تحميل رواية «عش العراب» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدى قُرى صعيد مصر، ب "بنى سويف" بمنزل ضخم لإحدى أشهر عائلات البلدة، والذي ذاع صيتها في العقد الأخير، ليس فقط على مستوى القرية ولا المحافظة، بل الصعيد بأكمله والقاهرة وبمصر كلها تقريباً. "العراب"، أصبح ماركة شهيرة بالحبوب الغذائية ومنتجاتها، سواء (الدقيق، والأرز، والذرة، وغيرها من البذور المستخدمة في تصنيع المواد الغذائية). كما أنهم يمتلكون بعض مضارب الأرز، وأكثر من شونة لتوريد القمح من الفلاحين وتسويقه. بشقّة بالدور الثاني، استيقظت سلسبيل بتذمر، بعد عدة محاولات من همس لكي تجبرها تستيقظ. فلقد ق...
رواية عش العراب الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامه
بإحدى قُرى صعيد مصر، ب "بنى سويف" بمنزل ضخم لإحدى أشهر عائلات البلدة، والذي ذاع صيتها في العقد الأخير، ليس فقط على مستوى القرية ولا المحافظة، بل الصعيد بأكمله والقاهرة وبمصر كلها تقريباً.
"العراب"، أصبح ماركة شهيرة بالحبوب الغذائية ومنتجاتها، سواء (الدقيق، والأرز، والذرة، وغيرها من البذور المستخدمة في تصنيع المواد الغذائية). كما أنهم يمتلكون بعض مضارب الأرز، وأكثر من شونة لتوريد القمح من الفلاحين وتسويقه.
بشقّة بالدور الثاني، استيقظت سلسبيل بتذمر، بعد عدة محاولات من همس لكي تجبرها تستيقظ.
فلقد قامت همس بحك قدمي سلسبيل بأحد الأقلام الناعمة، كما داعبت أنفها بأصابعها، وأيضاً جذبت الغطاء من عليها قائلة:
"اصحي يا سلسبيل الدنيا بتمطر، دي أول شتوية في السنة، الشتا بيستفتح بالمطر، قومي بسرعة خلينا ننزل تحت المطرة ونغني، يا مطرة رُخي رُخي"
جذبت سلسبيل الغطاء من يد همس قائلة بنعاس:
"سيبيني أنا عايزة أنام، حرام عليكي مطرة إيه اللي ننزل تحتها، الدنيا لسه ضلمة، إحنا صلينا الفجر يا دوب من ساعتين."
جذبت همس الغطاء وقالت:
"قومي بقي، نفسي أغني تحت المطر، دي أول مطرة للسنة دي، يا عالم هكمل الشتا ولا لأ."
رفعت سلسبيل الغطاء من عليها، لا تعلم لما شعرت بنغزة في قلبها، وارتجافة أيضاً، وقامت حضنت همس قائلة:
"هتكملي الشتا والربيع والصيف وهتعيشي كتير زي جدتي هداية كده... وتفرحي بأحفادك."
تبسمت همس قائلة:
"هما بيقولوا إني ورثت منها الشكل، لكن إنتي ورثتي القوة والعقل."
تبسمت سلسبيل وقالت:
"أنا مفياش نص قوة جدتي هداية."
تبسمت همس وقالت:
"طب والأحلام اللي بتشوفيها ولازم تحقق، زي ما تكون رؤى، غير تواصلك مع اللي ماتوا، إنتي كنتي بتشوفي جدي وبيقولك على حاجات هتحصل فاكرة، وقت رجوع قماح لهنا من تاني، إنتي شفتي جدي قبلها وقالك قولي لجدتك قماح راجع من تاني."
ردت سلسبيل:
"تصدقي معرفش سبب ده وقتها، مع إني كنت حوالي ثمان سنين ومخدتش بالي من قماح ده أصلاً شكله إيه، بس كان عندي ست سنين ونص لما جدي توفى، كنت بسمعه دائمًا يقول لجدتي نفسه قماح يرجع لهنا تاني، وأهو يا ريته ما رجع، عامل نفسه زي الآلة اليونانية في الأفلام الأجنبية اللي بنشوفها، عندهم جنون العظمة وهو فيه منهم، ومفكر عنده ذكاء حاد وهو كل اللي عنده شوية حظ في التجارة وفاشل في الجواز، اتجوز اتنين مفيش فيهم واحدة استحملت طباعه المتغطرسة، والله ربنا دعا لهم بالخير ببعدهم عنه، أنا الحمد لله دائمًا بتجنبه حتى الكلام عالقد مش أكتر."
ضحكت همس قائلة:
"إحنا هنتكلم عن قماح، قومي يلا البسي هدوم تانية غير بيجامة ميكي دي، على ما أروح أغلس على هدى كمان أصحيها ننزل قبل ما السما تبطل مطر."
تبسمت سلسبيل وبالفعل نهضت وارتدت إحدى الإسدالات فوق منامتها، ولفت حجاب عشوائي على رأسها فقد يُدفئ عنقها، حتى إنها لم تقم بستر شعرها الطويل المنسدل جزء كبير منه على ظهرها من أسفل الطرحة.
بالفعل بعد دقائق نزلن الثلاث فتيات إلى تلك الحديقة المحاوطة بذلك المنزل الكبير.
توقفت همس أسفل الأمطار تفتح ذراعيها وتستمتع برذاذ الأمطار فوق وجهها، بينما كانتا كل من سلسبيل وهدى تختبئان من الأمطار أسفل إحدى شرفات المنزل.
نظرت لهن همس قائلة:
"هتفضلوا واقفين عندكم كده كتير، المطرة ممكن توقف في أي وقت."
تبسمت هدى وقالت:
"أنا بصورك يا همس بالفون، فيديو عشان أبقى أفرجه لماما بعد شوية، عشان تزعقلك، وده يبقى انتقامي قصاد إزعاجك ليا وإنك صحيتيني من النوم وأنا نايمة الفجر أصلاً."
غمزت همس بعينيها وقالت:
"وأيه اللي مطيّر النوم من عينك للفجر، يا قطة... سهرانه بتفكري في مين، اعترفي."
تبسمت هدى وقالت:
"بفكر في دراستي، عندي بحث عن التكنولوجيا ولازم أسلمه بعد بكرة، مش عارفة ليه دماغك دائمًا الناحية التانية."
تبسمت همس وقالت:
"لا ناحية تانية ولا تالتة، أنا كمان يا أختي زيك مش بفكر غير في الدراسة، اللي خلصت فينا وارتاحت هي "سيلا"، وسمعت إن في خطّاب بيجولها.... شكل بنات ناصر العراب هيبقوا اتنين قريب "بيلا" هتتجوز ومش هيبقى غير أنا وإنتي."
لا تعرف سلسبيل لما فجأة مر أمام عينيها ظلاً لرؤوس سوداء وعيون دامعة ودماء بريئة تسيل.
ارتجف قلبها للحظات وأغمضت عينيها بقوة ثم فتحتها ووضعت يدها على قلبها ورسمت بسمة قائلة:
"لأ اطمني، أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي، أنا واخده راحة شوية بعد الدراسة بس كلمت بابا إني أشتغل في الحسابات عندنا في أي شونة، غير كمان بفكر أعرض المنحوتات بتاعتي في معرض خاص."
تبسمت همس قائلة بمزح:
"قصدك مساخيطك اللي في المسخط بتاعك اللي في آخر الجنينة."
تبسمت سلسبيل وهي ترى قرب همس منها هي وهدى وقامت بشد يديهن.
سرن معها وأصبحن الثلاث فتيات أسفل مياه الأمطار يلهون بفرحة أطفال.
كان صوت مرحهن مرتفع لدرجة أنه أيقظ ذاك النائم بالدور الثاني أيضاً.
فتح عيناه بتذمر من تلك الأصوات العالية التي اقتحمت مضجعه.
تنهد بإزعاج واتكئ على يدهُ، جذب أحد أجهزة التحكم عن بُعد صغيرة الحجم وقام بالضغط عليها.
انزاحت تلك الستائر، ما زال الظلام لم ينقشع بالكامل وأيضاً بسبب تلك الغيوم أشعل ضوء الغرفة، وأزاح غطاء الفراش من عليه ونهض وجذب ذاك المئزر الرجالي وارتداه، فهو رغم برودة الطقس كان ينام شبه عاري، بشورت فقط.
وأيضًا هناك نظام تدفئة بالشقة، أو ربما هناك حرارة منبعثة من قلبه تُدفئ جسده، فجسده طبيعة خاصة يستطيع تحمل قسوة برد الشتاء.
ربما طبيعة خاصة اكتسبها من ماضي عاشه بمكان كان أشد برودة من هنا، ليس جسده فقط من اكتسب تلك البرودة، بل أثرت أيضاً بتكوين شخصيته.
يستطيع التحكم بإخفاء مشاعره أمام الآخرين والتعامل معهم بهدوء حتى لو كان من أمامه هو عدوه.
اكتسب من ذلك دبلوماسية تجعله صاحب العقل الراجح والمفكر صاحب الذكاء المالي.
لكن هناك عيب واحد به هو عدم التحكم في غضبه مع النساء، ربما لا يكرههن لكن لا يحبذ التعامل معهن كثيرًا.
يعتقد أنهن لا يجدن شيئًا سوى الثرثرة وسلب نقود الرجال ومن أجل شيء آخر جسدي، يستطيع الاستغناء عنهن بالتحكم في مشاعره.
يعطي فقط ما يريد لهن ورغم ذلك لا يعنيه المال كثيرًا، برأيه أن المال لا يصنع الرجال... الرجال هي من تصنع المال والنساء خُلقن لإنفاقه على مظاهر فارغة وتافهة.
ربما مُخطئ في ذلك لكن من قابلهن بحياته برهن له ذلك.
أغلق المئزر على جسده وفتح باب الشرفة الزجاجي، كي يعلم سبب تلك الضحكات الصاخبة.
رأى الثلاث فتيات أسفل الأمطار، في البداية لم يهتم لهن وسخر من صغر عقلهن، فهي حركات طفولية لا أكثر.
لكن حين رأى أكبارهن لفت نظره حين تدور حول نفسها، وانزاح حجابها من فوق رأسها وأظهر شعرها بالكامل.
كانت حين تدور، تدور خصلات شعرها بانسيابية مع مياه الأمطار، ذالك الشعر الأسود الطويل وقطرات المطر تتساقط من بين خصلاتها تشبه مياه الشلال حين تتساقط من أعلى، بل ترسم لوحة خاصة.
تهكم ساخرًا يقول:
"حلو جو الرقص تحت المطرة ده، لأ والكبيرة اللي بدل ما تكون العاقلة قدام أخواتها بترقص وتتمسخر قبلهم."
شعر بضيق وعاد إلى الغرفة وقام بإغلاق باب الشرفة ثم ذهب إلى الحمام وأخذ حمامًا بمياه فاترة، ثم خرج وارتدى ملابسهُ، وأخذ هاتفه وحافظة أموال وضعهم بجيب معطفه الجلدي الأسود العصري الذي ارتداه فوق ثيابه العصرية أيضاً.
ثم توجه يخرج من تلك الشقة نازلاً لأسفل المنزل.
بينما بالحديقة قالت همس:
"المطرة خلاص شكلها هتشطب والساعة قربت على سبعة وزمان ماما هتصحى عشان تنزل تحضر الفطور، ألحق أنا أطلع قبل ماما وما تصحى وتزعق، يلا اللي تسبق تدخل قبل ماما ما تحس بينا."
قالت همس ودخلت إلى المنزل أولاً.
كانت تقفز سريعًا فوق درجات السلم، تقابلت قبل درجات من باب شقة والداها.
تبسمت حين رأت قماح أمامها وقالت بلهث:
"صباح الخير يا قماح."
قالت هذا ولم تنتظر رده بل أكملت صعودها.
بينما لم يرد قماح عليها، أكمل نزول الدرج.
لكن توقف حين توقفت سلسبيل مخضوضة حين وجدته بوجهها، وسرعان ما انتبهت على يدها التي وضعتها فوق يده دون قصد منها أثناء صعودها.
وسحبتها سريعاً وقامت سريعاً بجذب وشاح رأسها الذي انزاح من على شعرها الرطب بسبب الأمطار التي كانت تلعب أسفلها منذ قليل.
تجنبت من أمامه بأحد زوايا السلم وأكملت صعود دون حتى إلقاء الصباح عليه، صعدت بسرعة.
كأنها تفر من أمامه.
بينما هو.. شعر ببرودة يدها حين وضعتها بالخطأ فوق يدهُ وتضايق منها بشدة بسبب التصاق ملابسها فوق جسدها بسبب مياه الأمطار التي كانت تتراقص أسفلها قبل قليل وليس هذا فقط وسقوط وشاح رأسها وظهور شعرها الرطب المنسدل والذي يظهر منه جزء كبير من أسفل الطرحة.
ولكن أكمل نزول، ليتقابل مع هدى التي قالت ببسمة:
"صباح الخير يا قماح."
رد قماح عليها الصباح وأكمل نزول باقي درجات السلم وهو يستهزئ بأفعالهن الغبية بنظرهُ.
دخلن الثلاث فتيات إلى شقة والداهن، خلف بعضهن يلهثن.
تبسمن حين وجدن من يقف أمامهن يقول بعتاب حنون:
"من ساعة ما سمعت صوت المطر وبعدها سمعت فتح باب الشقة قولت نزلتم تلعبوا تحت المطرة، المفروض خلاص كبرتوا بقى، يلا بسرعة روحوا غيروا هدومكم المبلولة دي قبل ما تبردوا وكمان ماما تصحى وتشوفكم كده وتبدأ وصلتها."
تبسمن له الثلاث فتيات وقولن بنفس الوقت:
"صباح الخير يا أحلى وأغلى بابا."
تبسم لهن وقال:
"يلا بسرعة نهلة بدأت تصحى، يلا بسرعة على أوضكم غيروا هدومكم وانزلوا نفطر مع بعض."
امتثلت هدى وهمس وفررن على غرفهن سريعاً.
بينما سلسبيل قالت:
"بابا هو ينفع منزلش عالفتور أنا معنديش جامعة خلاص، وعايزة أنام."
تبسم ناصر لها وقال:
"بلاش دلع وبعدين أنا كلمت الأستاذ مجدي المسئول عن الحسابات خلاص وقالي قدامه شوية حسابات وتقفيلات في السنة المالية هيخلصها وبعدها تيجي وأنا اللي هدربها وأفهمها في الحسابات بنفسي، فلازم ترجعي نشيطة من تاني."
إقتربت سلسبيل من والداها وقبلت يدهُ قائلة:
"هشرفك قدامه يابابا، ومش بعيد قبل السنة المالية الجاية أمسك أنا حسابات العراب كلها ونطرد أستاذ مجدي، وآخد أنا مكانه."
تبسمت تلك التي خرجت من باب الغرفة واقتربت من مكان وقوف سلسبيل وقامت بشد شعرها بقوة قائلة:
"تاخدي مكان مين، الأستاذ مجدي مُخضرم في الحسابات مش لسه متخرج من كام شهر، غير عنده عقل مش زيك يا طويلة يا هبلة، هدومك بتعصر ميه وكمان شعرك، أكيد كنتي مع البلوتين التانين تحت المطر بدل ما تعقليهم، لأ عقلك أصغر منهم، يلا روحي أوضتك غيري هدومك بسرعة قبل ما تاخدي برد وحصليني على تحت، اتعلمي شوية من شغل البيت خلاص كبرتي، زمايلك بقوا عرايس، لازم تتعلمي شوية من شغل البيت ولا مفكرة نفسك بعد الجواز جوزك هيجيبلك خدامة، إياك."
ردت سلسبيل بآلم مش شد نهلة لشعرها:
"لأ أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي ياماما، وحضرتك عارفة إني بعرف أطبخ كويس وحتى شغل البيت بعرف أعمله، بس أنا هشتغل الأول وموضوع الجواز ده بعدين، أنا مش زي زهرة بنت عمتي ولا هتجوز واحد زي رباح ابن عمي معندوش شخصية قدام مراته، بكملك كلامك أهو قبل ما تقوليه، أنا هصنع مستقبلي بإيدي وزي ما أنا عايزة، وأنا في دماغي هدف، إني أشتغل ومش بس أشتغل هعمل معرض كمان للتماثيل اللي بصنعها."
قالت سلسبيل هذا وغادرت نحو غرفتها.
تنهدت نهلة بغضب وقالت ل ناصر:
"شايف بنتك يا ناصر ودماغها الغبية."
رد ناصر:
"بالعكس يا نهلة سلسبيل ذكية جدًا، وقوتها بتشبه أمي، ليه شاغلة بالك بجوازها، كل شيء نصيب."
ردت نهلة:
"الجواز للبنات سُترة يا ناصر ودول تلاتة ورا بعض."
تبسم ناصر:
"والعلم والاستقلالية كمان سُترة يا نهلة، أنا اللي هقولك الكلام ده، ناسيه إني متخرجة من الجامعة وإننا كنا زملاء كمان، صحيح أنا أكبر بتلات سنين، بس خريجين نفس الجامعة، بلاش تبقي آسية على بناتك دول كانوا لينا جبر بعد طول صبر."
بعد قليل، بالدور الأرضي بالمنزل، بغرفة السفرة كانت العائلة شبه مكتملة تجلس في صدارة الطاولة هداية، وعلى يمينها كان يجلس ولدها الأكبر النبوي وزوجته وجوارها شبان يجلسون بتذمر لكن مجبورين على ذلك، ويجلس جوارهم قماح، والناحية الأخرى كان يجلس ناصر ولدها الثاني وجواره زوجته وجوارها ثلاث فتيات.
نظرت هداية وقبل أن تتحدث، دخل رماح وخلفه زوجته التي قالت:
"معلش يا جماعة جت علينا نومة، هو كده داخلة الشتا والشتا بيحب الكسل والنوم."
ردت هداية:
"مش الشتا هو اللي بيحب الكسل والنوم، ده طبع ودي آخر تحذير ليكم بعد كده تنزلي في وسط النسوان تحضري معاهم الفطور ووجتها هتتعودي تصحي بدري وتبطلي سهر، وتسهرى جوزك معاكي، لازم ينعس بدري عشان يصحى فايق لشغله وسط العمال... بلاش حديد كتير، يلا اجعدوا ودي آخر مرة تتأخروا."
نظرت زهرة إلى رماح الذي سحب مقعد وجلس عليه دون رد على حديث هداية، فجلست وهي توعد له بذلك لما لم يدافع عنها أمام تهجم تلك العجوز الشمطاء.
جلس الجميع يتناولون فطورهم في صمت، إلى أن نهضتا كل من همس وهدى، قائلتان:
"عندنا محاضرات بدري يادوب نلحق عشان الطريق، هتوصلنا يابابا ولا السواق اللي هيوصلنا."
رد ناصر:
"لأ أنا عندي مشوار بعيد عن الجامعة، خلو..."
تحدث كارم ثالث أبناء النبوي:
"أنا عندي مشوار قريب من الجامعة وممكن آخدكم في سكتي."
نظرن همس وهدى لبعضهن وأردن الرفض، لكن قالت هداية:
"وصلهم بس بلاش تسوق العربية بسرعة الوقت مطروش."
تبسم كارم يقول:
"حاضر يا جدتي."
بالفعل رغم عدم رضائهن لكن ذهبن مع كارم.
نهض الجميع من على طاولة الطعام، لكن أثناء سير قماح للخروج من الغرفة تصادم مع سلسبيل التي عطست شبه بوجهه دون قصد منها، فأخرج محرمة ورقية من جيبه وأعطاها لها قائلاً بنبرة سخرية وتهجم في نفس الوقت:
"يرحمكم الله علشان تبقى تبطلي رقص تحت المطر أهو أخدتي برد."
لاحظت هداية وقوفهم وقالت:
"شكلك هتاخدي برد يا سلسبيل، هخلي واحدة من الشغالين تعملك كوباية جنزبيل بالليمون إشربيها وادفي وهتبقي زينة."
ردت سلسبيل:
"لأ لو نمت هتعب أكتر خليها تجبهالي في الأتيليه بتاعي اللي في ضهر الجنينة."
ردت هداية:
"قصدك المسخط بتاعك، والله يا بتي معرفش إيه الهواية الغريبة دي، تعملي مساخيط زي اللي في مجابر الفراعنة زمان."
تبسمت سلسبيل وقالت:
"ده فن يا جدتي اسمه النحت عالحجر.. وبعدين اديني بتسلى شوية قبل ما أشتغل."
سمع قماح قول سلسبيل لهداية عن نيتها للعمل، لكن لم يهتم، فهي بالآخر لا تعنيه بشيء.
بعد مرور أربعين يومًا، كان يومًا شتويًا عاصف تكاد الرياح تقتلع الأشجار من جذورها، وبالفعل هناك شجرة اقتلعت لكن ما زال جذرها بالأرض تخشى الجز، فهي بالآخر تدنست، وأخفت الأمر خوفًا من ماذا لا تدري.
انطفأت همس المرحة، كانتا أختيها يلاحظون ذلك ولكنه كانت تتحجج بثقل الدراسة عليها وأنها اقتربت من امتحانات نصف العام الذي لم يبقى عليها سوى شهر تقريبًا.
صباحًا
بعد أن تناولت العائلة الفطور، ذهبت سلسبيل إلى ذاك الأتيليه الخاص بها وبدأت تستمتع بهوايتها وهي نحت بعض الصخور وتكوين بعض الأشكال أيضاً.
كان الأتيليه بشبابيك زجاجية كبيرة وخلفها ستائر، فتحت سلسبيل تلك الستائر تعطي للغرفة نور.
بينما بغرفة المكتب الموجودة بالمنزل والذي تطل على الحديقة الخلفية أيضاً تحدث النبوي لقماح قائلاً:
"قماح الحاج رجب السنهوري اتصل عليا من كم يوم كده."
رد قماح ببرود:
"خير، عاوز إيه؟"
رد النبوي:
"هو قال إن محتاج كم طن رز شعير من عندنا."
رد قماح:
"وماله، ياخد بالسعر الجديد اللي نزل، زيه زي غيره."
رد النبوي:
"بس هو مش زي غيره، إنت ناسي إنه كان نسيبك قبل كدة."
رد قماح:
"أهو قولت كان، كان ده ماضي وحتى لو لسه نسبي التجارة مفيهاش نسبي وقريبي، عاجبه عالسعر الجديد كان بها مش عاجبه قدامه السوق يلم منه اللي هو عاوزه."
تحدث النبوي:
"بصراحة كده هو لمحللي إن بنته جايلها عريس، وأنا قولت أقولك يمكن تفكر تردها تاني لعصمتك."
نهض قماح وسار خطوات نحو شباك غرفة المكتب، نظر أمامه السماء تبدو بها غيوم وسحاب تسير بأي لحظة قد تمطر، لكن لمح تلك التي تقف بتلك الغرفة القريبة من المكتب، كانت تمارس هوايتها.
ظل صامتًا ينظر لها.
بينما عاد النبوي قوله:
"مردتش عليا."
رد قماح وهو يعطي ظهره لوالده:
"مردتش عليك في إيه؟"
أعاد النبوي قوله:
"بقولك بنت رجب السنهوري اللي هي طليقتك جاي لها عريس."
رد قماح:
"مبروك، ربنا يسهلها."
تعجب النبوي وقال:
"ده ردك الأخير، ما ترجعها، أنا معرفش سبب لطلاقك لها، مش معقول طلقتها عشان راحت تزور والداتها بدون ما تاخد إذن منك."
استدار قماح لوالده وقال:
"ممكن ميكونش ده السبب الرئيسي، بس هي خالفت أمري، وانتهت الحياة بينا وخلصت على كده يبقى خلاص، ربنا ييسر لها، عندي ميعاد مع تاجر في شونة القمح، ولازم ألحقه، أشوفك المسا يابابا.... و بلاش تتعب نفسك في الموضوع ده انتهى خلاص بالنسبة لي."
قبل أن يخرج قماح من الغرفة قال النبوي:
"وهتفضل الباقي من عمرك عازب كده من غير ست ولا عيال من صلبك."
نظر قماح أمامه رأى دخول سلسبيل إلى داخل المنزل تلف يدها بقطعة قماش، تبدو بوضوح مجروحة.
ورد في ذلك الوقت على والده:
"الله أعلم المستقبل فيه إيه... متشغلش بالك بيا."
قال قماح هذا وأكمل سيره يخرج من المنزل.
بينما زفر النبوي أنفاسهُ بقلة حيلة.
دخلت سلسبيل إلى غرفة جدتها، وجدتها تجلس أرضاً وأمامها امرأة شابة ومعها طفل صغير يبكي، وضعت جدتها ذاك الطفل بشال أبيض ونهضت واقفة وقالت للشابة الأخرى:
"امسكي طرف الشال ده كويس أوعي يفلت من إيدك مفهوم."
مسكت الشابة أحد طرفي الشال الملفوف به طفلها.
في البداية انخضت الشابة من دفع هداية للشال بقوتها وكاد طرف الشال أن يفلت من يديها، قالت لها هداية بغضب:
"قولتلك امسكي طرف الشال كويس."
أومأت لها الشابة بالموافقة.
بدأت هداية بدفع الشال قويًا مثلما تدفع الأرجوحة، لكن يمسك الشال الاثنان، هدأ بكاء الطفل كثيرًا، جلست هداية مرة أخرى أرضاً، وأخرجت الطفل من الشال وبدأت بتدليك معين لجسد الطفل الذي شعر براحة وانتهى بكاؤه المستمر.
أعطت هداية الطفل لأمه وقالت لها:
"بعد كده أما تشيلي الواد تحطي إيدك في ضهره تسنديه، عشان ميطوحش ولا يتزمم لسه عظمه طري."
تبسمت لها الشابة وقالت:
"تسلمي يا حجة هداية، والله بقاله كم يوم مش مبطل بكى وروحت بيه لكذا دكتور، ومفيش فايدة، أهو إنتي رديتي له عظمه من تاني، والله حماتي قالتلي هي الحجة هداية اللي إيدها فيها البركة.. كثر خيرك."
تبسمت لها هداية وقالت:
"سلميلي على حماتك وبعد كده إيدك في ضهره طول."
خرجت الشابة تبتسم لسلسبيل التي دخلت للغرفة.
ردت سلسبيل لها البسمة.
بينما قالت هداية:
"تعالي يا سلسبيل لفة إيدك إكده ليه."
ردت عليها:
"أبدًا دا إيدي اتعورت وأنا في الأتيليه، وكنت جايلك تداويها لي."
ردت هداية:
"طب هاتى العلبة اللي عندك دي وتعالى اجعدي قدامي أشوف يدك."
بالفعل آتت سلسبيل بتلك العلبة الموجود بها بعض المستلزمات الطبية، وجلست أمام جدتها، وكشفت كف يدها أمامها.
تحدثت هداية:
"دي الجرح شكله واعر، بسبب إيه ده أكيد بسبب المساخيط اللي بتعمليها في المسخط بتاعك."
صمتت سلسبيل، بينما بدأت هداية بمدواة ذاك الجرح.
رغم تألم سلسبيل لكن تحملت ذاك الوجع إلى أن انتهت جدتها من مدواته وقالت لها:
"طول عمرك يا بتي كنتي بتتحملي الوجع... بتفكريني بأمي كانت صبورة، ربنا يرحمها."
مساءً، بغرفة همس كانت تجلس بإنزواء فوق فراشها دموعها تسيل بمرارة يديها ترتعش تخشى نتيجة ذاك الاختبار الذي فعلته منذ قليل، تتمنى أن يكذب ما تشعر به منذ أيام، لكن للأسف أعطى الاختبار نتيجة إيجابية.
صدمة كبيرة لها كيف هذا، ماذا ستفعل الآن، لو علم والدها بذلك، بالتأكيد ستقتلها والدتها بدون رفّة جفن.
سألت عقلها وقالت:
"يارب أنت عالم بحالي أنا مغلطتش بخاطري، كان غصب عني."
بدموع قامت همس ولسوء حظها رمت ذاك الاختبار بسلة القمامة الخاصة بغرفتها، وعقلها يبحث عن حل لتلك المعضلة التي وقعت بها.
خرجت من غرفتها ونزلت إلى حديقة المنزل، وجلست رغم برودة الطقس لكن تشعر بنيران، لما لا تحرقها وتنتهي حياتها الآن قبل أن يُفتش أمرها التي تخفيه.
بينما دخلت نهلة إلى غرفة همس كي تأخذ ملابسها غير النظيفة كي تغسلها، قامت بجمعها ووضعتها على الفراش وأخذت أيضاً ملاءة الفراش وبعض الأغراض الأخرى.
لفت نظرها سلة المهملات، نظرت لها وقالت:
"مفيش مرة تطلع الزبالة من أوضتها، أمري لله أخدها أنا أطلعها."
بالفعل جمعت الملابس بيد وأخذت سلة المهملات بيدها الأخرى، وضعت الملابس بالحمام، خرجت كي تضع ما موجود بسلة القمامة التي بيدها بسلة أكبر منها، لكن أثناء إفراغها لها لفت نظرها ذاك الاختبار، فأخرجته من بين المهملات، ونظرت له بتمعن وصدمة أكثر من مرة.
ذهل عقلها وشرد منها، خرجت سريعاً من الشقة، وقبل أن تنزل باقي درجات السلم كانت تقابلها همس صاعدة.
نظرت له وقال بصوت أرعب همس:
"همس!"
ارتعبت همس وسابت أعصابها ولم تعد قادرة على الوقوف على ساقيها، تركت جسدها دون إرادة منها يسقط، تدحرجت فوق درجات السلم إلى أن بقيت أسفل السلم، أمام ساقي كارم ابن عمها، الذي ارتجف قلبه بشدة وهو يرى همس تنزف من فمها وهناك نزيف آخر أسفلها.
تحدث بصوت عالٍ نسبيًا مما جعل والدته هي الأخرى تأتي للمكان، بينما انخضت نهلة ونزلت سريعًا لها لكن للحظة تذكرت ذاك الاختبار التي رأته، تحجرت الدموع بعينيها، وربما تحجر قلبها أيضاً للحظات قبل أن تأتي هداية هي الأخرى ورأت همس قد استسلمت وغابت عن الوعي، قالت برجفة:
"أنتم واقفين تتفرجوا عليها، هُم بسرعة شيلها يا كارم وعلى المستشفى بسرعة، دي عايمة في دمها."
بالفعل حملها كارم وخرج سريعًا، ذهبت خلفه كل من قدرية ونهلة الذي تشعر بقلبها الذي يكاد ينفجر من بين ضلوعها.
بعد قليل بالمشفى كان كارم، ونهلة وقدرية يقفون أمام باب إحدى الغرف، كانت نهلة تخشى أن يخرج الطبيب ويفتش أمر همس أمامهم، فقالت لهم:
"روحوا أنتم للبيت، مفيش داعي تبقوا هنا، أنا هنا معاها."
في البداية عارض كارم، لكن قدرية كانت تريد المغادرة، لكن لتبقى من باب الرياء لا أكثر.
ألحت عليهم نهلة كثيراً، حتى حين أتى ناصر متلهفًا عليهم كأنها وجدت الراحة وقالت لهم:
"أهو ناصر جه، مالوش لازمة بقى وجودكم كثر خيركم."
لكن القدر السيئ، أن يخرج الطبيب من الغرفة في ذلك الوقت.
تحدث كارم للطبيب سريعًا:
"خير يا دكتور."
رد الطبيب:
"خير إنشاء الله، هي عندها كسر في إيدها الشمال والدكتور جبسه وكمان شوية ردود في جسمها وجرح صغير في جبينها خدت خمس غرز، بس للأسف مقدرناش ننقذ الجنين."
كان على رؤسهم الطير ناصر، كارم، قدرية، بينما نهلة أغمضت عينيها بحسرة كبيرة.
تحدث كارم بتوهان:
"جنين مين حضرتك يا دكتور."
رد الطبيب:
"للأسف المدام كانت حامل في حوالي شهر والوقعة أثرت عليها والجنين نزل."
هذه المرة تحدث ناصر بألم جاسم على قلبه وقال:
"متأكد يا دكتور."
رد الطبيب:
"أيوا متأكد.. بس ليه مستغربين إنها كانت حامل هي..."
قاطعت قدرية الطبيب وقالت:
"أبدا مش مستغربين يا دكتور، بس الصدمة."
رد الطبيب:
"على العموم ربنا يعوض عليها هي شكلها لسه صغيرة وقدامها الفرص كتير، هي دلوقتي هتطلع من أوضة العمليات لأوضة عادية تشرفنا يومين وبعدها تخرج بالسلامة إنشاء الله."
الصدمة مدوية للعقل، كيف كانت همس حامل ومن من؟
كيف فعلت ذلك؟
للحظات تمنت نهلة أن تخرج همس من تلك الغرفة حية، ليتها ماتت.
لكن ناصر كل ما يقهرهُ كيف فعلت همس هذا لمن سلمت نفسها ولما فعلت ذلك به، هو لا يستحق منها هذا الإذلال، أجل إذلال فهي فرطت في شرفها.
قدرية يكاد قلبها الأسود يقفز من السعادة، فهي حقودة تتمنى السوء للجميع.
بينما كارم يود الفتك بهمس كيف سلمت نفسها لغيره. أجل هو كان يعشقها منذ الطفولة كان يراها ملاكًا خُلق له، بسمتها له كانت تزيد عشقه لها، كان ينتظر أن تُنهي تعليمها وكان سيخبرها كم هو يعشق حتى همسها، لكن ضاع كل شيء، بنى عشقه لها على سراب أقل رياح أطارته في الهواء.
بعد مرور يومان
بمنزل العراب.
كان الجميع مصدوم ومقهور من همس التي اختارت الصمت، رغم إلحاح الجميع عليها بالبوح بما حدث لها، لكن ماذا تقول، هي تدنست وفقدت روحها، أصبحت جسدًا خاويًا، لما لم تمت لكانت استراحت من هذا العذاب، ومن نظرات من حولها التي تقتلها.
بغرفة المكتب كان الشيطان يقف على هيئة امرأة، وهي قدرية التي قالت بوسواس:
"همس دي لو بتي لكنت فرغت فيها رصاص المسدس كله وخلصت من عارها، دي حتى مش عاوزة تتكلم وتقول مين اللي غلطت معاه الخاطية."
تعصبت هداية وقالت لها:
"إسكتي يا قدرية."
ردت زهرة كالحرباء تنفخ في النيران:
"كلام مرات خالي صح يا جدتي، ماهي لو مش خاطية، تقول غلطت مع مين يمكن نقدر نجيب حقها منه ونصحح الغلط ده، ونجوزها له... إنما دي ساكتة ليه؟"
تعصب النبوي وكذا ناصر، أصوات عالية بالمكان، لكن صمتت تلك الأصوات بعد صوت إطلاق رصاص.
نظر الجميع باتجاه الصوت صدموا وذهلوا جميعاً بتلك الراقده أرضًا تنازع الحياة.
صرخت سلسبيل التي أتت وجثّت لجوارها، وخلعت طرحتها تضعها فوق قلب همس النازف، لكن كلمة واحدة قالتها همس بهمس لم يسمعها سوى اثنان، كارم وسلسبيل هما اللذان كانا جوارها بآخر نفس لها، كانت الكلمة... "أنا مش خاطية".
رواية عش العراب الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامه
ماتت البراءة، قتلت نفسها بالخطأ بذلك المسدس الذي كان موضوع بخزانة والدها. هي لم تكن تعلم أنه جاهز للإطلاق، ظنت أنه خالٍ من الرصاص، أو هكذا ظنت. لكن الأمر تم. هي بنظر الجميع لم تُدنس فقط، بل قتلت نفسها. "كافرة".
بعد مرور ثلاثة أيام.
أمام منزل العراب. عزاء ابنة عائلة العراب التي ماتت حظاً وهي تلعب بسلاح والدها. تلك كانت الكذبة أمام الناس خارج ذلك المنزل. وُئِد السر بين ساكني جدران هذا المنزل فقط.
في صوان الرجال.
وقف ناصر بين قماح والنبوي، يتقبلان العزاء.
ناصر، مُنكس الرأس، عيناه رغم عدم بكائه، لكن اختفى لونها خلف شعور الغضب الممزوج بالحسرة على إحدى فتياته. عقله يكاد يشرد منه. كيف فعلت همس تلك الخطيئة؟ من الذي فرطت له بعفتها؟ والسؤال الآخر.. لماذا قتلت نفسها؟ لآخر لحظة كان لديه أمل أن يعرف لماذا فعلت ذلك. أكان غصباً عنها؟ كان له قلب سيغفر لها تلك الخطيئة لو باحت بسرها له.
النبوي يتلقى العزاء هو الآخر، حزين للغاية. كذلك قماح حزين. همس كانت له مثل أخته الصغيرة. تفاجأ بكل ما حدث من اتصال هاتفي من والده. هو لم يكن بالبلدة اليومين السابقين، كان بالقاهرة يعقد بعض الصفقات. عاد قبل ساعات خصيصاً من أجل العزاء.
آتى لجوارهم ذلك الأحمق رباح، الذي حتى لم يرسم الحزن على وجهه. وقال:
"المُقرئ بقى مخلص أكتر من خمس أوراد من القرآن، ولسه فيه معزين موجودين بالصوان. قلت له يريح شوية ويرجع تاني يقرأ."
أومأ ناصر برأسه صامتاً.
بينما رأى رباح دخول بعض المعزين، فعاد بنظره لقماح وقال:
"شايفين مين اللي جايين العزا."
نظر قماح بلا مبالاة. بينما ناصر والنبوي.. نظرا بتفاجؤ.
بينما قال رباح:
"ده رجب السنهوري وابنه. نسايبك القدام يا قماح... والله عندهم واجب، وناس باقية على العشرة."
نظر له قماح بسخرية وظل صامتاً، غير مبالٍ بوجودهم، حتى حين اقتربوا منه وقدموا واجب العزاء. تعامل معهم بحيادية، رغم محاولاتهم جذب حديثه لأكثر من مرة، مقدمين واجب العزاء بحبور.
بينما بقاعة كبيرة بداخل المنزل، كان عزاء النساء.
كانت قدرية بداخلها شعور النشوة. كم ودت افتضاح أمر همس الخاطئة بالبلدة. لكن كلمة هداية أن تختفي الحقيقة بين جدران هذا المنزل جعلها تصمت. لكن سربت لبعض الأقربين منها بعض الكلمات التي تدل على انتحار همس، ليس كما يقولون أنها ماتت بلعبها بالسلاح دون علم. كان هنالك همسات وهمهمات بين النسوة.
منهن من هو بالفعل حزين على تلك الأم المكلومة على زهرتها التي سقطت قبل أن تتفتح. كانت نهلة تجلس بين النساء، سابحة في ملكوت خاص بها، عيناها كأنها تحجرت. لم يعد بها دموع. ألم يفتك بقلبها؟ ليتها تنهض وتصرخ وتصرخ، ربما يخف ذلك الألم الذي يكاد يفجر قلبها بداخلها. بعقلها تلوم همس، ليتها أخبرتها بما حدث لها، ربما كانت فعلت لها شيئاً. لكن أي شيء كانت ستفعله لها؟ همس اقترفت ذنباً لا غفران له، خانت أمانتها واستباحت الخطأ، حتى أنها صمتت، لم تبح بمن فعلت معه ذلك. ربما كانوا أصلحوا الخطأ، لكن حتى هذا لم تفعله، وفضلت الموت على ذلك. آثمة.
هداية، رغم جبروتها وأنها هي من قامت بتغسيل جسد همس، لكن هاهي الدموع تسيل من بين عينيها، تحفر نيران حارقة في قلبها. حفيدتها الثلاث كن أصحاب معزة خاصة بقلبها. وهمس كانت أكثرهن تشبهها في الملامح، لكن ليست بقوتها. من تشبهها في القوة هي سلسبيل.
بينما هدى كانت تجلس بحضن سلسبيل، دموعهما غزيرة. بين ليلة وضحاها، انقلبت الحياة. أصبحن اثنتين فقط. رحلت من كانت بالمنتصف بينهن، من كانت تبث لهن روح المرح دائماً. رغم انطفاء مرحها في الأيام الأخيرة. ابتعدت عنهن وحين كن يسألنها كانت تتهرب من الإجابة، بأنها مرهقة من الدراسة واقتراب الامتحانات. كيف صدقن ذلك واستسلمن وتركاها لوحدتها بأيامها الأخيرة؟
جالت عين سلسبيل بالمكان. رؤوس نساء تتشح بالسواد ودموع، وأيضاً دماء بريئة سالت. تلك كان هو تفسير ذلك الطيف التي رأته قبل أكثر من شهر. زاد هطول دموع عينيها.
آتى المساء. انفض العزاء.
دخل ناصر مُنكس الرأس، وخلفه النبوي، ثم قماح ورباح إلى تلك الغرفة التي كان يجلس بها النساء.
نظرت لهم هداية وقالت:
"العزا ثلاث أيام. بكده العزا خلاص انتهى. من بكرة كل واحد يرجع تاني لشغله. كفاية تعطيل مشاغل لحد كده."
تداعت عطيات الخبث ومثلت الدموع قائلة:
"والله المرحومة كانت غالية عندي. ربنا العالم قد إيه. ربنا يرحمها ويغفر لها وزرها."
نظرت هداية لزهرة بزجر وقالت بحسم:
"ربنا يرحمنا جميعاً. بكفاية عاد وجودك هنا. روحي دارك. بقى لك ثلاث ليالٍ فاته دارك وابنك وجوزك المريض، لازم رعاية. ربنا يشفيه."
ردت عطيات:
"يارب. والله لما زهرة اتصلت عليّ وجاتلي على اللي حصل أنا مصدقتش. همس تعمل كده إزاي؟ ليه تقتل نفسها؟"
ردت هداية بحزم وهي تنظر لزهرة بتوعد:
"همس ما قتلتش نفسها. همس ماتت بالغلط. ما كنتش تعرف إن السلاح متعمر. وزي ما قلت العزا خلاص انفض والسيرة دي كمان انفضت يا عطيات."
صمتت عطيات وغادرت المنزل. بينما نهضت كل من سلسيل وهدى تسيران جوار بعضهن، كأن هن يستندن على كتف بعض، وخرجن من الغرفة بصمت. كانت عين قماح تنظر إلى وجه سلسبيل الشاحب بشدة منذ أن دخل إلى الغرفة. رغم ذلك لم يشعر بشفقة تجاهها.
تحدثت قدرية بوسواس:
"بعد كده مش لازم بنت تتعلم وتروح الجامعة. حتى هدى ملهاش لازمة الجامعة. لا تسوى كيف أختها. المرة دي ربنا لطف بينا ومش رايد لينا الفضيحة."
تحدثت زهرة، الشيطنة الأخرى:
"أمي لما خدت الدبلوم رفضت إني أكمل تعليم بعده. عندها حق لما قالت لي التعليم العالي للبنات ما بيجيش من وراه خير. وها، همس..."
لم تكمل زهرة حديثها حين قاطعتها هداية بحسم قائلة:
"قلت العزا خلص. يلا كل واحد يروح مطرحه. وبلاش كلام فارغ. هدى هتروح جامعتها وتكمل دراستها. وسر همس هيندفن هنا بين حيطان الدار. وإياك أسمع بس طراطيش كلام باللي حصل للناس بره الدار. مفهوم؟ وزي ما قلت من شوية. كل واحد على مطرحه. تصبحوا على خير."
ردت زهرة وقدرية عليها وغادرن الغرفة وهن شامتات رغم حديث هداية الحازم والمهدد لهن.
بينما نهلة صامتة. حتى البكاء لم تبكِ. عيناها تحجرت. تشعر بنزيف بقلبها. هو الذي يبكي بدل عينيها. خرجت هي الأخرى من الغرفة صامتة، تجر ساقيها ببطء شديد.
كذلك رباح ذهب خلف زوجته سريعاً.
بينما ظل قماح وناصر والنبوي بالغرفة.
نظرت هداية لناصر المُنكس، ليس فقط الرأس، بل القلب والوجدان، خالي العقل.
اقتربت هداية منه وهي تشعر بحزن شديد. وضعت يدها فوق كتفه مواساة. رفع ناصر وجهه ونظر لعين هداية. وبلا سابق إنذار، ارتمى بحضنها يبكي بوجع شديد، يقول بحسرة:
"أنا مستحقش اللي حصل. عمر عينينا حتى ما بصت لواحدة نظرة مش كويسة. كنت بخاف ربنا. ليه يحصلي كده؟ ياريتني كنت...."
وضعت هداية يدها على فم ناصر وقالت له:
"استغفر ربك يا ناصر. كل شيء قدر من ربنا. وعد ومقدر يا ولدي."
نظر لها ناصر يقول:
"اللي قهرني إنها فضلت الموت عن إنها تتكلم وتقول ليه عملت كده ومع مين. ليه دارت عليه؟ بشرفي لو عرفته كنت خليته يسكن القبر قبلها. وحتى لو كان غصب عنها ليه سكتت؟ كانت تقول."
طبطب النبوي على ظهر أخيه وقال بحنو:
"خلاص يا ناصر. زي أمي ما قالت. كل شيء قدر ومكتوب."
كان قماح يقف صامتاً، لكن بداخله حزين على عمه الذي رآه لأول مرة يبكي. عمه كان قدوته في الشجاعة. كيف انهزم هكذا فجأة؟ بداخله أيقن أن النساء هن فقط القادرات على هزيمة الرجال. وهو لم ولن يسمح لواحدة أن تهزمه أبداً.
بعض قليل.
بشقة زهرة ورباح. بغرفة النوم.
خلعت زهرة ذلك المئزر من فوق جسدها الغض، تُظهر فتنتها. ونثرت إحدى العطور، كذلك طلاء شفاه أحمر مثير. في ذلك الوقت دخل عليها رباح. نظر لها بإثارة واقترب منها ووضع يديه حول خصرها.
وانحنى كي يُقبلها. لكن.. تدللت ونفضت يديه من حول خصرها قائلة بدلال خادع:
"إبعد عني. كفاية اللي إحنا فيه؟"
رد رباح:
"وأيه اللي إحنا فيه؟ إحنا حلوين أهو."
نظرت له زهرة قائلة:
"حلوين فين؟ مش شايف معاملة جدتك لأمي دي؟ شبه طردتها من الدار. حتى أنا لما اتكلمت اتوقفت ليّا. ياريتها عملت كده مع بنت عمك يمكن ما كانت جابت العار لينا."
تحدث رباح:
"بس بلاش تجيبي سيرة همس زي جدتي ما قالت. وبعدين أمك بنت جوزها وعارفة طباعها قد إيه شديدة. خلينا في نفسنا. يا زهرتي، قميص النوم ده يجنن."
تدللت زهرة بغنج قائلة:
"مش قميص النوم هو اللي يجنن... القالب غالب يا عزيزي."
تبسم رباح يُعيد قولها:
"القالب غالب فعلاً. وأنتي هوستيني بجمالك من زمان قوي يا زهرة ولسه بتهوسيني."
تبسمت زهرة بدلال تجيده صنعه على ذلك المعتوه الذي يسقط في براثنها بسهولة. بعد قليل، تنحى عنها يشعر بنشوة. وهي تقترب منه وتنام على صدره بخبث قائلة:
"ضحكت عليّا، بس أنا لسه زعلانة من كلام جدتك القاسي لماما."
وضع رباح يده على ظهرها وقال:
"فوتي يا زهرة. جدتي ست كبيرة وكلمتها بتمشي على الكبير قبل الصغير في البيت ده. بلاش تتوقفي لها وحاولي تقربي منها أكتر. شايفة مرات عمي نهلة وأمي نفسهم ماشيين بأمرها. حتى بابا وعمي كمان كلمتها لهم واحدة."
ردت زهرة:
"بس قماح الوحيد اللي مش بيمشي بأمرها. إشمعنى هو؟"
رد رباح بحقد:
"مش عارف ليه قماح الوحيد اللي مش بتقدر تثني عليه كلمة ومع ذلك بتفوت له... حتى لما كان غايب عنا هنا وعايش في اليونان ما كانت بتبطل سيرته كأنها كانت خايفة إننا مع الوقت ننساه. ولما رجع تاني كأنها لقت كنز. وهو منفوخ علينا كلنا. وقال إيه هو اللي زود اسم وأملاك عيلة العراب بذكائه. وده كله حظ مش أكتر."
نظرت زهرة لرباح ترسم بسمة خبيثة، جعلته يتمنى المزيد من الغرام معها بالفعل. حيلتها معه تنفع وسرعان ما يسقط معها بتلك المشاعر الخادعة التي تسلبه بها.
بشقة ناصر.
جلست سلسبيل على فراشها، تشعر بسحق قلبها. دموعها تسيل. لكن أتت لها هدى تبكي هي الأخرى قائلة:
"قولي لي اللي إحنا فيه كابوس وهصحى منه. ألاقي همس عايشة بينا. مش قادرة أصدق إن خلاص همس راحت ومعتش هشوفها ولا هسمع صوتها. أنا مش مصدقة اللي حصل. عقلي مش مستوعب إزاي ده حصل. همس مش..."
لم تقدر هدى على تكملة قولها ونظرت لسلسبيل التي فردت يديها لهدى. والتي سرعان ما قطعت تلك الخطوات وارتمت بين يديها، تبكي بحرقة. كذالك سلسبيل هي الأخرى.
عانقت هدى قائلة بتألم:
"متأكدة همس مش خاطئة... ولا أنا قادرة أصدق كل اللي حصل، ولا قادرة أنسى منظرها وهي بتموت بين إيديا. مش فاهمة حاجة. عقلي هيشت مني."
بغرفة ناصر ونهلة.
إتشحت نهلة بسواد. ليس الملبس فقط بل العقل أيضاً. العقل يرفض ما حدث. إحدى فتياتها ذهبت دون عودة.
نظرت لناصر الذي يجلس فوق الفراش يُنكس رأسه. وقالت بسؤال:
"قولي غلطنا في إيه علشان همس تعمل فينا كده؟ أنا يعلم ربي من يوم ما دخلت الدار دي صنت لساني عن الغلط في أي حد وعاملت ربنا فيك وفبناتي. ليه همس ظلمتنا الظلم ده؟"
صمت ناصر.
عاودت نهلة القول:
"قولي سبب للحسرة اللي سابتها ليا همس في قلبي. قولي يا ناصر."
هنا انفجرت الدموع التي كانت متحجرة في عينيها. انفجرت تحفر مكانها على وجنتي نهلة. سنة لهب حارقة. بكت أخيراً. بكت لكن لم تبكِ فقط، بل خارت ساقيها عن تحملها وجثّت على رسغيها، تنوح في البكاء. قلبها يتألم مفجوع.
نهض ناصر وجثى لجوارها وقام بضمها له وقال جملة هداية:
"قدر ومكتوب يا نهلة. وعلينا بالصبر. حتى قدام بناتنا. بلاش يشفونا مهزومين كده."
بمكان خالٍ شبه صحراوي.
كان كارم يمسك بين يديه ذلك السلاح الذي قتلت همس نفسها به. صورتها وهي تنزف أمامه لا تفارق خياله. قولها الأخير أنها ليست خاطئة. للحظة صدقها، لكن السؤال إن لم تكن كذلك، لماذا قتلت نفسها؟ جاوب قلبه.. ربما اغتصبت.
سخر منه عقله وقال:
"كانت تقدر تقول ووقتها كنت هصدقها."
رد قلبه:
"كنت هتصدقها أيوا هصدقها. همس مستحيل كانت تغلط الغلطة دي. همس كانت ملاك."
سخر عقله منه مرة أخرى يقول:
"عليك اللعنة أيها القلب.... ربما لم تبوح لها بمكنون قلبك، لكن لمحت لها أكثر من مرة. ماذا كنت تنتظر؟ لما لم تبح بمشاعرك؟ ربما كانت تحاورت معك وبقيت حية. لكن فات الوقت. همس ماتت ولم تقتل نفسها فقط، بل قتلتك معها."
ضع هذا السلاح الآن برأسك وألحق بها في جهنم.
بالفعل قام بتعمير السلاح وصوبه ناحية رأسه. وكاد يطلق الرصاصة، لكن رأى عيونًا حمراء تقترب منه. كان أكثر ذئبًا، يبدوان ضالين وجائعين.
فكر عقله: أيقتل نفسه الآن ويكون جسده طعامًا لهما؟
"لأ يا كارم."
هكذا سمع صوتًا من خلفه، يصحبه إطلاق رصاص. هرب الذئبان بعيدًا بعد سماع صوت الرصاص.
نظر كارم خلفه، رأى قماح ما زال يرفع سلاحه. نظر له وقال بذهول:
"قماح!"
رد قماح:
"بلاش اللي بتفكر فيه يا كارم. صدقني الموت مش هيريحك من الألم اللي حاسس بيه. لو الموت كان بيريح كان زماني مت من زمان. بلاش تبقى انهزامي كده. همس مش آخر بنت في الدنيا صدقني. شيل الوهم اللي في دماغك. خلينا نرجع للبيت من تاني."
استسلم كارم لقول قماح وقال له:
"اركب عربيتك وإنا هركب عربيتي وأمشي وراك."
بالفعل صعد قماح لسيارته، لكن ما زالت عيناه تنظر بترقب ناحية كارم. استراح قليلاً حين رأه يصعد لسيارته، وبدأ في قيادتها. كذلك فعل قماح وسار خلفه عائدين إلى المنزل.
لتنتهي ليلة تبدأ بعدها مرحلة أخرى بحياة الجميع.
بعد مرور أكثر من خمس شهور ونصف.
فجرًا.
كانت سلسبيل تقف بغرفة حولها من كل اتجاه ستائر. وكان خلف إحدى تلك الستائر طيف رجل. للحظة توجست سلسبيل. لكن فجأة هبت رياح بالغرفة وأطارت بعض الستائر منها. من طار عليها، جذبتها بيديها على جنب كي ترى. ونظرت أمامها، ذهلت عندما رأت وجه من كان طيفه خلف الستائر. وقالت:
"قماح!"
نظر لها بلا مبالاة، وهو يقترب منها بخطوات وهي تعود للخلف. اختفت من أمامه خلف إحدى الستائر. لكن قماح جذب طرف الستارة ونظر لها. واقترب منها. لم يعد أي شيء فاصل بينهما. فجأة مد يده وانتزع من عليها ملابسها. أصبحت أمامه شبه عارية. جذبت الستارة كي تخفي جسدها عن عيني قماح. لكن تبسم ساخرًا. واقترب منها وجذبها لتقبع بحضنه. وفجأة كاد يقبلها.
في ذلك الوقت نهضت سلسبيل من النوم فزعة. رغم أن الطقس في بداية الصيف ولم يغزو الحر بعد. لكن كانت تتصبب عرقًا. ظل عقلها يعيد ذلك الحلم التي رأته قبل قليل. لماذا يتكرر هذا الحلم معها منذ مدة طويلة حتى من قبل طلاقه من زوجته الثانية. هي تخشى قماح، وتتجنبه. لا تعلم لماذا حين ينظر لها تشعر كأنها أمامه عارية، كما ترى في أحلامها. صلتها بقماح شبه فاترة. مجرد أحاديث قليلة فقط ولأسباب. كثيرًا تتجنب حتى الجلوس بمكان هو موجود به.
فاقت من تفكيرها على صوت أذان الفجر. نفضت عن رأسها ذلك الحلم ونهضت من على الفراش تستغفر. وظنت أن هذا الحلم أيقظها من النوم من أجل قضاء صلاة الفجر. ربما هذا تنبيه من الله لها.
بعد العصر.
بمنزل العراب.
تفاجأ الجميع بضيفين اللذان أتيا دون سابق ميعاد. استقبلهم النبوي ومعه ناصر. قماح الذي كان وجوده اليوم بالمنزل بهذا الوقت صدفة. ربما دبرها القدر. كذلك هداية. استقبلتهم بترحاب بسيط.
تحدث أحد الضيفين وقال:
"أنا بعتذر يا جماعة إننا جينا بدون ميعاد وأتمنى الأمر اللي جايين علشانه يغفر لنا مجينا بدون حتى اتصال مننا ناخد منكم ميعاد."
نظرت هداية للضيف ثم لقماح وقالت:
"لأ أبدًا، يا رجب إنت مش غريب. اتفضل بلاش الوقفة دي. أنا هخليهم يجهزوا الأكل حالًا."
رد رجب:
"لأ يا حاجة هداية خيرك وكرمك سابق. أنا كل اللي عاوزه كوباية شاي نشربها وإحنا بنتكلم مع بعضينا في الأمر اللي جايين عشانه."
ردت هداية:
"خير، ثواني هقولهم يسولنا الشاي وراجعة تاني."
بعد دقائق عادت هداية وخلفها إحدى الخادمات بالمنزل تحمل صينية موضوع عليها أكواب الشاي. جلست هداية ترحب مرة أخرى برجب ومن معه. قائلة:
"خير يا رجب قول لي إيه الأمر اللي جايين عشانه."
رسم رحب بعض الحزن وقال:
"خير يا حاجة هداية. بصراحة أنا عارف ومقدر حزنكم على المرحومة. وإن ما مرش وقت كبير على رحيلها. بس ده ما يمنعش الخير اللي جايين علشانه."
تنهدت هداية بآسى، وقالت:
"خير ادخل في الأمر مباشر."
نظر رجب ناحية قماح الذي كان جالسًا يضع ساق فوق أخرى، ينتظر بترقب معرفة سبب مجيء رجب وابنه اليوم دون سابق ميعاد. وقال:
"إحنا جايين نطلب إيد سلسبيل لـ (نائل) ابني. وقبل الرد منكم هقول الجواز مش هيكون قبل سنة."
نظرت هداية نحو قماح الذي تغيرت ملامحه. ليس ملامحه فقط من تغيرت، بل جلسته تغيرت. اعتدل في الجلوس وأنزل ساقه من فوق الأخرى. ونظر بتحفز ناحية هداية التي تبادلت معه بعض النظرات. ثم قالت:
"للأسف جيت متأخر يا رجب، وسلسبيل اتخطبت وفرحها كمان اتحدد بعد شهر."
تعجب رجب وقال:
"بس اللي أعرفه إنها مش مخطوبة. إمتى اتخطبت."
كذلك ذُهل كل من النبوي وناصر، من رد هداية وصمت الاثنان. بينم قماح رسم بسمة طفيفة على شفتيه وهو ينظر لرجب وابنه المذهولان.
عاودت هداية القول:
"سلسبيل كانت اتخطبت قبل ما موت المرحومة همس. بس اللي حصل أجل الإعلان. بس خلاص مالهوش لازمة التأجيل أكتر من كده."
تنحنح نائل وقال:
"ومين العريس؟ حد نعرفه؟"
نظرت هداية ناحية قماح وقالت بمفاجأة:
"قماح هو عريس سلسبيل."
صدمة ألجمت جميع الجالسين بالغرفة عدا قماح الصامت لم يعطِ أي رد فعل.
تحدث رجب الذي لا يشعر فقط بخزي، بل بخيبة أمل أيضًا. هو كان يتمنى أن يعيد قماح ابنته زوجة له، وخطوبة سلسبيل كانت خطوة ربما تمهد لذلك. لكن صدم من رد هداية عليه الذي يقطع كل الطرق أمامه لاسترداد نسب عائلة العراب مرة أخرى. ونائل أيضًا الذي لديه بعض مشاعر الإعجاب ناحية سلسبيل التي رآها أكثر من مرة سابقًا أثناء زيارته لأخته الزوجة السابقة لقماح.
برد فعل تلقائي نهض رجب وخلفه ابنه مهزومان وقال:
"عالعموم ألف مبروك وربنا يتمم بخير وآسف مكنتش أعرف بس العيب مش عليا."
ردت هداية:
"فعلاً مش العيب عليك والموضوع في أي عيب أساسًا كل شيء نصيب وسلسبيل نصيبها قماح. ربنا يرزق نائل بالخير يارب."
تبسم رجب بخفوت وقال:
"نستأذن إحنا."
أومأت هداية برأسها وقالت:
"نورتم. قوم مع الضيوف يا نبوي وصلهم للباب."
انسحب رجب وخلفه ابنه برفقتهم النبوي.
بينما بالغرفة تحدث ناصر المتعجب من قول والدته ومتعجب أكثر من صمت قماح:
"كلام فارغ إيه اللي قولتي ده يا أمي، كنا رفضناه وخلاص، أسهل من كده. ومالوش لازمة نورط قماح في كلام فاضي."
نظرت هداية لقماح وقالت:
"قول لعمك يا قماح حديثي اللي قولته من هبابه كلام فارغ."
نظر قماح لناصر وقال:
"كلام جدتي مش فارغ يا عمي وأنا بطلب منك إيد سلسبيل."
صدمة ألجمت ليس فقط ناصر، بل سلسبيل نفسها التي كادت تدخل الغرفة بعد رؤيتها لمغادرة الضيوف للمنزل. كانت آتية لجدتها من أجل أن تقول لها أن هناك إحدى النساء تنتظرها بغرفة أخرى تريدها أن تداوي لها ساقها المجذوع. لكن نسيت هذا وقالت:
"بس أنا مستحيل أتجوز دلوقتي. همس مكملتش سنة ميتة. مش بفكر في الجواز أصلاً."
نظر لها قماح ود لو سحقها الآن بين يديه. كز على أسنانه التي تصطك بقوة. يحاول تهدئة نفسه كي لا يرد عليها بطريقة تستحقها على حديثها هذا. والذي معناه المباشر... الرفض.
لكن قالت هداية بتصميم:
"بس ناصر موافق يا سلسبيل، هتصغري أبوكي قدامنا إياك."
تفاجأت سلسبيل ونظرت بإتجاه والداها. أومأ رأسه لها بموافقة. ذُهلت أكثر. حين دخلت والدتها وقالت:
"ده يوم المنى. قماح عريس أي بنت تتمناه."
سلسبيل قالت هذا من المفاجأة بس:
"ربنا يتمم بخير والله لو مش الظروف كنت زغرطت."
نظرت سلسبيل لوالديها ثم لوالدتها. هي متفاجئة من رد فعلهم. كأنهم لم يكونا مصدقين أو كانا ينتظران ما قاله قماح قبل دقائق. لا تعرف لماذا صمتت تشعر بداخلها بخيبة أمل من رد فعل والديها.
تحدثت هداية:
"طالما موافقة يبقى خير البر عاجله. وزي ما قلت من هبابه، فرح قماح وسلسبيل بعد شهر يكون قماح جهز الشقة الجديدة لسلسبيل والعفش نشتريه جاهز وكمان الفرش وحاجات العروسة كمان."
"شهر!"
هكذا قالت سلسبيل قبل أن تكمل حديثها:
"بس همس لسه مكملتش سنة يا جدتي. الناس هتقول إيه."
ردت هداية بآلم:
"همس بنتنا وأنتِ كمان بنتنا وقماح ولدنا. يعني الحزن بتاعنا والفرح بتاعنا، ومحدش ليه عندنا حاجة واصل. الفرح بعد شهر. وأنت يا قماح جهز الشقة اللي في الدور التالت قصاد شقة رباح. سلسبيل مش هتدخل في الشقة اللي اتجوزت فيها قبل كده."
تهكمت سلسبيل بداخلها، كأن الشقة هي التي ستغير من طباعه السابقة. لكن ما زال وقت ربما تقدر على إقناعهم بالعدول عن ذلك الزواج لاحقًا.
باتت كل محاولات سلسبيل بفض تلك الزيجة بالفشل. كأنهم كانوا يتمنون إتمام ذلك الزواج قبل ذلك.
مر الشهر واليوم هو الزفاف. أو الدخلة كما يقولون. فهو زفاف سيكون بسيط لائق بعائلة العراب وكذالك غير مبهرج حفاظًا على حزنهم على فقيدتهم الشابة التي فقدوها قبل أشهر. لكن أين هذا الحزن؟ أنهم يقدموها كقربان ل قماح.
قالتها لها والدتها صريحة:
"طلب قماح للزواج منك فرصة كبيرة لم تكن تتوقعها بعد معرفته بخطيئة همس التي طالتها وصمتها ليس هي فقط وهدى أيضًا ربما تعاني من تلك الوصمة. لكن زواجها من قماح الآن فرصة كبيرة لها."
على يد توقظها من النوم. لم تفق سلسبيل من النوم ما زالت بعيون نعسة. لكن كأنها ترى أمامها همس. تبسمت بتلقائية وقالت:
"همس... إنتِ عايشة صح؟ أنا كنت في كابوس. الحمد لله. همس أنا كنت خايفة يكون اللي في الحلم حصل حقيقي."
قالت سلسبيل هذا ونهضت تحتضن من كانت توقظها. ربتت من تحتضنها على ظهر سلسبيل وقالت:
"أنا ماما. همس ماتت يا سلسبيل، فوقي من الهلاوس دي بقى، الليلة زفافك على قماح."
أزاحت سلسبيل يديها عنها وعادت للخلف تنظر لها بتمعن. حقًا ما رأته ليس كابوس بل واقع حدث بالفعل، وهي من ستدفع ثمنه مع ذلك العنجهي قماح.
تعجبت نهلة من نظرات سلسبيل التي تغيرت بشدة. وقبل أن تحدثها، نهضت سلسبيل من على فراشها وأخذت أحد إيسدالاتها وارتدتها فوق منامتها وخرجت سريعًا. بداخلها لن يتم هذا الزواج وواحدة فقط هي القادرة على إيقاف هذا الزواج. ستذهب لها الآن وبالتأكيد ستساعدها وتفعل لها ما تريد.
نزلت سلسبيل ودخلت إلى تلك الغرفة الخاصة بجدتها. تلك المرأة التي هرمت من العمر لكن ما زالت قوية الكلمة. كلمتها سيف على رقاب ابنيها الرجال ونسائهم وايضًا أولادهم كلهم. عدا ذلك القاسي الذي يسير الجميع خلفه وتنفذ كلمته، رغم أنه الولد الثاني لابنها الأكبر.
وجدت جدتها تجلس مغمضة العين بمقعدها العتيق ذو الطابع الأثري القديم. تمسك بيدها مسبحة تحرك يدها حباتها تسبح وتستغفر.
للحظة فكرت سلسبيل أنها نائمة. لكن تحدثت هداية:
"تعالي يا سلسبيل. عاوزة إيه؟"
تنحنحت سلسبيل أكثر من مرة تخشى الحديث كأن الشجاعة السابقة لديها اختفت.
لكن قالت الجدة:
"قولي اللي جاية عشان تقوليه وبطلي نحنحة، بلاش تضيعي وقت. عشية دخلتك على (قماح) ولازم تجهزي عشان."
نزلت دمعة من عين سلسبيل وإنحنت أمام ساق جدتها تقول بإستجداء:
"أحب على رجلك يا جدتي إنتي الوحيدة اللي قادرة توقفي جوازي الليلة من قماح. قماح م عندوش حد غالي يا جدتي وأنتي خابرة كده. دي اتجوزت مرتين وهو لسه مكملش الثلاثين سنة. وأكتر جوازه فيهم يا دوب عمرت معاه سنة. ليه تعذبوني معاه إني ماليش ذنب أشيل..."
تحدثت تلك الجحود التي دخلت وجهها ينظر بشر قائلة بوعيد:
"كملي ليه وقفتي حديث. تشيلي خطية أختك اللي حطت راسنا كلياتنا في الوحل وبعدها مقدرتش أقول مين اللي فرطت في شرفنا معاه وفضلت تنتحر وتموت مش بس خاطية لأ وكمان كافرة."
ردت سلسبيل بعنفوان:
"أنا متأكدة أختي لأ خاطية ولا كافرة يا مرت عمي. وأنا مش بتكلم معاكي أنا بتكلم مع جدتي. بترجاكي يا جدتي بلاش تاخدوني بذنب غيري وتجوزوني قماح."
ردت زوجة عمها بشرر وإستفزاز قائلة:
"ماله قماح زين الرجال ألف بنته تتمنى تراب رجليه. ولا إنتي كيف أختك عاشقة. وهتكملي بقية عارها ونتفضح قدام الناس بالكفر."
نهضت سلسبيل واقفة تنظر لزوجة عمها بعنفوان قائلة:
"لأ أنا مش عاشقة. بس كمان ما أريدش اتجوز من قماح. قماح اللي ما فيش ست من الاثنين اللي اتجوزهم قدرت تتحمل طباعه الصعبة. الله أعلم كان بيعاملهم إزاي. أنا شوفته بعيني كان بيضرب واحدة منهم عشان عصت أمره وراحت تزور أمها العيانة وبعدها طلقها. ده واحد مريض نفسي محتاج علاج."
صفعتها زوجة عمها بقوة على وجنتها بقوة ودفاع قائلة:
"اتحشمي ولمي لسانك عاد. تقصدي إيه بمريض نفسي."
قصدك إن ولدي مجنون... إنتي تحمدي ربنا إنه طلب يتجوزك ويلمك بدل ما تجيبي لينا العار مرة ثانية كيف أختك الخاطية.
نهضت هداية وقالت بحِدة:
جطع يدك...
ليس هذا فقط بل ردت الصفعة أقوى على وجه قدرية التي وقفت مذهولة غير مصدقة ما فعلته هداية، هذه أول مرة تفعلها مر عليها عيشها معها أكثر من خمس وثلاثين عاماً.
كزت قدرية على أسنانها تمثل البكاء والألم والعتاب لهداية.
تجاهلت هداية ذلك وضمت سلسبيل لحضنها تمسد على كتفها بحنان.
بذلك الوقت دخلت نهلة إلى الغرفة ورأت صفع هداية لـ قدرية، ذُهلت هي الأخرى وتلجم لسانها للحظات.
بينما أكملت هداية وهي تمسك يدي سلسبيل قائلة بحنان وتطمين:
سلسبيل اعلمي كويس عمري ما هسمح لأي حد يذلك حتى لو كان قماح نفسه.
شعرت نهلة بفرحة في قلبها المكدوم وقالت:
في بنتين جم عشان يزينوا سلسبيل.
تبسمت هداية وهي تُمسد على ظهر سلسبيل:
عروستنا زينة مش محتاجة لا لأحمر ولا أخضر، بس مفيش مانع نظهر جمالها أكتر، روحي مع نهلة يا سلسبيل واطمني.
رغم عدم اقتناع سلسبيل المذهولة هي الأخرى من فعلة جدتها، لكن ذهبت مع نهلة.
كادت قدرية التي تشعر ليس فقط بغيظ، لكن تشعر بكراهية تزداد، أن تخرج هي الأخرى من الغرفة خلفهن.
لكن قالت هداية بحِدة:
إستني يا قدرية، بصي يا بت الناس أنا صبرت عليكي كتير من زمان جوي جوي، من يوم ما دخلتي داري، كنت بفوتلك وأقول أم ولادنا، وإتحملتك عشانهم، زمان كانوا صغار خوفت يفارقوا حضننا، زي اللى كان مفارق... لكن دلوق مش هقول إنهم زينة الشباب، بس هقول بقوا شباب ويعرفوا مصلحتهم كويس، وإنتي اللي فاضل لك هي طلعة واحدة وبعدها تتحرمي على ولدي، لو عاوزة تكملي بقية حياتك مع ولادك يبقى تبعدي عن سلسبيل وقماح وأوعاكي أسمع عن مشكلة حصلت بيناتهم بسببك، وجتها متلوميش غير نفسك، أوعي تفكريني ساذجة ومصدقة كلامك الماسخ... قماح في قلبي زي أولادي، إنتي أكتر إنسانة كرهتيها في حياتك كانت "كارولين" أم قماح، إنتي فرحتي في موتها وارتحتي أكتر لما قماح سافر مع جدته لليونان بعدها، رجوع قماح صحى في قلبك الحقد القديم، أوعاكي تقربي من قماح وسلسبيل يا قدرية، وإلا هتتحرمي من خير عيلة العراب اللي نفسك فيه لولادك لوحدهم بعيد عن قماح وبنات ناصر ولدي... مش هتكسبى حاجة من فرقة ولاد العراب يا قدرية، في ثانية هجمعهم بين إيديا، رجالة كيف ما أنا رايدة يكونوا في ضهر بعض.
رواية عش العراب الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامه
فوق قبر همس وضع كارم تلك الزهره الصفراء ورفع يديه يقرأ لها الفاتحه الى أن إنتهى متحدثاً:
جيبت ليكى ورده من الجنينه اللى كنتى بتراعيها دايماً يا همس عاوز أقولك إن الصيف حرق ورودها وملقتش غير الورده دى هى اللى لسه بنضارتها، جبتها من الشجره اللى إنتى زرعتيها بأيدك، فاكر لما قولتلى الورده الصفره رمز الغِيره فى.. أنا كنت بغير عليكى حتى من الهوا عارف إنك كنتِ بتتهربى دايماً من حبى،ياريتك قولتليى حقيقة اللى حصل حتى لو كنتِ غلطانه قلبى كان هيسامحك النهارده فرح سلسبيل وقماح... عارف هتقوليلى فرح بالسرعه دى نسيتونى..هقولك لو الكل نسيكى أنا عمرى ما هنساكِ يا همس آنين قلبي.
.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بشقة رباح.
وضعت زهرت ذالك الرداء الفاخر من الشيفون المبطن والممزوجين باللونين الازرق والبنفسجى،ووقفت تُصفف خصلات شعرها،كانت معها بالغرفه والداتها التى قالت بإستفسار:
وأنا طالعه لهنا شوفت سلسبيل طالعه هى ونهله من مقعد الحجه هدايه ولما قربت من المقعد سمعتها بتزعق ل قدريه مرضتش أدخل لو مش واحده من الخدمات كانت قريبه من الأوضه كنت وقفت إتسمعت عليهم،بس تفتكرى أيه سبب زعيق هدايه لقدريه، وقبلها طلوع سلسبيل ونهله؟
ردت زهرت بلا مبالاه: الله أعلم، يمكن الحجه هدايه كانت بتقول نصايحها العظيمه ل سلسبيل علشان تكسب حب قماح بيه، بس بكره نشوف قماح هوائى كلها كم شهر ويزهق منها ويتلكك لها، وتبقى زي اللى سبقوها، وتشوف وقتها هدايه نصايحها اللى ملهاش أى قيمه... ومرات خالى الغِل واخدها عادى يعنى.
تحدثت عطيات: مش عارفه ليه مش مرتاحه لجواز قماح من سلسبيل حاسه إن هدايه بترتب تخلى سلسبيل كبيرة الدار بعدها، سلسبيل نسخه من قوتها بس هى اللى بتحب تريح دماغها.
تنهدت زهرت بسأم قائله: أهو أنتى قولتى سلسبيل بتحب تريح دماغها وأنا كمان دماغى وجعتنى من الكلام على هدايه وقدريه وسلسبيل، فى رأيي إن قماح معندوش أى إهتمام لمشاعر حد وبكره الآيام تثبتلك ده وقت ما هيزهق من سلسبيل هيطلقها زى غيرها ومش هيهمه هدايه أو غيرها، ودلوقتى خلينى أخلص لبس وننزل نشوف النسوان اللى جت علشان كتب الكتاب.
تبسمت عطيات قائله: كانوا أستنوا سنوية همس وعملوا فرح كبير، عالاقل عشان سلسبيل دى مش عذبه.
ردت زهرت: عادى بنات كتير بتتجوز من غير فرح خالص، وأهو الفرح ده جه نجده أنا زهقت من لبس الأسود على همس اللى كنت بلبسه قدامهم عالاقل دلوقتي خلاص.
قالت زهرت هذا وفتحت أحد أدراج الدولاب وأخرجت علبه من القطيفه الخضراء وفتحتها ووضعتها أمامها تلتقط منها.
تبسمت عطيات وهى تنظر الى ما بتلك العلبه بإنبهار قائله:أنتى جيبتى الطقم الحلو ده إمتى شكله غالى قوى.
تبسمت زهرت قائله:شوفت تصميم زيه عالنت وطلبت من رباح قام جابهولى،وقبل ما تتكلمى خدته وروحت لصايغ وأكدلى إنه طقم حقيقى حتى فصلى تمنه مبلغ وقدره..مش خساره فيا.
تبسمت عطيات وقالت:طبعاً مش خساره فيكى،بس عارفه لو سمعتى كلامى وجبتى حتة عيل من رباح وقتها مش هيبقى حد قدامك فى الدار دى ووقتها كمان تبقى ضمتنى رباح أكتر..إسمعى كلامى الخلفه بتعلى قيمة الست فى بيت جوزها وقدام جوزها كمان وبتربطه.
ردت زهرت:ومين قالك إنى مش هخلف،أنا بس مأجله الموضوع ده شويه عاوزه أتهنى قبل ما أتشبك بعيال ويهدوا حيلى أكتر ما كان مهدود فى الشغل فى المصنع قبل ما أتجوز.
تنهدت عطيات قائله:أبويا الله يرحمه بقى سمع كلام هدايه وفضل ولادها عليا ومقسمش أملاكه بالعدل..رغم أنه كان عارف حالة جوزى اللى على قده، هعمل أيه،يلا ميجوزش عليه غير الرحمه.
بس إسمعى كلامى والخلفه هتخلى رباح يشيلك من عالارض أكتر كمان.
تبسمت زهرت قائله: مفاتيح رباح كلها فى إيدى متقلقيش أنا ربطاه من غير خلفه بعرف إزاى أشكله زى ما أنا عاوزه على كيفى.. والدليل قدامك أهو طقم دهب تمنهُ قد كده العروسه نفسها مجلهاش شبكه بالمبلغ ده... إطمنى يا ماما هطلع حقك من عين عيلة العراب.
تبسمت عطيات بخبث ومكر قائله: بس ياريت تبقى تتفتكرينى بحتة دهبه حتى فى عيد الأم، متنسيش إنى أنا اللى لفت نظرك تشغلى رباح وتفضك من السكه اللى كنتى هتمشى فيها .
تبسمت زهرت قائله:مالوش لازمه الكلام ده هو حماد أخويا مش بيشتغل تحت إيد رباح وبيديه مرتب مكنش يحلم بيه، دا غير الفلوس اللى بعطيها ليك مصاريف علاح بابا.
ردت عطيات بمسكنه وإستعطاف: أخوكِ عامل جمعيات بأكتر من نص مرتبه، عشان يجهز شقته ويجيب عفش عشان يتجوز، ده فى سن قماخ اللى بيتجوز للمره التالته، واللى بيفيض بيصرف نصه على سجايرهُ ومصاريف إيده، والمعاش اللى أبوكِ بياخده على القرشين اللى بتديهم ليا يادوب بيقضوه علاج وطلبات البيت.
ردت زهرت: تمام، هزودلك المبلغ المره الجايه وهقول ل رباح يزود مرتب حماد، بس خليه يخف شويه من شُرب السجاير ويفضهُ من شرب الحاجات التانيه عالأقل يوفر فلوسها تنفعه.
إنفرجت أسارير عطيات قائله: أخوكِ شاب ومن حقه يفرج عن نفسهُ شويه وبعدين ربنا يديم عليكى العز وينصرك على بنت نهله.
..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بشقة قماح القديمه
خرج من الحمام يلف خصرهُ بمنشفه، توجه ينظر الى تلك المرآه يرى ملامح وجهه بعد أن هذب ذقنه لفت نظره إنعكاس يدهُ بالمرآه حين رأى ذالك الخاتم الذى بيده، نظر له بسخريه كيف طاوع هدايه حين أختارته له حتى يرتديه ببنصرهُ كدليل على زواجه، الزيجتان السابقتان لم يرتدى أى خاتم ولم يهتم لهذا الآمر، هل هذا الخاتم هو دليل زواجهُ من سلسبيل.
سلسبيل... سلسبيل تنهد وهو يُعيد إسمها بعقله سلسبيل لا تختلف عن غيرها من البنات ربما تستهويها تلك الأشياء التافهه، كما أنها فى الفتره القصيره الماضيه كانت تتجنبهُ أكثر من سابق، حتى يوم أن ذهبوا لإنتقاء الشبكه الخاصه بها لم تختار شئ هدايه هى من إختارت بدلً عنها حتى خاتم الزواج حين طلبت منهُ هدايه أن يُضعه ببنصر سلسبيل شعر بنفورها حين لمس يدها مجرد أن مدت يدها وأدخل الخاتم حتى لم يدخل لنهايه إصبعها سحبت يدها سريعاً، كذالك فعلت معه حين وضعت الخاتم ببنصره بمجرد أن دخل الخاتم لبنصره تركت يدهُ، الليله سيغلق عليهما باب واحد بشقه أخرى غير تلك،لا يعلم لما طاوع حديث جدته ووافقها على الزواج بشقه أخرى،تذكر أن سلسبيل لم تشارك فى إختيار أى شئ،كانت بلا رأى...كأن هذا لا يُعنيها،بداخله يعلم أن سلسبيل لم تكُن تريد الزواح منه وإستسلمت لذالك قصراً،لكن لا يهمه ذالك فبنهاية هذه الليله سلسبيل ستكون ملك له كما يشاء.
.....
بالدور الأرضى
بأحدى الغرف
كان هنالك فتاتان تقومان بتزين سلسبيل،وضعوا لها بعض الرتوش القليله قبل أن تنهض من أمامهن ذاهبه الى حمام الغرفه ترتدى فستان الزفاف
وقفت بالحمام بيديها الفستان،تنظر حولها حائره،نظرت من شباك الحمام المُطل على حديقة المنزل،فكرت فى الهرب،لكن الحديقه مليئه سواء كان بعمال يقومون ببعض التجهيزات الخاصه بعد القران والزفاف،او حتى العاملات بالمنزل،لو فعلت ذالك الآن لن تستطيع حتى أن تصل الى باب المنزل،هم يضيقون عليها الخناق منذ يوم طلب قماح الزواج منها حتى أنهم لم يدعوها تخرج بمفردها،كان على الدوام معها،إما والداتها أو جدتها من أجل إنتقاء بعض الأشياء الخاصه بها،حتى أن بعض الملابس إشتراها قماح عبر النت.
فاقت سلسبيل على خبط على باب الحمام يصحبه قول إحداهن ان عليها الإنتهاء سريعاً من إرتداء الفستان من أجل الوقت،بالفعل شعرت وهى ترتدى فستان الزفاف،أنه مثل الكفن عليها،خرجت بعد قليل من الحمام ترتدى الفستان،بذالك الوقت كانت دخلت الى الغرفه هدايه التى نظرت لها مبتسمه قائله:مشاء الله ربنا يباركلك ويجعل منك الذريه الصالحه اللى تعمر البيت وتمد نسل العراب يارب.
بداخلها سَخِرت سلسبيل عن أى عمار تتحدث،فهذا قماح لا يأتى من خلفه عمار.
أخرجت هدايه مصحف صغير بحجم كف اليد ووضعته بصدر سلسبيل بين ملابسها قائله:ربنا يحفظك بالقرآن يارب.
رسمت سلسبيل بسمه طفيفه.
بعد قليل إنتهين الفتاتان من تزين سلسبيل،ببعض الرتوش القليله
أعطت هدايه لإحداهن مبلغ مالى كبير،فرحن به وقالت إحداهن:
ربنا يزيدك من كرم ربنا يا حجه هدايه ويجعلها جوازة العمر يارب.
تبسمت لهن وهن يغادرن
بقيت سلسبيل مع هدايه بالغرفه وحدهن للحظات قبل أن تدخل نهله وتنظر الى سلسبيل بفرحه رغم حزن قلبها التى تُخفيه بين ضلوعها وإقتربت من سلسبيل كى تُقبل رأسها، لكن سلسبيل تجنبت منها وعادت للخلف، شعرت نهله بغصه فى قلبها، كادت دمعه من عينيها تفر، لولا أن حبستها تحرق عينيها وقلبها، سلسبيل تعتقد أنها لم تحزن على وفاة همس ولا تهتم لشأن بناتها، لكن هى مُخطئه فى ذالك، فالشفاه ترسم بسمه بينما القلب ينزف الدم من الوجع.
دخلت أيضاً هدى بعينها تمتزج الاحاسيس،بين الحزن والفرح هى تعرف أن سلسبيل لم تكُن تريد تلك الزيجه، وكانت تتهرب من قماح كثيراً وتبتعد عن أى مكان هو موجود به لكن كآنه كان مغناطيساً وهى برادة حديد يلتقطها إليه
بداخلها كانت تتمنى أن ترى البسمه على وجه سلسبيل،لكن ربما مثلما قالت لها جدتها حين ساندت سلسبيل فى الإعتراض أن هذا قدر ولابد من حدوثه،وأن هنالك إشاعات تتداول فى البلده حول مقتل همس وأن زواج سلسبيل من قماح هو القادر على إبطال تلك الإشاعات،لو بيدها لما إهتمت بتلك الإشاعات لكن هى طاوعتهم فى ذالك إكراماً لذكرى همس حتى لا تصبح علكه فى فم الناس...
إقتربت من سلسبيل وإحتضنتها قائله:
مبروك يا سلسبيل أحلى حاجه إنك إتجوزتى هنا معانا فى البيت فى أى وقت هلاقيكى قدامى،يعنى مش هترتاحى من غتاتتى.
تبسمت سلسبيل.
بينما دخلت قدريه الى الغرفه وألقت نظرة تفحُص على سلسبيل وشعرت بنار الحقد قائله:النسوان جم فى المندره الكبيره،وكمان النبوي واجف بره.. جالى إن المأذون وصل فى المندره التانيه،حتى رباح طلع يستعجل قماح ينزل من شقته الجديمه معرفش بيعمل فيها أيه، مش خلاص غير العتبه.
تنهدت هدايه قائله: خلاص إفتحى الباب للنبوى يدخل ياخد سلسبيل عشان ما يدخلها المندره.
بالفعل فتحت قدريه الباب ودخل النبوى الى الغرفه تبسم حين رأى سلسبيل وقال: بسم الله مشاء الله ألف مبروك يا بنتى.
قال هذا وإحتضن سلسبيل ثم قبل جبهتها... وثنى يدهُ
وضعت سلسبيل يديها بين تلك الثنيه وسارت بجواره، الى أن فتحت الغرفه قدريه...
شعرت بحقد حين رأت قماح يقف بمكان قريب من الغرفه وتوقف ينظر الى سلسبيل، قالت بحده:
ايه ده وش العروسه مكشوف والعريس شافه ده فال نحس، قالت هذا وغطت وجه سلسبيل بالوشاح الأبيض، بداخلها تتمنى حدوث النحس.
بينما قماح نظر ل سلسبيل بغِيره حين رأى المكياچ على وجهها، كذالك بسبب وقوف حماد وأخيه لجواره ورؤيتهم لوجه سلسبيل أيضاً... لكن ضبط نفسه، وتوجه الى المندره الموجود بها المأذون، بينما سلسبيل وقف بها النبوى أمام باب المندره الأخرى وتركها تدخل مع هدايه، وذهب هو الى المندره الأخرى،
إستقبلت بعض النساء دخول سلسبيل بالزغاريط وبعض الأغانى الشعبيه
......
بالمندره الموجود بها المأذون
فتح المأذون دفتره وقال: من ولى العروس.
تحدث ناصر... النبوى أخويا.
تبسم النبوى
بينما قال المأذون: هات بطاقتك يا سيد نبوى وأنت كمان يا سيد قماح وياريت تحطوا إيديكم فى إيد بعض.
بالفعل أعطى له بطاقته... ومد يده ليد قماح الذى تبسم له، رد قماخ له البسمه، بداخل النبوى يتمنى أن يحصل قماح على السعاده مع سلسبيل، لا ينكر أن قماح هو أفضل أبناؤه بل وأحبهم الى قلبه فهو إبن المرأه الوحيده التى وقع فى غرامها من الوهله الأولى، لكن كان الفراق مقدر لهما، كما أن هنالك سبب آخر لمحبة النبوى لقماح، هو غياب قماح عنه لسنوات قضاها باليونان بعيدًا عن هنا فى رأيه أن تلك السنوات هى من شكلت شخصية قماح سواء كانت البارده أو القاسيه أحياناً كثيره،لديه يقين سلسبيل هى الوحيده القادره على تنزع من قلبه تلك البروده والقسوه اللتان تغلفان قلبهُ.
إنتهى المأذون فى تراتيل الزواج ودون بيانات أطراف الزواج وقال:
لازم إمضاء العريس
بالفعل قام قماح بالإمضاء
قال المأذون: والآن إمضاء العروس على القسيمه من ثم الشهود.
نهض ناصر وقال،إتفضل معايا للمندره التانيه علشان العروسه تمضى عالقسيمه
بالفعل نهض المأذون، وتوجه الإثنان الى المندره الأخرى.
أمر ناصر إحدى الخادمات أن تنادى على زوجته كى تستأذن النساء لدخوله هو والمأذون لتوقع سلسبيل على قسيمة الزواح .
بينما كانت سلسبيل تجلس بين النساء بتلك المندره الواسعه الموجوده بالمنزل، كان العدد قليل، فالزفاف مقتصر فقط على مظاهر عقد القران والموجودين هم فقط الأقربين من العائله
بينما هنالك عيون تنظر له بضغائن كانت هى كل ما تفكر فيه هو كيف ستتعامل مع قماح بشخصيته العنجهيه تلك، عقلها يُشير عليها لما لا تنهضى الآن وتفِرى هاربه من ذالك السجن الذى ستعيشين به مع قماح التى تخشين النظر إليه ودائماً ما كنتى تتجنبى الحديث معه، وذكرى جائت الى خيالها
حين رأت قماح بالصدفه يصفع زوجته السابقه وبعدها علمت أنه طلقها بنفس اليوم رغم رجائها له وقتها انها لن تفعل ذالك مره أخرى لن تخرج من المنزل دون إذنه سابقاً،بتفكيرها لا يوجد تفسير لطلاقهُ سوى أنه كان يتللك ويتصيد لها حِجه واهيه فربما سأم وأراد التغيير،فاقت تفكيرها على دخول والداها وخلفه المأذون
الذى تبسم ووضع أمامها الدفتر وأعطى لها قلمً.
رفعت سلسبيل وجهها تنظر الى ناصر،رأت إيمائته لها بالموافقه،كم ودت أن تكسر ذالك القلم وتقول لوالدها لا تفعل أنت الآخر هذا بى لا أريد ذالك الزواج المفروض،لكن إيماءة والداها خيبت آخر أمل لها،نظرت الى الدفتر ورأت توقيع قماح،وقعت بالمكان الذى أشار لها المأذون عليه.
أخذ المأذون الدفتر مهنئاً ثم خرج من المندره وترك النساء لتعود مظاهر الفرح القليله.
بعد قليل
وقفت هدايه وقامت بإنزال الوشاح الأبيض على وجه سلسبيل أمسكت بيدها لتنهض
سلسبيل التائهه هى الآخرى
بالفعل نهضت سلسبيل.
سارت هدايه وهى تُمسك يد سلسبيل التى تسير جوارها لا تشعر بساقيها كأنها هلام...الى أن خرجن من الغرفه وخلفهن قدريه وعطيات وهدايه وكذالك نهله
وزهرت التى تشتعل من الغيظ بسبب إظهار هدايه كل تلك المحبه ناخية سلسبيل بينما هى يومً ما رفضت زواجها من رباح، لولا تمسك رباح بالزواج منها وقتها وافقت فقط إرضاءً له.
وقفت هدايه بالردهه وتبسمت حين إقترب ناصر الذى إقترب منهن وأخذ يد سلسبيل وقبل رأسها متمنيا لها السعاده حين إقترب قماح من مكان وقوفهم،قام النبوى بتسلم يد سلسبيل لقماح
ليأخذها ويصعدا الى شقتهما وخلفهما جميع العائله.
فتحت نهله باب الشقه
لتدخل سلسبيل وخلفها قماح، ودخلت عطيات ونهله وكذالك قدريه التى قالت بتوريه:
ألف مبروك يجعلها جوازة العمر يارب وميغيركش عليكى يا سلسبيل با بنت نهله.
نظرت لها هدايه التى دخلت خلفهم بزغر .. فصمتت
بينما ظل الباقين بخارج الشقه
وقفت هدايه ترش عليهما الملح وتقرأ بعض الآيات القرآنيه تُحصنهما بها، ثم أخذت سلسبيل وحدها ودخلت بها الى غرفة النوم
للحظه إرتبكت سلسبيل وإرتجف قلبها حين رأت قبل لحظات دخول عطيات وقدريه مع والداتها وجدتها للشقه،وكذالك دخول هدايه معها لغرفة النوم سأل عقلها لما دخلوا ،أيكون ما تُفكر فيه صحيح،تلك إهانه كبيره لها لن تسمح بها،يكفى أنها تزوجت إجباراً ، لن ترضخ أكثر من هذا، ليحدث ما يحدث، حتى لو قتلوها، لتنتهى حياتها وتستريح...
لكن خاب ظنها حين رآت جدتها تغلق باب غرفة النوم خلفهن فقط وتجولت بالغرفه تقرأ بعض الآيات القرآنيه ، وتوجهت لها ووقفت أمامها تقرأ الرقيه الشرعيه، ثم حضنتها بقوه وقالت لها: مبروك يا بتى، ربنا يهدى سركم.
قالت هدايه هذا وخرجت من الغرفه وأغلقت خلفها الباب
تنهدت سلسبيل براحه قليلاً،لكن سرعان ما تذكرت أن قماح سيدخل عليها الغرفه الآن،لم تعد ساقيها تتحمل الوقوف أكثر ذهبت وجلست فوق الفراش تسيل دموعها المقهوره.
...ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بشقة رباح.
خلعت زهرت ردائها العلوى وظلت بملابسها الداخليه
أمام عيني رباح الذى ينظر لها بإثاره وإشتهاء
إقترب منها ووضع يديه حول خصرها وإنحنى يُقبلها
لكن
عادت زهرت للخلف وإبتعدت عنه تتهادى تسير بدلال تُزيد من إثارتهُ
الى أن وصلت الى الفراش وجلست عليه ترسم المكر عليه
ذهب خلفها بلهاث وجلس جوارها وحاول يضع يده عليها لكنها زادت فى دلالها الذى يُثير جنونه ... إقترب منها مره أخرى لكن هى تلعب على وتيرته بإجادة تتقنها ولها تأثير عليه طوعته عليها تكتسب من خلف ذالك ما تريده منه مقابل لحظات عشق ممزوجه بسُم تعطيه له على هييئة سيجارة مزاج، تأخذ هى النفس الأول وبعدها تحصل على ما تريده بسهوله كبيره.
وها هى بالفعل أشعلت تلك السيجاره ونفثت دخانها ثم وضعتها بفمه تثيره بجسدها الفتان، وتنهض تاركه له بحجة أنها ستذهب لغسل وجهها كى تفيق من أجل إسعاده،
دخلت الى الحمام وبالفعل غسلت وجهها من ثم فتحت أحد الأدراج بالحمام، وآتت بتلك العلبه الورقيه الملصوقه بلاصق بأعلى الدرج وفتحتها وتناولت إحدى الحبات وتجرعت المياه بعدها، من ثم نثرت بعض العطر ووضعت بعض مساحيق الجمال فوق شفتاه تجعلها فى كامل الإثاره، ثم خرجت من الحمام، وجدت رباح قد إنتهى من تدخين تلك السيجاره، لحسن حظها أن الغرفه بها شفاط للدخان والروائح فلم يبقى أثر لدخان تلك السيجاره، تبسمت وهى تنظر ناحية الفراش رباح بدأ تآثير تلك السيجاره عليه أصبح شبه متول،فى غير وعيه بالكامل،ذهبت الى الفراش لجواره،تقترب هى منه بدلال وإثاره يُرحب بها بحفاوه،يقتنص شفتاها المثيره بقبلات يقضى وقت عشق خادع معها
بعد قليل وضعت زهرت رأسها فوق صدر رباح تقول:على فكره أنا كنت زعلانه منك.
نظر لها رباح يقول:وليه الزعل بس أُأمرينى يا زهرتى.
ردت زهرت بدلال:فاكر أنا طلبت منك طقم دهب شوفته من كام يوم وانا ماشيه فى شارع الصاغه وإنت طنشت.
تعجب رباح يقول:مش جبتلك الطقم ده.
ردت بقمص ومثلت الزعل:لأ ده واحد تانى،التانى أنا جبته من عالنت ،إنت بقيت بتستخسر فيا،مش شايف قماح جايب لسلسبيل شبكه بقد أيه ولا علشان هى بنت عمك ناصر،أنا مش أقل منها... ولا هى أجمل منى، ولا أنا ليا وصمه زيها.
رد رباح: يا روحى بلاش تقارنى نفسك بسلسبيل إنتى أجمل وأغلى منها،بس بلاش كلمة وصمه دى لجدتى تسمع الكلمه دى،إنتى عارفه انها محرجه حد يجيب فى سيرة همس،وقطعت سيريتها من الدار كلها وقفلت على اللى حصل،بلاش تستفزيها،علشان خاطري.
نظرت له بمكر قائله:انا بتحمل جدتك وطبايعها الصعبه علشان خاطرك غالى عندى،لكن أنا باين كده ماليش خاطر عندك.
تنهد رباح قائلاً:تمام هجيبلك الطقم ده إبعتيلى صورته عالموبايل.
ردت بدلال مصطنع:لأ خلاص مش عاوزاه..إحنا لازم نعمل حساب للزمن شويه ونوفر فلوسنا .
رد رباح:وهو الدهب مش فلوس ومتشاله،دا حتى الدهب بيزيد قيمته مع الوقت.
تبسمت زهرت قائله:الدهب زينه وخزينه فعلاً،بس خلاص...ولا أقولك أنا شوفت تمن الطقم عالنت،أقولك إكتبلى شيك بتمنه وأنا أروح أشتريه بنفسى.
نهض رباح وأتى بدفتر شيكات قائلاً:قوليلى المبلغ اللى عاوزاه كم.
قالت له زهرت:خمسين ألف جنيه بس.
قال لها رباح:وزعلك ده كله علشان خمسين ألف جنيه الشيك أهو يا ستى ولا تزعلى
بالفعل كتب رباح محتويات الشيك،لكن قبل أن يقوم بتفقيط المبلغ بالشيك،سحبت زهرت القلم قائله بدلال:بلاش تفقط الشيك إفرض الطقم طلع أغلى إنت عارف إن الدهب كل يوم فى سعر جديد،أنا هروح أشترى الطقم وادى للصايغ الشيك بتمنه.
تبسم رباح،فعادت لألعيبها الدنيئه معه تُثيره بقبلاتها المسمومه،لكن فجأه سمعوا صوت إطلاق رصاص،للحظه إنخضت زهرت لكن تبسم رباح قائلاً:مالك يا زهرتى أيه اللى خضك،صوت الرصاص،لأ إطمنى واضح إن قماح دبح القطه سلسبيل والرصاص ده والزغاريط دليل كلامي،خليكى معايا يا قطتى.
نظرت له زهرت وتبسمت بدلال تعود تستنزفه لتُغرقهُ فى بحر عشقها الطامع ولا يشبع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما بالشقه المقابله لهم
بشقة قماح الجديده التى جهزها بفتره زمنيه وجيزه من أجل زواجه ب سلسبيل
بغرفة النوم
تنحنح وهو يدخل الى الغرفه
كانت سلسبيل تجلس على الفراش بفستان زفافها الكبير كانت تغطى وجهها بالحجاب الأبيض.
بمجرد أن سمعت نحنحة قماح
نهضت واقفه كأن جسدها تخشب أو إلتصقت قدميها بمكانها ولم تستطيع السير.
إقترب هو منها ووقف أمامها مد يديه يرفع ذالك الحجاب عن وجهها.
خرجت من بين شفتاه ضحكة سخريه قائلاً:
كنت عتبكى ليه يا بت عمى، وفرى دموعك لليالى الچايه الليله دخلتنا وأكيد أمك خبرتك أيه اللى بيحصل فى الليلة ديت
صمت قليلاً ثم قال بتهكم: ويمكن خيتك خبرتك أيه اللى بيحصُل فى الليله ديت بين الراچل ومرتهُ، جبل ما تموت نفسها.
لا تعرف بماذا ترد عليه.... ماذا تقول تدافع عن أختها... هى لا تعرف شئ سوا أنها تؤخذ بخطيه لديها يقين أن أختها لم ترتكبها عنوه.
تبسم بظفر وهو ينظر لصمتها وقال:
أنا خارچ هروح أتوضى بالحمام التانى هسيب لك الأوضه تغيرى الفستان وتلبسى خلجات تانيه، وتتوضى عشان نصلى جبل وبعدها أتوكد إنك عفيفه ولا......
فرت دمعه من عينيها لم يتأثر بها قماح وخرج من الغرفه... بكت سلسبيل
ظلت لوقت واقفه لكن إنتبهت حين سمعت قماح يقول بسخريه... نسيت بيجامتى، لساتك واجفه عتبكى، إنچزى فى ليلتك دى عاد.
خرج قماح وأغلق خلفه الباب...
فتحت سلسبيل سحاب فستانها الابيض التى تشعر أنه ككفنها
إرتدت تلك المنامه النسائيه الشبه عاريه شعرت ببروده تغزو جسدها رغم أنهم بليالى الصيف الحاره، وجدت إسدال موضوع أيضاً على الفراش إرتداته فوق تلك المنامه
بعد قليل
وقف قماح يأمها للصلاة ركعتين، من ثم بعدها وضع يدهُ على رأسها وقال دعاء الزواج
ثم رفع وجهها ينظر لعيناها الدمويه بسبب كثرة البكاء، كأنه كالذئب يستهويه اللون الأحمر الدموى، إنقض على شفتاها بالقبلات
ليست شفتاها فقط
نهش جسدها بإشتهاء وعنفوان
يدهُ سارت ترسم جسدها ببصماته... تلذذ بآنينها أسفلهُ
نهض عنها بعد قليل نائماً بظهره على الفراش، يشعر بنشوه.
بينما هى تشعر بضياع
بعد دقائق نهض من على الفراش يشد تلك الملآه من أسفلها ينظر ببسمة تشفى لأثاره الواضحه فوق عنقها ويديها وما خفى أسفل غطاء الفراش كان أعظم.
جذب الملآه بعفنوان وخرج من شُرفة الغرفه، وألقى تلك الملآه ، لتنطلق بعدها الزغاريط والأعيره الناريه، ينظر لهم بزهو
بينما تلك الضائعه وضعت يديها على أذنيها تصمهم حتى لا تسمع لتلك الرصاصات
تتمنى أن تُخطئ رصاصه منهم وتدخل الى قلبها تُنهى حياتها كما إنتهت حياة أختها بإحدى الرصاصات.
لكن حتى تلك الرحمه فى نظرها لن تنالها مع ذالك القاسى الذى عاد للغرفه مره أخرى وأغلق باب الشرفه ونظر لها وهى تزم مفرش الفراش فوق جسدها تُخفيهُ، تبسم بإستهزاء وذهب الى ذر الكهرباء الخاص بالغرفه وقام بإطفاؤه فتعتمت الغرفه،تحدثت سلسبيل بخضه:
إنت طفيت نور الأوضه كله ليه سيب لمبه صغيره منوره أنا بخاف من الضلمه.
ضحك قماح بهستريا وقال:وأنا مبعرفش أنام غير والأوضه كُحل.
تحدثت سلسبيل برجاء:طب سيب بس لمبه صغيره منوره حتى سيبها بس على ما أنام.
رد قماح الذى شعرت به صعد لجوارها على الفراش:
وأنا مش بعرف أنام غير فى الضلمه مع الوقت هتتعودى متخافيش
صمتت سلسبيل وهى خائفه من الظلام،بينما تستطح قماح جوارها على الفراش،لكن لم يستطيع الإثنان النوم،سلسبيل بسبب خوفها من الظلام الدامس بالغرفه،وقماح بسبب حركتها الزائده الذى يشعر بها.
نهض قماح وأشعل ضوء خافت بالغرفه ونظر لوجهها قائلاً بسآم:.أيه مش مبطله فرك فى السرير ليه،كل ده علشان خايفه من الضلمه،ما أنا جنبك أهو وقولت متخافيش.
كادت سلسبيل أن تبكى،لكن قالت له:
مش بس علشان خايفه من الضلمه لأ كمان المكان جديد عليا،بس خلاص هنام ومش هفرك تانى خلاص.
نظر قماح لسلسبيل رأها تُمسك غطاء الفراش تُغطى به جسدها،فأقترب منها،وبدون مقدمات جذبها بقوه وقبلها بقوه يكاد يسحق شفتاها بين شفتيه إستمتع بقبلاته القويه لها،وعاود يرسم جسدها ببصماته القويه لم يُراعى إنها مُنهكه من لقائهما الأول،عاود يتلذذ بآنينها المتآلم من تحكمهُ و رد فعلهُ القوى معها.
رواية عش العراب الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد مرور عشر أيام.
صباحًا.
بشقة سلسبيل.
استيقظ قماح وأشعل ضوء أباچورته بجوار الفراش. نظر إلى جواره، ينظر ناحية سلسبيل التي تنام على جانبها الآخر وظهرها له. تنفس بقوة وهو يلاحظ آثار يدهُ وقبلاته واضحة على جلد ظهرها شبه العاري. لولا تلك الأحبال الرفيعة لرداء نومها شبه العاري أيضًا، كانت علامات شبه دامية. شعر بنفور من تلك العلامات بداخله، لا يعلم سبب لذلك العنف الذي يمارسه معها، فقط هو لم يكن كذلك مع زوجتيه السابقتين. حتى أحيانًا كان ينفر من علاقته بهن. حتى سلسبيل يعلم جيدًا أنها معه مجرد جسد خاوٍ المشاعر.
تحدث عقله:
وهل هذا يفرق معك؟
أجابه عقله أيضًا:
لا.. لا يفرق، المهم أنها تحت سيطرتي.
إذن لا يفرق... كان هذا هو الجواب الذي أرضى غروره.
أزاح الغطاء الخفيف عنه ونهض من جوارها متوجهًا إلى ستائر الغرفة وفتحها ليدخل الضوء إلى الغرفة. من ثم دخل الحمام وخرج بعد قليل يلف خصره منشفة. نظر بإتجاه الفراش. رغم ضوء الغرفة لكن سلسبيل مازالت نائمة. نزع المنشفة من حول خصره وبدأ يرتدي ثيابًا أخرى للخروج. لكن أثناء ارتدائه لقميصه سمع سلسبيل تهمس بشيء. لم يستطع تفسير ما قالت. فأقترب من الفراش كي يستطيع تفسير همسها. وبالفعل فسر كلمة واحدة، وخلفها ارتسم على وجه سلسبيل بسمة. الكلمة هي... كارم.
انزعج من ذلك وشعر بغضب جعله يضع يده على كتفها يوقظها قائلًا:
سلسبيل إصحى.
بالفعل بدأت سلسبيل في الاستيقاظ، وتمطت بيديها قائلة:
صباح الخير.
لم يرد عليها وتوجه يكمل ارتداء باقي ملابسه.
نظرت له سلسبيل قائلة:
إنت خارج؟ تحب أحضرلك الفطور.
رد بإختصار:
أيوا خارج. كفاية كده بقالي عشر أيام بعيد عن الشغل، كمان مليت من قاعدة البيت. ولأ خليكي، هنزل أفطر تحت.
لا تعرف لما شعرت سلسبيل بغصة في قلبها من قوله أنه مل البقاء بالمنزل. لكن قالت له:
هقوم أغسل وشي وأغير هدومي وننزل نفطر تحت.
رد قماح بأمر:
لأ خليكي هنا. ممنوع تنزلي لتحت قبل ما أنا أقولك.
تعجبت سلسبيل وقالت:
مش فاهمه، ليه ممانع إني أنزل لتحت، طالما إنت خارج.
رد بعنجهيته المعتادة:
أنا قولت كده، متنزليش لتحت وخلاص.
استسلمت سلسبيل لقوله دون جدال. بينما هو شعر بزهو أنها استسلمت لقوله. لكن واهم بذلك، فبداخلها ربما تريد هذا.
إقترب قماح من الفراش، يأخذ هاتفه الموضوع على إحدى الطاولات وتحدث وهو ينظر إلى سلسبيل:
إحتمال أتأخر في الشغل بسبب الأيام اللي فاتت.
ردت بلا مبالاة:
براحتك.
نظر إليها ربما كان يريد جوابًا آخر. وضع هاتفه في جيبه وخرج دون قول شيء آخر.
بينما سلسبيل تنهدت بقوة حين سمعت صوت إغلاق باب الشقة وارتمت بجسدها على الفراش تشعر براحة كانت تفتقدها الأيام الماضية. وقالت:
كويس أنه قال منزلش لتحت، أهو أنام براحتي كويس ومحدش هيعكنن عليا.
لكن تذكرت سلسبيل الحلم التي كانت تحلم به قبل أن يوقظها قماح. كانت ترى همس كانت بهيئة فراشة تطير بحديقة المنزل بين الزهور المزهرة. كانت سعيدة. لكن فجأة أتت عاصفة قوية وكادت تسحبها معها. لكن كان كارم من تمسك بجناحيها. احتارت سلسبيل في تفسير ذلك وشغل ذلك الحلم بالها لوقت قبل أن تستسلم للنوم مرة أخرى.
***
بعد الظهر.
بشقة زهرت.
دخلت وخلفها عطيات وذهبن إلى غرفة الضيوف. جلست عطيات تنتظر عودة زهرت من المطبخ تحمل بيدها طبق فاكهة. تبسمت لها. وضعت زُهرت طبق الفاكهة أمام والدتها وجلست لجوارها.
مدت عطيات يدها وأخذت إحدى ثمار الفاكهة وقامت بقضمها قائلة:
قولي لي أخبار العروسة الجديدة إيه؟
ردت زُهرت:
وهي سلسبيل جديدة في دار هنا، ماهي متربية في نفس البيت ده. كل اللي حصل، اتنقلت من شقة خالي ناصر لشقة ثانية في نفس الدار. معرفش سبب إيه اللي خلى جدتي هداية تصر على قماح يغير شقته اللي اتجوز فيها مرتين قبل كده ويتجوز سلسبيل في شقة ثانية. والأغرب هو إزاي وافقها، كلنا عارفين إن قماح مش بيسمع لصوت حد غير نفسه.
ردت عطيات:
يمكن أما قماح يغير العتبة، ربنا يهديه المرة دي ويثبت بقى على واحدة مش كل شوية يطلق ويتجوز على كيفه.
ضحكت زُهرت قائلة:
وهو العيب كان من العتبة إياك. الله أعلم العيب من مين. أول واحدة اتجوزها كانت زميلته وقال عاشجها، مكملتش معاه ست شهور. والتانية كانت بنت تاجر كبير وكمان معمرتش معاه سنة كاملة.
ردت عطيات بعد أن أخذت قضمة من ثمرة فاكهة أخرى قائلة:
بس سلسبيل مش زيهم. دي بنت عمه. وكمان متنسيش الحاجة هداية بتعزها. دي يوم ما اتولدت كانت بتزغرط كأن نهلة جابت الفارس. لدرجة إني شكيت وجتها إنها صبي مش بنت.
ردت زُهرت:
والسبب إيه. اللي أعرفه جدتي هداية بتفضل خلف الصبيان عن البنات، وده يمكن اللي مصبرها على مرات خالي قدرية.
ردت عطيات:
خالك ناصر غاب على ما مراته حملت. دول مخلّوش ولا دكتور ولا حكيمة اللي راحوا على بابها لحد ما حملت نهلة. إني فاكرة يوم ولادة سلسبيل، الحاجة هداية هي اللي ولدتها. وأول ما نزلت البنت على يدها قالت: نبع المية. خدها خالك منها وقال: تبقى سلسبيل. حاوطتها هداية كأنها كانت كنز. عكس يوم ما ولدتني فيكي، قالت بنية وقامت مدياني ليكي وقامت من جنبي. حتى لو كانت ولدت أي واحدة حبلى وجابت بنية، كانت تبقى متكدّرة، مش مبسوطة كيف ما ولدت صبي. اتنين بس اللي شوفتها فرحت بولادتهم، كان قماح، لما ولدت أمه (الأغريقية) الله يرحمها، ونهلة لما ولدتها سلسبيل. على سيرة الحمل والولادة، ها مفيش حاجة جاية في السكة.
ردت زُهرت:
لأ مفيش. أنا مش مستعجلة. أنا دوبي متزوجة من سنة.
نظرت عطيات لزهرت قائلة:
وسنة شوية عاد. استعجلي وإحملي قبل سلسبيل. سلسبيل لو حملت هتاخد مكانة كبيرة هنا. ووقتها قدرية نفسها هتركع ليها.
ردت زهرت بأستهزاء:
مرات خالي قدرية مبتكرهش في حياتها قد قماح. ما كلنا عارفين السبب. أمه الأغريقية اللي عشقها خالي زمان واتجوزها وجابها ضرة ليها. دي مرتحلّهاش قلب غير لما ماتت بعد ما سقطت بحمى النفاس، وسابت قماح ابن عشر سنين. ميغركيش كلمة ولدي اللي بتجولها قدرية له دي. أنا عندي تأكيد إنها سبب من أسباب إن مفيش واحدة من الاتنين اللي اتجوزهم سابق عمرت معاه، ومتأكدة مش هتريح مع سلسبيل. وبعدين الاتنين مفيش واحدة فيهم حملت حتى مرة وسقطت. مش يمكن فيه عيب منه.
مدت عطيات يدها وأخذت نوع فاكهة آخر قائلة:
وهي السنيورة سلسبيل ليه لغاية دلوقتي منزلتش من شقتها دي بقالها عشر أيام متجوزة. إيه هتنزل إمتى؟ مش خلاص قماح نزل النهارده وراح لشغله. مش عارفة ليه قلبي مش مرتاح لجواز قماح من سلسبيل. والبداية أهي. بقاله عشر أيام منزلش الشغل وكان لازق لها في شقتهم، وأهو كمان لما نزل للشغل هي برضوا منزلتش.
أخذت زهرت هي الأخرى ثمرة فاكهة وقضمتها بغل قائلة:
ده أنا بستغربله قماح. الجوازتين اللي فاتوا مكنتش صحيح لسه اتجوزت من رباح، بس رباح نفسه مستغرب وبيقولي مكنش بيقعد الفترة دي في البيت. يمكن يومين تلاتة بالكتير. لكن مع سلسبيل قعد عشر أيام ومكنش بينزل لا هو ولا هي من شقتهم. حتى هداية بنفسها أوقات كنت بشوفها طالعة لهم رغم إنها بتنهج من طلوع سلمتين. وده غير خالي النبوي وناصر معاه. مش عارفة السبب، بس حتى دول مكنوش بيغيبوا عندهم. وسمعت عمتي قدرية بتتكلم مع هداية إن ليه سلسبيل مش بتنزل. ردت عليها وقالت لها: عريس وعروسة جداد، سيبهم يتهنوا ببعض.
سخرت عطيات من قول زهرت وأكملت بتشكيك:
وهي دي أول جوازة لقماح إياك. قلبي حاسس هداية بتخطط تركب سلسبيل عالبيت مكانها. وفي حاجة لو حصلت يبقى كلامي ده صح. وجتها سلسبيل تبقى ملكت زمام مش بس الدار، لأ زمام قماح نفسه.
ردت زهرت بأستفسار:
وأيه الحاجة دي؟
ردت عطيات:
إن سلسبيل تحبل من قماح. وجتها هتبقى هي أم الحفيد الأول. لو تسمعي كلامي ليكي وإحملي انتي قبلها. وجتها سلسبيل مش هتتميز عنك بحاجة قدام العيلة.
نظرت لها زهرت تفكر ثم ابتسمت بمكر. فالحقد لا يغلب في التفكير في قلب الباطل حق.
***
عصرًا.
بشقة سلسبيل.
استيقظت على صوت هاتفها. جذبته من فوق طاولة فوق الفراش ونظرت إلى شاشة الهاتف. ببسمة وردت. لتسمع من تقول لها:
أيه يا كسولة؟ منزلتيش ليه مع قماح الصبح؟ ناموسيتك كحلى ولا إيه؟
ردت سلسبيل ببسمة:
فعلاً يا هدى، أنا كنت نايمة وأنتي اللي صحيتيني. تعالي لي الشقة نتسلى مع بعض.
تبسمت هدى قائلة:
تمام. مسافة السلم وأكون عندك. نتغدى سوا ونتسلى شوية. بقالي عشر أيام عيني وجعتني من اللابتوب، مفيش أي حاجة ثانية أتسلى بها.
تبسمت سلسبيل قائلة:
تمام. هقوم أستحمى وأفوق كده على ما تطلعي الكام سلمة دول.
تبسمت هدى وقالت:
تمام. إفتحي لي باب الشقة قبل ما تدخلي تستحمي. مش عاوزة أقف قدام باب الشقة. عمتك عطيات عند زهرت من بعد الضهر. عارفة إنها مش بترتاح لي. وممكن تكون الصدفة النحس وأتقابل معاها قدام شقتك.
تبسمت سلسبيل قائلة:
تمام. هفتحلك باب الشقة قبل ما أدخل الحمام. كفاية رغي بقى، ابقى كملي رغي وإحنا مع بعض.
أغلقت سلسبيل الهاتف ونهضت من فوق الفراش وارتدت مئزر فوق قميص نومها وتوجهت تفتح باب الشقة. ربما من سوء حظها حين فتحت باب الشقة بنفس اللحظة فُتح باب الشقة المقابلة. ووجدت عطيات تخرج من باب الشقة.
تبسمت عطيات وقالت بحديث فاتر:
سلسبيل، كنت لسه هرن عليكي الجرس أطمن عليكي إنتي وقماح. بس أختك زهرت جالت لي إني قماح نزل الشغل. بصراحة مصدقتش، ده لسه عريس جديد ولازم يتهنى مع عروسته الجديدة.
إغتاظت سلسبيل من فحوى حديث عطيات لكن مثلت اللامبالاة وقالت:
ربنا يكون في عونه، الشغل الأيام اللي فاتت كان كتير، وأكيد رباح وأخواته مش عارفين يسدوا مكانه وهو قال لي مش هيغيب مسافة كم ساعة يعني.
إغتاظت زهرت وحاولت تلقيح على سلسبيل:
طب والله رباح بيقولي الشغل الأيام اللي فاتت كان تقيل عليه وهو كان شايل الشغل بدل قماح بيرد له الواجب. لما كنا في بداية جوازنا كان قماح هو اللي شايل مكانه وسابه أكتر من شهر. هو قماح كده. حتى في جوازاته السابقة مكنش بياخد وقت كتير ويرجع لشغله من تاني. قماح عنده الشغل أهم من أي شيء تاني. حتى كان مستغرب إزاي بقاله عشر أيام بعيد عن الشغل. بس اتفاجئنا الصبح لما نزل يفطر معانا تحت وقال إنه زهق من قعدة البيت ورايح الشغل. حتى رباح قاله أنا هسد مكانك. قاله لأ برضو. وكلنا عارفين طبع قماح، هو كده، طبعه بيمل بسرعة.
فهمت سلسبيل مغزى حديث زهرت أن قماح سيمل منها بسرعة. لا تنكر شعرت بغصة في قلبها ليس بسبب ذلك بل لأنها تشعر بالرخص أمام قماح. هي بالفعل تتوقع أن يمل منها وبداخلها تتمنى أن يكون ذلك سريعًا. لكن لن تدع تلك الحمقاء التافهة زهرت لا هي ولا عطيات بنيل التشفي فيها. وقالت بحِدة:
معلش يا عمتي، أنا لازم أدخل. زي إنتم ما شايفني، بالروب كنت هفتح لهدى علشان تدخل، وأدخل أنا أستحمى. أصل من وقت قماح ما مشي الصبح وأنا نايمة. هو قال لي خليكي مرتاحة النهارده وبلاش تنزلي لتحت وأنا مش هغيب عليكي. عن إذنك يا...
قبل أن تكمل سلسبيل قولها كانت قد صعدت هدى ورأت وقوف سلسبيل مع هاتان الغبيتان زهرت وعمتها. استغفرت بداخلها وقالت:
اللي تخاف منه تلاقيه. الحلفتين دول أكيد سمموا بدن سلسبيل. بس من شكل وشهم اللي هيولع إن سلسبيل قامت معاهم بالواجب.
تحدثت سلسبيل:
أها هدى وصلت أهي.
تحدثت هدى:
السلام عليكم. واقفين عالسلم كده ليه خير يا عمتي. منورة دار العراب.
علمت عطيات أن هدى تستهزأ بها. وحاولت الهدوء وقالت:
بيت العراب منور بأهله. كنتِ فين؟ كنت لسه هنزل أسأل عليكي قبل ما أمشي.
ردت هدى:
أنا بنت حلال يا عمتي ووفرت عليكي تنزلي تسألي عليا. أنا بخير جداً. إزيك انتي وعمو جوز حضرتك صحته عامل إيه؟ وكمان حماد أزيه؟ بقالي كام يوم مشفتوش.
ردت عطيات:
جوز عمتك أهو نحمده ربنا يشفيه. وحماد مشغول في الشغل في الشؤونات مع رباح. بيسد مكان قماح.
ردت هدى بنزق:
ربنا يشفى عمو. وأهو حماد يشتغل يحلل لقمته. قصدي طبعاً يساعد رباح.
قالت هدى هذا ونظرت إلى سلسبيل وقالت لها:
أيه ده أنتي لسه بالروب؟ مش قولت على مطلعلك تكوني استحمتي. وبعدين واقفة كده عالسلم. افرضي قماح رجع وشافك كده، يغير عليكي. تصوري يا عمتوا إمبارح كنت طالعة لها وليه أنها فتحت لي بالبيجامة زعق ليها. أصله بيغير عليها قوي. يلا ندخل بسرعة يا سلسبيل لقماح يكون رجع ويشوفك واقفة كده، يزعقلك.
قالت هدى هذا ودفعت سلسبيل بخفة لتدخل إلى الشقة ودخلت هي خلفها ومسكت باب الشقة قائلة:
عن إذنك يا عمتوا، هقفل الباب لا يكون قماح طالع. ميرضكيش يعمل مع سلسبيل مشكلة بسبب وقوفها بالروب عالسلم.
أغلقت هدى الباب بوجههن دون انتظار ردهن.
نظرت عطيات لزهرت وقالت لها بعبوس وضيق:
بنات ناصر عندهم قلة الأدب والحياء واصلة لحدها. لو بنات غيرهم كان اللي حصل لأختهم كسر عينيهم. لكن دول عندهم جباحة لا متناهية. خليكي كده لحد ما سلسبيل تتحكم في اللي في الدار كلهم، وأولهم قماح نفسه. اسمعي كلامي وإشبكي رباح بعيل، ويا ريت قبل ما سلسبيل تحبل من قماح.
ردت زهرت بثقة:
خلاص يا ماما متقلقيش. أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس. وقبل سلسبيل ما تحبل من قماح هكون أنا رتبت أموري كويس.
تهكمت عطيات قائلة:
براحتك. أنا نصحتك. سلسبيل مش سهلة. دي وارثة خباسة هداية. وبكرة تجولي أمي جالت.
***
بينما بعد أن دخلن هدى وسلسبيل وأغلقن الباب بوجه عطيات. وضعن أيديهن على فمهن يكتمن ضحكتهن حتى لا تسمعه عطيات وابنتها. ثم دخلن إلى غرفة الضيوف بالشقة.
ضحكت هدى قائلة:
زمان عمتو عطيات بطلع نار من ودانها. شايفه شكل عينيها دي كانت خلاص هتاكلني. أنا خوفت تتحول زي المستذئبين ليلة سطوع القمر وتفترسنا بعد ما فرسناها هي والمخفية زهرت. والله لما بشوفهم كأني شايفة حية وبنتها. زهرت مسيطرة على عقل رباح. أنا فاكرة كويس لما قال إنه عاوز يتجوزها. مش بس جدتك اللي كانت رافضه إنه يتجوزها. حتى قدرية. رغم إن زهرت بنت أخوها. بس رباح وقتها هدد يطفش من هنا. وكمان سمعت قماح بيقول لهم دي حياته وهو حر فيها. وبعدها وافقوا عالجوازة. حتى مرات عمي قدرية مبتعرفش تتنى عليها كلمة. زهرت مسيطرة على عقل الغبي رباح. بس بتخاف من جدتي زي العما. إن كان هي ولا عمتك. نظرة عين جدتك بترعبهم.
ضحكت سلسبيل قائلة:
بقولك فكك منهم. أنا مش حطاهم في دماغي أصلاً. أنا مفطرتش وعلى لحم بطني من الصبح. وكلامي مع الحماريتين دول جوعني أكتر. قومي ادخلي المطبخ جهزي لينا غدا على ما أستحمى عالسريع.
نهضت هدى قائلة:
ماشي. بس قبل ما أحضر لينا الغدا. أيه مفكرتيش إن كان ممكن قماح جه وانتِ واقفة مع عمتك وبنتها عالسلم بالروب الأحمر ده؟ والله أعلم تحته إيه.
تبسمت سلسبيل قائلة:
لأ أطمني. قماح قبل ما ينزل قال لي. إن عنده شغل متعطل كتير وهيتأخر. بلاش رغي أنا جعانة. روحي حضري لينا الغدا. بس بلاش تحرقي الأكل زي عادتك.
تبسمت هدى قائلة:
طب والله أحلى حاجة في أكلي الحرق بيديه طعم زي اللحمة المشوية على الفحم.
ضحكت سلسبيل وتوجهت إلى الغرفة.
بعد قليل بالمطبخ جلسن يتناولن غداءهن بمرح قليل. إلى أن انتهوا عادوا إلى غرفة الضيوف وسحبهن الوقت وهن جالسات معاً يتسامرن حتى أتى عليهن الليل.
تبسمت هدى وهي تشير ل سلسبيل على صورة باللابتوب قائلة:
شوفي كده الصورة دي لنحات بينحت في الصخر وعمل صورة طبق الأصل لتمثال قديم. تعرفي تعملي زيه.
ردت سلسبيل:
لأه مش متمكنة للدرجة دي في النحت. وكمان مش بحب النحت في الصخر قوي. أنا بجيب طمي وبعمل منه وشوش سواء كانت حيوانات أو حتى وشوش بشرية. على رأي جدتي هداية... مساخيط.
تبسمت هدى تقول:
هواية غريبة. فاكرة لما بابا كان بيجيب لك الصلصال والطمي وإحنا صغار وتقعدي تشكليه على أشكال مختلفة. بس كان الرزل كارم هو حماد بيبوظوه.
تبسمت سلسبيل بغصة. كذلك هدى التي قالت:
الوحيدة اللي كانت بتقدر توقف لهم هي... همس.
تدمعت أعينهن، لكن أخفين ذلك.
رفعت هدى عينيها ليقع بصرها على عنق سلسبيل. رأت تلك العلامات الداكنة بعنقها فقالت:
سلسبيل، إيه العلامات اللي في رقبتك دي؟ لتكون علامات قماح. هي دي بقى العلامات اللي بيقولوا عليها Love bites.
ضربت سلسبيل على يد هدى قائلة:
خلي عندك حياء. اتحشمي.
ضحكت هدى قائلة:
كلمة جدتي هداية. دايماً تقولهالي.
ضحكت سلسبيل. لكن في ذلك الوقت دخل قماح للشقة ورأهن جالستان تتحدثان. ألقى عليهن السلام.
رددن عليه السلام.
كان على وجه سلسبيل بسمة. كذلك هدى التي وقفت قائلة:
هاخد اللابتوب بتاعي وأنزل بقى.
أومأ قماح لها برأسه دون حديث.
ذهبت سلسبيل مع هدى إلى باب الشقة ثم عادت إلى الداخل. لم تجد قماح. دخلت بتلقائية إلى غرفة النوم وجدته يقوم بخلع ثيابه.
تحدث وهو ظهرها لها قائلاً:
حضري لي الحمام.
تفاجئت سلسبيل قائلة:
ها.
نظر قماح لها قائلاً:
ها إيه؟ بقولك حضري لي الحمام. فيها إيه دي؟ غريب ولا مبتعرفيش تحضري الحمام؟ أقولك تفتحي الحنفية في البانيو لحد ما يتملي ميه وفيه كم نوع صابون سائل في الحمام تحطي منهم في الميه وياريت الميه تكون فاترة. ولا متعرفيش كمان يعني إيه فاترة؟ هقولك شبه دافية. يعني لا ساقعة ولا سخنة. فهمتي.
ردت سلسبيل:
آه فهمت. هروح أحضر لك الحمام.
بالفعل دخلت سلسبيل إلى الحمام. فتحت الصنبور وقامت بملء حوض الاستحمام ووضعت بعض أنواع الصابون السائل في المياه.
قبل أن تخرج من الحمام تفاجئت بقماح خلفها شبه عارٍ بمنشفة صغيرة حول خصره فقط.
إستحت منه وكانت ستخرج لكن قال قماح:
على فين؟ مش هتغسلي لي ضهري.
قالت سلسبيل بتفاجؤ:
ها.
رد قماح بتذمر:
إيه كل ما أقوله حاجة تقولي لي ها. إيه الغريب في اللي بقوله؟ تعالي أقف ورايا واغسلي لي ضهري.
قال قماح هذا وأزال تلك المنشفة من حول خصره ونزل إلى حوض الاستحمام.
ذهبت سلسبيل بحياء ووقفت خلفه تستجمع نفسها خجلًا. ماذا تفعل.
تبسم قماح وهو ينظر لوجهها الذي اصطبغ باللون الأحمر وقال:
واقفة كده ليه؟ ما تغسلي لي ضهري.
إستجمعت سلسبيل نفسها لكن قبل أن تمد يدها على جسد قماح. قال:
استني. إنتي هتغسلي لي ضهري وإنتي بالبيجامة كده. اقلعيها.
تصنمت سلسبيل مكانها.
رد قماح:
مالك اتصنمتي كده ليه؟ بقولك اقلعي البيجامة دي، ولا عاوزاني أنا أقوم أقلعهالك.
انصهر وجه سلسبيل، وقالت:
لأ هقلعها لحالي، بس هروح وراء الستارة دي اقلعها.
تبسم قماح. غابت سلسبيل خلف الستارة قليلاً. تذمر قماح قائلاً:
ساعة على ما تقلعى حتة بيجامة. خلصيني. مكنتش حتة بيجامة.
أزاحت سلسبيل الستارة. نظر قماح لها تبسم بسخرية:
يعني قلعتي البيجامة ولبستي البشكير. على العموم مش مهم. خلصيني قربي. اغسلي لي ضهري.
إقتربت سلسبيل من حوض الاستحمام بخطوات متهادية قليلاً. إلى أن وقفت بجانب حوض الاستحمام. لكن قبل أن تمد يديها على جسد قماح. تفاجئت به يجذبها بقوة لتقع بالحوض جواره.
للحظة انخضت سلسبيل ورفعت رأسها من المياه وازالت بقايا الصابون عن عينيها. تفاجئت بجذب قماح لها ليبقي أكثر من نصف جسدها فوق جسده. التهم شفتيها بقبلات قوية.
ترك شفتيها حين شعر بعدم قدرتها على التنفس. مد يده يمسك خصلات شعرها ونظر لها وهي تلهث قائلاً بتملك:
شعرك ده ممنوع بعد تسيبيه نازل وراء ضهرك. يا تضفريه يا تعقديه. محدش يشوفه سايب وراء ضهرك غيري. مفهوم.
أعاد قماح كلمته:
مفهوم. ردي.
خرج صوت سلسبيل محشرج:
مفهوم.
تبسم بزهو وهو يعود يقبلها مرة أخرى يتملكها على هواه.
***
صباح اليوم التالي.
استيقظ قماح من النوم، يشعر ببوادر ذلك الألم برقابته، لكن تحمله. وكعادته نظر لسلسبيل النائمة تُعطيه ظهرها. نهض من على الفراش لكن قبل أن يذهب إلى الحمام. أيقظ سلسبيل. التي استيقظت تقول:
صباح الخير.
رد قماح:
يلا قومي علشان ننزل نفطر مع العيلة تحت.
تعجبت سلسبيل من ذلك. فبالأمس قال لها لا تنزل واليوم غير رأيه. لم تجادلهُ أيضاً، هي ملت من البقاء حبيسة تلك الشقة معه. نهضت هي الأخرى وذهبت إلى حمام آخر بالشقة. وعادت للغرفة بعد قليل وأخرجت لها ملابس ملائمة ووضعتها فوق الفراش. ونظرت ناحية باب الحمام. تنهدت حين رأت الباب مازال مغلق. فخلعت ذالك المئزر الذي كان عليها وارتدت تلك الثياب سريعًا. قبل أن يخرج قماح من الحمام. ثم وقفت تمشط خصلات شعرها أمام المرآة. في ذلك الوقت خرج قماح من الحمام يرتدي معطف حمام. نظر لها ساخرًا فهى في ذلك الوقت القصير الذي قضاه بالحمام أخذت حمامًا وأبدلت ثيابها أيضًا والآن تُصفف شعرها.
إقترب من مكان وقوف سلسبيل وقال بنبرة تشبه الأمر:
طلعي لي غيار من الدولاب.
وضعت سلسبيل المشط فوق طاولة السراحة، وذهبت إلى الدولاب وأخرجت مجموعة ملابس لقماح ووضعتها على الفراش له.
تبسم قماح بزهو، وخلع المعطف وبدأ بأرتداء تلك الملابس، وهو ينظر بتسلية لخجل سلسبيل التي حاولت إخفاءه بإنشغالها بتمشيط شعرها. بصمت قطع قماح الصمت قائلاً:
فيه حاجة لازم أقولها قبل ما تنزلي لتحت. شقتنا ممنوع أي خدامة تدخلها بعد كده.
نظرت له سلسبيل بعدم فهم قائلة:
قصدك إيه.
نظر قماح لها وقال:
قصدي إن الشقة دي ممنوع أي خدامة من اللي بيشتغلوا في البيت تدخلها.
ردت سلسبيل:
طب ومين اللي هينضف الشقة وغسيل الهدوم وغيره.
رد قماح:
إنتي اللي هتنضفيها. وأظن التنضيف مش هيبقى كل يوم. كذلك غسيل الهدوم. يعني حاجات مش متعبة. وإنتي كنتِ بتساعدي الخدمات فيها.
كانت سلسبيل ستعترض لكن تحدث قماح بقطع:
خلصي والبسي طرحتك خلينا ننزل. عندي ميعاد مع عميل في المقر بعد ساعة.
إمتثلت سلسبيل لقوله وأرتدت وشاح فوق رأسها ونزلت معه للدور الأسفل بالمنزل.
تبسمت هداية حين رأت قماح يدخل إلى غرفة السفرة خلفه سلسبيل التي ألقت عليهم الصباح قائلة:
صباح الخير.
ردت هداية بفرحة:
صباح النور عالنور. نورتي يا قلب جدتك. يلا بلاش الوقفة دي، خلونا نفطروا مع بعض.
تبسمت سلسبيل وذهبت إلى مكانها السابق جوار هدى، لكن قبل أن تجلس جوارها قالت هداية:
تعالي يا سلسبيل. اجعدي جنب قماح جوزك. وبعد كده مكانك جاره. يلا قوم ليها يا كارم وإجعد عالكرسي اللي جارها.
نهض كارم من مكانه وجلست سلسبيل على المقعد وتبسمت لكارم الذي تبسم لها قائلاً:
صباح الخير يا سلسبيل.
ردت سلسبيل عليه الصباح بود.
بينما شعر قماح بغيرة وتذكر صباح أمس حين سمع سلسبيل تهمس باسم كارم وهي نائمة. لولا أنه يعلم بأن كارم كان يهوى همس لدخل الشك في قلبه. لكن لما همست سلسبيل باسمه وما سر بسمتها الآن له. أتكون سلسبيل... رفض عقلهُ هذا أيضًا، فهذا مستحيل.
بجو أسري عائلي تناولوا الفطور معًا، لكن كانتا هناك حاقدتان يملأ قلبهن الغدر. قدرية التي تدعي الحنان الكاذب لقماح، لكن لا أحد يصدق ذلك الرياء. وهناك زهرت أيضًا التي كانت بين الحين والآخر تنظر لرباح وترسم بسمة خبيثة على وجهها. ذلك الأحمق التي تستطيع سحب عقله بسهولة. تذكرت قبل قليل، قبل أن تنزل إلى هنا وتُصدم بعدها بنزول قماح ومعه سلسبيل. تذكرت كيف بسهولة خدعت رباح.
فلاش باك...
قبل وقت قليل.
بشقة رباح.
بغرفة النوم، استيقظت زهرت من النوم بكامل حيويتها. نظرت إلى رباح النائم لجوارها ببسمة خبيثة. نهضت من جواره كي تستطيع البدء في الجزء الأول من خطتها الخبيثة. ذهبت إلى اتجاه الحمام. خرجت بعد قليل. في ذلك الوقت استيقظ رباح من النوم. لم يجد زهرت جواره. وضع رأسه بين يديه يدلكها يشعر بألم قوي برأسه. نظر أمامه ورأى زهرت تخرج من الحمام تضع يدها على بطنها وجلست على أحد المقاعد يبدو الشحوب على وجهها. نهض سريعًا من على الفراش وتوجه لمكانها قائلاً بلهفة:
زهرت مالك وشك أصفر كده ليه؟ هنزل أنادي لجدتي تيجي تشوفك.
مسكت زهرت بيد رباح قائلة بتمثيل الوهن:
مالوش لازمة. أنا عارفة سبب تعبي إيه.
نظر لها رباح بأستغراب قائلاً:
وايه سبب تعبك ده؟ قومي البسي هدومك وأنا هساعدك ننزل نروح لدكتور أو أي مستشفى. إنتي مش شايفة وشك لونه مخطوف إزاي.
ردت بنفس التمثيل:
دي حاجة عادية. بلاش مبالغتك دي.
تعجب رباح قائلاً:
قصدك إيه بعادية؟
مثلت زهرت الخجل وقالت:
أصلي عندي شك إني أكون... أكون.
تحدث رباح بأستعلام:
تكوني إيه؟
ردت زهرت:
عندي شك إني أكون حامل. بقالي كم يوم حاسة بأعراض كده. ولما سألت ماما امبارح عليها قالت لي احتمال كبير أكون حامل.
فرح رباح بشدة وأظهر ذلك قائلاً:
بجد يعني إنتي حامل؟ ألف مبروك يا حبيبتي. أنا هنزل دلوقتي أقولهم كلهم وبعد كده بلاش تجهدي نفسك في شغل البيت.
استغربت زهرت قوة فرحة رباح. لم تكن تتوقع أن يفرح بتلك الطريقة، لكن قالت بخباثة:
لأ اوعى يا حبيبي تقول لحد قبل ما أتأكد. أنا كلمت واحدة صحبتي وخدت لي ميعاد عند دكتورة شاطرة. هي بتتابع معاها لما بتكون حامل. هروح ليها النهارده أتأكد. وبعد ما أتأكد نبقى نقول للعيلة ونفرحهم. أو الله أعلم هيفرحوا لينا ولا لأ. إنت عارف إن الحاجة هداية من ناحيتي مش قوي يعني.
رد رباح:
حتى لو مفرحوش كفاية علينا فرحتنا. قولي لي هتروحي للدكتورة على الساعة كام وأنا أجيلك نروح سوا.
ردت زهرت سريعاً:
لأ يا حبيبي بلاش تعطل نفسك. وكمان صاحبتي هتبقى معايا. بلاش وجودك معايا هيحرجها.
تبسم رباح وقال:
ماشي. بس ابقي بلغيني عال موبايل الدكتورة قالت لك إيه.
تبسمت زهرت قائلة:
حاضر يا حبيبي. أنا متأكدة من إحساسي إني حامل. ربنا هيكرمنا.
تبسم رباح لها. لكن فجأة شعر بصداع ووضع يده فوق جبينه يدلكه. لاحظت زهرت ذلك وقالت:
مالك بتفرك جبينك كده ليه؟
رد رباح:
مش عارف مالى. دماغي مصدعة قوي. بقى بيجيلى صداع على فترات متباعدة كده.
انشرح قلب زهرت لكن أظهرت اللهفة والخوف وقالت:
طب ما رحتش لدكتور ليه يشوف لك سبب الصداع ده.
رد رباح:
مالوش لازمة الدكتور. ده مش صداع جامد يعني وبيجي على فترات متباعدة.
نظرت له زهرت بأدعاء الخوف عليه وقالت:
طالما مش عاوز تروح لدكتور. أنا كنت باخد دوا للصداع كان جالي من فترة صداع زيك كده على فترات متباعدة وكنت روحت لدكتور كتب لي على نوع دوا ومفعوله ممتاز. من وقتها لما بحس بصداع باخد حباية برتاح بعدها. هبقى أجيبه لك معايا وأنا راجعة من عند الدكتورة.
انحنى رباح يُقبل يد زهرت قائلاً:
ربنا يخليكي لي ويكمل فرحتنا بابننا اللي في بطنك.
تبسمت زهرت برياء وقالت:
لأ أنا عاوزة بنوتة وتكون شبهي.
تبسم رباح لها بعشق مجنون.
بالعودة للحاضر.
تبسمت زهرت بخبث وهي تفكر في بداية رسم خطتها من اليوم. لا داعي للتأجيل.
***
في حوالي الرابعة عصرًا.
بإحدى الشقق الخاصة بعمارة فاخرة بالمدينة.
صعدت بالمصعد الكهربائي الذي توقف في أحد الأدوار. خرجت من المصعد وفتحت حقيبة يدها وأخرجت سلسلة من المفاتيح ووضعت أحد المفاتيح بمقبض الباب وفتحت الباب ودخلت إلى داخل الشقة. ونزعت من على وجهها ذلك النقاب التي كانت ترتديه. ليس فقط النقاب بل ملابسها وبقيت بفستان شبه عارٍ. تبسمت وهي تنظر لمن يقول:
مكنتش مصدق لما اتصلتي عليا وقولتي لي نتقابل في الشقة يا زهرت. وحشتيني وحشتيني.
تبسمت له وأقتربت منه تتدلل بخطواتها تسير بأغراء قائلة:
وإنتي أكتر يا حبيبي. متعرفش أنا عملت إيه علشان أجي أقابلك النهارده هنا في الشقة يا حبيبي ونعيد الحب بينا.
في ثوانٍ كان تلتقط شفاه بقبلات مشتهية تذهب معه لعلاقة محرمة. تؤكد أنها ليست سوى عاهرة خائنة بجدارة.
***
بنفس الوقت.
بالمقر الرئيسي لمجموعة العراب.
كان قماح جالسًا بمكتبه يقرأ بعض الملفات الخاصة ببعض التوريدات الأخيرة. شعر بألم قوي بعنقه يزداد. وضع يديه حول عنقه حاول تدليكها. لكن لا فائدة. رفع سماعة هاتف مكتبه وطلب من سكرتيرته أن تأتي له بنوع دواء معين أعطى لها اسمه. أغلق الهاتف ووضع يديه حول عنقه. يمسدها على الألم يخف. سمع فتح باب مكتبه تنهد براحة قليلاً. لكن سرعان ما زالت تلك الراحة وقال بتعجب:
.. هند!
رواية عش العراب الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامه
كان كارم يجلس مع أحد أصدقائه.
نهض وخرج إلى أمام الكافيه ليرد على اتصال هاتفي. أنهى الاتصال بعد قليل، ووقف ينظر أمامه لثوانٍ قبل أن يعود إلى داخل الكافيه.
لكنه سمع من تقول:
"أوقفي يا همس."
اخترق اسم "همس" فؤاده، فوقف متصنمًا لدقيقة. وقع بصره على طفلة صغيرة عمرها خمس سنوات تقريبًا، تجري تتجه إلى مكان وقوفه لتمر من باب الخروج من الكافيه. لكنها كادت تتعثر قبل أن تصل إلى الباب. سريعًا أمسك يدها قبل أن تقع.
تبسمت له الطفلة وتحدثت بنهجان وإشارات لم يستطع تفسيرها. لكن التي كانت تنادي على الطفلة وصلت إلى مكان وقوف كارم مع الطفلة، وتبسمت قائلة:
"همس بتشكرك إنك مسكت إيدها قبل ما تقع على الأرض."
للحظات، حين سمع اسم "همس"، تسمر محله وضغط بقوة على يد الطفلة التي كانت بين يديه. تألمت الطفلة وحاولت سحب يدها من يده، لكنه كان يطبق عليها بقوة كأنه يريد ألا تترك يده.
انتبه لحاله حين قالت الفتاة وهي تمد يدها لتأخذ يد الطفلة من يده قائله بشكر:
"بشكرك إنت رحمتني. لو كانت همس وقعت أو جرالها حاجة كانت أمها ممكن تقتلني. دي بنت أختي الوحيدة وجابتها بعد تعب سنين، دي حتى سمتها على اسمي."
نظر كارم لمن تحدثه وتبسم قائلاً:
"إنتي اسمك همس؟"
تبسمت الفتاة وقالت:
"لأ مش اسمي يعني، أنا اسمي هاميس. بس عشان غرابة الاسم بيقولوا لي همس، كمان اختصار."
تبسم كارم بغصة قوية في قلبه. لا يعرف ماذا فعلت بسمته بتلك الفتاة.
***
في المقر، ارتسم الغبن على وجه قماح حين رأى تلك هند تدخل إلى المكتب وأغلقت خلفها الباب. توجهت إلى مكان جلوسه خلف المكتب، ترسم بسمة على محياها وقالت:
"أيوا هند يا قماح، مالك مستغرب كده ليه؟ هي أول مرة أجلك مكتبي هنا."
رد قماح الذي يشعر بآلام في رقبته تزداد، وهو جالس خلف مكتبه ولم ينهض لها:
"وفي رأيك مش لازم أستغرب؟ إحنا علاقتنا بقالها أكتر من سنة منتهية. وجودك هنا غريب، لأن أكيد مش صدفة."
تبسمت هند بغنج وقالت:
"من أول مرة شوفتك فيها يا قماح لفت نظري بحنكته وفطنتك في توقع أفعال اللي قدامك. وده يمكن السبب اللي خلاني وقتها أوافق على جوازي منك بالسرعة اللي حصلت وقتها بعد كم لقاء بينا ما يتعدوش الإيد الواحدة. وكنت مفكرة إني أكتر واحدة فهماك وقتها، بس بسرعة اكتشفت إن الوصول لقلبك لغز صعب حله."
رغم شعور قماح بألم رقبته، وضع يده على عنقه وضحك ساخرًا يقول باستهزاء:
"جاية ليه يا هند؟ أظن حكايتنا خلاص انتهت. وأكيد عرفتي إني اتجوزت. بصراحة توقعت الزيارة دي، بس كنت متوقعها قبل ما أتزوج مش بعد ما اتجوزت. وكل السكك اتقطعت."
ردت هند بمفاجأة:
"اترجوزت سلسبيل ليه يا قماح؟ إشمعنا دلوقتي بعد ما أخويا طلب إيدها فجأة كده حلّيت في عينيك؟ كانت قدامك من البداية، قبل ما تتجوز خالص. الحجة هداية هي اللي طلبت منك تتجوزها ومش غريبة قبل ما تكمل همس سنة."
رد قماح بدبلوماسية مغلفة ببروده المعتاد:
"الموضوع ميخصكيش يا هند، وزيارتك مكنلهاش لازمة."
تبسمت هند وهي تنظر لقماح بتتمعن وقالت:
"أيه وجع رقابتك رجعلك تاني؟ ولا يمكن العروسة مش راضية عنك وبتنيمك عالكنبة؟ أصل كان واضح في المدة اللي عشتها معاك في دار العراب، سلسبيل كانت حتى مش بتقولك صباح الخير وبتتجنب وجودك في أي مكان. بس مع ذلك عينيك كانت بتبقى عليها. لسه عند قولك اللي بسببه طلقتني يا قماح. سلسبيل ساكنة قلبك وبيغيظك عدم اهتمامها بيك، بس معرفش السبب اللي خلاها توافق تتجوزك. أكيد سحر الحجة هداية."
وقف قماح متضايقًا يقول:
"مش فاضي لمهاتراتك، وكلامك الفارغ. وأيًا كان سبب جوازي من سلسبيل، شيء ميخصكيش. وإنتي عارفة سبب طلاقنا كويس. مخالفة أمري لما رحتي من ورايا وزورتي أهلك، غير حبوب منع الحمل اللي كنتي بتاخديها من ورايا. مكنتيش عاوزة تخلفي مكنتش هغصبك، لكن تعملي كده من ورايا يبقى متلزمنيش."
***
بتلك الشقة التي تمارس فيها زهرة فاحشة الخيانة، ارتمت بظهرها على الفراش تشعر بنشوة مرهقة. كذلك ذلك الفاسق الذي كانت معه. نظر لها يقول:
"كنتي وحشاني قوي يا زهرة، بقالنا فترة متقابلناش."
تلوت زهرة كالأفعى واقتربت منه ونامت على صدره ووضعت يدها تتلمس ملامح وجهه قائلة بنبرة إغراء مصحوبة بتهكم:
"بجد وحشك يا نائل؟ بأمارة إيه؟ سلسبيل اللي كنت جاي مع والدك عشان تخطبها بقلب جامد؟ مش برضو باباك ده اللي سبق ورفض إنك تتجوزيني؟ ولا عشان سلسبيل بنت عيلة العراب، النسب اللي يشرف، مش زي نسب بابا الموظف البسيط. اللي عايش على معونات عيلة العراب اللي كانوا بيزكوها بيها على ماما من وقت للتاني. أهو عيلة العراب رفضوا طلبكم، ومش بس كده، سدوا عليكم طريق رجعة قماح لهند كمان."
وضع نائل يديه حول خصر زهرة ينظر لها بإشتهاء وأجاب بكذب:
"أنا مكنتش أعرف إن بابا هيطلب إيد سلسبيل، فوجئت. وقتها كان قايل لي إننا رايحين نتكلم على بضاعة. قولت يمكن عاوز يفتح سكة لرجوع قماح لهند. بس بصراحة استغربت وقتها، إن قماح كان خاطب سلسبيل قبلها، وموت همس هو اللي أجل الجواز."
ضحكت زهرة قائلة بسخرية:
"قماح؟ كان خاطب سلسبيل قبلها؟ سلسبيل نفسها كانت رافضة الجوازة. الجوازة ولو مش همس موتت نفسها يمكن عمرها ما كانت تمت."
تعجب نائل وقال:
"قصدك إيه بـ همس موتت نفسها؟ مش ماتت بالغلط بسبب لعبها في السلاح زي ما سمعنا؟"
ضحكت زهرة ساخرة:
"لأ، أصل الست همس دست شرف العيلة وربنا فضحها قدامنا. كانت حامل وأجهضت. وقبل ما تعترف مين اللي فرطت في شرفها معاه، تك بوم، قتلت نفسها. وهداية العقربة كتمت على اللي حصل. طبعًا انكمنا ورسمنا الكدبة قدام الناس."
تعجب نائل قائلاً:
"ليه مقولتيش لي باللي حصل قبل كده؟ طب وإيه اللي يجبر قماح يتجوز سلسبيل؟ أكيد ده مش سبب مقنع، بالذات زي ما قولتي همس قتلت نفسها، واندفن السر معاها وهداية كتمت على حقيقة اللي حصل قدام الناس."
ردت زهرة بحسرة مخفية بقلبها:
"إيه، كنت عاوزاني أقولك غلطة همس عشان تستغلوا الحكاية وتخلوا عيلة العراب يقبلوا بيك؟ وبعدين سبب الجوازة نفسها هو قماح العراب. عندي شك كبير إنه بيحب سلسبيل. وقسوته وجفائه معاها اللي كان ومازال بيظهره ده قناع. وأهو أول ما اتقدم لها عريس نَط هو واتجوزها."
تحدى نائل باعتراض:
"غلطانة. وكنا هنعرف نستغل غلطة همس إزاي وإنتي بتقولي إنها اندفن السر معاها؟ ومش معقول قماح يكون بيحب سلسبيل. طب ليه متجوزهاش من الأول أو حتى تاني جوازة؟ طب هقول أول جوازة له سلسبيل كانت صغيرة وفي الثانوية. في الجوازة التانية كانت تقريبًا في آخر سنة لدراستها. غلطانة قماح اتجوزها بس عشان خاطر هداية ترضى عنه."
نظرت زهرة لنائل وقالت بحقد:
"إحنا مش جايين النهارده عشان نتكلم عن جوازة قماح بسلسبيل. جيبت اللي قولتلك عليه في الموبايل."
ابتسم نائل وابتعَد عن زهرة قليلاً، وفتح درج طاولة جوار الفراش وأخرج علبة دواء بلاستيكية صغيرة منه، وقال لها:
"أكيد جبتها. بس قولي لي الحبوب دي مفعولها عالي قوي. مين اللي غالي عليكي كده وعاوزاه يدمنها؟"
خطفت زهرة العلبة الصغيرة من يد نائل ونظرت لها بظفر، قائلة:
"تمسكنت قائلة: ده لبابا، إنت عارف إنه مريض. أهي تبقى مسكن له. وبعدين ده مالكش فيه. وكمان فين طلبي التاني اللي طلبته منك؟"
فتح نائل نفس الدرج وأخرج علبة مخملية ومد يده بها قائلاً:
"لو صبر القاتل، هديتك أهي، يا زهرتي. أتمنى تعجبك. نفس الطقم الدهب اللي بعتيه لي صورته على الموبايل. أهو ده مش دليل على إني بحبك."
أخذت زهرة العلبة من يده وقالت ببسمة لعوب:
"متعرفش أنا عملت إيه عشان أجلك النهارده. وأنا لو مش بحبك كنت طلبت منك نتقابل النهارده وأجيلك متخفية كده."
نظر لها نائل، عيناه تجوب على مفاتنها الظاهرة أمامه تجعله ينسى أنه يغوص في وحل الخطيئة، أو ربما هو الآخر يرحب بتلك الخطيئة.
***
ليلًا، بشقة النبوي، وقف أصغر أبنائه يقول بزهق وشكوى:
"بابا أنا عاوز أتكلم معاك في موضوع مهم."
نظرت له قدرية قائلة:
"خير، إيه هو موضوعك المهم ده؟"
نظر محمد للنبوي وقال:
"بابا أنا عاوز أشتغل مع عمي ناصر أو مع قماح في المقر وعاوزك تكلمه وتقوله على كده."
ردت قدرية قبل النبوي:
"عاوز تشتغل تحت إيد قماح ليه؟ وشغلك مع أخوك رباح ماله؟"
رد محمد بتهكم:
"قصدي خدمتي لرباح مش شغلي معاه. يا بابا رباح بيعاملني بسوء وأنا كنت ساكت وبقول يمكن مع الوقت يتعدل، بس ده بيزيد في السوء معايا. بيفضل حماد ابن عمتي، بيديه الشغلانة السهلة وواخده إيده اليمين وأنا ناقص يشغلني شيال مع الشيالين في الشون اللي تحت إيده. وسبق واتشكيت منه لماما كذا مرة يتعدل معايا يومين وبعدها طبعًا عشان يرضي مراته بيفضل حماد عليا. وأنا خلاص فاض بيا منه يا بابا، ده بيستقصد يقلل من قيمتي قدام العمال والشيالين."
تهكمت قدرية قائلة:
"وقماح مش هيقلل من قيمتك لما تشتغل معاه؟ في النهاية هو مش أخوك، بلاش تتعشم في نعومته."
نظر النبوي لها وقال باستهجان:
"قدرية، أوعي لكلامك. قماح أخوه زي كارم ورباح."
ارتبكت قدرية وقالت بتبرير خادع:
"مش قصدي إنه مش أخوه، أنا قصدي إنه ممكن يعامله بسوء. قماح عنده عنجهية شوية وممكن يتكبر على محمد. خلاص خليه يشتغل مع ناصر، ناصر كبر ومحمد يشيل عنه شوية. إنما قماح بلاش، حتى عشان الخلاف بينه وبين رباح، بلاش محمد يدخل فيه ورباح يفكره منحاز ناحية قماح يحط ضغينة بين الأخوات. قماح عندي زي ولادي بالظبط."
نظر النبوي لقدرية باستهزاء وقال:
"بلاش النغمة دي يا قدرية، وسيبك من الأخوات وابعدي عن دماغهم اللي بتمليها من ناحية قماح. أنا فاهمك كويس. وإنت يا محمد أنا هكلم عمك ناصر تشتغل تحت إيده في البداية تتعلم طريقة شغل توريد الشونات كويس. تصبح على خير."
تبسم محمد يقول:
"يا ريتني كنت كلمتك إنت من البداية يا بابا، مكنش رباح استهزأ بيا. يلا هروح أنام بقى، هلكان من الصبح للمسا."
ذهب محمد وترك النبوي مع قدرية. لكن سرعان ما ترك النبوي قدرية واقفة وتوجه ناحية غرفة النوم. لكن قبل أن يدخل من الباب قال بتهكم:
"إيه مش هتيجي تنامي ولا هتروحي لابنك تسممي أفكاره هو كمان من ناحية قماح وعمه ناصر؟ عشان يطلع نسخة تانية من رباح ويكره أخواته وعمه ويقول نفسي وبس؟ وتيجي واحدة زي زهرة تسحب عقله وتخليه حتى ميسمعش كلامك. بلاش تزرعي الغباوة بين الأخوات يا قدرية، لإن أول من هيدفع تمنها هو إنتي وإنتي عارفة إزاي."
ارتجفت قدرية وتلبكت ولم تستطع الرد. هي تفهم فحوى هذا التهديد. شعرت بكره ساحق للنبوي الذي لم يحبها يومًا. كان زواجه منها من أجل زواج بدل اقترحته وقتها هداية، من أجل تزوج ابنة زوجها التي كانت وقتها بلغت من العمر الثلاثين دون زواج، وأصبحت بعداد العوانس. اصطادت هداية عائلة بسيطة بها شاب وفتاة، مقابل أن تأخذ الفتاة يتزوج أخيها من ابنة زوجها. وعائلة العراب لم تكن بثراء كبير لكن كان له اسم بالبلدة بسبب تجارة الغلال بأنواعها. النبوي لم يهواها يومًا. مجرد أن ظهرت امرأة أخرى، كانت على غير دينه وتزوجها قبل أن تدخل إلى الإسلام بإرادتها حتى حين أنجبت، كان لطفلها الأفضلية ومحبوب عنها هي وولدها، حتى أنهم كانوا ينعتوه بوجه الخير. وهل هي وولدها وقتها كانوا نذير شؤم؟ كان هنالك ازدواجية خلقت حقداً بقلبها أو هكذا برر لها شيطانها.
***
بشقة سلسبيل، بدلت ملابسها بأخرى وتوجهت إلى تلك الشرفة الذي يقف بها قماح يتحدث بالهاتف. وكادت أن تدخل إلى الشرفة، لكن في نفس الوقت أغلق قماح هاتفه وزفر نفسه واستدار حتى يدخل إلى الشقة. لكن تفاجأ بسلسبيل في وجهه. انخضت سلسبيل وتسمرت مكانها.
تبسم قماح عليها وقال:
"إيه شوفتي عفريت ولا معرفتيش تصنتي كويس و..."
ازدرت سلسبيل ريقها وقالت:
"على فكرة أنا مكنتش بتصنت ولا حاجة، أنا كنت جاية أقولك إني هنزل لشقة بابا."
رد قماح بعدم تصديق أنها لم تكن تتسمع على حديثه بالهاتف وقال بسؤال:
"وهتنزل شقة عمي تعملي إيه دلوقتي الساعة قربت على عشرة ونص المسا."
ردت سلسبيل:
"هدى بتقول إن فيه فيلم لأول مرة هيتعرض على التلفزيون وطلبت مني نسمعه سوا. وأنا وافقت لأني شوفت إعلان الفيلم قبل كده وكان عاجبني."
تهكم ساخرًا يقول:
"والفيلم ده عربي ولا أجنبي؟"
ردت سلسبيل:
"أجنبي وبيتعرض على قناة مشفرة، لأنه لسه تقريبًا بيتعرض في السينمات هنا في مصر."
وضع قماح يده أسفل ذقنه يحكها بتفكير قائلاً:
"فيلم أجنبي وهيتعرض على قناة مشفرة كمان. يعني ممكن يكون فيه مشاهد خارجة والقناة طبعًا مشفرة فمفيش مونتاج ولا رقيب للمشاهد دي."
ردت سلسبيل بضيق:
"أنا وهدى مش محتاجين مونتاج ولا رقيب، إحنا نعرف الصح من الغلط وأكيد مش هنتفرج على مشاهد خارجة."
رد قماح بسخرية وهو يمد يده يضعها على جسد سلسبيل وقال بإيحاء:
"وليه أهو تشوفوا وتتعلموا من المشاهد دي يمكن تنفعكم، زي ما نفعت غيركم قبل كده."
ردت سلسبيل دون فهم:
"مشاهد إيه اللي تفيدنا؟ وهتفيدنا مشاهد خارجة في إيه؟ كمان هدى لسه صغيرة على النوعية دي من الأفلام، والفيلم أكشن مش رومانسي."
تهكم قماح يقول بضحكة سخرية:
"وهي الأفلام الأكشن مفيهاش رومانسية؟ مش دي الأفلام اللي كانت بتحب تسمعها همس قبل ما....."
قاطعته سلسبيل بعد أن فهمت لما يلمح له وقالت:
"بلاش طريقتك دي في التلميح يا قماح وكفاية. كفاية أنا تعبت من تلميحاتك دي ليا دائمًا. أنا مغصبتش عليك تتجوزيني. أنا اللي اتغصـــــــ."
قاطعها قماح قائلاً بفرض رأي:
"مش موافق تنزلي تسمعي الفيلم مع هدى. أظن إنك مراتي ولازم تسمعي كلامي."
نظرت له بعين دامعة وقالت بخضوع:
"تمام."
قالت سلسبيل هذا ونفضت يده التي كانت تسير على منحنيات جسدها وتركت المكان لقماح وذهبت إلى غرفة النوم.
بينما خفق قلب قماح حين رأى الدموع في عين سلسبيل. هو يعلم أنها تركته وذهبت كي لا تبكي أمامه. بالفعل هي دخلت إلى غرفة النوم، منها إلى الحمام المصاحب للغرفة. جلست على حرف حوض الاستحمام تتساقط دموعها تكتم شهقاتها. قماح لا يترك مناسبة إلا ويذكرها بخطيئة أختها التي لديها يقين أنها بريئة منها رغم أن كل الدلائل تؤكد ارتكابها لتلك الخطيئة التي لا تغتفر وتجعل أخرى تتحمل وتتحمل عواقب وصمته. تتحمل الزواج من مريض بداء الغرور والعظمة.
بعد قليل سمعت طرقًا على باب الحمام يصحبه صوت قماح قائلاً:
"هتنامي الليلة في الحمام ولا إيه؟"
جففت سلسبيل دموعها وخرجت من الحمام قائلة:
"لأ، كنت بجهزلك الحمام."
وقع بصر قماح على سلسبيل التي تقف أمامه وأثار المياه على ملابسها التي شبه ملتصقة بجسدها تُظهر معالمه الأنثوية. تبسم بمكر وتلاعب وقال:
"بس أنا مكنتش عاوز آخد دوش دلوقتي، بس... بس مفيش مانع طالما حضرتيلي الحمام. ولا أقولك مالوش لازمة الحمام دلوقتي."
قال قماح هذا وهجم على شفاه سلسبيل بالقبلات القوية وأخذها إلى الفراش، تملك جسدها بعنف قليل. نهض عنها بعد وقت واستراح بجسده على الفراش. بينما سلسبيل تشعر بألم في جسدها كالعادة بعد كل لقاء حميمي بينهم. أعطت له ظهرها، كالعادة تمقت تلك العلاقة.
شعر قماح بضيق من ذلك. لكن وضع يده على كتف سلسبيل، التي ارتجف بداخلها حين شعرت بيده على كتفها وظنت أنه سيعيد ما فعله منذ قليل. لكن خاب ظنها حين قال لها:
"لو عاوزة تنزلي تشوفي الفيلم مع هدى معنديش مانع."
ردت سلسبيل بنبرة ساخرة:
"مالوش لازمة الفيلم زمانه قرب يخلص. هدى هتحكي لي قصته وبكرة يجي على قنوات مش مشفرة وقتها يحذفوا المشاهد الخارجة. ودلوقتي أنا تعبانة وعاوزة أنام. تصبح على خير."
قالت سلسبيل هذا وجذبت غطاء الفراش عليها، وهي مازالت تعطي لقماح ظهرها، تُغمض عينيها تستجدي النوم، حتى يفصل عقلها عن واقع ذلك المتحكم التي تعيش فيه.
بينما قماح، لم يرد على سلسبيل وشعر بألم في عنقه يزداد. وربما شعوره بهذا الألم هو ما أعصبه على سلسبيل وجعله يمنعها من النزول. وأيضًا تلميحه لفعلة همس. بالتأكيد هو مُخطئ بكل الأحوال.
***
بشقة رباح، كذبة زهرة جعلت رباح يكاد يحلق في الفضاء وعاود القول للمرة الكام لا يعرف:
"يعني الدكتورة أكدت لك إنك حامل في شهر ونص."
بابتسامة خادعة قالت زهرة:
"أنا كنت زيك كده قدام الدكتورة. حتى صاحبتي قالت لي يا بنتي إنتي مبقالكيش سنة متجوزة وملهوفة على الخلفه كده ليه. قولت لها، أنا بحب رباح ونفسي يكون عندي منه دسته عيال وكلهم يبقوا شبهه في كل حاجة. حنيته وغلاوته عندي."
اقترب رباح منها وضمه لجسده بقوة قائلاً:
"إنتي غالية عندي قوي يا زهرة. أنا اتمسكت بيكي فاكرة."
ضمت زهرة يديها حول عنق رباح وقالت برياء:
"فاكرة يا حبيبي، وعمري ما هنسى قد إيه إنت بتحبني."
قالت زهرة هذا وتبسمت بدهاء تجيده:
"بس بلاش لما نخلف بنت بقى تبقي دلعها وتاخد غلاوتي عندك."
ضم رباح زهرة قائلاً:
"مفيش واحدة تقدر تاخد غلاوتك يا زهرتي. أنا هنزل أقول للعيلة كلها."
ضحكت زهرة قائلة:
"خلينا للصبح نقول لهم، بكرة اليوم اللي العيلة كلها بتتجمع فيه على الغدا والعشا، نقولهم ونفرح معاهم بفرحتنا. بس...؟"
نظر رباح لها وقال بتعجب:
"بس إيه؟ سكتي ليه؟"
ردت زهرة بتورية:
"بس أنا خايفة قماح لما يعرف إني حامل يغير منك، ناسي هو اتجوز مرتين قبل كده ومفيش واحدة فيهم حملت قبل كده. والله أعلم سلسبيل كمان هتحمل ولا لأ، ممكن الغيرة في قلبه تشتغل."
نظر رباح لزهرة يفكر في قولها وقال:
"فعلاً ممكن قماح يغير مني بالسبب ده، بس دي نعمة من ربنا بعتها لينا. وربنا قال، "وأما بنعمة ربك فحدث". أهز على الأقل يعرف إن اللي بيخلص النية مع بنات الناس ربنا بيرزقه بالخير، مش كل ما يزهق من واحدة يطلقها. والله أعلم يمكن عدم خلفتهم كانت رحمة لهم من ربنا، إن ميبقاش في بينهم رابط. وسلسبيل كمان الله أعلم يمكن يطلقها كمان قبل السنة ما تلف. كانت غلطة جدتي، بس أنا مالي ماليش فيه. ملناش دعوة غير بنفسنا، يا زهرتي. بكرة العيلة كلها تعرف إنك حامل، حتى كمان عشان يراعوكي وأنا غايب."
مصمصت زهرة شفتيها وقالت بلؤم:
"يراعوني، جايز دي الحجة هداية مفيش عندها على الحجر غير سلسبيل وقماح. شايفة بقالها أكتر من عشر أيام رجلها مخطتش برة عتبة شقتها حتة لما نزلت قعدت جنبها ست الستات. يلا بكرة الست سلسبيل تركب مكانها كمان."
ضحك رباح وقال:
"سلسبيل مش هتنهض تاخد حتى مكان في بيت العراب وبكرة أفكرك. عارفة مين اللي كانت عند قماح النهارده في المقر؟"
ردت زهرة باستفسار:
"مين؟"
رد قماح بتشفى:
"هند طليقته، وقعدت معاه في المكتب أكتر من ساعة."
تعجبت زهرة قائلة:
"قصدك إيه؟ يعني قماح ممكن يرجع هند تاني؟ ومين اللي قالك على كده؟"
رد رباح:
"أنا عرفت بالصدفة كنت بتصل عليه عشان فيه تاجر عاوز كمية رز كبيرة ومردش عليا. اتصلت على السكرتيرة مدام فاتن، وهي اللي قالت لي بدون قصد إن هند معاه في المكتب بقالها أكتر من ساعة. فقولت لها لما تمشي تبقى تخليه يكلمني. تفتكري هند كانت عنده ليه؟ بكرة أفكرك هيرجعها من تاني، ووقتها سلسبيل مش هيكون لها أي وجود. وتبقى تشوف جدتي بقى حبيبها قماح وهو بيطلق حفيدتها. أو حتى ميطلقهاش والتاريخ يعيد نفسه مع سلسبيل وتبقى هي زي ماما لما بابا زمان اتجوز عليها الأغريقية، وتعيش بحسرتها العمر كله زي ماما ما عاشت بحسرة كنت بسمع بكاها ليالي، تبقى تتحمل جدتي بكى سلسبيل بسبب ابن الأغريقية اللي بكت أمي لما دخل عليها بيها زمان. ورحبت بها هداية."
تبسمت زهرة بزهو في قلبها وقالت:
"دي مش هتبقى ضربة في مقتل بس لسلسبيل لأ كمان هداية وحفيدها الغالي اللي رجع من تاني لعشه. عشان يحوي دبابير وأول ما تقرص هتقرص حفيدتها الغالية. وبعدين إحنا خدنا الكلام على الست سلسبيل ونسيت أديك علبة دوا الصداع اللي جبتها لك. تتصور لفيت عليها أكتر من صيدلية قالوا لي الدوا ده مستورد وشحيح في الصيدليات، حتى جبتها بضعف تمنها. بس عشان أنا واثقة من مفعولها ومجرباه قبل كده، أستنى أنا شايلاها في الدرج بتاع التسريحة."
ابتعدت زهرة وذهبت إلى التسريحة وأخذت تلك العلبة الصغيرة وأعطته إياها قائلة بتحذير كاذب:
"حتى أنا كنت حاسة بشوية صداع بس مرضتش آخد منها ليكون لها تأثير على الحمل. بس الدكتور اللي وصفها لي قبل كده كان قالي حاولي متتعوديش عليها كتير، عند اللزوم بس."
أخذ رباح منها العلبة وفتحها وأخذ منها حبة وارتشف بعض قطرات الماء يبلعها بها.
تبسمت زهرة بظفر. رباح يسير بالطريق التي ترسمه له. قريبًا سيصبح كالعبد أسفل قدميها.
***
في اليوم التالي صباحًا، استيقظت سلسبيل، كأنها نسيت أو ربما تناست بمحض إرادتها ما حدث ليلة أمس ومنع قماح لها بالذهاب وقضاء بعض الوقت مع أختها.
نهضت من جواره على الفراش، وذهبت إلى الحمام اغتسلت وتوضأت وصلت فرضها، ثم عادت لغرفة النوم مرة أخرى وأشعلت ضوء الغرفة ثم جلست تمد يدها بتردد توقظ قماح. لأول مرة كان دائمًا هو من يصحو قبلها ويوقظها. بالفعل وضعت يدها على كتف قماح قائلة:
"قماح، اصحى الساعة قربت على تمانية، اصحى عشان نلحق نفطر مع بابا وعمي."
بالفعل استيقظ قماح من النوم يشعر بألم في عنقه مازال مستمر بل وازداد. هو بسبب زيارة هند له بالأمس في المكتب نسي ذلك الدواء الذي طلبه من السكرتيرة، ولم يخف الألم. وأيضًا حديثه الجاف مع سلسبيل ليلاً.
وضع قماح يده حول عنقه الذي تشنج بقوة يكاد لا يستطيع أن يحرك رقبته من شدة الألم.
لاحظت سلسبيل ذلك. للحظة شفقت عليه وقالت:
"هي رقبتك رجعت توجعك تاني."
أومأ قماح لها بموافقة وقال:
"ده ألم بسيط، شوية وهيروح."
اقتربت سلسبيل وجلست على الفراش تمد يدها بتردد وقالت:
"أنا شفت جدتي كذا مرة وهي تدلك رقبتك تفك تشنج عروق رقبتك وممكن أعمل زيها لو تحب."
صمت قماح للحظات. كادت أن تنهض سلسبيل من على الفراش وقالت له:
"براحتك، هقوو..."
قاطعها قماح قائلاً:
"تمام، مش هنخسر حاجة. اتفضلي دلكي رقبتي أشوف يمكن الوجع يروح على إيدك."
بالفعل اقتربت سلسبيل أكثر وجلست أمام قماح وبدأت بتدليك رقبته بطريقة معينة قلدتها كما رأت جدتها تفعلها. ثم قامت بلف رأسه بقوة فجأة. لم يشعر بألم، بل بالفعل شبه زال الألم وفك تشنج عنقه الذي كان يشعر به.
انتهت سلسبيل من تدليك عنقه، رسم قماح بسمة طفيفة وقال:
"لأ واضح فعلاً إنك ورثتي بعض المهارات من جدتي. الألم شبه راح."
تبسمت سلسبيل قائلة بفرحة:
"بجد وجع رقبتك خف."
رد قماح بموافقة:
"أيوا خف كتير، صحيح مش زي جدتي بس ممكن مع الوقت تبقي أفضل. المرة الجاية لما رقبتي توجعني هقولك تدليكها إنتي وأستغنى عن الأدوية بقى."
تبسمت سلسبيل وقالت بتسرع:
"بعيد الشر، قول يا رب ما يرجع الوجع من تاني. قصدي يعني ربنا يشفيك. أنا حضرت لك الحمام، من شوية وطلعت لك غيار كمان أهو. هنزل أنا بقى أحضر الفطور، وكمان النهارده هيبقى اليوم طويل وشغل كتير، عشان العزومة اللي جدتها بتعملها، تجمع أفراد العيلة كلهم، وكمان عمتي عطيات وجوزها وابنها حماد الغ..."
صمتت سلسبيل قبل أن تكمل كلمتها.
تحدث قماح باستفسار:
"ابنها إيه؟"
تهكمت سلسبيل بداخلها وقالت:
"الغاظ الغلس." لكن قالت لقماح:
"ابن عمتي الغالي زي ما بتقول عليه. هنزل أنا بقى وأنت خد لك دش والغيار أهو."
بالفعل غادرت سلسبيل الشقة وتركت قماح الذي حرك رقبته براحة. يد سلسبيل أزالت ذلك الألم الذي كان يشعر به منذ أمس. ذلك الألم الذي يشعر به من فترة لأخرى، بسبب تلك الوقعة القديمة التي تركت أثرها على عنقه، حين كان باليونان ووقع على رقبته وقتها شعر بألم ولم ينتبه أحد لألمه ويداويه وقتها. ربما ما عاد له من فترة لأخرى ذلك الألم الذي يجعل رقبته مكتفة بألم قاس.
***
قبل الغداء، كانت سلسبيل بالمطبخ مع الخادمات وأيضًا والداتها وكذالك قدرية ومعهن هدى التي لا تعمل بل تنظر أحيانًا ل سلسبيل وتبتسم لها من أفعال قدرية وتنظيرها على الخادمات وتوبيخها لهن أحيانًا. يعلمن أنها تفعل ذلك لتثبت أن لها كلمة في المنزل، حتى على نائلة والداتهن التي تتقبل تأميرها بلا مبالاة، أو بمعنى أصح، باستسلام منها. كن هدى وسلسبيل يتضايقن من استسلام والداتهن وينفرن ذلك، لكن استسلام والداتهن يجعلهن يصمتن غصبًا.
بعد قليل، تجمعت العائلة بأكملها على طاولة الغداء، يتناولون الطعام، في صمت إلى أن تحدث حماد قائلاً:
"الأكل المرة دي طعمه حلو قوي. أكيد ده نفس سلسبيل. سمعت إنها كانت بتطبخ مع عمتي ومرات خالي."
لم ترد سلسبيل. وردت عنها هدى قائلة:
"الطبخ كله ماما هي اللي تعتبر عملته. أنا وسلسبيل كل اللي عملناه هو السلطة ومرات عمي كانت بتتأمر على الشغالات اللي كانوا بيناولوا ماما المكونات اللي بتحتاجها."
خجل حماد وقال:
"مرات خالي نهلة نفسها حلو في الطبيخ."
أخذت الكلمة منه عطيات قائلة بنفاق:
"اسألوا حماد وجوزي دائمًا أقولهم، نهلة مرات ناصر أخويا المية من إيدها ليها طعم تاني."
نظرت لها قدرية بنزق وتهكم بداخلها. تعلم رياء عطيات وتفهم ألعابها. هي مازالت طامعة رغم زواج رباح من ابنتها لكن تريد أن تأخذ أكثر عن طريق حماد حين يتزوج هو الآخر من هدى. كانت سابقًا ترسم على همس، لكن همس ماتت ونقلت العطاء على هدى. لكن تلك الصغيرة ماكرة ولن تجعل عطيات تصل لمأربها.
تحدثت هداية بصرامة:
"المثل بيقول لا حديث على طعام، ياريت ناكل في هدوء وبلاه كلام. وبعد الأكل نبقى نتحدث براحتنا في أي شيء. دلوقت كلوا وأنتم ساكتين."
***
بعد قليل انفض الغداء وجلس الرجال بغرفة ومعهم كانت هداية. كذالك عطيات فهي ضيفة هذا اليوم. كذالك قدرية. واليوم زاد بجلوس زهرة معهم. نظرت لها هداية قائلة:
"ليه مقومتيش مع نهلة وسلسبيل وهدى تساعدي الشغالات في فض السفرة وتعملي الشاي."
تصنعت زهرة قائلة:
"أنا تعبانة شوية يا جدتي حتى قرفانة أدخل المطبخ. مش طايقة أشم ريحة الأكل."
سخرت منها هداية قائلة:
"ليه مالها ريحة الأكل؟ كأنه فاسد إياك، ولا جلع ماسخ وخلاص."
رد رباح:
"مش جلع يا جدتي، أصل زهرة حامل، والوحم جايلها بقرف من الأكل."
نظرت عطيات ل زهرة بصدمة لكن سرعان ما ابتسمت لها قائلة:
"ألف مبروك ربنا يقومك بالسلامة بحملك مليان، وتكبري نسل عيلة العراب."
بينما قالت قدرية بتمثيل:
"يارب يا عمتي، ربنا يكبر نسل عيلة العراب وعقبال ولاد قماح قريب يارب، ربنا يطعمه المرة دي الخلف الصالح اللي يعوض صبره."
نظرت هداية لقدرية وقالت لها بشدة:
"يعوض صبره على إيه؟ أوعي لكلامك شوية يا قدرية، قماح مش معيب عشان تجولي كده. وربنا بكرة يرزقه هو وسلسبيل الذرية الصالحة اللي تقر عيونهم. باركي إنتي لولدك ومراته ومالكيش صالح بقماح عاد. وبعدين فين كارم مشوفتوش من كذا يوم."
ردت قدرية بخجل:
"كارم معرفش بقاله كام يوم كده بيخرج من صباحية ربنا مش بيرجع غير المسا للنوم. ولما سألته قالي إنه بيفكر يشتري كافتيريا في مكان على النيل. والله غلبت فيه ينزل يشتغل مع قماح ورباح أخواته زي محمد بس هو بيجول هو مش رايد، هو دماغه كده طول عمره، هتوهي عيني."
ردت هداية:
"مالها دماغه؟ مش شغال بالحلال، يبقى ربنا يرزقه من وسع في اللي هو رايد يشتغل بيه، وكله خير."
***
بعد قليل نادت سلسبيل على والدها كي تحدثه في أمر خاص. لفت ذلك انتباه قماح وأراد معرفة لما تريده لكن ربما يعرف لاحقًا.
بينما ذهب ناصر مع سلسبيل إلى إحدى الغرف. دخلت عليهما نهلة تريد معرفة سبب طلب سلسبيل الحديث مع ناصر.
تحدث ناصر قائلاً:
"ها قولي لي الموضوع اللي خليتني أقوم بسببه."
تنحنحت سلسبيل قائلة:
"الموضوع يخص شغلي. سبق يا بابا قولت لك إني عاوزة أشتغل وحضرتك كنت موافق وقولتلي إنك كلمت أستاذ مجدي في الحسابات أني أتدرب تحت إيده."
في البداية اعترضت نهلة قائلة:
"الكلام ده كان قبل ما تتجوزي، كنا ممكن نقول هتتسلي. دلوقتي بقيتي متجوزة وبكرة تخلفي وتنشغلي مع ولادك."
وقاطعها ناصر قائلاً:
"خدي رأي قماح يا سلسبيل ولو وافق أنا معنديش مانع وهرجع أكلم الأستاذ مجدي وهو يدربك زي قبل كده لما كان بيدربك على تقفيل الميزانيات وإنتي في الجامعة."
ردت سلسبيل:
"حاضر يا بابا هقول لقماح. وعندي شك إنه يوافق أصلاً بس بتمنى حضرتك تقنعه."
رد ناصر بحنو:
"حاضر، لو رفض وقتها هحاول معاه وأقنعه عشان خاطرك."
تنهدت سلسبيل براحة وقالت:
"شكرًا يا بابا، ربنا يخليك ليا أنا وأخواتي."
سهمت سلسبيل وقالت بحزن:
"قصدي يخليك ليا أنا وهدى."
غص قلب ناصر وصمت، بينما كادت دمعة من عين نهلة أن تفر لولا أن حبستها بعينيها، ملوحتها تحرق قلبها.
خرجت سلسبيل من الغرفة وتركت ناصر ونهلة التي قالت بعتاب:
"مكنش لازم توافق سلسبيل إنها تشتغل، لازمته إيه تشتغل وتتعب نفسها، هي مش محتاجة للشغل. إنت شايف زهرة أهي كانت بتشتغل قبل ما تتجوز وعلى زي ما اتجوزت شوفتها طلبت تشتغل تاني. وكمان معتقدش قماح هيوافق إنها تشتغل، يبقى ليه تجيب خلاف مالوش لازمة."
رد ناصر:
"وفيها إيه أما سلسبيل تشتغل؟ أهو تتسلى بدل ما تنقح قدرية. وكمان زهرة مش أفضل منها، بلاش طريقتك دي، سيب سلسبيل على راحتها."
تحدثت نهلة قائلة:
"وبعد ما نسيبها على راحتها وأفرض قماح رفض وقتها، أو سلسبيل أصرت على طلبها، ممكن يحصل إيه؟ وكمان قبل كده قولتلك دول بنات ولازم معاهم الشدة شوية، لكن إنت قولت عندي ثقة فيهم، وأهو أنت شوفت آخر الثقة دي همس عملت إيه، وقتلت نفسها وعيشتنا مكتومين خايفين نجيب سيرتها."
تنهد ناصر بألم وقال:
"كل شيء نصيب يا نهلة وبلاش قسوتك دي مع سلسبيل وهدى."
ردت نهلة:
"دي مش قسوة دي خوف يا ناصر، أنا بقيت بخاف واحدة منهم تطلع من البيت، بقى عندي وسواس إن اللي حصل مع همس هيتكرر معاهم هما كمان. أنا ارتاحت لما سلسبيل اتجوزت من قماح، رغم إني حاسة أنها مش سعيدة."
رواية عش العراب الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامه
بين وقت العصر والمغرب بحديقة منزل العراب، جلست هدى على الأرجوحة التي بين إحدى أشجار الحديقة.
انخضت حين دفع أحدهم الأرجوحة بقوة. تمسكت بها إلى أن توقفت، ثم نهضت مخضوضة خوفاً أن يعاود الفعله وتقع من على الأرجوحة.
ضحك عليها يقول: "مالك يا هدى؟ مكنتش أعرف إنك خفيفة كده."
نظرت هدى له بغيظ وقالت: "إنت اللي خفيف يا حماد، ومبتفكرش بعقلك، لأن لو كنت بتفكر مكنتش دفعت المرجوحة بقوة كده. أفرض كنت اتكفيت على وشي اتسهدم. وبعدين إيه اللي جابك هنا؟"
رد حماد ببرود: "بصراحة زهقت من قعدة العواجيز اللي جوه، قولت أطلع أشم هوا في الجنينة، وكمان أنا كنت عاوزك في مصلحة."
سخرت هدى منه وقالت: "مصلحة إيه اللي عاوزني فيها؟"
رد حماد: "الآيباد في الفترة الأخيرة مش عارف ماله، أوقات بيهنج، غير إنه مش بيحفظ المعلومات اللي بدخلها عليه تقريباً، وبما إنك بتدرسي معلومات حاسب، ممكن تعرفي إيه اللي فيه."
تهكم وجه هدى قائلاً: "أنا بدرس نظم برمجة حاسبات مش هندسة تصليح حاسبات. اللي بتقول عليه ده محتاج مختص في تصليح الآيباد، بس عالعموم مفيش مانع، ممكن تجيب الآيباد بتاعك وهو كده كده زي ما بتقول بيهنج، والله عرفت أصلحه كان بها، معرفتش خده ووديه لمهندس مختص."
تبسم حماد قائلاً: "متأكد إنك هتعرفي العيب اللي فيه. في أقرب وقت هجيبه ليكي."
ردت هدى: "تجيبه ليه، ابقى ابعته مع عمتي عطيات، هي هنا تقريباً كل يوم."
رد حماد: "هنقل المعلومات المهمة اللي عليه على سيديهات، وبعدها أنا بنفسي اللي هجيبه في أقرب وقت."
رفعت هدى كتفيها قائلة: "براحتك، هدخل أنا بقى أشوفهم بيعملوا إيه، خلاص المغرب هيأذن ولازم نجهز العشا، هروح أساعدهم."
تحدث حماد بنبرة يُغلفها التلميح: "ربنا يخلي جدتي هداية دايماً هي اللي مجمعة العيلة والأحبة، متعرفيش أنا بستنى يوم الجمعة ده دايماً عشان جمعتنا دي، بتخلينا نتوصل ببعض والحب بينا يزيد والنتيجة جواز أختي زهرة من رباح. الحب اتوصل في قلوبهم بسبب اجتماعنا ده، وقلبي حاسس كمان إن في قلوب تانية الفترة الجاية هتتوصل مع بعضها."
ردت هدى ببسمة سخرية وقالت: "إن شاء الله، اللي في أمر ربنا هيكون. ربك رب قلوب. يلا أهي سلسبيل بتنادي عليا."
تركت هدى حماد ينظر لها نظرة تمني.
بينما هدى زفرت أنفاسها بعد أن تركته وتبسمت لسلسبيل حين اقتربت منها قائلة: "مناديتك ليا نجدتيني من غلاسة كارم."
تبسمت سلسبيل قائلة بفضول: "كان عايز منك إيه؟"
ردت هدى: "مفكرني غبية وهصدق غباؤه. قال إيه الآيباد بتاعه بيهنج، مفكرني مهندسة صيانة. حركاته مفهومة... همس خلاص راحت في هدى يلعب عليها. والله نفسي جدتي تبطل عادة يوم الجمعة دي، بقيت بكرهها، يارب هون باللي باقي في اليوم ده."
***
بنفس الوقت، سحبت عطيات يد زهرة إلى أن دخلت بها إلى غرفة جانبية بالمنزل. وقفت أمام باب الغرفة وأخرجت رأسها تتلفت يمين ويسار تتأكد أن لا أحد يراها، ثم أربت الباب وذهبت لمكان وقوف زهرة المتعجبة والتي قالت: "في إيه؟ ساحباني وراكي وجايبتيني للأوضة دي وواقفه تتلفتي حواليكي زي الحرامية كده."
نظرت عطيات لها بتفهم: "قوليلي إيه حكاية إنك حبلى دي؟ من إمتى الكلام ده؟ إيه اللي في دماغك يا بنت مجاهد؟"
ردت زهرة بلا مبالاة: "مفيش في دماغي حاجة، وفيها إيه غريب أما أكون حامل... ليه حبلى من الحرام؟ ناسيه إني متجوزة."
تهكمت عطيات قائلة: "لأ إنتي اللي ناسيه إنتي متجوزة فين، مش خايفة كذبة إنك حامل دي تتفضح؟"
سخرت زهرة قائلة: "مين اللي قالك إنها كذبة؟ ومين اللي يقدر يفضحني؟"
ردت عطيات بتوعية: "هداية... ناسيه هداية عقربة دي بتعرف الست حبلى من مجرد النظر لجسمها، أنا نفسي عرفت إني حبلى في حماد أخوكي منها، بمجرد ما بصت على جسمي، وكمان نسوان ولادها مفيش واحدة فيهم نظرتها خابت ومطلعتش حبلى بعد ما هي قالت لها، غير إنها هي اللي مولداهم."
تهكمت زهرة: "كانت دكتورة إياك؟"
ردت عطيات: "لاه مش دكتورة بس بتفهم في الطب والدوا، ربنا عاطيها ملكة إلهية من عنده. حاسبتيها غلط يا بت بطني، كان الأحسن ليكي تبقي حامل بصحيح وجتها كنت فرحتلك بصحيح."
ردت زهرة بسخرية: "ولما هداية بتفهم في الطب وتعرف إن الست حبلى من النظر لجسمها، ليه معرفتش بفضيحة همس قبل ما تسقط؟ دي تخاريف. وبعدين من اللي قالك إني مش حامل؟ أنا فعلاً حامل، والدكتورة أكدتلي ده إمبارح."
نظرت لها عطيات بتكذيب وقالت: "دكتورة مين؟ أنا عليا إني حذرتك. لو مفكرة إن رباح زي اللعبة بيدك، وهتعملي ملعوب إنك سقطتي بعد كام يوم هقولك دي حيلة مفضوحة، وناسية الحبلى مع الوقت بطنها بتكبر وجتها هتحطي مخدة في بطنك إياك. طب قدام العيلة هقولك وماله، لكن قدام رباح هتعملي إيه لما يشوف بطنك على حقيقتها مبتكبرش؟ رأيي إنك استعجلتي وحسبتيها غلط، كنتي خدتي رأيي قبل ما تقولي إنك حبلى."
ازدرت زهرة ريقها، بالفعل هي لم تحسب ذلك وقت أن كذبت كذبتها. نظرت لعطيات وظلت صامتة.
تحدثت عطيات بلوم: "سكوتك معناه إني قولي صح وإنك مش حبلى. ادعي ربنا إنك تحبلي بصحيح الأيام الجاية، قبل سلسبيل ما تشيل في حشاها من قماح، ده إن مكنتش حبلى من ليلة الدخلة... كلنا شفنا الملاية بعنينا، غير قعد عشر أيام مرافق لها في الشقة ليل ونهار."
تهكمت زهرة: "طب ما كان متجوز مرتين قبل كده مفيش واحدة فيهم حبلت؟ مش يمكن فيه عيب وده سبب طلاقه منهم؟ مصدقة الحجج الفارغة اللي كان بيطلقهم بسببها. سلسبيل هتفرق إيه عنهم... يمكن عنده علة ومداريها، ومعتقدش سلسبيل هتحبل بالسرعة دي، وده كلام سابق لأوانه. وحتى لو سلسبيل خبلت زي ما بتقولي، أنا هبقى قدامهم أنا اللي حملت الأول واللي حصل بعد كده نصيب."
تحدثت عطيات بإستفسار: "وأيه اللي هيحصل بعد كده يا بنت مجاهد؟"
ردت زهرة بثقة: "اللي هيحصل هو النصيب، القدر كده."
***
في المساء، بعد انتهاء العشاء وقيامهن بفض السفرة مع نسوة المنزل، بعد قليل.
ذهبت كل من هدى وسلسبيل إلى تلك الغرفة الكبيرة بالمنزل، أو كما يدعونها "المندرة".
كانت تجلس زُهرت وزوجها رباح جوار بعضهما على إحدى الأرائك. كان رباح يدخن سيجاره، وكانت معهم والدة زهرة وأخوها حماد، وأيضاً زوجة عمه وأبنائها.
تحدثت هدى بهمس وبتذمر قائلة: "والله نفسي جدتي تبطل تعمل يوم الاجتماع العائلي اللي بتعمله كل أسبوع ده. إحنا اللي بنتفهد فيه. شايفة حتى اللي المفروض سلفتك وزيها زيك قاعدة جنب جوزها تدلع عليه، وكمان مرات عمك قاعدة جنب عجوزها تقول لي مخلفة نوابغ وكلهم تيوس أفشل من بعض من أكبرهم لأصغرهم، حتى عمتك وابنها الغبي حماد، الواد ده مش بينزل لي من زور. شكلك كده هتبقي زي ماما في البيت ده الحيطة المايلة اللي الكل يسند عليها. ويا ريت في الآخر في حمد وشكرانية."
ردت سلسبيل: "لأ أنا ناويه أشتغل مش هقعد في البيت. أنا كنت كلمت بابا في الموضوع ده من فترة وهو وافق، بس اللي حصل هو اللي أجل الموضوع ده، بس بالمنظر ده الشغل هيريحني كتير. كفاية هبعد عن مرات عمك ومرات ابنها البغل الكبير اللي لعبها في إيد مراته ومش قادرة تفرد نفسها عليها. طبعاً ما مراته بنت أخوها الغالي جوز عمتها أخت جوزها."
تبسمت هدى تقول بهمس: "ربنا يعينك عليهم. متخافيش أنا معاكي جاهزة لأي مقالب."
تبسمت سلسبيل قائلة بمزح: "شايلة لكِ للكبيرة يا كبيرة."
تبسمت هدى لها. لاحظت زهرة همسهن فقالت بإدعاء المحبة: "بتضحكوا على إيه؟ ضحكونا معاكم."
ردت هدى: "ولا حاجة، بس مبسوطين بالجمع العائلي."
ردت هداية التي دخلت ووضعت يدها على كتفيهن قائلة: "يلا يا بنات اجعدوا خلونا نتسلى مع بعضينا."
تبسمن لها. لكن قالت زوجة عمهن: "هدى بس اللي بنت، إنما سلسبيل خلاص بقت ست."
ردت هداية: "بقت ست وست الستات كمان."
تبسم كل من نبوي وناصر اللذان دخلا إلى الغرفة وتحدث نبوي قائلاً: "سلسبيل طول عمرها هادية وفيها كتير منك يا أمي من صغرها كانت تحت يدك. والله فرحت إن نصيبها كان مع قماح بصراحة كنت مستخسرها تطلع بره الدار."
تبسمت سلسبيل بداخلها كانت تود الفرار من ذلك النصيب، لكن امثلت لنصيبها المكتوب، أن تسجن بداخل هذا المنزل مع ذلك القاسي.
على ذكر القاسي... ها هو قد أتى للغرفة هو الآخر.
تحدثت هداية وهي تبتسم له: "كنت فين يا قماح؟ أنا قولت هاجي المندرة ألقاك فيها."
رد قماح: "كان معايا اتصال مع واحد من التجار عاوز يشتري بضاعة من عندينا."
تبسمت هداية: "ربنا يرزقك يا ولدي من واسع. ها خلونا نجعد دلوق مع بعضينا."
بالفعل جلس قماح على أريكة بالغرفة بالمنتصف بين هداية وعمه ناصر. بينما جلسن هدى وسلسبيل أرضاً بركن من الغرفة.
فتحت هدى هاتفه وبدأن هي وسلسبيل متابعة أحد عروض المواقع، لكن نهض حماد من مكانه وذهب إلى مكانهن وجلس بجوارهن، يتابع معهن على الهاتف نفس الموقع ويتحدث معهم. لكن رغم شعورهن بالبغض منه كانتا يردون عليه.
بينما عين قماح كانت ثاقبة، ونظر إلى سلسبيل التي تجلس بالمنتصف بين هدى وحماد. كان يود أن يقول لها أن تنهض وتأتي للجلوس جواره بعيداً عن تلك السفيهة ابنة عمته المتسلقة وابنها يمتلك نفس خصالها.
بعد وقت ليس بالقليل نهض قماح قائلاً: "عندي تسليم بضاعة بكرة الصبح ولازم أكون فايق. تصبحوا على خير... سلسبيل يلا نطلع لشقتنا."
رد حماد: "بس البرنامج اللي بنتابعه على الموبايل لسه عليه شوية."
ردت هداية التي لاحظت نظرات قماح ل سلسبيل منذ جلوسه وتغيرها حين جلس حماد بجوارها: "البرنامج مش هيطير، تبقي تسمعه مرة تانية. يلا يا سلسبيل فزي ويا جوزك، لازمن يستريح عشان يبقي فايق لوكل عيشة."
نهضت سلسبيل من جوار هدى على مضض، وذهبت خلف قماح إلى شقتهم.
فتح قماح باب الشقة وتنحى جانباً. دخلت سلسبيل ثم هو خلفها وقام بصفع الباب خلفه.
للحظة انخضت سلسبيل وقالت: "بترزع الباب قوي كده ليه؟"
رد قماح بتريقة: "أنا جيت أقفلها اتقفلت جامد، معلشي خضيتك."
صمتت سلسبيل.
تحدث قماح: "كنتوا بتشوفوا إيه على موبايل هدى ومبسوطين قوي كده، لدرجة إنك مكنتيش عاوزة تيجي ورايا وتكملي السهرة تحت."
ردت سلسبيل: "ده برنامج عالنت كوميدي أنا وهدى متابعينه."
تحدث قماح: "وحماد كمان متابعه أكيد. عالعموم بعد كده لما أكون قاعد في المندرة تقعدي جنبي. البرنامج مش هيطير."
ردت سلسبيل: "حاضر، بس في حاجة كنت عاوزة أتكلم معاك فيها."
رد قماح: "وأيه هي؟"
ردت سلسبيل: "إنت عارف إن اتخرجت من أكتر من سنة من كلية التجارة، وكنت طلبت من بابا إني أشتغل في الشونة محاسبة، وهو وافق وقالي إنه كلم الأستاذ مجدي المحاسب إني أدرب لفترة تحت إيده قبل ما أمسك معاه حسابات الشون بتاعتنا."
وضع قماح إصبعه السبابة على رأسه بتفكير قائلاً: "بس أنا مش موافق إنك تشتغلي."
انصدمت سلسبيل قائلة بخفوت: "ليه مش موافق؟ بس بابا موافق."
جذب قماح سلسبيل من عضدي يديها ليخبط جسدها بصدره قائلاً: "عمي انتهت ولايته عليكي من يوم ما اتجوزتك، وأنا مش موافق إنك تشتغلي يبقى خلاص مفيش كلام تاني في حكاية إنك تشتغلي. ودلوقتي أنا تعبان طول اليوم وعاوز أنام."
ردت سلسبيل التي ترتجف بين يديه وقالت بخفوت: "سيب إيديا."
ترك قماح يديها، لكن سحبها من إحدى يديها خلفه إلى غرفة النوم. ثم تركها وذهب إلى الحمام. شعرت سلسبيل بألم بعضدي يدها ووقفت تمسدهما، ولكنها لن تيأس وتستسلم كما فعلت سابقاً وامثلت لزواجها من قماح دون رغبتها.
بدلت ثيابها بثياب أخرى للنوم وتمددت على الفراش تدعي النوم.
لكن نظر قماح لها وتبسم بسخرية. قام بتنشيف خصلات شعره ثم ألقى المنشفة على أحد المقاعد وخلع عنه ذلك المئزر القطني، وتمدد هو الآخر على الناحية الأخرى للفراش. كانت سلسبيل تعطيه ظهرها.
اقترب منها ووضع يده على كف يدها. ارتجفت يد سلسبيل.
سخر قماح يقول: "أول مرة أشوف حد زعلان ينام بسرعة كده. ديري وشك ليا، أنا متأكد إنك مش نايمة."
بالفعل استدارت سلسبيل بوجهها له.
وقالت: "ومين قالك إن الزعلان مبيناش؟ لأ بينام بس بينام... مقهور."
ضحك قماح بسخرية يعيد كلمتها الأخيرة... مقهور.
نظرت سلسبيل لوجه قماح، لأول مرة تراه يضحك. رغم أنه يتهكم عليها، لكن كان وجهه وسيم وهو يضحك.
لكن فجأة قام قماح بجذب سلسبيل له واعتلاها مقبلاً بعنفوان قليلاً، ويديه تسير على جسدها تترك بصمته مكانها أثر. تعامل معها بإشتهاء وامتلاك.
بينما شعرت سلسبيل ببعض الآلام بجسدها حين نهض عنها، نام على ظهره. شعرت براحة، لكن سرعان ما جذبها مرة أخرى وكان سيعيد الكرة مرة أخرى، لكن نظر لوجه سلسبيل التي أغمضت عينيها تعتصرهما.
فجأة شعر بغصة بقلبه لما يتعامل معها بتلك الطريقة التي تقترب من العنف قليلاً. هو لديه يقين أن سلسبيل تكرهه وتكره تلك العلاقة بينهم، تمتثل لها غصباً.
تركها وعاد ينام على ظهره. وكلمة واحدة يرددها عقله.
الزعلان بينام مقهور... هي لا تعلم كم نام ليالي كثيرة وحيداً وحزيناً ومقهوراً دون أن يشعر به أحد، وذكرى خلف أخرى تمر أمام عيناه تجعله يشعر بالقهر.
***
قبل قليل بالمندرة.
نظرت هداية إلى رباح الذي يجلس جوار زوجته ويضعان ساق فوق أخرى. ضايقها طريقة جلوسهم هكذا، وهذا وليس فقط ما ضايقها بل تدخين رباح.
تحدثت له بحدة: "اطفي السيجارة اللي بيدك دي واجعد عدل إنت والمحروسة مراتك، وبعدين مش وراك أشغال بكرة ولازم تبقي فايق لها. إيه هتكمل السهرة للصبح إياك، وبعدين الحبلى لازمها راحة، ولا إيه يا زهرة؟"
نهضت زهرة قائلة: "فعلاً أنا تعبانة شوية وكنت لسه هقول لرباح نطلع شقتنا بس انكسفت لتقولوا إن بدلع عشان حامل ومش حابة أقعد مع العيلة، وأفرق جمعها، بعد قماح ما خد سلسبيل وطلعوا، هما عرسان جداد وليهم عذرهم."
تهكمت هداية قائلة: "لأ متخافيش مفيش حد يقدر يفرق جمع العيلة، ودلوق خدي جوزك واطلعي شقتكم، وقبل ما تطلعي بقولك حاولي معاه يبطل الهبابة السيجارة اللي بجت مرافجة ليده معرفش مين اللي دله عليها، خليه يبطلها حتى عشان صحته."
تصنعت زهرة البراءة وقالت: "والله بحاول معاه يا جدتي واسأليه، حتى قولت له يبطلها حتى لو مش خايف عليا يخاف على الجنين اللي في بطني. دخان السجاير يأثر عليه."
رغم شعور هداية بتصنع زهرة، لكن نظرت ل رباح قائلة بتورية: "بتسمع كلام مراتك في كل شيء. اسمع كلامها في ده وبطل السيجارة ملعون اللي دلك عليها، ودلوق تصبح على خير."
بالفعل غادر رباح وخلفه زهرة التي نظرت لعطيات أثناء خروجها من المندرة نظرة فهم الإثنتين مغزاها.
بينما تنحنحت عطيات وقالت: "نقوم أنا وحماد بقى نروح دارنا حتى عشان مجاهد."
تحدثت هداية: "صحيح نسيت أسألك عن مجاهد مجاش النهارده ليه؟"
ردت عطيات بصعوبة مصطنعة: "إنتي عارفة إنه مريض بالصدر وكان تعبان شوية وجالي روحي إنتي عادة الحاجة هداية متقطعيهاش واصل."
نظرت هداية ل ناصر قائلة: "مش قولت إن في واحد دلك على دكتور صدر زين بالحجز؟"
رد ناصر: "أيوه يا أمي وحجزت عنده بعد يومين."
ردت هداية: "تمام يبقى خد مجاهد ومعاكم حماد ورحوا للدكتور ده يمكن ربنا يجيب الشفا على يده."
ردت عطيات بتآمين: "يارب يشفي مجاهد ده هو دنيتي، هي الست منا ليها غير راجلها هو راحتها وقيمتها وسط الخلق."
غادرت عطيات مع حماد الذي كان يود البقاء أكثر والحديث مع هدى، لكن لو بقي، ربما تحرجه هداية.
تحدثت هداية قائلة بود وهي تنظر ل نهلة: "وإنتي يا نهلة تعبتي إنتي والبنات النهارده، يلا خدي ناصر وهدى واطلعوا استريحوا، تصبحوا على خير."
تبسمت هدى واقتربت من هداية وقبلت يدها بإحترام ومحبة قائلة: "وأنتي من أهل الخير يا جدتي."
غادرت نهلة أمام ناصر الذي تبعها هو وهدى يتحدثان سوياً.
نظرت هداية للنبوي قائلة: "وإنت كمان يا نبوي روح شقتك تصبح على خير."
تبسم النبوي وانحنى يقبل يد هداية قائلاً: "تلاقي الخير دايماً يا أمي، يلا يا محمد بوس إيد جدتك وخلينا نروح شقتنا.. يلقدرية."
بالفعل قبل محمد يد هداية التي دعت له بمحبة، بينما تهكمت قدرية بداخلها تقول: "مفكرة نفسها ملكة والكل عمال يوطي يبوس يدها، معرفش هتفضل فرعون لحد إمتى، لكن طبعاً رسمت الخنوع وغادرت المندرة."
غادر الجميع المندرة، انفض الجمع الذي يحدث أسبوعياً. تبسمت هداية لديها أبناء وأحفاد يسمعون كلمتها بحب، لكن فجأة غص قلبها فهنالك عقارب قد تستغل الظلام وتفتعل فرقة بين هذا الجمع من الأبناء والأحفاد... تخشى أن يحدث صدع بينهم يصعب عليها ترميمه.
***
بشقة النبوي.
دخلت قدرية خلف النبوي إلى غرفة النوم مباشرةً، تدعي الإرهاق قائلة: "يوم الجمعة ده بيجي متعب جوي وشغله كتير، ما بصدق يخلص اليوم وأقول فين السرير أنام وأرتاح من تعب اليوم ده. ربنا يخلي الحاجة هداية هي اللي مجمعانا دايماً يارب."
نظر النبوي لها وقال بنبرة تهكم: "يارب. وفعلاً بتتعبى إنتي جوي اليوم ده من التنظير على الشغالات وكمان نهلة مرات ناصر، ويمكن انضم لهم سلسبيل بعد ما بجت مرات قماح. عالعموم أنا هلكان هغير هدومي وأنام."
ابتلعت قدرية حديث النبوي وقالت بتساؤل: "أنا استغربت إنت كنت خرجت من الدار بعد العصر ومرجعتش غير قبل العشا بشوية كنت فين؟"
رد النبوي بحزم وقطع: "كنت مع تاجر من اللي بنتعامل معاهم، وأظن شغلي مالكيش فيه صالح.. هروح أغير خلجاتي في الحمام."
ذهب النبوي للحمام وترك قدرية لغلول قلبها. تعتقد أنها مظلومة بهذا المنزل، وقالت: "كله منك يا نبوي لو كنت عامل ليا شأن مكنتش هداية في يوم قدرت تفرد نفسها عليا، لكن من البداية أنا المحقوقة، ياريتني كنت زمان لما اتجوزت عليا جتلته كنت حسرتهم الاتنين عليك وجتها وشفيت غليلي وحسرتي اللي شايلتها في قلبي سنين طويلة، حتى بعد ما ماتت الأغريقية قلبك لسه متعلق بيها، وعملت المستحيل عشان ولدها يرجع لهنا من تاني، عشان يفضل يذكرك بيها. ابنها اللي فضلتوه على ولدي رغم إنه البكري، حتى في الجواز ربنا قسم له يتجوز من بنت أخوك، اللي متأكدة إن هداية بتخطط تركبها الدار من بعدها، بس مش هيحصل ده أبداً... لازم آخد مكانتي الحقيقية في دار العراب، إن الكبيرة هنا."
***
بينما بشقة رباح. بعد قليل.
أبدلت زهرة ملابسها بأخرى مناسبة للنوم وصعدت للفراش. كذلك فعل رباح، وصعد هو الآخر للفراش جوار زهرة وضمه لصدره.
مثلت زهرة القمص قائلة: "شايف جدتك والعيلة لما قولت لهم إني حامل ولا فرق معاهم إزاي. أنا كنت متوقعة رد فعل تاني، وأهو أنت شوفت بعنيك. حتى قماح وسلسبيل يا دوب قالولي مبروك وشكلها طالعة من تحت درسهم. طبعاً كانوا نفسهم يسبقونا ويخلفوا قبلنا. حتى عمتي قدرية طبعاً مش مبسوطة ماهي كانت من ضمن المعارضين لجوازك مني كانت عاوزة واحدة تانية، بنت حسب ونسب عن أخوها. حتى جدتك زي ما تكون مش مصدقة دي كان ناقص تكذبني. عالعموم ده مش فارق معايا."
ضمه رباح قائلاً: "لاحظت ده كله، بس عارفة مش حاطة في دماغي. فرحتي إني حامل خلتني أطنش للباقين. الفرحة دي تخصنا إحنا بس يا حبيبتي، وبكرة لما ولدنا يجي للدنيا وقتها هيتعمل له ألف اعتبار. هيبقى الحفيد الأول للنسل الجديد للعرابين، وغصب عنهم هيبقى الكبير من بعد بابا."
تبسمت زهرة ووضعت يدها على بطنها وقالت برياء: "يارب يجي بالسلامة، معرفش ليه جوايا إحساس وخايفة منه."
تعجب رباح يقول: "إحساس إيه ده؟"
ردت زهرة بدمعة خادعة: "عندي إحساس إن حملي مش هيكمل، معرفش ليه وخايفة قوي أفقد الجنين ده، وكمان خايفة من حاجة تانية لو حصل وفقدت الجنين ده."
رد رباح بلهفة: "بعيد الشر. ربنا يكمل حملك بخير وتقومي بولدنا بالسلامة، وأيه كمان الحاجة التانية اللي خايفة منها دي؟"
ردت زهرة بدمعة: "خايفة وقتها إنت كمان تتخلى عني."
تعجب رباح يقول: "أتخلى عنك؟ أنا عمري ما أتخلى عنك يا زهرة. إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه، ورفضت أتجوز غيرك. شيلي الأوهام دي من دماغك. إن شاء الله ربنا هيتمم حملك على خير ويجي ولدنا يكمل عشقنا لبعض."
تبسمت زهرة ووضعت يديها حول وجه رباح وقالت بلغة عشق خادع تجيدها على ذلك الأحمق: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي طول العمر ويرزقني منك بدستة ولاد وبنات ويكونوا بنفس حنيتك." أنهت زهرة قولها بقبلة على شفاه رباح.
رحب بها كثيراً، وأراد المزيد، لكن زهرة تمنعت ودفعته عنها قائلة بتمثيل الخجل: "مش هينفع اللي في دماغك يا رباح. الدكتورة إمبارح وأنا عندها قالت لي بلاش علاقة مع جوزك الفترة دي، على الحمل ما يثبت. أنا سبتك امبارح عشان مزعلكش وانت فرحان بخبر حملي، لكن كنت تعبت واتصلت على الدكتورة وقالت لي بلاش العلاقة الفترة دي."
تبسم رباح يقول بقبول: "تمام يا قلبي اسمعي كلام الدكتورة عشان صحة ولدنا، وأنا ها هستحمل غصب عني، يهمني صحتكم."
تبسمت زهرة وقالت: "وصحتك إنت كمان. قولي الصداع عمل معاك إيه دلوقتي؟"
رد رباح: "لأ تقريباً الصداع راح وبقيت أحسن بعد ما خدت حبيتين من العلاج اللي جبتيه ليا، شكل مفعوله سريع."
تبسمت زهرة قائلة: "قولت لك أنا مجربة الدوا ده قبل كده، وكنت لما بحس بصداع، كنت باخد منه. بس بعد كده ممنوع آخد منه؟"
تعجب رباح يقول: "ممنوع ليه؟"
ردت زهرة: "علشان الحمل يكمل بخير، ممكن يكون للدوا ده تأثير على الحمل... لو إني مش خايفة من تأثير الدوا ده قد خوفي من التعابين اللي في العيلة اللي شكلهم مستكترين علينا إننا نخلف. حتى هداية أنا زعلت قوي لما زعقت لك على شرب السجاير. تفتكر لو قماح اللي كان بيشرب سجاير كانت هتزعق له؟ هي هداية كده زي كل اللي في البيت ده بوشين."
رد رباح: "فعلاً كل اللي في البيت ده بوشين، بس محدش يهمني منهم، كل اللي يهمني إنتي وابننا وبس."
***
بعد مرور أكثر من شهر.
بعد انتهاء الفطور وذهاب الجميع إلى وجهته للعمل.
ذهبت سلسبيل إلى ذالك الأتيليه الصغير الموجود بحديقة المنزل، بدأت بنحت بعض النماذج بأحد أنواع الطين المخصص لصناعة التماثيل. دخلت هدى عليها ببسمة تقول بمزح: "سلامُ قولاً رحيم... أعوذ بالله من غضب الله."
تبسمت سلسبيل قائلة: "مالك محسساني إنك داخلة معبد وثني."
ضحكت هدى قائلة: "وهو المساخيط اللي في الأتيليه دول إيه؟ مش شبه الأصنام بتاع الكفار بتوع زمان."
ضحكت سلسبيل قائلة: "لأ ده بيندرج تحت فن تشكيلي، زي معابد الفراعنة كده، حتى أنا مقلدة كذا نسخة منحتوتات زي اللي في المعابد اللي في الأقصر وأسوان."
نظرت هدى لتلك المنحوتات وقالت بإنبهار: "تصدقي فعلاً أنا لما روحت رحلة للأقصر وأسوان شوفت تماثيل زي دي بالظبط، والله إنتي موهوبة بجد ولازم تعملي معرض خاص بالمنحوتات دي."
تبسمت سلسبيل قائلة: "نفس كلام همس الله يرحمها كانت بتقولي كده رغم إنها كانت بتضايق مننا لما حد يقولها يا... هاميس علشان الاسم فرعوني قديم."
غص قلب هدى وقالت: "همس وحشتني قوي، أوقات بتمنى الموت عشان أشوفها وأسألها ليه استسلمت مدفعتش عن نفسها قدام العيلة. أنا متأكدة إنها مستحيل كانت تغلط الغلطة دي بمزاجها."
ردت سلسبيل وهي تحتضن هدى قائلة: "بعيد الشر عنك، ربنا يخليكي ليا، وأنا كمان متأكدة إن همس مستحيل كانت تغلط الغلطة دي بخاطرها. وتعرفي إن همس جت لي كذا مرة في الحلم، معرفش ليه؟"
قالت سلسبيل هذا وحكت لهدى على رؤيتها لهمس بالحلم على هيئة فراشة وتمسك كارم بها أمام العاصفة.
لم تتعجب هدى وقالت بتلقائية: "يمكن عاوزة تديكي إشارة تثبتي بها براءتها."
***
بنفس الوقت بنفس الكافيه ببني سويف.
كان كارم يجلس يتحدث مع أحدهم يتفاوض معه على شراء ذالك الكافيه. تفاجئ بقوله: "بصراحة الكافيه ده مش بتاعي أنا مجرد مديره فقط وأنت لما سبق كلمتني على شراه أنا روحت لصاحبة الكافيه نفسها وقولت لها، وعشان كده إديتك ميعاد النهارده نكمل كلامنا معاها، وهي أهي وصلت."
تبسم المدير ووقف بأحترام يستقبلها، كذالك وقف كارم، وأندهش مبتسماً بشعور الألفة لتلك الصغيرة المصاحبة لصاحبة الكافيه التي تبسمت له، وأمأت برأسها ترحب به.
تبسم كارم وهن يجلسن معه على طاولة واحدة.
جلس كارم مبتسماً وقال المدير: "هسيبكم مع بعض تتفاهموا."
تبسم كارم للمدير ونظر لهن مبتسماً وقال: "مفيش داعي للتطويل، أنا سبق وطلبت من المدير شراء الكافيه ده، بأي تمن تطلبيه."
ردت الفتاة بتكرار قائلة: "بأي تمن... حتى لو قولتلك إن الكافيه مش للبيع... لكن معنديش مانع إننا نتشارك فيه، بس في شرط واحد معرفش هتقبله أو لأ."
تعجب كارم وزم بين حاجبيه وقال: "وأيه هو الشرط ده؟"
سمع كارم من خلفه من يقول: "الشرط تتجوز همس يا كارم."
نظر كارم لمن يتحدث خلفه، هو يعلم هذا الصوت جيداً، تبسم له يقول: "وأنا طبعاً موافق يا بابا، أنا مصدقت إن هاميس بنت عمي رجعت للحياة ومش هسيبها تضيع مني من تاني."
رواية عش العراب الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامه
غادر النبوي وأخذ معه تلك الطفلة، وترك همس مع كارم بالكافيه.
نظر كارم لها قائلاً:
ألا تعلمين حبيبتي كم مرة فكرت في الانتحار كي ألحق بكِ ونتقابل بين شظايا النيران نحترق سوياً؟ لكن كان القدر رسم لي البقاء كي تعودي إلي.
تبسم كارم قائلاً:
اقلعي النقاب اللي على وشك يا همس، أظن مبقاش له لازمة بعد كده تخفي وشك عني. أنا كان عندي إحساس إنك هاميس بنت عمي، يوم ما لمحتك في المقابر يوم جواز سلسبيل وقماح. ولقاءاتنا بعد كده مكنتش صدف، أكيد كانت من ترتيب مين الله أعلم.
رفعت همس النقاب عن وجهها وقالت:
لقائنا مرة تانية كان من ترتيب القدر يا كارم، فاكر كنت بتقول لي إيه دايماً؟
"هاميس هي العروسة اللي كان الفراعنة بيرموها في النيل كل سنة عشان الخير يفيض بعد كده. بس هاميس مماتتش، فضلت عايشة في القلوب، إنها رمز للعطاء والتضحية."
تبسم كارم قائلاً:
وإنتي ضحيتي ليه بحياتك قدامنا يا هاميس؟ ليه رضيتي تبقي ميتة خا...
لم يُكمل كارم الكلمة، واسترد حديثه قائلاً:
احكي لي الحكاية من الأول يا هاميس.
وهتصدقني يا كارم؟ هكذا ردت همس.
نظر لها كارم قائلاً:
لو مكنش عندي ثقة إنك بريئة يا همس، مكنتش اتعذبت الفترة اللي فاتت وكنت نسيتك بسهولة جداً. شيلي النقاب، رغم إن وشك عمره ما فارق خيالي، بس وحشتني بسمة وشك يا همس.
رفعت همس النقاب عن وجهها وقالت بشعور الهزيمة:
بسمتي اختفت يا كارم.
بالفعل نظر كارم لملامح همس، شعر بغصة قوية في قلبه. صورة وجهها كما هي، لكن اختفت عينيها اللتان كانتا تضويان ببريق الطفولة، حتى بريق الطفولة انطفأ. أمامه وجه صبية عابس، تحسر قلبه وقال:
احكي لي من أول الحكاية يا همس.
نظرت له همس قائلة:
عاوز أنهي حكاية فيهم؟ حكاية إني إزاي عايشة وبتنفس لغاية دلوقتي رغم إني حاسة إن قلبي ميت وحياتي انتهت، ولا الحكاية التانية، حكاية همس اللي اتوصمت بكلمة... خا...
قبل أن تكمل همس الكلمة تحدث كارم:
ابدأي بأي حكاية فيهم يا همس.
غص قلب همس وقالت:
هبدأ بحكاية إزاي إني لسه عايشة.
***
في إحدى غرف المنزل.
كانت همس موضوعة على طاولة.
دخلت هداية إلى الغرفة من أجل أن تقوم بتغسيل جسدها ومن ثم تكفينها. دخلت بقلب منفطر، إحدى الزهرات التي تربت على يديها. عقلها لا يصدق ما حدث قبل قليل، ولا حتى أن همس ارتكبت تلك الخطيئة بإرادتها. هي من ربت حفيدتيها وربتهن على العفة، سواء عفة النفس أو عفة البدن. الوجع يتضاعف بقلبها، ليس وجع بل فجع، فجيعه كبيرة تقتسم بقلبها.
اقتربت بدموع تسيل من عينيها كزخات مطر، كحال الطقس الممطر. كان السماء هي الأخرى تبكي لوجيعة قلب هداية. أصبح جسد همس مسجى أمامها مباشرة. كلما رفعت يدها لا تستطيع أن تصل إلى جسد همس بسرعة، تعود لجوارها. لكن وقع بصرها على جسد همس، لاحظت ما زالت الدماء تندفع منها بغزارة، كما أنها سمعت صوت أنين خافت للغاية. اعتقدت أنها تتخيل ذلك.
لا تعرف سبب لما مدت يدها بسرعة وضعتها فوق جرح همس الذي ينزف. شعرت بنبض يكاد يضيع. نظرت لوجه همس، رأت شفاها انفرجت تئن بلا صوت. مسحت دموع عينيها واستقوت قائلة:
همس، إنت لسه عايشة، لسه فيكي الروح.
أنت همس وكأنه الأنين الأخير، بالفعل بعدها صمتت همس.
وضعت هداية يدها على قلب همس، ما زال هناك نبض ضعيف. فتحت ملابسها سريعاً، رأت مكان الرصاصة واندفاع الدماء منها.
أتت بأقطان وقامت بوضعها فوق الجرح، حاولت كتم غزارة الدماء كي ترى مكان الجرح. لكن فوجئت الرصاصة قريبة من القلب كثيراً. عليها التصرف سريعاً. أتخرج وتقول لهم أن همس ما زالت حية وتعطيهم أملاً، واهياً سرعان ما يزول.
فكر عقلها وقلبها معاً بسرعة. أخرجت ذلك الهاتف الخلوي القديم الطراز وقامت بالضغط على زر الاتصال لأحد الأرقام الموجودة على الهاتف. وقفت تنتظر الرد الذي بنظرها تأخر، فهذا الرنين الثاني، لكن بنظرها لحظة تفرق بعودة همس للحياة أو مغادرتها نهائياً.
سمعت رد عليها فقالت بلهفة:
إنت فين يا نبوي؟ مبتردش عليا من أول رنة ليه؟
رد النبوي متعجباً:
أنا رديت على طول. أنا داخل عالوحدة الصحية أجيب دكتور يكشف على همس عشان أطلع تصريح الدفن وشهادة الوفاة.
ردت هداية بتسرع:
مالوش لازمة. ارجع للدار بسرعة، تعالالي من الباب الوراني للأوضة اللي دخلنا فيها همس، بسرعة بجولك.
قالت هداية هذا وأغلقت الهاتف، واقتربت من جسد همس مرة أخرى. وضعت يدها على عنقها، هناك ما زال النبض. كان القطن الموضوع على جرحها قد غرق من دمائها. أزاحت ذلك القطن ووضعت غيره تضغط عليه بقوة. لولا خوفها لقامت بفتح جسد همس وأخرجت تلك الرصاصة من جسدها، علّ خروجها ينهي هذا النزيف. لكن مهما كان لديها قلب جامد وبعض المهارات، لكن لم تصل لتلك الخبرة التي تحتاجها همس الآن. تحتاج ليد طبيب متخصص. وقبل الطبيب تحتاج إلى معجزة ليست بيد أحد سوا الله.
بالفعل بعد دقائق معدودة دخل النبوي من باب الغرفة المطل على الحديقة تحدث بنهجان:
في إيه يا أمي؟ خلتيني ليه أرجع قبل ما أوصل للوحدة وأجيب الدكتور.
ردت هداية بهدوء قليل اكتسبته من خبرتها السابقة:
همس لسه فيها الروح.
ذُهل النبوي قائلاً:
بتقولي إيه؟ إزاي!
ردت هداية:
مش وقت إزاي دلوقتي. دلوقتي لازم نحاول ننجدها، يمكن ربنا ياخد بيدها. ووجدتها تظهر الحقيقة.
اقترب النبوي من الطاولة الموضوعة عليها همس ووضع يده على عنقها. انذهل حين شعر بنبض تحت يده. تبسم بتلقائية لا يعرف كيف وقال:
فيها الروح صحيح. هطلع أقول لناصر ومرته.
مسكت هداية يد النبوي وقالت:
النبض ضعيف يا نبوي. بلاش تديهم أمل كداب. خدها للمستشفى، ونشوف الدكاترة هتقول إيه. يلا بسرعة يا ولدي، الوقت مش في صالحها. النزيف مش عمال يتوقف.
نظر النبوي لهداية وقال:
وهطلعها إزاي من الأوضة قدام اللي موجودين بالدار.
فكرت هداية قائلة:
استنى يا ولدي.
قالت هذا وآتت بملاءة ولفت بها جسد همس وقالت له:
اطلع هات العربية جدام باب الأوضة بسرعة.
بالفعل لم ينتظر النبوي، وخرج وآتى بالسيارة أمام باب الغرفة الخلفي. حمل همس سريعاً وخرج بها من الغرفة ووضعها بالسيارة. أشارت له هداية أن ينطلق سريعاً.
بسرعة الرياح كان يسير النبوي بالسيارة ووصل إلى إحدى المشافي الخاصة. دخل إلى الاستقبال يحمل همس، ينادي بصوت جهور على أحد أن يأتي إليه للمساعدة.
دلوه على غرفة الاستقبال، طلب النبوي التعامل السريع معها. وبالفعل تدخل الأطباء وحولوها إلى العمليات مباشرة.
وقف النبوي أمام باب غرفة العمليات ينتظر. الوقت لا يمر. بعد دقائق من دخول همس لغرفة العمليات، خرج أحد الأطباء قائلاً:
المريضة النبض ضعيف للغاية، وممكن في أثناء العملية تموت.
رغم شعور النبوي بالألم القاتل لكن قال:
أرجوك يا دكتور حاول تنقذها بأي شكل.
رد الطبيب:
مش في إيدي أنقذها، دي بين إيدين ربنا. أنا بس حبيت أبلغك بالوضع. دلوقتي هدخل للعمليات، ادعي لها.
بالفعل وقف النبوي أمام غرفة العمليات، لكن رن هاتفه. علم من تكون. رد عليها وقال:
أنا في المستشفى والدكتور بيقول الأمل ضعيف للغاية.
سآم قلب هداية وقالت له:
حتى لو كان يبقى عملنا اللي علينا يا ولدي. أنا مش هقول لحد إنها لسه عايشة وهتصرف.
تعجب النبوي قائلاً:
هتتصرفي إزاي يا أمي؟ هتحطي عروسة من القطن في كفن بدالها؟ رأيي نستنى نشوف الدكتور هيقول إيه تاني وأيه اللي هيحصل.
ردت هداية:
مش هتفرق يا ولدي، عروسة قطن من جُتت همس. الوقت بيمر وممكن الشك ولا الكلام يتنطور على اللي حصل بين الخلق. لو همس رجعت تاني للحياة، وجدتها مش هنغلب نقول للناس إنها لسه عايشة بس كان غلط الدكتور.
قالت هداية هذا وصمتت تتألم، ثم قالت بآنين:
ولو سلمت روحها للي خلقها مش هنغلب في دفنها. خليك يا ولدي لحد الدكتور ما يطلع، شوف هيقول لك إيه وأنا هنا هتصرف.
أغلقت هداية هاتفها، ونظرت حولها بالغرفة. هناك كنبة بالغرفة عليها مرتبة. توجهت لها وقامت بشقها من المنتصف. وقامت بتخيط مجسم لجسد همس وقامت بحشوه بأقطان من تلك المرتبة. أصبح من يراها إن لم يقترب منها، لا يعلم أنها عروس بنموذج جسد بشرية لكن من القطن. انتظرت بعض الوقت قبل أن تخرج.
لكن سمعت طرق على الغرفة. قامت بغطاء العروس ورسمت الدموع وتوجهت إلى باب الغرفة الداخلي وفتحته. وجدت أمامها عطيات التي تبكي بتمثيل قائلة:
همس فين؟ رايدة أشوفها قبل ما تندفن في التراب. يا حسرة قلبي على شبابها، جرالها إيه؟ أنا مش مصدقة اللي حصل.
ردت هداية:
اللي حصل ربنا رايده، وأنا خلاص غسلتها وكفنتها وحرام نكشفها من تاني ونعذبها. أنا مستنية النبوي على ما يرجع، هو قالي قدامه ساعة بالكتير يكون جاب تصريح الدفن على ما يجهزوا لها القبر.
نظرت عطيات نظرة خاطفة على تلك الطاولة، بالفعل تبدو انتهت من تغسيل وتكفين همس. قالت عطيات بعويل بعض كلمات الندب.
تحدثت هداية بصرامة:
اكتمي ندب، ادعي لها بالرحمة واقرئي لها قرآن. مسمعش كلمة ندب عاد.
بالفعل كتمت عطيات صوتها وبكت بتمثيل متعجبة من تلك القوية التي تحدثت معها بصرامة.
بعد وقت بالمشفى، خرج الطبيب من غرفة العمليات.
تلهف عليه النبوي قائلاً:
طمني يا دكتور... هتعيش.. قصدي لسه عايشة.
رد الطبيب بمهنية:
هي لسه عايشة بس الأمل ضعيف جداً.
رد النبوي وقال:
يعني إيه يا دكتور.
رد الطبيب:
فيها روح وفينا روح الله أعلم. هقولك حالتها بالضبط. المريضة وصلت لينا متأخر، الرصاصة من رحمة ربنا تفادت القلب بأقل من اثنين سنتيمتر. بس واضح المريضة نزفت دم كتير قبل ما تيجي لهنا في المستشفى، وتقريباً توقف ضخ الدم في باقي الجسم وده أدى نقص في وصول الأوكسجين للمخ. والمريضة تعتبر في غيبوبة الله أعلم هتفوق منها أو لأ، غير نعرفش جسمها هيقاوم أو لأ. توقع الأسوأ.
أغمض النبوي عينيه بتأثر.
تحدث الطبيب:
أنا هبلغ أمن المستشفى عشان يتخذ الإجراءات اللازمة. دي حالة خطيرة ومضروبة بالرصاص.
أومأ النبوي رأسه بصمت، فسَهُل عليه حل مشكلة الأمن بالمال، فالمشفى بالنهاية خاص.
بعد قليل اتصل على هداية التي ردت سريعاً، أخبرها بما قاله الطبيب له. أغمضت هي الأخرى عينيها وتدمعت مرة أخرى وقالت له:
تعالى للدار بسرعة يا نبوي.
بالفعل عاد بعد قليل للدار، وحمل العروس القطنية ووضعها بنعش وحملوه، وخرجوا من الغرفة التي أغلقت أبوابها هداية سريعاً بالمفتاح.
ووقت الدفن هو من حمل العروس ووضعها بالقبر، لتنتهي مراسم الدفن المزيف.
مر أكثر من ثلاث أسابيع، ما زالت همس تعيش بفضل الأجهزة الطبية، ربما عدت مرحلة الخطر، لكن لم تفق، ما زالت سابحة بملكوتها الخاص. كان النبوي وهداية يقومان بزيارتها يومياً.
حاول الأطباء إفاقة همس أكثر من مرة لكن لم تكن تستجيب. أرجح الأطباء أن ربما ذلك بسبب نقص وصول الأوكسجين للدماغ بعد تعرضها للنزف لفترة طويلة.
لكن فوجئ الطبيب المباشر لها ببعض مؤشرات الإفاقة. بالفعل بدأت همس تفيق وتعود للوعي تدريجياً.
نظر لها الطبيب ببسمة وقال:
أهلاً برجوعك مرة تانية.
نظرت همس للطبيب وقالت بخفوت:
أنا فين.
رد الطبيب:
فاكرة اسمك إيه؟
همست بصوت خافت:
هاميس.
عندك كم سنة يا هاميس؟
حاولت همس التذكر، صمتت لبعض الوقت.
لاحظ ذلك الطبيب ذلك وقال:
اسم والدك إيه؟
صمتت همس تتذكر بصعوبة، لكن لا تتذكر.
تحدث الطبيب:
طب فاكرة سبب إصابتك إيه؟
أغمضت همس عينيها، تتذكر. رأت نفسها وهي تمسك السلاح بيدها تضغط عليه، وتذكرت وقوعها على الأرض.
فتحت همس عينيها.
تحدث الطبيب:
حاولي متجهديش عقلك وقوليلي اللي فاكراه بس.
ردت همس:
كارم... سلسبيل... هداية.
مين كارم؟
ردت همس:
ابن عمي.
تبسم الطبيب:
طب مين سلسبيل؟
ردت همس:
أختي الكبيرة.
سأل الطبيب:
طب مين هداية؟
ردت همس:
أختي الصغيرة، وكمان...
كمان إيه؟
تذكرت همس قائلة:
جدتي هداية يبقى كمان اسم جدتي.
تبسم الطبيب قائلاً:
مش فاكرة حد تاني.
أغمضت همس عينيها تعتصرها وفتحتها تهز رأسها بلا.
رد الطبيب:
تمام. بلاش تجهدي عقلك، مع الوقت هتفتكري البقية.
أومأت همس برأسها، وقالت:
أنا إزاي لسه عايشة؟
تبسم الطبيب قائلاً:
أمر ربنا. واضح إن رحلتك لسه منتهتش. أنا بقول كفاية كده النهارده ويا ريت ترتاحي وبلاش تفكري كتير. وكمان في ضيوف موجودين بالمستشفى عشانك، وحابين يطمنوا عليكِ، مصدقوا إنك فوقتي.
انفرجت شفاه همس ببسمة طفيفة وقالت:
مين.
رد الطبيب:
دلوقتي هيدخلوا ونشوف هتتعرفي عليهم ولا إيه اللي هيحصل.
فتح الطبيب باب الغرفة قائلاً:
اتفضلوا.
دخل النبوي يمسك يد هداية التي تبسمت بانشراح حين رأت همس تفتح عينيها، كذلك النبوي.
اقترب الاثنان من الفراش، انحنت هداية قائلة:
حمدلله على سلامتك... يا همس.
نظرت لها همس متعجبة تقول:
همس مين؟
تعجبت هداية، كذلك النبوي الذي نظر للطبيب. أومأ له الطبيب أن يحاول الحديث مع همس.
بالفعل اقترب النبوي وانحنى كي يقبل جبين همس، لكن برد تلقائي بعدت رأسها عنه، تتوجس منه. وكذالك نظرت لهداية أيضاً ببعض التوجس، أقل من النبوي في البداية، ثم شعرت ببعض الألفة معها.
بعد خرج النبوي بصحبة الطبيب وترك هداية مع همس بالغرفة تحدثها ببعض الأشياء.
بينما تحدث النبوي للطبيب:
همس مالها؟ ليه خافت مني؟
رد الطبيب:
همس عندها فقدان جزئي للذاكرة، بسبب الغيبوبة اللي كانت فيها لأكثر من ثلاث أسابيع. ممكن تكون حالة نفسية ومع الوقت هترجع لها الذاكرة كاملة، بس بلاش ضغط عليها لأن ممكن يجي لها انتكاسة نفسية. رأيي المهم دلوقتي إنها فاقت من غيبوبتها والذاكرة مع الوقت هترجع لها.
تألم النبوي قائلاً:
فعلاً، أهم شيء إنها رجعت للحياة من تاني. متشكر يا دكتور. ياترى إمتى ممكن تخرج من المستشفى؟
رد الطبيب:
هي حالتها الجسمانية لحد كبير كويسة، بس ممكن تفضل هنا كم يوم تبقى تحت الرعاية تحسباً فقط لأي انتكاسة. نقدر وقتها ندخل بسرعة، كمان لازم تتعرض على طبيب نفسي يشخص حالتها أفضل مني.
رد النبوي:
تمام حضرتك أكيد تعرف أطباء نفسيين ممكن تدلني على واحد منهم.
فكر الطبيب وقال:
تمام، أعرف دكتورة نفسية وتبقى أخت زوجتي وهي متميزة في الطب النفسي.
تبسم النبوي يقول بشكر:
شكراً جداً يا دكتور، ياريت تكلمها تتابع حالة همس.
رد الطبيب بعملية:
تمام، هكلمها دلوقتي وأديها تقرير كامل عن حالة همس. بس ليا استفسار، وأنا بحاول معاها، هي افتكرت تلات أسماء بس. ممكن لو اتقابلت مع واحد منهم يكون له تأثير وتسترد ذاكراتها بالكامل.
رد النبوي باستفسار:
ومين اللي ذكرت أسماءهم.
رد الطبيب:
أول اسم ذكرته كان كارم وقالت إنه ابن عمها.
للحظات دب الشك في قلب النبوي وسأل عقله: أيُعقل أن يكون كارم هو من انتهك همس؟ لكن سرعان ما زال الشك عن رأسه. كارم اعترف له أنه يريد الزواج من همس بعد نهاية هذا العام الدراسي، كما أنه أكثر من حزن عليها بصدق، يرى ذلك بوضوح. لكن لما تذكرته همس؟ جاوب عقله: ربما كانت تشعر بمشاعر كارم وتبادله نفس المشاعر.
نظر النبوي للطبيب وقال:
ومين الاسمين التانيين؟
رد الطبيب:
سلسبيل وهداية، وقالت هداية اسم أختها واسم جدتها كمان. وأنا عارف الحجة هداية لأنها كانت بتيجي معاك الفترة اللي فاتت زيارات ليها.
تعجب النبوي يقول:
طب طالما فاكرة أمي ليه لما قربت منها خافت منها؟
رد الطبيب:
بصراحة معرفش، عشان كده قولت محتاجين طبيب نفسي. أنا هكلم الدكتورة دلوقتي، وأشرح لها اللي شوفته وسمعته من همس وهخليها تيجي من بكرة تتابع معاها.
مد النبوي يده للطبيب يصافحه قائلاً:
مرة تانية متشكر يا دكتور.
صافحه الطبيب وغادر، بينما عاد النبوي إلى داخل الغرفة وجد هداية جالسة جوار همس على الفراش تضمها على صدرها وهمس صامتة لا تتحدث. كذالك هداية تحتويها تربت عليها بيديها بحنان.
لكن حين رأت همس النبوي مرة أخرى للحظة خافت منه وتمسكت بهداية.
ضمتها هداية قائلة:
متخافيش يا همس، ده عمك النبوي هو اللي أنقذك وجابك لهنا المستشفى. همس، أنا لو مكنتش عندي ثقة إنك مظلومة مكنتش خليت عمك ينجدك، كنت سبتك تتعذبي لآخر لحظة بعمرك. يا بتي، إن بشر وخطائين بس قدامنا فرص نصلح أغلاطنا، وأني اتعلمت من الأيام محكمش بظاهر الأمر، الله أعلم باطنه إيه.
تشبثت همس بهداية قائلة:
ليه مش فاكرة حاجة غير إن كان في إيدي سلاح وبعدها توهت وعقلي فصل؟ كمان مش فاكرة حد غير سلسبيل وهداية أخواتي، وكمان كارم ابن عمي.
دب نفس الشك في عقل هداية حين قالت همس ذلك. رفعت بصرها ونظرت للنبوي الذي هز رأسه: مستحيل كارم أن يؤذي همس، ذلك الأذى الفادح، هو أعلم بقلب ولده. زال الشك من عقل هداية وقالت لهمس:
بكرة تفتكري كل شيء يا بتي، ودلوقتي هقول لأبوكي وأمك يجوا يزوركي، يمكن جرح قلبهم يخف.
ابتعدت همس عن حضن هداية وقالت برفض:
لأ مش عاوزة أقابل حد ومتعرفش عليه. أرجوكي، إنتِ بتقولي إنك جدتي وأنا مش فاكراكِ بس حاسة براحة معاكِ. أرجوكي بلاش أشوف في عينيهم نفس الصعبهانية اللي شيفاها في عينك إنتِ واللي بتقولي عليه يبقى عمي. يمكن مع الوقت أفتكرهم، مش عاوزة أصعب على حد تاني.
جذبتها هداية لحضنها وقبلت رأسها وحبست دمعة بعينيها وقالت لها:
اللي تريديه يا بتي. أنا كنت بجول إنك خدتي مني الشكل بس، بس لأ يا بتي، جُوَه فيها منها جوّاكي، ومع الأيام متأكدة الحقيقة هتبان.
غادر النبوي ومعه هداية. بالسيارة تبسم النبوي وقال:
مش هنقول لناصر ومرته بجى يا أمي إن بتهم عايشة أهي خلاص أخيراً فاقت من الغيبوبة.
ردت هداية:
لأ يا ولدي، مسمعتش كلام الدكتور إنها عندها نقص في الذاكرة وناسية حاجات كتير، وكمان رغبتها. خلينا كيف ما إحنا مداريين عليها لحد ما تعود لهمس ذاكراتها، ووجدتها تقرر هي اللي تريداه.
امتثل النبوي لحديث هداية ووافق عليه، ربما مع مرور الأيام تتذكر همس وتعود كما كانت.
بالفعل مع الأيام، بدأت همس علاج نفسي مع تلك الطبيبة التي كانت تجلس مع همس تستمع لها وأحياناً تعطي لها بعض الصور التي أخذتها من زيارات هداية والنبوي لها بالمشفى. كانت همس كأنها تتعرف على أناس غرباء عنها.
بعد مضي أسبوع، خرجت همس من المشفى بصحبة هداية والنبوي.
كان بداخلها شعور بالخوف لا تعلم تفسير له، طلبت منهم عدم العودة بها إلى المنزل ووافقوا على طلبها.
بالفعل بإحدى العمارات الراقية بمدينة بني سويف، فتح النبوي باب إحدى الشقق وقال:
ادخلي يا أمي.
دخلت هداية ومعها همس تحت يدها، دخل النبوي خلفهن وأغلق الباب.
تبسمت هداية حين أقبلت عليها امرأة بمنتصف الأربعين وانحنت تقبل يد هداية بحبور قائلة:
الحجة هداية، والله ليكِ وحشة كبيرة والله. لما النبوي بيه جاني البلد وجالي الحجة هداية قصدكِ في خدمة تعمليها لها، جولت له رجالك فداها، ده فضلها عليا أنا وبناتي كلياتهم. لو مش هي يمكن كانوا ضاعوا مني، بعد المرحوم جوزي. بس مين العروسة الزينة اللي معاكي دي؟ لأ استنى، أنا قلبي حاسس إني أعرفها زين.
تبسمت هداية وقالت:
طمر فيكي العيش والملح يا وصيفة، ركزي زين كده وجوليلي مين دي.
تمعنت وصيفة وقالت:
دي بتي همس. قصدي يعني زي بتي أنا. رضعتها من صدري على بنتي لما الست نهلة كانت واخدة حمى شديدة بعد ولادتها يجي بخمس شهور، ومكنتش بترضى لا تاكل ولا ترضع من الإزازة اللي كنتم بتحطوا لها فيها الحليب، وكنت عندكوا بالصدفة وجتها و خدتها منها ورفعتها لصَدري وهي قبلت ورضعت مني على بنتي اللي كانت أكبر منها بسنة.
تبسمت هداية وقالت:
فعلاً دي همس، وأنا بعت لكِ عشانها، عاوزاكي تجعدي معاها هنا في الشقة دي، ومتسأليش ليه.
تبسمت وصيفة وقالت:
ينقطع لساني لو سألت ليه يا حجة هداية. كلمتك ليا أمر. مع إني بطلت خدمة وبيع الزبدة في بيوت الناس الغنية بعد ما جوزت آخر بناتي واطمنت عليهم، جولت الحمد لله أعيش اللي باجلي من العمر، معاش المرحوم يكفيني وكفاية شجا بقى. بس إنتِ تؤمرينى أمر. كفاية وقفتك جاري زمان وكمان ناصر بيه هو اللي دورلي على معاش من الحكومة، وغير خيركم اللي مغرقني. في كل جوازة من بناتي كانت سترتها وفرشها وعزالها من خيركم، مع إني كنت من بلد تانية بعيدة عن بلدكم، كنتم معرفة مع المرحوم جوزي، كان بيشتغل أجير عندكم، وكان وصيته ليا لو جرالي حاجة روحي للحجة هداية وولادها هيكرموكي، وده اللي حصل.
ردت هداية:
بلاش كلامك الماسخ ده، أنا متفضلتش عليكي ده كان رزقك من عند ربنا، وبلاش كلام كتير، همس أمانتك.
ردت وصيفة:
دي في عيني يا حجة هداية، إني خدامتها.
استردت وصيفة حديثها وقالت:
بس في حاجة كده عاوزة أقولها، بس لو موافقتي أنا هبقى مع الأبلة همس برضه.
رد النبوي:
قولي إيه هي الحاجة دي، لو قصدك على المرتب متخافيش، اللي هتطلبيه مش هنختلف عليه.
أخفضت وصيفة وجهها في الأرض وقالت:
فهمتيني غلط يا نبوي بيه، إني ميهمنيش الفلوس قد إني أرد جزء صغير من فضل الحجة هداية عليا. أنا كل اللي فيها بت بنتي، ربنا خلقها بعيب إنها خرسا، ورحنا بيها لدكاترة كتير واستغربوا إزاي خرسا وبتسمع، بس ده أمر ربنا بقى الحمد لله. وبنتها دي قاعدة معايا دايماً تاخد بحسي ومتعلقة فيا بزيادة. هي عندها خمس سنين.
تبسمت هداية وقالت:
وفيها إيه يا وصيفة هاتيها معاكي، والنبوي يشوف لها حضانة قريبة من هنا، وكمان يعرضها على دكتور يمكن يكون في حل وعقدة لسانها تتفك.
فرحت وصيفة وانحنت على يد هداية قائلة:
ربنا يزيد من خيرك يا حجة هداية، وأني هبقى تحت رجل الأبلة همس اللي معزتها من معزة بناتي، هي بتي زيهم بالتمام.
سحبت هداية يدها من أمام وصيفة تمنعها أن تقبل يدها وتبسمت، وكذالك همس شعرت براحة مع تلك المرأة هي وتلك الطفلة الصغيرة التي من قدرة الله تسمع ولا تتحدث.
ومرت أيام تصحبها أشهر، انتهى الربيع وأقبل الصيف. همس استعادت جزء كبير من ذاكراتها بفضل الطبيبة النفسية، كذلك زيارات النبوي وهداية لها بالمشفى، غير أحاديثهم الهاتفية.
لكن حين طلبت منها هداية العودة إلى المنزل، بكت همس وقالت لها أنها غير قادرة على مواجهتهم، من الأفضل لها أن تظل بنظرهم ميتة أفضل من نظرات الاتهام أو اللوم وحتى الشفقة منهم، لن تقدر على تحملها الآن، ربما مع الوقت تعود لهم، لكن ليس الآن.
لكن ذات يوم بالصدفة أثناء جلوس همس عصرًا بشرفة تلك الشقة، كان هناك كافيه كبير في مقابل العمارة. رأت دخول كارم إلى هذا الكافيه، عرفته من الصور. لا تعلم لما أرادت أن تراه عن قرب. بالفعل ارتدت ثيابها ووضعت على وجهها ذلك النقاب التي أصبحت ترتديه كلما خرجت من الشقة خشية أن يتعرف عليها أحد وهي لا تعرفه.
بالفعل ذهبت إلى ذاك الكافيه، دخلت إليه، جابت عينيها المكان إلى أن وقع بصرها على مكان جلوس كارم. جلست خلف طاولة قريبة منه، رأت تلك البسمة التي شقت شفتيه حين نهض يسلم على أحد الأشخاص. تعجبت ذلك الشعور الجديد عليها، لما اليوم تتمعن بملامح كارم بهذا الشكل؟ تضارب بعقلها وقلبها الأحاسيس، ماذا يعني لها كارم؟ هي استردت ذاكراتها كلياً. جلست في المقابل له إلى أن نهض ودفع الحساب وغادر الكافيه.
عادت إلى الشقة، تبسمت لتلك الطفلة الصغيرة التي تفاجئت أن اسمها همس هي الأخرى، وسماها جدتها تذكاراً لهمس التي أرضعتها ذات يوم مع ابنتها. كانت تحب الاسم وظل عالقاً برأسها. لكن همس الصغيرة ولدت بلطف من الله معها، صماء حديثها همهمة غير مفهومة لمن لا يعرفها، لكن ببقائها معها لوقت تعودت وفهمت همهمتها وأصبحت صديقتها الصغيرة، أو كما تنعتها ابنة أختها بالرضاعة.
مر وقت آخر، أثناء زيارة النبوي لها في يوم أخبرها أن سلسبيل ستتزوج.
فرحت بداخلها لكن سرعان ما غص قلبها، سلسبيل تتزوج بعد وفاتها بأشهر قليلة. أتكون نسيتها؟ جميعهم نسوها. تألم قلبها المجروح، لكن تعجبت حين علمت بمن ستتزوج سلسبيل، قماح!
سلسبيل كانت ربما لا تكره قماح، لكن كانت تتجنب مجلسه، كما أنها كانت تقول أنه هوائي من ناحية النساء. لم تظن أن سلسبيل أجبرت على هذا الزواج، فالأيام قادرة على التغيير من المشاعر، وأكبر مثال على ذلك هي، كيف تغيرت مشاعرها اليوم عن الأمس القريب التي رأت فيه كارم، التي كانت سابقاً لا تراه أكثر من أخ، اليوم ليس كذلك. كما أن مشاعرها ناحية قماح انكشفت حقيقتها أمامها اليوم. لم تنسى حزنها يوم أن تزوج بـ هند، كم شعرت بالتعاسة وقتها. اليوم تبتسم. لكن كل ما يشغل بالها سلسبيل، تمنت أن تراها عروس. لكن كيف؟
فكرت، وفكرت، وعقدت النية، ستحضر عُرس سلسبيل.
بالفعل اتصلت على النبوي يوم عُرس سلسبيل صباحاً. ذهب إليها. جلست معه تقول:
عمي، أنا هحضر فرح سلسبيل.
تبسم النبوي وقال:
بجد، الفرح كده هيبجى فرحين، في قلبي، سلسبيل أكتر واحدة اتمنيتها تبجي من نصيب قماح. وظهورك هيزود الفرحة في قلوبنا كلنا.
ردت همس:
أنا مش عاوزة أظهر يا عمي، أنا هحضر متنقبة زي ما بقيت بنزل للشارع بالنقاب. عمي، أنا لسه مش قادرة عالواجهة، مش جاهزة ليها. وبعدين أفضلوا تنسوني زي ما حصل كده، بعد موتي بكام شهر أهو فرح في دار العراب.
نهض النبوي وقال لهمس:
قومي غيري البيجامة اللي عليكي دي يا همس وتعالي معايا، مش عاوزة تحضري فرح سلسبيل، ومفكرة إننا نسيناكي؟ لا، لازم تشوفي حاجة بعينيكي ووجدتها احكمي بنفسك.
رغم تعجب همس لكن بدلت ملابسها وارتدت نقاب على وجهها، وذهبت مع عمها. تعجبت أكثر حين دخل بها إلى المقابر الخاصة بهم. تركها وابتعد عنها، لكن قبل ذلك قائلاً:
أكيد فاكرة مكان قبر جدك الله يرحمه، حتى لو مش فاكرة المكان، في يافطة مكتوب عليها اسمه. أنا هستناكي هناك في العربية، لحد ما ترجعي.
بالفعل ذهبت همس إلى مكان قبر جدها. لكن قبل أن تقترب من القبر تفاجئت بالواقف أمام القبر يضع زهرة صفراء اللون على قبرها وتدمع عيناها، يتحدث لمن بالقبر. علمت أن هذا القبر الجميع يعتقد أن همس مدفونة به.
وقفت صامتة تتابع همس كارم، تتمنى أن تكون بداخل القبر تتسمع لما يقوله. لكن فجأة شعرت بشيء يلعق قدمها، انخضت وخرج منها صوت مسموع، انتبه له كارم، فنظر ناحية الصوت، تصنم لدقيقة وهو ينظر لها. سار فجأة ناحيتها، لكن همس حين نظر لها ارتبكت وحين رأته يتقدم ناحيتها ارتجفت، لم تدرِ بنفسها وهي تجري من أمامه تقطع المقابر التي كانت تخشى المرور من أمامها سابقاً، الآن هي بداخلها تجري هرباً من كارم. بينما كارم دخل له شعور أن تلك التي كانت واقفة يعرفها جيداً.
هربت همس بسيارة النبوي، تبكي ذالك العاشق لها، كيف يوماً كانت ترفض مشاعره التي كانت ظاهرة لها. عاقبها الله على ذلك ببعدها عنه، ليس عنه فقط، بل عن جميع أحبائها.
بالطريق توقف النبوي قائلاً:
اتأكدتي إننا نسيناكي؟ لسه عندك رأيك ليه يا همس مش عاوزة ترجعي؟ خايفة من إيه؟ أنا وجدتك لغاية دلوقتي دافنين سر إنك عايشة بسبب طلبك.
ردت همس:
مصيري هرجع يا عمي، بس لسه مش جاهزة للرجوع. ودلوقتي أنا هحضر فرح سلسبيل زيي زي أي حد مدعي للفرح.
بالفعل بعد وقت كانت تجلس بين النسوة، ولإنشغال الجميع بالفرح المصغر لم ينتبه أحد لوجودها، حتى هداية التي قالت فيما بعد للنبوي لو كان أخبرها أن همس بالمنزل ما كانت جعلتها تخرج منه، وكانت أفشت سر أنها ما زالت على قيد الحياة. لكن فات الأوان.
بدأت تمر أيام، لاحظت همس مجيء كارم لذلك الكافيه كثيراً. كانت تراقب الكافيه من شرفة الشقة، وحين تراه كانت تنزل وتدخل للكافيه. حتى ذاك اليوم التي اصطدمت به همس الصغيرة. ربما كان القدر يريد أن تظهر أمام كارم. يومها كانت تحدثه وهي ترتجف من داخلها. أخبرت عمها عن لقائها بكارم، وأنه يتردد كثيراً على ذاك الكافيه. وتكررت لقاءاتها بكارم لأكثر من مرة، حتى أنه في إحدى المرات حاول الحديث مع همس الصغيرة لكن لم ترد عليه وردت بدلاً عنها هاميس. بحث عمها في ذلك الأمر واكتشف أن كارم عرض على مدير الكافيه شراءه. فكر النبوي وسبق كارم واشترى الكافيه هو وسجله باسم همس بوقت قصير للغاية.
وها هي أمامه الآن بعد أن اكتشف من تكون. عادت همس من التذكر، يديها ترتعش، ليست يدها بل جسدها بالكامل، كما أنها تبكي. نهض كارم من مقعده وجلس بالمقعد المجاور لهمس ومد يده وأمسك يدها. في البداية بتردد، سرعان ما ضغط عليها بقوة وقال بشفقة:
كفاية يا همس، بلاش تكملي الباقي دلوقتي.
سحبت همس يدها من يد كارم سريعاً بخوف، وكادت تنهض.
تعجب كارم من ذلك، هو شعر برعشة يد همس حين وضع يده عليها، لكن قال لها:
همس، لازم ترجعي معايا وتواجهي الجميع إنك عايشة.
عادت همس تجلس قائلة:
لأ مش هرجع يا كارم، أنا مش قد المواجهة، مش هتحمل لا لوم ولا عتاب ولا اتهام. الأفضل لهم يفضلوا فاكرين إن همس مبقتش موجودة. أنا فرحت لما سلسبيل اتجوزت من قماح.
رد كارم بمفاجأة:
يمكن سبب عدم رجوعك لدار العراب إنك مش قادرة تتحملي إن قماح بقى جوز أختك سلسبيل.
تفاجئت همس قائلة:
قصدك إيه؟
رد كارم:
أنا كنت عارف إن عندك مشاعر ناحية قماح يا همس. أوقات كنت بكرهه، كان نفسي تبصيلي بنفس النظرة اللي كانت عينيكي بتلمع بيها لما كنتي بتشوفي قماح، وكمان لما كنتي بتحاولي تلفتي نظره ليكي. بس هو عمره ما شافك غير همس بنت عمه.
تفاجئت همس وقالت:
مش هكدب يا كارم، ولا هكذب كلامك ده. بس هتصدقني لو قولتلك إني بلوم نفسي إني فكرت في يوم إني كنت مش هقول بحب قماح، كنت معجبة بيه مش أكتر. بس يوم زفافه هو وسلسبيل اتأكدت إني كنت مراهقة عاجبها الشاب اللي له كلمة وسط الكبار، كان إعجاب مش أكتر من كده، موصلش لحب.
رد كارم:
طب مفيش حد تاني وصل لقلبك.
تبسمت همس دون رد.
تبسم كارم هو الآخر وقال:
أفهم من سكوتك ده إنك موافقة على عرض بابا، إننا مش بس نتشارك في الكافيه ونتشارك في الحياة كلها. وأنا موافق يا همس إنك تفضلي بعيد عن العيلة، بس متأكد في يوم هتكملي لي سرد بقية اللي حصل، ووقتها هنرجع للعيلة وإيدينا في إيد بعض زي كده.
أنهى كارم قوله وأمسك يد همس. لكن همس ارتجفت وسحبت يدها من يده بخوف وتدمعت عينيها.
غص قلب كارم، يبدو أن ما حدث بالماضي ترك أثراً على همس، هي تخشى اقترابه أو لمسه لها.
يبدو طريق عودة هاميس للحياة غير ممهد وعليه بالصبر والاحتواء.
***
بالعودة لمنزل العراب.
بالأتيليه الخاص بسلسبيل.
أثناء تشكيل سلسبيل لإحدى المنحوتات بالأتيليه، لا تعلم لما فجأة شعرت بدوخة بسيطة. أغمضت عينيها، لترى طيف رداء أسود لامرأة منقبة لا يظهر من وجهها سوى عينيها العسلية، التي تشبه عين... همس.
فتحت سلسبيل عينيها سريعاً تفكر في ذلك الخاطر التي رأته. شرد عقلها، همس في الفترة الأخيرة أصبحت تأتي بخاطرها كثيراً، في بداية موتها لم تكن تأتي بخاطرها. أيكون مثلما قالت هدى قبل قليل، همس تريد إخبارها بشيء قد يظهر براءتها. يا ليت هذا يحدث وتظهر براءة همس، وقتها سترفع رأسها أمام ذاك القاسي قماح الذي يستغل سيرتها أحياناً كثيرة من أجل أن تخضع لما يريده، متقبلة بصمت.
في ذلك الأثناء دخلت هدى عليها وجلست على أحد مقاعد الغرفة ونفخت أوداجها تقول:
أنا حاسة بملل فظيع، بقالي فترة طويلة يمكن من بعد ما خلصت امتحانات مخرجتش من البيت. كنا في الأول بنسلي بعض، بس من يوم ما اتجوزتي من قماح، وإنتي بقى معندكيش وقت ليا. كم ساعة بالنهار، لكن لما قماح يبقى في البيت بيبعدك مش بس عني، عن الكل. يظهر جدتي كان عندها وجهة نظر وإن الواد قماح ده بيحبك، بس بيخبي.
سخرت سلسبيل وهمست لنفسها قائلة:
هتقوليلى، ده بيعشقني لدرجة متتصوريهاش. كله بالعنف أو الغصب أو المعايرة، بس كله عشانك يا يهون.
نهضت هدى تقول:
بقولك إيه يا سلسبيل مش معاكي رخصة قيادة سيارات.
ردت سلسبيل:
أيوا بابا استخرج ليا رخصة من فترة، بس بتسألي ليه.
ردت هدى:
إيه رأيك نخرج شوية في عربية بره في الجنينة وأكيد السواق سايب المفاتيح فيها.
تبسمت سلسبيل بموافقة وتفهم:
قصدي نهرب من البيت نتهوى شوية.
تبسمت هدى وقالت:
ونشم عوادم السيارات وريحة أكل المطاعم وناكل من الشارع ومش بعيد بابا يجي القسم يضمنا، زي اللي حصل قبل كده وهمس كانت...
صمتت هدى تشعر بغصة قوية في قلبها، كذالك شعرت سلسبيل، لكن قالت:
لأ متخافيش المرة دي معايا رخصة قيادة وكمان نشغل GPS عالطريق يعرفنا الطرق المخالفة، ومنوقفش في مكان الونش يشيل العربية زي المرة اللي فاتت.
تبسمت هدى قائلة:
طب إيه مش يلا بينا نتصرمح في الشوارع شوية.
تبسمت سلسبيل قائلة:
يلا بينا، هطلع أغير هدومي دي... وإنتي رخصة القيادة بتاعتي هتلاقيها في أوضتي اللي في شقة بابا في درج التسريحة، روحي هاتيها وتعالي ونتقابل عند العربية.
تبسمت هدى بالفعل بعد دقائق كانتا الاثنتين بالسيارة تبتسمان بمرح.
آتى المساء.
أصبحت الساعة في حوالي التاسعة والنصف.
دخل قماح برفقة ناصر إلى غرفة هداية.
تحدث ناصر:
حرمتي يا أمي، عقبال ما تصلي في الحرم وأنا صحبة معاكِ.
تبسمت هداية ومدت يدها لقماح الذي ساعدها على النهوض من على الأرض وقالت:
المرة الجاية اللي هروح فيها الحرم النبوي، هاخد قماح وسلسبيل معايا ويكون ربنا رزقهم بالذرية الصالحة اللي تجمع بينهم وتقر عيونهم.
تبسم قماح بمودة وآمن على دعائها قائلاً:
يارب إن شاء الله.
بينما تبسم ناصر وقال:
أمال البنات فين، يا أمي.
صمتت هداية تنظر لقماح.
بينما تلك الحقود قدرية التي يمتلئ قلبها الغل من محبة الجميع لقماح، هي ليست فقط تكرهه، هي تتمنى أن يختفي من الحياة مثلما اختفت أمه سابقاً. لما تعلم لما عاد لهنا مرة أخرى، يحصد حب وإعجاب الجميع. لكن لا لتدخل تشعل فتيل قد ينهي ذلك الحب الذي يحصده قماح من الجميع، وذلك عن طريق تلك الحمقاء سلسبيل.
قماح سبق أن طلق زوجته السابقة بسبب مخالفتها لأمره وخروجها دون إذن مسبق منه. يبدو أن الحظ سيعود لها اليوم.
من ملامح قماح، يبدو أنه لا يعرف الحمقاء سلسبيل خرجت من المنزل. لتدخل وتضع أول شعلة في عقل ذلك الحقير قماح.
بالفعل دخلت بتلهف وادعاء قائلة:
حجة هداية، الساعة قربت على عشرة والبنات مرجعوش للبيت. أنا خايفة يكون حصل لهم حاجة مش زينة.
تعجب ناصر وقال:
بنات مين اللي مرجعوش.
ردت قدرية بتمثيل:
إيه ده؟ أنتم متعرفوش؟ ياريتني ما كنت اتكلمت.
رد قماح:
ردي على سؤال عمي.. بنات مين؟
ردت قدرية تدعي الخوف واللهفة:
هدى وسلسبيل، خدوا العربية من الجنينة وخرجوا من قبل المغربية ولحد دلوقتي مرجعوش. يارب يرجعوا بالسلامة.
نظر قماح لجدته التي تنظر لقدرية بتوعد. استشف صدق قول زوجة والده. وفتح هاتفه، يتصل على سلسبيل، الهاتف يرن ولا أحد يرد.
بينما فتح ناصر هاتفه واتصل على هدى، التي أخبرته أنهن بالطريق عائدين للمنزل، خلال دقائق.
أغلق ناصر الهاتف وقال:
هدى بتقول إنهم بخير على وصول.
نظرت قدرية لملامح قماح المتهجمة وقالت:
يوصلوا بالسلامة. بداخلها نشوة، لديها يقين أن قماح لن يفوت خروج سلسبيل من المنزل دون إذنه دون عقاب منه. تتمنى بداخلها أن يحدث الطلاق بينهما بأقرب، وقتها سيتفرق الجميع من حول قماح، ويصبح مكروه.
رواية عش العراب الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامه
بالشقه التى تسكن فيها همس.
فتحت الباب ودخلت ثم دخل خلفها كارم.
تبسم بود لتلك الطفله الصغيره التى آتت عليه مبتسمه، إنحنى يُقبل وجنتيها.
تبسمت له وهمهمت ببعض الكلمات لم يفهمها.
لكن فهمتها همس، وقالت له:
"همس الصغيره بترحب بيك فى الشقه وبتقولك أنها مبسوطه ونفسها تفرجك على الرسومات اللى رسمتها ليك."
نظر كارم لها وقال:
"بتعرفى ترسمى كمان، أكيد فنانه موهوبه، وكمان رسمتينى طب فين الرسمه دى؟"
همهمت الصغيره ببعض الكلمات فسرتها له همس قائله:
"بتقولك هتدخل تجيب كراسة الرسم بتاعتها وتجى."
تبسم كارم والصغيره تهرول تدخل الى إحدى الغرف.
نهض واقفاً وكاد يقترب من همس، لم يبقى سوى خطوه واحده.
إرتبكت همس وعادت بجسدها للخلف أكثر من خطوه دون إنتباه منها وكادت أن تتعثر فى تلك الصغيره التى عادت من الغرفه.
إنتبه كارم لذالك بوضوح.
همس أصبح لديها فوبيا أن يقترب منها.
تقطع نياط قلبه بداخله.
لديه يقين همس بريئه من تلك الوصمه التى نالتها.
ربما كان يود معرفة كل ما حدث لها، لكن لو أكملت همس سرد باقى الذى حدث ربما ينهار عقلها.
عليه التحلى بالصبر.
مع الوقت ستبوح همس بالباقى.
فتحت الصغيره الكراسه، وهمهمت.
إنحنى كارم بمستواها وجلس القرفصاء.
قلبت الصغيره بين صفحات الكراسه.
هنالك رسمات كثيره لوجوه تشبه وجه كارم.
تعجب كارم يقول:
"دى رسمات كتير قوى ليا، مش معقول من الكام مره اللى شوفتينى رسمتيهم، صحيح الملامح مش كلها ليا، بس قريبة الشبه منى."
همهمت الصغيره ببعض الكلمات، رفع كارم وجهه ناحية همس كى تفسر له ما قالته.
لكن همس صمتت، وأجابت بدلاً عنها وصيفه التى آتت تقول:
"بتجولك هى رسمت الصور دى من الصورة اللى شافتها فى يد همس الكبيره."
نظر كارم ناحية همس وتبسم بحبور، بينما خجلت همس من قول وصيفه.
التى قالت بترحيب:
"إنت كارم بيه العراب، أنا خدتك بالشبه ل النبوى بيه إنت قريب الشبه منه، أنا كمان ياما دخلت بيت العراب يمكن متاخدش بالك منى."
تبسم كارم يقول:
"فعلاً أنا كارم النبوى العراب، معليشى فعلآ أنا مخدش بالى منك، بس بشكرك على إهتمامك ورعايتك لهمس الفتره اللى فاتت."
تبسمت وصيفه وهى تنظر الى همس وقالت:
"همس زى بتى تمام أنا رضعتها من صدرى زمان وكمان كان عاچبنى إسمها وسميته لبت بتى. أنى هاخد همس الصغيره ونروح نعملك شاى صعيدى تجيل هيعچبك جوى، زى ما عچب همس وبجى إدمان عنديها."
تبسم كارم رغم تعجبهُ.
همس سابقاً لم تكُن من هواة إحتساء الشاي حتى أنها كانت تسخر من إدمانه هو لأحتساء الشاي بكميات كبيره وأوقات متأخره أحياناً.
همس تغيرت كثيراً عن السابق.
غادرت وصيفه ومعها الصغيره وتركوا همس وحدها مع كارم.
الذى تحدث:
"هنفضل واقفين كده فى مدخل الشقه."
ردت همس:
"لأ خلينا ندخل للصالون."
قالت هذا وأشارت نحو إحدى الغرف.
دخل كارم وخلفه همس التى جلست بمقعد بعيد عن مكان جلوسه.
مقعد قريب من باب الغرفه.
إنتبه كارم لذالك بتحسُر بداخله.
همس حقاً مازالت على قيد الحياة لكن تبدلت بآخرى.
حقاً أمامه صورة همس لكن همس أخرى تبدلت للنقيض.
كان لديها أُلفه وثقه فيمن حولها فى التعامل يبدوا بوضوح من أفعالها البسيطه.
فقدتهما.
تتعامل بحذر شديد حتى أنها كانت تتحدث كثيراً الآن أمامه تجلس صامته.
تنحنح كارم يقول:
"تعرفى إنى بالصدفه سمعت سلسبيل بتقول لهدى إنها حلمت بيكى."
تنهدت همس بشوق وقالت:
"تعرف إن أكتر أتنين مشتاقه قوى أشوف رد فعلهم سلسبيل وهدى لو عرفوا إنى لسه عايشه، مش عارفه رد فعلهم هيبقي أزاى."
رد كارم بمفاجأه:
"وعمى ناصر ومرات عمى نهله، والعائله كلها متأكد إنهم هيفرحوا قوى كمان، همس إنتى ليكى معَزه خاصه و...."
قاطعتها همس قائله:
"من فضلك يا كارم أنا مش عاوزه حد من العيله يعرف إنى لسه عايشه، الأفضل لهم وليا يفضلوا فاكرنى ميته."
رد كارم بتصميم:
"بس أنا هقولهم."
نهضت همس قائله:
"وقتها هموت نفسى بجد زى ما سبق وقولت لعمى وجدتى."
رد كارم بتساؤل مذهولاً:
"ليه يا همس عاوزه تفضلى ميته، ربنا له حكمه إنك لسه عايشه عشان تدافعى عن نفسك وحقيقة اللى حصل، همس...."
إنتفضت همس تقول بغضب:
"يظهر إنى غلطت لما كشفت لك إنى لسه عايشه."
نهض كارم واقفاً هو الآخر وكاد يقترب من همس، لكن أوقفته همس بكف يدها وقالت بإستهجان:
"كفايه يا كارم كده تقدر تمشى."
توقف كارم وإبتلع جفاء همس المُبرر وحاول تلطيف الحديث:
"بس أنا لسه مشربتش الشاي، ومعروف عن ولاد العراب إكرام الضيف."
صمتت همس، تنظر لعين كارم.
عم الصمت كانت نظرات العين هى من تتحدث.
عيني همس... تود البوح بالآلم القاسى التى تحمله بقلبها البرئ الذى إكتشف قساوة أفعال بعض الجُناه لتغدر الحياه فى لحظه.
بينما عيني كارم: المتآلمه من إصرار همس على أن تبقى بنظر الجميع ميته، وأيضاً ذالك الخوف الذى يراه بعينيها حين يقترب منها، ود كسر حاجز ذالك الخوف وجذبها لحضنه يطمئنها، لكن يخشى رد فعلها.
فى ذالك الأثناء دخلت وصيفه بصنية قائله:
"چبت الشاى أها معليشى إتأخرت أصلى سويته على عين البوتاجاز مش فى البتاع بتاع اليومين ده اللى تخط الفيشه فى الحيطه الميه تغلى فى ثوانى والشاى بتاعه بيبجى طعمه ماسخ، مايه مصبوغه."
تبسمت همس قائله:
"إسمه كاتل، مش بتاع."
تبسمت وصيفه قائله:
"لا كاتل ولا جاتل ماله البوتاچاز."
وضعت وصيفه الصنيه وقالت:
"هروح لهمس الصغيره سايباها فى المطبخ لا تلعب فى حاچه."
خرجت وصيفه وتركت كارم الذى مد يدهُ وأخذ كوب من الشاى ومدها ناحية همس يعطيها لها.
نظرت له همس ثم للكوب وأخذته منه.
أخذ كارم الكوب الآخر وأرتشف بعض قطرات وقال:
"لأ شاى مظبوط تمام... مش زى اللى كنتم بتشربوه لحماد إبن عمتى عطيات."
تنهدت همس ببسمه قائله:
"حماد كان بيغلث علينا وإحنا كنا بننتقم منه، كمان كان دايماً بيغلس على سلسبيل ويكسر لها التماثيل اللى بتتعب سواء كان فى نحتها أو تشكيلها، وياخد الطين بتاعها يرميه فى أرضية الجنينه ويرش عليه مايه تبوظه، كنا بنحط له فلفل أسود فى الشاى أونجيب نشارة خشب ونلونها أسود، وياسلام لو طلب شاى بلمون كنا بدل السكر بنحط له ملح لمون وكان بيعمل معاها شغل حلو يجزع نفسه، ومع ذالك نفسه كانت دايما مفتوحه للأكل."
تبسم كارم يقول:
"كنتم بتكرهوه."
ردت همس:
"وهو حماد فيه شئ يتحب، دى متسلق زى عمتى عطيات وكمان زهرت اللى رغم إنها فازت برباح بس جواها طول عمرها غيره من بنات ناصر العراب."
رد كارم بتفهم:
"مش غيره.. ده حقد فى فرق بينهم... الغيره إنك تغيرى على شئ بتحبيه وتتمنى يبقى عندك زيه أو جزء منه، إنما الحقد إنك تتمنى الشئ اللى فى إيد غيرك يزول، ويجى ليكى لوحدك حتى لو هتخطفيه من إيدهُ غصب عنه... وده اللى زرعته فى قلبها عمتى عطيات ومش بس فى قلبها كمان فى قلب حماد... بس يمكن حماد أقل من زهرت شويه."
ردت همس بفهم:
"فعلاً زهرت حقوده ومتأكده زمانها بتغل من سلسبيل، هى كانت بتغل منها أصلاً بس أكيد بعد جوازها من قماح بقت تغِل منها أكتر."
رد كارم:
"هتصدقينى لو قولت لك مش عارف، أنا بقيت قليل لما بفضل فى البيت، يمكن اوقات كتير يادوب بروح عالنوم بس، بس ماما قالتلى من كذا أسبوع إن زهرت حامل ولازم ابارك لها هى ورباح، بس مجتش فرصه أشوفهم، لأنى البيت فقد طعمه بعد غيابك يا همس حتى بالنسبه ليا فقد الروح اللى كانت فيه، كانت مشاغبتكم إنتم التلاته بتعمل للبيت روح جميله، الروح دى إنتهت بعدك يا همس، حتى هدى وسلسبيل خدوا جنب لوحدهم، إنتهت مشاغبتهم، أنا إتفاجئت بجواز سلسبيل وقماح، يمكن مستغربتش من قماح، قد ما إستغربت من موافقه او بالأصح إمتثال سلسبيل إنها تتجوز قماح... أنا كنت بشوف إزاى هى بتتجنب حتى ترد على كلمه هو قالها."
تبسمت همس تقول:
"أنا كمان أتعجبت سلسبيل طول الوقت كانت بتنجنب قماح حتى لما كنا نتكلم عنه، كان رأيها أنه غامض ومغرور وعنده عنجهية الالهه اليونانيه."
تبسم كارم يقول بمزح:
"مش إبن الأغريقيه، لازم النص اليونانى يكون له تآثير، وكمان عاش سبع سنين فى اليونان، أكيد لهم آثر."
تبسمت همس قائله:
"عندى سؤال محيرنى... إزاى عرفت إنى همس."
رد كارم وهو ينظر لعين همس مبتسماً:
"هتصدقينى لو قولتلك فى البدايه من نبرة صوتك فى المقابر، لما صرختى وبعدها أختفيتى، بس يومها شوفت عربية بابا قولت أكيد مش حقيقه فكرتك زى فيلم عروسة النيل لما رشدى أباظه كان بيشوف هاميس على جدران المعبد، بس لقيت ده وانا بدور عليكى فى المقابر."
قال كارم هذا وأخرج منديل قماش مُطرز بنقوش فرعونيه.
نظرت همس للمنديل وتبسمت.
تبسم كارم يقول:
"النقوش اللى على المنديل ده فاكر إنى كنت طلبت منك تطريزها وأنتى وقتها سألتينى معنى النقوش دى أيه فاكره..."
خجلت همس من الرد عليه.
بينما تبسم كارم يقول:
"معناها إنتِ فى الحياه من أجلى هاميس."
حين يندمج الشيطان مع عقل إمرأه.
ها هى الوسواسه تبُخ سُمها:
"مش عارفه ليه جلبى مش مطمن البنات غابوا جوى فى الرچوع، هدى ردت على ناصر وجالت جدامها عشر دجايج وتوصل وأها مر نص ساعه بحالها والساعه عدت عشره بشويه. فى بنات ييجوا وحديهم عالطريج فى وجت زى ده، القلق بدأ يدخل لجلبى إتصل علي سلسبيل تانى يا قماح."
بالفعل أخرج قماح هاتفه يهاتف سلسبيل، لكن لا رد مثل سابقاً.
بدأت تنفخ قدريه فى النار، وقالت:
"إزاى متردش على إتصالك وتطنشه دى قلة إحترام منها."
نظرت هدايه لقدريه وقالت بحده:
"بدل ما تجعدى إهنه، مفيش فى خشمك كلمه عدله، جومى شوفى اللى فى المطبخ خلصوا الوكل ولا لسه، أهو هناك هتلاجى اللى ترسمى نفسك عليهم."
نهضت قدريه بغيظ وقالت بإدعاء:
"أنى غلطانه يعلم ربى أنا جلبى جلجان على البنات السكك مبجتش آمان."
خرجت قدريه من الغرفه، رغم غيظها من هجاء هدايه لها لكن تبسمت بظفر.
قماح مع طول الوقت يشتعل والليله ربما تنتهى بسقوط قماح أمام العائله، هى تكرهه مثلما كانت تكره والداته تلك اليونانيه التى لم تضحك على عقل النبوى فقط بل تلاعبت بعقل هدايه وحصلت على محبتها وتفضيلها عليها فى الماضى، حتى حين أنجبت قماح فرحت هدايه به أكثر من ولدها رباح الأكبر منه، كان تنعته بوجه الخير آتى للحياه وإذدهرت معه تجارة جدهُ فى ذالك الوقت، حتى حين فارق وذهب مع جدته الإغريقيه لم ينسوه ظل عالقاً بأفئدتهم، كانت تستمع لشوقهم لعودته مره أخرى، حتى حين عاد إكتسب حب وتقدير الجميع لذكاؤه الفطرى الذى أسهم فى توغل إسم وتجارة العراب فى مجال الغِلال بأنواعها، برأيها أن هذا ليس أكثر من صدف، وزواجه من سلسبيل بعد خطيئة همس أليس فى نظرهم تكرُم منه، ليته ما لعبت برأس تلك الحمقاء سلسبيل وأخبرتها أن عليها الإمتثال لذالك الزواج من أجل أختيها سواء ذكرى همس أو مصلحة هدى، فهنالك أحاديث تتسرب بالبلده حول همس أنها أخطأت وزواجها من قماح سيشغل البلده ويبعد إنتباههم لتلك الاشاعات التى قد تنال من سُمعة همس وتؤثر على هدى أيضاً، او ربما إن لم توافق هى على الزواج من قماح قد يتزوج من هدى، ظنت بذالك أنها تلاعبت بعقل الحمقاء سلسبيل التى لن ترضخ كثيراً لتسلُط قماح عليها، وها هى تبدأ بأول قشه وسُرعان ما سيتسحب باقى القش ويسقُط العُش.
خروج سلسبيل دون إذن قماح، لن يفوته بسهوله الليله، تبسمت بنشوة ظفر.
ربما بدأ الحظ يساندها وستستعيد مكانتها بهذا المنزل الذى أهدرها النبوى بزواجه من الأغريقيه، ها هو ولد الإغريقيه المفضل على أبنائها، ربما يُطلق إبنة العراب الليله وتزول غلاوته لديهم، وتنال الإنتقام من إبن غريمتها التى قهرتها لسنوات حتى بعد رحيلها.
بينما بتلك الغرفه كان قماح يجلس يغلى بداخله ينظر نحو هاتفه يدعى الهدوء، كذالك ناصر والنبوى ينظران لبعض بقلق، وهدايه تُسبح وتستغفر وتدعى أن تمر الليله بسلام، ملامح وجه قماح لا تُنذر بالخير... وسلسبيل مُخطئه.
بعد دقائق دخلت هدى الى الغرفة خلفها سلسبيل.
تبسمت هدى قائله:
"مساء الخير مجمعين عند النبى إن شاء الله."
آمن الجميع على قولها، كذالك قماح.
بينما قالت سلسبيل:
"مساء الخير..."
رد الجميع عدا قماح.
نظرت له سلسبيل من ملامح وجهه المتهجمه بوضوح وعدم رده عليها، علمت أن الليله لن تنتهى بخير، أجزمت لنفسها لو تطاول قماح عليها سواء بالقول أو الفعل ستكون الليله هى النهايه لهذا الزواج التى تمقته من بدايتهُ.
بينما نظر لها قماح الجالس يضجع بظهره على المقعد يضع ساق فوق آخرى يُظهر الهدوء بينما بداخله مراجل مُشتعله لو أطلقها الآن سيحول سلسبيل لأشلاء.... لكن مازال يكبت تلك المراجل بداخله... لكن لن يستطيع التحمل كثيراً.
نهض بالفعل وأتجه يمد يدهُ وكاد يمسك يد سلسبيل، لولا دخلت نهله بنفس الوقت وجذبت سلسبيل من يدها للخلف قائله:
"العشا جِهز."
نهضت هدايه سريعاً قائله:
"يلا بينا نتعشى، انا مش متعوده عالسهر، يلا يا ولاد."
نهض النبوى كذالك ناصر، بينما جذبت نهله يد سلسبيل ولم تنتظر وخرجت من الغرفه، وهمست لها أثناء سيرهن:
"كان فين عقلك لما أتسحبتم خرجتى إنتى وأختك من البيت كيف الحراميه، بدل ما تكونى الكبيره والعاقله، بتتجننى أكتر من أختك الصغيره من غير ما تحسبى حساب لجوزك، ربنا يستر وتعدى الليله على خير."
نظرت سلسبيل لها بصمت.
كم تمنت أن تؤازر إحداهن لمره واحده او حتى تصمت دون أن تلومهن أو تُكسر من عزيمتهن... سلبية والداتهن دائماً تُضعفهن، وتجعلهن يرضخن للآخرين.
بينما قماح سار خلفهن يحاول كبت تلك المراجل المشتعله بداخله... عقاب خروج سلسبيل سيكون وخيم لا مانع ينتظر بعض الوقت.
دخل الجميع الى غرفة الطعام وجلسوا بأماكنهم وبدأوا بتناول الطعام.
لاحظت قدريه أن سلسبيل شبه لا تأكل، فقالت:
"مش بتاكلى ليه يا سلسبيل؟"
ردت سلسبيل:
"أبداً انا باكل أهو."
ردت هدى:
"بصراحه أحنا كنا أكلنا سندوتشات بره وأنا كمان مش جعانه."
نظرت هدايه ناحية سلسبيل وقالت:
"سلسبيل ضعفانه اليومين دول، المفروض تتغذى شويه وسندوتشات بتاعة بره دى مفيهاش غذا... كمان ملاحظه إن زهرت ضعفانه، يمكن بسبب الحمل."
إرتبكت زهرت وقالت:
"فعلاً، نفسى مسدوده عن أى أكل باكل سد جوع بس، حتى مببقاش عاوزه أكل بس ماما قالتلى بلاش أطاوع نفسى على قلة الأكل."
ردت هدايه:
"إسمعى كلام عطيات وبلاش تطاوعى نفسك الحبل محتاج الست الجويه، ربنا يجومك بالسلامه."
كانت قدريه ستتحدث لكن قاطعتها هدايه قائله بحسم:
"كفايه حديت عالوكل الحديت بينجص بركة الوكل..."
تحدث كارم الذى دخل يقول وهو ينحنى يُقبل رأس هدايه:
"كلامك زين يا چدتى، الحديت عالوكل بينجض بركته."
تبسمت له هدى قائله:
"شكل حماتك بتحبك، چاى عالوكل."
تبسم كارم يرد بمرح:
"أكيد حماتى بتحبنى دى هتبجى ملاك كيف چدتى إكده."
تبسم ناصريقول:
"شكلكم بتتمسخروا وانتم بتتكلموا صعيدى إكده، دلوق اللهجه مش تجيله علي لسانكم."
ردت هدايه تنظر ناحية قماح الذى يأكل صامتً:
"مين اللى جال إن اللهچه الصعيديه تجيله، قماح أها رغم السنين اللى عاشها بعيد عن إهنه، بس أوجات كتير بيتكلم بيها، هى بس مسأله تعود، يلا يا كارم إجعد مكانك عالسفره، وكيف ما جولت من هبابه كلوا وأنتم ساكتين وبعد الوكل إتحدتوا براحتكم."
جلس كارم بمكانه جوار سلسبيل الذى تبسم لها وقال:
"بالهنا يا سلسبيل."
أمائت سلسبيل له راسها بصمت، بينما بداخلها غصه بسبب كارم.
هى رأته اليوم أثناء خروجه من أحد الكافيهات وكانت تسير لجوارهُ فتاه مُنقبه، كان يبدو سعيداً، والآن أيضاً سعيد.
كيف تبدل حاله هكذا منذ أيام كان الحزن على رحيل همس مُسيطر عليه، يبدوا أن أخرى دخلت لحياته أنستهُ همس.
يبدوا أنها كانت مُخطئه حين ظنت أن كارم ليس مثل قماح، يُبدل فى النساء كما تهوى نفسهُ.
لكن مهلاً تذكرت ذالك الطيف الذى راودها قبل خروجها مع هدى وقت ان كانت بالأتلييه الخاص بها، هذا تفسير ذالك الطيف، إمرأه ترتدى الاسود مُنقبه كالتى رأتها تسير جوار كارم.
غص قلبها وأيقنت ربما موت همس أفضل لها من أن كانت تعيش وتنصدم فى كارم الذى نسيها سريعاً.
أثناء تناولهم للطعام، رن هاتف قماح، أخرجه من جيبه ونظر الى الشاشه رد على من يتصل عليه، لينهض فجأه قائلاً:
"أنا جاى مسافة السكه."
نظرت له هدايه قائله:
"خير يا قماح، إيه اللى حصل؟"
رد قماح:
"مضرب الرز اللى فى أسيوط حصل فيه ماس كهربائى وحصل حريق فى جزء منه، والمطافى ادخلت ولازم اروح أباشر التحقيقات وأشوف الضرر اللى حصل."
إنخضت هدايه قائله:
"ربنا يستر ياولدى، بس إنت بتجول هتسافر دلوق، كيف يا ولدى الطريج مش آمان، أجولك خد محمد أخوك معاك."
تحدثت قدريه بتسرع وغباء:
"لاه محمد لاه احنا بالليل وزى ما جولتى الطريج مش آمان..."
قالت قدريه هذا وعاودت الحديث بتبرير كاذب:
"جصدى بلاش لا محمد ولا قماح يسافروا دلوق، خليهم لبكره النهار له عين، بدل سفر الليل، الطريج مش آمان، أنا خايفه عليهم الإتنين."
نظرت لها هدايه قائله:
"جولت محمد هيسافر مع قماح، وهما هيبجى معاهم سلاح، وأنتى ادعى لهم بالخير... هِم يا محمد مع أخوك."
نهض محمد مرحباً بالذهاب مع قماح، بينما قماح إنحنى على سلسبيل وقال بنبرة توعد:
"لما أرجع هحاسبكم متفكريش إنى هنسى عقاب خروجك بدون إذن منى."
قال قماح ذالك وخرج من الغرفه خلفه أخيه محمد.
بينما شعرت سلسبيل برجفه سارت فى كامل جسدها، يصحبها شعور آخر، لا تعلم لما شعرت بغثيان حاولت التحكم فى نفسها لكن نهضت.
تحدثت قدريه حين رأت سلسبيل تنهض قائله:
"على فين مش هتكملى وكلك... ولا قماح جالك أيه سد نفسك."
نظرت لها سلسبيل وخرجت من الغرفه دون رد.
بينما نظرت زهرت ل رباح نظره فهم معناها أنها تود النهوض هى الآخرى.
هى تشعر بالغيظ كانت تود ذهاب رباح مع محمد بدلً عن قماح، هدايه تتعمد إبراز أن قماح هو رجُل العائله، كما أنه كان غياب رباح سيُسهل عليها تنفيذ مُخططها لتنتهى من كذبة أنها حامل.
نهض رباح هو الآخر قال:
"أنا شبعت وبما إن قماح سافر هو ومحمد لأسيوط فا شغل هنا كله هيبقى عليا هطلع أستريح عشان أبقى فايق، يلا بينا يا زهرت تصبحوا على خير."
ردت هدايه:
"وأنت من أهله، ربنا يعينك، تصبحى على خير يا زهرت."
أمائت لها زهرت راسها ورسمت بسمه على شفاها قائله:
"وانتى من أهله."
قالت زهرت هذا وفرت بخطوات سريعه تسبق رباح تخرج من الغرفه كأنها تتوارى من عين هدايه التى تشعر انها تُعرى حقيقة كذبتها أنها حامل عليها التخلص من تلك الورطه بأقرب وقت قبل أن تنفضح كذبتها.
بينما قدريه زاد إشتعال صدرها، فهمت لما فعلت هدايه ذالك ولم تعارض سفر قماح ليلاً.
هى أرادت إبعاد قماح الليله عن المنزل، حتى يتسنى له الهدوء مع الوقت وينسى ولا يعاقب سلسبيل... على خروجها دون إذنه.
بينما نهله نظرت لهدايه نظرة إمتنان، كذالك النبوى وناصر.
لتنتهى الليله هادئه دون حدوث مشكله.
بعد قليل بشقة سلسبيل.
خرجت من الحمام لا تعلم سبب لذالك المغص التى تشعر به.
أرجحت ذالك لتناولها الطعام من الشارع.
جلست قليلاً على الفراش تشعر بهبوط وضعف، وشعرت أيضاً بالملل لبقائها بالشقه وحدها.
حسمت أمرها وإرتدت إيسدال فوق منامتها ونزلت الى شقة والداها، لكن قبلها هاتفت هدى كى تفتح لها باب الشقه.
تبسمت هدى وهى تفتح باب الشقه قائله بمزح:
"ايه مقدرتيش تنامى فى الشقه مش قادره تستحملى غياب قماح."
زغدت سلسبيل هدى قائله:
"وسعى خلينى أدخل، الحق عليا قولت البت هدى بتسهر طول الليل عالابتوب، اما أنزل أكبس على نفسها... ارحم عنيها شويه."
أخذت هدى جنب ودخلت سلسبيل الى الشقه ودخلن الى غرفة هدى.
نظرت سلسبيل الى الفراش وجدت عليه الابتوب الخاص بهدى، قالت لها:
"أهو جسم الجريمه عالسرير زى ما قولتلك."
تبسمت هدى قائله:
"تعالى فى حاجه كنت عاوزه أقولك عليها."
جلسن على الفراش فتحت هدى الحاسوب على إحدى المواقع وقالت لها:
"شوفى الموقع ده كبير لمركز بيدى قورصات فى نظم البرمجه إكتشفت إنه له فرع هنا بنى سويف، وقدمت من خلال النت على دوره هتبدأ بعد يومين."
تبسمت سلسبيل قائله:
"طب كويس والله اهو تسلى وقتك على ما ترجع الدراسه تانى بدل ما أنتى خلاص قربتى عقلك يفوت."
تبسمت هدى وقالت:
"وأنتى هتفضلى كده قاعده فى البيت، مزهقتيش."
ردت سلسبيل:
"زهقت والله وطلبت من بابا أشتغل قالى قولى لقماح، قماح رفض قولت ل بابا تانى من يومين يكلم قماح يمكن يقنعه، وأهو أنا مستنيه رد بابا."
ردت هدى:
"طب وأفرضى قماح فضل مُصر على رأيه إنك متشتغليش هتعملى أيه؟"
ردت سلسبيل:
"مش عارفه هعمل أيه انا خلاص جبت آخرى من مرات عمك ومرات إبنها الإتنين ماسكينى فى الراحه والجايه تلقيح، بس معتقدش قماح ممكن يرفض طلب بابا منه."
تبسمت هدى وقالت:
"طب والمعرض اللى عاوزه تعمليه بالتماثيل بتاعتك."
ردت سلسبيل:
"لأ معتقدش ده قماح ممكن يعترض عليه، زى ما هو معترض إنى أشتغل فى المقر مع المحاسبين... المعرض هيبقى يوم أو إتنين بالكتير."
تبسمت هدى وقالت:
"بتمنى بابا يقدر يقنع قماح يغير رأيه مع إنى مش شايفه سبب إن يعارض إنك تشتغلى، ده حتى ممكن يكون بفايده أكبر، لما هتشتغلى فى المقر هتبقوا مع بعض فى البيت والشغل كمان."
ردت نهله التى دخلت عليهن بسخريه قائله:
"تشتغل ايه مش أما تعرف تحافظ على بيتها الأول تبقى تدور عالشغل، قولى لى ليه لما قماح كان ببتصل عليكى مكنتيش بتردى عليه."
شعرن هدى وسلسبيل بغصه من حديث والداتهن، وقالت سلسبيل:
"مكنتش برد عليه لآن تليفونى مكنش معايا كنت نسيته فى الاتلييه قبل مانخرج."
ردت نهله:
"نسيتى الموبايل لكن الصياعه أنتى واختك منستوهاش وبالذات أنتى ناسيه إن ليكى زوج كان لازم تستأذنى منه قبل ما تخرجى من البيت، طب الصغيره هقول طايشه، وانتى كان فين عقلك، عارفه لو مش سفر قماح الليله الله اعلم كان أيه اللى ممكن يحصل."
نهضت سلسبيل وتوجهت نحو باب الغرفه قائله:
"أيه اللى كان هيحصل وبعدين انا حاسه إنى مُرهقه هروح أوضتى أنام فيها الليله وأفكر فى اللى كان هيحصل، لو قماح بيه العراب مكنش مَن عليا وأتجوزنى، تصبحوا على خير."
خرجت سلسبيل من غرفة هدى وذهبت الى غرفتها، بينما نظرت هدى لوالداتها بيأس ان تتغير وتساندهن حتى مره واحده.
نظرت لها نهله وقالت بآمر:
"وانتى كمان اقفلى الابتوب ده اللى هيضيع نظرك ونامى، تصبحى على خير."
ردت هدى بيآس:
"وانتى من أهله يا ماما."
خلعت سلسبيل ذالك الايسدال وبقيت بالمنامه التى كانت ترتديها اسفله، وإرتمت بجسدها فوق فراشها القديم، تشعر كأنها كالطير الذى كان محبوس وعادت له حريته، تعلم أنها قد تكون تلك الحريه لليله واحده.
بعد مُضى يومين.
ليلاً بشقة رباح وزهرت.
خرجت زهرت من الحمام تمثل الآلم أمام رباح الذى إنخض حين رأها تخرج من الحمام تضع إحدى يديها خلف ظهرها والآخرى أسفل بطنها، تُجيد تمثيل الآلم.
قال بخضه:
"زهرت مالك، ألبسى بسرعه وخلينا نروح للدكتوره تكشف عليكى، مش عارف أيه حكاية المغص اللى بقى بيجى ليكى كتير ده."
رسمت زهرت الآلم وقالت:
"أنا أتصلت عالدكتوره اللى متابعه معاها الحمل وقولت لها عالمغص ده وأدتنى إسم علاج، وجبته واخدته من شويه وأهو بدأ المغص يخف..."
رد رباح:
"بكره لازم تروحى للدكتوره دى تكشف عليكى مباشر وتشوف سبب المغص ده."
ردت زهرت:
"أنا فعلاً محتاجه أروح لها، مش بس علشان المغص ده، عاوزه أطمن عالبيبى، لو عالمغص أنا أتحمل، بس البيبى ميجراش له حاجه."
رد رباح:
"يهمنى إنتم الإتنين تكونوا بخير وانتى الأهم يا زهرت."
تبسمت زهرت له، بداخلها لا داعى لتأجيل إنهاء كذبة هذا الحمل فهذا هو الوقت المناسب، وتستريح من نظرات هدايه التى تشعر انها بين لحظه وأخرى قد تكشف تلك الكذبه.
بحوالي الحاديه عشر ليلاً.
عاد قماح من سفرته دخل الى المنزل كان هادئ وشبه مُظلم، صعد مباشرةً الى شقته مع سلسبيل، تعجب الشقه مُظلمه للغايه، يعلم أن سلسبيل تخاف من العتمه، أشعل ضوء وذهب الى غرفة النوم، وأشعل ضوئها تفاجئ سلسبيل ليست بالغرفه الفراش مُرتب بنفس الفرش الذى كان عليه من يومين، إذن سلسبيل لم تنم هنا الليلتان الماضيتان، بتلقائيه تأكد ان سلسبيل كانت تنام بشقه والدايها، خرج من الغرفه والشقه ونزل الى شقة عمه، وقام برن جرس الشقه... لم يتنظر كثيراً، فتح له ناصر الباب، تبسم حين رأه وقال:
"إنت رجعت يا قماح حمدلله علي السلامه."
أماء قماح له وقال:
"الله يسلمك يا عمى، ياريت تصحى سلسبيل لو نايمه."
تبسم ناصر له وقال:
"تعالى أدخل على ما أصحيها بلاش توقف عالباب كمان شكلك تعبان شويه."
رد قماح:
"متشكر يا عمى، لأ مش تعبان هما شوية إرهاق من السواقه وانا راجع، انا طالع الشقه وحضرتك صحى سلسبيل خليها تحصلنى... تصبح على خير."
تبسم ناصر له وقال:
"طيب هدخل اصحيها واقولها انك رجعت وانت من أهل الخير."
صعد قماح مره اخرى للشقه ينتظر عودة سلسبيل، حك جبينه بيديه يشعر ببداية توعك فى جسده، ظن فى البدايه أنه ربما، إرهاق، فدخل الى الحمام يُنعش جسده بحمام هادئ.
بينما بشقه ناصر.
كانت سلسبيل نائمه، ترى بمنامها همس تقترب منها.
تحدثت سلسبيل:
"همس إنتى رجعتى تانى."
أمائت همس لها بصمت وبدأت تبتعد عنها مره أخرى، تعجبت سلسبيل ونادت عليها تقول:
"همس إستنى."
سارت سلسبيل خلفها حتى وقفت أمام باب غرفتها، ونظرت لسلسبيل وتبسمت ثم دخلت الى الغرفه، دخلت سلسبيل خلفها الى الغرفه لكن وجدت الغرفه خاليه، تلفتت سلسبيل تنظر حولها تبحث عن همس، لكن همس إختفت، نادت سلسبيل لكن كآن صوتها إنكتم... لكن هنالك صوت آخر يسحب سلسبيل لتصحوا.
فتحت سلسبيل عينيها ونظرت الى من يوقظها ببسمه.
تبسمت سلسبيل.
تبسم ناصر يقول:
"قماح رجع ومستنيكى فى شقتكم."
إبتلعت سلسبيل حلقها التى شعرت كأنه جف وازاحت غطاء الفراش ونهضت من عليه، وأتت بإيسدال خاص بها وأرتدته فوق منامتها وضعت على رأسها وشاح ذالك الايسدال... وخرجت من شقة والداها وصعدت الى شقتها.
دخلت الى الشقه تشعر ببعض الترقُب.
قماح طوال اليومين الماضيين لم يهاتفها كزوج بعيد عن زوجته حتى كى يطمئنها عليه، كانت تعلم من والداها أنه هاتفه، لكن لم تسأل والداها أسأل عليها أم لا، لديها يقين أنه لم يسأل عليها لو أراد كان سهل أن يتصل عليها مباشر، لكن ذالك العنجهي دائماً يُشعرها بعدم أهميتها.
دخلت سلسبيل الى غرفة النوم مباشرةً، تفاجئت بقماح يخرج من الحمام شبه عارى بمنشفه حول خصره فقط.
للحظه خجلت سلسبيل وأخفضت وجهها، بحياء.
تبسم قماح بسخريه وقال:
"مالك وشك مخضوض كده ليه مكنتيش متوقعه أرجع تانى، ولا تكونى أول مره تشوفينى عريان."
خجلت سلسبيل من حديثه وقالت:
"تحب أحضرلك عشا."
نظر قماح لها بتفحص وإقترب منها وقال:
"لأ أنا أكلت سندوتشات فى السكه وأنا جاى، حبيت أجرب آكل بره البيت."
فهمت سلسبيل أن قماح يُلمح الى خروج سلسبيل قبل يومين، علمت أن الليله سيُنفذ وعيده الذى قاله قبل يومين، إبتلعت ريقها... وصمتت تنتظر ماذا سيفعل.
بالفعل إقترب قماح من سلسبيل وقام بجذبها من خصرها بقوه لتلتحم بصدره.
إنخضت سلسبيل.
بينما تبسم قماح بزهو وهو ينظر لعين سلسبيل المُترقبه.
فاجأها يلتهم شفاها بقُبلات قويه وعنيفه، ترك شفاها، ووقفت ينظر لها وهى تلتقط أنفاسها الهاربه منها، دخل لعقله زهو وقبل أن تهدأ أنفاس سلسبيل جذبها مره أخرى يعاود تقبيلها بنفس القوه وترك شفاها ودفعها لتقع بجسدها فوق الفراش، جثى سريعاً فوقها يعاود تقبيل عُنقها وصولاً لصدرها يترك أثار داميه على جسدها يعاود تقبيل شفاها بعنف يُمارس عليها علاقه العنف عنوانها، بداخله لا يستلذ بتلك العلاقه، لكن لا يعرف سبب لما يفعل ذالك، هل عقاب لها إم يريدها أن تشعر بذالك الآلم الذى يغزو جسدهُ يقاومه بممارسته العنيفه معها، كأنه يريد أن تشاركهُ ذالك الآلم الجسدى الذى يشعر به يتوغل لجسده.
بينما هى عقلها يرفض كل ذالك الآلم التى تشعر به بجسدها تتمنى أن تنتهى تلك العلاقه البشعه التى جعلتها تمقت هذا الزواج أكثر من قبل، إن كان هذا هو العقاب الذى قال لها عليه، لن تجعل هذه الليله تنتهى قبل أن ينتهى هذا الزواج المقيت، كل ما تتمناه أن ينهض عنها ويحدث ما يحدث بعد ذالك.
بالفعل نهض عنها وإرتمى بجسده على الفراش يلهث يتصبب عرقاً يآن بآلم أقوى منها، أغمض عيناه فاقدًا كل قواه.
كل ما يشعر به آلم يفتك برأسهُ... جعله يهزى، بإسم والداته كأنه يُنجيها أن تعود له يتخيل أنها تمد يدها له كى تسحبه لينام بأحضانها ويستمتع بتمسيدها على خصلات شعرهُ.
بينما هى تشعر أن ليس جسدها فقط من سُحق، بل روحها، يكفى بعد هذه الليله البشعه إرتسمت نهايه واحده لهذا الزواج... الطلاق... حتى لو كلفها ذالك أن تترك هذا المنزل وتتخلى عن كنية "العراب" من إسمها.
رواية عش العراب الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامه
بأحد الموالد الشعبية، كانت همس تجلس جوار كارم بين الجموع.
تستمتع لحكاية ذلك الراوي الذي يسرد إحدى حكايات الخيال. على صوت ربابته وشجن عازف الناي، اندمجت مع الحكاية، رغم أنها تعرف أنها خيالية. تبسمت حين قص الراوي نهاية الحكاية أن أبطال الخيال في النهاية اتحدوا وأصبحوا قصص للعشاق تتناقل بين الألسنة.
بعد أن انتهى الراوي، نهض كارم واقفاً، يمد يده لـ همس. نظرت همس ليده للحظة، فكرت مد يدها له لكن تملك منها شعور الرهبة. نهضت واقفة جواره.
شعر كارم بغصة في قلبه من عدم مد يد همس له. همس، ما زالت تلك الفوبيا متملكة منها. يتمنى أن تنتهي تلك الرهبة التي لديها، وتعود همس كسابق عهدها حين كانت ودودة مع من حولها. جذب يده، وسار جوار همس بوسط الزحام. كانت همس تتجنب المارة جوارها، إلى أن خرجوا خارج ذلك المكان وساروا بزحام المولد نفسه.
توقفوا أمام أحد الباعة الجائلين بالمولد. تبسم كارم يقول:
خلينا نشتري حمص.
تبسمت همس وأومأت برأسها بموافقة.
رغم أن كارم لم يرَ من وجه همس سوى عينيها، لكن شعر بسعادة من بسمة عينيها. وقال للبائع:
عاوزين حمص يكون متحمص كويس ومش مغشوش.
تبسم البائع له ومد يده له بحِفان من الحمص قائلاً:
خد يا بيه دوق العروسة وخليها تحكم بنفسيها. أنا عندي عرايس كده زيها ومبحبش الغش عشان ربنا يباركلي فيهم.
تبسم كارم وأخذ من البائع الحِفان، ثم مد يده بتلقائية لهمس به. ترددت همس كثيراً أن تمد يدها، لكن نظرت للتاجر ورأت وجهه البشوش. مدت يدها وأخذت الحمص من يد كارم.
تبسم كارم لها. نظر للبائع:
وزّن لي خمسة كيلو لوحدهم واتنين لوحدهم، بس من نفس الكوم اللي أديتني منه.
تبسم له البائع وقام بوزن ما طلبه منه، وأعطاه له. سأله كارم عن الحساب. أعطى له البائع الثمن. أخرج كارم حافظة ماله وأعطى للبائع ثمن ما قال، لكن بزيادة عن المبلغ المطلوب، وحمل أكياس الحمص وسار.
لكن، قال له البائع:
لسه الباقي بتاعك يا بيه؟
تبسمت همس وقالت له:
الباقي عشان بناتك، ربنا يبارك لك فيهم.
تبسم البائع وقال:
ربنا يبارك لك في جوزك يا ست ويرزقكم من واسع.
تبسم كارم وقال:
يارب.
بينما همس شعرت بنغزة وجع في قلبها وسارت صامتة، تأكل من حبات الحمص التي أعطاها لها كارم من البداية.
كانت همس تتجنب الزحام إلى أن خرجوا من المولد. وساروا بالطريق يتسايرون بمرح. تحدثت همس قائلة:
من زمان ما خرجتش ولا روحت موالد. كنا بنروح مع بابا أوقات واحنا صغيرين، بس لما كبرنا ماما بقت ترفض بسبب زحام الموالد. بس عجبني قصة الراوي، رغم إني عارفة خيالية ومش معقول تحصل في الواقع.
تبسم كارم يقول:
وليه مستحيل تحصل في الواقع؟
تبسمت همس تقول:
لأن مستحيل حورية البحر تعشق صيادها... وهو أسرها في البداية بين شبكته، وكان ممكن يتسبب في موتها.
تبسم كارم يقول:
فعلاً الصياد في البداية أسر الحورية بين شبكة صيده، بس لما سمع صوت غناها الحزين، وقع في عشقها، وحررها من الشبكة وجابلها المية قبل جلدها ما يتشقق وتموت، وهي كمان لما شافت اهتمامه بها نسيت أنه أسرها في شبكته. تعرفي القصة دي بتفكرني بمين؟
ردت همس بسؤال:
بمين؟
قماح وسلسبيل.
تعجبت همس قائلة:
مين! قماح وسلسبيل؟
رد كارم:
أيوا قماح وسلسبيل. متأكد قماح عنده مشاعر قوية ناحية سلسبيل بس بيخفي ده خلف بروده، بس نظراته لـ سلسبيل واضحة جداً ومن زمان كمان، بس معرفش ليه ما اتجوزهاش هي من الأول؟ يمكن عشان سلسبيل نفسها مش واخده بالها من النظرات دي.
تبسمت همس تقول:
تعرف لما عمي قال لي إن سلسبيل هتتجوز من قماح في البداية ما صدقتش، مستحيل سلسبيل طول الوقت بتتجنب قماح، وبتقول عليه عنجهي وهوائي. بس شوف نصيبها تتجوز منه. فعلاً سلسبيل زي الحورية اللي كانت في حكاية الراوي، بتمنى تحب قماح زي الحورية ما عشقت صيادها كده.
تبسم كارم يقول:
الوقت بيغير كل شيء. وصلنا للجراج اللي كنت راكن فيه العربية قبل ما ندخل المولد. خليني أوصلك مع إني مش عاوز أفارقك، بس الوقت بدأ يتأخر.
تبسمت همس له وصعدت إلى السيارة.
بعد قليل توقف كارم بالسيارة أسفل تلك البناية التي تعيش فيها همس.
نزلت همس من السيارة، لكن قبلها قالت لكارم:
شكراً ليك يا كارم، كانت فسحة حلوة.
نزل كارم من السيارة خلفها وحمل أحد الأكياس وقال لها:
نصيبك من الحمص اللي اشتريناه، خليني أوصلك لحد باب الشقة.
ماله...
قاطعها كارم يقول:
مش هطمن عليكي غير لما تدخلي الشقة قدامي.
تبسمت همس له وصعد الاثنان بالمصعد الكهربائي. لوهلة شعرت همس بالخوف من بقائها بمكان ضيق مع كارم، لكن مثلت الهدوء إلى أن وصل المصعد أمام الشقة الخاصة بها. مد كارم يده لها بالكيس قائلاً:
تصبحين على خير يا هاميس.
تبسمت همس، وفتحت باب الشقة ودخلت وهي ترد عليه:
إنت من أهله يا كارم. متنساش تدي لهدى حمص واتوصى، دي بتحبه قوي.
تبسم كارم يقول:
عارف هدى وسلسبيل الاتنين بيحبوه، وأنا جايبه لهم أصلاً، بكفر عن سيئاتي اللي كنت بعملها في سلسبيل واحنا صغيرين لما كنت بكسر لها تماثيلها.
تبسمت همس تقول:
فعلاً سلسبيل كانت بتزعل منك بس عمرها ما كرهتك، عكس البارد حماد ابن عمتي عطيات، كنا بنكرهه إحنا التلاتة، كان غاوي غلاسه وبرود.
تبسم كارم يقول:
بس أنا ما كنتش ببقى قاصد أكسرهم لها، أنا كنت بحب أفضل معاكي أطول وقت، وأنتم التلاتة كنتم بتتجمعوا طول الوقت في الأتيليه بتاع سلسبيل، فكان اللي بيحصل غصب، أو تقدر تقول لي لفت نظر.
تبسمت همس بحياء وقالت:
تصبح على خير يا كارم، الوقت اتأخر وممكن الجيران يفهموا وقوفك كده غلط.
تبسم كارم وتوجه نحو المصعد. بداخله كم يود أن يرى وجه همس التي تخفيه خلف ذلك النقاب، وكم يود البقاء معها. أخذ قرار، لابد أن يتزوج همس بأقرب وقت، وتكمل علاجها وهي معه.
دخلت همس إلى الشقة وأغلقت الباب، وقفت خلف الباب تتنهد بقوة. كارم يستحق أفضل منها، هي الحية الميتة بنظر الجميع. حقاً هي اختارت ذلك، لكن هل هناك مفر آخر لما مرت به؟ بقائها ميتة بنظر الجميع أفضل من أن تبوح بسرها وتقول لهم أن من اغتصبها أخذ لها مجموعة صور وربما سجل شريط فيديو لها. تخفي وجهها خوفاً من عيون البشر، لكن ليس للقلب لجام. فلت اللجام منها كارم، التي سابقاً كانت تعرف أنه يحبها، وهي كان لديها مشاعر. إعجاب لقماح، ظنتها أنها كانت حب، لكن كانت مخطئة، مشاعرها مختلفة ناحية كارم. لكن هو يستحق الأفضل منها.
***
بغرفة النوم.
مازالت نائمة بظهرها على الفراش.
وجع جسدها الذي تشعر به لا شيء جوار وجع روحها التي أحرقها قماح. كانت تلك آخر نقطة تجعلها تتأكد أنها تبغضه. لا داعي للإهانة أكثر من ذلك. حسمت قرارها.
استدارت برأسها تنظر لـ قماح وكادت تقول:
طلـ...
صمتت لم تنطق باقي كلمة الخلاص بالنسبة لها، حين وقع بصرها على وجه قماح الذي يتصبب عرقاً، واصبغ ببعض الاحمرار، يقاوم كي يفتح عينيه. ليس هذا فقط، بل يهلوس ببعض الكلمات.
حتى إن كنت غاضب ممن أمامك في لحظة، تتحكم بك إنسانيتك التي لم تفقدها بعد رغم قساوة أفعاله معك.
برغم ألم جسدها، إلا أنها تحاملت على نفسها ونهضت تضع يدها فوق جبين قماح. جبينه مرتفع الحرارة للغاية، هو محموم.
أزاحت سلسبيل عنها غطاء الفراش ونهضت سريعاً ترتدي ذلك الإسدال مرة أخرى. خرجت من الغرفة بل من الشقة. لا تعرف كيف نزلت درجات ذلك السلم. دخلت مباشرةً إلى غرفة هداية، وأشعلت الضوء وتوجهت إلى فراشها. حاولت توقظها بهدوء حتى لا تفزعها. مدت يدها على كتف هدية، تناديها بهدوء.
استجابت لها هدية سريعاً وصحت تقول:
سلسبيل الساعة كام؟ أنا إزاي جت عليا نومة عمرها ما حصلت. هو الفجر أذن ولا إيه؟
ردت سلسبيل:
لأ لسه بدري عالفجر يا جدتي، بس قماح رجع من شوية، وفجأة تعب.
أزاحت هدية غطاء الفراش سريعاً ونهضت من على الفراش حسب قدرتها وقالت بلهفة:
خير أيه اللي حصل له؟ ساعديني يا بتي هات لي الجلابية بتاعتي اللي متعلقة هناك دي...
آتت سلسبيل بتلك الجلابية لـ هدية، وساعدتها على ارتدائها وخرجن الاثنتين من الغرفة. تصدعان إلى شقة سلسبيل. كانت سلسبيل تساعد هدية في الصعود، تمسك يدها.
بعد دقائق معدودة، دخلن إلى الشقة منها إلى غرفة النوم. نظرت هدية نحو الفراش، كان أكثر من نصف جسد قماح عارٍ. الغطاء يستر خصره فقط. أخفضت بصرها وقالت:
استري قماح يا بتي.
دخلت سلسبيل وآتت بسروال وتيشيرت منزلي وألبستهم لقماح ثم شدت الغطاء على جسده. حين وقفت دخلت من خلفها هدية. نظرت له برجفة في قلبها. من خبراتها السابقة علمت سبب ارتفاع حرارة جسده وتعريقه وهلوسته بهذا الشكل.
أخرجت من جيب جلبابها مفتاح وقالت لـ سلسبيل:
خدي انزلي افتحي آخر ضلفة في دولابي وهتلاقي مفتاح كبير في الصندوق بتاعي هاتيه وكمان هتلاقي شال أبيض في نفس الضلفة بس فوق شوية هاتيهم وتعالي بسرعة.
أخذت سلسبيل المفتاح من يد هدية. بظرف دقيقة كانت عادت إلى هدية بمفتاح معدني كبير الحجم يشبه مفاتيح البيوت الأثرية القديمة ومعها ذلك الشال الأبيض. أعطتهما لهدية، تقول:
المفتاح والشال أهم يا جدتي.
أخذت هدية الشال أولاً ولفته حول رأس قماح، ثم أخذت المفتاح ووضعته بمنتصف جبهة قماح، وعقدته بالشال وقامت ببرمه بلفات دائرية بإحدى يديها. واليد الأخرى كانت تقوم بتدليك عنق قماح من أسفل وصولاً لبداية ذقنه. ظلت تفعل هذا لدقائق، حتى شعرت ببداية زوال الحرارة عن قماح. تنهدت براحة، قائلة:
الحمد لله الحرارة زالت عنه شوية.
وضعت سلسبيل يدها فوق جبهة قماح وقالت:
لأ دي زالت كتير.
تنهدت هدية قائلة:
طب ساعديني بقى ناخد قماح نحط راسه تحت المية شوية.
ردت سلسبيل:
قماح شكله بدأ يرجع لوعيه شوية خليكي مرتاحة يا جدتي وأنا هساعده يدخل الحمام.
قالت سلسبيل هذا وتحدثت لقماح:
قماح لو قادر حاول تسند عليا وقوم معايا.
رغم أن قماح مازال يشعر بالتوعك، لكن وضع يدهُ على كتف سلسبيل ونهض معها بضعف. سندته أيضاً هدية مع سلسبيل إلى أن دخلت سلسبيل به إلى الحمام. تحدثت هدية:
نزلي مية ساقعة على جسمه يا سلسبيل.
بالفعل فتحت سلسبيل المياه الباردة، لتنسدل على جسد قماح، الذي شعر برعشة قوية حين نزلت المياه الباردة على جسده، لكن بعدها شعر ببعض من الراحة. نظرت لهما هدية وقالت:
كفاية كده تحت المايه، نشفي جسمه وأنا هجيب لكِ له هدوم من الدولاب.
بالفعل نشفت سلسبيل جسد قماح، وأخذت تلك الملابس من يد هدية، وساعدته في ارتدائها. من ثم ساعدته في الخروج من الحمام، إلى أن عاود التمدد على الفراش يغمض عينيه مرة أخرى... مستسلماً لتلك الغفوة.
انخضت سلسبيل، لكن تحدثت هدية:
متخافيش قماح جسمه قوي، وهيجامل.
تعجبت سلسبيل قائلة:
هيجامل إيه؟ أنا هنزل أقول لبابا يطلب دكتور لقماح ده غمض عينيه... وشكله لسه عيان والحرارة شكلها هترجع تاني.
تبسمت هدية رغم قلقها على قماح من لهفة سلسبيل وقالت لها:
دي (ضربة شمس) يا بتي مش صداع عادي، بس أنا خلاص أخدت الشمس من راسه، دي حرارة عادية، بالكمادات هتروح. روحي هاتى صحن بلاستيك صغير فيه شوية مية وحطي فيه حتتين تلج، ومعاهم شوية خل ومتخافيش، قماح هيبجى زين بإذن الله الشافي.
امتثلت سلسبيل لقول جدتها وآتت بطبق بلاستيكي صغير به ماء وقطع ثلج ممزوج بالخل، وأعطته لها. أخذته هدية وقامت بوضع ذلك الشال بالماء المثلج وقامت بعصره ووضعه على جبين قماح، وقالت لـ سلسبيل:
روحي يا بتي غيري هدومك المبلولة دي لا تمرضي إنت كمان، وأنا هنه قاعدة جار قماح على ما تعاودي.
أومأت سلسبيل لها وذهبت إلى الدولاب، أخذت بعض ملابس لها ودخلت إلى الحمام. خرجت بعد قليل تنظر لقماح. تبسمت لها هدية قائلة:
هيجي كويس متجلجيش، تعالي اجعدي جاري عالسرير لما الشال ينشف بليه من المية تاني، أنا هقوم اتوضى وأصلي قيام الليل، وأدعي له بالشفا... وليكي براحة البال.
أومأت سلسبيل رأسها لها تقول:
حرمًا يا جدتي.
نهضت هدية وتركت سلسبيل تجلس جوار قماح على الفراش. نظرت لوجهه الذي بدأ يعود لطبيعته قليلاً. لأول مرة بحياتها تتأمل ملامح قماح، لاحظت ذلك النمش الخفيف حول أنفه ووجنتيه، يعطيه وسامة. ملامحه تبدو هادئة، لكن قارن عقلها بين ملامحه الهادئة وقسوته الذي يمارسها عليها طول الوقت. بالتأكيد ليس عليها فقط، هي رأته يصفع زوجته السابقة ويتعامل بحدة. بتلقائية منها، أخذت الشال وبللته بالمياه ووضعته على جبهته مرة أخرى. ودون شعور منها سارت يديها تمسد خصلات شعره الرطبة.
أما هو، كان يسبح في خياله، يشعر أن النور انطفئ أمامه فجأة يسير بطريق معتم. لم يختار. يتمنى أن يعود الزمن لوقت أن كان هذا الطفل بالعاشرة من عمره. رافقت خياله صورة والداته. تذكر كثير من المواقف له معها، والذكرى التي تركزت بعقله هي تلك الأمنية التي لم تحقق وليتها ما تحققت وظلت والداته على قيد الحياة يتمتع بحنانها الذي حُرم منه باكرًا.
أثناء دخول قماح ورباح إلى المنزل عائدين من المدرسة، اندفع رباح وهو يدخل خلف قماح وكاد يقع بأرضية الحديقة، لكن ساند بيديه على قماح الذي لم يتنبه وتزحلق بأرضية الحديقة المبلولة بسبب هطول أمطار غزيرة. رغم سخر منه رباح وقتها وضحك عليه، وتركه ولم يمد يده له يساعده على النهوض، بل قال له: أحسن يا ريت رقبتك كانت انكسرت. لم يبكِ لكن الكلمة تركزت بعقله الصغير. أخيه يكرهه دون سبب. نهض من على الأرض أصبحت ملابسه ملوثة بالطين. دخل إلى المنزل ينادي على والدته. التي آتت تحمل طفلة صغيرة بين يديها. نظرت له بفزع تتحدث العربية لكن بكلمات صعيدية مكسرة اكتسبتها من عشرتها في دار العراب السنوات الماضية قائلة: قماح أيه اللي جرى لك. بتلقائية طفل قال: رباح زقني وهو داخل للدار. ردت كارولين: طب معلش تعالي معايا للأوضة أغير لك هدومك. تبسم لها وسار خلفها، وضعت تلك الصغيرة التي كانت تحملها على فراش غرفة قماح، وأتت بملابس نظيفة لقماح ووضعتها بجوارها على الفراش وقالت: يلا ادخل استحمي ونضف نفسك من الطين ده وتعالى هنا البس هدومك عشان مش تتبل ميه من الحمام. تبسم لها ودخل للحمام، اغتسل وخرج بعد قليل يرتدي مئزر قطني صغير مناسب له. نظر لها وهي تداعب تلك الصغيرة قائلاً: ماما أنا نفسي يبقى لي أخوات زي رباح كده. تبسمت له قائلة: رباح يبقى أخوك الكبير واخواته يبقوا أخواتك وكمان البيبي الصغير اللي في بطني هيبقى أخوك أو أختك زيهم بالظبط. رد قماح: لأ يا ماما رباح واخواته مش بيحبوني، ورباح مش بيرضى يلعبني معاهم حتى في المدرسة أوقات بيخلي أصحابي مش يلعبوا معايا، ويقولهم ده ابن الأغريقية مش أخويا. مسدت كارولين على شعر رأسه بحنان قائلة: متزعلش نفسك، بكرة سلسبيل تكبر وتلعب معاها، شوف أهي بتضحك لك. نظر قماح لـ سلسبيل وقال: مش يمكن سلسبيل تبقى زي رباح ومترضاش تلعب معايا، أنا هستنى لما تجيبي أخويا او اختي والعب معاهم. تبسمت كارولين له: طب يلا البس هدومك لا تبرد. تبسم قماح ونظر لـ سلسبيل التي تحملها كارولين قائلاً: غمضي عينك يا سلسبيل، عيب أما تشوفي راجل عريان. تبسمت كارولين على بسمة تلك الصغيرة، وتمنت أن يرزقها مثلها. لكن كان للقدر رأي آخر، أنجبت فعلاً فتاة، لكن فارقت الحياة بسبب ولادتها المبكرة قبل ميعادها. وليس فقط هي من فارقت، بعدها فارقت والدته هي الأخرى متأثرة بحمى نفاس. ليسير بعدها في درب من الحرمان.
فاق من هلوسته حين شعر بيد تمسد على خصلات شعره. للحظة ظن أنها يد والدته، فتح عينيه للحظات، لكن رأى وجه آخر غير أمه، وجه سلسبيل! سلسبيل هي من تمسد على خصلات شعره. أغمض عينيه سريعاً لا يريد أن تعلم سلسبيل أنه يشعر بها.
انتبهت سلسبيل لعودة جدتها فشالت يدها من على رأس قماح. لاحظت هدية ذلك وتبسمت دون حديث. نهضت سلسبيل من جوار قماح وقالت: حرارة قماح تقريباً زالت يا جدتي. تبسمت هدية قائلة: عالصبح إن شاء الله هتزول خالص. تبسمت سلسبيل وقالت: تعبتك يا جدتي، وصحيتك من النوم، وإنا عارفة إنك مش بتحبي تسهرى. ردت هدية: ده قماح يا سلسبيل متعرفيش غلاوته عندي جد إيه، ربنا يتم شفاؤه. ردت سلسبيل: وأيه سر غلاوة قماح بقى عندك نفسي أعرف. تثائبت هدية قائلة: هقولك بس بعدين مش دلوقتي، دلوقتي، أنا عضمة كبيرة ومش جد إني أسهر اعتني بقماح، هسيبلك المهمة دي، هو جوزك وانتي استر وأولى برعايته. هنزل مقعدي، اتمدد عليه، بس مش هنعس خلاص جربنا عالفجر الأول، هسبح ربنا. ردت سلسبيل: نزول السلم هيتعبك يا جدتي، في هنا أوضة نوم تانية، مددي جسمك على السرير فيها، وكمان ممكن الحرارة ترجع تاني. تبسمت هدية بموافقة. قالت سلسبيل: خليني آخد يدك للأوضة ترتاحي يا جدتي.
تبسمت هدية قائلة: تسلمي يا بتي، ربنا ياخد بيدك ويرزقك بالخير على الدوام. هما ساعتين لحد نور ربنا ما يسطع، وقماح هتزول الحرارة من عليه. ربنا ما يرجد له جثة.
صمتت سلسبيل وذهبت مع جدتها لغرفتها. وعادت مرة أخرى لغرفة قماح. نظرت له تبسمت على حالها. كيف قبل ساعات كانت تود الطلاق ومازالت تود ذلك، لكن كيف تطلب هذا وهو مريض، والأدهى من ذلك هي من تجلس جواره في مرضه. هي فقط تشفق عليه لا أكثر هذا ما فسره عقلها. تمنت أن يأتي الصباح. ربما مثلما قالت هدية، أن قماح سيستعيد جزء صحته صباحاً. ربما شفاؤه السريع يعطيها فرصة للتخلص من هذا الزواج سريعاً. لا داعي للمماطلة أكثر.
بالفعل أتى صباح جديد. دخل النبوي إلى غرفة والداته تعجب حين لم يجدها. سأل إحدى الخادمات عنها فأخبرته: أنها استيقظت ولم تجدها بغرفتها. تعجب النبوي لذلك. في ذلك الوقت دخل ناصر يسأل عنها أيضاً، تعجب من رد الخادمة. تحدث النبوي يقول: وأمي صحيت بدري كده وراحت فين. كاد ناصر أن يقول له لا يعلم ولكن تذكر وجه قماح ليلة أمس. فقال: قماح امبارح بالليل رجع وشكل وشه كان تعبان ولما سألته قالي إنه كويس. تفتكر... إنخض النبوي قائلاً: قصدك إيه بشكل وشه؟ أنا هطلع أطمن عليه. رد ناصر: خدني معاك.
بالفعل صعد الاثنان خلف بعضهم، وتركوا تلك الحقودة قدرية التي سمعت حديثهم، فزاد الغل في قلبها تتمنى الأسوأ لقماح، قائلة بتهكم: جلبك حنين جوي يا نبوي لو واحد من ولادي ما كنتش هشوف عليه الخضة دي، بس طبعاً ده ابن الأغريقية اللي خطفت جلبك. ياريت قماح كان سبقها للموت.
فتحت سلسبيل باب الشقة ليتحدث النبوي قائلاً: قماح فين؟ هو بخير. تبسمت سلسبيل: قماح بخير يا عمي، جدتي داوته. دخل النبوي سريعاً إلى الشقة إلى داخل غرفة النوم، تبسم براحة، وهو يرى هدية تجلس جوار قماح، تمسك كوب تسقيه منه قماح الذي تماثل للشفاء. تبسم النبوي وقال: صباح الخير يا أمي، سلامتك يا قماح. تبسم ناصر هو الآخر قائلاً بعتب: ليه يا ولدي، لما كنت تعبان امبارح جلت إنك زين، شكلك كان باين، بس خال عليا، ربنا يتم شفاك. تبسم قماح لعمه بود. بينما قالت هدية: دي كانت ضربة شمس وربنا لطف، شكله كان بيوقف في الشمس كتير اليومين اللي فاتوا، وشه اسود شوية، بس لسه حلو زي ما هو، حتى السمار زاده حلاوة. تبسم النبوي يقول: مالهم السمر يا أمي وبعدين هو بنته عشان نقول أبيض ولا أسمر ده راجل ومن عيلة العراب، حفيد الحاجة هدية. تبسمت هدية وقالت: وجوز بت ناصر العراب، زينة البنتين. تبسمت سلسبيل داخلها تتهكم، كم تود إنهاء هذا الزواج في أقرب وقت، لكن بحديث هدية مع ولديها، يبدو أن الأمر أصبح مؤجل إلى وقت آخر.
***
بعد مرور عدة أيام.
صباحًا.
تحدثت همس على الهاتف مع طبيبتها وقالت: أنا تعبت من السر اللي شايلاه جوايا، أخدت قرار وخلاص هحكي اللي حصل معايا.
***
ظهراً.
نظرت زهرة إلى تلك الدماء التي تسيل منها. تبسمت بمكر ثعالب. هذا اليوم ستنهي كذبة حملها، وتكسب تعاطف الجميع معها. ادعت الألم واتصلت على رباح، الذي رد عليها قالت له: أنا تعبانة قوي يا رباح، واتصلت عالدكتورة وقولت لها على وجعي قالت لي تعالي لي العيادة، واتصلت على أمي وقولت لها هفوت آخدك نروح للدكتورة. رد رباح بخوف وخضة: قولي لي عنوان الدكتورة وأنا أقابلكم على هناك. ردت زهرة: لأ خليك إنشاء الله خير، يمكن مغص ويعدي، ماما معايا ولو حصل حاجة هتتصل عليك. رد رباح: طيب خدي عمتك معاكم للدكتورة. ردت زهرة: لأ بلاش عمتي، ماما كفاية، أنا ما كنتش هتصل عليك أقلقك، بس قولت أقولك عشان هخرج محبش أخرج من دون علمك. رد رباح: طيب ابقي ردي على اتصالي. تبسمت زهرة وقالت: حاضر يا حبيبي خير انت ادعي لي، يلا بالسلامة. أغلقت زهرة الهاتف، ورمته على الفراش تبتسم بظفر وراحة، ستنهي هذه الكذبة قبل أن تفضحها هدية التي تشعر أنها لديها شك بحملها، وكثيراً ما تلمح لذلك.
***
بعد العصر بقليل.
بمنزل العراب.
دخلت سلسبيل إلى غرفة جدتها وجدتها تختم الصلاة. تحدثت: حرمًا يا جدتي تقبل الله.
تبسمت هدية قائلة: جمعاً يارب. تعالي اجعدي جانبي يا سلسبيل بت حلال كنت هخلص صلاة وهبعت أنده لك، عاوزاكي.
جلست سلسبيل أرضاً جوار هدية. وقالت: خير يا جدتي.
ردت هدية وهي تضع يدها على رأس سلسبيل تمسدها بحنان: خير يا بتي. كنت عاوزة أسألك على حالك مع قماح.
ارتبكت سلسبيل قائلة: حالي معاه كيف يعني؟
تبسمت هدية وقالت: قماح بيعاملِك زين ولا.....
ازدرت سلسبيل حلقها وقالت بخفوت: زين بيعاملني زين.
نظرت هدية لعين سلسبيل واستشفت عكس ما تقوله سلسبيل وقالت: طب مالك بتجوليها بصوت واطي كده. ليه حاسة زي ما يكون مفيش بينك وبين قماح وفاق (وفاق).
ارتبكت سلسبيل وكادت تكذب على هدية.
لكن هدية قالت لها: هجولك يا بتي كلمتين أمي جالتهم لي زمان لما اتجوزت جدك الله يرحمه. جالت لي يا بتي إحنا الحريم "مصاطب الذل".
نظرت لها سلسبيل بعدم فهم وقالت: مش فاهمة تقصدي إيه يا جدتي. عاوزاني أذل نفسي لـ قماح!
ردت هدية بنفي: طبعاً لاه ما عاش ولا كان اللي يذل فرد من أحفادي لا البنين ولا البنات. هجولك يا بتي أمي كان قصدها إيه؟ كان قصدها إننا الحريم اللي بنحتوي راجلنا ونجدم له الراحة حتى وإحنا مش قادرين نقول لاه. بس ده مش معناه إننا ضعاف لاه ده جوه لينا. الست لازم تكون زي السفنجة لجوزها. تيجي غضبه وعصبيته وتبلعها تتشربها كيف ما تتشرب السفنجة الميه. الراجل مهما كانت قوته الست تقدر تحول قوته دي لضعف قدامها. يمكن ما وعيتيش على جدك رباح الله يرحمه، كان فيه خصال كتير من قماح. بس أنا سويت كيف ما أمي وصتني واتحملت طبعه الجاسي في الأول لحد ما لان وبقى كيف الميه البيضة لونِت معاه العيشة. محدش كان يعرف بيننا إيه حتى ولادنا اللي معانا في الدار. إني خابرة قماح طبعه جاسي جوي يمكن بزيادة عن جدك، يمكن بسبب إنه اتربى بعيد عنينا مع الولية جدته الأغريقية لأكتر من ست سنين لما رجع لأهله كان عمره عدى سبعتاشر سنة يعني كان بقى راجل. وفعلاً كان راجل. قماح طول عمره راجل من وهو صبي صغير. مشاء الله عقله سابق سنه.
ردت سلسبيل بتهكم: آه عقله سابق سنة حتى عدد جوازاته. في خمس سنين اتجوز تلاتة والله أعلم لسه إيه اللي هيحصل. يمكن يجيب الرابعة كمان.
ردت هدية: دي في يدك وبشطارتك انتي تخليه ميفكرش غير فيكي وبس ويزهد صنف الحريم من بعدك.
تهكمت سلسبيل: وده هيحصل إزاي؟ هسحره إياك.
تبسمت هدية قائلة: في يدك اللي أقوى من السحر. العشق. العشق يا بتي أقوى من السحر. خلي قماح يعشقك ووقتاها هتلاقي جسمه بقى حنين.
سخرت سلسبيل قائلة: يعشقني. هو قماح يعرف العشق. على يدك جوازته الأولى كانت من زميلته في الجامعة قال بيحبها واتجوزها وقبل ما تمر سنة كان مطلقها. حتى التانية كانت بنت تاجر من اللي بيتعامل معاهم وشافها ودخلت مزاجه واتجوزها ونفس الشيء حصل قبل سنة طلقها. قماح أسهل شيء عنده الطلاق. هو بيتسلى شوية باللعبة اللي في إيدك وبعد ما يزهق منها بيكسرها. وقبل السنة هفكرك يا جدتي هيعمل معايا نفس الشيء ويطلقني. أنا ما كنتش موافقة عالجوازة من الأول بس أنتم اللي غصبتوا عليا بسبب.
صمتت سلسبيل تكبت تلك الدمعة التي تحرق عينيها.
لكن تنهدت هدية بألم وقالت: اللي حصل كان مكتوب وجوازك من قماح كمان كان مكتوب. وأنا مستحيل اسمح إن قماح يطلقك أبداً طول ما أنا عايشة.
ردت سلسبيل بتهكم: تفتكري صعب عليه يا جدتي لما يزهق مني؟ حتى لو مطلقنيش سهل يتجوز عليا وأعيش ضايعة زي مرات عمي.
ردت هدية: انتي مش زي مرات عمك بلاش تقارني نفسك بيها. انتي عندك عقل وقلب عنها. وقماح مش زي النبوي. طب تعرفي إن الاتنين اللي طلقهم نفسهم لحد دلوقتي يرجعوا تاني لعصمته حتى لو بقوا ضراير.
سخرت سلسبيل قائلة: على إيه عاوزين يرجعوا لعصمته تاني؟ والله دول يحمدوا ربنا إنهم بعدوا عنه.
ردت هدية: هما مابعدوش عنه بخطرهم. لو بخطرهم عمرهم ما كانوا بعدوا عنه. لسه عاشجينهُ.
تهكمت سلسبيل تقول: عاشجينهُ. جايز برضو.
فجاءت هدية سلسبيل وقالت: وأنتي كمان بكرة تعشقيه يا سلسبيل. وفي يدك تخليه عينيه متشوفش ولا عقله يفكر في حريم غيرك. افتحي جلبك له.
تهكمت سلسبيل تفكر في داخلها تقول لنفسها: وددت لو تصرخ وتقول لهدية: أي قلب عاوزاني أفتحه له وهو مفيش مناسبة غير وبيجيب سيرة أختي وبيحسسني إنه اتفضل ومن عليا لما قبل يتجوزني. ده غير كرهي لعنفه معايا. أنا بكرهه وبكره إنه يقرب مني أو يلمسني ولو بإيدي. كنت أفضل الموت عن إني أسيبه يعاملني زي الخادمة لرغبته المتوحشة. بس وقتها مش بعيد يستغل موتي ويؤذي "هدى" أختي بذنبي زي ما بيعمل معايا. ده شخص مريض محتاج لعلاج نفسي.
لكن صمتت سلسبيل.
تبسمت هدية تقول: اسمعي كلامي وهتكسبى قماح.
ردت سلسبيل بمهادنة: حاضر يا جدتي. بس ليا عندك طلب وعاوزاكي تقنعي قماح بيه.
ردت هدية: وأيه هو الطلب ده؟
ردت سلسبيل: عاوزة أشتغل. وهو ممانع.
قبل أن ترد هدية. رد قماح الذي دخل بتعسف: ومازلت ممانع. مفيش شغل وآخر مرة أسمعك تتكلمي في الموضوع ده.
نهضت سلسبيل واقفة وقالت بشجاعة: ليه مش موافق إني أشتغل؟
رد قماح بتصميم: قولت مفيش شغل. أنا مبحبش أتعامل في الشغل مع ستات.
ردت سلسبيل: مش عذر وتمام بسيطة أنا هشتغل في الحسابات يعني بعيد عنك ومش هتضطر تتعامل معايا.
نظر لها بتهكم قائلاً: قولت مفيش شغل. انتي مش محتاجة لشغل.
ارتسمت القوة والتصميم على وجهها وقالت: ومين قالك كده. أنا أكتر واحدة محتاجة أشتغل. وقبل ما تقول مش محتاجة مادياً، هقولك مش كل اللي بيشتغلوا محتاجين الشغل عشان الفلوس، وانت أولهم. مش محتاج مادياً يبقى ليه بتشتغل.
ارتسمت الحِدة على وجه قماح ورد بتعسف: بشتغل عشان أنا الراجل. ولما أبقى محتاج وقتها ابقى اشتغلي. وده آخر قرار عندي، وممنوع الكلام في سيرة إنك تشتغلي دي تاني.
استدارت سلسبيل تنظر لجدتها أن تساندها، لكن وقع بصرها على باب الغرفة. أغمضت عينيها ثم فتحتهما، وقالت بذهول: همس!
ليُذهل عقلها وتقع مغشياً عليها. يتلقفها قماح بين يديه قبل أن تسقط أرضاً.
رواية عش العراب الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامه
كادت سلسبيل أن تقع أرضاً غائبه عن الوعى، لكن سُرعان ما تلقفها قماح بين يديه بخضه،إنخضت هدايه هى الآخرى ونهضت سريعاً تتوجه لقماح بلهفه قائله: بسرعه يا قماح وديها مجعدى، حُطها عالسرير.
نظر قماح لها وقال:لأ خلينى أخدها لأى مستشفى.
ردت هدايه: وديها مجعدى حطها عالسرير يا قماح...متخافِش دى مُغمى عليها.
نظر قماح لوجه سلسبيل وشفاها التى همست بشئ قبل أن تغيب عن الوعى،من ثم ذهب سريعاً الى غرفة نوم هدايه وضعها على الفراش،ووقف يُخرج هاتفه.
نظرت هدايه التى دخلت للغرفه خلفهُ قائله:هتكلم مين فى التليفون؟
رد قماح:هشوف أى مستشفى قريبه من هنا تبعت لينا دكتور يكشف على سلسبيل.
تنهدت هدايه قائله:مالوش لازمه هاتلى الكولونيا اللى عالتسريحه.
نظر قماح لوجه سلسبيل مازال يُريد أن يطلب أحد الأطباء.
تنهدت هدايه قائله:بلاش تفكر كتير وهاتلى الكولونيا،يلا بلاها وجفتك دى.
آتى قماح بزجاجة الكولونيا وأعطاها لهدايه، التى بدأت تضع منها على يديها وتقربها من أنف سلسبيل.
بينما سلسبيل فى غفلتها تلك ترى من البدايه
همس تقف تُمسك بيدها هاتفها وتمد يدها لسلسبيل به، ذالك ما جعل عقلها يغيب لتفقد الوعى بعدها ترى همس نائمه على شيزلونج طبى، وهنالك من معها بالمكان، همس تبكى بخطين أسودين على وجهها يشبهان الكحل السائل... وهنالك أحد يمد يدهُ لها يريد تجفيف دموعها، لكن همس خافت منه ونهضت من على الشيزلونج ترتجف.
فتحت سلسبيل عينيها وأغمضتها عدة مرات ببطئ تهمس بأسم همس... لم تتعجب هدايه التى سمعت همس سلسبيل بأسم همس أيقنت بداخلها أن سلسبيل تشعر ب همس، ربما لا تعلم أنها مازالت على قيد الحياه لكن هنالك تواصل فكرى بينهما، سلسبيل ورثت تلك الملكه عن والداتها كانت ترى أحلام ورؤى تتحقق فى المستقبل، سلسبيل هكذا، لكن بدرجه أقل من والداتها فى الماضى، سلسبيل تكره تلك الأحلام وتخشى منها لذالك ترفضها بعقلها، ربما تعتقد أن هذا أفضل لها، فرؤية بعض أحداث المستقبل الغير مرغوب فى حدوثها تؤلم كثيراً، حين تعيش الآلم مرتين، مره بالأحلام ومره بالواقع، لكن بالنهايه كل شئ قدر.
فاقت سلسبيل لحد ما تشعر بدوخه تعجبت حين وجدت نفسها على فراش جدتها وضعت يدها تُمسد راسها وقالت:أنا أيه اللى حصلى.
تتنهدت هدايه براحه قائله: خير يا بتى فجأه أغمى عليكي.
تذكرت سلسبيل آخر شئ حين إستدارت ورأت همس تقف على عتبة باب الغرفه بيدها هاتفها تمد يدها تعطيه لها،لكن أخرج سلسبيل من التفكير صوت قماح الذى قال:
سلسبيل لو حاسه بأى آلم خلينى أخدك للدكتور.
نظرت له سلسبيل بصوت يشوبهُ الغضب وقالت:لأ انا كويسه متشكره يمكن شوية صداع وهيروحوا، كتر خيرك، خيرك سابق.
تعجب قماح من رد سلسبيل بهذه الطريقه عليه لكن إبتلعها حين دخلت نهله برجفه ولهفه قائله:
خير سلسبيل مالها واحده من الشغالات جالتلى إن قماح كان شايل سلسبيل ودخل بها لهنا.
سَخِرت سلسبيل من طريقة حديث نهله بتلك اللهفه، منذ متى هذه اللهفه، لو كانت حقاً تخاف عليها ما كانت وافقت على زواجها من قماح، حتى أنها أحياناً تُشعرها أن قماح تفضل عليها حين تزوج من إحدى بناتها.
إقتربت نهله من الفراش وكادت تمد يدها على كتف سلسبيل، لكن سلسبيل تجنبت للخلف وقالت: أنا بخير، يمكن مُجهده بسبب قلة نوم،يمكن محتاجه أنام، هنام شويه وهصحى كويسه.
تحدث قماح:تمام إطلعى شقتنا نامى وإرتاحى ومرات عمى هتسندك.
تمددت سلسبيل على فراش جدتها وقالت:لأ أنا عاوزه أنا هنا فى أوضة جدتى هحس براحه أكتر من أى مكان تانى.
قالت سلسبيل هذا وأغمضت عينيها.
تحدثت هدايه:
خلاص خلونا نطلع من المجعد ونسيب سلسبيل على راحتها تنام اهنه، وهتصحى بأذن الله كويسه.
إمتثل قماح لقول هدايه على مضض، حتى نهله هى الآخرى شعرت بآلم بقلبها من طريقة معامله سلسبيل لها سلسبيل تعتقد أن نهله بداخلها ليست حزينه على رحيل همس، وأنها ضحت بها حين غصبتها على الزواج من قماح، لكن هذا ليس صحيح، نهله بداخلها نار تكوى قلبها على بنتيها سواء التى إختارت الرحيل دون أن تُبرئ نفسها، والآخرى التى تلومها على ضعفها وتبتعد عنها،لا تعرف مدى آلم قلبها تشعر أن شرينان فى قلبها ينزفان،وإن كانت واقفه على قدميها الى الآن دون ان تنهار فهو من أجل بنتيها،تتمنى أن لا يُصيب إحداهن أى مكروه،يكفيها آلم دفنته بقلبها تمثل القوه أمام الآخرين،لكن القلب قد فاض من الآلم.
خرجت نهله أولاً من الغرفه ثم قماح ومعه هدايه التى مدت يدها على ذر الإضاءه وكادت تُطفئه، لكن قالت سلسبيل: سيبى نور منور يا جدتى.
سمع قماح ذالك شعر بغصه هو يُجبر سلسبيل على النوم فى الظلام كما تعود
بينما
إمتثلت هدايه لذالك وتركت نور خافت بالغرفه وخرجت وأغلقت باب الغرفه خلفها.
تدمعت عين سلسبيل تشعر بآلم فى قلبها حين تذكرت باقى الرؤيه التى راتها وهى غائبه عن الوعى، همس كانت تبكى، لما؟!
هل الموتى يبكون مثل الأحياء، ربما تبكى لأنها ظُلمت وأنهت حياتها بيدها، لكن تذكرت همس كانت تمد يدها لسلسبيل بالهاتف، ما تفسير هذا، أتكون تريد أن تُخبرها بشئ، بالتأكيد لأ هنالك تفسير آخر لذالك.. أو ربما تنذرها أنها هى من ستلحق بها الى القبر قريباً.
.................... .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما قبل قليل
بعيادة الطبيبه النفسيه.
تبسمت الطبيبه قائله:جاهزه تحكى أيه اللى حصل فى الماضى.
سحبت همس نفس عميق وقالت بتوتر:جاهزه أحكى كل اللى حصلى،يمكن بعدها أرتاح من الخوف ووجع القلب اللى بحس بيه.
تبسمت الطبيه قائله:تمام إتفضلى نامى عالشيزلونج،وإسترخى،وأى وقت حسيتى بأرهاق،او إنك مش قادره تكملى حديث بلاش تضغطى على نفسك.
أمائت همس برأسها وتمددت فوق الشيزلونج،بداخلها ترتجف،قاومت ضعفها وبدأت بسرد ما حدث لها ذالك اليوم التى تشعر أنها ماتت فيه.
فلاشــــــــــ**بـــــــاك
بعد الظهر إنتهت همس من إحدى محاضراتها وأُلغيت المحاضره الآخرى،إعتقدت أن ذالك من حظها،هى أعطت للسائق المسئول عن توصيلها الى الجامعه ميعاد خروجها بعد المحاضره التى أُلغيت،خرجت هى وإحدى زميلاتها تسيران أمام الجامعه،لكن بدأ الطقس يتغير فجأه،إختفت الشمس وظهرت بعض السُحب السوداء.
تحدثت زميلتها قائله:الدنيا شكلها هتمطر،أنا هروح أشوف أى سيرڤيس وأروح قبل ما المطر ينزل،وأنتى بلاش تفضلى كده شوفيلك تاكسى وروحى،قبل ما تمطر.
تبسمت همس لصديقتها وقالت لها ببساطه:وماله ما تمطر المطر خير أنا بحب المطر.
ردت زميلتها:طبعاً بنت العراب لو مرضت هتلاقى كونسلتوا دكاتره تحت رِجليها،لكن أنا غلبانه يلا سلام بلاش عناد وشاورى لأى تاكسى وروحى بيتكم قبل الدنيا ما تمطر السُحب فى السما ماشيه سوده شكلها ناويه على شتوايه جامده.
رفعت همس بصرها تنظر للسماء،بالفعل السُحب سوداء وهنالك أسراب من الطيور تطير بالتأكيد تذهب الى أعشاشها قبل أن تُمطر السماء عليها،ذهبت صديقة همس وتركتها تسير وحدها،سارت همس على جانب الطريق،بدأت السماء تُمطر فى البدايه كان شبه قطرات ندى الصباح او رذاذ،كانت تمشى مستمتعه بتلك النقاط على وجهها ،لكن فجأه إزداد هطول الأمطار وأصبحت غزيرة للغايه،كما ان الماره بالطريق أصبحوا قلائل هنالك من يقفون أسفل البنايات إحتمائًا من هذا المطر،وأخرون يتسارعون بالطُرق حتى يذهبوا لمنازلهم،إبتلت ملابس همس عليها،شاورت لأحد التاكسيات فى الطريق،سُرعان ما توقف لها.
إنحنت قالت له:فاضى يا أسطى.
رد السائق:والله كنت رايح أجرچ التاكسى،الجو كده شكله مينبأش بخير،بس ممكن اوصلك لو المكان اللى رايحه له على طريقى.
أملت له همس العنوان.
تبسم قائلاً:إركبى يا أستاذه إنتى على سكتى اهو أسترزق بدل ما أروح ببلاش.
تبسمت همس وصعدت الى السياره.
تحدث لها السائق قائلاً:أيه اللى مخليكى طالعه فى الشتا ده.
ردت همس:أبدا أنا كنت فى الجامعه والمحاضره اتلغت.
تحدث السائق:خير.
قال السائق هذا ومد يده بعلبة مناديل ورقيه قائلاً:
خدى نشفى وشك من المطر.
ردت همس برفض:شكراً ليك معايا فى شنطتى مناديل،تسلم.
عاد السائق علبة المناديل،بينما فتحت همس حقيبتها كى تُخرج علبة مناديل،توقف السائق فجآه.
إنتبهت همس لذالك وقالت بخضه:فى أيه وقفت العربيه ليه؟
إستدار لها السائق وقام برش رذاذ فى وجهها جعل عقلها فقط يغيب عن الوعى، لكن عينيها مفتوحه ترى كل شى أمامها، وجسدها كآنه شُل عن الحركه.
بعد قليل دخل التاكسى الى أحد الاماكن تبدوا مثل مخزن قديم، نزل السائق من السياره، فتح الباب الخلفى ومد يده لها قائلاً: وصلنا يا عروسه يلا إنزلى.
نزلت همس دون إراده منها تبدوا كالمنومه مغنطيسياً، تسير خلف ذالك السائق الذى دخل بها وقال: الأمانه زى اللى طلبوتها يا بهوات، أهى بنت عالفرازه وشكلها بنت ناس كمان، تبسم الآخرين له ينظران لهمس بإشتهاء بسبب ملابسها التى شبه مُلتصقه على جسدها بسبب الأمطار، أخرج أحدهم مبلغ مالى كبير وأعطاه للسائق قائلاً:
تستاهل أتعابك، يلا خد باب المخزن فى إيدك وإنت خارج وسيبنا إحنا نرحب بالموزه الحلوه دى.
بالفعل غادر السائق وترك همس الغائب عقلها وجسدها التى تشعر انهما مسلوبان منها.
سمعت حديث الإثنان مع بعضهما وهما يتنافسان من ينالها أولاً كان كل منهم يجذبها من يد كأنها دُميه، تشعر بآلم، لكن لا تستطيع الدفاع عن نفسها تصرخ فقط
تخدث أحدهم: خلينا نعمل قُرعه واللى يطلع صح ياخد هو الطلعه الأولى مع الحلوه.
بالفعل أحدهم فاز بالقُرعه، وسحب همس من يدها خلفه كالذبيحه كانت تصرخ،منه لكن هو وغد حقير وربما يستمتع بصُراخها،وعدم مقاومتها الجسديه له.
بالفعل دخل الى غرفه أخرة وأخذ حقيبة يدها ورماها أرضاً، ثم ألقاها بقوه على فراش شبه قديم،وأعتلاها يُحاول تقبيل شفتاها،لكن رغم غياب إرادتها،قامت برفض وحركت رأسها برفض،لكن صفعها ذالك الوغد أكثر من صفعه شعرت أن وجهها تخدر أكثر،لكن مازالت واعيه العقل فقط...
بدأ ذالك الوغد تجريد ملابسها،كانت تُمانع لكن جسدها مسلوب الحركه لا تستطيع المقاومه،عرى جسدها ينظر له بأشتهاء،بدأ فى إنتهاك جسدها، لكن
كانت تصرُخ بإستجداء وجسدها يرضخ دون إراده منها
إنتهى ذالك الوغد من إغتصابها ورمى بجسده جوارها على الفراش يلهث بإستمتاع ونشوه ووضع إحدى الكبسولات بفمه،ونهض بعد قليل،خرج من الغرفه،وما هى الأ دقائق وعاد هو والوغد الثانى معه،ليس هذا فقط بل معه هاتفه وقام بتصوير جسد همس العارى وتلك البقعه الدمويه على الفراش نظر للوغد الذى معه وقال:
خدت عذريتها والطلعه الاولى يا بختك،بس معليشى أنا كمان لازم أخد شرف كبير مع الحلوه،بالفعل جثى الآخر فوق جسد همس وبدأ بإغتصابها متلذذًا بصُراخها دون مقاومه منها،مارس عليها علاقه مُحرمه،يستلذ بها الى أن إنتهى هو الآخر وترك جسد همس الموصوم بأغتصاب حقيران لها،ليس هذا فقط بل صوراها بطريقه مُشينه،كانت واعية العقل فقط وباقى جسدها مسلوب،لكن من يرى فتحها لعينيها يعتقد ان كل شئ حدث بإرادتها حتى صُراخها ربما يُفسر على أنه "لذه"
دخل أحد الأثنان وقام بتلبيسها ملابسها مره أخرى، ووضع حقيبتها علي كتفها، وسحبها خلفهُ وهى لا تشعر بشئ حتى إنهاك جسدها، ووضعها بسيارته، وذهب الى أحد المواقف العامه القريبه من الطريق، وقام بأنزالها وأخذ يدها الى ان أجلسها على أحد مقاعد الإنتظار بالطريق، من ثم قاد سيارته وغادر سريعاً.
ظلت همس جالسه تائهة العقل،رغم ذالك عقلها مستوعب ما حدث... الى ان بدأ يزول مفعول ذالك المُخدر عن عقلها وبدأت تشعر بجسدها مره أخرى، شعرت بآلم قاتل لها ليس جسديًا فقط بل روحيًا، تحاملت على ذالك الآلم، لا تعلم كيف ذهبت الى أحد المواقف العامه وركبت إحدى السيارات، وعادت الى بلدتها منها الى منزل العراب.
دخلت الى المنزل تشعر بتوعك جسدى، بالكاد تستطيع السير، ربما من سوء حظها أنها كل من بالمنزل منشغل بشئ، صعدت الى شقة والداها منها الى غرفتها، إرتمت بجسدها على الفراش كادت تصرُخ، لكن وضعت يديها على فمها تكتم شهقات بُكائها المرير، لا تعلم متى سحبها النوم، إستيقظت على يد نهله التى أفاقتها قائله بتعنيف:
طبعاً مشيتى فى الشارع تحت المطر وإنبسطتى ودلوقتي،وشك احمر و شكلك داخله على دور برد، معندكيش عقل مش عارفه أمتى هتكبرى ويكبر عقلك، يلا جومى إدخلى للحمام، غيرى هدومك دى وأنا هجيبلك غيار تانى، وهجيبلك مجموعة ادويه للبرد خديها وأدفى وبعدها هتبجى كويسه، بس دى آخر مره تمشى تحت المطر، بعد كده هيبجى فى عقاب، عاجبك حالك ولا منظر هدومك وزمانك كمان بليتى السرير مايه، هغير الفرش على ما تطلعى من الحمام، بالفعل دخلت الى حمام غرفتها، خلعت ملابسها رأت أثار بعض الدماء على ركبتيها نظرت لها ولجسدها بإشمئزاز،نظرات كُره كم ودت حرق جسدها... وهنالك تلك العلامات الداميه أيضًا بسبب تلك الصفعات التى تلقتها من هذان الوغدان اللذان كان يستمتعان بصفع مناطق بجسدها، نزلت أسفل مياه الصنبور وقفت تقطع نفسها تريد أن تختنق وتموت الآن،لكن سمعت صوت والداتها من خلف باب الحمام،إنتبهت لوعييها وأغلقت الصنبور وإرتدت معطف قطنى طويل.. وفتحت باب الحمام وخرحت،
تحدثت لها نهله قائله بحنان: تعالى انا أنشفلك شعرك، غيرت فرش السرير وكمان طلعت ليكى غيار وخدى مجموعة الأدوية دى واشربي الليسون ده هيدفيكى وبعدها ونامى وهتصحى كويسه.
بالفعل نشفت نهله شعر همس بمنشفه أخرى،ثم اعطتها الأدوية ولكن فى ذالك الوقت آتت إحدى الخادمات بالمنزل تطلب منها أن تنزل للانتهاء من بعض اعمال المنزل،بالفعل تركت نهله همس لكن قبلها قالت لها:
غيرى الروب ده والبسى الهدوم اللى عالسرير وخدى العلاج واشربى الليسون،هنزل وهرجعلك تانى بسرعه،امائت همس لها براسها.
وضعت همس مجموعة الادويه بفمها وشربت بعض قطرات الماء من ثم إرتمت بجسدها لم تدرى بحالها الأ فى صباح اليوم التالى على إيقاظ هدى لها،كانت تحسنت قليلاً،لكن أصبح لديها رهبه جديده عليها،أصبحت بعدها تميل للوحده والإنعزال وإبتعدت حتى عن أختيها،وحين كانتا تسألنها كانت تتحجج لهن، أنها تريد أن تُذاكر لقُرب الإمتحانات،الى أن شكت بحالها أنها حامل،وتأكدت بذالك الأختبار.
هنا توقفت همس عن الحديث،لدقائق.
تحدثت الطبيبه لها بسؤال:طب تقدرى تتعرفى على واحد من الأتنين اللى أغتصــــــــ...
قطعت همس حديث الطبيبه وقالت بحِده:لأ كانوا لابسين قناع على وشوشهم،زى ايس كاب كده بس كان ملفوف حوالين رقابيهم يخفى وشهم،حتى أصواتهم مقدرتش أفسرها.
ردت الطبيبه بسؤال:
طب والسواق تقدرى تعرفي عليه؟
ردت همس:برضوا لأ لانه كان زيهم كده لابس زى كوفيه مغطيه ملامح وشه كان الجو برد وقتها.
قالت همس هذا ونهضت جالسه تشعر بمراره كآنها تعيش نفس الآلم مره أخرى،تبكى بدموع تسيل تحفُر مكانها لهب على وجنتيها...مدت الطبيبه يدها بعلبة محارم ورقيه...
نظرت همس ليد الطبيبه،تذكرت نفس فعلة ذالك الوغد سائق التاكسي،نهضت واقفه ترتجف.
شعرت الطبيبه بذالك ونهضت هى الأخرى قائله:أنا بقول كفايه كلام لحد كده النهارده والجالسه الجايه نكمل.
أمائت همس لها بموافقه.
تبسمت الطبيبه قائله:هكتبلك على علاج مُهدى وده مالوش أى تآثير جانبى،بالعكس هيحسسك براحه.
أمائت همس رأسها بموافقه،وأخذت من الطبيبه تلك الروشته وذهبت نحو باب الغرفه وفتحته وخرجت من الغرفه الى بهو العياده،تفاجئت بوجود كارم الذى نهض واقفاً يبتسم حين رأى همس تخرج من الغرفه.
بتلقائيه من همس رغم انها تُخفى وجهها لكن تبسمت ، لا تعرف سبب لتلك الراحه التى شعرت بها حين رأت كارم بالعياده، تبسمت حين أقتربت منه قائله:
عرفت منين مكان العياده وأنى هنا؟
تبسم كارم يقول:عندى الحاسه السادسه زى سلسبيل كده.
تبسمت همس وقالت:فعلاً سلسبيل عندها الحاسه السادسه بس دى بتكره تقول على حاجه بتشوفها الحاجه الوحيده اللى قالت عليها لما بشرت جدتى برجوع قماح من اليونان،بعد كده كانت بتشوف حاجات وتخاف تقول عليها لا تحصل،بس لما كانت تحصل كنا بنحس أنها زى ما تكون كانت عارفه أنها هتحصل أو شافتها قبل كده،كانت بس بتذكر الحاجات الحلوه،زى نجاحنا كده.
تبسم كارم ومد يده يُشير لهمس قائلاً:خلينا نمشى من العياده عازمك عالغدا فى الكافيه بتاعنا.
بتاعنا...تلك الكلمه نغزت قلب همس،كارم قالها بتلقائيه دون قصد شئ،لكن دخلت لقلب همس شعرت أن هناك شئ يجمعهما،ربما لن يكون هنالك غيرهُ،حقاً وافق كارم على طلب عمها له أن يتزوج من همس ويتشارك معها الحياه،لكن ربما وافق كارم وقتها إحتراماً لطلب والده،وربما كانا زهوة أنه عرف ان همس مازالت تعيش،لكن حتى إن وافق وتم ذالك الزواج،كيف ستكون حياتهم،همس لديها رُهاب أن يتقرب منها أحد اصبح لديها عدم ثقه بأى أحد،من الأفضل لهما أن يظل كل ما يجمع بينهم هو شراكتهما بهذا الكافيه.
بأسفل بناية الطبيبه فتح كارم لهمس باب السياره،صعدت،وتوجه هو الى المقود،وقاد السياره.
كان حديث جانبى عن أشياء عاديه الى أن وصلا الى الكافيه، ودخلا أليه جلس الإثنان على إحدى الطاولات..تعجبت همس من خلو المكان،وقالت:
فين الزباين من اولها كده هيطفشوا الكافيه ده كان قبل كده بيشغى زباين.
ضحك كارم وقال:لأ متخافيش،هو بس النهارده قولت للعمال من بعد الضهر يحطوا يافطه على باب الكافيه، يقولواا للزباين إن الكافيه مقفول لشوية تصليحات.
تعجبت همس وقالت: غريبه مخدتش بالى من اليافطه وإحنا داخلين، بس ليه عملت كده، أكيد فى سبب.
تبسم كارم وقال: هقولك السبب بعد ما نتغدا سوا.
بالفعل ما هى الا ثوانى
وضعت أمامها احدى الفتيات التى تعمل بالكافيه الطعام، ثم توجهت الى داخل الكافيه.
تعجبت همس قائله: ملاحظه كمان إن البنات بس هما اللى فى الكافيه.
تبسم كارم يقول:علشان تشيلى النقاب من على وشك يا همس.
قال كارم هذا ونهض من مكانه،وازال ذالك النقاب عن وجهها،وقال:بلاش مش عاوزك تخفى وشك عنى يا همس، بتوحشنى بسمتك.
إرتبكت همس وللحظه تشنج جسدها من قُرب كارم، لكن آتت إحدى الفتيات تضع لهما مياه، تبسمت لهمس ثم غادرت.
شعرت همس بنظرات كارم لها التى ليست أول مره ينظر لها بهذا الشكل، تناولا الأثنان الطعام بهدوء وسط حديث بسيط، الى ان إنتهيا من الطعام وأخذت النادلات بقايا الأطباق.
نظر كارم لهمس وقال: همس كان في طلب قبل كده أنا طلبته ولسه مأخدتش رأيك فيه.
تعجبت همس قائله: طلب أيه ده، فكرني، انا كان عندى فقدان ذاكره جزئى.
غص قلب كارم، لكن فضل عدم وجود أى شى يُنغص عليه اليوم، وقال:
طلبت نتجوز وانتى مردتيش عليا بالقبول أو الرفض.
إرتبكت همس حتى انها سعلت لكذا مره، أعطاها كارم كوب المياه، إحتست منه كثيراً.
نظر لها كارم، نظره يريد معرفة ردها.
ردت همس: بس مفتكرش أنك طلبت الطلب ده قبل كده، ده كان طلب عمى، علشان يوافق إننا نتشارك فى الكافيه.
رد كارم: بس انا وقتها قولت موافق، وعمك يبقى والداى وهو بكده طلبك ليا، قوليلى رأيك.
تنهدت همس بدمعه وقالت بعد تفكير: أنا بقول كفايه علينا شركة الكافيه يا كارم.
سآم وجه كارم، وقبل ان يتحدث، نهضت همس قائله: أنا حاسه بشوية صداع، لازم أرجع للشقه، بلاش تقفل الكافيه بقية اليوم، يلا سلام.
قالت همس وأعادت النقاب على وجهها ونهضت واقفه وكادت تسير.
لكن كارم نهض سريعاً وجذبها من يدها.
إرتعشت همس وسحبت يدها وقالت بعنف وغضب:
إنت إتجننت إبعد عنى يا كارم.
أزال كارم يده عن همس قائلاً: ليه بترفضى يا همس إننا نتجوز؟
ردت بدموع حاولت كبتها لكن خانتها وسالت من عينيها:
أنا منفعش للجواز يا كارم، انا الحيه الميته.
قالت همس هذا ولم تنتظر رد كارم، فرت سريعاً كأنها بمارثون تود أن تلحق السبق.
بينما كارم شعر بضياع لكن سُرعان ما قال بتصميم:
مش هيأس يا همس وهترجعى من تانى همس بنت عمى حبيبتى اللى ضحكتها كانت بتجلجل وتخلى قبلى يتنفض جوايا.
... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالعوده لمنزل العراب.
بإجاده مثلت زهرت المرض والوهن وهى تدخل برفقة عطيات التى تسندها، مثلت هى الآخرى الحزن الكاذب، رأتهما قدريه إقتربت منهن قائله:
خير يا عمه عطيات مالها زهرت؟
ردت عطيات بتمثيل الدموع:
زهرت سجطت يا مرت أخوى، بجالها كم يوم كانت عيانه، ومغص جوى والصبح جالتلى تعالى معايا ياماما للدكتوره، وروحنا لها، بس كان فات الآوان، نزفت وإحنا لسه يادوب طالعين فى العربيه وعلى ما وصلنا الدكتوره لما شافت
النزف كشفت عليهاوجالت لها ربنا يعوض عليكى، من وجتها وهى مش مبطله بُكى، والدكتوره كانت جعدتنا شويه بالعياده على ما زهرت قدرت تصلب طولها مت تانى... حتى كنا هنتصل على رباح، بس زهرت مرضيتش خافت على رباح يعرف قبل ما ترجع للبيت ينخض عليها.
تحدثت زهرت بدخوع خادعه: أنا مش قادره اقف على رِجلى.
إنتبهت عطيات قائله: معليشى يا مرت أخوى خلينى آخد زهرت لشجتها.
ردت قدريه: آه معليشى، ربنا يعوض عليكي يا زهرت، إنتى لسه صبيه.
ردت عطيات: نفس اللى جولته لها، بس تجولى إيه، زعلانه جوى عشان رباح هيزعل إنها سجطت.
ردت قدريه: هى حاچه تزعل، بس ده قدر ربنا عاد هنعترض، إطلعوا لفوج، عشان زهرت تستريح.
بالفعل صعدن عطيات وزهرت اللتان مثلتا دورهن الكاذب بإجاده.
دخلت زهرت الى الشقه وتركت عطيات التى تغلق خلفها الباب قائله:
عمتى قدريه عامله زى مُحقق النيابه.
ردت عطيات قائله: كويس إننا مجبلناش حد غيرها أنا كنت خايفه نجابل العقربه هدايه كانت ممكن تكشف كدبتنا، بس بكده الحمد لله خلصنا من حكاية الحبل الكاذب ده، ياريت يبجى الشهر الچاي حجيجه.
زفرت زهرت قائله: يارب، خلينى أدخل أنام زمان رباح راجع من الشغل،وأما يعرف انى سقطت هيزعل...وكمان مش بعيد نلاجى عمتى قدريه بشرت هدايه ونلاقيها بترن علينا جرس الشقه.
ردت عطيات:ربنا يستر من العقربه هدايه،انا كنت خايفه تفجس حكاية حبلك الكاذب دى...جولتلك بلاها بس يلا ها،الحمد لله خلصنا من الكدبه دى وعدت على خير،دلوق بجى ربنا يعچل وتحبلى بچد فى حشاكى وِلد رباح العراب.
....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مضى عدة أيام
قبل الظهر بقليل
ذهبت هدى الى أتلييه سلسبيل قائله:
دورت عليكى بعد الفطور قالولى إنك فى المسخط بتاعك.
تبسمت سلسبيل وقالت بيأس: وانا ليا مكان غيره أروحله، بعد قماح ما رفض إنى أشتغل، ومحدش قادر يأثر عليه حتى جدتك زى ما يكون مقتنعه بكلامه، بس سيبك أن مش هيأس ومع الوقت هشتغل يعنى هشتغل، قوليلى متشيكه كده ورايحه فين.
تنهدت هدى بحبور قائله: أخيراً هخرج من البيت الكورس بتاع نظم المعلومات اللى سبق وقولت ليكى عليه خلاص هيبدأ أول محاضره النهارده، الساعه واحده، وقولت أهو فرصه خلاص جالى كبت نفسى.
تبسمت سلسبيل قائله: ومين سمعك، بس الدراسه خلاص قربت بعد أسبوعين ومواعيد الكورس ممكن تتعارض مع مواعيد محاضراتك.
ردت هدى: لو لقيت كده مش هحضر غير محاضرات العملى، مدة الكورس مش طويله شهرين بس، يعنى هيخلص قبل إمتحانات نص السنه بفتره.،، يلا لو فضلت هنرغى مش هلحق ميعاد الكورس مش عاوزه حاجه أجيبهالك وانا راجعه.
تبسمت سلسبيل وقالت: تُشكرى، خلى بالك من نفسك ولا أقولك فاكره المطعم بتاعالسندوتشات اللى أكلنا منه يوم ما خرجنا سوا، هاتيلى منه كم سندوتش ومخلل، معرفش ليه نفسى هفانى على ريحة أكله.
تبسمت هدى قائلع بمرح: عشان زى ماما ما بتقول علينا رمرامين، وبنحب أكل الشوارع، يلا بقى، وانا راجعه هجيبلك كم سندوتش نتسمم بهم سوا.
تبسمت سلسبيل لها، وهى تخرج ثم عادت تعمل بنحت تلك التماثيل.
لكن بعد وقت بالخطأ وهى تقوم بالنحت إحدى الأدوات الحاده جرحت باطن كف يدها جرح غائر.
شعرت بالألم ووضعت إحدى الأقمشه فوق كف يدها تكتم الدماء المندفعه، ثم خرجت من الاتلييه، تفاجئت بدخول قماح، تعجبت لما عاد للمنزل بهذا الوقت، فهذا ليس من عادته.
رأى قماح خروج سلسبيل من الاتلييه، ذهب بإتجاهها، إنخض حين لاحظ أنها تضع يدها فوق الاخرى الملفوفه بقطعة قماش وقال: مال إيدك ماسكاها كده ليه.
ردت سلسبيل: مفيش دى إنجرحت جرح صغير وكنت داخله لجدتى عشان تداويه.
مسك قماح يد سلسبيل وأزال قطعة القماش ونظر لحرج يدها وإنخض لكن أخفى ذالك خلف بروده المعتاد:
ده جرح صغير،ده ياخد أقل حاجه خمس غرز.
سحبت سلسبيل يدها من يد قماح ولفت قطعة القماش على يدها مره أخرى قائله:
لأ جدتى بتقول إن كف الأيد مش بيتخيط،ودى مش أول مره اجرح ايدى،اتعودت عالجرح ده،خلينى أدخل لجدتى.
بالفعل تركها قماح تدخل الى غرفة جدتها ودخل خلفها.
تبسمت له هدايه قائله:رچعت بدرى.
رد قماح:أنا كنت جاى فى كذا ملف كنت نسيتهم هنا هطلع اخدهم وأرجع تانى المقر.
تبسمت هدايه بخفاء،منذ متى وقماح يعود باكراً الى المنزل،كما أنه سابقاً لو نسي شئ لكان ارسل أحد العاملين لديه كى يأخذه،كما أنه ينظر ليد سلسبيل الملفوفه.
تنهدت هدايه قائله:برضوا چرحتى يدك،وأنتى بتحفرى المساخيط.
ردت سلسبيل:آه.
تنهدت هدايه قائله:طب هاتيلى صندوج الإسعافات وتعالى فرچيني چرح يدك المره دى.
ردت سلسبيل وهى تأتى بعلبة الإسعافات:
زى كل مره خلاص بقى إتعودت.
داوت هدايه يد سلسبيل وقامت بلف ضماد على كف يد سلسبيل وقالت لها:فى كذا بُجعة دم على خلجاتك،إطلعى غيريهم وإنزلى نتغدا،إنتى فى الفتره الاخيره ضعفانه،ولازمن تتغذى كويس.
تبسمت سلسبيل وقالت:حاضر يا جدتى،مسافة ما هغير هدومى وأرجع بسرعه،يلا على ما يحضروا الغدا.
غادرت سلسبيل وتركت الغرفه، تبسمت هدايه قائله: هتتغدى معانا يا قماح.
رد قماح: لأ هطلع آخد الملف اللى نسيته وأرجع المقر تانى عن إذنك.
تبسمت هدايه له وقالت: إذنك معك يا ولدى.
غادر قماح هو الآخر الغرفه.
تنهدت هدايه قائله: نفسى يا ولدى تنسى الجسوه اللى مغلفه جلبك وتعترف باللى فيه، إعترف إنك عاشج سلسبيل، جلبك مفضوح ليا من يوم ما عاودت لأهنه من تانى، لكن بتجاوم، ليه مهعرفش،سلسبيل بالكلمه الحلوه هدوب فيك وتحس باللى فى جلبك، ربنا يقرب بينكم ويولف بين جلوبكم
...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما بشقة سلسبيل
دخلت الى غرفة النوم، وقامت بخلع ملابسها العلويه، ووضعته على احد مقاعد الغرفه وتوجهت الى دولاب الملابس، لكن قبل ان تفتح باب الدولاب تفاجئت بدخول قماح للغرفه، شعرت بالخجل وإرتبكت وفتحت باب الدولاب تجذب إحدى العباءات الخاصه بها، لكن وقع شئ من بين ملابسها.
إنحنى قماح ومد يدهُ وأخذهُ، إشتعل عقله.
بينما سلسبيل، كانت تود معرفة ذالك الشئ الذى وقع من بين ملابسها .
بالفعل
أمسك قماح علبة الدواء ورفعها بوجه سلسبيل يحاول كبت ثورة عقله وقال:
أيه ده.
نظرت سلسبيل للعلبه قائله ببساطه: هتكون أيه يعنى، واضح إنها علبة دوا.
زفر قماح نفسه وقال: وياترى دوا أيه بقى.
ردت سلسبيل: أكيد مكتوب عالعلبه أقرى دواعى الاستعمال وأنت تعرف.
تنهد قماح يقول: آه صح أقرى دواعى الاستعمال وهعرف.
قرأ قماح دواعى الاستعمال ثم نظر ل سلسبيل وقال:
دواعى الاستعمال منع الحمل.
تعجبت سلسبيل وقبل أن ترد على قماح قال بتهجم:
علبة حبوب منع الحمل بتعمل أيه فى الدولاب بين هدومك يا مدام.
نظرت له سلسبيل بذهول قائله: تحكُم.. عنف.. مُعايره.. ودلوقتي شك وإتهام... مع الوقت بتأكد أن جوازنا كان غلط، ومالوش تصحيح غير طريقه واحده.......... طلقنى يا قماح.