تحميل رواية «عازف بنيران قلبي» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماتت حروف الحب من دفتر الكلمات، فقد ظلمت مثلما ظلمت، مثلما حكم الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمع أحد أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة. حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخل قلوبهم لقلبي. أصبحت قلوب الجميع قاسية لا تعرف عن الحب شيئًا، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحه أو لا. مات الحب مثلما قتلوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي...! -*-*- في إحدى الأحياء الراقية في مدينة القاهرة، خاصة في ذاك القصر المقام على مساحة شاسعة يحاوطه الحرس من كافة...
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سيلا وليد
اتجه لزوجته بعد انتهاء الجلسة، كانت تجلس بجوار نوح. بسط يديه يساعدها على الوقوف.
تشابكت أيديهما. اقترب حمزة ويونس إليه.
"ألف مبروك ياحضرة النايب، عقبال قضية الحكم في قتل سليم."
حاوط ليلى متجها للخارج.
"إن شاء الله. عندي ثقة في حسن أنه هيجيب لهم إعدام إن شاء الله."
تساءل يونس.
"ليه مجابوش نورسين وحكموا عليها يا راكان؟"
تحرك للخارج وأجابه.
"نورسين مالهاش في المخدرات والسلاح، بس هتتحاكم على موت سليم وإجهاض ليلى، واشتراكها في خطف درة."
توقفت ليلى تطالعه بصدمة.
"يعني إيه بإجهاض؟ ليه هو أنا مسقطتش من العصبية؟"
"حبيبتي تعالي نروح وبعدين أحكيلك."
أومأت برأسها متحركة بجواره، ولكن كلامه يضرب صدرها بقوة.
ابتسم يونس.
"يااه أخيرا هتجوز، مع إني كان نفسي أشوف نورسين النهاردة خلف الأسوار، بس مش مشكلة أهم حاجة هتجوز."
اتجه راكان يرمقه ساخراً.
"هنفكر ياخويا في الموضوع ده بعدين."
توقفت ليلى عندما شعرت بآلام تفتك ببطنها وظهرها. ضغطت على كف راكان وشعرت بالدماء تسقط من بين ساقيها. صاحت بصوت مرتفع.
"آه..."
راكان اتجه إليها سريعاً، كاد نبضه يتوقف وشل جسده بالكامل حتى توقف عقله عن التفكير.
اتجه يونس سريعاً إليها.
"ليلى اهدي، دي ممكن تكون ولادة مبكرة، خدي نفس."
لكز راكان عندما وجد تصلب جسده.
"راكان فوق، مراتك شكلها بتولد."
كان يطالعها كالتائه الذي سلب عقله.
انسابت دموعها على وجنتيها بغزارة وهي تشعر بغمامة تحيط جسدها.
"بنتي هتعيش مش كدا؟ بنتي يايونس، اوعى بنتي تموت."
قالتها وجسدها يترنح وهي بأحضان زوجها الذي فقدت حركته بالكامل. كان ينظر لتلك المياه التي سالت من بين ساقيها.
وضعت كفيها على أحشائها.
"بنتي ياراكان، بنتنا."
هنا فاق من حالته الشاردة وحملها متجهاً لسيارته، ولكن بخطوات متعثرة. وهو يصرخ بيونس.
"كلم المستشفى بسرعة يايونس."
"اهدى ياراكان، ممكن ميكونش ولادة، دلوقتي هنروح ونعرف."
قاد يونس سيارته متجهاً لمشفاه، وبالخلف يضمها راكان بأحضانه، محاولاً السيطرة على دموعها. هل سيعاقبه ربه مرة أخرى على ما فعله من معاصي؟
استمع لهمسها.
"بنتي، راكان بنتي."
نزل برأسه يطبع قبلة على جبينها.
"إن شاء الله هتجي بالسلامة حبيبتي، اهدي."
تحدث يونس.
"ليلى حاولي تاخدي نفس بهدوء، خلاص وصلنا اهو، وإن شاء الله مفيش حاجة هتحصل."
وصل إلى المشفى، ترجل سريعاً وهو يحملها متجهاً للداخل. كان المسعفون ينتظرونهم بالخارج. وضعها على الفراش المتحرك حتى دلفت لغرفة الطبيبة.
دلف خلفها، وتبقى يونس بالخارج بجوار نوح وحمزة اللذان وصلا للتو.
قامت الطبيبة بالكشف عليها.
"ولادة، المياه حول الجنين قلت، ولازم عملية قيصرية، الحنين نازل برجله."
دلف يونس بعد الاستئذان ونظر للجهاز بعد سماح راكان له، عندما فقد الثقة بالجميع.
"ايه يايونس، ولادة فعلاً."
أومأ برأسه يؤكد له.
اتجه بنظره لزوجته الغافية، لا حول لها ولا قوة سوى تألمها، فأردف.
"المهم هي عندي، سمعتني، لو حياتها في خطر."
قاطعه يونس قائلاً.
"اهدى الموضوع بسيط، ومعظم الستات بتولد في السابع عادي، متخافش ليلى هتكون كويسة، وكمان البنت كويسة، بس احتمال تدخل حضانة، عشان الرئة مكملتش، ودا طبعاً دكتور الأطفال هياكد عليه بعد ماتولد بالسلامة."
"خلي الدكتورة هي اللي تولدها بس انت هتكون قريب منها، أنا مبثقش في حد سمعتني."
تحرك يونس للخارج.
"تمام هشرب قهوة، دماغي هتتفجر، وبما أنها هتولد قيصري قدامنا وقت مفيش خوف عليها ولا حاجة."
أمسكه من ذراعه بقوة.
"قهوة إيه يلا اللي عايز تشربها؟ هتسيبها كدا وتنزل؟"
تحرك يونس وهو يتمتم بسره.
"مفيش غير مراته اللي هتولد."
استدار يرمقه ساخراً.
"أم العروسة نايمة يا أخويا، بتحسسني هتخلف أنجيلا جولي."
تحرك خطوة إليها ولكنه توقف عندما استمع لتأوهات زوجته. تراجع إليها.
جلس بجوارها يمسد على خصلاتها.
"حبيبتي حاسة بإيه."
انسابت عبراتها وهي تضع كفيها على أحشائها.
"بنتي ياراكان، قولي بنتي كويسة حبيبي."
استند برأسه على خاصتها.
"وحياتك عندي بنتنا زي الفل، البغل يونس طمني، وهتولدي بعد شوية حبيبي اهدي."
مسد على خصلاتها.
"ليلى أنت عندي أهم منها سمعاني حبيبي."
ضغطت على كفيه.
"وهي غالية عشان منك ياراكان، هموت لو حصلها حاجة."
"اشش بعد الشر عليكي ياروح راكان، اللي مكتوب لنا هنشوف، ولازم نحمد ربنا عليه."
آهة خرجت من بين شفتيها متألمة.
نهض عاجزاً لم يعلم ماذا يفعل. ضغط على زر الإنذار بجانبها.
وصلت إليه الممرضة.
"لو سمحتي ابعتيلي الدكتورة فوراً."
"الدكتورة في العمليات يا أفندم، شوية وهتخرج."
استمع لتأوهاتها وأنينها.
"راكان."
هتفت بها ليلى. اتجه إليها سريعاً.
"نعم ياحبيبتي، بطني بتوجعني أوي، خلي الدكتورة تيجي."
وصل يونس وهو يحمل كوباً من القهوة.
وضع راكان على رأسها البونيه عندما استمع لحديثه بالخارج مع نوح وحمزة.
"ليلى متخليش حد ينزل البونيه من على شعرك."
طرق يونس على باب الغرفة.
"تشرب قهوة يا أبو العروسة."
دنى منه بعيون نارية.
"أنت هتسيبها تتوجع كدا يلا؟"
جلس يونس بعدما عاين المحلول بيديها.
"ماتتهد يا عم رميو، مراتك معلقين محاليل، وطلق شغال، عايزين نشوف ممكن نولدها طبيعي عرفت ولا أقول تاني."
آه صرخت بها ليلى، حتى توقف يونس.
"تمام اهدي لو سمحتي."
رفع نظره إلى راكان.
"أكشف ولا أستنى الدكتورة؟"
ضيق عيناه متسائلاً.
"أنت بتسأل ياحمار، طبعاً أكشف وطمني، المهم ترتاح."
دقق النظر بعيناه واسترسل.
"هكشف نسا ياراكان."
جحظت أعينه وتجمدت مخارج الحروف على شفتيه، ينظر لتلك المتألمة ثم اتجه إليه.
"لا عايز دكتورة، اتحرك شوف دكتورة موثوقة مش زي التانية."
صاح صارخاً به عندما ارتفع بكاء زوجته.
"اتحرك."
استدار على صوت بكائها بدخول والدتها إليها.
"ماما هموت."
طبعت والدتها قبلة على جبينها متحركة.
"اهدي حبيبتي."
رفعت أنظارها إليه عندما وجدت خوفه عليها.
"أنا كويسة ياراكان، متزعلش."
اعتدلت والدتها إليه.
"حبيبي هي الولادة بتكون صعبة مؤلمة كدا يابني، أومال الضنى بيكون غالي ليه."
كانت أعينه عليها فقط، يراقب كل حركة من كفيها وهي تضغط بقوة وتطبق على جفنيها لتحبس صرخاتها. جذب المقعد وجلس بجوارها ممسكاً كفيها ثم رفعه وطبع قبلة حانية عليه.
"آسف ياليلى، عيشتك الألم دا ومش قادر أعملك حاجة."
تصبب العرق على وجنتيها تحاول الحديث ثم أصابها ألماً فجأة ضغطت على كفيها تغرز أظافرها متألمة بصوت بكائها.
اعتدل وجذبها لأحضانه محاولاً كبت عبراته.
"حبيبي اهدي."
صاح بصوت مرتفع على يونس.
"تعالى خلصها من الألم دا يايونس، خلاص."
ربتت والدتها على كتفه قائلة.
"حبيبي أهدى دا عادي."
دلف الطبيبة متأسفة.
"آسفة يا جماعة كان فيه حالة متعثرة شوية زي حالة مدام ليلى."
تحمحم يونس قائلاً.
"مدام ليلى حالتها مش متعثرة ولا حاجة يادكتورة، هي هتولد قيصري بدل مفيش طريقة للطبيعي، غرفة العمليات جاهزة يادكتورة اتفضلي."
ثم اتجه بنظره إلى راكان الذي يدقق النظر به.
"اطلع عشان نجهزها."
اقترب منه متسائلاً بهدوء.
"ليلى والجنين كويسين مش كدا يايونس؟"
جذبه من ذراعه.
"والله يابني كويسين ودا عادي فيه ستات كتير بتولد في السابع، متخافش."
"متأكد يايونس."
قالها راكان بشفتين مهتزتين.
ربت يونس على كتفه.
"وحياة ربنا زي ما قولتلك كدا، بس دا وجع طبيعي على أنه طلق ولادة، لكن مينفعش نولدها طبيعي لحالة الجنين، عشان كدا قولتلك نولدها قيصري ومتخافش أنا متابع مع الدكتورة."
اتجه بنظره للممرضة.
"جهزيها للعملية."
ثم استدار إلى راكان واسترسل.
"راكان متخافش دا كله عادي."
اقترب منه يربت على كتفه.
"اجمد كدا اومال عامل تنين عليا بس."
دفعه راكان متجهاً لزوجته التي تتألم بصمت.
"اطلعي أنت ودكتورك برة، بدل ما أخنقه."
تصلبت الممرضة تنظر إلى يونس.
ضحك يونس وأشار إليها بالخروج.
"تعالي يابنتي أصله تنين كبير وممكن يبخ فيكي نار ويولع في المستشفى."
رمقه راكان بنظرات نارية محذراً، فهو في حالة تنم عن أقصى درجات الغضب.
"امشي من قدامي يايونس، أنت مش شايف حالتي، مش وقت هزارك."
اتجه راكان لزوجته.
اعدلها بهدوء. تشبثت بذراعه تتوسد كتفه محاطة بدفء ذراعيه اللذان اتخذتهما قلعة لتهدئة الألم. طبع قبلة على رأسها.
"حبيبة قلبي اتحملي شوية."
ضغطت على ذراعه عندما شعرت بآلام بكامل ظهرها، وسحبت نفساً قوياً لتثبط نوبة البكاء المتألمة تنظر لوالدتها التي تمسد على رأسها وتهمس لها ببعض آيات الذكر الحكيم. سحبت نفساً وتحدثت متألمة.
"أنا كويسة حبيبي دا عادي زي ما يونس قالك من شوية."
تحركت والدتها للخارج.
"هستناكي برة ياماما، اجمدي ياليلى، ياله حبيبتي كلها دقايق وتحضني بنتك لحضنك."
حاوطها بذراعيه يقوم بإزالة ثيابها بهدوء بعد خروج والدتها. لفت ذراعها حول خصره تدفن رأسها بأحضانه ودموعها تنزل بصمت من شدة آلامها حتى لا تشعره. ولكن كيف للعاشق أن لا يشعر بمعشوقه. اهتز جسده مع ضربات دقاته تكاد أضلعه تنكسر كإناء فخار من آلامها التي تحاول تخفيها قدر المستطاع، ولكن أصبحت ملامحها شاحبة.
أوقفها بهدوء والبسها الرداء الخاص بالعمليات. اهتزت عيناه وهو يرى جمالها الذي حاول أن يخفيه من التقرب من يونس إليها، ليس شكاً ولكن غيرة فطرية طبعت بقلب العاشق. فهي كالنيران تأكل أحشاءه.
استمع إلى همسها.
"البنت هتيجي كويسة، يا راكان مش كدا أهم حاجة بنتنا تبقى كويسة."
شعر بألم حاد في كامل جسده. كلما شعر بتألمها ازداد الألم بصدره.
انتهى مما كان يفعله، وأجلسها على الفراش يحتضن وجهها.
"إن شاء الله ياروح راكان، بنتنا هتيجي وهنربيها كمان."
استمع لطرقات على باب الغرفة. أمَال رأسه يلتقط ثغرها بقبلة محاولاً كبت خوفه بها.
فصل قبلته يحتضن عيناها.
"بحبك مولاتي."
دنى من شفاه تلامسها بإبهامها.
"ادعي لينا معذبي."
قالتها وهي تطبق على جفنيها عندما فقد قدرته من حالتها المتألمة، ليروي قلبه المتألم على حالها، ويخفف من حدة الألم.
أوقفها متجهاً للشيزلونج يضعها عليها بهدوء، ثم سمح بالدخول.
دلف الممرضة ثم أردفت.
"المدام لازم تكون جاهزة دلوقتي."
حركت الشيزلونج وهو بجوارها متشابك الأيدين. اتجهت أسما ودرة إليها سريعاً بعد خروجها.
اقتربت أسما تمسد على رأسها.
"إن شاء الله تقومي بالسلامة حبيبتي وتجبيلنا عروسة زي القمر."
أومأت بعينيها. تحرك راكان بها وكأنها متجهة لغرفة إعدامه.
توقف على باب غرفة العمليات عندما أوقفته الممرضة.
"مينفعش يافندم، دي معقمة للعمليات، وحضرتك مينفعش تدخلها."
تلاقت أعينهما وهي تترجاه بهما ثم همست له.
"متسبنيش ادخل معايا، أنا خايفة."
كأن عبراتها زجاج اخترق قلبه ليشعر بكم الآلام من ترجيها بعينيها.
رفع نظره للطبيبة التي خرجت تستقبلها.
"عايز أدخل معاها لو سمحتي."
نظرت الممرضة وأردفت.
"جهزيه يامنى، وخليه يدخل معاها."
ابتسمت ابتسامة خفيفة تضع رأسها على ذراعه، وتضغط بقوة حتى لا يتركها. همس بجوار أذنها.
"حبيبي هجهز وأرجعلك."
تحرك خائر القوى كأن روحه تسلب منه. عاد إليها سريعاً، كانت الممرضة تساعدها على النهوض لفراش العمليات. اتجه وحملها بهدوء، يضعها وكأنها نوع من أنواع البسكوت الذائب يخشى عليه من تحطيمه.
أمال برأسه وهمس لها.
"اقري آية الكرسي حبيبتي واستعيذي بالله."
أغمضت عيناها وبدأت ترتل آيات من الذكر الحكيم، وهي تضغط على كفيه تستمد منه القوة. وصلت الطبيبة إليها، لتحقنها ضمها يساعدها على الجلوس ويتحدث إليها حتى لا تشعر بتلك الإبرة التي تغرز بأسفل ظهرها. ظل يهمس لها ببعض الكلمات حتى لا تشعر بشيء.
انتهت الطبيبة وهو يشير إليها بالتأني. همس بجوار أذنها.
احتضن وجهها يهمس بجوار أذنها وهي بين اليقظة والنوم.
"يكفي أنني أشعر بنبض قلبي بقرب أنفاسك."
رفع كفيها يوقف الطبيبة.
لتذهب بنومها. خلال لحظات تخدر جسدها وهي تتمتم له.
"بحبك معذبي."
نهض طابعاً قبلة على جبينها.
"ومعذبك بيعشقك مولاتي."
اتجه بنظره للطبيبة.
"دلوقتي ممكن تشوفي شغلك، أنا هخرج وهسيبها أمانة عندك أتمنى تصونيها كويس."
قالها وتحرك بخطوات متعثرة وعيناه تودع جسدها المسجى على الفراش. أوقفته الطبيبة.
"ممكن تفضل لو عايز."
هز رأسه رافضاً، وتحرك هارباً حتى لا يضعف أمام الطبيبة.
خرج من باب الغرفة قابله يونس على باب الغرفة.
"إن شاء الله هتقوم بالسلامة متخافش، نص ساعة بالكتير وهتلاقيها هي وبنتك في حضنك."
"خلي بالك منها يايونس."
قالها وتحرك للخارج. جلس يونس بجوار باب الغرفة يتابع بعينيه الطبيبة وهي تقوم بالعملية القيصرية. مرت فترة من الوقت والجميع بالخارج.
حاوط حمزة درة بذراعيه محاولاً تهدئتها من خوفها على أختها.
بينما يجلس عاصم بجوار زوجته يقرأ بمصحفه.
وذاك العاشق الذي يقف يستند على الجدار. اقترب نوح إليه.
"راكان أهدى إن شاء الله خير."
خرج يونس متنهداً على حالته.
"مبروك يابو ريا، حتى البنت شبهكوا جتكوا القرف، نازلة تنينة واء واء."
أمسكه راكان بقلب متلهف.
"إيه الدكتورة خلصت."
دفعه يونس بعيداً عنه ورفع حاجبه بشقاوة.
"قولي أنا آسف."
أمسكه من عنقه في وسط ضحكات الجميع ثم دفعه حمزة.
"خلاص سيبه دا حتى شكله عايز يدخل دنيا مش آخرة."
خرجت الطبيبة. أسرع إليها منتظراً حديثها.
"البنت دخلت الحضانة بأمر من دكتور الأطفال."
"ومراتي."
تسائل بها بلهفة.
أجابته مبتسمة.
"هي كويسة شوية وهتتقل لأوضتها، مبروك."
قالتها وتحركت. رمق يونس بتحذير عندما اقترب ثم أردف.
"لو سمعت صوتك هعلقك من رجلك، امشي من قدامي."
"أفوقلك بس وحياة ربنا لأخليك تندم على حرق أعصابي."
اتجه بنظراته لسيلين.
"مش كدا ياسيلين."
أجابته سيلين مبتسمة.
"أنت تؤمر يا كبير."
جحظت أعين يونس قائلاً.
"طيب شوفي مين هيربي اللي في بطنك، ومين هيتجوزك ويعملك فرح."
صاعقة نزلت على رؤوسهم جميعاً، حتى أردف بتقطع ينظر لأسعد الذي هب ناهضاً، ولكن توقف عندما أمسكه راكان ناهراً إياه.
"بتقول إيه ياحمار."
ابتعد وهو يطلق قهقهات مرتفعة. قاطعه خروج ليلى من غرفة العمليات متجهة لغرفتها.
أسرع خلفها يسأل عن حالتها.
"هي كويسة دلوقتي."
أومأت الممرضة.
"هتفوق بعد شوية يافندم."
أسرعت والدتها خلفهما.
"إيه ياراكان قالتلك إيه."
أجابها بهدوء رغم قلبه الذي يأن.
"كويسة إن شاء الله بتقول شوية وهتفوق."
حملها بهدوء ووضعها برفق على فراشها، طابعاً قبلة على جبينها.
"حمدالله على سلامتك ياروح راكان."
قالها بنبض قلبه العنيف.
جلست والدتها بجوارها، فيما دلفت درة بجوار سيلين ووالدها.
اتجه للخارج قائلاً.
"خلوا بالكم منها شوية وراجع."
تحرك متجهاً لحضانة الأطفال وجد الممرضة تضع طفلته بمكانها المخصص تحركت إليه.
"اسمها إيه يافندم عشان نسجل اسمها على أيدها."
طالعها بنظرات تفحصية هامساً.
"كياني دي كياني."
اسمها كيان. أومأ برأسه وأجابها.
"كيان راكان البنداري."
قالها وقلبه ينبض فرحاً ثم دلف للداخل.
"ممكن أشوفها."
أشارت إليه واتجهت للطفلة.
"ماتطولش عشان نحطها على الجهاز."
أومأ إليها بالموافقة، وتحرك حتى وصل يقف أمامها ينظر لتلك الملاك الغافي.
رفع الزجاج ولمس وجنتيها الناعمة بإبهامه. شعر بقشعريرة تسري بجسده.
عندما شعر بملمس نعومتها. إحساس لأول مرة يشعر به حتى ترقرت عيناه بطبقات كرستالية تحجب رؤيته بوضوح.
أشار للممرضة.
"عايز أشيلها حتى لو ثواني ينفع."
تنهدت الممرضة ولكن رفعتها إليه.
"خلي رأسها عالية شوية."
شرحت له كيف يحملها. ضمها لصدره وآهة خرجت من بين شفتيه ورغم إخراجها من فمه إلا تركت أثراً رائعاً بقلبه.
استنشق رائحتها بتلذذ، حتى بللت عبراته رأسها مبتسماً وهي تحرك ساقيها وتلمس وجهه من حركاتها.
نزل برأسه هامساً لها بآذان الله الحي الصمد ثم أسماها.
تلقتها الممرضة مبتسمة تضعها بمكانها. ظلت نظراته عليها حتى أغلقت زجاجها.
أخرج جميع ما يحمله بجيبه من نقود قائلاً بتقطع.
"خدي دول أنا مبشيلش فلوس، اهتمي بيها ووعد مني هفرحك."
هزت رأسها موافقة بعد اعتراضها في بداية الأمر، ولكن إصراره جعلها تتقبل النقود.
تحرك حتى وصل إليها.
"حبيبة بابي ياله بسرعة وتعالي لحضننا."
ظل لحظات وعينيه تراقب كل شبر بها. ثم تحرك متجهاً للخارج ودقاته تعزف كاللحن الموسيقي. وصل لغرفة زوجته التي كانت تفيق من مخدرها وهي تتمتم باسمه. تحرك الجميع للخارج بعد دخوله.
اتجه وجلس بجوارها يحتضن كفيها بين راحتيه. ظلت تردد اسمه مما جعلت الابتسامة تشق ثغره بعدما فقد حيويته منذ ساعات. ود لو تفتح عيونها ويحملها يدور بها ليؤكد لها كم شعوره بالسعادة الآن.
فتحت جفونها بتثاقل متألمة من جرحها. دنى يهمس لها.
"فوقي مولاتي لقد اشتاق إليك معذبك."
فتحت جفونها تائهة بما يدور حولها.
وجدت وجهه قريباً من وجهها همست مابين النوم واليقظة.
"بنتي فين ياراكان."
داعب أنفها قائلاً.
"بنتك تنينة صغيرة تاخد العقل والروح زي أمها، خطفتني ياليلى زي ما خطفتي أبوها."
رفعت كفيها ووضعته على وجنتيه وترجته بليلها بصوت هامس.
"عايزة أشوفها حبيبي، هاتها أشبع عيني منها."
طبع قبلة على كفيها.
"هي في الحضانة مينفعش تيجي، قومي بالسلامة وبعدين يبقى روحي شوفيها إيه رأيك."
تحرر من صدرها نفساً ناعماً مبتسمة بثغرها متسائلة.
"هي حلوة مش كدا، شبهك صح."
توسمت ملامحه الرجولية وانعقد لسانه عن كلماتها حتى لمست وجنتيه مرة أخرى.
"مش بترد عليا ليه؟"
هي حلوة زيك كدا.
لم يجد ما يعبر عن شعوره سوى اقتناصه لقبلة يثبت لها عشقه الجارف الذي أثقل قلبه. كانت شفاه تعزف سيمفونية رائعة فوق خاصتها حتى شعرت باختطاف أنفاسها. ورغم ما أشعرته باختناقها إلا أنه ظل ينهل من رحيق كرزيتها حتى تركها عنوة عندما استمع لطرقات الباب قائلاً:
- اقسم لك أنك تملكتي روحي وكياني.
ابتسمت من وسط آلامها الذي بدأت تشعر به. ابتعد ناصباً عوده متحركاً لنافذة الغرفة محاولاً السيطرة على كيانه الذي بعثرته معشوقة الروح.
- ادخل.
قالها بعد أعاد الطرق مرة أخرى. دلفت الطبيبة تبتسم.
- ماميز بتاعنا عاملة إيه.
ابتسمت لها دون حديث تنظر لذاك الذي يوالي ظهره. قامت الطبيبة بفحصها قائلة:
- عال، كل حاجة تمام. لازم تتحركي عشان نطمن وكمان الجرح. وصل إليهما.
- فيه أي حاجة يا دكتورة.
فحصتها الطبيبة وأردفت:
- لا كله تمام بس لازم تتحركي. ياله يا مدام ليلى لازم تحركي رجلك.
- مش حاسة بيها يا دكتورة.
أجابتها بعملية:
- عادي حبيبتي. هو انت أول مرة تولدي ولا إيه.
- لا ولدت قبل كده بس نسيت.
مسد راكان على خصلاتها.
- مراتي ذاكرتها زي ذاكرة السمكة.
تحركت الطبيبة بعد فحصها ودلفت أسما للاطمئنان.
- عاملة إيه يا لولة. وأخبار عروسة ابني إيه. البت ماشاء الله زي القمر.
غفت مرة أخرى وهي تضغط على جفونها بألم. وقف يتأملها بغفواتها المتألمة. ظلت لدقائق ثم استيقظت وهي تتألم.
اقتربت منها أسما تمسد على خصلاتها.
- حمد الله على سلامتك يا حبيبتي. يالة عايزة عروسة ابني.
رفع راكان حاجبه بسخرية.
- عروسة مين يا أختي. روحي أنت وجوزك شوفولكم غفير. قال عروسة ابنك.
ضحكت أسما على حديثه متصنعة الزعل.
- لا أنا زعلانة منك يا حضرة المستشار. هو ولادي وحشيني. دا إحنا اللي منرضاش.
أطلق ضحكة صاخبة ينظر لزوجته ليخرجها من حالتها.
- سمعتي صاحبتك بتقول إيه. قال بنت راكان البنداري مش يرضوا بيها.
- مغرور يا حبيبي. استنى نشوف البنت وبعد كدا نتخانق.
اتجهت بنظرها لأسما.
- أوديهالك يا أسوم لحد البيت يا قلبي. هو أنا أطول جوز بنتي يكون ابنك أنت ونوح. بس يا ترى هديته لمين. ياسين ولا يامن.
اقتربت تطبع قبلة على رأسها.
- حبيبة قلبي أنت يا ليلى. ربنا يديم محبتنا يا روحي.
انكمشت ملامحه بتعبير ساخر مع نظرات متهكمة.
- يعني أنا بقيت الوحش يا ليلى. كدا تبعيني لصاحبتك. هانت عليكي بنتنا.
طالعته بعيونها السوداء وأجابته:
- أنا أبيع الدنيا كلها عشانك يا حبيبي.
حمحم ثم اقترب منها بخطوات وقورة وهو يضع يديه بجيب بنطاله وعيناه تعانق عيناها.
- لا أنا لازم أمشي. عشان أم كيان بدأت تخبط قدام الناس.
همست له:
- كيان. أنت سميتها كيان.
قالتها وهي تنظر لعيناه التي تشبه قرص الشمس.
دنى متناسياً وجود أسما واضعاً جبينه فوق خاصتها.
- لأنها هتكون كيانا حبيبي. دي أجمل كيان من أجمل ليلى في الدنيا.
- راكان.
همست بها وليلها يحاوط شمسه.
دنى يهمس لها وينظر لسوادها.
- روحه وحياته يا ليلة قلبي يا أم كيان.
ابتسمت عيونها. ورجفة قوية تسير بسائر جسدها. قاطع لحظتهما عندما حمحمت أسما.
- عشقانا الحلوين ممكن نقوم ونتحرك عشان نطمن ولا إيه.
تراجع للخلف.
- هشوف يونس وحمزة برة وراجع.
أمسكت كفيه.
- متسبنيش.
اقتربت أسما منهما.
- لازم حد يسندها معايا. وبما أن درة مشيت هي وسيلين يبقى مفيش غيرك نحركها شوية عشان متتعبش.
رفع الغطاء وهو يقوم باعتدالها.
- أنا بعت سيلين تجيبلك هدوم مع درة. ووالدتك راحت مع والدك مراجعة كشف. هي قالت أبلغك لما تفوقي. كانت معاكي لحد ما فوقتي شوية.
أومأت برأسها وامسكت ذراعيه وهو يعدل ساقيها للأسفل ويلملم ثيابها.
- ليلى اسندي عليا.
ثم رفع نظره لأسما.
- خليكي يا باشمهندسة أنا هتولاها.
- هسندها معاك.
هز رأسه رافضاً.
- هي ليلى محتاجة غير جوزها.
ارتجف قلبها من حديثه المروي لقلبها. تهاوى جسدها متألمة عندما أوقفها. حاصرها بذراعيه القويتين حتى استندت عليه بثقل جسدها.
- راكان مش قادرة. لا مش قادرة.
- حبيبتي لازم تحركي رجلك ياله. خلي قلبي يطمن.
أكمل مسترسلاً وهو يحاوطها.
- خليكي كدا استندي عليا حبي.
حركت قدمها بصعوبة متألمة.
همس لها بأنفاسه الحارة.
- ليلى أنت كدا خطر عليا. شوفي عاملة إزاي.
اقترابه منها ورائحته. ناهيك عن دقات قلبه التي تشعر بها تحت كفيها. تجعل من أنفاسها عزفاً منفرداً لا ينصت إليه أحد سواها. تحركت خطوة وهو مازال يهمس لها بكلماته العاشقة حتى تناست ما يؤلمها. وضعت رأسها بصدره وهي تتحرك ببطء. في البداية تحركت خطوة واحدة ثم جلست. جثى أمامها يرفع خصلاتها من فوق وجهها ثم تحدث.
- إيه حاسة بحاجة. أو إوعي تقولي موجوعة أزعل منك يا حياتي.
رفع نظره لأسما الجالسة بصمت تراقبهم بابتسامة.
- وبعد كدا مدام أسما تتريق عليكي. متخليش حد يشمت فيكي يا حبي.
ألتمعت عيناها ببريق عشقه الخالص. واضعة كفيها على وجهه.
- لا تشرق شمسي إلا بشمس عيناك يا قلب مولاتك.
قبل كفيها ونهض.
- طيب إيه مش هنكمل رياضة المشي. ولا هنفضل نتغاذل كدا قدام مدام أسما.
ضحكت أسما قائلة:
- لا خدوا راحتكم ولا كأني موجودة.
نهض وأوقفها متحركاً مرة أخرى. ظل يفعل كل فترة ذاك حتى تحركت بهدوء على فترات متباعدة.
وصلت والدتها إليها.
- حبيبتي حمدالله على سلامتك. شوفت بنتك يا ليلى. الله أكبر يا حبيبتي. زي القمر شبهك.
رفعت نظرها لراكان الصامت.
- بتضحك عليا وتقولي شبهك.
قهقهت أسما تضرب كفيها ببعضهما.
- بنتِك يا طنط سمية عايزة تتخانق مع جوزها وبس.
مسدت سمية على خصلاتها وتحدثت.
- لا دي مش خناقة يا أسما. دا حب لجوزها نفسها تكون شبه مش كدا يا ليلى.
توردت وجنتيها. فتحرك مستأذناً.
- هروح مشوار وراجعلك.
اتجه بنظره لوالدتها.
- خلي بالك منها.
قالها بعدما أومأت له وتحرك للخارج.
قابله حمزة متسائلاً.
- ليلى عاملة إيه.
لكزه بكتفه.
- إيه ليلى دي يا حمار. بعد كدا متقولش غير مدام ليلى أو أم كيان.
رفع حاجبه ساخراً.
- ليه أمير بلعته ولا إيه. بلاش كلمة أم كيان دي يا صاحبي عشان والدتك. بس كدا وشوفها جاية ووشها بيضحك إزاي مهما كانت دي أم وابنها مات وهو لسة شباب.
ساد صمتاً ثقيلاً بينهما قاطعه وصول زينب.
- مبروك يا أبو كيان. مبروك يا حبيبي وأخيراً شوفتك أب يا راكان. تتربى في عزك يا حبيبي وتفرح بيها.
ضمها لأحضانه وعيناه لحمزة متألماً.
- تسلمي يا ست الكل. بس حضرتك نسيتي أنا أب أكتر من سنتين. نسيتي أمير ولا إيه دا ابني يا أمي.
طبعت زينب قبلة على خديها.
- ربنا يبارك فيك يا حبيبي ويتربوا في عزك وما يتحرموش منك.
طبع قبلة على رأسها.
- ويخليكي ليا يا ست الكل. ادخلي لليلى أنا هروح مشوار وراجع.
أومأت له وودعته مبتسمة متجهة إلى ليلى.
امسكه حمزة من ذراعه.
- راكان انت زعلت مني.
اتجه بنظره للبعيد مردفاً.
- هزعل منك ليه. عشان فوقتني على الحقيقة. ليلى فعلاً أم أمير وهتفضل كدا حتى لو جبنا دسة عيال.
استدار بنظره إليه واسترسل.
- نصيبي كدا ولازم أردى بيه. لا اعتراض على حكمه. خليك هنا ورايا مشوار مهم لازم أروحه أجلته من زمان.
توقف حمزة أمامه ونظر إليه متسائلاً.
- رايح فين يا راكان لوحدك.
- خليك هنا متتحركش لحد ما أرجع.
امسكه بقوة ينظر لمقلتيه.
- رايح فين يا بني.
أنزل يديه.
- رايح لعايدة. لازم نتقابل أجلت الزيارة. ولازم تاخد حقها قبل الجلسة.
أوقفه يهز رأسه بالرفض.
- بلاش يا راكان عشان بنات عمك.
استدار مردفاً.
- معنديش حاجة اسمها مينفعش وعشان خاطر حد.
قالها وتحرك دون حديث آخر.
بعد قليل وصل لمنزل عمه قابلته سارة مبتسمة.
- أبه راكان إزيك.
أومأ لها مردفاً.
- عاملة إيه حبيبتي.
توقفت أمامه.
- الحمد لله. ليلى وميرو عاملين إيه. إيه مش ناوين ترجعوا للقصر وحشوني أوي.
اقترب ثم طبع قبلة على رأسها يعبث بخصلاتها.
- وقت ما تحبي تشوفيهم روحي وملكيش دعوة.
تشبثت بذراعه متحركة معه للداخل قائلة.
- إن شاء الله يا آبيه.
توقف وهو يوزع نظراته بالمكان.
- إيه مامتك مش موجودة.
كانت تهبط درجات السلم فقاطعت حديثهما.
- دا إيه اللي هيحصل في الدنيا راكان البنداري عندنا. لا وواقف ساكت ومبيزعقش وكمان حاضن سارة. هي عجباك ولا إيه.
تراجع بجسده ينظر إلى سارة وأردف.
- سارة حبيبتي ممكن تروحي مع سيلين تشتروا شوية حاجات للبيبي. أه نسيت أقولك.
- مش تباركي لابن عمك مش ليلى ولدت وجابتلنا كيان. أصل الحمد لله المرادي الدكتورة كان عندها ضمير ومحاولتش تقتل الجنين. أو تشيل الرحم. معلش يا سارة فيه ناس مؤذيين. لا وكمان لما يكونوا قريبن أوي منك يا حبيبتي. دا لو بتراعي كلب هيصون العشرة. لكن الكلب إنما تقولي هنمشي بمثل ديل الكلب منجوس عمره ما بيتعدل.
قالها وهو ينظر إلى عايدة يتفحص ردة فعلها. اتجهت بنظرات مذعورة لدى سماعها. اهتز داخلها وحاولت السير إليه محاولة السيطرة أمامه. بعد اتهاماته لها التي أصبحت مثل الرصاص يخترق جسدها بالكامل.
- ياله يا سارة عشان تشوفي كيان. بنت زي القمر شبه مامتها اللي لو لفيت العالم كله مش هلاقي زيها.
صفقت سارة بيديها.
- أيوه كدا يا أبو كيان واخيراً بقيت أب. فرحتنا كتير والله يا ابن عمي.
- شكراً يا سارة.
أوقفها متسائلاً.
- فرح فين مش باينة. هي بطلت الشغل.
فركت كفيها بارتباك تنظر لوالدتها.
- أصل ماهو يعني.
اقتربت عايدة منه تعقد ذراعها.
- بتلفي على إيه يا راكان. مالك ومال بناتي. في البداية يونس أكل بعقل سارة حلاوة وقال إيه أخوها ومحدش يقدر يلمسها ولا يقرب منها. لما بقت ظل ليكم. ودلوقتي عامل حامي لفرح وسلمتها شغل في مكانة مرموقة على أساس إيه. عايز توصل لأيه بالظبط.
- سارة.
أردف بها ثم تحدث.
- روحي زي ما قولتلك.
لفظ الهواء بقوة من رئتيه بعد خروج سارة. ثم جلس على المقعد وقام بإشعال تبغه ينفثه بالهواء وهو يطالعها بغموض واضعاً ساق فوق الأخرى.
- سامعك مدام عايدة. ليه عملتي كدا.
بللت حلقها وابتلعت ريقها بصعوبة.
- أنت تقصد إيه.
نفث تبغه وظلت نظراته تحاوطها.
- سامعك يا مدام عايدة. ومتفكريش بحترمك لشخصك. أنا لو أحترمك في وقت من الأوقات فدا عشان عمي مش أكتر.
نصب عوده واقترب وهو يطالعها يفترسها بنظراته.
- ماهو محدش بيختار أهله. ودلوقتي سامعك بالأدب. بدل ما أسمعك بطريقة تانية.
أشار بسبابته واسترسل حديثه موبخاً إياها.
- أوعي تفتكري أنا ساكت عليكي عشانك.
خرج صوت اعتراضيا من فمه وأكمل وهو ينفث تبغه بوجهها.
- اللي زيك تحت جزمتي.
هز رأسه عندما توسعت بؤبؤة عيناها ترمقه شزراً. وأشار لحذائه.
- أيوه الست النجسة الحقيرة اللي تخون جوزها.
صمت مضيقاً عيناه واستطرد.
- بيقولوا عليها إيه.
دار حولها ونظرات مشمئزة مردفا
-انا مكسوف من نفسي وبحتقرها عشان واقف بكل ادب واحترام بكلم ست ذبالة ذيك ..جلس مرة أخرى واسترسل
-ازاي عديتي عليا، تلاتة وعشرين سنة واحنا بينا عقربة، بتبوخ سمها في الكل ، وعاملة بنت ناس، وهي مش محصلة بنت الذبال مع احترامي للذبالين لاني صورتهم بشخصية مقرفة ذيك
❈-❈-❈
احكي ياعايدة سامعك
اهتز جسدها ونهنهات متقطعة وأصوات مستنكرة لحديثه خرجت من جوفها تطالعه ببغض ثم صاحت
-بأي حق جاي توقف قدامي يابن اسعد وعايز تحاسبني، ايه محدش قادرك
أشار بسبابته محذرا إياها وتحدث بتوبيخ
-اخرصي صوتك مايطلعش ولا يعلى قدامي، متنسيش نفسك الاول كنتي مرات عمي دولقتي ذيك ذي الشوز دا، على الاقل دا مفيد عنك ياحقيرة
نهض وتحرك إليها بخطى سلحفية ارعبتها وجعلتها كالهشاشة
-واحدة حقيرة زيك تخون عمي مع واحد حقير زي النمساوي ياذبالة، حاولتي تموتي مراتي بعد ماموتي ابني وواقفة تتبجحي فيا، لا فوقي دا انا ادوس عليكي بجذمتي
دفعته صارخة به ولوحت كالمجنونة
-اه موت ابنك وكنت عايزة احصرك على الكلبة ليلى ال حصرت بنتي وخطفت منها حبببها، وانا ال خطفت درة مع نور عشان اضغط على ليلى تطلق من سليم قبل جوازه منها،بس كالعادة ظهرت فجأة وانقذتها وانا برضو ال بعت لها ناس المزرعة وخليتهم يرعبوها وكنت هخطف الولد واقتله واتهمك به، وانا ال ضربت يونس وبنجته عشان يدخل على سارة عشان اعرف ابوك مش كل الطير ال يتاكل لحمه، وانا ال ساعدت قاسم والممرضة يسمموا توفيق عشان بدأ يخرف ويقول ال يقرب من راكان هدفنه، كل كلامه مفيش غيرالزفت راكان، زي مايكون الباقين مالهمش نصيب من حياة البنداري، وعايز تعرف ليه عملت كدا، روح اسأل ابوك
-يالة عرفت وريني هتعمل ايه
صفعة قوية على وجنتيها مما أدى إلى سقوطها
-جاية توقفي بكل بجاحة وحقارة وتشتمي في مراتي وأبوي وجدي، وانت كنتي تحلمي تمسح جذمهم بس ياذبالة
-انا مش هقولك هعمل ايه، انا مش بحب الكلام، واكيد انتِ عارفة انا بتاع أفعال وبس
لحظات ثم رفع هاتفه
-ادخل يابني..دلف الضابط بعد قليل وتوقف أمامه
-خدوها وكلم حسن يعمل معاها الصح، قالها راكان واستدارمتحركا للخارج وهي تصرخ كالمجنونة
-هطلع يابن البنداري وهندمك على كل حاجة والله، وقول لأسعد عايدة مش هتسكت وهتاخد حقها منكوا كلكوا
أشار بكفيه للضابط
-خدوها وخلي بالك منها، ثم تحدث
-هات أمر من حسن بالقبض على نور كمان
بعد شهر بالمحكمة وقفت نورسين بجوار عايدة وقاسم وأمجد وتم الحكم عليهم بالسجن المشدد لارتكابهم جريمة قتل سليم البنداري، وإجهاض ليلى والتحريض على قتل توفيق البنداري كما تم الحكم على نور بالسجن لمدة عشر سنوات بعد التأكد من اختطافه لدرة وتهديدها تحت السلاح ، كما حكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات لسطو مسلح ومحاولة خطف الطفل امير سليم البنداري
بعد قليل انتهت الجلسة التي شفت قلوبهم جميعا...توقفت فرح بالخارج تنظراليه بحقد وغضب
-طول عمرك اناني ياراكان، مبتفكرش غير في نفسك وبس وان شاء الله الباقي يموت مفكرتش فينا روحت بكل بجاحة وسجنت مرات عمك
أشار بيديه لأحد البودي جارد
-خدوها من قدامي، مش عايزها تخرج برة لحد ماباباها يرجع من السفر، قالها ثم ارتدى نظارته الشمسية واستقل سيارته متجها لمنزله
قام بمهاتفة جاسر
-عملت ايه في شركة الأمن ال طلبتها منك
اجابه على الجانب الآخر
-بكرة هيكونوا عندك متخفش
تنهد متألما كلما تذكر حديثه مع نورسين، قبل قليل وصل إلى مكتبه وطلب من المسؤل
-قول للضابط يبعت يجيب لي نورسين قبل المحاكمة
وصلت بعد قليل، دلفت إليه
-اوووه راكان باشا البنداري بنفسه باعتلي ياترى ليه
اشعل سيجاره وجلس يطالعها بهدوء
-وحشتيني فعشان كدا بعتلك،ضيقت عيناها مستفهمة بماذا يقصد
-عايز ايه ياراكان ..نصب عوده يضع يديه بجيب بنطاله
-مين ال قتل سليم يانور، وال قتله كان قاصده ولا قاصدني
جذبت سيجاره وبدأت تنفثها
-يهمك ياراكان تعرف..وصل وتوقف أمامها قائلا
-جدا يانور، مين ال قتل سليم وليه قتله
-امجد هو ال قتله، كان مفكر لما يتخلص منه هيعرف يسيطر على ليلى غبي مكنش يعرف أن يفضي مكان للأسد
-ازاي قتله والعربية كانت بتاعتي، هو كان يعرف ازاي أنه هيخرج فيها
نفثت دخان سيجارها واقتربت حتى تلاصقت بجسده
-تدفع كام وأنا اقولك، وضعت ابهامها على شفتيه تنظر لعيناه
-قبل ماتتكلم ال هطلبه لو عملته هقولك كل حاجة
تضجرت ملامحه بحمرة الغضب متسائلا
-امتى هتنضفي ؟!قالها وهو يدفعها بعيدا عنه مشمئزا منها ثم أشار محذرا
-اياكِ تلمسيني تاني،ثم ضغط على زره ليدخل العسكري
-نزلها للمحاكمة، اقترب منها قائلا
-مش عايز اعرف..امشي من قدامي..دنت منه حتى لم يفصل بينهما سوى خطوة وتعمقت بالنظر لمقلتيه
-مبروك عرفت انك خلفت وبقيت اب، خاف على بنتك وامورتك الحلوة وحياة رقدتي في القرف دا لاندمك ياراكان على كل دقيقة قعدت فيها هنا، أطلقت نظرات نارية وأشارت بسبابتها
-هخرج حتى لو دفعت كل ال ورايا وقدامي، وهخليك تيجي زاحف انت والحقيرة الذبالة
دفعها بقوة حتى صرخت من شدة آلامها بصدرها من قوة دفعته
-يبقى قربي وشوفي هعمل فيكي ايه هدفنك حية واخليكي تتمني الموت، ووريني هتطلعي ازاي
❈-❈-❈
تحركت وهي تصرخ
-هطلع ياراكان، لازم اطلع عشان اخليك تبكي بدل الدموع دم
خرج من ذكرياته مع وصوله لقصر البنداري بعد إصرار والدته بالرجوع إليه، دلف سريعا متجها للداخل يبحث عنها وحدها، دلف لغرفتهما ولكنه لم يجدها، هوى قلبه وهو يجد ابنته تغفو بهناء بجوار زينب التي غفت بجوارها، ثم اتجه لغرفة أمير قابلته داليا فتسائل
-مدام ليلى فين يا داليا
توقفت واجابته
-مدام ليلى تحت في السوانا، وانا واخدة أمير لليسون .
فيه حد معاها تحت تسائل بها
رفعت أكتافها قائلة
-معرفش..هي قالتلي هتنزل تعمل جلسة سوانا بس معرفش فيه حد معاها ولا لا
اومأ متحركا يبحث عن سيلين وجدها تجمع أشيائها وتمسك بيديها صورة سليم وتتحدث معه
-وحشتني اوي ياحبيبي كان نفسي تكون معانا ياسليم، فرحي بعد أسبوع، كدا اتجوز من غيرك
انسابت دموعها على وجنتيها
-وحشني حضنك اوي، تعرف أمير واخد منك كتير اوي، اه والله
طبعا ايه الهبل ال بقوله دا ماهو لازم يكون شبهك هو انت مش أبوه
دنى منها واحتضن كتفها
-سيلي بتكلم مين، استدارت مبتسمة له
-ولا حاجة ياحبيبي، تعالى وقولي بنتك دي جايبها منين والله عايزة اكلها ياراكان، مع انها غلابوية ومش بتبطل عياط بس جميلة اوي
احتضنت وجهه تنظر لملامحه فاردفت
-تعرف عينيها شبه عينيك اوي، بس لونها زي ليلى ودقنها زي ليلى إنما عيونها ورموشها لبابا الجميل ، بس زعلانة مش واخدة مني حتى مناخيري، ايه العيلة ال مبتجبش حد شبه عمتهم دي
قهقه عليها وهو يضمها لأحضانه
-المرة الجاية هخليها شبهك أن شاءالله
تمسحت بصدره تلكمه بصدره
-بتتريق ياراكي طيب..رفع ذقنها وتسائل
-عايزة تقضي شهر عسلك فين
توردت وجنتيها واستدارت
-اي مكان ياحبيبي مش هتفرق
تحرك عندما وجد خجلها قائلا
-تمام ياحبيبي انا هختار مكان على ذوقي
في مزرعة نوح
دلف لغرفة أولاده وجدها تغفو بمنتصف الفراش وتحتضن كل واحد بجانب
توقف ينظر إليهما بحب، تحرك إلى أن وصل إليهما وحمل طفله يضعه على فراشه
وهمس بجوار أذنها
-اسما قومي حبيبتي..فتحت عيناها تنظر حولها، وجدت طفلها غافي على ذراعها وضعته بهدوء على الفراش تنظر للاخر،ثم دثرتهما وتحركت خلف زوجها الذي حملها فجأة متجها لغرفتهما
-لازم شاور في التو والحال دون حديث لاسومي ال التعب باين عليها اوي
احتضنت عنقه تدفن رأسها
-تعبانة اوي حبيبي..طبع قبلة على وجنتيها
-روح حبيبك انتي، خدي شاور ونامي وانا هسهر مع المربية بتعتهم
عند حمزة ودرة دلف لأحد المحلات " الاتليهات "المشهورة بالبلد يشاهدون بعض فساتين الزفاف حتى وقعت عيناها على أحدهما
خرجت بعد قليل بصحبته متجهين لشاطئ النيل
جلس بمقابلتها
-عجبك الفستان..اومأت برأسها خجلا واجباته
-شكله حلو اوي،احتضن كفيها
-حبيبتي لو مش عجبك ممكن ابعت اجيب الفستان ال يعجبك من أي مكان في العالم
هزت راسها رافضة
-لا ياحمزة دا حلو وعجبني..شبك اصابعهما قائلا
-طيب تعالي ناكل درة على الكورنيش..وضعت رأسها على كتفه عندما حاوط جسدها بذراعيه متجها للتنزه على شاطئ النيل
عند راكان دلف للداخل يبحث بعينيه عنها رآها من خلف الزجاج بتلك الهيئة ، سحبته أقدامه إليها فتح الزجاج بعدما تخلص من ثيابه وارتدى ماهو مسموح به لتلك الساونا، وقف يتأمل تفاصيلها التي اشتاقها كثيرا، خصلاتها التي ترفعها للأعلى، وصفاء بشرتها رغم قطرات البخار التي تحاوطها، كانت مطبقة الجفنين وانفاسها المنتظمة كالذي تنعم بالسلام النفسي وتستمع لإحدى المقطوعات الموسيقية ..همس باسمها حتى لا يفزعها
فتحت عيناها سريعا تمركزت عيناها على عيناه، تحرك بهدوء متجها نحوها، لم يتحدث ولم يفعل شيئا سوى جلوسه بجوارها حيث راق له قربها بتلك الهيئة، لم يعد يريد شيئا اخر،ضمها بذراعه وهو ينظر بحرارة الغرفة قائلا دون النظر لعيناها
-تيجي من غيري دا اتفاقنا، رفعت أصابعها على زر الحرارة تغلقه ولم تفعل سوى أنها لمست وجنتيه
-وحشتني اوي معذبي ..شعر بنبضة مثيرة أرهقت صموده، فلم يعد له القدرة على إخفاء اشتياقه للهيبة روحه سوى العزف على انغام نبض القلوب
بعد اسبوع وهو اليوم المقرر لحفل زفاف حمزة ودرة ويونس وسيلين بالفندق كانت تحمل ابنتها وتجلس بجوار سيلين تنتظر وصول راكان للهبوط بها للأسفل
ولكنه تأخر كثيرا ، امسكت هاتفها تهاتفه لعدة مرات ولكن هاتفه مغلق، وصل حمزة يطرق على الباب
خرجت سريعا ظنا منها أنه ولكنها توقفت عندما وجدته حمزة
-راكان فين وليه ماجاش لحد دلوقتي
قطب مابين جبينه متسائلا
-يعني أنتِ متعرفيش هو راح فين وكمان يونس مختفي
اهتز جسدها وشعرت وكأن الأرض تميد بها عندما استمعت ذاك من حمزة، دقائق واستمع لهاتفه
-ايوة ياراكان انت فين، ولكنه تصنم بمكانه قائلا
-انت بتقول ايه
تابع الفصل ٤١
تابع الفصل ٤١
عازف بنيران قلبي
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم
لا يهم كم يبقى لي من عمر، المهم أن أبقى معك العمر كله.
ليتني كل شيء تحبه أنت، قيدتني بك حتى وإن لم تكن موجودًا، أستشعر طيفك معي مهما كنت بعيدًا.
***
بالغرفة التي تُجهز بها سيلين كانت تحمل طفلتها، نظرت إلى سيلين الجالسة بصمت ويبدو على وجهها الحزن، فابتسمت لها.
- فيه عروسة حلوة كده وتبقى زعلانة؟
نظرت بساعة يديها.
- المفروض يكون هنا من نص ساعة وشوفي حتى راكان مش موجود.
توقفت متجهة إليها.
- حبيبتي ده عادي، شوية وهتلاقيه يمكن فيه حاجة عطلتهم. لحظات واستمعوا إلى طرقات على باب الغرفة.
هرولت ليلى ظناً بأنه زوجها، ولكنها توقفت عندما وجدت حمزة.
- راكان فين؟ بكلمه مابيردش وفونه مقفول ليه؟
رعشة قوية أصابت جسدها وارتعدت أوصالها متسائلة بتقطع.
- يعني إيه مش عارف توصله؟ أكيد حصله حاجة.
قاطعه رنين هاتفه.
- أيوه ياراكان أنت فين؟
- بتقول إيه؟ يعني هتتأخر؟
- نص ساعة يا حمزة، الدكتور يطلع ونطمن عليه ونيجي، طمن ليلى عشان تليفوني فصل شحن.
قالها سريعًا وأغلق الهاتف.
استند على الجدار يحمد ربه فأردف.
- توفيق تعب ونقلوه المستشفى، شوية وهنيجي بيقولك متقلقيش.
ابتلعت ريقها متسائلة.
- يعني إيه تعب؟ يارب ما يكونش مات، آخر مرة كان بيقولي حالته متأخرة.
مسح على وجهه وتنهد قائلاً.
- الليلة تعدي على خير بس، عشان يونس وسيلين أهم حاجة.
أومأت متفهمة ثم أردفت.
- على قد ما أذاني بس بجد زعلانة عليه، وخصوصًا بعد ما عرفت حالته اتدهورت خالص.
- طيب روحي طمني سيلين وأنا هقول لوالدتك عشان درة ما تقلقش.
- تمام، قالتها ليلى وتحركت للداخل.
سارت بخطوات متحفزة لما ستقوله لها، فخطرت على ذهنها فكرة.
- آهو ياستي يونس عاملك مفاجأة، وده آخره.
ضيقت عينيها متسائلة.
- يعني إيه مفاجأة وأنا قاعدة على ناري هنا؟ والله بس لما ييجي بتاع الستات ده.
قهقهت ليلى، ثم اقتربت وهي تضع كيان بيديها.
- طيب امسكي البنت لما أعدل مكياجي، زمان جوزي جي ومينفعش أقابله بشكلي ده، كفاية عليه صوت كيان.
حملتها وبدأت تقبلها على وجنتيها.
- أكلك يابت كوكي، جميلة أوي ياليلى ما شاء الله، واخدة منكم انتوا الاتنين.
كانت تجلس أمام المرآة وتضع أحمر الشفاه على شفتيها، فأردفت.
- شبه راكان أوي صح؟ حتى في غضبها لذيذة زي باباها.
ضحكت سيلين، ترفع حاجبها بسخرية.
- مش ده خضنفر؟ ولا اسمه إيه مش فاكرة، كنتي بتقولي عليه التنين.
ابتسمت وقابلت نظراتها بالمرآة قائلة.
- على قد خناقتنا على قد حبنا يا سيلين. أنهت ما تفعله واستدارت لها.
- ودلوقتي لو سألتيني نفسك في إيه، يرجع وتعوضيه؟ هقولك نفسي الأيام اللي عشتها بعيد عنه ترجع عشان أعوض الحزن والوجع في الفترة دي.
- ليلى أنتِ فعلاً كنتي بتحبي راكان قبل ما تتجوزي سليم؟
تساءلت بها سيلين. نهضت واقتربت تحتضن كفيها قائلة.
- هتصدقي كلامي يا سيلين؟
ترقرق الدمع بعينيها ونكست رأسها أسفًا وقالت بألم يعتصر فؤادها.
- على قد ما سليم كان حنين وبيحبني، على قد ما كنت بتعذب من وجع قلبي ووجعه في نفس الوقت. رفعت نظرها وانسابت دمعة عبرت وجنتيها.
- صعب أوي إنك تحبي واحد وتتجوزي بواحد تاني، والأصعب كمان إنه يكون قدامك طول الوقت، والأصعب والأصعب لما تحسي إنك ممكن تضعفي. على قد ما كنت بحاول أسعد سليم بكل ما ربنا أمرني بيه، على قد ما كنت بتعذب وبحس بقلبي بيوجعني أوي لدرجة مكنتش بقدر أتنفس.
أزالت عبراتها وابتسمت.
- راكان أول نبضة حب حقيقية حسيت بيها، وأكتر وجع مريت بيه. تقدري تقولي حب بطعم الوجع بس لذيذ زي ترياق السم، ساعات بيجي من نفس السم. فهماني؟
رفعت سيلين أناملها وازالت عبراتها.
- يااه ياليلى شكلك اتعذبتي أوي. دلوقتي فهمت ليه راكان كان دايما بيهرب من البيت.
هزت ليلى رأسها رافضة.
- بس وحياة ربنا عمرنا ما اتكلمنا في حاجة ولا عمر راكان بصلي حتى بشكل إني حبيبته، بالعكس ده كان كل شوية يقولي إياكي أشوف سليم حزين.
- حبيبي يا أخويا اتعذب أوي. ثم اتجهت لها.
- وأنتِ كمان اتعذبتي أوي. أفلتت ضحكة تنظر إلى نفسها.
- ينفع كده؟ بوظتي الميكب. استدارت مرة أخرى، ولم تلاحظ الذي خطى بهدوء بعدما استمع لحديثهما. أشار لأخته بالصمت متجهًا لها ثم دنا يهمس بجوار أذنها.
- وحشتيني مولاتي. استدارت سريعًا متناسية وجود سيلين، تضمه وتلف ذراعيها حول عنقه.
- حبيبي أخيراً جيت. رفعها من خصرها يسحقها بأحضان.
- حبيبك بقاله ست ساعات بعيد عن حضن مولاته، ودا فيه عقوبة لينا احنا الاتنين.
أنزلها بهدوء ثم اقترب يلتقط ثغرها ساحبًا أنفاسها، واضعًا جبينه فوق خاصتها.
- وحشتيني أوي ياليلى، أوي أوي.
حمحمت سيلين، خجلت ليلى تضع رأسها بأحضان تلكمه هامسة.
- ينفع كده؟ رفع ذقنها وهو يشير إلى سيلين وضحكاته بالأرتفاع.
- هو حد يعمل اعتبار لسيلين؟ ده سيلين ياليلى.
لكمته بصدره.
- بس ياراكان متبقاش رخم. صمت للحظات وهو يراقب أخته وطلتها التي جعلتها أميرة.
تحرك متجهًا إليها، يأخذ ابنته ثم طبع قبلة على وجنتيها.
- خدي حبيبي. تلقتها ليلى منه، ثم استدار إلى سيلين.
- بسم الله ما شاء الله عليكي يا قلب أخوكي، إيه الجمال ده يا سيلي؟
حاوطت خصره تضع رأسها على صدره.
- حبيبي ياراكي، هكون أحسن من ليلى يعني.
استدار بنظره إلى ليلى ودقات قلبه بالأرتفاع ثم استرسل هائماً.
- ليلى اخترقت قانون العشق خلاص، ووقعت أخوكي على وشه.
وضعت كفها على وجنتيه وأردفت بابتسامة وعين مترقرقة.
- تعرف أنا مبسوطة أوي ياراكان، فرحانة بيكم أوي يا حبيبي، ربنا يسعدكم.
طبع قبلة على جبينها وأمسك كفيها.
- يالا عشان ننزل تحت زمان يونس هيولع في القاعة.
تحركت بجواره بهدوء وهي ترفع فستانها، وخلفها ليلى تتحرك بابنتها، تقابلت بوالدتها على باب الغرفة.
- حبيبي اتأخرت ليه؟ وفين يونس؟
قبل جبين والدته متحركًا بأخته.
- بعدين يا حبيبتي، دلوقتي عندنا عروسة زي القمر.
تحرك بها إلى أن وصل إلى وقوف يونس، بطلته الرجولية الخاطفة.
دنا منه ثم ضم أخته بكل حنان زرع في قلوب الآباء.
رفع ذقنها ونظر داخل عينيها وتحدث.
- أنتِ بنتي مش أختي يا سيلو، وبما إنك بنتي فأنا أبوكي، وأي وقت هتلاقيني دايما في ضهرك وجنبك وقت ما تحتاجي، أوعي يكون عندك شك في دا أبدا حبيبتي.
وضعت رأسها على صدره وأردفت.
- أنت أحسن وأحن أخ في الدنيا، ربنا يسعدك ياراكان زي ما أسعدتني كده.
استدار إلى يونس وتحدث.
- طبعًا مش محتاجة وصية عليها، عشان لو وصيتك يبقى متستاهلش حبها. أنا هقولك معاك أغلى درة إلى راكان، أتمنى تحافظ عليها.
ابتسم له يونس ثم اتجه ينظر لتلك التي يغطي وجهها طرحة زفافها.
ضمه يونس قائلاً.
- أختك في قلبي قبل عيني ياراكان، وهي أقربلي منك دلوقتي.
أومأ برأسه وترك له مسافة ليتلقاها.
قام يونس بإزاحة طرحة زفافها ثم نظر لموج عينيها الزرقاء مردفًا.
- مبروك عليا أنتِ يا قلب يونس.
اقترب يطبع قبلة على جبينها.
- بحبك يا أجمل بنوتة شافتها عنيا.
نظرت للأسفل بخجل تفرك كفيها الذي تعرق كثيرًا هامسة.
- خلاص بقى متكسفنيش.
طوق خصرها وتحرك يقف بركن انتظارًا لحمزة.
بالأعلى بغرفة درة دلفت إليها ليلى.
- عروستنا الحلوة خالتو الجميلة بتعمل إيه؟
خلصتي يا خلته. عريسك تحت بيبخ نار.
اقتربت درة تحملها.
- حبيبة خالته أنا الطعامة والحلاوة كلها فيكي يا قلبي أنت.
طالعتها ليلى بتقييم.
- طالعة كتير حلوة يا خالته الجميلة.
ابتسمت درة بخجل قائلة.
- هكون أحسن منك يا لولا. خايفة تخطفي مني الأنظار.
ابتسمت ليلى ثم ضمتها.
- ربنا يسعدك حبيبتي يارب.
استمعوا لطرقات على الباب. دلف عاصم وبجواره كريم ونظراته على بناته الاثنتين.
- ماشاء الله حبيبات بابا. ربنا يسعدكم.
دنى طابعاً قبلة على جبين ليلى أولاً ثم اتجه يضم درة بقوة.
- ألف مبروك يا حبيبة بابا. ربنا يسعدك يا بنتي ويرزقك الخلف الصالح.
قبلت كتفه وتحدثت.
- ربنا يخليك لينا يا حبيبي يارب وحسك دايماً في الدنيا.
طوقت ذراع والدها وتحركت بهدوء بجواره. كان ينتظرها أسفل الدرج فارسها النبيل وحبيبها العاشق. تحركت بهدوء ودقات قلبها بالارتفاع إلى أن توصلت ووقفت أمامه.
***
أشار عاصم إلى حمزة.
- قطعة من قلبي يا حمزة. عارف ومتأكد إنك هتحافظ عليها كويس حبيبي. ربنا يسعدكم ويرزقكم الذرية الصالحة.
ضمه حمزة بمحبة قائلاً.
- وقلبك هحميه وأحافظ على نبضه يا عمي. جوهرتك مصونة. واللي يقرب منها هيكون دمي التمن.
ربت على ظهره قائلاً.
- ربنا يسعدكم يا حبيبي.
دنى يرفع طرحتها ثم طبع قبلة على جبينها هامساً لها.
- ربنا يباركلي فيكي يا درة قلبي.
احتضنت كل واحدة ذراع زوجها وتحركتا بجوارهما بفستانهما الأبيض الجميل الذي يشبه روحهما مصنوع من التل المطرز باللؤلؤ، وحجابهما الذي أضفى حلاوة لطلتهما البهية النقية بلون قلوبهما.
انطلقت الزغاريد مع ظهورهما ببداية الممر المؤدي إلى القاعة مع تحركهما على أنغام الموسيقى التي تشبه نبضات قلوبهما.
تحركوا في بهو القاعة متجهين لمكانهما المخصص لهما لافتتاح الحفل برقصتهما.
أحاط يونس خصر سيلين ناظراً لعيناها الساحرة وتملّكته رغبة في التقاط ثغرها بذاك الوقت. دنا منها.
- بحاول أتغاضى عن الفراولة دي يا حبيبة يونس.
هربت بنظرها بعيداً عنه قائلة.
- يونس بس عيب. إياك تتمادى.
قهقه عليها وهو يضمها لأحضانه.
- وحياة حب أكتر من عشر سنين لاتمادى وولّعها الليلة يا حبيبة يونس.
ضغطت بقدمها على حذائه.
- اتلم يا حبيبي. متفكرنيش هتكسف منك. لا ده هعملك المرأة الحديدية هنا.
أسند رأسه لرأسها هامساً بدقات قلبه.
- اعملي كل اللي أنتِ عايزاه يا حبيبة يونس. المهم تكوني في حضني وبس.
لامس شفتيها بشفتيه مغمض العينين.
- سيلين أنا بعشقك. عارفة يعني إيه؟ يعني مستعد أحميكي بحياتي.
وضعت رأسها بأحضانه.
- بس بقى هيغمى عليا وهتعب وأروح المستشفى وترجع تقولي بوظتي الليلة.
قهقه عليها وهو يرفعها ويدور بها لتثلج صدره برنين ضحكاتهم وهمساتها له.
عند حمزة ودرة تحركت معه على أنغام الموسيقى تهرب من نظراته التي تخترقها. حاوطها بذراعيه الاثنين وقربها من صدره مغمض عينيه منتشياً يستطعم قربها بروحه ورائحتها المستمرة تعبأ رئتيه وكل عشق الدنيا يتزاحم داخل قلبه. دنا يهمس بجوار أذنها.
- خايف على قلبي الليلة من السعادة. كأني خطفت نجمة من السما.
- حمزة اسكت لو سمحت الناس بتبص علينا.
استدار بنظره في كافة الاتجاهات.
- بتقولي إيه يا حبي؟ انت مجنونة؟ مالازم يبصوا علينا.
ظلوا يتمايلان على أنغام الموسيقى إلى أن انتهت رقصتهم متجهين لمكانهم.
بإحدى الأماكن الهادئة بالقاعة كان يجلس يحمل طفلته يمسد على خصلاتها بحنان أبوي ينظر إليها ويدقق بملامحها.
- لولة حبيبتي. البت دي النهاردة نايمة كدا ليه.
- حبيبي. ما البنت صايحة أهي.
نظر لها نظرة جديدة مبتسماً تمنى لو اختطفها إلى مكان لا يحوي سواهم. دنا منها واردف.
- كلمة حبيبي كانت وحشاني فكان لازم أسمعها.
طالعته بسحر وهيام وصمتت مأخوذة بروعة كلماته الندية لقلبها. قربت كفيها لكفه تنظر لشمسه.
- انت مش حبيبي بس ياراكان. انت حياة ليلى كلها. يعني لو مفيش راكان مفيش ليلى.
ابتعد بنظره بعيداً ينظر بجميع الاتجاهات يهرب من سيطرتها الكاملة على كيانه.
ضغطت على كفيه وتساءلت بعينيها العاشقة.
- بتهرب مني ليه معذبي.
ابتسم ونظراته هاربة قائلاً.
- حبيبي بلاش تلعبي معايا دلوقتي.
نهضت وهي تربت على كفيه.
- هروح عند ماما وماما زينب شوية.
جذبها يرمقها بغضب.
- اقعدي يا ليلى عشان مزعلكيش.
جلست بجواره دون حديث.
ذهب ببصره للعروسين ثم أشار بعينيه لمربية أبنائه التي أتت إليه.
- خلي بالك من كيان.
أومأت برأسها وحملتها متجهة إلى زينب وسمية تجلس بجوارهما.
نصب عوده ونهض يبسط كفيه إليها.
- تسمحيلي بالرقصة دي مولاتي.
رفعت نظرها له ثم اتجهت تنظر للجميع حولها وأردفت.
- راكان دول عرسان وبيرقصوا. إحنا هنرقص معاهم.
***
انحنى يسحب كفيها ثم أشار بعينيه إلى نوح الصامت متوجهاً إلى مكان الرقص.
ابتسامة جذابة خرجت من بين شفتيه وهو يطالعها بعينين عاشقة.
- بتكوني جميلة أوي مولاتي وأنتِ غضبانة.
بسعادة هائلة تخرج من عيناها استرسلت بنبرة عاشقة.
- بس أنت جميل في كل أطوارك معذبي. غضبان وهادئ حتى في نومك بتكون جميل وجميل أوي كمان.
جذبها لأحضانه وبدأ يتمايل على اللحن الموسيقي. مالت برأسها ساندة على صدره موضع نبضه متناسبة الزمان والمكان هامسة بنبرتها العاشقة حد النخاع.
- حبيبي لقد استوطنت دقات قلبك ثنايا روحي. حتى أذابني عشقك لأصبح نجمة متلألئة في سماء العاشقين. فإني أقسم لك أنني أحبك ثم أحبك ثم أحبك حتى الممات.
ضغط على خصرها بقوة يسحقها بأحضانه واطبق جفنيه مستمتعاً بكلماتها الندية لقلبه الذي أضناه الجفاف وقسوة الأيام.
تحمحم كي يجلي صوته الذي تأثر بكلماتها فذهب ببصره إلى نوح الذي يتراقص بجوارهما يبتعد عن مرمى ناظريها.
- لو كان حبي لكِ بالكلمات لماتت الحروف من دفتري. فعشقي لكِ ماهو بنبض الوريد ودقات القلب.
دفنت رأسها بصدره.
- راكان.
ضحك بصوت مرتفع.
- يعني بتعاكسي فيا ومش عايزاني أعاكسك؟ أنا لسه بعاكس مجرد كلام حبيبي لسة مدخلناش بالتفاصيل.
كست الحمرة وجنتيها مما زاد سحرها فانحنى يهمس لها.
- الخدود دي بتشدني لحاجات بحاول أمسك نفسي.
و اعمل محترم قدام الناس.
— راكان.. قالتها بهمس أذابه.
تركها عنوة قائلاً:
— أحسن حاجة تروحي تقعدي فعلاً معاهم، لأنك بقيتي خطر عليا وهتفضحيني قدام الكل.
ابتسمت بسعادة مردفة:
— هو أنا جيت جنبك ياحضرة المستشار ولا إيه؟
رفع ذقنها ونظر لليلها:
— أهي حضرة المستشار دي لوحدها جناية ياقلبي.
سحبها من كفيها واتجه إلى والدته، أجلسها بجوارها ثم انحنى يطبع قبلة حنونة على رأس والدته.
— شكلك حلو يازوز وأنتِ قاعدة في وسط أحفادك.
ربتت على كفيه بابتسامة:
— ربنا يبارك لي فيكم ياحبيبي ودايماً مالين حياتي.
ثم طبع قبلة على وجنة أمير، ثم رفعه بين ذراعيه متجهاً به إلى سيلين ويونس.
توقف أمامهما يدفع يونس بخفة:
— وسّع ياعريس الغفلة، خلي ميرو يرقص مع عمته.
قهقه يونس يضرب كفيه ببعضهما:
— حتى الفصعون عايز يرقص معاها!
دنى يهمس بجوار أذنه:
— خف ياتنين عشان ما أعوركش، مش كفاية عمو أسعد اللي مصدق!
رفع حاجبه ساخراً وعيناه على سيلين التي تتحرك بابتسامتها وهي ترقص مع أمير الذي ارتفعت ضحكاته.
ثم اقترب منهما:
— روح لعمو يونس حبيبي لما أرقص مع عمتو شوية.
جحظت عينا يونس وهو يضع أمير بيديه قائلاً:
— روح ياعريس واديه عند مامته.
ابتسمت سيلين وهي ترى يونس الذي تصنم بوقفته يطالعه بغضب، ود لو أطبق على عنقه.
ثم تحرك عنوة متجهاً إلى ليلى.
جذب أخته يتمايل معها ثم نظر إليها:
— عايز دايماً ضحكتك منورة وشك، أوعي حد يضعفك ويسرق ابتسامتك.
رمق ليلى بنظرة سريعة ثم اتجه إلى أخته مرة أخرى:
— لو وصل بيك الحال إنك تسرقي السعادة دي من اللي يحاول يخطفها منك، اعمليها. اليوم اللي بيعدي بيتحسب من عمرنا، ممكن يعدي ومنعرفش نعوضه حبيبتي.
أخرج تنهيدة مؤلمة واسترسل:
— لو فرطتي في يوم كان بإيدك تكوني سعيدة فيه وضيعتيه، هتخسري وترجعي تندمي. وقتها مش هيكون غير وقت خسرتيه وبس.
رفع ذقنها ونظر لعيناها التي تشبه موج البحر واسترسل:
— يونس بيحبك ومستعد يضحي بحياته عشانك، أكيد أنتِ عارفة ومتأكدة من ده. بس رغم كدا، أوعي تضيعي كرامتك وحقك. ساعات الحب بيكسر الست وبيخليها ضعيفة وبتتنازل عن شخصيتها.
أخرج زفرة وأكمل:
— مش عايز الشخصية دي ياسيلين، لازم سيلين يكون ليها كيان لوحدها، ما تكونيش مجرد تابع لكيان يونس. فاهمة قصدي حبيبتي؟ وأقرب مثال ليلى قدامك. شفتي عملت فيا إيه؟ وأنا عملت فيها إيه؟ رغم حبنا لبعض بس مفيش حد حاول يتنازل للتاني، ورغم كدا حبنا ما ضعفش. متفكريش لما تتنازلي حبه هيزيد. لا، ومش معنى كلامي إنك تنكدي وتعملي فيها راجل، أنا قصدي حياتك الشخصية ومسؤولياتك يا سيلين، فاهمة؟
أومأت متفاهمة وترقرت عيناها بالدموع:
— أنا بحبك أوي ياراكان.
ضمها لأحضانه:
— راكان بيعشقك ياروح راكان.
طبع قبلة على جبينها:
— ألف مبروك ياقلبي.
أشار إلى يونس:
— اتفضل وخلي بالك، دي درة قلبي هتتسهل هنفخك.
جذبها بقوة لأحضانه:
— امشي يلا من هنا، جاي توصيني على قلبي؟ دي قلبي ونبضه.
ابتسم راكان مربتاً على كتفه:
— ربنا يسعدكم.
قالها وتحرك متجهاً لوالده.
بعد عدة ساعات انتهى حفل الزفاف، واتجهت كل عروس حسب وجهتها.
بعد عدة ساعات وصلا العروسين لمستقرهما لقضاء شهر العسل.
دلف يونس وهو يحاوطها بذراعيها متجهاً لجناحهما الخاص.
توقفت إحداهن أمامهما:
— مش معقول، مين يونس؟
قطب مابين جبينها متسائلاً:
— أهلاً وسهلاً حضرتك، آسف بحاول أتذكر بس الذاكرة ضعيفة.
اقتربت منه وهي ترمق سيلين التي تحولت نظراتها إلى نظرات نارية وأردفت:
— إيه مش فاكر نجوى وسناء بتوع المهندسين؟
قاطعهما وصول أحد الرجال:
— أهلاً دكتور يونس، ألف مبروك.
قالها وهو يطالع سيلين:
— أومأ يونس: الله يبارك فيك يافندم، بعد إذنكم.
تحرك خطوة ولكن أوقفته:
— كنت عايزة أسألك على حاجة يادكتور، آسفة أنا مصدقت أقابلك.
تحركت سيلين غاضبة بعدما وجدته مستديراً إليهما.
— حضرتك أنا نجوى اللي عملتلي حقن مجهري، إزاي نسيتني؟ دا أنت عملت إعجاز يادكتور بعد فشل خمس عمليات.
ابتسم بمجاملة وهز رأسه متسائلاً:
— أهلاً يافندم، هو فيه حاجة؟
ابتسم زوجها وأردف:
— نجوى عندها صديقة عندها أربعة وأربعين سنة وكنا عايزين نروح لحضرتك المستشفى عشان نعرف لو ينفع تعمل العملية.
تراجع يونس قائلاً:
— تمام يافندم، في أي وقت تحت أمركم، بس زي ماحضرتاكم شايفين النهاردة فرحي، فبالتالي مش هكون موجود.
أسرعت نجوى لغرفتها قائلة:
— آسفة يادكتور، لحظة وراجعة.
تحمحم زوجها متأسفاً:
— أسفين يادكتور، عارفين إن الوقت مش مناسب، بس حقيقي إحنا ربنا بيحبنا عشان قابلناك. نجوى عملت تحليل وكنا عايزين نعرف لو ينفع تعمل عملية تاني، وإحنا راجعين القاهرة النهاردة. فاعذرها هي فرحانة ونفسها في بيبي تاني.
رسم ابتسامة على وجهه قائلاً:
— لا عادي، دقائق ورجعت ببعض التحاليل بيديها.
— ممكن تعرفني بس لو ينفع ولا لا يادكتور.
ضغط على شفتيه وتناول الأوراق التي بها التحاليل.
— عملت أشعة كمان يادكتور، ربنا يسعدك يادكتور زي ما فرحتنا بيونس.
رفع بصره مضيقاً عيناه بابتسامة.
فتحدث زوجها:
— أصلها أصرت تسمي الولد على اسمك.
ابتسمت عيناه من فرحتها التي ظهرت على زوجها، فربت على ظهر زوجها:
— ربنا يبارك لك فيه وتخاويه إن شاء الله. الأشعات والتحاليل كويسين مفيهمش حاجة. إن شاء الله أرجع القاهرة وبعدين أشوفها ونتفق.
ابتسمت السيدة كثيراً تدعو له بينما ضمه زوجها:
— ربنا يسعدك زي ما أسعدتنا يابني يارب.
مش هأخرك على عروستك أكتر من كدا، وإحنا آسفين بس دا من حظنا إننا اتقابلنا صدفة هنا.
بداخل الجناح دلفت تلقي طرحة زفافها بغضب:
— ماشي يابتاع الستات، والله لأعلمك الأدب.
دلف إلى غرفتها وقامت بتبديل ثيابها إلى منامة بيضاء وجلست تتأكل من الغضب.
نظرت إلى ساعة يديها التي قاربت على أكثر من نصف ساعة ومازال لم يصل.
دلف مرحاضها، وأزالت مساحيق التجميل ثم توضأت واتجهت لتقيم فرض ربها.
استمعت إلى خطواته بالخارج:
— سيلي حبيبتي، إنتِ فين؟
ظلت كما هي تجلس على سجادتها.
حاول فتح الباب ولكنه كان مغلقاً.
طرق عدة طرقات خفيفة:
— حبيبتي أوعي تكوني خلعتي فستانك، هزعل. قالها من خلف الباب.
لملمت سجادتها وأجابته:
— تصبح على خير يادكتور، ولو مجلكش نوم روح كمل سهرتك برة، أنا تعبانة وعايزة أنام.
دفع الباب بقدمه بقوة، وكور قبضته متحدثاً من بين أسنانه:
— سيلين متستهبليش.
أزاحت كل ما يوضع على الفراش من ورود وأطفأت الشموع وهي تسيطر على عبراتها حتى لا تخونها.
ثم اتجهت متسطحة على الفراش وأردفت:
— مش عايزة دوشة يادكتور، عندي صداع وعايزة أنام.
جحظت عيناه وشعر بتوقف تنفسه من كلماته فتحدث غاضباً:
— وحياة ربنا لو مفتحتيش الباب لأعلمك الأدب وأطيّن عيشتك.
أطبقت على جفنيها:
— علم نفسك الأول يامحترم وبعد كدا تعالِ اوقف قدامي واتكلم.
ظل لدقائق محاولاً السيطرة على أعصابه حتى لا يفقد سيطرته ويغضبها بل يفقدها.
اتجه إلى الأريكة وألقى جسده زافراً بغضب.
بإحدى المدن الروسية دلف لأحد الفنادق المشهورة بالغابات الروسية وهو يحاوط خصرها، صاعداً لغرفتهما.
توقف أمامها قبل فتحه لجناحهما الخاص، ونظر إليها بسحر يخصها وتحدث بنبرة جذابة أطلقت سحره بالكامل عليها.
— حبيبتي لازم تدخلي جناحها وهي بين إيد حبيبها وقريبة من دقات قلبه. قالها وهو يحملها بين ذراعيه القويتين.
دلف وهي بين أحضانه، وضعت رأسها بعنقه.
— حمزة، نزلتِ بقى.
أنزلها بهدوء وهو يحاوط خصرها:
— نورتي جنتي يادرة قلبي. قالها مقترباً من ثغرها ليتذوق كرزيتها التي سلبت قلبه.
فصل قبلته ثم رفع ذقنها ينظر لليل عيناها الساحرة مردفاً:
— ألف مبروك عليا أنتِ ياروح قلبي يادرتي الغالية.
هربت من نظراته الاختراقية لها، تبحث بعينيها بأرجاء الغرفة، ثم أردفت:
— الأوضة حلوة أوي ياحمزة. قالتها وهي تهرب بنظراتها منه.
وضع كفيه بجيب بنطاله ونظر لأرجاء الغرفة:
— راكان ياستي، هو اللي حجز لنا شهر العسل، كادو من عنده.
— واو، دا حضرة المستشار طلع رومانسي أوي.
جذبها من خصرها ثم انحنى يضع رأسه بعنقها يستنشق رائحتها لأول مرة متلذذاً بها ثم همس بأنفاسه الساخنة:
— يعني جوز أختك رومانسي، وحبيبك لأ؟ طيب هو أنا لسه عملت حاجة؟ دا حتى مسلمتش لسه.
رفع عيناه وتلاقت بعينيها، ثم دنا يملس شفتيها:
— نصلي الأول حبيبتي وبعد كدا أعلمك فنون الرومانسية.
قالها وهو يسحبها من كفيها للداخل.
بمزرعة نوح وصل قبل قليل.
دلف إلى غرفة أبنائه الغافين وأردف:
— حبايب بابي نمتوا من قبل ما أبوسكم.
انحنى يطبع قبلة على جبين كلاهما، ظل لعدة لحظات يطالعهما ثم تحرك للخارج يبحث عن والده، وجده يجلس أمام التلفاز.
— مساء الخير ياحبيبي. قالها نوح وهو يطبع قبلة على جبينه.
ربت على ذراعه:
— مساء الخير ياحبيبي، رجعتوا امتى؟
جلس بجواره يمسح على وجهه بإرهاق:
— من شوية، بس كنت بشوف ريحانة شكلها هتولد الليلة، وأسيا مش موجودة، سافرت لعمها الصعيد.
ربت يحيى قائلاً:
— هنشوف تامر ييجي يشوفها ولا يهمك. هي أسما طلعت ولا برة؟
تراجع نوح بجسده قائلاً:
— طلعت فوق، هي تعبت النهاردة من الصبح وهي مع ليلى عشان ترتيب الفرح.
اعتدل متسائلاً:
— ماما نامت ولا إيه؟ وياسين ويامن اتشاقوا معاكم؟
قهقه يحيى عندما تذكر ما فعلوه وأجابه:
— لذاذ أوي يانوح، أنا خلاص هيجي أقعد هنا، مقدرش أبعد عنهم.
ابتسم لوالده ونهض قائلاً:
— البيت بيتك حبيبي وطبعاً هكون سعيد أوي. المهم متطلبش مني أروح أقعد في المدينة هناك، أنا مقدرش أبعد عن المزرعة يادكتور.
نهض ووقف بمقابلته:
— عرفنا ياسيدي، خلاص استحملنا بقى.
قهقه عليه ثم تحرك:
— ابنك تعبان يادكتور ومش مصدق يترمي على السرير، تصبح على خير.
صعد لغرفتهما.
دلف بهدوء ظناً أن زوجته نائمة ولكن جحظت عيناه مما رآه.
تقف بمنتصف الغرفة بتلك المنامة المكشوفة لجسدها، السالبة لقلبه، ولمساتها التجميلية التي أبهرت عيونه.
تحرك بخطى سلحفية وعيناه تبحر فوق جسدها وشفتيها المطلية بأحمر قاني اللون.
دنى حتى اختلطت أنفاسها:
— وحشتني حبيبي. قالتها أسما وهي تطوق عنقه.
وما كان على قلبه إلا أن يرفعها من خصرها متذوقاً كرزيتها.
لحظات وهو يقتنص ما يروي روحه، حتى سلبت أنفاسهما.
فصل قبلته وتحدث بأنفاس متقطعة:
— إيه المفاجأة الحلوة دي ياروح نوح.
وضعت رأسها بأحضانه:
— من زمان ماعملتش ليلة حلوة لحبيب قلبي، عارفة قصرت بسبب الولاد، آسفة ياحبيبي.
احتضنها يضع رأسها بعنقه متلذذاً برائحتها العبقة:
— حياتي ودنيتي الحلوة يا أسما.
أطبقت على جفنيها تستلذ بصوته المبحوح بمشاعره هامسة:
— وأنت إيقاع الحياة لأسما ياحبيب أسما، قصر البنداري.
دثرت ابنتها بالغطاء ثم انحنت تطبع قبلة على جبينها هامسة:
— بموت في ريحتك ياكيان بابا أنتِ.
ملست على خصلاتها بحنان أمومي، ثم اتجهت للخارج ولكن اصطدمت بجسده.
تلقاها قبل سقوطها بين ذراعيه:
— راكاااان. قالتها بصوتها الأنثوي الهادئ.
حملها متجهاً لوجهته:
— روح قلبه مولاتي. طوقت عنقه تضع رأسها تملي رئتيها برائحته.
— نزلني ياراكان.
دفع باب الغرفة وأغلقها بقدمه، ثم أنزلها بهدوء.
تجولت بالغرفة تنظر إليها بعيون مذهلة:
— إيه دا حبيبي، هو فيه مناسبة ولا إيه؟ وبعدين ليه رجعت للاوضة دي تاني؟
طوق خصرها بذراعيه واضعاً جبينه فوق جبينها:
— الأوضة دي فيها ذكرى حلوة ووحشة، عايز أمحى منها الذكرى الوحشة حبيبي، مش عايز أي مكان جمعنا يبقى فيه حاجة وجعتنا.
وضعت رأسها على صدره وحاوطت خصره:
— أنا مسحت كل ذكرياتنا الوحشة ياراكان. رفعت ليلها وتلاقت بشمسها قائلة: حبك نساني كل الوحش في حياتنا، مش عايزة غير ضمتك دي.
رفعت كفيها على وجنتيه:
— كفاية المسك وأشوف ضحكة عيونك دي، دا أجمل إحساس عندي.
أمسك كفيها الموضوعان على وجهه وقبلهما كلا على حدة قائلاً:
— بحبك ياأجمل حاجة حصلتلي، أجمل معذب في الدنيا.
غمز بعينيه للغرفة المزينة:
— طب إيه هنفضل مقضينها كلام؟ حد ضحك عليكي قبل كدا وقالك إن جوزك بيحب الكلام؟
قبلته قبلة سريعة واستدارت:
— طيب حبيبي عملي مفاجأة، ولازم أنا كمان أشارك في ليلة العشق دي.
تحرك إلى الطاولة يشعل الشموع:
— الليلة مفتوحة ياقلبي، اعملي اللي عايزاه.
أشارت لغرفة الملابس:
— الدريسنج فيه هدوم ولا إيه؟
قهقه بصوته الرجولي:
— تفتكري ممكن حاجة زي دي تفوتني؟
تحركت إلى غرفة الملابس تبحث في ملابسها عن شيئ جذاب.
وقع عيناها على تلك المنامة الوردية.
وضعت إبهامها على شفتيها بتفكير، ثم استدارت تبحث عن مقص، وفعلت به ما أرادته.
أنهت ارتداء ما فعلته ثم وضعت بعض اللمسات التجميلية.
نظرت لنفسها بالمرآة وتحركت للخارج حافية القدمين.
كان يقف ينفث تبغه ينظر من خلف الزجاج للخارج، وابتسامة على ملامح وجهه من السعادة التي يشعر بها.
تحركت إلى أن وصلت لمنتصف الغرفة وهمست باسمه.
استدار بهدوء يطالعها بنظرات اختراقية.
دنت تتحرك بقدميها الحافتين بتناغم مثل تناغم الموسيقى الذي يحاوطهما.
تمايلت برقة أذابته متلاعبة بقلبها.
حاوط خصرها ينظر لمفاتنها التي سلبت قلبه وجعلت دقاته بالارتفاع.
لا يصدق ما تراه عيناه.
بدأت تتمايل بجسدها الممشوق المهلك لروحه وخلاياه بالكامل، بتلك المنامة التي تكشف جسدها بالكامل.
تمايلت مع الموسيقى وعيناه تراقباها بعشقه الدفين.
دنى وحاصرها بين ذراعيه تتحرك بإغواء وتدندن مع كلمات الأغنية.
رفعها بين ذراعيه للأعلى يدور بها وضحكاتهما بالارتفاع.
ثنت ركبتيها وانحنت تطبع جبينها فوق خاصتها.
— أنا بعشقك أنا. أنا كلي لك أنا.
أنا بعشقك أنا. أنا كلي لك أنا.
أنا. أنا. أنا. أنا. أنا. أنا.
يا من ملك روحي بهواه. روحي بهواه.
الأمر لك طول الحياة. طول الحياة.
يا من ملك روحي بهواه. روحي بهواه.
الأمر لك طول الحياة. طول الحياة.
الماضي لك وبكرة لك وبعده لك.
ده الماضي لك وبكرة لك وبعده لك.
أنا في سهادي وفي منامي بندهك وبسألك.
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك.
بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك. نارك.
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك.
بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك. نارك.
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك.
بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك. نارك.
قول يا حبيبي. حبيبي قول.
قول يا ملاك.
أنزلها وجذبها حتى سقطت فوق الفراش.
حاوطها بذراعيه يضمها لصدره:
— إيه الجمال دا. رفع أنامله يزيح خصلاتها المتدلية على وجهها.
وضعت رأسها على صدره واطبقت جفنيها تستمع لدقات قلبه العازفة بحبها.
— يعني تعملي ليلة حلوة زي كدا، وأسكت؟ رفعت ذقنها تنظر لعيناه القريبة وأردفت: حبيت أعرفك مراتك بتعرف ترقص، يعني عندي مواهب. عشان العيون اللي بلون الشمس دي لو لمحتها بتزوغ كدا ولا كدا هخلعها ياحبيبي، واه دا تحذير.
تسلطت عيناه على شفتيها وهي تتحدث وابتسامة عاشقة ارتسمت على ملامحه بالكامل.
ف لحظة انقلب حالهما يحاوطها بذراعيه هامساً أمام شفتيها:
— شوفت الجميل وهو بيرقص قبل كدا، بس مكنش بالوقاحة دي الصراحة.
ارتجف جسدها مع شفتيها عندما هربت منها مخارج الحروف من همسها وأنفاسها الحارة التي ضربت وجهها.
وضعت كفيها أمام وجهه قائلة بهدوء رغم رجفة قلبها:
— راكان ابعد شوية، عيب كدا.
أطلق ضحكة رجولية زلزلت كيانها مما جعلها تطالعه بسحر وهيام.
صمت للحظات ينظر بعمق لعيناها التي سحرته بمعوذتيها، لتلقي تعويذة عشقها عليه.
فما كان إلا أن تصمت الألسنة وتتحرك القلوب بالنبض، وتشتعل الغرفة بنيران العشق، ليذهبا إلى جنتهما الخاصة.
بعد شهر عاد العروسين من شهر عسلهما.
وصلت درة إلى منزلها الجديد.
دلف والسعادة تغمرهما تدور بمنزلهما.
— الصراحة كل حاجة تمام حبيبي، ليلى عاملة الواجب وزيادة.
جذبها من رسغها:
— تعالي نرتاح شوية وبعد كدا نشوف البيت.
توقفت تمط شفتيها كالاطفال:
— أنا جعانة، وبعدين إحنا نايمين في الطيارة، ليه أنام دلوقتي.
حملها بين ذراعيه متجهاً للغرفة:
— لا دا أنت بتستهبل يامراتي الحلوة. قالها وهو يتحرك للداخل.
حركت ساقيها بالهواء:
— حمزة مش معقول، مفيش غير كدا.
بمنزل يونس مساء يوم العودة.
جلست أمام التلفاز تشاهد بعض برامج الشو، وبيدها تفاحة تأكلها بهدوء.
وصل إليها وألقى بجسده على الأريكة:
— جعان مفيش أكل.
أشارت على المطبخ:
— عندك رجلين، وعندك عينين وكمان إيدين قوم اعمل لنفسك وكل ياحبيبي.
قالتها واتجهت إلى غرفتها.
جلس يمسح على وجهه بغضب.
ثم ألقى بجسده مرة أخرى وذهب بثبات عميق.
باليوم التالي كانت تجلس بغرفتها استمعت إلى صوت سيارته.
مطت شفتيها تفكر بشيء.
نهضت تنظر لهيئتها بالمرآة.
كانت ترتدي منامة سوداء اللون تصل مافوق الركبة، ترفع خصلاتها للأعلى مع نزول بعض خصلاتها بعشوائية حول عنقها.
تدلت بخطواتها تهبط مع الدرج.
رفع نظره إليها يجز على شفتيه بغضب:
— ربنا يصبرني عليكي يا أخت راكان، والله لو فضلت كدا لأغتصبها بنت أسعد دي.
تحركت بخطوات اغرائية متجهة إلى المطبخ.
وجدت بعض الفواكه.
أمسكت بعض الموز والفراولة ووضعتها بصحن ثم اتجهت إلى زجاجة المياه.
دلف إلى المطبخ:
— بتعملي إيه يا آنسة.
ارتشفت بعض المياه وصعدت إلى رخامة المطبخ تجلس فوقها متناولة الموز ثم ألقت قشرتها عليه وأردفت:
— جعانة ياحبيبي ومفيش أكل، وطبعاً حضرتك رافض الطباخة والسفرجي، وبما إن ليلى مجتش فمفيش قدامي غير الفواكه.
ظلت تحرك ساقيها المكشوفة أمامه، وتراقبه بأنظارها ثم أشارت على الثلاجة وتحدثت:
— فيه لحمة حواوشي هنا، ادخل اعملها عشان حبيبتك جعانة.
اقترب منها بخطوات سلحفية ورسم قناع بارد فوق ملامحه كي لا يعكس غليانه القابع بصدره.
حاوطها بذراعيه ينظر لموجها، ثم رفع خصلة من خصلاتها ووضعها خلف أذنها مقترباً من أذنيها يهمس بأنفاسه الحارة:
— لو منزلتيش بشكلك دا واختفيتي من قدامي صدقيني بعد تسع شهور هتسمعي صوت البيبي في البيت دا.
قطبت مابين حاجبيها قائلة:
— يعني إيه مش فاهمة.
حملها بين ذراعيه وصعد للأعلى:
— لا دي مابتتقلش يابنت أسعد، دي عملي، عشان بعد كدا تلعبي حلو سبتك شهر كامل، طاقتي نفذت وانتهى الأمر.
صرخت تحاول الفكاك من حصاره، ولكنه لم يستمع وكأنه صم بكم.
وصل إلى غرفتهما وألقاها على الفراش بعنف:
— بتصرخي ليه؟ إيه؟ عايزة توصلي لأيه؟ ليه بتعملي كدا؟
تراجعت بجسدها للخلف مذهولة بما أصابه.
حاولت الحديث ولكنه كأنه تحول لشخص لأول مرة تراه.
بدأ يحطم كل ما تطوله يداه حتى أنهكت قواه فجلس ولم يشعر بالدماء التي تتساقط من كفيه.
نزلت متجه إليه تجلس أمامه:
— يونس أنا.
أشار بسبابته:
— امشي من قدامي.
أغمضت عيناها رغماً عنها وصدرت شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماق قلبها المحترقة:
— يونس إيدك بتنزف لو سمحت.
دفعها بغضب قائلاً:
— حتة عيلة بتلعب بيا، عملت إيه لكل دا.
وضعت يديها على وجهها واجهشت بالبكاء.
— غصب عني، والله غصب عني، نفسي أكون مطمنة وأنا في حضنك، مش مجرد ما أخرج ألاقي كل واحدة تشد في جوزي شوية. مش من حقي أحس إنك ملكي لوحدي. رد عليا مش من حقي يكون ليا مساحتي الخاصة عندك.
انسدلت عبراتها بقوة وتحدثت بأنين قلبها:
— كسرت فرحتي في اليوم اللي المفروض أكون أسعد واحدة. مستني مني إيه أجري آخدك بحضني. بحبك وبموت فيك وأنت عارف دا، بس الحب دا مكسور يا ابن عمي بعدم الثقة. خليني أثق في حبك واثبتلي إنّي أهم واحدة في العالم.
بعد ثلاث سنوات.
خرجت من المستشفى بجوار حمزة تشير بسبابتها:
— هزعل منك بجد لو قولته حاجة.
استقلت السيارة بجواره:
— بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
ضيقت عيناها منتظرة حديثه فأكمل:
— راكان مفيش حاجة بتتخبى عنه، وكمان ميفرقش معاه ولد ولا بنت. مش هيخليكي تروحي الشركة عشان تعبك بتاع النهاردة.
تراجعت بجسدها على المقعد مبتسمة وهي تضع كفيها على أحشائها:
— مش مهم الشركة، سيلين ما شاء الله عليها هي وسارة عاملين شغل حلو، وكمان نوح الصراحة عنده أفكار حلوة أوي، ومنكرش وقوفك جنبنا ياحمزة.
ابتسم حمزة وقام بقيادة السيارة:
— هوصلك عشان عايز أشوف كيان، البنت دي خاطفة قلبي، كان نفسي سيف يكون أكبر منها وقتها كنا هنخطفها غصب عنكم.
أفلتت ضحكة جميلة من شفتيها:
— يونس كمان بيحبها وبيقول هجوزها لابني غصب عنكم.
قهقه حمزة مردفاً:
— دا ابنه إيه الفصعون اللي لسه مكملش سنة دا.
بتر حديثهما اتصال راكان:
— حبيبي خرجتي من الشركة ولا لسه؟
صمتت ولم تعلم بما تجيبه لعدة لحظات، ثم سحبت نفساً طويلاً وأجابته:
— أنا رايحة مع حمزة، عديت على المستشفى وراجعة أهو.
جمع أشياءه ولكن توقف عندما ذكرت المستشفى.
فتسائل بلهفة:
- مالك فيه إيه؟ الولد كويس؟ وإيه اللي جمعك بحمزة؟
ضحكت وأردفت بهدوء:
- أنا كويسة، بطمن مش أكتر. وقابلت حمزة هناك.
شعر بقبضة تعتصر قلبه فأردف:
- حبيبي روحي على طول، وخلي بالك من نفسك. وأنا شوية وهحصلك.
- مالك ياراكان؟ تساؤلت بها ليلى.
أجابها سريعا وهو يتحرك إلى سيارته:
- أيوه حبيبي كويس، هقفل دلوقتي.
اتجه إلى مكتب جاسر متسائلا:
- وصلت لحاجة؟
أجابه جاسر، الذي يفحص بعض الكاميرات والرادار عن رقم السيارة:
- لسة ياراكان، بس قربنا. متخافش. وبعدين دي لسة هربانة بقالها كام ساعة، مش هتلحق تعمل حاجة.
عند حمزة وليلى، قطع طريقهما سيارة نقل ثقيلة. توقف حمزة ليرى ماذا يحدث. لحظات وما هي سوى هجوم على السيارة. ولم يسمع شيئا سوى صرخات ليلى. وبعدها ذهب بغمامة سوداء ليسقط أرضا مغشيا عليه بعد ضربه على رأسه.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سيلا وليد
بالغرفة التي تُجهز بها سيلين كانت تحمل طفلتها. نظرت إلى سيلين الجالسة بصمت ويبدو على وجهها الحزن، فابتسمت لها.
"فيه عروسة حلوة كدا وتبقى زعلانة؟"
نظرت بساعة يديها.
"المفروض يكون هنا من نص ساعة وشوفي حتى راكان مش موجود."
توقفت، متجهة إليها.
"حبيبتي دا عادي، شوية وهتلاقيه يمكن فيه حاجة عطلتهم."
لحظات واستمعوا إلى طرقات على باب الغرفة. هرولت ليلى ظناً بأنه زوجها، ولكنها توقفت عندما وجدت حمزة.
"راكان فين؟ بكلمه مابيردش وفونه مقفول ليه؟"
رعشة قوية أصابت جسدها وارتعدت أوصالها، متسائلة بتقطع.
"يعني إيه مش عارف توصله؟ أكيد حصله حاجة!"
قاطعه رنين هاتفه.
"أيوه ياراكان أنت فين؟"
"بتقول إيه؟ يعني هتتأخر؟"
"نص ساعة ياحمزة، الدكتور يطلع ونطمن عليه ونيجي. طمن ليلى عشان تليفوني فصل شحن."
قالها سريعا وأغلق الهاتف. استند على الجدار يحمد ربه، فأردف.
"توفيق تعب ونقلوه المستشفى، شوية وجاي بيقولك متقلقيش."
ابتلعت ريقها، متسائلة.
"يعني إيه تعب؟ يارب مايكونش مات. آخر مرة كان بيقولي حالته متأخرة."
مسح على وجهه وتنهد قائلا.
"الليلة تعدي على خير بس، عشان يونس وسيلين أهم حاجة."
أومأت متفهمة، ثم أردفت.
"على قد ما أذاني، بس بجد زعلانة عليه، وخصوصاً بعد ما عرفت حالته اتدهورت خالص."
"طيب روحي طمني سيلين وأنا هقول لوالدتك عشان درة ماتقلقش."
"تمام"، قالتها ليلى وتحركت للداخل.
سارت بخطوات متحفزة لما ستقوله لها، فخطرت على ذهنها فكرة.
"أهو ياستي يونس عاملك مفاجأة، ودا الآخره."
ضيقت عيناها، متسايلة.
"يعني إيه مفاجأة وأنا قاعدة على ناري هنا؟ والله بس لما ييجي بتاع الستات ده!"
قهقهت ليلى، ثم اقتربت وهي تضع كيان بيديها.
"طيب امسكي البنت لما أعدل مكياجي، زمان جوزي جي ومينفعش أقابله بشكلي ده، كفاية عليه صوت كيان."
حملتها وبدأت تقبلها على وجنتيها.
"أكلك يابت كوكي، جميلة أوي ياليلى ماشاء الله، واخدة منكم انتوا الاتنين."
كانت تجلس أمام المرآة وتضع أحمر الشفاه على شفتيها، فأردفت.
"شبه راكان أوي صح؟ حتى في غضبها لذيذة زي باباها."
ضحكت سيلين، ترفع حاجبها بسخرية.
"مش ده خضنفر؟ ولا اسمه إيه مش فاكرة، كنتي بتقولي عليه التنين."
ابتسمت وقابلت نظراتها بالمرآة قائلة.
"على قد خناقتنا على قد حبنا ياسيلين." أنهت ما تفعله واستدارت لها.
"ودلوقتي لو سألتيني نفسك في إيه، يرجع ويعوضه؟ هقولك نفسي الأيام اللي عشتها بعيد عنه ترجع عشان أعوض الحزن والوجع في الفترة دي."
"ليلى أنتِ فعلاً كنتي بتحبي راكان قبل ما تتجوزي سليم؟"
تساءلت بها سيلين. نهضت واقتربت تحتضن كفيها قائلة.
"هتصدقي كلامي ياسيلين؟"
ترقرق الدمع بعينيها ونكست رأسها أسفا وقالت بألم يعتصر فؤادها.
"على قد ماسليم كان حنين وبيحبني، على قد ما كنت بتعذب من وجع قلبي ووجعه في نفس الوقت." رفعت نظرها وانسابت دمعة عبرة وجنتيها.
"صعب أوي إنك تحبي واحد وتتـ...ـجوزي بواحد تاني، والأصعب كمان إنه يكون قدامك طول الوقت، والأصعب والأصعب لما تحسي إنك ممكن تضعفي. على قد ما كنت بحاول أسعد سليم بكل ما ربنا أمرني بيه، على قد ما كنت بتعذب وبحس بقلبي بيوجعني أوي لدرجة مكنتش بقدر أتنفس."
أزالت عبراتها وابتسمت.
"راكان أول نبضة حب حقيقية حسيت بيها، وأكتر وجع مريت بيه. تقدري تقولي حب بطعم الوجع بس لذيذ زي ترياق السم، ساعات بيجي من نفس السم، فهماني؟"
رفعت سيلين أناملها وأزالت عبراتها.
"يااه ياليلى شكلك اتعذبتي أوي، دلوقتي فهمت ليه راكان كان دايماً بيهرب من البيت."
هزت ليلى رأسها رافضة.
"بس وحياة ربنا عمرنا ما اتكلمنا في حاجة ولا عمر راكان بصلي حتى بشكل إني حبيبته، بالعكس دا كان كل شوية يقولي: 'إياكي أشوف سليم حزين'."
"حبيبي يا أخويا اتعذب أوي." ثم اتجهت لها.
"وانتِ كمان اتعذبتي أوي." أفلتت ضحكة تنظر إلى نفسها.
"ينفع كدا بوظتي الميكب." استدارت مرة أخرى، ولم تلاحظ للذي خطى بهدوء بعدما استمع لحديثهما. أشار لأخته بالصمت، متجهًا لها، ثم دنا يهمس بجوار أذنها.
"وحشتيني مولاتي." استدارت سريعا متناسبة وجود سيلين، تضمه وتلف ذراعيها حول عنقه.
"حبيبي أخيراً جيت." رفعها من خصرها يسحقها بأحضانه.
"حبيبك بقاله ست ساعات بعيد عن حضن مولاته، ودا فيه عقوبة لينا احنا الاتنين."
أنزلها بهدوء، ثم اقترب يلتقط ثغرها ساحباً أنفاسها، واضعاً جبينه فوق خاصتها.
"وحشتيني أوي ياليلى، أوي أوي."
حمحمت سيلين. خجلت ليلى تضع رأسها بأحضانه تلكمه هامسة.
"ينفع كدا." رفع ذقنها وهو يشير إلى سيلين وضحكاته بالارتفاع.
"هو حد يعمل اعتبار لسيلين؟ دا سيلين ياليلى."
لكمته بصدره.
"بس ياراكان متبقاش رخم." صمت للحظات وهو يراقب أخته وطلتها التي جعلتها أميرة.
تحرك متجها إليها، يأخذ ابنته، ثم طبع قبلة على وجنتيها.
"خدي حبيبي." تلقتها ليلى منه، ثم استدار إلى سيلين.
"بسم الله ماشاء الله عليكي يا قلب أخوكي، إيه الجمال دا ياسيلي."
حاوطت خصره تضع رأسها على صدره.
"حبيبي ياراكي، هكون أحسن من ليلى يعني."
استدار بنظره إلى ليلى ودقات قلبه بالارتفاع، ثم استرسل هائماً.
"ليلى اخترقت قانون العشق خلاص، ووقعت أخوكي على وشه."
وضعت كفها على وجنتيه وأردفت بابتسامة وعين مترقرقة.
"تعرف أنا مبسوطة أوي ياراكان، فرحانة بيكم أوي ياحبيبي، ربنا يسعدكم."
طبع قبلة على جبينها وأمسك كفيها.
"ياله عشان ننزل تحت زمان يونس هيولع في القاعة."
تحركت بجواره بهدوء وهي ترفع فستانها، وخلفها ليلى تتحرك بأبنتها، تقابلت بوالدتها على باب الغرفة.
"حبيبي اتأخرت ليه؟ وفين يونس؟"
قبل جبين والدته متحركا بأخته.
"بعدين ياحبيبتي، دلوقتي عندنا عروسة زي القمر."
تحرك بها إلى أن وصل إلى وقوف يونس، بطلته الرجولية الخاطفة.
دنى منه ثم ضم أخته بكل حنان زرع في قلوب الآباء.
رفع ذقنها ونظر داخل عينيها وتحدث.
"أنتِ بنتي مش أختي ياسيلو، وبما إنك بنتي فأنا أبوكي، وأي وقت هتلاقيني دايما في ضهرك وجنبك وقت ما تحتاجيني، اوعي يكون عندك شك في دا أبدا حبيبتي."
وضعت رأسها على صدره وأردفت.
"انت أحسن وأحن أخ في الدنيا، ربنا يسعدك ياراكان زي ما أسعدتني كدا."
استدار إلى يونس وتحدث.
"طبعاً مش محتاجة وصية عليها، عشان لو وصيتك يبقى متستاهلش حبها، أنا هقولك: معاك أغلى درة إلى راكان، أتمنى تحافظ عليها."
ابتسم له يونس، ثم اتجه ينظر لتلك التي يغطى وجهها طرحة زفافها.
ضمه يونس قائلا.
"أختك في قلبي قبل عيني ياراكان، وهي أقربلي منك دلوقتي."
أومأ برأسه وترك له مسافة ليتلقاها.
قام يونس بإزاحة طرحة زفافها، ثم نظر لموج عينيها الزرقاء مردفاً.
"مبروك عليا أنتِ ياقلب يونس."
اقترب يطبع قبلة على جبينها.
"بحبك يا أجمل بنوتة شافتها عنيا."
نظرت للأسفل بخجل تفرك كفيها الذي تعرق كثيرا هامسة.
"خلاص بقى متكسفنيش."
طوق خصرها وتحرك يقف بركن انتظارا لحمزة.
بالأعلى بغرفة درة دلفت إليها ليلى.
"عروستنا الحلوة خالتو الجميلة بتعمل إيه؟"
خلصتي يا خالتو؟ عريسك تحت بيبص نار.
اقتربت درة تحملها.
حبيبة خالتي، الطعامة والحلاوة كلها فيكي يا قلبي أنت.
طالعتها ليلى بتقييم.
طالعة كتير حلوة يا خالتي الجميلة.
ابتسمت درة بخجل قائلة:
هكون أحسن منك يا لولا، خايفة تخطفي مني الأنظار.
ابتسمت ليلى ثم ضمتها.
ربنا يسعدك حبيبتي يارب.
استمعوا لطرقات على الباب.
دلف عاصم وبجواره كريم ونظراته على بناته الاثنتين.
ما شاء الله حبيبات بابا، ربنا يسعدكم.
دنى وطبع قبلة على جبين ليلى أولاً، ثم اتجه يضم درة بقوة.
الف مبروك يا حبيبة بابا، ربنا يسعدك يا بنتي ويرزقك الخلف الصالح.
قبلت كتفه وتحدثت:
ربنا يخليك لينا يا حبيبي يارب، وحسك دايما في الدنيا.
طوقت ذراع والدها وتحركت بهدوء بجواره.
كان ينتظرها أسفل الدرج فارسها النبيل وحبيبها العاشق.
تحركت بهدوء، ودقات قلبها بالارتفاع إلى أن توصلت ووقفت أمامه.
***
أشار عاصم إلى حمزة.
قطعة من قلبي يا حمزة، عارف ومتأكد إنك هتحافظ عليها كويس يا حبيبي، ربنا يسعدكم ويرزقكم الذرية الصالحة.
ضمه حمزة بمحبة قائلاً:
وقلبك هحميه وأحافظ على نبضه يا عمي، جوهرتك مصونة، واللي يقرب منها هيكون دمي التمن.
ربت على ظهره قائلاً:
ربنا يسعدكم يا حبيبي.
دنى يرفع طرحتها ثم طبع قبلة على جبينها هامساً لها:
ربنا يبارك لي فيكي يا درة قلبي.
احتضنت كل واحدة ذراع زوجها وتحركتا بجوارهما بفستانهما الأبيض الجميل الذي يشبه روحهما، مصنوع من التل المطرز باللؤلؤ، وحجابهما الذي أضفى حلاوة لطلتهما البهية النقية بلون قلوبهما.
انطلقت الزغاريد مع ظهورهما ببداية الممر المؤدي إلى القاعة، مع تحركهما على أنغام الموسيقى التي تشبه نبضات قلوبهما.
تحركوا في بهو القاعة متجهين لمكانهما المخصص لهما لافتتاح الحفل برقصتهما.
أحاط يونس خصر سيلين ناظراً لعيناها الساحرة، وتملّكته رغبة في التقاط ثغرها بذلك الوقت، فدنى منها.
بحاول أتغاضى عن الفراولة دي يا حبيبة يونس.
هربت بنظرها بعيداً عنه قائلة:
يونس بس، عيب، اياك تتمادى.
قهقه عليها وهو يضمها لأحضانه.
وحياة حب أكتر من عشر سنين، لأتمادى وأولّعها الليلة يا حبيبة يونس.
ضغطت بقدمها على حذائه.
اتلم يا حبيبي، متفكرنيش هتكسف منك، لا دا هعملك المرأة الحديدية هنا.
أسند رأسه لرأسها هامساً بدقات قلبه:
اعملي كل اللي أنتِ عايزاه يا حبيبة يونس، المهم تكوني في حضني وبس.
لامس شفتيها بشفتيه مغمض العينين.
سيلين، أنا بعشقك، عارفة يعني إيه؟ يعني مستعد أحميكي بحياتي.
وضعت رأسها بأحضان.
بس بقى هيغمى عليا وهتعب وأروح المستشفى، وترجع تقولي بوظتي الليلة.
قهقه عليها وهو يرفعها ويدور بها لتثلج صدره برنين ضحكاتهم وهمساتها له.
عند حمزة ودرة، تحركت معه على أنغام الموسيقى تهرب من نظراته التي تخترقها.
حاوطها بذراعيه الاثنين وقربها من صدره مغمض عينيه منتشياً، يستطعم قربها بروحه ورائحتها المستمرة تعبأ رئتيه، وكل عشق الدنيا يتزاحم داخل قلبه.
دنى يهمس بجوار أذنها:
خايف على قلبي الليلة من السعادة، كأني خطفت نجمة من السما.
حمزة اسكت لو سمحت، الناس بتبص علينا.
استدار بنظره في كافة الاتجاهات.
بتقولي إيه يا حبي؟ انت مجنونة؟ مالازم يبصوا علينا.
ظلوا يتمايلان على أنغام الموسيقى إلى أن انتهت رقصتهم متجهين لمكانهم.
بإحدى الأماكن الهادئة بالقاعة، كان يجلس يحمل طفلته يمسد على خصلاتها بحنان أبوي، ينظر إليها ويدقق بملامحها.
لولة حبيبتي، البنت دي النهاردة نايمة كده ليه؟
حبيبي، ما البنت صايحة أهي.
نظر لها نظرة جديدة مبتسماً، تمنى لو اختطفها إلى مكان لا يحوي سواهم.
دنى منها وأردف:
كلمة حبيبي كانت وحشاني، فكان لازم أسمعها.
طالعته بسحر وهيام وصمتت مأخوذة بروعة كلماته الندية لقلبها.
قربت كفيها لكفه تنظر لشمس.
انت مش حبيبي بس يا راكان، انت حياة ليلى كلها، يعني لو مفيش راكان، مفيش ليلى.
ابتعد بنظره بعيداً ينظر بجميع الاتجاهات يهرب من سيطرتها الكاملة على كيانه.
ضغطت على كفيه وتساءلت بعينيها العاشقة:
بتهرب مني ليه يا معذبي؟
ابتسم ونظراته هاربة قائلاً:
حبيبي، بلاش تلعبي معايا دلوقتي.
نهضت وهي تربت على كفيه.
هروح عند ماما وماما زينب شوية.
جذبها يرمقها بغضب.
اقعدي يا ليلى عشان مزعلكيش.
جلست بجواره دون حديث.
ذهب ببصره للعروسين، ثم أشار بعينيه لمربية أبنائه التي أتت إليه.
خلي بالك من كيان.
أومأت برأسها وحملتها متجهة إلى زينب وسمية تجلس بجوارهما.
نصب عوده ونهض يبسط كفيه إليها.
تسمحي لي بالرقصة دي مولاتي.
رفعت نظرها له، ثم اتجهت تنظر للجميع حولها وأردفت:
راكان، دول عرسان وبيرقصوا، احنا هنرقص معاهم.
***
انحنى يسحب كفيها، ثم أشار بعينيه إلى نوح الصامت، متوجهاً إلى مكان الرقص.
ابتسامة جذابة خرجت من بين شفتيه وهو يطالعها بعينين عاشقة.
بتكوني جميلة أوي مولاتي وأنتِ غضبانة.
بسعادة هائلة تخرج من عيناها، استرسلت بنبرة عاشقة:
بس انت جميل في كل أطوارك يا معذبي، غضبان وهادئ، حتى في نومك بتكون جميل وجميل أوي كمان.
جذبها لأحضانه وبدأ يتمايل على اللحن الموسيقي.
مالت برأسها ساندة على صدره موضع نبضه متناسبة الزمان والمكان، هامسة بنبرتها العاشقة حد النخاع:
حبيبي، لقد استوطنت دقات قلبك ثنايا روحي، حتى أذابني عشقك لأصبح نجمة متلألئة في سماء العاشقين، فإني أقسم لك أنني أحبك ثم أحبك ثم أحبك حتى الممات.
ضغط على خصرها بقوة يسحقها بأحضانه وأطبق جفنيه مستمتعاً بكلماتها الندية لقلبه الذي أضناه الجفاف وقسوة الأيام.
تحمحم كي يجلي صوته الذي تأثر بكلماتها، فذهب ببصره إلى نوح الذي يتراقص بجوارهما يبتعد عن مرمى ناظريها.
لو كان حبي لكِ بالكلمات، لماتت الحروف من دفتري، فعشقي لكِ ماهو بنبض الوريد ودقات القلب.
دفنت رأسها بصدره.
راكان.
ضحك بصوت مرتفع.
يعني بتعاكسي فيا ومش عايزاني أعاكسك؟ أنا لسة بعاكس، مجرد كلام حبيبي، لسة مدخلناش بالتفاصيل.
كست الحمرة وجنتيها مما زاد سحرها، فانحنى يهمس لها.
الخدود دي بتشدني لحاجات، بحاول أمسك نفسي.
اعمل محترم قدام الناس.
"راكان"، قالتها بهمس أذابه.
فتركها عنوة قائلاً:
"أحسن حاجة تروحي تقعدي فعلاً معاهم، لأنك بقيتي خطر عليا، وهتفضحيني قدام الكل."
ابتسمت بسعادة مردفة:
"هو أنا جيت جنبك يا حضرة المستشار ولا إيه؟"
رفع ذقنها ونظر لليلها:
"آه يا حضرة المستشار دي لوحدها جناية يا قلبي."
سحبها من كفيها واتجه إلى والدته.
أجلسها بجوارها ثم انحنى يطبع قبلة حنونة على رأس والدته:
"شكلك حلو يا زوز وأنتِ قاعدة في وسط أحفادك."
ربتت على كفيه بابتسامة:
"ربنا يبارك لي فيكم يا حبيبي، ودايماً مالين حياتي."
ثم طبع قبلة على وجنة أمير، ثم رفعه بين ذراعيه متجهًا به إلى سيلين ويونس.
توقف أمامهم يدفع يونس بخفة:
"وسع يا عريس الغفلة، خلي ميرو يرقص مع عمته."
قهقه يونس يضرب كفيه ببعضهما:
"حتى الفصعون عايز يرقص معاها."
دنا يهمس بجوار أذنه:
"خف يا اتنين عشان ما أعوركش، مش كفاية عمو أسعد اللي مصدق."
رفع حاجبه ساخراً وعيناه على سيلين التي تتحرك بابتسامتها وهي ترقص مع أمير الذي ارتفعت ضحكاته.
ثم اقترب منهما:
"روح لعمو يونس حبيبي، لما أرقص مع عمتو شوية."
جحظت عينا يونس وهو يضع أمير بيديه قائلاً:
"روح يا عريس، وديه عند مامته."
ابتسمت سيلين وهي ترى يونس الذي تصنم بوقفته يطالعه بغضب، ود لو أطبق على عنقه.
ثم تحرك عنوة متجهاً إلى ليلى.
جذب أخته يتمايل معها ثم نظر إليها:
"عايز دايماً ضحكتك منورة وشك، أو ما حد يضعفك ويسرق ابتسامتك."
رمق ليلى بنظرة سريعة ثم اتجه إلى أخته مرة أخرى:
"لو وصل بيك الحال إنك تسرقي السعادة دي من اللي يحاول يخطفها منك، اعمليها. اليوم اللي بيعدي بيتحسب من عمرنا، ممكن يعدي ومنعرفش نعوضه يا حبيبتي."
أخرج تنهيدة مؤلمة واسترسل:
"لو فرطتي في يوم كان بأيدك تكوني سعيدة فيه وضيعتيه، هتخسري وترجعي تندمي. وقتها مش هيكون غير وقت خسرته وبس."
رفع ذقنها ونظر لعيناها التي تشبه موج البحر واسترسل:
"يونس بيحبك ومستعد يضحي بحياته عشانك، أكيد أنتِ عارفة ومتأكدة من ده. بس رغم كدا، أو ما تضيعيش كرامتك وحقك. ساعات الحب بيكسر الست وبيخليها ضعيفة وبتتنازل عن شخصيتها."
أخرج زفرة وأكمل:
"مش عايز الشخصية دي يا سيلين، لازم سيلين يكون ليها كيان لوحدها، ما تكونيش مجرد تابع لكيان يونس، فاهمة قصدي يا حبيبتي؟ وأقرب مثال ليلى قدامك."
"شفتي عملت فيا إيه؟ وأنا عملت فيها إيه؟ رغم حبنا لبعض، بس ما فيش حاول يتنازل التاني. ورغم كدا حبنا ما ضعفش. متفكريش لما تتنازلي حبه هيزيد، لا. ومش معنى كلامي إنك تنكدي وتعملي فيها راجل، أنا قصدي حياتك الشخصية ومسؤولياتك يا سيلي، فاهمة؟"
أومأت متفاهمة وترقرت عيناها بالدموع:
"أنا بحبك أوي يا راكان."
ضمها لأحضانه:
"راكان بيعشقك يا روح راكان."
طبع قبلة على جبينها:
"ألف مبروك يا قلبي."
أشار إلى يونس:
"اتفضل، وخلي بالك دي درة قلبي، هتتسهل هنفخك."
جذبها بقوة لأحضانه:
"امشي يلا من هنا، جاي توصيني على قلبي؟ دي قلبي ونبضه."
ابتسم راكان مربتاً على كتفه:
"ربنا يسعدكم."
قالها وتحرك متجهاً لوالده.
بعد عدة ساعات انتهى حفل الزفاف، واتجهت كل عروس حسب وجهتها.
بعد عدة ساعات وصل العروسان لمستقرهم لقضاء شهر العسل.
دلف يونس وهو يحاوطها بذراعيها متجهاً لجناحهما الخاص.
توقفت إحداهن أمامهما:
"مش معقول، مين يونس؟"
قطب ما بين جبينها متسائلاً:
"أهلاً وسهلاً حضرتك، آسف بحاول أتذكر بس الذاكرة ضعيفة."
اقتربت منه وهي ترمق سيلين التي تحولت نظراتها إلى نظرات نارية وأردفت:
"إيه مش فاكر نجوى وسناء بتوع المهندسين؟"
قاطعهما وصول أحد الرجال:
"أهلاً دكتور يونس، ألف مبروك."
قالها وهو يطالع سيلين.
أومأ يونس:
"الله يبارك فيك يا فندم، بعد إذنكم."
تحرك خطوة ولكن أوقفها:
"كنت عايزة أسألك على حاجة يا دكتور، آسفة أنا مصدقت أقابلك."
تحركت سيلين غاضبة بعدما وجدته مستديراً إليهما.
"حضرتك أنا نجوى اللي عملتلي حقن مجهري، إزاي نسيتني؟ دا أنت عملت إعجاز يا دكتور بعد فشل خمس عمليات."
ابتسم بمجاملة وهز رأسه متسائلاً:
"أهلاً يا فندم، هو فيه حاجة؟"
ابتسم زوجها واردف:
"نجوى عندها صديقة عندها أربعة وأربعين سنة، وكنا عايزين نروح لحضرتك المستشفى عشان نعرف لو ينفع تعمل العملية."
تراجع يونس قائلاً:
"تمام يا فندم، في أي وقت تحت أمركم، بس زي ما حضراتكم شايفين النهاردة فرحي، فبالتالي مش هكون موجود."
أسرعت نجوى لغرفتها قائلة:
"آسفة يا دكتور، لحظة وراجعة."
تحمحم زوجها متأسفاً:
"آسفين يا دكتور، عارفين إن الوقت مش مناسب، بس حقيقي إحنا ربنا بيحبنا عشان قابلناك. نجوى عملت تحليل وكنا عايزين نعرف لو ينفع تعمل عملية تاني، وإحنا راجعين القاهرة النهاردة."
"فاعذرها هي فرحانة ونفسها في بيبي تاني."
رسم ابتسامة على وجهه قائلاً:
"لا عادي، دقائق ورجعت ببعض التحاليل بيديها."
"ممكن تعرفني بس لو ينفع ولا لا يا دكتور؟"
ضغط على شفتيه وتناول الأوراق التي بها التحاليل.
"عملت أشعة كمان يا دكتور، ربنا يسعدك يا دكتور زي ما فرحتنا بيونس."
رفع بصره مضيقاً عيناه بابتسامة.
فتحدث زوجها:
"أصلها أصرت تسمي الولد على اسمك."
ابتسمت عيناه من فرحتها التي ظهرت على زوجها، فربت على ظهر زوجها:
"ربنا يبارك لك فيه وتخويه إن شاء الله. الأشعات والتحاليل كويسين، ما فيهمش حاجة. إن شاء الله أرجع القاهرة وبعدين أشوفها ونتفق."
ابتسمت السيدة كثيراً تدعو له، بينما ضمه زوجها:
"ربنا يسعدك زي ما أسعدتنا يا ابني يا رب."
"مش هناخرك على عروستك أكتر من كدا، وإحنا آسفين بس دا من حظنا إننا اتقابلنا صدفة هنا."
بداخل الجناح دلفت تلقي طرحة زفافها بغضب:
"ماشي يا بتاع الستات، والله لأعلمك الأدب."
دلف إلى غرفتها وقامت بتبديل ثيابها إلى منامة بيضاء وجلست تتأكل من الغضب.
نظرت إلى ساعة يديها التي قاربت على أكثر من نصف ساعة وما زال لم يصل.
دلف مرحاضها وأزالت مساحيق التجميل ثم توضأت واتجهت لتقيم فرض ربها.
استمعت إلى خطواته بالخارج:
"سيلي حبيبتي، انتِ فين؟"
ظلت كما هي تجلس على سجادتها.
حاول فتح الباب ولكنه كان مغلقاً.
طرق عدة طرقات خفيفة:
"حبيبتي، أو ما تكوني خلعتي فستانك، هزعل."
قالها من خلف الباب.
لملمت سجادتها وأجابته:
"تصبح على خير يا دكتور، ولو ما جالكش نوم روح كمل سهرتك برة، أنا تعبانة وعايزة أنام."
دفع الباب بقدمه بقوة، وكور قبضته متحدثاً من بين أسنانه:
"سيلين، متستهبليش."
أزاحت كل ما يوضع على الفراش من ورود وأطفأت الشموع وهي تسيطر على عبراتها حتى لا تخونها.
ثم اتجهت متسطحة على الفراش وأردفت:
"مش عايزة دوشة يا دكتور، عندي صداع وعايزة أنام."
جحظت عيناه وشعر بتوقف تنفسه من كلماته فتحدث غاضباً:
"وحياة ربنا لو ما فتحتيش الباب لأعلمك الأدب وأطيّن عيشتك."
أطبقت على جفنيها:
"علم نفسك الأول يا محترم، وبعد كدا تعالى اقف قدامي واتكلم."
ظل لدقائق محاولاً السيطرة على أعصابه حتى لا يفقد سيطرته ويغضبها بل يفقدها.
اتجه إلى الأريكة وألقى جسده زافراً بغضب.
بإحدى المدن الروسية دلف لأحد الفنادق المشهورة بالغابات الروسية وهو يحاوط خصرها، صاعداً لغرفتهما.
توقف أمامها قبل فتحه لجناحهما الخاص.
ونظر إليها بسحر يخصها وتحدث بنبرة جذابة أطلقت سحره بالكامل عليها:
"حبيبتي، لازم تدخلي جناحك وهي بين إيد حبيبها وقريبة من دقات قلبه."
قالها وهو يحملها بين ذراعيه القويتين.
دلف وهي بين أحضانه.
وضعت رأسها بعنقه:
"حمزة، نزلتِ بقى."
أنزلها بهدوء وهو يحاوط خصرها:
"نورتي جنتي يا درة قلبي."
قالها مقترباً من ثغرها ليتذوق كرزيتها التي سلبت قلبه.
فصل قبلته ثم رفع ذقنها ينظر لليل عيناها الساحرة مردفاً:
"ألف مبروك عليا أنتِ يا روح قلبي يا درتي الغالية."
هربت من نظراته الاختراقية لها، تبحث بعينيها بأرجاء الغرفة.
ثم أردفت:
"الأوضة حلوة أوي يا حمزة."
قالتها وهي تهرب بنظراتها منه.
وضع كفيه بجيب بنطاله ونظر لأرجاء الغرفة:
"راكان يا ستي، هو اللي حجز لنا شهر العسل، كادو من عنده."
"واو، دا حضرة المستشار طلع رومانتيك أوي."
جذبها من خصرها ثم انحنى يضع رأسه بعنقها يستنشق رائحتها لأول مرة متلذذاً بها ثم همس بأنفاسه الساخنة:
"يعني جوز أختك رومانتيك، وحبيبك لأ؟ طيب هو أنا لسة عملت حاجة؟ دا حتى مسلمتش لسة."
رفع عيناه وتلاقت بعينيها.
ثم دنا يملس شفتيها:
"نصلي الأول حبيبي، وبعد كدا أعلمك فنون الرومانسية."
قالها وهو يسحبها من كفيها للداخل.
بمزرعة نوح وصل قبل قليل.
دلف إلى غرفة أبنائه الغافين وأردف:
"حبايب بابي، نمتوا من قبل ما أبوسكم."
انحنى يطبع قبلة على جبين كلاهما.
ظل لعدة لحظات يطالعهما ثم تحرك للخارج يبحث عن والده.
وجده يجلس أمام التلفاز.
"مساء الخير يا حبيبي."
قالها نوح وهو يطبع قبلة على جبينه.
ربت على ذراعه:
"مساء الخير يا حبيبي، رجعتوا إمتى؟"
جلس بجواره يمسح على وجهه بإرهاق:
"من شوية، بس كنت بشوف ريحانة شكلها هتولد الليلة، وأسيا مش موجودة، سافرت لعمها الصعيد."
ربت يحيى قائلاً:
"هنشوف تامر يجي يشوفها ولا يهمك. هي أسما طلعت ولا برة؟"
تراجع نوح بجسده قائلاً:
"طلعت فوق، هي تعبت النهاردة من الصبح وهي مع ليلى عشان ترتيب الفرح."
اعتدل متسائلاً:
"ماما نامت ولا إيه؟ وياسين ويامن اتشاقوا معاكم؟"
قهقه يحيى عندما تذكر ما فعلوه وأجابه:
"لذاذ أوي يا نوح، أنا خلاص هجي أقعد هنا، مقدرش أبعد عنهم."
ابتسم لوالده ونهض قائلاً:
"البيت بيتك حبيبي، وطبعاً هكون سعيد أوي. المهم متطلبش مني أروح أقعد في المدينة هناك، أنا مقدرش أبعد عن المزرعة يا دكتور."
نهض ووقف بمقابلته:
"عرفنا ياسيدي، خلاص استحملنا بقى."
قهقه عليه ثم تحرك:
"ابنك تعبان يا دكتور ومش مصدق يترمي على السرير. تصبح على خير."
صعد لغرفتهما.
دلف بهدوء ظناً أن زوجته نائمة ولكن جحظت عيناه مما رآه.
تقف بمنتصف الغرفة بتلك المنامة المكشوفة لجسدها، السالبة لقلبه، ولمساتها التجميلية التي أبهرت عيونه.
تحرك بخطى سلحفية وعيناه تبحر فوق جسدها وشفتيها المطلية بأحمر قاني اللون.
دنى حتى اختلطت أنفاسها:
"وحشتني حبيبي."
قالتها أسما وهي تطوق عنقه.
وما كان على قلبه إلا أن يرفعها من خصرها متذوقاً كرزيتها.
لحظات وهو يقتنص ما يروي روحه، حتى سلبت أنفاسهما.
فصل قبلته وتحدث بأنفاس متقطعة:
"إيه المفاجأة الحلوة دي يا روح نوح."
وضعت رأسها بأحضانه:
"من زمان ما عملتش ليلة حلوة لحبيب قلبي، عارفة قصرت بسبب الولاد، آسفة يا حبيبي."
احتضنها يضع رأسها بعنقه متلذذاً برائحتها العبقة:
"حياتي ودنيتي الحلوة يا أسما."
أطبقت على جفنيها تستلذ بصوته المبحوح بمشاعره هامسة:
"وأنت إيقاع الحياة لأسما يا حبيب أسما، قصر البنداري."
دثرت ابنتها بالغطاء ثم انحنت تطبع قبلة على جبينها هامسة:
"بموت في ريحتك يا كيان بابا أنت."
ملست على خصلاتها بحنان أمومي.
ثم اتجهت للخارج ولكن اصطدمت بجسده.
تلقاها قبل سقوطها بين ذراعيه:
"راكان."
قالتها بصوتها الأنثوي الهادئ.
حملها متجهاً لوجهته:
"روح قلبه مولاتي."
طوقت عنقه تضع رأسها تملي رئتيها برائحته.
"نزلني يا راكان."
دفع باب الغرفة وأغلقها بقدمه، ثم أنزلها بهدوء.
تجولت بالغرفة تنظر إليها بعيون مذهلة:
"إيه دا حبيبي، هو فيه مناسبة ولا إيه؟ وبعدين ليه رجعت للأوضة دي تاني؟"
طوق خصرها بذراعيه واضعاً جبينه فوق جبينها:
"الأوضة دي فيها ذكرى حلوة ووحشة، عايز امسح منها الذكرى الوحشة حبيبي، مش عايز أي مكان جمعنا يبقى فيه حاجة وجعتنا."
وضعت رأسها على صدره وحاوطت خصره:
"أنا مسحت كل ذكرياتنا الوحشة يا راكان."
رفعت ليلها وتلاقت بشمسها قائلة:
"حبك نساني كل الوحش في حياتنا، مش عايزة غير ضمتك دي."
رفعت كفيها على وجنتيه:
"كفاية المسك وأشوف ضحكة عيونك دي، دا أجمل إحساس عندي."
أمسك كفيها الموضوعان على وجهه وقبلهما كلا على حدا قائلاً:
"بحبك يا أجمل حاجة حصلتلي، أجمل معذب في الدنيا."
غمز بعينيه للغرفة المزينة:
"طب إيه هنفضل مقضينها كلام؟ حد ضحك عليكي قبل كدا وقالك إن جوزك بيحب الكلام؟"
قبلته قبلة سريعة واستدارت:
"طيب حبيبي، اعملي مفاجأة، ولازم أنا كمان أشارك في ليلة العشق دي."
تحرك إلى الطاولة يشعل الشموع:
"الليلة مفتوحة يا قلبي، اعملي اللي عايزاه."
أشارت لغرفة الملابس:
"الدريسنج فيه هدوم ولا إيه؟"
قهقه بصوته الرجولي:
"تفتكري ممكن حاجة زي دي تفوتني."
تحركت إلى غرفة الملابس تبحث في ملابسها عن شيئ جذاب.
وقع عيناها على تلك المنامة الوردية.
وضعت إبهامها على شفتيها بتفكير، ثم استدارت تبحث عن مقص.
وفعلت به ما أرادته.
أنهت ارتداء ما فعلته ثم وضعت بعض اللمسات التجميلية.
نظرت لنفسها بالمرآة وتحركت للخارج حافية القدمين.
كان يقف ينفث تبغه ينظر من خلف الزجاج للخارج، وابتسامة على ملامح وجهه من السعادة التي يشعر بها.
تحركت إلى أن وصلت لمنتصف الغرفة وهمست باسمه.
استدار بهدوء يطالعها بنظرات اختراقية.
دنت تتحرك بقدميها الحافتين بتناغم مثل تناغم الموسيقى الذي يحاوطهما.
تمايلت برقة أذابته متلاعبة بقلبها.
حاصر خصرها ينظر لمفاتنها التي سلبت قلبه وجعلت دقاته بالارتفاع.
لا يصدق ما تراه عيناه.
بدأت تتمايل بجسدها الممشوق المهلك لروحه وخلاياه بالكامل، بتلك المنامة التي تكشف جسدها بالكامل.
تمايلت مع الموسيقى وعيناه تراقبها بعشقه الدفين.
دنى وحاصرها بين ذراعيه تتحرك بأغواء وتدندن مع كلمات الأغنية.
رفعها بين ذراعيه للأعلى يدور بها وضحكاتهما بالارتفاع.
ثنت ركبتيها وانحنت تطبع جبينها فوق خاصتها:
"أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك أنا."
"أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك أنا."
"أنا، أنا، أنا، أنا، أنا، أنا."
"يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه."
"الأمر لك طول الحياة، طول الحياة."
"يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه."
"الأمر لك طول الحياة، طول الحياة."
"الماضي لك وبكرة لك وبعده لك."
"ده الماضي لك وبكرة لك وبعده لك."
"أنا في سهادي وفي منامي بندهك وبسألك."
"بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك؟"
"بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك؟ نارك."
"بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك؟"
"بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك؟ نارك."
"بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك؟"
"بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك؟ نارك."
"قول يا حبيبي، حبيبي قول."
"قول يا ملاك."
أنزلها وجذبها حتى سقطت فوق الفراش.
حاوطها بذراعيه يضمها لصدره:
"إيه الجمال دا."
رفع أنامله يزيح خصلاتها المتدلية على وجهها.
وضعت رأسها على صدره واطبقت جفنيها تستمع لدقات قلبه العازفة بحبها.
"يعني تعملي ليلة حلوة زي كدا، واسكت."
رفعت ذقنها تنظر لعيناه القريبة وأردفت:
"حبيت أعرفك مراتك بتعرف ترقص، يعني عندي مواهب. عشان العيون اللي بلون الشمس دي لو لمحتها بتزوغ كدا ولا كدا هخلعها يا حبيبي، واه دا تحذير."
تسلطت عيناه على شفتيها وهي تتحدث وابتسامة عاشقة ارتسمت على ملامحه بالكامل.
فلمحة انقلب حالهما يحاوطها بذراعيه هامساً أمام شفتيها:
"شوفت الجميل وهو بيرقص قبل كدا، بس مكنش بالوقاحة دي الصراحة."
ارتجف جسدها مع شفتيها عندما هربت منها مخارج الحروف من همسها وأنفاسها الحارة التي ضربت وجهها.
وضعت كفيها أمام وجهه قائلة بهدوء رغم رجفة قلبها:
"راكان ابعد شوية، عيب كدا."
أطلق ضحكة رجولية زلزلت كيانها مما جعلها تطالعه بسحر وهيام.
صمت للحظات ينظر بعمق لعيناها التي سحرته بمعوذتيها، لتلقي تعويذة عشقها عليه.
فما كان إلا أن تصمت الألسنة وتتحرك القلوب بالنبض، وتشتعل الغرفة بنيران العشق، ليذهبا إلى جنتهما الخاصة.
بعد شهر عاد العروسان من شهر عسلهما.
وصلت درة إلى منزلها الجديد.
دلف والسعادة تغمرهما تدور بمنزلهما:
"الصراحة كل حاجة تمام حبيبي، ليلى عاملة الواجب وزيادة."
جذبها من رسغها:
"تعالي نرتاح شوية وبعد كدا نشوف البيت."
توقفت تمط شفتيها كالاطفال:
"أنا جعانة، وبعدين إحنا نايمين في الطيارة، ليه أنام دلوقتي؟"
حملها بين ذراعيه متجهاً للغرفة:
"لا دا أنت بتستهبلي يا مراتي الحلوة."
قالها وهو يتحرك للداخل.
حركت ساقيها بالهواء:
"حمزة مش معقول، مفيش غير كدا."
بمنزل يونس مساء يوم العودة.
جلست أمام التلفاز تشاهد بعض برامج الشو، وبيدها تفاحة تأكلها بهدوء.
وصل إليها وألقى بجسده على الأريكة:
"جعان، مفيش أكل."
أشارت على المطبخ:
"عندك رجلين، وعندك عينين وكمان ايدين، قوم اعمل لنفسك وكل يا حبيبي."
قالتها واتجهت إلى غرفتها.
جلس يمسح على وجهه بغضب.
ثم ألقى بجسده مرة أخرى وذهب بثبات عميق.
باليوم التالي كانت تجلس بغرفتها استمعت إلى صوت سيارته.
مطت شفتيها تفكر بشيء.
نهضت تنظر لهيئتها بالمرآة.
كانت ترتدي منامة سوداء اللون تصل مافوق الركبة، ترفع خصلاتها للأعلى مع نزول بعض خصلاتها بعشوائية حول عنقها.
تدلت بخطواتها تهبط مع الدرج.
رفع نظره إليها يجز على شفتيه بغضب:
"ربنا يصبرني عليكي يا أخت راكان، والله لو فضلت كدا لأغتصبها بنت أسعد دي."
تحركت بخطوات اغرائية متجهة إلى المطبخ.
وجدت بعض الفواكه.
أمسكت بعض الموز والفراولة ووضعتها بصحن ثم اتجهت إلى زجاجة المياه.
دلف إلى المطبخ:
"بتعملي إيه يا آنسة."
ارتشفت بعض المياه وصعدت إلى رخامة المطبخ تجلس فوقها متناولة الموز ثم ألقت قشرتها عليه وأردفت:
"جعانة يا حبيبي وما فيش أكل، وطبعاً حضرتك رافض الطباخة والسفرجي، وبما إن ليلى ما جتش فمفيش قدامي غير الفواكة."
ظلت تحرك ساقيها المكشوفة أمامه، وتراقبه بأنظارها ثم أشارت على الثلاجة وتحدثت:
"فيه لحمة حواوشي هنا، ادخل اعملها عشان حبيبتك جعان."
اقترب منها بخطوات سلحفية ورسم قناع بارد فوق ملامحه كي لا يعكس غليانه القابع بصدره.
حاوطها بذراعيه ينظر لموجها.
ثم رفع خصلة من خصلاتها ووضعها خلف أذنها مقترباً من أذنيها يهمس بأنفاسه الحارة:
"لو ما نزلتيش بشكلك دا واختفيتي من قدامي، صدقيني بعد تسع شهور هتسمعي صوت البيبي في البيت دا."
قطبت ما بين حاجبيها قائلة:
"يعني إيه مش فاهمة؟"
حملها بين ذراعيه وصعد للأعلى:
"لا دي ما تتقالش يا بنت أسعد، دي عملي، عشان بعد كدا تلعبي حلو، سبتك شهر كامل، طاقتي نفذت وانتهى الأمر."
صرخت تحاول الفكاك من حصاره، ولكنه لم يستمع وكأنه صم بكم.
وصل إلى غرفتهما وألقاها على الفراش بعنف:
"بتصرخي ليه؟ إيه؟ عايزة توصلي لإيه؟ ليه بتعملي كدا؟"
تراجعت بجسدها للخلف مذهولة بما أصابه.
حاولت الحديث ولكنه كأنه تحول لشخص لأول مرة تراه.
بدأ يحطم كل ما تطوله يداه حتى أنهكت قواه فجلس ولم يشعر بالدماء التي تتساقط من كفيه.
نزلت متجه إليه تجلس أمامه:
"يونس أنا..."
أشار بسبابته:
"امشي من قدامي."
أغمضت عيناها رغماً عنها وصدرت شهقة بكاء مريرة خرجت من أعماق قلبها المحترقة:
"يونس، إيدك بتنزف، لو سمحت."
دفعها بغضب قائلاً:
"حتة عيلة بتلعب بيا، عملت إيه لكل دا؟"
وضعت يديها على وجهها واجهشت بالبكاء.
"غصب عني، والله غصب عني، نفسي أكون مطمنة وأنا في حضنك، مش مجرد ما أخرج ألاقي كل واحدة تشد في جوزي شوية. مش من حقي أحس إنك ملكي لوحدي، رد عليا، مش من حقي يكون ليا مساحتي الخاصة عندك."
انسدلت عبراتها بقوة وتحدثت بأنين قلبها:
"كسرت فرحتي في اليوم اللي المفروض أكون أسعد واحدة، مستني مني إيه؟ أجري آخدك بحضني."
"بحبك وبموت فيك وأنت عارف دا، بس الحب دا مكسور يا ابن عمي، بعدم الثقة. خليني أثق في حبك واثبتلي إني أهم واحدة في العالم."
بعد ثلاث سنوات.
خرجت من المستشفى بجوار حمزة تشير بسبابتها:
"هزعل منك بجد لو قلت له حاجة."
استقلت السيارة بجواره:
"بس فيه حاجة لازم تعرفيها."
ضيقت عيناها منتظرة حديثه فأكمل:
"راكان مفيش حاجة بتتخبى عنه، وكمان ميفرقش معاه ولد ولا بنت. مش هخليكي تروحي الشركة عشان تعبك بتاع النهاردة."
تراجعت بجسدها على المقعد مبتسمة وهي تضع كفيها على أحشائها:
"مش مهم الشركة، سيلين ماشاء الله عليها هي وسارة عاملين شغل حلو، وكمان نوح الصراحة عنده أفكار حلوة أوي، ومنكرش وقوفك جنبنا يا حمزة."
ابتسم حمزة وقام بقيادة السيارة:
"هوصلك عشان عايز أشوف كيان، البنت دي خاطفة قلبي، كان نفسي سيف يكون أكبر منها وقتها كنا هنخطفها غصب عنكم."
أفلتت ضحكة جميلة من شفتيها:
"يونس كمان بيحبها وبيقول هجوزها لابني غصب عنكم."
قهقه حمزة مردفاً:
"دا ابنه إيه الفصعون اللي لسة مكملش سنة دا."
بتر حديثهما اتصال راكان:
"حبيبي، خرجتي من الشركة ولا لسة؟"
صمتت ولم تعلم بما تجيبه لعدة لحظات.
ثم سحبت نفساً طويلاً وأجابته:
"أنا رايحة مع حمزة، عديت على المستشفى وراجعة أهو."
جمع أشياءه ولكن توقف عندما ذكرت المستشفى.
فتسائل بلهفة:
- مالك فيه إيه؟ الولد كويس؟
- وإيه اللي جمعك بحمزة؟
ضحكت وأردفت بهدوء:
- أنا كويسة، بطمن مش أكتر. وقابلت حمزة هناك.
شعر بقبضة تعتصر قلبه، فأردف:
- حبيبي روحي على طول، وخلي بالك من نفسك. وأنا شوية وهحصلك.
- مالك يا ياراكان؟ تسااءلت بها ليلى.
أجابها سريعاً وهو يتحرك إلى سيارته:
- أيوه حبيبي كويس، هقفل دلوقتي.
اتجه إلى مكتب جاسر متسائلاً:
- وصلت لحاجة؟
أجابه جاسر، الذي يفحص بعض الكاميرات والرادار عن رقم السيارة:
- لسة يا ياراكان، بس قربنا. متخافش. وبعدين دي لسة هربانة بقالها كام ساعة، مش هتلحق تعمل حاجة.
عند حمزة وليلى، قطع طريقهما سيارة نقل ثقيلة. توقف حمزة ليرى ماذا يحدث. لحظات وما هي إلا هجوم على السيارة، ولم يسمع شيئاً سوى صرخات ليلى. وبعدها ذهب بغمامة سوداء ليسقط أرضاً مغشياً عليه بعد ضربه على رأسه.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سيلا وليد
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سيلا وليد
بكيتُ وهل بُكاء القلب يُجدي؟!
فراقُ أحبتي وحنينُ وجدي..
فما معنى الحياة إذا افترقنا؟!
وهل يُجدي النحيبُ فلست أدري؟!
فلا التذكارُ يرحمني فأنسى..
ولا الأشواق تتركني لنومي..
وحتى لقائكِ سأظل أبكي..
وحتى لقائكِ سأظلُ أبكي.
كيف أُخبرك بأنك الشيء الوحيد الذي أحمله بداخلي ولا أُريده أن ينتهي!!!
اتجه راكان إلى سيارته واستقلها ثم تحرك بالسيارة، بسرعة جنونية وهو يصرخ بالهاتف إلى جاسر.
- اقسم بالله لاموتها، سمعتني محدش يلومني بعد كده.
رفع يونس نظراته إلى راكان في حالة تنم عن خوفه الشديد بسبب ما صار.
- راكان ممكن تهدى عشان نعرف نفكر، انت متثقش في نورسين دي ممكن تكون عاملة كمين.
ضرب بقوة على المقود حتى شعر بتخدر كفيه من قوة الضربة.
- عارف يايونس، عارف انها حقيرة وزبالة، بس قولي ازاي هفكر ومراتي وابني في ايدي.
رفع كفيه يمرر يديه بخصلاته وكاد أن يقتلعها ونظر إلى الطريق بأعين مشوشة كلما تذكر حديثها وخوفها.
رفع نظره بعينا اختلطت مياهها بنيران ألمه الضاري لتسقط عنوة عنه وهو يهمس.
- كانت حاسة يايونس، قالتلي انا حاسة فيه حاجة وحشة هتحصل.
قبض على المقود بشدة حتى ظهرت عروقه وهمس بفحيح.
- اقسم بالله لادفعها التمن غالي.
نظر يونس الى الطريق وسرعته المجنونة.
- راكان أهدى لو سمحت انت كدا هتموتنا.
- راكان اركن وانا هسوق.
- مراتي وابني يايونس، ازاي عايزني اهدى.
ظل يضرب على المقود بغضب.
- ان شاء الله خير ياحبيبي أهدى بس.
التفت يناظره بعينين هالكة من فرط الألم وتحدث.
- تفتكر ممكن نورسين ممكن تعمل حاجة فيهم.
عند نورسين وليلى..
فتحت جفونها بتثاقل وارهاق، تتأوه من الألم. ظلت تفتح عيناها وتغلقها لعدة مرات، حتى نظرت إلى سقف الغرفة. استمعت لصوت بجانبها.
- حمدالله على السلامة يامدام ليلى البنداري.
اعتدلت ليلى بهدوء تضع كفيها على أحشائها.
- انا فين. قالتها وهي تنظر حولها بتشتت إلى أن وصلت انظارها إلى نورسين بعينان هالكة من شدة الألم.
اعتدلت سريعا بعدما تذكرت ماحدث، واقتراب نورسين منها.
- انتِ هنا في جهنم الحمرا يا لولو هانم.
رمقتها ليلى وهي تزم شفتيها بسخرية.
- ايه دا هو انا في ضيافة عروسة المولد ولا ايه.
ورغم رعبها إلا أنها قالتها بقوة.
أمسكت نورسين مقصا وبدأت تتلاعب به وهي تطالعها بهدوء مستفز، نظرت إلى المقص مرة واليها مرة، ثم أطلقت ضحكة رنانة.
- ضيافة!! تفتكري انا هعملك ضيافة، دا أنا لو اطول ادبحك مش هتأخر.
قوست ليلى فمها، وتحدثت.
- اكيد طبعا، مش أنا عدوتك، ال خطفت حبيب قلبك، ال ياحرام ماقدرتيش حتى أنه يقضي ليلة مع عروسة المولد، رغم اغرائتك الذبالة وسفرك وراه ياوقحة.
نهضت نورسين وهي تضرب المقص بكفيها علها تخرج غضبها ولا تطعنها به.
استدارت ليلى تبحث عن حمزة، ولكن صعقت وشعرت بهزة عنيفة عندما وجدته مقيد.
نهضت من مكانها تقترب من نورسين غاضبة.
- ايه ال عملاه دا يازبالة، هستنى منك ايه، فكيه فورا، وإلا.
دارت نورسين حولها وهي تفعل حركة من شفتيها.
- تؤ تؤ..يالولة، متخلنيش استغباكي، هو انتِ مفكرة هخاف منك.
دفعتها بقوة حتى سقطت على الفراش خلفها وأردفت بفحيح أفعى.
- متفكريش انا بهدد بس، لا ياقلبي، انا جاية احرق قلبك وقلب حضرة النايب ال عمل فيها ذكي، ماهو نسي أن لحمي مر.
وهخليه يتمنى الموت وهو شايفك قدامه كدا هو وابنه بتموتوا بالبطئ.
وضعت المقص على وجهها وهمست بالقرب منها.
- هو انا مقولتكيش يامدام، مش انا ناوية اولدك بطريقتي، عشان احرق قانون راكان البنداري عشان مايفكرش تاني في الولاد.
جذبت خصلة من شعرها لفتها على اصبعها وهمست بالقرب من أذنيها.
- دا لو حبيب القلب وصل بالسلامة.
اوووبس نسيت اقولك يالولا.
اتجهت إلى حمزة الذي يحاول الفكاك من تلك القيود فتهكمت قائلة.
- ماقولتش للمدام ليه يامتر، مش تفهمها أنها هي وراكان هنودعهم.
اقتربت بخطوات سلحفية وهي ترمقه.
- متحاولش يامتر، لانكوا مش هتعيشوا.
رفعت هاتفها وتحدثت.
- اجهز زمان راكان وصل للجامعة، واكيد عارف هتعمل ايه.
أغلقت الهاتف وهي توزع نظراتها على ليلى.
- فيه مشاهد حلوة تتبهروا بيها النهاردة، كنت اتمنى تشوفيها معايا، بس للأسف، هنعمل عملية بسيطة للحلو ال في بطنك دا.
اقتربت تغزها بالمقص بأحشائها.
- عرفت أنه ولد، وفي الشهر الخامس، تفتكري هسيبه يكبر، تؤ..تؤ.. لازم نخلص من الكبير والصغير.
حاوطت ليلى بطنها وتحولت نظراتها الى الكره الواضح واشتعلت عيناها كجمرتين من اللهب الحارق.
- يبقى قربي وشوفي هعمل فيكي ايه.
استمعت إلى رنين هاتفها امسكته سريعا.
- امجد حبيبي.
مبروك الهروب ياكبير.
اه حبيتك بين أيدي لتلحقها لا متلحقهاش.
على الجانب الآخر صرخ بالهاتف.
- نورسين متقربيش من ليلى عشان منزعلش من بعض.
مطت شفتيها ترمق ليلى بنظرات نارية وأردفت.
- دا ايه العشق الكبير دا، متخفش ياأمجد الدكتور جاي في الطريق، وكمان راكان جاي، ومتخفش هيلاقي نهايته سلام ياحب.
صرخ بها أمجد.
- نورسين. اياكي تقربي منها.
رفعت نظرها إلى حمزة وارتجفت أوصالها من الخوف تبتلع ريقها بصعوبة محاولة اخفاء ذعرها.
امسكت نورسين مشرط يوضع على المكتب بجوارها مع بعض الأدوات الطبية، ثم أشارت إليها.
- حلو دا، وحامي جدا، عشان متتوجعيش.
سلطت ليلى بصرها تنظرإليها ببغض.
- قربي وشوفي هعمل فيكي ايه، ولو جدعة اعملي حاجة في جوزي ياحقيرة، واحدة مقرفة زيك ايدك تتمد على ابني هفعصك.
دا اغلى من روحي.
توقفت ليلى وتذكرت حديثه.
- افتكري دايما حبيبي طول ماصاحب الحق بيدافع عنه هياخده، أما لو اتسايب واتهاون في حقه، هيخسر دايما، مفيش حد بياخد حق حد، ربنا ميزنا بالعقل عشان نفكر ياليلى.
خرجت من شرودها عندما اقتربت نورسين تضع المشرط على وجنتيها لتصيبها بالزعر، ولكن هنا فردت ليلى مخالبها ودفعتها بقوة اسقطتها على ظهرها، واعتلتها، تجذب منها المشرط بحركة سريعة حتى جرحت بها أنامل نورسين التي نزفت بقوة ورفعته تضعه على عنقها تضغط بجسدها بالكامل عليها.
- سمعيني كدا كنتي بتقولي ايه ياحيوانة، عايزة تموتي ابني، انا استحملتك كتير، من وقت مامثلتي عليا أن راكان حامل منك ياحقيرة.
غرزت المشرط حتى أخرج بعض الدماء.
ثم أشارت بعينيها على بطنها.
- دا اغلى من روحي، دنت منها تجذب خصلاتها حتى تصبح بمستوى جلوسها، ترمقها بنظرات نارية وهي تضغط بكل ثقلها على كفيها تحكه بالأرضية الصلبة بأقدامها.
جاية وعايزة تحرقي روحي يابت، دا انا افعصك بجذمتي.
- عارفة ليه يازبالة.
جذبتها باليد الأخرى من خصلاتها وغرزت بقوة المشرط.
- عشان دا من حبيبي الوحيد، حب انتِ متعرفهوش، حبه بيجري في دمي،، تسمعي عن الحب دا.
دفعته بقوة بركبتها، لا تعلم كيف أتتهاهذه القوة فأسترسلت بصياح.
- ال زيك مالوش في النضافة، ال زيك آخره أمجد الحقير وال زيه.
صرخت نورسين بعدما لفت ليلى خصلاتها تجذبها وتجرها بقوة اتجاه حمزة.
دلف الرجل بسلاحه، فغرزت المشرط بقوة بعنقها وازدادت الدماء وهي تهمس بهسيس إليها.
- قوليله يفكه بدل مااموتك، تفتكري حياتي هتهمني وانا عارفة انك ناوية تعملي ايه في راكان.
أشارت للرجل بيديها فكه بسرعة.
اتجهت بنظرها إلى حمزة وهي مازالت تضغط والدماء تنسدل.
- خد منه المسدس ياحمزة واربطه.
بدقيقة واحدة فعل حمزة بعدما لكمه بقوة فسقط على الأرضية وقام بتقييده.
اخذت نفسًا ثقيلا حتى تريح نبض قلبها المؤلم وقالت بصوت ضعيف، وهي تضغط على عنق نورسين.
- ألحق راكان، متخلهوش يوصل لهنا، اتصل بيه بسرعة.
- ليلى مش هخرج من غيرك.
تنهدت بألم شديد وكأنها تحارب نصل سكين مغروس بصدرها فصاحت به.
- انا بقولك ألحقه ياحمزة.
ارتفعت ضحكات نورسين وهي ترمقهما.
- اترحمي على حبيب القلب يالولة، خليه يدخل بس هنا وهتسمعي انفجار يهز قلبك.
لم تشعر ليلى بنفسها وهي تتخيله بتلك الحالة، غرزت المشرط بقوة حتى جُرجت نورسين جرح عميق وبدأت الدماء تنسدل بقوة، من يراها يظن أنها دُبحت.
حاولت الحفاظ على انفعالاتها ولكن تلك الشمطاء اخرجتها عن شعورها.
فدفعتها بقوة ببطنها حتى خارت وهوت على الأرضية.
جذبها حمزة من خصلاتها بقوة.
ثم دفعها بالجدار، فشعرت بغمامة سوداء، فعل حمزة مرة أخرى مافعله، فسقطت مغشيا عليها بروح من يراها يظن أنها صعدت إلى بارئها.
بصق عليها، يجرها ويقيدها، رفع نظره الى ليلى التي تبحث عن شيئا.
- ليلى بتدوري على ايه، لازم نطلع من هنا.
- تليفوني فين، لازم اتصل براكان.
وجد حمزة هاتفه على بُعد مسافة.
بجوار هاتفه.
خرجت سريعا تهرول للخارج تبحث عن الطريق، وصل حمزة إليها.
جذبها من كفيها عندما وجد تعثرها بسيرها وبكائها.
- اهدي عشان أنتِ حامل، لازم نخرج من هنا قبل ماامجد يجي، منعرفش عنه حاجة.
امسكت احشائها وهي تشهق ببكاء.
- اتصل براكان.
فتح هاتفه وقام الأتصال به ولكن هاتفه مغلق.
كور قبضته، يهز رأسه.
- تليفونه مقفول.
شعرت وكأن حجرًا يطبق على صدرها.
استخرطت في البكاء وأخذت تتنفس بشكل هستيري وهي تهز رأسها رافضة أن يصيبه مكروها.
توقف حمزة أمامها.
- ليلى اهدي، أن شاءالله خير.
وضعت كفيها على فمها تبكي بنشيج.
- هموت لو حصله حاجة ياحمزة، اتصرف وانقذ جوزي ياحمزة لو سمحت.
وصلوا إلى الطريق، حاوطها من أكتافها ينظر حوله بترقب خوفا من ظهور أحدا امامهما، تذكر جاسر.
فجذب ليلى إلى إحدى الأشجار التي تبعد عن الطريق ببعض المسافات.
- جاسر احنا في الجيزة، هبعتلك الموقع، المهم توصل إلى راكان، متخلهوش يدخل القرية دي، عاملين كمين بس فين معرفش.
اجابه جاسر الذي كان متجها بسيارة الشرطة إليهما.
- خرجتوا ازاي، احنا في الطريق.
قص له ماصار بإيجاز.
- تمام كويس، خليك مكانك.
القرى دي بيكونوا متعاونين جدا يعني لو حد اتعرف عليكم ممكن متعرفوش تخرجوا.
ارتجف جسد ليلى وهي تهذي باسمه.
- عايزة راكان ياحمزة، هاتلي جوزي.
كم آلمه عبراتها توقف عاجزا لايعلم ماذا عليه فعله.
تذكر حديث جاسر فقام الاتصال بيونس.
- يونس راكان معاك.
- حمزة قالها يونس بارتباك، انت فين وليلى فين.
- راكان فين يايونس بسرعة.
اجابه.
- قدامي راكب عربية، وانا راكب موتوسيكل وراه عشان محدش يشك.
- حاول تمنعه متخلهوش يوصل لهنا احنا هربنا خلاص، عاملين كمين له.
تحرك يونس سريعا بالدراجة البخارية بعدما توقف يرد على حمزة، ولكن لم يجد السيارة، كور قبضته بغضب، يركل دراجته.
وصل جاسر إليه.
- واقف كدا ليه.
قص ماصار.
تحرك جاسر خلف راكان حسب الجهاز الذي يوضع بساعة يديه.
قبل قليل توقف بالسيارة أمام محل لتأجير الدراجات.
- هتنزل وتركب مكنة وتمشي ورايا وتحاول تخليك هادي، عارف ومتأكد أنهم عاملين لعبة، بس معرفش ايه هي، نورسين مش لوحدها، دي عايدة وأمجد اكبر مصايب من نورسين، والدليل فضلت بينا السنين دي كلها ومشكناش فيها، لازم تاخد بالك كويس، لو حصل حاجة مش مرتبنلها.
يبقى وصيتك ليلى وولادي يايونس، ومتنساس ماما زينب.
جحظت أعين يونس وهو يهز رأسه رافضا حديثه،وشعر بالأختناق يعيق زفراته، رفع بصره إليه.
- راكان صلي على النبي يابني أن شاءالله محدش هيربي ولادك غيرك.
ربت راكان على كتفه واردف.
- كل واحد ونصيبه يابن عمي، دي وصيتي، ليلى وولادي امانتك.
تحرك بالسيارة لبعض المسافة، وانتظر يونس الذي استقل دراجة بخارية وتحرك خلفه، رفع هاتفه.
- جاسر راقبني من جهاز الساعة، مش عايز خدش لمراتي وحمزة.
قالها واغلق الهاتف.
وصل راكان إلى الجامعة.
استمع الى رنين هاتفه.
- انزل من عربيتك واركب التاكسي ال قدامك، بعد فترة دلفوا من شوارع جانبية، ثم ترجلوا من التاكسي، واستقلوا سيارة اخرى، تحركت بأماكن شعبية حتى خرجت لأحدى المزارع، ويونس خلفهم ولكن هاتفه ووجود حمزة جعله يتوقف ليعلم ماذا حدث.
تحرك جاسر إلى مكان إشارة راكان حتى وصل إلى بداية البلدة.
ترجل الرجلين اللذان بجانبه، ثم أشاروا إلى وسيلة تنقله تعرف (توكتوك).
- اركب دا هيوديك المكان.
وهات تليفونك.
زفر بغضب وهو يجز على اسنانه، محاولا الهدوء.
وصل بعد قليل إلى إحدى الأماكن ترجل الرجل وأشار إلى سيارة.
- اركب العربية دي.
قالها وتحرك سريعا بعدما أخذ هاتفه.
اتهجه للسيارة التي تصف بالطريق واستقلها وقام بتشغيل المحرك.
عند حمزة وليلى التي جلست تتألم وتبكي بأن واحد، ولم تردف سوى اسمه.
تورمت غصتها لدرجة شعرت بعدم تنفسها، وضعت كفيها على صدرها.
- اللهم اني استودعك زوجي، فرده لي امنا ياارحم الراحمين.
ربت حمزة على كتفها.
- ليلى اهدي.
قاطعه رنين هاتفه.
- حمزة راكان قريب منك، على بعد كيلو تقريبا.
قالها جاسر الذي ينظر بجهاز التتبع.
انحنى يجلس على ركبتيه أمام ليلى، حاول اخفاء خوفه الذي اجتاح جسده وتحدث بهدوء رغم نيران قلبه.
- راكان وصل.
اهدي.
أومأت برأسها باكية.
- هو جه.
خليكي هنا اوعي تتحركي، انا هقابله، فكري في ال في بطنك تمام.
جلست وقلبها ينبض بعنف خوفا عليه.
تحرك حمزة عدة أمتار بعيدا عنها وهو يتلفت حوله.
تسارعت نبضاته بشكل مخيف وهو يرى سيارة من مسافة بعيدة تسرع بطريقة جنونية، وكأن قائدها لم يتحكم بقيادتها.
هرول سريعا عندما لمحه من بعيد.
رأته ليلى بتلك الحالة، نهضت متجه سريعا الى الطريق، ارتجفت أوصالها من الخوف وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحتضن جنينها بعيونا باكية، عندما وجدته غير قادر على توقف السيارة.
وصلت السيارة بالقرب من حمزة، نظر إليه راكان بصدمة، وهو يحاول السيطرة على القيادة.
أشار بيديه للبعد عن طريقه، وبالفعل تراجع سريعا.
أسرعت السيارة إلى أعلى الطريق الذي يتميز بالاعوجاج، ناهيك عن انحداره ويتفرع منه طرق اخرى وبنهايته بحر.
ضغط على المحرك وهو يجز على أسنانه.
- مجرمين ذبالة.
حاول حمزة الإسراع خلف السيارة ولكن انحناء الطريق لم يراها جيداً.
توقف اتجه الى ليلى المتحركة ببكاء إليه.
التفت عندما انقلبت السيارة رأسا على عقب وسقطت لاسفل الجبل.
صرخة شقت سماء المكان من ليلى وهي ترى انقلاب السيارة.
وفجأة استمعوا الى انفجار السيارة بالأسفل.
هرول حمزة يصرخ بجنون، هو لم يرى انقلاب السيارة بسبب انحدار الطريق، كل مارآه واستمع إليه انفجارها.
تحركت بخطوات مرتعشة ودموع تمزق وجنتيها، وساقين هلامتين تصلب جسدها وكأن خنجرا يدق بمنتصف صدرها تراجعت للخلف تهز رأسها وتردد بخوف والما بآن واحد.
- لا مستحيل يكون جوا العربية، لا العربية انفجرت وراكان خرج منها.
وصل إليها حمزة الذي اتجه سريعا إلى أخر الممر وضع يديه على رأسه وجثى على ركبتيه ودموعه ابلغ عن أي وصفا مما رآه.
هوت على الأرضية وهي تهز رأسها كالمجنونة، دا كابوس.
لا كابوس وهفوق.
راكان مكنش في العربية، راكان مكنش في العربية.
اتجهت إلى حمزة بعينان متألمة.
- حمزة قوم شوف راكان فين، حمزة قوم هاتلي راكان.
تحركت بخطوات أقرب الى الركض لتهبط إليه وانفاسها تصارع الموت داخل صدرها، ودمعاتها تلاحق بعضها تلو الأخرى.
وصل جاسر إليهما بجواره يونس الذي تصنم بوقفته، ينظر إلى ركض ليلى وبكائها.
وكأنها فقدت عقلها.
استدارت تشير إلى يونس عندما فقدت الحركة، وشعرت بآلام تنخر عظامها.
- يونس راكان تحت، انزل شوفه بسرعة.
- يونس.
قالتها بصراخ.
بقولك انزل شوف ابن عمك، هو عايش.
توقف حمزة اخيرا، متجها اليها يجذبها ليخرجها حتى لا تسقط.
- ليلى اهدي أنتِ حامل، عشان ابنك.
رفع يونس نظره إلى حمزة وتسائل بتقطع.
- حم..زة فين راكان.
أطبق على جفنيه بقوة.
- العربية انفجرت وهو جواه.
دفعته ليلى بصراخ، واتجهت سريعا الى الأسفل.
- انا جوزي عايش.
سامعين راكان عايش.
قالتها وهي تهبط بهدوء إلى الأسفل، في الوقت الذي وصل جاسر قبلها للأسفل.
بينما يونس شعر بتوقف نبضه، وكان أحدا قام بضربه بسيخا حديدا بصدره.
وشعر بأن الأرض تحت أقدامه فوهة بركانية وهو يهز رأسه رافضا حديثه.
قفز بخفة سريعا اتجاه جاسر.
وصل جاسر إلى السيارة التي تحطمت مع فريقه.
اتجه أحد الشرطيين.
- مفيش حد في العربية ياباشا.
هنا طاقة نور فتحت للجميع.
أشار بيديه على الأشجار التي تصف بجانب الطريق.
- دا كويس، ممكن يكون نط من العربية بعد ماعرف أنها مش سليمة، دور فوق وتحت اكيد هو هنا.
خارت ليلى ولم تشعر بنفسها فجثت على الأرضية وهي تصرخ باسمه.
اتجه حمزه يساعدها على الوقوف.
- ليلى لو سمحتي بلاش تعملي كدا، اهدي لو سمحتي راكان مكنش في العربية ممكن تهدي.
انهمرت عبراتها ممزوجة بنزيف روحها التي اشتهت الموت قبل أن تسمع خبر موته.
وضعت كفيها بشهقة وهي ترتجف من فكرة موته، الفكرة نفسها تذهب روحها.
استمع جاسر إلى أحد الشرطيين.
- لقيناه ياباشا.
اسرع يونس وحمزة اتجاه سريعا، بقلوبا تنزف دما.
تصنم جسد يونس وانسابت دموعه بقوة يصرخ بصوت جهوري من حالته التي وجد عليها.
هوى بجسده يضمه إلى أحضانه وصرخت شقت الكون بأكمله وهو يصرخ ويصرخ بصوته الجهوري يضرب على شقه الأيسر.
- لا راكان.
مستحيل.
انتحب بحرقة وهو يضمه عندما شعر بفقدان حياته.
دفعه حمزة بقوة.
- اخرص ياحيوان، اتجننت ولا ايه.
وسع كدا بدل ماتشوفه، خلاص حكمت عليه.
ورغم قالها بصوت غاضب إلا أن داخله ينهار، فمن يراه يجزم بموته.
كانت تجلس بعيدا بجسدا خاوي وكأنها فقدت الحياة، تضم احشائها تحاول السيطرة على التنفس وشريط حياتهما يمر أمام ناظريها.
دموع فقط تسقط من هذا الجسد الذي فقد الحياة، عيناها خاوية، أصبح جسدها متجمدا وبارداً كبرود الموتى عندما صرخ يونس.
قام جاسر بمهاتفة الاسعاف، وهو يأمر شرطيه بالوصول إلى ذاك المنزل للقبض على نورسين بعد إغلاق حمزة عليهما.
جلس يونس بمقابله، وبدأ على وجهه الحزن الشديد وعبراته كالوديان لم يرفع بصره عن ذاك الجسد الذي من يراه يقسم أنه فقد الحياة.
نظراته ضائعة معذبة، وقلبه ينتفض بذعر يتمنى أن يكون كابوسا حتى يفيق بما صار له.
أوقفه جاسر بغضب.
- يونس انت دكتور، حاول تشفع لوظيفتك يادكتور، انسى دا ابن عمك، دا مريض، قوم وشوف شغلك.
كأنه لم يستمع اليه، عيناه الخاوية على جسد راكان المسجى على الأرض.
تذكر حديثه منذ قليل.
- يونس وصيتك ليلى وولادي.
هنا فاق من صدمته واتجه بنظره الى ليلى الجالسة، التي شعر بأنها لم تشعر بمن حولها.
أشاح بوجهه عنها ونهض بتكاسل، بل حزن شطر قلبه و جسده بأكمله.
وصل إليه بألما.
أطلق تنهيدة مرتعشة من عمق حزنه والمه.
ورفع يديه المرتجفة على وجهه ودموع عيناه تكوي وجنتيه.
رفع كفيه يضمه بحنان يمسح على وجهه ويزيل الدماء المنبثقة من رأسه.
انخفض يطبع قبلة على جبينه.
"ويسألونك عن الروح قل هي من أمر ربي".
صدمة جارفة مع ابتسامة عندما شعر بنبضه وتحدث.
- راكان.
انت عايش ياحبيبي.
اتجه سريعا ونزع قميصه وحاول تضميد جراحه، وهو يبتسم، لم يقل الأمر عند حمزة، الذي فعل مثله، وحاولوا منع نزيفه.
ضغط يونس على صدره عندما شعر بتوقف نبضه.
- لازم تتمسك بالدنيا عشان مراتك ال هتموت عليك وولادك، ياله ياراكان انت قوي.
جلس حمزة يساعده وهو يحاول إنعاش قلبه مرة أخرى.
رفع بصره لحمزة.
- عايش ياحمزة.
راكان عايش.
لاقالها عندما شعر بنبضه تحت أنامله.
رفع نظره إلى ليلى علها تفيق.
- عايش.
عايش.
ظل يكررها لعدة مرات، ثم اتجه لجاسر الذي وصل إليهم بالمسعفين.
- براحة اكيد فيه كسور.
حمله المسعفين بهدوء، نهض.
متجها الى ليلى الحاضرة الغاىبة بعيناها المتحجرة بالدموع وجسدها البارد برود الموتى.
جلس بجوارها وأدار وجهها.
- مدام ليلى.
أنتِ معايا، قومي ياله، راكان لسة عايش.
كأن اسمه ارجعها لأرض الواقع، رفعت بصرها بأهدابها المرتعشة.
- عايش.
قالتها بخفوت.
وصل حمزة.
وحاوط ذراعيها.
- قومي ياليلى، جوزك عايش.
أسندها يايونس معايا قالها حمزة وهو يحاول ايقافه.
تحرك إليها بخطوات سلحفية وتوقف بمحاذاة حمزة.
لا يعلم كيف سيتخلص من هذا الوخز الذي يرافق أنفاسه من حالتها، وحديثه الأخير.
سحبها بمساعدة حمزة متجهين إلى السيارة، كانت تتحرك كورقة خريف تبعثرت ورقاتها في مهب الريح، لم ترى سواه وحده، حديثه احضانه، كلماته الهامسة لها.
استقلت السيارة بجوار حمزة، ينظر اليها بقلبًا منفطر، رفع نظره الى يونس وأشار بيديه للقيادة.
- ابتلتع غصته المتورمه قائلا بتنهيدة عميقة.
- ليلى لازم تفوقي عشان ابنك ال في بطنك، راكان هيفوق إن شاء الله.
وضعت رأسها على زجاج السيارة بتعابير تقطر حزنا تضع كفيها على احشائها وتتذكر حديثه.
فلاش باك.
ذهب إلى جناحهما وجدها تخرج من المرحاض بجسد منهك.
جلست أمام المرآة.
جذب المقعد وجلس بمقابلتها، احتضن كفيها.
- حبيبتي تعبانة.
وضعت رأسها على كتفه.
- لا كويسة، اتعودت خلاص ياراكان، لازم اول كام شهر يكون إرهاق وتعب كدا.
ملس على وجنتيها وابتسم.
- لازم تتشاقي يالولا، وتجيبي ولاد تاني.
اعتدلت ترمقه بغضب.
- نعم هو انا ال بجيب العيال لوحدي.
قهقه عليها بصوته الرجولي.
- انا مالي، انا مؤدب ماليش دعوة.
لكزته بكتفه.
- بس ياراكان هزعل منك بجد.
حاورها بعيونه الشمسية، ثم عانقها بدفء حنانه وهو يمسد على خصلاتها.
- أنا أسعد راجل في الدنيا، ربنا ما يحرمني منك حبيبي.
حاوطته بذراعيها تستنشق رائحته الرجولية الخلابة لرئتيها.
- وأنا اسعد ست على وجه الأرض، عشان متجوزة احسن راجل في الدنيا.
اخرجها من أحضانها واحتضن كرزيتها حتى يخمد بركانه الثائر بعشقها.
فصل قبلته واضعا جبينه فوق خاصتها.
- أنا محظوظ اوي ياليلى، وسعيد عشان لتاني مرة هكون أب.
رفع ذقنها وعانق ليلها الدامس هامس لها.
- فرحتيني واسعدتيني حبيبتي رغم انك خبيتي عليا في الأول.
رفعت كفيها على وجنتيه ونظرت لداخل مقلتيه.
- بجد ياراكان انت مبسوط عشان هيجلينا ولد تاني.
طبع قبلة مطولة على كفيها واه خفيضة خرجت من بين شفتيه.
- انا متمنتش غير كدا اصلا ياليلى، طول عمري وأنا نفسي اجيب ولاد كتير من الست ال بعشقها، بس كدا كفاية يالولا عشان صحتك ياقلبي.
رفع ذقنها وأشار إلى بطنها.
- دا ابننا التالت مش التاني، وان شاء الله يجي بصحة كويسة، والحمدلله عليه، مش عايز تعب، ولا خوف عليكي.
انسابت عبراتها على وجنتيها وارتجفت شفتيها قائلة.
- أنا بحبك اوي ياراكان، اوعى تبعد عني مهما صار، هموت لو بعدت.
هزت رأسها وكثرت عبراتها التي أصبحت كالمطر.
سحبها بقوة لأحضانه يعصرها وهزة عنيفة أصابت قلبه من بكائها.
- معرفش انا مالي بجد، دايما عندي احساس وحش ياراكان اني هفقدك أو أننا هنبعد عن بعض.
أحس ببرودة تتسرب لجسده، وتصلب كفوفه على خصلاتها.
اخرجها ينظر لمقلتيها قائلا بصوت جعله متزنا.
- ليلى ايه ايمانك الضعيف دا، يعني بعد ال حصل دا كله، تفتكري ممكن ابعد عنك، دي وساوس ياحبيبتي، وممكن يكون من الحمل.
دنى ينظر لشفتيها المرتجفة التي تدعوه لتقبيلها وغمز بعينيه.
- عايزة تحرميني من الفراولة يالولة، تفتكري هلاقي فروالة طبيعي زي ال عندك.
مط شفتيه وتحدث.
- منكرش دوقت فراولة كتير، بس الصراحة مش زي الفراولة الطبيعي دي.
قالها وهو يملس على شفتيها.
لكمته بصدرة بقوة حتى سقط خلفه على الأريكة.
- والله العظيم أنت بارد ورخم.
تحولت إلى الجنون، واتجهت إليه تلكمه بقوة.
- طب خد يبتاع الفراولة، والله لاحرمك منها وروح شوف الفراولة يابتاع الستات ياقليل الادب.
ظلت تلكمه وهو يقهقه بصوته المرتفع.
- يابنتي اهدي، والله بهزر.
أمسكت الوسادة ووضعتها على وشه.
- وريني بقى يابتاع الفراولة هتشوف الفراولة ازاي، هخلعلك عينك الحلوة دي.
ارتفعت ضحكاته، حتى زلزلت كيانها، وضعف قلبها المسكين، فجأة جذبها محاوطها بذراعه وانقلب الحالك.
حاوطها بذراعيه يتعمق بنظراته إليها وابتسامة واسعة شقت ثغره وانارت وجهه.
- أنا اصلا مش بشوف غيرك ياحبيبة راكان.
دنى يداعب وجهها بأنفه.
- اعمى عن الكل ومش شايف غيرك ياليلة حياتي وعمري كله.
رفعت كفيها تمشط خصلاته.
- وأنا بقيت مجنونة راكان البنداري.
غمز بطرف عينيه وأشار بها.
- عشان بيدوق الفراولة صح مش كدا.
ركلته بأقدامها وصرخت.
- والله عايز تنضرب ياراكان.
جذبها حتى أصبحت على ساقيه ومازالت ضحكاته تملأ المكان.
- تنينة تنينة فعلا زي مالولد يونس قال.
وضعت رأسها بأحضانه وحاوطت جسده.
- ماهو لازم التنين يكون له تنينة ياروحي، يعني التنين هيتجوز حمامة.
ضحك بصخب على كلماتها، لكزته بصدره.
- راكان بطل ضحك، معرفش مالك النهاردة مش عارفة ايه ال مخلي شفايفك مش على بعضها.
داعب وجهها بأنامله وابتسم بعدما سيطر على ضحكاته.
- طب ينفع شفايفي تكون على بعضها ولولة حياتي جنبي بالبورنص دا.
قالها عندما جذبها من رباط البورنص.
امسكت الرباط بقوة وهزت رأسها.
- راكان، وسع بقى، والله مااعرف مالك اتجننت ولا ايه.
جذب رأسها ونظر لكرزيتها يتحسسها بأنامله.
- وجودك حبيبي هو ال مفرحني، يعني بعد ماماهكون اب للمرة التالتة، عايزاني ازعل.
ضغطت على أصبعه بأسنانها.
- هتلعب هزعلك بقولك اهو.
أطلق ضحكة مرة أخرى.
- ياعضاضة، كدا.
وضعت رأسها على كتفه وأردفت وكأنها لم تفعل شيئا.
- راكان نفسك في ولد مش كدا.
حاوط خصرها بذراعيه قائلا.
- ال ربنا يجيبه ياليلى مش هعترض، اخ ، أو اخت للولاد نعمة.
رفع ذقنها وتحدث.
- ربنا ما يحرمني منك، ويكمل حملك على خير، حافظي على نفسك ياليلى، لو تعبتي بلاش تروحي الشغل، سيلين ودرة هناك، وكمان انا متابع.
حاوطت عنقه ووضعت رأسها بعنقه تستنشق رائحته، مثلما يستنشق النحل الزهور.
جذبها يحاوطها بذراعيه.
- ريحتي حلوة حبيبي.
اومأت برأسها.
- اوي.
اوي ياراكان، تعرف بقيت كل شوية اروح لبرفانك واقعد اشم فيه، بس رغم كدا بحب اشمه عليك، بحس اني عايشة.
اخرجها ونهض متجها إلى غرفة الملابس.
وضع أمامها ملابسها.
- قومي عشان اساعدك ووصلك للشغل في طريقي، وهعدي عليكي وانا راجع، بس متنسيش كلامي لو هتتعبي بلاش الشغل ياليلى، عشان مضطرش اخد قرار يزعلك.
توقفت أمامه وتسائلت بحيرة.
- ياترى خايف عليا، ولا خايف على ابنك.
نظر إليها بذهول ثم اقترب.
- لا دا أنتِ شكلك اتجننتي، هو انتِ ايه وال في بطنك ايه، حاوط وجهها.
- ليلى أنتِ عندي اهم في المقام الاول، بس دا ميمنعش اني اخاف على ال في بطنك برضو، انتو الاتنين مهمين عندي، ولاسيما أنتِ عندي أهم، متنسيش أننا فقدنا ولد قبل كدا.
أخرج تنهيدة ثم رفع ذقنها.
- عشان خاطري حافظي على نفسك اولا، ثم على ابننا، وخليكي دايما فاكرة حبيبتي انكم اغلى من روحي، ولو حصلكم حاجة مش هعرف اعيش.
دنى يطبع قبلة على جبينها.
- حياة ليلى هي حياة راكان، افتكري أن نبضنا مرتبط ببعض.
تمسحت بصدره كقطة أليفة و حاوطت خصره.
- طب ساعدني عشان اغير.
حملها بخفتها وهو يطلق ضحكات.
- مش لما ادوق الفراولة، يعني تشميني ببلاش، لا فيد واستفيد ياحبيبي.
خرجت من شرودها وذكرياتها عندما توقفت السيارة وصوت حمزة الذي شعرت وكأنه بعيدا.
بسط يديه إليها.
- ليلى ياله، تعالي ندخل عشان نشوف راكان.
اومأت برأسها وتحجر جفنيها الذي شعرت بصحروايته من كثرة البكاء.
انزلت أقدامها بهدوء وحاوطت جنينها بيديها تحاول الوقوف، ولكن كأن أعضائها شلت ولم تقو على الوقوف.
أمسكت بكف حمزة عندما شعر بها، وحاوط جسدها بذراعيه، تحركت تستند عليه وكأنها طفلا يتعلم السير.
اسرع يونس بجذب مقعد متحرك لتجلس عليه.
هزت رأسها رافضة وهمست بتقطع.
- عايزة اوصل لعنده وأنا واقفة على رجلي، مش عايزة اكون ضعيفة.
قالتها ببكاء.
أطبق يونس على جفنيه متألما وانسابت عبرة عبر وجنتيه ألما وهو يطالع حمزة الذي تجمد جسده عندما هوت من بين يديه تبكي بنشيج مرير.
- قولي ياحمزة ازاي هكون قوية من بعده، حد يطمن روحي ويقولي ازاي الواحد يقدر يعيش بجسد من غير قلب وروح.
وصل نوح بجوار أسما بعدما أخبره جاسر بما صار.
تجمد نوح بمكانه من حالة ليلى وهو يهز رأسه رافضا فكرة فقدانه.
وصلت أسما إليها مهرولة وهي تضع كفيها على فمها من الصدمة والذهول.
احتضنتها بقوة تمسد على ظهرها، كيف تطمئنها وتحتوي وجعها احتضنت وجعها وحاولت الثبات أمامها.
- حبيبتي ايه ال حصل، وايه ال عمل فيكي كدا.
رفعت نظرها إلى حمزة الذي انهار كليا يجلس بجوارها يضمها من أكتافها.
ابتلع غصة منعت تنفسه وشعر باختناقه.
- ليلى لو سمحتي بلاش تعملي فينا كدا، جوزك لسة عايش، تعالي نطلعلها.
اخترق مسامع نوح.
- جوزك لسة عايش.
وصل إليها بخطوة يدفع حمزة بعيدا عنها.
احتضن وجهها ينظر إلى مقلتيها وجفنيها الذي تورم من كثرة البكاء.
- ليلى ايه ال حصل؟!
قاعدة كدا ليه حبيبتي.
أمسكت رسغيه ورفعت بصرها إليه.
تشير بعيناها للمستشفى.
- جابوه هنا وبيقولوا عايش، بس قلبي بيوجعني يانوح، قولي وطمن روحي، عارفة انك مش هتكدب عليا، قولي أن راكان.
توقف لسانها ولم تعد تعلم بماذا تتفوه.
ألقت نفسها بأحضان تلكمه بظهره بشهقاتها.
- جوزي بيموت يانوح، راكان هيسبني.
استقرت كلماتها في منتصف صدره الذي ضاق حتى أوشك على الاختناق، وقام بأغماض عينيه يمنع عبراته فنهض وهو يهز رأسه غاضبا من حديثها قائلا.
- قومي ياليلى مش وقت ضعف، بدل جوزك عايش، لازم تكوني قوية، ايه الضعف ال عندك دا.
وزع نظراته يبحث عن يونس متسائلا.
- فين يونس.
أشارت أسما.
- طلع فوق، قومي ياليلى ياله عشان نشوف راكان حبيبتي.
حاوطتها أسما بمحاذاة نوح وهي تهز رأسها.
وصعدوا إلى أن وصلوا للمكان المنشود، وجدوا جاسر بجوار يونس أمام غرفة العمليات.
- نورسين متصابة جامد، ونزفت كتير، بقت عاملة زي المدبوحة، اتحجزت في مستشفى السجن.
- امجد مكنش هناك.
هز رأسه بالنفي.
- عايز اسال حمزة ومدام ليلى بس الوضع مش سامح.
احنا نطمن بس على راكان وبعدين هشوف نعمل ايه.
جلست ليلى أمام غرفة العمليات بجسدا خاويا من الحياة، وكأن أحدهم أصاب قلبها بسيخا حديدا، فتسرب األما هائل الى جسدها حتى شعرت بتمزق قلبها وخرت صريعا.
وصل والدها ودرة إليهم يبحث بعينيه على ابنته خوفا عليها بعدما.
- ليلى.
قالها عاصم بقلب متلهف، ضمه إلى صدره.
- حبيبتي حمدالله على سلامتك.
بكت بأحضان ابيها بصوتا ضعيفا.
- راكان بيموت يابابا، جوزي بيموت.
استمعوا الى شيئا سقط بقوة بجوارهم، وإذ بها زينب التي هرولت تبكي بقلب مفطور على فلذة كبدها، ولكنها هوت ساقطة فاقدة الوعي، ربما فاقدة الحياة بعدما فقدت ابنائهم جميعا.
بمكان آخر.
تجلس على مقعدها بجوار ابنتها.
- مفيش اخبار يافرح، نورسين ولا حتى أمجد اتصلوا.
استمعت إلى رنين هاتفها.
- ايوة.
أجابها.
- انا امجد، نورسين البوليس قبض عليها، وراكان العربية ولعت بيه، فيه اخبار بتقول أنه مات وفيه اخبار بتقول أنه بيودع، بس دا ميمنعش انك تسافري برة البلد.
وقفت جاحظة العين وابتسامة شقت ثغرها.
- قول والله راكان مات، سيبك من الاخبار التانية.
زفر بضيق قائلا.
- مدام عايدة انا بقولك لسة مفيش تأكيد، انا كنت هناك لما العربية انقلبت وولعت، بس معرفش مات ولا لا، فيه ناس تبعي في المستشفى بيقولوا حالته خطيرة في العمليات.
فكري ازاي تهربي عشان نورسين دلوقتي بين أيديهم.
قالها وأغلق الهاتف حانقا.
- ست رزلة.
أخرج بعض النقود.
يشكر الرجل وابتاع سجائر وتحرك ينظر حوله وهو يرتدي نظارته ليخفي ملامحه.
استقل السيارة التي استأجرها.
- يعني كان بيني وبينك خطوة ياليلى، بس نورسين بغرورها ضيعتك.
بس ماتخافيش ياحبيبة أمجد هجيبك اكيد ونعيش بأمان بعد موت ابن البنداري.
عند عايدة وفرح.
اتجهت فرح إلى والدتها السعيدة، وهي تجلس بانتشاء وتقوم بتشغيل هاتفها على الموسيقى الصاخبة.
- ماما ايه ال حصل خلاكي مبسوطة كدا.
نهضت وهي تمسك بكف ابنتها وتدور بها.
- اخيرا يافرح، اخيرا اخدت طاري من عمك اسعد وموتله ابنه الحيلة.
تركت كف ابنتها وهي تدور حول نفسها.
- النهارده اسعد يوم في حياتي كلها.
هوت فرح على مقعدها تهز رأسها رافضة حديث والدتها.
- قصدك ايه بالكلام دا.
وضعت ساقا فوق الأخرى وتحدثت.
- راكان ابن عمك بح.
أو تقدري تقولي بودع الحياة ياحرام.
هبت فزعة تهز رأسها بهسترية رافضة حديثها، ونيران الذنب تحرق احشائها، وهتفت بحزن.
- لا مستحيل.
اكيد كدب، راكان مستحيل يموت، لا.
قالتها ببكاء واسرعت إلى هاتفها وقامت بالرنين على سارة.
التي تجلس بجوار أسعد الذي كأنه فقد الحياة، جالسا بجسد، فاقد الحركة والكلام، عيناه زائغة بجميع الانحاء.
استمعت إلى رنين هاتفها، توقفت وأجابت اختها.
- نعم يافرح.
بكت فرح وتحدثت بصوت مفعم بالبكاء.
- قوللي ال سمعته مش صح ياسارة، راكان مات.
انسدلت دموع سارة وهي توزع نظراتها على الجميع، وحالتهم الحزينة والمتألمة، زينب التي فقدت وعيها وحُجزت، وسيلين التي تجلس بأحضان نوح ولا تشعر بشيئا.
أما ليلى الحاضر الغائب بأحضان ابيها وعيناها على غرفة العناية المركزة التي احُتجز بها.
اخرجت تنهيدة متألمة وأجابت وهي تزيل عبراتها.
- هو عايش الحمد لله، بس حالته خطيرة واتحجز في العناية، جسمه كله كان بينزف، محدش قال كلمة تطمن.
عارفة انك فرحانة وماما كمان، بس هو محتاج دعواتنا، عمو اسعد حالته صعبة اوي، وماما زينب فقدت وعيها، فرح لو سمحتي سامحي راكان والله هو طيب و.
قاطعتها ببكائها المرتفع.
- انا مش زعلانة منه ياسارة، دا ابن عمي في الاول والاخر، وعمري مااتمنيت له حاجة وحشة، ربنا يقومه بالسلامة.
طمنيني لو حصل حاجة، لو مش خايفة من بابا كنت جيت شوفته واطمنت عليه.
- ان شاء الله حبيبتي.
ماما عاملة ايه، لسة زي ماهي يافرح، لسة عايزة تنتقم.
أزالت فرح عبراتها وهي تنظر إلى والدتها التي تجلس تتلاعب بخصلاتها ووجهها وتستمع إلى الموسيقى بوجه مبتسم.
بعد شهر من حادثة راكان الذي أدت به إلى غيبوبة.
جالسة بغرفتهما تنظر إلى جدران الغرفة التي أصبحت كثلاجة الموتى، ظلت بمكانها والظلام يحاوطها.
دلت ابنتها.
- مامي.
مامي.
أنارت الأبجورة بجوارها.
- اشارت بيديها وتحدثت بصوتها الضعيف الذي أصبح كجسدها الهزيل.
- تعالي حبيبة مامي.
صعدت ابنتها بجوارها، تمسح دموعها بكفيها الطفولي الرقيق.
وتساءلت.
- هو بابي فين يامامي، قولتي هيرجع من السفر بكرة، وبكرة عد وبكرة التانية، بكرة كتير عدت يامامي وهو لسة مجاس.
ارتفعت شهقاتها تضع كفيها على فمها وتضم ابنتها إليها.
- هيجي يامامي، هو عنده شغل كتير وبكرة هيخلص شغله ويجير.
رفعت بصرها وتحدثت بصوتها الطفولي.
- اوف مامي بكرة دا مش عايز يجي خالص.
دلف امير بعدما وجد باب الغرفة مفتوح.
- مامي ممكن ادخل.
قالها امير بهدوء كشخصيتة الهادئة.
- طبعا ياحبيبي ادخل.
دلف إليها.
نظر إليها ثم اتجه بنظره الى أخته قائلا.
- كوكي انطي سارة بتعملك كيك تحت، انزلي شوفيها خلصت ولا لا.
هرولت الصغيرة وهي تضحك قائلة.
- هكلها كلها، بابي مش هنا ومش هيمنعني، بس اكيد هسبله قطعة يامامي لما تكلميه قوليله.
تعالى بسرعة انت وحشت كوكي.
انسابت عبراتها بصمت.
جلس امير بجوارها يزيل عبراتها بحنان ثم تحدث.
- ماما هو بابا كويس مش كدا، انا عارف أنه مش مسافر،ةعارف أنه تعبان وفي المستشفى، لو سمحتي يامامي طمنيني عليه.
رفعت عيناها الزابلة ونظرت إليه بذهول تتحدث بصوت متقطع.
- أمير انت كبرت امتى ياحبيبي وعرفت منين.
قالتها وهي تقبل كفيه.
حاوطها بذراعه وبكى بصوته الطفولي.
- بابا عايش ياماما صح، ولا هو راح عند بابا سليم.
ضمت ابنها بقوة وارتفعت شهقاتها وتحدثت بصوت باكي.
- لا ياحبيبي بابا كويس، هو بس تعبان، وهيخف ويرجعلنا بالسلامة.
احتضنت وجهه ومسحت دموع صغيرها وأردفت.
- ميرو، انت كبرت اوي ازاي مااخدتش بالي أن حبيبي كبر وبقى راجل يعتمد عليه، عشان كدا هياخد باله من أخته كويس لحد مابابا يرجعلنا بالسلامة.
رفع الصغير كفيه الذي يشبه والده وأردف.
- مامي انا متأكد أن بابي هيرجع، بس أنتِ بطلي عياط، بابي هيزعل منك اوي، لما يعرف انك على طول بتعيطي.
أشار إلى بطنها وتحدث.
- والنونو يامامي هيكون زعلان عشان بابي.
أطبقت على جفنيها لا تعلم اتسعد من حديث ابنها ام تبكي، كبر ابنها ذات السبع سنوات حتى شعر بها.
نهضت تمسكه من كفيه واتجهت إلى الخارج.
- تعالى نشوف كوكي بتعمل ايه، ممكن تاكل الكيك كله وتتعب وبابي يزعل منها.
قالتها حتى تخرج ذاك الصغير من حالته الحزينة.
بعد فترة من اطعام أطفالها، اتجهت إلى غرفتها حتى تستعد لزيارة زوجها والمبيت عنده كعادتها منذ شهر.
نظرت إلى الساعة وجدتها الخامسة مساء، اتجهت إلى مرحاضها وانعشت نفسها بحمام دافئ، ثم جلست تغمض عيناها عندما شعرت بوهنها وجسدها الضعيف، ذهبت بغفوتها لعدة ساعات تراه باحلامها، بضحكاته وهمساته العاشقة لها، اقترب يطبع قبلة على كرزيتها وهمس إليها.
- قومي يامولاتي نمتي كتير وحشتيني.
هبت من غفوتها تفتح جفنيها بتثاقل، تنظر حولها فوجدت الظلام يحاوط الغرفة، ورغم ظلامها إلا رائحته المندية لجفاف قلبها تنعش رئتيها، فردت جسدها على الفراش تلمس مكانه بيديها المرتعشتين، دفنت وجهها بوسادته تستنشق رائحته، احتضنتها فأصبحت رفيقة لياليها الحزينة المكللة بدموع فراقه، ذكرياته معها جعلت صدرها يختلج بإشتياقها المميت له، حسمت أمرها وتوقفت متجهة للخارج وهي تعزم على زيارته وإشباع روحها، ولا تتركه حتى لو كلفها الأمر النوم باحضانه إلا أن يفيق ويعود لها نبض قلبها الذي توقف عن الحياة، منذ غيابه بتلك الغيبوبة الغبية.
ركضت للخارج متجهة للمشفى، كفى شعورها بالأنهيار الكامل.
وصلت حيث غرفته، نظرت إلى أصدقائه بالخارج، ووضعت يديها أمامهم.
- كفاية محدش يقولي المفروض اعمل ايه، انا الوحيدة ال ليها الحق هنا.
اقترب نوح إليها.
- ليلى احنا قولنا ايه.
دفعته بغضب وعينان نارية رغم ذبولها.
- كفاية ضعف مني، دا لازم يفوق، انا مش هقعد واستسلم لكدا، سمعت كلامكم شهر كامل.
صاحت كالمجنون.
- لازم يفوق قبل ماابنه يجي على وش الدنيا، حتى لو اضطريت أن انام جنبه أربعة وعشرين ساعة.
قالتها واتجهت اليه.
بساقين مرتعشة، وقلبا يأن ألما، هي تحاول أن تكون قوية، ولكن كيف تستمد القوة وقوتها به وحده، تحركت بخطوات واهنة ، تصلب جسدها وكأن خنجرًا يدق بمنتصف قلبها من حالته التي تراه بها، اقتربت بخطوات بطيئة ورغم بطئها ولكن أنفاسًا مرتفعة، شهقة خرجت من فاههة وهي تجثو بجوار فراشه، رفعت يديها المرتعشة على وجهه الذي يوضع عليه التنفس الصناعي، شحوب وجهه الذي يحاكي الموت، وشفتيه التي تغير لونها، شهقات مرتفعة وهي تضع وجهها بصدره تبكي بنشيج وتصيح بإسمه.
- راكان كفاية كدا، ليلى بتموت من غيرك ياراكان، قوم لمولاتك، مولاتك انهارت معدش عندي قوة.
طبعت قبلة على وجنتيه تمسد على وجهه.
- حبيبي فوق بقى طولت قوي، ينفع توجع قلبي كدا.
رفعت رأسها تتجول بأنظارها على جسده الذي أصبح كأجساد الموتى، رفعت كفيه وقبلته ودموعها تنسدل بقوة على وجنتيها، ملست على وجهها، واقتربت تهمس له عله يشعر بأنين قلبها.
- بتعمل كدا فيا عشان تعرف أنا بحبك ولا لا، والله بحبك بجنون.
اجتاح كل خلية بجسدها بألمًا مفرط، وروحها تتمزق، وعبراتها التي تحولت لنيران تحرق وجنتيها.
رفعت ماسك تنفسه الصناعي ووضعت ثغرها تقبله بإشتياق، تكمل همسها له، ياله قوم أنا بعطيك قبلة الحياة، وانت رجعلي نبض قلبي معذبي، ألم تعلم أن القلب لا ينبض إلا بمعذبه.
سأظل بجوارك حتى تفتح جفنيك وترسل لي بسمة الحياة.
وضعت رأسها على صدره تمسد عليه ودموعها كمجرى لشلال.
فتح عيناه بتشوش، يتمتم بأسمها، حتى أعتدلت تنظر إليه وابتسامة تشق ثغرها قائلة.
- بارد ورخم حبيبي المغرور.
كأنه يحلم بها فأردف بلسان ثقيل.
- أنا فين.
اتجه ينظر إلى صورتها المشوشة أمام ناظريه.
ظل يفتح جفونه ويغلقها بألما، حتى رآها بوضوح.
ابتسمت وضغطت على زر استدعاء الأطباء.
هرول الجميع إلى الداخل وكان أولهم يونس الذي وصل إليه ويكاد قلبه يتوقف عن النبض.
ولكن استمع الى ماحطمه عندما أردف راكان وهو ينظر إلى ليلى ويدقق بصره بها متسائلا.
- إنتِ مين.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سيلا وليد
لا لقاءات بيننا
لكن أنا وأنت نعرف أن بيننا هذا الشعور
كلما ضاقت بنا الحياة أو اتسعت
ركض كل منا لروح الآخر ليجد بها
حضنًا يضمه دون لقاء.
نحكي... نضحك... وربما نبكي أحيانًا.
نطمئن قلوبنا... نضمد جروحنا.
نعيش كل شعور لم تسمح به الحياة ولا الظروف.
وبمعنى أدق نحيا داخل حروفنا.
***
ظهرت ملامحها بوضوح أمامه، فتساءل:
"إنت مين؟"
تصنم جسدها وشعرت بانسحاب الأرض تحت قدميها، وكأن كلماته سقطت فوق قلبها قبل عقلها كنيزك. دنت منه بوجهها تحتضن وجهه، ثم انحنت تطبع قبلة على جبينه، محاولة السيطرة على رجفة قلبها بما أخبرها به عقلها.
"حمدًا لله على سلامتك يا حبيبي."
نظر بأعين زائغة متعبة، وحاول أن يتحدث، ولكن بتر حديثه يونس عندما اتجه بخطوات سلحفية يقف بجوار ليلى المتصنمة بوقفتها.
"حمدًا لله على السلامة يا حبيبي"، قالها يونس بلسان مرتعش، عندما وجد نظراته الزائغة المشتتة.
أطبق على جفنيه متألمًا. وصل الطبيب، بينما توقف حمزة ونوح ينظرون لبعضهم بصدمة مع ذهول.
اتجه الطبيب إلى الجميع قائلاً:
"ممكن الكل يخرج برة."
ظل يونس يحدقه بنظرات ثابتة، فتحدث ونظراته إليه:
"لازم أعرف حالته. متنساش قبل ما أكون دكتور، فهو ابن عمي."
اتجه الطبيب يفحصه قائلاً بابتسامة:
"حمدًا لله على سلامتك يا راكان!"
ظل يطبق على جفنيه، وشعر بألم يفتك رأسه.
"إيه اللي حصل؟ مش فاكر حاجة."
هنا كور يونس قبضته وجذب ليلى المنكمشة بجواره.
"مدام ليلى لو سمحتي."
رفعت انظارها التائهة إليه تهز رأسها.
"إيه اللي بيحصل يا دكتور؟"
امسك يونس كفيه وقام بالكشف عليه والطبيب يفحص مؤشراته.
"نبضاته قلبه ضعيفة ليه؟"
نظر الطبيب في كشفه ورفع بصره إليه:
"عادي. إيه يا يونس، أومال لو مش دكتور؟ دا خارج من الموت."
هز رأسه رافضًا حديثه.
"حتى لو."
رفع ذراعه متألمًا.
"دماغي..." قالها بخفوت.
"راكان"، قالها يونس بهدوء حتى يلتفت إليه.
ظل يغمض عينيه متألمًا... وصرخ بصوت ضعيف:
"راسي آه."
دقائق والطبيب ينظر إلى حالته.
"راكان... سامعني؟" تساءل بها الطبيب.
دقائق مرت عليهم كالدهر وهو يضع رأسه التي تضمد بين كفيه المجروحين وصرخاته المتعالية. تم حقنه بمسكن، ثم تنهد ناظرًا إلى يونس بعدما ارتخت أعضاؤه.
"دا طبيعي، متخافش. لازم يقعد شوية على المسكنات لحد ما يرجع لطبيعته."
"معرفنيش"، قالتها ليلى ببكاء.
حمحم الطبيب وتحدث بعملية:
"مدام ليلى، إحنا لسه منقدرش نقيم الحالة. لازم يفوق، ونعمل تصوير، وإن شاء الله خير."
تحرك يونس بجوار الطبيب للخارج.
جلست بجواره، عندما خارت قواها، وشعرت بانهيارها.
مسحت على خصلاته بحب، ووضعت رأسها بجانب أنفاسه، بعدما أزال الطبيب جميع الأجهزة الموصولة به.
جذبت كفيه المجروح، وطبعت قبلة عميقة.
"هموت لو حصلك حاجة."
احتضنت كفه، تضعها تحت رأسها كالوسادة، ورفعت كفيها تضعها على وجهه.
"دلوقتي مش عايزة حاجة. المهم إنك رجعت لي، وصوتك هيملى حياتي، وعيونك هتنور دنيتي." قالتها ثم ذهبت بنوم عميق.
باليوم التالي بعدما نُقل إلى غرفة عادية.
دلفت بعد خروج حمزة يرافق الطبيب، ووجدته مازال غافيًا.
ابتسمت بحب على نومه الهادئ. جذبت مقعدًا وجلست بجواره. دلف يونس برفقة سيلين وزينب.
"عامل إيه؟ ما صحيش؟"
سحبت نفسًا واتجهت بأنظارها إليه:
"كل ما يصحى، الدكتور بيديله مهدئ. يعتبر ما فاقش عشر دقايق على بعض."
أومأ برأسه وتحرك متجهًا إليه لقياس الضغط والنبض.
"أحسن من الأول. الحمد لله"، همست بها ليلى.
تحركت زينب تجلس بجواره على الفراش، انحنت تطبع قبلة على جبينه.
"روح قلب ماما يا حبيبي. ربنا ما يحرمني منك يا رب."
ربتت سيلين على ظهرها.
"يارب يا ماما يارب."
ظلوا لفترة ثم نهض يونس.
"يالا حبيبي عشان نسيبه يرتاح."
نهضت زينب إلى ليلى.
"حبيبتي أنتِ منمتيش من امبارح. تعالي ارتاحي وشوفي العيال، وبعد كدا ارجعي."
هزت رأسها رافضة وهي تنظر إليه.
"لا يا ماما. أنا عارفة إنك مش هتقصري مع الولاد، وكمان هما متعلقين بقمر وطول الوقت عندهم."
نهضت وتوقفت أمامها.
"مش هرتاح إلا لما يفوق من الألم دا، ويرجع لينا يا ماما."
ربتت على ظهرها وتحدثت قائلة:
"حاولي تريحي على السرير اللي هنا جنبه. متنسيش إنك حامل."
تحرك يونس قائلاً:
"هوصلهم تحت وأرجع لك."
أومأت وجلست بجواره، حتى غفت من إرهاقها.
بعد عدة ساعات فتح جفنيه متألمًا، وجدها غافية بجواره. سحب كفيه بهدوء. شعرت به فتحت عيناها سريعًا.
"حبيبي محتاج حاجة؟ حاسس بأيه؟"
أغمض عينيه، وهناك أصوات تقاوم عقله، وشعور بآلام قوية بأنحاء جسده. صور أمامه لأصدقائه، صور زفافها مع سليم، صور بمزرعة نوح.
ضربت دماغه بقوة، احتضن رأسه يغمض عينيه.
دلف يونس بعد ضغطه على زر الاستدعاء.
"صحي."
أومأت برأسها. دنا منه متسائلاً:
"عامل إيه يا راكان؟ حاسس بأيه؟"
"دماغي هتنفجر يا يونس."
جحظت عيناه ينظر إلى ليلى فأشار بكفيه.
"حاسس بحاجة غير الصداع يا راكان."
هز رأسه رافضًا، ثم أشار على ساقه.
"إيه اللي حصل لرجلي؟ أنا مش فاكر حاجة."
جلس بمقابله وتحدث بهدوء.
"راكان مش فاكر الحادثة."
حرك رأسه بتألم وضغط على شفتيه الباهتتين بضعف، ثم وزع نظراته عليهم.
رفع بصره لليلى الصامتة وتساءل:
"فين سليم؟"
استفهام مؤلم خرج من بين شفتيه.
أطبقت على جفنيها بألم من سؤاله الذي اخترق ثنايا قلبها الذي احترق ألمًا. ثم نهضت متحركة للخارج سريعًا ودموعها تفترش أمام. كم هو مؤلم شعورها الآن. لقد فقد زوجها ذاكرته الخاصة بها.
جلست بالخارج واجهشت بالبكاء تهز رأسها رافضة ما يحدث. دلف الطبيب إليه بعد استدعاء يونس.
بعد فحصه لراكان، خرج برفقته نوح.
"عنده فقدان جزئي للذاكرة. يعني فيه مدة معينة وهي الفترة اللي قال عليها. آخر حاجة فاكرها لما كان رايح لك."
"طب والعمل؟ دا ممكن ياخد وقت؟"
ربت الطبيب على كتفه وتحدث:
"نوح أنت دكتور وعارف الحاجات دي مالهاش وقت. ممكن بعد ساعة يفتكر، ممكن شهر، ممكن سنة. الله أعلم. بس إحنا عملنا أشعة، وكله تمام. الحمد لله. بس محتاجين صبر وشوية وقت. وكمان حاولوا تتكلموا معاه على حياته الإيجابية."
أومأ نوح متفهمًا، وتحرك بعد مغادرة الطبيب إلى الجالسة بروح محترقة. جلس بجوارها.
كم هو مؤلم عندما تعجز عن مواساة شخص عزيز في فقد شخص عزيز. وهنا ليس عزيز فقط، ولكن فقدت روحها وقلبها عندما نسي أهم فترة بحياته.
ربت نوح على كتفها.
"ليلى متزعليش، إن شاء الله هيفتكر كل حاجة. دا أهم وقت راكان محتاجك فيه."
استخرطت بالبكاء وأخذت تتنفس بشكل هستيري.
"عايزين أقوى إزاي يا نوح وهو مش فاكر أهم حاجة؟ قولي إزاي هتعامل معاه؟"
حاول أن يهدأها عندما انهارت أكثر بالبكاء.
وضعت كفيها على وجهها تنهدت بحزن تحاول السيطرة على البكاء.
"لازم يفتكر. لازم أعمل حاجة. شهر في غيبوبة، وشهر على المسكنات. هستنى لأمتى لحد ما أولد ويقولي الولد دا ابن مين؟ هيقابل ولاده إزاي؟ وإزاي هفهمهم في سنهم دا إنه مش فاكرهم." قالتها ونهضت متحركة إليه. قابله يونس توقف أمامها.
"مدام ليلى فيه حاجة لازم تعرفيها."
"راكان مش فاكر إنه اتجوزك. هو كل اللي فاكره إنك متزوجة أخوه."
ارتجف جسدها وانسابت عبراتها.
"يعني لسه ما يعرفش إن سليم مات؟"
أومأ يونس ونظر للأسفل حزنًا.
شهقت واضعة كفيها فوق فمها متراجعة والصدمة تخترق روحها تهذي بكلمات غير مفهومة. فرفعت نظراتها المشتتة.
"يعني أصعب فترة لينا إحنا الاتنين."
وصل حمزة إليهما يوزع نظراته عليهما.
"مالكم واقفين كدا ليه؟"
"راكان مش فاكر حاجة غير يوم فرح سليم وهو رايح لنوح."
قطب جبينه وضيق عيناه متسائلاً:
"يعني إيه مش فاهم؟"
"يعني فقدان جزئي للذاكرة يا يونس."
تركتهم ليلى ودلفت للداخل بهدوء تضع كفيها على صدرها الذي أعلن عصيانه بالنبض العنيف.
دلت بخطواتها الضعيفة المتهالكة نحوه. كان يستند بظهره على الوسادة مطبقًا على جفنيه.
شعر بوجود أحد بالغرفة، ولكنه لم يفتح عينيه، وظل على حالته. انعقد لسانها وتاهت الكلمات ولم يكن لديها القدرة للتحدث. لا تعلم بماذا ستتحدث، وهي الآن عدوته. ترى هل سيفعل بها كمثل تلك الفترة.
وصلت إليه وطافت بعينيها على ملامحه الباهتة، فهمست بشفتين مرتعشتين:
"راكان."
فتح عينيه سريعا عندما استمع إلى صوتها.
دقق النظر إليها فهز رأسه دون حديث. دنت منه عندما وجدت نظراته الهادئة إليها.
جلست بجواره ورفعت كفيها على وجهه. لقد اشتاقت إلى النظر إلى شمسه التي انطفأ بريقها بسبب غيبوبته.
تعانقت بعينيه فهمست عندما وجدت صمته.
"حاسس بأيه؟"
أنزل كفيها من فوق وجهه، وأجابها:
"كويس الحمد لله. فين سليم؟ ليه مجاش لحد دلوقتي؟"
بتر حديثهما أسعد الذي دلف بلهفة أب فقد عزيزه وبجواره خالد وجلال أخويه.
"حبيبي عامل إيه؟"
ابتسم إلى والده ثم تحدث بهدوء:
"الحمد لله يا بابا."
رفع بصره وتساءل:
"فين سليم؟ كل ما أسأل حد ما يجاوبش."
شهقة ملتاعة خرجت من والده، ثم انسابت دمعة عبر وجنتيه.
"حبيبي أخوك الله يرحمه. قابل وجه كريم من سبع سنين."
ثم رفع نظره إلى ليلى واسترسل بإبانة.
"وليلي أنت اتجوزتها بعد موته. وعندكم ولاد دلوقتي."
رفع نظراته إليها فكانت نظراته خاوية كالصحراء القالحة. شعر بجحيم مستعر كأن هناك نارًا موقدة أشعلت بصدره، لما لا وهو يشعر بوحشة فراق أخيه كحيوان بري يلتهم لحمه وعظمه دون رحمة. نظر إليها وصورتهما وأخيه يقبلها.
تسطح على الفراش دون حديث وهناك بعض الذكريات التي بدأت تضرب عقله دون رحمة، فاطبق على جفنيه متحدثًا.
"بابا تعبان وعايز أرتاح. ممكن الكل يسيبني أرتاح."
نهض أسعد يمسد على خصلاته، ثم انحنى يطبع قبلة حانية وتحدث متسائلاً.
"حبيبي حاسس بأيه؟"
وضع كفيه على جبينه وأجابه:
- صداع يابا. صداع بيجي فجأة صعب.
ربت على كتفه وتحدث:
- أنت خرجت من الموت بأعجوبة حبيبي، وإن شاء الله مع الوقت الصداع هيروح بالعلاج.
رسم ابتسامة وأطبق على جفنيه مدعيًا النوم.
اقترب خالد وتحدث:
- حمد الله على سلامتك يا أسد. يالا عشان ترجع لنا بسرعة.
- إن شاء الله يا عمي.
خرج الجميع. سواها جذبت مقعد وجلست بجواره. رفعت كفيها ومسحت على خصلاته اعتقادًا أنه ذهب بالنوم.
انحبس النفس بصدره ولا يعلم لماذا عندما لمسته. دفع كفيها بغضب:
- أنا قولت عايز أرتاح. إيه ما بتسمعيش؟
كتمت صرخة مصعوقة جاشت بصدرها وتراجعت بكفيها قائلة بتقطع:
- مينفعش أسيبك لوحدك.
غرز نظراته النارية بعمق عينيها مردفًا:
- ليه طفل وعايز الرضعة؟ امشي من وشي. مش عايز حد في الأوضة.
انهارت حصونها وتراجعت للخلف، وترقرق الدمع بعينيها. حبست عبراتها التي جرحت جفنيها بقسوة من أناتها المتوجعة بخناجر مغروزة بصدرها. استدارت بهدوء للخروج، ولكن تسمرت بوقوفها عندما أردف:
- معرفش اتجوزنا إزاي، وإيه اللي حصل. بس اللي متأكد منه إنك السبب في موت سليم.
انتفض جسدها، وكادت أن تختنق من اتهامه التي مزقت روحها.
سحبت نفسًا طويلًا تعبأ به صدرها المجروح وأخرجته على مهل، ثم اتجهت ووقفت بالقرب منه:
- ياريت ما تتكلمش في حاجة عشان ما ترجعش تندم بعد كده.
ابتسم بسخرية ونظر إلى بطنها:
- ده المدام حامل كمان؟ لدرجة دي استحوزتي عليا وحملتي؟ ولا يمكن حملتي من ورايا؟ ده لو كان ابني أصلًا.
هنا فاق الألم قلبها حتى شعرت بتفتيته. وأقسمت أنه أحرق روحها بالبطيء حتى تمنت من بارئها أخذ روحها. أطبقت على جفنيها وانسابت عبراتها التي تمردت رغما عنها. ورغم ذلك...
انحنت بجسدها ودنت حتى اختلطت أنفاسهما. تمنت حينها أن يضمها لتشبع روحها الغائبة عنها بقربه. فهمست له:
- هتندم يا راكان. أنا عاذراك عشان الحادثة ماثرة عليك. ارجوك بلاش تجرحني بالكلام. مش عايزة منك غير إني أكون جنبك وبس.
انسابت دموعها كزخات المطر. فرفعت كفيه ووضعتها على شقها الأيسر المتألم:
- لازم أكون قريبة منك عشان ده. بلاش تموتني حبيبي لو سمحت. ووعد مني بعد ما تفتكر كل حاجة لو طلبت مني أمشي، أو حتى طلقتني مش هلومك وقتها.
رجفة أصابته من دموعها وحديثها الذي أدمى قلبه. ورغم ذلك سحب كفيه وأشار بعينيه إلى الباب:
- اطلعي برة. وشوفي الدكتور عايز أفُك الجبس ده عشان أرجع بيتي.
اعتدلت وتنهيدة طويلة متعبة خرجت من بين شفتيها. ثم أومأت برأسها وتحركت دون حديث.
بمنزل حمزة ودرة.
جلست تطعم سيف ورضوى ابنائهما. كان شارداً بجلوسه. أنهى أطفالها طعامهم ثم نهضت متجهة إليه:
- حبيبي مالك!
استدار معتدلًا بجلسته يضم كفيها بين راحتيه:
- مفيش ياقلبي. قلقان بس عشان راكان.
قطبت جبينها متسائلة:
- أنا لسه قافلة مع ليلى وبتقولي اتحسن كتير. وكمان هيفك الجبس من رجله النهاردة.
تراجع بجسده للخلف وأغلق عيناه:
- راكان مش فاكر حاجة من يوم فرح سليم يا درة. ذاكرته مش مساعدة.
أومأت برأسها:
- أيوه يا حمزة، ما أنا عارفاه. وطبيعي بعد الحادثة دي. والحمد لله إنه مفقش الذاكرة خالص. بس اشمعنى الوقت ده كله؟
كور قبضته وأجابها بهدوء:
- نصيبه الحلو إنه ما يفتكرش أجمل أيامه. رفع بصره إلى درة: تعرفي أنا مشفتش راكان سعيد إلا بعد جوازه من ليلى. حتى وهم متخانقين، كنت بشوف لمعة السعادة بعيونه. والسعادة دي كبرت بعد ما خلف كيان. وأنتِ عارفة الباقي.
تنهدت درة بحزن وأردفت:
- وليلى ياحبيبتي تعبت أوي. إزاي هتقدر تواجه تاني وهي حامل كمان؟
سحب نفسًا وزفره:
- خايف من كده. خايف راكان يأذيها ويرجع يندم ندم عمره.
هزت رأسها رافضة حديثه:
- لا مستحيل. لا راكان بيحبها. مستحيل يأذي ابنه.
مسح على وجهه واضعًا كفيه على وجهه:
- ده لو فاكر إنها بتحبه. يونس لسه مكلمني بيقولي. قالها انت السبب في موت سليم.
شهقة خرجت من فمها تهز رأسها رافضة ما يحدث.
- ربنا يعين ليلى على اللي جاي.
بفيلا مهجورة على طريق إسماعيلية الصحراوي.
كان يجلس يتجرع من الخمر الذي حرمه الله وهو يمسك صورتها ويتحسسها بيديه. استمع إلى رنين هاتفه.
- أيوه يا مسعد.
- أمجد راكان فاق من الغيبوبة. بس فقد الذاكرة. الأخبار دي لسه واصلة لي من المستشفى حالا.
اتجه للنافذة وبدأ يتجرع من الكحول ما يذهب العقل. ثم تحدث:
- كويس أوي. خلي عينك عليه. وأي تطورات جديدة عرفني.
ألقى نفسه فوق الأريكة وأمسك هاتفه:
- ليلى. ليلى. خلاص هانت ياروحي. لو مش الحقيرة اتصرفت من دماغها كنتي زمانك في أحضاني دلوقتي.
قام بمهاتفة عايدة:
- مدام عايدة أخبارك.
زفرت بغضب:
- راكان ممتش يا أمجد. وده مكنش اتفاقنا. لازم يموت.
تجرع كأسه مرة واحدة وأجابها:
- ليلى تيجي عندي. وبعد كده هخلص لك عليه. المهم ليلى يا عايدة.
تأففت بضجر وأردفت:
- أمجد ليلى حامل دلوقتي وفي شهرها السابع. يعني انسى تقرب منها. عندي خطة بس مش هتنفع إلا لما تولد. وأه الشرطة عينها علينا أوي بلاش تقرب من عيلة البنداري. عاملين حصار بعد حادثة زفت راكان.
- تمام يا عايدة هانم. أي جديد عرفني. ومتنسيش. الرقم ده متكلميش حد منه غيري.
سلام. قالها أمجد وأغلق هاتفه ثم ألقاه وذهب بنومه.
بالمشفى وخاصة من أمام غرفته.
تجلس بكتفين متهدلين وعينان انطفأ بريقها. تراجعت بظهرها على المقعد. تضع كفيها على أحشائها بملامح يكسوها الألم.
وصلت أسما تجلس بجوارها تربت على كتفها:
- ليلى عاملة إيه ياقلبي؟
- الحمد لله. الحمد لله كتير أوي يا أسما. المهم هو عايش ونفسه في الدنيا. دي أهم حاجة عندي. بكرة يفتكر. حتى لو متذكرش وفضل كده. كفاية أشوفه قدامي وأسمع صوته.
انسابت عبراتها وارتجف جسدها من شهقات بكائها:
- على الأقل ولاده ما يبقوش من غير أب. مش مهم أنا حتى لو فضل يكرهني. المهم ولادي وهو عندي.
ضمتها أسما إلى أحضانها. وكأنها كانت تنتظر ذاك الحضن. فبكت بصوت مرتفع.
حتى وصل إليه بالداخل. عم الصمت بداخل الغرفة. نهض نوح متجهًا للخارج للاطمئنان عليها. ولكن توقف عندما استمع إلى حديثه:
- خليها تمشي يا نوح. مش عايز أشوفها. ولا أسمع صوتها.
كور نوح قبضته واستدار لمحاكاته. ولكن أشار يونس له:
- نوح أصلًا كان جاي ياخدها. بقالها أسبوع هنا ما راحتش والولاد بيسألوا عليها.
سحب نوح نفسًا وطرده على عدة مرات ثم أردف:
- هتمشي يا راكان. بس قبل ما تمشي. عايز أقولك الدنيا اتغيرت بينكم. وبقى عندك بنت. وهي حامل دلوقتي.
أطبق على جفنيه وهمس:
- مش عايز أشوفها. خليها تمشي قولت. أردف بها بصوت مرتفع حتى شعر بتألم صدره.
خرج نوح وجدها بحالة لا ترثى لها. عيناها المنتفخة. ووجهها الشاحب.
بسط كفيه وتحدث:
- ليلى تعالي أروحك. كيان مش مبطلة عياط وعيزاكي. يالا حبيبتي يونس هيفضل معاه.
هزت رأسها رافضة:
- مش هسيبه متحاولش ولا انت ولا هو. هفضل هنا وده أخر كلام.
جلس على عقبيه أمامها:
- ليلى راكان كل اللي فاكره من علاقتكم. جوازك من سليم وبس. اللي بعد ده كله منسي. والدكتور بيقول مفيش وقت محدد. مش عايز أزعلك حبيبتي.
أمسك ذراعها وحاول إيقافها. ثم أشار إلى أسما:
- ليلى يالا.
دفعت يديه وتحدثت بغضب:
- قولتلك مش هسيب جوزي يا نوح. ثم نهضت متحركة إلى الداخل.
- محدش له حق هنا يقولي أعمل إيه سمعتني. أنت جوزي. عايز تقتنع اقتنع مش عايز أنت حر.
أغمض عيناه وأشار إلى يونس:
- يونس اطلعوا برة وخدوها معاكم عايز أرتاح.
اتجه يونس بهدوء إليها:
- مدام ليلى يالا.
ربعت ذراعيها على صدرها:
- هنرجع البيت مع بعض. ممكن حضرتك تمشي. أنا مش هتحرك يا دكتور. قالتها واتجهت إليه تجذب المقعد تجلس عليه. محاولة السيطرة على نفسها حتى لا تنهار أمامه. يكفي ليلى. لازم يفوق زي ما الدكتور قال.
خرج يونس عندما وجد صمت راكان. أخرجت هاتفها وهاتفت أولادها:
- ميرو حبيبي عامل إيه.
- الحمد لله يا مامي. هترجعوا امتى وبابي عامل إيه؟
اتجهت بنظرها إليه واجابته:
- بابي كويس حبيبي وبيسلم عليك. كوكي بتعمل إيه.
- كوكي جنبي مع أنطي داليا. بتلون في النوتس بتاعها.
- مامي انتي وحشتيني. وبابي كمان.
انسابت دمعة أزالتها سريعا ثم اردفت:
- كوكي متتشاقيش واسمعي كلام أنطي داليا. وبلاش تروحي عند البيسين.
فتح عيناه وتحدث:
- ممكن تليفوناتك دي تعمليها برة.
أغلقت هاتفها بعد إنهاء مكالمتها. ثم نهضت متجهة إليه تعدل من وضعية نومه قائلة:
- حاول تخلي راسك معدولة على المخدة عشان متحسش بتشنجات.
تجمد جسده من قرب أنفاسها ورائحتها التي تسربت إلى رئتيه. وكأنها سهام مسمومة هزت كيانه وتثاقلت أنفاسه شيئًا فشيئًا حد الاختناق عندما تذكر انتمائها لأخيه.
حاول الابتعاد بجسده عن ذراعيها. حينما أصبح بأحضانها. ولكنه لم يقو. صاح بغضب:
- ابعدي عني ما تلمسينيش قولتلك.
ابتسمت من بين حزنها. ودنت منه:
- ليه خايف قربي يأثر عليك؟ اقتربت حتى اختلطت أنفاسهما تنظر لشمسه التي تسحرها كالمنوم المغناطيسي ثم همست بالقرب من شفتيه:
- ماهو انت كمان بتأثر فيا. رفعت كفيها على خصلاته مرة وعلى ذقنه التي طولت بعض الشئ.
- حتى وأنت تعبان خاطف قلبي.
دفعها بقوة بعيدًا عنه:
- اطلعي برة بدل ما أخليهم يرموكي برة.
انسابت عبراتها من محاجرها وخرجت الكلمات متقطعة:
- تمام أهدى هطلع. ايدك بتنزف.
أشار بسبابته:
- قولت لك امشي. لو عندك كرامة.
استدارت بخطواتها المتهالكة كقلبها النازف بعد سماعها كلماته التي أحرقها. تلاحقت أنفاسها وهي تسرع لخارج الغرفة. وعبراتها تفرش طريقها.
دلفت الغرفة التي بجاوره. وضعت كفيها على فمها تمنع شهقات بكائها. تود أن تصرخ من أعماق قلبها على وصل الحال بها. جلست تضع كفيها على أحشائها متألمة. اتجهت إلى الفراش وألقت نفسها عليه. تدعو من ربها ألا تستيقظ أبدًا.
ولكن كيف أن تغمض عيناها وحبيب روحها ومعذب قلبها لم يشعر بآلامها.
أصبح وجهها شاحب. مع حزنها الصامت الذي أحرقها.
دلفت الممرضة:
- مدام ليلى حضرتك كويسة؟
ابتسامة ضعيفة خرجت من بين شفتيها عندما ظنت أنه من أرسلها فتسائلت:
- هو اللي بعتك؟
أومأت الممرضة برأسها وقامت بحقنها:
- قالي لازم تاخدي الحقنة دي عشان ترتاحي. وهو هيبعتلك لما تصحي الدكتورة نورة تشوفك.
قطبت جبينها وأردفت متسائلة:
- قصدك مين؟
ابتسمت الممرضة وأجابتها:
- دكتور يونس طبعًا.
أطبقت على جفنيها وهمست عندما شعرت بتخدرها:
- تمام، سيبيني عايزة أنام.
تمر الأيام والخوف لا يمر، بل ذبحها بفكرة افتقاده وابتعادها عنه. اليوم هو اليوم المقرر لخروجه من المشفى.
دلفت بجوار درة وزينب:
- صباح الخير يا حبيبي.
ابتسم لها:
- صباح الخير يا حبيبتي.
رفع نظره للتي تقف تستند على النافذة بوجهها الشاحب وعيناها الذابلة، فتحدث:
- ماما جاية ليه! يونس ونوح بره.
اقتربت درة بحذر ثم تحدثت:
- حمد الله على سلامتك يا حضرة المستشار.
أومأ برأسه ورسم ابتسامة:
- شكرًا.
اعتدل حتى ينهض، أوقفته زينب:
- ليلى تعالي ساعدي جوزك.
رفع كفيه أمامها:
- ملوش داعي يا ماما، أنا مش عاجز. خلي الباشمهندسة مرتاحة.
اقتربت تجلس بجواره تربت على كتفه:
- حبيبي، عارفة إنك مش عاجز، بس محتاج مساعدة ومراتك أولى إنها تساعدك.
رفع بصره إليها وتقابلت النظرات:
- آسف يا ماما، أنا مش فاكر غير إن الباشمهندسة مرات أخويا، الله يرحمه.
رفعت زينب كفيها على وجنتيه وانسابت دموعها:
- أخوك عند ربنا أكتر من ست سنين، حبيبي ربنا يرحمه، وانت اتجوزت ليلى وهي دلوقتي حامل في ابنك، وعندك بنت تاخد العقل.
أطبق على جفنيه عندما أصابته حالة غريبة يشعر بها في خضم أحاسيس أرهقته وأثقلت كاهله بالتفكير منذ أن فاق وعلم أنها زوجته.
رفع بصره إليها واخترقها بنظراته متسائلاً:
- إزاي اتجوزتها يا ماما؟ وهي وسليم كانوا بيحبوا بعض، إزاي رضيت آخد حق مش حقي؟ أنا فاكر كويس حب سليم ليها.
ضغطت على ثيابها بقوة وهي تهز رأسها رافضة حديثه.
صمتت زينب لثوانٍ تقاوم غلالة دموعها التي استحوذت عليها، ثم أطلقت تنهيدة مرتعشة:
- أخوك عمل حادثة، وليلى كانت حامل في ابن سليم، وجدك هددها إنه ياخد الولد.
اتجهت بنظرها إلى ليلى وأردفت ما جعل ساقيها كهلام، ثم أردفت:
- وأنا أجبرتك تتجوزها عشان تحمي ابن سليم، وليلى ما ياخدوهاش ويمشي، خصوصًا ابن عمها عرض عليها الجواز وكان موافق إنه يربي الولد.
تهكم بسخرية:
- هتقوليلي يا ماما! أنا أكتر واحد عارف معجبين المدام.
لا تعلم لما ابتسمت من كلماته، أشاحت ببصرها بعيدًا عنه وتوسعت ابتسامتها. رفع حاجبه ساخرًا وأردف حتى يمنع تلك الشفاه التي تمنى أن يسحقها الآن:
- الحمد لله طمنتيني يا ماما إنك غصبتيني على الجواز، فكرت إني اتجوزت المدام برضاي.
قاطعته ليلى عندما استدارت ووصلت إليه تجذبه من ذراعه:
- أنا بقول كفاية كلام يا حضرة النايب، لسه خارج من حادثة، وعشان نعرف نرجع عقلك الهربان.
ابتسمت زينب، ثم أشارت إلى درة التي كانت تقف بصمت رغم حزنها الكامن على أختها.
تحركت زينب ودرة إلى الخارج بعدما تحدثت:
- ليلى ساعدي جوزك يا بنتي.
نزع ذراعه منها بغضب ونظر إليها نظرات جحيمية:
- لو قربتي مني تاني هأندمك.
وضعت ثيابه بالحقيبة وكأنها لم تستمع إليه، ثم اتجهت إليه تضيق عيناها:
- لا يا حبيبي، هقرب وأقرب أكتر، وإياك يا راكان تتكلم معايا بالطريقة دي تاني.
جذبها بذراعه السليم حتى سقطت بجواره على الفراش متأوهًا:
- أومال لو مش متجوزك غصب كنتي عملتي إيه.
أطلقت ضحكة بعدما نسيت كيف الضحكات ودنت منه:
- أنا فرحانة بيك يا حبيبي، عارف ليه؟
نظرات نارية أراد أن يحرقها بها من قربها الذي أضعفه.
دنت وهمست أمام شفتيه كادت أن تلامس خاصته قائلة:
- المهم تنيني رجعلي بالسلامة، وبدأ يبخ نار ويعمل فيها سوبر مان.
جذب رأسها واقتنص ثغرها على حين غرة منها، مبتلعًا حروفها. ظل يقبلها بعنف ليثبت لنفسه أنها ليست سوى عدوته التي ألقت به في غيبات الجب. حاولت دفعه عندما شعرت بدماء شفتيه، انسابت عبراتها حتى تذوقها، ثم ألقاها بعيدًا عنه وكأنها عدوى.
- مش ده اللي انت عايزه، بس مش ذوقي.
قالها ثم نهض يتحامل على نفسه واقفًا وتحرك للخارج وكأنه لم يفعل بها شيئًا.
جلست بقلب ممزق وروح محترقة وعيناها تدفع الدمع بالدمع رافضة ما فعله. همست لنفسها:
- مين ده؟ ده واحد معرفوش.
توقفت تجمع أشياءه وتحركت للخارج بعدما أعدلت من وضعية حجابها، ثم تحركت للخارج. وجدت زينب ودرة بجوار يونس، بينما هو تحرك مع نوح وحمزة.
رفعت درة نظرها إلى شفتيها المجروحة وعلمت بما صار بالداخل. اقتربت تربت على كتفها:
- عاملة إيه حبيبتي!!
ابتسمت لها وأردفت:
- أنا الحمد لله كويسة، ليه بتسألي؟
رفعت أناملها تضعها على شفتيها.
استدارت بعيدًا ثم حملت الحقيبة وتحركت دون حديث.
وصل الجميع إلى قصر البنداري بعد فترة، كان الجميع بانتظارهم. تحركت سيلين تحتضنه بكل شوق:
- حبيبي حمد الله على السلامة، نورت البيت.
بينما عاصم والد ليلى وكريم أخاها:
- حمد الله على سلامتك يا حضرة المستشار.
أومأ ورسم ابتسامة.
تحرك إلى والده الذي وقف بجوار أخيه جلال:
- نورت البيت والدنيا كلها يا ابني.
- شكرًا يا بابا.
قالها وهو ينظر بجميع أرجاء المنزل، ثم تساءل:
- توفيق باشا مش عايز يقابلني ولا إيه.
ربت جلال على كتفه:
- جدك الله يرحمه يا حبيبي.
قطب جبينه: هو أنا غايب كتير!
استدار إلى حمزة وتساءل:
- هو إيه سبب الحادثة؟ إزاي عملت حادثة تخليني مش فاكر دا كله.
حمحم حمزة مردفًا:
- راكان ارتاح دلوقتي وبعدين نتكلم، انت لسه خارج من المستشفى، والدكتور بيقول متحاولش تضغط على نفسك عشان ميحصلش انتكاسة.
أسرعت كيان التي كانت بالحديقة:
- بابي جه! وحشتني بابي.
قالتها وهي ترفع يديها حتى يحملها.
- مين دي؟
حملها يونس ثم طبع قبلة على وجنتيها:
- كوكي شوفتي بابي رأسه متعورة إزاي! بابي تعبان ولما يشيل البتاعة الوحشة دي، هيشيل كوكي كتير.
ألقت نفسها على راكان، ويونس يحملها ثم طبعت قبلة على وجنتيها:
- بابي وقع وهو بيجري ورا القطة يا عمو، وراسه جابت دم كتير عشان كدا مربوطة.
رفع كفيه على وجنتيها وابتسم، طفلة جميلة بريئة تجمع الكثير من ملامحه، عيناها الذهبية التي باللون الشمس وخصلاتها التي بسواد الليل. انحنى متألماً:
- كيان.. همس بها.
صفقت بيديها:
- بابي أخيرًا رجع من السفر.
أمسكت كفيه وبدأت تحسب له على أنامله:
- انت مشيت بعيد أوي، ومامي قالت بكرة بابي هيرجع.
بس يابابي بكرة دي مكنش تيجي خالص، دي بكرة ودي بكرة. اد إيدك كلها لحد ما كوكي زهقت.
ابتسامة أنارت وجهه، فأشار إلى يونس:
- يونس قربها، عايز أبوسها.
هنا بكت ليلى بصوت مرتفع، ثم تحركت سريعا إلى غرفتها. كانت نظراته عليها. حاوط ابنته التي يحملها يونس، يستنشق رائحتها مطبق العينين ثم همس:
- روح بابي إنت.
يا قلب بابي. خرجت من أحضانه تطبع قبلة على وجنتيها.
"كوكي بتحب بابي كتير، اد مابابي بيحب مامي."
صدمة ألجمت لسانه حتى رفع نظره إلى يونس.
"عايز أقعد."
أنزل يونس كيان بهدوء.
"كوكي روحي ألعبي مع قمر. بابي تعبان هيرتاح وبعدين يقعد مع كوكي."
وصل أمير بجواره سيف ابن حمزة. توقف للحظات أمامه ينظر إليه باشتياق، فأردف بصوته الطفولي:
"بابي حضرتك رجعت."
كان جالساً على الأريكة مغمض العينين. فتح عيناه ينظر لذاك الطفل الذي يبلغ عمره ما بين الست والسبع سنوات. هذا ما أرجعه راكان.
أشار له بيديه وانتظر كلامه.
"إزيك يا حبيبي."
قالها بتجاهل. ظل يدقق بملامحه، رفع نظره إلى والده.
"دا ابن سليم."
دنى أمير منه واحتضنه.
"وحشتني يا بابا."
بكت زينب على كلمات راكان عندما تحدث بتلك الكلمات.
حاوطه بذراعه ثم طبع قبلة على جبينه.
"حبيبي وانت كمان وحشتني. أمير ياسيدي شكلك وحشه أوي، كل يوم يسأل عليك."
جذبه وأجلسه بجواره، يدقق النظر به. مسد على رأسه ثم تحدث:
"كبرت يا أمير وبقيت راجل."
رفع أمير كفيه على جروحه التي تظهر برأسه.
"بابي بتوجعك أوي."
قبل كفيه وأجابه:
"لا يا بابي. أنا كنت بسأل مامي على طول وعملت معاها زي ما حضرتك علمتني. مكنتش بخليها تعيط. بس كل ما أسيبها وأمشي أرجع ألاقيها بتعيط. كانت خايفة عليك أوي. أنا سألتها حضرتك روحت عند بابي، هي زعلت أوي وقالت لي لا بابي هيرجعنا. كنت خايف لتكون بتضحك عليا يا بابي. بس مامي طلعت مابتكذبش الحمد لله وحضرتك رجعت بالسلامة."
صمت الطفل ورفع نظره إليه مرة أخرى وأمسك كفيه وتحدث:
"مش هتخلي مامي تبكي تاني. أنا كنت بعيط زيها يا بابي عشان خفت عليك أوي. خفت ما يكونش عندي أب أنا وكوكي."
ضمه بقوة وانسابت عبراته رغماً عنه. طبع قبلة على رأسه وتحدث بصوت متقطع:
"لا يا حبيبي أنا معاكم ومستحيل أسيبكم إن شاء الله."
أزال الطفل دموعه.
"هو حضرتك هتعيط زي مامي."
"يونس ساعدني عايز أرتاح."
قالها عندما شعر بفقدان سيطرته على نفسه.
صعد إلى غرفته. توقف يونس أمام باب جناحه.
"ادخل براحتك. مينفعش أدخل هتلاقي مدام ليلى جوا."
صدمة أذهلته للحظات يستوعب حديث يونس.
تحرك يونس مغادراً، بينما هو تخطى إلى الداخل، وكأنه يتحرك على جمرات نارية. أمامه صورها فقط وهي بجوار أخيه. صور بدأت تضرب عقله بقوة. وتخيلاته وهي تجلس بأحضانه. صورة خلف صورة جعلت عالمه ينهار. تحرك للداخل وجدها تحتضن نفسها كالجنين وتبكي بصمت.
اعتدلت تزيل عبراتها سريعاً، ونهضت متجهة إليه، تستند على الجدار. أمسكت كفيه وحاوطت خصره إلى أن وصل إلى فراشهما. جلس بألم.
ساعدته في التسطح، وجلبت له ثيابه.
جلست أمامه دون حديث. كان ينظر إليها يحاول أن يكتشف كيف كانت علاقاتهما.
ساعدته بتغيير ثيابه دون حديث من أحدهما. تسطح مستنداً بظهره على الفراش. نظر إلى بطنها التي إن دلت تدل عن حملها بشهورها الأخيرة.
استدارت متحركة ولكنه أوقفها.
"لحد ما أرجع أتذكر مش عايزك معايا في الأوضة. ويا ريت عشان يبقى بينا احترام متبادل قدام العيلة متحاوليش تقربي مني مهما حصل. ودلوقتي خدي كل حاجة متعلقة بيكي من الأوضة."
استمعت إلى طرقات على الباب. تحركت لتفتحه.
"ليلى علاج راكان. وفيه دكتور علاج طبيعي هيجي من بكرة عشان ضهره ورجله."
أومأت لها، ثم تناولت طعامه وأدويته. دلفت إليه وجدته يقوم بإشعال تبغه الذي كان يوضع بجواره على الكومود.
وضعت الطعام واتجهت إليه سريعاً:
"على ما أعتقد حضرتك مش طفل عشان تشرب سجاير وانت لسه طالع من المستشفى."
دفعها بقوة حتى سقطت على الأريكة خلفها. ورغم خوفه عليها عندما صرخت متألمة تمسك أحشاءها، إلا أنه أشار بسباباته:
"لو قربتي مني تاني هكسرلك إيدك. بلاش تتخطي حدودك معايا. قولتلك أنا مش فاكر غير واحدة حقيرة كسرتني أنا وأخويا وبس."
اتجهت إليه وجلست بجواره.
"راكان حبيبي أنا ليلى مراتك وحبيبتك. إزاي قدرت تنساني بعد الحب اللي بينا دا كله."
دنت تمسك كفيه ونظرت إليه.
"ممكن العقل ينسى حاجات بس القلب مستحيل."
وضعت كفيها على شقه الأيسر.
"ده مرتاح وأنت شايفني بتعذب كدا."
أطبق على جفنيه صارخاً بها:
"امشي من قدامي. حبك اللي هو إنك تتجوزي أخويا. ده قصدك."
ظهرت آلام صدره على وجهه، فاعتدلت تهز رأسها.
"خلاص اهدى. ارتاح دلوقتي وبعدين نتكلم."
نفث تبغه ونظره إليها بألم.
"مفيش حاجة نتكلم فيها يا مدام. أنا فاكرك كويس. وزي ما سمعتي من أمي شكلها ضغطت عليا أوي عشان أتجوز واحدة كسرتني. إنما إزاي رضيت أجيب منك ولاد ده هيجنني."
نفث تبغه حتى اختفى خلفه وأكمل ما شم ظهر البعير.
"أكيد اتفقنا على حاجة. أو يمكن كنت مش في حالتي وأنت إغراءاتك كتيرة."
قالها وهو يرمقها بنظرات وقحة. ثم أشار بكفيه ينظر إلى الباب.
ورمقها باحتقار.
"برة الأوضة دي متدخليهاش. وعلى ما أظن عندك أوضة جوزك حبيبك."
لأول مرة تشعر بكم هذه الآلام. ماذا حدث له؟ هل ذاكرته حولته لتلك الشخصية التي كرهتها حتى قبل معرفتها؟
شعرت بانسحاب الأرض تحت أقدامها وهو ينظر إليها بنظراته القديمة ويشير إليها كأنها نكرة وليست زوجته.
تحركت سريعاً مغادرة الغرفة بخطوات متعثرة حتى وصلت إلى غرفته الأخرى وألقت نفسها بانهيار عليها.
دَلفت زينب بعدما استمعت لصوت بكائها.
جلست بجوارها تحتضنها وتمسد على خصلاتها بحنان أموي.
"حبيبتي يا بنتي عارفة أن ده فوق طاقتك. بس لازم تتحملي يا ليلى. جوزك في أهم مرحلة محتاجك فيها."
قبضت على ثياب زينب وبكت.
"أنا بموت يا ماما. راكان مفكرني عدوته. بيكلمني كلام يوجع أوي."
ظلت تمسد على خصلاتها.
"ليلى لازم تهدي. هو معذور يا بنتي. عايزين نستحمله حبيبتي وأنتِ أكتر واحدة محتاجك فيها."
خرجت زينب بعدما جلست فترة معها.
نظرت بساعتها. اتجهت إلى مرحاضها. خرجت بعد قليل أدت فرضها. شعرت بآلام تغزو جسدها.
تسطحت على الفراش وذهبت بسبات عميق. عند راكان.
ذهب بالنوم بسبب علاجه. استيقظ ينظر إلى أركان الغرفة التي يسودها الظلام. نظر بساعته وجدها العاشرة ليلاً.
استمع إلى طرقات على باب الغرفة. دلفت سيلين.
"حبيبي عامل إيه."
بحثت بعينيها عن ليلى.
"فين ليلى بدور عليها مش لقياها."
مسح على وجهه يفركه. ثم رفع نظره.
"في أوضتها."
قطبت جبينها ورغم معرفتها بمكانها إلا أنها تحدثت.
"إزاي ليلى خرجت من أوضتها. ده من يوم ما اتجوزوا عمرها ما باتت برة الأوضة دي. وكمان الأوضة التانية مقفولة مفيش حد بيدخلها. يالهوي ليكون نزلت نامت في الجنينة زي عادتها والجو برد. وهي حامل كمان."
شعر برجفة بقلبه. فحمحم متحدثاً.
"روحي شوفيها يا سيلي دي متخلفة. وطول عمرها بتعمل مصايب."
جلست بجواره ثم قطبت جبينها بتصنع.
"انت فاكر أفعالها. ومش فاكر أنها مراتك."
ابتسم بسخرية ثم ذهب بشروده وذكرياته التي بيحاول يستجمعها قائلاً:
"أفعالها أشهر مني شخصياً. قومي يا سيلي وبطلي تلعبي على أخوكي."
توقف فجأة وتساءل.
"أنتِ اتجوزتي يونس فعلاً."
قهقهت عليه وأشارت إلى بطنها.
"وحياتك عندي قمر وحامل في يزن كمان. إيه رأيك في الاسم ياراكي."
"سيلين قومي امشي مش قادر أتكلم. عايز أدخل الحمام."
توقفت ثم رفعت حاجبها.
"بتطردني مكنش العشم يا خالو. ده أنا هسلط عليك قمر تأدب خالها."
نهض متألماً. واتجه إلى المرحاض. وجد أشياءها الخاصة به. هناك بعض الصور بدأت تظهر أمامه وشعور بألم يفتك به.
باليوم التالي خرجت إلى الحديقة تستنشق بعض الهواء. كان يجلس ينفث سيجاره. رآها تجلس. وخصلاتها التي ترفعها كذيل الحصان.
كان الهواء يداعب خصلاتها فتتحرك على وجهها. ابتسم عليها ولكن منع ابتسامته عندما تذكر حديثها.
"هتجوز أخوك عشان أشوفك بتتعذب قدامي ياراكان."
استدار متجهاً إلى الداخل يضغط على نفسه هامساً إلى نفسه.
"إزاي اتجوزتها بعد دا. معقول توفيق السبب."
عند عايدة.
"فرح فيه موضوع عايزة منك تعمليه بس مظبوط. بما أن راكان مش فاكر حاجة. وكمان سمعت أنه مش طايق ليلى ومفكر أنها السبب في موت سليم."
ضيقت عيناها وتساءلت.
"تقصدي إيه."
وضعت ظرفاً بيديها.
"الصور دي لازم توديها إلى راكان. وكمان زودي الجرعة إن سليم اكتشف خيانتها عشان كدا خرج مش شايف قدامه وعمل حادثة."
أمسكت الصور. جحظت عيناها.
"مش دا ابن عمها."
ابتسمت بتهكم قائلة.
"قولي له عشقيها. وراكان اتجوزها لما هربت بالولد لعند عشيقها. وهو خاف من الفضيحة بعد ما الناس عرفت فحب يحمي العيلة من القيل والقال."
"وراكان هيصدقني يا ماما."
نهضت عايدة وجلست بمقابلتها.
"أنتِ لازم تقنعيه. وهخلي فريال هتساعدك متخفيش هتسبكوها كويس. المهم يطردها بفضيحة."
بعد أسبوعاً والحال كما هو بينهما. بغرفة ليلى وخاصة بعد منتصف الليل. أنهت صلاة قيام الليل. جلست لفترة على سجادتها. شعرت بالاشتياق إليه. كيف يكون بينهما جدار ويحسب كأنه محيطات. هزت رأسها رافضة بعده. لقد قررت ونفذ الأمر. تناولت مأزرها ووضعته فوق منامتها الشفافة وتحركت متجهة إليه. هي تعلم أنه نائماً الآن.
دلفت بهدوء إلى الغرفة. وجدته يغط بنومه. نظرت إلى وجهه الذي يعكس ضوء القمر عليه.
خلعت مأزرها وتسطحت بجواره تستمع بدفء أحضانه. اقتربت من أنفاسه واغمضت عيناها. اليوم فقط ستنعم بنوم هادئ دون كوابيس. اليوم هي تغفو بأحضان أمانها. زوجها حبيبها بل عاشق روحها. دلفت لأحضانه مراعية إصابته. تضع رأسها بحنايا عنقه. وتحاوط خصره. همست له بعدما طبعت قبلة سطحية على شفتيه.
"بحبك."
قالتها وذهبت بنومها وكأنها لم تنم منذ ثلاث شهور منذ حادثته.
استيقظ بعد فترة وجدها بأحضانه بتلك المنامة التي أصابت عقله قبل قلبه. هز رأسه وكل ما خطر على ذهنه أنها تقوم بإغرائه. تذكر حديث فرح وفريال. شعر بألم يفتك به. ولم يشعر بنفسه كلما تذكر تلك الصور وهو يدفع ذراعها بعنف عنه. حتى هبت من نومها فزعة مما أدى إلى آلامها.
"مالك في إيه."
صرخ بصوت هز أرجاء المنزل.
"بتعملي إيه هنا. جاية أوضتي زي الحرامية وبتنامي في حضني بشكلك دا ليه. إيه جاية تغريني. لا فوقي اللي زيك."
وضعت كفيها على شفتيه. مع انسياب عبراتها. ورغم آلامها التي تحرق أحشاءها همست وعيناها كزخات المطر عندما فقدت سيطرتها بالكامل.
"اسكت يا راكان. متكملش. هنخسر بعض وأنا مش عايزة أخسرك. اهدى من فضلك. بلاش فضايح الكل سمع صوتك دلوقتي."
دموعها كالشلال. تهز رأسها رافضة نظراته وحديثه الذي أدمى قلبها.
"قومي أمشي من هنا."
استدارت متحاملة على آلامها التي ازدادت.
- راكان اسمعني.
دفعها بقوة صارخًا عندما تذكر صورة أخيه وهو يقبلها وصورها الأخرى.
- قلت بره.
دفعها بقوة حتى سقطت من فوق الفراش على ظهرها تصرخ من شدة آلامها والدماء تنسدل بها.
وغمامة سوداء تحاصرها.
انسابت دموعها بقوة.
حاوطت بطنها ببكاء وانهارت من آلامها تهمس:
- هموت.
بطني آه.
قالتها ببكاء.
ظن أنها تمثل عليه، ولكن شعر بانسحاب أنفاسه عندما نظرت إلى كفيها اللذين تلوّنا بالدماء.
تهمس:
- ابني.
راكان ابني.
ابنك.
ثم هوت على الأرضية لم تشعر بما حولها.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سيلا وليد
هل أخبروك بأن عيني في غيابك لا تنام؟
هل أخبروك بأن الفؤاد بعدك يأبى الكلام؟
هل أخبروك كيف تاهت نفسي مني بين الزحام؟
هل أخبروك محاولات قلبي للهروب إليك ليقرأك السلام؟
هل أخبروك بأن الحياة بعدك ماهي إلا ساعات وأيام؟
كذبوا لو أخبروك أني بدونك أكون على ما يرام.
فيا عازف الناي، كفى لقلبٍ أنهكه الأحزان.
مهلاً يا عازفي، فأي قسوة أنت معذبي.
أرى الرحمة في القلوب موطنها،
ولكن قسوة قلبك كالحجارة اخترقت الجدران.
مهلاً مهلاً يا معذبي، لقد حكمت وأصدرت القرار.
فجف الحبر ورفعت الأقلام.
كما رُفعت الجلسة وانتهى القرار.
***
استيقظ بعد فترة، وجدها بأحضانه بتلك المنامة التي أصابت عقله قبل قلبه. هز رأسه وكل ما خطر على ذهنه أنها تقوم بإغرائه. تذكر حديث فرح وفريال، شعر بألم يفتك به، ولم يشعر بنفسه كلما تذكر تلك الصور وهو يدفع ذراعها بعنف عنه، حتى هبت من نومها فزعة مما أدى إلى آلامها.
"مالك في إيه؟!"
صرخ بصوت هز أرجاء المنزل.
"بتعملي إيه هنا؟ جاية أوضتي زي الحرامية وبتنامي في حضني بشكلك ده ليه؟ إيه جاية تغريني؟ لا فوقي اللي زيك."
وضعت كفيها على شفتيه، مع انسياب عبراتها، ورغم آلامها التي تحرق أحشاءها همست وعيناها كزخات المطر عندما فقدت سيطرتها بالكامل.
"اسكت يا راكان، متكملش. هنخسر بعض وأنا مش عايزة أخسرك. أهدى من فضلك، بلاش فضايح، الكل سمع صوتك دلوقتي."
دموعها كالشلال، تهز رأسها رافضة نظراته وحديثه الذي أدمى قلبها.
"قومي أمشي من هنا."
استدارت متحاملة على آلامها التي ازدادت.
"راكان اسمعني..."
دفعها بقوة صارخاً عندما تذكر صورة أخيها وهو يقبلها وصورها الأخرى.
"قولت بررررة!!"
دفعها بقوة حتى سقطت من فوق الفراش على ظهرها تصرخ من شدة آلامها والدماء تنسدل بها، وغمامة سوداء تحاصرها.
انسابت دموعها بقوة، حاولت بطنها ببكاء وانهارت من آلامها تهمس.
"هموت، بطني آه." قالتها ببكاء. ظن أنها تمثل عليه، ولكن شعر بانسحاب أنفاسه عندما نظرت إلى كفيها اللذان تلون بالدماء تهمس.
"ابني، راكان ابني، ابنك." ثم هوت على الأرضية لم تشعر بما حولها.
اتسعت حدقتاه بصدمة، اعتدل ولكن هناك غمامة سوداء حاصرته، ولم يعد لديه القدرة على الحركة، والألم بدأ يفتك بجسده كاملاً، ناهيك عن صداعه المزمن الذي يداومه.
صاح بصوت مرتفع، ورغم ارتفاعه إلا أنه هزيل.
"ليلى!" حاول وحاول أن يتوقف ويسيطر على إغمائه. تحرك بهدوء متحاملاً على آلامه، إلى أن جثى بجواره، ثم رفع رأسها على ساقيه، حاول أن يفيقها.
"ليلى..." ظل يردد اسمها. جذب هاتفه وقام بالهاتف لوالدته.
"ماما تعالي أوضتي، ليلى بتنزف." هبت فزعة من نومها.
"يا رب استرها، يا ترى إيه اللي حصل؟!"
استيقظ أسعد من نومه.
"فيه إيه يا زينب؟!"
ارتدت مأزرها وهتفت بحزن.
"راكان كلمني وبيقول ليلى بتنزف، حبيبتي بقالها شهر بتضغط على نفسها عشان متزعلوش وهو مش راحمها."
اتجهت للخارج وهاتفت سيلين.
كانت تغفو تتوسد ذراعه، يحاوطها بذراعه الأخرى.
استمع إلى رنين هاتفها، جذبها لأحضانه، وبسط كفه يتناول هاتفه. نظر بساعته وتحدث.
"إيه ده؟ خير يا رب."
"أيوة يا طنط..." تحدثت سريعاً.
"كويس يا حبيبي إنك صاحي، ليلى بتنزف يا يونس، تعالى بسرعة، معرفش ابن عمك عمل فيها إيه."
نهض سريعاً من فوق فراشه، بعدما وضع زوجته على الوسادة، خرج ووصل بعد أقل من دقيقتين.
بغرفة راكان.
دَلفت زينب، وضعت كفيها على صدرها مذهولة من حالتها الشاحبة.
"إيه اللي حصل يابني؟" أطبق على جفنيه متألماً.
"زقيتها ياماما ووقعت،" قالها بانهيار.
جحظت عيناها وانعقد لسانها للحظات وهي تجذب أسدالها.
"اعدلي مراتك يا حضرة المستشار، يونس جاي خليني ألبسها، ولا عايزاه يدخل وهي باللبس ده."
قطب حاجبه متسائلاً:
"ويونس جاي ليه؟" أعدلتها زينب عليه جالسة، ورفعت نظرها تنظر إليه بغضب.
"امسك مراتك ضمها، ولا أخلي يونس يشيلها كده." حاوطها بذراعه يقربها إليه بتملك. هنا هزة عنيفة أصابت جسده من رائحتها التي اخترقت رئتيه بعنفوان، وكأنها ملاذه. جذبها مرة أخرى أقوى حتى اختفت بأحضانه. ثم جذب أسدالها من والدتها وألبسها وهو يضمها بذراعه، ووالدته تساعده.
توقفت والدته واتجهت للأسفل.
"هشوف يونس جه ولا لسة." أوقفها قائلاً:
"هاخدها المستشفى، مش عايز يونس يكشف عليها." قالها متحاملاً على نفسه، ومازالت إغمائه يسيطر عليه بقوة.
"استنى يا راكان، اتجننت؟ ناسي ضهرك يابني، إحنا مصدقنا إنك بدأت تتحرك، وممكن تقع بيها لا قدر الله ودي حامل." قالتها حتى تقنعه. تحركت وهي تحثه على الهدوء والتمهل.
جلس بجوارها يمرر يده المرتجفة على ملامحها، وينظر إليها بعقل وقلب مشوش.
ملس على وجهها حتى وصل إلى شفتيها، ارتعشت أنامله وهناك ذكرى أصابته بقوة.
"دي فراولة طبيعي، متنسيش الفراولة دي خاصة براكان بس."
وضعت رأسها بعنقه تستنشق رائحته.
"مش الفراولة بس حبيبي، ليلى كلها ملك." رفع ذقنها بعدما أخرجها من أحضانه، ملتقطاً كرزيتها. كور قبضته يضغط عليها يهز رأسه رافضاً ما شعر به كيف كانت حياتهم هكذا، وهي التي كسرته أمام نفسه.
دلف يونس بجوار زينب، ثم قام بحملها دون حديث.
أوقفه غاضباً:
"انت إزاي تعمل كده من غير ما تاخد رأيي؟"
تحرك بها يونس وهو يتحدث.
"انت مين عشان آخد رأيك؟ انت ولا حاجة، واحد عايز يقتل ابنه بإيده."
شعر وكأن تحت أقدامه فوهة بركانية، زوجته بين ذراع رجل غيره. تحرك خلفه، بعدما جذب معطفه. وصل إليه وجده يضعها بجوار زينب. اتجه بجوار يونس.
وصلوا بعد قليل، استدار يونس ليحملها. أوقفه بتحذير.
"استنى عندك، خليهم يجيبوا سرير." حاوطها يرفعها من خصرها حتى حملها. صرخت والدته.
"راكان اتجننت، انت تعبان." وصل يونس بالمقعد المتحرك ووضعها بحنان. توقف متألماً لبعض الوقت، ثم تحرك خلفهم.
وصل إلى الغرفة التي يتم الكشف بها، دلف بهدوء بعدما أشار إليه يونس.
"جوه الدكتورة بتكشف عليها." دلف بهدوء بعدما طرق الباب.
بحث بعينيه عليها وجدها متسطحة على الفراش وبدأت تفتح عيناها في بداية إفاقتها.
تلاحقت أنفاسه الحارقة من شدة النيران التي تعصف بجسده عندما استمع إلى الطبيبة.
"ممكن أعرف ليه يا مدام ليلى مبتحفظيش على نفسك؟ آخر كشف حذرتك من التوتر، للأسف الجنين وضعه مش تمام، ولازم تتحجزي في المستشفى لحد ما ندخل للشهر الثامن، الجنين مكملش لسة."
ألقى بجسده على المقعد وهو ينظر إلى الشاشة وترقرق الدمع بعينيه، من العاطفة التي اجتاحت جسده وهو يسمع إلى نبضه.
تساءل بلسان ثقيل.
"يعني هيعيش يا دكتورة..." أطبقت على جفنيها من صوته الحزين. اعتدلت بمساعدة زينب التي انتظرت إجابة الطبيبة.
"هي هتتحجز عشان أقدر أسيطر على الوضع في أي وقت. النبض ضعيف جداً، غير كمان المدام عندها سكر حمل، والجنين نزل في منطقة الحوض." اتجهت بنظرها إلى ليلى.
"حذرتك من شهر وقولتلك حاولي تبعدي عن أي انفعال، واللي كنت خايفة منه حصل. النزيف مش حلو أبداً وخصوصاً إن في أعضاء في جسمه مكملتش. الموضوع مش موضوع رئة للأسف."
***
نهض متحركاً متجهاً إليها عندما وجدها تحاوط جنينها بكفيها، وانسابت عبراتها بشهقات.
"أنا موافقة أقعد هنا، بس المهم ما يحصلوش حاجة. أنا خسرت واحد قبل كده مش مستعدة أفقد واحد تاني." ضمتها زينب لأحضانها.
"الدكتورة لسة بتقول إيه حبيبتي، لازم الهدوء." وصل إليها، ثم ضمها من أكتافها.
"آسف مكنش قصدي صدقيني..."
حاوطت خصره وكأنها لم تحتاج غيره يضمد روحها. شهقت ببكاء مرتفع.
"مدام ليلى لو سمحتي، أنا لسة مخرجتش من الأوضة، الانفعال ده ممكن يخسرك طفلك." انحنى ليطبع قبلة على رأسها.
"اهدي يا ليلى، لو عايزة ابننا يجي بالسلامة..." رفعت عيناها تحتضن نظراته. يكفي أنه بجانبها ويدعمها حتى بعد ما فعله.
"عايزة يا راكان، عايز الولد." حرب شعواء بدأت بداخله، هناك أحداث متضادة تضرب عقله بقوة. كيف له أن يتعامل معها بعد ما صار بينهما وما عرفه؟ ولكن عليه الهدوء حتى يعلم ماذا حدث في السبع سنوات الماضية. هل ربه رحيم به حتى أزالها بالكامل؟ أم شيء آخر.
أومأ برأسه وأردف.
"هو فيه أب يرفض عياله يا ليلى." افتَّرت شفتيها بسمة أمل وهي ترفع كفيها إلى وجنتيه.
"انت أحسن وأحن أب في الدنيا." حمحم مبتعداً واتجه بنظره إلى الطبيبة التي تتحدث مع زينب.
"خلاص يا دكتور، شوفي اللازم واعمليه. المهم الولد يكون كويس ويجي بصحة كويسة."
بعد فترة كانت تغفو بسبب الأدوية التي حقنت بها، دَلفت سيلين بجوار يونس إليها.
"ماما ليلى عاملة إيه دلوقتي..." اتجهت إلى يونس وعيناها تسائله برجاء.
أطبق على جفنيه واتجه إليها يربت على كتفها.
"هي كويسة متخافيش، وأنا هتابعها بنفسي. شوفت السونار وكل حاجة، زي ما الدكتورة قالت بس ميه الجنين للأسف بتقل."
جلست سيلين تطالع شحوب ملامحها بحزن.
"يا حبيبتي يا ليلى، صعبانة عليَّ أوي يا ماما، دي كانت بتعد الأيام عشان يجي."
ملست على وجهها وتساءلت.
"يونس وشها شاحب خالص، مفيش حاجة تغذيها شوية؟"
أشار إلى محلولها وأجابها.
"حبيبتي ده فيه كل حاجة، سيبوها ترتاح، أنا خصصت ممرضة على قدها بس."
نهضت زينب واتجهت إليه.
"يونس راكان مش في حالته، لازم تاخد بالك عليها كويس، مفيش حد يدخل عندها غير حد واثق فيه. الممرضات يا حبيبي كلمة بتوديهم وكلمة بتجيبهم."
"متخافيش يا ماما زينب، إن شاء الله كل حاجة هتكون تمام."
أشارت سيلين إلى الفراش الآخر.
"ده عشان راكان ولا الممرضة؟"
تحرك للخارج وهو يحتضن أكتافها.
"راكان..."
والله نفسي أضربه، اللي حايشني عنه أنه مش فاكر حاجة.
ربتت زينب على ظهره.
- هو معذور يا حبيبي، المهم أنت خلي بالك كويس. أنا لازم أرجع البيت عشان الولاد.
- طيب راكان فين يا يونس؟ تساءلت بها سيلين.
- راح لنوح، قالي تعبان ومش قادر أقعد، فعلاً زي ماما زينب ما قالت.
بمزرعة نوح.
وصل إلى المزرعة وظل بالسيارة لبعض الدقائق. بدأت ذكريات تظهر أمام عينيه ولكن بصورة غير واضحة. ترجل من السيارة متجهاً إلى اسطبل الأحصنة. نظر حوله بضياع، توقف وكأن هذا المكان يربطه بها. تحرك بين الزروع، يتحرك بخطوات متمهلة. تذكر حديثها.
- ابعد عني وإياك تقرب مني. أنت ولا حاجة. أنا دلوقتي مرات أخوك، وبعد كام يوم فرحنا.
قالتها وتحركت من أمامه.
ظل يتحرك ببطء، ورغم خطواته البطيئة إلا أن أنفاسه كانت كالمتسابق في سباق. وصل إلى مكان ما يحاط ببعض أشجار الفاكهة. جلس على بعض الأعشاب وسحب نفساً لينظم عملية تنفسه عندما شعر بإنسحاب الأكسجين.
أطبق على جفنيه وشعر باحتراق جفنيه من دموعه التي حاول منعها. ولكنه فتح عيناه فجأة ولاحت ذكرى أمام عيناه.
- بحبك مولاتي.
قالها وهو يقتنص ثغرها. بدأت بعض الصور تظهر أمامه بوضوح، وهي تعانقه وتتراقص معه على أنغام الموسيقى. صورة خلف صورة، وذكريات قديمة مع ذكرياته التي بدأت تضارب عقله. تسارعت أنفاسه. كور قبضته يضغط بعنف حتى شعر بتمزق وريده.
آه حارقة خرجت من جوفه وهو يمسك رأسه ويضغط عليها بصرخات وأنين قلبه الذي لا يعلم بما يشعر. تضارب ماضي مع حاضر وأحداث غريبة وشعور مخيف سيطر عليه، حتى شعر بدوران الأرض تحته. وغمامة سوداء بدأت تداهمه بقوة. وصل إليه نوح وتوقف على بعد مسافة يناديه، ولكنه لم يستمع إليه من أصوات دماغه التي تضاربه بقوة. وصل نوح إليه.
- راكان.. إيه يا ابني بنادي عليك من فترة؟
رفع عينيه التي تحولت للون الأحمر من غضبه وآلامه. فهمس عندما شعر بعدم سيطرته على الإغماء.
- نوح..
قالها ثم سقط على الأرضية. ذهل نوح من حالته. جثى إليه محاولاً إفاقته. رفع هاتفه يحاكي يونس.
- يونس الحقني راكان أغمى عليه وميفوقش.
كان يونس عائداً بزينب وسيلين فتحدث بهدوء حتى لا يشعر أحداً.
- حبيبي يا نوح، هوصل ماما زينب وهعدي عليك حاضر. مش هتأخر. اتصل بالدكتور يشوفها.
- هي أسما تعبانة يا يونس؟ تساءلت بها سيلين.
كان يونس شارداً يتذكر حديث الطبيب.
- هو حالته هتكون متقلبة. يعني ممكن يكون كويس وفي لحظة يتحول ويشتكي من دماغه. وممكن يتعب ويوصل للإغماء لو حاول يضغط على نفسه عشان يتذكر.
- يونس.. صاحت بها سيلين.
اتجه بأنظاره.
- نعم حبيبتي!!
- نعم حبيبتك، بقالي ساعتين بكلمك على فكرة وأنت مش هنا. بسأل أسما عيانة.
قطب جبينه متسائلاً.
- أسما مين؟
جحظت عيناها ترمقه غاضبة.
- أسما مرات نوح، كنت بكلمه وبقوله شوفلها دكتور.
حمحم عندما شعر بالارتباك فأردف:
- آه، بيقولي تعبانة وبيغمى عليها وبترجع.
- ليكون حامل.. قالتها زينب.
أفلت ضحكة وهو يشير بيديه.
- قولي يارب، واهو يكملوا الخامس. أصلهم مابيجبوش غير التوأم.
ضحكت سيلين تلذعه.
- هتنق عليهم يا دكتور، قول ماشاء الله.
دنا يغمز إليها:
- أنا مش قصدي حاجة يا سيلي، أنا قصدي إنهم عندهم مزاج عالي أوي. هجيب منه الوصفة.
ضحكت زينب عليه.
- فعلاً دكتور ستات يا ابني زي ما قالوا.
رفع بصره بمرآة السيارة قائلاً:
- والله يا ماما زينب أنا مظلوم مع بنتك. بصي شوفيها كدا، هتروح تصرخ وتقول، بطني وجنبي وتنام.
قهقهت سيلين تضرب كفيها ببعضها.
- عايزني أعمل إيه يا دكتور، أطنطط ولا إيه.
أشار بكفيه عليها.
- شوفتي اهو.. يا بنتي بنتك متعرفش عنك حاجة. لولا أمير وكوكي كان زمانها اتشردت.
عقدت ذراعيها متأففة:
- مش هتكلم عشان حضرتك ناسي حملي، وعارف النوم دا غصب عني.
جذب رأسها ثم لثم جبينها.
- حبيبة قلبي بهزر معاكي...
وصل بعد قليل إلى مزرعة نوح، وجد الطبيب مغادراً. توقف أمامه.
- ماله راكان يا دكتور؟ وليه أغمى عليه؟
- دا عادي يا دكتور يا يونس، أنا فهمتكم قبل كدا. أنا غيرت العلاج وإن شاء الله يتحسن عليه.
بالداخل.
جالساً على الأريكة يحتضن رأسه بين راحتيه. دلف يونس بجوار نوح.
- راكان.. قالها يونس بهدوء.
رفع بصره وأومأ برأسه.
- أنا كويس الحمد لله، لازم أمشي. هروح لليلى عايز أطمن عليها.
- مالها ليلى.. تساءل بها نوح.
دلفت أسما بالقهوة واستمعت إلى سؤاله.
- ليلى فيها حاجة.. جلس يونس بجواره، يطالعه بحزن، ثم أجابه.
- تعبت واتحجزت في المستشفى، واحتمال تخسر الولد.
شهقة خرجت من جوفها. فتحركت تضع الذي تحمله. أمسكت كوب العصير.
- اتفضل ياحضرة المستشار.
رفع نظره إليها يتناول كوبه، وذاكرة أخرى تحاوطه عندما استمع إلى صوتها.
- ليلى اتجوزت سليم عشان تنقذ أختها..
أغمض عينيه متألماً ثم نهض بهدوء.
- أنا هروح المستشفى..
قالها وتحرك للخارج. نظر نوح إلى يونس.
- إيه اللي حصل..
ربت يونس على ظهره وتحدث.
- ولا حاجة، همشي وبعدين نتكلم.
وصل إليه بالخارج.
واستقل السيارة بجواره، وهو يتجول بأنظاره على المكان كالغريب الذي أضاع طريقه.
حمحم يونس مؤنباً نفسه ثم تحدث.
- راكان ليه جيت هنا وأنت تعبان..
رجع بجسده وأطبق على جفنيه.
- يونس مش قادر أتكلم، وديني لليلى لو سمحت، مش قادر أسوق.
وصل بعد قليل للمشفى، كانت قد استيقظت منذ فترة. بحثت عنه ظناً من أنه بجوارها، ولكن ليست الأمنيات بالتمني.
رفعت كفيها تزيل عبراتها التي تكورت بجفنيها، ثم وضعت كفيها تحتضن أحشاءها. تذكرت أبناءها. أمسكت الهاتف وهاتفتهم. أجابها أمير سريعاً.
- مامي، حضرتك فين!!
سيطرت على نوبة بكائها وأردفت:
- ميرو حبيبي عامل إيه. واختك حبيبي بتعمل إيه. صحيت؟
اتجه إلى كيان التي تجلس تمط شفتيها وتضع كفيها على وجهها بحزن. جلس بجوارها وفتح الكاميرا الخاصة بمحموله.
- مامي كلمي كوكي فيديو.
فتحت هاتفها، ظهرت أمامها صورة ابنتها العابسة.
قطبت جبينها متنصلة العبوس.
- كوكي عاملة ليه كدا، شكلها نوتي أوي.
هزت رأسها وبكت.
- مامي أنا زعلانة، مشيتي أنت وبابي وسافرتوا وسيبتي كوكي هنا. كوكي زعلانة من مامي وبابي.
ثم أعطت الهاتف لأخيها وتحركت تصيح.
- انطي داليا، انطي داليا...
تنهدت بحزن ثم اتجهت لأبنها.
- أمير خلي بالك من أختك حبيبي، متخليهاش تاكل شوكولاتة كتير. حاول متخليهاش تزعل.
دلف راكان بتلك الأثناء. رفعت بصرها إليه وتقابلت النظرات للحظات ثم اتجهت واسترسلت.
- خليها تروح لقمر، ولو حبت تبات هناك، متزعلهاش بس خلي بالك منها.
- أوكيه يا مامي.
- حضرتك هتتأخري عندك؟
انبثقت عبرة رغماً عنها.
- لا يا حبيبي، مامي تعبانة شوية. هقعد عند الدكتور يومين عشان أرجعلك بزين. مش أنت عايز البيبي؟
- ياااس.
قالها الطفل بفرحة.
- أوكيه يا مامي. متخافيش على كوكي. بوسيلي بابا أد البحر.
رفعت نظرها للذي جلس صامتاً على المقعد وأجابته.
- حاضر يا حبيبي.
قالتها ثم أغلقت هاتفها تضعه بجوارها، وتراجعت بجسدها تغمض عيناها تنتظر حديثه.
انكمشت ملامحه بألم، فنهض مقترباً منها بخطوات سلحفية. فقد كان الألم بداخله أقسى من أن يوصف ممزوجاً بالخوف والحزن في آن واحد. هناك حروب بين عقله وقلبه. قلبه الذي يتمنى قربها، وعقله الذي ينفرها بكل قسوة.
حاول الضغط والسيطرة على نفسه حتى يصل لمبتغاه. تحامل على نفسه واتجه إليها.
جلس بجوارها، وشعور يراوده أن يضمها لأحضانه. رائحتها التي استحوذت عليه، حالتها التي بها، قلبه الذي يئن ويدمى، كل هذا يضاربه بقوة. لم يشغل عقله كثيراً، فجذبها يحاوطها عندما غلب القلب العقل.
وضع ذقنه على رأسها، وهو يحاوط جسدها بذراع، ويضع كفيه على أحشائها. هزة عنيفة أصابت جسده. أغمض عينيه وحاول أن يسيطر على ضعفه بحوذتها. سحب نفساً هامساً لها.
- ليلى احكيلي إزاي اتجوزنا بعد اللي حصل. عايز أعرف لو سمحت.
كان همسه كزخات المطر الذي ينزل بصحراء قاحلة ليحولها إلى أرض تدب بها الحياة.
رفعت أناملها على وجهه وتعمقت بشمسه تشبع روحها الضائعة منذ فقدانه. تمسحت به كقطة أليفة يكفيها هذا الشعور. لا تترك شيئاً يعكر نقاء حياتهم التي صفت بعد مرورهم بالصعاب.
همست له بصوتها الحنون:
- أهم حاجة لازم تعرفها، إنك كنت روحي وأنا روحك يا راكان.
دا المهم في اللي عدى. لمساتها له بتلك الطريقة ماذا تعني؟ كيف لها أن تعامله بتلك الطريقة بعد ما صار بينهما؟
ظلت نظراته ترمقها بهدوء وعقله ينفي حديثها، فتساءل.
- سليم مات إزاي..
باغتها بسؤاله الذي نزل على قلبها كالصاعقة. تجمدت كفيها على وجنتيه وترقرق عيناها بطبقة كرستالية. ظلت لفترة تحاول أن تسيطر على ألمها وهمست.
- مش فاهمة سؤالك؟
تراجع للخلف ونظر إليها بغموض متسائلا:
- إيه اللي في سؤالي مش مفهوم؟ عايز أعرف إزاي أخويا مات؟ هو ماكنش مريض.
حررت من صدرها نفسًا ناعمًا عندما أيقنت حربه الداخلية، فأعتدلت بجلوسها تطالعه بأنين قلبها.
- سليم مات في حادثة.
قطب مابين جبينه.
- مات في حادثة إزاي وسليم بيعرف يسوق كويس؟
فركت كفيها عندما عجزت عن الرد عليه، ماذا تقول له؟ أنه السبب.
- عادي يارا، كان هما كل اللي بيعملوا حوادث بيكونوا مبيعرفوش يسوقوا.
انعقد حاجبه وتحدث:
- دي مش إجابة، إنت بتحاولي تخبي حاجة.
نزلت بساقيها بهدوء من فوق الفراش بعدما أزالت الكانولا وبسطت كفها له.
- تعالي معايا نروح مشوار.
نظر إليها ثم نظر لكفيها، فنهض واقفًا متجاهلاً كفيها، تحرك متجهًا للنافذة وأخرج تبغه ينفثه وينظر للخارج ثم تحدث وهو يواليها ظهره:
- بحاول أقنع نفسي إننا اتعاملنا كزوجين، بس الفكرة مش مقنعة.
استدار يرمقها وهي مازالت واقفة فتحدث:
- نسيتي قولتي إيه قبل فرحك على أخويا.
تحرك إلى أن وصل أمامها ونظر لسواد ليلها.
- أقنعي عقلي إزاي وافقت عليكي وإزاي إنت وافقتي بعد اللي حصل بينا.
دنى منها حتى اختلطت انفاسهما.
- أقنعي عقلي إنك خلتيني في وقت من الأوقات أقرف من نفسي وكنت على لحظة هخون أخويا اللي هو روحي.
قطبت جبينها غير متداركة لما يقوله، أمسكت كفيه واحتضنته.
- عمرك ماكنت خاين أبدًا، ولا عمرك حاولت تقرب مني وأنا متجوزة.
ابتسم بسخرية وتلك الأيام تضارب عقله بقوة، فهز رأسه كالمجنون وأجابها:
- أيوه، عايز أعرف مين فينا اللي خان سليم.
تجمد جسدها حتى شعرت بانسحاب أنفاسها، وصخرة قوية تطبق على صدرها حتى منعت تنفسها، فشحب وجهها تنظر إليه بصدمة وذهول، ولم تشعر بعبراتها التي أغرقت وجهها وتمتمت بتقطع:
- تقصد إيه؟
ارتجف جسدها وهو يسحب نظره بعيدًا عنها.
تراجعت للخلف تستند على الجدار حتى تصل للفراش عندما فقدت توازنها، تضع كفيها على أحشائها، جلست بهدوء رغم نيران صدرها وارتجافة جسدها، تسطحت على الفراش بقلب يئن ويدمي من حبيب خذلها، لم تعد تحتمل قسوة كلامه.
ابتلع كلامه واتجه إليها بعدما وجد حالتها، هو يعيش حربًا طاحنة، لم يشعر به أحد.
جلس بجوارها ثم حمحم:
- ليلى، عارف إنك مضايقة من كلامي، بس عايزك تساعديني.
رفرفت باهدابها وصوته الحزين جعلها غير قادرة على تجنبه، هي تعلم بضياعه ولكن كيف لها أن تتحمل اتهاماته الشنعاء.
- فيه مكان عايزة نروحوه، ممكن تساعدني نروح هناك من غير كلامك المؤذي لروحي.
- طبعًا حبيبي.
ابتسمت عيناها من كلمته التي أخرجها بعفوية.
انعقد لسانه وتاهت مفرداته ولم يقو على الحديث عندما نظرت إليه بحب، هو لا يعلم كيف أخرجها، ولكن شعر بدقات عنيفة أصمت أذنه، فنهض قائلاً:
- يلا، ووعد مش هزعلك.
ابتسمت رغم حزنها القاطن بقلبها، واتجهت بخطوات هزيلة وكفيها يحتضن بطنها التي بدأت تؤلمها.
***
دلف الممرضة تنظر إليها بذهول.
- الحركة ممنوع يا مدام.
طوقت ذراعه وابتسمت للممرضة قائلة:
- هنروح مشوار ونرجع، وإن شاء الله مفيش حاجة هتحصل لبيبي. باباه معايا.
قالتها وهي تنظر بعمق عينيه.
أطبق على جفنيه عندما استنشق رائحتها، ولمسة كفيها الناعم لأنامله، عقله محصور، وصدره مقبوض، ودقات نارية بقلبه، لا يعلم مصدرها أكان عشق أم ألم وفراق، كل ما يشعر به آلام قلبه منها في ذكرياته المستعصية النسيان.
تحرك بهدوء بجوارها، نظر لوشاحها وخصلاتها التي تدلت منه.
- استني.
توقفت تطالعه باستفهام ظناً رفضه للخروج.
رفع كفيه وخبأ خصلاتها تحت حجابها، انفاسه كانت قريبة منها، شعرت بمعزوفة قلبها، تمنت عناقًا منه يحطم ضلوعها، لم تفكر كثيرًا، حاوطت خصره ووضعت رأسها بصدره تستنشق رائحته المختلطة برائحة عطره ورائحته الرجولية، تجمد كفيه من فعلتها وشعر بتذبذب بجسده كاملاً، استمع لهمسها.
- هنا أماني وتعلقي وعشقي الذي آلمني حد الوجع، هنا المعنى الحقيقي للحب.
رفعت وجهها وتعانقت نظراتهما.
- دقاتك دي خاصة بيا أنا وبس، مستحيل قلبك يكون ملك لغيري.
رفعت كفيها ووضعته فوق نبضه.
- ده ملك ليلى بس.
ظل يطالعها بنظرات مشتتة، ودقات تصيب قفصه الصدري، كيف لها الثقة من حبي لها، وهي التي أوجعتني حد الموت، نعم هو عشقها، ولكنها أوجعته، واستباحت نزيف روحه.
حمحم ثم أنزل كفيها واحتضنه بين كفيه متحركًا للخارج ثم أردف:
- قولتي هنروح مشوار، نسيتي ولا إيه.
وصلت بعد قليل إلى المنزل الريفي الذي ابتاعه لتحويله لدار للمفقودين.
هناك إصلاحات كثيرة بجوار المنزل، ولافتة كُتب عليها "دار ليلى للمفقودين"، وبجوارها مدرسة ومسجد مكون من ثلاث طوابق، جذبت كفيه وتحركت إلى المنزل البسيط بجوار الدار، خصص هذا المنزل لها بعيدًا عن الدار حتى يكون لخصوصيتها عندما تأتي إليه.
دلفا حتى وصلا إلى الأريكة، جلست عندما شعرت بوجع.
وزع نظراته على المنزل بالكامل، ثم توجه إليها.
- البيت ده بتاع مين؟
تساءل بها راكان.
ابتسمت وأشارت إلى الأريكة.
- ممكن تيجي ترتاح، أنا تعبت من الحركة والكلام، ممكن تاخدني في حضنك شوية.
نهضت واتجهت إليه تحتضن وجهه بين راحتيه.
- لو سمحت حبيبي مش طالبة منك غير إنك تاخدني في حضنك شوية بس.
حاوط نظراته بالمنزل، وأصوات كثيرة متداخلة.
- بابي يالا عشان تجبلي مانجو، حبيبي يالا عشان نطفي الشمع.
تخيل حركات أمير حوله بالمكان، وهناك طفلين آخرين لم يعلمهما، خرج من تخيلاته على صوتها وهي تستند برأسها على كتفه.
- حبيبي عمرك ما بعدتني عن حضنك.
رفعت نفسها وحاوطت عنقه، مش يمكن لما تاخدني في حضنك وتحس بحبي بعدها تفتكر حياتنا.
انحبس النفس بصدره، ونبضاته تتسارع وتساعد قلبه على ضخ الدم لمخه الذي صار بعد ما تخيل علاقتهما المتقاربة.
تراجع للخلف وكأن عضلاته لسانه تعطلت، وأصيب بجلطة شلت مخارج الحروف، وبالكاد استطاع الوصول إلى الأريكة وألقى نفسه فوقها، يمسح على وجهه بعنف، يبعد تلك الصور التي تضرب ذاكرته، حاضره بماضيه.
دنت منه بعدما وجدت تشتته.
جثت أمامه واحتضنت كفيه الذي شعرت ببرودهما، ثم رفعته وطبعت قبلة حانية عليه.
- عارفة تشتتك، بس متأكدة إنك هتفتكر كل حاجة، عندي أمل في ربنا كبير، ماهو مش هقدر أقف قدام ده لوحدي.
دنت من شفتيه ثم طبعت قبلة بجوارها، ونظرت لعينيه هامسة:
- مش بتفتكر أي حاجة خاصة بينا أبدًا.
ابتلع غصة مريرة عبأت جوفه بطعم الصدأ عندما اهتز داخله من قبلتها حتى تمنى قربها، طالعها بنظرات متسائلة حائرة غير مستوعب شعوره، دقات عنيفة أصابته، هنا فقد السيطرة وتحكم قلبه، فجذبها يحثها على الوقوف، نهضت ببطء وجلست بجواره.
تلاقت النظرات بينهما بالعشق، فاقتربت تضع رأسها بعنقه تستمتع بقرب أنفاسه، وآهة خفيضة خرجت من بين شفتيها.
- راكان صدقني حبيبي إحنا بنحب بعض أوي، إزاي قلبك مش حاسس بيا، مش بيقولوا القلب بيصدق قبل العقل.
رجفة قوية أجتاحت جسده، رفع ذراعه وحاوطها يضمها بعنف، مطبق جفنيه، تاركًا لقلبه سلطة التحكم.
ابتسمت بأحضانه وتمسحت به كالقطة أليفة تهمس له بأعذب الكلمات العاشقة لروحيهما.
أخرجها من أحضانه، ينظر لسواد ليلها الذي انطفى بريقه، لامس وجنتيه بإبهامه، عضلات وجهه ثابتة رغم رعشة قلبه من قربها، شعرت بتخبطه، لمست ذقنه وابتسمت حتى أنار وجهها.
- بحبك معذبي.
ثم طبعت قبلة مطولة على خاصته، ابتعدت ودقاتها العنيفة التي شعرت باختراق صدرها منتظرة ردة فعله، حاولت معه بشتى الطرق مثلما قال لها طبيبه.
ظل ثابتًا جامدًا بمحله، نظرات فقط إليها، سحبت نفسًا وأخرجته بهدوء، تحاول السيطرة على ألم قلبها.
وضع كفيه على شقه الأيسر تحديدًا موضع نبضه عندما شعر بألم ووخز يعيق خروج تنفسه قائلاً:
- ده بيوجعني أوي، مش عارف من إيه، إزاي اتجوزنا يا ليلى بعد اللي حصل، بعد ما بعتيني وجيتي وقفتي قدامي وقولتي هوجعك لما أتجوز أخوك، كنتي بتنتقمي مني ببشاعة مش كده، ليه معرفش.
اتسعت حدقتاها بصدمة، تهز رأسها رافضة.
زفرت بنفاذ صبر وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من فقدانها للوعي بعد حديثه المؤذي، ناهيك عن آلام جسدها.
تراجعت بجسدها للخلف وسحبته، تضع رأسه على ساقيها.
- حبيبي ريح دماغك دلوقتي وإن شاء مع الوقت تفتكر كل حاجة.
تسطح مغمض عينيه يهرب من حصارها الذي فرضته عليه.
حركت كفيها بخصلاته، وابتسامة سعيدة تشق ثغرها.
تحدثت حالها:
- الحمد لله، المهم هو جنبي.
مرت دقائق وهي تطالعه بنظراتها العاشقة، جذب كفيها ووضعه تحت وجنتيه بعدما طبع قبلة عليه هامسة مابين النوم واليقظة.
"بحبك مولاتي".
اتسعت ابتسامتها بحبور قلبها، وانحنت تطبع قبلة على ثغره.
- ومولاتك بتعشق معذبها حبيبي.
ظلت كما هي منحنية بجسدها تضع جبينها فوق خاصته، حتى شعرت بآلامها، نزلت بجسدها بعدما وضعت رأسه على الوسادة، وتسطحت بجواره، مقتربة من أنفاسه ثم ذهبت بنومها.
استيقظ على رنين هاتفه، وجدها تدفن رأسها بعنقه، رفع خصلاتها ووضعها بهدوء يطالعها بصمت.
- أنا بحب ليلى أوي يا راكان وخايف متكونش بتحبني.
صدي صوت أخيه بأذنيه.
ضحكات صاخبة من سليم وهو يحملها ويدور بها بسعادة.
- هكون بابا.
رفع كفيه المرتعش على وجهها ومازالت نظراته ثابتة بجمود، وذكرى أخرى.
- اتجوزك، بعد ما كنت مرات الباشمهندس سليم المحترم اتجوز واحد بتاع ستات كل ليلة في حضن واحدة.
تراجع بجسده بعيدًا عنها، وصدى صوتها.
"ماكرهتش حد قد ما كرهتك يا راكان البنداري".
- ماما قولي لابنك المحترم يبعد عندي.
وضع كفيه على أذنيه، وكأن بداخله حمم بركانية، انفجرت داخل مخه الذي أنكر ارتباطه بها، بكرهك يا راكان يا بنداري.
قاطع وسواسه وأصواته الصاخبة بعقله.
صرخة عاتية خرجت من أعماق روحه، فنهض فزعًا من جوارها، حتى شعرت به، فاعتدلت.
- حبيبي مالك تعبان ولا إيه، يالا نمشي عشان دواك.
لم يتحمل صوتها، كفى وجوده بجوارها. نهضت ووصلت إليه، حاوطت خصره.
- حبيبي، حاسس بإيه؟
- بااااس، اخرسي مش عايز أسمع صوتك، وزي ماقولتلك قبل كده، أنا مش فاكر اتجوزتك إزاي، ولحد ما افتكر اياكي تقربي مني.
نظر إلى بطنها وأشار عليها بمقت.
- ويمكن ده كمان ما يكونش ابني.
- ولا...
تحاملت على نفسها ووصلت إليه تضع كفيها على فمه، وانسابت عبراتها.
- خلاص، أنا مش مراتك، ولا كأننا اتجوزنا، واعتبره مش ابنك، بس اياك ثم اياك تطعني في شرفي يا حضرة المستشار!!
دموعها زخات مطر من عينيها. ارتجفت شفتيها كما اهتز جسدها من شهقاتها، وأكملت بانين قلبها:
- بص عليا واحفظ شكلي دا كويس. بس مش عايزاك تحفظ دموعي ووجع جسمي. احفظ إنك كسرت قلبي وولعت فيه، حتى بقيت من غير قلب.
شهقة ملتاعة خرجت من صدرها، ورفعت عيناها الباكية، ولكزته بصدره:
- بدل ما أحس بيك، يبقى مالهوش لازمة الكلام.
وأنا أوعدك.. وعد من ليلى المحجوب. وافتكر الاسم دا كويس. ليلى المحجوب مش ليلى البنداري أبداً. لأبعد عنك وأرميك من حياتي. ده انت حتى لمست ثغره، وأكملت بقلبها الدامي الذي ينزف:
- عشان ليلى البنداري دفنتها بإيدك يا حضرة المستشار. حاولت وضغطت بس انت دوست. دوست أوي وعديت. وزي ما قلت لك طول حياتي، انت معذب قلبي وبس.
تراجعت بخطواتها متجهة للخارج بخطوات مبعثرة، وقلب مفتت محطم.
تحرك خلفها إلى أن وصل إلى السيارة. وجدها تجلس بالخلف تغمض عينيها. همست من بين آلامها:
- وديني المستشفى بسرعة.
شعر بالعجز أمامها، هكذا كانت حالته الميؤوس منها، كأنه مأسور خلف قضبان عقله. قام بتشغيل المحرك يتابعها من مرآة السيارة. وضعت كفيها على أحشائها متألمة، وشعور بسائل لزج يخرج من بين سيقانها.
شهقة خرجت من فمها، وضعت كفيها على شفتيها عندما علمت بفقدان جنينها. أما عنده، تخيل بكائها من حديثه.
ظل يقود سيارته بهدوء رغم حربه الشعواء التي تضرب عقله وقلبه. فجأة توقف بالسيارة حتى اصطدم بالقيادة، متجها إليها وعيناه لهيب كنيران جهنم، ثم قال:
- افتكرت إزاي حملتي في كيان.
فتحت عيناها عندما كانت تغلقها من الألم الذي تشعر به. ورغم توقف السيارة بتلك الطريقة، إلا أنها لم تشعر سوى بتخبط جسدها بقوة. ثم استندت مرة أخرى بالمقعد. غمامة تضربها، وكأن صوته يصل إليها من مسافة بعيدة.
أكمل حديثه الذي حطم قلبها وجعل آلامها أضعاف مضاعفة حتى وصلت حالتها إلى الإغماء، وانتهت الرحلة مع جنينها عندما صرخ بها قائلاً:
- بعتيلي ليلة يا مدام بمقابل فلوس، عشان كدا حملتي في كيان.
نظر إلى بطنها وتحدث متهكماً:
- وتلاقي دا زي الأول.
استدار يقود السيارة بهدوء بعدما ألقى قنبلته، ولم يشعر بإغمائها كاملاً.
وصل بعد قليل إلى المشفى، وجد حمزة ودرة يترجلون من سيارتهما. اتجه إليه حمزة:
- إيه يا بني بتصل بيك مبتردش ليه؟
فتحت درة الباب لأختها مبتسمة:
- ألف سلامة عليكي يا أم العيال.
لم ترد عليها. انحنت تمسك كفيها لتساعدها:
- انزلي حبيبتي براحة.
رفعت نظرها إلى عينيها المنغلقة. صدمة أذهلتها عندما وجدته أغمي عليها، وكأنها فارقت الحياة.
صرخت درة باسم زوجها:
- حمزة الحقني ليلى مش بتتنفس.
تحرك إليها سريعاً حتى وصل إليها يصرخ على المسعفين بإحضار نقالة.
أما ذاك الذي توقف متيبساً وكأن روحه فارقت جسده، همس من بين شفتيه باسمها وحمزة يحملها بين ذراعيه كأنها ودعت الحياة.
ارتجف جسده بالكامل عندما وجدها بتلك الحالة. وجهها الشاحب الذي تحول إلى الزرقة، وخصلاته التي تتحرك للأسفل من تحت كف حمزة، كطائر ذبيح مكبل الأرجل ومقطوع العنق. جلس مكانه عندما فقد القدرة على الحركة. فتح جاكتيه عندما شعر بانقباض صدره ومنع تنفسه.
وصل يونس الذي رجع للتو. وجده جالساً ووجهه سحب وحالته التي ظن أنها من عدم تذكره. جلس بجواره ثم سحب نفساً وتحدث بهدوء:
- راكان هتفضل كدا؟ يعني حتى شغلك مش عايز ترجع له؟ ماهو انت عمرك ما هتفتكر حياتك وانت بالشكل دا.
كأن صوت يونس أعاد روحه، فانبثقت دمعة من جفنيه، وارتجفت شفتيه وهو يتحدث بتقطع:
- يو..نس!! انق..ذها. انقذ مراتي.
ضيق يونس عينيه متسائلاً:
- راكان مالك؟
بتر سؤاله اتصال حمزة بالأعلى:
- يونس تعال المستشفى بسرعة. ليلى حالتها صعبة. والدكتورة بتقولي لازم دكتور يونس يجي يشرف بنفسه. يا إما هحولها.
- إيه.. قالها يونس بتوهان. اتجه بنظره إلى راكان الذي أومأ برأسه وعيناه المترجية، فهمس مرة أخرى:
- انقذ مراتي يا يونس.
هب يونس من مكانه متجهاً إلى الداخل سريعاً. وصل إلى غرفتها، وجد الممرضة تجهزها للعملية:
- في إيه؟ مالها مدام ليلى؟
نظرت إليه بأسى وأردفت:
- للأسف فقدت الجنين. وعندها نزيف. الدكتورة هتولدها حالا.
- دخليها كشف الأشعات الأول. وبعد كدا يبقى أقولك هنعمل إيه.
اتجه إلى غرفة الكشف. جذب المسعفون ليلى إليه.
دقائق مرت عليه وهو يشعر بكم الحزن والألم الذي حاوطه بسبب ابن عمه الذي تحول لشخص آخر.
أمل ضعيف ظهر أمامه حينما أردف أمام شاشته:
- الجنين فيه نبض.
إجابته الطبيبة التي تقف بجواره تضع كفيها بجيب معطفها الطبي:
- مفيش مية يا دكتور. والنزيف شغال.
رفع بصره إليها:
- في علاج لكده؟ المهم الجنين فيه نبض يا دكتورة. والباقي هيتعالج.
- هيموت يا دكتور. قالتها. توقف يونس متجهاً إلى ليلى التي لم تشعر بحالتها.
- جهزي مدام ليلى للعناية. وحطي جهاز التنفس. التنفس عندها ضعيف.
سحبتها الممرضة وتحركت. أسرعت درة خلفها وهي تبكي على أختها:
- إيه يا يونس؟ ليلى أخبارها إيه؟
تسائل بها حمزة. رفع نظارته الطبية وهز رأسه:
- الوضع مش كويس. معرفش إيه اللي حصل. وإيه اللي خرجها. راكان مش طبيعي أبداً يا حمزة.
تحرك حمزة متجهاً إليه بالخارج:
- هيفوق يا يونس. متنساش دا كله غصب عنه.
توقف خطوة واستدار إليه:
- خلي بالك من ليلى. نورسين فاقت وعرفت إن راكان فاقد الذاكرة. بلاش يلعبوا في المنطقة دي. لو وصلوا محدش هيقدر عليهم في حالة راكان دي.
تفهم يونس حديثه، فتحرك متجهاً لغرفة العناية. أما حمزة وصل إليه، وجده كما هو جالساً بمكانه:
- قاعد كدا ليه؟ مش عايز تطمن مراتك؟
- عاملة إيه؟ لسة عايشة!!
زفر حمزة بهدوء ثم أجابه:
- مش هلومك ولا هتكلم معاك. بس حياتك مع ليلى غير اللي في دماغك.
- عايز أروح.
صدمة أصابت حمزة فسأله:
- مش عايز تطمن عليها؟ ولا على ابنك؟
- لا. همس بها ثم اتجه إلى سيارته. ظلت نظراته عليه إلى أن اختفى أثره بالسيارة.
مسح على وجهه بغضب، وتأفف بضجر:
- دا مش طبيعي فعلاً.
وصل إلى منزله بعد فترة. قابلته ابنته:
- بابي جه.
أسرعت إليه. توقف للحظات أمامها، وجد سرعتها إليه. جلس وفتح ذراعيه إليها:
- حبيبة بابي وحشتيني.
حاوطت عنقه ثم طبعت قبلة على وجنتيه:
- وحشتني أد البحر.
وصل أمير بعدما صف دراجته بجوار الشجرة واتجه إليه متسائلاً:
- فين ماما؟
التفت إليه راكان وعجز عن إجابته. خطى إليه حتى وصل إليه:
- ماما قالت هتجيب زين وتيجي.
وصلت زينب إليهم:
- حمد الله على السلامة يا حبيبي. مراتك عاملة إيه؟
كانت نظراته على أمير، فأجابها:
- تعبانة ومش هتيجي دلوقتي.
انساب دموع أمير وتحدث من بين بكاؤه:
- عايز أروح لها.
أطبق على جفنيه ثم تنهد وأجابه:
- هي هتخف وتيجي. ادخل مع اختك شوفوا أي ألعاب دلوقتي. وأنا هنام شوية وأجيلكم.
- بس أنا عايز أطمن على مامي. أنا حلمت بيها يانـانا. والله حلمت بيها بتعيط وبتقول لبابا أنا زعلانة منك.
كور قبضته اعتقاد أن أمير يقصد أخيه. ولكن قاطعه شروده عندما توقف بالقرب منه وأردف:
- أنا زعلان منك يا بابا عشان بتزعل ماما. هي كانت بتعيط كتير وحضرتك عيان. دلوقتي هي بتعيط أكتر وتعبت أكتر. أنا مش هكلمك تاني غير لما ماما تبطل عياط.
قالها الطفل وتحرك للداخل سريعاً.
تنهدت زينب بحزن، ثم ربتت على كتفه:
- متزعلش منه يا حبيبي هو طفل مش فاهم حاجة.
بشقة عايدة وفرح.
جلست مع العاملة التي تعمل بقصر البنداري:
- مية ألف جنيه. ولو عملتي المطلوب هديلك قدها.
أومأت العاملة مبتسمة وتحدثت:
- ولا يهمك يا مدام. هغير الدوا. ومحدش هياخد باله متخافيش.
وضعت عايدة ساقاً فوق الأخرى بتباهي وأردفت:
- مش عايزة الذاكرة ترجعله. ويا ريت تاخدي بالك كويس.
بعد شهر بغرفة يونس. دلف إليها يبحث بعينيه عنها:
- سيلين.
خرجت بجوار ابنتها:
- بابي.
حملها وهو يرفع بالهواء:
- حبيبة بابي إيه الجمال دا.
- نزلني يا بابي. عايزة أروح لأمير ويامن.
أطلق ضحكاته، وداعب وجعها:
- قمري مش مصاحب غير الولاد. روحي ألعبي مع كوكي برة. وأنا ومامي هنيجي وراكي. متبعديش يا قمر عشان الحفلة فيها ناس كتيرة. متبعديش عن أنطي داليا.
- حاضر يا بابي. قالتها الطفلة وهرولت إلى الأسفل.
رفع بصره إلى سيلين التي تجلس على الفراش متألمة. اتجه إليها:
- مالك يا سيلي؟
أطبقت على جفنيها مردفة:
- تعب الحمل حبيبي. حضرتك دكتور وعارف.
رفع حاجبه بسخرية وتحدث:
- تصدقي كنت ناسي. انت لسة في الشهر الرابع يا سيلي. يعني حتى مش باين إنك حامل يا قمري. المهم تعالي عايزك.
قطب جبينها وتسائلت:
- إيه دا؟
حك ذقنه وغمز إليها:
- فستان لليلى، عايزك تقنعيها تلبسه، وكمان لازم تنزل الحفلة بأي طريقة.
عقدت ذراعيها على صدرها ورفعت حاجبيها.
- ناوي على إيه يادكتور الستات؟ والله راكان لو فاق ليعمل منك كفتة.
جذبها من خصرها بقوة واضعا جبينه فوق جبينها.
- بتغيري ياقمري ولا إيه.
رفعت عيناها إليه.
- متزعليش راكان يايونس لو سمحت، كفاية نوح عليه، وعمو عاصم، هتيجي إنت كمان.
انسابت دموعها وتراجعت بعيدا عنه مردفة.
- راكان صعبان عليا أوي يايونس، شوفت حالته بقت إزاي.
احتضنها يونس يمسد على خصلاتها.
- حبيبتي أنا مش ضده بالعكس، مش عايزاه يخسر بيته، والصراحة ليلى استحملته كتير، ولو عملت اللي ناوية عليه بعد الحفلة، هيكون ده آخر طريقهم.
أنا بحاول أخليه يفتكر شوية، لو فتحتي الفستان وشوفتيه هتعرفي قصدي.
أومأت برأسها وامسكت العلبة وتحركت إليها.
بغرفة ليلى.
دلف إلى الغرفة بهدوء لأول مرة.
كانت تجلس بالشرفة تغمض عيناها وتستنشق رائحة الزهور المنعشة التي يتميز بها فصل الربيع.
تنظر إلى الإضاءة التي أنارت الحديقة بالكامل.
وبدأ المدعوون بالحضور.
ابتسمت بسخرية عندما شعرت بوجوده.
خطى إلى أن وصل إليها.
- ليلى.
همس بها مقتربا منها.
استدارت برأسها رمقته بنظرة ثم رجعت تنظر إلى الخارج.
تحرك حتى جلس بمقابلتها.
- ممكن نتكلم.
ظلت كما هي وأجابته:
- لا، عندي صداع وماليش مزاج أكلم حد.
افترت شفتيه ابتسامة.
ثم دنا بجسده يحاوطها بذراعه.
- ليه فقدتي الذاكرة.
تهكمت بسخرية وتحدثت ومازالت لم تعريه.
- آه ونسيت حبيبي، تقول إيه بقى، ظروف عقل مفوت.
جز على أسنانه واردف.
- اتعدلي عشان متغاباش عليكي.
أنا.
نهضت من مكانها ودنت حتى اختلطت انفاسهما.
تغرز نظراتها بعينيه.
- ولا حاجة ياراكان يابنداري، إنت ولا حاجة، وخليك عايش في دور الأاهبل.
دفعته بقوة حتى سقط على المقعد وتحركت قائلة.
- اطلع عايزة أقفل البلكونة وأنام، فيه حاجة طبقت على صدري ومش قادرة أتنفس.
هب من مكانه ووصل إليها بخطوة.
يجذبها بعنف.
- إنت بتقولي إيه يابت.
رفعت ذراعها تحاوط عنقه واقتربت تعانق عينيه هامسة بالقرب من خاصته.
- بقولك ياحبيبي إنك ولا حاجة، إيه عندك اعتراض.
أطلق ضحكة رجولية صاخبة.
ثم فجأة جذبها من خصلاتها يستنشق رائحتها التي اشتاقها كثيرا.
ثم همس بجوار أذنها.
- الليلة هترجعي تباتي في حضني تاني يالولة.
رجفة أصابت جسدها من أنفاسه التي ضربت عنقها.
لحظات وهو يتابعها بعينيه الصقرية.
استدارت إليه وتحدثت بتقطع.
- أنا هروح مع بابا بعد الحفلة زي ما اتفقت مع عمو أسعد.
وقبل أي ما تتكلم وتسوء الظن كعادتك.
- هفضل هناك عشان ما أكرهكش ياراكان.
رفعت عيناها المترقرقبة بالدموع وطالعته بألم قلبها.
- كفاية وجع بينا دلوقتي الولاد، ولحد ما ترجع لطبيعتك أنا هفضل عند بابا.
فلو سمحت بلاش نوجع بعض.
سحبت نفسًا وطردته ثم أردفت.
- ياريت نطلق أحسن.
قالتها وتوجهت تفتح إليه الباب.
- ودلوقتي اطلع بره أوضتي، وياريت تحترم رغبتي.
أومأ برأسه وتحرك للخارج.
توقف بمقابلتها.
ونظر بساعة يديه.
- ساعة، قدامك ساعة والاقيكي تحت بين الناس، لو منزلتيش.
هطلعلك، والبسي دا.
قالها وتحرك للخارج.
أغلقت الباب خلفه بقوة وهي تصرخ بعصبية.
- يخربيت غرورك واحد مستفز.
تسارعت أنفاسها ودت لو أطبقت على عنقه.
استمعت إلى طرقات على باب غرفتها.
ثم فتح الباب ودلفت سيلين.
نهضت ليلى سريعا.
ظنًا أنه هو.
ولكن تسمرت عندما وجدتها سيلين.
تنهدت براحة ثم اتجهت تجلس.
دلت سيلين تضيق عيناها.
- ليلى، إيه.
أمسكت خصلاتها تجذبها بعنف وتصيح بصوتها.
- أخوكي المستبد ده هقتله، وحياة ربنا هقتله البارد ده.
ضحكت سيلين ووضعت فستانها أمامها.
- خدي البسي ده وهو يموت لوحده.
ضيقت عيناها ثم فتحت العلبة.
- يخربيتك ياسيلين ده إنت عايزاني أنا اللي أموت.
قهقهت سيلين عليها وتلاعبت بحاجبيها قائلة.
- وحياتك يونس مش أنا.
قطبت جبينها وتساءلت.
- يونس!! ليه ناوي على إيه.
رفعت كتفها متجاهلة.
- وحياتك ولا أعرف، شاف راكان جابلك فستان فحب يلعب بأعصابه شوية.
أمسكت الفستان وهزت رأسها رافضة.
- بس اللون ده راكان مبيجبوش.
صممت ورسمت ابتسامة.
- بس حلو الأحمر برضه، أهو أحسن من الأسود بتاعه.
قهقهت سيلين.
- الله يرحمك يالولة، تنزلي الحفلة بفستان أحمر ناري، لا وايه على البياض انسى ياباشا، ده الليلة هتكون فراولة.
ظهر الألم على وجهها عندما أردفت بها سيلين بعفوية.
فرفعت بصرها.
- هجهز وأنزل، وكويس عجبني اللون الأحمر.
بالأسفل وقف بجوار حمزة يرمق راكان الواقف بجوار أحد أصدقائه.
- وحياة أمي راكان رجعتله الذاكرة.
قالها يونس هامسا.
لكزه حمزة متسائلا.
- اتجننت يلا، بتكلم نفسك.
مط شفتيه للأمام وتحدث.
- مش ملاحظ حاجة.
قطب حمزة مابين جبينه متسائلا.
- قصدك إيه يا دكتور النسوان.
قهقه يونس وأشار على نوح الذي يدلف إلى الحفل بجوار أسما.
- كدا كملت على الآخر، نوح مكنش معزوم وجه، تفتكر إيه اللي هيحصل مع الأخوين الأعداء.
- هتولع يامعلمي.
اتجه بأنظاره إلى ليلى التي وصلت إلى الحفل بجوار سيلين.
واطلق صفيرا.
- هي كدا ولعت فعلا، الله عليا وحياة عنيا، راقب وشوف، الواد راكان بيشتغلني.
- قصدك رجعتله الذاكرة.
رفع كوب عصيره وارتشف ونظراته على راكان النارية لليلى.
- حيوان، اصبر عليا ياراكان.
توقف أسعد أمام ليلى.
- تعالي ياليلى.
وصلت ليلى إليهما.
- إزي حضرتك ياعمو.
ضمها من أكتافها.
- دي مرات راكان ياسيدي، وأم لي العهد.
وصل إليها بخطواته المهرولة.
جذبها من معصمها للداخل.
- عايزة توصلي لإيه ياليلى.
نزعت كفيها.
- اتجننت بتشدني كدا ليه.
نظرت حولها وحاولت الابتسام.
- الناس بتبص علينا، أنا مش عايزة أوصل لحاجة ياراكان، كل الحكاية ماما زينب قالتلي لازم أنزل عشان الناس جاية تبارك لحفيد البندارية، مينفعش أكون مش موجودة.
أما لو عليك مش عايزة أشوفك قدامي صدقني.
- متخلنيش أتغابى عليكي يامدام لو سمحتي، هتطلعي تغيري الزفت اللي لابساه ده.
أشارت على فستانها وتحدثت.
- ماله، بشجع الأهلي حتى لسه فايز النهاردة أربعة، ابعد بس يانفساوي.
تحركت خطوة.
جذبها بعنف.
ورمقه بنظرات نارية.
- لو متلمتيش.
رمقته بغضب ثم.
دفعت ذراعه بقوة واختنق صوتها.
- كفاية كسر فيا ياحضرة المستشار لو سمحت.
تعاقت نظراتهما.
نظراته النارية بنظراتها المتألمة.
- كنت حاسة إن السعادة هتتخطف مني، بس متوقعتش تكون إنت اللي هتخطفها.
قالتها وتحركت مهرولة إلى الأعلى.
صعدت إلى غرفة رضيعها.
اقتربت من فراشه.
جلست بجواره تمسد على خصلاته.
ابتسمت من بين دموعها عندما فتح جفونه.
ظهرت ملامحه بإستفاضة لوالده.
صاح بصوته.
حملته تضمه وتستنشق رائحته تمسد على ظهره بحنان أموي.
- حبيبي الغالي.
وضعته على ساقيها وظلت تطالعه بنظراتها الباكية فهمست له بصوتها المبحوح بالبكاء.
- تعرف إنت جيتلي من الموت، شوفت فيك عذاب أشكال وألوان، بتمنى حبيبي تتمتع بحنان بابا.
عارفة إنه الأيام دي ضايع ومش في حالته، بس إن شاء الله هيرجع بسرعة، ده ثقتي بربنا، بدعي ربنا ليل نهار يرجعنا بسرعة.
كان يقف على الباب يستمع حديثها.
اتجه مغادرًا عندما استمع صوت أسما وسيلين على الدرج.
دلف إلى غرفته يفك رابطة عنقه.
استمع إلى صوت الألعاب النارية بالأسفل.
جلس على فراشه يتذكر منذ أسبوعين.
دلف إلى غرفته وجد العاملة تضع علبة دوائه وتحمل علبة فارغة.
جلس ولم يعرها اهتمام.
- أنا كنت برتب الأوضة ياباشا.
تحركت من أمامه ولكن توقفت عندما صاح بها.
- استني عندك.
ارتعش جسدها فاردفت بارتباك.
- محتاج حاجة ياباشا.
- أول مرة أشوفك هنا.
ارتبكت تفرك بكفيها ثم أردفت.
- لا ياباشا أنا هنا من فترة، من وقت ما مدام ليلى حملت، عشان الولاد تعبوها، فطلبت من داليا تشوف حد يساعدها، أنا بنت خالتها.
أومأ برأسه وتحرك للداخل.
اتجه بنظره لعلبة الدواء.
وامسكها يضغط عليها بيديه.
ثم وضعها بجيبه وتحرك إلى غرفة مكتبه.
وجد جميع الكاميرات متوقفة.
تحرك إلى المشفى.
دلف إلى غرفة ليلى.
ظل يطالع نومها الهادئ للدقائق.
ثم تحرك إلى أن وصل إليها.
انحنى يطبع قبلة على جبينها ثم همس بجوار أذنيها.
- تنينة الحلوة تنينك افتكر كل حاجة بس لازم ألعب شوية.
ابني أمانة عندك، بتمنى تسامحيني.
عارف هتطلعي نار من ودانك لما تفوقي.
المهم إنكم بخير.
وضع كفيه على بطنها.
- حافظي على ابننا اللي بغبائي كنت هموته.
تحرك إلى الخارج واتجه إلى طبيبه يضع امامه تلك الحبوب.
- عايزك تغيرلي الحبوب دي، عايز حاجة أقوى.
امسك الطبيب الزجاجة قائلا.
- بس دي أقوى حاجة، الذاكرة مش هترجع بالعلاج بس، لازم متغطش على نفسك.
زفر باختناق ثم تحدث.
- طيب ليه الحبوب دي غير التانية، حتى شكلها غير.
قطب جبينه وتساءل.
- إزاي.
اخرجها الطبيب ثم أجابه.
- مش دي الحبوب اللي في الإزازة، الحبوب دي متغيرة.
تراجع بجسده وابتسامة شقت ثغره وهز رأسه.
- كنت عايز أتأكد، شكرا لحضرتك.
قالها وتحرك مغادرا إلى المنزل.
قابلته فرح وهي تدلف إلى القصر.
- مساء الخير ياراكان.
أومأ برأسه.
- عاملة إيه.
نظرت إلى منزلهم وتحدثت.
- جايه أشوف سارة، نفسي نرجع بيتنا، ماتقول لعمك كفاية ظلم لماما بقى، هو هيسمع منك، مش بعد العمر ده كله يرمي أمي كدا عشان حتة بنت جابتله ولد.
طالعها بغموض وتساءل.
- هو إنتوا مشيتوا من البيت ليه.
دنت منه وتحدثت.
- بابا اتجوز على ماما، بعد ما ليلى راحت اشتكت ماما لعمو أسعد، عشان ماما اكتشفت خيانتها، فحبت تنتقم من ماما، فبابا طلق ماما.
أطلق ضحكة صاخبة.
ضيقت عيناها متسائلة.
- بتضحك على إيه.
تعمق النظر بمقلتيها وأردف.
- أصل ليلى طلعت هيرو ياقلبي، مفيش مصيبة في البيت محصلتش من غيرها، حتى خلت عمي اللي كان بيموت في مراته يتجوز عليها ويطلقها.
عقدت ذراعها وأردفت بغل.
- شوفت إجرام أكتر من كده.
رفع كفيها يداعب خصلاتها.
- متخافيش هاخد حق طنط عايدة وهخلي عمو يرجعها معززة مكرمة كمان، استني بس ليلى تولد وبعد كدا كله هياخد حقه.
- هي ليلى هتولد، مش بيقولوا الولد مات في بطنها.
تحرك من أمامها.
- مات ولا عايش ميهمنيش يافروحة.
خرج من شروده على أصواتهم بالخارج.
خرج وجد أسما تحمل طفله وتشير إليه.
- هجيب له بنوتة بقولك اهو ياسيلي ابعدي عن الولد.
وصل إليهم متسائلا.
- واخدينه فين.
لم تجبه أسما، ولكن سيلين أردفت:
- بابا عايزه..
أخذه من أسما وضمه لأول مرة أمامهم.
- الولد مش هينزل تحت، مش شايفين الزحمة، معرفش إيه لزوم الحفلة أصلًا.
قالها وتحرك بالطفل للداخل. كانت تطالعه أسما وهو يضم ابنه.
- راكان هيجنني يا أسما، تخيلي بيقول الولد مش ابنه.
ربتت على ظهره رغم نيرانها المحترقة على صديقتها.
- نوح اهدى عشان خاطري، كفاية عليا ليلى، هتموت من وقت ما سابها في المستشفى ما زرهاش ولا مرة، يا حبيبتي يا ليلى كتير عليها اللي بيحصل.
مسح نوح على وجهه وكأنه يقتلع جلده من الغضب.
- مش عارف ألومه، أنا متكتف يا أسما، دا واحد مش فاكر جوازه منها.
خرجت أسما من شرودها على رنين هاتفها.
- أسما يالا حبيبتي عشان الولاد.
ابتسمت إلى سيلين.
- نوح عايزنا نمشي. سلام حبيبتي.
بعد قليل، انتهاء الحفلة بعدة ساعات. صعد إلى غرفة ابنه لأول مرة منذ ولادته. وجدها تقوم بإطعامه.
دلف وجلس بجوارها. رفع كفيه يمسد على خصلاته ثم انحنى يطبع قبلة على رأسه.
ارتجف جسدها، واهتزت نظراتها تنظر إليه بتساؤل.
رفع بصره إليها واقترب يضمها إلى أحضانه.
- ليلى أنا افتكرت كل حاجة.. آسف.
انسابت عبراتها على وجنتيها وشهقات مرتفعة. حتى وصلت إليها زينب ظنًا أن ابنها أبكاها كعادته. وجدته يجلس بجوارها يضمها باشتياق، وهي تبكي بأحضانه.
- اهدى حبيبتي، والله غصب عني.
بتر حديثه عندما استمعوا إلى انفجار صاخب بالخارج.
- أسعد برة.. أبوك لسه برة.
ياراكان، هب متجها إلى النافذة ينظر بالخارج.
- دي عربية ولعت.. هنزل أشوف فيه إيه تحت، ماما خليكي مع ليلى لما أرجع.
وضعت طفلها وهزت رأسها رافضة نزوله.
- فيه ضرب تحت وهو نازل إزاي يا ماما.
خرجت زينب بجوار ليلى وتحركوا إلى الخارج. وصلوا إليه وجدوا أسعد بجوار راكان.
- مين اللي ولع في العربية.
تحدث أحد الأمن.
- راكان باشا في حاجة لازم تشوفها.
صعدت ليلى إلى غرفة ابنها بعدما اطمأنت عليه متجهة إلى رضيعها. وجدت باب الغرفة مفتوحًا. تذكرت هبوط زينب معها. نظرت بالغرفة تبحث عن ابنها كالمجنونة. ذهبت إلى غرفة أمير وجدته يغفو بجوار كيان.
هرولت إلى الأسفل بأقدام حافية عندما وجدت أحدهم يحمل طفلها ويقفز من شرفة أبنائها.
صرخت باسم زوجها وتحركت سريعا إلى الأسفل تعبر البوابة الرئيسية إلى القصر، متجهة إلى تلك السيارة التي توقفت بأحد جوانب السيارة.
استمع إلى صياحها راكان.
وصل يونس الذي دلف بسيارته للتو إليها.
- مدام ليلى في إيه.
لكنها هرولت خلف السيارة تصرخ باسم ابنها. توقفت السيارة حتى ظهر راكان يسرع خلفها. ولكن أسرعت السيارة عندما ظهر راكان. ظلت تسرع وتصرخ باسم ابنها إلى أن جثت على ركبتيها. هرول خلفها يونس الذي ظهر أمامه وصوت زوجته ولكنه لم يراها.
جحظت عيناه عندما وجدها بتلك الحالة وهي تنظر إلى السيارة وتصرخ باسم ابنها. هنا أحس بقبضة تعتصر صدره. كور قبضته ضاغطا على مفاصله، وصاح بصوت زلزلت له الأرض.
- الحقوا العربية دي، هموتكم لو مجبتوش الولد.
نهضت متجهة إليه كالقطة الشرسة. بدأت تلطمه وتصرخ.
- عايزة ابني، انت السبب الولد ده ابني لوحدي، انت مالكش حق فيه.
صرخت وصرخت إلى أن انهارت بين يديها ساقطة كورقة خريف.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سيلا وليد
كنت أنتظر تلك اللحظة التي ينتهي فيها الخلاف بـ جملة "علاقتنا وبقاؤنا مع بعض أهم من أي خلاف بينا" بينما كنت تجاهد أنت لتثبت أنني الطرف المذنب، كنت أعاتبك بـ قلبي ولم أنتظر منك إلا اللين، وكنت تعاتبني بـ عقلك ولم تنتظر مني إلا الهزيمة أمامك.
قبل ساعتين من اختطاف الطفل
اقتربت من فراش صغيرها، حملته بين ذراعيها.
"حبيب مامي زعلان ليه؟ انت جعان.."
وضع الطفل أصابعه بفمه وبكى بصوته الطفولي.
ضمته إلى صدرها وبدأت تتمتم له بعذوبة صوتها، ثم جلست تطعمه. غفى بعد رضاعته، وضعته بمهده وظلت تشدو له بصوتها الناعم.
وصل وتوقف لدى الباب يستمع لصوتها المبهج لروحه.
شعرت بوجوده، ولكنها ظلت كما هي. خطى إلى أن وصل إليها وجلس بجوارها ينظر لطفله، لأول مرة يدخل غرفته، بعد شهر من ولادته.
وضع كفه على خصلاته الناعمة التي تشبه والدته كثيرا.
"حبيب بابي مزعل مامي ليه"
ثم انحنى يطبع قبلة على جبينه.
رفعت نظرها مذهولة من وجوده، ارتجف جسدها عندما اقترب وحاوطها بذراعيه.
"وحشتيني مولاتي."
رفعت يديها تمررها على وجهه وهي تناظره بأعين مشوشة بدموعها المتحجرة وهمست بصوتا مختلطا بالبكاء.
"راكان..."
امسك كفيها وطبع قبلة مطولة عليه، ثم عانقها بنظراته.
"روح راكان مولاته..." قالها ثم جذبها يعتصرها بأحضانه.
"آسف حبيبي.. ليلى أنا اتذكرت كل حاجة."
خرجت من أحضانه وعبراتها انسابت بغزارة تبتسم من بين دموعها هامسة.
"الحمد لله.. الحمد لله." كررتها عدة مرات، ثم توقفت فجأة تطالعه بتساؤل.
"امتى اتذكرت امتى؟"
احتضن كفيها بين راحتيه، ورفع بصره إليها.
"يوم ولادتك."
جحظت عيناها تسحب كفها من بين راحتيه، ثم سألته بعدم فهم.
"قصدك شهر؟ فاكر عذابي من شهر ورغم كدا سبتني أتألم وأتعذب.. شهر ياراكان، هونت عليك وانت شايفني بموت من بعدك وانت واقف كدا."
تراجعت بجسدها بعيدا عنه، وكلامها شق صدرها، حتى شعرت بعدم قدرتها على الحركة.
اتجه إليها وحاوطها بأحضانه.
"حبيبي اهدي."
رفعت نظرها وهمست.
"اهدى.. بتقولي اهدي؟" ارتفعت دقاتها كلما تذكرت يوم ولادتها.
"أنا كنت بموت ومكنتش محتاجة غير حضنك." رفعت كفيه تضعها على وجنتيها وأردفت بصوت مبحوح بالبكاء.
"كنت محتاجة دي تربط على قلبي، كنت محتاجة همسة منك تقولي أنا جنبك حبيبتي، بس انت عملت ايه."
نهضت كعصفور مكسور الجناح، ظلت للحظات تطالعه بأنين قلبها ثم توقفت تدور حول نفسها كالمجنونة وهي تشعر بفوهة بركانية بصدرها ستنفجر وتحرقها كاملة.
نهض وتوقف أمامها لحظة وهي ترمقه بغضب وخذلان بنفس الوقت، حتى توقفت جميع حواسه حتى عجز لسانه عن صياغة الحروف. حاوطها بذراعيه ونظراته إليها نظرات متألمة على حالتها.
أشارت بكفيها له بالبعد.
"لا ياحضرة المستشار مفكرني هسامحك زي كل مرة، المرة دي وجعتني اوي. لا تعلم أي جرم ارتكبته ليحرقها بتلك الطريقة."
دنت تنظر إلى عيناه مباشرة.
"أنا كنت بين الحياة والموت وانت هنا، قافل على نفسك ومحاولتش حتى تيجي لي وتطمن عليا، محاولتش تضحك عليا حتى لو بكلمة وتقولي ليلى اتمسكي عشان ابننا."
تراجعت إلى فراش ابنها.
"دا اتولد وملقاش أبوه جنبه يحضنه ولا يسميه، دا ذنبه ايه؟ قولي ياحضرة المستشار ازاي جالك قلب ترتاح وانا بموت هنا."
وصلت إليه وبدأت تلكمه بصدره.
"قولي ياحضرة المستشار بأي حق جاي تقولي الولد دا ابنك، ايه دليلك لدا."
تعمقت بعيناه والامتعاض باد على ملامحها.
"اياك تقرب مني ياراكان، اياك سمعتني، وخليك عايش في دور الأهبل ال فاقد الذاكرة."
دنت ورفعت نفسها تهمس بجوار أذنه.
"ليلى ماتت لما سبتها بتنزف في المستشفى، روح دور عليها هناك."
صمتا مريبا مشحونا بأنفاسهما المرتفعة ونيران صدرهما التي شقت بسبب ما قالته وما فعله.
اتجه إليها ثم جذبها بقوة يحاوط خصرها بقوة واضعا رأسه بخصلاتها.
"غصب عني حبيبي."
ارتعش جسدها بالكامل من همسه وانفاسه التي بدأت تضرب عنقها.
همست بتقطع عندما فقدت سيطرتها.
"ابعد لو سمحت."
اغمض عيناه يهز رأسه وظل كما هو وتحدث.
"ليلى أنا كنت بموت اوعي تفكري بعدك عني كنت قادر اتحمله، انا محستش بالحياة إلا لما رجعتي البيت."
رفع نظره واحتضن وجهها.
"أنا روحتلك المستشفى مرتين، قبل ماتولدي وبعد ماولدتي بيوم، مكنش المفروض احسس حد اني اتذكرت."
انزلت كفيه وتراجعت تزيل دموعها ثم هزت رأسها.
"عايزة اقعد لوحدي لو سمحت."
بتر حديثهما عندما دلفت والدته. وزعت نظراته بينهما ثم نظرت الى ذراع ابنها الذي يضم ليلى.
"راكان بتعمل ايه هنا؟ اول مرة تدخل هنا."
اتجهت ليلى بنظرها إليها بعدما ابتعدت حصاره.
"معلش ياماما أصل حضرة المستشار بيمشي وهو نايم ودخل الاوضة بالغلط."
"ليلى." قالها وهو يجز على أسنانه. ثم سحبها للخارج.
"تعالي لازم نتكلم."
اتجهت والدته تنظر بغموض.
"انت اتذكرت ياراكان؟"
قطع حديثهما صوت انفجار سيارة بالاسفل. اتجه إلى النافذة ينظر بالخارج. صاحت والدته باسم زوجها.
"ابوك تحت يابني."
اتجه مغادرا إليه، ولكنه توقف لدى باب الغرفة.
"ماما خليكي مع ليلى."
رفع بصره إليها.
"متخرجيش شوية وهرجع." ثم هرول إلى الأسفل.
ظلت تذهب إيابا وذاهبا بالغرفة لبعض الدقائق.
هزت رأسها وتحركت.
"لا لازم انزل اطمن عليه، مش هقدر استنى هنا ومعرفش عنه حاجة تحت."
تحركت سريعا للأسفل وخلفها زينب عندما استمعوا الى طلقات نارية. هرولت تبحث عنه في الأرجاء. وجدته متجها بسلاحه لأحد امنه.
"شوف في ايه ومين ال ضرب الحارس، اتحركو."
اتجه إلى والده.
"بابا حضرتك كويس؟"
أوما اسعد واجابه.
"العربية ولعت ليه يابني، ازاي وهي جديدة."
تجمع الجميع بحديقة القصر.
"راكان انت كويس." قالتها ليلى بلهفة وهي تنظر إلى أنحاء جسده.
ضمه وهو يومئ برأسه.
"كويس حبيبتي، خليكوا هنا هشوف الحارس مات ولا ايه."
أمسكت كفيه وتلألأ الدمع بعيناها.
"قلبي وجعني خد بالك من نفسك."
طبع قبلة على جبينها وربت على كتفها ينظر إلى والدته وسيلين التي وصلت بجوار سارة.
"ادخلوا جوا، لما اشوف ازاي قدروا يدخلوا القصر." قالها وتحرك متجها إلى غرفة أمنه.
"ليلى هو راكان رجعتله الذاكرة." تسائلت بها سيلين.
كانت عيناها تراقب تحركه في كل الأنحاء. قلبها يؤلمها بشدة. تحركت متجهة إليه. امسكتها سيلين.
"حبيبتي اهدي هو في وسط امنه، وقدامنا اهو."
"قلبي وجعني ياسيلين، حاسة فيه حاجة هتحصل."
جذبتها سيلين متجهة للداخل.
"متخافيش حبيبتي انا عارفة إنك معذورة بعد ال حصل، بس مقولتيش راكان راجعتله الذاكرة."
أطبقت على جفنيها ثم نظرت إليه وهو يتحدث مع أحد الرجال.
"لسة معرفني دلوقتي بعد تلات شهور شوفت فيهم وجع سنين."
ضمتها سيلين بعدما انذرفت عبراتها وتربت على ظهرها.
"حبيبتي عارفة والله انك اتحملتي كتير."
أزالت عبراتها وتحركت قائلة.
"أنا تعبانة هروح اغير الفستان دا وارتاح." قالتها بعدما وجدته متجها إليهم مع والده وهو يتحدث بهاتفه.
صعدت للأعلى ثم اتجهت إلى غرفتها وقامت بتغيير ثيابها. جلست أمام المرآة تتذكر حديثه منذ دقائق. استمعت إلى ضرب نار مرة أخرى بالخارج. خرجت متجهة إلى الخارج بعدما استمعت الى صوت بكاء طفلها. نظرت إلى غرفته وجدت بابها مفتوحا واحدا ما يقفز من النافذة. رعشة قوية أصابت جسدها كصاعقة كهربائية مما جعلها تسرع إلى الأسفل بقدميها الحافيتين وخصلاتها التي تمردت على وجهها، ناهيك عن ثيابها المنزلية. أسرعت حتى وصلت إلى مخرج القصر وهي تبحث بعينها وجدته يقفز من فوق السور في وقت يتبادل به الجميع ضرب النيران مع مجهولين بالخارج. هرولت للخارج حتى وصلت البوابة الرئيسية وهي تصرخ باسم ابنها مرة واسم زوجها مرة.
دقائق وتوقف ضرب النيران.
وصلت إلى الخارج بدلوف يونس بسيارته الذي نظر بصدمة إلى حالتها الهسترية من صراخاتها المجنونة وثيابها ماهي إلا منامة شفافة.
ترجل من سيارته سريعاً حتى لم يغلقها واتجه خلفها يناديها.
صرخت وصرخت عندما وجدت الرجل يحمل طفلها ويستقل السيارة.
"راكاااااان.."
صرخة شقت بها سماء المكان بليله الساكن.
استمع إلى صراخها وكأن أجهزة جسده توقفت عن العمل يحاول أن يفهم مابها.
اتجه بنظره إلى البوابة وجد يونس يتجه للخارج وينادي باسمها.
لونت الصدمة تقاسيم وجهه.
لحظات كانت كفيلة بتصنم جسده عندما رآها من بعيد وهي تسرع كالمجنونة.
أسرع خلفها ودقات قلبه تخترق صدره.
توقفت السيارة عندما اقتربت منها وهي تشير بيديها، قائلة:
"ابني.."
ظهر بوضوح وهو يصرخ باسمها واسم رئيس حرسه.
حتى هرولت السيارة مغادرة المكان سريعاً.
بكت بصراخ وهي تسرع خلفها حتى أنهكت وجثت ساقطة على ركبتيها تتمتم بصوت متقطع.
"ابني.. خطفوا ابني.."
وصل يونس إليها، خلع جاكيتيه يضع على أكتافها محاولاً مساعدتها على الوقوف.
"مدام ليلى.. قومي هنعرف مين دول.."
نظرت إلى مكان السيارة.
"ابني.. ابني.. خطفوا ابني.."
وصل راكان إليها يهمس باسمها.
"ليلى.."
بكت بصوت مرتفع عندما استمعت إلى صوته، ولم تقو على النظر إليه.
ظلت كما هي بجسدها الذي تسربت البرودة إلى أعضائه، ولم تشعر بشيء سوى صورة ذاك المجرم وهو يحمل ابنها ويشير عليها بأن تأتي.
"يونس.. ايه اللي حصل؟!"
تسائل بها بلسان ثقيل وهو يخطو ببطء كأنه يتحرك على سيف مدبب بعدما رأى حالة ليلى.
هز رأسه بعدم معرفة، ولكنه توقع خطف الولد.
وصل راكان إليها.
"ليلى.."
قالها عندما حاوطها للوقوف.
"ايه اللي حصل حبيبتي؟"
هنا فاقت من صدمتها ونهضت تلكمه بصدره بكل ما أوتيت من قوة.
"ابعد.. مالكش دعوة.. انت السبب.. انت السبب.. الولد دا مالكش فيه حاجة.. دا ابني أنا.. أنا لوحدي اللي اتحملت العذاب فيه.. مالكش تسأل في أي حاجة."
ارتجفت أوصاله وابتلع ريقه بصعوبة محاولاً إبعاد ما فهمه.
حاوطها بذراعيه ينظر ليونس وانسابت دمعة من عينيه عندما تلاشت قوتها وهي تهمس باسم ابنها.
"ابني.. عايزة ابني ياراكان.. خطفوا الولد.. ابني.."
قالتها وغمامة سوداء تحاوطها حتى سقطت مغشياً عليها بين ذراعيه.
أطبق على جفنيه وهو يحملها ويضمها إلى صدره، ويصرخ بحراسه.
"الحقوا العربية بسرعة.. عايزها من تحت الأرض."
اتجه بها يضمها إلى صدره، وجسده عبارة عن كتلة نارية تريد أن تلتهم ما يقابلها.
وجد الجميع بالأسفل ينتظرونهم.
أسرعت سيلين إلى يونس.
"ايه اللي حصل؟"
هز رأسه بحزن على ليلى وراكان الذي تخطاهم ولم يرد على أحد، فكان حزنه وألمه كافياً لهدم الكون بما فيه.
وصل إلى غرفته، وضعها بهدوء على الفراش، وبدأ يفوقها باستخدام روائحه.
"حبيبتي.. فوقي.. ليلى.. حبي.. افتحي عيونك ياروحي.."
رمشت بعينيها وبدأت تفتحها بتمهل.
وصلت زينب وسيلين اللتان ظهر على وجههما الحزن والألم معاً.
جذبها لأحضانه، وأطبق على جفنيه يقاوم ألم روحه بما يصير معه.
حاوطت خصره تهمس له.
"راكان.. عايزة أنام.. سبني أنام وخلي بالك.."
توقفت عن الحديث فزعة تدفعه.
"زين.. فين زين؟!"
نهضت سريعاً من فوق الفراش وأسرعت إلى غرفة رضيعها، تبحث بالغرفة كالمجنونة.
"ابني فين.. زين فين؟!"
وصلت زينب وسيلين إليها يجذبوها.
"ليلى.. حبيبتي.. اهدي.. راحوا يجيبوه."
"يجيبوه.. يجيبوه منين حضرتك مصدقة كلامك؟!"
ونظرت لأشيائه تضمها وتستنشقها.
"انت فين يا قلب ماما.. ما لحقتش أشبع منك ياروحي."
هوت على الأرضية تحتضن أشياءه.
"حبيبي كدا تسيب ماما.."
بكت بشهقات مرتفعة.
"ابني بيعيط ياماما.. ابني عايز يرضع."
كان بغرفته واضعاً رأسه بين راحتيه.
انسابت عبراته بكثرة عندما فقد السيطرة من حالة زوجته المدمية للقلب.
نهض بجسد سلبت روحه واتجه إليها بعدما فقدت والدته السيطرة على بكائها.
وصل إليها.
"حبيبتي.. قومي معايا ياليلى متقعديش كدا.. وبطلي عياط.. الولاد نايمين."
نظرت بعينيها المغشية بالدموع.
"هاتلي ابني ياراكان.. أنا عايزة ابني.. بيعيط ياراكان.. والله بعيط.. أنا سامعة صوته."
ضمها بقوة لصدره ولم يتحكم بدموعه التي أغرقت وجهه.
ضمها ثم رفعها وتوقف متجهاً إلى غرفتهما.
"ابعتي ليونس ياسيلين.. خليه يدلها مهدئ.."
أومأت وقامت بمهاتفة زوجها.
وضعها بحنان على الفراش، يجذب الغطاء عليها.
دفعته بغضب وصرخت به.
"إياك تقرب مني.. انت مالكش دعوة بيه.. هو مش ابنك أصلاً.. مش دا كلامك.. كل اللي بيحصلي بسببك انت.. امشي من وشي.. مش عايزة أشوف وشك.. خليك ساكت علينا وقول إنك مش فاكر حاجة.."
اقتربت وغرزت عينيها الباكية بمقلتيه المتألمة.
"خبيت علينا عشان إيه.. مش عايز تفهمني عشان تحمينا.. أهو ابنك اتخطف من بيتك في وسط حرسك بوجودك كمان."
دفعته وصرخت كالمجنونة.
"عملت إيه.. قولي عملت إيه وهم بيخطفوا ابني.. أنا اللي تعبت فيه.. خمس شهور وأنا بموت بيه وبحارب في كل الجهات وأنت عامل ولا كأنك تعرفنا."
اقترب منها.
"ليلى.."
وضعت كفيها على أذانها وصاحت صارخة.
"مش عايزة أسمع صوتك.. عايزة ابني.. ابني وبس.. امشي من قدامي."
نزلت كلماتها القاسية كالصاعقة تفتت قلبه إلى أشلاء، حتى جعلته غير قادر على التنفس، وشحب وجهه بالكامل.
اقتربت زينب بعدما وجدت حالة ابنها المتألمة، وضمتها بين أحضانها.
"تعالي ياليلى.. بلاش تقولي كلام حبيبتي وتندمي عليه.. أنت موجوعة."
بكت بشهقات مرتفعة.
"أنا مش موجوعة ياماما.. أنا بموت.. خلي ابنك يرجعلي ابني ياماما."
وصل يونس إليهما.
أشارت زينب بهدوء إليه.
"تعالي ياليلى.."
قالتها زينب وهي تجذبها إلى فراشها، ساعدتها على التسطح.
اتجه يجذب ملابسها واوقف والدته.
"استني ياماما.. لبسيها ده.."
أخذت إسدالاً لها وساعدتها بإرتدائه.
ثم دثرتها طابعة قبلة على جبينها.
"حبيبتي.. ارتاحي.. ابنك هيرجعلك.."
اتجه يونس إليها وقام بحقنها وهي تهذي.
"عايزة ابني ياراكان.. هاتلي ابني.. رجعلي روحي ياراكان."
خرج الجميع من الغرفة، وظل هو واقفاً ينظر إلى ملامحها الشاحبة بحزن.
ود لو يصرخ من أعماقه بكل ما أوتي من قوة على ما يشعر به من تفتت روحه.
اتجه بخطوات سلحفية وهو يرسمها بعينيه ثم جثى أمامها واضعاً رأسه بعنقها.
"سامحيني ياليلى.. سامحيني حبيبتي.. أوعدك هرجعلك ابننا."
رفعت كفيها الذي بدأ بتخدّره بسبب مفعول المهدئ ووضعت على وجنتيه.
"حبيبي.. عايزة زين.. عارفة إنك هتجيبه.. روح هاتلي زين ياراكان.. هاتلي ابننا."
طبع قبلة عميقة على جبينها ثم نظر لعيناها.
"حاضر ياليلى.. هرجعلك ابننا.. حتى لو كلفني حياتي.."
انسابت عبراتها تهز رأسها رافضة حديثه.
"عايزاكم انتوا الاتنين.. عايزاكم انتوا الاتنين.."
قالتها ثم ذهبت بسبات عميق.
تحرك للخارج سريعاً، وقام بمهاتفة جاسر الذي كان يغفو على الأريكة.
استمعت جنى إلى صوت هاتفه، تحركت إلى الخارج.
"جاسر.."
فتح عيناه، ثم هب فزعاً ينظر إليها.
"فيه حاجة.. تعبانة؟"
هزت رأسها بالنفي فنظرت إلى هاتفه.
"تليفونك كان بيرن.."
مسح على وجهه، بعدما تنفس بهدوء.
"اقعدي عشان مدوخيش تاني.."
جلست بجواره، نظر لتلك الكانولا التي مازالت بكفيها ثم أردف.
"ربنا هيبعتلك دلوقتي عشان تاخدي دواكي.."
ابتسمت له.
"متخافش عليا.. أنا كويسة.. وشوية وهروح بيتنا بس مستنية عز لحد ما يرجع.."
وصل جواد متجهاً إليهما.
"جاسر.. انت لسة هنا.. مروحتش ليه يابني.."
أشار على الأريكة.
"نمت يابابا وماحستش بنفسي.."
ثم اتجه بنظره إلى جنى التي اختفت بأحضان جواد وأكمل.
"مكنش ينفع أمشي قبل ما أطمن على جنى.."
طبع جواد قبلة على رأسها واجابه.
"جنى زي الفل ياحبيبي.. روح انت عشان مراتك دلوقتي قلقانة عليك."
قاطع حديثهما رنين هاتفه.
ابتسم جواد وأشار إلى الهاتف.
"شفت.. قولتلك زمانها قلقانة.. ومتنساش إنها حامل."
أومأ برأسه، وجذب هاتفه ولكن توقف ينظر إلى والده.
"دا راكان البنداري.."
ضيق جواد عيناه، متسائلاً.
"راكان.. دلوقتي الساعة اتنين؟"
أجابه جاسر.
"أيوة.. يا حضرة المستشار."
"تمام.. مسافة السكة وهكون عندك.."
"متحاولش تعمل حاجة لحد ما أوصل.."
انتظر جواد حديثه.
"ابنه اتخطف من بيته.."
أطبق جواد على جفنيه وتألم قلبه عندما تذكر خطف غنى ثم تنهد بحزن قائلاً.
"مش هيسبوه.. فهمته قبل كده.. وادي النتيجة."
قطب جبينه وتسائل.
"ليه عايزين منه إيه.. مش اتحكم في القضية.. وكمان هم مفكرين إنه لسه فاقد الذاكرة؟"
ربت جواد على كتفه.
"خد بالك من نفسك.. عشان هما عايزين يبعدوك عن القضية.. لازم تشك في كل اللي حواليك.. بلاش تتهور ياحبيبي.. عارفك ساعات بتتهور.. دول مجرمين ياجاسر.. والدم عندهم زي المية."
تحرك مستديراً إلى الخارج.
"حضرتك اللي بتقول كده يا حضرة اللوا.. دي أمانة لبلدي.. غير وظيفتي.. ومسؤولية وعهد علينا يا حضرة اللوا.."
أسرعت خلفه بخطواتها الثقيلة بسبب مرضها.
"جاسر.."
توقف مولياً ظهره للحظات ولكنه استدار عندما استمع لصوت بكائها.
"خد بالك من نفسك.. خاف على نفسك وبلاش تتهور.. وفكر في اللي بيحبوك.."
تراجع إليها وجذبها لأحضانه لاغياً كل شيئاً.
كور جواد قبضته بعنف بعدما تأكد من ظنونه.
استمع لشهقاتها بأحضانهم وهمسها.
"لو حصلك حاجة ابنك هيتيم.. خليك فاكر إن فيه ناس ممكن تموت لو حصلك حاجة."
أخرجها من حضنه وضم وجهها.
"أي يابت ياجنى بقيتي درامية ليه كدا.. بابا مشاعره الأبوية هي بس اللي خلته يقول كده.."
رفع نظره إلى والده الصامت وتسائل.
"مش كده يا حضرة اللوا؟"
اقترب منهما، يجذب جنى لأحضانه.
"صح يابابا.. روح شغلك عشان متتأخرش.. أختك مندَفعة شوية.. مش كده ياجنى."
أومأت دون حديث وتحركت إلى الداخل.
انحنى يهمس لها بجوار أذنها.
"هاجي بكرة.. اياكي مش ألاقيكي.. وخفي من شركة الراجل أبو عيون زرقا ده.. بغير منه ياجنجنون."
قالها وتحرك متجهاً للخارج.
احتضن جواد وجهها.
"لدرجة دي بتحبيه يا بابا؟"
وضعت رأسها بأحضانهم وهمست.
"عمو جواد.. اتصل ببابا عايزة أكلمه.. وحشني أوي.. مش المفروض يرجعوا؟"
ضمها متجهاً بها إلى الأريكة.
"بتهربي من أبوكي ياجنى.. مش إحنا بقينا أصحاب.. وهتقولي لصاحبك كل حاجة."
وضعت رأسها بأحضانهم.
"أنا تعبانة وعايزة أنام يا عمو.. ممكن."
خرج جاسر متجهاً إلى قصر البنداري بعدما اتصل بباسم.
"عمو باسم.. ابعتلي قوة لقصر البنداري.. ابنهم اتخطف."
عند راكان استقل سيارته بعد اتصال حرسه.
"العربية كانت قدامنا ياباشا بس فجأة اختفت."
"ابعتلي اللوكيشن.."
ثم قاد السيارة بسرعة جنونية والغضب يعمي بصره وبصيرته.
كلما تذكر حالتها يشعل بنار تغلي بأوردته.
منظر دموعها وحزنها ورجفة جسدها.
ناهيك عن صوت ابنه الذي يصم أذنيه يتغلغل بأعماقه وكأنه نصل سكين في أنسجة قلبه ليدمي على طفله.
"حمزة.. فوق كدا واسمع اللي هقوله.."
اعتدل حمزة من نومه يمسح على وجهه.
"ايه ياراكان.. فيه إيه؟!"
لم يتمالك نفسه واردف بصوت مختنق.
"خطفوا ابني ياحمزة.. قابلني على النيابة.. وأنا هشوف الأمن وصل لإيه."
"تمام ياراكان.. ربع ساعة وهتلاقيني في النيابة."
وصل بعد قليل إلى المكان المنشود.
"العربية هنا اختفت ياباشا.."
نظر إلى مفترق الطرق.. أرجع خصلاته بغضب كاد أن يقتلع خصلاته.
وصل جاسر إليه.
"فيه إيه.. وصلت لحاجة؟"
استند على سيارته وأطبق على جفنه متألماً.
"إزاي اخترقوا أمني.. هتجنن.. دا واحد تبعهم وعارف بيعمل إيه كويس."
"تفتكر دا شغل مين يا ترى؟"
فرك جبينه وعقله كاد أن يذهب منه.
"دا شغل عايدة وأمجد.. متأكد.. متخرجش غير منهم.. بس ليه يخطفوا الولد.. دا مفيش غير حاجة واحدة.. يا إما يساوموني على حاجة كبيرة."
"المهم لازم تحقق مع فريق الأمن كله ياجاسر.. وأكيد هنوصل لحاجة."
ربت جاسر على ظهره.
"طيب.. اهدى.. عشان العصبية دي مش هتوصل لحاجة بيها."
كيف يهدأ وشعور بالندم يفترس قلبه دون رحمة.
تحرك إلى سيارته، كالطفل الذي يتعلم السير.
استقل السيارة وظل جالساً بها لفترة.
ذهب بذكرياته لذاك اليوم.
فلاش باك قبل شهرين.
توقف يونس أمامه بعدما حجز ليلى بالعناية.
"راكان.. مراتك اتحجزت في العناية.. نبضها ضعيف.. والجنين حالته خطرة.. وممكن نفقد حد من الاتنين."
سحب نظره بعيداً عن يونس، وظل كما هو، ثم تحدث.
"يبقى نصيب.. يا يونس.. سواء الولد ولا هي.. يبقى نصيبها كده."
صاعقة أصابت يونس كصاعقة برق الشتاء.
فجلس بجواره ينظر إليه بعتاب.
"دي ليلى حبيبتك يا ابني.. انت عارف يعني إيه ليلى لراكان؟"
تراجع بجسده واغمض عينيه.
"قصدك اللي دمرتني.. وموتت أخويا.. ولا قصدك اللي حرقت قلبي يايونس.. ولا قصدك اللي بعتلي ليلة وحملت في كيان."
"هي دي ليلى يايونس.. ليلى اللي وقفت قدامي وقالت هتجوز أخوك وأشوفك وأنت بتتألم كده."
كور قبضته وتحولت عيناه للون الأحمر وتحدث بهسيس.
"دي عايزة أموتها بإيدي عشان أبرد ناري."
حبس نفسه بداخله الذي تحول كجمرات حارقة كادت تحوله إلى بركان مشتعل.
"مش عايزها ولا عايز الولد اللي في بطنها."
أمسكه يونس من أكتافه.
"راكان.. الدنيا اتغيرت بينكم.. معرفش إيه اللي حصل.. بس اللي أعرفه إنك أنت وليلى بقيتوا روح واحدة.. هي بتحبك بجنون.. وأنت كمان بتعشقها.. ومبتستحملش عليها حاجة."
"كذب يايونس.. لو زي ما عشته يبقى كده.. ليلى أفقدتني الثقة بنفسي.. داست على رجولتي وعدت.. دي راحت اتجوزت أخويا وهي عارفة ومتأكدة أنا بحبها."
هز رأسه رافضاً حديثه.
"أنت بس ناسي ياراكان.. متحاولش تعاملها بالماضي.. دول أكتر من سبع سنين ياراكان.. فيهم حاجات كتير مريتوا بها."
نهض وصاح بغضب يشير بسبّابته.
"مهما اللي حصل.. دي موتت أخويا.. تقدر تجاوبني سليم مات إزاي في حادثة.. وأنت عارف إنه سواق ماهر.. نسيت مسابقاته كلها في السواقة؟"
جحظت أعين يونس وتوقف.
"لا.. ليلى مالهاش ذنب.. صدقني.."
دفعه راكان بقوة.
"اخرس يلا.. بتدافع عن واحدة خاينة.. حتى ولو دي واحدة اتجوزت أخو جوزها بعد ما جوزها مات.. وكمان عملت علاقة.. مفكرتش تحزن عليه."
وضع يونس كفه على فمه وسحبه بعيداً عن حديقة المستشفى.
حتى وصل إلى غرفته بالمستشفى.
دفعه وصاح بصوت غاضباً.
"لا.. دا أنت اتجننت.. أيوة والله اتجننت يا ابن عمي.. فيه حد بيسب مراته في أخلاقه."
ركل راكان كل ما يقابله.
"متقولش مراتي.. أنا مش فاكرها ولا عايز افتكرها.. دي واحدة خاينة.. موتت أخويا وعملت علاقة مع ابن عمها."
صفعة قوية نزلت فوق وجنتيه.
"فوق يا حضرة المستشار.. وشوف مين اللي لاعب بعقلك.. دا أنت واحد معندوش عقل.."
أمسكه يهزه بقوة ويصرخ به.
"عايز تعرف سليم مات إزاي.. هقولك."
سحب نفساً وطرده ناظراً لمقلتيه.
"أنت السبب.. أيوة أنت يا حبيبي.. أنت اللي كنت المقصود بيه."
"إيه.. اتصدمت.. لا استنى.. لسه التقيل جاي."
تنهد بحزن.
"سليم بين أيدي ربنا.. بس بدل وصلت لأعراض يا حضرة المستشار."
"سليم اللي خان ليلى.. عمل علاقة مع فرح.. ومراته حامل.. وكانت هتفقد الجنين لولا رحمة ربنا."
"تعرف مين اللي أنقذها وجابها وهو شايلها كالطفل الرضيع بين أحضانه؟"
لكزه بصدره يدفعه بقوة.
"أنت يا حضرة المستشار.. لولاك كان زمان أمير مات.."
تحرك واتجه إلى مكتبه واشعل تبغه يرمق راكان المذهول.
نفث تبغه يطالعه بسخرية.
"ايه يا عم المجهول.. بسلامته.. أكملك وأقولك إن فرح عندها ولد غير شرعي من أخوك.. وليلى تقبلته عادي.. ليلى كانت بتموت في المستشفى وأنت مسبتهاش ولا لحظة وأخوك مقضيها مع فرح."
توقف يونس ووصل إليه ينفث تبغه بوجهه ثم همس بجوار أذنه.
"ليلى رغم كدا قالت سليم ميهمنيش عشان مش فارق معايا يتجوز واحد ولا عشرة.. ال فارق معايا هو حبيبي اللي خانني قدام عيني."
تراجع بجسده للخلف وحاوطه بنظرات تعميقية.
"استنى.. لسه الذهول جاي كمان."
جلس ورفع ساقيه على مكتبه وظل ينفث تبغه ونظراته تحاوط راكان الذي جلس يفتح أول زر من قميصه عندما شعر باختناقه.
رفع نظره وأكمل.
"جدك الباشا.."
صدمة أذهلته ينتظر حديث يونس الذي أومأ برأسه قائلاً.
"جدك.. نسيته.. ضغط على ليلى عشان تطلق منك.. واخد ابنها وحبسها.. غير صور مقرفة ركبها ليها مع ابن عمها عشان بس تتطلق منك.. وخطف أبوها وأختها."
"بااااس.."
صرخ بها راكان ونهض متحركاً للخارج بخطوات تأكل الأرض كالذي يهرب من عدوه.
شعر بتأنيب الضمير والألم كاد أن يفتك برأسه.
لم يعلم بمن يثق.
الجميع أصبح أمامه أعداء.
استقل سيارته متجهاً إلى قصره.
دلف يبحث عن والدته وجدها تقرأ بمصحفها.
"ماما.."
رفعت نظرها إليه.
"حبيب ماما.. أنت سبت مراتك في المستشفى لوحدها.."
جثى أمامها ووضع رأسها على ساقيها وبكى كالطفل الصغير بشهقات مرتفعة.
"ابنك تعبان وضايع ياماما.. مش عارف مين الصادق ومين الكاذب.."
احتضن كفيها ومازال على وضعه.
"قوليلي ياماما أنا مين.. أنا ضايع."
مسحت على خصلاته.
"أنت نور عيني حبيبي.. أنت شوية وهترجع تاني زي ما كنت."
اعتدل ينظر إليها.
"إزاي اتجوزت مرات أخويا.. إزاي قدرت آخد حبيبتُه."
احتضنت زينب وجهه ونظرت لعيناه.
"أنت ما أخدتش حق حد.."
تألمت لذكرى فقيدها وانبثقت عبرة.
"ليلى كانت حقك من الأول.. بس النصيب.. وحكمة من ربنا.. كل حاجة بتحصلنا بيكون وراها حكمة من ربنا ياحبيبي."
"حقي وهي مراته.."
لمست وجهه وابتسمت.
"هتخبي على زينب ياراكان.. مالمكشوف بان ياحبيبي وعرف إنها حبيبتك.. بس اتجوزتها إزاي وليه.. دا نصيبك الحلو يابني.. ومع الوقت هتفتكر كل حاجة.. بس خليك واثق إن ليلى أغلى شخص عندك."
نهض يتخبط بسيره حتى وصل إلى غرفتهما.
ألقى نفسه على الفراش وعيناه تتجول بالمكان وذكريات تداهمه.
اعتدل سريعاً عندما تذكر ولادة أمير.
ضغط على رأسه بقوة.
ثم اتجه إلى علاجه واخذه، ذاهباً في سبات عميق.
بعد يومين خرج متجهاً إلى المشفى.
قابله جاسر أمام القصر.
"عامل إيه؟!"
رسم ابتسامة وأجابه.
"الحمد لله كويس."
جلسوا بحديقة القصر، ثم وضع أمامه بعض الصور.
- تعرف دول؟
أمسك الصور وأجابه:
- دي نورسين وأمجد، مالهم؟
- نورسين خرجت من المستشفى بعد ما مدام ليلى حاولت تموتها.
أومأ له ثم سأله:
- وأمجد حكايته إيه؟
- أمجد زارها النهاردة متخفي بزي طبيب، وكالعادة محدش اتعرف عليه. الغريب إن أمجد حاول يقتل نورسين لولا الممرضة اللي دخلت في آخر لحظة وأنقذتها.
- عايز أشوف نورسين يا جاسر.
نهض جاسر وارتدى نظارته.
- تمام، يلا.
وصل بعد دقائق حتى وصل إلى مكانها.
دلفت نورسين بعد دقائق، تجمد جسدها للحظات بعدما وجدته أمامه.
- راكان!
لحظة صرخات دلفت داخل عقله وصورة ليلى مقيدة.
نهض متحركاً إليها، تراجعت بجسده تهز رأسها بخوف منه.
- والله ما كان قصدي يا راكان، والله أنا كنت...
جذبها من خصلاتها عندما تذكر بعض الأشياء.
- حقيرة!
ثم دفعها بقوة بالحائط، نزف جبينها بقوة.
توقف جاسر أمامه.
- خلاص يا حضرة المستشار، هي دلوقتي بين أيدي النيابة.
- طلعها برة قبل ما أموتها.
تحركت خطوتين ولكنها توقفت عندما صاح:
- فين أمجد يا بت؟
ابتسمت بسخرية وأجابته:
- بيجهز نفسه لليلة نارية مع مراتك يا حضرة المستشار.
هب من مكانه ولكن توقف جاسر أمامه.
- راكان اهدى، فيه حاجة لازم تعملها.
ثم اتجه بنظره إلى نورسين.
- حضرة المستشار فاقد الذاكرة يا نورسين، بيحاول يفتكر حتى مش عارف انتِ هنا ليه.
قالها جاسر وهو يرمق راكان.
ألقى جسده فوق المقعد، بينما ظلت نورسين واقفة تطالعه بذهول مردفة:
- يعني أمجد ما كذبش؟ أنت مش فاكر حاجة؟ طيب جيتلي ليه؟
- بناءً على كلامي، يلا امشوا من هنا.
قالها جاسر وهو يستدعي العسكري.
مسح على وجهه بعنف، وأطاح كل ما يقابله على سطح المكتب.
- كلاب! وحياة ربي لأندمهم.
انحنى بجسده يضرب على المكتب.
- عايدة عايزك تراقبها أربعة وعشرين ساعة.
اعتدل بجسده.
- وحياة وجع قلبي لأدفعهم غالي.
خرج متجهاً إلى المشفى سريعاً، وصل إليها.
وجد أمام غرفتها والدته تجلس تقرأ بمصحفها.
- ماما.
رفعت نظرها وعيناها مترقرقة بالدموع، ثم نهضت إليه.
- أنا مش هقولك حاول تتذكر ولا هقولك إن ليلى حبيبتك، بس هقولك مراتك وابنك في خطر يا حبيبي، روح صلي وادعي لهم يا ابني.
خرج يونس من غرفتها متجهاً إلى زينب متجاهلاً.
- هنولدها، والولد هيتحجز في الحضانة للأسف، حالة ليلى مش تمام، وفيه تلوث في الدم، غير الأكسجين ضعيف جداً.
قاطعهم الممرضة:
- دكتور يونس، المريضة جاهزة للعملية.
رمق راكان الصامت وتحرك متجهاً لغرفة العمليات.
انهار عالمه وهوى على المقعد يهز رأسه بعنف، هامساً:
- مستحيل، لا العقاب كده مش هقدر أتحمله.
دفع الباب ودلف إليها، كانت لا تشعر بشيء.
جثى أمام فراشها واضعاً رأسه بعنقها.
- ليلى حبيبي لازم تقوي عشان حبيبك، أنا آسف يا عمري، فوقي حبيبي واتمسكي بالحياة عشان ولادنا.
استمع إلى رنين هاتفه.
- أيوه يا فرح، راكان كلمت بابا ولا لسه؟
- فرح أنا دماغي وجعاني، ممكن أكلمك كمان شوية. حاضر هكلم عمي.
انحنى يطبع قبلة عميقة بجوار شفتيها.
- بحبك مولاتي، حبيبك اتذكر ملحمة حبه مولاتي، لازم تفوقي لمعذبك عشان معذبك هيعاقبك.
استدار بعض الخطوات ثم رجع إليها، انحنى يقبل كفيها، ثم مسد على خصلاتها وهمس بجوار أذنها:
- زين أمانتي عندك يا حبيبة عمري، وحشتيني.
تحرك متجهاً للخارج، وصل بعد قليل واتجه إلى غرفة مكتبه ينظر بالكاميرات، وجد العاملة تقوم بتبديل أدويته.
صعد إلى غرفته سريعاً.
- بتعملي إيه؟
ارتبكت وأردفت قائلة:
- بنضف الغرفة، مدام ليلى كانت مبتخليش حد يدخلها.
صمت للحظات وأردف:
- مالهاش علاقة بالأوضة دي تاني، وإياكي تدخلي الأوضة دي تاني، لو دخلتها أنتِ هتتعاقبي.
ابتسمت قائلة:
- حاضر يا باشا.
- أيوه يا هانم.
ثم قصت لها ما صار.
- طيب اعملي اللي هقولك عليه بس لما ليلى ترجع.
طبق على جفنيه متذكراً يوم ولادتها.
يجلس بغرفة مكتبه ونيران قلبه تحترق ألماً على حبيبة الروح وهو عاجز عن وجوده بجانبها. دلفت فرح بابتسامته.
- راكان عامل إيه؟
رجع بجسده للخلف وأجابها:
- كويس. عملتي إيه؟ عرفتي الحقير آسر شغال فين؟
جلست وأطلقت ضحكة:
- شغال في دولة عربية، بعد ما قتلوا سليم.
هز رأسه ونظر إلى قلمه.
- هجيبه متخافيش.
صمتت للحظات ثم أردفت:
- ليلى بتولد الولد النهاردة، إيه مش هتروح تشوفه؟
- لا مش رايح، ومتسأليش في حاجة. قومي روحي عندي شغل. عملتلك اللي قولتي عليه عشان وقفتي جنبي.
ورجع إلى قصر البنداري.
دنت منه تطبع قبلة على وجنتيه.
- شكراً يا راكان، بجد شكراً على كل حاجة. تعرف أنا طول عمري بحبك أكتر واحد في الدنيا.
رسم ابتسامة بسيطة وأجابها:
- لا لازم تحبيني مش ابن عمك يا فرح.
استندت على المكتب بظهرها وأردفت:
- بس مش ده الحب اللي أقصدُه.
رفع بصره إليها وانتظر حديثها.
دنت تحاوط عنقه وأكملت:
- بحبك حب الحبيب يا راكان، إيه محسيتش بيا؟
تراجع بجسده للخلف وصمت يطالعها بغموض ثم أردف:
- تعرفي حلوة الفكرة دي.
ضيقت عيناها متسائلة:
- فكرة إيه؟
نهض متجهاً إلى النافذة وأشعل تبغه ونظر للخارج.
- أحرق بيكي قلب ليلى، وأعرفها إزاي قدرت تخون راكان البنداري.
اتجهت تقف بجواره وضحكت قائلة:
- موافقة.
اتجه يطالعها بنظراته ثم أردف:
- بس أنا مش بتاع حب يا بنت عمي، عشان مترسميش على حاجة.
تحركت للخارج وهي تجيبه:
- المهم أحرق قلب ليلى وبس.
توقفت تنظر إليه.
- لازم تداوم على أدويتك عشان تخف بسرعة.
ابتسم بسخرية واستدار ينظر للخارج، وكتلة نارية تحرق صدره بالكامل.
- متخافيش يا فروحة.
قامت بالاتصال بوالدتها.
- ماما، بلاش تعملوا حاجة دلوقتي، فيه حاجة ممكن تنفع دلوقتي، وممكن كمان بعدها راكان يتجوزني. بلاش تعملوا حاجة، وهو هنا في البيت مرحش لليلى، وزي ما فهمته هي المسؤولة عن موت سليم.
ابتسم بسخرية على حديثها ثم هاتف حمزة.
- حمزة فرح كانت فين قبل ما تيجي؟
- كانت في الشركة، ورجعت على البيت، مرحتش لأمجد ولا قابلت حد.
- لا يا راكان، للأسف مفيش أماكن راحتها من الشغل للبيت.
أحس بقبضة تعتصر صدره فتحدث:
- حمزة لازم أشوف ليلى بأي طريقة.
- تعالى على المستشفى وهدخلك من غير ما حد ياخد باله.
تحرك متجهاً إلى سيارته، وجد أحدهم بالخارج يراقبه. مط شفتيه ثم استقل سيارته متجهاً إلى مزرعة نوح.
وصل بعد قليل.
- نوح فين يا باشمهندسة؟ بتصل بيه مبيردش.
أجابته أسما التي كانت تجلس بحديقة منزلها تلاعب أطفالها:
- نوح مش عايز يشوفك، ولو سمحت بلاش تتقابلوا في الوقت دا عشان متخسروش بعض.
دنت منه أسما وطالعته:
- لدرجة دي يا حضرة النايب ليلى طلعت خاينة؟ ده لو واحد بيكرهها عمره ما يتهمها بالطريقة المقرفة دي.
اتجه إلى سيارته قائلاً:
- يعني صاحبتها هتقولي إيه.
فتح باب السيارة ولكنه توقف عندما اردفت:
- ليلى لو حصلها حاجة هتفضل طول عمرك تكره نفسك. بتمنى راكان حبيب ليلى يرجع قبل ما يقتل ليلى بإيده، ويرجع يندم في وقت ما بقاش للندم قيمة.
تحرك متجهاً إلى المشفى بعد مرواغته لمراقبه. وصل بعد قليل، اتجه أولاً إلى الحضانة.
وقف ينظر إليه من بعيد، كان يونس محاوطه بأكثر الناس خبرة وثقة. توقفت أمامه الممرضة.
- عارفة حضرتك، بس ممنوع حد يقرب منه، ده أمر يا فندم.
أخرج مجموعة نقود وأعطاها للممرضة مردفاً:
- مش عايز يونس يعرف إني جيت هنا، ماتخافيش أنا مش هطول، هبوسه بس وأمشي، ده ابني على فكرة.
أومأت برأسها:
- عارفة حضرتك كويس، ولكن كده بتأذيني.
ربت على كتفها واردف:
- وعد دقيقة وهخرج، خلي بالك من الطريق كويس، هشوفه بسرعة.
أوقفته الممرضة:
- ممنوع يخرج من الحضانة، عنده مشاكل في القلب والأكسجين.
دلف إليه وهو يشير بيديه. توقف أمامه يطالعه بحنان. فتح صندوقه وانحنى يطبع قبلة على جبينه.
- حبيب بابي، ربنا يباركلي فيك.
ظل للحظات ثم تحرك خارجاً سريعاً متجهاً إلى غرفتها، وجد سيلين تجلس بجوار والدة ليلى التي تغفو أمام غرفتها.
توقفت سيلين متجهة إليه:
- راكان، بتعمل إيه هنا؟
- هدخل أشوفها وأطلع، بس مش عايزها تعرف، أنا عارف إنها نايمة.
ضيقت عيناها متسائلة:
- ليه مش عايزها تعرف؟
دفع سيلين وتحرك دون حديث. تحركت خلفه وهي تنظر إلى والدة ليلى الغافية على المقعد.
توقف أمامها يطالع شحوبها، تمنى لو يضمها لأحضانه، ولكن مهلاً حبيبتي.
دنى منها بخطوات بطيئة، وصل إليها ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها.
- حمد الله على سلامتك يا ليلى.
قالها وتحرك للخارج سريعاً حتى لا يضعف أمامها.
خرج من شروده على رنين هاتفه.
- راكان تعالى على القسم فوراً.
عند ليلى، استيقظت من نومها تنظر حولها وجدت والدتها تجلس على المقعد تقرأ بمصحفها.
- ماما.
أردفت بها ليلى. نهضت سمية متجهة إليها.
- حبيبة ماما، عاملة إيه يا قلبي؟
نزلت من فوق الفراش بجسد مرتجف.
- ابني يا ماما.
ضمتها والدتها. دلف والدها بعدما استمع لصوت بكائها.
ألقت نفسها بأحضانِه.
- خطفوا ابني يا بابا، ابني لسه صغير أوي، هموت يا بابا.
ضمها بقوة لأحضانِه. بكت والدتها على بكائها.
- عايزة راكان، قولوا له يجب ابني هيموتوه، هو لسه صغير.
دلت زينب بجوار سيلين التي تضم كيان وأمير إليها.
- ليلى حبيبتي ولادك مش مبطلين عياط.
هوت على الفراش وبكت بشهقات.
- عايزة ابني، ابني بيعيط يا ماما، قولوا لراكان خليه يجيب ابني.
ارتفع صوت شهقاتها.
- عايزة راكان، خليه يجي عشان يجيب لي زين.
ضمت أشياءه تقبلها وتضمها لصدرها.
- ابني حبيبي مالحقتش أفرح بيه.
جلست زينب بجوارها، جذبتها لأحضانها تنظر إلى عاصم بحزن.
- عرفت ليه أخدت مهدئ؟ كل ما تصحى بتعمل كده.
اقترب أمير منها، أمسك كفيها.
- مامي حبيبتي، بابي راح يدور على زين وهو هيجيبه، أنا واثق في بابي.
خرجت من أحضان زينب تضم ابنها وتبكي بصوت مرتفع.
دلف يونس يوزع نظراته بينهم.
- مدام ليلى أرجوكي بطلي عياط، متنسيش إنك لسه والدة، وده غلط.
نهضت سريعاً إليه.
- اتصل براكان يا يونس، عايزة أكلمه.
نظر للجميع. أومأت زينب إليه.
امسك هاتفه. كان راكان بقسم الشرطة.
- ألاقي أمجد فين يلا؟
أجابه الرجل:
- والله يا باشا، إحنا ما نعرفش مكانه.
أمسكه بقوة وقبض على عنقه وتحول جسده لكتلة نارية.
- هموتك يا كلب.
تحول وجه الرجل للشحوب، فدفعه بقوة حتى نزفت رأسه وبدأ يركله بجميع أجزائه حتى صرخ الرجل:
- في بيت مدام عايدة، هو قال هيروح هناك عشان يجيب مدام ليلى.
أخرج سلاحه ولحظة وصوبه برأسه.
- ليه يا راكان كده؟ عارف نتيجة ده إيه؟
استدار يصرخ بوجه جاسر:
- إيه راجلي وخاني مستني أطبطب عليه؟ فوق يا حضرة الظابط، وأحمد ربنا سبته عايش ساعتين زيادة.
استمع إلى صوت هاتفه. أجاب سريعا بعدما وجده يونس.
- يونس ليلى حصلها حاجة؟
جذبت الهاتف من يونس سريعا.
- راكان.
كور قبضته بقوة وأغمض عيناه من صوتها الذي شق صدره فأجابها بصوت متقطع:
- أيوه حبيبتي.
- ابنك بيعيط يا راكان رجعه، ابني وحشني حبيبي، راكان يلا ارجع بزين أنا مستنياكم، يلا حبيبي عشان أضمه لصدري وحشتني ريحته أوي، مش أنت عملت كده عشان تحميه؟ طب أهو اتخطف وأنا هموت عليه، خليهم يرجعوه وياخدوني مكانه، ولا أقولك هروح أعيش خدامة عنده.
آلمه حديثه وكأنها غرست خنجراً بصدره. لم يستطع منع دموعه التي تأثرت بحديثه فتحدث:
- حاضر يا ليلى هجيب لك زين، هرجع بابننا حبيبتي بس بطلي عياط عشان زين لما يرجع مش يلاقيكي عيانة.
مسحت دموعها وجلست تبتسم.
- طيب مش هعيط، بس أنت متتأخرش، أنا واثقة فيك حبيبي، يلا متتأخرش.
- حاضر.
همس بها وانهار عالمه حتى شعر بإنسحاب الأرض من تحت أقدامه.
هوى على المقعد وضعف الجبل وانهارت قوته أمام الجميع حتى بكى بشهقات أمام جاسر الذي ألمه قلبه عليه. تركه مع ضعفه وخرج من المكتب. قابله نوح وحمزة.
- إيه وصلتوا لحاجة؟
تنهد بألم وأجابهم:
- شقة عايدة احتمال يكون أمجد فيها، هجهز القوة ونقتحم المكان.
دلف نوح إليه.
وجده جالساً يضع رأسه بين راحتيه. خطى إليه.
- راكان.
رفع رأسه وأزال عبراته ونهض متجهاً إلى سيارته.
عند ليلى جلست بشرفتها بجوار أسما وسيلين اللتان لم يتركاها. دلفت درة إليهما بعصير الليمونادا.
- ليلى اشربي ده يا قلبي.
وضعت كفيها على أذنها تبكي.
- بيعيط صوته في وداني، بيعيط، حبيبي عايزني.
ضمتها أسما تبكي على بكائها.
- مش راكان وعدك يجيبه يا قلبي، ممكن نهدى وشوية هيدخل بيه.
رفعت نظرها وابتسمت من بين دموعها.
- حقيقي يا أسما، راكان هيلاقيه.
مسحت أسما عبراتها وضمت وجهها.
- من امتى راكان قالك حاجة ومعملهاش.
هزت رأسها وابتسمت.
- أيوه هو هيجيبه وخصوصاً هو افتكر كل حاجة، مستحيل يتخلى عن ابنه، هو كمان خايف عليه.
استمعت إلى رنين هاتفها. أسرعت إليه ظناً أنه زوجها.
- ليلى.
شعرت بإنسحاب أنفاسها عندما تحدث.
- طبعاً سامعة صوت مين ده، أكيد عرفاه، أي حد هيحس بحاجة هموته، اياكي حد يعرف أنا اللي بكلمك.
اتجهت أسما ودرة إليها.
- راكان ده يا ليلى.
بدأ قلبها يدق بعنف من صراخ ابنها، فرسمت ابتسامة تهز رأسها.
- آه بيقولي عرفوا مكان زين.
انسابت دمعة وتحدثت.
- أيوه سمعاك، مفيش حد.
قالتها بعد تحرك درة وأسما للشرفة ظناً أنه راكان.
- قدامك ربع ساعة وتكوني في المكان اللي هبعته، توصلي هناك هكلمك وأقولك تعملي إيه، ده لو عايزة ابنك. أي غلط وحياة حبي ليكي يا ليلى لأموت ابنك من غير ما يرفلي جفن.
هزت رأسها سريعاً.
- حاضر، أنا هنزل فوراً، بس وحياتي يا أمجد، بلاش تأذيه ومستعدة أعمل لك كل اللي تطلبه وعد.
ابتسم بحبور واردف.
- راكان لو عرف هموت ابنك.
تحركت وهي تتحدث بالهاتف.
- لا وعد وحياة ربنا محدش هيعرف حاجة، بس ابني مش تأذيه.
- تمام يا ليلى، هستناكي حبيبتي.
ونتجوز وناخد ابننا نربيه مع بعض.
- حاضر أنا جاية لعندك.
تحركت متجهة إلى سيارتها.
توقف يونس أمامها.
- رايحة فين يا مدام ليلى؟
ابتسمت له وأردفت:
- راكان كلمني وقالي لقي الولد وقالي أقابله عشان هناخده ونبات في بيت المزرعة.
ابتسم يونس واردف:
- مبروك رجوع الولد، كنت متأكد راكان هيوصله.
تحركت سريعا واستقلت سيارتها بسرعة جنونية متجهة إلى أمجد.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سيلا وليد
استقلت ليلى سيارتها وتحركت سريعا متجهة للمكان الذي أوصاها به أمجد.
عند راكان.
وصل إلى شقة عايدة، اقتحم المكان يبحث عنها، ولكنه لم يجد سوى فرح.
ضيقت فرح عيناها متسائلة:
- إيه ياراكان، فيه حد يدخل على حد كدا؟
تصلبت أنظار راكان إليها، خطى إليها ونيران مستعيرة تكوي أعضائه بالكامل. وصل إليها وقبض على عنقها حتى تغير لونها.
دفعه حمزة بقوة:
- هتموتها يامجنون!
توقف مجرى الدم بعروق فرح هامسة:
- انت اتذكرت ياراكان؟
دفعها بقوة حتى سقطت على الأرض.
انحنى بجسده يطالعها بنظرات جحيمية:
- فين ابني يابت؟
هزت رأسها وانسابت عبراتها من جذبه لخصلاتها بقوة:
- معرفش.
قبض بقوة على خصلاتها وتحدث بفحيح أعمه:
- أمك فين يابت؟
استمع إلى صوت ابنها:
- مامي.
قالها ابنها الذي يدعى بسليم.
تركها راكان سريعا واستدار ينظر لذاك الطفل الذي يبلغ من العمر خمس سنوات.
خطى إليه راكان يطالعه بهدوء. لم يراه منذ سنوات بعدما تركت فرح قصر البنداري.
جلس أمامه راكان يطالعه بتدقيق، يشبه سليم كثيرا. بسط كفيه إليه:
- ازيك ياسليم عامل ايه؟
تراجع الطفل للخلف بخوف:
- ابعد انت وحش.
جحظت أعين راكان من خوف الطفل منه، أسرع الطفل إلى والدته يدخل لأحضانها:
- مامي عمو الوحش كان بيضربك ليه؟
نهض راكان يطالعها بغضب، ونظرات لو تقتل لأوقعتها صريعة.
ضمته وهي تشير إلى راكان:
- لا ياحبيبي، دا عمو راكان كان بيلعب مع ماما.
استدار راكان متجها للخارج دون حديث. وصل إلى سيارته وهو يمسح على وجهه بغضب:
- اهدى ياراكان لو سمحت عشان نعرف نفكر.
- تفتكر ليه قالوا إن زين هنا؟
فرك جبينه مطبق الجفنين، رفع نظره إلى حمزة وظل يطالعه بصمت:
- تفتكر ممكن جابوني هنا لغرض؟ لازم اروح المكتب حالا.
عند ليلى.
وصلت ليلى للمكان المنشود، خطت بخطوات هزيلة ودموعها تسيح فوق وجنتيها. رن هاتفها برقم ذاك البغيض. رفعت الهاتف ووضعته على أذنيها وبشفتين مرتجفتين أجابته:
- أنا وصلت للمكان اللي قولت عليه.
استمعت لصوته البغيض:
- برافو ياباشمهندسة، ومش عايز أنبه عليكي، لو حسيت إنك بتلعبي عليا وحضرة المستشار عرف صدقيني.
صاحت بدموعها التي شعر بالانتصار وهو يتلذذ ببكائها:
- لا راكان ميعرفش وعملت اللي طلبته وحياة ابني ماقولتله.
قاطعها بغضب:
- مترغيش كتير، فيه عربية قدامك هتركبيها. وآه ارمي التليفون اللي في إيدك دا، مش عايز حاجة للظروف. ارميه حالا.
قالها بصراخ أفزعها.
انهمرت دموعها الغزيرة وهي تتلفت حولها بضياع. تمنت لو أخبرته قبل خروجها، ولكن كيف وحياة ابنها بخطر. أمسكت الهاتف بيد مرتعشة وكتبت رسالة إليه:
"راكان سامحني أنا بحبك"
في مكتبه.
يجلس يتابع بعض التطورات مع جاسر وشركة الهاتف عن هاتف عايدة، لعله يصل لشيء.
دلف حمزة إليه:
- موصلتش لحاجة للأسف ياراكان.
أطاح كل ما أمامه على المكتب وجهر بصوتا كزئير أسد جائع:
- يعني إيه؟
لا أكيد فيه حاجة غلط .. مش معقول.
رجع خصلاته للخلف وكاد أن يقتلعها من جذورها.
قاطعه هاتفه.
حاول تهدئة نفسه بقدر المستطاع حتى لا يقلق زوجته ووالدته.
- أيوة حبيبتي.
على الجانب الآخر تحدثت زينب.
- "راكان" مبروك ياحبيبي، الحمد لله إنكم وصلتوا للولد. مش كان من الأولى تيجي بيه هنا ياحبيبي أضمه لحضني.
تنهدت بوجع ثم أكملت:
- وبعدين تروحوا براحتكم المكان اللي يعجبكم.
- مش فاهم قصدك ياماما!
تساءل بها راكان.
جلست زينب تنظر إلى سيلين مرة وإلى درة مرة وتحدثت:
- مش انت ياحبيبي كلمت ليلى عشان لقيتوا زين وهتروحوا المزرعة؟
صدمة.
أشعرته ببرودة جسده وتصلبه.
فتحدث بصوت متقطع:
- مش فاهم قصدك ياماما. آسف دماغي مش مجمعة.
أخذت سيلين الهاتف عندما استمعت لحديثه.
- راكان حبيبي سامعني كويس؟
- أيوة ياسيلين.
- حبيبي انت كلمت ليلى وهي نزلت راحتلك.
هب فزعا متحركا لسيارته وخلفه حمزة وهو يتحدث مع سيلين:
- ليلى خرجت على أساس لقيت الولد.
جحظت عيناه وأشار إلى حمزة:
- سوق بسرعة.
ضربات عنيفة وتسارع بأنفاسه فأردف بتقطع:
- من إمتى الكلام ده؟
نهضت سيلين توزع نظراتها على الجميع.
- يعني إيه ياراكان؟ انت مكلمتش ليلى عشان لقيت زين؟
شعر وكأن أنفاسه سحبت منه بالكامل.
حتى شعر بعدم الرؤية أمامه.
كأن أحدهم ضربه بعصا غليظة على رأسه.
لم يقو على الرد وكأن الحروف هربت منه.
لحظات كانت بمثابة إخراج روحه.
فهمس بتقطع:
- لعبوها صح. لعبوها صح.
ثم أغلق الهاتف وتراجع بجسده يفتح زر قميصه عندما شعر بإنسحاب أنفاسه.
هوت سيلين على المقعد.
- يعني إيه! ليلى راحت فين؟
هب يونس فزعا بعيون مذهولة.
- مش فاهم حاجة. مش هما لقوا الولد؟
نظرات شاردة تنظر بضياع إليهم.
- يالهوي دا لو ال فهمته صح تبقى مصيبة.
بتر حديثهما رنين هاتف يونس.
- دكتور يونس في حالة ولادة متعثرة ومطلوب منك الحضور فوراً.
رجع خصلاته بغضب.
- يعني إيه متعثرة؟ عندك دكاترة كتير.
- للأسف ممكن نوصل لاستئصال الرحم يادكتور.
أغلق الهاتف وهو يتنهد بغضب.
- يعني ليلى حد كلمها غير راكان؟
جذب جاكيته وهو يهز رأسه مذهولا بما سيصير بعد فعلتها.
تحرك للخارج.
- سيلين هروح عندي ولادة. وهرجع بعدها على طول. بلاش التوتر. ضغطك مش مظبوط كفاية ورم رجلك دا.
اتجه يطبع قبلة سريعا على جبينها وغادر متجها للمشفى.
عند راكان وحمزة.
- إيه اللي حصل ياراكان؟ ليلى فين؟
انسابت عبرة رغما عنه وهو يردد:
- كتير أوي عليا كدا. ليه ياليلى تكسريني كدا.
توقف حمزة بجانب الطريق عندما وجد انهياره.
- راكان إيه اللي حصل ممكن تفهمني.
- ارجع على البيت بسرعة ياحمزة. يمكن ألحق أرجع حاجة.
قالها بصوت حزين وهناك شعور بقبضة قوية تعتصر قلبه.
- في إيه ياراكان؟ ليلى حصلها حاجة؟
تساءل بها حمزة.
كان مستنداً برأسه على مقعد السيارة.
فاتجه برأسه يهز رأسه مبتسما بسخرية.
- كعادتها هتعمل إيه غير إنها بتفكر تكسرني إزاي.
جحظت أعين حمزة.
- راكان أنت اتجننت؟ إيه اللي بتقوله دا؟
أطبق على جفنيه دون حديث.
تحرك حمزة بصمت بعدما وجده بتلك الطريقة.
صاعقة قوية أصابته جعلت جسده يتمزق بألم حاد سرى بأعضائه حتى مزقه لأشلاء متناثرة.
لم يتحمل الصدمة.
ولم تحمله سيقانه.
فخر جالساً وجسده يرتجف كماسة كهربائية.
حتى استمع لإشعار رسالة لهاتفه.
فتحه.
هنا صمتت الألسن وانفجرت برك الأعين بالدموع وكأن روحه فارقت جسده.
"راكان سامحني حبيبي. أنا بحبك. بس دا ابني"
أطبق على جفنيه هامساً لنفسه:
- دايماً بتحطني قدام العاصفة ياليلى.
وصل إلى قصره وجد الجميع بانتظاره.
أسرعت سمية إليه.
- إيه يابني فين ليلى؟
كطفل يتعلم السير.
تحرك يتخبط بسيره.
صراع عنيف اندلع بداخله.
وخز قلبه بألم حتى فقد التنفس.
تحرك كالمترنح حتى دلف إلى مكتبه.
أسرعت درة إلى حمزة وعبراتها تغرق وجنتيها.
- فين ليلى ياحمزة!
رجع خصلاته للخلف وهو يهز كتفيه بعدم معرفة.
- درة احنا بندور في كل مكان. لو سمحتم الهدوء. راكان في حالة لا تسمح بأي كلمة.
جلس أمام شاشة حاسوبه.
حجبت الدموع عنه الرؤية عندما وجد صورتها أمامه على شاشة حاسوبه.
- ليه ياليلى. ليه تدبحيني كدا.
نهض وبدأ يحطم كل ما يقابله.
دلف حمزة إليه.
- راكان لازم تهدى. عصبيتك دي مش هتجيبلك حاجة.
بمزرعة نوح.
أغلق كتاب الطب الذي بيديه.
استمع إلى صوت والده يمرح مع أطفاله بالخارج.
ابتسم على لعبهما.
بتر مراقبته لأولاده رنين هاتفه.
- أيوة ياحمزة.
قالها وانظاره مازالت على أبنائه.
- نوح ليلى أمجد كلمها وراحتله. هو اللي خطف زين.
استدار سريعا يجمع أشياءه الخاصة مردفاً:
- أنا كنت مستني أسما ترجع من برة وهاجي.
صمت للحظات وتساءل:
- ليلى مكلمتش راكان طبعاً خافت على ابنها.
- أيوة للأسف. وهو عامل زي الثور الهايج.
تمام. أنا مسافة السكة وهاكون عندكم.
أغلق هاتفه.
واتجه إلى جاكيته يرتديه.
ولكنه استمع إلى صراخ بالخارج.
أسرع للخارج ونبضات قلبه بالارتفاع.
- نوح الحق الاسطبل بيولع بالأحصنة.
اتجه بأنظاره إلى الأدخنة المتصاعدة في سماء المكان.
همس باسم زوجته.
- أسما وآسيا هناك.
أسرع باتجاه الاسطبل الذي يبعد عن المنزل بمسافة الكيلومتر تقريباً.
كان يسرع وتنفسه يتثاقل برئتيه عندما ازدادت النيران.
وصوت الأحصنة بالصهيل تزداد.
صوتاً يصم الآذان.
أسرع خلفه يحيى وبعض عمال المزرعة لكي يسيطروا على النيران.
وصل نوح وصرخ باسمها وقلبه ينزف خوفاً عليها.
دفع الباب والأدخنة تقابله بشدة.
حتى لم يرى أمامه.
وصل أحد الحارسين وبعض العمال.
توقف أمام نوح.
- دكتور لو سمحت ماينفعش تدخل والنار كدا. عربية المطافي في الطريق.
دفعه وهو يضع شيئاً على أنفه.
ويصرخ باسم زوجته.
هرولت بعض الأحصنة التي مازالت على قيد الحياة.
ولكن هناك بعضهم بها نيران مشتعلة.
أدمعت عيناه كزخات المطر.
وهو يرى معظمها فقد.
وصل إلى الغرفة الخاصة بآسيا.
والأدخنة تحاوطها.
شعر بدوران الأرض به.
وعدم قدرته على التنفس بسبب امتلاء رئتيه بالأدخنة.
حتى فقد القدرة على الحركة.
وصل إلى باب الغرفة.
وحاول دفعه ولكن قوته متلاشية.
وصلت المطافي بوقت قياسي وقاموا بإطفاء جزء كبير من النيران.
هنا فقد نوح الحركة والتنفس وهو يردد اسم زوجته.
وسقط مغشياً عليه.
بالخارج صرخ يحيى بأبنه.
ولكن لم يصل إليه.
حاول الدخول خلفه.
ولكن منعه الأشخاص المحيطين بالمكان.
جلس وهو يردد باسم ابنه.
بداخل الغرفة قبل قليل.
كانت أسما تدون بعض الملاحظات على النباتات والشتلات التي ابتاعوها حديثاً.
دَلفت آسيا إليها بالقهوة.
- عملتلك قهوة بس باللبن. عشان وزنك نزل خالص. شكل زينة تعباكي جدا.
ابتسمت على ذكر ابنتها الوحيدة.
- زينة عفريتة ياأسيا. مجنناني. وباباها مدلعها أوي.
جلست آسيا تحتسي قهوتها وأردفت بحبور:
- هي الوحيدة ياستي على الولاد. فهتكون ملكة لأبوها.
استمعوا لحركة بالخارج.
وفجأة أغلق باب المكتب عليهما.
نظرتا الاثنين لبعضهما.
- معقول نوح بيهزر معايا.
اتجهت إلى الباب تفتحه.
- نوح أنت برة.
ولكن لا يوجد رد.
لحظات واستمعوا إلى ثورة للأحصنة بالخارج.
ورائحة الأدخنة تحاوطهما.
حاولتا الأثنتين دفع الباب وهما يصرخان لمن بالخارج ولكن دون فائدة.
دقائق والأدخنة عمت المكان.
مما جعلهما يفقدان التنفس.
سقطت أسما في بداية الأمر مغشياً عليها.
أما آسيا فظلت تطرق على الباب وتصيح باسم نوح بتقطع حتى غابت هي الأخرى عن الوعي.
بمشفى يونس.
خرج من غرفة العمليات وهو يصيح بالمسؤولين عن قبول الحالات.
- الحالة دي إزاي تدخل عندي وهي كانت تحت إيد دكتور تاني ياأغبياء. انتوا عارفين نتيجة دا إيه. الست دي لو ماتت كنا هنكون المسؤولين عنها.
ارتبكت الطبيبة المسؤولة عن ولادتها.
- أنا فكرت نزيف عادي يادكتور. زي أي واحدة بتولد.
مسح على وجهه بعنف وأشار إليها على لافتة المشفى.
- دي مستشفى خاصة يادكتورة. مش مستشفى حكومي هيشوفوا موتها خطأ طبي. والمسؤولية علينا. عارفة يعني إيه واحدة تاخد إبرة من أوكسيتوسين تلات مرات والرحم مايفتحش.
إيه يادكتورة مش تاخدي بالك. لولا ستر ربنا كانت زمانها ماتت. وكويس فريق الأمن عندنا بلغوا جوزها. وكمان المسؤول. الست لسه في بداية حياتها وفقدت الرحم.
تحرك وداخله نيران مستعرة على ماكان سيصير لولا تدخله.
تحركت الطبيبة وامسكت هاتفها.
- أيوة يا مدام عايدة. حاولت أكلمك كتير بس تليفونك مقفول. كان لازم أبعتلك رسالة واتس.
أجابتها عايدة سريعا وهي تنظر بساعتها.
- قولي بسرعة. التليفون دا مش المفروض أفتحه أبداً.
- الدكتور يونس أنقذ الست للأسف. وماتتتش. وعرف يسيطر على النزيف. بس هي فقدت الرحم.
كورت عايدة كفيها تجز على أسنانها.
- غبية معرفتيش تعملي زي صاحبتك.
صمتت لحظات ثم ابتسمت بطريقة شيطانية.
- خلاص قولوا لجوزها. إن الدكتور غلط وفي الطلق الزائد ودا خلى الرحم ينفجر.
تنهدت الطبيبة قائلة:
- للأسف أمن المشفى أبلغ جوزها قبل دخولها للعمليات أنها واخدة جرعة زيادة لطلق الصناعي. واحتمال يحدث للرحم استئصال. وممكن تموت. وطبعاً جوزها وافق المهم إنقاذ حياتها.
- غبييييية. صرخت بها عايدة.
ثم حاولت تهدئة نفسها والسيطرة على غضبها فأردفت:
- طيب خليكي عندك وشوفي إيه الإجراء اللي هيتاخد ضد يونس لو ماتت. حاولي تعملي حاجة. عارفة لو مخلصتيش شغلك انسي يكون عندك عيادة يادكتورة.
قالتها.
أغلقت الهاتف، وهي تتجول بالغرفة وتحطم كل ما يقابلها.
"يوووووونس ..وربي لأحطمك زي ماحطمت بنتي ياحيوان."
دلف أمجد إليها يرمقها بهدوء.
"فيه إيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تملس على عنقها.
"موضوع نوح نجح.. لكن يونس الدكتورة الغبية معرفتش تخلصه."
نظر إلى الهاتف بيديها.
"انت فتحتي تليفونك؟"
أزاحت خصلاتها بعنف للخلف وهي تتحدث:
"كنت لازم أطمن على فرح وأشوف راكان راح لهناك زي ماخططنا ولا لا.. وكمان اشوفهم عملوا ايه."
لكمت الحائط خلفه.
"انتوا ليه بتعملوا حاجات من دماغكم؟ أنت عارفة غلطتك دي ممكن تكلفنا ايه؟ أكيد هيوصلوا للمكان هنا.. اعمل فيكي ايه دلوقتي؟"
ظل يتحرك بمكانه وهو يردد.
"راكان.. راكان.."
توقف ورسم ابتسامة شريرة على وجهه.
"ليه منعملش احتفال نودع بيه حضرة النايب؟"
اتجهت تقف أمامه وتطالعه مستفهمة.
"مش انت عايزة أملاك عيلة البنداري؟"
أومأت منتظرة تكملة حديثه.
"راكان لازم هييجي.. جهزتي الورق؟"
ابتسامة غمرت شفتيها.
"كله جاهز ياأمجد.."
دلف للداخل ينتظر ليلى.
وصلت ليلى إليه مع أحد رجاله الذي كان ينتظرها بالمكان المحدد. اتجه بنظره إلى المرأة.
"فتشتيها كويس؟"
أومأت برأسها.
"كله تمام ياباشا متقلقش."
دلفت سريعا وبدأت تلكمه بشراسة.
"فين ابني ياحيوان؟ وديني لأقتلك ياأمجد الكلب."
امسك ذراعها وضمها إلى صدره يستنشق رائحتها بالتلذذ.
"ليلى وحشتيني اوي.."
لكزته كالمجنونة.
"ابعد ياحيوان انا بقرف حتى من إسمك ربنا ياخدك ياأمجد."
كأنه لم يستمع إليها وكأن حديثها يروقه كثيرا يكفي أنها بأحضانه. حاوطها بذراعه القويتين.
"لولا حبيبتي اهدي انت خلاص مع حبيبك وفي حضنه.."
قامت بلكمه بقوة تحت الحزام. حتى صرخ متأوها.
"هتقرب مني ياحيوان هموتك.. فين ابني؟ ابني فين؟"
صرخت بها بقوة. استمعت إلى صراخه. أدمعت عيناها واستدارت تبحث بعينها كالمجنونة. خرجت عايدة وهي تحمله وابتسامة بلهاء على وجهها.
"وأخيرا برنسيس ليلى ال قدرت على راكان البنداري وخلته زي العجينة بأيدها تشكله على كفيها جت تحت رجلي."
"ابني.. زين؟"
همست بها وأسرعت إليه ولكن توقف رجل ذو بنية صلبة أمامها.
"ابعدي."
قالها ذاك الذي يشبه الخارجين عن القانون.
استدارت إلى أمجد.
"خليهم يدوني الولد ياامجد."
نظر إلى حزنها وحديثها الذي مزق قلبه عليها. فصاح بالرجل سريعا.
"اتحرك ياحيوان.. ليلى هانم ال تعوزه يكون تحت رجلها."
أشار إلى عايدة وأردف:
"حتى مدام عايدة نفسها."
رمقها بنظرة آخرستها عندما حاولت الحديث.
"كلكم هنا خدامين عندها."
أسرعت ليلى تحتضن ابنها بقوة وتبكي بشهقات مرتفعة وهي تستنشق رائحته.
"حبيب ماما.. ياحبيبي."
ضمته بقوة. سكن الولد بعدما استمع إلى والدته. كأن رائحتها وصوتها كانت أمانه.
ظلت تطالعه بإشتياق كأنه اختطف منذ سنوات وليست ساعات.
ضمته وتناست كل من حولها.
"حبيب ماما انت جعان مش كدا."
رفعت نظرها بغضب وشعورها بالأختناق من نظرات ذاك الحقير إليها يعيق خروج زفراتها الشاهقة. تريد أن تقتله وتتخلص من تلك الهيئة.
تحركت محاولة إخفاء زعرها منه وأردفت بصوتا جعلته قويا.
"عايزة اكل الولد.. ولو عندك دم تخليني اخده وأمشي."
تحرك إلى أن وصل إليها يطالعها بنظرات عاشقة.
"تعالي ياحبيبتي هخليكي ملكة اوعدك ياليلى.."
نظرت عايدة إليه بذهول.
"هذا الشخص ذو الجرائم المتعددة أمام تلك الفتاة كطفل فقد والدته.."
ظلت تراقبهما إلى أن اختفى من أمامهما.
جلست وكأنها تجلس على جمرات نارية. تنتظر وصول راكان للمساومة. ورغم سعادتها بما ستجنيه إلا أنها خائفة بما سيصير بعدها. هي تخشاه كثيرا.
بجانب بإحدى الأماكن.
وقفت المرضعة تنظر إليهما وتذكرت منذ الأمس.
دلف أمجد بالولد إليها.
"خدي الولد دا رضعيه.. مامته هتيجي بعد شوية."
حملت الولد الذي ارتفع صوت بكائه في الأرجاء.
صاح بها بغضب.
"سكتي الولد.. ايه مش قادرة على حتة عيل عنده شهرين؟"
رفعت نظرها إليه وهي تهز رأسها.
"حاضر.. هو رافض اللبن دا.. عايز والدته."
تحركت إلى أن توقفت أمامه.
"هي فين والدته؟"
رمقه بنظرات نارية وأجابها.
"إنت مالك؟!"
صمت لحظات وأجابها.
"عندنا مشاكل.. وجبت الولد عشان نتصالح.. ياريت تسكتيه."
خرجت من شرودها على صوت عايدة.
"فرح استعدي عشان هنسافر الصبح."
بالداخل دلفت ليلى للغرفة. ثم رمقته بنظرات تحذيرية.
"إياك تدخل.. اطلع برة عايزة أكل الولد."
أطبق على جفنيه مستمتعا بصوتها الذي يشبه آلة الناي.
ابتسم إليها وهو يرسمها بعينيه.
"حاضر حبيبتي.. هبعتلك رضعته.. بلاش ترضعيه انت عشان متتعبيش."
"اطلع برررررة!"
صرخت بها.
خرج وهو يدندن بمرح. فوصلها إليه إنجاز وأمنية كانت بعيدة المنال.
حاوطت ابنها وبدأت تستنشق رائحته الندية وانسابت عبراتها.
"ريحة باباك فيك لسة ياحبيبي."
قامت بإغلاق الأضاءة تحسبا لأي كاميرا يضعها ذاك المختل. وبدأت ترضعه. بعد فترة أنهت من رضاعته.
ضمت ساقيها إلى صدرها واحتضنت ابنها وأخذت تتجول بعيناها بالمكان المظلم حولها.
"يارب ياراكان تعرف توصلنا.. عارفة إنك مستحيل تسامحني."
بكت بصمت وهي تضم ابنها.
"هنخرج إزاي يازين.. وبابا هيوصلنا ازاي؟"
رفعت نظرها إلى النافذة.
"يارب احمي ابني."
استمعت إلى فتح الباب. دلف إليها.
"خدي دي ببرونة الولد رضعيه."
"ابعد عني ياحيوان.. لو قربت اقسم بالله هموتك."
ورغم إرتجاف جسدها وخوفها الا أنها استمدت قوتها ولا تعلم من أين استمدتها.
أجابته بهذه الطريقة القوية بشق الأنفس وهي تطالعه بنظرات نارية تود لو تحرقه بها. كأنه لم يستمع إليها.
تحرك إليها وجلس أمامها على ركبتيه.
"ليه مش حبتيني ياليلى؟ أنا حبيتك اوي.. ومستعد اعمل اي حاجة عشانك."
نظرت إليه بخوف عندما وجدت نظراته إليها. اهتزت نظراتها للحظات. وبدأت تعاني بشكل موجع اجتاح كل خلية من جسدها. عندما أيقنت أن تسرعها وعدم إخبار راكان سيؤدي بها إلى الهلاك لا محالة.
ابتعدت وهي تضم ابنها وصاحت غاضبة.
"إنت واحد مريض ياامجد.. دا مش حب دا مرض."
نظرت إليه وحاولت استعطافه.
"أمجد خليني اخد الولد وامشي.. أنا ست متجوزة.. وجوزي شخص مش عادي.. لوسمحت."
دنى منها حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها.
"ليلى مش هتمشي من هنا.. خلاص أنت من اللحظة دي بقيتي ملكي انا."
بصقت بوجهه وتراجعت تضم ابنها صارخة به.
"أموت ولا أكون لكلب زيك ياحقير.. أنا ليلى البنداري ال ليها الشرف تكون مرات ابنهم سواء سليم ولا راكان.. مش بعد ماأكون مرات البنداري اكون لواحد قذر زيك."
رفعت سبابتها وأردفت بتهديد.
"هموتك لو قربت مني.. اقسم بالله هموتك.. متعرفش ممكن ليلى راكان البنداري ممكن تعمل ايه لو قذر زيك فكر بس يقرب منها."
دنى يهمس إليها بفحيح.
"هتكوني ملكي وفي حضني وبراضيكي ياليلى راكان البنداري.. بس وقتها هتكوني ليلى أمجد الشربيني."
صفعة قوية على وجهه.
"انفاسك ياقذر.. إياك تقرب مني."
حرك لسانه على شفتيه وهو يحاوطها بنظرات اختراقية.
"بحبك من شراستك دي ياليلى.. طول عمرك شرسة."
تراجعت حتى اصطدمت بالجدار خلفها وهي ترمقه بإذدراء.
"والشرسة دي ممكن تكون قاتلة.. اقتلك وميرفليش جفن."
اقترب ونظر لداخل عيناها سارحا بليلها الحالك وهو يدندن بحبها. ثم صمت عندما وجدها تشمئز من قربه فتحدث.
"أنا موافق اموت جوا حضنك.."
بلحظة مدت ساقيها وهي تضم ابنها ودفعته بقوة حتى سقط على الأرضية.
"ابعد ياحقير.. بلاش اخنق نفسي عشان بشم نفس الهوا وانت قريب مني...ابعد."
صرخت به.
اعتدل ورمقها بنظرات نارية.
"وياترى حضرة النايب يعرف قصة عشقنا القديمة يامدام ليلى؟"
نظرت إليه بذهول وساد صمت ثقيلا بتنفسها وهي تهز رأسها بهستريا.
"اكيد مجنون.. حب ايه ال بتقول عليه دا.. عشان قعدت معاك كام مرة أكون حبيتك.. وكمان كانت في حدود مشاريع الجامعة.."
ضحكت بهستريا لا تتناسب مع دموعها التي بدأت تتدفق من مقلتيها بألما بعدما تيقنت أنها تحت رجل مختل عقليا. ضربت كفيها ببعضهما قائلة.
"روح اتعالج يامجنون.. أنا عمري ماحبيتك ولا عمري اتمنيت حتى اكلمك.. أنا محبتش غير شخص واحد وبس.. واحد لو طلب حياتي صدقني مش هفكر لمجرد لحظة.. هوقف قدامه كدا واقوله انا حياتي ملكك وبس."
جذبها من حجابها بقوة.
"وحياتك يالولة لاخليه يندم على أنه فكر فيكي."
رفع هاتفه وقام بمهاتفة راكان.
عند راكان.
أطاح بكل طالته يديه حتى أصبح المكتب عبارة عن أشلاء متناثرة.
"ليه ياليلى؟"
لييييييه صرخ بها كأسد يزأر.
توقف أمامه حمزة محاولا تهدئته.
- راكان، متنساش دي أم.. يعني لو انطلب منها تضحي بنفسها مش هتتأخر.
اتسعت عيناه من هول ما استمع إليه.
- وأنا مش ابوه.. انت مفكرني مرتاح؟ يعني بدل ما أخاف على واحد بقيت خايف على الاتنين.
بتر حديثهم اتصال جاسر.
- راكان، عرفنا مكان ليلى.. هبعتلك اللوكيشن بس اياك تعمل حاجة من قبل ما نوصل.. المكان مسلح بمرتزقة.
- ابعت ومش عايز كلام كتير.
توقف حمزة أمامه.
- جاسر عنده حق يا راكان.. بلاش تغامر بحياة حد.
دفع حمزة بقوة بعيدا عنه وتحدث محذرا.
- دي مراتي وابني مش مستني حد منكم يقول أعمل إيه.
اسرع حمزة خلفه وقام بمهاتفة جاسر.
توقف يونس أمامه.
- عرفت حاجة؟
لكمه بوجهه ثم أشار بكفيه.
- لسة حسابك معايا يا حيوان.. إيه وصلتوا لليلى؟
تسائلت بها سمية والدتها.
- استقل سيارته وتحرك بسرعة جنونية، وخلفه يونس وحمزة.
بطريقه قام يحيى بالاتصال به.
- راكان، عرفت اللي حصل.
كان يقود السيارة ولم يكن بحالة لتخمين شيئا.
- خير يادكتور؟
- ولعوا في اسطبل الأحصنة بتاع نوح.
توقف فجأة بالسيارة حتى كادت السيارة تنقلب.
- نوح حصله حاجة؟
- إحنا في المستشفى.
- فيه حد اتأذى؟ تساءل بتقاطع.
أجابه يحيى وهو يتراجع بجسده للخلف.
- أسما والدكتورة أسيا محجوزين في العناية، ونوح إصابات طفيفة، الحمد لله كويسين.. الشرطة بتعاين.
- المهم انتوا وصلتوا لحاجة؟
أدار المحرك وأجابه.
- لسة مفيش جديد.
وجد هاتفه عليه رقم آخر.
- تمام يادكتور هشوف ليلى وبعد كدا هجي لنوح.
قالها وأغلق سريعا.
- راكااااان.. يااهلا وسهلا بحضرة المستشار.
توقف راكان وظل يستمع إليه بهدوء رغم نيرانه التي تحرقه بقوة.
- ليلى راكان البنداري عندي هنا.. شوفت جبتها راكعة إزاي؟ عايز ابنك تعالى خده.. أما لولة قلبي دي تنساها يا.. آه راكي باشا.. قدامك عشر دقائق ياتيجي تلحق ابنك يا إما تترحم عليه.
صرخت ليلى به.
- أوعى تسمع كلامه يا راكان.. راكان لو بتحبني اوعى تسمع كلامه حبيبي لو سمحت.
ضحكات صاخبة وهو يجذبها من خصرها وقام بفتح الكاميرا.
- هاي ياراكي باشا.. شوفت جمال أكتر من كدا؟
جذبها بقوة حتى ضرب ظهرها صدره.
ساد صمت مختنق بأنفاس متسارعة.
أغمض عينيه مستسلما لعذاب روحه وأنفاسه التي سلبت منه من رؤيتها بتلك الهيئة.
حاول السيطرة على انفعاله ورسم قناع بارد فوق ملامحه يعكس غليان صدره ودقاته الهادرة فأردف بنبرة باردة.
- هي متلزمنيش.. الست اللي قدرت تخدعني مش محتاجها.. أنا عايز ابني وبس.
ابتلع ريقه وهو يرى عبراتها التي نزلت على صدره كجمرات تحرقه بقوة.
حاول التنفس وكأن حجرا طبق على صدره عندما اردفت.
- راكان متجيش هيقتلك.. وحياة ليلى عندك متجيش.
عبراتها تحولت إلى قطع زجاج تشحذ وجهه لتختلط مع دماء خفقانه الذي لم يتوقف بسرعته الهادرة وكأنه سيصاب بذبحة صدرية.
رفع نظره إليها بحزن ويشعر بقلبه يقتلع من صدره ودموعها التي تغرز بنيران شوكية جدارن قلبه.
ورغم ذلك لم تتحرك عضلة من وجهه واستمر يحادثها بنفس بروده الذي اصطنعه فهمس.
- ليلى خلي بالك من زين لما أوصل.
هزت رأسها صارخة به.
- راكااااان.
ظلت تصرخ وهي تلكم ذاك المنحط.
***
بسيارة راكان وصل حمزة ويونس إليه.
اشتعلت نظراته بشكل مخيف وهو يكور قبضته بغضب، حتى نفرت عروق عنقه وتحولت عيناه للهيب جهنم.
- أقسم بالله لأموتك يا كلب.
- راكان فيه إيه؟ وقفت ليه؟
استمع إلى إشعار رسالة.
فتح الهاتف وجد العنوان وصورة لابنه والسلاح على رأسه.
- انت عارف المفروض إيه اللي يحصل.. اسمعوا هقولكم إيه.
تحرك بالسيارة كطائر بترت أجنحته وهو يتوعده بنظرات جهنمية.
عند ليلى وأمجد.
ظل يدور حولها ويقوم بالتصفير.
- واو يالولة وأخيرا راكان هيكون تحت إيدي ومش بس كدا لازم يشوفني وأنا بستمتع بيكي.
أسرعت إليه وبدأت تلكمه بصدره بقوة حتى افزعت ابنها الذي ارتفع صوت بكائه.
- أقسم بالله لأموتك يا حقير.
دَلفت عايدة وهي تحمل فستان أقل ما يقال عنه لم يستر شيئا.
وضحكت بطريقة شيطانية.
- البسي يا أميرة عشان نستمتع بالعرض.. ماهو لازم نقابل راكان بحفلة.
حركت شفتيها الجافتين مذهولة من حديثهما وبنبرة نادمة.
- أكيد مستحيل تعملوا كدا.. مش كدا يا أمجد؟
قالتها بنبرة حاولت استعاطفه.
نظر بساعة يديه.
- عشر دقايق وتكوني جاهزة.. لازم نقابل حضرة النايب مقابلة ملوكي.
اتجه بأنظاره إلى عايدة.
- خدي منها الولد عشان تجهزلي.. الليلة هيكون فرحنا.
تراجعت تهز رأسها بهستيرية وازداد بكائها.
- مستحيل.. اللي هيقرب مني هموته.
أمسكت مزهرية توضع على المنضدة وكسرتها سريعا تشير بيديها.
- هموت اللي يحاول يقرب مني.. أو أموت نفسي يا أمجد.
قالتها وهي تضعها على عنقها.
- ابعدوا.
جذب عايدة وهي تبتسم بسخرية عليها.
- تعالي.
هو يجي وبعد كده كله هيحصل زي ما خططت.
خرج أمجد وخلفه عايدة ترمقه بنظرات ساخرة.
"الليلة عندي عيد يا ولا."
وصل راكان بعد قليل. اتجه الأمن ليأخذ سلاحه. أتى أحدهم للامساك به. لكمه بقوة وأمسك سلاحه يضعه برأسه.
"ماتخلقش اللي يمسك راكان البنداري كده يا حيوان."
دفعه حتى سقط على الأرضية. صفق أمجد بيديه الاثنين.
"واو.. لا برافو يا راكان."
أشار على ليلى وهي تحتضن ابنها وتنذر عبراتها بغزارة.
"ايه حبيبي نبدأ بمين؟ أنا بقول نبدأ برميو أصله عقبة قدامنا مش كده يا ولا."
قالها وهو يحاوط خصرها يضمها بقوة. وفجأة جذب حجابها وسلاحه على الطفل.
"إيدك يا كلب. أقسم بالله هموتك يا أمجد."
صرخ بها راكان وهو يدفع الرجل بقوة حتى وصل أمامه.
"هتقرب هموته. دلوقتي العرض لازم يبدأ."
فجأة خرجت عايدة من خلفهما توزع نظراتها عليهم بابتسامة بلهاء.
"نورت يا راكان. ودلوقتي النهاية عندي أنا."
رمق عايدة بنظرات جحيمية. بدأت نظراته تتجول عليها كاملاً يطمئن قلبه أنها بخير.
" نضيف يا باشا. ومفيش حد وراه."
هرولت إليه تلقي نفسها بأحضان. حاوطها بذراعه يهمس لها وقلبه يدق بصدره يكاد أن يتوقف من تسارع نبضاته.
"اهدي يا ليلى لازم تكوني قوية عشان نخرج من هنا. خليكي معايا حبيبتي."
جذبها الرجل يجذبها من أحضانه بعدما أشار له أمجد وهو يقف يضع كفيه بجيب بنطاله. جذبها إلى أن وصلت إليه واثنين من الرجال يقفون أمام راكان يعتقلونه وهو يصرخ ويزأر.
"هموتك يا كلب. وحياة ربنا هموتك."
جذب حجاب ليلى ملقيه على الأرض.
هنا شعر بإنسحاب أنفاسه وهو يرى خصلاتها تغطي وجهها. وذاك الحقير يجذبه ويستنشق رائحته أمامه. دفع الاثنين كالأسد المفترس الذي خرج من قفصه يريد أن يلتهم كل ما يقابله. بدأ يحطم كل ما يطوله حتى وصل إلى عايدة المبتسمة برؤيته بتلك الطريقة. صفعة قوية حتى سقطت على الأرض أمامه.
"حقيرة هموتك."
أسرع إلى أمجد بخطوة وخطف سلاح أحد رجاله. أسرع الرجال يحاوطونه هنا فقد الحركة.
كأن الأرض تبدلت غير الأرض والزمان غير الزمان ولسان حاله يصرخ ويئن على عجزه وما فعلته به. عندما أمسك ليلى من خصلاتها وأخذوا الولد منها قائلاً:
"موتوه. بدل حضرة المستشار مش عايزه. مش عايز يصبر لما يشوف العرض. سيب المسدس وإلا هقتل الولد. وبلاش أقولك هعمل إيه في مراتك الجميلة."
حبس أنفاسه داخل صدره ضاغطاً على كل عصب في جسده ألا ينفلت مانعاً نفسه من فتك رأسه. هدأ وهو يتحسس سماعته.
"تمام."
أشار بيديه.
"تمام وادي المسدس. خليهم يسيبوا الولد."
ارتفعت صرخات الولد. وليلى تبكي بشهقات. جعلته يفقد تركيزه فأردف.
"أنا هنا أهو قدامك. اعمل اللي عايزه. بس خلي ليلى تاخد الولد وتمشي."
ارتفعت ضحكات أمجد ساخراً وهو يضغط على خصر ليلى.
"طموح حلو برضه. والطموح له سقف هو كمان."
انحنى ينظر إلى راكان.
"شوفت يا حضرة النايب. جبتك إزاي."
أشار لرجاله وجذب ليلى متحركاً.
"حطوا بنزين مش عايزة يطلع عايش. قبل الشرطة ما توصل. ولعوا فيه."
صرخت ليلى بعدما جذبوا ابنها. ألقاه الرجل بقوة اتجاه راكان وأمجد يقهقه عليه.
"خد اللي ليك وأنا آخد اللي ليا."
تلقاه راكان بقلب منتفض. لحظات وأشعل المكان بالنيران.
"اقفلوا كل الأبواب. مش عايزة يطلع عايش."
صاحت عايدة بغضب.
"مش لما يمضي على الورق."
أشار للرجل.
"ارموها معاه. قرفت منها."
جذبها الرجل وهي تصرخ.
"أمجد متسبنيش."
نظرت ليلى إلى النيران التي اشتعلت بالمكان الذي به راكان وهو يحتضن ابنه. وجميع الرجال يحاصرونه. صرخت باسمه.
"راكان."
ظلت تصرخ باسمه. وتلكم أمجد حتى مزقت وجهه بأظافرها. سيطر على حركتها وقام بحقنها أمجد وحملها أمام أعين راكان وتحرك إلى بالسيارة سريعاً.
أغلق الرجال المنزل عليه. وتحركوا خلف أمجد. لم يفعل شيئاً سوى نظراته على ابنه الغافي. ونظراته لليلى التي ارتفع صراخها باسمه وهي ترفع كفيها إلى أن تلاشت قواها بسبب المخدر.
أغلق الباب كاملاً. والنيران تحاوطه. أخرج سماعته من زر جاكيت بدلته.
"حمزة ولعوا في البيت وزين معايا. الحقير أخد ليلى. عرف جاسر. وانت ادخلوا من الباب الخلفي حاول تفتح الباب يا حمزة بسرعة هنموت. الباب إلكتروني."
دقائق ووصلوا. حاول حمزة ويونس دفع الباب بقوة. بالداخل خلع راكان جاكتيه ووضعه على ابنه.
فتح الباب الذي يغلق إلكترونياً بالسلاح. هرول للخارج.
"خد يا يونس شيك على الولد وروحوه بسرعة. لازم الحق المجرم المجنون ده."
أمسك هاتف حمزة الذي أسرع بجواره.
"ايه يا جاسر كله مظبوط."
أجابه جاسر.
"زي ما اتوقعت يا راكان. قدامي أهو."
سحب نفساً قوياً وتحدث.
"مراتي يا جاسر. عايز مراتي سليمة مفيهاش خدش."
همس جاسر لنفسه. تحدث جاسر الذي يتحرك خلف أمجد بهدوء وأجابه.
"لا طارة معايا شخصياً متخافش. ووعد همسكه النهاردة يا راكان."
بعد قليل وصلوا إلى منزل ريفي بالأماكن المتطرفة. فتحت عيناها تنظر حولها بخوف. تذكرت ما صار لزوجها وابنها. صرخت باسمه صرخة مدوية.
دلف أمجد سريعاً إليها.
"ليلى."
خلعت حذائها وظلت تضربه بقوة وكأنها أسد مفترس وبدأ تمزق وجهه. حاول أن ينجو من تحت مخالبها المفترسة.
"هموتك يا حقير."
أمسكها بقوة يعقد ذراعيها خلف ظهرها.
"اهدي بقى. راكان مات. اجهزي عشان نسافر دلوقتي. المركب هتوصل بعد ساعة. لازم نتحرك لسويس حالا."
استمع إلى طلقات نارية بالخارج. نظر من النافذة وجد قوات الشرطة. وظهور جاسر أربكه كثيراً. مسح على وجهه بعنف.
"لازم نخرج."
كيف توقف يفكر. ولحظة أمسك ليلى وجذبها للخارج وهو يضع السلاح برأسها.
أشار جاسر لقوات الشرطة.
"محدش يضرب."
صرخ بها عندما وجد ظهور أمجد والسلاح برأس ليلى. ضحك أمجد بإستهزاء قائلاً.
"طيب اطمن على جنجون. سبت حبيبة القلب وجاي تجري لمرات النائب."
"سيب مدام ليلى يا أمجد. خليك راجل مرة واحدة."
رمقه ساخراً ثم أردف بنبرة مستاءة.
"ابعد عن طريقي يا حضرة الظابط. هاخدها وأمشي."
رفع جاسر سلاحه بوجه أمجد.
"مستحيل يا أمجد."
شد أمجد على أجزاء سلاحه وأعده للإطلاق.
"كده كده نهايتي معروفة. فلازم أموتها قبلي."
ألقى جاسر سلاحه وهو يشير لقوات أمنه.
"محدش يضرب. خلاص يا أمجد. سيب مدام ليلى."
رفع أمجد سلاحه بوجهه واردف.
"ليه مصر تخليني أموتك يا حضرة الظابط. أنا موت راكان والدور عليك."
قالها وهو يصوب سلاحه وأطلق رصاصته لتستقر بصدر جاسر.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سيلا وليد
مولاتي
إنني أعيش في فلك حبّكِ
وأسكن شغاف قلبكِ
فأحاول جاهداً ما استطعت أن أسعد قلب من استحليتُ
لأني بسعادته أسعد وبشقائه أتعذّب
إنّ في قلبي أحاسيس ومشاعر تضطرب كلّما رأيتُكِ
فكأني أريد أن أختفي من هذه الدنيا
وأندمج في روحكِ
لأن نفسي توّاقة إليكِ
مولعة بكِ
فأصبحتُ لا أستطيع أن أستغني عنكِ
فرفقاً بمعذبك مولاتي
فلا يُعادل قُربك بجانبّي كُل الأشياء
التي أُودّ أن تَستمِر سوى أنتِ.
***
حاول راكان قدر المستطاع التفكير بشكل متزن حتى لا يؤذيها.
توقف للحظات بالسيارة وهو يتحدث بهاتفه لأحد الضباط.
- مش عايز هجوم، عايز ندخل بهدوء لو سمحت.
أجابه الضابط بيقين:
- إن شاء الله متقلقش.
ظل بمكانه وهو يتابع من خلال منظاره ذاك المنزل البعيد الذي يحاط بالكثير من الخارجين عن القانون.
شعر بنيران تغلي بأوردته عندما تخيل لمسه لها.
أطبق على جفنيه في تلك اللحظة رجفة اعترت قلبه حتى شعر بتمزق نياطه.
استمع إلى حمزة:
- راكان الشرطة هتقتحم البيت، بلاش تتهور لو سمحت.
ترجل من سيارته وجذب سلاحه.
توقف عندما استمع إلى صوت حمزة:
- أنا داخل عليك خلاص أهو.
تنهد بألم يفتك رئتيه، وهو يتحرك اتجاه الأشجار حتى يدلف لتلك المزرعة المحاطة بالمنزل.
وصل حمزة إليه، ترجل من السيارة واتجه إليه سريعا.
- إيه فيه جديد؟
هز رأسه بالنفي.
- لسة الظابط بيوزع عساكره، أنا مش هقعد أتفرج كدا.
امسكه من كتفه وتوقف أمامه.
- اسمعني لو سمحت.
- ليلى لو خرجت مع أمجد من البيت دا من غير مانمسكه انسى انك تلاقيه مرة تانية، فكر في سلامة مراتك أهم حاجة.
زفر هوائه المكبوت بداخله بنيران العجز، ناهيك عن نزيف روحه المتألمة من وجودها مع ذاك الحقير.
دقائق معدودة ورغم أنها دقائق الا أنه شعر بها بأعوام مديدة كسنة بسبعين خريفا.
ظل يجوب المكان ذهابا وإيابا منتظر تلك الإشارة الغبية.
- جاسر عامل إيه؟ نسيت أسألك.
- في المستشفى معرفش عنه حاجة، فضلت هناك لحد ماابن عمه جه وجوز عمته.
ضيق عيناه وتساءل:
- ليه محدش بلغ جواد الألفي ولا إيه؟
هز أكتافه بعدم معرفة قائلا:
- يونس اتصل بالمستشفى وقالهم جهزوا العمليات واستدعوا الدكاترة وبلغوا بيت الألفي.
توقف لحظة عندما استمع إلى صوت الظابط:
- راكان باشا كله تمام، ممكن تدخل المزرعة بس كون حذر.
تحرك سريعا بجوار حمزة.
***
قبل قليل بداخل المنزل.
فاقت من نومها المخدر.
نظرت حولها بتيه.
هبت فزعة عندما تذكرت ما صار.
خرج اسمه من بين شفتيها بنبرة محترقة، وآهة عميقة شقت صدرها وهي تصرخ بقوة:
- راكااااان..
دلف أمجد إليها.
توقف أمامها يضع كفيه بجيب بنطاله.
أسرعت إليها وهجمت عليه كالأسد المفترس الذي يهجم على فريسته.
ودت لو مزقته اربا.
جذبها عاقدا ذراعها خلف ظهرها، يهمس إليها كفحيح أفعى:
- اسمعيني كويس، عشان جبتي أخرك معايا، قولت بحبك ولازم أحافظ عليكي، لكن إنتِ متستهليش، قدامنا ساعتين وهنسيب مصر كلها، اجهزي على كدا.
لكمته بصدره بقوة وصرخت:
- هموتك ياحقير.
دفعته بقوة بمنطقة خطرة، تراجع متأوها.
دارت كالمجنونة بالغرفة تبحث عن أي شيئا حتى تخلص منه.
لا ترى أمامها سوى صورة زوجها وابنها والنيران تحاصرهم.
صرخت وصرخت تدور كالمجنونة، وهي تمزق وجهها بأظافرها.
حاول الأقتراب منها قائلا:
- ليلى اهدي، حبيبتي شوية وهنمشي وتنسي كل حاجة.
استمعت إلى صوت طلقات نارية بالخارج.
ابتسمت من بين دموعها، وشعرت ببرودة بجسدها بعدما كانت النيران تأكل أحشائها.
نظر من النافذة وجد الشرطة تحاوط المكان ومحاصرة عناصره الأجرامية، وتبادل إطلاق النيران.
اتجه إليها وأمسكها بعنف هامسا إليها بنبرة شيطانية:
- هتمشي بهدوء والا وقسما بالله هموتك، لازم نطلع من هنا، وبلاش أوهامك تاخدك، راكان مات وشبع موت، ومش موتة عادية، لا ياقلبي دا اخترتله موتة تعذبه أشد العذاب، ياله اهو إلى جهنم وبئس المصير.
امشي وبطلي تقرفيني براكان، راكان اتحرق سمعتيني.
اشتعلت حدقيتها كجمرات ملتهبة وصفعته بقوة على وجنتيه، وصرخت:
- حقييييير، ربنا ينتقم منك، حقييير هموتك اقسم بالله لأموتك.
جذبها من خصلاتها بقوة حتى شعرت باقتلاع خصلاتها، وهمس إليها كفحيح أفعى:
- انتِ ال جبتيه لنفسك اتحملي بقى، كنت بعاملك بقلبي.
جذبها يجرها من خصلاتها في وسط صراخها تنادي باسم معذبها وملهم روحها.
***
توقف عندما وصل إليه أحد الرجال.
- الشرطة محاصرة المكان ياباشا، والطيارة لسة مجتش.
صاح بصوته مزمجرا:
- لازم أخرج من هنا، لأموتكم كلكم اتصرفوا.
حاولت التملص من كفه الفذ الذي يقبض على خصلاتها بقوة.
تحرك الرجل أمامه.
- تعالى ورايا، فيه مكان سري للبيت.
هوت ليلى على الأرض تبكي بشهقات مرتفعة عندما وجدت لا محال لأنقاذها، بعد حديث الرجل.
جذبها بقوة يجمع خصلاتها حول معصمه ويجرها بقوة مزمجرا بغضب:
- مش هسيبك إلا على جثتي.
تحرك بعض الخطوات وهي تحاول بكل قوتها الفرار من قبضته.
صفعها بقوة على وجنتيها حتى نزفت شفتيها.
- لو عايزة أعاملك برأفة تتحركي بدون صوت هموتك سمعتيني.
انهارت بالبكاء.
دنا يحاوط خصرها ويرفع إبهامه على شفتيها حتى يزيل الدم.
بصقت بوجهه.
- إياك تقرب مني هموتك، شيل إيدك القذرة، وابعد بأنفاسك المقرفة ياحيوان.
تحرك دون حديث وهو يجذبها، ينظر حوله بخوف بعدما سكن المكان من صوت الطلقات النارية.
تراجعت للخلف وهرولت بعدما ترك ذراعها وبدأ يحادث أحدهم.
أشار إلى الرجل:
- هاتوه إياك تهرب.
توقفت بإحدى الزوايا المظلمة، تضع كفيها على شفتيها تمنع صوت بكائها.
لمعت إحدى زجاجات الكحول أمامها.
تحركت بحذر وأمسكتها، وجسدها يرتجف.
استمعت إلى صوت الرجل:
- لازم نتحرك، الشرطة دخلت البوابة الداخلية، ولو دخلوا البيت مش هنعرف نتحرك.
دار بالمكان يزأر بصوته:
- مش همشي من غيرها.
أشار للطابق الأعلى:
- هطلع أشوفها فوق، وانت دورلي في كل أوضة، هموتك هي مخرجتش من الباب.
ابتلعت ريقها بصعوبة تضع كفيها على فمها، ودموعها كزخات المطر.
ظلت تهمهم باسم زوجها.
استمعت إلى صوت نعل الرجل، ولج الرجل وهو يصوب سلاحه بكل اتجاه، استدار للخروج، ولكنه استمع إلى شهقاتها خرجت رغما عنها.
وضعت كفيها، ولكنه استمع إليها.
- اطلعي هموتك.
تحرك يبحث خلف الستائر والأريكة.
اتجت خلفه بهدوء، ورفعت الزجاجة التي بيديها على رأسه.
تأوه الرجل مستديرا وهو يرفع سلاحه بوجهها، بلحظة من عقلها جذبت السجادة من تحت قدمه بقوة حتى سقطت.
بدأت تبكي بانهيار وتوقف عقلها والظلام يحاوطها، تبحث عن الخلاص.
وجدت سلاحه تحت أقدامها، اختطفته وأشارت للذي يتأوه والدماء تنزلق من رأسه.
لم يرف لها جفن واطلقت رصاصة الرحمة إليه وهي تصرخ وتصرخ كالمجنونة.
استمع أمجد والشرطة إلى صوت صراخها.
لحظات وولجت الشرطة تدفع باب المنزل.
دلف أمجد لتلك الغرفة، ظنا أن الرجل أصابها.
وضعت السلاح برأسه بعدما اختبأت بأحد الأركان، ولم يراها بسبب انقطاع الكهرباء من قبل أمجد حتى يستطيع الخروج.
ولكنه أشعل الإضاءة عندما شعر بأحدهم، وهي تضع السلاح برأسه، وعبراتها تغرق وجهها.
- ارمي المسدس هموتك.
قالتها بقوة رغم ارتعاشة يديها.
استدار إليها وهو يقهقه عليها.
- مش معقول ليلى ماسكة مسدس وعايزة تموتني.
امشي قدامي هموتك ياحقير لو حاولت.
احتدمت نظراته، واقترب منها وهي تتراجع للخلف، أشار للباب.
- لو مطلعتيش قدامي، هموتك دلوقتي وأخليكي تحصلي جوزك.
نظر إليها بنظرات نارية.
- ارمي اللعبة ال في إيدك دي، وامشي قدامي البوليس برة، متخلنيش أموتك.
ارتجفت يديها وهي تصرخ.
- ابعد هموتك، أنا عايزة أمشي، عايزة أروح لجوزي ارجوك يا أمجد.
اقترب منها عندما استمع إلى هجوم الشرطة بالخارج.
دفع السلاح بقدمه كلاعب كرة محترف.
صرخت ووضعت كفيها على أذنها وهي تصرخ.
- ابعد عني ياحقير.
امسك وجنتيها يتحسسها ويجز على أسنانه.
- هندمك على كل ال عملتيه.
جذبها من رسغها وتحرك سريعا متجها إلى السيارة التي تقف بخلف المنزل.
ظلت تحاول الفكاك من قبضته.
فتح السيارة وهو يشير إليها بالسلاح.
- هموتك.
استمع إلى رنين هاتفه.
- الشرطة حاصرت المكان كله ياباشا، بلاش تركب العربية امشي من الأرض.
جذبها وتحرك بين الأشجار، يشير إليها بعدم الصوت.
نظرت خلفها ببكاء لعل الشرطة تنقذها.
تعثرت بأحد الأحجار، وكادت أن تسقط، لولا ذراعيه التي حاوطتها، فسقط السلاح من يديه.
امسكته سريعا وأشارت إليه.
- لو قربت هموتك.
اتجه إليها حتى يستطيع الهروب ولكنها أطلقت عليه طلقة نارية أصابت كتفه فتوقف.
- تصنم من فعلتها وضع كفيها على جرحه وتحدث.
- حتى لو موتيني، أنا حرقته ولو موت هموت وأنا مبسوط عشان موت راكان البنداري.
قالها وهو يبتسم من بين آلامه، نظر إليها نظرات متهكمة.
- موته ياليلى، حصرتك عليه.
قالها وهو يتجه إليها وابتسامة سخرية على وجهه.
أطلقت طلقة أخرى استقرت بصدره وهي تصرخ.
- مووووت، مووت ياحقير.
ظلت تطلق عليه النيران وتصرخ بهستيرية.
موووت حتى نُفذت رصاصته بالكامل.
هوى السلاح من كفيها، وارتجف جسدها.
هوت على ركبتيها تصيح باسمه.
استمع لصرخاتها حمزة الذي يقربها ببعض الخطوات، بينما راكان الذي اتجه إلى ذاك المنزل يبحث عنها بجوار الشرطة.
- ليلى!!
احتضنت نفسها وبدأت تبكي بهستيرية.
- قتلته.. قتلته ياحمزة.
قالتها وهي تشير لجثته، تضحك من بين بكائها كالمجنونة.
اقترب منها.
يساعدها على الوقوف.
- ليلى اهدي.
نظرت لحالتها الرثة، من ملابسها الغير مهندمة، وخصلاتها المشعثة،ناهيك عن آثار ضرب أمجد لها.
كور قبضته، عندما تيقن من فعل راكان.
***
قام بخلع جاكيتيه ووضعه على أكتافها.
- اهدي ياليلى.
رفعت نظرها إليه وهمست باسم زوجها عندما شعرت بغمامة تلفحها.
وهوت ساقطة على الأرض.
في حين رفع حمزة هاتفه ليحاكي راكان، ولكنه استدار عندما استمع إلى صوت ارتطام شيئا بالأرض.
ذهل حمزة، فاتجه إليها وهو بهاتفه.
- راكان تعالى عند البوابة إل بين المزرعة والبيت، ليلى معايا.
وصل إليهما بعد دقائق معدودة، خرج اسمها من بين شفتيه بآهة شقت صدره وهو يراها بين ذراع حمزة.
اتجه سريعا كمن ضيع عقله يتأرجح بسرعته مثل ورقة الخريف التي تبعثرها الرياح ثم سقطت بمياه المطر.
جثى بجواره، يحملها عنه.
- "ليلى" قالها بهمس، وترقرق عيناه بطبقة كرستالية من العبرات وهو يرى حالتها المزرية.
ضمها لصدره وزفرة حارقة تحرق من يقترب منه.
ضمها وتوقف متجها إلى سيارته، وهو يطالعها بلوعة الأشواق والألم بآن واحد.
- حمزة..
أردف بها بتقطع وهو يطالع تلك الجثة الملقية على الأرض بجواره.
- كلم الظابط.
قالها وهو يضمها متجها إلى أقرب سيارة.
***
وصل الضابط إلى وقوع الحادث، فيما أسرع حمزة خلف راكان، الذي يحمل ليلى.
رآه يتحرك بخطوات هزيلة كأنه يخطو فوق بلور يشحذ أقدامه.
وضعها بهدوء بالخلف، يمسد على خصلاتها ويجمعها بعيدا عن وجهها.
انسابت عبراته وهو يرى وجهها وآثار الدموع بها.
استمع لصوت حمزة خلفه.
- هتروح المستشفى.
ابتلع غصة بطعم العلقم وعجز من النظر إليه.
لا يعلم لماذا لا يريد أحد أن يرى دموع عجزه وضعفه عليها.
استقل السيارة بجواره، ورفعها يضع رأسها على ساقيه دون حديث، وانامله تتحرك على وجهها.
شعر بفوهة بركانية تلتهم جسده بالكامل وهو يرى علامات أصابع الحقير بصفعه على وجهها الذي تلون موضعه.
تلمس شفتيها المجروحة وهناك ما يؤلم روحه وهو يظن بما لا يحمد.
من يرى حالته بتلك اللحظة يقول إنه مارد ناري يريد إحراق الكرة الأرضية وما عليها.
كور قبضته يضغط بعنف حتى شعر بتمزق أوردته، وبروز عروق رقبته، وتحولت عيناه للون الأحمر.
جز يعض على كفيه محاولا السيطرة على انفعاله، الذي يأخذه إلى طريق اللاعودة من نوبة نيران الغضب.
كان يراقب حالته من خلال مرآة السيارة.
وصل إلى المشفى فتحدث بهدوء.
- راكان وصلنا.
نظر بالخارج، ثم اتجه بنظراته لتلك الغاشية بجواره.
ترجل بهدوء، ورغم هدوء تحركه ولكن هناك نيران جحيمية بداخله تلتهم كل من يقترب منه.
حملها بين ذراعيه متجها بها إلى داخل المشفى.
ولج إلى غرفة يونس مباشرة، وضعها بروحه المحترقة، وعيناه الزائغة.
دلف يونس.
أشار بعينيه إليها.
- طمني عليها.
قالها وهو يهوي بجسده.
تحرك إلى ليلى دون حديث عندما وجد حالته.
فتحت عيناها بعد لحظات بعدما قام بإفاقتها يونس.
وقام بالكشف عليها قائلا:
- "مدام ليلى" سمعاني.
فتحت جفونها بألم يفتك بجسدها وهي تهمس بإسمه.
- راكان.
همست بها تنظر حولها، قائلة ببكاء بعدما تذكرت ما صار.
- راكان.. قتل راكان، عايزة أروح له.
كان يونس يقوم بتعليق المحاليل الخاصة بحالتها، ونظراته على ذاك الجالس وهو يغمض عيناه.
ورغم بكائها وهمسها لأسمه، إلا أنه ظل بمكانه لم يتحرك.
أزالت الأبر، وهي تصيح بشهقات.
- بقولك عايزة أمشي، عايزة أروح أشوف جوزي.
توقف يونس محاولا السيطرة عليها عندما انتبهت حالة من الجنون.
***
نهض من مكانه بعدما وجد اقتراب يونس منها حتى يسيطر عليها.
- سبها يايونس.
تحرك يونس للخلف.
لحظة من الصمت المذهول وهي تراه أمامها، يقف بطوله المهيب.
وزعت نظراتها عليه كالأم التي تقوم بفحص وليدها.
دنت منه بخطوات متعثرة، ودموعها تغرق وجنتيها.
كادت أن تسقط بسبب قلة طعامها وما تعرضت له.
تلقاها بين ذراعه.
تحرك يونس للخارج تاركا لهما مساحتهما الخاصة.
رفعت كفيها المرتجفة على وجهه ودموعها تنساب بصمت.
ملست على وجهه تهمس من بين بكائها.
- حبيبي إنت كويس.
بحثت بجسده كالغريق الذي يبحث عن منقذ، حتى رفعت رأسها والقت نفسها بأحضانها تبكي بشهقات مرتفعة مزقت نياط قلبه على حالتها.
رفع ذراعيه وحاوط جسدها قائلا.
- إشش اهدي ياليلى أنا هنا وكويس.
بكت بصوت مرتفع وهي تهتف من بين بكائها.
"الحمدلله.. الحمدلله".
خرجت من أحضانه تنظر حولها متسائلة بلهفة.
- زين.. فين زين؟
أخيرا خرج عن صمته واحتضن وجهها يطبع قبلة بشفتين مرتعشتين، فهناك الكثير يضرب عقله من حالتها.
- حاسة بإيه؟
تحركت من أمامه تبحث عن ابنها.
- زين فين ياراكان، ساكت ليه.
اتجه يجمع خصلاتها ونزع وشاحه من حول عنقه، يضعه فوق رأسها محكمه.
ثم جذب كفيها.
- تعالي لازم تروحي.
زين في البيت.
خدها روحها لو مفهاش حاجة، وأنا هطمن على جاسر وارجيلكم.
احتضنت كفيه.
- لا مش هسيبك هروح معاك، مش عايزة أمشي.
- روحي مع حمزة، الكل قلقان هناك، جاسر مضروب بالنار وحالته خطيرة، لازم أروح أطمن عليه، روحي عشان الولاد، ياله وأنا شوية وهرجع.
هزت رأسها رافضة حديثه.
- مش همشي ياراكان.
جذب رأسها ثم طبع قبلة على جبينها.
- اسمعي الكلام ياليلى لو سمحتي.
رسم ابتسامة على ملامحه التي أهلكها الوجع والقهر منذ قليل قائلا.
- ارتاحي شوية.
اقتربت منه والامتعاض باد على ملامحها.
- هرجع لوحدي.
احتضن وجهها بين كفيه، يغرز نظراته بعينيها محاولا السيطرة على دقات قلبه الصاخبة التي تدعوه لأقتناص كرزيتها حتى يشفى من آثام روحه الضائعة.
- ليلى شوية وهلحقك، لازم أطمن على جاسر.
ياله امشي.
تحركت بهزيان، وعيناها لا تفارق عيناه، خطت ببطء للخارج.
جلس يمسح على وجهه بعنف، ويرجع خصلاته للخلف بغضب بحركة تنم عن مدى غضبه المسيطر على كل أجزاء جسده.
ربت يونس على كتفه.
- ليلى كويسة متخافش.
أطبق على جفنيه يهز رأسه بقوة.
- عارف أنها كويسة.
قالها واتجه متحركا للخارج متجها إلى مشفى الألفي.
وصلت بعد فترة قليلة لمنزلها، قابلها الجميع بلهفة.
ولجت تبحث عن ابنها بأموميتها.
- زين!! فين زين.
مسدت والدتها على خصلاتها.
- ابنك نايم حبيبتي، سيلين ودرة غيرلوه ونام.
جلست تبكي بشهقات مرتفعة.
- أنا قتلت أمجد.
شهقة خرجت من فم الجميع، وصوت همهمات بجوارها ونظرات حزينة.
انسابت دموعها وهي تهز أكتافها.
- مكنش قدامي حل غير كدا، قتلته.
رفعت نظرها لوالدها.
- بنتك بقت قاتلة يابابا، قتلت اتنين.
وضعت كفيها على وجهها.
- ضمها والدها يمسد على رأسها.
- لا ياحبيبتي.
أنتِ مش قاتلة أنتِ دافعتي على نفسك.
- فين راكان؟
تسائلت بها زينب التي تنتظر دخوله.
مسحت دموعها قائلة.
- جاسر انضرب بالنار وهو عنده.
تحركت بعد قليل بمساعدة درة وصعدت غرفتها.
ساعدتها درة بأخذ حمام دافئا.
- ارتاحي حبيبتي وهجبلك زين هنا.
هزت رأسها وذكريات ذاك الحقير تداهمها.
نظرت لخصلاتها التي تنساب منها المياه، ولم تقو على الحركة لتجفيفها.
تذكرت معذب قلبها، ودت لو يصل إليها في الحال.
***
ولجت درة بابنها، تلقته منها بلهفة واشتياق تضمه مع استنشاق رائحته الطفولية.
رفعت بصرها لأختها.
- درة نشفيلي شعري مش قادرة أتحرك.
جلست بجوارها تمسد على شعرها.
- ليلى انتِ كويسة.
وضعت رأسها على كتف أختها.
- عايزة آخد ولادي في حضني وأنام بس يادرة.
أمسكت المجفف الكهربائي وبدأت بتجفيف خصلاتها حتى انتهت.
- حبيبتي نامي وارتاحي، هجبلك بيجامة تدفيكي.
- أمير وكيان فين يادرة؟
طبعت قبلة على رأسها.
- مع سارة الولاد كلهم في الجيم بتاعهم.
نامي وارتاحي، ومتخافيش عليهم.
نظرت إلى زين الذي غفى بحضنها.
- هاتي زين ونامي.
هزت رأسها بالرفض.
- لا محدش هياخد ابني مني.
تنهدت درة بحزن عليها قائلة.
- حبيبتي أمجد مات، هاتي الولد عشان أنومه في سريره وأنتِ ترتاحي.
ضمت ابنها بقوة وهزت رأسها رافضة.
ولج راكان بتلك الأثناء، يوزع نظراته عليهما.
ربتت درة على كتفها.
- كويس حضرتك جيت، بحاول آخد الولد وهي رافضة، لازم ترتاح عينها وارمة وباين التعب عليها.
انحنى إليها.
- هاتي الولد ياليلى عشان متصحوش.
تمددت تضم ابنها لأحضانها.
- محدش هياخد ابني مني، لو سمحتم سيبوه في حضني.
قالتها بصوت متحشرج من البكاء.
أومأ برأسه إلى درة، خرجت درة وتركتهما.
نظر لثياب الحمام التي مازالت ترتديها.
اتجه لغرفة الثياب.
- وضع الولد على الفراش.
وساعدها بإرتداء ثيابها.
كانت تراقبه بنظراته، تستشف حالته التي اتخذها بالسكون.
أمسكت ذراعه.
- راكان ساكت ليه؟
دثرها بالغطاء.
وربت على كتفها.
- مفيش نامي وارتاحي دلوقتي.
هشوف نوح وراجع.
أغمضت عيناها وذهبت بسبات عميق.
جلس بجوارها لبعض الدقائق، وعقله يسحقه بقوة بعقابها أشد العقاب، ولكن هناك رأيا آخر للقلب.
ملس على وجهها إلى أن وصل شفتيها وجرحها الذي جعل الغضب يتعاظم بداخله، وغلى دماءه بعروقه، وهو عقله يتساءل.
- هل حاول تقبيلها، هل حاول المساس بملكيته، كيف تجرأ ذاك الحقير ولمس مولاته.
أطبق جفنيه فعقله بأفكاره الغير سوية تجعل أضلعه تنكسر كإناء فخار، وتوقظ في عروقه نار تسوقه للجحيم.
صفع القلب العقل، حتى حركه لتقبيله ليمحو أي أثر لذاك الحقير.
حاول أن يموت تلك الفكرة الهوجاء.
طبع قبلة رقيقة على شفتيها ورغم اشتياقه الكامن لها، إلا إنه شعر بأنها كشواك تخربش شفتيه بقوة.
هب كالملسوع وتحرك للخارج كالعدو.
هو يحتاج أن يختلي بنفسه.
تحرك للخارج بخطوات مبعثرة، مثل خفقاته يشعر بأن ألمه يضاهي ألم العالم أجمع.
ليس من السهل على شخص مثله أن يتناسى ذاك الألم الذي يضاهيه بقوة.
مرت الأيام عليه كالشهور، يتخبط بفكره ومعاقبته لها.
ابتعد بغرفته يحتمي بها حتى لا يخرج غضبه عليها.
دَلفت إليه ذات مساء، وضعت أمامه فنجان قهوته، ثم جلست بجواره، ولم تستطع منع دموعها بعدما عاقبها بأشد العقاب وهو بعدها عنها بصمت دون الخوض بالأحاديث.
رفعت بصرها تطالعه وهو يجلس على جهازه المحمول، وتذكرت ذاك اليوم.
***
فلاش باك.
باليوم التالي من رجوعها، استيقظت وجدته جالسا بجوارها على المقعد ووجهه عبارة عن لوحة من الألم والغضب.
اعتدلت واقتربت منه ترفع ذقنه.
- حبيبي مالك؟! قاعد كدا ليه الولاد كويسين.
- إيه ال حصل معاكي هناك؟
اتسعت عيناها تنظر إليه بذهول وارجعت لحالته بشك يقين يأكل صدره.
اعتدلت وجلست أمامه.
- مفيش حاجة حصلت، مخلتوش يقرب مني.
قالتها بقهر.
صمت مقتول بينهما للحظات، وهي تطالعه بصمت، تنظر أي ردة فعل، ولكن هدوءه وصمته أصاب قلبها وعقلها بآن واحد.
ابتلع غصة وخزت بأشواك تخربش رئتيه، ومنعته من التنفس، حتى أقسم أنه يشعر بزجاج ينحره ببرود.
رفع نظره وتقابل بليلها الحزين، الذي أصابه الوجع قائلا.
- مش قرب منك؟
رفع إبهامه يلمس شفتيها.
- إيه دا، ممكن تفهميني.
رفرفت بأهدابها عاجزة عن إخراج صدمتها من حديثه، فوضعت إبهامها تلقائيا، موضع جرحها، فتنهدت بوجع قائلة.
- تقصد إيه من سؤالك.
نهض واتجه إلى النافذة وأخرج تبغه، يحرقه حتى لا يحرقها بكلماته وشدة طعنها له، لا أحد يشعر بما يشعر هو به، هناك نيران داخله لو خرجت للعالم لأحرقته كاملا.
اتجه بنظراته لتلك الأمطار التي تتساقط بهدوء رغم عواصف الجو الخارجية، إلا أن أمطاره هادئة، تمنى لو يوجد منها ما يبرد نيرانه الداخلية.
تحدث ومازالت عيناه على عواصف الجو التي شبهها بعواصفه، منها ما يفزع مثل الرعد والبرق ومنها ما يطفي اللهيب كزخات المطر.
- بتقولي ماقربش منك، كنتي في حضنه ولمسك قدامي، وأنا عاجز ومتكتف، وهو بيعمل مايحلو له يامدام.
استدار وتحولت نظراته كليا، لتصبح لهيبا من نار جهنم وتحدث بفظاظة.
- كنتي مستنية يعمل إيه غير ال عمله.
تحرك ووصل إليها بخطوة، يضغط على أكتافها بقوة، لا يرى ولا يسمع تأوهاتها وهي تصرخ من ضغطه.
- راكان بتوجعني.
ركل المقعد وازاح كل ما يوضع على الكومودينو وهو يتحدث بنيران نازفة بداخله.
- قولي يامدام، كنتي عايزة إيه تاني غير ال عمله قدامي.
- راكان اسمعني.
لكم المرآة بقوة حتى تساقط زجاجها صارخا بصوت هز أرجاء المكان.
- اخرصي.
مش عايز أسمع منك كلمة.
اقترب منها ونيران خارجية من عينيه تريد أن تحرقها.
- اهدى، مراتي كانت مع مجرم وحاضنها، ليلة كاملة وهي بعيد عني وبتقولي اهدى، مشيتي بعقلك واستقلتي بجوزك وجاية تقولي أهدى.
انحنى لمستوى جلوسها والتهمها بنظرات نارية.
- لو خايفة على الحياة بينا اتلاشيني ياليلى، ابعدي عني عشان مترجعيش تندمي.
ارتجفت شفتيها تطالعه بذهول.
- تقصد إيه؟
اعتدل وهو يحاول أن يتنفس بهدوء بسبب تسارع أنفاسه.
- ابعدي عني ياليلى لحد ما أهدى.
قالها واستدار للخروج.
نهضت مذهولة من حديثه.
- راكان.
قالتها بصوتها الضعيف.
ظل موليها ظهره منتظرا حديثها.
- هتعاقبني عشان كنت بنقذ ابننا.
كور قبضته يضغط بقوة، حتى لا يستدير إليها ويصفعها بقوة.
- أنا لو فكرت أعاقبك هكرهك نفسك، وأظن فاهمة معنى كلامي كويس.
تحركت متجه إليه، تمسكه من ذراعه.
- اومال إيه ال بتقوله دا.
استدار برأسه قائلا.
- دي اسمها بعيد ترميم روحي وقلبي اللي حضرتك بكل غباء أدممتيهم.
قالها وتحرك سريعا للخارج.
أطبقت على جفنيها وعبراتها تنساب ببطء ورغم بطئها إلا أنها تشعر بلهيب وجنتيها.
خرجت من شرودها عندما استمعت إلى حديثه.
- فيه حاجة.
عايزة إيه.
طالعته بصمت، ثم ابتلعت ريقها تحاول الحديث، ولكن كأن حروفها هربت ولم تعد تعبر عما تشعر به.
لحظات من الصمت بينهما، وهو ينظر شاشة حاسوبه، يهرب من نظراتها.
- جاية أقولك هنزل الشغل من بكرة.
رفع رأسه إليها ثم اتجه لحاسوبه مرة أخرى.
- براحتك دي حياتك وانت حرة.
سكتت هنيهة تحاول ضبط انفعالها حتى لا تغضبه، فتحدثت بصوت جعلته متزنا، حتى لا تضعف أمامه، هو قرر عقابها، وهي قررت ألا تتخلى عن كبريائها.
نهضت وتحدثت.
- أنا بعرفك مش أكتر عشان مترجعش تقول بمشي من دماغي.
لم يعر لحديثها اهتمام.
- لو خلصتي كلامك سبيني أشوف شغلي، وروحي شوفي ولادك، لو حاسة إنك فاضية.
خرجت وهي تهمهم.
- اخبط دماغك في الحيطة، وبقى قابلني لو جيتلك تاني ولا عبرتك.
دفع الجهاز بعيد عنه، يمسح على وجهه بعنف، ثم سحب نفسا وزفره بغضب من أفعالها.
***
بمنزل يونس.
دلف يضع أشياءه الخاصة، قابلته قمر.
- بابي... بابي، وطي عشان أقولك مامي بتعمل إيه.
انحنى يحملها وهو يقهقه عليها.
- تعالي يافتنة العيلة، وقولي مامي عملت إيه.
وضعت فمها على أذنه.
- قالت لأنطي ليلى لاسم تغيظ خالو.
قهقه بصوت مرتفع.
- مامي دي عفريتة هتقولي لبابي، دي ربتني أنا شخصيا.
خرجت متأوهة.
- يونس ألحقني شكلي هولد.
اتجه سريعا إليها.
- حبيبتي مالك، حاسة بإيه؟
لم يكمل حديثه واطلقت صرخة مرتفعة عندما انسابت المياه من بين ساقيها.
حملها يونس متجها بها للداخل.
- سيلين حبيبتي دي ولادة، اهدي متخافيش.
توتر من بكاء ابنته، أمسك هاتفه.
- ماما زينب تعالي بسرعة سيلين بتولد وقمر بتعيط.
***
بمزرعة نوح.
حمل الطعام ودلف إلى غرفتهما.
- صحي النوم ياكسلانة.
اعتدلت تجذب الغطاء على جسدها.
- إيه دا حبيبي انت ال جهزت الغدا.
مسد على خصلاتها بحنو.
- ربنا يخليكي ليا حبيبتي واعملك كل حاجة.
وضعت رأسها على كتفه.
- نوح أنا كويسة، متعملنيش كأني طفلة.
احتضن وجهها يطبع قبلة مطولة على جبينها.
- دايما يارب كويسة حبيبي.
تنفسك عامل إيه دلوقتي.
اومأت برأسها.
- الحمد لله كويسة.
أمسكت كفيه قائلة.
- ممكن نروح عند راكان النهاردة، عايزة أخرج، وليلى بقالها فترة مجتش، غير علاقتها المتوترة مع راكان.
احتضنها يربت على ظهرها.
- كلنا معزومين بكرة هناك، هنقضي يوم مع بعض.
***
عند حمزة ودرة.
جلست أمامه وهي تلاعب ابنها، وهو يمشط خصلاتها ويقص لها ما صار معه منذ طفولته.
تراجعت بجسدها عليه، حاوطها بذراعه يهمس إليها.
- ماتنامي سيف حبيبي وحشتيني، ونفسي نجيب له عشق إيه رأيك.
وضعت رأسها بأحضان.
- حبيبي فيه حاجة نسيت أقولهالك.
رفع ذقنها ينظر لعيناها الساحرة.
تقابلت نظراتهما بالعشق فهمست له وهي تضع كفيه على أحشائها.
- أنا حامل ياحمزة، مبروك ياحبيبي هيكون عندنا أخ أو أخت لسيف.
ظل صامتا للحظات نظرات فقط تحاوطها كأنه فنان يرسمها.
ثم انحنى يضع الآيباد أمام ابنه.
- سيفو اتفرج على كارتون، هقول لمامي سر وأرجعلك.
لم تشعر بنفسها سوى وهي معلقة في الهواء بين ذراعيه قائلا.
- لازم تقوليلي حاجة مهمة جوا.
دلف للغرفة وهو يعانق كرزيتها بخاصته ليبث لها كم هو عاشق حد النخاع.
***
عند راكان وليلى.
اتجهت إلى غرفته بهدوء وجدته غافيا بعمق.
شعرت بقبضة تعتصر قلبها، فهو يغفو بإطمئنان وهي التي تكتوي بلهيب الأشواق.
وجدت حاسوبه مفتوحا بجواره.
اتجهت لأغلاقه، عندما علمت بإرهاقه، فنسيه ولم يغلقه.
وجدت صورتها على شاشته ويكتب أسفلها.
قل لي بربك
..
من تكون؟
أسرتني
..
فأضعت فيك رزانتي والمنطق
..
وبأي حق هكذا أغويتني؟!!
بل كيف أوهمت الفؤاد؟
فصدقا!!!
ابتسامة شقت ثغرها، ودقات صاخبة بقلبها، أقسمت بداخلها.
أن حب هذا الرجل يكفي لحب البشر الذي يوجد على سطح الأرض.
دَلفت لأحضانه بهدوء، تستنشق رائحته كالمدمن الذي فقد جرعته منذ فترة وعثر عليها للتو.
وضعت رأسها على صدره، لتنعم بدقات قلبه، ثم رفعت ذراعيها تحاوط جسده.
غفت بسلام بعدما طبعت قبلة بجانب شفتيه، تمنت لو استيقظ وسحبها لعالمه، فلقد اشتاقت إليه حد الجنون، وهو الذي يعاملها بجفاء.
أطبقت جفنيه تذهب لأحلامها الوردية معه.
بعد يومين اتجهت بزرعتها بالورود وبدأت تضعهم بالاصيص الخاص بهم وهي تستمع إلى أغانيها المفضلة.
يا حبيبي يا حبيبي
..
قد عمري قولتهالك
وانت جنبي ببقى لسا مشتقالك
ما انت عارف آه وسامع إن الليل والشوارع
كل حبة رمل بتقولك حرام حرام
اتحرم حضن الخطاوي فين أنا
والطريق مايل بحمله
ومن العتاب والنسيم حس بفراقك سحرو ضاع
كل حاجة رافضة بعدك
مش هتفضل هي بعدك
صعب أصدق
لو ضروري تسبني خد مني الحنين
قبل ما تسافر يا عمري
اسجن الشوق والمنى
خد لي الصبر بوريدي قبل ما يطول بعدنا
حتى لو طال بعدنا انت هنا.
ظل يطالعها بعيون مكدسة بالأشواق، فالنظرة لعيناها تهيج القلب ويبتسم الثغر.
تراجع بظهره للشجرة، وهي مازالت تدندن أغنيتها مع موسيقاها الهادئة.
توقفت للحظة بعدما استنشقت رائحته التي تسللت لرئتيها، استدارت برأسها ولمعت عيناها بدموع الحزن.
رجعت لما كانت تفعله ولكن بصمت.
تحرك إلى أن توقف أمامها، رغم انهيار دواخله واشتياقه الكامن إليها.
أردف بنبرة رخيمة.
- متخلنيش أضطر أقفل باب الأوضة بالمفتاح، سيبك من شغل الأطفال بتاع كل ليلة دا، وجيتك لعندي كل ليلة تنامي في حضني.
نهضت من مكانها ونفضت كفيها بقوة حتى تناثرت الأتربة على وجهه، ونظرت لشمس تبحث عن نظرة اشتياق إليها، ولكنه كان ماكرا لحد الإبداع عندما تراجع يضع نظراته فوق عينيه ويشير بيديه عليها.
- بطلي عك في الطين، شكلك بيئة.
تحركت إلى أن وصلت أمامه مباشرة وبجبروت أنثى طاغية.
أثرت عليه بنظراتها ورائحتها حتى تناسى ما فعلته.
رفعت نفسها تحاوط عنقه بكفيها المتسختين.
وضغطت على شفتيها قائلة.
- يعني كنت حاسس بيا كل ليلة، وبتستهبل.
رفعت كفيها على وجهه وغرزت ليلها بعمق عينيه وأكملت.
- معلش ياحضرة المستشار لازم تستحمى عشان البيئة وسخت هدومك ووشك، واقفل الباب أه بعد كدا.
قالتها وتحركت وهي تنادي على عامل الحديقة.
ولم تشعر بذاك الذي حملها متجها إلى المسبح، وأغلق الباب خلفه، ثم ألقاها بقوة به.
وهو يشير على ثيابه.
- هنزل دلوقتي عندك، وزي مالسانك طويل هتخلعيني القميص دا وتغسلي الطين ال على جسمي.
توسعت عيناها بذهول وهو يلقي بكل أشياءه على المنضدة، ويقفز إليها بالمياه.
رواية عازف بنيران قلبي الفصل الخمسون 50 - بقلم سيلا وليد
مولاتي
إنني أعيش في فلك حبك
وأسكن شغاف قلبك
فأحاول جاهداً ما استطعت أن أسعد قلب من استحليت
لأني بسعادته أسعد وبشقائه أتعذب
إن في قلبي أحاسيس ومشاعر تضطرب كلما رأيتك
فكأني أريد أن أختفي من هذه الدنيا
وأندمج في روحك، لأن نفسي تواقة إليك
مولعة بك فأصبحت لا أستطيع أن أستغني عنك
فرفقاً بمعذبك مولاتي
فلا يعادل قربك بجانبي كل الأشياء
التي أود أن تستمر سوى أنت.!
حاول راكان قدر المستطاع التفكير بشكل متزن حتى لا يؤذيها. توقف للحظات بالسيارة وهو يتحدث بهاتفه لأحد الضباط.
"مش عايز هجوم، عايز ندخل بهدوء لو سمحت."
أجابه الضابط بيقين:
"إن شاء الله متقلقش."
ظل بمكانه وهو يتابع من خلال منظاره ذاك المنزل البعيد الذي يحاط بالكثير من الخارجين عن القانون.
شعر بنيران تغلي بأوردته عندما تخيل لمسه لها. أطبق على جفنيه في تلك اللحظة رجفة اعترت قلبه حتى شعر بتمزق نياطه.
استمع إلى حمزة:
"راكان الشرطة هتقتحم البيت، بلاش تتهور لو سمحت."
ترجل من سيارته وجذب سلاحه. توقف عندما استمع إلى صوت حمزة:
"أنا داخل عليك خلاص أهو."
تنهد بألم يفتك رئتيه وهو يتحرك اتجاه الأشجار حتى يدلف لتلك المزرعة المحاطة بالمنزل.
وصل حمزة إليه. ترجل من السيارة واتجه إليه سريعا.
"ايه فيه جديد؟"
هز رأسه بالنفي.
"لسة الظابط بيوزع عساكره، أنا مش هقعد أتفرج كدا."
امسكه من كتفه وتوقف أمامه.
"اسمعني لو سمحت."
"ليلى لو خرجت مع أمجد من البيت دا من غير مانمسكه انسى انك تلاقيه مرة تانية. فكر في سلامة مراتك أهم حاجة."
زفر هوائه المكبوت بداخله بنيران العجز، ناهيك عن نزيف روحه المتألمة من وجودها مع ذاك الحقير. دقائق معدودة ورغم أنها دقائق الا أنه شعر بها بأعوام مديدة كسنة بسبعين خريفا. ظل يجوب المكان ذهابا وإيابا منتظر تلك الإشارة الغبية.
"جاسر عامل ايه نسيت أسألك؟"
في المستشفى معرفش عنه حاجة. فضلت هناك لحد ما ابن عمه جه وجوز عمته. ضيق عيناه وتسائل:
- ليه محدش بلغ جواد الألفي ولا إيه؟
هز أكتافه بعدم معرفة قائلاً:
- يونس اتصل بالمستشفى وقالهم جهزوا العمليات واستدعوا الدكاترة وبلغوا بيت الألفي.
توقف لحظة عندما استمع إلى صوت الظابط:
- راكان باشا، كله تمام. ممكن تدخل المزرعة بس كون حذر.
تحرك سريعاً بجوار حمزة.
قبل قليل بداخل المنزل.
فاقت من نومها المخدر. نظرت حولها بتيه. هبت فزعة عندما تذكرت ما صار. خرج اسمه من بين شفتيها بنبرة محترقة. وآهة عميقة شقت صدرها وهي تصرخ بقوة:
- راكاااان!
دلف أمجد إليها. توقف أمامها يضع كفيه بجيب بنطاله.
أسرعت إليها وهجمت عليه كالأسد المفترس الذي يهجم على فريسته. ودت لو مزقته أرباً.
جذبها عاقداً ذراعها خلف ظهرها، يهمس إليها كفحيح أفعى:
- اسمعيني كويس، عشان جبتي أخرك معايا. قولت بحبك ولازم أحافظ عليكي، لكن إنتِ متستهليش. قدامنا ساعتين وهنسيب مصر كلها، اجهزي على كده.
لكمته بصدره بقوة وصرخت:
- هموتك ياحقير!
دفعته بقوة بمنطقته الخطرة. تراجع متأوهاً.
دارت كالمجنونة بالغرفة تبحث عن أي شيئاً حتى تخلص منه. لا ترى أمامها سوى صورة زوجها وابنها والنيران تحاصرهم.
صرخت وصرخت تدور كالمجنونة، وهي تمزق وجهها بأظافرها.
حاول الأقتراب منها قائلاً:
- ليلى، اهدي. حبيبتي شوية وهنمشي وتنسي كل حاجة.
استمعت إلى صوت طلقات نارية بالخارج. ابتسمت من بين دموعها. وشعرت ببرودة بجسدها بعدما كانت النيران تأكل أحشائها.
نظر من النافذة وجد الشرطة تحاوط المكان ومحاصرة عناصره الأجرامية. وتبادل إطلاق النيران. اتجه إليها وأمسكها بعنف هامساً إليها بنبرة شيطانية:
- هتمشي بهدوء وإلا وقسماً بالله هموتك. لازم نطلع من هنا، وبلاش أوهامك تاخدك. راكان مات وشبع موت، ومش موتة عادية. لا ياقلبي دا اخترتله موتة تعذبه أشد العذاب. ياله، اهو إلى جهنم وبئس المصير.
امشي وبطلي تقرفيني براكان. راكان اتحرق، سمعتيني؟
اشتعلت حدقتاها كجمرات ملتهبة وصفعته بقوة على وجنتيها، وصرخت:
- حقققققير! ربنا ينتقم منك! حقققققير هموتك أقسم بالله لأموتك!
جذبها من خصلاتها بقوة حتى شعرت باقتلاع خصلاتها، وهمس إليها كفحيح أفعى:
- إنتِ ال جبتيه لنفسك، اتحملي بقى. كنت بعاملك بقلبي.
جذبها يجرها من خصلاتها في وسط صراخها تنادي باسم معذبها وملهم روحها.
***
توقف عندما وصل إليه أحد الرجال:
- الشرطة محاصرة المكان ياباشا، والطيارة لسة مجتش.
صاح بصوته مزمجراً:
- لازم أخرج من هنا، لأموتكم كلكم. اتصرفوا.
حاولت التملص من كفه الفذ الذي يقبض على خصلاتها بقوة.
تحرك الرجل أمامه:
- تعالي ورايا، فيه مكان سري للبيت.
هوت ليلى على الأرض تبكي بشهقات مرتفعة عندما وجدت لا محال لأنقاذها، بعد حديث الرجل.
جذبها بقوة يجمع خصلاتها حول معصمه ويجرها بقوة مزمجراً بغضب:
- مش هسيبك إلا على جثتي.
تحرك بعض الخطوات وهي تحاول بكل قوتها الفرار من قبضته.
صفعها بقوة على وجنتيها حتى نزفت شفتيها:
- لو عايزة أعاملك برأفة تتحركي بدون صوت، هموتك سمعتيني؟
انهارت بالبكاء. دنا يحاوط خصرها ويرفع إبهامه على شفتيها حتى يزيل الدم.
بصقت بوجهه:
- إياك تقرب مني هموتك! شيل إيدك القذرة! وابعد بأنفاسك المقرفة ياحيوان!
تحرك دون حديث وهو يجذبها. ينظر حوله بخوف بعدما سكن المكان من صوت الطلقات النارية.
تراجعت للخلف وهرولت بعدما ترك ذراعها وبدأ يحادث أحداً. أشار إلى الرجل:
- هاتها، إياك تهرب.
توقفت بإحدى الزوايا المظلمة، تضع كفيها على شفتيها تمنع صوت بكائها. لمعت إحدى زجاجات الكحول أمامها. تحركت بحذر وأمسكتها، وجسدها يرتجف. استمعت إلى صوت الرجل:
- لازم نتحرك، الشرطة دخلت البوابة الداخلية، ولو دخلوا البيت مش هنعرف نتحرك.
دار بالمكان يزأر بصوته:
- مش همشي من غيرها.
أشار للطابق الأعلى:
- هطلع أشوفها فوق، وانت دورلي في كل أوضة. هموتك، هي مخرجتش من الباب.
ابتلعت ريقها بصعوبة تضع كفيها على فمها، ودموعها كزخات المطر.
ظلت تهمهم باسم زوجها. استمعت إلى صوت نعل الرجل. ولج الرجل وهو يصوب سلاحه بكل اتجاه. استدار للخروج، ولكنه استمع إلى شهقاتها خرجت رغماً عنها. وضعت كفيها، ولكنه استمع إليها.
- اطلعي، هموتك.
تحرك يبحث خلف الستائر والأريكة. اتجهت خلفه بهدوء، ورفعت الزجاجة التي بيديها على رأسه. تأوه الرجل مستديراً وهو يرفع سلاحه بوجهها. بلحظة من عقلها جذبت السجادة من تحت قدمه بقوة حتى سقطت. بدأت تبكي بانهيار وتوقف عقلها والظلام يحاوطها. تبحث عن الخلاص. وجدت سلاحه تحت أقدامها. اختطفته وأشارت للذي يتأوه والدماء تنزلق من رأسه. لم يرف لها جفن وأطلقت رصاصة الرحمة إليه وهي تصرخ وتصرخ كالمجنونة.
استمع أمجد والشرطة إلى صوت صراخها. لحظات وولجت الشرطة تدفع باب المنزل. دلف أمجد لتلك الغرفة، ظناً أن الرجل أصابها.
وضعت السلاح برأسه بعدما اختبأت بأحد الأركان، ولم يراها بسبب انقطاع الكهرباء من قبل أمجد حتى يستطيع الخروج. ولكنه أشعل الإضاءة عندما شعر بأحدهم، وهي تضع السلاح برأسه، وعبراتها تغرق وجهها.
- ارمي المسدس، هموتك.
قالتها بقوة رغم ارتعاشة يديها.
استدار إليها وهو يقهقه عليها:
- مش معقول لولا ماسكة مسدس وعايزة تموتني. امشي قدامي، هموتك ياحقير لو حاولت.
احتدمت نظراته، واقترب منها وهي تتراجع للخلف. أشار للباب:
- لو مطلعتيش قدامي، هموتك دلوقتي وأخليكي تحصلي جوزك.
نظر إليها بنظرات نارية:
- ارمي اللعبة ال في إيدك دي، وامشي قدامي البوليس برة. متخلينيش أموتك.
ارتجفت يداها وهي تصرخ:
- ابعد هموتك! أنا عايزة أمشي، عايزة أروح لجوزي، أرجوك يا أمجد.
اقترب منها عندما استمع إلى هجوم الشرطة بالخارج.
دفع السلاح بقدمه كلاعب كرة محترف. صرخت ووضعت كفيها على أذنها وهي تصرخ:
- ابعد عني ياحقير!
أمسك وجنتيها يتحسسها ويجز على أسنانه:
- هندمك على كل ال عملتيه.
جذبها من رسغها وتحرك سريعاً متجهاً إلى السيارة التي تقف بخلف المنزل.
ظلت تحاول الفكاك من قبضته. فتح السيارة وهو يشير إليها بالسلاح:
- هموتك.
استمع إلى رنين هاتفه:
- الشرطة حاصرت المكان كله ياباشا، بلاش تركب العربية، امشي من الأرض.
جذبها وتحرك بين الأشجار، يشير إليها بعدم الصوت. نظرت خلفها ببكاء لعل الشرطة تنقذها. تعثرت بأحد الأحجار، وكادت أن تسقط، لولا ذراعيه التي حاوطتها، فسقط السلاح من يديه. امسكته سريعا وأشارت إليه:
- لو قربت هموتك.
اتجه إليها حتى يستطع الهروب ولكنها أطلقت عليه طلقة نارية أصابت كتفه فتوقف.
تصنم من فعلتها وضع كفيها على جرحه وتحدث:
- حتى لو موتيني، أنا حرقته ولو مت هموت وأنا مبسوط عشان موت راكان البنداري.
قالها وهو يبتسم من بين آلامه. نظر إليها نظرات متهكمة:
- موته ياليلى، حصرتك عليه.
قالها وهو يتجه إليها وابتسامة سخرية على وجهه. أطلقت طلقة أخرى استقرت بصدره وهي تصرخ:
- مووووت! موت ياحقير!
ظلت تطلق عليه النيران وتصرخ بهستيرية. موت حتى نفذت رصاصته بالكامل.
هوى السلاح من كفيها، وارتجف جسدها. هوت على ركبتيها تصيح باسمه.
استمع لصرخاتها حمزة الذي يقربها ببعض الخطوات، بينما راكان الذي اتجه إلى ذاك المنزل يبحث عنها بجوار الشرطة.
- ليلى!
احتضنت نفسها وبدأت تبكي بهستيرية:
- قتلته.. قتلته ياحمزة.
قالتها وهي تشير لجثته، تضحك من بين بكائها كالمجنونة. اقترب منها، يساعدها على الوقوف.
- ليلى، اهدي.
نظرت لحالتها الرثة، من ملابسها الغير مهندمة، وخصلاتها المشعثة، ناهيك عن آثار ضرب أمجد لها. كور قبضته عندما تيقن من فعل راكان.
***
قام بخلع جاكتيه ووضعه على أكتافها.
- اهدي ياليلى.
رفعت نظرها إليه وهمست باسم زوجها عندما شعرت بغمامة تلفحها.
وهوت ساقطة على الأرض، في حين رفع حمزة هاتفه ليحاكي راكان، ولكنه استدار عندما استمع إلى صوت ارتطام شيئاً بالأرض. ذهب حمزة فاتجه إليها وهو بهاتفه:
- راكان، تعالى عند البوابة إل بين المزرعة والبيت. ليلى معايا.
وصل إليهما بعد دقائق معدودة. خرج اسمها من بين شفتيه بآهة شقت صدره وهو يراها بين ذراع حمزة. اتجه سريعاً كمن ضيع عقله يتأرجح بسرعته مثل ورقة الخريف التي تبعثرها الرياح ثم سقطت بمياه المطر.
جثى بجواره، يحملها عنه.
- "ليلى" قالها بهمس، وترقرق عيناه بطبقة كرستالية من العبرات وهو يرى حالتها المزرية. ضمها لصدره وزفرة حارقة تحرق من يقترب منه. ضمها وتوقف متجهاً إلى سيارته، وهو يطالعها بلوعة الأشواق والألم بآن واحد.
- حمزة.. أردف بها بتقطع وهو يطالع تلك الجثة الملقية على الأرض بجواره.
- كلم الظابط. قالها وهو يضمها متجهاً إلى أقرب سيارة.
***
وصل الضابط إلى وقوع الحادث، فيما أسرع حمزة خلف راكان، الذي يحمل ليلى. رآه يتحرك بخطوات هزيلة كأنه يخطو فوق بلور يشحذ أقدامه.
وضعها بهدوء بالخلف، يمسد على خصلاتها ويجمعها بعيداً عن وجهها. انسابت عبراته وهو يرى وجهها وآثار الدموع بها. استمع لصوت حمزة خلفه:
- هتروح المستشفى.
ابتلع غصة بطعم العلقم وعجز عن النظر إليه. لا يعلم لماذا لا يريد أحد أن يرى دموع عجزه وضعفه عليها. استقل السيارة بجواره، ورفعها يضع رأسها على ساقيه دون حديث، وانامله تتحرك على وجهها.
شعر بفوهة بركانية تلتهم جسده بالكامل وهو يرى علامات أصابع الحقير بصفعه على وجهها الذي تلون موضعه. تلمس شفتيها المجروحة وهناك ما يؤلم روحه وهو يظن بما لا يحمد.
من يرى حالته بتلك اللحظة يقول إنه مارد ناري يريد إحراق الكرة الأرضية وما عليها. كور قبضته يضغط بعنف حتى شعر بتمزق أوردته، وبروز عروق رقبته، وتحولت عيناه للون الأحمر.
جز يعض على كفيه محاولاً السيطرة على انفعاله، الذي يأخذه إلى طريق اللاعودة من نوبة نيران الغضب.
كان يراقب حالته من خلال مرآة السيارة. وصل إلى المشفى فتحدث بهدوء:
- راكان، وصلنا.
نظر بالخارج، ثم اتجه بنظراته لتلك الغاشية بجواره. ترجل بهدوء، ورغم هدوء تحركه ولكن هناك نيران جحيميه بداخله تلتهم كل من يقترب منه.
حملها بين ذراعيه متجهاً بها إلى داخل مشفى.
ولج إلى غرفة يونس مباشرة، وضعها بروحه المحترقة، وعيناه الزائغة. دلف يونس.
أشار بعينيه إليها:
- طمني عليها. قالها وهو هوى بجسده. تحرك إلى ليلى دون حديث عندما وجد حالته.
فتحت عيناها بعد لحظات بعدما قام بإفاقتها يونس، وقام بالكشف عليها قائلاً:
- "مدام ليلى" سمعاني؟
فتحت جفونها بألم يفتك بجسدها وهي تهمس باسمه:
- راكان.. همست بها تنظر حولها، قائلة ببكاء بعدما تذكرت ما صار:
- راكان.. قتل راكان. عايزة أروح له.
كان يونس يقوم بتعليق المحاليل الخاصة بحالتها، ونظراته على ذاك الجالس وهو يغمض عيناه. ورغم بكائها وهمسها لاسمه، إلا أنه ظل بمكانه لم يتحرك.
أزالت الإبر وهي تصيح بشهقات:
- بقولك عايزة أمشي، عايزة أروح أشوف جوزي.
توقف يونس محاولاً السيطرة عليها عندما انتبهت حالة من الجنون.
***
نهض من مكانه بعدما وجد اقتراب يونس منها حتى يسيطر عليها.
سبها يايونس.. تحرك يونس للخلف.
لحظة من الصمت المذهول وهي تراه أمامها يقف بطوله المهيب. وزعت نظراتها عليه كالأم التي تقوم بفحص وليدها. دنت منه بخطوات متعثرة ودموعها تغرق وجنتيها. كادت أن تسقط بسبب قلة طعامها وما تعرضت له. تلاقاها بين ذراعيه. تحرك يونس للخارج تاركا لهما مساحتهما الخاصة.
رفعت كفيها المرتجف على وجهه ودموعها تنساب بصمت. ملست على وجهه تهمس من بين بكائها:
"حبيبي إنت كويس."
بحثت بجسده كالغريق الذي يبحث عن منقذ. حتى رفعت رأسها وألقت نفسها بأحضانه تبكي بشهقات مرتفعة مزقت نياط قلبه على حالتها.
رفع ذراعيه وحاوط جسدها قائلاً:
"إشش.. اهدي ياليلى أنا هنا وكويس."
بكت بصوت مرتفع وهي تهتف من بين بكائها:
"الحمدلله.. الحمدلله."
خرجت من أحضانه تنظر حولها متسائلة بلهفة:
"زين.. فين زين؟!"
أخيراً خرج عن صمته واحتضن وجهها يطبع قبلة بشفتين مرتعشتين، فهناك الكثير يضرب عقله من حالتها.
"حاسة بإيه؟!"
تحركت من أمامه تبحث عن ابنها:
"زين فين ياراكان؟ ساكت ليه؟"
اتجه يجمع خصلاتها ونزع وشاحه من حول عنقه يضعه فوق رأسها محكماً. ثم جذب كفيها:
"تعالي لازم تروحي.. زين في البيت."
"خدها روحها لو مفهاش حاجة.. وأنا هطمن على جاسر وأرجعيلكم."
احتضنت كفيه:
"لا مش هسيبك.. هروح معاك.. مش عايزة أمشي."
"روحي مع حمزة.. الكل قلقان هناك.. جاسر مضروب بالنار وحالته خطيرة.. لازم أروح أطمن عليه.. روحي عشان الولاد.. ياله.. وأنا شوية وهرجع."
هزت رأسها رافضة حديثه:
"مش همشي ياراكان."
جذب رأسها ثم طبع قبلة على جبينها:
"اسمعي الكلام ياليلى لو سمحتي."
رسم ابتسامة على ملامحه التي أهلكها الوجع والقهر منذ قليل قائلاً:
"ارتاحي شوية."
اقتربت منه والامتعاض بادٍ على ملامحها:
"هرجع لوحدي."
احتضن وجهها بين كفيه، يغرز نظراته بعينيها محاولاً السيطرة على دقات قلبه الصاخبة التي تدعوه لأقتناص كرزيتها حتى يشفى من آثام روحه الضائعة.
"ليلى.. شوية وهلحقك.. لازم اطمن على جاسر.. ياله امشي."
تحركت بهزيان وعيناها لا تفارق عيناه. خطت ببطء للخارج. جلس يمسح على وجهه بعنف ويرجع خصلاته للخلف بغضب بحركة تنم عن مدى غضبه المسيطر على كل أجزاء جسده.
ربت يونس على كتفه:
"ليلى كويسة.. متخافش."
أطبق على جفنيه يهز رأسه بقوة:
"عارف أنها كويسة."
قالها واتجه متحركاً للخارج متجهاً إلى مشفى الألفي.
وصلت بعد فترة قليلة لمنزلها. قابلها الجميع بلهفة. ولجت تبحث عن ابنها بأموميتها:
"زين!! فين زين؟"
مسدت والدتها على خصلاتها:
"ابنك نايم حبيبتي.. سيلين ودرة غيرلوه ونام."
جلست تبكي بشهقات مرتفعة:
"أنا قتلت أمجد..."
شهقة خرجت من فم الجميع وصوت همهمات بجوارها ونظرات حزينة. انسابت دموعها وهي تهز أكتافها:
"مكنش قدامي حل غير كدا.. قتلته."
رفعت نظرها لوالدها:
"بنتك بقت قاتلة يابابا.. قتلت اتنين."
وضعت كفيها على وجهها.
ضمها والدها يمسد على رأسها:
"لا ياحبيبتي.. أنتِ مش قاتلة.. أنتِ دافعتي على نفسك."
"فين راكان؟!" تسائلت بها زينب التي تنتظر دخوله.
مسحت دموعها قائلة:
"جاسر انضرب بالنار وهو عنده."
تحركت بعد قليل بمساعدة درة وصعدت غرفتها. ساعدتها درة بأخذ حمام دافئاً:
"ارتاحي حبيبتي وهجبلك زين هنا."
هزت رأسها وذكريات ذاك الحقير تداهمها. نظرت لخصلاتها التي تنساب منها المياه ولم تقو على الحركة لتجفيفها. تذكرت معذب قلبها، وودت لو يصل إليها في الحال.
ولجت درة بابنها. تلقته منها بلهفة واشتياق تضمه مع استنشاق رائحته الطفولية.
رفعت بصرها لأختها:
"درة نشفيلي شعري مش قادرة أتحرك."
جلست بجوارها تمسد على شعرها:
"ليلى انتِ كويسة؟"
وضعت رأسها على كتف أختها:
"عايزة اخد ولادي في حضني وانام بس يادرة."
أمسكت المجفف الكهربائي وبدأت بتجفيف خصلاتها حتى انتهت:
"حبيبتي نامي وارتاحي.. هجبلك بيجامة تدفيكي."
"أمير وكيان فين يادرة؟"
طبعت قبلة على رأسها:
"مع سارة.. الولاد كلهم في الجيمزبتاعهم.. نامي وارتاحي.. ومتخافيش عليهم."
نظرت إلى زين الذي غفى بحضنها:
"هاتي زين ونامي."
هزت رأسها بالرفض:
"لا.. محدش هياخد ابني مني."
تنهدت درة بحزن عليها قائلة:
"حبيبتي أمجد مات.. هاتي الولد عشان انومه في سريره وأنتِ ترتاحي."
ضمت ابنها بقوة وهزت رأسها رافضة.
ولج راكان بتلك الأثناء يوزع نظراته عليهما.
ربتت درة على كتفها:
"كويس حضرتك جيت.. بحاول أخد الولد وهي رافضة.. لازم ترتاح عينها وارمة وباين التعب عليها."
انحنى إليها:
"هاتي الولد ياليلى عشان متصحهوش."
تمددت تضم ابنها لأحضانها:
"محدش هياخد ابني مني.. لو سمحتم سبوه في حضني."
قالتها بصوت متحشرج من البكاء.
أومأ برأسه إلى درة. خرجت درة وتركتهما. نظر لثياب الحمام التي مازالت ترتديها. اتجه لغرفة الثياب. وضع الولد على الفراش وساعدها بإرتداء ثيابها. كانت تراقبه بنظراته تستشف حالته التي اتخذها بالسكون.
أمسكت ذراعه:
"راكان ساكت ليه؟"
دثرها بالغطاء وربت على كتفها:
"مفيش.. نامي وارتاحي دلوقتي.. هشوف نوح وراجع."
أغمضت عيناها وذهبت بسبات عميق. جلس بجوارها لبعض الدقائق وعقله يسحقه بقوة بعقلبها أشد العقاب. ولكن هناك رأياً آخر للقلب.
ملس على وجهها إلى أن وصل شفتيها وجرحها الذي جعل الغضب يتعاظم بداخله وغلى دماءه بعروقه. وهو عقله يتساءل:
"هل حاول تقبيلها؟ هل حاول المساس بملكيته؟ كيف تجرأ ذاك الحقير ولمس مولاته؟"
أطبق جفنيه فعقله بأفكاره الغير سوية تجعل أضلعه تنكسر كإناء فخار وتوقظ في عروقه نار تسوقه للجحيم.
صفع القلب العقل حتى حركه لتقبيله ليمحو أي أثر لذاك الحقير. حاول أن يموت تلك الفكرة الهوجاء. طبع قبلة رقيقة على شفتيها. ورغم اشتياقه الكامن لها إلا إنه شعر بأنها كشوك تخربش شفتيه بقوة. هب كالملسوع وتحرك للخارج كالعدو.
هو يحتاج أن يختلي بنفسه. تحرك للخارج بخطوات مبعثرة مثل خفقاته يشعر بأن ألمه يضاهي ألم العالم أجمع. ليس من السهل على شخص مثله أن يتناسى ذاك الألم الذي يضاهيه بقوة.
مرت الأيام عليه كالشهور يتخبط بفكره ومعاقبته لها. ابتعد بغرفته يحتمي بها حتى لا يخرج غضبه عليها.
دلفت إليه ذات مساء. وضعت أمامه فنجان قهوته. ثم جلست بجواره. ولم تستطع منع دموعها بعدما عاقبها بأشد العقاب وهو بعده عنها بصمت دون الخوض بالأحاديث.
رفعت بصرها تطالعه وهو يجلس على جهازه المحمول وتذكرت ذاك اليوم.
فلاش باك
باليوم التالي من رجوعها استيقظت وجدته جالساً بجوارها على المقعد ووجهه عبارة عن لوحة من الألم والغضب.
اعتدلت واقتربت منه ترفع ذقنه:
"حبيبي مالك؟ قاعد كدا ليه؟ الولاد كويسين."
"ايه ال حصل معاكي هناك؟!"
اتسعت عيناها تنظر إليه بذهول وأرجعت لحالته بشك يقين يأكل صدره.
اعتدلت وجلست أمامه:
"مفيش حاجة حصلت.. مخلتوش يقرب مني."
قالتها بقهر.
صمت مقتول بينهما للحظات وهي تطالعه بصمت تنظر أي ردة فعل. ولكن حموده وصمته أصاب قلبها وعقلها بآن واحد.
ابتلع غصة وخزت بأشواك تخربش رئتيه ومنعته من التنفس. حتى أقسم أنه يشعر بزجاج ينحره ببرود.
رفع نظره وتقابل بليلها الحزين الذي أصابه الوجع قائلاً:
"مش قرب منك؟!"
رفع إبهامه يلمس شفتيها:
"ايه دا؟ ممكن تفهميني."
رفرفت بأهدابها عاجزة عن إخراج صدمتها من حديثه. فوضعت إبهامها تلقائياً موضع جرحها. فتنهدت بوجع قائلة:
"تقصد ايه من سؤالك."
نهض واتجه إلى النافذة وأخرج تبغه يحرقه حتى لا يحرقها بكلماته وشدة طعنها له. لا أحد يشعر بما يشعر هو به. هناك نيران بداخله لو خرجت للعالم لأحرقته كاملاً.
اتجه بنظراته لتلك الأمطار التي تتساقط بهدوء رغم عواصف الجو الخارجية إلا أن أمطاره هادئة. تمنى لو يوجد منها ما يبرد نيرانه الداخلية. تحدث ومازالت عيناه على عواصف الجو التي شبهها بعواصفه. منها ما يفزع مثل الرعد والبرق ومنها ما يطفي اللهيب كزخات المطر.
"بتقولي ماقربش منك؟ كنتي في حضنه ولمسك قدامي.. وأنا عاجز ومتكتف.. وهو بيعمل مايحلو له يامدام."
استدار وتحولت نظراته كلياً لتصبح لهيباً من نار جهنم وتحدث بفظاظة:
"كنتي مستنية يعمل ايه غير ال عمله؟"
تحرك ووصل إليها بخطوة يضغط على أكتافها بقوة. لا يرى ولا يسمع تأوهاتها وهي تصرخ من ضغطه.
"راكان بتوجعني."
ركل المقعد وازاح كل ما يوضع على الكومودو وهو يتحدث بنيران نازفة بداخله:
"قولي يامدام.. كنتي عايزة ايه تاني غير ال عمله قدامي."
"راكان اسمعني."
لكم المرآة بقوة حتى تساقط زجاجها صارخاً بصوت هز أرجاء المكان:
"اخرصي.. مش عايز اسمع منك كلمة."
اقترب منها ونيران خارجية من عينيه تريد أن تحرقها:
"اهدى.. مراتي كانت مع مجرم وحاضنها.. ليلة كاملة وهي بعيد عني وبتقولي اهدى.. مشيتي بعقلك واستقلتي بجوزك وجاية تقولي أهدى."
انحنى لمستوى جلوسها والتهمها بنظرات نارية:
"لو خايفة على الحياة بينا اتلاشيني ياليلى.. ابعدي عني عشان مترجعيش تندمي."
ارتجفت شفتيها تطالعه بذهول:
"تقصد ايه؟"
اعتدل وهو يحاول أن يتنفس بهدوء بسبب تسارع أنفاسه.
- ابعدي عني يا ليلى لحد ما أهدى، قالها واستدار للخروج.
نهضت مذهولة من حديثه.
- راكان، قالتها بصوتها الضعيف.
ظل مواليها ظهره منتظر حديثها.
- هتعاقبني عشان كنت بنقذ ابننا؟
كور قبضته يضغط بقوة حتى لا يستدير إليها ويصفعها بقوة.
- أنا لو فكرت أعاقبك هكرهك نفسك، وأظن فاهمة معنى كلامي كويس.
تحركت متجه إليه، تمسكه من ذراعه.
- اومال إيه اللي بتقوله دا؟
استدار برأسه قائلاً:
- دي اسمها بعيد ترميم روحي وقلبي اللي حضرتك بكل غباء أدممنتيهم.
قالها وتحرك سريعا للخارج.
أطبقت على جفنيها وعبراتها تنساب ببطء، ورغم بطئها إلا أنها تشعر بلهيب وجنتيها.
خرجت من شرودها عندما استمعت إلى حديثه.
- فيه حاجة، عايزة إيه؟
طالعته بصمت، ثم ابتلعت ريقها تحاول الحديث، ولكن كأن حروفها هربت ولم تعد تعبر عما تشعر به.
لحظات من الصمت بينهما، وهو ينظر بشاشة حاسوبه، يهرب من نظراتها.
- جاية أقولك هنزل الشغل من بكرة.
رفع رأسه إليها ثم اتجه لحاسوبه مرة أخرى.
- براحتك، دي حياتك وأنت حرة.
سكتت هنيهة تحاول ضبط انفعالاتها حتى لا تغضبه، فتحدثت بصوتًا جعلته متزناً، حتى لا تضعف أمامه، هو قرر عقابها، وهي قررت ألا تتخلى عن كبريائها.
نهضت وتحدثت:
- أنا بعرفك مش أكتر عشان مترجعش تقول بمشي من دماغي.
لم يعر لحديثها اهتمام.
- لو خلصتي كلامك سيبيني أشوف شغلي، وروحي شوفي ولادك لو حاسة إنك فاضية.
خرجت وهي تهمهم:
- أخبط دماغك في الحيطة، وبقى قابلني لو جتلك تاني ولا عبرتك.
دفع الجهاز بعيداً عنه، يمسح على وجهه بعنف، ثم سحب نفساً وزفره بغضب من أفعالها.
بمنزل يونس.
دلف يضع أشياءه الخاصة، قابلته قمر.
- بابي... بابي، وطي عشان أقولك مامي بتعمل إيه.
انحنى يحملها وهو يقهقه عليها.
- تعالي يافتنة العيلة، وقولي مامي عملت إيه.
وضعت فمها على أذنه.
- قالت لأنتي ليلى لاسم تغيظ خالو.
قهقه بصوت مرتفع.
- مامي دي عفريتة، هتقولي لبابي، دي ربتني أنا شخصياً.
خرجت متأوهة.
- يونس ألحقني، شكلي هولد.
اتجه سريعا إليها.
- حبيبتي مالك، حاسة بإيه؟
لم يكمل حديثه وأطلقت صرخة مرتفعة عندما انسابت المياه من بين ساقيها.
حملها يونس متجهًا بها للداخل.
- سيلين حبيبتي دي ولادة، اهدي متخافيش.
توتر من بكاء ابنته، أمسك هاتفه.
- ماما زينب تعالي بسرعة، سيلين بتولد وقمر بتعيط.
بمزرعة نوح.
حمل الطعام ودلف إلى غرفتهما.
- صحي النوم ياكسلانة.
اعتدلت تجذب الغطاء على جسدها.
- إيه دا حبيبي، أنت اللي جهزت الغدا.
مسد على خصلاتها بحنو.
- ربنا يخليكي ليا حبيبتي وأعملك كل حاجة.
وضعت رأسها على كتفه.
- نوح أنا كويسة، متعملنيش كأني طفلة.
احتضن وجهها يطبع قبلة مطولة على جبينها.
- دايما يارب كويسة حبيبي.
تنفسك عامل إيه دلوقتي؟
أومأت برأسها.
- الحمد لله كويسة.
أمسكت كفيه قائلة:
- ممكن نروح عند راكان النهاردة، عايزة أخرج، وليلى بقالها فترة مجتش، غير علاقتها المتوترة مع راكان.
احتضنها يربت على ظهرها.
- كلنا معزومين بكرة هناك، هنقضي يوم مع بعض.
عند حمزة ودرة.
جلست أمامه وهي تلاعب ابنها، وهو يمشط خصلاتها ويقص لها ما صار معه منذ طفولته.
تراجعت بجسدها عليه، حاوطها بذراعه يهمس إليها.
- ماتنومي سيف حبيبي، وحشتيني، ونفسي نجبله عشق، إيه رأيك.
وضعت رأسها بأحضان.
- حبيبي، فيه حاجة نسيت أقولهالك.
رفع ذقنها ينظر لعيناها الساحرة.
تقابلت نظراتهما بالعشق وهمست له وهي تضع كفيها على أحشائها.
- أنا حامل يا حمزة، مبروك يا حبيبي هيكون عندنا أخ أو أخت لسيف.
ظل صامتاً للحظات، نظرات فقط تحاوطها كأنه فنان يرسمها.
ثم انحنى يضع الأيباد أمام ابنه.
- سيفو اتفرج على كارتون، هقول لمامي سر وأرجعلك.
لم تشعر بنفسها سوى وهي معلقة في الهواء بين ذراعيه قائلاً:
- لازم تقوليلي حاجة مهمة جوا.
دلف للغرفة وهو يعانق كرزيتها بخاصته ليبث لها كم هو عاشقا حد النخاع.
عند راكان وليلى.
اتجهت إلى غرفته بهدوء، وجدته غافياً بعمق، شعرت بقبضة تعتصر قلبها، فهو يغفو بإطمئنان وهي التي تكتوي بلهيب الأشواق.
وجدت حاسوبه مفتوحا بجواره.
اتجهت لأغلاقه، عندما علمت بإرهاقه، فنسيه ولم يغلقه.
وجدت صورتها على شاشته ويكتب أسفلها:
قل لي بربك..
من تكون؟
أسرتني..
فأضعت فيك رزانتي والمنطق..
وبأي حق هكذا أغويتني؟!!
بل كيف أوهمت الفؤاد؟
فصدقا!!!
ابتسامة شقت ثغرها، ودقات صاخبة بقلبها، أقسمت بداخلها.
أن حب هذا الرجل يكفي لحب البشر الذي يوجد على سطح الأرض.
دلفت لأحضانه بهدوء، تستنشق رائحته كالمدمن الذي فقد جرعته منذ فترة وعثر عليها للتو.
وضعت رأسها على صدره، لتنعم بدقات قلبه.
ثم رفعت ذراعيها تحاوط جسده.
غفت بسلام بعدما طبعت قبلة بجانب شفتيه، تمنت لو استيقظ وسحبها لعالمه، فلقد اشتاقت إليه حد الجنون، وهو الذي يعاملها بجفاء.
أطبقت جفنيه تذهب لأحلامها الوردية معه.
بعد يومين اتجهت بزرعتها بالورود وبدأت تضعهم بالاصيص الخاص بهم وهي تستمع إلى أغانيها المفضلة.
يا حبيبي يا حبيبي..
قد عمري قلتهالك.
وأنت جنبي ببقى لسا مشتقالك.
ما أنت عارف آه وسامع إن الليل والشوراع.
كل حبة رمل بتقولك حرام حرام.
اتحرم حضن الخطاوي فين أنا.
والطريق مايل بحمله.
ومن العتاب والنسيم حس بفراقك سحره ضاع.
كل حاجة رافضة بعدك.
مش حتفضل هي بعدك.
صعب أصدق.
لو ضروري تسبني خد مني الحنين.
قبل ما تسافر يا عمري.
اسجن الشوق والمنى.
خدلي الصبر بوريدي قبل ما يطول بعدنا.
حتى لو طال بعدنا أنت هنا.
ظل يطالعها بعيون مكدسة بالأشواق، فالنظرة لعيناها تهيج القلب ويبتسم الثغر.
تراجع بظهره للشجرة، وهي مازالت تدندن أغنيتها مع موسيقاها الهادئة.
توقفت للحظة بعدما استنشقت رائحته التي تسللت لرئتيها.
استدارت برأسها ولمعت عيناها بدموع الحزن.
رجعت لما كانت تفعله ولكن بصمت.
تحرك إلى أن توقف أمامها، رغم انهيار دواخله واشتياقه الكامن إليها.
أردف بنبرة رخيمة:
- متخلينيش أضطر أقفل باب الأوضة بالمفتاح، سيبك من شغل الأطفال بتاع كل ليلة دا، وجيتك لعندي كل ليلة تنامي في حضني.
نهضت من مكانها ونفضت كفيها بقوة حتى تناثرت الأتربة على وجهه، ونظرت لشمس تبحث عن نظرة اشتياق إليها.
ولكنه كان ماكراً لحد الإبداع عندما تراجع يضع نظراته فوق عيناه ويشير بيديه عليها.
- بطلي عك في الطين، شكلك بيئة.
تحركت إلى أن وصلت أمامه مباشرة وبجبروت أنثى طاغية، أثرت عليه بنظراتها ورائحتها حتى تناسى ما فعلته.
رفعت نفسها تحاوط عنقه بكفيها المتسختين.. وضغطت على شفتيها قائلة:
- يعني كنت حاسس بيا كل ليلة، وبتستهبل.
رفعت كفيها على وجهه وغرزت ليلها بعمق عيناه وأكملت.
- معلش يا حضرة المستشار لازم تستحمى عشان البيئة وسخت هدومك ووشك، واقفل الباب أه بعد كدا.
قالتها وتحركت وهي تنادي على عامل الحديقة.
ولم تشعر بذاك الذي حملها متجهًا إلى المسبح، وأغلق الباب خلفه.
ثم ألقاها بقوة به.
وهو يشير على ثيابه.
- هنزل دلوقتي عندك، وزي ما لسانك طويل هتخلعيني القميص دا وتغسلي الطين اللي على جسمي.
توسعت عيناها بذهول وهو يلقي بكل أشياءه على المنضدة، ويقفز إليها بالمياه.