تحميل رواية «عش العراب» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدى قُرى صعيد مصر، ب "بنى سويف" بمنزل ضخم لإحدى أشهر عائلات البلدة، والذي ذاع صيتها في العقد الأخير، ليس فقط على مستوى القرية ولا المحافظة، بل الصعيد بأكمله والقاهرة وبمصر كلها تقريباً. "العراب"، أصبح ماركة شهيرة بالحبوب الغذائية ومنتجاتها، سواء (الدقيق، والأرز، والذرة، وغيرها من البذور المستخدمة في تصنيع المواد الغذائية). كما أنهم يمتلكون بعض مضارب الأرز، وأكثر من شونة لتوريد القمح من الفلاحين وتسويقه. بشقّة بالدور الثاني، استيقظت سلسبيل بتذمر، بعد عدة محاولات من همس لكي تجبرها تستيقظ. فلقد ق...
رواية عش العراب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سعاد محمد سلامه
قبل عدة ساعات.
بشقة رباح.
وضعت زهرة اختبار الحمل الذي أجرته على طاولة بالغرفة، وظلت دقائق تنتظر، ثم نظرت إلى نتيجة الاختبار، تنهدت بسأم بسبب سلبية النتيجة، لكن في نفس اللحظة نفضت عن رأسها، حتى إن لم تحمل الآن، أمامها فرص في المستقبل.
في نفس اللحظة رن هاتفها، نظرت لشاشته وتبسمت وهي ترد قائلة:
صباح الخير يا ماما، إيه برضو مش هتجئي التجمع العائلي النهارده، حتى تشوفِ العروسة الجديدة خطيبة محمد؟
ردت عطيات:
هشوف الأمل إياك، كفاية إنهم مراعوش حزني وخطبوا له وجوزي مبلوش شهرين متوفى، وبعدين مش جولتلك إني مش بطلع من الدار بسبب عدتي بعد وفاة أبوكي، الشرع بيجول إكده، ولا عاوزة العقربة هداية تسمعني كلمتين منها، وكمان بسبب عمتك اللي بعد ما أطلقت رجعت تعيش هنا في الدار، معرفش ليه النبوي كان فضل مستحملها، كفاية إنها كانت بعيدة عني، مش بعرف أتحرك بسببها، حتى محمد ابنها جالها وقالها إنه يشتري ليها شقة أو حتى دار، جالت له إن ليها تلت الدار دي، الله يرحمه أبوكي، ياما أتحايلت عليه يشتري نصيبها من الدار، يمكن كانت غارت بعيد عني دلوق.
ردت زهرة:
هو محمد بيجي يزورها؟
ردت عطيات:
آه، كل كم يوم كده بيجي يزورها ويقعد معاها شوية ويشوف طلباتها، غير سمعت كمان إن كارم بيتصل عليها، بس هي مش بترد عليه.
تعجبت زهرة قائلة:
وليه مش بترد على كارم؟ هي يوم ما أطلقت كانت قالت وهى بتخرف إن كارم مشارك مع أبوهم. معرفش عمتي فجأة زي ما يكون عقلها طق منها وأتهمت حمايا إنه اتجوز عليها، هي اللي خربت عشها بإيديها... بس والله دار ارتاحت منها، عقبال العقربة هداية.
ردت عطيات بزهق:
أهي ريحة هداية والنبوي منها، وابتلت إنها بيها، واحدة غيرها تفك الفلوس اللي مكنزة عليها وتشتري لها شقة في البندر، بس أنا فاهمة اللي في دماغها.
ردت زهرة بعدم فهم:
وأيه اللي في دماغها؟
ردت عطيات:
إنها تصعب على الناس في البلد إن دار العراب خدها، افتروا عليها، ورموها وهم عارفين إن ملهاش حد يوقف قصادهم ويجيب لها حقها منهم.
ذهلت زهرة قائلة:
إزاي مخطرش ده على بالي، عمتي برضو مش سهلة، بس إنتي بتقولي محمد بيجي يطمن عليها، غير كارم بيتصل عليها وهي اللي مش بترد عليه.
ردت عطيات:
محدش يعرف إن كارم بيتصل عليها، أنا عرفت بالصدفة، ومحمد بيعاتبها، وكمان ممكن تجول إن محمد بيجي من وراهم خلصة يعنى، بس الغريب جوزك ليه مبيجيش ليها، ده كان أقرب واحد من عيالها ليها.
تعلثمت زهرة قائلة:
معرفش، مسألتوش، هو حر، أنا مالي، أدخل بينه وبين أمه.
ردت عطيات:
أحسن، ماليكش دعوة، خليكي بره الموضوع، هي اللي غلطت وتستاهل، واحدة غيرها بدل ما كانت تحمد ربنا إنهم طايقينها بكل غباوتها، لأ تخرب على نفسها، ها، وأخبارك إنتي إيه؟ مفيش حاجة جاية في السكة.
ردت زهرة:
لأ، عملت اختبار حمل وطلع مفيش حمل.
ردت عطيات بإستهجان:
ياما جولت ليك بلاش حبوب منع الحمل اللي كنتي بتاخديها دي، أها، أما نشوف إياك متعملش ليكِ مشاكل وتتأخري على ما تحبلي، سلسبيل لو جابت الولد هتاخد مكانه تانية في دار العراب.
تهكمت زهرة قائلة:
أي مكانه؟ سلسبيل وقماح شكلهم كده مش مرتاحين مع بعض، سبق وسلسبيل طلبت الطلاق قدام العيلة كلها، كمان سابوا الدار.
ردت عطيات:
بس رجعوا تاني، وأهى الطلاق متمش، وسلسبيل اشتغلت زي ما كانت عاوزة من الأول.
تهكمت زهرة:
يمكن الطلاق متمش وسلسبيل اشتغلت، بس قيمتها عند قماح ملهاش لازمة، رباح بيقولي إنه شاف هند عند قماح في المقر أكتر من مرة ورجعوا يتعاملوا مع بعض في الشغل تاني، تقدري تقوليلي تفسير لده غير إن سلسبيل وقماح جوازهم مستمر بس منظر، ويمكن عشان البيبي اللي في بطن سلسبيل مش أكتر، وبكرة تشوفِ، قماح هيرجع هند قريب على بنت العراب.
في ذالك الوقت فتحت زهرة باب الشرفة ووقفت بها. في ذالك الوقت رأت خروج قماح من أتيلييه سلسبيل، لاحظت بوضوح وجهه المتهجم. تبسمت وقالت لعطيات:
طب بالسلامة، هكلمك مرة تانية يا ماما بالليل، حاسة إن اجتماع النهارده هيكون مختلف.
أغلقت زهرة الهاتف، وهي تنظر لـ قماح الذي ذهب إلى سيارته يقودها بغضب واضح من سرعته التي خرج بها من الدار، حتى أنه كاد يصطدم ببوابة المنزل الخارجية. تبسمت زهرة بتشفي وقامت بفتح هاتفها وقامت باتصال.
ردت عليها بعد ثاني اتصال.
تنهدت هند بنرفزة قائلة:
إيه يا هند، على ما فكرتي تردي عليا، أنا غلطانة إني بتصل عليكي.
ردت عليها:
أبداً، أنا كنت نايمة وصحيت على رن الموبايل.
تهكمت زهرة قائلة:
نوم العوافي، لأ كده أصحى وركزي معايا، أنا شايفة قدامك فرصة مع قماح.
سخرت هند قائلة:
فين الفرصة دي؟ أصلك مش بتشوفي تعامله معايا بصد، أنا اللي بفرض نفسي عليه، ومع ذلك معرفش سلسبيل عاملة له إيه، زي ما تكون ساحراله، لأ مش ساحراله، كان سهل نفك السحر ده، هو بيحبها زي ما قولت قبل كده.
ردت زهرة بمكر ووسواس:
مهما كان بيحبها، بس هي مش مديه له ريق حلو، أكيد حبه لها مش هيخليها يستحمل عجرفتها عليه كتير، ده لسه خارج من الأتيلييه بتاعها، لو تشوفي وشه باين عليه الغضب، وطلع بالعربية بسرعة البرق، مع إن النهارده يوم الجمعة واجتماع العيلة، وكان قليل لما بيخرج، دي فرصتك، اتصلي عليه بأي حجة.
فكرت هند في حديث زهرة، ربما فعلاً تكون فرصة لها مع قماح، وقالت لها:
تمام، هاخد شاور وأفوق كده وأتصل على قماح، بس إنتي ادعيلي يرد عليا.
ردت زهرة بنبرة وسوسة:
يارب، يلا بالسلامة، رباح دخل الأوضة.
أغلقت زهرة الهاتف، ودخلت إلى الغرفة ونظرت إلى وجه رباح الذي يبدو بوضوح غاضب، ليس فقط غاضب بل مجهد أيضاً، وقالت له:
فيه إيه، مالك غضبان كده ليه؟ ولا تكون غضبان عشان قولتلك إني محتاجة فلوس، عالعموم أنا مقدرش على زعلك.
رد رباح:
زهرة، أنا مش زعلان يا حبيبتي، كل الحكاية إني واجهت بابا، ليه جمد توقيعي.
ردت زهرة بوسوسة:
أكيد قالك فلوسي وأنا حرة فيها، ياما قولتلك حاول يكون لك رصيد خاص بيك، كنت عاملة حسابي لوقت زي ده... طبعاً قماح بيه عنده صلاحية التوقيع بمزاجه يسحب ويكبش لنفسه.
رد رباح:
حتى قماح كمان بابا جمد توقيعه.
تعجبت زهرة قائلة:
مش معقول.
سرد رباح لها حديثه مع والده قبل دقائق.
فلاش.
باك.
قبل دقائق بالدور الأسفل.
دخل رباح على والده غرفة المكتب. نظر له النبوي بتأمل قائلاً:
صباح الخير يا رباح، كنت لسه هبعت لك حد ينادي عليك، عاوزك في موضوع.
رد رباح باستفسار:
خير يا بابا؟
رد النبوي:
خير، بلغني إن كان عندك صداع، وكمان شكل وشك كده متغير.
تعجب رباح قائلاً:
ده كان صداع بسبب كثر الشغل في الفترة اللي فاتت، والحمد لله خلاص بقيت كويس، بصراحة أنا كنت عاوز أتكلم معاك في موضوع تجميد توقيعي على حسابات البنوك.
النبوي:
وفيها إيه، أنا جمدت توقيعكم أنتم التلاتة، مش أنت لوحدك.
تعجب رباح وقال بتسرع:
وطبعاً قماح هو الوحيد اللي معاه صلاحية التوقيع؟
رد النبوي:
أنا جمدت توقيع قماح كمان، مش بقولك جمدت توقيعكم أنتم التلاتة، أنت وقماح ومحمد... مفيش غير سلسبيل، ودي مش أنا المسؤول عنها، دي اللي يقدر يجمد توقيعها عمك ناصر مش أنا.
بينما شعر رباح بالبغض ناحية سلسبيل، لكن من داخله شعر براحة، بسبب أن قماح مثله قد تم تجميد توقيعه، وبالتأكيد سيشعر بالنقص أمام سلسبيل.
نظر النبوي لصمته قائلاً:
رباح، شكل وشك مجهد، روح اعمل فحص طبي شامل، مش هيجرى حاجة، أهو زيادة اطمئنان على صحتك، أنا كمان بفكر أعمل فحص طبي أنا وناصر قريب، هحجزلك معانا.
رد رباح قائلاً:
لأ الحمد لله، أنا بخير، ولسه شباب، هما كانوا شوية صداع من الإجهاد ودلوقتي خلاص الحمد لله بقيت بخير.
رد النبوي بتصميم:
وماله، مش هيجرى حاجة، زيادة اطمئنان زي ما قولتلك، هحدد الميعاد مع عمك وهقولك ونروح سوا.
رد رباح بمهاودة فقط ليُريح النبوي قائلاً:
تمام، مفيش مشكلة.
عودة.
ارتبكت زهرة قائلة:
فحص طبي إيه اللي تعمله؟ مش بتقول الصداع خف عندك.
رد رباح:
أنا بس هاودت بابا، الصداع بيروح لما باخد من الدوا اللي جبتيه ليا، ربنا يخليكي ليا، أكيد الصداع ده بتاع وقت وينتهي، الفترة اللي فاتت كان الشغل كله تقريباً عليا.
اقتربت زهرة من رباح بدلال ووضعت يديها حول عنقه قائلة:
يعني قماح خرج من شوية مضايق بسبب إن سلسبيل ليها حق سحب أرصدة من البنوك وهو لأ.
تعجب رباح قائلاً:
هو قماح خرج؟ أنا مش شوفته من امبارح بالليل، بس ممكن يكون ده سبب خروجه النهارده، خليه يشرب، سلسبيل اشتغلت من هنا وبدأت ألاعيبها، وأولها بابا جمد توقيعنا على سحب أرصدة من البنوك، ولسه قماح ياما هيشوف من نبع المايه الصافي.
.......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالدور الأرضي.
رأت هدى دخول بعض الضيوف إلى المندرة، أوقفت إحدى الخادمات قائلة:
مين الضيوف اللي دخلوا للمندرة دول؟
ردت الخادمة:
دي خطيبة محمد بيه وأمها وأخوها.
تبسمت هدى وقالت لها:
طب روحي شوفي شغلك.
وقفت هدى تشعر بفضول تريد أن ترى العروس الجديدة التي ستدخل إلى دار العراب. ظلت دقائق، ثم حسمت أمرها بالدخول بنية الترحيب بهم. ساعدها في ذلك مجيء الخادمة تحمل صينية عليها بعض المشروبات، أخذتها منها قائلة:
هاتيها، هدخل بها أنا وروحِ كملي إنتي شغلك.
بالفعل أخذت الصينية من الخادمة ودخلت إلى المندرة، أول ما وقع بصرها كان على سيدة تقترب من والدتها في العمر، تبسمت لها بسمة بشوشة. بينما تحدثت هدى قائلة:
أهلاً وسهلاً، نورتوا دار العراب.
تبسمت هداية قائلة:
هداية بنت ابني ناصر، بس بنادوا عليها هدى.
تبسمت لها فتحية قائلة بمودة:
الدار منورة بأصحابها يا بتي.
ردت هدى عليها ببسمة وتوجهت ناحية جلوس جدتها، تقدم لها أولاً.
لكن قالت هداية:
قدمي للضيوف الأول يا هدى، رغم إنهم مش ضيوف خلاص، بقينا أهل وعيلة.
تبسمت فتحية لها ومدت يدها تأخذ أحد الكؤوس وشكرت هدى. تبسمت هدى وسارت خطوة أخرى ورفعت رأسها تنظر أمامها، تصنمت مكانها وهي ترى بسمة ذلك السخيف بالنسبة لها.
بينما نظيم مد يده وأخذ كأس من على الصينية قائلاً:
متشكر.
فاقت هدى حين قالت هداية:
قدمي العصير لـ سميحة خطيبة محمد.
سارت خطوة أخرى، ونظرت أمامها، تذكرت تلك الفتاة جيداً، هي رآتها منذ أيام. ماذا تعني له؟ هي اعتقدت أنها خطيبته.
تبسمت سميحة ومدت يدها وأخذت كأس من على الصينية.
انتهت هدى من تقديم العصير، قالت هداية:
روحي اجدي جار سميحة يا هدى، اتعرفوا على بعضيكم، إنتم قريبين لبعض في السن.
تبسمت هدى وجلست جوار سميحة بصمت، بينما قالت هداية بترحيب مرة أخرى:
نورتينا يا فتحية، والشاب اللي جارك ده خلاص مبقاش وحيد، محمد هيجي أخوه.
تبسم نظيم قائلاً:
طبعاً محمد هيبقى في معزة أخويا، مش هيبقى جوز أختي.
دخلت كلمة نظيم إلى عقل هدى، إذن تلك الفتاة أخته. عجيب هو هذا القدر، ذلك الغبي الذي تبغضه سيكون صهر ابن عمها. كيف ستتحمل ذلك الأحمق الذي بدل من هندامه اليوم، حقاً لا يرتدي بدلة رسمية لكن يرتدي بنطال جينز فوقه قميص، زي عصري وشبابي، يبدو أنيق.
بينما نظيم بداخله مبتسم ومتعجب في نفس الوقت، من صمت هدى الغريب حين رأته، توقع أن تقول أنها تعرفه.
تبسم النبوي يقول بترحيب وهو ينظر نحو نظيم:
عرفت إنك كنت بتدرس بره مصر لفترة.
تبسم نظيم يقول:
أيوا، أنا اخدت دكتوراه من فرنسا في نظم وبرمجة الحاسب الآلي، وكمان أنا بدرس للآنسة هدى في الجامعة، غير كمان مدير المركز التعليمي اللي بتاخد فيه الكورس.
تبسم النبوي بفخر قائلاً:
ممتاز، يعني انت تعرف هدى بقى.
رد نظيم:
أيوا، اتعرفت عليها من فترة صغيرة في المركز التعليمي.
تبسمت هداية وفتحية لبعضهن وقالت هداية:
الدنيا صغيرة، جومي يا هدى خدي سميحة واتعرفوا على بعضيكم، لسه على وقت الغدا وجت، حتى خديها للمسخط بتاع سلسبيل تتعرف عليها كمان.
تبسمت هداية قائلة:
سلسبيل دي تبجى بنت ولدي ناصر وكمان مرة قماح أخو محمد، يعني سلفة سميحة.
نهضت هدى، كأنها تود الفرار من أمام ذلك الأحمق، الذي تفاخر بنفسه أمام هداية وعمها.
ذهبت هدى بـ سميحة إلى أتيلييه سلسبيل.
حين دخلن إلى الأتيلييه، لاحظت هدى تغير ملامح سلسبيل، تبدو غاضبة، لكن لم تسألها أمام سميحة.
تحدثت هدى:
سميحة خطيبة محمد وسلفتك الجديدة.
تبسمت سلسبيل لها بقبول.
شعرت سميحة نحوها بقبول قائلة:
هو ده المسخط اللي جدتي هداية قالت عليه؟ يحق لها بصراحة، إيه التماثيل دي كلها... تعرفي إني عندي هواية الخزف والفخار، بس بصنع كده على قدي.
تبسمن هدى وسلسبيل بعد أن لاحظن أن سميحة لدغة.
نظرت سميحة لهن قائلة:
عارفة سبب نظراتكم دي لبعض عشان إني لدغة صح.
تبسمن لها.
تبسمت لهن قائلة:
على فكرة أنا مش مضايقة من اللدغة دي، أنا بعتبرها شيء مميز فيا، هو كده دايماً العظماء لازم يكون عندهم شيء مميز.
ضحكن سلسبيل وهدى التي قالت في نفسها:
واضح إن الأخ وأخته عندهم جنان، هي مبسوطة من اللدغة وهو عامل فيها إسبور، بترنجاته.
تحدثت سميحة قائلة:
بصراحة الخطوبة جات كده بسرعة وكانت على الضيق، ومعرفش حد من عيلة العراب غيرها هي وعمي النبوي وعمي ناصر.
غمزت هدى قائلة:
ومحمد متعرفيهوش؟
خجلت سميحة قائلة ببراءة:
والله هي مرة اللي شوفته في بقالة عم نسيم، وبعدها بفترة اتفاجئت بيه هو العريس، أنا وافقت عليه بس عشان استريحت لجدتي هداية.
تبسمن لها وقالت سلسبيل:
النهارده أكبر فرصة تتعرفي على عيلة العراب كلها بتبقي متجمعة... هقولك في سلفة تالتة لينا هنا، زهرة، هسيب ليكي تتعرفي عليها بنفسك. صمتت سلسبيل ثم واصلت الحديث بغصة: في سلفة رابعة بس دي عايشة مع كارم أخو محمد في دبي.
تبسمت سميحة قائلة:
وجوزك اسمه إيه؟
ردت هدى:
قماح ابن عمي.
تبسمت سميحة وغمزت بعينيها قائلة:
يعني ولاد عم، ده جواز حب بقى، الله شكلي هرتاح في العيلة دي قوي بصراحة، أنتم الاتنين دخلتوا قلبي.
تبسمت سلسبيل بغصة. يبدو أن سميحة نسخة منها، ليست غلاوية مثل زهرة، ببساطة اعتقدت أن زواجها من قماح تم بناءً عن حب.
ــــــــــــــــ
بينما قماح حين خرج من المنزل، سار بسيارته دون هدف، لا يشعر سوى بغضب يزداد كلما تنفس.
أخرجه من ذلك الغضب رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر له، كان آخر من يريد أن يرى اسمها الآن، لكن للحظة تحكم شيطانه به، وقام بالرد عليها بعد أكثر من اتصال تحدث معنفاً:
خير، بتتصلي عليا دلوقتي ليه؟
ابتلعت هند طريقة قماح الجافة قائلة:
مالك مضايق قوي كده ليه؟
رد قماح بجفاء:
وأنتي مالك؟ قوليلي متصلة عليا دلوقتي ليه؟
ردت هند بغصة وتمثيل:
كنت بتصل أطمن عليك، معرفش ليه حسيت إنك محتاج إني أسأل عليك، ولا هو حرام إني أسأل عليك؟ عالعموم آسفة إن كنت أزعجتك.
تنهد قماح بسأم وقال:
لأ، مزعجتنيش، أنا فعلاً مضايق، س...
قاطعت هند حديثه قائلة:
أنا سامعة أصوات كلكسات عربيات، إنت فين، قولي وأنا أجيلك.
للحظات فكر أن يغلق الهاتف، لكن ألحت هند على لقائه حتى لو لدقائق معدودة، فقال لها بموافقة:
تمام، خلينا نتقابل في أي كافيه.
أملت هند عليه اسم أحد الكافيهات قائلة:
أقل من نص ساعة وأكون عندك.
بالفعل قبل نصف ساعة كانت بالكافيه. رسمت بسمة، لكن سرعان ما زالت وهي ترى ملامح وجه قماح المتهجم بوضوح، حتى أنه لم يرد عليها حين قالت:
صباح الخير.
جلست بصمت تنظر له لدقائق، قبل أن تتحدث مرة أخرى:
اتخضيت عليك لما سمعت صوتك، قلبي حاسس إني في حاجة كبيرة مضيقاك.
سخر قماح قائلاً:
قلبك حساس قوي... وفرّي إحساسك لنفسك.
وضعت هند يدها فوق يد قماح الذي كان يضعها فوق الطاولة وقالت بنبرة لعوب:
إنتِ نفسي يا قماح، ليه مش عاوز تصدق إني لسه بحبك، ومقدرتش أتخطى انفصالنا.
نظر لها قماح، لكن للحظة شرد عقله في رفض سلسبيل له، منذ قليل. ليس هذا أول مرة تقوم برفضه، وهجرها له طوال الفترة الماضية. ازداد غضبه وتملك منه بقوة. سخر من القدر. سلسبيل الذي يتمناها ترفض أن يقترب منها وتهجره، وتلك من أمامه الآن تنتظر فقط كلمة منه وستقبل أي شيء لتعود له... بالفعل تحكم الغباء وقال:
ترجعِيلي يا هند.
انشرح قلب هند وقالت بعدم تصديق:
تقصد إيه بترجعِيلي؟
رد قماح:
مش ناقص غباء، إنتِ فاهمة قصدي كويس.
انشرح قلب هند أكثر وقالت:
موافقة طبعاً... ودلوقتي لو تحب.
رد قماح:
بس أنا مش هطلق سلسبيل.
شعرت هند بكره سلسبيل، لكن لن تخسر تلك الفرصة للعودة لعصمة قماح، وقالت له:
ميهمنيش إن سلسبيل تفضل على ذمتك، لأني عارفة إن وجودها بسبب الجنين اللي في بطنها.
نظر قماح لها، يعلم أن هند تعلم سبب بقاء سلسبيل على ذمته، ليس من أجل ما تحمل بأحشائها، بل لأنه أخبرها سابقاً أنه يحب سلسبيل، لكن لا يهمه ذلك، سلسبيل تستحق ذلك.
بالفعل نهض قماح قائلاً:
خلينا نشوف أي مأذون عشان يكتب كتابنا.
بعد قليل خرج الاثنان من مكتب المأذون، وذهبا إلى السيارة. بمجرد أن دخل قماح إلى السيارة قامت هند بحضنه وتقبيله قائلة:
وحشتني يا قماح.
بينما قماح شعر بالاشمئزاز وصمت، لكن دخل له شعور بالندم، ماذا فعل! أجابته عنجهيته: سلسبيل هي من دفعته لذالك الخطأ، وكل ما يريد معرفته الآن واقع ما حدث على سلسبيل.
.....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالعودة للوقت الحالي.
ذهل الجميع من تلك الصفعة التي تلقاها قماح على وجهه، يصحب تلك الصفعة قولها بحدة واستهجان:
فاجر، كانت غلطة مني إني فكرت إنك هتقدر تحتوي سلسبيل.
كادت هند تتحدث بتهجم، لكن أوقفها قماح قبل أن تسترسل في حديثها قائلاً بأمر:
اخرسي إنتي.
ذهلت سلسبيل وهي ترى من صفعت قماح، أنها آخر شخص كانت تصدق أن تفعل ذلك، إنها والدتها التي كانت دائماً ما تخضع لأي شيء. شرقت سلسبيل وسعلت بشدة من المفاجأة.
تنبهت نهلة لذلك وأخذت أحد أكواب المياه وأعطتها لـ سلسبيل، أخذتها سلسبيل من يدها تنظر لها بتفاجؤ.
تبسمت نهلة لها بحنان وطبطبت على كتفها. للحظة تدمعت أعينهن وهن ينظرن لبعضهن.
بينما نهض النبوي قائلاً:
لو سلسبيل طلبت الطلاق أنا أول واحد هيساندها.
صمتت هداية، لكن بداخلها نفس الشيء وعكسه، قماح ازداد في إهانة سلسبيل بالزواج عليها من هند مرة أخرى، عكس ذلك لا تريد الفرقة بين أبنائها بسبب غباء قماح.
بينما ناصر قال:
متأكد أن سلسبيل هتاخد القرار اللي في مصلحتها.
بينما رباح وزهرة بداخل نفسيهما شامتان في ذلك.
رغم أن سميحة لم تتعرف على سلسبيل سوى من وقت قصير للغاية، لكن شعرت بالحزن عليها، كذلك نظيم ووالدتهم.
كانت العيون جميعها منصبة على سلسبيل تنتظر منها القرار.
ارتشفت سلسبيل بعض قطرات المياه وقالت:
كلكم طبعاً عارفين إني سبق وطلبت الطلاق من قماح وقت ظهور براءة همس، ووقتها كلكم عارضتوني، واللي حصل بعدها يمكن أجل انفصالي عن قماح لوقت، بس النهارده أنا مش هطلب الطلاق، لسببين. السبب الأول إن بنت العراب متكونش سبب في فراق بين الأخوة، والسبب هو الجنين اللي في بطني، مش عاوزاه يجي للحياة ويلائي عيلة متفرقة. قماح مش جديد عليه الغباء والعنجهية، وسبق وكنت متوقعة إنه يعمل كده، بس مكنتش متوقعة إنه يرجع واحدة من اللي طلقهم قبل كده، بس العيب إن جه من أهل العيب. أنا بنت العراب وهفضل بنت العراب وحفيدة الحجة هداية، واللي يدوس على كرامتي يبقى بالنسبة ليا ملغي وجوده قدامي من عدمه ميفرقش، زي وجودي على ذمة قماح كده، بالنسبة ليا ميفرقش كتير عن طلاقنا.
قالت سلسبيل هذا وغادرت الغرفة، خلفها ناصر ونهلة وهدى.
بينما نهضت هداية ونظرت إلى فتحية قائلة:
هو المجعد بقى مسموم، خلينا نروح مجعدي.
بالفعل نهض نظيم وفتحية وسميحة، وذهبوا خلف هداية.
كذلك محمد والنبوي الذي نظر لـ هند باشمئزاز، ثم نظر لـ قماح وقال له:
خسارة، خسرت آخر فرصة إنك تداوي قلبك، خليك عايش مجروح، إنت اللي اخترت دواك، كان قدامك بس إنت استسهلت السم يريحك.
غادر النبوي. بينما نهضت زهرة ترحب بعودة هند، كذلك فعل رباح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد وقت في نفس اليوم.
دخلت سلسبيل إلى شقتها، دخلت إلى غرفة النوم مباشرةً، تذكرت عذابها بين يدي قماح هنا لليالي، كانت تتحمل معاملته القاسية العنيفة، تتمنى بداخلها أن يأتي الوقت ويرفق بها، لكن ذلك لم يحدث، كانت أمنية واهية، كل ما تحملته سابقاً كان صعب، والأصعب هو زواجه عليها اليوم. ماذا كانت تظن أن يتغير قماح من أجلها؟ ولماذا كان سيتغير من أجلها وهي لا تعني له شيئاً سوى أنها زوجة من عليها بسبب وصمة أختها البريئة منها.
شعرت باختناق في الغرفة، خرجت منها وذهبت إلى الغرفة الأخرى، ارتمت بجسدها فوق الفراش، تشعر بانعدام التوازن، فرت دموع من عينيها، لا تعرف سبب لتلك الدموع الآن، هل هي دموع قهر أم مهانة؟ قهر.. لماذا؟ هل لديها بقلبها مشاعر لـ قماح؟ جاوب قلبها: اعترفي يا سلسبيل، كان نفسك قماح يتغير في معاملته الجافة والعنيفة، وتبدأوا من جديد بجواز طبيعي يدوم بالمحبة.
نفى عقلها ذلك لائماً: أي محبة كنتِ منتظراها من قماح؟ أوعي تكوني حبتيه،، أكيد لأ، كان نفسي في كده عشان الجنين اللي في بطني، كان نفسي يجي للدنيا يلاقي أب وأم متفاهمين ومتحابين..
رد عقلها: هو هيجي للدنيا هيلاقي متفاهمين، لكن مش متحابين.
هنا بكت سلسبيل أكثر، لا تعرف سوى أنها حين بكت شعرت ببعض الراحة النفسية، إلى أن غلبها النوم واستسلمت لغفوة تفصلها عن هذا الواقع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بشقة قماح القديمة.
بغرفة النوم.
ارتمى قماح على الفراش، ينظر لسقف الغرفة، يشعر أنه يدور به، لام نفسه بشدة، كيف غضب وفعل تلك الحماقة، حماقة، لا بل غلطة كبرى، لا حل لها الآن، خسر سلسبيل حقاً كما قال والده، خسرت دواء قلبك، كيف هزمك هذا الغضب وأخطأت ذلك الخطأ الفادح.
أغمض قماح عينيه... يتمنى أن يكون ما حدث سوى كابوس، وحين يفتح عينيه ينتهي، لكن للأسف أيقن أنه ليس كابوس، هو واقع مر ساقه إليه غباؤه واستسلامه لغضبه في لحظة تمكن منه.
في ذالك الوقت دخلت هند إلى غرفة النوم وجدت قماح. نظرت لنومه وإغماضه لعينيه، بالتأكيد يشعر بالندم على ما فعل، لكن لن تستسلم وترفع الراية أبداً، بعد أن وصلت إلى ما كانت تريده وهو أن يعيدها قماح مرة أخرى زوجة له، حقاً تعلم ذلك، لكن ستحارب عن مكانها ومكانتها التي عادت إليها.
اقتربت من الفراش ونامت لجوار قماح، لم تخجل وسارت بيدها على جسده وقامت بفتح أزرار قميصه وتحسست صدره باشتهاء واقتربت منه للغاية وقبلته. للحظات تجاوب معها قماح يتخيلها سلسبيل من تتودد له، لكن رفض عقله، فهيهات أن تفعل ذلك سلسبيل. فاق على يدها التي بدأت في التوغل على جسده.
فتح عينيه ونهض وتركها في الفراش وحدها... تشعر بخيبة وقهر وحقد قلبها من تلك سلسبيل تلعنها آلاف اللعنات.
خرج قماح من الغرفة بل من الشقة وصعد يسير خلف طريق عله يجد بنهايته راحة قلبه الذي فقدها حين تحكم به الغرور.
ــــــــــــــــ
دخل قماح إلى شقة سلسبيل معتمة. ذهب مباشرةً، فتح باب غرفة نوم سلسبيل بهدوء ودخل يتسحب إلى أن وصل جوار الفراش. جلس القرفصاء جوار الفراش يتأمل تلك النائمة على ضوء ذلك النور الخافت. تبسم، يبدو أنها مازالت تخاف من الظلام، رغم تلك الفترة السابقة الذي كان يشاركها فيها الغرفة كان يجبرها على النوم في الظلام كما تعود هو، وكانت تمتثل لأمره مجبرة مثلما مازالت على ذمته إلى الآن مجبرة. ود أن يوقظها ويقول لها أن تنسى ما حدث، ليس بقلبه سواها، لكن تراجع، سلسبيل بالتأكيد لن تصدقه، بعد ما حدث بينهم منذ بداية زواجهم إلى اليوم وما حدث به، لكن لن يتخلى عن عشقه لها.
نهض قماح وخرج من الغرفة، وذهب إلى غرفة النوم الأخرى، ارتمى بجسده على الفراش يمر أمامه ذكرياته مع سلسبيل منذ بداية زواجهم الذي كان يعلم أن سلسبيل أجبرت عليه، وقتها لم يكن يفرق معه، حتى مع الوقت لم يفعل شيئاً واحداً يكسب به قلب سلسبيل، كان دائماً يعاملها بأمر وتعسف وعنف، لكن ذلك لابد أن يتغير. بداية الطريق ليست ممهدة لكن عليه السير به. من أجل استعادة والحصول على قلب نبع المايه.
ــــــــــــــــ....
بينما سلسبيل تغط في أحلامها تتلاطم بين رؤى لا تفسير لها. ترى نفسها تجري وتدهس قدميها فوق دماء، ترى قضبان تغلق عليها وصوت طفل صغير يبكي أمام القضبان، تحاول مد يدها له لتسحبه إليها لكن أسياخ القضبان تضيق على يديها، ترى نور ينبعث من ظلام المكان وشخص يدخل يسحبها من بين القضبان، تهرب معه لكن هنالك من يلاحقها وتلك الدماء التي دهستها تسيل من قدميها.
استيقظت سلسبيل فزعة، فكرت في سبب تلك الرؤية الآن، وضعت يدها على بطنها تشعر بجنينها، للحظة فكرت أن هناك خطر ينتظر جنينها، لكن تذكرت الحلم كان هنالك طفل يبكي وهي من كانت خلف قضبان وتلك الدماء التي تسيل، هل الأذى ينتظرها هي؟ بداخلها تمنت أن يصيبها الأذى ولا يتأذى جنينها، اليوم انتهى ترددها، ذالك الجنين يستحق، هي تحبه وستحميه مهما كانت تضحيتها من أجله فقط.
قماح انتهى بالنسبة لها، طرقهما ابتعدت، لن يتقابلا بنهايتها.
رواية عش العراب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد مرور شهر ونصف
فى صباح يوم شتوى مُلبد بالغيوم، كذالك هنالك رياح قويه ربما تنذر بقدوم عاصفه قبل نهاية اليوم.
بدار العراب
بشقة هند
دخلت غرفة نوم أخرى بالشقه، وجدت قماح إنتهى من إرتداء ملابسه، إقتربت منه بدلال ووقفت أمامه تُهندم له ملابسه تدلل عليه، قائله:صباح الخير.
لم يرد عليها قماح وقابل دلالها ذالك بالصد وأبعد يديها عنه وذهب الى طاوله جوار الفراش وأخذ هاتفه...
أتبعته هند بنفس الدلال،قائله:
بابا من يوم ما عرف إنك رجعتنى تانى وهو مش بيكلمنى،أنا بفكر أروحله يمكن قلبه يحن عليا.
نظر لها قماح قائلاً: براحتك.
تعجبت هند وقالت له:قماح أنا رهقت من قعدة البيت مفيش غير زهرت هى اللى بتدبنى ريق حلو فى الدار،حتى أوقات بحس أنها بتخاف تكلمنى قدام جدتك،على إعتبار إنى هنا مش كنة البيت ولازم يكون ليا قيمه شويه.
تنهد قماح بسأم قائلاً:هند مش فاضى لحديثك الفارغ بتاع كل يوم سبق وأتعاملتى مع جدتى قبل كده وعارفه أطباعها بيقى بلاش نق عالصبح،مش فاضى لازم أنزل افطر وأروح المقر.
تدمعت عين هند وقالت: أيه رأيك أشتغل معاك فى المقر إنت عارف إن عندى خبره كويسه، ولا الشغل فى المقر خاص بـ سلسبيل هانم بس.
رد قماح ببرود: قولت مش فاضى لنق النسوان عالصبح... شغل عندك شغلك مع باباكِ إرجعى له.
قال قماح هذا ونفض يديها عنه وخرج من الغرفه بل من الشقه بأكملها.
زفرت هند أنفاسها بغضب ساحق، قماح لا يُعيرها أى إهتمام منذ أن أعادها لعصمته مره أخرى، يتهرب منها، لم يحدث بينهم أى لقاء عاطفى رغم أنها حاولت أغوائه كثيراً سواء بزيها الشفاف المثير أو حتى فرض نفسها عليه ، لكن هو مثل لوح الثلج،سلسبيل تتلاعب بتجاهلها له،كى يلهث خلفها.
فى ذالك الوقت سمعت صوت رنين هاتفها،خرجت من الغرفه وذهبت الى الغرفه الأخرى، جذبت هاتفها،ورأت من يتصل عليها.
ردت عليه،بعد إلقاء الصباح
تحدث نائل:مالك مضايقه كده ليه عالصبح واضح ده من نبرة صوتك.
ردت هند:مفيش حاجه مضيقانى قولى بتتصل عليا ليه؟
رد نائل:مش أختى،بطمن عليكى،أيه مش ناويه ترجعى تشتغلى تانى؟
ردت هند:وإنت مش عارف تسد مكانى فى الشغل،أنت عارف بعد ما بابا جه لهنا بعد ما عرف إن قماح رجع إتجوزنى تانى وهعمل شو أنه غضبان منى وأنه مش عاوز يشوف وشى تانى، مقدرش أرجع للشغل بالبساطه دى،حتى قولت لـ قماح ياخدنى معاه أشتغل فى المقر،رفص بدون مناقشه حتى،طبعاً خايف على مشاعر الست سلسبيل.
رد نائل:سلسبيل بتشتغل فى ملك باباها،إرجعى أشتغلى إنتى كمان وبلاش تدى دماغك لـ هند كتير،لأن لو حتى قماح وافق إنك تشتغلى فى المقر وده مستبعد طبعاً،لا النبوى ولا ناصر هيوافقوا على كده.
ردت هند:كله من العقربه الكبيره هدايه لو ربنا ياخدها العيله هتتفشكل ومش بعيد وقتها قماح يطلق سلسبيل.
ضحك نائل قائلاً بتهكم:معتقدش إن قماح هيطلق سلسبيل أبداً لكن ممكن يطلقك تانى.
تضايقت هند وقالت بغضب:اوعى تفكر إنى مش واخده بالى من حبك لـ سلسبيل، بس غباوته هى السبب لو كنت عملت زى ما قولتلك قبل قماح ما يطلقنى وكنت طلبتها للجواز وقتها مكنش حد هيمانع زى ما حصل بعد كده، وكانت بعدت من قدام قماح.
سخر نائل قائلاً:تفتكرى لو كنت عملت كده سلسبيل نفسها كانت هتوافق، متأكد كانت هترفض، أنتى مشوفتيش كانت بتعاملنى أزاى بتجنُب وصد.
ردت هند: طب ما قولتلك بتعامل قماح بنفس الطريقه، أنت اللى غبى، دلوقتى أنا مصدعه، ولازم أنزل أتسمم مع الأغبيه اللى تحت، سلام.
.......
بعد قليل
على طاولة الفطور
دخلت سلسبيل وخلفها هدى يبتسمان
قالت هدى وسلسبيل: صباح الخير.
رد الجميع عليهن برحابه
دخلت خلفهن هند، وألقت الصباح أيضاً
هنالك من رد وهنالك من صمت
قالت هدايه: يلا يا بنات إجعدوا أفطروا بالكم الفطور ده بركة اليوم كله.
تبسمن لها... جلست سلسبيل بالمقعد المجاور لهدى، بينما جلست هند جوار قماح التى عيناه لم تنزل من على سلسبيل منذ أن دخلت للغرفه.
بعد قليل نهضت هدى قائله: عندى محاضره بعد ساعه لازم أحضرها.
تبسمت ناصر قائلاً:كملى فطورك وانا هوصلك على سكتى ومتخافيش مش هتتأخرى عالمحاضره.
ردت هدى: لأ أنا هاخد السواق يابابا المحاضره دى مراجعه خلاص إمتحانات نص السنه فاضل عليها أسبوعين، ودى محاضرة مراجعه عامه،وكمان بعد المحاضره عندى محاضره تانيه فى المركز التعليمى،خلاص بدأت فى الكورس التانى،أقولك خد إنت سلسبيل معاك للمقر وسيبلى أنا السواق
ثم أكملت حديثها بمرح: أنا لو معايا رخصة قياده زيها مكنتش هحتاج للسواق،بس هى بتحب الفشخره إنها رايحه المقر بعربيه بسواق،يلا ناس ليها حظ.
ضحكت سلسبيل قائله : الموضوع مش فشخره ولا حظ أنا لو مش حامل مكنتش هحتاج للسواق.
تبسمت هدى وإنحنت تُقبل رأس سلسبيل قائله:ربنا يقومك بالسلامه أنتى والنونو اللى هيكبرنى ويقولى يا خالتو.
تبسمت لها هدايه قائله:
ده هيكبر عيلة العراب كلها.
بعد قليل نهض ناصر،قائلاً:لو كنتى خلصتى فطور يلا بينا يا سلسبيل.
نهضت سلسبيل قائله:الحمد لله.
خرجت سلسبيل ومعها ناصر،نظر النبوى بإتجاه قماح قائلاً:مش النهارده هتراجع الحسابات مع موظفين الحسابات.
نهض قماح قائلاً:أيوا،هو حضرتك مش هتحضر.
رد النبوى:لأ البركه فيك.
خرج قماح،ثم نهض بقية العيله عدا زهرت التى نظرت لـهند تتثائب
قالت هند:أيه كنتى سهرانه ولا أيه.
ردت زهرت:لأ مكنتش سهرانه بس معرفش الفتره دى عاوزه أنام طول الوقت ليه لا أكون حامل.
ردت هند:طب ما تعملى أختبار حمل واتأكدى.
ردت زهرت:ما أنا كنت ناويه اعمل أختبار النهارده،وأنتى ها أيه أخبارك،مفيش تطورات.
ردت هند بحسره:تطورات،تطورات أيه،قماح بيتهرب منى طول الوقت،أنا حاسه لو سلسبيل إديته ريق حلو وقالت له يطلقنى هيوافقها،كله من الغبى نائل أخويا لو كان زمان وافقنى وطلبها للجواز،يمكن كانت وافقت عليه وغارت من قدام قماح،لكن الغبى قال أيه،لازم تحبه الاول قبل ما يتقدم لها،وأهو لما أتقدم لها زاغت فى عين قماح.
تحدثت هند قائله:قصدك أيه،نائل بيحب سلسبيل.
ردت هند بلا وعى وغيره واضحه مصحوبه بكُره:
معرفش فيها أيه بيعجبهم،إن كان نائل،ولا قماح.
إبتلعت زهرت ريقها ونهضت قائله: العقربه هدايه دخلت أوضتها، هطلع شقتى أنام شويه.
ردت هند عليها بتسرع:هتسيبنى لوحدى،خلينا نتسلى مع بعض .
ردت زهرت:بتسرع وهى تخرج من الغرفه:قولتلك عاوزه أنام ساعتين وبعدها انزلك أشغلى نفسك فى أى حاجه الساعتين دول.
زفرت هند أنفاسها بغضب مسئوم، فى ذالك الوقت دخلت إحدى الخادمات وبدأت بجمع الاطباق من على السفره...
نظرت لها هند وقالت بتعسف: أعمليلى قهوه بسرعه.
ردت الخادمه عليها : حاضر، هلم السفره وأعمل لحضرتك القهوه.
تعصبت هند قائله: بقولك أعمليلى قهوه تسيبى اللى فى ايدك وتعمليها الاول، أنتى متعرفيش مقامى هنا أيه.
دخلت نهله الى الغرفه فى ذالك الوقت وسمعت حديث هند الآمر الجاف،وقالت للخادمه:أنا خارجه أشترى شويه طلبات للدار،مش هغيب.
اومأت لها الخادمه راسها ببسمه.
إغتاظت هند وقالت:قولتلك اعمليلى قهوه،أخلصى أنا هنا كنة البيت وكلمتى لازم تكون مسموعه.
نظرت نهله لـ هند بسخريه ثم خرجت بصمت غير مباليه لها.
...... ـــــــــــ
بعد قليل بالطريق أثناء عودة نهله بتلك الطلبات، صدفه غير سعيده حين تقابلت مع قدريه...
تجنبت نهله منها وسارت بلا مبالاه،لكن قدريه تحدثت بتهكم قائله:مكنوش تلاتين سنه عشناهم تحت سقف دار واحده،لما تقابلينى فى الطريق وتعملى نفسك متعرفنيش يا نهله.
لم تُعيرها نهله واكملت سيرها،لكن قدريه إنتهزت وجود بعض الماره بالطريق ورفعت من صوتها،تمثل البكاء قائله بإدعاء كاذب:
يُحقلك يا نهله تخافى تكلمينى،عارفه الحجه هدايه محذره عليكى،وأكيد هى اللى مانعه ولادى يعرفونى،منها لله هى السبب خلت النبوى طلجنى بعد العمر ده كله، فرقت بينى وبينه وحرمتنى من ولادى،إبنى بيجيلى سرقه من وراها،حتى بيدينى مصروف أعيش منه.
صمتت نهله وهى تنظر نحو تجمع الماره واقترابهم من قدريه والبعض منهم يحاولون مواساتها..
ودت نفى ما قالته قدريه،لكن خشيت أن تزيد قدريه فى التهجم وتأتى بسيرة همس أمام الناس وتفضح أمرها،بالفعل كادت قدريه أن تأتى بسيره همس،لكن صمتت حين سمعت صوت النبوى يقول بحزم:
واقفه ليه يا نهله.
إرتعبت قدريه وهى تنظر لعين النبوى الغاضبه،والذى قال بحسم:إرجعى للدار يا نهله،بلاش وجفتك دى.
طاوعته نهله وسارت نحو الدار.
بينما نظر النبوى لـ قدريه بحده متوعدًا لو لفظت.
صمتت قدريه
نظر لها بإشمىزاز وتركها وغادر، تشتعل الحقد بقلبها،شعرت بالخزو من تجمُع الماره حولها،فسارت بصمت تنعى حظها البائس،لو لم يأتى النبوى الآن ربما كانت فضحت أمر همس،وتشفت قليلاً
.....
بينما بعد قليل دخلت نهله لدار العراب،ووضعت ما كان معها،إنزوت تبكى قليلاً بحسره،من محاولة تلك الغلول فضح أمر همس وإدعائها الكاذب،لكن جففت دموعها وقررت أنها لن تكون ضعيفه مستقبلاً،وستدافع عن بناتها حتى همس الذى أحترق قلبها بسبب رحيلها.
......ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد الظهر
أمام جامعة سميحه
تفاجئت بـ محمد الذى يقف يستند على مقدمة سيارته..تركت زميلاتها وذهبت إليه،قائله:
مساء الخير،أيه كنت قريب من الجامعه هنا ولا أيه؟
رد محمد:لأ ولا أيه،جاى مخصوص عشانك.
ردت سميحه بتعجب: عشانى مخصوص!
رد محمد:مش خطيبتى وده واجب عليا،إحنا من يوم ما إتخطبنا مخرجناش ولا مره لوحدنا.
نظرت له سميحه قائله:طب ما ده العادى.
رد محمد:لا العادى إننا نخرج مع بعض حتى نتعرف على بعض،أيه رأيك أعزمك عالغدا فى اى مطعم،نتغدى ونتكلم شويه وبعدها أوصلك للبيت.
فكرت سميحه فى حديث محمد قائله:ماشى هاخد الاذن من أخويا الأول،وبعدها ابقى أرد عليك ونحدد ميعاد نخرج فيه وهو يبقى معانا.
تبسم محمد وقال:بقولك نخرج لوحدنا،عاوزه تحيبى أخوكِ معانا،ليه؟
ردت سميحه ببراءه:عشان يبقى مِحرم.
ضحك محمد قائلاً:مـ أيه،مِحرم،سميحه أنا مش هاخدك شقه مفروشه،ده مطعم عام كل الناس بتقعد وتاكل فيه.
ردت سميحه بتفكير:تصدق كلامك صحيح،ماشى هتصل على أخويا برضوا استأذن منه... لو معاك موبايل هاته.
تعحب محمد مبتسماً يقول:طبعاًمعايا موبايلى عاوزاه ليه؟!
ردت سميحه:عشان أتصل على نظيم،موبايلك أكيد فيه رصيد،أنما انا موبايلى مقضياها رنات.
لم يستطيع محمد تمالك ضحكته،وأعطى لها هاتفه.
الذى أخذته وتفحصته قائله:لأ وماركه كمان،مش زى بتاعى اللى جار عليه الزمن،ده خط ولا كارت.
ضحك محمد أكثر قائلاً:طبعاً خط وأخلصى كلمى اخوكِ،الجو فيه هوا جامد مش بعيد يقلب بعاصفه.
ردت سميحه:، سؤال غبى، أكيد موبايلك خط، بس مين اللى بيدفعلك الفاتوره... وفعلاً الهوا جامد النهارده وشكلها كده ناويه على شتوايه حلوه ومش بعيد تقلب بعاصفه.
ضحك محمد يقول:طبعاً انا اللى بدفع فاتورة موبايلى من شغلى،وإخلصى بدل الوقفه دى والرغى الكتير،أتصلى على نظيم أنا مسجل رقمه عندك،وكمان فتحت لك نمط الموبايل .
تحدثت سميحه وهى تطلب أخيها على الهاتف: وعامل نمط للموبايل ليه، خافى أيه عليه.
رد محمد: مش بشتغل مع عملاء وممكن أسيب موبايلى قدامهم، وبسهوله يفتحوه، أخلصى، انا سامع صوت نظيم ردى عليه.
إنتبهت سميحه لصوت نظيم وقالت: أنا سميحه مش محمد.
تبسم نظيم وقال: أنتى قلبتى محمد فى موبايله ولا أيه.
ردت سميحه: بفكر فى كده ده حتى ماركه وحديث الاصدار، بس مش ده المهم دلوقتي، محمد بيقولى عازمنى عالغدا فى مطعم، أنا مكنتش موافقه، وكنت هقولك تجى معانا محرم.
ضحك نظيم قائلاً: مِحرم!، سميحه روحى أتغدى مع محمد واوعى تتحرشى بيه أو تنقطيه بلسانك الزالف، متنسيش أن المطعم مكان عام...ليقوم يصوت منك.
تبسمت سميحه تقول:يعنى عادى كده فين الرجوله،مش كنت تمانع.
رد نظيم:
أنا عندى ثقه فى محمد عنك،يلا سلام،عندى محاضره فى المركز التعليمى،أشوفك أما ارجع البيت.
أغلقت سميحه الهاتف وقالت لـ محمد:نظيم وافق أننا نتغدى مع بعض،بس بقولك أهو عاوزه أتغدى فى مطعم شيك،مش تاخدنى لمطعم فول وطعميه،وتحسبها على عزومه.
ضحك محمد وقال:تمام بس هاتى موبايلى.
نظرت سميحه للهاتف وقالت له:هو أنتى عاوزه تانى.
ضحك محمد وقال:ده موبايلى وعليه كل أرقام شغلى على فكره،هاتى الموبايل يا سميحه.
أعطت سميحه الهاتف لـ محمد على مضض.
بعد قليل،بأحد المطاعم الراقيه.
جلست سميحه تتلفت حول نفسها.
تبسم محمد وقال لها:تاكلى أيه المنيو قدامك أهو.
نظرت سميحه فى ذالك الكتالوج الصغير وقالت طلبها.
بعد قليل أثناء تناول الغذاء، تحدثت سميحه: أزيي سلسبيل وهدى على فكره أحنا بقينا أصحاب وبنكلم بعض عالموبايل،بصراحه بستغرب أخوك الغبى إزاى يتجوز عليها،دى لطيفه خالص عكس الحربؤه زُعرت.
ضحك محمد يقول:إسمها زهرت مش زُعرت.
ردت سميحه قائله: مرتحتش لها حاسه أنها حربؤه، بقولك أيه أنت ممكن تعمل زى أخوك كده وتدخل عليا بضره.
تبسم محمد يقول: مش أما أدخل عليكى الاول أبقى افكر فى التانيه،وبعدين مين اللى قالك إن سلسبيل ساهله،دى مسويه قماح على نار والعه
خجلت سميحه وأرتبكت لكن رفعت السكينه فى وجهه وقالت: قماح يستحق، طب ابقى أعملها أتجوز عليا وأنا وقتها أقسمك لاربع أجزاء كل جزء مستقل بذاته.
تبسم محمد وقال:أحنا هنفضل نرغى عن غيرنا كتير ليه،خلينا فى نفسنا،أيه رأيك نتجوز فى اجازة نص السنه.
ردت سميحه:لأ اخلص دراستى الاول وكمان ابدأ مشروعى وينجح،عشان أتجوز وانا واقفه على رجليا.
تهكم محمد وقال:طب دراستك فاضل فيها حوالى أربع شهور،أنما مشروعك ده قدامه قد أيه وينحج،ده إنجح أصلاً، وبعدين إنتى بتوقفى على ايه، على ايدك.
ردت سميحه: بتتريق عليا طموحاتى، طب...
قاطعها محمد قائلاً: أنا أتفقت مع نظيم، إن زفافنا يتم بعد إمتحانات اخر السنه مباشرةً، ومفيش أعتراض وطموحاتك أبقى حققيها وانتى فى دار العراب.
..... ـــــــــــــــــــــــــ
بنفس الوقت
أغلق نظيم الهاتف مبتسماً، ثم دخل الى غرفة المحاضرات،تبسم ناحية جلوس هدى...التى تجاهلت بسمته،بدأ فى إلقاء المحاضره،الى أن إنتهى...وبدأ المتدربين فى الخروج...تجاهل نظيم خروج هدى،كذالك فعلت هى.
لكن حين نزل نظيم أمام السنتر وجد هدى مازالت واقفه،للحظات تجاهل ذالك،وذهب نحو سيارته،وصعد إليها وقادها،لكن كانت عيناه على مرآة السياره الجانيه،ورأى هدى مازالت واقفه،وهنالك رياح قويه،وربما تُمطر السماء بأى وقت.
عاد مره أخرى للخلف،ووقف أمام مكان وقوف هدى وفتح زجاج سيارته وقال:هدايه تعالى أوصلك،الرياح قويه وإحتمال تمطر فى أى وقت.
ردت هدى عليه بحده:متشكره دلوقتى السواق يجى.
رد نظيم:بلاش وقفتك دى،الرياح بتشتد غير كمان السما بدأت تسرج،أركبى واعتبرينى السواق.
بعد عدة محاولات من نظيم،وبسبب سوء الطقس صعدت هدى للسياره.
اثناء سير نظيم بالسياره حاول جذب هدى للحديث معه لكن كانت ترد بإختصار وأقتضاب...الى أن وصلا الى دار العراب...فتحت هدى باب السياره سريعاً ونزلت...حتى دون ان تشكره على إيصالها.
تبسم نظيم وعاد يقود سيارته عائد الى منزله.
..... ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فى المقر
إقتربت الساعه من الثالثه ظهراً ومازال قماح مجتمع بهولاء المحاسبين يتناقش معهم بكل هدوء، وفهم يستعلم منهم على كل شيء،
كان يختلس النظر كثيراً ناحية سلسبيل، الجالسه بينهم والتى بدأت تشعر ببعض الآلم فى ظهرها فهى منذ أكثر من أربع ساعات جالسه بين هؤلاء المحاسبين، وكذالك تشعر بالجوع.
لاحظ قماح سلسبيل الذى وقفت وجلست أكثر من مره، كما لاحظ شُربها للماء لأكثر من مره فى وقت قليل فقال:
واضح إن فى لسه قدامنا ملفات كتير للمحاسبة لازم ننتهى منهم اليوم، بس ده ميعاد الراحه، قدامكم ساعه راحه تقدروا تتغدوا فيها وبعدها نرجع تانى ننهى الميزانيات دى، تقدروا تتفضلوا، ونرجع بعد ساعه
شعرت سلسبيل براحه ونهضت مثل هؤلاء المحاسبين، وكادت تخرج من الغرفه، لكن،
تحدث قماح: سلسبيل ممكن تفضلى لخمس دقايق محتاجك فى إستفسار معين .
إبتلعت سلسبيل ريقها وظلت واقفه... بعد خروج المحاسبين
تحدث قماح: واقفه ليه إقعدى، إرتاحى.
تنهدت سلسبيل قائله: مرتاحه فى الوفقه قولى الإستفسار اللى محتاج له بسرعه.
رد قماح وهو يجلس خلف مكتبه قائلاً: إقعدى ارتاحى يا سلسبيل ناسيه إنك حامل.
قبل أن ترد سلسبيل، صدح رنين هاتف قماح... أخرجه من جيبه ونظر لشاشته ثم نظر لوقوف سلسبيل وأغلق الهاتف دون أن يرد على المتصل عليه.
نظرت له سلسبيل الواقفه وقالت: ليه مردتش على اللى بيتصل عليك.
قبل أن يرد قماح على سلسبيل عاود رنين الهاتف، فقام قماح بغلق الهاتف مره أخرى.
تهكمت سلسبيل قائله: واضح إن اللى بيتصل عليك مُصر ترد عليه، يمكن محتاجك فى حاجه مهمه.
نظر قماح لها وقبل أن يتكلم رن الهاتف لكن هذه المره برساله.
تهكمت سلسبيل وقالت: إقرى الرساله، أكيد اللى بتتصل عليك لما مردتش عليها هى اللى بعتت الرساله، وألاستفسار اللى كنت محتاجنى علشانه يتأجل لبعدين.
قالت سلسبيل هذا وتوجهت الى باب غرفة المكتب دون إنتظار رد قماح، لكن حين وضعت يدها على مقبض الباب كى تفتحه فوجئت بالباب لا يفتح... عادت ببصرها ناحية جلوس قماح ورأت جهاز تحكم الكترونى صغير بيده علمت أنه أغلق باب المكتب إلكترونياً فقالت له: قفلت الباب علينا ليه، أظن أنت قولت للمحاسبين، ساعه راحه، وأنا من ضمنهم.
رد قماح بتسلط: إنتى هتفضلى هنا معايا الساعه دى،
قال هذا ولم ينتظر رد سلسبيل وقام بفتح هاتفه وقام بطلب طعام لهم من أحد المطاعم القريبه من المكان، ثم أغلق هاتفه
نظرت له سلسبيل بعد أن أغلق الهاتف وقالت بغيظ: أنا مش عاوزه آكل أكل من اللى طلبته، هتأكلنى على ذوقك كمان، وخلاص أنا مش حاسه بجوع أصلاً.
تبسم قماح... دون رد... مما أغاظ سلسبيل لكن أغاظها أكثر صوت رنين هاتف قماح الذى بدل أن يضغط على إغلاق المكالمه فتح الخط وإضطر أن يرد بإقتضاب على من تتصل عليه
شعرت سلسبيل بالغيره لكن حاولت إخفاء ذالك،
إنتهى قماح من المكالمه سريعاً... ونظر لسلسبيل قائلاً ببرود: لسه واقفه أقعدى ارتاحى يا سلسبيل.
ردت سلسبيل بتهكم: من أمتى همك راحتى، المهم راحة مراتك اللى كانت بتتطمن عليك.
نظر قماح لعين سلسبيل وقال: ناسيه إنتى كمان مراتى زيها بالظبط بل إنتى حامل فى إبنى
وضعت سلسبيل يدها على بطنها وقالت: منين جالك إنه ولد، مش يمكن عكس توقعك،ويكون بنتين ويخلصوا منك كرهك القديم للبنات.
تبسم قماح ونهض من خلف مكتبه وتوجه الى مكان وقوف سلسبيل، لكن قبل ذالك أسدل الستائر الموجوده بالغرفه بجهاز تحكم إليكترونى، تعتمت الغرفة لكن سُرعان ما أنار بها ضوء.
تفاجئت سلسبيل بذالك والمفاجأه الأكبر حين شعرت بيدي قماح تجذبها إليه ودون إنتظار قبلها... قُبله رقيقه كادت تذوب بين قُبلته، لكن دفعته عنها ونظرت لوجهه تنظر له بتمعن وتوهان، لأول مره قماح يُقبلها بتلك الرِقه
وإبتعد قماح عنها غصبًا بعد أن سمع طرق على باب المكتب فتح قفل الباب بجهاز التحكم الذى بيده،وسمح بدخول من يطرق الباب
دخلت السكرتيره مبتسمه تحمل مجموعه من الأكياس قائله :حضرتك الطلب ده وصل دلوقتى.
رد قماح:تمام حطيه عالترابيزه.
وضعت السكرتيره
نظر قماح لسلسبيل التائهه قائلاً: الساعه قربت تخلص،ومتأكد إنك جعانه،الصبح مفطرتيش كويس .
إنتبهت سلسبيل ونظرت ناحيه الطعام هى بالفعل جائعه، وكما قال قماح الوقت إقترب وزُملائها سيعودون للمكتب لإستكمال أجتماعهم،لو أصرت على رفضها قد تبقى جائعه لوقت أطول،قرر عقلها،لا داعى للتعنت والتشبُث بالعناد،لنأكل حتى من أجل طفلها الذى برحمها،بالفعل توجهت ناحية الطعام وجلست وبدأت بفتح الأكياس وبدأت تأكل بهدوء.
تبسم قماح وتنهد براحه وذهب الى تلك الطاوله وجلس وبدأ هو الآخر فى تناول الطعام مُتلذذًا... رغم عدم وجود حديث بينهم، لكن يكفى أنه تشارك معها الطعام بمفردهما.
......ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليلاً بـ دبى
إرتجفت همس بعد أن سمعت صوت الرعد،فجأه تكورت على نفسها فى الفراش ترتجف ليس من البرد بل من الخوف من ذالك الصوت الذى أعاد لها الذكرى القديمه،بدأت تسرى بجسدها إرتعاشه وخوف
بالصدفه كان كارم عائد من عمله،نادى عليها حين دخل للشقه،لكن لم ترد عليه،تعجب كثيراً وذهب الى غرفتها،
تفاجئ بتكورها حول نفسها،سمع صوت هزيان،ذهب الى الفراش مباشرةً وقال:
همس إنتى عيانه.
لم ترد همس عليه،وظلت تهزى ببعض الكلمات،لم يفهم سوا
إبعدوا عنى.
تعحب كارم وأقترب من همس ووضع يدهُ على كتفها،إرتعشت همس وإبتعدت عن يدهُ.
للحظه تعحب كارم،لكن تذكر ذالك الميمورى كان هنالك أصوات أمطار ورعد،الذى تحدث الآن،أيقن ان همس تعيش نفس الذكرى مره أخرى،حدث نفسه ماذا يفعل أيتركها ويخرج من الغرفه،تعيش مرارة الذكرى،لكن لا
أقترب كارم وجثى على الفراش جوار همس وشدها بقوه واخذها بين يديه،فى البدايه قاومت همس ذالك بهستريا بكاء وهزيان لكن بالنهايه إستسلمت لحضن كارم وهدأت ونامت،بينما كارم لم تغمض عيناه وهو يشعر بآلم فى صدره،همس من كانت تعشق المطر سابقًا،أصبحت تخاف من مجرد سماع أصوات هطول الامطار،ليته يعرف هؤلاء الاوغاد اللذين أذوها لقطعم إربًا اسفل قدميها،لكن لسوء الحظ،حين أخذ كارت الميمورى من سلسبيل،كى يستخرج بصمة تلك الأصوات عن طريق أحد أصدقاء والده بالشرطه فشلوا فى تحديد بصمات الصوت،بسبب غلاظة أصواتهم الواضحه.
.....ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلبت الرياح بعاصفه قويه وبدأت ساقطت الامطار بقوه لكن ليست غزيزه
بالمقر
إنتهى المحاسبين من عمل ذالك الجرد، وبسبب هطول الامطار، تحدث قماح
أنا هعطى للسواقين اللى بالنقر أمر يوصولكم لبيوتكم.
بالفعل مسك قماح هاتفه واعطى ذالم الامر للسائقين منهم السائق الخاص بـ سلسبيل
سلسبيل التى جلست تنتظر عودة السائق لها،لكنه لم يأتى
شعرت بالزهق وقالت:
مكنش لازم تدى أمر للسواق بتاعى يروح يوصل حد.
رد قماح:بسيطه تقدرى ترجعى معايا،خلينا نمشى.
رغم إعتراض سلسبيل لكن ليس أمامها حل آخر،أصوات الرعد بالخارج قويه جداً
إستسلمت سلسبيل لقول قماح وقالت:
تمام،خلينا نمشي.
تبسم قماح وأغلق حاسوبه،ورفع يده لـ سلسبيل حتى تسير أمامه،الى أن خرج من المقر وذهب الى السياره،
بالفعل بدأت العاصفه تقوى وإزداد هطول الامطار...
ولسوء الحظ أثناء سيرهم بالسياره توقف قماح فجأه،حين رأى أحد رجال الشرطه،فتح زجاج شباك السياره
تحدث له رجل الشرطه:الطريق مقفول،ف عمود كهربائى وقع والسلوك إتقطعت من قوة الرياح،وعملت ماس كهربائى،أرجع تانى.
شعرت سلسبيل بالخوف،بينما قماح عاد بسيارته للخلف
تحدثت سلسبيل:هنعمل أيه دلوقتي،إنت السبب،كان لازم تبعت السواق يوصل غيرى.
رد قماح:سلسبيل إهدى،مفيش قدامنا حل غير نرجع للمقر من تانى.
ردت سلسبيل:هنبات فى المقر.
رد قماح:مفيش حل غير كده.
بالفعل عاد الأثنان الى المقر،نزلت سلسبيل من السياره،سارت أسفل الامطار الغزيزه بسرعه الى أن دخلت الى بهو المقر،لكن إبتلت ملابسها،كذالك قماح...
توجهت خلف قماح الى غرفة مكتبه.
لكن بسرعه دب الخوف فى قلبها خين إنقطع التيار الكهربى.
أشعل قماح ضوء هاتفه سريعاً وتوجه ناحية سلسبيل وقال بتطمين: متخافيش حالاً المولد التانى يشتغل.
بالفعل عمل المولد الآخر وأنار الغرفه،لكن شعرت سلسبيل بالبرد،تحدثت قائله: هنعمل أيه دلوقتي،
رفع قماح سماعة الهاتف الارضى، وقال: هتصل عليهم فى البيت أطمنهم وأقولهم إننا هنبات هنا.
صمتت سلسبيل ، الى ان أنهى قماح حديثه على الهاتف، ثم قالت له: أنا بردانه، هو المكتب مش فيه نظام تدفئه.
رد قماح: فيه، بس بيشتغل على المولد الرئيسي بس إنما المولد ده إحتياطى، مجرد بينور المقر بس.
بدأت سلسبيل تمسد يديها على جسدها، وقالت أنا هموت من البرد، وكمان هدومى مبلوله.
مسد قماح بيديه فوق كتف سلسبيل وقال: فى حل ممكن يدفيكى.
تهكمت سلسبيل قائله: أيه هتولع فى ديكور المكتب
تبسم قماح وقال:ديكور المكتب مش خشب،ده ألوميتال، انا أقصد حاجه تانيه.
ردت سلسبيل بسؤال: وأيه الحاجه التانيه دى.
رد قماح ببساطه: حضنى.
تهكمت سلسبيل ساخره تضحك بآلم قائله:
حضنك!
حضنك أكتر مكان إتعذبت فيه.
رد قماح بهدوء عكس ما يشعر به من نار تجتاح قلبه: عارف
بس مفيش قدامك دلوقتي غير حضنى،
ودلوقتى لازم تقلعى هدومك المبلوله دى، بدل ما تبردى أكتر
تعالى معايا يا سلسبيل.
قال قماح هذا ومد يدهُ مسك يد سلسبيل كى تسير خلفه، الى أن فتح باب موجود بغرفة مكتب قماح، ودخلا منه تفاجئت سلسبيل بغرفة صغيره بها فراش متوسط الحجم.
تحدثت قائله: أيه ده.
رد قماح: دى أوضة نوم صغيره، أوقات لما كنت بتأخر هنا فى المقر بكسل ارجع الدار كنت بنام فيها.
ردت سلسبيل: حليت مشكله النوم، طب أنا جعانه.
تبسم قماح وقال: دى فعلاً مشكله، مش هنلاقى أى ديلفرى فى الجو ده
تذكر قماح أنه فاض منهما بعض طعام الغداء فقال لها:
ثوانى وراجعلك.
مسكت سلسبيل يدهُ قائله: رايح فين وسايبنى هنا أفرض النور قطع تانى.
نظر قماح بيد سلسبيل التى تمسك بيده وقال: متخافيش يا سلسبيل، ثوانى وراجعلك.
تركت سلسبيل يد قماح، وبالفعل ثوانى وعاد، بيده كيس بلاستيكى، علمت سلسبيل أنه بقايا طعام غدائهما.
أعطى قماح لها الكيس قائلاً: كويس إننا مكناش رمينا باقى الغدا اللى فاض مننا... كان فوق الترابيزه اللى كنا بناكل عليها يعنى نضيف.
تبسمت سلسبيل وأخذت الكيس منه وفتحته، وقالت:. بس الأكل حبه صغيرين ميكفيناش إحنا الاتنين.
تبسم قماح وقال: كُلى أنتى أنا مش جعان، كنت أكلت كتير فى الغدا.
تبسمت سلسبيل وقالت: لأ خلينا نقسم الاكل بينا... ياأما مش هاكل.
تبسم قماح وأخذ أحد اللقمات الصغيره ووضعها فى فمه قائلاً: أهو أنا أكلت أهو، يلا أنتى قبل ما تاكلى أقلعى هدومك المبلوله دى، فى هنا ليا كم قميص إحتياطى هجيبلك منهم.
فتح خزانه صغيره وأخرج منها بعض الملابس القليله، أعطى لها قميص خاص به كذالك بنطال، قائلاً:
غيرى هدومك بدل ما تبردى.
فكرت سلسبيل ملابسها مُبتله وبدأت البروده تغزو جسدها، لا داعى للرفض، أخذت من يده الملابس قائله:
طب دير ضهرك.
تبسم قماح، وأدار لها ظهره، لدقائق، ثم قالت له: وأنت هتفضل بهدومك المبلوله.
رد قماح: لأ هغيرها بغيرها... بالفعل خلع ملابسه وإرتدى ملابس أخرى جافه.
جلست سلسبيل تأكل من ذالك الطعام، الذى بالكاد سد جوعها، تبسم قماح وهو ينظر لها بعد أن قالت:
كويس إنك أحتفظت بـ الأكل ده أهو نفعنى على الاقل مش هبات جعانه...بس أنت هتبات جعان
تبسم قماح لها وقال: صحه وهنا،
لا يعرف لما لم يقول لها أنه كان أكم من ليالى بات جائع، ليس بشئ جديد عليه.
تثائبت سلسبيل.
تبسم قماح وقال لها: مددى جسمك عالسرير.
تبسمت سلسبيل ونهضت وتمددت بجسدها على الفراش.
تحدثت سلسبيل: وأنت هتنام فين.
رد قماح: هنام جنبك عالسرير، لو عندك إعتراض أطلع أنام عالكنبه اللى فى المكتب.
تحدثت سلسبيل بتسرع: لأ أفرض النور قطع تانى... أنا بخاف من الضلمه، السرير مش صغير ياخدنا أحنا الاتنين،بس متطفيش النور.
تبسم قماح وذهب نحو الفراش وتسطح عليه
شعرت سلسبيل بعدم الراحه فى النوم بسبب نومها على أحد جانبيها تُعطى لـ قماح ظهرها...
تفاجئت بوضع قماح يده على يدها وأقترب منها ولفحت أنفاسهُ عُنقها.، وبنبرة صوت أجش همس بإسمها.
شعرت سلسبيل بهزه فى جسدها، لكن شعرت ببرودة يد قماح الذى وضعها على يدها.
كذالك سحب يده الاخرى من أسفل، أصبح شبه يحتضنها.
حاولت سلسبيل فك حصار يديه، لكن هو تمسك بها بقوه.
أعتدلت سلسبيل نائمه على ظهرها، ونظرت لقماح وقالت بإستهجان: حوش إيدك من حوليا.
تبسم قماح وقال ببرود: قولتلك قبل شويه حضنى هو اللى هيدفيكى.
أنهى قماح قوله بقُبله هادئه ورقيقه... شتت بها عقل سلسبيل، التى ترى الليله صوره أخرى أرادتها بـ قماح.
الذى ضم جسدها بين يديه يبثها الدفأ من حرارة جسده بلقاء حميمى رقيق.
رواية عش العراب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سعاد محمد سلامه
بدار العراب.
دخل ناصر إلى غرفة هداية قائلاً:
بقينا المسا وسلسبيل لسه مرجعتش للدار. أنا خايف عليها من الطريق بسبب العاصفة دي. بتصل عليها بيجيلي خارج نطاق الخدمة. أنا قلقان عليها وسايب نهلة في الشقة عقلها هيطير.
تبسم النبوي الذي دخل إلى الغرفة قائلاً:
لأ، اطمن. سلسبيل بخير، هي في المقر مع قماح. قماح أنا لسه قافل معاه الخط الأرضي، وجالي أنه بسبب العاصفة فيه عمود واقع على الطريق ومعرفوش يرجعوا لهنا. هيفضلوا في المقر.
تنهد ناصر براحة قائلاً:
بس سلسبيل حامل. إزاي هتفضل في المقر الوقت ده كله بدون أكل ونوم؟
رد النبوي:
يعني تفتكر قماح هيجوعها؟ أكيد هيلاقي حل للأكل. وكمان النوم. أنت ناسى إن فيه أوضة نوم في المقر خاصة بمكتب قماح.
تبسمت هداية قائلة:
كله خير يا ولدي. اطمن على سلسبيل واطلع طمنها. واتأكد قماح مستحيل يأذي سلسبيل يا ناصر.
أومأ ناصر رأسه ثم غادر الغرفة. لكن أثناء خروجه من الغرفة كاد أن يتصادم مع هند، لكنه تجنبها وسار بصمت.
بينما في الغرفة، تبسمت هداية للنبوي الذي قال:
بتمنى قماح يصلح علاقته بـ سلسبيل، وهي ترضى عنه.
تبسمت هداية قائلة:
آمين يا ولدي. قماح غلط كتير في سلسبيل وتحملت كل ده وهي حامل. بتمنى قبل ما يجي ولدها على الدنيا يكون الحال اتصلح بينهم.
رغم أن هند تسمعت على حديث النبوي وهو يخبر كل من هداية وناصر عن بيات قماح وسلسبيل بالمقر، وتلك النيران المستعرة بقلبها. لكن حين تصادمت مع ناصر، قررت الدخول إلى غرفة هداية ومثلت عدم سماعهم. وقالت بلهفة ليست مصطنعة:
عمو النبوي، أنا قلقانة على قماح. قربنا على الساعة حداشر وهو لسه مرجعش من المقر. العاصفة شكلها قوية.
نظر النبوي لهداية بنظرة فهمت مغزاها وردت هداية عليها:
اطمني، قماح بخير. بس هيبات في المقر، زي ما جلت. أهي العاصفة قوية. وهو شاف الأفضل له يبات في المقر. اطلعي أنتِ شقتك ومتجلجيش عليه. قماح مش صغير. يلا يا نبوي، أنت كمان اطلع لشقتك. تصبح على خير يا ولدي.
رغم غيظ هند من رد هداية، لكن قالت:
أنا هطلع أغير هدومي وأروحله المقر. مش هطمن عليه غير لما أشوفه.
ردت هداية بحزم:
جولت اطلعي شقتك وبلاه كُهن النسوان. هو بخير.
عارضت هند وقالت:
لأ، قلبي متوجع عليه. لازم أ...
قاطعتها هداية بحزم قائلة:
كلمتي واحدة. اطلعي على شقتك. لو رجلك خطت بره دار العراب الليلة، ورجلك هتحصلك الصبح.
نظرت هند لها بكره، لكن أخفته خلف دمعة رسمتها بإجادة، لكن لم تخيل على هداية ولا النبوي.
استسلمت هند لقول هداية وصعدت بغيظها إلى شقتها، تصفع خلفها الباب. تقول بتهجم:
وليه أحزبن نفسي؟ ربنا ياخدك وترتاح الدنيا من شرك.
***
بالمقر.
بقبلات حانية لم تعهدها سلسبيل من قماح سابقًا، كان قماح يتودد لها بتلك القبلات. بين التوهة والتوق، كان الاختيار صعب في الاستمرار بتذوق تلك المشاعر الجديدة.
التوهة من سلسبيل، تسأل نفسها:
من هذا الرقيق؟ هذا شخص آخر لم أرى منه هذا الحنان سابقًا. عقلي يفكر أن أنهي اللحظة وأرفض قربه منها. والقلب بغفوة يتمنى أن ينتشي بحنان تلك اللحظات.
التوق من قماح، يريد الغوص معها في المياه العذبة، يرتوي من عشق يسري في عروقه مجرى الدم. حاول التخلي عنه كثيرًا، لكن كان إدمان بالنسبة له لم ولن يُشفى منه. دواؤه المسكن هو قربها.
بين التوق والتوهة، استسلم الاثنان لتلك المشاعر، تسحبهم إلى أعماق بعضهما. يشعر كل منهما بمشاعر جديدة تولد بعد تلك الدقائق المفعمة بالنشوة وروية الاشتياق لشيء واحد هو... عشق. لكن بطريقة لطيفة لكل منهما.
بعد تلك الرحلة اللطيفة، قبل قماح جبين سلسبيل وارتمى بجسده على الفراش. يشعر بانتشاء. بينما سلسبيل تشعر بتوهان وتشتت من هذا الذي كان معها منذ لحظات لطيف ومراعي. أغمضت عينيها هي بحلم ليس واقع. نبه عقلها:
لا تفتحي عينيكِ، سينتهي هذا الحلم وقتها وتتأكدين أن ما حدث وما تشعرين به ليس سوى حلم جميل يصوره خيالك.
لكن فجأة شعرت بقماح يجذب جسدها له، يضمها لصدره. شعرت بأنفاسه فوق وجهها. مازالت مغمضة العين هي بحلم جميل. ليته لا يفيق منه وتظل تشعر بتلك الأحاسيس الجديدة عليها. لكن همس قماح باسمها. مازالت لا تريد أن تفتح عينيها وتنصدم بالحقيقة. شعرت بملمس يد قماح الحانية على وجهها وصوته الهادئ:
سلسبيل، أنتِ نمتي.
لم تفتح عينيها وقالت بهمس:
أممممم.
ضحك قماح يقول:
إزاي نمتي وبتردي عليا؟ أول مرة أعرف إنك بتتكلمي وأنتِ نايمة. هبدأ أخاف وأصدق إنك فعلاً بتشوفي أحلام ورؤى بتتحقق. والدليل أهو بتكلمي كمان وأنتِ نايمة.
فتحت سلسبيل عينيها ونظرت لوجه قماح لثوانٍ قبل أن تقول بثقة وتأكيد:
بس أنا فعلاً بشوف أحلام ورؤى وبتتحقق. ولا مفكر إني بكذب وبألف من دماغي.
شعر قماح بنبرة سلسبيل التي تغيرت قليلاً. كما أنها حاولت الابتعاد عن صدره. لكن أحكم قماح يديه على جسدها وقال:
مش قصدي إني بكذبك. قصدي من امتى بدأتي تشوفي الأحلام والرؤى دي.
نظرت سلسبيل لوجه قماح وقالت باختصار:
معرفش من امتى.
بداخلها كانت تود أن تقول له أنه كان مصاحب لأحلامها منذ أن بدأت تعي على الحياة. رغم أنها لم تكن رأته سوى ببعض الصور، لكن كانت تراه بأحلامها دائمًا من قبل أن يعود. كانت كثيرًا تشعر بالرهبة من تلك الأحلام التي كانت تراودها عنه. أكثر تلك الأحلام كان تراه يقترب منها، يجذبها إليه بقوة، يسحبها للسير خلفه دون إرادتها... حتى أنها كانت تهاب منه. حتى حين ينظر لها كانت تشعر أنها عارية أمامه وتخجل منه. وكانت تبتعد عن أي مكان يتواجد به.
بينما قماح قال بمراوغة:
أنا فاكر يوم ما رجعت لهنا تاني. أنتِ عرفتيني من قبل ما أقول أنا مين. يمكن شوفتيني في المنام قبلها.
تلربكت سلسبيل ولم تستطع الرد فصمتت.
تبسم قماح وقال:
أنا كمان عرفتك وقتها. فاكر إنك جريتي وسيبتيني واقف على الباب.
ردت سلسبيل:
يمكن. بس أنا مش فاكرة.
تبسم قماح وقال:
بس أنا عمري ما نسيت نبع المايه الصافي ورجعت لهنا عشان أشرب منه.
ارتبكت سلسبيل وقالت:
تقصد إيه؟
تبسم قماح يقول بتورية:
قصدي مية النيل. مش بيقولوا اللي يشرب من ماية النيل لازم يعود لها من تاني.
نظرت سلسبيل لعين قماح، ربما كانت تود أن يجيبها بشيء آخر، لكن خيب ظنها.
بينما تبسم قماح وهو يشعر بـ سلسبيل التي جذبت خصلان شعرها الشاردة خلف أذنها، وتذكر حديثه في الصباح مع جدته هداية.
***
فلاش باك.
قبل أن يتناول الفطور، دخل إلى غرفة هداية. وجدها تصلي. انتظر إلى أن انتهت ونهضت من فوق سجادة الصلاة، تقوم بتطبيقها ثم وضعتها بمكانها المخصص لها.
تنهد قماح وقال:
حرمًا يا جدتي.
ردت هداية باختصار:
جمعًا.
تنهد قماح قائلاً:
هتفضلي متجنبة الحديث معايا لحد امتى؟ من يوم ما اتجوزت هند وأنتِ مش بتكلميني غير نادر.
ردت هداية:
وكنت عاوزني أبارك لك على جوازك على بت عمك إياك؟ خيبت أملي فيك. كان فين عقلك وقتها؟ أنا غلطت لما جلت لرجل السنهوري أنك خطبت سلسبيل. ياريتني كنت وافقت على طلبه. مكنتش سلسبيل اتعذبت معاك. ويمكن نائل كان سعدها وفرح قلبها. مش زيك.
شعر قماح بالغيرة وقال:
مالوش لازمة الكلام ده يا جدتي. سلسبيل موعودة ليا من وإحنا صغيرين.
تنرفزت هداية وقالت له بحدة:
مكناش وعد. كان حديث فاضي. بس أنا رأفت بقلبك وكنت شايفه نظرة عينيك لـ سلسبيل. كنت بنتظر منك تطلبها في أي وقت. بس غشوميتك وعنجهيتك زي ما بتجول سلسبيل. اخترت غيرها. جولت يمكن ده النصيب والمقدر. مفيش منه مهرب. وسلسبيل نصيبها بكرة هيجي ليها. كان بيتقدم لها خطّاب كتير من وهي لسه في الجامعة. نائل مكنش أول عريس يتقدم لها. بس كنا بنرفضهم أنا وناصر وأوقات سلسبيل نفسها. اتجوزت واحدة ورا التانية وهي كانت قدامك. كنت مفكر إن محدش بيتقدم لها ولا إيه؟ أنا كنت شايفة قلبك من جوه رايد سلسبيل. جولي إيه السبب إنك تأذيها بالشكل لما بقت بين إيدك؟ ليه كنت عنيف معاها؟ سلسبيل لحد يوم ظهور براءة همس كانت مستسلمة بنصيبها. أنا شوفت العلامات الزرقا اللي كانت في رقبتها يوم ما كنت محموم بسبب ضربة السمس. لو شوفت خوفها عليك يومها عمرك ما كنت هتفكر تأذيها. بس مكنتش بس بتسيب علامات على جسمها كمان على روحها بالكلام الفارغ. وآخرة المهزلة داخل عليها بضرة. كنت عاوزني أقوم أزغرط وأستقبلها كمان؟ تبجى غلطان. أنا اللي يخدش واحدة من بنات ناصر مش بس أقتله. عارف لو سلسبيل كانت طلبت الطلاق وإنك تسيب دار العراب، كنت هوافقها. جولي سبب واحد يخليك تأذي قلب سلسبيل الأذية دي كلها.
رد قماح:
أنا مكنش غرضي أأذي سلسبيل. أنا كنت عاوزها تحس بالعذاب اللي اتعذبته في بعدها عني لسنين قضيتها بين ناس عمري ما حسيت معاهم غير بالعذاب. كان نفسي تحس قد إيه أنا اتعذبت في الغياب عن هنا. سلسبيل الوحيدة اللي رجعت عشانها. ويوم ما وصلت لهنا هي فتحت لي باب الدار. بس سابتني على باب الدار وخافت مني وجريت على جوه بسرعة. حتى لما طلعتي تستقبليني، استخبت وراء مرة عمي. كأنها مش عاوزة تشوفني.
تبسمت هداية قائلة:
سلسبيل هي اللي حلمت برجوعك لهنا من تاني. ويومها سابتك على الباب وجات لي مجعدة تجول إنك رجعت كيف ما هي حلمت فيك. كانت مستخبية وراء نهلة عشان تتمعن فيك.
تعجب قماح وقال:
سلسبيل حلمت برجوعي لهنا.
ردت هداية:
أيوا. قبل ما ترجع. أنت وسلسبيل كان بينكم خط موصول بس أنت اللي كنت دايماً بتقطعه بيدك. من أول جوازك من غيرها. سلسبيل اللي كان بيتقدم لخطبتها أولاد أعالي القوم. تفتكر لو مكنتش غالي عليا، كنت وافقت أزوجهالك وتكون الزوجة التالتة. بس أنت عملت كيف ما هي جالت لي. لما تمل منها هتتجوز عليها.
رد قماح:
بس أنا مملتش من سلسبيل ولا عمري همل منها.
تهكمت هداية قائلة:
وليه رجعت هند لعصمتك مرة تانية ضرة لـ سلسبيل؟
رد قماح:
كانت غلطة. وكمان رد فعل في لحظة غضب مني بسبب عنادها.
سخرت هداية قائلة:
أهي لحظة الغضب دي كلفتك خسارة سلسبيل.
رد قماح:
أنا مستعد أطلق هند.
لتقاطعه هداية قائلة:
حتى لو طلقت هند، تفتكر سلسبيل هتنسى بسهولة معاملتك القاسية ليها. غير جوازك عليها. قماح مبقاش قدامك غير إنك تكسب قلب سلسبيل وتحاول تخليها تثق فيك وتقرب منك بإرادتها. وده مشوار طويل. وأنا مش هساعدك زي ما ساعدتك قبل كده وخذلتني قدامها. وخذلتها هي كمان قدامنا.
***
عودة.
عاد قماح ينظر لوجه سلسبيل الهادئة على صدره. شق صوت السكون بينهم صوت الرعد. للحظة ارتجفت سلسبيل وقالت:
واضح إن العاصفة لسه مهديتش. ربنا يستر والنور ميقطعش تاني وتبقى ليلة سودة.
تحدث قماح:
سلسبيل، أنتِ ليه بتخافي من الضلمة قوي كده؟
ردت سلسبيل:
عادي. الناس كلها بتخاف من الضلمة. أنت مش بتخاف منها؟
رد قماح:
لأ مش بخاف من الضلمة. بالعكس برتاح في الضلمة. بحس بهدوء أكتر.
رفعت سلسبيل جسدها ونظرت لوجه قماح وكررت قوله:
هدوء! غريبة. معظم الناس بتخاف من الضلمة.
قالت سلسبيل هذا، ثم فاجأت قماح بسؤالها:
قماح، إيه سبب العلامة اللي في حاجبك اليمين دي؟
سألت سلسبيل وهي تضع إبهامها فوق حاجبه. ثم أجابت هي على جزء من سؤالها:
دي أكيد سببها تعويرة وسابت أثر. بس حصلت لك امتى؟ قبل ما تسافر اليونان ولا وانت في اليونان.
بينما أغمض قماح عينيه لثوانٍ يستمتع بملمس إصبع سلسبيل. ثم فتحها ونظر لوجه سلسبيل قائلاً باختصار:
في اليونان.
تنهدت سلسبيل وقالت:
وسببها إيه؟
رد قماح بتوهان:
مقولتليش إيه سبب خوفك الجامد من الضلمة.
علمت سلسبيل أنه لا يريد الإجابة عليها. عادت تنام على الفراش مرة أخرى وقالت له:
سبب خوفي من الضلمة... هي زهرت.
نظر قماح لـ سلسبيل وقال بتعجب:
زهرت! والسبب إيه؟
تذكرت سلسبيل تلك الواقعة التي حدثت بالماضي. وقتها كانت بالخامسة والنصف من عمرها، حين حبست زهرت سلسبيل بقبو أسفل سلم منزل عمتها. وظلت في ظلام هذا القبو لمدة يومين تصرخ حتى انبح صوتها وضاع. أصبحت تبكي وتهذي. لولا أن زوج عمتها بالصدفة فتح القبو كي يأتي ببعض الأغراض منه، وجدها كانت تهذي وجهها يشاحب الموتى. أخذها إلى دار العراب، التي كانوا مثل الذي لديهم يتيم بسبب فقدهم لطفلتهم لمدة يومين. كانت كل الظنون برأسهم. لكن حين دخل زوج عمتها بها إلى المنزل فرحوا بعودتها. لكن كانت مريضة تهذي برعب ما عاشته ليومين بالظلام بعقل طفلة صغيرة كانت يخيل لها أنها ترى أشباح الظلام. عالجوها جسديًا وقتها، لكن ظل الخوف من الظلام مرافق لها. تخشى الظلام كثيرًا. حتى أنها ظلت لفترة بعدها، كانت تخشى أن يأتي الليل. وأحيانًا كثيرة كانت تنام وضوء المكان شبه ساطع.
ارتعش جسد سلسبيل وهي تتذكر تلك الذكرى.
شعر قماح برعشة جسد سلسبيل وقال:
طب وزهرت ليه حبستك في القبو؟
ردت سلسبيل:
بسبب شعري. هي شدتني يومها من شعري لحد ما وصلنا القبو وزقتني لما دخلت فيه قفلت بابه عليا.
تعجب قماح يقول بتكرار:
بسبب شعرك.
ردت سلسبيل:
أيوا. عشان أنا طول عمري شعري طويل. وكان أطول من شعرها. وهي كانت بتحقد عليا بسبب كده. حتى مرة جابت مقص وقصت جزء كبير من شعري. وقتها بس رجع طول تاني. هند أجمل مني بكتير. بس هي عندها حقد مني. يمكن كان أكتر من أخواتي التانيين.
أمسك قماح خصلات شعر سلسبيل وقال لها:
شعرك طول تاني.
نظرت سلسبيل لخصلات شعرها الذي بين يد قماح وقالت:
شعري بيطول بسرعة. ماما دايماً تقولي كنت بقص شعرك كل تلات شهور. يطول أكتر وكنت بكسر لها الأمشاط. وتضايق وهي بتسرح لي شعري لحد ما كبرت وبقيت أسرحه لنفسي. حتى أنا أوقات بضايق وببقى نفسي أقص كتير منه. بس جدتي هي اللي كانت بتمنعني. كنت بقص جزء صغير من فترة للتانية وبيرجع يطول تاني.
تبسم قماح وقال:
وأنا دلوقتي بمنعك تقصي حتى سنتي من شعرك مرة تانية.
نظرت له سلسبيل قائلة بتحدي:
براحتي. ده شعري أنا ملكي أنا. وإن شاء الله أحلقه زيرو.
تبسم قماح وهو ينحني على سلسبيل قائلاً بتملك:
ممنوع تقربي بس المقص من شعرك.
كانت سلسبيل سترد بتحدي، لكن فجأة دوى في الخارج صوت الرعد أقوى. انخضت سلسبيل وبتلقائية دون انتباه رفعت يديها تحتضن قماح.
قماح الذي شعر بيديها فوق عنقه. نظر لوجهها وقال:
متخافيش يا سلسبيل.
أنهى قوله بقبلة حميمية شغوفة. أذابت ذالك التبلد القديم وانسجم الاثنان معًا. وتعانقت أروحهما معًا قبل جسديهما. بلقاء ودود ومحبب لهما الاثنان دون نفور أو شعور بالألم سواء النفسي أو الجسدي.
بعد عاصفة من العشق، تنحى قماح على الفراش بظهره وجذب سلسبيل عليه. يشعر بهدوء وسكينة.
بينما عاود التشتت مرة أخرى لعقل سلسبيل، التي لامت نفسها على ذالك الاستسلام المخجل بالنسبة لها. كيف سمحت لقماح بحدوث هذا اللقاء الحميمي بينهم؟ جاوب عقلها:
أكيد دي سيطرة هرمونات سيطرت عليا بسبب الحمل.
تأملت سلسبيل ملامح قماح الذي تراها بشكل آخر تمنته منذ الليلة الأولى التي تزوجت به. ظلت لدقائق قبل أن تسحبها تلك الغفوة.
بينما قماح يشعر بالسعادة بداخله. سلسبيل بعد فترة هجرها هي بين يديه يضمها إليه يشعر بأنفاسها فوق صدره. تمنى أن ينتهي الكون الآن. ظل يتأمل وجهها. بداخله سعادة لا توصف. كم كان يصحو ليالي ينظر إلى جواره ويتحسر حين لا يراها بجواره بالفراش. يعلم أنه أخطأ كثيرًا في حقها. سلسبيل لو طلبت منه طلاق هند سيفعل ذلك برهان على عشقه لها.
***
في دبي.
رغم أن الشمس لم تشرق بعد، لكن هناك بداية يوم جديد. مع ذلك لم تنته العاصفة لكن هدأت قليلاً.
نظر كارم لـ همس الناعسة بين يديه. لكن فجأة بدأ يشعر باضطراب أنفاسها وهذيانها ببعض الكلمات المستغيثة.
ضمها بقوة ووضع يده فوق وجنتها يوقظها برفق:
همس، اصحي. أنتِ في كابوس. فُوقي منه.
بينما همس بمنامها تقف بمنتصف طريقين تسمع أصوات وحوش تقترب منها. بالتأكيد تريد نهشها مرة أخرى. لم يبق بجسدها مكان لينهشوه. تريد أن تجري، لكن ساقيها كأنها لا تتحرك وأصوات الوحوش تقترب منها. لكن هناك صوت آتٍ من الجهة بعيد يحسها على الذهاب نحوه. ترتجف بشدة. أي الطريقين تسلك وتذهب إلى الأمان؟
في ذلك الوقت، ربت كارم على وجهها يحسها على الاستيقاظ من ذلك الظلام السابح به. بالفعل فتحت عينيها، التي فجعت قلب كارم بدمويتها. لكن نظرت همس بتمعن لوجه كارم، الذي تبسم لها بود.
بلا شعور منها ضمت جسدها له. كأن ابتسامته طمأنت قلبها. لكن تذكرت ذلك الكابوس التي كانت به منذ قليل. كان هناك طريقان وهي بالمنتصف. كان عليها اختيار أحد الطريقان كي تنجو. الصوت الذي كان في الحلم كان صوت مألوف لها. سمعت لذلك الصوت لتصحو عليه. كان صوت كارم. تبسمت بخفوت.
رأى كارم تلك البسمة التي شقت شفاه همس. اقترب برأسه منها وقبل شفتيها برقة للحظة ثم ابتعد عنها ينظر لوجهها البشوش المجهد. رآها تغمض عينيها.
تبسم قائلاً:
صباح الخير يا همس.
فتحت همس عينيها بخجل وردت بحشرجة:
صباح النور. هي الساعة كام دلوقتي؟
رد كارم:
مش عارف الساعة كام، بس متهيأ لي بقينا في يوم جديد. وشكل العاصفة هديت كتير عن ليلة امبارح. الأصوات تقريبًا اختفت.
تنهدت همس براحة قائلة:
كنت مفكرة إن طقس دبي مختلف عن طقس مصر.
تبسم كارم يقول:
دي كانت عاصفة قوية وقريت على النت إنها في عدة دول عربية ومنها مصر ودبي. بس الرياح شكلها هديت كتير.
تنبهت همس أنها بحضن كارم. لا تعرف لماذا لم تعد تخشى قربه منها بهذا الشكل. لكن شعرت بالخجل من نظرة عين كارم لها. حاولت الابتعاد عنه قليلاً، لكن ضمها كارم قائلاً:
أنا منمتش طول الليل، وعاوز أنام ساعتين قبل ما يجي ميعاد فتح المطعم. ممكن تفضلي نايمة في حضني الساعتين دول، بس عشان أحس بالدفى.
خجلت همس من طلب كارم وأخفضت عينيها.
تحدث كارم برجاء:
أرجوكي يا همس، محتاج أنام الساعتين دول وأنتِ في حضني.
أومأت همس له برأسها بموافقة.
تبسم كارم لها وضمه أقوى. تبسمت همس متغلبة على خوفها السابق. لابد أن تجازف وتتغلب على خوفها وتعود همس القديمة من أجل ذلك القلب الذي يحتويها.
***
آتى نهار جديد.
بالمقر.
فتحت سلسبيل عينيها. حاولت النهوض من على الفراش لكن شعرت بيدي قماح تقيد حركتها. حاولت سلت نفسها، لكن شعر قماح بحركتها فضم يديه عليها أقوى. حاولت سلسبيل سحب نفسها من بين يديه بقوة.
تحدث قماح وهو مازال مغمض العين قائلاً:
لاحظي إن السرير صغير. بلاش فرك كتير الصبح. أنا عاوز أنام.
ردت سلسبيل بتذمر:
حوش إيديك من حواليا، ونام براحتك. مفكر إنك في دار العراب؟ فوق، إحنا في المقر وزمان الموظفين جايين.
فتح قماح عينيه ينظر لـ سلسبيل وتبسم قائلاً:
وفيها إيه أما الموظفين يجوا للمقر؟ هيروحوا على مكاتبهم، مش هيجوا هنا.
تذمرت سلسبيل وحاولت سلت جسدها من بين يدي قماح وقالت:
بلاش برودك ده الصبح. أنا عاوزة أقوم أشوف هدومي. يارب تكون نشفت. ماهو مش معقول هفضل بـ هدومي دي عليا قدام الموظفين. ياريتك كنت قلت لعمي بالليل يجيب لي هدوم معاه.
نظر قماح لـ سلسبيل بوقاحة لأول مرة تراها منه وقال:
تصدقي هدومي عليكي شكلها أنيق جداً. بالأخص زراير القميص المفتوحة من على صدرك دي.
نظرت سلسبيل على ملابسها تفاجأت فعلاً بأزرار القميص تقريبًا كلها مفتوحة ويظهر جسدها منه. ضمت طرفي القميص وحاولت فك يدي قماح من حول جسدها. لكن...
تبسم قماح وقال لها:
متأكد بابا هيجيب لك معاه غيار، من غير ما أقول. بس الله أعلم الطريق اتفتح ولا لسه.
نظرت له سلسبيل بسخط قائلة:
مفيش مرة تكمل الجملة كاملة. أكيد زمان الطريق اتفتح. ده طريق رئيسي في البلد. ووقوفه عطلة لكل المصالح. لو سمحت فك إيدك من حواليا. عاوزة أروح الحمام آخد دش وأتوضى عشان أصلي.
علم قماح لو ضغط على سلسبيل أكثر من هذا قد يفسد الطريق الذي بدأه معها بالأمس. ستعتقد أنه عاد كما كان يريد السيطرة وفرض الأمر عليها. حقًا لم يفك حصار يده، لكن تهاونت يديه، مما جعل سلسبيل تفك يديه بسهولة وتنهض من فوق الفراش وتتوجه إلى الحمام.
بينما تنهد قماح يشعر بنشوة سعيد. سلسبيل كانت بين يديه طوال الليل. كم تمنى أن لا يأتي الصباح كي لا تبتعد عنه.
أما سلسبيل دخلت إلى الحمام. وقفت خلف الباب تلتقط أنفاسها الهادرة. تلوم نفسها. كيف سمحت لقماح بالاقتراب منها مرة أخرى. ما حدث ليلة أمس كان ضعف وقتي منها. الآن لابد أن يزول هذا الضعف. قماح يتلاعب بمشاعرها. لن تسمح له بذلك.
بعد دقائق خرجت سلسبيل من الحمام، سمعت لصوت قماح بالمكتب المرافق له غرفة النوم. كان يتحدث حول بعض الأطعمة. لابد أنه يطلب طعام من أجلهما. ذهبت نحو ملابسها تتحسسها كانت لا تزال مبتلة. وضعتها كما كانت ووقفت تتنهد متذمرة.
تبسم قماح حين دخل قائلاً:
اتصلت على عمي ناصر وقولت له يجيب لك غيار معاه.
ردت سلسبيل:
أهو شبكة الموبايل رجعت تاني. أكيد زمان الطريق فتح زي ما قولت لك. يارب بابا ميتأخرش في الوصول.
تبسم قماح وهو يقترب من سلسبيل قائلاً:
وفيها إيه لما يتأخر؟ اللي يسمعك يقول قاعدة عريانة. ما أنتِ لابسة هدومي أهو.
خجلت سلسبيل وقالت له:
إنت السبب من البداية. خليت السواق اللي كان هيوصلني يوصل المحاسبين اللي أخرتهم امبارح. لو كان وصلني قبلهم كنت وصلت للبيت قبل الطريق ما يتقفل.
شعر قماح بنبرة لوم من سلسبيل، كأنها تبدلت عن ليلة أمس، فقال:
أنا طلبت لينا فطور وزمانه على وصول. هدخل الحمام أنا كمان آخد دش وأتوضى.
بعد وقت بالمقر.
دخل ناصر إلى مكتب قماح مبتسمًا. نهض قماح من خلف مكتبه ورد بابتسامة.
نظر ناصر بالمكتب وقال باستفسار:
فين سلسبيل؟ أنا جولت لنهلة وجابت لها غيار.
تبسم قماح وقال:
سلسبيل في الأوضة مستنية حضرتك.
تبسم ناصر وتوجه للذالك الباب، ودخل إلى الغرفة.
نظرت سلسبيل لفتح باب الغرفة للحظة ظنت أنه قماح، لكن خجلت حين رأت والدها هو من دخل بيده كيس ورقي كبير.
تبسم ناصر على خجل سلسبيل أن يراها بملابس خاصة بـ قماح. وقالت بتبرير:
هدومي كانت اتبلت بسبب غزارة المطر امبارح. لو كنت فضلت بيها كنت هاخد برد.
تبسم ناصر قائلاً:
كويس. لازم تهتمي بصحتك. ده الغيار اللي طلبه مني قماح. هسيبك تغيري هدومك وهستناك في المكتب بره.
أخذت سلسبيل الكيس من يد ناصر بخجل وهي تومئ رأسها له.
بعد قليل خرجت سلسبيل من الغرفة إلى المكتب وجدت قماح يجلس مع والدها يتناقشان ببعض الأعمال. شعرت بخجل من الاثنين، سواء من قماح أو والدها. فقالت بتهرب:
هروح على مكتبي. كان عندي كذا ملف محتاج تدقيق مني.
قالت سلسبيل وخرجت من المكتب أو بالأصح هربت من عيونهما الاثنين.
***
ظهراً.
في أحد البازارات السياحية الخاصة ببيع التحف والأنتيكات.
انبهر صاحب ذلك البازار قائلاً:
لو فعلاً المنحوتات دي بالشكل اللي على الموبايل دي تبقى روعة. دي تقريبًا مطابقة لبعض الآثار الحقيقية.
رد حماد قائلاً:
أنا نفسي انبهرت من المنحوتات دي. ولو مش عارف إنها تقليد كنت قولت حقيقية.
تحدث صاحب البازار:
طب ومين اللي عامل المنحوتات دي؟ أنا مستعد أشتريها منه، بالتمن اللي يطلبه. أنت عارف إننا في موسم الشتا والسياحة في أسوان بتبقى مزدهرة والسياح بيحبوا يقتنوا بعض التحف. ومفيش أفضل من المنحوتات دي.
رد حماد:
ده واحد صديقي هو اللي مقلدهم زي ما أنت شايف. بس هو هاوي. وبيفكر يعمل معرض فني بالتحف دي. يعني مش للبيع.
رد عليه:
قولت لك هدفع التمن اللي هو يقول عليه. وأكيد نسبتك محفوظة.
تبسم حماد بمكر وقال:
نسبتي هتبقى كبيرة لو أقنعته. أنت متعرفش إن قد إيه صعب أقناعه. بس هحاول أقنعه وأرد عليك في أقرب وقت.
***
بعد الظهر.
ذهب محمد لزيارة والدته. تحدث بعتاب لـ قدرية:
ليه يا ماما حاولت تتصادمي مع مرة عمي؟ مرة عمي ملهاش ذنب في أي شيء حصل.
ردت قدرية بتهجم:
بالعجل مين اللي بعتك؟ أبوك ولا نهلة؟ اتشككت للحرباية هداية وهي اللي بعتتك عشان تهددني.
رد محمد بتعجب:
أهددك! أهددك بأيه؟ وليه؟
ردت قدرية:
أكيد خايفين إن أبوح بسر الخاطية اللي ماتت، قدام الخلق وأفضحهم.
انذهل محمد وقال:
وإنتِ ناوية تبوحي بالسر ده؟ وكلنا سمعنا الميموري اللي كان عليه براءة همس. يبقى ليه تعملي كده؟
ردت قدرية بخذلان:
لو كنت عاوزة أعمل أكده مكنتش هستنى الوقت ده كله. نهلة هي اللي حاولت تتصادمني. ولما جيت أرد عليها وأعرفها مقامها، لاجيت النبوي في وشي.
قالت قدرية هذا وتذكرت وجه النبوي الذي خشيت منه. لو كان تأخر لدقائق لكانت تشفت في نهلة وقالت لها أن قماح رد السلف. مثلما دخل النبوي عليها يومًا بضرة، ها هي بنت العراب تتجرع من نفس الكأس العلقم. لكن مجيء النبوي أفسد عليها زهوة التشفي.
تعجب محمد وقال:
كلنا عارفين إن مرة عمي نهلة ملهاش في التصادم. ماما بلاش تتجني عليها. اللي حصل كان نصيب. وعشان خاطري بلاش تحتكي بها في الطريق مرة تانية.
تنهدت قدرية بتريقة وقالت بمسكنة:
حاضر يا ابن بطني. لازم أسمع حديثك ليجبروك تمنع زيارتك ليا. وأنا خلاص مبقاش حد بيسأل عليا غيرك.
رد محمد:
ليه؟ وكارم كل ما بيتصل عليا بيقول لي أنه بيتصل عليكي كل يوم وأنتِ اللي بتقفلي في وشه السكة.
ردت قدرية:
عاوزني أرد عليه أقول له شكراً إنك ساندت أبوك عليا؟ ولا إنه سافر من ورايا بدون معرفتي. وأنت كمان فين خطيبتك دي؟ مفكرتش تعفر رجلها بشوية تراب وتيجي تتعرف عليا؟ طبعاً لازم تاخد صف هداية عشان ترضى عنها.
تنهد محمد وقال:
لأ مش ده السبب يا ماما. عاوزة خطيبتي تيجي للبيت إزاي وهي متعرفوش.
ردت قدرية:
بسيطة. تعالي معاها.
تحدث محمد:
ماما دي خطيبتي مش مراتي. عارفة لو جلت لها تعالي معايا أعرفك على ماما في بيت خالي ممكن تظن فيا السوء. ممكن أحدد معاها ميعاد ونتقابل في أي مكان وأعرفكم على بعض. وإشمعنى خطيبتي اللي بتلومي عليها؟ عندك رباح متأكد إنه مش بيسأل عنك. مع ذلك مجبتيش سيرته.
ردت قدرية بتوهان:
مين جالك إني مكنتش هجيب سيرته. فلحت هداية وفرقت بيني وبين عيالي على آخر عمري. طول عمرها كان بدها كده ومرتاحتش غير لما نفذت تهديدها وفرقت بيني وبين عيالي.
رد محمد:
ماما بلاش النغمة دي. أنا وكارم بنحاول نقرب منك. لكن رباح اللي المفروض كان أقرب واحد فينا ليكِ هو اللي مش بيسأل عنك. مش بسبب جدتي. لأ، بسبب الحقد اللي اتوغل في قلبه منك. وأنتِ كنت أول من ساعد في توغل الحقد والجحود ده. وأهو جه الوقت وبقى جاحد عليكِ أنتِ كمان.
***
مساءً بدار العراب.
دخل قماح إلى المنزل. حين دخل من باب المنزل الداخلي تفاجأ بـ هند تلهف عليه وذهبت إليه مسرعة تحتضنه بقوة غير مبالية بمن يراهم. بل نظرت لـ سلسبيل التي دخلت خلف قماح لترى هذا المنظر. حتى أن هند قبلت وجنة قماح كي تزيد من إغاظتها.
لكن سلسبيل ادعت عدم الاهتمام ودخلت دون رد فعل.
بينما قالت هداية بتهجم:
إيه قلة الحيا دي.
بعد قماح هند عنه ونظر لـ سلسبيل التي دخلت دون أن تظهر اهتمام بما رأت. لكن ردت هند على هداية وهي تمثل الخجل:
مقدرتش أمنع نفسي. أنا كنت خايفة على قماح ومنمتش طول الليل وأنا بفكر أنه بعيد عني.
تهجمت هداية قائلة:
ولو فين الحيا، بس هقول إيه. العيب في تربيتك.
كادت هند أن ترد على سب هداية لها، لكن خشيت رد فعل قماح. رسمت دمعة وقالت:
مالها تربيتي؟ هو قماح مش جوزي؟ يعني مش عيب لما أحضنه.
ردت هداية:
مش عيب بس مش قدام الخلق بدون حيا ولا خشية. بس هقول إيه. إن لم تستحِ، فأفعل ما تشاء. كفاية قلة حيا. خلونا نروح نتعشى. الأكل قرب يبرد.
رغم غيظ هند وكم ودت أن تصفع هداية، لكن امتثلت وسارت خلف قماح إلى غرفة السفرة وجلست بجواره. حاولت إثارة غيرة سلسبيل، لكن ادعت سلسبيل البرود، عكس قلب قماح المشتعل وهو ينظر ناحية سلسبيل التي تأكل ولا تبالي.
لكن بعد قليل صعدت سلسبيل إلى شقتها تشعر بنيران في قلبها، لكن لامت نفسها قائلة:
مش حتة ليلة عامل فيها بالراحة هتخليكي تنسي قساوته وجوازه عليكي من الوقحة هند. كان فين عقلك وانتي بتستسلمي له. أكيد كانت لحظة ضعف ومش هتتعاد تاني.
***
بعد مرور شهر ونصف.
بشقة ناصر.
تبسمت سلسبيل لـ هدى قائلة:
إزاي قدرتي تنقلي الملفات دي؟
ردت هدى:
فاكرة حماد لما جالي إن اللابتوب بتاعه بيهنج وقالي إني ممكن أصلحه له. أهو بعدها جابه وأنا استغليت دراستي وحاولت أخترق الباسورد بتاعه ونقلت شوية ملفات من على اللابتوب بتاعه. وهقول لك سر كمان. بحاول أخترق جهازه كمان. بس شوفي الملف ده كده. كله بنات. إنما إيه. في منهم كم بنت أجنبية يظهر بيتراسل معاهم. شكله عامل فيها فالنتاين. وحاطط صورة له. اللي يشوفه يقول محترم بجد.
ضحكت سلسبيل لكن تأوهت في نفس الوقت.
انخضت هدى وقالت:
لها مالك؟ أوعى تكوني هتولدي قبل ميعادك.
تبسمت سلسبيل قائلة:
لأ، ده البيبي بيحب يعمل لنفسه شخصية من وقت للتاني. لازم كام رفصة كده. خلاص بقى هانت.
تبسمت هدى قائلة:
شكله هيطلع ولد شقي، زي باباه كده.
ردت سلسبيل:
لأ مش عاوزاه زي باباه. أنا عاوزاه زي عمي النبوي. عنده حب واحتواء للكل كده. بقول لك هقوم أمشي. عندي شغل في المقر. أما أرجع نبقى نتفرج على موزز حماد ابن عطيات.
تبسمت هدى قائلة:
مش المفروض ترتاحي بقى؟ خلاص قربتي تولدي.
ردت سلسبيل:
لأ، أنا كويسة. الدكتورة قالت لي امبارح المشي والحركة كويسة ليا عشان أولد بسرعة. بعدين فاضل شهر ونص ده على قول الدكتورة. لكن جدتك بتقول لي أربعين يوم.
تبسمت هدى قائلة:
يبقى اتأكدي. قول جدتي هو الأصدق. من أول ما عرفنا إنك حامل وهي كانت بتقول أنك حامل في ولد وده اللي الدكتورة أكدته.
تبسمت سلسبيل لها ووافقتها بالحديث، وخرجت من الغرفة تتجه نحو باب الشقة.
***
بنفس الوقت بشقة هند.
دخلت هند إلى غرفة قماح بداخلها نار حارقة. قماح يتجاهل وجودها. رسمت هند دمعة وقالت:
قماح، نائل أخويا اتصل عليا وقالي إن بابا تعبان شوية.
رد قماح:
روحي زوريه، واطمني عليه. ولو عاوزة تفضلي معاه لوقت براحتك.
ردت هند:
طب ما تيجي معايا؟ أنت عارف قسوة بابا. وهو من يوم ما رجعت لك وهو مقاطعني. يمكن لما تروح معايا يسامحني ويعرف إنك رجعتني عشان رايدني.
تهكم قماح في سره وسار من أمامها. بينما هند ابتلعت تجاهل قماح وسارت خلفه، حتى فتح باب الشقة.
في نفس وقت فتح قماح لباب الشقة سمع صوت فتح باب الشقة المقابلة. نظر باتجاهها تبسم حين رأى سلسبيل هي من فتحت الباب. لكن هي للحظة تفاجأت لكن لم تبدِ أي رد فعل، خاصة حين رأت من خرجت خلف قماح من الشقة وحاولت لفت انتباه سلسبيل بدلالها على قماح. لكن سلسبيل لم تعيرها اهتمام وأكملت سيرها وتوجهت إلى درجات السلم تنزل من عليها كأنها لا ترى شيئًا. بينما قماح نزل إلى السلم هو الآخر خلف سلسبيل، تاركًا الأخرى دون اهتمام لأفعالها النسائية. تشعر هي بالغيرة في قلبها.
أثناء نزول سلسبيل على السلم دون انتباه منها، داست على ذيل ثوبها الطويل وكادت تتعرقل بسببه، لكن أمسك قماح يدها سريعًا منعها من السقوط. كذلك تشبثت بيدها الأخرى بسياج السلم.
وقفت سلسبيل للحظات تبتلع حلقها الذي جف. كان بينها وبين السقوط على السلم لحظة. شت عقلها للحظة ماذا لو لم يمسك قماح بيدها؟ ربما كانت على الأقل فقدت جنينها الآن.
تقابلت عين سلسبيل مع عيني قماح. كانت النظرات صامتة. انتبهت سلسبيل وجذبت يدها من يد قماح قائلة:
شكراً يا قماح. كان لازم أرفع ديل الجونلة شوية بدل ما كنت هتعثر فيه.
لم يرد قماح. ظل ينظر لها فقط. كم ود أن يجذبها الآن ويحتضنها. ليس فقط يحتضنها بل ويقبلها ويذهب معها إلى متاهة عشق تضمه هو وهي وفقط بعيدًا عن هنا وينسى معها الوقت والمكان. يبرهن لها كم كان أحمقًا حين استسلم لغباء عقله وتزوج بأخرى كيدًا بها. لكن هو أكاد نفسه قبلها. بداخله ينتظر إشارة منها وسيُنهي أي شيء يبعدها عنه.
بينما سلسبيل بلا مبالاة رفعت ذيل ثوبها قليلاً وعاودت نزول درجات السلم. وكذالك قماح خلفها.
بينما تلك التي رأت ما حدث بررته على هواها. سلسبيل تحاول لفت انتباه قماح لها تريد استعادته. وهو أكثر من مرحب بذلك. أيقنت أن قماح كان يعشق سلسبيل حتى قبل زواجه الأول والثاني. لكن ما الذي كان يمنعه عنها؟ ولما حين تزوجها لم يحافظ عليها وعاملها بطريقة غير مناسبة، وجعلها تمقت هذا الزواج المستمر ظاهريًا فقط بينهم.
بينما بالأسفل كانت هناك من خفق قلبها بفرحة وهي ترى نزول سلسبيل وخلفها قماح. تتمنى أن يعود بينهم الوصل مرة أخرى، ويعودا زوجين حقيقيين يجمعهما عش واحد.
رواية عش العراب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامه
دخلت همس إلى المطعم الخاص بكارم. جالت عيناها بالمكان، تبسمت بتفاؤل، المطعم أصبح له زبائن ورواد في فترة قصيرة. ذهبت مباشرةً إلى غرفة الإدارة، فتحت الباب بعد أن سمح لها بالدخول، لكن وقفت صامته لثوانٍ وهي ترى انحناء تلك الموظفة بجوار كارم الجالس خلف مكتبه. تبدو أنها تقوم بتوضيح شيء له.
شعرت همس بالغيرة من تقارب تلك الموظفة، لكن أظهرت عكس ذلك وتبسمت وألقت عليهم السلام.
نهض كارم مبتسمًا وقال للموظفة:
طب نكمل بعدين.
ردت الموظفة بابتسامة مجاملة:
تمام يا أفندم... عن إذنكم.
تبسمت الموظفة لهمس أيضاً بإيماءة ترحيب ثم خرجت وأغلقت خلفها الباب.
اقترب كارم من مكان وقوف همس قائلاً:
المطعم نور، مفاجأة جميلة.
تبسمت همس قائلة:
شكلي عطلتك عن الشغل مع الموظفة اللي كانت هنا... من لهجتها واضح إنها مصرية.
رد كارم ببساطة:
فعلاً مصرية، هي عايشة مع والداها هنا تقريباً كان مدرس في إعارة، عجبته دبي واستقر فيها وهي فضلت معاه بعد وفاة والدتها هنا. بتبدأ شغلها في مجال الدعاية.
شعرت همس بغيرة وقالت:
واضح إن معاك تقرير عنها.
تبسم كارم وهو يشعر بنبرة غيرة في حديث همس وقال:
مش تقرير ولا حاجة. بعدين أكيد مش جاية المطعم عشان نتكلم عن الموظفة.
ارتبكت همس حين شعرت أن كارم شعر بغيرتها وقالت:
إنت عارف إن النهارده بروح المشغل أعلم البنات بس حسيت بفتور وماليش مزاج. استأذنت وكمان عندي ميعاد مع الدكتورة بعد ساعة ونص. قولت أجي نتغدى هنا سوا بقالك أسبوعين، بتبقى مشغول وقت الغدا ومش بتيجي للشقة، وبتغدى لوحدي.
تبسم كارم وقال:
قصدك مش بتتغدى أصلاً، بس كويس إنك جيتي على هنا. كنت بعد شوية هتصل عليكي وأقولك تعالي نتغدى هنا سوا. لازم تهتمي بصحتك وأول شيء تاكلي كويس. مش شايفه نفسك خسيتي كتير.
تبسمت همس قائلة:
بصراحة بكسل آكل لوحدي.
تبسم كارم وبدون قصد منه وضع يديه حول خصر همس، التي للحظة ارتجف قلبها، لكن ليس خوف كالسابق بل سعادة وإرادة منها، كأنها أصبحت تشعر بشوق للمسات كارم لها، لم تعد تشعر بتلك الرهبة منه.
أما كارم تبسم حين لم يشعر برجفة جسد همس حين يقترب منها، وقال:
خلينا نطلع نتغدى عشان متتأخريش على ميعاد الدكتورة.
تبسمت همس له وسارت بجواره مبتسمة تشعر بشعور لا تعرف تفسير له وهي تسير بجوار كارم الذي يلف إحدى يديه حول خصرها. كانت تنظر حولها تشعر بانتشاء غير خائفة أن يعرفها أحد.
***
بدار العراب
بشقة هند
كانت جالسة على فراشها تشعر بالضجر. تذكرت ما رأته صباحًا أثناء نزولها السلم لتذهب لتناول طعام الفطور بصحبة العائلة. شعرت بالحقد حين رأت قماح يمسك بيد سلسبيل التي كادت تنزلق على السلم. من داخلها تمنت أن تنزلق سلسبيل، لكن يبدو أن القدر دائماً يساندها. ها هو قماح أنقذها من الانزلاق على السلم.
نزلت هند ونظرت لـ هند الواقفة أمام باب شقتها، يظهر الوجوم على وجهها بوضوح.
تهكمت زهرة قالت لها بنبرة استفزاز:
صباح الخير يا هند، إيه مش هتنزلي تفطري في الإصطباح العائلي ولا هتسيبي المكان لـ سلسبيل ترجع تاني تاخده.
ردت هند بضيق قائلة:
لأ طبعاً سلسبيل مش هتفوز عليا.
تهكمت زهرة بضحكة ساخرة. لكن في ذلك الوقت صدح رنين هاتف هند، فقالت لـ زهرة:
هدخل أرد عالموبايل وأحصلك عالسفرة.
تهكمت زهرة وقالت:
مين اللي بيتصل عليكي عالصبح كده.
ردت هند:
ده أكيد نائل أخويا، أصله اتصل عليا من شوية قالي إن بابا عيان شوية ومكوناش كملنا كلامنا. يلا اسبقيني انتي عالسفرة.
ردت زهرة:
لأ ألف سلامة على باباكِ، ربنا يشفيه.
رغم أن هند تعلم أن حديث زهرة به بعض السخرية... لكن قالت لها:
آمين. عن إذنك هدخل أرد عالموبايل.
أكملت زهرة باقي السلم نزول.
أما هند دخلت إلى شقتها وأغلقت الباب وذهبت إلى مكان هاتفها. مثلما توقعت كان هو نائل من يتصل عليها. ردت بعجرفة:
خير، بتتصل عليا دلوقتي ليه؟
رد نائل:
غلطان، هي دي صباح الخير. عالعموم لو بمزاجي مكنتش هتصل عليكي، ده بابا هو اللي طلب مني أكلمك وأعرف إن كنتي هتيجي النهارده ولا لأ.
ردت هند:
أكيد جايه، طمن بابا. أنا قلت لـ قماح إن بابا عيان شوية ولازم أزوره.
ضحك نائل بسخرية قائلاً:
بتتقولي على بابا بالمرض عشان تاخدي الإذن من قماح، مع إن في رأيي بدون حجج كذابة هو ماكنش هيمنعك.
ردت هند بزهق:
مش ناقصة تريقتك عالصبح. سلام.
أغلقت هند الهاتف ورمته على الفراش تزفر أنفاسها بغضب. قماح مع الوقت يبتعد عنها أكثر، ويتجاهل وجودها. وجوده معها في الشقة فقط ديكور، مأوى ينام به بعض الليالي، بغرفة أخرى. تلك الحمقاء سلسبيل استحوذت عليه بالكامل بعد تلك الليلة التي قضاها معها بالمقر.
عادت زهرة من تذكر ما رأته صباحًا تشعر بالحقد والغلول. ما بها سلسبيل مميز عنها؟ هي حاولت إغواء قماح بعد فشل زواجه الأول لكن فشلت في ذلك، ثم ظهرت هند أمامه وتزوجها. وذلك الوغد نائل تخلى عنها سابقًا، بسبب حماقة والده. وهذا جعلها ترمي بشباكها على الغبي رباح الذي سقط سريعًا في براثنها الواهية وجذبته إليها وسيطرت على عقله. بس مش ده الراجل اللي أتمنى أعيش معاه حياتي، أنا عايزة راجل بجد صاحب قرار مش راجل أنا أُوجهه.
نهضت زهرة من على الفراش وتوجهت إلى مرآة الزينة وفتحت إحدى الأدراج وأخرجت تلك العلب المخملية، وقامت بفتحها، علبة خلف أخرى، وترتدي ما موجود بها إلى أن انتهت. وقفت تنظر إلى انعكاسها بالمرآة. بانتشاء وهناء. الذهب يغطي معصمي يديها، كذلك الخواتم تملأ كل أصابعها، وصدرها مليء بالمصوغات. هذا ما كانت تريده يومًا. وضعت أحد الأقراط في أذنيها ووقفت تتباهى بكل هذا الذهب. تذكرت يومًا أنها حتى لم تكن تمتلك فردة قرط واحدة. حصلت على كل هذا بزواجها من ذلك المغفل رباح. لمعت عينيها بداخلها تتمنى المزيد وزاد الجشع في قلبها. ما زالت تريد الحصول على المزيد قبل أن تترك دار العراب بعد أن تصبح أكثر ثراءً، يجعلها تصبح مطمع لمن حولها مثل سلسبيل التي لم تمتلك نصف جمالها ولا أنوثتها، فقط كل ما يميز سلسبيل أنها سليلة مال العراب.
***
عصرًا
بمنزل سميحة
كان محمد يجلس بغرفة الضيوف مع نظير يتحدثان بمواضيع شتى. بود دخلت عليهما سميحة بصينية عليها بعض المشروبات. تبسم محمد، كذلك نظير الذي لاحظ نظرات محمد لـ سميحة، الذي يود أن ينفرد بها. فاستأذن قائلاً:
عندي مكالمة مهمة لصديق، هستأذن خمس دقايق وراجع.
تبسم محمد له. بينما تلك اللدغة سميحة قالت بفضول:
مين صديقك ده؟
تبسم نظير وقال لمحمد:
خطيبتك مش بس لدغة، لأ كمان فضولية.
ضحك محمد قائلاً:
وضيف انتهازية.
ضحك نظير قائلاً:
ليك ربنا. عن إذنكم.
اُغتاظت سميحة ونظرت لمحمد بتوعد قائلة:
قولت إني انتهازية، انتهازية في إيه بقى؟ أنا عمري ما انتهزت حاجة.
تبسم محمد وقال بخبث:
يعني لما اتقدمتلك وعرفت إني أبقى من عيلة العراب المعروفة، ما وافقتي عشان كده؟
ردت سميحة بتهكم قائلة:
تصدق بالله أنا ما كنت أعرف إنت مين. أنا وافقت مش عشان إنت من عيلة العراب المعروفة، أنا وافقت بسبب جدتي الحجة هداية، ست تدخل القلب كده. إني مكنتش أعرف مين العريس، لو كنت عرفت إنه إنت كنت فكرت قبل ما أوافق.
تبسم محمد بمكر وقال:
ليه مش عاجبك اللي قدامك ده؟ أي بنت تتمنى بس يشاور لها.
مصمصت سميحة شفاها وقالت:
على إيه؟ عارف إنت لو مش ابن عيلة العراب، ولا بنت حتى تفكر تبصلك.
تبسم محمد وقال:
ليه؟ طب تعرفي لما كنت في الجامعة كنت عامل زي شهريار، البنات على يميني وشمالي.
شعرت سميحة بغيرة قائلة:
أكيد البنات التافهة اللي بيعجبوا بالواد الغني عشان يصرف عليهم، فسح وخروجات وهدايا.
تبسم محمد وقال:
طب ما أنا بصرف عليكي في الفسح والخروجات ليه مش بتحبيني زيهم، مع إني اخترتك نفلة عن كل البنات اللي قابلتها بحياتي، وقلت اللدغة دي هي اللي تكمل معاها حياتك. على الأقل هتخلفلي عيال عندهم لدغة مميزة.
شعرت سميحة بخجل، لكن قالت بحدة:
بتصرف عليا، في إيه! فسح وخروجات؟ فين دول؟ وما شوفت منك حتى هدية. عارف البنات زميلاتي في الجامعة المخطوبين، عرسانهم بيجبولهم هدايا، إنت إلا ما شوفت منك وردة.
تبسم محمد وقال بدهشة:
كل طموحاتك في الهدايا هي وردة!
ردت سميحة:
مالها الوردة غالية عليك.
تبسم محمد وقال باستخفاف محبب:
غالية جداً.
استخفت سميحة قائلة:
طالما الوردة غالية عليك يبقى بلاش تنفخ نفسك عليا وتقول بتصرف فسح وخروجات.
تبسم محمد وأُعجب أكثر بتلك البسيطة التي كل أملها في الهدايا... وردة. لو غيرها لطلبت هدايا أكثر قيمة.
أخرج محمد من جيبه علبة صغيرة ومد يده لها بها قائلاً:
شكلك زعلتي، على فكرة أنا جبت ليكي هدية.
تبسمت سميحة مثل الطفلة قائلة:
بجد جبت ليا وردة.
ضحك محمد، وأعطاها العلبه قائلاً:
افتحي العلبة وشوفي الهدية، واحكمي هي الأغلى ولا الوردة.
أخذت سميحة العلبة منه وفتحتها سريعاً عرفت محتوى الهدية وقالت باستقلال:
ده موبايل حديث زي اللي معاك، حتى أخوه نفس الشكل والطراز.
تبسم محمد وقال:
إيه شكل الهدية مش عاجباكي؟ مش كنتي طمعانة في موبايلي، أهو جبت ليكي زيه وكمان حولته خط، تقدري تتكلمي براحتك بدل ما أنتي مقضاها رنات.
ردت سميحة:
مش حكاية مش عاجبني الهدية، بس بصراحة أنا كان نفسي في وردة. إن شاء الله بلاستيك. بس هدية مقبولة منك، بس متأكد إنه خط، أتكلم براحتي يعني من غير ما أخاف أسمع صوت البت الرخمة اللي بتقول "عفواً، لقد نفذ رصيدكم برجاء شحن البطاقة".
ضحك محمد قائلاً:
لأ طبعاً، أنا عارف إنك رغايَة. كده هتخربي بيتي على فاتورة الموبايل. أقولك كلميني أنا بس من الموبايل ده، وقضيها رنات من الموبايل التاني.
نظرت له سميحة وقالت باستخفاف:
فعلاً زي ما إستر بتقول معظم الناس الأغنياء بخلاء وبيكنزوا على فلوسها.
ضحك محمد عالياً وقال:
إستر دي مرات عم نسيم البقال. أوعي تكلميها من الموبايل ده.
نظرت سميحة له قائلة:
أنا مش بكلم إستر عالموبايل أصلاً، بكلم الواد كيرلس.
رغم أن محمد يعلم أن كيرلس هذا أصغر منها بالعمر، وأنها تمزح معه فقط، لكن شعر بالغيرة وقال:
أهو كيرلس ده بالذات بلاش تكلميه خالص.
ردت سميحة:
لأ، مش من أولها هتفرض عليا أكلم مين ومكلمش مين. خد موبايلك مش عاوزاه، عاجبني موبايلي أبو رنات.
تبسم محمد وقال:
أنا بهزر معاكي، اتكلمي مع أي حد يا حبيبتي ومتحمليش هم دفع الفاتورة.
ماذا قال محمد... حبيبتي!
ارتبكت سميحة بشدة وخجلت. ماذا ترد؟ تلعثمت ولم تستطع قول كلمة مفهومة.
تبسم محمد وقال:
مش فاهم منك ولا كلمة، يا سيدة خط الصعيد الأولى.
***
بدار العراب
ليلاً، أمام سلسبيل
وقفت سلسبيل متعجبة تقول:
واقف على باب الشقة ليه يا عمي؟ اتفضل ادخل... وأيه الكارتونة اللي معاك دي؟ هاتها عنكتب.
تبسم النبوي أعطاها تلك الكارتونة المغلفة مبتسمًا.
أخذتها سلسبيل من يديه وحملتها قائلة:
إيه اللي في الكرتونة دي يا عمي؟
تبسم النبوي وقال:
دي هدية ليكِ مخصوص. افتحيها وشوفي فيها إيه، بعد ما أنزل. عمك بقى راجل عجوز خلاص، طلوع السلم بالكارتونة تعبني.
تبسمت سلسبيل قائلة:
ربنا يديك الصحة يا عمي.
تبسم النبوي وقبل رأس سلسبيل وقال:
يا ريت كل التعب زي كده. هنزل أنا بقى أنام، تصبح على خير.
تبسمت سلسبيل له وهو يغادر الشقة مبتسمًا، حتى أنه أغلق باب الشقة خلفه.
بينما سلسبيل سارت بالكارتونة بين يديها وقالت ساخرة من نفسها:
والله أنا حاسة إني بقيت زي طائر البطريق اللي بيمشي يرحل يمين شوية وشمال شوية مش عارف يمشي متوازن.
وضعت الكارتونة فوق فراشها، تنظر له بفضول، لمعرفة محتوياتها. بالفعل أتت بمقص وقامت بقص تغليف الكارتونة، ثم فتحتها. وجدت مجموعة من الأكياس واضح محتوياتها. هي ملابس بألوان مختلفة. أخرجت كل الأكياس ووضعتها فوق الفراش، ثم وضعت الكارتونة على الأرض وصعدت على الفراش بدأت في فتح تلك الأكياس وإخراج ما بها. تبسمت بفرحة، وهي ترى تلك الملابس الصغيرة. هي ملابس لطفلها. لكن لفت نظرها كيس وحيد كان كبير عن باقي الأكياس. فتحته، وتفاجئت بملابس صغيرة لطفل وليد عليها تطريز يحمل اسم ناصر، وهناك مفرش حريري صغير أيضًا مطرز يحمل نفس الاسم. وكذلك لفة طفل صغير وبعض الأغراض الخاصة بطفل حديث الولادة.
شردت في تلك الأغراض وذلك التطريز. تذكرت همس بعيون دامعة. هي قالت لها يومًا أنها ستفعل لها كسوة سبوع طفلها الأول. هناك شيء غريب، هذا التطريز يشبه تطريز تلك المفارش والمناديل الصغيرة التي كانت تعملها همس. أتى إليها خاطر في تلك اللحظة كأنها ترى همس أمامها تجلس بيديها تقوم بتطريز تلك الملابس، وابتسمت وهي ترى همس تتألم بخفوت بسبب شكة إحدى الإبر لإصبعها كما كانت ترى سابقًا. دمعة فرت من عينيها، تحسر قلبها، لكن في نفس اللحظة شعرت براحة لا تعلم سببها حين نظرت لها همس وتبسمت وغمزت لها بعينيها.
تبسمت سلسبيل هي الأخرى. لكن أخرج سلسبيل من تلك الخاطرة، صوت قماح الذي دخل إلى الغرفة دون شعور منها، بسبب شرودها.
تبسم لها وقال:
فكرتك نايمة وأنتِ قاعدة.
ردت سلسبيل:
لأ بس كنت مغمضة عيني.
تبسم قماح وجلس على الفراش ينظر لتلك الملابس والأغراض قائلاً:
إنتي اشتريتي هدوم للبيبي.
قال قماح هذا ثم تحدث بمكر:
بس دول هدوم لولد، مش لما كنا في المقر قولتيلي يمكن حامل في بنتين.
نظرت له سلسبيل... وقالت:
للأسف ولد واحد.
تبسم قماح وقال:
المهم إنه ييجي عالدنيا بخير، والمرة الجاية تجيبي بنتين.
نظرت سلسبيل له بتهكم قائلة:
البنتين تجيبهم لك هند بقى.
نظر قماح لـ سلسبيل وقال:
بس أنا عاوز ولادي كلهم منك إنتي يا سلسبيل.
نظرت سلسبيل لـ قماح بسخرية وقالت:
وهند هتمنعها من الخلفه ولا إيه؟ ولا يمكن كنت مانعها تخلف من أول مرة اتجوزتها، بدليل علبة حبوب منع الحمل اللي كانت بين هدومي. عرفت دواعي استعمالها بسرعة، يمكن مرت عليك قبل كده.
رد قماح:
أنا ما منعتش هند إنها تخلف في جوازنا قبل كده، اللي فعلاً كنت مانعها تخلف هي مراتي الأولانية، لكن هند لأ وده كان سبب طلاقنا وقتها هي اللي كانت بتاخد مانع من ورايا. غير كان فيه سبب تاني ومش لازم تسألني عنه.
تعجبت سلسبيل قائلة:
طب ليه منعت مراتك الأولانية من الخلفه؟ مش يمكن كانت الحياة بينكم استمرت بوجود طفل، بالذات إن جوازكم كان عن قصة حب.
رد قماح:
جوازي الأول ماكنش عن قصة حب يا سلسبيل، أو على الأقل من ناحيتي، كان جواز عقل.
تعجبت سلسبيل وقالت بسؤال:
يعني إيه جواز عقل؟
رد قماح ببساطة:
يعني كان مجرد إعجاب مني وقتها، لكن ماكنش حب، ومع الوقت انطفى الإعجاب ده، وكان لازم الجواز ينتهي.
سخرت سلسبيل قائلة:
إعجاب وانطفى، هو ده الجواز بالنسبة لك؟ عالعموم ميهمنيش، دي حياتك وانت حر فيها.
نظر قماح لـ سلسبيل وقال:
إنتِ حياتي يا سلسبيل، والدليل ابني اللي في بطنك. كان سهل تجهضيه من البداية، بعد اللي حصل بينا. بس إنتِ اخترتي له الحياة ليه يا سلسبيل؟
نظرت سلسبيل لـ قماح بتعجب ثم وضعت يدها على بطنها قائلة:
ده ابني، أنا أول واحدة حسيت بوجوده. وتقدر تقول عدم إجهاضي له إنه مالوش ذنب في سوء معاملتك ليا، وكمان تقدر تقول ضميري اتغلب على مشاعر الغضب اللي كانت جوايا.
تبسم قماح، وكاد يخبر سلسبيل أنه أخطأ كثيرًا حين سار خلف عنجهيته، لكن صدح هاتفه برنين.
أخرج هاتفه ينظر لـ شاشته، ثم نظر إلى سلسبيل التي نظرت هي الأخرى لشاشة هاتفه وعلمت أن من يتصل عليه هي هند.
تهكمت قائلة:
رد عليها، أكيد مشتاقة لك. أنا هقوم ألم الهدوم دي وأحطها في الكرتونة تاني والصبح أبقى أرتبها في الدولاب.
قالت سلسبيل هذا وبالفعل نهضت من على الفراش تجمع تلك الملابس من على الفراش ووضعتها بالكارتونة مرة ثانية، بينما خرج قماح من الغرفة يقوم بالرد على هاتفه. يشعر بغصة في قلبه كم تمنى أن يظل مع سلسبيل يتحدثان بذلك الهدوء.
فتح الهاتف وقام بالرد:
خير يا هند، مال صوتك مهزوز كده ليه؟
ردت هند:
أنا متصلة عليك عشان أقولك بابا عيان شوية وأنا قلقانة عليه. هبات الليلة هنا في بيت بابا.
رد قماح:
ألف سلامة، تمام براحتك، خليكي جنبه وارجعي وقت ما تحبي.
قال هذا بالمختصر وأغلق الخط، ووقف يُزفر نفسه بضيق. ليته ما كان أخرج هاتفه من جيبه وتجاهل معرفة من يتصل عليه، ربما كان ما زال يتحدث مع سلسبيل وجرهما الحديث للتصالح معًا، وكان أخبرها أنها هي ساكنة قلبه. لكن كلمة "ليت" ليس لها مكان الآن.
بالفعل عاد بعد قليل لغرفة سلسبيل، وجدها بإضاءة خافتة وسلسبيل تنام على الفراش.
تنهد بضجر وذهب إلى غرفة النوم، وتسطح على الفراش.
بعد قليل.
شعرت سلسبيل بدخول قماح إلى الغرفة، وجلوسه جوارها على الفراش، وهمس باسمها بطريقة ناعمة.
فتحت عينيها وتبسمت له بقبول.
انحنى قماح عليها وقبل وجنتيها ثم شفاها. كانت مستمتعة بقبلاته الحنونة. لفت يديها حول عنق قماح تجذبه إليها، تمتثل لفيضان مشاعره الجياشة.
لكن فجأة شعرت بألم في جسدها. استيقظت من النوم، تنظر جوارها، لا يوجد بالفراش ولا بالغرفة غيرها. إذن كانت بحلم.
تبسمت بآهة خافتة بسبب رفض ذلك الصغير لها قائلة:
شكلك هتطلع شقي زي ما خالتك هدى بتقول.
رفضها مرة أخرى، رغم الألم لكن تبسمت وقالت:
طب بترفضني تاني ليه؟ بس تصدق إنك غلطان إنك صحتني من النوم. كنت سبني أكمل نوم، ولا أقولك بلاش لا ترفصني تاني، وأنا حاسة بجوع، مع إنّي متعشية كويس، بس يظهر إنك جعان وبترفصني عشان كده، حاضر هقوم أشوف أي حاجة خفيفة في التلاجة أنقنق فيها.
نهضت سلسبيل وذهبت إلى المطبخ، لكن لاحظت إضاءة غرفة قماح، فتعجبت، وذهبت إلى الغرفة. رأت نوم قماح على الفراش.
بينما قماح كان نائمًا، شعر بدخول سلسبيل إلى الغرفة، فتح عينيه حين اقتربت من الفراش ووضعت أناملها فوق وجنته تمسد عليها. تبسم لها بإستمتاع من لمسة يدها.
انحنت سلسبيل عليه مبتسمة. جذبها قماح عليه وقام بلقم شفتيها يُقبلها بعشق. جذبها أكثر عليه، لم تمانع سلسبيل. لكن فجأة استيقظ من النوم على صوت وقوع شيء على الأرض. تنبه حوله بالغرفة، الضوء منطفئ. تحير كيف سحبه النوم ونعس. آخر شيء تذكره أن ضوء الغرفة كان شاعل. سرح قليلاً بالحلم الذي كان يتمنى لو كان حقيقيًا وأتت سلسبيل له بالغرفة، لكن كان مجرد حلم يتمنى أن يتحقق. لكن فجأة دوى نفس الصوت مرة أخرى. تساءل ما هذا الصوت الذي سمعه لمرتين، أنه آتٍ من الشقة.
نهض من على الفراش وخرج من الغرفة. توجه إلى المطبخ بعد أن لاحظ إضاءته. وقف أمام باب المطبخ وتبسم وهو يرى تذمر سلسبيل بسبب تلك الأواني المعدنية التي وقعت منها دون انتباه وبسبب حملها غير قادرة على الانحناء وجمعها من على الأرض، فـتحدث بمرح:
واضح إن فيه متسلل جعان في الشقة.
انخضت سلسبيل.
تبسم قماح وانحنى يأتي يجمع تلك الأواني وقام بإعطائها لها.
أخذتهم سلسبيل من يده ووضعتهم على طاولة رخامية بالمطبخ قائلة:
مع إني متعشية بس فجأة حسيت بجوع.
تبسم قماح وقال:
وأنا كمان كنت نايم وصحيت على صوت الحلل اللي وقعت. ومع إني مش متعود عالأكل بالليل بس حسيت إني جعان.
تبسمت سلسبيل وقالت:
هحضر لينا أكل خفيف.
أومأ قماح ببسمة وجلس على مقعد أمامه طاولة صغيرة بالمطبخ. وضعت سلسبيل بعض أطباق الطعام، ثم جلست هي الأخرى، بدأت في تناول الطعام، بصمت في البداية، لكن فجأة شعرت بألم. آنت بخفوت وابتسمت برضا.
سمع قماح آنينها ثم رأى بسمتها.
تعجب قماح وقال:
بتبتسمي على إيه! وقبلها حسيت إنك اتوجعتي.
تبسمت سلسبيل برضا قائلة:
أصل افتكرت هدى وهي بتقولي إن هجيب ولد شقي، وفعلاً شكله هيبقى شقي، مش بيبطل رفض فيا.
تبسم قماح وقال:
ومبسوطة إنه بيرفض في بطنك كتير.
أومأت سلسبيل رأسها بموافقة.
تبسم قماح وقال بتردد:
وهو بيرفض دلوقتي، ممكن أحط إيدي على بطنك.
تبسمت سلسبيل وجذبت يد قماح قائلة:
أهو بيرفض دلوقتي، شكله هيطلع بيحب السهر زي خالته همـ
قطعت سلسبيل كلمتها، قبل أن تكمل اسم همس. بينما شعر قماح بغصة في قلبه بسبب عدم تكملة سلسبيل لاسم همس. تذكر كم مرة أتى بذكر اسمها بمعايرة. ندم على ذلك. كان هناك أسباب كثيرة لاختيار سلسبيل البعد عنه.
شعر برفص صغيرة في بطنها، تبسمت سلسبيل قائلة:
أهو حسيت برفصة.
تبسم قماح وقال:
أيوا، بس ده بيرفض جامد قوي إزاي متحملة الرفص ده.
تبسمت سلسبيل وقالت:
على جدتي، هو الحبل والولادة شيء سهل؟ مفكرين الأمومة شيء سهل. يلا ربنا يسهل بالمدة الباقي.
تبسم قماح بإستمتاع وهو يتحدث مع سلسبيل بمواضيع غير مترابطة وحديث مرح بينهم، قد يقودهما إلى مرحلة جديدة في حياتهم معًا.
***
بدبي
ارتدت همس ذلك الرداء الشفاف، وقفت تنظر لنفسها. شعرت ببرودة تغزو جسدها. ذلك الثوب العاري التي ابتاعته أثناء عودتها من جلسة الطبيبة، التي حستها عليها بأخذ خطوة تقدمية مع زوجها، بعد أن حكت لها عن شعور الغيرة التي شعرت به حين رأت إحداهن قريبة من زوجها. ضمنت يديها حول جسدها تستشعر الدفء، ونهرت نفسها في تلك اللحظة وذهبت إلى دولاب الملابس وأخرجت إحدى مناماتها العادية وخلعت ذلك الرداء الفاضح وارتدت تلك المنامة العادية، وخرجت من الغرفة. ذهبت باتجاه المطبخ تقوم بتحضير العشاء، فوقت عودة كارم من المطعم اقترب. بالفعل ما هي إلا دقائق وكانت تسمع إلى صوت فتح باب الشقة، تركت المطبخ وتوجهت نحو الخارج. تبسمت لـ كارم.
رد عليها ببسمة قائلاً:
مساء الخير... أنا جعان.
تبسمت همس قائلة:
مساء النور، جعان إيه؟ مش متغدين سوا في المطعم بعد الظهر.
تبسم كارم وقال:
على رأي جدتي هداية: وكل المطاعم ده ميشبعشي، مافيش أطعم من وكل الدار هو اللي يشبع ويمري مكانه.
ضحكت همس قائلة:
تمام، عشر دقايق هتلاقي الوكل جاهز عالسفرة إهنه في المطبخ.
ضحك كارم يقول:
فاكرة لما كنا نتكلم صعيدي كده قدام عمي وبابا، كانوا بيفكرونا بنتريق عليهم.
تذكرت همس ذلك بشوق وتبسمت وقالت:
وجدتي كانت تقول لهم: كل وقت وله أذان، ودول تربية مدارس أجنبية ولسانهم معوج.
ضحك كارم، كذلك همس ضحكت بشوق. سهمت قليلاً تذكرت أختيها وباقي العائلة، لكن غص قلبها. جميعهم يعلمون أنها غير موجودة معهم بالحياة، هي اختارت ذلك سابقًا، حين كانت قريبة منهم كانت تخشى أن يروها لكن الآن تتشوق لرؤيتهم بالأخص والداها وأختاها.
لاحظ كارم شرود همس فقال:
هاي، روحت فين؟ هدخل آخد حمام عالسريع على ما تحضري السفرة.
تبسمت همس وأومأت برأسها.
بعد قليل، انتهت همس من وضع الطعام على السفرة، وظلت لدقائق تنتظر عودة كارم، لكن لم يأتي. حسمت أمرها ودخلت إلى غرفة نومه، طرقت على الباب مرة واحدة، ثم دخلت إلى الغرفة مباشرةً. تفاجئت بـ كارم يتحدث بالهاتف، لا يستره سوى منشفة حول خصره. خجلت منه وكانت ستخرج من الغرفة، لكن سمعته ينهي حديثه. شعرت بغيرة وعلمت مع من كان يتحدث.
تحدث كارم بعد أن أغلق الهاتف:
استنى يا همس.
استدارت لـ كارم وقالت له وهي تخفض وجهها:
أنا كنت جايه أقولك إن الأكل قرب يبرد، بس إنت كنت بتتكلم عالموبايل.
تبسم كارم وهو يقترب منها قائلاً:
كنت بتكلم مع موظفة في المطعم بتقولي إن في حجز بكرة للمطعم من عميل مميز هيعمل حفلة عمل صغيرة.
تبسمت همس وقالت له:
ربنا يرزقك.
اقترب كارم من همس لم يبقى بينهم سوى خطوة أو اثنتين. تبسم كارم وقال:
ربنا يرزقنا إحنا الاتنين، إحنا شركاء في كل حاجة.
تبسمت همس وقبل أن ترد على كارم، فوجئت به يجذبها إليه وقام بتقبيلها قبلة عاشقة شغوفة. اخترقت مشاعر همس البريئة التي بدأت تتجاوب مع قبلته ببراءة وعدم خبرة.
جذبها كارم معه إلى أن وصلا إلى الفراش. كانت مثل المغيبة بإرادتها، تريد قرب كارم وبنفس اللحظة تريد أن يبتعد عنها. هناك صراع بين القبول والرهبة التي كادت تتملك منها، لولا أن قال كارم:
بحبك يا هاميس.
قال هذا وسار بظهر يده على وجهها يتلمس بشرتها بحنو.
أغمضت همس عينيها ثم فتحتهم. نظرت لعين كارم التي تشع غرام لها. عاد كارم يقبل شفتاها ثم تركها وبدأ في تقبيل وجنتيها وكل شبر في وجهها. استسلمت همس لعاطفة كارم الذي بدأ يزيد في لمساته لها، يشعر بخجلها. همس رغم انتهاكها السابق، لكن ما زالت عذراء. تلك المشاعر التي تخوضها معه لأول مرة. امتلك كارم جسدها، بداخله سعيد. همس فقط عذرية جسدها سابقًا، لكن لم تفقد عذرية قلبها. كان هو الأول وهذا يكفيه. العذرية ليست تلك قطرات الدم فقط.
بينما همس في دوامة بعقلها تخشى أن تفيق على نفور كارم لها بعدما امتلك جسدها. خشيت أن تنظر لعينيه وترى اللوم أو النفور. هو حقًا يعلم حقيقة ما حدث لها من انتهاك، لكن... لكن ماذا... فقدت التفكير. هي ضائعة خائفة أن تتلاقى عينيها مع عيني كارم. لكن هذا لم يظل كثير حين همس كارم باسمها. نظرت له وهي تحاول جاهدة ألا تتقابل عينيها مع عينيه وترى ما يجعلها تشعر بالدونية. لكن كارم كان يحمل خصال الفارس وعاد يقبلها إلى أن شعر بانقطاع نفسيهما. تحدث قائلاً:
بحبك يا هاميس، قلبي بينبض لما بقول اسمك. كان لازم تعودي للحياة من تاني عشاني.
تحدثت همس بشفاه مرتعشة ترسم بسمة ودمعة بعينيها حاولت كبتها:
كان نفسي تكون.....
لم تُكمل همس قولها حين وضع كارم يده فوق شفتيها وقال لها:
اللي كان نفسي فيه أخدته. إنتي أغلى شيء في حياتي يا همس. ما تبعديش عني تاني. خليني دايماً قريب منك.
ردت همس:
إنت كنت دايماً قريب مني يا كارم، ناسي إنك ابن عمي ومن دمي و،،،.
قاطعها كارم:
قوليها يا همس، حتى لو مرة عشاني.
خجلت همس وقالت:
إنت حبيب عمري يا كارم.
كانت كلمة بسيطة تخرج من شفتيها لكن كانت بداية طريق جديد يسيران به معًا وسط زخم الحياة. اقتنع كارم أن همس قد بدأت تستعيد نفسها وأصبحت جاهزة الآن لأي مواجهة قادمة.
رواية عش العراب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد مُضى أربعين يوماً، قبل الظهر بقليل، دخلت زهرت إلى غرفة هدى. وجدتها تجلس تقرأ القرآن الكريم، ولم تنتبه لدخول زهرت إلا حين تنحنحت.
صدقت هدى ونظرت نحو زهرت. سراً استغفرت.
بينما زهرت تحدثت:
الخدامة قالت لي إنك عايزاني.
تحدثت هدى قائلة:
الخدامة دي مالهاش اسم تقولي عليه، ولا لازم تحسسي الناس الشغالين بالدونية. عموماً ده مش موضوعنا. أنا فعلاً بعت لك عشان عيزاكي. أنا ملاحظة في الفترة الأخيرة رجلك جريت على دار أمك وبتفضلي عندها طول النهار، مش بترجعي إلا بالليل.
ردت زهرت:
ماما من يوم وفاة بابا وهي نفسيتها تعبانة، وبروح أحاول أرفه عنها الحزن شوية.
ردت هدى:
مجاهد بقاله فترة متوفي.
ردت زهرت:
عارفة، بس دي مع الوقت زي ما يكون بتحزن أكتر وبتتألم من غيابه، وكاتمة في نفسها. وأهو بروح لها بحاول أطلعها من حالة الحزن دي.
ردت هدى بنبرة سخرية:
آه، وبترفهي عنها إزاي بقى. بتغني لها على الربابة. بصي يا بت الناس، أنا من زمان مطنشة على خروجك الكتير من الدار، بس بعد كده ممنوع تخرجي من الدار بدون إذن مني.
ردت زهرت:
أنا بأخذ إذن رباح قبل ما أخرج من الدار.
ردت هدى:
كلمتي أنا اللي بتمشي في الدار دي على الكبير قبل الصغير، ورباح مش الكبير. يبقى متعارضيش معايا. بعد كده هي مرة واحدة بس في الأسبوع اللي تزوري فيها أمك، ومفيش مانع تبقي عندها طول اليوم كيف ما تريد. أما خروج يومي ده انسيه. أمك محتاجة لك، الدار أبوابها مفتوحة وهي مش غريبة مننا.
كادت زهرت أن تعترض، لكن سبقتها هدى بحزم قائلة بنبرة تهديد:
عاوزة تعيشي معانا هنا في دار العراب، أنا كلمتي هي اللي بتمشي، كيف ما جلت لك.
وودت زهرت أن تضع يديها حول عنق هدى تخنقها ولا تتركها غير جثة. لكن تذكرت عمتها وما نالته في النهاية وخرجت خالية الوفاض من دار العراب. هي لن تخرج مثلها، لكن الآن عليها الامتثال لتلك العجوز الخرفاء لبعض الوقت.
...
بعد قليل بشقة زهرت.
كانت تتحدث عبر الهاتف مع والدتها.
تحدثت عطيات:
كويس إنك متوقفتيش ليها، وهاودتيها.
ردت زهرت بغيظ:
معرفش إيه اللي سكتني عليها. كان نفسي أخنقها وأريح الدنيا منها العقربة دي.
ردت عطيات:
كويس إنك مردتيش عليها، وسمعتي حديثها. مش شايفة سوت إيه في عمتك. بلاش تحرمي نفسك من خيرهم.
سخرت زهرت قائلة:
خيرهم. آه، بعد خالي ما جمد توقيع ولاده على سحب الفلوس، مبقتش عارفة أسحب من رباح حاجة عليها القيمة. بس وماله، أتحمل العقربة دي شوية أما أشوف آخرتها إيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ......
بالمقر.
ظهراً بالمقر بمكتب النبوي.
دخل رباح يلقي السلام على والده.
رد النبوي عليه السلام ثم قال:
سايب شغلك في الشونة وجاي المقر ليه؟
رد رباح:
هو أنا ممنوع آجي المقر ولا إيه؟
نظر له النبوي قائلاً:
تعالى اقعد. مش حكاية ممنوع، بس ليه سايب شغلك وجاي هنا؟ أكيد في سبب.
جلس رباح قائلاً:
فعلاً في سبب. أنا جاي لحضرتك في موضوع تجميد توقيعي على سحب فلوس من البنك.
وضع النبوي نظارته الطبية على المكتب وقال:
سبق وقولت لك إني جمدت توقيعكم أنتم التلاتة. ولو كارم كان هنا هو كمان كنت جمدت توقيعه. يعني مش انت لوحدك.
رد رباح:
يعني عمي سايب لبنته صلاحية التوقيع اللي بتقعد في مكتب مكيف وبمزاجها وقت ما تحب تنزل تشتغل، وحضرتك اللي إحنا رجالة وشايلين الشغل كله مجمد توقيعنا.
رد النبوي:
أولاً عمك حر مع بنته. ثانياً سلسبيل مش بتنزل الشغل بمزاجها، هي لها ظروفها الخاصة. دي خلاص قربت تولد، ومش معقول هتنزل تشتغل في الوضع ده. ثالثاً، انت بتاخد مرتب كبير جداً كل شهر، وأعتقد أنه بيفيض عليك. وبعدين ليه مروحتش تعمل الفحص الطبي الشامل اللي جلت لك عليه قبل كده.
تلعثم رباح وأخرج إحدى سجائره وأشعلها ونفث دخانها بغضب وقال:
أنا كويس. ده كان صداع وخلاص الحمد لله مبقتش بحس بيه.
نظر له النبوي وقال:
بس شكل وشك متغير، وغير كده مش شايف رعشة إيدك على السيجارة اللي ولعتها. تشربها قدامي من غير احترام. اعمل حسابك في أقرب وقت هاخدك بنفسي تعمل الفحص الطبي. ودلوقتي اطفي السيجارة اللي في إيدك وممنوع بعد كده أشوفك بدخن.
رغم رفض عقل رباح لأمر والده، لكن امتثل للأمر وأطفأ السيجارة.
تبسم النبوي وقال:
اعمل حسابك محمد هيرجع يشتغل معاك في الشونة. وممنوع تفضل عليه حماد. وتقول إنه عنده خبرة عن محمد. محمد اللي أخوك مش حماد. إنت مكنش عندك خبرة والبركة في عمك ناصر هو اللي علّمك الشغل بيمشي إزاي. اللي عمك ناصر علمه لك علمه لأخوك. أخوك هو اللي هينفعك... مفهوم.
نهض رباح يومئ برأسه بتجاوب.
رد النبوي:
تمام. ودلوقتي، روح شوف شغلك. وبلاش تسمع لحديت مراتك الفارغ.
تلعثم رباح وهو يقول:
زهرت مظلومة. ده مش كلامها. أنا بتكلم من نفسي. وبعدين زهرت مراتي وأكتر واحدة يهمها مصلحتي.
تهكم النبوي وكاد يتحدث، لكن منعه من استرسال الحديث دخول ناصر إلى المكتب.
مبتسماً يقول:
رباح هنا في المقر. خير؟
رد رباح بشبه غلاظة:
هو أنا ممنوع آجي المقر ولا إيه؟ إيه الغريب إني آجي للمقر؟
رد ناصر:
لأ يا ولدي، المقر نور بيك.
رد رباح:
ما هو واضح فعلاً. عن إذنكم هرجع لمكاني اللي محدش بيسألني فيه جاي ليه.
خرج رباح من المكتب. نظر ناصر إلى النبوي قائلاً:
باستفسار متعجب: ماله رباح بيرد عليا كده ليه؟
رد النبوي:
رباح متغير في الفترة الأخيرة. مضايق إني جمدت توقيعه هو وأخواته على سحب أموال من البنك.
جلس ناصر قائلاً:
مش عارف إنت إيه هدفك من كده.
رد النبوي:
رباح هو السبب المباشر. إنت مشوفتش المبالغ الكبيرة اللي كان بيسحبها. وعشان كده جمدت توقيعهم هما التلاتة عشان ميقولش إشمعنا هو بالذات.
رد ناصر:
ربنا يهديه.
آمن النبوي على حديث ناصر.
بينما عاود ناصر الحديث:
الملف ده سلسبيل خلصته وبعتته معايا.
ضحك النبوي قائلاً:
سلسبيل النسخة التانية من الحاجة هدى. كان حجك سميتها هدى، بدل سلسبيل... نفس الخصال. أهي خلاص كلها أيام وتولد وبرضك رغم إنها في البيت بس كملت شغلها.
تبسم ناصر وقال:
فعلاً زيها قلبها حامي وحنون في نفس الوقت.
تبسم النبوي وقال:
ربنا يقومها بالسلامة.
رد ناصر:
آمين. دي نهلة بقالها أسبوع مش بتنام في الليل ساعتين على بعض. حاملة هم ولادتها. بتقول اتحملت كتير وهي حامل مش سهلة جواز قماح عليها. صحيح بتظهر إنها مش فارق معاها، بس دي بنتي وعارفها كويس. بتكبت في نفسها كتير.
تنهد النبوي وقال:
فعلاً قماح غلط في سلسبيل كتير وهي استحملت. بس برضو هي مش سهلة، دي مسوياه على الهادي. بتجاهلها له، صعبة عليه هو. غلط بجوازه عليها وندم. مش سهلة عليه برضو تبقي قدامه وبعيدة عن عينيه.
رد ناصر:
يستاهل والله، ده أقل رد منها. كان فين عقله.
رد النبوي:
مش بدافع عن قماح. إنت عارف إن بعز بناتك يمكن زي ولادي وأكتر كمان. بس قماح السنين اللي عاشها بعيد عننا، الله أعلم عاشها إزاي وأكيد أثرت عليه.
رد ناصر:
مش مبرر للي إنه يتجوز على سلسبيل. بس أنا سايب لـ سلسبيل القرار. ولو كانت طلبت الطلاق مكنتش هعارضها، زي ما حصل ليلة ظهور براءة همس.
تنهد النبوي بسأم وقال:
قماح خذلنا كلنا. كان نفسي يبقي زي كارم ويحدد طريقه بنفسه.
تبسم ناصر قائلاً:
كارم كلمني امبارح وقالي إن المطعم بتاعه ما شاء الله شغال.
تبسم النبوي وقال:
كارم النسخة التانية منك يا ناصر. فيه عنده قدرة على احتواء اللي معاه.
تبسم ناصر قائلاً بإختصار:
ربنا يوفقه. واسمع عنه الخير دايماً...
.... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
بجامعة، هدى.
بأحد المدرجات.
سمعت مديح الفتيات في نازم. سواء عن مهارته في الشرح وإيصال المعلومة، وعن جاذبيته الشخصية أيضاً.
شعرت بضيق منهن، وسخرت منهن قائلة:
يحق له يتغر لما يسمع كلامكم ده عليه. إيه مشوفتوش مدرسين قبل كده. المفروض تركزوا في دراستكم، مش شكل وهيئة الأستاذ. حتى هيئته مش جذابة. المفروض دكتور جامعة ده، حتى عمري ما شوفته بجاكيت بدلة فوق القميص.
ردت إحداهن قائلة:
وماله لبسه شبابي وإسبور. ولا هو عشان يعجبك لازم يكون لابس بدلة ماركة عالية. طبعاً إنتي بنت العراب، والمظهر الخارجي هو اللي بيلفت نظرك.
ردت هدى:
أنا عمر المظهر ما لفت نظري. بس فين الوقار بتاع دكتور الجامعة. هو ده قصدي. المحاضرة خلصت ومفيش محاضرات تانية. بلاش أضيع وقتي في تفاهات. عن إذنكم.
تركت هدى زميلاتها وخرجت المدرج تشعر بشعور غريب عليها. سأل عقلها:
ليه بتضايقي لما البنات بتتكلم بإعجاب عن نازم.
ردت على نفسها:
ولا بضايق ولا حاجة. بس مش بحب هوس البنات.
أثناء سير هدى بالممر، رأت نازم يدخل إلى مكتبه بالجامعة.
فكر عقلها بشيء وحسمت أمرها وذهبت إلى مكتبه، ودخلت بعد أن أذن لها. وجدته يشمر ملابسه عن ساعديه، ويجلس أمامه حاسوب.
تبسم نازم لها وقال بترحيب:
أهلاً يا هدى. خير.
ردت هدى التي تغتاظ حين ينطق باسم هدى، تعتقد أنه يسخر من اسمها، بينما الحقيقة عكس ذلك، هو يستسيغ الاسم كثيراً:
عندي استفسار مهم وكنت عاوزة أعرف إجابته منك.
تبسم نازم وقال:
تمام. اتفضلي اقعدي وقولي لي استفسارك إيه.
ردت هدى:
مالوش لازمة أقعد. هو سؤال خاص باختراق الملفات على اللابتوب. في ملف مهم ومش عارفة أوصل ليه. حاولت أخترق الملف برضو مفتحش معايا.
رد نازم:
والملف ده بتاعك.
ردت هدى:
لأ. ده ملف خاص بـ سلسبيل أختي، خاص بشغلها وهي كانت عاملة له باسورد خاص ونسيته، ومش عارفة تدخل على الملف ده. وأنا حاولت اختراق الملف وفشلت.
تبسم نازم وقال:
مافيش حاجة اسمها فشلت في مجال التكنولوجيا، لأن التكنولوجيا بتتطور بشكل مذهل في كل ثانية. ممكن تجيب لي اللابتوب بتاعها وأنا أحاول من عليه اخترق الملف ده. هيبقى أسهل من إني أخترق الحساب بتاعها من جهاز تاني.
تلعثمت هدى وقالت بكذب:
هو الملف مبقاش على اللابتوب بتاعها. لأنها كانت عملت له فورمات. ويمكن هو ده سبب نسيانها لكلمة السر بتاعة الملف. ومش عارفة تستعيده رغم إنه محفوظ على جهاز تاني خاص بالمقر.
أيقن نازم أن هدى تكذب بشيء، لكن قال لها:
تمام. سهل برضو مش هنغلب. ممكن أروح لها المقر وأحاول على الجهاز التاني اللي محفوظ عليه الملف، وسهل أفتحه لها.
ردت هدى:
بصراحة كده، الملف مش على لابتوب سلسبيل. ده على جهاز شخص تاني وأنا عاوزة أسترد الملف ده. لو في طريقة أقدر أفتح بها الملف ده من غير الشخص التاني ده ما يعرف قولي عليها.
ابتسم نازم بفهم وقال:
بس ده يبقي شغل هاكر. بس هقولك على طريقة تبعتي بها فيروس للابتوب اللي عليه الملف ده. ووقتها اللابتوب هيعطل. تقدري وقتها تجبيه ليا وأنا بسهولة أفتح لك الملف.
ردت هدى:
تمام. اتفضل قولي إزاي أبعت للابتوب ده فيروس.
تبسم نازم وقال لها:
اتفضلي اقعدي. لأن ده لازمه شرح عملي على اللابتوب.
امتثلت هدى وجلست. نهض نازم من مكانه وجلس لجوارها، ووضع حاسوبه الخاص أمامها وبدأ بشرح بعض الخطوات لها.
بعد أقل من ربع ساعة قال نازم:
دي بعض الخطوات باختصار. في عندي سي دي عليه الشرح بتوسع. محمد ابن عمك معزوم عندنا النهارده عيد ميلاد سميحة. هبعت لك السي دي معاه في شرح وافي. وبسيط.
نهضت هدى قائلة:
كل سنة وهي طيبة. هتصل عليها أنا وسلسبيل نعايد عليها. وتمام، شكراً، وآسفة إن كنت عطلتك.
تبسم نازم وقال:
لأ أبداً. أي استفسار أنا جاهز للرد عنه.
ردت هدى:
أكيد في الكورس الجاي هناخد كيفية اختراق الأجهزة الذكية.
تبسم نازم:
أكيد. بس لسه وقت على بداية الكورس ده. تقدري تسأليني عن أي شيء يقف قدامك. يمكن نلاقي له حل سوا. إحنا خلاص نعتبر بقينا أهل، وبيننا نسب.
لا تعرف هدى تفسير لذلك الشعور الذي بدأ يتسرب لها ناحية ذلك الأحمق الذي يجذبها إليه رغم معارضتها لتلك المشاعر.
غادرت هدى المكتب وتركت نازم الذي وقف ينظر في أثرها يتنهد. هنالك شيء يجذبه لـ هدى منذ أن رآها أول مرة. لكن فجأة نهر نفسه قائلاً:
فوق يا ابن بهنسي، متنساش نفسك. في النهاية إنت كنت في يوم شغال عند باباها وبيعطف عليك. بلاش تطلع لشئ مش هيحصل......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد وقت قليل.
بمنزل سميحة.
تعجبت سميحة حين فتحت باب منزلهم ورأت محمد يقف أمام الباب مبتسماً، يرجع يديه خلف ظهره.
تبسم محمد وقال لها:
مساء الخير يا لدغتي.
ردت سميحة بتلقائية:
إيه اللي جابك النهارده. إنت استحليتها ولا إيه؟ كل يوم والتاني ألقاك جاي لينا البيت من غير إحم ولا دستور.
ضحك نازم الذي أتى من خلفه وقال:
هي دي مقابلة واحدة لخطيبها تلطعه على الباب كده وتقوله إيه اللي جايبك.
ضحك محمد وقال:
أهو عشان تشوف معاملتها الناشفة معايا.
ضحك نازم وقال:
سبق وجلت لك لك ربنا. إنت اللي اخترت من البداية.
تبسم محمد وقال:
ده أحسن اختيار.
ضحك نازم قائلاً:
يا ريت تثبت على قولك ده بعد كده ومتتراجعيش.
نظرت سميحة لـ نازم قائلة:
تتراجع عن إيه؟ حاسة إنكم بتتريقوا عليا. هو اللي جاي بدون سابق إنذار، وعاوزني أستقبله وإنت مش موجود في البيت وماما طلعت عالسطح.
تحدث نازم:
إحساسك مش في محله. معقول أنا ومحمد هنتريق عليكي برضو. بس ماما بتعمل إيه عالسطح؟ أنا اتصلت عليها وقولت لها إني عازم محمد على الغدا.
ردت سميحة بتفكير:
آه عشان كده لما رجعت من الجامعة لقيتها مجهزة أكل أشكال وأصناف. قولت نوت تطبخ لينا طبيخ الأسبوع كله مرة واحدة. أتاري عشان العزومة. وماعرفش ماما طلعت ليه عالسطح، هي جالت لي كده.
تبسم نازم وقال:
طب وسعي من قدام الباب خلينا ندخل. عيب محمد مش غريب لما تلطعيه عالسطح كده.
تجنبت سميحة. دخل محمد خلفه نازم الذي تركهم ودخل إلى غرفته.
اقترب محمد من سميحة وبمفاجأة آتى من خلف ظهره بباقة جميلة ومنوعة من الزهور، ومد يدهُ لها بها قائلاً:
كل سنة وأنتِ طيبة، يا سيدة خط الصعيد الأولى. والسنة الجاية تكوني في بيتي وسيدة قلبي الأولى.
خجلت سميحة من حديث محمد، لكن دارت ذلك وقالت له:
بوكيه الورد ده هدية عيد ميلادي.
رد محمد:
مش قبل كده جلت لي نفسك في وردة هدية. أهو جبت لك بوكيه ورد بحاله.
أخذت سميحة منه باقة الزهور قائلة:
بس مفيش مانع مع البوكيه، غويشة أو سلسلة أو خاتم. إن شاء الله فضة. هو زي استير ما جالت لي الأغنية بيقولوا بخلاء. يلا الحمد لله إنك جبت لي بوكيه ورد.
تبسم محمد وقال بحيرة:
جبت لك موبايل حديث وغالي. جلت لي عاوزة وردة أجيب لك بوكيه ورد بحاله. تقولي لي عاوزة غويشة فضة. وفي الآخر برضو طلعت بخيل. أعملك إيه. جننتيني.
ضحك نازم وقال له:
لأ متتعبش نفسك. هي سميحة كده. قمة التناقضات فيها. خلينا نتغدى وبعدها نبقى نتباحث في أمر هدية تعجب سميحة.
بعد قليل بعد أن تناولوا الغداء، دخلت سميحة عليهم بصينية عليها بعض المشروبات. لكن في ذلك الأثناء رن جرس المنزل.
نهض نازم قائلاً:
خليكي وأنا اللي هفتح أشوف مين.
ما هي إلا لحظات وسمعوا صوت عالي يتحدث بتهجم، ودخل إلى غرفة الضيوف.
نهضت سميحة واقفة تنظر، لتلك التي تقول بتهجم:
كويس إنك هنا يا نازم. وأنتي يا فتحية. بصوا بقى أنا مش داقة عصافير. بنتك النصابة ضحكت عليا وأدتني طقم فخار مغشوش.
ضحكت فتحية قائلة:
خدي نفسك يا استير مالك بتنهجي كده ليه؟
ردت استير:
كله بسبب بنتك النصابة. باعت لي طقم فخار تلات قطع طواجن تدخل الفرن، وأقنعتني أنها صحية عن الصواني الألمونيوم. أجي أحط الأكل في الصواني وأدخلها الفرن تسرسب المية اللي على الطبيخ في أرضية الفرن تبوظه. غير إن الأكل اتحرق.
ضحك الجميع، بينما قالت سميحة:
أنا مدياكي طقم بيرفكت. تلاقي ده سوء استخدام منك.
ردت استير:
الطقم معايا أهو، شوفوا بنفسكم التلات طواجن، مشروخين من الجوانب. عيب صناعة.
نظروا إلى تلك الطواجن بالفعل كما قالت استير.
تحدثت فتحية:
طب والشروخ دي مشوفتيهاش قبل ما تاخدي منها الصواني.
ردت استير:
شوفتها وضحكت عليا وقالت لي دي فتحات تهوية. أنا دلوقتي رايحة البقالة عند نسيم. ساعة وعاوزة الميت جنيه بتاعتي.
صعق الجميع من الضحك، بينما سميحة تقف خجلة.
بينما سارت استير خطوتين وكادت تنزلق قدمها بعدها، لكن قبل أن تقع سندت بيديها على إطاري الباب. وقع منها تلك الأواني الفخارية وتهشمت.
تحدثت سميحة:
ميت جنيه إيه اللي عاوزاها؟ عاوزة فلوسك تجيب لي بضاعتي سليمة. كده يبقى سوء استخدام المنتج رسمي.
نظرت استير، للاواني التي تهشمت ولم تستوعب ما حدث بعد.
بينما ضحك الآخرون وقال محمد:
فعلاً زي ما قالت سميحة. عاوزة فلوسك لازم تردي ليها بضاعتها سليمة زي ما أخدتيها منها.
نظرت استير وقالت:
إيه ده، محمد إنت هنا من امتى؟
رد محمد:
أنا هنا من أول ما دخلتي. بصراحة كان معاكي حق لحد ما وقع منك الطواجن واتكسرت كده. الحق بقى لـ سميحة.
ردت استير:
إنت بتدافع عنها دلوقتي. بس بكرة. ولا أقولك ربنا يكون في عونك. اقعد أما نشرب العصير سوا، وأحكيلك مش بتلاقي حد تنصب عليه غيري وكل مرة بقع في فخها إزاي معرفش. زي ما تكون بتسحر لي. تكونش سحرت لك انت كمان عشان تخطبها.
ضحك الجميع وجلسوا يتحدثون بود فيما بينهم. تحدثت استير عن بعض مزايا سميحة البسيطة التي كانت دائماً تخفف من مطالبها على والدتها وأخيها. تعيش حسب مقدرتهم ولم تتطلع لشيء بيد أحد. حتى أنها حاولت مساعدتهم في المعيشة، بعمل تلك الأواني الفخارية، رغم فشلها الدائم. أيقن محمد أن ربنا منّ عليه بـ سميحة تلك البسيطة التي كان دائماً يريد امرأة مثلها.
.... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عصًار.
بالمقر، أنهى قماح عمله وشعر بالضجر. تنهد بشوق لـ سلسبيل التي أصبحت لا تأتي للمقر منذ أيام. يفتقد رؤيتها عبر شاشة حاسوبه. تذكر صباح حين كانت تجلس بغرفة المعيشة.
فلاش باك.
دخل قماح إلى الشقة سمع صوت التلفاز. توجه إلى غرفة المعيشة، وجد سلسبيل تجلس على إحدى الأرائك. كان وجهها يبدو عليه بعض الألم.
جلس لجوارها قائلاً:
منزلتيش تفطري ليه؟
ردت سلسبيل:
أبداً مش جعانة. ماليش نفس. وكده كده مش هروح المقر، قولت لما أجوع أبقى آكل، وأكمل نوم.
تبسم قماح وقال:
طب ليه مش نايمة دلوقتي؟
ردت سلسبيل:
بسبب ناصر بيه العراب. ما بيصدق إني أحط ضهري على السرير ويبدأ وصلة رفص. زي ما يكون بيكره إني أنام.
قالت سلسبيل هذا وهي بألم طفيف.
انخض قماح واقترب قائلاً:
مالك يا سلسبيل.
تعجبت سلسبيل من خضة قماح عليها. نظرت له كأنها ترى شخص آخر غير الذي عاشرته في بداية زواجهما الذي كان يستلذ بألمها بين يديه.
لكن تحدث قماح قائلاً:
قومي البسي هدوم تانية وخلينا نروح للدكتورة اللي متابعة معاها الحمل. ممكن تكون حركة البيبي الكتير ده مش كويسة علشانك.
ردت سلسبيل وهي تحاول التغلب على ذلك الألم التي تشعر به من بداية الليلة أمس، يأتي ثم يذهب بعد وقت:
لأ. أنا كويسة وسألت الدكتورة في آخر متابعة عن حركة البيبي وقالت لي عادي. وده كان مغص كده وراحت وبقيت كويسة. متعطلش نفسك إنت وروح للمقر.
رد قماح:
بس ملامح وشك بتقول إنك لسه موجوعة.
ردت سلسبيل:
لأ. الوجع خلاص راح. أنا كويسة. حتى حسيت بجوع. هقوم آكل.
رد قماح:
خليكي مستريحة وأنا هنزل أخلي أي شغالة من تحت تجيلك الفطور لحد هنا.
تعجبت سلسبيل. لكن ذلك الألم يعود. أخفت على قماح وقالت له:
إنت سبق وجلت لي ممنوع أي شغالة تدخل الشقة هنا.
رد قماح:
سلسبيل مش وقت الكلام ده. أنا هنزل أقول لشغالة تجيب لك فطور. لو مش عندي شغل مهم في المقر مكنتش هسيبك.
قال قماح هذه واقترب من سلسبيل ووضع يده فوق بطنها يستشعر حركة الصغير ببطنها، ثم قبل وجنتيها، واقتنص شفاها في قبلة شغوفة، ثم غادر الشقة.
وضعت سلسبيل يدها فوق شفاها تستشعر تلك القبلة تتسائل بتعجب. هذا ليس قماح الذي عاهدت قسوته دائماً. لابد أنها ترى تخاريف وأوهام بسبب ذلك الألم التي تشعر به يشتد لبعض الوقت ثم يهدأ.
عاد قماح وهو يبتسم ويتذكر تلك اللحظات التي وضع يده على بطن سلسبيل. شعر بحركة ذلك الصغير بداخل رحمها. ذلك الصغير الذي نبت من إحدى علاقاته القاسية الذي كان يستلذ بها أحياناً. هو لم يقدم لـ سلسبيل أي شيء تحبه من أجله. حتى حين حاولت الانتفاض عليه، ماذا فعل. بلحظة غضب أزاد الفجوة بينهم بزواجه بأخرى. لديه إحساس أن سلسبيل بعد أن تلد بالتأكيد ستنتفض عليه مرة أخرى.
نهض قماح بشوق لرؤية سلسبيل، والاطمئنان عليها.
.....................
بشقة سلسبيل.
كانت تجلس معها هدى تتحدث. لم تكن سلسبيل منتبهة لها بسبب ذلك الألم، التي تحاول مقاومته منذ الصباح. لكن فجأة انتهى تحملها، وأنت بآهة قوية.
نظرت لها هدى قائلة:
مالك يا سلسبيل.
كزت سلسبيل من قوة الألم وقالت:
مش قادرة. حاسة بوجع جامد. باين إني هولد النهارده. أنهت سلسبيل قولها بآهة قوية.
ارتبكت هدى قليلاً، لكن سرعان ما قالت:
جدتي. هنزل أقولها بسرعة.
لم تستطيع سلسبيل الرد عليها من شدة الألم. بينما في خلال ثواني دخلت هدى إلى غرفة جدتها تلهث قائلة:
جدتي الحقي سلسبيل. كنت قاعدة معاها في الشقة فجأة صرخت بألم.
نهضت هدى سريعاً تقول:
ربنا ينتعها بالسلامة. اهدئي يا بتي وخديني لشقتها.
قالت هدى هذا ونادت على نهلة التي أتت لها سريعاً. أخبرتها هدى أن سلسبيل تلد.
ارتبكت نهلة وارتعشت قائلة:
بس ده لسه خمس أيام على الميعاد اللي قالت عليه الدكتورة. هروح أتصل عليها.
نظرت لها هدى قائلة:
مالوش لازوم. تعالي بس إنت ساعدتني.
تنبهت نهلة قائلة:
حاضر.
صعدن الثلاث إلى شقة سلسبيل وجدن سلسبيل تبكي من شدة الألم.
نظرت لها هدى قائلة:
ربنا يهون عليكِ يا بتي، وينتعك بخير. يلا همي يا نهلة ساعديني، أنا ولدت قبل كده.
ارتعشت نهلة قائلة:
أعمل إيه جولي لي.
نظرت لها هدى قائلة:
إشحال لو مش والده تلات مرات وعارفة إن الولادة كيف شكة الدبوس.
نظرت لها نهلة بذهول تقول:
شكة الدبوس!
نظرت هدى لـ نهلة وغمزت لها، فهمت نهلة مغزى قول هدى ووافقتها بالقول، كي تطمئن سلسبيل علها تنسى قوة الألم قليلاً وتتحمله ببساطة. لكن هيهات فهذا مخاض ليس جرح بالإصبع. فاض الألم على سلسبيل وأصبحت تستنجد بهن كي يساعدنها.
أما بعد ذلك الحين بوقت قليل دخل قماح إلى المنزل. تقابل مع إحدى الخادمات سأل على جدته. أجابته أنها بشقة سلسبيل لأنها ربما تلد.
لم ينتظر قماح وصعد سريعاً إلى الأعلى ودخل إلى الشقة منها إلى الغرفة التي بها سلسبيل. انخض وهو يسمع ويرى تألم سلسبيل.
تحدث قائلاً:
هطلب عربية إسعاف من أي مستشفى تيجي بسرعة.
ردت هدى بهدوء:
جالت مالوش لازوم. هملنا إنت هبابة. أنا مش أول مرة أولد ست.
قالت هدى هذا بهدوء ترسمه رغم خوفها، فكما يقولون الولادة ليست ألم سهل، فهي سلخ روح من روح أخرى والإثنان أضعف من بعضهما في تلك اللحظة.
تردد قماح في قبول قول هدى، بسبب رؤيته لتألم سلسبيل الملحوظ، وكاد يعارضها. لكن قالت هدى له بأمر:
اطلع بره ومتخافيش. سلسبيل هتبقي بخير هي وولدها.
ما زال قماح متردداً في الخروج من الغرفة، لكن صرخة سلسبيل، جعلت هدى تقول له بحِدة وآمر نافذ:
جولتك إطلع بره. اسمع حديتي عاد.
امتثل قماح لأمر هدى على مضض وخرج غصب.
وقف أمام الغرفة، يستمع إلى أنين سلسبيل، يشعر بأن جسده هو من يتألم. لدقائق تمر كالدهر طويلة يعود لخياله ذكرى أليمة مر بها سابقاً. يخشى أن يحدث مثلما حدث مع والدته بالماضي.
لكن فجأة صمت أنين سلسبيل للحظات. ارتجف قلبه أن يكون تحقق شئ من مخاوفه.
بنفس اللحظة سمع بكاء طفل صغير. اندفع إلى داخل الغرفة سريعاً.
..... ــــــــــــــــــــــــــــــ
في نفس الوقت على الهاتف.
رد ناصر على هدى، التي قالت بتسرع وصوت يرتجف:
بابا سلسبيل تعبانة قوي. بتصرخ من الألم.
فزع ناصر الذي كان جالسًا مع النبوي، ونهض قائلاً:
أنا جاي مسافة السكة.
نهض النبوي هو الآخر قائلاً بفزع هو الآخر:
خير في إيه؟
رد ناصر:
دي هدى بتقول لي إن سلسبيل تعبانة وبتصرخ من الألم. شكلها هتولد النهارده. زي أمي ما كانت حاسبة لها.
تبسم النبوي رغم رجفة قلبه وقال بتطمين:
طب اهدأ. هتبقي كويسة. طالما معاها الحاجة هدى.
تنهد ناصر وقال:
يارب سهل لها.
ــــــــــــــ
بشقة زهرت.
ردت على هاتفها قائلة:
خير بتتصل عليا دلوقتي ليه يا نائل.
رد نائل:
ليه مجتيش. استنيتك في الشقة.
ردت زهرت بتلاعب:
أبداً غيرت رأيي، وكمان أنا مش في المود، جلت بلاش آجي النهارده.
رد نائل:
وأيه اللي مزعل مودك. كنتي تعالي وأنا أعدل لك مودك بهدية كويسة.
ردت زهرت بدلع:
وأيه الهدية دي بقى. الطقم الدهب اللي جلت لك عليه قبل كده وقولت لي مفيش معاك تمنه دلوقتي. واستغلته عليا.
رد نائل:
مفيش حاجة تغلى عليكِ. إنتِ عارفة معزتك عندي.
ردت زهرت بمياصة:
بسمع كلام وبس.
أثناء حديث زهرت، سمعت صوت رسالة، فتحتها رأت صورة نائل وهو يمسك ذلك الطقم الذهبي. نظرت له بفرحة وطمع، ثم أكملت حديثها معه بسفور ومجون تعده أنها بالقريب ستذهب للقائه. في ذلك الأثناء سمعت صرخة ليست قوية آتية من شقة سلسبيل المقابلة لها.
سمع نائل تلك الصرخة قائلاً:
مين اللي بيصرخ عندكم كده، خير؟
ردت زهرت:
الصرخة من شقة سلسبيل. يمكن هتولد وتخلصنا بقى من دلعها. يلا بالسلامة انت أما أروح أشوف سبب الصرخة دي إيه. يمكن تكون ماتت هي وابنها.
أغلقت زهرت الهاتف وتوجهت إلى شقة سلسبيل.
بينما أغلق نائل الهاتف ووضعه جواره على الفراش. كانت صرخة سلسبيل التي سمعها بالهاتف، شعر برجفة في قلبه. تمنى أن ترد دعوة زهرت لها وتموت هي وتحيا سلسبيل. تحيا! سلسبيل بإنجابها من قماح استحوز عليها كاملة. افترقت الطرق، أو لا ربما اقتربت الطرق. سلسبيل بالتأكيد بعد إنجابها ستتمرد على قماح، وشخصية قماح العنجهية لن تتحمل تمرد سلسبيل كثيراً.
رواية عش العراب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سعاد محمد سلامه
بشقة سلسبيل
دخل ناصر خلفه النبوي متلهفان.
تقابلا مع هدى التي تبتسم.
تحدث الإثنان بلهفة بنفس اللحظة:
"سلسبيل؟"
تبسمت هدى قائلة:
"بخير، الدكتورة معاها جوه في الأوضة، والبيبي مع قماح في الأوضة دي ومعاه دكتور أطفال."
إحتار الإثنان إلى أي غرفة يذهبان.
حسم أمرهما الذوق الآن لا يصح الدخول إلى الغرفة التي بها سلسبيل.
ذهبا الإثنان إلى الغرفة الموجود بها قماح مع طبيب الأطفال.
شعور لا يوصف روعته، هذا أول حفيد لهما، يحمل دمائهما الإثنين.
رغم جسارة قلوبهم، تدمعت أعينهم بمزيج من الفرحة والحنان.
وضع النبوي يده على كتف قماح الواقف مع الطبيب قائلاً بتهنئة:
"مبروك ما جا لك، يتربى في عزك ويرزقك بره."
تبسم قماح له.
بينما ناصر هو الآخر، رغم تحفظه في الحديث مع قماح في الفترة الأخيرة، فها شبه لا يتحدث معه إلا بشأن العمل، لكن قال له بواجب:
"مبروك، ربنا يبارك لكم فيه ويرزقكم بره."
تبسم قماح قائلاً:
"متشكر يا عمي."
أزاح الطبيب سماعته الطبية وقال:
"البيبي الحمد لله صحته كويسة، بس ممكن بكرة تاخدوه لأي مركز طبي يعمل له فحص شامل، بس الشكل العام بصحة جيدة. مبروك، يتربى في عزكم ودلالكم."
تبسم ناصر قائلاً:
"متشكرين يا دكتور، إنت وصلت للبيت قبلنا."
تبسم الطبيب قائلاً:
"أنا زوج الدكتورة اللي كانت متابعة معاها المدام، ولما اتصلوا عليها أنا اللي وصلتها وطلبت مني أكشف عن المولود اطمئنان على صحته."
تبسم ناصر، كذلك النبوي الذي انحنى يحمل المولود بحذر ثم همس له في أذنه بالآذان والشهادتين.
اقترب ناصر منه بسعادة.
وناوله النبوي المولود.
نظر الإثنان لبعضهما.
تبسم النبوي قائلاً:
"أول مولود يجمع بين الأخوة، ربنا يبارك لينا فيه ويزيد، وعقبال المولود التاني قريب والتالت والعاشر."
تبسم ناصر قائلاً برحابة:
"آمين... الولد كله شبهك يا نبوي، يظهر سلسبيل بتحبك أكتر مني."
وقف النبوي وناصر يمرحان فرحانين بذلك الصغير، حتى أنهما نسيا سلسبيل.
لكن قماح كانت عيناه عالقة على باب الغرفة التي بها سلسبيل، ينتظر خروج الطبيبة كي تطمئنه على صحتها.
تذكر قبل قليل حين دخل إلى الغرفة بعد أن سمع بكاء صغيره وصمت صوت سلسبيل.
رأى سلسبيل المجهدة للغاية، بالكاد تستطيع الهمس.
شعر بألم، ولكن في نفس اللحظة نهرته هدى بسبب دخوله وطلبت منه الخروج من الغرفة بأمر، وخرج من الغرفة مرغماً.
لكن حين أتت الطبيبة، نادت هدى عليه كي يأخذ المولود للطبيب الذي أتى مع الطبيبة لمعاينته والاطمئنان على صحته.
نظر نظرة خاطفة نحو سلسبيل، كانت لا تزال مجهدة، لكن كان على وجهها بسمة خافتة.
بعد وقت قليل فتحت نهلة باب الغرفة الموجودة بها سلسبيل.
دخل النبوي ومن خلفه ناصر الذي يحمل المولود.
نظر نحو سلسبيل وتبسم.
دخل خلفهم قماح، الذي وقف قريب من سلسبيل يتأمل وجهها المجهد، لكن أصبحت أفضل عن قبل دقائق حين نقلوها من الغرفة الأخرى إلى هذه الغرفة، غرفة النوم الخاصة بهم.
هنا بدأت نبتة ذلك الصغير الذي كبر برحمها، وها هو أتى للدنيا بصحة جيدة.
سلسبيل عادت لغرفة نومهم بسبب ذلك الصغير.
بينما قال النبوي:
"خير، طمنينا يا دكتورة على صحة سلسبيل."
ردت الطبيبة ببسمة:
"صحة سلسبيل زي الفل، هما شوية ضعف وإجهاد من الولادة وبالأدوية والأكل الكويس هترجع أقوى بسرعة. بصراحة بعد اللي عملته الحاجة هدى، أنا مكنش ليا لازمة. وبصراحة أكتر أنا كنت خايفة من ولادة سلسبيل في آخر متابعة ليها، كانت قالتلي إنها بتحس بألم قوي، وكمان كان الحمل ساقط في الحوض من نص الشهر الثامن، وكمان زيادة حركة البيبي في بطنها عن الحد المعتاد، بس ببركة الحاجة هدى ربنا سهل لها."
نظرت نهلة نحو سلسبيل التي أخفضت وجهها.
سلسبيل أخفت ذلك عن نهلة عمداً حتى لا تقلقها.
تبسم ناصر قائلاً:
"إحنا عايشين ببركة الحاجة هدى، متشكرين يا دكتورة."
تبسمت الطبيبة:
"بتشكريني على إيه أنا معملتش حاجة، ربنا يبارك لكم في المولود، حمدلله على سلامة سلسبيل."
بعد قليل جلس ناصر على الفراش جوار سلسبيل يعطي لها المولود.
ثم قبل جبينها قائلاً:
"ربنا يبارك لك فيه ويجعله ذرية صالحة."
تبسمت سلسبيل وقالت:
"ربنا يخليك ليا يا بابا ويتربى على إيدك إنت وعمي وبتوجيه جدتي اللي اتولد على إيديها."
تبسمت هدى قائلة:
"ربنا يرزقنا الخير على جدوده ويقرب بين القلوب، ده أول نبتة تحمل دم العراب صرف... ربنا يعلي بيه اسم العراب."
قالت هدى هذا ونظرت نحو قماح قائلة:
"واقف إكدة ليه يا قماح قرب من سلسبيل شوف ولدكم."
نهض ناصر من مكانه، ليجلس قماح.
وضع يده على رأس صغيره التي تحملها سلسبيل.
انحنى وقبل رأسه.
ثم رفع وجهه ينظر لسلسبيل، وتلك الفرحة التي بعينيها، ليست تلك التي كانت تتألم قبل قليل.
بلا وعي منه اقترب من رأسها وقبل جبينها.
ود أن يضمها لحضنه هي وصغيره وينتهي الكون على ذلك.
بعد مرور أسبوع
اليوم سبوع الحفيد الأول الذي جمع شمل الأخوة.
لكن يبدو أن هناك شمل آخر في دبي.
صباحًا
شعرت همس بتوعك قليل، لا تريد النهوض من الفراش، تشعر بوخم.
دخل كارم إلى الغرفة وتبسم حين رآها مازالت غارقة بالنوم.
انحنى وقبل وجنتها قائلاً:
"صباح الخير يا همسة، بقيتي كسولة ملاحظ بقالك يومين كده مش عاوزة تفارقي السرير."
تمطئت همس بيديها ونظرت لكارم بعيون شبه ناعسة وقالت:
"ومين سمعك، أنا بقيت كسولة فعلاً، وعاوزة أنام تاني، رغم إني عندي طلبية تبع المشغل وغير كمان المفروض النهارده عندي تدريب للبنات في المشغل، بس معنديش الحماس إني أشتغلها، ولا حتى أروح المشغل. هتصل على صاحبة المشغل أعتذر منها."
تبسم كارم وقال:
"لأ ده الكسل واخد حقه قوي، فينك يا جدتي، كانت هتقول... قومي فزي إكده وطسي وشك بشوية مايه، واتوضي وصلي وبعدها هتفوجي، متسلميش للكسل ده عاد، ده وزة شيطان."
تبسمت همس بشوق قائلة:
"تصدق جدتي وحشتني قوي، من يوم ولادة سلسبيل وأنا مكلمتهاش، لا هي ولا عمي، يظهر مشغولين في البيه الجديد لعيلة العراب."
تبسم كارم قائلاً:
"فعلاً بابا بيقولي إن ناصر الصغير هيبقى شقي زي همس، مغلب الجميع معاه مش بيسكت غير لما جدتي هي اللي تشيله."
تبسمت همس بشوق قائلة:
"النهاردة السبوع، وأكيد هيعملوا عقيقة وهيبقى في حفلة، ياريتك قلت لعمي يبعت لينا صور للبيبي... نفسي أشوف ابن سلسبيل وقماح."
تبسم كارم قائلاً:
"بابا فعلاً قالي هيبعت صور له بس جدتي رافضة أي حد يصوره بتقول ممكن نور الموبايل يضعف عينيه."
قال كارم هذا وجذب همس من يدها قائلاً:
"يلا قومي بقى نفطر سوا."
قالت همس بوخم وهي تشد غطاء الفراش عليها:
"لأ مش عاوزة أفطر سيبني أكمل نوم."
تبسم كارم وقام بإزاحة الغطاء، ثم حمل همس قائلاً:
"مقدرش أفطر من غيرك، وطالما مستسلمة للكسل مفيش قدامي طريق تاني غير إني أفوقك."
لفت همس يديها حول عنق كارم وضمت رأسها لصدره قائلة بنعاس:
"هتفوقني إزاي."
تبسم كارم وقال:
"هفوقك كده، يا روحي."
قال هذا وأنزلها على الأرض واقفة يحتضنها.
فعل كارم هذا وشعرت بعدها همس بتساقط المياه عليهما.
للحظة انخضت ثم ارتجفت وزادت من حضن كارم قائلة:
"الماية سقعه."
تبسم كارم:
"عشان تفوقك يا روحي."
فجأة شعرت همس بدوخة وكاد يختل توازنها لولا ساندت على كارم.
لاحظ كارم هذا، فانخض.
قائلاً:
"مالك يا همس."
لكن رغم أن همس مازالت تشعر بدوار خفيف لكن قالت بتطمين:
"أبداً أنا كويسة بس يمكن كنت هتزحلق وسندت عليك."
رد كارم:
"همس وشك متغير عليا ومجهد، إيه رأيك تكشفي."
تعجبت همس قائلة:
"أكشف! أكشف ليه هو عشان وشي مجهد، ومتغير عليك، ولا عشان كنت هتزحلق، بلاش تكبر الموضوع، بعدين أنا سقعت من الماية، ولو فضلت تحتها أكتر من كده هتعب فعلاً، يلا اطلع بره خليني آخد دوش وطالما فوقت من الكسل هشتغل شوية في الطلبية بتاع المشغل."
تبسم كارم بمكر قائلاً:
"طب ما أساعدك تاخدى دوش، حتى أنا كمان هدومي بقت مبلولة."
ردت همس بحياء:
"كارم اطلع بره الحمام، وجهز لينا فطور، أهو استغلال مش عندك مطعم اعتiberني زبونة وطلبت منك خدمتها."
تبسم كارم وانحنى رأسه يقبلها ثم ترك شفاها قائلاً:
"أحلى وأغلى هاميس."
ترك كارم همس وخرج من الحمام، بقيت وحدها.
تعجبت من ذلك الدوار، وأرجحت أنه بسبب قلة النوم والإجهاد في الفترة الماضية بسبب كثرة العمل.
بعد قليل خرجت همس من الحمام وذهبت إلى المطبخ.
تبسمت وهي ترى سفرة صغيرة موضوع عليها بعض الأطباق.
تبسم كارم لها.
قام بشد مقعد للخلف قائلاً:
"سيدتي."
تبسمت همس وجلست على المقعد.
جلس كارم هو الآخر، قائلاً:
"عاوزك تنسفي الفطور ده كله، شكلك خاسة ومجهدة، أكيد من كترة الشغل الفترة اللي فاتت."
تبسمت همس:
"فعلاً أنا حاسة إني مجهدة، الست صاحبة المشغل بعد ما شافت هدوم ابن سلسبيل بعد ما خلصتها عقلها طار، وطلبت مني أعملها زيها، مخصوص لمرات ابنها الحامل، بس مرات ابنها حامل في بنت وكمان غيرت التصاميم، هانت قربت أخلصها، وهاخد مبلغ محترم."
كان كارم سيقول لها بتمنى، ليته قريباً يفعل مثل تلك الملابس الصغيرة، لطفل يجمعهما.
لكن هناك شيء غريب جعله يصمت.
لكن في نفس اللحظة، رن هاتفه برسالة.
فتح الهاتف وتبسم.
نظرت همس لبسمته قائلة:
"فيها إيه الرسالة خلاك تبتسم كده."
وضع كارم الهاتف بوجه همس، التي تبسمت هي الأخرى قائلة:
"صورة ابن سلسبيل."
ضحك كارم قائلاً:
"أكيد بابا صوره سرقة من ورا جدتي."
أخذت همس الهاتف من يد كارم مبتسمة تتمعن في الصورة قائلة:
"فيه شبه كبير من عمو النبوي، البت سلسبيل طول عمرها كانت بتتمنى تتجوز واحد زي عمو النبوي."
تبسم كارم وقال:
"وأهي اتجوزت واحد من ولاد عمو النبوي وخلفت منه ولد شبه عمو النبوي."
ضحكت همس وقالت:
"غريبة فعلاً، تعرف سلسبيل كنت أوقات بحس إنها بتحب قماح، بس مش بتظهر ده، بس قماح غبي بجوازه من هند عليها."
رد كارم:
"فعلاً غبي، بس بابا قالي إنه ندم."
ردت همس:
"وطالما ندمان ليه مستمر في جوازه من هند... استمرار جوازه من هند هيزيد الفجوة بينه وبين سلسبيل، يبقى غلطان لو فكر إنها هتطلب منه يطلقها، سلسبيل أختي وعارفها هتفكر إنها لو طلبت من قماح يطلق هند إنها بتخيره، وسلسبيل مبتحبش تحط نفسها في أي اختيار يقلل من كرامتها."
بدار العراب
بشقة رباح.
تحدثت هند بسخرية وغِل وحقد دفين:
"طبعاً ابن سلسبيل وقماح، لازم يتعمل له احتفالية كبيرة، طبعاً ما هما ولاد العراب."
رسمت هند دمعة كاذبة وأكملت حديثها:
"كان نفسي أكمل حملي، يمكن ابني ولا بنتي كان زماني فرحانة... بس تفتكر أنهم كانوا هيفرحوا بيه زي ما هما فرحانين كده، بابن سلسبيل."
اقترب رباح من زهرت وضمه:
"ده نصيب يا حبيبتي واللي يهمني هو إنتي، تبقي معايا، وربنا يرزقنا بطفل، بنت حلوة زي مامتها."
تدللت زهرت وهي تلف يديها حول عنقه مثل الحية قائلة:
"لأ نفسي في ولد ويكون شبهك، بس من دلوقتي لازم نفكر نأمن مستقبلنا، أنا حاسة إن بعد ولادة سلسبيل، كل حاجة في الدار هتتغير، مش شايف عمايلهم ولا هداياهم الفخمة لسلسبيل كأنها الوحيدة اللي خلفت، طبعاً مش جابت الوريث... رباح إحنا لازم نأمن مستقبلنا."
نظر لها قائلاً بإستفسار:
"قصدك إيه؟"
ردت زهرت:
"متأكدة إن قريب جداً خالي النبوي، هيرجع إمضة قماح من تاني، على أرصدة البنك... طبعاً ومش بعيد يكون عملها نقوط، للبيه الصغير اللي سحب عقل كل اللي في الدار."
تنبه رباح لقولها قائلاً:
"قصدك إيه معتقدش بابا يعمل كده."
ردت زهرت بوسوسة:
"مش عاوز تصدقني إنت حر."
قالت هذا وابتعدت بجسدها من بين يديه، بتلاعب جيد منها.
جعله يذهب خلفها.
قائلاً:
"مش يمكن يرجع توقيعنا إحنا التلاتة."
ردت زهرت تنفخ في أذنيه لهب الحقد:
"لأ هو ابن الأغريقية له عنده معزة خاصة، حبيبي أنا عاوزة مصلحتك، وقلبي عليك وبراحتك خليك على عماك، لحد ما تلاقي قماح بقى هو الكل في الكل وأنت تابع له، زي محمد كده."
رد رباح:
"مستحيل، أبقى تابع لابن الأغريقية، قوليلي أعمل إيه؟"
ردت زهرت بخباثة:
"بسيطة، مش خالي جمد إمضتك على صرف الشيكات، أكيد العملاء اللي بتتعامل معاهم هما كمان بيتعاملوا بشيكات، والشيكات دي بتبقى باسمك طبعاً."
رد رباح بعدم فهم:
"أيوا بتبقى باسمي، بس بعمل لها تظهير لموظف في الحسابات وهو بيصرفها ويضيفها لحسابنا في البنك."
ردت زهرت:
"يبقى بلاش بعد كده تظهرها للموظف ده وتصرفها إنت بنفسك من البنك."
رد رباح متعجباً:
"قصدك...."
قاطعته زهرت قائلة:
"أيوا زي ما فهمت، الشيكات دي حقك، إنت اللي بتشتغل في الشون بين العمال في البضايع، إنما قماح، قاعد على مكتب مكيف في المقر، وفي الآخر مرتبك نفس مرتبه، على الأقل هو عنده اتنين نسوان أغنى من بعض، إنما أنا أنت عارف إني مملكتش حاجة، بعد كده الشيك اللي تصرفه، تحول مبلغه لحسابك الخاص في البنك."
تفاجأ رباح بقولها ذلك صراحةً، وقال:
"بس ده يبقى سرقة."
اقتربت زهرت من رباح ووضعت يدها على أزرار قميصه تبخ سمها بعقله:
"دي مش سرقة ده حقك، وحق ولادنا في المستقبل ولا عاوز ولادنا يبقوا ظل لولاد قماح، ويرضوا بالفتافيت اللي بتترمى لهم."
عقل رباح حديث زهرت الخبيث في عقله وصدق على قولها قائلاً:
"مستحيل طبعاً أوافق على كده."
تبسمت زهرت مثل الحية التي استسلمت فريستها دون مقاومة كبيرة.
مظاهر سبوع حفيد آل العراب، مميزة، سواء عند الرجال، أو في داخل الدار نفسها.
كانت هناك سيدات يمرحن ويهنين بالمولود صاحب الحظ السعيد.
وهناك الحاقدين أيضاً.
وقفت عطيات بأحد أركان المكان وجوارها زهرت.
تحدثت قائلة بهمس لها:
"شايفة، ياريتك سمعتي حديثي من الأول، يمكن كنت سبقتيها وولدك خد الخير ده كله، شايفة العقربة هدى، قاعدة كيف ومستربعة واخده الواد على حجرها، ومدارية وشه.. كأنها خايفة حد يلمحه ليحسده."
تهكمت زهرت قائلة بحقد:
"شايفة العقربة، بس تفتكري حتى لو أنا اللي كنت خلفت قبل سلسبيل كانت هتعامل اللي هخلفه كده، وليه عقربة وحيزبون وبوشين."
ردت عطيات:
"هي فعلاً كده، تبان إنها بتعمل خير وهي رايدة من وراه سلطة، بس ياريتك كنت خلفتي قبل المحروقة سلسبيل، أهو كنتي حفظتي مكانك إهنه."
ردت زهرت:
"عمتي خلفت تلات ولاد حفظت مكانها، أهو شايفة اللي خلفت البنات هي اللي النهارده كأنها نسيت بنتها وموتتها كافرة غير بخطيئة."
ردت عطيات:
"عمتك يتفلت من وشها بلاد، بالك لو بيدي كنت طردتها من داري، بس هقول إيه عاد قدري يا أما غلبت في أبوكِ يشتري نصيبها من البيت كأني كنت حاسة إنه ده هيحصل، بلا ميجوزش عليه غير الرحمة، وإنتي ادعي ربنا تحبلي قريب، بقالك فترة من يوم ما بطلتي آخد الحبوب ومحبلتيش، ليكون الحبوب دي سببت لكِ ضرر، لازم تشاوري دكتورة قريب."
ردت زهرت:
"لأ متخافيش أنا استشورت دكتورة وقالتلي مفيش مشكلة بس هو الوقت وأكيد هحمل قريب، والله أعلم مش يمكن أكون حامل، ولسه مظهرتش الأعراض عليا."
ردت عطيات بأمل:
"ياريت، وبكفاية حديث عاد لحد يتسمع علينا خلينا نقرب من العقربة وارسمي بسمة على وشك......"
ليلاً بعد انتهاء مظاهر السبوع.
صعدت سلسبيل بذلك الصغير إلى شقتها ودخلت إلى غرفة النوم الخاصة بها.
وضعت الصغير على الفراش ونامت على جانبها تنظر له بحنان مبتسمة.
انتبهت لدخول قماح هو الآخر إلى الغرفة.
تبسم قائلاً:
"أخيراً اليوم خلص كان يوم مهلك."
ردت سلسبيل:
"فعلاً كان مهلك بس كان لذيذ، ضحكت قائلة: إنت مشوفتش جدتي طول الوقت كانت قاعدة بناصر في حجرها ومغطية وشه، لأ وهو زي ما يكون كان مبسوط وساكت."
تبسم قماح ونام بجانبه هو الآخر على الفراش قائلاً:
"واضح إنه بيحس معاها بالحنان، ماما وأنا صغير كانت بتقولي إني لما كنت بغلبها كانت جدتي تاخدني في حضنها كنت بنام."
أنهى قماح قوله بقبلة على يد صغيره.
تبسمت سلسبيل، قائلة:
"بيتاوب شكله عاوز ينام."
تبسم قماح وأخرج علبة صغيرة من جيب بنطاله.
فتحها قائلاً:
"السلسلة دي كانت لماما كانت دايماً بتلبسها وبتتفائل بيها."
نظرت سلسبيل وأخذت السلسلة من يد قماح ووضعتها حول عنق الصغير.
مرت الأيام
بعد مرور أربعين يوم تقريباً.
ظهراً بأحد الشونات التابعة للعراب.
كان رباح يجلس مع أحد العملاء ومعه أحد موظفين الحسابات.
انتهى رباح من معاملات ذلك العميل، الذي حرر له شيك بالمبلغ المطلوب منه، ثم خرج العميل.
تحدث الموظف قائلاً:
"حضرتك هاخد الشيك بكرة الصبح أصرفه من البنك وأحوله للحساب الخاص بالمجموعة وأجيب لحضرتك إيصال الإيداع."
نظر رباح ليد الموظف الممدودة.
فكر بحديث زهرت السابق له، بعد أن كاد يعطي الشيك للموظف، قام بتطبيقه ووضعه بجيبه قائلاً:
"لأ أنا بكرة عندي مشوار مهم للبنك هصرف أنا الشيك وهحوله لحساب المجموعة، دلوقتي روح إنت شوف شغلك."
امتثل الموظف رغم تعجبه، فهذا أول مرة يفعل رباح ذلك، لكن هو بالنهاية موظف، ليس المسؤول الرئيسي عن تلك الشون.
بـ دبي
ليلاً
نظرت همس لذلك الاختبار الذي بيدها يؤكد أنها حامل كما توقعت قبل ذلك، لكن كانت تخشى التأكد من ذلك.
لكن بسبب تكرار ذلك الدوار اضطرت لإجراء ذلك الاختبار.
بداخلها خوف لا تعرف سببه.
تذكرت أنها فعلت ذلك الاختبار سابقاً وما حدث وقتها نهايةً بكذبة موتها.
أجل موتها كذبة.
فكر عقلها بحملها هذا لابد أنه سيأتي يوم وتعود لدار العراب.
وقتها بالتأكيد سيعلمون أنها مازالت تعيش.
ماذا سيكون رد فعلهم.
لا تعلم لا تتوقع شيء، لكن كل ما تريده الآن فقط هو معرفة رد فعل كارم حين يعلم بحملها.
لم تنتظر كثيراً.
ها هو كارم دخل إلى غرفة النوم متعجباً، ونظر نحو جلوس همس على الفراش وذلك الشيء الذي بيدها.
اقترب من الفراش وجلس جوارها قائلاً بلهفة:
"همس بنادي عليكِ ليه مش بتردي خضيتيني عليكي، أنا من وقت ما رجعت للمطعم بعد الغدا وأنا مشغول عليكي بسبب الدوخة اللي بقت بتجيلك كتير دي، ورجعت بدري عشان كده، من بكرة هنروح أي مستشفى وتعملي فحص طبي."
لم ترد همس عليه، لكن فتحت يدها، ومدتها له بذلك الاختبار.
أخذ كارم الاختبار من يدها بإستفسار قائلاً:
"ده إيه؟"
ردت همس بخفوت:
"اختبار حمل."
ظن كارم أنه لم يسمع جيداً، وقال:
"قولتي اختبار إيه؟"
ابتلعت همس حلقها وقالت بتأكيد:
"اختبار حمل."
نظر كارم لها بلهفة وقال:
"طب ونتيجته إيه؟"
بنفس الخفوت السابق ردت همس:
"نتيجته إيجابية."
هذه المرة سمع كارم جوابها، وفجأة وقف قائلاً:
"قصدك إيه، يعني إنتي حامل."
أومأت همس برأسها وهي تنظر لوقوف كارم.
تترقب رد فعله.
الذي لا تتوقعه.
مشاعر مختلطة، يشعر بها كارم، لكن أقوى شعور هو الفرحة الشديدة.
جذب كارم همس الجالسة وقام بحضنها قويًا بين يديه قائلاً:
"من دلوقتي ممنوع تجهدي نفسك، أنا عاوز بنوتة حلوة زيك كده."
تمسكت همس بكارم وحضنته بقوة غير قادرة على الحديث، تشعر بلخبطة وخوف، ممزوجين مع شعور بالسعادة من رد فعل كارم السعيد بحملها.
كيف فكر عقلها أن يكون لكارم رد فعل آخر غير هذا، فهو احتوى وتفهم ألمها منذ البداية.
بـ دار العراب
بشقة سلسبيل
خرجت سلسبيل من الحمام تحمل ذلك الصغير المشاغب الملفوف بمنشفة.
وضعته على الفراش تضحك قائلة:
"بتعيط ليه دلوقتي هاناصر بيه العراب الصغير بيحب الماية ومش عاوز يطلع منها، لأ يا حلو لو فضلت في الماية أكتر من كده هتبوش. يلا دلوقتي أحنا استحمينا نلبس بقى هدومنا وبعدها تخليك ذوق كده وتنام وتسيبني أنام أنا كمان."
هدأ بكاء الصغير وتبسم وهي تداعبه بيديه.
تبسمت وهي تقوم بتنشيف جسده، ثم تركته على الفراش قائلة:
"هجيبلك غيار خفيف، وكمان ليا ماهو مش معقول هفضل بالفوطة كده."
ذهبت إلى دولاب الملابس.
أخرجت بعض الملابس لها ولصغيرها.
لم تنتبه لدخول قماح إلى الغرفة، إلا حين استدارت بالملابس في يدها.
للحظة انخضت، لكن شعرت بالخجل حين نظر قماح لها وتبسم.
ارتبكت من نظراته لها وهي أمامه بتلك المنشفة القصيرة لحد ما تظهر بعض من مفاتنها.
بينما تبسم قماح مفتون بها وهي بهذا الشكل المغري.
بتلقائية وضعت بعض من تلك الملابس التي بيدها على كتفيها، وذهبت إلى صغيرها وقامت بتلبيسه بعض الملابس.
شعرت بالتوتر حين اقترب قماح من الصغير وبدأ في مداعبته، إلى أن انتهت من تلبيسه ثياب خفيفة.
هربت من ذلك التوتر قائلة:
"نسيت حاجة في الحمام هروح أجيبها."
لم تنتظر وفرت هاربة من أمامه.
حتى أنها لم ترَ بسمة قماح أمامه وهو يحمل الصغير من على الفراش، وهو يعلم أن سلسبيل تتهرب من نظرات عينيه لها.
تنهد بشوق وهو يقبل وجنة صغيره وقال له:
"مامتك شكلها هتفضل تخجل مني طول العمر تعرف إني بعشقها وبعشق خجلها ده بس هي عنيدة بزيادة."
خرجت سلسبيل بعد قليل من الحمام ترتدي منامة ناعمة بنصف كم.
تحدث قماح للصغير:
"بتعيط ليه دلوقتي كنت ساكت من شوية، ولا حسيت بم
رواية عش العراب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد مرور شهرين تقريباً، بعد منتصف الليل، في شقة هند.
النوم جافى عيون هند، نيران الحقد تشتعل بقلبها. هي مهمشة في حياة قماح، لا وجود لها. حتى إن كان قماح يبيت أحياناً معها بالشقة، فهو يبقى بالغرفة الأخرى بعيداً عنها. لكن رغم يقينها أن قماح بأي لحظة قد يُنهي زواجهُ الصوري منها، لكن لا مانع من محاولة، حتى لو فاشلة. لن تخسر أكثر مما خسرت سابقاً، والآن عليها ركن كرامتها جانباً.
فتحت باب غرفة قماح، رأتهُ غارقاً بالنوم. كما تريد، تلاعب الشيطان برأسها، هذه فرصتها. ربما تنال وقتاً لطيفاً مع قماح الليلة، ربما هذه الليلة تتبدل معاملتهُ معها، وتأخذ حياتهم شكلها الطبيعي كزوج وزوجة.
لمعت عينيها برغبة وهي تنظر إلى قماح النائم شبه عارٍ، فقط بسروال على خصره. لم تلمع عينيها فقط، بل زاد خفقان قلبها. هي عاشقة له، وهذا ما جعلها تتحمل تهميشه لها الفترة الماضية. كل ما تريده بالحياة أن تعيش بقربه. لا يهمها إن كان قلبه وعقله مع أخرى تستحوذ عليه بهجرها له، وبذلك الصغير الذي أنجبته، تجعله يلهث خلفها.
اقتربت من الفراش وصعدت عليه. وضعت يديها على ظهر قماح النائم على بطنه، تسير بها صعوداً وهبوطاً بحركات تتفننها. في زواجهما السابق، كان لها أثر على قماح، وكان يسقط ببراثنها، أو ربما كان يستجيب بإرادته.
بينما قماح شعر بيديها التي تسير على ظهره للحظات، غرق بذلك الحلم الذي يراوده أن سلسبيل آتت إليه وهي من تُمسد بيديها على ظهره.
استدار نائماً على ظهره ومازال مغمض العينين، لا يريد فتحهما، ويعلم أن كل ما يشعر به ليس سوى حلم. استسلم لحظات لذلك الحلم الذي يتمناه. قبلات هند المشتاقة، شعر بيديها تسير على صدره بتودد وحميمية. بين الغفوة والصحوة، يتحدث عقله. تلك لمسات وقبلات حقيقية، لكن عقله على يقين أنها ليست لمسات ولا قبلات سلسبيل.
بدأ يعود للواقع ويترك ذلك الحلم، وفتح عينيه. كما توقع، تفاجأ بنصف جسد هند فوق جسده، تتودد له بحميمية، تعتقد أنه بدأ يتجاوب معها. لكن فجأة، أمسك بإحدى يديها، وابتعد برأسه عن شفتيها هامساً:
"هند."
همست هند بآنين مشتاق:
"قماح، أنا بحبك. خلينا نرجع زي قبل ما نطلق... أنا متأكدة إنك بتحبني. سلسبيل وأنت عايش فيه، هي بتتلاعب بمشاعرك، عشان تجري وراها."
ربما ما كان عليها ذكر سلسبيل، لكن أخطأت كالعادة حين تذكر سلسبيل بالوقت الخطأ. نفر قماح منها وأبعدها عنه للخلف، ونهض من على الفراش.
شعرت هند بحسرة كبيرة في قلبها وازداد غيظها من سلسبيل، وتدمعت عينيها تحاول أن تنال رضا قماح.
نزلت من على الفراش واقتربت من مكان قماح. حاولت حضنه.
قائلة بتوسل:
"قماح، أنا بحبك. حبيتك من أول مرة شوفتك فيها عند بابا في الشونة بتاعته، وبعدها فرحت لما النصيب جمعنا، وكنت بموت بعد ما طلقتني. كان عندي دايماً أمل إنك هترجعني، وربنا حقق لي أملي. قماح، أنت رجعتني لعصمتك عشان بتحبني. سلسبيل عمرها ما هتحبك، دي بتستلذ بهجرها لك، بتحاول دايماً تسيطر على عقلك، لكن قلبك عارف مين حبيبه. حبيبة قلبك هي أنا يا قماح، بدليل إنك رجعتني تاني لذمتك. أنا متأكدة لو سلسبيل ما كانت حامل منك، يمكن كنت طلقتها. قماح، أنا ما عنديش مانع سلسبيل تفضل على ذمتك عشان ابنك. أنا لما استسلمت لطلاقنا، وقتها علشان كنت بعالج عشان أخلف، بس الدكتور قال لي إن علاجي صعب، بس ما فيش حاجة مستحيلة، العلم كل ثانية بيتقدم. وحتى لو ما خلفتش، عندك ابنك من سلسبيل."
تعجب قماح من هراء هند. أجل، هراء. أي حب يحبه لها؟ حبيبة قلبه الوحيدة هي سلسبيل، من يشعر بنبضات قلبه وهي جواره. أخطأ بحقها كثيراً، أصبح يعلم ذلك. حين اقترب منها، خسرها بغطرسته وغبائه. أجل، غبائه. أين كان عقله حين كان يتعمد أذيتها سواء بالفعل أو القول؟ بدل أن يحتويها، كان يجافيها. ليجني الهجر بعد ذلك أمامه وبعيده عنه بإرادتها. لولا ذلك الطفل الذي مازال يجمعهما، لكانت أنهت كل ما يربطها به، ولم يكن ليمنعها فرد من العائلة.
عاد قماح للخلف خطوة بعيداً عن هند قائلاً:
"هند، بلاش تعيشي نفسك في وهم، أنتي متأكدة أنه مش صحيح. أنا فعلاً بحب سلسبيل من قبل ما أتزوج المرة الأولانية. حاولت أدفن حبها وأعيش مع غيرها، ما قدرتش. هند، صدقيني، أنا غلطت في حقها من البداية. رجوعنا كان غلط مني، في لحظة غضب كان تسرع مني. هند، أنا مش عاوز أزود في جرحك أنتي كمان. بعترف إني غلطت في حقك لما رجعتك لذمتي تاني. هند، اللي رابطني بـ سلسبيل مش ابننا ولا إنها بنت عمي. أنا بحب سلسبيل هي كمان، ومن زمان. أنا غلطت في حقها كتير. هند، إحنا لازم ننفصل ودلوقتي."
صدمة، بل صاعقة في قلبها قتلتها. عقلها لا يستوعب. قماح أكد حبهُ لـ سلسبيل مرتين بهذا الحديث. سالت دموع هند. لو تذللت الآن لقماح، لن يمنعه ذلك من التراجع عن الطلاق، بل قد يصر عليه أكثر.
تحدثت بدموع خادعة ورسمت الاستصعاب بجداره:
"بس أنت لو طلقتني، هروح فين؟ بابا غضبان عليا من يوم ما رجعتني لذمتك تاني، هاجمني إزاي إن أعمل كده من وراه. حتى لما كان مريض وكنت بزوره، كان بيرفض يقابلني. ماما ونائل حاولوا يحننوا قلبه عليا بس أنت عارف قسوته. حتى رفض إني أرجع أشتغل معاه في الشونة من تاني. حتى رصيدي في البنك سحبه بالتوكيل اللي ما بينا. أرجوك يا قماح، بلاش تطلقني قبل ما أقدر أدبر حالي. أكيد ما ترضاش إني أعيش في الأوتيلات الرخيصة."
فكر قماح وسقط في خداع هند. هو بالنهاية مُخطئ في تلك الزيجة مثلها، وأخطأ في حق هند، ولديه مسؤولية اتجاهها الآن. حديثها بالفعل صحيح.
تنهد قماح قائلاً:
"تمام يا هند، متقلقيش. أكيد ما يرضينيش إنك تعيشي في الأوتيلات. هحاول أتكلم مع باباكي وأقنعه بموضوع طلاقنا. ولو فضل معاند، أوعدك أأمن لكِ شقة في مكان كويس تعيشي فيها، وشغل يناسبك."
تنهدت هند بدموع ليست خادعة، بل دموع حسرة. ما بها سلسبيل حتى يُحبها قماح كل هذا الحب؟ لماذا لم يبادلها يومًا نصف هذا الحب؟ لكن غريب هو الحب، لا قوانين له.
أومأت هند برأسها ولم تستطع الوقوف على ساقيها. ذهبت إلى الفراش وجلست عليه تستشعر خيبة أملها في قضاء ليلة تنعم بها بين حضن قماح.
قماح الواقف أمامها لم يهتم لضعفها، بل زاد من جحيم قلبها حين قال:
"أنا النوم راح من عيني، وكان عندي شوية ملفات على اللابتوب بتاعي عاوزه مراجعة، واللابتوب فوق في شقة سلسبيل. تصبحي على خير."
قال قماح هذا وأخذ قميصاً له يرتديه فوق البنطال وتركها تجلس على الفراش، بركان حقد يشتعل بقلبها. قماح لم يصعد لشقة سلسبيل من أجل العمل، بل من أجلها هي. سلسبيل هي العائق بينها وبين قماح، لو اختفت، قماح سيبقى لها. هكذا صور لها عقلها اليائس.
بينما بشقة سلسبيل، قبل قليل.
استيقظت سلسبيل على صوت بكاء صغيرها النائم جوارها. فتحت عينيها قائلة بنعاس:
"قولي، أنت بتنام زي البشر الطبيعيين ليه؟ أنا يادوب لسه هنام."
ازداد الصغير في البكاء.
نهضت سلسبيل جالسة على الفراش وجذبت الصغير وحملته قائلة:
"ناصر بيه يدلع براحته ويزعج زي ما هو عاوز. طبعاً مش دلوع الحجة هداية."
هدأ الصغير قليلاً.
تبسمت له بحنان قائلة:
"اسم الحجة هداية هو طلسم السكوت بتاعك. على العموم، ترضع وزي الشاطر كده تنام تاني، وتسيبني أنا كمان أنام. والله أنا بشتغل ولازم أكون فايقة، عشان لو غلطت في الحسابات جدك ناصر والنبوي ممكن يخصموا من مرتبى ويسحبوا العربية من تحت إيدي، وأتبهدل في المواصلات."
تبسمت لصغيرها الذي التقم صدرها. بينما قماح صعد إلى الشقة. تعجب حين سمع صوت سلسبيل. ذهب إلى الغرفة، كان الباب مفتوحاً. دخل مباشرةً. تبسم وهو يرى سلسبيل تتحدث مع الصغير. دخل يقول:
"واضح إن ناصر غاوي سهر."
تبسمت سلسبيل له قائلة:
"لأ، غاوي تعب ليا مع ماما وجدتي طول اليوم مش بيتعبهم، لكن معايا مش بس غاوي سهر، لأ كمان عاوزني أشيله وهو نايم. بس ده كله بسبب دلع جدتي له طول ما هو معاها، شيلاه على رجلها حتى وهو نايم. إنما لو سابته ينام على السرير هيتعود، ماما بتقول لي كده."
تبسم قماح واقترب من الفراش وجلس لجوارها، ينظر إلى ذلك المشاغب الصغير، الذي شبع، يبدو أنه للتو استيقظ ويريد اللعب، غير عابئ بتعب غيره.
مد قماح يديه يأخذه من سلسبيل، قبل وجنتيه قائلاً:
"إحنا بعد نص الليل، مش ناوي تتعطف وتتلطف وتنام."
يبدو أن الصغير لا يعجبه حديث قماح ويُصر على اللعب. قام بهبش وجه قماح بيديه الصغيرتين. تركت أظافره الرقيقة أثر، ربما لا يُرى بالعين، لكن ترك مكانه ألماً طفيفاً.
تبسم قماح ويمسك يدي الصغير يتمعن في أظافره قائلاً:
"دي ضوافر ولا مخالب."
ببسمة ردت سلسبيل:
"دي ضوافر ناعمة بس زي المخالب، بتسيب مكانها ألم."
ظل قماح وسلسبيل لوقت يمرحان مع ذلك الصغير، إلى أن تثاءب هو وأراد النوم. وضعاه بينهم على الفراش في المنتصف وغفيا جواره. نسيا الإثنان خلافاتهما قليلاً، مستمتعين بلحظات عائلية.
بعد مرور عشرون يوماً، بمنزل سميحة.
جلس محمد مع نظيم يستشيره ببعض أمور زفافه هو وسميحة، التي دخلت عليهما بصينية صغيرة وضعتها على طاولة بالغرفة قائلة:
"لأ، أنا مش عاوزه الحنة تبقى في قاعة كبيرة. أنا عاوزاها هنا على السطوح زي بقية بنات البلد. القاعة بتبقى كده تكتيفه وتدخل ناس منعرفهاش. هنا الحنة وسط حبايبنا وأهلنا."
تبسم نظيم بتوافق قائلاً:
"فعلاً، كنت لسه هقول كده. الحنة هنا في البيت تبقى على الضيق لحبايبنا، إنما الزفاف هو اللي يبقى في القاعة زي ما قلت."
فكر محمد قائلاً:
"تمام، أنا بس كنت بقترح القاعة عشان تساع المعازيم اللي هتيجي للحنة."
ردت سميحة:
"معازيم مين؟ أنتي ناوي تعزم بني سويف كلها على الحنة ولا إيه؟ إحنا نعزم أهلنا وحبايبنا القريبين مننا، والباقي يجوا القاعة يتعشوا في بوفيه الزفاف."
ضحك محمد ونظيم الاثنان معاً. بينما نظرت لهما سميحة بتهكم قائلة:
"هو أنتم مفكرين المعازيم بيروحوا القاعات دي عشان يتفرجوا على العرايس والعرسان؟ لأ، عشان البوفيه."
ضحك محمد قائلاً:
"ما علينا، خلينا نتكلم عن كتب الكتاب. أنا اتفقت مع المأذون نكتب الكتاب ليلة الحنة. وده كان سبب لاقتراح الحنة في القاعة، بس طالما سميحة عاوزة كده، هي حرة."
رد نظيم:
"البيت مش ضيق، اطمن. نكتب الكتاب هنا في الشقة، والحنة والمعازيم على السطح زي ما سميحة عاوزة."
تبسم محمد وقال:
"تمام، نتكلم في الشبكة والمهر والمؤخر وقائمة العفش."
رد نظيم:
"بص يا محمد، أنا يوم ما طلبت أيد سميحة وسألت عنك، عرفت إنك ابن ناس لهم سمعة طيبة، وافقت عشان كده مش عشان غني. المهر والمؤخر وقائمة العفش مش هما اللي هيجبروك تحترم أختي وتعاملها بما يرضي الله. إنما الشبكة مقدرش أتكلم فيها، دي تقدير منك ليها وأهي عندك. اتفق معاها. وإن كان عليا، هقول لك شبكة الخطوبة تكفي وتوفي."
نظر محمد لـ سميحة، رأى بعينيها اقتناعاً بحديث نظيم، حتى أنها أومأت رأسها بموافقة على قول نظيم.
تبسم محمد قائلاً:
"تمام، الحنة وكتب الكتاب زي ما حددت مع المأذون، بعد أسبوع من النهارده."
بعد مرور أسبوع.
كانت حنة مميزة بطابع شعبي بسيط فوق سطح منزل سميحة. كانت النساء فوق سطح المنزل تغني الأغاني الشعبية والرقص البسيط. كانت هند وزهرة تشعران بالضجر وتنظران بدونية لتلك المظاهر التي من نظرهما بيئة. بينما كانت هدى وسلسبيل تجلسان تشعران بفرح. ربما هذه أول مرة يشاهدان تلك المظاهر البسيطة. رغم أن زواج سلسبيل كان يشبه تلك الحنة، لكن لم تكن تشعر بفرحة في قلبها وقتها. لكن اليوم، بداخل قلبها فرحة وازدادت وهي ترى جلوس جدتها وعلى ساقيها تضع صغيرها، تمسك يديه تجعله يصفق، وهو منسجم وسعيد وعيناه تراقب ما حوله، ينفض جسده بسعادة كأنه يشاركهم ويفهم ما يحدث.
بينما هدى شعرت بالعطش فجأة، نظرت حولها لا يوجد مياه. الموجود بعض أكواب الشربات، وهي تريد مياه.
همست لـ سلسبيل:
"أنا عطشانة قوي."
نظرت سلسبيل حولها هي الأخرى وردت عليها:
"ما فيش مياه هنا. خدي لك كوباية شربات تروي عطشك."
ردت هدى:
"لأ، أنا عاوزة مياه، مش شربات. هنزل لتحت أشرب وأرجع بسرعة."
تبسمت سلسبيل وهي تومئ برأسها لها. نزلت هدى إلى أسفل، وقفت أمام باب الشقة، رغم أنه مفتوح، لكن خجلت من الدخول ووقفت مترددة، حتى أنها طرقت على الباب قبل أن تحسم أمرها وتدخل إلى الشقة. وقفت بالردهة، تنظر حولها بأي اتجاه هو المطبخ كي تذهب إليه وتستقي المياه.
في ذلك الوقت، خرج نظيم من إحدى الغرف بيده الهاتف يرن. حين رأى هدى شعر بسعادة في قلبه، فهي منذ امتحانات نهاية العام لم يرها. أغلق رنين الهاتف وذهب إلى مكان وقوفها قائلاً:
"أهلاً يا هداية. أعتقد دي أول مرة تشرفي بيتنا البسيط المتواضع."
ردت هدى:
"فعلاً، أول مرة."
ابتسم نظيم قائلاً:
"بس الحنة فوق عالسطح مش هنا."
ردت هدى:
"عارفة، أنا كنت معاهم بس حسيت بعطش وما فيش غير شربات، وأنا عاوزة مياه، قلت أنزل أشرب وأطلع تاني، بس أنا مش عارفة فين المطبخ."
ابتسم نظيم قائلاً:
"ثواني. هجيب لك مياه من المطبخ."
وقفت هدى تنتظر عودة نظيم. بعد لحظات بزجاجة مياه، وأعطاها لها قائلاً:
"على فكرة، مياه معدنية."
نظرت له هدى قائلة:
"وأنا كنت سألتك معدنية ولا لأ؟ عادي، المهم أن الإزازة ميتها نضيفة. أنا هاخد الإزازة وأطلع بيها للحنة من تاني."
كادت هدى أن تغادر، لكن بسرعة أمسك نظيم يدها قائلاً:
"هداية، ممكن دقيقة لو سمحتي."
تضايقت هدى ونفضت يده عن يدها، وكادت تتهجم عليه لولا أنه اعتذر منها قائلاً بذوق:
"آسف، بس كنت عاوز أسألك، فتحتي الملف."
تقبلت هدى آسفه وكانت تناست ذلك الملف، قائلة بسؤال:
"ملف إيه؟"
رد نظيم:
"الملف اللي كان على اللابتوب بتاع أختك."
ردت هدى بتذكر:
"آه، تصدق أنا كنت نسيته. اتشغلت في ولادة سلسبيل وبعدها جت فترة امتحاناتي وبعدها قلت أفصل شوية. بس أكيد هرجع أحاول فتحه، ولو معرفتش هفيرس الجهاز."
تبسم نظيم قائلاً:
"لو احتجتي مساعدة، أنا جاهز في أي وقت."
ردت هدى ببسمتها قائلة:
"تمام، لو حاجة وقفت قدامي هطلب مساعدتك."
قالت هدى هذا وغادرت. بينما تنهد نظيم بشوق. ولم يرَ ناصر الذي رأى وقوف هدى مع نظيم وإمساكه ليدها. وتبسم حين نفضت هدى يده عنها. كذلك لاحظ بسمة هدى لـ نظيم بنهاية حديثها معه. لولا أن لديه خلفية بأخلاق نظيم، ربما كان له رد فعل آخر معه. وهو لديه ثقة كبيرة في هدى، يعلم أنها لا تسمح بأي تجاوز في التعامل معها.
مرت ليلة الحنة بهدوء وسعادة رغم بساطتها.
في اليوم التالي.
بدار العراب، عصراً.
دخلت فتحية إلى غرفة هداية مبتسمة تقول:
"أنا رتبت هدوم سميحة في الدولاب، وكمان حطيت لهم العشا في المطبخ."
تبسمت هداية قائلة:
"ربنا يهدي سرهم ويفرح قلوبهم ببعض."
تبسمت فتحية وقالت لـ هداية:
"سميحة والله مش عشان بنتي، بقول كده. هي بس مهفوفة شوية في عقلها، وأنتي كبيرة الدار توعيها."
تبسمت هداية قائلة:
"سميحة زينة البنات، واطمئني يا فتحية. هي دخلت قلبي من يوم ما دخلت دارك عشان أخطبها لـ محمد. وهي بجت كونها بكون حفيدي، ونفس المعزة كمان."
تبسمت فتحية قائلة:
"ده العشم من الحجة هداية. مفتاح الشقة أهو."
ردت هداية قائلة:
"خليه معاكي، وابقي اديه لـ سميحة. أنتي مش هتيجي مع بنتك من القاعة لأهنه تاني، خلاص ابقي أديه لها. ده مفتاح شقتها وهي حرة فيه."
تبسمت فتحية تهمس لنفسها:
"والله ما أعرف سميحة بنتي عملت طيب ميت مرة عشان توقع في ست زي هداية. طيبة وحنينة. لو آخرة غيرها ربما كانت حسستها بالدونيه حين قالت لها أنها وضعت الطعام البسيط التي أتت به من منزلها للعروس، كانت قالت لها أن المنزل ملئ بالخيرات، لكن هداية لم تُعقب على الأمر، حتى لا تُشعر فتحية أنها أقل مستوى منهم. حقاً، كما يقولون، في النسب يُلغى المقام. أصبح الاثنان بمقام بعضهما، لا هذا عالٍ ولا هذا دانٍ. العشرة الطيبة هي أعلى مقاماً."
ليلاً.
نزلت سلسبيل بذلك الصغير ودخلت إلى غرفة هداية.
تبسمت هداية تفتح ذراعيها قائلة بمداعبة:
"حبيب قلبي، اتوحشتك من الصبح. جاعد فوق مع سلسبيل."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"كنا أنا وهدى بنجهز عشان الزفاف، حتى هدى سبقتني مع بابا وراحت للقاعة، وأنا هروح بعربيتي، وهسيب ناصر مع حضرتك، يارب ميغلبكيش."
حملت هداية الصغير وقبلت خدهُ قائلة:
"لأ، اطمني على ناصر. إمعاي ده هيسليني. أنا ست كبيرة وماليش في القاعات بتاع الأفراح دي، ظهري ميتحملش أقعد المدة دي كلها من غير ما أفرده على السرير، وناصر هادي."
نظرت سلسبيل نحو ناصر وتبسمت بتهكم قائلة:
"ناصر هادي؟ قصدك ناصر تاني غير اللي معاكي ده، ده بيسهرني معاه لنص الليل وينام ساعة وعاوز يصحى يكمل سهر."
ضحكت هداية وهي تقبل الصغير قائلة:
"هو في أهدى من ناصر؟ تلاقيها أنتِ اللي عاوزة تسهرى وبتتحججي بـ ناصر."
ضحك قماح الذي دخل إلى الغرفة قائلاً:
"فعلاً كلام سلسبيل صحيح يا جدتي، ناصر شقي وكمان ضوافره محتاجة قص بيخربش، بشد شعر سلسبيل."
ضحكت هداية قائلة:
"أنتم هتطلعوا للواد سمعة مش زينة ولا إيه؟ ناصر ده ملاك صغير."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"الوقت خلاص، زمان محمد خد عروسته للقاعة، أنا اتأخرت بسبب ناصر."
تبسمت هداية قائلة:
"طالما قماح لسه هنا، بلاش تاخدي عربيتك وروحي إمعاه بعربيته."
ردت سلسبيل:
"بس يمكن قماح هياخد حد تاني معاه، هروح بعربيتي."
رد قماح:
"لأ، محدش هيبقى معايا. وبقول كفاية كده، خلينا نروح سوا القاعة."
كانت سلسبيل ستعترض، لكن قالت هداية:
"فعلاً، الكل مشى من بدري. يلا روحي مع قماح واطمني على ناصر، متحمليش همهُ."
وافقت سلسبيل حديث هداية قائلة:
"أنا مش بحمل هم ناصر، هو بيحبك أكتر مني."
تبسمت هداية قائلة:
"وناصر الصغير له معزة تانية غير الكل عندي. كفاية إنه بيحمل دم العراب من الجهتين. وبلاها حديث كتير، يلا طريج السلامة."
سارت سلسبيل جوار قماح وتركوا هداية تنظر في أثرهما، تدعو لهما بنيل السعادة والهناء مع بعضهما، كما يستحقان.
بعد قليل، بقاعة الزفاف.
كانت سميحة متألقة بردائها الأبيض، تُشبه تلك الحوريات التي تُذكر في حواديت الخيال. كذلك محمد، أحد الأمراء. أشار بيده نحو سلسبيل، التي صعدت إلى منصة العرس، أعطته تلك العلبة المخملية وعادت تجلس مكانها.
بينما أخذ محمد تلك العلبة وقام بفتحها وإخراج ما بها من محتويات قيمة. نظرت سميحة إلى تلك المحتويات، ثم نظرت إلى محمد نظرة عدم رضا.
قام محمد بتلبيس سميحة طقماً من الذهب الأبيض المرصع ببعض فصوص الألماس، هامساً في أذنها:
"ده هدية العريس للعروسة، يا ثموحتي، خلاص بقيتي مراتي."
همست له سميحة قائلة بتهكم:
"مراتك، مراتك وجايب لي هدية فالصو؟ وبتلبسهالي قدام المعازيم كمان؟ طب انكسف."
انصعق محمد قائلاً:
"انكسف؟ وفالصو؟ ده دهب أبيض وفيه بعض فصوص الألماس."
تهكمت سميحة قائلة:
"وماله الدهب الأصفر كان اشتكالك؟ وايه ده؟ عقد وإنسيال وخاتم، وحلق حتى ملبستوش بسبب الحجاب. مالها الغوايش والسلاسل؟ حتى كنت أمشي أسمع صوت رنهم في بعض كده لما أهز إيدي وصدرى."
رسم محمد بسمة مكر قائلاً:
"طب ما تسيبك من الطقم الفالصو ده و قومي نهز شوية على المسرح نفك الفرح ده. أنا حاسس إني رجليا وقفت من القعدة هنا."
ردت سميحة:
"ومين سمعك؟ بس أنا مش بعرف أهز، قوم اهز إنت، أنا مش بحب جلّع البنات الماسخ ده."
انصعق محمد قائلاً:
"هي جدتي جت لهنا القاعة ولا إيه؟ ولا روح الحجة هداية لبستك."
نظرت له سميحة بسخط قائلة:
"لأ، بس مش بيقولوا من رقص نقص."
همس محمد لنفسه قائلاً:
"لأ، أنا اللي لو جادلتك الليلة هينقص عمري."
ثم نظر لها وقال:
"فعلاً يا روحي، أنا هصقف، بس يا ترى التصقيف مش ناقص برضوا."
ردت سميحة:
"لأ عاد، صقف. أنا هصقف أنا كمان. بس عارف لو لمحتك بتبص للغازية هخلع عنيك."
رد محمد:
"حبيبتي، إحنا في قاعة محترمة، مين اللي قالك إن في غازية هنا في القاعة."
نظرت سميحة لـ محمد قائلة:
"حتى الغازية استخسرتها فيا، زي ما قالت لي، استر الأغنية بخله، جايب لي دهب فالصو ومفيش غازية كمان."
نهض محمد قائلاً:
"ومفيش عريس كمان؟ خليكي قاعدة لوحدك في الكوشة وأنا هرقص لوحدي."
نظرت له سميحة قائلة:
"ناقص."
بالقاعة.
كان قماح يجلس بالمقابل لـ سلسبيل. كان يشعر بالغيرة وهو يرى ذلك الغبي نائل الذي لا يعلم من الذي دعاه لحضور الزفاف. استغل نهوض سلسبيل حين ذهبت لمحمد ثم عادت وذهب للجلوس بمقعد خالٍ جوارها، يحاول تجاذب الحديث معها، لكن هي لا تعطيه اهتمام. مع ذلك، يشعر بالضيق منه. ودخلت عيناه. حاول التحكم في نفسه لكن فلت الأمر منه غصباً.
نهض من مكانه وذهب إلى خلف سلسبيل وانحنى عليها هامساً:
"قومي معايا نطلع على المسرح نبارك لمحمد وسميحة."
ردت سلسبيل:
"لسه الفرح في نصه، وأنا لسه جاية من عنده على المسرح."
رد قماح:
"قومي معايا يا سلسبيل."
ردت سلسبيل:
"لو عاوز تباركله روح لوحدك أو خد هند معاك."
مسك قماح عضد سلسبيل قائلاً:
"قومي معايا يا سلسبيل وبلاش اعتراض، ولا عاجبك زفت نائل."
نهضت سلسبيل مع قماح رغم غيظها من طريقة حديثه. لكن جذبها قماح من يدها ولم يذهبا إلى منصة العرس كما قال لها، بل تفاجأت به يسحبها إلى السير معه إلى خارج القاعة. ويذهب إلى الاستقبال الخاص بذلك الفندق الملحق به قاعة العرس.
وقبل أن تسأل، وجدته يأخذ كارت ذكي خاص بفتح غرفة بالفندق. تعجبت سلسبيل وهي تسير جوار قماح إلى أن ذهبوا إلى مصعد كهربائي بالفندق. نفضت يد قماح قائلة:
"إنت واخدني ورايح فين؟ الفرح لسه مخلصش، خلينا نرجع للقاعة من تاني."
رد قماح:
"سلسبيل، بلاش فضايح وامشي معايا. ولا عاجبك نظرات نائل وكنتي بتضحكي على إيه قاله لكِ."
ردت سلسبيل:
"أوعى لكلامك، نظرات نائل مالها؟ نظرات عادية، وأنا ببتسم إحنا في فرح مش عزا. ولا هو الضحك حُرِم."
صمت قماح بتوعد.
بينما قالت سلسبيل:
"خلينا نرجع للقاعة تاني."
صمت قماح، إلى أن توقف المصعد، جذب سلسبيل من يدها قائلاً:
"إحنا مش هنرجع للقاعة تاني."
قال قماح هذا وجذب سلسبيل للسير معه إلى أن وضع ذالك الكارت الذي بمكانه المخصص بباب أحد الغرف، وفتحه قائلاً:
"ادخلي يا سلسبيل."
وقفت سلسبيل بعناد ولم تدخل.
جذبها قماح بقوة ودخلا إلى الغرفة، ثم أغلق خلفه الباب. استدارت سلسبيل تقول بحده:
"قولي، جبتنا هنا ليه؟ ليه سيبنا قاعة الفرح."
لم يرد قماح، مما عصب سلسبيل، التي قالت:
"تمام، طالما مش عارف ترد يبقى خلينا نرجع للقاعة."
قالت سلسبيل هذا وحاولت التوجه ناحية باب الغرفة، لكن قماح جذبها بقوة لتلتحم بصدره. شعر بنبضات قلبها العالية، وشفتيها التي كادت تتحدث لولا أن قام بالتقامها بين شفتيه يُقبلها بعشق جار.
تفاجأت سلسبيل بتلك القبلات في البداية، لكن قماح جعلها تمتثل له لبعض الوقت، تشعر بشوق وتوق هي الأخرى لتلك القبلات. لكن جاء إلى خيالها فجأة رؤية هند تمسك سكين عليها قطرات دماء. أغمضت سلسبيل عينيها وشعرت برجفة في قلبها. لكن نفضت عن رأسها وسرعان ما فاقت سلسبيل من سطوة تلك القُبلات قائلة بلهث:
"إبعد عني يا قماح، كفاية."
لم تقول هذا فقط، بل قامت بدفعه بيديها كي ينهض عنها. أما هو، مسلوب المشاعر، كل ما يريده الآن هي. هي فقط يريد أن يتنفس أنفاسها مختلطة مع أنفاسه.
لكن سلسبيل دفعته بقوة. رفع رأسه ونظر لـ سلسبيل، التي تحيد بنظرها عنه. لا تريد أن تتلاقى عيناها مع عينيه، تعلم أنها ستضعف وقتها وتُسلم له.
رفع قماح جسده عن سلسبيل. نهضت مسرعة تُلملم ليس فقط ثيابها، بل تُلملم شتات نفسها.
تحدثت بجمود أجادته:
"مالوش لازمة نفضل في الأوتيل، خلينا نرجع لـ دار العراب."
رد قماح ببرود:
"مش هنمشي من هنا قبل ما نتكلم مع بعض يا سلسبيل."
تهكمت سلسبيل قائلة:
"نتكلم في إيه؟ ومن امتى كان بينا كلام؟ كل اللي كان بينا أوامرك اللي كان لازم تتنفذ حتى من قبل ما أبقى مراتك. أنا سمعتك وانت بتقول لبابا: بلاش سلسبيل تدخل كلية الفنون الجميلة في أسوان، أسوان بعيدة عنا وأكيد هتسكن هناك وهتبقى بعيدة عن عنيك وممكن حد يحاول يلفت نظرها لما يعرف هي بنت مين. قول لي أنا بنت مين يا قماح؟ بنت العراب. اسم العراب مش شفع لي عندك وعاملتني أسوأ معاملة من أول ليلة اتجوزتني فيها. طول الوقت كنت بتجنبك رغم إني حاسة بنظراتك ليا اللي كانت بتحسسني إني واقفة عريانة قدامك. ساعات كان بيدخل لقلبي الفرحة لما بتبتسم لي بالغلط. حتى دراستي إنت اللي اخترتها، رغم إنك عارف إني مش بحب المحاسبة ولا الأرقام، بس كنت متوقع إني أفشل في الجامعة، بس خيبت ظنك. حتى لما كنت بتتجوز واحدة ورا التانية، كنت بقول أحسن ده الأفضل وكنت بتمنى لك السعادة. حتى لما حصل واتجوزتني، كنت بتستخسر ترد علي كلمة صباح الخير. كنت بتحمل وأقول أكيد مع الوقت حياتنا هتتعدل ونبقى زي أي اتنين متجوزين، مش هقول بينهم حب وكلام فارغ زي ما ده اعتقادك عن الجواز، كنت بتمنى بس بينا تفاهم. حتى لما كنت بطلب الطلاق، كان نفسي تضميني في حضنك وتعتذر عن قسوتك. كان نفسي تقولي إيه اللي واجعك، وبتحاول تخفيه خلف قسوتك دي. لكن إزاي قماح العراب يسيب العنجهية لمين؟ وبدل ما تعتذر عن غلطك فيا، وتحكمك الزايد والشك إني باخد مانع حمل من وراك. ولا آخرة المتمة داخل عليا بضرة قدام العيلة كلها، حسيت أنا اتوجعت قد إيه. كفاية يا قماح إن كنت ساكتة، فده عشان ابني بس أنا مش عاوزاه يطلع معقد زيك، بسبب انفصالنا اللي كان هيبقى محتوم مع الوقت. قلت خلاص كده أنا جربت نصيبي، وابني يستحق أدوس على قلبي عشانه وأبقى زوجة وهمية لك قدام الناس."
كانت سلسبيل تتحدث، تسيل دموعها دون إرادة منها.
ذهل قماح من تلك الدموع التي سالت من عين سلسبيل لأول مرة تذرفها أمامه.
رواية عش العراب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سعاد محمد سلامه
كانت همس تجلس بحضن كارم على الفراش يشاهدان تلك المقاطع التي ترسل لهم على الهاتف من حفل زفاف محمد. كانا يبتسمان من بعض المظاهر المضحكة العفوية، منها رقص محمد غير المتقن. كذلك رأت والدتها التي كانت تجلس كأنها تشاهد فقط ما يحدث أمامها، ترسم بسمة طفيفة على شفتيها.
لكن والدها يبدو سعيدًا ويمرح مع هدى. غص قلب همس، كم اشتاقت لهم. لا تعرف سبب ذلك مؤخرًا، أصبحت تشتاق للمرح مع أختيها، ومناكفتهن لوالدتهن، ودلالهن على أبيهن. كانت تظن أنها حين تبتعد عنهم ستنسى ذلك الاشتياق لهم، لكن بعد المسافات لم يقلل من ذلك الاشتياق بل زاده. تنهدت همس بشوق.
تبسم كارم قائلاً:
أيه سبب التنهيدة دي كلها، كان نفسك في زفاف زي ده، بصراحة وأنا كمان، بس…
قاطعته همس قائلة:
بس أنا مكنتش عاوزة زفاف زي ده. تعرف إني كنت دايماً أنا وسلسبيل رأي واحد إننا لما نيجي نتجوز مش هنعمل زفاف في قاعة فخمة. كان نفسنا في زفاف بسيط، ويظهر كانت أمنيتنا السما مفتوحة لها. سلسبيل اتجوزت قماح بحفلة بسيطة، وأنا كمان نفس الشيء. الله أعلم هدى كمان نصيبها هيبقى إيه. بس الفيديوهات فين سلسبيل وقماح؟ اختفوا من الزفاف ولا إيه؟ أنا شايفه جميع عيلة العراب وكمان زهرة وهند، ده حتى محمد منساش مرات عمي.
رد كارم:
محمد كان قالي إنه طلب من ماما حضوره زفافه، وهي مكنتش موافقة، بس أنا فوجئت بيها في الفيديوهات اللي بابا بيبعتها. وبقول ربنا يستر.
تنهد كارم بغصة بعدها.
شعرت همس به قائلة:
نسيت أقولك إني روحت للدكتور اللي متابعة معاه الحمل النهارده.
نظر كارم لها بخضة قائلاً:
ليه ده مش ميعاد المتابعة؟ أوعى تكوني تعبانة ومخبية عني.
تبسمت همس قائلة:
لأ اطمن، أنا كنت قريبة من عيادة الدكتورة، قولت أروح أسلي وقتي، وكمان عندي فضول أعرف نوع الجنين، وإنت المرة اللي فاتت في المتابعة لما جيت أسأل الدكتورة لغوشت عليا.
ابتسم كارم قائلاً:
وعرفتي نوع الجنين إيه؟
ردت همس:
للأسف لأ معرفناش، الجنين كان لافف حوالين نفسه، بس الدكتورة طمنتني على النبض والمؤشرات الحيوية له.
تبسم كارم قائلاً:
تعرفي المرة اللي فاتت في المتابعة لما الدكتورة سمعتنا نبض الجنين، بصراحة اتمنيت وقتها إني أشيله بين إيديا في نفس اللحظة.
ابتسمت همس قائلة:
وأنا كمان، بس لازم نستنى شوية. وجت على رأي جدتي هداية في آخر مكالمة لها معايا.
تبسم كارم قائلاً:
تعرفي إن جدتي بتقولي إنك حامل في ولد، هي حاسة بكده… بس أنا نفسي في بنوتة حلوة زي مامتها ومش هفرط فيها أبداً.
ابتسمت همس قائلة:
بس أنا نفسي أول خلفتي يكون ولد، وبعدها أخلف إن شاء الله عشر بنات.
تبسم كارم يقول:
عشر بنات، طب ليه نفسك في ولد؟
نظرت همس لكارم، وتذكرت سماعها معايرة والدته لوالدتها لأكثر من مرة بإنجابها الذكور وأنهم هم من سيحملون اسم العراب ويرثوا ليس فقط الاسم بل الأملاك، وهي ستتحكم بدار العراب وقتها. لكن رغم أنها أم البنين لن تحصل على ما أرادته. لكن تبسمت لكارم قائلة:
يمكن عشان كان نفسنا أنا وأخواتي يكون لينا أخ ولد كبير… كنا نعتمد عليه بدل بابا، كنا بنتعبه معانا في مشاكلنا. لما كنا بنبقى عاملين غلط كنا بنخاف نقول لماما هتلوم علينا، لكن بابا كان بيحل لينا المشكلة من غير ما يلومنا. فاكرة لما خرجنا بالعربية ومكنتش سلسبيل تعرف الطرق، والعربية الونش شالها، ولما روحنا القسم، ومكنش ولا واحدة فينا معاها بطاقة، مفيش غير رخصة القيادة بتاع سلسبيل، والظابط وقتها قالنا دي مش ضامن. اتصلنا على بابا جه ضمننا وأخد العربية. وطبعاً ماما قامت بالواجب بعدها نتفت شعرنا إحنا التلاتة.
ضحك كارم قائلاً:
غريبة مرات عمي، مع أنها حنينة جداً.
تنهدت همس بشوق قائلة:
فعلاً ماما حنينة، حتى ساعات كنا بنضايق منها ونقول لها ده مش حنية ده ضعف.
نظر لها كارم يشعر بحسرة في قلبه، كم تمنى أن تكون والدته مثل زوجة عمه. ربما لم يكن تزوج والده بامرأة أخرى عليها، لكن والدته أعماها المنظرة والطمع.
تثاءب كارم… بتلقائية تثاءبت همس هي الأخرى.
ضحك كارم قائلاً:
سهرنا كتير الليلة.
تثاءبت همس مرة أخرى قائلة:
فعلاً كل ده بسبب فيديوهات عمي اللي بيبعتها لينا، وشكل لسه الزفاف مستمر. خلاص شطبت وعاوزة أنام. نبقى نشوف الفيديوهات دي بكرة بقى.
تبسم كارم وهو يضع الهاتف على طاولة جوار الفراش، ثم تمدد على الفراش نائماً، يجذب همس تنام بين يديه سعيداً بتلك القبلة الرقيقة التي قبلتها له على إحدى وجنتيه.
بينما هو أراد قبلة أخرى من شفتيها… أخذها برحابة من همس.
***
بغرفة الفندق
استردت سلسبيل حديثها باحتداد أكثر قائلة:
مخيبتش توقعي، إنك مش هتطلقني بس هتتجوز عليا. لأ ومين هند، هند أكتر واحدة بتكرهني من يوم ما دخلت دار العراب لأول مرة. ياريتك كنت اتجوزت غيرها يمكن كنت هقول نزوة ومع الوقت قماح بيزهق بسرعة. بس إنت رجعتها عشان عندك مشاعر ليها. من أول ليلة في جوازنا كنت بتعرف إيه اللي بيوجعني وتعمله. أبسط شيء الضلمة لما قولتلك بخاف منها. محاولتش تاخدني في حضنك وتقولي متخافيش. عايرتني بوجيعة همس بدل ما تحاول تداوي وجعي وتسنيني الحزن على فراقها. حتى لما سبت البيت أنا وبابا، ساومتني على الرجوع. كان نفسي تقولي ارجعي مكاني جانبي. صدقني كنت وقتها هنسى كل قسوتك وهرجع لدار العراب انتظرك كل ليلة زي أي زوجة ما بتستنى رجوع مش هقول حبيبها، جوزها. حتى لما قولت أشتغل، لأ. طب ليه مزاجي كده. حتى عمي لما جمد توقيعك جيت تلومني كأني أنا السبب في كده.
ابتلعت سلسبيل حلقها الجاف ثم أكملت:
عاوزني أقولك إيه تاني، قماح جوازنا انتهى وإنت اللي نهيته. كفاية مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده. وأنا بفكر إنك مع هند كل ليلة في حضنك. وأنا بقيت بخاف أتحول الصورة اللي كانت عليها مرات عمي قدرية، وأغل وأحقد زيها. بحاول أتجاهل عشان أقدر أسيطر على مشاعري. إنت عارف إني سهل عليا أطلق منك، وطلبت الطلاق أكتر من مرة. بس كنت ببقى بيني وبين نفسي، نفسي إنك تتغير ونكمل سوا جواز هادي. بس للأسف في الأول والآخر إنت أبو إبني وابن عمي مش أكتر من كده.
شعرت سلسبيل بالإنهاك من تلك المواجهة. جلست على إحدى مقاعد الغرفة.
بينما قماح ظل صامتاً يسمع لها بذهول. سلسبيل واجهته بكل أخطائه معاها. لكن مهلاً هي تظن أنه يحب هند، هذا غير صحيح. لكن مهما حاول الآن أن يعتذر لها ويقول أنه يحبها هي، لن تصدقه ولن تقبل اعتذاره… هكذا قال عقله. بينما الحقيقة عكس ذلك.
نظرت سلسبيل نحو قماح، ربما كانت تود أن يجذبها لحضنه فقط دون حديث، ووقتها ستسامحه. لكن هو ذهب بعيداً عنها بخطوات، وأتى بكوب مياه ومد يده يعطيه لها.
رفعت سلسبيل وجهها ونظرت ليد قماح الممدودة، ثم لوجهه الذي يبدو عليه لم يتأثر. خاب ظنها أن يجذبها بين يديه يحتويها بصمت.
استجمعت الباقي من قواها ونهضت، تمسح دموع عينيها بأناملها، ثم سارت قائلة:
زمانهم لاحظوا غيابنا في الفرح، حتى زمان الفرح قرب يخلص. خلينا نرجع لدار العراب، جدتي مش بتحب السهر ومعاها ناصر ممكن يغلبها.
امتثل قماح لقول سلسبيل، وسار خلفها إلى أن وصلا إلى جراج الفندق. صعدت سلسبيل إلى السيارة، كذلك قماح الذي تيقن أنه خسر سلسبيل. لم يعد هنالك بداية جديدة كان يتمنى أن تبدأ بينهم من الليلة، لكن الليلة بعد حديث سلسبيل قدمت للنهاية.
ظلا الاثنان بالسيارة. كانت سلسبيل تنظر من خلف زجاج السيارة على الطريق. جوارها بهذا الوقت المتأخر لم يكن زحام، عكس رأسها المزدحم، سواء بالألم أو خيبة الأمل. ها هي تتحسر أكثر من صمت قماح، ليته يقول أي شيء.
بينما قماح بداخله مراجل مشتعلة، يخشى أن يقول كلمة وتفسرها سلسبيل على هواها. كان هو الآخر ينظر إلى الطريق شبه الخالي أمامه، يسترجع كل كلمة قالتها سلسبيل له. ماذا توقع أن تفعل بعد كل هذا؟ أتلهث خلفه. سلسبيل مختلفة جذرياً عن هند. هند التي بإشارة منه عادت له، وكانت خطيئة فادحة منه. هي كانت القشة الأخيرة التي تطايرت من العش الذي كان يجمعه مع سلسبيل.
بـ دار العراب
حين وصلا نزلت سلسبيل سريعاً من السيارة. نزل خلفها قماح. لم تنتظر سلسبيل ودخلت إلى المنزل منه إلى غرفة جدتها مباشرة. فتحت باب الغرفة بهدوء، رغم الإنهاك التي تشعر به في قلبها، لكن تبسمت حين رأت صغيرها مستيقظاً بهدوء جوار جدتها التي تضع كف يدها على صدره لكن غافية. ذهبت بهدوء وانحنت تسحب طفلها من تحت يد هداية بهدوء حتى لا توقظها. لكن شعرت هداية بذلك فأستيقظت بسرعة، ونظرت إلى الصغير ثم إلى سلسبيل التي حملت طفلها.
تحدثت هداية:
انتوا رجعتوا، يظهر إن عيني غفلت شوية مش واخدة عالسهر. هي الساعة كام دلوقتي.
ردت سلسبيل:
الساعة قربت على واحدة ونص يا جدتي.
اندهشت هداية قائلة:
واحدة ونص! أوعى تقوليلي إن إن محمد وعروسته دخلوا لشقتهم من غير ما أستقبلهم.
ردت سلسبيل:
لأ يا جدتي، محمد وعروسته لسه في قاعة الزفاف. أنا جيت بدري عشان ناصر قلت هيغلبك معاه.
ردت هداية:
لاه مغلبنيش، بس جيتي لوحدك في الوقت ده.
قبل أن ترد سلسبيل دخل قماح إلى الغرفة. من ملامح وجه قماح المتغيرة أيقنت هداية أن هناك شيء حدث. نظرت لوجه سلسبيل هي الأخرى ملامحها تبدو مجهدة وهناك آثار واضحة لذلك بسبب ذلك الكحل السائح خارج جفنيها. يبدوان أن هناك شيء يخفيانه بينهم.
لكن قبل أن تتسأل هداية قالت سلسبيل:
أنا حاسة بشوية صداع بسبب دوشة قاعة الزفاف. هاخد ناصر وأطلع أنام. تصبحي على خير يا جدتي.
ردت هداية:
وإنتي من أهله يا بتي.
سارت سلسبيل بصغيرها. حين اقتربت من مكان وقوف قماح جوار باب الغرفة تجنبت له، يشعر بأن تلك الخطوة التي تفصل بينهم أصبحت آلاف الأميال.
نظرت هداية ل قماح بعد خروج سلسبيل من الغرفة قائلة باستفسار:
قولي حقيقة اللي حصل وياك انت وسلسبيل. وأنتم رايحين للفرح كنتم بخير، لكن دلوقتي ملامح وشكم انتوا الاتنين ما تتفسرش غير بسوء.
أحنى قماح رأسه بصمت.
تحدثت هداية:
سلسبيل طلبت منك الطلاق.
أومأ قماح رأسه. تنهدت هداية براحة قليلاً قائلة:
طب كويس لسه في أمل.
رد قماح بندم:
معتقدش. هي مسألة وقت وسلسبيل هتطلب الطلاق. ووقتها أنا…
قاطعته هداية قائلة:
ووقتها إيه هتطلقها.
رد قماح:
لأ مش هطلقها، مستحيل. طلاقي من سلسبيل مش هيحصل أبداً.
تبسمت هداية قائلة:
إنت اللي غلطت من البداية اتحمل بقى. لسه عندي قول لي. أنا مش هضغط عليها مرة تانية.
نظر قماح لهداية يتنهد بندم. يعلم أنه يسير بطريق به أشواك، عليه نزع تلك الأشواك وحده.
بينما صعدت سلسبيل إلى شقتها بصغيرها، دخلت إلى غرفة نومها. وضعت الصغير على الفراش، وجلست على مقدمة الفراش. تشعر بضيق في قلبها من صمت قماح. سالت دموعها مرة أخرى. لا تعلم سبب لتلك الدموع الآن. هي أفصحت ما بقلبها وكانت تظن أنها ستشعر بالراحة بعد ذلك، لكن ما زال قلبها يئن.
في ذلك الأثناء سمعت صغيرها يذم. نظرت خلفها على الفراش ونظرت له. شعرت ببعض السكينة وهي ترى ذم ذلك الصغير. نهضت واقفة وتوجهت إلى مكانه ونظرت له للحظات. تبسمت رغماً عنها بسبب تذمر ذلك الصغير الذي يبدو أنه يريدها أن تحمله. بالفعل حملته بين يديها.
مد يده الصغيرة يشد ذلك الحجاب من على رأسها. تبسمت له قائلة:
مش عيب تعمل كده وتشد الحجاب من على راسي، تقدر تعمل كده مع الحجة هداية.
شاغبها الصغير وشد الحجاب مرة أخرى. تبسمت له بحنان وقبلت وجنته، وشعرت ببعض الراحة كأن لمسة يد ذلك الصغير كانت لها بلسم هدّأ جرح قلبها من أبيه.
***
بالعودة لقاعة الزفاف
قبل قليل
نظرت زهرة نحو نائل عينيها توعد لها، بعد رؤيته يتودد لسلسبيل بالحديث. بينما هو ادعى عدم الانتباه لها، واستأذن ونهض مغادراً الحفل. مما زاد غيظ زهرة.
بينما هند حين نهض قماح وأخذ سلسبيل وخرج من القاعة، اشتعل قلبها بجمرات. فسر عقلها أن سلسبيل تعمدت إثارة غيرة قماح حين تحدثت مع نائل. تلك الحمقاء تسيطر على عقل وقلب قماح بتلك الأفعال الوضيعة، سواء بهجرها له أو حتى إثارة غيرته.
كانت هناك أيضاً قدرية حاضرة بالقاعة. عينيها لم تنزل من على النبوي الذي يبتسم طول الوقت، ويمسك هاتفه يمرره على وشوش معينة، وأيضاً يثبته لأوقات على منصة العرس. بينما النبوي حتى لم ينظر باتجاهها. أو ربما يتجاهلها بإرادته بالفعل.
بينما محمد كان على منصة العرس بين أصدقائه يمرحون معه بالرقص البسيط، وتجلس سميحة في مكانها لم تنهض منذ أن جلست على مقعدها تنظر فقط وتبتسم على ذلك المرح. لكن قبل نهاية العرس عاد محمد يجلس لجوارها، يلهث قليلاً.
نظرت له قائلة:
إيه شبعت رقص، ولا نفسك اتقطع من المسخرة دي.
ضحك محمد قائلاً بتلاعب:
لأ نفسي تتقطع إيه، وفين المسخرة دي. المسخرة لسه هتبدأ أما نروح من هنا ويتقفل علينا عش واحد يا لدوغتي… هتشوف قمة المسخرة.
للحظات خجلت سميحة. تبسم محمد قائلاً بنبرة وقاحة وهو يغمز بعينيه:
لأ لأ مكان للخجل بينا الليلة، هنفتح كل الأبواب للقمرة اللدغة اللي دخلت برجليها لعش العراب.
لاحظت فتحية نظرات نظيم التي يختلسها أحياناً لهدى التي تجلس جوار والديها. هي الأخرى أحياناً تختلس النظر نحو نظيم وحين تتلاقى عينيها مع عينيه تحيد بصرها بخجل. تنهدت فتحية ببسمة.
اقترب حفل الزفاف على النهاية. صعد النبوي ومعه ناصر إلى منصة العرس وقاما بتهنئة محمد والتقاط بعض الصور معه هو وعروسه. نزل ناصر وترك النبوي مع محمد. لاحظت قدرية ذلك، ربما تلك هي فرصتها. صعدت سريعاً وتوجهت إلى محمد، حضنته ثم نظرت نحو سميحة بتعالي، لكن قامت بحضنها هي الأخرى برياء تريد أن تظهر أنها مرحبة بها وتكسبها لطرفها، أو أنها ربما تكون تعلمت الدرس وتغيرت للأفضل قليلاً. لكن أيضاً لم تلفت انتباه النبوي. هي انتهت من حياته، بثلاث طلقات لم تعد تحل له.
شعر رباح بالضجر وأيضاً وجع الرأس. انحنى على زهرة قائلاً:
هو الفرح ده مش هيخلص بقى، أنا خلاص دماغي هتتفرتك، ومش معايا الدوا بتاع الصداع، وحتى الدوا ده زي ما يكون مبقاش يجيب مفعول. عاوزك تسألي صحبتك اللي بتجيبي منها الدوا ده إن كان في دوا تاني مفعوله أقوى.
ردت زهرة:
أساساً الدوا ده مفعوله قوي، يعني بدل ما تاخد حباية واحدة بعد كده خد اتنين.
رد رباح:
ما أنا بعمل كده، وأحياناً باخد تلات حبيات، بس مفعولها بقى بيخلص بسرعة… وبيرجع وجع الراس أقوى.
ردت زهرة:
هسألها، إن كان في دوا مفعوله أقوى، بس طبعاً كله بتمنه. دي بقت استغلالية بتغلي عليا سعر الدوا، وأنا بوافقها بسبب إنك بتقول إن الدوا ده بيريحك من الصداع.
رد رباح:
ما أنا بديك الفلوس اللي بتطلبيها مني.
ردت زهرة باستهزاء:
حاضر خلاص قولتلك هسألها.
كانت نهاية حفل الزفاف برقصة العروسين معاً والتي كانت شبه مضحكة، بسبب خجل سميحة وأيضاً عدم معرفتها لتلك الرقصة التي رأتها في الأفلام والمسلسلات.
***
بعد وقت
بـ دار العراب
كان في استقبال العروس هداية بنفسها. وقفت أمام البيت الداخلي تستقبل تلك اللدغاء، التي انحنت وقبلت يدها بمودة ومحبة وقبول.
وضعت هداية يدها فوق رأسها قائلة:
ربنا يرزقك الرضا يا بتي، ويجمع بينكم في خير ويرزقكم بالذرية الصالحة اللي تقر عينكم.
آمنت فتحية على دعاء هداية قائلة:
سميحة من الليلة بقت زي حفيتدك يا حجة هداية.
تبسمت هداية قائلة:
ربنا يعلم من أول مرة شوفتها وهي دخلت قلبي واطمئنيت على بتك يا فتحية، هي في إيد راجل هيصونها.
تبسم نظيم من خلفهم على قول والداته. هي تحاول تأمين ابنتها وهي تعلم كل خبايا سميحة المتناقضة دائماً، لكن بالنهاية سميحة عفوية وطيبة القلب وليست طامعة بشيء سوى الستر.
تحدثت هداية:
خد عروستك واطلع لشقتك يا محمد واعمل حسابك لو زعلتها حتى بكلمة حسابي معايا حتى لو هي الغلطانة هجيب الحق عليك. وإنتي يا فتحية ويا بتك لحد ما تطلع شقتك وانتي معاهم يا نهلة، إنما إنت يا نظيم تعالى معايا على فتحية ما تنزل.
دخل نظيم مع هداية ومعهم النبوي وناصر. جلسوا لوقت صغير، ثم انصرف نظيم مع والدته.
تحدث النبوي بإعجاب قائلاً:
بصراحة نظيم ده شاب محترم وأخلاقه عالية. تصور يا حجة هداية مكنش عاوز يكتب قايمة عفش لأخته، وجال إن مش القايمة الكبيرة اللي هتخلي محمد يصون سميحة.
ردت هداية:
نظيم واد أصول يا ولدي، وواد الأصول بيعرف إن الجيمة والمعزة مش بكتر المال.
رد ناصر:
فعلاً كلامك يا حجة هداية. القيمة والمعزة مش بـ كتر المال، المودة والرحمة أغلى من أغلى كنز، لأنهم هما الباقيين. ونظيم أنا عارفه من وهو صبي صغير كان مكافح ومستقيم، ربنا يرزقه على قد نيته الطيبة.
تبسمت هداية له بنظرة فهم مغزاها حين قالت:
يرزقه ببت الحلال اللي تبجي أمها داعية ليها من جلبها في ليلة القدر.
تبسم ناصر قائلاً:
آمين يا أمي.
نهضت هداية قائلة:
الفجر الأولاني أذن، هروح أتوضى وأقعد أسبح ربنا شوية لحد الفجر ما يأذن.
تبسم النبوي قائلاً:
وأدعي لينا.
ردت هداية:
هدعي ليكم يا ولدي بالصحة والستر وراحة الجلب.
***
بشقة محمد
دخل إلى غرفة النوم، وجد سميحة خلعت حجاب رأسها لكن ما زالت تقف بفستان زفافها. تعجب قائلاً:
إنتي لسه واقفة بفستان الزفاف.
ردت سميحة:
وإنت لحقت تخلع بدلة الفرح.
رد محمد ببساطة:
عادي غيرت هدومي في الحمام التاني، قولت أسيبك على راحتك هنا في الأوضة، بس مغيرتيش الفستان ليه…
قال محمد هذا ثم نظر لها بمكر قائلاً:
ولا عاوزني أفتحلك السوستة، زي ما بيحصل في الأفلام كده.
خجلت سميحة وظلت صامتة لثواني، ثم قالت:
بصراحة انكسفت أطلب من ماما تفتحلي السوستة بتاع الفستان قبل ما تنزل مع مرات عمي نهلة، وحاولت أفتح السوستة زي ما تكون معلقة، وخفت الفستان يتقطع في النهاية، هو مش بتاعي ولازم أرجعه لصاحبته سليم.
ضحك محمد قائلاً:
ما قولتلك اشتري لك فستان زفاف مخصوص عشانك أهو حتى لو كان اتقطع مكنتيش هتبقي شايلة هم فتح السوستة.
ردت سميحة:
بتتريق عليا، وفستان إيه اللي كنت تشتريه، إنت عارف تمن فستان الزفاف قد إيه، وبعدين أنا استعرت الفستان بتاع زفاف سلسبيل لما شفت صورته بيه اتهوست عليه، بس سلسبيل أرفع مني شوية، بس الحمد لله الفستان كان فيه توسيعات.
ضحك محمد:
طب إيه رأيك طالما خايفة على الفستان كده أفتحلك أنا السوستة.
خجلت سميحة قائلة:
مفيش قدامي حل تاني.
قالت سميحة هذا ورفعت سبابتها قائلة بتحذير:
بس بقولك اهو تفتح السوستة بأدب وبلاش تتحرش بيا.
ضحك محمد.
اغاظت سميحة قائلة:
بقولك نكت ولا بزغزغك، مش قادر تبطل ضحك.
ضحك محمد قائلاً:
وفيها إيه لما أضحك، مش بيقولوا الضحك بيطول العمر، يا لدوغة، بطلي رغي، وديري خليني أفتحلك السوستة، مش هنخلص الليلة في فتح السوستة خلاص الفجر قرب يأذن.
استدارت سميحة بظهرها له. تبسم محمد وهو يفتح لها سحاب الفستان، لكن تعامل بخباثة ووقف فتح السحاب بمنتصف ظهرها قائلاً:
السوستة مش عاوزة تفتح أكتر من كده، ممكن تتقطع في إيدي.
ردت سميحة:
إنت فتحتها لحد فين؟
وضع محمد كفه على ذلك الجزء العاري من ظهرها قائلاً:
لحد هنا.
شعرت سميحة بقشعريرة وابتعدت خطوة، لكن محمد ضم جسدها قوياً وهو خلفها بين يديه. ارتجف جسدها بين يديه. تبسم محمد وأزاح جزء من فستان الزفاف عن كتفها، وقام بتقبيل كتفها أكثر من قبلة هامساً:
أول مرة شفتك في بقالة عم نسيم كنت قبلها مضايق وحاسس الدنيا مقفلة في وشي، وكنت نازل أشتري سجاير أطلع فيها غيظي، بس لقيتني بعد ما شفتك نسيت كل اللي كان مضايقني وبدل ما أشتري سجاير اشتريت بونبوني. بقيت كل ما آكل بونبوناية أفتكر اللدغة اللي جننت البقال. بس بصراحة حسيت بغيرة بعدها وكنت مفكر نظيم خطيبك، لحد عم نسيم ما قالي أدخل البيت من بابه.
حاولت سميحة الابتعاد عنه لخطوة، لكن جذبها محمد من يديها. نظرت له سميحة بخجل قائلة بتشتيت:
إنت بتقول كده عشان أنسى أمر الطقم الفالصو اللي لبسته ليا قدام المعازيم في الفرح.
ضحك محمد قائلاً:
تعرفي إن اللي اختارت الطقم ده سلسبيل. تعرفي تمن الطقم الفالصو اللي مش عاجبك ده كام.
ردت سميحة:
هو بصراحة الطقم ذوقه روعة، بس هيكون تمنه كام يعني.
همس محمد في أذنها برقم المبلغ.
وقفت سميحة مدهوشة.
ضحك محمد قائلاً:
مالك مندهشة كده ليه.
هزت سميحة رأسها قائلة:
بجد الطقم الفالصو بالمبلغ ده ليه، كنا جبنا غوايش وخاتمين بربع التمن ده ووفرنا الباقي، لازمته إيه إيدك السايبة دي.
تبسم محمد واقترب يضم خصر سميحة وقبل وجنتها قائلاً:
مفيش حاجة تغلى عليكي يا ثموحتي، بس إيه إحنا هنقضي الليلة كلام وبس ولا إيه مش ناوية تخلعي الفستان ده بقى.
خجلت سميحة من نظرة عين محمد وقالت بتهرب:
لأ هروح أكمل خلع الفستان في الحمام. بصراحة إنت قليل الأدب والتربية.
ضحك محمد عليها، وهي تهرب من أمامه قائلاً:
متنسيش تتوضي.
ارتمى بجسده على الفراش يتنهد بشوق مبتسماً لثواني، ثم نهض قائلاً:
أما أروح أتوضى أنا كمان في الحمام التاني.
بعد قليل
انتهيا من الصلاة معاً. نظر محمد لوجه سميحة الذي اصطبغ باللون الأحمر. تلك اللدغة حين تخجل تصبح مثل قطعة الحلوى الذي يشتهي تذوقها. بالفعل اقترب منها وقبل شفتيها قبلة رقيقة، أذابتها بين يديه، جعلت مثل المسحور وهو يتمتم باسمها قائلاً:
أنا عشقت سيدة الصعيد الأولى اللي هتجنني بتناقضها.
***
بعد مرور حوالي شهر
بتلك الشقة التي تتقابل بها هند مع نائل. استقبلته نائل بتلك القبلات الحارة الماجنة، تجاوبت معه، لكن فجأة دفعته عنها قائلة بتهكم:
اللي يشوفك يقول إني وحشتك.
اقترب منها قائلاً:
وحشتيني جداً طبعاً، بقالنا مدة متقابلناش.
تهكمت زهرة قائلة:
كذاب وعينيك اللي كانت هتطلع على سلسبيل يوم زفاف محمد… حتى مقدرتش تكمل الزفاف للآخر لما هي قامت مع قماح.
رد نائل:
ظلماني على فكرة، أنا كنت بعمل كده أراضي هند أختي، هي قالتلي حاول تشغل سلسبيل في الزفاف، عشان تحاول هي تقرب من قماح. بس لما حسيت إنك هتزعلي قولت مالوش لازمة انتي عندي أهم يا روحي.
نظرت له زهرة غير مصدقة لقوله.
اقترب منها نائل ووضع يده على خصرها قائلاً:
متعرفيش قد إيه أنا فرحت لما لقيت رسالتك على الموبايل وبتأكدي إننا هنتقابل وكنت خايف يبقى زي كل مرة تقولي جايه ومتجيش… بلاش تضيعي الوقت في عتاب فارغ ملوش لازمة إنتي عارفة إن مفيش في قلبي غيرك، أنا وإنتي ستر وغطا على بعض يا روحي… سلسبيل إيه دي اللي تملى عيني، مش أنا اللي أبص لواحدة مفكرة نفسها نجمة، وأنا معايا القمرة بنفسها.
ختم نائل قوله بقبلات ماجنة. هو يعرف كيف يفك شفرات زهرة كي تستجيب له وتسقط في براثن الوحل معه لوقت تشعر فيه بالسعادة.
بعد وقت نامت زهرة على صدر نائل تتنهد قائلة:
أنا زهقت من الحياة دي بقى، أنا هطلب الطلاق من رباح.
انخض نائل قائلاً:
بلاش تستعجلي الطلاق، مش بتقولي رباح قالك إن النبوي ممكن يرجع لهم حق التوقيع في أي وقت.
ردت زهرة:
أيوا، بس أنا زهقت. بصراحة خالي النبوي ده فاكر نفسه كبير العيلة وهو لعبة في إيد العقربة هداية، ربنا ياخدها. متعرفش مضايقة عليا إزاي، لو خرجت من باب البيت عاوزة تقرير أنا رايحة فين. لأ والغبيه اللدغة مرات محمد إيه عامله لها زي اللزقة ولعبة على عقلها قوي.
رد نائل:
طب وعرفتي تخرجي إزاي النهاردة.
ردت زهرة:
اتسحبت زي الحرامية.
ضحك نائل.
نظرت له زهرة بضيق وابعدت عنه قائلة:
بتضحك!
جذبها نائل لجسده قائلاً:
إنتي اللي لما جتلك الفرصة إنك تاخدي مبلغ محترم من عيلة العراب، اللي ضيعتيها بإيدك.
ردت زهرة:
كان غباء مني فعلاً، يا ريتك كنت قولتلي عالفكرة قبل ما أقطع الشيك.
رد نائل:
على العموم إحنا لسه فيها. حاولي تخلي رباح يمضيلك على شيك تاني، وروحي اصرفيه من البنك وطبعاً مفيش رصيد، ببساطة خدي رفض من البنك على الشيك اللي وبعد كده قدميه للنيابة إنه شيك بدون رصيد، غصب عنهم وقتها هيدفعوا ليكي المبلغ. أهو تبقي طلعتي من جوازة رباح بمبلغ محترم.
لمعت الفكرة في عقل زهرة، وبتلقائية قبلت نائل كمكافأة منها له على تلك الفكرة الشيطانية، لتغوص معه في بئر الخيانة والغدر.
بعد وقت انتهت زهرة من ارتداء ملابسها وقبلت نائل النائم بالفراش مبتسمة.
شاركها نائل تلك القبلة رغم بغضه لها، قائلاً:
هستنى رسالتك تقوليلي عملتي إيه.
تبسمت زهرة قائلة:
اطمن الموضوع ده سهل مش هياخد مني وقت طويل.
خرجت زهرة من الشقة.
نهض نائل من الفراش وفتح أحد أدراج دولاب الغرفة وأخرج منه حاسوب خاص، وقام بفتحه والدخول على أحد البرامج، ليظهر أمامه شريط فيديو كامل مسجل للقائه قبل قليل مع زهرة. قام بفتح هاتفه وقام باتصال قائلاً:
عندي لك فيديو جديد، تشتريه بكام، وعلى اتفاقنا قبل كده اعمل لوغوشة على الوشوش مش عاوزها تظهر معالمها.
***
ليلاً
بشقة سلسبيل
بغرفة نومها كانت تسير بذلك الصغير تتحدث معه قائلة:
تنام بالنهار وعاوز تسهر بالليل، راعي إني مامتك ومحتاجة أرتاح. والله أنا بشتغل في المقر وهلكانة.
تبسم الصغير. تبسمت له بحنان قائلة:
يا بارد بتضحك.
ضحك الصغير وشدها من خصلات شعرها. تألمت سلسبيل وحاولت سحب شعرها من بين أصابعه قائلة:
صوابع دي ولا كلبشات، أنا والله هلكانة ونفسي أنام وحضرتك شكلك عاوز لسه تكمل سهر. أوعى تكون خايف من أصوات الرعد اللي بره دي، تصدق أنا والله خايفة منها.
ضحك الصغير.
تبسمت سلسبيل قائلة:
تعالى نشوف المطر من وراء إزاز البلكونة.
بالفعل أزاحت سلسبيل ستائر الشرفة. في البداية نظرت لأعلى ولطول تلك الأمطار وذلك السرج الذي شق نوره السماء.
لكن حين أخفضت وجهها انصدمت من ذلك الجالس أسفل ذلك المطر الغزير. انخلع قلبها، كيف له أن يجلس هكذا أسفل ذلك المطر في هذا الطقس العاصف. ذهبت سريعاً ووضعت صغيرها على الفراش، وقامت بجلب شال ثقيل ووضعته على كتفيها، ثم أتت بشمسية صغيرة، خرجت من الشقة تنزل إلى أسفل.
بينما قماح يجلس أسفل المطر كانت هناك من رأته. تألمت من جلوسه هكذا وبررت ذلك بأنهم كانوا يقولون "كثر الأسية يقطع عروق المحبة" فالهجر يذيب قلب العاشق، بالأخص إن كانت معشوقته أمامه على بعد خطوة واحدة، وفي نفس الوقت بعيدة عنه آلاف الأميال.
تألم قلب هداية وهي ترى من قماح من خلف شباك غرفتها بهذا الوقت المتأخر، وذلك الطقس السيء، يجلس بفناء حديقة المنزل أسفل تلك الأمطار الرعدية. تعلم أن قلبه يئن من العشق لكن هو أخطأ، ليته لم ينل سلسبيل وظل عشقها حبيس قلبه وتركها تبتعد عنه، ربما كان مع الوقت خف ألمه، لكن قربهما أضنى قلبيهما الاثنين بعنجهيته. دعت له من قلبها أن ينال الراحة التي حرم نفسه منها بيده.
كان أبواب السماء كانت مفتوحة لدعائها. ها هي سلسبيل تقترب من مكان جلوسه.
فتحت سلسبيل تلك الشمسية الجلدية وخرجت من المنزل توجهت إلى مكان جلوسه حتى اقتربت منه وضعت يدها على كتفه قائلة بلهفة:
قماح إنت اتجننت قاعد في الجنينة في الجو ده مش حاسس بالبرد ولا بالمطرة القوية، مش خايف تمرض قوم معايا.
رفع قماح نظره ينظر لوجه سلسبيل. رأى بعينيها لهفة عليه، تعجب منها، سلسبيل تتلهف عليه! تخشى عليه من المرض!
نهض مثل المسلوب، وسار معها إلى داخل المنزل. منه صعوداً إلى شقتهما. دخلا إلى غرفة النوم.
أتت سلسبيل بمنشفة ووضعتها فوق رأسه تجفف بها تلك مياه المطر، ثم وضعت يدها على وجهه البارد ثم مسكت يديه الباردة قائلة:
وشك وإيدك ساقعين أكيد بردان. هروح أجيبلك غيار ناشف بسرعة لازم تغير هدومك المبلولة دي، لو فضلت عليك أكتر من كده ممكن يجيلك برد.
ذهبت إلى دولاب الملابس، وأكملت حديثها:
على ما تغير هدومك أكون عملت له شوربة دافية تشربها تدفيك شوية.
استدارت سلسبيل بالملابس. سقطت الملابس من يديها وهي تنظر لقماح بذهول.
حين رأته يجلس جاثياً على ركبتيه. ليس من هذا فقط بل وقوله الذي قاله بندم:
أنا عارف إني اعتذاري ملوش أهمية عندك، بس أنا آسف. عارف إني آذيتك كتير، كان نفسي تحسي بيا. سلسبيل أنا أتألمت كتير في غيابي عن هنا، كان سهل أضيع ونهايتي تكون على إيد أي بلطجي أو السجن أو التحرر اللي هناك كان ممكن بسهولة يسحبني وأبقى خاين في سرير مرات خالي. إنتِ كنتِ السبب في نجاتي ورجوعي لهنا. أنا رجعت عشانك يا سلسبيل، قلبي عمره ما دق لغيرك، بغير لما بلاقي حد يقرب منك. حاولت أدفن حبك في قلبي وأعيش مع غيرك مقدرتش، كنت بحس إني ناقصني أهم شيء في حياتي هو إنتي. حتى لما اتجوزتك كنت بحاول أظهر إني أنا المتحكم في حياتي معاكي، كنت بخاف من قوتك، وبحاول أكسرها دايماً بعنفي معاكي. بس والله مكنتش ببقى سعيد بعدها، كنت بحس بالنفور من نفسي. صدقيني أنا بحبك يا سلسبيل ورجعت لهنا تاني عشان مقدرش أعيش بعيد عنك. كفاية هجر. أرجوكِ سامحيني.
جثى سلسبيل على ساقيها أمام قماح ورفعت وجهه. لا تعلم إن كان ما يسيل على وجهه دموع أم أنها بعض قطرات المطر التي كانت عالقة بخصلات شعره.
نظر قماح لعينيها وأعاد قوله:
سامحيني يا سلسبيل، والله أنا بحبك. ولو عاوزاني أركع تحت رجلك وأطلب الغفران أنا مستـ.
يكمل قماح قوله وتتفاجئ بحضن سلسبيل له قائلة:
أنا مسامحاك يا قماح، أنا كانت أمنية حياتي إنك تقولي بحبك.
ضمها قماح قوياً يقول:
والله بعشقك يا نبع المية الصافي، ورجعت لهنا تاني عشانك.
تبسمت سلسبيل وضمت قماح التي شعرت برعشة جسده. عادت بوجهها للخلف تنهض وجعلت قماح ينهض معها قائلة:
إنت لازم تغير الهدوم المبلولة دي لو فضلت عليك أكتر من كده هتبرد وممكن تتعب.
ضمها قماح قائلاً:
إنتي اللي لو بعدتي عني هبرد يا سلسبيل، خليكي في حضني.
تبسمت سلسبيل قائلة:
هفضل في حضنك بس لازم تخلع الهدوم دي.
قالت سلسبيل هذا ولا تعرف كيف تجرأت وساعدت قماح في خلع تلك الملابس المبتلة، حتى أنها لم تشعر بيديه التي أزالت عنها ملابسها وبدأ يتودد لها بالقبلات الدافئة التي أدفأت قلبيهما معاً، بليلة عشق عصفت بآلام الماضي.
رواية عش العراب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سعاد محمد سلامه
رغم برودة الطقس بالخارج لكن بقلبيهما كانا يشعران بالدفء.
شعر كليهما بالدفء. جذب قماح سلسبيل ليصبح رأسها فوق صدره، الذي شعر بأنفاس سلسبيل الدافئة القريبة من عنقه.
بينما أمسكت سلسبيل يد قماح قائلة:
"إيدك دفيت شويه، دي كانت تلج من شوية."
شد قماح على يد سلسبيل وتنهد هامسًا:
"بس أنا حاسس إني لسه بردان."
قبل أن تستفهم سلسبيل، كان قماح يستدير بها لتصبح هي على الفراش وهو فوقها. ينظر لعينيها السوداء الصافية يرى انعكاس وجهه فيهما، ثم نظر لشفتيها التي تبسمت. لم يفكر كثيرًا وهو يقبلها بشغف وتلهف، ظمآن كان وما زال وسيظل يشتهي الارتواء من ذاك النبع الصافي.
فاق الاثنان من سكرتهما على صوت بكاء صغيرهم.
تنحى قماح عن سلسبيل، التي جذبت طرف غطاء الفراش عليها قبل أن تنهض من على الفراش.
نهض قماح قائلاً:
"خليكي وأنا هجيب ناصر لهنا."
تبسمت سلسبيل وظلت بالفراش. بعد خروج قماح، رجعت بظهرها على الفراش تشعر براحة وسكينة في قلبها. لم يعد ذاك التشتت. هي تحب قماح، كانت تتمنى تلك الصورة التي كان بها معها قبل قليل، زوج عاشق حنون، حتى لو لم يبح بكلمة عشق، لكن يكفيها أن تشعر بذلك وهي بين أحضانه.
بعد لحظات، دخل قماح بصغيرهم أعطاها لسلسبيل، ثم انضم لهما بالفراش ساحبًا غطاء الفراش عليه. تبسم لذلك الصغير الذي كان يبكي قبل لحظات، كف عن البكاء حين أعطاه له.
تحدثت سلسبيل قائلة:
"معليشي يا ناصر بيه، نسيت إنك كنت صاحي."
تبسم قماح قائلاً:
"واضح إن ناصر غاوي سهر زي مامته. فاكرة في أول شهور الحمل كنتِ بتسهري كتير وقتها."
تبسمت سهر قائلة:
"لأ يا ناصر بيه، ده دماغ لوحده. طول النهار مع جدتي هادي وينام، يجي بقى ليا وردية الليل مش عاوز ينام. وإن حن عليا ونام مش أكتر من ساعتين ويصحى. على رأي جدتي الأمومة مش سهلة."
تبسم قماح قائلاً:
"تعرفي إني كنت زي ناصر كده. ماما كانت تحكي لي إني كنت بحب السهر... بس لما كبرت اتبدلت ومبقتش أحب السهر. بس من يوم ما ولدتي ناصر لحد قبل ما أسافر لليونان المرة الأخيرة رجعت أسهر تاني."
تعجبت سلسبيل قائلة باستفسار:
"وأيه السبب؟"
رد قماح وهو يقبل يد صغيره الذي رفقته سلسبيل لصدرها قائلاً:
"كنت بسهر أسمع حديثك مع ناصر. كنت بتمنى أدخل أتكلم معاكي وأنتِ بتكلميه وتستعطفيه إنه ينام."
ظهر التعجب على وجه سلسبيل.
تبسم قماح قائلاً:
"سلسبيل، أنا قليل لما كنت بنام في شقة هند. حتى ملمستهاش من يوم رجعتها. بعترف كان غلط مني وندمت عليه، بس يمكن أتحكم فيا الغضب وقتها وكمان هجرك كان بيعصبني أكتر."
ردت سلسبيل بسؤال مفاجئ:
"قماح، أيه سبب العلامة اللي في حاجبك وكمان أيه اللي حصلك في السبع سنين اللي عشتهم في اليونان؟"
نظر قماح لسلسبيل بصمت لدقائق، جعل سلسبيل تقول:
"طالما مش عاوز تحكي لي إنت حـ..."
قاطع قماح سلسبيل قائلاً:
"سبب العلامة كان إضطهاد من أستاذ يوناني في المدرسة متعصب. شافني مرة بصلي، قال لي إن الإسلام دين عنف وانتشر بالعنف، وإني هكون عنيف وهحرض الطلاب على العنف في المدرسة. ووقتها ضربني بالقلم كان لابس خاتم في صباعه والخاتم عور حاجبى. وقتها كان الجرح يتخيط على الأقل تلات أربع غرز. بس طبعًا أنا كنت عايش مع عيلة محدش فيهم بيسأل عن التاني. كمالة عدد. تعرفي إن ساعات كنت بسأل إزاي ماما كانت عايشة في وسط العيلة دي ومقدروش يدنسوها وقدرت تحافظ على براءتها لحد ما جت هنا لمصر سياحة. وقتها كان عندها تقريبًا تسعتاشر سنة، والصدفة تجمعها بـ بابا ويتجوزها. بابا حكى لي إنه كان أول وآخر راجل في حياة ماما، وأنها كانت عذراء وقت ما اتجوزها."
ردت سلسبيل:
"قماح، ربنا بيحط قدامنا اختيارات كتير في حياتنا، والسعيد هو اللي بيختار طريق الصح ويمشي فيه. ومامتك كانت محظوظة بعمي بصراحة."
تبسم قماح قائلاً:
"قصدك إيه بإن ماما كانت محظوظة بـ بابا."
ردت سلسبيل بأعجاب واضح:
"بصراحة عمي هيبة وشخصية بيجمع بين القوة والعاطفة في نفس الوقت. عنده احتواء وتفهم لكل اللي حواليه واللي بيتعامل معاه."
نظر لها قماح قائلاً بشبه غيرة:
"ليه بحس إن عندك إعجاب كبير بشخصية بابا."
لعبت سلسبيل على وتر غيرة قماح التي شعرت بها قائلة:
"يمكن لو سألت أي بنت مين مثال الرجولة في دماغك هتقول لك باباها. أنا بصراحة كده معجبة جداً بعمي من وأنا صغيرة وهو مثل الرجولة في دماغي. راجل شهم وعنده براعة في التحكم في غضبه. كفاية إن فضل مستحمل جوازه من قدرية أكتر من خمسة وتلاتين سنة. ولو ما كانش غبائها كان هيفضل مستحملها بقية عمره عشان بس ما يخسرش أولاده. بغض النظر عن رباح وتربيته السو اللي ورثها منها بس كارم ومحمد ما كانوش زيه. بس عارف حاسة إن رباح هيقع في مشكلة كبيرة قريب وهتكون السبب أنه يفوق من غباؤه."
رغم شعور قماح بالغيرة من إعجاب سلسبيل بشخصية أبيه، لكن قال لها:
"وبالنسبة لـ رباح ده إحساس ولا حلم شفتيه."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"بصراحة حلم شفته. رباح في ماشي في طرق مفتوحة قدامه بس تايه يختار أي طريق بس في إشارة في آخر طريق منهم معرفش دي بقى إشارة رجوع ولا ضلال أكتر. زهرت أنتي عارفة إن جدتي مكنتش عاوزاها وحاولت تقنع رباح بس هو أصر حتى وقتها هدد أنه هيسيب البيت وعمي وقتها قال لها ده اختياره وهو اللي هيتحمل نتيجته. زهرت أنانية طول عمرها... ومتأكدة إنها مش بتحب رباح بس عندها القدرة تعرف إزاي تسيطر عليه."
تبسم قماح لسلسبيل بتوافق وتذكر أفعال زهرت سابقًا حين كانت تحاول إغواءه ولفت نظره لها ببعض الأساليب الفجة، وبالأخص بعد طلاقه الأول كانت تحاول التقرب منه لكن هو كان يصدها. وحين قابل هند تزوج بها كي يقطع عليها ذاك الطريق.
تبسم قماح وهو ينظر لصغيره قائلاً:
"واضح إن ناصر لسه عاوز يسهر."
نظرت سلسبيل إلى صغيرها الذي شبع وترك صدرها ويبدو كأنه استيقظ لتوه من النوم. تبسمت قائلة:
"واضح جدًا. هي عادته ولا هيشتريها. وبعدين عرفت خلاص إنها وراثة بقى. تعرف وإنت في اليونان الفترة اللي فاتت كان تعب شوية ومكنش بينام غير في حجر جدتي."
تبسم قماح وهو يأخذ الصغير منها يقبل خديه، لكن الصغير هبشه بأظافره الرقيقة الدبوسية.
ضحك قماح وهو يضم الصغير لحضنه مبتسمًا، يتذكر آخر زيارة له إلى اليونان قبل أيام لا تكمل شهر. ذهب إلى ذاك المكان الذي عاش به سبع سنوات. كان سبب زيارته هي جدته لوالدته التي أرسلت له تستغيث به من نكسات الزمن، فلقد جار عليها الزمن وأصبحت هزيلة وحيدة بعد أن هجرها ابنها الذي ذهب لاهثًا خلف شابة صغيرة تقوم بإغوائه كي يقوم بالانفاق عليها، وزوجته هي الأخرى تسير خلف نزواتها لا يهمها استمرار أو إنهاء زواجها من خاله، فالحرية غير مقيدة. تفاجأ بجدته التي أصبحت مجرد صورة هارمة، فلقد تركت ذاك المشروب المسكر التي كانت تدمنه غصبًا بسبب ضيق حالها، وتعافت من إدمانه دون إرادتها. ضيق الحال وتراكم الديون عليها جعلها تترك المشروب، أو ربما كان لطفًا من الله عليها أن تنتهي حياتها وهي تائبة عن تلك المعصية. ماتت جدته بعد أيام من سفره، قام بإكرامها إلى مثواها الأخير. ربما لم يشعر بالحزن عليها لكن شعر بالشفقة. سار بتلك الشوارع رأى بعض الشباب الذي ما زال يتذكرهم جيدًا، منهم الذي استقوى في افتراه وآخر أصبح تابعًا لذاك المفترى. وزار قبر صديقه المغدور تبسم وهو يدعو له. سكنت خياله سلسبيل وقتها وتبسم باشتياق. لولا وجود سلسبيل ربما ما عاد إلى موطنه وتبدلت حياته للأفضل. تيقن أن فعلاً الحياة تُعطي فرص، والمحظوظ هو من يستغل تلك الفرص لصالحه. الحياة في اليونان لم تكن تناسبه، هو أراد النبع الصافي في موطنه الذي زرع بداخله قيم مختلفة عن تلك التي رآها باليونان. عاد من أجلها مرة أخرى لكن بتغيير. هو يريدها فقط. كان هجرها مؤلمًا للغاية يعذب فؤاده، أخطأ كثيرًا في حقها، لكن تظل هي صاحبة نجاته وسبب عودته لهنا.
عاد قماح على مشاغبة صغيره وهو يريد الذهاب إلى سلسبيل مرة أخرى. بالفعل أعطاها لها، لكن ذاك الصغير كان ماكرًا، هو أراد الذهاب إلى سلسبيل من هدف برأسه وهو اللعب والمشاغبة.
تبسم قماح وهو يرى صغيره يشد في شعر سلسبيل التي قالت له ببسمة:
"كنت عارفة إنك هتعمل كده. معرفش شعري فيه إيه دايمًا تشدني منه. عارف في يوم هقص شعري ده بسببك."
قالت هذا ونظرت لـ قماح قائلة:
"أهو انت شايف عمايل ابنك وشده في شعري اللي هيتسلت بين إيده، عشان لما أقصه متبقاش تقول لي قصيتي شعرك ليه."
ضحك قماح قائلاً:
"قلت لك قبل كده ممنوع تقصي سنتي واحد شعرك، إنما ناصر بيه بقى لازم نستحمله."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"مفيش قدامنا غير نستحمله طبعًا. لاء الحجة هداية تغضب علينا."
"قماح، عندي سؤال ولو مش عاوز تجاوب عليه براحتك."
تبسم قماح يقول:
"اسألي؟"
ردت سلسبيل بإيجاز:
"هند."
رد قماح بعدم فهم:
"مالها هند."
ردت سلسبيل:
"هند اتصلت عليا وطلبت مني أني أكلمك تتوسط لها في شغل. وقالت لي إن باباها مش راضي يرجعها تشتغل تاني معاه وهي محتاجة لشغل تقدر تصرف على نفسها منه."
تعجب قماح وهو يشعر بالندم، رجوعه لـ هند أخسرهما الاثنين. هند خسرت دعم والدها، لكن هو حين طلقها قبل سفره لليونان أتى لها بشقة خاصة وأعطى لها مبلغًا من المال كي تبدأ به مشروعًا صغيرًا بها. لما هاتفت سلسبيل الآن تطلب منها هذا الطلب الغريب وبالأخص من سلسبيل.
تحدثت سلسبيل قائلة:
"أنا كلمت نائل يحاول يصلح بين هند وباباها وهو قال لي إن باباه معاند ومصر على رأيه."
تهجم وجه قماح قائلاً بنبرة غيرة:
"وإنتي مالك بتدخلي في شيء ميخصكيش ليه؟ موضوع هند وباباها ده خاص بينهم. ليه كلمتي نائل."
شعرت سلسبيل بتغير ملامح وجه قماح وقوله بتلك الطريقة الفظة بالنسبة لها لم تستطع تمييز أنها غيرة منه قائلة:
"أنا آسفة فعلاً. أنا ماليش دخل... ناصر شكله هينام هاخده وأروح الأوضة التانية."
كانت يد قماح الأسرع حين جذبها من يدها قبل أن تنهض من الفراش قائلاً:
"سلسبيل، مش قصدي حاجة، بس بلاش تكلمي نائل ده تاني."
ردت سلسبيل قائلة:
"نائل اتعاملت معاه قبل كده عمره ما تخطى حدوده معايا، وأنا أساسًا مش بسمح لا لـ نائل ولا لغيره يتخطى حده معايا."
تمدد قماح على ظهره نائمًا على الفراش وفرد يده قائلاً:
"نفسي أنام وأنتي وناصر في حضني."
لمعت عين سلسبيل وتبسمت ووضعت الصغير بالمنتصف بينهم ونامت على يده، تغمض عينيها براحة وشعور سعيد يختلج قلبها ليذهب الصغير للنوم خلفها سلسبيل.
لكن ظل هو مستيقظًا ينظر لتلك السعادة التي بين يديه. ابتسم قماح وتذكر سؤاله لوالدته ذات مرة بعد أن قصت عليه إحدى قصص الخيال عن الحوريات: هل فعلاً يوجد حوريات بالواقع؟ أجابته وقتها: أجل يوجد بالتأكيد حوريات وستأتي لك إحداهن يومًا ما تخطف قلبك. وقد كان، أتت حورية سمراء خطفت قلبه منذ أن فتحت عينيها للحياة.
***
في شقة رباح
بغرفة النوم، أعطت زهرت لـ رباح علبة الدواء، الذي أخذها منها بتلهف، شبه خطفها من يدها، وسريعًا وضع إحدى الحبات بفمه.
تبسمت هند بانتشاء قائلة:
"خرجت مخصوص عشان أجيب لك الدوا ده لما الصيدلانية اللي بجيبه منها طلبتني وقالت لي إن الكمية محدودة. حتى اتسحبت زي الحرامية من الدار. جدتك عاملة زي عسكري الدرك اللي بيقولوا عليه في الأفلام القديمة، وكمان مجندة الغبية اللدغة اللي نص لسان لها، تفتن لك على كل حاجة تشوفها في الدار وواخداها تحت جناحها. طبعًا ما هي اختيارها لكن أنا مش على قلبها."
لم ينتبه رباح لحديث زهرت المتهجم، هو بنشوة بعد أن أخذ تلك الحبة حتى أنه ذهب بغفوة، لولا أن أيقظته زهرت بفجاجة قائلة:
"رباح، إنت نمت ولا إيه؟"
فتح رباح عينيه قليلاً وقال بشبه نعاس:
"سيبني أنام حاسس إني جسمي همدان."
مصمصة هند شفتيها بسخرية قائلة:
"جسمك همدان شغال في الشون زي التور في الساقية، وفي الآخر ما فيش تقدير. غير لـ الست سلسبيل طبعًا، بنت وعندها حق التوقيع لكن إنت لأ. على العموم نام دلوقتي مزاجي مش رايق أساسًا."
أغلق رباح عينيه يذهب بغفوة مهلكة أكثر له. بينما نهضت زهرت من جواره تفكر في حديث نائل السام. لابد أن تحصل على توقيع رباح في أقرب فرصة. هي ملت من وجودها بمنزل العراب وتحكمات تلك الخرفاء هداية. فكرت وفكرت، حتى وجدت ضالتها.
***
بعد مرور بضع أيام
في نور يوم جديد، تلاشت الغيوم والمطر، لكن ربما ما زالت هناك غيمات أخرى عاصفة.
يوم التجمع العائلي صباحًا بشقة ناصر. دخلت سلسبيل إلى غرفة هدى تحمل صغيرها قالت بمرح:
"شوف يا ناصر زي ما توقعت خالتك هدى قاعدة على اللابتوب بتاعها، شكلها بدبر لجريمة."
ضحكت هدى قائلة:
"إيه خالتك دي، يا بنتي بيقولوا أنطي. أمال لو ما كنتيش دارسة في مدارس لغات بقى كنتِ هتبقى بيئة أكتر من كده إيه. دي زهرت عندها تمدن عنك."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"وأنا فين جنب زهرت دي أنوثة وجمال ودلال."
ضحكت هدى وقامت من على مقعدها ومدت يديها تأخذ الصغير من سلسبيل قائلة:
"فعلاً جمال ودلال بس شريرة وقلبها حقود زي المرحومة قدرية مرات عمك."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"حرام عليكي هتموتي قدرية وهي لسه على قيد الحياة. تعرفي إن سميحة بتزورها وبتقول إنها بتعاملها أوقات بتعالي وأوقات بقبول. أنا معرفش ليه حاسة إنها اتغيرت."
تبسمت هدى قائلة:
"يمكن بتخدعها. بس تعرفي سميحة قالت لي إن مرات كارم كلمتها مرة في أول جوازها وهنتها."
ردت سلسبيل:
"قالت لي أنا كمان. بس غريبة مرات كارم دي المفروض إني سلفتها زي سميحة ومبتكلمنيش حتى لما ولدت ناصر مهنتنيش بيه. رغم إن كارم من فترة للتانية بيكلمني وكمان طلب مني أبعت له صور لـ ناصر وبعتها له. حتى لما لمحت إني أكلم مراته غير الموضوع."
ردت هدى بغصة:
"مش غريبة ولا حاجة. أنا وإنتي عارفين إنه كان بيحب همس، ويمكن مفكر إننا ممكن نزعل إنه اتجوز غيرها."
ردت سلسبيل:
"يمكن فعلاً كلامك صح. أنا لما عرفت إنه اتجوز بصراحة زعلت جداً ومكنتش متوقعة كارم ينسى همس بسرعة كده، بس زي جدتي ما قالت الحياة بتستمر وما بتوقفش عند حد، والوقت بيغيرنا. بس تعرفي هقول لك على حاجة يمكن تقولي عليها مجنونة. أوقات كتير بحس إن همس لسه عايشة وأنها ممكن تدخل علينا في أي وقت. حتى كذا مرة جات لي في المنام مبسوطة. غير في حاجة غريبة حصلت لي بعد عمي ما جاب لي كسوة السبوع بتاع ناصر حسيت بـ روح همس وقتها إنها جنبي وبتتبسم وزي ما يكون بتقول لي عجبتك الكسوة. حتى حسيت إنها هي اللي عملتها رغم إني سألت عمي بعدها قال لي إنه اتفق مع مشغل وطلب منهم مخصوص الحاجات دي بعد ما سأل جدتي. وكمان آخر مرة جات لي في المنام من فترة قصيرة وكانت بطنها منفوخة ولما سألتها قالت لي إنها حامل."
للحظات تعجبت هدى وغص قلبها، فهمس ميتة وهل الموتى يحملون؟ ربما تخاريف.
تدمعت عين هدى لكن حاولت إخفاء ذلك حتى لا تفسد تلك البسمة التي أصبحت تراها على وجه سلسبيل مؤخرًا قائلة:
"فعلاً غريبة بس أكيد دي تخاريف. وإنتي نايمة ابقي اتغطي كويس وإنتي نايمة."
قالت هذا ثم غمّزت عينيها قائلة:
"ولا يمكن قماح بيشد من عليكي الغطا وإنتي نايمة."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"خلي عندك شوية حيا، وبلاش غمز."
ضحكت هدى بينما جذب الصغير شعرها تألمت قائلة:
"يا هباش سيب لي شعري مفكرني شعري زي مامتك. أنا يا دوب شعري الحمد لله مغطي راسي، ولا بدافع عن مامتك. على العموم روح لها قلعها الطرحة اللي على راسها وسليت شعرها براحتك."
تبسمت سلسبيل لها وهي تأخذ الصغير منها وقالت لها:
"مش هتنزلِ تحت دلوقتي ولا إيه."
ردت هدى:
"لأ شوية كده، بحاول لسه أخترق اللابتوب بتاع الواد حماد، وشكلي كده خلاص هفبرسه."
ردت سلسبيل:
"تصدقي كنت نسيت حكاية اللابتوب بتاع حماد ده، بس إنتي لسه لغاية دلوقتي معرفتيش تهكريه؟ كل دي محاولات فاشلة."
ردت هدى:
"لأ أنا انشغلت الفترة اللي فاتت جت ولادتك بعدها فرح محمد والدراسة، بس أنا فضيت له في أجازة نص السنة أهو. أنا مش هرتاح قبل ما أفبرس له اللابتوب ده، عندي فضول أشوف الملف المقفول ده."
ردت سلسبيل:
"ومنين جالك إنه ممكن يجيب لك اللابتوب بتاعه عشان تصلحيه؟ مش يمكن يوديه أي مركز متخصص أكتر؟ وبعدين مش إنتي اللي صلحتيه له المرة اللي فاتت؟ إنتي ودتيه مركز متخصص وضحكتي عليه وقولتي له إنك إنتي اللي صلحتيه."
ردت هدى:
"ما هو عشان كده، هيثق فيا وهيجيب لي اللابتوب وأنا بقى عندي شوية خبرة، وكمان نظيم ممكن يساعدني هو متخصص أكتر مني."
تبسمت سلسبيل بمكر وقالت:
"نظيم!"
"ونظيم هيساعدك إزاي بقى؟ وبعدين مش ده نظيم الغلس اللي ما كنتيش طايقاه لا في المركز التعليمي ولا في الجامعة."
شعرت هدى بخجل وقامت بلم شعرها.
تبسمت سلسبيل على خجل هدى وقالت:
"اعترفي أنا ستر وغطا عليكيِ."
ضحكت هدى بخجل قائلة:
"إنتي ستر وغطا عليا، لكن ناصر فتان وممكن يفتن لجدتي."
نظرت سلسبيل لـ ناصر قائلة:
"عيب يا ناصر تبقى خباص، لو فتنت على أنطي هدى لحد غيري."
ضحكت هدى قائلة:
"ونعم التربية. بس هقول لك بصراحة في الفترة الأخيرة، معرفش ليه بقيت مش بضايق لما بشوفه زي الأول، أو حتى يكلمني. بس تعرفي أكتر حاجة بتغيظني من نظيم، لما بينادي عليا بـ هداية بحس إنه بيتريق عليا."
قالت هدى هذا وتنهدت ثم عاودت الحديث بلجلجة:
"وبحس... بحس... بحس."
قاطعتها سلسبيل قائلة:
"متلجلجة ليه، وفيها إيه لما ينادي لك بـ هداية. هو مش ده اسمك الحقيقي."
ردت هدى:
"اسمي، بس بحس إنه زي ما يكون قاصد تريقة."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"بس أنا حاسة إن ده مش قصده. وبعدين قولي من الآخر وبلاش مراوغة. نظيم بدأ يشغل مش بس عقلك لأ قلبك كمان. بصراحة أنا من أول مرة شفت نظيم هنا عندنا في الدار ارتحت له. ومن حكي سميحة عنه إنه شال مسؤولية من وهو صغير وإنه قدر يبقى في مكانه مرموقة وأستاذ في الجامعة دي يبقى شخص محترم ويُعتمد عليه. واستغربت من ضيقك منه وإنك بتستغلسي شخصيته، بس مع الوقت بدأت مشاعر تانية تضغى عليكي. بتحصل كتير على فكرة."
تبسمت هدى قائلة:
"فعلاً بتحصل كتير وأكبر دليل قدامي أهو إنتي وقماح. رغم من يوم ما وعيت عالدنيا كنت بشوفك بتبعدي عن أي مكان فيه قماح، ويشاء القدر يبقى من نصيبك. وبعد كل اللي حصل السنة اللي فاتت رغم إنه بس من كم يوم العلاقة بينك وبين قماح اتغيرت عينك بقى فيها لمعة سعيدة."
صمتت هدى لثواني ثم قالت بسؤال:
"إمتى حبيتي قماح يا سلسبيل."
بسمة شقت شفتي سلسبيل وتنهدت قائلة:
"هتصدقيني لو قولت لك معرفش إمتى. من كم يوم ولا من زمان حتى من قبل ما أشوفه لما كنت بحلم بيه. معرفشي. فجأة لقيتني بنسى كل الأذى النفسي والبدني اللي عشته بسببه الفترة اللي فاتت. يمكن كان سفره الأخير لـ لليونان حسيت بخوف لا يرجع لهنا تاني، بالذات أنه طلق هند قبل ما يسافر. قولت يمكن يطول هناك. حسيت بشيء ناقصني. كنت بتمنى أنه ميطولش ويرجع بسرعة. وفعلًا ما غابش كتير. لما شفته داخل كان نفسي أجري عليه وأحضنه، بس هو كان راجع متغير كتير سواء شكليًا أو حتى نفسيًا. معرفشي السبب. في البداية شكيت أنه يكون ندم إنه طلق هند وقولت هيرجعها تاني، بس....."
توقفت سلسبيل عن الحديث تتذكر انهيار قماح أمامها واعترافه بحبها لها. تبسمت.
تبسمت هدى قائلة:
"بس طبعًا طلع كل تفكيرك غلط، وإن قماح ندم بعد ما رجع هند وصحح الغلط ده. بس تعرفي أنا مبسوطة إنك عطيتي لـ قماح فرصة تانية وشايفة قماح هو كمان عيونه بتلمع لما بيبص لك. مش نفس النظرة القديمة اللي كان بينظرها لك كنت أوقات ما بعرفش أميز نظرته ليكِ. أوقات كنت بحس أنه بيبصلك بتحذير، وأوقات بشغف. دلوقتي بقت نظلته واضحة."
تبسمت سلسبيل وقالت باستفسار:
"قصدك واضحة إزاي؟"
تبسمت هدى قائلة:
"يعني بقت نظرة عشق. قماح بيحبك يا سلسبيل زي ما كنتِ بتتمني من زمان."
تبسمت سلسبيل توافق هدى وقالت:
"وإنتي كمان بتحبي نظيم. فكري كويس، وبلاش العقل الإلكتروني بس هو اللي يتحكم في مشاعرك. يلا هسيبك أنا وأخد ناصر وننزل لجدتي هداية. هتقولي لي إيه آخرك في النزول بـ ناصر. وكمان اليوم طويل وزمان حماد هييجي يقضيه هنا من أوله كالعادة. ويشوفنا فين ويلزق لنا، غبي مفكر إننا مش فاهمين حركاته المفكسة. زمان كان بيعمل نفس الحركات دي ويشوف فين همس. دلوقتي نقل العطا عليكِ. كويس إني ما كنتش في حسبته من الأول."
تبسمت هدى قائلة:
"مكنش يقدر بس يطلع في وشك وقماح موجود."
قالت هدى هذا بثقة وقبلت يد ناصر قائلة بمرح:
"صح يا ناصور باباك لو المتسلق حماد كان نظر لمامتك كان خلع عنيه."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"بلاش ناصور قدام جدتي بتضايق لما بندلع ناصر بيها، وتقول رجال العراب ما بيدلعوش، مع إنها أكتر واحدة بتدلع ناصر."
***
في شقة رباح
بالحمام وقفت زهرت لدقائق تنتظر نتيجة ذاك الاختبار الذي قامت بعمله. كانت عديمة الصبر تريد النتيجة بنفس اللحظة لكن انتظرت تلك الدقائق. غضبًا ثمنظرت لذالك الاختبار الذي بيدها يعطي لها نتيجة إيجابية. وضعت يدها على بطنها وتبسمت بانتشاء وظفر أخيرًا بعد تلك المدة الماضية التي منعت فيها أخذ موانع حمل. ظنت أن حديث الطبيبة لها في آخر معاينة لها قبل شهر ونصف أن الحمل قد يتأخر لوقت بسبب تناولها لذاك المانع لفترة طويلة سابقة، لكن خاب قول الطبيبة. ها هو الاختبار يعطي نتيجة إيجابية، هي بالفعل أصبحت حاملًا برحمها جنين.
للحظة فكرت في هذا الجنين، ترى يكون ابن من رباح أم نائل؟ بداخلها تمنت أن يكون ابن نائل، لكن هذه فرصتها لسحب أموال من عائلة العراب من أجل هذا الجنين حتى لو انفصلت الآن عن رباح، ستظل تنعم بخيرات عائلة العراب بسبب ذاك الجنين التي ستخبر الجميع اليوم بوجوده في رحمها.
خرجت من الحمام وجدت رباح ممدد على الفراش مغمض العينين يضع إحدى يديه فوق رأسه. تنهدت بسأم قائلة:
"رباح، إنت نمت تاني ولا إيه؟"
فتح رباح عينيه بصعوبة يشعر بدوار قائلاً:
"لأ صاحي، بس الصداع واجع راسي حتى بقيت ما بعرفش أنام كويس بسببه. بفكر أعمل الفحص الطبي اللي بابا كل شوية يزن عليا عشان أعمله. الصداع زاد قوي، حتى الدوا اللي بتجبيه زي ما يكون مبقاش له مفعول. باخد حبايتين وتلاتة وفيه ما فيش بيرجع الصداع تاني. يظهر الدوا ده بقى مغشوش."
ارتبكت زهرت قائلة:
"قصدك إيه هتعمل الفحص الطبي اللي خالي بيزن عليك بيه؟ ومن إمتى صحتك فارقة مع خالي؟ هو طول الوقت عنده قماح فوق الجميع كأنه مخلفش غيره. بلاش توهم نفسك ده صداع مش معضلة كبيرة ممكن فترة وهيروح أو زي ما قولت يمكن قللوا المادة الفعالة في الدوا."
رد رباح:
"بفكر فعلاً في الفحص ده يمكن يكشف سبب الصداع ده بقى فظيع."
***
بعد الغداء
كانت سلسبيل تحمل صغيرها تسير به في فناء المنزل. تبسمت له قائلة:
"النهاردة الشمس طالعة أهي خلينا نقعد شوية في الجنينة نتشمس."
بالفعل جلست على أحد المقاعد بالحديقة، وهي تبتسم لصغيرها. لكن كان هناك متسلل أراد الحديث معها. حين سحب أحد المقاعد قائلاً:
"تسمحي لي أقعد أتشمس معاكي إنتي وناصر."
قال هذا ومد يده كي يأخذ الصغير منها، لكن كما يقولون قلوب الأطفال تنفر من الخبثاء. لم يرضى الصغير وتشبث بأمه.
تبسمت سلسبيل على تشبث صغيرها بها قائلة:
"معليشي يا حماد، هو ناصر كده مش بيرضى يروح لحد. اتفضل اقعد."
جلس حماد قائلاً:
"وهو أنا أي حد برضه؟ أنا زي خاله."
تبسمت سلسبيل قائلة بمجاملة:
"طبعًا خاله."
تبسم حماد قائلاً:
"سلسبيل في موضوع كنت عاوز أتكلم فيه وفيه مصلحة كبيرة ليكي."
تعجبت سلسبيل:
"وأيه هو الموضوع ده."
رد حماد:
"التماثيل اللي بتصنعيها. أنا ليا صديق عندي مجموعة بازارات سياحية خاصة بالانتيكات. وكنت قاعد معاه بالصدفة من كام يوم والكلام جاب بعضه وفرجته الصور اللي كنت واخدها يوم ما كنا في الأتيليه بتاعك وانبهر بيها وقالي إنه مستعد يشتريها منك بالتمن المناسب اللي تحدديه."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"بس أنا بصراحة عمري ما فكرت إني أبيع تمثال منهم. أنا كنت بفكر أعمل معرض فني بيهم. بس من بعد ما ولدت ناصر ووقتي كله بقى مشغول بين شغلي في حسابات المقر ورعاية ناصر حتى بقيت نادر إن ما كنتش قليل لما بدخل الأتيليه."
رد حماد يحاول إقناع سلسبيل:
"مش هتكسبِ من المعرض حاجة غير المكسب الأدبي فقط، في مقابل إنك لو بعتي التماثيل دي ممكن تشتهري أكتر."
رد قماح الذي أتى وجلس إلى جوارهم قائلاً بحسم:
"وسلسبيل مش محتاجة لا لـ شهرة ولا لـ مكسب مادي. وأنا فعلاً موافق سلسبيل إنها تعمل معرض فني تعرض فيه التماثيل دي وكمان أعتقد ده موضوع ميخصكش تتكلم فيه."
نظرت سلسبيل لـ قماح بسعادة ونظرة امتنان لما قاله.
بينما شعر حماد بالخزي من حديث قماح وقال بتبرير:
"أنا كان قصدي المنفعة لـ سلسبيل مش أكتر."
رد قماح بنبرة:
"تسلم نواياك الطيبة ياريت توفرها لنفسك."
نهض حماد يشعر بالغل والبغض من حديث قماح ذاك العنجهي الذي تحدث له بطريقة فظة. استأذن قائلاً بحرج:
"متأسف عن إذنكم."
غادر حماد يسب ويلعن قماح. بينما نظر قماح لـ سلسبيل وتبسم على ذاك الصغير الذي يريد أن يذهب له.
حمله قماح وقبل وجنته. حاول الصغير هبش وجه قماح فعاد قماح بتلقائية بوجهه للخلف.
ضحكت سلسبيل قائلة:
"متخافش أنا قصيت له ضوافره وهو نايم. انتهزتها فرصة دي مش ضوافر طفل دي مخالب قط. قصيتهم من وراء جدتي، هتقول لي ضوافره طرية."
تبسم قماح وهو يمسك يد صغيره الصغيرة قائلاً:
"إنت اللي جبته لنفسك."
تضايق الصغير كأنه يفهم، شمت قماح به وحاول هبشه لكن لم تكن أظافره لها أثرًا، وكان قماح وسلسبيل يضحكان عليه، مما أثار غيظه وتذمر باكيًا.
نهض قماح به قائلاً:
"أرضية الجنينة ناشفة، خلينا نلعب شوية."
بالفعل جلس قماح على ذاك العشب الأخضر الرقيق ووضع الصغير بين ساقيه وبدأ في اللعب بطابة مطاطية صغيرة أخرجها من جيبه. التهى صغيره باللعب ومحاولة عض تلك الطابة اللينة. نهضت سلسبيل جالسة لجوارهم وبدأت تستمتع معهم بلحظات أسرية تحت شمس الشتاء الدافئة.
***
بينما أثناء دخول حماد إلى داخل المنزل رغم شعوره بالغيظ، لكن تقابل من هدى. رسم بسمة ودودة قائلاً:
"هدى كنت بدور عليكي، كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع خاص بيا."
ردت هدى:
"وأيه هو الموضوع ده؟"
رد حماد:
"موضوع خاص خلينا نقعد في أي مكان نتكلم شوية."
رغم عدم قابلية هدى للحديث مع حماد، لكن قالت له:
"خلينا نقعد في البرندا الشمس النهاردة حلوة أهي أدفى من أشعتها."
تبسم حماد لها، ومد يده لها لتسير أمامه غير
رواية عش العراب الفصل الثلاثون 30 - بقلم سعاد محمد سلامه
تبسم النبوي وهو يذهب إلى مكان جلوس قماح. ينظر بفرحة وهو يرى انسجام قماح وسلسبيل باللعب مع طفلهم الصغير وهم يجلسون بأرض الحديقة.
جلس لجوارهم أرضاً يحمل ذلك الصغير الذي زحف ببطء لمكان جلوسه، قائلاً بترحيب:
"ناصر حبيب قلبي الغالي."
نظر له الصغير يلوح له بيديه. قبل النبوي يديه. بينما ضحكت سلسبيل قائلة:
"ده بيشتكي لك يا عمي عشان قصيت ضوافره ومبقاش عارف يخربش بيهم."
ضحك النبوي قائلاً:
"ملهاش حق. قول للحجة هداية تقص لها ضوافرها زي ما قصت ضوافرك الرقيقة."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"هو اللي شقي يا عمي والله وبيخربشني وكمان بيشد في شعري."
تبسم النبوي قائلاً:
"ده وراثة بقى، قماح كان بيعمل كده مع كارولين."
نظرت سلسبيل ناحية قماح تبتسم. رد قماح لها البسمة.
لاحظ النبوي نظرات سلسبيل وقماح لبعضهما، فسعد قلبه. أخيراً نال الاثنان السعادة التي كان يتمناها لهما. شرد عقله بامرأة قابلها صدفة، سكنت قلبه. عرف أنه يوجد حب وعشق حقيقي قد لا يأتي سوى مرة واحدة بالعمر.
تذكر حديثه مع والدته قبل قليل حين قالت:
"مبتفكرش تتجوز يا نبوي؟ هتجعد كده من غير ست تبقى ونس في حياتك."
ضحك النبوي قائلاً:
"ونس في حياتي ومع ست؟ ما أنا كنت مع قدرية عمري ما حسيت بوناسة، بالعكس كنت بحس بغربة معاها. أنا محستش بالونس غير مع كارولين ولما ماتت خدت قلبي معاها. كنت عايش ومستحمل قدرية بس عشان ولادي، والحمد لله كبروا وكل واحد فيهم شق طريقه. وأنا كمان كبرت ومش حاسس بوحدة، كفاية بقى عندي حفيدي ناصر. والله لما بنظر في وشه وألقاه بيبتسم بحس بقلبي بيرفرف من السعادة. وكمان كارم وهمس ربنا يتمم لها حملها بخير وسلام، وبكرة محمد كمان يرزقه الذرية الصالحة وولادهم يبقوا ونسي. وكمان رباح."
تبسمت هداية قائلة:
"ربنا ما يوحدك يا ولدي وتلاقي ولادك واحفادك عزوة حواليك. بس مهعرفش ليه جَلبي متاخد من ناحية رباح، شكله متغير وشه شاحب دايماً، ولما بسأله بيقولي إنه زين. ياريته كان سمع حديثي وبلاش كان يتجوز من زهرة، بس هقول إيه، النصيب غلاب."
رد النبوي:
"فعلاً النصيب غلاب."
نهض النبوي ينظر من شباك الغرفة. وقع بصره على ما يشرح قلبه حين رأى قماح وسلسبيل يجلسون بأرضية الحديقة يلعبان مع طفلهم. تبسم قائلاً:
"أنا مبسوط بحياتي كده يا أمي."
عاد النبوي من شروده على صوت تذمر ذلك الصغير المشاغب الذي حاول شد شعر قماح، الذي يعانده بتلك اللهاية التي يأخذها من فمه، مما جعله يتذمر. تبسم النبوي، فربما أشياء بسيطة لها مفعول كبير تشرح القلب.
تبسم النبوي له بحنان مقبلاً وجنتيه الرقيقة.
***
بتلك الشرفة التي يجلس بها ناصر وبرفقته نظيم وهدى وحماد. رن هاتف ناصر. نظر لشاشة الهاتف. نظرت أيضاً هدى بالصدفة، وقالت:
"كارم ابن عمي بيتصل عليك."
رد ناصر:
"أيوا بيتصل عليا دايمًا... هقوم أرد عليه وراجع لكم تاني."
بالفعل نهض ناصر وتركهم.
في نفس اللحظة صدح هاتف حماد هو الآخر. تبسم قائلاً:
"واضح إنها عدوى. رن الموبايل."
نظر حماد لشاشة هاتفه ثم نظر باتجاه هدى قائلاً:
"ده عامل من عمال الشونة. هقوم أرد عن إذنكم."
نهض حماد هو الآخر. وظل نظيم مع هدى التي شعرت بحرج. ظل الاثنان صامتين لدقيقة. قطع نظيم الصمت قائلاً:
"أجازة نص السنة قربت تخلص، مستعدة للترم التاني."
ردت هدى:
"أيوا طبعاً مستعدة. بس ليا استفسار عندك، عن محاولة فيروس اللابتوب اللي عليه الملف اللي مش عارفين ندخل عليه. هو مش ممكن لو فيرس اللابتوب، يتلف كل الملفات اللي على اللابتوب ده."
رد نظيم:
"لأ ده مش فيرس بمعنى فيروس. الديسك اللي أنا اديته لكِ بيشرح إزاي تقدري تخلي جهاز يعطل بدون ما يتلف الهارد بتاع الجهاز. هفهمك أكتر، الفيروس ده هيدخل على إعدادات الجهاز، في القفل والفتح بس أو في تحميل بعض برامج الأوفيس على اللابتوب، إنما مش هيضر الهارد بتاع الجهاز ولا هيتلف الملفات اللي عليه بالفعل."
تبسمت هدى براحة قائلة:
"شكراً."
تبسم نظيم قائلاً:
"أنا جاهز أساعدك في أي شيء يقف قصادك وممكن نحاول سوا نفتح الملف ده."
تبسمت هدى بحبور. تلاقت عينيها مع عيني نظيم. نظرات صامتة لثوانٍ كانت نظرات إعجاب كل منها للآخر.
قبل أن يعود ذلك السخيف حماد مرة أخرى. التقطت عيناه نظرات نظيم وهدى لبعضهما. غبن وجهه وشعر بضيق ونفور من نظيم. حاول يلفت انتباه هدى له قائلاً:
"على فكرة يا هدى، اللابتوب بتاعي مش عارف بقاله كام يوم بيهنج كده في القفل والفتح. يبقى شغال وفجأة ألقاه قفل لوحده. كنت هوديه مركز صيانة متخصص بعدين افتكرت إنك صلحتيه المرة اللي فاتت."
ارتبكت هدى وشعرت بالتوتر، بالاخص زاد بعد نظرة نظيم لها غير المفهومة. تلجلجت قائلة:
"انت عارف إني خلاص راجعة للدراسة تاني ومش هيبقى عندي وقت فاضي. شوف لك أي مركز متخصص."
عاود حماد الحديث بإقناع:
"مش هياخد منك وقت تصليحه، وبراحتك. أنا كمان عندي نسخة تانية من الملفات المهمة اللي عليه على سيديهات."
كادت هدى ترد بنهي، لكن سبقها نظيم قائلاً:
"أنا أستاذ هداية في الجامعة وعندي خبرة أكتر منها. تقدر تجيب لي اللابتوب بتاعك وأنا أشوف لك العطل فين، وبالطريقة دي مش هتعطل الآنسة هداية عن دراستها."
نظر له حماد باشمئزاز، لكن أخفاه قائلاً بود كاذب:
"تمام، في أقرب وقت هبقى أديه لـ هدى تديه لك. مش عاوز أعطل هدى عن دراستها."
في ذلك الحين عاد ناصر ووضع يده على كتف هدى مبتسماً. تبسمت له هدى هي الأخرى. جلس ناصر بينهم ونظر ناحية نظيم قائلاً:
"منور يا نظيم."
تبسم نظيم، بينما شعر حماد بالغيظ والضيق من ترحيب ناصر الزائد بـ نظيم. وحاول ألا يظهر ذلك.
نهضت هدى، أو بالأصح تود الهروب من أمام عيني ذلك البغيض حماد قائلة:
"هقوم أساعد ماما شوية."
أماء نظيم برأسه. هو كان يريد ذلك. لا يعلم لما يشعر دائماً بنفور من حماد. كذلك حماد يبغضه، يعتقد أنه دخيل على عائلة العراب فهو دائماً يحصل على إعجابهم. أنه العصامي الذي كافح بالحياة ليصل لمكانة مرموقة. وازداد ذلك البغض حين رأى تربيت ناصر له على فخذه ببسمة. أجزم حماد أمره، لن يترك هذا البغيض أن يفوز بما يخطط له ويخطف هدى من أمامه ويفوز بمصاهرة وأموال عائلة العراب.
هربت هدى وتحدث ناصر قائلاً:
"منورين يا شباب. ها يا حماد قول لي أخبار الشغل في الشون إيه؟"
نظر حماد نحو نظيم وأجابه ببعض التفاصيل. تعجب حين تحدث نظيم في بعض التفاصيل الخاصة بالعمل في الشون. تبسم ناصر له بموافقة على حديثه. بينما شعر حماد بضجر من وجود نظيم وحديثه، الذي ظن أنه يفتقر للخبرة، والأفضل عليه ألا يفتي بشيء لا يفقهه.
لكن تبسم ناصر قائلاً:
"تعرف يا حماد إن نظيم كان بيشتغل في الشونة؟"
تعجب حماد ونظر نحو نظيم بتهكم قائلاً:
"ويا ترى كان بيشتغل إيه بأيديه الناعمين دول."
ضحك نظيم قائلاً بتفاخر:
"كنت بشتغل شيال."
تعجب حماد ساخراً، بينما تبسم ناصر على رد نظيم الجريء المفتخر بحاله وزاد بنظره علو وارتفاع شأن.
***
مساءً.
بعد تناول وجبة العشاء جلس الجميع بالغرفة. تبسمت هداية وهي ترى انسجام قماح وهو يجلس يحمل طفله. لكن حين نظرت ناحية رباح لاحظت وجهه الشاحب. قالت له:
"مالك يا رباح، وشك مخطوف كده بقاله مدة ومش عاجبني حالك. مع الوقت كمان بتخس والسيجارة مبقتش تفارق يدك."
أخذت زهرة الحديث من هداية قائلة بسهوكة خادعة:
"والله يا جدتي غلبت معاه يبطل السجاير أو حتى يقلل شربها شوية، وهي السبب في شحوب وشه وإنه خاسس كمان، بتسد نفسه عن الأكل. حتى بقول له قدامكم أهم، بطل شرب سجاير قدامي. إن ما كنتش خايف عليا خاف على الجنين اللي في بطني."
اندهش رباح ونظر لـ زهرة غير مستوعب لما قالته. بينما زهرة رسمت بسمة قائلة:
"أنا كنت هقولك الصبح بس قولت أعملها مفاجأة وأقولك وإحنا مع العيلة كلها. حابة العيلة تفرح معانا."
ظهرت السعادة على الجميع وقاموا بتهنئة زهرة. حتى هداية هنئتها بتحفظ قائلة:
"ألف مبروك، ربنا يتمم لكِ حبلك المرة دي على خير، تجومي بعوضك. بس يا ريت تبطلي نطيط بره الدار كتير، حتى عشان صحتك. وانت يا رباح اسمع حديث مراتك وبطل شرب سجاير. بتسمع حديثها في شيء، اشمعنى دي عاد."
صمتت زهرة تنظر لـ هداية بغيظ، لكن لا يهم الآن. علم الجميع بحملها، وهذا ما كانت تريده.
بينما نهض النبوي هو الآخر هنأ زهرة واتجه ناحية رباح وقام بحضنه قائلاً:
"مبروك يا رباح. هبقى مبسوط جوي لما أشيل ولادك."
نظر له رباح وارتبك عقله من حضن وحديث والده الذي تفاجأ بهما. هو ظن أنه لا يفرق معه وجوده بحياته. كان دائماً يميز قماح عليه، أو هكذا كان يخيل له. تبسم رباح له مرحباً بحضن النبوي له. بينما هنأ قماح رباح بود، كذلك محمد.
في ذلك الأثناء كانت سلسبيل وسميحة وهدى يدخلن يحملن بين أيديهن صواني عليها بعض الأكواب. تبسمت هدى قائلة:
"خير، بتهنوا رباح على إيه."
ردت زهرة وهي تنظر نحو سميحة تقول بعناد:
"بيهنوني أنا ورباح، أنا حامل."
تبسمت هدى قائلة:
"مبروك."
كذلك سلسبيل قالت:
"مبروك."
بينما تحشرج صوت سميحة وهي تقول لـ زهرة:
"مبروك."
ردت زهرة بإغاظة:
"عقبالك كده مبقاش في غيرك لسه مبقتش حامل."
ردت هداية:
"بلاش طريقتك دي يا زهرة. سميحة معوقتش في الحمل، هي متجوزة بقالها قد إيه. بكرة ربنا يجود عليها بالذرية الصالحة."
تبسمت سميحة لـ هداية بامتنان. هي تعلم أن زهرة تكرهها حتى قبل أن تدخل عروس لدار العراب. لكن تفاجأت بعد زواجها أن زهرة لا تحب أحد سوا نفسها. كما أنه حدث أكثر من مشادة كلامية بينها وبين زهرة واحتدت زهرة عليها أكثر من مرة، لكن سميحة لا تتوقف لها حتى لا تجلب المشاكل كما أوصتها هداية منذ بداية زواجها.
تلقى رباح وزهرة التهاني. رغم بغض زهرة، لكن كانت ترسم البسمة لهم.
بعد قليل نهضت عطيات قائلة:
"مش يلا يا حماد، الوقت اتأخر لازم نرجع للدار. عندك شغل بكرة في الشونة. تعالي معايا لحد باب الدار يا زهرة."
نهض حماد الذي يشعر بالغيظ والغضب. نهضت زهرة هي الأخرى وذهبت مع عطيات خلف حماد. حين خرجت عطيات من باب المنزل الداخلي، أمسكت يد زهرة وهي تتلفت حولها وجذبتها لركن بالمكان وقالت لها:
"أوعاكِ متكونيش حامل وبتكذبي. مش كل مرة تسلم الجرة، وبعد فترة تقولي لهم إنك سقطتي. مش هيصدقوكِ تاني."
ردت زهرة:
"لا اطمني، المرة دي حامل بجد. عملت اختبار حمل وظهرت نتيجته إيجابية، وخدت ميعاد من الدكتورة بكرة عشان أتأكد."
ردت عطيات:
"وانتي مش متأكدة من نتيجة الاختبار اللي عملتيه. طب ليه سبقتي وجولتي إنك حامل، كان لازم تتأكدي الأول."
ردت زهرة بثقة:
"الاختبار ده نتيجته مضمونة بنسبة كبيرة. الدكتورة بس مجرد تأكيد مش أكتر من استشارة."
ردت عطيات بفرحة:
"ربنا يكملك حبلك بخير، وتجيبي الواد اللي ينصرك على سلسبيل ويبقى كده الروس اتساوت."
ردت زهرة:
"أنا في الدار دي راسي براس سلسبيل، متفرقش عني في حاجة. لو مش بس دلع وميل هداية ليها."
ردت عطيات:
"لاحظت إنك كنتي بتحاولي تغيظي اللدغة أم نص لسان."
زفرت زهرة نفسها بضيق قائلة:
"قصدك السوسة الدلدولة بتاعة العقربة هداية. بتنقل لها كل همسة في الدار، ولازقة لها زي العلقة. مش شايفة بتحامى عنها إزاي من يوم ما دخلت الدار وهي عارفة هدفها. وألغت أخوها كمان العقربة هداية بنفسها لازم كل جمعة تتصل عليه وتأكد عليه يجي يقضي اليوم هنا، رغم إنها عاملة يوم مخصوص لـ اللدغة تروح تقضيه مع مامتها في دارها."
ردت عطيات:
"هداية بحورها غويطة محدش يعرف لها قرار، بس سيبك منها. انتي بحملك ده، هتثبتي أقدامك بدار العراب، وهيبقى لكِ مكانة أعلى وأغلى عند رباح. وده المهم دلوقتي."
سخرت زهرة قائلة:
"هي دار يعني كانت سرايا، ولا مملكة. والله دي تغور من وش العقارب اللي فيها، وأولهم رباح نفسه."
ردت عطيات:
"بلاش بطر على النعمة لا تزول منكِ. يلا أخوكِ مش مبطل كلاكسات. خلي بالك من نفسك، واما ترجعي من عند الدكتورة ابقى طمنيني، إنها أكدت إنك حامل."
غادرت عطيات. عادت زعلانة زهرة مرة أخرى للداخل، لكن قبل أن تدخل للغرفة تقابلت مع نظيم الذي خرج من الغرفة وكان بصحبته محمد. لكن نادت عليه سميحة التي خرجت خلفهم.
نظرت لهم زهرة بنفور، ومرت من جوارهم صامتة. بينما قالت سميحة:
"مالها دي، بتتأنزح على إيه."
تبسم نظيم وقال:
"وانت مالك بها. يلا بلاش تطلعي لبره الهوا ساقع، وانت كمان يا محمد. أنا مش غريب، سلام عليكم."
قال نظيم هذا وقبل رأس سميحة التي تبسمت له. رفع نظيم رأسه لتتقابل عيناه مع هدى التي رأت ذلك الموقف صدفة. مس هذا الموقف قلبها مباشرةً. لا تعرف تمنت أن يفعل نظيم معها هذا ذات يوم.
تبسم لها نظيم، ثم غادر دار العراب.
***
بعد وقت.
بغرفة النوم. وضعت سلسبيل صغيرها بذلك المهد الصغير الذي أتى به قماح من أجله. وقفت تنظر لصغيرها ببسمة ثم توجهت إلى الفراش وخلعت ذالك المئزر من عليها ونحت غطاء الفراش قليلاً وصعدت إلى الفراش قائلة:
"أخيرًا، ناصر نام. مع إنه تقريباً طول اليوم منامش بس أقول إيه، جينات وراثة على رأي عمي."
تبسم قماح وهو يجذب سلسبيل لحضنه قائلاً بضحك:
"يظهر إن سلسال العراب كلهم متعبين."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"عن تجربة أأكد لك فعلاً متعبين."
قالت سلسبيل هذا وتثائبت قائلة:
"أخيرًا يوم الجمعة خلص. اليوم ده بيبقى متعب قوي، ما بصدق يخلص."
تبسم قماح قائلاً بمكر:
"بس لسه اليوم مخلصش، إحنا لسه في أول الليل."
نظرت له سلسبيل:
"قصدك إيه؟ بإننا لسه في أول الليل."
جذب قماح سلسبيل أكثر عليه وقام بتقبيلها. تبسم وهو يشعر بيد سلسبيل تسير على ظهره تضمه لها أكثر مرحبة بتلك القبلات الشغوفة، تنعم معه بوقت عشق كما كانت تتمنى دائماً.
بعد وقت، جذبت سلسبيل غطاء الفراش عليها. تبسم قماح من تلك التي مازالت خجولة. ضمها لصدره.
تنهد قماح قائلاً:
"أنا موافق إنك تعملي معرض فن تشكيلي تعرضي فيه التماثيل بتاعتك."
ابتعدت سلسبيل عن حضن قماح ونظرت له باستغراب وتعجب. تبسم قماح على ملامح سلسبيل المتعجبة قائلاً:
"مالك بتبصيلي كده ليه؟"
أغمضت سلسبيل عينيها تشعر أنها تتوهم ما سمعته من قماح قبل ثانية. تبسم قماح ونادى باسم سلسبيل بنبرة لعوب:
"سلسبيل."
ردت سلسبيل وهي مازالت مغمضة العينين:
"امممم."
تبسم قماح قائلاً:
"هتردي عليا وإنتي مغمضة عينيكِ كده؟ افتحي عيونك."
ردت سلسبيل:
"لأ مش هفتح عيوني."
ضحك قماح قائلاً:
"وليه مش عاوزة تفتحي عيونك؟"
ردت سلسبيل:
"عشان أنا في حلم ولو فتحت عيوني هصحى منه."
ضحك قماح كثيراً وقال:
"لأ متخافيش افتحي عيونك انتِ مش في حلم."
فتحت سلسبيل عينيها تنظر لـ قماح بتعجب قائلة:
"أمال أنا في إيه، متأكد إنك قماح ابن عمي النبوي."
جذبها قماح لحضنه قائلاً:
"لأ أنا قماح جوزك مش ابن عمك وكمان أبو ابنك. مش دول الكلمتين اللي كنتي بتغيظيني بيهم دايماً؟ ابن عمي وأبو ابني. بس أنا أبقى جوزك كمان. مع نفسي أكون لكِ حاجة تانية."
نظرت له سلسبيل بعدم فهم وسؤال:
"نفسي أكون لكِ إيه؟"
رد قماح وهو ينظر لعين سلسبيل قائلاً بنبرة عاشق:
"نفسي أكون حبيبك."
أخفضت سلسبيل وجهها بخجل. رفع قماح وجه سلسبيل بسبابته قائلاً برجاء:
"قوليها يا سلسبيل."
خجلت سلسبيل حين تقابلت عينيها مع عين قماح وظلت صامتة. كاد قماح أن يشعر بخيبة أمل قبل أن تقول سلسبيل بخفوت:
"انت حبيبي."
رفع قماح وجه سلسبيل مرة أخرى قائلاً بتأكد:
"قولتي إيه؟ قوليها تاني بصوت أعلى."
خجلت سلسبيل. تبسم قماح قائلاً:
"حفيدة الحجة هداية عندها خجل زايد، حتى أنها تقول لجوزها إنه حبيبها."
رفعت سلسبيل وجهها ونظرت لـ قماح قائلة:
"وهو عشان حفيدة الحجة هداية، لازم ميكونش عندي خجل؟ وإيه الرابط بين إني أكون خجولة وبين إني أكون حفيدة الحجة هداية."
تبسم قماح قائلاً:
"تعرفي أكتر حاجة بحبها فيكِ إيه يا سلسبيل."
ردت سلسبيل:
"إيه هي؟"
تبسم قماح قائلاً:
"خجلك، اللي كان دايماً بيبعدني عنك. كنت بفكر فيه دايماً نفور منك ليا."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"نفور منك؟ بس أنا عمري ما نفرت منك يا قماح، حتى في عز قسوتك وعنفك معايا مكنتش بنفر منك. كنت بتمنى تتغير وتعاملني بشوية حنية وتبطل عنجهيتك معايا."
نظر قماح لها بندم قائلاً:
"أنا رجعت لهنا تاني عشانك يا سلسبيل. لما كنت بشوفك بتبعدي عن المكان اللي أنا ببقى موجود فيه، كنت بحس بضيق في قلبي. حاولت كتير أقتل حبك في قلبي، قولت لنفسي أتجوز غيرها يمكن مع الوقت أقدر أتغلب على حبي ليكِ، لكن مقدرتش. كنت بتخيلك معايا في كل لحظة بعيشها. كنت بضايق لما بشوفك بتتعاملي وتتكلمي مع أخواتي بطريقة ودودة وبسيطة، ولحد عندي كنتي بتهربي مني."
ردت سلسبيل بخجل:
"بس ده مكنش نفور مني يا قماح، أنا كنت بخاف لما تنظر لي. كنت بحس إني واقفة قدامك عريانة. بس ده ميمنعش إني كنت بكرة تحكمك الزايد وبالذات لما كنت تستهزأ بيا لو اتكلمت قدامك على زمايلي سواء في المدرسة أو الجامعة. وتقولي مفيش حاجة اسمها زمالة ولا صداقة بين بنت وولد، مفيش غير حدود المصلحة."
تبسم قماح قائلاً:
"ولسه عند قولي، مفيش حاجة اسمها زمالة ولا صداقة بينك وبين أي راجل. مفيش غير حدود المصلحة. بس ده مش باستهزاء مني، ده أمر."
تبسمت سلسبيل بدلال قائلة بتلاعب:
"مش فاهمة قصدك إيه بأمر؟"
تبسم قماح قائلاً:
"أمر مني، أنا بغير، ومش بيقولوا غيرة الراجل مراجل."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"طب وبتغير عليا ليه؟"
ضم قماح سلسبيل قوياً يقول:
"بغير عليكي من النسمة يا نبع ميتي الصافي عشان بعشقك، ومتسألنيش أمتى عشقتك."
شدت سلسبيل من حضن قماح مبتسمة قائلة:
"وأنا كمان بحبك يا قماح، كنت بهرب منك ومن جوايا نفسي تقربني منك، وأسكن قلبك."
قاطعها قماح وهو بحضنها قائلاً:
"متقوليش يا ابن عمي دي تاني."
تبسمت سلسبيل قائلة بتلاعب:
"مش هقول يا ابن عمي، هقول يا جوزي وأبو ابني."
نظر لها قماح بانتظار. تبسمت سلسبيل قائلة:
"جوزي وأبو ابني وحبيبي."
ضمها قماح قوياً بين يديه، ثم عاد برأسه للخلف، ينظر لوجهها. سرعان ما التقط شفاها في قبلات عاشقة نسيان ألم الماضي الذي عثر له على الترياق.
***
بمنزل نظيم.
انتصف الليل. شعر بالضجر وهو يتذكر نظرات ذلك المدعو حماد نحو هدى. قاوم شعوره بالغيرة منه. نهض من على فراشه واشعل ضوء الغرفة. يقوم بعمل بعض التمارين الرياضية، علها تذهب عنه ذلك الضجر والشعور بالغيرة من حماد. لما ارتبكت هدى حين طلب منها حماد إصلاح حاسوبه الخاص. هدى لما تريد معرفة محتوى ذلك الملف الذي تيقن أنه على حاسوب حماد. ماذا يعني لها حماد من الأساس.
رغم أداءه لتلك التمارين الرياضية لكن لم يذهب عنه لا الضجر ولا شعور الغيرة. خرج من غرفته وتوجه إلى المطبخ وقام بإشعال البوتاجاز. يقوم بعمل قهوة له. لكن دون انتباه منه سقطت الملعقة وأيضاً إحدى الأواني المعلقة، فانحنى يأتي بها.
في ذلك الأثناء خرجت فتحية من غرفتها حين سمعت ضجة بالمطبخ، جعلتها تصحو. وتذهب إلى المطبخ مباشرةً. تعجبت حين رأت نظيم الذي تبسم لها قائلاً بمرح:
"أكيد قولتي فار في المطبخ."
تبسمت فتحية قائلة:
"هي الساعة كام دلوقتي."
رد نظيم:
"مش عارف بس تقريباً قربت من واحدة."
تعجبت فتحية قائلة:
"واحدة، وإنت لسه صاحي مش عادة إنك تسهر، وكمان بتعمل قهوة، من امتى بتشرب قهوة متأخر أصلاً. إيه السبب."
رد نظيم:
"مفيش سبب، أنا النوم طار من عيني قولت أصحى أشتغل شوية على اللابتوب بتاعي."
ردت فتحية:
"وأيه اللي مطير النوم من عينك، خلينا نقعد سوا وجولِ. معرفش ليه جَلبي حاسس إن اللي مطير النوم من عينك بنت."
تبسم نظيم وهو يصب فنجان القهوة، ثم وضعه على تلك المنضدة الصغيرة بالمطبخ وجلس بالمقابل لـ فتحية التي تبسمت له قائلة:
"ها جولِ مين بقى اللي مطير النوم من عينك. جولِ وأنا من النجمة أكون في دارها أخطبها لك."
تبسم نظيم قائلاً:
"من النجمة. ومين اللي أكد لك كده إن اللي مطير النوم من عيني هي بنت؟ قولت لك شغل."
نظرت له فتحية قائلة:
"أنا مر عليا أيام كتير يا ولدي وكنت بحس بيك في غيابك. كان جَلبي بيجي جايد نار وعارفة إنك مريض أو مش بخير وانت في الغربة لوحدك. كنت بصدق كلامك وتطمينك ليا عليك لما بكلمك على الموبايل. أنا أمك يا نظيم وبحس بيك مهما داريت عني. هدى هي البنت اللي مطيره النوم من عينك."
نظر نظيم لوالدته بذهول. تبسمت فتحية قائلة:
"قولت لك بحس بيك، وكمان العين أوجات بتفضح يا ولدي."
تعجب نظيم قائلاً:
"قصدك إيه يا ماما، بالعين بتفضح."
ردت فتحية:
"قصدِ إني شوفتك يوم كتب كتاب سميحة وإنت واقف مع هدى. لو رايدها يا ولدي نتوكل على الله أروح أطلبها لك من الحجة هداية."
رد نظيم بتسرع:
"لأ يا ماما، مستحيل ده يحصل. أنا لما هفكر في الجواز هفكر في ناس من وئمي ومقامي."
تعجبت فتحية قائلة:
"جصدك إيه من وئمك ومقامك."
رد نظيم:
"يعني مراتي تكون من نفس الطبقة اللي أنا عشت فيها، مش بنت ناس أنا كنت في يوم شغّال عندهم."
تعجبت فتحية قائلة:
"أصلك وجتك يا ولدي وإنت النهارده دكتور في الجامعة ولك مقام عالي، وكمان مش الحجة هداية اللي يفكروا في حكاية المقام دي، بدليل إنها جت بنفسها وطلبت سميحة لواحد من أحفادها."
رد نظيم:
"البنت غير الولد يا ماما. سميحة بنت ومحمد هو اللي ابن العراب مش الشغال اللي كان عندهم. وشوفي كمان أخت هدى متجوزة مين، ابن عمها."
ردت فتحية بإقناع:
"تفكيرك غلط يا ولدي، بلاش تضيع البنية من يدك، وترجع تندم وتعيش محروق القلب. مش هنخسر حاجة حتى لو رفضوا."
رد نظيم:
"لأ هنخسر يا ماما لو رفضوا. أقل ما فيها سميحة هتزعل في النهاية أنا أخوها برضوا وتحس بحرج."
ردت فتحية:
"براحتك يا ولدي، بس صدقني بلاش تقطع الأمل. ربنا يريح جلبك."
***
بعد مرور عشرين يوم. رغم اقتراب الربيع لكن كان يوم غائم صباحاً.
بشقة سميحة. زفرت أنفاسها بسأم وهي تخرج من الحمام وبيدها ذلك الاختبار تنظر له وهي تترقب ظهور نتيجته. كانت تتمتم ببعض الأدعية. نظر لها محمد باستغراب فهي تتحدث مع نفسها بكلام غير مفهوم وقال باستفسار:
"بتكلمي نفسك عالصبح ليه وأيه اللي في إيدك ده يا لدغتي."
وضعت سميحة الاختبار على طاولة جوار الفراش، ثم جلست على الفراش. ونظرت لـ محمد قائلة:
"مش فايقة لتريقتك عالصبح."
تعجب محمد من سأم وجه سميحة، وكذا ردها ونبرة صوتها الحزينة. ذهب وجلس بجوارها قائلاً:
"مالك إيه اللي مزعلك عالصبح كده وكمان أيه البتاع اللي حطتيه عالكمودينو ده."
ردت سميحة بزعل:
"ده كان اختبار حمل، وطلعت نتيجته سلبية."
رد محمد ببساطة وتقبل:
"طب وايه يعني نتيجته سلبية هو ده اللي مزعلك قوي كده ومخليكي مكشرة كده."
ردت سميحة:
"أيوا، أنا قربت على تلات شهور متجوزة، ومحصلش حمل."
تعجب محمد قائلاً:
"تلات شهور، وزعلانة كده. أمال لو كان سنة مثلاً كنتي هتبقي إزاي."
ردت سميحة:
"سنة! حرام عليك. أنا متأخرة جداً."
تبسم محمد ووضع يده حول كتف سميحة قائلاً:
"حبيبتي انتي مكبرة الموضوع كده ليه، عادي جداً. الخلفه رزق من ربنا، وكل شيء بميعاد."
ردت سميحة:
"ونعم بالله. بس أنا نفسي في بيبي بسرعة، بالذات بعد زهرة ما بقت حامل كل ما أشوف وشي تدلع وتتمرقع."
ضحك محمد. أغتاظت سميحة وكادت تنهض من جوار محمد لكن جذبتها لتبقى بجواره قائلاً:
"وحاطة زهرة في دماغك ليه. حبيبتي أنا عارف الفرق بينك وبين زهرة، زي الفرق بين الدهب والفالصو. انتي بالنسبة لي أغلى من الألماس. الفالصو اللي معجبكيش، زهرة بتستغل حب رباح لها وتستنزفه مادياً وعاطفياً. إنما سيدة خط الصعيد الأولى بترضى بالقليل دايماً. بس قولي لي إيه أخبار مشروع القلل والفازات الفخار اللي كنتي ناوية تعمليه عشان تنصبي على الزباين زي إيستر كده."
رغم زعل سميحة لكن تبسمت قائلة:
"إيستر خلاص بقت ناصحة مبقتش أعرف أضحك عليها، وبتقول لي بقت بتطبخ في بايركس صحي أكتر."
تبسم محمد قائلاً:
"إيه رأيك أنا هشترى منك الفخار اللي هتصنعيه بس بشرط، تحسني الجودة شوية."
تبسمت سميحة أكثر قائلة:
"أنا بحبك يا محمد، أكيد ربنا رزقك بيا لطيب عمي النبوي. إنما مامتك مقدرش أقول بدعيلك لأن مستحيل ربنا يتقبل منها، دي مفيش مرة استقبلتني بقبول وطول ما أنا عندها تشخط وتنطر فيا كأني جارية عندها. والله ما برضى أرد عليها عشان وصية جدتي هداية تقول لي، تدعي لكِ دعوة طيبة، مع إني أعتقد إنها مبتدعيلى أصلاً، دي بتدعي عليا."
تبسم محمد وضم سميحة قائلاً:
"أنا فعلاً ربنا بيحبني عشان بعت لي لدغة قلبها زي اسمها، دايمًا بيسامح ومش بيشيل الأسية."
تبسمت سميحة قائلة:
"مش مستاهلة الواحد يشيل في قلبه. بقول لك إيه الكلام خدني، النهاردة اليوم اللي بروح أقعد فيه عند ماما. هقوم أغير هدومي وتاخدني توديني عندها."
تبسم محمد بمكر قائلاً:
"طب ما تروحي مع السواق."
ردت سميحة:
"وحضرتك فين مش جوزي وتوصلني معاك في سكتك."
رد محمد بتفكير:
"تدفعي إيه وأوصلك معايا في سكتي."
نهضت سميحة من جوار محمد وقالت:
"وحضرتك عاوزني أدفع لك بأي صفة إن شاء الله، ناسي إنك جوزي وأنا ملزمة منك والمفروض تجيب لي عربية خاصة."
فكر محمد قائلاً بمكر:
"وانتي بتعرفي تسوقي، عشان أجيب لك عربية خاصة."
ردت سميحة:
"وفيها إيه بسيطة قدملي في مدرسة سواقة."
ضحك محمد قائلاً:
"موافق بس لازم آخد رشوة قبل ما أقدم لك."
قال محمد هذا ولم يهمل سميحة الرد حين جذبتها عليه لتبقى بجسدها فوق جسده، وقبل أن تفيق من الخضة كان يُقبلها بعشق. بادلته القبلات، ثم بعد قليل ترك شفاها قائلاً:
"نفسي ربنا يرزقني منك بسيدة الصعيد التانية وتكون لدغة زي مامتها بس تاخد قلبها البسيط."
تبسمت سميحة قائلة بتمني:
"ده اللي بطلبه من ربنا وبقول يارب."
***
ليلاً.
تبسمت سلسبيل لـ قماح وهو يضع الصغير في مهده، بهدوء. قائلة:
"ها نام."
همس قماح قائلاً:
"أخيرًا. بعد كده مش هدخل معاكي في تحدي، بعترف إني خسرت فعلاً. الأمومة دي صعبة قوي مش عارف بتجيبي طول البال دي منين."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"وانت كمان وأخد مني كان منعوس."
تبسم قماح وهو يصعد لجوارها على الفراش يضمها بين يديه قائلاً:
"توبة أتحداك خلاص بعترف أنا خسران."
ضحكت سلسبيل قائلة:
"المفروض تدفع غرامة إنك خسرت."
نظر قماح لها قائلاً:
"وأيه هي الغرامة دي بقى؟"
ردت سلسبيل:
"بكرة بفكر آخد أجازة من شغلي في المقر، وعاوزة أفسح في النيل من زمان."
تبسم قماح قائلاً:
"بس أنا جدول أعمالي مشغول."
نظرت له سلسبيل بتمثيل قائلة:
"يعني خسران ومش عاوز تفسحني أنا وناصر؟ خلاص هقوم أصحيه أقوله باباك مش قد كلمته."
قالت سلسبيل هذا وكادت تنهض من على الفراش. لكن قماح كان الأسرع حين جذبها عليه قائلاً:
"لأ هدفع الغرامة اللي تطلبيها بس بلاش تصحي ناصر. أنا مصدقت إنه أخيراً نام علشان تفضلي لي، يا نبع الميه."
تبسمت سلسبيل قائلة بخجل:
"وعاوزني أفضالك ليه."
تبسم قماح وهو يقترب من شفاه سلسبيل قائلاً:
"عشان نفكر سوا في فسحة النيل بكرة. أصلي عطشان وعاوز أشرب من النبع الصافي."
تبسمت سلسبيل له قائلة:
"بسيطة أبقى أشرب من مية النيل بكرة ودلوقتي بقى هقولك تصبح على خير يا أبو ناصر."
قالت سلسبيل هذا وتسطحت على الفراش مبتسمة. نظر لها قماح قائلاً:
"واللي عطشان دلوقتي يعمل إيه."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"والله المثل بيقول المية متفوتش على عطشان، وطالما قدامك النبع تقدر تشرب منه تروي عطشك ليه تفضل عطشان لبكرة."
نظر قماح لها بشوق واقترب منها هامساً بالعشق، يشعر بالارتواء من قبلاتها ولمساتها الشغوفة التي تحثه على احتياج المزيد من الارتواء من نبعها العاشق.
بعد قليل غفت سلسبيل على صدر قماح وغفى هو الآخر.
لكن أثناء نوم سلسبيل رأت نور الغرفة معتم، وهناك من يقف أمام مهد صغيرها، وانحنى وأخذه من مهده. لكن فجأة اشتعل الضوء ونظرت ناحية مهد صغيرها ورأت سكين يوضع على رقبته، ذلك السكين عليه بعض قطرات الدماء، لكن الغريب أن طفلها كان يبكي. كأنه يستغيث بها.
فجأة... استيقظت سلسبيل فزعة وابتعدت عن صدر قماح ونظرت له قائلة بلهفة:
"ناصر فين؟"
تعجب قماح واعتدل بالفراش جالساً يقول:
"ناصر في سريره نايم."
أزاحت سلسبيل الغطاء عنها ونهضت من على الفراش وذهبت إلى ذلك الفراش الصغير النائم به طفلها. تنهدت براحة وهي ترى صغيرها نائم في مهده. انحنت تحمله ثم ذهبت إلى الفراش ووضعته بالمنتصف بينها وبين قماح المستغرب. وقبل أن يتحدث قالت سلسبيل:
"أنا متعودة ناصر ينام جانبي عالسرير، ونس."
تبسم قماح يقول:
"بس ده لما كنتي بتنامي لوحدك عالسرير. دلوقتي، أنا بنام جنبك، وكمان بسيب نور خافت في الأوضة، يعني مش محتاجة لـ ناصر ينام جنبك ونس، ولا حضني مش مونسك."
رغم شعور سلسبيل السيئ لكن قالت له:
"خليه ينام بينا الليلة."
تبسم قماح وهو ينام على الفراش قائلاً بموافقة:
"تمام."
تبسمت سلسبيل وهي تضع الصغير في المنتصف بينها وبين قماح. وضع قماح يده على وجنة سلسبيل قائلاً:
"تصبحين على خير."
أغمضت سلسبيل عينيها ثم فتحتها ترسم بسمة:
"وأنت من أهله."
نعس قماح، بينما سلسبيل لم تنام ظلت تنظر لطفلها بعض الوقت، تفكر في ذلك المنام السيئ. هل هناك من يضمر لطفلها الشر.
***
في يوم جديد. ظهراً.
بأحد الشقق الفارهة بمدينة بني سويف. دخلت زهرة ترسم بسمة صفراء قائلة:
"إزيك يا هند، وحشاني."
ردت هند بخباثة:
"لو كنت وحشاكِ صحيح كنتِ زورتيني من زمان."
ردت زهرة:
"ما انتِ عارفة العقربة هداية، وتحكماتها وأنا مش عاوزة أوجع دماغي في المناهدة معاها. وسألت عليكي بالموبايل قبل كده، بس قماح متوصي بيكِ جاب لك شقة في منطقة راقية، وسمعت إنه كمان حول لكِ مبلغ محترم باسمك في البنك."
ردت هند:
"تفتكري إن ممكن الشقة والمبلغ اللي حوله لي قماح تعويض ليا عن أذيته لقلبي، اللي استهون بيه من بداية جوازنا أول مرة."
تعجبت زهرة قائلة:
"قصدك إيه؟"
ردت هند:
"محتاجة مساعدتك."
ردت زهرة باستخبار:
"مساعدتي في إيه؟ أنا مقدرش أساعدك في أي حاجة، مبقتش زي الأول."
ردت هند:
"وأيه اللي خلاكي مش زي الأول ومش هتقدري تساعديني."
ردت زهرة:
"أنا حامل."
ضحكت هند لثوانٍ قبل أن تقول لها بمفاجأة:
"ويا ترى مين والد الجنين اللي في بطنك؟ رباح ولا نائل أخويا."