي صوتك تاني.
نهض يسحبها خلفه:
- تعالي معايا ومش عايز اعتراض زي المرة اللي فاتت. لازم تشوفي جدك. انسي اللي عمله وافتكري حاجة واحدة.
بإحدى المقاهي على نهر النيل يجلس أمجد بجوار نورسين وضحكاته بالأرتفاع:
- نفسي أشوف قهرته لما يعرف إني خرجت من غير حتى عنوان.
سحبت نفساً من سيجارها ورفعت حاجبها بغيظ:
- أمجد إنت وعدتني مش هتقرب منه. متعرفش أنا عملت إيه عشان أخفي كل الأدلة وأخليهم يقبلوا النقض. وأبعد راكان عنك الأيام اللي فاتت.
جذب سيجارها، ينفثه بوجهها قائلاً:
- إشبعي بيه المهم عندي ليلى يانورسين. أما راكان مايلزمنيش. وخليه يبعد عني. وطبعاً أنت عارفة هتعملي إيه.
أمسكت قهوتها وارتشفت بعضها تنظر لمقلتيه:
- راكان جالي امبارح بالليل. وقالي هيسافر النهاردة اسكندرية وهياخدها معاه. ويوهمها بالحب مع سهرة حلوة عشان تتنازل عن ابن أخوه. هو كل اللي يهمه ابن أخوه. وخصوصاً بعد ما ابن عمها طلبها للجواز.
ضيق عيناه متسائلاً:
- أومال ليه قولتي إنه بيحبها؟ وعامل حراسة مشددة عليها.
تراجعت للخلف وامسكت خصلاتها:
- أنا فكرت في كدا. لحد ما بعت اللي يراقبه. وكمان راقبت تليفونه. سمعت بيقول لحمزة إنه خلاص قرب ياخد أمير عشان يفوق لشغله وكمان يعرف يسافر مع نوح.
مطت شفتيها وامسكت فنجانها وهي تبتسم بانتشاء قائلة:
- قاله اعملي ورق فيه تنازل عن وصية أمير ليا. من غير ما ليلى تدخل. وكمان تنازل عن كل أسهم الشركة اللي تخص سليم. أما حقها الشرعي مش عايزاه، فاهمني.
رفع جانب وجهه بشبه ابتسامة قائلاً بتهكم:
- بيلعب ابن البنداري بيها. وهو وكيل نيابة وتليفونه متراقب. بس فرحان فيه وفي ليلى، خليها تستاهل عشان تحميه حلو.
وضعت كفها على كفيه:
- سيبك من ليلى. إيه مش هنسهر الليلة قبل ما أسافر له بكرة اسكندرية.
دنى يجذبها ملتقطاً ثغرها ثم ارتفعت ضحكاته بالأرجواء قائلاً بغمزة بطرف عينيه:
- لا ده اللعب هيكون للركب ياحبي. صعبان عليا أوي ابن البنداري لما ياخد حاجات متجربة.
لكمته بصدره:
- أمجد متخلنيش أزعل منك وأقلب عليك. وانت عارف قلبتي إزاي. كله إلا راكان.
أمسك خصلاتها يجذبها إليه ينظر لمقلتيها:
- هو انت بتحبيه بجد يانور.
نظرت للبعيد واجابته:
- هتصدق ولا تتريق.
سحب كفيها يقبله قائلاً بغمزة:
- هعمل مصدق. بس قولي إيه اللي عاجبك فيه.
تراجعت بجسدها وهي ترمقه بنظرات هادية عكس شخصيتها ثم أردفت:
- بحبه ومش بحبه.
رفع حاجبه متسائلاً بسخرية:
- ودة إزاي.
توقفت متجه للنيل تتشبث بالجدار الحديدي قائلة:
- بحب شخصيته وهيبته. بس مبحبش أوامره وغروره. يعني ساعات بيحسسني إني رخيصة أوي. وساعات بيحسسني إني أهم شخص. معرفش ليه.
نهض ووقف بجوارها:
- ليلى بتحبه.
اتجهت ترمقه بتهكم:
- جداً. وقبل ما تقولي حاجة، مهما هي تخبي قدام الكل بس عينيها فضحاها. شوفت لهفتها عليه ونظراتها له. دي نظرات واحدة مجنونة بحبه. وطبعاً أنا عارفة إنها عجبته في الأول بس كان عايز ليلة زي ما بيعمل وهي رفضت. رفضها له أهانته. عشان كدا اتجوزها وقرب منها غصب عنها وكانت النتيجة الحمل اللي لحقنا واتخلصنا منه زي ما أنت عارف.
وضع ذراعه على السياج الحديدي ونظرات نارية تخرج من عينيه:
- هدفعه تمنها غالي الحقير ده. إزاي يقرب منها غصب عنها.
تنهدت بغضب تشير بسبابتها:
- متقربش منه غير لما أقولك يا أمجد. وياله زهقت ولازم أنام بدري، متنساش لازم أروحله فايقة.
تحرك وهو يقهقه قائلاً:
- فرحان فيه أوي ياحبي.
اقفلي ياسيلين عشان مزعلكيش. وافتكري لو ليلى روحي فأنت قلبي. قالها وأغلق هاتفه متجهاً للأعلى. أما هي نظرت حولها بحزن مما استمعت له:
- أهي تعني له الكثير. فلماذا فعلت به ذلك.
عند راكان وليلى:
وصلا لعروس البحر المتوسط مساء اليوم التالي. ترجلت من السيارة. سحبها من كفيها متجهاً للداخل:
- الجو هنا برد عن القاهرة.
نظرت حولها وابتسامة سعيدة تنير وجهها قائلة:
- بس بعشقها ياراكان. بعشق اسكندرية أوي. بابا كان دايماً يجيبنا هنا في الصيف.
دلفت للداخل توجه للحارس متسائلاً:
- كل حاجة تمام يامحروس.
اتجه الرجل بجواره زوجته قائلاً:
- أيوة ياباشا كله تمام.
أشار لزوجته:
- سعدية مراتي عملت الأكل اللي حضرتك طلبته.
أومأ برأسه متحركاً للداخل. وجدها تتحرك ببهو الشقة تنظر بأركانها. وصل يحتضنها من الخلف:
- عجبتك الشقة ولا لا. محبتش الشالية في الجو البرد ده.
حاوطته بذراعيه:
- مش فارق أي حاجة أهم حاجة حضنك الدافي ده.
وضعت كفيه على بطنها تضحك:
- شوفت ابنك بيتحرك إزاي.
تحرك بها إلى أن وصل على الأريكة واجلسها بأحضانه يستنشق عبيرها مغمض العينين:
- ليلى بحبك.
وضعت رأسها بأحضانه وتمددت على الأريكة ومازالت بأحضانه:
- وليلى بتعشق راكانها.
تسطح بجوارها متنعماً برائحتها وأحضانها التي تنسيه همومه وأحزانه. لم يشعر بالوقت وهما مستغرقين بأحضان بعضهما سوى على رنين هاتفه، الذي جذبه ينظر للمتصل.
وضع رأسه على الوسادة ونهض حتى لا يوقظها، متجهاً للخارج.
- أيوة.. على الجانب الآخر.
- القضية بكرة الساعة اتناشر في محكمة. وبعدها فيه غدا مع بيجاد المنشاوي.
- تمام.
قالها، ثم أغلق هاتفه، ينظر لتلك الأمواج التي ترتطم بالشاطئ، تثور وتهدأ في بعض الأحيان، ولكن ثورانها أكثر من هدوئها. اقترب، يستند وأشعل تبغه، وظل يراقب أمواج البحر وكأنه يخبرها عما يكنه من آلام قلبه. فشبه حالته بها. شعر بمن تحاوطه من الخلف، تضع رأسها على ظهره قائلة:
- حبيبي واقف بيفكر في إيه؟
استدار إليها، يجذبها ويضمها من أكتافها، يشير لموج البحر.
- بشوف البحر. فجأة تلاقيه هادي، وفجأة بيثور لدرجة بيخدع الناس ويغرقهم.
استندت برأسها على كتفه وأجابته:
- أنا بعشق البحر أوي، وبحبه أكتر في الشتا. مع إني مجتش كتير في الشتا، بس بحب صحبته.
استدار ينظر لليلها الحالك مردفًا:
- بتحبي البحر أكتر مني ولا إيه؟
ابتسمت، تبتعد بنظراتها عنه، تنظر للبحر والابتسامة على وجهها.
- ليا ذكريات حلوة فيه.
ضيق عينيه وحاوط خصرها بيديه.
- لا كدا بتهزري على فكرة. ذكريات إيه دي إن شاء الله؟
رفعت عينيها وحاورته:
- كل واحد فينا عنده ذكريات، سواء حلوة أو وحشة، بس جوانا ذكريات. أنا ذكرياتي كتير مع البحر.
جلس على المقعد وجذبها بقوة حتى سقطت على ساقيه، وانطلقت من فمها شهقة.
- حاسب يامجنون!
حاوطها، يضع رأسه على كتفها وينظر للبحر.
- ليلى ذكرياتك دي تتمسح كلها، من غير ما أعرفها. ذكرياتك معايا بس. مش مسمحولك حتى تفكري في حاجة بعيدة عن حياتي. مستعد أكون كتاب مفتوح قدامك، بس ولا لحظة أشوف عقلك وقلبك منشغل بغيري.
استدارت حتى تقابلت نظراتهما، تضع سبابتها على شفتيه قائلة بخفوت مغر:
- دا على كدا عايز ليلى تكون ملكك بكل كيانها. ومش بس كدا، دا اسمه حب امتلاك.
جذب رأسها واضعًا جبينه فوق خاصتها.
- عايز حتى أنفاس ليلى ملكي وبس. مش عايز تفكر مجرد تفكير بحاجة تشغلها عني.
لامست كلماته حواف قلبها الذي ارتعش من كلماته. رفعت كفيها تحتضن وجهها.
- يعني هتخليني أمتلك راكان حتى أنفاسه؟
تنهيدة بآهة عالية خرجت من شفتيه، ينظر بعينيه إلى عينيها التي سحرته وجعلته قديساً لها. ثم اقترب يلمس ثغرها بقبلة شغوفة، يسحب أنفاسهما معاً. فصلها وصدره يعلو ويهبط بما فعلته به ساحرته، قائلاً:
- غلطانة حبيبي، لأنك امتلكتيه من أول مرة شافك فيها. أول مرة وعينيك دي سحبته لحد ما وقع ومقدرش يقوم.
حاولت السيطرة على دقات قلبها التي تدق كالطبول حتى شعر بها. فنزل يطبع قبلة موضع قلبها وأكمل ما جعل عالمها ينهار بحضرته:
- أنا اللي بترجاكي ترحمي قلبي الضعيف. كوني رحيمة بحبيبك مولاتي ومتبعديش عنه مهما حصل بينا.
انحنت على جبهته طابعة قبلة عميقة بشفتين مرتجفتين:
- مولاتك هتموت لو بعدت عنك معذبي. لم يستطع المكوث أكثر من ذلك، فنصب عوده يحملها بين ذراعيه عندما فقد سيطرة قلبه الضعيف، متجهاً للأعلى وهو يهمس لها:
- مشفتيش أوضة النوم؟ لازم تقولي رأيك فيها وخصوصاً السرير. رفعت ذراعها لتعانق رقبته تدفن رأسها بعنقه وهي تهمس له:
- سريري حضنك ياراكان، مش عايزة غيره. وصل للغرفة وهو يركل الباب بقدمه، متجهاً بها للفراش يضعها عليه بهدوء، وكأنها أغلى ما يملك، يحاوطها بذراعيه:
- عايزك تتأكدي إن راكان يبيع الدنيا كلها، حتى مستعد يضحي بحياته عشان ليلته. رفعت كفيها تغوص بخصلاته الناعمة وأجابته:
- وليلى مش عايزة حاجة غيرك وبس. لم يتبقى هناك حديث يقال، فالعشق يكتب بدقات القلوب وجنته الخالدة.
قبل السفر بيوم
تجلس بأحضانه أمام المدفأة تقرأ قصة. جذب الغطاء يضعه عليهما:
- سقعانة. هزت رأسها بالنفي:
- لا، هبرد وانت جنبي. غير كل شوية تشربني مشروبات سخنة، بطني بقت زي البالونة. وضع كفيه على أحشائها:
- هي فين دي؟ مش باين بالونة ولا حاجة. ابتسمت ووضعت كفيها فوق كفه متسائلة:
- نفسك في بنت ولا ولد؟ وضع رأسه على كتفها قائلاً:
- مش فارقة، المهم يكون عندي أولاً. بنت ولد، كل اللي يجيبه ربنا كويس. حركت كفيه على بطنها:
- حاسة هيكون ولد، ونفسي يكون شبهك اوي. اعتدل ينظر للبعيد:
- شبهي مش هتزهقي؟
- تؤ، عمري ما أزهق من روحي، إنت روحي ياراكان. ونفسي في ولد منك اوي. إيه مش عايز ولد؟
طالعها بصمت وأجابها:
- قولتلك مش هتفرق حبيبتي فيه، مش لاقي حتى عيل. بنت ولد مش مهم، المهم تكوني انتِ أمهم وبس.
- أمير. قالتها وهي تتعمق بنظراتها.
- هيفضل أمير ابنك ياراكان. هتفضل تحبه وتخاف عليه كده؟ تسائلت به ليلى.
ضم رأسها لأحضانه:
- أمير ابني يا ليلى. آه هو من سليم بس أنا اللي ربيته. أول مرة أسمع كلمة بابا منه. ضمها بقوة حتى شعرت بقوة ضمته.
- غير إنه ابن أخويا المتوفي، وابنك. مقدرش أبعده عني مهما صار.
اعتدلت بعدما شعرت بما يشعر به ودنت تضم وجهه:
- راكان إنت لسة... وضع إصبعه على شفتيه:
- كل حاجة في الدنيا دي نصيب. يمكن لو كنت أول راجل ومتعذبتش مكنتش دُقت السعادة دي. ليلى أنا سعيد ومبسوط حبيبي ودا أهم حاجة عندي، والأهم إنك دلوقتي في حضني وأم ابني. هو آه الموضوع بيكون صعب في أوله بس خلاص بتتعودي. لما تحطي افتراضات أقل من كدا.
صمت للحظات ثم سألها:
- لو عرفتي إني بخونك هتعملي إيه؟ رجعت برأسها للخلف تطالعه بصمت للحظات، جاهدت فيها لأجابته ثم اردفت:
- تفتكر الخيانة ممكن أسامح فيها؟ وبعدين معقول بعد الحب اللي بحسه معاك تخوني؟
ابتلعت جمرة حارقة من محتوى كلماته وأردفت بتقطع:
- إنت مستحيل تدبحني صح؟ أنا بشوف الخيانة دبح ياراكان. أوعى تدبحني وقتها مستحيل أسامحك. أنا واثقة فيك.
جذب رأسها لصدره وأخرج تنهيدة لا يعلم كيف سيتخلص من هذا الوخز الذي يرافق أنفاسه، وكأنها مسامير تطرق داخل رئتيه. فهمس:
- ليلى تأكدي إن مفيش ست ممكن تملى عيني، ولا تحركني مهما عملت. أنا بحبك مهما حصل عملتي. مش عايز ثقتك فيا تضعف. اوعي حتى لو شوفتني بأي شكل من الأشكال، اوعي يا ليلى تفقدي ثقتك في حبيبك.
اعتدلت تنظر إليه بصمت. حاوط وجهها:
- عارف بتسألي نفسك ليه بقول كده؟
دا مجرد كلام حبيبتي متحطيش في بالك.
ظلت تفكر بذهن شارد بحديثه، حتى توقف ناهضاً يسحبها من كفيها، ياله عشان ننام أنا مرهق جدًا النهاردة.
باليوم التالي خرج من المحكمة وقام الاتصال بنورسين:
- نور أنا في الطريق نص ساعة وأكون عندك.
تحرك متجهاً للسيارة. استقلها وصدره عبارة عن فوهة بركانية تكاد تنفجر عندما تذكر. دلف إلى مكتب حمزة وجلس أمامه يتنهد بحزن:
- وصلت لإيه؟ تراجع حمزة بجسده للخلف وتحدث:
- زي ما جواد باشا قالك، دول مافيا يابني. الممرضة فعلاً تبعهم. وكمان وصولهم لداخل بيتك دا مش مبشر بالخير. مسح على وجهه بعنف وتذكر:
- أنا عرفت ماهو أصعب يا حمزة. ليلى سقطت أول مرة مش عشان اتعصبت، لا دا كانوا عارفين إنها حامل. مرات عمي كانت بتحطلها دوا الحيوانة مشغلة الشغالة لحسابها.
فلاش
تحرك غاضباً بعدما صرخت بوجهه:
- ربنا بيعاقبك يا راكان يابنداري أفرح بقى مش هيبقى عندك طفل. آه خبيت عليك عارف ليه عشان متستاهلش. خليك كده وكل ما تفتكر إنك السبب في موته تكره نفسك. أنهت حديثها بأعين والشرر يتطاير منها ثم دفعته بعنف تبتعد عنه، وتركته مصعوقاً من حديثها الممزق. لحظات يشعر وكأن أنفاسه تسحب منه. اقترب منها وعيناه تشتعل بنيران جحيمية:
- مش هسامحك يا مدام، وهخليكي طول عمرك كده لا انتِ متزوجة ولا مطلقة. نهضت تلكمه بصدره بقوة حتى شعر بتكسر ضلوعه من حديثها المهلك لروحه.
عقد ذراعها خلف ظهرها وهمس بفحيح:
- مش هطلقك يا ليلى هعيشك في جحيم. دفعها بقوة حتى سقطت على الفراش تبكي بشهقات مرتفعة، وخرج سريعاً كأنه يحارب شيطانه. بخطوات متعثرة كلما تذكر حديثها الذي أدمى قلبه بل مزقه وأصبح أشلاء متناثرة وصل للمسبح يجلس عندما فقد الحركة يفتح زر قميصه وهو يهمس لنفسه:
- ليه يا ليلى؟ ليه تدبحيني كده؟ أغمض عينيه وتراجع بجسده على المقعد. دقائق واستمع لهمس بجوار الشجرة بمكان معتم:
- إيه رأيك يا مدام؟ شوفتي وصدقتي إن مدام ليلى كانت حامل؟ أنا شوفتها وسمعتها وهي بتكلم نفسها وحاطة إيديها على بطنها وبتقول بابا اتأخر ولازم أعاقبه. عرفت على طول تقصد الباشا الكبير.
أعطتها عايدة مبلغا من المال وتحدثت:
- عينك عليهم. شوفيهم هيتصالحوا ويقرب منها ولا إيه. دا مني لسة نورسين كمان هتديلك حلاوتك. برافو عليكي يا ميرفت. وعايزاكي تخفي الإزازة عشان لو راكان عرف هيموتك أنا بنبه عليكي تطلعي على طول ترميها. بس لو الدكتورة كملت اتفاقنا كنا ارتحنا. بس أعمل إيه في يونس المتخلف ده. لو مادخلش كنا زمانا ارتحنا وقولنا مش هتخلف تاني. البت نورسين دي عليها تخطيط جهنمي بس الدكتورة الغبية ضيعت كل حاجة. بكرة هشوف دكتور يعمل دوا للعقم احنا مش ضامنين الظروف وزي ما عملتي هتعملي في ده.
انتهى من حديثه ينظر لحمزة:
- شوفت اللي حصل يا ولاد. نهض حمزة مذهولاً يجلس بمقابلته:
- دا إيه الإجرام؟ أحس بقبضة قوية تعتصر صدره. كور كفيه قائلاً:
- حمزة ليلى حامل. والمرادي ممكن تموت لو حاولوا. اقترب حمزة يربت على ظهره:
- راكان اهدى، إن شاء الله مش هيقدروا يوصلولها. مسح على وجهه يهز رأسه:
- للأسف وصلوا. راقبونا للمزرعة يعني أكيد عرفوا إني رجعتها. المشكلة معرفش هما عارفين إيه وبيخططوا لأيه. آخرهم حلا اللي جايه تقول الولد ابنك. لا أنا لازم أهدى وأعرف أدخل بينهم صح عشان المرادي الغلطة بموتة. أمي وأبويا وأمير حولهم تعابين غير ليلى. لازم أعرف بيفكروا في إيه.
- لو على الورق سلمه للنائب العام. لم يكمل حديثه واستمع لرنين هاتفه:
- أيوة يا حسن.
- بتقول إيه؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب يا حسن شوية وجايلك.
أمسكه حمزة وهو يجمع أشياءه:
- إيه اللي حصل؟ صديق لينا عمل حادثة ومات. أسيبك وأنت أي جديد عرفني.
خرج من شروده عندما استمع لرنين هاتفه وكانت حبيبته:
- أيوة يا ليلى. على الجانب الآخر تجلس بشرفتها تنظر إلى البحر:
- حبيبي هتتأخر أنا جعانة ومش هاكل غير لما تيجي. أطبق على جفنيه يسحب نفساً ثم زفره بهدوء:
- ليلى ممكن مجيش النهاردة عندي شغل. كلي انتِ. لازم أقفل. ظل يضرب على المقود بعنف حتى كاد أن يكسر معصمه حتى وصل لشاطئ البحر. صف سيارته وترجل متجهًا لجلوس بيجاد المنشاوي:
- عامل إيه؟ أومأ بيجاد رأسه ولم يعقب على حالته:
- كويس الحمد لله. إيه ناوي على إيه؟ أشار بعينيه لهاتفه:
- كلم مراتك خليها تجهز نفسها نص ساعة وتكون قدام الشاليه. مش عايز ليلى يحصلها حاجة. هسيبها أمانة عندكم لحد ما أرجع.
- يعني إيه!
انت مش هتيجي بعدها. تساءل بها بيجاد. هز رأسه بالرفض.
"هتسافر بيها أي دولة يابيجاد؟ ومن الدولة دي هتوديها ألمانيا وهناك هكلمك. المهم متسافرش ألمانيا على طول. انت طيارتك الخاصة معاك تقدر تحدد المكان اللي شايفه أكتر أمن. مدام غنى متسبهاش أبداً مهما كانت الظروف. أنا هكلمك من الخط اللي بكلمك منه. متتصلش بيا على الرقم القديم لو سمحت."
نهض وهو يطالعه.
"مفيش حد أثق فيه بعد صحابي غيرك. وبما إن كلهم مشغولين بعملية نوح."
تنهد وهو ينظر حوله قائلاً.
"يومين وهكون عندك في ألمانيا. إحنا هنسافر كلنا بكرة الصبح. هقابلك على بالليل." قالها وتحرك سريعاً متجهاً للشاليه. وصل بعد قليل.
دلف للداخل. قابلته نورسين تحتضنه.
"حبيبي كدا تتأخر." رسم ابتسامة يبعد ذراعيها.
"أنا تعبان ومش قادر أقف. وعايز أنام." توقفت تعقد ذراعيها.
"لا مش اتفاقنا. أنا قولتلك عايزة أسهر. ونحتفل بعد ما اخدت كل حاجة."
اتجه للأريكة. "أنا تعبان حبيبتي وجعان. لو ينفع فنجان قهوة لحد ما اتصل بدليفري يجبلنا أكل."
"أوكيه هخلي الشغالة تعملك قهوة." اتجهت إليه تمسد على صدره.
"راكي وحشتني أوي." اتجه إليها بنظرة قاتمة ورسم ابتسامة قائلاً.
"انت أكتر. بس اشرب قهوة عشان أفوق كدا وهنسهر للصبح. وكمان عندي مفاجأة هتعجبك أوي."
حاوطت عنقه تجلس على ساقيه.
"بجد ياراكان؟ هتبات معايا الليلة؟" فتحت زر قميصه وهمست بإغراء.
"أنا فرحانة أوي حبيبي. أخيرا." نهض وأشعل سيجاره.
"مش هشرب قهوة ولا أروح أشربها عند ليلى." اتجهت سريعاً متجهة للداخل.
"لا ليلى إيه دي. لازم أرجعلك ثواني هعملها بأيدي كمان." أمسك هاتفه وأرسل رسالة إلى يونس.
"يونس اتحرك." بالجانب الآخر قام الاتصال بسارة.
"سارة اعملي زي ماقولتلك. هبعتلك رسالة تكتبيها بالحرف." بعد قليل اتجهت سارة إلى غرفة سيلين التي تجلس تستمع للموسيقى.
"ممكن اتكلم معاكي شوية." زفرت سيلين واعتدلت.
"عايزة إيه ياسارة أنا مش متحملة كلمة. لو يونس بعتك تحرقي دمي هضربك وأروح أضربه."
جلست سارة بجوارها تطالعها بحزن ثم اردفت.
"انتِ واحدة غبية ياسيلين. ياريته حبني ربع حبك. تعرفي بيقولي إيه؟ إن حبك بيجري في دمه ومهما تعملي ميقدرش يستغنى عنك."
كانت تستمع إليها بقلب ينبض بعنف باسمه. ورغم ذلك نهضت تدفعها بقوة.
"اشبعي بيه. أنا متنازلة عنه." تهكمت سارة بنظراتها.
"ياريت ينفع." زفرت سيلين.
"عايزة إيه ياسارة." جلست على المقعد بمقابلتها.
"عايزة أشرب قهوة يابنت عمي فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه. ولا هتكوني بخيلة." تحركت بعنف وهي تتمتم.
"هجبلك قهوة ياهانم ما أشوف آخرتها."
أمسكت هاتفها سريعاً ونقشت اسم يونس كما ظن وأرسلت الرسالة ثم وضعت الهاتف.
"لا وبتقول اشبعي بيه. دا حتى الباسورد باسمه. هبلة أوي يابنت عمي."
عند راكان.
وصلت نورسين وهي تضع القهوة تبحث عنه. كان يقف بالشرفة ينتظر روحه التي يتخيلها قلبه قبل عقله بحالتها الآن. وجد السيارة تدلف من بعيد تسأل عن رقم الشاليه. فتحرك للداخل يحمل كوب القهوة وأسقط معظمها متصنعاً.
"اووه كدا." ثم قام بخلع قميصه.
"خلي الشغالة تغسله بسرعة وهاتيه." جذبته وضحكاتها بالأرتفاع.
"هتبرد ياحبيبي لحظة وهرجع أدفهيك." نظر لدخولها بإشمئزاز. استمع لطرقات على الباب. قام بإشعال تبغه.
خرجت نورسين.
"مش سامع الباب؟ ممكن يكون الدليفري." وضع كفيه على عينيه ولم يعريها اهتمام. فتحت الباب وإذ بها تنصدم من تلك الواقفة. تنظر بالداخل تتمنى ما رأته يكون ماهو إلا كابوسًا. دفعتها ودلفت للداخل. وجدته يتسطح بهيئته التي أدمت قلبها. بلعت غصة مسننة أوقفت مجرى تنفسها متسائلة بصوت متقطع "ليه؟!". اعتدل ينظر بذهول إليها. لحظات مرت كالدهر وعيناها التي ازرفت عبراتها بغزارة وكأنها دفنت أحدهما.
تراجعت للخلف تتمنى أن يصيبها الله بالعمى وتصبح كفيفة ولا تراه بذاك الوضع.
شعرت بأن أقدامها تجمدت وكأن جسدها شل. فسقطت كمن تلقى ضربة موجعة هشمت جسدها بالكامل. وصرخة بآهة عالية خرجت من جوف حسرتها وهي تصرخ باسمه وتلكم الأرض.
"ليييييه. ليه تعمل فيا كدا."
اتجه بخطوات سلحفية يجثو أمامها.
"مش عارفة ليه." رفعت نظرها وتشوشت الرؤية أمامها تهز رأسها رافضة ما فعله.
"علشان اخد منك أمير. انت امبارح عملتي تنازل كامل على كل حاجة ومنهم أمير."
هنا انهار عالمها بالكامل. وشعرت بتوقف نبضها. فكأن قلبها لم ينبض سوى نبضًا يحرقها.
انهمرت عبراتها متزجة بنزيف روحها واشتهت الموت بكل جوارحها في تلك اللحظة فاقشعر جسدها وشعرت بارتعاشه كاملاً وهي ترحب بتلك الغمامة السوداء وهي تهمس له.
"موتني معذبي." ثم سقطت بين ذراعيه يتلقفها بلهفة قلب متألم.
حاول السيطرة على نفسه. حملها بأيدي مرتعشة ناظرا للتي تقف تنظر إليها بنظرات تقيمية.
"انت مش قولت هي متعرفش حاجة." رمقها بنظره نارية.
"معرفش يمكن سمعتني بكلمك امبارح. وبعدين مش فارق معايا أهم حاجة اخدت اللي عايزه. روحي هاتي حاجة وتعالي فوقيها انا مش طايق ابص في وشها." تحركت للداخل بينما هو نظر إليها بقلب متألم ينبض بنيران محترقة. نهض مبتعدًا عنها ونيران تتسرب لجسده كادت أن تخرج حتى يشعل المكان وما به. خرجت نورسين بعد لحظات وجدته يقف بالنافذة وينفث سيجاره بشراسة حتى اختفى خلف دخانه. وكأنه ينتقم من نفسه. حاول نورسين إفاقتها. فتحت عيناها تحرك حاجبيها بتثاقل هامسة بإسمه.
هنا فاق احتماله. حتى ضغط على الكوب الذي بيديه فتهشم بكفيه لينغرز زجاجه بكفيه. واستدار يطالع ملامحها المرتجفة.
بأعين مشوشة اعتدلت تنظر حولها. تذكرت ما صار، فاعتدلت سريعا.
نهضت وحاولت لم شتاتها. طالعتْهُ بنظرة أخيرة. تقابلت نظراتهما. ود لو اقترب واحتضنها، ولكنه استدار يواليْها ظهره حتى لا يضعف، فداخله يحترق كمرجل جف ماؤه من كثرة الغليان حتى شعر بزهق روحه.
أطلقت تنهيدة مرتعشة من عمق ليلها الحالك وخطت. فكانت كالزهرة التي تبعثرت وريقتها في مهب الريح. حاوطت خصلاتها وجهها حتى تعثرت وكادت أن تسقط كور قبضته وهو يراها بتلك الهيئة التي أشعلت نيران صدره. ود لو يحرق العالم وما به. خرجت لسيارتها ولكنها توقفت تنظر حولها بضياع. لقد خسرت كل شيء. ترى ما السبب؟
نظرات ضائعة معذبة وقلب ينتفض مذبوحاً بخنجر الخيانة.
تحركت بخطوات مبعثرة، تاركة سيارتها. سارت بين الأرصفة، لا تشعر بما حولها. فقط نيران صدرها وأنين قلبها المتمزق.
بكت بشدة حتى ارتفعت شهقاتها. واهتز جسدها وتجمد جسدها ولم تشعر بساقيها التي توقفت تنهار بجسدها على الأرض. توقفت سيارة بجوارها وترجلت منها متجهة إليها.
"قومي تعالي معايا."
رفعت نظرها بعينيها المغروقتين ولم تكن صورتها واضحة، فتساءلت:
"إنتِ مين؟"
اقتربت منها تتلفت حولها، ثم انحنت تساعدها على الوقوف وفتحت باب السيارة.
"لازم نمشي من هنا فوراً. قدامنا عشر دقايق نكون في المطار لو عايزة تنتقمي منه." قالتها غنى وهي تحاول مساعدتها.
"أنا شوفتك قبل كدا بس مش فاكرة."
سحبتها غنى تنظر حولها حتى استقلت السيارة وأرسلت رسالة إلى راكان.
"الحمد لله ياآبيه." جلس بعد خروجها وكأنه يجلس على نيران متقدة ينتظر رسالة غنى.
جلست بجواره نورسين.
"هتسيبها كدا؟ مش المفروض تلحقها لتعمل حاجة في نفسها."
نفث تبغه وكأنه لم يهتم بحديثها.
"أنا أخدت اللي عايزاه وبس. هي أكيد هترجع القاهرة عشان تاخد أمير. بس أنا سبقتها بخطوة وماما سافرت بأمير مكان متعرفوش."
قامت بإشعال سيجارها ووضعت ساقاً فوق الأخرى.
"بتخاف منك يا راكان." اتجه بنظرات قاتمة يدقق النظر لداخل مقلتيه.
"طب خافي على نفسك. أصلي أولع فيكي." اقتربت وهي تنظر لعضلاته تتلمسها بوقاحة، فنهض كالذي لدغته ثعبان قائلاً:
"هاتي القميص. بردت. الجو صعب. إيه معندكيش إحساس؟"
ضربت قدمها بالأرض وتحركت.
"حاضر هجبلك القميص." تنهد وهو يقرأ الرسالة، ثم أرسلت صورة لها وهي تستند برأسها على نافذة السيارة.
حرك أنامله يتحسس وجهها الباكي. أغلق الهاتف ووضعه على المنضدة يحاول السيطرة على نفسه حتى لا يدخل لتلك الأفعى ويخنقها.
بالداخل أمسكت هاتفها.
"مقولتش ليه ليلى جاية على الشاليه." ارتشفت من كأسه الذي يوضع به ما حرم الله مردفاً:
"كنت عايزها تمسكه متلبس ياروحي." صرخت بوجهه:
"حمار يا أمجد. دي جت واغمى عليها ومشيت. وطبعاً هو هيمشي ومش هيبات. ربنا ياخدك ياخي."
نظر إلى السيارة المصفوفة متسائلاً:
"ليه هي ليلى خرجت؟"
جحظت عيناها متسائلة:
"يعني انت مش واخدها دلوقتي؟ دي خرجت من شوية. روح على شقتها وخلص المهمة قبل ما يروح. أنا عارفة راكان هيمشي وراها. أنا شوفته كان مضايق. مهما يخبي بس حاسة إنه هيموت ويلحقها."
"ليه مش انت بتقولي هو عايز الولد بس؟"
أرجعت خصلاتها بعنف وصاحت غاضبة:
"راكان محدش يعرف بيفكر في إيه. مستحيل أسيب حاجة للظروف. اتصرف يا أمجد."
خرجت وجدته يستمع للموسيقى ويتناول الفواكه وهو يتصفح هاتفه وابتسامة على وجهه. ضيّقت عيناها مقتربة منه.
"راكان إنت مش هتمشي تلحق ليلى؟" رفع نظره إليها.
"هو مش أنا قولتلك اللي عايزاه أخدته. ليلى معدتش تهمني. تعالي ياحبي شوفي قمصان النوم دي عجبتني." تحركت تجلس على ساقيه تضم وجهه.
"بجد يا راكان انت عايز الحاجات دي." رمقها بعينيه وتحدث من بين أسنانه:
"انزلي من على رجلي. اتجننتي من امتى وانتِ بتقعدي كدا." وكأنها لم تستمع له فدنت من شفتيه.
"راكان أنا بحبك. انت ليه بتبعدني كدا. إحنا هنتجوز خلاص بعد كام يوم." هب ناهضاً مبتعداً.
"ومن امتى وانتِ بتقربي مني كدا. لحد ما تكوني مراتي احترمي حدودك." قالها بغضب حارق يحرق أحشاءه كاملاً.
جذب قميصه وتحرك للشرفة يجلس بالبرد وكأنه يحتاج لتلك الصاعقة الباردة حتى تثلج روحه التي كالفوهة البركانية وذهنه منشغلاً بزوجته.
عند ليلى توقفت السيارة وهي مازالت تضع رأسها على النافذة لم تشعر بشيء. تتذكر ما رأته. كيف لرجل أن يرسم الخداع بتلك الطريقة. نظرت إليها غنى بنظرات متألمة على حالتها، فقاطعت شرودها:
"ليلى انزلي. لازم نسافر دلوقتي." اتجهت بنظرها إليها.
"انتِ عايزة مني إيه؟ وليه واخداني؟ أنا مش هروح في حتة."
اتجهت تفتح الباب امسكتها غنى.
"مفكرتيش إزاي وصلتلك؟ انزلي ياليلى. جوزك عايز يطمن عليكي."
"أنا مش نازلة. روحي قوليله مهما يعمل مش هسامحه."
"حتى لو قولتلك هوديكي لأبنك. إحنا رايحين عند أمير." انبثقت دمعة غادرة من طرف عينيها فسقطت على وجنتيها مردفة بصوت متقطع:
"هو أخده مني. لازم أرجع عشان أخده قبل مايخده."
أمسكت غنى هاتفها وفتحته متحدثة بالهاتف مع أحدهما.
"طنط ممكن تتكلمي مع ليلى. لأنها قلقانة على أمير."
أمسكت الهاتف بيد مرتعشة وهي ترى صورة أمير الذي يلعب أمام زينب فبكت بصوت مرتفع تضع كفيها على شفتيها.
"أمير ياحبيبي ماما." تحدثت زينب.
"متخافيش على أمير ياليلى. إحنا في السعودية حبيبتي هنستنى للحج أنا وميرو حبيبي. بس متعرفيش حد. واسمعي كلام جوزك هو خايف عليكي."
سقط الهاتف من يديها تنظر حولها بضياع قائلة:
"هو إيه اللي بيحصل؟ أنا شوفته بيخوني."
سحبتها غنى متجهة لداخل المطار.
"ده هو هيفهموهولك المهم لازم نتحرك لحد ما تتقابلوا. وهو مش خانك ولا حاجة بدليل وجودي معاكي هنا. وتليفون طنط زينب. وطبعاً الرسالة اللي هو أصلاً بعتهالك من تليفون أخته. ده اللي أقدر أقوله."
أمسكت هاتفها سريعا عندما تذكرت الرسالة. قامت الاتصال بسيلين.
"سيلين انتِ فين." أجابتها سيلين.
"ليلى أنا آسفة على الكلام اللي قولته. طمنيني على البيبي. وأخبار أبيه راكان إيه. قوليله أنا بحبه أوي ومكنش قصدي أزعله."
"سيلين تليفونك معاكي." ردت سيلين حديثها متسائلة.
"بتسألي على التليفون ليه؟"
اجابتها بتريث:
- انت بعتيلي رسالة النهاردة.
هزت سيلين رأسها بالنفي:
- لا ياليلى، بس سارة بنت عمي كانت بتعمل مكالمة منه.
دقات عنيفة أصابت جسدها.
- يعني دا كان ملعوب عليا.
سحبتها غنى:
- لو سمحتي لازم نمشي عشان الطيارة.
تحركت معها وعقلها يشغل بكل ماتذكرته تربط الأحداث وحديثه بالأمس. وضعت كفيها على بطنها.
- ابوك بيعمل كدا ليه؟ عايز يوصل لأيه؟ مفكر كدا هسامحه؟
أطلقت تنهيدة مرتعشة من عمق الليل الحالك بها تهمس لنفسها:
- مهما كان ال بتخططله يارا، كان مش هسامحك على ال عملته.
تعاقبت الأيام واحد يليه الآخر حتى فقدت مجيئه بعد حديثه لها بعدما وصلت إلى ألمانيا. غابت عنها حلاوة الأيام التي عاشتها بأيامها الأخيرة.
تسطحت على الفراش تضع كفيها على أحشائها تبكي بصمت عندما شعرت بإلاشتياق إليه.
تعشقه بجنون. تعصر عيناها. دلفت غنى وهي تحمل أمير.
- حبيب مامي، إحنا جينا.
اعتدلت سريعا، تضم ابنها وتقبل كل انش به وتبكي بشهقات.
- حبيب ماما وحشتني ياماما عامل ايه.
كان يستند على باب الغرفة يطالعها بهدوء واشتياق. اشتياقه لها فاق الحدود. دقات عنيفة تدفعه إليها وسحقها حتى يفتت عظامها.
رفعت غنى نظراتها إليه. فتحركت للخارج.
- انا دلوقتي لازم ارجع القاهرة.
ارتجف قلبها عندما شعرت بوجوده من رائحته التي غزت رئتيها. فاستدارت سريعا تنظر خلفها وجدته يستند على الجدار يعقد ذراعيه. اعتدل ينظر إلى غنى.
- شكرا مدام غنى، وآسف ازعجناكي معانا.
ابتسمت وهي توزع نظراتها عليهما.
- ابدا مش مستهلة شكر، بعد اذنكم لازم انزل عشان بيجاد تحت.
أومأ رأسه وظل بمكانه لا يعلم كيف صمد حتى استمع لإغلاق باب المنزل. اتجه إليها أخيرا يحاوطها بنظراته المشتاقه يدقق بتفاصيلها.
تحرك بخطوات متمهلة يشبع روحه بالنظر إليها.
ارتجف جسدها حتى لم تشعر بأمير الذي نزل من فوق ساقيها يسرع إليه.
- بابا.
لم يشعر بأمير الذي أمسك بنطاله يرفع يديه حتى يحمله. أخيرا فاق على صوته فانحنى يحمله يطبع قبلة على وجنتيه وهو يراقب تلك التي انكمشت بجلوسها تضع كفيها على صدرها تهدأ نبضها. طبع قبلة وانزله ينادي على المربية التي بالخارج.
- خدي أمير اكليه وغيريله.
- تمام سيدي.
قالتها وهي تسحبه متجهة للخارج. وصل إليها وجلس على عقبيه يضم وجهها يرسمها بقلبه قبل عينيه.
- حبيبتي عاملة ايه وحشتيني.
هزة عنيفة أصابت جسدها وترقرق الدموع بعيناها.
- ليه تعمل فيا كدا؟ مفكر لما تعمل كدا هسامحك.
لكمته بصدره بقوة وبكت بنشيج.
- انا قلبي وجعني ياحضرة النايب، انت خدعتني، وكذبت عليا.
حاوطها بذراعيه.
- إشش اهدي ياليلى، كان لازم اعمل كدا، بطنك بدأت تبان وكان لازم ابعدك عنهم بطريقة محدش يشك فيها، اموت لو حصلك حاجة.
ناظرته بعينين هالكتين من فرط الألم.
- دا يديك الحق انك تخوني؟ لا خليهم يموتوني ارحملي من انك تخوني ياخاين.
لكمته تصرخ بجنون.
- انا بكرهك ياراكان وطلقني لازم تطلقني ياخاين يابتاع الستات.
صرخت وصرخت وهو يضمها بقوة لأحضانه محاولا السيطرة عليها على حالتها التي نوبة من الجنون.
- ليلى اهدي انا مخنتكيش، يعني هخونك وانا بقولك تعالي شوفيني.
دفعته بضعف لاتريد ان تبعده ولكن كيف تقترب بعدما الام روحها بتلك الأيام.
- انا بكرهك ومش عايزاك، ابعد عني.
احتضن وجهها هامسًا ببحته الرجولية.
- بتكرهي حبيبك ياليلى؟ قدرتي تكرهيني اليومين دول.
كان توسله بعينيه واقع مختلف حتى هدأت من ثورتها الغاضبة، وهي تعلم أن البعد عنه موت لها. هزت رأسها تزيل عبراتها.
- مقدرتش اكرهك مقدرتش ياراكان، يارب اكرهك عشان انتقم منك.
لم يدعها تكمل حديثها عندما سحب أنفاسها بالكامل، لدقائق معدودة يبث بها شوقه إليها. ولما لا والقبلة أبلغ من اي حديث يقال بين العاشقين.
تركها عندما أحس بفقدان تنفسها، يضمها أخيرا لصدره ليعود قلبه بالنبض. افترت شفتيه إبتسامة عندما شعر بها تدفن نفسها بأحضانه. تنهيدة عميقة خرجت وهو يهمس لها.
- بحبك يامجنونة ومفيش ست تقدر تاخد ربع مكانتك.
تردد صوته داخل قلبها يعصف بكيانها وعطره الحاضر. تلمست بأصابع مرتجفة وجنتيه تحسسها.
- قدرت توجعني ياراكان.
طاطأ رأسه بتأنيب ضمير قائلا.
- آسف حبيبي بس مكنش قدامي حل تاني، مكنش المفروض أقرب منك عشان اعرف أخد حقي ولو خايفة على جوزك فعلا وابنك عايزك تفضلي هنا لحد مااخلص ال بعمله.
- عارفة إنك مخنتنيش.
ارتفعت ضحكاته يغمز لها.
- دا ايه الثقة دي كلها حبيبي.
وضعت جبينها فوق جبينه وهمست له.
- دا عشق مش ثقة ياأبو كيان.
جحظت عيناه وهو ينظر لبطنها.
- عرفتي انك حامل في بنت.
وضعت رأسها بصدره تلكمه بقوة.
- كان نفسي تكون معايا، بس شوف عملت ايه، حتة بنت حقيرة خلت راكان البنداري مش عارف يتصرف.
رفع ذقنها ينظر إليها عاجزا على الرد حتى لا يخفيها قائلا.
- اي حاجة بتتعلق بيكي بموت رعب، أنا فيه واحدة ماتت في حضني ياليلى، ومكنتش بحبها كدا، متخيلة المنظر، متخيلة ممكن يحصل ايه، هموت لو حصلك حاجة.
دفنت رأسها وهاتفته غاضبة.
- ولما تقرب منها كدا بتحميني ياحضرة وكيل النيابة.
تسلطت عيناه على شفتيه بعدما أخرجها من أحضانه، وهو لايعلم ماذا يفعل حتى يخرص تلك الشفاة التي أراد سحبها. من أين أتى بكل هذا البرود يستمع إلى سخافتها ولا يروي روحه الظمأنة من الاقتراب منها عزم أمره وهو يعلم ماذا ستفعل به، فحملها بين ذراعيه متجها لفراشهما وتحت بصوتا كالصقيع.
- بعدين احكيلك قصة على بابا والأربعين حرامي دا.
وضعها على الفراش يعانق عيناها.
- ليلى وحشتيني، بلاش توجعي قلبي بكلامك دا، لو قلبك مصدق اني خونتك قوليلي أمشي حالا وهمشي حالا.
انسدلت دمعاتها تجذب زر قميصه تلكمه بصدره.
- عجبك عضلاتك وانت مفتخر بيها قدامها، هو لازم الخيانة تكون سرير ياراكان، دي اكيد قربت ولمست حاجة تخصني.
انحنى يوزع قبلاته بكل انش بوجهها.
- وحياة ليلى عندي وماقربت مني ولا خليتها تلمس حاجة ملك مولاتي.
وصلتك رسالتي مش كدا.
تذكرت رسالته التي ارسلها بالأمس يكتبها بها.
قالت... لي ماذا بعد الحب.
قلت ....لها العشق.
قالت..... وما أكبر من العشق.
قلت ....لها الامان أن نغضب ونثور وقد نتخاصم.
ولكن كل منا يعلم أن كل هذا سينتهي ونظل هكذا مولاتي.
بحبك قالها وهو يرتقي بها لجنة نعيمه التي لا يشعر سوى بها ومعها.
بفيلا النمساوي.
ثارت وهي تدور كالمجنونة.
- يعني ايه مش لاقينها؟ عايزة اوصلها قبل ماراكان يوصلها، دا ابوها قدم بلاغ انه مش لاقيها.
اتجهت والدتها إليها بنظراتها.
- مايمكن راكان بيلعب عليكي.
هزت رأسها رافضة حديث امها.
- لا يامامي، راكان كان معايا واتصل بيها كام مرة وتليفونها مقفول، ودور عليها بعد ماابوها كلمه.
قاطعها رنين هاتفها.
- أيوة ياامجد، عرفت حاجة.
- معرفتش غير انها ركبت في عربية تبع بيجاد المنشاوي.
ب عيادة يونس دلفت إليه إحدى السيدات للكشف، ترتدي نقابًا بجوارها فتاة بعقدها العشرون. جلست الفتاة أمامه تتحدث.
فطالع المنتقبة.
- يعني هي الحامل ولا إنت؟
لم يكمل حديثه عندما رأى تلك التي ترفع نقابها وترفع سلاحها المكتوم تشير إليه.
- دا عشان ابن عمك أخد ابني بالغصب.
لم يسعفه الوقت الا عندما اخترقت الرصاصة صدره.
ب فيلا قاسم الشربيني.
بدأ يثور كالمجنون بعدما اتصل به مدير أعماله.
- للأسف ياقاسم باشا، اسهمنا بقت في الارض، والكل بعت يسحب عروضه من عندنا.
اغلق الهاتف وهو يصرخ. ولم يكمل حتى دلف احد الأشخاص.
- معرض السيارت ولع كله ياباشا، والخسارة فادحة.
أمسك الهاتف والقاه بالجدار يتهشم متناثرا ويصرخ.
- هموتك يايحيى ياكومي.
اتجه لهاتفه وقام الأتصال بأحد الرجال.
- عندك شخص عايزك تصفيه، هو في مشفى( ) هبعتلك التفاصيل.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سيلا وليد
بمزرعة نوح
جلس يحيى بمقابلته، يجلس وجسده كالنيران التي تحرق دواخله، وتلاحقت أنفاسه الحارقة وهو يتحدث بفظاظة:
- الحيوانة عايزة تموتك هي وأبوها، وربي لأدفنها مكانها ومش بس كدا، لأفضحها الفاجرة دي.
حاول نوح التحدث معه بهدوء حتى يخرجه من حالة الثوران فتحدث:
- بابا لو سمحت، أنا طلقتها وخلاص، مش عايز منها حاجة، ولسة متأكدتش إن الولد ابني ولا لا، فلو سمحت ممكن متدخلش.
نهض وهو يصيح بغضب:
- عايزني أهدى بعد اللي عملوه فيك؟ إنت قاعد على كرسي متحرك يابني، فاهم معنى الكلام دا يعني إيه؟
دلفت أسما وهي تطالع يحيى بغموض وتحدثت حتى لا تحزن زوجها:
- دا نصيبه يا عمو، بلاش نعترض على حكم ربنا، المفروض نحمد ربنا.
جلس عندما فهم ما ترمي إليه أسما فأردف:
- عارف اتعصبت شوية بس من اللي حصله، اتجه يجلس بجوار ابنه يربت على ظهره.
- متزعلش مني يا حبيبي، أنا آسف عارف دا كله حصل بسببي.
اعتدل يحيى ينظر إلى أسما:
- عاملة إيه يا أسما؟ وأخبار أحفادي؟
مسحت على بطنها مبتسمة:
- الحمد لله بخير، خلاص يا جدو بقالنا تلات شهور وهتلعب معانا.
ألتمعت عيناه بسعادة مأمنا على حديثها:
- إن شاء الله يا بنتي، خدي بالك عليهم واتغذي كويس، وبلاش إرهاق، أنا جبتلك سفرجي كمان مع سيدة عشان متتعبيش نفسك.
جلست بجوار نوح تربت على ظهره:
- أنا كويسة ومش محتاجة حاجة بدل نوح معايا يا عمو صدقني.
قاطعهم دلوف حمزة وهو يحمل بعض الورود بجواره درة، ألقى تحية المساء:
- مساء السعادة يا دكتور نوح.
لم ينتبه ليحيى الجالس بجوار الشرفة، دلف متجهًا يلكز نوح بابتسامة:
- بقيت زي الحصان يا حمار بعد ما نشفت دمي، وخضتني لما قطعت الخلف.
حمحمت أسما وهي ترفع حاجبها اتجاه يحيى تهز رأسها.
ضيق عيناه ثم توجه للذي يجلس يطالع حمزة بصمت، رفع حمزة كفيه مشيرًا:
- دكتور يحيى، آسف مأخدتش بالي.
ابتسم يحيى بمحبة قائلاً:
- إزيك يا متر عامل إيه.
جلس بمقابلته:
- الحمد لله والله بعد اللي ابنك عمله نحمد ربنا في السراء والضراء.
رفع بصره إلى درة:
- عاملة ايه حبيبتي.
دنت إليه بإستحياء تبتسم:
- عامل ايه يا عمو، وأخبار خالتو إيه.
ربت على ظهرها:
- خالتو كويسة كانت هنا وروحت عشان لميا هتسافر الصبح، إيه مش ناوين تفرحونا وتتجوزوا بقى.
نزلت ببصرها للأسفل تفرك كفيها، توردت وجنتيها مبتلعة ريقها بصعوبة بسبب خجلها، أجابه حمزة عندما شعر بحالتها قائلاً:
- نطمن على نوح الأول، مش إحنا هنسافر بكرة إن شاء الله.
أومأ يحيى قائلاً:
- إن شاء الله، بس مفيش داعي يا ابني تعطل نفسك وتيجي معانا، إحنا كلنا هنكون معاه، وكمان راكان هناك.
قاطعه حمزة ينظر إلى نوح وكأن هناك ما يؤلم روحه من نتيجة العملية إذ لم تنجح فأردف:
- مستحيل أسيب نوح، إحنا عمرنا ما اتخلينا على بعض يا عمو، وهنفضل وراه لحد ما يوقف على رجله.
قاطعهما رنين هاتفه وكانت الممرضة الخاصة بيونس:
- أستاذ حمزة، أستاذ حمزة.
كررتها عدة مرات مردفة:
- ضربوا دكتور يونس بالنار، وحالته خطيرة.
هب فزعا كالملدوغ، وغصة تحكمت من مجرى تنفسه فهمس بتقطع:
- بتقولي إيه.
اتجه للخارج سريعا دون حديث، أسرعت درة خلفه ولم يستمع لصوت نوح الذي يناديه، وصل إلى سيارته:
- حمزة إيه اللي حصل؟
نظر إليها بتيه وكأنه أصيب بصاعقة فتحدث:
- يونس انضرب بالنار، لازم أروح المستشفى بسرعة، راكان في ألمانيا.
استقل سيارته وقاد السيارة بسرعة جنونية وهو يتمتم:
- إيه اللي بيحصل دا.
أمسك هاتفه ليحادث راكان ولكن هاتفه مغلق.
بقصر البنداري، كانت تجلس تعقص خصيلاتها بقلمها، وهي تدرس بعض موادها الصعبة، أمسكت هاتفها تنظر إليه بملل، فمنذ الأمس لم يرسل إليها شيئًا.
تراجعت على المقعد تحتسي مشروبًا دافئًا، استمعت لطرقات على باب الغرفة:
- ادخل.
دلفت سارة وهي تدخل رأسها:
- ممكن أدخل ولا أرجع.
زفرت بحنق وتحدثت هازئة:
- لا ولو قولتلك لا يعني مش هتدخلي، ادخلي ياباردة ما أشوف آخرتها إيه إنتِ ودكتور الستات بتاعك.
قهقهت سارة تجذب مقعدًا وهي تحدق بها:
- يابت بلاش شغل لا بحبه ولا بقدر على بعده.
وضعت سيلين كوبها ورمقتها ساخرة:
- عايزة إيه يا سارة؟ ماهو ما تحوليش تفهميني إنك بقيتي كويسة، ولا كمان بتشجعيني عشان أرجع ليونس اللي هو حبيبك.
جذبت سارة القلم من خصلاتها الناعمة فانسدل على ظهرها حتى تمرد على وجهها.
طالعتها سارة بإعجاب فتحدثت:
- يونس يستاهل واحدة في جمالك يا سيلين، إنتِ جميلة فعلاً، ومش بس شكلك، لا كمان قلبك أبيض، عشان كدا هو يستاهلك.
يونس جميل قوي وحنين يا سيلين، واكيد إنتِ تعرفي دا أكتر مني.
نهضت متجهة للشرفة تعقد ذراعيها وتتوجه بنظراتها للحديقة، متنهدة بحزن وألم معًا:
- أنا مش عايزة الجمال والحنان يا سارة، قد ما محتاجة الحماية والثقة، ياترى يونس هيقدر يخليني أثق فيه، بعد اللي عمله ولا لا.
استدارت وطالعتها بهدوء رغم النيران المتقدة قائلة:
- لو كنتي ترضي إن جوزك وحبيبك يخليكي محطة في حياته، أنا ميرضنيش.
تحركت حتى وصلت إليها:
- كله إلا الخيانة يا سارة، ويونس خاني مرتين، مرة معاكي ومرة مع غيرك.
توقفت سارة تهز رأسها وترقرق الدمع بعينيها نادمة على ما قدمته يداها قائلة:
- يونس مخنكيش معايا صدقيني، أنا اللي عملت دا كله.
جلست بمقابلتها:
- مش قصدي دا أبداً، قصدي أنه وافق الارتباط بيكي وهو بيحبني، تقدري تقولي إن دا في نظري مجرد خيانة، مجرد إنه يوافق على حاجة ويدوس عليا فدا خيانة ليا.
قاطعهما صوت زينب التي تحدثت بصوت مرتفع:
- مين اللي ضربه بالنار يا أسعد؟ طيب ياله مش هنروحله.
هبطت سريعا درجات السلم ظنا أنه راكان، هرولت إلى والدتها تبكي:
- ماما راكان حصله إيه.
اتجهت بنظراتها الحزينة:
- دا يونس حد ضربه بالنار.
شهقت واضعة كفيها فوق فمها متراجعة للخلف بحدقتين متسعتين، وهي تهز رأسها رافضة حديث والدتها، فتحدثت بتقطع:
- يو..نس، يو..نس، انضرب بالنار.
قالتها وعبراتها تجري كالسيل على وجنتيها، اقتربت والدتها تضمها لأحضانها:
- اهدي حبيبتي إحنا هنروح دلوقتي ونشوف إيه اللي حصل.
صرخت باسمه صرخة اقتلعت القلوب، وانتفضت تهرول سريعا بثيابها المنزلية اتجاه سيارتها وهي تبكي بشهقات مرتفعة:
- يونس، آه، آه.
قالتها وهي تقود سيارتها متجهة للمشفى بسرعة جنونية.
بألمانيا بشقة بيجاد التي تأجرها، وضعها على الفراش يغرز نظراته بليلها، يحاوطها بجسده:
- كنتي بتقولي إيه برة، سمعيني كدا.
شعرت بقشعريرة لذيذة دبت بسائر جسدها تأثراً بلمس أنفاسه لبشرة عنقها وهو يهمس لها بجوار أذانها.
ارتجفت شفتيها وتعمقت بنظراته ترسمه بإشتياق قائلة:
- لو شايف اللي عملته صح وهعديه يبقى بتحلم، مستحيل أسامحك بعد اللي شوفته.
اتسعت حدقتيه متصنعا ذهوله:
- ليه كنت عملت إيه، عشان كنت خالع القميص، اومال لو شفتي.
رفعت إبهامها على شفتيه، وانسدلت عبراتها بقوة أذهلته:
- لو محستش بوجعي يبقى مالوش لازمة العتاب.
شعر بأنياب حادة تنهش قلبه بنيران مشتعلة، وهو يرى دموعها، أزال عبراتها بإبهامه وهو يزفر بحزن، ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها:
- ماتوجعيش قلبي حبيبي، وحياتك عندي مقربت منها ولا حتى خلتها تلمسني.
لكزته بصدره وصرخت به:
- هو باللمس يا حضرة النايب بس، إنت خلعت قدامها، عايز أكتر من كدا إيه.
مازال محاوطها بذراعيه، دني حتى لامس ثغرها يداعب وجهها بأنفه:
- ليلى.
همس بها ثم أكمل:
- إنتِ شايفة ممكن أخونك حبيبي، ليه متعرفيش إنك هزتي عرش البنداري ولا إيه.
رفعت نظرها وتقابلت بشمسه قائلة:
- قلبي وجعني أوي يا راكان، جوايا نار مش قادرة أطفيها.
تألم لقهرها منه، رفع كفيه يمسد على خصلاتها وأمسك بعضها يضعها خلف أذنها متحدثاً.
- آسف ياحبيب عمري، وعد مش هوجعك تاني، خلي عندك ثقة فيا.
رفع ذقنها يلامس وجنتيها بإبهامه.
- ليلى أنا مش شايف غيرك، إنت ملكتيني، متخليش شيطانك يأثر عليكي.
انحنى يقبل موضع نبض قلبها قائلاً.
- آسف لقلب حبيبي اللي اتوجع بسببي. كرر فعلته مرة أخرى، ارتفع نبضها فأصبح كالطبول، شعر بها من خلال هبوط وارتفاع صدرها، احتضن وجهها ودنى يبتلع عبراتها التي وخزت قلبه مردفاً بآسف وقلب متمزق.
- آسف.
رفعت كفيها تمشط بها خصلاته، تطالعه بإشتياق، تقابلت نظراتهما المتلهفة، هو بأسفه وهي بإشتياقها الذي حاولت إخفائه، جذبها لأحضانها يعصرها بين ذراعيه وآهة خفيضة خرجت من جوفه، إن دلت تدل على آلام روحه.
تمسحت بصدره تستنشق رائحته بإشتياق ولهفة هامسة له.
- تعبانة أوي ياراكان، محبتش غيرك، بحبك معذبي.
أطبق على جفنيه يتلذذ كلماتها التي اخترقت جدران قلبه، ليخرجها متلهفاً وهو يحتضن وجهها يقبل كل إنش بها قائلاً.
- روح وحياة وكل حاجة حلوة لمعذبك. قالها وهو يقتنص من ثغرها الذي يشبه حبة الفراولة، ظل يختمر من سكر شفتيها، إلى أن صعد بها لترانيم عشقه بجنته الخالدة لروحها ومغذي قلبها الضعيف.
بعد فترة كانت تتوسد ذراعيه تتلمس باناملها ملامح وجهه، اغمض عينيه منتشياً، يستمتع قربها بروحه ورائحتها المسكرة تعبأ رئتيه وكل عشق الدنيا يتزاحم داخل قلبه.
دنى يهمس أمام شفتيها.
- تعرفي منمتش من يوم ماحضنك فارقني، بقيت زي الطفل اللي محتاج حضن أمه عشان يستكين وينام. رفرفت بأهدابها الكثيفة تحاول السيطرة على ارتعاشة دواخلها.
- أنا مصدقتش إنك تعمل فيا كدا، قلبي قالي مستحيل حبيبك يوجعك كدا، لو قبل كام شهر كنت ممكن أدوس على قلبي، بس بعد اللي حسيته معاك، مستحيل تخدعني. لامست بكفيها صدره موضع نبضه وتعلقت نظراتها بشمسه.
- الشفايف بتكدب، وساعات العقل كتير العقل بيكدب عليك، بس دا مستحيل يكدب. قالتها وهي تشير لنبض قلبه.
لف خصرها يقربها إليه حتى لم يفصل بينهما إنش، مطبق الجفنين وصدره يعلو ويهبط من لذة قربها وانفاسها العطرة، قائلاً بتثاقل شفتيه.
- كنت خايف عليكي أوي. لامس بطنها ينظر إليها.
- خايف على ابننا ليضيع مننا تاني، ورغم خوفي مقدرتش أقولك، عشان عارف إنك هتضعفي وضعفك هيضعفني.
***
ازال خصلاتها المتمردة فوق عينيها، وهو يحاورها بدقاته.
- بس حبيبي أخيرا عقل ومتجننش. ابتسمت تضع رأسها بصدره.
- مين قالك إن الست ممكن تكون عاقلة لما تشوف جوزها وحبيبها في حضن واحدة تانية، دي ممكن تجنن، أنا الصدمة بس اللي خلتني مقدرتش أعمل حاجة، وكمان خوفت على بنتك اللي في بطني.
طالعته بعيون راجية، وقلب ينزف.
- فكر في أي حاجة إلا كدا ياراكان، مش قادرة أتحمل الوضع دا، والله ماقادرة حرام عليك، إلا صبرني إنها ماحاولتش تلعب قدامي.
تحولت لقطة شرسة معتدل على الفراش.
- عارف لو كانت حاولت تعمل حاجة قدامي، كنت هولع فيكم انتوا الاتنين.
كان يود لو يطلق العنان لضحكاته، من غضبها اللذيذ ولكن دموعها التي سقطت من ليلها، سقطت على قلبه كجمرة نارية فجذبها يحتويها بين ذراعيه.
- اهدي ياليلى، تفتكري كنت هسكت على كدا. وصل إلى عقلها هاجس استذكره قلبها فتحدثت.
- إزاي قدرت تقنعها إنك بتضحك عليا، وإنك صادق معاها، ليه نورسين بالذات اللي بتقرب منها، لو سمحت ياراكان ريح قلبي وابعد عن البنت دي، حاسة إنها فاهمة كل حاجة وبتلعب بينا.
جذب رأسها بصدره يمسد على خصلاتها متراجعاً يستند على الفراش.
- لولة حبيبي، نورسين شاكة عارف، بس اللي عملته في الآخر قطع شكها دا. رفعت عيناها إليه.
- وإيه هو اللي عملته خلاها تصدقك ياحبيب ليلى، ممكن تقنع حبيبتك إنها مش هتلعب بينا.
احتضن وجهها بين راحتيه، ينظر لمقلتيها مردفاً.
- أنا مش أهبل حبيبي وأعرف أتصرف كويس، دي كانت حاطة جهاز تصنت في تليفوني، وسبتها ورغم شوفتها بس سبتها، الشغالين عندنا في القصر فيه منهم شغالين لحسابها، غير الراجل اللي بعته يراقبنا واحنا في بيت المزرعة، تفتكري دي واحدة ممكن ألعب معاها بسهولة.
انزلت كفيه وترقرق الدمع بعيناها.
- وليه بتعمل كل دا، قولي عشان إيه، وليه أنت مستحمل قرفها دا.
ازال عبراتها واحتضن كفيها متنهداً.
- فيه حاجات مينفعش أقولها، دي أسرار شغل حتى لو إنت مراتي، بس فيه حاجات حبيبي مينفعش أقولها، عايزك تتأكدي إنك الوحيدة اللي مستعد أهدم الكون عشانها، لو سمحتي لازم توقفي جنبي، مش هقولك غير إني عايز أرجع حق سليم، كفاية دي ياليلى.
لفت ذراعها حول خصره وتنهدت بألم.
- هحاول ياراكان، بس ماوعدكش هفضل هادية. تسطح على الفراش يجذبها لصدرها.
- تعالي نامي أنا هلكان وماصدقت أحضنك عشان أنام.
كانت شاردة بحديثه حتى أخرجها وهو يداعب وجنتيها.
- حبيبي نامي ووعد عمري ماأكسر قلبك، أنت غالية على روحي ياليلى، دا لو مكنتيش روحي حبيبي.
استندت بذراعيها على صدره.
- مش هتاكل، أنا جعانة. فتح جفونه بتثاقل وتحدث بإرهاق.
- إزاي تفضلي من غير أكل لحد دلوقتي. نزلت ببصرها للأسفل قائلة.
- مكنش ليا نفس، كنت بحاول أكل أي حاجة عشان البيبي بس. داعب شفتيها بإبهامه.
- عايزة تاكلي إيه أخليهم يعملوه. وضعت رأسها على صدره.
- أي حاجة مش فارقة، المهم أنت هتاكل معايا فالأكل اللي تجيبه هاكله. اعتدل يجذب قميصه ويرتديه وهو متجها للخارج.
- هشوف آغا تطلب بيتزا إيطالي عارفك بتحبيها.
نهضت سريعا تقف أمامه تدفعه بيديها.
- قولي هو أنت فرحان بنفسك وبعضلاتك ولا إيه بالظبط، إزاي عايز تخرج للشغالة كدا، البس هدومك الأول يامحترم، ولا القعدة مع نورسين نستك إن فيه ست معاك.
قهقه عليها وهو يرفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته.
- قطة شرسة مولاتي. دفعه تصيح به.
- نزلني يابتاع الستات، وروح ياخويا وريهم.
رفع حاجبه مشاكسًا إياه.
- طيب أعمل إيه جوزك حلو الستات كلها بتجري وراه. لكمته بيديها الاتنين.
- نزلني ياحلو يابتاع الستات، والله هشوهك عشان تفرح بحلاوتك دي. توقف يطالعها حتى تعمق النظر بعيناها.
- دا اعتراف من مراتي الحلوة، إن جوزها حلو. وضعت رأسها بصدره ولم تجبه، اكتفت بالصمت لأنها تعلم أنها ستكون الخاسرة بالتأكيد.
***
خرج بها متجها للمطبخ واجلسها على الرخامة، بعدما أمر الجميع بالخروج.
- مولاتي عايزة تاكل إيه وأنا تحت أمرها. تحرر من صدرها نفساً ناعماً مبتسمة ترفع حاجبها بشقاوة وتهز ساقيها.
- عايز تفهمني راكان البندراي بيوقف في المطبخ وبيعمل أكل.
حاوطها بذراعيه وضحك ضحكة خفيفة قائلاً ببحته الرجولية العذبة.
- مولاتي تؤمر وأعملها أي حاجة. توسمت بملامحه القريبة، واطالت التحديق تتأمل ملامحه البهية بإنبهار وأعين تفيض عشقاً، وضعت كفيها تلامس وجنتيه، وانحنت تضع جبينها فوق خاصته وفؤادها الذي أصبح كنسمة ربيع، وروحها أصبحت مثلجة بعدما شعرت بنيرانها كفوهة بركانية.
- تعرف اللي بتعمله دا هيتقلب ضدك. رفع شمسه يطالع ليلها بأعين متسائلة.
حركت أناملها الرقيقة تداعب وجهه وابتسامة ثغرها وعيناها جعلها كفاكهة شهية للالتهام، تعلقت عيناهما فتحدثت.
- هتحولني من حبيبة، لمجرمة في عشقها، يعني ممكن أقلب لمجرمة لو شميت ريحة مش عجباني.
قهقه عليها بصوت مرتفع، ثم رفع كفيه عند شفتيها يتلمسها.
- الشفايف دي بترمي قنابل إنما إيه، بس بردو بتغريني. قالها وهو يلتهمها. تراجع بعد لحظات وهو يشير إلى المبرد.
- أنا مبعرفش أعمل غير بيتزا. ناظرته جاحظت الأعين قائلة.
- واو بتعرف تعمل بيتزا مرة واحدة، طيب كويس والله، شيف راكان باشا بيعمل بيتزا، ممكن بقى تجبلي فوني عشان أصورلك.
- اتجه يخرج محتويات البيتزا، وانشغل بها قائلاً.
- من وقت ماطلبتيها من سليم، وأنا كررت أتعلمها، لما عرفت إن دي أكلك المفضلة. قالها وهو يقوم بتشغيل العجان.
ألجمها حديثه، وشعرت بتخدر لسانها الذي عجز عن الحديث، نزلت بهدوء متجهة إليه وتوقفت خلفه، تورمت غصتها وازدرد ريقها بصعوبة فتحدثت بشفاتين مرتجفتين.
- اتعلمت عشاني، يعني حتى وأنا متجوزة روحت اتعلمت تعمل حاجة أنا بحبها. توقف عما كان يفعله، وشعر بالاختناق حتى لم يستطع التنفس عندما تذكر تلك الأيام، استدار بهدوء محاولا السيطرة على آلامه الذي بدأت تعيق تنفسه من ذكريات مؤلمة، فرسم ابتسامة وتحدث.
- آه عادي، حتى لو متجوزناش بس كنت ناوي أعملها عشان أفرحك بيها، بما إنك بتحبيها وكنتي حامل. رجع مرة أخرى وأكمل.
- بس جت مشكلة سليم الله يرحمه مع فرح، وبعدها. احتضنته من الخلف وانسابت عبراتها على وجنتيها.
- آسفة ياراكان، بتمنى تسامحني حبيبي، والله والله ماكنت أعرف. استدار إليها يحاوطها بين ذراعيه.
- ممكن أعرف بتعيطي ليه دلوقتي، يعني واقف في المطبخ وكمان بتعيطي، بدل ما تفكري إزاي تفاجيني عوضاً على وقوف راكان في المطبخ.
ابتسمت من بين دموعها، ورفعت نفسها عندما توقفت على أصابع أقدامها تحاوط عنقه وتقبله قبلة سطحية على شفتيه.
- تعرف حبك بقى عندي هوس، يعني شوية وهتخليني مهوسة بيك، ودا مش حلو على فكرة. رفعها من خصرها.
كم كانت جميلة رغم شحوب وجهها من حملها، تعمق بعيناها ونظرته الحالمة لوجهها الذي عشقه هامساً لها.
- ودا المطلوب إثباته حبيبي، عايزك تتهوسي بيا ومفيش غيري اللي يشغل بالك.
ابتسمت واتجهت بنظرها للذي يفعله.
- إيه أنا جوعت ولا بتاع كلام وخلاص. أطلق ضحكة صاخبة، فانزلها بهدوء واتجه يكمل ما كان يفعله.
***
جذبت بعض الخضروات ووقفت بجواره.
- هعمل سلطة، آهو بساعدك عشان متقولش إني بمساعدش.
ابتسم لها وتحدث.
- طبعاً ياحبي عشان الأكل يكون له طعم، لازم إيدك الحلوة دي تشارك. وقفت وقامت بغسل بعض الخضروات بعناية، واعدت جميع السلطات التي يحبها زوجها، كانت تراقب كل حركة وايماءة تصدر منه وتحفظها على ظهر قلب، بعيون سعيدة قامت بعمل فيديو لهما وهما يعدان الطعام مع مزحاتهما لبعضهما، انتهى بعد فترة، قامت بتفريغ السلطة ووضعتها على طاولة الطعام، وجلست تنتظره حتى فرغ مما يعمله، واتجه إليها يضع أمامها ما أعده، جلس بجوارها.
- دوقي وقولي رأيك حبيبي. قالها وهو يقطع جزء ويضعه بفمها.
- تسلم إيدك حبيبي طعمها حلو أوي. تلمت زاوية فمه بعبث قائلاً.
- دا اللي ربنا قدرك عليه حبيبي، فكرتك هتاخديني على الأوضة.
جحظت عيناها من مغزى حديثه. ارتبكت من نظراته، تنظر إلى الطعام تلوكه بهدوء وهو يطالعها بصمت. أشارت له:
- إيه مش عايز تاكل؟ مش جعان؟ أنا عملتلك السلطات.
جذب من أمامها الصحن الذي يوضع به قطع البيتزا.
- لا هاكل من ده.
ضيقت عيناها تشير إلى البيتزا.
- انت هتاكل منها؟ من إمتى بتحبها؟
قام بتقطيع جزء منها يلوكها بهدوء وهو يتعمق النظر بعينيها.
- مش قولتلك أي حاجة بتحبيها أنا بحبها.
توقفت متجه إليه وجلست فوق ساقيه تحتضن عنقه، تضع رأسها على كتفه تطعمه وهي سعيدة. لم يحيد بصره عنها.
- كملي أكلك.
نهضت مردفة:
- شبعت.
توسعت عيناه وهو ينظر للطعام.
- بتهزري يا ليلى؟ يعني بعد التعب دا كله مش هتاكلي؟
وضعت رأسها بصدره تهز رأسها رافضة.
- شبعت عايزة أنام.
أخرجها يضمها لصدره.
- كلي الأول وبعدين هنام. ما أكلتيش حاجة.
أنزلت كفيه الذي يمدها بالطعام.
- شبعت والله ولو أكلت حاجة تاني معدتي هتقلب. انت كمل أكلك وأنا هروح آخد شاور وأصلي العشا. أذنت.
نهض وهو يحاوطها.
- لا أنا كمان شبعت. أنا كنت قاعد عشان تاكلي وخايف أخليكي تاكلي غصب عنك ترجعي وتتعبي. الأكل اهو وقت ما تحسي إنك عايزة تاكلي كلي.
وضعت رأسها بعنقه.
- حبيبي ربنا يخليك ليا. حقيقي لو قادرة كنت أكلت كل اللي عملته. البيتزا طعمها حلوووو أوي بس خايفة أتعب.
أخرجها يحتضن وجهها.
- المهم تهتمي بأكلك متنسيش إنك حامل. وكويس العصاير والألبان خليكي مداومة عليها.
حاوطت خصره.
- حاضر. متجبليش سيرة الأكل بجد بطني وجعتني. ممكن نروح نصلي بقى عشان هنام وأنا واقفة.
جذبها من كفيها متجها للمرحاض حتى يغتسلا ويقيما صلاة العشاء معاً.
بفيلا قاسم الشربيني.
جلست تتأكل من الغيظ، ثم توقفت تدور وكأن مسها مس.
- يعني إيه الأرض انشقت وبلعتها؟ هو بيقولي راح الشقة وراكان عندي. إزاي يعني رجعت القاهرة بملابس البيت؟ لا ومن غير عربية.
دلف قاسم الشربيني وهو يصيح كالثور الهائج.
- هموته يحيى الكومي ده.
توقفت زوجته قائلة:
- قولتلك بلاش تلعب مع يحيى الكومي. كلنا عارفين إنه مش هيسكت.
جلس ينفث تبغه بغل، ينظر لنورسين.
- باباكي لسه مجاش من برة؟
هزت رأسها بالنفي.
- لسه والله يا عمو. معرفش اتأخر ليه. حتى راكان كمان مختفي. قالي هيروح يحجز لنوح في المستشفى. وكان المفروض يركب بالليل. اتصل وقالي هبات وبكرة.
أهتم لحديثها مردفاً:
- قصدك إن راكان رايح يحجز لابن الكومي؟ طيب ما أبوه دكتور. ليه محجزش؟
ارتشفت من كأس عصيرها، ثم وضعته على الطاولة. تضع ساقاً فوق الأخرى وأردفت:
- لا ماهو يحيى مجهز كل حاجة. بس فيه شوية حاجات كان لازم يعملها. وكمان يشوف وكيل أعماله اللي هناك.
نفث قاسم تبغه متسائلاً:
- مش المفروض تتجوزوا بقالكم سنتين أهو؟ إيه مفيش أخبار للفرح؟ اتجوزيه عشان نقدر عليه.
دلف أمجد وهو يقوم بالتصفير.
- برنسيس نورسين عندنا يا جمالك يا نور.
نهضت تقابله بالعناق، هامسة له:
- وحشتني يا أمجد وزعلانة منك.
قابل همسها بتهكم وأجابها:
- بلاش نتكلم يا نور قلبي، لإن مش هرحمك لو ليلى مظهرتش.
تراجعت للخلف تطالعه بذهول.
- يعني إيه لحد دلوقتي مظهرتش؟ وكمان جاي مضايق عليا.
اتجه يجلس على المقعد وهو يزفر بغضب، ينظر لوالده.
- إياك يا قاسم باشا تكون أنت السبب في اختفائها.
نفث قاسم تبغه مردفاً:
- أنا مش أهبل عشان أقرب من راكان في الوقت اللي هيتجوز فيه نورسين. أنا إزاي اتغابيت ووفقت أساعد البحيري اللي دمر تخطيطنا.
اتجهت نورسين تجلس على ذراع مقعده.
- وطبعاً راكان هيأجل الفرح عشان عملية نوح.
زفرت بحنق وتوقفت.
- مسمعتش كلام بابي يا عمو. وادي النتيجة. لا وحضرتك كنت عايز تموت يحيى الكومي لولا تدخل بابي.
نصب قاسم عوده وتوقف أمام أمجد.
- متقربش من راكان دلوقتي. لازم فرحه على نورسين يتم.
توقف بمقابلة أبيه.
- وأنا أكتر واحد عايز الفرح دا يتم. بس لازم أعرف مكان ليلى.
تأفف بضيق على جنون ابنه بتلك الفتاة، فاقترب يحدق به قائلاً:
- معرفش البنت دي غسلت دماغك. مالبنات مالية الدنيا. وأحسن منها. مش واحدة متجوزة مرتين وعندها ابن.
قاطعهم رنين هاتفه.
- أيوة يابني.
جحظت عيناه وتساءل:
- هو عايش ولا مات؟
أجابه على الجانب الآخر:
- في العمليات. بيقولوا الرصاصة جت في صدره.
- مين اللي عمل كدا؟
تساءل بها قاسم.
- مدام حلا يافندم.
شهق بفزع مغلقاً الهاتف يلقيه بغضب صارخاً:
- غبية ومتخلفة.
دنت نورسين متسائلة:
- إيه اللي حصل؟
اتجه إليها بنظرات جحيمية.
- أبوكي هيغرقنا. أنا اتحملته كتير. قولتله بلاش تدخل حلا في عيلة البنداري. وأهو هتجيب أجلنا كلنا.
قالها وتحرك مغادراً للخارج.
توقفت مذهولة مما أردف به قاسم تنظر إلى أمجد الذي رفع أكتافه بعدم فهم متجهاً للأعلى قائلاً:
- سيبك من ده كله وتعالي يا نور محتاجك فوق.
بمشفى يونس البنداري.
الجميع يقف أمام غرفة العمليات بإنتظار خروج الأطباء. وصل نوح بمقعده المتحرك متجهاً إلى حمزة الذي يستند على الجدار عاقداً ذراعيه، مطبق الجفنين.
- حمزة يونس إيه اللي حصل؟
تسمر بمكانه يستجدي طريقة يفكر بها ليخفي حزنه الكامن بداخله.
- إيه اللي جابك يا نوح؟ يونس كويس شوية وهيخرج.
اقترب بمقعده يطالعه بنظرات نارية.
- ليه عشان عاجز مينفعش أكون جنبه؟ أنا لسة فيا نفس يا متر.
انحنى حمزة يحدقه.
- مش قصدي يا صاحبي. أنا قصدي بكرة عندك سفر ولازم ترتاح عشان العملية.
ضغط نوح على مقعده مستديراً اتجاه فريال وأسعد وخالد الذين يجلسون بصمت ينتظرون ما يطمئنهم.
- سلامته إن شاء الله. يونس قوي وهيعدي منها على خير.
انسابت دموع فريال تومئ رأسها.
- إن شاء الله. إن شاء الله ربنا هيطمني عليه.
ابتسم أسعد.
- أنت تعبان يا حبيبي واحنا هنا. ليه تتعب نفسك وتيجي.
أجابته أسما.
- والله يا عمو قولتله. بس هو اللي أصر. هنعمل إيه.
رفع نظره إليها بأن تصمت. تذكرت قبل قليل بعد خروج حمزة.
- إيه اللي حصل يا درة؟ ليه حمزة مشي بسرعة كدا؟
جلست درة وعيونها متحجرة بالعبرات والحزن على ملامحها البريئة.
- يونس انضرب بالنار. ده اللي قاله.
سقط قلبه مما استمع إليه. امسك هاتفه محاولاً الاتصال به. أجابه حمزة بعد عدة مرات.
- أيوة يا نوح.
- إزاي يا متخلف تمشي من غير ما تقولي.
أردف بها نوح بصوت صاخب.
- نوح يونس كويس مالوش داعي وجودك.
- أخرس يا حمزة بعدين نتكلم. طمني هو فين؟
أجابه حمزة الذي توقف أمام غرفة العمليات.
- جوه يا نوح. لسة مدخلينه من شوية.
- مين اللي ضربه؟
تساءل بها نوح الذي يشير لزوجته بإحضار ثيابه.
- معرفش لسة معرفش حاجة دلوقتي. هكلمك لما أطمن عليه.
نظر حوله بحزن ورفع بصره لأسما.
- واقفة ليه؟ عايز أغير لازم أكون جنبهم هناك. راكان مش موجود.
ربتت أسما على كتفه.
- حبيبي مينفعش تروح وأنت تعبان. ومتنساش عندك عملية بعد يومين. ولازم ترتاح للسفر. والدكتور يحيى راح ومعاهم دلوقتي.
- أسما.
صاح بها بغلظة ينظر إليها بغضب.
- لو تقلت عليكي ممكن تسبيني وأنا هعرف أتصرف.
قالها وهو يتجه بمقعده لغرفته.
جلست تضع رأسها بين راحتيها.
- ده اللي كنت خايفة منه.
ربتت درة على كتفها.
- حبيبتي معلش هو غصب عنه. والموضوع صعب. روحي معاه. هو أنا اللي هقولك علاقتهم ببعض إزاي. وأنا هروح عشان مرهقة وعندي امتحانات وهطمن عليه من حمزة.
قالتها درة وهي ترتدي حقيبتها متجه للخارج.
خرجت من شرودها على صوت فريال.
- فين راكان؟ إزاي ميكنش هنا مع ابن عمه؟
أجابها أسعد عندما توقف متجهاً لسيلين التي تجلس دون حول منها ولا قوة عبراتها تنسدل بصمت.
- راكان في ألمانيا يا فريال. ولو عرف هتلاقيه هنا في أول طيارة. مش مستني حد يقوله انزل.
جلس أسعد بجوار ابنته وزينب، وجذبها لأحضانه.
- هموت يا بابا لو حصله حاجة. ادعيله يا بابا.
مسد أسعد على خصلاتها ثم طبع قبلة محاولاً تهدئتها.
- إن شاء الله حبيبتي. يونس قوي وبيحبك وهيقوم عشانك. هو ينفع يسيب سيلي برضو.
ظل عدي أخيه يقطع الممر ذهاباً وإياباً، قائلاً:
- هما اتأخروا ليه كدا؟ بقالهم أكتر من تلات ساعات.
أما التي تجلس بركن وتمسك بمصحفها تقرأ به وعبراتها تنفجر كالبرك.
اتجهت فرح تجلس بجوارها.
- زعلانة عليه بعد اللي عمله فيكي؟ بصي حواليكي. وشوفي هو مع مين. سيبك من سلبيتك.
أغلقت سارة المصحف. ورفعت عيونها المتورمة بالدموع.
- يونس بقى أخ ليا يا فرح. مش مجرد حبيب. لإن اكتشفت حبه ليا كأخ أضمن وأحسن وأقوى من حب الحبيب. على الأقل لما أحزن وأضعف هلاقي سند أتساند عليه. مش ناس تخطط عشان الفلوس. بصي انت حواليكي وشوفي سيلين عاملة إزاي في حضن أبوها. وافتكري لو راكان هنا كانت هتبقى زي كدا. مع إنه مش أخوها ولا يربطها بيه حاجة سوى إنه ابن عمها وبس. بس مستعد يحرق الدنيا عشانها. أنا محتاجة لراجل كدا. محتاجة أخ قبل حبيب. لو كنا عاملين ولاد عمنا كويس بعيد عن الطمع مكناش منبوذين كدا. بصي كدا لسلمى وشوفي عدي حاضنها إزاي. مع إنه فاشل وصايع بس وقت الوجع اتحاموا ببعض. ياريت تفكري وتلحقي نفسك. أنت عندك ولد محتاج الحنان أكتر من الفلوس اللي في لحظة ممكن تضيع منك. ابنك محتاج لأب ومحتاج لأخ قبل كل حاجة يا بنت أمي وأبويا.
قالتها وتوقفت متجهاً إلى سيلين.
جلست فرح بملامح جامدة، تنظر حولها بين أفراد عائلتها، تسترجع حديث أختها الذي ضغط على جرحها وتذكرت حديث سليم قبل موته.
توقفت أمامه. اقتربت منه تنظر إليه باشتياق. لما لا وهو متيم قلبها منذ الصغر.
- سليم لازم نتكلم. صدقني عملت كدا غصب عني.
ضغط على ساعديها ونظرات مشمئزة.
- غصب عنك؟ تحطيلي حاجة في القهوة وتنزلي لمستوى دنيء؟ وجاية تتبجحي وتقفي قدامي وتقولي غصب عني.
- لا يا أستاذة يا عظيمة. أنا مش مسامحك.
عقد ذراعيها خلف ظهرها وهمس بغلاظة.
- أنا بحب مراتي. بعشقها. ومهما تتسخ صورتها أنت وأختك الحقيرة هفضل أحبها. مراتي حامل هتقربي منها هفعصك زي الحشرة. أنا كنت بعاملك كأخ. بس أنت بحقارتك خسرتي الأخ ده. وآخر كلام عندي يا مؤذية.
- مراتي خط أحمر.
قالها ودفعها بقوة حتى هوت على الأرضية.
بكت بصرخات مردفة:
- وأنا هنتقم من مراتك دي عشان هي اللي خطفتك مني. أنت عارف أنا بحبك من زمان. بس روحت واتجوزتها مع إنها مش بتحبك.
اتجه إليها حتى وصل إليها بخطوة واحدة، يجذبها من خصلاتها.
- هتسيئي لشرف مراتي هدفنك يا فرح. سمعتي. هدفنك وأولع فيكي.
خرجت من شرودها على خروج الطبيب.
هرول الجميع وتوقفوا أمام الطبيب مع خروج يحيى من غرفة العمليات.
- احنا عملنا اللي نقدر عليه والباقي بيد الله. ادعوله الرصاصة كانت قريبة من القلب.
قاطعه يحيى قائلاً:
- نقلناه على العناية. تعدي الساعات الجاية على خير. مطلوب مننا ندعيله.
هزت فريال رأسها بالنفي.
- لا ابني!
لسة من كام شهر مضروب، إيه اللي بيحصل له دا؟ ابني، لا ابني! صاحت بها بشفتين مرتجفتين.
ضمتها زينب متجهة بها للمقعد قائلة:
"اسعد خلي الدكتور يديلها مهدئ."
أما خالد، الذي هوى على مقعده بعد سماع الطبيب:
"إن شاء الله هيقوم بالسلامة."
تحرك حمزة سريعا اتجاه غرفة العناية. وقف المسعفين:
"استنوا."
تحرك بخطوات متعثرة وعيناه متعلقة بجسده المسجى على الفراش. وصل وبكفه رفعه على وجهه وانحنى يطبع قبلة على جبينه:
"يونس، أكيد انت عارف مقدرش أكمل حياتي من غيرك. تقول إيه مراتي ومعرفش يلا. لو مفقتش صدقني المرادي هزعل منك جامد."
قاطعه المسعف:
"لو سمحت لازم يتحط على الأجهزة."
أومأ برأسه وهتف له:
"ساعة بالكتير يا يونس وأسمعك بتناديني، يلا سمعتني."
قالها بصوت مرتجف. شعر بأحد خلفه، استدار وجده نوح وبجواره أسما. هنا خارت قواه وانحنى يضم نوح باكياً بصوت مرتفع لأول مرة:
"إيه اللي حصلنا يا نوح؟ ليه مش قادرين نفوق من كم الضربات دي؟ يونسسس..."
آه حارقة خرجت من أعماق قلبه وهو يبكي بصوت مرتفع:
"الواد دا طول عمره بيعاني، رغم هزاره بس جواه طفل حنين والله. مش هقدر يا نوح لو حصله حاجة."
ربت نوح على ظهره وهو ينظر إلى أسما أن تتركهم، فتحدث مازحًا:
"دا إيه الضعف دا يا عبيط؟ دا شوية وينفع البسك طرحة يا حمار. اجمد يالا مضحكش علينا البعدا."
تنهد بألم واضعا رأسه بين كفيه وأردف بصوت مختنق:
"إن شاء الله. لازم راكان يعرف، مينفعش ميعرفش. وخصوصا أن حلا اللي ضربته والبوليس قبض عليها. ممكن يقتلوها. لازم يرجع في أول طيارة."
"هو راكان عند ليلى مش كده؟"
أومأ له وتحرك متجها للاتصال به.
عند راكان وليلى قبل قليل. انتهى من صلاتهما، جلسا يتسامرون في بعض الأحاديث. نهضت ليلى متجهة بمخدعهما. طالعها يشير لثيابها:
"هتنامي كده؟"
أومأت وهي تعدل من وضعية الغطاء:
"أيوه الجو برد أوي هنا. من وقت ما جيت هنا اتعودت أنام بترنجي."
نهض يتحرك ببطء حتى وصل ووقف أمامها، يفتح سحابها:
"دا لما كنت بتنامي لوحدك يا حبي. بس دلوقتي جوزك جنبك هيدفيك. ليه الهدوم دي كلها."
قالها وهو يقوم بخلع ترنجها المكون من ثلاث قطع حتى انتهى. حاوطت خصره وتحدثت بصوت متحشرج من نومها الذي طغى عليها:
"راكان خلاص هنام وأنا واقفة."
حاوطها متجها بها للفراش ودثرها بالغطاء وتسطح بجوارها يجذبها لأحضانه الدافئة:
"بردانة؟ لو بردانة أجيبلك الترنج تلبسيه."
هزت رأسها بالنفي وهي تدفن نفسها بأحضانه:
"لا، دفيانة. احكي لي عن حياتك القديمة معرفش عنها حاجة غير موضوع شمس. قولي اتعرفت إزاي على حلا ومين اللي اتجوزتها تاني؟ قلت لي قبل كده اتجوزت تلات مرات."
مسد على خصلاتها مردفًا:
"حبيبي انسي دا ماضي ومش حابب أتكلم عنه. ولو ينفع أمسحه همسحه من حياتي. قلت لك قبل كده يعتبر ميلادي من يوم ما اتجوزتك."
اعتدلت تتوسد ذراعيه حتى أصبحت بمقابلته:
"أنا عايزة أعرف. ولا فجأة ألاقي واحدة داخلة عليا زي الست حلا بتقولي ابنك."
تأفف من حديثها اتجه ببصره إليها:
"برضو يا ليلى هنرجع نتكلم في الماضي؟ ليلى أنا محسبتكيش على الماضي. وعلى مغامرات أمجد زفت وهو بيجري وراكي من هنا لهنا. أعمل فيه إيه وهو كان مجنون بيا. دا فضحني في كل مكان ويتكلم عن حبه المجنون ليا. لدرجة صعب عليا والله بس أهو نصيب."
لكزته بأناملها ورمقته بغضب:
"هو اللي بيجري، مش أنا اللي كنت بجري زي حضرتك."
صك على أسنانه وتحولت عيناه للهيب من نيران لو خرجت لأحرقتها:
"ليلى مش عايز أسمع اسم على أمجد. مجرد اسمه بيغصبني. إيه بيجري وراكي دي؟ احترمي ألفاظك شوية، أنتِ نايمة في حضن جوزك وبتتكلمي عن راجل معجب بيكي."
ابتسمت تراقص حاجبها:
"مش حضرتك اللي عملي فيها روميو؟ وكل شوية واحدة ترمي نفسها قدامك."
أطبق على جفنيه وحاول أن يكتم ضحكاته على غيرتها الشعواء، فهتف بهدوء رغم سعادته الداخلية:
"نامي يا ليلى عشان مأوريكيش روميو مجنون ليلى ممكن يعمل فيها إيه."
فتحت فمها قائلة:
"آه نامي يا ليلى واتفلقي. وبعد يومين أشوف صورك أنتِ وعروسين زفت مالية أخبار النجوم والفن تقول لي اكتشاف لمسلسلات رمضان الجاي. والكل يقول واو البطل جنان وهيولع في المسلسل. ولا التانية اللي تقول يابخت البت الباردة اللي جنبه دي. ولا..."
وضع أصابعه على شفتيها:
"كلمة كمان والله هكلمها فيديو حالا وأتغزل فيها قدامك. وهقلبها نكد. نامي يا مجنونة وبطلي جنان."
وضعت رأسها بصدره وتمتمت بقلب ينزف بنيران الغيرة:
"آه أهو دا اللي أنا باخده. يخربيت قلبي الأبله اللي كل مرة بينسى وأنت بتدوس عليه."
ضغط من ضمها مطبق على جفنيه مستمتع بانفاسها وقربها حتى حديثها المجنون راق له كثيرا. رفعها حتى أصبحت بمقابلته واقتحم عالمها دون أي حديث، فكفى ما يتحكم به العقل، فيصبح القلب هو المتحكم الأول، وليس للقلب أن يكون عاصيا على نبضه. بعد فترة كانت تغفو بعمق وهو يتكأ على ذراعيه يمسد على خصلاتها، ويداعب وجنتيها وأخرى شفتيها المسكرة التي أصبحت كأس نبيذ مختمر لروحه. شق ثغره ابتسامة عندما تذكر جنونهما منذ قليل، هل هذا عشق؟ همس قلبه.
كيف يكون العشق طاغيا على الحواس جميعها حتى يتحول المرء من شخص حكيم عاقل لشخص أصابه الجنون. حتى من يراه بحكمته وعقله لن يستوعب فقدان كل ذاك عندما يصبح بأحضان من يعشقه. همست شفتيه بكلمة عشق. كيف!
أهذا فقط؟ لا، بل هذا أكثر بكثير. هذا تلاقي أرواح بعد عذاب ونياط قلوب متمزقة.
تنهد براحة وهو يتمدد يدنو من انفاسها، دافنا رأسه بعنقها وانفاسه الحارة تلفح عنقها هامسا:
"آه يا من زلزلتِ كياني ورجولتي وأصبحت عاشقا متيما لنظرة عيناكِ مولاتي. أحبك ثم أحبك ثم أعشقك عشق لا منتهى له."
شعرت به فابتسمت من بين نومها وكأنه يروادها أحلامها هامسة:
"أحبك معذبي."
ابتسم بانتشاء بعدما تيقن من وجوده بأحلامها. دنت لتدفن نفسها. اعتدل يجذبها لأحضانه.
حتى غفى بإستسلام وروحه تنتشي بحبور، ود لو دفنها داخل صدره.
بعد قليل.
استيقظ على اهتزاز رنين هاتفه الذي يوضع بوضع الصامت. فتح عيناه بتثاقل واعتدل بعدما أعدل من وضع زوجته يجذب الغطاء عليها. وامسك هاتفه بعدما وجده حمزة.
خرج من الغرفة هامسًا بصوته النائم ينظر للساعة التي تعد الواحدة ليلا:
"فيه إيه يا حمزة؟ خير."
من أمام غرفة العناية يقف ينظر ليونس المسجى:
"راكان لازم ترجع مصر فورًا، على أول طيارة."
انعقد لسانه وتاهت المفردات من صراخ حمزة لأول مرة، فاهتز جسده يحاول ابتلاع ريقه متسائلا بصوت متقطع:
"إيه اللي حصل؟ ماما وسيلين كويسين."
استمع لبكاء سيلين وشهقاتها المرتفعة بعد اتجاهها لغرفة العناية بعدما أُغشي عليها من حديث الطبيب.
وقفت خلف الزجاج الشفاف وعبراتها كزخات المطر تطالعه وهي تتلمس الزجاج:
"قولي يا بابا إنه لسه عايش. هو ليه مفيش حد بيخرج يطمنا."
تراجع راكان بجسده هاويًا على المقعد عندما شعر بفقدانه للوعي وهمس بصوتا كاد أن يسمع:
"عملوا إيه في يونس يا حمزة."
تحرك حمزة بعيدًا عن صياح سيلين هاتفا له:
"الوضع هنا مش كويس خالص يا راكان. أمجد عرف إن ليلى ركبت عربية بيجاد وبيدور وراه. وحلا ضربت يونس ومنعرفش إيه اللي حصل."
قاطعه صائحا حتى استمعت ليلى لصياحه:
"طمني على يونس. هو كويس أهم حاجة."
نظر حوله ينظر لجميعهم أمام غرفة العناية:
"لحد دلوقتي كويس، بس معرفش إيه اللي هيحصل. كلام الدكتور مش مريح وكمان دكتور يحيى قال الرصاصة كانت قريبة أوي من القلب. خايف يضاعف ويدخل في غيبوبة."
جلس يمسح على وجهه بعنف ثم نظر بساعته:
"تمام هشوف طيارة لمصر."
أغلق هاتفه وهاتف أحد رجاله:
"طيارة بأقرب وقت لمصر تتصرف حتى لو هتشوف لي طيارة خاصة."
"تمام يا باشا هشوف وارد على حضرتك."
كور قبضته حتى ابيضت مفاصله وشعر بألم مفرط يجتاح كل خلية بجسده. اقتربت ليلى تجلس بجواره:
"راكان إيه اللي حصل؟"
رفع بصره إليها وانعقد لسانه يمسح على وجهه:
"يونس انضرب بالنار."
شهقة خرجت من فمها وهي تضع كفيها على فمها:
"هو عامل إيه؟"
نهض ولم يعرف بما يجبها، فهز رأسه.
"كويس، أنا لازم أنزل مصر حالا، وهجي بعد كام يوم عشان عملية نوح."
تسمرت بوقفتها ودنت منه.
"هنزل معاك ياراكان، مستحيل أقعد هنا وأنت هناك وبيننا بلاد ومعرفش عنك حاجة."
تعلقت نظراتها المرجوة به بنظراته الرافضة.
"مستحيل ياليلى، مستحيل أغامر بحاجة زي كده. أنتِ متعرفيش حاجة، بلاش توجعي قلبي لو سمحتي."
دنت تحاوط خصره وأجهشت بالبكاء.
"هموت لوحدي هنا، لو سمحت متسبنيش." قالتها والدمع يتساقط من محجريها وكلماتها المتقطعة التي أضعفت قلبه المسكين.
أخرجها يحتضن وجهها.
"ليلى لو خايفة على نفسك وبنتك لازم تسمعي الكلام حبيبي، يومين وهجيلك."
أنزلت كفيه واتجهت تجلس على الأريكة بجفنين معتكرين، يسحب عبراتها الكثيفة دون حديث.
تَـرَك حديثهم صوت هاتفه. أجاب وعيناه تعانق عيناها الحزينة.
"ساعتين تمام. بعد ساعتين إلا ربع تكون تحت البيت." قالها وتحرك متجها إليها يجلس بجوارها، يجذبها لاحتضانه.
"ليلى ممكن تسمعيني، عايزك تعرفي أنا لما بكون بعيد عنك، مبكنش عايش، بس مضطر أبعد عشان ولادنا. فترة بسيطة لحد ما أشوف هم عايزين إيه. أنا معرفش مين عدوي من صديقي." سحب نفسا وزفره بهدوء ثم صمت هنيهة.
"مش عايز أخوفك، بس دول وصلوا جوا بيتي. تخيلي إيدهم وصلت لبيتي وكمان الشغالين. كانوا بيموتوا جدي بالبطيء." وضعت رأسها على كتفه ودمعة ملتاعة كوت وجنتيها. "أترضى بالابتعاد عنه لفترة وتقف بجانبه حتى يجتاز مصائبه؟ أم تعانده وتقترب لتنعم به؟"
نهضت بخطواتها الضعيفة إلى غرفتها قائلة.
"هحضرلك الحمام، ياله عشان تلحق الطيارة."
آلمه حالتها، سارع نحوها وجذبها لاحتضانها، يدمغ جبهتها قبلة.
ثم رفع كفيها يقبله.
"حبيبتي متزعليش مني، يومين وعد وهكون عندك." رفعت كفها على وجهه وتفجرت برك عيناها.
"متتأخرش عليا، أنا وأمير مالناش غيرك." جذبها يعصرها بأحضانه، ود لو دفنها بين ضلوعه.
حملها بين ذراعيه ورسم ابتسامة.
"وداع بقى بحمى لذيذة كدا من مراتي الجميلة." كانت بحالة لا تجيد المزاح، كل ما فعلته دفنت نفسها بعنقه تستنشق رائحته تدفنها داخل رئتيها.
***
بعد عدة ساعات، وخاصة أمام غرفة العناية المركزة، وصل راكان بكل لهفة وعينان تبحران فوق الجميع.
"إيه الأخبار؟" هرولت إليه سيلين تلقي نفسها بأحضانة وتبكي بشهقات مرتفعة.
"قوله يقوم ياراكان، أنا مسامحاه والله، هسامحه. هو بيسمع كلامك." أزال عبراتها يحتضن وجهها.
"حبيبتي اهدي، هو كويس، هو بيدلع بس مش كدا ولا إيه؟ عايز يعرف إنك هبلة وبتحبيه." دفنت وجهها بصدره. رفع بصره لحمزة.
"تعالى ورايا ياحمزة."
"رايح فين ياراكان؟ مش تطمن على ابن عمك الأول." قالتها عايدة التي جلست تضع ساقا فوق الأخرى.
استدار بعد خطوتين يرمقها بإشمئزاز.
"واصلة معايا لحد هنا؟ كلمة كمان هنسى إنك ست. أنتِ لو عندك دم أصلا كنتِ قفلتِ على نفسك. بس أقول إيه؟ ناس معندهاش إحساس."
نهضت متجه إليها ونظرات جحيمية تشير إليه.
"مين المسؤول عن كدا؟ مش مجايبك؟ خربت بيتي واهي قتلت يونس؟ يارب تتبسطي. طول عمرك وأنتِ بتتنططي على الكل ويوم ما اتجوزت اتجوزت لمامة."
وصل إليها بخطوة وأمسكها من أكتافها يغرز أصابعه بلحمها.
"أوعي تفكري عشان مرات عمي هسكت. لا فوقي، أنا كنت بتحملك عشان بناتك مش أكتر. إنما أنتِ تحت جذمتي." دفعها بقوة حتى كادت أن تسقط.
صاح خالد غاضبا.
"هو دا وقته ياراكان؟ طيب كبرنا يابني، مش معقول دا."
أشار عليها وبعيونه ملتهبة.
"دي واحدة حقيرة. محدش يوقفني بعد كدا." ثم استدار إلى خالد.
"لمها قاتلة القتلى." صاعقة نزلت على الجميع، فنهضت مرتبكة تنظر حولها.
"إيه ال بتقوله دا؟" دنا ينظر لمقلتيها الهاربة بكافة الاتجاهات.
"بلاش شغل الخمس ورقات دول. لا فوقي واتعاملي مع ال قدامك على أنه مش غبي. أنا سايبك بمزاجي. أوعي تفكري الحلوف التاني أنا سايبه. لا اصبري واتفرجي عليه." قالها وتحرك متجها لغرفة العناية. ارتدى الثياب الخاصة بها ودلف للداخل. اقترب من رفيق العمر بل أخيه الذي حاوطه بجناحيه منذ صغره. رفع بصره وعيناه مترقرقة بالدموع عندما وجده ملقى لا يحرك ساكنا، مجرد بضعة أنفاس متألمة تخرج وتدخل لصدره.
جذب المقعد وجلس بجواره، تنهد متألما وهو يطالعها بعينين خائفتين وروح تائهة خوفا عليه.
"ياترى الدور على مين يايونس؟ المرة دي جت فيك، بس ملحوقة. فوق كدا بس وحقك مش هسيبه."
ظل للحظات يطالعه بصمت حتى أتى لينهض، فوجد أصابعه تتحرك. دنا يمسد على خصلاته.
"برافو حبيبي، عارفك قوي، فوق وأنا شوية وراجعلك."
خرج يتحدث مع الممرضة.
"شوفي الدكتور، بدأ يفوق." ابتسم حمزة الذي وقف بالخارج ينتظره.
"يونس فاق." جذبه من تلابيبه.
"آه ياخويا، عارفه حلوف بيوقع قلبنا وخلاص. كنت عايزة يطول أهو ارتاح منه شوية."
قهقه حمزة حتى أدمعت عيناه، فمن يراه الآن لم يظن أنه الذي جلس يبكي منذ ساعات.
دفع راكان يمازحه.
"أنت الأسد يا أسد، لما بتبعد بنموت من غيرك." توقف راكان عن السير يرمقه ساخرا.
"ولا، خلي بالك من نفسك. عزرائيل جالي من يومين وقالي خلي حمزة ياخد باله من نفسه. أصله عجبني."
ضرب كفيه ببعضهما متحركا للسيارة بملامح جادة مختلفة عما كانت منذ قريب.
بعد قليل وصل راكان لمكتب جاسر الذي كان يحتسي قهوته ويتحدث بهاتفه. دفع الباب ودلف للداخل. استدار ينظر إلى حمزة.
"عرفت ليه إحنا بنوقع زي الفراخ؟ عشان الأمن مستتب بقيادة هذا الكائن."
قهقه حمزة بصوتا مرتفع حتى جلس على المقعد يمسك بطنه.
"يخربيت فصلانك." اتجه يجذب مقعده ينتظر إنهاء مكالمته. وضع جاسر هاتفه يوزع نظراته بينهما قائلا.
"خيرا إن شاء الله!!"
ظل راكان يطالعه بصمت ثم تحدث.
"أنت يابني مين ال امتحنك في الشرطة وخلاك ظابط؟ يابني أنا تعبت منك أه والله. قولي عملت إيه من وقت ما مسكت القضية؟ غير كل ما أخل عليك ألاقيك تحب في التليفون. بس أقول إيه معذور."
تراجع جاسر بمقعده، وأمسك قلمه ينظر به.
"بقولك ياحضرة المستشار هو مفيش في الداخلية غيرك أنت وعيلتك؟ يابني اتعبتلك والله. واتعبت للظباط ال ملهمش غير راكان البنداري ومصايبه."
دنا يحدق به قائلا باستفزاز.
"ده النائب العام معملناش معاه كدا. قولي ومتتخبيش عليا. أنت ناوي تترشح للنيابة بمنصب النائب العام؟"
جذبه راكان من ياقته هاتفا من تحت أسنانه.
"عملت إيه في موضوع نور؟ مسكت الولد ال هاجم على بيت المزرعة ولا قاعد زي الست الوالدة تتطلب مشروبات وبس؟"
كتم حمزة ضحكته قائلا.
"راكان براحة، أنت ماسكه زي حرامي الغسيل كدا ليه؟"
دفعه راكان يشير إليه بغضب.
"ياريته ينفع حتى حرامي غسيل، دا فاشل. مش نافع غير في المصايب وبس."
ابتسم ورفع حاجبه مستنكرا حديثه.
"ماشاء الله عليك ياحامي الوطن. امسك ملفا ملقيه عليه."
"شوف بلاوي مجايبك ياجميس بوند، وتعالى حاسبني."
امجد ونور نورسين. اجتمعوا مع بعض في فيلا.
من يومين وطبعاً البواب قالي إن أمجد بيتردد على الفيلا دي من فترة وفيه علاقة بينه وبين نورسين.
نهض، يضع يديه في جيب بنطاله، ينظر من النافذة.
نور لسه متعرف على أمجد من فترة بسيطة، وعرفت كمان إن قاسم برضه كان بيتردد على الفيلا دي. اسمع بقى القنبلة الجاية.
مدام عايدة مرات عم حضرتك كانت بتروح هناك كل ما قاسم يكون هناك. إيه اللي يربطهم معرفش، مع إن فرق السن كبير جداً. وآخر مرة راحت مع نور، وده كان أول مرة نور يروح هناك. بس اللي يخوف في الموضوع فيه واحد شكله جاي من بره. معرفش الراجل ده مين. صورته وبعت الصورة للتحري.
آه وفيه كمان في الفيلا دي صور كتير أوي لمدام ليلى في أوضة. وفيه في أوضة صور ليك مع يونس وحمزة ونوح، وحوال الصور دايرة إلا من صور نوح.
ربط راكان حديثه بالأحداث الأخيرة.
يعني مش هما اللي ضربوا نوح؟ إزاي؟
ارتشف رشفة خفيفة ونظر إلى راكان.
اللي وصلنا له إن البحيري طلب مساعدة من الشربيني بحكم مشاركتهم في المشروع الجديد. وطبعاً الشربيني متأخرش. بس فيه حاجة ناقصة.
الشربيني إزاي يتفق مع عايدة إنها تقتحم بيت المزرعة؟ وهو عارف ومتأكد إنك هتكشفه. فيه حاجة مش مظبوطة.
قاطعه حمزة قائلاً:
بما إن الموضوع فلوس مش ورق القضية بس، يبقى هو كان عايز الورق. بس عايدة طمعت في موضوع الولد وحضانته. وخصوصاً إنها كانت عايزة تخلي مدام ليلى تشك في راكان. لما قالتلها اتنازلي لشخص تاني بعيد خالص. أو راكان.
أومأ راكان موافقاً الرأي، وتوقف يسأله.
زرعت كاميرات في البيت ده؟ هز رأسه موافقاً.
أيوه زرعت في كل مكان. ورشيت البواب يعني ظبط الدنيا. فيه حاجة كمان قولتها لحمزة. عرفوا إن ليلى ركبت مع بيجاد. وأمجد بيدور وراه. بس عمو ريان ادخل وجاب الراجل وعمل معاه الواجب. بس هدوء أمجد يخوف. مع إنه ميعرفش علاقتك ببيجاد. وكويس إنك لجأتله. بس خلي بالك، إحنا خلاص قربنا على الانتهاء. يارب ميحصلش جديد.
مط شفتيه للأمام وهز رأسه.
كله ماشي زي ما طلبت بالظبط. وتحليل جدي اللي وصلتلهم دلوقتي هيريحهم كتير. لحد ما أخلص من عملية نوح ونفوقلهم.
بعد قليل بغرفة يونس بالمستشفى، تجلس بجواره تضع رأسها على كفيها وتغفو. دلفت فريال تطالعهما بصمت. اتجهت إليها تنظر لذاك الذي يجلس يقرأ بالمصحف. توجهت له.
أسعد روح أنت وزينب من امبارح وأنتوا هنا. وكمان خدوا سيلين معاكم. شكلها أرهقت أوي.
هز رأسه رافضاً حديثها وتساءل.
خالد راح فين؟ جلست بمقابلته وأجابته.
نزل يشرب قهوة تحت. وقال هيكلم جلال من امبارح وفونه مقفول. مش ناوي تسامحه؟ فتحت زينب عيناها.
يونس صحي ولا لسه؟ اتجهت بأبصارها لابنها وأجابتها.
لا لسه نايم. الدكتور قال النوم أحسن له.
نهضت زينب متجهة لابنتها.
البت دي ضهرها هيوجعها. وصلت إليها تمسد على خصلاتها.
حبيبتي قومي نامي على السرير. رقبتك وضهرك. اتجهت بنظرها إلى يونس.
لما يفتح عيونه. وأطمن عليه. ابتسمت زينب وجلست بجوارها وظلت تمسد على خصلاتها.
وكان ليه من الأول بدل الحب ده كله؟ ياما قولتلك بس دماغك دي في حتة تانية.
دنت تداعب وجهه وأجابته بقلب متألم.
وجع القلب وحش أوي يا ماما. مهما أقولك مش هتحسي بيا. وفي نفس الوقت بتتمني تقربي. يعني لا عارفة تبعدي ولا تقربي. استدارت تطالعها.
أهو يونس كده. على قد ما هو وجعني بس مش عايزاه يبعد. وفي نفس الوقت مش عايزاه يقرب. صمت هنيهة تطالعه وعبرة انبثقت من جفنيها.
بحبه ومش قادرة أسامحه. ولا قادرة أبعد عنه. قولولي أعمل إيه.
سيلين. همس بها يونس. ابتسمت تمسح دموعها ثم نهضت تمد كفيها لأمها.
دلوقتي لازم أقولك أنا كده اطمنت وعايزة أنام. أنام كتير أوي.
ضيقت زينب عيناها مردفة.
مش هتستني لما يفتح عيونه يا بنتي. كانت تطالعه بصمت للحظات، فرفعت بصرها لوالدتها.
ماما أنا اطمنت عليه. يفوق وبعد كده لازم نتكلم أنا وهو.
بمركز الشرطة صفعة قوية على وجهها. يلف خصلاتها بكفيه.
وصل بيك الحال ترفعي السلاح وتضربيه؟ هموتك. تراجعت للخلف مبتعدة عنه، تقف خلف حمزة.
انت السبب. أخدت ابني مني. وحرمتني منه. كنت مستني مني إيه؟ عارفة إني غلطت لما روحت وقولتلك الولد ابنك. هما اللي قالولي كده وحياة ربنا قالولي اعملي كده. وهيرجعك لعصمته. بعد ما عمك كان عايز يطلقني.
نظرت له من خلف حمزة وأردفت ببكاء.
ظلمتني يا راكان. عارف ليه؟ عشان الليلة الوحيدة اللي طلبتها منك كنت بتهلوس باسمها هي. كأن الست اللي في حضنك دي حشرة مالهاش حق تتكلم. قولتلك عايزة ولد. كان ردك إيه؟
يبقى أطلقك دلوقتي ولا كأنك شوفتيني. ليه عملت إيه لكل ده؟ ما أنا ندمت ورجعت وأنت عارف ومتأكد إنهم غصبوني أبعد عنك.
اقتربت تطالعه وتوقفت أمامه.
عملتلك كل حاجة. جبتلك أسرارهم كلها. وكان جزاتي ليلة مع راكان البنداري. ويا ريت يكون بعقله وقلبه معايا. بعد ما عمل كافة احتياطاته عشان ليلته ميكونش فيها أي ذكريات. فضل يشرب ويشرب لحد ما فقد حتى نفسه. وكأن الشخص ده أنا معرفتوش ولا عمري شفته. ضيعت أمنيتي الوحيدة وجاي توقف وتقولي عملتي كده ليه؟ أيوة ولو طولت الحيوانة التانية هموتها بإيدي. حيوانة اتجوزت واحد وشغلت التاني.
أمسكها يطبق على عنقها وتحولت عيناه لنيران من الجحيم.
هموتك يا حقيرة. انت اللي عملتي مني شخص فقد الثقة في كل اللي حواليه. كرهتيني في الستات كلها. شحب وجهها وكادت تختنق لولا ذراع حمزة.
راكان هتموت في إيدك. دي ماتوسخش إيدك فيها. دفعها بقوة حتى سقطت على الأرضية تسحب أنفاسها، تضع كفيها على عنقها.
وقف أمامها وانفاسه المحترقة تكاد تحرق ما يقترب منه. نيران بصدره تعصف به. حتى انحنى يجذبها من رسغها بعنف.
مين قالك تضربي يونس يا بت؟ وإيه موضوع الولد اللي جبتيه من عمي ده؟ اتجوزتيه إمتى؟
رفعت نظرها تطلق ضحكات وهي تمسح دموعها.
عمك ده غلبان أوي. إزاي اتجوز حرباية زي عايدة دي. والله صعبان عليا. دنت تحدق به.
روحتله أعيط وأقوله راكان طلقني وأنا حامل ومش راضي يعترف. صعب عليا. وخدني في حضنه ماهو محروم من الصدر الحنين. ولعبت عليه زي غيره. لحد ما كتب عليا. وبعدين شوية سهوكة لحد ما دخل عليا. ماهو جلال البنداري برضه. يعني عز وجاه. وبعدها حملت حق وحقيقي. وياسلام لما عرف إني حامل في ولد. طار من الفرحة. رغم إنه عارف الولد ابنك. عبيط أوي جلال ده.
ظل مسلطاً بصره عليها ينظر ببغض عليها فاردف.
الولد متستاهليش تكوني أمه. عشان كده. اتسجل باسم عمي. بس رحمة بيكي هخليكي أمه في الشهادة بس. وفيه واحدة محترمة تربية. دنا يهمس بجوار أذانها.
جلال البنداري طلقك بالتلاتة. وبيقضي شهر العسل مع أم ابنه. آه عايزك تعرفي عايدة كمان بكده. ماهو الراجل ماصدق إنه طلع عنده ولد. وست محترمة. اخترتها على فرازة مش شوية قذارة.
قالها وهو ينظر لجاسر.
ارميه انفرادي وخلي بالك منها لصبح اسمع خبرها. لسه محتاجها معايا. هرولت خلفه.
وحياتي يا راكان. بلاش تعمل فيا كده. ابني وديه لأمي تربيه. ووعد هقولك كل حاجة.
تحرك ولم يعرها اهتمام حتى هتفت بصراخ.
حتى لو عرفت إن أمجد اتفق مع سليم إنه يهدد ليلى عشان يتجوزها. تسمر بوقوفه مستديراً ببطء إليها.
بتقولي إيه يا حقيرة. اتجهت تقف أمامه.
سليم عرف إن أمجد بيجري ورا ليلى. راحله وهدده إنه يبعد عنها. كان عارف بعد كلامه أمجد هيضايق ليلى أكتر. وكان عارف إنك حاولت إن ليلى تخضع لك. يعني سليم كان عارف كل حاجة.
صاعقة نزلت فوق رأسه حتى شعر بتخدر بجسده بالكامل. وكأن أقدامه تسمرت ولم يعد لديه الحركة. دنت بعدما وجدت تغير ملامحه وأكملت ما أقسم ظهره.
وعارف إنك كنت بتحبها. عشان كده سبقك وراح خطبها. وافتكر كويس يوم كتب كتابنا قالك إيه.
دنت أكثر وأكثر قائلة بنبرة شيطانية.
أخوك مات بسببك أنت لما راح زي المجنون يواجه ليلى. اللي اعترفت له وقالت له إنكوا بتحبوا بعض. وبعدها خرج زي المجنون وركب عربيته ومات بسببكم. قالتها وهي تنظر لعيناه بشماتة ثم أدارت حوله.
واهي لو مش مصدقني اتصل بيها واسألها. ماهي أكيد أنت عارف مكانها بعد حملها اللي بتحاول تخبيه عن الكل. معقول يا حضرة المستشار.
تكون انت السبب في موت أخوك. شايف الناس كلها قذرة وأنت مقضيها مع مرات أخوك اللي منعرفش أمير ابنك ولا ابن سليم المسكين. اللي قتلتوه انتوا الاتنين.
اشتعلت عيناه كجمرتين من اللهب الحارق. أطبق على عنقها يجز على أسنانه. وانفاسه مستعرة بالنيران. حاول جاسر وحمزة الفكاك بها من بين كفيه ولكنه تحول لمارد أراد أن يحرق ما يقابله.
بعد عدة أسابيع في فندق يقام على نهر النيل. وقف ينفث تبغه. توقف نوح خلفه.
لو عملت كده يبقى بتقضي على كل بينا يا راكان. ليلى متستاهلش منك كده. دي منهارة وممكن.
استدار يطالعه ثم أردف.
لو خلصت اللي جاي تقوله ممكن تمشي لو مش عايز تحضر الفرح.
دلت سيلين توزع نظراتها بينهما.
أبيه راكان ماما رفضت تيجي. وكمان بتقولك أنسى إن لك أم.
ألقى سيجاره يدعس عليها. متجها للخارج.
براحتهم كلهم. النهاردة فرحي اللي عايز يحضر يا مرحب بيه. أما اللي مش عايز برضو مرحب بيه.
وصل لغرفة نورسين التي تجهزت وأصبحت بكافة أناقتها.
حبيبي خلاص أنا جهزت.
بسط يديه ليحتوي يديها.
طالعة كتير حلوة أوي يا نور. الفستان حلو أوي.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سيلا وليد
افتقدك كثير ..
لو كنت قريب ووضعت يدك على قلبي لـ هدأت الحروب ..
لو كنت قريب وعانقتني لتلاشت الرغبة بالموت ..
لو كنت قريب ومسحت دمعي لأزهرت عيناي من جديد ..
لكنك تقف بعيد وأقدام المسافة ثابتة لاتتحرك ..
ولسان قلبي أخرسته غصته ..
ليس لأنك أضعتني في الزحام ..
وليس لأن قلبي أحرقته الشمس وهو ينتظر ..
بل لأنني عجزت أن أكون ظلك ..
عجزت أن أكون بالقرب منك ..
إن غيابك ينهش ما تبقى مني ..
أنا حقا أفتقدك جداً وغيابك هذا يجعل ساعاتي في أشد ثقلها ..
وكأن حجراً ثقيلاً وضع فوق قلبي ..
قبل حفل الزفاف بعدة أسابيع .. بمركز الشرطة
توقفت حلا أمامه وتحدثت بنبرة شيطانية:
- أيوه أنت السبب في موت أخوك، بدور على اللي قتله وأنت وعشيقيتك السبب.
صفعة قوية على وجهها أدت إلى سقوطها، حتى شعرت بتخدر وجنتيها. وضعت كفيها على وجنتيها واطلقت ضحكة صاخبة، تعاليمه بنظرة متهكمة:
- إيه ياحضرة المستشار وجعتك بكلامي؟ تنكر إنك كنت على علاقة بمرات أخوك؟
أمسكها من عنقها وكادت روحها تخرج منها. دفعه جاسر بقوة:
- هتموتها ياراكان؟ دي واحدة متستهلش إنك توسخ إيدك بدمها القذر.
ركلها بقوة في بطنها:
- خدوه من قدامي، هموتها ياجاسر الذبالة دي.
توقفت وهي تئن وجعاً من ركلاته، فهتفت:
- هفضحك ياوكيل النيابة، وكل أسرار جدك الذبالة عندي، والله لأفضحكم يا عيلة البنداري.
جلس يمسح على وجهه بعنف، كاد أن يقتلع جلده.
شعوره بالاختناق يعيق خروج زفراته الشاهقة، يريد تحطيم كل ما يقابله. صدره عبارة عن فوهة بركانية أوشكت على الانفجار.
جلس جاسر بجواره:
- راكان اقعد وفكر بهدوء، الدنيا بتتعقد. دا تخطيط مش مجرد كلام وبس.
نهض وهو يحطم كل ما يقابله:
- شياطين.. دول شياطين.
جلس بعد فترة يحاول السيطرة على أعصابه التي لفتت منه بالكامل:
- دا مش حل إنك تثور وتحطم كدا. فيه أهم من اللي قالته.. قالها حمزة.
تورمت غصة بحلقه لدرجة أخنقته، فلم يعد لديه القدرة على التنفس. ازدرد ريقه بصعوبة بالغة، قائلاً بصوت مرتجف:
- عايزيني أخرج من هنا على ليلى؟ عشان يعرفوا مكانها. دا قصدهم. عارفين هي نقطة ضعفي ياحمزة.
اشتعلت نظراته بشكل مخيف، وتحدث بصوت كالرعد:
- عايز أعرف النفس اللي بيتنفسوه. الورق دلوقتي على مكتب النائب العام. عايز أشوف أشكالهم بعدها.. قالها وهو يشير بسبابته لجاسر.
- قبل يوم الجلسة النفس ياجاسر عايز أعرفه. في كل مكان ارمي جنودك، متثقش في حد. القضية دي بتاعتي أنا، والله ما هرتاح إلا كلهم يكونوا على حبل المشنقة.
توقف جاسر أمامه:
- هيخنقوك كتير ياحضرة المستشار. خلي بالك من عيلتك. متوقعش إنه هيقرب من المقربين زي يونس وحمزة. الموضوع هيدخل في حتة تانية. بما إنهم عرفوا بمشاركة بيجاد. وطبعاً بيجاد حماه مين؟ جواد الألفي. اللي هو أساس المشكلة. يعني إحنا دلوقتي في جحر التعابين بالفعل. قدامك اتنين.
آنسة سيلين ومدام ليلى.. دا ظني، ويارب ظني يخوني المرة دي.
هز رأسه موافقاً الرأي:
- دا أكبر شك عندي. لازم أحط الكل موضع الشكوك... طيب نورسين؟ ياراكان ناوي تعمل معاها إيه؟
تحرك للخارج وكادت خطاويه تسابق نبضاته. أسرع حمزة خلفه صارخاً:
- راكان استنى! ممكن تهدى عشان نعرف نفكر.
استقل سيارته دون حديث.
توقف حمزة يضع يديه بخصره:
- دا إيه المرار دا؟ يخربيت دي قضية ياأخي.
تحرك متجهاً إلى المشفى التي بها يونس.
عند راكان:
ظل يسير بالشوارع دون هدى، يكاد عقله يخرج من رأسه، حتى شعر بتحطيمه.
استمع لرنين هاتفه الخاص. أطبق على جفنيه ساحباً نفساً طويلاً يزفره بهدوء ثم فتح هاتفه:
- حبيبي وحشتني.. قالتها ليلى بابتسامة.
بدأت أنفاسه في الاضطراب وخفقاته تتسارع في سباق حتى تمنى أن يراها أمامه. قام بصف سيارته على جانب الطريق وقام بتوقفها متراجعاً بظهره للخلف. استمع إليها مرة أخرى:
- راكان.. أنت معايا؟ يونس مش بقى كويس.
- عاملة إيه ياليلى.. نهضت ليلى من مخدعها، تجذب مأزرها وترتديه متجهة للخارج.
- مالك ياراكان؟ صوتك ماله؟
بدأت نبضاته في التسارع. كور قبضته محاولاً السيطرة على نفسه:
- أنا كويس. يمكن مضايق عشان مشيت وأنتِ زعلانة مني. عايزك تعذريني ياليلى. أنا مضغوط.
بترت حديثه متسائلة بخوف يشق صدرها:
- مالك ياراكان؟ ليه بتتكلم كدا؟
ساد صمتاً مختنقاً بل ثقيلاً على قلبه، بين الإنكار والاستنكار. وبدأ عقله يؤخذه:
- هل ترى أخيه مات بسببه.. استمع لبكائها على الجانب الآخر متحدثة بصوتها المفعم بالبكاء:
- أنت مخبي عليا إيه ياراكان؟
- مفيش حاجة ياليلى. أنا كويس بس مضايق عشان يونس. وكمان نوح.. لم تدعه يكمل حديثه فقاطعته:
- حبيبي متزعلش نفسك إن شاء الله أزمة وتعدي.
حبس أنفاسه داخل صدره ضاغطاً على كل عصب:
- إن شاء الله حبيبتي. لازم أقفل دلوقتي.
استمع لصوت هاتفه مرة أخرى:
- أيوه يانور..
جلس بجوار سارة.
- حبيبي انت فين؟ جيت المستشفى مش موجود.
قام بتشغيل السيارة متجهاً للمشفى ثم أجابها.
- كنت بشوف حلا وراجع حالا.. خليكي عندك متمشيش محتاجك.
قالها وهو يغلق هاتفه.
- هعرف ناوين على ايه ياشوية ذبالة.
وصل بعد قليل إلى المشفى. تساءل عن عمه خالد. أجابوه.
- روح هو وطنط فريال.. أستاذ حمزة ونوح جوا.
أومأ براسه. نهضت نورسين تحتضنه ثم طبعت قبلة على وجنتيه.
- وحشتني قوي.. كدا تغيب يومين بعيد عني.
جلس يرجع خصلاته للخلف، زافراً بغضب.
- مقولتيش ليه أمجد خرج من السجن.
رفعت حاجبها متسائلة.
- وأنا أعرف منين؟ أنا مليش علاقة بأمجد.
ضغطت على شفتيها بأسنانها ثم تحدثت.
- بقولك وحشتني تقولي أمجد.
نصب عوده متحركاً اتجاه الغرفة. أسرعت خلفه وأمسكت ذراعه تجذبه.
- استنى كنت عايزة أسألك عن حاجة.
توقف. اشتعلت نظراته ينظر لكفيها الذي يتلاعب بزر قميصه يفتحه.
- إيدك يانور.. مليون مرة أقولك مبحبش الحركات الزبالة دي.. قولي عايزة ايه بسرعة.. خلقي ضيق ومش متحمل حد يكلمني.
توقفت متلاصقة بجسده ودنت من شفتيه بإغراء.
- وحشتني ياراكان.. مش كفاية فسحة إسكندرية باظت بسبب الست ليلى.
تراجع بجسده ينظر لسارة التي تراقبهم فتحدث.
- أنا مش ههدى إلا لما ألاقيها.. لازم أعرف هي حامل فعلاً زي ما حلا قالتلي ولا لأ.
صاعقة نزلت فوق رأسها حتى توقفت بجسد مرتجف.
- ليلى حامل تاني من مين ياراكان؟
أرجع خصلاتها خلف أذنها ودنى يهمس منها.
- مني.. تفتكري حد ممكن يقرب منها غيري؟ نسيتي قولتلك إيه.
تراجعت مصدومة من حديثه.
- أكيد بتفرسني مش كدا.
لم تتحرك عضلة من وجهه واستمر على نفس طريقته هامساً لها.
- إيه نسيتي ليلتنا مع بعض ولا إيه؟ بس أهي هربت بابني.
هزت رأسها رافضة حديثه.
- إزاي قربت منها؟ إنت قولت هاخد كل حاجة وبعد كدا أرميها.. مش دا كلامك ليا.
جذبها من خصرها يضغط بقوة آلمتها ناظر لمقلتيها.
- إنت تعرفي عني كدا برضوا؟ يبقى بين أيدي واحدة زي ليلى.. اللي روحتني أحلامي مقضيش ليلة معاها وبرضاها.. طب أول مرة كانت غصب.. المرة دي جبتها برضاها.. تفتكري أفوت فرصة زي دي.
لكمته صائحة.
- بس دا مكنش اتفاقنا ياراكان.. إنت قولت هتضحك عليها وترجعها لعصمتك لحد ما تحقق انتقامك.
ارتفعت ضحكاته متجاهلاً نظراتها المشتعلة.
رمقته بغضب.
- يعني قضيت معاها ليلة.. وأنا اللي بتحايل عليك.
جذب خصلة من خصلاتها يلفها حول إصبعه ثم رمقها.
- طب دي مراتي ياروحي.. والصراحة يانور كنت هموت وأشوف انهيارها كدا.. ماهو حبيبك برضوا مش أي حد كدا ولا إيه.
حاولت السيطرة على انفعالاتها أمامه. سحبت نفسا وزفرته رغم نيران صدرها.
- خلاص ياراكان.. أحسن إنها اختفت.. عشان وقتها ممكن أموتها صدقني.
تلوت زوايا فمه بشبه ابتسامة عابثة فتحدث بمغزى.
- طبعاً ياحبي لازم تغيري.. وخصوصاً إنك بتحبيني.. ومفيش راجل تاني في حياتك.. وكمان البنت بتكون بتغير قوي على حبيبها.. فأنا هاخد كلامك دا غيرة مش تهديد.. عشان محدش يقدر يقرب من حاجة تخص راكان البنداري مش كدا ولا إيه ياحبي.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم تساءلت.
- هو فرحنا امتى؟ لازم أعرف قبلها بفترة عشان أجهز نفسي للفرح.
ابتسم بسخرية قائلاً.
- طبعاً طبعاً.. لازمك عملية لازم تعمليها.. هو إنت هتتجوزي أي حد برضو.. دا حبيبك الستات كلها تتمناه.. بس هو اختارك إنت.. معرفش ليه متجوزناش من زمان مع إنك كنت بتحاولي تغريني.
عقد لسانها ولم تعد تعرف ما قصده. ارتجفت شفتيها متسائلة بتقطع.
- تقصد إيه بالعملية دي؟ هو أنا هعمل عملية إيه قبل فرحي.
دنى يهمس بجوار أذنها حتى لافحت أنفاسه النارية جانب وجهها قائلاً.
- عملية تجميل طبعاً.. نورسين النمساوي لازم تكون أجمل عروسة في العالم العربي.. هي هتتجوز برضو أوسم راجل مش كدا ولا إيه.
استدارت بعيون مهتزة إليه ورسمت ابتسامة.
- طبعاً حبيبي لازم أجهز مادا قصدي.. عشان كدا بسأل.
تحرك يومئ برأسه ثم أشار بإصبعه.
- أسبوعين بس يانور.. وهنعمل الفرح.
توقف بعد عدة خطوات مستديراً بجسده إليها.
- ووعد من راكان البنداري هعملك فرح الكل يتكلم عنه.. وعمرك ماهتنسيه في حياتك.
ابتسمت بزهو وأسرعت تلقي نفسها بأحضان.
- أنا بحبك قوي قوي ياراكان.
تلوت زوايا فمه بابتسامة وتحدث.
- عارف دي شوفي حاجة تانية.. ولا أقولك اتعلمي حاجة جديدة تنفعك في ليلة دخلتنا ياحبي.
نظر لعيناها مباشرة وقذف قذيفته.
- بحب الرقص الشرقي قوي.. إيه رأيك تتعلميلي الرقص؟ هنحتاجه قدام.
قالها وهو يتحرك سريعاً. توقفت بجسد كادت تتنفس بعدما شعرت أنفاسها تسحب منها من مغزى حديثه. ورغم ذلك ألقت كل ذاك وابتسمت بنشوة قائلة.
- وقتها وعد هنسيك اسمك ياراكان.. مش بالرقص بس.
قالتها وتحركت خارجة من المشفى. أمسكت هاتفها.
- أمجد أنا رايحة على الفيلا.. قابلني على هناك.. عندي ليك أخبار مهمة.
أما بالداخل. دلف وجد حمزة يجلس بجوار يونس.
- حمزة انت هنا بتعمل إيه؟ معملتش اللي قلت عليه ليه؟ أنا لازم أسافر في أول طيارة على ألمانيا.
فغر شفتيه مصدوماً من حديثه.
- أكيد بتهزر.. إنت ناوي على إيه.
لم يعره حديث واتجه ليونس.
- حمد الله على السلامة حبيبي كدا تخضني عليك.
قالها وهو مقترباً منه طابعاً قبلة على جبينه.
همس يونس بتقطع.
- حلا كانت عايزة تنتقم منك فيا ياراكان.
مسح على خصلاته.
- متخافش حقك وحقي وحقنا كلنا هرجعه.. الموضوع مش موضوع حلا يايونس, لازم تاخد بالك من نفسك كويس.
مط حمزة شفتيه متهكماً.
- إيه شجرة ليمون ياخويا منك له؟ دا انتوا قطعتوا خلفي.. لا أنا هقول لخطيبتي تشوفلها حد تاني.. أنا كدا عرفت مستقبلي هيكون من غير عيال.
اقترب منه نوح بمقعده المتحرك.
- معلش هنساعدك وقتها ونقولك بتتعمل إزاي.
أطلق راكان ضحكة صاخبة، يغمز عينيه.
- معاك الخبرة أهو.. مراته حامل في اتنين.
ابتسم يونس يضع كفيه على صدره قائلاً بصوت متعب.
- بس اسكتوا مش قادر.
استدار له نوح واقترب قائلاً.
- أخيراً يابيضة وقعتي تحت إيدي.. جالك اليوم ياظالم.
ضرب حمزة كفيه ببعضهما.
- والله انتوا حلال فيكوا اللي بتعمل.. بس أنا صعبان عليا أبويتي اللي ضاعت بين شوية حلاليف.
رفع راكان حاجبه ساخراً.
- على أساس الولا كان هيخلف.. إنت آخرك تمسك إيدها وتبص في عينيها وتقولها بحبك.
قهقه نوح وهو يتحدث.
- عيب ياراكان المتر بتاعنا راجل وقوي كمان.. وبكرة يكسر الدنيا.
اقترب من نوح مضيفاً عيناه.
- بتتريق على سيدكم ياحلوف؟ طب والله بكرة لاجبلكم مدرسة.
جلس راكان يضع ساقاً فوق الأخرى وتصنع تنفيضه لبنطاله قائلاً.
- أيوه عارفين إنك هتبني مدرسة أو ملجأ لما متعرفش تجيب عيال.
شهقة خرجت من فم نوح وهو يراقص حاجبه ليونس المتألم من الضحك.
- تستاهل.. حس بيا.
ثم استدار لحمزة الذي تحولت نظراته لراكان.
- بلاش انت دا إنت أسرارك كلها معايا.
أشار بسبابتيه.
- اشربها ولا أقولك اثبت يامعلم.
جز على أسنانه مكوراً قبضته.
- عارفك حلوف وملكش عزيز.
قاطعهما رنين هاتفه.
أخرجه ينظر لاسمها الذي نقش على شاشته. فتحرك للخارج، هو يعلم كيف حالتها الآن، مما جعله يقوم بمهاتفتها مرة أخرى. ولكن لم ترد.
تحرك متجهاً للخارج. فتحدث حمزة.
- قول للواد حموزي بيسلم عليكي وبيقولك وحشتينا.
تسمر بمشيه واستدار يرمقه بنظرات نارية. اقترب منه وهو يضع يديه بجيب بنطاله وتصنع تنظيف بدلته.
- إيه اخت مراتي.. بطمن عليه.. عندك مانع؟ لو عندك مانع.
دنى ينظر لمقلتيه قائلاً.
- اخبط دماغك في الحيطة.
واه رد أصل شكلها هتتعصب وتقلب تنين وتقفل التليفون ويبقى قابلني لو عبرتك.
- لو خايف على عمرك.. وعايز تبقى عريس امشي من قدامي.. بدل ما أبعتك لأخت مراتي.. ملفوف في ملاية بيضة وهقولها عشقيته قتلته بعد ما عرفت إنكم هتتجوزوا.
برقت عين حمزة وتحرك من أمامه.
- جاحد وتعملها.. ربنا على المفتري.
اتجه ليونس.
- هعمل تليفون وأجيلك هبات معاك الليلة.. وانت يانوح روح ارتاح عشان هنسافر بالليل إن شاء الله.
عند نورسين وأمجد. قصت له ما صار.
بدأ يحطم كل ما يقابله.
- دا عايز يموت.. تقوليلي تتجوزيه.. فوقي دا مش بيحبك.
جلست تسحب من سيجارها أنفاساً معدودة ثم تحدثت.
- عارفة إنه مش بيحبني.. بس لازم آخد حق السنين دي كلها.. وانت لازم تتصرف وتعرف مكان ليلى فين.
هز رأسه.
- بكرة لازم أروح أشوف حكاية بيجاد المنشاوي دا كمان.
توقفت قائلة.
- اسأل باباك بما إنه راجل أعمال ممكن يكون عارفه.
مساء اليوم التالي.
دلف بهدوء المنزل الذي توجد به. قابلته العاملة.
- أهلاً سيدي.
أومأ برأسه متسائلاً.
- المدام نايمة.
أومأت قائلة.
- أيوه من بدري.
تحرك بعدما خلع معطفه وشاله الصوفي متجهاً لغرفتها. لينعم بدفء أحضانها. كانت تغفو بعمق.
دنى منها ولم يعد التحلي بالصبر. تسطح يجذبها لأحضان. استنشقت رائحته. استدارت مابين النوم واليقظة.
- وحشتني.
عصرها بأحضانه. كيف لاشتياق يومين يفعل به ذلك. ماذا لو ابتعدت عنه لبعض الأيام.
دنى يداعب وجهها هامساً.
- كادت نيران الشوق تحرقني مولاتي.
فتحت جفونها بتثاقل بعدما شعرت بوجوده.
- راكان.
همست بها بخفوت. رسمها بعيون مشتاقة يتعمق بليلها الدامس.
- روحه مولاتي.
لفت ذراعها حول خصره. ودلفت لأحضانه هامسة.
- وحشتني قوي حبيبي.
عصرها حتى شعرت بآلامها. قائلة.
- حاسب البيبي.
أخرجها يتذوق كرزيتها ويتمتع بترانيم عشقها. لياخذها لعالمه الخاص.
استيقظ بعد فترة متجهاً لإقامة صلاة العشاء. بعد فترة فتحت جفونها تبحث عنه. وجدت مكانه بارداً. علمت بإيقاظه منذ فترة. جذبت مأزرها ترتديه. واتجهت تبحث عنه. وجدته يجلس بمصلاه. اتجهت للمرحاض تغتسل. بعد فترة دلفت إليه وهي ترتدي أسدالها. وجدته جالساً. مغمض الجفنين تحدثت قائلة.
- صحيت من زمان.
فتح جفونه ثم رفع يديه يجذب كفيها يطبع قبلة عليه.
- مكنتش صليت العشاء.. إيه أنتِ كمان مصلتيش.
جذبت السجادة مردفة بابتسامة.
- لا.. صليت بس عايزة أصلي القيام. إيه رأيك نصلي القيام مع بعض؟ إحنا في شهر رجب، حلو نستعد لرمضان.
نهض يضمها لأحضانه.
- نصلي حبيبي بدل صحينا. وعايز نقعد مع بعض بعد الصلاة، إياكي تنامي.
هزت رأسها بابتسامة وتحدثت.
- حاضر، هعمل قهوة ونقعد للفجر. من زمان مقعدناش مع بعض. عارفة قصرت معاك بسبب الحمل.
أشار للسجادة.
- نصلي، أصل فيه حاجة هموت وأعملها.
اقتربت منه تضع كفيها على وجنتيه.
- بعد الشر عليك من الموت حبيبي.
- اللهم إني متوضي، وحركتها دي هتنقض وضوئي.
ابتسمت مبتعدة وهي تعدل من وضعية حجابها.
- طيب يالا يا عم المتوضي.
***
انتهى بعد فترة، جالسًا بجوارها يسبحان ربهما لفترة من الوقت، وبالأسحار هم يستغفرون.
بعد فترة وضع رأسه على ساقيها.
- ليلى عايزك تحكي كل حاجة حصلت بينك وبين سليم في آخر فترة. عايز أعرف هو كان شاكك في حبك له.
شعرت بأنياب حادة تنهش صدرها، فارتجفت شفتيها قائلة بصوت متقطع.
- تقصد إيه ياراكان.. يعني إيه سليم شك في حبي له.. أنا محبتش سليم كحبيب، حبته كصديق، كرجل يعتمد عليه.
رغم كلماتها التي مزقت نياط قلبه وجعلته أشلاء، إلا أنه اعتدل ينظر لعيناها.
- ليلى سليم عرف إنك بتحبيني.. هو إنتِ كنتِ بتحبيني وقتها صح؟
رفعت كفيها الذي ارتعش من حديثه.
- راكان أنا بحبك من زمان قوي. من يوم ماشفتك في حفلة نوح. كنت بسمع عنك بس عمري ما كنت شوفتك. كان دايما نوح يحكي عنك. كنت عايزة أشوف الشخص اللي نوح حببني في شخصيته قبل ما أشوفه. عمرنا ما اتقابلنا. عارفة هتقول عليا مجنونة.. بس القلوب مش عليها سلطان.
لحد ما خبطني في الحفلة. ووقتها حسيتك مغرور قوي. وأنا مبحبش الشخصية دي خالص. وقتها حاولت أصرف نظر عنك. بس القدر كان رأيله تاني. واتقابلنا في قضية بابا. وعرفت اللي عملته عشان بابا. وقتها احترت في شخصيتك.
سحبت نفسًا وطردته وكفيها يغرز بخصلاته واسترسلت.
- إزاي انسحبت ليك مع إني كرهت شخصيتك من تكبر. والقدر يجرني لحد ما اشتغلت عندك في الشركة وحصل اللي حصل. وقتها بقيت تايهة، لا عارفة أبعد ولا أقرب. كلامك معايا حاجة، واقترابك من الستات بطريقة أنا مبحبهاش حاجة تانية. خلاص اتأكدت إن أنا ماهي إلا زي نورسين وغيرها عندك.
رفع كفيه وقام بفك حجابها، فانسدلت خصلاتها على ظهرها ووجهها بطريقة عشوائية. رفع ذقنها وتحدث وعيناه تعانق عيناها.
- يعني اتجوزتي سليم حماية مني مش كده؟
انسدلت عبراتها وأصبحت كزخات المطر، حتى ارتجف جسدها.
- كنت بنتقم مني ومنك. بس وحياة ربنا عمري ما فكرت فيك وأنا متجوزة سليم. رضيت بنصيبي. منكرش كنت بضعف لما بسمع صوتك. ولما تكون قاعد. بس دي مجرد دقة قلب. بس عمري ما حاولت أفكر فيك. حتى.. حتى.
قالتها بشهقات مرتفعة. جذبتها لأحضانه.
- اهدي اهدي حبيبي. الموضوع ده مهم، لازم نتكلم فيه. عشان فيه حاجات لازم أعرفها. مجرد شكوك. لازم أقنع عقلي إنها خالية من الشك.
رفعت رأسها تتعمق بعيناه بدموعها.
- أنا مش رخيصة ياراكان. وعمري ما حسست سليم بكده. أنا حاولت أقرب منه وأحبه.
وضعت كفيها على صدرها وأكملت.
- بس ده رفض خالص. مش بإيدي. مع إن سليم كان شخص كويس. وأي واحدة تتمناه. بس مش بإيدي. وأنا قولته كده.
- أيوة بقى عايز أعرف. قولتي له إيه؟
- فيه إيه ياراكان كأنك بتحقق معايا بجريمة.
احتضن وجهها ينظر بداخل عيناها.
- ابدا ياليلى. فيه حاجات لازم اتأكد منها. هل فيه حد كان بيتجسس عليكوا؟ ولا إيه؟ لازم أعرف كل حرف قولتي لسليم. علاقتكم كانت إزاي..
صمت قليلا ونيران تطبق على صدره بقوة حتى أردف بتقطع وهو يهرب بنظراته.
- حتى علاقتك معاه كانت إزاي. إزاي كنتِ بتكوني مع راجل وقلبك مع واحد تاني. لازم أعرف.
أغمضت عيناها وشهقات بكاء مرير خرجت من أعماقها المحترقة. أدار جسده منتظر حديثها.
قائلًا بهدوء رغم نيران قلبه التي تحولت لكتلة نارية، همست من بين بكائها.
- عادي زي أي اتنين بيتجوزوا جواز صالونات. ماهو مش كل المتجوزين متجوزين على حب.
- يعني إزاي ياليلى؟ الراجل بيحس. إزاي سليم قبل على نفسه كده.
صرخت بقهر.
- مكنتش بحسسه بحاجة ياراكان. كنت بعامل ربنا قبل ما كنت بعامل أخوك. مكنتش خايفة من حاجة قد خوفي من غضب ربنا. لو كنت قصرت أو فكرت مجرد تفكير براجل تاني وأنا ست متجوزة دي خيانة. انت مستوعب الكلمة ولا لا.
نهضت متجهة لغرفتها سريعًا وشهقاتها بالأرتفاع.
صراخها باسمه. جعل قلبه ينزف من الألم. شعر بقبضة تقتلع أنفاسه عندما استمع لصوت بكائها.
- عارفة إني غلطانة لما اتجوزته. بس ده كان غصب عني. الراجل الوحيد اللي حبيته يكون أخ الراجل اللي مد أيده عشان يحميني. في الوقت اللي حاولت أقرب وأقوله احميني من غدر البشر. وقف قدامي ويقولي عايزك. كنت أعرف منين أن ده قصدك.
مسحت دموعها بعنف واكملت وشهقاتها بالأرتفاع.
- إعمل إيه وواحدة جاية تقول إنها حامل من الراجل اللي بحبه. كنت عايزني أعمل إيه وواحد حقير بيمشي في دمه القذارة والأذية للناس. حتى الحكومة مقدرتش عليه. عايزني أعمل إيه وهو بيهددني بأختي وأبويا. وأخويا.. وبيقولي هموت حبيبك. كان مطلوب مني إيه؟ كان لازم أدوس على قلبي وأرضى بقدري.
توقف متجها إليها، جلس بجوارها ثم جذبها لاحضانه.
- آسف حبيبي. قولتلك كان لازم أعرف. سؤال أخير ووعد مش هسأل في حاجة تانية.
- سليم واجهك بحاجة؟ يعني اشتكى وقال لك إنك بتحبي حد تاني.
ذهلت من حديثه. رفعت نظرها بعيناها الباكية.
- بقولك أنا محسستوش بحاجة. عشان وقتها سليم كان كل حاجة في حياتي. اللي عمله في الآخر هو اللي وتر العلاقة بينا.
امسك كفيها يضمها بين راحتيه ثم طبع قبلة قائلا.
- ليلى حبيبي. سليم عمره مالمح لك بحاجة.
هزت رأسها بالنفي قائلة.
- لو خلصت تحقيق ممكن أنام. مفيش حاجة متعرفهاش حصلت بينا ياراكان. ودلوقتي أنا تعبانة وعايزة أرتاح.
بروح محترقة وقلب يتمزق ألمًا تسطحت على الفراش تواليه بظهرها وعبراتها تحرق وجنتيها.
مسد على خصلاتها مقتربًا منها. ثم جذبها لساقيه.
واضعا رأسها عليها ممسدًا على خصلاتها.
- عارف إنك زعلانة مني. ولكِ حق. بس كان لازم قلبي يطمن ياليلى. فيه حاجات بتمنى تعرفيها بس مش قادر عشان عارف أنتِ نقطة ضعفي اللي بيحاولوا يضغطوا بيها. اللي عملناه كله ضاع وبقى في الأرض. عرفوا إنك معايا وإنك حامل كمان. عشان كده لازم أسبقهم بخطوة.
اعتدلت تنظر له بأنفاس مرتجفة ولسان تجمدت فوقه الكلمات.
- يعني إيه؟ يعني ممكن يؤذوك؟ مين الناس دي ياراكان وليه بيعملوا معاك كده.
احتضن وجهها يتعمق بنظراتها.
- ليلى عايزك تخافي على نفسك وعلى أمير. لأنكم أغلى حاجة عندي. سيلين يونس هيتولى أمرها. وماما وبابا محاوطهم كويس. مفيش غيركم وخصوصًا إنهم كشفوا كل حاجة.
اعتدلت مقتربة منه تتسائل.
- مين دول بقولك؟!
تسطح يجذبها لصدره ينهي حوارهما.
- شغل حبيبي. قضية كبيرة ضامة ناس كبيرة في البلد.
اعتدلت تطالعه.
- يعني حياتك في خطر!!
يعني ممكن يعملوا فيك زي يونس ونوح وممكن تروح زي..
وضعت رأسها بصدره تلكمه.
- مش عايزة الشغل دا، بلاش تقرب من الناس دي لوسمحت عشان خاطري. انت عندك شركات ليه بتشتغل في النيابة؟
أزال عبراتها.
- ليلى حبيبي، مش أنت مؤمنة بالقضاء والقدر؟ ولسة من فترة بتحكي حكاية الشاب اللي مات رغم خوف والدته عليه. يعني لو قدري أموت في القضية أو تحت إيد الناس دي، مهما تعملي هموت. فبلاش ياحبي تحسسيني إن الإنسان بيختار مصيره.
دفنت نفسها تضمه بقوة.
- هموت لو حاولوا يؤذوك، صدقني مش هتحمل. بتمنى ماتبعدش عني يوم. فكرة إنهم يؤذوك بتموتني حبيبي، عشان خاطري خلي بالك من نفسك.
رفع ذقنها يرسم ملامحها الحزينة بقلبه المتألم، ود لو عاش معها أعوام مديدة، ولكن لقدرة ربه حكم.
أغمض عينيه يقربها إليه.
- تعرفي أنا بعشقك قوي. مجرد دقيقة في حضني بتساوي عندي سنين ضاعت من حياتي وأنت بعيدة عني.
لامس ثغرها بأبهامه.
- بتمنى من ربنا أعيش كتير عشان أتمتع بحبك. نفسي نجيب أولاد ونربيهم كويس. عايز أعمل معاهم حاجات كتيرة اتحرمت منها. أنا أبدو قوي بس من جوايا ضعيف جداً وخصوصاً معاكي.
---
دنت تطبع قبلة عميقة على جبينه.
- ربنا ما يحرمنا منك وتفضل منور حياتنا، ونكبر مع بعض لحد ما نجوز ولادنا.. أنا حلمت حلم ونسيت أقولك عليه.
- حلمتي بإيه؟ احكي.
قصت له ما صار بالحلم.
اعتدل يستند على ذراعيه يداعب وجنتيها بأنامله ثم أردف:
- طيب كويس إنك عارفة هتزعليني. الحلم إشارة بتقولك جوزك هيطلب منك طلب وحضرتك مش هتسمعي كلامه، وده مش حلو ممكن يحصل عواقب وخيمة عليه.
وضعت أنامله حول عنقه واقتربت تهمس أمام شفتيه حتى لامستها قائلة:
- هات من الآخر يا حضرة المستشار. بتلف على إيه؟ ناوي تعمل فرح؟
رفع حاجبه ينظر لأناملها المتحركة مرة على عنقه ومرة على صدره، ناهيك عن ملامسة شفتيه، فأشار على نفسه.
- إنت قد الحركة دي؟ بتغريني؟ لا وبتتحرشي بيا عشان أخلع التيشيرت؟ طيب أتفضل التيشيرت أهو.
شهقت تضع كفيها على فمها.
- يا مجنون والله ما أقصد حاجة.
لم تشعر بنفسها إلا وهي متسطحة على الفراش، وهو يعتليها يحاوطها بين ذراعيه.
- وريني كدا كنتِ بتعملي إيه؟ أنا أهو مستعد.
وضعت كفيها على عينيها تهز رأسها ضاحكة بصوت صاخب.
- عيلة ياسيدي، اعتبرني عيلة وبتلعب. ولا أقولك اعتبر نفسك بتحلم.
ضيق عينيه مقترباً منها.
- تصدقي بحب لعب العيال، وخصوصاً لما يلعبوا عروسة وعريس.
رفعت كفيها تدفعه وهي تضحك.
- ابعد يا مجنون، أنا مستنية الفجر يأذن. ابعد، أنا متوضية.
قهقه بضحكاته الرجولية المرافعة، من يراهما الآن لم يظن أنهما عانيا كثيراً.
دنى يداعب وجنتيها بأنفه.
- حد قالك مينفعش تعيدي وضوئك تاني؟ ولا بلاش الوضوء، الحمام قبل الفجر بيكون لذيذ وخصوصاً بالشتا. أوباا لما واحدة تاخد شاور كدا وهي في حضن جوزها دي لوحدها تتجلد يا عمري.
لكمته بكفيها الصغير.
- ابعد يا راكان، قال شاور في حضن جوزها؟ ليه جوز بط؟
أطلق ضحكة صاخبة حتى أدمعت عيناه، نازلاً برأسه يضعها بعنقه وجسده يرتجف من ضحكاته الصاخبة.
دفعته بيديها حتى سقط على الفراش بجوارها ومازال يضحك قائلاً من بين ضحكاته:
- يالهوي يا ولاد هبتي بقت في حظيرة بط. بقى تصوري جوزك بجوز بط؟
اعتدل يجذبها إليه قائلاً:
- طب لازم جوز البط يعمل شوربة. يرضيكي يبقى معاكي جوز بط من غير شوربة؟
دفعته وهي تضحك على ضحكاته.
- بس، بطل ضحك. مش ضامنة نفسي بقولك أهو.
لم تشعر بنفسها إلا وهي معلقة بين ذراعيه.
- أيوه هو دا بالضبط اللي عايز أوصله.
لم تشعر بنفسها إلا وهي معلقة بين ذراعيه.
- أيوه هو دا بالضبط اللي عايز أوصله، إنك تنحرفي.
حركت ساقيها وهي تضحك عليه.
- نزلني بقولك. لا ووكيل نيابة، ده اللي يشوفك يقول مخرج سينمائي.
وضعها على الفراش يحاوطها بذراعيه.
- حلو قوي اللقب ده يا روحي. إيه رأيك نعمل مشهد ونمثله مع بعض؟
قطبت مابين جبينها متسائلة بغباء.
- مشهد إيه ده؟ أنا بحب التمثيل. أيوه كدا. مش تقولي شاور.
اعتدل وهو مازال يضحك عليها.
- وحياة ربنا أنت هتجننيني.
اعتدلت تجلس تضع كفيها على أحشائها.
- شوفي أبوكي معرفش يتجنن ولا إيه. رجع في كلامه. ياله كان نفسي أمثل مع واحد وسيم.
دنى منها يحاوطها بنظراته.
- مستعد.
- أنتِ مستعدة؟
قطبت جبينها متسائلة.
- مستعدة لإيه؟
طبع قبلة بجانب شفتيها.
- مستعدة للمشهد.
هزت رأسها بابتسامة.
- إيه هو المشهد اللي مفرحك أوي؟ بما إني البطلة.
ظلت تلكمه حتى ابتعد عنها يطالعها.
- هو فيه أجمل من كدا مشهد يا حبي.
حاولت الحديث ولكن أنفاسها متقطعة، لحظات حتى اقتربت تلكمه.
- قليل الأدب. أنا قصدي مشاهد تاريخية مش قلة أدب.
جلس محاولاً السيطرة على نفسه، كانت شهيته يود لو يزهق روحها بقبلة تخرسها للأبد، لما لا وحبها يجري بعروقه مجرى الدم. طالعته مستغربة صمته، ونظراته التي تخترق جسدها. علمت من نظراته ما يفكر به فاستدارت للتحرك، ولكنه جذبها بقوة حتى سقطت فوق الفراش تصرخ.
- يا مجنون بطني، يخربيتك أنا حامل.
- بتهربي مني يا ليلى؟ كنتِ رايحة فين؟
هربت من أنظارها منه قائلة.
- كنت رايحة أعلق الإسدال يا حبيبي، ههرب أروح فين.
نزل برأسه وضعت كفيها أمامه.
- مش سامع.
ضيق عينيه متسائلاً.
- سامع إيه؟
ابتسامة واسعة شقت ثغرها وهي تستمع لآذان الفجر.
- اسمع يا حبيبي بيقول إيه، الصلاة يا مؤمنين، حي على الصلاة في الراديو جنبك أهو.
جز على أسنانه ورمقها ساخراً.
- أيوه إيه يعني هو إحنا هنصوم بكرة؟ عادي ممكن تأخري الصلاة شوية، اعتبري نفسك نايمة.
رفعت حاجبها بسخرية.
- بس أنا صاحية، عايزني أكذب؟
أرجع خصلاته بعنف.
- بت هتكدبي على مين!!
اعتدلت ترفع كتفها ببراءة.
- أكذب على ربنا. أقوله إيه دلوقتي؟ إزاي أكون صاحية وأعمل نايمة.
دفعها بقوة.
- والله، يبقى قوليله جوزي كان عايزني في بيت الطاعة.
أطلقت ضحكة خافتة على مظهره هاتفة من بين ضحكاتها.
- بتتريق يا راكان؟ إن شاء الله ربنا يسامحك.
اقترب وهو يرمقها بنظرات نارية فهتفت بصوت صاخب.
- ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.
اعتدل متجهاً للمرحاض.
- طيب قومي يا مؤمنة صلاة الفجر هتفوتك.
---
قبل أسبوعين، وخاصة بمدينة برلين، بتلك المشفى تجلس أمام غرفة العمليات، وهي بداخل أحضانه تنتظر إنهاء العملية التي يقوم بإجرائها نوح.
همس بجوار أذنها وهو يحاوطها بذراعيه.
- لو تعبانة تعالي أروحك ترتاحي، وأنا هنا.
هزت رأسها رافضة.
- لا مينفعش، لازم أطمن عليه، وكمان مينفعش أسيب أسما لوحدها.
أومأ برأسه متفهماً، فقام بخلع جاكيته الجلد ووضعه على أكتافها.
- خليه عليكي عشان يدفيكي.
اعتدلت تمسك الجاكيت وتضعه على أكتافه.
- أنا مش سقعانة، ولابسة كتير أهو. أنت مفيش حاجة غير القميص بس، هتبرد كدا. لو سمحت اسمع الكلام.
ابتسم لها ابتسامة خفيفة، فدنى يتحدث.
- بريئة وجميلة أوي حبيبتي.
نظرت حولها تبعد عن نظراته الخارقة، شعرت بشيء ثقيل يوضع مرة أخرى على أكتافها، ثم نهض متحركاً إلى يونس الجالس بجوار يحيى ووالد ليلى، قاطعهم خروج الطبيب.
هب الجميع يتوقفون، توقف الطبيب أمامهم وتحدث بلكنته الألمانية.
- لقد انتهينا للتو، ولم يقابلنا أي مشاكل بالعملية. الأمور تمت بيسر، ونرجو أن يكون نجاحها محققاً.
كانت أسما تقف وضربات قلبها تتقاذف بعنف، خوفاً من نتيجتها. رفعت بصرها لليلى التي ضمتها تربت على ظهرها.
- إن شاء الله هيقوم بالسلامة حبيبتي ولا يهمك، تعالي نصلي المغرب وندعيله.
وضعت كفيها على أحشائها وانسابت عبراتها.
- الولاد مش مبطلين ضرب فيا من الصبح، هما ممكن يكونوا زعلانين وحاسين.
مسحت ليلى دموعها واحتضنت وجهها.
- أسما بلاش تزعلي عشان ميأثرش على البيبيهات، عايزة عريس بنتي يجي بصحة كويسة.
ابتسمت أسما تضم ليلى وتبكي بقوة.
- خايفة أوي يا ليلى، خايفة لا النتيجة متكنش إيجابية، وقتها نوح هينهار.
ربتت على ظهرها وتحدثت بهدوء، رغم خوفها.
- أسما كل شيء قدر ومكتوب، يعني نصيبنا وهناخده من الدنيا. أنتِ قولي يا رب وربك هييسرها، ماهو بعد العسر يسر حبيبتي. هو اللي هقولك، يابنتي ده أنتِ قصتك يتعملها كتاب.
ابتسمت من بين دموعها.
- ربنا يخليكِ ليا يا ليلى، كنتِ نعم الصديقة في السراء والضراء.
أمسكت ليلى خدودها وابتسمت.
- أيوه كدا، عدي جمايلي عشان هتحتاجيها قدام.
تحركت أسما عندما وجدت زوجها متجهاً للعناية، وخلفه والده وراكان. أما يونس وحمزة جلسوا بجوار عاصم بانتظار إفاقته.
توقفت أمام الغرفة، بجوار يحيى تنظر من خلف الزجاج الشفاف وتسائلت بقلب يئن وجعاً.
- قولي يا عمو، نوح كويس؟ المهم يكون كويس. صدقني لو فضل كدا عندي أحسن ما يروح مني.
ضمها يحيى لأحضانه.
- هيكون كويس حبيبتي، صدقيني هيكون كويس. أصلاً الإشاعات والتحاليل بينت إصابات بسيطة بالعمود الفقري الحمد لله على كل حال.
---
بفيلا النمساوي.
جلست بجوار أمجد تشاهد الفيديوهات التي توضح ركوب ليلى بسيارة غنى.
- شوفتيها قبل كدا؟
هزت رأسها رافضة.
- لا مش شوفتها، بس اسمها مش غريب عليا.
وصل قاسم وجلس بجوارهم.
- بتعملوا إيه؟ راكان لسه مرجعش من ألمانيا ولا إيه؟
أمسكت هاتفها وتحركت.
- هكلمه، المفروض نوح يعمل العملية النهاردة. هتصل وأعمل نفسي مهتمة.
رفع أمجد حاجبه ضاحكاً بسخرية.
- آه وحياتك، وعيطي شوية وقوليله كدا يا قاسي تسبني أسبوع كامل في حضن أمجد.
رفعت سبابتها على شفتيها.
- بس الفون بيدي جرس.
أجاب راكان بعد فترة.
- أيوه يا نور.
ابتسمت وهي تحادثه.
- ممكن تفتح الكاميرا حبيبي وحشتني عايزة أكلمك.
فتح الكاميرا متوقفاً أمام العناية وخلفه الدكتور يحيى وأسما.
- فيه حاجة؟
ابتسمت له وتحدثت:
- راكان وحشتني. إيه، بلاش اطمن على حبيبي ولا إيه؟
ابتعد بنظره يراقب ليلى التي تجلس بجوار سيلين وعيناها تراقبه. ابتسم وأجابها ومازالت عيناه عليها:
- أنا كويس الحمد لله. لو مفيش حاجة مهمة ممكن تقفلي؟ زي ما أنت شايف، مينفعش اتغزل فيكي والوضع هنا مش تمام.
جلست على الأريكة ورفعت ساقيها فوقها تمسك بخصلاتها:
- يعني لو كنت معاك دلوقتي مكنتش هونت عليك؟
رفع وجهه بشبه ابتسامة ساخرًا واتجه ينظر إليها:
- قلبك معايا ياحبيبتي، لازم أقفل. خلي بالك من نفسك.
- استنى بس، أنت على طول كدا. نسيت أسأل عن نوح، عمل العملية ولا لأ؟
زفر محاولًا السيطرة على نفسه حتى لا يغلق بوجهها:
- عملها ولسة مفاقش، بنستنى. سلام، هكلمك لما أفضى.
قالها وأغلق هاتفه سريعًا متجهًا لليلى. وصل إليها وبسط يديه:
- تعالي عشان ناكل، أنت من الصبح ما أكلتيش.
توقفت سيلين تصفق بيديها:
- إيه، أخيرًا راكي هيعزمنا؟
دفعها حتى هوت على المقعد:
- هو مين دا اللي عزمك ياختي أن شاء الله؟ روحي لجوزك يعزمك.
اتجهت بنظرها إلى يونس الذي يتحدث مع حمزة وأردفت بحزن:
- يعني مش هتاخدني معاكم؟
جذب ليلى وأوقفها قائلًا:
- لا، متبقيش باردة وروحي اتغدي مع دكتور الستات.
توقفت ليلى رافضة عندما وجدت حزنها:
- اطلب أكل هنا، عشان أسما، مينفعش نمشي ونسيبها لوحدها.
جذبها متحركًا قائلًا:
- أسما نامت، الدكتور يحيى أداها مهدئ عشان تعبت من الوقوف من الصبح، وكمان هو هيجيب لها أكل، متخافيش عليها. مينفعش تخرج وهي كدا.
وضعت رأسها بذراعيه:
- ليه زعلت سيلين؟ دلوقتي تقول عليا خطفتك منها.
توقف ينظر إليها:
- أكيد بتهزري، هي سيلين طفلة عشان تفكر في كدا؟ وبعدين أنا عملت كدا مخصوص عشان تقرب من يونس. يونس عمل كل حاجة وهي دماغها جزمة زي واحدة صاحبتنا.
هزت رأسها ببراءة وتساءلت:
- ياترى مين صاحبتك دي يا حبيبي؟
فتح باب السيارة ونزل برأسه يهمس بجوار أذنها:
- تنينتي حبيبة قلبي.
تورّدت وجنتاها، فاستقلت السيارة دون حديث. استقل السيارة بجوارها متحدثًا للسائق، يخبره عن المكان. جذبها يقربها إليه، وضع الجاكيت على أكتافهما، تحاوط خصره بذراعها:
- هو ينفع نروح البيت؟ تعبانة وعايزة أرتاح شوية لحد ما نوح يفوق بالسلامة.
طبع قبلة على رأسها:
- اللي تؤمري بيه، المهم تكوني مرتاحة.
وضعت كفيه على بطنها ورفعت بصرها تنظر إليه بعينين سعيدة:
- حاسة بيها؟ شوفت بتعمل إيه؟
حرك كفيه:
- وهناك شعور لذيذ يتدفق بأوردته. مش بتوجعك كدا؟
كان وجهها قريبًا من خديه، فطبعت قبلة وأردفت:
- لأ، بالعكس دا أجمل إحساس لما تحس بيه.
ضمها بقوة لصدره:
- مش مصدق تيجي وأشوفها وأشيلها يا ليلى. عايزة أحس بطعم اللحظة دي بيكون إزاي؟ لما ولدتي أمير، حسيت إني بشيل سليم، لأن فيه كتير، كنت فرحان أوي بيه، ولما ضمته حسيت بإحساس حلو أوي. تفتكري بنتي هيكون إحساسي بيها إزاي؟
تشابكت أناملهما وأجابته:
- دا ميتقالش يا حبيب ليلى، دا إحساس يتحس من غير كلام.
حاول إخفاء ابتسامته قدر المستطاع ولكنه لم يستطع، عندما أدارت وجهه إليها:
- إيه مش عاجبك كلامي؟ طيب بكرة لما تشلها هتعرف.
- لا ياقلبي مصدقك طبعًا، بس إنتوا الستات حساسين أوي.
رفعت نفسها وهمست بإغراء بجوار أذنه:
- لما الواحدة تكون حامل من حبيبها بيكون الإحساس مختلف يا حبيبي، لأنه بيكون أغلى من نفسها.
ابتسم بجاذبية واتسعت عيناه بحبور متعلقة بليلى:
- ياترى فيه اختلاف بين حملك في أمير، والحمل دا؟
أطبقت على جفنيها تضع رأسها بصدره:
- بلاش السؤال الصعب دا يا راكان. الاتنين ولادي. أنا قصدي الإحساس عامة بيكون إيه؟ بما إن حملي المرادي منك فدا في حد ذاته إحساس يعجز عن وصفي. بس مش معنى كدا يبقى إحساسي بأمير أقل. أنا قصدي الحمل.
وضع إبهامه على شفتيها عندما وجد تبدل حالة عينيها من السعادة للحزن، فدنى يهمس بجوار شفتيها:
- أهم حاجة عندي في الاتنين إنهم منك. الباقي ميهمنيش.
رفعت بصرها ونظرت لعينيه القريبة منها.
دنى يطبع قبلة بجانب شفتيها، واسترسل بعينين تهيم عشقًا:
- راكان بيحب لولته أغلى من أي حاجة في الدنيا.
- يعني مش هتندم؟ تساءلت بها ليلى.
هزة عنيفة أصابت جسده، وإحساس عميق يجتاح كيانه، فأخذ يضمها بقوة ليشعرها بما يشعر به متحدثًا:
- ندمان الوقت اللي ضاع وإحنا بعيد عن بعض. حقيقي ندمان على كل وقت عدى علينا وإحنا بعيد عن بعض. من أول ما شفتك لحد اللحظة دي، بتمنى أيام كتير أوي تعدي علينا وإحنا مع بعض.
قبلت كفيه الذي يضم به وجهها:
- إن شاء الله هنكبر مع ولادنا.
قاطعهم وصول السيارة لمنزلهما.
ترجل متجهاً إليها.
ترجلت صاعدة معه للأعلى.
دلفت للداخل، أسرع إليهما أمير.
رفعه راكان للأعلى وهو يقهقه معه بصوته الطفولي، وضع قبلة على خديه.
"عملت إيه يا حبيب بابي؟"
أمسك يديه متجهاً لألعابه المركبة وهو يصفق بيديه الصغيرتين.
"مستر تاليا! لعبنا بالبحر."
جلس على عقبيه أمامه ووضع كفيه بخصلاته.
"ميرو حلو وجميل وسمارت بالبحر."
دلف لأحضانه وهو يبتسم له، وتحدث بصوته الطفولي.
"أنا أحب بابا بالبحر."
كانت تقف تستند على الجدار، تطالعهما بحب.
دلت للداخل بعدما وجدته يجلس بجواره ويعلمه بعض الألعاب الأخرى.
"جهزي الغدا يا آغا."
ثم اتجهت ببصرها لداليا.
"أمير عمل إيه النهاردة؟"
"لعب شوية واتفرج على بعض الألعاب الإلكترونية المسموح بيها لسنه، ورسمنا شوية، وكمان قرأتله قصة سيدنا يوسف زي ما حضرتك طلبتي."
"شكرًا يا داليا. يبقى غيريله وانزلي تحت شوية، بس بلاش آيس كريم الجو برد، ومتنسيش تلبسيه تقيل."
قالتها وتحركت لداخل غرفتها.
قامت بخلع حجابها واتجهت لمرحاضها تنعش نفسها بحمام دافئ.
خرجت بعد قليل تجلس أمام المرآة تقوم بتجفيف خصيلاتها.
وجدت بعضها يتساقط.
نظرت للمرآة بحزن.
"أوف، أوف. أهو اللي كنت خايفة منه."
وجدت من يحاوطها من الخلف.
نزل لمستوى جلوسها وحاوطها بذراعيه.
"حبيبي بيكلم نفسه في المراية ليه؟"
استدارت برأسها له.
"لا مفيش، افتكرت حاجة بس."
تناول منها المجفف الكهربائي وبدأ يجفف خصلاتها.
"زعلانة من إيه؟"
تساءل بها بعدما أنهى ما فعله.
نهضت تقف بمحاذته.
"مفيش حاجة حبيبي. ادخل خد شاور عشان ناكل. عايزة أنام بطريقة متتخيليهاش."
جذبها لأحضانه يحاوطها بذراعيه حتى اختفت بأحضانه تحاوط خصره.
"قوليلي مين مزعل مولاتي."
تمسحت به كقطة أليفة، تشد من احتضانه كأنه سيبتعد عنها.
"ينفع أنام دلوقتي، ماليش نفس للأكل، عايزة أنام بس."
أخرجها من أحضانه.
ثم رفع ذقنها بأنامله.
"مالك حبيبتي؟ بتحاولي تهربي مني ليه؟"
تنهدت مبتعدة تجلس على مخدعهما.
"مش عاجبني حالنا ده يا راكان. لازم تفكر في حاجة تانية غير إني أفضل بعيد عن مصر. دلوقتي نوح عمل العملية، وأكيد هترجع مصر، وهنفضل هنا."
احتضن وجهها وقربها إليها، وضع جبينه فوق جبينها قائلاً بأنفاس متقطعة.
"لا هتنزلي معايا، مش هتقعدي هنا تاني."
لامس وجنتيها بظهر كفيه، يتعمق بعينها واسترسل هائماً.
"مبقتش قادرة أستغنى عنك مولاتي. لازم كل يوم تباتي في حضني، وميرضنيش أشوف العيون الحلوة دي حزينة."
لامس خصلاتها ووضعها خلف أذنيها وأكمل.
"مستعد أحرق الكون بس خلي حد يقرب منكم. صدقيني أدفنهم أحياء."
لمعت عيناها بسعادة.
رفعت نفسها تحاوط عنقه تهز رأسها بشقاوة.
"أنا قولتلك قبل كدا بحبك."
أغمض عيناً وفتح الأخرى، متصنعاً التذكر.
"مش فاكر؟ هو من جهة الكلام، أنتِ رغايّة أوي بتتكلمي كتير، بس أفعالك قليلة."
جحظت عيناها مما تفوه به.
لكزته بصدره.
"أنا رغايّة يا راكان، ومبعملش حاجة غير كلام. طب وسع كدا، ابعد عن الرغايّة."
حملها بين ذراعيه مقهقهاً على تمردها الطفولي.
"طيب مستعد أشوف أفعال بس. قالوا للكذاب احلف يا روحي. دلوقتي هحكم وأنا أستاذ القانون."
وضعت رأسها بصدره بعدما علمت ما يشير إليه.
اقترب بوجهه منها قائلاً بأنفاس تمر فوق شفتيها.
"عايز أشوف قوة الهندسة مقابل القانون."
أتت لتتحدث، ولكنه سبقها عندما احتضن شفتيها يغرقها بقبلاته المسكرة ليبث لها ترانيم عشقه.
بالمشفى عند حمزة كان يتحدث بهاتفه.
"أيوة يا جاسر، خير؟ فيه حاجة؟"
وقف جاسر بعيداً عن أجهزة الإنصات وتحدث.
"حمزة، نورسين عرفت إن ليلى خرجت من مصر بمساعدة راكان."
توجه حمزة للنافذة بعيداً عن يحيى متسائلاً.
"عرفت إزاي؟"
كان جاسر يطالع الشاشة أمامه فأردف.
"سمعتهم، لازم تبلغ راكان. مش عارف أوصله."
"تمام."
قالها حمزة ثم أغلق هاتفه.
اتجه يونس يقف أمامه.
"فيه حاجة ولا إيه؟"
ابتلع غصة مؤلمة عبأت حلقه وتحدث.
"الأيام الجاية هتكون صعبة على راكان قوي يا يونس. لازم نساندوه."
انكمشت ملامحه بألم وتبدل حاله للحزن قائلاً.
"فيه حاجة عرفتها من فترة، بس خايف أقول لراكان."
طالعه حمزة بعينيه منتظراً حديثه.
جذبه يونس متجهاً للمقاعد وجلس وأجلسه بجواره.
"سارة قالتلي إنها كانت عارفة راكان بيحب ليلى قبل ما تتجوز سليم، ومعرفش حد كان عارف كدا تاني ولا لأ. وبما إنهم بيحضروا حاجة بعد ما عرفت حاولوا يقتلوا جدي. تفتكر ممكن يستغلوا دا اتجاه راكان؟ أنا مش عارف أفكر. كل ما أجي أقوله ما أقدرش."
اتجه إليه حمزة قائلاً.
"كويس إنك مقلتلوش، عشان حلا حاولت تلعب معاه في الحتة دي. بس راكان مش بالغباء ده. بس لو كنت قلتله، كان ممكن يشك."
قطب يونس حاجبيه متسائلاً.
"تقصد إيه؟"
"هتعرف لما راكان يجي."
باليوم من عملية نوح اتجه إلى المستشفى بصحبتها.
كان الطبيب يعاين حالته من حيث نجاح العملية.
توقف أمامه.
"حاول تحرك رجلك كدا."
حاول عدة مرات، ولكن ساقيه كانت ثقيلة.
تحرك الطبيب مردفاً.
"تمام، متحاولش تجهد نفسك. يوم كمان ونحاول."
مرت الأيام سريعاً، حتى أتى اليوم المقرر لنجاح العملية أم لا.
توقف الجميع ينتظر إجابة الطبيب.
حاول حركة أقدامه بهدوء.
حركها ببطء حتى اعتدل جالساً.
ابتسمت أسما وانسابت عبراتها.
تحمد ربها.
اقتربت لكي تساعده ولكن رفض الطبيب تدخلها قائلاً.
"ياله يا دكتور حاول تقوم."
دنى راكان منه، يقف أمامه مباشرة حتى يقويه.
"ياله يا نوح، فرح قلوبنا. لازم تقوم عشان ولادك، ومراتك. ياله حبيبي."
اتكأ بكفيه محاولاً الوقوف.
وقف في بداية الأمر مرتعشاً، ولكنه توقف.
ولكنه جلس مرة أخرى.
جلس يحيى يسجد لربه شاكراً على إنقاذ ابنه.
رفعه راكان حتى توقف.
ألقى نفسه بحضن راكان يبكي بصوت مرتفع.
"كنت خايف يا راكان أفضل طول عمري عاجز."
دنى حمزة ويونس منهما يضموا بعضهما البعض.
"ربنا يحمينا دايماً ونكون سند لبعض."
قالها راكان وهو يلكمه بكتفه.
أما حمزة الذي جذب نوح لأحضانه.
"وحش يلا، فرحتني. ربنا يبارك فيك وتفضل منورنا كدا. طلعت غالي يابغل."
دفعه يونس مقترباً.
"وأنا ابن الحمامة السودا ياخويا منك له."
ارتفعت ضحكاتهم.
كانت تقف بعيداً وعبراتها تنسدل ببطء.
ربتت ليلى على ظهرها.
"مبروك حبيبتي، حمد الله على سلامته."
ضمتها ليلى حتى اختلطت عبراتها بضحكاتها.
كان يراقبها بعينيه، والجميع يهنئونه.
ولكنه لم يحتاج سواها وحدها.
لقد اشتاق لأحتضانها كثيراً.
دنا عاصم يهنئه.
"حمد الله على سلامتك يابني."
اتجه بنظره له.
"الله يسلمك يا عمو."
وصلت ليلى إليه.
"حمد الله على سلامتك يا نوح، ودايماً تنورنا ياحبيبي يارب."
ابتسم لها يشد على كفيها هامساً لها.
"شايفك احلويتي يابنت خالتي. اللي يعاشر البغل دا يحلو كدا."
دنى منهما راكان يفصل كفيها.
"حوش إيدك يلا. الدكتور برة. بلاش تخليني أخليه يرجع يمشيّك على بطنك مش كرسي."
دنى يهمس لها.
"حبك برص يا أختي. هو مين دا اللي حبيبك؟ هنتحاسب."
ابتسم نوح وكاد أن يرد عليه، ولكن اقتربت أسما أخيراً منه، بجوار سيلين.
خرج الجميع بعد ما هنأته سيلين.
ظلت كما هي، تطالعه بصمت.
عبراتها فقط تنساب على وجنتيها.
"قربي حبيبتي واقفة ليه؟ أنتِ سمعتي كلام الدكتور أهو. مينفعش أقف على رجلي فترة لحد ما أعمل علاج طبيعي."
ألقت نفسها بأحضانة تشهق ببكاء.
رفع كفيه يمسد على خصلاتها.
"يعني بتعيطي عشان وقفت تاني؟ ولا بتعيطي ليه دلوقتي؟"
قالها وهو يعتصرها بأحضانه مغمض العينين يستنشق رائحتها.
"الحمد لله حبيبي أهم حاجة إنك قمت بالسلامة دي عندي أهم وأجمل حاجة."
احتضن وجهها يطبع قبلة على جبينها.
"ربنا يباركلي فيكي حبيبي."
بالخارج توقف راكان بجوار يحيى.
"إحنا هنسافر على طيارة الصبح. وحضرتك هتستنى نوح لما الدكتور يطمن عليه. متنساش زي ما اتفقت مع حضرتك يا عمو. لازم تعمل زي ما طلبت منك بالظبط."
ربت يحيى على كتفه قائلاً.
"اعتبره حصل. أنا مش هرتاح إلا لما آخد حق ابني. لسة حسابهم معايا عسير. أنا انشغلت بعملية نوح، بس منستش طبعاً."
أومأ راكان برأسه.
"كدا هدخل أودعه لحد مانتقابل بعد أسبوع إن شاء الله."
بمكتب جاسر دلف إليه الشرطي.
"المتهمة ياباشا اتقتلت في السجن."
هب فزعاً من مكانه.
"إزاي دا حصل؟"
هز أكتافه قائلاً.
"منعرفش ياباشا. كل اللي عرفناه إنها اتخانقت مع السجينة الجديدة وبعدها اتصالحوا."
اتجه مذعوراً لمكانها وهو يسبه.
بعد أسبوع بفيلا قاسم الشربيني.
اتجه قاسم بانظاره للنمساوي.
"خلال كام يوم هنسمع خبر توفيق. التحاليل بتبين إن السم لوث دمه كله."
ثم اتجه لصديقه الآخر.
"أتمنى يكون موضوع حلا خلص، عشان ميكنش عقبة."
اتجه النمساوي نظره لذاك الشخص الذي يقف بعيداً عنهم.
"دا مهمته يدخل مكتب راكان ويجيب الورق، وبكدا نكون اتخلصنا ومش محتاجينه وكمان نلغي الفرح."
تحدث أمجد.
"لا مش وقت الورق خالص. بما إن راكان ضحك علينا ولعب بينا لازم ننتقم منه. ودا مش هيحصل غير لما يتجوز بنتك. أنا لازم أحصره زي ما حصرني كدا."
نهضت نورسين متحدثة.
"أمجد بيقول الصح. دلوقتي إحنا عرفنا مين بيساعده. إزاي ما أخدتش بالي من اسم المنشاوي دا. دا الضلع الأكبر للألفي. وطبعاً جاسر هو اللي ماسك القضية."
تحرك أمجد يقف بجوارها وأشار لها.
"قولتلك نتخلص منهم. يعني لو موضوع بنت عمه دا خلصناه مكنش قدر يوقف يناطحنا."
"اخرس يا أمجد. دا ظابط مش واحد عادي عشان ننتقم منه بالطريقة دي. ومتنساش دا ابن جواد الألفي اللي دخلنا كلنا السجن. وفيه منا اللي تحت الأرض. لولا توفيق البنداري كان اتحكم علينا بالإعدام. لازم نقعد ونفكر كويس. مش عايز غلطة."
عقدت نورسين ذراعيها قائلة.
"مش هو بيلعب بيا؟ أنا هلعب بيه. هنفهمه إننا مش عارفين حاجة. ويوم الفرح هنضرب ضربتنا. أمجد هيخطف ليلى. وطبعاً كلنا في الفرح. وكمان جنى الألفي دي كانت أحسن اختيار زي ما قولتلكم مرات جاسر مش هتهمنا زي جنى عشان دي ضربة قاضية لعيلة الألفي كلها. وبما إنها في المستشفى هيكون سهل خطفها. المهم نخطط للزفتة ليلى دي. هو هيرجع بعد كام يوم. أكيد هيحاول يتواصل معاها. نكون مراقبينه. وإياك متنجحش المرادي يا أمجد."
بعد عدة أيام بالقاهرة، وخاصة بالجامعة بكلية الهندسة.
دلف الطلاب إلى القاعة الخاصة بمحاضرتهم.
دلف إلى المدرج بهيئته الجذابة، ونظراته الشمسية التي يضعها فوق خصلاته بعد إستئذانه من دكتور المادة.
وصل إلى المنصة التي يقف عليها الدكتور وأمسك الميكروفون.
"مساء الخير. يارب تكونوا بخير. طبعاً كلكم بتقولوا مين اللي قطع المحاضرة وأخرج الدكتور."
اتجه بأنظاره لجلوسها بجوار إحدى صديقاتها.
فتقابلت نظراتها المذهولة بنظراته المتأسفة.
فأسترسل قائلاً.
"الحقيقة أنا مليش علاقة بالهندسة كمجال علمي، بس طبعاً بما إن عاشقة الروح في الهندسة فحبيت أكون ضيف لطيف شوية عندكم. وجاي عايز مساعدتكم."
بدأت الهمهمات الجانبية بين الطلاب، سوى التي تجلس وعيناها لم تفارقه وهناك تدفقات تتوغل بأوردتها من الخجل.
والجميع ينظر إليه بإنبهار.
توقفت إحدى الطالبات الفاتنات متحدثة.
"بس حضرتك مقلتش إحنا علاقتنا إيه؟"
نزل درج من فوق البينش متجه بين الطلاب إلى أن توقف أمامها مردفاً.
"بينكم هنا واحدة آذيتها كتير. هو مش أذية قد ماهو وجع الروح. جاي وبتأسف لها قدامكم وبقولها إني بحبها قوي قوي."
بسط يديه أمامها.
"بطلب العفو والسماح يا ملكة قلبي."
احتضن كفيها يتعمق بعينيها الذي وقع غريقاً بها.
"سيلين توافقي تكملي حياتك معايا؟ موافقة تتجوزيني يا بنت عمي."
قام الطلاب بالتصفير.
استمعت لهمهمات الطالبات حولها.
"اقبلي يابختك. دا في الخيال بس يابنتي."
اقتربت منه إحدى الطالبات.
"أنا موجودة يا وسيم، لو هي رفضت، نحن هنا."
رفعت سيلين نظراتها النارية تريد التهامها.
ثم جذبت كفيه متحركة للخارج.
"معجب بنفسك، وعامل شو عشان كل الطالبات يموتوا عليك."
دنت كالقطة الشرسة تلكمه بصدره.
"فرحان من نفسك؟ ما أنت عارف أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك بس بأدبك."
رفعها من خصرها حتى أصبحت بمستواه، قائلاً بابتسامته الجذابة.
"تعرفي نفسي في إيه دلوقتي؟"
التفتت حولها.
"يونس نزلني عيب. إحنا في الجامعة مينفعش اللي بتعمله دا."
أنزلها بهدوء يسحبها خلفه قائلاً.
"عندك حق ياروحي."
وصل لسيارته وفتح باب السيارة.
أشارت لسيارتها.
"عربيتي يا يونس."
تقابلت نظراته المشتاقة وهمسها باسمه منذ فترة.
"هبعت حد ياخدها يا قلب يايونس. ياله اركبي."
قبل يومين من اليوم المحدد للزفاف.
دلفت تدفع باب مكتبه.
"إيه اللي ناوي عليه يا حضرة المستشار؟ فرح إيه إن شاء الله اللي هتلغيه؟"
نصب عوده وتوقف يجذب خصلاتها.
"اتجننتي؟ إزاي تدخلي كدا؟ إيه داخلة على حيوان؟ فيه حاجة اسمها باب نخبط عليه."
دفعته صارخة.
"متصل ببابا وتقوله أنا مش هقدر أتجوز بنتك. ليه اتجننت؟"
دفعها بقوة كأنها مرض معدي.
"بقولك يا نور أنا فكرت كويس. لقيت إن ماما عندها حق. إيه اللي يخليني أتجوز واحدة ومراتي حامل؟ وكمان رافعة قضية طلاق؟ طيب ما أفضل معاها. وأهو نكون مع بعض لذاذ. مش دا اللي أنتِ عايزاه."
دنت منه تنظر بعمق عيناه قائلة.
"والله الفرح دا لو متمش في معاده، لأحصرك على أم ولادك. وحياة أغلى حاجة عندي يا راكان لو معملتش الفرح، ومش بس فرح عادي، لا أنا عايزة كل الدنيا تتحاكى عنه، وجميع القنوات تنقله. سمعتني."
ابتلع غصة بنيران الحسرة بجوفه كجمرات مشتعلة تكوي جوفه بلا رحمة.
ثم اتجه إليها يغرز نظراته المتوعدة في عمق عينيها مردفاً.
"لو لمستيها هي وابني مش هموتك بس. صدقيني وقتها الموت هيكون راحة."
اتسعت حدقتيها بتصنع.
ثم دنت منه واقتربت تعانقه بإستفزاز.
ثم أطلقت صوتاً اعتراضياً بشفتيها هامسة له.
"مش كل اللي تلعب معاهم. أنا غير. ودلوقتي حياة مراتك وابنك ومش بس كدا ممكن عملية إجهاض بسيطة مع ربط يخليها طول عمرها متخلفش تاني. وتتحسر طول حياتها إنها مقدرتش تخلف لحبيب القلب."
قالتها، ثم طبعت قبلة على وجنتيه هامسة بجانب أذنيه:
"فستان الفرح وصل يا حبيبي وكمان بدلة الفرح. متتأخرش."
قالتها بنبرة يشوبها تهديد.
لوحت بكفيها وهي تحمل حقيبتها.
"تشاااو ياحبيبي، هتوحشني لحد يوم القرح."
تراجع بجسده للخلف يتذكر ذاك اليوم الذي وصل به إلى الأراضي المصرية.
فلاش.
"ليلى هتروحي مع يونس هو عارف هيعمل إيه. وأنا هاجيلك بالليل."
ثم اتجه بنظره إلى داليا واسترسل.
"داليا زي ما اتفقت معاكي."
أومأت برأسها تسحب كف أمير متجهة لسيارتهم.
"حبيبي اعملي زي ما قولتلَك. مش عايز تهور لو سمحت."
دنت تضم كفيه.
"إزاي عايزني أعمل كدا؟ قلبي مش هيطوعني."
ضغط على كفها.
"ليلى افتكري بنتنا اللي في بطنك وأنتِ تقدري حبيبي. هبعتلك رقم المحامي. عايز بكرة في الشركة الكل يعرف إنك رفعتي قضية طلاق عليا."
جذبها لأحضانه.
"وعد دي هيكون آخر وجع بينا. عايزك تثقي فيا."
ضمته بقوة تتمسح به.
"كدا كتير يا راكان. والله كتير على قلبي."
رفع ذقنها.
"ليلى لازم من كدا. لو معرفتش أوصلك يونس هيكون معاكي خطوة بخطوة وتسمعي كل كلمة يقولها كأني أنا بالظبط."
أومأت متحركة متجهة لسيارتها.
بعد يومين.
أتى اليوم المقرر به حفل الزفاف.
دلف حمزة وجده جالساً على جهازه، يراقب كل تحركاتهم.
"فين جاسر؟"
تسائل بها راكان في مكانه.
- متقلقش، إن شاء الله تعدي على خير.
نصب عوده وقام بإشعال سيجاره، ينفث تبغه بعنف.
- حمزة عندي فيك ثقة لا توصف.
ربت على كتفه واردف:
- متخافش ياراكان، سيبها على الله. أنا بلغت داليا تتحرك، وكمان يونس خد ليلى من الصبح على مزرعة نوح. إن شاء الله الأمور تمشي زي ماعايزين.
أومأ ودقاتها بالأرتفاع.
- ليلى عينك ماتنزلش من عليها، لو حصلها حاجة مش مسامحك ياصاحبي.
- يابني قولتلك كله معمول حسابه. المهم تجهز ياعريس، الليلة ليلتك.
ابتسم وهو ينظر للمرآة.
- تعرف أنا بستنى اليوم دا من إمتى؟ من اول يوم عيني وقعت عليها. ياله كله بأوانه. لازم اروح على الفندق، زمان العروسة خلصت.
تحرك خطوة ثم توقف.
- جدي في مكان آمن مش كدا؟
أومأ حمزة يدفعه للخارج.
- أيوه والله يابني روح ياله خلص.
بعد عدة ساعات بمزرعة نوح، اتصل يونس.
- مدام ليلى اجهزي، بعد نص ساعة هكون عندك.
زفرت مختنقة، تشعر بصخرة تطبق على صدرها.
- هو لازم يادكتور؟
على الجانب الآخر.
- لازم. أما لو عايزة جوزك يتجوز الحرباية معنديش مانع.
اتجهت بانظارها لذاك الفستان الذي يعلق بحافظته ولم يعرها اهتمام أن تفتحه، فتنهدت قائلة.
- حاضر هجهز.
مر وقتا وهي مازالت تجلس ولم تستطع الوقوف أو فعل شيئا، لا تقوى على الوقوف كأن ساقيها تجمدت بمكانها، وهي ترى صورهما بجميع وسائل الإعلام.
استمعت إلى رنين هاتفها.
- أنا في الطريق خمس دقايق واكون عندك.
سحبت نفسا وزفرته قائلة.
- مش هقدر اعذرني، أنا ممكن اموت ولا يحصلي حاجة، وممكن اتعصب واعمل حاجة تضيع تخطيط راكان. خليني هنا أحسن.
توقف فجأة حتى ارتطمت جسده بالقيادة.
- اكيد بتهزري، وجودك ضروري يامدام. دا لو بتحبي راكان. ولاحظي كان المفروض نكون هناك من نص ساعة.
تنهدت بحزن واجابته.
- خلاص اديني وقت لما اجهز.
- قدامك ربع ساعة يامدام ليلى، لو سمحتي الوقت مهم.
مرت قرابة النصف ساعة، وهي تجلس لتنهي تجميلها بجسد مرتعش، وقلب يئن وجعا.
همست لنفسها.
أتظاهر بأني أتجاهلك، لكنني أفتقدك جدا.
انتهت من لمساتها التجميلية، توقفت أسما تعقد ذراعها، ترمقها بغضب.
- وبعدهالك ال بتعمليه غلط، مبتسمعيش الكلام.
نهضت أمام المرآة.
- الفستان ضيق صح، وبطني ظاهرة اوي، يعني ال يشوفني يقول أنا حامل ولا إيه.
اقتربت أسما والشرر يتطاير من عيناها.
- انت عايزة تجنيني يابت.
أمسكت أحمر الشفاة ووضعته بهدوء ولم تعر حديثها.
أمسكتها من ذراعها بقوة.
- أنا مش هخليكي تطلعي من هنا، ودا أمر من ابن خالك. قوليلي هتطلعي ازاي.
استمعت أسما لصوت السيارة بالخارج.
- مين ال جه.
ارتدت ليلى حذائها ذو الكعب العالي، ونظرت لنفسها في المرآة لأخر مرة ثم اتجهت للخارج.
توقفت أسما أمامها.
- ليلى بلاش تعاندي راكان، لو سمحتي مش هيسكت. خافي على اللي في بطنك.
استمعت لصوت يونس بالخارج.
- اسما يونس بينادي، يرضيكي جوزي فرحه النهاردة ومرحش أبرك له، دا عيب في حقي حبيبتي لازم أعمل معاه الواجب.
جزت أسما على شفتيها.
- مش هتخرجي سمعتي، لما يجي نوح.
دفعت أسما بهدوء وتحدثت بتحذير.
- بلاش تزعليني منك، أنا رايحة مع يونس يعني متخافيش.
تحركت للخارج جذبت أسما خصلاتها، صارخة.
- ياربي دي أعمل معاها إيه.
هرولت خلفها تصيح على يونس.
- دكتور يونس ال بتعملوه غلط.
استقلت السيارة بجوار يونس دون حديث، ودقات قلبها بالأرتفاع.
أشار يونس لأسما بالهدوء.
- متخافيش عليها زي ماهخدها هجبها، مينفعش أسيبها لوحدها، واهو نبارك.
جحظت أعين أسما تشير عليها.
- انت مش شايفاها لابسة إيه وعاملة إيه، دا راكان هيولع فيها.
- إيه يادكتور، أنزل وأخد تاكسي.
قالتها ليلى بهدوء ما قبل العاصفة.
تحرك يونس بالسيارة فاتجه ببصره إليها.
- المفروض أتشاهد على نفسي، وأسبح ربنا كتير. يالا قولي ورايا.
- أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
- يابنتي قولي ورايا.
اتجهت تنظر له بابتسامة.
- مفيش حاجة معاك نسمعها، دا إحنا رايحين فرح.
قام بتشغيل الكاست ورفع صوته وهو يردد خلفه، وفجأة رفع كفيه يضربهما ببعض.
- الطم على وشي، يارب استر، متأخرين ساعة ونص. عارفة لو راكان اتكلم هقوله إنت السبب.
ابتسمت تنظر من نافذة السيارة.
- متخافش مش هيقولك حاجة، بس إيه رأيك في الفستان.
قالها يونس.
نظرت لفستانها ثم رفعت بصرها له.
- ليه هو انت اللي جبت الفستان.
أشار على نفسه قائلا.
- ليه مستعجلة أموت في عز شبابي، لا ياختي، اسمحيلي طبعًا أكلمك كدا، بس من ورا التنين.
ابتسمت على لطافته مستديرة تنظر بحزن، حاول جذب حديث معها حتى يليق بها.
بالفندق قبل قليل.
توقف نوح خلفه.
- ليه بتعمل كدا ياراكان، ممكن أعرف، انت عايز تقضي على اللي بينا.
استدار يلقي سيجاره ويدعس عليها.
- نوح متحاولش معايا.
تحرك خطوتين فصاح نوح.
- لو كملت الفرح يبقى بتنهي اللي بينا، ليلى متستاهلش منك كدا.
استدار له، دلفت سيلين.
- أبيه راكان، ماما رفضت تيجي، بتقول خليه ينسى إن له أم.
تحرك خارجا مردفًا.
- فرحي النهاردة، اللي عاجبه مرحب بيه، واللي مش عجبه مرحب بيه برضو.
توجه إلى نورسين، توقف مبتسمًا بسخرية.
- طالعة حلوة والفستان حلو قوي عليكي.
استدارت سعيدة.
- بجد حبيبي عجبك، اتأخرت كدا ليه.
توقفت تعدل له البيبيون.
- طالع تاخد العقل.
ابتسم رافعًا حاجبه.
- عارف مش عريس لأجمل ست في الدنيا.
اقتربت تعانقه.
- راكان انت لسه زعلان مني.
أنزل يديها وتحدث غاضبًا.
- لسه هتحاسب مستعجلة ليه.
تحرك متجهًا للأسفل.
توقفت قائلة.
- هتسيبني أنزل لوحدي.
زفر مختنقًا ثم جذب كفيها متحركًا للأسفل.
كانت تنظر حولها بانبهار.
- الحفلة رائعة ياحبيبي مكنتش متوقعة هتكون بالجمال دا، وايه كم القنوات دي.
قالتها عندما وجدت بعض المصورين يقومون بالتقاط الصور.
تحرك وهو يتحدث.
- حبيت أودعك بشيء كويس.
توقفت قائلة.
- تودعني، إزاي بقى.
استدار يغمز بطرف عينيه قائلا.
- قصدي تودع العذرية حبيبتي، بعد كام ساعة هتكوني مدام.
جحظت عيناها من حديثه، فاقتربت تضع رأسها في ذراعه مع التقاط الصور ورسمت ابتسامة خجل بتصنع قائلة.
- بس بقى متكسفنيش.
وصل لوالده ووالدها وجميع رجال الأعمال حولهم، قاسم الذي ينظر إليه بسخرية مقتربًا منه.
- مبروك ربنا يتمم فرحتكم، وتجبولنا كتكوت.
دنى راكان يهمس بجوار أذنه.
- الكتكوت دا ابنك هيجيبه بس وهو مسجون ياشربيني.
أطلق ضحكات صاخبة.
- لا متشغلش بالك بابني ياحضرة النايب، فكر في مراتك الليلة.
ابتسم متهكمًا وأجابه بمغازلة.
- وعد الليلة دي لتكون أحسن ليلة في حياتي ياشربيني.
سحب كف نورسين يتحرك بين المدعوين، يبحث عن يونس.
زفر باختناق، تاركًا كفيها، ولكنها جذبته وتحركت لإحدى صديقاتها للتباهي.
- هاي سالي، شكرا ياقلبي عشان جيتي مخصوص من فرنسا تحضري فرحي.
أجابتها صديقتها ونظراتها على راكان الذي يراقب جميع الأماكن بعينيه كالمحقق.
ضغطت على كفيه حتى ينتبه.
- أعرفك دي أنتيما جت من فرنسا مخصوص عشان تحضر الفرح.
بالخارج وصلت ليلى تحمل فستانها الأبيض متوجهة للداخل.
امسك كفيها الباردتين يونس.
- ممكن تهدي، أنا سامع دقات قلبك، أنت حامل ومقدرش أديلك حاجة، متنسيش إنك واخدة الصبح مهدئ، لو سمحت لازم تكوني هادية، العصبية ممكن تفقدك البيبي.
هزت رأسها وتحركت بساقين مرتعشتين، حتى دلفوا للداخل بعد معرفة هويتهما.
بحثت بعينيها عنه كأم فقدت طفلها، وجدته يوليها ظهره، تحركت بجوار يونس الذي كان يحاول تهدئتها.
- خد نفس براحة لو سمحتي، عندك اضطراب في النبض، لو سمحتي.
ترقرق عيناها بالدمع، تنظر إلى يونس قائلة.
- مش قادرة صدقني بحاول.
همس بصوت منخفض يضع كفيه على فمه.
- ادخلي عليهم واتمسكي بجوزك ياله، ليلى انهيارك هيكون ضعف لراكان افتكري دا كويس.
تحركت إلى أن توقفت خلفهما، وجدت كفهما متشابكين، شعرت بأنياب حادة تمزق قلبها، مجرد لمسة لكفها أشعلت نيران الغيرة بصدرها، فتحركت حتى دنت قائلة بصوت جعلته متزنا، مما جعل الجميع ينظر لتلك الساحرة ذات الرداء الأبيض كحورية بحر.
- مبروك.
استمع لصوتها مما ارتفع النبض بقلبه، سحب نفسًا لسيطرة على نفسه حتى لا يستدير ويخطفها بعيدًا عن الجميع، هو يعلم كيف ستكون الآن.
استدار ببطء وتقابلت نظراتهما المشتاقة تتعانق بعشقهما، ظلت عيناه تحاوط جمال ليلها، وزعت نظراتها عليهما إلى أن استقرت على شمسه اللامعة، فوصلت تفصل كفيهما، هامسة لنورسين.
- مش تستأذني، إزاي تطاولي وتاخدي حق مش حقك.
ثم استدارت تنظر لعيناه المبتسمة.
رفع نظره يبحث عن يونس غاضبًا لتأخرهما، ولكن ابتعد يونس عن عيناه يبحث عن حمزة.
اقتربت مشابكة الأيدي حتى دنت منه.
- آسفة يا معذبي، اتأخرت عليك.
طبع قبلة على جبينها ثم رفعها من خصرها.
- روح وقلب معذبك.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الأربعون 40 - بقلم سيلا وليد
كل العالم مــوتى إلا أنت
كل الناس غرباء إلا أنت
لا أرى إلا أنت.. أنت فقط
أنت أراك دولتى... وأهلى.. وناسى.. وعالمى
أنت شمسى وقمرى
أنت ليلى وصبحى ومسائى
أنت هوائى..
وصلت إلى ان توقفت بينهما. نزعت أيديهما بشراسة، وطالعتها بكبرياء أنثى طاغية.
"إزاي تلمسي حاجة مش بتاعتك؟ دي عندي اسمها اغتصاب. اللفظ تقيل على لساني بس فيه ناس بجحة."
ثم استدارت تاركة التي توقفت وعيناها تحولت لكتلة نارية. تعانقت نظراتها بنظراته المنتظرة ردة فعلها. توقفت أمامه تعانقه بنظرات الاشتياق، رغم حزنها الكامن بقلبها، بلمس أنثى غيرها حتى لو تمثيل. دنت بجرأة لم تتعودها، تحاوط عنقه.
"آسفة معذبي اتأخرت عليك."
كانت شهية لعيناه. تمنى لو اختفى العالم من حوله ولم يظل سواهما. لما لا وهي التي استوطنت ثنايا روحه؟ وكأن الروح اختلطت بالجسد. فرفعها من خصرها قائلاً بابتسامة عذبة شقت ثغره.
"روح وقلب معذبك."
همست بجوار أذنيه.
"راكان نزلني. الكل بيبص علينا."
وضع جبينه فوق جبينها هامساً.
"خلي العالم كله يعرف مولاتي هزت عرشي. هو أنا بعمل حاجة غلط؟"
لمعت عيناها وتناست ما يدور حولهما. فرفعت كفيها تحاوط وجنتيه قائلة.
"بحبك."
أطبقت على جفنيه، وقلبه يعزف معزوفته الموسيقية. فكفى، لقد توقفت عقارب الساعة وتوقف دوران الأرض عن الحركة حولهما.
فاقترب هامساً لها.
"وأنا بعشقك."
"ترت نورسين لحظتهما عندما جذبت ليلى تطالع راكان بنظرات لو تقتل لوقع صريعاً قائلة."
"إيه اللي بيحصل دا؟ دي إيه اللي جابها؟ وإيه المشهد الرائع دا؟"
اتسعت حدقة ليلى متصنعة وهي تقترب منها.
"المفروض السؤال ده أنا اللي أسأله. إيه يا... آه اسمك عورسين مش كده؟"
برقت عيناها وتوقف مجرى الدم في عروقها عندما وجدت راكان يحاوط خصر ليلى طابعاً قبلة فوق رأسها مبتسماً. ثم رفع رأسه إليها.
"صوتك يا بت اعرفي بتكلمي مين. تحرك إلى أن توقف أمامها. أنتِ اللي أطردتيني لكده؟ قلت لك مفيش فرح وأنتِ أصرتي."
رفع كفيه يشير على القاعة والمدعوين.
"بصي حواليكي كده. تفتكري أنا هعزم ناس نضيفة كده إلا لفرحي إلا اللي بجد. فرح بحضر له من سنتين تقريباً. بس بيقولوا كل تأخيرة وفيها خيرة."
حاوط ليلى بجسده يحميها خلف ظهره واقترب منها وتحولت نظراته من البريء المسالم إلى شخص جبروت، عندما جذبها من رسغها.
"بصي حواليكي كده وشوفي المعازيم دي هتيجي فرح لواحدة ذبالة زيك. اقترب النمساوي وزوجته، وأشار للبودي جارد إليه."
"أنت اتجننت ولا إيه؟ لا فوق واعرف أنت واقف وبتتكلم عن مين."
استدار بجسده بهدوء، حتى تقابلت نظراتهما. نظرات راكان المنتقمة، بنظرات النمساوي المهتزة.
ثم سحب نورسين يدفعها بقوة حتى تعثرت بفستانها وسقطت أمام والدها.
"براحة على نفسك. متتنفخش كده. واعرف مقامك أنت واقف قدام راكان البندراي، مش واحد شغال عندك. أنا ماليش في الفضايح. بس لما يبقى ناس بالقذارة اللي زي أشكالكم يبقى تستاهلوا."
وصل حمزة ويونس إليها. رمقهما بنظرة فهما ما يطلبه. همس حمزة لليلى يسحبها بعيداً.
"مدام ليلى تعالي معايا."
هزت رأسها رافضة. كان كفيها بارداً برود الموتى.
امسك يونس كفيها ينظر بساعته.
"لو سمحتي بلاش توترك ده. لازم تروحي مع حمزة. ماتخافيش على راكان. القاعة كلها شرطة. بصي كده وشوفي. أقل واحد فيهم رتبته إيه. مع إني مش بفهم في المياشين دي بس شكله عسكري ولا إيه."
رفعت نظرها ليونس وترقرق الدمع بعينيها متسائلة.
"هيؤذوه مش كده. شوف حاوطوه أهو. لا مش همشي."
سحبها حمزة بعيداً يشير بيديه إلى درة وسيلين.
"خدوها على فوق."
ثم أشار لأحد المسؤولين عن حمايتها.
"وفروا الحماية الكاملة للمدام."
اتجهت ليلى نظراتها إلى راكان الذي يحاوطه النمساوي ببودي جارديه، وقاسم الذي توقف ينظر إليه بكره.
تراجعت خطوة وانسابت عبراتها.
امسكها حمزة بقوة.
"مدام ليلى لو سمحتي أنتِ كده هتضعفيه. شوية وكل حاجة هتكون تمام."
شعرت بألم يتسرب لقلبها. ولكن نظراته المخيفة وهو يجذب نورسين ويدفعها على الأرضية. أطبقت على جفنيه متحركة بساقين هلامين ودقات قلبها تكاد تتوقف عن النبض.
أما راكان الذي وقف أمام النمساوي وهتف غاضباً.
"بنتك المحترمة دخلت بيتي بتهددني أنا بمراتي. لو عايز تسمع معنديش مشكلة. سمع الباشا يا ابني. يمكن يحترم نفسه."
فتحت إحدى الشاشات الكبيرة وبها نورسين تقف أمامه.
"ممكن أحصرك عليها. وعلى ابنك. وعملية ربط تتحرم يا عيني تجيب بيبي لحبيب القلب."
اتجه بنظره لنورسين ثم نزل لمستواه.
"بجحة قوي. بتهدديني. لا ومش مرة واحدة. مرات كتيرة. اللي بعده يا ابني."
فيديو وهي تجلس بجوار أمجد بتلك الفيلا.
"ليلى هتكون معاه في إسكندرية لازم تخطفيها وهو عندي. عايزاك تنتقم منها بأبشع طريقة يا أمجد."
نفس أمجد سيجاره وهو ينظر لها بـخبث.
"تقصدي بأيه يا روحي أبشع طريقة؟"
جلست تضع ساقاً فوق الأخرى وتطلق ضحكات صاخبة.
"اغتصاب يا أمجد. هو فيه أحسن من كده. وأنا عارفة إنك هتموت عليها."
قطع المشهد بعد وقوف أمجد وجذبها إليه. ثم نظر راكان للحضور.
"آسف يا جماعة. أصل المحترمة مش نضيفة. فعذراً على المشهد. بلاش منه."
أشار مرة أخرى للي بعده.
جلس راكان يتذكر ما فعلته.
فلاش باك قبل أسبوع.
دَلفت تصرخ وتقوم بتحطيم كل ما يقابلها.
"الحقيرة طلعت حامل بجد. لسه عارفة من داليا. لا ومش بس كده. لا والهانم زعلانة عشان عايز يتجوزني. والله لأموتك يا ليلى."
"ممكن تهدي وتفهمني إيه اللي حصل؟ ما كنتِ عارفة إنها حامل."
نظرت لوالدها ووجهها عبارة عن كتلة نارية من الشر.
"مكنتش مصدقة. فكرته بيضحك عليا. حتى لما أمجد طلب من حلا تقوله كدا. كان مجرد كلام عشان نعرف مكانها فين. بس طلعت حامل بجد. طلع بيستغفلنا كلنا. أنا كنت عارفة إنه بيحبها. محدش صدقني. الذبالة ضحك عليا."
اقتربت من والدها.
"هو بيخطط لإيه يا بابا؟ تفتكر يكون عرف إني أنا السبب في إجهاضها مع عايدة؟ ولا يكون عرف إني اشتركت مع أمجد في موت سليم؟"
امسكها والدها من أكتافها.
"حبيبتي راكان مش الشخص اللي ممكن يعرف حاجة زي دي ويسكت. ولا يقعد معاكي. ده كان موتك. وبعدين أمجد كان مسجون. يعني مستحيل يصدق دي."
نظرت نظرة شيطانية قائلة.
"يبقى لازم ليلى تحصل جوزها. عارفة إنه هيخاف على البيبي عشان كده لازم أمجد يخطف ليلى. أنا رحت وهددته."
"مينفعش."
قالها قاسم الذي دلف إليهما، وزع نظراته بينهما ووصل حتى جلس.
"أمجد مينفعش يقرب منها. أكيد متراقب كويس. وأكيد راكان عامل حراسة مشددة عليها."
قاطعهم رنين هاتف نورسين.
"أيوه يا بنتي."
أجابتها الأخرى.
"نورسين ليلى وراكان اتخانقوا مع بعض من أسبوع ورفعت قضية طلاق عليه. وجه زي المجنون وضربها وحبسها في أوضة. وقالها هخليكي زي الكلبة لحد ما تولدي. وهاخد منك الولاد. استني هسمعك كلامهم أنا سجلته."
ابتسمت بزهو قائلة.
"ابعتي الريكورد بسرعة."
وصل إليها بسرعة.
"دي تاني مرة ترفعي عليا قضية طلاق. المرة اللي فاتت سامحتك عشان بحبك. بس المرة دي اتخطيتي الحدود. هتفضلي محبوسة هنا زي الكلبة لحد ما تولدي وهاخد منك العيال. وربي لاعلمك الأدب. لأخليكي خدامة ليهم. ومش بس كده هتجوز نورسين. ده أنا رفضت اتجوزها عشانك. وأنتِ تروحي ترفعي قضية طلاق. استني وشوفي يا مدام هعمل فيكي إيه."
صرخت ليلى بها بقهر.
"هموتك يا راكان سمعتني. قرب على ولادي وأنا أدفنك في مكانك. أنا بكرهك من يوم ما اتجوزتك وحياتي اتحولت للجحيم. مش كفاية مستحملة قذارة علاقاتك مع القذرة اللي زيك."
صفعة قوية على وجهها ثم دفعها بقوة على الأرض. مغلقاً عليها الباب.
"لما تطلعي من قبرك ده أبقى اتكلمي."
ضربت على باب الغرفة تصرخ به.
"افتح الباب."
انتهى التسجيل الذي أرسلته لها داليا.
جلست تتنهد بهدوء.
"أخيراً كنت خايفة يلغي الفرح. أنا عارفة إنه ما بيجيش بالتهديد. بس تجربة."
وجدت اسمه ينير على شاشة هاتفها.
"أيوه حبيبي."
أجابها.
"حضري نفسك على الفرح."
ابتسمت ترفع كفيها بسعادة.
"راكان أنت زعلان؟"
أجابها باختصار.
"عايز عروستي تكون أحسن عروسة."
قالها وأغلق الهاتف. رفعت نظرها لوالدها.
"سمعت يا بابي."
ضحك النمساوي.
"قولتلك مش هيقدر يا حبيبتي."
رجع الشربيني بظهره للخلف.
"معرفش فرحانين على إيه. إحنا مشكلتنا أكبر من الفرح. توفيق لسه ممتش. والممرضة أخبارها انقطعت. وكمان الراجل معرفش يجيب الورق. لقى شوية أوراق عن وصية سليم وتوفيق وغيره. فين الورق اللي أخده من جواد الألفي؟ أنت عارف الورق ده ممكن يوصلنا لحبل المشنقة. غير صحابنا اللي بره ممكن يصفونا."
تحركت نورسين تجلس أمامه مباشرة.
"عمو اصبر بس اتجوزه الأول وبعدها كل حاجة هتكون تمام. المهم لازم تساعدني تخلص من ليلى واللي في بطنها. زي ما تخلصنا من سليم. واللي قبله."
دلف أمجد يحاوط إحدى الفتيات وهي تضحك ضحكات رقيقة.
"متجمعين ياترى خير."
قالها أمجد.
اقتربت نورسين ترمقه بتهكم.
"إيه يا أمجد أنا لسه متجوزتش."
ضحك أمجد بسخرية، مقترباً يضم ثغرها ثم دفعها.
"كفاية عليكي كده يا نوري اجهزي لحضرة المستشار. ولا هتتجوزوا إزاي."
قالها غامزاً.
اقترب والده يجذب الفتاة التي بيديه.
"امشي دلوقتي."
ثم طالع ابنه.
"فوق من الزفت اللي أنت بتشربه ده. مش شايف أخوك الأصغر منك بقى إزاي. وأنت مش مبطل شرب وقرف."
قهقه على والده، جالساً يرفع أقدامه فوق المكتب.
جاذبا نورسين حتى جلست فوق ساقيه.
يداعب عنقها بأنامله.
- مالكم يانور؟ هم زعلانين عشان هتسبيني ولا إيه.
استدارت تغرز نظراتها به قائلة:
- راكان حبس حبيبتك ياروحي. إيه رأيك؟ ناوي يعذبها. وفرحنا هيتعمل في ميعاده.
هب فزعاً ينظر لوالده.
- حبسها فين؟ وليه يحبسها؟
جلس والده بمقابلة النمساوي الذي دلف بعدما خرج للرد على هاتفه.
- ابعد عن البنت دي وركز في شغلك. لازم ندخل الشحنة من غير ما البوليس يشم خبر.
لم يعر لوالده اهتماماً، وأمسك نورسين بقوة من رسغها.
- حبسها فين؟ أكيد تعرفي. ماهو اللي قالك كده عارف مكانها.
مطت شفتيها تنظر لقاسم الذي يرمقها بغضب.
- نورسين أنتِ هتتجوزي. مالكيش دعوة.
اقتربت تدنو منه وعيناها كالنار.
- لازم أنتقم ياعمو. البت دي ناطحتني ياعمو. ولازم أنتقم منها. وكمان راكان لعب بيا. لازم يعرفوا بعد كده مايوقفوش قدامنا.
جذبها أمجد بقوة.
- ليلى فين يانورسين؟ وليه الكلب ده حابسها؟
همست له:
- امشي قدام باباك وأنا هقولك بعدين.
تحرك مغادراً بعدما استمع لقولها.
- معرفش يا أمجد.
تحركت خلفه.
- لازم أروح على البيت وأستعد لفرحي.
بعد قليل وصل شريكهم الثالث.
نهض قاسم بعد وصول شريكهم الأجنبي. أشار لهم بالجلوس متسائلاً:
- إيه آخر الأخبار؟
أجابه الشربيني:
- الشحنة هندخلها يوم الفرح. بما إن ابن الألفي هيكون في الفرح. يبقى ده الوقت المناسب.
هز رأسه يشير للصور المعلقة.
- عملتوا إيه في دول؟
أجابه:
- بنحاول نقرب منه. النمساوي هيناسبه قريب.
- والورق؟
تساءل بها.
مسح الشربيني على وجهه ينظر للنمساوي.
- لازم يموت يا نمساوي. ويوم الفرح أحسن حاجة. طبعاً بنتك غبية ومش فاهمة حاجة. لازم يدخل راجلنا الفيلا وهو هيتصرف.
ضيق عيناه متسائلاً:
- أنت عارف نتيجة ده إيه؟ ده ممكن نروح في داهية. وبعدين إحنا منعرفش مكان الورق فين.
- أنا عندي اقتراح تاني.
- نخطف مراته بما إنها حامل. حتى لو مش خايف عليها هيخاف على اللي في بطنها.
توقف ذاك الأجنبي ينفث تبغه قائلاً:
- ده حلو. بس لازم تخطيط كويس. مش عايز غلطة. ولا غلطة رقابيكم تكون التمن.
قالها وتحرك.
باليوم التالي، تجلس نورسين بأحضان أمجد.
- عرفت هتخطفها إزاي يا أمجد. داليا هتدخلك بعد ما تنوم الحرس. وأنت هتدخل تخدرها وتطلع بيها. وأنا هلهيه الليلة دي. مش هخليه يقرب على تليفونه. وبابي باعت ناس يخطفوا سيلين بس مبتخرجكش إلا قليل. ويونس لازق فيها بالبودي جارد بعد خناقة الجامعة والولد اللي هددها ده. قال إيه خايف عليها. بسمع كمان بيحضر معاها السكاشن المهمة.
- خلاص. بكرة هيكون آخر يوم له مع ليلى. وحياتك عندي لأخليه يندم.
لامست صدره بوقاحة تتحدث بغنج.
- ميجو حبيبي مش هتقرب منه إلا لما أقولك. أنت بس اخفي ليلى بدل ما أموتها. أنا بخدمك وأنت اخدمني.
انتهى الفيديو وهو يطالعها بغضب جحيمي. ثم توقف يشير على الشاشة.
- تحبي أكمل؟ ولا عارفة الباقي.
استدار ينظر للحضور.
- شياطين.
أشار بإصبعه عليهم.
- دول شياطين. عايزين يخطفوا مراتي. عشان...
تسمرت نورسين بمكانها محاولة إدراك ما سقط كالصاعقة على مسامعها. تراجعت للخلف تهرب من نظراته التي تحولت إلى جحيمية كأنه يريد الانقضاض عليها وزهق روحها. اقترب كالمجنون الذي فقد عقله يجذبها من طرحة زفافها. صرخت عندما شعرت بتمزق خصلاتها. فقد فاق الألم حدود الوصف حتى شعر بأن روحه كادت أن تفارقه عندما تخيل نجاح تخطيطهم.
تحول جسده لكتلة نارية لتخيله اغتصابها.
حاولت النهوض وهي تصيح:
- والله ما كان قصدي يا راكان.
جذبها يجرها كالحيوان حتى وصل إلى أحد الضباط.
- ارميها في أذل زنزانة عندك لحد ما أفضلها.
انكمش والدها الذي وصل إليه إحدى الضباط. صرخت والضابط يسحبها.
- هموتك يا ليلى. وحياة ربنا لأقتله وأقتلك.
أشار الضابط:
- خدها بعيد بدل ما أموتها.
- رايح فين يا باشا؟ أنت مقبوض عليك.
أما قاسم الذي توقف بجبروته.
- بدل مفيش أمر من النيابة بالتسجيل. ولا يهمك يا نمساوي.
ارتفعت ضحكات راكان كالمختل عقلياً. فاستدار إليه وهو يتحرك ببطء حتى شعر قاسم كأنه يتحرك فوق قلبه ويضغط بقوة. فحركاته وضحكاته بتلك الطريقة ماهي إلا النهاية.
دنى راكان يضع يديه بجيب بنطاله وهو يمُط شفتيه.
- قولتلي.
أشار بكفيه بعدما رفعها يغرزها بخصلاته.
- أيوه أنت صح. ههههه.
ظل يقهقه بها.
- تصدق مكنتش واخد بالي. إزاي مارحتش النيابة وشوفت وكيل نيابة يسمح لي.
دنى حتى لم يفصلهما سوى خطوة واحدة.
- معلش أصلي وكيل نيابة غبي. نسيت وظيفتي وبقيت أبيع كرنب.
دفعه بقوة أذهلته.
- فكر في نفسك يا حضرة الأفندي. شوف هطلع نفسك إزاي أنت وابنك المغتصب.
جحظت أعين قاسم مذهولاً من اتهاماته القاسية.
- فريقك بالكامل اتمسك يا باشا وهو بيسلم المخدرات. أنت مفكرنا أغبياء. بس حلوة الفكرة. إنك تحطها مكان البن.
- معلم يامعلمي.
اهتز جسد قاسم وتحدث بتقطع.
- أنا لازم أقدم فيك بلاغ. أنت عشان وكيل نيابة ترمي الناس بالباطل.
أشار لأحدى الضباط مشمئزاً.
- خدوه يابني. شوف جاسر قبض على ابنه ولا لأ.
- أنا أهو يا باشا. جيت على السيرة.
ابتسم راكان يرمقه بدهاء.
- شكل حضرة الضابط أدى مهمته على كل دقة وإتقان.
أشار ناهراً قاسم الذي صاح غاضباً.
- صوتك متنساش نفسك. أنت متهم.
- قوله يا حضرة الضابط تهمه إيه.
استدار جاسر يرمقه شزراً قائلاً:
- ولا حاجة. تجارة مخدرات وسلاح بس. إنما ابنك المغتصب اللي حاول يخطف بنت عمي وأختي كمان. شوفت جبروت أكتر من مشرفنا يا شربيني.
أشار جاسر.
- خده يابني.
ربت على كتف راكان.
- كله تم يا باشا. ويحيى الكومي قدم بلاغات وجابلنا اعترافات وإثباتات كلها في الجون. غير ورق الباشا الكبير. يعني إعدام إن شاء الله.
ابتسم له ابتسامة لم تصل لعينيه.
- بالتوفيق يا حضرة الضابط. برافو عليك. وسلامي لجواد باشا.
تحرك جاسر قائلاً:
- بما إن فيه فرح. فليه عيلة الألفي متحضرش الزفة الأسطورية دي. نص ساعة وهكون عندك.
أومأ له ثم وزع نظراته للجميع.
- بعتذر للحضور. الحفلة هتبدأ بعد شوية. واسف مرة تانية دي كانت مجرد تدابير أمنية. وشكراً لتفهمكم الموقف.
قالها وتحرك.
بالأعلى قبل قليل.
سحبتها درة متجهة بها للغرفة التي ستجهز بها. خلفهما يونس وحمزة. زفر يونس بضيق.
- حالتها مش مطمنة خالص. انخفاض ضغطها ده مش حلو. ربنا يستر ويعدي الليلة على خير.
ربت حمزة على كتفه.
- راكان بس يخلص ويطلع وقتها هيهديها.
أومأ يبحث عن سيلين التي طلب منها عدم الابتعاد عن ناظريه. وجدها بآخر الممر تتحدث بهاتفها.
وصل إليها بعدما دلفت ليلى وحمزة لداخل الغرفة.
- حبيبي بتكلمي مين؟
استدارت بعدما أنهت مكالمته.
- بطمن ماما أصلها كانت خايفة أوي. وزعلانة من راكان. فكنت بحكيلها عشان تيجي مع بهاء.
مسد على خصلاتها يجذبها لأحضانه.
- حبيبي ما تيجي نعمل فرحنا مع راكان.
تعبت من البعد. رفعت بحر عيناها تطالعه بعشق.
- أكيد بتهزر مش كده؟ مفكر الفرح ده هيصة وخلاص مفيش فستان وتجهيزات يا حضرة الدكتور.
دنى يهمس أمام شفتيها.
- زي إيه حبي؟ إحنا في الخدمة. يعني اللي محتاجاه أساعدك فيه عادي.
حاوطت عنقه تنظر لداخل عيناه.
- أنت مجرم أوي حبيبي وعشان إجرامك ده مش هقولك.
قهقه عليها وحاوط خصرها ونزل لمستواها هامساً لها.
- بحبك يا طفلتي.
وضعت رأسها بأحضانه. تعانقت نظراتهما لم يجد كلمات تعبر ما يجيش بصدره واكتفى بطبع قبلة مطولة يدمغ بها خصلاتها. كأنه يخرج بها ما يكوي قلبه من ابتعادها.
بالداخل جلست بجسد مرتعش وحال لسانها الذي يهمس باسمه.
- راكان.
ظلت ترددها بجسد منتفض خائفاً عليه. بدأت أنفاسها في الاضطراب وخفقاتها تتسارع بسباق شديد. جلست درة أمامها بعدما أزالت حجابها تحتضن وجهها بعد خروج حمزة.
- ليلى حبيبتي راكان كويس. وشوية وهتلاقيه طالع. بصي وراكي كده وشوفي هو جايبلك إيه. ياله حبيبتي اجهزي زمان جوزك طالع عشان ياخدك. النهاردة فرحك على حبيبك. إيه مش كنتي بتتمني يوم زي ده؟
هزت رأسها رافضة.
- مش عايزة حاجة. عايزاه يكون جنبي وبس. خلي حمزة يتصل بيه. مش عايزة فرح. أنا عايزاه هو.
توقفت ولكن لم تقو على الوقوف. وكأن حركتها شلت. فهوت ساقطة على الأريكة.
بكت بشهقات. وضعت كفيها المرتعشت على وجهها.
- هيقتلوا يادرة. هو قالي كده وحلفلي لازم يقتله ويحصرني عليه.
رفعت عيناها الباكية لأختها.
- هموت لو حصله حاجة. أنا بحبه أوي يادرة. مقدرش أبعد عنه. مستعد أتخلى عن كل حاجة. لو طلبوا كل فلوسي ياخدوها. بس ميحرومونيش منه.
مسدت أختها على خصلاتها.
- حبيبتي جوزك مش ضعيف عشان يقربوا منه. صدقيني هو عارف بيعمل إيه.
قبل قليل توقف أمام جاسر قبل خروجه.
- رقابة مشددة يا جاسر. مش عايزهم مع بعض. وكمان هات عايدة معاهم قبل ما تهرب.
- أنا أسبوع إجازة. خليهم لحد ما أرجع. بس يارب ما أرجع ألاقيهم ماتوا زي حلا.
تحرك جاسر بعدما تحدث.
- تمام يا باشا علم وينفذ. خلي بالك من نفسك ومن مراتك. ومبروك مقدماً. شوية وراجعلك.
صعد للأعلى متجهاً لغرفتها. كان يعلم بما تشعر به الآن. وجد حمزة ويونس بالخارج بجوارهم سيلين. وزع نظراته عليهما.
- كله تمام.
توقف حمزة قائلاً:
- نوح جايلك في الطريق وزعلان عشان خبيت عليه. استعد له.
تركهم دون حديثا متجهاً للغرفة فحاله لا يسمح بالحديث. يريد الاطمئنان عليها فقط ويضمها ليشبع روحه.
توقف أمام الباب وهو يستمع لحديثها.
لحظات كفيلة ليلملم شتات نفسه. تحرك بهدوء بعدما افتعل صوت الباب. نهضت درة تنظر للداخل. اتجهت للباب عندما وجدته يدلف. رفعت ليلى عيناها حينما استنشقت رائحته.
- ليلى.
همس بها. هبت من مكانها تلقي نفسها بأحضانه وشهقاتها بالارتفاع.
- راكان.
ضمها بقوة يحاوطها بذراعه ثم أمال برأسه يلتقط ثغرها بقبلة أعادت إلى روحها الجزء الحزين. اهتزت بين ذراعيه.
رفعها متجهاً للأريكة وأجلسها بأحضانه. يمسد على خصلاتها.
- اهدي حبيبة راكان. خلاص كله خلص. وأنا معاك أهو.
رفعت كفيها تلمس وجنتيه.
- حبيبي أنت كويس؟ اتقبض عليهم مش كده؟ أمجد.
كررت اسمه.
أطبق على جفنيه كلما تذكر حديثه فهمس لها.
- ليلى أنتِ مش واثقة في جوزك؟
وضعت رأسها بأحضانه.
- بثق فيك بس خايفة. من وقت ما شفته في البيت وأنا مرعوبة. مشفتش كان بيبصلي إزاي.
ضغط على خصرها.
- ليلى انسي. ووعد المرة دي انتهى كابوسه للأبد. ياله قومي اجهزي. مش عايزة تفرحيني يعني الليلة دي. لازم تنسي كل حاجة وتفتكري حاجة واحدة بس.
- أنا بقالي خمس سنين من أول ما شوفتك ونفسي الليلة دي تكون غير. ماتمنتش غير إنك تكوني مراتي قدام الدنيا كلها.
رفع ذقنها وإزال عبراتها بإبهامه.
- ليلى عارف إننا متجوزين. بس الفرحة فرحة. بلاش وحياتك تزعليني خليها ذكرى حلوة بينا.
ابتسمت له بعيونها الدامعة. وتحدثت بصوتها المفعم بالبكاء.
- حبيبي أنت يا راكان. أوعدك مش هخيب ظنك أبداً بعد كده. وإن شاء الله نعيش مع بعض حياة حلوة ونربي أولادنا مع بعض.
أمال يدمغ خصلاتها بقبلة مطولة. يبث بها حنانه إليها قائلاً.
- ربنا يباركلي فيكي يا حبيبة قلبي.
حاوطت خصره بذراعيها.
- بحبك معذبي.
أطبق على جفنيه وآهة من جوفه.
- ومعذبك مش عايز غيرك من الدنيا كلها. ياله قومي استعدي. عايز أشوف مولاتي أجمل عروسة وهتعمل إيه لمعذبها.
نهضت تفرك كفيها تنظر لفستان الزفاف.
- لازم ألبس الفستان ده. ماهو الفستان ده حلو.
نصب عوده وتوقف بمحاذاتها.
- لا ياحبيبي ده فستان فرحك. إنما اللي لابساه ده فستان دخول أميرتي للقاعة لتبهر عيوني وتخطف قلبي. وتقدم عرضها الممتع.
استمع لطرقات على الباب.
دلت أسما ترمقه بحزن.
- يعني تعملوا عليا تمثيلية انتوا الاتنين. زعلانة منكم وأنتي بالذات يا مهندسة.
طوق أكتافها يضحك على حديث أسما.
- لا ياباشمهندسة. ليلى مالهاش دعوة أنا المسؤول. وأجبرتها متعرفش حد. حتى سيلين معرفتش غير من دقايق. متزعليش مننا. كله إلا زعلك. كان لازم مأسيبش حاجة للظروف.
استمع لرنين هاتفه. فأشار إليها.
- الميكب ارتست برة يا ليلى. اجهزي الناس هتزهق تحت.
قالها وتحرك يرد على هاتفه.
- أيوه يا جاسر.
-راكان شركيهم الأجنبي دا عامل قلق ومش مبطل زعيق عايز يتصل بالسفارة بتاعته
-خليه يخبط دماغه في الحيطة بقولك يلا مش عايز قلق أنا عريس يافاشل قالها وضحكاته بالأرتفاع
قابله نوح وهو يرمقه شزرا متجاهلاً وتحرك لجهة يونس وحمزة
امسكه من ذراعيه
-نوح مش وقتك خالص لازم تعذرني دكتور يحيى عارف كل حاجة
مرت قرابة الساعة حتى انتهت ليلى من تجهيزها دلفت والدتها إليها
-حبيبتي ألف مبروك ربنا يسعدك ضمتها والدتها تمسح دموعها
-ليه الدموع دي يابنتي مكنتش عايزة فرح ياماما دلوقتي يقولوا عليا إيه كل شوية تعمل فرح وتلبس فستان
سحبتها والدتها واجلستها تنظر إليها مبتسمة
-ليلى حبيبتي هوانت شرطي على جوزك هو عايز يفرح ويفرحك معاه وبعدين لو مشينا ورا كلام الناس مش هتعيشي يابنتي ياله امسحي دموعك وظبطي مكياجك هو تحت وزمانه طالع ينفع تنزلي بالشكل دا ويقولوا إيه العروسة الوحشة دي
بترت أسما حديثها مردفة
-مين دي اللي وحشة بس ياطنط دا ليلى قمر واللي مش عجبه يخبط دماغه في الحيطة حتى لو كان راكان نفسه
رفعت نظر ترمق أسما بتحذير
-بقالك أسبوع وهتولدي لمي نفسك قهقه الجميع عليها لحظات واستمعوا لصوت طرقات على باب الغرفة
خرجت درة وسيلين وتبقت أسما ووالدتها دلف للداخل بهيئته الرجولية التي خطفت قلبها فلقد قام بتغيير بدلته الرمادية وارتدى تلك البيضاء التي لأول مرة يرتدي ذاك اللون
تحركت أسما تجذب سمية للخارج عندما توقف ينظر إليها نزلت بانظارها للأسفل تفرك كفيها خجلاً من نظراته التي تخترقها
خطى بخطواته السلحفية حتى وصل أمامها يرسمها بشمسه ثم دنا يهمس لها
احببتك وكانك كل نساء الكون
احببتك. وكانك شمس شتاء
وليلة مطر. دافئة
احببتك وقضي الأمر
الليلة حكمت عليك بمؤبد عشقي
فعشقي لك اجباري
رفع قاضي الهوى وحكم بما يهوى به قلبي
رفعت ثم رفعت ثم رفعت الجلسة مولاتي. دنا إلى أن وصل ليعزف لقلبها قبل قلبه معزوفته الموسيقية على كرزيتها التي مهما يرتوي منها يظل ظمآن
تغلغلت روحها بابتسامة مغرمة بمجرد ما استمعت لكلاماته
-راكان اردفت بها بصوتها الأنثوي الهادئ
حاوط خصرها ودقات قلبه تكاد تخرج من قفصه الصدري كأنه لأول مرة يستمع لحن اسمه منها دنا يهمس أمام شفتيها مستمتعاً بجمال ليلها هامساً
-روحه مولاتي
تلعثمت وحاولت بلع ريقها من قربه المهلك ونظراته المخترقة لدوافعها
حاولت الابتعاد من حصاره ولكنه اشتد باحتضانه لها مطوق خصرها بالكامل حتى اختفت بأحضانه كاملاً
آهة خرجت من أعماقه بلهيب عشقها قائلا
-رغم أنك مراتي من سنتين إلا أنا حاسس لأول مرة نتقابل
خرجت من أحضانه قائلة
-أول مرة أشوفك لابس بدلة بيضا
ملس بإبهامه على كرزتها واردف بصوته المبحوح بعشقها الدفين
-عشان أول مرة أتجوز لازم كل حاجة تكون مختلفة كل حاجة لازم أعملها لأول مرة
ارتجفت شفتيها فهمست
-بس.. بس أنا اتجوزت قبل كدا وضع إبهامه ليوقفها عن الحديث
-دا محصلش أنا بس اللي أقول إنك اتجوزتي قبل كدا ولا لا أنا ومحدش تاني سمعتي كأنك فقدتي الذاكرة واتولدتي يوم ما سكت ملكيتك عليا من يوم ما بقيتي ليلى راكان البنداري
زي ما أنا اتولدت من يوم ما اعترفلي بحبه أشار بها على قلبها
رفرفت بأهدابها تحاول السيطرة على ارتعاشة دواخلها فهمست
-ما أنا فعلا اتولدت من يوم ما أخدتني في حضنك مش فاكرة غيره رفعت ليلها ونظرت لشمسه اللامع بابتسامة
-مين دي اللي وحشة بس ياطنط دا ليلى قمر واللي مش عجبه يخبط دماغه في الحيطة حتى لو كان راكان نفسه
رفعت نظر ترمق أسما بتحذير
-بقالك أسبوع وهتولدي لمي نفسك قهقه الجميع عليها لحظات واستمعوا لصوت طرقات على باب الغرفة
خرجت درة وسيلين وتبقت أسما ووالدتها دلف للداخل بهيئته الرجولية التي خطفت قلبها فلقد قام بتغيير بدلته الرمادية وارتدى تلك البيضاء التي لأول مرة يرتدي ذاك اللون
تحركت أسما تجذب سمية للخارج عندما توقف ينظر إليها نزلت بانظارها للأسفل تفرك كفيها خجلاً من نظراته التي تخترقها
خطى بخطواته السلحفية حتى وصل أمامها يرسمها بشمسه ثم دنا يهمس لها
احببتك وكانك كل نساء الكون
احببتك. وكانك شمس شتاء
وليلة مطر.
احببتك وقضي الأمر
الليلة حكمت عليك بمؤبد عشقي
فعشقي لك اجباري
رفع قاضي الهوى وحكم بما يهوى به قلبي
رفعت ثم رفعت ثم رفعت الجلسة مولاتي..
دنى إلى أن وصل ليعزف لقلبها قبل قلبه معزوفته الموسيقية على كرزيتها التي مهما يرتوي منها يظل ظمآن
تغلغلت روحها بابتسامة مغرمة بمجرد ما استمعت لكلاماته
راكان..
أردفت بها بصوتها الأنثوي الهادئ
حاوط خصرها ودقات قلبه تكاد تخرج من قفصه الصدري كأنه لأول مرة يستمع لحن اسمه منها.
دنى يهمس أمام شفتيها مستمتعا بجمال ليلها هامس
- روحه مولاتي
تلعثمت وحاولت بلع ريقها من قربه المهلك ونظراته المخترقة لدوافعها
حاولت الابتعاد من حصاره ولكنه اشتد باحتضانه لها مطوق خصرها بالكامل حتى أختفت بأحضانه كاملا
آهة خرجت من أعماقه بلهيب عشقها قائلا
- رغم انك مراتي من سنتين الا أنا حاسس لأول مرة نتقابل
خرجت من أحضانه قائلة
- اول مرة أشوفك لابس بدلة بيضا
ملس بإبهامه على كرزتها واردف بصوته المبحوح بعشقها الدفين
- عشان أول مرة اتجوز، لازم كل حاجة تكون مختلفة، كل حاجة لازم اعملها لأول مرة
ارتجفت شفتيها فهمست
- بس.. بس انا اتجوزت قبل كدا..
وضع إبهامه ليوقفها عن الحديث
- دا محصلش، انا بس ال اقول انك اتجوزتي قبل كدا ولا لا، انا ومحدش تاني سمعتي، كانك فقدتي الذاكرة واتولدتي يوم ما سكيت ملكيتك عليا، من يوم مابقيتي ليلى راكان البنداري
زي ما انا اتولدت من يوم مادا اعترفلي بحبه، أشار بها على قلبها
رفرفت بأهدابها تحاول السيطرة على ارتعاشة دواخلها فهمست
- ما انا فعلا اتولدت من يوم مااخدتني في حضنك، مش فاكرة غيره..
رفعت ليلها ونظرت لشمسه اللامع بابتسامة قائلة
مش فاكرة غير حب معذبي لمولاته
لف خصرها بذراعه مطبق الجفنين وصدره يعلو ويهبط قائلا بنفس ثقيل
- ومعذبك بيعشق مولاته
حبيبي هنتأخر، والصراحة عايزة اهرب منك مش قادرة اقف
ابتسم يملس على وجنتيها، ثم وضع رأسه بحجابها يملأ رئتيه برائحتها العبقة، اهتزت بأحضانه وتلاشت ساقيها حتى فقد قدرتها على الصمود، فرفعها من خصرها
- احنا هننزل دلوقتي بس استعدي يامدام راكان البنداري قضي الأمر
وضعت رأسها على كتفه
-والله هقع منك بقولك اهو،
قهقه عليها وهو يكور ذراعيه لتطوقه، وتتبطئ به
رفعت فستانها وتحركت معه، وسعادة الدنيا تحتل كيانها..
همس لها
- الفستان دا عاملته مخصوص لأجمل ست في الكون..
نظرت إليه بإنبهار
- شكله غالي اوي حبيبي تسلم ايدك
- الكون كله ميغلاش على ملكة قلبي، تسلملي عيونك ياحبي
ضغطت على ذراعه مبتسمة
-هقع منك على فكرة
رفع ذقنها وتحدث بصوته المبحوح بمشاعره
-اقعي بس وانا اشيلك برموش عيوني..
استدارت للجهة الأخرى
-كدا كتير على قلب مولاتي
تحرك لخارج الغرفة، وجد يونس وسيلين..
اقتربت سيلين تطوق عنقه وانسابت دموعها
- الف مبروك ياحبيبي، اخيرا شوفتك عريس ياراكان..
ضمها يربت على ظهرها
- ربنا يبارك فيكي ياقلبي، عقبال فرحك يااجمل عروسة..
قبلت ليلى على خديها
- الله اكبر على الجمال، لا راكان يخطفك على طول..
قاطعها يونس عندما اقترب واحتضنه
- مبروك ياراكان، كان نفسي اقولك بالرفاء والبنين بس انت ماشاء الله داخل فرحك بعيل، يعني كان ممكن تستنى لحد ماالمدام تولد وابنك يحضر فرحكم..
لكزه بصدره، ثم دفعه بعيدا
- امشي يلا، بارد ولازم لسانك المتبري منك..
وقف أمام عاصم أمامه ينظر لابنته، ثم توجه اليه، فتحدث راكان
- انا هنزل هستناكم تحت..
قالها وهو يطمئنها بعينيه
وصل إلى بهو كبير يربط القاعة بمكان تواجدها وانتظر هبوطها
طوقت ذراع والدها بعدما طبع قبلة على جبينها
- السعادة دايما لحياتك ياروح ابوكي..
ابتسمت له
- ربنا يخليك ليا يابابا..
هبطت للأسفل والمشهد حولها يبهر العيون، الإضاءة خافتة حولها والراقصين حولها منتشرين على الجانبين كحبات ألماس بالبستهم البيضاء ودخان سحابة الزفاف حولها..
نزلت كأميرة لأميرها ليخطفها من بين الحضور، كان بحلته الأنيقة يحمل باقة ورود من حديقة فؤاده ونبضات قلبه التي أصبحت صاخبة كحال الموسيقى العازف حوله..
واقفاً فقط ليرسمها كريشة فنان ليحيى ذكرياته دائما..
انطلقت الذغاريد مع وصولها إليه
دنى يستلمها من والدها الذي ضمه بمحبة
- الف مبروك، بالرفاء والبنين وربنا يجعل حياتكم كلها سعادة..
كانت نظراته تعانقها، فأجاب والدها
- اللهم آمين..
دنى يطبع قبلة على جبينها قائلا
- الف مبروك مولاتي.. الف مبروك يالي لي..
اهتزت بالكامل كأنها لأول مرة ستكون عروس
رفع كفيه، وتعانقت الأيدي كما تعانقت القلوب متشابكة
هبط الى الاسفل مع العزف الملكي، للزفاف الأسطوري الذي قام بالاشراف عليه بنفسه، حتى دعوات الزفاف
اتسعت ابتسامته وهو يراه كما خطط له
وصل إلى المكان المخصص للرقص
أحاط خصرها بذراع وبالآخر امسك كفها ووضعه ليستقر عند موضع قلبه..
خفتت الإضاءة من حولهما سوى من نقطة وقوفهما..
تحرك على اللحن الموسيقي العاشق لهما
ده من اول دقيقة لحبك قلبي مال عرفتي بميت طريقة تغيري حال بحال
بتوه بين الحقيقة يا عمري والخيال
أنا عايزاك تفضل جنبي سندي وفارس أحلامي
قلبي في قربك متطمن خليك دايما ادامي
ده انا قبل ما بنطق كلمة بتكمل ليا كلامي
ده وجـودك بيكملني خليتي حياتي حياة
إحساسي بحبك خدني وانا هفضل ماشـي وراه
حضنك يا حبيبتي لا يمكن لو ثانية أعيش بـراه
فيه واحدة تمللي في ضهرك و في ضعفـــك هتقويك
تؤمرها حبيبي وأمرك هتقول شبيك لبيك
جنبك ولآخرعمرك هتعيش علشان ترضيك
بغير من عيني وأنا شايفك وده اللي وصلت ليه
لو أسمع اسمي بشفايفك بقولك كرريه
وعمري ما هقدر أوصفلك بحبك قد إيه
ارسمني في ليلك نجمة، ضيها يلمع في العين..
إرسمني في ليلك نجمة ضيها يلمع في العين
إكتبني في عمرك كلمة يحكوها الناس بعدين
انا نفسي اعيش فوق عمري يا حبيبي معاك عمرين
لو تطلبي مني عينيا لو تطلبي عمري كمان
هديكي سنيني الجيا وهكون راضي وفرحان
انتي اللي وجودك جنبي حسسني ان انا انسان
ده من اول دقيقة لحبك قلبي مال عرفت بميت طريقة أغير حال بحال
بتوه بين الحقيقة يا عمري والخيال
كانت تتحرك مع اللحن وتعانق عيناها عينيه، وكأنها تردد الأغنية بلسانها له
دنى يهمس لها بعدما شعر من نظراتها همسها
- وانا بقولك نفس الكلام حبيبي..
انتهت الرقصة متجهين لتقطيع كعكة الزفاف التي كانت لاتقل روعة عن جمال الحفل
بعد فترة ليست بالقليلة، انتهى الحفل الاسطوري، ووصلت سيارتهما المخصوصة التي تنقلهما بقيادة يونس وسيلين لمطار القاهرة الدولي
وصل بعد فترة للأراضي السعودية، لقضاء العمرة، سحبها من كفيها متجهين للفندق الذي سيمكثون به بعض أيامهم
دلفت للداخل، وجدت تجهيزاته، استدارت مبتسمة
-عامل حسابك في كل حاجة..
وصل إلى الفراش وقام بخلع جاكيت حلته متجها إليها
- ليلى حبيبتي أنتِ عروستي، فاهمة يعني ايه، يعني عامليني على أساس كدا..
دنت مبتسمة وطوقت عنقه وتحدثت بإغراء أنثى طاغية
- ياترى عريسي عايزني اعامله ازاي..
فتح عين وأغلق الأخرى
- دي افهمهالك ازاي، لا حبيبتي دي مبتتحكيش، عشان الحيطان لها ودان، ياله غيري عشان نصلي ونبتدي حياة جديدة وكأننا لأول مرة..
رفعت فستانها وتحركت للداخل بعدما طبعت قبلة على وجنتيه..
امسك هاتفه
- عملت ايه، فيه جديد..
- مفيش الأدلة كلها قدام النائب العام، حاول متتأخرش عشان القضية متروحش لحد تاني، وادعي لجواد باشا لولا تدخله كانت اتسلمت لوكيل نيابة تاني..
- هشكره اكيد لما ارجع.. جاسر لو هتبات في القسم عينك عليهم، اياك ثم اياك يغيبوا عنك..
تحرك للداخل ليستعد لصلاته..
طرق على الباب
- ليلى نمتي جوا ولا ايه..
دلف وجدها تجلس على الاريكة تنظر في اللاشيء، ذهل من جمودها، وصل إليها
- ليلى قاعدة كدا ليه..
نظرت إليه
- راكان انا خايفة اوي، خايفة من ال جاي، عارفة مش وقته، بس دا احساس حبيبي اعذرني..
ضمها لصدره
- ليلى وسماي خايف وأنا جنبه..
خرجت من أحضانه تنظر لعيناه ثم وضعت كفيها على وجنتيه
- اسفة ياراكان، مش قادرة، خايفة يحرموني منك، مش هقدر، سيب القضية دي، تعالى نعيش نربي ولادنا في هدوء، بلاش تخليهم يوجعوا قلبي عليك ياحبيبي لو سمحت..
ضمها بقوة لأحضانة، يمسد على خصلاتها
- ليلى اهدي مفيش حاجة من دي هتحصل..
أخرجها ورفع خصلاتها من حول وجهها
- فين ثقتك بربنا، ايه الايمان الضعيف دا..
قومي يامدام، نكدتي على جوزك في ليلة العمر..
ابتسمت تلزكه بصدره بخفة
- ليلة عمر ايه، مراتك حامل ياحبيبي وهتدخل في الشهر الخامس اهو..
قهقه عليها وهو يسحبها لأحضانه
- ياستي انسي وعيشي اللحظة، دا انتي فصيلة..
توقفت وهي تطالعه بعيونها العاشقة
- ربنا يخليك ليا ومايحرمني منك ابدا، وتفضل منور حياتي على طول..
رفع ذقنها وبعيونها اللامعة
- طول ما انت جنبي هتفضل حياتي منورة، انا فرحان اوي ومن كتر فرحتي نفسي اصرخ بأعلى صوتي واقول للدنيا كلها انا بحب أجمل ست في الكون..
مش عايزة تقوليلي ليه السعودية ال طلبتي نقضي فيها اسبوع..
استدارت بظهرها وتحدثت حتى لا تهتز
- افتح السوستة، مش دي ليلة العمر، عيشني اللحظة..
قهقه عليها وهو يضمها من الخلف
- طيب مفيش في الليلة غير فتح السوستة..
- راكان..
صاحت بها
- بطل هزار وافتح السوستة وخليك مؤدب، مع اني اشك اصلا في كدا..
جذبها بقوة حتى هوت بأحضانه
- انا محدش رباني ياروحي، وحياة ليلى عندي انا مربي نفسي، لما بقيت اكبر قليل ادب..
نهضت وهي تسبه بخفوت
- دي مش عايزة حلفان ياحبيبي، لأن سمعتك سباقك..
نهض يقف أمامها
- امم معترفة يعني، طيب ايه، يعني حبيبك وحش..
رفعت كفيها لزر قميصه، ثم مطت شفتيها
- حبيبي، هو انت حبيبي، مين ضحك عليك بكدا، مش يمكن فيه احب منك عندي..
ظل صامتا، يدقق بعيناها إلى أن رفعت عيناها واحتضنت عيناه
- بتبص لي كدا ليه..
أدارها بهدوء ثم فتح سحاب الفستان
- خمس دقايق والاقيكي برة عشان نصلي، لازم نرتاح من السفر، عشان هنصحى بدري..
قالها بخطوات مهرولة
توقفت بجسد متيبس
- ماله دا، ليكون زعل، لا اكيد هو عارف انا بهزر..
خرجت بعد قليل، وهي ترتدي اسدالها، أغلق المصحف، ونهض متحركا دون حديث ليؤم لصلاتهما
انتهى بعد قليل، جلس بمكانه ومازال مواليها ظهره..
تحركت إلى جلست بجواره تضع كفيه على أحشائها
- عارفة انك زعلت من كلامي، بس مش قصدي ازعلك حبيبي، بس ال جوا دا غالي اوي ياراكان عشان منك..
دا اغلى من حياتي نفسها، مستعدة اتخلى عن حياتي ولا اتخلى عن حاجة تربطني بيك ياحبيبي، عشان كدا بقولك فيه ال أغلى منك، بس دا مجرد كلمات، طبعا انت مش عايز كلام عشان تعرف انت ايه بالنسبالي..
دنت منه تنظر لعيناه مباشرة وعيناها تلتمع ببريق عشقه
- انت هنا، توشمت بقلبي ومش هتقدر تبعد عني الا بخروج روحي، لأن روحك اختلطت بقلبي وروحي عندك..
جذبها بقوة حتى أصبحت باحضانه، دقات عنيفة جعلته يحبس أنفاسه داخل صدره انحنى، يضع رأسه بعنقها، وأطلق زفره حارة لم يستطع اختبائها أكثر من ذلك قائلا
- ليلى حتى لو ابني بلاش كلمة فيه أغلى منك دي، دي تكون بينك وبينه، بس بينا لا، انا بس ال عندك ياليلى، مش عايز حاجة تشغل قلبك عني..
كانت تخلل أناملها بخصلاته، توقفت فجأة عندما استمعت لحديثه
- ايه..
رفع رأسه وطالعها بهدوء رغم نيران غيرته التي لو خرجت لأحرقت كل ما يقابله
- زي ماسمعتي، ولادنا حبهم في قلوبنا، بس متجيش توقفي قدامي وتقولي ابني اغلى حاجة عندي، متنسيش انك كنتِ متجوزة اخويا، وعندك ابن، فاهمة الكلمة دي..
تصنم جسدها حتى ترقرق الدمع بعيناها، وكأن خنجر دق بقلبها من حديثه، فارتجفت شفتيها
- تقصد ايه ياراكان، تقصد أن..
وضع إبهامه على ثغرها وبانفاس تمر فوقه، ثم فجأة احتضن خاصتها يغدقها بقبلاته لينسى ما قيل كلاهما
نهض بعد فترة، يبسط يديه، ياله حبيبي عشان هنام.
كانت تنظر حولها بضياع من ردة فعله، نهضت تتحرك إلى الغرفة سريعا، وقام بإزالة اسدلها تلقيه بغضب على الاريكة، وعبراتها متكورة بعينيها
رفعت غطاء الفراش، وتمددت تواليه ظهرها دون حديث
وقف متنهدا، وشعر بالغضب من نفسه، لقد احزنها، اقترب عندما شعر بألما مفرط يجتاح كل خلية بجسده، عندما أحس بعبراتها، تمدد بجوارها يجذبها لاحضانه
-دا وعدك ليا، دي الليلة الي بتمناها..
استدارت تبكي بروح متألمة حتى تحولت عبراتها لزجاج يشحذ جلد وجهها، حزن من نفسه على عبراتها تكوي قلبه
- آسف ياليلى..
مسحت دموعها تدلف لأحضانه
- عمرك ماهتنسى ياراكان، هيفضل جوازي لاخوك نقطة سودة في حياتنا..
ضغط على خصرها واكملت بصوتها الباكي
- قولت احنا اتولدنا من جديد، بس شوف قولت ايه..
- آسف حبيبتي، بس غيرت اوي حياتي، ليلى بغير عليكي بجنون، سامحيني..
اخرجت رأسها تطالعه
- وأنا كمان، قلبي بيولع نار كل مااتخيل انك كنت مع حد تاني زي كدا، قولي نعمل ايه عشان ندفن الماضي ومانفتكروش، والله بتمنى افقد الذاكرة، الغيرة نار اوي، انا عذراك اوي..
ضمها وهو يدفنها داخله
- اشش اهدي، وحياة ربنا كل حاجة معاكي لأول مرة، عمري ماعملت كدا مع حد، وكمان أنتِ حبيبة راكان، اختارك بقلبه يالي لي..
ظلت تطالعه بصمت ابتسم قائلا
- ايه هنقضي الليلة نتكلم، عمرك شوفتي عرسان بيتعاوتوا كدا ليلة دخلتهم..
لكمته بصدره وهي تضحك
- دخلة ايه دا انت قضيت على دخلات مصر كلها..
أطلق ضحكاته الرجولية المرتفعة وهو يضمها لأحضانه
- نقي على جوزك ياحبي، وبعد كدا تعالي عيطي..
دفعته وهي تنهض إلا أنه جذبها حتى سقطت على الفراش يطالعها
- رايحة فين، هتهربي مولاتي من معذبك..
قالها وهو يبعثر بها معذوفته على ثغرها الذي اروى قلبه، ليذهب بها لجنة عشقه
بمزرعة نوح
جلس يحيى بجوار نوح وقام بقص مافعله
- كانوا داخلين شركا عشان نضافة شركتنا، وعرفت بعد كدا بااعمالهم الغير قانونية، فضلت معاهم لحد ماجريتهم زي مااتفقت مع راكان، وعرفنا كل مداخلهم وكان لازم يفضل منيمهم بموضوع فرحه دا عشان يفضل لحد مايسلمو شحنة المخدرات ويمسكهم..
عجبني تفكيره، لا وعامل دعوات فرح ليهم بس باسم نورسين، حوالي خمسين فرد، والباقي باسمه وباسم ليلى، يعني كان مخطط لكل دا، وكاتب في الدعوة الفرح الساعة عشرة، وعندهم سبعة، شوفت تفكيره، بحيث يخلص من ضيوفها يكون ضيوفه لسة، مع شوية ضباط ومخبرين وشركة أمن وصحبات سيلين ودرة، حبكها كالملك..
صفق نوح بيديه
- هو دا راكان البنداري، يفضل مدكن لحد مايضرب ضربته، حتى داليا المربية، ضربهم بيها في مقتل، عفارم عليه والله، بس طبعا هو هيترافع لقضية المخدرات والسلاح بس، إنما قتل سليم وخطف درة دول مينفعش يترافع فيهم عشان من العيلة..
هز نوح رأسه متفهما
عند يونس وسيلين بعد رجوعهم من المطار
وصل إلى شقته، وهو مقيما حفلا ثنائيا لهما، انوار خافتة، وماىدة لفردين مع موسيقى هادئة
ابتسمت تعانق رقبته
- دا ايه الرومانتيكة دي، جمال ياحبيبي..
اقترب منها بهدوء وأمسك كفيها وبحركة دائرية جعلها تلتف وهي تضحك، بعد إزالة حجابها، فتراقصت خصلاتها الشقراء حول عنقها
جذبها من خصرها يتراقص على لحن عزف نبض قلبيهما
انا قلبي دليلي قالي هتحبي
قهقهت بأحضانه وهو يدندن لها، وضعت رأسها بأحضانه
- يونس كفاية انا دخت..
سحبها إلى أن جلس على المائدة واجلسها بجواره، يطعمها حتى انتها، وهو يقص لها بعض حالته مع النساء الحوامل
بعد فترة قام بتشغيل هاتفه لكوكب الشرق
بعيد عنك حياتي عذاب
توسد ساقيها وهو مازال يقص لها بعض المواقف، حتى وصل لصداقته مع حمزة ونوح، وهو يضحك بصوت مرتفع كلما تذكر مافعله بنوح، تراجعت بجسدها وكفيها يتخلل بخصلاته حتى غفا كلا منهما
وصل حمزة أمام منزلها، ترجل من السيارة، وامسكها حتى لا يعيقها ردائها
حاوط خصرها متجها للداخل المنزل
- خطفتي عقلي النهاردة درة قلبي، براحة على قلب جوزك..
وصل إلى باب المنزل، ثم جذبها لتبقى بأحضانه
- حمزة تفتكر ممكن يضروا ليلى وراكان..
رفع ذقنها والتقط ثغرها بقبلة شغوفة
- متخافيش ياقلب حمزة، كله هيكون كويس. احنا مرتبين كل حاجة، المهم زي ما قولتلك يادرة..
ممنوع الخروج مهما كان الا بمعرفتي، كويس أن كريم سافر يكمل تعليمه برة، وخلي دايما كل الاصدقاء محط شك..
تحرك بعد وداعه لحماه وسمية، وصل إلى شقته ولكن توقف على رنين هاتفه
- ايوة ياجاسر..
- فيه حاجة غريبة حصلت خلي بالك، في صورة وعليها دايرة، لقيتها في الفيلا، ملامحها مش باينة، بس مكتوب عليها، متر الغلابة..
ابتسم وهو يدلف للداخل
- العمر واحد والرب واحد، قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا..
اجابه جاسر
- صدق الله العظيم..
دلف ولكنه توقف ينظر لتلك التي تقف أمام منزله الداخلي
باليوم التالي عند راكان وليلى
سحبها من كفيها خارجا من الفندق متجها إلى الكبة المشرفة ملتقى القلوب في رحاب الله وتنزه الأرواح عن الخطايا، دلفوا متجهين لمناسك العمرة
فالعمرة بأي وقت بالسنة، ك عمرة رمضان أو أي شهر أخر يؤدي فيه العمرة، فإن جميع السنة وقت للعمرة، فيجوز الإحرام بها في كل وقت من السنة، ولا يكره في وقت من الأوقات وسواء أشهر الحج وغيرها في جوازها من غير كراهة، وبهذا قال مالك وأحمد وأبو داود والجمهور، ولا يكره عمرتان وثلاث وأكثر في السنة الواحدة، بل يستحب الإكثار منها.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن).
وقال ابن عمر: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(يهل أهل اليمن من يلملم).
وروى مسلم عن جابر وسئل عن المهل فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(مهل أهل العراق من ذات عرق).
الإحرام من الميقات أفضل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة.
وإذا كان المسلم بمكة مستوطناً أو عابر سبيل وأراد العمرة، فميقاته أدنى الحل، فيكفيه أن يذهب إلى الحل من أي جهة من الجهات.
وأما المستحب فمن الجعرانة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها، أو من التنعيم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة منها وهي أقرب الحل إلى البيت.
استحباب الغسل عند الإحرام
وإذا أراد المعتمر أو الحاج أن يحرم من الميقات المحدد له، فمن السنة أن يتجرد من ثيابه ويغتسل كما يغتسل من الجنابة.
والاغتسال عند الإحرام سنة في حق الرجال والنساء حتى الحائض والنفساء.
ثم بعد الاغتسال يلبس ثياب الإحرام ويلف رداءه على كتفه، ولا يخرج الكتف الأيمن إلا في طواف القدوم.
ثم يصلي (غير الحائض والنفساء) الفريضة إن كان وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء.
وإن لم يصل فلا حرج.
والإحرام من غير غسل جائز، قال ابن المنذر: أجمع أعيان أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز.
ويستحب أن يتأهب للإحرام بحلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظافر، لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب، فسن له ذلك كالجمعة.
ولأن الإحرام يمنع قطع الشعر وقلم الأظفار، فاستحب فعله قبل الإحرام لئلا يحتاج إليه في إحرامه.
ما يلبس المحرم من الثياب
أما ما يلبسه المحرم فالسنة أن يحرم في إزار ورداء ونعلين.
وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمخيط.
والمقصود بالمخيط: الثوب الذي يلبس، وقد فصل على الموضع الذي جعل له، حتى ولو كان في بعض البدن، كالسراويل والقميص والقفاز ونحو ذلك.
والثوب الجديد في هذا أفضل من المغسول.
التلبية عند الإحرام
إذا فرغ من الصلاة أحرم وينوي بقلبه ويلبي بلسانه، فيقول:
لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وينبغي أن يرفع صوته بالتلبية، والمرأة تقوله بقدر ما يسمع من بجوارها فقط.
ومعنى (لبيك): اتجاهي وقصدي إليك، أو محبتي لك أو إخلاصي لك، أو أنا مقيم على طاعتك وإجابتك.
وهذه الإجابة والتلبية إجابة لأمر الله عز وجل لإبراهيم {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا}.
وينبغي للمحرم بالعمرة أن يكثر من التلبية (خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل أو النهار، وأن يسأل الله بعدها رضوانه والجنة، ويستعيذ برحمته من النار) إلى أن يبتدئ بالطواف.
وأكثر أهل العلم على أن المعتمر لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر.
ومن لا يحسن التلبية بالعربية لبى بلسانه كتكبيرة الإحرام وغيرها.
ف العمرة تبدأ عند دخول بيت الله الحرام والابتداء بالطواف مستحب لكل داخل، سواء كان محرماً أو غير محرم، صلى تحية المسجد.
فالركن الأول: هو الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود، وهو أول ركن في الطواف، فالبداية تكون من عنده.
والركن الثاني: هو الركن الشامي، ثم تدور من وراء الحجر وتصل إلى الركن الثالث، وهو الركن الشامي الثاني، ثم تصل بعد ذلك إلى الركن الرابع، وهو الركن اليماني، فهذه الأربعة الأركان التي حول البيت.
فالركنان الشاميان ليس فيهما استلام ولا تقبيل، والركن الذي فيه الحجر الأسود فإنك تستلم الحجر وتقبله وتسجد عليه، والركن اليماني الآخر السنة فيه المسح.
يبدأ بالصفا فيرقى عليه قدر قامة، أي: أنه يصعد على الصفا قليلاً، حتى إذا رأى البيت كبر الله وهلله وحمده.
فينظر ويتوجه إلى البيت وهو فوق الصفا، ثم يكبر الله: الله أكبر، ويهلل الله: لا إله إلا الله، ويحمد الله: الحمد لله.
ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
ثم يدعو بما أحب من خير الدين والدنيا والآخرة لنفسه ولمن شاء.
واستحب العلماء أن يدعو بما دعا به ابن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد كان له دعاء يدعو به بعد أن ينتهي من الركعتين خلف مقام إبراهيم، وأيضاً وهو واقف على الصفا والمروة.
فعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول على الصفا:
(اللهم إنك قلت {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني إلى الإسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم، اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنبنا حدودك، اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين، اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، واجعلنا من أئمة المتقين).
ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشياً، حتى يكمل سبعة أشواط.
ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر.
ويقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة قرآن.
إذا أتم سعيه سبعة أشواط، حلق رأسه أو قصر إن كان رجلاً.
وإن كانت امرأة فإنها تقصر من أطراف شعرها قدر أنملة.
وبالنسبة إلى الرجال ينبغي أن يكون الحلق شاملاً لجميع الرأس، وكذلك التقصير يعم به جميع جهات الرأس.
والحلق أفضل من التقصير.
بعد يومين، انتهى من العمرة مع زيارة الأماكن المقدسة والتنزه قليلاً، إلى أن انتهى من أسبوعهما.
وصل راكان بصحبة ليلى للأراضي المصرية متجهين لمنزلهما بالمزرعة.
أسرع أمير إليهما، تلقفه بين ذراعيه وهو يدور به. جلست ليلى بجوار زينب وهي تكاد أن تفتح جفونها من الإرهاق.
ربتت زينب على كتفها.
"قومي ارتاحي حبيبتي وأنا هشرف على الغداء لحد ما يونس وسيلين يرجعوا. والدك ووالدتك هيجوا على الساعة تسعة بالليل." توقفت وهي تكاد تقف.
"تعبانة ومحتاجة للنوم. آسفة ياماما، متقلة عليكي، وأمير تعبك."
رفعت نظرها لزوجها الذي يتسطح على العشب وهو يجذب أمير ليغفو فوق صدره.
"هو مع عمه دلوقتي ياليلى، روحي ارتاحي." أومأت متحركة للأعلى. كان يراقبها بنظراته.
تذكر آلامها منذ أمس. اعتدل وهو يرفع أمير على عنقه متجهاً إلى والدته.
مساءً، جلس الجميع بحديقة المنزل.
أردف أسعد.
"شوفت جدك النهاردة." حرك يده، هز رأسه.
"دا كويس أوي. شوية شوية هيرجع." ولكنه توقف.
"علاج السرطان ماشي عليه، لسة بيعمل جلساته بانتظام."
أجابه بحزن.
"للأسف بيعملها بس مفيش نتيجة." ربت على ذراع والده.
"بكرة هيرتاح صدقني. المرض ذليل أوي يابابا، أنا اللي هقولك."
رفع نظره لخاطفة قلبه، وهي تتهادى بسيرها بسبب إرهاقها البائن على وجهها. توقف متجهاً إليها.
"عاملة إيه دلوقتي؟" جلست بجوار والدتها.
"كويسة أحسن الحمد لله." ربتت والدتها على ظهرها بحنان أموي.
"دا من السفر حبيبتي، بكرة هترتاحي. حاولي تريحي جسمك." وصل يونس وهو يرفع يديه.
"وأنا بقول مصر والعاصمة منورين ليه." رفع حاجبه ساخراً.
"عشان حلوف زيك فيها، مش كدا." قهقه يونس عليه قائلاً.
"لا عشان هتجوزوني أصل، أعملكم مصيبة. وانتوا احرار. لحد آخر الشهر بنتكم سليمة. بعد كدا محدش يسألها من أين لك هذا."
قهقه أسعد عليه، يصفعه بخفة.
"طيب اعملها كدا وشوف هعمل فيك إيه." نهض راكان عندما وصل نوح وبجانبه أسما ويحيى.
نظرت ليلى لبطن أسما المنتفخة.
"عاملة إيه ياأسوم وحبايب خالتو عاملين إيه؟"
وضعت كفيها وهي تكاد تتحدث من آلامها.
"هولد بعد يومين، دعواتك." أجلسها نوح بعد السلام.
توجهت ليلى إليه بعتاب.
"مكنش له لزوم تجيبها بالتعب دا." وضعت رأسها على كتفه.
"تعبت من الحبس. وبعدين وحشتيني أوي يالولة." دفعت ليلى نوح. "روح عند الرجالة." ثم جذبتها لأحضانها.
"وانت كمان ياحبيبتي والله. كنت هجيلك ياأسما." تغير حالها وفجأة صرخت.
أسرع نوح الجالس بجوار الرجال بعيداً بعد المسافة.
"فيه إيه؟"
نظرت أسفلها وأشارت.
"هولد يانوح. آه." وصل يونس بعد صراخها.
"لازم مستشفى فوراً. دي ولادة. ودول توأم، مينفعش تولد في البيت."
بعد فترة، توقف الجميع ينتظرون خروج يونس من غرفة العمليات. دقائق وخرجت الممرضة تحمل طفلين.
أسرع نوح إليها.
"هي عاملة إيه؟ وليه مش خرجت؟"
"هتخرج بعد شوية. الدكتور بيخلص معاها. هو قالي أخرجلكوا البيبهات."
حمل يحيى طفلاً منهما، بينما حملت الآخر ليلى وهي تدقق النظر به.
"دا شكل نوح أوي." خطفه راكان من يديها.
"بس ياماما. دا شبه عمه راكان. نوح مين؟ دا يطلع مجرم شبه."
ابتسمت على كلماته.
"لا طبعاً حبيبي، مفيش حد شبه." اقترب منها.
"وحياة حبيبك دي لأرمي الواد ابن الحلوف دا، وأخطفك. وبعدها محدش يسأل عليكي."
اقترب منهما حمزة.
"دا عيل على فكرة، مش لعبة انت ومراتك." أخذه حمزة متجهاً مع نوح إلى غرفة الأطفال.
بعد شهرين.
استيقظ مبكراً، يستعد لجلسته اليوم. نهضت من مخدعها تطالعه، ثم دنت ونظراتها عليه.
"ممكن أطلب منك طلب." استدار وهو يربط رباط عنقه.
"إنتي تأمري حبيبي."
جذبت مأزرها ترتديه وتحركت حتى وصلت أمامه مباشرة.
"عايزة أحضر معاك الجلسة. نفسي أشوفك وأنت بتترافع أوي."
حاوطها بذراعيه وكفيه على رباط مأزرها.
"والمقابل إيه؟" وضعت رأسها بصدره تتمسح به.
"بقيت غني من كتر ما أخدت مقابل ياحبيبي." ابتسم يرفع ذقنها.
"حبيبك مفيش أغنى منه وهو يمتلك أجمل ست في الدنيا."
"طيب إيه هتاخدني معاك؟" صمت هنيهة وهو يطالعها.
"اجهزي." استدارت بعدما طبعت قبلة على خديها. جذبها بقوة يلتقط خاصتها يتذوق كرزيتها ثم أردف.
"لازم جرعة الصبح حبي."
ابتسمت وتحركت وهي تتحدث.
"حلو إنك حفظت الجدول حبيبي."
بعد قليل، وصل إلى المحكمة. كان أصدقاؤه بانتظاره. نظر لسيارات الترحيلات وهم يجلبون قاسم بجوار النمساوي وأمجد. نظر أمجد لليلى التي دلفت لأحضان راكان تضع يديها على صدره وتخبي رأسها بصدره.
وكأنها تحميه من نظرات أمجد إليه. جذب أمجد العسكري متجهاً إليه.
"وحياتك لأخرج وأدفعكم غالي." أشار راكان العسكري.
"خدوه من قدامي." حاوط خصرها دالفا للداخل.
بعد قليل.
أعلن الحاجب عن قدوم القاضي والمستشارين. عم الصمت أرجاء المكان، وافتتحت الجلسة.
استهل راكان وهو وكيل النيابة العامة.
"بسم الله أبدأ مرافعتي. بسم الله الحكم العدل الذي يمهل ولا يهمل. بسم الله الذي اتخذ من الحق اسماً جعله لنا سبيلاً، وهدفاً منشوداً."
"شرف النيابة العامة أن تمثل المجتمع في مجرى عدلكم ورحاب قضائكم. شرف عظيم أن تحمل النيابة تلك الأمانة التي عرضت على السماء والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. تلك الأمانة التي ناءت عن حملها السموات والأرض وهي العدل."
"كانت النيابة العامة على العهد والوعد وإن ثقلت."
"شرف لي أن أقف أمام هيئتكم الموقرة ومن خلفي ذاك المجرمين الماثلون أمامكم، فإني أقول لحضرتكما ألا تأخذكم بهم شفقة ولا رحمة فما ارتكبوه من جرائم تكاد تنشق لها الأرض وتخر الجبال هدا."
ظل راكان يقف أمام هيئة المحكمة وهو يترافع بمرافعته مستنكراً ومندداً الجرائم النكراء التي ارتكبوها هؤلاء المجرمين.
توقف للحظات ثم وزع نظراته، وشريط جرائمهم أمامه. سحب نفساً وزفره متجهاً بنظره للقضاة.
"سيدي الرئيس حضرات السادة المستشارين. جريمة هؤلاء المتهمين ما هي إلا قتل الكثير من شبابنا. وليس أعني بالقتل هنا سيدي القاضي الدم فقط، وزهق الأرواح. إنما أقصد قتل عقول شبابنا بسمومهم النكراء. إن الجريمة متمثلة أمامكم من دلائل وبراهين. جريمة من الجرائم التي تجسدت بها أوزار الإنسانية."
"وبعد ذلك سيدي القاضي، فإني أبشركم وأبشركم لن تجدوا أي شفقة ولن يثور الخلاف عليكم. فالوقائع ثابتة والأدلة دامغة في ساحاتكم الموقرة."
"لا موضع إلا للقانون ولا حديث إلا عن الأدلة."
"وشكراً لسعة صدوركم."
وبالتناوب مع هيئة المحامين الموكلين بالدفاع عن المدنيين، وإثباته بالدلائل.
بعد فحص الأدلة المقدمة لهيئة المحكمة.
أخيراً أعلن القاضي تداول الحكم مع مستشاريه، ودلف للداخل. ظل عيناه تراقب زوجته الجالسة بجوار نوح. بعد دقائق قليلة خرج القضاة من غرفة المداولة والتصريح عن ما توصلوا إليه. ما أمسك رئيسهم بالأوراق يقرأ مقدمته المعتادة من ملابسات الجريمة أمام الحضور.
"بعد التأكد من الأدلة وسماع الشهود والقبض على المتهمين متلبسين."
"تنص المادة الثالثة والثلاثون من قانون العقوبات أنه يعاقب كل من يقوم بممارسة الاتجار في المواد المخدرة بالسجن المؤبد بدء من السجن المشدد سنوات، إلى السجن المؤبد أو الإعدام في بعض الحالات. والغرامة المالية التي تصل إلى مائة ألف جنية مصري. كما أنها لا تزيد عن خمسمائة ألف جنية مصري. وهذا في حالة إذا تم تصدير أو استيراد المخدرات أو أي شيء. وبناءً على ذلك قررنا نحن بالحكم المؤبد على المتهم قاسم سيد الشربيني، وحسن علي النمساوي، وأمجد قاسم السيد الشربيني بالسجن المشدد لخمسة وعشرون عاماً مع الشغل والنفاذ." رفعت الجلسة.
صفق جميع الحضور.
"يحيا العدل. يحيا العدل."
نهض راكان وهو يطالع تلك التي تنظر إليه بفخر. تحركت إلى أن توصلت بعد تهليل بعض الحضور.
"ما أعظمك سيدي القاضي."
ابتسم لها وهو يدقق النظر بعينيها الجميلتين رغم شحوبها.
"لا مولاتي. قصدك ما أعظمك معذبي."
قالها وهو يسحبها من خصرها متجهين للخارج وهم يلتقطون أنفاساً حرة يزفروها بهدوء. أخرج هدوءهما عندما وصل كلا من حمزة ويونس.
"وأخيراً هنتجوز." داعبه يونس.
"هتجوز ياراكي. يابني أخيراً هدخل دنيا." ماهي إلا لحظات حتى استمع لصرخات ليلى.