تحميل رواية «عش العراب» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدى قُرى صعيد مصر، ب "بنى سويف" بمنزل ضخم لإحدى أشهر عائلات البلدة، والذي ذاع صيتها في العقد الأخير، ليس فقط على مستوى القرية ولا المحافظة، بل الصعيد بأكمله والقاهرة وبمصر كلها تقريباً. "العراب"، أصبح ماركة شهيرة بالحبوب الغذائية ومنتجاتها، سواء (الدقيق، والأرز، والذرة، وغيرها من البذور المستخدمة في تصنيع المواد الغذائية). كما أنهم يمتلكون بعض مضارب الأرز، وأكثر من شونة لتوريد القمح من الفلاحين وتسويقه. بشقّة بالدور الثاني، استيقظت سلسبيل بتذمر، بعد عدة محاولات من همس لكي تجبرها تستيقظ. فلقد ق...
رواية عش العراب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سعاد محمد سلامه
بغرفة المندره
تبسمت هدايه وهى تُعطى لـ سلسبيل ذالك الصغير قائله:
هتوحشك طول النهار يا ناصر.
تبسمت سلسبيل وهى تحمل الصغير تنظر له قائله:
وصيه عليا يا جدتى بلاش يتعبنى معاه طول النهار زى ما بيعمل معايا طول الليل.
قبلته هدايه قائله:
مفيش اهدى من ناصر أنتى عاوزه تطلعى عالواد سمعه ولا أيه.
ضحك قماح الذى أتى خلف سلسبيل قائلاً:
بصراحه يا جدتى سلسبيل معاها حق ناصر غاوى سهر ومُتعب.
تبسمت هدايه قائله:
طلعوا بجى للواد سمعه مش زينه ده مفيش أهدى من ناصر، بيفكرنى بجده النبوى كان إكده من صغره طول عمره هادى وعاقل.
ضحكت سلسبيل وكذالك قماح بينما قالت سلسبيل:
طب يا ريته يورث من عمى النبوى عقله وحكمته وأحتوائه.
تنهدت هدايه بغصه فى قلبها قائله:
ربنا يديه الحظ السعيد... يلا بلاش تقوفوا إكده عشان تلحقوا ترجعوا قبل المسا.
تبسمت سلسبيل وغادرت الغرفه، بينما قماح إنحنى يُقبل يد هدايه قائلاً:
إحنا هنبات الليله بره يا جدتى نشوفك بكره.
تبسمت هدايه قائله:
ترجعوا بالسلامه خلى بالك من سلسبيل وناصر.
تبسم قماح وهو يغادر هو الآخر يلحق بـ سلسبيل ، بينما تنهدت بسعاده وهى ترى السعاده أصبحت مرسومه على وجه قماح وكذالك سلسبيل، سلسبيل التى غفرت لأخطاء قماح بحقها حتى تنال معه السعاده هى وطفلها.
بشقة هند.
ردت زهرت بوقاحه وجباحه:
أنا حامل من رباح جوزى،يظهر طلاقك من قماح جابلك جنان،لأ أكيد جابك جنان بسبب اللى قولتىه دلوقتى، نائل أنا ماليش أى علاقه بيه، غير أنه أخوكِ.
ضحكت هند بهستريا ثم توقفت عن الضحك فجأه قائله بتأكيد:
لأ متجننتش، وعندى إثبات كلامى ده، فاكره يوم ما عزمتينى عالغدا قبل رجوعى لـ قماح أنا شوفتك وأنتى نازله من عربية نائل، وكمان نظرات عينيكى لـ نائل يوم فرح محمد والغيره اللى كانت هتنط من عنينيكِ لما كان بيتكلم مع سلسبيل، ، غير من كام يوم شوفتك طالعه من عماره فى منطقه قريبه من هنا، وبعدها بشويه شوفت نائل طالع من نفس العماره، أكيد مش كل دى صدف، زهرت أنا ميهمنيش أنتى حامل من مين سواء كان رباح او حتى نائل... اللى يهمنى تساعدينى فى اللى عاوزه أوصله.
ردت هند التى لم تهتز لتأكيد هند:
هند إنسى قماح خلاص انتى اللى ضيعتى فرصتك معاه، لما عملتى نفسى ملاك قدامه وقبلتى أنه يطلقك بسهوله قصاد شقه وحساب فى البنك... كان لازم تحاربى سلسبيل مش تهددينى بكلام فارغ مالوش اى وجود.
ردت هند بنرفزه:
حاولت احارب سلسبيل، بس دى جبروت زى العقربه هدايه بإشاره منها بتحرك قماح ... قماح الغبى اللى بيوقع فى خداعها وسهوكته، أنها تظهر أنها ملاك، غير دلالها عليه بيخليه يتلهف عليها، بالك قماح لو سلسبيل كانت أداته ريق حلو كان زمانه مل منها، بسهى كهينه زى العقربه هدايه عرفت تلعب على وتر شوق ولا دوق، واانوعية دى الي بتجذب عقلية قماح.
ضحكت زهرت قائله:
ولما أنتى عارفه مفاتيح شخصية قماح ليه متعاملتيش معاه بنفس الطريقه،يمكن كان زمان سلسبيل ملهاش اى وجود فى حياة قماح،هند بلاش تضحكي على نفسك أنا خلاص مقدرش أساعدك قماح بيحب سلسبيل وده متأكده منه مش عاوزه أحرق قلبك أكتر وأقولك تعالى شوفى منظرهم الرومانسى من يوم ما رجع تانى من اليونان ،بلاش تعيشى فى وهم وانسى قماح وأنهى الكدبه اللى عايشه فيها وأرجعى لـ باباكِ من تانى وبلاش كدبة انه غضبان عليكِ بسبب جوازك من قماح من وراه دى،مشفعتش ليكِ عند قماح والنهايه برضوا طلقك وخرجك من حياته.
ثار عقل هند وصاحت فى زهرت:
قولتلك لو مش عاوزه حد يعرف بعلاقتك بـ نائل لازم تساعدنى،لآن مش بس ممكن أفضح علاقتك بـ نائل...ممكن أخسرك اللى بطنك،كده كده هو إبن حرام .
للحظه خافت زهرت من ملامح وجه هند التى تنذر بالشر وإبتعدت عنها خطوات تضع يدها على بطنها.
ضحكت هند قائله:
مش معقول زهرت خايفه على إبن الحرام.
ردت زهرت بقوه:
قولتلك بلاش الجنان اللى بتقوليه،وخوفى على الجنين اللى فى بطنى يثبتلك انه أبن رباح،يعنى إبن حلال،ومعنديش مانع أساعدك مش عشان الكلام الفارغ اللى بتقولى عليه ده،بس عشان انا نفسى بكره سلسبيل ونفسى تختفى من الكون بحاله،قولى لى ايه اللى فى دماغك عاوزه توصلى له.
ضحكت هند بظفر قائله:
هقولك اللى فى دماغى، لأنى مصدقاكِ أنه بتكرهى سلسبيل زيي، ويمكن أكتر بسبب نائل.
زفرت زهرت نفسها بسأم قائله:
برضو بتقولى نائل، قولتلك هساعدك خلاص.
ردت هند:
أنا بفكرك لأن أى حركة غدر ههد المعبد على كل اللى فيه، وزى ما أنا إطلقت من قماح، إنتى مش بعيد اما رباح يعرف بعلاقتك مع نائل يقتلك ويغسل عارهُ.
قالت هند هذا ثم أخذت نفسها وأكملت من حديثها تُزيد من غلول زهرت قائله:
ونائل وقتها مش هيرضى ولا هيقدر يحميكِ، غير إننائل بيحلم بس بلحظه يقضها مع سلسبيل لوحدهم.
نظرت لها زهرت بغيظ دفين ودت لو سفكت دمائها هى وسلسبيل ومعهن نائل ذالك الحقير، رغم أنها بداخلها تريد نُكران تلك الحقيقه التى عايرتها بها تلك الحمقاء هند.
على متن يخت صغير بالنيل
كانت رحله ممتعه بين تلك المياه العذبه، رغم أن الطقس ربيعى مُنسم ببعض الهواء البارد، لكن ليست فقط آشعة الشمس هى التى تُدفئ، هنالك دفئ فى القلوب وبسمات خاليه من الهموم، بين ضفتى النهر العذب كانت رحله هادئه فهُم تركوا كل شئ خلفهم على الأرض عائمان فوق عذوبة المياه التى تروى قلوبهم بعد ظمأ...
بمداعبة ومشاغبة ذالك الصغير وهمسات عشق من قماح لـ سلسبيل التى تسعد بها، تشعر بروح جديده،سعيده بتلك الرحله البسيطه كذالك تشعر بنشوه ودفئ وهى تتنسم رائحه عبير زهور الربيع المختلطه مع نسائم الهواء كذالك تلك الطيور التى تُحلق قريبه منهم تجعل عقل صغيرها الصغير يظن أنها تريد اللعب معه وهو يتحرك بين يديها يريد إمساك إحدى الحامامات لكن تطير وتبتعد وهو يريد ان يُحلق مثلها بيديه الصغيرتان.
كذالك قماح الذى يشعر بدفئ العائله الذى فقده وهو بعمر العاشره، إسترده الآن ليس فقط بسبب ضحكات وتذمرات ومشاغبات ذالك الصغير،بل بنبع المياه الصافى التى كانت أمامه دائمًا،للحظات شرد فى الماضى القريب لام نفسه كيف كان يود أن يظل ظمأن وأمامه نبع قلبه كانت القريبه البعيده حتى أنه حين حصل عليها كاد أن يُضيعها بعنجهيته وغروروه وقسوته،لولا غفرانها لكان الى الآن مازال ظمآن تائه.
آتى المساء تجنب قماح باليخت نحو أحد الجُزر بالنيل.
نزل من اليخت ثم مد يدهُ ل سلسبيل كى يأخذ منها الصغير،أعطته له سلسبيل ثم نزلت هى الأخرى،متعجبه تقول:
إحنا كده هنتأخر فى الرجوع للدار،كنت رسيت باليخت على الشط التانى.
تبسم قماح قائلاً:
إحنا مش هنرجع لدار العراب الليله هنقضى الليله هنا عالجزيره دى.
تعحبت سلسبيل وهى تنظر للجزيره هنالك منازل صغيره ومتوسطة الحجم تشبه الڤيلل الصغيره متراصه جوار بعضها،كذالك هنالك فندق متوسط يظهر بالجزيره ظنت أنهم سيذهبون إليه،لكن الحقيقه كانت عكس ذالك فبعد سيرها خلف قماح الذى يحمل طفلهم، لبضع خطوات دخل لحديقة ڤيلا متوسطه ثم وقف قماح أمام باب تلك الڤيلا.
تحدثت سلسبيل بإستخبار:
إحنا هنبات هنا فين.
إبتسم قماح وأخرج علاقة مفاتيح من جيبه وقام بفتح باب الڤيلا ودخل قائلاً:
هنبات هنا فى الڤيلا دى.
دخلت خلفه سلسبيل تنظر حولها،ڤيلا راقيه بأثاث عصري،تبسمت قائله:
والڤيلا دى بتاع مين؟
رد قماح:
الڤيلا دى بتاعتى ومش لازم أسئله كتير،خلينا نطلع لأوضة النوم،ناصر بيتاوب شكله عاوز ينام يمكن هلك من الرحله طول اليوم منامش.
نظرت سلسبيل نحو ناصر الذى يتثائب قائله:
ياريت تكون الرحله هلكته وينام من غير ما يتعبنى،رغم انى أشك فى كده.
تبسم قماح وأعطى لها ناصر قائلاً:
اوضة النوم فى الدور التانى آخر أوضه على إيدك اليمين،وفيها حمام،أنا هتصل على بابا عشان يطمنهم إننا هنبات هنا الليله.
تبسمت سلسبيل قائله:
تمام،هطلع أحمى ناصر،واغيرله هدومه،كويس أنى كنت عامله حسابى فى غيار تانى له.
أماء لها قماح برأسهُ مبتسماً.
صعدت سلسبيل الى حيث وصف لها قماح،دخلت الى تلك الغرفه كانت غرفة نوم متوسطه باثاث عصري أيضًا ،نظرت الى ذالك الباب الثانى بالغرفه ثم ذهبت الى الفراش ووضعت صغيرها عليه قائله:
خلينى أقلع هدومي اللى فوق دى عشان متتبلش وانا بحميك،عارفه إنك ما بتصدق تقرب من الميه وطرطش براحتك.
خلعت سلسبيل بعض ملابسها وبقيت ببعض الملابس الداخليه،كذالك خلعت بعض الملابس عن صغيرها،ثم توجهت الى داخل الحمام،ملئت ذالك الحوض،بالقليل من المياه ثم حررت صغيرها من باقى ملابسه ووضعته بالحوض بحرص منها،كما توقعت منه بدأ باللعب فى تلك المياه والخبط بيديه الصغيره يشعر بالمرح.
تبسمت له سلسبيل قائله:
فوقت مش كنت بتنعوس من شويه،الميه فوقتك.
تبسم قماح الذى دخل عليهم قائلاً:
ناصر قماح العراب شكله هيبقى سباح،وبيحب الميه.
تبسمت سلسبيل قائله:
واضح كده فعلاً،بيحب اللعب فى الميه قوى.
تبسم قماح قائلاً:
مش مامته النبع الصافى،يبقى لازم يحب الميه.
تبسمت سلسبيل قائله:
واقف بعيد ليه قرب خدلك رشتين من ناصر.
إبتسم قماح قائلاً:
وماله ثوانى هقلع هدومى بدل ما تتبل...بالفعل ما هى الإ ثوانى وكان قماح يآخذ حظه من طرطشات المياه على جسده الشبه عارى،وسط لعب ومرح ذالك الصغير الذى كان يود البقاء أكثر فى المياه وتذمر حين أخرجته سلسبيل من المياه وبكى.
تبسمت سلسبيل قائله:
بتعيط ليه عشان طلعتك من الميه كفايه لعب بقى مشبعتش طول اليوم لعب،أنا هلكت ونفسى أنام.
تبسم قماح وهو يضع منشفه صغيره حول جسد ناصر قائلاً بمرح:
مش أنتى اللى طلبتى رحله فى النيل،أفضل مكان لـ ناصر.
لفت سلسبيل المنشفه حول جسد ناصر قائله:
يعنى الحق عليا،هتتجمع عليا إنت وإبنك بقى عشان انا اللى اختارت المكان،خلاص المره الجايه هسيبلك إقتراح المكان.
إبتسم قماح.
تحدثت سلسبيل:
ناصر بيتاوب تفتكر هينام.
رد قماح ببسمه:
أتمنى ذالك،ناصر بيدلع عليكِ،مفيش غير حل واحد يخليه يبطل دلع عليكِ.
تحدثت سلسبيل قائله:
قولى ايه هو الحل ده بسرعه.
نظر قماح لجسد سلسبيل الشبه عارى قائلاً:
أن يكون فى غيره.
ردت سلسبيل بعدم فهم قائله:
قصدك أيه بأن يكون فى غيره.
تبسم قماح ووضع إحدى يديه حول خصر سلسبيل وأقترب من أذنها هامسًا بنبرة عشق:
نجيب بيبى تانى له وقتها هينشغل فيه.
شعرت سلسبيل بزلزله مشاعرها،وخجلت ولم تستطيع الرد على قماح وقالت بهروب:
هطلع ألبس ناصر هدومه.
تبسم قماح دون حديث وهو يرى خجل سلسبيل وهروبها من أمامه.
بعد قليل خرج قماح من الحمام، يرتدى معطف قطنى قصير، ونظر نحو الفراش رأى رفقة سلسبيل لـ ناصر على صدرها،تحدث:
إيه ده باينه هينعس.
قالت سلسبيل بهمس:
إش بلاش صوت ليسمعك ويصحى يكمل سهر.
تبسم قماح صامتًا.
بعد قليل نعس الصغير،وضعته سلسبيل على الفراش قائله بهمس،هقوم أغير الهدوم دى مبلوله شويه هحطها فى المُجفف عالصبح تكون نشفت.
خرجت سلسبيل من الحمام بعد قليل ترتدى مئزر حمام نسائى قصير لحدٍا ما .
رأت نظرات قماح لها التى خجلت منها،توجهت الى الناحيه الأخرى من الفراش،وتمددت بجسدها تشعر بصفو ذهن وهدوء نفسى،وشعرت بيد قماح الذى يضمها له،تبسمت،وإستدارت له قائله:
فين ناصر،كان فى النص بينا.
تبسم قماح ببسمه لعوب قائلاً:
فرصه أنه نايم عشان نجيب بيبى ياخد منه الدلع شويه.
خجلت سلسبيل منه وأخفضت وجهها، تبسم قماح على خجلها ورفع وجهها ونظر لشفاها متلهفًا بالقُبلات المتشوقه،يقربها منه أكثر يديه تضمها لجسده ينتهل من بين شفتاها نبعًا صافيًا من العشق........
باليوم التالى
فى الصباح الباكر،مع الخيوط الاولى لضوء الشمش فتحت سلسبيل عينيها نظرت لجوارها، وجدت ناصر بالمنتصف بينها وبين قماح ملاك نائم لاتعلم كيف ولا متى أصبح بالمنتصف بينهم، آخر ما تتذكره هو ضم قماح لجسدها بين يديه، تنهدت بنشوه سعيده.
لكن فجأه شعرت بنغزه فى قلبها أعقبها طيف أحمر مثل الدم، أغمضت عيناها سُرعان مافتحتها ونظرت نحو قماح النائم ثم الى صغيرها المبتسم،نفضت تلك الغصه،ونحت غطاء الفراش عنها،وعدلته على صغيرها،ووضعت لجواره وساده مكانها،ثم نهضت من على الفراش توجهت الى الحمام،فتحت الصنبور ووقت أسفله تنعش جسدها بحمام دافئ لكن عاد نفس الطيف الأحمر ومعه صور مُبهمه لشخص ينزف وهى تحاول إنقاذه.
فتحت عينيها سريعاً،لما ذالك الطيف،يأتى لها لما الآن بعد أن عثرت على سعادتها،لما ذالك الخوف ينبش بقلبها ومن ماذا،ما تفسير تلك الاطياف...لابد أنها مجرد هلاوس،هكذا فسرها عقلها او هى أرادت ذالك التفسير.
إنتهت من الحمام وأرتدت ملابسها مره أخرى،خرجت من الحمام نظرت نحو الفراش،قماح وصغيرها مازلا نائمان،فكرت ان تخرج تستنشق بعض نسمات البدريه تُنعش روحها برائحة الربيع،بالفعل خرجت بهدوء غير مُنتبه لـ قماح الذى إستيقظ هو الآخر بعد خروجها من الغرفه مباشرةً... هو الآخر رغم أنه لم يجد سلسبيل جواره على الفراش لكن تبسم وهو ينظر نحو ذالك الملاك النائم بهدوء والذى وضعه فى المنتصف بيه وبين سلسبيل بعد أن غفت بين يديه مُرهقه بعد جولات الغرام بينهم، تنهد قماح منتعش القلب والروح، نهض هو الآخر، ذهب نحو شُرفة الغرفه، كما توقع أن سلسبيل تكون بحديقة الشاليهبحديقة ذالك الشاليه المتوسط بجزيرة وسط النيل.
وقفت سلسبيل بيدها كوبً من النعناع الأخضر، تنظر الى قُرص الشمس الذى يُبدد ظلام الليل الذى تلاشى تقريباً تتنفس من رائحة زهور الحديقه الربيعيه، وتلل الطيور التى تتناغم فوق مياه النيل، سارحه بهذا المنظر الربانى البديع وإن دل على شئ يدُل على الآمل فى سطوع نور من بعد ظلام ربيع من بعد شتاء،تتفتح به الزهور وتعود الطيور المهاجره هكذا هى الحياه ربما ضره نافعه.... الحياه تتبدل بين لحظه وأخرى.. قد تعشق من كنت تكرهه.
فاقت سلسبيل من سرحانها عندما شعرت بشئ يوضع فوق جذعها العلوى.
تبسمت بخضه خفيفه بينما وضع قماح على كتفيها شال ليس بالثقيل ولف يديه حولها يضمها لصدرهُ وقبل جانب عُنقها قائلاً:
رغم إننا فى الربيع بس الجو لسه برد وكمان إحنا فى قلب جزيزه فى النيل والهوا جاي من كل ناحيه.
إرسم على وجهها السعاده وضمت جسدها تأخذ الدفئ من جسده وأغمضت عينيها تستنشق ذالك الهواء الربيعى البارد الممزوج برائحة الزهور وصوت هدير مياه النيل المحيطه بالشاليه.
وقالت:
أنا عاوزه أعيش هنا بقية حياتى فى الصفاء بين الطبيعه دى، أمتى إشتريت الشاليه ده.
ضم قماح جسد سلسبيل بقوه له وقال:
إشتريته من مده طويله عشان يفكرنى بيكى إنتى الوحيده اللى إتمنيت أجيبها لهنا... سلسبيل أنا رجعت من اليونان بس علشانك... فرحت جداً لما رجعت وأنتى اللى فتحتى ليا الباب وقتها... فاكره قولتلك أيه وقتها.
تنهدت سلسبيل ببسمه ماكره وقالت:
لأ مش فاكره.... اللى فكراه كلمة جدتى وقتها.. لما قالت إبن الإغريقيه رچع لعِشهُ من تانى.
تبسم قماح وقبل جانب عُنق سلسبيل فعلاً هنا كان عِشى مع بنت العراب.
تبسمت سلسبيل وإستدارت لـ قماح تبتسم،تفاجئت بقماح يجذبها له يُقبلها بوله،ثم ترك شفاها يبتسم،ووضع يديه بين على خلف رأسها يُمرر يدهُ بين خصلات شعرها الطويل الذى يتطاير بسبب نسمات الهواء...
تبسمت له،مالت رأسه مره أخرى وكاد يُقبلها،لكن هنالك ما منع ذالك صوت بُكاء،تبسمت سلسبيل قائله:
ناصر بيه صحى.
تبسم قماح قائلاً:
قصدك القلق صحى.
تبسمت سلسبيل قائله:
خلينا نطلع له بسرعه.
تبسم قماح وهو يُشير لـ سلسبيل بيده،لتسير أمامه.دخلت سلسبيل الى الغرفه وجدت ناصر يبكى،تبسمت قائله:
خلاص أنا جيت أهو،قالت هذا وحملته بين يديها مبتسمه تُهدهدهُ...كذالك دخل قماح خلفها قائلاً:
فى أوتيل هنا عالجزيره هتصل عليه وأطلب منه فطور لينا.
تبسمت سلسبيل قائله:
والشاليه هنا مفيش فيه أى أكل.
رد قماح:
للأسف لأ لأنى من يوم ما أشتريته وفرشته مجتش له غير كم مره،وكانت بتبقى زيارات قصيره.
ردت سلسبيل تمام،بس ممكن بدل ما تطلب فطور،يبقى فطور وغدا مع بعض بصراحه أنا عجبنى الهدوء والسكينه اللى هنا وكنت هقولك نعيش هنا،بس مش هينفع وكمان الجو هنا عجب ناصر بيه ده نام طول الليل محستش بيه نكش، ممكن كمان نقضى النهار هنا فى الجزيره،ونرجع دار العراب آخر النهار عشان أضمن أنه آخر الليل ينام من غير ما يغلبنى.
تبسم قماح بتفكير قائلاً:
ناصر بيه وأمه يؤمروا،وأنا أنفذ.
بشقة نائل.
بمجرد أن دخلت زهرت وجدت نائل بستقبلها ببسمته البغيضة،صفعه غِل قويه صفعتها زهرت له.
صفعه أقوى تلتقتها زهرت التى نزفت من جانب شفاها أثر تلك الصفعه التى تفاجئت بها من نائل نظرت له بذهول وحاولت صفعه مره أخرى قائله بمقت:
إنت بتضربنى يا حيوان نسيت أنا مين.
رد نائل بعنفوان:
لإ إنتى اللى نسيتى نفسك ومتعرفيش انا مين قبل إيدك ما تتمد وتصفعينى كان لازم تفكرى كويس أنا مين وأنتى مين؟
ردت زهرت بتهكم:
وإنت مين إن شاء الله،كلب حقير.
رد نائل:
إن كنت انتى ظلمتى الكلب لما شبهتينى بيه عالاقل الكلب مفيهوش طبع الخيانه،وإن كنت انا كلب،فأنتى مومس.
ذُهلت زهرت من نعت نائل لها بتلك الصفعه البشعه بالنسبه لها.
ضحك نائل ساخرًا يقول:
أيه إتفاجئتى بحقيقتك القذره،بس مقولتليش أيه سبب إتصالك بيا وتطلبى نتقابب وبعدها تعملى الفيلم ده...أنا وانتى عارفين حقيقة بعضنا،مش بس أتعرت أجسامنا قدام بعض،لأ أتعرت حقيقتنا قبل أجسامنا.
نظرت زهرت ناحية نائل بمقت وكُره وغِل قائله:
وأيه هى حقيقتنا.
رد نائل ببرود مُثلج:
إننا خاينين.
تبدلت نظرة زهرت وقالت بإستعطاف:
أنت عارف إنى بحبك.
ضحك نائل قائلاً:
نكته طريفه،بتحبينى!طب ورباح؟
ردت زهرت:
أتجوزته غصب وانت عارف السبب،لو كان والدك وافق على جوازنا مكنتش بصيت له.
ضحك نائل قائلاً:
كدب يا زهرت،انتى طماعه وده سبب جوازك من رباح،اموال عيلة العراب،تعرفى لو كنت بس حسيت أنك عندك مشاعر ناخيتى يمكن كنت قدرت اقنع بابا واتجوزك،لكن انتى بتحبى الشى السهل والاغلى،وكان رباح هو الأفضل بالنسبه ليكِ ماديًا،مهما كان غنى والدى،هيكون أيه نقطه فى بحر العراب اللى كنتِ ومازلتى بتغرفى منه.. تعرفى كان نفسى تقطعي علاقتى بيا بعد جوازك من رباح،يمكن وقتها كنت أقول كنت نزوه فى حياتك،لكن أنتى طابعك الخيانه،بتجرى فى دمك.
إنهارت زهرت قائله:
كان نفسك فى واحده خام زى سلسبيل.
رد نائل بحسره:
سلسبيل لو كانوا وافقوا انى اتجوزها كانت إتبدلت حياتى من الدنس اللى عايش فيه.
تهكمت زهرت قائله:
أيه كنت هتوب على إيديها وتبطل تجارة مخدرات مع باباك وأختك.
ذُهل نائل ينظر لها صامتًا للحظات قبل أن تسترد زهرت حديثها:
أيه مفكرنى هبله ومش عارفه إن الحبوب اللى كنت بتجيبها ليا لـ رباح إنى مش عارفه إن السيد المصون والداك تاجر مخدرات بس متخفى فى تاجر حبوب وغلال.
إقترب نائل من زهرت بعيون شريره قائلاً:
أيه التخاريف اللى بتقوليها دى،يظهر الحمل أثر على عقلك.
ردت زهرت:
لأ مش الحمل اللى أثر على عقلى ناسى أنا بنت مين،انا بنت مجاهد حماد،كان غفير فى المركز ويعرف الشارده والوارده ومين تجار الممنوع هنا فى المنطقه.
فجأه وضع نائل يديه حول عُنق زهرت قائلاً:
كدب،اللى بتقوليه.
شعرت زهرت بيد ناىل التى بدات تضيق حول عُنقها،حاولت فك يديه بيديها لكن كان هو الاقوى وكاد يخنقها لولا رنين هاتفه الذى أفاقه.
تهاونت يديه،نفضت زهرت يديه عنها وإلتقطت نفسها،لكن سُرعان ما فرت هاربه من الشقه.
بـ دبى
على أريكه بغرفة المعيشه كانت همس تجلس بحضن كارم سعيدان وهما يشاهدان تلك الصور الخاصه بصغيرهما التى أعطتها لهما الطبيبه بعد خضوها لكشف بالاشعه اليوم.
تحدثت همس:
الصور بتأكد انى حامل فى ولد.
ابتسم كارم قائلاً:
مع أن كان نفسى فى بنوته، بس المهم صحتكم انتم الاتنين.
تبسمت همس قائله:
إعترف إنك لما الدكتوره أكدت انى حامل فى ولد كنت عاوز تقول لها اتأكدى.
إبتسم كارم قائلاً:
خلاص بقى يا همس.
إبتسمت همس، وبدأت تفر فى الصور بسعاده بين يديها لكن فجأه شعرت بمغص قوى فى بطنها حتى انها صرخت منه.
رواية عش العراب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سعاد محمد سلامه
دخلت زهرت وصعدت إلى شقتها. وقفت مذعورة وهي تضع يدها حول عنقها. ذهبت إلى مرآة قريبة في الردهة وخلعت حجابها. وقفت تنظر إلى ذلك الخط الدامي الرفيع الظاهر على شفتيها، وعلامات أصابع ذلك الوغد نائل، سواء كانت على وجهها أو عنقها، بسبب صفعها ومحاولته خنقها.
تُعيد حديثه في رأسها بغيظ يزداد. حقًا، كما قالت تلك البلهاء هند، أن نائل مُغرم بـ سلسبيل. هوس عقلها. ودت تكسير كل شيء حولها، لكن لجمت غضبها تهزئ بغيظ وهي تنظر في المرآة:
"سلسبيل... سلسبيل. فيها إيه مميز عني؟ أنا أجمل منها. عندي أنوثة مش عندها. إيه الفرق؟ فلوس عيلة العراب..."
هنا ازداد الجشع في قلبها. "الفلوس... هي اللي بتعمل سعر للبني آدمين. أنا مش أقل من سلسبيل. رباح خلاص بقى لعبة في إيدي. وكمان الجنين اللي في بطني مش بس هيورث اسم، هيورث فلوس العراب. مش هيفرق عن ابن سلسبيل..."
"دلوقتي لازم أنسى أمر انفصالي عن الغبي رباح. بعد ما الوغد نائل ظهر وشه الحقيقي. بس مش هسيبه. هعرف إزاي أتقم منه وأندمه على لعبه بيا."
***
في منزل أخو قدرية.
بالدور الأرضي.
دخلت سميحة إلى إحدى الغرف تحمل بين يديها حقيبة كبيرة خاصة بالخضروات والفاكهة، قائلة:
"إتسوقِت لك الخضار والفاكهة اللي قولتلي عليهم. أهم في الأكياس في قلب الشنطة دي."
نهضت قدرية من مكانها واقتربت من تلك الحقيبة وقامت بفتحها وإخراج تلك الأكياس تعاين تلك الخضروات والفاكهة، قائلة بعدم رضا:
"معرفش كان إيه هَفَني في عقلي أقولك إتسوقي لي. إيه ده؟ الفاكهة والخضار معطوبين. طبعًا إسترخصتي وجبتي حاجات مش نمرة واحد. زي ما كنتي متعودة في دار أهلك."
ردت سميحة بدمعة وهي تشعر أن قدرية تحاول الاستقلال من شأنها:
"إحنا كنا فقراء صحيح وكنا عايشين على قدنا، بس ماما عمرها ما أكلتنا حاجة معطوبة."
نظرت لها قدرية قائلة بتأمر:
"وسعر الحاجات دي قد إيه بقى؟ ولا خايبة في الشرا كمان."
ردت سميحة:
"لأ مش خايبة في الشرا. وبعدين بتسأليني ليه؟ أنا دفعت تمن الحاجات دي من معايا."
ردت قدرية بتهكم واستقلال:
"دافعة تمن الحاجات دي من معاكِ؟ كأنك دافعاهم من خير أهلك. إياك ما كله من خير ابني اللي معيشه في نغنغة. مكنتيش تحلمي بها. لدغة ناقصة زيك."
ردت سميحة بضيق تحاول ضبط نفسها حتى لا ترد على قدرية بطريقة تؤخذ عليها خطأ:
"ناقصة إيه يا حماتي. قصدك إيه؟ وفيها إيه أما أكون لدغة. ده ينقصني في إيه؟ عن غيري في إيه؟"
ردت قدرية بضيق:
"هو فيه إيه؟ كل كلمة أقولها تردي لي عليها بجملة. بتردي عليا لؤم بلؤم كده ليه؟ ولا عشان ربنا حوجني للي ميسواش."
ابتلعت سميحة حديث قدرية الفج، قائلة:
"ربنا ما يحوجك يا حماتي. والله محمد على طول بيوصيني عليكي."
تهكمت قدرية ساخرة:
"آه، وأنتي بتعملي بالوصية قوي. خدي الفاكهة والخضار دول للمطبخ واغسلي لي شوية فاكهة في طبق وهاتيهم."
حاولت سميحة ضبط نفسها قائلة:
"حاضر."
ثم خرجت من الغرفة إلى المطبخ.
بينما جلست قدرية تشعر بالزهو والغطرسة، لكن في نفس الوقت شعرت بالغيظ من تلك اللدغاء، التي تأتي إليها مرة بالأسبوع كي تطمئن عليها وتهتم بطلباتها. همست قدرية بغِل:
"اللدغة أم نص لسان. حاوطة في الكلام. كل ما أحاول أوقعها في الكلام وأسألها عن أخبار دار العراب بترد عليا بالقطارة. ما بعرفش آخد منها خبر واحد."
بينما سميحة توجهت إلى المطبخ. وضعت تلك الحقيبة وآتت بأحد الأطباق ووضعت به بعض الفواكه وقامت بغسلها. تُلجم غضبها من طريقة حديث قدرية الفظة، وحدثت نفسها:
"والله لو مش وصاية جدتي هداية ليا أتحمل طبعك الغلس. أنا ما كنت جيت لك. بس أنا بسمع كلام جدتي هداية. يمكن تدعي لكِ دعوة حلوة وتقبل. ما أني أشك إن اللي زي حماتي دي تدعي دعوة وتقبل. دي لسانها بينقط سم."
كادت سميحة تخرج من المطبخ، لكن قبل ذلك بالصدفة تسمعت حديث حماد على الهاتف مع أحدهم. كانت ستخرج بلا اهتمام، لكن سمعت ذكره لاسم العراب، فتوقفت مكانها لتسمع ماذا يقول عن العراب.
سمعت تهكمه على عيلة العراب، وأيضًا كان حديثه عن سلسبيل التي رفضت بيع تلك التماثيل، ساخرًا من غباء وتسلط قماح عليها.
همست سميحة لنفسها قائلة:
"صحيح قليل الأصل. بتاكل في خير دار العراب وبتجيب سيرتهم بالسوء. بس واضح إنك زي أختك الخسيسة. يظهر إنها وراثة عندكم. بس أنا هطلع قدامه إزاي؟ مش بعيد يشك إني سمعت لكلامه ويلفت له."
وقفت سميحة حائرة تخشى دخوله إلى المطبخ، فهي تكره نظرات عيناه الثاقبة والفجة. رغم أنه لم يتعرض لها سابقًا، لكن تشعر من نظرات عيناه أنه بلا أخلاق.
أما حماد، أغلق الهاتف ووقف يزفر نفسه بغضب وحقد. وكان سيدخل للمطبخ، لكن للصدفة نادت عليه عطيات فذهب إليها.
تنهدت سميحة براحة وخرجت سريعاً من المطبخ وذهبت إلى غرفة قدرية.
قدرية التي استقبلتها بضيق وتهجم قائلة:
"ساعة على ما تغسلي الفاكهة؟ ولا توهتي في الدار من وسعها."
صمتت سميحة تنظر لـ قدرية هامسة لنفسها:
"والله الدار دي حاوية العقارب."
نظرت لها قدرية بشر قائلة:
"مبترديش ليه يا أم نص لسان؟"
ردت سميحة:
"الوقت قربنا عالعصر ولازم أرجع قبل محمد ما يرجع للدار عشان يتغدا. سلاموا عليكم."
قالت سميحة هذا ولم تنتظر رد قدرية وغادرت فورًا.
بينما تهجمت قدرية...
***
في منزل الجزيرة.
أغمضت سلسبيل عينيها وتنهدت بنشوة وهي تجلس بالحديقة تشعر بانتهاش روحها وهي تستنشق عبق تلك الزهور الممزوج مع نسمات الهواء. كذلك تستمتع بدفء شمس الربيع تشعر بالسلام في قلبها.
تبسمت وهي تشعر بيدي صغيرها التي تسير على وجهها ظنًا منه أنها نائمة. يحاول إيقاظها. فتحت عينيها تنظر له ببسمة. وشعرت بيدي قماح التي وضعهما على كتفيها من الخلف. أدارت رأسها تنظر له بإبتسامة.
تبسم قماح وانحنى يُقبل وجنتها ثم أخذ الصغير منها قائلاً:
"مش كفاية قاعدة تحت الشمس؟"
ابتسمت سلسبيل قائلة:
"خلاص الوقت مر بسرعة. بقينا العصر ولازم نرجع لدارنا دار العراب."
تبسم قماح بعد أن أخذ الصغير من يدي سلسبيل ونظر له قائلاً بمزاح:
"إيه رأيك يا ناصر بيه نرجع دار العراب ولا نفضل هنا في الجزيرة كمان الليلة."
رد الصغير بحركات يديه الذي يحاول العبث بوجه قماح. ليس هذا فقط، بل قام بلعق أنف قماح الذي تبسم له.
نهضت سلسبيل قائلة:
"أنا عن نفسي معنديش مانع. مستعدة أعيش هنا طول عمري. كفاية الصفاء والهدوء ده. بس برضوا اللمة اللي في دار العراب وحشتني ولازم نرجع لهم من تاني."
تبسم قماح وهو يلف يده حول خصر سلسبيل قائلاً:
"أوعدك من فترة للتانية نجي نقضي هنا وقت جميل... بس المرة الجاية هنبقى لوحدنا أنا وأنتي وبس، عشان ميبقاش فيه عازول بينا."
ضحكت سلسبيل على رد ناصر الذي قام بهبش وجه قماح.
وقالت:
"واضح إن ناصر مش عاجبه إنك تقول عليه عازول."
تبسم قماح وقبل يد صغيرة ثم قبل وجنة سلسبيل يضم جسدها إليه، يشعر بدفء العائلة الذي افتقدها يعود إلى قلبه.
***
في دبي.
عدل كارم تلك الوسائد خلف ظهر همس الجالسة على الفراش وجلس لجوارها يضمها لصدره.
تبسمت همس على ملامح وجه التي ما زالت يظهر عليها الخوف بوضوح. وقالت بمرح حتى تزيل ذلك الخوف عن كاهلهُ:
"ابنك شكله هيطلع شقي زيك. على فكرة وإحنا صغيرين لما كنت بتكسر لسلسبيل التماثيل اللي كانت بتتعب في تشكيلها."
رغم رجفة قلب كارم وتلك اللحظات الصعبة التي عاشها قبل قليل، لكن تبسم قائلاً بتبرير:
"أنا كنت بعمل كده عشان ألفت نظرك ليا. كنت بحب أشاغبك لأن عارف إنك إنتي اللي هتتهجمي عليا عشان كسرت تمثال سلسبيل. سلسبيل مكنتش بتتكلم بس أنتي كنتي بتبقي زي المدفع. فاكرة مرة غرقتيني ميه بخرطوم الري بتاع الجنينة وبعدها أنا أخدت دور برد وجدتي كانت بتسقيني مجموعة أعشاب عشان أخف بسرعة لأن وقتها كنت في امتحانات نص السنة."
ضمت همس رأسها لصدر كارم قائلة:
"أنا كنت أشقى تاني واحدة في اخواتي. هدى شقية، إنما سلسبيل واخدة عقل جدتي هداية أكتر. إنما هدى بقى دي الطايشة بتاعتنا."
تنهدت همس تشعر بالحنين لأختيها الذي أصبح يراودها بشدة الشوق لهن. وسرحت قليلاً.
شعر كارم من نبرة حديث همس أنها أصبحت تشتاق كثيراً لاختيها، فقال بمفاجأة:
"همس إيه رأيك ننزل مصر الفترة الجاية."
تفاجأت همس ونظرت لـ كارم قائلة بإستيعاب:
"قصدك إيه بننزل مصر؟ وشغل المطعم اللي هنا، عاوز ترجع مصر بعد المطعم ما بدأ يشتغل كويس وبقى له زباين محترمين؟"
رد كارم بتفسير:
"لأ طبعاً. أنا مش قصدي إننا ننزل مصر ونرجع نستقر هناك. أنا قصدي ننزل مصر الفترة الجاية. أنا أرجع لهنا أتابع شغل المطعم، وأنتي تفضلي في مصر لحد ما تخلصي بقية شهور الحمل وتولدي بالسلامة وترجعي لهنا تاني بالبيبي."
ردت همس التي شعرت برجفة في قلبها لكن حاولت المزاح:
"طب ليه لازمتها إيه الشحططة دي؟ ما أفضل هنا وأولد هنا. والولد ياخد الجنسية الإماراتية. أنت عارف الجنسية الإماراتية بقت زي المصباح السحري للسفر لأي مكان. دي بقت تنافس جواز السفر الأمريكي والشنجل الأوروبي."
تبسم كارم قائلاً:
"مش قصدي عالجنسية الإماراتية دي سهلة. أنا قصدي هناك هتلاقي اللي يراعيكي طول الوقت."
تبسمت همس قائلة:
"هلاقي اللي يراعيني ليه؟ أنا مالي؟ أنا كويسة قدامك أهو. ولا عشان المغص اللي كان عندي من شوية؟ لأ اطمن. اهو انت سمعت الدكتورة بنفسها طمنتana البيبي بخير وأن ده مغص عادي ومالوش أي خطورة عالحمل. بيبقى يصيب الحوامل من فترة للتانية. وبعدين سبق وقلتلك ابنك وارث الشقاوة من الجهتين."
ضم كارم همس قائلاً:
"بصراحة أنا بعد ما شفت وجعك بسبب المغص ده بقيت خايف المغص ده يرجع تاني في وقت أكون أنا مش فيه معاكِ. وقتها هتعملي إيه؟"
ردت همس:
"وليه تقدر البلا؟ الدكتورة قالت ده شئ عرضي مش لازم يرجع تاني... كارم بلاش تبالغ. أنا بخير. مكنش حتة مغص اللي لسه مخوفك كده."
رد كارم:
"همس أنا فعلاً خايف عليكي. وفيها إيه لما تنزلي مصر الفترة الجاية، لحد ما تولدي."
ردت همس:
"فيها إنك نسيت يا كارم، إني في نظر الجميع ميتة."
تنهد كارم يبتلع تلك الغصة قائلاً:
"همس أظن الكذبة دي لازم تنتهي بقى وتظهر الحقيقة إنك لسه عايشة، والكل يعرف بكده."
ارتعشت همس وابتعدت عن حضن كارم بصمت.
شعر كارم برعشة همس وجذبها لحضنه مرة أخرى قائلاً:
"همس أظن أنك اتعالجتي ولازم تقدري تواجهي دلوقتي. آجلاً أو عاجلاً مسيرنا هننزل مصر ووقتها هيكون حتمي اللقاء بينك وبين أهلنا. ولا هتتنكري قدامهم؟ طب هقولك على حاجة. بابا قالهالي بعد ما بعتنا كسوة سبوع ناصر ابن سلسبيل، إن سلسبيل شكت إنك عايشة."
لم تتعجب همس من ذلك وقالت:
"كنت متأكدة أن سلسبيل هتشك في كده. ناسي إن سلسبيل هي اللي ظهرت براءتي... صدقني يا كارم أنا مشتاقة إني أرجع من تاني وأعيش وسط أخواتي ونفرح ونلعب تاني زي ما كنا. بس خايفة من الصدمة لما يعرفوا إني لسه عايشة، وبالذات من الصدمة على ماما. مش متوقعة رد فعلها. يمكن يخيب أملي وقتها."
رد كارم:
"ليه يا همس؟ مرات عمي مفيش في حنيتها وتواضعها."
تنهدت همس:
"بس الحنية زيادة عن اللزوم أوقات بتبقى ضعف. ماما أوقات كتير كنت بحس إنها سلبية."
تنهد كارم يقول:
"بالعكس. أنا شايف مرات عمي أكتر واحدة في دار العراب إيجابية. بابا قالي إنها ضربت قماح بالقلم عشان خاطر سلسبيل، لما اتجوز عليها."
تعجبت همس وقالت بعدم تصديق:
"ماما ضربت قماح بالقلم؟ مستحيل. مش مصدقة."
رد كارم:
"لأ صدقي يا همس. مرات عمي مش ضعيفة ولا سلبية. هي كل اللي عاوزاه إنها تعيش حياة هادية بدون مشاكل أو نزاعات على أنها تستحوذ على قيمة ومقام معين. زي....."
صمت كارم يشعر بغصة، قبل أن يعطي لها والداته مثال على الأنانية وحب الذات.
شعرت همس بصمت كارم وعلمت أنه يقصد والداته، فقامت بتغيير مجرى الحديث:
"خلي أمر نزولي لمصر ده للوقت. الله أعلم إيه الجاي لسه. أنا بعد اللي حصلي مكنتش مصدقة إني أرجع طبيعية تاني... والسبب في رجوعي هو أنت يا كارم. صبرك ودعمك ليا خلاني قدرت أتخطى المحنة اللي كنت فيها. أنا بندم على إني في وقت كنت بضايق منك لما كنت بتحاول تقرب مني وأنا عايشة في وهم كنت برسمه بغبائي، وكنت بحاول أتهرب منك. بس أنت كنت زي المغناطيس جذبتني ليك. أنا بحبك يا كارم."
قالت همس ذلك وقامت بحضن كارم قويًا.
تبسم كارم وضمها أقوى حتى أنين من بطنها، وسمع ذلك الأنين.
فك كارم عناقه لهمس بخضة قائلاً:
"المغص رجع تاني."
تبسمت همس قائلة:
"لأ بس أنت حضنتني جامد وناسي إني زي البالونة المنفوخة وأنت زنقت على بطني."
تبسم كارم يلتقط نفسه قائلاً:
"أنا بقول أقوم أعمل لينا شوية فشار ونشوف فيلم كويس نسمعه سوا. اهو نتسلى فيه. أنا بصراحة كان نفسي نتسلى في حاجة تانية بس خلاص الدكتورة منعت التسليّة دي شوية وغصب عني لازم أستحمل من أجل عيون هاميس."
تبسمت همس قائلة:
"ليه مش هترجع للمطعم تباشر الشغل فيه؟"
رد كارم:
"لأ قاعد معاكِ أنتي والأستاذ ناصر كارم اللي خضنا."
تبسمت همس بقبول تشعر بسعادة رغم أنها بها جزء ناقص، لكن بداخلها أصبحت تريد أن تسمع لقول كارم وتعود. لكن ما زال لديها بعض الرهبة من المواجهة مع والديها وأختيها. وماذا سترد عليهم حين يعاتبوها لما أرادت الابتعاد عنهم... لكن ربما اللقاء قريب ووقتها يحدث ما هو مقدر...
***
في دار العراب.
مع نهاية وقت العصر.
دخل قماح يحمل الصغير وخلفه سلسبيل. توجهوا إلى غرفة هداية مباشرة.
دخل قماح.
تبسمت هداية قائلة:
"ناصر حبيبي. إتوحشتك جوي من امبارح غايب عن نظري."
أعطى لها قماح ناصر. أخذته منه مبتسمة ونهضت وفتحت أحد الأدراج وأخرجت منه شيئًا...
في ذلك الوقت دخلت سلسبيل هي الأخرى تبتسم.
تحدثت هداية وهي تنظر إلى وجوههم السعيدة قائلة:
"حمدلله عالسلامة. تعالي يا سلسبيل خدي ناصر شليه عشان أعرف أشابك له الحجاب ده في هدومه."
اقتربت سلسبيل منها وأخذت ناصر وحملته مبتسمة وهي ترى شبك هداية لذلك الحجاب البسيط بملابسه، قائلة:
"الحجاب ده دايماً تشابكيه في هدوم ناصر اللي تحت. ده حجاب مبارك وهيحفظه."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"حاضر يا جدتي."
قبل أن يتحدث قماح، كان هناك أصوات عالية يأتي من الخارج. خرجوا سريعاً من الغرفة باتجاه تلك الأصوات...
بينما قبل قليل.
بشقة زهرت.
وقفت أمام المرآة تضع بعض مساحيق التجميل على وجهها تُخفي آثار الصفعة الظاهرة على وجهها. بالفعل أخفت تلك العلامات، ربما لوقت. لكن ماذا بعد أن تُزيل تلك المساحيق ستظهر تلك العلامات مرة أخرى وربما يراها رباح ويسأل عن سببها.
وقفت تسب وتلعن في ذلك الوغد نائل. ألقت ما بيدها على الأرض بعنفوان تزفر أنفاسها الملتهبة بغضب. لثوانٍ، ثم نظرت إلى ما كان بيدها وألقته على الأرض. وبدأت في الانحناء وجمعه مرة أخرى. بالصدفة توجهت نحو زجاج الشرفة تلتقط إحدى تلك الأشياء من على الأرض. واستقامت مرة أخرى. وقع بصرها عبر زجاج الشرفة على سميحة التي تسير بالشارع تكاد تقترب من الدخول إلى الدار. نظرت بغيظ وحقد كبير. تلك اللدغاء تستحوذ على قبول وترحيب الجميع بها منذ أن دخلت إلى الدار. تملك منها شيطانها في نفس اللحظة إنها فرصتها. ألقت تلك الأشياء التي كانت بيديها أرضًا مرة أخرى وخرجت من الشقة ومنها إلى الأسفل. وقفت في مدخل الدار الداخلي تنتظر دخول تلك اللدغاء كي تنفذ مخططها الشيطاني.
بالفعل دخلت سميحة إلى الدار. تعجبت من وقوف زهرت قائلة:
"واقفة كده ليه؟"
ردت زهرت بتهكم وجر أنين:
"واقفة مستنية أشوف جمال خطوتك. كنتِ فين لدلوقتي؟ قربنا عالمغرب."
ردت سميحة:
"أنا راجعة مش فايقة. إبعدي عن طريقي."
قالت سميحة هذا وأكملت سير، لكن زهرت توقفت أمامها قائلة:
"ومش فايقة لي ليه؟ راجعة منين؟ يمكن من عند دكتورة النسا ولا حاجة... إيه خايفة تكوني عاقر؟ بقالك كام شهر متجوزة ومحبلتيش."
رد سميحة بغضب:
"أوعى لمعنى كلامك كويس. منين عرفتي إني عاقر؟ وأهو إنتي قولتيها بقالي كام شهر. إنما إنتي قربتي على سنتين متجوزة ويادوب لسه حامل جديد... أما أبقى يعدي عليا سنة من غير ما أبقى حامل وقتها أبقى أقلق. وسعي من سكتي أنا راجعة مصدعة."
تعصبت زهرت ولم تتجنب من أمام سميحة، بل ادعت سقوطها أرضًا ومدت يدها تدعي أنها تستند على سميحة التي للحظة خشيت عليها. لكن ذُهلت حين صرخت زهرت وظلت ممسكة بيد سميحة وهي تجلس أرضًا تقول:
"إبعدي عني حرام عليكي. أنا حبلى بتضربيني. عاوزة تسقطيني."
آتت على صريخ زهرت نهلة أولاً ثم قماح وخلفه سلسبيل وهداية، وأيضًا بعض النساء العاملات بالمنزل. كانت الصدمة لهم. زهرت شبه نائمة على الأرض وسميحة تمسك بيدها. تملك الشيطان من زهرت أكثر تقول برجاء:
"أبعدوها عني. ضربتني بالقلم وزقتني على الأرض وكانت عاوزة ترفصني في بطني تسقطني. كل ده بسبب غيرتها مني."
تلجم عقل سميحة من تلك الخبيثة الكاذبة. وجال بصرها لوجوه الموجودين بالمكان تهز رأسها بنفي أن هذا لم يحدث.
ذهبت إحدى الخادمات إلى زهرت وحاولت مساندتها حتى تقف. بدموع التماسيح سندت زهرت عليها. واستقامت تعدل حجاب رأسها تقول:
"شوفي آثار إيديها معلمة على وشي. ورقبتي دي حاولت تخنقني. ليه وليه بقولها خفي رجلك من المرواح عند عمتي قدرية وبلاش تنقلي لها سر الدار هنا."
عقل سميحة لا يستوعب كل هذا. لكن بلحظة تجمعت شجاعتها قائلة:
"كذابة يا زهرت. منين جالك إني كنت عند عمتك قدرية؟ إنتي قولتي لي إني كنت عند الدكتور عشان أعرف إن كنت عاقر أو لأ."
بجاحة ردت زهرت:
"أنا هقولك عاقر ليه. وعرفت إنك كنتي عند عمتي من ماما لسه قافلة معايا الموبايل. قولت أحذرك. لكن إنتي اتهجمتي عليا... وعندي استعداد أحلف عالمصحف بكده."
ردت سميحة:
"وأنا كمان هحلف عالمصحف إنك كذابة وإني مقربتش منك وكل ده تمثيل."
تهجمت زهرت قائلة:
"إيه اللي تمثيل؟ علامات صوابعك اللي على وشي ولا اللي على رقبتي... وظاهرة أهي."
قبل أن تدافع سميحة عن نفسها، تحدثت هداية بحزم للشغالات:
"كل واحدة تروح تشوف شغلها. الرجالة زمانهم على وصول."
ثم نظرت لـ سميحة وزهرت:
"_وإنتوا الاتنين حصلوني عالمندرة حالاً."
تحدثت سلسبيل:
"مش معقول كذب زهرت. أنا مصدقة سميحة."
ردت نهلة:
"وأنا كمان مصدقة سميحة. زهرت خبيثة. اقولك ملكيش دعوة هما سلايف مع بعض والحجة هداية هتحل المشكلة."
ردت سلسبيل:
"تمام. أنا هطلع أغير لـ ناصر."
تبسمت لها نهلة وهي تقبل يد الصغير قائلة:
"إتوحشتك كتير. أوعى تكون نسيتني."
تبسم الصغير لها وألقى بنفسه عليها.
تبسم قماح وسلسبيل التي قالت بمرح:
"طب طالما بعتني بسهولة كده خليك معاها بقى."
تبسمت نهلة لها قائلة:
"ناصر ده روحي. إطلعي إنتي وقماح غيروا هدومكم وانزلوا. في هنا غيارات لـ ناصر هغيرله أنا."
تبسمت سلسبيل وقماح بموافقة وصعدوا إلى شقتهم.
دخلت سلسبيل وخلفها قماح...
وقفت سلسبيل تقول:
"معرفش غرض زهرت إيه من اللي عملته مع سميحة. سميحة رغم معرفتي بها من مدة مش طويلة بس قلبها أبيض متعملش كده... إنما زهرت طول عمرها قلبها أسود وحقودة."
رد قماح:
"أهو إنتي قولتيها زهرت قلبها أسود وحقودة. ويمكن استفزت سميحة وخرجتها عن شعورها."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"قصدك إيه؟ يعني انت مصدق إن سميحة تضرب زهرت؟ لأ وكمان كانت عاوزة تسقطها؟ عن تجارب سابقة مع زهرت مستحيل أصدق كذبتها دي."
اقترب قماح من سلسبيل ووضع يديه حول خصرها قائلاً:
"أنا لا مصدق زهرت ولا مكذب سميحة. الموضوع مش فارق معايا من أساسه. أنا بقول طالما مرات عمي خدت ناصر معاها يبقى نستغل الفرصة دي."
أنهى قماح حديثه وهو يقبل وجنتي سلسبيل ينزع الحجاب عن رأسها يُسدل بيديه شعرها ثم قبل عنقها.
تبسمت سلسبيل بترحيب ونظرت لعين قماح للحظات قبل أن تخفض عينيها خجلًا، ثم ابتعدت عن قماح وذهبت إلى غرفة النوم، وخلفها قماح، ليعيش الاثنين لحظات عشق.
بعد قليل.
نامت سلسبيل بظهرها على الفراش تتنهد بقوة.
اقترب قماح منها وجذبها لصدره قائلاً:
"إيه سبب التنهيدة دي؟"
ضمت سلسبيل نفسها لصدر قماح واقتربت براسها من عنقه تستنشق بأنفها عطرهُ قائلة:
"هتصدقني يا قماح لو قولت لك معرفش سبب للتنهيدة دي."
تبسم قماح قائلاً:
"بس أنا عارف سبب للتنهيدة دي. أقولك بسبب ناصر مش هنا ومزعجناش وإحنا مع بعض زي ما بيعمل دايمًا. ما يصدق إني أقرب منك زي ما يكون بيغير عليكي مني ومش عاوزني أقرب منك. خايف نجيب له أخ يستحوذ معاه شوية عالدلع والاهتمام."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"يمكن برضو. بس أكيد لسه بدري على ما يجيله أخ وهو لسه عمره يا دوب شهور."
توقفت سلسبيل تفكر ثم قالت:
"قماح أنا مش باخد أي مانع حمل. إزاي فاتت عليا دي."
ضحك قماح قائلاً:
"واضح إن ناصر مش هيفضل وحيد لفترة طويلة وهيجيله أخ أو أخت بسرعة."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"قماح أنا ملاحظة إنك نفسك أخلف تاني بسرعة ليه؟"
تبسم قماح قائلاً:
"أنا عاوز يبقى ليا عيلة صغيرة معاكِ يا سلسبيل. أنا طول عمري اللي فات كنت بحس إني وحيد. ومتقوليش عندك تلات أخوات، آه أخواتي بس مش شُققة. غير إني عشت لفترة بعيد. ومش عاوز ناصر يحس بوحدة زيي."
تبسمت سلسبيل وهي تضم قماح قائلة:
"ودلوقتي لسه عندك إحساس إنك وحيد؟"
ضم قماح سلسبيل قائلاً:
"لأ. معاكِ أنتِ وناصر اللي بيسهرك طول الليل حسيت بالعيلة اللي كنت بتتمناها."
بعد قليل.
وقفت سلسبيل تعدل من هندامها أمام المرآة. نظرت لإنعكاس قماح قائلة:
"زمان ماما قالت طلعوا فوق يغيروا هدومهم ونسيوا نفسهم."
تبسم قماح قائلاً:
"لأ اطمني. ناصر طول ما أنتي بعيدة عنه بيبقى هادي."
***
حل المساء، بـ دار العراب.
بشقة زهرت.
قامت بجمع ملابسها ووضعت مصوغاتها الذهبية كلها بها. تفاجأ رباح الذي دخل إلى الشقة من وقوف زهرت وخلفها تلك الحقيبة قائلاً:
"رايحة فين بشنطة هدومك دي؟"
ردت زهرت:
"أنا ماشية. هسيب دار العراب. أنا بعد اللي حصلي واللي جدتك عملته فيا مستحيل أفضل هنا في الدار دي. يا أنا يا سميحة اللدغة."
رد رباح:
"مش فاهم إيه اللي حصل؟"
ردت زهرت:
"أحكيلك اللي حصل."
سردت زهرت له كذبتها وما حدث من تهجم سميحة عليها بالضرب، ومساندة هداية لها عليها حين دخلن خلفها إلى غرفتها.
فلاشـــــــ..باك.
دخلت هداية وجلست على مقعد بالغرفة. دخلت خلفها سميحة مباشرةً تبكي وتوجهت إليها وانحنت تُقبل يديها قائلة:
"والله يا جدتي ما حصل وأتهجمت على زهرت بالكلام ولا مديت إيدي عليها، ولا حتى كمان بنقل أسرار الدار لحماتي. إنتي اللي بتؤمرينى أروح أزورها. والله أنا بتحمل وجودي عندها بالعافية. دي بتعاملني على إني شحاتة وشغالة عندها. بس بتحمل زي ما قولتي لي قبل كده. زهرت بتفترى عليا ونقري من نقري من يوم ما دخلت لـ دار العراب."
بكت زهرت هي الأخرى قائلة:
"وأنا هحط نقري من نقرك ليه؟ أنا زيي زيك هنا. وهفترى عليكي ليه؟ يعني هكون أنا اللي ضربت نفسي. ووقعت عالأرض."
ردت هداية:
"بس مفيش واحدة فيكم تتكلم قبل ما أقول لها.."
قالت هداية ونظرت لوجوه الاثنتين، استشفت من خلالهما الصادقة ومن الكاذبة، وقالت:
"زهرت أنتي بتقولي إن سميحة بتنقل أسرار دارنا لـ قدرية. إيه دليلك على كده؟ نقلت لها إيه؟"
ارتبكت زهرت قائلة بتعلثم:
"معرفش. ماما هي اللي قالت لي أحذرها. عمتي قدرية محروقة بعد طلاقها ونفسها تتشفى في عيلة العراب... وسميحة هي الوحيدة اللي بتروح لها. أنا رغم إنها عمتي، بس أنا اخترت أصون سر دار جوزي."
تهكمت هداية قائلة:
"وانت سيد من يصون السر؟ أنا عندي ثقة في سميحة وزي ما قالت أنا اللي بسمح لها تروح لقدرية. لكن إنتي خرجتي الصبح من الدار من غير إذني. روحتي فين ورجعتي طلعتي على شجتك طوالي؟"
ارتبكت زهرت قائلة بدموع:
"أنا كنت بزور قبر بابا. جالي في الحلم بيعاتبني، إني مش بزور قبره وأقرأ له الفاتحة ترحمه."
تهكمت هداية قائلة:
"تقدري تقري له الفاتحة وتوصله من أي مكان. وليه مجتيش تاخدي إذن مني؟ أنا مش قايلة مفيش واحدة تخرج من الدار بدون إذني؟"
ردت زهرت:
"طب ما سلسبيل بتخرج بمزاجها."
ردت هداية بحزم:
"مالكيش صالح بسلسبيل. بتخرج لشغلها في المقر بإذن جوزها. إنما أنتي بتخرجي بمزاجك بدون إذن حتى رباح... دلوقتي اللي حصل ينتهي عليه خبر. وأيًا كان أنتي الصادقة أو سميحة، الموضوع خلص. ولو اتكرر بعد كده هيكون ردي عليه مش هيسرك يا زهرت."
شعرت سميحة بانشراح في قلبها وقبلت يد هداية قائلة:
"والله أنا من يوم ما دخلت لدار العراب وحتى من قبل ما اتجوز محمد حبيت كل اللي فيها وعمري ما فشيت سر حتى لماما نفسها. حتى هي مش بتسألني أصلاً... وإنتي شايفة معاملتي مع كل اللي في الدار."
قاطعتها هداية قائلة:
"جولت كفاية عاد. يلا كل واحدة منيكم تطلع شجتها تغير خلجاتها. رجالتكم زمانهم على وصول... واللي حصل ممنوع أي راجل يعرفه."
نظرت زهرت لهداية بغل ولسميحة أيضاً وخرجت ببركان في عقلها. هداية أنصفت سميحة عليها.
توقفت زهرت من سرد ما حدث لـ رباح بنحيب دموعها الخادعة، قائلة:
"أنا عارفة إن جدتك طول عمرها بتكرهني ومكنتش موافقة على جوازنا. بس اللي حصل النهارده يأكدلي إني ماليش مكان هنا. دي أنصفت اللدغة عليا. أنا قبل ما أكون مرات حفيدها كنت بنت... "
توقفت زهرت لثوانٍ ثم قالت:
"طبعاً كانت هتحبني وأنا أبقى بنت بنت جوزها. أكيد ده سبب الحقد جواها ليا... أنا ماشية عشان ترتاحي."
أمسك رباح يد زهرت قائلاً:
"لو في واحدة لازم تمشي من الدار فهي سميحة مش أنتي يا زهرت."
قال رباح هذا وترك الشقة متوجهاً لأسفل بزوبعة... دخل إلى غرفة المعيشة. كانت هداية تجلس مع النبوي ومحمد وناصر، وكذا قماح. كاد يتصادم مع دخول سميحة. نظر لها بحقد قائلاً بتهجم:
"طبعاً مبسوطة إن جدتي أنصفتك على زهرت بعد ما كنتي عاوزة تسقطيها. بترسمي دور البراءة وأنتي واحدة حقيرة ملهاش أصل وإندست وسطنا."
انصدمت سميحة من تهجم رباح عليها الذي كاد أن يمد يدهُ عليه لولا أن أمسك محمد يدهُ قائلاً:
"أوعى تمد إيدك على مراتي. وكلامك الغبي ده هتغاضى عنه بس عشان خاطر إننا أخوات. مراتي مش حقيرة ولا مالهاش أصل. متفرقش في أصلها عن مراتك زهرت. بل هي عندها اللي يميزها ومش عند مراتك."
تهكم رباح قائلاً:
"وإيه اللي يميزها عن مراتى؟"
رد محمد:
"عندها حب واحترام لكل اللي في الدار. وقبل كده رضا في قلبها. مش طماعة زي مراتك."
رد رباح:
"ومراتي بتكرهكم. ولا كانت طمعت في إيه؟"
نهض النبوي قائلاً:
"حلو قوي وقوفكم قدامي زي الديوك كده. إيه النسوان هتوقع بين الأخوات."
رد رباح:
"مش النسوان اللي وقعت بين الأخوات. إنت اللي وقعت بينهم من الأول لما كنت بتفضل واحد عالتاني في المعاملة."
ذُهل النبوي ودون إرادة منه كانت صفعة قوية على وجه رباح.
نهض ناصر وقماح.
نظر رباح لـ النبوي قائلاً:
"أنا هاخد مراتي ونسيب دار العراب."
انصدم النبوي من قول رباح السفيه. وقال له بتوعد:
"لو خرجت من الدار تنسى إنك من عيلة العراب."
رد رباح بإستعجال:
"وأنا هتبرى من عيلة العراب كلها."
ذهب ناصر وامسك يد رباح قبل أن يخرج قائلاً له:
"وحد الله يا رباح. اللي حصل شيطان."
رد رباح:
"الشيطان دخل من سنين لما راح اتجوز على أمي وجاب لها ضرة وفضل ابنها عليا. أنا ساكت بس خلاص انتهى."
قال رباح هذا ونفض يد ناصر. ووجد زهرت أمامه بحقيبة ملابسها. قال لها:
"كويس إني جبتي شنطة هدومك خلينا نمشي من هنا. بعد كده انسى عيلة العراب."
بالفعل خرج رباح ومعه زهرت من الدار.
جلس النبوي يشعر بألم في صدره نادمًا ربما ما كان عليه صفع رباح. لكن هذا ما حدث.
بكت سميحة التي تظن أن ما حدث بسببها. صعدت إلى شقتها وخلفها محمد.
بينما حل الصمت والنظرات بين قماح وناصر، وهداية التي قالت:
"بنت عطيات لعبت لعبتها وفكرت إنها كسبت تبقي غلطانة. وعلى رأي المثل خيرًا تعمل شرًا تلجأ. بس الخير مش بيروح. ورباح هيرجع من تاني لـ هنا ويعرف إن ولد العراب لازم يرجع راجل قبلها مش حرمة اللي تسمم أفكاره."
***
بشقة محمد وسميحة.
دخل محمد وجد سميحة تبكي بهستيريا، وهي تضع ملابسها في حقيبة ملابس.
نظر لها محمد قائلاً:
"بتعملي إيه يا سميحة؟"
صمتت سميحة وهي ما زالت تبكي وتضع ملابسها بالحقيبة.
أمسك محمد يديها قائلاً بتعصب:
"بقولك بتعملي إيه؟"
ردت سميحة ببكاء:
"بلم هدومي عشان أمشي من هنا. أنا اللي دخلت دار العراب فرقتها."
رد محمد:
"سميحة بلاش تعصبيني. أنتي مش السبب. السبب عقل رباح الغبي واللي زرعت فيه ده من الأول كانت ماما وجت زهرت كملت عليه. سميحة أنتي مش السبب. انتهينا."
ردت سميحة بدموع:
"والله يا محمد أنا ما لمست زهرت ولا قربت منها. دي بتقول لي يا عاقر."
تبسم محمد وهو يضم سميحة:
"أنا عارف معدنك من معدن زهرت يا سميحة، ومتأكد من نضافة قلبك. بلاش تخلي سواد قلب زهرت يدمر حياتنا. مكانك هنا غصب عن أي حد. ومش الخلفه هي اللي هتحدد مكانتك هنا، لأن مكانتك عالية عندي يا لدوغتي."
قال محمد هذا وضمها قوياً لصدره، كذاك سميحة ضمت محمد وما زالت تبكي.
بينما قال محمد بمزح:
"كفاية دموع على قميصي بقى. ولا أقولك أنا هقلع القميص وأبكي عليه براحتك طالما."
تبسمت سميحة بصمت تحاول تجفيف دموعها بيديها.
ضمها محمد قائلاً:
"بحبك يا لدغة."
***
بشقة سلسبيل.
ابتعدت سلسبيل عن جسد قماح تنظر له قائلة:
"قماح هسألك سؤال ولو مش عاوز تجاوب براحتك."
نظر لها قماح ببسمة قائلاً:
"والسؤال ده مكانش ينفع تسأليه وإنتي في حضني."
تبسمت سلسبيل بخجل قائلة:
"إنت بتكره رباح؟"
هز قماح رأسه بنفي وهو ما زال نائمًا على ظهره قائلاً:
"لأ. عمري ما كرهت رباح. بالعكس أنا بشفق عليه."
نظرت سلسبيل لـ قماح بذهول.
بينما استرد قماح حديثه:
"رباح كان عنده حظ ومميزات في حياته أكتر مني. بس هو اللي سلم دماغه لغيره يسمع منه ويأثر عليه... وهو بيزرع الحقد في قلبه. واللي حصل النهارده كان آخر دليل على غباؤه اللي خسرهُ. بس متأكد بابا قادر يرجعه لعقله تاني. بس قبلها هيأدبه كويس."
ردت سلسبيل بسؤال مختصر:
"زي إيه المميزات اللي كانت عند رباح مش عندك."
رد قماح بغصة:
"كفاية كان عنده أم. حتى لو كانت شخصيتها سيئة زي قدرية. كفاية آخر الليل كان بيلاقي أم تدخل تطمن عليه. ولما كان بيوقع بيلاقي إيد تساعده يوقف ويطبطب عليه. أنا اتحرمت من أمي وبعدها محسيتش بأي حنان. حتى لما رجعت تاني لـ هنا كنت بقيت شاب."
ردت سلسبيل:
"وجدتي حنيتها مكنتش كافية ليك."
هز قماح رأسه بنفي قائلاً:
"جدتي فعلاً كانت بتحاول تعوضني فقد أمي بحنيتها. بس محدش يقدر يعوض مكان الأم يا سلسبيل... زي ناصر كده. رغم إنك طول اليوم بتبقي بعيدة عنه وهو مع جدتي بيبقى هادي معاها. ووقت ما بترجعي إنتي وتاخديه في حضنك بيدلع عليكي ويشاغب معاكِ. عارف إنك هتتحملي دلعه ده وكمان بتبتسمي له. جواه يقين إن حبك له مكانه خاصية له لوحدهُ محدش بيشاركهُ فيه."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"بس أنا أكيد مع الوقت هخلف غيره وهياخد في قلبي نفس مكانته."
تبسم قماح قائلاً:
"أهو قولتي نفس مكانته. يعني مش هيبقى فيه تفرقة في مشاعرك له وبين أخواته. فا بالتالي مش هيحس إنه ناقص عن غيره. الأم بتعرف توزع حنانها واحتوائها بين أولادها بالتساوي."
تبسمت سلسبيل وهي تنظر لـ قماح بصمت. شعرت بذلك الفقد الذي شعر به قماح بعد أن فقد والداته. عانى بسن صغير من القسوة فأكتسبها كي يستطيع التكيف مع المحيطين له.
تبسم قماح وفتح ذراعيه لـ سلسبيل التي فهمت أن قماح يريدها أن تعود تنام بحضنهُ مرة أخرى.
استجابت سلسبيل وعادت تنام فوق صدره تضمه بيديها، ردًا على ضم قماح لها بقوة بين يديه، ثم قبلت وجنته مبتسمة قائلة:
"أنا بحبك يا قماح."
تبسم قماح وضمها أقوى بين يديه وهو يستدير بهم ينظر لشفاها وبلا انتظار قبلها يستقي من شفاها نبع يروي قلبهُ بقُبلات عاشقة ولمسات شغوفة، ترحب بها سلسبيل بل وتريد المزيد منها تشعر بالتميز وهي بين يديه.
***
بعد مرور عشرون يوم.
بتلك الشقة التي يقطن بها زهرت ورباح مؤقتًا.
صداع يفتك برأس رباح. يبحث مثل المجنون عن حبه من ذالك الدواء لكن ليس موجود. شعر بخيبة. ونظر إلى زهرت التي دخلت عليه قائلة بإستهجان:
"فيه إيه مالك زي المجانين كده."
رد رباح الذي يمسك رأسه بيديه:
"علاج الصداع خلص."
ردت زهرت ببرود:
"وأنا هعملك إيه؟"
رد رباح:
"قولي لصاحبتك اللي كانت بتجيبه ليكي وهاتي منها."
ردت زهرت ببرود وسخرية:
"وتمنه هدفع لها منين؟ الفلوس اللي كانت معانا خلصت. لو كنت سمعت كلامي وصرفت الأشياك اللي كان النجار بيكتبوها باسمك كان زمان معاك فلوس تجيب دوا الصداع بتاعك. لكن إنت خوفت يقولوا عليك حرامي. اهو في الآخر طردوك من غير ولا مليم."
رد رباح:
"زهرت مش وقته. دماغي هتتفرتك. خدي أي حتة صاغة بيعيها وهاتي الدوا وصرفي نفسك بيها دلوقتي."
ردت زهرت بسخرية:
"وبعد ما يخلص تمن حتة الصاغة أبيع غيرها لحد ما الصاغة كلها تخلص."
رد رباح بعصبية:
"لأ قبل ما تمن حتة الصاغة يخلص هكون اتصرفت وبلاش كلام كتير."
ردت زهرت:
"تمام. هاخد طقم دهب من اللي عندي وهنزل ابيعه. لحد ما أشوف آخرتها."
قالت زهرت هذا وأخذت إحدى علب الذهب الخاصة بها وخرجت من المنزل.
***
بمخزن قديم يشبه الوكر مُدنس.
دخل حماد.
تبسم له الآخر قائلاً بتهكم:
"من زمان مجتش لهنا. قولت يمكن توهت عن المكان. إيه فكرك الليلة بالمكان ده؟ إيه الشوق حدفك؟ بس من شكل ملامح وشك إنك مضايق ع الآخر."
رد حماد:
"مش فايق لتريقتك يا نائل. كفاية الغبي رباح. من يوم ما ساب دار العراب. وخالي ناصر استلم الشغل مكانه ومبقتش عارف أشتغل. وأنسى إني اعرف أدسلك البضاعة بتاعتك في البضاعة بتاعته. شوفلك طريقة تعرف توصل بيها بضاعتك للزبون بتاعها."
***
بالمقر.
دخلت سلسبيل إلى غرفة قماح. سمعته يتحدث على الهاتف. لاحظت توتره حين دخلت عليه فجأة. كما أنه اختصر في الحديث مع من يتحدث إليه وانهى الاتصال.
تحدثت قائلة:
"كنت بتكلم مين."
رد قماح:
"ده واحد من التجار."
ردت سلسبيل:
"أنا خلصت شغلي. مش نرجع بقى الدار."
رد قماح:
"لأ. أنا عندي لقاء مع تاجر اللي كنت بكلمه عال موبايل. ارجعي إنتي مع السواق وأنا هروح أقابل التاجر وأرجع بعدها."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"ومين التاجر ده... ممكن أجي معاك وبعدها نرجع سوا للدار."
رد قماح بتسرع:
"لأ. ارجعي إنتي للدار. ده تاجر لسه هتفاوض معاه وممكن حديثنا ياخد وقت. ارجعي إنتي مع السواق. وأنا هخلص معاه وهحاول متأخرش."
شعرت سلسبيل بشيء غريب، وقالت:
"تمام. أشوفك في الدار."
نهض قماح وذهب بإتجاه وقوف سلسبيل وقام بتقبيل وجنتيها مبتسمًا.
تبسمت سلسبيل وغادرت وهي تشعر بشيء في صدرها.
بعد قليل.
أمام أحد الكافيهات القريبة من المقر.
نزلت سلسبيل من السيارة ودخلت إلى الكافيه.
إنصدمت وهي ترى قماح يجلس على أحد الطاولات. وبصحبتة آخر من كانت تتوقع.
شعرت بنغزة قوية في قلبها قائلة:
"هند!"
***
بعتذر عن التأخير. التأخير كان غصب عني.
أنا والله بكتب وعنيا تقريبًا مش شايفة بيها. أنا تاني يوم روحت المعرض. خالي توفى. وده مش بس خالي يعتبر عمي كمان لأن بابا وماما ولاد عم. وكمان اندفن مع بابا في نفس القبر. وكمان بيته جار بيتنا.
رواية عش العراب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سعاد محمد سلامه
بأحد محلات الصاغة.
وضعت زهرة ذلك السوار على تلك الطاولة أمام صاحب المحل الذي رحب بها بحفاوة، هو على دراية بمن تكون.
تبسم لها قائلاً:
بصراحة أنا مش فاكر اسم حضرتك، بس أي حد من طرف الحاجة هداية صورته مش بتروح من دماغي، عندنا تشكيلة أطقم دهب مودرن ومميزة متأكد هتعجب حضرتك، وكمان عندنا تشكيلات كلاسيكية، متأكد أذواقنا هتعجب حضرتك.
تنحنحت زهرة ورسمت الحرج قائلة:
أنا فعلاً الحاجة هداية تبقى زي جدتي، أنا مرات رباح العراب حفيدها، بس أنا مش جايه أشتري دهب، أنا جايه أبيع الأسورة دي.
تعجب الصائغ وقال:
أنا تحت أمرك، الحاجة هداية مش زبونة مميزة، دي صاحبة مكان، حتى شبكة أحفادها بتيجي هنا تشتريها، يعني الأسورة طالعة من عندي هنا من المحل.
ردت زهرة:
عشان كده لما فكرت أبيعها جيت هنا، ممكن تفصل لي ثمنها لو سمحت.
رد الصائغ:
تحت أمرك.
قال هذا ووضع الأسورة على ميزان الذهب ثم قال لها مقدارها بالجرام.
تحدثت زهرة:
تمام، تقدر تحسب ثمنها.
رغم تعجب الصائغ، لكن قال لها ثمنها.
قالت زهرة:
تمام، هات لي الفلوس.
أعطى الصائغ المال لزهرة، التي أخذته منه وذهبت من أمامه دون جدال معه كثير.
لكن تلاعت قليلاً بالمحل، وتسمعت الصائغ وهو يتصل على هداية يخبرها ببيع زهرة لتلك الأسورة.
تبسمت بظفر، فهي أتت لهذا الصائغ تعلم أن له تعامل مباشر مع هداية، وبالتأكيد سيخبرها.
نجح الجزء من تخطيطها، بالتأكيد هداية ستضغط على النبوي كي يُرجع رباح إلى الدار والعمل مرة أخرى.
عادت زهرة للشقة بعد وقت.
لم تتفاجأ حين دخلت برباح الذي أقبل عليها متلهفاً يقول:
جبتي الدوا.
ردت زهرة:
لأ، الأسورة اللي بعتها يا دوب دفعت للبواب إيجار الشقة وجبت شوية خضار وفاكهة، والمبلغ اللي فاض يا دوب يقضينا مصاريف كم يوم.
تعصب رباح قائلاً:
مش عاوز أتصمم، بقولك الصداع هيفتك راسي، أقولك هاتي المبلغ اللي فاض معاكِ وأنا أنزل أي صيدلية أجيب الدوا ده.
ارتبكت زهرة قائلة:
قولتلك إنه دوا مستورد وغالي وقليل الصيدليات اللي بيبقى موجود فيها، حتى صاحبتي سافرت تتفسح كام يوم في الغردقة.
تعصب رباح وبدأ يضرب رأسه في الحيط قائلاً:
حاسس إن نفوخي هيطير مني، شوفي حل، اتصلي على صاحبتك وقولي لها تبعت لك الدوا بأي ثمن.
خشيت زهرة من حالة رباح وضربه لرأسه بالحيط، فتحت حقيبتها وأخرجت منه علبة دواء قائلة:
أنا دورت على الدوا في كذا صيدلية، بس في صيدلية...
قاطعها رباح واستدار لها بلهفة قائلاً:
لقيتي الدوا.
ردت زهرة:
لأ، بس الصيدلي قالي إن ده دوا بديل للدوا التاني، بس المادة الفعالة فيه أقل، ومش عارفة هيجيب معاك مفعول ولا لأ.
خطف رباح علبة الدواء من يد زهرة وتناول أكثر من قرص منه وابتلعهم حتى من غير ماء... وظل لدقائق حتى شعر براحة قليلاً، هدأ الصداع لكن لم يزل...
لكن استطاع رباح التحكم في نفسه وقال:
بس علبة الدوا دي مش كاملة، دول ما يكملوش عشر حبايات.
ردت زهرة:
ما هو الصيدلي قالي إن الدوا ده بديل، فأنا قولت بلاش أجيب العلبة كاملة، قولت كفاية كم قرص يهدوا الصداع لحد ما صاحبتي ترجع تاني... هو مش الدوا ده هدى الصداع عندك.
رد رباح:
الصداع هدى شوية صغيرين.
تنهدت زهرة براحة، وقالت:
هروح أدخل الأكياس دي المطبخ وأعملك كوباية قهوة، يكون الصداع راح على الآخر.
دخلت زهرة إلى المطبخ ووضعت تلك الأكياس على طاولة المطبخ، ووقفت تزفر أنفاسها، تلعن ذلك الحقير نائل، فهي اتصلت عليه ولم يرد عليها وبعثت له برسالة وطلبت منه ذلك الدواء، لكن رد عليها بالشراء بذلك الثمن المبالغ فيه أو الرفض... فذهبت إلى منزل والديها ودخلت خلسة إلى غرفة أخيها دون أن يراها أحد وبحثت بين أغراضه ووجدت ذلك الدواء وأخذت منه القليل وآتت به لرباح، ربما يكون له نفس التأثير عليه ويهدأ من ألم رأسه حتى لو قليلاً، هي لديها تأكيد أن هداية ستفعل أي شيء يرضي رباح من أجل أن تعيده إلى دار العراب مرة أخرى، بأقرب وقت.
دار العراب.
بغرفة هداية كانت تجلس تحمل ناصر على ساقيها.
دخلت عليها عطيات وألقت السلام.
ردت هداية عليها السلام ثم قالت لها:
اقفلي باب الأوضة وتعالي اجعدي جاري هنا عالكنبة.
شعرت عطيات بوجود خطر ما، أغلقت باب الغرفة ثم ذهبت للجلوس بجوار هداية، ومدت يدها تشاغب الصغير الذي تحمله هداية، لكن الصغير كان بمزاج سيء وبكى.
تحدثت عطيات:
ماله ناصر شكله مش مفرفش كده.
ردت هداية:
مفيش، هو كان سخن شوية ونهلة خدته للدكتور وهيرجع زين، وأنا مش مشيعة لكِ عشان كده.
ردت عطيات:
لأ ألف سلامة لناصر، ربنا يزيح عنه، خير لما شيعتي لي أنا سبت اللي كان في يدي وجيت طوالي.
نظرت لها هداية قائلة:
مش خير يا عطيات، بتك مش هتجيبها البر.
ارتجفت عطيات قائلة:
عملت إيه زهرة، أنا من يوم ما سابت الدار حتى مش بكلمها عالتليفون، وجلت لها حديثي معاكِ كوم ورجوعك لدار العراب كوم تاني، ومن يوميها مقاطعة الحديث وياها.
نظرت لها هداية استشفت كذبها قائلة:
كلمتين ورد غطاهم يا عطيات، زهرة هي اللي لعبت في دماغ رباح وكبرت في دماغه إنه يسيب الدار، ودلوقتي لازم ترجع لهنا هي ورباح.
ردت عطيات:
والله أنا....
قاطعتها هداية قائلة بحسم وتوعد:
تلات أيام لو رباح وزهرة مرجعوش لهنا الدار أنا هعرف أرجع رباح إزاي، بس وقتها وزهرة مش هتخطى دار العراب تاني، غير مش هبقى على السر القديم وهفتشه.
ارتعشت عطيات قائلة:
قصدك إيه بالسر القديم؟
ردت هداية:
السر اللي داريته حتى على جوزي وورط ابني في جوازه من قدرية عشان أتستر عليكِ وقتها... وكذبت الكذبة زمان وجلت إن حماد ولد سبع شهور.
ارتعشت كل أوصال عطيات... وظلت صامتة.
بينما بكى ناصر، نهضت هداية به قائلة:
دلوقتي لازم زهرة ترجع لهنا، هما تلات ليالي يا عطيات وبعد كده....
صمتت هداية وهي تحاول إسكات الصغير، لكن ما زال مستمر في البكاء مما جعلها تتجه ناحية باب الغرفة وفتحته وقبل أن تنادي على نهلة وجدت سلسبيل تتجه إليها بلهفة وأخذت منها ناصر تجث جبهته.
بينما نهضت عطيات التي ترتعش وحاولت السير بأقدام واهية، ثم استأذنت للمغادرة.
نظرت لها هداية قائلة:
فكري في حديثي زين يا عطيات.
أومأت لها عطيات برأسها وغادرت الدار تشعر ببرودة في جسدها.
أما هداية نظرت لوجه سلسبيل الذي يظهر عليه القلق قائلة:
هيبقى زين.
ردت سلسبيل:
ليه متصلتوش عليا من وقت ما تعب؟ أنا سألت ماما عليه الضهر قالت لي إنه كويس وهي كانت بيه وقتها عند الدكتور، وحالاً لما جيت أسأل عليها قالت لي إنه معاكِ وإنه كان سخن شوية.
ردت هداية:
متجلجيش يا بنتي جوي كده، كيف الدكتور ما قال لنهلة إنه هيسسن هو كده طلوع أو سِنة.
ردت سلسبيل:
بس هيسسن بسرعة كده ده لسه مكملش أربع شهور ونص.
ردت هداية ببسمة:
مستعجل يا بتي هتجولي إيه، بس فين قماح مجاش معاكِ ولا إيه؟
ردت سلسبيل بغصة:
لأ، عنده ميعاد مع تاجر وراح يقابله.
ردت هداية:
يرجع بالسلامة ومتوفق.
صمتت سلسبيل تنظر لطفلها لا تعلم سبب لتلك الغصة التي بقلبها، أهي بسبب مفاجأتها بمرض طفلها أم بسبب ما رأته قبل قليل.
فلاش باك.
أثناء عودة سلسبيل بالسيارة مع السائق، أتى لهاتفها رسالة، أخرجتها من الحقيبة وفتحت الرسالة، وكانت عبارة عن صورة لقماح يجلس بجواره هند بأحد المطاعم، وأتت رسالة أخرى باسم الكافيه.
للحظات شعرت سلسبيل بنغزة في قلبها ثم قالت للسائق:
لو سمحت غير الطريق للكافيتريا اللي على أول شارع المقر.
فعل السائق كما أمرته وذهب بها إلى ذلك الكافيه، نزلت من السيارة ودخلت إلى مدخل ذلك الكافيه.
لكن تجمدت ساقا سلسبيل على آخر لحظة قبل أن تدخل إلى الكافيه، شعرت بحرقة في قلبها، لماذا أتى قماح للقاء هند ولما كذب حين قال لها أنه سيلتقي بأحد التجار.
عادت سلسبيل ولم تدخل إلى داخل الكافيه وفضلت العودة، ربما يفسر لها قماح ذلك لاحقاً، لا داعي للاستعجال.
عودة.
عادت سلسبيل من ذلك الشرود على بكاء صغيرها ويد الخلف تأخذه منها.
نظرت سلسبيل خلفها، ثم تركت الصغير.
تحدثت هداية قائلة:
قماح، سلسبيل لسه واصلة من شوية كانت بتقول إنك كنت مع تاجر، ربنا وفقك.
نظر قماح لسلسبيل وابتسم وأومأ برأسه، وقال:
ماله ناصر معكنس ليه؟
ردت هداية:
هو سخن شوية.
انخض قماح قائلاً:
طب وليه ما خدوهوش للدكتور.
ردت هداية:
نهلة خدته، وقالت لها إنه هيسسن، بلاش القلق اللي على وشوشكم ده.
مساءً.
بتلك الشقة استقبلت زهرة والدتها قائلة:
أهلاً يا ماما.
ردت عطيات بنرفزة:
لا أهلاً ولا سهلاً، أنا مش جايه أضيف، أنا جايه لك في كلمتين تسمعيهم وتنفذيهم من غير أي اعتراض، عشان مصلحتك.
تهكمت زهرة قائلة:
وإيه هما الكلمتين المهمين قوي اللي خلوكِ تيجي هنا عشان تقوليهم.
ردت عطيات وهي تتلفت حولها قائلة:
فين رباح؟
ردت زهرة:
رباح نايم، خير.
ردت عطيات:
وهيجي من الخير، قولتلك خروجك انتي ورباح بالطريقة دي دار العراب كان غلط من الأول، كان فين عقلك، حتى لو رباح اتهور كان لازم تهديه، العقربة هداية شيعت لي وروحت لها، وقالت لي، هما تلات أيام لو رباح وزهرة مرجعوش لدار العراب، هترجع رباح بس قبل منها هتخليه يطلقك.
تهكمت زهرة بغيظ قائلة:
العقربة بتهددك وأنتِ خوفتي منها، رباح مستحيل يسمع كلامها ويطلقني وبالذات وأنا حامل في ابنه.
ردت عطيات:
بلاش تتغري، هداية مش سهلة وسهل تنفذ حديثها وتخلي رباح يطلقك بالتلاتة كيف قدرية كده... اتحدتي مع رباح وأقنعيه يرجع دار العراب حتى عشان مصلحة ولدك اللي في حشاكِ.
ردت زهرة بعند:
مش هرجع قبل ما تيجي هداية لهنا تعتذر مني.
تهكمت عطيات ساخرة تقول:
هداية،،، تيجي هنا عشان تعتذر منكِ أنتِ، يظهر الحبل أثر على عقلك، بلاش غرور، واست هدي بالله وارجعي انتِ ورباح، قبل تلات ليالي.
ردت زهرة بعناد:
مستحيل، لازم على الأقل خالي النبوي ييجي لهنا وهو اللي يطلب منا نرجع دار العراب.
قبل أن تتحدث عطيات، تحدث رباح الذي أتى إلى مكان وقوفهن:
زي زهرة ما قالت، لازم بابا ييجي لهنا ويطلب مننا نرجع لدار العراب، غير كده مستحيل أرجع لدار العراب.
نظرت له عطيات قائلة:
بلاش تركبوا راسكم، وتدوا فرصة للمخفية سميحة وغيرها يوسوسوا في دماغ الحاجة هداية والنبوي أخويا، النبوي أخويا أكتر حاجة يكرها العناد معاه.
رد رباح:
قلت مستحيل نرجع قبل ما بابا ييجي بنفسه لهنا ويطلب أننا نرجع ومش بس كده، لا كمان يرجع لي صلاحية التوقيع من تاني.
تهكمت عطيات قائلة:
أنا هسيبكم تفكروا في مصلحتكم، بس نصيحتي لكم، بلاش عند وطاطوا للموجة دي تعدي، النبوي والحاجة هداية مبحبوش اللي يتحداهم... أنا ماشية قبل الوقت ما يتأخر، فكروا زين في مصلحة ولادكم اللي لسه في علم الغيب... ومن قبل مصلحته مصلحتكم أنتم كمان.
أغلقت زهرة باب الشقة خلف والدتها تنظر لرباح وقالت باستفزاز:
لو رضخنا ورجعنا لدار العراب تاني من نفسنا وقتها هيبيعوا ويشتروا فينا، إحنا مش أقل من عمك ناصر، إشمعنى لما خد مراته وبناته وساب الدار، متأكدة أن خالي النبوي هو اللي ضغط عليه وقتها وخلاه رجع تاني للدار، ولا عشان خاطر الست سلسبيل، هما أحسن مننا في إيه.
عاود الصداع يضرب رأس رباح مرة أخرى وقال بموافقة:
خلاص قلت مش راجع قبل ما بابا بنفسه ييجي لهنا بنفسه يطلب أننا نرجع معاه، هروح آخد قرصين من الدوا، الصداع رجع أقوى تاني.
دار العراب.
تقلب قماح في الفراش مد يده يجذب سلسبيل لحضنه لكن تفاجأ بعدم وجودها بالفراش، استيقظ ونظر بالغرفة على ضوء ذلك الضوء الخافت.
سلسبيل ليست موجودة كما أن ناصر ليس بمهده، نهض من على الفراش وخرج من الغرفة ذهب إلى غرفة المعيشة مباشرةً بسبب ذاك الضوء المنبعث منها، وجد سلسبيل تجلس بالصغير المستيقظ وبيدها جهاز تحكم التلفاز بيدها، تشاهد أحد قنوات الكارتون.
تبسم قماح قائلاً:
ناصر جاي على مزاجه يسهر قدام التلفزيون.
لم تنتبه سلسبيل لحديث قماح بسبب شرودها.
جلس قماح لجوارها ووضع يده على كتفها قائلاً:
سلسبيل.
انتبهت سلسبيل لقماح.
تبسم قماح قائلاً:
إيه مركزه قوي كده مع الكارتون، لدرجة إنك مأخدتيش بالك إني بكلمك.
ردت سلسبيل:
يمكن، بس إيه اللي صحاك دلوقتي، الساعة مقربة على اتنين بالليل.
رد قماح وهو يلف يده حول كتف سلسبيل يضمها لجسده:
أنا كنت نايم بس بتقلب ملقتكيش جنبي عالسرير حسيت إني بردت صحيت قولت أكيد ناصر مسهرك جنبه كالعادة بس استغربت لما ملقتكيش في الأوضة.
ردت سلسبيل:
ناصر كان بيزوم، قولت ليصحيك، أخدته وجيت قعدت بيه هنا وأهو يظهر انشغل شوية مع الكارتون وهدي.
نظر قماح لناصر وتبسم قائلاً له بمرح:
حتة سِنة هتطلع لك مدوخ الكل معاك، حتى مامتك مسهرة مش عارف إن عندها شغل بكرة ولازم تكون فايقة له.
نظرت سلسبيل لناصر قائلة:
أنا مش هروح المقر بكرة، هفضل هنا مع ناصر، قلبي مش هيكون مطمئن عليه طول ما هو بعيد عني.
تبسم قماح وقبل يد صغيره قائلاً:
كنت هطلب منك تفضلي هنا معاه، بس مرضتش قولت لا تفسري طلبي بغرض تاني.
نظرت سلسبيل لقماح قائلة:
وإيه الغرض التاني اللي هفسره؟
رد قماح:
إني بحاول أفرض عليكِ إرادتي وإني مش عاوزك تشتغلي.
نظرت سلسبيل لقماح باستغراب قائلة:
وإنت مش عاوزني أشتغل، وأرجع أقعد في الدار تاني؟
ضم قماح سلسبيل للحضن وقام بتقبيل شفتها ثم ترك شفتها ينظر لعيناها قائلاً:
بالعكس، أنا عاوزك تشتغلي معايا في المقر، كفاية إنك بتبقى قدام عيني معظم الوقت.
تبسمت سلسبيل لقماح قائلة:
بس أنا مضطرة آخد إجازة عشان ناصر بيه، ماما مش عارفة ليه حاسة إنها تعبانة من فترة وبتحاول تداري، حتى امبارح كانت قاعدة معايا أنا وهدى وجت تقف داخت وقعدت تاني واحنا اتخضينا عليها، بس هي قالت لنا إنها كويسة، بس لما وقفت مرة واحدة حسيت بدوخة بسيطة، حتى هدى بعدها قالت لي إن الموضوع ده اتكرر مع ماما أكتر من مرة قدامها وكل مرة بتبرر إنها دوخة عادية، حتى بابا قال لها تروح تعمل فحص طبي قالت له الأمر مش مستاهل، بس أنا وهدى قلقانين عليها.
رد قماح:
يمكن زي هي ما بتقول أمر عرضي لأي سبب، بلاش تتوهمي.
تنهدت سلسبيل قائلة:
يا ريت يكون وهم، وماما تكون بخير.
تبسم قماح:
إن شاء الله، ناصر شكله هينام.
نظرت سلسبيل نحو ناصر قائلة:
أكيد هينام بسبب مفعول العلاج.
نهض قماح ومد يده لسلسبيل يبتسم قائلاً:
طب طالما ناصر هينام خلينا إحنا كمان نرجع لأوضة النوم.
تبسمت سلسبيل ووضعت يدها بيد قماح ونهضت هي الأخرى وتوجهوا نحو غرفة النوم.
بعد قليل وضعت سلسبيل ناصر بمهده ثم توجهت نحو الفراش، تبسمت لقماح الذي فتح لها ذراعيه وبلا تفكير ألقت نفسها بين ذراعيه، تشعر بانتشاء من قُبلاته ولمساته لها، ليغفو قماح بعد ذلك بينما سلسبيل لم تغفو، ظلت تنظر له تشعر بحيرة.
بعد مرور ثلاث أيام.
صباحاً.
بدار العراب.
تألمت سلسبيل بخفوت قائلة: آه.
نظر لها قماح قائلاً:
في إيه؟
تبسمت سلسبيل قائلة:
ابنك فرحان بالسِنة اللي طلعت له بعد غلب وعضني وأنا برضعه.
تبسم قماح وأخذ ناصر المبتسم منها قائلاً:
فرحان إنك عضيت ماما، ده جزائها بعد سهرها معاك الأيام اللي فاتت، طب عقاباً لك بقى أنا هاخد ماما معايا النهارده للمقر وهسيبك هنا.
كأن الصغير فهم حديثه واقترب من وجه قماح وقام بمحاولة عضه من خده.
تبسم قماح كذلك سلسبيل التي قالت:
يظهر زي جدتي ما بتقول، سِنته بتاكله وفرحان بها.
تبسم قماح وقال:
هنزل بناصر تحت على ما تغيري هدومك ونفطر وبعدها نروح المقر سوا.
تبسمت سلسبيل له بموافقة.
بعد قليل نزلت سلسبيل إلى شقة والديها ودخلت إلى غرفة هدى، تبسمت حين وجدتها تجلس على مكتبها تقوم بتدوين شيء ما.
تحدثت قائلة:
صباح الخير.
رفعت هدى رأسها مبتسمة تقول:
صباح النور، فين ناصر؟
ردت سلسبيل:
مع باباه خده ونزل لتحت، بس انتي بتعملي إيه بدري كده؟
ردت هدى:
ده بحث طلبه دكتور المادة، ولازم أسلمه النهارده.
تبسمت سلسبيل بغمز قائلة:
ومين دكتور المادة دي بقى، أوعى يكون نظيم اللي كان هنا امبارح، كنتي طلبتي منه يساعدك... مش هيتأخر.
تبسمت هدى قائلة:
بلاش غمزة عالصبح، مش نظيم هو اللي طالب البحث ده، دكتور تاني.
تبسمت سلسبيل لكن وقع بصرها على حاسوب آخر بجوار حاسوب هدى، تحدثت باستفسار:
الابتوب التاني ده بتاع مين؟
ردت هدى:
آه ما انتي مأخدتيش بالك غير من نظيم اللي كان هنا امبارح، كمان الغبي المتسلق حماد، وجاب الابتوب بتاعه بعد ما فيرسته له، بس اتلخمت في البحث، أخلص بس البحث وأدعبس في الابتوب بتاع حماد.
تبسمت سلسبيل قائلة:
هتشوفي موزز حماد، يلا بلاش أعطلك هنزل أفطر وبعدها هروح المقر مع قماح، الحمد لله ناصر بقى بخير والسِنة طلعت وكمان عضني، كنت هقولك تنزلي معايا بس شكلك مش فاضية، يلا سلام بلاش أعطلك.
تبسمت هدى قائلة:
عقبال بقية طقم السنان.
تركت سلسبيل هدى ونزلت لأسفل، ودخلت لغرفة السفرة، وألقت الصباح على الموجودين، ثم تناولت الفطور مع العائلة، ثم تركت ناصر مع والدتها. لكن أثناء خروجها من المنزل بصحبة قماح في السيارة فجأة شعرت بدوخة، أغمضت عيناها ورأت دماء تسيل أمامها، وطفلها يد تأخذه عنوة وبعدها يختفي.
فتحت عيناها ووضعت يدها على كتف قماح الذي انخض قائلاً:
سلسبيل مالك وشك مخطوف كده ليه؟
ردت سلسبيل تحاول نفض ذاك الشعور السيء عن قلبها:
مفيش، بس يمكن من سهرى مع ناصر الأيام اللي فاتت حاسة بشوية إجهاد.
رد قماح:
خلاص خليكِ النهارده في البيت ارتاحي.
ردت سلسبيل:
لأ خلاص، أنا بقيت كويسة، ومش مستاهلة دي كانت دوخة بسيطة وخلاص راحت.
رد قماح:
تمام بس بلاش تجهدي نفسك في الشغل، وأي وقت تحسي بتعب اتصلي عليا، أو ارجعي للدار فوراً.
تبسمت سلسبيل بإيماءة، ثم قالت:
طب سوق بقى خلينا نروح للمقر، أهو لو حسيت بتعب وأنا هناك في أوضة نوم هناك أنام فيها براحتي، زي ليلة العاصفة لما الطريق اتقفل واتحبسنا هناك ونمت بهدومك.
تبسم قماح بغمز قائلاً:
فكرة برضو، إحنا نبيت الليلة في المقر، وأهو أعرف أستفرد بيكِ بعيد عن الإزعاج اللي اسمه ناصر.
تبسمت سلسبيل قائلة:
وقتها أنا اللي هزعجك، المرة اللي فاتت كان لسه جوايا، المرة دي قلبي هيبقى متاخد عليه.
تبسم قماح يقول:
ناصر بقى إزعاج في أي مكان.
قبل الظهيرة بقليل.
استيقظت زهرة على يدي رباح الذي يوقظها بقوة قائلاً:
زهرة اصحي دماغي هتتفرتك.
استيقظت زهرة بسأم وضجر قائلة:
وأنا هعملك إيه، مش معاك الدوا اللي جبته لك من تلات أيام.
رد رباح:
قصدك الكم قرص دول خلصوا، قومي اتصلي على صاحبتك شوفيها يمكن رجعت من السفر.
أزاحت زهرة غطاء الفراش قائلة بضيق:
حاضر هقوم أتصل عليها، بس اعمل حسابك إن الفلوس اللي باقية معايا من بيع الأسورة، متكفيش حق علبة الدوا، لازم تتصرف بعد كده.
رد رباح:
حاضر هتصرف، بس هات لي الدوا بسرعة راسي خلاص هتنفجر.
توجهت زهرة إلى هاتفها، وأخذته قائلة:
هنا مفيش شبكة، هطلع أكلمها من البلكونة.
وقفت زهرة بالشرفة تنظر إلى الشارع تفكر ماذا تفعل، أتذهب إلى ذاك الوغد نائل وتطلب منه ذاك الدواء؟ جاوب عقلها: وليه لأ، هروح له في مكان شغله وبسهولة أساومه، أن أفضح أمره هو وأبوه في تجارته في المخدرات ووقتها مش هيقدر يأذيني.
بالفعل دخلت إلى الغرفة قائلة:
كلمت صاحبتي وهي رجعت من السفر، وقالت لي هتقابلني بعد ساعة ونص.
تنهد رباح قائلاً:
طيب بسرعة البسي وروحي لها هاتي منها الدوا.
ردت زهرة:
حاضر هاخد دوش وبعدها هروح لها.
بعد الظهيرة.
بالفعل ذهبت زهرة إلى مكان عمل نائل، لكن قبل أن تنزل من سيارة الأجرة رأت خروج نائل بسيارته، أمرت سائق السيارة بتتبع سيارته إلى أن وقف أسفل إحدى العمارات الراقية، ظلت تنتظر بسيارة الأجرة.
بينما نائل صعد إلى شقة هند الموجودة بتلك العمارة.
فتحت له هند قائلة:
بقالي ساعة متصلة عليك إيه اللي آخرك كده.
رد نائل:
كان في بضاعة بندخلها للمخزن، خير، عايزة إيه.
ردت هند:
عايزك تساعدني ووقتها أنت هتستفاد.
رد نائل بسؤال:
أساعدك في إيه وهستفاد إيه؟
ردت هند:
أنا فكرت في خطة تخلي سلسبيل هي اللي تبعد عن قماح وميبقاش قدامها غيرك تلجأ له.
تهكم نائل قائلاً:
وده إزاي بقى، هتسحرى لها... ولا هتهدديها.
ردت هند:
زي ما قولت هتهددها.
تهكم نائل قائلاً:
وههددها بإيه، عندك لها سيديهات.
ردت هند:
فعلاً هددها بسيديهات، وقبل ما تتريق سيبني أكمل للآخر وبعدها ابقى أتكلم.
رد نائل:
كملي، أما أشوف آخرة هوسك بقماح.
ردت هند:
أنت مش كان نفسك تتجوز من سلسبيل، وقماح هو اللي خطفها من قدامك، لو سمعت كلامي ونفذت اللي قولتلك عليه بأكد لك سلسبيل هتكون لك وبمحض إرادتها، أو غصب عنها...
بص يا نائل عشان مفيش وقت، سلسبيل على وصول، في هنا في الصالة كاميرا مراقبة مخفية في النجفة بتسجل صورة، بس أنا استغفلت سلسبيل وقولت لها إني وقعت في الحمام ورجلي تقريباً انكسرت وكمان زودت إني مجروحة في إيدي وبتنزف كمان وطلبت منها المساعدة، بحجة إني ماليش حد ألجأ له، وطبعاً هي ساذجة وصدقت كلامي وهي تقريباً زمانها على وصول، أنا هخرج دلوقتي من الشقة، وسلسبيل طبعاً هتجي وأنت اللي هتفتح لها، هي هتتفاجئ بيك طبعاً، فأنت تقول لها إني جوه في أوضة النوم، وأنت كنت جاي بالصدفة تزورني أخوك يعني، وتاخدها لأوضة النوم، وبعدها بقى أنت عارف هتعمل إيه، والكاميرا اللي هنا في الصالة طبعاً هتسجل دخول سلسبيل لأوضة النوم بإرادتها... يعني لو اتكلمت هي اللي هتبقى خسرانة.
نظر نائل لها بذهول من ذاك المخطط الشيطاني، لكن وافقها، فكل ما يهمه هو أن يلوذ بـ سلسبيل.
بالمقر.
شعر قماح بالقلق على سلسبيل بسبب دوختها صباحاً، فقام بالاتصال على هاتف مكتبها، رد عليه أحد زملائها، وقال له إنها غادرت المكتب بعد أن أتى لها اتصال هاتفي... شعر بقلق أن يكون هذا الاتصال من الدار، فقام بالاتصال عليها لكن لم ترد عليه.
تعجب قماح وشعر بالقلق، وأرسل لها رسالة مختصرة:
سلسبيل إنتي فين؟
في نفس الوقت كانت سلسبيل بالسيارة وسمعت رنين الهاتف، نظرت له وعلمت أن قماح هو من يتصل عليها، وترددت في الرد عليه إلى أن انتهى الاتصال، سمعت صوت رسالة، فتحتها وقرأت محتواها، للحظة فكرت أن ترد عليه وتقول له أنها ذاهبة إلى شقة هند لمساعدتها بعد أن اتصلت عليها قبل قليل... ولم ترد عليها فأرسلت لها صورة ليدها وهي تنزف دماً، وأيضاً ساقها التي لا تقدر على الوقوف عليها، لكن خشيت أن يراها قماح مصابة بهذا الشكل ويشعر بالندم والأسف عليها وأنه هو السبب في جفاء والديها عليها وتركها وحيدة... فضلت عدم الرد.
دبي.
بمكتب الإدارة الخاص بالمطعم لم ينتبه كارم إلى أنه ترك باب المكتب موارباً.
رد على من يطلبه بالهاتف وهو يعطي ظهره للباب:
أخيراً فضيت واتصلت عليا، أنا قولت نستنى بقالي تلات أيام بتتصل مش بترد عليا.
رد عليه الآخر:
مشاغل والله، حتى أنا بكلمك وأنا في العربية، قول لي أحوالك إيه.
تبسم كارم قائلاً:
أنا بخير.
رد عليه الآخر:
يارب دايماً، وقول لي إيه أخبار همس.
رد كارم وهو لم ينتبه لدخول همس إلى المكتب:
همس بخير يا عمي.
تحدثت همس من خلفه قائلة:
بتكلم مين يا كارم.
استدار كارم ونظر لهمس بتفاجؤ وتلجم لسانه.
بينما قال له الآخر:
هكلمك تاني بعدين يا كارم.
أغلق كارم الهاتف وهو ما زال ينظر إلى ملامح همس المترقبة لجوابه.
وأعادت سؤالها:
كنت بتقول لمين همس بخير يا عمي.
للحظة تردد كارم، لكن حسم أمره قائلاً:
وهو أنا ليا كم عم يا همس، مفيش غير عمي ناصر.
ارتجفت همس قائلة:
قصدك مين، بابا!
رد كارم:
أيوا يا همس، عمي ناصر يعرف إنك عايشة.
أمام تلك العمارة الذي يقطن فيها رباح.
نزل ناصر من السيارة، وصعد إلى شقته، قام برن الجرس، سرعان ما فُتح الباب.
وقف ناصر مصدوماً من ملامح رباح الواهنة، حتى أنه كان يربط رأسه بقطعة قماش، ليس مصدوماً من هذا فقط، بل من لهفة رباح حين قال له برجاء:
عمي، أنا محتاج لفلوس ضروري، أرجوك يا عمي، اديني فلوس ومستعد أعمل أي شئ أنت عاوزه حتى لو قولت لي أرجع خدام في دار العراب.
قال رباح هذا وانحنى يُقبل يد ناصر الذي فرت الدمعة من عينيه، وأخرج حافظة ماله، لم ينتظر رباح، بل خطفها من يده ودخل إلى داخل الشقة بغرفة النوم آتى بتلك العلبه الدوائية، وخرج مسرعاً وخلفه ناصر، إلى أن دخل إلى إحدى الصيدليات، وأعطى العلبه الدوائية إلى الصيدلي، يأتي له بمثلها، بالفعل أعطى له الصيدلي مثيل لها، فتح رباح العلبة سريعاً وتناول بعض الأقراص، لكن لم يزل الصداع، صرخ رباح على الصيدلي وكاد يضربه قائلاً بتهجم:
إنت بتكذب عليا، الدوا ده مغشوش.
تعجب الصيدلي من ذلك، وحاول الدفاع عن نفسه، لكن كان الأكثر تعجباً هو ناصر الذي علم إلى ماذا وصل ابن أخيه، وهو يحاول الفصل بينه وبين الصيدلي، تأكد من ملامح وجهه وتألم متيقناً، رباح مدمن!
وصلت سلسبيل إلى العنوان التي أملته عليها هند بالهاتف.
وقفت أمام الشقة وكادت أن تضع يدها على جرس الباب لكن فوجئت أن باب الشقة موارب، اعتقدت أن ربما هند تحاملت على نفسها وفتحت لها الباب، دفعت سلسبيل باب الشقة ودخلت لبضع خطوات لتقف متصلبة في مكانها وهي ترى نائل غارقاً بدماءه.
رواية عش العراب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سعاد محمد سلامه
لم تقدر همس على الوقوف على ساقيها وكادت تسقط أرضًا، لكن تلهف كارم عليها سريعًا وقام بإسنادها إلى أن جلست على أحد المقاعد. نظر لها بخوف قائلاً:
"همس، خليني آخدك للدكتور."
ردت همس بخفوت:
"لأ، أنا كويسة، بس هاتلي ميه. ريقي ناشف."
اتجه كارم سريعًا إلى ثلاجة صغيرة بمكتبه وأتى بزجاجة مياه وكوب صغير. ملأه من الزجاجة ووجهه ناحية همس، التي رفعت يدها كي تأخذه منه. وضعت يدها على الكوب لكن لم تستطع التحكم في إمساكه بسبب رعشة يدها. ظل كارم ممسكًا بالكوب وقربه من شفاه همس، التي ارتشف منه القليل ثم عادت برأسها للخلف. رفعت عيناها تنظر لكارم قائلة بخفوت، تعيد سؤالها:
"قلت إن بابا يعرف إني لسه عايشة. ومين تاني يعرف إني عايشة؟ ماما تعرف؟"
جلس كارم بجوارها يضمها لصدره:
"لأ، مفيش غير عمي اللي يعرف. بابا قاله قبل ما نكتب الكتاب. وهو شبه يوميًا بيكلمني وبيسألني عنك يا همس وبطمنه. حتى هو عارف إنك حامل وفرحان جدًا."
تعجبت همس، لا تعرف أي شعور يضغي عليها. شعور الفرحة أن والدها يعلم أنها مازالت حية، أم شعور بالغيظ؟ ولماذا أخفى كارم عليها هذا؟ نظرت لكارم، وقبل أن تتحدث، أجاب كارم:
"عمي شافك قبل ما نسافر يا همس، وقتها كنتِ نايمة بعد ما انهارتي لما سمعتي صوت ماما في الشقة. وبسبب الدكتورة حذرتني إني أقولك وقتها. ويمكن لو مش الصدفة إنك سمعتيني وأنا بكلم عمي، مكنتش هقولك. همس، أظن كفاية بقى نخبّي إنك عايشة."
نظرت همس له بدموعها التي تسيل وجسدها المرتعش، وقالت بتشوق:
"وبابا كان رد فعله إيه؟ أوصف لي رد فعله لما شافني."
***
صباحًا
بدار العراب
بغرفة هداية.
دخل النبوي وقف قليلاً مع هداية يتهامسان، إلى أن دخل ناصر، قائلاً:
"صباح الخير. واحدة من الشغالين جالتلي إن الحجة هداية عاوزاني في مجعدها. خير يا أمي؟"
تبسمت هداية قائلة:
"خير يا ولدي. اتأكد إن باب المجعد مقفول زين."
ذهب ناصر نحو باب الغرفة وأغلقه جيدًا يقول:
"الباب مقفول زين. خير يا أمي؟"
ردت هداية:
"خير يا ولدي، تعالَ چارى إهنه."
جلس ناصر بجوار هداية، ومن الناحية الأخرى جلس النبوي. نظرت هداية إلى النبوي ثم إلى ناصر، الذي لاحظ نظراتهم لبعض بترقب، وقال باستفسار:
"خير يا أمي؟ بتبصوا لبعض إكده ليه؟"
ردت هداية:
"بص يا ولدي، قبل أي شيء لازم تعرف إن اللي حصل مكنش بإرادتنا. إحنا عملنا اللي شوفناه صالح."
تحير ناصر قائلاً:
"خير يا أمي، جولي وبلاش مقدمات كتير."
تنهدت هداية قائلة:
"همس..."
شعر ناصر بغصة قوية ودمعت عيناه. شعر النبوي بغصة أخيه وقال:
"همس عايشة يا ناصر."
نظر ناصر نحو النبوي بدمعة يعتقد أن أخاه أخطأ في الكلام، لكن رأى بسمة أخيه كذلك. نظر ناحية هداية، رأى بسمة طفيفة على شفاها، فقال بأسف:
"كان نفسي همس تكون عايشة وتسمع براءتها. وكان نفسي أقول لها إني كنت واثق إن عمرها ما تكون خاطئة. دي بنتي وأنا عارف أنا ربيتها إزاي."
رد النبوي:
"تقدر تقول لها الحديث ده يا ناصر. همس لسه عايشة. وقبل ما تستعجب، هقولك السبب إن همس عايشة لحد دلوقتي هي الحجة هداية."
نظر ناصر بذهول ناحية هداية ورأى تلك البسمة على شفاها، وقالت بتأكيد:
"سامحنا يا ولدي، إحنا عملنا اللي فيه الصالح لهمس. وجتها هحكيلك الحكاية من لحظة ما دخلت أغسل همس. كان لسه فيها الروح بتنبض، بس كان الأمل ضعيف. خوفت أوهم جلبك بالكدب. والنبوي هو اللي ساعدني وخد همس للمستشفى وأكدوا نفس الشيء، الأمل في نجاتها ضعيف، لكن ربك كبير. خلق لها عمر تاني تعيشه."
ذهل عقل ناصر ونهض واقفًا يقول:
"أنا مش فاهم حاجة يا أمي. همس عايشة؟ طب لو صحيح عايشة، هي فين؟ جولي وأنا أروح أجيبها."
تدمعت عين هداية قائلة:
"اجعد يا ولدي وبلاش تتهور عشان صالح همس. هحكيلك حكاية اللي حُصل."
هدأ ناصر وجلس بجوار هداية مرة أخرى. سردت له ما تمر به همس من رهاب منذ أن عادت للحياة، تخشى أن يقترب منها أحد، وأنها قالت لهم لو علم أحد أنها مازالت تعيش ستنهي حياتها هذه المرة.
بكى ناصر، لكن كان بكاؤه بفرحة، يشعر كأن جزءًا من روحه كان مسلوبًا وعاد إليه. نهض واقفًا:
"خدني لعندها يا نبوي. متأكد همس لما تشوفني مش هتخاف مني وأنا هقدر أرجعها لهنا تاني. أقولك، قول لي عنوانها فين وأنا أروح لها."
رد النبوي:
"بلاش الحماسة تاخدك يا ناصر. تفتكر أنا وأمي وحتى كارم محاولناش معها؟ همس كانت هنا في فرح سلسبيل. لو كانت عايزة تفضل هنا كان سهل علينا. وجتها نكشف عنها."
تعجب ناصر قائلاً:
"كارم عارف إن همس عايشة؟ وهمس كانت هنا في الدار، وأنا ونهلة وأخواتها إزاي منعرفش؟ سلسبيل كان قلبها حاسس بوجود همس حواليها يوم فرحها، هي قالت لي إكده. غير إنها بتقول إن همس لما بتيجي لها في الأحلام بتبقى عايشة."
تبسم النبوي قائلاً:
"أنا بطلب إيد همس منك يا ناصر. أنا مكنش ينفع أكتب كتابها النهارده من غير ما إنت تكون عارف وتوافق على طلب كارم يتجوز همس. همس وافقت على كارم، هنكتب الكتاب النهارده وهيسافروا بكرة دبي."
تدمعت عين ناصر قائلاً بوجع:
"بتجول إيه؟ هيسافروا؟"
رد ناصر:
"أيوه. الدكتورة جالت إن سفر همس في الفترة دي ممكن يساعدها تخف بسرعة. وكارم جهز كل شيء في دبي."
تنهد ناصر قائلاً بحسرة:
"بنتي عايشة وأنا آخر من يعلم. وكمان هتتجوز وتسافر وأنا آخر من يعلم. وكل ده بسبب إنها خايفة تشوفني."
وضعت هداية يدها على كتف ناصر قائلة:
"الدكتورة اللي بتعالجها جالت إنها مع الوقت هترجع تاني زي سابج عهدها. بلاش يا ولدي تحزن إكده، ادعي لها. وكارم طول عمره بيريدها وهو اللي جدر يجمعها إنه وافق عالجواز منه. وهددها إنه هينتحر زيها."
تبسم ناصر بدمعة قائلاً:
"يارب ترجع همس كيف الأول. بس أنا عاوز أشوفها حتى لو من بعيد."
نظر النبوي لهداية، التي حاولت إقناع ناصر وقالت:
"بلاش يا ولدي، جلبك ممكن يخونك ووجتها ممكن تنتكس حالة همس. دي بصعوبة على ما قربت من أخوك، حتى كارم نفسيًا."
رد ناصر:
"متخافيش يا أمي، مش هقرب منها، بس أشوفها."
رد النبوي:
"تمام يا ناصر. همس وكارم بعد كتب الكتاب هيسافروا للقاهرة عشان طيارتهم بكرة الصبح. شوفها من بعيد."
تبسم ناصر بانشراح وتقبل أن يرى همس من بعيد. وذهب إلى تلك العمارة التي أملى عليه النبوي عنوانها. ظل بالسيارة ينتظر نزول همس ومعها كارم. لكن ربما لحسن الحظ، أثناء انتظاره رأى قدرية تدخل إلى العمارة. حاول الاتصال على النبوي، لكن لم يرد عليه. فكر في الصعود إلى العمارة، لكن رأى خروج النبوي ومعه قدرية منها. مع النبوي، شعر بالسوء. ظل واقفًا لوقت، قلبه حائر. أيصعد ويعلم ماذا حدث، أم يبقى في انتظار نزول كارم وهمس؟ لكن الوقت لا يمر. حسم أمره وصعد ليحدث ما يحدث. لن يترك همس تنفذ وعيدها، هو قادر على احتوائها. فتحت له المرافقة لهمس وتعجبت كثيرًا. لكن في ذلك الوقت خرجت الطبيبة من إحدى الغرف وبرفقتها كارم، الذي تعجب كثيرًا حين رأى عمه. من ملامح وجهه أيقن أن عمه علم بأن همس مازالت تعيش. وكان التأكيد حين اقترب ناصر من الطبيبة قائلاً برجفة:
"همس مالها؟"
ردت الطبيبة:
"وحضرتك مين؟"
رد كارم:
"ده عمي، ويبقى والد همس."
ردت الطبيبة:
"همس عندها شبه انهيار عصبي. سبق وحذرت، بلاش نضغط عليها. أنا اديتها حقنة مهدئة هتنام لوقت طويل. النوم هيساعدها أنها تتخطى الحالة دي. وزي ما قلت قبل كده، بلاش ضغط على أعصابها. وأنا هتابع حالتها مع الدكتورة اللي في دبي."
رد كارم وهو يوصل الطبيبة إلى باب الشقة:
"تمام، متشكر جدًا يا دكتورة إنك جيتي بسرعة."
ردت الطبيبة بعملية:
"ده واجبي. وأتمنى حالة همس تتحسن في أقرب وقت."
غادرت الطبيبة الشقة. عاد كارم لعمه، الذي دخل مباشرةً إلى الغرفة الموجودة بها همس. كم تألم قلبه وهو يراها نائمة، ملامح وجهها مسومة، لكن في نفس الوقت انتعش قلبه. واقترب منها على الفراش وقبل جبينها بدمعة.
تبسم كارم قائلاً:
"كنت متأكد إن بابا هيقولك على كتب كتابي أنا وهمس."
رد ناصر:
"همس طول عمرها كانت هشة، كانت أضعف بناتي. رغم شقاوتها بس كانت هشة، سهل كسرها. أنا عرفت إنكم هتسافروا دبي."
رد كارم:
"فعلاً. وللأسف هضطر آخد همس وهي نايمة ونسافر القاهرة دلوقتي عشان نلحق الطيارة بكرة الصبح."
نظر ناصر لهمس وعاود تقبيل جبينها ثم نهض قائلاً:
"توصلوا بالسلامة. هبقى أتصل عليك أطمن على همس."
تبسم كارم وهو يتجه إلى الفراش يحمل همس بين يديه، ثم خرج من الشقة ونزل إلى تلك السيارة التي كانت أسفل العمارة. وضع همس بها، ثم وقف يبتسم لعمه، الذي قال له برجاء:
"همس أمانتك يا كارم. بلاش تخذلني زي قماح ما خذلني مع سلسبيل. همس مش هتستحمل بعد كل ده."
رد كارم:
"أنا مش زي قماح يا عمي، رغم إني عارف إن قماح من جواه ندمان. همس هي حياتي اللي رجعت لي تاني ومستحيل أفكر إني أخذلها وأطمن."
***
عاد كارم من سرده للماضي على دموع همس التي شعر بها على صدره. رفع رأسها يقول:
"هاميس، خلاص لازم تعودي من تاني وسط عيلتها اللي كانت هي بسمتها."
أومأت همس برأسها بموافقة.
***
بشقة هند
وقفت سلسبيل مصدومة، متصنمة مكانها. لم تقترب من جثة نائل المطعون لأكثر من طعنة بجسده ينزف بغزارة. فاقت من تلك الحالة على هند التي دخلت إلى الشقة ورأت أخيها بهذه الحالة الدموية، فصرخت قوياً. واقتربت منه وحاولت الحديث إليه باستجداء، لكن هو كان فارق الحياة. نهضت من جواره وأمسكت سلسبيل من يديها تصرخ عليها، تتهمها بقتل أخيها. ليس هذا فقط، بل قامت بقول أنها على علاقة غير شرعية بأخيها. نفت سلسبيل برأسها ذلك الكذب. لكن في ذلك الحين كان قد تجمع سكان العمارة عليهن، ومنهم من قام بالاتصال بالشرطة التي أتت بعد وقت قصير، ووقفت تعاين موقع الجريمة، ثم قامت بالقبض على سلسبيل بعد اتهام هند لها.
***
بتلك الصيدلية، حاول ناصر التحكم في هيستيريا رباح الذي يصرخ من رأسه. تدخل بعض الموجودين وقاموا بمساعدته بتلجيم حركة رباح. وقام الصيدلي بإعطائه حقنة مهدئة جعلته يسترخي نائمًا. ثم أخذه ناصر وتوجه إلى أحد معامل التحليل الخاصة وقام بعمل تحاليل شاملة له. وهو مازال نائمًا. ثم أخذه وتوجه إلى دار العراب وهو لديه يقين أن رباح مدمن. وعليه بدأ العلاج فوراً، وهذا بالفعل ما سيفعله، لكن عليه الرجوع برباح إلى الدار أولاً، من أجل ضمان عدم حصوله على تلك المواد المخدرة.
***
بعد قليل بمركز الشرطة
كانت سلسبيل بغرفة التحقيقات، يوجه لها تهمة قتل نائل بناءً على اتهام هند. التزمت سلسبيل عدم الرد على الاتهام وطلبت أن تحدث أحدًا عبر الهاتف. بالفعل، سمح لها الضابط بإجراء مكالمة هاتفية. قامت بطلب والداها لكن لم يرد عليها. فطلبت رقمًا آخر وقامت بالاتصال عليه ورد عليها وتحدثت:
"عمي، أنا سلسبيل. أنا محجوزة في القسم؟"
تعجب النبوي وهو ينهض سريعًا من على مكتبه قائلاً:
"خير؟ محجوزة في قسم إيه؟ وإيه سبب حجزك؟"
ردت سلسبيل باسم القسم المحجوزة فيه، ثم قالت:
"نائل اتقتل وهند بتتهمني إني أنا اللي قتلته."
تعجب النبوي قائلاً:
"مش فاهم؟ وإنتي مالك بنائل وهند ليه بتتهمك بقتله؟"
في نفس اللحظة تحدث الضابط لسلسبيل قائلاً:
"كفاية كده يا مدام، مسموح لك بمكالمة قصيرة. ممنوع تحكي كتير قصاد اللي بتكلميه."
أومأت سلسبيل للضابط ثم أكملت حديثًا لعمها قائلة:
"بتصل على بابا مش بيرد عليا. من فضلك يا عمي ساعدني، وبلاش تقول لقماح."
قالت سلسبيل هذا وأغلقت الخط، بينما رد النبوي:
"ألو ألو سلسبيل."
في ذلك الوقت كان يدخل قماح إلى غرفة والده وسمع قوله لاسم سلسبيل. نظر له النبوي صامتًا. تحدث قماح:
"سلسبيل فين؟ خرجت من المقر بطلبها على الموبايل مش بترد عليا. وحضرتك كنت بتقول ألو يا سلسبيل. قولي هي فين؟ وليه خرجت من المقر قبل ميعادها؟"
ارتبك النبوي وقال:
"يمكن خرجت لحاجة مهمة، وموبايلها فصل."
رد قماح وهو يستشف من وجه أبيه الكذب قائلاً:
"بابا، قول لي فين سلسبيل. متأكد إنك عارف هي فين. هي كانت معاك على التليفون."
رد النبوي:
"مش وقته. لازم أمشي عندي مشوار مهم دلوقتي."
وقف قماح أمام النبوي قائلاً:
"فين سلسبيل يا بابا؟"
نظر النبوي لملامح قماح للحظات، خشي أن يخبر قماح بما قالته له سلسبيل، عله يُسئ الظن بها دون استبيان لما حدث، وأيضًا بسبب طلب سلسبيل التي قالت له. فقال بتوهان:
"هي كانت بتكلمني والخط قطع. يمكن في مكان مفيش فيه شبكة. سيبني ألحق مشواري، وحاول تتصل عليها يمكن ترد عليك."
قال النبوي هذا وترك قماح، الذي لديه يقين أن والده خرج لأمر بشأن سلسبيل. فتعقب والده.
بينما خرج النبوي مسرعًا وفتح هاتفه أجرى اتصالًا مختصرًا:
"عاوزك تقابلني فورًا قدام القسم ده."
لم ينتبه النبوي لقماح الذي تعقبه بسيارته إلى أن توقف أمام أحد أقسام الشرطة. تفاجأ النبوي حين رأى نزول قماح من سيارته ثم اقترب من مكان النبوي، الذي وقف أمام القسم ينظر إلى مكان وقوف المحامي الذي قال له أنه كان قريبًا من قسم الشرطة. ذهب النبوي للمحامي، وخلفه قماح. صافح النبوي المحامي وقال له:
"سلسبيل بنت أخي محجوزة في القسم بقضية قتل. ده كل اللي عرفته من اتصالها عليا."
تفاجأ قماح الذي سمع حديث والده مع المحامي حين أصبح ثالثهم. تركهم ودخل فورًا إلى القسم. تفاجأ بخروج هند وعلى ملابسها دماء. حين رآه اقتربت منه بدموع قائلة بكذب:
"سلسبيل قتلت نائل، قتلته عشان ما يفتش العلاقة القذرة اللي كانت بينهم."
ذهل قماح قائلاً بدفاع عن سلسبيل:
"بلاش كذب يا هند، واخرجي سلسبيل من دماغك. سبق وقلت لك خلاص حكايتنا انتهت وإن اللي بينا هو الشغل وبس."
تهكمت هند بدموع قائلة:
"أنا مش باتهم سلسبيل بكذب. تقدر تقولي إيه اللي وداها للشقة اللي إنت اشتريتها ليا؟ وكمان نائل اتقتل في الشقة دي؟"
رد قماح بثقة:
"أنا واثق من سلسبيل. أكيد فيه حاجة غلط."
قال قماح هذا ونظر لدخول المحامي، فقال له:
"أنا عاوز تطلع النهارده سلسبيل من القسم."
رد المحامي:
"أنا هدخل أشوف محضر التحقيقات وهشوف أبعاد القضية."
استأذن المحامي ودخل إلى غرفة التحقيقات، بينما هند كانت تبكي بهستريا، إلى أن أتى والداها الذي ذهب إليها، يستمع إلى كذبها وهي تؤكد أن سلسبيل هي من قتلت نائل. ترك هند والداها وذهب إلى مكان وقوف قماح والنبوي قائلاً بتوعد:
"بشرفي قبل ما آخد عزاء ابني هتكون سلسبيل سبقاه للقبر."
رد قماح بقوة:
"لما تثبت الجريمة على سلسبيل ابقى احلف بشرفك. أنا واثق في مراتي."
رغم شعور النبوي بالأسى على سلسبيل، لكن دخل له شعور بالفرحة. قماح دافع عن سلسبيل.
بعد قليل خرج المحامي وذهب إلى مكان وقوف قماح والنبوي قائلاً بسوء:
"للأسف مدام سلسبيل المشتبه فيه الوحيد، والقضية لبساها."
رد قماح قائلاً:
"قصدك إيه؟ مستحيل، متأكد إن سلسبيل بريئة."
رد المحامي:
"كل الأدلة ضد مدام سلسبيل. الحسنة الوحيدة في القضية إن سلاح الجريمة مفقود. غير لسه تقرير البصمات موصلش للنيابة. ولما سألت مدام سلسبيل قالت لي إنها مقربتش من جثة القتيل. بس وجودها في مكان الجريمة إدانة قوية لها. وكمان فيه اتهام مباشر من أخت القتيل لها بوجود علاقة بينها وبين القتيل."
رد قماح:
"قصدك إيه؟"
تحدث النبوي قائلاً:
"أنا عاوز أشوف سلسبيل."
رد المحامي:
"أنا جبت لحضراتكم إذن أنكم تقابلوها استثناء في أوضة التحقيقات والمقابلة تكون قصيرة."
رد النبوي:
"تمام. أنا داخل لها، وأنت يا قماح مش هتدخل معايا."
رد قماح:
"اسبقني انت يا بابا هتفاهم مع المحامي يشوف طريقة يخرج بها سلسبيل على ذمة القضية."
ذهب النبوي وظل قماح مع المحامي الذي قال له:
"شوف طريقة تخرج سلسبيل بها من هنا، أي كفالة أنا مستعد أدفعها حتى لو مليون جنيه. سلسبيل مش لازم تبات هنا في القسم."
رد المحامي:
"خروج مدام سلسبيل صعب. أنا عرضت الكفالة ووكيل النيابة رفض. كل اللي أقدر أعمله إني أجيب لها استثناء الليلة وتبات في أوضة هنا في القسم قبل تحويلها بكرة على السجن."
انصدم قماح قائلاً:
"قصدك إيه؟ هي كده الجريمة لبست سلسبيل؟ فين دفاعك؟ قول لي إنك مش قد القضية. أنا على استعداد دلوقتي أجيب بدل المحامي عشرة."
رد المحامي:
"أنا عاذر حضرتك، بس زي ما قلت لك موقف مدام سلسبيل ضعيف. حتى إجوبتها على الأسئلة وكيل النيابة مش مقنعة. حتى لما سألها عن وجودها في الشقة دي، جاوبت وقالت إنه كان اتصال هاتفي بينها وبين مدام هند، ووكيل النيابة أمر بتتبع المكالمات، ونفس الوقت مدام هند قالت إن تليفونها كان مفقود وهي غيرت رقم تليفونها من مدة قصيرة."
ذهل عقل قماح ما يقوله المحامي. صحيح هند غيرت رقم هاتفها، وهذه ما جعلته يرد عليها حين هاتفته قبل أيام لعدم معرفته بالرقم الجديد.
***
بينما في غرفة التحقيقات
دخل النبوي متلهفًا نحو سلسبيل، التي اقتربت منه قائلة:
"عمي... بابا فين؟ اتصلت عليه مش بيرد عليا."
حَضَنَ النبوي سلسبيل قائلاً:
"أنا معاكِ، منفعتش مكانه."
ردت سلسبيل:
"مش قصدي يا عمي."
رد النبوي:
"قولي لي إيه اللي حصل وإيه اللي وداكي الشقة دي."
ردت سلسبيل:
"هند اتصلت عليا وطلبت مساعدتي."
تعجب النبوي قائلاً:
"كده وضحت. ممكن هند تكون هي اللي قتلت نائل، وطبعًا استغلتك عشان تشيلي القضية، كبش فدا."
ردت سلسبيل بذهول:
"مش معقول يا عمي، قصدك إيه إن هند ممكن تكون هي اللي تكون قتلت نائل! مستحيل، ده أخوها الوحيد."
رد النبوي:
"مفيش حاجة مستحيلة يا سلسبيل. أنتِ غلطتِ، كان فين عقلك إزاي توقعي في فخ هند بالسذاجة دي. احتمال القضية تتحول لقضية شرف، بسبب اتهام هند ليكِ إنك كنتِ على علاقة بنائل."
ذهلت سلسبيل تشعر بخذلان وظلت صامتة لثوانٍ، ثم قالت:
"وقماح صدق الكدبة دي؟"
رد النبوي:
"مش قماح. المهم دلوقتي، المهم التحقيقات. المحامي واقف بره مع قماح يشوف طريقة إنك تخرجي بكفالة على ذمة القضية، بس بيقول موقفك صعب جدًا."
تدمعت عين سلسبيل، وهي تنظر إلى باب الغرفة الذي فُتح، ليدخل قماح، التي تدل ملامحه على الغضب الشديد. بينما النبوي شعر برجفة سلسبيل حين دخل إلى الغرفة. بينما قال قماح:
"سيبني مع سلسبيل يا بابا وارجع أنت للدار، أكيد زمان الخبر انتشر وهيُوصل، ولازم حد يطمن اللي هناك على المدام."
من نبرة صوت قماح شعرت سلسبيل بأن قماح ربما يصدق اتهام هند. بينما النبوي قال بسؤال:
"وإنت هتعمل إيه؟"
رد قماح:
"أنا هفضل هنا مع المدام."
نظر النبوي لملامح سلسبيل التي تشعر بالخيبة، ونظر إلى ملامح قماح الخائفة، لكن يُخفيها خلف نبرة صوته القاسية. وهو على يقين أن قماح لن يترك سلسبيل. فقال:
"تمام. هرجع للدار وهحاول أطمنهم وهكون معاك على اتصال."
غادر النبوي الغرفة وترك قماح وسلسبيل. سلسبيل التي شعرت من نظرات قماح أن ساقيها أصبحت هلامًا، فجلست على أحد المقاعد. نظر لها قماح قائلاً:
"إيه اللي وداكِ الشقة دي؟"
ردت سلسبيل:
"هند اتصلت عليا، حتى بعتت لي صور لها. أنا مكنتش هروح لها، بس هي استنجدت بيا، وأنا قلت إن باباها غضبان عليها و..."
لم تُكمل سلسبيل حديثها حين قاطعها قماح قائلاً:
"هند هي وباباها اتصالحوا. عندي يقين إنهم حتى مكنوش متخاصمين من الأساس."
تعجبت سلسبيل.
تحدث قماح بتهكم:
"سلسبيل العراب اللي الكل بيشكر في عقلها وحكمتها وقعت في فخ زي العيال الساذجة."
ردت سلسبيل:
"أنا مش ساذجة. أنا لو ساذجة كنت اتهمتك إنك عاوز ترجع هند بعد ما شفتك معاها في الكافيه اللي قريب من المقر من كم يوم. وقبلها لما كنا في المكتب وقولت لي روحي أنتِ مع السواق، وأنا هقابل عميل، وقبل ما أوصل للدار يجي لي رسالة من هند إنكم مع بعض في الكافيه."
تهكم قماح قائلاً:
"أنا فعلاً قابلت هند في الكافيه ده، بس بصفتها عميلة. هند رجعت تشتغل تاني مع باباها، حتى سابت الشقة اللي كنت جايبها لها ورجعت لبيته تاني. وأنا طلبت منها بعد كده يا أتعامل مع باباها أو أخوها، يا أما هننهي تعاملنا معاهم نهائي. وطبعًا وافقت إني بعد كده أتعامل مع أخوها. اللي حضرتك متهمه بقتله. لأ ومش بس كده، كمان إنك كنتِ على علاقة بيه. ليه قبل ما تخرجي من المقر متصلتيش عليا تقولي على اتصال هند بيكِ."
تحدثت سلسبيل بخفوت:
"خفت تحس بالندم إنك السبب في بعدها عن أهلها، وقولت..."
قاطعها قماح قائلاً:
"قولتي إيه يا سلسبيل؟ قول لي أعمل إيه؟ القضية لبساكِ، حتى لو هند فعلاً كانت محتاجة مساعدة كان بسهولة تتصل بأي مستشفى أو دكتور يجوا لها لحد الشقة. ليه... ليه... ليه... قول لي حل دلوقتي. التهمة بسهولة ممكن تتحول لقضية شرف."
ردت سلسبيل باستعلام:
"وأنت صدقت إني ممكن أكون على علاقة بــــــ..."
لم تُكمل سلسبيل اسم نائل حين جذبها قماح من يدها لتقف ويقوم بحضنها قويًا يقول:
"سلسبيل، أنا عندي ثقة فيكِ لا متناهية، لكن هند وقعتك في فخ أثبت إنك ساذجة. ومتأكد إن معاها دليل براءتك وهتساوم بيه."
ضمت سلسبيل قماح قائلة باستفسار:
"قصدك إيه إن هند ممكن تطلب منك أن ترجعها لذمتك قصاد براءتي؟ ولا ممكن تطلب منك تطلقني؟"
لم يرد قماح وضم سلسبيل قويًا. ضمته سلسبيل قائلة:
"والله أنا دخلت الشقة فوجئت بنائل بينزف، حتى ملمستوش."
رد قماح وهو يحتضن سلسبيل:
"أنا متأكد من براءتك يا سلسبيل، وبتمنى تظهر الحقيقة بسرعة. وتأكدي إن مش هسمح بدخولك السجن ساعة واحدة."
***
بدار العراب.
الخبر السيء لا ينتظر كثيرًا.
دخول ناصر برباح الذي يحمله اثنان من الحرس وخلفهم كان ناصر. رأتهم هداية من شباك غرفتها فانخلع قلبها، وخرجت مسرعة تستقبلهم على الباب الداخلي. قائلة بلهفة قلب:
"ماله رباح؟"
رد ناصر:
"هقولك بعدين يا أمي، بس وسّعي للرجالة يدخلوه للدار في أوضته القديمة."
فسحت هداية مكان لدخول الرجلين اللذين يحملان رباح وأدخلوه إلى الغرفة، ثم خرجا. نظرت هداية لناصر، الذي قال لها:
"عندي شبه تأكيد رباح مدمن. هتصل على حداد يجي يركب لشباك الأوضة دي حديد قبل ما يفوق من تأثير المخدر، والباب يتقفل عليه بالمفتاح لحد ما نتيجة التحليل تطلع بكرة. رغم إن فيه دكتور أكد لي إدمانه وقالي على اسم مركز لعلاج الإدمان وكنت هاخده عليه مباشرةً، بس قولت أستنى تأكيد التحاليل عشان آخدها بالمرة معايا وأنا موديه لمركز علاج الإدمان، يبقى عندهم علم بعلاجه من المادة المدمن عليها."
تعذّب قلب هداية قائلة:
"كنت شاكة بس كنت بكذب نفسي. رباح ضيع نفسه بجوازه من زهرة. هي فين؟"
رد ناصر:
"معرفش. لما روحت له الشقة كان لوحده."
كانت المصائب لا تأتي فرادى.
دخول النبوي بنفس الوقت. اقتراب نهلة من مكان وقوف هداية وناصر، الذي سأل النبوي قائلاً:
"مالك جايب منين دلوقت؟"
رد النبوي:
"جايب من قسم الشرطة. سلسبيل متهمة في قضية قتل نائل ابن رجب السنهوري."
كانت صدمة أهلكت قلب نهلة، الذي لم يتحمل حين سمع قول النبوي، لتقع أرضًا لا تشعر بشيء سوى ضباب أسود يجذبها لتغلق عينيها تستسلم لغيومه السوداء.
قبل لحظة، كان هاتف هداية يعلن اتصالاً. فتحت الخط ترد، لكن قبل أن ترد على من يتصل، كانت صرخة هدى التي أتت ورأت انهيار والدتها بهذا الشكل المفجع. سمعت همس صرخة هدى فارتجف قلبها وتحدثت:
"جدتي، قول لي في إيه؟ ردي عليا."
لكن الهاتف كاد يسقط من يد هداية لولا تلقفته سميحة وردت هي على همس قائلة بدموع ودون وعي منها:
"مرات عمي نهلة وقعت من طولها."
ارتجفت همس قائلة:
"ماما... مالها.. ردي عليا."
تعجبت سميحة من رد همس قبل أن ينقطع الاتصال.
في نفس الوقت بدبي، قالت همس لكارم الواقف بجوارها بلهفة:
"أنا لازم أنزل مصر دلوقتي. سميحة بتقول إن ماما وقعت من طولها."
رواية عش العراب الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سعاد محمد سلامه
دخلت زهرت وأغلقت الباب خلفها تلهث كأنها كانت تركض لأميال. دخلت مباشرةً إلى الحمام، قامت بخلع ثيابها وفتحت صنبور المياه ووقفت أسفله. لم تشعر إن كانت المياه باردة أو ساخنة، كل ما تريده أن تغسل دماء ذاك الحقير نائل من على يديها.
لكن كأن دماءه التصقت بها. قامت بحك يديها ببعضهما بقوة، لوقت كلما تنظر ليدها كانت ترى أن ما زالت الدماء عليها. أغلقت صنبور المياه وآتت بإحدى المناشف وقامت بتنشيف يديها، ثم نظرت لها. هناك آثار دموية عالقة بيدها، هكذا هيئ لها. شت عقلها وكادت تصرخ، لكن تلجم صوتها بداخلها.
عاودت فتح صنبور المياه ووقفت أسفله مرة أخرى، تسيل المياه فوق رأسها كأنها تمحو ما حدث.
قبل وقت حين تتبعت نائل إلى تلك الشقة...
فلاش باك
بمجرد أن نزل نائل من سيارته علمت أنه آتٍ لهند. فكرت وحسمت أمرها وقالت لنفسها: "كويس، أكيد جاي لهند. أنا أطلع أعمل إني كنت جاية أزورها صدفة، وأنتهاز أي فرصة وأطلب منه اسم الدوا الحقيقي أو حتى آخد منه علبة، أهي تهدّي عقل رباح شوية."
بالفعل نزلت من سيارة الأجرة وأعطته حسابه، لكن قبل أن تتحرك من مكانها رأت هند تخرج من العمارة تتوجه إلى سيارة كانت تنتظرها وانطلقت السيارة سريعًا.
للحظات فكرت زهرت بالعدول عن الصعود للشقة، لكن ساقها شيطانها لمعرفة لماذا غادرت هند وليس معها نائل. حسمت أمرها وصعدت إلى الشقة، لكن قبلها وضعت على وجهها نقاب كان معها بالحقيبة. صعدت بالمصعد الكهربائي الذي توقف أمام الشقة. خرجت منه وتوجهت إلى باب الشقة، قرعت جرس الباب. وللعجب فُتح الباب سريعًا، كأنه كان ينتظر خلف الباب.
نظر نائل لزهرت بتفاجؤ وصدمة. رغم أنها تضع نقابًا على وجهها، إلا أنه تعرف عليها بسهولة، كما المعتاد في لقاءاتهم السابقة. لكن هذه المرة لم يستقبلها بترحيب كما كان يفعل في السابق. قال لها:
"زهرت، إيه اللي جايبك هنا؟"
تهكمت زهرت قائلة:
"أكيد مش جاية عشانك. وسّع من قدام الباب خليني أدخل بدل ما نقف كده قدام الشقة قصاد سكان العمارة يقولوا إيه؟"
رد نائل:
"مقدرش أدخلك الشقة يا زهرت. هند مش هنا، خرجت ومش هترجع دلوقتي."
ردت زهرت بضحكة ساخرة:
"إيه هند كانت هتبقى بينا محرم؟ وسّع يا نائل خليني أدخل. أنا مش خايفة منك بسبب آخر مرة لما حاولت تقتلني. أنا عاوزاك في كلمتين وبعد كده أنسى إني أعرفك تاني. كل واحد فينا الأفضل له ما يعرفش التاني لو قابله في سكة."
تنهد نائل وتنحى لدخول زهرت حتى تقول ما عندها وتغادر سريعًا قبل أن تصل سلسبيل. دخلت زهرت وخلفها نائل بعد أن أغلق باب الشقة. ونظر لمكان وقوف زهرت قائلاً:
"خير، إيه الكلمتين اللي هتقوليهم؟ يا ريت بسرعة، مش فاضي."
جالت عين زهرت بأرجاء المكان قائلة:
"وراك إيه؟ ولا مستني ضيوف مهمين؟"
رد نائل بفراغ صبر:
"زهرت، بلاش كلام كتير. أنا بصراحة ما كنتش متوقع نتقابل تاني بعد آخر مرة."
ردت زهرت:
"بعد ما حاولت تقتلني؟ عمومًا مش ده المهم عندي. أنا محتاجة علبة دوا من اللي كنت باخدهم منك قبل كده، أو قولي على اسمها ومكان آمن أجيبها منه."
تهكم نائل قائلاً:
"والمقابل قصاد علبة الدوا إيه؟"
ردت زهرت:
"ما فيش مقابل، اعتبرها هدية، أو مكافأة."
سخر نائل ضاحكًا:
"مكافأة نهاية الخدمة؟ لأ يا عزيزتي، ما فيش حاجة ببلاش. أظن ده كان القانون السائد بينا من أول معرفتنا ببعض."
اقتربت زهرت من نائل تسير بدلال فاجر:
"وماله التمن اللي عاوزه، بس محتاجة علبتين مش واحدة وتقولي اسمه إيه."
نظر نائل لسير زهرت بفجور أمامه، ولم يهتز قائلاً:
"مش وقته هنا خالص يا زهرت. أنا بقول امشي دلوقتي، ونتقابل في الشقة القديمة بعد ساعتين حتى أكون جهزت لكِ الدوا. إنما دلوقتي أنا منتظر ضيف مهم، وزمانه على وصول."
ردت زهرت:
"لأ، انسى الشقة القديمة دي خلاص. قولت إحنا اللي بينا انتهى. ويا ترى مين الضيف المهم ده اللي بتوزعني عشانه؟ ولا تكون ضيفة جديدة؟ بس مش دي شقة هند اللي قماح اشتراها لها تعويض عن طلاقها؟"
في تلك اللحظة كانت زهرت أصبحت ملاصقة لجسد نائل تقوم بإغوائه، ببعض القبلات السافرة على وجنتيه، تظن أن مكرها القديم سينفع معه. لكن نائل قام بدفعها بقوة وأبعدها عنه بكسحة قوية جعلت زهرت ترتد للخلف، وخبطت يدها بطبق فاكهة كان موضوعًا على إحدى الطاولات بالمكان به بعض الفاكهة وسكين صغيرة.
لمعت السكين في عين زهرت. لكن قالت لـ نائل:
"نائل، متأكدة إن الضيف اللي هتقابله دلوقتي هي ست؟"
رد نائل ببرود:
"ست.. راجل، مالكيش فيه. قولت لكِ عاوزة الدوا، قابليني بعد ساعتين، ودلوقتي لازم تمشي قبل وصول الضيف."
قال نائل هذا ومسك زهرت من عضد يدها قائلاً بنفاذ صبر:
"امشي دلوقتي بقى."
في تلك اللحظة مدت زهرت يدها على تلك السكين الصغيرة، أخذتها، ونفضت يد نائل بقوة قائلة:
"إزاي تسحبني بالطريقة دي؟ ناسى إني حامل."
رد نائل:
"زهرت، بقول لكِ امشي دلوقتي. ولو عاوزة هبعت لكِ اسم الدوا على الموبايل، أو قولي لي عنوان السكن وأنا هبعت لكِ علبة لهناك زي قبل ما كنت قبل كده ببعت لكِ في دار العراب عن طريق المشتريات اللي كنتِ بتشتريها لي من على النت وأبعت شخص من عندي يوصلها على أنه مسؤول توصيل للمنازل."
ردت زهرت:
"زاد عندي الفضول أعرف مين الضيف. ولا الضيفة دي لا تكون... سلسبيل!"
تعلثم نائل قائلاً:
"إيه الجنان ده؟ وسلسبيل إيه اللي هيجيبها لهنا؟ متنسيش زهرت كانت ضرتها."
دخل إلى زهرت يقين أن نائل ينتظر سلسبيل. فقالت:
"الله أعلم، يمكن عاملين لها فخ أنت وهند؟ هند عقلها هيشت من يوم قماح ما طلقها تاني، وعدوتها الأولى هي سلسبيل."
رد نائل:
"بلاش جنان وامشي يا زهرت دلوقتي بقول لك، بدل ما أغير رأيي ومبعتش لكِ علبة الدوا، وأسيب رباح اللي ممكن في نوبة جنان منه ينجح في اللي فشلت أنا فيه ويقتلك."
قال نائل هذا وأمسك زهرت من عضدها وسحبها قويًا هذه المرة، لكن زهرت نفضت يده قائلة:
"نفسي أعرف سلسبيل عاملة لكم إيه؟ تفرق إيه عن غيرها؟ قماح يبيع الدنيا عشان خاطرها، وأنت كنت هتقتلني بسببها."
رد نائل:
"سلسبيل فيها اللي عمره ما كان عندك."
ردت زهرت:
"قصدك الفلوس واسم العراب."
رد نائل:
"لأ، مش الفلوس ولا اسم العراب. عارفة إيه اللي عندها مش عندك..."
نظرت زهرت لـ نائل تنتظر جوابه الذي قاله:
"عندها الشرف اللي إنت متعرفوش. من بداية علاقتي بيكِ كنتِ سهلة ورخيصة بتجري وراء هدف واحد بس، وقصاد حصولك عليه كان كل شيء مباح عندك حتى إنك تفرطي في شرفك، وتتجوزي وتخوني جوزك برضه بسبب لهاثك وراء سطوة الفلوس... إنتِ أقذر ست شوفتها في حياتي. كان في إيدك فرصة تنضفي بعد جوازك من رباح اللي معرفش كذبتك عليه إزاي ومقدرش يكتشف إنه مش أول راجل يلمسك، بس إنتِ كنتِ حابة تعيشي في الوحل. دلوقتي امشي، مش عاوز أشوف وشك تاني، لأن المرة الجاية أوعدك مش..."
صمت نائل بعد شعوره بألم قوي بسبب اختراق سكين لجانبه. ترك عضد زهرت التي تملكها الشيطان جعلها في غير وعيها. بينما نائل وضع يده على جانبه متأثرًا بألم قوي يحاول كتم نزيف دمه، لكن زهرت باغتته بطعنة أخرى وأخرى وأخرى جعلته يجثو أرضًا بدماؤه المتناثرة. بينما هي تهذي وتسب قدرها الذي أوقعها في براثن ذاك الوغد، وهي تطعنه طعنة خلف أخرى.
فاقت بعد أن رأت جثو نائل بجسده أرضًا ممددًا ينزف. كانت السكين ما زالت بيدها. انحنت تنظر له بتشفٍّ قائلة:
"إنت كنت الشيطان اللي غواني من الأول وضحك عليا بإسم الحب. تستاهل القتل..."
قالت هذا وزفرت نفسها ثم عادت للحديث بعدما شعرت بفداحة ما فعلته ونهضت قائلة:
"إنت متستاهلش أتهم في قتلك. أنا لازم أمشي بسرعة."
كانت السكين ما زالت بيد زهرت، وضعتها في حقيبة يدها وتوجهت ناحية باب الشقة وفتحته. لكن لسوء الحظ رأت وقوف المصعد الكهربائي في انتظار فتح بابه. دخلت سريعًا، لم تنتبه أنها لم تغلق باب الشقة جيدًا خلفها.
توجهت إلى المطبخ. هي أتت إلى تلك الشقة سابقًا ورأت وجود باب للمطبخ، بالتأكيد يفتح على سلم آخر. بالفعل كما توقعت، هو سُلم حديدي صغير، يصل للدور الأرضي على شارع آخر خلفي. خرجت زهرت من البناية، وأشارت لسيارة أجرة وغادرت المكان، وعادت إلى تلك الشقة.
عودة......
بعد قليل شعرت زهرت أنها هدأت قليلاً. خرجت من أسفل المياه وارتدت مئزر الحمام وخرجت إلى غرفة النوم وألقت بجسدها فوق الفراش، تفصل عن الواقع بغفوة، حتى أنها لم تلاحظ عدم وجود رباح.
...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ دار العراب
حمل ناصر نهلة وتوجه سريعًا إلى سيارته بالخارج ووضعها بها. صعدت معه كل من هدى الباكية، وكذا سميحة التي تبكي أيضًا. انطلق ناصر سريعًا بالسيارة.
بينما حين حاول النبوي اللحاق بناصر، أمسكت يده هداية قائلة:
"خليك إنت هنا عشان رباح قرب يفوق، وكمان احكي لي سلسبيل مقبوض عليها ليه؟"
تعجب النبوي قائلاً بلهفة:
"رباح إهنه؟ هو فين؟ ماله يفوق من إيه!؟"
ردت هداية بغصة وسردت له ما أخبرها به ناصر. تألم قلب النبوي.
ربتت على كتفه هداية قائلة:
"وسلسبيل؟"
سرد لها النبوي عن اتهامها بقضية قتل نائل.
ردت هداية بشفقة:
"جلب نهلة مستحملش يا كبدي، ربنا يآلف بها."
رد النبوي:
"يارب، ويآلف بينا كلنا. مش عارف إيه الشر ده كله اللي حصل لـ دار العراب."
رغم ألم هداية، لكن قالت بصبر:
"شر وخير يا ولدي، كله هيمر......"
دخل النبوي للغرفة الموجود بها رباح مع ذالك الحداد الذي يضع للشباك مجموعة حدائد تجعل من الصعب الخروج منه، ثم غادر وترك النبوي ينظر لـ رباح النائم كأنه في ملكوت آخر ولم يستيقظ على تلك الأصوات. تألم كثيرًا إلى ما وصل إليه رباح. جلس على أحد المقاعد، يتساءل ما الذي جعله يذهب إلى تلك المواد المخدرة... كيف سار بهذا الطريق الذي يعلم أن نهايته هي ليس فقط دمار العقل، بل دمار الحياة كلها.
بعد وقت قليل، بدأ رباح يرمش بعينيه يصحو إلى أن استيقظ يشعر بألم في رأسه. وضع يديه حول رأسه يدلكها بأصابعه، لكن سمع صوت النبوي متهكمًا:
"صح النوم أخيرًا، صحيت؟"
نظر رباح إلى ناحية صوت النبوي وقال بتفاجؤ:
"أنا فين؟ إزاي جيت لهنا؟ آخر حاجة فاكرها إني كنت في الصيدلية مع عمي و...."
توقف رباح عن الحديث بسبب قول النبوي:
"قصدك كنت هتكسر الصيدلية، من أمتى وأنت بتتعاطى مخدرات."
انصدم رباح قائلاً:
"مخدرات! أنا عمري ما تعاطيت مخدرات."
نهض النبوي من مكانه وتوجه إلى الفراش وأمسك رباح من فكيه قائلاً:
"كذاب، قولي من أمتى، وأيه اللي خلاك تتعاطى مخدرات."
نظر رباح الذي بدأ يشتد وجعه رأسه:
"قلت لك إني مش بتعاطى مخدرات، ولا ده السبب الجديد اللي هتضربني عشانه."
تدمعت عين النبوي قائلاً بحدة:
"يا ريتني كنت ضربتك من زمان، يمكن كنت فقت من الأكاذيب اللي عشت فيها."
تلاقت عين رباح مع عين النبوي المدمعة وقال:
"أكاذيب... إيه الأكاذيب دي؟ إنت يا بابا اللي كان عندك تفرقة بيني وبين قماح من صغرنا... ودلوقتي أنا لازم أرجع للشقة، زمان زهرت رجعت بالدوا."
رد النبوي بسؤال:
"دوا إيه اللي زهرت هترجع بيه؟ إنت عارف إنت هنا بقالك كام ساعة؟ زهرت حتى مسألتش عنك باتصال على موبايلك، قولي دوا إيه؟"
رد رباح:
"دوا باخده للصداع."
تنبه النبوي قائلاً:
"مش ده الدوا اللي كنت هتكسر الصيدلية عشانه؟"
رد رباح:
"الصيدلي هو اللي عطاني دوا غلط."
رد النبوي يشعر بحسرة:
"الصيدلي مش غلطان، إنت اللي غلطان يا رباح، سلمت عقلك لأكاذيب من البداية، وصلت لك إنك بقيت مدمن."
رد رباح بعدم تصديق:
"مدمن برضو؟ بقول لك ده صداع عادي."
رد النبوي:
"مش صداع عادي يا رباح، إنت كنت بتاخد نوع مخدرات، معرفش إزاي وقعت فيه. لو واحد جاهل كنت هديك عذرك."
رد رباح:
"برضو مخدرات؟ مستحيل، ده دوا مستورد زهرت بتشتريه لي من صيدلانية صاحبتها."
رد النبوي:
"زهرت كمان هي اللي بتشتريه لك؟ قولي اسم الدوا ده إيه، ومتقوليش الاسم اللي كان على العلبة اللي كنت هتضرب الصيدلي بسببها."
فكر رباح بتذكر لكن لم يتذكر شيئًا، وبدأ يشتد عليه الصداع. نهض من على الفراش قائلاً:
"لازم أرجع للشقة."
نهض النبوي وأمسك يده قائلاً بحسم وحزم:
"ما فيش خروج من الدار يا رباح."
نظر له رباح بصدمة قائلاً:
"هتحبسني هنا؟ ليه محبستنيش قبل كده وسيبتني أطلع من الدار أنا ومراتي حتى محاولتش تقول لي بلاش و..."
رد النبوي:
"مكنتش هتسمع كلامي، بس النهارده مش هتطلع من الدار قبل ما نتيجة التحاليل اللي شبه ظهرت تتأكد، ووقتها هتدخل مصحة للعلاج من المخدرات."
رد رباح:
"مصحة إيه، اللي أدخلها؟ سيبني يا بابا."
قال رباح هذا ونفض يد النبوي بقوة مما جعل النبوي كاد يختل توازنه لولا أن ساند على الحائط. لم يبالي رباح وذهب باتجاه باب الغرفة وحاول فتحه لكن لم يستطع فتحه. حاول أكثر من مرة، وبدأ يدخل في حالة هستيريا. نظر باتجاه النبوي قائلاً برجاء:
"افتح الباب يا بابا، أرجوك خليني أروح الشقة، زهرت زمانها رجعت بالدوا، دماغي هتتفرتك."
رد النبوي:
"لأ، مش هسيبك تضيع نفسك أكتر من كده. زهرت ضيعتك يا رباح."
وضع رباح يديه حول رأسه قائلاً بألم:
"زهرت هي أكتر واحدة تهمها راحتي وبدور على اللي يريحني."
رد النبوي:
"زهرت أكتر واحدة آذتك يا ولدي عشان تسيطر على عقلك بكذبها."
ذهب رباح لمكان النبوي وجثى أمامه على ساقيه قائلاً:
"زهرت عمرها ما كذبت عليا، هي الوحيدة اللي بتحبني. أبوس رجلك يا بابا افتح الباب لازم أرجع للشقة."
جثى النبوي بجواره يضع يديه فوق يديه التي على رأسه قائلاً:
"سيبتك قبل كده رجعت لي مدمن، مستحيل هسيبك تاني يا رباح، وهتتعالج غصب عنك، وأول شيء لازم تتعالج منه هي زهرت."
رد رباح:
"زهرت؟ لأ، مقدرش أعيش من غير زهرت."
رد رباح:
"هتقدر تعيش من غيرها. كانت غلطتي من الأول، ما كان لازم أسيبك تتجوز بنت عطيات، اللي سممت عقل بنتها بطمعها وجشعها."
رد رباح برجاء، حاول مهاودة النبوي حتى يتركه يذهب:
"طيب يا بابا، مش هروح لزهرت، بس افتح لي الباب عشان أخرج من هنا، أنا اتخنقت."
رد النبوي:
"لأ، مش هتخرج يا رباح غير على جثتي."
نظر رباح لوالده ورأى التصميم في عينيه فقال بتحدي:
"بلاش تفتح الباب، هخرج من الشباك."
قال هذا ونهض يفتح شيش الشباك، لكن تفاجأ بتلك الأسياخ الحديدية الموضوعة على الشباك. حاول كسرها، لكن بدأت قواه تخور وعقله يشت من قوة الألم. عاد إلى النبوي، راكعًا أمامه يستجديه قائلاً:
"أبوس رجلك يا بابا، افتح لي الباب."
جثى النبوي لجواره وقام بضمه على صدره قائلاً:
"أنا وأنت مقفول علينا الباب من بره يا رباح، أنا ما معي المفتاح."
رفع رباح رأسه ونظر إلى وجه النبوي، رأى تلك الدمعة التي شقت عينه، تعجب منها وتعجب أكثر من حضن النبوي له. هذه أول مرة يشعر بحضن النبوي له. هدأ قليلاً يلهث. ضمه النبوي مرة ثانية قائلاً:
"مش هسيبك تضيع منى يا رباح."
رد رباح:
"أنا ما يفرقش معايا يا بابا، سيبني أخرج."
ضمه النبوي بقوة قائلاً:
"مين اللي قال لك إنك ما تفرقش معايا؟ إنت ابني البكري وأول فرحة دخلت قلبي لما شيلتك بين إيديا، قولت سندي في الحياة."
عاد رباح ينظر لـ النبوي متعجبًا يقول:
"إنت عمرك ما حبيبتني، طول عمرك بتحب قماح أكتر مني، كنت بتكرهني زي ما كنت بتكره ماما."
رد النبوي بنفي:
"أنا عمري ما كرهتك يا رباح. قدريه زرعت في دماغك كذبة، وجت زهرت كملتها. إنت في قلبي زيك زي قماح وكارم ومحمد. ما فيش واحد فيكم يزيد أو ينقص في محبته في قلبي عن التاني. ابعد الكذبة دي عن راسك، أنتم الأربعة عندي واحد، أولادي وضهري وسندي وعوضي في الحياة، واللي هتدعوا لي وأنا في قبري."
رد رباح:
"بعيد الشر عنك يا بابا، أنا والله عمري ما كرهتك وكان نفسي تحضني، زي ما حضنت قماح يوم ما رجع لهنا تاني."
حضنه النبوي قائلاً:
"قماح أخوك يا رباح عمره ما حطك في دماغه، إنت اللي كنت مصور لنفسك إنه بيكرهك."
شعر رباح بدفء في قلبه لاول مرة يشعر أن النبوي يحبه، لكن زاد ألم رأسه وقال:
"سيبني أخرج يا بابا وأوعدك أرجع تاني بكرة أنا وزهرت لهنا."
رد النبوي:
"مش هتخرج يا رباح."
شعر رباح بهياج لكن ضمه النبوي قائلاً بقوة:
"مش هسيبك للضياع تاني يا رباح......"
...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ أحد المشافي الخاصة.
أمام غرفة العناية المركزة. وقف ناصر يحضن هدى الباكية، يشعر بألم قوي حائر من كل اتجاه. لا يعرف شيئًا عن سلسبيل سوى أنها محجوزة بالقسم على ذمة قضية قتل، وبين هدى التي بين يديه تبكي بشدة، ورفيقة دربه التي بدل أن يجدها تسانده، ها هي تزيد من ألمه بمكوثها بين يدي الأطباء. أخرج هاتفه وقام باتصال على قماح يستفهمه منه.
رد عليه قماح وسرد له القصة من بدايتها وكيف وقعت سلسبيل بفخ محكم، وقال له بالنهاية:
"المحامي جاب لـ سلسبيل استثناء تبات في أوضة في القسم وأنا هفضل معاه لحد الصبح لحد ما تتعرض على النيابة بكرة وتأكد أني مش هسمح سلسبيل تتسجن، اطمن يا عمي."
شعر ناصر بهدوء قليلاً من ناحية سلسبيل وأغلق الهاتف. رأى خروج إحدى الممرضات، التي تلهفت هدى عليها سألته:
"أرجوكِ طمنيني على ماما."
ردت الممرضة:
"أنا للأسف معرفش حالتها بالضبط، بس اطمني وتفائلي خير، لازم أروح أجيب أدوية وأرجع بسرعة عشان المريضة."
تركتها هدى وعادت لحضن ناصر تبكي.
تنهد ناصر قائلاً:
"نهلة هتبقى بخير، نهلة مش ضعيفة زي ما أنتم مفكرين عنها، هتقاوم وترجع لينا، بس قولوا يارب وادعوا لها."
تنهدت هدى قائلة:
"يارب، سلسبيل؟"
رد ناصر:
"قماح هيبات معاها في القسم لحد الصبح وادعوا لها هي كمان."
تنهدت هدى باكية تقول:
"إيه اللي حصل يا بابا فجأة؟ بعد همس الدنيا اسودت في عيني."
رد ناصر وهو يضم هدى:
"ده اختبار من ربنا."
ردت هدى:
"ده اختبار صعب قوي يا بابا."
رد ناصر بمواساة:
"عارف إنه اختبار صعب بس لازم نكون قده ونتغلب عليه."
...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ دبي
أغلق كارم هاتفه ونظر لـ همس قائلاً:
"اتصلت على صديق ليا، ودبر لينا تذكرتين سفر لمصر في طيارة هتقلع بعد ساعتين، يعني هنوصل مصر قبل الفجر."
ردت همس:
"تمام، هدخل أحضر لينا شنطة صغيرة."
رد كارم:
"لأ، خليكِ مرتاحة وأنا اللي هحضرها."
ردت همس:
"مش هرتاح غير لما أطمن على ماما، اتصل على بابا."
طاوع كارم همس وقام بالاتصال على ناصر، لكن لم يرد عليه الهاتف يعطي مشغول.
أغلق كارم الهاتف قائلاً:
"اتصلت على الخطين بتوع عمي بيدوا مشغول."
تنهدت همس قائلة:
"يارب اشفي ماما."
........ ــــــــــــــــــــ
بـ قسم الشرطة
كانت سلسبيل نائمة على صدر قماح الجالس يسند ظهره على تلك الأريكة. سحبتها غفوة لترى صغيرها يد تمتد له وتأخذه عنوة من هداية. حاولت هداية التمسك به بقوتها لكن كانت تلك اليد الأخرى أقوى منها واختطفت الصغير من هداية بعد أن قامت بإيذائها هي الأخرى.
صحت سلسبيل فزعة وانتفضت من على صدر قماح، الذي اعتدل في جلسته قائلاً:
"مالك يا سلسبيل؟"
ردت سلسبيل:
"ناصر ابني، معرفش ليه حاسة إن فيه حاجة هتحصل وتبعدني عنه. يمكن القضية هتثبت عليا وأتسجن."
رد قماح وهو يضم سلسبيل لصدره:
"قولت لك مش هسمح بسجنك ساعة واحدة... ومتأكد إن براءتك مش هتاخد وقت وتظهر."
ضمت سلسبيل قماح قائلة بتمني:
"ما أعتقدش هند قدرت توقعني في فخ محكم، معرفش إزاي صدقت كذبتها عليا."
تنهد قماح يشعر بالندم، هو السبب كان خطأ منه حين رد هند مرة أخرى حين سار خلف غروره. وبدأ يدفع ثمن ذاك الخطأ.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
....
الجشع والطمع حين يتملكان من إنسان فرصة كبيرة للثراء السريع حتى إن كان من الحرام. علم حماد بمقتل نائل وانشغال والداه في ذلك. ذهب إلى ذاك المخزن الذي يعلمه جيدًا، تسحب دون أن يراه أحد من العمال، ودخل إلى غرفة بها باب سرداب صغير، فتحه بتلك المفاتيح الذي قام بعمل نسخة عليها سهوًا من نائل ذات مرة أثناء جلوسهم معًا. دخل إليه، ابتسم بنشوة وهو يرى تلك البضاعة موجودة به، بضاعة تسوى ملايين. قام بحمل جزء منها وخرج كما دخل دون أن يراه أحد، فالجميع مشغول بمقتل نائل... لكن لم يتوقع أن هناك كاميرا بالسرداب تسجل باستمرار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انقضت تلك الليلة الطويلة وسطع نهار آخر.
بـ النيابة.
بعد التحقيق مع سلسبيل، ما زالت كل حيثيات القضية ضدها. رفض النائب العام إخلاء سبيل سلسبيل والأمر بحبسها على ذمة القضية لمدة أربعة أيام والتجديد مرة أخرى إذا استدعى الأمر.
وقف قماح مع المحامي كاد ينهره، لكن قال المحامي:
"متأسف، لو حضرتك عندك شك في مهارتي تقدر تستشير محامي تاني، بس صدقني مش هيقدر يعمل حاجة تانية. مدام سلسبيل دلوقتي هتخرج من أوضة التحقيقات وتترحل على سجن المركز... هحاول مع معارفي إني آمن لها...."
قاطع المحامي هند التي آتت لمكان وقوفهم قائلة:
"اتأكدت من أخلاق سلسبيل اللي فضلتها عليا، أهي اتثبتت التهمة عليها، قاتلة."
رد قماح على المحامي قائلاً:
"تمام، اعمل اللازم."
غادر المحامي. بينما نظر قماح لـ هند قائلاً:
"متأكد من براءة سلسبيل، قولي لي هتساوميني بأيه."
ارتبكت هند وقبل أن ترد آتى لـ قماح اتصال هاتفي. رد عليه وسمع لحديث الآخر ثم قال باختصار:
"تمام، اعمل اللي قول لك عليه، ومش عاوز أي غلط."
أغلق قماح الهاتف ونظر إلى هند. في تلك اللحظة، كانت سلسبيل تخرج من داخل غرفة التحقيقات وبيدها أصفاد. نظرت لها هند بتشفٍّ، بينما سلسبيل شعرت بغصة في قلبها وشعور آخر لا تعرفه حين رأت هند بجوار قماح. بينما قماح تضايق بشدة من تلك الأصفاد التي بيد سلسبيل.
بعد قليل على الطريق بسيارة الترحيلات الخاصة بالشرطة.
تحدث أحد الجالسين جوار السائق له:
"وقف، شوف إيه اللي عالطريق ده، هو في تجديدات عالطريق ده؟ إحنا مش جايين منه الصبح كان عادي، فجأة كده قالوا يعدلوه. والله يبقى كويس الطريق ده على ما نخلص من مطباته مببقاش حاسس بضهرى، ربنا يتوب علينا."
توقف السائق بالفعل. نزل الجالس وذهب إلى مكان تلك العمال، لكن تفاجأ أن العامل ملثم، وقبل أن ينبه السائق أن يعود، كان يرش على وجهه رذاذ جعله يغيب عن الوعي فورًا. كذلك حدث مع السائق.
أخذ أحدهم تلك المفاتيح الخاصة بصندوق سيارة الترحيلات الخلفي، وقام بفتح الباب وفاجئ الشرطي الجالس برش نفس الرذاذ عليه، ثم قال:
"انزلي يا مدام سلسبيل بسرعة."
تعجبت سلسبيل وظلت جالسة.
لكن عاود ذاك الملثم قائلاً:
"انزلي يا مدام سلسبيل، ما فيش وقت معانا."
ظلت سلسبيل جالسة، لكن صدح هاتف ذاك الملثم. نظر لشاشته وأعطى الهاتف لـ سلسبيل، التي ردت عليه ثم نهضت ونزلت من سيارة الترحيلات، لكن توقفت قليلاً إلى أن فتح لها الملثم تلك الأصفاد التي بيدها، بمفاتيح الشرطي المرافق لها، ثم توجهت إلى تلك السيارة التي كانت تنتظرها على الطريق المقابل. فتح لها الجالس بالسيارة الباب، دخلت سلسبيل إلى السيارة تقول:
"ليه هربتني يا قماح؟"
شدها قماح قويًا يحضنها قائلاً:
"قولت لك مش هسمح بسجنك ساعة."
تبسمت سلسبيل، بينما ابتعد قماح عنها قائلاً:
"لازم نمشي من هنا، المخدر مدته دقائق قبل ما يفوق رجال الشرطة."
ردت سلسبيل:
"هروبي مش هيضعف موقفي في القضية ويثبت عليا التهمة."
رد قماح:
"براءتك هتظهر بس وانتي بره السجن، مش جواه.........."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عصرًا
بـ المشفى
خرج ناصر ومعه هدى من غرفة العناية بعد أن قاموا بزيارة نهلة الغائبة عن الوعي. تحدث ناصر للطبيب المرافق لهم قائلاً:
"هي هتفوق إمتى؟"
رد الطبيب:
"الحمد لله الحالة استقرت، دي ذبحة في القلب مش سهلة بس ربنا ستر، مؤشراتها الحيوية بدأت تستجيب، ومتوقع تفوق في أي وقت."
تبسمت هدى، كذالك ناصر، بينما غادر الطبيب وجلس الاثنان أمام غرفة العناية. لم تتفاجأ هدى بذلك الزائر الذي اقترب من مكان جلوسهم، فهو منذ الفجر وهو معهم بالمشفى بعد أن أبلغته سميحة بالصدفة هاتفيًا. مد يده لهما بصينية عليها أكواب قائلاً:
"أنا جبت لينا قهوة، معتقدش في نفس للأكل."
تبسم ناصر قائلاً:
"تسلم يا نظيم، مش هنسى وقفتك دي معانا من قبل الفجر وأنت هنا."
رد نظيم:
"أنا ما عملتش حاجة تستاهل وبتمنى ربنا يشفي مدام نهلة في أسرع وقت."
آمنت على قوله ناصر، وكذالك هدى التي بداخلها شعور مميز من وجود نظيم معهم بالمشفى.
جلس ثلاثتهم يتناولون القهوة. في نفس الوقت دخلت همس إلى الممر الموجود به غرفة العناية. وقع بصرها على والداها الجالس وجواره هدى بالمنتصف قائلة بلهفة، ولوعة وترقب:
"بابا!"
في نفس اللحظة نهض ناصر واقفًا يقول بلهفة وحنان:
"همس... حبيبتي بلاش تجري يا روحي."
قطع ناصر هو تلك المسافة بينهم بثوانٍ، كانت همس قابعة بين يديه يضمها قائلاً:
"كنت متأكد أن دعاء الحجة هداية وهي ساجدة بتصلي اللي سمعته بنفسي في الشقة ليلة سفرك أنتِ وكارم ربنا هيستجيب له وهترجع لك تاني روح همس الجميلة."
تبسمت همس قائلة:
"ماما؟"
رد ناصر:
"هتبقى بخير."
نهضت هدى بذهول، رغم أن همس منقبة، لكن ذاك الصوت تعلمه جيدًا، مستحيل أن يكون هذا حقيقي!
جلست هدى مرة أخرى تشعر بزلزلة ساقيها. لكن نهضت مرة أخرى حين رفعت همس النقاب عن وجهها وتركت حضن ناصر وتوجهت لـ هدى قائلة:
"هاميس رجعت تاني للحياة يا هدى، أنا حقيقة مش حلم ولا خيال من بتوع البت سلسبيل."
بسرعة كانت هدى تحضن همس بقوة قائلة:
"ما كنتش بصدق سلسبيل لما كانت بتقول لي إن عندها إحساس إنك عايشة وإنك هتدخلي علينا في أي وقت. مستحيل إنتِ إزاي لسه عايشة."
تبسمت همس، بينما قالت هدى بذهول وهي ترى كارم جاء خلف همس:
"كارم كمان معاكِ!"
رواية عش العراب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سعاد محمد سلامه
بالشقه التى بها زهرت
لم تدرِ كم من الوقت ظلت نائمة.
استيقظت بسبب شعورها بالجوع.
نهضت تفرك عينيها، تشعر ببعض الخمول والألم البسيط في بطنها، هو بالتأكيد من الجوع هكذا اعتقدت.
فتحت هاتفها، رأت الساعة، تعجبت كيف نامت كل هذا الوقت.
تساءلت أين رباح.
ربما هو بأي مكان بالشقة، لكن كيف استطاع تركها كل هذا الوقت نائمة دون إزعاجها.
تركت عن رأسها، ربما من الجيد أنه تركها تستريح.
ذهبت إلى المطبخ مباشرةً وأحضرت لنفسها بعض الطعام وجلست تلتهم الأكل إلى أن شعرت بالشبع.
نهضت تفض بقايا الطعام وبعض الأطباق الفارغة.
تحير عقلها، لابد أن رباح سيأتي الآن يطلب منها ذلك الدواء، ماذا ستقول له.
جلست قليلاً في المطبخ ثم خرجت تتجول بالشقة كلها تنادي على رباح، لكن لا رد.
لم تجد رباح.
تعجبت، أين هو؟ متى خرج؟
فكرت أن تهاتفه.
بالفعل قامت باتصال على هاتفه، لكن العجب الأكبر سمعت رنين هاتفه قريبًا منها.
تتبعت رنين الهاتف إلى أن وجدت مكانه، تعجبت كثيرًا، أين ذهب رباح وترك هاتفه بالشقة!
أيكون تتبعها بعد أن خرجت؟ لا بالتأكيد.
فكرت ماذا تفعل، زاد وجعها.
قررت انتظار بعض الوقت، ربما يعود بعد قليل.
لكن شعرت بهزة هاتفها الذي بين يديها، علمت أنه اتصال.
قامت بالرد عليه:
"صباح الخير يا ماما."
ردت عطيات قائلة:
"وهيجي منين الخير، متعرفيش المصايب اللي حصلت، بطلبك ع الموبايل ليه مكنتيش بتردي عليا."
ردت زهرت:
"معلش كنت عاملاه صامت، ولو مكنش في إيديا يمكن مكنتش رديت عليك، بس إيه المصايب اللي حصلت."
ردت عطيات:
"عرفت إن البوليس قبض على سلسبيل، ونهلة متحملتش وطبت ساكتة وخدوها المستشفى."
ذهلت زهرت قائلة:
"والبوليس قبض على سلسبيل ليه؟"
ردت عطيات:
"معرفش، لسه هقوم أروح دار العراب أعرف ليه، بس جولت أقولك الأول، أهي فرصة ترجعي إنتي ورباح للدار من تاني."
ردت زهرت:
"روحي إنتي اعرف إيه اللي حصل وأنا هاجيلك دار بابا وبعدها ربنا يحلها."
ردت عطيات:
"ربنا حلها، دي فرصة ترجعوا من تاني لدار العراب، عالعموم أما نتقابل نبقى نتكلم، يلا سلام."
أغلقت زهرت الهاتف متعجبة.
ما سبب القبض على سلسبيل؟
أتكون هي بالفعل من كان ينتظرها الوغد نائل واتهمت بقتله؟
ليت هذا يكون صحيح.
لكن ما سر غياب رباح بالخارج كل هذا الوقت؟ أين هو؟
***
بدار العراب
علمت قدرية عن القبض على سلسبيل بقضية قتل وأيضًا مرض نهلة.
ساقها شيطانها للذهاب إلى دار العراب.
تدعي الخباثة أنها تتساءل عنهم، بينما حقيقة الأمر هو التشفى والشماتة.
دخلت للدار تنظر بكل الأركان، خاوية لكن هنالك صوت بكاء طفل صغير يأتي من غرفة هداية.
ذهبت إلى غرفة هداية، على وجهها بسمة واسعة.
دخلت إلى الغرفة وجدت هداية واقفة تحاول إسكات هذا الصغير.
شعرت بغل في قلبها من هذا الصغير، لابد أنه ابن قماح.
لأول مرة تراه، هو يمزج بين ملامح النبوي وابن الاغريقية التي سلبته منها يومًا.
رأت هداية دخول قدرية فقالت لها:
"خير يا قدرية، إيه اللي جايبك هنا دلوقتي."
ردت قدرية وهي تنظر للصغير بغل ظاهر قائلة:
"هو مش كان في بينا عشرة أكتر من خمسة وتلاتين سنة، أنا سمعت اللي جرى، جولت آجي أطمن."
رأت هداية الشماتة في وجه قدرية وقالت لها:
"اطمني، وبلاش الشماتة اللي باينة على وشك ده."
ردت قدرية:
"طول عمرك ظالماني، مش جديدة."
ردت هداية التي تهدد الصغير حتى يصمت:
"إنتي اللي ظلمتي نفسك من البداية يا قدرية بحقدك وشيطانك اللي زرع في دماغك الكبر والغطرسة."
ردت قدرية:
"كبر وغطرسة."
قالت قدرية وأظهرت حقيقة مجيئها اليوم وضحكت بتشفٍ قائلة:
"ربنا انتقملي وبدأ يخلصلي حقي من عيلة العراب، وأول انتقام ليا من ابن الاغريقية اللي حبيبة قلبه هتشرف في السجن كم سنة، ونهلة صاحبة كلمة طيب وحاضر أهيه مرمية في المستشفى بين الحياة والموت، ده غير الفضيحة القديمة المدارية لهم."
لم تكمل قدرية قولها حين دخل النبوي وقال بحزم:
"قدرية."
للحظة ارتبكت قدرية، لكن عاودت التشفى قائلة:
"وأنت كمان ربنا انتقملي منك لما فقدت الاغريقية اللي سلبتك مني، ماتت وسابتك من غير روح."
رد النبوي:
"مين اللي جالك إني عايش من غير روح. عندي بدل الروح أربعة وخمسة كمان، ولادي وحفيدي. إنتي اللي فقدتي روحك وسلمتيها لشيطانك، ويا ريت كده بس سممتي عقل ابنك بتخاريف وأكاذيب، هو أول واحد هيدفع تمنها."
قال النبوي وأمسك يد قدرية وسحبها خلفه بقوة.
حاولت نزع يدها من يده، لكن تمسك النبوي بها قويًا وقال:
"تعالي معايا عشان تكملي شمت وتشفى بعد ما تشوفي نتيجة تربيتك."
توقف النبوي أمام باب أحد الغرف وترك يد قدرية، وأخرج من جيبه مفتاحًا وفتح باب الغرفة، ثم أمسك يد قدرية قائلاً:
"أظن عارفة دي أوضة مين، ادخلي وشوفي يمكن تريد شماتك."
دخلت قدرية إلى الغرفة.
تفاجأت برباح مربوط بالفراش يصرح إلى والده بتضرع قائلاً:
"أرجوك يا بابا فكني، لازم أرجع الشقة، زهرت زمانها رجعت بالدوا، الصداع هيفرتك دماغي."
حتى وإن كانت أقسى البشر بالنهاية، هي أم.
ذهبت إلى رباح بدمعة في عينيها.
نظر لها رباح بتوسل قائلاً:
"فكيني يا ماما، لازم آخد الدوا بتاع الصداع، دماغي هتنفجر."
نظرت قدرية للنبوي قائلة:
"ماله رباح، ليه رابطه كده."
رد النبوي بألم:
"رباح للأسف مدمن. شوفي الحقد والكُره اللي زرعتيهم في قلبه وإني مش بحبه وصله لأيه. إنتي زرعتي في دماغه إنه مكروه، وجت زهرت كملت وتممت على كلامك له، ولعبت بيه وخلته أدمن. شايفة الظرف اللي في إيدي ده؟ ده فحص طبي عمله له ناصر امبارح ونتيجة الفحص بتؤكد إن رباح مدمن ومحتاج لعلاج فورًا، وأمتى يخف من الإدمان الله أعلم."
ذهلت قدرية قائلة بخفوت:
"مدمن!"
رد النبوي:
"ياما حاولت أجذب رباح ناحيتي، لكن إنتي كنتي بتبعديه عني. اتبسطي لما زهرت لفت عليه وشجعتيه يتجوزها عشان عارفة إنها الوحيدة اللي فيها نفس خصالك، بس زهرت فاقتك في الشر عنك، وخلت ابنك مدمن، بيواجه الموت وهو حي."
رد رباح:
"كذب، زهرت هي الوحيدة اللي بتحبني، حتى أكتر من ماما. هي كانت حاسة بيا وبألمي وكانت بتحاول تخفف الألم عني. أرجوكي يا ماما فكيني، لازم أرجع للشقة، زمان زهرت رجعت بدوا الصداع."
نظر النبوي ل قدرية يهز رأسه بلا تفعلي.
بالفعل امتثلت قدرية للنبوي واقتربت من رباح ووضعت يديها على وجنتيه تشعر بالندم قائلة:
"لازم تتعالج يا رباح."
صرخ رباح عليها قائلاً:
"إنتي كمان هتسمعي كلام بابا وكدبه؟ أنا مش مدمن، كل اللي عندي شوية صداع. زهرت كان عندها حق، محدش في الدنيا كلها بيحبني قدها وبيخاف عليا... كلكم بتكرهوني وعاوزني أتألم."
هزت قدرية رأسها بلا تبكي بندم.
تحدث النبوي بإصرار:
"هيتعالج غصب عنك ووهم زهرت ده هتخف منه، وهنبدأ العلاج من النهارده. أنا بنفسي اتصلت على مصحة إدمان قريبة من هنا وهاخدك دلوقتي ونروحها."
رد رباح:
"لأ، أنا مش مدمن، مش هدخل مصحة."
نادى النبوي على اثنين من الرجال أقوياء، دخلوا إلى الغرفة، قام أحدهم بحقن رباح في كتفه حقنة جعلته يستسلم ويهدأ قليلاً، ثم مع الوقت نام.
قام أحدهم بفك رباح، ثم حملاه وخرجا من الغرفة.
نظر النبوي ل قدرية قائلاً:
"يا ريت تكوني اتشفيّتي وشمتي بالدرجة الكافية يا قدرية."
قال النبوي هذا وذهب خلف رباح.
بينما شعرت قدرية بصاعقة في صدرها.
***
بالعودة للمشفى
دخلت همس لغرفة العناية مع ناصر فقط.
تعذب قلبها وهي ترى والدتها راقدة بهذا المنظر الموجع لقلبها.
دون دراية منها سالت دموعها وهي تقترب من الفراش تنظر لوالدتها الموصول بها عدة أنابيب طبية وأيضًا أنبوب أكسجين.
تدمعت عين همس وانحنت على يد نهلة قبلتها قائلة بدموع:
"ماما، أرجوكِ قومي، نفسي تاخديني في حضنك."
تدمعت عين ناصر واقترب من همس وضمه من كتفيها إلى حضنه قائلاً:
"متأكد نهلة هتفوق يا همس وهترجع لينا."
تنهدت همس قائلة:
"يارب."
آمن ناصر قائلاً:
"الدكتور قال بلاش إزعاج والزيارة تكون قصيرة، وإنتي جاية من مطار القاهرة لهنا مباشرةً والطريق طويل، ناسيه إنك حامل والسفر الطويل عليكي مش كويس، يلا تعالي معايا نطلع ونشوف دكتورة هنا تطمني عليكي."
تبسمت همس قائلة:
"أنا بخير يا بابا، اطمني."
رد ناصر:
"برضه لازم ترتاحي."
تبسمت همس بقبول وكادت تسير مع ناصر لكن شعرت بيد نهلة تمسك بيدها بضعف.
نظرت همس إلى والدتها بفرحة ظنت أنها فاقت، لكن خاب أملها، وقالت:
"بابا أنا حسيت إن ماما مسكت إيدي."
تنهد ناصر بألم وهو ينظر نحو نهلة الغائبة عن الوجود.
لكن الحقيقة كانت عكس ذلك.
سمعت نهلة صوت همس وشعرت بملمس يدها حين قبلت يدها، خشيت أن تفتح عينيها وتصدم أن هذا الصوت ليس سوى خيال ويكسر قلبها مرة أخرى، فاختارت الغياب بالخيال والاستمتاع بذلك الحديث.
لكن فجأة صمت الحديث.
في ذلك الوقت خرج ناصر وهمس من الغرفة.
اقترب كارم من همس وقام بوضع يده على كتفها قائلاً بتطمين:
"أكيد مرات عمي مش هتستسلم وهتقوم بالسلامة."
ردت همس ببسمة طفيفة قائلة:
"يارب."
تحدث كارم:
"همس إنتي حامل ولازمك راحة."
رد ناصر:
"فعلاً، أكيد هنا في المستشفى دكاترة نسا."
ردت همس:
"أنا كويسة جدًا، بلاش قلق زايد، هو بس إرهاق السفر."
رد ناصر:
"طب تمام، كارم خد همس وهدى كمان وروحوا دار العراب."
ردت هدى:
"لأ، أنا هفضل هنا لحد ماما ما تفوق."
رد ناصر:
"مالوش لازمة وجودك هنا يا هدى، أنا موجود وأول ماما ما تفوق هتصل عليكم تجوا فورًا، سمعتي الدكتور بنفسك قال إنها كانت شبه جلطة والحمد لله قدر ولطف، وكمان عشان ناصر الصغير جدتك مش هتقدر ترعاه لوحدها."
تعجبت همس قائلة:
"وحدتي ترهى ناصر ليه لوحدها؟ هي مش سلسبيل معاها في الدار."
نظرت هدى ل ناصر ثم قالت:
"لأ، ده مصيبة تانية، هي السبب في اللي جرى لماما. خلينا نرجع للدار زي بابا ما قال عشان ناصر، وكمان عندي فضول أعرف إنك إزاي لسه عايشة لحد دلوقتي، أكيد جدتي هتتفاجئ لأن كلنا مفكرين إنك..."
صمتت هدى.
بينما قالت همس:
"مش كلكم يا همس، جدتي عارفة إني لسه عايشة، أو بمعنى أدق هي السبب إني لسه عايشة."
ردت هدى:
"تمام، احكي لي في السكة."
ردت همس:
"الأول أعرف فين سلسبيل وليه هي السبب في تعب ماما."
رد ناصر:
"خدهم يا كارم وعربيتي في جراج المستشفى، المفاتيح أهي. لو فضلوا يسألوا بعض مش هيتحركوا من هنا، بناتي وأنا عارفهم."
تبسم كارم قائلاً:
"حاضر يا عمي، هوصلهم للدار وأرجع لك تاني."
رد ناصر:
"لأ، ارتاح إنت كمان جاي من سفر على هنا، معايا نظيم."
رد كارم:
"أنا اتعرفت عليه وأنتم في الأوضة، واضح إن لك معزة خاصة عنده."
تبسم نظيم قائلاً:
"عم ناصر له فضل كبير عليا، يمكن سبب رئيسي إن مستقبلي يتبدل للأفضل."
نظرت هدى ل نظيم بإعجاب.
لاحظت همس ذلك.
بينما قال كارم:
"تمام، هاخد أنا البنات للدار، مش يلا."
سارت هدى وهمس، أمام كارم.
لكن التفت همس ل ناصر قائلة:
"أول ما ماما تفوق اتصل علينا يا بابا."
تبسم لها ناصر بإيماءة.
بعد دقائق، في مكان جلوس ناصر ونظيم، شعر حماد بالغيظ بسبب مكث نظيم معه قائلاً بلهفة مصطنعة:
"أنا يا دوب لسه عارف من ماما إن مرات خالي هنا في المستشفى وكمان اللي حصل مع سلسبيل، احتارت أروح فين. جيت لهنا أطمن على مرات خالي الأول وكمان هدى هي فين."
رد ناصر:
"هدى روحت مع كارم ومراته من شوية صغيرين، ونهلة هتبقى خير، وسلسبيل قماح معاها. مكنش له لازمة تسيب الشغل وتيجي لهنا، محمد مش هيعرف يمشي الشغل كله لوحده."
رد حماد:
"ما أنا هرجع له تاني، بس قولت لازم أطمن على مرات خالي وهدى. هو كارم رجع امتى."
رد ناصر:
"لسه واصل من شوية، وبلاش أسئلة كتير، اطمن ودلوقتي ارجع تاني للشغل، مش عاوز أي عطلة."
شعر حماد بالبغض ناحية ناصر وهو يظهر أنه لا أهمية لمجيئه إلى المشفى، وزاد هذا البغض حين رأى الانسجام بين ناصر وذلك الدخيل نظيم.
لكن مهلاً، العبرة بالنهاية، وبالنهاية هدى له هو.
***
بمنزل والد زهرت
دخلت قدرية تجر أقدامها غصبًا.
ذهبت قبل قليل إلى دار العراب لتتشفي وتشمّت بهم.
عادت بحسرة كبيرة بعدما رأت ولدها بهذا المنظر المفجع.
ومن السبب في هذا ابنة أخيها التي ساندته في زواجه منها.
ليت تلك الحقيرة تظهر أمامها الآن، ستقطعها قطعًا.
ألقت بجسدها على مقعد بردهة المنزل.
منظر صراخ وهيستيريا رباح كأنه مازال أمام عينيها.
في تلك اللحظة سمعت صوت فتح باب المنزل.
نظرت أمامها، كأنها رأت الشيطان.
أجل، هي الشيطان بحد ذاته.
نهضت قدرية على ابتسامة تلك الخبيثة التي دخلت ترسم البراءة قائلة:
"ربنا انتقم لك يا عمتي من دار العراب، سمعت إن سلسبيل اتقبض عليها وأمها بين الحياة والموت."
اقتربت قدرية من زهرت وقالت بغضب شديد:
"وإنتي هنتقم منك إزاي يا فاجرة."
قالت قدرية هذا وصفعت زهرت صفعة غل قوية كاد أن يختل توازنها.
صدمت زهرت وقبل أن تتحدث، جذبتها قدرية من وشاح رأسها قويًا قائلة:
"عاوزة تموتي رباح يا فاجرة، خليتيه مدمن، ده آخرة إنه شفق عليكي وإنتي متستهليش في سوق النسوان."
صدمت زهرت مرة أخرى.
حاولت سلت رأسها من يد قدرية، بالفعل نجحت في ذلك وانسلت وشاح رأسها في يد قدرية، وابتعدت عنها تقول بلهث وبجاحة:
"بتخرفي تقولي إيه؟ رباح أنا سيباه في الشقة قبل ما آجي لهنا."
اقتربت قدرية منها مرة أخرى وصفعتها قائلة:
"فاجرة... رباح النبوي خده لمصحة علاج."
صدمت زهرت وارتعشت قائلة:
"كذب، أنا..."
لم تكمل زهرت حين شعرت بخدر في صدرها بسبب صفعة قدرية.
صفعتها قدرية أكثر من صفعة قوية، مما جعل زهرت تدافع عن نفسها من صفعات قدرية، التي نسيت أن زهرت حامل.
خشيت زهرت على حملها ورفعت يدها تحاول مسك يد قدرية، لكن قدرية تملك منها الغل، لم تقدر زهرت مسك يدها، فوضعت يديها حول عنق قدرية التي بدأت قوتها تخور بسبب طبق يد زهرت على رقبتها، فقامت بوضع يديها فوق يدي زهرت التي فوق عنقها تحاول فكها، لكن زهرت أمامها الشيطان تظن أنها تدافع عن نفسها.
تهدئ من معافرة قدرية معها.
نفذ الأمر، قدرية انتهت معافرتها، تركت زهرت يديها من حول عنق قدرية، التي سقطت أرضًا في الحال لا تحرك ساكن.
فاقت زهرت وانهار عقلها وجثّت أرضًا تحاول إفاقة قدرية، لكن لا جدوى.
ارتابت زهرت ونظرت حولها، لا أحد بالمنزل.
حسمت أمرها وخرجت سريعًا تغلق باب المنزل خلفها، تنظر بريبة وهي تسير في الشارع.
***
بشقة خاصة
وضعت سلسبيل رأسها على صدر قماح، خانتها دمعة عيناها قائلة:
"مكنش لازم تهربني، كده ممكن يثبت عليا التهمة، أنا خايفة براءتي متظهرش."
ضم قماح جسد سلسبيل بين يديه قويًا.
ضمته سلسبيل قويًا، ثم ابتعد عنه ووضعت يدها على صدرها.
انخض قماح قائلاً:
"سلسبيل مالك، إنتي تعبانة."
ردت سلسبيل:
"لأ، أنا مش تعبانة، أنا حاسة بشيء جاثم على قلبي، يمكن خوف وكمان إني أول مرة أبعد عن ناصر الوقت ده كله. قماح لو براءتي مظهرتش ورجعت تاني للسجن..."
لم تكمل سلسبيل الكلمة حين قاطعها قماح بقُبلة عاشقة، ثم ترك شفتيها قائلاً:
"مش هتدخلي السجن يا سلسبيل، ولو حكمت ههربك خارج مصر ونعيش هناك سوا."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"وناصر ابني."
رد قماح:
"هتصل لك ع الدار وهنكلمهم فيديو يا سلسبيل عشان تطمني، بس أرجوكي كفاية دموع وخوف، فين قوة حفيدة الحجة هداية."
ردت سلسبيل:
"قوتي عملت لي إيه؟ ورطتني في قضية قتل، الله أعلم هخرج منها ولا..."
وضع قماح يده على فم سلسبيل وقال:
"بلاش تشاؤم، خلينا نكلم جدتي في الدار."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"ما نكلم ماما."
رد قماح بتوّيه، فهو علم عن مرض زوجة عمه منه حين اتصل عليه سابقًا، لو أخبر سلسبيل الآن سيزيد من سوء ما تشعر به:
"مرات عمي زمانها مشغولة في شغل البيت، وفيها إيه جدتي ولا مرات عمي أي واحدة منهم تسد."
ردت سلسبيل:
"معرفش ليه قلقانة على ماما، بس خلينا نطمن على ناصر."
بالفعل اتصل قماح على هاتف جدته التي لم ترد عليه، مما زاد القلق لدى سلسبيل، فعاود قماح الاتصال مرة أخرى، هذه المرة قامت جدته بالرد عليه.
تحدثت سلسبيل بلهفة:
"جدتي افتحي كاميرا الموبايل، ليه مردتيش من أول مرة."
تماسكت هداية قائلة:
"ما إنتي عارفة يا بتي الموبايل ده مش بعرف أفتحه وأتكلم فيه، ده واحدة من الشغالات اللي فتحته ليا."
ردت سلسبيل:
"وماما فين؟ مخلتهاش تفتحه ليه."
ردت هداية:
"نهلة مش هنا، بعتها تشتري شوية طلبات للدار، كانت قلقانة عليكي جوي، جولت أشغل عقلها."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"وناصر عامل إيه."
ردت هداية:
"ناصر زين وكان نايم وصحى أهو ع صوت الموبايل، استنى هنادي ع الشغالة تيجي تفتح الكاميرا بتاعة الموبايل."
بالفعل رأت سلسبيل صغيرها نائم على الفراش يبكي، شعرت بسوء قائلة:
"بيعيط قوي كده ليه."
كذبت هداية قائلة:
"هو كان نايم ويظهر اتفزع من صوت الموبايل لما رن وأنا كنت قاعدة جنبه ع السرير... اطمني عليه يا بتي."
ردت سلسبيل:
"لو براءتي مظهرتش ناصر أمانتك إنتي وماما يا جدتي."
ردت هداية:
"لاه متقوليش كده، ربنا هيظهر الحق وهتعودي لولدك، ربنا ما يحرمه من حضنك."
في ذلك الوقت قال قماح:
"كفاية كده يا سلسبيل."
نظرت سلسبيل لكاميرا الهاتف تنظر لصغيرها بلوعة وهو يبكي بعيدًا عنها قائلة بتمني:
"يارب يا جدتي ادعي لي وإنتي بتصلي، ربنا يظهر الحق."
أغلقت سلسبيل الهاتف وأعطته لقماح الذي ضمها قائلاً:
"أعرف سبب الدموع دي إيه، أهو إنتي اطمنتِ على ناصر المشاكس، صحي من النوم ودلوقتي هيطلع عين جدتي."
ردت سلسبيل ببسمة رغم ذلك الشعور السيء الذي يختلج بصدرها وتقاومه.
***
بدار العراب
تحدثت هداية للخادمة بعد أن أغلقت الهاتف قائلة:
"فين الرضاعة اللي جلتلك حضريها لـ ناصر."
مدت الخادمة يدها بزجاجة حليب خاصة بالأطفال قائلة:
"أهي الرضاعة يا حجة هداية حضرتها بس لسه سخنة شوية على ما تبرد، ربنا يرجع الست نهلة هي اللي كانت بتعرف تجهزها حسب طلبه."
آمنت هداية قائلة:
"آمين، روحي إنتي كملي شغلك... وأنا هستنى شوية ع الرضاعة ما تبرد."
في ذلك الوقت دخلت هدى إلى غرفة هداية التي قالت لها بلهفة:
"نهلة بقت زينة."
ردت هدى بحزن:
"ماما لسه مفوقتش يا جدتي، بس أنا جيت عشان ناصر وكمان معايا..."
نظرت هداية لمن دخلت خلف هدى قائلة:
"مين... همس!"
تبسمت همس وازالت النقاب عن وجهها.
بينما دخل كارم خلفهن يقول:
"أيوا يا جدتي همس رجعت تاني دار العراب."
اقتربت همس من جدتها التي جذبتها لحضنها قائلة:
"بكده دار العراب هيرجع لها روحها من تاني."
ردت همس:
"يارب يا جدتي، ربنا يظهر براءة سلسبيل وكمان ماما ترجع بالسلامة."
تعجبت هداية، لكن قال كارم لها:
"هدى حكت لنا عن اتهام سلسبيل بقتل نائل، وسبب رجوع همس هو مرات عمي، لما كانت همس بتكلمك ع الموبايل ردت عليها مرات محمد وقالت لها إن مرات عمي أغمى عليها فجأة."
نظرت هداية ل همس بعتاب قائلة:
"كان لازم حد منا يجراله حاجة مش زينة عشان ترجعي يا همس."
انحنت همس تقبل يد جدتها قائلة بدموع:
"كان غصب عني، بس خلاص يا جدتي أنا رجعت تاني لداري."
***
ليلاً
بغرفة كارم بشقة والده قبل زواجه وسفره.
وضع إحدى الوسائد خلف ظهر همس التي قالت:
"تعرف إن دي أول مرة أدخل أوضتك... حلوة صورتي اللي متعلقة ع الحيطة دي، إمتى صورتها لي."
تبسم كارم قائلاً:
"مش فاكر صورتها لك إمتى، وعارف إن دي أول مرة تدخلي أوضتي، للأسف شقتنا هنا مش جاهزة بسبب إننا جينا فجأة."
ردت همس:
"ماما كانت بتمنع أي واحدة فينا تدخل أي أوضة واحد من أولاد عمي، حتى أوقات مكنتش بتسمح لنا ندخل شقة عمي النبوي من أساسه، كانت تقول لنا دول شباب وأنتم بنات."
تبسم كارم يقول:
"مرات عمي كانت شديدة معاكم شوية، بس في دي كان عندها حق."
تبسمت همس بدمعة قائلة:
"نفسي بابا يتصل يقول ماما فاقت."
حاول كارم صرف القلق عن همس قائلاً:
"حتى لو عمي اتصل وقال مرات عمي فاقت، انسى إنك تسيبيني حضني الليلة."
قال كارم هذا وحضن همس التي تبسمت قائلة:
"عمي النبوي فين من وقت ما رجعنا لحد دلوقتي مشفتوش، لا هو ولا رباح ولا زهرت على رأي سميحة. سميحة دي طلعت لطيفة قوي."
رد كارم:
"أنا كمان مستغرب، بس الظروف منعتني أسأل. يا خبر بفلوس، بقولك إيه أنتي لازم تنامي بقى كفاية كده."
ردت همس:
"ومنين يجي النوم؟ أنا من وقت ما دخلت النهارده وأنا حاسة إن دار العراب مفيهاش روح، يمكن المرة اللي فاتت لما دخلتها يوم زفاف سلسبيل حسيت فيها روح عن النهارده."
رد كارم:
"هترجع الروح تاني لـ دار العراب زي ما رجعت لها هاميس من تاني."
***
بشقة محمد
خلعت سميحة ذالك المئزر من عليها وصعدت جوار محمد على الفراش تقول بتعجب:
"أنا لغاية دلوقتي مش مصدقة حكاية همس بنت عمك وإزاي إنها رجعت من الموت."
رد محمد:
"هتصدقيني لو قولتلك وأنا كمان، اتفاجئت إن همس لسه عايشة، لأ والمفاجأة الأكبر إنها تبقى مرات كارم اللي كنت كل ما أسأله عليها يتوه في الكلام... حتى مكنتش بتكلمني خالص."
ردت سميحة:
"بس كلمتني كذا مرة وكانت بتسألني ع هدى وسلسبيل، وأنا كنت بجاوب عليها وأقول إنهم أهل جوزها وبتطمن عليهم، بس في مرة اتكلمت عنها قدام هدى قالت لي إنها مش بتكلمها لا هي ولا سلسبيل، بصراحة وقتها قولت يمكن مسألة راحة نفوس."
تبسم محمد:
"وإنتي مين اللي نفثه مترتحش ليكي يا ثموحتي، كفاية روحك الحلوة، ووقفتك جنب هدى في المستشفى كأنك أختها، وكمان جدتي قالت لي إنك اهتميتي ع قد ما تقدري بـ ناصر."
تبسمت سميحة تقول:
"أنا بحس مع هدى وسلسبيل براحة، إنهم زي أخواتي، حتى مرات عمي نهلة بحسها من نوعية ماما، عاوزة تعيش في سلام مع اللي حواليها عكس..."
صمتت سميحة.
بينما شعر محمد بغصة وهو يعلم أنها كادت تذكر والدته ومعاملتها السيئة لها، رغم ذلك تتحملها ولا تشتكي له منها، قائلاً باستفسار:
"عكس مين، سكتي ليه."
خاب ظن محمد من رد سميحة:
"عكس زهرت وكذبها واللي حصل لـ رباح بسببها. تعرف يا محمد أنا بحس إني نحس ع دار العراب، زي زهرت ما كانت بتقولي."
رد محمد:
"لو في نحس صاب دار العراب فهو زهرت نفسها بشرها اللي وصلت له... إنتي أحسن حاجة دخلت دار العراب، كفاية رجوع همس بنت عمي، ومتأكد سلسبيل هتظهر براءتها ومرات عمي هترجع تاني وتفرح برجوع همس."
قال محمد هذا وصمت ينظر ل سميحة بمكر قائلاً:
"وبعدين يا لدوغتي كفاية رغي ع غيرنا، خلينا في نفسنا، أنا هلكان طول اليوم الشغل كله عليا لوحدي ومحتاج مساج وكنت بفكر أحجز في أي جيم في تدليك. سمعت عن جيم فاتح جديد بيقولوا فيه بنات روسيات بيعملوا مساج يفك العضم."
نظرت سميحة ل محمد قائلة:
"هما الروسيات دول هيحتلوا مصر ولا إيه، مرة رقصات، ودلوقتي بيعملوا مساج كمان يفك العضم، وإنت إيه اللي أعرفك، أوعى تكون جربت من ورايا..."
قالت سميحة هذا ونهضت ترتكز على ساقيها قائلة:
"عارف يا محمد لو في إيد ست غيري لمست جسمك أنا هقطع لها إيديها الاتنين من عند رقبتها."
تبسم محمد قائلاً بغمز:
"ودي غيرة بقى ولا إيه."
شعرت سميحة بالخجل وأمسكت خصلات شعرها تضعها خلف أذنيها قائلة:
"مش غيرة ولا حاجة بس..."
"بس.."
ضحك محمد يقول:
"بث، بث إيه يا لدوغتي اعترفي إنك غيرتي عليا."
ردت سميحة بخجل:
"مش غيرة عادي وبطل غمز بعينك بقى."
تبسم محمد وجذب سميحة عليه قائلاً:
"أنا في لدغة دخلت حياتي شقلبتها من أول نظرة ونفسي بلدغة تانية منها تكمل فرحتي."
تنهدت سميحة بشوق قائلة:
"وأنا كمان نفسي في بيبي يكمل سعادتي معاك يا محمد."
***
بتلك الشقة
التي بها سلسبيل.
نهضت سلسبيل من جوار قماح، وتسحبت بهدوء وأبدلت ثيابها وخرجت من الغرفة وكادت تخرج من الشقة، لولا سماعها لقول قماح:
"على فين يا سلسبيل."
استدارت سلسبيل له قائلة:
"هروح أسلم نفسي للشرطة يا قماح، تهريبك ليا كان غلط وهيثبت عليا الجريمة."
اقترب قماح من سلسبيل قائلاً:
"سلسبيل بلاش تعصبيني، عاوزة تعرفي إيه اللي كان هيحصلك لو مكنتش هربتك... مكنتيش هتباتي الليلة عايشة، والد نائل كان مرتب في سجن الترحيلات اللي يقتلوكِ... ورفض استلام جثة نائل وقال لي مش هيدفنه قبل ما يدفن اللي كانت السبب في موته."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"بس مش أنا اللي قتلته."
رد قماح:
"بس إنتي المتهم الأول قدامه، سلسبيل أنا متأكد إن هند معاها دليل براءتك، أو على الأقل ممكن تكون مشاركة في قتل نائل."
انصدمت سلسبيل قائلة:
"مستحيل، إنت هتقول زي عمي."
رد قماح:
"حتى لو مش مشتركة في قتله بإخفائها أدلة ممكن تفيد في كشف القاتل، فهي بكده بتوالي عالقاتل الحقيقي... ارجعي يا سلسبيل وبلاش عند."
وضعت سلسبيل يدها على صدرها قائلة:
"عندي إحساس سيء يا قماح معرفش ليه، حاسة إن ناصر ابني هيصيبه سوء وأنا بعيد عنه."
ضمها قماح قائلاً:
"أكيد إحساس غلط بسبب الظروف اللي إنتي فيها وإنك أول مرة تبعدي الفترة دي عن ناصر، بلاش تسلمي للأوهام."
ضمت سلسبيل قماح قائلة بتمني:
"ياريت تكون أوهام."
***
سطع نور نهار جديد، ربما مع شروق الشمس تشرق براءة.
بمنزل رجب السنهوري.
تحدث رجب إلى من يحدثه على الهاتف بغضب:
"إزاي البضاعة اللي في السرداب انسرق منها جزء، أقفل دلوقتي وأنا هبقى أجي أشوف الأمر ده بعدين، عندي الأهم دلوقتي."
أغلق رجب الهاتف ونادى بعصبية على هند التي أتت له وقال بغضب:
"عاوزك تفرغي كاميرات السرداب اللي فيه البضاعة، واحد من الرجالة بيقول لي إن في جزء ناقص."
تعجبت هند قائلة:
"ومين الخاين اللي مستغني عن حياته."
رد رجب:
"أكيد واحد من اللي بيشتغلوا في المخزن ده استغل قتل نائل."
بنفس الوقت صدح هاتف رجب، فرد عليه، زاد فوران عقله وألقى هاتفه بعصبية شديدة على الأرض ليتهشم الهاتف إلى شظايا.
قالت هند باستفسار قائلة:
"خير يا بابا."
رد رجب:
"وهيجي منين الخير عالصبح، سلسبيل هربت وهما بيرحلوها ع السجن امبارح."
ذهلت هند قائلة:
"إزاي عرفت تهرب."
رد رجب:
"أكيد قماح هو اللي هربها."
ارتبكت هند قائلة:
"بس بهروب سلسبيل كده بثبت عليها القضية، ده غباء من قماح."
لاحظ رجب ارتباك هند وقال:
"لأ مش غباء من قماح، ده تحدي، ومالك ارتبكتي كده ليه؟ ولا تكون سلسبيل زي ما بتقول إنها مش القاتلة، وإنتي بسبب غيرتك بتوالي عالقاتل الحقيقي."
ردت هند بمحاولة ثبات:
"مش ارتبكت ولا حاجة يا بابا، وغلطان هبقى عارفة مين اللي قتل أخويا وأوالي عليه."
نظر لها رجب قائلاً:
"تمام، روحي المخزن شوفي الكاميرات بتاع السرداب واعرفي مين اللي اتجرأ وسرق جزء منها."
غادرت هند بسرعة اجتنابًا لعصبية والدها، لكن فكرت قبل الذهاب إلى المخزن عليها الذهاب إلى مكان آخر الآن.
***
بالشقة الموجودة بها سلسبيل.
كانت تضع رأسها على صدر قماح شاردة، بينما قماح كان ينظر لها بألم.
في ذلك الوقت صدح رنين هاتف قماح.
انخضت سلسبيل وابتعدت عن صدر قماح، قائلة:
"مين اللي بيتصل عليك، إنت إزاي سايب موبايلك مفتوح."
رد قماح:
"مالك اتخضيتي كده ليه... وعادي هقفل موبايلي ليه."
ردت سلسبيل:
"علشان بسهولة ممكن الشرطة تتبع إشارة موبايلك وتعرف مكاني."
رد قماح بمراوغة:
"وفيها إيه أما الشرطة تعرف مكان هروبك، مش من كام ساعة كنتي تتسحبي وعاوزة تروحي تسلمي نفسك."
نظرت له سلسبيل صامتة.
بينما قال قماح بتلاعب:
"هرد ع الموبايل وبعدها نتكلم، ومش كويس الموبايل يرن كتير كده ممكن يخلي الشرطة تعرف الإشارة أسرع."
قال قماح هذا وهو يبتسم وقام بفتح الخط ليسمع:
"ارجع بمدام سلسبيل خلاص معايا دليل براءتها."
تبسم قماح وهو ينظر إلى سلسبيل قائلاً:
"قولت لك إني واثق من براءة مدام سلسبيل."
رد عليه الآخر قائلاً:
"بس اعمل حسابك في غرامة مالية كبيرة قصاد تهريبك لمدام سلسبيل، أنا مكنتش موافق."
رد قماح:
"قولت لك جاهز لأي غرامة مالية مهما كانت كبيرة، ساعة وأكون عندك في النيابة بـ مدام سلسبيل."
رواية عش العراب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سعاد محمد سلامه
بمركز خاص لعلاج الإدمان، تعذب قلب النبوي إلى ما وصل إليه رباح، الذي يراه يصرخ من خلف ذلك الزجاج الموضوع بالغرفة. يضع يديه على رأسه ويتحدث، يتوسل أن يدخل إليه أحدًا يعطيه أي مسكن يخدر ألم رأسه الذي يشعر أن رأسه تكاد تنفجر من شدة الألم، كان يضرب رأسه بحوائط الغرفة.
تدمعت عين النبوي وهو ينظر للطبيب قائلاً:
حاول تساعده بأي مسكن.
رد الطبيب:
مقدرش أديه أي علاج يسكن الألم ده، أبقى بكده بضره، لازم مفعول الدوا يطلع من جسمه، هي نوبة هيجان ولما هيشعر بالإنهاك هيهدى بعدها. وخلاص نوبة الهيجان تقريباً خلصت وجسمه هيسترخي.
تدمعت عين النبوي لائمًا نفسه، أين كان وابنه يغرق في ذلك الطوفان، لكن لم يفت الوقت، رباح سيتعالج ويعود أفضل، لن يتركه مرة أخرى لأحد غيره يسمم أفكاره.
***
بمنزل والد زهرت.
اجتمع الناس على صريخ عطيات، ومنهم من كسر باب المنزل ودخل مباشرة إلى الغرفة التي يأتي منها الصريخ. دُهشوا حين وجدوا قدرية ممدة على الفراش عينيها جاحظتين، وعطيات تصرخ وتنوح، بتمثيل.
البعض منهم شك في الأمر بسبب جحوظ عيني قدرية الواضح، والبعض حاول تهدئة عطيات التي امثلت لهن سريعاً وقالت بصعوبة:
دخلت عليها أصحيها لما استغبتها لقيتها متمددة كده، جسمي ساب مني.
البعض صدق الكذبة وقامت إحداهن بتلثيم جثمان قدرية ووضعت وشاحًا أبيض يخفي جحوظ عينيها، وقالت إحداهن:
لازم نبعت خبر لدار العراب، لازم ولادها يعرفوا إن أمهم ماتت لوحدها، لا حول ولا قوة إلا بالله.
بالفعل وصل الخبر لدار العراب واستقبلته سميحة، التي بدورها اتصلت على محمد ولم تخبره أن والدته قد توفيت، بل قالت له أنها مريضة. ما هي إلا دقائق وكان محمد يدخل بطبيب معه.
حين رأت عطيات الطبيب مع محمد ارتاعت من الخوف وقالت:
مالوش لازمة الدكتور، عمتي قدرية في ذمة الله، ربنا يحسن ختامها.
صُدم محمد قائلاً:
مستحيل، فين ماما؟ وسع خلي الدكتور يدخل يكشف عليها.
قال محمد هذا وأبعد عطيات عن الباب، ودخل ومعه الطبيب وخلفهم سميحة التي تبكي. ربما لم تعاملها يومًا بمحبة، لكن طبيعة القلوب تتغلب على المشاعر في هذا الوقت.
صُدم محمد وهو يرى جسد والدته مربوطًا بمجموعة أربطة، كذلك عينيها. أيقن أن ما يقولونه صحيح، والدته توفيت. حتى الطبيب الذي اقترب منها ووضع يده على عرقها النابض أكد ذلك، لكن رأى علامة تلك الأصابع، فقام بإزالة الوشاح عن عين قدرية قائلاً:
أنا مقدرش أطلع تصريح بالدفنة، أنا عندي شك كبير إن الوفاة مش طبيعية، جحوظ العين وكمان فيه علامات صوابع على رقبتها.
ارتعشت عطيات برجفة قائلة:
قصدك إيه يا دكتور، حد قتلها.
رد الطبيب:
وارد جدًا، متأسف، لازم أبلغ الطب الشرعي.
ذهل محمد وسميحة وهما ينظران إلى عطيات التي قالت بهستيريا:
والله ما لمستها، أنا دخلت أصحيها لما بقينا بعد الضهر.
بينما عطيات ترتجف، فهي تعلم أنها كاذبة. هي حين عادت بالأمس ودخلت إلى المنزل تفاجأت بقدرية ممدة على الأرض، تنام وجهها مدفوسًا بالسجادة. ظنت أنها ربما مرضت فجأة، فأسرت إليها وقلبتها على وجهها لتتفاجأ بعينيها الجاحظتين. كادت تصرخ لكن انكتف صوتها خوفًا أن يتهمها الناس بقتلها، فالحال أتى إليها فكرة. قامت بسحب قدرية إلى أن أدخلتها إلى غرفتها بعد عناء، ثم وضعت على فراشها وقامت بتغطية جسدها. وذهبت إلى الصالة وعدلت كل شيء وهي تفكر فيمن فعل ذلك بعطيات. أتكون انتحرت؟ هكذا ظنت في البداية، لكن تذكرت أن زهرت كانت ستأتي إلى المنزل، ربما تشاجرت مع قدرية بالفعل، هذا هو التفسير المنطقي، وأكد ذلك فردة ذلك الحلق التي وجدتها على الأرض.
ماذا تفعل الآن؟ اهتدى عقلها لافتعال تلك القصة أن قدرية ماتت وهي نائمة. لكن كما يقولون، لا فرار من العقاب.
طاوع محمد الطبيب وأراد معرفة سبب موت والدته، أهو قدر أم جناية.
***
بالشقة الموجودة فيها سلسبيل.
وقفت تنظر لقماح متعجبة وهو ينهي حديثه على الهاتف، يبتسم هو الآخر وهو يضع هاتفه بجيبه. ولم ينتظر كثيرًا وقام بجذب سلسبيل من خصرها يضمها لصدره هامسًا جوار أذنها:
برائتك ظهرت يا سلسبيل.
عادت سلسبيل برأسها للخلف تنظر لوجه قماح المبتسم، وقبل أن تتساءل جاوب قماح:
خلينا نروح النيابة وبلاش نتأخر، وكيل النيابة في انتظارنا.
ردت سلسبيل بتعجب:
أنا مش فاهمة حاجة يا قماح! برائتي ظهرت إزاي، ووكيل النيابة إزاي بيكلمك بالبساطة دي!
وضع قماح يديه حول وجه سلسبيل، قائلاً:
بلاش أسئلة كتير، ادخلي غيري هدومك دي وخلينا نروح النيابة، وقتها هتلاقي الرد على أسئلتك كلها.
قال قماح هذا ونظر لوجه سلسبيل المشدوه وحاول المزح قائلاً:
ولا عاوزاني أساعدك في تغيير هدومك.
نظرت له سلسبيل قائلة:
لأ، هدخل أغير هدومي ونروح النيابة، عندي فضول أعرف عملت إيه وإزاي برائتي ظهرت بالسرعة دي.
جذبها قماح إليه بقوة وقام بتقبيل شفاها بروية، ثم ترك شفاها هامسًا:
أنا بقول تروحي تغيري هدومك عالسريع قبل ما نلاقي النائب العام طابب علينا هنا، لأن بسهولة ممكن يحدد العنوان من إشارة الموبايل.
***
بالمشفى.
دخل الطبيب سريعًا إلى داخل الغرفة الموجودة بها نهلة.
نهض ناصر ونظيم بخضة ودخلا إلى الغرفة خلف الطبيب.
برجفة، لكن تفاجأ الاثنان بـ نهلة تفتح عينيها.
تبسم ناصر بلهفة واقترب منها ينظر إلى عينيها الواهنة. سمع قولها الهامس:
همس، سلسبيل هدى.
تبسم لها بينما قال الطبيب ببسمة:
أهلاً برجوعك مرة ثانية يا مدام.
لم ترد نهلة على الطبيب، عينيها مُنصبتان تنتظر جواب ناصر أن يخبرها عن سلسبيل ما يشرح صدرها.
بينما أكمل الطبيب حديثه:
المدام هتتنقل لغرفة عادية بس ممنوع الإزعاج، ياريت الزيارات تبقى خفيفة وبلاش يبقى فيه زحام في الأوضة. ومرة ثانية حمد الله على السلامة يا مدام. سيد ناصر ممكن لو سمحت تيجي معايا مكتبي لدقائق على ما ينقلوا المدام لأوضة عادية.
بعد قليل.
وقف نظيم أمام أحد الغرف المجهزة. بيدُه الهاتف ينظر له حائرًا، أيتصل على هدى يبشرها أن والدتها قد فاقت، أم ينتظر أن يتصل عليها والدها ويخبرها. ظل حائرًا.
لكن شعر بيد توضع على كتفه من الخلف.
استدار ليرى ناصر.
يبتسم ناصر قائلاً:
أنا كنت في مكتب الدكتور المتابع لحالة نهلة وقال لي إن حالة نهلة الحمد لله شبه مستقرة وزمانهم خلصوا نقلها لغرفة عادية. شكراً لوقفتك معايا يا نظيم.
رد نظيم:
الحمد لله، ربنا يتمم شفاها على خير، وأنا مستحقش الشكر، أنا معملتش حاجة، جميلك سابق عليا. وأنا من يوم سميحة أختي ما اتجوزت من محمد أنا بعتبر أي فرد من عيلة العراب من أهلي وله حق عليا.
تبسم ناصر له قائلاً بحبور وإعجاب:
اتصل على هدى يا نظيم وبشرها إن نهلة فاقت وقولها تيجي وتجيب همس معاها.
لمعت عين نظيم وأومأ له برأسه قائلاً بربكة:
حاضر، هطلع أتصل عليها من الجنينة عشان الدكتور قال بلاش إزعاج، وكمان هكلم ماما أطمن عليها.
بينما في نفس الوقت قبل أن يرد ناصر عليه، أتى إليه اتصال هاتفي. نظر لشاشة الهاتف قائلاً:
ده قماح، هرد عليه، وأنت اطلع للجنينة كلم هدى، وسلم لي على مامتك.
رد ناصر على قماح واستمع لما قاله له وانشرح قلبه قائلاً:
الحمد لله إن براءة سلسبيل ظهرت، ونهلة كمان الحمد لله فاقت.
بعد لحظات.
بغرفة خاصة بالمشفى.
خرجت الممرضة بعد أن أعطت لـ نهلة بعض الأدوية. تبسم ناصر وهو يدخل إلى الغرفة واقترب من فراش نهلة.
نظرت له نهلة قائلة:
سلسبيل.
رد ناصر ببسمة:
اطمني يا نهلة، لسه قافل الموبايل مع قماح وقال لي إن سلسبيل براءتها ظهرت وهيعملوا إجراءات خروجها من النيابة.
تنفست نهلة وتنهدت براحة قائلة:
الحمد لله.
جلس ناصر على الفراش وانحنى يُقبل يد نهلة قائلاً بعتاب:
كده يا نهلة تخضيني عليكي، قلبي كان هيوقف لما شوفتك وقعتي من طولك، مكنش لازم أسمع كلامك لما كنتِ بتقولي أنا كويسة، كان لازم أسمع لكلام البنات لما كانوا بيقولولي ماما محتاجة فحص طبي. صعب عليا أشوفك راقدة هنا و....
قطعت نهلة حديثه قائلة:
طول عمري ضعيفة، مش جديدة عليا يا ناصر.
ضم ناصر يد نهلة قائلاً:
عمرك ما كنتِ في نظري ضعيفة يا نهلة، بالعكس أنا كنت بستمد قوتي منك.
***
بدار العراب.
لم تستطع هدى النوم وهي تفكر فيما وصلت إليه حياتهم وشعرت بالسُهد من أول الليل. وكاد يأخذها الفكر إلى توقع الأسوأ، فقررت العبث بحاسوب حماد ربما تستطيع الوصول إلى فتح ذلك الملف. سطع النهار عليها وهي جالسة على الفراش لم تدرِ بالوقت. تنهدت بنرفزة قائلة:
إيه هو الملف مش عاوز يفتح ليه، الغبي حماد عامل عليه طلسم من الجان. بكده مبقاش قدامي طريقة غير إني أطلب مساعدة نظيم، أكيد هو عنده خبرة أكتر، ممكن كثر المحاولات تتلف محتوى الملف.
في ذلك الوقت صدح هاتفها برنين.
للحظة انخضت وخشيت أن ترى من المتصل عليها. استجمعت قوتها وفتحت الهاتف، رأت اسم نظيم. خفق قلبها بإحساسين. الإحساس الأول اللهفة، والإحساس الثاني والأصعب، التوجس خائفة أن ترد عليه تسمع ما يزيد من قلقها على والدتها. لكن تملكت نفسها وقامت بالرد لتسمع:
عمي ناصر قالي أتصل عليكي أقولك إن مامتك فاقت من الغيبوبة وكمان قولي لهمس وهاتيها معاكي لهنا بسرعة.
نهضت هدى من على الفراش قائلة بفرحة عارمة:
مسافة السكة، شكرًا يا نظيم.
نزلت هدى مسرعة إلى شقة عمها النبوي، وقامت برنين الجرس كثيرًا. فتح لها كارم. قالت له بتسرع وفرحة:
فين همس، عاوزة أقولها إن ماما فاقت.
تنهد كارم ببسمة:
الحمد لله.
ردت همس من خلف كارم بسعادة بالغة:
الحمد لله، هدخل أغير هدومي ونروح لها سوا، وإنتِ كمان اطلعِ غيري هدومك، ولا هتروحي المستشفى بيجامة السناجب دي.
نظرت هدى لنفسها وشعرت بالخجل من كارم، هي حقًا نائمة محتشمة لا تصف ولا تشف، كما أنها تربط رأسها بوشاح بطريقة عشوائية لكن يُخفي شعرها. هربت سريعًا دون حديث.
ضحكت همس، وكذلك كارم الذي قال:
هنزل آخد المفاتيح من السواق عشان أنا اللي هوصلكم.
تبسمت له همس وهي تشعر بريبة وترقب في رد فعل نهلة حين تراها أمامها وقالت له:
تفتكر رد فعل ماما هيكون إيه لما تلاقيني قدامها لسه عايشة.
ضم كارم همس قائلاً:
رد فعلها هتحس إن روحها رجعت لها تاني وهتقول... ها قد عادت هاميس مرة أخرى.
تبسمت همس على طريقة حديث كارم المازحة. فبأصعب الأوقات مزحة قد تعطي أملًا.
***
قبل قليل بمبنى النيابة العامة.
جلست سلسبيل أمام وكيل النيابة ومعهم بالغرفة المحامي الخاص بـ سلسبيل.
تبسم وكيل النيابة قائلاً:
مبروك يا مدام سلسبيل، برائتك ظهرت، دي أسرع براءة تظهر، بس طبعًا هروبك هو اللي سهل علينا طريق الوصول للحقيقة، بس ميمنعش إن قماح بيه اخترق القانون لما هربك.
ابتلعت سلسبيل ريقها قائلة:
ممكن أعرف إزاي ظهرت برائتي؟
رد النائب:
تمام، هقولك مختصر.
فلاش باك.
بعد أن أمر وكيل النيابة بتحويل سلسبيل إلى سجن على ذمة القضية. طلب قماح الدخول إليه. وافق وكيل النيابة على مقابلته.
دخل قماح إلى غرفة وكيل النيابة يصافحهُ معرفًا نفسه قائلاً بشكر:
أنا قماح العراب، بشكر لطفك إنك وافقت تقابلني.
صافحهُ وكيل النيابة بلطف:
مفيش داعي للشكر، أكيد مش طالب مقابلتي عشان تشكرني إني أمرت بحبس زوجتك، كده ممكن أفهم غلط.
رد قماح:
لأ، أنا طلبت مقابلتك عشان إنت الوحيد اللي تقدر تساعدني أثبت براءة مراتي من تهمة مدبرة ليها، طبعًا إنت عارف إن القتيل يبقى شقيق طليقتي والمتهمة هي زوجتي، وهي قالت في التحقيقات إن طليقتي بعتت لها رسائل تستغيث بها تساعدها وده مثبت في التحقيقات، غير أكيد حصل تعقب لرسائل موبايلها وفعلاً الرسائل أثبت إرسالها من طرف موبايل طليقتي، يعني فعلاً زوجتي كان وجودها في الشقة اللي اتقتل فيها شقيق طليقتي طبيعي إنها رايحة لمساعدتها.
رد وكيل النيابة:
للأسف مدام هند أنكرت إنها هي اللي بعتت الرسائل دي لأن موبايلها كان ضاع منها، حتى قدمت مستند يثبت كده، ده بلاغ منها محرر من كذا يوم إن موبايلها مفقود.
تفاجئ قماح وهو يأخذ ذلك المحضر وقرأه، بالفعل ذلك صحيح. تيقن قماح أنه كان هناك فخ مدبر. فقال بحنكة:
طب بكده الرسائل دي ممكن تكون دليل براءة زوجتي، إن اللي بعت الرسائل دي ممكن هو نفسه الشخص اللي قتل نائل.
رد وكيل النيابة:
فعلاً فكرت في كده، بس كمان وجود مدام سلسبيل في نفس المكان دليل إدانة ليها، وكمان إصرار أخت القتيل واتهامها لها دليل تاني.
زفر قماح نفسه قائلاً:
أنا بطلب منك مراقبة أخت القتيل لأني عندي يقين إن دليل براءة سلسبيل معاها، ومش بعيد تكون هي نفسها القاتلة وحبت تلفق الجريمة لـ سلسبيل نكاية فيها.
رد وكيل النيابة:
وارد جدًا مش بعيد، وأنا فعلاً أمرت بمراقبة كل أفراد عائلة القتيل، بس أرجع وأقولك موقف مدام سلسبيل صعب للغاية، لازم دليل قوي يبرهن إن اللي حصل كان فخ وإن القاتل شخص تاني، وعلى ما أعتقد إن الشخص ده قريب منكم.
رد قماح:
متأكد من كده، طب أنا عندي اقتراح ممكن يساهم في ظهور براءة زوجتي.
تساءل وكيل النيابة:
إيه هو الاقتراح ده؟
رد قماح:
إن سلسبيل تهرب.
تفاجئ وكيل النيابة قائلاً:
بتقول إيه! مش فاهم قصدك! إنت عاوز تهرب المتهمة!
رد قماح:
هو ده الحل الوحيد لأنه هيربك القاتل الحقيقي، وكمان فيه سبب تاني.
رد وكيل النيابة باستفسار:
وأيه هو السبب التاني كمان اللي عاوز تهرب المتهمة بسببه؟
رد قماح:
الحفاظ على حياة زوجتي، والد نائل بنفسه هددني إنه مش هيدفن ابنه قبل ما يقتل سلسبيل، وأظن النيابة بعتت له أنه يستلم جثة ابنه وهو رفض استلامها، وده يأكد كلامي، ومتأكد إنه هيكون زارع في السجن الاحتياطي حد من طرفه يتمم له المهمة.
رد وكيل النيابة:
متأسف، مقدرش أخالف القانون وأساعد في تهريب المتهمة، كل اللي أقدر اعمله إني ممكن آمن لها وجودها في السجن الاحتياطي.
رد قماح:
تفتكر فيه أمان في مكان فيه أسوأ أنواع البشر؟
رد وكيل النيابة:
مستحيل أخالف القانون وأساهم في شيء ضد مبادئي.
نهض قماح واقفًا يمد يده لمصافحة وكيل النيابة:
بشكرك مرة ثانية إنك سمحت لي من وقتك.
تأكد وكيل النيابة أن قماح سيقوم بتهريب زوجته فقال:
ممكن تديني رقم موبايلك.
تبسم قماح وهو يفهم سبب طلب وكيل النيابة لرقم هاتفه قائلاً بمراوغة:
أنا عندي كذا رقم على موبايلي بس ده الرقم اللي بديه للأشخاص المهمين.
قال قماح هذا وأعطى رقم هاتفه إلى وكيل النيابة وغادر وهو حاسم أمره بتهريب سلسبيل.
بالفعل بعد وقت كما توقع وكيل النيابة، أتى اتصال هاتفي يؤكد أن المتهمة قد هربت. أغلق الهاتف مبتسمًا، حدث مثلما توقع.
اتصل وكيل النيابة على هاتف قماح الذي رد عليه:
أكيد وصلك خبر هروب زوجتي؟
رد وكيل النيابة:
رغم إن ده ضد مبادئ القانون، بس أنا هستخدم روح القانون وأتغافل عن هروب زوجتك في حالة واحدة إن برائتها تظهر، بس وقتها هتدفع غرامة كبيرة جداً.
تبسم قماح قائلاً:
هي براءة سلسبيل تظهر وأنا مستعد أدفع أي غرامة.
أشاع وكيل النيابة خبر هروب سلسبيل ليصل الخبر إلى والد القتيل الذي بدوره نقل الخبر إلى هند. لم تشعر هند أنها مراقبة مما جعلها تخطئ.
صباح اليوم.
نزلت هند من سيارتها أمام السلم الخلفي للعمارة التي قتل أخوها بأحد شققها. صعدت عبر ذلك السلم الخلفي ووقفت أمام الباب الخاص بالشقة. قامت بإخراج ذلك المفتاح الخاص به وحاولت فتح الباب. لكن كان الباب صعب الفتح قليلاً فقامت بكسعه بقوتها، فانفتح الباب ودخلت إلى مطبخ الشقة، منه إلى داخل الشقة. لكن تفاجئت بوجود وكيل النيابة ومعه بعض الخبراء الجنائيين.
ادعى وكيل النيابة التعجب قائلاً:
إزاي قدرتي تدخلي للشقة مع أنها متشمّعة بالشمع الأحمر من يوم الحادثة.
ارتبكت هند قائلة:
دخلت من باب المطبخ.
رد وكيل النيابة بسؤال:
وياترى إيه السبب اللي خلاكي تيجي للشقة النهارده وتدخليها؟ أكيد حضرتك عارفة إن ممنوع تدخلي للشقة بدون إذن من النيابة إنها تفك الشمع الأحمر من على أبواب الشقة.
ردت بارتباك:
البواب، البواب اتصل عليا وقالي إن فيه ناس بيحاولوا يدخلوا للشقة، وأنا خوفت يكون المتهمة بعد ما هربت هي اللي بتحاول تدخل الشقة.
رد وكيل النيابة:
وعرفتِ منين إن المتهمة هربت وإنها هتحاول تدخل الشقة.
ردت هند:
خبر هروب القاتلة انتشر.
تنهد وكيل النيابة قائلاً:
تمام، بس كان الأولى كنتِ تبلغي النيابة أو حتى الشرطة باللي قاله لكِ البواب مش تيجي بنفسك وتدخلي الشقة وتتعدي على قرار النيابة بغلق الشقة، وكمان داخلة من باب الخدم مش الباب الرئيسي.
توترت هند من كثرة أسئلة وكيل النيابة وقالت بكذب:
أنا دوب حطيت المفتاح في الباب الخلفي فتح مباشرةً، أكيد مكنش متشمع بالشمع الأحمر. خوفت تكون القاتلة هنا ولما ألاقيني دخلت من الباب الرئيسي تهرب من الباب الخلفي، بس حضرتك بتعملوا إيه هنا؟
رد وكيل النيابة بمراوغة أنه صدق كذبها المفضوح:
إحنا بنعاين مسرح الجريمة مرة ثانية يمكن نلاقي دليل جديد. بس كويس إنك جيتي، أنا كنت هتصل عليكي عشان إعادة تمثيل الجريمة. حضرتك قولتي في التحقيق السابق إنك مكنتيش عايشة الفترة الأخيرة هنا في الشقة، وكان صدفة وجود أخوكي هنا في الشقة عشان يجيب ملف مهم كنتِ ناسياه بالشقة قبل ما ترجعي لبيت والدك، وإنك جيتي لهنا لما لقيتيه اتأخر في الرجوع واتفاجئتي بجريمة قتل أخوكِ.
ردت هند:
أيوا هو ده اللي حصل بالظبط.
تساءل وكيل النيابة:
طب لما دخلتي كانت المتهمة واقفة فين بالظبط؟
ردت هند بخطأ:
كانت جنب جثة نائل.
علم وكيل النيابة أن هند أخطأت بالرد عليه، لكن قال بتساؤل:
بس مش غريب إن المتهمة ملهاش أي بصمات على جثة القتيل غير سلاح الجريمة المفقود، أكيد مكنتش لحقت تتخلص منه.
ردت هند بعصبية:
معرفش، أنت بتسألني الأسئلة دي كلها ليه، الأسئلة دي المفروض تسألوها للمتهمة اللي هربت.
رد وكيل النيابة:
تمام، تقدري تتفضلي والخبراء الجنائيين هيعاينوا الشقة مرة ثانية بتدقيق يمكن نلاقي سلاح الجريمة، ووقتها يبقى الدليل القاطع على إدانة المتهمة.
توترت هند قائلة:
تمام.
كادت هند أن تغادر لكن قال لها وكيل النيابة بمفاجأة:
ممكن تفضلي معانا أثناء المعاينة لأن بعد المعاينة المرة دي مش هيبقى فيه سبب لتشميع الشقة وتقدري تستلميها وتبقى تحت تصرفك.
ردت هند بداخلها بعض من ترقب:
أوكيه.
تجول الخبراء بالشقة بحثًا عن سلاح الجريمة إلى أن وصلوا إلى الصالة مرة أخرى.
راقب وكيل النيابة هند عن كثب، لاحظ نظرها أكثر من مرة إلى سقف الصالة وبالأخص إلى تلك النجفة. فطلب من أحد الخبراء:
شوف لي النجفة دي، ممكن يكون سلاح الجريمة محطوط على القرص المتعلق منه.
ردت هند بسرعة:
بس النجفة ملزوقة مباشرة في السقف.
رد وكيل النيابة:
مش هنخسر حاجة لما نتأكد.
بالفعل صعد أحد الخبراء على سلم صغير وبدأ بفحص النجفة ليقول بتفاجؤ:
فيه هنا كاميرا مراقبة.
تبسم وكيل النيابة بظفر قائلاً:
غريبة، إزاي دي فاتت على لجنة المعاينة الأولى، وكمان إزاي حضرتك أخفيتي علينا وجود كاميرا هنا في الشقة. ده يعتبر طمس للأدلة.
ارتبكت هند قائلة:
أنا اتفاجئت دلوقتي، أول مرة أعرف بوجود كاميرا هنا في الصالة.
نظر وكيل النيابة إلى الخبير الجنائي قائلاً:
تمام، هات لي الكاميرا.
ثم نظر لـ هند قائلاً:
وحضرتك مطلوبة لإعادة التحقيق في النيابة دلوقتي.
تفاجئت هند قائلة:
قصد سيادتك إيه؟ بمطلوبة للتحقيق.
رد وكيل النيابة:
هتعرفي في النيابة.
بالفعل بعد وقت بغرفة التحقيقات.
فتح وكيل النيابة حاسوب خاص ووضع به قرص مدمج. ثم وجه حديثه لـ هند قائلاً:
متأسف إن هجرح مشاعرك بس لازم تشوفي الفيديو ده.
نظرت هند إلى شاشة الحاسوب، بارتعاش، أن يكون سجل وجودها مع نائل قبل مغادرتها للشقة. لكن هي قالت لـ نائل أن يشغل تسجيل الكاميرا بعد مغادرتها. نظرت عينيها بارتجاف أهدابها الذي لاحظه وكيل النيابة. حين بدأ تشغيل التسجيل. كانت صدمة حين رأت فتح نائل لـ باب الشقة ودخول امرأة ترتدي زيًا أسود بالكامل يُخفي حتى ملامح وجهها بنقاب وهناك قفازات سوداء على يديها. ظل بينهم حديث طويل وبعض المشاحنات العنيفة لوقت حتى أن نائل تطاول على تلك المرأة بالضرب مما جعلها تمسك ذلك السكين الصغير وتطعنه حين كاد يقتلها. ليبتعد عنها لكن هي قامت بطعنه أكثر من مرة بأنحاء متفرقة من جسده أردته قتيلًا. وحاولت الهرب من باب الشقة لكن عادت سريعًا ولم تُغلق باب الشقة جيدًا، تركته مواربًا. ثم توجهت نحو باب المطبخ وبعدها اختفت من التسجيل. ثم بأقل من دقيقتين كانت سلسبيل تدفع باب الشقة ووقفت مكانها مصدومة لم تقترب من نائل المسجى أرضًا، إلى أن دخلت هند بهوجاء حين رأت منظر أخيها.
أوقف وكيل النيابة التسجيل قائلاً:
للأسف التسجيل من غير صوت، كان من نبرة الصوت ممكن نحدد مين اللي كانت لابسة أسود في أسود. التسجيل ده جزء من تسجيل الكاميرا دي، إزاي الشقة بتاعتك ومتعرفيش إن في النجفة كاميرا.
ردت هند:
معرفش، أنا سايبة الشقة من فترة صغيرة، بس كان فيه نسخة من المفاتيح مع أخويا.
تعجب وكيل النيابة:
قصدك إن أخوكي ممكن يكون هو اللي مركب الكاميرا في النجفة، طب ليه، طالما إنك سبتي الشقة من فترة قصيرة.
ردت هند بإدعاء:
معرفش، معرفش، أنت بتحقق معايا ولا بتتهمني مباشرةً.
رد وكيل النيابة:
لأ، لا بحقق معاكِ ولا بتهمك، بس الفيديو ده دليل براءة مدام سلسبيل اللي حضرتك اتهمتيها، وكمان عندي سؤال أخير: تعرفي الست اللي كانت لابسة أسود دي؟
رد هند:
وهعرفها إزاي وإيدها حتى مش ظاهرة.
رد وكيل النيابة:
تمام كده التحقيق خلص، تقدري تتفضلي.
ابتلعت هند ريقها بمرارة وقالت:
طب وموقف سلسبيل دلوقتي إيه؟
رد وكيل النيابة:
الاتهام سقط عن مدام سلسبيل بسبب ظهور دليل جديد في القضية بيوضح بسهولة إنها مش القاتلة.
ردت هند باستفسار:
طب وهروبها.
رد وكيل النيابة:
مدام سلسبيل هنا في النيابة من مدة قصيرة سلمت نفسها مرة ثانية، وبسهولة يفرج عنها بكفالة مالية.
اشتعل قلب هند بنيران هوجاء، سلسبيل نفذت من الاتهام.
خرجت هند من غرفة النائب تتراقص أمام عينيها فرحة قماح وسلسبيل ببرائتها. لن تبتعد عنه، بل هو من لهث خلف برائتها. شار عليها شيطانها بهدم تلك السعادة، وبداية الطريق بدار العراب.
عودة.
سرد وكيل النيابة موجز ما حدث لـ سلسبيل وتبسم قائلاً:
مبروك البراءة يا مدام سلسبيل.
قال هذا وتحدث إلى الكاتب الذي بجواره قائلاً:
أمرنا نحن وكيل النيابة، بحفظ الاتهام الموجه إليها وإخلاء سبيل السيدة سلسبيل ناصر العراب من سراي النيابة ودفع غرامة مالية قدرها عشرة آلاف جنيه وذلك ما لم تكن على سبيل قضية أخرى.
قال وكيل النيابة هذا وعاود القول:
مبروك يا مدام سلسبيل، الفضل الكبير في ظهور برائتك بالسرعة دي هو زوج حضرتك.
تبسمت سلسبيل له، بينما نهض المحامي مصافحًا وكيل النيابة:
بشكر سعة صدر سيادتك وإنك ساندت العدل.
خرجت سلسبيل من غرفة التحقيقات مع المحامي تلهف عليهم قماح باستعلام.
تبسمت له سلسبيل، زفر نفسه براحة، بينما أكد المحامي ذلك قائلاً:
مدام سلسبيل خرجت براءة، كلها ساعة بالكتير هنعمل إجراءات الإفراج عنها وندفع الغرامة.
تبسم قماح له وقال:
تمام.
بعد أقل من ساعة، خرجت سلسبيل من أحد الغرف. كان في ذلك الوقت قماح يهاتف عمه ناصر يخبره بظهور براءة سلسبيل. لم ينتبه بوجودها خلفه. حين سمعته يقول:
وأخبار مرات عمي إيه؟
رد عليه ناصر:
فاقت واتنقلت لأوضة عادية.
رد قماح:
الحمد لله إنها فاقت، ربنا يكمل شفاها بخير وتخرج بالسلامة.
آمن ناصر على قول قماح الذي أغلق الهاتف واستدار ليرى سلسبيل بوجهه. من نظرة عينيها علم أنها سمعت حديثه مع عمه. لم تنتظر كثيرًا وقالت بخفوت:
ماما مالها؟
رد قماح:
بخير.
ردت سلسبيل:
بخير إزاي أنا سمعتك يا قماح وانت بتكلم بابا، قولي الحقيقة.
رد قماح:
بصراحة مرات عمي اتعرضت لشبه جلطة في القلب، بس الحمد لله فاقت وحالتها استقرت.
تدمعت عين سلسبيل قائلة:
وديني لماما المستشفى يا قماح مش هطمن غير لما أشوفها بعيني.
في نفس اللحظة شعرت سلسبيل بدوخة، أغمضت عينيها ورأت صغيرها يبكي ويد تضعه بشيء أشبه بصندوق وتغلقه عليه كي تكتم صوته. في ذلك الوقت ساندت سلسبيل على يد قماح.
سند قماح سلسبيل قائلاً بلهفة:
سلسبيل مالك، عمي قالي إن مرات عمي فاقت وهتتأكدي بنفسك بعد شوية.
ردت سلسبيل التي تشعر بتوجس:
أنا بخير، خلينا نروح نطمن على ماما، ولا أقولك نرجع دار العراب الأول.
رد قماح ببسمة:
أيه المشاغب الصغير وحشك، كنت بكلم جدتي من شوية ولا أول مرة أسمعها بتشتكي من شقاوته.
تبسمت سلسبيل بغصة قوية في قلبها، وقالت:
أقولك خلينا نروح للمستشفى أطمن على ماما الأول، بعدها نرجع دار العراب للمشاغب الصغير.
***
بالمشفى.
تنهدت نهلة بحسرة في قلبها. لاحظ ناصر الجالس معها بالغرفة ذلك قائلاً:
مالك يا نهلة، لو حاسة إنك تعبانة أتصل على الدكتور.
بينما نهض نظيم الجالس معهم سريعًا يقول:
هروح للدكتور أقوله يجي هنا فورًا.
رد نهلة سريعًا:
لأ، أنا كويسة الحمد لله، كثر خيرك يا نظيم تسلم.
قالت نهلة هذا ونظرت لـ ناصر:
هقولك حاجة يا ناصر بس بلاش تقول عليا اتجننت، أنا عارفة إنها تخاريف وأنا في الغيبوبة.
تبسم ناصر وهو متوقع ماذا ستخبره قائلة:
خير.
بينما شعر نظيم بالخجل قائلاً:
هستأذن وأسيبكم.
ردت نهلة التي تشعر بألم ليس ألم جسدي بل نفسي أكثر:
إنت مش غريب يا نظيم، ناصر قالي على وقفتك جنبه، كثر خيرك.
تبسم نظيم دون رد. بينما عاودت نهلة الحديث:
أنا شفت همس كأنها كانت واقفة قدامي وبتكلمني، حتى حسيت بمسكتها لإيدي.
تبسم ناصر وهو ينظر لـ نظيم الذي ابتسم هو الآخر دون أن يقولا شيئًا وهما ينظران إلى باب الغرفة الذي فُتح ودخلت في البداية هدى قائلة بلهفة:
ماما.
نظرت لها نهلة ترسم بسمة رغم وهنها الملحوظ، لكن تهافتت هدى عليها واقتربت منها وقبلت رأسها قائلة:
ماما.
وضعت نهلة يدها على كتف هدى قائلة بفرحة:
أنا بخير يا روحي.
تبسمت هدى قائلة:
يارب دائمًا يا ماما.
قالت هدى هذا ونظرت نحو والدها قائلة:
أنا بقول تطلب الدكتور يا بابا لأن مش متوقعة رد فعل ماما لما تشوف المفاجأة اللي هتدخل حالاً.
تبسم ناصر قائلاً:
نهلة مش ضعيفة قوي كده.
نظرت نهلة لـ هدى قائلة:
إيه المفاجأة سلسبيل؟
ردت همس التي دخلت تقول بادعاء:
هو مفيش مفاجأة غير سلسبيل ولا إيه.
نظرت نهلة نحو صاحبة الصوت بذهول غير مصدقة، هي تتوهم، أغمضت عينيها علها تكون بحلم، ليتها لا تصحو منه.
لكن عاودت همس الحديث قائلة بلهفة وهي تقترب من نهلة ووضعت يدها فوق يدها:
ماما، إنتِ بخير.
فتحت نهلة عينيها مُرغمة هذه المرة ونظرت إلى تلك اليد التي وضعت على يدها، تلك اليد، ليست خيال. رفعت بصرها لترى همس ترفع عن وجهها النقاب مبتسمة.
أغمضت نهلة عينيها مرة أخرى لكن سرعان ما فتحتهما تقول بهمهمة وتقطع:
هـ مـ سـ.. إنتِ عـ ايـشه، ولا أنا لسه في الغيبوبة، يارب مصحاش منها.
تبسمت همس بدمعة وقالت:
أيوا يا ماما أنا لسه عايشة، إنتِ مش في الغيبوبة.
حاولت نهلة النهوض لكن بسبب تلك الأنابيب الموصلة بيدها وجهاز الأوكسجين الموضوع على أنفها حال دون نهوضها، لكن جذبت همس لحضنها بقوتها الواهنة وقبلت رأسها قائلة:
حبيبتي، كان نفسي أقولك إني مكنتش مصدقة إنك تغلطي الغلطة دي.
تدمعت عين همس بابتسامة.
لكن تحير عقل نهلة قائلة:
بس إزاي إنتِ لسه عايشة!
جالت عين نهلة على من حولها ودخول كارم. نظرت له ثم ابتسمت قائلة:
لما عرفت إنك اتجوزت وسافرت مع مراتك، منكرش قلبي اتحسر وقتها عشان كنت عارفة إنك بتحب همس، قولت إزاي نسيها بسرعة كده.
تبسم كارم قائلاً:
مقدرش أنسى هاميس اللي رجعت للحياة تاني عشاني.
تبسمت نهلة وضمت همس بقوتها مرة أخرى، لكن انتبهت همس قليلاً. انتبهت نهلة لبطن همس المنفوخة، دمعة لا سبب لها. أكانت دمعة فرحة أم عتاب؟ كيف استطاعت همس ترك نهلة تعيش لكل ذلك الوقت بقلب جريح ووهم موجع أنها فقدت ابنتها بوصمة بريئة منها. لكن السبب الأكبر شعور في القلب يمحو الألم، يضع مكانه أملًا جديدًا في السعادة بعودة همس لحضنها الآن.
وضعت نهلة يدها على بطن همس قائلة:
إنتِ في الشهر الكام؟
ردت همس:
قربت أدخل الشهر السادس، حامل في ناصر كارم.
تبسمت نهلة قائلة:
إنتِ كمان هتجيبي ناصر تالت، مش كفاية ناصر ابن سلسبيل شقي قوي على فكرة. سلسبيل كانت هادية.
تبسمت همس قائلة:
سلسبيل طول عمرها هادية وبتتحمل فوق طاقتها، كفاية أحلامها اللي بتتحقق.
تنهدت نهلة قائلة:
احكي لي إيه اللي حصل وإنتي إزاي لسه عايشة، سلسبيل كانت دائمًا تقول لـ هدى إنها بتشوفك عايشة، لما كنت أسمعها كان قلبي بيتقطع.
تبسم كارم يقول:
سلامة قلبك يا مرات عمي، الحكاية طويلة رأيي بعدين تعرفيها، المهم دلوقتي صحتك وإن هاميس رجعت لعيلتها، عقبال سلسبيل ربنا يظهر برائتها.
قبل أن يرد ناصر أيضًا فتح باب الغرفة ودخلت سلسبيل بتلهف تقول:
ماما.
بنفس الوقت أعادت همس النقاب على وجهها تنتظر أن تفاجئ سلسبيل.
اقتربت سلسبيل من فراش نهلة وجدتها تبتسم قائلة:
تعالي يا أول فرحة انتظرتها لسنين وربنا منّ عليّ بالنبع الصافي.
تبسمت سلسبيل بدمعة وانحنت تُقبل وجنة نهلة قائلة:
ماما حبيبتي، كنت حاسة والله إنك مش بخير.
وضعت نهلة يدها على كتف سلسبيل قائلة بحنان:
أنا بقيت بخير لما شفتكم إنتوا التلاتة قدامي بخير.
تحيرت سلسبيل قائلة:
تلاتة مين؟
ردت همس عليها قائلة بمزح:
خليفة الحجة هداية بقت سوابق ورد سجون، لأ وأيه قضية قتل كمان.
نظرت سلسبيل إلى همس الجالسة بالناحية الأخرى لفراش نهلة بتعجب من صوت تلك المنقبة، يستحيل لابد أنه أحد أطيافها.
لكن رفعت همس النقاب عن وجهها قائلة:
أنا حقيقة مش طيف ولا حلم من أحلامك اللي بتشوفيها.
شعرت سلسبيل بذهول ونهضت تتمعن في همس بذهول قائلة:
همس!
نهضت همس هي الأخرى قائلة بتأكيد:
همس، يا سلسبيل اللي كوابيسك ظهرت براءتها.
تدمعت أعينهن وتقابلتا بالمنتصف يحضنان بعضهن باشتقاق أخوة. عادت سلسبيل برأسها تنظر لوجه همس ببسمة. اقتربت منهن هدى قائلة بمرح:
خدوني في وسطكم.
تبسمن همس وسلسبيل وهن يحضنان هدى، ليصبح الثلاث بحضن بعضهن. ردت همس بحنين:
كنت غبية لما اخترت أكون ميتة في نظركم وأسيب الحضن ده.
حضنتهن سلسبيل الاثنتان قائلة:
كان قلبي حاسس واتأكدت لما عمي جاب لي كسوة سبوع ناصر.
تبسمت هدى قائلة:
فعلاً قالت لي كده، وأنا مصدقتهاش، وقولت بتتوهم.
تبسمت لهن همس.
بينما لاحظت سلسبيل انتفاخ بطن همس ووضعت يدها عليها تنظر لها بسؤال.
ضحكت همس قائلة:
أيوا حامل في ناصر كارم العراب، ابنك مش هيفضل الحفيد الوحيد لعمو النبوي.
نظرت سلسبيل نحو كارم الذي تبسم لها، ثم نظرت نحو قماح، لكن تعجبت من عدم ظهور أي صدمة أو تعجب على ملامحه، فقالت:
قماح إنت كنت عارف إن همس لسه عايشة، أكيد كارم اللي قالك، دلوقتي عرفت ليه كارم مكنش بيخلي همس تكلمنى واتكلم سميحة.
تبسم كارم يقول:
والله ما أنا، همس قدامكم أهي، اسأليها.
تبسمت همس، ونظرت لـ قماح قائلة:
إنت كمان كنت عارف إني لسه عايشة؟
تبسم قماح يومئ برأسه فقط ثم نظر نحو سلسبيل التي تنتظر تفسير منه وقال:
أنا عرفت بالصدفة لما كنت مصاب بالرصاصة، سمعت بابا وجدتي وهم بيتهامسوا مفكرينى نايم، بس أنا كنت شارد في نبع الميه.
تبسمت همس وغمزت لـ سلسبيل وهمست بجوار أذنها قائلة:
عملتي إيه في قماح يا نبع الميه، ده بقى بيتكلم. ولا أقولك قولي لينا إزاي طلعتي بريئة.
نظرت سلسبيل نحو قماح بامتنان وقالت:
قماح هو اللي ظهر برائتي.
تبسم نظيم قائلاً:
ألف مبروك يا مدام سلسبيل.
تبسمت همس قائلة بتكرار:
مدام سلسبيل، ليه تكبرها قوي كده، قول لها يا بيلا عادي، ولا أقولك بلاش بيلا لـ قماح يضايق، قول يا سلسبيل، إنت مش غريب يا نظيم.
وضع ناصر يدهُ على كتف نظيم قائلاً بقبول:
فعلاً نظيم مش غريب، كفاية وقفته معايا اليومين اللي فاتوا مكنش بيروح لبيته ولا بيروح لجامعته.
تبسم نظيم، بينما سلسبيل وهمس نظرتن لـ هدى التي نظرت لـ نظيم بإعجاب واحمرت وجنتيها، ثم نظرن لبعضهن بغمز. شعرت هدى بالخجل.
بينما ناصر نظر لـ نهلة التي رغم وجهها المسئوم من المرض، لكن تبسمت له وهي تومئ برأسها بتفهم وتمنى أن يصبح نظيم هو زوج صغيرتهم قريبًا، لتكتمل صورة العائلة به.
***
بالشقة الموجودة بها زهرت.
كانت تجلس على الفراش تضم ساقيها لصدرها، تهذي وهي تتذكر جحوظ عيني قدرية. شعرت للحظة بالخوف ونهضت قائلة:
أكيد محدش شافني وأنا طالعة من عندها، وبعدين كان دفاع عن النفس، هي اللي بدأت وكانت بتحاول تقتلني.
جاوب شيطانها:
هي كانت تستحق القتل، كانت غلاوية وعندها حقد لكل اللي حواليها.
في نفس الوقت رن هاتفها، ارتاعت من رنينه وذهبت إلى مكان وجوده ورأت الشاشة عليها اسم حماد.
خشيت أن ترد عليه وتركت الهاتف يرن لمرات غير مبالية له، وذهبت إلى الدولاب وأخرجت علبة خشبية صغيرة وفتحتها تنظر إلى ما بها قائلة:
لازم أسيب الشقة دي وأشوف لي شقة تانية، أختفي لفترة على ما الأمور تهدأ، رباح أكيد مش هيصدق إني كنت بأذيه.
قالت زهرت هذا ووضعت يدها على بطنها قائلة:
لازم أحافظ على اللي في بطني، هو ده اللي هيرجعني تاني لـ دار العراب غصب عنهم. في النهاية هو ابن رباح العراب.
في ذلك الوقت رن جرس باب الشقة.
ارتجفت زهرت، وذهبت تقف خلف الباب خائفة تفتح، لكن سمعت صوت بكاء طفل صغير، ثم قول:
افتحي يا زهرت أنا... هند.
***
مكان مدنس.
أرسل حماد صورة لأحدهم وبعدها رسالة: عاوزها عندي في أقرب وقت في المكان السابق.
أغلق حماد هاتفه يقول بشر وتوعد:
المرة دي مش هغلط نفس الغلطة، وهداية بنت العراب هتكون ليا غصب عنها.
***
بدار العراب.
دخل كارم وقماح ودخل خلفهن الثلاث فتيات ببسمتهن التي عادت ترن في الأرجاء. لكن ليس كالسابق حين فوجئن بإحدى الخادمات تخرج من غرفة هداية تصرخ بفزع قائلة:
الحجة هداية واقعة مرمية على الأرض ورأسها بتنزف وبكلمها مش بترد عليا.
سريعًا كان قماح وكارم يدخلون إلى الغرفة.
صُدموا بالفعل هداية رأسها تنزف بغزارة وغائبة عن الوعي. وجهها يشاحب الموتى.
دخلت خلفهم سلسبيل قائلة:
جدتي. ثم نظرت نحو الفراش ذُهلت وهي تراه فارغًا من طفلها قائلة: فين ناصر، فين ابني.
رواية عش العراب الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سعاد محمد سلامه
تسارع كارم وقماح نحو جدتهم الفاقدة للوعي تنزف من رأسها بغزارة. كذالك هدى وهمس، حتى سلسبيل نفسها. جثوا جميعًا بجوارها.
نهض قماح سريعًا وآتى بشال أبيض وقام بلفه حول رأس هداية. بينما سلسبيل فجأة انهارت وهي جاثية على ساقيها تقول:
"دائماً اللي بخاف منه بيحصل. بحاول إني مش أشغل بالي بالأحلام والأطياف دي بس في الآخر بتتحقق. أنا شفت إيد بتضرب جدتي وبتخطف ابني، بس لما قولتيلي إنك كلمتي جدتي قولت تهيؤات."
بنفس الوقت دخل النبوي رأى تجمعهم أرضًا قائلاً بذهول:
"كارم، همس."
ثم وقع بصره على هداية الفاقدة للوعي، وكذالك الشال الذي بدأ يصبغ لونه بلون دماء هداية. وقال برجفة:
"أمي!"
جثى لجوارهم سريعًا يشعر بفزع وتقطع نياط قلبه. لكن تماسك ونهض وحاول يحملها. لكن سبقه كارم وقماح الذي حملا هداية وتوجها سريعًا للخارج. نهض النبوي وسار خلفهما سريعًا. إلى أن وضعا هداية بالسيارة.
تحدث كارم:
"خليك انت هنا يا قماح عشان سلسبيل وشوف الكاميرات اللي على مداخل الدار."
أومأ له قماح برأسه وهو يشعر بألم جم في قلبه. لديه توقع عن من فعل ذلك، أو بالأخص من خطف طفله وكاد يقتل جدته. بالتأكيد هي... هند التي فقدت عقلها وصرخت بوجهه في النيابة هددته بصراحة لن تتركه يرى السعادة مع سلسبيل كما أراد. لكن لم يتوقع أن يصل بها الجبروت أن تخطف طفلة من قلب دار العراب. لكن كيف دخلت وخرجت بناصر وذلك الحارس الذي على باب المنزل لم يوقفها.
ذهب قماح إلى ذاك الحارس قائلاً:
"مين الغريب اللي دخل الدار؟"
رد الحارس بخذو:
"محدش غريب دخل يا قماح بيه. الست هند اللي جت وقالت إنها هتاخد حاجات ليها كانت ناسياها. حتى لما جولت لها هتصل على قماح بيه قالت لي مش لازم. حتى شيعت للحجة هداية قبل ما أدخلها وهي سمحت لها بالدخول. ومغابتش كتير وطلعت بصندوق صغير معرفش كان فيه إيه. هو إيه اللي حصل يا قماح بيه؟ الحجة هداية مالها؟"
أيقن قماح توقعه يقول لنفسه:
"طيبة جدتي مع هند قابلتها بالإساءة ليها. بس مش اللوم على جدتي اللوم عليا أنا اللي أستحق..."
ذهب قماح إلى مكان تسجيل الكاميرات وعاود التسجيلات ليرى خروج هند بإحدى السيارات. أخرج هاتفه وقام باتصال قائلاً:
"العربية اللي هبعتلك رقمها دلوقتي عاوز خط سيرها. وكمان الشخص اللي موجود عند رجب السنهوري عاوزك تعرف منه إن كان له أي شقة أو مخزن غير اللي إحنا نعرفهم."
أغلق قماح الهاتف يفكر. بالتأكيد هند لن تذهب بصغيرها إلى مكان معلوم. لابد أنها ستختبئ به. لكن أين؟
شعر قماح بألم فتاك في صدره. عليه مواجهة سلسبيل التي بالداخل. أكيد ما زالت منهارة.
عاد قماح يسير بندم ليعود إلى غرفة هداية.
كما توقع، ها هن ابنتي عمته يجلسن بجوار سلسبيل الباكية يبكين مثلها أيضًا.
عاودت سلسبيل لوم نفسها قائلة بهزيان:
"أنا ليه دايماً بعاند نفسي وليه مش بمشي وراء الأحلام دي. يمكن كنت أقدر أغير اللي هيحصل."
ضمتا همس وهدى سلسبيل كل واحدة من ناحية. حاولن التخفيف عنها. وهن يريدن أيضًا من يخفف عنهن ما يشعرن به.
أقترب قماح منهن. نظرن له هدى وهمس التي نظرت لقماح قائلة:
"جدتي؟"
رد قماح:
"بابا وكارم راحوا معاها للمستشفى."
تحدثت هدى:
"وناصر... مين اللي اتجرأ ودخل دار العراب وضرب جدتي وخطف طفل صغير. هيستفاد من ده إيه؟"
قبل أن يرد قماح ردت سلسبيل:
"هند هي اللي عملت كده. هتستفاد قهرة قلبي اللي كانت دايماً بتتمناها لي."
لم يتعجب قماح من معرفة سلسبيل. بالتأكيد هند هددتها هي الأخرى. أو ربما رأت ذلك بأحد كوابيسها كما قالت منذ قليل.
***
بشقة زهرت
عاودت هند القول من خلف الباب:
"افتحي يا زهرت. عارفة إنك جوه الشقة."
فتحت زهرت باب الشقة. دفعتها هند ودخلت إلى الداخل وأغلقت خلفها الباب. ثم وضعت ذالك الصندوق الخشبي على الأرض وقامت بفتحه وأخرجت ذالك الصغير منه. تحمله تحاول إسكاته. لكن الصغير لا يهدأ بكاؤه.
نظرت هند بذهول قائلة:
"ابن سلسبيل معاكي ليه؟"
ردت هند ببرود:
"أنا خطفته. لازم أحرق قلبها عليه زي ما حرقت قلبي وخطفت مني قماح بألاعيبها القديمة."
تعجبت هند قائلة:
"خطفتي ناصر وجاية تستخبي بيه هنا. أكيد عقلك جن. مفكرة قماح هيسيبك تهربي بابنه. لأ، أنا ماليش دعوة بيكي. شوفي لك مكان تاني تستخبي فيه."
ردت هند بتهديد صريح:
"لو عاوزة حد من دار العراب يعرف إن الجنين اللي في بطنك مش من صلبهم. ومعايا البرهان. معنديش مانع أمشي دلوقتي بس ههد المعبد عليا وعلى أعدائي."
ارتبكت زهرت قائلة بخبث:
"هند بلاش تخاريف. الجنين اللي في بطني ابن رباح. ده أولاً. ثانيًا أنا خايفة عليكي. اللي عملتيه بخطفك لابن سلسبيل جريمة. غير إنهم بسهولة ممكن يفكروا إنك هنا عندي في الشقة. ناسيه إن مكنش ليكي حد بيحبك في دار العراب غيري. فممكن يتوقعوا إنك هتجي لهنا. وهما يعرفوا عنوان الشقة دي."
توترت هند تعقل حديث زهرت في عقلها. هي محقة. لكن قالت:
"وجودي هنا حل مؤقت. مسافة الليلة. من بكرة هدور على مكان تاني. لحد ما أرتب أموري وأسافر خارج مصر."
تعجبت زهرت قائلة:
"أنتي ناوية تسافري بالولد لخارج مصر. طب إزاي؟ أكيد هيبقى صعب."
ردت هند:
"عارفة إنه صعب. بس أنا ليا حبايب يتمنوا يخدموني. وبلاش رغي كتير. الولد مش مبطل عياط. أكيد جعان."
ردت زهرت:
"طب وهتعملي إيه فيه دلوقتي؟ أكيد محتاج لرضعة؟"
ردت هند:
"أنا عملت حسابي. اشتريت لبن صناعي ومستلزمات له من صيدلي قريبة من هنا."
ردت زهرت:
"كويس. طب هاتي الولد وأدخلي جهزي له الرضعة عشان يسكت شوية."
نظرت هند للصغير ثم لزهرت ولم تأمن لها عليه. وقالت:
"لأ، تعالي نروح المطبخ سوا نحضر له الرضعة."
امتثلت زهرت لهند مرغمة. تهاودها فقط. لكن بداخلها أصبح لديها هدف آخر.
***
بالمشفى
خرج ناصر من غرفة نهلة ليجد نظيم على وجهه علامات الحزن. فقال له:
"خير يا نظيم. قولت هتطلع ترد على اتصال مامتك وغبت شوية."
رد نظيم بحزن:
"مش خير يا عمي. ماما قالت لي إن سميحة اتصلت عليها وقالت لها إن حماتها توفت."
تعجب ناصر قائلاً:
"قدرية توفت! البقاء والدوام لله."
رد نظيم:
"واتصلت على سميحة قالت لي إن الدكتور حول جثمان حماتها للطب الشرعي شاكين إن موتها مش طبيعية. ومحمد لوحده. هستأذن من حضرتك و..."
قاطعه ناصر قائلاً:
"روح لمحمد وخليك جنبه يا نظيم. تشكر على وقفتك جانبي. نهلة خلاص الحمد لله حالتها اتحسنت كتير."
رد نظيم:
"سبق وقلت لحضرتك جميلك سابق. هستأذن أنا عشان أقف جنب محمد."
رد ناصر وهو يربت على كتف نظيم قائلاً:
"تعرف يا نظيم أنا عمري ما فرق معايا أخلف ولد أو بنت وبحمد ربنا على أنه رزقني ببناتي. بس كنت أتمنى ربنا يرزقني بولد فيه نفس خصالك كده... وأتمنى ليك أنت فعلاً ابني."
تبسم نظيم يقول:
"ليا الشرف طبعاً. هستأذن أنا."
غادر نظيم وعاد ناصر للغرفة. رأى نهلة مستيقظة. تبسمت له قائلة:
"كنت فين؟ صحيت ملقتكش معايا في الأوضة."
تبسم ناصر قائلاً:
"كنت مع نظيم."
تبسمت نهلة قائلة:
"وهو فين بصراحة نظيم كبر قوي في نظري."
تبسم ناصر قائلاً:
"في نظري أنا كمان. أيه رأيك فيه."
تبسمت نهلة قائلة:
"موافقة طبعاً."
تبسم ناصر بمكر قائلاً:
"موافقة على إيه؟"
ردت نهلة ببسمة:
"موافقة على اللي في دماغك يا ناصر. أنا عشت معاك تلاتين سنة تفتكر معرفش بتفكر في إيه. لأ، وكمان هدى ميالة له. دول بناتي وعارفاهم. رغم إني ليا عتب عليك ليه خبيت عني إن همس عايشة."
رد ناصر بآسى:
"خوفت عليكي من الصدمة. لو كنتي شوفتيها وقت ما أنا عرفت قلبك مكنش هيتحمل. همس كانت لسه في بداية علاجها."
شعرت نهلة بآسى قائلة:
"همس طول عمرها كانت هشة مش زي سلسبيل ولا هدى. هي كانت أشقاهم بس شقاوتها كانت زي ستارة بتخفي وراها ضعفها. أكتر واحدة في بناتي تشبه ضعفي هي همس. بس الحمد لله قدرت تتغلب على ضعفها بدري ومستسلمتش له زيي."
جلس ناصر جوار نهلة على الفراش وضم يديها بين يديه قائلاً:
"أوقات كتير بيكون للضعف قوة تسحر يا نهلة."
أنهى ناصر حديثه بقبلة على يد نهلة. التي فجأة شعرت بغصة في قلبها وقالت لناصر:
"البنات اتصلوا بعد ما مشيوا من هنا."
تبسم ناصر قائلاً:
"لأ، أكيد صدقوا أطمنوا عليكي. أكيد الصبح هنلاقيهم هنا. سيبهم يرتاحوا."
رغم غصة قلب نهلة وشعورها بحدوث شيء سيئ. لكن تبسمت لناصر بقبول قائلة:
"معرفش ليه جاي على بالي ناصر الصغير ونفسي أشوفه."
تبسم ناصر قائلاً:
"وأنا كمان عندي نفس الإحساس. هتصل على سلسبيل الصبح تجيبه معاها."
ردت نهلة بسرعة:
"لأ، بلاش ياخد عدوى من المستشفى. خليه في الدار. همس كمان بلاش تيجي هي حامل وجاية من سفر. والسفر أساساً كان غلط عليها وهي حامل."
تبسم ناصر قائلاً:
"هما دول البنات اللي كنتِ دايماً بتخافي عليهم وتقولي لي ضعاف. همس مهما إنها حامل. وسلسبيل كمان خرجت من النيابة على هنا. حتى هدى كانت واقفة جانبي هنا في المستشفى."
تبسمت نهلة قائلة:
"برضوا هقولك بنات. وهفضل طول عمري أتمنى أنهم يبقوا مش زيي ضعاف. أنا عاوزاهم أقوى أتقوى بيهم."
***
بالعودة لدار العراب
كانت سلسبيل جالسة شارده. لم تتوقع أن جبروت هند سيدفعها إلى خطف طفلها من قلب دار العراب. فاقت من شرودها على صوت رنين هاتف قماح. الذي ابتعد عن المكان ولم يلاحظ نهوض سلسبيل وذهابها خلفه.
رد سريعًا بعصبية:
"يعني إيه العربية دي اختفت إزاي؟"
رد الآخر عليه:
"آخر لقطة للعربية على الرادار كانت متجهة للمنطقة سكنية جديدة قريبة من بني سويف. وبعد كده الرادار ملقطتش حركة العربية. ممكن تكون مشيت على طريق جانبي. أو ممكن تكون العربية في أي جراج قريب من المكان ده."
رد قماح:
"دور في كل الأماكن القريبة من المكان ده. سواء جراجات العامة أو جراجات العمارات والفنادق. وأكيد في كاميرات مراقبة."
أغلق قماح الهاتف يزفر أنفاسه بغضب شديد. ثم استدار ليتفاجأ بسلسبيل تقف خلفه. نظر لعيونه رأى بهم نظرة لوم. أنه هو السبب في ذلك. هو من أعاد هند إلى حياتهم بخطأ ارتكبه نادمًا. ها هو يدفع ثمن ذلك الخطأ فادحًا. اختفاء طفله الذي لا يعلم ماذا ستفعل به هند وهي بتلك الحالة الهيسترية المتملكة منها للانتقام.
بينما سلسبيل لا تلوم قماح بل تلوم نفسها. لما دائمًا تتجاهل تلك الأحلام والرؤى التي تراها. وتحدث لاحقًا. لما خالفت إحساسها وذهبت إلى المستشفى أولاً ولم تعد لدار العراب. ربما ما كانت خطفت هند طفلها ولا قامت بإيذاء جدتها بكل هذا الضرر. لكن هي بداخلها دائمًا تخاف من تلك الرؤى وتحاول ألا تمتثل لها خوفًا أن تتحقق. وبالنهاية تتحقق رغماً عن إرادتها. تعيش نفس شعور الألم مرتين.
وضعت سلسبيل يدها على صدرها قائلة:
"قلبي حاسس بناصر. هو جعان ويبكي. محتاج لي."
أقترب قماح من سلسبيل وقام بحضنها صامتًا.
بينما عاودت سلسبيل الحديث:
"جدتي عاملة إيه دلوقتي؟"
رد قماح:
"كارم اتصل عليا من شوية وقال إن الجرح اللي في رأسها مش كبير قوي. وإنها على الصبح هتفوق. كانت غايبة عن الوعي بسبب فقد دم كتير. وكمان بحكم سنها مقدرتش تتحمل النزيف."
ردت سلسبيل بآلم:
"ربنا يشفيها."
ضم سلسبيل قماح بين يديه. لكن فجأة شعرت سلسبيل بدوخة. أغمضت عينيها. رأت يد تمتد على صغيرها تلف حول عنقه. فتحت عينيها سريعاً وتشبثت يديها بقماح الذي لم يلاحظ ذلك.
***
بالمشفى
دخل كارم على والده الجالس مع هداية بنفس الغرفة. كانت ملامحه حزينة ومتهجمة.
فقال له:
"فيه إيه؟ مال وشك قالب كده ليه؟"
رد كارم بحزن:
"محمد اتصل عليا وقال لي إن ماما توفت."
برغم من أفعال قدرية السيئة. شعر النبوي بالحزن عليها وقال:
"الدوام لله وحده. روح لأخوك وخليك جنبه."
أومأ كارم رأسه قائلاً:
"ورباح مش لازم يكون معانا."
شعر النبوي بحزن قائلاً:
"لأ مش لازم. أنت ومحمد تسدوا في العزاء."
تساءل كارم:
"هو رباح فين يا بابا. من وقت ما رجعت مشوفتهوش. لسه ماشي وراء زهرت ومش عاوز يرجع للدار. طب دي ماما ولازم ياخد عزاءها."
رد النبوي:
"قلت أنت ومحمد تسدوا. رباح عنده ظروفه."
رد كارم بتساؤل وتهكم:
"وأيه هي الظروف اللي تمنعه ياخد عزاء ماما. ده كان أكتر واحد فينا قريب منها."
رد النبوي بعصبية بداخله يشعر بالندم على تركه قريب من قدرية التي أفسدت عقله بأوهام دفع ثمنها:
"كارم، أنا مش قادر على المناهدة. روح لمحمد خدوا عزاء قدرية."
رأف كارم بوالده وغادر. بينما عاد النبوي يجلس على كرسي جوار فراش هداية. ووضع رأسه فوق إحدى يدها. لا يعرف عقله لما كل تلك المصائب أتت مرة واحدة. آخرها اختطاف حفيده من قلب داره.
فاق النبوي على حركة يد هداية. رفع رأسه سريعًا ونظر لوجهها وتبسم حين رآها تربش بأهدابها. قائلاً:
"أمي أنتي فوقتي. كنت عارف إن الحجة هداية قوية."
ردت هداية بهمس:
"ناصر."
رد النبوي بآسى:
"هيرجع بخير."
تنهدت هداية بألم قائلة بتمني وحزن:
"يارب. أول مرة أحس إني ضعيفة كان النهارده. وهند بتاخد ناصر مني غصب عني. مقدرتش أحميه منها."
فلاش باك.
دخلت إحدى الخادمات على هداية قائلة:
"الحارس اللي على البوابة بيقول لي أقول لحضرتك إن الست هند واقفة عند البوابة اللي بره وبتجول إن ليها خاجات هنه وجاية عشان تاخدهم من الشقة اللي كانت عايشة فيها مع قماح بيه قبل الطلاق."
تعجبت هداية قائلة:
"خليه يدخلها. يا بتي دار العراب عمرها ما قفلت بابها في وش حد. خليها تدخل بس تيجي لي هنا الأول قبل ما تطلع على الشقة."
امتثلت الخادمة لها. بعد لحظات دخلت هند إلى غرفة هداية. وقع بصرها على هداية وهي تضع ناصر النائم على الفراش وقامت بتغطيته. زاد الغيظ في قلب هند. لكن مثلت الملائكية الخادعة. لكن لم تخدع هداية التي قالت لها:
"خير يا هند جاية لدار العراب ليه دلوقتي."
ردت هند بكذب:
"في ليا في الشقة شوية هدوم وصيغة دهب."
تهكمت هداية قائلة:
"كدبتك مفضوحة يا هند. بلاها حركات فارغة. قولي لي جاية ليه من الآخر. قماح اتصل عليا وقالي إن براءة سلسبيل ظهرت. اطلعي من حياة قماح يا هند مبقاش ليكي مكان فيها. إنت متأكدة من البداية إن مكنش ليكي مكان في قلب قماح."
اغتظت هند أكثر قائلة بتهكم:
"قلب قماح كان ليا. بس حركات حفيدتك ومساعدتك ليها وكرهك ليا هما اللي لفتوا نظره عني. من أول يوم دخلت فيه لهنا مكنتيش قابلاني ونفسك قماح يطلقني عشان تجوزيه لحفيدتك وتسيطرى عليه تحت جناحك زي ولادك الاتنين."
ردت هداية بتعجب:
"بلاش يا بتي تعيشي الوهم. جدامك لسه العمر. عيشي حياتك وابعدي عنا بشرك بيكفي. قماح يحب مراته وولده."
ردت هند بشر:
"ولده... ولده هو اللي رابط بينه وبين سلسبيل."
تعجبت هداية قائلة:
"بلاها تخاريف وأوهام يا بتي. عيشي حياتك وبكرة تجولي إني كان عندي حق لما تقابلي اللي يسعدك ويرزقك منه بالخلف الصالح."
تهكمت هند بمرارة قائلة:
"الخلف الصالح. قماح طلقني أساساً عشان كده. أنا مستحيل أخلف. أمال أنا بقولك قماح بيحبني ليه. بس هو كان عاوز يخلف."
تفاجأت هداية. لكن في نفس الوقت بكى الصغير. نظرت هند له يتراقص لها الشيطان بخيالات. هذا الصغير هو ما سيجعل قماح يلهث خلفها ويترك تلك المتسلقة سلسبيل التي تتلاعب على أوتار قلبه بها.
بينما بكاء الصغير جعل هداية تترك هند وتذهب إلى الفراش من أجل إسكاته. لكن قبل أن تصل له كانت تشعر بضربة قوية على رأسها. جعلتها تشعر بدوخة. واستدارت لهند رأت الشر بعينيها وهي تنظر للصغير. قاومت ذلك ومدت يدها تأخذ الصغير وتستنجد بأحد من المنزل. لكن كان المنزل شبه فارغ والخدم بعيد عن محيط غرفتها. قامت هند بجذب الصغير وحمله. لكن هداية حاولت أخذه. شعرت هند بضيق وقامت بضرب هداية ضربة أقوى على رأسها بتلك القطعة الأثرية التي كانت بيدها. تسطحت هداية تنزف من رأسها تشعر بألم وانسحاب. تحاول الصراخ لكن كان صوتها لا يخرج. استسلمت غضباً لتلك الغيمة. بينما هند حملت الصغير ببسمة حنونة وحاولت إسكاته إلى أن هدأ قليلاً. فكرت لن تستطيع الخروج به من الدار. وجدت صندوق خشبي متوسط بالغرفة. أخرجت محتوياته ووضعت الصغير به وأخذت الصندوق وتركت هداية الغائبة عن الوعي وغادرت دون شك من حارس البوابة.
عادت هداية وهي تشعر بتلك الدموع على يدها. فاقت شبه كلياً قائلة بحنان:
"بتبكي يا ولدي."
رد النبوي:
"خوفت أخسرك يا أمي."
ردت هداية:
"انت مبقيتش صغير يا ولدي، بقيت جد وعنديك حفيد ربنا يرجعه لحضن أمه تاني. والتاني جاي عالطريق."
رد النبوي:
"لو بقيت عندي ميت سنة هفضل محتاج لك. ترشديني للطريق."
تنهدت هداية بآلم قائلة:
"طول عمرك كنت قد المسئولية يا ولدي. كنت بحملك أكتر من طاقتك. عمرك ما خيبت أملي فيك. كنت بستقوي بيك وأقول عندي راجل شايل المسئولية. وبميل عليك بزيادة يمكن حتى أكتر من ناصر."
رد النبوي:
"مكنتش بحس إن المسئولية تقيلة عليا. أول مرة أحس إني ضعيف هو النهارده وأنا راجع من عند رباح. وكنت جاي ليك أستقوى بيك. لما لقيتك على الأرض حسيت بالفزع والخوف لأول مرة."
***
اختفى ظلام تلك الليلة وبدأ يوم جديد.
بشقة زهرت
نهضت من النوم. تفكر في وجود هند معها بالشقة. بالتأكيد قماح سيشك بوجود هند عندها. لو صدق ظنها وأتى لهنا ووجدها ربما يتهمها بالمشاركة في خطف طفله انتقامًا. هو يكرهها. كذلك عدم وجود رباح سيضعف موقفها الآن. فكرت وفكرت. لتهدي لفكره. لما لا؟ فرصة ستبعد هند عنها.
ذهبت زهرت إلى المطبخ. تفاجأت بهند تقف تعد بعض طعام الأطفال.
تحدثت لها قائلة:
"بتعملي إيه يا هند؟"
ردت هند:
"انتي شايفة إيه. بعمل فطور للولد."
ردت زهرت:
"هند عندي ليك اقتراح. أنا متوقعة إنهم يفكروا إنك معايا هنا في الشقة. أنا معايا مفتاح شقة في منطقة تانية. كان رباح واخده لينا قبل دي. وكانت بعيدة عن العمار. سبناها عشان كده."
رحبت هند قائلة:
"فين الشقة دي؟ أوعي تكون في مكان مهجور."
ردت زهرت بتسرع:
"لأ، هي في منطقة جديدة. مش بعيدة قوي عن هنا. أنا استريحت هنا أكتر. وهناك أهدى من هنا. وتقدرى تفضلي الوقت اللي عاوزاه براحتك قبل السفر."
تنهدت هند قائلة:
"فين الشقة دي؟"
ردت زهرت عليها بمكان الشقة.
تبسمت هند قائلة:
"تمام. هاتى مفاتيح الشقة دي."
ردت زهرت بفرحة:
"ثواني هجيبهم ليكِ."
بعد قليل عادت زهرت بمفاتيح الشقة. وجدت هند تحمل الصغير النائم. أعطت لها المفاتيح. أخذتهم هند قائلة بتحذير:
"زهرت أكتر حاجة بكرهها هو الخيانة. عارفة لو خونتيني مش هيكفيني عمرك."
ردت زهرت:
"بلاش تهديد فارغ يا هند. أنا لو عاوزة أخونك وأعرف دار العراب مكانك مكنتش هستنى للدلوقتي. أنا كمان ليا تار عند دار العراب ونفسي أحرق قلبهم. كفاية إنهم مدوروش عليا عاملة إيه."
ردت هند:
"طب أنا محتاجة فلوس. أنا معيش يكمل حتى تمن علبة لبن للولد. ومقدرش اسحب فلوس من أي مكان. ممكن يعرفوا مكانى من مكان سحب الفلوس."
ردت زهرت:
"أنا كمان المبلغ اللي معايا صغير. بس هجيبه ليكِ وأنا هتصرف."
بعد قليل أعطت زهرت لهند ذالك المبلغ المالي وأخذت الطفل وغادرت.
تنهدت زهرت براحة. لكن نهضت سريعاً ودخلت لغرفة النوم. فتحت صندوق الصاغة الخاص بها وجذبت إحدى القطع قائلة:
"هاخد الكوليه ده أروح أبيعه وبتمنه أصرف على نفسي على ما أشوف آخرتها مع دار العراب اللي مطنشيني. بس أعرف فين رباح وبعدها هعرفهم أنا مين. رباح مش هيصدق الكدب اللي قالت لي عليه قدرية. وكمان أنا حامل في اللي هيخليه يخصع ليا."
أخذت زهرت تلك القطعة الذهبية وذهبت إلى أحد محلات الصاغة. ودخلت بها إلى البائع قائلة:
"لو سمحت ممكن تتمن لي الكوليه ده."
أخذ الصائغ العقد وأخذ يتمعن ويتفحص به. ثم مد يدهُ لها به قائله:
"الكوليه ده ميجيبش أي تمن. ده فالصوا... تقليد معمول بإتقان."
***
بعد الظهر
بالنيابة
وجه وكيل النيابة تهمة قتل قدرية لـ عطيات بعد ثبات أن وفاتها حدثت بالخنق.
تحدثت عطيات ببكاء قائلة:
"والله ما لمستها. أنا بريئة."
تحدث وكيل النيابة:
"التقرير اللي قدامي بيقول إن المغدورة اتقتلت بالخنق بالأيدين وعلامات الأيدين على رقبتها. صحيح مفيش بصمات بس دي مش صعبة عليكي تخفيها."
ردت عطيات:
"هخفيها إزاي. أنا وهي عايشين زي الأغراب. مبشوفهاش لا وهي داخلة ولا وهي خارجة. غير مرة واحدة في اليوم بشوفها على الفطور. بنفطر سوا بس. أنا لما غابت دخلت الأوضة لقيتها نايمة على السرير. ناديت عليها مردتش عليا. فكرتها تكون عيانة ولا حاجة. روحت أصحيهالقتها نايمة متشنجة."
قرأ وكيل النيابة تقرير التشريح وقال:
"وقت الجريمة كان بعد العصر مباشرةً. يعني ملاحظتيش غيابها غير تاني يوم."
تنهدت عطيات قائلة:
"أيوه يا بيه. وعشان تصدق إني بريئة أنا امبارح لحد قرب المغرب كنت في دار العراب مع الحجة هداية. في الوقت اللي بتقول إن عمتي قدرية اتخنقت فيه."
***
بصوان عزاء
وقف محمد وكارم وجوارهم نظيم يتقبلون عزاء الرجال في والدتهم. كذلك بين النساء كانت تجلس سميحة وهمس المنقبة. سخرية القدر. من كانت دائمًا لديها كبر وغطرسة وتريد الحكم والسيطرة ماتت قتيلة. ولا يعلم من القاتل.
***
قبل وقت
توقفت هند بسيارتها أسفل تلك البناية التي دلتها عليها زهرت. نزلت من السيارة وتركت الصغير بها. ذهبت إلى أحد محلات البقالة أبتاعت بعض المواد الغذائية. ثم ذهبت إلى أحد الصيدليات وأتت ببعض الطلبات الخاصة بالصغير. تنظر حولها بترقب. ثم عادت للسيارة وأخذت الصغير وصعدت إلى تلك الشقة التي قالت لها زهرت عليها.
فتحت باب الشقة بترقب منها وحذر. دخلت إلى الشقة وضعت تلك الطلبات أرضًا. ونظرت بالشقة قائلة:
"الغبيه زهرت فكرت إني صدقت كدبتها. أنا سبق وقلت لها إني شفتها هي ونائل قريبين من هنا. أميد دي شقة الخطيئة. بس ميهمنيش. كل اللي يهمني مكان أختفي فيه كام يوم. أشحتف قلب قماح وقتها هيعرف إن أنا اللي أستحق أكون مراته مش الحقيرة سلسبيل."
في نفس الوقت بكى ناصر. حاولت هند إسكاته. لكن عاود البكاء مرة أخرى. فقالت له بمهادنة:
"خلينا نرتاح شوية وبعدها هعملك الرضعة."
لم يصمت الصغير. نظرت له هند قائلة:
"خلاص بطل زن. هشوف المطبخ فين. وأحضرلك الرضعة."
***
بدار العراب
كان قماح يجلس بداخله يغلي. كلما نظر إلى وجه سلسبيل ينتظر انفجارها بأي وقت في وجهه وإيلامه أنه السبب في خطف هند لطفلهم.
بينما سلسبيل اتخذت الصمت تكتوي بصدرها كلما أتى لخيالها صغيرها. لديها إحساس سيئ. لكن فجأة صدح رنين هاتف قماح.
انخضت سلسبيل.
بينما نظر قماح إلى الهاتف سريعًا رد عليه ليسمع:
"الرادار لقط إشارة من العربية. في منطقة جديدة قريبة من حضرتك."
رد قماح:
"قولي اسم المنطقة."
علم قماح اسم المنطقة وخرج سريعًا. كانت خلفه سلسبيل.
توقف قماح أمام سيارته. قالت سلسبيل برجاء:
"خدني معاك يا قماح. قلبي حاسس إن ابني محتاجني."
رد قماح:
"سلسبيل أنا مش عارف هلاقيه ولا لأ؟"
ردت سلسبيل:
"أرجوك يا قماح. خدني معاك."
وافق قماح بإيماءة برأسه.
بعد قليل بذلك المكان الذي دله عليه بالهاتف. ترجل قماح من سيارته. ليجد بعض الرجال في انتظاره. اقترب منه أحدهم قائلاً:
"ده المكان اللي الرادار لقط الإشارة منه. ممكن العربية تكون في أي جراج."
جالت عين قماح بالمكان. لاحظ وجود كاميرا على تلك الصيدلية القريبة من الطريق. فقال للمحقق الذي يساعده:
"سألت في أي مكان هنا. الصيدلية دي فيها كاميرات على الباب. خلينا نسأل فيها."
ذهب قماح إلى الصيدلية مع المحقق. الذي أخرج هاتفه للصيدلي وطلب منه المساعدة. فوافق مباشرةً.
في ذلك الأثناء استغابت سلسبيل المنتظرة بالسيارة عودة قماح مع المحقق. فنزلت من السيارة وسارت بعض الخطوات. لتدهش قدمها على شيء لين. زاحت قدمها ولم تنظر لما دهست عليه. لكن سمعت رنين هاتفها. التي تركته بالسيارة. عادت مرة أخرى دهست نفس الشيء اللين. هذه المرة نظرت له. ليذهل عقلها. انحنت سريعاً تلتقط ذالك الشيء. في نفس الوقت عاد قماح.
اقتربت سلسبيل من قماح قائلة:
"قماح ابني هنا. ده الحجاب اللي جدتي عملته له. أنا كنت دايماً بشبكه في هدومه الداخلية."
رد قماح:
"سلسبيل فعلاً احتمال كبير نكون وصلنا لمكان هند. هند كانت في الصيدلية من شوية بتشتري مستلزمات لطفل رضيع. بس ناصر مكنش معاها."
للحظة اختل توازن سلسبيل وكادت تقع لولا أن أسندها قماح سريعاً. أغمضت عينيها. رأت هند تضع على رقبة صغيرها سكين. ارتجفت وعاودت فتح عينيها قائلة:
"هند هتأذي ابني."
رد قماح:
"سلسبيل اهدى. مستحيل هند تأذي ناصر. متأكد."
ردت سلسبيل التي تشعر بحرقة قلب:
"يا ريت متأذيش. بس المكان هنا كبير. هنعرف هند فين؟"
رد المحقق الذي أتى:
"كاميرا السوبر ماركت رصدت دخول الخاطفة بعربيتها في جراج العمارة دي. بس طبعاً منعرفش هي ساكنة في أي شقة. خلينا نسأل البواب يمكن يدلنا على رقم الشقة."
بالفعل بعد قليل أمام الشقة التي بها هند. وقف بواب العمارة يرن جرس الشقة.
ارتبكت هند واتت بسكين من المطبخ ووقفت خلف باب الشقة. تسمع لمن يقول:
"أنا بواب العمارة يا ست هانم. حضرتك وقع منك بعض الطلبات اللي كنتي جايباهم وأنا جيبتهم ليكِ. افتحي خديهم."
نظرت هند لتلك الأكياس الموضوعة خلف باب الشقة. بالفعل هناك كيس ناقص. فتحت الباب بمواربة ومدت يدها له قائلة بحذر:
"هات الكيس."
مد البواب يدهُ. لكن تفاجئت هند حين قام أحد بدفع الباب قوياً. لترتد للخلف ويفتح الباب بأكمله.
صعقت هند وهي ترى أمامها قماح وخلفه سلسبيل ومعهم آخر غير البواب. ذهبت سريعاً وحملت ذالك الصغير الذي انسرع بين يديها يبكي. لم تهتم لذلك. ووضعت السكين على عنقه قائلة بتهديد:
"خطوة واحدة من أي حد هدبحه وأحسر قلبكم عليه. زي ما حسرتوا قلبي قبل كده وبالذات انتي يا سلسبيل. قماح فضلك عليا بسببه. ونكر حبه ليا."
تحدثت سلسبيل بتوسل:
"هند مش ناصر هو اللي السبب في إن قماح ينكر حبه ليكي. أنا السبب. أنا اللي بتلاعب بمشاعر قماح. فاكرة لما قولتي لي إني بستمتع بلفت نظر قماح بسكوتي قدامه وتجنبي له. أنا فعلاً كنت بعمل ده عن قصد. أنا اللي بينك وبين قماح مش ناصر. أنا اللي لو اختفيت من قدام قماح. هيرجعلك. اقتليني أنا."
كانت سلسبيل تتحدث وهي تسير نحو هند. التي تبسمت وهي تنظر لقماح قائلة:
"أهو سمعت بنفسك. سبق وقولت لك نفس الكلام. أهي بتعترف بنفسها."
ردت سلسبيل:
"أنا فعلاً عمري ما حبيت قماح. كنت بلعب واخداه تحدي عشان أخطفه منك."
نظر قماح لسلسبيل بتعجب.
بينما اقتربت سلسبيل من هند. لم يعد سوا خطوة. لاحظت هند اقتراب سلسبيل منها. ثبتت السكين على عنق الصغير قائلة بتهديد:
"ارجعي يا سلسبيل بدل ما أقتله؟"
ردت سلسبيل بتوسل وإقناع:
"قولتلك مش ناصر اللي بينك وبين قماح. أدي ناصر لقماح واقتليني أنا. وقتها مش هيبقى حد بينكم وهيرجعك له تاني."
نظرت هند نحو قماح الذي اقترب هو الآخر. تبسمت له فتبسم هو الآخر. بعدت هند السكين عن عنق الصغير ومدت يدها به نحو قماح. لكن سبقت سلسبيل وخطفت من يدها الصغير. لكن تسرعت هند وقامت بمحاولة طعن تلقاها قماح.
***
أمام المشفى
صعدت هدى إلى السيارة. لم تنتبه لـ نظيم الذي خرج هو الآخر من المشفى خلفها بعد مشادة كلامية حدثت بينهم قبل قليل. سار السائق بالسيارة. سريعًا قبل أن يصل نظيم إليهم. قرر نظيم الصعود لسيارته وتعقب سيارة هدى. حاسمًا أمره اليوم سيضع كل النقاط بمكانها.
أثناء سير السيارة بالطريق اتخذت طريق آخر جانبي لا يؤدي إلى دار العراب. طريق ترابي ثم طريق غير ممهد. تعجب نظيم من ذلك وسار خلف السيارة التي لم تنتبه سائقها لم يتعقبه. ليفاجئ بالسيارة توقفت أمام أحد الأماكن النائية. ورأى ما ذهله عقله. هدى تترجل من تلك السيارة وتسير مع السائق تدخل إلى ذلك المكان بإرادتها.
رواية عش العراب الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سعاد محمد سلامه
في محل الصاغة.
صاحت هند قائلة بعدم تصديق:
"إنت كداب! الكوليه ده دهب أصلي حتى مطعم بفصوص ألماس."
رد الصائغ:
"لو سمحتي يا مدام بلاش تعلي صوتك في المحل عشان الزباين. قدامك محلات الصاغة كتير تقدري تسألي فيها، بس متأكد إن الكوليه ده تقليد متقن والفصوص اللي فيه دي مش ألماس دي أحجار صناعية ملونة، زي الإزاز كده."
ذهلت زهرة وغادرت محل الصائغ تحسم أمرها، عليها أن تتأكد من بقية تلك المصوغات التي بحوزتها والتي أتى بها ذلك الحقير نائل.
عادت إلى الشقة، أتت بذلك الصندوق وعادت لمحل الذهب.
وضعت أمامه علبة الصيغة قائلة:
"عاوزاك تتأكد تاني، وشوفلي كمان اللي في بقية العلبة دي."
تنهد الصائغ قائلاً:
"تحت أمرك."
فحص الصائغ المصوغات الموجودة في العلبة، إلى أن انتهى من آخر قطعة قائلاً:
"للأسف كل اللي في العلبة دي مش دهب، دي مشغولات فالصة، زي ما قلت لحضرتك تقليد متقن."
ذهلت زهرة قائلة:
"بس الكوليه والمصوغات اللي في العلبة كمان، اللي اشتراها ليا كان بيشتريها من محلكم، حتى معايا العلب اللي كان بيجيبها فيها."
أخرجت زهرة إحدى العلب القطيفة ووضعتها أمام الصائغ، فقال بود:
"يا مدام عادي، إحنا أوقات كتير بيطلب منا علب دهب كنوع من الهدايا مع الشبكات أو حتى كنوع من الدعاية لينا."
"وبعدين مين اللي كان بيشتري لك الأطقم دي؟ زوج حضرتك؟"
ردت زهرة:
"لأ."
تنبه الصائغ قائلاً:
"أمال مين ده؟ أكيد واحد نصاب، بلّغي عنه."
قال الصائغ هذا ونظر لزهرة بدونية واتهمها:
"ولا تكون دي لعبة وجاية تنصبي علينا هنا في المحل، وتسيئي سمعة المحل؟ أنا ممكن أطلبلك البوليس فورًا."
نظرت زهرة للصائغ برعب ثم لمّت تلك المصوغات المزيفة ووضعتها بالعلبة قائلة لنفسها:
"إزاي الحقير ده قدر يضحك عليا؟ كان يستحق القتل والتقطيع من جثته."
بينما تعجب الصائغ من جمعها لتلك المصوغات بعد أن علمت أنها مزيفة، ولم ترد عليه وأخذت العلبة وغادرت سريعًا، أيقن أنها ربما كاذبة وكانت تود النصب عليه.
بينما غادرت زهرة المحل برجفة أن يطلب لها الصائغ البوليس كما قال، لم تنتبه لذلك المشرد الذي يتعقبها بعد أن زاغ بصره على ذلك الصندوق التي خرجت به، ظنًا منه أنه كنز بالنسبة له.
بينما أجزمت زهرة لو أن أمامها نائل الآن لن يكفيها طعنه آلاف الطعنات. سارت بالشوارع دون شعور منها إلى أن شعرت بالجوع، دخلت إلى أحد محلات الطعام الصغيرة، طلبت بعض الطعام. وضعت علبة المصوغات على طاولة وجلست تنظر لها بحسرة كبيرة. لكن لمع في عقلها فكرة أن تذهب إلى والدتها كي تزكيها لدى هدى وتطلب منها العودة لدار العراب. لكن سريعًا تذكرت خنقها لعمتها، وقول عمتها بأنها السبب بإدمان رباح.
"أين هو؟ هو الوحيد القادر على انتشالها الآن من ذلك المأزق."
تحدثت زهرة لنفسها:
"لو بس أعرف هو فين، متأكدة أنه هيصدقني، ويرجعني تاني دار العراب، حتى لو غصب عنهم زي قبل كده. والمرة دي هيبقى سهل أدخل وسطهم بالجنيه اللي في بطني، لازم أحافظ عليه، هو دلوقتي فرصتي إن أرجع غصب عنهم."
"بس أنا دلوقتي محتاجة مصاريف، الغبية هند خدت كل الفلوس اللي كانت فاضلة معايا. كانت غلطتي إني بدل ما كنت الفلوس أحطها باسمي في أي بنك، كنت بقول الدهب أفضل. ضحك عليا الحقير نائل وكان بيجيلي دهب مغشوش. مفيش قدامي طريق غير ماما، آهو أطلب منها مبلغ أمشي بيه نفسي لحد ما رباح يظهر."
قامت زهرة بالاتصال على هاتف والدتها لكن يعطي خارج التغطية.
زفرت زهرة نفسها بغضب وحاولت الاتصال على حماد، يعطي رنين لكن لا رد.
تضايقت زهرة ووضعت الهاتف أمامها على الطاولة تشعر ببؤس ازداد حين وضع النادل أمامها ذلك الطعام البسيط. نظرت له باشمئزاز لكن هي جائعة وما معها من مال لا يكفي إلا لذلك الطعام. امتثلت لنداء معدتها والتهمت ذلك الطعام الذي لا طعم له في حلقها لكن سد جوعها، كي تستطيع السير والعودة إلى شقتها.
***
بالمشفى.
انتهى الطبيب من تضميد جرح بعضد يد قماح، ثم ترك الممرضة تقوم بلف لصق طبي عليه. في ذلك الأثناء قال الطبيب:
"ممنوع تقرب مياه من الجرح، لأنه جرح كبير موصل للعضمة. هكتبلك نوع مسكن تاخده غير مضاد حيوي وتقدر تيجي المستشفى كل يوم تغير عالجرح. ملوش لازمة وجودك هنا."
أخذ قماح الورقة التي دون بها الطبيب العلاج قائلاً:
"تمام، متشكر يا دكتور."
خرج الطبيب خلفه الممرضة. بينما ظل قماح جالساً، لا يشعر بألم بسبب بعض المسكنات، لكن يشعر بألم في صدره وهو يتذكر قبل دقائق كان من السهل أن يخسر طفله أو سلسبيل.
بالعودة بالزمن.
حين مدت هند يدها بالصغير لقماح، تغلب على سلسبيل شعور الأمومة. خطفت ناصر سريعًا تضمّه حتى لو لآخر مرة بعمرها. لكن ارتبكت هند في ذلك الوقت، كانت عادت سلسبيل للخلف. توحشت عين هند وهي ترى سلسبيل هي من أخذت الطفل، فأقتربت منها بالسكين تود طعن أحدهما، سلسبيل أو حتى الطفل، المهم أن تتشفى وتنال الانتقام من سلسبيل. لكن في نفس اللحظة تدخل قماح وأخذ الطعنة بعضد يده. انهارت هند حين رأت قماح ينزف وألقت السكين قائلة بلهفة:
"قماح حبيبي، مكنش قصدي."
ابتعد قماح عن هند قائلاً:
"قصدك ولا مش قصدك، ابعدي عن حياتي يا هند. سبق واعتذرت لك."
ردت هند بهستيريا:
"لأ، مقدرش أبعد عنك يا قماح ولا عن الولد. سلسبيل هي اللي لازم تبعد عن حياتنا نهائي."
قالت هند هذا وانحنت تمسك السكين مرة أخرى وحاولت التهجم على سلسبيل، لكن أسرع المحقق قيد يديها ووضعهم خلفها وقام بوضع الأصفاد في يديها، ليُلقي القبض عليها وهي تهذي وتسب وتلعن في سلسبيل.
بالعودة.
عاد قماح من تلك الذكرى على صوت فتح باب الغرفة. نظر أمامه رأى سلسبيل تدخل تحمل صغيرهم. سرعان ما تبسمت له قائلة:
"جدتي قالتلي لازم ترجعي ومعاكِ قماح، مش هطمن عليه غير لما أشوفه بعيني."
نهض قماح واقفاً ثم سار نحو سلسبيل التي أخفضت وجهها بحرج حين اقترب منها وأصبح أمامها.
رفع قماح وجه سلسبيل قائلاً:
"طب ليه حاطة وشك في الأرض؟ ارفعي عينكِ في عيني وانتِ بتتكلمي. مش معقول حفيدة الحجة هدى تحط وشها في الأرض قدام جوزها. فين سلسبيل اللي كانت ند ليا؟"
رفعت سلسبيل وجهها قائلة:
"أنا عمري ما كنت ند ليك يا قماح وانت عارف إن سلمت لك من أول يوم اتقفل علينا باب واحد، بس بصراحة خفت تصدق الكلام اللي قولته، إني كنت بتلاعب بيك."
ضحك قماح قائلاً بمكر:
"بصراحة صدقت."
نظرت سلسبيل لـ قماح قائلة بتبرير:
"والله مش صحيح، أنا كنت بقول كده بحاول أشغلها عشان متأذيش ناصر."
تلاعب قماح ببراءة سلسبيل قائلاً:
"وأيه يثبتلي إنك الكلام اللي قولته ده مش صح؟"
ردت سلسبيل بسذاجة:
"قولي أيه اللي يثبتلك وأنا مستعدة أعمله."
جذب قماح سلسبيل من خصرها عليه ونظر لشفتيها قائلاً:
"بوسيني وأنا أصدق إن مكنش قصدك الكلام ده."
احمر وجه سلسبيل قائلة بتعلثم:
"قماح، إحنا في المستشفى وممكن أي حد يفتح الباب يدخل علينا."
نظر قماح لخجل سلسبيل وقال:
"طالما مش عاوزة تبوسيني، أنتِ أبوسك أنا."
أنهى قماح قوله وجذب سلسبيل يلتقم شفتيها في قبلات شغوفة. لم تستطع سلسبيل إلا الاستمتاع بتلك القبلات، لكن قطع سيل تلك القبلات، فتح باب الغرفة. ابتعدت سلسبيل عن قماح سريعاً ونظرت لصغيرها تُداري خجلها. بينما شعر النبوي بالحرج لكن تبسم وقال:
"الحجة هدى قالتلي سلسبيل راحت وغابت، جوم. ومترجعليش غير بـ قماح، عاوزة أشوفه وأطمن عليه. مش مصدقة سلسبيل لما قالت لها إنك بخير بس الجرح اللي في إيدك."
ابتسم قماح قائلاً:
"تمام، خلينا نروح لها أنا كمان عاوز أطمن عليها."
بعد دقائق.
دخل النبوي إلى غرفة هدى قائلاً:
"جبت لك قماح أهو عشان تطمني بنفسك عليه."
تبسم قماح وذهب إلى الفراش وانحنى على يد هدى يُقبلها. تبسمت له هدى بحنان قائلة:
"تنك زين يا ولدي، مبارك إن ربنا رد لكم ولدكم. ربنا يبارك لكم بحياتكم."
رد قماح:
"ويبارك لينا فيكي يا جدتي."
تبسمت النبوي بحنان وهو يأخذ ناصر من يد سلسبيل التي أشاحت بوجهها عنه تشعر بخجل. أخذ ناصر وجلس على الفراش جوار هدى قائلاً:
"وادى ناصر بيه العراب اللي رعب قلوب الكل عليه. أنا بقول آن الآوان بقى إن سلسبيل تخاويه عشان ميبقاش دلوع أكتر من كده."
تبسمت هدى بإيماءة موافقة، بينما قال قماح:
"والله قولت كده قبلك يا بابا، حتى اسأل سلسبيل."
خجلت سلسبيل أن ترد. تبسم النبوي وهو يرى خجل سلسبيل. هذا الخجل الذي كاد أن يفرق بينها وبين قماح حين كان يعتقد أن تجنبها له كان نفوراً منه. سلسبيل ورثت قوة ورجاحة عقل هدى، لكن لديها خجل زائد. مع الوقت فهمها قماح وتعامل مع ذلك الخجل.
صدح هاتف النبوي. نظر إلى شاشته وقال:
"ده من كارم. هرد عليه."
نظر النبوي ناحية هدى قائلاً:
"الحجة هدى الحمد لله. المهم وأخوك محمد عامل إيه؟"
رد كارم:
"محمد مذهول، وأنا كمان مش بس مذهول أنا متأثر جدًا. بحمد ربنا إني آخر مرة كلمتها من يومين ردت عليا، صحيح كانت مكالمة مختصرة بس سمعت صوتها. أنا كنت ناوي أزورها النهارده. حتى همس هنا في عزاء الحريم."
رد النبوي:
"كل شيء قدر، البقاء لله. خليك جنب أخوك لنهاية العزاء."
أغلق النبوي الهاتف. نظرت له سلسبيل قائلة:
"عزاء مين يا عمي؟"
رد النبوي بتأثر بسيط:
"قدرية توفت."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"إمتى؟"
رد النبوي:
"النهاردة، ومحمد وكارم بياخدوا عزاءها. وهمس كمان لما عرفت راحت تاخد العزاء مع سميحة."
حزنت هدى قائلة:
"إنا لله وإنا إليه راجعون."
تحدثت سلسبيل وهي تنظر إلى قماح:
"البقاء لله. أنا كمان لازم أروح أعزي، عشان خاطر ولاد عمي."
أومأ قماح قائلاً:
"خلينا نرجع دار العراب نغير هدومنا ونروح نعزي سوا."
أومأت سلسبيل برأسها وذهبت لجدتها وانحنت تقبل يدها قائلة:
"ربنا يخليكي لينا يا جدتي."
مسحت هدى على ظهر سلسبيل وأومأت لها بمحبة وامتنان.
غادرت سلسبيل ومعها قماح. نظرت هدى لـ النبوي قائلة:
"سلسبيل غيرت قماح كتير في فترة صغيرة."
رد النبوي:
"قماح فهم وعرف إن سلسبيل كانت خجولة مش كارهه. والفضل يرجع ليكِ لما واجهتيه وقولتي له مفتاح شخصية سلسبيل وعرف الفرق بين الخجل والنفور واتعامل مع خجلها وعرف إنه مكنش نفور منها له."
***
بعد قليل.
بعزاء قدرية.
مد قماح يدهُ لـ كارم ثم محمد وقام بتعزيتهما، ثم وقف جوارهما يتلقى هو الآخر معهما عزاء والدتهما يشد من أزرهما.
بين النساء جلست سلسبيل جوار سميحة وهمس التي كانت منقبة، ليس خوفًا من أن يعرفها أحد، لكن حفاظًا على حرمة موت قدرية، فبدل أن تقوم النساء بالتعزية، سيريدون معرفة كيف أنها مازالت حية.
***
قبل لحظات من ترك هدى للمشفى.
خرجت من غرفة والدتها، خرج خلفها نظيم نادى عليها. وقفت له:
"تحدث بود: هدى أنا عارف الظروف اللي بتمروا بيها الأيام دي، وأنك مش قادرة تروحي الجامعة حتى السكاشن العملي مش بتحضريها. بعرض عليكِ أساعدك في أي شيء مش فاهماه."
فكرت هدى في عرض نظيم قائلة:
"بصراحة مواد الجامعة مش صعبة عليا، بس في مشكلة في اللابتوب بتاع حماد بصراحة كنت مكسوفة أطلب منك تساعدني فيها."
شعر نظيم بالغيرة قائلاً:
"إيه اللي على اللابتوب بتاع حماد وعاوزة تعرفيه؟ ليه شاغلة بالك قوي كده؟"
ردت هدى:
"هيكون إيه ده ملف عادي، وانت اللي عرضت المساعدة، بس تقدر تعتذر."
رد نظيم:
"هدى أنا ملاحظ إنك مهتمة زيادة ليه بـ حماد، يمكن معجبة بيه والملف اللي عاوزة تفتحيه فيه أسراره الشخصية."
ردت هدى بعصبية:
"أنا غلطانة إني طلبت مساعدتك بس انت اللي عرضت في البداية، وأسرار حماد إيه الشخصية اللي هيبقى عندي فضول أعرفها؟ انت غلطان."
رد نظيم:
"وأيه الصح؟ حماد ابن عمتك وعلى طول بشوفه قريب منك وانتِ بتبقي مبسوطة بنظرات الإعجاب اللي بتنط من عينيه."
تضايقت هدى قائلة:
"وانت مالك ببقى مبسوطة بنظرات إعجاب حماد أو لأ. تفرق معاك في إيه؟"
رد نظيم بضيق:
"هدى بلاش تفهميني غلط، هتفرق معايا نظرات حماد في إيه؟ أنا قصدي أحذرك لأنك بالنسبة لي..."
توقف نظيم عن البوح. بينما أرادت هدى منه الاعتراف فقالت له:
"بالنسبة لك إيه؟ كمل كلامك."
رد نظيم:
"أنتي بنت عم جوز أختي، وبالنسبة ليا زيك زي سميحة أختي."
نظرت هدى لـ نظيم بخيبة أمل قائلة:
"بس أنا مش أختك يا نظيم. ولا انت بالنسبة ليا زي ولاد عمي، وبعد كده يا ريت تلتزم بحدود معايا."
قالت هدى هذا وتركت نظيم يقف نادماً، يشعر بغصة في قلبه لما لم يقل لها أنها تهمه لأنه قلبه يدق لها، وأنه يشعر بالغيرة حين يرى ذلك الوغد يتودد لها. لكن لن يستسلم ليحدث ما يحدث بعد ذلك.
خرج سريعًا كي يلحق بهدى، لكن كانت قد سارت بالسيارة. فقرر تعقبها والبوح لها ووضع النقاط معها على الحروف. إن كان لديها القبول بالتخلي عن ثراء عائلة العراب والعيش معه بمنزل والدته وبناء حياتهما معاً لن يضيع وقت.
بينما بالسيارة تدمعت عين هدى، لما لم يشعر نظيم بها، واتهمها بأنها معجبة بذلك الحقير الذي تكره فقط النظر إليه. تعلم نواياها الدنيئة يريد ثراء واسم عائلة العراب، لا تفرق هي معه.
أزالت هدى تلك الدمعة التي علقت بين أهدابها. تعجبت حين شعرت بأكثر من مطب في الطريق، نظرت خارج زجاج السيارة، تعجبت ليس هذا طريق المنزل. فتحدثت للسائق بتنبيه:
"إيه الطريق ده، انت غلطت في الطريق ولا إيه؟"
رد السائق:
"لأ، هو ده الطريق يا حلوة."
تعجبت هدى من طريقة رد السائق وقبل أن تتحدث استدار لها وقام برش رذاذ على وجهها جعلها تصمت، بينما هو نظر لها بظفر قائلاً:
"أنتِ حلوة قوي يا موزة بصراحة الريس ذوقه حلو، كل مرة واحدة أحلى من التانية."
بعد قليل وصل السائق إلى المكان المتفق عليه. ترجل من السيارة ثم فتح الباب الآخر ومد يدهُ لـ هدى قائلاً بغمزة وقاحة:
"يلا انزلي يا حلوة وصلنا."
طاوعته هدى ونزلت من السيارة يسحبها من يدها تسير بجواره. من يراها يتأكد أنها تسير بإرادتها معه، لكن بالحقيقة عقلها يرفض وعينيها تتجول بكل مكان بحثاً عن منقذ.
بالفعل ها هو المنقذ.
ترجل نظيم من السيارة وجرى سريعاً قبل وصول ذلك السائق وهدى إلى ذلك المخزن. نادى نظيم:
"هدى."
وتوقفت هدى والتفتت إليه. شعرت بنجاة لها. نظرت لـ نظيم كأن عينيها تستغيث به، فهي تشعر أنها تسير مسلوبة الإرادة.
اقترب نظيم من مكان وقوف هدى سريعاً ينظر للسائق قائلاً:
"أنت ماسك إيدها كده ليه؟ أنت مين؟"
رد السائق ببجاحة:
"أنت اللي مين؟"
رد نظيم ولم يعد يفصله عن هدى سوى خطوات:
"أنا خطيب الآنسة اللي انت ماسك إيدها. ابعد إيدك عنها. انت كداب، أنا عارف كل السواقين اللي بيشتغلوا في دار العراب."
ارتعب السائق وترك يد هدى وكاد يهرب لولا أن لكمه نظيم بقوة ليسقط على الأرض. حاول النهوض سريعًا لكن نظيم باغته بضربات كثيرة وأفقده القدرة على الهرب حتى أن بعض المارة بالمكان حاولوا الفصل بين نظيم والمجرم، لكن قال نظيم لهم أنه سارق، فآتى أحد المارة بحبل وقيده بإحكام، ووضعه في حقيبة سيارة نظيم.
نظيم الذي عاد ينظر لـ هدى بإندهاش، هي لا تعطي أي رد فعل. ظلت واقفة مكانها من البداية للنهاية، حتى أنها لا تتحدث. عينيها تتحرك فقط.
مد نظيم يدهُ لـ هدى. نظرت ليده الممدودة، لا تعرف كيف تحركت يدها ومدتها له، لتسير بجواره تشعر بالأمان.
بعد قليل بأحد المخازن التابعة لـ عائلة العراب.
نهض ناصر واقفاً ينظر إلى هدى التي دخلت تسير بجوار نظيم. تلهف سريعًا وقطع الخطوات وجذب هدى يحتضنها بقوة بين يديه ثم نظر لـ نظيم قائلاً:
"متشكر يا نظيم، انت أنقذت بنتي. جمايلك زادت عندي."
رد نظيم:
"سبق وقولت لك مفيش بينا جمايل يا عم ناصر. المجرم في شنطة العربية. أنا رأيي قبل ما تسلمه للشرطة اعرف منه مين اللي سلطه، لأنه بالتأكيد هينكر ويحاول يوالس على اللي أمره. حضرتك لما اتصلت عليك وقولت لك إني شفت العربية بتدخل طريق تاني جانبي غير الطريق اللي بيودي لـ دار العراب. بس حضرتك بعد شوية اتصلت عليا وقولت لي إن السواق جالك الأوضة وفكر إن حد تاني أخد العربية، ففضلت وراها، وزي ما توقعت إن ده شخص حقير وله غرض دنيء."
نظر ناصر لـ هدى التي جلست على أحد المقاعد لا تعطي أي رد فعل، قائلاً:
"فعلاً كان له غرض دنيء وربنا ستر. أنا ليا حساب مع الحيوان ده."
بعد قليل، صرخ ذلك المجرم من قسوة الضرب. فقال له ناصر:
"اعترف وريح نفسك لأني مش ناوي أخلي الرجالة يبطلوا فيك ضرب. قولي مين اللي بعتك وكان غرضه إيه؟"
صمت المجرم، لكن نظر ناصر لأحد الرجال أن يعاود ضربه، فصرخ بترجٍ:
"هعترف. أنا كان كل مهمتي أخد الحلوة."
توقف المجرم حين شعر بصفعة قوية من نظيم يعقبها نظرة تحذير.
فقال:
"قصدي آخد الأبلة المخزن لـ حماد بيه."
صاعقة قوية نزلت على ناصر كأنه لم يعد يسمع بعدها، فقد السمع للحظات، أو ربما أراد فقد السمع بالفعل في هذه اللحظة.
بينما نظيم توجه إلى مكان جلوس هدى التي بدأت تعود لرشدها وتبكي. نظر لها قائلاً:
"هدى..."
هزت رأسها. تنهد نظيم براحة قائلاً:
"أخيراً."
بينما ضم ناصر هدى بحنان. كم كان نظيم يود أن يحتضنها هو الآخر، وربما هي الأخرى كانت تريد ذلك، لكن يكفيها الآن حضن ناصر الذي أعاد لها الأمان.
***
بالمخزن.
الجحود يصرخ.
صرخ حماد من قسوة ما يشعر به من ألم بعد أن قام بعض الرجال بضربه بقوة وقاموا بتقييده. فبعد أن كان ينتظر أن يأتي له المجرم بـ هدى ويتنعم بها، فوجئ بدخول بعض الرجال الأشداء عليه المخزن وقاموا بضربه وتقييده دون سبب، هكذا يظن وهو يتوسل لهم، إلى أن دخل أحدهم عليهم يقول:
"واضح الرجالة قاموا معاك بالواجب يا خسيس."
نظر حماد بهلع قائلاً:
"الحاج رجب السنوري."
صفعه قوية من رجب لـ حماد تكاد أذنه تصم بعدها وهو يسمع رجب المتهجم:
"خاين وخسيس، غبائك صور لك إني مش هعرف إن إنت اللي سرقت البضاعة من السرداب، بس الكاميرات كشفتك."
رد حماد بهلع وكذب:
"والله ما كان غرضي السرقة يا حاج رجب، أنا خوفت إن حد من الرجالة يطمع، وقولت أحتفظ بالبضاعة عندي في مكان آمن لحد ما تعدي أزمة موت المرحوم نائل. إنت عارف إني أنا ونائل كنا أصحاب، لأ أصحاب إيه كنا زي الأخوات وأنا كذا مرة ساعدته وهربت البضاعة في قلب بضايع العراب."
صفعه رجب بقسوة قائلاً:
"عشان كده متأكد إنك خاين يا حماد، اللي يعض الإيد اللي تتمد له يبقى خاين، وعقابك هتاخده. بس الأول هتقولي فين البضاعة اللي انت سرقتها."
بهلع رد حماد:
"البضاعة هنا في الهنجر ده، ده المكان اللي كنت أنا ونائل بنتقابل فيه دايمًا بعيد عن العيون."
نظر رجب إلى المكان قائلاً:
"شكلك كنت بتجهز لحاجة مهمة النهارده، بس متخافش رجالتي هيقوموا معاك بالواجب."
أشار رجب للرجال بمعاودة ضربه قائلاً:
"عاوز أسمعه بيصرخ زي النسوان."
لكن لسوء الحظ سمعوا صوت خبط قوي على الهنجر ثم دخول مفاجئ للشرطة.
عنصر المفاجأة ألجم الجميع، مما سهل على الشرطة التعامل مع هؤلاء الأوغاد والقبض عليهم، وما كان سوى هذا بالنسبة لـ حماد سوى رحمة أرسلت له لا يستحقها.
***
ليلاً.
بدار العراب.
بشقة محمد.
تسطح فوق الفراش يُغمض عيناه يشعر بألم جم في صدره وهو يعود بخياله صورة والدته، وهي نائمة فوق الفراش، حين دخل عليها بالطبيب.
فتح عيناه حين شعر بيد سميحة تضعها على صدره ثم قولها:
"محمد، انت هتنام بملابسك."
نظر محمد لـ سميحة كثيراً بصمت.
تعجبت سميحة قائلة:
"بتبص لي كده ليه؟ زعلان مني عشان مقولتش لك على الموبايل إن حماتي ماتت؟ والله خوفت عليك من الصدمة."
رغم حزن قلب محمد، جذب سميحة لصدره يضمها وقبل رأسها قائلاً:
"مستحيل أزعل منك يا سميحة، انتي عملتي الصح. يمكن لو كنتي قولتي لي إن ماما ماتت مكنتش هجيب معايا الدكتور يكشف عليها ويكشف الجريمة اللي حصلت لها."
رغم تعجب سميحة، قالت:
"ومين اللي هيكون قتلها وجاله قلب إزاي يقتلها؟ أنا أما بدبح فرخة بزعل عليها وهي بتفرفر قدامي. بس عرفت إن عمتك طلعت براءة، مين اللي هيكون عمل كده."
رد محمد:
"مش عارف، حاسس إني في كابوس. ماما صحيح طول عمرها كانت مديّة اهتمامها لـ رباح أكتر مني أنا وكارم، مستغرب كمان فين رباح وإزاي محضرش عزاء ماما. قماح جه حضر العزاء ووقف معانا رغم إن ماما عمرها ما قبلته."
ردت سميحة:
"غريبة فعلاً عدم حضور رباح لعزاء مامتك، يمكن تكون زهرة السبب."
تنهد محمد قائلاً:
"زهرة وماما هما سبب قسوة رباح، خايف على رباح يدفع التمن زي ماما. لما عاشت بعيد عن دار العراب اتقتلت."
***
مكان قريب من الشقة التي تعيش فيها زهرة.
كانت تسير على قدميها تحمل بين يديها علبة المصوغات المقلدة، تشعر بإنهاك من كثرة السير. تسير غير منتبهة لذلك المتعقب لها الذي ينتظر فرصة ويقتنص منها تلك العلبة التي بين يديها يعتقد أنها صيد ثمين سيظفر به.
بالفعل بعطفة مظلمة له بالطريق كان هناك فرصة سانحة له حين تهجم عليها مباغتة وقام بدفعها بقوة كبيرة نحو أحد الحوائط، خبطت فيه ثم ارتدت تسقط على الأرض، أخذ ذلك الصندوق منها سريعًا وهرب. تركها تصرخ، وهي ملقاة أرضًا تشعر بألم كبير، وضعت يدها على بطنها وحاولت النهوض، حين اجتمع بعض المارة حولها، منهم من رأى ذلك اللص وهو يدفعها ويسرقها ويهرب، والآخر حاول مساعدتها على النهوض، إلى أن نهضت فعلاً لكن شعرت بسيلان بين ساقيها. نظرت لهما وصرخت قائلة بتوسل:
"ابني، أنقذوني، ابني لازم يعيش."
انصعق البعض وقال أحدهم:
"في مستوصف طبي قريب من هنا، خلينا ناخد المدام له بسرعة."
بالفعل ما هي إلا دقائق وكانت بالمستوصف تصرخ من قوة الألم، ترفض تعامل أحد الأطباء معها حين أخبرها أنها تجهض، وعليهم التدخل لإيقاف النزيف من أجلها. كانت تصرخ عليهم وتسب وهي تنظر لدمائها، ورغم الألم لا تريد أن تعترف أنها فقدت ذلك الجنين، تريدهُ بشدة فهو طريقها للعودة إلى دار العراب.
خرج طبيب المستوصف، يزفر نفسه بغضب من رفضها له، وتركها على يقين أنها لن تتحمل الألم، وستطلب المساعدة. لكن بدأت تنسحب تدريجياً، لكن قبلها همست لها إحدى النساء التي انسحبت إلى الغرفة:
"هنا مش هيعرفوا يتعاملوا معاكي كويس وفي الآخر هيسقطوكِ بالغصب، شكلك وحدانية. عندي دكتور شاطر، عيادته قريبة من هنا وممكن ينقذ ابنك، لو عاوزة أنا ممكن أساعدك توصلي لعيادته."
عادت لها القوة الواهنة وتحاملت على نفسها نهضت قائلة بصعوبة:
"خديني له بسرعة."
قالت لها المرأة:
"استني بلاش نطلع من الباب ده، في باب جانبي للمستوصف قريب للعيادة خلينا نطلع منه."
بالفعل خرجت مع المرأة وبعدها من قسوة الألم لم تشعر بأي شيء حولها. إلا أنها موضوعة على طاولة طبيبة وحولها يلتف تلك المرأة ومعها طبيب آخر، وتركت بعدها كل شيء خلفها.
نظر الطبيب للمرأة قائلاً:
"متأكدة إن محدش شافك وانتِ طالعة معاها من المستوصف."
ردت المرأة:
"أيوا يا دكتور، حتى واحنا جايين على هنا سألتها إن كانت عاوزة تكلم حد من قرايبها ينجدها، قالت ملهاش حد."
تبسم الطبيب للمرأة بظفر.
***
بدار العراب.
شعر قماح بألم في يده المصابة حين خبطت سلسبيل بها دون قصد. لاحظت سلسبيل ذلك فقالت باعتذار:
"آسفة، مخدتش بالي."
تبسم قماح وضمها بيده السليمة قائلاً:
"سلسبيل أنا بعد اللي مرينا بيه الفترة الأخيرة دي بفكر آخدك انتي وناصر ونسافر إجازة في أي مكان نغير جو."
ضمت سلسبيل قماح قائلة:
"موافقة، بابا قال إن الدكتور هيكتب لـ ماما بكرة على خروج وكمان جدتي قالت إنها بتكره المستشفيات وخلت عمي طلب من الدكتور يكتب لها خروج هي كمان وهيرجعوا لهنا بكرة، بس قولي هتاخدنا فين؟"
قبل قماح خد سلسبيل قائلاً:
"بصراحة أنا كان نفسي آخدك لوحدك ونسيب ناصر، بس الوضع ميسمحش بكده، بس قدامك الاختيار، عاوزة تروحي فين؟"
فكرت سلسبيل بضحك:
"طبعاً مينفعش نسيب ناصر بيه مع اللي هنا وهما في الحالة دي، ولو عليا عاوزة أروح بيت الجزيرة، بس بصراحة نفسي أروح مكان بعيد عن هنا شوية، ممكن نروح الغردقة أو شرم الشيخ، أو أي مكان فيه بحر."
تبسم قماح قائلاً:
"تمام، بكرة نطمن على جدتي ومرات عمي إنهم رجعوا لدار العراب بخير والمسا نسافر، وأمري لله ناخد ناصر معانا، لازم نستحمل رذالته."
ضحكت سلسبيل، بينما قماح ضمها قوياً ينظر لعيونها السوداء قائلاً:
"بحبك يا سلسبيل."
أنهى قوله بقبلة سرعان ما تجاوبت معه سلسبيل مرحبة.
***
أشرقت شمس جديدة تكشف حقائق.
هناك خائنة انتهت حياتها بطريقة بشعة.
بأحد المشافي الحكومية بغرفة خاصة.
وقف الطبيب يقول:
"بلغت الشرطة عن الجثة دي."
رد الآخر:
"أيوا يا دكتور، المستشفى بلغت الشرطة إن جالنا جثة متاخد منها أعضاء جسمها الداخلية، وجدوها الأهالي من ساعتين مرمية في وسط كوم زبالة."
***
بدار العراب.
ذهبت سلسبيل خلف قماح تحمل صغيرها إلى مكان وقوف سيارته بحديقة المنزل.
لكن رن هاتفه نظر للشاشة ثم لـ سلسبيل. رد على الشرطي واستمع له ثم قال:
"تمام ساعة وأكون عندك في القسم."
أغلق قماح الهاتف ونظر لوجه سلسبيل وقبل أن تسأله قال:
"ده الظابط اللي قبض على هند، طالب مني أروح له القسم لأمر هام."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"وأيه هو الأمر الهام ده؟ مش أخد أقوالنا امبارح."
رد قماح:
"معرفش بصراحة، هو قالي كده وخلاص، هروح القسم وبعدها هروح المقر. الشغل واقف، كان نفسي آخدك معايا، بس مين هيراعي ناصر بيه في غيابك."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"عمي اتصل من شوية عالشغالة وقالها تجهز أوضة جدتي، هما على وصول. وماما كنت هروح لها المستشفى، قالتلي لأ خايفة على ناصر لا يلقط عدوى من المستشفى، حتى امبارح زعقت لي لما شفته معايا هناك. بابا مكنش قالها على اللي حصل، ولما عرفت زعلت منه إنه خبى عليها."
تبسم قماح ونظر حوله لم يرى أحد، فقام بتقبيل وجنة سلسبيل ثم وجنة ناصر قائلاً:
"يلا أنا همشي عشان متأخرش على ميعاد الظابط وبعدها هروح عالمقر، هبقى أتصل عليكِ."
ابتسمت سلسبيل قائلة:
"اطمن علينا، إحنا مش هنخرج من الدار هنقعد ننتظر جدتي وماما."
تبسم قماح وصعد إلى السيارة وغادر.
بينما سلسبيل وقفت حائرة في طلب الشرطي من قماح الذهاب إليه. لماذا؟ هل الموضوع مرتبط بـ هند.
رواية عش العراب الفصل الأربعون 40 - بقلم سعاد محمد سلامه
بـ منزل نظيم
بعد محاولات قليلة، فتح ذالك الملف الموجود على حاسوب حماد ليفاجئ بمحتواه. كيف لهذا الوغد أن يكون بكل هذا السوء ويعض اليد التي امتدت له؟ ما بهذا الملف كفيل بدمار عائلة العراب.
ترك نظيم الحاسوب وفتح هاتفه وقام بالاتصال على ناصر الذي قام بالرد عليه سريعًا يستفسر:
"فتحت الملف اللي هدى بعتته لك؟"
رد نظيم: "أيوه فتحته، مخدش مني وقت طويل."
رد ناصر باستفسار: "ها، قولي محتوى الملف ده فيه حاجة تدين حماد؟"
رد نظيم: "تدين مش بس حماد، تدين عيلة العراب كمان. ساعة بالكتير وأكون عند حضرتك في المستشفى باللابتوب تشوف محتوى الملف بنفسك."
رد ناصر: "تمام، في انتظارك."
---
بأحد أقسام الشرطة
دخل قماح إلى غرفة الظابط الذي نهض يصافحه، ثم جلس. لكن قبل جلوسه، أشار لقماح بالجلوس.
جلس قماح يقول باستعلام: "خير، اتصلت عليا وطلبت مني آجي لهنا للضرورة."
رد الضابط: "طبعًا، عارف إن إحنا عملنا معاينة شاملة للشقة اللي كانت خاطفة فيها السيدة هند ابن حضرتك. واكتشفنا إن الشقة مسجلة باسم المالك نائل رجب السنهوري. وكمان من بعض التحريات السريعة اللي مع البواب قال لنا إن كان نائل بيتردد على الشقة من فترة للتانية. غير كان فيه ست كل فترة تيجي له وتقعد فترة، والست دي كانت بتبقى مُنقبة. إحنا وجدنا خزنة صغيرة وفتحناها، وجدنا فيها مجموعة سيديهات غير جهاز لابتوب."
رد قماح: "طب وأنا مالي باللي وجدته بالشقة؟ أنا كان بلاغي عن هند إنها خاطفة ابني؟"
رد الضابط: "فيه حاجة وجدناها في الخزنة، كان فيه صورة لزوجتك، وكمان إحنا شوفنا أكتر من سي دي من السيديهات دي، ومحتواها إباحي."
ذهل قماح قائلاً: "مش فاهم قصدك، بوجود صورة لزوجتي والسيديهات!"
فتح الضابط ملف أمامه وأخرج صورة ومد يده بها لقماح قائلاً: "اتفضل، دي صورة زوجتك اللي كانت موجودة في الخزنة."
أخذ قماح الصورة من يد الضابط ونظر لها، شعر بغيرة لكن قال: "دي صورة عادية، حتى محجبة فيها. معرفش إزاي صورها نائل، أكيد صورها ناقصة."
رد الضابط: "أكيد طبعًا، بس مش صورة المدام هي المهمة. السيديهات ومحتواها الفاحش."
قال قماح بترقب: "قصدك إيه؟ يا ريت بلاش لف ودوران."
رد الضابط: "السيديهات دي مصورة نائل مع واحدة. إحنا استخرجنا لها صورة لوشها من أحد الفيديوهات. هجيب لك صورتها يمكن تتعرف عليها."
مد قماح يده يأخذ الصورة من يد الضابط بترقب، ونظر لها قائلاً بذهول: "زهرت!"
---
بـ قسم شرطة آخر
دخل حماد إلى تلك الغرفة. فك الشرطي الأصفاد من يده. نظر حماد إلى ذالك الواقف يعطيه ظهره. تنحنح حماد ليستدير له.
بمجرد أن وقع بصر حماد عليه، أسرع إليه وألقى بنفسه بين يديه يقول بتوسل: "خالي ناصر، ساعدني أنا مظلوم والله."
لم يكمل حماد قوله حين دفعه ناصر بعيدًا عنه وقام بصفعه بقوة جعلته يرتد للخلف. أنفه نزف.
تعجب حماد قائلاً: "بتضربني ليه يا خالي؟"
رد ناصر بغيظ: "لو بإيدي كنت ضربتك بالرصاص! بعد ما ساعدناك وأمنا لك مستقبل عمرك ما كنت تحلم بيه، عضيت الإيد اللي امتدت لك بالخير. إنت خسيس وجبان وخاين كمان. كنا بنأمن لك تدخل دارنا وتقعد وسطنا، وأنت ألعن من الشيطان. الكلب اللي كنت آمره يخطف هدى ويجيبها لعندك اعترف عليك هنا في القسم. واضح من ملامح وشك إنهم هنا في القسم رحبوا بيك كويس، لأ ولسه كمان اللابتوب بتاعك والملف اللي كان عليه يثبت كل جرائمك القذرة. وصل بيك الخيانة إنك كنت بتنقل لرجب السنهوري المخدرات وسط بضاعتنا، ولا صور المنحوتات بتاعة سلسبيل اللي كنت باعتها لتاجر آثار وعاوز تبيعها له على إنها أثرية وتورط سلسبيل كمان. هدى ونظيم فتحوا الملف واللابتوب، قدمنا الملف للشرطة. ولا القذر اللي كنت طالب منه يجيب لك هدى بعد ما يخدرها بنفس طريقة همس. قذارتك هتضمن لك بقية عمرك في السجن. ده إن نفدت من إيد رجب اللي كان هيشرف معاك كمان بعد ما خونته هو كمان وسرقت بضاعته. استغليت انشغاله في موت نائل شريكك في القذارة، وفي الآخر هيشيلك قضية مخدرات."
عقل حماد غير مستوعب ما يقوله ناصر. حاول الحديث، لكن صفعه ناصر قائلاً: "أمي كانت دايمًا بتمد إيديها بالخير لكم، بس الخيانة كانت في دمكم، سواء إنت ولا أختك. بس اللوم مش عليكم، اللوم على اللي زرعت في قلوبكم السواد والطمع من الأول. عطيات هي السبب بطمعها وجشعها. أنا كان سهل عليا أقتلك، بس أنا مش هلوث إيدي بدمك. ومش ضعف مني، ده قوة. هسيب القصاص لربنا وهو عادل. والقانون هو اللي يخلص منك حقي."
ظل ناصر في الغرفة ينظر لملامح حماد الذي يشعر بالهلع، هو بين مطارق الحداد من ناحية كل تلك الجرائم المتهم فيها بالأدلة، ورجب اللي ليس بعقله بعد مقتل نائل ولن يتركه قبل أن ينتقم منه على سرقة بضاعته والقبض عليه معه. بالأمس، لكن خرج رجب حين اعترف حماد مُرغمًا أن المخدرات اللي عثرت عليها الشرطة بالهنجر ملك له، خوفُ، وأخلوا سبيل رجب.
ارتعب حماد وهو يتوقع الأسوأ، لكن لم يندم وانفجر وبرر لنفسه أمام ناصر قائلاً: "إنتوا السبب، كنتم بتحسسونا إننا شحاتين، إنكم بتعطفوا علينا، وكل ده كان حق أمي اللي لهفتوه."
نظر له ناصر قائلاً: "مش متفاجئ من كلامك الغبي، بس أمك الطمع عماها. أمك أخدت حقها في ميراثها من أبويا بالكامل ويزيد كمان، حسب الشرع وقسمة الحق. الحق إن أبويا مكنش يملك غير حتة أرض صغيرة ودار العراب القديمة اللي كانت صغيرة، وبمجهودي أنا وأخويا كبرنا كل شيء. إحنا اللي كونّا وعملنا اسم وأملاك العراب، بعرقنا في الشرد والبرد. كانت عطيات بتبقى نايمة متهنية، وأنا وأخويا على السكك بين الفلاحين بنشتري منهم بالآجل أو عربون بسيط نربطهم بيه على ما نبيع محصولهم وبعدها نسدد لهم كل مستحقاتهم. كنت أنا وأخويا بنشيل شكاير القمح والدرة والرز على كتافنا زينا زي العمال."
قال ناصر ذلك ووقف يبتلع ريقه وقال بوعيد: "مبروك عليك شوف خدت إيه من طمعك وخيانتك. قدامك قضايا تتسجن فيها بقية عمرك، أو رجب السنهوري يخلص عليك بسبب خيانتك له. أحب أطمنك، رجب كان محضر اللي يقتلوا سلسبيل في سجن الترحيلات، لو مش قماح هربها، يمكن كان نجح في مؤامرته. بس ربنا كان كريم بيها وظهرت براءتها. إنما إنت كل التهم لابساك بالدلائل والبرهان."
قال ناصر هذا ثم غادر، تاركًا حماد يتحسر على ما وصل إليه حين أراد ما بيد غيره، وماذا فعل سابقًا كي يصل لمبتغاه.
[فلاش باك]
بذالك الهنجر، أخذ السائق همس وغادر، تاركًا نائل وحماد اللذان تحت تأثير المخدرات يشعران بانتشاء كأنهما يحلقان في السماء، بعد أن اغتصبوا همس وصورها على هاتف حماد بعض الصور وهي عارية.
تحدث نائل المسطول: "عارف نيتك يا معلم من الصور دي، هتبتز همس بكده، ضمنت موافقتها عليك. بقولك المرة الجاية أنا عايز سلسبيل بنفس الطريقة، بس إنت مش هتسيبها تلمسها."
رد حماد بدياثة وهو مسطول أيضًا: "لأ، سلسبيل مش على مزاجي ومعتقدش هتعرف تجيبها بنفس الطريقة. سلسبيل من يوم ما خلصت دراسة نادر لم بتخرج، كله طبعًا من قماح أفندي، عامل حصار عليها. لا منه بيجوزها ولا منه سايبها تشوف نصيبها. عيونه فضحاه، بس البت سلسبيل مش على بالها خالص، دي مش بتقعد في مكان هو فيه. عاوز سلسبيل، مفيش قدامك غير الطريق المباشر وإنت وحظك. بس عارف مين اللي يساعدك ويسهل لك الطريق؟ هند أختك. لو قماح ردها، يبقى الطريق خالي قدامك. بعدين هطير الدماغ اللي عملتها بسيرة سلسبيل ليه."
رد نائل: "أنا بستغرب إنت ليه عملت كده في همس، مدخلتش مباشر لدار العراب؟ دي بنت خالك."
رد حماد وهو يزفر نفس تلك السيجارة بانتشاء: "همس مغرمة بقماح بيه، وهو مش شايفها. وكارم مغرم بها وهي مش شيفاه."
ضحك حماد بسطله كأنه في عالم آخر يرسمه خياله أنه وصل إلى مراده. وقف قائلاً: "كفاية كده، لازم أروح عشان عندي شغل بكرة في الشونة عشان أعرف أدس البضاعة بتاعتك وسط البضاعة اللي هتتسلم بكرة. بقولك المرة الجاية عمولتي هتزيد خمسين في المية."
رد نائل: "بلاش طمع ولا مقاطعة، كفاية عشرين في المية. أنا عملت معاك الواجب النهارده. كنت هتجيب الموزة فين؟"
رد حماد وهو يتمطوح بجسده: "تشكر، يلا لو فضلنا نرغي الدماغ اللي عاملها هتروح مني. سسســـلم." يكمل حماد كلمته حين وقع هاتفه من يده بالخطأ براكية النار التي كانت موضوعة في المكان واصطدم بها بالخطأ. وبسبب اشتعال جمراتها، احترق الهاتف. قبل أن يضع حماد يده ويحاول أخذه من بين الجمرات، أخذه ساخن ومحترق بعض الأجزاء، كأنه فاق من سطلته على صاعقة ضربت رأسه. وقف يتحسر على الهاتف الذي شبه احترق. ضاعت فرصته في ابتزاز همس بتلك الصور.
[عودة]
شد حماد في خصلات شعره بقوة. هو خسر كل شيء. تحدث بندم، ليس على نية توبة، بل قال: "لو مكنش الموبايل اتحرق وقتها كنت ساومت همس بالصور، لكن الغبية كمان مستنتش وعملت فيها البريئة وخلصت عارها بإيدها وانتحرت..."
عاود حديث ناصر برأسه. هو الآن أمامه كل الطرق مغلقة، نهايتها الظلام الذي اختاره بيده حين تطمع.
---
بـ دار العراب
بعد الظهر.
دخل النبوي بـ هداية التي استقبلها جميع من بالدار بترحيب ومحبة كبيرة صادقة.
حتى سلسبيل التي انحنت تقبل يدها. وضعت هداية يدها على رأس سلسبيل قائلة: "تسلمي يا بتي."
قبلت هداية وجنة ذلك الصغير الذي تحمله سلسبيل. تبسم الصغير لها كأنه هو الآخر يرحب بعودتها سالمة.
دخلت هداية إلى غرفتها مباشرة بعد أن قال النبوي: "الحاجة هداية بخير، اطمنوا كلكم، بلاش الوقفة دي، يلا شوفوا أشغالكم."
دخلت سلسبيل خلف هداية تساعدها في التمدد على فراشها.
في ذلك الوقت، دخل قماح عليهم، فتعجبوا من عودته بهذا الوقت للدار.
بينما لاحظ قماح تعجبهم فقال: "جيت أطمن على جدتي وكمان فيه شوية أوراق محتاج إمضتك يا بابا عليها."
تبسم النبوي قائلاً: "تمام، تعالى بينا على المكتب أمضيلك على الأوراق اللي معاك دي."
حين اقترب النبوي من سلسبيل، مال ليقبل ناصر، لكن الصغير أراد منه أن يحمله.
تبسم النبوي وأخذه من سلسبيل قائلاً بمزح: "واضح إن الجينات الوراثية غالبة على العراب الصغير. تعالى معانا المكتب أهو تاخد خبرة بدري وتريح جدك."
تبسمت له سلسبيل قائلة: "ربنا يديك الصحة يا عمي."
غادر النبوي ومعه قماح. بينما سلسبيل قالت لهداية: "هاروح أعملك كوباية ينسون."
تبسمت هداية لها بحنان قائلة: "كنت لسه هقولك اعملي لي كوباية ينسون تبل ريقي وتجري الدم في عروقي بدل المحاليل اللي زي الماية الماسخة."
تبسمت سلسبيل قائلة: "ربنا يديكِ الصحة يا جدتي، ثواني وهرجعلك، قبل ما ناصر يغلب عمي وألاقيه جايبه وجاي."
تبسمت هداية. ذهبت سلسبيل. تنهدت هداية تشعر بالراحة، فلا يوجد مكان به راحة لها أكثر من دار العراب.
بينما بغرفة المكتب، دخل النبوي وخلفه قماح.
تحدث النبوي وهو يجلس على أحد المقاعد وعلى ساقه ناصر المشاغب: "قولي الحقيقة، إيه اللي في الملف اللي معاك ده؟ أنا فوتت إنك جاي عشان إمضتي، بس أنا عارف إن في موضوع تاني."
أغلق قماح باب المكتب ثم توجه إلى النبوي بالملف قائلاً: "اتفضل."
فتح الملف، وكان عبارة عن بعض الصور، لـ زهرت ونائل وصورة لـ سلسبيل.
اندهش النبوي قائلاً: "جايب لي ملف صور... قولي اللي عندك."
رد قماح: "الضابط اللي كان بيحقق في قضية خطف هند لـ ناصر اتصل عليا وطلب أني أروحه لأمر هام..."
توقف قماح عن تكملة حديثه حين صدح هاتف النبوي. فأخرجه من جيبه ونظر إلى الشاشة ثم إلى قماح. أغلق الهاتف، ثم قال لقماح: "اتصال مش مهم، كمل كلامك."
سرد قماح ما قاله له الضابط عن تلك الفيديوهات الخاصة بـ زهرت ونائل.
غص قلب النبوي قائلاً بآلم: "وخيانة كمان! نفسي أعرف كان ناقصها إيه؟ محدش في الدنيا حبها قد رباح، ليه أذته كل الأذية دي؟"
تعجب قماح قائلاً: "قصدك إيه يا بابا؟ هو رباح فين؟ إزاي محضرش عزاء والدته؟ أنا سألت محمد وكارم قالوا مجاش العزا، شيء غريب مع إنه كان الأقرب لوالدته."
رد النبوي بتتويه: "معرفش. المهم الكلام اللي قلته لي دلوقتي ميطلعش لحد واصل، حتى مراتك سلسبيل."
تعجب قماح قائلاً: "بس دي خاينة والمفروض..."
قاطعه النبوي قائلاً بحسم: "الموضوع ده ميخصش غير رباح. كل اللي مطلوب منك تسكت."
رغم تعجب قماح، لكن قال بموافقة: "متأكد إنك مداري حاجة بخصوص اختفاء رباح، بس تمام زي ما تحب، هسكت."
شعر النبوي بسأم قائلاً: "تعالى خد ناصر وديه لـ سلسبيل، شكله هيبدأ يزن."
أخذ قماح ناصر منه متعجبًا من ملامح وجهه. أيقن أن هناك سر يخفيه النبوي بخصوص رباح.
غادر قماح. بينما النبوي وضع وجهه بين يديه يزفر أنفاسه ببؤس. كيف لـ رباح أن يواجه كل هذا؟ زوجة أرادت له السوء وأعطت له سم المخدرات كي تسيطر على عقله بالتوهان والاحتياج لها دائمًا. ليس هذا فقط، بل زوجة خائنة خانته بجسدها. لو زهرت أمامه الآن لن يكفيه قتلها، بل تعذيبها حتى الموت. تذكر قبل قليل حين أغلق هاتفه ولم يرد على من يتصل عليه، وما كان الاتصال إلا من الطبيب الخاص بعلاج رباح.
فتح النبوي هاتفه وقام بطلب الطبيب، الذي رد عليه، وأعطى له نفس الجواب حين سأله عن حالة رباح. لم يتحسن العلاج، ما زال في البداية. أغلق النبوي مع الطبيب وقام باتصال على شخص ما. جاوبه قائلاً: "الست زهرت مرجعتش من امبارح الصبح للشقة."
أغلق النبوي الهاتف يزفر نفسه بغضب: "أكيد بتدور على وغد تاني تخون معاه، بس لازم تظهر عشان أعرف اللي في بطنها دي ابن مين، رباح ولا نائل. لو ابن نائل، يا ويلها."
ذهب قماح بـ ناصر إلى سلسبيل، وجدها بغرفة جدته. تبسمت هداية حين رأته يدخل بـ ناصر قائلة: "حبيبي قلبي، اتوحشتك يا نور عيني، هاتيه ليا يا قماح."
أعطى قماح ناصر لهداية، التي قبلته بحفاوة.
بينما نظرت سلسبيل لـ قماح وقالت: "فين عمي؟"
رد قماح: "بابا في المكتب وأنا هرجع تاني للمقر، أشوفكم المسا."
ردت هداية التي تداعب ناصر: "تعود بالسلامة يا ولدي، روحي مع جوزك لحد العربية يا سلسبيل. وسيبيل لي ناصر أشبع منه، لو أن النظر ميشبعش منه واصل."
تبسمت سلسبيل وذهبت مع قماح إلى الخارج، إلى مكان وقوف السيارة. وقبل أن يصعد قماح إلى السيارة، أمسكت يدهُ قائلة: "مقولتليش الظابط كان عاوزك ليه؟"
رد قماح بهدوء: "أبدًا، كان شوية معلومات عشان يقفل القضية."
تسألت سلسبيل: "معلومات عن إيه؟ مش أخد أقوالنا امبارح."
رد قماح: "معلومات عادية. وكمان قالي إنهم عندهم شك في عقلية هند وهيحولها على الطب النفسي يشوف إن كانت بتدعي الهذيان أو لأ. يلا، لازم أرجع للمقر، أشوفك المسا."
صعد قماح إلى السيارة وغادر، لكن هناك شك في عقل سلسبيل، بسبب عودة قماح في هذا الوقت، كما أنه حين غادر لم يكن ذلك الملف معه.
---
مساءً بـ دار العراب
تجمع الثلاث فتيات في شقة ناصر يرحبون بعودة والداتهن إلى الدار، رغم عدم شفائها كليًا، لكن يكفي أنها عادت لهن. كن الثلاث معها بالغرفة، إلى أن دخل ناصر، يحمل حفيده قائلاً بمرح: "مش عارف الواد ده شقي كده ليه. خد يا نهلة حفيدك أهو."
تبسمت نهلة وأخذت ناصر منه مبتسمة تقول: "ناصر قماح شقي جدًا فعلاً، الوحيدة اللي بيبقى هادي معاها هي الحاجة هداية."
تبسمت همس وغمزت لـ سلسبيل قائلة بمكر: "أكيد شقي لباباه، مامته نبع الماية طول عمرها هادية وكهينة ولئيمة زي الحاجة هداية."
تبسمت هدى قائلة: "أنا دايماً بقولها كده. هقولكم سر، البت سلسبيل وهي حامل في ناصر كانت بتتوحم على قماح."
نظرت لها سلسبيل ونغزتها في كتفها قائلة: "بطلي سخافة شوية."
تبسمت هدى وغمزت لـ همس لتبقى معها على تواصل: "طب أنكري بقى، فاكر يا بابا الليلة اللي بيتناها في الأوتيل؟ أنا كنت نايمة جنبها، وسمعتها بتقول بحبك يا قماح."
تبسمت همس قائلة: "لأ، هي بتحب قماح من زمان بس كانت مدارية والنتيجة قدامنا أهي. الواد ناصر في كتير من ملامح قماح، حتى شعره نسخة من شعر قماح."
ردت سلسبيل عليها: "طب بطلي كدب إنتي وهي بقى. ناصر نسخة من عمي النبوي، مفيهوش من قماح غير شعره. وبعدين قماح جوزي يعني مش عيب لما أحبه."
نظرن همس وهدى لـ سلسبيل باندهاش قائلتان بنفس اللحظة: "وشها احمر."
ضحك ناصر قائلاً: "كفاية يا بنات، بلاش تحرجوا أختكم. مهما كان هي الكبيرة، بس تصدقوا وشها فعلاً احمر."
نظرت له سلسبيل بعتب مرح قائلة: "حتى إنت يا بابا هتتريق عليا زيهم."
تبسم ناصر وضمهن بين يديه. تبسمن له، كذلك نهلة شعرت بانشراح في قلبها، فزهراتها الثلاث معها الآن، مرسومة السعادة على وجوههن.
---
بعد قليل بـ شقة النبوي
دخلت همس إلى غرفة كارم وجدته ينهي اتصال هاتفي.
تبسمت له قائلة بتثاؤب: "نفسي أنام أسبوع بحاله. من وقت ما رجعنا لهنا وأنا مش بعرف أنام كويس."
نظر لها كارم يقول: "الحمد لله جدتي ومرات عمي رجعوا لدار العراب بخير."
شعرت همس بنبرة حزن بصوت كارم. ذهبت إلى مكان وقوفه وضمت نفسها له قائلة: "أنا حاسة بيك يا كارم، وفاة مامتك مؤثرة عليك."
ضمه كارم وحاول إخفاء تلك الدمعة قائلاً بتمني: "كان نفسي أقابلها قبل ما تتوفى بس الظروف والوقت كان ضيق، كان نفسي أبوس إيدها وأقول لها إنها كانت فاهمة غلط، والحقيقة إن بحبها رغم إنها كانت بتفضل علينا رباح دايمًا."
ردت همس: "ابكي يا كارم، طول ما أنت حابس الدمعة في عينك هتفضل حاسس بالوجع."
ضم كارم همس وغصب عنه ذرفت عيناه دموع فقد الأم.
بعد قليل شعر كارم براحة قليلاً، وابتعد عن حضن همس، لكن ما زالت بين يديه. نظر لوجهها مندهش. همس عينيها باكية.
مد كارم أنامله يجفف تلك الدمعة التي على وجنة همس، قائلاً: "بتبكي ليه؟"
رسمت همس بسمة طفيفة قائلة: "معرفش، بس يمكن هرمونات حمل. بصراحة أنا الكلام خدني وأنا في شقة بابا ونسيت أتعشى، جعانة أو مش أنا اللي جعانة، أكيد ابنك."
رغم حزن قلب كارم، لكن قال: "نسيتي تتعشي؟ غريبة، مع إني شايف الشغالة نازلة بصنية أكل من شقة عمي، ولما سألتها قالت لي إنك إنتي اللي كنتي طالبة منها الأكل ده... أكيد ابني هيطلع مفجوع."
تبسمت همس قائلة: "ده شيء مؤكد. وبعدين أنت مش عندك مطعم؟ اعتبرني زبونة، ولا هما زباينك أحلى مني؟ لأ، أنت هتستخسر فيا أنا وابني من أولها؟ لأ، أنا عاوزة ابني يبقى ملقمظ."
تبسم كارم وضم همس، يعلم أنها تحاول إخراجه من حالة الحزن المسيطر عليه.
لفت همس يديها حول كارم تضمه هي الأخرى قائلة: "بحبك يا كارم... ولو رجع بيا الزمن كنت هحبك من أكتر."
ضمها كارم قويًا. كلمة بسيطة تسمعها ممن تحب قد تزيل ألم بالقلب كبير.
---
بـ شقة سلسبيل
دخلت تحمل ناصر النائم، لكن تفاجئت بقماح بوجهها قبل أن تدخل إلى غرفة النوم. كاد قماح أن يتحدث، لكن أشارت سلسبيل له بإصبعها السبابة حين وضعته على فهمها تطلب منه الصمت. امتثل قماح للصمت، إلى أن وضعت سلسبيل ناصر بمهده الصغير.
نظر قماح لـ سلسبيل بعتاب قائلاً: "إيه، كنتِ ناوية تكملي سهر للصبح في شقة عمي؟ أكيد لو مش ناصر نام، مكنتيش هتطلعي دلوقتي."
تبسمت سلسبيل قائلة: "لو مكنتش عاوزة أطلع، كان بسهولة أنيم ناصر في أي أوضة وأكمل سهر للصبح في شقة بابا. بس أنا طلعت عشانك."
تبسم قماح وجذب سلسبيل عليه قائلاً بعبث: "طب وطلعتي عشاني ليه؟"
تبسمت سلسبيل، وكادت تتحاشى ببصرها عنه، لكن جذبها قماح وقام بتقبيلها قُبلات عاشقة. بادلته سلسبيل القُبلات، تذهب معه إلى الينابيع الصافية في رحلة عشق تروي قلب كل منهما.
بعد قليل، وضعت سلسبيل رأسها على صدر قماح تتنهد.
تحدث قماح: "أنا حجزت لينا أسبوع في الغردقة، من بكرة الصبح هنسافر."
ردت سلسبيل: "طب وزحمة الشغل؟ متنساش إن عزاء مرات عمي مخلصش، ومحمد مش هيكون موجود."
رد قماح: "بس بابا وعمي يسدوا. أنا قولت لبابا قبل ما أحجز للسفر وقالي إحنا مش في موسم هجمة شغل وهيوالي هو وعمي الشغل."
ردت سلسبيل: "طب طالما مش وقت زحمة شغل، إيه الملف اللي كنت جايبه لعمي بعد الظهر؟ ومشيت من غيره."
تذكر قماح قول والده له ألا يخبر أحد بخيانة زهرت، فقال بتبرير آخر: "ده ملف طلبات جديدة وسيبته لبابا يشوف المناسب لينا ويقرر هو نتعامل مع مين."
تعجبت سلسبيل من مخالفة قماح الرد عليها الآن والرد الآخر ظهرًا. بينما تثاءب قماح يضم جسد سلسبيل بين يديه ثم أغمض عينيه، تركها حائرة في الأمر، تشعر أن قماح يخفي شيئًا. نفضت سلسبيل عن رأسها وذهبت هي الأخرى للنوم، تستمتع بحضن زوجها، بل حبيبها التي لا تعلم متى عشقته. أقبل أن يعود أم متى؟ لا جواب للسؤال، المهم أنها وقعت بعشقه.
بينما بعد قليل، فتح قماح عينيه، ينظر لـ سلسبيل على ذلك الضوء الخافت الذي أصبح يضيء الغرفة. نظر لـ وجه سلسبيل، تنهد بعشق لها. جاءت إلى خياله زهرت تلك الخائنة. تذكر أنه كان من الممكن أن يكون مثلها لو ظل باليونان ولم يعد إلى هنا مرة أخرى. تبسم؛ فسبب عودته كانت صاحبة النبع الصافي التي كاد يضيعها لولا أن غفرت له خطأه بحقها كثيرًا.
---
بعد مرور يومان
صباحًا، أتى إلى مكتب النبوي بالمقر زائرًا، فقام بإستقباله، لكن تعجب حين عرف نفسه أنه أحد رجال الشرطة.
وسأل على رباح قائلاً: "أنا جاي مخصوص للسيد رباح العراب في أمر خاص. كان ممكن أبعت له استدعاء ويجي للنيابة، بس أنا حبيت آجي بشكل شخصي بناءً على سمعة عائلة العراب الطيبة."
رد النبوي: "متشكر لذوقك، بس خير. أقدر أعرف سبب زيارتك الكريمة."
رد الزائر: "فين السيد رباح؟ هو الشخص اللي الأمر يخصه."
رد النبوي: "رباح مسافر من حوالي أسبوع وقدامه وقت على ما يرجع من السفر. أقدر أسد أنا مكانه وأعرف الأمر ده."
رد الزائر: "مسافر فين؟ لأن لازم يثبت مكان تواجده وقت حدوث جريمة قتل زوجته السيدة... زهرت مجاهد حماد."
ذهل عقل النبوي قائلاً: "بتقول زهرت اتقتلت إمتى وإزاي؟"
رد الزائر: "مش غريبة تكون مرات ابنك ومتعرفش عنها حاجة."
رد النبوي بتبرير: "هي فعلاً مرات ابني، بس هي سايبة الدار من مدة وكانت ساكنة في شقة بعيد عننا، وصلتنا بها كانت مقطوعة."
رد الزائر بتساؤل: "يعني تعرف طريق ابنك ومتعرفش حاجة عن مراته."
رد النبوي بحرج: "للأسف زي ما قولتلك هي اللي قطعت الصلة عننا، وابني للأسف مريض وبيتعالج وإنشغلت معاه ونسيت أسأل عن مراته."
نهض الزائر قائلاً: "لأ، ألف سلامة عليه. هقول لحضرتك المختصر، زوجة ابن حضرتك لقوا جثتها من تلات أيام في أحد أكوام الزبالة والجثة منزوعة الأعضاء الداخلية، والمستشفى قدمت بلاغ، وإحنا قدرنا نوصل لهويتها عن طريق البصمات الخاصة بها. يعني لو صحيح إن أثبت وجود ابن حضرتك في مكان بعيد عن هنا هيشيل عنه تهمة كان ممكن تنتسب إليه، لأن المرحومة زوجته وإزاي تختفي لمدة ومقدمش بلاغ بالبحث عنها."
ود النبوي أن يخبره أنها هي من سببت الأذى الكبير لولده، لكن قال: "حضرتك زي ما قولت لك ابني مريض، وعندي إثباتات بكده."
رد الزائر: "تمام، على العموم حضرتك لازم تجيب ابن حضرتك النهارده، ومعاه إثبات عن مرضه، وكمان عشان يستلم الجثة."
نهض النبوي قائلاً: "تمام."
خرج الزائر وجلس النبوي مذهولاً مما عرفه. زهرت قُتلت وسُرقت أعضاء جسدها، جسدها التي خانت حرمته.
بنفس اليوم، بمركز العلاج التأهيلي، جلس النبوي مع طبيب رباح وأخبره عن وفاة زوجته وأنه يريد تقرير إثبات وجود رباح بالمركز للعلاج، وأيضًا يريد أخذه لاستلام جثة زوجته.
رد الطبيب: "أمر التقرير، سهل أكتبه لحضرتك، بس خروج رباح من هنا ممكن يحاول ميرجعش تاني لهنا، خصوصًا إنه لسه في أصعب مراحل بداية علاجه من الإدمان."
رد النبوي: "تأكد إني هرجعه بنفسي."
رد الطبيب: "تمام، أنا هبعت معاك اتنين مرافقين يعرفوا يتعاملوا مع الحالات اللي زي رباح تحسبًا مش أكتر."
بعد وقت، بـ المشرحة، وقف رباح الهزيل الجسد، جواره النبوي، ينتظران أن يفتح لهم المسؤول أحد توابيت الموتى، ليتعرف على جثة زهرت. بالفعل فتح له الصندوق الخاص بها. وقع بصر رباح عليها، للحظات خفق قلبه بآنين، أسببه فقدانها أم سببه مقت منها، بعد أن عرف أنها كانت السبب فيما يعانيه الآن من ألم فتاك بجسده بسبب انسحاب تلك المواد المخدرة من دماغه. لو كان بوقت آخر سابق لكان انهار وربما كان أقدم على الانتحار خلفها، لكن الآن حتى الشفقة لا يشعر بها عليها. أومأ برأسه للمسؤول الذي قال: "تقدروا تعملوا إجراءات استلام الجثة عشان الدفن."
بعد قليل، بمقابر عائلة والد زهرت، كان النبوي ورباح ومعهما شيخ الجامع، ومعهما الشخص المسؤول عن الدفن، فقط، يقومون بصلاة الجنازة عليها، ثم وضعوا جثمان زهرت بإحدى المقابر. هذا ما أراده رباح. كل ما أراده أن يضعها في القبر ويرحل وينسى أن تكون مرت بحياته.
بالفعل عاد النبوي بـ رباح إلى مركز الاستشفاء مرة أخرى، لكن فجأة قبل أن يتركه النبوي بمركز العلاج، انهار رباح بين يدي النبوي باكيًا نادمًا، يشعر بصداع قاتل، لكن قال للـ النبوي بتحدي: "أنا عاوز أخف يا بابا، ساعدني، مش عايز أعيش متعذب. أرجوك خليك جنبي، بلاش تتخلى عني."
ضمه النبوي قويًا يقول: "مستحيل أتخلى عنك، إنت حتة من روحي."
ندم رباح باكيًا، يتأتى إلى خياله ذكرى خلف أخرى. ذكرى طفل يرى والدته تبكي وحين سألها عن السبب كان الجواب: "باباك بيكرهنا، وبيكرهك أنت أكتر، هو بيفضل مراته التانية وابنها علينا." ذكرى أخرى حين أراد الزواج من زهرت ورفض والده وجدته لها وتهديده لهم بترك الدار، وموافقتهم غصبًا وتلاعب زهرت برأسه. وذكرى أخرى، وأخرى تكشف الحقائق أمامه. هو كان يعيش بخداع من الآخرين، استغلوا احتياجه بطريقة خطأ. بدل أن يعطوه ما كان ينقصه، كانوا يزيدون في قلبه الحاجة للشعور بأهميته لديهن. لكن كان اهتمامهن خادع له جعله مسلوب منهن. صداع يكاد يفتك برأسه. نهض يضرب برأسه ويديه في حائط الغرفة، لكن حوائط الغرفة مجهزة بحوائط مبطنة حتى لا يستطيع المريض أثناء نوبة ثورانه أن يتأذى منها. هدأ بعد قليل من نوبة الهستيريا يلهث يشعر بإنهاك ليذهب إلى غفوة تفصل عقله عن ما يؤذيه.