تحميل رواية «عازف بنيران قلبي» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماتت حروف الحب من دفتر الكلمات، فقد ظلمت مثلما ظلمت، مثلما حكم الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمع أحد أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة. حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخل قلوبهم لقلبي. أصبحت قلوب الجميع قاسية لا تعرف عن الحب شيئًا، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحه أو لا. مات الحب مثلما قتلوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي...! -*-*- في إحدى الأحياء الراقية في مدينة القاهرة، خاصة في ذاك القصر المقام على مساحة شاسعة يحاوطه الحرس من كافة...
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيلا وليد
باي يامدام هستنى المرة الجاية بفارغ الصبر ومتخافيش هعرف قيمتك.. قالها وهو يمشط نظراته على جسدها بوقاحة ثم رفع نظره لوجهها الذي اصبح كالاموات.
هنا شعرت بألم هائل يجتاح قلبها قبل جسدها... قبضة قوية اعتصرت قلبها وهو ينظر لها بتلك النظرات.
أمتلأت عيناها بنيران الغضب... نظرت له بذهول فتحركت إليه سريعا كالفهد المفترس ثم قامت برفع يديها لتصفعه.
- اتجننتي!! مفكرة نفسك مين؟ دا حتى لسة مشتري ليلة بعشرين مليون.
تساقطت دموعها بغزارة وهي تهمهم بكلمات كفاقدة الحياة بعدما كانت تشعر منذ قليل بسعادة الكون وهي بأحضان حبيبها.
- بكرهك.
قام بإشعال تبغه ونفثه بوجهها مكملا حديثها.
- ومكهرتيش في حياتك قدي غيره لو خلصتي كلامك ممكن تسبيني أغير هدومي أما بقى لو عايزة نكمل حاجة تانية معنديش مانع.
تراجعت للخلف وهي تهز رأسها ودموعها تغرق وجنتيها. قلبها بدأ يصفعها دون رحمة حينما استمعت لكلماته التي حطمت قلبها وجعلته فتات مبعثرة. دارت الأرض تحت قدميها وشعرت بتوقف تنفسها. فاستدارت دون حديث.
تحركت بحركات واهنة ضعيفة كفاقد الحياة.
نظر إلى شحوب وجهها الذي تحول لشحوب الموتى بعدما كان يضج بسعادة عيناها بأحضانه. كان يقاتل بضراوة ألم قاتل بأنحاء صدره. تحرك خطوة خلفها. ولكنه تذكر حديثها المهين لرجولته. فتراجع ثم أغلق الباب بعنف حتى اهتزت جدرانه.
زفر باختناق واتجه لشرفة غرفته.
اما عنها... اتجهت سريعا إلى غرفتها دون هدواة خرجت كطائر ذبيح... ارتعاش بجسدها بالكامل... تتمنى الموت كلما تذكرت صفعاته لها بكلماته الدامية. كيف لها أن تعشق رجل بجبروته.
ارتدت ملابسها سريعا بعدما قامت بتمزيق قميصه بأبشع الطرق وإحراقه بالمكواه التي توضع بركن الغرفة. وضعت حجابها دون اعتداله وخرجت سريعا من ذلك المنزل الذي شهد بأسوء ليلة تمر بها.
وقف في الشرفة ينفث دخان سيجاره كلما تذكر دموعها... كأن قلبه يكتوي ألما ووجعا... يود لو يذهب إليها ويضمها بكل قوة حتى يشبع روحيهما.
أغمض عيناه عندما تذكر لحظاتهم الحميمية. ابتسم بخفوت عندما تذكر همسها باسمه. فتح عيناه فجأه عندما استمع لخطوات حذائها ذو الكعب العالي. وجدها تخرج من المنزل متجه بين الأشجار في الغابة وهي تبكي بنشيج تتحرك كإنسان فاقد للحياة تكاد أن تقف على رجليها.
خطت بعض الأمتار أمام عيناه. نزل سريعا متجها إليها يبحث بعيناه عليها. دلف الى الغابة خلفها وهو يصيح باسمها. يكاد يموت خوف عليها. شعر باختناق روحه عندما لم يجدها. هزة أصابت جسده وتمنى بعدها الموت لا محالة من افتقدها.
ظل يسير خلف أثار اقدامها التي اتضحت بأنها قامت بخلع حذائها.
هنا هدأ روعه عندما استمع لشهقاتها وجلوسها بعدما تمزق فستانها من الأشجار وجرح كتفها.
اقترب اليها بهدوء. احس بوخزة مؤلمة شقت صدره لنصفين.
ليلى أردف بها بعدما وقف بمقابلة جلوسها.
نظرت إليه بأعين تغشاها الدموع. أعين منتفخة ابكت بكل ماتحمل من الالم على مااشعرها به.
انحنى بكل أنفاسه الحارة التي ألهبت كيانه واختنقت روحه عندما شعر بفقدانها.
ضمها بكل مايملك من قوة وتسائل.
- انت كويسة.
ورغم ما أصابها إلا أنها شعرت بالأمان بأحضانه. سكنت للحظات.
وبدأت تبكي مرة اخرى.
- ليه!! ليه تعمل فيا كدا، ليه تموتني كدا.
رفعت عيناها الباكية.
- لية بتكرهني أوي كدا!!
ضم وجهها وأردف.
- اشش.. اسكتي.. متعرفيش حاجة... مجنونة انت أكرهك إيه.
انسدلت دمعة خائنة بعدما نعتته بكره لها.
اقترب ضامما ثغرها الذي أدمنه. حيث جعله كجرعة هيروين تريح أعصابه. وضع جبينه فوق خاصتها وأردف بصوت مبحوح.
- ياريتني اقدر اكرهك.. صدقيني لو ربنا بيحبني عايزه يكرهني فيكي.
- بس أنا بكرهك.
على رغم كلماتها التي ذبحته إلا أنه قام بحملها بعدما تساقطت الأمطار بغزارة.
- عارف إنك بتكرهيني.. يابختك.
حملها متجها للمنزل. وهي ترتعش بين يديه وتتمتم ببعض الكلمات التي تسبه بها. ضمها لحضنه.
- راضي بكل اللي تقوليه.
وضعها على الاريكة وقام بإشعال المدفأة مرة آخرى بعدما وجدها ترتعش من برودة الجو. اتجه للغرفة يحضر لها شيئا ترتديه. ولكنه ذهل من وجود قميصه المحترق والممزق. أخرج قميصا اخر. ونزل سريعا مع بعض الأغطية وقام بخلع ملابسها بالكامل التي تمتلأ بمياه الامطار. وألبسها قميصه.
كانت يديه تتحرك بعشق على وجهها وشفتيها المتورمة وهو يردف.
- لو انت بتكرهيني أنا بعشقك. مقدرتش اكرهك حاولت بس مقدرتش.
قالها وهو يضمها لأحضانه بعدما وجد جسدها يرتعش بالكامل.
رفعت يديها على وجنتيه.
- أنا كدابة!! متصدقش كلامي.
كانت حرارتها ارتفعت. بدأ بعمل كمادات باردة لخفض حرارة جسدها الذي يرتعش بين يديه.
همهمت بين اليقظة والنوم.
- بحبك اكتر واحد في الدنيا دي.. حتى أكتر من نفسي.
وضعت رأسها في حضنه ومازالت تهذي ببعض الكلمات.
عايزاك تحبني زي مابحبك وبس. على رغم كلماتها التي أروت قلبه. إلا انه تذكر شرطها.
مسد على شعرها الأسود المبتل الذي يشبه سواد الليل. يضاهيه بحر عيناها الأسود اللامع. وبشرة حليبية يزينها خدان شهيان وثغر كنعقود عنب. دنى ملتقطًا ثغرها في قبلة شغوفة. وهو يسحقها بأحضانه. عندما قالت.
-راكان متزعلش مني. عارفة اني وجعتك كتير. أنا محتاجة الفلوس عشان بابا. وكمان قولت عشان اوجعك زي مابوجعني. ايوة إنت السبب. إنت اللي خلتني مجنونة بالغيرة.
رفعت كفيها وتشابكت أصابعهم. ونظرت لعيناه.
-قولي أعمل ايه في غيرتي دي. أعمل إيه وانت بتقولي حاجة وبتعمل حاجة. كسرتلي قلبي وروحت خطبت واحدة. وأنا مراتك. ضحكت عليا وفهمتني إنك بتحبني. وانت بتنتقم مني. طيب اديني عقل يخليني اسامحك.
دققت في ملامح وجهه.
-راكان اثبتلي مرة واحدة إنك فعلا بتحبني.
احتضن وجهها الذي ارتفعت حرارته واقترب منها.
-راكان بيعشق ليلى. صدقيني فيه حاجات مينفعش احكيها. خليكي واثقة أني بعشقك. بعشقك لدرجة قلبي بيوجعني لما بتبعدي عني. شوفي بقالنا كام شهر والوضع بيسئ بينا. ليلى أنا بحبك والله مش كلام.
بدأت تملس على خديه.
-راكان أنا سقعانة غطيني.
جذب غطاء آخر عندما وجد جسدها يرتعش. حملها متجها للفراش حتى تنعم بالدفء. تسطح بجوارها وهو يضمها بكل قوة. قلبه يفعل به ما لا يتحمله عقل.
بعد فترة ذهبت بنومها من شدة حرارتها. قام بوضع كمادات على جبينها كي تنخفض حرارتها. ضامما اياها لاحضانه.
اخذ شهيقا عميقا ثم زفره ببطء. بعدما شعر بصراع بين قلبه وعقله. ويتذكر حديثها منذ قليل.
كان عقله وقلبه مشتتين بين شقى الرحى.
حبيبته وعشقه بين يديه بكيانها وكينونتها. ابتسامة شقت ثغره حينما تذكر غيرتها. وتذكره مافعلته معه. بعدما اصبحت ملكه.
ربت على خصلاتها وهو يستمع همهماتها.
-"آسفة متزعلش مني". تسطح بجوارها وبمخيلته لحظاتهم الأخيرة وحديثها عن غيرتها. تمنى لو تحدثت بتلك الكلمات وهي بين أحضانه. هو يعلم إنها لا تشعر بما تتفوه به بسبب إرتفاع حرارتها.
بسط أنامله يتحسس شفتيها. ظل يتلمسها بإبهامه مبتسمًا.
.هل هيا الآن أصبحت ملكه. ولكن صرخ عقله بالأبتعاد عنها. نهض للشرفة ينظر لغزارة الأمطار التي تحاوط المكان. لا يعلم ايبتسم على قدره الذي جعلها ملكه ام يحزن لما تفعله بقلبه.
استدار متجها لها ليرى إذا كانت حرارتها انخفضت ام مازالت مرتفعة.
جلس ينظر لوجهها البرئ. لمس وجنتيها بأنامله.
وتحدث قائلا.
-تعرفي ياليلى. أنا حبيت قبل كدا. أنا حكتلك مرة. بس متوجعتش اوي كدا مع إني اكتشفت الخيانة.
قلبي مادقش كدا معاها ياليلى. إنت غير. حتى لما بتجرحي فيا بسامحك من مجرد ضحكة او لمسة. اقترب يستنشق أنفاسها العطرة.
- أنا أتجوزت كتير منكرش. اول لقاء بينا مكنتش حاسس باللي حسيته معاكي. اتكأ على كف يديه وظل يمسد على خديها.
- أول مرة أحس إني ملكت الكون وانت في حضني وبتهمسي باسمي. مع اني مش أول راجل في حياتك بس حسيت بسعادة الدنيا.
وضع رأسه بجوارها ومازال يستنشق انفاسها مغمضا عيناه.
- مفيش ست قدرت تعمل اللي إنت عملتيه في ليلة واحدة. ظل ينظر لها وأكمل.
-لا ياريت ليلة دي مجرد دقايق. عملتي فيا ايه. قالها جاذبا إياها الى صدره.
رفعت كفيها على خصلاته وهمست له.
-"بحبك". هنا نسي كل شيئا وفقد سيطرته وتذكر شيئا واحدًا. مالكة قلبه وروحه بين يديه. فسحبها مرة آخرى ليتوج بها عشقه ويغرد لها بأعذب ألحان الحب. تاهت معه وهي لا تشعر بشيئا كأنها بحلم بعيد المنال.
بعد عنها بعد فترة وهو يجذبها لصدره. مقبلا رأسها حينما شعر بإنخفاض حرارتها.
- آسف ياليلى. وضع جبينه فوق جبينه وهي بين اليقظة والحلم وتحدث مبتسمًا.
-بسرق لحظات حلوة بينا. معرفش حياتنا هتكون إزاي بعد كدا. بس فعلا إنت وجعتيني لدرجة معنتش قادر أسامحك.
لازم أعالج نفسي من إدمان حبك. لازم أفوق عشان مضعفش تاني. لازم عقاب يخليكي تعرفي بعد كدا قيمة الحب اللي بينا. اللي شفعلك عندي هو حبك ليا اللي متأكد منه. وعارف ومتأكد سبب طلبك للفلوس.
تنهد ساحبا بعض الهواء إلى رئتيه ثم زفره قائلا.
-غبية ياحبيبي متعرفيش انا عملت حساب كل حاجة. وبجهز لعملية باباكي في ألمانيا. تذكر حديث حمزة منذ أسبوع عندما كان عنده بالمكتب.
-مالك ياحمزة؟
تساءل بها راكان.
مسح على وجهه وهو يدلكه قائلاً:
- الأستاذ عاصم حالته متأخرة وميئوس منها. حاولت مع درة أسفره ويعمل زرع كلى، بس هي رافضة.
أشعل راكان تبغه وتحدث:
- ابعتلي التحاليل وكل حاجة وأنا هكلم دكتور في ألمانيا ونرتب معاه. انت ليه بتتكلم مع درة أصلاً؟ أنا انشغلت بالي حواليا ونسيته فعلاً. بس متخافش، خلال شهر بالكتير هيكون عامل العملية.
نهض وهو يشير إليه:
- من بكرة أهتم بالموضوع دا شخصياً. مش عايز أظهر في الصورة عشان ليلى لو عرفت ممكن تموت أبوها ولا تشوفني بساعده.
توقف حمزة أمامه قائلاً:
- طيب هتعمل كدا إزاي؟ وهم رافضين مساعدة حد.
تحرك خارجاً وهو يردف:
- اعمل اللي بقوله ومالكش دعوة. أنا هتصرف مع التنينة بتاعتي وقتها.
ضحك حمزة قائلاً:
- عسل ياراكي لما بيكون مزاجك عالي.
توقف يسبه قائلاً:
- هو فين المزاج دا؟ أيام اترحمت عليها من يوم ماحبيت. أنا كان مالي ومال الحب ماكنت عايش بالطول والعرض.
تحرك حمزة حتى وقف أمامه:
- كبرنا ياراكان، ولازم نعمل عيلة. هنفضل لحد إمتى؟
أطلق راكان ضحكة من بين شفتيه:
- أنا هكون عيلة أنا وليلى. دا إحنا أخرنا نلعب مصارعة.
قهقه حمزة عليه. خرج من شروده وهو يستمع لهمهماتها بنومها.
بعد ساعات، استيقظت على شدة آلام بجسدها. وجدت نفسها مكبلة بذراعيه.
رفعت رأسها فكان قريباً من وجهها، مما جعلها تشعر بملامسة شفتيه لوجهها. رفعت يديه بهدوء. نظرت لنفسها، فكانت عارية تماماً تحت الغطاء.
حاولت أن تتذكر ما صار بينهما، ولكن لم تتذكر سوى مقططفات.
نزلت بساقيها بهدوء، جاذبة قميصه من جوارها وارتدته سريعاً، متجهة للأسفل تبحث عن ملابسها. وجدت فستانها مبتلاً وملاقاه على الأرض.
ارتدته سريعاً، ثم قامت بارتداء قميصه فوقه وخرجت متجهة لسيارته بعدما وجدت مفاتيحه بجوار فستانها.
ركبت السيارة وقادتها سريعاً وهي تبكي بنشيج كلما تذكرت ما صار لها ليلة الأمس.
أنفاسها تعلو وتهبط من شدة بكائها.
في بيت المزرعة بعد قليل.
قام بفتح عينيه بعدما روادته جفونه أشعة الشمس. بحث بعينيه عليها ولكنه لم يجدها. اتجه للأسفل ظناً منه أنها بالمطبخ.
ظل يجوب المنزل من أعلى لأسفل، يميناً ويساراً، يبحث عنها بقلبه قبل عينيه. يتمنى أن يكذب حدثه ويجدها بزاوية من زوايا المنزل.
جن جنونه بعدما تيقن بعدم وجودها. ظل يرغي ويزبد ويعنف حاله.
- ما بك يا رجل، وماذا فعلت بك هذه الفتاة؟ وأي تعويذة ألقتها عليك وعلى قلبك المسكين؟
من متى وتفعل أحداهن هذا بك؟
تذكر من أنت وعد إلى رشدك. أنت من لا تستطيع أي امرأة رفضك، وكم منهن ينتظرن إشارة إصبعك لتأتيك ركضاً. تذكر.. وتذكر.. وتذكر... لكي تستطيع أن تجابه هذا الحب الذي ينهش في قلبك كمرض لعين ليس له دواء ولا طبيب.
أغمض عينيه وخانته ذكرياته للحظاتهما سوياً، وكيف أشعرته بالكمال، وكيف كانت بين يديه وقد شعر بقلبها ينبض باسمه. من هذه بالله عليك؟
هذه التي منذ كتبتها على اسمك وقد أغنتك عن صنف حواء، ولم تستطع ولو مجرد لمس فتاة بعدها. منذ متى وأنت ضعيف لهذه الدرجة؟ لأي أجل ستتوسل منها الحب؟ فق واستفق، واعلم أنها مجرد ساحرة وألقت لعنتها على قلبك، وعليك محاربة هذا الخصم لتحرر قلبك من فخ عينيها التي لطالما كنت أسير ليله وغريق بحره الذي يسحبك إلى قاع المحيط الدامس. لكن لا، وألف لا. من الآن ستقابل شخصاً آخر، شخصاً لم تعهده ولم تتوقعه في أحلامها.
بفعلتها هذه أشعلت جيوش الغضب بجوفه. قبض على يديه حتى ينفث غضبه وبدأ يسبها بأفظع السباب.
عند ليلى قبل قليل.
قادت سيارته بسرعة كبيرة، غير مسيطرة على نفسها ولا على تفكيرها. تفكيرها الذي كلما تذكرت كلماته الطاعنة لكرامتها وكبريائها أدمت قلبها ومزقت روحها.
هل هذا هو الشخص الذي أول من دق له قلبها؟
هل هذا الذي لطالما تمنت أن تكون من نصيبه؟ هل هذا الذي لم تعرف روحها طعم الأمان غير بجانبه؟ هل خدعها قلبها للمرة التي لا تعرف عددها؟ هل كل ما شعرت به وهي بداخل أحضانه مجرد أوهام؟ هل حركته لها رغبته بجسدها فقط؟
لكن لماذا شعرت بعكس هذا؟ لماذا شعرت أنه توأم روحها وأنه المكمل لكيانها؟ كيف شعرت أنها امتلكت العالم بما فيه؟ وكم تمنت أن تتوقف حياتهم عند هذه النقطة، وهي زوجته، حبيبته، متيمته فقط وللأبد.
عادت الأفكار تداهمها وتتذكر خطوبته من تلك الفتاة الصفراء كما نعتها دائماً. وكيف أطعن كبرياءها. فقد تعذبت من رؤيتهما سوياً، ولطالما تمنت الموت على أن لا تشعر بهذا الألم الذي يدمي قلبها، ولا تعلم كيف تداويه.
توقفت فجأة وتذكرت كيف دفنت حبها له سابقاً عندما تزوجت بأخيه، وكيف عاشت واقتنعت نفسها أنها بخير وبدونه. نعم، فكرت بحياتها وزواجها الأول الذي حاولت به فتح صفحة جديدة من حياتها لكي تنساه. لكن الحياة كالعادة خزلتها ولم يكتمل حلمها ولم تعش فرحتها، رغم عشق سليم لها. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتنقلب حياتها رأساً على عقب وتتدخل أفعى سامة تسمم لهم حياتهم وتنزع استقرار أسرتها التي جاهدت لإنقاحها دائماً. ويتركها زوجها في مهب الريح وسط أناس غريبين عنها وأناس يحاولون انتزاع آخر فرحة في حياتها. طفلها وزهرة حياتها التي كانت دائماً على أتم استعداد بالتضحية بكل ما تمتلك مقابل النظرة في وجهه ورؤية ابتسامته التي تمحو وتطيب جروح قلبها التي دائماً ما تتركها لها الحياة لكي تذكرها أنها ليس لها نصيب من الفرح في هذه الحياة، بعدما خذلها متيم روحها.
مهلاً ليلى، أنت لست بالضعيفة ولا الساذجة. لن يستطيع أحد أن يتمكن منك. ولن أسمح لأحد بانتزاع آخر وأهم أسباب فرحي في هذه الحياة. ابتسمت باستخفاف تتذكر ما مر بخيالها وهي بأحضانه وكيف شعرت أنها متيمة روحه. ولكن للأسف، نزلت من غيمتها الوردية على صخرة الواقع المرير وتناثرت أحلامها كلوح بلور مكسور، عندما نعتها بفتاة ليل. أخبرت نفسها:
- هذا من تمنيت أن تكوني ملكه ومليكته. انضم إلى باقي من يحاولون انتزاع سعادتي، وللأسف جاهد كثيراً لقتل روحك بكلماته التي سحقت روحك تحت قطار كلماته اللاذعة. وبقي قلبي يدمي ويرقص كطائر غدر به صاحبه على حين غرة.
إذاً، من الآن لن اتنازل ولن أستسلم لمحاولاتهم في هدم روحي وكياني. أنا أقوى من الجميع، ولنرى الغلبة لمن. لطالما كان الله نصير المظلومين وحامي الضعفاء. ليلى، أنت قوية بإيمانك بالله. وكلي ثقة يا نفسي العزيزة أن الله لن يخذلني.
وصلت لمنزلها ودلفت سريعا لغرفتها متجه لمرحاضها لتزيل آثار ليلتها معه.
جلست داخل المرحاض وشهقاتها بالارتفاع حينما تذكرت حديثه المهين لها.
نعم جعلها كفتاة ليل.
ولكن كفى ليلى عليك أن تأخذي حقك من الجميع وأولهم ذاك الذي اعتبرتيه أمانك وما هو إلا دمارك.
ظلت تفرك بجسدها بقوة حتى جرحت عنقها من آثاره التي باتت واضحة.
مر قرابة الساعة وهي بالمرحاض بعدما جلست لوقت بالمياه الدافئة تستعيد حيويتها وهدوئها الذي فقدتهما.
خرجت بعد ارتدائها ثيابها الخاصة.
جلست أمام المرآة تنظر لنفسها.
وشفتيها المتورمة وآثاره التي مازالت عالقة.
انسدلت عبراتها وهي تهمس لنفسها:
- مش قادرة أتحمل كل اللي بيحصل معايا.
- أنا في نظره فتاة ليل.
- لدرجة دي يا راكان.
- ده حبك ليا.
طاحت كل ما يوضع أمامها وبكت بحرقة.
- أنا مراتك يا غبي مش بنت من بنات الليل.
ظلت تصرخ بها إلى أن انهارت قواها فجلست على الأرضية تضم ركبتيها وتضع رأسها عليهما.
دفع الباب ودخل كالثور الهائج.
وصل أمامها ثم جلس على عقبيه يجز على شفتيه متحدثًا من بين أسنانه.
- قوللي هفضل متحمل واحدة زيك لحد إمتى؟
- لحد إمتى وأنا هفضل أسامحك وأديلك أعذار؟
جذبها من خصلاتها ولم يعرِها حالتها المنهارة.
فتحدث وهو يهمس بصوت كفحيح أفعى.
- شغل الحنية معدش ينفع معاك.
- أنا هربيك وأعلمك الأدب.
نهض وهو يرفعها من خصلاتها.
- الأوضة دي معنتيش هتدخليها.
- نومك هيكون جنبي وعلى سريري.
دنى وهمس لها.
- وفي حضني متنسيش إنك مراتي.
- وبعد أقل من شهر الأوضة دي هتجهز لمراتي التانية.
تجاهلت حديثه فهي تعلم.
فنظرت له بعينين هالكتين وقلب فتته الوجع قائلة.
- طلقني يا حضرة المستشار.
- إنت مش خدت اللي اتجوزتني عشانه.
- انتقمت وكسرتني.
- معدش فيه حاجة بينا.
جذبها وخرج بها متجها لجناحه.
متجاهلا كلماتها التي أشعلت فتيل نيرانه.
ثم دفعها بقوة على فراشه وحاوطها بجسده ينظر لجروحها التي بدت أمامه بوضوح.
جحظت عيناه مما فعلته.
تمنى ما فهمه لم يكن صحيحًا.
رفع عيناه لمقلتيها متسائلا بلسان ثقيل وقلب ينتفض بذعر مما وصل إليه.
- مين عمل فيكِ كدا؟
قالها وهو يتلمس عنقها وفتحة صدرها بأنامله.
دفعت كفيه بعيدًا عنها.
ونظرت له والكبرياء يعتلي كل ذرة بعينيها قائلة بنبرة مهينة له.
- كنت بشيل آثار واحد مكرهتش قده في حياتي.
أطلقت قذفتها التي اخترقت جسده.
ولم يشعر سوى وكأن أحدهم ضربه بسياج حديدي من لهيب جهنم.
لحظات مرت عليه وهو يناظرها فقط.
لا يعلم ماذا عليه فعله.
لقد جُنّت.
لولا علمه بحبها له لشطر رأسها عن جسدها.
ظل يراقب نظراتها التي تهرب من محاصرته.
فلقد أطاحت به وبقلبه دون رحمة.
أمال بشفتيه ملتقطا ثغرها بقبلة قوية حتى سلب أنفاسها متلذذًا بدموعها وهي تحاول الفكاك من حصاره.
حاولت التملص من قبضته ولكنها أشعلت بجوفه عاصفة غضب هوجاء جعلته يفترسها كحيوان مفترس.
فصل قبلته العنيفة وهو ينظر لعيناها الباكية.
وابتسم بسخرية عليها وصدرها يعلو ويهبط لأخذ أنفاسها.
رفع أنامله بعدما حرر ذراعها يلمس شفتيها التي تورمت قائلاً.
- امسحي ياحبيبي ياله.
- عشان أعملك غيرها.
أمال وكأنه سيقبلها مرة أخرى ولكنه خدعها حينما ابتعدت برأسها عنه فأطلق ضحكة مشمئزة.
- هستنى من واحدة إيه؟
- وهي بتقول لجوزها هبيعلك ليلة.
اعتدل يجذبها من كفيها ثم جذب عنقها إليه قائلاً بجانب أذنها.
- واحدة رخصت نفسها بعد ما كانت أقصى أحلامي أضمها لحضني بس.
- دلوقتي بقيت أشمئز من لمسها.
قالها وهو يدفعها بقوة ثم نهض وهو يشير للغرفة.
- هتنقلي هنا.
- ده مش حبًا فيك أبدًا.
- دا عشان أعذبك كل ما تشوفيني نايم جنبك كدا وتفتكري إنك رخصتي نفسك قدامي.
قاطعته عندما هبت متجهة إليه تلكمه.
- أنا مش رخيصة.
- انت لو مهتم كنت عرفت عملت كدا ليه.
- انت مفيش حاجة بتشغلك غير إنك تجري ورا دي وورا دي بس مراتك آخر اهتماماتك.
حاوط جسدها وجذبها حتى اصطدم ظهرها بصدره وهو يهمس بجوار أذنها.
- أيوه فعلاً إنت مين عشان اهتم وأفكر فيكي؟
- انت هنا مربية لأمير وبس.
- وممكن نقول حاجات تانية.
نزعت نفسها بعدما ركلته بقوة وصاحت غاضبة وبدأت تحطم كل ما يقابلها.
- هتطلقني يا راكان؟
- سمعتني وحياة ربنا لتطلقني وتخليني أمشي من البيت ده.
تراجع للخلف بعدما جن جنونها وبدأت تلقي كل ما يقابلها عليه حتى هشمت المرآة بقنينة عطره وهي تصرخ.
- طلقني.
- أنا بكرهك.
وصلت زينب وسيلين على صراخها.
طرقت على الغرفة.
- راكان افتح الباب.
اتجه راكان سريعا وأغلق الباب بالمفتاح قائلاً.
- ماما محدش يدخل بيني وبين مراتي.
هرولت إليه سريعا.
- هي مين دي اللي مراتك؟
- أنا مش مرات حد.
- انت هتطلقني.
دفعته متجه لباب الغرفة تفتحه.
جذبها بعنف.
- رايحة فين مش شايفة نفسك عاملة إزاي؟
دفعته تصرخ.
- ماما زينب خلي ابنك يطلقني.
وصل أسعد إليهم.
- افتح الباب يا راكان.
جلس راكان ووضع رأسه بين كفيه دون حديث فلقد تطورت الأوضاع بينهما.
نظرت حولها بالغرفة وجدت سلاحه موضوع على الكومود.
أسرعت وخطفته ثم وجهته له.
- طلقني ولا أقتلك.
جحظت عيناه وهي توجه عليه السلاح.
وكأن أحدهم هوى بمطرقة حديدية فوق قلبه الذي اجتاحه ألم هائل فأنهار عالمه وأصبح كجسد ميت.
لحظات بل دقائق مرت عليه.
وهو يطالع عيناها الذائغة وعبراتها المتحجرة بعينيها ويديها المرتعشة الممسكة بالسلاح وتتحدث بصوت متقطع.
- طلقني يا راكان.
- ارمي عليا يمين الطلاق.
- وإلا.
نهض متجها إليها بخطوات متمهلة ونظراته تحاوطها.
تراجعت للخلف وهي تتحدث.
- ارجع يا راكان هموتك.
- لو مش طلقتني هموتك.
- ارجع.
استمع لطرقات على باب الغرفة من والده.
- راكان افتح الباب خرج ليلى يا بني.
ظل كما هو وتحدث.
- إيه يا بابا هو ينفع حد يدخل على اتنين متجوزين كدا.
هزت ليلى رأسها عندما استمعت لأسعد.
- يالة يا زينب سبيهم يحلو مشاكلهم مع بعض.
انسدلت عبراتها بعدما انقطع أملها بعد تحرك أسعد وزينب.
- طلقني يا راكان.
- إحنا مبناخدش من بعض غير أننا بنوجع بعض.
- هنفضل لحد ما حد فينا يموت التاني.
- لو سمحت طلقني واوعدك مش هحرمك من أمير.
- وكل يوم هجيبه لماما زينب.
كأنه لم يستمع إليها.
كل ما يشعر به نيران تحرقه بالكامل.
- عايزة تموتيني يا ليلى؟
- موتيني.
- أنا مستني على الأقل هموت وأنا مرتاح.
هزت رأسها رافضة حديثه وصرخت به.
- طلقني يا راكان لو سمحت.
تنهد بحزن ينظر إليها.
- هترتاحي لما أطلقك يا ليلى.
أومأت بدموعها المنسدلة على خديها.
- أيوه هرتاح.
- لما أبعد عن وجعك هرتاح على الأقل مش هنام وأنا موجوعة وأنا عارفة إن جوزي مع واحدة تانية.
أطبق على جفنيه متنهدًا.
- ليلى مفيش حاجة من دي.
صرخت كالمجنونة.
- كذاب.
- انت واحد مشفتش منه غير الخيانة والكذب.
زفر بغضب واقترب خطوة أخرى.
ولكنه تسمر بوقوفه وتصنم جسده بالكامل وشعر بإنسحاب أنفاسه حينما وجهت السلاح لصدرها.
- خلاص هيريحك مني وأموت نفسي عشان أرتاح من قلبي الخاين اللي بيشفعلك كل مرة.
- عشان أرتاح من وجع قلبي وهو شايفك وانت في حضن واحدة تانية.
بكت بشهقات.
- أنا بكرهك وبكره نفسي يا راكان.
- فلازم أرتاح من الألم ده.
أشار بيديه.
- طيب خلاص يا ليلى.
- اهدي هعملك اللي انتِ عايزاه.
رفعت نظرها إليه وجدت ذعره عليها ولهفته.
أطبقت على جفنيها لا تعلم لماذا يفعل بها ذلك وهو يحبها.
نعم شعرت بخوفه عليها أكثر من خوفه على نفسه.
استمعت لحديثه الهادئ.
- ليلى عايزة تموتي كافرة.
- ينفع بعد دا كله تقابلي ربنا كافرة.
- هاتي المسدس يا ليلى وأتأكدي مفيش أغلى منك في حياتي.
زاغت انظارها وهي تهز رأسها رافضة ما تسمعه.
- كداب.
- انت بتضحك عليا.
- أنا هريحك، مش انت عملت دا كله عشان أمير.
- خلاص خده وطلقني.
صدمة بدت على وجهه من حديثها.
حتى شعر بعدم قدرته على الوقوف.
- لدرجة دي كرهاني عشان كدا عايزة تتنازلي عن الولد لتتخلصي مني.
- لدرجة دي يا ليلى.
شهقات مرتفعة حتى فقدت إتزانها فسقط السلاح من يديها.
وجثى على الأرض وهي تبكي بنشيج تهز رأسها رافضة حديثه له.
- قلبي وجعني قوي.
- أنا حاسة إني بموت.
نهض سريعا متجها إليها وجثى بجوارها يضمها لأحضانه.
- أششش اهدي حبيبتي.
- هعملك اللي انتِ عايزاه.
ضم مأزرها عليها عندما انكشف جسدها أمامه.
- حاضر هطلقك يا ليلى.
- قومي روحي أوضتك وانسي أي حاجة حصلت بينا.
قالها ثم نهض متحركا لمرحاضه.
دلف للداخل وقف أمام المرآة ينظر لهيئته بعدما شعر ببرودة جسده كلما تذكر محاولة قتلها لنفسها أو قتله.
أطبق على جفنيه متألما وهمس لنفسه.
- كدا خلصت خلاص.
- إحنا ما أخدناش غير الوجع من بعض.
رفع كفيه يمسح بهما رأسه ممررًا أصابعه بين خصلاته.
سحب نفسًا عميق داخل رئتيه ثم زفره على مهل بيأس مما وصل إليه.
خرج ولم يجدها.
اتجه للخارج سريعا.
ثم استقل سيارته.
حينما فشلت والدته بوقوفه.
اتجهت زينب إلى غرفته التي حُطّم معظمها من قبل ليلى.
بحثت عن ليلى ولم تجدها.
اتجهت متحركة لغرفتها.
قبل قليل اتجهت ليلى بجسد واهن تكاد تحملها سيقانها ودموعها تنذرف بغزارة.
دلفت لغرفة ثيابها وخرجت فستان رقيق باللون الأبيض به بعض الفراشات باللون السماوي.
جلست تقوم بتمشيط خصلاتها.
دلفت زينب بعد طرقات على باب الغرفة.
دلفت وجلست بجوارها تمسد على خصلاتها.
شعرت بالحزن عليها عندما وجدت آثار ابنها على شفتيها المتورمة وعنقها.
حمحمت زينب وتحدثت بصوت متحشرج.
- ليلى!!
راكان عمل فيكي إيه ياحبيبتي؟ ورجعتوا إمتى؟
استدارت تضم كفيها وتحدثت بصوتها المتحشرج من كثرة البكاء:
- ماما زينب.. أنا وراكان مفيش بينا غير الوجع والحزن.. كل ما بنقابل بعض بنوجع بعض.. هو بيدوس عليا.. وأنا مش برحمه.. وآخرها النهاردة دوسنا بالقوي لحد مارفعت السلاح وكنت يا أقتله يا أقتل نفسي.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة بالغة تحاول التحدث لكنها فقدت النطق. لحظات مرت عليها وهي تشعر بغصة تؤلمها من كلمات ليلى. سحبت نفسًا ثم تحدثت:
- إيه الي حصل وصلكم لكدا يابنتي؟
رفعت ذقنها ونظرت لمقلتيها:
- ليلى هو إنت مبتحبيش راكان؟
زاغت ابصارها بكل مكان مبتعدة عن نظرات زينب.
ملست زينب على وجنتيها وازالت دموعها قائلة:
- بصي ياليلى.. أنا عارفة ومتأكدة من حب ابني ليكِ.. فلو إنت بتحبيه لازم غصب عنك تحافظي على جوزك.. أنا عارفة إنك معذورة.. جوزك مات ولسة مكملتيش غير شهرين معاه.. وكمان فجأة لقيتي نفسك مرتبطة براكان.. والشخصيتين مختلفين.
ربتت على كفيها وأكملت:
- عايزة أقولك سليم الله يرحمه أهدى منه.. لكن راكان مفيش في حنيته.. قربي منه وخديه في حضنك.. صدقيني هتلاقي واحد غير دا خالص.
نهضت وهي تتنهد بحزن قائلة:
- متبقييش عليه إنتِ والزمن.. كفاية الكل بيحارب فيه وعنده قرايب عقارب.
قالتها ثم تحركت للخارج.
عند حمزة.
كان يقف أمام كلية درة ينتظرها. بخطوات هادئة وخجولة وصلت إليه تبسمت ووقفت أمامه.
- حمدلله على السلامه.
دقق بملامحها الجميلة واردف بصوته الهمس:
- الله يسلمك.. وحشتيني.
هربت من أنظاره وتحدثت بصوت متقطع:
- إيه مش هنمشي ولا إيه؟
نظرت حولها وتسائلت:
- هو كريم مجاش معاك ولا إيه؟
فتح باب السيارة قائلاً:
- لا مجاش.. وأنا استأذنت من والدك.
تنهدت مقتربة منه ثم أردفت:
- بس دا مينفعش أركب معاك ياحمزة.. آه إنت خطيبي بس برضو مش جوزي.. وكل مرة كريم بيكون معاك فدلوقتي هو مش معاك.
اقترب خطوة واحتضنت نظراته عيناها قائلاً:
- حبيبتي إنتِ مش واثقة فيا ولا إيه؟
مطت شفتيها زافرة ثم تحدثت:
- مش موضوع ثقة قد ماهو الصح.
- درة إنتِ خطيبتي غير هنكتب كتابنا قريب يعني المفروض أكتر واحد بيخاف عليكي.. مش عايز أقول من وقت ما طلبتك من والدك وإنتِ في حكم مراتي.
تسارعت نبضاتها من كلمته.. فتحركت للسيارة حينما فقدت النطق.
استقل بجوارها.. ثم اتجه بنظره إليها وإلى التفاح الشهي الذي ظهر بوجنتيها بعد شعورها بالخجل. أطبق على جفنيه حينما تخيلها وهي بأحضانه يتذوق هذا التفاح الذي يضج بالإحمرار.
قاطعت تأمله بها.. فهمست بصوت يكاد يخرج عندما وجدت نظراته لأول مرة إليها:
- مش هنمشي.
تنهد بعشقها الذي أروى قلبه بعدما تصحر فترة.. وتحدث مبتسمًا:
- لو عاليا عايز أفضل كدا أتأمل جوهرتي الغالية.
استدارت للجهة الأخرى ودقاتها بالإرتفاع.
- درة.
نطق بها حمزة بصوته المتحشرج من جمالها الآخذ لقلبه.
أطبقت على جفنيها تحاول السيطرة على نفسها من رجفة قلبها وهو ينطق اسمها بصورة جعلت قلبها كفراشة رقيقة.
التفت تناظره بعيناها الساحرة.. وآه على دفاعاته التي شعر بإنهيارها من نظرة عيناها الجميلة.. فتحدث بخفوت:
- أنا اتكلمت مع والدك لازم نكتب كتابنا قبل عمليته.. إنتِ عندك حق مينفعش ابدا نكون لوحدنا انا مضمنش نفسي عيل.
رجع في كلامه.
ارتسمت إبتسامة على شفتيها.
- لا أنا مش ناوية اتجوز عيل.
قهقه عليها بصوته الرجولي الذي جعلها تنظر إليه لأول مرة تدقق في ملامحه الجذابة.. وضحكته التي جعلت قلبها كالفراشة تطير بمعدتها من فرط السعادة.. أن هذا الرجل سيكون رجلها الأول.
تحرك بالسيارة محمحما عندما وجد نظرات الإعجاب التي ظهرت على ملامحها وهي تناظره.. فأردف:
- لا كدا لازم اطير.
بمزرعة نوح.
تجلس أمام بعض أشجار الفراولة وتدون بعض الملاحظات وبجوارها أسيا. قاطعت أسيا إهتمامها بفحص النبات قائلة:
- أسما المهرة مريضة ولازم نوح يعرف.
توقفت تقطب جبينها.
- هو إنتِ مش عرفتيه؟
تنهدت أسيا قائلة:
- هو أنا بقيت أشوفه.. بيرجع متأخر.
ربتت على كتفها قائلة:
- قوليله ياأسما.. أنا عالجتها بس برضو لازم يعرف عشان فيه فيرس منتشر في الحيوانات الأيام دي.
هزت رأسها واجابتها:
- حاضر ياأسيا.. لما يجي هقوله.
دققت أسيا بملامحها الباهتة:
- هتفضلي لحد إمتى وانتِ كدا؟
اتجهت بنظرها لصديقتها وشعور قاس يفترس روحها المغدورة.. فانبثقت عبرة على وجنتيها.
- لو قولتلك حاسة إني مش عايشة أصلا هتصدقي.
ربتت أسيا على ظهرها وتحدثت:
- نوح بيحبك قوي ياأسما اقعدي معاه.. وافهمي منه ليه عمل كدا.
قاطعهم صوت سيارة راكان.
اتجهت أسما إليه حينما ترجل متجها لحظيرة الأحصنة.
- حضرة المستشار!!
قالتها أسما حينما وجدته تخطها دون حديث. توقف ينظر إليها.
- فيه حاجة؟
استغربت طريقته وصوته الذي يحتوي على نبرة الألم.
اقتربت وتحدثت:
- نوح مش موجود.
تحرك وهو يجيبها:
- عارف.
بعد قليل خرج وهو يتمطى جواده.
لم يشعر بالوقت الذي يتمطى به حصانه. ظل يسير دون هدى بين الحقول حتى أرهق حصانه. وقف يلتقط أنفاسه بصعوبة. ثم نزل وجلس على الأرض الصلبة. يضغط على قلبه المحترق الذي شعر بنبضه يتوقف. ذهب بذاكرته لضعفه الذي لم يستطع السيطرة على نفسه من قلبه الضعيف حيث تذكر منذ عدة ساعات وهما بالبيت اللذان قضى بهما ليلتهما الأولى. تنهد وذاكرة خروجها وبحثه عنها بين الأشجار. حينها شعر بتوقف نبضه.
عندما وجدها تتألم. انتفض ذعرًا إليها حتى هوت بين يديه.
ضرب على وجهها يضمها لصدره قائلاً:
- أنا هنا حبيبي افتحي عينيكي.
رعب مظهره وتثلجت اوصاله من شحوب وجهها الذي أصبح محاكيا للموتى. وشفتيها التي تخضبت بزرقة باهتة. هز رأسه رافضًا مما حدث لها. وحرارته المرتفعة.
شدد من عناقها وضمها بقوة وهو يزأر بصوته كأسد جريح.
بأسمها "ليلى" وكأن سماء الشتاء تبكي لبكائه فتساقطت الأمطار بغزارة عليهما مما جعله ينهض ليضمها لصدره يخفيها بداخله بعيدًا عن مياه المطر. نظر إليها بقلبه الحزين بعدما مسح وجهه الغارق بالدموع التي اختلطت بمياه الأمطار لينحني على ثغرها يقبلها بكل ما أوتي به من قوة.
خرج من ذكرياته على صوت صهيل الحصان.
جلس مستندًا على أحد الأشجار شعر بنسمة هواء ورغم إنها باردة إلا أنه ابتسم عندما تذكر قبلاته لها سواء المحمومة او القاسية. فكانت مثلجة للروح مرت على قلبه وتركت أثرها الفاتن بين ثنايا الروح. وضع كفيه على شفتيه يتلمسها وكأن أثرها مازال بها.
أطبق على جفنيه وتمنى لو هي بجواره الآن. لأذاقها من عشقه مالم يرويه أحد. ولكنه فتح عيناه متألمًا لما صار بينهما.
حالة غريبة سيطرت عليه حالة متناقضة غريبة يعيشها معها في خضم أحاسيس أرهقته واثقلت سيطرته وشعوره بالخروج من سيطرتها. شعر وكأنه في منتصف متاهة لا يعلم كيف يخرج منها.
ظل جالسًا مكانه متحدثًا لنفسه:
- آه ليلى. خلتيني أشعر بالعجز. لا عارف ابعد ولا عارف أقرب كل اللي اعرفه انك مرض ومش عارف اشفى منه.
عند ليلى بعد خروج زينب اتجهت لغرفة طفلها اقتربت من فراش صغيرها. جذب مقعد وجلست بجواره تمسد على خصلاته. ثم ملست على وجنتيه ابتسمت على ملامحه فهو مزيج من زوجها المتوفي وعاشق روحها. أخذت تمرر كفيها على خصلاته الناعمة وهي تتذكر ما صار منذ عدة ساعات التي بدأت تظهر بوضوح أمام عيناها. وحديثه الذي يتردد بأذنيها من إعترافه من عشقها الضاري لقلبه.
تنهيدة حارقة خرجت من جوفها وهي تتذكر لمساته وهمسه لها بعشقه الذي تغلغل بوريده. اختلط وجهها بدموعها ونيران قلبها من الغيرة الذي حطمهما. كيف له أن يعشقها ويرتبط بأخرى. كيف له أن يعشقها كما شعرت وهو يؤلم روحها بتلك الطريقة.
فتح طفلها عينيه وهو يبتسم ويدفع اقدامه بالهواء حتى تحمله. اعتدل الطفل جالسا. وحاول أن يستند على فراشه. كانت تراقب حركاته وتبتسم لقد انتشلها من أحزان قلبها.
رفعته تضمه لصدرها وطبعت قبلة على وجنتيه.
- صباح الخير أميري.
جذب خصلاتها وقهقاته بالإرتفاع ضمته وهي تدور به حتى دلفت مربيته وهي تحمل طعامه.
- صباح الخير مدام ليلى.
- صباح الخير ياهدى. خدي أمير غيريله وفطريه عشان هننزل أنا وهو مشوار.
اومأت العاملة تحمل الطفل بينما ذهبت ليلى لغرفتها عندما استمعت لرنين هاتفها.
- أسما عاملة إيه؟
تنهدت أسما وأجابتها:
- الحمد لله.
صمتت لبعض اللحظات ثم تساءلت:
- إيه اللي حصل يا ليلى؟
ضيقت ليلى عيناها متسائلة:
- مش فاهمة قصدك.
تحركت أسما وهي تراقب بنظراتها راكان الذي عاد بجواده ووجهه عبارة عن لوحة من الألم والوجع، فتساءلت:
- إيه اللي حصل وصل راكان للحالة دي؟
شعرت بألم يتسرب لخلاياها فعلمت بوجوده بمزرعة نوح، فتحدثت قائلة:
- مفيش حاجة مهمة كالعادة، خناقتنا اللي بتخلص.
صمتت للحظة ثم تحدثت:
- هو عندك من زمان.
تحركت أسما متجهة لمنزلها مردفة:
- بقاله تلات ساعات تقريبًا بيلف بالحصان، بس متكلمش معايا في حاجة، حتى نوح مش موجود.
اتجهت ليلى لخزانة ملابسها واردفت:
- طلبت منه الطلاق.
صاعقة نزلت على أسما من كلمات ليلى:
- أكيد اتجننتي مش كده؟ قالتها أسما بغضب.
مسحت ليلى على جبينها ترجع خصلاتها للخلف، تود لو تصرخ من أعماق قلبها بسبب عذابها من حبه، فتنهدت قائلة:
- أسما أنا تعبت من الحب ده. وقبل أي حاجة، هعمل إيه بحبه وأنا مشفتش منه غير الوجع والخيانة. افتكري من أول يوم حبيته لحد امبارح وأنا ما حصّلتش غير الألم والوجع.
ابتلعت غصة متألمة شقت جوفها وتحدثت:
- انتِ عارفة يعني إيه شعور الست لما تشوف الراجل اللي بتتنفس عشقه يكون مع واحدة تانية. واحدة تانية بتشاركك فيه. واحدة تانية بتقوله بحبك وتلمسه زيك. واحدة هو بيشوفها بعيونه زي ما بيشوفك. واحدة ممكن ياخدها في حضنه مكانك ويشم ريحتها بدل منك.
شهقات ببكاء خرجت من جوفها بخناجر مؤلمة ودموعها تشق وجنتيها تحرقها وهي تتخيله قريبًا من فتاة غيرها.
جلست بروح متمزقة على فراشها عندما شعرت بفقدانها للوعي وبمخيلتها أن يفعل مع غريمتها مثلما فعل معها. انشطر قلبها وبكت بنزيفه وهي تتحدث بصوتها الباكي:
- كتير عليا يا أسما المرادي. والله كتير عليا، مش قادرة أتحمل واحدة تقرب منه. كفاية وجع قلبي بعد جوازي من سليم.
نزلت دموع أسما من حديثها فهمست قائلة:
- لا، حاسة ودايقة الوجع يا ليلى. أنا شوفت وحسيت وتعبت قوي يا ليلى.
صاحت ليلى بقهر قلب دمر واغتالت براءته:
- نوح مش زي راكان. نوح مجبور إنما راكان بيوجعني. عايز ياخد حقه مني في وجع قلبه لما اتجوزت سليم. هو قالي كده يا أسما. قالي انتِ كنتي بتتمتعي بحب سليم وأنا وراكي بتعذب.
لقد أصاب قلبها الموت فوق الألم، فتحدثت:
- يمكن لما نبعد نقدر نتجاوز وجعنا.
زفرة محملة بالوجع من جوف أسما قائلة:
- مش هتقدري. صدقيني مش هتقدري. اتكتب علينا نتوجع من اللي بنحبهم.
- لا هقدر يا أسما. استنى بس بابا يعمل العملية ووقتها هبعد عنه وعن كل حاجة بتربطني وبتفكرني بيه.
هزت أسما رأسها وتحدثت:
- معتقدش يا ليلى. ولكن أتمنى.
بعد أكثر من أسبوع هبطت للأسفل فاستمعت لصراخ توفيق إلى زينب:
- ابعدي ابنك لو خايفة عليه يا زينب. راكان مش هيسكت إلا لما يلحق أخوه.
جلست زينب أمامه ورغم خوفها ورعشة قلبها من حديث توفيق إلا أنها أحبته:
- خليه ينتقم منكم وأولهم أنت يا توفيق باشا. أوعى تفكر إني هقوله ابعد.
نهضت ونظرت لمقلتيها بجبروت امرأة:
- لازم ياخد حقي وحق ولادي اللي دفنتهم من قبل حتى ما أفرح بيهم.
جذبها توفيق بعنف يعقد ذراعها خلف ظهرها وتحدث بصوت كفحيح أفعى:
- لو راكان حصله حاجة هدَفنك حية يا زينب، سمعتيني؟ دا اللي طلعت منه من ولاد أسعد. أوْعي تفكري إني عبيط ومعرفش إنك بتخططي عشان يتمم جوازه من البنت الحقيرة اللي سليم الغبي ابتلىنا بيها. دا على جثتي يا زينب والبنت دي همشيها من البيت ده وبفضيحة كمان بعد ما حصركوا على أمير.
قالها ثم دفعها حتى هوت على المقعد وأشار بسبابته قائلاً:
- راكان مش ابنك، متدخليش في حياته وجوازه من بنت النمساوي هيتم غصب عن الكل. حتى غصب عنه كمان.
قالها ثم صاح بغضب للعاملة:
- اعملي قهوتي وهاتيها في مكتب راكان.
قالها توفيق متحركًا للداخل.
ظلت ليلى واقفة متصنمة مما استمعت إليه، وتساءلت بداخلها:
- يقصد إيه من مش هيسيبوه؟ وهم مين دول؟
تحركت متجهة إلى زينب التي جلست بجسد مرتعد فتحدثت:
- ماما زينب.
رفعت زينب عيناها المترقرقين بالدموع، وقامت بمسح وجنتيها بكفيها المرتعش قائلة بصوت متقطع:
- أيوه يا بنتي.
جلست ليلى بجوارها وتساءلت بأعين ذائغة:
- أنا سمعت كلامكم والله صدفة. هو جدو توفيق يقصد إيه؟
انسدلت عبرات زينب قائلة:
- مضحكش عليكي بس حياة راكان في خطر. انتِ تعرفي في الحادثة اللي مات فيها سليم كانت مدبرة.
مسحت دموعها وهي تنظر لليلى:
- كانوا قاصدين راكان. بعد ما ضربوه بالنار ونفذ رجعوا يحاولوا يخلصوا منه.
بكت بصوت مرتفع:
- قولولي يا ليلى تفتكري ربنا بيعاقبني على حاجة عشان كده حرمني من أولادي كلهم؟ ودلوقتي الدور على راكان.
بللت حلقها وابتلعت ريقها، بعدما توقف مجرى الدم بعروقها، تحاول أن تستوعب ما وصل إليها من حديث زينب قائلة:
- قصدك سليم مات بحادثة مدبرة القصد كان راكان.
نهضت وهي تنظر حولها بضياع:
- يعني كلامه ليا كان حقيقة. إنهم كانوا عايزين يتخلصوا منه.
توقفت فجأة ونظرت إلى زينب:
- تعرفي مين دول يا ماما زينب؟
قالتها بعدما شعرت أن ساقيها كالهلام، ظناً منها أنه أمجد.
رجعت زينب برأسها على الأريكة وأجابتها:
- قضية شغال عليها بقاله سنة وفيها ناس كتير ليهم مراكز، وأولهم جده زفت دا.
قصت زينب لها كل شيء، منذ زواجها من أسعد حتى إنجابها سليم ووصول سيلين إليها.
جلست وشعرت بعدم القدرة على الحديث أو الحركة.
- يعني سليم بس ابنك؟ وراكان وسيلين مش ولادك؟ أنا سمعت حاجة زي كدا بس متوقعتش أنها حقيقة، عشان بشوف علاقتك براكان وسيلين قوية جدا.
سحبت زينب كفيها ونظرت إلى مقلتيها:
- ومين قالك إن راكان مش ابني؟ راكان دا روحي يا ليلى. دا عوضني على حزن ووجع محدش يتحمله. لما يوصل بيك الحال إنك في بير كله ضلمة وفجأة تشوفي شعاع من النور. دا راكان في وسط حياتي اللي انهارت وخسرت كل حاجة. وموت أبويا وفجأة أشوفه بيمسك إيدي ويضحك في عز حزني وألمي.
ضمت زينب وجه ليلى بين راحتيها.
- أنا كنت زي الميتة. ابني اللي كنت بستنى إنه يكبر أشوفه فجأة تحت التراب. أبويا اللي كنت بتحامى فيه فجأة أدفنه هو كمان.
حياتي كلها كانت ضايعة وهو جالي وانقذني من الحزن والوجع. إحنا الاتنين كنا محتاجين لبعض، وقعدت بعدها خمس سنين لحد ما ربنا كرمني بسليم. خلاص هو بقى حياتي كلها.
ابتسمت من بين وجعها وتحدثت:
- تعرفي مكنش يعرف إلا قريب. ورغم كدا مزعلش، بالعكس خدني في حضنه وقالي:
- الأم اللي بتربي مش اللي بتولد. ليه مقولتيش إنهم كانوا بيهددواكي بيا؟
انزلقت دموعها قائلة:
- كان بيهددني يا إما أعمل كل اللي عاوزه، يا إما يروح يقوله إني مش أمه، ووقتها هيكرهني ويبعد عني.
بكت بنشيج وأكملت:
- كنت بين نارين يا ليلى. يا إما اتنازل عن شقى عمري. يا إما اتحرم من راكان. راكان وسليم دول النفس اللي بتنفسه يا بنتي. واهو سليم يا حبيبي سابني بدري قوي. مالحقتش أفرح بيه وأشوفه وهو بيحضن ابنه. ودلوقتي جاي يهددني بآخر نفس ليا يا ليلى.
دفنت ليلى نفسها بأحضانها وانسدلت عبراتها على وجنتيها وهي تهز رأسها رافضة فقدانه، فتحدثت بصوت متقطع:
- مش هيقدروا يؤذوه يا ماما. إن شاء الله ربنا هيحميه.
قالتها بعدما أغرق وجهها بدموعها.
اخرجتها زينب تنظر إلى مقلتيها:
- ليلى حافظي على جوزك. أنا عارفة إنه صعب شوية. بس لازم تتحملي عصبيته عشان مش يحرموكي من ابنك. صدقيني توفيق الشيطان بيتعلم منه. وانتِ سمعتي لما قال هيخرجك بفضيحة. اوعي تضعفي قدامه. خليكي دايما القوية. متعمليش زي يا بنتي.
رفعت ليلى كفيها وطبعت قبلة وتحدثت مبتسمة:
- أوعدك يا ماما زينب أحافظ على جوزي وابني. ومش بس كدا. هخليهم يعرفوا يعني إيه ياخدوا حاجة مش بتاعتهم.
مرت قرابة الساعتين وتوفيق مازال بمكتبه. هبطت للأسفل تبحث عن زينب. دلفت عايدة بجوار فريال. صاحت فريال على العاملة:
- اعملي لي قهوة يا نعيمة. واعملي لعايدة العصير الفريش.
طالعتهم ليلى بذهول وكأنها لم تكن موجودة.
- استني يا نعيمة. فين ماما زينب؟ تساءلت بها ليلى.
أجابتها العاملة:
- راحت مع الباشمهندسة سيلين تعمل الفحص السنوي ياهانم. قالت لي أبلغك لما تصحي.
- طيب يا نعيمة اعملي أكل لأمير عشان موعد أكله قرب. وبالنسبة للهوانم فيهم يدخلوا يخدموا نفسهم بما إن مفيش غيرك النهاردة.
جحظت أعين عايدة فهبت واقفة وتحدثت بتهكم:
- أيوه بان يا أختي على حقيقتك. هي مين دي يا بت اللي تخدم نفسها؟
جلست ليلى تضع ساقاً فوق الأخرى وأشارت لنفسها.
- متعرفيش أنا مين. رفعت كفيها ترجع خصلاتها للخلف قائلة:
- أنا يا ستي ليلى البنداري. الكنة الوحيدة لعيلة البنداري. أو ممكن تقولي صاحبة العز دا كله.
شهقة قوية خرجت من جوف فريال ثم تحدثت:
- عز مين يا أختي؟ إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟
نهضت ليلى ودارت حولهم بهدوء وأردفت:
- ليه يا طنط هو حد قالك قبل كدا إني مكذبة نفسي ولا إيه. هزت رأسها وأكملت بمغذى.
- قصدك يعني عشان جوازي من راكان إنه جه غصب وكدا.
جلست أمامها ووزعت نظراتها بينهما قائلة:
- مش راكان أبداً والله. لا دا أمير سليم البنداري اللي حاولتوا تقتلوه.
انتفضت عايدة ذعراً وهي تجذبها بعنف:
- بقولك يا بت إنتِ اوعي تخليني أحطك في دماغي. كفاية بسببك مات سليم وبنتي اللي انطردت من عز أبوها. قسماً عظماً لو حطيتك في دماغي لأخليكي تكرهي اليوم اللي اتولدتي فيه.
انكمشت ملامح ليلى بتعبير ساخر مع نظراتها المتهكمة بينهما.
- لا شكل حضرتك متعرفيش مين هي ليلى المحجوب. أنا كنت صابرة المدة دي كلها عشان عذراكم. إنما بعد اللعبة اللي عايزين تستغلوا أمير فيها لا هنا واستوب. ابني خط أحمر ابعدي عنه يا مدام عايدة عشان مقلبش عليك.
بغضب لون ملامحها اقتربت من فريال:
- دخلتي عليا زي الحية. وسمتيني بكلماتك وصور لراكان في حضن دي ودي عشان تكرهيني فيه. أطلقت ضحكة خافتة واشارت لنفسها وأكملت بصوت مختنق. متعرفيش إن أكتر شخص في حياتي مكرتهتش غيره هو حضرة النايب. يعني مكنش له لازم تعبك وسمك ليا.
استدارت إلى عايدة واقتربت منها:
- ابني اللي حاولتِ تقتليه قبل ما يوصل على وش الدنيا دا مفكرة مش هتتعاقبي عليه؟ لا يا مدام فيه اللي أكبر مني ومنك. وأن كان حضرة المستشار عمل حساب للقرابة. فأنا معرفكيش.
نصبت قامتها بتكبر وأشارت إلى باب المنزل:
- ودلوقتي بدل ما فيش غيري في القصر مش مرحب بيكم. وقت لما ماما زينب ترجع فيكم تيجي.
امتقع لونهما وتوسعت نظرات كل منهما. أحرقتهما عايدة بنظراتها. فاقتربت منها تشير.
ونبرة قوية يشوبها قسوة جعلت ليلى تنتفض بمكانها.
- وعد من عايدة المرشدي قريب لأطردك من البيت دا. وهتشوفي إزاي توقفي قدام أسيادك.
عقدت ذراعيها وتهكمت قائلة:
- قولي إن شاء الله.
قالتها وهي تشير بكفيها للخارج. جلست تضع كفيها على صدرها تلتقط أنفاسها بعدما خرجوا.
- لازم كل واحد يعرف حدوده بعد كدا. حاضر يا راكان مش عايز هدنة. والله لأخلي عيلة الندامة دي تلف حوالين نفسها ويبقى تخبي عليا حلو.
باليوم التالي.
دلفت إلى غرفته ووقفت أمامه بكبريائها. رفع نظره إليها وتحدث:
- إيه يا بت اتجننتي ولا إيه؟ أهلك مش علموكي تخبطي قبل ما تدخلي ولا إيه. اقتربت منه بملامح ثابتة على عكس ما تشعر من رهبته فأردفت:
- مفيش حد بيستأذن في بيته يا باشا. وحضرتك قاعد في بيتي. اعتدلت وأشارت بكفيها على المنزل كله وصاحت بغضب:
- القصر دا كله ملكي. مالت بجسدها ولم يرف لها جفن قائلة:
- شكلك ناسي اللي واقفة قدامك دي بتكون ليلى راكان البنداري اللي هو صاحب الكرسي اللي حضرتك قاعد عليه. ضربت على جبينها قائلة:
- أوبس نسيت أقولك فلوسك بعتهالك. هتحاول تقرب مني هفترسك. خد بالك وأعرف اللي واقفة قدامك دي بتكون مالكة لإمبراطورية البنداري ومستعدة اتنازل عنها كلها ولا إني أبعد يوم واحد عن جوزي. والبت الذبالة اللي حضرتك فرحان بيها دي متساويش الشوز بتاعي. اعتدلت ونظرت لصورة راكان الموضوعة على المكتب ثم اتجهت بنظرها إلى توفيق.
- ومستعدة أضحي بحياتي كلها مش فلوسي. فياريت تبعدني عن مؤمراتك القذرة. وصدقني البت دي لو قربت من جوزي تاني هتحول لأكلة لحوم البشر. ودلوقتي دا مكتب جوزي. والمفروض أنا بس اللي أدخله وهو مش موجود. يعني حضرتك هنا ضيف. آخرك الصالون. قالتها واستدارت متحركة وكأنها لم تفعل كتلة النيران التي ألقتها عليه فصاحت على العاملة:
- وصلي توفيق باشا الصالون عشان ياخد الضيافة شكله تاه من مساحة القصر. هب فزع.
- استني عندك يابت. نهض ناصباً عوده وتحدث بفظاظة ونظرات محتقرة.
- نسيتي نفسك يابنت الشوارع ولا إيه؟ ولا عشان لعبتي على حفيدي ووقعتيه هتعملي نفسك قيمة. لا فوقي دا أنا أدعسك زي الحشرة.
بعينان قويتان عليها اقترب منها.
- لا دا انتِ كتبتي نهايتك بنفسك يابت انتِ. مش باقي اللي حتة بنت مارضاش أشغلها خدامة عندي توقف قدامي وتقولي اطلع برة.
لا فوقي. قالها بصراخ اهتزت جدران القصر.
- اخرس أهلي دول أشرف من واحد كل همه يبيع أهله عشان شوية فلوس. أبويا شقي وتعب علينا مسرقش فلوس حرام.
اقترب منها واطلت من عينيه نظرة جوفاء قاسية اتبعها بكلمات هازئة.
- ودلوقتي هتطلعي تلمي شوية الهلاهيل اللي دخلتي بيهم البيت دا. اللي أهلك أصلاً كانوا يحلموا يوقفوا قدام البوابة حتى لو بوابين.
بدل ما أخلي حفيدي يجي يسحبك من شعرك زي العاهرة ويرميكي برة.
سحب نفساً طويلاً من تبغه الغالي وهو يطالع سكونها وانكماش جسدها حينما ابتعدت عنه بجسد واهن وصاح قائلاً بفظاظة.
- دلوقتي هتمشي بكرامتك ولا لما يجي يطردك زي الكلبة. أشار بإذدراء عليها قائلاً.
- أومال لو مش هيتجوز عليكي بعد شهر كنتي عملتي إيه. نهض من مكانه مقترباً منها.
- راكان مش سليم الأهبل اللي هتضحكي عليه. دا ناصح وفاهم أمثالك.
رمقته بإحتقار خفي فكلمات زينب تتردد بآذانها تملك منها الرعب حينما تحدث قائلاً.
- هخليه يطردك وياخد ابنك واكيد سمعتي عن عيلة البنداري إن لحمهم مُر.
اختلج صدرها ضربات عنيفة وشعرت بألم يجتاز جسدها ورغم ذلك ألتوت زاوية فمها بابتسامة باهتة. تحاول الثبات أمامه واقتربت منه قائلة.
- دا حضرتك بتحلم أحلام خيالية عظيمة. ضحكت ضحكة مستهزئة بحديثه قائلة.
- أحلم يا باشا الحلم للجميع. بس متنساش إنها هتكون أضغاث أحلام. ولو فعلاً زي ما بتقول إن راكان هيطردني وياخد ابني يبقى فعلاً يستاهل تبقى إنت جده. قالتها وتحركت مهرولة. ورغم تحركها السريع إلا أن خطواتها مبعثرة. ودقات عنيفة من شدة رهبتها. توقفت على أول درج عندما صدح صوته.
- وعد من توفيق البنداري لتكوني برة البيت دا هتشوف إنه يستاهل أكون جده ولا لا يا بنت حضرة المحاسب المريض.
احتدت نظراتها من ذكر اسم والدها ومعايرته بمرضه. انبثقت عبرة غادرة تحرق وجنتيها قائلة.
- هستنى من واحد مريض زيك إيه. واحد قتل أحفاده وابنه ومراته. تحرك كالثور الهائج وضغط على ساعديها بقوة نظرة نارية لو خرجت لأحرقتها قائلاً.
- طيب الحمد لله إنك عارفة إني قتلت أحفادي. وابني. تخيلي ممكن أعمل إيه في واحدة نكرة.
صاح على العاملة بغضب قائلاً.
- عايز عشا على شرف خطيبة كبير العيلة النهاردة. عشا يليق بمرات راكان البنداري.
نظرت العاملة لليلى المنكمشة وذراعيها التي يضغط عليها توفيق بقوة.
- عايزة أجهزلك إيه يامدام.
دفع ليلى حتى سقطت على الأرضية أمام العاملة.
- إنتِ بتسألي مين يا حيوانة؟
جثى يجذب ليلى من حجابها وألقاه أرضًا.
وهي تصرخ:
- دي هنا خدامة لحفيدي وبس، ووقت ما دورها ينتهي وناخد الولد هنرميها في أقرب مذبلة.
فغرت العاملة شفتيها مصدومة من أفعاله بليلى.
توقفت ليلى:
- اعرف قبل ما تعمل كدا أموتك وأشرب من دمك، اللي يقرب من ابني وجوزي أخليه طعام للكلاب.
قالتها واتجهت ثم فتحت باب المصعد سريعًا، وجسدها ينتفض رعبًا من نظراته القاسية وما فعله وشهقاتها بالارتفاع.
جلست لعدة ساعات بجوار طفلها ولم تتحرك من جواره.
فكلما تذكرت حديثه تضم ابنها وتبكي.
- لا إيه العيلة دي يارب ساعدني.
تسطحت تحاول السيطرة على نفسها بألا تفعل شيئًا تندم عليه.
حاولت أن تغمض جفونها، ولكن كيف لها ذلك بعدما وجدت الجحيم على يديه.
- راكان أنت فين؟ بقالك أسبوعين مختفي ليه ياترى روحت فين؟
أرجعت خصلاتها بعنف.
- يارب ماخذلنيش ياراكان، المرادي هتكون قتلتني فعلًا.
بعد فترة وصل راكان، كان متجها لغرفتها.
لقد اشتاق لها حد الجنون.
أسبوعين مر عليهما منذ تلك الليلة وكلاهما يبتعدان عن بعضهما.
توقف عندما صاح توفيق الذي وقف متجهًا إليه.
- لسة بدري ياحضرة المستشار، إيه رجعت تسهر برة البيت وتبات كمان؟
زفر راكان واستدار إليه محاولًا السيطرة.
فأخذ نفسًا مطولًا وطرده بهدوء:
- خير ياتوفيق باشا، أنا راجع من برة ودماغي مش فيا وتعبان وعايز أرتاح.
خطى إليه وهو يرمقه بملامح غاضبة وتحدث بصوت مرتفع:
- فيه إن الخدامة اللي قاعدة مع حفيدي طردتني النهاردة، إيه يا كبير العيلة حتة بت من الشارع تطرد توفيق البنداري؟ إيه رأيك في الكلام دا؟
أخذ يتنفس الصعداء مقتربًا منه، وثورة حارقة بجوفه أرادت أن تلتهمه قائلًا:
- قبل كدا قولتلك دي أخت راكان البنداري واللي يقرب منها هدفهن مكانه، أنا معنديش ذرة عقل دلوقتي عايز أرتاح عشان لو اتكلمنا هزعلك.
قهقهات ساخرة خرجت من توفيق قائلًا:
- لا ماهو انتوا مابتجبوش غير ولاد الشوارع، مش قصدي دي.
تنهد بصوت عالي، وأخذ يقترب حتى جلس بمقابلة جده متسائلًا وهو يمسح على وجهه بغضب:
- بقولك ياتوفيق باشا، أنا جاي من سفر ومش فاضي لكلامك الفاضي دا.
قالها راكان ثم نصب عوده متجهًا للأعلى، ولكنه توقف حينما صاح توفيق بغضب:
- قصدي البت اللي كان متجوزها سليم.
تجمد راكان في مكانه محاولًا استيعاب ما قاله.
فتسائل:
- قول قصدك مين؟
- قصده علي ليلى ياراكان.
قالتها سيلين التي دلفت إلى الغرفة.
بعدما حكت لها العاملة عقدت ذراعيها أمام صدرها وتحدثت:
- جدو ضرب ليلى النهاردة.
هب فزعًا كالملدوغ وتسائل:
- عمل إيه؟ ضرب مين؟ يعني إيه؟
وزع نظراته لجده وسيلين التي أومأت برأسها.
توسعت عيناه وباتت الأرض من تحت قدميه كفوهة بركان أوشك على الانفجار.
ابتلع ريقه الذي جف واستدار سريعًا إلى سيلين:
- قصدك ليلى مين؟
جلس توفيق يضع ساقًا فوق الأخرى ينفث تبغه وأشار عليها عندما وصلت ووقفت خلف راكان.
فتحدث قائلًا وهو يرمقها باحتقار:
- البت اللي وراك دي، قال إيه ياسيدي بتقولي اطلع برة، والمكتب دا محدش يدخله غيرها وغير قال إيه جوزها.
قهقه توفيق بعدما توقف متجهًا إليه:
- دي صدقت إنها مراتك، شوف ياسيدي لملمت اخوك عملت إيه.
استدار راكان ينظر إلى وقوفها، وعيناها المرتجفة، محاولًا استيعاب مدى القسوة والإهانة التي وجهها لها توفيق بحضرته.
تحرك إلى أن وصل ووقف بجوارها.
طالعها بنظرات تفحصية يبحث عن شيئًا أصابها.
فتحدث بصوت حاول أن يخرج متزنًا:
- هو قصده عليكي.
تضرجت ملامحها بجمرة الغضب، حينما وقعت في براثن حيرتها من ملامحه التي لم تصل لردة فعله.
فقالت:
- ابني اللي يقرب منه هاكله بسناني سمعتني، محدش يقرب مني ومن ابني.
تهكم توفيق فتحدث:
- ما تكملي ياختي اللي قولتي، قولتي ابني وجوزي.
ضحك بسخرية.
- المدام عشان رقصت معاها رقصة يبقى خلاص بقيت جوزها، متعرفش إننا استحملناها الفترة دي كلها عشان الولد بس.
لحظات بل دقائق مرت عليها كظهر وهي ترى صمته.
اقترب من توفيق بخطى سلحفية قائلًا:
- يعني هي قالتلك اللي يقرب من جوزي وابني هاكله وبرضو حضرتك أهنتها بعد ما نسبت نفسها ليا مش كدا؟
رمقها توفيق بسخرية:
- أيوه صدقت إنك جوزها حق وحقيقي، قولتلك نخلص منها.
قاطع حديثه عندما صرخ راكان وهو يطيح بكل ما يقابله بيديه:
- انت عايز توصلني لأيه قولي؟ أموتك وارتاح منك ولا أعمل إيه؟
وصل أسعد من الخارج للتو على صراخ ابنه:
- راكان فيه إيه اتجننت؟
اقترب من والده مزمجرًا:
- فيه إن الراجل دا لازم يمشي من بيتي فورًا، معنتش قادر أتحمله.
- ولد اتجننت.
قالها أسعد.
توسعت أعين توفيق بذهول قائلًا:
- اتجننت؟ بتطردني عشان حتة بنت؟ مين البنت دي عشان توقف وتطرد جدك يامحترم؟
جذب ليلى وحاوطها بذراعه يوزع نظراته إليهم جميعًا.
- دي بتكون مراتي.
قالها بصوت شق جدران القصر.
ثم توقف وأشار إليها:
- عايز تعرف مين دي؟
- دي أم أمير اللي هو ابن سليم الله يرحمه، تكون مالكة لأملاك سليم كلها.
اقترب من جده:
- اصلي نسيت أقولك ياتوفيق باشا.
- إن سليم قبل موته بأسبوعين كتب كل حاجة باسمها، يعني دي ليها أكتر منك شخصيًا.
استدار وطالعها بنظرات ذات مغزى وتحدث بهدوء:
- دي بتكون ليلى البنداري، أم أمير عيلة البنداري اللي يفكر يقرب منها همسحه من على وش الدنيا.
ابتسمت زينب قائلة:
- ومتنساش ياحبيبي بتكون ليلى راكان البنداري.
هوى توفيق على المقعد قائلًا:
- سليم كتبلها كل حاجة.
دنى راكان يحاوط المقعد الذي يجلس عليه توفيق قائلًا:
- ووصية كمان أنها هي المسؤلة عن أمير، ومش بس كدا محدش له الحق في أمير غيرها وبعدها أنا، يعني عشان توصل لأهدافك لازم تموتني الأول، ما أنت عملتها قبل كدا.
هب توفيق واقفًا وهو يزمجر غاضبًا:
- أكيد هي زورت الوصية دي، لا أكيد لعبت عليه، مستحيل سليم يعمل كدا.
قاطعهم وصول نورسين ووالدها.
- مساء الخير.
استدار راكان ينظر للتي دخلت.
قطب راكان جبينه ينظر إلى نورسين قائلًا:
- نورسين؟ خير فيه حاجة؟
تركت ذراع والدها واقتربت ثم طبعت قبلة على خديه.
- حبيبي وحشتني.
اتجه بنظره لليلى، فابتعد قليلًا متسائلًا:
- خير فيه حاجة ولا إيه؟
اتجهت بنظرها إلى توفيق وابتسمت.
- جدو توفيق عازمنا على العشا.
قوس فمه بسخرية.
- طيب يانور بما أن جدو توفيق الي عازمكم فأنا تعبان لسة راجع.
نظر إلى النمساوي.
- آسف يانمساوي باشا بس بجد لسة واصل وتعبان.
أجابه النمساوي وهو يرمق توفيق.
- ولا يهمك ياحضرة المستشار، ربنا يعينك.
اقترب من جده وتحدث.
- لعبتها صح ياتوفيق باشا، لسة حسابنا بعدين.
قالها بخفوت وتحرك، يبحث بعينيه على ليلى ولكنه لم يجدها.
نظر لوالدته واومأ لها، ثم تحرك للأعلى.
بغرفتها قبل قليل، كانت تقف تنظر بألم. شطر جسدها بالكامل واحترق عندما اقتربت منه تلك الحية الرقطاء وقبلته على خديه. استدارت سريعا متجهة لغرفتها. جلست على فراشها تنتحب بنشيج على قلبها الضعيف الذي يعشق الإنسان الغلط.
دفع الباب ودلف للداخل. نهضت تمسح دموعها وصاحت به بغضب ونيران تحرق قلبها.
- بعد كدا خبط قبل ماتدخل.
ابتسم إليها وهو يرمق وجهها الذي مازالت به آثار الدموع. اقترب منها قائلاً:
- دا بيتي وادخل أي مكان وقت ما أحب، حتى مراتي متقدرش تمنعني.
صدرت منها شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماقها المحترقة حينما ظنت قصده على الآخرى.
- أمشي من هنا لو سمحت.
اقترب منها وتمنى أن يضمها لأحضانه قائلاً:
- إيه اللي حصل بينك وبين توفيق؟
أزال حجابها من على خصلاتها الذي انسدل كالشلال على ظهرها، ورفع ذقنها بأنامله.
- مد ايده عليكي؟
هزت رأسها رافضة.
- لا معملش حاجة.
قالتها بصوت مفعم بالبكاء. ودمعة غادرة انسدلت عبر وجنتيها، أزالها بحنو.
ألقت نفسها بأحضانه وهمست بأسمه، جعل قلبه ينزف ألماً. كم آلامه دموعها التي نزلت بصمت.
ربت على ظهرها بعدما تعالت شهقاتها بالأرتفاع.
- إشش اهدي أنا هنا، محدش يقدر ياذيك.
جففت دموعها وهي تجهش بالبكاء وتأخذ أنفاسها بصعوبة.
- كنت فين بقالك أسبوعين؟
سحبها وجلس وأجلسها بأحضانه.
- أنا مش عايز أتكلم ونتعاتب على اللي حصل في المزرعة، أنا همسح اللي حصل، ويا ريت أنت كمان تمسحه.
تنهد بحزن ينظر لمقلتيها قائلاً:
- ليلى لازم ناخد هدنة ونفكر إحنا الاتنين كويس ونشوف هنقدر نواجه مع بعض ولا لا. هسيبك براحتك، وموضوع الطلاق دا مش عايز اسمعه حالياً، لكن وعد مني لو فضلت الأمور متأزمة كدا بينا هطلقك وأريحك.
رفعت رأسها سريعا له.
- أنا عايزة أرتاح بس ياراكان، عايز أحس بالأمان.
- ليلى حبيبي ممكن تهدي وتحكيلي إيه اللي حصل؟
هزت رأسها رافضة.
- مش عايزة أتكلم ياراكان لو سمحت.
ضمها بقوة وتسطح على الأريكة ثم جذبها لأحضانه.
- طيب نامي دلوقتي وبعدين نتكلم، أنا جاي تعبان وعايز ارتاح.
اغمضت عيناها مستمتعة بأنفاسه وأحضانه. مرت دقائق وبعدها ذهبت بسبات عميق.
استدارت بوجهها إليه، تلمس وجهه بحب، ثم دنت وطبعت قبلة على شفتيه قائلة:
- النهاردة بس عرفت انك اماني وحمايتي، ربنا يخليك ليا ياحبيبي يارب.
ظلت بأحضانه تملس على وجنتيه مرة وعلى خصلاته أخرى إلى أن ذهبت بنومها.
مرت عدة أيام وهدوء بين راكان وليلى إلا من بعض المناوشات.
دفع الباب ودلف كعادته. كانت تجلس تداعب طفلها وقهقهاتهم مرتفعة بالغرفة، ولكنها صمتت عندما دلف إليهما. لقد مر ثلاث ايام ولا تعلم عنه شيئا. لم يأت للمنزل سوى دقائق قليلة ويخرج دون حديثها.
نهضت ورغم اشتياقها له صاحت غاضبة.
- نفسي تتعلم الإحترام وتهين ايدك شوية وتخبط قبل ماتدخل.
انكمشت ملامحه بألم ورغم ذلك تبدل غضبه الحارق إلى سكون خارجي، رغم نيران الاشتياق بعد تذوقه لجمالها الفاتن الذي حرمه على نفسه.
استدار وحمل الطفل يستنشق رائحتها به ولم يرد عليها وتحدث بمغذى إلى الطفل:
- عامل ايه حبيبي وحشت عمو قوي قوي.
ضمه لأحضانه وكأنه يضمها هي.
رجفة سرت بعمودها الفقري عندما استمعت لصوته الدافئ ورائحته التي فاح عبيرها بالغرفة. تمنت لو يسحقها بأحضانه كما سحق طفلها. داعب الطفل لحيته وهو يتمتم.
- با.با.
ضمه وتسطح على فراشها وهو يرفعه ويقهقه عليه عندما داعبه الطفل يضرب وجنتيه وضحكاته ارتفعت بالمكان.
- هتقولي بابا دايما يا أمير ولا هتيجي في وقت وتقولي ياعمو؟ ياترى هتعرف اني مش بابا ولا لأ.
قالها بصوت متألم حزين.
جلست ليلى بجواره وعندها رغبة عارمة في ضمهما بعد حديثه الذي قطع نياط قلبها. انبثقت دمعة غادرة تحرق وجنتيها فهمست:
-وياترى هتفضل تهتم بيه كدا، ولا هيجي الوقت وتنساه وتهتم بغيره؟
أطبق على جفنيه، وحاول السيطرة على دقات قلبه التي تدق كالطبول، قبل أن يستدير برأسه يطالعها بصمت وعيناه تحوي الكثير من الاشتياق إليها. أسبوع آخر مر عليه كدهرا من الألم والحزن، ولكن كيف أن يسامحها بعدما سحقت كبرياءه. قاطع تحديقه بها عندما تحدثت:
- كنت فين الأسبوع دا؟
أعتدل جالساً ثم وضع الطفل على الفراش بعدما وضع له ألعابه.
- ياترى دا سؤال ولا عتاب؟
لم تفكر كثيراً فأردفت:
- الأتنين ياراكان، من حقي تقولي كنت فين، هو أنا مش مراتك؟ من يوم ما جدك كان هنا وانت مختفي، غير طبعاً الناس اللي عايزين يؤذوك.
نصب عوده وتوقف بعدما ضعف بالكامل أمامها حينما استنشق عبير انفاسها. تحرك للشرفة سريعاً وهو يكاد يأخذ أنفاسه التي سلبتها منه معذبة روحه.
حملت الطفل واتجهت إليه وتحدثت بمغذى:
- مش تقول لعمو يا أميري أننا هنسافر مع جدو ألمانيا الأسبوع الجاي.
أخرج تبغه وقام بإشعاله وهو مواليها ظهره ثم تحدث:
- مفيش سفر دلوقتي.
استدار يطالعها بنظراته الحانية متناسياً كل ما صار بينهما.
- باباكي قدامه شهرين ويمكن أكتر هناك، مينفعش تروحي قبل ميعاد العملية الوقت دا كله.
انزلت الطفل ونظرت إليه بغضب.
- أنا مستحيل أسيب ابويا لوحده، كريم لسة صغير مينفعش يكون معاه لوحده.
نفث تبغه واجابها:
- كريم مش صغير، دا رايح تانية جامعة، غير الدكاترة هيهتموا بيه، وحمزة هيكون هناك كل كام يوم، وأنا مش هسيبه، إنما انت هتروحي إزاي وتسيبي ابنك؟
دنت منه ونظرت لعينيه.
- هاخده معايا ياراكان، لوسمحت.
رجائها ونبرتها الدافئة جعلته يحتضن كفيها وأشار للمقعد جواره.
- اقعدي ياليلى لازم نتكلم مع بعض.
جلست وعلى وجهها ابتسامة حالمة من حنيته التي ظهرت بلمسة كفيه وصوته الحاني.
استدار إليها ثم اتجه للجانب الآخر وأخذ نفسا من تبغه ونفثه بهدوء ونظراته على مساحة القصر الشاسعة ثم تحدث:
- دلوقتي الولد لسة صغير ومحتاج إهتمام، غير انا مقدرش أضحي بيكوا. أنا ليا أعداء كتيرة في كل مكان، ومعرفش بيخططوا لأيه.
- خايف علي ياراكان.
جاء سؤالها المباغت ليخترق نبض قلبه. جذ بها ثم حاوطها بذراع ورفع أمير بذراعه الآخر.
- ليلى قبل ماتكوني مراتي فإنت وصية اخويا، مقدرش افرط فيكم. لو سمحت، مش عايزك تزعلي ووعد مني هلاقي وقت ويبقى نسافرلهم يومين ونرجع تاني.
ابتعدت عن احضانه ورفعت إبنها وتحركت للداخل دون حديث آخر. ظنت انه يقول اكثر من ذلك. ظل لبعض الدقائق وهو جالس. نهض بعد فترة يبحث عنها بالغرفة. استمع لصوت المياه بالمرحاض وعدم وجود أمير بالغرفة. حاوط الغرفة بأنظاره. تصنم جسده وهو يرى صورة سليم الموضوعة بجانب الكومود. تحرك إلى أن وصل إليها وامسكها.
انبثقت دمعة غادرة من عينيه.
- وحشتني قوي ياحبيبي ياريتني أنا اللي كنت موت، ولا اتعذبت العذاب دا كله. راكان بقى هش من غيرك ياسليم مكنتش أعرف قوتي فيك إنت.
جلس يتلمس الفراش يطبق على جفنيه بقوة آلمته وأكمل.
- كنت مستعد أضحي بحياتي عشانك زي ماضحيت بقلبي، ياريتني مخليتك تمشي اليوم دا. ياريت ايدي اتكسرت ولا قهرتك ياسليم، وخليت ابنك يتيم. وعد مني لازم أخد حقك وحياة كل دمعة بكيتها عليك ماهرحمهم حتى لو كانت حياتي التمن، ولو كان جدك نفسه.
كانت تقف في الردهة واستمعت لحديثه الذي شق قلبها إلى نصفين. خطت إلى أن وصلت إليه.
- راكان.
همست بها بصوت مرتجف. أزال دموعه ونهض متحركا إلى إتجاه باب الغرفة. توقفت أمامه متناسية ماترتديه.
- مين الناس اللي عايزين يؤذك دول؟
هرب بأنظاره بكل مكان حتى لا يضعف بسبب رائحتها التي اخترقت رئتيه وانهارت دوافعه أمام جسدها الذي انكشف معظمه أمامها.
لفظ الهواء بقوة من رئتيه قبل أن يترك يديها التي احتضنت يديه وتحدثت بفظاظة:
- دا شغلي متدخليش فيه، وزي مااتفقنا انت هنا عشان الولد وبس، عشان انت ترتاحي وأنا أرتاح.
- إنت كدا هتكون مرتاح ياراكان.
- ايوة.
قالها بقوة، فلقد بدا صوته بتصميم جلي في نظراته ولهجة فظة وهو ينظر لمقلتيها وأشار لصورة أخيه.
- بدليل الصورة دي، عشان كل ليلة قبل ما تنامي تشوفيها وتفتكري أيامك الحلوة معاه.
قالها بعدما نزع يديه وخرج سريعًا من الغرفة.
بعد فترة، جلس على فراشه يعمل على حاسوبه. قام بمهاتفة بعض الأشخاص، وكأن من بينهم مدير أعماله بألمانيا.
- أستاذ راكان، الوضع هنا مأساوي. لازم تيجي في أقرب وقت.
اعتدل يستمع إليه باهتمام متسائلاً:
- هو مش سليم خلص كل الأوراق؟ فيه إيه تاني؟
تحدث الرجل على الجانب الآخر:
- شركة مدام هيلينا موضوعة تحت الإجبار القانوني بزعم إنها غير قانونية.
مسح على وجهه فأجابه:
- بعد بكرة هكون عندك. جهز لي كل حاجة، واعمل اجتماع طارئ لكل المساهمين.
بعد إنهاء اتصالاته، أمسك هاتفه ينظر لصورها الذي التقطها لها بتلك الليلة. ووضعها بالسيكرت فون، حتى لا يعثر عليها أحد.
كانت جميلة حد الفتنة. لمسها بأنامله. وآه حارقة خرجت من جوفه وهو يتذكر ليلته الوحيدة معها.
- ياترى هنفضل لحد إمتى نعذب بعض؟ مش قادر يا ليلى. بيني وبينك جدار واحد بس، زي اللي بينهم محيطات وأبحر.
ظل ينظر لصورتها وهي بأحضانه بتلك الليلة التي امتلك العالم بها.
شعر بثقل أنفاسه وتمنى لو تأتي إليه لينعم بليلة أخرى.
جلست بجواره تلمس وجنتيه ونظرت لمقلتيه.
- راكان، هو أنا وأمير إيه بالنسبالك؟
احتضن كفيها وهو يطالعها.
- مش عارف هتصدقيني ولا لا، بس أنتوا أحسن حاجة حصلت لي في حياتي.
استدار ينظر لعيناها الساحرة.
- ليلى، مش معنى إننا بنتخانق يبقى بتمنى لك حاجة وحشة.
دنت تضع رأسها بأحضانه وهمست له:
- عارفة يا راكان.
طوقها حتى أصبحت بأحضانه كاملاً وتحدث:
- لا، إنت متعرفيش حاجة. لو تعرفي مكنتيش بعدتي عني وعاملتيني كأني عدوك.
رفعت رأسها لوجهه ولمست وجهه.
- أثبت لي ده يا راكان. اثبت لي إنك بتحبني فعلاً.
رفعها من خصرها حتى جلست على ساقيه.
- فيه حاجات مجبرين نخبيها عشان نحافظ على اللي بنحبهم.
نهنهات متقطعة خرجت من جوفها وهي تتمسح بصدره كقطة أليفة.
- نفسي أحس بكده. نفسي أنام في حضنك وأكون مطمنة إنك مبتلعبش بمشاعري.
لف خصرها بذراعيه مطبق الجفنين وصدره يعلو ويهبط قائلاً بأنفاس تتثاقل شيئًا فشيئًا.
فهمس بصوته المبحوح بكثرة ما يشعر به من مشاعر:
- عايزك تتأكدي، عمري ما حبيت قدك، ولا اتمنيت قرب حد قدك.
احتضن وجهها وتقابلت شمسه مع ليلها الدامس مقتربًا من ثغرها الذي يشبه حبة الكرز.
- اتأكدي إن راكان بيعشقك إنت وبس.
داعب وجهها بأنفه يسحب عطر أنفاسها هامساً لها:
- بحبك مولاتي، ومهما تعملي فيا مش هبعد عنك ولا أبعدك عني، لأنك قدري اللي ربنا راضيني بيه بعد الوجع دا كله.
أمسك كفيها الموضوع على وجنتيه وقبله ثم وضعه موضع نبضه.
- حسي واسمعي كويس واعرفي إن دا ملكك إنت وبس.
أغمضت عيناها منتشية تستمتع بقربه وروحه ورائحته الرجولية التي عبأت رئتيها وكأن كل عشق الدنيا تزاحم داخل قلبها لها.
تلاقت ملاحم النظرات العاشقة بينهما فدنى يلتقط ثغرها بقبلة جامحة يبث بها كل أشواقه وعشقه. سحب بها أنفاسه وأنفاسها. رفعت ذراعيها تحاوط عنقه. بخفة حملها عاقد النية أن يعزف بلهيب عشقه. تحرك ومازال ثغره يعقد علاقة منفردة على ثغرها حتى وصل بها إلى الفراش. ولكن أيقظه من وصلة أحلامه رنين هاتفه الذي صدح بالأرجاء.
فتح عيناه يبحث حوله عن حوريته التي سلبت أنفاسه ولكن خيب آماله بعدما تأكد ماهي إلا أضغاث أحلام.
فتح هاتفه وأجاب.
- أيوة يا حمزة.
على الجانب الآخر:
- راكان، الليلة كتب كتابي. إياك متحضرش، وبعدين ليلى هتكون موجودة أكيد.
رجع خصلاته للخلف وهو يتنهد بلهيب الاشتياق من مجرد ذكر اسمها فأجابه:
- حاضر، هكون موجود قبل الميعاد.
- راكان، إنت كويس؟
تساءل بها حمزة.
أجابه على الطرف الآخر:
- أيوة كويس. كنت نايم بس.
مساءً. دلف غرفتها. كانت تقف أمام المرآة تنهي زينتها. دلف يقف خلفها وأخرج من جيبه سلسالاً عبارة عن عين واسعة وبها حجر من الزمرد ويكتب عليها ليالي.
رفع خصلاتها وهو يهمس بجوار أذنيها:
- بما إننا في هدنة، فحبيت أهديكي هدية. لو بتحبيني اوعي تخلعيها مهما حصل.
أغلقها ولم يستطع السيطرة. نزل برأسه وطبع قبلة على جيدها. ارتجف قلبها وشعرت بماس كهربائي بعمودها الفقري. فأطبقت على جفنيها.
رفع رأسه ينظر لانعكاس صورتها بالمرآة. أدار وجهها إليه. فتحت ليلها الدامس بأهدابها الكثيفة. ارتجفت شفتيها من نظراته إليها. بلعت ريقها وتحدثت بتقطع:
- ر...ا...كان...
أغمض عيناه ورعشة أصابت جسده من نطقها لأسمه.
- كملي لبس هنتأخر.
قالها وهو يبعد عنها.
أمسكت كفيه. رفع عيناه فتلاقت بعيناها.
- نعم، فيه حاجة؟
ضمت كفه وتحدثت:
- عايزة أنقل جناحنا الجديد. خلاص السرير دا بشوف فيه كوابيس. معنتش عايزة أنام عليه. وبعدين ببرد بالليل ولازم تدفيني.
هزة عنيفة أصابت جسده. وشعور مبهج اجتاح بجسده. ابتسم بخفوت وهو يلمس وجنتيه بأنامله.
- طيب، ينفع حد يستأذن وهو رايح لحضن حبيبه؟
قالها بصوته الهادي المبحوح.
رفعت نظرها وابتسمت تتلاعب بزر قميصه.
- لا، دا مش إذن ياحبيبي، دا عشان متتفاجأش ويغمى عليك.
قهقه عليها وهو يضمها بقوة لأحضانه.
- حبيبتي قطة شرسة ولسانها أطول منها.
خرجت وأكملت:
- وكمان عشان عرفت حاجة تانية.
ضيق عيناه متسائلاً:
- إيه اللي مولاتي عرفته؟
رفعت رأسها وطبعت قبلة على شفتيه قائلة:
- عشان عرفت إني بحبك قوي قوي، وكمان عرفت إن خطوبتك من نورسين لعبة.
قهقه عليها بصوته الرجولي ورفعها من خصرها يدور بها بالغرفة.
- مجنونة بس بعشقك.
حاوطت عنقه تضع جبينها فوق خاصته وأنا بحبك.
أنزلها بهدوء ومازال محاوطها فغمز بعينيه.
- هو لازم نحضر كتب الكتاب دا؟
لكزته بصدره.
- ياله عشان اتأخرنا.
تحركت خطوة فجذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره وضم ثغرها في قبلة شغوفة حتى انقطعت أنفاسهما.
فصل قبلته وهي تدفعه بقوة تحاول أخذ أنفاسها. صدرها يعلو ويهبط بطريقة جعلته يقترب منها ويحاوطها.
- حد قالك تبعدي عني شهر كامل؟ لا، هو مش شهر. خمسة وتلاتين يوم وست ساعات.
نظر في ساعته وتسع ثواني.
طالعته بنظرات عاشقة.
- ياه، دا إنت حاسبهم بالثانية.
حاوطها وهو ينظر إليها بذات مغزى.
- دي أوقات تتنسي برضه.
نزلت بنظرها بخجل ووجنتيها التي تورّدت من مغزى حديثه.
سحبها للخارج وهو يردف:
- دقيقة واحدة واقفل الباب دا بالمفتاح وارمي المفتاح برة الأوضة ومش عايز أعرف مكانه.
وضعت رأسها بصدره تلكمه.
- بس احترم نفسك يا راكان.
قهقه وهو يجذبها.
- لا، إنت كدا بتشتميني على فكرة.
بعد قليل وصلوا لمنزل والدها. خرجت درة بطلتها التي جعلت حمزة يقف مسحوبًا بجمالها الآخذ. جلس الجميع بالخارج وتم عقد القران وأخيرًا أصبحت درة زوجته.
دلفت الفتيات للداخل.
كانت تجلس على المقعد تتذكر لحظاتهما منذ قليل. ابتسمت بخفوت وهي تلمس السلسال ثم قبلته. جلست أسما بجوارها تلكزها.
- الكلام على إيه ياباشمهندسة؟
ابتسمت لها وتحدثت:
- الكلام على الحب. أنا وراكان اتصالحنا.
ضمتها أسما بسعادة.
- حسيت من ضحكات راكان برة. ربنا يسعدكم يارب. متخليش حد يدخل بينكم. والحمد لله عرفتي تتصرفي صح.
- البركة في نوح هو اللي قالي كل حاجة. وكمان أكد لي إنه مش هيتجوزها هو عايز يوصل لقاتل سليم.
أومأت أسما متفهمة. قاطعتهم سمية.
- إنتوا قاعدين كدا ليه؟ قوموا احتفلوا بالبت.
نهضت أسما وقامت بتشغيل الموسيقى. جذبت ليلى.
- قومي بقى ارقصي. فيه حد قدك الليلة. لازم تفرجيها علينا.
شعرت بألم يغزو معدتها فهزت رأسها رافضة.
- لا مش قادرة.
نهضت درة.
- والله لترقصي يا ليلى. إيه مش عايزة تفرحي أختك؟ مش كفاية مفيش فرح.
ضمت أختها والسعادة تشق ثغرها رغم آلام معدتها وبدأت تتحرك ببطء في البداية حتى انسجمت مع الموسيقى وبدأت تتحرك بحركات أغوائية.
بالخارج.
كان يجلس بجوار نوح همس له:
- هربيك يا أبو لسانين. روحت كشفتنا. الله يفضحك يا أخي.
غمز نوح قائلاً:
- شكل الغزالة رايقة على الآخر. الضحك من الودان للودان.
نهض يونس متحدثاً:
- أنا لازم أمشي. عندي عملية. ومبروك يا زومي. عقبال لما أشوفك في الكوشة يلا.
بعد قليل صدح صوت الطفل بالبكاء. توقفت سمية.
- هاتيه. أدخله لمامته.
هز رأسه رافضاً.
- لا، لازم نمشي. عندي سفر الصبح بدري. ممكن تبعتي ليلى عشان نتحرك.
أومأت متحركة ولكن أوقفها عاصم.
- أدخليني يا سمية. الولاد مش غرب.
نهض راكان ونوح معاً.
- خدي أمير وأحنا نساعده.
أخذت الطفل وقاموا بإسناد عاصم للداخل.
تسطح عاصم بمساعدة نوح وراكان. أمسك عاصم كف راكان.
- اقعد يابني عايز أتكلم معاك شوية.
بعد قليل خرج وهو يبحث عنها فلقد غلبه الشوق. وقف متصنم حينما وجد باب الغرفة مفتوحًا وجسدها الأنثوي الذي يتحرك أمامه بطريقة مثيرة. وخصلاتها التي تغطي وجهها.
بلع ريقه بصعوبة متجهًا لباب الغرفة وقام بإغلاقه. كور قبضته بعنف. تكاد تخرج مقلتيه من محجريه كلما تخيل أن نوح قد رآها بتلك الهيئة. فتح أول زر لقميصه عندما شعر بإنسحاب أنفاسه وهو يتخيلها تتراقص أمامه بتلك الهيئة مع اختلاف بسيط. بمنامتها التي جلبها إليها من إحدى الماركات الشهيرة بعدما أعلنت سيطرتها على قلبه وقرارها بإقترابه والتنعم بأحضانه.
وصل للخارج وهو يكاد يتحرك بهدوء رغم حربه الداخلية فتحدث بعدما أخذ الطفل.
بصوتًا جاهد أن يخرج متزنًا:
- ممكن تنادي لليلى يادوب نمشي.
تحركت للداخل. خرجت ليلى بعد قليل. طالعها بنظرات صامتة. ود لو قام بإختطافها في التو. فلم يعد له القدرة على التريث.
وقفت تفرك كفيها فدفعتها درة.
- بعد إذنك يا أستاذ راكان. ليلى مش هتروح معاك الليلة.
هب كالملسوع يبلع ريقه بصعوبة.
- نعم، ليه إن شاء الله.
لكزه نوح بجنبه فتحدث بدلاً عنه:
- راكان يقصد ليلى مينفعش تبات برة البيت يا درة.
رمق حمزة نوح فتحدث من بين أسنانه:
- اسمها الباشمهندسة درة. يلا.
اقترب راكان هارباً من حرب حمزة ونوح مقتربًا من ليلى.
- عايزة تباتي هنا؟
فركت يديها وابتلعت ريقها تحاول الحديث. فقاطعتهما درة.
- وحياتي يا ليلى باتي معايا. فيه حاجات عايزين نرتبها مع بعض.
اتجه راكان بأنظاره إلى درة قائلاً:
- هتجيلك بكرة.
أجابته درة:
- عندي تستات كتيرة مش هكون فاضية.
خلاص يا راكان سيب ليلى يومين هنا، انت كدا كدا هتسافر. قالها حمزة.
جز على أسنانه يريد أن يحطم فم حمزة الذي نطق بتلك الكلمات بعدما تحدث الجميع يحثه على ذلك.
حاوطها بنظراته المترجية بأن تتحرك معه، ولكن قطعه كريم وهو يضم أخته من أكتافها.
- خلاص يا أستاذ راكان، ليلى من يوم ما اتجوزت وهي ما بتتش معانا ولا ليلة.
أطبق على جفنيه وأومأ برأسه بالموافقة. دنت منه وتسائلت:
- هتسافر إمتى؟
أجابها دون النظر إليها:
- الساعة خمسة إن شاء الله، لازم أوصل بدري عندي اجتماع مهم.
تحرك للخارج. خرجت خلفه. توقف لدى الباب ثم ضمها وطبع قبلة مطولة على جبينها يبث بها أشواقه إليها.
- خلي بالك من نفسك ومن أمير.
ترقرق الدمع بعينيها وهمست:
- متتأخرش علينا.
وضع جبينه فوق جبينها هامسًا:
- هكلمك كل وقت أكون فاضي فيه. متخرجيش من غير الحراسة. ومالكيش دعوة بتوفيق خالص.
رفعت كفيها على وجنتيه:
- خلي بالك من نفسك. لا إله إلا الله.
تحرك وهو يقول:
- محمد رسول الله.
عند يونس يجلس أمام فراشها وهو يتناول مشروبه. فتحت عينيها تشعر بألم يفتك رأسها.
تنظر حولها. اعتدلت وهي تصرخ عندما وجدت نفسها عارية تمامًا وعلى فراش لم يكن فراشها.
رفعت نظرها بعدما استمعت لصوته وهو يرتشف مشروبه:
- صح النوم يا عروسة. صباحية مباركة.
ياسيلين يونس البنداري. نظرت حولها بضياع بعدما وجدت علامة طهارتها على الفراش أمامها.
نهض بخطى سلحفية إلى أن جلس بجوارها. ورفع كفيه يلمس ذراعها العاري ثم اقترب منها.
- دلوقتي عايز أعرف هتهربي مني وتتجوزي غيري إزاي بعد ليلة زي دي وانت في حضني؟ وكمان شوفي.
رفع عيناه للكاميرا التي أمامها. هزت رأسها بطريقة جنونية وصرخت حتى انقطعت أنفاسها وسقطت بين يديها فاقدة الوعي.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سيلا وليد
قبل ساعتين
وصلت أمام المبنى الذي يقطن به والدها، سحب يديها ونظر لمقلتيها.
- ليلى، مش عايز أتخانق مع حد النهاردة، ياريت تراعي مشاعري شوية.
ضيقت عيناها متسائلة.
- مش فاهمة قصدك ياراكان؟
تنهد وهو يسحبها لأحضانه ثم طبع قبلة على رأسها.
- بلاش كلام نهائي مع آسر، صدقيني الولد ده اللي حايشني عنه باباكي وبس، غير كده كنت دفنته حي.
حاوطت خصره ومازالت بأحضانه.
- أنا اللي طلبت منه ياراكان، هو مالوش دعوة.
أخرجها من أحضانه يحتضن وجهها.
- اللي فات دفنته ياليلى، متخلنيش أقلب تاني، انتي غلطي وغلطي جامد كمان، فبلاش نقلب في القديم، مجرد ما أفتكر قلبي بيوجعني.
تراجعت للخلف وهزت رأسها.
- حاضر ياراكان، هعمل اللي انت عايزه.
اتجهت إلى السيارة حتى تخرج ابنها.
سحبها وقام بحمل الطفل ثم حاوطها متحركًا للداخل وهو يهمس لها.
- بلاش أعرفك غيرتي عليكي بتكون إزاي، يارب تراعي الحتة دي عشان منتعبش مع بعض ياحبي.
حاولت منع ابتسامتها من كلماته التي أشعرتها بالسعادة. جذب رأسها يحاوطها من أكتافها.
- اضحكي اضحكي، هنشوف مين اللي هيضحك في الآخر.
دلفت للمصعد وهو خلفها تتلاعب برابطة عنقه.
- دنجواني بيغير، ده انت ياحبيبي مفيش غير الستات وراك.
أطلق ضحكة رجولية وهو يهز رأسه. ثم التصق بها للحد الذي جعل وجنتيها تضج بحمرة الخجل.
- راكان متبقاش مجنون، إحنا في الأسانسير.
أغمض جفونه مستمتعًا بهمسها وعطر أنفاسها، مما جعل قلبه يخفق بقوة. رفع ذقنها بأنامله.
- مولاتي ساحرة شريرة بتخطف قلبي من مجرد كلمة.
تلاقت الأعين وتعالت الأنفاس.
- ابعد يامجنون هتفضحنا، وأنا مش متعودة على الفضايح، إنما انت ماشاء الله كل خطوة بست. ياريت تراعي مشاعر الست اللي بتقول بتحبها.
نبرة الألم في صوتها جعلته يزفر بقوة فأردف:
- مفيش فايدة فيكي أبدًا، يابنتي مفيش حاجة من دي.
سحبت نفسًا قويًا حتى لا تبكي، فكلما تذكرت علاقاته القديمة تشعر بنيران قلبها.
وصلا إلى منزل والدها. أمسك كفيها بعدما وجد العبوس على وجهها.
- ليلى بوصيلي.
رفع ذقنها وتحدث.
- مش كل اللي تسمعيه وتشوفيه حقيقة، فيه حاجات يبقى نتكلم فيها لما نقعد مع بعض.
دلفوا إلى الداخل. كان عاصم يجلس بجوار أخيه عبدالرحمن وآسر، بينما في المقابل يجلس نوح بجواره حمزة ووالده.
ألقى تحية السلام، وأشار بعينه لليلى للدخول. اتجهت ليلى لعمها.
- إزيك حضرتك ياعمو، وحشتني.
نهض عبدالرحمن يضمها.
- لولة حبيبة عمها عاملة إيه؟ أخيرًا شوفناكي.
أشار للولد الذي بيد راكان.
- ده ابنك حبيبتي.
نهضت وأخذت الولد تنظر لراكان بهدوء.
- أيوه ياعمو، اسمه أمير.
ضمه عمها مقبلًا جبينه.
- أمير وهو أمير فعلًا.
رفع نظره إلى راكان الذي كانت عيناه مسلطة بقوة على آسر وهو يطالع ليلى بنظراته. ود لو قام بإختناقه. أخرجه من تحديقه آسر بصوت عبدالرحمن.
- إزيك حضرتك ياحضرة المستشار.
أومأ برأسه مردفًا بهدوء.
- الحمد لله.
ثم اتجه نظره لليلى.
- ادخلي جوه شوفي مامتك.
تحركت لتأخذ الولد.
- حبيبي ممكن آخد أمير.
ابتسم عمها وأشار على راكان.
- واخد من عمه كتير.
قاطعه آسر قائلًا بمغزى.
- مش عمه يابابا، وبعدين هو واخد أكتر من باباه، طبعًا حضرتك عارف والده مين، الباشمهندس سليم.
كور راكان قبضته حتى ابيضت مفاصله، كي يحاول السيطرة على نفسه. رمق ليلى بنظرة قاسية. فحملت ابنها ودلفت سريعًا دون حديث.
وصل يونس وسيلين هما الآخرين.
بالداخل جلست ليلى بجوار درة. رفعت همت زوجة عمها.
- عاملة إيه ياليلى؟ بسمع الراجل اللي اتجوزتيه صعب قوي.
تهكمت درة واجابتها.
- قصدك على الأستاذ راكان؟ ده جنتل قوي ياطنط همت، مين الغبي اللي قالك كده.
قاطعهم دخول سيلين.
- عروستنا الحلوة عاملة إيه؟
نهضت درة تضمها بسعادة.
- سيلي حبيبتي، نورتي ياقلبي.
استدارت همت تنظر إليها وتطالعها بتحديق ثم تساءلت.
- هي مين الحلوة دي ياسمية؟
- دي اخت جوز ليلى ياهمت.
- آه قولتيلي، فكرتها صاحبة درة.
أشارت سمية إلى أروى وتحدثت.
- دي أروى صاحبة درة، وكمان سيلين معاهم في نفس الكلية بس لسه صغيرة عنهم بتلات سنين.
أومأت برأسها وأردفت بصوت يكاد يسمع.
- بس حلوة البت دي، عيون زرق وشعر أصفر، هي أجنبية؟
هزت سمية رأسها وأردفت.
- لا دي اختهم عادي ياهمت، ما ياما فيه بنات بيطلعوا بشكل الأجانب واصلهم مصري.
وطأت رأسها تهمس لها.
- إيه رأيك فيها لآسر؟ يمكن لما يشوفها يرضى يتجوز.
قاطعهم وصول المأذون.
خرج الجميع سوى درة وليلى التي كانت تجلس شاردة. بينما درة كانت تنهي زينتها. نظرت درة لأختها في المرآة.
- مالك يالولا بتفكري في إيه؟
رفعت رأسها وابتسمت.
- مفيش ياقلبي، بس بابا صعبان عليا قوي، خايفة عليه قوي يادرة، أنا بحثت عن العمليات اللي زي دي وبيقولوا معظمها بيفشل.
توقفت متجهة وجلست بجوار أختها، وانسدلت عبراتها عندما تذكرت حالة والدها الأخيرة.
- بابا بيتألم قوي ياليلى، مشفتهوش وهو بيصرخ من الألم، ببقى نفسي آخد الألم عنه.
حضنتها وبكت الاثنتين. أزالت ليلى دموع أختها ونظرت لمقلتيها.
- أكيد ربنا رحيم بينا ياحبيبتي وإن شاء الله يعمل العملية ويرجع حتى يقعد في وسطنا.
استمعا لطرقات على باب الغرفة. دلف راكان يبحث عنها.
- المأذون وصل بقاله فترة، إيه غيرتي رأيك ولا إيه.
نهضت تنظر للأسفل بخجل فتحدثت بصوتها الهادئ.
- خلاص خلصت، كنت بقول حاجة لليلى.
دلف كريم أخيها.
- عروستنا الحلوة خلصت ولا لسه؟ الراجل زهق وممكن يطفش.
خطت إلى أن وصلت لأخيها وتحدثت.
- خلاص أهو.
اقترب يضمها ثم طبع قبلة على جبينها.
- ألف مبروك ياحبيبتي.
ثم سحبها متجهًا للخارج. بينما وقف راكان يطالع ليلى الصامتة، وعيناها التي بها آثار للدموع.
اتجه وجلس بجوارها. ثم ضمها لأحضانه.
- مالك حبيبي كنت بتعيطي ليه؟
رفعت رأسها وتحدثت بصوت خافت:
- راكان تفتكر بابا هيقوم من العملية دي؟ صعبان عليا قوي وهو تعبان كدا.
احتضن وجهها بنظراته ثم أزال دموعها متحدثًا بصوت حانٍ:
- ليلى حبيبتي، كل حاجة في الدنيا دي ربنا موزعها بقدرة تحمل كل إنسان، يعني مرض والدك وعمليته دي بحكمة من ربنا، نجاح أو فشل دا ملناش دخل فيه، كل اللي بأيدينا أننا ندعيلوا.
احتضن وجهها بين راحتيه:
- مش عايزك تبقي ضعيفة مهما حصل، وكل واحد مننا له نصيب من الألم والحزن، زي ما لينا نصيب من الفرح، ونرجع نقول الحمد لله على كل نصيب. متفكريش في موضوع العملية دا خالص، منعرفش إيه اللي ممكن يحصل. كل واحد واحد مننا له روح بس منعرفش إمتى الخالق هيقبضها. يعني حبيبي، أوعي تفكري إن والدك ممكن يموت بمرض بس. هو أنا مثلا تقدري تقولي ممكن أعيش بعد كام ساعة.. سليم كان عيان عشان كدا مات، وأنا ممكن في لحظة.
وضعت كفيها على فمه:
- اسكت بلاش تتكلم من فضلك، مش عايزة قلبي يوجعني.
- هتزعلي عليا ياليلى لو مت!!
ألقت نفسها بأحضانه وبكت بنشيج كأنها لم تبكي، محاوطة خصره وهي تتحدث بصوت مفعم بالبكاء:
- حرام عليك ياراكان، انت عايز تموتني، ليه توجعلي قلبي، كفاية وقت ما عرفت إنك مقصود من الناس دي وأنا مرعوبة.
استقرت كلماتها بصدره تؤلم روحه فتحدث بثبات:
- مفيش بيموت ناقص عمر حبيبتي.
رفعت كفيها إلى وجهه مردفة بعيون دامعة:
- اوعدني تاخد بالك من نفسك، وبلاش تقرب من الناس دي، كفاية وجع لحد كدا.
قبل كفيها ونهض يضمها:
- إن شاء الله. تعالي ياله الناس مستنية برة.
بالخارج جلس الجميع يستمعون لكلام المأذون الذي صدح بالمكان.. انتهى من كلماته بعدما أعلنهما زوجًا وزوجةً قائلًا:
"بارك الله وجمع بينكما في الخير".
توقف حمزة متجهًا لوالده، ثم لوالد ليلى، وأخيرًا وصل لمحبوبة قلبه.. فعلت درة مثله.
توقف أمامها يرسمها بعينيه.. فركت يديها تنظر للأسفل وتوردت وجنتيها.
- مبروك يادرة.. أجابته بصوتها الرقيق.
- الله يبارك فيك ياحمزة.. ضم وجنتيها ثم طبع قبلة مطولة على جبينها.
همس يونس إلى راكان بجواره:
- الأهبل دا بيحسسني إنه محترم ليه؟ فيه حد بيبارك لمراته ببوسة على جبينها.
رمقه راكان بنظرة آخرصته. نهضت ليلى تهمس لأختها:
- خدي حمزة وادخلي شوية جوا حبيبتي مرات عمك عمال تبص لحمزة هتبلعه بعينيها. ثم اتجهت بنظرها إلى راكان ففهم ما تريد.
- ادخل بارك لعروستك ياعريس الغفلة عشان نخلص من الليلة الحلوة دي.
بالداخل كانت تنتظره. دلف ووقف خلفها. شعرت بوجوده استدارت إليه بهدوء.
نظر إليها بسحر وهيام وهو صامتًا، وقف يرسمها فقط بعينيه مأخوذًا بجمالها.
رفع ذقنها إليه وتحدث:
- إيه هتفضلي ترسمي الأرض كتير.
أحست بدقات عنيفة بصدرها فقد كانت خجلة متوترة ولكن بداخلها سعادة لا توصف.
لامس وجنتيها التي ضجت بالحرارة والإحمرار فأصبحت مغرية لقلبه الضعيف، دنا يحتوي وجهها بين راحتيه.
- ألف مبروك ياحبيبتي.. أخيرًا بقيتي مراتي حلالي.
تراجعت للخلف عندما شعرت برجفة بعمودها الفقري.
جذبها لأحضانها يضمها بقوة يستنشق رائحتها متلذذًا بها لأول مرة يشعر بتلك السعادة.
- كان نفسي أعملك حفلة كبيرة قوي يادرة، لكن ظروف تعب والدك، بس وعد مني هعملك فرح الدنيا كلها تتحاكى بيه.
أخرجها من أحضانها وهو يحتضن وجهها ثم طبع قبلة على خديها. اهتز جسدها بين ذراعيه، شعر بها فحاوط خصرها بذرعيها.
- أنا مش محتاجة حاجة ياحمزة، كفاية نكون مع بعض.
ضم وجهها ونظراته تحاوط عيناها.
- طيب مفيش كلمة حلوة لجوزك، أنا بقيت جوزك على فكرة.
فركت يديها والخجل يتمكن منها فهمست بتقطع:
- حاجة زي إيه يعني، ما أنا قولتلك مبروك.
ابتسم على خجلها، فاحكم قبضته حول خصرها وهمس بجانب أذنها:
- عايز أسمع من مراتي بحبك ياحمزة.
شعرت بدوار يسيطر عليها فابتلعت ريقها بصعوبة:
- حمزة ابعد مينفعش كدا.
جذبها بقوة فاصطدمت بصدره، واضعة كفيها عليه.
- "حمزة." قالتها بتقطع.
داعب وجهها بأنفه يهمس:
- روح حمزة، مش هسيبك غير لما تقوليها أنا بستناها من زمان قوي.
داعب وجهها بأنامله:
- ياله حبيبي مستني.
وضعت رأسها بأحضانه وهمست بصوت متقطع:
- بحبك ياحمزة.
قطع كلماتها عندما التقط ثغرها بقبلة جامحة ليكتشف بها طعم كرزيتها.
أغمضت عيناها مستمتعة بقبلته الأولى فأصبحت ساقيها كالهلام. رفعها من خصرها يضمها لأحضانه بقوة. ليصطحبها داخل دوامة عشقه ومشاعر لأول مرة تجربها.
فتحت عيناها أخيرًا وتراجعت للخلف تحاول أن تلملم شتات نفسها.
سحبها من كفيها واجلسها بجواره وظل يحدق بها بنظراته.
ارتبكت كثيرًا من نظراته الجريئة وشعرت بالدماء تتدفق لوجنتيها من شدة الخجل. أشاحت بعينيها بعيدًا عنه.
- بس بقى بتبص لي كدا ليه، وكأنك لأول مرة بتشوفني، لو فضلت كدا هقوم بقولك اهو.
ظل يرمقها بصمت يود لو يلتهم كلماتها.
رفع كفيه على وجنتيها يتحسسها مردفًا:
- تعرفي أول مرة شوفتك فيها، كان نفسي أضربك على وشك، مكنتش أعرف هحبك قوي كدا.
استدارت تنظر إليه وتحدثت بتقطع:
- كنت عايز تضربني ياحمزة.
دنى يهمس أمام شفتيها وهز رأسه قائلاً:
- أيوة ياحبيبة حمزة.. كنت عايز أضربك عشان وافقتي على واحد حلوف زي نور دا، كان نفسي أخنقك وأخنقه هو كمان.
أطلقت ضحكة خافتة من بين شفتيها:
- ليه حضرتك كنت بطلجي ولا إيه.
احتضن كفيها بين راحتيه ثم طبع قبلة عليها.
- لا مش بلطجي بس وقعت غلط، وكنت مش قادر أتكلم.
التمعت عيناها ببريق السعادة مردفة:
- عايز تفهمني إن عجبت حضرتك المحامي من أول مرة.
ضمها لأحضانه قائلاً:
- هتصدقي لو قولتلك آه، بس طبعًا عمري ما فكرت فيكي بطريقة تانية رضيت بنصيبي مكنتش عارف إن ربنا بيشلي الأحسن.
بعد فترة.
دلف الفتيات للداخل.
كانت تجلس على المقعد تتذكر لحظاتهما منذ قليل ابتسمت بخفوت وهي تلمس السلسال ثم قبلته. جلست أسما بجوارها تلكزها.
- الكلام على إيه ياباشمهندسة.
ابتسمت لها وتحدثت:
- الكلام على الحب، أنا وراكان اتصالحنا.
ضمتها أسما بسعادة:
- حسيت من ضحكات راكان برة، ربنا يسعدكم يارب، متخليش حد يدخل بينكم، والحمد لله عرفتي تتصرفي صح.
- البركة في نوح هو اللي قالي كل حاجة.. وكمان أكدلي إنه مش هيتجوزها هو عايز يوصل لقاتل سليم.
أومأت أسما متفهمة قاطعتهم سمية:
- انتوا قاعدين كدا ليه، قوموا احتفلوا بالبت.
نهضت أسما وقامت بتشغيل الموسيقى. جذبت ليلى.
- قومي بقى ارقصي فيه حد قدك الليلة، لازم تفرجيها علينا.
شعرت بألم يغزو معدتها فهزت رأسها رافضة.
- لا مش قادرة.
نهضت درة:
- والله لترقصي ياليلى، إيه مش عايزة تفرحي اختك مش كفاية مفيش فرح.
ضمت اختها والسعادة تشق ثغرها رغم آلام معدتها وبدأت تتحرك ببطء في البداية حتى انسجمت مع الموسيقى وبدأت تتحرك بحركات أغوائية.
بالخارج.
كان يجلس بجوار نوح همس له:
- هربيك يا ابو لسانين، روحت كشفتنا الله يفضحك يااخي.
غمز نوح قائلاً:
- شكل الغزالة رايقة على الآخر، الضحك من الودان للودان.
نهض يونس متحدثًا وهو ينظر لسيلين:
- أنا لازم أمشي عندي عملية ومبروك يازومي، عقبال لما أشوفك في الكوشة يلا.
بعد قليل صدح صوت الطفل بالبكاء. توقفت سميه:
- هاتوه ادخلوه لمامته.
هز رأسه رافضًا:
- لا لازم نمشي، عندي سفر الصبح بدري ممكن تبعتي ليلى عشان نتحرك.
أومأت متحركة ولكن أوقفها عاصم:
- ادخليني ياسمية، الولاد مش غرب.
نهض راكان ونوح معًا:
- خدي أمير وأحنا نساعده.
أخذت الطفل وقاموا بإسناد عاصم للداخل.
تسطح عاصم بمساعدة نوح وراكان. أمسك عاصم كف راكان.
- اقعد يابني عايز أتكلم معاك شوية.
بعد قليل خرج وهو يبحث عنها فلقد غلبه الشوق. وقف متصنمًا حينما وجد باب الغرفة مفتوحًا وجسدها الأنثوي الذي يتحرك أمامه بطريقة مثيرة.. وخصلاتها التي تغطي وجهها.
بلع ريقه بصعوبة متجهًا لباب الغرفة وقام بإغلاقه. كور قبضته بعنف. تكاد تخرج مقلتيه من محجريها كلما تخيل أن نوح قد رآها بتلك الهيئة. فتح أول زر لقميصه عندما شعر بإنسحاب أنفاسه وهو يتخيلها تتراقص أمامه بتلك الهيئة مع اختلاف بسيط بمنامتها التي جلبها إليها من إحدى الماركات الشهيرة بعدما أعلنت سيطرتها على قلبه وقرارها بإقترابه والتنعم بأحضانه.
وصل للخارج وهو يكاد يتحرك بهدوء رغم حربه الداخلية فتحدث بعدما اخذ الطفل بصوتًا جاهد أن يخرج متزنًا:
- ممكن تنادي لليلى يادوب نمشي.
تحركت للداخل. خرجت ليلى بعد قليل. طالعها بنظرات صامتة. ود لو قام بإختطافها في التو. فلم يعد له القدرة على التريث.
وقفت تفرك كفيها فدفعتها درة:
- بعد اذنك يا أستاذ راكان، ليلى مش هتروح معاك الليلة.
هب كالملسوع يبلع ريقه بصعوبة:
- نعم ليه إن شاء الله.
لكزه نوح بجنبه فتحدث بدلًا عنه:
- راكان يقصد ليلى مينفعش تبات برة البيت يادرة.
رمق حمزة نوح فتحدث من بين أسنانه:
- اسمها الباشمهندسة درة يلا.
اقترب راكان هاربا من حرب حمزة ونوح مقتربًا من ليلى.
- عايزة تباتي هنا.
فركت يديها وابتلعت ريقها تحاول الحديث. فقاطعتهما درة:
- وحياتي ياليلى باتي معايا، فيه حاجات عايزين نرتبها مع بعض.
اتجه راكان بأنظاره إلى درة قائلاً:
- هتجيلك بكرة.
أجابته درة:
- عندي تستات كتيرة مش هكون فاضية.
- خلاص ياراكان سيب ليلى يومين هنا، انت كدا كدا هتسافر. قالها حمزة.
جز على أسنانه يريد أن يحطم فم حمزة الذي نطق بتلك الكلمات بعدما تحدث الجميع يحثه على ذلك.
حاوطها بنظراته المترجية بأن تتحرك معه، ولكن قطعه كريم وهو يضم أخته من أكتافها:
- خلاص يا أستاذ راكان ليلى من يوم ما اتجوزت وهي مابتتش معانا ولا ليلة.
أطبق على جفنيه واومأ برأسه بالموافقة. دنت منه وتسائلت:
- هتسافر إمتى؟
أجابها دون النظر إليها.
- الساعة خمسة إن شاء الله لازم أوصل بدري، عندي اجتماع مهم.
تحرك للخارج، خرجت خلفه. توقف لدى الباب ثم ضمها وطبع قبلة مطولة على جبينها يبث بها أشواقه إليها.
- خلي بالك من نفسك ومن أمير.
ترقرق الدمع بعينيها وهمست:
- متتأخرش علينا.
وضع جبينه فوق جبينها هامساً:
- هكلمك كل وقت أكون فاضي فيه، متخرجيش من غير الحراسة، ومالكيش دعوة بتوفيق خالص.
رفعت كفيها على وجنتيه:
- خلي بالك من نفسك، لا إله إلا الله.
تحرك وهو يقول:
- محمد رسول الله.
***
بعد قليل توقف أمام منزله، ينظر إليه وكأنه كهف من الظلام بدونها. استمع إلى رنين هاتفه. ابتسم عندما وجدها.
- أيوة.
استمع إلى أنفاسها فهمست:
- آسفة يارا.
تنهد بصوت مرتفع حتى استمعت لتنهيداته.
- عارفة إنك كنت عايزني أرجع معاك، لكن والله غصب عني.
نزل من السيارة وهو يحادثها.
- خلي بالك من نفسك حبيبي، بحبك.
قالها ثم أغلق.
وصل إلى غرفته وكأن هناك ما يعتصر قلبه من عدم وجودها، خصوصاً بتلك الليلة. منذ ساعات وهو يرسم لتلك الليلة، ولكن تحطمت أحلامه كقلاع واهية من الرمال. هوى على مقعده ينظر حوله بضياع وتخيله لها بكل ركن بالغرفة. تذكر حديثها قبل خروجه. آه خفيضة خرجت من بين شفتيه تحمل معاني كثيرة من التمني، يود لو له أجنحة يحطم تلك المسافات ويصل إليها بتلك اللحظة. نهض متجهًا لمرحاضه، ثم خرج بعد قليل بعدما بدل ثيابه. أمسك قميصه يستنشق رائحة عطرها الندية مغمض العينين. تسطح على فراشه وهو مطبق الجفنين. تعاقبت الساعات واحدة تلو الأخرى حتى غلبه الشوق ولم يعد يتحمل. نهض متجهًا لشرفته وامسك هاتفه.
عند ليلى، بعد ذهاب نوح وحمزة، جلست مع والدتها بعض الوقت ثم اتجهت لغرفة أختها.
- بتعملي إيه؟
قالتها ليلى بعدما دلفت. توقفت درة تجذبها.
- أخيرًا شرفتي، تعالي احكي لي أنا عملت إيه شو كده قدام راكان عشان تباتي معانا ونقعد نتكلم.
اتسعت ابتسامتها وجلست على فراش أختها.
- عايزة نتكلم في إيه؟
جلست بمقابلتها درة ودققت النظر بعينيها.
- حكايتك مع راكان، وصلتوا لإيه؟ قربتوا من بعض؟ يعني اعترفتوا لبعض بحبكم؟ عايزة أعرف كل حاجة. شخصية جذابة زي راكان، لما يعترف لحبيبته بيكون إزاي؟ نفسي أشوف راكان وهو رومانسي، سمعت عنه كتير.
عقدت ليلى ذراعها وهي ترمقها بغيظ.
- بتعاكسي جوزي يا بت قدامي!
ضحكت درة وهي تضمها.
- يعيني على الغيرة اللي بتطلع قلوب من نار.
رجعت بجسدها للخلف وابتسامة شقت ثغرها جعلت عينيها تلمع من سعادتها، فالتفتت بأنظارها لأختها قائلة:
- الحب هو السعادة يا درة. عارفة لما تكوني جنب اللي بتحبيه وهو حاسس بيكي؟ وغير إحساس الأمان وأنتِ في حضنه، دي السعادة فعلاً يا درة.
تنهدت بحب وهي تقص عليها.
- عارفة من كام يوم حصل صدام بيني وبين جده. وقتها بس عرفت معنى يعني إيه إنك تعيشي في ظل راجل.
قطبت مابين جبينها بتساؤل:
- حصل إيه يعني من جده؟
ربتت ليلى على كف أختها، وتوقفت متجهة للخارج بعدما استمعت لبكاء طفلها.
- مشاكل عادية حبيبتي، متشغليش بالك. هروح أشوف أمير وأرجع نكمل كلامنا، بس مش على راكان طبعًا. على حمزة اللي خطفك ودخل وقفل الباب كأنك في بيته يا باشمهندسة.
اتجهت لوالدتها ثم أخذت طفلها.
- هاتيه يا ماما، هو عايز ينام. روحي إنتِ ارتاحي حبيبتي.
سحبتها والدتها تطالعها بتحديق.
- ليلى حبيبتي، هو إنتِ حامل؟
توسعت بؤبؤ عينيها تهز رأسها بهستيريا.
- إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟
فركت يديها ونظرت بجميع الأرجاء تهرب من نظرات والدتها التفحصية. اقتربت والدتها وادارت وجهها تنظر إليها بمغزى.
- مالك يا بنتي؟ ليه بتحسسيني بسألك عن حاجة حرام لا سمح الله؟ هو إنتِ مش متجوزة ولا إيه؟
نهضت وأخذت ابنها وتحركت للغرفة.
- ماما أمير عايز ينام لو سمحتِ حبيبتي.
أخذت ابنها وتحركت سريعًا متجهة للغرفة وجسدها يرتعش من حديث والدتها. أطعمت طفلها ووضعته على الفراش، ترجع خصلاتها للخلف تحدث نفسها.
- إزاي ما أخدتش بالي من حاجة زي كده؟ مصيبة لو كنت حامل فعلاً.
هزت رأسها رافضة.
- لا مستحيل أكون حامل.
ظلت تكررها. استمعت لصوت هاتفها، جذبته وإذ بها ترى متيم قلبها. استجمعت شتات نفسها واجابته.
- ألو.
قالتها بصوت متقطع.
على الجانب الآخر، تنهد بوجع يستمع إليها كأن صوتها معزوفة من الموسيقى التي تطرب الأذن والقلب. صمت لبعض اللحظات وهو يستمع لصوتها.
- راكان!!
فتح عينيه وهمس بصوته الذي وقع على قلبها كفراشات تطير بمعدتها من فرط دقاتها ونبضه بحبها. تمنت لو أن يكون أمامها الآن.
***
حاول السيطرة على دقات قلبه التي أصبحت كالطبول قبل أن يتحدث.
- ليلى وحشتيني.
أغمضت عينيها حينما لامست كلماته حواف قلبها فتعثرت نبضاته من فرط التأثر من همسه. فهمست له:
- لسه صاحي؟
جلس ورفع ساقيه على الجدار وهو يرجع خصلاته للخلف، متنهدًا بلوعة العشق قائلاً:
- تفتكري هيجيلي نوم وأنتِ بعيد عني؟
ارتسمت بسمة على وجهها بإنتشاء من كلماته التي شعرت بسعادة تملك كيانها، فاردفت مبتسمة تتلاعب بسلساله:
- أنا كمان لسه منمتش.
قطع كلامها.
- إيه موحشتكيش؟
هزة عنيفة أصابت جسدها مما أدت إلى انزلاق عبرة على وجنتيها من اشتياقها الكامن له. ارتجفت شفتيها واجابته:
- وحشتني لدرجة مش قادرة أوصفها حبيبي.
هب من مكانه واتجه للأسفل سريعًا.
- ليلى ربع ساعة وأكون عندك. خلي الولد مع مامتك وتعالي، مش هقدر أنام وأنا كدا.
أزالت عبراتها واجابته:
- راكان إيه اللي بتقوله ده؟ وبعدين ماما نامت دلوقتي. مينفعش أدخل أقولها جوزي المجنون تحت وجاي ياخدني.
استقل سيارته وتحرك.
- طب وحياة جوزك المجنون لتنزلي حالا. ولو مسمعتيش الكلام هطلع آخدك لبيتنا. ولا هفضل للصبح قاعد في البرد تحت البيت.
فقدت القدرة على الحركة أو الكلام. ظلت للحظات فتحدثت متلعثمة:
- أنت بتتكلم بجد؟ إنت جاي؟
ابتسم بهدوء وأجابها:
- وحياة ليلى عندي، قدامي عشر دقايق وأخدك في حضني.
كانت درة تقف على أعتاب باب غرفتها، فهزت رأسها بالموافقة حينما استمعت لحوارهما.
- طيب خلاص، بس مش هنتأخر.
أطلق زفرة خافتة وتحدث:
- موعدكيش.
مس كيانها بعطر كلماته، فأصابتها رغبة حارقة في تلك الأثناء أن يصل إليها خلال لحظات.
عقدت درة ذراعيها وهي تتحدث بخبث:
- لا دا الحب ولع في الدرة، حتى خلى حضرة المستشار راكان البنداري بذاته ميعرفش ينام ولولته بعيدة عنه.
عند سيلين ويونس.
توقف بالسيارة على جانب الطريق. عقدت ذراعيها وتحدثت وهي تنظر للأمام.
- أنا معرفش قولت لبابا إيه خلاه يوافق إنك تكون المسؤول عني، بس متنساش يا دكتور مهما تعمل أنا وإنت طرقنا افترقت.
استدار بجسده يخلل أنامله في خصلاتها قائلاً:
- سيلي هو إنتِ بتتكلمي جد؟ يعني فعلاً معادش بتحبيني؟ معقول حب السنين ده كله يتمسح من مجرد خطأ واحد؟
صرخت بوجهه وانبثقت دمعة غادرة تحرق وجنتيها بعدما دفعت كفيه بغضب بعيدًا عنها.
- ماتقولش على اللعب بمشاعري يا محترم خطأ. ماتقولش على الخيانة خطأ. انت موتتني وأنا لسه يا دوب بفتح عيني عشان أشوف الدنيا. خليتني أفقد الثقة في نفسي يا دكتور. طلعتني واحدة بنت حرام، بنت من الشارع، حتى لو كنت كده، إيه نسيت مين اللي رباني؟ نسيت مين سيلين اللي كانت مكنتش بتاكل ولا بتنام إلا مع يونس؟
أزالت عبراتها بعنف ونظرت أمامها.
- أنا موت يايونس والبركة فيك، ومفيش ميت بيصحى تاني.
جذبها لأحضانه يسحقها وانزلقت عبراته.
- أنا عارف إني غلطت، وعارف استاهل الدبح والموت، بس صدقيني مقدرش أبعد عنك.
أخرجها من أحضانها يحتضن وجهها ويحاوطها بنظراته.
- سيلين أنا بتنفس عشقك، عارفة يعني إيه؟ يعني لو بعدتي عني ممكن أموت، يرضيكي يونس يموت ياسيلى.
على الرغم من رجفة قلبها وخوفها من مجرد حديثه إلا أنها أنزلت يديه وتحدثت:
- مش أنا اللي عاوزة اموتك يادكتور، وبعدين متخافش مفيش حد بيموت قبل عمره.
تصلب جسده وكأن خنجرا يدق منتصف قلبه فحاول السيطرة على نفسه بعض الشئ ولكن اشتعلت نظراته بشكل مخيف جعلها تتراجع للخلف بجسدها تبتعد عنه ومن نظراته الناريه عندما تحدثت:
- يونس.. عشان نبقى مرتاحين أنا اتعرفت على واحد وحبيته، وخلال ايام هنتخطب، وكمان.
قاطعها صارخًا وهو يجذبها بعنف ينظر لموج البحر بعينيها.
- هقتلك ياسيلين، عارفة هقتلك واشرب من دمك، واتلذذ فيه، مش أكبرك وفي الآخر يجي حيوان يخطفك مني.
جذب رأسها بعنف يرمقها بنظرات نارية.
- حبيته؟ بتقولي حبتيه؟
ضغط على فكيها وصاح بغضب.
- اوعي يكون قرب منك ولمسك يابت دا أنا اموتك.
مرر إصبعه على شفتيها قائلاً:
- لمس دي؟ لمس ملك يونس ياحيوانة.
ضم ثغرها بخاصته بعنف حتى أدمها، حاولت دفعه بعيد ولكنه كان كالذي مسه جن، ظل يقبلها حتى سلب أنفاسها بالكامل، ثم دفعها بقوة وقاد سيارته بسرعة عنيفة.
عند ليلى نظرت إلى نفسها بالمرآة ثم اتجهت ترتدي شالًا ثقيلًا من الصوف على أكتافها، وقلبها يعزف لها دقاته وتمني قربه. اتجهت إلى درة.
- خلي بالك من أمير، هو أكل ونام ولو صحي كلميني، هتلاقيني هنا خلال دقايق.
ربتت على كتفها وتحدثت بحنو.
- عارفة هتعبك معايا، بس دا مجنون وممكن يعملها ويفضل تحت.
مسدت درة على خصلاتها الحريرية مبتسمة.
- حبيبتي دا عشق مش جنون، أنا مبسوطة قوي ياليلى بيكوا، بجد حبيبتي تستاهلي تعيشي سعيدة.
ضمتها ليلى وتنهدت وهي بأحضان أختها.
- بحبه قوي يادرة، راكان هو حياتي، ادعيلي متحرمش منه.
ضمت درة وجهها وابتسمت.
- وهو باين عليه بيعشقك، أنا عرفت شوية حاجات من حمزة، دا واحد دايب بالعشق وتستاهلي الحب دا.
رفعت حجابها ووضعته بعشوائية على خصلاتها.
- طيب ياستي هعمل بالنصيحة، المهم الولد.
استمعت درة لرنين هاتفها فهمست.
- دا حمزة.
سحبت ليلى كفيها مردفة.
- وحياة حمزة لتكلميه هنا، اوعي تطلعي وتسيبي الولد هموتك.
قالتها وتحركت سريعا بعدما استمعت إلى رنين هاتفها.
هبطت للأسفل وجدته يقف مستندًا على السيارة بثيابه البيتية الخفيفة. أسرعت إليه وهتفت بغضب.
- إنت إزاي تنزل كدا؟ مش شايف الجو عامل إزاي.
كان صامتًا ينظر لغضبها الذي بدا على وجهها مما أشعل وجنتيها مع برودة الجو، ناهيك عن شفتيها الحمراوتين التي تنطق بكلماتها الغاضبة منها.
جذبها لأحضانه ثم دفن أنفاسه بعنقها هامسًا.
- حبك مدفيني مولاتي.
تغلغلت بروحها السعادة جعلتها كفراشة خفيفة الظل تتحرك بسرعة بين الزهور.
خرج يضم وجهها بين راحتيه يتعمق بنظراته التي اخترقت وجهها الناعم ممررًا إصبعه على شفتيه قائلاً.
- مش كنت زمانك في حضني وبحكيلك قصة الأميرة اللي خطفت قلب الوحش وخلت حياته عبارة عن جنة بعدما كسا الظلام حياته.
لامس وجنتيها إبهامه مقتربًا منها وهو ينظر إلى مقلتيها.
- كان نفسي أحكيلك القصة عملي.
احمرت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تطرق أنظارها أرضًا هاربة من مغزى كلماته فأردفت.
- راكان الولد لوحده فوق، درة ممكن تنساه، دي بتكلم حمزة وانت عارف لم واحدة بتكلم حبيبها بتنسى نفسها.
تفحص قسمات وجهها وظل يقاوم نيران قلبه فتحدث.
- عايز اعرف بتكوني عاملة إزاي وأنا بكلمك.
رجفة قوية مرت بسائر جسدها فهزته عندما همس بجانب أذنها.
- ضيعتي الهيبة حبيبي بس كله فداكي.
دغدغ مشاعرها وهي تستمع لكلماته التي أذابتها حينما أكمل.
- هجرني النوم من مجرد بعد مولاتي عن أحضاني.
استمعوا لصوت بعض الشباب يمرون بجانبهم، فسحب كفيها وأركبها السيارة.
- ياله حبيبي تعالي، مش هينفع نوقف هنا، هنروح مكان هيعجبك.
توقفت وهي تسحب كفيه.
- راكان الولد لوحده.
لف ذراعيه حول خصرها ووضع جبينه فوق جبينها.
- الولد مع درة ياليلى متخافيش، المفروض تخافي عليا.
رفعت نظرها لعينيه المنغلقتين وأنفاسه التي ضربت بشرتها، فتحدثت قائلة.
- بس بلاش نبعد، وكمان تليفونك معاك عشان ممكن تليفوني يفصل شحن.
فتح باب السيارة، فركبت دون حديث.
بمنزل خالد البنداري.
جلس توفيق بغرفة مكتبه يطالع خالد بهدوء.
- انت مش هتسكت إلا لما تموتني، انت اتجننت يابني؟ ليه تورط نفسك مع شركات انت مش قدها.
نهض خالد وتوقف أمامه.
- اسمعني بس يابابا الشركات دي مكسبها حلو قوي، وبعدين معروفة في كل الدول، والمفروض نحمد ربنا إنهم وافقوا يشاركونا.
اتجه بأنظاره إلى النمساوي.
- ماتقول حاجة يانمساوي باشا، عرف بابا الشركات دي بيكون مكسبها قد إيه.
أشار النمساوي إلى خالد قائلاً.
- اسمع كلامه ياتوفيق باشا، خالد بيفكر صح، الشركات دي مبتشاركش حد لله في لله.
وضعت نورسين ساقًا فوق الأخرى وأردفت.
- هو راكان فين ياجدو؟ عديت عليه قالوا خرج.
اتكأ توفيق على مقعده قائلاً.
- أخت البت مرات سليم كتب كتابها الليلة، على المتر، وطبعًا المتر نصه التاني.
أخرجت صورة ووضعتها أمامه.
- شوفت الصورة دي قبل كدا.
أمسك توفيق الصورة يدقق بها ثم أردف.
- مش دا أخو البت اللي كان متجوزها.
قامت بإشعال سيجارها قائلة.
- أيوه الولد دا، راكان اتوسطله ودخل شرطة، وطبعًا بدأ يفتش على جريمة أخته.
قطب مابين جبينه متسائلاً.
- قصدك إن راكان ورا دا كله.
نهضت تنظر من النافذة وأجابته.
- للأسف ياجدو هو دا، وكمان جوازه من البت مرات سليم مش مريحني، انت تعرف أنها كانت عجبته الأول.
نهض توفيق يقف بمقابلتها قائلاً.
- أيوه عرفت إنه طلب منها ليلة، وطبعًا هي قامت القيامة عليه، عشان كدا الاتنين بيكرهوا بعض.
نظرت نورسين في نقطة شاردة متذكرة حديثه فلاش باك.
- بتحبها ياراكان؟ قالها نوح مستفهماً.
ابتسم راكان ونهض من على مقعده متجها يجلس بجواره.
- بحبها كلمة قليلة قوي يانوح، مخبيش عليك، عايزها بأي طريقة.
تراجعت نورسين بعدما استمعت إلى حوارهما.
- بتحب الباشمهندسة ياراكان؟ يعني تسبني أنا وتبص لدي.
خرجت من شرودها على حديث خالد.
- راكان مسافر بكرة زي ماخططنا، فيك تضرب ضربتك مع ليلى يابابا.
أومأ توفيق برأسه.
- متخافش دا اللي بخططله المهم نورسين لازم تسافر وراه، عشان نقدر نبعده شوية عن مصر.
جلست نورسين تطالعه وتحدثت.
- قاسم مش عاجبه عمايل راكان، ودا ممكن يعرضه للخطر.
اقترب منها توفيق وهو ينظر بنظرات نارية قائلاً.
- قاسم محسبتوش على موت أحفادي، هيقرب من راكان قسمًا عظيمًا أحرق بأيدي، أنا نبهت عليه وهو داس على كلامي، ورجع يقول مش هو اللي ورا موت سليم، لكن لو اتأكدت إن له يد وحياة أحفادي وابني اللي دفنتهم لأحرقه يانور، عرفيه كدا، قوليله اللي مسكتني عشان مش متأكد غير كدا ميهمنيش لا قاسم ولا غيره، وهعرف صدقيني وهنتحاسب، دول أحفادي، عارفة يعني إيه.
بعد قليل وصلوا لمزرعة نوح، تسمرت بوقفتها.
- جايبنا هنا ليه؟ دلوقتي يقولوا إيه.
سحبها متجهًا لحظيرة الأحصنة قائلاً.
- إحنا هنلف شوية بالحصان، كان لازم نيجي هنا، دا أول مكان اتقابلنا فيه، وكمان أول دقة قلب حستها معاكي هنا.
وضعت نفسها بأحضان بالكامل.
- المزرعة دي ليها ذكريات حلوة قوي معايا، بحب أجي هنا بحس بوجودك فيها بكل مكان.
قاطعهم صوت نوح محمحمًا.
- فكرتكوا حرامية، بس قولت هو فيه حرامي بيروح يسرق بعربية BMW.
قهقه راكان وسحب كف ليلى متجهًا إلى الحظيرة قائلاً.
- الواد دا له علقة عندي بس مش دلوقتي، بيحب يتكلم كتير، بتاع كلام وبس.
حملها بخفة ووضعها على الحصان ثم تمطى خلفها يهمس لها.
- من أول ما اشتريته وتمنيت اللحظة دي.
سحبت كفيها وهي تصرخ.
- راكان أنا خايفة عمري ماركبت حصان ومشيت بيه.
جذب حجابها ووضعه حول عنقه وهو يضمها بقوة حتى استندت بظهرها عليه.
- فيه حد يخاف وهو في حضن حبيبه برضو.
تحرك بالحصان بين الزروع وخصلاتها التي ترفرف على وجهه.
وضع ذقنه على رأسها بعدما هدأ تحرك الحصان ووقف بين الأشجار.
استدارت بنصف جسدها قائلة.
- الدنيا ضلمة قوي هنا.
أشار إلى السماء وابتسامة تزين ثغره قائلاً.
- أنا وانت والقمر تالتنا، دلوقتي السحاب دا هيمشي، وياستي كفاية انت قمري مش عايز حاجة تانية.
ترجل ثم حملها وهو يحاصرها بذراعيه.
نظرت لثيابه الخفيفة وهزت رأسها رافضة.
- ينفع كدا هتاخد برد، طيب كنت هات جاكيت معاك حتى.
سحب كفيها وأجلسها على العشب، ثم تسطح ووضع رأسه على أقدامها ممسكًا كفيه واضعًا ببطنه قبلة.
- انت دفايا، أنا مش بردان بالعكس الحب مدفيني.
جذبها من عنقها رافعًا وجهه إليها.
- مش الحب مدفينا ياليالي.
مالت بجسدها وطبعت قبلة على شفتيه.
- وجود بحياتي هو الأمان والدفى.
اعتدل جالسًا أمامها يضم كفيها.
- بتحبيني ياليلى.
رفعت كفيها تملس على وجهه.
- أنا اللي عايزة أسألك ياراكان، إيه معنى الحب ليا.
جذبها مستندًا على شجرة خلفه حتى أصبحت بأحضانه.
- حبي لليلى مبيتوصفش، دا إحساس بحسه لما بشوفها.
ضم وجهها بين راحتيه ودنى من شفتيها.
- حبها عميق للروح، مبهج للنفس، حياة للحياة، سعادة للدنيا، نبضة للقلب، لمعة للعيون، رجفة للشفايف، سيطرة للكيان، سطوة للمشاعر، غيرة مجنونة للأمتلاك.. دا حب راكان لمولاته.
جذبها ملتقطًا كرزيتها ثم همس.
- قبلة للحياة.
رجف جسدها بمشاعرها التي سيطرت عليها، فطالعته بليلها الدامس وهمست.
- راكان ناوي تعمل فيا إيه؟
حاوطها بين ذراعيه وأجلسها بأحضانه، واضعًا ذقنه فوق كتفها، هامسًا بجوار أذنيها:
- إنتِ السبب، إنتِ اللي رميتِ تعويذة سحرك وجذبتيني بسحرك، عيونك سحرتني، حد قالك توقعي في طريقي، حد قالك تكوني حلوة كدا.
أرجعت رأسها على صدره، ونظرت للنجوم التي كشفت نورها سحب الشتاء، وتحدثت بصوتها الرقيق:
- تعرف ساعات بحس نفسي إني بحلم، بقول معقول اتجوزنا، معقول ربنا راضيني بعد دا كله.
استدارت تطالعه، وعيناها متحجرة بالدموع:
- حبك تعبني قوي لدرجة كرهت نفسي عشان معرفتش أكرهك، كنت بقول يعني أسيب كل الرجالة دي كلها وأحب الشخص دا.
لامس وجنتيها بكفيه وهو يستمع إلى حديثها، يحتضنها بنظراته كرسام مبدع.
وضعت يدها على كفيه الموضوع على وجنتيه، ونظرت لشمسه قائلة بدموع:
- كنت بتوجع قوي كل لما أشوفك، تخيل كل واحدة بتكون فرحانة وسعيدة وهي بتشوف حبيبها، وأنا الوحيدة اللي كنت بتألم كل ما أشوفك.
***
وضع جبينه فوق جبينها، وآه خرجت من أعماق روحه، ثم همس لها:
- كنت بحبك والله، وكل ما أقرب خطوة كنتِ بتبعدي مليون خطوة، إنتِ كسرتيني قوي بجوازك من أخويا.
هزت رأسها رافضة حديثه:
- والله ماكنت أقصد، ومكنتش أعرف أصلًا إنك بتحبني، كل الموضوع كنت قاعدة مع سليم وجالي رسالة، فهو حس بخوفي، وسألني وعرف موضوع أمجد وقتها، يعني كله صدف، لقيته بيمد إيده ليساعدني، خوفت ياراكان خوفت، وكنت عاملة زي الغريقة اللي بتحاول تمسك أي قشاية عشان تنقذ نفسها.
احتضنت وجهه، وانسدلت دموعها كالشلال، وتحدثت:
- واحد مجرم بلاويه كتيرة، هددني بيكوا، قولت يمكن لما يلاقيني متجوزة واحد معروف ومسنود زي سليم يبعد عني، غير ماكنتش أعرف أن فيه مشاعر، مجرد إحساس وكنت بكذبه، وأنا بشوفك في حضن دي وحضن دي.
أزال دموعها وسحقها بأحضانه قائلاً:
- إنسي ياليلى خلاص، الي حصل حصل.
بكت بنشيج، وارتفعت شهقاتها:
- كنت مستنية مني إيه وأنا رايحة أحكي لحبيبي وهو بيقولي عايزك التمن، وقتها بس حسيت إنك كسرتني، ضربت قلبي بمليون جزمة ودست عليه، وقولت مستحيل أرجع أبص في وشك.
خرجت من أحضانه ناظرة إليه:
- بس برضه مقدرتش، كنت عامل زي الأدمان بالنسبالي، حبك بيسيطر بطريقة غريبة، لحد يوم فرحي وأنا حاسة إني بموت مش بتجوز.
أمسكت كفيها وأردفت:
- بأيدك دي جيت وقدمتلي شبكتي وأنت بتضحك وكأني مش فارقة معاك، بإيدك دي روحت عملت فرح وشهر عسل في أفخم الأماكن وأنا بتقطع من جوايا، كان لازم أدوس عليك وأكمل حياتي، ودا اللي حاولت أعمله، حاولت أكون زوجة صالحة وما أخونش جوزي، ورغم من محاولاتي إلا دايما نظرات سليم ليا كانت شك، معرفش ليه، مع إني حاولت بكل قوة إني ما أضعفش لمشاعري.
حتى ليلة دخلتنا لما سليم...
هنا وضع كفيه على شفتيها، وتحولت نظراته العاشقة إلى غاضبة قائلاً:
- بس اسكتي متكمليش، مش عايز أسمع حاجة، الي حصل حصل، ودلوقتي إنتِ ملكي أنا وفي حضني أنا.
رفع ذقنها بعدما نظرت للأسفل بعيدًا عن غضبه:
- ليلى ممكن متعرفنيش، بس أنا لما بحب بغير بجنون، وغيرتي صعبة ومؤذية، مش مرض أبداً، لا دا عشق، وأنا عشقتك مش حبيتك بس.
أنا كان بيجي عليا أوقات كنت عايز أدخل أموتك عشان أرتاح من نار قلبي اللي شعلتيها، مرتحتش لما بقيتي ملكي، فعايز أعرفك حاجة.
" طول ما أنا بحبك مستحيل أطلقك" حتى لو إنتِ طلبتي.
من الآخر عايزك تفهمي حبي بيكون صعب جداً.
وضعت رأسها في حضنه وتسائلت:
- يعني حاسس بيا ياراكان، حسيت قد إيه بتعذب لما بشوفك مع نورسين وغيرها.
ضمها بقوة مقربها إليه حد الالتصاق:
- ودا اللي شفعلك عندي في كل أغلاطك، مقدر تصرفك عشان غيرتك، بس متفكريش أنا راضي على جنانك.
خرجت من أحضانه وأجابته بشفتين مزمومتين:
- عايز تفهمني عادي أسمع كلامك مع المسهوكة دي وأسكت، ولا لما تلمسك، إيه ياراكان بتحلله لنفسك وتحرمه علي.
ابتسم بغرور ورفع حاجبه بسخرية:
- هو إنتِ زي ولا إيه؟!.. عادي أنا راجل وليا معجباتي ولازم يكون في احتكاكات.
لكمته بصدر بقوة وتحدثت كقطة شرسة:
- معجبات إيه يا أبو معجبات، دا أموتك وأموتهم.
قبض على كفيها وعقدهما خلف ظهرها، واضعاً جبينه فوق جبينها:
- مش اللي بيقربوا مني ياليلى، المهم أنا عايز مين...
ابتعدت برأسها عنه:
- ودا مش كافي أشفعلك ياراكان، متجيش تطلب مني الهدوء وأنا شايفة واحدة بتقرب من جوزي بطريقة مقززة، وتقولي أصلي بلعب عليها.
رفعت نظرها إليه وأردفت بصوت متقطع:
- أنا مش عايزة الطريقة دي، لو سمحت موضوع نورسين دا لازم ينتهي في أقرب وقت، بجد دمي بيتحرق منها، وببقى عايزة أموتكم انتوا الاتنين.
أغمض عينيه منتشيًا بكلماتها، وقربها ورائحتها المسكرة تعبأ رئتيه، وكل عشق الدنيا يتزاحم داخل قلبه، فداعب وجهها بشفتيه قائلاً:
- أنا بحبك إنتِ وبس، عايزك إنتِ وبس.
تنهدت بوجع وأجابته:
- بس دا مش كافي ياراكان، قربك من البنات دي مش قادرة أتحمله، غير حرام قربكم بالشكل المقرف دا، راكان حياتك غلط مينفعش كدا، لازم فيه حدود متتخطاهاش.
صمت دام بينهما لبعض اللحظات، ثم أمسك كفيها وطبع عليه قبلة:
- ليلى حبيبي أنا عارف الموضوع صعب عليكي، وأن شاء الله قريب هخلص من نورسين دي، أما موضوع قربي بالطريقة اللي مش عجباكي دي، أنا مطلبتش من أي واحدة تقرب مني.
دفعته بغضب وتوقفت عندما شعرت بعقم الحديث معه:
- عايزة أروح زمان الولد صحي.
زفر بغضب ونهض من مكانه:
- يعني دا ردك عليا، إنك توقفي كدا وتزعلي.
أشارت على قلبها:
- العيب مش فيك ياراكان، العيب في قلبي دا، اللي دايما بيشفعلك أغلاطك، العيب فيه ساب الكل واختار واحد مستهون بحدود ربنا.
سحب نفسًا طويلاً ثم زفره دفعة واحدة وهو يضع يديه حول خصره، ثم اقترب منها:
- طيب ياليلى وعد، هحاول أبعد عن كدا عشان نار غيرتك دي.
رفعت كفيها وأحضنت وجهه:
- حبيبي دي مش غيرة قد ماهو حلال وحرام، أومال راجل قانون إزاي وعارف تعاليم ربنا.
رفع يديه ووضعها على كفيها الموضوعان على وجهه، ثم قبل كل واحد على حدى:
- مستعد أتخلى عن نفسي عشان أرضيكي، ومش أشوف نظرة الحزن دي في عنيكي.
احتضنته بنظراتها:
- مش رضا ليا قبل رضا ربنا ياحبيبي، راكان أنا بحبك وبحبك قوي كمان، بس تصرفاتك بتوجع قلبي من فضلك.
أطبق على جفنيه:
- هعمل اللي يرضيكي حبيبتي، والي عايزاه، المهم مشوفش نظرة الحزن والوجع دي.
دنت تضع نفسها بأحضانه قائلة:
- هو أنا قولتلك قبل كدا إني بحبك.
وضع رأسه بعنقها يستنشق رائحتها كمدمن يتجرع جرعته وأجابها بأنفاسه الحارة:
- منك مش فاكر، بس من غيرك سمعتها كتير.
داست على قدمه بحذائها ذو الكعب العالي حتى صرخ مبتعداً:
- إيه ياحبيبي، بتصرخ ليه، أنا بحاول أفكرك بس.
أشارت بسبابتها وأردفت غاضبة:
- أنا مش هتحايل عليك بعد كدا عشان تاخد بالك من أفعالك وتصرفاتك يابتاع الستات.
قالتها واستدارت متحركة.
جذبها بقوة وهو يطلق ضحكات مرتفعة بالمكان، ظلت تلكمه:
- راكان بطل ضحك.
ظل يقهقه عليها، نزعت يدها بغضب من قبضته ثم صرخت به:
- هضربك والله يابارد.
قالتها وهي تلكمه بصدره بغيظ وغضب، توقف عن ضحكاته وحملها بين ذراعيه:
- تعرفي نفسي في إيه دلوقتي.
تنفست بعمق بعد وصلة الغضب التي اعترتها، ثم وضعت رأسها على صدره:
- قلبي بيوجعني قوي كل ما افتكر موضوع نورسين دا، دي بتبوسك قدامي، مستني مني إيه.
تحرك وهو يحملها وكأن حبها موشوم بقلبه، فجعل كل ذرة به يتألم على آلامها فتحدث:
- وحياتك ماهخليها تقرب مني تاني.
حاوطت عنقه مقتربة من وجهه:
- نفسي أصدقك يابتاع الستات.
ضيق عينيه رافعاً حاجبيه بسخرية لنظراتها المتهكمة:
- بتتريقي ياليلى، واخدة راكان البنداري تريقة، وبعدين هو فيه أفضل من الراجل وهو قاعد كدا والستات حوليه.
لكته بقوة وصرخت به:
- نزلني ياراكان يابنداري.
- انزلي ياختي حد يطول أشيله كدا، دا فيه يتمنوا بس أقرب.
رمقته بنظرات نارية ثم تحركت متناولة حجابها من حول عنقه:
- أنا بقى مش من الستات المقرفة بتعتك يا أبو عين زايغة.
جذبها بقوة وتسطح على العشب وهي فوقه، ثم رفع ذراعيه محاوطها:
- ستات مين يامجنونة، هو بعد ما أشوف القمر أبص للأرض برضه.
رفع ذراعيه وحاوطها.
- بحبك بجنون، طيرتي عقلي يامجنونة، بعشق جنونك.
وضعت رأسها على صدره مغمضة عيناها تستمع بضربات قلبه.
- نفسي أرتاح وأنا معاك دايما زي ما أنا مرتاحة وأنا بسمع ضربات قلبك دي.
قلب وضعهما حتى أصبحت تحته ظل يطالعها بصمت لبعض اللحظات وهي صدرها يعلو ويهبط من ارتفاع دقاتها. حتى شعر بها، دنا مقتربًا من وجهها، مطلاً عليها بجسده.
- ليلى عايزك تتأكدي إنك أغلى من حياتي، ومستعد أتخلى عن الدنيا كلها عشانك.
دنى ملامساً ثغرها بشفتيه وأكمل:
- لحظة في حضنك بتساوي عمر كامل وأنا بعيد عنك، عايزك تثقي في حبيبي، ثقي في حب راكان لليلى، اللي لو طلبت حياته مش هيتأخر.
رفعت كفيها تضعها بخصلاته وتحدثت بصوت مرتجف من قوة مشاعرها التي أشعرها بها.
- راكان بتحبني قوي كدا؟
سحب نفسا طويلا ثم أطبق على جفنيه ثم طرده دفعة واحدة، حتى شعرت بلهيب أنفاسه التي أحرقت وجهها.
حاوطها بجسده ونزل بوجهه يداعب وجهها بأنفه هامسًا بصوته المبحوح.
- مش قادر أوصفلك، أو بمعنى أدق مفيش وصف يوصلك بقوة حبي ليك.
ترقرق الدمع بعيناها مبتسمة.
- أنا خلاص مش عايزة حاجة تانية، كفاية أشوف حبي في عينك، كفاية أحس بدقاتك وأنا في حضنك.. أنا كمان بحبك بلا وصف ياراكان، بحبك لدرجة حبيت النوم عشان أشوفك في أحلامي.
رفعت ذراعيها تحاوط عنقه هامسة أمام شفتيه.
- مجرد ما أشم ريحتك بحس بالأمان.
قطع حديثها بقبلة مجنونة جعلتها تعزف له بأغلى ما تمناه من كلماتها العاشقة التي أراد أن يسمعها من بين شفتيها المهلكة لروحه.
ظل فترة ليست بالقليلة يعزف بشفتيه ويتغنى لها بألحانه العاشقة، حتى فقد السيطرة على نفسه تمامًا. فنهض سريعًا وهو يرجع خصلاته للخلف يلتقط أنفاسه بصعوبة مما وصل به الحال. استدار يواليها ظهره لفترة من الوقت، حتى يلملم بقايا نفسه التي بعثرتها جنيته. دقائق معدودة مما جعله يجلس وهو يحاول أن يأخذ أنفاسه كي لا يصل به الحال يفعل شيئًا يسئ لهما بذاك المكان.
لا يختلف الحال عندها، حاولت السيطرة على مشاعرها التي فقدتها تمامًا بحضرته. اعتدلت جالسة تعتدل من وضعية ثيابها التي بعثرها بيديه. أطبقت على جفنيها حينما شعرت برجفة بجسدها مع لمسة برد دلفت لجسدها بعدما كانت تشعر بدفئ أحضانه.
نزلت برأسها للأسفل ورفعت كفيها تجمع خصلاتها المبعثرة بعشوائية على وجهها. استدار أخيرًا بعد دقائق من الصمت بينهما قائلاً:
- ينفع كدا؟ شوفتي وصلتيني لأيه؟ شوية وكنت...
قاطعته قائلة بصوت متقطع.
- أنا ذنبي إيه بس؟ قولتلي تعالي وجيت أهو، ليه بتحسسني برفض علاقتنا ياراكان؟
دنى منها ونظر لمقلتيها.
- نظراتك ليا ياليلى، معرفش حاسس إنك خايفة أقرب منك، بدليل بعدك عني في ليلة زي دي، عارفة ومتأكدة إني محتاجك وبرضو وافقتي تباتي برة.
هزت رأسها رافضة حديثه وشعرت بالحزن بعدما كانت تشعر بالسعادة وهي بين أحضانه فتحدثت بصوت مفعم بالبكاء:
- غلطان حبيبي، لو أخذت بالك كنت عرفت قد إيه كنت رافضة أبعد عنك، لكن اخواتي احرجوني.
اقترب منها حتى اختلطت أنفاسهما ضامًا وجهها بين راحتيه.
- ليلى بتحبيني قوي صح؟ حاسة بيا؟ حاسة قد إيه مشتقالك ونفسي متخرجيش من حضني، ليه بحس بالجفى؟ ليه بحس إنك بتتعمدي بعدك دا؟
- راكان لو سمحت متصعبهاش علي، إيه اللي بتقوله دا؟
تدفن نفسها بأحضانه ونهنهات متقطعة خرجت من جوفها تهز رأسها رافضة حديثه مع عبراتها التي تساقطت قائلة.
- لو مش بحبك مكنتش وافقت على علاقتنا، وقربت منك.. كفاية بحس بالأمان وانت جنبي.
معرفش إيه اللي خلاك تقول كدا.
تراجع للخلف وجذبها لأحضانه.
- ممكن ياليلى، يمكن أنا اللي مأفور شوية وبتمنى قربك بطريقة مهلكة لروحي.
ملست على وجهه وأخذت تتأمل ملامحه الحنونة مرة وتداعب خصلاته ممسكة كفيه الذي يلامس وجنتيها وقربتها من ثغرها ثم طبعت قبلة بداخله وأردفت:
- صدقني ليلى بتموت فيك ونفسها تتحبس هنا.. قالتها وهي تشير لأحضانه.. ليلى بتحبك بجنون وبتغير عليك بجنون. اتأكد أنا متجوزتش غيرك وبس، علاقتي بسليم كان إرضاء لربنا.
تخدر من سكر كلماتها وجمال همسها ولامساتها فمال ليتذوق شهد شفتيها التي أهلكته مرة أخرى. لقد نجحت بأخماد بركان عشقه الثائر بملمس شفتيها وهمسها لضماد جروحه. ذابت بأحضانه كأنها لأول مرة تتذوق قربه.
أخذت تحاوره بعينيها ثم اردفت.
- حبيت قبل كدا.. قالتها بشفتين مرتجفتين.
عانقها بدفئ وهو يرد بصوته المخدر بلمساتها.
- حبيت مرة من زمن.
ابتسم ورفع نظره إليها.
- حكيتلك وانت نايمة.
أحست ببرودة بجسدها، وتصلب كفيها على وجهه، فضيقت عيناها متسائلة.
- وأنا نايمة إمتى؟!
أمسك هاتفه وفتح بعض الصور.
- شوفي كدا مين دي.
توسعت بؤبؤتها وهزت رأسها رافضة ما تراه.
- مجنون! دي صور تتحط على الفون، وبعدين إزاي تصورني وأنا مش حاسة بحاجة دي خيانة.
امسحها ياراكان لو سمحت ممكن الفون يقع في إيد حد.
لهجتها المرتعبة وعيناها المتوسلة، آلمت روحه فتحدث.
- تفتكري ممكن أعرض مراتي قبل ما تكون حبيبتي لحاجة زي كدا؟
الصور دي هتفضل على الجهاز، سواء رضيتي ولا لا.
نهضت تحاول جذب هاتفه.
- لا ياراكان، مستحيل الصور دي، انت أكيد مجنون.
أغلق الهاتف وجلس وكأنه لم يفعل شيئًا ناظرًا أمامه.
- خدي الفون حبيبي ولا تزعلي نفسك.
امسكت الهاتف تحاول فتحه.
- استند على الشجرة وتحدث.
- اكتبي اسمك هيفتح.
اسمي!!
أومأ برأسه. فتحت الهاتف وبحثت به كاملاً فلم تعثر على صورها. رفعت عيناها.
- ودهم فين؟
جذبها إليه.
- تفتكري واحد وكيل نيابة سهل اختراق تليفونه؟
تنهدت بعينين ذائغتين فاتجهت إليه.
- راكان ليه حاطط الصور دي؟
قبل رأسها وأجابها.
- عشان أهددك بيهم بسيطة دي.. واحدة مصورها وهي خالعة هدومها وفي حضني هكون مصورها ليه عشان أتأمل في جمالها مثلا.
لكمته بقوة حتى تألم. فتحدث.
- هو انت بتلعبي رياضة من ورايا...
صمتت ولم تجاوبه. غضبها بائن على ملامح وجهها فتحدث.
- على قد ما الليلة دي اتوجعنا فيها، بس بعتبرها أجمل ليلة في حياتي، ليلة مميزة بكل ما تعنيه الكلمة من معانيها.
قالها وهو يقاتل بضراوة ألم قاتل بقلبه حينما تذكر ليلته الأولى وما حدث بها. نظر لمقلتيها متحدثًا.
- رغم الوجع بس امتلكتك فيها، حسيت بمشاعر حلوة كأنك أول بنت في حياتي وأنا أول راجل في حياتك.. اللي شفعلنا إحنا الاتنين.
- حبنا لبعض، انت قولتي كتير وقتها، كل كلمة كانت بلسم لقلبي من الوجع اللي كان يحرقه.
أشاح بعينيه بعيدًا محاولًا تمالك أعصابه فأكمل.
- كل نفس ليك وقتها كنت بتنفس حبك فيه، عشقك وانت بتقولي انك بتحبيني، اتمنيت إنك تكون واعية وأنت بتقوليلى كدا، وعينك في عيني عشان كدا كل شوية بسألك بتحبيني عايز أسمعها كل دقيقة وكل لحظة، عايزة أشوف شفايفك وهي بتنادي بأسمي وتقولي بحبك.
اتسعت عيناها بحبور وابتسمت بجاذبية واسترسلت بعيناها تهيم به عشقًا.
- بحبك معذبي وبعشق عذابك.
ابتسامة جذابة وهزة عنيفة وهو ينظر لعيناها بسعادة.
- ومعذبك بيعشق مولاته.
فتح هاتفه على موسيقى أجنبية هادئة ثم أخذها بين أحضانه ينظر إلى النجوم التي ظهرت جميعها وحولها القمر. فمالت برأسها ساندة على كتفه متناسيان الزمان والمكان وهما ينظران لبعضهما بنظرات عاشقة. نهض وأمسك كفيها يجذبها لتتراقص معه على الموسيقى الهادئة رافعا شالها حولها اثنتيهما حاوطت عنقه تتحرك معه وهي تضع رأسها على نبض قلبه مغمضة العينين تتمنى أن لا تفيق على كابوس. همست وهي بتلك الحالة.
- كنت بتعمل معاها كدا، قصدي يعني.. قصدي.
تنهد بصوت مرتفع لدرجة لاحظت ارتفاع صدره متخذًا نفسًا طويلًا بعدما علم عما تتحدث قائلاً.
- مش عارف هتصدقيني ولا لا، بس وحياة ربنا أول مرة أقرب من واحدة وأحس بالحب والسعادة إلا وانت في حضني.
وضع كفه بحب أثر رؤية دمعة متحجرة بعينيها قائلاً.
- ليلى مفيش غيرك هز قلبي، مفيش غيرك خلتني أتجنن وأقربلك، واحدة خلتني أكره الحب عشان حبيتها ومطولتهاش، واحدة وصلتني أفقد الثقة في نفسي.
ارتخت ملامحها تدريجيًا فابتسمت ورجعت تضع رأسها بأحضانه مرة أخرى.
- أنا عملت دا كله في راكان البنداري.
آهة خفيضة بنيران العشق خرجت من جوفه، وثورة اندلعت بقلبه كلما تذكر أنتمائها لأخيه.
تطلعت لهيئته بحب وأردفت بشموخ.
- لا أنا أتغر في نفسي عشان عملت فيك كدا.
قهقه بصوته الرجولي دافنًا وجهه بصدرها.
- اتغري كويس لأنك هزيتي راكان.
لكمته على ظهره.
- مغرور ياراكي.
التقط ثغرها وغمز بعينيه.
- لا لازم أتغر وأنا معايا الجمال كله.
ظلت تتحرك معه على نغمات الموسيقى عايزة أعرف كل حاجة.
توقف ثم جلس واجلسها بجواره وقام بإشعال تبغه متنهدًا بألمًا شطر قلبه. دنت منه تستنشق رائحته ولا تعلم لماذا بتلك الأثناء خصيصًا. وضعت رأسها بصدره تتمسح به كقطة أليفة وظلت تسحب أنفاسًا.
- احكي سمعاك.
شدد من إحتضانها مقبلًا رأسها.
- مابلاش.
رفعت رأسها وتضجرت ملامحها بحمرة الغضب والغيرة بآن واحد.
"لا سمعاك ياحضرة المستشار."
لامس خديها مردفًا: "بتقلبي في لحظة."
ثم تطرقت عيناه مهتزة لأول مرة أمامها. بلل حلقه الذي جف ثم تحدث:
"أنا والدتي ألمانية، يعني ماما زينب متكنش أمي."
لمست وجنتيه وهزت رأسها:
"عرفت دا، ماما زينب قالتلي، وكمان سليم حكالي حاجة زي كدا بس مصدقتش."
فاض قلبه بالغضب فتحدث وهو يرمقها بنظرات تحذيرية:
"ليلى عايزك تنسي كل ماهو مرتبط بسليم، كفاية وجع قلبي كل لما أشوف أمير."
اتسعت عيناها من هول ما تلفظ به:
"راكان إيه اللي بتقوله دا، انت ناسي ان سليم كان..."
جذبها ملتقطًا بثغرها بقوة حتى شعرت بسحق شفتيها. ثم أمسكها من فكيها يضغط عليه بقوة:
"ليلى قولتلك مش عايز افتكر انك كنت لراجل تاني. ماتخلنيش أعاقبك بجد، عقابي هيكون وحش."
ارتجف جسدها من فعلته وانزلقت عبرة على وجنتيها. شعرت بصاعقة تصفعها عندما استمعت له:
"ليه بتجبرونا نتعامل معاكم بشدة، ليه بتحاولوا تخرجوا أسوأ مافينا.. أكتر اتنين حبيتهم وجعوني وكرهوني في نفسي."
راقبته بأعين مرتجفة محاولة استيعاب مدى قسوته لها. طالعها بنظرات نارية وتحدث:
"عرفت انك كنت متجوزة اخويا، عرفت إني مش أول راجل في حياتك. مش عايز كل شوية تفكريني بأسوأ حاجة بحياتي."
قالها بصراخ.
هزت رأسها رافضة حديثه ودموعها انسدلت بقوة. تراجعت تضم ساقيها إلى صدرها تتجول المكان المظلم حولها، مطبقة جفونها لتعتصر عيناها بألم من حديثه الذي شطر قلبها.
"عايزة أمشي، قوم روحني."
اقترب منها:
"ليلى آسف."
تراجعت للخلف خوفًا من نظراته الملتهبة بنيران الغيرة.
شعر بخوفها منه وكأن خوفها كأشواك تخربش على جدار جروحه السابقة المؤلمة.
فجذبها بقوة وتسطح على العشب واضعًا رأسها بأحضانه وتحدث:
"حبيت واحدة قوي، خمس سنين علاقة عاشق بمعشوقته، كل حاجة كانت بتطلبها كانت تحت رجليها."
مسد على خصلاتها وانسدلت دموعه.
"حبيتها لدرجة مكنتش شايف غيرها هي وبس، مع إن ماما حذرتني منها، بس كنت أعمى معرفش ازاي كنت غبي قوي. مرت الأيام علينا وهي بتتسرب زي الشيطان لحد مااتمكنت وخطبتها وحددنا فرحنا."
بلع غصة أحزانه وأردف بنبرة مبطنة بالألم:
"تخيلي من جبروتها جات الفرح بفستان أسود ووقفت قدام المعازيم وشاورت عليا وبصت في عيني بكل فجر وقالت:
آسفة ياراكي مش انت الراجل اللي اتمنيته، متزعلش مني حاولت احبك بس مقدرتش، اعذرني وبكرة تلاقي اللي تقدر تحبك."
اعتدل سريعًا بجلوسه ينظر حوله بوجع. التزم الصمت.
اقتربت ليلى منه تربت على ظهره مردفة:
"غبية هي الخسرانة صدقني، انت المفروض تحمد ربنا انه انقذك منها."
تصلبت تعابير وجهه واجتاحه رغبة شديدة في سحق ليلى بأحضانه حتى يخرج نيران آلمه وأحزانه بعدما تذكر أسوأ ما شطر قلبه.
ظل يطالع ليلى للحظات محاولًا السيطرة على نفسه ثم هز رأسه رافضًا يمسح على وجهه بغضب وهو يتخيل ليلى بأنها حلا.
استدار يشعل تبغه واحدة تلو الأخرى يحرق بها أنفاسه كحريق نيران قلبه.
شعرت بغصة عالقة بطعم الصدأ وهي تقترب منه، فأردفت:
"راكان."
ابتعد عنها رافعًا يديه أمامها:
"ابعدي ليلى، متقربيش مني دلوقتي عشان مزعلكيش."
انتفض بوقفته قائلاً:
"ياله عشان اوصلك بيتك."
تهكم قائلاً:
"ماهو دا حظي اتجرح وبس."
لم تتحمل كلماته فنهضت ووضعت كفيها متشابكة بأنامله تنظر للبعيد:
"لازم اروح اشكرها عشان لولاها مكناش بقينا مع بعض، ومعرفتش معنى الحب والسعادة."
كلمات بسيطة نطقتها شفتها حتى خمدت ثورته وتناسى نيرانه. استدار إليها بصمت.
فاقتربت منه تضع رأسها على صدره قائلة:
"بغير على فكرة ياعمو رميو، دا كله عشان افتكرت بت متساويش نظرة من لولتك."
أطلق ضحكة متناسيًا ما كان يشعر به منذ لحظات ورفعها من خصرها:
"معرفش باجي عندك والغباء بيركب دماغي ليه."
حدجته مستغربة حديثه فأردفت:
"يعني إيه."
حملها ووضعها على الحصان وطالعها:
"يعني واحد بيعشق مراته، وهيسافر بعد كام ساعة، وهيقعد من اسبوع لعشر ايام، جاي يودع مراته في مزرعة مفتوحة، بدل مايحبسها في اوضة نومه."
قالها وهو يتمطى الحصان خلفها فضربت أنفاسه عنقها. أغمضت جفونها اثر الرجفة التي هجمت جسدها تأخذ أنفاسها بصعوبة حينما رفع خصلاتها وطبع قبلة على عنقها.
وتحدث بأنفاسه:
"ليلى الطيارة بعد تلات ساعات تقريبا، هتحرم منك أسبوع كامل، متخيلة الوقت دا كله."
تراجعت بجسدها عليه:
"مش ممكن تأجل السفر يوم كمان، أو حتى ساعات."
جمع خصلاتها على جنب ووضع ذقنه قائلاً:
"هتعملي إيه لو أجلت السفر."
كانت ضربات قلبها تتقاذف بداخلها بعنف مما تخيلته من فكرة اقترابه مرة أخرى فتحدثت بصوت متقطع:
"مش عارفة، بس أكيد هعمل الي عايزه."
حاوطها بذراعيه وتحرك بالحصان مقتربًا من اذنيها قائلاً:
"أسمها هفضل في حضنك أعود أيام غيابك ياحبيبي، مش تقولي مش عارفة."
تمادى بوقاحته للحد الذي أعجز لسانها عن الحديث حينما أكمل:
"اسمها هخليك متفكرش غير في لحظاتنا مع بعض ياحبيبي.. شكلك عايزة دروس تقوية حبيبي."
شل جسدها بالكامل تحت ذراعيه التي بدأت تتحرك على جسدها بحرية حتى تناست أنها فوق الحصان فتراجعت بجسدها لتصبح بأحضانه بالكامل. وصلا إلى سيارته واستقلها.
تحرك وهي بأحضانه حتى وصل إلى منزل والدها. مسد على خصلاتها:
"حبيبتي وصلنا."
لفت ذرعيها حول خصره تضع رأسها بصدره تهز رأسها رافضة:
"مش عايزة ياراكان، خلينا شوية كمان."
حاوطها بذراعيه مغمض عيناه وأغلق السيارة ثم حملها لتصبح بأحضانه.
"طيب خلاص نفضل كدا يعني ولا إيه."
لم تجيبه وظلت كما هي حتى اعتقد إنها غفت بأحضانه. مسح على وجنتيها ثم دنى يطبع قبلة عليه:
"حبيبي نمتي ولا إيه، يادوب ألحق أغير وانزل."
قاطعهما رنين هاتفه. زفر حينما وجدها نورسين.
"رد عايزة أسمع بتتصل ليه الزفتة دي."
قالتها بنيران الغيرة.
إمال ملتقطًا ثغرها بقبلة رقيقة ثم تحدث:
"حبيبي الغيور."
لكمته وصاحت بغضب:
"بقولك رد."
فتح الخط واجابها:
"ايوة يانور."
على الجانب الآخر:
"حبيبي جهزت ولا لسة."
أجابها سريعا حينما وجد نظرات ليلى النارية:
"لسة هغير دلوقتي سلام."
ثم أغلق الهاتف. انتفض ذعرًا عندما لكمته:
"بتقولك حبيبي، حبها برص الحية دي، أنا بكرهها هي السبب في بعدك عني بكرهها ياراكان لو سمحت لازم تبعد عنها."
صمتت للحظات تأخذ أنفاسها بصعوبة.
"اوعي تقولي إنها مسافرة معاك."
"ليلى اهدي.. ودي هتسافر معايا ليه، أنا أصلا معرفش مين قالها."
ظلت لبعض اللحظات ثم رفعت نظرها ودموعها تنسدل على وجنتيها:
"راكان قربك من البت دي بيقتلني، اوعى ياراكان تقرب منها وقتها متطلبش مني عقل وغفران، ومعرفش هي مين عشان تاخد منها معلومات."
جمع خصلاتها ونزع حجابها ووضعه على خصلاتها:
"يعني بعد حبي لليلى دا كله ممكن ابص لواحدة زي نورسين اللي بقالها سنين قدامي."
"اعقلي حبي."
وضع كفيه على أحشائها وحركه.
"ليلى أنا دلوقتي مش في دماغي غير حاجة واحدة بس.. عايز ولد منك حبيبي، نفسي أكون أب من أكتر واحدة عشقتها بحياتي."
قالها بنبرة حزينة وعينان منكسرة.
تجمد جسدها وحديث والدتها باذنيها، وشعورها ببعض الأشياء التي جعلتها تشك بأمر حملها.
وضعت كفيها على يديه، وبنبرة هادئة وعينان تقطر عشقًا وغرامًا له وحده.
- إن شاء الله ياراكان، إن شاء الله ربنا يرزقنا بأخ ولا أخت لأمير. أوعى تحط وجعك مني في أمير ياراكان.
توسعت عيناه بذهول من كلماتها.
- اتجننتي يا ليلى؟ أمير ابني، بغض النظر على وجع قلبي، بس دا أول فرحة لقلبي. كفاية إنه منك، ودا ميمنعش إني أكون عايز ولد مني أنا. هي كتير عليا؟
صمتت، لم تجبه. نظر لساعته ثم فتح باب السيارة.
- انزلي، إحنا بنتكلم في إيه؟ مش لما حضرتك تحني عليا وأحس إني جوزك حق وحقيقي.
استدارت لتستند بجذعها على صدره، ناظرة لعيناه.
- بتشك في حبي ياراكان؟ مش عايز تصدق قد إيه بحبك. طيب، مش هنزل ومش هتسافر النهاردة، ودا آخر كلامي.
ابتلع ريقه بصعوبة، يحاول السيطرة على نفسه من عرضها المغري لقلبه المسكين. فدنى يحتضن كرزيتها لبعض اللحظات، ثم أردف بصوته المبحوح.
- صدقيني نفسي قوي، بس مجبور أسافر النهاردة. ووعد مني، أحاول أرجع خلال يومين. وبعدها هنسافر ومحدش يعرف مكاننا فين. هاخدك مكان مفيش غيرنا بس فيه، ونرجع بعشر عيال.
عند يونس.
وصل إلى شقته. نظرت سيلين حولها بخوف.
- يونس جايبنا هنا ليه؟
دنى ينظر إليها بنياط قلبه المتوجع. ثم امسكها من فكيها يضغط عليها بقوة.
- هدوقك احتراق روحي اللي بكل جبروتك دوستي على قلبي. وجاية بكل جبروت توقفي قدامي وتقولي إنك بتحبي واحد غير يونس.
برقت عيونها وتوقف مجرى الدم بعروقها وهي تنظر حولها بخوف.
- يونس روحني لو سمحت، متخلنيش أتصل ببابا.
همس بجوار أذنها.
- وقعتي ولا حد سمى عليكي يا حبيبة يونس.
دفعته بقوة تبكي.
- يونس متبقاش مجنون، روحني يايونس لو سمحت.
جذبها لأحضانه عندما وجد عبراتها، واحتضنها بكل عشق. زرع في القلوب، ولم تشعر بنفسها وهو يغرز إبرة بعنقها يهمس لها.
- من أول ما قلبي دق وعرفت الحب على يد طفلة عندها خمستاشر سنة، أقسمت لربي مفيش حد يقدر يبعدك عني، حتى لو هديت الدنيا دي كلها. آسف يا قلب يونس، بس انت اللي وصلتيني لكدا.
طبع قبلة على وجنتيها.
- يونس بيعشقك يا سيلين، ولو مش كنتي ملكي، مش هتكوني لحد تاني.
بعد قليل استيقظت تشعر بألم يفتك بجسدها. تنظر حولها بضياع، حينما وجدت بأنها ليست بغرفتها. نظرت للفراش الذي وجدت نفسها عارية تمامًا تحت الغطاء.
استمعت لصوته وهو يحتسي مشروبه من النبيذ ويطلق صفيرًا.
- أخيرًا فوقتي يا قلبي، بس نقول إيه؟ معذورة، ماهو الليلة كانت تقيلة عليكي يا سيلين يونس البنداري.
جلس بجوارها والتقط ثغرها بقبلة جامحة، حتى شعر بارتواء روحه بعبير أنفاسها وقربها بتلك الهيئة. قبل أن تتجوز صدمتها.
احتضنها، دافنا وجهه بين خصلاتها، قائلاً بصوتٍ وآهٍ بدموع من عينيه تنسدل بقوة حتى انزلقت على عنقها، فشعرت برهبة مما هو قادم.
- يونس.
أردفت بها بشفتين مرتجفتين، ثم رفعت عينيها الذائغة إليه.
- هو إيه اللي حصل؟ مين خلعني هدومي؟ مين عمل فيا كدا؟
أشار على نفسه بابتسامة واقترب يضمها مرة أخرى.
- تفتكري حد يقدر يقرب منك غيري؟ تفتكري ممكن أسيب حد عايش يفكر بس يقرب من حبيبة قلبي؟
ضم وجهها بين كفيه قائلاً:
- أنا مش عايز غير أشعر بنبض قلبي يضرب بصدري من عشقك وبس. كفاية أحس إنك بتحبيني.
هزت رأسها كالذي مسه مسٌ من الجن، وأردفت بهستيريا.
- أكيد مش عملت فيا كدا صح يا يونس؟ انت بتحبني ومستحيل تأذيني كدا.
احتضن وجهها وطبع قبلة مرة أخرى وتحدث.
- يونس يعمل أي حاجة عشان تبقي في حضني يا حبيبي.
وضعت كفيها على وجهه ودموعها تحرق وجنتيها.
- حبيبي يونس ميعملش كدا في سيلين، عشان عارفة إنك بتحبني، وأنا كمان بحبك، بس بقولك أي كلام عشان أضايقك وخلاص. صح يا يونس؟ انت مش هتأذيني.
رفع الغطاء مرة واحدة وأشار للفراش.
- انت بقيتي مراتي يا سيلين، يعني متحاوليش، ودا الدليل. عشان متفكريش غير في إنك الا يونس وبس.
هزت رأسها وصرخت تلكمه بقوة، متناولة ثيابها التي بجوارها وارتدتها سريعا وهي تهذي.
- هقتلك وهخلي راكان يموتك يا يونس.
صرخت بقهر على أخيها.
- رااااااكان.. انت فين؟ تعالى شوف الندل عمل إيه في أخوتك.
حاول التقرب منها. ابتعدت عنه تصرخ.
- ابعد عني، أبعد يا حيوان، ربنا ياخدك يايونس.
جذبها بقوة.
- حبيبتي اهدي، سيلين انت مراتي، متعمليش كدا، دلوقتي انتِ مراتي.
احتدمت نظراتها ورفعت كفيها وصفعته بقوة.
- أموت نفسي ولا أكون لواحد خسيس زيك.
قالتها بصوت متقطع بالبكاء.
جلس يضمها بأحضانه وهي تبكي بنشيج.
- سيلين أنا قولتلك قبل كدا متخلنيش أجنن. شوفتي وصلتينا لفين.
دفعته تصرخ وهي تجذب خصلاتها، تمزقها بعنف. وقامت بتمزيق ذراعيها ووجهها. تحولت كإنسان مجنون.
نهض سريعا وهو يشير إليها.
- حبيبتي اهدي، هبعد عنك، خلاص يا سيلي.
نهضت سريعا تتلفت حولها، تبحث عن هاتفها.
- راكان هيقتلك، والله لاخليه يقتلك يا حقير.
تحرك خلفها يبتسم بحزن على ما توصلا إليه.
- خليه يقتلني، أهو أحسن من تكوني ملك لغيري.
اختلج صدرها ضربات عنيفة وهي تبحث كالمجنونة، حتى وصلت المطبخ ونزعت السكين، واقتربت منه.
- طيب وأخويا ليه يخسر حياته بسبب واحد حقير زيك؟ أنا كدا كدا موت...
وعلى حين غرة طعنته ببطنه.
أطبق على جفنيه متألمًا وانزلقت عبراته على وجنتيه.
- لو كدا هترتاحي مني، أنا هكون مبسوط لو مت على ايدك.
وقفت تنظر بذهول لما فعلته وتصرخ بصرخات مزقت أحبالها الصوتية حتى سقطت على الأرضية زاحفة إلى أن وصلت إليه.
- يونس افتح عيونك، أوعى تسبني.
وضع يديه على السكين ونزعها بألم كاد أن يزهق روحه وهمس بصوتٍ كاد أن يخرج.
- هاتي تليفوني يا سيلين.
جلست تطالعه بنظرات جامدة تهز رأسها.
- أنا قتلتك، أنا قتلت حبيبي.
ظلت تكررها عدة مرات. حتى رفع كفيه المرتعش يجذبها لصدره يهمس بجوار أذنيها.
- سيلين أنا كويس، هاتي تليفوني حبيبتي عشان أتصل براكان يوديني المستشفى.
ولكن كأنها جسد بلا روح، فقد الحياة لا تشعر بشيء. زحف على الأرض مجاهدًا ألمه، إلى أن وصل للمنضدة وجبينه الذي يغزوه العرق بسبب برودة تسربت لأعضائه. انتزع هاتفه.
وحاول فتحه وكأن روحه خرجت من جسده. فسقط الهاتف كما سقط بجسده على الأرضية مغمض العينين.
عند أسما ونوح.
دلف إلى غرفتها، كانت تجلس تنظر لصورهما معًا. توقفت حينما وجدته بتلك الهيئة.
- نوح فيه إيه؟
دنى منها وهو يصيح غاضبًا.
- فيه إني تعبت، معنتش قادر أتحمل، ودلوقتي بقولك يا أسما، يا تيجي معايا حالا ونكمل جوازنا ونكون زي أي اتنين طبيعيين.
عقدت ذراعيها أمام صدرها متسائلة: يا إما إيه يا دكتور؟
- يا إما نطلق يا أسما، فكري معاكي للصبح.
توقف لدى الباب عندما استمع لكلماتها التي شقت جسده لنصفين وجعلته كالطائر الذبيح.
- طلقني يا نوح.
صاعقة صفعته حتى شعر بإنسحاب أنفاسه وقلبه الذي كاد أن يتمزق من آلام كلماتها التي شطرت قلبه.
وصل إليها بخطوة واحدة وهو يرمقها بنيران قلبه الذي أحرقته. جذبها بقوة يضمها من خصرها ويضغط عليه حتى شعرت بالألم.
- عايزة تطلقي مني يا أسما؟ طيب مش لما نتجوز الأول.
ارتعدت من نظراته النارية فتسائلت بصوت متحشرج.
- نوح بتعمل إيه؟
نزل برأسه لعنقها يستنشق رائحتها التي سلبت منه منذ فترة طويلة.
اهتز جسدها من فعلته، ابتلعت ريقها بصعوبة.
- نوح ابعد، مينفعش.
رفع رأسه يطالعها بنظرات راغبة لأول مرة تراها منه. ارتجفت شفتيها وتحدثت بصوت متقطع.
- نوح ابعد لو سمحت.
لم تكمل حديثها حينما دفعها بقوة على الفراش وهو يحاوطها بجسده.
حتى فقدت الحركة تماماً.
كانت مشدوهة ملجمة اللسان لا تستطيع الحركة أو الحديث. حرب نظرات صامتة فقط قطعها هو حينما همس أمام شفتيها.
- بقالي سنة واكتر وأنا بعيد، بقول حقها تبعد وتغضب، حقها كل حاجة، بس خلاص أنا ضعفت ومعدش فيا طاقة للتحمل. قوليلى أعمل إيه يا أسما بعد التحمل دا كله وفي الآخر جاية تقولي طلقني.
لمس شفتيها بخاصته مغمض عيناه.
- عايزة تبعدي عن حبيبك يا أسما؟ هترتاحي وتعرفي تعيشي وانت بعيد عن حضن نوح.
شهقة خرجت من شفتيها يتبعها بكاء بنشيج وهي تهز رأسها رافضة.
- مش قادرة يانوح، مش قادرة اعيش وانت بعيد عني حبيبي.
احتضن وجهها بين كفيه يمرر إبهامه على عينيها يمسح دموعها. ثم نزل لشفتيها يسحقها.
ودقات كالطبول أصابت جسده كاملاً حينما رفعت ذراعيها تحاوط عنقه لتترك له ساحة الحرب، ولكن فصل قبلته حينما استمع لرنين هاتفه.
عند راكان وليلى.
خرج من مرحاضه يلتف بمنشفة حول خصره. خرجت من غرفة الملابس وهي تحمل ثيابه.
- شوف كدا، هتلبس انهي من دول.
لم تلاحظ خروجه بتلك الهيئة، كانت نظراتها على ثيابه.
اتجهت لحقيبته وتحدثت.
- ياريت تلبس تقيل مش تعمل زي النهاردة، وكمان تحط سكارف على رقبتك. ربنا يستر ومتكنش أخدت برد.
كان يقف خلفها والسعادة تغمر روحه قبل جسده. حاوطها من الخلف.
- اول مرة أحس إني عايش، وأنا شايف حد مهتم بيا ياليلى.
استدارت له تضع يديها على صدره ولكن توسعت عيناها تضع كفيها على عينيها.
- إلبس حاجة واقف كدا إزاي يامجنون.
رفعها من خصرها وتحدث من بين أسنانه.
- افتحي عيونك يابت، هو إنت مع أخوكي دا أنا جوزك، واحمدي ربنا أن مفيش وقت عشان أعرفك إزاي تعملي كدا.
أزال كفيها وتحدث بغضب.
- نعم ياختي مكسوفة مني، عندك حق تعملي أكتر من كدا، ماهو انا اللي استاهل، متجوز واحدة بتنام في اوضة وأنا في أوضة ومتجوزين بالاسلكي.
انزلها بعدما توردت وجنتيها وأصبحت أمامه كالتفاح الحرام بسبب ضيق وقته.
- ماشي ياليلى، استني بس وأنا أعرفك إزاي تعملي كدا.
تحركت سريعاً لباب الغرفة وتحدثت بصوت مهزوز.
- هستناك تحت لحد ماتلبس، لسة قدامك نص ساعة يادوب تخلص.
وصل إليها بخطوة واحدة وحاوط جسدها بالجدار.
- طيب مين هيلبسني لما تستني تحت؟ مش انت اللي أصريتي تيجي معايا توصليني للمطار.
هربت بأنظارها عندما شعرت بسيقانها التي أصبحت كالهلام، وأنفاسه الحارة تضرب وجنتيها.
- ابعد ياراكان، على رغم تمنيها بإستنشاق رائحته التي وصلت إلى رئتيها وتمنت قربه كمدمن ينتظر جرعته.
هزة أصابت جسدها وهي تتحدث بتقطع ودموع مترقرقة.
- كمل لبسك، مش معقول هتأجل الطيارة.
جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره العاري وضعت كفيها عليه وجسدها ينتفض من قربه لهذا الحد الذي اوصلها لشعور غير مسيطر حتى دنت تضع رأسها بصدره ورفعت ذراعيها حول عنقه تتنفس رائحته.
بينما هو يعتصرها بأحضانه، مطبق على جفنيه بآهة من أعماق روحه دافنا وجهه بين خصلاتها.
- حرام عليكي بجد، شكلي هرمي المفتاح بجد ياليالي.
مساء اليوم التالي.
استيقظ على رنين هاتفه. نظر إليه وشعور بآلام بكافة جسده. وجد صورتها على شاشته.
فتح جفنيه بتثاقل من شدة مايشعر به.
- ليلى.
استمع لشهقاتها وهي تبكي.
- "راكان" وحشتني لازم ترجع النهاردة لو بتحب ليلى فعلا..سيب كل حاجة وأرجعلي في أقرب فرصة.
أعتدل جالساً وأردف.
- مالك حبيبي.. ايه اللي حصل؟
شهقة خرجت من فمها قائلة.
- "بحبك قوي".
استمع لها ثم فصل الخط.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سيلا وليد
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
عازف بنيران قلبي
الفصل الثالث والعشرون
نضطر أحياناً بالتظاهر بما ليس في القلب كي نحافظ على مظهرنا وملامحنا الخارجية ولا نقلل من أنفسنا أمام من أحببنا.
فالجرح الذي يأتي من الحبيب يظل غائراً في القلب، ولا تتمكن الأيام من مداواته.
---
قبل سفر راكان بقليل
استقلت بجواره السيارة، أمسك هاتفه وقام بمهاتفة أحدهما.
- معتصم أنا في طريقي للمطار الحقني على هناك عشان ترجع بمدام ليلى.
انهى اتصاله، ثم اتجه لحارسه:
- سوق يامحمود وخلي بالك موضوع سفري اتعرف.
أومأ الحارس الشخصي بالموافقة واجابه:
- تمام ياراكان باشا.
فيه حاجة لازم تعرفها، قالها وهو ينظر إلى ليلى.
حمحم راكان وتحدث بمغزى:
- تمام يامحمود أمشي عشان نلحق ميعادنا.
اتجه بأنظاره إليها مردفاً بهدوء:
- مالك!
استقطبت ملامحها وسألته بجدية:
- مش ملاحظ موضوع اللخبطة في شركة والدتك دا مريب شوية؟ انت قولت سليم مظبط كل حاجة قانونية واتنقل باسمك، إيه المشكلة دلوقتي؟
جذب كفيها وتشابكت أنامله القوية بأنامله الصغيرة ثم رفعها وطبع قبلة في باطن كفيها قائلاً:
- سيبك من دا كله، المهم اهتمي بنفسك وأمير كويس، وبلاش تخرجي لوحدك مهما يكون. محمود هيكون معاكي يعتبر مالوش غيرك في غيابي.
صمت للحظات ثم اتجه ينظر لمقلتيها:
- مهما يحصل وتسمعي من حد حتى لو جدي مترديش عليه، أنا شوفت الفيديو اللي كان بنكم.
كسا الوجوم ملامحها فأردفت:
- جدك دا لايطاق بجد، معرفش ازاي دا أب أصلاً.
رسم قناع بارد فوق ملامحه رغم الغليان القابعة في صدره من محاولات جده البائنة:
- عايزك تفهمي ان جدي أهم حاجة عنده السلطة، ومن وقت ماخسر شركاته بيستعمل قسوته ومفكر دا قوة، فأنا بحاول أتمادى عنه لاني عارف هينزل على مفيش.
- هحاول أبعد عن أبو لهب بتاعكم دا، اخر مرة كان هيبلعني.
كتم صوت ضحكاته وأردف:
- يعني داخلة عليه تطرديه من المكتب ويسكت يالولة؟ دا توفيق البنداري بردو مش أي حد.
تمتمت بكلمات استياء محاولة السيطرة على غضبها:
- أنا عمري ماتكلمت مع حد بقلة ذوق بس دا متجبر بجد، يعني كل حياته أوامر وبيبص للناس بإحتقار.
كان يطالع حركات شفتيها المغرية، وغضبها الذي أحبه حيث توردت وجنتيها بلون غضبها.
قاطعت حديثها وهي تنظر إليه فولت بنظراتها بعيداً عن نظراته المخترقة لها.
ضغط على كفيها فاتجهت له دنى يهمس لها:
- أنا بقول توفيق دا مفتري ولازم أرجع احاسبه عشان مزعل لولة، وبالمرة ألغي السفرية دي واجهز لسفرية تانية فيها حاجات تانية طعمها حلو.
احمرت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تطرق انظارها للخارج، وابتسامة مغرمة على شفتيها من كلماته.
حاولت سحب كفيها ولكنه كان متمكناً بسيططرته الكاملة عليه.
صمت دام لدقيقة بينهما ثم قاطعته محمحمة:
- راكان ممكن اطلب منك طلب.
رفع ذقنها بأنامله قائلاً:
- إنت تؤمري حبيبي مش تطلبي.
وضعت رأسها على صدره صامتة للحظات، حاوطها بذراعيه وتسائل:
- عايزة إيه؟
اتخذت نفساً عميقاً ثم اعتدلت تنظر إلى مقلتيه:
- راكان عايزة أروح أقعد عند بابا لحد ما ترجع، بابا محتاجني قوي الأيام دي، وحياتي ماترفض.
لامس وجنتيها بإبهامه وعينيه تطالعها بصمت.
لحظات من الصمت بينهما ولكن هناك نظرات رافضة، ورغم رفضه...
- باباكي مسافر بعد بكرة يعني وجودك مالوش لازمة هناك.
احتضنت كفيه وترجته مرة أخرى.
أومأ لها متنهداً بعدما ضعف أمام عيناها الراجية:
- هتروحي بس ممنوع اختلاطك بآسر ياليلى، الولد دا مبحبوش.
تراجعت بجسدها لمقعد السيارة وابتسامة على وجهها.
رفع حاجبه وتسائل:
- الابتسامة دي وراها ايه؟
طالعته وأجابت:
- اصل آسر يوم ماسليم طلبني للجواز، تخيل قال إيه.
قبضة قوية اعتصرت قلبه بعدما ذكرته بالذي تمنى أن يفقد ذاكرته بسببه، حاول أن يسيطر على غضبه حتى لا يغضبها.
- قالك إيه؟
تذكرت ذاك اليوم واجابته:
- قالي راكان احسن من سليم، راكان واضح ماتسمعيش اللي بيتقال عنه.
لم ترى ردة فعل منه غير إيماءة من رأسه.
بعد قليل وصلا إلى المطار.
توقفت السيارة.
باتت نبضاتها الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعها.
وقبضة قوية اعتصرته، قبضت على كفيه، وخيط مترقرق من الدموع فهمست بصوت متقطع:
- إحنا وصلنا.
شعر بالحرارة المنبعثة من جسده ونيران قلبه تكويه دون رحمة فجذب رأسها وطبع قبلة مطولة على جبينها يبث فيها كل أشواقه ويشعرها بالإطمئنان.
- مش هتحسي بغيابي وإن شاء الله هرجع بسرعة. المهم زي ماقولتلك، لازم تاخدي بالك كويس ومتثقيش في أي حد.
ترجلا وهما متشابكين الأيدي إلى أن وصلا مهبط الطائرات.
داعبها بعينيه وهو يفترس ملامحها، ثم جذبها يحاوطها بين أحضانه قبل صعوده للطائرة.
همس بجوار أذنيها:
- لما ترجعي البيت هتلاقي نوتس في الدريسنج روم يبقى شوفيها، وفيه علبة جنبها دي بتاعتك.
طبع قبلة على وجنتيها وهمس:
- بحبك مولاتي.
قالها وتحرك بعدما أشار بعينيه إلى محمود الحارس الشخصي وصعد إلى طائرته دون النظر خلفه.
ظلت لدقائق معدودة حتى اقلعت الطائرة.
هنا فقدت سيطرتها وانزلقت عبراتها كشلال وهي تمتم:
- هتحمل غيابك إزاي وأنت من دلوقتي وحشتني.
أزالت عبراتها متحركة إلى منزله اولا.
عند حمزة
استيقظ على رنين هاتفه.
- دا ايه الصباح الحلو دا حبيبي.
هب فزعاً عندما استمع لشهقاتها وهي تتحدث بصوت غير مفهوم متقطع.
اعتدل يمسح على وجهه ويرجع خصلاته متسائلاً:
- درة حبيبتي اهدي عشان اعرف بتقولي ايه.
سحبت نفساً تضع كفيها على فمها وتحدثت:
- سيلين كلمتني وعمال تصرخ وتقول قتلت يونس وعايزة راكان، وراكان تليفونه مقفول وليلى مش عارفة اوصلها. هما كلموني من ساعة تقريبا وقالوا هيروحوا المطار.
ممكن راكان يكون في الطيارة، بس ليلى تليفونها مقفول معرفش ليه. أتصرف ياحمزة واوصل لسيلين انا مش عارفة اتصرف لوحدي.
صدمة بل صاعقة صفعته بقوة حتى توقف عقله عن التفكير وهو يمسح على وجهه عله يستوعب ما استمع إليه فأجابها:
- طيب يادرة انا هتصرف.
أغلق الهاتف سريعاً وقام الأتصال على يونس.
كانت تجلس بجواره وجسدها يرتعش، تضع يديها على جرحه ودموعها تنسدل بقوة، وتتمتم:
- راكان إنت فين..تعالى انقذ يونس، راكان.
ظلت تكررها بهدوء ونظراتها في اللاشئ.
استمعت إلى رنين هاتف يونس.
امسكته ظناً أنه راكان وأجابت سريعاً بصوت متقطع:
- راكان أنا قتلت يونس.
قطعت حديثها عندما استمعت إلى صوت حمزة:
- انتو فين ياباشمهندسة.
نظرت حولها بضياع واجابته:
- في شقته.
تحرك بسيارته بأقصى سرعة، ولم يلاحظ ممن يتحرك خلفه لمراقبته.
وصل بعد قليل وطرق على باب الشقة ولكن لا يوجد رد.
كانت بالداخل تنظر بحدقيتها ولا تشعر بما حوله.
دفع حمزة الباب وهو يصرخ بصوته عليها:
- سيلين افتحي الباب.
ظلت تائهة ضائعة، تصنم جسدها، وشل لسانها، وتوقفت حياتها.
وصل المسؤول عن المبنى.
صرخ به حمزة:
- افتح الباب دا ولا اكسره.
اعترض الرجل قائلاً:
- مينفعش ياحمزة بيه الدكتور يونس ممكن يطردني.
امسكه حمزة يطبق على عنقه:
- هات مفتاح الشقة، قالها صارخاً.
بسط الرجل يديه بالمفتاح.
هرول سريعاً يفتح الباب.
دلف إلى الداخل يبحث عنهما.
صدمة قوية نالت منه لدرجة شعر بأن الكون يدور به فكانت نظراته نحو سيلين التي تجلس تحتضن يونس ودموعها تنسدل بصمت.
عينين هالكتين وجسد بلا روح.
اقترب منها وتحدث:
- باشمهندسة سيلين يونس.
ظلت كما هي كأنها فقدت الحركة والكلام.
جذبها حمزة من ذراعيها، بعدما أخذ يونس الذي شعر ببرودة جسده وتخضب شفتيه بالزرقة.
اهتز جسد حمزة خوفاً على صديقه.
تحركت دون مقاومة، اجلسها على الأريكة، واتجه سريعاً إلى يونس يحمله مع الحارس متجهًا إلى الأسفل.
- خلي بالك منها وهرجعلك بسرعة.
تحرك بسيارته بأقصى سرعة وامسك هاتفه.
---
عند نوح
حاوطها بجسده ينظر إلى مقلتيها مقترباً من شفتيها:
- هتقدري تعيشي بعيد نوح ياأسما، قلبك هينبض وتقدري تتنفسي وانت بعيد عن حضني.
شهقة خرجت من فمها تبعها بكاء مرتفع ودموعها المنسدلة على وجنتيها تحرقها كلهيب يحرق احشائها، هزت رأسها رافضة:
- انا مش قادرة يانوح، أنا بموت.
قطع حديثها بخاصته التي سحقت شفتيها.
اغمضت جفونها من أثر الرجفة التي هجمت جسدها، رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، تاركة له معركة العشق.
ظل يغرد على ألحان عشقه، ولكن قطع وصلة غرامه، رنين هاتفه الذي صدح لعدة مرات متتالية.
دفعته أسما تتخذ أنفاسها بصعوبة وتحدثت بصوت متقطع:
- نوح شوف تليفونك.
رجع خصلاته للخلف متنهداً ونيران عشقه تسيطر عليه:
- مين البارد على الفجر دا.
أمسك هاتفه ثم زفر بغضب:
- عريس الغفلة سهران حد قده الليلة، اكيد عايز يتسلى.
أطلقت ضحكة خافتة من بين شفتيها:
- رد عليه ممكن يكون حاجة مهمة.
ابتسم وهو يجذبها لأحضانه:
- هرد بس مش عشان أعرف عايز إيه، عشان ضحكة حبيبتي اللي اتحرمت منها شهور.
نظرت للأسفل وتوردت وجنتيها حتى أصبحت بلون التفاح الذي حان قطفه.
دنى يطبع قبله على وجنتيها غامزاً:
- اموت في التفاح ياتفاحة حبي.
استمع إلى الرنين مرة أخرى.
أخرج زفرة غاضبة وأجابه:
- إيه يابني ماترحم امي.
- نوح اسبقني على مستشفى يونس بسرعة، ومش عايز حد يعرف دلوقتي حتى أسما.
هب فزعاً من صوت حمزة الذي إن دل على شيء فيدل على فاجعة.
تحدث بصوت متقطع:
- راكان حصله حاجة ولا إيه.
نهضت أسما سريعاً تقف بجواره، متسائلة:
- نوح فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟
رفع كفيه يشير إليها بالصمت، ثم تحرك سريعا يبدل ثيابه.
"أسما يونس بيموت وحمزة واخده المستشفى، بلاش تعرفي ليلى عشان راكان أكيد سافر دلوقتي."
شهقة خرجت من فمها، تضع كفيه عليه متسائلة.
"إزاي يعني يونس بيموت؟"
وضع قبلة سريعة على وجنتيها قائلا:
"معرفش، هروح وأعرف. المهم ليلى متعرفش. حمزة مأكد على درة هي كمان."
أومات متفهمة، ثم تحرك سريعا متجها للخارج.
بعد قليل، أمام غرفة العمليات يجلس نوح بجواره حمزة.
نهض يضرب على الحائط.
"هما اتأخروا ليه؟"
جلس حمزة يتطلع إلى الأمام ولم تتحرك عضلة من وجهه. استمر بجلوسه الهادئ رغم ناره التي تكمن بداخله.
خرج الطبيب، وصل نوح إليه بخطوة.
"إيه يا طارق؟ يونس عامل إيه؟"
هز الطبيب رأسه بأسف.
"خسر دم كتير والكلية اتأثرت من الطعنة للأسف."
صرخ نوح عندما فقد السيطرة.
"هو أنت بتنقطني يابني؟ قول هو عامل إيه؟"
نظر الطبيب إلى الأسفل وتحدث بهدوء.
"حالته مش مطمئنة. هنشوف الساعات الجاية. وزي ما قولت له كلية اتأثرت، وطبعًا أنا حاولت أوقف النزيف بس..."
هوى نوح على المقعد عندما شعر بإنسحاب أنفاسه. جلس واضعًا رأسه بين راحتيه.
عند ليلى بقصر البنداري.
عادت إلى القصر، دلفت للداخل. تقابلت بزينب عند مصلاها.
"ليلى حبيبتي إيه اللي جابك دلوقتي؟ راكان قالي إنك هتباتي عند باباكي."
ارتبكت من وجودها.
فركت كفيها وتحدثت بتقطع.
"ما هو أنا استأذنت منه أقعد عند بابا لحد ما يسافر. وهو وافق وجيت عشان آخد هدوم ليا ولأمير."
ربتت زينب على كتفها وأردفت.
"بس متتأخريش عليا بأمير يابنتي."
أومأت برأسها وتحركت من أمامها سريعا.
دلفت إلى غرفتها أولًا ووضعت بها بعض الثياب. ثم اتجهت إلى غرفته.
دلفت بخطوات متعثرة عندما استقبلتها رائحته، تحتضن صدرها. تنفست بتثاقل حتى تتمتع برائحته الندية لقلبها. اتجهت إلى فراشه تتحسسه بأناملها، لأول مرة تجلس عليه.
تسطحت تضع رأسها على وسادته تستنشق رائحته العبقة وتضم الوسادة مع هطول عبراتها على وجنتيها وهي تهمس باسمه.
وضعت كفيها على أحشائها.
"تفتكر هيكون عندنا ولد؟ النهاردة عندي إحساس كبير هكون حامل. خايفة قوي ياركان. خايفة من اللي جاي. يرجعوا يلوموني ويقولوا أخدت الأخين."
آهة خفيضة خرجت بنيران العشق.
رفعت سترته تستنشق رائحته كمدمن.
"بعشق الريحة دي."
سحبت كما كبير تملأ رئتيها ثم ضمتها لأحضانه.
ظلت لبضع دقائق بنفس الحالة. ثم توقفت تجلس أمام مرآته تحمل عطوره واحدة تلو الأخرى تستنشقها حتى تعبأ رئتيها منهم.
ظلت تتجول بغرفته تتمنى أن يخرج من أي ركن بها حتى وصلت إلى غرفة ثيابه.
دلفت بهدوء ونبضات قلبها تتسارع بالنبض.
فتحت الخزانة بهدوء تنظر بعينيها على جميع ثيابه وتتلمسهم بأناملها. وصلت عيناها لتلك النوتس الموضوعة بجانب علبة مخملية مزخرفة بنقوش ماسية.
حملتهما واتجهت للأريكة تجلس عليها. فتحتها بهدوء ورغم هدوء تحرك أناملها إلا أن هناك تدفق بأوردتها وتسارع بنبضاتها.
فتحت العلبة أولًا وجدت بها كارت به رائحته.
ويكتب عليه.
"ليلى راكان البنداري."
تاريخه منذ سنتين ونصف.
فتحته وقرأت ما بداخله.
"آسف كان لازم أعمل كدا عشان نتقابل."
قطبت ما بين جبينها بتساؤل.
"يقصد إيه؟"
وضعت الكارت وقامت بفتح تلك العلبة الصغيرة. تحتوي على خاتم ألماسي به فص من الأحجار الكريمة وينقش بداخله اسمها واسمه، وتاريخ صناعته.
توسعت عيناها حينما وجدت الخاتم، ترجع بذاكرتها لذاك اليوم. اليوم الذي قبلت به زواجها من سليم.
تنهدت متألمة وأنفاسها المرتفعة. أطبقت على جفنيها بحزن وهمست.
"غبية أنا، واحدة غبية. كنت حاسة ورغم كدا كذبت إحساسي."
فتحت النوتس ونظرت بداخلها.
"مولاتي.. بل حبيبتي وزهرة حياتي. معرفش هتشوفي كلماتي البسيطة دي ولا لا. ولا هقابلنا في يوم يجمعنا ولا لا."
"سميتك مولاتي لأنك حكمتِ في عرش قلبي واخترقتِ الفوارق."
"ليلي وسماي بل قمري المنير في دنيا ظلام حياتي."
"كلماتي ماهي إلا وصف لحالاتي."
"فأنت الحب والعشق والغرام."
بدأت تقرأ كلمات ما بين السطور وعبراتها تسبق شفتيها التي تنطق كلماته. وكل صفحة بها صورة لخروجها من إحدى الشركات. صورة تلو الأخرى بمفترق الأماكن.
لمست أناملها صورته التي توضع بآخر صفحاته، ويكتب بجوارها.
"من يطرق باب العشق ويدخله بإرادته يا إما أن يعود طفلا بحبه للحياة أو يخرج منه إلى منفى."
"أسيرًا للممات."
أمسكت صورته تطالعها بعينيها التي انهمرت عبراتها ممزوجة بنزيف قلبها بظلم قدرها.
احترق قلبها من غبائها وتهورها بعدما اتضح كل شيئًا أمامها. نعم عشقها مثلما عشقته. كان خلفها بخطواته وروحه وقلبه النابض، ولكن ماذا فعلت هي من أدمت قلبه لينزف جراحًا ويحترق.
نهضت تجمع الأشياء وتضعها بصندوقها. ثم قامت بترتيب الخزانة وتاركة لنفسها مساحة لثيابها. كانت تلمس كل شيئًا بإشتياقًا كمغترب يعود لوطنه بعد سنين يتلهفه الشوق والاشتياق.
مرت قرابة الساعة ثم اتجهت إلى هاتفها الذي يوضع على الشاحن وفتحته وقامت الاتصال بأختها.
"درة صباح الخير."
أجابتها درة التي تحمل طفلها وتطعمه.
"صباح الخير حبيبتي. راكان سافر؟"
تنهيدة حارة خرجت من جوفها مع غصة تشكلت به قائلة بعين مترقرقة:
"سافر من ساعة ونص. وأنا كنت جاية آخد شوية هدوم عشان نقعد كام يوم عند بابا."
قاطعتها درة سريعا.
"ليلى مينفعش تسيبي بيت جوزك في غيابه مهما كانت الظروف وكمان بابا هيسافر بكرة بليل يعني وجودك هنا زي عدمه."
ضيقت ليلى عيناها متسائلة.
"إنتِ بتطرديني يابت ولا إيه؟ ما هو ماما موجودة هقعد معاها."
نهضت درة بعدما وضعت الطفل وحاولت أن تتحدث معها لإقناعها.
"براحتك بس أنا شايفة لازم تفضلي عندك عشان الكل يفهم إنك مراته فعلا مش مجرد أرملة."
زفرت ليلى بضيق وهي تشعر بأن هناك شيئًا ورغم ذلك نفضت حديث درة واتجهت إلى غرفتها وهي تتحدث.
"أمير صحي ولا لسة؟"
أجابتها بتنهيدة وهي تنظر إليه وهو يلعب بألعابه.
"صحي بعد ما راكان كلمني بنص ساعة. ماما أخدته غيرتله وعملت أكله وأنا أكلته ودلوقتي بيلعب."
أرجعت خصلاتها للخلف.
"آسفة يادرة عارفة تعبتك معايا امبارح بس حقيقي كنت محتاجة أفهم حياتي هتكون إزاي."
تنفست درة بتثاقل كلما تذكرت ما صار إلى سيلين ثم زفرت الهواء على دفعات وأجابتها.
"المهم تكوني انبسطي ياليلى. ياله تعالي عشان ابنك زهق مني. وكمان لازم أنزل عندي مشوار مهم."
أنهت اتصالها. ثم استمعت لطرقات على باب غرفتها.
"دلفت زينب إليها تنظر بالغرفة ثم اتجهت تجلس بمقابلتها حينما شعرت بألم يخترق قلبها.
"سيلين مرجعتش لحد دلوقتي. كنت مفكرة إنها معاكي. وبما إنك هنا يبقى هتكون فين."
فغرت شفتيها مصدومة من حديث زينب فتسائلت.
"يعني سيلين برة من امبارح؟ لسة مارجعتش؟"
وضعت زينب رأسها بين راحتيها متنهدة بوجع قلبها.
"لسة. واتصلت بيونس مبيردش. قلبي وجعني عليها. روحت سألت عنه قالوا مرجعش. خايفة يتهور عليها دا مجنون."
ربتت ليلى على كفيها وتحدثت.
"إن شاء الله هتلاقيهم شوية وداخلين. يونس كان بيقول وراه عملية. ممكن تكون استنته وتليفونها فصل شحن. اهدي."
هزت رأسها ورجف قلبها من الخوف وشعورها بشيئًا مريب.
"لا هي عمرها ما اتأخرت ولا باتت برة. وكمان أخوها وأبوها مش موجودين. لا قلبي وجعني لازم اتصل بأسعد وأعرفه."
جلست ليلى بمقابلتها وحاولت تهدئتها.
"طيب نستنى شوية كمان وأنا هحاول اتصل بيها يمكن فونها صامت أو في حتة مفهاش شبكة."
بفيلا خالد صرخ بأعلى صوته وصفعة قوية على وجه الرجل الذي كان يقوم بمراقبة حمزة.
"لسة جاي تقولي ياحيوان؟ بنت الحرام موتت حفيدي وحياة ربنا لأموتها."
حاول الرجل الحديث ولكنه لم يدع له الفرصة. تحرك توفيق كالمجنون يصرخ على خالد.
"اصحى يا خالد ابنك في المستشفى بيموت."
فزعت فريال بنومها وكأنه كابوس فنهضت بثياب نومها تهرول إلى الأسفل على صرخات توفيق. بعينين زائغتين مردفة ولسان ثقيل.
"ابني أنهي فيهم حصله إيه؟"
أشار لها بسبابته وهو يصيح.
"البنت دي لازم يكون آخر يوم في حياتها النهاردة اللي تقرب من حفيدي أدمنها في مكانها."
وصل خالد على صيحات والده متسائلا.
"مين دي يابابا وقصدك على مين؟"
"بنت الحرام ضربت يونس بالسكينة وهو بينازع الموت في المستشفى. وحضرتك نايم في العسل."
شهقة بصرخة من جوف فريال وهي تصيح باسم ابنها. نظر إليها توفيق نظرات تحذيرية آخرستها.
"أنا هروح أشوف يونس وانتوا الحقوني. مش عايز نفس ولا حتى عايدة تعرف. هما بيحاولوا يخبوا بس وحياة ربي لأندمهم."
وصل توفيق إلى قصر البنداري وصاح بصوت هز جدران القصر. كانت ليلى تجلس بجوار زينب بالأعلى. هبتا فزعا من صوته الجهوري.
وتحركا للأسفل.
وصلت زينب أمامه وصاحت بغضب.
"صوتك ياحمايا إيه مفيش حرمة للبيت."
جذبها من ذراعيها بعنف. وتحولت عيناه للهيب من نيران جهنم وهو يضغط على ذراعيها حتى صرخت من الألم.
"حفيدي لو حصله حاجة هدمنك إنتِ وبنت الشوارع دي. قسمًا عظيمًا أدمنك أحياء يابنت محمد الدمياطي."
ثم دفعها بقوة كادت أن تسقط لولا ذراع ليلى التي تلقفتها.
شهقة بفزع من ليلى عندما وجدته يتعامل مع زينب بتلك الطريقة. نهضت ثم اتجهت و.
توقفت ليلى أمامه بأنفاسها ملتهبة.
"إيه اللي عملته دا مفكر نفسك مين؟"
التوت زاوية فمه بعبث وهو يقترب منها.
"مش متفاجئ منك ماهو انتِ شبهها."
أشار إلى زينب التي تجلس تنتفض خوفًا على ابنتها بعد حديثه.
"عرفيها يازينب اللي بيوقف قدامي بعمل فيه إيه؟"
وقفت ليلى أمامه بثبات رغم تيبس مفاصلها من مظهره المريع وهتفت بصوت صاخب
- أنا هنا ليلى البنداري، قوتي من شخصيتي ولا انت ولا عشرة غيرك يقدروا يضعفوني.
اقتربت تناطحه بكبريائها
- اسمي ليلى راكان البنداري، اللي بتملك أكتر منك شخصيا.
دارت حوله عندما بهتت ملامح وجهه ثم اردفت
- لو ناسي فجوزي كتبلي كل حاجة. غير كمان أمير الا له نصيب من جده ومنك شخصيا.
فياريت لما تيجي توقف تتكلم معايا تتكلم بهدوء، متنساش انا صاحبة البيت دا، بعد إذن ماما زينب طبعا.
جذبها بعنف من حجابها وكأنه يقتلع خصلاتها وهمس بصوتا جحيميا
- لو ملمتيش نفسك هخليكي تتمني الموت ومش تلاقيه. ودلوقتي عرضي ليك ومفيش غيره تطلعي من البيت دا النهاردة بكرامتك بدل مااطلعك بطريقة تانية. واملاكك كلها هتكون باسمي.
نهضت زينب تقف أمامه لتخليص ليلى فصاحت بصرخات
- بنتي فين ياتوفيق باشا؟ ودي اللي عمال تهين فيها بتكون مرات راكان.
تهكم بسخرية
- أيوه عارف ياختي منك ليها. مراته على الورق وبس. راكان مراته بنت النمساوي اللي هي دلوقتي في حضنه وبيقضوا شهر عسلهم.
قالها بضحكات ساخرة متحركا بعد قنبلته التي ألقاها عليهما، ثم توقف أمام الباب
- ماهو مش معقول حفيد توفيق البنداري هيتجوز واحدة مستعملة و عرض عليها ليلة وهي رفضته واهانته وراحت اتجوزت أخوه انتقاما بس. مش كدا يابنت المحاسب المريض.
ترنح جسدها شهقت بصدمة قبل أن تشير إليه بسبابتها وتصرخ به
- انت واحد مريض معرفش اللي زيك ليه عايش في الدنيا دي ليه.
وصل إليها بخطوة وصفعها بقوة على وجنتيها ثم امسكها من خصلاتها
- عايش عشان اربي أمثالكم.
هتطلقي من راكان وتتنازلي على كل أملاك سليم وقبل دا كله هتتنازلي عن حفيدي.
دفعته بقوة صارخة
- دا على جثتي ياتوفيق باشا. موتني الأول وبعدين اعمل اللي عايزه.
رمقها بنظرات نارية مدقق النظر لعيناها التي ظهرت بها خيوط حمراء من الغضب فاقترب منها
- لا هتعملي كله من غير ماادوس على جثتك.
بس مش مستغرب كلامك.
ماهي الست اللي ترخص نفسها وتفضل في بيت راجل غريب وراضية تكون على زمته بعض ماحاول يشتري ليلة هستنى منها إيه.
ابتلعت مرارة الإهانة واقتربت ترمقه بنظرات لو تحرق لأحرقته قائلة
- أنا هفضل ليلى راكان البنداري، سواء عجبك ولا مش عجبك. أما علاقتي بجوزي محدش له علاقة بيها غيرنا إحنا الاتنين. يشتري ليلة يشتري عشرة دا مش شغلك.
ضحك بسخافة على حديثها ثم تحدث مستهزأ
- واحدة رخيصة. عارفة ومتأكدة جوزها هيتجوز غيرها وكل ليلة في حضن ست وقاعدة تبجح معايا. بس اللي متعرفهوش انه معاكي لحد دلوقتي عشان امير واملاك سليم وبس. ماهو مش معقول هيتنازل عن إهانته ورفضه.
دقق النظر إلى ملامحها التي بهتت وتحولت كجسد موتي وأكمل
- راكان عنده الستات كلها واحد. مااخدش إلا اهانته. طبعاً عمره ماهينسى إهانته هو بس بيخططلك على تقيل عشان يضرب ضربته بموتة ولو مش مصدقة هسمعك.
قام الأتصال على نورسين
- صباح الخير ياجدو..قالتها نورسين.
- صباح الورد ياحبيبة جدو..بقولك يانور انت ممكن تعدي عليا النهاردة محتاجك ضروري.
- سوري ياجدو. النهاردة انا مسافرة ألمانيا. حضرتك عارف راكان سافر الصبح وأكد عليا ألحقه بعد مايخلص اجتماعاته. هكلمك لما اوصل. معرفش فيه حاجة غريبة حصلت.
وانا بكلمه عشان اتأكد من السفر. قفل في وشي على طول زي مايكون مش عايز حد يعرف اني هسافر معاه.
نظر توفيق بتهكم إلى ليلى، التي شعرت بدوار يضرب رأسها من صدمتها، وقلبها الذي نزف من الألم وهي تتخيله مع أخرى.
اتجهت زينب تمسكه من كفيه
- سيلين فين ياعمي؟ اوعى تكون اذتها. صدقني هتندم طول حياتك.
نزع كفيه بعنف مردفا
- دوري عليها بنت الل.
ثم تحرك بعد ثورة عنيفة ادمت قلبهما.
عند نوح وحمزة.
وقف حمزة ينظر إلى يونس من خلال النافذة الزجاجية. اتجه نوح ووقف بجواره.
- لسة مفيش تحسن. أنا دخلت له من شوية.
أطبق حمزة على جفنيه واردف
- لازم راكان يعرف. حالة سيلين مش عجباني. وتوفيق لو عرف ممكن يموتها.
اسبل جفونه ينظر للاسفل ويتذكر إنهيارها بعدما رجع إليها.
- باشمهندسة سيلين.. كانت تنظر في اللاشئ.
اوقفها بذراعيه يحاوط خصرها حتى يهبط بها إلى الأسفل. تحركت معه ولا تشعر بشيئا. حتى وصلت للمشفى.
قام الطبيب بالكشف عليها وإعطائها بعض المهدئات حتى تظل نائمة واتجه إلى حمزة قائلا
- دا إنهيار عصبي. أنا نومتها بالمهدئات.
خرج من شروده على وصول توفيق وهو يزمجر بغضب
- فين حفيدي بنت المؤذية عملت فيه..
توقف حمزة امامه!
- حفيدك جوا وحالته مستقرة. بس منعرفش مين اللي عمل فيه كدا.
دفع حمزة وهو يشير بسبابته
- لو مقولتش بنت الحرام فين يبقى مترجعش تبكي على هعمله فيك يامتر.
توقف نوح يطالعه بصمت ثم تحدث
- جدو توفيق إحنا منعرفش حضرتك بتتكلم على إيه.
ابعد نوح من أمامه وأشار على حمزة
- صاحبك أخد سيلين وداها فين؟ البت حاولت تقتل يونس. وأنا بلغت والشرطة هتيجي دلوقتي لازم اسبها تعفن في السجون.
كور حمزة قبضته محاولا السيطرة على نفسه. لا يعلم كيف عرف بتلك المصيبة التي احلت على رأسهم جميعاً.
تخطى حمزة بعض الخطوات وهو يتحدث إلى نوح
- نوح خلي بالك ولو حصل جديد عرفني. لازم اجهز حمايا للسفر.
صرخ توفيق بصوت مرتفع متجهاً إليه
- فين سيلين يامتر؟ أنا بكلمك بعقلي دلوقتي.
تحرك حمزة ولم يجيبه يزفر بغضب، بينما اتجه بنظراته إلى نوح
- ووديتوا البت فين يانوح..
هز نوح رأسه واردف
- معرفش حضرتك بتتكلم عن إيه!
تحرك توفيق إلى غرفة يونس بعدما رمقه بنظرات نارية..
هعرف يانوح واحاسبكم كلكم.
ظل نوح جالس يفكر فيما عليه فعله.
عند ليلى اتجهت إلى منزل والدها سريعا. دلفت متجهة إلى والدها
- حبيبي عامل إيه النهاردة.
مسد والدها على خصلاتها بحنان ابوي ثم تحدث بصوت متعب
- معرفناش نتكلم امبارح. عاملة ايه مع جوزك!
ابتسمت بإرتجاف واجابته
- كويسة يابابا. راكان كويس جدا وبيعامل أمير زي ابنه.
اومأ عاصم برأسه وضم كفيها يربت عليهما
- عارف انه كويس انا اتكلمت معاه. وشكله بيحبك كمان.
بدا على وجهها الحزن الشديد الذي انتهى بعبور دموعها على وجنتيها.
رفع والدها ذقنها
- بتحبيه ياليلى زي ماهو بيحبك كدا.
طالته بعينين مستفهمة
- يعني سألته عليكي وعلى علاقتكم وازاي هتكون علاقتكم وكدا. مخبيش عليك ياابنتي آسر خوفني منه. وكمان بسمع عنه كلام انه بغير في الستات زي قمصانه.
اختلج صدرها الماً فاختفت ابتسامتها وتحدثت بتقطع
- أنا مشفتش منه حاجة كدا. بينا إحترام متبادل. من وقت مااتجوزنا عمره ماحاول يهين من كرامتي ولا حتى سمعت عنه حاجة مش مضبوطة. ممكن زي مابتقول يمكن إعجاب.
قاطعهم دلوف حمزة ودرة
- بابا حبيبي جاهز حمزة جاي عشان نجهز ونسافر بالليل. بدل بكرة. وكمان ماما هتيجي معانا. حمزة حجزتها.
..أومأ برأسه ورفع نظره إلى حمزة
- معلش يابني هشغلك شوية معايا.
جلس حمزة بجواره ورسم إبتسامة
- حضرتك في مقام والدي. ياريت متعتبرنيش غريب.
- ابني يابني والله ربنا يسعدك.
نهضت ليلى إلى غرفة إبنها. دلفت إليه تطالعه بألم يخترق فؤادها. نظرت بساعتها
- زمان عمو وصل دلوقتي.
صمتت لدقيقة تمسد على خصلاته واردفت
- مش هخليك تقوله عمو. دا هيكون بابا ياأمير. لأنه يستاهل يكون باباك.
انزلقت عبراتها على وجنتيها وبركان اشواقها له سينفجر وأردفت
- مامتك غبية ضيعته وضيعت نفسها.
ودلوقتي مستكترينه عليا بيحاولوا يسرقوا سعادتي. بس مستحيل انولهم اللي في بالهم.
هخطف سعادتي حتى لو فم الأسد.
قطع حديثها مع طفلها رنين هاتفها. إبتسامة شقت ثغرها وعيون مترقرقة بضربات عنيفة بصدرها وكثير من المشاعر المتناقضة وهي تجيبه
- راكان.
على الجانب الآخر استقل سيارته بسائقه الخاص بألمانيا وقام بمهاتفتها.
شعر وكأنه قلبه سيتوقف من شدة نبضه. نظر أمامه وعيناه تقطران الماً من صوتها الحزين.
- حبيبي وصلت. هكذا قالتها ليلى.
أطبق على جفنيه وهناك شعور قاسي تخلل إلى قلبه وهو يهمس لها
- في العربية هروح على الشركة على طول.
صمت لحظة وتنهد بصوت مرتفع حتى استمعت إلى أنفاسه
- ليلى أمير عامل إيه؟ إنت عند بابا دلوقتي.
أزالت عبرة انسدلت على وجنتيها وأجابته
- عند بابا وهروح بيت جوزي حبيبي دلوقتي. مش عارفة اقعد بعيد عن ريحته.
ابتسم من خلال كلماتها التي اروت قلبه
- بتغريني حبيبي يعني ولا إيه.
انفلتت ضحكة من بين شفتيها واجابته
- ياريت ينفع. تعرف اتمنيت يكون ليا أجنحة عشان اوصلك دلوقتي.
آهة خفيضه من شفتيها وهو يشعر بروحه تصدر الحاناً وقلبه يعزف من كلماتها التي جعلته حر كطائر النورس فوق المياه.
- طيب لو قولتلك ندمت عشان مجبتكيش معايا.
جلست وهتفت بدلال أشعل رغبته بها
- خلاص انا ممكن احجز واسافر حالا لحبيبي.
دغدغت مشاعره بجنون فهمس
- او ارجع أنا واخدك في حضني وأنسى العالم بيهم.
ابتسامة شقت ثغرها انستها ماصار منذ ساعات. صمتت ثم تسائلت
- راكان هي نورسين هتسافرلك.
اندفعت الدماء إلى اوردته من سؤالها المباغت لروحه فتحدث معاتباً
- انت سألتي قبل كدا. وقولت لا. ليه بتسألي تاتي. مفيش ثقة في كلامي.
- ابداً حبيبي والله بس جدك قابلني وقالي كلام وجعني قوي.
قطب مابين حاجبيه متسائلا
- قالك ايه؟ وليه راحلك أصلا.
ارجعت خصلاته للخلف تتخلل اناملها بداخلها وهي تشعر بأنين عشقه.
- معرفش قال كلام عن يونس وسيلين مفهمتش حاجة. المهم أنا هحاول ابعد عنه. وانت ارجع بسرعة.
هرجع حبيبي عشان ليلي وحشني.
ابتسمت وهمست
"بحبك راكاني".
أغلق الهاتف وهو يزفر وكأن خناجر تشق صدره دون رحمة من تحكم جده.
مساءً وصلت إلى قصر زوجها بعد سفر والدها.
جلست بحديقة المنزل تنتظر زينب التي خرجت ولم تعلم إلى أين ذهبت.
وصلت عايدة وجلست بمقابلتها. ألقت عليها نظرة جوفاء قاسية فتحدثت متهكمة
- هي حماتك فين ياليلى!
زفرت ليلى وحاولت ألا تدخل معها في نقاش عقيم، فنهضت تحمل ابنها متجهة إلى الداخل، ولكنها توقفت حينما تحدثت عايدة.
"إنما عايزة أعرف انت قاعدة هنا بصفتك إيه؟" خطت إلى أن وصلت أمامها ترمقها شرزًا وأكملت: "بما إنك أرملة وجوازك من راكان ماهو إلا حبر على ورق، إزاي هتقعدي هنا وهو هيتجوز بعد شهر؟ مع إن الفرح كان المفروض يكون من شهرين فاتوا بس معرفش الظروف اللي جت فوق بعضها عليه."
ربتت على كتفها بقوة، تبسمها كحية رقطاء.
"نصيحة مني اهربي قبل ماينفذوا لعبتهم، وكمان راكان مش سهل مستحيل يسيب الجمال ده ويدوقش منه."
أكملت بنظرة شيطانية مستهزئة.
"ده مفيش حد بيوقف قدامه، وطبعًا سمعتي عن علاقات راكان البنداري النسائية.. دنت." وهمست بجوار أذنها: "نفسي أعرف بيعمل إيه في الستات عشان يترموا قدامه، ده حتى نورسين اللي أجمل رجال الأعمال كانوا بيجروا وراها، رغم كدا سابت الكل وجريت وراه، وسمعت من حمايا إنها سافرت وراه على اتفاق بينهم يقضوا كام ليلة هناك."
استدارت ليلى إليها وشيعتها بنظرات دنيئة تحولت إلى الكره الشديد، واشتعلت عيناها حتى أصبحت كجمرتين من اللهب الحارق، فتحدثت:
"لا نورسين ولا غيرها يهموني، وطول ما هو بيقول أنا هنا بصفتي مراته يبقى أنا هنا مراته."
"ولو مش قادرة تتقبلي الفكرة فده شيء ميخصنيش." دنت وفعلت مثلما فعلت معها عايدة وهمست:
"أنا ليلى راكان البنداري وهفضل كدا لحد ما أموت، ياريت تقنعي نفسك وغيرك بكدا."
رمقتها عايدة بنظرات نارية واقتربت بملامح جامدة مسترسلة حديثها:
"خليكي اضحكي على نفسك، ماهو معرفش هو مثبتك بأيه، يمكن ليلة حمرا ولا حاجة، أصله راكان البنداري برضه."
كانت مشدوهة لما تسمعه، فاطبقت على جفنيها واحترق جسدها بالكامل، فأردفت:
"ليلة حمرا ولا بيضة دا جوزي، وبلاش تتخطي حدودك معايا، سمعتيني ولا لأ." ثم نظرت لها والكبرياء يعتلي كل ذرة وجهها، متكئة بحديثها:
"هو لدرجادي غياظكم، اومال لو حملت منه هتعملوا إيه." دنت منها وبعينيها مهلكة إلى عايدة:
"اصبري ليدي عايدة، وعد مني من ليلى راكان البنداري ليكون عندنا طفل في أقرب وقت، ماهو جوزي، وليه لأ مايكونش حبيبي، تخيلي كدا لما أكون حبيبة راكان البنداري ممكن يعمل إيه."
ضحكات ساخرة أطلقتها عايدة وتوهجت عيناها ترمقها بتعالي ونفور.
"وليه لأ، ما الجارية حلمت بالسلطان."
افتلت ليلى ضحكة سخرية وأجابتها:
"والجميلة فتنت الوحش، مش كدا ولا إيه."
قالتها وهي تشيح بعينيها، تتمالك بأعصابها التي تتعمد عايدة بإثارتها.
جلست عايدة تضع ساقًا فوق الأخرى.
"والله انت صعبانة عليا، ياحبيبتي احلمي على قدك، لو راكان وهمك بحاجة عايزة أفوقك، ده ستاتي من الدرجة الأولى." صمتت بعدما وجدت نظرات ليلى الضائعة فتحدثت:
"هثبتلك ده، شوفي." أمسكت هاتفها بعدما نجحت بإغضابها.
"هاي نور، عاملة إيه؟"
لم تحيد بصرها عن ليلى وتحدثت متهكمة:
"عاملة إيه ياروحي، وحشاني، جهزتي لفرحك؟"
على الجانب الآخر تحدثت نورسين بصوت منخفض وهي تنظر إلى راكان الغافي:
"نايم دلوقتي، كله تمام." تحدثت عايدة بمغزى:
"أيوه ياروحي افتحي الكاميرا، أصلك وحشتيني." فتحت الكاميرا، كانت تجلس بجواره على الفراش مرتدية ثياب الحمام وهي تمسد على خصلاته.
"إيه ده هو انت مع راكان؟ آسفة ياروحي." اتجهت إلى ليلى تنظر لهاتفها وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا.
مستنكرة ما تراه، زوجها ينام بجوار نورسين وهي ترتدي برنس الحمام وهو عاري الصدر.
صدمة عنيفة شلت جسدها عن الحركة، وهي تستمع إلى نورسين قائلة:
"راكان قوم يلا السيرفس روم جاب الفطار، إيه النوم ده كله، أنا جوعت." أردف بصوته:
"نور أنا تعبان وعايز أنام، اطفي النور."
نكست رأسها بأسف مما تراه، رفعت رأسها وقالت بألم يعتصر ما تبقى من روحها:
"عادي بتوريني إيه، راكان ما يهمنيش ابني اللي يهمني، ولو كنتي فهمتي كلامي غلط وأنا بقولك أنا مراته، ولو عايزة اخليه يحبني هعمل كدا، بس أنا بتعامل معاه على أساس أنا تحت حمايته بس، مش هو الراجل اللي ممكن أفكر إنه جوزي، ولو عايزة صدقيني هخليه يزحف تحت رجلي، فبلاش غروركم بيه يكون الراجل اللي محصلش، راكان بالنسبالي لحد دلوقتي عم لابني، وعشان تطمني أخره معايا الحبر اللي على الورق، أصل أنا ست حرة مبحبش أخد راجل يلملم الذبالة زي اللي معاه دلوقتي."
كانت تقاتل بضراوة ألم قاتل بصدرها وهي تراه بأحضان أخرى، فدنت وأكملت بروح محترقة:
"مش راكان البنداري اللي يملى عين ليلى المحجوب، يعني ثقي زي ما قولتي من شوية، مش دا اللي أأمن له على قلبي."
قالتها بروح متمزقة وحملت طفلها متجهة للداخل سريعا، تحركت بخطوات متعثرة، ساقيها تلتف حول بعضها البعض، وكأنها ستسقط بحركاتها الواهية.
وصلت غرفتها ودموعها تفترش أمامها وحديثه عن ثقتها به، أمسكت هاتفها، وهاتفته سريعا.
عند راكان، استيقظ على ألم يفتك بجسده، استمع إلى رنين هاتفه، تناوله مبتسمًا عندما وجد متيمة روحه.
"ليلى." على الجانب الآخر أزالت عبراتها وحاولت تلتقط أنفاسها بهدوء فتحدثت بهدوء رغم نيران قلبها وروحها المحترقة:
"راكان حبيبي وحشتني قوي، لازم ترجع أنا بموت هنا من غيرك." اعتدل جالسًا وهو يرجع خصلاته المتناثرة على وجهه من أثر النوم.
ارتعدت أوصاله من صوت بكائها، فهمس محاولًا السيطرة على قلبه المتألم لأجلها:
"مالك حبيبتي، هو إحنا مش لسه قافلين مع بعض وكنتي كويسة، وقولتلك طنشي توفيق وثقي فيا شوية."
أسدلت جفنيها تحاول الثبات فتحدثت بصوت متحشرج:
"افتح الكاميرا وحشتني وعايزة أشوفك." فتح الكاميرا دون حديث وأكمل حديثه:
"إيه اللي حصل ياليلى."
أدمعت عيناها أمامه، والألم يشاطر قلبها ولهفة عليه، فاردفت:
"وحشتني ياراكان، هو مش من حقي جوزي يوحشني."
ابتسم لها رغم آلام جسده فأردف:
"خلي بالك الإغراء بيوسع ياحبي، وده مش في صالحك." لحظات واستمع لفتح باب مرحاضه يفتح وتخرج منه نورسين وهي تضع منشفة على خصلاتها تتحدث بمغزى:
"حبيبي أخيرًا فوقت، أنا يأست منك، من وقت ما صحيت زهقت من القعدة لوحدي، دي الفسحة اللي وعدتني بيها."
لم يستوعب الصدمة من وجودها بتلك الهيئة وجلوسها بجواره وحاوطته بذراعيها تمسد على صدره العاري مستندة برأسها على صدره.
ثم نهضت وتصنعت المفاجأة:
"إيه ده أنا معرفش إنك بتكلم أرملة سليم، آسفة مدام ليلى." ثم فصلت الخط وهي تلوح بيديها.
"بعدين راكي يكلمك مش فاضيين."
ساد صمت مختنق عند ليلى وهي تجلس لا تستوعب مارأته، جلست لدقائق وكأن أنفاسها سرقت وشعور بنصل سكين حاد مغروس بصدرها، شعور قاسٍ مما رأته كمن تلقى ضربة موجعة شقت صدرها، كتمت صرختها وهي تهمس إلى نفسها:
"مش معقول دا كله كذب وخداع، فيه حاجة غلط، لا راكان ميعملش فيا كدا، دول بيتلاعبوا بيا."
جلست كمن تلقى ضربة موجعة قسمت ظهرها كما شطرت روحها، تهزت رأسها رافضة مبتلعة ريقها بصعوبة.
"هي ضحكت عليا ودمرتني مرة، لازم أسمعه، لازم أعرف إيه اللي حصل، مستحيل بعض الحب اللي حسيته يكون مخادع، لا مستحيل."
استمعت إلى رنين هاتفها مرة، أمسكته سريعًا ظنًا منها أنه هو، ولكن تفاجأت بآسر ابن عمها.
تحدث آسر سريعًا:
"ليلى عمو فيه ناس قطعوا طريقنا وأخدوه."
صاعقة ألجمتها ولم تقو على الحديث وشعورها بإنهيار عالمها بالكامل، تحدثت بتقطع:
"إيه اللي بتقوله ده ياآسر ومين دول؟"
استمعت إلى دفع باب غرفتها بقوة ودلف منه توفيق يرمقها بسخرية:
"ليلى راكان البنداري، عاملة إيه ياباشمهندسة." سقط الهاتف من يديها على الأرض مصدرًا صوتًا.
نهضت تنظر إليه بغضب:
"إزاي تدخل بالطريقة دي، انت ناسي إننا لوحدي هنا." اقترب يرمقها بنظرات نارية يصك على أسنانه ثم جلس أمامها: "ده بيت أحفادي يابت متنسيش نفسك، معرفش نافخة نفسك على إيه، اومال لو متجوزة راكان حق وحقيقي."
ابتلعت غصة مريرة وردت بنبرة تقطر وجعًا:
"هنرجع نقول جواز ولا مش جواز، هو حضرتك مفيش حاجة تشغلك غيري وغير علاقتي بجوزي."
قوس فمه بسخرية:
"جوز مين يابت!"
بصي لو عشمتي نفسك بحاجة أكبر وإنك هتكوني مراته حق وحقيقي، تبقي عبيطة. انتي آخرك ليلة على سريره، ماهو حفيدي مبيضيعش وقت. ليه يحرم نفسه برضو؟
- اخرس! مسمحلكش تتكلم عني كدا. واتفضل اطلع برة. ووعد مني لأكون مرات راكان حق وحقيقي.
دنى بخطوات سلحفية ونزل بجسده لمستواها، مدقق النظر بحدقيتها.
- اوعدي على حاجة تكوني قدها. انتي بتوعدي هتكوني مرات راكان؟ ليه هو أنا حمار عشان أسيب واحدة زيك تتهنى بكدا؟ طيب أنا سكت على سليم عشان سليم طيب ومالوش في اللؤم، وآخره يرجع بيته وينام. إنما راكان المتحكم فيا شخصيا، هسيبك كدا؟
أمسكها من أكتافها يضغط بقوة.
- تبقي عبيطة! مش حتة بنت مارضاش أشغلها خدامة، أخليها مرات كبير العيلة.
دفعها، فهوت جالسة على فراشها. حاولت مقاومة رغبة قوية للبكاء، وهي تنظر إلى بكاء طفلها. اتجه توفيق يحمل الطفل.
- بس ياحبيبي، متزعلش. بكرة ألاقي لك أم تعرف تربيك، مش بتاعة حواري.
تصنم جسدها وهي تراه يحمله بأحضانه، وكأن هناك نصل سكين يغرس بصدرها من بكاء طفلها الذي ارتفع. وصوت هاتفها برقم زوجها.
دفع توفيق الهاتف بقدميه بعيداً عنها عندما وجده راكان، وتحدث وهو يحاول تهدئة الطفل.
- مش مطلوب منك غير حاجة واحدة بس، هتمضي على الورق دا.
اتجهت بأنظارها للورق الذي وضعه أمامها.
- إيه دا؟
دار حولها واردف.
- دا تمن حياة اختك وأبوكي.. دا اللي هيعيشك بعيد عن جحيم توفيق البنداري. وقبل كل حاجة..
- أكرملك.. يعني من الآخر راكان ميهمهوش غير ابن أخوه. فلو عشمتك بحاجة تبقي غبية، لأنه مبيحبكيش على ست. دا واحد متجوز خمس مرات، تخيلي خمس مرات ومفيش طفل عنده. دا ميخوفش.
هزة عنيفة أصابت جسدها مما جعلها تتهاوى ساقطة على فراشها، وتسربت دموعها وهي تتحدث.
- انت كداب! راكان مش حقير لدرجة دي.
أطلق ضحكة صاخبة واقترب منها، وصراخات الطفل وذراعيه اتجاه والدته التي شعرت بانشقاق قلبها عندما حاولت أخذ طفلها. أبعده عنها وهو يتحدث بصوته الغليظ.
- امضي. ووعد هديلك الولد، وكمان أبوكي هيسافر.
أمسكت الورقة ظناً منها تنازل عن أملاك سليم، ولكن جحظت عيناها وهي ترى وثيقة طلاقها من راكان.
تسمرت للحظات تنظر إلى الورقة وإلى طفلها، تراجعت للخلف وهي تصرخ بقهر.
- مستحيل! اللي بتطلبه مستحيل! جوازي من راكان هيفضل مستمر. وأعلى ما في خيلك اركبه.
- يبقى انتي اللي اخترتي. ووعد هخليه يطلقك قبل فرحه كمان. والولد هنعرف ناخده، وكله بالقانون.
كانت كلماته كطلقات نارية مزقت قلبها، هزت رأسها رافضة حديثه.
- هات الولد واعمل اللي انت عايزه. حفيدك هيرجع ويعرف يحاسبك.
- متشعليش بالك بحفيدي. انتي هو مشغول دلوقتي مع خطيبته. معرفش الولد دا يموت وهو بيستمتع بالستات. خايف يكون سادي لا سمح الله.
- اخرس! انت ايه؟ مش معقول تكون انسان. والله لما يرجع لأخليه يحاسبك على كل دا.
راق له اشتعال نيرانها بالغضب، فاجابها بسخرية.
- حفيدي هيحاسبني على إيه ياترى؟ بالعكس دا هيشكرني لما يعرف الست اللي مكتوبة على اسمه باتت في أحضان عشيقها، إلا هو ابن عمها.
وحتى شوفي الصور دي. آه نسيت أقولك. ماهو ماصدقتي يسافر ورحتي لحبيب القلب.
نزلت كلماته القاسية كالصاعقة على قلبها. ابتلعت جمرات نيران كلماته.
- حسبي الله ونعم الوكيل فيك. ولو صدقك يبقى وقتها ميهمنيش ومحدش يقدر يضغط عليا وياخد ابني.
اقترب من مقعدها ودار حولها ليثير بها الرعب، ثم فتح شاشة هاتفه أمامها وضغط على فكيها متحدثاً بصوت كفحيح أفعى.
- هتعملي اللي هقوله. وإلا...
هبت فزعة تنظر إلى والدها الذي يجلس بسيارة الإسعاف لا حول له ولا قوة. وقفت عاجزة تنظر بأعين تغشاها الدموع. عين متشتتة ضائعة، فهمست.
- بابا.
ضحكة ساخرة وهو يضع ساقاً فوق الأخرى. ثم فتح الشاشة مرة أخرى، وبها حمزة مقيد وكأنه فاقد الوعي.
هزت رأسها واقتربت منه تصرخ بوجهه، تحاول أن تطاله بيديها لتمزيق وجهه. ولكن توقفت حينما اتجه للخارج وهو يحمل طفلها.
- الولد معايا. تمضي على ورقة طلاقك هتنقذي الكل. ولو حاولتي تقولي لراكان أي حاجة. صدقيني أبوكي واختك وجوزها هيموتوا.
ثم تمسك هاتفه وتحدث وكأنه يتلذذ بدموعها التي انسدلت أمامه.
- أمجد باشا العصفور وقع في القفص. ممكن تيجي تاخده. أهو بيرفرف قبل ما راكان يرجع.
قالها وتحرك، وصرخات الولد تشق الجدران.
أسرعت خلفه حافية الأقدام وهي تصرخ بقهر باسم ابنها.
أغلق الباب عليها وخرج سريعاً.
جثت على ركبتيها وكأن حياتها سلبت منها دون رحمة. لحظات مرت عليها وشعورها بفقدان وعيها وتوقف مجرى الدم بعروقها وشعور بضعف الدنيا يحتل كيانها. ولا يوجد في مخيلتها سوى زوجها وهي تصرخ باسم راكان.
"راكااااااااان"
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيلا وليد
الوجع الحقيقي هو أن تخالط أناس لا يقدرون قيمة وجودك بينهم ويعتقدون أن الحياة تسير طبيعية عند غيابك. كم أوجعني أن تجاهلتني وتسببت لي بألم عظيم لا ينتهي. السهم الذي يأتيك من أقرب الناس إليك يتضاعف ألمه ملايين المرات. من أكثر الأشياء التي توجع القلب الاضطرار إلى تغيير المبادئ التي تمضي وفقها كي تساير الحياة. نضطر أحيانا بالتظاهر بما ليس في القلب كي نحافظ على مظهرنا وملامحنا الخارجية ولا نقلل من أنفسنا أمام من أحببنا.
***
في مستشفى يونس البنداري
دلفت إلى غرفة ابنتها وجسدها ينتفض رعباً عليها، شهقة وهي تضع كفيها على فمها.
"سيلين" حبيبة قلبي يابنتي.
ربت نوح على ظهرها وأردف:
هي كويسة هي نايمة بس من المهدئ.
التفتت إليه بعينيها دامعة.
إيه اللي حصل وصلها لكدا؟
سحب نفساً طويلاً وأجابها:
إحنا منعرفش حاجة، هي اتصلت باخت ليلى وقالت قتلت يونس، إيه اللي حصل منعرفش.
ولما جبناها كانت منهارة ومبتتكلمش خالص، ويونس وضعه مش مطمن.
صرخت بقهر نابع من وجع قلبها وهي تردف:
برضو يونس عمل اللي في دماغه وعايز يتجوزها غصب.
جلست بجوارها وهي تهز رأسها والعبرات تتساقط كالمطر، تمسد على خصلاتها، ثم اتجهت إلى نوح.
"اتصل براكان يانوح، لازم يعرف توفيق مش هيسيبها في حالها!"
أومأ برأسه وخرج وأغلق الباب وهو يتنفس بهدوء.
ياترى هتعمل إيه ياراكان في المصيبة دي.
عند راكان قبل ساعات
نهض كالملسوع عندما وجد نورسين بغرفته.
"دخلتي هنا ازاي، وازاي تتجرأي وتقعدي جنبي كدا من غير ماأسمحلك."
قالها وهو يعقد ذراعها خلف ظهرها ويضغط عليهما بقوة آلمتها.
نزعت يدها بغضب من قبضته وصرخت وهي تبكي بتصنع.
"إيه اللي حصل لدا كله، ماطول عمرنا واحنا بنقعد جنب بعض وبأي طريقة إيه اللي وجعك قوي كدا."
توجه إليها بخطوة وامسكها بعنف عندما أشعلت كلماتها جحيم غضبه واكفهرت ملامحه وتحولت عيناه للهيب.
"من إمتى وانت بتقعدي جنبي كدا! قولي بتخططي لأيه."
جذبها بعنف يجذبها من خصلاتها.
"اوعي تفكري لعبتك دخلت عليا، لا فوقي واعرفي اللي واقف قدامك دا مش مختوم على قفاه، ودلوقتي لو لمحتك قربتي مني هفعصك وزي الحشرة."
دفعها بقوة حتى سقطت أمامه على الأرضية وانكشف معظم جسدها.
أشار عليها وتحدثت بنبرة مشمئزة.
"والله لو قعدتي قدامي ملط ولا تهزي فيا شعرة، ولو مفكرة جوازي منك حبا فيكي تبقي غبية."
وصل إليها وأمال بجسده ينظر لمقلتيها نظرات جحيمية.
"عايزة تعرفي هتجوزك ليه عشان انتقم من اللي حرق قلبي، ومش بس كدا، عشان أعرف توفيق باشا انه اختيارته وتفكيره غلط."
اعتدل ثم أشار إلى باب الغرفة وتحدث.
"دلوقتي اطلعي برة ومش عايز اشوف وشك."
نهضت واتجهت إليه وتحدثت بإنفعال طال كل جسده قائلة.
"اوعى تفكر أني غبية ومعرفش علاقتك بمرات اخوك، لا انا عارفة انها وجعاك قوي وهتموت وتطولها، بس تفتكر هقعد اتفرج على الحقيرة دي وهي بتحاول تغريك وأسكت."
صفعة قوية على وجهها حتى شعرت بألمها يفتك خديها ثم صاح بغضب.
"اللي بتتكلمي عنها دي مراتي، سامعة يعني إيه، يعني اللي يدوس عليها بدون قصد ادبحه، تخيلي بقى لو بقصد."
أشعل تبغه وهو ينفثه بوجهها ويدور حولها.
"عايزة تسمعي إيه يانورسين عايزة تسمعي وانا بقولك اني بحبها."
دنى واقترب يهمس بجوار أذنها.
"انا مش بحبها بس، أنا بعشقها ولو طلبت حياتي مش هتأخر."
أمسك ذراعيها يضغط عليها بقوة وهو يتحدث بغضب من بين أسنانه.
"اوعي تفكري نسيت لعبتك الحقيرة عليها وانت بتقولي انك حامل مني، انا بعدي اه بس مبنساش، وافتكري بسببك إحنا بعيد عن بعض دلوقتي."
أشار إلى الباب وصرخ بها.
"غوري من وشي."
اتجهت تنظر إليه نظرات جحيمية.
"وانت خليك فاكر انك اهنتني بدل المرة مرتين ياراكان، بكرة هاخد حقي منك، وخلي مراتك الحلوة تنفعك."
"برررررة."
صرخ بها بقوة، حتى هرولت للخارج دون حديث.
جلس يلتقط أنفاسه بصعوبة حينما شعر بإنسحابها، كلما تذكر وجه ليلى بعدما رأت تلك الحية.
أرجع خصلاته للخلف بغضب كاد أن يقتلعها بيديه وحدث نفسه.
"ياترى عاملة ايه دلوقتي، وازاي هتثق فيا مهما حلفت."
امسك هاتفه وظل يحاول الإتصال بها ولكنه مغلق.
صرخ بقوة يلقي الهاتف بغضب حتى هشمه وتناثر إلى قطع متناثرة.
عند ليلى بعد خروج توفيق
جلست تبكي بإنهيار وتهمس بإسمه.
اتجهت إلى هاتفها سريعاً تفتحه بعد أن أغلقه ذاك المتجبر.
فتحته بأيد مرتعشة ودموع كالشلال، وشهقات تخترق القلوب.
فتحت الهاتف وماهي إلا لحظات ووصل إليها العديد من الرسائل لزوجها بأوضاع مخلة مع تلك الشيطانة.
هزت رأسها رافضة ماتراه.
أظلم قلبها واحترق بنيران الغيرة حتى أصبح بركان متقد الإشعال للانفجار، وهي تصرخ وتجذب خصلاتها بعنف.
"ليه !! ليه تعمل فيا كدا ياراكان ليييييه."
صرخة قوية خرجت من أعماق روحها المحترقة وصارت تدفع كل مايقابلها بعنف حتى تحولت الغرفة إلى اشلاء متناثرة حولها.
دلفت زينب التي وصلت للتو.
شهقة خرجت من فمها بعدما وجدت حالتها الرثة.
كانت تحمل أمير الذي بكى بنشيج.
اتجهت إليها وهي تجثو على الأرضية وعيناها التي تحولت لإحمرار كالون الطماطم الناضجة، وخصلاتها المبعثرة العشوائية كالتي فقدت عقلها.
بكى الطفل.
رفعت نظرها إليه سريعاً، وجذبته بعنف تضمه لأحضانها وتقبله بهستريا.
جلست زينب تمسد على خصلاتها.
"ليه قفل عليكي يابنتي؟ وليه أخد منك أمير؟ قولتلك ابعدي عنه دا شيطان، استغل سفر راكان وشوفي عمل ايه، دا كان جايب البوليس عشان ياخدوا سيلين لولا نوح وحمزة مخبينها كان زمانه سجنها."
بعينين هالكتين وقلب تحمل قساوة البشر، اتجهت إليها وهمست بنياط قلبها المتمزق.
"عايزة أطلق من ابنك، ولو إنت ام فعلا حق وحقيقي اعتبريني بنتك وخليه يطلقني."
صاعقة نزلت على رأس زينب تصفعها بقوة حتى صرخت تضع كفيها على فمها.
"بسم الله، جرالك إيه ياليلى، انت الصبح وقفتي تقولي على جثتي لو حد بعدني عن جوزي، دلوقتي حصلك إيه."
نهضت تضم إبنها واتجهت إلى خزانتها.
"كنت بضحك على نفسي، دلوقتي هاخد ابني واروح بيت بابا ولو ابنك راجل يطلقني."
توسعت بؤبؤة زينب وتصنم جسدها للحظات، ثم توقفت متجهة إليها.
"ليلى حبيبتي اهدي، متسمعيش كلام الشيطان دا، هو أهم حاجة يبعدك عن راكان عشان عارف بعدك عنه يعني تنازلك على كل أملاك سليم ومش بعيد ياخد ابنك."
"مش عايزة أسمع حاجة، ابنك يطلقني بهدوء بلاش يوصلني اخلعه."
قالتها وحملت حقيبتها بعدما وضعت حجابها على خصلاتها.
جذبت سلسالها بعنف وألقته على الأرضية وتحركت للخارج دون حديث آخر.
***
بالمستشفى عند يونس وخاصة بغرفة سيلين
فتحت جفونها بتثاقل وهي تتلفت حولها.
انسدلت دموعها عندما تذكرت ماحدث.
اغمضت عيناها وصرخة خرجت من جوفها شقت جدران الغرفة.
أسرع الطبيب إليها وقام بحقنها بمهدئ.
دقائق وهي تبكي بنشيج.
بالخارج عند نوح
أمسك هاتفه وقام الأتصال على راكان.
خرج راكان من منزله وقام بمهاتفة مدير اعماله.
"ألغي كل حاجة، لازم أرجع القاهرة دلوقتي."
قاطعه.
"راكان باشا إحنا بخسر."
صاح راكان بغضب.
"هو أنا المالك ولا إنت؟ قولتلك ألغي كل حاجة، عايزة تكمل مع المحامي براحتك معاك كل الصلاحية أما أنا مستحيل اقعد دقيقة واحدة هنا."
انهى مكالمته وإذ بنوح.
"راكان إنت فين!"
زفر راكان يخرج هواء من رئتيه محملا بكم الألم الذي يجتاح جسده فأجابه.
"في الكباريه، هكون فين يانوح!"
"انا في برلين."
على الجانب الآخر.
"راكان لازم ترجع القاهرة في أقرب وقت."
توقف عن السير ظنا بأن ليلى قامت بفعل شيئاً فأجابه.
"إيه اللي حصل؟"
حمحم نوح مردفاً.
"يونس في المستشفى وجدك مصر يحبس سيلين، وحمزة مش عارف اوصله وكمان درة احتمال تكون اتخطفت او حصل معاها حاجة خطيرة."
سحب كماً من الهواء ودفعه مرة واحدة قائلا.
"يخربيت أحلامك يانوح، ناقص تقولي موتوا ليلى، مش عايز حرق أعصاب، أنا أعصابي تعبانة من غير أي حاجة."
اتجه نوح ينظر إلى يونس المسطح على الفراش لا حول له ولا قوة فتحدث بألم.
"ياريت كان حلم ياراكان الموضوع خطير فوق ماتتوقع."
ثم التقط صورة وأرسلها له.
وقف ملجم اللسان وكأنه تلقى صاعقة ادت إلى تصنم جسده فأردف بلسان ثقيل.
"مين اللي عمل فيه كدا؟!"
مسح على وجهه وارجع بخصلاته للخلف يفكر في تلك المعضلة الصعبة وكيف له أن يجيبه فأردف.
"سيلين."
سقط قلبه بين أضلعه حين استمع إلى اسم اخته.
حاول التنفس وكأن الأكسجين سحب من المكان.
لحظات مرت عليه كالدهر وكأن الأرض تحت أقدامه فوهة بركانية فهمس بصوتا كاد أن يخرج.
"انا في المطار وراجع القاهرة كلها كام ساعة وأكون عندك."
توقف ينظر حوله بتشتت وتيه.
"يعني إيه اللي بيحصل دا؟"
"يونس عمل ايه خلى سيلين تحاول تقتله؟"
أطبق على جفنيه عندما شعر بمداهمة افكار شيطانية تتفرع إلى داخل عقله.
"لا مستحيل يكون واطي ودنئ، مستحيل يغدر ببنت عمه."
قاطعه رنين هاتفه.
نظر إلى الهاتف بإستغراب.
"ودول عايزين ايه؟!"
"مستر راكان خطيبة حضرتك مرضت وتم نقلها للمشفى."
ابتسم بسخرية وأجابها.
"اتصلي بوالدها أنا في المطار، اكيد هي حافظة رقمه."
قالها وقام بإغلاق الهاتف تماما.
بعد عدة ساعات وصل ركان إلى القاهرة.
اتجه أولا إلى مشفى يونس.
قابله نوح.
"يوم واحد ارجع الاقي حرب عالمية ضدي يانوح، إيه اللي حصل دا."
قالها بوجه مكهفر.
اتجه بانظاره متسائلا.
"فين سيلين يانوح؟"
"تحت في اوضة عادية عشان توفيق مش يعرف يوصلها."
اتجه متحركاً سريعاً إليها.
فتح باب غرفتها ودلف بهدوء ينظر إليها بقلباً منشطر.
أطبق على جفنيه متألماً ثم تحدث.
"ايه اللي حصل لك ياحبيبة أخوكي."
مسد على خصلاتها متنهداً بحزن.
فتحت جفنيها ونظرت للذي يجلس أمامها.
هبت والقت نفسها بأحضانه تبكي بنشيج.
"را..كان..را..كان."
قالتها بتقطع كطفل يتعلم الكلام.
"شوفت حصلي ايه، شوفت عملت إيه في يونس."
أردفت بها ببكاء.
ضمها يربت على ظهرها.
"أشش اهدي حبيبتي، كله هيعدي انا معاكي."
تحدثت من بين بكائها.
"انا قتلته ياراكان، قتلت يونس هو مات مش كدا."
احتضن وجهها بين راحتيه ينظر لعيناها.
"يونس كويس، فوقي كدا عشان تحكي لي إيه اللي حصل."
أنزلت كفيه بهدوء واردفت بتقطع.
"راكان عايزة أنام."
قالتها وتسطحت على الفراش تواليه بظهرها.
طبع قبلة على خصلاتها ودثرها وتحرك للخارج.
اتجه إلى الطبيب المسؤل عن حالة يونس.
"يونس عامل إيه؟"
عايز أعرف كل حاجة حتى لو بسيطة.
وضع الطبيب الأشعة أمامه وتحدث:
- هو كويس، بس الطعنة نالت جزء بسيط من الكلية. هو دخل غيبوبة للأسفل، فقد جزء كبير من الدم.
تنهد راكان يسحب كم من الهواء وهو يضع يديه بخصره متسائلاً:
- الغيبوبة دي هيفوق منها إمتى؟
رفع نظره وتحدث بعملية:
- ممكن يوم، شهر، سنة، دي علمها في الغيب.
نظر إليه بضياع وهز رأسه متفهماً.
- تمام.
تحرك الطبيب بعدما أنهى حديثه.
- سلامته إن شاء الله.
خرج إلى نوح الذي كان يحادث أسما.
- خلاص يا أسما حاضر.
جلس مطبقاً على جفنيه محاولاً السيطرة على نفسه.
- خايف على يونس قوي، تفتكر ممكن يموت؟
ربت نوح على كتفه:
- لا، يونس قوي وإن شاء الله يفوق وهنهبل على بعض كمان ويعاندني الغبي دا.
انزلقت عبرة رغم أنفها، أزالها سريعاً ثم نهض واقفاً.
- أنا لازم أروح البيت ضروري، فيه مصيبة ولو مرحتش هتنتهي بكارثة.
ضيق نوح عيناه متسائلاً:
- قصدك إيه؟
تحرك وهو يلوح بيديه.
- خليكي الليلة مع يونس وهجيلك الصبح.
جلس نوح وهو يمسح على وجهه بغضب.
- ربنا يستر يا راكان، معنى إنك تسيب يونس وهو بالحالة دي يبقى فيه مصيبة فعلاً.
قبل عدة ساعات.
وصلت ليلى إلى منزل والدها.
دلفت للداخل ووضعت ابنها على فراشها بغرفتها، وجلست تبكي بنشيج وهي تنظر بأركان الغرفة. نهضت وكأنها تبحث عن والديها.
دقائق ودلفت والدتها وأخوها.
احتضنت والدتها تبكي بقهر.
- بابا فين يا ماما؟
خارت سمية جميع قواها وهوت على الأرضية وشهقات من بين شفتيها.
- منعرفش راح فين، إحنا ركبنا عربية آسر، ودرة وحمزة ركبوا معاه الإسعاف ووصلنا إلى المطار، واستنينا كتير، آسر سابنا وراح يدور عليهم ورجع قالي العربية مالهاش آثر.
انهمرت دموع ليلى بنزيف روحها واقشعر جسدها عندما تذكرت صورة والدها.
جلست بجوار والدتها تضم ركبتيها إلى صدرها وتضع رأسها تنظر إلى البعيد. قاطعهم دخول آسر.
- مفيش جديد، رحت بلغت قالوا بعد أربعة وعشرين ساعة.
نهضت سريعاً تنظر إلى والدتها.
- عندي مشوار مهم، خلي بالكوا من أمير.
تحركت إلى أن وصلت إلى شركة توفيق البنداري، دفعت الباب ودخلت إليه، حاولت السكرتيرة إيقافها ولكنها لم تتمكن.
وقفت أمامه تناظره بنظرات كارهة وصاحت بغضب.
- همضي على قضية الطلاق، بس بشرط بعد ما أتأكد من سفر بابا.
نصب عوده وتقدم منها وهو يرمقها بنظرات شامتة.
- ما كان من الأول، كان لازم تعملي فيها.
صرخت بقهر واردفت:
- قدامك دقيقة بابا لو مسافرش وفي طيارة خاصة كمان زي ما راكان كان مرتب، صدقني هخليك تعيش في جحيم ومتعرفنيش لما أقلب بكون عاملة إزاي.
جلس وأشعل سيجاره وضحكات متهكمة.
- طيب وريني آخرك ياباشمهندسة.
ابتلعت جمرة حارقة واقتربت منه.
- عندي ورق أخدته من مكتب راكان يوديك في داهية إنت وقاسم الشربيني والنمساوي.
تراجعت تنظر لمقلتيه بشماتة وأكملت.
- إيه رأيك ياباشا.
هب من مكانه كالملسوع وامسكها بعنف يهزها.
- ورق إيه يابت دا.
نزعت يديها بغضب.
- الدقيقة عدت.
استدارت تتحرك ولكنها توقفت وهي تسمع صوت سلاحه واقترب متهكماً.
- تعرفي ممكن أموتك دلوقتي وما آخدش فيك يوم واحد، والكل هنا يشهد دخولك وتهديدك.
حاولت السيطرة على خوفها وتحدثت بصوت جاهدت أن يكون طبيعياً.
- وريني آخرك ياباشا، ومتثقش في شيطانك قوي، أنا عاملة حساب كل حاجة.
جلس وهو يمسك هاتفه.
- وصل عربية الإسعاف المطار، ومتسبهاش إلا لما تتأكد من سفرهم.
قالها وأغلق الهاتف ثم اتجه يقف أمامها وهو ينفث دخان تبغه بوجهها.
نفرته مشمئزة وتراجعت خطوة واحدة ترمقها بنظرات مشمئزة.
- معرفش إزاي إنت أب وجد، إنت مكانك مع المجرمين، اللي موت ابنه واحفاده دا مالوش غير الشنق في ميدان عام.
تحرك إليها يشير بسبابته متهكماً.
- لما تكوني قاضي يبقى احكمي عليا، دلوقتي ورق القضية تمضي عليه، عايز وقت ما راكان يرجع يطلقك.
دنى ينظر إلى مقلتيها.
- عارفة لو لعبتي بديلك.
تحركت وهي تتحدث.
- متخافش حفيدك معدش يهمني، الراجل اللي يخون الست اللي على اسمه ميستهلنيش.
قالتها وتحركت للخارج سريعاً.
عادت إلى منزل والدها تنتظر اتصال حمزة بشق الأنفس. ساعة تلو الأخرى حتى استمعت إلى رنين هاتفها.
- درة إنتو فين.
أجابتها درة وهي تدلف إلى المطار بجوار حمزة.
- إحنا وصلنا حبيبتي بالسلامة، وكمان ماما وكريم وصلوا ماتقلقيش.
هزت رأسها بارتياح وعبراتها على وجنتيها.
استندت على المقعد تضم نفسها وتبكي بنشيج وهي تتذكر عودتها من زيارة توفيق.
- ياله يا ماما اجهزي، أنا كلمت نوح وهو عرف يوصل لمكان بابا، دول خطفوا العربية بالغلط كانوا مفكرينها لرجل أعمال.
هبت واقفة تمسح عبراتها.
- حقيقي يا ليلى يعني بابا دلوقتي سافر.
ربتت ليلى على كفيها.
- ياله حبيبتي الطيارة هتفوتكم.
اتجهت بأنظارها إلى كريم.
- إنت راجلنا يا كريم خلي بالك من ماما وبابا، وأنا وقت ما راكان يرجع هسافر لكم.
أقترب كريم يطالعها.
- ليلى هتفضلي هنا ولا إيه.
هزت رأسها رافضة وهي تزيل دموعها.
- لا يا حبيبي هظبط شوية حاجات في البيت وارجع على بيتي.
خرجت والدتها وهي تحمل بعض الأغراض التي تناولها كريم متجهة للأسفل.
- ياله يا ماما عشان منتأخرش.
احتضنت سمية كفها.
- ليلى معرفش ليه حاسة عندك مشكلة وبتحاولي تخبي، إنت زعلانة مع جوزك.
هزت رأسها رافضة حديثها.
- أبداً يا ماما، أنا خايفة على بابا حتى كلمت راكان وقالي وقت ما يخلص شغل هيجي واروح أقعد كام يوم.
قبلت رأسها وطبعت قبلة على جبينها.
- ربنا يسعدك يا حبيبتي، يبقى سلميلي على راكان.
اتجهت إلى طفلها بعدما خرجت والدتها وأغلقت الباب خلفها.
- حبيبي بتعيط ليه، ماما هنا أهو.
ابتسم الطفل يصفق بكفيه.
- با. با.
حملته تقبل وجنتيها، واتجهت متحركة إلى المطبخ لإعداد وجبته.
حملته بضحكات من شفتيها وليس قلبها الملكوم حينما استمعت إلى همهمات طفلها بكلماته بابا.
وضعته بكرسيه وجلست تحاوره كأنه يفهمها.
- شوفت بابا عمل في ماما إيه، كذب عليها.
انسدلت عبراتها على وجنتيها.
- بابا مزعل ماما قوي يا أمير، عايزة أضربه، عايزة أخنقه وأخلص منه الكذاب دا.
أطبقت على جفنيها متألمة وتحدثت.
- أنا حاسة إن فيه حاجة غلط، بس الإحساس حاجة، وإنك تشوف وتسمع حاجة تانية، كان ممكن أكذب أي حد يقول كدا، إنما أنا شوفت وسمعت.
بدأت بإطعامه وهي تقص له وهو يداعبها بكفيه الصغير ويطلق ضحكاته.
داعبته بأنفها.
- بتضحك على إيه فرحان بعمك بتاع الستات دا، طيب اقعد واتفرج شوف ماما هتعمل فيه إيه، لحد دلوقتي أنا مش مصدقة ماهو مش معقول هيكون بيخني ويفتح الكاميرا، لا وكمان عايدة زفت وتوفيق الحقير يقنعوني إنه بيخوني، دا يخليني لازم أتأكد إنه فخ، والحقيرة دي هعرف أربيها.
عند راكان وصل إلى قصره دلف سريعاً يبحث عنها.
قابلته والدته التي كانت متجهة إلى المستشفى.
تسمرت بوقفتها وشهقت ببكاء مرتفع.
- راكان.
ضمه إلى أحضانه يربت على ظهرها.
- حبيبة قلبي خلاص إهدي، أنا هنا.
خرجت من أحضانه ورفعت نظرها تطالعه بعتاب.
- كدا تسيب اختك إلى يونس يا ابني، مش حذرتك منه مليون مرة.
رفع كفيها يقبلها ثم ضم رأسها يطبع قبلة.
- ماما حبيبتي اتأكدي إن يونس مستحيل يأذي سيلين، مستحيل فاهمة، يارب يا ماما منحكمش قبل ما نعرف إيه اللي حصل.
تصلبت أنظارها عليه واردفت معاتبة.
- قصدك إن سيلين كانت عايزة تموته كدا لله في لله.
مسح على وجهه وعينيه على الدرج يتمنى لو يصل إليها بخطوة فتحدث:
- ومين قالك إنها كانت عايزة تموته، إحنا منعرفش مين اللي ضربه.
تراجعت زينب وهي تهز رأسها.
- إنت مشفتهاش دي مش حاسة بحاجة والدكتور بيقول إنهيار.
زفر راكان وحاول إنهاء النقاش فتحرك خطوة.
- أنا لسة جاي من عندها ياماما وقالتلي مفيش حاجة حصلت.
تصنم بوقفته مستديراً إليها بهدوء وهو يبتلع غصة بجوفه عندما أردفت والدته.
- ليلى مش هنا، سابت البيت.
أحس بارتفاع ضغط دمه، واختنق حلقه بغصة فتسائل:
- بتقولي راحت فين؟
عقدت ذراعها على صدرها وأكملت.
- ليلى سابت البيت وقالت خليه يبعتلي ورقة طلاقي.
استدار متجها إلى والدته وعينيه متعلقة بعينها وهو يريد استيعاب ماقالته.
- "طلاق" قالت عايزة تطلق.
رمقته والدته بشك، فباغتته بنظره مستفهمة.
- راكان إيه اللي حصل خلى ليلى تبقى زي المجنونة كدا، لا وكمان معرفش توفيق جه قالها إيه خلاها تكسر الأوضة.
لكزته بسبابتها ونظرت لمقلتيه بغضب.
- النهاردة توفيق ضرب ليلى بالقلم على وشها عشان رفضت تطلق منك وقالتله على جثتي ياحضرة النايب.
شعر بجسده ينتفض ألماً مما استوعبه، تعاظمت نيران قلبه متراجعاً بخطواته للخلف ثم اتجه سريعاً يبحث عن جده زي المجنون.
بمكتب توفيق استمع إلى رنين هاتفه.
- راكان رجع مصر من ساعتين تقريبا.
نهض سريعاً يحمل الأوراق المطلوبة وتساءل.
- ليلى فين لسة في بيت أبوها؟
أجابه الرجل.
- أيوه.
تحرك متجهاً إليها.
عند ليلى كانت تلعب مع طفلها بقلب حزين تحدث نفسها.
- ياترى بابا حالته إيه دلوقتي.
أمسكت الهاتف وقامت الاتصال على أختها.
- ليلى، عاملة إيه.
- بابا عامل إيه يا درة، وحمزة كويس حد منكم أتأذى، ماما متعرفش حاجة.
اتجهت درة بنظرها إلى حمزة الذي يجلس مغمض العينين يتذكر ما صار منذ ساعات.
فلاش.
توقفت سيارة الإسعاف فجأة. فتح الباب حتى يرى ماذا حدث، ولكن تفاجئ بأحد يضع سلاحه على رأسه.
- هتنزل من غير ولا كلمة ولا نقتل الحلوة اللي جنبك دي.
بعدها غاب عن الوعي واستيقظ والظلام يحاوطه. بدأ يصرخ باسم درة لبعض الوقت. ثم دلف إليه رجلان ببنية ضخمة.
- ياله عشان نوصلكم المطار.
امسكه حمزة من تلابيبه.
- إنت مين ياحيوان ومين اللي وراك.
أشار الرجل الآخر وهو يعقد ذراع حمزة ويجذبه متجهاً للخارج.
خرج من ذكرياته على ذراع درة التي جلست بجواره تضع رأسها على كتفه.
حاوطها بذراعيه ثم طبع قبلة على رأسها.
- إنت كويسة؟
هزت رأسها وأغمضت عيناها علها تنسى ما صار منذ ساعات.
عند ليلى، وصل توفيق إلى شقة والدها. استمعت إلى طرقات على باب المنزل. فتحت الباب متناسية أنها بمفردها في ذاك المنزل. تفاجأت به يدفع ويغلق الباب خلفه، ثم بسط يديه بورقة طلاقها.
"امضي. أهلك دلوقتي في ألمانيا، وأبوك تحت الفحص، ومتفكريش إنهم بعيد عن عيني. دا الدكتور نفسه تحت إيدي. امضي على قضية الطلاق وإلا."
اهتزت حدقيتها وهي تمسك الورقة بيد مرتعشة. انسدلت عبارتها وكأنها ترى صورته على الورق. أطبقت على جفنيها وغصة متألمة منعت تنفسها وهو يمد يديه بالقلم.
"اللي يشوفك يقول جوزك حق وحقيقي. أومال لو مش جواز على ورق."
رفعت نظرها ترمقه بنظرات نارية، تود لو تحرقه أو تخنقه. لم تعلم كيف جأتها الجرأة وهي تقول له:
"متفكرش بحتة الورقة والتمثيلية الحقيرة هتخليني أتنازل عن حقي في جوزي. ربنا على المفتري."
مضت على الورقة ثم ألقتها على الأرضية، تضغط عليها بحذائها وتحركت باتجاه الباب.
"اطلع برة، مش عايزة أشوف خلقة شيطان زيك."
أنحنى يحمل الورقة ونظر إليها متهكماً.
"المهم وصلت للي عايزه. مبروك عليكي الخسارة."
تحرك خطوة، فأوقفته.
"لو لمست أهلي هدخلك السجن بالورق اللي معايا."
"وانت لو راكان عرف حاجة، صدقيني أبوك هيموت وهيكون قضاء وقدر. لازم راكان يطلقك، إزاي مش شغلي." قالها ثم تحرك مغادراً دون حديث.
بعد قليل، استمعت إلى طرقات مرة أخرى. اتجهت تتساءل أولاً:
"مين؟"
أجابها آسر من خلف الباب:
"افتحي يا ليلى، أنا آسر. جبتلك شوية حاجات. طنط سمية قالت التلاجة فاضية."
فتحت الباب نصف فتحة وتوقفت أمامه.
"شكراً يا آسر."
تناولت منه الحقيبة البلاستيكية ثم أومأت برأسها.
"معلش، مينفعش تدخل. مفيش غيري."
أومأ متفهماً ثم تحدث:
"عاملة إيه مع راكان؟ معرفناش نتكلم آخر مرة."
وضعت الحقيبة بداخل البيت، فدلف آسر خطوة واحدة لداخل المنزل.
"مبترديش يعني؟"
تنهدت وهي تشير بيديها:
"آسر، لو سمحت، وجودك مينفعش. ممكن تمشي."
دنى خطوة أخرى وهو يتحدث قائلاً:
"ليلى، اطلقي من راكان وتعالي نتجوز ونربي الولد مع بعض."
كان يقف خلف آسر، استمع إلى كلماته كأنها طلقات نارية استقرت بقلبه ليدمي قلبه دون رحمة. انتظر ثورانها أو صراخها بوجهه، ولكنها شطرت قلبه وجعلت أنفاسه كنيران حارقة، وانقباض شديد بقلبه حتى مزقه من الألم وهي تجيبه:
"أنا هطلق يا آسر. عايزة أربي ابني زي ماما وبابا ربوني. انت كان عندك حق. الناس دي مش من توبنا."
"وإيه كمان يا مدام..." هكذا قالها راكان بلسان ثقيل، وشعور باحتراق بجسده من كثرة غضبه.
تحرك ودخل يقف بينهما يوزع نظرات جحيمية عليهما.
اختلج صدرها، ضربات عنيفة تصدر من قلبها الذي ينبض بشدة من وجوده واستماعه للحديث. اتجه بانظاره إليها وهو يتحدث بهدوء رغم نيران قلبه المحترق.
"قولي يا مدام إزاي عايزة تطلقي وتبعدي الولد عن أحضاني."
خطى إليها بخطوات سلحفية ثم جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره، وهي تنظر إلى آسر الذي يرمق راكان بنظرات نارية.
حاوط خصرها، يضغط عليها، ثم داعب وجهها بأنفاسه الحارقة التي ود لو أحرقها بها، فهمس أمام شفتيها يلامسها بحضرة آسر.
"عرفي حبيبك إزاي هتطلقي منه، وإزاي هتبعدي ابنه عنه."
اعتصر خصرها بكفيه، يضغط بقوة آلمتها، وتحدث إلى آسر وهو ينظر إلى مقلتيها.
"اطلع برة. مش عايزة أشوفك قدامي. معلش، تقول إيه، واحد ومراته بقى وهي وحشته."
هزة عنيفة أصابت جسدها من نيرانه المتقدة بعينيه التي يطلقها لتخترق جسدها. تقدم منهما آسر وهو يتحدث:
"بس حضرتك سمعت، وهي بتقول عايزة تطلق منك."
ظل يناظرها بتلك النظرات التي مزقت روحها لأشلاء، فهمست إلى آسر وهي تطالعه:
"امشي دلوقتي يا آسر، بعدين نتكلم."
زم شفتيه وابتلع غصته المريرة التي شعر بطعم علقمها وهي تتحدث بتلك العيون والنظرات الهادئة إلى آسر. حاول السيطرة على نفسه حتى لا يصفعها ويدمي وجنتيها.
خرج آسر مغلقاً الباب خلفه. تراجعت خطوة وهي تنزل ساعديه الملتف حول خصرها بهدوء، رغم نيرانها المتقدة بجسدها كاملاً حينما تذكرت صوره.
خطى إليها وهو يحاوطها بنظراته وكأنه يتحرك على نياط قلبه المتوجع الذي أحرقته بفعلتها.
جذبها بقوة حتى آلمها، ثم داعبها بأنفه، مررها على وجهها كأنه يحاول السيطرة على نفسه ليتناسى ما صار منذ قليل.
"قولي أعاقبك إزاي وبإيه. نفسي أعاقبك عقاب أخليكي تحسي بلي حاسة دلوقتي."
أطبقت على جفنيها تمنع دموعها التي تشكلت بجفنيها، محاولة السيطرة على نفسها من رائحته التي غزت رئتيها وتمنت أن تقترب أكثر حتى تشبع رئتيها كمدمن منتظر جرعته. ولكن كيف أن تمنع نفسها من ذاك الشعور الذي أدى بها إلى التهلكة، وهي لا تتمنى في ذاك الوقت غير قربه ورائحته فقط. تتمنى ضمه، قربه.
عصرت عيناها حتى لا تضعف، فهمست بصوت ضعيف:
"ابعد، ماتقربش."
ضغط على رسغها بقوة آلمتها، ولا يرى سوى نظرات آسر وحديثه. حالة متناقضة بأحاسيسه بتلك الأثناء. أيعاقبها بشدة، أم يسحق شفتيها التي تدعيه لتذوق طعمها. حالة أرهقته وهو يطالعها بنظرات صامتة، حتى أودت بينهما لحرب نظرات جحيمية. هي بتذكرها بتلك الصور، وهو بتحطيم قلبه وفتاته عندما كسرت كلماته.
رفع ذقنها بأنامله عندما ابتعدت بنظراته عنه. لا يعلم إنها تقف بمتاهة بين حرب قلبها بعشقه، وبين عقلها الذي يوقظها على تلك المشاعر التي تشبه السراب.
لامت نفسها كثيراً على شعورها بلذة قربه. فنفضت ذراعه مبتعدة وهي تتحدث بغضب:
"من وقت ماشوفتك مااخدتش غير تحطيم لقلبي وبس. خلتني أكره نفسي لدرجة فقدت الثقة في كل اللي حواليا. ودلوقتي بعد اللي شوفته جاي بأي قلب تقف قدامي ولك عين."
رفعت نظرها وحدقته بنظرات تائهة لأنها لم تعد تعلم ماذا ستقول.
ولكن قواها ضعفت حتى أصبحت هشة من ذاك العالم المخيف، فأردفت بقوة:
- طلقني ومن غير كلام كتير.. ماهو مش معقول راكان البنداري هيرضى على نفسه ورجولته يخلي واحدة على ذمته غصب عنها.
لحظة عدت عليه أودت به إلى الجحيم، وكأنها أطلقت قذيفته المدوية لتهلك روحه، فأصبح خائر القوى، لم يشعر سوى بنيران صدره وغصة بحلقه بمرارة تمنع تنفسه من حديثها الذي شطره لنصفين.
تراجع عدة خطوات بعيدًا عنها وهو يومئ برأسه:
- عندك حق، مش أنا اللي اتنازل عن كرامتي وأضغط على ست تعيش معايا غصب عنها، حتى لو بموت فيها.
عقدت ذراعيها وهي ترمقه بنظرات نارية وأكملت:
- طيب طلقني بقى، وأحسن حاجة إن مفيش بينا أولاد عشان ميرجعوش يلموني إني معرفتش اختار أبوهم.
كلمات كخناجر مسمومة اخترقت جدار روحه لتطعنه، وللُحظة أحس بالأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه.
استدار إلى أمير الذي بدأ يهمهم بصوته:
- بابا.. بابا.
رفعه وحمله، ودمغه بقبلة على جبينه.
وتحدث بلسان ثقيل وكأنه يتعلم نطق الحروف:
- أنا مش بابا يا حبيبي، بلاش تقولي بابا عشان مامتك مش تعاقبك وتقولك ليه، هي هبلة عشان تختار دا باباك.
مسد على خصلات الطفل الذي بدأ يجذب لحيته ويضحك بصخب ظناً منه أن راكان يلاعبه.
أطبق على جفنيه حتى لا تنسدل دمعة غادرة من عينيه وأكمل:
- يمكن والدتك عندها حق، أنا عملت إيه عشان أستحق أكون باباك ولا أب لغيرك.
نزلت كلماته على قلبها تكويه، فانسدلت عبراتها تلوم نفسها عما تحدثت به. فهمست له:
- أنا مش قصدي كدا.
ظل كما هو مولياً ظهرها فأردف:
- حضري الولد، ياله عشان نمشي، وموضوع الطلاق بلاش نتكلم فيه دلوقتي. ووعد مني هطلقك بعد لما أحس إنك وأمير بخير ومفيش طمع من ناحيتكم.
حمل الطفل متجهًا للخارج وهو يتحدث:
- هستناك تحت في العربية.
قالها وتحرك للخارج سريعًا.
هوت على المقعد بعد خروجه، تود لو تصرخ من أعماقها بكل ما أوتيت من قوة كي تخرج آلامها الداخلية من عذاب فراقه.
أزالت دموعها بعنف وتوقفت وهي تهذي لنفسها:
- دا مش وقت ضعف يا ليلى، لازم كل واحد ياخد حقه، سعادتك أسرقيها حتى لو ظهرتي قدامه بغضبك وكرهك، لازم الكل يعرف إنك بتكرهيه، ولازم هو يتصرف على الإحساس دا.
وضعت كفيها على أحشائها تلوم نفسها على ما فعلته، وانخرطت ببكاء مرير حاولت تهدئة نبضاتها التي تضرب عظام صدرها بطريقة هسترية، فهمست لنفسها:
- سامحني حبيبي، عارفة قسيت على بابا، لازم أعمل كدا عشان أنجيك إنت وأخوك، شوية وهعرف أرجعه لحضني تاني.
ظلت تحرك كفيها وابتسامة من بين دموعها وهي تتذكر صباحاً بعدما أحضرت اختباراً للتأكد من حملها، ثواني فقط وهي تضع كفيها على شفتيها وسعادة شقت ثغرها وهي تبتسم.
- ما أجمل هذا الشعور.
نظرت إلى نفسها بالمرآة والابتسامة تنير وجهها وتحدث حالها:
- شعورك وانت حاسة إن في قطعة من حبيبك بأحشائك أجمل شعور بالسعادة، نعم ليلى لقد فزتي بحبيبك وبنطفته التي ستجعلك ملكة لقلبه مهما فرقتكم الأقدار.
تنهدت وهي تبتسم وتضع كفيها على بطنها:
- نفسي أعرف هيكون عامل إزاي لما أقوله.
خرجت من شرودها عندما استمعت إلى رنين هاتفها ووجدت اسمه ينير شاشتها.
- لو ناوية تفضلي عندك قولي أمشي.
- نازلة أهو.
هذا ما قالته.
حركت كفيها وهي تبتسم:
- التنين هيرجع يطلع نار يا حبيبي لازم نتحمله.
صمتت لحظة، ثم أطلقت ضحكة.
- عيب يا ماما دا بابا مش تنين. "بابا" راكان هيكون أب لأبن منك يا ليلى.
قالتها بعيون لامعة.
بعد قليل كانت تجلس بجواره متجهين إلى المشفى بعدما تحدث راكان:
- محمود عدي على يونس الأول عايز أطمن عليه.
ظل صامتاً طوال الطريق، حاولت إخراجه عن صمته حينما سألته:
- سيلين كانت مختفية من إمبارح رجعت؟
كان ينفث تبغه فالتفت للخارج وهو يردف:
- مش شغلك.
ضغطت على شفتيها السفلى، فلقد أصبحت كلماته تعصبها من الآن.
جذبت منه الولد بعنف وهي تلكزه بغضب:
- طول ما أنا لسة على اسمك كل حاجة مرتبطة بيك شغلي ونص.
استدار يحدقها بنظرات نارية وأردف من بين أسنانه:
- مش عايز سخافة، من وقت كلامك وعلاقتي بيا اتقطعت.
تجمدت بجلوسها محاولة استيعاب عواقب ما فعلته به وتحوله لتلك الحالة.
رجعت بجسدها للخلف ونظرت بالخارج، أطبق على جفنيه وألم يغزو جسده كاملاً، فجأة فتح عينيه واستدار إليها يجذبها بعنف:
- توفيق قالك إيه قالبك عليا كدا وإياك تكذبي عليا.
دفعته وهي تنظر للخارج حتى تسيطر على نفسها وأجابته:
- هيقولي إيه، عايز اتنازل عن أملاك سليم.
أدار وجهها بأنامله يتفحص وجهها:
- يعني مش ضربك على وشك.
قالها وهو ينظر إلى مقلتيها.
وضعت كفيها وأزاحت أصابعه، وأجابته وهي تطالعه بكبرياء:
- تفتكر يقدر يعمل كدا في مرات راكان البنداري، وهو عارف ومتأكد إنك هتعرف.
دقق النظر بملامح وجهها:
- لا والله، على العموم هعرف والله لو لقيتك مخبية عليا حاجة.
قاطعته بغضب:
- لكل فعل ردة فعل يا حضرة المستشار، كنت مستني أعمل إيه بعد اللي شوفته أنت والحقيرة وكذبك عليا.
أغمض جفنيه وهو يحاول السيطرة على نفسه حتى لا يغضبها، سحب نفساً ثم أردف بسخرية:
- متغلطيش في ضرتك يا مدام.
قاطعهم رنين هاتفه، ابتسم بسخرية عندما وجدها نورسين.
فتح الخط:
- آسف يا نور سافرت حبيبتي من غير ما أقولك، على الجانب الآخر.
جحظت عينا نورسين عندما استمعت حديثه، ظنت أنه يوبخها ولكن خاب ظنها فتحدثت سريعاً:
- ولا يهمك حبيبي المهم متكنش زعلت مني.
رمق التي تجلس بجواره، فكانت تضغط على ثيابها بكفيها ناهيك عن شفتيها التي أدمتها وهي تضغط عليها بأسنانها، واهتزاز ساقيها.
استدار ينظر بالخارج وأكمل:
- حصل ظروف حبيبتي، يونس عمل حادثة، احجزي وانزلي وجودك عندك من غيري مالوش طعم.
نهضت نورسين وهي تبتسم بسعادة:
- أول طيارة يا حبيبي هكون عندك.
أغلق الهاتف وهو ينظر للخارج ويدندن بسخرية حينما وجد نظراتها النارية تخترقه.
زفرت بقوة حتى شعر بنيران تنفسها تحرق وجهه، استدار يطالعها بتسلية:
- مالك فيه حاجة؟ شوية وهتطيرني من الباب.
خافي على نفسك معاكي راجل مش محترم.
قالها وهو يفترس ملامحها بألم لروحه.
بعد مرور عدة أيام بمزرعة نوح.
دلف للداخل بعد رجوعه من المشفى وإطمئنانه على يونس، دلف وجدها تعد الطعام على المائدة، هرولت إليه تلقي نفسها بأحضان:
- حبيبي حمدلله على سلامتك.
دفن وجهه بعنقها يحملها ويدور بها مستنشقاً رائحتها العطرة الندية.
- وحشتيني قوي يا حبيبة نوح.
عانقته بشدة، أنزلها بهدوء محاوط خصرها واضعاً جبينه فوق خاصتها.
- هو فيه أحسن من الواحد يرجع البيت ويلاقي حبيبته مستنياه بالأحضان.
وضعت رأسها على صدره تحاوط خصره:
- وجودك في حياتي السعادة نفسها.
دنى يحتضن ثغرها بخاصته التي جعلته يفقد السيطرة على نفسه فحملها بين ساعديه القوية يغمز لها:
- تعالي ناكل عشان جعان والليل طويل وعايز صحة.
لكمته بقوة في صدره:
- بطل قلة أدب.
جلس واجلسها على ساقيه.
- وحياتك، ولا أعرفها. شكلك اتخدعت فيا، وهنزل على مفيش.
بدأت تقطع له اللحم وتطعمه.
- دوّق كدا وشوف الاستيك دا، وقولي رأيك.
بدأ يلوك الطعام بهدوء، مغمض عينيه يتذوقه بتلذذ. رفع كفيها وقبّل كل أناملها، كل واحد على حدا.
- تسلم إيدك يا حبي. الأكل ريحته وطعمه جنان.
- لا ومتوصية بجوزك قوي.
وضعت بفمه قطعة من الكفتة.
- عارفة إنك حيواني، عشان كدا مزوّدة شوية.
جحظت عيناه وهو ينظر إليها شرزاً.
- أنا حيواني يا أسما؟
قهقهت بصوت مرتفع وهي تهز رأسها.
- مش قصدي اللي في دماغك يا حبيبي. أنا قصدي إنك بتحب اللحوم.
فعل معها مثلما فعلت وبدأ يطعمها.
- أيوه، بس بلاش "حيواني" دي. بحس إنك بتقولي "حمار" معرفش ليه.
أطلقت ضحكات صاخبة مما أشعلت وجنتيها فتوردت بحمرة لذيذة جعلتها كتفاحة ناضجة وجبّ التهَامها في الحال. فخطف قبلة سريعة.
وهو ينهض متحركاً يحملها.
- دلوقتي لازم نعمل بالأكل، بس قبل دا كله، لازم نفصل التليفونات. خايف يكون فيه سحر.
نزلت من بين ساعديه وتحدثت.
- نوح، الحمام جاهز. ادخل خد شاور، لما أخلي سيدة تلم السفرة. والليل طويل.
احتضن وجهها بين راحتيه ينظر إلى مقلتيها.
- تعرفي بحبك قد إيه يا أسما؟ بحبك قد الكون دا كله.
وضعت رأسها بعنقه وأجابته.
- نوح، أنت حبيب الطفولة والصبا والشباب. خلي عندك إيمان إن حبنا هيواجه كتير.
استمعوا إلى طرقات على باب المنزل. بعد لحظات دلف يحيى، والده، وزوجته المدعية براندا.
نظرت أسما إليهما، نزلت بأنظارها إلى بطنها التي بدأت في الظهور. هنا شعرت بأنين شطر قلبها. فكلما تناست، يأتي ما يحطم قلبها ويحوله إلى أشلاء.
تركت كفيه ونظرت إليه ثم تحدثت.
- أنا جوا، لما ضيوفك يمشوا.
أوقفها يحيى عندما تحدث ساخراً.
- شكلك مش عارفة بتقولي إيه يا بنت العشري. هما مين دول اللي ضيوف؟ البيت دا بيت مرات ابني اللي واقفة قدامك دي، واللي شايلة ابنه في بطنها. مش واحدة بتخدم عليه.
- بابا!
صرخ بها نوح. اقترب منه ونيران حارقة تخرج من عينيه.
- اللي واقفة تهينها دي مراتي، واللي بس يزعلها كأنه زعلني. وكدا ميشرفنيش وجوده. وقبل أي حاجة، حضرتك علمتني ما أظلمش حد. ودلوقتي أنت أكتر واحد ظالم.
وقف بمقابلة والده وتحدث بفظاظة وهو يجذب أسما ويحاوطها من أكتافها.
- دي صاحبة البيت دا. إنما اللي جنبك دي أنا معرفهاش. وفيه حاجة شكلها ما وصلتكش.
المدام طلقتها في الليلة اللي جبرتني فيها إني أعاملها على إنها مراتي.
استدار ينظر إلى أسما التي طالعته بصدمة حينما استمعت إلى حديثه الذي لأول مرة تعرفه.
- آسف حبيبتي. آسف إني وجعتك غصب عني. آسف عشان بابايا كل همه السلطة والنفوذ ومفكرش في سعادة ابنه.
احتضن وجهها وأزال عبراتها وهي تهز رأسها.
- نوح، أنا نسيت.
جذب رأسها ودمغها بقبلة عليها وهو ينظر إلى والده الذي ذهل مما استمع إليه.
- بتعاند أبوك يانوح؟ بدل ما تشكرني وأنا جايب مراتك عشان ترضى عنك وتسامحك لبعدك الفترة دي كلها.
هبّ كالملسوع وصاح بغضب.
- بقولك طلقتها. أسما بس اللي مراتي.
جذب راندا من رسغها وهو يشيع أسما بنظرات كاره.
- افتكر إنك قللت أبوك وأم ابنك يا دكتور.
جلس بعد خروجه يتنهد بصوت مرتفع، وهو يمسح على وجهه. كانت تقف تطالعه بصمت.
جذبها واحتواها بين أحضانه.
- أنت أحسن حاجة حصلت لي وأجمل بنت شافتها عيني.
وضع رأسه بعنقها وهو يهمس.
- أسما، أنا بحبك قوي.
عانقته وعبراتها تنسدل بصمت.
***
بالمشفى عند يونس.
كانت سارة تقف أمام غرفته تطالعه بعينان حزينة. اتجهت سلمى تقف بجوارها.
- تفتكري هيفوق ياسارة؟ عدى أكتر من أسبوعين ومافيش جديد.
ترقرق الدمع بعينيها وأجابتها:
- أنا قلبي واجعني قوي ياسلمى. نفسي يفتح عيونه، وينادي عليّا حتى لو هيشتمني ويضربني.
استمعوا لصراخ فريال وهي تحاول أن تجذب سيلين التي حاوطها راكان بذراعيه.
وتحدث بغضب:
- هتقربي منها صدقيني هزعلك. إحنا منعرفش إيه اللي حصل وزي ما حضرتك شايفة حالتها، يدوب لسة واقفة على رجليها.
نظرت عايدة إليها وتحدثت:
- سيبك منها يافريال، بكرة المتخبي هيظهر. هو يونس هيفضل كدا طول عمره.
سحب راكان أخته ودلف إليه. تطلع بنظرات مؤلمة إلى جسده المسجى لا حول له ولا قوة. خطى إلى أن وصل إليه. جلس بجواره يمسد على خصلاته.
- أنت هتستهبل يلا؟ هتفضل تفرسني لحد إمتى؟ والله لو مقومتش، لاضربك على وشك.
رفع نظره إلى سيلين التي تقف بجواره وجسدها ينتفض وعبراتها تنسدل بغزارة.
سحبها من كفيها وأجلسها بجواره.
- هيقوم بالسلامة. دا هيموتنا كلنا وحياتك الأول. متخافيش وبعدين هيسيبك لحد تاني. دا ممكن يخرج من القبر لو دفنته بعد مايموت.
- بعد الشر.
همست بها سيلين من بين دموعها.
أزال عبراتها وهو يضم وجهها.
- طيب بدل الحب دا كله، ليه عملتي فيه كدا؟ إيه اللي حصل وصلكم لكدا؟ مش عايزة تقولي لأخوكي.
تراجعت وهي تهمس:
- مش فاكرة حاجة.
أومأ ونهض.
- هسيبك شوية معاه. هستناكي برة.
قالها وتحرك للخارج.
نظرت إلى ذهاب أخيها، ثم جلست بجواره تمسد خصلاته. اقتربت وعبرة غادرة تهبط من مقلتيها معلنة آلامها المنشطرة.
رفعت كفيه الذي يوصل به بعض المحاليل واحتضنته.
- معرفش أنا غبية ولا رخيصة ولا إيه. قلبي خانني كالعادة وهيموت عليك. رغم اللي عملته فيا بس حموت يايونس من غيرك.
دنت تهمس له وأكملت:
- سيلين هتموت من غير يونس. افتح عيونك بقى، بقالك كتير. وأنا متعودتش على الغياب دا كله.
مسحت على خصلاته، ولحيته التي بدأت في الظهور.
- شكلك بقى وحش قوي حبيبي.
نهضت وهي تودعه بنظراتها، واستدارت للخروج ولكنها توقفت حينما استمعت.
- سيلين.
همس بها يونس. اقتربت منه وهي تبتسم. جلست بجواره.
- يونس حبيبي افتح عيونك.
لحظات مرت عليها كالدهر وهو مازال مغلق عينيه. استمعت لهمسه باسمها مرة أخرى. دلف راكان في تلك الأثناء. ضيق عيناه عندما وجد نظرات أخته وكأنه تحدثه.
- أنا هنا افتح عيونك حبيبي.
اقترب راكان ونظراته تحاوط يونس الذي بدأ يفتح جفنيه بتثاقل، ويغمضها مرة أخرى.
لحظات وفتح عيناه. كانت أمامه نظراته مباشرة. وجد ابتسامتها وكفيها على شفتيها وابتسامة بعينيها المترقرق بالدموع. همس باسمها.
- سيلين.
تراجعت بعض الخطوات وهي تهز رأسها ثم اتجهت مغادرة الغرفة سريعاً.
قابلتها فريال. طالعتها بخوف، تمسك ذراعيها.
- بتعيطي ليه؟ هو يونس حصله حاجة؟
اتجهت إليها سارة وخالد، يدققان النظر بملامحها.
- سيلين حبيبتي بتعيطي ليه؟
تحركت سريعاً دون حديث عندما فقدت القدرة على الكلام بعدما فاق يونس من غيبوبته وتذكر ما حدث.
عند يونس، اتجه راكان إليه.
- حمدلله على سلامتك يا دكتور الستات.
ابتسم له يونس بعيونه.
- سيلين راحت فين؟
دنى راكان وحاوط جسده بذراعيه.
- فوق لي كدا عشان بينا كلام كبير للرجالة. بس لو قولت لحد حاجة من اللي حصلت قبلي، هخليهم يموتك واخلص منك.
وصل خالد وفريال إليهما.
نظر إليه والده.
- حمدلله على سلامتك أخيرًا فوقت يابني.
كان يطالع راكان بصمت فأردف.
- ابعت لي سيلين.
ربت راكان على كفيه.
- مش دلوقتي فوق الأول.
اتجه إلى عمه وتحدث.
- حمد الله على سلامته.
قالها ثم تحرك مغادراً.
مساء عاد إلى منزله بعد انتهاء يوم مكتظ بالعمل اتجه إلى غرفة مكتبه مع رئيس حرسه.
- أنا لحد دلوقتي مش عارف إزاي الكاميرات عطلت اليوم اللي سافرت فيه. لازم تتصرف وتشوف المشكلة كانت في إيه. وكمان لازم أعرف إيه اللي حصل. مش معين شوية أغبياء.
طلبت أسبوع. عدى أكتر من أسبوعين ومافيش جديد. أشار إليه بالتحرك بعد إعطائه بعض الأوامر.
أمسك هاتفه بعد خروج رئيس أمنه وتحدث.
- أيوه يابني معرفتش جدي سافر فين.
على الجانب الآخر.
- والله ياراكان جدك داخل مصر. يابني مالوش اسم في المطارات.
صاح بعد انزعاجه من بروده:
- عارف يا جاسر، كل مرة تثبت لي إنك ظابط فاشل. طيب لما هو في مصر فين مكانه؟
أجابه جاسر:
- أنا في إسكندرية دلوقتي ياراكان، ولما أرجع هشوف وأرد عليك.
أنهى اتصاله وهو يسبه بداخله.
- ماشي يا توفيق، هتفضل متخبي لحد إمتى؟ بكرة تظهر.
ظل لبعض الدقائق وهو يفكر.
تذكر ذاك اليوم الذي أعاد به ليلى على المنزل.
دلف ليلى بمرافقته. نهضت زينب تضمها.
- كدا ياليلى تسمعي كلام توفيق، وترضي تطلقي من جوزك؟
تصنعت ليلى عدم الفهم فاردفت.
- ليه ياماما؟ جدو مالي ومال جوازي عشان يطلب حاجة زي كدا؟ هو عشان قولت لك خلي ابنك يطلقني يبقى جدو اللي طلب؟
جحظت عيون زينب وهي تطالعها ثم تحدثت.
- توفيق ضربك بالقلم عشان تطلبي الطلاق من راكان؟
اقتربت ليلى وهي تضع يديها على جبين زينب.
- هو حضرتك سخنة ياماما ولا إيه؟ وليه جدو يطلب كدا؟ أنا طلبت كدا لما لقيت ابنك هيتجوز محبتش أكون عزول وأجرح مشاعر مراته. مهما كان برضه هتكون زوجة تانية، وابنك شكله بيحبها بدليل ساحبها معاه في كل مكان.
ضغط على ذراعيها وأنفاسه تتسارع بغضب.
- لأخر مرة هسألك توفيق قالك إيه؟ وليه قلبتي كدا؟
نزعت ذراعها بغضب وأجابته:
- مفيش حد قالي حاجة. كفاية عمايل حضرتك.
حمل الولد وأعطاه إلى والدته وجذبها بعنف متجهًا إلى غرفة المكتب. ثم قام بفتح جهازه الخاص.
- أدّيت لك فرصة تتكلم. دلوقتي لو عرفت إنك بتكذبي استحملي اللي هيحصل.
شدّ وجهها وهي تراه يفحص حاسوبه. ولكن حمدت ربها كثيرًا تضع كفيها على صدرها. في حركة جعلته يشك بأن هناك أمرًا آخر غير نورسين.
خرج من شروده على صيحات الطفل بالأعلى. صعد عندما ارتفعت شهقاته ظنًا من وجودها بالأعلى.
تناول الولد من مربيته وقطب جبينه متسائلاً.
- فين مامته؟ بيعيط كدا ليه؟
أجابته وهي تنظر للأسفل.
- أنا أكلته وغيرتله، بس هو مش راضي يسكت.
زفر متنهدًا. بسألك عن مامته فين.
- تحت نزلت مع الباشمهندسة سيلين بتعمل جلسة ساونا وجاكوزي.
توسعت بؤبؤ عيناه مشدوهاً حتى أصبح ملجم اللسان عله يستوعب ما استمع إليه. بلع ريقه وتساءل.
- بتقولي فين؟
- تحت ياباشا. في الساونا.
أشار بيديه لتصمت ثم تحدث بعد لحظات.
- انزلي للباشمهندسة سيلين خليها تيجي عايزها حالا من غير تأخير.
حمل أمير واتجه به للأسفل.
- ما تيجي نلعب مع التنينة شوية. ماما تبعت مفكرة نفسها ذكية. متعرفش إنها بتلعب في عداد قلبها.
قابلته سيلين وهي ترتدي مأزرها.
- راكان فيه حاجة.
توقف أمامها ثم نظر إلى المربية.
- خدي الولد وانزلي اتمشي بيه في الجنينة، وحركيه عشان يعرف يمشي.
طبع قبلة على وجنتيه، ثم أطلق ضحكة وهو يناديه باسمه. "كان".
- ماشي يا أميري. كان ولا إن كلها لغويات نحوية.
ابتسمت سيلين على علاقة راكان بأمير. تعلقت بذراعيه.
- هتكون أب جنان.
هنا اختفت ضحكته عندما تذكر حديث ليلى.
اتجه بأنظاره إليها غير معلقًا.
- عيد ميلاد أمير بكرة، عايزك تهتمي بكل تفاصيلها. منظم الحفل هيجي بعد شوية، اجهزي واستنيه.
طبعت قبلة على وجنتيه.
- أحن أخ وأجمل أب في الدنيا دي كلها.. من عيوني حبيبي.
قالتها وتحركت، ثم استدارت عندما وجدته مازال واقفًا بمكانه ينظر إلى البعيد. فرجعت له وتحدثت بمغزى.
- الساونا حرارتها مش مظبوطة، حاولت أنا وليلى، ياريت تشوفها ظبطتها ولا لا.
قالتها وتحركت سريعا دون حديث آخر. ابتسم على أخته ثم سحب نفسًا طويلًا يدفعه على دفعات متتالية عله يتنفس. ثم اتجه إلى غرفة الرياضة.
وصل وأغلق الباب من الداخل خلفه يبحث عنها بعينيه. رآها من خلال الزجاج، وهي تجلس برداء شفاف أظهر مفاتنها بسخاء. تجلس مغمضة العينين وخصلاتها المرفوعة للأعلى بشكل مغري أظهر عنقها باستفاضة.
ظل يطالعها فكانت هيئتها مثلجة للروح تمر على القلب تاركة أثرها الفاتن. شهية لدرجة إغوائه لنيلها بتلك اللحظة. اقترب بعدما فقد سيطرته وكأنها ألقت على قلبه تعويذة عشقها.
قام بثني أكمام قميصه الأبيض ثم قام بخلع حذائه.
ابتلع ريقه الجاف حينما استدارت ترفع سيقانها البيضاء الحليبية أمامها وهي تتلمسها وتدندن بصوتها الناعم بأغنيتها المفضلة.
فتح الباب بهدوء ودلف ووقف خلفها تمامًا. سحب نفسًا مختلطًا بعطر أنفاسها وهي تدندن.
توقفت عن ملامسة ساقيها حينما احست بأحد خلفها. استدارت سريعا. صرخت بشهقة خرجت من جوفها وهي تلتقط مأزرها سريعًا.
وضع كفيه على فمها.
- اششش، اهدي.. أنا الي هنا.
دفعته وصاحت بغضب وهي تضم جسدها وترتدي مازرها سريعًا.
- انت ازاي تسمح لنفسك تدخل عليا بالشكل دا.
فصل الساونا ووقف يطالعها ولمعت عيناه بمكر.
- دا بيتي على فكرة، وجه في بالي أعمل ساونا، معرفش أنك هنا. ايه رأيك تاخديني جنبك؟ هنام هنا ومش هبص.
كتمت ضحكة من بين شفتيها ولكنه التقطها بعينيه. فخطى مقتربًا ينظر لسحر عيناها.
- قلبك قاسي على فكرة، نفسي أعمل ساونا، نفسي فيها يرضيكي جوزك يكون نفسه في حتة ساونا.
- احترم نفسك، وامشي عايزة ألبس.
أمسك المنشفة واتجه ينظر إليها بتسلٍ.
عقدت مأزرها بعنف ولملمت خصلاتها، ولكنه جذبها لأحضانه.
- رايحة فين؟ دا الساونا طلعت صاروخ ياحبي.
لكمته ببطنه عندما حاوطها بذراعيه.
- احترم نفسك ياحضرة المستشار، مالكش حق تدخل كدا عليا.
احتضن وجهها بين كفيه يمرر ابهامه على وجنتيها.
- ليه بقى ان شاء الله انتِ مراتي.
هزة أصابت جسدها تبتلع ريقها بصعوبة من نظراته المتفحصة لجسدها. ضمت فتحة صدرها بالمأزر وتحدثت بتقطع.
- إحنا اتفقنا على الطلاق، قولت شهرين وهطلقني، ودلوقتي عدى شهر أهو.
جذبها بعنف وتصلبت أنظاره عليها بعدما ألقت كلاماتها التي جعلت صدره كبركان متفجر.
- انا بحاول اتعامل معاكي بالعقل، بس شكلك عايزاني اتجنن.. طلاق ايه دا اللي انتِ عايزاه.
دفعته وتراجعت للخلف واشارت بسبابتها.
- لا اتجنن، أنا مستحيل أفضل مرتبطة بواحد خاين بتاع ستات زيك، بقولك طلقني بإحترام بينا، بلاش تخليني أضطر لحاجة تانية.
خطى إليها وعيناه تطلق إليها نيران لو خرجت لأحرقتها حتى حاوطها بذراعيه على الحائط. نظر إلى مقلتيها.
- عايزة تطلقي؟
ارتجفت شفتيها وترقرق الدمع وهي تهز رأسها.
- أيوة.
زفر هواء صدره المكبوت بعد لحظات وأردف.
- حاضر هطلقك، مش أنا اللي أسيب على ذمتي واحدة متستهلنيش.
حاولت استجماع الكلمات وكأن حروفها هربت من شفتيها، فاستفاقت ترفع عيناها المترقرقة بالدموع إليه.
- هطلقني؟
قالتها عندما فقدت قدرتها على الوقوف، بعدما وجدت تجلي التصميم بعيناه وبكبريائه والحفاظ على كرامته.
هز رأسه وعيناه ترسم ردود أفعالها. حركت شفتيها المرتجفة، وعينيها الزائغة، وجسدها الذي يرتجف، ناهيك عن سرعة أنفاسها.
انزل يديه وضمها من خصرها وهو يهمس بجوار اذنها.
- قبل ما أطلقك لازم آخد تمن وجع قلبي منك خلال السنين دي كلها.
جحظت عيناها من حديثه، فتقابلت الأعين وتعالت الأنفاس الحارقة بنيران العشق. تسائلت.
- حقك!! ومني!! ليه عملت إيه؟
أجابها متهكمًا.
- مش شايفة ليا حق يا ليلى، فين حقي وانتِ مراتي.
رفعت رأسها فتقابل ليلها الدامس بشمسه، حيث كانت قريبة من وجهه. فهمست بشفتيها الذي يطالعها وكأنها ملاذه في الدنيا.
- تمن.. عايز تمن تاني يا راكان لجوازنا.
جذبها لتختبأ بين ذراعيه وكأنها ملاذه وهو ملاذها الوحيد، فلم يعد يتحمل بعدها عنه.
حاوطت خصره متناسية كل شيئًا، وهمست وعبرة خائنة أحرقت وجنتيها.
- ياترى التمن اللي طالبه هقدر عليه، وانت كمان هتقدر تاخد التمن وقلبك مطمن إنه هيكون طلاقنا وبعدنا عن بعض.
أخرجها من أحضانه بعدما فقد سيطرة عقله وقلبه الذي يصدر قراراته، فكيف للقلب أن يتغلب في حضرة العقل.
مسد على خصلاتها الندية بفعل البخار، وانزل بأنامله على عنقها، ملامسًا شفتيها.
- بطلتي تحبيني يا ليلى، حقيقي مصدقة إني خنتك، ولا فيه حاجة تانية مخبياها عليا.
رفعت نفسها إليه صامتة وهزت رأسها.
- الحب مش كل حاجة، أنا بحبك بجنون بس انت بتوجعني دايما.
كانت نظراته تبحر على وجهها بالكامل. دنا منها حيث أن همسها وهيئتها التي أهلكت قلبه، جعله يتمادى بعشقه، وهو يدنو أكثر لاغيًا عقله وناسيا ما طلبته واقترب ملامسا شفتيها التي تشبه الكريز.
هنا انهارت كليًا وشعرت بضعف كيانها وهلام ساقيها التي لم تعد تحملنها، فرفعها من خصرها متجهًا إلى الخارج. جلس ثم أجلسها بأحضانه. احتضن وجهها ينظر إلى مقلتيها بعشقه الدفين.
- ليلى مفيش حاجة حصلت بيني وبين نورسين، وحياة عينيكي الحلوة، ما قربت منها.
هنا أستفاقت وهبت واقفة وتحدثت بتقطع.
- ميخصنيش دا، إحنا اتفقنا على الطلاق وخلاص.. انت كذبت عليا.
ساد صمت مختنق بحزن بينهما، فأومأ برأسه.
- تمام هطلقك بس بعد فرحي.
استدارت غاضبة وصاحت بوجهه.
- ليه إن شاء الله؟
نهض وهو يضع كفيه بجيبه وتحدث وهو يمشطها بنظراته وأجابها.
- كان والدك عمل العملية وميحصلوش انتكاسة، وكمان يكون حمزة اتجوز اختك.. غير كدا متحلميش. وقبل دا كله أخد حقي.
استدار ينظر لمقلتيها.
- عايزة تطلقي نتعامل زوجة زوج، ماهو مش معقول أطلقك بعد رحلة عذاب وفي الآخر يكون جواز بطعم الألم وبس.
أغمضت عيناها بألمًا عندما فهمت مايشير إليه فرسمت ابتسامة باهتة على وجهها.
- انت ليه مصر تسوء شكلك قدامي.
أطلق ضحكة بطعم المرارة وأردف بعد لحظات.
- عشان مهما أقول ومهما أعمل مش هتصدقي.
بكرة عيد ميلاد أمير اعملي حسابك بعد الحفلة تنقلي جناحي. قالها واتجه متحركًا بعدما ارتدى جاكتيه.
توقفت أمامه وبعينين ذابلتين اهلكهما الألم تحدثت.
- هي ليلة واحدة يا راكان، بلاش توجعلي قلبي، كفاية وجع لحد كدا.
آهة خفيضة خرجت من شفتيه يتبعها ألمًا شق صدره فاستدار يطالعها بنظرات حزينة متألمة.
- كل مرة بتكرهيني في نفسي قوي يا ليلى، معرفش ليه عايزة ترخصي نفسك قدامي، ليه مصرة تدبحيني.
أدارت جسدها للجهة الأخرى مبتعدة عنه بأنظارها.
- نصيبنا كدا، نكون حراميين في مشاعرنا للأسف.
صدمة أزهقت روحه.
- تمام يا ليلى، هعمل اللي انتِ عايزاه، بس اعرفي كدا بدوسي عليا.
قالها وتحرك للخارج حتى لا يخنقها.
جلست بعد خروجه تتنهد بألمًا شديد وكأنها تحارب نصل سكين مغروس بصدرها. ثم أردفت لنفسها.
- ياترى يا راكان إيه اللي حصل بينك وبين نورسين، وهل فعلا إنت مظلوم.. دماغي هتفرقع، قلبي بيقول انك صادق وعقلي بيقول انك كاذب.
مساء اليوم التالي بعد انتهاء حفلة عيد ميلاد ابنها، قامت بمهاتفة والدتها للاطمئنان على والدها. استمعت إلى رنين هاتفها، قامت بالرد.
- نعم.
على الجانب الآخر تحدث.
- مطلقكيش ليه لحد دلوقتي، مش المفروض كان يطلقك من أسبوع.
زفرت وصاحت به بغضب.
- قالي بعد فرحه، ياريت تتهد بقى، ومتخافش هو مش طايقني أصلا.
قهقه واجابها.
- عارف، إنه مش طايقك. قدامك تلات أيام والا هلغي عملية أبوكي، لسة مخلتش المحامي يرفع القضية، صدقيني لو وصلنا لقضية راكان هيدفنك، فعشان كدا اضغطي عليه بكل قوة دا لو باقية عليه متخلنيش اوصلك لحالة تكرهي نفسك فيها بسببه.
قالها وقام بإغلاق هاتفه.
اتجهت إلى غرفتها بعدما أوصت مربية إبنها عليه. دلفت إلى مرحاضها وخرجت بعد قليل تستعد للقاء زوجها. وضعت كفيها على أحشائها واردفت بأعين ذابلة وقلبًا حزين.
- هنبات مع بابا النهاردة، لتاني مرة هحس بحضنه. معرفش ليه لحظات السعادة قليلة. بس وحياتك لأدفعهم التمن غالي.
اتجهت تنقي ثيابها بعناية. ارتدتها بهدوء وكأنها عروس ليلة زفافها. كانت ضربات قلبها العنيفة تكاد تخرج من صدرها. أنهت زينتها واتجهت تجلس غير قادرة على الحركة أو الذهاب إليه.
حدثت نفسها.
- ياترى يا ليلى اللي بتعمليه صح ولا غلط، وراكان مظلوم زي ما بيقول ولا لا. نفسي يتعلق بيا لدرجة ميقدرش يستغنى عني، ومهما أعمل مستحيل يطلقني بس إزاي.
بغرفته كان يجلس بشرفته يدخن بشراسة، ينتظر دخولها. هو الآن سيكون أسعد الرجال عندما ينهل منها ما يبرد قلبه الملتاع بإشتياقه لها. أطبق على جفنيه وهو يتخيلها بين أحضانه. ابتسم بسخرية وهو يتذكر طلبها للطلاق.
- طيب يا ليلى هشوف آخرتها معاكي إيه!
مفكراني غبي، معرفش إنك تحت تهديد بس مين؟ جدي ولا حد تاني، ولا فعلا مش مصدقاني.
مرت ساعة وهو مازال ينتظرها. نهض متجهًا إلى غرفتها. دفع الباب ودخل يبحث عنها بغضب. وجدها تجلس على الفراش تضم ركبتيها لأحضانها وتبكي بصمت.
توسعت عيناه وانشطر قلبه لرؤيتها بتلك الحالة.
وصل إليها بخطوة واحدة.
- ليلى إيه اللي حصل؟
جذبها من كفيها ليوقفها.
نهضت ثم ألقت نفسها بأحضانه وهي تبكي بشهقات.
أزال عبراتها بإبهامه رافعًا ذقنها.
- إيه اللي حصل ليه مجتيش؟
همست وعيناها الباكية.
- هطلقني مش كدا.
زفر متنهدًا وهو يكور قبضته بغضب.
- انت عايزة إيه بالظبط، بتعيطي ليه إيه.
استدارت تواليه ظهرها وهي لاتعلم ماذا تفعل. لقد وضعها القدر بإختبار صعب وثقيل.
فأردفت:
- عايزة أطلقك.
سحبها من كفيها متجهًا لغرفته وهو يأكل الأرض بخطواته.
- يبقى ادفعي اللي عليك الأول من وجع قلبي.
دلف بها للداخل وهو يحاول أن يأخذ أنفاسه بصعوبة، فكلما تذكره بطلاقهما، يشتعل بنيران الجحيم. هو يعلم أن هناك شيئًا ولكن ماهو ولماذا تصمت؟
- كما تشائين مولاتي، سأكون معاكي لآخر لعبتك.
هكذا أردف بها لنفسه وهو يحتضنها بأنظاره.
وقفت بمنتصف الغرفة تفرك كفيها وتنظر حولها بخجل من نظراته ولمساته. أغمضت عيناها عندما دنا منها يهمس لها.
"عايزة تطلقي ياليلى؟" قالها وهو يقوم بفك عقدة مأزرها.
سقط المأزر تمامًا على الأرضية ولم تبقى أمامه سوى بثياب نومها الفاخر الذي اتخذته خصيصًا لهذه المقابلة. لا تعلم لماذا اعتنت بكل شيء حتى عطرها له، مختلف عن أي ليلة أخرى، جديد من نوعه، كل شيء انتقته لأول مرة من أجله، لعلها تكون ذكرى بعد ذلك. فهل ترى ستكون ذكرى مميزة أم مأساوية لكليهما؟
كرر سؤاله: "عايزة تطلقي مني ياليلى ليه؟"
ناظرها بعيونه الشمسية ينتظر إجابتها التي تثلج روحه، فهو يهيم بها عشقًا. هربت بأنظارها منه.
رفع ذقنها ملامسًا وجنتيها التي أصبحت كالتفاح الذي حان وقت جنيه. عجز لسانه عن ما يشعر به في حضرتها، ألقى كل شيء خلفه، حتى انتظاره لأجابتها.
وقام بحملها متجهًا لفراشه لينعم بليلة عاشقة بينهما. ظن أنهما الاثنين أنها ستكون فراقهما الأبدي. وضعها برفق على مخدعه.
وبدأت أنامله تتراقص بحرية على جسدها، حتى ذابت بين يديه.
فترة أقل ما يقال إنها فترة في الجنة لكل منهما. انتعش روحه بروحها، وشعور الأمان تملكه. لما لا وهي نصفه الآخر، ولا يختلف الأمر عندها، فهو عاشق الروح. تمنت لو يتوقف الزمن هنا فقط. هو حبيبها الذي دفنت حبه بقلبها لفترات، ورغم عشقها له، بغبائها قتلته بأيديها. ومرت الأيام والشهور، وأرضى ربها عنها وأعاد حبيبها ليحيي عشقهما مرة أخرى.
داعب خديها بأنامله ونظر لسحرها: "أنتي جميلة قوي قوي."
جملة أحيت روحها مرة أخرى بعد همسه لها بحبه لها. تمنت لو يثبت لها أنها وحدها فقط. ولكن ليت الأماني بالتمني. رفعت أنظارها له تتأمله بحب لوهلة لتتأكد من عشقه. ولكن تذكرت تلك الصور، وأنه سيطلقها كما طلبت منه. كأن القدر دائمًا يضعها باختبار ثقيل. أغمضت عيناها حزنًا. همس لها:
"افتحي عينك ليلى، عايز أحس إنك مراتي على طول مش مجرد ليلة زي ما بتقولي." رسمت ابتسامة مرتعشة دون حديث. بعد قليل.
انتهت رحلة العشق بينهما، ولكن ما زال العشق الروحي يطوفهما. جذبها بقوة وهو يقبل جبينها كعروس يوم زفافها.
أقنع نفسه بذلك، إنها زوجته، حبيبته، ملكه وحده. ألقى كل ما يعوق ذلك خلف ظهره، حتى تناسى طلبها. فرغم أنها تزوجت غيره، وتقابل قبل ذلك، لكن كل مرة يريد أن يثبت لنفسه إنها الأولى ولا يمسها غيره. هذا ما صوره قلبه المسكين.
وضعت رأسها على صدره لتستمع إلى دقاته العنيفة.
أغمض عيناه من كم الشعور الطاغي الذي تملكه. ضمها إليه بقوة. رغم خفة وزنها، إلا أنها أثقلت قلبه بعشقها الدفين.
جذبها ينظر لسحر سوادها المغناطيسي وكأن الشفاه ماتت عن النطق. رفع سبابته يمشط بها وجهها كأنه فنان يرسم بريشته ملامحها بقلبه. طاف على وجهها. بدأ صدره يعلو ويهبط مما شعر به في ذلك الوقت.
ظلت بأحضانه تستمتع بنبض قلبه وتستنشق أكبر كم من رائحته التي اعتبرتها ملذها للحياة في أيامها الأخيرة. ظل يمسد على خصلاتها الحريرية مرة وعلى وجهها بإبهامه مرة أخرى. تمنى أن تهمس باسمه الآن وهي بين يديه بحالة العشق التي رآها. لم يعلم لماذا هي صامتة منذ وجودها. رفعت رأسها على صدره تتمنى أن لا تصحو أبدًا.
"ليلى." قالها راكان بصوته المبحوح. نبضات عنيفة سريعة بصدرها بللت حلقها لكي يخرج صوتها، ولكن لم يسعفها.
ناظرته باستفهام لم تفصح عنه شفتيها.
"ليه عايزة تبعدي عني وتحرمينا من بعض؟"
اعتدلت تجذب ملابسها. لقد أيقظ عقلها الذي حاولت أن تلغيه لفترة.
جذب ملابسها وألقاها بقوة بعيدًا عنها واردف بغضب:
"الليلة لسة مخلصتش يامدام." قالها وهو ينظر إليها نظراته النارية التي تحولت تمامًا عن ما كان به منذ لحظات.
جذبها ووضع رأسها على صدره لاغيًا أي شعور آخر، إلا أنها بين أحضانه فقط. نهرها قائلاً بتحذير:
"إياكِ تقومي من جنبي طول ما أنا نايم."
لم تجادله كثيرًا. أغمضت عيناها علها تستمع بقربه فترة أخرى.
ظل يمسد على خصلاتها مرة ويحرك أنامله على جسدها ليثبت لنفسه إنها حقيقة بين يديه.
ثم غاب جسده المرهق في سبات عميق وما زال مطوق جسدها. لأول مرة منذ فترة كبيرة بعد لقائه الأول بها، تغفو جفونه مطمئنة وقلبه هادئًا مرتاحًا بعد ليلة اعتبرها ميلاده مرة أخرى على حنايا الأرض.
صباح اليوم التالي استيقظ وما زالت بأحضانه.
دنا يستنشق عطر تنفسها. أزال خصلاتها عن وجهها ممررًا إبهامه على وجنتيها يتحسسها بعشق. استند على مرفقه وأحاط خصرها محتجزًا إياها بين أحضانه مستمتعًا بقربها. ابتسم كلما تذكر ليلته الندية بعطر وجودها وهي بأحضانه. ظل يتأمل مظهرها المبهج لقلبه. قاطع تأمله بها رنين هاتفه.
أمسك الهاتف.
"أيوة ياحسن." استمع إلى ما جعل قلبه ينتفض بوجع وألمًا فاق حدود الوصف، حتى شعر بأن روحه كادت أن تفارقه. وكأنه فوق برهة بركانية. أطبق على جفنيه وهو يتضرع توجعًا وشعوره بانهيار عالم جنته الخاصة وهو يستمع إلى كلمات صديقه:
"مدام ليلى البنداري رافعة قضية طلاق عليك ياراكان. لسة جايلي الخبر. حبيت أعرفك تلم الموضوع قبل ما يوصل للنائب العام."
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيلا وليد
حين تحزم قرارك وعدة الرحيل حين تحكم بأن ننتهي ونُصد في وجه بعضنا أيامنا لا تبقى في البعد تتلصص على حالي وأراقب اسمك ووصفك في أحد أسطري تتلذذ أن تكون بطل القصيدة القادمة والفارس الذي يتسيد شجن أسره لنص قصير حين ننتهي لف عليك الغياب مرتين ارحل بكل حواسك عني ولا تتعدى علي
***
قبل عيد ميلاد أمير بيوم
خرج من غرفة الساونا واتجه لغرفة مكتبه سريعًا بعدما فقد السيطرة بحضرتها. دلف وأغلق الباب وهو يكاد يتنفس بصعوبة. جلس على مقعده وهو يمسح على وجهه بعنف قائلًا لنفسه:
"وبعدهالك ياليلى، ليه مصرة ترجعينا لنقطة الصفر."
أطبق على جفنيه متألمًا كلما تذكر هيئتها التي جعلته قديس لجمالها. فتح جهازه ينظر إلى صورتها بصمت، أخذ يتأمل ملامحها الحنونة القادرة على ثلج نيرانه. تذكر قبلاته لها وكيف كانت تجعله كسكير يتجرع من كأسه دون ملل كأنه شهد يتلذذ بطعمه.
نهض بعدما فقد السيطرة كاملة، وخرج متجهًا إلى المشفى لزيارة يونس.
بفيلا يحيى الكومي
جلست بغرفتها وهي تدخن بشراسة. فكلما تذكرت نظراته لتلك التي ينسبها لنفسه تشعر بنيران بأحشائها. أمسكت هاتفها وقامت بمهاتفة أحدهما:
"هبعتلك صورة واحدة عايزاها بكرة في المصنع القديم، مش عايزة غلطة. هبعتلك كل حاجة."
أنهت اتصالها وهي تحدث حالها:
"هنشوف يادكتور نوح هتعمل إيه بعد اللي هعمله في ملكة الجمال تبعك."
بمشفى يونس
وصل راكان ودلف إليه. كانت فريال تجلس بجواره تطعمه.
"عامل إيه النهاردة."
مسح فمه وهز رأسه ينظر إلى باب الغرفة. ربما تدلف إليه، ولكن خاب ظنه عندما جلس راكان وتحدث بمغذى:
"مشغولين بحفلة عيد ميلاد أمير، قولت اجي أشوفك بسرعة."
تنهد بحزن دون حديث. ربت راكان على كتفه.
"شد حيلك عشان تخرج، مش عيب تبقى دكتور وتنام زي الدبيحة كدا."
أرجع خصلاته للخلف وتحدث:
"دبيحة، في الآخر تقول عليا دبيحة."
قطع حوارهما دخول الضابط المسؤول عن حادثته.
"دكتور يونس ممكن ناخد أقوالك بسبب الحادث."
استدار ينظر إلى راكان مستفهما. رفع منكبيه وهو يهز رأسه بعدم معرفته بما يحدث. فهم الضابط نظراته فتحدث:
"جد حضرتك توفيق البنداري قدم بلاغ من اليوم الموافق أربعة من هذا الشهر."
أومأ متفهما فأجابه:
"الدنيا كانت ضلمة ومشفتش حاجة، كان كل خوفي على بنت عمي فمركزتش في حاجة."
سأل الضابط مرة أخرى:
"بنت عمك شافت المجرم."
أجابه سريعًا حتى ينهي الحديث:
"هي اغمى عليها مجرد ما الباب اتفتح وهجم علينا الحرامي."
"والبواب كان فين." تساءل بها الضابط.
"البواب كان في مشوار بعيد، كنت باعته وسط البلد يجيبلي حاجات ودا ياخد ساعتين على الأقل."
بعد دقائق من الأسئلة خرج الضابط وتبقت فريال وراكان:
"اومال ليه سيلين بتقول إنها قتلتك."
رمق والدته بنظرة فصمتت.
"سيلين مجرد ما شافت الحرامي انهارت واغمى عليها ومعرفش إيه اللي حصل بعد كدا."
توقفت غاضبة وهي تحدجه شرزًا ثم خرجت من الغرفة. ظل راكان يطالعه بصمت حتى قاطعه يونس:
"بتبص كدا ليه، مش مصدق إنت كمان؟"
"بقولك إيه يلا، حد قالك إني عبيط وبريل قدامك، هات من الآخر واحكي لي بدل ما أخليك تفضل طول حياتك في المستشفى."
"اللي عندي قولته، مش مصدق روح اسأل اختك."
نهض وهو يضع يديه بجيب بنطاله متجهًا للنافذة وتحدث:
"انت حاولت تعتدي على سيلين يايونس." قالها راكان وهو ينظر للخارج.
تضجرت ملامحه بجمرة الغضب وأجابه:
"لدرجة دي شايفني حيوان؟ وبعدين إنت ناسي إنها مراتي ولا إيه."
استدار ينظر إليه بتقييم:
"لا مش ناسي، بس شكلك إنت اللي ناسي إنها متعرفش."
عند ليلى
خرجت بعد فترة واتجهت إلى غرفتها. أنهت حمامها واتجهت لتؤدي فرضها بخشوع. تحمد ربها على ما توصلت إليه رغم العقبات التي واجهتها إلا أنها اعتبرتها قوة لإيمانها.
استمعت إلى طرقات على باب غرفتها. فتحت سيلين الباب تدقق النظر بها.
"عاملة إيه يالولة."
رفعت حاجبها بسخرية ثم ألقتها بالوسادة:
"كدا تبعيني لأخوكي ياسيلي."
قهقهت سيلين بمرح وجلست أمامها:
"ياختي هو كان مستني أبيع ولا أشتري، هو كان رايح أصلًا. غمزت بعينيها وأردفت."
"بس مقولتيش يالولة، راكان عمل إيه، أنا أسمع عن شقاوته مسمع في القناة التاسعة."
ابتعدت بنظرها عنها وتحدثت بأعين تفيض ألمًا:
"زي مابتقولي بالظبط سمعته مسمعة في كل مكان، كأن الألم مكتوب عليا طول عمري بلقب الزوجة اللي جوزها..."
قاطعتها سيلين سريعًا عندما تحول الحديث للجد:
"مش قصدي ياليلى والله، على فكرة راكان مش كدا، هو آه له علاقات نسائية، بس مش اللي في دماغك."
ابتسامة سخرية بدت موجعة على شفتيها:
"ولا اللي في دماغي، كفاية إنه هيتجوز. سيبك من سيرة أخوكي اللي ريحة ستات مصر كلها هتلاقيها في هدومه."
ربتت سيلين على كفيها ثم احتضنت وجهها:
"ليلى هو إنت بتحبي راكان."
صمتت هنيهة تطالع سيلين بضياع. فاليوم هي تأكدت من وجود قطعة منه بأحشائها فماذا سيكتب لها الغد. أتصارح سيلين أم تظل صامتة حتى تعلمه أولًا ولكن كيف سيكون ردة فعله. تشعر بأنها بمتاهة في منتصف الطريق لا تعلم بأي حرب ستخوض. ظهرت خيوط دموعها بجفنيها وتحدثت بتقطع:
"مش عارفة ياسيلين، صدقيني مش عارفة، كل اللي طالباه أعيش حياة هادية مع ابني وبس، مش محتاجة غير شوية سكون."
قطبت سيلين حاجبها مستغربة ردها فهتفت بها:
"قصدك إن حبك لراكان دا هيدخلك مشاكل، مش فاهمة قصدك."
نظرات ضائعة معذبة وقلب ينتفض ألمًا أجابتها:
"بيقول حاجات وبيعمل حاجات تانية، وأنا جوايا حرب مش عارفة أخلص منها، مش عارفة الغلبة هتكون مع القلب ولا العقل، كل اللي متأكدة منه إن راكان صعب تعرفي هو عايز إيه."
أومأت سيلين بتفهم فهي تعلم أن أخيها صعب الوصول إلى تفكيره. فربتت على ذراعها وتحدثت:
"عايزة أكدلك إنه بيحبك ودا أهم حاجة."
ابتلعت غصتها المتورمة قائلة بتنهيدة عميقة:
"الحب مش كافي ياسيلين، فيه أهم من الحب إنك تحسي بالأمان وإنت في حضنه."
ثم نظرت إليها ورسمت ابتسامة مصطنعة:
"سيبك من راكان وقولي إيه اللي حصل دا، ليه عملتي كدا في يونس، هو إنتوا بينكم حاجة."
***
صمتت ثواني تقاوم غلالة دموع وخزت جفنيها ثم قالت بصوت مختنق:
"تعرفي إن راكان مش أخويا شقيقي، ولا حتى سليم. صعب قوي لما تكوني وحيدة وتبقي عايزة تقولي للي بيوجعك وحد يحس بيك ويفهمك ومش لاقية."
انسدلت عبراتها على وجنتيها وهي تطالع ليلى وتحدثت:
"الوحدة صعبة قوي، كان نفسي يكون ليا أخت أحكيلها اللي بيوجعني، بس للأسف فوقت على كابوس إن أمي مش أمي، وأخواتي مش أخواتي."
جذبتها ليلى لأحضانها تربت على أكتافها:
"حبيبة قلبي أنا موجودة واعتبريني أختك، أوعي في أي وقت تحسي إنك وحيدة."
خرجت من أحضانها تبتسم من بين دموعها:
"أنا أصلا حبيتك قوي من أول مرة شوفتك فيها لما سليم أخدني عشان أشوفك، كنت خايفة تطلعي زي نورسين ولا حلا."
أطلقت ليلى تنهيدة من عمق الليل الحالك بداخلها واجابتها بتعبير يتقطر حزنًا:
"يعني مالقتيش غير أم أربعة وأربعين وتشبهيني بيهم."
أطلقت سيلين ضحكة رغم ما كانت تشعر به. هزت رأسها:
"مش قصدي يالولة متكونيش قفوشة كدا. المهم نستيني جتلك ليه."
"بكرة أمير العيلة هيكمل سنة، وراكان طلب مني أهتم بكل حاجة للحفل، وفعلا اتفقت مع تنظيم الحفلة وكل حاجة جاهزة، فجيت أسألك لو محتاجة حاجة معينة في الحفلة دي."
هزت رأسها رافضة:
"لا حبيبتي اعملي اللي انتي عايزاه، هو قالي إنك هتهتمي.. سيبك من الحفلة وجاوبي على سؤالي."
"إيه اللي حصل بينك وبين يونس."
نهضت سيلين عندما استمعت إلى رنين هاتف ليلى قائلة:
"ردي على تليفونك وبعدين نتكلم."
هزت رأسها وخرجت. فتحت ليلى هاتفها متحدثة:
"عاملة إيه ياأسما."
على الجانب الآخر أجابتها بحزن يملأ قلبها:
"نوح طلق راندا ياليلى، ودكتور يحيى كان هنا، والدنيا مش تمام أنا مرعوبة من اللي جاي."
نهضت ليلى وجلست أمام مرآتها تقوم بوضع مرطبات على بشرتها وهي تستمع إليها بتركيز:
"أنا كنت عارفة إن نوح طلقها من ليلتها، بس قبل ما تتكلمي هو حلفني ما أقولك، وقبل ما تتعصبي نوح غصب عنه، هو خايف عليكي ياأسما، دكتور يحيى مش هيسكت، وكان متفق مع راندا إنها متعرفش والده حاليًا، وطبعًا كالعادة قبضت منه."
زفرت أسما مختنقة وتحدثت:
"طيب وبعدين ياليلى، هفضل في القلق دا لحد إمتى."
توقفت ليلى عما تفعله واجابتها:
"ارمي الخوف ياأسما وقربي من جوزك وعيشي حياتك، الحياة قصيرة فوق ما تتخيلي، هو أنا اللي هأكدلك إن نوح مستعد يبيع الدنيا كلها عشانك."
استمعت لفتح باب غرفتها. ظنت إنها سيلين ولكنها تفاجأت بمتيم قلبها. ابتلعت ريقها وتحدثت لتنهي مكالمتها سريعا حتى ترتدي شيئًا. جلس خلفها وانتظر إنهاء مكالمتها. تحدثت بتقطع:
"طيب حبيبتي هكلمك بعدين."
لكن أوقفتها أسما:
"ليلى معرفتيش ليه سيلين كانت عايزة تموت يونس؟"
قابلت نظراتها مع ذاك الذي جذب كريمها ينظر إليها من خلال المرآة. ثم تحدث بعينيه:
"كملي اتصالك."
ارتبكت كثيرًا عما ينتوي فعله، فجذبت العلبة من يديه وهي تتحدث بهاتفها:
"هكلمك بعدين يا أسما. مش عارفة اتكلم."
ضحكت أسما حينما شكت بوجود راكان بجوارها، فتحدثت بخبث:
"عايزة أعرف ضروري ياليلى. الموضوع دا مخوفني. تفتكري يونس حاول يعمل فيها حاجة؟"
حاوطها راكان بذراعيها واضعًا ذقنه على كتفها وبدأ يفرد مرطبها على كفيها بهدوء.
حتى أغلقت الهاتف بيد مرتعشة، بعدما حرك انامله على طول ذراعها المكشوف.
التفتت ترمقه بغضب:
"انت ايه اللي بتعمله دا؟ إزاي تسمح لنفسك تعمل كدا؟"
"العقد اللي بيني وبينك هو اللي سمحلي بكدا. إنتِ ناسية إنك مراتي."
أطلقت زفرة حارة من أعماق قلبها علها تخفف من اوجاعها..ورفعت نظرها إليه:
"راكان لو سمحت.."
ولكن قبل أن تكمل حديثها، كانت شفتيه تعرف طريقها فوق قلبها يلتقط كلماتها بقبلة أكثر شغوفًا وأعمق تعبيرًا ليؤكد لها رفضه القاطع عما تريد قوله.
فصل قبلته يضع جبينه فوق خاصتها وأكمل:
"هتفضلي مراتي ياليلى. وقبل ماتتكلمي، أنا مخنتكيش مع نورسين. هي فعلا لحقتني ومعرفش ليه، بس هتاكد من لعبتها لأنها عرفت بعلاقتي بيكي. وفعلا أنا قولتلها اطلعي برة عايز انام. دا أول مادخلت الأوضة وكنت لسة داخل الجناح واتفاجأت بوجودها. وطردتها ومشيت."
رفع شمسه ونظر لليلها الدامس ومازال على وضعه، وأكمل استطرادًا لحديثه:
"هي دخلت بعد فترة، عشان عارفة اني كنت تعبان وواخد مضاد حيوي تقيل بسبب البرد. ونمت محستش بحاجة غير لما سمعت اتصالك."
لمس وجنتيها بأنامله وعينيه تفترس ملامح وجهها الذي يشبه القمر.
"تفتكري بعد مادقت حبك وشوفت جمالك ممكن اشوف حد بعدك؟ والله دي الحقيقة. عايزك تثقي وتتأكدي مفيش ست عملت فيا اللي إنتِ عملتيه ياروح قلبي."
أطبقت على جفنيها تعبأ صدرها من رائحة أنفاسها التي أصبحت تغزو رئتيها، وتمنت قربه بتلك الأثناء لدرجة انزلقت عبراتها لخيانة شعورها بتلك الأحاسيس.
ماذا يحدث معها؟ حتى يصل إليها إحساس أن بعده يرهقها. هي تريد أن تتعافى وتشعر براحتها بين ذراعيه وتملأ صدرها بالهواء المختلط بعبير أنفاسه المدمنة لرئتيها.
داعب خصلاتها مستنشقًا رائحتها بتلذذ فهمس لها:
"الليلة آخر ليلة هتباتي بعيد عن حضني. عايز الأوضة دي تولعي فيها عشان مستحيل تدخليها تاني. ومعنى تولعي فيها، مش عايز ذكرى حتى لو بسيطة تفكرك بيها."
لم تشعر بنفسها وهي تحاوط عنقها تدفن وجهها بعنقه حملها متجهًا إلى فراشها يدثرها.
ثم طبع قبلة على وجنتيها.
"لو مش عندي قضية مهمة ولازم أسهر عليها صدقيني مكنتش بعدت عنك الليلة. ياله براءة واستعدي لحبيبك وجنته."
تقابلت نظراتها بعينيه قائلة:
"ليه عايز تحرمني من جنتك؟"
ابتسم وهو يمسد على خصلاتها عندما أغمضت عيناها ذاهبة بنومها وهي تهمس:
"عايز يحرمني منك ومن جنتك حبيبي."
جلس بجوارها محاولا الاستماع إليها. التقط كلمة جنتك حبيبي. طبع قبلة بجانب شفتيها.
ظل يناظرها بأعين تفيض ولهًا واحس بالحرارة تتسرب لجسده. فنهض. ثم خرج بعد إغلاقه للمصباح الكهربي.
مساء اليوم التالي وهو اليوم المعد للحفل الأول لعيد ميلاد حفيد العائلة ابن فقيدهم الخلوق. كانت هناك أصوات خارجة بالحديقة بأغاني الأطفال. والكل يعمل بخفة ونشاط.
كانت تجلس بغرفتها تستعد لنزولها للحفل بصحبة ابنها وزوجها لأول مرة أمام جميع الحضور من الأقارب ورجال الأعمال المعروفين.
بالأسفل دلف أسعد بمرافقة توفيق. ثم أجلسه أسعد وهو يصيح باسم العاملة:
"اعملي عصير فريش وهاتيه للبيه."
وصل راكان الذي دلف للتو. ينظر إلى جده نظرات قاتمة. اقترب يجلس بمقابلته.
"اخيرًا توفيق باشا ظهر. طيب مش تعرفني ياباشا؟ كنت فرشت الأرض دبابيس يمكن تحس بالألم اللي مش مبطل تغرسه في قلوب الناس."
صاح أسعد به بغضب بعدما حزن والده. الذي يجلس مغمض عينيه قائلا:
"جدك تعبان بلاش تزودها عليه. نفسي تعمل إحترام لأبوك مرة واحدة."
اقترب راكان وحاوط مقعد جده بذراعيه وتحدث بفظاظه وصوت غليظ:
"لما يقولي ليه ضرب مراتي في غيابي؟ وهددها بإيه؟ وليه بوظ الكاميرات؟ عشان عارف إنه عامل مصايب."
صرخ بصوت جهوري وصلت زينب على أثره:
"حذرتك كام مرة بس انت مصر تحولني لشيطان ويقولوا شوفوا بيعامل جده ازاي. دا مش متربي ومحترم."
"راكان..." صرخ بها أسعد. أشار لوالده وتحولت ملامحه لنيران تحرقه وانخفض لجلوس توفيق.
"اقسم بالله لأبيتك في القسم الليلة. ومش بس كدا هخليك تعفن في السجن. واللي يقول انا شيطان مرحب بيه بدل ميعرفش حقيقتك القذرة."
صفعة من أسعد على وجهه.
شهقة خرجت من جوف زينب تصرخ باسم ابنها. مما أدى إلى وصول ليلى. تقف بجوار زينب توزع نظراتها بينهم.
"فيه ايه؟" تساءلت بها ليلى.
صاح أسعد بغضب:
"شكلي معرفتش أربيك فعلا." أشار على توفيق.
"مش محتاج انه يعفن في السجن. ماهو إنت لو هامك ابوك فعلا كنت دورت على جدك وعرفت انه كان محجوز في مستشفى السرطان." اقترب ونظر بداخل عين أبنه.
"جدك مريض كانسر ياحضرة المستشار. ياله خده اسجنه خليه يعفن في السجن عشان وقتها اقسم بالله لاهتكون ابني ولا أعرفك."
صاعقة نزلت على الجميع من حديث أسعد. أما راكان الذي وقف متصنما من صفعة والده.
رفع انظاره فتلاقت عيناه المتألمة بها. تاركا ما شعر به واتجه إليها وسحبها من كفيها وأوقفها أمامه.
"ميهمنيش انت قولت ايه. اللي يهمني دلوقتي حق مراتي. وحقها مش هضيعه. قالها ايه؟ وليه يتجرأ انه يضربها!!"
نظر توفيق إلى ليلى واصطنع الألم:
"ليه هضربها ياراكان؟ دي ام الغالي ومرات سليم الله يرحمه. وإنت عارف سليم كان حبيب قلبي."
صرخة مدوية خرجت منه بكل ما أوتيت من قوة:
"دي مراتي دلوقتي. سليم الله يرحمه. أنا منكرش متجوزها عشان أحافظ على إبنها. بس دلوقتي كرامتها من كرامتي. ودلوقتي اتهانت وهي في بيتي وعلى ذمتي ومن مين.. من الراجل دا." قالها وهو يشير بجفاء على توفيق.
توقف أسعد يرمقه بنظرات تحذيرية.
"غلط كمان هتخرج برة البيت دا. وقبل اي حاجة عارف انه بيتك يبقى إحنا اللي هنخرج. وزي ماحضرتك شايف جدك مريض ولازم له عناية. هتحرم ابوك من مساعدة ابوه ولا توقف وتقول كرامة مراتي. اللي هي أصلا أرملة اخوك."
هزة عنيفة أصابت جسده. تنهد بمرار ويبدو أن جروح قلبه لا تشفى منها أبدا كلما نسبوه لأخيه فقط. اتجه بنظره إليها وتحدث:
"قولي لحماكي اللي واقف قدامي يدافع عن الراجل اللي ضربك. عرفيه إزاي وقف ورفع ايده عليكي في غياب جوزك ودا ليه؟ عشان بس انك مش من مقام ابن البنداري اللي كرهت اسمه بسبب الراجل دا."
ارتعش جسدها عندما طالعها أسعد بنظرات راجية. بينما توفيق الذي رمقها بتحذير. ووقعت بين نيران زوجها ورجاء حماها. فنظرت للأسفل ولم تتحدث وكأن لسانها شل.
أمسكها راكان يضغط على ذراعها بقوة وصرخ بوجهها:
"بقولك اتكلمي. وعرفيني الراجل اللي عملي مريض مفكر هيهزني بتمثيله."
تصنم ما جعل الألم يسكن روحه ويشطر قلبه حينما تحدثت قائلة:
"قولتلك مفيش حاجة من دي حصلت. ليه مصر تفهمنا انك الصح وكلنا الغلط."
هنا كأن روحه زهقت منه. رفع نظره لها وبنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب. ورغم ذلك نظر بخزي إليها لأنها كتبت عليه قسوة قلبه. هز رأسه بعدما استمع إلى حديث والده.
"يارب تهدى بقى ياحضرة النايب. وأنا ابوك بأمرك تتعامل مع جدك أفضل من كدا. ياإما."
استدار ينظر إلى والده وانتظر حديثه:
"يإما انسى إن ليك أب. وأعرف هكون غضبان عليك ياراكان. معرفش انت تعرف يعني إيه غضب الأب ولا لا. بس اتماديت."
سحب ليلى من كفيها متحركًا للأعلى وهو يصيح بصوته:
"ماشي ياأسعد باشا علم ونفذ."
دفعها بداخل الغرفة. وقف يطالعها بعينان تقطران ألمًا وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل بداخله.
"ليه عملتي كدا؟!" دنت منه وهي ترسم ملامحه الغاضبة بشق الأنفس:
"راكان ممكن تهدى ومتتعصبش. انت ليه مصر إن جدك عمل حاجة."
"اسكتي ياليلى. الي واقف قدامك دا وكيل نيابة مش واحد اهبل. أنا متأكد انه قايلك حاجة. زي ما أنا متأكد إنك مخبية عليا حاجة ودلوقتي لآخر مرة بسألك الراجل دا عامل ايه."
تحركت واحتضنت كفيه:
"حبيبي ممكن تهدى وخلينا نتكلم زي اي اتنين متحضرين."
أطلق ضحكة ثم تحدث بسخرية:
"أرد عليكي بإيه؟ واحدة امبارح واقفة قدامي بتقولي طلقني ودلوقتي بتقولي حبيبي. هو انتي هبلة ولا أنا اللي بقيت غبي."
اهتزت حدقيتها واقتربت بخطوات مرتعشة وضربات قلبها تصم آذانها من شدة خفقانه.
وصلت إليه تقف أمامه:
"انا طالبت الطلاق عشان خيانتك ليا."
هز رأسه وعيناه تبحر فوق ملامحها التي أيقن أنها كاذبة.
"وعشان كدا بتقولي حبيبي. هو فيه واحدة تعرف إن جوزها بيخونها وتقوله حبيبي. على العموم هعرف ياليلى وقتها ماتلوميش غير نفسك."
"كملي لبس الناس على وصول. ومتنسيش من النهاردة هنتعامل قدام الجميع انك مراتي. أنا مش شاقتك. وإياك اسمع كلمة إنك مرات سليم دي."
بأنفاس مرتفعة وعيون غاضبة تطلق شرزًا:
"انتِ مراتي أنا وبس." قالها وهو يشير إلى نفسه ثم خرج صافعًا الباب خلفه بقوة هزت أرجاء المنزل.
جلست على فراشها بروح محترقة وقلب يتمزق ألمًا تقاوم رغبة في الصراخ لإخراج نيران قلبها المشتعلة من تلك الحياة التي فرضت عليها.
بعد قليل أنهت ارتداء ثيابها. تذكرت صباحًا عندما دلف إليها وهو يحمل ذاك الفستان. ثم وضعه على الفراش.
"الفستان دا هتلبسيه في الحفلة. ومش عايزك تلبسي اي حاجة قديمة بعد كدا. أنا اتكلمت مع اتليه اللي سيلين بتتعامل معاه. تروحي اللي تطلبيه هيكون تحت رجلك. اشوفك لابسة حاجة من اللي عندك هولع فيها."
وقف خلفها ورفع خصلاتها وألبسها قلادتها. تحدث وهو ينظر لعيناها بالمرآة:
"طلبت منك متخلعيش دا. ومع أول مشكلة رمتيها. دلوقتي بقولك ممكن تتخلي عني بس السلسال دا أو العقد معرفش بتقولوا عليه ايه ميتخلعش من رقبتك."
ألبسها إياه وتوقف ينظر إلى صمتها.
"ممكن اعرف ساكتة ليه؟!"
يعني غلطانة وزعلانة كمان.
بدا على وجهها الحزن الشديد، فأشاحت بوجهها بعيدًا عنه.
أدار وجهها إليه بأنامله قائلاً:
- ليلى، انت عندك شك فيا؟ لسة بتشكي في حبي ليك؟
تسللت دموعها المتقطرة والمجبرة على أمرها، فهمست:
- لازم نبعد شوية يا راكان، عايزة آخد قراري من غير ضغط.
تفاقم الغضب ناحيتها واكفهر وجهه. جذبها من رسغها بقوة وتحدث وهو يجز على أسنانه:
- خلي الليلة تعدي، أنا على آخري، سامعة.
بالأسفل كانت تجلس بين صديقاتها.
- ميرسي على حضوركم والله، عايزة أفرح ليلى. وطبعًا راكان عازم معظم الشرطة ورجال أعمال.
ابتسمت إحدى صديقاتها وهي ترفع تشير بعينيها خلفها.
تصنم جسدها عندما استمعت لصوته خلفها:
- وأنا مينفعش أحتفل معاكم؟
اطبقت على جفنيها عندما اختلج صدرها الكثير من المشاعر المتناقضة من فرح وحزن، شوق ونفور.
استدارت بجسدها المرتعش. شعرت بألم يتسرب لقلبها حينما وجدته لم يستطع الوقوف، ويضع كفيه على جنبه وملامح وجهه تأن الألم.
طالعها بإشتياق ود لو يسحقها بأحضانه، متذوقًا توتها الذي انحرم منه شهرين كاملين.
رأى الخوف البادي على ملامحها حينما جذبت مقعدًا.
- اقعد إزاي تخرج وانت لسه تعبان.
اتجه بأنظاره لأصدقائها.
- عايز أتكلم معاكي شوية.
تحركت صديقاتها. استدارت للذهاب. أمسك كفيها ورفع بصره قائلاً:
- اقعدي، لازم نتكلم.
نفضت ذراعه بقوة آلمته وتحدثت من بين أسنانها:
- اوعى تفكر عشان متكلمتش بحميك وخايفة عليك، تبقى أهبل وعبيط.
ظهرت طبقة كريستالية بدموع عينها وهمست وهي تحرقه بنظراتها:
- عملت كدا عشان أبويا وأخويا اللي هو صاحبك ما يتصدمش في صاحب عمره ويكره نفسه أنه مصاحب حيوان في صورة إنسان.
أشارت بسبابتها ودنت حتى اختلطت انفاسهما.
- يونس، ابعد عني بقولك، متخلنيش أكرهك أكتر من كدا.
جذبها بعنف من عنقها، حتى التقط ثغرها الذي كان يحاول تلاشيه وإغرائها بلونها الأحمر القاني. ضغط على رأسها وعقد ثغره علاقة منفردة على ثغرها، في وجود حشد هائل حولهم.
لم يفصل قبلته إلا حينما استمع لصياح راكان خلفه. دفعها بعيدًا عنه ووقف أمام راكان وتحدث بصوت مرتفع:
- إيه بتصرخ ليه؟ اختك دي ملكي، هتستهبل انت وهي؟ وحياة حبي ليها لاخطفها ومحدش يعرف مكانها.
جذبها ولف ذراعيه حول خصرها بقوة آلمته حتى شعر بألم بجرحه وضغط عليها قائلاً:
- أنا بقول قدام الكل أهو، دي ملك يونس البنداري واللي يقرب منها هشرب من دمه.
اقتربت سارة منه.
- إنت اتجننت يايونس وأنا روحت فين؟
اتجه بنظره إلى توفيق الذي جلس يرمقه بنظرات تحذيرية.
- انت شوفي جدك يشوفلك عريس لعبة العبي معاه، عشان قولتلك مليون مرة أنا مبحبكيش، بس إنت مصرة تهيني نفسك.
جذب سيلين وتحرك حتى وصل إلى جده.
- دي سيلين يونس البنداري، اقتنعت ولا مااقتنعتش براحتك، واللي يقرب منها هدوس.
دفعته سيلين وشهقاتها بالأرتفاع متجه للداخل.
جلس بعدما شعر بألم. ربت راكان على كتفه.
- لا راجل وعجبتني يلا، بس عايز أعرف سيلين كانت عايزة تموتك ليه.
نظر إليه بتهكم.
- تربيتك ياباشا، وبما إنك هتموت وتعرف، عيب في حقك متعرفش وإنت وكيل نيابة، ولا الشهادة مضروبة. قالها ثم نهض ممسكا بطنه وتحرك خلف سيلين.
وقفت سارة تبكي. ضمها توفيق لأحضانه.
- متزعليش ياحبيبة جدك، والله لأخليه يجلك زاحف.
- دا إيه اللي هو إزاي ياعمي، والله لاندمهم على وجع بنتي بالطريقة دي.
رمقها توفيق بتحذير.
- اهدي ياعايدة، كل حاجة معمول حسابها، اقعدي واتفرجي، شوفي الليلة دي مش هتعدي على الكل غير بمزاجي، ودلوقتي هتشوفي ليلى عاملة إزاي.
بالأعلى عند ليلى كانت تتحدث بهاتفها فيديو مع والدتها واختها وابنها بجوارها.
- كل سنة وانت طيب يا أمير.
طبعت ليلى قبلة على جبينه.
- قول لخالتو وانت طيبة.
نظرت درة إلى ليلى.
- اوبااا ليلى خانو، لايق عليكي الدلال يالولة.
سحبت نفسًا وهي تنظر إلى نفسها بالمرآة.
- دا ذوق راكان.
ابتسمت درة لأختها بحب، قائلة:
- طالعة اتجنني يالولة، ربنا يباركلك في أمير.
اتجهت بأنظارها لوالدتها الصامتة.
- بابا عامل إيه ياماما؟
أجابته والدتها بعيناها الحزينة.
- كويس، العملية بعد بكرة، راكان قال هيجيبك ويجي صحيح.
توسعت عيناها مبتسمة.
- هو قالك كدا.
أومأت والدتها.
- أيوه كلمنا امبارح بالليل وقال كدا، وحشتيني قوي يابنتي، وأمير كمان.
حاوطت بنتها بسعادة من عينيها.
- راكان مش مخلينا محتاجين حاجة والدكاترة هنا مهتمين بباباكي قوي.
ابتسمت لوالدتها بدموع عيناها وهمست.
- هو فعلاً حنين قوي ياماما.
استمعت لفتح باب غرفتها. علمت بوجوده من رائحته التي تسربت لرئتيها. فالتفت له بإبتسامتها الجميلة وهي تنهي إتصالها مع والدتها.
- هكلمك بكرة حبيبتي، بوسيلي بابا وكريم.
ثم اتجهت إلى درة.
- سلميلي على حمزة يادرة.
ما إن أغلقت هاتفها.
جذبها بعنف حتى اصطدمت بصدره.
- وليه تسلميلي على حمزة كان أخوكي؟ وبعدين كريم الكبير دا عايزة تبوسيه.
حاولت الخروج من قبضته. ولكنه وضع ذقنه على رأسها وهو ينظر إليها من خلال المرآة.
- الفستان حلو قوي عليك.
أومأت برأسها قائلة:
- هو فعلاً شكله حلو.
مازالت نظراته تبحر فوق ملامحها. تلاقت عيناه بعيناها قائلاً:
- مش الفستان الحلو، اللي لابسة الفستان هي اللي تجنن.
تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل. فارفع انامله يتلمسها ومقلتيه متسلطة على شفتيها المطلية باللون الأحمر. ثم مرر اصبعه لمحيه قائلاً:
- حاطة روج ليه؟ إنت مش محتاجة.
رفرفت بأهدابها الكثيفة تحاول السيطرة على إرتعاشة جسدها. فهمست بشفتين مرتجفتين.
- دا مش روج دا.
لم تكمل حديثها عندما دنى ينظر لليلها هامسًا.
- أومال دا إيه؟
رجفة سيطرت عليها بالكامل فهمست بإسمه.
- راكان، ابعد الناس تحت.
قالتها بصوت متقطع.
أغمض عينيه منتشيًا بقرب عطر أنفاسها ورائحتها المسكرة قائلاً:
- هو أنا لمستك؟ بس متخافيش انا هكون مؤدب الكام ساعة دول.
قطع وصلة غرامه صوت أمير وجذبه من ثيابه.
- بابا.
لمعت عيناه وانحنى يحمله يطبع قبلة على وجنتيه.
- كل سنة وإنت طيب ياحبيب بابا. كبرت حبيبي وكملت سنة عقبال لما أشوفك أجمل شاب وأنجح دكتور في العالم كله.
حمله وهو يرمق ليلى. ياله، بسط يديه لتطوق ذراعه. توقفت للحظات تهز رأسها رافضة.
- راكان مينفعش، وحياتي بلاش الليلة، مش عايزة حد يتكلم عليا بأسلوب وحش.
- ليلى.
أردف بها من بين بهسيس وهو يجز على أسنانه. ثم رمقها بنظرة جعلتها تقترب منه تطوق ذراعه. وتحركت بجوارها.
نظرت له ولابنها الذي يحمله. وذراعها متشابكة بذراعيه. ابتسمت براحة وحدثت حالها.
- ما أجمل هذا الشعور لكِ. حواء زوج يعشقكِ، وابن لكِ وبأحشائكِ قطعة ثرية من رحم عشقه.
توقفت قبل خروجها للحديقة. توقف ينظر إليها.
طالعته بحب ثم تحدثت:
- ممكن أعمل حاجة.
قطب مابين حاجبيه متسائلاً:
- تعملي ايه؟
دنت منه ثم طبعت قبلة سريعة على وجنتيه قائلة:
- بحبك قوي.
رغم قبلتها السريعة، وتمنيه بمكان آخر إلا أنها أشعرته بسعادة داخلية فابتسم قائلاً.
- أنا مش أمير ياليلى عشان تبوسيني في خدي.
تحركت وهي تهز رأسها.
- حبيبي مش هيتغير أبدًا.
وصلت إلى المكان المخصص لأمير بكعكة عيد ميلاده، مع التصفيقات وأغاني عيد الميلاد.
ظل حامله، وهو يتحرك به بين أصدقائه. وصل جاسر بصحبة فيروز، وعز بصحبة رُبى، وبيجاد المنشاوي بصحبة زوجته غنى.
قابلهم راكان بالترحاب الحار، مقتربًا بعناقه.
أشار بيجاد لأبنه.
- دا سفيان ياسيدي، كنت عايز تشوفه جبته أهو.
أشار لليلى التي تبعده ببعض السنتيمترات.
- دي ليلى مراتي.
أجابته غنى:
- اتقابلنا في فرح جاسر.
- طيب بدل تعرفوا بعض بعد إذنكم.
قالها وهو يجذب بيجاد من كفيه.
- عملت إيه في اللي طلبته؟
حك بيجاد ذقنه ثم رفع نظره إلى توفيق.
- أنا عملت زي ماقولت، ومفيش أخبار، متخافش لو حد من صحابي شافوه في المطار هبلغك.
- بيجاد الولد دا ممكن ينتحل شخصية حد، جاسر مراقب برضو، بس أنا قولت معارفك أكبر عشان اللي بيسافرو وكدا.
رفع نظره وتحدث بهدوء.
- بص يا راكان الموضوع مش سهل، وبعدين دا هربان بقاله أكتر من خمس شهور، تفتكر ممكن يكون لسة داخل مصر.
سحب راكان نفسًا من الهواء ثم زفره وأجابه بتأكيد.
- لا متأكد أنه مخرجش برة.
وصل جاسر إليهما.
- جدك كان في مستشفى لعلاج السرطان فعلاً بقاله شهر تقريبًا، وبياخد علاج زي ماقلت.
أطبق على جفنيه ثم زفر واتجه إلى جاسر.
- أكيد ولا تمثيل؟
ربت جاسر على كتفه.
- لا أكيد أنا شوفت الإشاعات والتحاليل، وصورتها كمان وبعتها لماما، وسرطان كبد يعني مفهوش هزار ياراكان، هو فيه حد يدعي المرض.
أخرج نفس من تبغه ثم زفره محملًا بلهيب أنفاسه قائلًا:
- الراجل دا مبصدقوش في أي حاجة، من وقت ما اتصاحب مع قاسم الشربيني والنمساوي.
عند ليلى وصلت أسما إليها. كانت تقف مع غنى تعرفها على عز وجاسر.
- بصي ياستي، دا عز ابن عمي ودي اختي وتبقى مراته.
ثم أشارت على جاسر الذي يقف بجوار فيروز وعز.
- جاسر اخويا.
هزت ليلى رأسها.
- أيوه شوفته في الفرح، مراته حلوة قوي.
هزت رأسها دون حديث، واتجهت تنظر إلى أسما بتساؤل.
أشارت ليلى على أسما.
- دي أسما صاحبتي وزي اختي.
لكزتها أسما قائلة بعتاب:
- زي؟ لا أنا اختك غصب عنك، فين عريس الليلة حبيب خالته.
أشارت على أمير الذي يحمله راكان.
- مع باباه.
تسائلت رُبى.
- هو حضرة المستشار أبوه؟
لكزتها غنى مبتسمة.
- لا يارُبى، دا ابن اخوه الله يرحمه.
- آسفة مكنتش أعرف.
ابتسمت ليلى دون حديث.
جلست ليلى أمام سفيان.
- ازيك ياحلو ممكن نتعرف.
قالتها ليلى التي قبلته على وجنتيه.
ضحك سفيان.
Welcome, aunt.
- واو دا شكل الحلو مابيتكلمش.
.. Arabic.
أمسك سفيان يديها وأردف.
- Mami, auntie beauty.
قبلت ليلى كفيه وغمزت بعينها.
- بتعاكسني.
أطلقت أسما ضحكة وضربت على كفيها.
- حوشي الولد شقتك ياليلى.
جذبته رُبى وهي تضحك.
- لا دا سيفو مجنن الكل، وعريس بنتي اللي هتيجي أن شاءالله.
- أمور قوي.
اتجهت ليلى لغنى.
- إنتِ حامل؟
أومأت غنى بإبتسامة.
- أيوه لسة في الرابع.
نظرت ليلى وتحدث.
- عقبال لما تجيبي اخ لأمير.
- ميرسي حبيبتي.
قاطعهم سفيان وهو يسحب ليلى من كفيها.
- تعالي نشوف البيبي عشان اديله هديته بليز انطي.
همست ربي لغنى
-اقولها الولد طالع لابوه، شوفي ماسك ايد ليلى إزاي، يالهوي دا اخدها ومشي.
ضحكة صاخبة خرجت من فم غنى مما جعل بيجاد يصل إليها بخطوة.
-إيه ياحبيبي ماتضحكيني معاكي..قالها وهو يضغط على خصرها بقوة.
توسعت عيناها وهي تدفعه:
-بيجاد الناس بتبص علينا.
اقترب يتحدث من بين أسنانه وهو يجز على أسنانه:
-بيبص علينا من ضحكاتك ياهانم..لمي نفسك ياغنى عشان منزعلش مع بعض، أما لو بتفكري في حاجة تانية معنديش مانع.
لكزته بجنبه وهي تنظر بالوجوه مبتسمة:
-لم نفسك ياحبيبي..بلاش اتصل ببابا يجي ياخدني ابات عنده.
حاوطها بذراعيه الأثنين:
-وماله دا حتى حمايا بعشقه وبيعشقني، متهزريش عشان مبقاش غلس ياغنايا.
تنهدت ثم جلست على المقعد دون حديث.
بأحد الأركان كان يقف بجوار زوجته:
-مالك ياجاسر! من وقت ماخرجنا وإنت ساكت.
استدار إليها وتحدث بغضب:
-شوفي غنى وربي وانتِ تعرفي ليه زعلان، إحنا جايين عيد ميلاد طفل مش واحدة صاحبتك عشان فستانك دا ولا مكياجك.
تحركت دون حديث متجهة إلى غنى وربي:
-انا هسيبك عشان ترتاح ياجاسر.
عند عايدة التي تجلس ونظراتها النارية إلى ليلى..تحدثت متهكمة:
-شوفو بتمشي بين المعازيم كأنه ملكة العيلة، البت دي نفسي اخلص منها بطريقة مترجعش هنا تاني.
طالعها توفيق وهو يرتشف من عصيره:
-الليلة هتكون آخر ليلة ليها متخافيش.
اتجهت تستمع إليه بتركيز:
-بجد ياعمي، يعني راكان هيطلقها.
ضيقت عيناها متسائلة:
-طب إزاي ونور بتقول قالها أنه بيحبها.
تهكم توفيق بسخرية وأجابها:
-ايوة بيحبها بس لحد ماتوصل لسريره وبعد كدا هتكون زيها زي غيرها.
هزت عايدة رأسها رافضة حديثه:
-لا ياعمي، مش بتشوف راكان بيبص عليها إزاي، بص وشوف كدا، دي واقفة مع أصحابه كأنها مراته من سنين.
ظل توفيق يرمقها بهدوء فتحدث:
-خليكي واثقة في عمك ياعايدة.
قاطعتهم فريال قائلة:
- البنت طيبة وكويسة ليه عايزين راكان يطلقها، رغم إنها عرفت ان سليم كتبلها كل حاجة فدخلتش وسابت راكان يتعامل زي ماهو.
ربتت عايدة على كتفها:
-خليكي عبيطة كدا يافريال، دي بتخطط على تقيل، هي عارفة ان راكان عنده اكتر، فليه لا لأ تخسر الصغير عشان توصل للكبير.
عند ليلى وأسما:
-مالك ياليلى! تسائلت بها أسما.
نظرت إليها والدمع يتحجر بعيناها:
-انا كتبت نهايتي مع راكان يااسما، ومرعوبة، خايفة يعرف ويزعل مني.
جذبتها من كفيها واجلستها متسائلة:
-إيه اللي حصل!
قصت ليلى ماصار لها ..وضعت كفها على فمها:
-دا كله حصل من غير ماتقولي..طيب وايه المفروض يتعمل دلوقتي.
انسدلت عبراتها وهي تهز رأسها وعيناها تراقبه:
-معرفش، بس اللي اعرفه هموت لو بعد عني.
احتوت كف أسما:
-ساعديني، أعمل إيه عشان مخسروش وفي نفس الوقت مااخسرش ابويا.
تنهدت أسما وهي تربت على كفيها:
-الموضوع صعب قوي، طيب ممكن تحكي لراكان وهو يتصرف.
-دا اللي ناوية اعمله، لازم احكي له كل حاجة، قبل ماجده يعمل حاجة، وكمان عشان هو متأكد اني مخبية حاجة.
وصل نوح إليهما وجذب مقعدًا:
-كل سنة وأمير معاكي ياليلى.
اتجهت ببصرها لأبنها الذي يحمله راكان كأنه قطعة منه وأمنت على حديثه "اللهم آمين".
بعد فترة ليست بالقليل، انتهى حفل عيد الميلاد الأول لحفيد العائلة الأول..حملته بعدما غفى على ذراع زينب واتجهت إلى غرفته..أما راكان فوقف يودع شباب الألفي مع بيجاد ونوح.
غادر الشباب وتبقى نوح، وضع يديه بجيب بنطاله ينظر إلى راكان:
-ناوي على إيه!
ارجع ركان خصلاته للخلف واكتفى بتنهيدة من بين شفتيه بعدة لحظات ثم اتجه إلى نوح:
-جواد الألفي بعتلي ورق خطير جدا، انت تعرف الورق دا لو اتعرف انه معايا ممكن يموتوني.
جحظت أعين نوح قائلاً:
-لا ياراكان بلاش القضية دي، أبعد عشان خاطري.
ذهل راكان من كلمات نوح ثم صاح بغضب:
-واخويا اللي ابنه اتيتم من قبل مايشوف النور، ولا عمي ومراته اللي ماتت وبنتها في بطنها لولا قدرة ربنا كنا فقدناها، ولا جدو اللي موتوه في المستشفى.
ربت نوح متفهمًا:
-راكان اللي مات مات، دلوقتي خاف على الموجودين، فكر في سيلين وليلى، باباك ومامتك.
أنزل يد نوح بهدوء واردف:
-كل واحد له نصيب في الحياة، أنا عارف ومتأكد كل مااشتغل على القضية هطلع بلاوي، عرفت انهم السبب في قتل مرات وابن باسم العمري..وماخفي كان أعظم.
-طيب وجدك مش خايف عليه!
التوى زاوية فمه بشبه إبتسامة وأجابه:
-دا كان عارف انهم باعتين حد ليونس عشان يعمل عملية إجهاض ويتشطب من النقابة ومش منعهم.
-طيب كان يعرف بموتك، قصدي موت سليم!
-لا معتقدش، عشان عرفت انه اتخانق مع قاسم.
هكذا اجابه راكان.
ظل لبعض الوقت حتى وصلت أسما:
-ياله يانوح، تعبت.
بعد فترة صعد لغرفة أمير وجدها تجلس بجواره تمسد على خصلاته وتنظر إليه..اتجه وجلس بجوارها:
-إيه رأيك في مدام جاسر وبيجاد وعز.
وضعت رأسها على كتفه:
-معرفش بس حبيت غنى قوي، لذيذة وربي دي حكاية، شكلها شايلة من بيجاد قوي.
كان يستمع إليها بصمت شعور لذيذ مميز وهي تحكي له ماصار بالحفل.. حاوط خصرها قائلا:
-كنتِ زي القمر النهاردة، كان نفسي احطك جوا قلبي عشان محدش يشوفك غيري..قالها بصوته المبحوح.
نهضت كالملسوعة عندما فاقت ووجدت نفسها بأحضانه، فركت كفيها وتحدثت:
- هروح اغير الفستان.
توقفت حينما استمعت إليه:
-متتأخريش عليا.
تحركت سريعًا وقلبها يتخبط بين ضلوعها.
خرجت بعد فترة من مرحاضها، واتجهت لغرفة ثيابها انتقت رداء حريري أزرق ذو فتحة صدر واسعة، أظهر مفاتنها بسخاء.
جلست تنظر إلى نفسها بالمرآة، تحدث حالها:
-لازم تحكي له ياليلى، راكان هيقدر يحميكي.
أطبقت على جفنيها متألمة وتذكرت والدها، هزت رأسها رافضة:
-لا بابا عمليته بعد يومين، بعد العملية هقوله كل حاجة، مش عارفة ممكن الراجل الجبروت دا يعمل ايه!!
جلست على الفراش تضم ركبتيها وهي بين نارين، زوجها بكفة، وأهلها بالكفة الأخرى.
شهقة خرجت من فمها وهي تضع كفيها على فمها تمنع بكائها:
-يارب ساعدني، مش قادرة افكر.
بغرفة راكان انتهى عما كان يفعله بجهازه، ثم اتجه إلى شرفته وقام بإشعال تبغه وهو يفكر بحديث جاسر:
-جدك فعلا مريض، ودا من فترة، اتأكدت بنفسي، لو تسمع مني، سيبه عقاب ربنا أقوى من اي عقاب.
استمع إلى طرقات على باب الغرفة.
دلف والده إليه، ظل راكان كما هو لم يعريه إهتمام، بل استدار ينظر للحديقة..اقترب أسعد منه:
-ممكن نتكلم مع بعض شوية!
دلف للداخل هربا من حديثه وقام باعتدال مضجعه.
- أنا تعبان وعايز أرتاح. ولا حضرتك مستكتر شوية الراحة وجاي تكمل ضرب؟
دنى أسعد يجذبه من ذراعه.
- آسف ياحبيبي. بجد معرفش إزاي عملت كدا.. متزعلش من أبوك ياراكان.
نزع ذراعه بهدوء.
- بابا لو سمحت عايز أرتاح. فلو مفهاش قلة أدب، ممكن تسبني أرتاح، ولا أروح أوضة تانية؟
توسعت حدقته فبسط يديه يتلمس خصلاته. ابتعد راكان للخلف.
- لو سمحت عايز أرتاح. مش هعيد كلامي.
ربت أسعد على ظهره قائلاً:
- هسيبك دلوقتي ياراكان وبعدين نتكلم.
استدار يواليه بظهره وكأنه لم يستمع إليه. جلس بكتفين متهدلين اثقلهما الوجع. نظر لباب الغرفة الذي أُغلق وشعوره بالألم يتفاقم. لحظات بل دقائق ونظراته على باب الغرفة ينتظر دخولها كنسمة ربيع تبرد قلبه الملتاع.
مرت ساعة. اتجه ينظر بساعته التي وصلت للثانية ليلاً. ثم نهض سريعاً إليها وداخله يحترق كمرجل جف ماؤه. دفع الباب ودلف يبحث بعينيه عليها. وجدها تجلس بالظلام كطفل معاقب من والديه.
تفاقم غضبه من هيئتها فتوقف وانفاسه في تسارع كمتسابق وأشار إليها بمقت.
- دا كله عشان قولت لك هتباتي معايا. طيب كنت قولي إنك مش طيقاني كدا.
هبت فزعة من هيئته ودنت بخطوات مرتعشة.
- أبداً ياراكان. أنا بس.. بس..
صمتت هنيهة ثم رفعت نظرها وتلاقت بنظراته المتألمة من هيئتها.
- قلقانة عشان عملية بابا.
رفع ذقنها بأنامله يتلمس وجنتيها الناعمة.
- بابا هيعمل العملية ويكون كويس. ادعيله إن شاء الله. وبكرة هنسافرله. أنا مكنتش عايز أقولك دلوقتي بس منظرك دا وجعني.
حاوطها وضمها لأحضانه. ومعركة حامية بين كبريائه برفضها له وبين عشقه وأشواقه إليها.
- ليلى ارتاحي دلوقتي وبكرة نتكلم.
قالها وبداخله حرب شعواء ستقضي عليه.
رفعت نفسها تطبع قبلة بجانب شفتيه وهتفت باسمه، تحاوطه بذراعيها. ران صمتاً هادئاً ورغم صمتهم إلا أن هناك حديث العيون وحبس الأنفاس. سحبها من كفيها متجهاً لغرفته.
دلف لغرفته وكفيه يعانق كفيها. توقف أمام الفراش وأشار إليها.
- دلوقتي لازم تردي عليا. موافقة أن السرير دا هيكون دافانا. موافقة تكملي حياتك معايا لآخر العمر.
وقف بمقابلته وعانقها بنظراته.
- موافقة تكوني أم لأولادي.
دنى يحتضن وجهها.
- ووعد مني هخليكي ملكة قلبي وعمري وحياتي كلها.
نظرت إليه بوله وقربت تعانقه.
- موافقة أعيش معاك جنتك اللي وعدتني بيها مرة قبل كدا.
كان لرد له سوى احتضان يحلق بهما فوق السحاب. وشفتيه تعزف لحنه الأثير على أوتار خاصتها. لطالما كانت القبلة بلاغة مطلوبة لتفصح عن عشق يسكن ويتغلغل بأركان قلبيهما ويختبئ بروحيهما. فكان هذا أفصح عن أعظم الحروف الأبجدية كلها.
أغمضت عيناها تستمتع بدقات قلبه. وعزفه المثير لشغفها به. بعثر كيانها بقربه واهلكها بعشقه. لم لا وحبها يجري بعروقه ووريده. وعشقه كبركان متفجر ليسحبها فوق سحابته الوردية.
وهاهو روحه تصدر ألحانا وقلبه يعزف بوجودها بين أحضانه. هامساً لها.
"مولاتي هي من أشعلت نيران فتنتها بروحي. فتعلقت الروح بالروح كما تعلق الجسد بالجسد. فأنت تسللت بين قلبي وروحي. أحييت قلبي وزهقت روحي. فأود أن أدخلك داخلي ولم أخرجك إلا زهقت الروح وذهبت لبارئها."
تخللت اناملها وسط خصلاته تنثرها بفوضوية قائلة:
- لو كان حبي بالكلمات لم أجد ماأقوله. فحبي لك توقف اللسان والعقل. ولم يعد لحروفي معنى لأعلنها. ولكن حبي لك بنبض قلبي الذي بداخل صدري. فأنا أعشقك معذبي.
بعد فترة غاصا بها بلذة عشقهما الذي زرعه الله في قلبيهما. بعدما أصبحا روحاً وقلباً وجسداً واحداً. ورغم مفارقتهما إلا أن شوقهما لم ينقضي. غاصا بنوم مريح بعدما امتلأت روحيهما ببعضهما البعض.
بعد فترة استيقظ راكان. فكيف له أن يغفو أكثر من ذلك وهي بأحضانه. عشقه ونور قلبه بين يديه الآن. وبعد قليل سيعلنها للعالم أجمع.
مرر أنامله المفعمة بالحب على شفتيها مرة وعلى وجنتيها مرة. اقترب مغمضاً عيناه منتشياً بقربها ورائحة عطرها المسكرة. عبأ صدره وكل عشق العالم يتزاحم داخل قلبه ولسانه. كلما تذكر اعترافها وهمساتها له بعشقها.
أطبق على جفنيها وحاوط جسدها بحبه. استمع إلى رنين هاتفه. جذبه سريعاً حتى لا يفيق معشوقته. بعد ليلة دامية بعشقهما.
- أيوه ياحسن..
أحس بقبضة قوية تعتصر صدره. وشحب وجهه بالكامل. وتسارع بأنفاسه حتى شعر بتثاقل تنفسه وكأن حجراً طبق فوق صدره. حتى أحس بذاك الألم وهو يستمع إلى كلمات صديقه الذي قال:
- راكان.. مدام ليلى البنداري رافعة قضية طلاق وياريت تتصرف قبل ما يوصل للنائب العام.
سقط الهاتف من يديه. وكأن جسده شل بالكامل. وعينين زائغتين. وهو يحاول أن يكرر لنفسه ما استمع إليه. التفت يطالعها بنظراته. شعر وكأنه غرس بخنجراً حاداً مزق قلبه دون رحمة. كور قبضته ضاغطاً على مفاصل أصابعه حتى شعر بتمزق أوردته. استدار إليها بعدما استمع لهمسها.
- صباح الخير. إيه اللي قومك بدري كدا هي الساعة كام؟
ظل ينظر إليها بصمت مريب. نظرات غاضبة. نظرات نارية فقط. اعتدلت تجذب الغطاء على جسدها ثم مدت يديها تمسك ذراعيه.
- راكان مالك بتبص لي كدا ليه؟
معركة شرسة بين قلبه وعقله. قلبه الذي يدعيه أن يستمع إليها. وعقله الذي يدعيه لجذبها. وسحقها من حياته دون رجوع.
دقائق مرت عليها كالدهر. فاقتربت منه تحاوط وجهه.
- حبيبي مالك ساكت ليه.
دفعها بقوة وتحدث بصوت غليظ مميت جاف لروحها.
- إنت رفعت قضية طلاق. رحتي لمحامي ورفعتي قضية طلاق عليا.
شعرت ببرودة تتسرب لجسدها بالكامل. وشحب وجهها وأصبح يحاكي الموتى. حاوطها من أكتافها يضغط بعنف وصاح بصوته.
- ردي. روحتي رفعتي قضية طلاق عليا.
هزت رأسها بعدما فشلت في إخراج حروفها. وكأن لسانها شُل فلم تستطع الكلام.
صرخة من أعماق روحه لهيئتها الذي أيقن إنها فعلتها. نظرات ضائعة. وقلب انتفض ودامى بخنجر غدرها الذي أدماه دون رحمة. اقترب منها بأنفاسه الحارقة ونيران تحرق أحشائه كاملة قائلاً بصوت كالفحيح:
- طول الليل حاضن حية. واحدة حقيرة عرفت تمثل عليا الحب كويس.
لكزها بصدرها وهو يتحدث بصوت متألم.
- قولي انت مين يابت. مين موصيك عليا.
اقتربت منه ودموعها كالشلال.
- راكان..
رمقها بنظرات نارية وأشار بسبابته.
- ولا كلمة. مش عايز أسمع نفس.
نظرات غاضبة وعيون هالكة صاح بغضب.
- وحياة كل نبضة نبضها قلبي ليكي. لاحرقك بيها.
رفع كفيه وأشار على الباب.
- قومي روحي أوضتك وإياك تدخلي الأوضة دي تاني. ولا تقربي منها.
أحضنت كفيه.
- راكان اسمعني.
نفضها كأنها مرض معدي وتحدث بغضب.
- ايدك ياحقيرة. تقربي مني حتى لو بالغلط هموتك. قومي برة. وعايزك تمسحي كل كلمة قولتهالك. اعتبريني كنت شارب ومتقل وحبيت أقضي ليلة حلوة.
نظر إليها نظرات نارية وتحدث بمغذى.
- هستنى من واحدة إيه وهي بتبيع جسمها لجوزها. قومي برة.
صعقت من حديثه. نظرت إليه برجاء وحزن شديد. تشعر بقلبها يقتلع من بين ضلوعها. ودموعها تحرق قلبها قبل جفنيها. جذبها بعنف يجرها من فوق الفراش وهو يصيح بغضب.
- قولت اطلعي برة ولا اطلعك زي ما انت كدا.
صاعقة صفعت قلبها بعنف حتى اهتز جسدها وأصبح محطم كالاشلاء وفقدت القدرة تماماً على كل شيء. همست من بين بكائها.
- راكان لو سمحت اسمعني. كان غصب عني.
ركل كل شيء يقابله حتى من يراه أجزم بأنه مسه مساً من الجن.
- برررررة.
صرخ بها حتى انتفضت رعباً. جذبت قميصه الذي بجوارها وحاولت أن ترتديه. ولكنها جذبه بعنف يلقي تحت قدمه يدعس عليه بكل طاقة لديه.
- شوفتي أهو عشان لمستيه بس. وأي حاجة ليا هتلمسيها هتكون تحت جذمتي.
أشار لجسدها الذي كشف معظمه أمام عيناه واردف بقلب مذبوح.
- حتى كرهت نفسي لأني قربت من واحدة حقيرة.
حاوطها وعيونه تريد إحراقها.
- إنت إيه شيطانة. دا طلعتي أحقر من نورسين. كلكم شبه بعض.
برررة مش عايز ألمح طيفك. اقسم بالله لو شوفتك لأقتلك. واحمدي ربنا إنك وصية أخويا. ووعد مني لأطلقك في أقرب وقت.
جذبها بعنف من خصلاتها وألقاها خارج الغرفة وهو يكاد يلتقط أنفاسه.
- حقييييرة.
صرخ بها حتى اهتزت جدران القصر.
دلفت ليلى سريعاً غرفتها وجسدها يرتعش. صرخت بقلباً ينزف من الألم كلما تذكرت نظراته الحقيرة وكلماته التي شطرت قلبها وأدمته. جثت خلف الباب وهي تضم ركبتيها وتبكي بنشيج وشهقات مرتفعة تخرج بأنين روحها.
ظلت لوقت لم تعلم كم من الوقت مر عليها وهي بتلك الحالة. نهضت بجسد مرهق وروح فقدت أعز مالديها. دلفت إلى مرحاضها وجلست في البانيو بثيابها لوقتاً طويلاً. وضعت رأسها على حائط البانيو وقامت بفتح المياه. وتركت نفسها لإزهاق روحها فهي الآن جسد بلا روح فلما لا ترتاح من تلك الحياة البائسة. شعرت بدوار فأغمضت عيناها مرحبة بغمامتها التي ربما ستريحها للأبد.
عند راكان خرج من غرفته بعد قليل يصيح على العاملة بغضب اهتزت له الجدران حتى خرجت والدته من غرفتها لترى ماذا به. أشار للعاملة بنظرات نارية قائلاً.
- الأوضة اللي فوق دي مش عايز فيها حتى الستارة. فيه عمال هيجوا يغيروها بالكامل. عشان على آخر الشهر هتجوز نورسين.
شهقة خرجت من فم زينب. اقتربت منه قائلة.
- راكان إيه اللي حصل؟
صرخ بها:
- إيه في إيه؟ انت عارف إنّي خاطب وهتجوّز، مش عايز اعتراض، ولو مش موافقة هاخد بيت برة.
قالها وتحرك سريعًا، فداخله نيران تحرق العالم بأكمله.
قاد السيارة سريعًا حتى ضربت إطاراتها الأرضية فافتعلت صوتًا مرتفعًا.
خرجت زينب تنظر لخروجه بقلب منشطر.
وصل إلى مكان خالٍ، لا يعلم كيف أتى إلى هنا. تمنى لو لم يصل أبدًا لأي مكان. ضرب على المقود بعنف حتى كاد أن يكسر معصمه، كأنه يعاقب يديه التي احتضنتها طوال الليل وهمس لها بعشقه.
صرخة مدوية حتى جعلته فاقدًا للنطق. أخرج تبغه بعدما استند برأسه على المقود.
ظل يحرق في تبغه واحدة تلو الأخرى حتى شعر بتوقف تنفسه.
استمع إلى رنين هاتفه، رمقه بنظرة وجده والدته. نظر للاتجاه الآخر وكأنه لم يستمع لشيء. مرة وأخرى حتى رفع الهاتف أخيرًا.
- فيه إيه ياماما؟ مردتش أعرف إنّي مشغول.
- ليلى ياراكان، ليلى.
قالتها بلسان ثقيل.
ظل يستمع إليها بملامح جامدة حتى انتهت من حديثها.
- هاتولها دكتور، أنا مش فاضي. عايزة تتصلي بالإسعاف، اعملي اللي يريحك.
شعر بغصة تمنع تنفسه، ولكنه تجاهلها وهو ينهي الحديث.
- أنا مشغول، مش عايز إزعاج.
عند ليلى قبل قليل:
دَلفت زينب وهي تصطحب الطفل الذي بكى بصوت مرتفع يصيح بصوت أمه.
- ليلى حبيبتي، انتِ في الحمام.
جلست زينب تحاول تهدئته ولكن الطفل لم يصمت. تحرك بخطواته يبحث عنها، يخطو خطوة ويسقط أخرى، إلى أن وصل إلى مرحاضها.
- ماما.
بكى الطفل بها. نهضت زينب تصل إليه، استمعت لصوت المياه فحملته محاولة إسكاته.
- ماما هتخرج يا حبيبي نانا.
توقفت بعدما وجدت خروج المياه من تحت الباب. طرقت على باب المرحاض بعنف وهي تصيح:
- ليلى، انتِ جوا حبيبتي.
لم تستمع لصوتها، فصرخت حتى وصلت سيلين والخدم إليها.
- امسكي ابن أخوكي، لما أشوف ليلى مبتردش ليه.
فتحت الباب ودلفت تبحث عنها.
شهقت وهي تراها تجلس بالبانيو وجسدها بالكامل مغطى بالمياه. ابتلعت ريقها بصعوبة تحمد ربها عندما وجدت رأسها تستند على جدار البانيو.
أغلقت المياه وقامت بتسريبها. اتجهت بنظرها إلى سيلين التي تقف على أعتاب الغرفة.
- تعالي ساعديني نقومها ونلبسها.
تصنم جسد سيلين وعبراتها تنزلق، فهمست:
- ماما، هي عايشة ولا...
جذبتها زينب وهي تربت على ظهرها.
- عايشة حبيبتي، وشها ما وصلوش مية. بس تلاقيها اغمى عليها من السهر والأرهاق.
اتصلي براكان ياماما، خليه يجي ياخدها للدكتور.
حاولت الوصول إليه وهاتفاته بالفعل بعد إنهاء اتصالها. أيقنت زينب بحدوث شيء معهما.
حاولوا إفاقتها، وأخيرًا استجابت وفتحت عينيها الذابلتين من كثرة البكاء. تذكرت ماذا صار، فانسدلت عبرة غادرة عبر وجنتيها قائلة بتقطع:
- إيه اللي حصل.
أحضرت سيلين ثيابها الخاصة بالحمام.
- مفيش، شكلك اغمى عليكي.
اتجهت بنظرها إلى سيلين تسأل بعينيها عنه.
حاوطتها سيلين وساعدتها بإرتداء ثيابها. خرجت بعد قليل مستندة عليها، وهي تشعر بالإعياء. وصلت لفراشها. جذبت زينب منامة واسعة ووضعتها أمامها.
- أساعدك حبيبتي تلبسيها.
تسائلت بلسان ثقيل.
- راكان خرج.
قالتها ليلى.
مسدت زينب على خصلاتها ثم طبعت قبلة عليها.
- آه، عنده شغل كتير النهاردة.
عصرًا بعد قضاء يومها بالنوم هروبًا من حياتها الميؤوسة، أغلقت هاتفها تمامًا عندما شعرت بعدم قدرتها على الحديث.
نزلت بساقيها المرتعشة متجهة للشرفة علها تستنشق رائحة بعض زهور الربيع التي بدأت تنتشر بالجو.
تسمرت بمكانها بنظرات ثابتة بعدما وجدت غرفة نومه أمام بوابة القصر، والعمال يقومون بحمل أثاث الغرفة للخارج.
خرجت بجسد واهن، وأقدام حافية، كأنها تخطو على أشواك تخربش وتشحذ طبقات جلد أقدامها.
وصلت إلى الدرج، وداهمها غمامة ساحقة، كادت أن تسقط من أعلى الدرج. هوت جالسة بأول درج. وصل نعيّمة العاملة إليها تصيح باسمها.
- ست ليلى، اسم الله عليكي قاعدة كدا ليه.
هزت رأسها عندما فقدت النطق. وصل راكان وهو يصيح على نعيمة.
- نعيمة.
وصلت إليه سريعًا.
- نعم ياباشا.
وقف راكان يعطيها أوامره.
- عايز عشاء النهاردة في الجنينة يليق بخطيبة راكان البنداري، مش عايز غلطة. سمعتي انتِ المسؤولة قدامي.
استمعت لحديثه الذي شطر قلبها وأدماه. حاولت النهوض ولكن لم تقو. صعد درجات السلم سريعًا بخفة دون أن يراها. توقف بخطواته أمامها.
- أوووه مدام ليلى، لسة عايشة أهو. أومال سمعت الصبح إنك كنتِ بتموتي.
بلعت غصة أحزانها وأردفت بنبرة مبطنة بالبكاء:
- لازم نتكلم.
نظر حوله، ثم أمال بجسده عليها ونظر إلى مقلتيها.
- بلاش تخليني أكرهك أكتر من كرهي ليك دلوقتي. ياريت تحافظي على كرامتك وتعملي زي ما قلتلك. مش عايز أشوف وشك.
خطى بعض الخطوات ثم تراجع إليها.
- آه نسيت أقولك، حرقتلك قضية الطلاق بتاعتك. كان نفسي تشوفي الإمضاء بتاعتك وهي بتولع كدا، زي اللي هعمله فيك.
طالعته بنظرات متألمة تترجاه بنظراتها الحانية.
- راكان، لو سمحت.
- اخرصي. إياكِ تشيلي التكليف اللي بينا. انتِ هنا أرملة عيلة البنداري، وأنا هنا أخو جوزك المرحوم المحترم اللي يستاهل إنك تخلي ولادك يشيلوا اسمه.
دنى حتى اختلطت أنفاسه التي تطلق لهيبًا وهمس لها:
- عارفة أحسن حاجة إنك ما حملتيش عشان لو كان حصل كنت قتلته بإيدي، عشان مش عايز واحدة من أمثالك تكون أم أولادي.
دفعها بقوة حتى اصطدمت رأسها بالدرج فصرخت متألمة. استدار بعدما استمع لأحد العمال.
- راكان باشا، الأوضة هنوديها فين.
رمق ليلى بنظرات جحيمية ثم أردف:
- ولّع فيها. كنت عايز أقولك اتبرع بيها بس ريحتها وحشة.
قالها ثم تحرك سريعًا.
لم تتحمل المزيد من القسوة الذي تكمن في قلبها، بل أخذ ينهش بجسدها كاملاً فنهضت ببطء متجهة خلفه. دلفت إلى غرفته بعدما دفعت الباب بقوة. وصلت تنظر إلى فراغ الغرفة.
خرج من مرحاضه وجدها تقف بالغرفة. اقترب يمسكها بعنف من ذراعها.
- إيه اللي دخلك هنا؟ إيه، مستنية أولّع في الأوضة عشان ترتاحي.
- لازم نتكلم.
نظر إليها وصاح بصوت كفحيح أفعى:
- لو متلعطيش حالًا هطردك من البيت بفضيحة وهاخد ابنك وأخليكِ زي الكلبة.
كلماته طعنتها بشدة حتى شعرت بانسحاب أنفاسها. ورغم ذلك اقتربت منه محاولة ضم وجهه.
دفعها بغضب عارم حتى سقطت على الأرض متأوهة تمسك أحشائها وعبراتها تغزو وجنتيها كأمطار غزيرة.
انحنى بجسده ورغبة عارمة بإحراقها ولكن كيف. حاوطها بنظرة قاسية مردفًا:
- عايزة تجربي وتشوفي ممكن أعمل فيكي إيه.
أمسكت كفيه.
- راكان اسمعني.
- باااس، اخرصي.
بشمئزاز من صوتها. استمع إلى طرقات على الغرفة.
أرجع خصلاته بعنف وصاح بغضب:
- مين!
دَلفت نورسين تتدلى بخطواتها.
- أنا حبيبي، ممكن أدخل.
ثم نظرت ليلى التي تقبع على الأرضية لا حول لها ولا قوة، فاستدارت.
- شكلك مشغول مع مدام ليلى. هستناك تحت.
جذبها من خصرها ثم حاوطها.
- لا يا حبيبي، مدام ليلى كانت جاية عشان أساعدها. عايزة تسيب البيت، فكنت بفكر معاها هتروح فين.
استندت ليلى على الجدار عندما شعرت بدوران الأرض حولها، ناهيك عن احتراق قلبها من قربهما.
تخطته وهي تتحدث بوهن.
- البيت اللي يناسبك عرفني، وأنا هجهز نفسي.
لم يعيرها اهتمام ولكنه ضم نور بقوة قائلاً وهو يقربها منه:
- وحشتيني قوي. مكنتيش عايزة ترجعي من ألمانيا.
دنت نور تحاوط عنقه ورفعت نفسها تطبع قبلة على شفتيه.
- كنت هموت من اشتياقي ليك.
توقفت ليلى على باب الغرفة وقلبها يدمي من ذاك الاقتراب. ولكن هناك ما جعلها كطائر ذبيح ذبح عنقه بيد صاحبه عند اقترب راكان يلتقط ثغرها بقبلة جامحة. هو يبث بها كل غضبه، ونورسين تظنها قبلة الاشتياق. فصل قبلته واضعًا جبينه وهو يحاوط خصرها.
- اعملي حسابك هنسهر مع بعض الليلة.
أشار للأوضة.
- دي أوضتك، شوفي عايزة تعملي فيها.
رمق الذي تقف بجسد بلا روح، فجذب نورسين مرة أخرى يفعل ما حرقها بالكامل.
تحركت إلى أن وصلت غرفتها وهنا خارت قواها وسقطت على الأرضية لتسمع لسقوطها مربية ابنها. أسرعت خلفها فهي كانت تراقب هذيان تحركها.
صرخت باسمها. انتفض قلبه من صراخهم باسمها. خرج بقلب متلهف.
لجم بصاعقة الصدمة وهو يراها وكأنها فقدت الحياة. اقترب بقلب يتجرع ألمًا لحياتهما البائسة وهو يحملها متجهًا لفراشها.
- اتصلي بالدكتور ياسيلين خليه يجي يشوفها.
هكذا اردفت بها زينب التي وصلت للتو.
مسدت على خصلاتها بحنان أموي قائلة بقلب أم حزين.
- مالك يابنتي. دي تاني مرة يغمى عليك.
وصلت نورسين.
فتسائلت:
- هي مالها؟
أجابتها سيلين سريعاً:
- اتخنقت من الزحمة عشان كدا اغمى عليها.
فاقت ليلى بعد دقائق معدودة.
مسدت زينب على خصلاتها:
- حبيبتي مالك من الصبح وكل شوية يغمى عليك. أنا اتصلت بالدكتور وهو في الطريق.
اعتدلت بوهن وهي تهز رأسها:
- لا أنا كويسة. يمكن عشان مأكلتش بس.
- ياريت ياماما تأكلي. المدام مش كل شوية تزعجيني بحاجات تافهة. مش مربي طفلة في البيت.
رفعت نظرها جهته. كان يقف يحاوط نورسين.
استقرت كلماته في منتصف صدرها مما أدى إلى شعورها بالاختناق. فهتفت بصوت كادت أن يكون متزناً:
- آسفة ياحضرة المستشار. أخذنا من وقتك الثمين.
ثم اتجهت إلى زينب:
- ممكن ياماما تخلي نعيمة تعملي جمبري. عايزة أكل جمبري جاي على بالي.
أطلقت سيلين ضحكة من شفتيها:
- لا.. دا لولة شكلها هتغرق في البحر. إيه يابنتي يغمى عليك شوية تصحي على الجمبري.
دقت زينب بملامحها:
- حاضر ياليلى. قومي خدي شاور وانزلي وهخلي نعيمة تعملك جميع أنواع الأسماك.
ظل يطالعها بغضب للحظات ثم تحدث لوالدته:
- البتاع اللي هي عايزاه دا تاكله في المطبخ. مش على السفرة.
نهضت زينب وتوقفت أمامه:
- ليلى تاكل في المكان اللي يعجبها. مش عاجبك ممكن تاخد خطيبتك وتتعشى برة.
قاطعتها ليلى قائلة بوهن:
- خلاص ياماما أنا هتعشى لوحدي في الجنينة. بحب العزلة. متخافيش هعرف اتعامل.
هتفت سيلين بمرح:
- لولة مش هتطمع على الجمبري كله وهتاخدني جنبها.
ضربتها سيلين بكتفها:
- مش كدا يالولة.
رسمت ابتسامة على وجهها ورفعت كفيها الذي شعرت برجفته ولا تعلم لماذا. ووضعتها على وجه سيلين:
- بس متطمعيش عليا.
كان يراقب كل حركة تفعلها حتى شعر برجفة شفتيها وكف يديها.
أحس بنيران الذنب تحرق أحشاءه اتجاهها. ولكنها أحرقت كبرياءه ورجولته. أعاده عقله سريعاً. فسحب نورسين من كفيها:
- خلاص ياحبيبي. العرض المسرحي بتاع المدام خلص.
تحرك للخارج سريعاً حتى لا يضعف أمام نظراتها الحزينة.
عند درة وحمزة.
جلست على سجادة صلاتها تدعو ربها تضرعاً وخشية:
"اللهم رب الناس اذهب البأس اشف أنت الشافي المعافي اشف والدي شفاء لا يغادر سقماً. يارب اعفو عنه. يارب احفظه بحفظك".
دلف حمزة يبحث عنها:
- حبيبتي لسة بتصلي. ياله بابا جهزوه للعملية.
ساعدها على الوقوف. ألقت نفسها بأحضانِه وبدأت تبكي بنشيج:
- خايفة قوي ياحمزة. بابا لو حصله حاجة هموت.
احتوى وجهه ونظر لمقلتيها:
- حبيبتي إن شاء الله هيقوم بالسلامة. خلي عندك إيمان بربنا.
أزالت دموعها:
- ليلى مجتش معرفش ليه!! إزاي تسيب أبوها في وقت زي دا.
اتجه بانظاره للبعيد مردفاً:
- راكان متصلش برضو. وبتصل بيه مابيردش.
سحبها خارجاً من الغرفة:
- ممكن يكونوا في المطار ولا حاجة.
وصلت عند والدتها التي كانت تهاتف ليلى:
- خلاص حبيبتي خلي بالك من نفسك. واحنا هنطمنك أول بأول.
طالعتها درة بأنظار مستفهمة:
- ليلى مش هتعرف تيجي عشان حامل جديد.
وضعت درة كفيها على شفتيها:
- ليلى حامل. إنت متأكدة؟
ضمتها والدتها وانسدلت عبرة على وجنتيها:
- أنا كنت شاكة أصلاً. ربنا يكملها على خير ويجيبه بالخلقة التامة. بس هي قالت متعرفوش حد دلوقتي عشان راكان مسافر وميعرفش لسة. يعني متقوليش لحمزة.
أومأت برأسها متفهمة. والسعادة تغزو وجهها. بعدما كان يضج بالحزن.
عند ليلى بعدما أغلقت الهاتف مع والدتها.
نهضت ودلفت لمرحاضها. خرجت بعد قليل. أدّت فرض ربها وجلست تقرأ أذكار المساء.
ثم اتجهت لغرفة ثيابها وأخرجت جميع ملابسها الذي أحضرها بالأمس. وقامت بحملها وصاحت على مربية ابنها التي تدعى بداليا:
- داليا عندي الهدوم دي جبتها جديد. وللأسف مش حابة ألوانها. لو عجبوكي خدي اللي عايزاه والباقي نزّليه لنعيمة تحت.
حاولت المربية سبر أغوارها فتحدثت:
- الفستان دا كان جميل قوي عليك امبارح يامدام.
ربتت ليلى على كتفها:
- محبتوش حبيبتي. خديه هيكون جميل عليك. هو حلو بس اتخنقت منه معرفش ليه.
أخذت داليا بعض الثياب وتحركت للخارج. قابلها راكان الذي خرج للتو من غرفته وهو يحادث حمزة صائحاً:
- قولتلك مشغول. يبقى عرفني التطورات أول بأول.
اتجه بنظره لغرفتها التي خرجت منها داليا تحمل فستانها وبعض الثياب الأخرى. أغلق الهاتف سريعاً مع حمزة واتجه إلى داليا:
- واخدة الهدوم دي فين ياداليا؟
ابتلعت ريقها في محاولة للحديث. لحظات مرت عليها وهي تحاول أن تجد كلمات مناسبة فأجابته:
- مدام ليلى ادتهملي. بتقولي مش محتاجهم. بس لو حضرتك عندك مانع.
وضع كفه لتصمت.
تنهد بحرقة شديدة وأردف محاولاً الثبات:
- مبروكين عليكي.
اتجه لغرفتها يدفع الباب كالثور الهائج يبحث عنها. لم تكن بغرفتها. استمع إلى حديثها بالشرفة:
- يعني معزومين عندنا. معلش يا أسما لسة صاحية. خلاص حبيبتي هستناكوا.
وقفت تنظر إلى الحديقة وهي تضع كفيها على أحشائها. استنشقت رائحة عطره. فنزلت كفيها وظلت كما هي تنظر إلى الحديقة.
دلف إلى الشرفة. يجذبها بعنف:
- افهم من معنى اللي بتعمليه إيه!!
نزعت ذراعيها. حاولت التظاهر بالقوة أمامه. رافضة نبضات قلبها فقالت بنبرة لم تهتز رغم تمنيها قربه:
- بعد كدا لما تتكلم معايا تتكلم بهدوء. مش في حصة درس. وياريت تخبط على الباب لما تدخل. ودلوقتي اطلع برة مش عايزة أشوف وشك قدامي.
أشارت على الباب ورمقته باحتقار:
- اطلع برة الأوضة دي. مش مرحب بيك فيها. دي أوضتي أنا وجوزي الله يرحمه وخاصة بينا وممنوع حد يتخطاها.
اقتربت تلكمه بقوة بصدره:
- روح للماما اللي كنت واخدها في حضنك. انت آخرك الأشكال دي. إنما أنا آخري واحد محترم يستاهل أبكي عليه العمر كله.
اقتربت أكثر حتى اختلطت أنفاسهما النارية. ونظرت إليه بنظرات جحيمية:
- أيوه رفعت عليك قضية طلاق. ولو راجل طلقني.
لم يشعر بنفسه وهو يرفع كفيه على وجنتيها بقوة حتى شعرت بتخدير خديها.
تراجعت للخلف خطوة تنظر إليه بنظرات متألمة. جذبها بعنف يصك على أسنانه فقد حولته إلى شيطان مارد:
- ورحمة سليم لأطلقك. بس أشفي غليلي منك. وهاخد منك الولد واخليكي تكرهي اليوم اللي عرفتي فيه واحد اسمه راكان.
أشار بسبابته:
- هعرفك أنا راجل ولا لا يامحترمة.
قالها وهو يدفعها بقوة حتى سقطت على الفراش.
نكست رأسها أسفاً وقالت بألم يعتصر ماتبقى من روحها الذي أهدرها دون رحمة:
- هعرفك ياراكان إزاي تخوني وعينك في عيني. هدوقك نار قلبي اللي مرحمتوش ودوست عليه.
بعد عدة ساعات تجهزت وأرتدت أفخم ثيابها. كان فستان ابتاعه لها سليم بعيد ميلادها الأول بجوارها. كان فستاناً من اللون الأسود. ضيق من عند الخصر. يبرز مفاتنها بعدما زادت بوزنها بعد ولادتها وحملها. أرتدت حجابها وانهت زينتها.
ثم اتجهت إلى الأسفل وهي تتشبس بيد أمير الذي يخطو خطوة ويسقط أخرى. فنادت على مربيته عندما فشلت بحمله بعد شعورها بالإرهاق:
- خدي أمير ياداليا. سيلين عاملة سفرة صغيرة لينا في الجنينة. وديه هناك.
بعد قليل وصلت نورسين وكذلك أسما ونوح الذي دعاه راكان. جلس الجميع على المائدة المعدة بحديقة المنزل.
وصلت ليلى وألقت عليهما تحية المساء:
- مساء الخير.
قالتها بهدوء.
نهض نوح إليها يطالعها بصمت رغم زينتها إلا شعر بألم بصوتها. ورغم ذلك سحبها لتجلس بجواره:
- تعالي قوليلي. هو اللي يعاشر راكان يحلو كدا. قلبي الضعيف لا يتحمل يالولا. والله أخطفك. مش كدا يا طنط زينب.
قاطعهم وصول يونس وهو يتحدث:
- أهلاً بدكتور التجميل. وأنا بقول الدنيا منورة ليه. أتاري القمر على الأرض.
قالها وهو يغمز إلى سيلين.
دقت سيلين نظراتها بفستان ليلى فأردفت:
- مش دا الفستان اللي سليم كان مشتريه يا ليلى. ولا إنت من حبك فيه روحتي جبتي زيه.
تصلبت أنظاره على ذاك الفستان الذي كاد أن ينزعه من فوق جسدها وقام بتمزيقه. ولكنه تذكر ما فعلته به. فأمسك كوبه يرتشف منه قائلاً:
- أيوه يا سيلي. مدام ليلى بتحب جوزها لدرجة بتحافظ على كل حاجة مرتبطة بيه.
قالها بصوت متألم.
كانت تجلس توزع نظراتها بينهما. فتوقفت تمسك بكف زوجها:
- اقعد يانوح هنا. وأنا هروح مع ليلى.
قالتها أسما.
أما زينب التي تجلس ونيران تحرق صدرها. حاولت بكل قوتها أن تعلم ماذا صار بينهما ولكن كالعادة خيبت أملها. رفعت نظرها إلى يونس فجلس بجوارها وهمس:
- حاولت أفهم ماتكلمش. فقولت أعمل شو زي ماشفتي.
ربتت على كفيه تشيع نورسين التي تجلس تضع رأسها بصدره وتتحدث تتلاعب بزر قميصه بعد ذهاب ليلى وأسما.
زفرت بإختناق وتحدثت إلى يونس:
- البت دي مستحيل أخليه يتجوزها. عايزني أوافق على جوازك من سيلين. شغل دماغك يادكتور.
أومأ برأسه وتحرك متجهاً إلى سيلين التي تحمل أمير وتجلس بجوار ليلى.
- رايح فين يلا.
تسائل بها راكان.
رمق راكان بنظرة وغمز بعينيه:
- رايح لحبيبتي عندك مانع.
توقف يطالع نورسين فاطلق ضحكة. واقترب منهما:
- بقولك يانور هو انت راسك وجعاكي ولا حاجة.
ضيقت عيناها متسائلة:
- مش فاهمة.
أشار بسبابته مردفاً:
- أصلك نايمة على راكان. هو انت بتقيسي نبض قلبه ولا إيه. بس نصيحة من العبد لله.
- راكان نبضاته متفرعة زي شجرة الصبار. متينة وممكن تعيش من غير مية. ولو قربتي منها تعورك.
سحب كفيها من على زر قميصه وجذبه بعنف. ثم حرك حاجبه للأعلى وللأسفل:
- وأدي الزرار يانور اللي خانقك. خليه كدا مفتوح.
- انت غبي يلا.
دنى يونس وهو يرمقه بنظرات غير مفهومة. وتصنع ضبط قميصه:
- لا!! ابدا ياباشا. أصلي لاقيتك مش واخد بالك إننا حواليك. وانت فتحها على الرابع. راعي إن فيه طنط زينب قاعدة ومدام أسما. طيب ليلى مراتك إنما سيلين دي مش بنت.
ضرب يونس على كتف راكان وهو يتكأ بذراعه ينظر إلى نورسين:
- آسف يانور بس بغير على راكان. تقولي إيه صداقة بقى.
- إنت مش كنت رايح لسيلين يايونس. امشي.
قالتها زينب بغموض. ثم اتجهت إلى نوح ونورسين:
- الأكل دا راكان اللي طلبه يانوح. أكيد عارف ذوقك.
ثم رمقت نور:
- بيقول نور بتحبه.
أومأت نورسين:
- أي حاجة راكان يقولها بعشقها طبعاً يا طنط.
هزت رأسها بهدوء:
- بالهنا حبيبتي.
بعد إنهائهم الطعام. كان يطالع تلك التي تضحك مع أسما وسيلين. وهم يلاعبون أمير.
شعر بنيران تحرق صدره كلما نظر إلى ذاك الفستان الذي جعلها كالقمر بليلة تمامه.
وصل أسعد ملقياً السلام. نهض راكان بعد أن قام بتشغيل موسيقى أجنبية هادئة. لم يعر والده أهمية، فرفع كفيه إلى نور.
"تعالي نرقص."
ابتسمت وتوقفت متجهة إليه. اقترب نوح من يونس.
"إيه اللي بيحصل بالظبط؟"
رفع يونس كتفيه وأجابه.
"شكل الموضوع كبير اللي يخلي راكان كدا."
تهكم نوح وتحدث.
"يبقى اللي جاي مرار ياحبيبي. دا ليلى لابسة فستان سليم، وراكان عازم نورسين وبيرقص معاها. أنا كدا عرفت الأيام الجاية هيكون شكلها إيه."
اختفت ضحكات ليلى وهي تطالعهم وهم يتأملون على الموسيقى. رفعت نظراتها المتألمة لذراعيه الذي يطوق خصرها، وهي تعانقه مقتربة من شفتيه، وهو يطلق ضحكاته.
جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه كاملة لا يفصلهما شيئاً. اقترب يداعب وجهها بشفتيه مبتسماً، وكأنها عشقه منذ سنوات. رفعها من خصرها حتى وقفت على حذائها وبدأت تتمايل.
هنا انهارت ليلى كاملة. واستدارت للجانب الآخر. وانسدلت عبراتها وكأن أحدهم طرق بمطرقة من نيران ثم فوق صدرها.
أغمضت عيناها رغم عنها وأصدرت شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماقها المحترقة. وضعت كفيها على فمها حتى تمنع نفسها من النحيب.
ربتت أسما على ظهرها.
"حبيبتي اهدي."
ضغطت على فستانها وتحدثت من بين بكائها.
"بيدبحني يا أسما. أنا مش قادرة اتنفس. أسما أنا بموت."
وصلت العاملة بطعامهم.
"آسفة مدام ليلى. اتأخرنا."
نظرت ليلى للطعام وشعرت بتقلب معدتها. دفعته بعيداً عنها.
"مش قادرة اشم ريحته."
وصلت سيلين التي كانت تلاعب أمير. فبعدما وجدت يونس قريباً منهم، ارتعدت أوصالها. فاتجهت لليلى وأسما.
جلست واجلست أمير على ساقيها.
"شوف ياميرو مامي بتحب الجمبري وعمتو بتعشقه كمان."
سكبت بعض الطعام ووضعته أمام أسما. واتجهت إلى ليلى تضع طعامها.
دفعته ليلى ونهضت تضع كفيها على معدتها.
عند راكان.
ظل يتراقص مع نورسين وضحكاته ترتفع بالمكان على كلمات نورسين.
قاطعهم جري ليلى للداخل وهي تمسك معدتها.
هبت زينب فزعاً من مظهرها. وتحركت متجهة إليها.
دَلفت ليلى إلى المرحاض وقامت بإخراج مافي جوفها. ظلت لفترة ليست بالقليل وهي تتقيأ حتى شعرت بالدوار. فسقطت مغشياً عليها.
دلفت زينب تصرخ باسمها.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سيلا وليد
كنت أظن أني أتمكن من العودة إلى حياتي مرة أخرى ولكني نسيت كيفية الحياة بطريقة طبيعية دون الحزن، وكنت أعتقد أنه يمكنني كتابة كلمات عن الفرح والسعادة ولكن عندما فعلتها أدرك أن شيئًا داخل قلبي انكسر.
فلقد جعلتك فريضة كفرائضي الخمس وتمنيت أن لا أنقطع عن أدائها يوميا.
***
بألمانيا وخاصة بالمشفى الذي يقوم والد ليلى بإجراء العملية.
تجلس سمية تتلو بعض آيات الذكر الحكيم، تقف درة بجوار حمزة أمام غرفة العمليات، بينما كريم الذي يجلس بجوار والدته ويدعو ربه تضرعًا أن يشفي والده، ضم والدته من أكتافها ليطمئن قلبها.
"إن شاء الله هيخرج من العملية ويرجعنا زي الأول."
رفعت نظرها إلى ولدها تربت على كتفه قائلة:
"إن شاء الله حبيبي، إن شاء الله ربنا مش هيحرمنا منه. أسألك ربي حاجتي، ومنك أرجو نجاتي، وبيدك مفاتيح مسألتي."
قالتها سمية وهي تضم مصحفها إلى صدرها.
عند راكان.
أسرع إلى الداخل بعدما استمع إلى صيحات والدته، دفع باب المرحاض بقوة حينما طرقت زينب على الباب وانقطع صوت ليلى.
دلف وجدها ملقية على الأرضية، حملها سريعًا متجهًا بها للأعلى، دفع باب غرفتها ووضعها على الفراش وحاول إفاقتها، تجمع الجميع بالخارج، وقام الأتصال بالطبيب.
فتحت جفنيها بتثاقل وهي تهمس بإسمه، قام بإعتدالها لتجلس ووضع خلفها الوسادة.
نظرت حولها لم يكن سواه بالغرفة، اعتدلت سريعًا.
"انت بتعمل ايه هنا؟" قالتها بصوت متعب.
نصب عوده ووقف يضع يديه بجيب بنطاله قائلا:
"مش جاي اتغزل بجمال الأميرة، ماما صعبت عليا من خوفها عليكي، كل شوية توقعي وتعميلنا قلق فقولت اريحهم واشيلك احطك في اوضتك، اقولك كفاية شغل الشو اللي قرفتيني بيه من الصبح."
سحب نفسًا من تبغه ونفثه وهو يطالعها بسخرية:
"مش هتصعبي عليا ولا هتحركي فيا شعراية واحدة يابرنسس ليلى."
"اطلع برة، أنا قولتلك وحذرتك قبل كدا، ولو شوفتني بعد كدا بموت يبقى دوس عليا وعدي ملكش دعوة."
دلت زينب بجوار الطبيب، الدكتور وصل ياراكان.
تجهمت ملامحها وتحدثت بغضب:
"انا مطلبتش دكتور، وقولت لحضرتك ياماما، انا مش تعبانة دول شوية برد عشان كدا تعبانة وكل شوية يغمى عليا، دلوقتي هنام وهقوم كويسة."
أشار راكان عليها ثم تحدث إلى الطبيب:
"آسفين يادكتور، المدام بتدلع فكل شوية يغمى عليها، ياريت لو ينفع تكتبلنا على حاجة يخليها تبطل حركاتها الهبلة دي."
نزلت كلماته عليها كسكين بارد ينحر عنقها بطريقة مؤلمة لروحها، التقت عيناها بعيناه وارفت من بين ألامها:
"آسفة مش هدلع عليك تاني ياحضرة المستشار." ثم اتجهت إلى زينب.
"ماما زينب آسفة قلقتك من الصبح، أنا قلقانة على بابا فدا اللي موترني عشان كدا بيغمى عليا."
جلست زينب بجوارها تدقق النظر بعيناها.
"يعني متأكدة انك مش محتاجة للدكتور، وتعبك دا من خوفك على والدك."
أومأت برأسها دون حديث، خرج راكان وبجواره الطبيب معتذرًا.
دلت أسما وهي تحمل أمير بجوارها سيلين.
"ليلى حبيبتي عاملة إيه!" أومأت برأسها.
"أنا كويسه حبيبتي مأكلتش من الصبح ودا عملي هبوط."
خرجت سيلين بعد فترة مع والدتها، جلست أسما بجوارها، وقامت بتحرير خصلاتها وساعدتها بتغيير ثيابها.
مسدت على خصلاتها.
"ليلى هتفضلي كدا لحد إمتى.." حبست أنفاسها داخل صدرها مانعة سقوط دموعها، اتجهت بأنظارها إلى أسما.
"تفتكري اللي زي يعمل ايه؟ ابويا مش عارفة عنه حاجة، وجوزي هنا بيموت فيا، حتى مدنيش فرصة اتكلم."
توقفت فجأة عن الحديث غير قادرة على البوح بما يعتري قلبها، وضعت كفيها على صدرها.
"دا بيوجعني قوي ياأسما، حاسة إن قلبي هيوقف، نار جوايا بتحرقني."
رفعت قبضتها تضرب على قلبها صارخة.
"دا لسة بيشفعله بعد خيانته ليا، دا لسة بيتأثر من قربه، وبيموت لما بيبعد، تقدري تقوليلي أعمل إيه."
ضمتها أسما تربت على ظهرها.
"بطلي عياط حبيبتي، بكرة راكان يعرف الحقيقة ويندم صدقيني."
شهقات متتالية بنحيب خرجت من أعماق قلبها.
"أنا بموت ياأسما، نار جوايا ومحدش حاسس بيا، الراجل الوحيد الي متمنتش غيره بيدبح فيا، بيعاقبني على حاجة غصب عني."
كان يقف بالخارج وقلبه يدق بعنف داخل صدره من كلماتها التي ادمت قلبه حتى كاد أن يتوقف عن نبضاته، فتحرك للأسفل حتى لا يضعف أمام أنهيارها.
"ليلى اهدي حبيبتي بكرة كل حاجة هتكون كويسة، أنا معرفش ليه جدو بيعمل معاكي كدا، الراجل دا بجد شراني قوي."
"اسما عايزة أنام، ممكن تطفي النور محتاجة أنام كتيير قوي."
دثرتها بشرشف خفيف ومسدت على خصلاتها وظلت بجوارها إلى أن غفت تماما.
خرجت من الغرفة بهدوء، وقلبها يأن وجعًا عليها، وقفت على باب الغرفة تكبح غلالة دموع غيمت مقلتيها وهي تهمس لنفسها.
"ليه ياراكان تعمل فيها كدا بس." تحركت متجهة للأسفل.
وصلت حيث جلوسهم بالأسفل، نهضت سيلين التي تجلس بجوار والدتها متسائلة.
"عاملة إيه دلوقتي؟!"
كان جالسا بجوار نورسين ونوح مدعيًا إنشغاله بالحديث معهما، ولكنه ينتظر إجابة سؤال سيلين بشق الأنفس.
رفعت أسما انظارها إليه وتحدثت بمغذى.
"هي كويسة، ياريت لو حضرة المستشار يسمح لها تسافر تشوف باباها هتكون احسن من كدا."
قاطعها نوح وهو يتجه بنظره إلى راكان.
"أنا وماما هنسافر بكرة، ممكن ناخدها معانا ياراكان، ليلى طول ماباباها حالته صعبة هتفضل تعبانة كدا، من صغرها لما بتزعل بتتعب جدا، فياريت توافق تسافر معانا."
كور على قبضته ضاغطا عليها حتى ابيضت مفاصله من فرط غضبه، فرمق نوح شرزا وتحدث بسخرية.
"ليه المدام مالهاش راجل ولا ايه، أنا كنت حاجز نسافر النهاردة، بس انشغلت شوية." نظر بساعة يديه وأردف بهدوء.
"هنسافر على ستة الصبح."
قاطعته نورسين قائلة بغضب.
"مقولتش يعني إنك هتسافر؟!"
اشتعلت نظراته بشكل مخيف مما جعلها تصمت عن تكملة حديثها، فارتبكت قائلة.
"مش قصدي، قصدي يعني انه.." نهض واقفًا.
"متقصديش وفري قصدك لنفسك، ياله عشان أوصلك."
نهض نوح هو الآخر يبسط يديه لأسما.
"ياله حبيبي قدامي سفر الصبح." تحركت بعدما ودعت زينب وسيلين.
بعد فترة عاد راكان، جلس بحديقة القصر، وبدأ ينفث تبغه ويحرقه كإحتراق قلبه، وصل توفيق يجلس بجواره.
"قاعد كدا ليه؟ مين مزعلك."
سحب نفسًا من سيجاره ونظر للبعيد غير مكترث لحديثه..اقترب توفيق وتحدث.
"فرحتني بعلاقاتك بنورسين، دي فعلا الي تليق براكان البنداري، كنت خايف أرملة اخوك تلف عليك زي مالفت على سليم، بس سليم معذور أصله طيب وعلى نياته وهي قدرت توقعه."
ظل راكان كما هو ولكن شعوره بالأختناق يعيق زفراته، فاق اخيرًا من ضغط أعصابه الذي حاول توفيق الضغط به.
التوت زاوية فمه بعبث ونظر لجده.
"هو مش المفروض تقعد تصلي وتدعي ربنا انه يخفف آلامك، ويشفيك، مع إني أشك انك بتتألم اصلا."
دنى من جده ونظر لحدقيته.
"بقول ايه ياتوفيق، اوعى تفكر دخل عليا موضوع مرضك، مع اني اتمناه." غمز لجده بطرف عيناه.
"اوعى تفهمني غلط، أنا قصدي ان المرض بيشيل ذنوب، فأنت الصراحة صعبان عليا قوي إزاي تقابل ربنا ببلاويك دي، فقولت إلهي يجيلك مرض يخفف ذنوبك، وتموت وانت مش عارف تحرق دمي."
قالها راكان ثم نصب عوده وهو يرمق جده بتهككم قائلا.
"اوعى تنسى دواك، عشان تعرف تنام يا..توفيق باشا.." تحرك راكان متجهًا للداخل ولم ينظر خلفه حينما صاح توفيق عليه.
"راكان استنى.." وصل لباب قصره بعدة خطوات من كثرة تسارعه بخطواته حتى لا يعود ويقبض على عنقه.
وصل إلى غرفته، دلف للداخل، ينظر بحزن للغرفة التي تغير أساسها بالكامل، جلس بانفاس تهدر بعنف داخل صدره، رغبة جامحة من قلبه في إقتحام غرفتها وسحقها بأحضانه.
هب متجهًا لغرفتها لاغيا عقله بالكامل، دفع الباب، كانت تغط بنوم عميق، خلع قميصه وتسطح بجوارها يضمها لأحضانه، شعرت به كأنه حلمًا، فابتسمت تهمس بإسمه ثم انزلقت عبراتها.
"راكان" جذبها حتى أصبحت بأحضانه كاملًا.
"إشش، نامي شوية، عندنا سفر.." دنت تضع رأسها بعنقه تحاوطه بذراعها، ثم ذهبت بنوم عميق وهي تظن إنها تحلم به.
مسد على خصلاتها، ثم طبع قبلة على خصلاتها وأغمض عيناه مستمتعًا بقربها.
ظل لبعض الوقت ثم نهض متجهًا إلى غرفته، بعدما اشبع روحه بقربها، وخرج كأنه لم يكن، نظر بساعته، ثم اتجه لمرحاضه وخرج بعد دقائق، رفع هاتفه وهاتف والدته.
"خلي ليلى تجهز هنتحرك بعد ربع ساعة، ولو اتأخرت مش هنسافر."
كان أسعد يجلس بجوارها يقرأ في كتابًا، خلع نظارته الطبية متسائلا.
"فيه حاجة ولا إيه، ليه راكان بيتصل دلوقتي؟!"
نهضت ترتدي مأزرها وأجابته بهدوء رغم حزنها منه.
- مسافر مع ليلى ألمانيا، باباها عمل عملية النهاردة ودخل غيبوبة وهي لسة متعرفش. راكان خبى عليها.
تحركت حتى وصلت لدى الباب ولكنها توقفت حينما تحدث أسعد.
- هتفضلي مخصماني يازينب؟
استدارت له.
- هخاصمك ليه؟ أنا زعلانة مش مخصماك. لما تضرب ابني الراجل اللي لو فضلت مراته لحد دلوقتي معاه كان زمان ابنه شاب. يعني غلطت كتير ياأسعد وانت بعد العمر دا كله بتميد ايدك عليه.
دنت خطوة وتقابلت بنظراته الحزينة.
- للأسف ياأسعد الغلط مش في ابوك. الغلط في شخصيتك الضعيفة. اللي لحد دلوقتي بقول لحد إمتى هتفضل تداري على باباك. لحد مايموت حد فينا. طيب ماسليم مات بسببه ولسة إيه أكتر من كدا.
قالتها وتحركت ولم تنتظر حديثه. وصلت إلى غرفة ليلى. كانت ماتزال نائمة. دلفت بهدوء تمسد على خصلاتها.
- ليلى قومي حبيبتي.
فتحت جفنيها بتثاقل. وجدت زينب تجلس بجوارها. اعتدلت سريعًا.
- أمير كويس.
ربتت على ظهرها.
- أيوة حبيبتي كويس. أنا جاية اقولك اجهزي عشان تسافري مع جوزك لباباكي.
بدأت أنفاسها في الاضطراب. وخفقاته تتسارع في سباق شديد. حتى شعرت بتوقفه. فهبت فزعة.
- بابا حصله إيه؟ أنا كلمت ماما وقالت لسة ماخرجش ونمت ومحستش بنفسي. طمنيني ياماما وقولي ان بابا عايش.
ضمتها زينب لأحضانها تمسد على خصلاتها.
- اهدي حبيبتي والله باباكي كويس. هو عمل العملية. والمفروض تطمني عليه مش كدا ولا إيه.
أزالت عبراتها ونهضت سريعًا.
- هجهز حالا ياماما. خلي داليا تجهز أمير.
بغرفة راكان جلس أمام حاسوبه يبحث في بعض الأشياء ثم قام بإرسالها لأحدهم. أمسك هاتفه ينظر بساعته.
- أيوة وصلت لأيه.
على الجانب الآخر.
- زي ماحضرتك قولت. توفيق باشا زار مدام ليلى. قبل توقيعها على القضية. كان عندها الساعة أربعة عصرا وهي مضت أربعة وتلت تقريبا. وكمان فيه حاجة قبلها بساعتين كانت عنده في الشركة ودخلت بعد معركة بينها وبين السكرتيرة.
- تمام. هذا ماقاله راكان. نهض متجها لشرفته وقام بإشعال تبغه ينظر بالحديقة.
- يعني لعبتها صح ياتوفيق. وماله نلعب مع بعض. وحياة حرقة قلبي لأخليك تتمنى الموت انت وامجد الكلب.
تذكر قبل عدة ساعات بعدما استمع لحديثها مع أسما.
وصل حيث جلوس نوح ونورسين. جلس يفكر بكلماتها. ورفعها بطلاقها. زفر متنهدًا وهو يكور على معصمه يحدث حاله.
- غبية عرف يستغلك ويلعب بيكي. بس إزاي. لازم اعرف ايه اللي ماسكه عليك. عشان تعملي زي الهبلة الي هو عايزه.
خرج من شروده بعدما استمع لطرقات على باب غرفته.
- خد أمير أنا تعبانة ومش عايز يسكت ووالدته بتجهز.
التقط الولد من والدته ينظر إليها بتقييم.
- مالك ياماما اتصلك بدكتور.
هزت رأسها رافضة.
- لا شوية صداع على إرهاق. على عمايلك السودة مع مراتك. غير تعبها. هتجلط بسببكم. شايفة عيال قدامي مش ناس عاقلة.
اومأ متفهما دون حديث.
- روحي نامي حبيبتي ومتشليش هم.
اقتربت منه تطالعه بنظرات مستفهمة.
- انت ليه بتعمل كدا ياحبيبي. راكان إيه اللي حصل بينك وبين ليلى.
قبل رأسها وهو يحاول تهدئة أمير.
- مفيش ياماما مشكلة بسيطة وهنحلها.
دققت النظر على ملامحه قائلة.
- المشكلة البسيطة دي تخليك تتجوز نورسين. وتعمل حركاتك اللي تقهر مراتك. المشكله البسيطة دي اللي تخليك بعيد عن مراتك في يوم المفروض تكون قوتها ودعمها.
قاطعها وهو يربت على كتفيها.
- ماما الطيارة هتفوتنا. روحي ارتاحي ياله.
أومأت برأسها متحركة للخارج.
- مفيش فايدة فيك.
اخذ نفسا طويلا ثم زفره واتجه إلى غرفتها للمواجهة. دفع الباب. كانت تقف بجسد واهن أمام المرآة تقوم بإرتداء حجابها.
دلف ووقف يقيمها بنظراته. صمت برهة ثم تحدث.
- خلصتي.
لم تعريه اهتمام وقامت بحمل إبنها متجهة للخارج. جذبها بعنف ونظر إليها نظرات نارية.
- لما أكلمك تقفي تسمعي بقولك ايه. مش شغال عندك انا.
نزعت يديها بعنف وطالعته بكبرياء.
- انا مش الجارية بتاعتك. ومتنساش إحنا في حكم المطلقين.
تحرك أمامها بعدما جذب الولد الذي ارتفعت صيحاته. ألم مفرط اجتاح كل خلية بجسده من هيئتها وعيونها الذابلة.
اتجهت للمصعد بعدما فقدت قدرتها على المشي. نظر خلفه وجدها اتجهت للمصعد. زفر بغضب من أفعالها التي تؤذي روحه.
بفيلا خالد البنداري قبل قليل.
دلف يونس إلى غرفته. وجد والدته تصيح بغضب عليه. استدار يزفر بغضب محاولا السيطرة على نفسه. فهي منذ الأمس بعدما فجر قنبلته وتعلقه بسيلين ونسبها لنفسه وهي كالنيران المستعيرة التي تريد التهامه.
توقف مستديرًا إليها.
- لو لسه هتتكلمي عن موضوع سيلين هسبلك البيت. أنا راجل ومش صغير عشان اسمع نصايح من حد. سيلين خلاص مراتي عايزة تقنعي نفسك بكدا ولا لا. دي مش مشكلتي.
وصل والده على صراخ فريال عندما صاحت بغضب.
- والله ماهتتجوزها يايونس. ولو كانت آخر بنت في الدنيا دي كلها. وبدل مش هتتجوز سارة. يبقى مش هتتجوز.
- فريال. صرخ بها خالد. مما جعلها ترتبك بوقفتها.
- اتجننتي انت. عارفة نفسك بتقولي ايه. حياة ابنك وهو حر فيها.
الجمتها الصدمة من حديثه ولم تستطع النطق سوى بعد لحظات قائلة.
- افهم من كدا إنك موافق على عمايل الدكتور. رايح يتجوز بنت من الشارع منعرفش أصلها ولا فصلها.
تحرك يونس متجهًا لمرحاضه.
- ميهمنيش المهم أنا بحبها. ثم استدار وأكمل.
- انت ناسية ان سيلين تربية العيلة. أنا مليش دعوة بأهلها. هي متربية هنا وبس.
تحركت والدته إلى أن وصلت إليه.
- بس دي ممكن تكون حاملة دم فاسد وتكون جاية عن طريق زنا ياحضرة المحترم.
قلبه لم يطاوعه بما أردفت به والدته فصرخ بها حتى اهتز جسدها من صياحه.
- سيلين دمها مش فاسد دي من عيلة البنداري. عارفة يعني ايه. وحتى لو زي مابتقولي هتجوزها واللي مش عاجبه يشرب من البحر.
اخرص ياولد. صاح بها توفيق الذي وصل للتو.
تحرك يتكأ على عصاه. اقترب منه. ودفعه بعصاه وهو يصيح بصوته.
- كبرت ياحيوان وبتعلي صوتك علينا. وبتقول تتجوز مين. ماانت بقالك سنين مقضيها مع البنات ولا مفكر بلاويك مش عندي.
تورمت غصته واقترب من توفيق ولم يفصل بينهما انش واحدًا.
- هتجوزها غصب عن الكل. وقبل ماتصرخ. آه كبرت ومحدش يقدر يمشي كلامه عليا. بدل ماشي في النور ومش خايف من حاجة.
قالها ثم خرج سريعًا يأكل خطوايه الأرض كالنيران التي تلتهم سنابل القمح.
اتجه توفيق لخالد.
- شوفت آخرة دلعك ايه. أهو محدش قادره. وفضلت تقولي ابعد عن يونس خليه بجوار راكان لما بقى نسخة تانية منه. اصلي قدرت على واحد لما جايلي يونس هو كمان.
هز خالد رأسه رافض أسلوب والده.
- يونس عنده خمسة وتلاتين سنة يابابا مش عيل عشان نمشيه على هوانا. وخليه يعيش مع اللي بيحبها. انت اكتر واحد عارف يعني ايه الراجل يعيش في حضن واحدة مش عايزها.
قالها خالد وتحرك للخارج. هوت فريال على المقعد بنظرات تائهة.
- لا انا كنت مفكرة بيقول كلام وخلاص. بس واضح انه هينفذ اللي عايزة.
ربت توفيق على كتفها وتحدث بمغذى.
- لو مقدرناش على يونس. يبقى نقدر على بنت الحرام. اتصلي بعايدة وسارة وخليهم يجوا لعندي.
عند نوح.
خرج مرافقة أسما واستقلا سيارتهما. قام بتشغيل أغنية لكوكب الشرق ام كلثوم. ثم جذب رأسها لتضعها على كتفه.
- حبيبي مالك! من وقت ماخرجنا من عند راكان وانت ساكتة.
اطبقت على جفنيها متألمة لوضع ليلى. رفعت نظرها إليه.
- شايف ليلى وراكان بيعملوا في بعض ايه.
ابتسم نوح بسخريه وأجابها.
- عشان شوية أغبية. مايعرفوش قيمة الحب.
أطلقت أسما ضحكتها الأنثوية وهي تردف.
- شوف إزاي ملك الرومانسية. روح علمهم ياحبيبي.
رفع ذقنها بأنامله ناظرًا إلى مقلتيها مرة وإلى الطريق مرة.
- بتتريقي على حبيبك ياأسما!!
نظرت إليه بأعين تفيض ولهًا. ثم رفعت كفيها تملس على وجنتيه قائلة بصوتها المبحوح.
- حبيبي طبعًا ملك الرومانسية.
إحس بالحرارة تزحف إلى جسده. سكت هنيهة يحاول السيطرة على مشاعره التي بعثرتها جنيته بقبلتها بجانب شفتيه. وقربها المهلك ورقتها التي خطفت قلبه للمرة التي يعد قادرًا على حصرها. نزل برأسه ملتقطًا ثغرها بقبلة سريعة وهو يقود سيارته.
أطلق ضحكة عندما وجد ذهولها من حركته وتحدث غامزًا.
- حد قالك تلعبي معايا بالنار.
وضعت رأسها على كتفه واغمضت عيناها تستلهم من وجوده جوارها وهي تشعر بالأمان والعشق يحاوطها.
وصلا بعد قليل لمزرعتهما. ترجلت سريعًا متجهة للداخل. اوقفها قائلا.
- هروح أشوف المهرة. أسيا كانت بتقول ممكن تولد خلال يومين.
أومأت دون حديث فحالتها الآن تغني عن أي حديث.
دلفت غرفتها سريعًا ودقاتها بالأرتفاع حتى شعرت بتوقف قلبها حينما انتوت وسمحت لنفسها الأقتراب منه لتصبح زوجته قولا وفعلا.
حبست أنفاسها داخل صدرها مانعة استماعها لعقلها. وقامت بتجهيز نفسها حتى تتهيأ لمقابلة روحيهما. دلف نوح بعد قليل يبحث عنها.
- أسما حبيبتي ممكن فنجان قهوة عندي صداع.
ابتلعت ريقها وهي تنظر لهيئتها بالمرآة. وخيط من عبراتها يترقرق بجفنها. هل ستقدر على ماهو آت. أم للقدر رأي آخر.
نادته بصوتها الرقيق المرتجف.
- أنا هنا حبيبي تعالى.
دلف بهدوء داخل غرفتهما.
تسمر بوقفته بعدما وجدها بتلك الهيئة المميتة لقلبه الضعيف.
ترتدي منامة شفافة باللون الأبيض. تصل لفوق ركبتيها. تظهر جسدها بسخاء. رغم وجود مأذرها فوقها إلا أنها فاتنة. رفع نظره إليها. وران صمت هادئًا عليهما ورغم صمته إلا لم يخل من اختلاس النظرات وحبس الأنفاس. لا يعلم ماذا عليه فعله الآن. يأبى كتمان مشاعره التي أصبحت كفوهة بركانية. فإما البوح والأستكانه بأحضانها. وإما العذاب الأبدي. تحرك حينما فقد قدرته على الصمت بحضرة جمالها. وعشقه لها بكل جوارحه أصبح النيل منها ألذ مايروق له. فالبعد الآن أشبه بحياة الموت.
وصل أمامها ولم يفصل بينهما شيئا. فهمس بصوته المبحوح.
- أسما.
دنت منه حتى اختلطت انفاسهما فالآن يتمزق قلبها من بعده. فحبها له كمصاب القلب لم يعد له القدرة على النبض المنتظم. نعم حبه جعلها تركض نحوه لتعانقه حتى تشبع روحيها المفقوده من بعده.
احتضنت وجهه تبحر بنظراتها على وجهه وتحدثت بصوتها الرقيق.
- حبيبي حان الوقت لنكون أسرة. مش عيزاك تزعل مني.
كان يتابعها بنظراته التي رسمت وجهها، مما جعلها لوحة مرسومة بأجمل صورة لعيناه.
"نوح"
اردفت بها بنبرتها الرقيقة عندما وجدته صامتًا. حاوط خصرها وهو يستمع لتلك النبرة الشجية التي جعلته أشبه بشارب الخمر الحلال الذي يغيب روحه عن الدنيا. ولكن حالة سكره أشبه بالذي يصعد إلى نهر عسل مصفى ويهبط على أجنحة الملائكة. وهو يقتنص من عسلها المصفى ما يجعله كطائر يرفرف بجناحه من كثرة سعادته.
فكما قال ابن الرومي:
"لا يهدأ قلب العاشق حتى يبادله المحبوب وله"
وآه على فترة نار شبت بعشقهما وتلاحمت أجسامهما.
أخيرًا، بعد فترة، آهة طويلة خرجت من أعماق روحه، كانت أبلغ رد لحالته التي شعر بها. فروحيهما تعانقت وقلبيهما تهلل مكتملين بجمال اللقاء، مهللين على أنغام عشقهما. فالقلب يهتز أو تاره لنبضاته.
وأخيرًا انتهت معركة العشق التي غلفت الأجواء. بعدها شعرا بهدوء نبضاتهما واستكانت القلوب بعد رحلتهما المتعبة.
تنهيدة مرتاحة خرجت من أعماق نوح وهو يجذبها لصدره لتستكين موضع نبض قلبه بسعادة تزهو داخله.
"أخيرًا يا أسما، ياااه، أخيرًا."
مسد على خصلاتها الناعمة بنبض قلبه. فاليوم كتب له السعادة وأصبح أسعد الرجال على وجه الأرض. أنزل رأسه واضعًا قبلته على جبينها.
"ألف مبروك يا حبيبة نوح."
رفع ذقنها بأنامله.
"أسما، إنت كويسة؟"
لاحظ ارتجافها الطفيف إثر كلماته، فضغط ليعانقها مسندًا جسدها بالكامل عليه.
"نوح، أنا كويسة حبيبي."
همسها الضعيف باسمه جعله يرفع كفيها ليقبل باطنه بعمق قائلًا:
"حبيبتي دايما كويسة وأنت في حضني. أسما، شكرا على السعادة اللي ملكتيني بيها النهاردة."
رفعت رأسها تنظر لعمق عيناه.
"أنا بحبك قوي يا نوح، وآسفة إني ضايقتك في وقت من الأوقات."
تخلل أنامله بخصلاتها مردفًا:
"مش زعلان حبيبتي. أهم حاجة ندفن الماضي ومنرجعش نبعد عن بعض بعد كدا."
مرغت وجهها بصدره وهي تهمس:
"ربنا يخليك ليا حبيبي."
أغمض عيناه متأهبًا للنوم براحة بعدما فقدها لفترة طويلة وأجابها:
"بعشقك بجنون يا حب عمري."
---
عند يونس، خرج من منزله متجهًا لمنزل عمه. قابله راكان وليلى وهما يستقلان السيارة للسفر.
"يونس، مالك؟ فيه إيه؟"
مسح يونس وجهه بعنف قائلًا:
"انت رايح فين؟ أنا عايزك ضروري."
تحركت ليلى تستقل السيارة وتركتهما يتحدثان. زفر يونس بغضب يرجع خصلاته للخلف، كاد أن يقتلعها.
"جدك دا معنتش طايقه ياخي. أنا بقيت أشك إنه جدنا والله."
زم راكان شفتيه وتساءل:
"هبب إيه توفيق باشا كمان؟"
نظر إلى ساعته وتحدث:
"قدامي ربع ساعة لازم أوصل المطار. هكلمك بعد ما أوصل."
ضيق يونس عيناه متسائلًا:
"انت مسافر فين؟"
دنى من يونس وهو يضم أمير.
"أبو ليلى دخل غيبوبة بعد العملية. هي متعرفش، لازم نروح نطمن عليه."
قطب يونس حاجبيه متذكرًا ما صار.
"هو انت ناوي على إيه؟ وايه موضوع نورسين دا كمان؟"
تحولت نظراته إلى الكره الواضح واشتعلت عيناه كجمرتين من اللهب الحارق.
"جدك والحقيرة بيلعبوا بحياتي. وحياة ربي لأندمهم أشد الندم، وكله بالقانون."
"المهم، سيبك من توفيق."
"ماتغطش على سيلين، وإياك تقولها حاجة قبل ما أتكلم معاها. عارف لو اتكلمت هزعلك وهقلب عليك."
قالها وتحرك للسيارة.
كانت تجلس تضع رأسها على نافذة السيارة ولا تشعر بنظراته التي يرمقها بها. قطع صمتها:
"هوديكي المستشفى وهروح أخلص شوية شغل ما كملوش لما كنت هناك."
ظلت كما هي وكأنه لم يقل شيئًا. أطلق آهة من أعماق قلبه المتألم. لا يعلم ماذا عليه فعله. أيعاقبها على فعلتها أم يجذبها لأحضانه؟
أطبق على جفنيه عندما فقد قدرته في التحكم. وصلت السيارة واتجهوا إلى الطائرة التي تقتلع بهما إلى برلين.
جلست بجواره بعد قليل بالطائرة. تنظر من النافذة بعدما اقتلعت الطائرة، تتمنى أن تكون مثل السحاب الذي تراه. الجميع يراه ولا أحد يستطيع لمسه. تمنت أن تفتح النافذة وتتلمسه بكفيها الرقيق.
حالة من الألم مزقت نياط قلبها عندما شعرت به يجذبها ويضمها لأحضانه.
"نامي، لسة بدري لما نوصل."
رفعت عيناها الذابلة إليه وتحدثت بصوت مرهق حزين:
"تفتكر دا بقى مكاني؟"
أشارت بكفيها المرتجف.
"ولا إنت بقيت ملكي حتى؟ أنا وأنت دلوقتي مستنيين حكم الإعدام. لا إنت هتنسى كلامي ولا أنا هنسى أفعالك."
كور قبضته ضاغطًا على مفاصل أصابعه حتى لا يصفعها بضربة موجعة أسفل فكها حتى تصمت عن حديثها. سحب نفسًا طويلًا ثم طرده بهدوء.
"سألتك مليون مرة مخبية إيه؟ وكالعادة مفيش رد. قدرتي بسهولة تخلي توفيق يلعب بيكي ويهددك؟ وكأن جوزك ضعيف مش هيقدر يحميكي. كل مرة تثبتي فيها إني راجل مش استاهل حبك. دايما شايفني شرير وحقير."
قالها بأنفاس سريعة ملتهبة تريد إحراقها.
لم تحيد ببصرها عنه تستمع إليه بملامح جامدة لا تعكس ما يدور في نفسها من ألم حاد يخترق صدرها بحديثه القاسي.
نظرت لداخل مقلتيه وتحدثت:
"هرد عليك بسؤال. إيه اللي عملته يثبت حبك ليا؟ كلامك ليا؟"
تهكمت مردفة:
"ما انت ماشاء الله بتقول نفس الكلام لكل واحدة عرفتها."
جحظت عيناه من حديثها، وكأن كلماتها جعلت حلقه يجف. ولكن نظراته كانت تحاوطها، فتأفف بضيق من معاملتها الجافة رغم غلطها، فأجابها بفظاظة:
"مفيش حاجة عملتها خالص يا ليلى."
أشارت بسبابتها واردفت غاضبة حتى تحولت لون عيناها بسبب غضبها. فكلما تذكرت ما فعله بها تستشيط غضبًا.
"كل اللي اعرفه إنك دلوقتي مش تعنيلي بحاجة. ولو عملت إيه يا راكان، أبعد عن حياتي."
جذبها من ذراعها يضغط عليها بعنف وهو يجز على أسنانه ويتحدث بنيرانها التي أشعلتها.
"اوعي تفكري عشان بكلمك بهدوء يبقى سامحتك. لا فوقي، دا أنا أدوس عليكي بدون رحمة. أنا بحاول أتمالك أعصابي عشان والدك التعبان بس. وكمان عشان إنت أم لأمير."
انزلقت عبراتها غدرًا تحرق وجنتيها من صفعاته المتتالية لها. فهمست وهي تنظر إلى مقلتيه:
"ليه الوجع دا كله؟ ليه دايما بتكون قاسي كدا معايا؟ مع إنك أكتر شخص اتمنته في حياتي كلها. أكتر واحد حبيته ورغم كدا أكتر واحد آذاني ووجع قلبي."
ثورة حارقة اندلعت بجوفه أرادت أن تلتهمها بعدما استمع لكلماتها، فتحدث قائلًا:
"أنا اللي أذيتك؟ أنا رحت اتجوزت أخوكي وعشت معاه في نفس البيت؟ أنا اللي رحت ووقفت قدامه واتحديتك؟ أنا اللي رحت حملت من شخص تاني؟ أنا اللي رفضت اتجوزك إلا بشروط؟ أنا اللي رحت بعت جسمي لجوزي وحولت أجمل ليلة بيستناها لأتعس ليلة بحياته؟ أنا اللي ضعفت قدام الراجل اللي عارف ومتأكد إنه بياذي وسمعت كلامه وروحت رفعت قضية على جوزي عشان أنزل بكرامته الأرض واخليه عبرة لمن يعتبر؟ أنا اللي رحت لبست من لبس جوزي المتوفي واتبهيت قدام الكل بحبه وكأن الراجل اللي على اسمه معدوم الرجولة؟ أنا اللي بحرق قلبك بكلامك وكل شوية بتقولي مش مستعدة أجيب عيال يسألوني ليه اخترتي الراجل الحقير دا أبونا؟"
كانت تناظره بجسد كل انش به يرتجف ويأن تمزقًا ويرتوي بدموع حزنها عليه عندما وجدت نظراته المتألمة وحديثه الذي يخرج من بين شفتيه كالطائر الذبيح.
لم تشعر بنفسها إلا حينما دنت منه ورفعت كفيها على وجهه متسائلة:
"وأنا اللي اتخنت من حبيبي قدام عنيا؟"
تلمست بأناملها شفتيه وهي تنظر لداخل مقلتيه.
"أنا اللي بكل جبروت حضنت واحدة وبستها قدام مراتي عشان أعاقبها؟ أنا اللي دخلت واحدة أوضتنا وقولتلها أوضتك اعملي فيها اللي انتِ عايزاه؟"
أجهشت روحها بالبكاء وهي تحكي له معاناتها.
فأكملت:
"ارتحت لما قتلتني؟ ارتحت لما شفيت غليلك مني؟ كدا قلبك مرتاح وأنت شايفني بالحالة دي؟"
تطرقت إليه بعيونها المهتزة والتي كانت مترددة حيث قالت:
"أسلم حل لينا الطلاق. لا إنت هتسامح وكل مرة هتقعد تذكرني، ولا أنا هنسى كل ماتقرب مني إنك خنتني قدام عنيا."
تجهمت ملامحه بحمرة الغضب واجابها:
"هطلقك متخافيش. بعد اللي حصل ماينفعش نكمل مع بعض وزي ما اتفقنا هيكون بعد عودة باباكِ وجوازي."
أطبقت على جفنيها وتركت لعيناها السماح لعبراتها لتغزو وجنتيها. فكلماته كانت أشواك تخربش قلبها الذي عشقه. ورغم وجعها بالكامل منه إلا أنها رسمت ابتسامة حزينة على وجهها وهي تنظر من النافذة، ودموعها كالمطر تغسل وجهها.
كان يشعر بعبراتها من خلال شهقاتها التي تحاول منعها. التزم الصمت التام وتحولت ملامحه إلى ملامح جامدة. فأغمض عيناه وهو يشعر بغصة بطعم العلقم عندما ارتجف جسدها تضع رأسها على مقعدها وكأنها تذهب بنومها حتى تهرب منه.
وصل بعد عدة ساعات. وصل إلى سيارته بسائقه الذي ينتظره أمام المطار.
تصلبت تعابير وجهه عندما جذبت منه أمير قائلة:
"ممكن تروح تشوف شغلك وأنا هروح المستشفى. مفيش داعي أعطل حضرتك."
فتح باب السيارة وجذبها بعنف حتى تستقلها وهمس بجوار أذنها:
"متخلنيش أتغابى عليك. أنت دلوقتي لسة مراتي. وقت ما تطلقي يبقى اعملي اللي انتِ عايزاه."
استقلت السيارة وهي تريد أن تطبق على عنقه من سيطرته الكاملة عليها. وصل بعد قليل. دلفت سريعا حتى وصلت إلى والدتها وأخاها.
احتضنتها والدتها وهي تبكي بنشيج متسائلة عن حالة والدها. أخرجتها والدتها بهدوء تحتضن وجهها.
"إيه اللي جابك ياحبيبتي؟ مش كنتِ بتقولي؟"
قاطعتها ليلى سريعا بعدما وجدت راكان اقترب منهما يقول:
"حمدلله على سلامته إن شاء الله."
أومأت برأسها واجابته:
"الله يسلمك ياحبيبي."
تناولت منه أمير تقبله بإشتياق.
"حبيب تيتا كبر."
رفعت نظرها إلى ليلى.
"متقلقة عليه الجو هنا لسة فيه برد مش زي مصر."
جلست ليلى بعدما فقدت اتزانها تضع يديها على جبينها تئن من ألم الصداع الذي يفتك برأسها. اتجه راكان يجلس بجوارها.
"عندك صداع؟ لو عايزة الدكتور يشوفك أو أجيبلك حاجة للصداع."
لم ترفع عيناها عن الأرض. تحاول أن تمنع عبراتها. ولم ترد عليه. فاستدار إلى والدتها متسائلة:
"فين درة وكريم وحمزة؟"
-نايمين حبيبتي، بقالهم يومين منموش.
تساءل راكان.
-فيه إيه جديد في حالة الأستاذ عاصم؟
هزت رأسها وأجابته.
-لسه زي ماهو مفيش جديد، في غيبوبة ومنعرفش هيصحى إمتى.
صدمة جعلتها تشهق مما استمعت إليه.
-بابا دخل غيبوبة، طيب ليه خبيتوا عليا؟
اتجهت بنظرها إليه.
-كنت عارف إن بابا في غيبوبة.
نهضت وبدأت تلكمه بصدره.
-انت إيه يا أخويا، نفسي أعرف إزاي جالك قلب تخبي عليا حاجة زي كدا، عشان كدا اتكرمت وجبتنا.
بدأت تهذي بكلمات غير متزنة، حتى وقف يجذبها لأحضانه محاولا السيطرة على غضبها.
-ليلى اهدي، مكنش ينفع أقولك وانت في مصر بحالتك دي.
كانت والدتها توزع نظراتها بينهما غير مستوعبة ما صار لابنتها.
-قفلت جفونها بوهن شديد مسترخية على صدره وهي تهمس له.
-بابا هيموت يا راكان صح؟
صوتها المتألم جعله ينسى كل ما بينهما، فحاوطها بذراعيه يضمها بقوة لأحضانه.
-لا يا حبيبتي باباك هيعيش ويقوم بالسلامة، لازم نكون راضيين بكل حاجة يا ليلى.
اقتربت والدتها وتحدثت.
-ليلى حبيبتي متغطيش على نفسك، الزعل وحش عشانك، دا غلط.
خرجت من أحضانه سريعا تجذب والدتها.
-تعالي يا ماما عايزة أشوف بابا.
هزت رأسها بالموافقة وناولته الولد متحركة لغرفة العناية حتى ترى والدها.
توقفت أمام الباب قائلة.
-ماما راكان ميعرفش بالحمل، فيه شوية مشاكل في العيلة، وهو بيحارب في كل الجهات من فضلك بلاش تضغطي عليه حاليا.
ربتت على ظهرها قائلة.
-لازم تعرفيه يا بنتي، الحمل مابيتخباش عن الراجل.
هزت رأسها وأجابتها.
-إن شاء الله بس مش دلوقتي، روحي عند أمير هو عنده شغل لازم يمشي.
دلفت إلى الداخل، شهقة خرجت من بين شفتيها تضع كفيها وهي تبكي على حالة والدها.
جلست بجواره.
-بابا حبيبي، كدا تزعلني، وحشتني قوي ياحبيبي بقالي شهرين مشفتكش، افتح عيونك وسمعني صوتك وخليني أحس بالأمان بوجودك ياحبيبي.
بسطت كفيها واحتضنت كفيه.
-بابا لولتك تعبانة قوي، نفسها تحكيلك كل ألم بتحس بيه، مش معقولة هتتخلى عني في أكتر وقت أنا محتاجك فيه.
استمعت لصوت إنذار بتوقف القلب، جحظت عيناها، وهي ترى الأطباء يدلفون بسرعة للغرفة ويطلبون منها المغادرة.
خرجت تقف بالخارج تنظر إليه من خلال زجاج النافذة وصوت بكائها يشق الصدور، باسم والدها، وصل راكان بعدما شعر بالحركة أمام غرفة العناية، بينما توقفت سمية كإنسان فقد روحه وهم يحاولون إنعاش قلبه الذي لا يستجيب.
وصل الجميع درة وحمزة وكريم، ذهول بصدمة يجتاحها ألم بالقلوب وهم يرون فقدانهم لوالدهم.. صرخت بصوت صدح بالمكان، وهي تدفع باب الغرفة وتصل لوالدها تدفع الممرضة وهي تبكي بشهقات مرتفعة قائلة.
-بابا حبيبي عشان خاطري يابابا أوعى تسبني.
دلف راكان خلفها سريعا بعدما وجد انهيارها.
حاول جذبها ولكنها تشبثت بوالدها تحتضنه بعدما فقدت قدرتها حينما هز الطبيب رأسه بآسف.
-بابا حبيبي فوق، عشان خاطري، يرضيك تسيبنا في الدنيا دي لوحدنا، بابا انت قوتنا.
جذبها راكان.
-ليلى حبيبتي فوقي.
كأن بحديثه أفاقها رفعت نظرها ودموعها تغرق وجهها.
-راكان قوله يقوم، قوله ليلى دفعت فيك الغالي قوي، ماهو مش معقول أخسركم انتوا الاتنين.
أنا اشتريت أبويا بيك يا راكان، قول لأبويا يصحى بنتك فقدت كل حاجة وانت الوحيد قوتها.
هنا أحس بالدوران من كلماتها التي أفزعته، أوقفه بقوة يضمها لأحضانه.
-حبيبتي اهدي أنا جنبك.
-أبويا مات يا راكان.
قالتها وهي تسقط بين ذراعيه كورقة خريف دفعتها الرياح بالقاع فلم يتبقى منها سوى موتها.
ارتفع الطبيب نظره لذاك الجهاز الذي بدأ بالنبض مرة أخرى بعدما توقف لدقيقتين كاملتين مرت على الجميع كالدهر.
حملها وخرج بها إلى الغرفة التي تمكث بها سمية ودرة.
وضعها باهتمام على الفراش يمسد على خديها.
-ليلى افتحي عيونك حبيبي، ليلى سمعاني.
دلفت درة خلفه متسائلة بدموعها.
-عاملة إيه؟
-هروح أجيب دكتور يشوفها ويكتبلها على مهدئ.
هزت رأسها، دلف الطبيب بعد فترة وقام بالكشف عليها، اتجه بانظاره إلى درة وسمية.
-يبدو إنها حامل، والضغط منخفض للغاية.
همست سمية إلى درة.
-عرفي الدكتور ميقولش بحملها لراكان.
ضيقت درة عيناها متسائلة.
-إيه اللي بتقوليه دا يا ماما، هو راكان ميعرفش؟
أومأت برأسها، مغمضة عيناها وأجابتها.
-حاسة إن فيه مشكلة كبيرة بينهم، بلاش يعرف مننا يا بنتي، خليها هي اللي تقوله ويحلوا مشاكلهم مع بعض.
بعد قليل دلف راكان إليها بأمير، كانت تغط بنومها بسبب المهدئ، وضع أمير الغافي بجوارها ثم تسطح بجوارهما يضمهما لأحضانه.
مرت الساعة، رمشت جفنيها عدة مرات، نظرت لكفيها المتشابك بكفيه، وذراعه الآخر الذي يحاوطهما. أطبقت على جفنيها ثم تذكرت ما صار، فكت كفيها وحاولت أبعاد ذراعيه وشهقات خرجت من جوفها وهي تهمس.
-بابا.. بابا مات.
فتح جفنيه على صوت بكائها وهي تحاول نزع المحلول. استدار إليها سريعا.
-ليلى بتعملي أيه هتعوري نفسك.
لم تهتم لحديثه، ونزعت الكانولا وانزلت بساقيها المرتعشة من فوق الفراش.
-بابا، بابا حبيبي، عايزة أشوفه.
جذبها لأحضانه.
-اهدي حبيبتي باباك كويس، بابا عايش.
رفعت نظرها وتصلب جسدها فهمست بشفتين مرتجفتين.
-بتضحك عليا مش كدا.
احتضن وجهها واقترب منها يهمس أمام شفتيها.
-وحياة ليلى عندي باباكي كويس، والدكاترة طمنونا عليه.
لم تشعر بنفسها وهي ترفع كفيها تحاوط وجهه.
-احلف يا راكان إنك مابتضحكش عليا، احلف إن بابا لسة عايش، ووعد مني هنسى كل حاجة بينا.
جذبها بعنف لأحضانه يسحقها بعدما وجد ضعفها بتلك الحالة.
-والله العظيم باباك كويس.
حاوطته بذراعيها وارتفعت شهقاتها تحمد ربها.
أخذها بأحضانه وتسطح بجوارها يضمها بكل شوق وعشق على سطح الأرض.
سحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة البكاء التي هجمتها بقوة بعدما استنشقت رائحته التي حرمت منها منذ يومين، وغفت بأحضانه متناسية ما يؤلم روحها.
ظل لبعض الوقت بجوارها حتى ذهبت مرة أخرى بنومها، جلس يتأمل ملامحها التي بهتت بالكامل. مسح على وجهه بعنف كلما تذكر حديثها. اعتدل ثم تحرك للخارج يبحث عن حمزة. اتجه حيث جلوسه وأشار بعينيه وتحرك لخارج المشفى. أشعل تبغه وهو ينفثه بغضب.
وصل حمزة إليه متسائلا.
-إيه اللي بيحصل يا راكان؟
استدار له وكأن سؤال حمزة أخرجه من شروده فتحدث.
-اللي هو إيه مش فاهم؟
اقترب حمزة واقفًا بجواره ينظر للأمام ثم اتجه إليه.
-إيه اللي حصل وخلاك محضرتش العملية؟
لفظ الهواء المعبأ بدخان تبغه بقوة من رئتيه ثم تحدث.
-شوية شغل. المهم عايزك تفهمني إيه اللي حصل يوم ماكنتوا مسافرين، أنا مفهمتش منك حاجة.
رفع اكتافه للأعلى.
-ولا أنا فاهم حاجة، كل اللي حصل وقفوا العربية وحجزونا ساعتين وبعد كدا وصلونا المطار.
تجمد بمكانه محاولا ربط الأحداث ببعضها.
-الكلام دا قبل سفركم بساعتين، يعني الساعة اتناشر كدا.
أومأ حمزة برأسه وقال بنبرة مشككة.
-أنا من يوم ماجيت بحاول أستنتج مين دول، وليه بيعملوا كدا، حتى مهتمش أقولك حاجة إلا لما انت سألت.
أخذ راكان يتذكر ذاك اليوم عندما هاتفته ليلى.
-راكان إنت وحشتني قوي، ياريت ترجع دلوقتي محتاجاك قوي.
ثم أغلقت الهاتف.
أطبق على جفنيه مكور معصمه ثم اتجه إلى حمزة.
-دا مش موضوع يتخبى عليا يا حمزة، قولتلك مليون مرة لازم تقولي كل حاجة حتى لو بسيطة.
اقترب حمزة يمسكه من عضده.
-تقصد إيه يا راكان هو فيه حاجة حصلت؟
تحرك راكان متجهًا إلى غرفتها، دلف يبحث عنها فيبدو أنها استيقظت للتو.
خرجت من المرحاض متجهة لأداء فريضة الصلاة. توقفت عندما وجدته أمامها.
احاطها من أكتافها.
-ليلى جدي هددك بإيه لأخر مرة هسألك.
أنزلت ذراعيه بهدوء.
-ولا حاجة، عايزة أصلي ممكن تسبني أصلي ولا دا ممنوع.
ضم وجهها ينظر إلى مقلتيها.
-ليلى ليه مضيتي على ورق الطلاق، جدي كان خاطف والدك صح، وضغط عليكي عشان تمضي صح.
هزها بعنف عندما وجد سكوتها.
-مش بتردي ليه، ليلى لو سمحت.
رفعت نظرها إليه وظهرت غيمة من دموعها.
-خلاص مش هيفيد، أنا حاولت أتكلم معاك وانت رفضت، مهما أقول دلوقتي مش هيغير حاجة.
حدجها بهدوء قائلا.
-أنا كنت متأكد إن فيه حاجة، بس متوقعتش إنك تعملي فيا كدا.
تحركت بعيدا عن مرمى نظراته.
-راكان الكلام معدش هيفيدنا، لو سمحت مش عايزة أتكلم، لأنك مهما تعمل مش هتعالج قلبي اللي اندبح، ومهما أعمل مش هتنسى.
جذبها بعنف ونظر إليها بعيون منتفضة غاضبة.
-مش إنت اللي تقولي انتهى ولا لأ، واتأكدي يا ليلى، لو اللي في دماغي صح، صدقيني مش هتلومي غير نفسك.
قالها ثم تحرك خارج لشركته.
بعد إنهاء صلاتها، خرجت متجهة لرؤية والدها. توقفت أمام العناية بجوار كريم.
-بابا عامل إيه دلوقتي؟
حاوط ذراعيها وأجابها:
- كويس الحمد لله. أنا خوفت قوي يا ليلى، أول مرة أحس إني طفل ومحتاج له.
انسدلت عبراتها على وجنتيها ووضعت رأسها بأحضان أخيها.
- أنا كمان حاسة إني ضعيفة قوي من غيره، ربنا يرجعهولنا بالسلامة.
***
مرت عدة أيام وأفاق عاصم من غيبوبته. جلس الجميع يتناولون وجبة الغداء بإحدى المطاعم المشهورة ببرلين. جلست بجواره تطعم ابنها. كان يطالعها بإشتياق، فلم يرى ابتسامتها منذ عدة أيام.
وضع الطعام أمامها قائلاً:
- شايفك متغيرة اليومين دول وبقيتي ترجعي كتير، لسة موضوع البرد؟
نظرت درة منتظرة إجابتها، فهربت من انظاره وأجابته:
- تغيير الجو من هنا لهناك. ثم وضعت بعض الجبن تلوكها بهدوء.
اتجه بانظاره إلى سمية:
- إحنا هنسافر بكرة إن شاء الله، عندي أشغال كتيرة متعطلة. بما أن الأستاذ عاصم بقى كويس، وحمزة هيرجع بالليل وهيفضل معاكم لحد ماترجعوا بالسلامة.
اومأت برأسها متفهمة:
- شغلناكم يابني، ربنا يبارك فيكم.
مسح فمه ورفع رأسه قائلاً:
- متقوليش كدا، حضرتك والأستاذ عاصم غالين علينا، واحنا في مقام ولادكم مش كدا ولا إيه يا ولا.
رفعت حاجبها وتحدثت بسخرية:
- كدا ياحبيبي، ماهم بيقولوا جوز البنت بيكون ابن.
كتم ضحكته وهي ترمقه بنظرات نارية، فكلما تذكرت ما فعله بصباح اليوم تود لو تطبق على عنقه. اتجهت بانظارها إلى والدة نوح:
- وحضرتك هتسافري معانا يا خالتي ولا هتستني ماما؟
أجابتها والدة نوح:
- لا ياحبيبتي نوح هو اللي هيسافر معاكم، أنا هستنى ارجع مع ماما.
نصب عوده متجها للخارج وهو ينظر إلى نوح:
- هروح اخلص شوية شغل واروح على البيت وانتوا تعالو مع نوح. وكفاية كريم يكون مع والده لحد مايرجع حمزة.
نهضت متحركة خلفه، أسرعت قبل دلوفه لسيارته.
- استنى.
توقف وهو يواليها ظهره وانتظر حديثها. اتجهت حتى وصلت إليه:
- ممكن اعرف هرجع معاك ليه؟ أنا عايزة أفضل مع ماما لحد مانرجع ببابا، مش عايزة يربطني بيك مكان واحد، ولا عايزة اشوفك. إيه هتاخدني غصب عني، إحنا اتفقنا على الطلاق ليه هرجع البيت معاك؟
اندفعت الدماء إلى اوردته وسرت كالنيران الذي شعر بها تحرق احشاؤه، فأمسكها من عضدها يضغط عليها بقوة:
- عايزة تقعدي اقعدي إنما أمير لا. ويكون في علمك اول شرط في طلاقنا تتنازلي عن أمير، وعن كل حاجة كتبها سليم.
قالها ثم دفعها بعيدا عنه بقوة واستقل سيارته وتحرك سريعاً.
بالقاهرة صباح اليوم الذي عاد به راكان وليلى.
خرجت أسما تستنشق بعض الهواء، فمنذ أكثر من أسبوع لم تخرج من منزلها. اعتلت حصانه وبدأت تتجول به بين الحقول لبعض الوقت ثم عادت إلى الأسطبل. وجدت أسيا تجلس بجوار المهرة التي ستقوم بولادتها.
- هي هتولد ولا إيه يا أسيا؟
أومأت أسيا مبتسمة:
- أيوه شكلنا هنرحب بيها قبل وصول نوح.
استمعت أسما لرنين هاتفها. نظرت إليه مستغربة:
- دي ماما، ياترى بتتصل ليه؟ ياخوفي ليكون جوزها بيضربها زي كل مرة.
- أيوه ياماما.
على الجانب الآخر:
- أسما الحقيني، أختك وقعت من السلم ومش عارفة اعمل ايه، وابوها مبيردش.
تحركت سريعا متجهة لسيارة زوجها وقادتها متجهة للخارج دون حديث حتى مع أسيا.
خرجت بسرعة وهي تتحدث مع والدتها:
- أنا في الطريق ياحبيبتي، خلاص هخرج على الطريق العام أهو.
تحركت لبعض الكيلومترات، حتى قطعت طريقها سيارتين وبها بعض الخارجين عن القانون. فتحوا عليها باب السيارة، وبسرعة كالبرق قاموا بحقنها ووضعها بسيارتهم وتحركوا سريعا.
بعيادة يونس.
جلس مغمض العينين، يشعر بألما يكاد يفتك بجنبه. دلفت الممرضة:
- دكتور يونس، أقبل كشف النهاردة ولا ألغي زي كل يوم؟
أشار بيديه بالرفض:
- لا مش قادر، ممكن تمشي إنت، وانا شوية وهروح.
أومأت برأسها وتحركت للخارج. ظل كما هو محاولاً السيطرة على آلامه. وضع يديه يضغط على جنبه متألماً. استمع إلى صوتها واستنشق رائحتها:
- يونس ممكن نتكلم لو فاضي.
فتح جفنيه سريعا واعتدل جالساً.
- تعالي ياحبيبي.
شعر بأن الكون يدور به فزاغت نظراته محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يغشى عليه.
جلست سيلين بمقابلته، طالعته بألم وشعرت بوجع حاد بصدرها بعدما أحست بألمه:
- عايزة أعرف إيه اللي حصل في الليلة إياها، وفعلا إنت لمستني زي مابتقول.
أشار بيديه عندما فقد القدرة على الكلام.
نهضت متجهة إليه تقف أمام مقعده:
- إنت تعبان.
جذب كفيها وأجلسها على ساقيه وحاوطها بذراعيه يضع رأسه بخصلاتها وانفاسه تضرب عنقها حتى شعرت برجفة بجسدها فهمست بإسمه:
- يونس لو سمحت مينفعش كدا، وجاوب على سؤالي، مش تضطرني اروح لدكتور نسا.
رفع نظره إليها ينظر لموج عيناها:
- طيب ماأنا دكتور ماتيجي اكشف عليكي، وهو زيتنا في دقيقنا.
لكمته بصدره حتى تأوه:
- يخربيتك ايدك تقيلة، يامفترية.
حاولت النهوض ولكن كان المتحكم. نظر لعيناها الساحرة وأردف:
- كل اللي عايزك تفهميه انك ملكي وهتفضلي ملكي لحد مااموت. عايزة تتحرري مني موتيني، زي ماكنتي عايزة وهترتاحي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وغلقت جفونها بشدة تحاول السيطرة على مشاعرها التي اجتاحت جسدها من نبرته الشجية.
نهضت بعدما دنى منها محاولاً لمس خاصتها بشفتيه وارتجف جسدها من قربه فتحدثت بصوت مهتز بعض الشئ:
- إحنا مينفعش نكمل مع بعض، أنا فقدت ثقتي فيك و..
نهض متألماً وجذبها بعنف حتى ارتطمت بصدره:
- ماقولتلك عايزة تتخلصي مني اقتليني غير كدا لا.
قالها بصوت غاضب، ثم جذب كفيها متجها للخارج وهو يضغط على جنبه. توقف بعدما اشتد به الألم، تاركاً كفيها وهوى بجسده على الدرج.
جثت أمامه تضم وجهه:
- يونس مالك، ايه اللي حصل؟
قالتها سيلين بقلب ينتفض خوفاً من حالته.
صاحت على المسعفين بمشفاه. ضغط على كفيها قائلاً:
- أنا كويس، أنا مأخدتش العلاج بس.
انسدلت عبراتها وهي تهز رأسها بعدما وجدت شحوب ملامحه قائلة ببكاء:
- انا السبب ياريتني موت وريحتك مني.
جذبها لأحضانه وهو يأن متألماً:
- بعد الشر عليكي، ياحبيبة يونس.
وضعت رأسها على صدره وبدأت شهقاتها بالأرتفاع حينما ارتخى ذراعيه من حولها.
احتضنت وجهه وصرخت به:
- يونس حبيبي افتح عيونك، يونس عشان خاطري افتح عيونك.
رمش بجفنيه مبتسماً:
- أنا كدا لو مت هكون مرتاح أخيرا سمعت حبيبي.
صاحت به غاضبة:
- خليك معايا بس اهم وصلو، افتح عيونك ووعد مني مش هسيبك.
أغمض جفنيه بعدما شعر بغمامة سوداء فهوى بين أحضانها فاقداً للوعي.
***
بقصر البنداري.
وصل راكان بمرافقة ليلى. صعدت لغرفتها بعدما أخذت زينب أمير لأشتياقها له. دفعت الباب هروباً منه، فكلما تذكرت حديثه تكاد تجن.
دفع الباب ودلف للداخل:
- أنا مش بكلمك، مبترديش ليه.
كانت تشعر بأنياب حادة تنهش بصدرها ونيران تحرق قلبها. دنت منه وبدأت تلكمه بصدره بقوة:
- هموتك لو قربت مني سمعتني، وهطلقني غصب عنك، وهاخد ابني وامشي بعيد عن البيت المقرف دا.
جذبها حتى ارتطمت ظهرها بصدره فهمس بجوار اذنها بصوت كفحيح أفعى قائلاً:
- مفيش طلاق إلا بشروطي هتقبليها تمام مش هتقبليها هخليكي عايشة طول حياتك هنا، ومش بس كدا هكرهك في اليوم اللي اتولدتي فيه.
فاق الألم بداخل صدرها من كلماته التي اخترقت جدار روحها تطعنه بخناجر مسمومة، وللحظة احست بأن الأرض أصبحت كفوهة بركانية تحت قدمها فتحدثت بصوت كادت أن يكون قويا:
- وانا مستحيل أوافق على كدا، حتى لو وصل بيا الحال اتنازل عن أمير ولا إني اجيب منك ولاد.
ابتلع مرارة الإهانة وجاهد في إخفاء اعتصار اضلعه أمامها ولكن كيف وأصبح ألمه فاق الحد، فكلماتها نزلت على عنقه كنصل سكين بارد ذبحته على مهلا حتى فاق الألم حدود الوصف.
فتراجع عدة خطوات وهو يستدار ليغادر الغرفة قائلاً:
- تمام عندي سفر تلات ايام هرجع ونخلص إجراءات الطلاق، بس هتتنازلي عن أمير.
قالها وخرج سريعا وكأنه مطارد من عدوه.
خرج بروح محترقة وقلبا يتمزق ألماً. خطوات رغم سرعتها الا وكأنه سيخطو على لهيب من جهنم.
وصل إلى مكتب جده بفيلا خالد. دفعه بقوة حتى كاد الباب ان يتحطم.
نهض توفيق بعدما وجده امامه. ترنح للخلف بعيون جاحظة، مصعوقاً بوجوده. جذب راكان مقعداً وجلس يضع ساقا فوق الأخرى وبدأ ينفث دخان تبغه ويحرقه كاحتراق قلبه، وهو يطالع توفيق بنظرات قاتمة.
فتحدث متسائلاً:
- اخبار صحتك إيه يا جدو؟ سألتلك على دكتور كويس، بعتله الإشاعات والتحاليل، ولو مش عايز، فيه دكتورة هنا بسمع عنها أنها ممتازة اسمها غزل جواد الألفي، أكيد عارف الاسم دا كويس.
نهض توفيق وجلس بمحاذته، وتحدث بصوت مهتز بعض الشئ:
- أيوه عارفها وهروح لها طبعاً، ولو احتجت الدكتور التاني هقولك أكيد.
- هددت مراتي بإيه عشان ترفع قضية طلاق؟
رمقه بنظرة جانبية:
- يمكن عشان خطفت ابوها، وضغطت عليها.
بحركة دائرية أدار مقعده قائلاً:
- انت عايز توصل لأيه، إيه اللي لسة معملتوش ياتوفيق باشا، وصل بيك انك تخطف مريض عشان تضغط على مراتي ترفع قضية طلاق.
- أيوه حصل.
صرخ بها توفيق.
اقترب يحاوطه بذراعيه وينظر إلى مقلتيه قائلاً:
- ولو رجع بيا الزمن هرجع أعمل كدا ياراكان، هخطف أبوها، واختها أعمل كل حاجة عشان اوصل للي عايزة.
صدمة أذهلته حتى فقد قدرته على الحركة او الحديث. لحظات مرت عليه وكأن أحدهم قام بإختناقه، وهو لا يستوعب حديث جده القاسي.
نظر إليه بضياع وأشار بيديه:
- طيب ليه تعمل كدا، دي ام امير، دي مراتي اللي متمنتش غيرها، صعبان عليك تشوفني سعيد، عايز توصل لأيه بالضبط، انت اكيد مش طبيعي، واحدة خلتها تدوس عليا يوم فرحي، والتانية تقتلها بدم بارد، والوحيدة اللي اخترتها بقلبي ومستعد اتنازلك عن كل مااملك عشان بس أعيش معاها سعيد وأكون أسرة تخليها تدبحني بالطريقة دي.
اتجه توفيق إلى درج مكتبه وفتحه، ثم ألقى إليه بعض الصور قائلاً بصوت مرتفع:
- عشان أحافظ على شرفك ياحضرة المستشار، عشان شرف البنداري يفضل مرفوع متجيش بنت تمرمطه في الأرض.
دنا ينظر إلى راكان الذي فتح الصور ينظر إليها ورفع نظره إلى جده كالذي فارقت روحه جسده عندما تحدث توفيق:
- عشان لو اتأخرت يوم واحد كان الصور دي في كل وسائل الأعلام، ومفيش غير الست اللي خانت جوزها.
هنا هوى على مقعده وكأن أنفاسه سلبت منه عندما شعر بإنسحاب الأكسجين من رئتيه، وهو يراها باوضاع مخلة.
أطبق على جفنيه حتى تساقطت عبراته رغما عنه وهو يهمس بإسمها "ليلى".
دلفت الشرطة بعد قليل ينتظرون أوامر راكان، الذي جلس وكأنه فاقد للوعي ولم يفعل شيئا سوى همسه بإسمها.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سيلا وليد
ماتت حروف الحب من دفتر الكلمات، فقد ظلمت مثلما ظلمت، مثلما حكم الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمع أحد أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة، حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخل قلوبهم لقلبي.
أصبحت قلوب الجميع قاسية لا تعرف عن الحب شيئًا، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحه أو لا. مات الحب مثلما قتلوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي!
***
اتجه توفيق إلى درج مكتبه وفتحه، ثم ألقى إليه بعض الصور قائلاً بصوت مرتفع:
- عشان أحافظ على شرفك ياحضرة المستشار، عشان شرف البنداري يفضل مرفوع، متجيش بنت تمرمطه في الأرض.
دنا ينظر إلى راكان الذي فتح الصور ينظر إليها، ورفع نظره إلى جده كالذي فارقت روحه جسده عندما تحدث توفيق.
- عشان لو اتأخرت يوم واحد كان الصور دي في كل وسائل الإعلام، ومفيش غير الست اللي خانت جوزها.
هنا هوى على مقعده وكأن أنفاسه سلبت منه عندما شعر بإنسحاب الأكسجين من رئتيه، وهو يراها بأوضاع مخلة.
أطبق على جفنيه حتى تساقطت عبراته رغما عنه وهو يهمس بإسمها: "ليلى".
دلت الشرطة بعد قليل ينتظرون أوامر راكان، الذي جلس وكأنه فاقد للوعي ولم يفعل شيئًا سوى همسه بإسمها.
صراع عنيف اندلع بداخله، وخز قلبه بأشواك الحسرة مما فعله جده بزوجته. رفع نظره وانتابه شعور كره وحقد مما جعله ينهض متجهًا إليه، وفجأة قبض على عنقه حتى تحول لون وجهه إلى شحوب مثل الموتى، متحدثًا من بين أسنانه:
- قول لي أعمل فيك إيه؟ يعني أموتك وأريح الناس منك، أنت إيه شيطان!
صرخ بها راكان عندما فقد سيطرته بالكامل، حتى أسرع الضابط المسؤول على القبض عليه.
يجذب راكان من ذراعيه، في حين وصل خالد عمه وزوجته التي صرخت بعدما وجدته بتلك الهيئة.
تحرر توفيق من يد راكان وهو يسعل بقوة، حتى يلتقط أنفاسه بصعوبة.
اقترب خالد يصيح بغضب على راكان قائلاً:
- اتجننت ياراكان! عايز تقتل جدك يابني.
ظل راكان يرمق توفيق بنظرات نارية كادت أن تحرقه، وهو يقاوم نفسه حتى لا يخرج سلاحه ويطلق عليه طلقة نارية ويتخلص منه، ولكنه اقترب منه بخطى سلحفاه بثت الرعب لقلبه.
- تعرف أنا ممكن أموتك وأرتاح منك، بس لو موتك هيبقى برحمك، سمعت عن رصاصة الرحمة؟ دي مش في قاموسي.
أشار للضابط:
- خدوه وممنوع حد يشوفه ولا حتى محامي. صرخ بها حتى اقترب من الضابط لسحبه.
حدق به توفيق بعينين متسعتين وكأنه صفعه بقوة، فتحدث غاضبًا:
- عايز تسجن جدك ياراكان. مسح راكان على وجهه بغضب حتى يسيطر على نفسه.
- أنا قولت خدوه، صرخ بها بصوت مرتفع.
صاح توفيق غاضبًا:
- أنا هروح يابن ابني، بس خليك فاكر أنت عملت إيه في جدك.
استنى ياحضرة الظابط، قالها خالد متجهًا إلى راكان قائلاً بهدوء:
- إيه اللي بتعمله دا يابني، أنت عارف نتيجة اللي بتعمله دا.
قاطعه توفيق مزمجرًا:
- خالد سيبه خليه يغلط كويس، بكرة يعرف الحقيقة، ويعرف أنا عملت إيه عشانه.
طالعه بنظرات مشمئزة قائلاً بصوت كاد أن يخرج من بين شفتيه عندما فقد شعور بأن هذا الرجل لا ينتسب إليه.
- خده يابني بلاش توصلني لمرحلة تخليني أفقد عقلي. اقترب خالد يترجاه.
- راكان فهمنا بس إيه اللي حصل.
قبضة قوية اعتصرت قلبه عندما تذكر ما فعله بزوجته، رفع نظره لعمه قائلاً:
- قصدك تقولي إيه اللي معملوش؟ دا مستحيل يكون بني آدم.
تحرك مغادرًا بعد خروج توفيق مع الضابط متجها إلى زوجته.
***
عند ليلى.
جلست على فراشها ونبضاتها الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعها وكأنها فقدته للأبد.
ضمت ركبتيها واضعة رأسها عليها، وعبراتها تنذرف على خديها بصمت، تتذكر حديثها له الذي شوه قلبها قبله، همست من بين بكائها:
- ليه ياليلى قولتي كدا وأنت هتموتي لو بعد عنك؟ من إمتى وأنت قاسية كدا.
دفع باب غرفتها ودلف، آلمه قلبه عندما وجدها بتلك الحالة، ورغم ذلك جلس بمقابلتها.
- توفيق خطف والدك وهددك بيه مش كدا؟
ظلت كما هي كأنها لم تسمع إلى شيئًا، تنهد بألم ثم أكمل حديثه متسائلاً:
- هددك بإيه تاني؟ ماهو مش غبي، عارف ومتأكد موضوع الخطف دا مش كافي عشان يضغط عليكي بيه.
أخذ يملي رئتيه بالأكسجين الذي يحتاجه حتى يهدئ من حرقة صدره، نهض متجها يجلس بجوارها على الفراش ثم أخرج الصور وألقاها أمامها.
- أو ممكن عشان يضغط عليكي عشان الصور دي. رفعت نظرها إلى الصور التي ألقاها أمامها وأطبقت على جفنيها تهز رأسها وارتفعت شهقاتها قائلة:
- مش أنا وحياة ربنا الصور دي مش بتاعتي، معرفش هو عملها إزاي، آه الهدوم بتاعتي والأوضة كمان، بس وحياة ربنا ما أنا، أنا عارفة إنك ممكن متصدقنيش.
جذبها بعنف يضغط على ذراعها.
- اخرسي ياليلى! اخرسي مش عايز أسمع صوتك خالص.
عانقته بقوة وهي تبكي بشهقات حتى مزقت نياط قلبه، مما جعله يضغط عليها بقوة داخل أحضانه حتى شعرت بسحق عظامها.
تركت نفسها له يفعل بها ما يشاء، دام صمت بينهما لدقائق مرت عليهما، كلا منهما يشعر باحتياجه للآخر، حتى قاطعه راكان حينما أردف:
- إزاي قدرتي تتحملي دا كله لوحدك؟ إزاي قدرتي تخبي عليا دا كله مع إني سألتك مليون مرة.
- مقدرتش أتكلم، مقدرتش والله ياراكان، حاولت أقولك. بكت بصوت مرتفع.
ربت على ظهرها فالقلوب الآن تحترق بهدوء قاتل والألسنة عاجزة عما يحدث لهما. أطبقت على جفنيها تعتصره ثم همست هي وبين أحضانه:
- قالي لازم تطلبي الطلاق من راكان، وإلا هخرجك من البيت دا بفضيحة. أنا كابرت ودافعت عن جوازنا، حتى قالي إنك مش جوزي دا مجرد عقد عشان أمير، بس مصدقتوش عشان عارفة ليلى بالنسبة لراكان إيه.
شهقة خرجت من فمها، وهو تقص له، مسح على خصلاتها الناعمة.
- أششش اهدي. خرجت من أحضانه ونظرت لعيناه وأكملت من بين بكائها:
- جالي بعد فترة هنا وجابلي ورق الطلاق وقالي لو ممضتيش هاخد منك أمير وأعملك قضية شرف، وفعلاً خد أمير مني ورمى الصور دي قدامي، وقفل الباب عليا وهو بيقولي:
- لو ممضتيش قبل راكان ما يرجع صورك هتغرق السوشيال، وأبوكي هيموت واختك وحمزة.
شهقة مرتفعة خرجت منها مما جعلها تضع كفيها على فمها لتمنعها وهزت رأسها وهي تطالعه.
- مكنتش عارفة أعمل إيه، أنت مش موجود، غير الفيديو اللي وصلني وأنت ونورسين، وكلام عايدة إنكم بتقضوا يومين حلوين.
وقعت ياراكان ومعرفتش الصح فين والغلط فين، أبويا اللي بيموت من الألم، ولا أختي اللي لسة بتفتح عيونها لحياة جديدة، أنا مهمنيش نفسي، كل اللي همني أبويا وبس، عشان عارفة حتى لو أنت مش هتصدقني كنت هعرف أبرئ نفسي.
تجمد جسده من حديثها، ابتعد بعدما فاق من مشاعره المتضاربة من قربها، فتحدث وهو يطالعها:
- ليه شايفاني ضعيف ومقدرش آخد حقك. رفعت نظرها وتحدثت وعيناها متعلقة بعينيه قائلة:
- الموضوع مش موضوع إنك ضعيف ولا قوي. نهض متحاملاً على نفسه وكأنها تصفعه في كل مرة، فأردف:
- الموضوع مفيش فيه ثقة بينا للأسف، عمرك ما وثقتي فيا.
نهضت تقف بمقابلته.
- ولما أشوفك في حضن واحدة، وأكذب عيوني وأستناك لما ترجع وتفهمني دا يبقى ما وثقتش فيك.
وضع يديه بجيب بنطاله ثم ابتسم متهكمًا:
- أيوه استنتيني فعلاً، دا من وقت ما رجعت وأنا في نظرك الراجل الخاين اللي مقضيها.
اقتربت منه وصاحت بغضب:
- ودي مش الحقيقة. أشارت بيديها بغضب.
- عملت إيه غير إنك جريت على واحدة مفيش بينك وبينها أي ارتباط وحضن وبوس عشان بس تنزل بكرامتي الأرض وتعرفني إنك متجبر وتقدر تعمل كل حاجة قدامي، وكأن الست اللي قدامك دي معندهاش قلب، أهم حاجة اكسر ليلى اللي دايماً توقف قدامي وتقول لا.
تجمد بمكانه لا يعي ماذا يفعل لها حتى تتأكد أنه يعاقب نفسه قبلها. نظر إليها وألم هائل اجتاح كيانه من اتهاماتها الشنيعة دائمًا. قاطعه رنين هاتفه، استدار وخرج بجسد بلا روح وهو يجيب صديقه:
- راكان أسما مش موجودة، ومش عارف أوصلها.
توقف راكان عن الحركة متسائلاً:
- مش فاهم يعني إيه مش موجودة؟ اتصل بيها شوفها فين. قاطعه نوح صارخًا:
- بقولك من الصبح وهي مختفية، والعربية لقيتها على أول الطريق، ومش موجودة فيها.
- تمام يانوح أنا جايلك عشر دقايق وأكون عندك. استدار ودلف إلى غرفته، دلفت مرحاضه وخرج بعد قليل، وجدها تدلف الغرفة تفرك كفيها. توقف ينظر إليها متسائلاً:
- عايزة إيه؟
وبعدين مش قولت متدخليش الأوضة دي تاني؟
اشتعلت نيران الغيرة بقلبها واقتربت منه كقطة شرسة.
- اوعى تفكر جايلك عشان اتحايل عليك.
توقفت عن الحديث تلتقط أنفاسها بصعوبة بعدما وجدته يخرج ثيابه ويقوم بخلع البورنس.
صرخت به:
- انت بتعمل إيه؟ أنا بكلمك مش صابر لما أخرج.
فوجئت به يطوق خصرها يجذبها بعنف وهو يرمقها بتسلية.
- جاية ليه أوضة واحد بتكرهيه وواقفة قدامه وبتبص عليه وهو بيلبس هدومه؟
لكمته بصدره حينما فقدت قدرتها على الوقوف وأصبحت ساقيها كالهلام عندما استنشقت رائحته وشعور يتسرب بداخلها، الأقتراب أكثر وأكثر حتى تشبع روحها المفقودة من قربه.
ترقرق الدمع بعينيها وارتجف جسدها بين ذراعيه حينما فقدت قدرتها. انزلقت عبراتها رغم عنها:
- مش قصدي أزعلك بكلامي والله. أنا لما بكون متعصبة بقول أي كلام وخلاص. عمري ما تمنيت أطفال من غيرك ولا عمري فكرت أبعد عن أمير حتى لو كلفني أعيش في نار حبك. عايزة أكدلك، دا كلام أهبل قولته من غيرتي ونار قلبي.
بكت من حالتها الغريبة التي تعيشها في خضم أحاسيس أرهقتها وأثقلت تجاهلها بعشقه الندي لقلبها، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
مسح على شعرها بكفه ثم ضم رأسها إلى صدره وأطلق نبرة جياشة قوية:
- تعباني معايا ياليلى. معنتش عارف أخد قرار. ليه دايما مصرة توجعينا كدا؟ من أول مرة شوفتك لحد دلوقتي وأنت في حضني وبرضو بتوجعيني.
يود لو يصرخ من أعماقه بكل ما أوتي من قوة حتى تشعر بعذابه. هي لا تعلم بأنه يبذل كميات مضاعفة من الصبر عليها حتى لا يخسرها للأبد.
ظلا الأثنين في خضم احاسيسهم، هي تنعم بقربه ورائحته ودقات نبضه. وهو يريد ألا يخرجها من أحضانه حتى لا يفقدها. لديه شعور يملأ كيانه إنه سيخسرها بعد فعلتها الأخيرة.
رفعها من خصرها متجهًا لأريكته، جلس وأجلسها بأحضانها بعدما وجدها فقدت قدرتها على الحركة. رفع خصلاتها التي غطت وجهها وتعلقت شمسه بليلها الدامس.
- وبعدين هنفضل نعذب في بعض كدا؟ هتفضلي تدوسي عليا لحد إمتى؟
رفعت نظرها إليه:
- مش عارفة صدقني مش عارفة. عايزة أفضل في حضنك طول الوقت. وفي نفس الوقت عايزة ابعد عنك واضربك واموتك وكل كل حاجة.
احتضن وجهها بين راحتيه.
- لو دا هيريحك أعمليه. بس ضعفك دا مش عايزه. قلبي بيوجعني لما بشوفك كدا.
دنى يهمس لها أمام شفتيها.
- عاقبيني ماهو أنا هعاقبك برضو. تفتكري هسيب حقي وكسرتك ليا. دنى حتى كاد أن يلمس شفتيها وأكمل.
- مش بالسهولة دي يالولة قلبي. لازم أدوقك حرقة قلبي وأشوف عذابك لما تلاقي حبيبك في حضن واحدة تانية عشان قبل ماتعملي حاجة تفكري مليون مرة إن الراجل دا اللي دوستي عليه. على قد حبه على قد وجعه.
هبت فزعة من أحضانه تهز رأسها بعنف رافضة حديثه.
- بعد اللي عرفته. بعد خيانتك ليا. هو فيه وجع أكتر من كدا؟ نصب عوده واقترب منها.
- آه فيه. فيه اللي يوجع أكتر يامدام. لما تكوني ورايا هنا. أشار إلى غرفتها وأكمل بقلب يئن.
- تكوني هنا لوحدك تعاني من فقدان حبيبك اللي بينك وبينه جدار واحد. وأنتِ عارفة هو بيعمل إيه مع مراته.
اخرررررس. صرخت بها بقهر ودموعها تنزلق كالشلال على وجنتيها تحرقها. ورغم ما قاله إلا أن دموعها نزلت فوق صدره تشحذ طبقات جلده طبقة طبقة.
دنت بخطوات سلحفية وهي تحرقه بنظراتها.
- أنا اللي استاهل حبيت واحد زيك. واحد ميعرفش قيمة القلب اللي يحب ويعشق. ميعرفش وجع القلب من الحبيب بيكون إزاي. رغم عمايلك السودة جتلك واتكلمت معاك قولت نفتح صفحة جديدة. بس كالعادة.
اتجه لغرفة ملابسه:
- اطلعي برة عايز أغير هدومي. أما لو عايزة نقضي وقت لذيذ في أوضة ضرتك معنديش مانع.
اقتربت منه بهدوء ما قبل العاصفة.
- طلقني ياراكان. زم شفتيه وابتسم بسخرية وتحدث متهكما.
- متخافيش هطلقك بس لما نتعذب شوية مع بعض.
وقفت تكاد تخرج مقلتيها من محجريها وقلبها يأن وينزف من كلماته. أشار على باب الغرفة.
- إيه اخلع معنديش مانع لو. قاطعته عندما استدارت متحركة وهي تصفع الباب خلفها بقوة حتى كادت أن تخلعه.
وصلت غرفتها ويكاد قلبها يتوقف من الوجع. وضعت يديها على صدرها. لعل ذاك الألم يتوقف. ثم وضعت يدها على أحشائها.
- طيب ياراكان. لو معلمتكش الأدب مكنش ليلى.
قامت بخلع ردائها وألقته بغضب على الفراش. ثم اتجهت لتنعش نفسها بحمام دافئ بعدما حرق أعصابها ذاك المتجبر كما أطلقت عليه.
ولكنها توقفت عن السير بعدما استمعت لصرخات.
اتجهت سريعا للاسفل متناسية ثيابها التي كانت ترتديها عبارة عن برمودة باللون الأبيض وكنزة بحمالات باللون الأحمر.
وصلت إلى زينب التي تجلس تضم أسعد على ركبتيها. فصاحت لليلى.
- اتصلي بالدكتور بسرعة يابنتي. اتجهت ليلى لمحاكاة الطبيب في تلك الأثناء وصل راكان.
- ماله بابا ياماما؟ اغمى عليه ليه؟
قالها راكان الذي حاول حمله متجها به لغرفته. محاولا إفاقته. وصل الطبيب بعد قليل.
كانت ليلى تقف بجوار زينب. لم ينتبه راكان الذي يعتني بوالده لأفاقته. استمع لصوت العاملة.
- الدكتور وصل ياباشا ادخله. التفت للعاملة.
- أيوه دخليه ولكنه توقف وهو يراها تجلس تنزل برأسها للأسفل وخصلاتها تغطي وجهها. فصاح بغضب للعاملة.
- استني يانعيمة لما مدام ليلى تطلع أوضتها.
رفعت نظرها تحدجه بنظرات نارية متناسية ما ترتديه فأجابته.
- ليه ان شاء الله هو حرام استنى أشوف الدكتور وهو بيكشف على عمو.
هب من مكانه يجذبها بعنف ويجرها خلفه. قائلا:
- لا يامدام يابتاعة الحجاب. حرام يشوفك بلبسك دا اللي المفروض يكون فوق مش تحت للكل. أقول إيه بس يمكن عايزة تغريني. عبيطة متعرفيش الحاجات دي متأثرش فيا.
دفعته بغضب بعيدًا عنها. بعدما باتت كلماته تعصب جروح قلبها. فغاصت في عتمة عناده وحيله. فاستدارت له تحدجه بشموخ وكبرياء ولم تمنحه إلا نظرة تمرد فقالت.
- مش مستنية ألبس حاجة عشان أغريك. دنت مقتربة منه ورفعت كفيها على صدره موضع نبضه قائلة وعيناها متعلقة بعيناه.
- مجرد لما تشوفني من بعيد دا كافي إنك تتحول ياحبيبي وتتمنى القرب.
جذبته بعنف من قميصه حتى خلعت زر قميصه بيديها وتحدثت.
- متلعبش معايا ياحضرة المستشار عشان محرقكش بنار لعبك. قالتها واستدارت بخطوات ثابتة تتحرك أمامه بخيلاء كأنها لم تكن التي تبكي بأحضانة منذ قليل.
تجمد بوقفته وهو يفترسها بملامحه الحادة. يود لو أغلق عليها الغرفة لكي يخرس تلك الشفاة التي أرهقته.
فاق من شروده على رنين هاتفه. نظر إليه متذكرًا نوح.
تأفف بضيق وهو يمسح على وجهه.
- ياربي دا كفاية عليا عروسة المولد بتاعتي هي ناقصة نوح واسما.
أرجع خصلاته للخلف كاد أن يقتلعها.
- بابا تعب يانوح. الدكتور يطمني وهجيلك. قالها ثم أغلق هاتفه. متجهًا لوالده.
ارتدت ليلى إسدالها وهبطت للأسفل حتى تكون بجوار زينب. بينما بالأسفل كانت زينب تجلس بجواره على تخته وراكان يقف بجوارها أثناء كشف الطبيب عليه.
تحدث الطبيب متذمرًا.
- مش قولنا بلاش نتعصب يااسعد باشا. ضغطك مرتفع للأسف. متنساش أن القلب تعبان.
تحدث أسعد بصوت مجهد.
- هو فيه حد يتمنى التعب لنفسه يادكتور. نظر الطبيب إلى راكان وتحرك للخارج.
- لازم يتحول عناية. ويعمل فحوصات كاملة للقلب. قاطعته زينب.
- هو مكنش خف يادكتور ليه رجع يتعب تاني.
أجابها الطبيب.
- للأسف شكله اتعرض لصدمة وغير أزمته القلبيه. شاكك يكون فيه حاجة في الشريان التاجي. عشان كدا لازم نعمل فحص كامل. ونبعده عن التوتر.
اتجهت بنظرها لأبنها.
- ينفع كدا؟ قولتلك بلاش. ودع راكان الطبيب وهو ينظر لوالدته بغضب.
- ابنك اتقتل!! مستنية إيه تاني؟ نسيتي عمو وخالتو. أينعم هو مقتلهمش بس كان عارف إنهم هيموتوا. بلاش تضغطي عليا ياماما لو سمحت. الراجل دا وجوده أذية للي حواليها.
أشار بسباباته.
- بلاش توصيليني اني اقتله بأيدي. دا خطف أبو ليلى عشان يضغط عليها والأستاذة رفعت قضية طلاق على ابنك.
شهقت زينب وهي تضع كفيها على فمها وتحدثت مذهولة.
- بتقول إيه ليلى رفعت قضية طلاق. أومأ برأسه متنهدًا بألم وأردف بصوت مختنق.
- ياريت كدا بس. دا مركب صور ليها ولأبن عمها.
حد يديني عقل بعد كدا اصبر على الراجل دا. توقفت زينب قائلة.
- عشان كدا أخد منها أمير اليوم اللي قفل عليها الباب.
مسح راكان على وجهه بغضب.
- أنتِ قولتي أهو ياماما قفل عليها واخد ابنها. وضربها دا كله ليه عشان الفلوس. ملعون أبو الفلوس اللي تعمل فينا كدا.
تحرك خطوتين وأشار بسبابته.
- تعرفي لو جه قالي كنت مستعد اتنازل عن كل حاجة بس نعيش مرتاحين، لكن كالعادة بيخنق فيا مش عايزني أعيش.
ربتت زينب على كتفه.
- معلش ياحبيبي استحمله، ماهو مهما كان جدك. أنا استحملت السنين دي كلها عشان باباك ميجيش يقولي موتي أبويا. وشوف أهو ما استحملش لما خالد اتصل بيه ووقع من طوله ومفيش على لسانه غير "راكان هيقتل جده".
تحرك راكان للداخل حتى يطمئن عليه. وجد ليلى بجواره تقوم بمساعدته لاعتدال نومه.
رفع نظره لابنه قائلاً.
- ينفع اللي عملته دا يابن أسعد؟ وصل بيك الحال تسجن جدك؟
اغرورقت عيناه بالدموع وقال بصوت يملؤه الألم.
- عايزهم يقولوا ابنه سجن أبوه ومات في السجن. هتفضل متعلقة في رقبتي لحد ما أموت يابني.
كانت تقف بجواره ولا تعلم عن أي شيئاً يتحدث حتى تحدث راكان.
- جدي يستاهل يابابا. للأسف الراجل دا بيفكرني بالديب اللي في الكتب بيقولوا بيدعي الديك عشان يصلي الفجر وهو بيخطط لأكله.
اقترب من والده ونظر إليه بوجع.
- قولي حاجة واحدة عاملها معايا من يوم فهمت الدنيا. كل ما أخرج من مصيبة يدخلني مصيبة تانية.
أطبق على جفنيه حتى كاد أن يمزق عيناه من الألم وحياته أمامه كشريط سينمائي قائلاً بصوت يملؤه الألم.
- ضغط على أول بنت حبتها وبعدها عني في أجمل يوم بيستناه أي شاب. موت مراتي وهي في حضني وكأنها فرخة ولا همه حتى إزاي هتكون حالتي. نسيت عمل إيه في تولين لما قررت أتزوجها. ياريت يتهد بعد دا كله. دخل يأذيني في شغلي وشغل حمزة مجرد إنه صديقي وبس. حاول يضغط على سلمى عشان تبعد عنه. وراح عايز يجوز يونس لسارة مع إنه عارف ومتأكد بحب يونس لسيلين. وصل عدي لشخص مالهوش غير في السهر والبنات. عمل من سارة بنت ما لهاش غير نفسها وبس. ياريت يسكت على كدا. لا عمال يضغط ورجع يدبح فيا ورجع عايزني أطلق مراتي مجرد إنها بقى ليها في ورث سليم.
- آسف يابابا. الراجل دا جاب آخره معايا. ولازم يتعاقب. أنا صبرت عليه لحد ما فاض بيا. وأوعى تفكر سكوتي عليه السنين دي ضعف. لا عشان خاطرك. بس لعند مراتي ولازم يتعلم لكل فعل رد فعل. ومش هضحك عليك وأقولك قضيته سهلة. بالعكس أقل حاجة عشر سنين.
قاطعهما دخول العامل.
- فيه اتنين ظباط برة ياباشا طالبين مدام ليلى. بيقولوا عايزين أقوالها.
اعتدل راكان متجها للخارج وهو ينظر لليلى.
- الحقيني على برة وتقولي كل اللي قولتي فوق.
ترجاها أسعد بعينيه بعدما فقد محاولته مع ابنه.
تحركت خطوتين. ولكن توقفت بعدما استمعت لحديثه.
- أنا عارف أكيد بابا آذاك. بدل وصل راكان للجنون دا. بس أنا أب يابنتي وبترجاك. متخليش جوزك يدمر جده. وقبل جده هيدمر العيلة.
سعل أسعد بشدة حتى فقد تنفسه. أسرعت زينب تضع جهاز التنفس على وجهه وانسدلت عبرة من عينيها لما يحدث. وقفت عاجزة لا تعلم ماذا تفعل زوجها المريض. أم ابنها.
مسدت على رأسه وتحدثت وهي تنظر إلى ليلى بمغزى.
- ليلى عاقلة يا أسعد ومستحيل تعمل حاجة تأذيك بيها. هو راكان زعلان عشانها. بس لما يروق هيندم ماهو مهما كان جده. والضافر عمره ما يخرج من اللحم مش كدا ياحبيبتي.
أومأت برأسها وتحركت للخارج. وجدته يجلس بهيبته بجوار الضابط وشخص آخر نفس مظهره كأنه يعمل وكيل نيابة. ألقت السلام.
نهض راكان يبسط يديه إليها.
- تعالي ياليلى. ثم اتجه لصديقه.
- حسن مشكور ما رضاش تروحي النيابة وجه لحد هنا ياخد أقوالك.
أجلسها بجواره وضم كفيها ينظر إليها.
- عايزك تحكي لحسن كل حاجة. كأنك بتحكيلي أنا.
قاطعهما رنين هاتفه. فنهض من مكانه.
- هعمل تليفون ياحسن. ومدام ليلى هتقولك اللي حصل.
جلست خائرة القوى وكأن روحها تزهق من جسدها. وكأنها داخل متاهة لا تعلم ماذا عليها فعله. قطع شرودها حسن عندما أردف لمساعده.
- افتح واكتب اللي مدام ليلى هتقوله. اكتب اسمها. وكل ما يتعلق بها.
- سامعك مدام ليلى. حضرتك قدمتي بلاغ في توفيق حسين البنداري على إنه خطف والدك وابتزك بصور مركبة للضغط عليك. وتهديدك بالانفصال عن زوجك.
هنا تذكرت نظرات أسعد الراجية. وكلمات زينب لها. فهبت واقفة وتحدثت بأسف.
- محصلش. أنا ما قدمتش بلاغ في حد. معرفش مين اللي قال لحضرتك كدا.
- أنا. صاح بها راكان بغضب وهو يقترب منها وعيناه تحرقها بنظرات نارية وتحدث وهو يجز على أسنانه.
- أنا اللي عملت البلاغ. ودلوقتي جدي موقوف في السجن. وإفادتك لوكيل النيابة هتأكد التهمة عليه. احكي اللي قولتيلي ياليلى.
تراجعت للخلف وهي تهز رأسها رافضة حديثه.
- محصلش. معرفش انت بتقول كدا ليه. دا عشان رفعت قضية طلاق وعايزة أمشي من هنا.
صدمة شلت جسده حتى شعر بفقدان اتزانه في حين تسارعت نبضاته من كلماتها المفاجأة التي جعلت قدمه تتجمد بمكانها. ابتلع جمراته الغاضبة وقال بصوت كاد أن يخرج.
- يعني أنا كذاب. قالها بصوت متألم ولسان ثقيل.
هزت رأسها وارتجفت شفتيها وهي تناظره بأعين مشوشة فتحدثت بقهر.
- مقلتش كدا.
وضع كفه أمامها وتحدث بصوت كالجليد.
- اطلعي فوق. ثم اتجه إلى صديقه. ورسم ابتسامة امتنان على ملامحه التي أهلكتها تلك الغبية من الحسرة والألم فاردف بهدوء.
- خلاص ياحسن. شوف شغلك بدل المدام أنكرت يبقى اللي بتعمله مالهوش لازمة.
نهض حسن متحركاً للخارج دون حديث بعدما استشف الألم الظاهر على وجهه.
ظل واقفا بجسد متيبس فاقد قدرته على الحركة أو الكلام. وصلت والدته إليه تنظر إليه بحزن بعدما أحست بما حدث. اقتربت تربت على ظهره.
- متزعلش منها ياحبيبي باباك اللي طلب منها كدا. مش معقول بعد السنين دي كلها نقهره على والده. مهما يعمل هيفضل أبوه.
تحرك للخارج بجسد واهن وكأنه يتحرك على جمرات من النيران. وصل بعد قليل إلى نوح الذي ينتظره مع الضابط الذي أرسله راكان إليه.
ترجل من سيارته وتحول كلياً عن ما كان عليه. اتجه للضابط متسائلاً.
- فيه جديد حصل.
مسح نوح على وجهه بغضب وكأنه فقد عقله.
- هتجنن. معرفش راحت فين. ولا حد خطفها.
اتجه راكان للضابط.
- شفت الكاميرات اللي في الشارع عند العربية.
هز الضابط رأسه بالرفض. أشار بيديه.
- شوف شغلك ياحضرة الضابط وشوف كانت بتكلم مين قبل ما تنزل. ثم اتجه إلى نوح متسائلاً.
- تليفونها معاها.
جلس نوح بكتفين متهدلين. وجسد يأن وجعاً قائلاً.
- لقيته في العربية.
رفع نظره إلى راكان يترجاه بعينيه.
- راكان لو سمحت أنا هتجنن وأنا معرفش عنها حاجة.
أشعل راكان تبغه وسحب نفساً طويلاً حتى يسيطر على حالته من الغضب متسائلاً.
- سألت والدك. ما يمكن بيعمل حركات استعباط عشان يضغط عليك.
سألته وقالي روح دور عليها شوفها باعتك لمين.
قوس راكان فمه وتحدث بسخرية.
- كنت هتتوقع منه إيه غير كدا.
توقف نوح وامسك هاتفه.
- ليلى. إزاي مجاش في بالي إنها ممكن تعرف مكانها.
وكأن حديث نوح ضغط على جرحه المتقيح فصاح بغضب.
- متعرفش حاجة وماتتصلش بيها دي مبدفتش حد. انفلتت ضحكة موجعة وأكمل.
- دي توجع بس. تهدم بس تفيد لأ.
طالعه نوح وتسائل بشك.
- انتوا متخانقين تاني.
أطلق زفرة حارة من أعماق قلبه عله يخفف من أوجاعه التي لا تنتهي، ثم أجابه.
- لا هنتخانق ليه؟
نصب عوده ووقف متجهًا للضابط المسؤول حتى يعلم أي شيء عن أسما.
- الكاميرا لقطت مسلحين هجموا على العربية.
- طيب خد رقم العربية وجيبها من تحت الأرض.
بعد عدة ساعات، توصل الضابط المسؤول عن مكان السيارة.
- العربية في مزرعة على الصحراوي، تبع رجل أعمال يدعى عزت السمري.
وصلت سيارات الشرطة بعد قليل لتلك المزرعة، وحرب بين رجال الشرطة والخارجين عن القانون انتهت بالغلبة لرجال الشرطة البواسل.
دلف نوح سريعًا يبحث بقلب متلهف وهو يصيح بصوته عليها.
- أسمااا...
حتى وصل لغرفة تغلق بالخارج، وقف أمامها ينظر بقلبه منتفضًا إلى راكان.
- خايف أدخل.
فتح راكان الباب بهدوء وبجواره أحد العساكر، فاقتحموا الغرفة.
تسمر نوح بوقفته، بينما خرج راكان هو العسكري سريعًا للخارج مغلقًا الباب.
استغرق نوح لحظات وهو متيبس بمكانه ينظر لتلك التي تجلس تحاوط نفسها بشرشف وهي تجلس كفاقدة الحياة وعيناها تزرف دموعها بصمت. اتجه إليها بساقين مرتعشتين حتى وصل إليها. رفع كفيه المرتعش يحاوط وجهها.
وتحدث بصوته المتقطع المتألم.
- أسما...
أطبقت على جفنيها ولا تفعل شيئًا سوى سقوط دموعها.
ابتلع غصة منعت تنفسه، حتى تغير لون وجهه من الألم وقام بجذب ثيابها وقام بإرتداها إياها وجسدها يرتعش بين يديها.
ظل يحاوطها بأنظاره الحزينة، حتى انتهى وقام بحملها للخارج وهو يكاد أن يتحرك حتى وصل للخارج. تلقفها منه راكان بعدما وجد حالته المزدرية.
- نوح مش وقت صدمة، لازم تاخد مراتك للدكتور قبل أي حاجة، مع إني عارف ومتأكد محدش عمل فيها حاجة دي مجرد قرصة ودن.
اتجه بها راكان لسيارته منتظرًا وصول نوح الذي يتحرك وكأنه يسير على بلور يخدش قدمه حتى وصل إلى سيارة صديقه وجلس بالخلف يضمها لأحضانه، وهنا انسالت دموعه على خديه وهو يراها تنظر للخارج دون ردة فعل كأنها جسد بلا روح. ضمها بقوة واضعًا رأسه بعنقها متحدثًا.
- عملوا فيكي إيه ياقلبي؟
بمشفى يونس، جلست سيلين بجواره متشبسة بكفيه، تمسد على خصلاته وترسم ملامحه المحببة لقلبها تتذكر أفعاله منذ طفولتها حتى الآن. وضعت رأسها بجوار رأسه إلى أن غفت بجواره. فاق يونس بعد قليل، وجد كفيه معلق به المحاليل. اتجه بنظره لتلك التي تجلس بالقرب منه ورأسها بجواره. رفع كفيها المتحرر يمسد على وجهها.
- سيلي حبيبتي قومي ضهرك هيوجعك.
فتحت عيناها التي تشبه موج البحر فابتسمت كأنها تحلم به قائلة.
- حبيبي أنت صحيت.
ابتلع ريقه بصعوبة من هيئتها حيث كانت كالحورية أمامه. دنا مقتربًا وكأنه يتعافى بالقرب منها. نظر إليها بأعين تفيض ولهًا. فهمس وهو يلمس وجنتيها.
- تعرفي من وقت ماحبيتك وتمنيت أصحى من النوم والاقي الجمال دا في حضني.
أحست بالحرارة تزحف لوجنتيها تشعر بالخجل من كلماته. حاولت الاعتدال بعدما أفاقت، ولكنه رفع كفيه الآخر يضم وجهها.
- لسة بتحبيني ياسيلين؟ قلبي وجعني قوي من كلامك ليا. سيلين ثقي مفيش حد اقتحم أسوار قلبي غيرك. وسواء رضيتي ولا لا، هتجوزك يا إما تموتيني زي ماقولتلك.
- أكيد بحبك يايونس، مش معقول حب السنين دي كلها هيتنسي بسهولة. كان لازم أوجع قلبك زي ما أوجعتني.
أطلق ضحكات صاخبة وبلحظة جذبها حتى أصبحت بأحضانه يداعب وجهها بأنفه.
- طيب ما أنا عارف، هو لو مكنش كدا كنت زمانك عايشة لحد دلوقتي ياحبيبة يونس.
لكمته بكفيها الصغير بصدره.
- لا والله، مغرور.
جذب رأسها لتعانق شفتيه ثغرها. ثم غمز بعينيه.
- دا مش غرور قد ماهو ثقة في الحب ياحبيبي.
وضعت رأسها على صدره وهي تتنهد براحة، فكأن عشقهما مثل الورد الجوري وتتطاير حوله الفراشات لتزهو بألوانها الجميلة، وطائر البلبل الذي يتحرك بين الأزهار يتغنى ويعزف أجمل الألحان.
***
مساء اليوم ظلت تجلس بشرفتها تنتظره ولكنه لم يعود. نظرت بساعة يديها وجدتها الثانية صباحًا. زفرت بغضب والغيرة تتآكل بأحشائها. ضمت ابنها الذي ارتفعت حرارته.
حملته تضع له بعض الكمادات لخفض حرارته. ظلت بعض الوقت على ذاك المنوال، وهي تحاول الاتصال به ولكنه لم يجيب على اتصالاتها. نهضت متجهة للخارج حتى تأخذه للطبيب، بعدما فشلت في الوصول إليه. وكذلك سيلين التي لم تعود إلى الآن. قابلها عدي دالفا بسيارته. ترجل من السيارة سريعًا.
- مدام ليلى رايحة فين دلوقتي لوحدك؟
سحبت نفسًا محاولة السيطرة على دموعها حتى لا تسقط فتحدثت بصوت مرتجف.
- عدي ممكن توصلني أقرب مستشفى، أمير سخن من المغرب وحرارته مبتنزلش وراكان تليفونه مقفول.
أومأ متفهمًا، استقلت السيارة بجواره متجهة للطبيب.
بعد عدة ساعات مع إشراقة الصباح، عادت مع عدي. دلفت السيارة لحديقة القصر. في تلك الأثناء ترجل راكان من سيارته التي دلفت للتو.
وزع نظراته بينهما وبفظاظة تسائل.
- كنتوا فين، راجعين منين؟
حدقته بنظرة حزينة وأجابته بهدوء.
- كنت بكشف على أمير.
استدارت تبتسم لعدي.
- شكرا ياعدي تعبتك معايا.
قالتها وتحركت للداخل دون حديث آخر.
تحرك خلفها للداخل وقبل صعودها الدرج صاح غاضبًا.
- استني عندك.
صرخة مدوية خرجت من فمه وهو يقترب منها.
- إزاي تخرجي مع عدي من غير إذني؟ متنسيش إنك لسة مراتي.
بنظرات تحمل بين طياتها الكثير من العتاب، اقتربت منه وهي تربت على ظهر طفلها الذي استيقظ يبكي. وقفت أمامه بعيونها المشتعلة وأجابته.
- آسفة ياحضرة المستشار، مكنش ينفع أسيب ابني يموت لحد ماحضرتك ترجع من نزواتك. لو كنت اتكرمت ورديت على اتصالاتي كنت عرفت بتصل ليه.
توهجت عيناه واقترب يضغط على ساعديها بقوة غير مكترث لبكاء الطفل وتحدث من بين أسنانه.
- برضو مكنتيش تخرجي إلا لما أرجع، مش تجري في نص الليل مع ولد صايع سكير.
دفعته بعنف وهي تقاتل بضراوة ألم قلبها القاتل الذي يضرب أنحاء جسدها ناهيك عن عبراتها التي تلألأت قائلة.
- المرة الجاية، يبقى استنى معاليك.
قالتها ثم تحركت لأعلى. وهذا جعله غاضبًا حد الألم الذي يشعر به في حضرتها.
صباحًا باليوم التالي، وصل توفيق بجواره فريال وخالد. ملقيًا تحية الصباح وهو يتحاشى بنظره بعيدًا عن راكان.
- سمعت إن أسعد تعبان ماله، وهو فين؟
نهضت زينب تشير على غرفته قائلة.
- هو نايم ياعمي، لسه واخد علاجه ونايم وشوية كدا راكان هياخده عشان يعمله فحص وايكو.
أومأ برأسه متفهمًا. استدار ليغادر، ولكن اوقفه راكان. نهض راكان متجهًا له ووقف أمامه.
- آسف لحضرتك، انت كنت صح وأنا غلط، وبعتذر منك قدام الكل. ماهو حضرتك جدو برضو وزي ماما قالت، الضفر عمره مايطلع من اللحم.
صاعقة نزلت على توفيق من حديث راكان ونظراته الحزينة. فاقترب توفيق يضمه لأحضانه.
- ربنا يبارك فيك ياحبيبي، أنا مسامحك ياراكان.
تجمدت زينب بمكانها محاولة استيعاب مافعله ابنها. هي تعلم إنه لن يرضخ لجده. رمقت ليلى الصامتة التي تجلس تطعم ابنها. تنهدت بحزن بعدما علمت ردة فعل راكان على تنازل ليلى على القضية.
بعد قليل دلفت غرفة مكتبه.
- ممكن نتكلم شوية.
كان ينظر بجهازه، فتحدث ومازالت عيناه على الجهاز.
- قوللي سامعك.
سحبت نفسًا وطردته ثم تحدثت.
- هنفضل لحد إمتى كدا.
جاوبها ومازال على وضعه.
- كدا إزاي مش فاهم؟
- راكان لو سمحت مينفعش الحياة بينا كدا، يا إما نطلق يا إما نصحح من حياتنا، فيه حاجة مهمة لازم تعرفها.
استدار بنظره إليها ثم أردف.
- إحنا يعتبر اطلقنا، من وقت مارفعتي القضية وانت في حكم طلاقي، يعني انت هنا أم لأمير وبس.
***
هبت فزعة وتحدثت بغضب.
- يعني إيه كلامك دا، أنا مستحيل أقبل بكدا، خلاص سبني أمشي.
أعاد لجهازه وأجابها.
- مش دلوقتي بعد ما أتجوز، وهتسألي ليه هقولك مزاج، عجبك مش عجبك اشربي من البحر. ولو خلصتي كلامك سبيني أكمل شغلي.
- أكيد أنت مجنون، قالتها بقهر.
نهض وجذب ذراعها بغضب وصاح مزمجرًا.
- غلط كمان، هنسى إنك ست، بعد كدا كلامك معايا بإحترام وأدب، انت هنا أم أمير بس.
- غلطان ياحضرة المستشار فيه الأقوى من أمير.
دنا ينظر إليها مشمئزًا.
- لو قصدك عن الحب تبقي عبيطة، أنا رميتك من وقت ما طلبتي الطلاق.
أشار بسبابته وأكمل.
- لو عايزة تطلقي اعملي تنازل عن الولد زي ماقولتي، غير كدا ما أسمعش صوتك.
قاطعهم دخول نورسين.
- إيه ياراكان جاهز، هنتأخر؟
استدار إليها وتحدث غاضبًا.
- مش تخبطي قبل ما تدخلي، اطلعي استنيني برة.
استدار إلى ليلى وتحدث.
- مش شايفة بتكلم مع مراتي.
غادرت نورسين الغرفة دون حديث، ولكن داخلها يكتوي بنيران الغيرة من ليلى.
نزعت يديها بعنف وأشارت بسبابتها.
- أنا مش مراتك، ودا بناء على كلام حضرتك، ماشي ياحضرة المستشار، هستنى لما تتجوز، ودا عشان أثبت لنفسي قبلك، إنك أكبر غلطة في حياتي، فليذهب حبك للجحيم ياراكان يابنداري.
جلس وهو ينظر إليها متهكمًا.
- انت دلوقتي ولا حاجة في حياتي سامعة، ولا حااااجة، وياله عطلتيني بدل مافيش حاجة تخص أمير ماتدخليش عندي، اياك تقربي من حاجة تخصني، برة عند أسما.
تجلس بشرفتها صامتة تنظر بالخارج وكأنها لم تشعر بما يدور حولها. خرج الطبيب النفسي وتوقف متحدثًا.
- النهاردة أحسن شوية، خرجت من أوضتها، وسمعتني وأنا بتكلم دا كويس.
أومأ نوح وهو يطالعها بنظراته الحزينة. ثم شكر الطبيب وهو يتحرك معه للخارج.
- شكرًا لحضرتك.
بفيلا الكومي.
دلت راندا تفرك كفيها بعدما طلبها يحيى. حمحمت بصوتها حتى ينتبه لها. أشار بيديه.
- تعالي ياراند.
جلست أمامه دون حديث. طالعها وهو ينقر بقلمه على سطح مكتبه ثم نصب عوده ونهض متجها يجلس بمقابلتها.
- سؤال هسأله بس ياريت تكوني صريحة معايا.
- مين خطف أسما؟ انتي قولتي في التحقيقات إنك متعرفيش الولاد دي، وكمان المزرعة لحد من أصدقائك، إزاي طيب عزت يخطف أسما ومفيش بينهم معرفة؟
ارتبكت أولًا في حديثها، ثم طالعته مجيبة.
- أيوة أنا اللي خطفتها وأنا اللي عملت كدا، ماهو مش هسيبها تخطف جوزي وأتفرج عليها.
بلع ريقه بصعوبة متسائلًا.
فيه حد قرب منها.. توسعت عيناها بذهول وهي تهز رأسها رافضة سؤاله.
- ومال حضرتك خايف أوي كدا؟
بعد مرور عدة أيام ومازال الوضع بين راكان وليلى كما هو.
ذهبت ليلى لزيارة والدها بعدما رجع من السفر. جلست بجوار والدتها حزينة.
- مالك ياليلى؟ تساءلت بها والدتها.
رجعت بجسدها للخلف تتكأ بظهرها على المقعد قائلة:
- أنا وراكان مش متفقين خالص ياماما، واحتمال كبير نطلق.
شهقت والدتها قائلة:
- يالهوي إيه اللي بتقوليه دا؟ هو ميعرفش إنك حامل لسة؟
انسدلت عبراتها وهي تهز رأسها:
- لا ياماما معرفش ومش هقوله دلوقتي، عشان ميجبرنيش أقعد معاه.
جذبتها والدتها بعنف:
- اتجننتي ياليلى؟ انتِ واعية بتقولي إيه؟ دي عيلة البنداري تفتكري هيسيبوا أحفادهم يتربى بره؟
مسحت على ظهرها وتحدثت بحنان أموي:
- إيه اللي راكان بيعمله مزعلك حبيبتي؟ أنا شايفة الراجل كويس وبيحبك، أنا شوفت دا في عينه يابنتي، بلاش تخربي على نفسك.
هزت رأسها رافضة حديث والدتها:
- ماما لو سمحتِ، خليني أقرر حياتي زي ما أنا عايزة.
نهضت سمية غاضبة وهتفت بصياح:
- ليلى ولادك هيعيشوا في حضن أبوهم ودا آخر كلام عندي، يا إما لا انتِ بنتي ولا أعرفك.
أطبقت على جفنيها فنهضت متأهبة للخروج.
- خلي معاكي أمير لحد ما أروح مشوار وأرجع، وبعدين نتكلم.
خرجت متجهة للطبيبة النسائية. ترجلت من السيارة. وجدت آسر أمامها.
- ليلى!! بتعملي إيه هنا؟
تحركت من أمامه سريعا:
- أنا في مشوار، انت الي بتعمل إيه هنا؟
- كنت عند واحد صاحبي. دلفت إلى المبنى ثم توقفت.
- طيب أنا طالعة للدكتورة فوق، ممكن تمشي إنت؟
استدارت للمصعد ولكنها تفاجأت به يدخل معها قائلا:
- لا هروح معاكي، مالك تعبانة ولا إيه؟
زفرت غاضبة:
- آسر أنا رايحة لدكتورة النسا، هتيجي معايا بصفتك إيه؟
ضغط على زر المصعد قائلا:
- حتى ولو لازم أطمن عليكي، مش ينفع أسيبك لوحدك ودا آخر كلام.
توقفت أمام الممرضة تسأل عن الطبيب. جلست للحظات ثم نهضت. توقف حتى يدلف إلى الطبيب. نظرت إليه بغضب:
- أكيد مش هتدخل معايا، خليك هنا وأنا شوية وهخرج.
تدارك توترها فأومأ برأسه:
- تمام ادخلي وهستناكي.
دلفت إلى الطبيبة التي ابتسمت ونهضت تحييها.
- عاملة إيه ياليلى؟
هزت ليلى رأسها مبتسمة:
- دي انتِ اللي هتقوليها يانورة، عايزة أطمن على الجنين، معرفش المرادي غير المرة اللي فاتت يعني مفيش ترجيع ودايما عايزة أكل، هو دا طبيعي؟
اتجهت الطبيبة للكشف وهي تبتسم قائلة:
- كل حمل وليه اختلاف، بما أن المرادي مختلفة، يمكن المزاج عالي، أو نوع الجنين مختلف.
ابتسمت ليلى ساخرة:
- أيوة فعلاً المزاج عالي على الآخر.
بعد قليل اعتدلت والطبيبة تتحدث إليها:
- كل حاجة تمام، اهتمي بأكلك الصحي عشان خلاص داخلين على الشهر الرابع، وبقولك احتمال مش أكيد، المرة الجاية هيبان أكتر النونو تكون بنوتة قمر شبه مامتها.
لمعت عيناها بالسعادة وهي تضع يديها على أحشائها:
- وأنا نفسي في بنوتة أوي يانورة، مش مصدقة تيجي.
أخذت تعليمات الطبيبة وتحركت للخارج.
وجدت آسر ينتظرها وهو يتفحص هاتفه. تحرك بجوارها بصمت للأسفل ثم قطع صمتهم:
- مش غريب راكان يسيبك تيجي للدكتورة لوحدك؟
رمشت بأهدابها قائلة:
- آسر راكان ميعرفش بحملي، وأنا وهو هنطلق، بس بما فيه حمل مينفعش نطلق حالياً، فلو سمحت متدخلش.
تسمر بوقفته وهو يطالعها بغموض، ثم تحدث:
- راكان ميعرفش إنك حامل، وكمان هتطلقوا؟ بجد ياليلى؟ يعني هو هيطلقك؟
أمسك كفيها وابتسم:
- أنا موافق أتجوزك بالولاد ياليلى، بس اطلقي انتِ.
نزعت كفيها منه بعنف:
- انت اتجننت؟ مش معنى إني بقولك يبقى ناوية اتجوز تاني؟ وبعدين الحمل مش هيتخبى كتير، هقوله أكيد بس بعد ما نتفق على كل حاجة عشان ميرجعش في كلامه تاني.
أشارت بسبابتها:
- إياك تقوله من غير ما أعرفه، أنا قولتك عشان عارفة إنك هترجع لنورة وتسألها.
قالتها وتحركت متجهة لسيارتها سريعا.
مرت عدة أيام أخرى. استيقظت تشعر بألم أسفل بطنها. حاولت النهوض متجهة لعلاجها وأخذت مثبت حملها بعدما شعرت بألم شديد.
تذكرت حديث الطبيبة:
- داومي على مثبت حملك ياليلى، عشان التقلصات اللي بتشكي منها، بما إنك بتقولي مفيش علاقة زوجية يبقى الحمل ممكن نفقده، عشان كدا لحد ما ندخل الشهر الرابع هتاخدي المثبت.
أطبقت على جفنيها وهي تتمنى قربه الآن. لقد اشتاقت له حد الجحيم. مر أكثر من أسبوعين لم تراه، حتى شعرت بفقدانه لسنوات متتالية. رغم ما فعله معها إلا أنها ما زال قلبها ينبض له.
نهضت متجهة إلى غرفته بعدما فقدت سيطرة اشتياقها له، ولكنها عادت ولم تستطع الدخول بسبب ما فعله معها.
انسدلت دمعة غادرة بعدما خانها قلبها مشتاقاً إليه بهذا الحد. وضعت يدها على أحشائها:
- شوفتي بابي بيعمل في مامي إيه؟ مش مصدقة تيجي عشان نربيه؟ أبوك بتاع الستات.
ابتسمت حينما تذكرت حديثه على هاتفه قبل مقابلتها الأخيرة له:
- انت اتجننت ياحمزة؟ بتقول إيه؟ لا طبعاً ليلى مهما تعمل هتفضل ليلى اللي حبها مالي قلبي وحياتي ومستحيل أخونها، أنا بس بحرق دمها.
أطلق ضحكة صاخبة وأكمل حديثه لصديقه:
- أيوة كدا بالظبط زي ما بتقول بعشقها وهي عاملة تنينة ومتعفرتة عليا.
خرجت من شرودها تنظر للغرفة بحزن، ثم تنهدت بوجع متذكر آخر حديثه وهو يتحرك للسفر:
- هسافر كام يوم خروج برة، لا، تفضلي هنا لحد ما أرجع، وآه كمان عشان مترجعيش تصوتي في وشي وقت ما أرجع هتجوز نورسين، وحياة ربنا لأتجوزها ياليلى، ودا مش تهديد قد ماهو وجع منك.
قالها ثم تحرك من أمامها دون شيئاً آخر.
خرجت من شرودها مع انسدال عبرة غادرة على وجنتيها. ظلت لبعض الدقائق ثم اتجهت لغرفتها بعدما استمعت لقرآن الفجر. دلفت إلى مرحاضها وقامت بالوضوء متجهة لركنها الأساسي إلى الصلاة. سجدت لربها تبث شكواه للحي القيوم الذي لا يغفل ولا ينام.
ظلت لفترة بالسجود وهي تدعوه ببكاء قلبها قبل عيونها.
انتهت ليلى من صلاة الفجر وجلست كعادتها تتلو وردها اليومي بعد قراءتها للأذكار الصباحية ثم نهضت تتنفس بهدوء جمال الطبيعة حولها.
كان المنظر الرباني حقاً رائعاً للقلب قبل العين. قطرات الندى التي تغطي أوراق الشجر وتبدأ التلاشي بشعاع الشمس. وقفت بعد الانتهاء تنظر للزروع التي تحاوط القصر من كل مكان، تتنفس نسيم الصباح بنداها الطيب. لم تحب في هذا القصر سوى المساحات الخضراء الكثيرة التي تحاوطه.
أمسكت دفترها وبدأت تدون به بعض الجمل التي تشعر بها:
"لا بأس أيها العاصي.. مرحبا بحياة.. نلتقي فيها.. كل يوم ألف مرة.. دون لقاء..!!"
"حقاً لا شيء أسهل من الكراهية.. أما الحب فهو يحتاج نفوساً عظيمة.."
قطع اندماجها بالكتابة إشعار رسالة وصلت لهاتفها. أمسكت الهاتف تنظر من الذي راسلها بهذا الوقت المبكر. نهضت كالملدوغة وأحست بغصة بحلقها تمنع تنفسها عندما وجدت بها:
"ليلى لو مش عايزة راكان يعرف إنك حامل وممكن يقتلك لازم نقعد مع بعض ونتكلم وعلى ما أعتقد إنك مؤمنة وعمرك ما تفكري تنزلي البيبي..."
لونت الصدمة وجهها ونظرت حولها كالذي يُسحب على المشنقة.
جلست وعيناها تحجرت بالدموع عند ذكراها لآسر عندما وصلت إلى سيارتها جذبها بعنف ونظر إليها:
- لازم تطلقي من راكان، أنا مكنتش أعرف جوازكم حقيقي صدمتيني، كنت مفكر إنه متجوزك عشان ابن أخوه، بس دا راكان البنداري برضو، عمره ما يسيبك، واللي فهمته من حالتك دي يبقى الحمل دا جه في وقت غصب عنك، وإنك مش عايزة تعرفيه.
دنا يحدجها بمغزى قائلا:
- لو مطلقتيش منه ممكن ألعب عليه ياليلى وأشكك فيكي، وقبل ما تتكلمي دا من حبي فيكي أنا أولى واحد بيكي.
صفعته بقوة على وجهه وأشارت بسبابتها:
- انت حيوان يا آسر.
قالتها واستقلت سيارتها تتحرك بها ودموعها تنسدل بقوة على وجهها وهي تقرر أول شيء ستفعله، إنها تخبره بحملها.
أزالت عبراتها وتهكمت على الشخص الذي اعتقدت إنها تستمد قوتها وحمايتها منه، واعتقدت إنه ملاذها الأول، ولكنه صفعها بشدة كما صفعها القدر سواء من زوجها الراحل أو من زوجها الحالي، ليظهر وجهه كذئب بشري أودى بها لغياهب الجب.
مسحت عبراتها التي انسدلت على وجنتيها تحرقها كما تحرق النار سنابل القمح. أمسكت هاتفها وجسدها يترنح تلعن اليوم الذي فعل بها ذلك ثم هاتفته صارخة به:
- انت عايز مني إيه؟ مش كفاية اللي حصلي بسببك.. بتهددني براكان؟ الله ياخدك انت وهو في لحظة واحدة.. ربنا ينتقم منكم.. وهنزل الولد.. يارب تكون مرتاح.
قالتها بقهر وعجز في آن واحد. لم تعطيه فرصة للرد وأغلقت الهاتف ثم وضعت يدها على أحشائها وهي تبكي بنشيح.
- أعمل إيه يا ربي في المصيبة دي.. أكيد مش هيوافق يطلقني بعد مايعرف، ولا ممكن ياخد مني ولادي؟ آه.
قالتها عندما شعرت بعجزها. فقد فعل بها القدر وأسقطها في بئر مظلم لا نجاة منه وهي مكبلة الأيدي.
ظلت على حالتها لبعض الوقت إلى أن استمعت لطرقات خفيفة على باب غرفتها. وإن دلت خفتها فتدل على صاحبتها بحيويتها وجمال روحها وابتسامتها الخلابة. سمحت بالدخول بعدما أزالت عبراتها.
دلفت سيلين بمرحها كالفراشة وابتسامتها العذبة تزين ثغرها:
- صباح الخير يا لولة.. أنا قولت أكيد صاحية.
رسمت ابتسامة على وجهها لم تصل لعيونها بعدما شعرت بانهيار قواها الداخلية فأجابتها بتقييم فتساءلت:
- انتِ كنتِ بتعيطي ياليلى؟
هزت رأسها بالنفي وهي تتجه لابنها بعدما استيقظ وأجابتها:
- مش العياط اللي في دماغك.. أنا بس بابا وماما وحشوني أوي وطبعاً أخوكي اللي معرفش مستحملينه إزاي.. محاوطني سجن من حديد.
كانت إجابة واهية كاذبة علها تهرب من تساؤلات سيلين.
ربتت سيلين على ظهرها فهي تشاطرها أحزانها فتعثرت الكلمات عند شفتيها ولا تعلم كيف تخفف عنها. تنهدت وهي تنظر لذاك الطفل.
ظلتا الاثنتين صامتين لبعض اللحظات. أخرجهما من صمتهما "أمير" الطفل الذي يبلغ من العمر سنة ونصف شهور وهو يتحدث بكلمات طفولية:
- ماما.. ماما.. سين.. سين..
اتجهت سيلين إليه تحملة وتقبله من وجنتيه:
- قولي أعمل فيك إيه؟ عايزة أكلك يا ولا يا أمير.
اتجهت بنظرها تطالع ليلى فتحدثت علها تخرجها من حالتها الحزينة فناغشتها:
- معرفش ليه حاسة أمير قلب لعمه راكان.. حتى شوفي عيونه بقت تهبل وتجذب زي عمه.
برقت ليلى عيناها وهي توزع نظراتها بين سيلين وأمير وشعرت وكأنها أسقطت دلواً من الماء المثلج فوق رأسها ببرودة شديدة.
جذبت أمير تحدق نظراتها به وداخلها رجفة تسري بجسدها من اشتياقها الكامن له، ثم دفعت سيلين بيدها بوهن وهي تتمتم بلسان ثقيل كأنها تتعلم الحديث:
- انتِ بتفرسيني ياسيلين.. وعايزاني أكره الولد...
بتشبهي ابني بالتنين المجنح دا.
قهقهت سيلين عليها وأمالت بجسدها تحدقها بغموض:
- بقى راكان اللي سيدات مصر كلها يتمنوا منه نظرة واحدة تشبيه بالتنين يالولة.. والله قلبك قاسي أوي أوي.
اشتعل غضبها من حديث سيلين فرمقتها بنظرة تحذيرية.
- بالله عليكِ مش عايزة صباحي ينتزع على الصبح.. في سيرة اسم الله عليه أخوكي دا.. وبلاش تجيبي سيرته مع إنه مسافر ومرتاحة منه.. بس ممكن تلاقيه ناططلي هنا بيجي على السيرة زي الشيطان لما بيجي على المزمار كدا.
ضحكة صاخبة أفلتتها سيلين من فمها حين استمعت لحديث ليلى.. فجلست تمسك بطنها من كثرة ضحكاتها.
أخرجت ليلى زفرة حادة وهي ترمق سيلين.
- بطلي ضحك يابنتي.. وأحمدي ربنا إنه مش موجود.. مش بقولك ياجمال الحياة وهدوئها.. طيب تصدقي بالله أنا بشعر بالراحة زي صفاء المية في البحر الأحمر كدا.. وانت بتشوفي فيه جميع الشعاب المرجانية.. واخوكي مش هنا.. يالهوي دا عليه تناكة إلهي يعدمها ياشيخة.. وكل شوية ستات مصر بتجري عليه.
وضعت سيلين يديها على فمها حينما شعرت بتوقف قلبها من كثرة ضحكاتها.
نهضت سيلين وهي تراقص حاجبيها مردفة مما جعلها كالكتكوت المبلول.
- لولة.. راكان تحت وعايز يشوف أمير... ثم تلقفت الطفل من يديها وهي تطالعها بشقاوتها:
- هاخد أمير لراكان.. صحي من النوم وبيسأل عليه.. وإنتِ اجهزي وانزلي يازوجة راكان البنداري اللي هتجنن بسببكوا إن شاء الله.
صاعقة قوية ضربت قلبها فبعثرته لأشلاء.
وبعينين زائغتين وقلب فتته الوجع من شدة قساوة قلبه الذي بدأ يتعامل معها به طالعتها وهمست بتقطع:
- هو جه..
أشفقت سيلين على حالتها كثيرا فهزت سيلين رأسها ترأف بها فتحدثت سريعا:
- ليلى أنا معرفش ايه اللي حصل بينكم بس حاولي تقربي من جوزك.. هو مبقاش بيقعد في البيت خالص.. شوفي إيه الغلط وصححيه.
رغم كلمات سيلين البسيطة التي قالتها إلا أنها نجحت بإخراج نيرانها فأردفت:
- اخوكي عايز يدفني بالحياة وبس ياسيلين.. تصدقي بقيت أكرهه.. ولو اتجوز زي مابيقول صدقيني هاخد ابني واهرب.
ربتت على كتف سيلين وأردفت:
- سيلين متزعليش مني بس أنا بجد بموت من عمايل راكان. بيحاول يدوس عليا بكل قوته.
نظرت بعيونها وأكملت.
- ياريتني كنت زيك وبعدت عنه. يابختك قدرتي تبعدي عن يونس.
أشفقت عليها حينما وجدت عبرات متكورة بعيناها.
- بتحبيه ياسيلين؟ يعني بتحبي يونس؟ وواثقة إنه هيتخلى عن حياته عشانك؟ لو مش واثقة ابعدي. عشان هتتعذبي زي بالظبط. مش هتقدري تتخيلي يكون قريب من واحدة غيرك.
تراجعت سيلين خطوة للخلف وهي تهز رأسها.
- عندك حق ياليلى.. علشان كدا أنا بعدت عنه فترة. بس بجد مقدرش أعيش من غيره.
- سيبك من يونس وحاولي تصلحي حياتك مع راكان.
- إن شاء الله. ربنا يسهل.. قالتها ليلى.
دفع الباب بقوة فدخل بهيبته وهيئته الجذابة وعطره الذي تسلل لرئتيها.
ثارت زعابيب غضبها فأردفت تطالعه بعينان تطلق شرزا.
- هتفضل لحد إمتى تدخل بالطريقة الهمجية دي.
رمقها بنظرات نارية لو تحرق لأحرقتها بالكامل. دارت عينه لأخته وتحدث بهدوء مميت:
- ساعتين عشان تجيبي الولد ياسيلين ولا المدام رفضت.
هزت سيلين رأسها وهي تطالع ثوران ليلى وغضبها فتحدثت:
- لا ياآبيه دا كان نايم وبنصحيه.
أشار بيديه وتحدث:
- سيلين انزلي بأمير. قالها من بين أسنانه.
خطت سيلين وهي تحمل الطفل بين يديها ولكنه أوقفها وتلقفه بين يديه يقبله.
- حبيب عمه عامل إيه... وحشتني يااميري.
أمسك أمير لحيته الكثيفة وهو يتمتم:
- بابا.. بابا..
طبع قبلة مطولة وعيناه على التي تطلق شرزا والغضب يتملكها.
ناوله لأخته وأشار بعينيه للخروج.
غادرت سيلين الغرفة بينما تسنمّرت ليلى بمكانها تستجدي طريقة تحاول التملص من قبضته ورائحته.
أوشكت على الالتفات فوجدت قبضته القوية التي أوقفتها بمكانها وعيناه تبحر فوق ملامحها وهو يزمجر:
- أنا مش مليون مرة أقولك ماتتكلميش معايا بالطريقة دي. نسيتي إنك لسة مراتي وأدخل في أي وقت. إيه عايزاني أستأذن قبل ماأدخل أوضتي. ليه دايما بتخليني أتعصب.
تصاعد غضبها للحد الذي جعلها تنفض يديه بعيدا عنها وتقول:
- أنا مش مرات حد. متنساش إننا هنطلق. ودي أوضتي أنا. خليك في نذواتك وأبعد عني.
برقت عيناه لقد تجرأت على كبريائه للمرة التي لم يعد على إحصاها. فشعلت كلماتها جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه. فخطى إلى أن توقف أمامها ودنى منها حتى اختلطت أنفاسهما.
- لا مراتي ياهانم. لحد دلوقتي انتِ في حكم مراتي. قدام الكل. بدل ورقة طلاقك مش في إيدك. بس طبعًا بينا ولا تهميني ودا غصب عنك مش براضيكي. ولو كنتِ نسيتي أفكرك. ودلوقتي لازم تجوبيني.
- خرجتي من يومين وكسرتي كلمتي ليه؟
قالها عندما جلس على الأريكة يضع ساقا فوق الأخرى وقام بإشعال تبغه الغالي ونفثه وهو يقيم حالتها.
بللت حلقها تحاول أن تجيبه برد مقنع حتى لا يشك بها. فهي تعلم إنه سيعلم.
- كنت تعبانة ولازم أشوف دكتور. قالتها وهي تفرك يديها وتهرب من نظراته.
توقف يدور حولها ونظراته مثبتة يحدقها بتمعن. لهجتها المتقطعة وعيناها الزائغة. جعلت الشك يتسرب لقلبه فتحدث:
- ودكتور النسا دا معرفة آسر برضو.
أفلتت شهقة من جوفها فلقد بلغ الغضب ذروته فلم تعد تستطع حديثه المسموم الذي أصاب احترامها. لذا أشتد صوتها وذادت حدتها فصرخت:
- احترم نفسك إحنا اتقابلنا صدفة وعلى ما أعتقد اللي سايبه يراقبني قالك. ألقت كلماتها بملامح مرتجفة وعينين تهتز من ثقل العبرات المحجرة بها.
- والله والمفروض أنا الأهبل أصدق صح.
بداخله نيران تغلي وتحرق أوردته حينما علم بمقابلتها بذاك الآسر الذي يود لو يخنقه ويلقيه صريعًا.
- ماهو مش معقول تقابلي الأستاذ صدفة وكمان يطلع معاكِ لدكتورة نسا. دكتورة نسا مع راجل غريب يامدام. وكمان قريبتكم. قالها عندما تحولت عيناه لجحيم من النيران وبدأ يركل كل مايقابله.
رمقها بنظرة حارقة وأردف مسترسلا.
- أنا مراتي تروح مع راجل غريب لدكتورة نسا. ليه مش متجوزة راجل؟ وكمان راجل بيحبها وعايز يتجوزها.
جذبها من رسغها.
- انت بتضحكي على مين بالضبط؟ اوعي تفكري اني ممكن أطلقك عشان. الحقير دا. طيب مفيش طلاق وخليكي كدا في البيت هنا ولا متجوزة ولا مطلقة.
راكان لو سمحت بلاش تكرهيني فيك.
أطلق ضحكة صاخبة وأشار على نفسه.
- تكرهيني؟ ليه حد قالك انا طالب حبك؟ فوقي من الوهم دا. انتِ زيك زي اي واحدة عجبتني وقعدت معاها شوية وانتهينا. بس الفرق بينكوا إنك ام لابن اخويا.
اقتربت منه تلكمه بصدره وتحدثت بنيران قلبها.
- اخرص. أنا مش زي حد. سمعت.
سحب نفساً من تبغه ونفثه بوجهها وهو يتلذذ بغضبها قائلا.
- طيب جاوبي يامحترمة ابن عمك كان بيراقبك من وقت ماخرجتي من بيت ابوكي. ياترى بعلمك ولا لا.
اتجهت إليه وطالعته بغضب أنثى داس بكل جبروت على شرفها.
- "أخرص" مفكرني واحدة زي نزواتك. قالتها وهي تدفعه بكل قوة وتنظر إليه بإشمئزاز فقد كانت كلماته كنصل سكين بارد تبتر عنقها ليجعلها تموت بالبطئ.
أمسك ذراعيها يعقدها خلف ظهرها ودنى يهمس بجوار اذنها فتقابلت عيناه التي بلون شعاع الشمس وهي تطلق كرات ملتهبة لسواد ليلها الذي القته كتعويذة على قلبه. خرج من سواد عيناها وناظرها بجمود.
- نزواتي... على الأقل دول ستات معرفين بيعملوا إيه. إنما المدام اللي تروح مع راجل غريب عند دكتورة نسا نقول عليها إيه.
صفعة قوية هوت على خديه وصرخت.
- اطلع بررررة مش عايزة اشوف وشك.
اقترب يجذبها من رسغها.
- من الأخر كدا مفيش طلاق. إلا لما يكون عندي مزاج. دا لو هطلقك. أما عن القلم اللي ايدك الحلوة دي علمته على وشي مش هنساه. احمدي ربنا إنك مراتي. وإنك ست. دا اللي شفعلك عندي. لأن من قوانيني ممدش ايدي على واحدة ست. فتخيلي بقى مش أي ست لا دا مراتي. وحطي تحت مراتي دي مليون خط. بس مش معنى كدا مش هعرف أخد حقي.
دنى حتى لامس شفتيها وأكمل.
- انتِ مغلطيش بس يالولا... لا دا انتِ اتجاوزتي حدودك... جبتي أخرك معايا يا ليلى راكان البنداري. افتكري اللقب دا كويس لأنه هو اللي بيشفعلك في كل مرة. بس احترسي رصيدك خلص بالكامل.
طالعته بأعين مرتجفة وجسد هاوي محاولة استيعاب مدى قسوته واهانته لها.
ورغم أنها في موقف الضعف إلا أنها تحدثت كقطة شرسة.
- متخفش اسمك محفوظ بعيد مش حبا فيك ياديستينجويشنج. لا بس علشان مش عايزة افتكر اسمي مرتبط بشخص زيك عايزة أفقد الذاكرة ياسوبر مان.
صمت يطالعها بنظرات كالذئب وكأنه لم يستمع لماقالته او كأنه ادعى ذاك. كانت عيناه على شفتيها التي تشبه حبة الكريز وهي تحركهم بحديثها ود لو تذوقهم بتلك الأثناء حتى لو بها سما. فالسم لديها كترياق له.
دنى مرة أخرى إلى أن اقترب من شفتيها يهمس.
- متخلنيش اوريكِ المميز والسوبر مان يعمل فيكِ إيه. هنفذ كلامي اللي قولته قبل كدا وخصوصا بحالتك دي.
شعور مقيت يجعل دقاتها تتقاذف بين ضلوعها من قرب أنفاسه التي تحرق رئتيه دون رحمة. تقابلت نظراتهما. هو بتمنيه قربها وهي بنفورها من نفسها بسبب سيطرته الطاغية لروحها.
لحظات فقط كفيلة لتغرق كل واحدا بجبروت عناده. أكمل وعيناه مثبتة بعينيها.
ثم سحب نفسا وطرده حتى لافحت أنفاسه وجهها وأستطرد.
- خليني بعيد عنك ياليلى لو سمحت. مش عايز أذيكي وترجعي تكرهيني تاني. لو سمحت. متخرجيش الوحش اللي جوايا ناحيتك.
اللعنة على صوته الذي ذبذب جسدها بالكامل. وهمسه الهادئ بأسمها. ارتجفت شفتيها تحاول الحديث. ولكن حروفها قد هربت بالكامل. انتشلها من سيطرته الطاغية وأنفاسه القريبة ونظراته التي خدرتها بالكامل. طرقات الباب.
اعتدل تاركا إياها. محاولا السيطرة على نفسه فخرج صوته متزنا بعض الشئ.
- ادخل.
دلت العاملة وهي تتحدث بوقار لشخصه.
- توفيق باشا والعيلة كلها وصلت يافندم. والست زينب بعتتني عشان الست ليلى تنزل.
أشار بكفيه بإنصرافها. فتحركت العاملة سريعا وعيناها تلازم الأرض. ثم استدار للتي جلست على الفراش تهرب بنظراتها في كافة الإتجاهات.
- مسمعتيش قومي اجهزي. عشر دقايق والأقيكي تحت وإياكي تتأخري. وقتها هطلعلك وبلاش اكملك.
تحرك خطوتين فتوقف عندما تذكر شيئا.
- آه بلاش تحتكي بسارة وسلمى نهائيا. قالها وهو يغادر بخطواته المهرولة كأنه ينأى بالهروب بعيدا عن عيناها.
أخيرا استطاعت التنفس الذي سحبه بالكامل من حولها. وقفت تضع يدها على صدرها وهي تحادث نفسها.
- وبعدهالك ياليلى هتفضلي لحد إمتى كدا. لازم تخلصي منه ومن كل اللي يربطك بيه.
وضعت يديها على أحشائها.
- وإنت كمان هخلص منك إزاي. يارب ساعدني. قالتها بقلبا يأن وجعا.
بعد قليل هبطت إلى غرفة الطعام التي تضم العائلة بأكملها. بهيئتها الخاطفة للقلوب بفستانها الأبيض الذي يصل لكاحلها بنقوشه الزرقاء التي بلون السماء. رمقها الجميع بنظرات منها الحنينة ومنها نظرات كره وغيرة. كان الجد توفيق يترأس الطاولة وبالمقابل أسعد وبجواره اخواته وزوجاتهم وأولادهم.
- صباح الخير. قالتها ليلى بهدوء.
- صباح النور ياحبيبتي تعالي اقعدي جنب جوزك.
هزة عنيفة أصابت جسدها عندما خصتها زينب بزوجته بعدما صار بينهما.
رمقها الجد بسخرية وأردف:
- تعالي اقعدي شوية قبل مامراته الجديدة تستحوز على المكان.. مع أنه مش ملكك من الأول.
أخذت جرعة كبيرة من الهواء تحبسه بداخلها علها تهدئ من نيران الغضب الممزوج بالحزن الذي ظهر على ملامح وجهها وعيناها التي رمقته وهو يتناول طعامه بهدوء وكأنه لم يستمع لحديث جده.
ابتسمت سلمى بحبور وهي تطالع ليلى التي مازالت واقفة وأجابت جدها:
- قولها ياجدو.. وعرفها إن نورسين مبتحبش اللي يقرب من ممتلكتها.
جذبت ليلى المقعد بعنف عندما شعرت بإنهيارها وجلست بجوار سيلين وتحدثت:
- لا نورسين ولا غيرها. خليها تيجي وتاخد القصر باكمله... أنا هنا عشان ابني وبس.
أومأ الجد برأسه وطالعها بغموض:
- برافو عليك. خليكي دايما متذكرة كدا.. إنت هنا عشان أمير ولا إيه يا راكان.
استدار راكان لجده:
- عارفين الموضوع دا وحفظينه ليه دايما بتحسسنا إننا في حصة وبتسمعلنا الدرس.
غيره ياتوفيق بيه.. قولي إيه سبب الجمعة الحلوة دي هو مكنش يوم الجمعة ولا أنا غايب بقالي سنين وغيرت النظام.
إذداد غضب توفيق واستشاط داخله فرمقه قائلا:
- هشام النمساوي اتصل وقال نحدد فرحكم قبل إجتماع مجلس الأدارة.. وطبعا أنت عارف يقصد أيه.. إحنا عايزينه شريك للمشروع الكبير.
أنهى طعامه واتجه إلى يونس وتسائل:
- هو نوح مش بيحضر الإجتماعات ولا إيه.. مال النمساوي بإجتماعات الشركات وبعدين حضرتك دخلت يحيى الكومي قبل كدا ودلوقتي النمساوي.. ايه ياباشا عايز تاخد اقتصاد البلد كلها.
قوس فمه وأكمل:
- على فكرة تفكير غبي.. لأنك كل مالحاجة تبقى بتعتك لوحدك أحسن من الشركاء. وبعدين نسيت انك مريض.
اظلمت أعين توفيق وارتسمت عيناه بنظرة قاسية:
- أنا اللي هوطدت العلاقات بينا.. وكدا كدا إنت هتتجوز بنته فعادي أنه يحضر.. غبي ولا غيره.. انت مش عندك شركاتك مالك ومال شغل العيلة ولا عشان نصيبك الأكبر هتتفرعن على جدك ياحضرة النايب زي كل مرة. وبعدين انا متابع مع الدكتور مالكش دعوة بمرضي.
زفر بهدوء محاولا السيطرة على غضبه عندما حثته والدته بعينيها بعدم الغضب.
- تمام ياتوفيق باشا اعمل اللي حضرتك عايزه شغلكم ماليش دعوة بيه.. والفرح حدد عليه معنديش مانع.
قالها وهو يرمق تلك التي جلست تتلاعب بطعامها بعينين تقطران الما وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل لروحها.
قاطعهم دلوف نورسين:
- جود مورننج جدو.. جد مورننج للجميع.
اتجهت لراكان:
- حبيبي حمدالله على سلامتك وحشتني أوي.
قالتها عندما قبلته على وجنتيه.
أشار توفيق على المقعد الذي يجاور راكان:
- صباح الخير ياحبيبتي.. اقعدي بنت حلال كنا لسة بنجيب في سيرتك.
طالعت راكان وأردفت:
- إيه ياراكي.. أوعى تكون كنت بتقول لجدو إني وحشتك.
ابتسم بجانب فمه بسخرية، فأجابها دون النظر إليها وتحدث:
- ايوة طبعا ياحبيبي كنت بقوله نورسين دي مفيش زيها وحشتني لدرجة هنعمل الفرح بعد اسبوع.
هنا رفعت ليلى عيناها سريعا إليه فتلاقت بعيناه. شيعها بنظرة خبيثة واكمل:
- كفاية تأجيل..إحنا كنا هنتجوز من فترة لولا موت سليم الله يرحمه.
رمقت نورسين ليلى فاستطردت قائلة:
- وياترى ليلى هتفضل معانا فوق..سوري لكن من حقي ياجدو..مش كدا ولا إيه.
حمحم راكان وطالع ليلى مردفا:
- مدام ليلى أصلا مش هتكون موجودة في إسبوع الفرح.. معنديش مانع لو عايزة تقضي أسبوع الفرح في بيت المزرعة واكيد مش هعرفها الجو هناك بيكون عامل إزاي الأيام دي.
كان واقع كلماته على مسامعها كصدى صوت رعد بليالي الشتاء القاسية بعواصفها. لم يرحم قلبها فأكمل:
- مش عايز الناس يفهموا علاقتنا غلط.. وجودك هيصير الشك.. ودا عكس شخصيتي أبين حاجة وأعمل حاجة تانية.
أستقرت كلاماته القاسية وسط قلبها فمزقته لأشلاء حتى شعرت بآلالاما شديدة بأنحاء جسدها مما جعلها تتشبث بيد سيلين بجوارها.
طالعتها سيلين وهمست إليها:
- إنت كويسة. هزت رأسها وغشاوة من دموعها احتجزت بعينيها منعتها من التحرر ولكن اكمل ماهشم الباقي من كرامتها حينما أردف:
- ماما ممكن تنقلي ليلى وأمير للجناح التاني عشان حضرتك عارفة نورسين وغيرتها وأنا مش عايز دوشة حريم.
قبلته نورسين مرة أخرى على وجنتيه أمام الجميع، وهمست له:
- راكي خلص فطارك بسرعة عندنا فسحة هتغير مود الشغل اللي خطفك مني بقاله اسبوعين.
رفعت نظرها وعبرة غائرة انسدلت عبر وجنتيها مسحتها سريعا حتى لا يرى ضعفها فأجابته وهي توزع نظراته عليه وعلى نورسين:
- أنا اتكلمت مع طنط زينب من فترة كبيرة من بعد موت سليم وحضرتك رفضت.. يعني أنا اللي طلبت من الأول.. ودلوقتي مستحيل اخرج من جناحي دا بتاع جوزي واللي مش عاجبه ممكن ينقل في مكان تاني.. ووقت مايجيلي مزاج ياحضرة النايب أنقل هنقل مش هستنى حد يتآمر عليا.
ذهل الجميع من شراسة حديثها بل شعر بصفعة مدوية فاتجه بنظره لوالدته:
- كلامي ينفذ ياماما.. سليم مات ومش موجود بينا ودلوقتي مينفعش.
قاطعته عندما هبت كالملسوعة توزع نظراتها بين الجميع:
- سليم مات عندكم بس.. لكنه لسة عايش جوايا.. عايش في ابنه دا.. مش من حق حد فيكم يجبرني على حاجة مش عايزاها... أنا اتجبرت مرتين ياحضرة المستشار.. المرادي لا.. دا حق ابني احنا هنا اللي لينا الحق الأكبر.
وقف أسعد محاولا هدوئها:
- ليلى حبيبتي اقعدي يابنتي هنعمل اللي أنت عايزاه.
- ازاي ياأسعد!!
أردف بها توفيق بقوة.
- هتسمع كلام أرملة أبنك. رمقها الجد واردف:
- إنت بأي حق تتكلمي كدا.. نسيتي نفسك.
عايزة تحطي نفسك بنورسين.
إلى هنا وقد طفح الكيل وصرخت كالذي مسها مس جنيا وضربت على طاولة الطعام:
- أنا فعلا مش زي حد.. وعشان كدا خلي حفيدك المغرور دا يطلقني ويتجوز سليلة الشرف والنسب.... أنا مش عايزة اعيش هنا ادوني ابني خلوني امشي.
هب كالملسوع ورفع سبابته أمام وجهها قائلا بنبرة آمرة:
- مفيش خروج من البيت دا بأمير إلا بأمر مني..ومتنسيش حضانة الولد معايا... عايزة تمشي اتفضلي الباب مفتوح. غير كدا مسمعش صوتك.
تساقطت دموعها بقوة عبر وجنتيها وهي ترمقه بنظرات إحتقارية ثم تحدتث بصوتا مرتجف:
- أن شاء الله تتعذب في حياتك ياراكان وتتوجع زي ماوجعتني كدا.
ضرب الجد بعصاه الأبنوسية على الأرضية:
- احترمي نفسك يابنت المحجوب متنسيش نفسك واعرفي إن اللي بتغلطي فيهم دول يبقوا إيه.
ظلت مسلطة بصرها تنظر إليه ببغض شديد. استدار لجده والغضب استحوذ عليه كليا وصاح:
- متنساش أن دي مراتي ياتوفيق باشا..ومش معنى اني ساكت يبقى تهنها اللي يغلط فيها كانه بيغلط فيا.
صفقت ليلى بيديها فلقد فقدت السيطرة بالكامل حينما دعسوا على كبريائها:
- لا برافو.. زادني شرف والله ياحضرة النايب. اتجهت إليه تدفعه بيديها:
- أنا مش مرات حد.. واعرف اخد حقي كويس. اتجهت بنظراتها لنورسين:
- هو على بعضه مايلزمنيش ياحبيبتي.. ولو فعلا شايفاه راجل ويستحقك خليه يطلقني.
توقف مجرى الدم بعروقه وتثلجت أوصاله حينما ألقت سهامها وداست على رجولته بكل جبروتها. أستدار إليها وجذبها من رسغها:
- اقعدي واسمعي آخر الكلام يابنت الناس... انا بحاول اتغاضى عن كلامك مش عشان انا مش راجل.. ابدا.
تنهد واخذ نفسا فأكمل:
- علشان اخويا المرحوم اولا..وعشان إنت مراتي.... فبحاول مغضبش عليكي ياليلى مطلعيش الغضب ال جوايا.. صدقيني هكرهك في نفسك.
- إيه ياراكان مش أنت من شوية كنت بتقولها هعمل واسوي ماترسى على حل يابني. قالتها فريال وهي تنظر اليه بسخرية.
نهضت ليلى من مقعدها سريعا، تحتضن ابنها الذي بكى من أصواتهم المرتفعة.
صاح راكان بغضب على مربيته:
- خدي أمير.
ضمته ليلى لأحضانها:
- لا محدش هياخده مني.
سحب الطفل منها بقوة وصرخ:
- خدي الولد اوضته وبعد كدا ممنوع يبات مع والدته.
نفذت المربية أمره سريعا.
انتفضت ذعرا تقول بفزع:
- متبعدش الولد عني ياراكان لو سمحت.
جلس وكأنه لم يستمع لتوسلاتها.
اتجهت بعيناها تراقب ابنها الذي صدح بكائه بالمكان حتى اختفى ثم استدارت تصلب انظارها تستجديه بعيناها علها تجد بهما رأفة لحالها. ولكن كيف وهو الذي أوجع وأبكى قلبها وأدماه منذ لقائهما الأول.
سحب كف نورسين التي جلست تطالع الجميع بصمتا مريب وتحرك بعض الخطوات.
شعرت بآلالاما تنخر بجسدها وشيئا ما يسقط من بين ساقيها. ضغطت بقوة على يد سيلين التي تسائلت:
- ليلى مالك.
انتبه الجميع لحديث سيلين.
اتجهت لتحركه تطالعه بنظرات متألمة. رمقها سريعا وتحرك خطوة وهو يردف:
- ماما متعملوش حسابي النهاردة مش هرجع.
هنا شعرت بآلالاما أشد قوة فخار جسدها وضعف حتى هوت جالسة تأن وجعا وتصرخ.
دنى يونس إليها عندما وجد تعرقها وأنينها. جلس بمقابلتها وأردف متسائلا:
- مالك يامدام ليلى. قالها عندما تغير ملامح وجهها وتحوله لشحوب كشحوب الموتى. أمسك كفيها ليرى نبضها. ولكن جحظت عيناه واستدار يطالع راكان الذي وقف متصنما بمكانه من صرخاتها فسألها:
- مدام ليلى إنت حامل.
تساقطت دموعها بغزارة تحرق وجنتيها كلهيبا يقضى عليها.
فهمست عندما فاق الألم تحملها:
- الحقني يايونس أنا بنزف.
رجفة قوية أصابت جسده فعقد حاجبه يفهم سؤال يونس ومعنى حديثها:
- همست ليلى أنا حامل. قالتها ودموعها أغرقت وجنتيها بالكامل.
صدمات وشهقات وهمهمات من الجميع عندما استمعوا لحديثها. بينما ذاك الذي تصنم جسده وكأن أحدهما سكب عليه دلوا من المياة التي وصلت لدرجة غليانها حولت جسده كحمم بركانيه.
اتجه ليونس كالضائع بغيبات الجب واستمع لسؤاله عندما ازدادت سوء حالتها وبدأت قواها تتهاوى بفقدانها للوعي:
- ليلى انت حامل في الشهر الكام. تسائل بها يونس الذي بدأ يقيس ضغطها ونبضها.
اطبقت على جفنيه متألمة وكأن روحها تنسحب منها وغمامه سوداء تطاردها فهمست:
- التالت.
لم تكمل كلمتها فسقطت بين ذراعي يونس فاقدة للوعي. نظر يونس تحتها وجحظت عيناه من آثار الدماء التي لطخت فستانها الأبيض فصاح بأخته وهو يحملها متجها لغرفتها:
- سلمى هاتي لي شنطتي بسرعة.
بينما سيلين التي وقفت كالمتصنمة تبكي على وضعها. الكل بدأ ينظر إلى راكان. هناك نظرات شفقة وهناك نظرات شماته. ولكن عنده لقد هوى قلبه وزهقت روحه تمنى لو صرخ من أعماق قلبه حتى ينقطع نفسه. أومأ رأسه رافضا حديثها بقوة، وشعور بفقدان وعيه. نظر بضياع حينما أردفت فريال:
- ايه ياراكان أرملة اخوك اللي ميت بقاله أكتر من سنة ونص حامل إزاي.. وأحنا كلنا عارفين طبيعة جوازكم.
هنا لم يجد كلمات تعبر عما يجيش في صدره من آهات صارخة.
تحرك يونس خطوتين وهو يحملها بين ذراعيه متجها لغرفتها.
هب فزعا وكأن صراخ سيلين بأسمها ايقظه من صدمته فهرول يلتقطها من بين ذراعه وصاح بغضب:
- رايح فين.
- أنا هوديها المستشفى. قالها وشعور الأختناق يعيق خروج تنفسه كيف يتنفس وصفعات القدر المتوالية لم ترحمه.
خطى يونس بها للخلف وهو يضمها حينما وجد الغضب ونيران عينيه ووجعه بآن واحد. فتحدث بهدوء:
- راكان ليلى ممكن تموت. ننقذها الأول.. ممكن يكون الطفل مات... وممكن يكون عايش.. ارجوك أبعد غضبك دلوقتي وخليني انقذها.. وبعد كدا حاسبها زي ماأنت عايز.
تلقفها منه بقوة وغضب. وهو يدفعه بجسده:
- ابعد عني عشان غضبي مايولعش فيك يايونس.. إياك تقرب مني.
توقفت والدته وعمته سميحة حينما وجدا حالته فاتجهت زينب لأسعد ووالده:
- هتسبوه ياخدها.
تحدثت سميحة:
- بابا...
رمقها الجد بنظرة غاضبة وأشار بسبابته:
- مش عايز أسمع صوت حد فيكم...
اتجه بنظره لأسعد:
- شوفت مجايب ولادك.. أهو شرفهم بقى في الطين
هبت زينب وصاحت بغضب:
- إيه مالكم خلاص حكمتوا إن البنت خطيت.. إيه انتوا ناسين انها متجوزة
طالعتها فريال بسخرية:
- أه وعارفين كمان إن ابنك مش طايقها ومفيش حاجة حصلت بينهم واللي يثبت كلامي حالته المجنونة دي...
بينما جلست نورسين وهي تضع ساقا فوق الأخرى:
- لا دي مش أشكال راكان.. دا مبيكهرش في حياته أدها.. وبعدين ياانطي متنسيش إنها السبب في موت سليم
بالخارج عند السيارة
تحرك بها يحاول أخفاء مزيج المشاعر التي اجتاحت كيانه مما استمع إليه.. يحاول ان يحرق الأخضر واليابس وكل مايقابله خرج سريعا وهو ينادي على سيلين:
- إلحقيني بسرعة للعربية...
بينما بالداخل هناك حرب شعواء بين الجميع
تحدثت يارا أبنة عمته:
- معقول ليلى تكون غلطت مع حد.. لا أنا مش مصدقة...
بينما هز الجد رأسه وهو يردف:
- وادي الأشكال اللي ضحكو على أولادك يازينب قبل كدا بنت صياد والتاني جايبلي بنت محاسب.. لا وواقفة تجادلي وتقولي إنها متجوزة..
طالع زينب بسخرية:
- هو تربيتك هتجيب إيه غير كدا..
قالها ساخرا ثم أكمل:
- ادعي ربنا إن ابنك مايموتهاش ويدخل السجن في حاجة ماتستهلش...
تحرك يونس سريعا يستقل سيارته عله يحاول السيطرة على راكان
أما بالسيارة.. جلست سيلين بالخلف.. تبكي وجسدها يرتعش عندما وجدت تغير ملامح ليلى ليصبح شاحبا كالأموات فهتزت شفتيها وحدثت أخاها:
- راكان بسرعة.. ليلى هتموت
انهت كلماتها المتألمة وأنفاسها المتقطعة بالبكاء
هل شعر احدكم كيف يكون حال العاشق حينما يرى موت معشوقه أمامه وهو عاجزا.. هذا ما شعر به راكان عندما شق طريقه بسرعة جنونية ود.. لو يحرقها ويحرق نفسه معا... كور قبضته يضرب على قيادة السيارة ونيران صدره تشتعل بداخله تحرقه بالكامل وهو يصيح بغضب:
- ليه... ليه ياليلى ليه..
صرخ بها بغضب.. نظرت سيلين إليه بالمرآة فلا تعلم كيف تهدأ من روعه وهو محقا في غضبه ولكن إلى أي حد سيؤدي به غضبه جراء نيران قلبه النازفة... هل حقا تكون ليلى دعست على رجولته وخانته بهذه الطريقة الشنعاء
مسحت عيناها وهي تهز رأسها رافضة حديثها مع نفسها
وصل بها إلى المشفى وحملها بين يديه وصاح بالممرضة:
- شوفيلي دكتورة بسرعة.. مراتي بتنزف..
وصلت الطبيبة وقامت بفحصها وامرت الممرضة:
- جهزي العمليات بسرعة..
تحركت سريعا.. ودلفت ليلى إلى غرفة العمليات
وصل يونس إليه يوزع نظراته بينه وبين سيلين:
- إيه اللي حصل..
هب واقفا:
- ادخل طمني.. عرفني اتأخرت ليه.. دي قالت هتكشف
أشار بيديه ليهدئه قائلا:
- اهدى هدخل اشوف وراجعلك..
مرت نصف ساعة آخرى والحال كما هو وقف متحركا وهو ياكل الردهة ذهابا وإيابا.. حتى خرج يونس إليه.. سحب نفس طويلا وتحدث:
- ليلى فقدت الجنين..
هزة عنيفة أصابت جسده حتى هوى على المقعد عندما فقد القدرة على الحركة.. أنزلقت عبرة غادرة وهو يهمس لنفسه:
- الولد نزل..
طالع يونس بنظرات حزينة وهمس بلسان ثقيل وصوت متقطع:
- فقدته.. يعني نزل خلاص..
تقدم يونس منه عندما تأكد أن الولد ابنه.. ربت على ظهره:
- مالكش نصيب فيه ياركان.. والحمد لله على كدا..
قاطعهم وصول الطبيبة وقفت تنظر إلى يونس بأسف:
- فيه مشكلة عند المدام.. النزيف شغال.. ولو فضل الوضع على مضطرين نعمل إستئصال للرحم..
صاعقة نزلت على رأسه حتى شعر بإنشطار جسده فاغمض جفونه.. عندما شعر ببرودة تجتاح جسده بالكامل
فرفع نظره إلى يونس ليفهم ماتقوله الطبيبة
تحركت الطبيبة بعدما أشار يونس لها:
- راكان لو فضل الوضع كدا.. لازم العملية ياإما هنفقد ليلى.
هز رأسه رافضا:
- لا يايونس اتولى انت حالتها.. أنا عندي ثقة كاملة فيك.. أهم حاجة عندي تكون بخير.. هو عقاب ربنا ولازم اتعاقب
جلس بجسد محني وكتفين متهدلين.. وهو يشعر ببرودة في أطرافه كأنه ينتظر خروج روحه.. وضع رأسه بين كفيه:
- بس العقاب صعب أوي.. أوي يايونس مش قادر اتحمله.. انقذلي ليلى يايونس عشان خاطري.. أتأكد لو حصلها حاجة هموت بعدها
مرت عدة ساعات جلست سيلين تضم أخيها الذي لم يتحدث ولا يتحرك من مكانه ينظر فقط لتلك التي تغفو كالذي يغفو على فراش الموت
مسح على وجهه.. ولكنه هب من مكانه عندما استمع إلى صوتها بهمس بإسمه:
- راكان..
كررتها عدة مرات.. جثى على ركبتيه أمامها يمسد على خصلاتها:
- أنا هنا ياليلى افتحي عيونك..
همست بإسمه مرة أخرى وهي تغلق عينيها
تحركت سيلين تربت على كتف أخيها:
- لسة تحت المخدر ياحبيبي.. سبها ترتاح..
هز رأسه رافضا:
- لا هي فاقت بس مش عايزة تكلمني.. هي زعلانة مني
دلفت الطبيبة وتحدثت:
- ممكن اكشف عليها لو سمحت
أومأ برأسه وتحرك للخارج ينظر إلى سيلين:
- مش تسبيها لوحدها.. هشوف يونس
خرج بساقين يجرهما للخارج بصعوبة وعيناه متعلقة بها.. باليوم جلس أمام يونس متسائلا:
- يعني إيه مفيش حل تاني..
دلفت الطبيبة إليهما:
- لازم عملية يادكتور يونس.. المدام من إمبارح والنزيف مبيوقفش.. ودا خطر على حياتها.. لازم إستئصال للرحم
كلمة بسيطة نزلت على قلبه كالبلور المكسور لتشحذ قلبه بل جسده كاملا.. حاول تنظيم أنفاسه وكأن الهواء سحب من الغرفة.. فتوقف بجسد مترنح:
- اعملوا اللازم يايونس.. المهم تكون كويسة
أجابته الطبيبة:
- المدام رافضة تماما بتقولي سبيني أموت..
تحرك وهو يخطو بخطواته الواهنة.. وكأنه يخطو على جمرات من النيران قائلا:
- مش بكيفها.. حضروا نفسكم..
استدار بجسده ليونس:
- مراتي عندك وصية يادكتور
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سيلا وليد
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
قالوا: ما الوجع؟
قلت: اسألوا قلبًا عشق قلبًا ليس له فيه نصيب.
قالوا: ما الشوق؟
قلت: اسألوا روحًا تحن لروح لقاؤهما مستحيل.
قالوا: ما الحب؟
قلت: اسألوا شخصًا يدعو لحبيبه بالسعادة، رغم أنه لغيره حبيب.
قالوا: ما العشق؟
قلت: اسألوا قلمًا كتب لحبيب وهو عنه بعيد.
فلا سلامًا على أولئك الذين أطفؤوك وفي عتمة لا تزول ألقوك.
الذين سلبوك نبض القلب ودفء الروح.
من جعلوك في عزلة تخاف القرب ومنه تفر.
لا سلامًا عليهم.
من تركوك تحيا وأنت تموت!
***
وقف أمام يونس يخرج ما في جوفه من عصارة الوجع عن طريق تنهدات متحسرة، وقلب مفطور ملئ بالثقوب، وفاجعة أكبر أن يخفيها من الحزن الذي يقتحم أعضائه.
"مفيش أمل تاني يايونس."
شعر يونس بوجع صديقه وابن عمه، فنهض يربت على كتفه قائلًا:
"أنا مش شفت الحالة ياراكان، بس الدكتورة بتأكد. فلو عايزني أدخل أكشف عليها معنديش مانع، بس إنت أكيد عارف ليلى هترفض."
تحرك وهو يتجه ببصره إلى يونس قائلًا:
"حضر نفسك يادكتور، واعمل اللازم ومراتي أمانة عندك."
ثم توجه إلى غرفتها. توقف أمام غرفتها ولكن قاطعه يونس الذي وصل خلفه.
"استنى بلاش إنت تدخل حاليًا، هدخل أشوفها وبعدين أقرر."
أومأ برأسه، ف حالته الآن لا تستدعي أي نقاش. خانته ساقاه فجلس وجسده يرتعش وكأن الهواء ينسحب من رئتيه حينما شعر بعدم قدرتها على الإنجاب مرة أخرى. دقائق مرت كالدهر، وكأن الدماء جفت من عروقه وأصبح جسده يحاكي الموتى. خرج يونس يطالعه بنظراته الحزينة.
رفع نظره إليه بنظرات مشتتة وعقل تائه وقلب مفطور، فتحدث بلسان ثقيل:
"إيه فيه جديد؟"
ربت يونس على كتفه وجلس بجواره يتحدث بحزن على وضعه:
"أول مرة أشوفك كدا ياراكان، لدرجة دي موت الطفل مؤثر فيك."
مسح على وجهه وصرخ بآهة عالية خرجت من جوف حسرته قائلًا:
"إحساس صعب أتمنى ما تعيشوش يايونس. ودلوقتي طمني بكل حاجة، أنا راضي باللي هيحصل."
نهض يونس وهو يرمقه بهدوء من تدهور حالته لهذا الحد، فأردف:
"الحمد لله النزيف ملوش علاقة بالرحم. الدكتورة كانت مش منظفة الرحم كويس وفيه قطعة من الجنين هي اللي عملت النزيف دا. ودلوقتي هتدخل عمليات تاني. وفيه حاجة كمان البيبي كانت بنت، كانت داخلة في الرابع تقريبًا. دا اللي شوفته في الأشعة اللي دكتورة عملتها. أنا شوفت الأشعات بس ياراكان يعني مدخلتش في الأول، لكن دلوقتي أنا اللي هدخل أعملها العملية. ولو عندك اعتراض."
أطبق راكان على جفنيه متألمًا وهو يشير بكفيه:
"اعمل اللي انت شايفه. حقيقي ماليش حيل أتكلم مع حد وخصوصًا ليلى. مش عايز أدخلها عشان منأذيش بعض."
زفرة حارة أطلقها يونس ثم تحدث:
"يعني أفهم من كدا إنك مكنتش عارف إن مراتك حامل الفترة دي كلها؟ إزاي ملاحظتش دا؟ إنت عبيط ياراكان."
أحس بضلوعه تتمزق من كلمات صديقه. كيف يخبره بما يشعر ويمر به الآن؟ أغمض عينيه ولم يجب عليه. فتحرك يونس مغادرًا بعدما وجد حالته.
مر وقت وما زال جالسًا وهاتفه الذي لم ينقطع عن الرنين. جلس وكأنه طائر مقصوص الجناحين، لا يستطيع الطيران ولا مواجهة ما هو آتٍ عليه. قلة حيلته كزلزال يهتز تحته فاقد المقاومة للحركة. حتى وصل إليه يونس.
"هتفضل قاعد كدا؟ قوم شوف مراتك. هي فاقت وبقت كويسة وتخلص المحلول وتروح."
هز رأسه بالموافقة ونهض يجر أقدامه بصعوبة. لابد من المواجهة.
كانت سيلين تقوم باعتدالها.
"يعني الحمد لله معملوش عملية؟ ولا يونس كان بيضحك عليا ياسيلين؟"
ربتت سيلين على ظهرها:
"والله مفيش حاجة. وبعدين إنت عايزة تسوء سمعة يونس؟ لا فوقي كدا دكتوري شطور والله. الدكتورة منظفتش كويس."
وضعت كفيها على أحشائها:
"يعني خلاص معدش فيه بيبي؟ بنتي نزلت من قبل ما أشوفها وأحضنها."
احتضنت سيلين وجهها:
"ليلى احمدي ربنا إنك بقيتي كويسة. بلاش أقولك حالة راكان إزاي. ده مش قادر يقف ولا يتكلم مع حد."
هزة عنيفة أصابت جسدها بعدما ذكرتها سيلين به. هل سيشفع لها؟
وصل راكان أمام باب غرفتها ولكنه توقف حينما استمع لشهقاتها.
"سيلين أنا عايزة أمشي من هنا. اتصلي بدرة خليها تيجي تاخدني على بيت بابا. معدش فيه حاجة تربطني بأخوكي، خلاص طرقنا اتفرقت."
تنهد بقلة حيلة على ما استمع إليه ولكنه تمرد على حديثها الذي ذلذل كيانه وبدأ يدمر استقرار دواخله. دفع الباب وولج للداخل محاولًا السيطرة على آلامه التي تنخر قلبه.
جلس بجوارها يربت على خصلاتها.
"حمدلله على سلامتك حبيبتي."
استدارت للجهة الأخرى وتحدثت بصوت كاد أن يخرج من أحزانها:
"سيلين خليه يطلع برة مش عايزة أشوفه."
جلس لبعض اللحظات وصمت مريبًا مشحونًا بالتوتر والخوف من جانب سيلين. فأقتربت تربت على كتف أخيها.
"راكان سيبها دلوقتي هي تعبانة وعايزة ترتاح."
لا يعلم أي جرم فعله بحقها حتى تصل به لتلك الحالة. هو الآن روحه تئِن كأنين وتر مقطوع من آلة عتيقة، وينخر الألم عظامه نخرًا عميقًا. رفع وجهه إلى أخته قائلًا بصوت هادئ اكتسبه من حالتها التي رآها بها:
"سيلين سبينا شوية مع بعض. روحي مع يونس."
تجمدت ليلى بجسدها عندما أحست بصوته الحزين الذي يخرج بصعوبة. رفعت نظرها إلى سيلين تهز رأسها بعدم خروجها. حاول قدر المستطاع التفكير بشكل متزن حتى لا يفقد ثوابه بحالتها تلك. أشار بعينيه إلى سيلين بالخروج واتجه إليها يتأملها بشمسه الضائعة، كحاله لا يعلم ماذا يفعل بها. فحزنه ووجعه منها فاق الحد حتى أعجز عن وصفه في قاموس اللغة العربية.
"جهزي نفسك عشان نمشي."
ارتعشت ملامحها وأحست بدموع غادرة تتجمع تحت ستار أهدابها فتحدثت بصوت متألم:
"نمشي نروح فين؟ بيتك!! أنا مش هرجع البيت دا تاني مهما حصل. ودلوقتي اللي كنت بستحمل عشانه نزل، ومفيش بينا رابط. عايز عقاب من ربنا أكتر من كدا إيه عشان بقولك إننا منفعتش لبعض."
صفعة قوية نزلت على قلبه كضربة سوط مشتعل. رفع نظره إليها وبآهة خفيضة، كأن كلماتها عصرت صدره ومزقت رئتيه فتحدث:
"فعلاً ربنا عاقبني أشد عقاب. بس عارفة عقابي إيه..."
دنى من جسدها فحزنه على جنينه يحرق روحه.
"عاقبني عشان كل مرة اتجوز فيها أشرط عليها ممنوع حمل عشان مش دي الست اللي قلبي يشفع لها وتكون أم لأولادي. ربنا عاقبني عشان علّق قلبي بواحدة، أكتر حاجة عملتها فيا إني أعشقها بجنون وهي تدبحني كل مرة. وأعدي وأقول مقدرش أبعد عنها، حبها بيجري في عروقي. ورغم كدا كانت بتغلط وأسامح."
رفع كفيه يمسد على خصلاتها، وبعينين تائهتين ولسان ثقيل، قال لها:
"واحدة كانت في حضني وبتقولي بحبك وهي حامل في ابني ومخبية عني. تلات شهور، شوفي قعدت معاها كام مرة. حضنتها كام مرة."
تحول جسده للانتفاض، يضع جبينه فوق جبينها، وآهة حارقة من جوفه بأنفاس مرتفعة:
"واحدة ما تمنيت غيرها تكون أم لأولادي. حبيبتي اللي لو طلبت روحي ما كنتش هتأخر. تلات شهور وهي مخبية. إزاي قدرتي تحرميني من الفرحة دي؟ إزاي قدرتي تكوني قاسية أوي كدا؟ بتكرهيني لدرجة دي؟"
ابتعد برأسه عنها وهو يهز رأسه.
"أيوة ماهو مش معقول دا حب. لا دا انتقام على كره. معرفش انتِ مين، وليه حبيتك. تلاقيكِ فرحانة عشان الولد نزل. ويمكن كنتِ رايحة مع الحقير عشان تنزليه وتكسريني."
شهقة خرجت من جوفها وهي تهز رأسها رافضة حديثه.
"أنا مخبتش عنك هو..."
هب فزعًا من مكانه وهو يصيح عندما فقد قدرته على الصمود.
"اخرسي، مش عايز أسمع صوتك."
اقترب بمقلتين متقدتين كجمرتين من قعر جهنم، وبعصبية مفرطة، ضغط على ذراعها.
"ماهو أنا الراجل اللي مستاهلش أكون أب لأولادك. إزاي قدرتي تدمريني كدا؟ إزاي قدرتي تكسريني كداااا."
قالها صارخًا وكأنه أمام عدوه وليس حبيبته.
ولجت سيلين بعدما استمعت لصراخ أخيها، أسرعت إليه تحاول جذبه بعيدًا عن ليلى بعدما وجدت شهقاتها ترتفع.
"راكان حبيبي ابعد عنها، هي لسه تعبانة."
لم تقو سيلين عليه، قاطعهما دخول يونس، الذي أسرع يجذب راكان بعيدًا عنها.
دفع يونس صارخًا به:
"انت اتجننت؟ ابعد عني. مفكرني هضربها."
انتهى به المطاف في مكتبه.
اتجه إليها بنظرات قاتمة، ووجهه عبارة عن لوحة فنية من الغضب.
"أسمعك تقولي طلاق تاني هولع فيك. سمعتيني؟ والله لادفعك تمن اللي عملتيه فيا غالي."
جذبه يونس للخارج ينظر إلى سيلين أن تهدأ ليلى. خرج متجهًا إلى مكتبه. أشفق يونس عليه كثيرًا، يعطيه كل الحق، فالأمر صعب ومؤلم.
عند ليلى، ارتعب جسدها وقلبها انتفض ذعرًا مما رأته منه لأول مرة يكون بتلك الهيئة المؤلمة.
"سيلين روحي هديه، والله ما كان قصدي، والله ما كان قصدي."
قالتها وشهقاتها ترتفع.
"اهدي حبيبتي لو سمحت."
وصلت الطبيبة إليها، وقامت بحقنها بمهدئ بناءً على تعليمات يونس.
ارتجفت أوصالها وزاد من ارتجافها، وشعرت بأن قلبها سيتوقف من اتهاماته لها.
"أنا محاولتش اقتل بنتي، هو فاهم غلط."
ظلت ترددها إلى أن غفت بسبب المهدئ.
---
بمنزل عاصم المحجوب.
خرجت من غرفتها بهدوء، وجدته نائمًا على الأريكة بالخارج. تغلغلت روحها بابتسامة مفرحة بمجرد ما وجدته بتلك الهيئة أمامها، كفراشة جميلة تحركت متجهة إليه. جلست على عقبيها أمامه تنظر للوحته المرسومة بعناية.
رفعت كفيها تمسد على خصلاته، ثم مالت تطبع قبلة على وجنتيه، ونهضت تستدير لتغادر، فوجدت من يعانق كفيها بحضن كفيه.
استدارت تنظر إليه وابتسامة تشق ثغرها، فدنت منه مردفة:
"صباح الخير ياحضرة الأفاكاتو."
تسلطت عيناه على وجنتيها المشعتين بالاحمرار، وشفتيها التي تشبه حبة الفراولة الناضجة، ورغم نضجها إلا أنها تمتاز بلذعتها المحببة لديه.
سحبها معتدلاً لتجلس بجواره.
"صباح الحب على درة قلبي."
ابتسمت خجلاً قائلة:
"إيه اللي نيمك هنا؟ مش كنت بتقول هتروح."
أدار وجهها إليه يسبح بمقلتيه على ملامحها الجميلة، فتحدث:
"كنتِ وحشاني ومقدرتش أمشي من غير ما أضمك لروحي."
احمرت وجنتاها بحمرة الخجل، فطأطأت أنظارها أرضًا هاربة من مغزى كلماته، ومس كيانها بعطر كلماته.
قربها من جلوسه وحاوطها بذراعيه، يدفن أنفاسه بعنقها هامسًا لها:
"هو إحنا لازم نستنى لما تخلصي الكلية؟ على فكرة كتير على قلبي."
"حمزة ابعد ماما ممكن تصحى وتشوفنا."
قالتها بشفتين مرتعشتين. ظل يقاوم نيرانه الملتهبة عاجزًا عن جمالها الذي أذاب صمته، فاقتطف قبلة سريعة وهو يضع جبينه فوق خاصتها.
"إيه رأيك تكملي السنة الجاية عندي، ونتجوز بعد ما تخلصي امتحاناتك الشهر الجاي."
رفعت نظرها لعينيه المنغلقتين وأنفاسه التي كانت تعصف بكيانها، شعرت بفراشات تطير في معدتها من فرط السعادة، فحقا لم تتحمل ذلك، فوضعت رأسها بأحضانه تحاوطه بذراعيها.
"كلم بابا ولو وافق معنديش مانع."
سكت هنيهة يحاول ضبط انفعالاته التي بعثرتها بقربها المهلك ورقتها التي خطفت قلبه، فلم يعد قادرًا على بعدها، ود لو يحطم حصونها الآن.
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يعتدل بجلوسه متخذًا البعد لبعض السنتيمترات حماية لكلاهما. احتضن كفيها وتحدث:
"هتكلم مع عمو عاصم وأشوفه هيقول إيه."
قاطعه رنين هاتفه، رفع ينظر لشاشته، فقبض جبينه.
"خير يونس بتصل بدري كدا ليه."
نهضت متجهة للمطبخ قائلة:
"رد عليه لما أعملنا فطار حلو كدا وكوباية نسكافيه."
أومأ برأسه موافقًا، ثم اتجه للشرفة ليجيب يونس.
"صباح الخير يادوك."
استمع حديثه الذي جعله متصنمًا لبعض اللحظات، يستمع إليه بقلب يئن وجعًا على صديق عمره، فأجابه:
"وهو عامل إيه دلوقتي."
أجابه يونس على الجانب الآخر:
"مش كويس خالص. هدوء ما قبل العاصفة، ياريت تيجي. حاسه هيعمل مصيبة، مش مرتاح لسكوته."
رجع خصلاته للخلف ساحبًا نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء.
"هي اتمادت المرادي يايونس. ليلى كدا اتمادت ومقدرش أدخل في حاجة خاصة كدا. لازم راكان يفوقها. مش هتفضل تغلط وهو يعدي، كفاية لحد كدا وجع له. أنا لو مكانه مش هسكت."
أغلق الهاتف بعد عدة دقائق وهو ينظر للخارج وصدره يستعر كالحمم البركانية، يتمنى ألا يصل صديقه بحياته لنهاية اللانهاية.
كور قبضته بعدما تذكر ما مر به راكان، كأن حياته شريط سينمائي أمامه. قاطع شروده درة حينما اقتربت تنهزه بكتفه.
"حمزة بنادي عليك من بدري، مالك فيه إيه يونس قالك حاجة."
نظرت للذي بيديه، فجذبتها غاضبة وألقتها بالخارج.
"سجاير على الريق. ينفع كدا؟ مش خايف على صحتك."
رمقها بهدوء ثم تساءل:
"كنتِ تعرفي بحمل ليلى."
أصبحت نبضاتها الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعها، وكأن قلبها سيتوقف من نظراته المصوبة إليها.
"حمزة أنا كنت هقولك، بس ليلى قالت مش عايزة حد يعرف قبل ما تقول لراكان."
"من إمتى؟"
تساءل بها حمزة، فركت كفيها وارتجف جسدها قائلة:
"عرفت قبل عملية بابا بيومين."
قبضة قوية اعتصرت قلبه وهو يطالعها بنظرات خذلان قائلاً:
"أكتر من شهرين يادرة وإنتِ مخبية حاجة زي كدا."
ضغطت على كفه تستعطفه بنظراتها.
"دي حاجة ماتخصنيش عشان أقولها ياحمزة. هي قالت فيه مشكلة بينهم ولازم يحلوها وبعد كدا هتقوله."
أنزل كفيها بهدوء، متجهًا يجمع أشيائه، متجهًا لباب المنزل قائلاً:
"واهو البيبي نزل قبل مايعرف. تلات شهور وهو قدامها، واختك مخبية على جوزها. أنا لو مكانه هطردها من حياتي."
قالها وتحرك سريعًا من أمامها.
بمزرعة نوح.
جلس بجوارها يمسد على خصلاتها بحنان، يرسم ملامحها الجميلة. قاطعه طرق على باب غرفته.
"دكتور نوح الست راندا جت وعايزة تقابلك."
أومأ برأسه، خرجت العاملة وهو ظل يطالع زوجته التي تجلس تضم ركبتيها وتنظر بشرود وكأنها لم تشعر بما يوجد حولها.
نهض متحركًا للخارج، وجدها تتحدث مع العاملة بغرور وكبر.
"امشي من قدامي، معدش اللي إنتِ اللي هتعمليلي حاجة أشربها."
أشار نوح للسيدة:
"اعمليلي قهوة سادة ياسيدة، وجهزي فطار المدام لحد ما أشوف ضيوفنا عايزين إيه."
جلست وقامت بإشعال سيجارها حتى ترى ردة فعله، ثم تحدثت وهي تنفث دخان سيجارها:
"دكتور نوح اللي بعد عني عشان واحدة حقيرة من بيئة زبالة."
لم تكمل حديثها بسبب صفعة قوية على وجهها وجذبها من خصلاتها.
"عايزة إيه يابت؟ هو انتِ مفكرة إني نايم على وداني؟ لا فوقي كدا واعرفي إنتِ واقفة قدام مين وبتغلطي في مين."
سحب نفسًا حتى يسيطر على غضبه، فجذبها للخارج من خصلاتها.
"البيت دا نضيف عن أمثالك. روحي كملي قرفك مع الدكتور يحيى بعيد عني، ومتفكريش هسكت عن اللي حصل. اطمن على مراتي الأول."
قالها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه.
تماسكت بصعوبة حتى لا تسقط أمامه، واقتربت منه تضع كفيها على صدره.
"نوح أنا بحبك بجد. تعالى نربي ابننا مع بعض."
بدأت تتحسس صدره تنظر لعينيه.
"نوح مش عارفة أنساك من الليلة إياها. عشان خاطري تعالى نكمل حياتنا ونربي ابننا، مش قادرة أبعد أكتر من كدا."
نفضها بعيدًا وأشار بتحذير:
"إياكِ تقربي مني تاني. أنا اتجوزتك عشان الدكتورة يحيى، وطلقتك عشان مراتي. شايفة العلاقة بينهم إزاي. أما عن ابنك، لما تولديه وأعمل تحليل، ولو اتأكدت إنه ابني أكيد هعرف أربيه كويس."
اقتربت وهي تتحدث بغضب.
- هندمك على كل حاجة. اللي كان بعدني عنك هو ابني بس، وحياة ابني لأخد حقي كويس.
ضحكة خرجت بسخرية وهي يشير إليها بغضب.
- حياة ابنك؟ هو لدرجة دي غالي؟ عشان كدا بدخني. روحي عند الدكتور يحيى يمكن يفيدك تعملي إيه.
استدار ليدخل ولكنه توقف عندما ألقت إليه بعض الصور.
- هترجعني لعصمتك تاني يا نوح. ومش بس كدا، هطلق مراتك وتمشيها من المزرعة. يا إما الصور دي هتنزل في كل مكان. ومتنساش القنوات الحلوة اللي الشباب بيعشقها. وطبعًا عارف الصور دي حقيقة مش مفبركة. تشااااو يا نوح.
عند راكان بالمشفى.
ولج بعد فترة لغرفتها. قام بخلع المحاليل من كفيها واتجه لأخته.
- ياله عشان نروح. كفاية كدا. ويونس هيتابعها هناك.
اقتربت سيلين منه.
- راكان لو سمحت ممكن تهدى وبلاش تكون عصبي كدا.
حملها يضمها لصدره وتحرك للخارج بساقين هلامتين دون حديث آخر. انتفض قلبه ذعرًا حينما رفعت ذراعيها تحاوط عنقه وكأنها تحلم وابتسمت من بين النوم واليقظة.
- رايحين فين حبيبي.
تحرك سريعا إلى السيارة حتى لا يفقد سيطرته عليها، فهو الآن في حالة لا تستجدي الضعف أمام سحر عيناها.
كعاصفة هوجاء تتعثر برياحها، تحرك بالسيارة بشق الأنفس حتى يصل إلى غرفته ويحتمي بنفسه حتى يداري ضعف قلبه الخائن الذي أوصله بضمها ليريح روحه المتألمة منها. وصل بعد رحلة شاقة إلى قصره. توقف لمدة لحظات يسحب أنفاسه ويطردها بهدوء كي يستطيع للمواجهة.
اتجه للخلف يلتقطها وحملها متجهًا للداخل. وجد الجميع بانتظاره. توقف توفيق أمامه وبنظرات نارية صاح بغضب:
- انت جايب الذبالة دي هنا ليه!
صعق من حديث جده. فيما توقفت عايدة مقتربة تقف بجوار توفيق تشير لليلى التي يحملها راكان.
- إزاي تكون بالهدوء دا يا راكان بعد ما مرات أخوك عملته.
اقتربت فريال متهكمة وهي تنظر بتشفٍ إلى راكان قائلة:
- يمكن صعبت عليه يا عايدة. أو يمكن عشان أم أمير. ولا يمكن عايز ينتقم منها بطريقة بعيدة عن الصحافة.
اقتربت زينب وتساقطت عبراتها وهي تجدهم بتلك الخسة والندالة. في حين وصل أسعد وتوقف أمامهم.
- مش عايز أسمع صوت حد فيكم. هي ليها راجل يقدر يتكلم. ومتنسوش إنهم متجوزين. أنا واثق في ليلى قد ثقتي في راكان.
ضرب توفيق عصاه وهو يرمق راكان بحيرة قاتلة عندما وجد هدوئه فتحدث.
- مهما كان اللي حصل. مستحيل البت دي تقعد في البيت دا. ولازم...
صرخ راكان حتى استيقظت ليلى تنظر حولها بخوف. فهمست وهي تنظر إلى مقلتيه بخوف لا تعلم ماذا يحدث حولها.
- فيه إيه. إحنا مش كنا بالمستشفى.
اتجه بها للمقعد ووضعها فوقه بهدوء واستدار يوزع نظراته بينهم ثم اقترب من توفيق.
- سمعني كدا كنت بتقول إيه. ارمي مراتي برة بيتي عشان سقطت ابني.
صاعقة نزلت على الجميع وشهقات مرتفعة وهمهمات بينهم. دار حولهم وهو يطالعهم بجفاء ونيران صدره تكويه بلا رحمة.
- إيه. صرخ بها وصاح كزئير أسد جائع.
- سمعوني كدا كنتوا بتقولوا إيه. هز رأسه وهو يطالعهم بنظرات نارية.
- بتعيبوا في شرف مراتي. مرات راكان البنداري قدرتوا بكل فجر ترموها بمحصناتكم.
دلت بتلك الأثناء نورسين تتحرك بخيلاء تنظر إلى ليلى التي اغرورقت عبراتها وجهها. وبشماتة متأصلة في ابتسامتها. وبخبث شيطاني تحركت إلى أن وصلت إليها قائلة.
- حمدلله على سلامتك يا مدام ليلى. كان نفسي أزورك في المستشفى بس خفت راكان يزعل مني. ويلومني إزاي أزور واحدة لا مؤاخذة.
بخطوة واحدة وصل إليها يدفعها بقوة بعيدًا عن ليلى. وجذبها كوحش جائع يدفعها للخارج.
- برة. إنت مين عشان تهيني مراتي.
جحظت أعين الجميع من ردة فعله. اتجه توفيق إلى نورسين يقف بينهما.
- راكان اهدى. هي متعرفش. ومحدش منا اتوقع إنك تكون على علاقة بمرات أخوك.
ترنح جسده وحدقيته تتسع شيئًا فشيئًا وصدمة قوية هشمت قلبه. كيف لا يقرأون الوجع فوق جبهته. حرر أنفاسه المحروقة. ورفع كفه يتحسس عنقه. ثم سحب نفسًا وزفره قائلاً بهدوء رغم ما يشعر به:
- علاقتي بمرات أخويا. متخيل بتقول إيه. استدار بجسد منتفض وعين ذائغة وقلب مفطور ينظر إليها.
- دي مراتي أنا. دي ليلى راكان البنداري. اللي حضرتك كل ما تشوفني تقولي أرملة أخوك. مرات أخوك. وكلكم ناسين إنها مراتي. فلو سكت فسكت عشان محسسش أمي بالوجع على ابنها. ولو رفضت أعلن حملها فدا برضو عشان موجعش قلب أمي. قالها بقلب مفطور.
أشار على نورسين وأكمل.
- ومش معنى إني وافقت اتجوز نورسين يبقى بلغي ليلى. أبدا. قالها وعيناه تفترس ملامح ليلى الصامتة. وقبل أي حاجة. ليلى اللي طلبت مني اتجوز نورسين. عشان مظلمهاش. ولولاها مكنتش وافقت على كدا.
ودلوقتي الكل يعتذر من مراتي. واللي مش هيعتذر يبقى بيعاديني أنا شخصيًا. تحرك متجهًا إليها. وساعدها على الوقوف يحاوطها بذراعيه.
- مدام عايدة. حضرتك غلطي في مراتي وهي مستنية اعتذارك وبتقولك البيت دا بتاعها. لما تدخليها تحترمي أهله ومش ترميهم بالباطل. ماهي مش تربية عايدة الرفاعي.
جحظت أعين عايدة ورمقتها باحتقار خفي فاقتربت تشير إلى ليلى.
- عايزني أتأسف لمراتك. طيب أنا إيه اللي عرفني إنكوا كنتوا مع بعض. ماهو إنت يا راكان ماشي مع الكل.
- اخرصي. قالها راكان بغضب واوعي تفكري عشان سكت على عملتيه وأنا مسافر انت وتوفيق باشا هعديه. تبقي غلطانة. ومش معنى إنك مرات عمي يبقى أحترم اللي يقل من مراتي.
- مراتي خط أحمر. ولو معتذرتيش حالا منها. اطلعي برة البيت دا كله. واياك تدخلي هنا.
اقتربت تنظر لليلى بحقد وتحدثت بخفوت.
- آسفة مدام ليلى. اعذرني مكناش نعرف إنك وراكان يعني.
قاطعها راكان.
- دورك خلص اتفضلي على بيتك. وبعد كدا وجودك يكون في مناسبات العيلة. البيت دا بعد كدا ندخله باحترام.
توجهت فريال عندما وجدت نيران راكان التي تحرق الأخضر واليابس.
- آسفة يا ليلى. واعذروني اللي يشوفكم وانتوا بتاكلوا في بعض مايقولش إنكم يعني.
- شكرا مدام فريال. علاقتنا بينا مالوش داعي تتعبي نفسك بالتفكير فيها عشان عقلك ممكن يجن.
أما توفيق الذي تحرك خطوة للخروج.
- رايح فين يا توفيق باشا. إيه عندك جلسة كيماوي ولا حاجة.
ترك ذراع ليلى واتجه له ووقف يضع كفيه بجيب بنطاله وهو يطالعه بصمت قائلاً.
- توفيق باشا يا جماعة اتجبر على مراتي وخطف أبوها المريض. وهددها لو مطلبتش الطلاق هيقتل باباها. ومش بس كدا. ركب صور لمراتي واتهمها بشرفها وهددها ياخد ابنها. وضربها. كنتوا عايزين منها إيه بعد دا كله.
استدار إليها ونظر لمقلتيها.
- أنا كمان أذيتها كتير وضغط عليها كتير. اقترب منها واحتضن وجهها ثم طبع قبلة على جبينها.
- آسف ياليلى. حقك عليا. وجعتك كتير. ودلوقتي اللي عايزاه من توفيق باشا هينفذه.
قاطعهم توفيق.
- والله مش أنا اللي عملت الصور. الصور دي جاتلي ولو مش مصدق شوف تليفوني أهو وشوف الصور دي جاتلي أهو.
أمسك هاتف جده. وقام بفعل شيئًا ما. ثم أرسله لهاتفه. واتجه لليلى يحاوطها.
- أومري. واللي تطلبيه ردا لأعتبارك وأولهم مني.
أنزلت كفيه بهدوء ورجفة بقلبها وهي تحاوطه بنظراتها.
- عايزة أرتاح ممكن مش عايزة حاجة من حد لو سمحت.
تدخلت فريال في الحديث قائلة.
- متزعليش مننا مكناش مصدقين إنك يعني إنت وراكان تكونوا مع بعض بعد موت سليم. وخصوصا كلنا عارفين ارتباط راكان بنورسين.
- مرات عمي. صرخ بها ثم اتجه يرمقها شرزًا.
- بلاش تقولي كلام متعرفيش معناه.
- جه الدور عليك يا توفيق باشا. حضرتك أهنت مراتي واجبرتها على حاجة غصب عنها. ودلوقتي لازم تعتذر منها.
اقترب توفيق منها. وسحب راكان بعيدًا عنها ثم ضم وجهها وطبع قبلة على جبينها قائلاً.
- أنا آسف يابنتي. ماهو اللي تخلي راكان البنداري يجيب آخره ولاد لازم أشيلها فوق دماغي. وحقيقي آسف على كل حاجة.
صدمة نزلت على الجميع من كلمات توفيق. ابتسم أسعد لوالده. فهز توفيق رأسه.
- لو كدا هتكون سعيد يابني فأنا اعتذرت من مراتك أهو.
ياريت كل واحد على بيته. رفع نظره لنورسين التي تقف صامتة ثم أردف.
- روحي يا نور دلوقتي وزي ما قولتلك قبل كدا عن ليلى. دي مراتي. وزع نظراته بين الجميع.
- احترامها من احترامي. واللي هيزعلها من مجرد نظرة مش هسكتله.
رفعت نظرها إليه سريعًا وكأنه صفعها بقوة على وجهها. قام بحملها دون حديث. متجهًا للأعلى والجميع كأن على رأسهم طيرًا.
سحب توفيق كف نورسين متجهًا للخارج وتوقف أمام سيارتها.
- إيه اللي راكان قاله ومخبياه.
فتحت باب السيارة ونيران الغيرة تأكل صدرها. استقلت السيارة وهي تصوب نظراتها له.
- أنا مستحيل أوافق اتجوزه وهو بيعشق اللي اسمها ليلى دي. أنا كنت مفكرة بيقول أي كلام وخلاص. بس حضرتك شوفت عمل إيه عشان.
- أمشي دلوقتي يا نور. واياكي تتهوري.
بغرفة راكان بالأعلى. وضعها على فراشه بهدوء. كقطعة أثرية نادرة. وجلس أمامها وانفاسه تتسارع كطبول حرب. صمت ران بالمكان محاولًا كظم غيظه فتحدث بعد لحظات.
- طبعًا احنا قدام الكل متجوزين. لكن بينا معرفكيش. نهض واتجه إلى الشرفة وقام بإشعال تبغه عله يضع إحراق نيرانه التي يشعر بها الآن. ظل لبعض اللحظات ثم ولج وجلس يضع ساقه فوق الأخرى.
- بما إن الحياة بينا بقت مستحيلة. الأوضة دي هتكون بتاعتك من دلوقتي. أنا هطلع فوق. والأوضة التانية هخليهم يقفلوها مش عايز أشوفك فيها.
كانت اللحظات الأشد وجعًا وغضبًا بحياته. لأول مرة يريد تحطيم كل شيئًا حوله حتى تخور قواه. حتى لا يؤذيها. رجع بجسده للخلف مطبقًا على جفنيه.
اعتدلت وحاولت التحرك خارج الغرفة. هي الآن في حالة لا تسمح للجدال معه.
نهضت وتحركت خطوة. فتح عيناه.
- رايحة فين!
قالها وهو جالس يطالعها بغضب.
ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت تتحدث.
- احنا كنا متفقين على كل حاجة. انت قولت هتتجوز. وأنا قولت هصبر عشان حملي ودلوقتي مبقاش فيه حاجة تخليني أفضل عشانها.
أنهت حديثها وتحركت خطوة أمامه محاولة ألا تتعثر بخطواتها الواهنة.
صرخ بها مما جعلها تتسمر بوقفتها.
- أنا بس هنا اللي اسمحلك إنك تمشي ولا تقعدي. أنا بس اللي أنهي الجواز والعلاقة. انت هنا مالكيش أهمية غير انك ام امير فقط.
استدارت بجسدها والدموع تترقرق بعينيها ثم أردفت بصوت متحشرج.
- أنا بس اللي أقدر أحدد حياتي إزاي. ودلوقتي حياتنا خرجت عن السيطرة.
نصب عوده ناهضًا وأطلق ضحكة صاخبة ثم غرز نظراته بعمق عينيها.
- حياتنا؟ هي فين دي حياتنا؟ ولا احنا مين احنا؟ ليه بتجمعي؟ قولي من يوم ما اتجوزنا وجمعتيني معاكي في إيه؟ دا حتى علاقتي معاكي مرتين بس.
اقترب ومازالت نظراته النارية تهاجم عيناها.
- حملك كان من المرة الأولى. على ما أظن. مش صح؟ أيوة اربع شهور وانا مختوم على قفايا. وحضرتك بتلعبي بيا. أنا اللي عمري ما فكرت إنك تكوني بكل الأذى دا كله.
جذبها بعنف حتى ارتطمت بصدره وتحدث من بين أسنانه.
- أنا الغبي اللي اتلعب عليا. وشرف مراتي اتهدر قدامي ووقفت عاجز معرفتش ارد. هرد أقول إيه وأنا معرفش بحملها. شوفتي واحد مراته لعبت عليه وقرطسته كدا.
- راكان من فضلك..
ضغط على خصرها وكاد أن يؤذيها بضغطته القوية حتى صرخت وانسدلت عبراتها.
- وأنا فين في حياتك؟ وانت بتطردني من أوضتك؟ أنا فين وانت جاي توجعني وتقولي هتجوز عليك؟ أنا فين وانت بتتهمني وتقولي انت وابن عمك.
اشتعلت عيناه بلهيب مستعر وأجابها ومازال يحاوطها بذراعيه.
- انت ولا حاجة في حياتي من وقت مارضيتي انهم يضحكوا عليكي وتنزلي بجوزك الأرض. جوزك اللي عمره ما حب واحدة قدك.
دفعها على الفراش وصرخ.
- اقعدي ومفيش خروج من باب الأوضة دي تاني. وقبل ماتتكلمي يا غبية. بصي حواليك وشوفي الأوضة دي كنت بعملها لمين. رغم اللي عملتيه كنت بقول معذورة ومضغوطة. بس كدا انت كتبتي النهاية بإيدك.
قالها وتحرك مغادرًا حتى لا يفعل بها شيئًا يندم عليها.
أحست بالاختناق واعترتها رعشة جعلت قلبها يرتعش مما يفعله معها. اهتز جسدها وبكت بنشيج على ما صار لها.
دَلفت سيلين تبحث عنها.
- ليلى حبيبتي إيه اللي حصل.
ألقت نفسها بأحضان سيلين وبكت بنشيج.
- راكان هينتقم مني عشان الولد. عايزة أمشي. ساعديني ياسيلين أمشي.
بكت بشهقات مرتفعة.
ربتت سيلين على كتفها.
- ليلى اهدي حبيبتي، راكان بيحبك ومستحيل يأذيكي صدقيني.
نهضت وأحضرت دوائها وأعطتها بعضًا منه ثم دثرتها.
دَلَفَت والدتها إليها تنظر إلى الغرفة التي تغيرت بالكامل.
- أخوكي راح فين؟
جلست تضع رأسها بين كفيها.
- راكان صعبان عليا أوي ياماما، حبيبي مش شفتيه كان عامل إزاي لما قالوله فقدت الجنين؟ ولما قالوله هتشيل الرحم؟ أول مرة في حياتي أشوفه بالشكل المنهار دا.
مسحت زينب على خصلات ليلى وأجابتها.
- أخوكي بيحبها من قبل ما تتجوز سليم.
شهقت سيلين تضع كفيها على شفتيها، فاتجهت إلى والدتها.
- انتِ بتقولي إيه ياماما؟
جلست زينب وتنهدت بحزن تطالع ليلى وهمست.
- وممكن ليلى تكون حَبّته قبل سليم؟
استدارت تنظر إلى سيلين التي تقف مصدومة من حديث والدتها.
- في يوم جالي وقالي بحب مهندسة جميلة أوي ياماما وعايز أتقدملها وأكون أسرة.
سحبت نفسًا عميقًا وأخرجته وهي تطالع ليلى بحزن.
- فرحت لما شفته أخيرًا هيتجوز، قولت أخيراً لقي اللي حبها وهيقدر يعيش معاها. بعدها بيومين جالي سليم وقالي نفس كلام راكان، وعرفت أن ليلى شغالة معاهم في الشركة.
صمتت للحظات وأكملت بنبرة حزينة.
- سليم أصر أروح أخطبها معاه، مع إني رفضت قولتله لازم نخطب لراكان الأول. هو وافق حبيبي ورحت أتكلم مع راكان لقيته متغير وقالي وقتها.
- لا خلاص أنا وهي مش متفقين.
وعدت الأيام، ولقيت راكان دايماً بيهرب من اليوم اللي المفروض نكون كلنا مع بعض، وجوازه المفاجئ من حلا، وطريقة تعامله مع سليم وهروبه من فرحه، لحد ما عرفت إن ليلى حامل، وقتها عرفت البنت اللي كان بيتكلم عليها هي ليلى. أنا شكيت في الأول، بس بعد كدا اتأكدت من طريقته وخوفه عليها بعد موت أخوكي، عشان كدا أصريت إنهم يتجوزوا.
جلست سيلين بجوارها وطبعت قبلة على جبينها.
- انتِ عظيمة أوي ياماما، لو واحدة تانية كانت قالت دي مرات ابني والمفروض متتجوزش بعده.
جحظت أعين زينب من كلماتها ونهرتها قائلة.
- وهو مش راكان ابني ياسيلين؟ كدا تزعليني منك.
هزت سيلين رأسها رافضة حديث والدتها.
- مش قصدي والله ياماما. المهم دلوقتي لازم تبعديه عنها، دا من وقت ما فاقت وهو مش سايبها.
- طيب هو لسة فيه خطر على النزيف؟ يعني هي بقت كويسة؟
هزت سيلين رأسها.
- أيوة الحمد لله، كان فيه مشكلة بسيطة، ودكتورنا العبقري تدخل، متنسيش مش أي حد دا الدكتور يونس البنداري.
لكمتها والدتها.
- أيوة ياختي مين يشهد للعروسة، الله يكون في عونها اللي هتتجوزه.
نهضت تضع يديها بخصرها.
- بتغلطي في يونس يامامتي على فكرة.
دفعتها زينب ضاحكة.
- أه ودا بيتغلط فيه؟ دا نفسي أديله قلمين على وشه. سيبك من يونس وركزي مع مرات أخوكي، بعد اللي حصل النهاردة فريال وعايدة مش هيسكتوا، وخصوصاً راكان أعلنها قدام الكل، مراته وحبيبته مش هيهدوا لما يفرقوهم.
وضعت ذراعها على كتف والدتها.
- خافي من ابنك على المسكينة دي ياماما مش فريال وعايدة، دا خرج وطلب من نعمية يجهزوا الجناح اللي فوق.
أومأت برأسها قائلة.
- متخافيش مش هيقدر يتحمل كتير. أنا عايزة منك خدمة، أنا عايزك تشعللي راكان بليلى، أنا النهاردة اتأكدت أخوكي لو بعد عنها ممكن يحصله حاجة، انتِ مشفتيش عمل إيه تحت.
نظرت بشرود وأكملت.
- ليلى مش لازم تطلع من البيت دا، ودلوقتي أنا هتصل بنوح يجي هو اللي هيقدر يوقف راكان، غير أنها بنت خالته. انتِ اهتمي بليلى واشتغلي على نورسين فهماني طبعًا.
احتضنتها سيلين وطبعت قبلة على وجنتيها.
- زوزو حبيبتي عايزة بوسة كبيييرة اووووي.
لكزتها زينب.
- بكاشة أوي ياسيلي، إنما فين دكتور الستات؟ ياخوفي ليكون بيجري ورا ست.
قالتها زينب وتحركت وهي تضحك عندما وجدت نظرات سيلين النارية.
- خلي بالك من ليلى.
على صعيد آخر عند راكان وصل إلى غرفته بالأعلى، وانفاسه يكاد يلتقطها بصعوبة. وقف أمام المرآة ينظر لصورته التي تشوهت وحدّث حاله.
- ليه تعمل فيا كدا؟ لدرجة دي شايفاني وحش قوي كدا؟ طيب فين الحب اللي بتقول عنه؟
شعر بالأختناق، فقام بفك زر قميصه وألقاه على الأرض بغضب بعدما وصلت لرئتيه رائحتها ثم اتجه لمرحاضه. دلف لكابينة الاستحمام وقام بفتح المياه الباردة عله تطفي نيران صدره المشتعلة من ذاك الحب الذي دمر حياته. ظل لبعض الوقت وهو يلكم الحائط على قلبه المكلوم. استند على حوض الاستحمام بعدما خارت قواه منحنياً الجسد، وبكى بصمت كاتمًا صرخة توغلت بصدره.
هوى جالساً وعبراتها تحرق وجنتيه حتى شهق بداخله وهو يبكي على مأساة قلبه المفطور. من الذي يشعر بكم الألم الذي بداخله؟ ربما اعتقد يوماً إنها نصفه الآخر الذي تشاطره أحزانه، ولكن ظنها أصبح كسراب، فهي التي أقسمت برب العزة أن تذيقه من الألم ما يكفي لإحراق قلبه.
ظل جالساً وهو منحني الظهر كالذي يحمل الكثير من حقائب الوجع التي أثقلته بطريقة مؤلمة.
فترة لا تقل عن ساعة وهو بتلك الحالة، حتى نهض وهو يلتف بمنشفة متجهاً للخارج وقام الاتصال بأحدها.
- عايزك تجهزلي بيت المزرعة، وأمن داخلي وخارجي، وكاميرات في كل مكان. المزرعة القديمة، والكلام يكون سري.
أغلق هاتفه ثم استدار ينظر إلى فراشه وألقى نفسه عليه وذهب بثبات عميق، هروباً من واقعه المرير.
بعد مرور عدة أيام، حاولت درة الاتصال بحمزة. أخذ يملي نفسه بالأكسجين الذي يحتاجه حتى يهدئ من حرقة صدره، فأجابها بهدوء.
- درة عندي قضية مهمة ومش فاضي، ممكن نتقابل على آخر الأسبوع هنتقابل.
اتجهت لوالدتها.
- ماما أنا هروح أزور ليلى من وقت مارجعت ومزرنهاش.
ربتت سمية على كتفها.
- أختك صعبانة عليا أوي يادرة، المهم طمنيني عليها، وشوفيها لو محتاجة حاجة عرفيني.
رفعت درة كف والدتها وقبلته قائلة.
- ليلى مش عايزة غير راكان دلوقتي يحسسها بالأمان بعد ما فقد الثقة فيها، وهي حاسة إنها ضايعة.
ضيقت سمية عيناها متسائلة.
- ليلى قالت لك حاجة؟ يعني راكان زعل منها عشان خبت؟
هزت رأسها رافضة وأجابتها.
- ابداً ياماما، انتِ عارفة بنتك مبتتكلمش في حياتها الشخصية، بس حسيت كل ما أزورها مابيكونش موجود.
تنهدت سمية بحزن وتحدثت.
- قسيت عليها جامد لما طلبت منها إنها ماتطلبش الطلاق من راكان.
مر شهر والحال كما هو بين ليلى وراكان بل أصبح مأساويًا، مشاركتهم الطعام أصبحت معدومة، يعود متأخرًا، وأحيانًا يمر أكثر من يومين دون وجوده. وصل مساء ذات يوم ودلف لغرفة مكتبه وهو يتحدث بهاتفه مع جاسر.
- طيب كويس جداً ياجاسر، خلي الراجل بتاعك ظله، عشان وقت مانوصله مايهربش زي كل مرة.
على الجانب الآخر أجابه جاسر حزيناً.
- لازم أوصله بأي طريقة صدقني محدش هيموته غيري ابن الكلب دا.
شعر راكان ببعض تأنيب الضمير عندما لمح نبرة الألم بحديثه.
- بنت عمك عاملة إيه إيه دلوقتي؟
مسح جاسر على وجهه بغضب.
- مش كويسة خالص ياراكان، ونفسي أوصل للحقير دا، وحياة كل دمعة نزلت من عينيها لأموته بأيدي الحيوان الكلب.
حاول راكان تهدئته فهناك شعور قاسٍ يفترس قلبه دون رحمة للحد الذي جعله يفتح زر قميصه وهو يتخيل زوجته في وضع ابنة عمه. فتحدث بصوت متقطع.
- متخافش هناخد حقها وحق أي حد تطاول عليه الحقير دا.
قالها بعينين مشتعلة وبشكل مخيف حتى برزت عروقه والغضب يتملك منه.
أغلق الهاتف وجلس محاولاً السيطرة على نفسه حتى أخرج جهازه وبدأ يلهي نفسه بالعمل. قاطعه طرقات خفيفة على الباب. دَلَفَت بهدوء. رفع نظره إليها لم يراها منذ أسبوع، يعاقب نفسه ويعاقبها بأشد العقاب.
تأمل براءة ملامحها المحببة لقلبه، وحركتها الخافتة التي تداعب الأرض بأقدامها وثغرها المفتون بحبة الكريز التي اشتاق لطعمها كاشتياق الأم لاحتضان رضيعها الغائب.
فاق من نظراته الخارقة لها عندما جلست أمامه.
- ممكن اتكلم معاك شوية.
أرجع بظهره يتكئ على المقعد، وأشعل تبغه حتى يلهيه بالبعد عن احتضانها فأشار بكفيه.
- سامعك يامدام، قولي اللي عندك.
تصارعت أنفاسها من حدته معها ونظرت إليه تكبح غلالة دموع غيمت مقلتيها قائلة.
- عايزة أمشي من هنا هنفضل لحد إمتى كدا؟ طلقني ياراكان عشان نرتاح أنا وأنت معدش ينفع نعيش تحت سقف واحد.
نفث دخان تبغه وهو يطالعها بصمت، ثم دنا ينظر إلى مقلتيها.
- إحنا مطلقين من يوم ما رفعتي قضية طلاق، ولو على حتة الورق اللي بينا فدي ملهاش لازمة ممكن تتقطع في أي وقت.
دنا أكثر حتى كادت شفتيه تلامس أذنها وهمس لها.
- انتِ متهمنيش، انتِ هنا مربية لابنك، عايزة الورقة تتقطع اتنازلي عن أمير.
تلقت طعنة غادرة بواسطة خنجر بارد لتشق أضلعها.
استدارت بوجهها إليه فكان قريباً جداً حتى تلامست شفتيها وجهه، ورغبة جامحة في صفعه على وجهه.
اشتعلت حدقيتها كجمرات ملتهبة من نظراته.
- طيب قطع الورقة اللي ملهاش أهمية دي.
ابتسم بسخرية، رافعاً حاجبيه وتحدث متهكماً.
- اعتبريها اتقطعت، بس عندي شرط لما تنفذيه.
اشتعلت نيران قلبها، لكنها تداركت لعبته فاستخدمت أساليبها بعدما فعلت مثلما فعل ونهضت متجهة إليه، وأمالت بجسدها فأصبحت قبالته تطوق عنقه بذراع والأخرى تتلاعب بياقة قميصه وهمست بجوار أذنه.
- هتطلقني ياراكان وبلاش تستفزني عشان هتخسر، وحياة قلبي اللي منبضش غير ليك لأندمك على كل اللي عملته.
جذبها حتى جلست فوق ساقيه وجذب حجابها من فوق خصلاتها التي انسدلت بعشوائية فكانت لوحة بريشة فنان أبدع في رسمها ثم أطلق ضحكات صاخبة جعلتها تتجمد بجسدها بين يديه عندما حرك أنامله بحرية على جسدها ودنا يهمس لها.
- بتغريني يالولة، جاية تغري راكان البنداري في ملعبه.
تسمر جسدها من حركاته التي جعلت جسدها كالمشلول وهو يضع رأسه بعنقها هامساً.
- على فكرة انتِ مش مراتي دلوقتي، يعني على ما أظن وجودك معايا لوحدنا حرام.
كلماته فتت قلبها لشظايا متناثرة، وطعنت بكرامتها. هبت كالملسوعة تلكمه بصدره وعبراتها تحرق وجنتيها.
- انت إيه مش معقول تكون بالقسوة دي كلها، طلقني ياراكان بقولك مستحيل أفضل معاك في بيت واحد.
أحس بقبضة تعتصر قلبه، فابتلع ريقه الجاف ثم.
نهض من مقعده وحاوطها بذراعيه.
- مفيش خروج من البيت دا قبل جوازي، بعدها يبقى هفكر أقطع الورقة اللي بينا.
أطلت من عينيها نظرة جوفاء قاسية وبأنفاسها الرقيقة الحارة التي أحرقَت جانب وجهه. ابتلعت غصة وتحدثت قائلة وهي تلكمه بصدره.
- هستنى لحد ما تتجوز إن شاء الله ودا عشان أثبت لنفسي إنك ولا حاجة يا أكتر واحد كرهني في نفسي.
صمتت بعدما فقدت اتزانها وأكملت وهي ترفرف برموشها تكبح غلالة دموع توخز جفنيها.
- أنا مسحتك من حياتي كلها، وزي ما قولت دلوقتي إحنا في حكم المطلقين ماتدخلش في حياتي، زي ما أنا مش هدخل بحياتك.
فتح الباب وهو يحاوطها بين ذراعيه، دَلَفَت نورسين.
- حبيبي خلصت، إيه مش هنخرج؟
نهرها صارخاً.
- إزاي تدخلي كدا من غير إذن، اطلعي برة لحد ما أبعتلك.
تفاجأت نورسين من وقوفه بتلك الطريقة يحتضن ليلى، وهو الذي كان يحادثها بالصباح ويعتذر منها. والآن ردة فعله القاسية التي أشعرتها بالاختناق، فاكفهرت تعابيرها وحاولت السيطرة على نفسها قائلة:
- تمام حبيبي، هستناك. منتأخرش عليا.
وقفت ليلى بألم مفرط اجتاح كل خلية بجسدها وروحها تتمزق. فهمست له:
- روح لها، بلاش تتأخر على الكوين بتاعتك.
قالتها، ثم دفعته وتحركت للخارج بخطوات تأكل الأرض كالنار التي تأكل سنابل القمح. سارت بخطى مسرعة حتى لا ينتبه لدموعها ونشيجها الذي أصاب قلبها قبل عينيها، وغصة مسننة تمنع تنفسها. تتسائل بنفسها:
- لماذا يفعل بها كل تلك القسوة؟ كيف لها أن تعشق رجل ذنوبه أكثر من حسناته في الحب؟
لقد سلب عقلها كما سلب قلبها، فعليها أن ترد له الصاع صاعين كأي أنثى تتورم كرامتها من زوج مثله. وصلت إلى غرفتها القديمة التي حرمها منها، وصاحت على العاملة:
- فين مفتاح الأوضة دي يا نعيمة؟
نظرت نعيمة بإنظارها للأسفل قائلة:
- مع راكان باشا يا هانم.
ضربت قدمها بالأرض وصاحت بغضب:
- روحي هاتي منه المفتاح، قوليله مدام ليلى مش مرتاحة في الأوضة التانية.
وصل إليها بعد دقيقتين يطالعها بنظرات نارية:
- واقفة كدا ليه؟
اقتربت منه وأشارت على الغرفة:
- دي أوضتي أنا، ليه مقفولة؟
ضغط على ساعديها وتحدث وهو يجز على شفتيه:
- كلمة كمان وهنسى إنك مراتي وهعاقبك أشد العقاب.
أشارت بسبابتها ناهية إياه:
- أنا مش مرات حد، سمعتني؟ أنا هنا أرملة البيت دا.
جذبها من خصلاتها يقربها من وجهه ضاغطا على فكها:
- مراتي تنام في أوضة جوزها يا محترمة. كلمة زيادة ولا غلط في رجولتي وكرامتي هدوس عليكي. مش تفكري حبي هيشفع لك. ودلوقتي روحي على أوضتنا، ووقت ما يجلي نفس يبقى اجيلك.
أحست بالدوار يلف رأسها وكأنها تلقت ضربة قوية بعصا غليظة، جعلها ترتد للخلف بعدم اتزان. طالعت عيناه تغرز نظراتها داخل مقلتيه:
- راكان، انت بتقول إيه؟
تركها واستدار سريعا بعدما شعر بالضعف من نبرة صوتها الحزينة. فتحرك متجها للأسفل دون حديث آخر.
وبعد وقت من التفكير دام لوقت ليس بقليل، وجدت أن الدفة ستنقلب عليه.
ولجت غرفته وهي تنظر إلى أراكانها، صارخة وهي تجذب خصلاتها بعنف:
- آآآه، ليييييه يا راكان تعمل فيا كدا ليه؟
أغمضت عيناها وجلست تجمع شتات نفسها، وأقسمت بداخلها أن تأخذ حقها.
باليوم التالي، دلف مع العاملة، وجدها تجلس بالشرفة تضم ركبتيها وتضع رأسها عليها تنظر للخارج بشرود. اتجه لغرفة الملابس، وأشار للعاملة بحمل كل ما يخصه بها. ثم اتجه إليها، ظل يراقبها لبعض اللحظات. شعرت بوجوده من رائحته، ولكن لم تعره اهتمام. جلس بمقابلتها وتحدث:
- اجهزي عشان فيه حفلة عيد ميلاد مرات واحد صاحبي، لازم تيجي معايا.
- خد مراتك التانية، أنا هنا أم لأمير وبس، مالكش دعوة بيا، ومفيش حاجة هتجمعنا تاني.
رفع ذقنها بأنامله قائلا بهدوء:
- فستانك على السرير، قومي جهزي نفسك عشان هنتحرك بعد ساعة.
نفضت ذراعيه بعيدا عنها:
- متحاولش تلمسني تاني، قولتلك مش هروح معاك في حتة، وامشي اطلع برة مش عايزة اشوفك قدامي.
- تمام، قالها ثم نهض متحركا للخارج دون حديث آخر.
بعد أسبوع من آخر حديث بينهما.
دلت سيلين بعدما فتحت فتحة بسيطة من الباب:
- ممكن ادخل يا فلفل نار؟
استدارت ترمقها بنظرات نارية، تضرب كفيها ببعضهما:
- كان ناقصني كمان أم لسانين.
دلت تتحرك بهدوء وتطالعها بشماتة، ثم جلست وهي تضع ساقا فوق الأخرى:
- ماقولتلك مش يولع في الراجل إلا نيران الست، وانت إيه قال إيه كرامتي. روحي بصي من الشباك وشوفيه قاعد تحت إزاي ولا على باله. خليه حابسك في أوضته هنا وهو يتمتع بالجمال الاصطناعي تحت.
نهضت وامسكتها ثم أوقفتها أمام المرآة:
- بصي على نفسك كدا، شوفي وشك عامل إزاي، ولا لبسك. بتحسسيني قاعدة مع أمي.
مطت شفتيها للأمام كالأطفال وهي تدور حول ليلى:
- مش هضحك عليكي، راكان مش بتاع لبس ومكياج، بس مفيش راجل يشوف دلع الست مع حد تاني ويسكت.
جلست ليلى ترمقها بسخرية:
- بس يابت يا هبلة، إيه أفلامك العربي الهابطة دي. أنا وأخوكي هنطلق، وقبل ماتتكلمي عايزة أقولك حاجة.
- صدقيني معدش يعنيلي يا سيلين، راكان وجعني أوي، واحنا الاتنين خلاص مينفعش نقعد مع بعض. لو سمحت بلاش تضغطي عليا حبيبتي، هو ميهمنيش.
قالتها بنبرة حزينة متألمة، ثم اتجهت إلى الشرفة ووقفت تعقد ذراعيها أمام صدرها وأشارت بعينيها عليه:
- شوفي كدا، دا واحد ممكن تحزني عليه. شوفي لو مكاني تتحملي تشوفي يونس بالوضع دا.
انزلقت عبرة غادرة على وجنتيها، أزالتها سريعا:
- أنا تعبت واتقهرت بما فيه الكفاية. صدقيني من كتر وجعه فيا معنتش بحس بالوجع.
استدارت بظهرها له ونظرت إلى سيلين وأكملت بقلبها المفطور:
- يمكن متعرفيش الكلام اللي هقوله دا، بس راكان مش شخص عادي بالنسبالي عشان أسامح على غلطه. فياريت متغطيش عليا. عارفة إنك زعلانة، بس حقيقي هو اتمادى في جرحي كتير.
أشفقت سيلين عليها كثيرا، فربتت على كتفها وسحبتها للداخل:
- آسفة يا ليلى، مش قصدي أزعلك. طيب احنا قلبناها نكد كدا ليه؟ إيه رأيك نرقص نغير شوية النكد دول.
جلست وشعورها بالاختناق سيطر عليها حتى فقدت التنفس، وعيناها الغائمة بالدموع تحاول السيطرة عليها حتى لا تسقط عبراتها قائلة:
- ماليش نفس، عايزة ارتاح لو سمحت.
جذبتها سيلين إلى غرفة ثيابها:
- والله أبدا.
نظرت بثيابها وجدت قميصا باللون الأخضر الداكن. ظلت تحت يدي سيلين لدقائق، ورغم اهتمام سيلين بها، إلا نيران قلبها تحرقها دون رحمة كلما تذكرت هيئة جلوس نورسين بأحضانه، تعض أناملها من الغيظ، تود لو تصرخ وتعبأ الدنيا صراخا على ما يفعله بها معذب قلبها. لحظات حتى استمعت لصوت الموسيقى. نهضت وهي تقسم لنفسها أنها ستلقيه كما ألقاها. جذبتها سيلين وبدأت تتمايل معها على الموسيقى، وجسدها يتمايل كمعزوفة موسيقى.
قبل قليل، لمحها وهي تقف بشرفة غرفته وتواليه ظهرها. علم حينها بأنها غاضبة حد الجحيم من وقفتها ودلوفها للداخل بتلك الطريقة، حتى إنها لم تعر النظر إليهما. نهض وتحدث إلى نورسين:
- بعدين يا نور نتكلم في الفرح. أنا كان عندي شغل كتير النهاردة وبكرة عندي قضية في أسيوط. لازم أنام بدري.
حاوط وجنتيها وتحدث:
- لما ارجع من السفر وعد، هنحدد معاد الفرح. وزي ما قولتلك قبل كدا، متشغليش بالك بموضوع ليلى. أنا وليلى حياتنا خاصة بينا احنا الاتنين، زي ماهتكون حياتي أنا وانت خاصة بينا.
حضنته وهي تحاوط جسده قائلة:
- انت مش قولت هتطلقوا قريب؟ ليه خليتها تقعد في البيت تاني؟ وليه أوضتك اللي كنت بتقولي اعتبريها أوضتك؟ أنا مبقتش فاهماك يا راكان. وساعات بتأكدلي إنها حبيتك، وساعات أحس إنها عدوتك. ممكن أعرف انت عايز منها إيه بالضبط؟
كان يرمقها بنظرات هادئة، ورغم هدوئها إلا أنها كانت تقيمية. فتحدث قائلا:
- ليلى آذتني كتير يا نور، ولازم أرجع حقي وحق ابن أخويا الأول. مفيش طلاق إلا لما تتنازل عن أمير. روحي يا نور وبعدين نكمل كلامنا.
مطت شفتيها وحملت حقيبتها قائلة:
- تمام حبيبي. هنشوف آخرة ليلى إيه.
تحرك معها إلى أن وصل إلى سيارتها وتحركت بها مغادرة.
ظل واقفا لبعض الدقائق يتابع تحركها حتى خرجت كاملا من الحديقة. جلس لبعض الوقت حتى وصل لهاتفه إشارة. ابتسم بسخرية على قدره.
بالسيارة، فتحت هاتفها:
- أيوة يا أمجد، انت غبي عمال تتصل بيا وأنا مع راكان.
حك أمجد رأسه يشعر بتعجب ممزوج بالغباء، فتحدث:
- أنا مش مرتاح يا نور لراكان. حاسة كاشفك معرفش ليه.
ابتسمت ونقرت بأصابعها على المقود وتحدثت:
- لا متخافش، مستحيل يفهم العلاقة بينا. المهم استعد عشان حبيبة القلب هتكون عندك قريب. بس متنساش حلاوتي. هو هيسافر أسيوط بكرة وبعد كدا هنحدد على الفرح.
أطلق أمجد ضحكة صاخبة وأردف:
- طيب ماتيجي وحشتيني، وأهو العريس مش موجود. ونشوف هنبعد ليلى إزاي. معرفش جايبة الثقة دي كلها منين.
- أوكيه حبيبي، بكرة أكون عندك. بس المهم بلاش قاسم باشا يعرف، وجدو توفيق لو عرف هيولع فينا احنا الاتنين.
قالتها وضحكة سخرية على وجهها.
عند راكان، اتجه بعد قليل إلى جده. وصل إلى منزل عمه ومنه إلى غرفة جده. وجده يستعد لنومه. دلف إليه:
- عايز اتكلم معاك.
أشار توفيق بالجلوس، وهو تسطح على مخدعه قائلا بصوت متعب:
- سامعك يا راكان.
جلس راكان وطالعه متسائلا:
- ليه قاسم بيراقب حمزة؟ وبلاش تقولي مش عارف.
سحب نفسا عميقا ثم طرده قائلا:
- أنا معرفش ليه، بس اللي اعرفه إن فيه قضية مع حمزة لخصمه. ومش عايز حمزة يكسبها.
أومأ راكان ثم تساءل:
- طيب هيستفاد إيه لما يوقف يونس عن العمل؟
جحظت أعين توفيق متسائلا:
- قاسم عايز يوقف يونس عن العمل ليه؟
صمت راكان للحظات ثم تساءل مرة أخرى:
- ليه عايزني أطلق ليلى؟ وبلاش تقولي كلامك اللي ميقنعش طفل دا.
رجع توفيق بجسده لظهر الفراش وتحدث:
- هتصدق جدك ولا هتصرخ وتقول أنا واحد مجرم كعادتك؟
ابتسم راكان بسخرية:
- توفيق باشا متلعبش عليا بدور الحنية دا مش نافع معاك. هات من الآخر وقولي إيه مشكلتك مع ليلى؟
أطبق على جفنيه وتحدث:
- ليلى ابن الشربيني مش هيسيبها. بيقول هيجيبها حتى لو في حضن أمها. بيقول هي السبب في دا كله. رفع نظره إلى راكان قائلاً:
- مكنتش أعرف إنك بتحبها. صدقني كنت فاكر إنك بتعمل كدا وخوفك عليها عشان أمير. بس إنها تهمك مكنتش أعرف.
نهض راكان وكأن جده وضع بنزيناً مشتعلاً بصدره بعدما علم بنية ذاك الحقير. توقف لدى الباب قائلاً:
- تعرف مكانه فين ولا لأ؟
شعر بألم يتسرب لجسده فنظر إليه بخوف:
- حبيبي ابعد عن أمجد. دا واحد حيوان وبيعمل كل حاجة. مش عايز أخسرك يا راكان. كفاية وجعي على سليم.
استدار يفترس ملامحه وصاح بغضب:
- محدش قتل سليم غيرك. ومحدش هيقتلني غيرك. دنى منه وهو ينظر لمقلتيه:
- عايز تفهمني إيه يا باشا؟ إنك بقيت رحيم بينا وبتخاف علينا. طيب من إمتى وأنت إيدك ملوثة بدم ابنك ومراته؟ وكنت ناوي تخلي أمجد الحقير يخطف ليلى مع صورك الحقيرة وتيجي وتقولي شفت مراتك الخاينة؟ مع كل راجل شوية.
هز توفيق رأسه رافضاً:
- وحياة ربنا يا ابني ما أنا اللي عملت الصور دي. والمفروض تشكر ليلى عشان وافقت. لولا كدا كانت سمعتكم بقت في الأرض.
قطب مابين جبينه متسائلاً:
- يعني إيه؟ مش فاهم؟
نهض متوجهاً ووقف بمقابلته:
- هو أخد الورقة اللي ليلى مضتها في مقابل الصور دي. معرفش عمل الصور إزاي. أنا منكرش ضغطت على ليلى عشان الصور دي. وحذرتها بس أقسم بالله من خوفي عليك. محبتش تخرج من وظيفتك بفضيحة. أنا مش وحش يا راكان. هي رفضت وصرخت وقالت مستحيل اتنازل عن جوزي. البت وقتها اشترتك بس أنا اللي ضغطت جامد. ومش أنا اللي خطفت أبوها. دا الحقير هو اللي عمل كدا.
دقق راكان النظر بعينيه وتحدث:
- لما أنت مش بتحبهم ليه لحد دلوقتي ماشي معاهم؟ استدار توفيق لمخدعه قائلاً:
- اطفي النور عايز أنام. تحرك راكان مغادراً دون حديث آخر. اتجه لقطته الشرسة حتى يضايقها وينظر لسواد عينيها الذي يسحره ويجعل دقاته تعزف باسمها.
استمع للموسيقى وضحكات أخته بالداخل. فتح زاوية من الباب وعقد ذراعيه يطالعها بنظرات هائمة. هذه الفتاة حقاً ستؤدي إلى هلاكه.
جانب منه سعيد ومنبهر وجانب آخر يريد جذبها من خصلاتها. وهي تتمايل بجسدها كمعزوفة موسيقية بجوار سيلين التي تمسكها من كفيها لتدور بحركة كالفراشة المبهرة.
عقد ذراعيه مستنداً على الجدار مبتسماً. لحظات مرت وهو واقفاً يشتهي عناقاً يخفف وطأة احتراقه من ابتعادها. تحرك بعدما فقد قدرته على التحمل.
كانت تدور وابتسامتها تشق ثغرها. فجأة وجدت من يحاوطها بذراعيه. تجمد جسدها وكأنها ليست التي كانت مثل الفراشة. واهتز جسدها ترجع عدة خطوات للخلف. بعيون مرتعشة وأنفاس مرتفعة تعلو صدرها.
دنى حتى اخترق قانون المسافات التي وضعها كلاهما. مما غلفت رائحته رئتيها. فمنعت تنفسها.
حاصرها بذراعيه بينه وبين الحائط. رجفة أصابت جسدها. وكأنها فقدت الحركة والكلام. بلعت ريقها وحاولت تجميع الحروف. لحظات مرت عليها كالدهر عندما وجدت عيناه تعانق عيناها. ثم تحدث بخفوت:
- يعني هربتي وجيتي هنا مفكرة معرفش أوصلك.
دقات عنيفة أصابت قلبها من قربه. استجمعت شتات نفسها وقوتها. ووضعت كفيها أمامه قائلة بصوت جعلته متزناً بعض الشيء:
- ابعد لو سمحت. أنت كدا بتتخطى حدودك
توسعت عيناها متسائلة:
- هو حضرتك اللي طلبت منه يتجوزني؟
أومأت زينب برأسها مردفة:
- أيوه أنا اللي ضغطت عليه عشان يتجوزك، وأنا برضه اللي هضغط عليه عشان يطلقك. بس لازم نتفق، ووعد مني يا ليلى هخليه يطلقك عشان ترتاحي أنتِ وهو.
فرت دمعة من عينيها تسيل فوق وجنتيها ببطء، فهمست بشفتين مرتجفتين:
- يا ريت، هكون ممنونة لحضرتك، عشان إحنا مبنعملش حاجة غير إننا نأذي بعض.
نهضت زينب وهي ترمقها قائلة:
- أمير هيكون معايا تلات أيام في الأسبوع، ماهو مقدرش أستغنى عنه. مش هقولك هيبات معايا فيهم، بس ممكن تسيبيهولي ليلة يبات معايا.
نهضت ليلى تقف بمقابلتها:
- حاضر يا ماما، مقدرش أبعد عنك أمير. خانتها قدمها فجلست وهي تقول:
- لو ينفع أسيبه هسيبه، بس لسه صغير، وكمان مقدرش أبعد عنه.
رفعت نظرها إلى زينب متسائلة:
- بس تفتكري راكان هيوافق؟ دا بيقولي اتنازلي عن أمير.
ربطت على كتفها ونظرت إليها متهكمة:
- عشان أنتِ غبية يا بنتي. هو عارف ومتأكد إنك مش هتتنازلي عليه، فبكذا بيربطك جنبه. مش بقولك هو بيبين قدامك إنك ولا حاجة. كسرتيه يا ليلى للأسف. قالتها وتحركت مغادرة.
هنا تركت عبراتها لتتحرر من مقلتيها:
- إيه زعلانة ليه؟ مش دا اللي كنتِ عايزاه؟ أهو هيطلقك. قالتها ليلى لنفسها.
قاطعها وصول نورسين وهي تشير إلى يونس:
- هاي يونس، عامل إيه.
استدارت ليلى تطالعها بنظرات نارية بعدما وجدتها بتلك الثياب العارية. ضغطت على فستانها بقوة، وهي تتابعها بعينيها حتى دلفت للداخل.
نهض يونس وهو يسحب كف سيلين حاملاً أمير متجهاً إليها بعدما وجد نظراتها إلى نورسين:
- مساء الخير مدام ليلى. قالها يونس وهو يجلس بمقابلتها.
- مساء الخير يا دكتور.
حمحم ثم تحدث:
- روحتِ للدكتورة النهاردة ولا لأ؟ معادك كان المفروض من أسبوع وأنتِ حددتي ومرحتيش وقتها وكمان حددتي النهاردة.
نظرت للبعيد متنهدة ثم أجابته:
- إن شاء الله. شكراً لاهتمامك يا دكتور.
أومأ برأسه دون حديث، ثم اتجه برأسه إلى سيلين:
- هو راكان لغى الفرح ولا إيه؟ مش كان المفروض هيكون يوم عشرة في الشهر.
فركت سيلين كفيها وأشارت بعينيها إلى ليلى حتى لا يتحدث، ولكنه أكمل حديثه بمغذى:
- معرفش ليه كل ما راكان ييجي يتجوز تحصل مصيبة. ممكن دا يكون إشارة من ربنا.
رسمت سيلين ابتسامة بعدما علمت ماينتوي عليه:
- آه تصدق، والله صعبان عليا. حتى في فرح سليم لما كان عايز يعمل فرحه على حلا، وحصل مشكلة وسافرت واتلغى الفرح.
وضع يديه تحت وجنتيه وتحدث:
- أنا فاكر جوازته الوحيدة اللي تمت بهدوء بتاعة شمس، وفي الآخر صحي على كابوس.
أرجعت ليلى بمقعدها وعيناها على تلك الغرفة وأذانها مع يونس، ونيران قلبها المشتعلة بالغيرة. شعرت بلهيب يكوي صدرها فنهضت تحمل ابنها متجهة للداخل. وجدته يجلس على مائدة الطعام بجوار نورسين ويتحدثون. رفع نظره إليها وتحدث:
- هاتي أمير يا ليلى.
حاول الطفل النزول من بين ذراعيها بعدما استمع لصوته. أنزلته بهدوء، فخطى سريعا وهو يطلق ضحكات ويصفق بيديه:
- بابا.
نهض راكان يتلقفه بيديه وهو يرفعه للأعلى وضحكاته بالارتفاع. اتجهت مغادرة للأعلى بعدما احتضنه وأجلسه على ساقيه يداعبه ويتلاعب معه. توقفت على أول الدرج عندما استمعت لحديث نورسين:
- بتحب الأولاد ولا البنات يا راكان؟
ابتسم وهو يمسد على خصلات أمير:
- الاتنين حلوين، بميل للبنات أكتر بحسهم كيوتي كدا.
زمت شفتيها قائلة:
- اعمل حسابك مفيش أطفال قبل سنة من جوازنا.
كأنه لم يستمع إليه وتلاعب مع الطفل. وضع أنفه بعنقه يستنشق رائحة والدته ثم أغمض عيناه. قاطعته نورسين:
- مرضتش يعني يا راكان؟
اتجه بنظره إليها متسائلا:
- عن إيه؟
سحبت قهوته وارتشفت بعضها قائلة:
- مش هنجيب ولاد قبل سنة لازم نفرح بجوازنا.
نهض وهو يضم أمير قائلا:
- ومين قالك أنا عايز ولاد. كفاية عليا أمير.
ارتفعت دقات قلبها واتجهت تفتح المصعد مبتسمة بعدما استمعت لحديثه الذي أثلج روحها المشتعلة. بينما نورسين توقفت:
- يعني مش عايز ولاد؟ طيب إزاي ليلى كانت حامل؟
أشعل سيجاره ورمقها قائلا:
- كانت غلطة غير مقصودة والحمد لله اتصلحت.
اقتربت منه ونظرت لعيناه:
- راكان ممكن أفهم إيه علاقتك بالظبط بليلى؟ أنتِ توهتني.
تحرك ينادي إلى داليا مربية أمير:
- خدي أمير. وقولي لمدام ليلى اجهزي عشان خارجين.
اقتربت نورسين متضايقة:
- إزاي هتسبني وتمشي.
التفت إليها:
- عايزة تيجي تعالي. بس مرات نوح تعبانة، ولازم ليلى تزورها. أنا مانعها من الخروج غير بإذن.
قطبت جبينها:
- أنت حابسها.
نفث دخان تبغه وتحدث بمغذى:
- أنا بعاقب اللي يحاول يستغبياني. وهي استغبتني لما خبت عليا تهديد جدو. عندي شوية مكالمات شغل لو مفيش حاجة مهمة ممكن تروحي.
عقدت ذراعيها قائلة:
- لا هروح المزرعة معاك.
- تمام. هطلع أعمل شوية مكالمات وأخد شاور وأجهز.
أشارت لقهوته:
- طيب والقهوة.
نظر لفنجانه وأردف:
- لا خلاص اشربيها.
اتجه سريعا للدرج منه لغرفته. كانت تراقبه نورسين حتى اختفى.
أمسكت هاتفها وقامت بإرسال رسالة ثم اتجهت للخارج تنتظره.
بالأعلى أنهى عدة اتصالات ثم اتجه لمرحاضه وخرج بعد دقائق محدودة. ونظرات نورسين وأسئلتها ترواد تفكيره. هبط متجهًا إليها.
كانت تجلس أمام المرآة تقوم بتصفيف خصلاتها. دلف ووقف أمامها:
- مجهزتيش ليه؟
وضعت المجفف بغضب وأجابته:
- مش خارجة. خد عروسة المولد معاك وامشي من هنا.
جذبها من ذراعها بقوة يضغط عليها ثم أردف:
- عشر دقايق والأقيكي تحت يا إما هاجي ألبسك أنا. ودا مش تهديد أد ما هو أمنية. اقترب ولامس شفتيها بخاصته قائلا:
- وخصوصا إني فاضي الليلة ومش لاقي حاجة أعملها. فإيه رأيك نقضي وقت لذيذ.
دفعته صارخة وأشارت بسبابتها:
- تقرب مني تاني هموتك، سمعت ولا لأ.
اتجهت لغرفة ملابسها، تحاول السيطرة على كبت دموعها. ضغطت على صدرها وشهقة خرجت من فمها استمع لها. هو فسرها بتضايقها منه. أما هي بإشتياقها اللعين له. ضربت على صدرها وبكت:
- كفاية بقى بعد اللي عمله دا كله ولسه بدقله.
أخرجت ثيابها عندما استمعت لحديثه:
- خمس دقايق وهدخل ألبسك.
ارتدت ملابسها سريعا ودموعها تغرق وجنتيها من لعنة ذاك الحب الذي دمر قلبها.
خرجت بعد قليل وتحدثت دون النظر إليه:
- خلصت.
قيمها بنظراته قائلا:
- كده كويس. تعالي ياله.
بسط كفيه حتى يعانق كفيها، ولكنها دفعته وتحركت تدق نعليها بالأرض.
هبطت للأسفل وإذ بها تنصدم من وجود نورسين التي قالت:
- هنروح بعربيتك ولا بعربية العيلة.
ارتدى نظارته وأشار لسيارتها:
- اركبي عربيتك وحصليني. قالها وهو يجذب ذراع ليلى واتجه لسيارته.
نزعت كفيها متسائلة:
- إحنا رايحين فين والبت دي جاية معانا ليه.
اقترب ينظر إليها من تحت نظارته قائلا:
- رايح أسأل شيخ الجامعة إيه فيما تصلح لي زوجة. اركبي يا ليلى متخلنيش أفقد أعصابي.
اتجه بنظره لسائقه وتسائل:
- خلي محمود يتحرك من الطريق التاني. بلاش العمومي.
لوح بكفه إلى نورسين:
- اتحركي يا نور أنا وراكي.
هزت رأسها وابتسامة تشق ثغرها قائلة:
- وماله يا راكان. عملت زي ما توقعت وأخيرا هخلص من ليلى. قالتها وهي تخرج بسيارتها من الباب الرئيسي.
اتجه راكان إلى قائد أمنه:
- التليفون دا قبل ما أرجع عايز أعرف كل حاجة عنه.
استقل السيارة بجوارها وأمر سائقه بالتحرك.
بعد أكثر من نصف ساعة بالسيارة كان يعمل على جهازه المحمول وهي تنظر من النافذة. استمع لرنين هاتفه:
- أيوة يا محمود.
على الجانب الآخر:
- زي ما حضرتك توقعت يا فندم. وللأسف عندنا مصابين. أعدادهم كبيرة جدا.
كور قبضته قائلا:
- ارجع بفريقك يا محمود. والمصابين خدها على مستشفى يونس. واتصل بجاسر وشوف شغلك.
استدارت بجسدها إليه وتسائلت:
- فيه حاجة.
توجه للسائق:
- ارجع يا محسن على القصر تاني.
جحظت عيناها متسائلة:
- فيه إيه ومين مصاب؟ واحنا كنا رايحين فين؟
لم يكترث لأسئلتها وأعاد لجهازه. تلقى رسالة من أحدهم:
- الورق دا قدمه للنائب العام. وبلاش تبان في الصورة. وبالليل هبعتلك مكان أمجد الشربيني. وخلي بالك على أختك ومراتك. متراقبين. وشوف حراسة بيتك كويس.
ران صمتٌ مريبٌ وهو ينظر بكل الاتجاهات عله يصل لفكرة حتى يخرج من ذاك المأزق. استمع لرنين هاتفه:
- أيوة حبيبتي. آسف. ليلى تعبت ورجعت في الطريق واضطريت أرجع.
صاحت ليلى بصوتها مما جعله يضع كفيه على فمها وهو يستمع لنور:
- تمام. لا هسافر يومين كدا مش دلوقتي.
تجمدت الحروف على شفتيها بعدما ضمها لصدره وهو يضع كفيه على فمها. ولكنها فاقت من حالتها وهي تستمع بنعته لتلك بحبيبته:
- إزاي تسمح لنفسك تقول عليا كدا.
نظر بهاتفه وتحدث بهدوء:
- صوتك ما يعلاش.
رفع الهاتف وتحدث:
- حمزة قابل محمود وجاسر وشوف هتوصلوا لأيه.
صمت يستمع لحمزة فأجابه:
- لا النهاردة مش هروح النيابة حاسس بشوية تعب. أنا كنت عايز أشوف نوح. بس بعد اللي حصل رجعنا تاني.
زفرت غاضبة بعدما علمت بوجهتهم:
- إحنا كنا رايحين المزرعة عند نوح. طيب ماقولتش ليه؟ هو سر حربي. وبعدين دا مش طريق المزرعة.
استدار إليها موبخًا إياها:
- كلمة كمان هنزلك في الطريق.
ابتسمت بسخرية وتحدثت متهكمة:
- آسفين لمعالي الباشا.
ضغطت بأسنانها على شفتيها وهي تنظر للخارج مبتسمة فقد أفقدته سيطرته.
بعد فترة جلست مع سيلين بحديقة القصر. نهضت تعصب عينيها:
- تعالي نلعب مع بعض.
ضربت قدمها بالأرضية:
- والله يا سيلين لو وقعت في البيسين لأضربك.
تحركت خطوتين وهي تنادي على ابنها.
- ميرو حبيب مامي، انت فين؟ تعالى وديني عند سيلين.
أطلق الطفل ضحكات صاخبة.
ولكن سيلين توقفت بعدما وجدت أخيها متجهًا عليها.
فحملت أمير وتحركت متجهة للداخل.
تحركت ليلى خطوتين واذ بها تنصدم بحائط بشري.
ازاحت الوشاح من عصبة عينيها سريعا بعدما تسربت رائحته لرئتيها.
- إزاي توقف قدامي كدا؟
نظرت حولها تبحث بعينها عن سيلين وأمير ثم سبت سيلين.
اتجهت إلى راكان عندما استمعت حديثه.
- إيه صاروخ هيفرقع في وشي، مابراحة على نفسك شوية. أنا كنت جاي أقولك معزومين عند نوح على العشا، بس لقيت أنبوبة فرقعت في وشي.
دفعته بقوة حتى سقط بالمسبح وتحدثت هاذئة.
- طيب انزل طفي نفسك.
لتولع.. قالتها وتحركت سريعا تضع وشاحها على رأسها.
خرج من المسبح وهو يسبها وأخرج هاتفه وبعض متعلقاته.
استمع لضحكات بالخلف.
استدار وجده يونس.
- كلمة زيادة اقسم بالله هخليك تعوم زي البطة.
وضع يونس كفيه على فمه غامزا بعينيه.
- هو انا اتكلمت؟ انت غبي والله لو منك كنت شدتها وعمنا شوية وبلبطنا زي البط.
رفع نظره إليه مستخفًا بحديثه.
- بلبطنا؟ جاتك القرف في مصطلحاتك المقرفة.
قالها وتحرك للداخل يبحث عنها.
دلف غرفتها استمع لصوت المياه خرجت وهي ترتدي ثياب الحمام.
تجمد جسدها من وجوده بالغرفة.
ساد صمت عميق بينهما مملؤ بالأشتياق.
محملا بنسمات رائحتها الندية التي وصلت إليه.
لحظات فقط.
اقترب منها.
تراجعت للخلف وأشارت على الباب.
- لو سمحت اطلع برة.
اقترب حتى حجزها بالحائط.
نظر لعمق عيناها قائلا.
- هتطلعي معايا فوق وهتغيريلي هدومي اللي بلتيها ومش بس كدا. البرد اللي حاسس بيه دلوقتي حضرتك هتنامي في حضني وتدفيني كمان.
اغمضت عيناها حتى تبتعد عن عيناه التي اوقعتها فريسة له.
لحظات فقط كفيلة لها أن يهيم بها عشقًا حتى نزلت من تحت ذراعيه متجهة سريعا.
وأشارت بسبابتها.
- راكان انا مسحتك من حياتي ومش بس كدا على اد حبي ليك على اد ماكرهت ضعفي. بكرهك ياراكان. ويا ريت تبعد عني.
قالتها وتحركت لغرفة سيلين وتركته واقفا متسمرا بوقفته عما فعلته به وقالته.
افترت شفتيه شبح إبتسامة تقطر وجعًا.
فأطبق على جفنيه يتناسى سحرها الذي ألقته عليه كتعويذة.
ثم أطلق تنهيدة حارة من جوفه يتبع قولا بنبرة مرتعشة.
- كدا كتير ياليلى وخطرك بقى اكبر على حياتي. تفتكري ممكن انسى في يوم من الأيام اللي عملتيه فيا.
باليوم التالي.
أشرقت الشمس بخيوطها وانعكس ضوئها الساطع يداعب عيناه.
شعر بآلام تتسرب بكامل عظامه.
تحرك بصعوبة متجها لمرحاضه لبعض الدقائق وخرج بعد قليل.
بعد قليل هبط للأسفل وجد الجميع على غرفة الطعام.
تحرك للخارج مردتيا نظارته الشمسية.
صاحت والدته.
- راكان مش هتفطر ولا تشرب قهوة.
هز رأسه من عدم قدرته على الحديث وتحرك للخارج.
تجمد بمكانه وهو يرى فرح ابنة عمه تدلف بطفلا صغير على ذراعيها بجوار والدتها قائلة.
- اذيك يابن عمي. عامل ايه ياآبيه؟
جذبها من ذراعيها متجها إلى منزل عمه دون أن يراها احد.
حاولت عايدة منعه والحديث معه ولكنه أشار بسبابته وصاح بصوته المتعب.
- اي كلمة اقسم بالله لتمشوا من البيت دا النهاردة ومش بس كدا. كل حاجة هتتحول النهاردة باسم بابا.
اقترب يرمقهما قائلا بتحذير.
- لو بنتك ليلى لمحتها عندنا في البيت صدقيني هحول حياتكم لجهنم. فخليكم عاقلين لحد مااخلص اللي قدامي وافضى لأشكال بنتك اللي رجعت ومهمهاش تحذيري.
قالها وتحرك بجسد منهك متعب.
حاول السيطرة على نفسه حتى وصل لسيارته بصعوبة.
مساء كانت تخرج من المطبخ تحمل كوبًا من الأعشاب دافئا.
دلف وتحرك بجوارها ولم يتحدث وكأنه لم يراها.
نظرت إليه مستغربة حالتها فهمست لنفسها.
- ماله دا أول مرة يعدي من غير مايعملي أبو زيد الهلالي.
ضيقت عيناها وحدثت حالها.
- ياترى بتخطط لأيه ياراكان. عارفة دماغك سم وبتفكرلي في مصيبة.
قاطعت حديثها مع نفسها سيلين وهي تتوجه سريعا إلى المطبخ.
- سيلين بتجري ليه كدا.
توقفت تفرك كفيها وتحدثت.
- راكان راجع تعبان اوي. هروح اخلي الدادة تعمله حاجة سخنة وشوربة كمان.
بسطت يديها بالمشروب.
- خدي دا لسة سخن أهو ادهوله دا حلو للبرد.
دفعتها سيلين.
- طيب روحي ادهوله وأنا هخليهم يعملوا شوربة سخنة كمان.
سحبت ليلى التي لا تعلم ماذا تفعل.
ادخلتها سيلين الغرفة.
- امير مع ماما قالت هيبات معاها الليلة وداليا استأذنت. نسيت أقولك. ادخلي حبيبتي شوفي جوزك والله تعبان قوي.
دلفت لأول مرة تلك الغرفة تبحث عنه وجدته متسطحا بثيابه على الفراش.
وضع المشروب على الكومودو واتجهت تيقظه.
- راكان فوق.
تجمد كفيها بعدما شعرت بحرارته.
حاولت اعتداله سريعا.
- راكان سامعني؟ قوم لازم تاخد شاور جسمك سخن اوي.
فتح جفنيه بتثاقل متمتم.
- ليلى أنا سقعان أوي.
اعدلته وقامت بفك زر قميصه بالكامل.
- حبيبي ساعدني ياله عشان تاخد شاور بارد.
هز رأسه رافضا.
- مش قادر.
حاولت ايقافه.
- ياله أنا معاك. ياله راكان. قوم.
تحرك معها خطوتين ولكن لم يقو على السير فهوى من بين يديها.
جثت بمستواه على ركبتيها انسدلت عبراتها.
- حبيبي لازم تقوم عشان خاطري. راكان جسمك سخن لو سمحت ياله حبيبي.
أطبق على جفنيه متألمًا.
دلت سيلين.
صاحت ليلى.
- سيلين وقفيه معايا لازم ياخد شاور.
دققت سيلين نظراتها بليلى المنهارة.
فربتت على كتفها.
- اهدي ياليلى. حاضر.
جذبوه واتجهوا به إلى المرحاض.
خرجت سيلين بعدما وقف تحت المياه الباردة.
- خليكي معاه لحد مايخلص شاور.
اغلقت الباب خلفها.
وقفت ليلى مذهولة وشل تفكيرها ماذا تفعل.
فتحت المياه بقوة عليه وهي تحدث حالها.
- ليلى جوزك تعبان لازم تركني كل حاجة على جنب دلوقتي.
قامت بخلع قميصه الذي ابتل وساعدته على خلع ثيابه.
ارتعش جسده وشهقة خرجت منه بعدما وصله إحساس بالمياه الباردة.
ظل لدقائق وكأنه يحلم.
اغلقت المياه وساعدته على النهوض.
ثم ألبسته ثياب الحمام.
وساندته وخرجت به حيث فراشه.
أحضرت ثيابه وساعدته باإرتدائها.
ودثرته جيدا وجلست بجواره تضع كمدات خافضة للحرارة بعدما أعطته بعض الأدوية خافضة الحرارة.
ظلت لعدة ساعات بجواره.
حتى غفيت بجواره وهي تضع كفيها على وجهها.
بعد فترة.
فتح جفنيه بتثاقل.
شعر بكفيها الموضوع على جبينه.
انزله بهدوء ثم رفع خصلاتها المتمردة على وجهها يتذكر ماصار منذ عدة ساعات.
دقات عنيفة كالطبول حتى شعر بإخراجها من صدره.
ظل يطالعها لفترة ليست بالقليل.
ابتسامة شقت ثغره وهي بجاورها.
ماذا يحدث لو ظل الحال بينهما كذلك؟
لماذا تفعل به ترنيمة عشقه وعصفوره الوديع به كل هذه الآلام؟
لابد لها من عقاب جسيم حتى يغفر لها.
ولكن كيف يعاقبها وهي نبض قلبه.
قلبه الذي لم يتعلم العشق سوى بها ومعها وحدها.
رفع كفيها وطبع قبلة مطولة عليه.
وهو مغمض العينين.
شعرت بأنفاسه الحارة على وجهها.
فتحت عيناها الجميلة بهدوء.
انتفضت مذعورة.
تضع يديها على جبينه.
ثم حملت الترمومتر لترى حرارته.
كان يناظرها كالأطفال على أفعالها الصبيانية.
فهتف.
- ليلى اهدي أنا كويس. حبيبتي والله انا كويس.
قالها وهو يمسك كفيها ويجذبها لجلوس بجواره.
تجمعت الدموع بعيناها وهي تلمس وجهه وتحدثت بنبرة حزينة.
- تعرف كنت هموت من الرعب عليك. مشفتش نفسك كنت عامل إزاي.
مسد على خصلاتها وأردف.
- آسف تعبتك معايا.
انزلقت عبرة على وجنتيها مسحتها سريعا.
- أنا اللي آسفة حبيبي لما زقتك في المية.
- ياااه ياليلى. حبيبك انت عارفة من إمتى مسمعتش الكلمة دي. يمكن خمس شهور.
نهضت واستدارت بعدما علمت انها أخطأت بذلة لسانها.
- هروح اجبلك حاجة تأكلها.
أحضرت وجبته الدافئة.
وقامت بإعتداله.
- راكان لازم تاكل أي حاجة عشان العلاج. ياله حبيبي.
رفع نظره إليها.
- لسة بتحبيني ياليلى بعد اللي عملته فيكي.
اقتفرت شفتيها إبتسامة مؤلمة فلمست وجهه.
- الموضوع مش لسة بحبك ياراكان. الموضوع انك الشخص الوحيد اللي مقدرش اتلاشاه من حياتي. عذبتني وعذبتك. غير بقيت مهم أوي في حياتي أنا وأمير.
بدأت تطعمه وهو يعانقها بنظراته فقط.
هربت من نظرات.
فمنذ وقت لم تجلس بجواره بذاك القرب.
ولازال قلبها الخائن ينظر إليه كحبيب رغم شعلة الوجع التي تحرقها دون رحمة.
شعرت بكفيه على وجنتيها.
ثم جذبها لتصبح بأحضانه يطبع قبلة على جبينها.
- انت بالنسبالي جرعة الهوا اللي بتنفسه ياليلى. مقدرش أعيش يوم واحد بعيد عنك.
رفعت عيناها ونظرت لتقاسيم وجهه وحركت أناملها عليه.
- تفتكر ينفع بعد اللي حصل دا كله.
أمسك كفيها يقبل أناملها كل واحد على حدة.
- طول ماقلبي بيقول ليلى هتفضلي ليلى اللي بعشقها.
حاوطها بعيناه التي تعترف لعيناها بكم العشق الذي يحمله لها.
تحسست وجهه بأصابعها المرتجفة فهي العاشقة لرجل مثله اخترق قلعتها واستقر بقلبها.
وضعت رأسها على صدره وآهة حارقة خرجت من جوفها.
- نفسي أعيش الحب معاك بدون خوف. نفسي لما اتوجع اجري عليك ارمي وجعي. مش انت اللي توجعني ياراكان.
نزل برأسه ليقطف من رحيقها مايشبع روحيهما أغمضت عيناها بإستسلام لسطوة عشقه.
تمنت أن يخفيها عن العالم أجمع.
تمنت لو يأخذ وجعها ببحر عشقه متناسيا ماصار بينهما.
تمنت وتمنت وتمنت.
حتى ألقت كل يؤلم روحها وبادلته جنته العاشقه كطائران من البلابل يغردان.
ظل يقطف من بحور عشقها عله يروي قلبه الملتاع ببعدها مايقارب الأكثر من شهرين كاملين.
اشتعل قلبه بنار العشق فلقد وصل إلى نقطة اللاعودة حاوطته بذراعيها لتنعم بدفئ عشقه الذي يشبه الخمر للمتلذذ.
رفرفرت بأهدابها تضع رأسها تتوسد صدره تستمع لدقاته العنيفة بعد رحلة عشق سطرها بجنون عشقه.
كل مرة يثبت لها إنها وحدها ملكة قلبه وحصن قلعته المتينة.
ليلة كتبت بها أجمل التعبيرات من كلمات العشق التي زينت حروفها شفتيه.
كانت تستمع لكلماته كأنها معزوفة موسيقى.
بعد ليلة اشتعلت بنيران البعد.
فلو دلف أحدهما غرفتهما ليقسم بنيران العشق تحرق كل مايحاوطهما.
تسطح وهو يجذبها عله يهدأ من نيران صدره على ماهو قادم إليه.
عند حمزة عدة محاولات لكي يصل إليه ولكنها باءت بالفشل.
حتى اتجه إلى يونس الذي يغفو بسبات عميق بسبب إرهاقهه.
ضغط على الهاتف ليمنع رنينه ولكنه أعاد الرنين مرة أخرى.
رفعه على اذنه.
- أيوة مين.
صرخ حمزة حتى هب فزعًا.
- يخربيتك، خرمت ودني إيه يابغل، فيه حد يتصل بحد في الوقت دا ويصرخ كدا.
كان حمزة يقف أمام النيابة وهو يقطع الردهة ذهابًا وإيابًا.
فتحدث بصوت متألم:
- راكان مش عارف أوصله، بقالي تلات ساعات وتليفونه مقفول، روح اكسر عليه الأوضة.
اعتدل يونس، يمسح على وجهه، يرجع خصلاته للخلف بعدما شعر بأن هناك شيئًا مأساويًا.
ورغم ذلك تحدث:
- ماهو أكيد مش هيكون صاحي الساعة تلاتة الفجر يابغل.
صرخ حمزة حتى هب فزعًا.
- فيه إيه يابني، يخربيتك قطعت خلفي المستقبلي.
سحب نفسًا ونظر حوله بضياع.
وهمس ما جعل يونس يهوى ساقطًا:
- درة وسيلين اتخطفوا من الساعة اتناشر، ومش جاسر انضرب بالنار وهو بيحاول يحميهم.
هزة عنيفة أصابت يونس حتى شعر بإنسحاب أنفاسه بالكامل.
وكأن الأكسجين سحب من الغرفة.
فهمس بشفتين مرتجفتين:
- مين اللي عمل كدا.
صاح حمزة ودموعه بالأنهيار:
- معرفش يايونس، اوصلي لراكان، أنا حاسس إني مشلول، مش عارف أفكر ولا أعمل حاجة.
تحرك يونس بساقين هلاميتين يجرهما بصعوبة وجسده ينتفض وهو يفكر بحبيبته.
- ياترى سيلين عاملة إيه دلوقتي.
أسرع متجهًا إلى منزل عمه، ولكن شعر بأحدهم يهوى فوق رأسه بشيء.
حتى سقط مغشيًا عليه.
عند ليلى وراكان.
بعد عدة ساعات فتحت الجميلة عيناها السعيدة.
وجدته يمسد على خصلاتها.
- صباح الخير حبيبي.
ثم أمال يطبع قبلة على شفتيها.
- صباح الحب والعشق على عيون أجمل واحدة شفتها عنيه.
دنى يهمس لها:
- تعرفي بحبك قد إيه، وحياة ربنا بحبك حب مايتوصفش، حب يكفي العشاق.
ابتسمت وهي تضع رأسها بعنقه.
- وأنا بعشقك ياراكان، بموت في شخص اسمه راكان البنداري.
ابتلع كلماتها التي روت قلبه وروحه.
وضع جبينها وسحقها بأحضانه.
- ليلى لازم تتأكدي إنك خاصة بيا أنا وبس، ومش مسموح لأي شخص طول ما أنا عايش يقترب منك.
تراجعت للخلف تنظر إليه بإستفهام.
- مالك ياحبيبي، ليه بتقول كدا، مش إحنا اتصفينا، ووعدتني إنك مش هتتجوز نورسين، ليه الكلام دا دلوقتي.
نزل من فوق مخدعه واختنق صدره قائلاً:
- ليلى.
استدارت له بعدما رفعت الغطاء تلتف به.
- نعم ياحبيبي.
ظل ينظر لها بصمت.
ثم أطلق قذيفته دون رحمة قائلاً:
- انتِ طالق.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سيلا وليد
حين تحزم قرارك، وعدة الرحيل، حين تحكم بأن ننتهي، ونُصدّ في وجه بعضنا أيامنا، لا تبقى في البعد تتلصص على حالي، وترقب اسمك ووصفك في أحد أسطري، تتلذذ أن تكون بطل القصيدة القادمة، والفارس الذي يتسيّد شجناً أسرته لنص قصير. حين ننتهي، لَفّ عليك الغياب مرتين، ارحل بكل حواسك عني، ولا تتعدى على حزني.
***
نزل راكان من مخدعه وتحرك بعض الخطوات، استدار يطالعها بنظراته الهائمة. كانت تجمع خصلاتها وتجمعها بسبب تبعثرها بشكل فوضوي، جمعتها للأعلى، فكانت حقاً جميلة تخطف البصر كقمر ساطع بالسماء. أطبق على جفنيه، وحرب شعواء بين قلبه وعقله، ولكن هنا نجح العقل على تمرد القلب، فهمس بلسان ثقيل:
"ليلى"
استدارت مبتسمة، كانت ابتسامة تشق ثغرها مما جعلها أمامه كتفاحة آدم المحرمة عليه.
"نعم حبيبي"
صفعة نزلت على قلبه كنيزك مشتعل، ابتلع ريقه بصعوبة وألقى قذيفته دون رحمة.
"إنت طالق"
قالها وتحرك سريعاً للمرحاض.
انكمشت ملامح وجهها ولمعت عيناها بالعبرات. فهمست دون وعي كالمذهولة على كلماته التي أحرقته.
"طالق؟ هو قصده إنه طلقني، مش كده؟"
انفجرت ضاحكة بدموعها التي نزلت كالمطر تغسل وجنتيها من الألم الذي اعترف جسدها. حجبت الدموع عنها الرؤية، استمعت إلى تحطيم الأشياء بالداخل. قبضة قوية قلبتها، وكأنها فوق جمرة من النيران، حتى شحبت ملامح وجهها. وهمست:
"راكان طلقني، يعني رماني من حياته"
هزت رأسها رافضة ما نطقه لسانها، تود أن تصرخ بأعلى صوتها ليصل ألمها إلى أعماق روحه.
انتفضت لصرخاته بالداخل، هنا فقط تأكدت بأنه فعلها، لقد ألقاها كفتاة ليل بعد ليلة نارية بينهما. زحفت بجسدها بهدوء مميت، حتى جذبت ثيابها وكآلة ارتدت ثيابها.
نزلت بقدميها المرتعشة كحال جسدها، وكأن الهواء انسحب من رئتيها، فشعرت بأن أنين قلبها جعل آلامها تجفف الدماء بعروقها. تحركت ببطء وكأنها تسير فوق بلور متناثر يشحذ قدميها. تحركت تسحب وشاحها المتدلي على الأرض كأنه يزيل أقدامها التي وصلت بها لتلك الغرفة.
وصلت غرفتها، دلفت وأغلقت الباب، ثم ولجت لمرحاضها وكأنها لا تشعر بشيء. انتهت بعد دقائق معدودة، ثم اتجهت إلى ركنها المخصص للصلاة. سجدت للذي لا يغفل ولا ينام.
دعوات خلف دعوات، قهر وظلم وافتراء على قلبها الضعيف. "اللهم إني مغلوب فانتصر" كررتها بعيون باكية وقلب منتفض. انتهت وبدأت تتلو بعض آيات الذكر الحكيم حتى غفت بمكانها.
عند راكان، دلف لمرحاضه، نزع ثيابه بغضب وكأنه يقتلع جلده بسبب غضبه من نفسه. وقف أمام المرآة ينظر لنفسه لعدة لحظات، ثم لكمها بقوة حتى تهشمت.
آهة عالية خرجت من جوفه محملة بعصارة الألم. وقف يبكي مأساة قلبه المفطور على ما فعله بها وبنفسه. هو يعلم أنه لم يستطع البعد عنها ورغم ذلك ألقاها بخارج حياته.
ردد لنفسه:
"ارتحت لما طلقتها؟ هتعرف تعيش وهي بعيد عن حضنك؟ طيب إنت كنت بعيد عنها، لكن فيه اللي يربط بينكم دلوقتي، مفيش رابط هتقدر"
"ملعون أبو الكرامة على الحب على الوجع اللي حاسس بيه ده"
آهة صرخ بها وهو يلقي قنينة عطره بالجدار حتى تهشمت وأصبحت متناثرة بكل مكان.
خرج سريعاً بعدما فقد قدرته على إبعادها عن أحضانه. تجمد بمكانه وأحس بأن ضلوعه تنكسر ضلعاً ضلعاً. نيران يشعر بها وكأن أحدهم وضع بنزين مشتعل بصدره.
هوى على مخدعه عندما لم يجدها وشعور مقيت جعله يكره نفسه من حالتها التي توجد عليها الآن.
تحدث بألم يفتت عظامه:
"سامحيني ياليلى، كان لازم نبعد عن بعض زي ما قلت. مبناخدش من بعض غير الألم"
اتجه بنظره إلى مخدعه وتذكر منذ قليل فقط وكيف هذا المكان كان يضج بنيران العشق، والآن أصبح بارد كبرود ثلاجة الموتى.
جذب بعض ثيابها التي سقطت على الأرض بين أقدامه، جذبها ينظر إليها وانسدلت عبرة من عينيه عندما وضعها يستنشق رائحتها بملء أنفه.
تسطح على الفراش يحتضن وسادتها ويستنشق عبير عطرها مغمض العينين كأنه سيفتح عينيه ويجدها أمامه.
مرت قرابة الساعتين. استمعت ليلى لطرقات ابنها فوق باب غرفتها.
اعتدلت تنظر حولها بعينين زائغتين ونظرات تائهة ضائعة وكأن روحها انسحبت من جسدها. دلفت البيبي سيتر مع ابنها وهو يهرول إليها.
"ماما"
جذبته بقوة تضمه لأحضانها.
أمسك أمير طائرته التي يلعب بها، وتحدث:
"ماما، بابا"
شهقت شهقات مرتفعة حتى وصلت إليه وهو يهبط على درجات السلم.
اتجه لباب الغرفة، توقف يرسم ملامحها الحزينة بقلب ملتاع. كانت تحتضن وجهه ابنها وتتحدث معه:
"ميرو، روح مع انطي داليا، خليها تغير هدوم ميرو وتلبسه هدوم حلوة عشان ننزل لنانة"
أحست ببرودة جسدها فتصلب كفوفها على وجه ابنها حينما شعرت بوجوده من رائحة عطرها، وتيقنت عندما اتجه ابنها يهرول إليه.
"بابا"
اعتصرت عيناها ووضعت كفيها على صدرها حتى تهدئ من ضربات قلبها العنيفة.
ضغطت على إسدالها حتى لا تصل إليه وتصفعه على وجهه. انحنى يرفع أمير وحمله يطبع قبلة على وجنتيه.
"صباح الخير حبيب بابي"
أمسك أمير نظارته من على وجهه وأطلق ضحكاته وهو يحاول أن يرتديها.
وضعها على خصلاته وهو يداعبه.
"عايز واحدة زيها"
كان يحادثه وينظر لتلك التي استدارت تواليه ظهرها.
نزل أمير من بين ذراعيه وأسرع إلى والدته ينظر إليها بنظارته. خلعها أمير ووضعها على رأس والدته وهو يصفق ويضحك بصوت مرتفع.
دلف راكان للداخل عندما وجد سكونها. نظر بجوارها وجد مصحفها وسجادة صلاتها. لأول مرة يكتشف جانباً بها مكتشف مع والدته. ابتسم بسخرية، فزواجهم منذ سنة ولا يعلم عنها شيئاً.
اقترب وصاح على داليا:
"داليا خدي أمير جهزيه عشان ينزل يفطر"
سحبته داليا وتحركت للخارج. أما هو فوقف مكبل الأيدي، لا يعلم ماذا يفعل حتى يهدأ من نيران المواجهة. سحب نفساً وطرده واتجه يجلس بمقابلتها على الأريكة.
"ليلى"
قالها بلسان ثقيل وشفتين مرتعشتين.
أطبقت على جفنيها من ذبذبات صوته التي اخترقت قلبها. كيف له أن تغفر ما فعله؟
كرر نداءه عليها مرة أخرى. التفت تناظره بعين هالكة من فرط الألم.
حاولت الحديث ولكن كأنها طفل لا يعرف الحروف، فتمتمت متعثرة بمقاطعة:
"ن.ع.م"
هنا شعر بتوقف النبض بأوردته وكأن جسده أصيب بصاعقة فجمد جسده.
تلاقت عيناه بعينيها. نظرت لعمق عينيه ونبض قلبها يحترق الألم بعد أن كانت منذ عدة ساعات وكأنها بساط سحري يسبح فوق سحابة وتطير بها بأجمل الأماكن. ولما لا وتوسدت صدره واستماع نبضه أجمل الأماكن وأقربها لقلبها.
استندت على الجدار خلفها وتاهت بنظراتها تنظر حولها بضياع متحدثة:
"أنا لسة هنا بعمل إيه؟ ممكن أكون مش قادرة استوعب اللي حصل ومفكرة نفسي في كابوس"
نظرت إليه عاجزة حائرة واهتزت أهدابها حتى انبثقت دمعة غادرة من طرف عينيها تحكي مقدار آلام روحها وقلبها المنفطر بما فعله بها.
انكمشت ملامحها بألم وأردفت:
"قولي ياراكان إن ده كابوس هتفوقي منه. قولي إنك مستحيل تكون قاسي وتنزل للمستوى الأجرامي وتعمل فيا كده"
رفعت كفيها المرتعشة تزيل عبراتها وهي تناظره بأعين مشوشة مختلطة بنيران قلبها.
"قولي إنك مستحيل توجعني بالطريقة القذرة دي وكأنك بتعامل فتاة ليل"
نزل وجلس على عقبيه أمامها، ثم بسط كفيها ليحتضن وجهها.
ابتلعت مرارة الألم ودفعته بقوة وتحدثت غاضبة:
"إيدك يا حضرة المستشار. انت دلوقتي راجل غريب، وإياك تقرب مني. انت مابقتش جوزي، انت دلوقتي زيك زي أي راجل غريب عني. ودلوقتي البيت ده ماعدش ينفع أقعد فيه دقيقة واحدة"
دفعته بقوة حتى سقط على ركبتيه وصاحت بغضب وعبراتها كالمطر على وجنتيها:
"أنا وانت دلوقتي أغراب، مافيش بينا رابط."
لكزته بقوة بصدره وهجمت عليه كالذي أضاع عقلها.
"بقينا أغراب يا حضرة المستشار؟ بقيت غريب عني؟ يعني مستحيل تقرب مني ولا تلمسني"
أشارت على صدره:
"ولا ليا حق حتى أبكي هنا"
نهضت ودارت بنظراتها على الغرفة وهي تشير لكل ركن بها.
"أنا هنا ليه وبأي صفة؟ ليه؟ نفسي أعرف. طيب كنت طلقتني من الأول، كان ليه لازمتها الأوضة دي"
جذبت الفراش وأسقطت مفروشاته.
"احرقهم. عايزاك تحرق كل حاجة هنا"
ضربت على صدرها بقوة:
"احرق ده عشان وثق في واحد زيك"
بدأت تهدأ رويداً رويداً عندما شحب وجهها فهمست بنظرة يشوبها الألم:
"كويس إنك طلقتني عشان أعرف أعيد ترميم نفسي من راكان البنداري اللي حياتي وقوتي اتدمرت من وقت ما قلبي حبه"
اتجه يقف بمقابلتها ولأول مرة يعجز عن صياغة الحروف لتشعر بكم الألم الذي يجتاح جسده بالكامل.
"ليلى، عايزك تفهمي مش انتي بس اللي بتتألمي. متفكريش طلاقنا مريحني، بس كان لازم أخرج من ضعفي. انتي بتضعفيني. موتي شخصيتي، بدل ماتقويني أضعفتيني"
***
استدارت له والأمتعاض باد على ملامحها، فتحدثت متهكمة:
"وانت دبحتني يا حضرة المستشار. ودلوقتي الستارة نزلت والكل فرحان بينا. معدش فيه وقت ولا مكان للبكى. انت أطلقت القذيفة في وشي حتى مفكرتش فيا"
"معدش فيه إلا حاجة واحدة أمشي من الجحيم ده"
اقترب يحاوطها بذراعيه.
"مفيش خروج من البيت. متنسيش إنك أم لأمير، والبيت ده ليكي فيه"
انسدلت عبراتها تهز رأسها رافضة حديثه.
"أهم حاجة مبقتش ملكي يا حضرة المستشار"
استدار سريعا عندما فقد سيطرته كاملا، فكان ألمه أضعاف مضاعفة لألم قلبها. فهي هوائه الذي يتنفسه.
هبط سريعا حتى لا يضعف أمامها. وجد والدته.
"صباح الخير ياست الكل"
قالها بصوت كاد أن يكون متزناً.
ابتسمت له تدقق النظر له:
"مالك ياحبيبي؟"
ليه لابس النضارة على الصبح كدا؟
هز رأسه وتحرك للباب الخارجي ولكنها أوقفته.
- مفيش خروج من غير فطار. وبعدين معرفش سيلين فين. ممكن تكون باتت مع ليلى. هروح أشوفها.
- يعني سيلين مش في البيت ولا إيه؟
استدارت له وتحدثت:
- ما أنا بقولك أهو. ممكن تكون باتت مع ليلى.
جلس يضع المحرمة على ساقيه وأردف:
- لا مش باتت مع ليلى. دلوقتي أشوفها. يمكن الزفت يونس جه اخدها. انتي ناسية عمايله السودة؟ استاهل ضربي بالجزمة إني وافقت أجوزهاله.
تحركت حتى وصلت إليه تمسد على رأسه:
- مالك ياحبيبي؟ حاسة فيك حاجة. بتتكلم بالعافية ليه كدا؟
- مفيش ياست الكل. هاتيلي قهوة عشان عندي شغل كتير النهاردة ومش هرجع.
رجع بجسده مغمض عيناه ولا يشعر بشيئا سوى احتراق صدره كأن أحدهم وضع بداخله جمرة مشتعلة. مرت بضعة دقائق حتى وصلت والدته بقهوته.
- أنا اتصلت بيونس كتير مابيردش.
قاطعهم وصول ليلى بحقيبة ملابسها وبجوارها أمير. هب فزعًا عندما وجدها تحمل حقيبتها بيد وتمسك أمير بالأخرى. تحرك إلى أن وصل إليها ثم أشار على حقيبتها وتحدث بلسان ثقيلا:
- رايحة فين بالشنطة دي؟
ضمت إبنها إليها وابتعدت بنظراتها عن مرمى عيناه تنظر بمقلتين دامعتين لزينب التي وقفت متسمرة تنظر بحزن إليها:
- شكرًا لحضرتك على كل حاجة. متزعليش مني لو جيت في وقت زعلتك. حقيقي كنت ليا نعم الأم في البيت دا.
اقتربت تحتضن كفيها:
- زي ماوعدتك أمير هيكون عندك وقت ما تحبي. ولو عايزاه يبات معنديش مشكلة. المهم تكوني راضية ومتحسيش إني اخدت حفيدك.
احتضنت زينب وجه ليلى قائلة:
- حبيبتي رايحة فين؟
اتجهت بنظرها لراكان الذي وقف وكأن أحدهم انتزع قلبه من جسده وهو يراها تخرج من منزله.
اقترب من وقوفها وابتلع ريقه الجاف:
- ليلى متمشيش من البيت دا دلوقتي. أنا بجهزلك بيت المزرعة بس لسة هيخلصوه على بكرة.
طبعت قبلة على جبين زينب وسحبت حقيبتها وامسكت كف ابنها وتحركت:
- بعد إذنك ياماما زينب.
نظرت زينب لأبنها حتى يبين لها مايحدث.
تحركت بحقيبتها ولكنها توقفت حينما صرخ بصوت جهوري:
- أنا مش بكلمك. قولتلك ممنوع تخرجي من البيت دا إلا بأمر مني.
استدار وبحزن يحرق روحها من جبروته تحدثت بهدوء رغم نيران قلبها المستعيرة:
- حضرتك طلقتني فبناء على إيه أقعد مع حضرتك؟ وياريت لما تتكلم معايا يكون في حدود أمير بس. اللي بيربطني بالبيت دا هو أمير وبس.
اقترب ونيران جحيمية تخرج من مقلتيه:
- حتى لو طلقتك مفيش خروج من البيت دا إلا لما أمر أنا.
شهقة خرجت من فم زينب:
- طلقت مراتك ياراكان؟
هوت على المقعد وهي تهز رأسها رافضة حديثه:
- طلقت مراتك. حتى من غير ماترجعلي. لدرجة دي امك مالهاش قيمة عندك؟
شعرت وكأنه غرس خنجر حادا بمنتصف قلبها.
سالت عبرة غادرة عبر وجنتيها تحرقها:
- استكترت أن ابن سليم يقعد هنا. دا كله ليه؟ عايزة أعرف بتعمل فيا كدا ليه يابني.
نهضت تمسك كف ليلى:
- أنا لما كنت بقولك هيطلقك كان مجرد كلام عشان أخليك تدافعي عن جوازك. قولت يمكن لما تلاقي الموضوع جد تتحركي. لكن طلعت غلطانة.
اتجه راكان يضمها. صرخت به:
- ابعد عني إياك تقرب. وزي ماعملت اللي في دماغك أعتبرني مش موجودة. انت إزاي تعمل كدا من غير ماتعرفني.
- ماما زينب أنا آسفة بس لازم أمشي دلوقتي. حضرتك عارفة مفيش حاجة خلاص.
قاطعتها زينب صارخة:
- لا ياباشمهندسة. البيت دا بيتك ولو حد هيمشي يبقى حضرة المستشار.
بأنفاس ملتهبة وقلب محترق اجابها:
- حاضر ياماما همشي من البيت. بس قبل دا كله أنا بحضر بيت لليلى من وقت ماأصرت على الطلاق. وبالكتير هيخلص على بكرة.
حاولت مقاطعته. أشار بسبابتيه قبل ماحضرتك تعترضي:
- ليلى لازم تمشي من هنا. فرح رجعت من يومين.
استدار لليلى وأكمل حديثه:
- ومعاها طفل بتقولي ابن سليم.
هوت زينب جالسة وكأن بكلماته أطلق طلقة نارية استقرت بقلب زينب. فرفعت نظرها إلى ابنها:
- يعني سليم قرب من فرح؟ يعني مكنتش بتكذب.
كانت نظراته على ليلى التي وقفت وكأن هذا الحديث لا يهمها. فاتجهت وتقابلت نظراتها بنظراته مردفة:
- حقها لو الولد ابن سليم حقه يتمتع بخير ابوه. وعشان كدا لازم امشي من هنا.
دقق النظر بعيناها فاقترب منها ومازالت عيناه تفترس ملامحها فتحدث مردفًا:
- انت مستوعبة اللي بتقوليه؟ الولد هيكون له نسب لسليم. غير هيكون اخو أمير ويشاركه في كل حاجة.
صرخت به بعدما فقدت قدرتها على التحكم في أعصابها:
- ميهمنيش. ميهمنيش أن يكون له ولد ولا عشرة. هو عند ربنا دلوقتي. سليم مات ولو الولد ابنه يستحق أن يكون له اهل وعيلة.
دنى اكثر ومازال يطالعها وتحدث بخفوت:
- حتى بعد ماخانك.
خارت جميع قواها وانهار عاملها فانهمرت دموعها ممزوجة بنزيف روحها قائلة:
- ماهو حبيبي خاني قدام عنيا ومقدرتش احاسبه. هحاسب واحد ميت، واحد حاول يحميني ويكون ليا سند، في وقت انت ضيعتني.
جحظت أعين زينب من كلمات ليلى، فهزت رأسها رافضة حديثها الذي شطر قلبها على ابنها فنهضت بجسد مرتعش.
- قصدك إيه ياليلى؟ قصدك إيه باللي كان بيحميكي؟ ومين حبيبك اللي اتخلى عنك؟
جذبها راكان ضاغطًا على ذراعها بغضب.
- انت اتجننتي، معنتيش عارفة بتقولي ايه.
نزعت يديها غاضبة ولكمته بقوة حتى تراجع خطوة للخلف وأشارت بسبابتها.
- إياك تتمادى وتلمسني. أنا مش من الستات الحقيرة اللي بتبات عندهم.
استدارت إلى زينب وتحدثت محاولة السيطرة علي نفسها.
- آسفة ياماما، ابن حضرتك عصبني. ودلوقتي زي مااتفقنا مع حضرتك، وقت ماتحبي تشوفي أمير اتصلي بيا وهجبهولك او ابعتي السواق ياخده.
قاطعهم رنين هاتفها. ضيقت عيناها بذهول، ثم رفعت الهاتف واجابت.
- أيوة ياحمزة.
اقترب منها يخطف الهاتف.
- فيه إيه ياحمزة؟
عند حمزة. حاول اخذ أنفاسه وتحدث بعد لحظات.
- انت فين ياراكان من امبارح بتصل بيك.
تحرك بعض الخطوات عندما علم بهناك شيئا ما وتراقب ليلى له.
- سامعك. تليفوني ممكن يكون فصل شحن مااخدتش بالي.
- يعني يونس ماوصلكش؟
قطب مابين جبينه متسائلا.
- يونس؟ ليه هو فيه ايه؟ ماتنطق يامتخلف.
- درة وسيلين اتخطفوا من قدام كافيه امبارح الساعة احداشر. إزاي مااخدتش بالك بإختفاء سيلين؟ وبعتلك يونس من خمس ساعات.
كلمات نارية استقرت بمنتصف قلبه وهو يهذي.
- سيلين؟ ومين قدر على كدا؟ إزاي وفين الأمن بتاعها؟
توقف لحظة وابتلع ريقه بصعوبة.
- بتقول درة كانت معاها، يعني مين المقصود؟ ماهو مش معقول دا خطف لاتنين.
اقتربت منه زينب وهتفت بغضب.
- راكان ماتسبش مراتك تمشي من البيت، والله ياراكان لا هتكون ابني ولا أعرفك.
اتجه لغرفة مكتبه سريعا وفتح خزينته وأخرج سلاحه، فهو بدأ يضعه بالمكتب بعدما امسكته ليلى في ذاك اليوم.
توقفت زينب امامه تنظر لسلاحه وهو يجمع اشيائه سريعا قائلا بعصبية مفرطة.
- عشر دقايق وهكون في النيابة. اتصل بجاسر خليه يلحقني على هناك.
توقف عن الحديث بعدما استمع لحديث حمزة.
- جاسر انضرب في مداهمة لأمجد امبارح.
ارجع خصلاته للخلف بغضب وصاح مزمجرا.
- حيوان، حذرته ميتصرفش بتهور. هو عامل ايه المتخلف دا؟
جحظت عيناه وتحرك سريعا للخارج. توقفت زينب أمامه.
- مش هتمشي غير لما ترجع مراتك.
أسرعت تجذب ليلى بعنف ووقفت أمامه.
- رد مراتك ياحضرة النايب.
كانت نظراته تائهة يفكر بسيلين وما حدث خلال الساعات الماضية.
تحرك وهو لم يركز بحديث والدته بعدما كان ينظر إلى ليلى بتيه، كيف يخبرها بما حدث لأختها.
- راكان.
صرخت بها زينب. توقف وهو يتنهد بحزن فاستدار إليها.
- ماما لوسمحت، لازم اتحرك حالا.
ثم رفع نظره لليلى.
- ممنوع تخرجي من الباب دا، ممنوع سمعاني.
سحبت والدته سلاحه.
- رايح فين بدا؟ وليه مبتردش على امك؟ ولا أنا دلوقتي ماليش أهمية؟
دب الجنون برأسه وصاح غاضبًا.
- ماما لازم امشي حالا وإلا.
توقف ولم يجد مايقوله حتى لا يقهر قلبها. اقترب.
- ماما هاتي السلاح. انت ناسية اني وكيل نيابة، مش فاتح مطعم ياماما هاتي السلاح.
هزت رأسها رافضة خروجه.
- رجع مراتك لعصمتك الأول وبعد كدا تاخد سلاحك.
قاطعتها ليلى التي كانت صامتة.
- ومين قال لحضرتك انا هرجعله؟
اقتربت تنظر لمقلتيه بقوة وأردفت.
- ابنك لو آخر راجل في الدنيا مستحيل يربطني بيه حاجة تانية، والحمد لله اللي حصل لحد دلوقتي. هاتي أمير ياماما عايزة أمشي من هنا. مش عايزة اكون في أي مكان مرتبط بيه.
كلمات وقعت على مسامعه كصدى صوت برق شديد الوهجان بفصل الشتاء، مما جعله متصنمًا بوقفته، فتوقف مجرى الدم بعروقه. لحظات يحاول استيعاب ماقالته. ابتلع غصته وتحدث بلسان ثقيل.
- عندي شغل مهم، بعدين نتكلم ياماما. أما عن مدام ليلى فالحياة بينا بقت مستحيلة.
سحب سلاحه سريعا وخرج وكأنه يتحرك على جمرات من النيران تكوي أقدامه دون رحمة.
قاد سيارته بسرعة كبيرة كعاصفة رعدية، وكأنه شخص لا تهمه حياته.
حملت ليلى أمير وسحبت حقيبتها.
- عشان خاطري ياماما خليني امشي. أنا وراكان مستحيل نكمل مع بعض.
جلست زينب بعدما خارت قواها وتحدثت بصوت أم مكلومة.
- راكان فيه حاجة مش مظبوطة، دا ابني وأكتر واحدة أحس بيه.
نهضت تقف أمامها.
- طيب استني لما يرجع. هو بس تلاقيه.
قاطعتها وهي تتراجع تضم إبنها وهزت رأسها.
- ماما لو سمحت، بلاش تتعبيني. أنا وراكان وصلنا لطريق مقفول.
تحركت للخارج حتى وصلت للبوابة الرئيسية بعدما اتصلت بسيارة أوبر.
توقف أحد أشخاص الأمن أمامها.
- حضرتك ممنوعة من الخروج، بناءً على أوامر الباشا ياهانم.
أصيبت برجفة بسائر جسدها فصاحت صارخة.
- افتح الباب بقولك انا لازم اطلع من هنا فورًا.
جذب منها الطفل الذي علا بكائه واعطاه لأحد الأشخاص قائلا:
- خد أمير باشا وديه للمربية بتاعته ياسميح وقولها الباشا هيحاسبها لو خرج من البيت.
اشتعلت أعين ليلى بلهيب مستعر وجذبت الولد منه، واتجهت للداخل وهي تسب راكان ثم رفعت هاتفها وقامت الأتصال به.
- لو مخلتش كلابك يخرجوني حالا هموتلك نفسي. سمعت ولا لا.
***
كان يقود السيارة، ورغم مايشعر به إلا أنه ابتسم من بين أحزانه واردف.
- مالك بس حبيبي متنرفزة ليه؟ ايكونش وحشتك؟
أكمل حديثه بعدما استمع لأنفاسها المحترقة التي أجزم انه لو أمامها لأحرقته فتحدث قائلا:
- متقلقيش عليا. خمس ساعات وراجعلك. هو اليوم يحلى وأنا بعيد عن لولة حياتي.
اعترفت لها بطريقة غير مباشرة بأن يومه لا يحلى سوى بها، هذا ماقالته لنفسها. خرجت من شرودها عندما استمعت لتنهيدته.
- ليلى اعقلي، أنا عندي قضية كبيرة وكل المصايب بتلاحقني. فياريت متعمليش حاجة تجنن ابويا. نفسي تفكري بعقل المهندسين مرة واحدة.
قالها ثم أغلق الهاتف دون حديث.
صرخت ودبت أقدامها بالأرض.
- هموتك ياراكان.
جلست وهي تنظر إلى زينب التي ابتسم ثغرها فحملت أمير وتحدثت.
- تعالى قولي ياميرو ايه اللي حصل من مامي عشان باباك يطلقها.
توقفت عن الحديث بعدما تذكرت حديث ليلى، فاتجهت تجلس بمقابلتها.
- ليلى كان فيه حاجة بينك وبين راكان قبل ماتتجوزي سليم؟ وليه قولتي سليم حماكي؟ ومين اللي قتل سليم يابنتي؟
توسعت عيناها مذهولة من حديث زينب فاتجهت بنظرها وهي تهز رأسها رافضة حديثها.
- إيه اللي بتقوليه دا ياماما؟ قصدك إيه بأن فيه حاجة بيني وبين راكان؟ قصدك.
قاطعتها زينب بهدوء عندما وجدت صدمتها.
- لا يابنتي مش بعيب في تربيتك. أنا بس.
صمتت للحظة ثم سحبت نفسًا وزفرته بهدوء.
- قبل ماسليم يخطبك بأسبوع، راكان جالي وقالي فيه مهندسة معانا.
قصت لها ماصار في ذاك اليوم.
اتسعت حدقيتها شيئا فشيئا وصدمة قوية احتدمت بين دواخلها وكأنها تلقت ضربة عنيفة فوق رأسها فهمست بتقطع.
- هو قالك عليا؟
هزت رأسها بالنفي وأكملت.
- هو مقلش وقتها بس بعد ماسليم اتكلم قالي خلاص مفيش اتفاق. ومرة تانية قالي كنت بتكلم عن نورسين. فسمحيني أني سألت مش قصدي اعيب فيكي. أنا كنت عايزة أعرف مين اللي خلت راكان يجي ويقولي يتجوز. مخبيش عليك وأقولك انه ماشي كويس وكان وكان وانه محبش. لا هو حب واتجوز بدل المرة كتير. الصراحة معرفهمش غير اتنين بس، شمس وحلا. كنت بسمع من يونس أن راكان اتجوز عرفي مرة، ومرة عادي. بس عمره ماجه قالي انا اتجوزت او بحب.
نظرت بشرود وانزلقت عبراتها وأكملت.
- كان فيه بنت جميلة اتعرف عليها واتجوزها بعد موضوعه مع حلا بسنة تقريبا. بس جه بعد فرحه بكام يوم وهو بيبكي وبيقولي قتلوها في حضني ياماما. ووقتها حصل خناقة كبيرة بينه وبين أسعد وساب البيت أكتر من سنتين. اشترى بيت بمزرعة واستقر فيه. وكنت ساعات ازوره. وساعات أعرف اخباره من يونس. وفضل اسمع انه اتجوز وطلق لحد ماجالي بعد خمس سنين وقالي عايز اتجوز وعايز اكون عيلة.
ترنح جسدها واحست أن ساقيها فقدتا القدرة على حملها فجلست بجوار زينب وتسائلت.
- ومقلش مين اللي كان عايز يتجوزها؟ مايمكن نورسين.
ابتسمت بسخرية وأردفت.
- هيكون عيلة مع نورسين؟ طيب ماهو يعرف نورسين من أيام حلا.
استمعت لصوت حمزة بهاتفها الذي كان يتلاعب به أمير. جذبت الهاتف تستمع لصوته مع حمزة.
- سيلين ودرة مخطوفين.
- يانهار اسود.
قالتها ليلى وانتفضت من مكانها وجسدها يرتعش.
وقامت بالرنين عليه مرة أخرى ولكنه كان قد وصل لعمله وهاتفه بوضع الصامت.
- يعني ايه؟ يعني بنتي مش مع يونس؟ طيب إزاي وأنا اللي كنت مفكرها مع يونس؟
جلست تضع يديها على صدرها وتحدث حالها.
- ياترى انت فين ياحبيبتي؟ ومين اللي له يد في خطفك؟
تصلب جسدها وهي ترفض فكرة ان توفيق علم بالأمر فأمسكت الهاتف وقامت الأتصال ب أسعد.
- هترجع إمتى؟
أجابها أسعد الذي يمكث بجوار والده بالمشفى لعمل جلسة كيماوي.
- قدامنا لسة ساعتين فيه حاجة.
انزلقت عبراتها وتحدثت بصوت متقطع:
- سيلين اتخطفت ياأسعد. وراكان ماقاليش. تعالى هاتلي بنتي.
انتفض من مكانه مبتعدًا عن والده.
- طيب اهدي. وأنا هشوف راكان.
صرخت زينب وجسدها يرتجف.
- عايزة بنتي ياأسعد. دلوقتي فهمت راكان أخد سلاحه ليه. ولادي ياأسعد. اتصل بأبنك وخليه يرجعلي. كفاية واحد مات.
قالتها ثم جست على ركبتيها تبكي بإنهيار.
ضمتها ليلى.
- ماما اهدي لو سمحت. هتصل بحمزة يطمني. وليه راكان مقليش؟ انت كدا بتقلقيني. وهو مش دايما بياخد سلاحه ولا إيه.
نهضت وهي تدور بالمكان.
- لا مابيخدوش. يارب استر. يارب رجعهم لحضني بالسلامة.
بمنزل بأحد الضواحي النائية عن المدينة، وخاصة بذاك المنزل، كان الظلام يحاوطه تجلس بجسد مرتعش وهي تهمس باسمه.
- حمزة انت فين.
دلف أحدهما ينظر إليها بصمت.
- لسة نص ساعة لو مجاش بالورق اللي عنده هتموتي ودا مش تهديد.
هربت أنفاسها وشعرت بإنسحاب الهواء من الغرفة فحدثت بصوت باكي.
- هو مين قصدكوا على مين؟
تسائلت درة.
دلف آخر وهو ينهره قائلاً:
- مش دي يا غبي؟ شوف البت التانية.
تحرك حتى وصل إلى سيلين التي تجلس بهدوء. رفعت نظرها لمن دلف واتجه يقف أمامها.
- نص ساعة لو أخوكي مبعتش الورق اللي عنده هنموتك.
رسمت ابتسامة سخرية على وجهها رغم خوفها وأردفت:
- لا بلاها انتظار وموتني دلوقتي عشان مش أنا اللي أخلي أخويا يخسر كرامته في الشغل عشان ناس ذبالة زيكم.
دنا ثم لف خصلاتها حول كفيه وجذبها منه.
- هيجبهم وغصب عنه وعنك، يا إما تموتي وقبل ما تموتي نتمتع بالجمال الرباني دا.
بصقت على وجهه وأردفت:
- واحد حقير زبالة. أكيد مجرم ماهو مش معقول راكان ممكن يظلم بريء.
صفعة قوية على وجهها حتى سقطت على الأرض. أمسكها من خصلاتها يجرها بقوة.
- هنتصل بيه لو متكلمتيش هموتك.
عند راكان، كان يجلس بجوار الضابط ويتابع الكاميرات في ذاك الكافيه. وجد السيارة التي وقفت أمامهم فجأة. فتح بابها وجذبوهما بعنف عندما اتجهت سيلين لسيارتها، في حين كان حمزة يقوم بركن سيارته. أسرع خلف السيارة حينما استمع لصرخات درة. لحظات فقط توقف جسده وهو ينظر لتلك السيارة التي لا يوجد بها لوحة تكتب عليها الأرقام.
مسح راكان على وجهه بغضب.
- دلوقتي العربية من غير نمر؟ كلم الجهاز خليه يوصل للعربية دي آخرها لأنهي شارع.
قاطعه رنين هاتفه. أشار للذي بجواره.
- مستعد.
هز الآخر رأسه قائلاً:
- حاول تطول في الكلام.
أجاب الهاتف قائلاً:
- أيوه مين معايا؟
تجمد الدم بعروقه وشعر بتوقف تنفسه عندما استمع لصوت بكاء أخته.
- را...كان.
هب فزعاً من مكانه وتحدث بصوت جعله متزناً بعض الشيء.
- سيلي إنتِ فين حبيبتي؟
انزلقت عبراتها والرجل يضع سلاحاً أبيض على وجنتيها ويحركه على وجهها ببطء. فصرخت:
- راكان إحنا مخطوفين. معرفش فين. الحيوانات دي معرفش واخدينا فين. بيقولوا عندك ورق مهم.
كور قبضته وأجابها:
- خلي اللي جنبك يكلمني.
ثم نظر لذاك الظابط الذي يراقب هاتفه وهز رأسه بيأس قائلاً:
- ده عبر الإنترنت مش باين.
اتجه يصرخ لسيلين:
- اديني الحيوان اللي جنبك يا سيلي.
هزت رأسها وبكت قائلة:
- مش راضي يكلمك يا راكان. راكان أنا خايفة ودرة معرفش عنها حاجة.
أغلق الرجل الهاتف.
صاح راكان كزئير أسد:
- يا ولاد الكلب.
وصل حمزة يقف بجواره.
- مفيش جديد ماوصلتش لحاجة.
دفع كل ما قابله على المكتب حتى تساقط كل شيء على الأرض. رفع كفه يرجع خصلاته للخلف بعنف. بغضب لون ملامحه وامتزجت نبرة صوته الفظة.
- عايز جميع الكاميرات يا حمزة. عايز كل الشوارع اللي العربية دخلتها يا حمزة اتصرف. وأنا هكلم النائب العام.
التفت راكان يسأل حمزة ونبضاته الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعه.
- جاسر ما قالش حاجة؟ مين اللي ضرب عليه نار؟
- بيقول أمجد مكنش موجود. بس فيه اتقبض عليهم يمكن نعرف توصلوا من التحقيقات.
قاطعه رنين هاتفه. نظر إليه وجدها معذبة قلبه. خرج وأجابها:
- في إيه أنا مشغول مش فاضي للعب العيال ده.
أشعلت كلماته جحيم غضبها. فالمرة التي لم تعلم كم عددها وهو يهينها بحديثه ورغم ذلك ابتلعت إهانته متسائلة:
- أختي فين يا راكان؟ مين اللي خطفها؟ وليه يخطفها؟ راكان درة فين؟ بابا لو عرف ممكن يموت. درة لسه دوب نسيت خطفها من نور بالعافية. أوعى يكون هو اللي خطفها. عشان خاطري يا راكان انسى اللي بينا وهاتلي اختي.
شعر بنيران تغلي وتحرق أوردته من لهجتها المرتبكة وتوسلها إليه. كيف لها أن تتنازل عن كرامتها بعد ما صار بينهما والآن تتوسل إليه.
- ليلى اهدي أنا مش ساكت. ودرة مش لوحدها.
توقف فجأة ثم تحدث سريعاً:
- لو فيه جديد هكلمك.
اتجه إلى حمزة وتسائل:
- يونس فين مش المفروض عرف؟ إزاي سكت وهو عارف إن سيلين مخطوفة؟
رفع أكتافه للأعلى وأجابه:
- ما ده اللي جنني. لو سمعته عمل إيه؟
خرج راكان سريعاً متجهاً إلى منزله. وصل بعد قليل وطلب من أمن قصره:
- عايز أشوف الباب الداخلي لفيلا عمي من خمس ساعات تقريباً.
وقف أمام الشاشة وهو يراقب بترقب خروج يونس. ولكن جحظت عيناه عندما وجد عايدة تقف خلفه وتضربه على رأسه. ثم وصل أحدهم يحمله متجهاً للداخل فيلته.
أطبق جفنيه يقاوم الصدمة التي رآها الآن. تجمد بوقفته وهو يعيد المشهد مرة وأخرى. ولكن خارت قواه وهو يراها تتحدث مع أحدهما. التفت وتسائل:
- مفيش صوت؟ دي صورة؟ حاول توصلي الصوت كدا.
أجابه الرجل:
- الصوت بعيد مش واضح يافندم.
أشار بيديه:
- افتحه برضو عايز أسمع أي حاجة.
ولكن خاب ظنه وهو لم يستمع إليه.
اتجه لقصره ودلف لغرفة مكتبه وتحدث مع أحدهم:
- البيت خلص ولا لسة؟
أجابه الرجل سريعاً:
- كله تمام يافندم زي ما حضرتك طلبت.
فتح جهازه وشغل الكاميرات به يفحصه بتدقيق.
- حمام السباحة الخلفي مفهوش كاميرا ليه؟
أجابه الرجل قائلاً:
- حضرتك طلبت كل مكان خاص ممنوع فيه كاميرا.
- لا حمام السباحة بجميع الجوانب حط فيه. أبواب الجنينة كلها. باب غرفة الرياضة الخارجي مش واضح. وضحه كويس. هكون عندك خلال ساعتين تكون مخلص.
ثم قام الاتصال بأحد الضباط.
- هات أمر بتفتيش فيلا جلال البنداري. وخلال ربع ساعة تكون هنا.
قاطعه دلوف ليلى. اتجهت إليه ترمقه بغضب.
- مصدقتش لما شوفت عربيتك برة. انت سايب اختي مخطوفة وجاي تقعد هنا.
جاهد في إخفاء اعتصار قلبه عندما وجد هيئتها وعينيها المتورمة.
- اطلعي جهزي كل ما يخصك إنتِ وأمير. خلاص مينفعش تقعدي هنا. فرح مصرة تيجي هنا وأنا دماغي مش فاضية.
دنت منه ونزلت بكفيها تستند على مكتبه وصاحت غاضبة:
- وأنا مش عايزة المكان اللي حضرتك بتتنفس فيه. ودلوقتي توديني زي الشاطر على بيت أبويا. أصل أقسم بالله.
نهض وامسكها بعنف من ذراعها يضغط عليها.
- احلفي على نفسك. متفكريش عشان بكلمك بهدوء واتزان تتخطي حدودك. إنتِ هنا أم أمير. وممنوع أمير يطلع من بيت البنداري. ودلوقتي اطلعي جهزي الولد عشان هنمشي من هنا.
ياله بتبصي على إيه؟ بلاش توصليني أخد منك الولد. نزعت ذراعها المتألم وتراجعت خطوة مرتعشة للخلف تجاهد في إخفاء دموعها المتحجرة بشق الأنفس. داخلها يتمزق وقلبها يئن كوتر آلة موسيقية مبتور.
أطبق على جفنيه يود لو يصرخ من أعماقه بكل ما أوتي من قوة حتى يعلمها كم يشعر بآلام ابتعادها. قاطعه رنين هاتفه.
- أيوه يا نور.
تسمرت ليلى بوقفتها لدى الباب وهي تستمع له.
- مين قالك أنا وليلى أطلقنا؟
على الجانب الآخر كانت تجلس بأحضان أمجد الذي يحاوطها بذراعه فاجابته:
- كنت بكلم انتي عايدة فقالتلي. شكراً يا راكان. فرحتني أوي ياحبيبي. هي دي الهدية اللي كنت محضرها.
لا أحد يعلم كم يضغط ويبذل قصارى جهده حتى يتأقلم على ذاك الوضع الذي يدبحه بسكين بارد. سحب نفساً لعله يهدئ من روعه. وضراوة عشقه الذي يدافع عنه بكل جبروت. فأجابها بهدوء رغم نيران صدره المتأججة بداخله وتحدث:
- أيوه دي المفاجأة يارب تعجبك. انبسطي عشان مفيش غيرك. بس فيه تعديل بسيط حبيبتي.
اعتدلت من أحضان أمجد تستمع له بتركيز. فتحدثت قائلة:
- أوعى تقولي إنك هتأجل الفرح ياراكان. دي المرة الخمسين.
تراجع بجسده وهو يكور قبضته ثم أجابها:
- مفيش فرح وامجد برة السجن. النهاردة سيلين اتخطفت. معرفش بيخطط لأيه هو وابوه. مفيش فرح غير لما اقبض عليه.
قالها ثم أغلق الهاتف سريعاً. ووضعه على مكتبه يمسح على وجهه بعنف.
التفتت تناظره بعينين هالكة من فرط الألم. فهمست بصوت متقطع حتى وصل إليه بصعوبة:
- طلقتني مهر لحبيبتك ياراكان.
استدار بكرسيه سريعاً وجدها مازالت تقف لدى الباب. نهض سريعاً متجهًا إليها ووقف بمقابلتها.
- إيه الهبل ده؟
ليه المدام مكنتش عارفة بحبها اد ايه؟
ليه مكنتيش بتحسي وانت في حضني مدى عشقي ليك؟
امشي من قدامي وخليكي طول عمرك غبية.
وحطي مبررات زي ما انت عايزة.. امشي.
صرخ بها.
انكمشت ملامحه بألم وتحول ألمه لغضب كاد أن يحرقها به.
امسكها من ذراعيها بعنف وصرخ:
- انت إيه؟ مش معقول إزاي قدرتي تقولي كدا؟ ومن كام ساعة بس كنت حاسة قد إيه بحبك وبعشقك.
انبثقت دمعة غادرة من عينيها تكوي وجنتيها. شعر بأنها نزلت فوق قلبه كبلور يشحذ جلده. ولكن كيف لها أن تشق قلبه المغرم بها؟ لقد اذته كثيرا وحطمت قلبه وأذت كبريائه ورجولته والآن ظنها السيئ. ماهذه التهم الشنعاء التي ألقتها دون رحمة؟
- طلقتني بعد مارفعتني سابع سما؟ وفي الأخر سبتني وقعت على جدور رقبتي. جاي بتتكلم في إيه؟
- دا الحب عندك؟ تكون طول الليل في حضني وبتقولي شعر عن العشق وتقوم تهني كأني بنت ليل؟ دا الحب.. فين الحب اللي كنت بحسه زي ماقولت؟ إزاي أأمانلك بعد كدا؟
دنى ونيران تأكل صدره وجذبها بقوة وهو يوزع نظراته على وجهها بالكامل.
- مكنش قصدي ابدا. معرفش حصل ازاي. يمكن قلبي هو اللي كان بيحركني. يمكن كنت بحاول ادوس على رجولتي عشان اثبت لنفسي مقدرش أعيش بعيد عنك. مكنش قصدي اطلعك ولا انزلت. حبي ليك وقتها خلاني معرفش أسيطر على نفسي.
رفع سبابته وأشار على قلبها.
- قوليلى دا كان بيحس بإيه وانت بدوسي عليا عشان الكل؟ أنا مقدرش اعمل كدا.
تراجع للخلف وهو يشير لنفسه.
- بقيت واحد ضعيف.
اقترب مرة أخرى وجذبها من ذراعها يتحدث من بين أسنانه.
- بسببك بقيت ضعيف. معنتش بقدر اقولك لا. مبقاش فيا ذرة احترام لنفسي وأنا كل مرة بغفرلك وبسامحك. جاية واقفة قدامي بأي عين تلوميني؟ طلقتك عشان استعيد راكان اللي دبحتيه بغبائك. عمري مافكرت انتقم منك. عايز ارجع نفسي. يمكن وقتها أرجع احبك أكتر. مش عايز قربي منك عشان غريزة. عايز أكد لنفسي إنك أغلى حاجة ومقدرش أعيش بعيد عنها. مش مجرد كلمتين حب بينا. عايز اتأكد من حبك ليا من حقي.
***
اقتربت تطالعه بغضب متسائلة.
- طلقتني عشان كدا؟
ابتعد وهو يدفعها بعيدًا عنه كمرض معدي قائلاً.
- طلقتك بناء على طلبك. مش حضرتك اللي وقفتي قدام العيلة وقولتي لو راجل طلقني. قولتيها كام مرة.
استدار يشير على المكتب وأكمل.
- جيتي هنا وقولتي حياتنا بقت صعبة ولازم تطلقني مش متحملة ارتبط بشخص ذيك. روحتي بكل جبروت ودوستي على جوزك عشان هو يتحمل كسر رجولته بس اختي وابويا مقدرش عليهم.
جاية بتلوميني ليه؟ امشي ياليلى ودلوقتي همشيكي من البيت اللي بتتنفسي معايا فيه علشان تعرفي تتنفسي كويس.
قاطعه رنين هاتفه فخرج سريعا وهو يتحدث:
- خلصي واطلعي مستنيكي برة. ولو عندك ثقة فيا اختك هتبات في بيتها النهاردة. اصلك نسيتي تقولي اختي معاها في نفس المكان.
قابلته زينب وتسائلت بقلب ام متلهف.
- فين سيلين ياراكان؟ اختك فين؟
قبل رأسها وتحرك وهو يجيبها.
- هترجع ياماما. خلال ساعتين هترجع.
وصل لمنزل عمه والشرطة تقتحم المنزل. وقفت عايدة تفرك كفيها. تفاجأت بوجود راكان في ذاك الوقت. فأسرعت إليه.
- الشرطة بدور على إيه ياراكان؟
هز كتفه وادعى عدم معرفته. فاتجه للضابط المسؤل.
- لقيتوا حاجة.
هز الضابط رأسه متحدثًا.
- لا يافندم. بس فيه اوضة مقفولة بيقولوا دي فيها عريس وعروسة.
اتجه راكان يبحث عن سارة بينهم فلم يراها. كور قبضته متجهًا بنظره إلى عايدة التي ابتسمت بتشفي قائلة.
- ماهو واحد مات وساب بنتي حتى من غير ورقة جواز. فبالتالي مش هسيب التاني الا لما يتمم جوازه.
اتجه إلى فريال التي تقف تعقد ذراعيها أمام صدرها وتسائل بسخرية.
- وياترى المسرحية دي بقيادة توفيق باشا؟ ولا مين البوص بتاعها؟
اقترب بهدوء مميت واتجه لفرح.
- افتحي الباب يابت.
ابتسمت فرح وفعلت مثلهم.
- هو ينفع نفتح الباب على عرسان يوم الصباحية ياآبيه دا حتى عيب وانت اكتر واحد عارف.
اقتربت منه قائلة.
- حتى الفيديو بتاعهم دلوقتي سيلين بتتفرج عليه في المكان المخطوفة فيه.
هزة عنيفة أصابت جسده. وشعور بفقدان وعيه. فدنت اكثر قائلة.
- تفتكر هتعمل إيه وهي شايفة جوزها بتاع الستات في حضن واحدة تانية؟ وفيه مفاجأة تانية اصبر بس لما أفضى لمدام ليلى اللي هي السبب في موت حبيبي. إنما ماقولتش ياآبيه هي مدام ليلى ليه راحت مع ابن عمها لدكتورة النسا؟ طيب نسأل السؤال بمعنى أدق.
- ليه مدام ليلى مبلغتش على تهديدات ابن قاسم الشربيني لحد دلوقتي اللي هو السبب الرئيسي في جوازها من سليم؟
هنا شعر بأن يقف على فوهة بركانية قابلة للأشتعال فجذبها من خصلاتها فلقد اوصلته لتلك الحالة بكل نجاح دفعها وهو يزمجر بغضب.
- خد مدام عايدة على البوكس. سمعتني البوكس.
ثم سحب فرح من خصلاتها متجهًا لغرفة فرح. ودفعها بقوة حتى سقطت على الأرض.
- عايزة تعرفي ليه؟ عشان مدام ليلى حبي انا مش حب سليم. عايزة أجاوبك على إيه تاني؟ ليه مبلغتش على الحقير؟
- عشان دي حبيبة راكان البنداري متنزلش لمستويات حقيرة. ياخسارة يافرح دخلتي لعبتهم القذرة. بس تعالي فهميني يافروحة.
- هو فيه بنات بجحة كدا لدرجة مش مكسوفة وهي جايبة عيال من الزنا؟ يابت دا انت فجرتي عن البنات بتوع الكبريهات اللي مدورنها. بس كويس اهو تلاقي لك شغلانة بعد مااطردك بس أفضى لك ياحبيبة ابن عمك. دلوقتي بحضر لفرحي على نور. أفضى بس يافروحة ووعد مني ابعتك ديسكو إنما إيه؟ أنا زبون هناك متخافيش هلاقيلك سعر حلو.
جذبها من خصلاتها وهو يصفعها بقوة.
- هستنى إيه من تربية توفيق؟ خليه يجي يشوف تربيته.
دفعها حتى اصطدمت رأسها بالجدار وركلها بقدمه.
- افتحي الباب قومي ياحيوانة. والله لادفنك تحت مع الفيران ياقذرة.
نهضت بجسد مرتعش تفتح الباب. كانت سارة تغفو بجوار يونس الذي يذهب بسبات عميق ولا يشعر بشيئا حوله. أسرع راكان إليه وحاول افاقته. نهضت سارة تصرخ به.
- ابيه راكان إزاي تدخل كدا.
- قومي ياحيوانة استري نفسك. واحمدي ربنا انه لسة نايم. وحياة ربنا لأخليه يقتلك بحصرتك ياحقيرة.
استدار بجسده وحاول افاقة يونس. ولكنه لم يستجب. بدأ يصيح بغضب كالذي مسه جن.
- دول شياطين. مش معقول. انت فين ياتوفيق باشا. تعالى لم تعابينك.
استدار إليه بعد فترة.
- مشربينه إيه يابت.
خرجت سريعا تصرخ وتنادي على والدتها.
بغرفة ليلى جلست على الفراش وعبراتها تتساقط بغزارة على ماحدث لها. قاطعها دلوفه.
- ياله لازم نمشي دلوقتي مش فاضي.
رفع سبابته امامه.
- أنا على اخري. يعني كلمة منك صدقيني هنسى إنك ليلى. يارب تكوني عاقلة كدا وتوقفي جنبي لو مرة واحدة.
تحركت معه كالمسلوبة من حياتها دون حديث.
استقلت السيارة بجواره وأرجعت رأسها للخلف تتذكر حديث حمزة قبل قليل.
- متخافيش ياليلى احنا مش ساكتين. وأن شاء الله على بالليل هتكون درة في بيتها.
وصل بعد ساعة تقريبا بسبب بعد المسافة. وقام بمراقبة كل شيئا. ثم رفع هاتفه وقام الأتصال بنوح.
- احنا وصلنا يانوح. هات أسما أنا مضطر أمشي عشان عرفت اوصل لمكانهم. مش هوصيك أكد على ليلى وأسما ممنوع حد يعرف مكانهم. أنا غيرت رقم ليلى من غير ماتحس خوفا ليجد في الأمور أمور.
اتجه للداخل بعد إغلاقه مع نوح. وجدها تجلس تطعم طفلها. تحرك حتى توقف أمامها.
- دا هيكون بيتك. هتقعدي فيه. واياك تخرجي منه دون إذن مني.
حملت ابنها ودلفت بجسد منهك ولم تلتفت لما قاله.
- ليلى.
صاح بها قائلا.
- مش عايز أوصيك على نفسك وأمير أي غلطة منك هتدفعني كتير. بلاش تأذيني أكتر من كدا لوسمحت.
- لو خلصت كلامك واوامرك اتفضل من غير مطرود.
قالتها وحملت ابنها واتجهت للأعلى.
جذب خصلاته يضغط عليهم بعنف.
- وحياة ربنا هتموتني البت دي. يخربيت قلبي الغبي دا.
ابتسم للحظة واردف.
- تنينة غبية. راجعلك بعد شوية تننتي الغالية.
استمع إلى رنين هاتفه.
- أيوة ياراكان. عرفتلك من بابي مكان أمجد. بس إياك تعرف حد. وعرفت كمان انه خاطف سيلين. هبعتلك اللوكيشن.
أغلق الهاتف وهو يطلق ضحكة صاخبة.
- وماله يانور أهو بابي نستفيد منه. بدل ماهو مركون على الرف.
رفع هاتفه واتجه للخارج.
- جواد باشا وحشني ياغالي. وحمد الله على سلامة حضرة الظابط الفاشل. فيه خبرية بتقول ان حضرة اللواء مطلوبا حيا او ميتا.
أطلق جواد ضحكة صاخبة وهو يغمز لغزل وينظر لجهازه الذي أمامه. وتحدث.
- وعندي خبرية بتقول من يعثر عليه له كيس من النقود.
ابتسم راكان وتحدث.
- علم وينفذ ياكبير. خلال ساعة بالضبط هبعتلك كيس النقود بتاع جحا.
ولكن توقف عندما اردف جواد.
- مدام ليلى جالها اتصال عبر الأنترنت ياباشا. ارجع شوف ايه اللي حصل.
استدار سريعا بسيارته متجها للمنزل الذي بعد عنه بعض الكيلومترات وفتح هاتفه ينظر لشاشته. ولكن تجمد كفيه وهو يراها تقوم بفتح الباب محاولة للخروج.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم سيلا وليد
قبل قليل بفيلا جلال البنداري
كان يقطع المكان ذهاباً وإياباً بعدما اتصلت به فريال تصرخ في الهاتف.
- تعالى شوف ابنك المحترم عمل إيه يا خالد، جلال لو عرف هيموته، لازم تتصرف قبل ما يرجع من أمريكا.
توقف خالد بعدما أنهى اجتماعه.
- فيه إيه يا فريال، عدي عمل إيه؟
زمجرت بغضب أتقنت رسمه وصاحت بصوت صاخب.
- أنا بتكلم عن ابنك المحترم الدكتور يونس.
تسمر خالد بوقوفه متسائلاً.
- يونس؟
أجابته متنهدة بطريقة شيطانية.
- يونس ضحك على سارة وقضى ليلته بسريرها يا خالد، والبت منهارة، وكالعادة راكان عرف واتهم عايدة بأنها ورا ده كله، والبوليس جه أخدها، لازم تيجي فوراً، سيب كل حاجة.
- تمام يا فريال، مسافة الطريق.
أنهت اتصالها وهي تبتسم بطريقة شيطانية، ثم اتجهت بنظرها إلى سارة.
- عمك جاي في الطريق، اجهزي وادخلي جوا.
نظرت بساعة يديها وتحدثت.
- قدامه عشر دقايق ويفوق، طبعاً عارفة هتعملي إيه.
هزت رأسها رافضة مانطقته فريال.
- لا أنا مش هعمل حاجة تانية، اللعبة خلصت وسيلين شافتنا وخلاص، دلوقتي لازم نعرف ليه ماما الشرطة أخدتها، بدل راكان عارف يبقى الموضوع مش صدفة.
جلست فريال تضع ساقاً فوق الأخرى.
- متخافيش، أهم خطوة اتعملت هو يونس، وبعد كده جدك هيعرف يطلع عايدة إزاي.
اتجهت بنظرها إلى فرح الصامتة.
- مالك يا فرح قاعدة كدا ليه؟
رفعت بصرها إلى فريال متسائلة.
- هو إحنا ليه بقينا قذرين كدا؟ في الأول خلتوني أجري ورا سليم الله يرحمه لحد ما حطمته ومات وهو محسور على حياته اللي سرقناها منه، ودلوقتي راجعين نكرر القصة مع يونس اللي هو ابنك، المفروض حضرتك تكوني أكتر واحدة خايفة عليه.
صعقت فريال من حديثها، فنهضت وامسكتها من كتفها بقوة تهزها مزمجرة.
- عشان تفضلوا في عز البنداري، متجيش واحدة متساويش ربع جنيه تكنس اللي قدامكم، عشان يونس أفندي ما يكسرش كلام أمه ويروح يكتب كتابه على واحدة من غير ما يعملها حساب كأني مش أمه.
عشان واحدة زي زينب متفرحش فينا وهي قاعدة حاطة رجل على رجل وبتغظينا وتقولنا:
- شوفتوا أهو يونس اتجوز البنت اللي جبتها من الشارع وخليتها تتجوز ابنكم وكمان غصب عنكم.
عشان تعبنا وتخطيطنا طول السنين دي كلها واحنا متحملين راكان وطردة لينا بدل المرة مليون وهو المسيطر على كل أملاك جدك اللي أخذهم منه واحد واحد، وخسرنا كل اللي ورانا.
تنهدت بحرقة شديدة وحاولت التظاهر بالقوة أمامها وقالت بنبرة ثابتة رغم الخوف.
- لازم يونس يتجوز سارة، وراكان يكتب عليكي غصب عنه مش برضاه عشان ابن أخوه، وقبل ما تتكلمي هيكتب عليكي بعد ما يتأكد الولد ابن أخوه، إحنا مصبرناش السنتين دول عشان حضرتك تيجي في الآخر وتقولي كدا.
تملكها الرعب واهتز جسدها عندما استمعت تحطيم بالأعلى، علمت حينها أن يونس أيقظ.
لم يحن لها الحديث عندما وجدته هابطاً بخطى متسارعة متجهاً إلى سارة يجذبها من خصلاتها.
- أنا يا كلبة تعملي فيا كدا؟ ده أنا يا بت كنت بعلم الشيطان تيجي أنت تتشيطني عليا.
سحبها بقوة في وسط صرخاتها وصرخات فريال.
- يونس بتعمل إيه يا مجنون!
أخرجها من الفيلا ووصل بها حيث فيلته ودفعها بقوة وهو يركلها بقدمه.
- وحياة أمك لأعلمك الأدب.
وقفت والدته أمامه.
- يونس اهدى، أنت بتعمل كدا عشان تضحك علينا بعد اللي عملته.
تحولت ملامحه إلى نيران مستعيرة تعتريه صدمة بذهول واقترب من والدته.
- بتقولي إيه؟
دنى بخطوات مميتة قائلاً.
- أضحك عليك؟ أنت مصدقة نفسك بتقولي إيه؟
أشار على سارة باحتقار.
- دي لو دفعتولي فلوس عشان أتحمل ساعة بس وأقعد في أوضة واحدة معاها مجرد تعارف مش هتحمل.
استدار لوالدته.
- لعبتكم الحقيرة اقسم بالله ما تهمني، وهعرف أحاسبكم إزاي تعملوا كدا، ودلوقتي اللي تفتح للكلبة دي أنا اللي هربيها وادي المفتاح أهو، خليها محبوسة لحد ما أفضلها الحقيرة الذبالة دي.
قالها وتحرك للخارج يرجع خصلاته المتناثرة للخلف وفجأة أحس بانقباض شديد يكاد يمزقه من الألم، أمسك هاتفه سريعاً.
- راكان أنت فين؟
على الجهة الأخرى كان راكان خرج من منزل المزرعة يقود سيارته.
- حمدلله على السلامة يا عريس، صباحية مباركة، مكنتش تعرفني عشان أوجب معاك.
صرخ يونس بقهر.
- راكان سيلين مخطوفة، اقلب مصر كلها وهاتها لي خلال ساعة تكون قدامي، أصل اقسم بالله هقتلك لو حصلها حاجة.
تهكم راكان على حديثه.
- امشي يلا من قدامي مش ناقصني غير بتاع الستات.
توقف يونس عاجزاً وشعر بإنسحاب أنفاسه وتحدث بصوت متقطع.
- سيلين أنتِ فين يا حبيبة يونس؟
تذكر حمزة، قام بالرنين عليه سريعاً بأصابع مرتعشة.
- حمزة أنت فين؟ عرفت حاجة؟
كان واقفاً مع الضابط المسؤول عن حملة المداهمة، فتراجع للخلف.
- كنت فين يا يونس.
قاطعه يونس وهو يستقل سيارته.
- آسف يا حمزة شوية ظروف.
قاطعه حمزة قائلاً.
- تقريباً عرفنا مكانهم، وهنخرج بعد شوية، بإنتظار راكان.
اختلج صدره ضربات عنيفة عندما تخيل وضعها فتسائل بصوت متقطع.
- هما عاملين إيه؟ حد كلمك ومين اللي خاطفهم؟
رجع حمزة خصلاته بعنف كاد أن يقتلعها قائلاً.
- سيلين كلمت راكان، وهو اتصرف متخافش، درة لسة منعرفش عنها حاجة.
قاد السيارة بسرعة جنونية يشق طريقه متجه إليه، وأجابه.
- إن شاء الله هتكون كويسة.
عودة إلى راكان قبل قليل.
أغلق هاتفه مع جواد، متجهاً ينظر بهاتفه للكاميرات بمنزل المزرعة، وجد ليلى تحاول فتح الباب الداخلي للفيلا ودموعها تتساقط على وجنتيها بغزارة.
احتدت نظراته وصاح بصوته مزمجراً باسمها.
- ليلى، ليلى، أعمل فيكي إيه بس، يارب أمسك أعصابي عشان ماموتكيش بأيدي.
وصل خلال دقائق، توقف بسيارته فجأة حتى أصدرت صوت صرير عجل القيادة، بتلك الأثناء نجحت بفتح الباب.
هرولت سريعاً للخارج وهي تبكي بنشيج تنادي بصوتها عليه، وجدته متجه إليها، أسرعت إليه ودون وعي منها ألقت نفسها بأحضانها وهي تتحدث من بين بكائها.
- الحمدلله، الحمدلله إنك كويس.
كور قبضته للحظات، ولكن خوفها وهيئتها جعلته يضمها لأحضانه يربت على ظهرها.
- ليلى اهدي، أنا هنا.
ضمت نفسها بقوة لأحضانه.
- الحيوان كلمني وقالي عاملك كمين وهيقتلك، مكملتش المكالمة وقفلت في وشه وجيت أدور عليك كنت خايفة تكون رحت له زي ما بيقول.
أخذ نفساً ثقيلاً حتى يريح نبض قلبه المتألم من قربها الذي حول قوته للأنهيار المتكامل، لم يعد يتحمل ضعفه بتلك الطريقة، يعشقها بشكل جنوني، حتى أوصله قلبه لخطفها والذهاب بها لجنة عشقه.
اهتز جسدها بالبكاء بأحضانه وهي تتحدث.
- هيموتك يا راكان، هو حلف لي هيموتك، راكان عشان خاطري ماتروحش خلي البوليس يتصرف.
استمتع بحديثها وخوفها عليه، مما جعل قلبه ينبض كمعزوفة موسيقية، أخرجها من أحضانه واحتضن وجهها حلو التقاسيم والملامح، ووزع نظراته عليها، تعمقت عيناه بعينيها بإعتراف عشقه وقبل أن يهمس لها كعادته.
استمع لسيارة نوح تدلف لباب المزرعة الخارجي.
أزال عبراتها المنسدلة على وجنتيها بإبهامه قائلاً بابتسامة تزين ثغره.
- مكنتش أعرف أن حياتي مهمة عندك كدا.
رفع ذقنها بأنامله.
- حياتي مهمة عندك يا ليلى.
هنا فاقت من حالتها التي أنستها ما فعله، فتراجعت للخلف وهي تهز رأسها وتحدثت بهذيان مع غلالة دموعها التي توخز جفنيها.
- حرام عليك يا راكان، حرام عليك خليتني أنسى الصح والغلط، ربنا يسامحك.
قالتها وتحركت سريعاً وشهقاتها بالارتفاع حتى وصل صوتها إلى نوح الذي ترجل من سيارته متجه إلى أسما ليساعدها بالترجل.
وصل نوح وهو يحاوط أسما بذراعيه، توقف أمامه وهو يحدقه بنظراته مردفاً.
- أنت لسة هنا، وليه ليلى بتعيط كدا؟
أطبق على جفنيه في محاولة لتدارك نوبة ألمه وغضبه من نفسه فأجابه.
- أنا وليلى اتطلقنا، وهي هنا عشان نبعد عن بعض، وقبل ما تتكلم ده أحسن حل لينا احنا الاتنين.
تحرك بعض الخطوات ثم استدار إلى نوح الذي توقف مذهولاً مما استمع إليه.
- خلي بالك أنا ماشي، وياريت تعرف ليلى خطورة الوضع، أنا لحد دلوقتي معرفش حالة سيلين ودرة.
قالها وتحرك دون حديث آخر.
ولج ساحباً أسما التي تقف بجواره وكأنها لم تستمع لما قاله راكان، تحركت معه بآلية، إلى أن دلفوا للداخل، وجدوا ليلى تجلس على الأريكة ودموعها تنسدل بصمت، أجلس أسما بجوارها.
واتجه يجلس بالجانب الآخر.
- ليلى.
اتجت بعينيها الباكية وبشفتين مرتجفتين.
- شوفت صاحبك عمل فيا إيه؟ شوفت الراجل اللي متمنتش غيره يا نوح عمل إيه، دبح ليلى ومش دبحها بس.
ارتفع صوت بكائها بالأرجاء.
هنا التفتت أسما واتجهت بنظرها إليها مردفة لأول مرة منذ خطفها.
- متزعليش حبيبتي بكرة الأيام تداوي الألم.
شهقت ليلى وهي تجذبها لأحضانها.
- أسما، يا حبيبة قلبي، أخيراً يا أسما اتكلمتي.
ضمتها أسما بشدة وبكت بصوت مرتفع.
- آه يا ليلى، أنا موت يا ليلى، صحبتك ماتت.
اتجه نوح يجلس على عقبيه أمامها رفع وجهها يحتضنه بين كفيه.
- أنتِ زي ما أنتِ يا حبيبتي محدش لمسك.
دفعته بعيداً عنها صارخة.
- ابعد عني إياك تقرب وتلمسني.
جحظت أعين نوح من حالتها التي ظهرت عليها.
انكمشت ملامح وجهها بامتعاض ولمعت عيناها بالحزن عندما تذكرت ما صار لها وصاحت بصوتها الباكي.
- عملت لي إيه يا نوح؟ لما مراتك خطفتني وصورتني مع راجل غريب عملت إيه ولا حاجة.
قالتها صارخة وتحولت كالذي مسه مس من الجن.
- من وقت ما اتجوزنا وكل مرة هي تجرح وتدوس وأنت ولا حاجة.
طالعها بملامح مؤلمة وتبدل غضبه لسكون خارجي.
اقتربت منه ثم لكمته بصدره وصرخت بحزن حارق:
- هتسكت لحد إمتى؟ مراتك خلعوها هدومها وصورها مع راجل يادكتور. إيه كنت مستني أكتر من كدا؟
ألتفتت تنظر إلى ليلى وهي تشير إليه بعينيها هالكة من الألم:
- شوفتي الراجل اللي بتحامى فيه؟ شوفتي عمل فيا إيه؟
أمسكت خصلاتها تجذبها وكأنها تنتزعها بعنف:
- أنا اتصورت ياليلى مع راجل حقير. وقفوا جسمي واتحكموا فيه.
آهة صارخة من أعماقها المحترقة حتى جثت على ركبتيها تضرب على صدرها:
- خلاص مش عايزة الحب دا. مش عايزة الحب اللي ضيعني وجوزي ضعيف مش عايز ياخد حقي.
كانت كلماتها كالطلقات النارية التي اخترقت صدره. جثى أمامها يجذبها لأحضانه، مكففاً دموعها التي نزلت على صدره نيران تكوي ضلوعه:
- وحياتك أنا مش ساكت. هي مسكتني من أيدي اللي بتوجعني ياأسما. حطت السكينة على رقبتي. صورك معاها ياأسما ودي معندهاش أخلاق.
جلست ليلى بجوارها تربت على خصلاتها:
- نوح عنده حق ياحبيبتي، دي واحدة قادرة وممكن تفضحك ومحدش هيصدق. إنتي باينة في الصور عادية مش متخدرة.
خارت جميع قواها وانهارت حياتها بالكامل. لحظة توقف بها عقلها وقلبها معاً، فرفعت نظرها إليه:
- طلقني يانوح. جوازنا كان غلط. ابوك قالها. قال لو اتجوزك غصب عني مش هخليكم تتهنوا وأنا خلاص مبقاش ليا قوة ولا حيل أحارب حد.
ساعدها في الوقوف ثم حملها متجهاً بها إلى الأعلى:
- حاضر هعملك كل اللي يريحك. دلوقتي ارتاحي وبعدين نتكلم. تمام حبيبي.
أطبقت على جفنيها وشعورها بالوهن والضعف احتل جسدها ولم يعد لها القدرة على الحديث.
بالأسفل عند ليلى. اغرورقت عيناها بالدموع على صديقة عمرها. جلست تنظر بشرود حولها تشعر وكأنهما في منتصف متاهة هي بمعذب قلبها الذي ألقاها خارج حياته دون رحمة.
أطلقت تنهيدة مرتعشة من عمق الليل الحالك بداخلها عندما وجدت رقمه ينير شاشة هاتفها. أمسكت الهاتف بكفيها المرتعش:
- درة حمزة أخدها على البيت. وقولتلها زي مافهمتيني.
آهة طويلة ثم أردفت:
- الحمد لله. هي كويسة مش كدا؟ يعني محدش قرب منها. متخبيش عني حاجة لو سمحت. درة ضعيفة مش هتتحمل دا كله. ياريته خدني أنا.
آلمه كلامها وكأنها غرست خنجراً في روحه التي تتوجع. فهمس إليها:
- ليلى درة كويسة. ممكن تتصلي وتطمني عليها. أنا لازم أقفل دلوقتي.
نظر لهاتفه عدة مرات وهو ينتظر اتصال من ذاك المتجبر. وصل إليه يونس. ترجل من سيارته سريعا يمسكه من تلابيبه:
- قصدك إيه إن سيلين مش موجودة؟ يعني راحت فين؟
ابتلع غصة مرة كالعلقم أحكمت حلقه حد الاختناق:
- معرفش ملقتهاش. معرفش يايونس اختي فين معرفش.
لكمه قوية من يونس بصدره حتى تراجع خطوة للخلف:
- هموتك ياراكان لو مرجعتليش سيلين هقتلك.
صرخ يونس كالمجنون ونيرانه المتأججة تزداد اشتعالا بشكل مرعب متوجها للضابط الذي وصل حيث جلوس راكان الذي جلس كالذي فقدت حياته:
- راكان باشا مفيش أي أثر لأي حاجة. وأخر أمل الكاميرات متعطلة بالكامل في الشارع. حتى منعرفش أي اتجاه.
روحه تأن بألم حتى شعر بإنسحاب الأكسجين من رئتيه. رفع نظره للضابط مكسور الجناح مثل طير سدد بطلقة نارية فتحدث قائلاً:
- اتصل خليهم يقفلوا كل مداخل ستة أكتوبر. هم أكيد مخرجوش من هنا. ملحقوش. وشوف كاميرات الشوارع القريبة من هنا. دور على أي خيط. أنا حاسس أنها مش بعيدة.
اتجه بنظره ليونس الذي جلس يضع رأسه بين كفيه وتحدث:
- سيلين هترجع حتى لو كان التمن حياتي.
عند سيلين.
جلست بغرفة بإحدى المنازل البسيطة. لم تستطع تمالك نفسها أكثر من ذلك فانهارت حصونها وجلست تبكي بانهيار كلما تذكرت صورته بأحضان سارة.
قبل قليل.
دلف أمجد وهو يحتسي من قهوته ويطالعها بنظراته الحقيرة. فجلس بمقابلتها:
- دا انت طلعتي أحسن من الصور. لا بجد شكلك أميرة قصص.
أمال بجسده ومد كفيه على خصلاتها يجذبها يستنشقه. دفعته بقوة وتحدثت كقطة شرسة:
- لو قربت إيدك هقطعها. ميغركش اللبس والميكب. لا دا أنا تربية راكان البنداري.
قوس فمه ثم مطه وتحدث ساخراً:
- قولتيلي راكان البنداري. طيب ياتربية راكان البنداري تفتكري هيقدر ينقذك ولا هيقول دي مش أختي وماليش دعوة بيها.
نهضت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة:
- لا ياعم الحبوب مهما تقول فأنت داخل في منطقة لأمثالك. مش راكان اللي يتخلى عن واحدة حتى لو مفيش رابط. مجرد بس اتحامت فيه. زي مثلا ليلى اللي هتموت عليها.
هنا فقد سيطرته ووصل عندها بخطوة يضغط على فكيها حتى آلمها قائلاً:
- هجبها وهخليه يرميها وحياة خمس سنين حب لادفعها الغالي قوي. وهخليه يتحصر عليها اصبري عليا.
دفعته بقوة تبصق عليه. صفعها بقوة ثم جذبها من خصلاتها حتى انزلقت عبراتها فهمس بصوتا كفحيح أفعى:
- ليلى دي كانت ملكي لولا أخوكي الحقير سليم كان زمانها مراتي. هي مش مرات راكان الزفت.
دفعها حتى سقطت على الأرضية تتراجع للخلف عندما اقترب منها وهو يطالعها بسخرية:
- شكلك متعرفيش إن أخوكي المحترم طلقها ورماها برة البيت.
ضحكات بأصوات مشمئزة حتى وضعت سيلين كفها على أذنها فدنى منها يهمس بجوار أذنها:
- راكان بيحب ليلى ولا لا؟ عارفة لو جاوبتيني هوريكي فيديو عمرك ما هتصدقيه.
رفعت نظرها بعينيها الدامعة. لا تعلم أي جرم فعلته ليلى ليوقعها بذاك المريض. لم تصدق ماقالته الا حينما وجدته بتلك الحالة. لحظات وهي تطالعه بصمت تفكر بحل حتى تخرج من ذاك المأزق. فاقت من شرودها عندما جذبها مرة أخرى يصيح:
- ماتقولي يابت راكان وليلى إيه اللي بينهم بيحبها ولا عشان الولد ولا إيه بالضبط. الحقير أخوكي محدش فاهمه ولا يعرف بيفكر في إيه.
صمتت برهة ثم ابتسمت بسخرية وأجابته:
- ليلى وراكان حب؟ دا انت شكلك مجنون. لا دا انت مجنون فعلا.
أطلقت ضحكة صاخبة تضرب كفيها ببعضهما وتحدثت:
- شوفت النار والبنزين. عمرك سمعت عنهم أهم دول كدا لو قربوا من بعض هيولع في مدينة كاملة.
دنت قائلة:
- ليلى مفيش عدو ليها أكتر من راكان. وراكان مكرهش حد في حياته قدها.
رجعت بجسدها على الحائط تهز رأسها وأكملت مستطردة بإبانة:
- فيه واحدة هتحب واحد وهو قرب منها غصب عنها. يعني بمعنى أصح اغتصبها. وتقدر تقول واحدة لما عرفت انها حامل من مغتصبها راحت تنزل الجنين من وراه.
ابتسمت ابتسامة نحتتها من عمق آلامها عليهما وأكملت:
- إيه اتصدمت؟ استنى خد الكبيرة.
- ليلى اتجوزته غصب عنها عشان هددها بابنها. وهو اضطر يتجوزها عشان وصية سليم. غير أن سليم كتب كل حاجة باسمها حتى حضانة الولد.
هنا تذكر أمجد حديث نورسين. نعم لقد حكت له كل ذاك. حدث نفسه:
- يعني راكان بينتقم وكنا مفكرين بيلعب بينا.
ظلت نظراته تحاوطها بتدقيق ثم توقف وهو يعطيها هاتفه:
- دلوقتي أقدر أكافئك بالفيديو دا وأقولك إنك متستهليش يونس. عايز أعرف راكان أخد ليلى على فين. أنا عارف انه خرجها من البيت بس.
فين دا اللي لسة ماوصلتوش بس صدقيني لو كان دفنها في القبر هجيبها. قالها وتحرك للخارج. ثم توقف لدى الباب:
- الفيديو تقيل عليكي هسيبك براحتك ياقطة وأنا جاهز في أي وقت.
أمسكت الهاتف بيد مرتعشة وجدت يونس يجلس على فراش سارة وهي بأحضانها بلا ثياب. وحركاتها المائعة وقبلاتهما التي أدمت قلبها. شهقة خرجت من فمها. تضع كفيها على فمها وتنسدل دموعها كخزات المطر. تطالع الفيديو للمرة الألف حتى تتأكد انه ليس هو ولكن كيف وهي التي لم تخطأ به ابدا. بكت بنشيج وهي تضع كفيها على قلبها تلكمه:
- يارب تموت وأرتاح منك. يارب تموت ياقلبي وأرتاح منك. دا اللي عمال تديله أعذار.
أطبقت على جفنيها ثم تجمدت بمكانها وهي تهز رأسها وقلبها يعوق عقلها عن خطأها بحقه. أسرعت تمسك الهاتف مرة أخرى وتنظر إليه حتى هزت رأسها:
- لا مش ممكن فيه حاجة غلط.
صمتت لحظات ثم حدثت حالها:
- إزاي الفيديو دا وصل هنا.
أطبقت على ملابسها بقوة وهي تجز على أسنانها:
- سارة وحياة ربي لأندمك على وجع قلبي. ورغم ذلك بكت وهي تراه بذلك الوضع المخل حتى لو لم يكن بعقله. نعم فهو زوجها حبيبها الذي لم تعلم نبض العشق إلا بجواره.
تذكرت حديث راكان بعد طعنها له.
فلاش:
- طبعاً أنا عارف إن يونس عمل حاجة كبيرة ومش بعيد يكون حاول يعتدي عليكي. بس اللي متعرفوش يونس طلبك مني وأنا وافقت.
أشار بيديه يضع سبابته على فمها:
- اش مش عايز كلام اسمعيني للأخر وبعد كدا الرأي رأيك.
اقترب يجذبها ويجلسها بجواره يحاوطها بذراعيه:
- تعرفي أنا كنت رافضه جداً. بس حقيقي يونس بيحبك أوي ياسيلي.
أرجع خصلاتها وضمها لأحضانه:
- هكون مطمئن عليكي معاه. يونس مش بيحبك بس لا مستعد يفديكي بحياته. عشان كدا أنا وافقت وجوزتك له بالتوكيل اللي معايا.
احتضن وجهها بين كفيه:
- لو مش عايزة اعتبري مفيش حاجة حصلت. بس حقيقي من وقت ما سليم مات وحياتي بقت في خطر خوفت عليكي. خوفت يحصلك حاجة من بعدي. ملقتش حد هيخاف عليكي بعدي زي يونس. هو هيكون الراجل اللي تقدري تتحامي فيه من بعدي. فلو إنتي مش شايفة إنه ميستهلش هخليه يطلقك ولا كأنك سمعتي حاجة. هسيبك تفكري وتقرري مع نفسك. إنتي معنتيش الطفلة الصغيرة. إنتي كبيرة وتقدري تاخدي قرارات حياتك براحتك.
خرجت من شرودها عندما دلف أمجد:
- سيلين الجميلة يارب تكوني مبسوطة معانا. متخافيش وقت ما أخوكي يجبلي ليلى هسيبك.
صوب نظراته إليها متسائلاً:
- تفتكري المعادلة هتكون صعبة ولا لا.
شعرت بدوار من كلماته. وآلمها قلبها على أخيها كيف حاله الآن. حاولت أن تفكر علها تصل لحل دون خسارة أخيها أي شيئا.
ابتلعت ريقها بصعوبة وأجابته بهدوء رغم تأجج أوردتها:
- انت الخسران للأسف. يعني تفتكر لو راكان عرف إنك بتساومه. هيقولك اتفضل. دا لو حتى كان ليلى مش هامها حالياً مساومتك له هيقوى أكتر.
نهضت وهي تتعمق بنظراتها له بعدما وجدت تغير بملامحه وعقدت ذراعها تقف بمحاذته:
- راكان مش الشخص اللي تساومه ويرضخ حتى لو هيموت. وخاصة أنا مش أخته زي ماانت لسة قايل.
ضيقت عيناها متسائلة:
- عرفت منين أنا مش بنت أسعد البنداري؟
جلس يضع ساقه فوق الأخرى وبدأ ينفث سيجاره وهو يطالعها بنظرات تفحصية ثم أردف:
- هيفيدك بإيه. المهم عرفت. بس اللي مش قادر أفهمه إزاي واحدة جميلة ومثقفة زيك ترضي بواحد زي يونس اللي مسبش واحدة الا واخدها هج. لو شايفة دا حلو في الراجل أنا موجود برضو.
قالها غامزاً بعينيه:
- مطت شفتيها للأمام قائلة:
- زي ماانت شايف إن ليلى حبيبتك مع أنها رمتك واتجوزت مرتين ورغم كدا مش سايبها. بس الفرق بينا أنا بعدت عن يونس لما عرفت إنه كدا. مش فارق معايا. حتى اللي بعتلك الفيديو غبي مايعرفش إننا منفصلين من زمان.
نهض وسار نحوها بخطوات متمهلة وأعين متسلطة ثم انحنى يحاوطها بين ذراعيه:
- يعني متعرفيش إنه متجوزك في السر. ومش بس كدا ناوي ياخدك ويهاجر بعد امتحاناتك.
لاحت على ثغرها ابتسامة متلاعبة ثم غرزت عيناها بعينيه القريبة:
- هو انت مجنون. منين متجوزني وهياجر بيا. وكمان من غير مااعرف. ومنين هو بيتلاعب في الفيديو مع بنت عمي. دا اسمه كلام اهبل. ماهو لو زي مابتقول يبقى أنا مهمة في قلبه بقى.
رفعت أكتافها وأكملت:
- بس هو ميهمنيش. وياله ابعد كدا متخلنيش أفقد قدرة تحملي على شخص زيك.
لامس خديها وغمز بطرف عينيه:
- ماتيجي أهدي أعصابك.
دفعته بقوة حتى كاد أن يسقط، وأشارت بسبابتها:
- ايدك هتلمسني هكسرهالك.
ظل يطالعها لفترة من الدقائق، حقًا أصبحت أمامه تفاحة وجب أكلها. ملامح وجهها التي تبدو كالأطفال، وقوامها الممشوق بشكل يحبس الأنفاس. ثغرها المرسوم ومنحنياتها المفعمة بالأنوثة.
دنى منها ثم جذبها بقوة من خصرها وهمس لها:
- يونس دا حمار كبير، بس وحياة ليلى عندي لو راكان مجبليش ليلى لهحصرهم عليكي. وهفكر زي ماقولتي إزاي اخلي ليلى تيجي من غير تهديد راكان.
***
دفعته بعدما ركلته بقوة بمنطقة المحظور. ابتعد يصرخ بقوة من ركلتها القوية، دقائق وهو يحاول أخذ أنفاسه. رفع نظره إليها يرمقها شزراً ثم تحدث:
- عجبتيني أكتر، لا دا قعدتك مع ليلى علمتك كتير، هي زيك كدا فرسة، بس ياترى إزاي مقدرتش تبعد أخوكي عنها. دماغي ياسيلي حبيبتي جننتني بعامليها.
قالها وهو يطلق ضحكات ثم تحرك للخارج.
عند ليلى بمنزل المزرعة. صعدت لغرفته بالأعلى وهي تتفحص المنزل برائحته العبقة بكل مكان. تتذكر تلك الليلة التي قضتها هنا. دلفت الغرفة شعرت بنسمة محملة برائحته تمر على وجهها مما جعلها تبتسم. تسمرت بمكانها وهي ترى غرفته التي كانت بذاك القصر. اتجهت بخطوات متمهلة وكأن أحداث تلك الليلة تمر أمام عينيها. جلست عليه تتلمسه بابتسامة ثم تسطحت عليه تستنشق رائحة زوجها به تهمس لنفسها:
- ناوي على إيه ياراكان، ليه بتسحبني وترجع تغرقني، عايز مني إيه.
ظلت تتلمسه وانزلقت عبرة على وجنتيها عندما شعرت بفراقه كضربة سيف تدق العنق بلا هوادة. ظلت للحظات تفكر فيما يفعله، أهو يحبها مثلما تشعر بأحضانه أم أنه مع كل النساء بتلك الطريقة.
اعتدلت تفرك جبينها عندما شعرت بصداع يفتك بها من كثرة تفكيرها. اتجهت إلى هاتفها وهاتفت أختها، ولكن الأغرب أجابها حمزة مما جعل قلبها يقذف بنبضاته بعنف.
- أستاذ حمزة، درة فين ومالها مبتظهرش ليه.
قطب مابين جبينه متسائلاً:
- "ليلى"!! انتي غيرتي رقمك.
شعرت بثقل كلماتها مستغربة سؤاله، فردفت:
- لأ، ليه!
حمحم معتذراً ثم ناول الهاتف لدرة التي تجلس بجواره بمنزلها. توقفت عندما وجدت أنظار والديها عليها.
- أيوه حبيبتي عاملة إيه!
لفظت الهواء بقوة من رئتيها بعدما استمعت إلى صوت أختها:
- درة انتي كويسة، ومين اللي خطفكم.
أطبقت على جفنيها وأجابتها:
- معرفش المشكلة سيلين مرجعتش معايا ولا أعرف عنها حاجة.
رجفة قوية أصابت جسد ليلى حتى شعرت بأن ساقيها أصبحت كالهلام ولم تعد تستطيع الوقوف ولا النطق. استندت على كفيها حتى وصلت لمخدعها وجلست بقلب ينتفض رعباً.
- يعني سيلين مرجعتش، طيب وراكان فين!
أرجعت خصلاتها للخلف وأجابتها:
- إحنا سبناه هناك، وقالي عرفي مامتك إنك كنتي مباتة عند ليلى عشان هما ميعرفوش بخطفي.
هزت رأسها غير مستوعبة حديث درة:
- سيلين إزاي مرجعتش انتوا مكنتوش مع بعض.
- والله ياليلى ماشفتها، من وقت ما اتخطفنا معرفش عنها حاجة.
أطلقت رأسها للأسفل وغمامة من الدموع تحتجز بعينيها:
- يارب ما يكون أمجد يادرة، لو هو يبقى راكان مش هيسكت.
وصل حمزة إليها:
- درة أنا لازم أمشي، خلي بالك من نفسك، وبلاش خروج إلا لما تعرفيني.
قبل جبينها بقبلة ثم خرج بعد توديعه لحماه.
أما ليلى التي أغلقت الهاتف وشعرت بأن الأرض تميد بها وكأنها ستفقد وعيها. اتجهت لمهاتفته. أجابها بعد عدة ثواني:
- أيوه فيه حاجة أمير كويس!
سحبت نفساً طويلاً محاولة السيطرة على دموعها فهمست له:
- انت غيرت رقمي ليه! وليه مقولتليش على سيلين.
قاطعها هادراً:
- غيرت رقمك عشان عارفك غبية مبتتعامليش بالعقل، أما عن سيلين هرجعها مش ضروري إنك تعرفي أصلاً، وليه تعرفي.
أطبقت على جفنيها تقاوم كلماته القاسية التي كالصاعقة.
لحد إمتى هتفضل تعاملني كدا، عايزة أعرف أنا مين وإيه في حياتك، ليه جبتني للبيت دا وأنت عارف ذكرياته كويس. عايز توصل لأيه، أنت عايز مني إيه، أنت بتحبني ولا بتكرهني، طيب لو بتحبني ليه بتحاول تكرهني فيك!
أخرجت كل ما يؤلمها على شكل تنهيدات وأنْفاسٍ مرتفعة. وصل الضابط إليه متحدثاً:
"فيه أخبارية وصلتنا عن المكان اللي باشمهندسة نورسين وصفته."
تحرك متجهاً لسيارته وأجابها:
"ليلى، كل اللي يربطني بيكي أمير. ودلوقتي إنتِ حرة وطلقتك، يعني مش بعمل حاجة عشان أوصلك. من حق ابن أخويا يعيش كويس. أخويا اللي حضرتك ما كلفتيش نفسك تودعيه. ولو حاولتي تعملي حاجة من ورايا، هندمك يا ليلى. وللأخر مرة بقولك، بلاش تخليني آخد منك الولد. لسة بكلمك بقلبي."
"فهمت يا حضرة المستشار. كلامك علم وينفذ."
ثم أغلقت الهاتف بروح محترقة وقلب يتمزق ألماً. ما تقاوم رغبة بالصراخ من أعماق روحها، صرخة مدفونة بقبر تحت الأرض، على صم بكم لا يشعر بها أحد.
جلست بعيون تائهة وقلب مشتت. اتجهت للخارج بعد دقائق حتى حاولت السيطرة على نفسها. دلفت لغرفة ابنها، ووجدته نائماً.
"نام من زمان يا داليا."
أومأت داليا برأسها.
"أيوة، من أول ما وصلت لقيته نايم. هو حضرة المستشار مشي؟"
أومأت برأسها مردفة:
"عارفة تعبتك معايا الفترة اللي فاتت دي، ولسة هحتاجك الأيام الجاية. ناوية أنزل الشغل ومش هلاقي حد أثق فيه على أمير غيرك."
اقتربت داليا مبتسمة:
"طبعاً، ودا شرف ليا يا مدام ليلى. متقلقيش، كله هيكون كويس إن شاء الله."
ربتت ليلى على كتفها ثم خرجت متجهة للخارج. قابلها نوح خارجاً من غرفة أسماء.
"أنا همشي دلوقتي، بس لازم نتكلم قبل ما أمشي."
سحبها من يديها وهبط للأسفل. جلس وأجلسها بجواره.
"احكي لي كل حاجة. بقالنا كتير مقعدناش مع بعض. راكان قالي إنه طلقك. عارفه بارد وبيحب يهزر. لولا معرفت إنه بيحبك، كنت صدقته المجنون دا."
ابتلعت غصة متورمة منعت تنفسها، وانسدلت عبرة غادرة من طرف عينيها. فهمست بشفتين مرتجفتين:
"بس هو مش بيهزر. راكان طلقني فعلاً."
توسعت عيناه مذهولاً، وشفتيه فاغرتين مصعوقاً، وكأن ما استمع إليه كابوس. فتساءل:
"إيه اللي حصل خلاه يوصل إنه يقلعك من قلبه؟ دا كان مجنون بحبك."
ابتسامة حزينة شقت ثغرها، ثم طالعته بعينين دامعتين:
"كله تمثيل يا ابن خالتي. طلع كله تمثيل. وعدني وخان. عايز من واحد بعد ما وعد خان منه إيه؟"
"سيبك من اللي حصل، المهم في اللي جاي. نوح، أنا مكسورة قوي. راكان كسرني بشكل آذاني، وعشان كدا عايزة ألملم نفسي وأرجع ليلى اللي كانت قبل ما تعرف واحد اسمه راكان. ماليش حد أتسند عليه غيرك."
أزالت عبراتها بكفيها المرتعش وأكملت:
"لازم تشوفلي بيت أَقعد فيه أنا وابني، عشان ميضغطش عليا بيه. واكيد شغل كمان. مش عايزة أكون عَبء على بابا."
ربت نوح على كفيها ثم سحب نفساً وزفره بهدوء.
"بصي يا ليلى، أنا كنت بسكت عشان شايف حبكم. بس الكسرة اللي شايفها في عيونك دي مش عجباني. إنتِ ليلى بنت الأستاذ عاصم المحجوب اللي ضربتي أمجد في عز جبروته وسط الجامعة. وليلى اللي عملت قضية سب وقذف لدكتور الجامعة لمجرد قالها اقعدي يا حيوانة. ليلى الجريئة اللي كنت بتكسف من نفسي لما كنتي توقفي قدام الحق وتخرصي الباطل. عايزك ترجعي ليلى دي. محبتش ليلى اللي قلبها حطمها. آه، راكان صديق عمري، بس إنتِ قبل ما تكوني بنت خالتي، فإنتِ أختي."
نهض وتعمق بنظراته قائلاً:
"هجيلك بعد يومين تكوني استعدتي نفسك وجهزتي كلامك عشان نعرف نقول لوالدك إيه بعد طلاقك. وقبل أي حاجة، تأكدي هكون في ضهرك مهما يحصل. دلوقتي قومي ارتاحي. خدي ابنك في حضنك، ومش هقولك انسي راكان، بس هقولك عيدي نفسك وخذي حقك منه، زي ما هو أخد حقه."
قالها وتحرك خارجاً. ظلت تنظر بشرود لذهابه وعبراتها تتساقط بقوة عبر وجنتيها مردفة:
"عندك حق يا نوح. لازم أستعيد نفسي."
قالتها وصعدت متجهة إلى أسماء.
***
تابع بقية الفصل ٣٠.
عند راكان.
ظل بمكتبه بالنيابة حتى شعر بفقدان الأمل أن يصل لشيء. تذكر جده، فتحرك متجهاً لمنزله.
وصل بعد قليل إلى منزل عمه.
"فين توفيق باشا يا فريال هانم؟"
جذبت ذراعه وصاحت به بغضب:
"إنت إزاي تخلي البوليس ياخد عايدة؟ بتهمة إيه؟"
قاطعهم دخول أسعد وتوفيق بجوار عايدة.
وصل إليه أسعد بخطوة واحدة:
"إيه اللي عملته دا؟ هو عشان يعني وكيل نيابة تستعمل سلطتك في كل اللي يوقف قدامك؟"
تسمر كالجماد، وكأن كلمات والده صفعته بقوة دون رحمة. فحاول النطق، ولكن كأن الحروف هربت من مخارج شفتيه. وصل يونس وهو يجذب سارة من خصلاتها التي تصرخ بأعلى ما لديها بقوة. ثم دفعها بقوة حتى سقطت أسفل أقدام جده. ثم أشار بسبابته:
"البت دي مرمغت شرفي في الأرض. عايز حقي منها هي ومرات عمي وأمي."
تحرك إلى أن وصل لجده وتعمق بنظراته متحدثاً بهدوء ما قبل العاصفة:
"جدو باشا، بنتك ابنك ضيعت شرفي. يالهوي يا ولاد يونس، البت سارة خدشت حيائي، أو بمعنى أصح، اغتصبني."
شهقة خرجت من أسعد، ثم لكزه توفيق بعصاه:
"احترم نفسك يا دكتور! اتجننت ولا إيه؟ إيه الكلام الأهبل اللي بتقوله دا؟"
ضرب يونس كفيه ببعضهما وهو يضحك:
"طب والمصحف دا اللي حصل. وعارف عملت إيه كمان؟ صورتني وبعتتها لسيلين. ليه بقى يا باشا؟"
دنى وأمال بجسده وهو يغرز عيناه بعين جده:
"أصلهم عرفوا إني كتبت على سيلين."
هز رأسه عندما توسعت أعين توفيق، الذي اتجه بأنظاره إلى راكان المتيبس بوقفته، وأكمل:
"أيوة، اتجوزتها. ومش بس كدا. كل ما أملكه كتبته باسمها. إيه، عايز تقول حاجة؟"
جذب سارة من خصلاتها وهو يضمها إليه:
"عروسة المولد اللي حضرتك عمال تزقها عليّ عشان أتجوزها. دي مرضيتش أخليها شغالة عندي. عارف ليه؟ لأنها تربية الست دي."
قالها وهو يشير إلى عايدة.
دفع سارة على جده واقترب إلى عايدة:
"طيب، ليه بس شوية السحر الأسود والحاجات الصفرا اللي تشربوهالي؟ كنتوا سبوني صاحي حتى أتفرج. وعلى فكرة، كنت هشرفك برضه. فرجة ببلاش. دا أنا بدفع قد كدا عشان أتفرج. غير لما توسخوا سمعتي وتركيب صور وحاجات، استغفر الله العظيم يا رب. كان نفسي تبقى حقيقية، أصلها رخيصة يا مرات عمي. هستنى إيه من واحدة تربيتها رخيصة وأمها بتدفعها للمنكر؟ إيه، عشان شوية فلوس؟"
أشار إلى جده وتحدث والخذلان يتفجر بأحشائه كرصاصة سامة، وأردف:
"دلوقتي، عشان مفضحش حفيتدك، وقبل أي حاجة، أقسم بالله العظيم ما هبقى على أي واحد عايز أعرف وديتوا مراتي فين."
استدار يوزع نظراته بينهم: "فين سيلين؟ بدل ما أخرج على جميع القنوات وأفضحكم كلكم. وعندي الفيديو اللي يثبت إنّي مش بطبعتي."
جلس راكان وأشعل تبغه، فقد قام يونس بما أثلج صدره المشتعل. وصل أسعد لابنه متسائلاً:
"إنتو لسة ملقتوش أختك؟"
تراجع للخلف برأسه منهزماً، والحزن مرسوماً على وجهه. فتوقف متجهاً إلى توفيق، دافعاً سارة من أمامه، وأمال بجسده يحاوط جده بذراعيه على المقعد.
"من تلاتة وعشرين سنة، واحد معندوش دين قطع فرامل عربية ماما زينب بعد ما خططوا إنها تخرج من البيت بسبب حقنة نزيف وهي حامل، في الوقت اللي أختها حامل في الشهر السابع عندها، عشان يتخلص من الاتنين."
شعر أسعد بإنسحاب الهواء عندما علم بما ينتويه راكان. فاتجه إلى ابنه، ولكن وضع راكان كفيه أمام والده مكملاً:
"استنى يا باشا، لما أعرف الباشا الكبير نتيجة عمايله. مش هو عايز يفهمنا إنه ذكي أخواته؟"
"فاكر اليوم دا يا توفيق باشا؟ أه، أكيد فاكره. اليوم دا ماما زينب كانت حامل، وخالتو زينة كمان حامل. بيقولك المجرم دايماً بيكون غبي وبيسيب أي أثر. بس للأسف، ذكي أخواته مسبش حاجة تدينه. بس نسي إن ربنا مطلع على كل حاجة. ويشاء القدر ويركب ابنه العربية ويموت أول واحد. وربنا ينقذ ماما زينب. لكن من ذكائه، عامل حسابه لو ربنا أنقذها من الحادثة، يبقى تفقد جنينها، وخصوصاً دا الابن التاني. وتمشي اللعبة زي ما الشيطان مخطط بالظبط. والجنين يموت. بس تفتكر يا جدو، ربنا ما يربطش على قلبها ويعوضها ببنت جميلة، وخصوصاً بعد ما اتحرمت من الإنجاب؟"
اعتدال واقفاً وهو يوزع نظراته على الجميع وهو يدور حولهم.
"طلعتوا إن سيلين بنت شوارع، ومالهاش أصل ولا عيلة، وممكن تكون بنت حرام."
رمق جده الذي تغيرت ملامح وجهه وشحبت عندما استنتج ما سيقوله راكان.
"سيلين من عيلة البنداري يا توفيق باشا، يعني التحليل مكنش محتاج التزوير. بس أنا زورته عشان اللحظة دي. عشان أموتك بحسرتك. ودلوقتي الحقير خاطف حفيتدك وأنا عاجز ومش عارف أوصلها. ومش بس كدا، بالاتفاق مع العقارب اللي حضرتك مربيهم وبتعلمهم إزاي يقرصوا القرايب قبل الغرب."
اقترب من والده يبتسم بسخرية:
"إيه يا أسعد باشا، مش تعرف أبوك المحترم إن بنتك طلعت مش بنتك؟ بس هي بندارية رغم إنها مش بنتك."
جحظت أعين خالد مردفاً:
"إيه اللي بتقوله دا يا ابني؟ انت اتجننت؟"
أطلق راكان ضحكة رغم الحزن الذي يتشعب بداخله:
"يا ريت يا عمي كنت اتجننت، أحسن ما أشوف الأخ بيحرق أخوه، والجد بيقتل ابنه وحفيده."
أشار على توفيق:
"توفيق باشا. قتل عمو محمود ومراته. عشان إيه ياترى؟"
ابتسامات ساخرة منه:
"عشان ينتقم من واحد في بناته؟ شوفتوا قرف أكتر من كدا؟ بس ربنا انتقم منه، وبدل ما يقتل بنت غريمه، قتل ابنه ومراته."
"توفيق باشا، عايز تعرف مين سيلين؟ سيلين بتكون بنت محمود البنداري. يعني حفيتدك يا باشا. ياله اشرب وموت بحسرتك. وكلم أمجد وقوله، موتها زي ما بعتله من شوية كدا، وقلتله خد مزاجك منها وارميها. وبعدها هنعمل بلاغ إنها هربت مع واحد عشان جوزنها يونس غصب عنها. مش دي رسالتك لأمجد؟"
صاعقة نزلت على رأس الجميع، مما ألجمتهم الصدمة جميعاً. فخطى إليه بخطى متعثرة وجسده يرتجف:
"قصدك إن سيلين بنت محمود ماتتش اليوم؟"
سحب راكان نفساً مطولاً ثم نفثه وهو يطالعه بشماتة بعدما وجد صدمته بجسده المرتعش وملامحه التي شحبت. فهز رأسه وهو يضحك بصوت مرتفع:
"بالظبط يا باشا. يعني قتلت أبوها وأمها من زمان، والنهاردة بتتفق تموتها وهي عايشة."
قالها راكان ودمعة غادرة تساقطت بجانب جفنيه رغم ضحكاته. ثم اقترب وهو يطالعه بنظرات نارية:
"اشرب بقى وافرح واتفق كويس. عايزك تموت بحسرتك. دا لو عندك دم وإحساس الأبوة. بس للأسف، إنت شيطان. ويا ريت تعمل لآخرتك بعد ما عرفت مرضك. لا دا انت بتفجر أكتر وأكتر."
فقد سيطرته بالكامل ودفعه بقوة حتى سقط على المقعد خلفه.
"أنا بكره دمي عشان من دم واحد قذر زيك."
"راكان!" صرخ بها أسعد. "انت مفكر نفسك إيه؟ يلا، إنت عيارك فلت ومحدش قادرك."
***
تحرك للخارج قائلاً:
"معرفتش تربيني كويس يا أسعد باشا. العيب فيك. كنت ربي ابنك، بس هقول إيه؟ ما إنت ابن توفيق باشا."
رفع توفيق كفيه على صدره يتحسس صدره عندما اختنق صدره وهو يهمس "سيلين" ثم سقط مغشياً عليه. استدار راكان يرمقه بنظراته احتقارية ثم خرج وكأنه لم يهتم. استقل سيارته متجهاً إلى جاسر. استمع لوصول رسالة:
"عايز أختك. كل الورق اللي يديني في قضايا تسلمه لواحد هبعتلك عنوانه."
توقف للحظات ثم قام بالاتصال على نورسين.
"إيه اللي عرف أمجد إننا رايحين نقبض عليه؟"
هبت فزعاً متسائلة:
"يعني أمجد هرب ومعرفتش تمسكه؟"
زفر بغضب عندما علم بأنها لا تعلم. فتحدث:
"نور، لازم أوصل لسيلين قبل الصبح. لو الصبح جه واختي مش في حضني، اعتبري كل حاجة ملغية."
قالها وأغلق الهاتف.
***
بعد أسبوع وهو كالجثة، لا يشعر بشيء، وكأن جسده بلا روح. وصل لمنزل المزرعة. دلف للداخل يبحث عنها، وجدها تغفو فوق الأريكة وخصلاتها تغطي وجهها بالكامل. سحب نفساً طويلاً يعبأ به صدره المجروح منها. ثم جثى أمامها. داعب بأنامله وجنتيها. ابتسم كلما تذكرها بأحضانه. ظل يرسمها بعينيه ثم حملها متجهاً لأعلى يضمها لأحضانه كأنه يشبع روحه منها. دلف للغرفة وهو ينظر إلى محتوياتها، فأصبحت كما رسم. غرفته التي جمعتهم وشاهدت أجمل اللحظات بينهما. وضعها بهدوء كأنها قطعة من الجواهر الثمينة. فتحت عيناها كأنها بحلم فابتسمت هامسة باسمه. ثم جذبت كفيه تغفو برأسها عليه.
"زعلانة منك قوي، ومش هكلمك تاني."
قالتها بين الحلم واليقظة.
وضع رأسه بجوار رأسها ورفع أنامله يتخللها داخل خصلاتها.
"أنا اللي مكسور منك قوي حبيبي. تايه وضايع وموجوع، ورغم دا كله مش عايز غير حضنك وبس."
دنى بأنفاسه الحارة يهمس بجوار شفتيها:
"حبك موتني مولاتي. عملتي فيا إيه حتى وصلت للحالة دي؟ لا قادر أقرب ولا قادر أبعد. بس مش عايز غير أحطك جوايا وأقفل عليكي مليون باب. وفي نفس الوقت عايز أحرقك عشان ميكونش ليكي أثر وتضعفيني."
لمس شفتيها بخاصته.
"ليلى، أنا مش عايش وأنا بعيد عنك. بعشقك بطريقة غبية ومجنونة. إيه الحب الغبي دا؟"
همهمت بنومها باسمه. بدأت أنفاسه في التسارع.
ولم يتحكم بنفسه فالتقط ثغرها بقبلة جامحة مما جعلها تفتح عيناها بشهقة وهي تحاول أن تتخلص من هجومه الضاري عليها.
دفعته بيديها بقوة صارخة كالمجنونة، تئن من الألم الذي اجتاح جسدها تحتضن جسدها بيديها تتراجع للخلف وكأن هناك حيوان مفترس هجم عليها. تهز رأسها بطريقة هستيرية. وعبراتها كالمطر على وجنتيها. سكتت هنيهة تسيطر على شهقاتها وتبتلع كرة نارية داخل حلقها وهي تنظر إليه باحتقار. آلان أطبقت عليه شخص حقير ومنحط.
"برة! مش عايزة أشوف وشك قدامي. مختلفتش عن أي شخص حقير أهم حاجة عنده غريزته وبس. كل مرة تثبتلي إنك أناني. ودلوقتي اتأكدت من الكلام اللي كنت بسمعه عنك. راجل مزاجي وبس. بكرهك وبكره نفسي عشان نزلت لمستوى منحط أحب شخص حقير ذيك. هستنى إيه من واحد وهو بيتلاعب بمشاعري طول الليل والصبح يطلق مراته كأنها بنت ليل. أنا بكرهك يا راكان يابنداري، بكرهك بكرهك. وحياة ابني اللي مفيش أغلى منه عندي اللي أخد كسر قلبي منك. ودلوقتي بررررة."
صرخت بها بقهر وعبراتها تغطي وجنتيها.
نزلت كلماتها على قلبه كمطرقة ثقيلة مشتعلة من النيران حتى أحرقته بالكامل. حاول السيطرة على نفسه، ساحباً نفساً يزفره بهدوء، ثم اقترب منها جالساً على الفراش.
"ليلى اسمعيني، ما كانش قصدي..."
"اخرص، مش عايزة أسمع صوتك. صوتك بيحرق دمي وبكرهك أكتر وأكتر." نظرت حولها.
"إيه اللي جابني الأوضة دي؟" نزلت سريعاً من فوق مخدعها، تركل كل ما يقابلها وتحطمه.
"بكره كل حاجة فيها لأنها بتفكرني برخصي." ظلت تثور كالمجنونة حتى استمعت إليها أسما وداليا مربية أمير. أسرعت أسما تدفع الباب ولكنها تسمرت عندما وجدت راكان يحاول السيطرة عليها.
تراجعت أسما للخلف وأغلقت الباب قائلة لداليا:
"خليكي جنب أمير، مفيش حاجة. سوء تفاهم بينها وبين راكان." هزت رأسها وتحركت دون حديث. بينما أسما التي جلست تضع رأسها بين راحتيها حزينة على ما صار لهما.
بالداخل، احتضنها راكان من الخلف مسيطراً على حركتها.
"ليلى اهدي واسمعيني." صرخت محاولة الفكاك من قبضته. دفعته بقوة، تركله.
"ماتلمسنيش." قالتها صارخة، تدفعه وتلكزه بكل ما لديها من قوة حتى تركها، يدفعها على الفراش محاوطاً إياها بجسده، صارخاً بوجهها.
"اخرصي بقى. هو عشان أنا صابر عليكي هتسوقي فيها؟ اخرصي." قالها بصوت مرتفع وهي مقيدة بجسده. وعيناها تدفع الدمعة بالدمعة فوق صفحات وجهها وتحرق وجنتيها كما تحرق قلبه. ورغم متاهة المشاعر التي سيطرت على كلاهما، أردف قائلاً:
"ما كانش قصدي أعمل اللي عملته. حسيت إني مشتقالك غصب عني، مقدرتش أتحكم في نفسي. عادي كلنا بنغلط. ليه بتحسسيني إنّي مقرف قوي كده؟"
رسمت ابتسامة سخرية من بين دموعها، هامسة بشفتين مرجفتين:
"بحسسك إنك مقرف؟ لا لا سمح الله. انت أصلاً مقرف. بس لنفسك يا بيه. شوف انت نايم عليا إزاي. لو انت راضي بكده ومتربي على القرف ده، فأنا غير كده. كفاية بقى تدنيس فيا." قالتها وهي تدفعه بكل قوتها، ورغم دفعها إلا أنه لم يتحرك.
ظل كما هو ينظر إليها بصمت مخيف، حتى اهتز جسدها وضعفت قواها وعيناها مغيمة بالدموع من نظراته الاختراقية لها. لحظات مرت على كلاهما كالسيف على العنق. هي خوفها من تهوره، وهو بضعفه من حالتها. تمنى لو يشق صدره ويخبأها حتى يعلمها كم هو محب وعاشق لها، ولكنها غبية لم تعلم لغة الأجساد ولا العيون. فلو تعمقت بعينيه لعلمت أن غرامه بها وحدها وأنه لا يرى سواها.
أمال بجسده حتى اختلطت أنفاسهما، وهي تهز رأسها وشهقاتها بالارتفاع، تحسه على ألا يفعل شيئاً.
"راكان لو سمحت ابعد. لو فعلاً احترمتني لو دقيقة، بلاش أقولك لو حبتني. أبعد عشان خاطري يا راكان. متعملش فيا كده."
وضع جبينه فوق جبينها وانزلقت عبرة غادرة من طرف عينيه.
"لدرجة دي شايفاني حقير قوي كده؟ لدرجة دي يا ليلى أنا إنسان معدوم الأخلاق؟" اهتز جسدها بالبكاء عندما فقدت السيطرة على نفسها وقلبها الخائن الذي يشفع له دائماً. فهمست:
"راكان، إحنا اتطلقنا. واللي بتعمله ده حرام. كبيرة من الكبائر. عشان خاطري متخلينيش أكره نفسي أكتر من كده. كفاية بقى." فك ذراعها، وكما هو كأن جسده شُل بالكامل. رفعت كفيها المرتعشتين تدفعه حتى سقط بجوارها. فزحفت حتى نزلت من فوق الفراش بجسد ينتفض رعباً من حالته. فتحركت بجسد خالٍ وخطوات متعثرة حتى وصلت لأسما بالخارج، ألقت نفسها بأحضانها وانهار جسدها وهي تبكي بشهقات مرتفعة.
***
"اتصلي بنوح يا أسما خليه يجي ياخدني من هنا. أنا مش عايزة أفضل هنا. اتصلي بأبويا يجي ياخدني يا أسما، أنا بموت. مش عايزة أقعد في أي مكان مرتبط بالشخص ده."
ضمتها أسما وأجلستها على الأريكة، تمسح على خصلاتها.
"ليلى اهدي حبيبتي، هعملك اللي انتِ عايزاه."
خرجت من أحضانها تهز رأسها رافضة.
"اتصلي حالا. أنا بختنق. مش عايزة أقعد ولا دقيقة هنا."
ظلت تمسد على خصلاتها حتى هدأت وغفت بأحضانها. أما بالداخل، جلس وكلماتها تسقط على مسامعه سقوط نيزك يشعره بتائه بصحراء حالكة الظلام. بأعين زائغة وصدره المشتعل بنيران حديثها، ينظر حوله على ما فعلته بالغرفة حتى أصبحت عبارة عن أشلاء مفتتة. أطبق على جفنيه عندما ظن ما فعله سيسعدها بكل ما جمعهما، ولكنه أخطأ. استمع إلى رنين هاتفه. ابتلع ريقه الجاف بصعوبة وأجاب:
"أيوة يا جاسر..؟"
"راكان، عرفنا مكان أمجد. زي ما توقعت جدك كلمه على الرقم اللي بعته. ودلوقتي فيه قوة مجهزة ورايحين نقبض عليه ومعايا الدكتور يونس." نهضا بجسد بلا روح قائلاً:
"ابعت اللوكيشن وأنا في الطريق." قالها وخرج. وجدها تنام بأحضان أسما التي تضمها. اقترب منهما.
"خلي بالك منها. ولو فيه حاجة عرفيني. أنا مش هاجيلها تاني، خليها ترتاح."
تنهيدات متألمة وهو يناظرها بعينيه الحزينتين، مكملاً.
"أسما، ليلى وأمير أمانة عندك. عمري ما فكرت أذيها، أنا حاولت وفشلت." قالها وتحرك للخارج، ولكنه توقف عندما استمع إلى أسما.
"انتوا فعلاً اتطلقتوا؟ قصدي يعني انت طلقتها فعلاً ولا إيه؟ ماهو مش معقول تطلقها وتاني يوم تيجي و..." صمتت ولم تكمل حديثها.
ابتسم من بين أحزانه وأجابها:
"اتطلقنا.. آسف." قالها وتحرك سريعاً من أمامها. وصل بعد قليل للمكان الذي أرسله جاسر. وجد الشرطة تطوق المكان وجاسر يتسلل بأحد الجوانب بجواره بعض الضباط وهو يشير إليه بالصمود. بعد قليل، تحفظت الشرطة على بعض الخارجين عن القانون. علموا بالغرفة التي توجد بها سيلين، ولكن علم أمجد، فاخترقها وجذبها، يضع سلاحه فوق رأسها.
تجمد جاسر بمكانه عندما استمع إلى كلمات أمجد.
"هتقرب، هقتلها. أنا كدا كدا ميت. مش باقي على حاجة. إنما الحلوة لسة صغيرة وجميلة." وصل راكان ويونس عندما تأخر جاسر بالخروج.
عم الصمت والجمود المكان. ابتسم أمجد عندما رأى راكان.
"آآآآووه، ابن البنداري شرف. لا دا مش واحد، دا الاتنين." حرك السلاح على وجه سيلين، يبتسم بسخرية.
"مش قولتلك إنك غالية يا جميلة؟ قولتي محدش هيزعل عليا. بس عايز أعرف يونس باشا بعد العك جايلك ليه؟"
"أيكونش عايز يكمل الليلة؟ ولا البت سارة مملتش عينه؟ أصلها مش حلوة الصراحة." زأر يونس واقترب منه وهو يسبه، محاولاً الإمساك به.
جذب أمجد سيلين من خصلاتها.
"هتقرب هموتها."
"يونس!" صرخ بها راكان الذي يقف وعيناه على وجه أخته. لقد اشتاق إليها. اليوم علم كيف تكن له تلك الجميلة.
"عايز إيه يا أمجد؟ وبعدين من إمتى هتكون راجل وتحارب راجل لراجل؟"
"ليه دايماً بتسترجل على الستات؟"
مط أمجد شفتيه للأمام وهو يجذب سيلين للخلف، ويهمس بجوار أذنها، لامساً بشفتيه وجنتيها.
"شوفتي جبتهم إزاي؟ ولسة توفيق باشا اللي معرفش إيه اللي حصل خلاها مستعدة تخسر كل ما تملكه عشان ترجعي."
جن جنون يونس من اقترابه منها بتلك الطريقة.
واقترب كالمجنون يحاول خنقه. ولكن جاسر سيطر عليه ودفعه لأحد العساكر.
"امسكه يابني ولا كلبشه. هي ناقصة جنان." ثم اتجه إلى أمجد.
"سيب البنت يا أمجد، كدا كدا الشرطة محاصرة المكان، مش هتعرف تهرب."
تحرك بها عدة خطوات وهو يرفع حاجبه بسخرية.
"مين قال كدا؟ يا نعيش سوا يا نموت سوا. مش كدا يا سيلي يا حبيبتي؟ أصلكم متعرفوش أنا وسيلين قربنا من بعض قد إيه. حتى البنت طلعت حلوة قوي."
شهقت، واضعة كفيها فوق فمها، متراجعة بسبب جذبه لها للخلف بحدقتين متسعتين، تبكي بجسد مرتجف، تستجدي أخيها بنظراتها.
كان يقف كالجماد العاجز الذي شل جسده من الحركة والتفكير. من نظراتها الخائفة. تمنى لو يضمها لأحضانه ليزيل خوفها، فهمس وعيناه تحاوط عيناها.
"سيبه يمشي يا جاسر. بس يسيب سيلين."
أطلق أمجد ضحكة صاخبة.
"لا جدع يا راكان. لا يا حبيبي، لما أفرح فيك شوية وأنا شايفك مذلول. لا ولسة كمان لما أجيب حبيبتي هنا. استنى عشان أستمتع بضعفك وعجزك وأنت شايف ليلى وسيلين في حضني." أنهى كلماته بحزم وقوة وهو يمسك هاتفه وقام بالاتصال عليها، ولكن هاتفها غير موجود بالخدمة.
كلماته نزلت على جسده تفتت عظامه وتفرم لحمه. فاقترب يشير بيديه له.
"وعد مني هخليك عايش يا أمجد، بس ابعد عن سيلين. سيبها يا أمجد." تسلل جاسر في حين بدأ راكان يحادثه حتى يلهيه، عندما وجد حركات جاسر من خلفه. وما هي إلا ثوانٍ حتى اتجه بنظراته للخلف. حاول إطلاق الرصاص، ولكن ركله جاسر حتى سقط السلاح. تلقف راكان سيلين بين ذراعيه، يضمها بقوة، يدفنها بأحضانه.
"حبيبة قلبي، عمل فيكي حاجة؟"
هزت رأسها ودموعها تنسدل على وجنتيها، قائلة بصوت مهزوز:
"راكان خدني من هنا. عايزة أروح عند ماما. زمانها هتموت من الخوف عليا."
هز رأسه وضمها، متحركاً اتجاه يونس الذي أسرع يجذبها لأحضانه، يستنشق رائحتها.
"حبيبتي، انتِ كويسة؟" لم تتحرك ولم تتأثر بكلماته. شعر راكان بها، فأشار بعينيه إلى يونس.
وأخذها بأحضانه، متحركاً للخارج. أما جاسر الذي قبض على أمجد وجذبه للخارج. ولكن في غضون لحظات، جذب سلاح العسكري عن غفلة منه، وصاح بصوته الجهوري.
"راكان، حياتك بقت خطر." وأطلق طلقته التي استقرت ببطن أحدهما عندما اختل توازنه بسبب دفع جاسر له وسقوطه على الأرضية.
***
بعد شهر بشركة البنداري، دلفت السكرتيرة الخاصة بها.
"باشمهندسة، دا الفاينل النهائي للتصميم. بعته الباشمهندسة إسراء."
أشارت إليها بإرهاق وهي ترجع بجسدها للخلف.
"حطيه عندك وابعتيلي قهوتي. وابعتي المهندس حازم للاجتماع مكاني."
تحركت السكرتيرة تضع الملف أمامها قائلة:
"الدكتور نوح بيقول لازم حضرتك تحضري الاجتماع عشان دا الاجتماع السنوي وكل المساهمين هيكونوا موجودين."
اهتز جسدها من فكرة تواجدها معه اليوم بعد تلك المدة. سحبت نفساً تعبأ صدرها المجروح وأخرجته على مهل، فأشارت لها.
"تمام، هجهز وأخرج بعد شوية."
بعد فترة من الزمن، وخاصة بغرفة الاجتماعات الخاصة بمجموعة المساهمين بشركة البنداري، جلس الجميع بانتظارها. وكان على رأس الطاولة ذاك الشخص الذي تحول كليًا. فأصبحت ملامحه حادة وابتسامته قليلة، حتى إنها أصبحت جافة، ومن يراه يجزم أنه لم يبتسم أبدًا. الصمت الدائم مع صلابة عظامه وفتول ذراعيه، ورغم فقدانه القليل من وزنه، إلا أنه يمتلك عضلات بارزة. خلع جاكيته وجلس أمام الجميع.
"طبعًا كلنا عارفين سبب الاجتماع."
قاطع حديثه عندما دلف نوح وهو يطوّق ذراع ليلى، ملقيًا السلام.
وقف حمزة وهو يطلق ضحكة استفزازية.
"اتأخرت ليه يا جورج بوش؟"
نقرت نورسين على سطح المكتب وهي ترمق ليلى بنظرات استخفافية، قائلة بصوت خفيض اخترق أذن الذي تجلس بجواره:
"البت دي مبضيعش فرص أبدًا. سليم وراكان، ودلوقتي نوح. ده شوية هنلاقيها مسيطرة على الشركة كلها."
تحركت ليلى بكعبها وكأنه يتحرك على عظامه، يفتته من ابتسامتها الجميلة، وهي تتحدث مع حمزة.
"آسفة يا حضرة الأفوكاتو، أنا اللي أخرت نوح."
تحركت إلى أن جلست بجوار يونس الصامت، ملقية السلام عليه.
"إزي حضرتك يا دكتور يونس؟"
أومأ برأسه برسمية وأجابها:
"كويس."
ثم اتجه بنظره إلى راكان.
"الكل وصل، يلا كمل. عندي عملية بعد ساعتين، يدوب أجهز."
كانت ملامحه ثابتة جامدة، على عكس دواخله التي اضطربت من اقترابها ورائحتها التي وصلت لرئتيه. سحب نفسًا بهدوء، متلاشيًا وجودها وسيطر على قوة مشاعره، قائلًا بصوت جعله متزنًا ثابتًا كأنه لم يتأثر بشيء.
"طبعًا الباشمهندسة نورسين اشترت أرض وعايزة تعمل عليها مشروع كويس. فهي حابة تتكلم عنه. لكن قبل ما تتكلموا عن المشروعات الخاصة المتعلقة السنادي بالشركة، بس اسمحيلي الأول يا نور عايز أقول حاجة."
وزع نظراته بينهم.
"أنا عن نفسي، ده هيكون آخر اجتماع ليا في المجموعة. يونس هيتولى كل حاجة مع حمزة. أنا جيت أعمل تنازل وأؤكد قدام الكل، كل اللي هم هيعملوه اعتبروا أنا موافق عليه. ومن الشهر الجاي عمو خالد وجلال هيرجعوا مناصبهم تاني."
قالها ونصب عوده واقفًا.
"ودلوقتي أنا هنسحب من الاجتماع. ومدام ليلى هي اللي هتتولى منصبي بما إن ليها النصيب الأكبر بعدي."
قالها وهو يتوجه بنظراته إليها. احتضنت العيون بعضها للحظات، وكأن الأرض تبدلت غير الأرض والزمان غير الزمان، والقلوب تئن وتصرخ. تسلطت عيناه على ملامح وجهها الذي تغير لبعض الشحوب. لا يعلم كيف أتى بهذا الهدوء، متناسيا الميعاد الذي جمعهم والأحضان التي ملئت صدورهم بدفء مشاعرهم. كيف تحول كل هذا وأصبح رمادًا حركته الرياح وهجر المكان. تجمدت من حديثه، فهمست له:
"ده مكانك ومينفعش أخده."
تقابلت نظراتهما مرة أخرى بحديث العيون، مردفًا:
"ماليش مكان هنا. النفس بيضايق البعض، مش كده يا نوح؟"
قالها مصوبًا نظراته الحزينة إلى نوح، الذي كور قبضته بغضب حتى ضغط حمزة عليه. ثم اتجه بأنظاره للجميع.
"مدام ليلى رئيسة مجموعة البنداري."
اتجه إليها يشير بيديه على الكرسي.
طالعته بنظراتها المتألمة، فالقلوب تحترق بهدوء قاتل أمام الجميع، والألسن عاجزة عن ما يحدث أمامهما.
"كده كله تمام."
ثم جمع أشياءه متحركًا دون حديث آخر.
صدمة أصابت البعض، وأولهما نوح الذي يجلس بعيدًا عنه وكأنه لا يعرفه. وليلى التي نزلت كلماته عليها كضربة زلزلت كيانها الهش فوق عذابها. تقابلت نظراتها بنوح الذي أومأ بعينيه إليها، فتحركت لمقعده تجلس عليه، وجسدها ينتفض كحال قلبها، تود لو تترك كل شيء وتهرول خلفه. ولكن كيف بعد الذي صار بينهما بتلك الفترة الأخيرة. لحظات قليلة وبدأت سيطرتها على نفسها في الاجتماع، متخطية الحواجز.
أنهت الاجتماع بعد فترة ليست بالقليلة، واتجهت بخطواتها المتعثرة تختلي بنفسها بغرفة مكتبها، ثم جمعت أشياءها متحركة للخارج سريعًا. وصلت منزلها بعد قليل، دلفت للداخل، ولكن جحظت عيناها من ذاك الشخص الذي يجلس ينتظرها بالداخل. هب من مكانه يضع كفه على فمها.
"لو سمعت صوتك، شوفي كدا واتملي بعينك كويس، هقتله."
نظرت لشاشة هاتفه وسلاح أحدهما متوجها نحوه، نحو معذب روحها وقلبها. همست باسمه، واتجهت ليده الأخرى المربية وطفلها الذي يعلو بكاؤه.