تحميل رواية «عش العراب» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدى قُرى صعيد مصر، ب "بنى سويف" بمنزل ضخم لإحدى أشهر عائلات البلدة، والذي ذاع صيتها في العقد الأخير، ليس فقط على مستوى القرية ولا المحافظة، بل الصعيد بأكمله والقاهرة وبمصر كلها تقريباً. "العراب"، أصبح ماركة شهيرة بالحبوب الغذائية ومنتجاتها، سواء (الدقيق، والأرز، والذرة، وغيرها من البذور المستخدمة في تصنيع المواد الغذائية). كما أنهم يمتلكون بعض مضارب الأرز، وأكثر من شونة لتوريد القمح من الفلاحين وتسويقه. بشقّة بالدور الثاني، استيقظت سلسبيل بتذمر، بعد عدة محاولات من همس لكي تجبرها تستيقظ. فلقد ق...
رواية عش العراب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد سلامه
أمام أحد البنايات العالية، نظرت هدى إلى البناية. وقفت تتأكد من عنوان ذلك المركز التعليمي المختص بنظم الحاسب والبرمجة.
من ثم دخلت إلى مصعد البناية الزجاجي.
قائلة: مين يصدق سنتر عالمي بالحجم ده في صعيد مصر، لأ وايه على أحدث الطرازات كمان، ومفتوح فيه مكاتب لفروع شركات لها وزنها، وياترى بقى عيلة العراب ليها هنا مكتب ولا فات السنتر ده على قماح، يجوا يشوفوا بتوع المسلسلات اللي بيجبوا أهل الصعيد ببيوت قديمة وبقرة وجاموستين.
شعرت هدى بالكسوف حين سمعت من يقول لها: فعلاً في المسلسلات بيصوروا أهل الصعيد صورة عشوائية.
نظرت هدى لمن يتحدث لها، هو شاب ذو لياقة بدنية وشعر رأسه طويل لحد ما. هذا ليس غريب، لكن الغريب هو يقف بزى رياضي مفتوح السحاب من الأمام يُظهر نصف صدره.
أستحت هدى من النظر له وأزاحت عينيها عنه، لكن بنفس اللحظة رن هاتفها. أخرجته من حقيبتها ترد على من يهاتفها.
فتحت المكالمة وردت: أيه يا بنتي، أوعي تقوليلي توهتي عن مكان المركز، أنا خلاص وصلت له وفي الأسانسير.
ردت الأخرى: لأ وصلت وأنا أهو قدام باب السنتر، هو المكان كان يتوه بس الحمد لله وصلت.
ردت هدى: طب أنا هوقف الأسانسير لحد ما تيجي نطلع سوا، يلا عارفة إن فونك كارت بلاش رغي عشان مترجعيش تقوليلي خلصت الرصيد معاكي مكالمات.
أغلقت هدى الهاتف، وأعادته لحقيبتها، لكن الآخر كاد يضغط على زر الصعود. لكن قالت هدى بتحذير: من فضلك استنى زميلتي قدام السنتر، ثواني وهتكون هنا.
توقف الآخر قائلاً: تقدر تطلع في الأسانسير الثاني، كفاية عطلة بسبب حضرتك واقفة تتكلمي في الفون وموقفة الأسانسير.
إحتدت هدى قائلة: وطالما في أسانسير ثاني إيه اللي خلاك تضيع وقتك الثمين ووقفت تستنى لحد ما خلصت مكالمتي، مفيهاش حاجة تستنى دقيقتين كمان أو تقدر تروح للأسانسير الثاني.
نظر لها بتفحص قائلاً: وكمان حضرتك تقدري تنزلي من الأسانسير ده وتستني صديقتك في الأسانسير الثاني.
نظرت له بحدة، لكن قبل أن ترد دخلت صديقتها تلهث قائلة: قلبي هيوقف، خلاص، المكان جديد حتى سواق التاكسي ما كانش عارفه... لو ما كانش لوحة المركز متعلقة عالسنتر ما كنتش عرفت أوصل.
ردت هدى: خدي نفسك.
رد الآخر بحدة: أظن زميلتك وصلت نطلع بقى بدل العطلة دي وتاخد نفسها واحنا طالعين في الأسانسير.
إحتدت هدى وكادت ترد بحدة، لكن نظرت صديقتها له وقالت ببرود: حضرتك طالع الدور الكام.
رد عليها: الدور الثامن.
نظرت له هدى قائلة: حضرتك جاي جيم في الدور الثامن، أنا قريت كل اللوحات اللي عالسنتر من بره، طب طالما رياضي كان لازمته إيه بقى تطلع في الأسانسير، كنت خدت السلم جري أهو رياضة.
رد الآخر بعصبية وهو يمد يده يضغط على زر الصعود: المرة الجاية هبقى أطلع عالسلم أفضل ما أبقى أستنى حضرتك تخلصي كلام في الفون.
نظرت له هدى بغيظ، لكن سرعان ما تجاهلته ووقفت جوار صديقتها التي أخرجت إحدى الورقات من حقيبتها وقالت: قريتي اسم الأستاذ اللي هيبقى مسؤول عن الكورس بتاعنا.
تبسمت هدى وقالت: آه قريته.
تبسمت صديقتها وقالت: اسمه تنظيم بهنسي.
تبسمت وقالت بتريقة: وبسبب اسمه ده مش عارفة ليه حاسة الكورس ده مش هيفيدنا أكيد ده أستاذ متقاعد ومعندوش خبرة في البرمجة ونظم الحاسبات عليه العوض في فلوسنا.
تدخل الآخر في الحديث قائلاً: أنا شايف إنه مجرد اسم عادي، ولا لازم الأستاذ يبقى اسمه وائل ولا تامر عشان يكون عنده دراية بنظم البرمجة والحاسبات الحديثة، دي مجرد هيافات منكم.
إغتاظت هدى من حديثه وقالت: هو إحنا كنا وجهنا لسيادتك حديث، عشان تدخل وتقول علينا هايفين، ولا هو نظام رخامة والسلام.
إحتد الآخر أيضاً، وكاد يرد عليها، لكن قاطعته صديقتها الحديث وقالت: خلاص الأسانسير وصل، وفعلاً حضرتك محدش ندبك في الحديث.
نظر لهن بتمعن، ثم فتح باب الأسانسير الذي توقف وخرج منه قبلهن.
بينما وقفت هدى لدقيقة تنفخ أنفاسها قائلة: واحد غلس من أول ما دخل الأسانسير، معرفش كنت هستحمل أطلع معاه لوحدي إزاي في الأسانسير، كويس أول مرة توصلي في وقتك.
تبسمت صديقتها وقالت لها: هو شكله يدي غلس، بس مش شايفة جسمه الرياضي، شكله كوتش في الجيم اللي هنا في السنتر، بفكر بعد ما ناخد المحاضرة، أشوف الجيم ده، أكيد فيه من نوعية الواد الغلس ده اللي بيبقى عندهم ست سبع عضلات مقسمين فوق بعض.
تبسمت هدى قائلة: هتفضلي تافهة زي ما الحمار اللي كان هنا من شوية قالنا، بتاخدي بالمظهر الخارجي، وأخلصي اطلعي من الأسانسير خلينا نلحق المحاضرة، زمان تنظيم بهنسي نايم في المركز جوه، هتلاقيه مدرس متقاعد وبيشغل وقته في التدريس في المركز ده أهو يزود دخله جنب المعاش بتاعه.
تبسمت صديقتها وقالت: أهو كويس انتي تحضري محاضرة بهنسي، وأنا أبقى أروح الجيم، عاوزة أخس من الأرداف شوية.
ضحكت هدى قائلة: ده عقلك اللي هاوز يخس شوية قدامي عالمركز.
تبسمت صديقتها.
دخلن إلى مكتب ذلك المركز التعليمي، ودخلن إلى قاعة شبه متوسطة الحجم، ووجدوا هنالك ملتحقين معهم بأعمار مختلفة.
جلسن بأحد الأماكن الخالية جوار بعضهن، ينتظرن دخول ذلك المدرس.
بالفعل ما هي إلا دقائق ودخل إلى الغرفة.
وقف يقول: مساء الخير، يا سادة هكون معاكم في الكورس، الأستاذ...
توقف عن الحديث ونظر إلى وجه هدى بالذات وقال بفخر: أستاذ نظيم بهنسي، معايا دكتوراه في نظم المعلومات والبرمجة الحديثة من جامعة السربون بفرنسا.
إنذهلت هدى وصديقتها ونظرن لبعضهن ثم شعرن بخذلان.
تحدث نظيم قائلاً: بما إن دي أول محاضرة لينا مع بعض والعدد مش كبير ممكن نتعرف على بعض وبما إني عرفت نفسي فده دوركم في تعريف نفسكم ليا ويا ريت كل شخص يقول سبب إنه التحق بالكورس ده ليه.
تبسموا له وبدأوا بتعريف أنفسهم له، إلى أن جاء الدور على هدى في تعريف نفسها، وقالت: هدايه ناصر العراب، وسبب إني آخد الكورس يساعدني في دراستي لأني بدرس في كلية الحاسبات والمعلومات، زيادة تعليم يعني.
ضحك نظيم وقال بمزح يشوبه سخرية: هدايه، ربنا يتوب علينا كلنا ويهدينا للصواب. وفعلاً نظم الحاسبات والمعلومات بحر واسع التكنولوجيا كل ثانية في تطور.
نظرت له هدايه وهي متضايقة من نبرة سخريته وردت ساخرة: آمين يارب، وفعلاً التكنولوجيا، بتطور بسرعة جداً، بس ليا ملاحظة أنا عمري ما شفت أستاذ المفروض إنه محاضر، بيروح المحاضرة بالترنج سوت بتاعه. المرة الجاية هتجى بشورت وفانلة.
رد نظيم: وكاب، شورت وفانلة وكاب لازم الطقم يبقى كامل على بعضه.
إغتاظت هدى من رده البارد ودت لو ذهبت لمكان وقوفه وصفعته، لكن صمتت.
تبسم نظيم وقال: بما إن خلاص اتعرفنا على بعض، أنا شايف إنكم معظمكم شباب حتى لو كبار عن السن مش فرق كبير حتى الأصغر برضه كذلك، فبقول بلاش رسميات بينا تقدروا ببساطة تنادوني باسمي بدون ألقاب تنظيم فقط، ودلوقتي خلونا نبدأ المحاضرة الأولى في الكورس، طبعاً معظمكم عنده مبادئ نظم الحاسبات والمعلومات، قدامكم أجهزة، بس المحاضرة دي مش هتكون تطبيق عملي على اللي هقوله، دي محاضرة نظري، يعني الأجهزة مش هنشتغل عليها، ياريت تركزوا معايا لأن اللي هناخده المحاضرة دي هنطبقه عملي المحاضرة الجاية، أتمنى تستوعبوا المحاضرة كويس تجنباً للأخطاء وقت التنفيذ العملي على أجهزة الحاسب الموجودة بالمركز.
تنهدت هدى وهمست لصديقتها: شكله رغاي ونافش ريشه بالدكتوراه بتاع السربون، اللي بشك إنه خدها فعلاً. بالترنج سوت بتاعه ده، لا والمرة الجاية مش بعيد يجي بالشورت والفانلة الكت.
تبسمت صديقتها وقالت: طب ياريت يجي بالشورت والفانلة الكت نشوف السمانة والترابيس، دي أمور قوى.
إستهزأت هدى من رد صديقتها وقالت: أنا بقول نركز في المحاضرة وبلاش الترابيس والسمانة، لا سمانة تخطف عقلك، أكتر ما هو.
بدأ نظيم في إلقاء المحاضرة، تعجبت هدايه من طريقة شرحه البسيطة والمتطورة والسلسة في توصيل المعلومات، لا تنكر ذلك رغم شعورها بالغيظ منه.
بعد وقت انتهت مدة المحاضرة، نهض الجميع وبدأوا في الخروج من الغرفة، لكن نظيم تحدث: هدايه ممكن دقيقة.
إغتاظت هدى من نطقه لاسمها دون لقب يسبقه، كذلك شعرت أنه يتهكم على اسمها.
وقفت هي وصديقتها وقالت: نعم.
بداخله تبسم نظيم من قول هدى، يعلم أنها تعتقد أنه يستهزأ بنطق اسمها دون لقب سابق. لكن قال: ليا سؤال، هو انتي من عيلة العراب المعروفة هنا في الصعيد، ولا ده تشابه أسماء.
تنهدت هدى وقالت بنبرة غرور عن قصد منها: أيوا أنا من عيلة العراب اللي مش بس مشهورة في الصعيد، لأ في مصر كلها. حضرتك بتسأل ليه؟
تبسم نظيم يقول: مفيش سبب، تقدري تقولي فضول مش أكتر.
إغتاظت هدى من ذالك الأحمق كم تود صفعه على بروده هذا، لكن قالت صديقتها، يلا بينا يا هدى.
نظرت هدى لصديقتها وقالت لها: يلا بينا نطلع نشم هوا طلق، بدل خنقة التكييف اللي هنا في المركز.
رسم نظيم بسمة لهن وهن يغادرن، ثم تحدث بعد ذلك: أهلاً بيكي يا بنت العراب.
بينما قبل قليل بمنزل العراب
إحتدت ملامح قماح وذُهل من طلب سلسبيل الطلاق، وقال: واضح إنك اتجننتي أو عقلك طار، عاوزاني أطلقك قبل ما يمر على جوازنا تلات شهور، مفكرتيش في كلام الناس هيقولوا إيه، أنا بسأل سؤال تردي عليه مش تقوليلي كلام فارغ وتطلبي الطلاق كمان.
ردت بحدة: ميهمنيش الناس يقولوا إيه، وكلامك مش سؤال ده اتهام وشك واضح.
رد قماح: سؤالي واضح، علبة حبوب منع الحمل دي وقعت من بين هدومك، دلوقتي، أظن محدش من الشغالين بيدخل الشقة عشان أخمن أنها ممكن تكون جت غلط بين هدومك.
ردت سلسبيل: فعلاً مفيش واحدة من الشغالات بتدخل الشقة، بسبب أمرك من الأول بكده، وأنا اللي بنضف الشقة بنفسي من فترة لفترة، بس الشقة أوقات بسيب المفاتيح في الباب، وحتى في نسخة مفاتيح ثانية موجودة في أوضة جدتي اللي بتقعد فيها بالنهار. وسهل أي حد ياخدها بدون جدتي ما تعرف، وأنا لو باخد الحبوب دي ما كنتش هخبى عليك، هخاف من إيه، أنا بنت العراب يا قماح حفيدة الحاجة هدايه مش جبانة وإن كنت مفكر استسلامي ليك ولأوامرك ضعف تبقى غلطان، وبقولك كفاية طريقتك دي في تعاملك معايا، أنا مغصبتش عليك تتجوزني من البداية، وإن كنت انت تفضلت وتكرمت عشان إنقاذ اسم العيلة بعد اللي عملته همس واللي عندي يقين إنها مش خاطئة، يبقى كان الأولى تعرف إن همس زي ما هي أختي فهي بنت عمك، واللي يمسها يمسك، ودلوقتي ميهمنيش كلام الناس، لما يقولوا، ابن العراب طلق بنت عمه قبل ما يفوت تلات شهور على جوازهم، عادي كلام الناس مش هيوجع زي كلامك ومعاملتك ليا، كفاية أنا كرهت حياتي بسببك، وبتمنى إني كنت عملت زي همس وما فكرتش وانتحرت وارتاحت زيها. أنا خوفت على هدى أختي، تبقى معيرة، واتحملت عنجهيتك وغرورك، اللي كنت قبل كده طول الوقت بتجنبه بسببهم، أنا سلسبيل ناصر العراب، اللي عمر ما حد بس قدر يتعالى عليها بكلمة واحدة.
سكتت وبلعت طريقتك العنجهية وكنت من جوايا متأكدة إني مش هستحمل كتير.
عقل قماح غير مستوعب حديث سلسبيل من تلك اللي أمامه أليست تلك هي سلسبيل التي استسلمت له من بداية زواجهما، وكانت تتقبل عنفه معها، ماذا ظن، هل كانت تخدعه، بإظهار استسلامها له، بينما هي صلبة أمامه الآن.
واهم من يعتقد أن استسلام المرأة ضعف، فالقوة أحياناً كثيرة تكمن بضعفها التي بلحظة تنفضه وتظهر صلابتها.
رد قماح بعنجهية: انسى إني أطلقك يا سلسبيل، شيلي الكلمة دي من دماغك، وحتى لو حبوب منع الحمل دي بتاعتك وأخدتي منها ميهمنيش، يهمني اللي جاي وفي أقرب وقت هتكوني حامل مني.
قال قماح هذا وترك الغرفة بل الشقة بأكملها.
زفرت سلسبيل أنفاسها تشعر بزهو، حتى إن لم تحصل على الطلاق اليوم، لن تنتظر كثيراً، يكفي أنها واجهت قماح وتلك أول خطوة، لكن سألت بعقلها: من الذي وضع تلك العلبة بين ملابسها وما غرضه من ذلك، أيُعقل أن يكون قماح نفسه هو من وضعها!؟
بشقة زهرة.
تحدثت عطيات قائلة: وأنا طالعة عالسلم وش قماح كان أسود زي الطين وشكله على آخره حتى هدايه بتكلمه سابها ومشى من غير رد، ولا حتى رد عليا.
تبسمت زهرة بتشفى: قصدك إيه، يكون شاف علبة الحبوب اللي حطتيها في هدوم سلسبيل واتخانقوا.
تبسمت عطيات بظفر وقالت: شكله كده.
تبسمت زهرة وقالت: ياريت يكون ظنك صحيح، كانت فكرة حلوة، بكده طبعاً الست سلسبيل حتى لو حامل مش هتقدر تقول دلوقتي، ما هو قماح مش هيصدق بعد ما شاف علبة الحبوب بعنيه.
ضحكت عطيات قائلة: خلي هدايه على نار بقى، وهي في انتظار حفيدتها الغالية تجول لها إنها حبلى في حفيد العراب، بس اسمعي حديثي بجى وبلاش تاخدي مانع تاني وربنا يكرمك بجد وتحبلي.
ردت زهرة: لأ خلاص معدتش هاخد مانع حمل، أنا لو حملت هحرق قلب هدايه، دي حتى استخسرت تطلعي هنا تشوفني وتطمني عليا، بعد ما عرفت إني سقطت. زي ما يكون فرحت فيا.
ردت عطيات: انتي تحمدي ربنا إنها ما طلعتش ليكي، أنا كنت خايفة منها دي عجربة واعرة بجولك بتعرف الست حبلى من النظر لجسمها.
تهكمت زهرة: ولما هي ناصحة كده، إزاي معرفتش إن همس بنت خالي كانت حبلى، دي كلها تخاريف وأهو أنا خلاص خلصت من الكذبة دي واللي يهمني رباح مش هدايه، رباح مصدقني.
تبسمت عطيات بخباثة وقالت: يبقى بقى تلعبي على وتر رباح، وتكسبيه قد ما تقدري، وأول طريقة، إنك تحبلي منه، وجتها قيمتك هتزيد عنيديه، ولو طلبتي الشهد في غير أوانه هيجيبه ليكي.
ردت زهرة عليها ببسمة خبث هي الأخرى تتفق معها في الرأي، رغم أن بداخلها مازالت لا تريد أن تحمل بأحشائها الآن، لكن لما لا تخالف رغبتها في سبيل نيل الأكثر.
آتي المساء.
أرسلت هدايه إحدى الخادمات لشقة سلسبيل تستدعيها من أجل النزول لتناول العشاء.
ردت سلسبيل على الخادمة: قماح بيه رجع.
ردت الخادمة: لأ، بس الحجة هدايه جالتلي أطلع أقولك إن العشا جاهز.
ردت سلسبيل: تمام انزلي وأنا هحصلك.
بالفعل بعد دقائق. نزلت سلسبيل إلى غرفة الطعام، تفاجئت بوجود قماح على السفرة.
فكرت وذهبت تجلس في مكانها القديم جوار هدى.
لكن تحدثت هدايه: اجعدي جار جوزك مكانك جنبيه.
رغم عدم إرادة سلسبيل لكن استسلمت لقول هدايه وذهبت تجلس جوار قماح، بينما لاحظت نهله نظرات قماح الغاضبة لسلسبيل حاولت التلطيف قائلة: لسه سلسبيل متعودتش على الجعاد جار قماح، أنا فضلت مدة كده على ما اتعودت على جُعادي جار ناصر.
تبسمت هدايه ونظرت ناحية رباح قائلة: فين مرتك يا رباح ليه ما نزلتش تتعشى معانا. مش بقت زينة ليه ما نزلتش، ولا قعدتها مع أمها نستها العشا. كانت تنزل هي وعطيات يتعشوا معانا، الخير كتير في دار العراب.
إرتبك رباح قائلاً: سيبهم على راحتهم يا جدتي، وزي ما قولتي الخير كتير في دار العراب.
ردت هدايه: بعد كده مرتك تنزل لهنا من صباحية ربنا زيها زي الحريم اللي في الدار يدها بيدهم.
رد رباح: بس.
قاطعته هدايه بحزم قائلة: كلمتي تتنفذ، زهرة زيها زي سلسبيل كأنها في الدار، بلاش خزنتها في شقتها دي طول الوقت، وكمان بعد كده ممنوع تطلع من الدار من غير إذني. وتجولي رايحة فين قبل ما تطلع من الدار.
كان رباح سيعترض، لكن سبقته تلك المرائية قدرية وقالت: والله كنت هجول لرباح كده يا حجة هدايه، بس انتي طويلة العمر إن شاء الله سبقتيني، هنا زهرة زيها زي اللي كانوا قبلها، وزي اللي بعدها من حريم العراب، هي شافت هند قبل كده كانت بتقعد طول النهار هنا معانا في الدور الأرضي، ما كانتش بتطلع شقتها غير عالنوم، وسلسبيل كمان أهي بنت الدار، بس سلسبيل بتروح تقعد في البتاع بتاعها ده مش عارفة أقول اسمه.
ردت سلسبيل التي تعلم أن قدرية تحاول استفزازها بذكر طليقة قماح: اسمه أتلييه يا مرات عمي. بس ده بروحه أقتل الفراغ اللي بحس بيه، بدل ما أتأمر عالشغالين عالفاضي والمليان وأعمل فيها صاحبة كلمة.
تبدلت نظرة قدرية، ل سلسبيل من نظرة استفزاز إلى نظرة غيظ، وكادت تتحدث.
بينما قاطعتها هدايه التي انتشت من رد سلسبيل عليها وقالت بحسم: جولت قبل كده، لا كلام على طعام، خلونا نتعشى مع بعضينا. في سكات.
صمت الجميع وبدأوا بتناول الطعام إلى أن انتهوا، نهضت هدايه، لكن تحدث كارم لها: جدتي كنت عاوزك انتي وأبويا في موضوع خاص.
استشفت هدايه سبب طلب كارم، وقالت له: تعالي لمجلسي.
دخل الفضول لعقل قدرية وودت سبب طلب كارم ذالك، لكن فيما بعد ستسأل كارم عن السبب.
بينما نهضت سلسبيل وتوجهت ناحية هدى وساعدن الخادمات في فض السفرة، ثم ذهبن معاً.
بينما جلس قماح مع ناصر ومحمد أخيه يتداولون بعض الأعمال، بينما رباح استأذن للصعود إلى شقته من أجل البقاء مع زهرة فهذا أفضل له من الجلوس بمكان به قماح.
بغرفة هدايه.
تحدثت هدايه: خير يا كارم عاوزني أنا وابوك في إيه؟
رد كارم: همس.
ردت هدايه عليه قائلة: مالها همس يا ولدي، أنا كنت عندها من كام يوم وكانت زينة وبتصل عليها كل يوم ومش بحس هي كمان بتصل على وصيفة عشان أطمن أكتر. معرفش سبب إنها عاوزة تفضل في نظر الجميع ميتة.
رد كارم: هي بتقول إنها مرتاحة كده، بس مش ده السبب اللي كنت عاوزك فيه يا جدتي، أنا طالب مساعدتك.
ردت هدايه بعدم فهم: أساعدك في إيه يا ولدي، أنا خلاص بقيت ست كبيرة ومش قد المناهضة، قول اللي عاوزه من غير كلام كتير.
تبسم النبوي وقال: الحاجة هدايه مش قد المناهضة، بس عندك حق يا أمي، فعلاً أنا عاوز أعرف كارم عاوز يوصل لإيه.
تبسم كارم بغصة وقال: أنا طلبت من همس إننا نتجوز في أقرب وقت وهي رفضت.
لا تعرف هدايه أي شعور يطغى عليها، الفرح أم الحزن. الفرح من أجل همس وكارم ذالك العاشق أم تحزن على همس وحالها التي وصلت إليه، وإرادتها أن تبقى ميتة وينساها الجميع، لولا أنها تعرف تربية همس من البداية فهي تربيتها لكانت صدقت أن همس أخطأت وتستحق الموت، لكن لما لا تعود همس وتبرأ نفسها، ذالك هو السر التي تخفيه.
كذالك النبوي شعر بحزن وقال: أنا سبق وقولت لها إنك طلبتها للجواز، وسكتت مردتش، قولت يمكن موافقة.
رد كارم: لأ يا بابا مش موافقة ولما حاولت أقنعها سابتني ومشيت وحتى بتصل عليها مش بترد وكنت هروح لها الشقة، بس قولت أخليها تهدى شوية، وأطلب من جدتي تساعدني وتحاول تقنعها نتجوز.
تبسمت هدايه بوخزة في قلبها وقالت: حاضر يا ولدي هستنى كام يوم وأروح أحاول أقنعها، أنا مش هطمن عليها غير لما تكون مرتك. حتى لو مرضتش تكشف إنها لسه عايشة.
تبسم كارم يقول: بس هي توافق تتجوزني واللي يحصل بعدها يحصل حتى لو قالتلي نهاجر مش هأمانع.
تبسم النبوي، في ذلك الوقت رأى نفسه قديماً، حين جازف وتزوج من تلك اليونانية التي سلبت قلبه، رغم أنه كان متزوجاً من أخرى، لا يشعر معها سوا أنها امرأة تريد السيطرة والقيادة، كانت خلافاتهم أكثر من اتفاقهم، كان يتحمل طباعها الفظة من أجل ابنه رباح، كذلك أخته عطيات، لكن حين أشرق الحب في قلبه لم يستطيع مقاومته، رغم أنها كانت على دين آخر وجنسية أخرى، لكن الحب لا يعرف التفرقة، سواء العقائدية أو حتى الجنسية.
بعد قليل أخرج النبوي مفتاح تلك الغرفة المغلقة منذ سنوات ودخل بها، هناك آثار غبار على أثاث الغرفة، إشتم ذلك العطر الذي ربما مازال يسكن روحه، وأغمض عينيه يتنفس هامساً: كارولين. رأى بسمة شفاها التي كانت تفتنه سار مغمض العين، إلى أن وصل إلى مكان الفراش وجلس عليه متنهداً، منتشياً، ثم فتح عينيه ليتحسر قلبه بعدها، الغرفة خالية من كانت تسكن خياله قبل لحظات، رحلت وأخذت قلبه معاها، وهب حياته من بعدها لأولاده، كأن القدر يعاقب العشاق بالفراق، من عشقها رحلت وأخذت روحه وسعادته معها، ومن تزوجها ببدل ومازالت تفتعل المناوشات ظلت هي معه، أهناك عقاب أقسى من ذلك، لو تبدل الوضع وعاشت كارولين، لأصبحت أماً حقيقية لأبنائه الأربعة وربما زادوا عن ذلك وعاشت تلك الفتاة التي أخذت معها والداتها، كارولين كان بقلبها الحب فائض، حتى على أبناء ضرتها، كانت تسعد بهم كانت تود عائلة كبيرة، لكن كان القدر معها معانداً حاولت الإنجاب بعد قماح أكثر من مرة لكن لم يكن يحدث، وحين حملت بعد أكثر من تسع سنوات كانت سعيدة لكن كان هذا الحمل لعنة النهاية لها ولفتاتها.
مد النبوي يده وحمل تلك الصورة، مسح الغبار من عليها، نظر لبسمتها بالصورة وهي تحمل سلسبيل وقماح يقف لجوارهن، كانت آخر صورة لها، تذكر يوم التقاط تلك الصورة. كان في بداية الخريف نفس الوقت الحالي، سمع طنين همسها وهي تقول مثلما كانت تقول والدته: سلسبيل نبع الماء العذب، حاسة إنها اتخلقت عشانك، يا قماح، أوعى في يوم تزعلها.
تبسم قماح وهو يأخذها من يد والدته وحملها بين يديه وقبل وجنتها وقال لها: وأنا كمان بحب سلسبيل عشان انتي بتحبيها يا ماما ولما تكبر مش هخلي أي حد يأذيها ولا يقرب منها.
دمعة فرت من عيني النبوي، ذكرى ظن أنها لن تتحقق قماح وسلسبيل لن يجتمعا، لكن للقدر مشيئة، أمنية كارولين تحققت سلسبيل أصبحت من نصيب قماح، ذالك الفتى الذي عاد لجذوره بعد غياب سبع سنين عجاف لا يعلم كيف مرت تلك السنوات عليه، أكسبته تلك القسوة والبرود. وأحياناً العنجهية.
بشقة النبوي.
الفضول يتآكل قلب قدرية تريد معرفة ماذا كان يريد كارم من أبيه وجدته.
دخلت إلى غرفة كارم دون طرق على باب الغرفة، وجدته يخلع ثيابه.
إلتف لها كارم حين رآها قال: خير يا ماما.
حاولت ضبط فضولها وقالت: خير يا دنيا، كنت عاوزة أسألك، ليه بقيت بغيب عن الدار كتير، ده قليل لما بتجتمع معانا على الوكل.
رد كارم: مفيش بس مشغول الفترة دي ادعيلي بالخير.
ردت قدرية: بدعيلك انت وأخواتك بالخير، بس مشغول في إيه جوي كده.
رد كارم: اشتريت كافيه في منطقة كويسة وبجدد فيه.
ردت قدرية: كافيه، قهوة يعني، طب ليه يا ولدي ما اشتغلتش مع أخواتك الاثنين في الشغل بتاعتنا.
رد كارم: أخواتي تلاتة مش اتنين يا ماما، وأنا مش غاوي أشتغل في الكار ده، كفاية محمد وذل رباح له، وتفضيله لنسيبه على أخوه، ده قماح بيعامله أحسن من رباح.
إغتاظت قدرية وقالت: قولي موضوع إيه اللي كنت عاوز جدتك وابوك فيه؟
رد كارم: كنت بطلب من جدتي بمناسبة إني خلاص خلصت تجديد في الكافيه اللي اشتريته، تيجي تبخره وآخد بركتها وبابا كان علشان يقنعها معايا.
سخرت قدرية قائلة: بركتها، ثم أكملت بإستهزاء وهي تضرب على صدر كارم بخفة: ربنا يديها طول العمر إحنا عايشين في بركتها، هروح أشوف أبوك زمانه طلع لهنا، تصبحي على خير.
وأنتِ من أهله يا ماما.
خرجت قدرية بغيظ وتوجهت إلى غرفتها، نظرت لم تجد النبوي بالغرفة، تعجبت ظنت أنه صعد خلف كارم، حسمت أمرها ونزلت لأسفل، تبحث عنه، لكن لم تجده المكان أصبح شبه مظلم، لكن هناك غرفة بابها موارب يخرج منها خط نور صغير، شعرت بحرقة قلب هي تعلم لمن كانت تلك الغرفة، هي لتلك الأفعى التي سحرت النبوي وجعلته يتزوجها عليها، تلك الساحرة التي سحرت الجميع بنعومتها الخادعة كانت تدعى الألفة مع الجميع، كانت مخادعة وسقط الجميع في خداعها التي لم يخيل عليها للحظة، سلبت منها كل شيء، وأول شيء سلبت قلب النبوي الذي لم يحبها مثلما أحب تلك الأفعى، لم يبادلها يوماً الحب، كانت علاقة فطرية من البداية، زواج بدل من أجل أن تظهر هدايه أنها ليست صورة من زوجة الأب القاسية، بل المضحية، أجل المضحية، ضحت بابنها مقابل أن تزوج ابنة زوجها لكن أصبح أخاها لعبة بين يدي زوجته، بينما هي أصبحت مجرد امرأة في منزل زوجها كان من المفروض أن تصبح ملكته، لكن كانت هدايه صاحبة الكلمة، حتى أتت تلك الأفعى كارولين وأخذت منها باقي الهيبة، استحوذت على حب الجميع وطلبها البقاء مع هدايه بشقة واحدة تريد شعور العائلة، وزادت بالمحبة منهن حين أنجبت الفتى الثاني لهم، والذي كان مدللهم، رغم تلك السنوات الكثيرة التي مرت على رحيل كارولين، لكن النبوي لم ينساها للحظة واحدة، هي رحلت وسلبت معها قلب النبوي، الذي كان ضائعاً إلى أن عاد له نصف قلبه، قماح، كم تمنت الآن أن كان يسبق هذا الفتى والدته إلى القبر، أمنيتها أن تراه محطماً كما حطمت والدته قلبها قديماً.
بشقة رباح.
إضجع رباح بظهره فوق الفراش يدلك رأسه يشعر بألم.
نظرت له زهرة قائلة: مالك هو الصداع مش كان خف عنك، رجع تاني ولا إيه.
رد رباح: مش عارف ليه رجع من تاني، حتى علبة الحبوب اللي كنت باخد منها قربت خلاص تخلص، وكنت بفكر أجيبها من أي صيدلية.
ردت زهرة سريعاً: لأ بلاش الصيدلية.
إنتبهت زهرة لحالها وقالت: قصدي يعني ده دوا مستورد ومش هتلاقيه في الصيدليات موجود، أنا واحدة صاحبتي أخو جوزها عنده صيدلية بتبيع أدوية مستوردة، وهقولها تجيبلي علبة، طالما بتريح الصداع عندك.
تبسم رباح وجذب يد زهرة وقال بحب: ربنا يخليكي ليا يارب.
رسمت زهرة عليه وقالت: وربنا يخليك ليا، أنا ماليش غيرك، في الدنيا، بعدك.
تبسم رباح وضمه لصدره.
بينما قالت زهرة بخباثة: هو قماح وسلسبيل متخانقين، أنا كنت سمعت صوت قماح عالي بعد الضهر، وكنت هروح أشوف فيه إيه، بس قولت ماليش فيه، ده راجل ومراته.
إنتبه رباح وقال: تصدقي ممكن يكون بينهم خلاف، سلسيبل كانت رايحة تقعد جنب هدى، بس جدتي قالتلها مكانها جنب قماح.
تذمرت زهرة قائلة: طبعاً الست سلسبيل حبيبة قلب هدايه، معندهاش غيرها عالحتة، كأني أنا كمان مش مرات حفيدها، دي ما عزرتش رجليها بتراب السلم وطلعت تطمن عليا، بعد ما سقطت، لو كانت سلسبيل مكاني حتى لو جالها صداع عندها استعداد تطلع السلم عشر مرات، لكن أنا طبعاً ماليش قيمة عندها.
ضم رباح جسد زهرة وقال: انتي أغلى الغالين يا زهرة مش جديدة على جدتي تفرق في معاملتها، أنا نفسي بتفرق بيني وبين قماح، بس أنا بقيت بفوت اللي يهمني أنا وانتِ وبس.
تبسمت زهرة بظفر وقالت بدلال: رباح في بنت صاحبتي ودلتني على محل لبس حريمي إنما إيه بعتتلي صورة لقمصان نوم وعبايات مستوردة إنما إيه ذوق عالي قوي. كنت بفكر بكرة أروح أشتري شوية لبس كده أدلع بيهم وكمان أخرج من حالة الاكتئاب اللي عايشة فيها بعد ما سقطت.
رد رباح: وما له يا روحي اخرجى براحتك، بس قبل ما تخرجي من البيت ابقي خدي إذن جدتي، علشان هي مضايقة من خروجك من البيت بدون إذنها.
ردت زهرة بسخط: ده اللي ناقص كمان آخد إذن هدايه قبل ما أخرج من البيت، ليه مش متجوزة راجل ولا إيه.
قالت زهرة هذا ونفضت يدي رباح من عليها وابتعدت عنه نائمة على الفراش.
إقترب منها رباح يضمها من الخلف قائلاً: متجوزة راجل يا زهرة بس أنا بقول بلاش تشدي قصاد جدتي، هي عاوزة تحس إنها صاحبة كلمة في الدار، بس طبعاً الكلمة دي مش عليكي، يا روحي.
إستدارت زهرة قائلة بمكر: علشان خاطرك هستحملها، بس أنا وعدت صاحبتي أفوت عليها بكرة عشان اشتري شوية هدوم، كم قميص نوم عجبوني ولما تشوفهم عليا هيعجبوك قوي.
تبسم رباح يقول: انتي زينة الصبايا يا زهرة بتزيني أي شيء تلبسيه.
تبسمت زهرة وأكملت: وكمان عشان أجيبلك دوا الصداع يريح دماغك شوية.
رد رباح: آه ده مهم قوي، أنا دماغي مش بترتاح غير عالدوا ده.
تبسمت زهرة بلؤم: كنت محتاجة فلوس معايا.
تبسم رباح: بس كده اللي تطلبيه يا قلبي، ودلوقتي تعالي في حضني مش بعرف أنام غير وأنتِ في حضني.
تبسمت زهرة له قائلة: وأنا كمان مش برتاح غير في حضنك، يا حبيبي.
تبسم رباح وقام بتقبيل شفاه زهرة التي نظرت لأسفل عيناه، هناك سواد بدأ يغزوا أسفلها، رباح شبه أدمن تلك الحبوب، عليها البدء في استغلال ذلك قريباً.
بينما بشقة قماح.
بعد وقت.
تقلب قماح في الفراش لم يشعر بوجود سلسبيل جواره، هو غفى في بداية الليل وهي لم تكن عادت من أسفل مكانها شبه بارد.
نهض من على الفراش وخرج من الغرفة يبحث عنها بالشقة.
بينما سلسبيل حين صعدت إلى الشقة تعجبت حين وجدت قماح نائم، فهذه ليست عادته، ظنت أنها ستجده مازال مستيقظ، بعد حديثها الجاف معه ظهراً، لكن كيف لصاحب العنجهية والقلب القاسي أن يشعر بغيره، تركت الغرفة وذهبت إلى غرفة المعيشة وفتحت التلفاز تقلب بين القنوات إلى أن وجدت أحد الأفلام الكوميدية فجلست تشاهده، ربما كل ما تحتاج له الآن هي بسمة، لكن دون شعور منها سحبها النوم وغفت على إحدى أرائك الغرفة.
بينما قماح حين خرج من الغرفة سمع صوت التلفاز توجه إلى غرفة المعيشة تفاجئ حين رأى سلسبيل نائمة على تلك الأريكة، انحنى لجوارها وتتمعن من وجهها، الرقيق، سلسبيل ربما لا تحمل جمالاً باهراً، لكن صاحبة ملامح خمرية هادئة ورقيقة تلفت النظر لها، لكن إنصدم حين تقلبت وإنسدل شعرها خلف ظهرها، شعرها أصبح أقصر.
أيقظها قماح بحدة.
إستيقظت سلسبيل لكن مازالت نائمة تنظر لقماح، الذي قال بلوم: صوت التلفزيون عالي وصحاني من النوم.
ردت سلسبيل: لأ مش عالي، بس تمام أهو قفلته خالص عشان تعرف تنام، تقدر ترجع للأوضة تكمل نومك تاني بدون إزعاج.
تحدث قماح: وانتي هتكملي نوم هنا عالكنبة.
ردت سلسبيل: والله الكنبة مريحة جداً بالنسبة لي.
جذب قماح يد سلسبيل بقوة جعلها تنهض، لكن سلسبيل شدت يدها بعنف من يده.
إغتاظ قماح نظر بتفحص لشعر سلسبيل لاحظ بسهولة أنه قد تم قص جزء صغير منه بالفعل، تضايق قائلاً: انتي قصيتي شعرك.
ردت سلسبيل ببساطة: أيوه أنا متعودة أقص جزء من شعري من فترة لفترة حتى همــــــ...
صمتت تشعر بغصة في قلبها.
تحدث قماح بضيق: سكتي ليه متعودة إيه؟
ردت سلسبيل وهي تبتلع حلقها: متعودة أقصه وخلاص وبعدين هو كان شعري ولا شعرك، لازمته إيه التحقيق ده، عادي فيها إيه أما أقص شعري؟
إقترب قماح منها وأمسك بعض من خصلات شعرها بيد واليد الأخرى وضعها حول خصرها، وقربها من جسده، ثم قام بشد خصلات شعرها بقوة قليلاً.
تألمت سلسبيل من ذالك، وقبل أن تتحدث كان يقبلها بقوة كأنه يعاقبها بتلك القبلة.
ترك شفاها بعد أن شعر أن نفسها بدأ ينخفض، نظر لوجهها وهي تسعل تستنشق الهواء وقال بتملك: انتي كلك ملكي. كل جزء في جسمك ملكي. وبعد كده ممنوع تقصي سنتي واحد من شعرك. مش عاوز أظهرلك وشي الثاني يا سلسبيل.
عادت سلسبيل تتنفس لحد ما بشكل طبيعي ونظرت لوجهه بداخلها تهكمت من قوله عن وجهه الثاني، هي لديها علم به رأت جزء منه سابقاً حين صفع زوجته السابقة. وكذالك معاملته العنيفة معها.
هو إنسان بلا رحمة.
تحدثت بقوة تملكتها الآن وقتها: بعد كده ممنوع تلمسني.
تهكم قماح وقال ببرود يجيده: هتحرمي نفسك عليا إياك.
ردت سلسبيل: أيوا يا قماح من النهارده انت بالنسبة ليا ابن عمي وبس، وتأكد طلاقنا هيتم في أقرب وقت.
رواية عش العراب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامه
زحف الخريف، بدأت تصفر أوراق الشجر لتسقط ألاوراق الضعيفه وهنالك أوراق مازالت تتمسك بالفروع تحاول البقاء.
بعد مرور عشر أيام
بشقة سلسبيل ليلاً
دخل قماح الى الشقه سمع صوت التلفاز توجه بتلقائيه الى غرفة المعيشه
زفر نفسه بقوه حين دخل الى الغرفة، وجد سلسبيل تنام على أحدى الآرائك،هنالك طبق به بعض المُقبلات والتسالى،موضوع على طاوله جوار الأريكه
إنحنى عليها وقام بإيقاظها.
فتحت سلسبيل عينيها
تحدث قماح بحِده قليلاً:أيه موضوع النوم معاكِ عالكنبه هنا فى الفتره الأخيره...مش قد السهر ليه عاوزه تسهرى...ولا هو عناد وخلاص.
إضجعت سلسبيل على الاريكه وهى تتثائب قائله:مش عناد،هو بس سوهى عليا ونمت،هى الساعه كام.
نظر قماح الى ساعة على شاشة التلفاز وقال: واحده الا ربع تقريباً.
ردت سلسبيل: وإنتى لسه جاى دلوقتى من المقر
رد قماح: أيوا، وجاى جعان ياريت على ما آخد حمام عالسريع تحضرى لى العشا،لأن الوقت متأخر وأكيد الخدامين اللى تحت نايمين.
ردت سلسبيل: بس أنا مش خدامه.
تنهد قماح يقول: سلسبيل أنا راجع من المقر هلكان وكل اللى عاوزه هو إنى أتعشى وأنام مش ناقص نكد ولا تفسير ردى على هواكى، كفايه إنى مستحمل جنانك الفتره اللى فاتت وساكت، بس صبرى له آخر وخلاص قرب ينفد.
نهضت سلسبيل من على الأريكه وقالت بحده وسخريه: صبرك بدأ ينفد ليه،وأما ينفد هتعمل فيا أيه هتضربنى زى.....
صمتت سلسبيل فجأه.
تحدث قماح بإستفسار:هضربك زى مين؟وبعدين وارد طول ما أنتى مستمره فى عنادك وأفعالك الغبيه.
موهوم.
هذا كان رد سلسبيل قبل أن تكمل حديثها:سبق وقولتلك أنا بنت العراب ومش هسمح إن إيد تتمد عليا بضرب،حتى لوكانت إيد قماح العراب نفسه،ودلوقتي هروح أحضرلك العشا عشان جعان فى النهايه برضو إنت إبن عمى.
قالت سلسبيل هذا ولم تنتظر رد قماح وتركت الغرفه،بينما قماح زفر نفسهُ بغضب،من تلك التى أمامه،أليست هذه هى سلسبيل التى سلمت له نفسها مرارًا ماذا حدث فجأه جعلها تتمرد هكذا،منذ عشر أيام وهى تهجر غرفة النوم وتتحجج بالسهر أمام التلفاز وتنام على تلك الأريكه بغرفة المعيشه،وعادت كسابق عهدها قبل الزواج منه تتجنب مجلسهُ،بالكاد ترد عليه أمام العائله،زفر نفسه بضيق وأمسك جهاز التحكم الخاص بالتلفاز وأغلقه،ثم توجه الى غرفة النوم، وقف يخلع معطف بذته وألقاه من ثم فتح أزرار قميصهُ وقام بخلعه وألقاه هو على أحد المقاعد بالغرفه فى ذالك الوقت دخلت سلسبيل تحمل صنيه متوسطة الحجم عليها الطعام وضعتها على إحدى الطاولات قائله:
العشا أهو،إتعشى براحتك هروح أكمل الفيلم.
سارع قماح قبل أن تخرج سلسبيل من الغرفه وجذبها من يدها قائلاً:فيلم أيه اللى تكمليه إنتى أساساً كنتى نايمه.
حاولت سلسبيل سحب يدها من يد قماح قائله:لأ مكنتش نايمه هى عينى بس غفلت شويه يمكن بسبب الأعلانات الطويله اللى بتجى فى الفواصل،هروح أكمل الفيلم.
طب إسم الفيلم اللى كان شغال أيه...هكذا تحدث قماح بإستفسار وهو ينظر لعين سلسبيل ينتظر الرد يعتقد أنها لن تذكر إسم الفيلم.
نظرت سلسبيل له وقالت بثقه إسم الفيلم...ثم أكملت بإستهزاء،ما هو ده الفيلم اللى من كم شهر مرضتش إنى أنزل أسمعه مع هدى،أهو بيتعرض على قناه بتحذف المشاهد اللى مش كويسه،تسمح تسيب إيدى عشان أروح أكمل مشاهدة الفيلم.
نظر قماح لعين سلسبيل المُتحديه وقال بإختصار:لأ.
ردت سلسبيل بأستعلام: قصدك إيه بـ لأ.
رد قماح بسيطره:قصدى إبقى كملى الفيلم فى الإعادة بالنهار
قال قماح هذا ولم يترك لـ سلسبيل الرد جذبها من عُنقها يحتضن جسدها بين يديه بإحكام يُقبلها بإشتياق مصحوب بقوه.
نفرت سلسبيل من قُبلة قماح العنيفه وحاولت دفعهُ بيديها،لكن قيد أيدي قماح كان الأقوى وجذبها معه للفراش يعتلى جسدها ...ترك شفتاها حين شعر بثُقل نفسيهما، رفع بصره ينظر لوجهها وهى تلتقط أنفاسها يشعر بإنتشاء،مد يدهُ يفتح سِحاب منامتها، لكن أثناء تنفس سلسبيل شعرت بغثيان، حاولت دفع قماح عنها،لكن لم ينهض عنها،وضعت إحدى يديها على فمها،والآخرى دفعت بها قماح،الذى لاحظ تغيُر ملامح وجه سلسبيل،وخفوت وجهها،ووضعها إحدى يديها على فمها،نهض عنها مخضوض.
بينما سلسبيل حين نهض قماح من فوق جسدها،نهضت هى الآخرى متوجهه سريعاً الى حمام الغرفه وصفعت خلفها الباب، لكن لم يُغلق جيداً
وقفت أمام حوض الوجه تُفضى ما بجوفها الى أن شعرت براحه قليلاً، لكن رغم ذالك تشعر بوهن وضعف، جلست على حرف حوض الإستحمام، حتى تزول عنها تلك الدوخه.
إستغيب قماح عدم خروج سلسبيل من الحمام حسم أمرهُ ودخل الى الحمام، شعر بنغزه قويه فى قلبه وهو يرى سلسبيل جالسه على حرف حوض الإستحمام، تبدوا واهنه
إقترب منها ومد يدهُ أسفل ذقنها يرفع وجهها الواضح عليه الضعف... زادت نغزة قلبه وقال:
مالك أيه اللى حصلك فجأه كده، قومى غيرى هدومك ونروح أى مستشفى.
نفضت سلسبيل يد قماح عن ذقنها وقالت بحِده: مالوش لازمه المشتشفى أنا كويسه، هو بس تلاقى جالى مغص من كُتر أكل المكسرات والتسالى فيها زيوت وجعت معدتى، بس بقيت كويسه.
سَخِر قماح قائلاً:
كويسه أيه، قومى شوفى وشك فى المرايه، سلسبيل بلاش عناد، أنتى مش طفله صغيره.
تحاملت سلسبيل على نفسها ونهضت واقفه تقول:
قولت بقيت كويسه خلاص.
قالت سلسبيل هذا وسارت تترنح قليلاً حتى وصلت الى باب الحمام أمسكت بالاطار، ثم أكملت سير حتى خرجت من الغرفه وعادت الى غرفة المعيشه جلست على إحدى الأرائك مازالت تشعر بتلك الدوخه والهبوط، تذكرت أن نفش الشعور شعرت به مرات سابقه فى الأيام الماضيه، وكذالك الغثيان تنهدت لكن فجأه جاء إليها خاطر
ذُهل عقلها... أيعقل حامل!
نفضت عن رأسها قائله: لو حامل تبقى مصيبه الطريق بينى وبين قماح بيوصل للنهايه خلاص، لازم أتأكد فى أسرع وقت.
بينما قماح خرج من الحمام وجلس على الفراش وضع رأسه بين يديه يتنهد بسأم، سلسبيل تضع حياتهما معاً على المحك، وهو مازال يضبط نفسه كى لا يُخطئ، ويتاخذ قرار يضرهما الإثنان، آخر شئ قد يفعله هو الطلاق... مستحيل أن يحدث هذا، لن يترك سلسبيل قبل أن تفارق روحه جسدهُ.
بعد قليل
تقلب قماح أكثر من مره على الفراش رغم أنه مُجهد ومُنهك من العمل طوال اليوم لكن جافى مضجعه النوم، نهض وأشعل ضوء الغرفه يُزفر أنفاسهُ بغضب، حسم أمرهُ وإتخذ قرار سيذهب الى تلك الغرفه ويأتى بـ سلسبيل لن يدعها تهجُر الفراش مثل الليالى السابقه...
بالفعل ذهب الى غرفة المعيشه لكن تعجب حين رأى سلسبيل نائمه على نفس الأريكه، والتلفاز مفتوح، وهنالك أيضاً نور خافت بالغرفه، رأى سلسبيل تنام مثل وضع الجنين فى بطن أمهُ،ربما تشعر ببعض البرد،للحظه فكر فى إيقاظها،لكن تراجع ود أن يحملها ويأخذها معه الى غرفة النوم،لكن ربما تستيقظ سلسبيل وتعاود الحديث معه بحده،كما أن وجهها مازال يبدوا عليه الضعف وبعض الشحوب.
تنهد بقلة حيله وذهب الى غرفة النوم وفتح إحدى ضلف الدولاب وأخذ منها غطاء ليس بالثقيل،تذكر سبب جفاء سلسبيل هو منذ أن رأى علبة الدواء الخاصه بمنع الحمل،عرفها قبل أن يقرأ دواعى إستعمالها،سلسبيل ردت كأنها لا تعرف بماذا يُعالج هذا الدواء،ردها كان بثقه، بينما هو تعصب وقتها لماذا، لماذا حين وجد نفس علبة الدواء سابقاً بين أغراض زوجته السابقه، وغضب بشده وقتها وكان سبب الطلاق بينهم... وقتها أعتقد أنها لا تريد الانجاب منه لكن اليوم صُدم حين عرف حقيقة الأمر وأن تلك الحبوب كانت من ضمن علاج وصف لها
فلاشــــــــــــــــــــــ*بـــــــاك
بعد ظهر اليوم بالمقر.
تفاجئ قماح بدخول هند عليه بمكتبه بالمقر، دون إذن منه
عبس وجهه
وقبل أن يتحدث تحدثت هند: أنا جايه فى شُغل يا قماح.
تنهد قماح وهو مازال جالسً على مقعده وأشار بيده لها أن تجلس... بالفعل جلست هند على أحد المقاعد... تحدث قماح بعمليه:
خير أيه هو الشغل اللى جايه علشانه؟
ردت هند: إنت عارف إنى قبل ما أتجوز منك كنت بشتغل مع بابا فى الشونه بتاعتنا فى الإداره وده كان سبب تعارفنا، وجوازنا.
تنهد قماح يقول: ياريت تدخلى فى الشغل مباشر، ده كله أنا عارفه.
إبتلعت هند طريقة قماح وقالت:
طبعاً إحنا دلوقتي داخلين فى موسم جني الرز وإحنا عندنا مخزون كبير فى المخازن، وبابا كان تعاقد شفوياً مع بعض الفلاحين وتجار التجزئه، بس السيوله الماليه عندنا بصراحه مش هتستوعب الكميات اللى هتدخل لينا الفتره الجايه غير المخزون القديم اللى عندنا.
زفر قماح وقال: هاتى من الآخر يا هند مش بحب المقدمات الكتير...وأنتى عارفه كده.
ردت هند: بصراحه كنت بعرض عليك ممكن تشترى جزء المحصول اللى هنشتريه السنه دى، إنت عندك مضارب رز فى كذا محافظه غير التوريدات اللى بتوردها للحكومه نفسها، فهتقدر توزع الكميه بسهوله.
فكر قماح قليلاً ثم قال:طب وليه الحاج رجب،أو نائل مجوش هما يعرضوا عليا العرض ده،ولا باعتينك واسطه؟
ردت هند:لأ أنا اللى طلبت منهم أنى أجى بنفسى أعرض عليك العرض ده،ومش علشان واسطه لأنى عارفه إنك بتفصل بين الشغل والمشاعر،وانا متأكده إن مفيش مشاعر عندك ليا،بس يمكن كان بينا عِشره حتى لو كانت لمده قصيره وفهمت شويه من طباعك.
نظر قماح لها بتفكير وقال:أنا ممكن أوافق إنى آخد كميات من الرز دى بس كميات محدوده،وطبعاً هنتفاوض فى السعر.
تبسمت هند برحابه قائله:إنت اللى بتحدد سعر السوق يا قماح،فأكيد مش هنختلف فى السعر لأنك مترضاش الخساره لـ بابا.
نهض قماح واقفاً وقال:تمام هعطى أوامر لمضرب الرز اللى هنا يستقبل الكميات اللى الحاج رجب هيبعتها.
تبسمت هند ونهضت هى الاخرى قائله:كنت متأكده إنك مش هترفض العرض.
قالت هند هذا وإقتربت من مكان وقوف قماح ومدت له يدها بالمصافحه.
نظر قماح ليدها يُفكر،لكن بتلاعب من هند إدعت أنها ستسقط وتمسكت بكتف قماح،وأصبحت شبه بحضنه،ليس هذا فقط بل وقع بصرها على شفاه كم ودت أن يُقبلها،
بينما قماح إنتبه سريعاً،وإبتعد للخلف
تنهدت هند بحسره وغيظ وقالت بآسف:
متأسفه بس كعب الشوز كان هيكعبلنى.
رد قماح بلامبالاه:
تمام مفيش مشكله.
تدمعت عين هند وقالت:ليه بتعاملنى بالطريقه دى يا قماح.
رد قماح:طريقة أيه،اللى بينا بيزنيس وبس زى ما قولتى فى البدايه.
ردت هند:إنت عارف مشاعرى ناحيتك يا قماح ومتأكد إنى لسه....
قاطع قماح حديثها وقال:الكلام ده مالوش لازمه،أنا دلوقتي متجوز من واحده تانيه؟
ردت هند بحسره:متجوز من سلسبيل اللى بسببها طلقتنى.
رد قماح:هند سبق وقولتلك مش سلسبيل السبب فى طلاقنا،السبب خداعك ليا وحبوب منع الحمل اللى وقعت فى إيدى بالصدفه بين أغراضك،لو كنتى قولتلى نأجل الخلفه شويه،او حتى نمنعها كنت هوافق،بس تعملى كده من ورايا وتستغفلينى....
تنهدت هند بدموع وقاطعته قائله: أنا فعلاً كنت باخد حبوب منع حمل،بس مكنش علشان أمنع إنى أحمل منك،انا كانت أمنية حياتى إن يكون فى بيبى بينا يجمع بينا يمكن كنت قدرت وقتها أشغل جزء صغير فى قلبك...بس الحبوب دى كانت جزء من علاجى وقتها.
تعجب قماح وقال:قصدك أيه بجزء من علاجك،مش فاهم؟
ردت هند:أنا بعد ما أتجوزنا بكذا شهر ومحصلش حمل بصراحه قلقت وكنت هطلب منك إننا نروح نعمل فحوصات سوا،ونشوف سبب عدم حدوث حمل،بس فكرت فى نفسى الأول،قولت أستشير دكتوره يمكن تدينى علاج،أو شوية منشطات وبعدها يتم الحمل،بس لما الدكتوره عملت سونار عليا،ظهر حاجات غريبه عالرحم،فطلبت منى شوية إشاعات وفحوصات،وعملتها وقتها وكانت المفاجأه إن عندى إنبوب من الرحم شبه مسدود بسبب بعض التليفات عليه،وكان صعب تدخل جراحى لانى وقتها كان ممكن يُستئصل جزء من الرحم،وبعدها يبقى الحمل صعب،فخضعت لكورس علاجى،وكان من ضمن الادويه دى دوا منع الحمل ده،تحسبًا لحدوث حمل،لآن لو حصل حمل كان بسهوله هينزل،هو كان إحتمال ضئيل،بس كان لازم آخد إحتياطى له.
تعجب قماح وقال:طب وليه وقتها مقولتليش، أكيد مكنتش هجبرك عالحمل.
ردت هند:خوفت.
نظر قماح لها وقال:خوفتى من أيه؟
ردت هند باكيه:خوفت وقتها تتخلى عنى بحجة إنك عاوز أولاد...أو العلاج ميجبش المفعول المطلوب،ووقتها برضوا ممكن تتخلى عنى،وكمان بسبب سلسبيل،أنا كنت بشوف نظراتك ليها يا قماح،سلسبيل هى السبب الرئيسى فى إنفصالنا،إنت إتحججت بحكاية حبوب منع الحمل،وقبل ما أفسر لك سبب وجوده،إتلككت لى علشان زورت ماما اللى كانت تعبانه بدون إذنك وطلقتنى،رغم إنى وقتها إترجيتك،بس عصبيتك وقتها وصلت إنك ضربتنى بالقلم وكان ممكن تضربنى أكتر بس لما شوفت سلسبيل قدامك إتحكمت فى عصبيتك، وبعدها رميت عليا يمين الطلاق.
نظر قماح لها وقال:إنت عارفه كويس إن مكنش قصدى أضربك وقتها راجعى اللى حصل كويس،وطلعى سلسبيل من موضوع طلاقنا،سلسبيل قولتلك الف مره ملهاش دخل فى طلاقنا.
ردت هند:سلسبيل هى السبب الرئيسى فى طلاقنا،ويمكن كمان السبب فى طلاقك أول مره،إنت عنيك مش بتشوف غير سلسبيل طول الوقت،طب ليه لما أخويا طلب يتجوزها،فوجئنا إنك خطبتها...إنت خوفت سلسبيل تنجوز وتبعد عنك،كنت مفكر طول الوقت هى قدام عنيك،ومحدش هيقدر يقرب منها،بس فوجئت إن سلسبيل ممكن تضيع منك علشان كده إتجوزتها.
رد قماح:مالوش لازمه كلامك ده،دلوقتي،خلاص كل شئ نصيب وإحنا كان نصيبنا كده،ودلوقتي لو حايه نكمل مع بعض شُغل معنديش مانع،غير كده أتمنى لك السعاده.
تدمعت عين هند العاشقه له،وقالت بمهادنه:موافقه يا قماح على الشغل معاك،بس موعدكش أبطل أحبك..
قالت هند هذا ومدت يدها تصافح قماح.
هذه المره مد قماح يده يصافح هند،التى تبسمت وقامت بوضع يدها الآخرى فوق يد قماح تنظر له بأمل.
فى ذالك اللحظه دخل رباح الى غرفة مكتب دون طرق على الباب،فعل ذالك بعد أن علم من السكرتيره بوجود هند مع قماح وحدهما بالمكتب،تبسم حين دخل ورأى يد قماح بين يدي هند.
سحب قماح يده من بين يدي هند،ونظر نحو رباح الذى قال بترحيب:هند...من زمان متقبلناش بس ببعت ليكى السلام مع نائل وكمان زهرت بتقولى إنها من فتره للتانيه بتتصلى عليها.
إرتبكت هند وقالت:هند كانت صديقتى الوحيده لما كنت فى دار العراب،وبينا عِشره،إبقى سلملى عليها،هستأذن أنا الموضوع اللى كنت جايه علشانه خلاص إتحل،سلاموا عليكم.
غادرت هند المكتب سريعاً،بينما نظر رباح نحو قماح وقال بتوريه:أيه جايب هند هنا أيه عاوزه ترجع الميه...
لم يكمل رباح حديثه الساخر حين قاطعه قماح قائلاًبحزم:
قولى سبب مجيك النهارده للمقر.
رد رباح:كنت جاى علشان مخازن مضارب الرز،بالنسبه لمضرب الرز اللى كان ولع من فتره،هيقدر يتحمل الكميه اللى هتتحول له ولا ننقص الكميه.
رد قماح:لأ أطمن هياخد الكميه وازيد كمان أنا تابعت الترميمات والتعديلات وكمان التوسيعات اللى محمد قام بها على أكمل وجه بصراحه مكنتش متوقع منه الهِمه دى،وإنه يقدر يرجع المضرب يشتغل أفضل من الاول،أثبت مهاره كبيره فى وقت قصير
وده كله بسبب توجهيات بابا له،مش بيسمع لكلام الستات التافهه...وكمان كويس فى حاجه تانيه كنت عاوز أتكلم معاك فيها،فى أرصده كتير مسحوبه،جالى أكتر من إخطار بسحب بمبالغ كبيره من حسابات العراب فى البنك،ياريت تلم إيدك شويه لأن لو وصل لبابا الإخطارات دى أكيد هيسألك راحت فين؟
إرتبك رباح وصمت دون رد.
عــــــــــــــــــوده
عاد قماح متحسرًا فى قلبه هند تحاول وتريد إستعادته وسلسبيل أصبحت كلمة الطلاق نغمه على لسانها، حتى أنها عادت تتجنب وجوده، أخذ الغطاء وذهب الى غرفة المعيشه وقام بإلقاؤه على جسد سلسبيل التى جذبت الغطاء فوق جسدها كأنها كانت تنظر أن يقُليه عليها، أغلق قماح التلفاز، وكاد يطفئ ذالك الضوء الخافت، لكن تذكر أن سلسبيل تخاف من الظلام.
....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور يومان صباحً
فوجئت سلسبيل بـ هدى ترتدى ملابس خروح، تحدثت لها قائله:
إنتى خارجه ولا أيه؟
ردت هدى: أيوه عندى محاضره فى المركز اللى باخد فيه الكورس، إتصلوا عليا وقالوا إن ميعاد المحاضره النهارده بدل المحاضره اللى إتلغت المره اللى فاتت، يارب مروحش ويقولوا إتلغت زى المره اللى فاتت، أكسر المركز على الموجودين فيه.
ضحكت سلسبيل وقالت: قلبك أبيض يا هدهود... دى حتى فرصه ليكى، هترتاحى من التجمع العائلى النهارده.
تبسمت هدى وقالت: تصدقى دى أحسن حاجه، فعلاً هرتاح وقت طويل على ما أرجع نكون قربنا عالمسا، يلا أشوفك المسا، تبسمت سلسبيل قائله: مسا أيه، هو المحاضره مش ساعه ونص.
تبسمت هدى وقالت: والسكه رايح جاى تلات ساعات.
تبسمت سلسبيل قائله: ليه السكه من هنا للمركز، بالكتير ساعه ونص رايح جاى،ولا أنتى ناويه ترجعى مشى.
ضحكت هدى وقالت:لأ لو رجعت مشى يبقى أربع ساعات،أنا نفسى أرجع يكون اليوم خلص وإرتاحنا من وش عمتى عطيات والغلس إبنها.
ردت سلسبيل:فعلاً والله من سمعك...
فجأه شعرت سلسبيل بمغص،ودوخه...ووضعت يدها تسند على كتف هدى.
إنخضت هدى وقالت لها:مالك يا سلسبيل الدوخه دى رجعتلك من تانى أنا هقول لـ بابا ياخدك لدكتور.
ردت سلسبيل:لأ بلاش تزعجى بابا،أنا عندى شك فى سبب الدوخه دى؟
ردت هدى بلهفه:طب طالما عندك شك فى السبب ليه سايبه نفسك كده...كل شويه تدوخى،وأيه هو السبب الى شاكه فيه.
ردت سلسبيل:إنى حامل.
تبسمت هدى بفرحه قائله:حامل!
وضعت سلسبيل يدها على فم هدى وقالت لها:وطى صوتك،أنا لسه مش متأكده.
تبسمت هدى وشالت يد سلسبيل من على فمها وقالت بإستفسار:طب هتتأكدى إزاي هتخلى جدتى تكشف عليكى.
ردت سلسبيل:لأ طبعاً إنكسف منها،فى طريقه تانيه،أجيب إختبار حمل وأعرف منه،بس صعب أخرج النهارده،بسبب وجود قماح فى البيت غير كمان هيبقى فى شغل كتير.
تبسمت هدى وقالت:فعلاً،بس جدتى ماسكه اليومين دول على زهرت أكيد هيبقى لها لمسه النهارده،أقولك،أنا هجيبلك معايا إختبار الحمل ده وأنا جايه فى صيدليه فى الدور الأرضى فى السنتر اللى فيه المركز التعليمى.
تبسمت سلسبيل وقالت لها:ده سر بينا،بلاش حد يعرف بيه،غير لما نتأكد.
تبسمت هدى وقالت:أكيد طبعاً،يلا بقى بلاش عطله خلينى أهرب وأخد نفسى.
تبسمت سلسبيل قائله:طب إنتى بتخرجى للكورس والدراسه خلاص هتبدا،أمال أنا اعمل ايه،حاسه إنى فى سجن.
تبسمت هدى وقالت:ليكى ربنا،سلام بقى وهجيبلك الإختبار.
تبسمت سلسبيل لهدى وهى تغادر تُفكر فى نتيجة ذالك الإختبار...
غير مُلاحظه لوالداتها التى أتت من خلفها ووضعت يدها على كتفها.
لوهله إنخضت سلسبيل..تحدثت نهله:مالك جسمك إتنفض كده ليه.
ردت سلسبيل:مفيش بس محستش بيكى.
تبسمت نهله وقالت: كنتى واقفه إنتى وهدى بتتكلموا فى ايه معرفش فيها هتفيدها بأيه المحاضره اللى يوم الجمعه دى.
ردت سلسبيل:هتزيدها عِلم وهتنفعها فى دراستها ياماما،عن إذنك هروح أساعدهم فى المطبخ.
غادرت سلسبيل وتركت والداتها التى أصبحت تشعر بأن سلسبيل تتجنب الحديث معها،كم تشتاق أن تجذبها بحضنها وتطبطب على قلبها،سلسبيل كانت أول ما انجبت فرحتها الأولى التى إشتاقت لها لسنوات،تعلم أنها ربما تظن أنها ضعيفه،هى بالفعل ضعيفه من أجلهن،تخاف عليهن كثيراً،بالأكثر بعد رحيل همس بعد تلك الخطيئه التى لديها يقين أنها بريئه،لكن قتل همس لنفسها جعلها تصمت غصبًا تكتم آلم قلبها.
.....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد قليل
أمام المصعد الكهربائى للمصعد بذالك السنتر
أمسكت هدى ذالك الكيس البلاستيكى الصغير الذى به علبة إختبار الحمل، وكادت أن تضعه بحقيبة يدها، لكن رأت إقتراب ذالك المتغطرس نظيم نحو المصعد، نظرت نحو المصعد الآخر غير متوفر الآن، فكرت بمكر، دخلت سريعاً الى المصعد وضغطت ذر الصعود، غير منتبه الى أنها بدل ان تضع الكيس بحقيبتها سقط منها أرضاً امام المصعد دون أن تدرى.
إنحنى نظيم وأخذ ذالك الكيس وبفضول منه فتحه يرى ما به،تعجب،ثم قام بلف الكيس ووضعه فى جيبه،رغم ضيقهُ من فعلة هدى،وصعد على درجات السلم.
بينما هدى بداخل المصعد تبتسم بزهو قائله:خليه بقى يستنى الأسانسير التانى،ولا يطلع السلم على رجليه بتاع شورت وفانله وكاب.،والمره دى برضو جاى بالترنج،عاملى فيها إسبور.
فتحت هدى باب المصعد لتتفاجئ بوقوف نظيم أمام باب المصعد يبتسم بسخريه وقال:وصلت قبل الأسانسير... يلا بسرعه قبل ما المحاضره تبدأ المره دى هتبقى محاضره عملى ومحتاجه تركيز.
شعرت هدى بالغيظ منه، لكن بداخلها تبسمت أنه جعلته يصعد سلالم ثمانية أدوار سيرًا على قدميه.
بعد قليل، كان نظيم يقوم بشرح أحد البرمجيات ويطلب منهم تطبيقها على اجهرة الحاسوب التى أمامهم، بالفعل بدأ المتدربين بتطبيق ذالك الدرس عملياً على الأجهزه، منهم من كان يُخطئ فى بعض الخطوات، كان نظيم يُصحح لهم، ولسوء حظ هدى أخطأت دون قصد رغم أنها تعلم الصواب،لكن هكذا هى تلك الأجهزه الذكيه ضغطت ذر كفيله بتخليف خطأ كبير،بالفعل أعطى الجهار التى تجلس أمامه إنذار خطأ،إقترب نظيم منها وإنحنى بجوارها يرى على الحاسوب فيما أخطأت... تبسم حين علم أن الخطأ هو سهو منها، لكن أراد إستفزازها وهو يُكبر من الخطأ التى فعلته، إغتاظت هدى من إدعاؤه المعرفه الكبيره عليها، ودون قصد منها وضعت يدها فوق أحد أذرار الحاسوب، تُصلح خطئها فى نفس اللحظه وضع نظيم يدهُ على نفس الذر، تصادمت أيديهم ببعض، نظرا الأثنان بأعين بعضهما شعر الإثنان بتذبذب يسرى فى جسديهما،كانت هدى أول من سحبت يدها من جوار يد نظيم..وازاحت بصرها عنه،بينما نظيم تبسم،وإعتدل يُكمل المحاضره الى أن إنتهت،بدأ المتدربين الخروح من الغرفه،حتى هدى سارت مع صديقتها،لكن نادى نظيم بأسمها:
هدايه ممكن لحظه.
نُطقهُ لأسم هدايه يجعلها تبغضه تعتقد أنه يتهكم عليها...بينما هو يستسيغ الإسم كثيراً
ذهبت هدايه الى مكان وقوف نظيم وقالت:أفندم.
أخرج نظيم ذالك الكيس وقام بمد يدهُ به وقال:الكيس ده وقع منك قدام الأسانسير،يمكن كنتى مستعجله ومحستيش بيه،عالعموم،مبروك مقدماً،واللى جايبه الأختبار علشانها تكون حامل.
يال وقاحته،ماذا سيحدث الآن لو صفعته وأطفئت غيظها منه،فكرت فى ذالك كثيرًا،حتى لو لم تحضر باقى دروس الكورس،لكن نادت عليها زميلتها،أخذت الكيس من يد نظيم وذهبت إليها،بينما تبسم نظيم بمرح،هو شعر بأنفاس هدى الملتهبه.
... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدار العراب
إنتهى الجميع من تناول طعام الغداء وجلسوا بغرفة المعيشه يتشاركون الحديث سويًا.
تحدث رباح يقول: أنا إتفاجئت إمبارح وأنا فى المقر عند قماح بوجود هند السنهورى هناك مع قماح فى المكتب... ولما سألته قالى شغل.
رد النبوى: فعلاً وجودها كان علشان شغل، رجب كلمني، وقولت له إتفاوض مع قماح، بس فكرته هيروح بنفسه او حتى يبعت نائل، بس اللى راحت هند.
ردت زهرت: هى هند رجعت تشتغل تانى مع باباها، والله براڤوا عليها، فعلاً قويه.
ردت قدريه بتهكم: جويه فى أيه بجى، دى لو واحده غيرها مكنتش هى اللى راحت لقماح ناسيه إنها طليجتهُ.
كانت العيون كلها تنصب على سلسبيل الجالسه جوار ناصر،بالمقابل لمكان جلوس قماح حتى هو نفسه كان ينظر لها بترقب.
بينما سلسبيل قالت:عادى الشغل مبيعترفش غير بالمصلحه مفهوش مشاعر،وفعلاً الشغل بيعمل للست كيان كفايه إنها بتحس إنها حُره.
نظر لها قماح..ماذا تقصد بـ حُره...أهو يستعبدها.
تحدثت قدريه بسخريه:حُره إزاى بجى،طالما الست عنديها راچلها اللى يكفيها يبجى مالوش لازمه عاد تشتغل وتتبهدل،بيتها أولى بيها،وهند لما كانت متجوزه من قماح مكنتش بتشتغل،وواضح جداً نيتها من وراء رچوعها تشتغل تانى.
ردت زهرت:قصدك أيه يا عمتى هيكون نيتها أيه يعنى؟
ردت قدريه:نيتها قماح.
نظرت لها هدايه قائله: قدريه أوعى لكلامك إشوى، قماح متجوز، هتعوز منه أيه.
تعلثمت قدريه وقالت:
مش جصدى جاچه، بس بوعى سلسبيل، هند بنت تاچر وكمان كانت بتشتغل إمعاه وإتعلمت منيه أصول التچاره، وكلنا عارفين إكده.
ردت هدايه: سلسبيل واعيه لنفسها، أوعى إنتى لحديتك عاد ووفرى نصايحك.
تبسمت سلسبيل لهدايه ولوالدها الذى وضع يده
على كتفها،شعرت بالآمان من ذالك.
.....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً
بعد إنتهاء العشاء وذالك اليوم الممُل
سلسبيل وهدى اللتان كل ما يتمنياه هو إنتهاء ذالك اليوم ها هو إنتهى،تجنبت هدى مع سلسبيل قائله:
جبت ليكى اختبار الحمل.
تبسمت سلسبيل وقالت بهمس:طب خليه معاكى دلوقتي،وبكره هبقى أخده منك.
تبسمت هدى قائله:تمام،حتى نبقى نعرف نتيجته سوا.
تبسمت سلسبيل،بينما وضعت هدايه يدها على كتف هدى قائله:
بتضحكوا على أيه يا صبايا العراب.
شعرن هدى وسلسبيل بغصه فى قلوبهن،من ذالك الوصف كانت تقوله لهن هدايه وكانت معهن همس،التى رحلت عنهن،كذالك هدايه رغم أنها تعرف أن همس مازالت تعيش لكن شعرت بغصه تمنت أن تعود همس لوسطهن،لكن همس إتخذت قرارها ببقائها ميته فى نظر الجميع.
.........
بعد قليل بشقة قماح وسلسبيل..
أبدلت ملابسها بمنامه محتشمه عباره عن بلوزه وبنطال من الحرير باللون الازرق الداكن،كعادتها الأيام السابقه،ذهبت الى غرفة المعيشه وفتحت التلفاز،
بينما خرج قماح من الحمام بعد أن أنعش جسده بحمام هادئ،لم يجد سلسبيل بالغرفه،تنهد بسأم،سلسبيل تركت الغرفه،بتلقائيه ذهب الى غرفة المعيشه،وجد سلسبيل تضجع على تلك الأريكه تفرد غطاء غير ثقيل على جسدها.
تحدث قائلاً متهكماً: لسه ناويه تكملى السهره قدام التلفزيون برضوا.
تجنبت سلسبيل الرد.
تعصب قماح وقال:ليه مش بتردي عليا،سلسبيل طريقتك دى فى تجنب الرد بتعصبنى وأنا لغاية دلوقتى مُتحكم فى نفسى .
ردت سلسبيل، بإستبياع:
بلاش تتحكم فى نفسك اللى عاوزه أعمله.
تعصب قماح وإقترب من مكان نوم سلسبيل وجذب الغطاء من عليها بقوه وألقاه على طول يده وبسرعه جثى فوق جسدها، وقال: أفتكرى إن إنتى اللى قولتلى اللى عاوزه إعمله، وإستحملى بقى.
أنهى قوله وإنقض على شفتيها بالقُبلات القويه ويده مزعت الجزء العلوى لمنامتها، وبدأ بوضع صق ملكيته علي جسدها بلمسات قويه، قاومت سلسبيل عُنفه بدفعه بيديها التى أمسكهما بين يديه ورفعهم فوق رأسها وعاود يُقبلها بقوه وإشتهاء، لكن قبل أن يتملك منها سيطر على نفسه ونهض عنها، تركها تُلملم نفسها تستوعب ما كان سيحدث، لو إستمر قماح كان سيغتصبها، أجل هو زوجها لكن ذالك يندرج تحت إغتصاب زوجى،
بينما قماح بداخله لام عصبيته الشديده ورد فعلهُ الغاضب لهذه الدرجه،سلسبيل هى من تستفزه ببعدها عنه فكر عقله بقول هند..."إنت بتحب سلسبيل يا قماح "
إعترف بُعد سلسبيل عنك يُثير جنونك.
نظر قماح ل سلسبيل التى تزم طرفى منامتها تُدارى جسدها.
تنهد قائلاً: متفكريش باللى بتعمليه يا سلسبيل إنى هطلقك، تبقى موهومه... تصبحى على خير يا بنت عمى.
قال قماح هذا وغادر الغرفه... تنهدت سلسبيل يحتار عقلها، لما نهض قماح عنها دون أن يُكمل إمتلاكها، مالذى يجعله متمسك بها رغم أنها طلبت الطلاق مرارًا.
بينما دخل قماح الى غرفة النوم، عقلهُ يشت، لا ليس عقله بل قلبه يتقد نارًا من سلسبيل، تهكم ضاحكاً، يقول:
نبع المايه، طلعت نبع مايه مالح.
.... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باليوم التالى، بشقة ناصر العراب ظهراً
دخلن هدى وسلسبيل الى غرفة هدى تمرحان سويًا، تحدثت هدى، يلا تعالى نعمل إختبار الحمل ونشوف نتيجته، وبعدها أبقى أروح أعيد تطبيق الدرس اللى أخدته إمبارح فى الكورس عملى تانى على الابتوب بتاعى.
تبسمت سلسبيل بخِيفه ورجفه لا تعرف لهما سبب،ماذا لو بالفعل تأكد شكها أنها حامل.
أعطت هدايه لها الاختبار قائله:الاختبار اهو يلا إخلى الحمام إعمليه بسرعه.
بخطوات لا تعلم كيف سارتها،دخلت سلسبيل الى حمام الغرفه وقامت بعمل ذالك الأختبار وخرجت به بيدها بعد دقائق.
تحدثت هدى قائله:يلا حُطى الاختبار عالكوميدنو، أقعدى عالسرير نرغى مع بعض شويه انا قريت إرشادات الأختبار،خلينا نستنى النتيجه،
جلسن لدقائق يتحدثن،الى أن قالت هدى،خلينا نشوف بقى نتيجة الأختبار
بيد مرتجفه جذبت سلسبيل الإختبار،وأغمضت عينيها كأنها لا تريد معرفة النتيجه،التى تتوقعها.
بالفعل نظرت هدى للإختبار وقالت بحماس:ظهر الخطين زى ما بتقول الإرشادات مبروك توقعك كان صح يا سلسبيل،يارب تجيبى ولد،الفرحه دى لازمها إحتفال،لازم العيله كلها تفرح ده إبن العراب من الناحيتن الاتنين إمً وأبً،هقوم انزل أقول لجدتى.
أمسكتها سلسبيل قائله:بطلى هبلك ده،وأستنى أوقات الاختبار بيقى كذب لازم أتأكد من دكتور
ردت هدى:إمبارح قولتى هتاكد بالاختبار النهارده بتقولى بالدكتور،عالعموم براحتك بس انا فرحانه قوى،بس إستنى إبنك ده هيكبرنى وانا لسه صغيره ويقولى يا خالتو،لأ بقولك أهو أبنك ده يعتبرنى أخته الكبيره ويحترمنى قدام العيله وبالذات قدام قدريه وزهرت وعطيات،يدينى بريستيچى،آه.
رغم لخبطة مشاعر سلسبيل لكن تبسمت قائله:يا مجنونه،أيه عرفك إني حامل فى ولد مش يمكن بنت ولا إتنين.
ردت هدى:لأ كفايه بنات بقى،نفسى فى ولد...ولا أقولك اللى ربنا يجيبه،المهم يوصل بالسلامه،ها هتقولى لقماح أمتى بقى.
ردت سلسبيل:هروح للدكتور أتأكد وبعدها هقول لـ قماح والعيله.
تبسمت هدى قائله:ممكن من غير ما تروحى لدكتور،جدتى تأكدلك الحمل ده.
ردت سلسبيل:سبق وقولتلك اتكسف منها،بكره هروح للدكتور أتأكد الأول،يلا هسيبك بقى تطبقى درس الكورس عالابتوب،بلاش أعطلك.
تبسمت هدى قائله:وماله بس أفتكرى إن اول واحده عرفت إنك حامل هى أنا،وليا الحلاوه.
تبسمت سلسبيل وخرحت من الغرفه بيدها ذالك الاختبار تنظر له،لكن أثناء سيرها بالشقه،كأنها سمعت صوت هاتف من غرفة همس،تعحبت كثيراً ودون شعور منها دخلت الى الغرفه وأشعلت الضوء،الغرفه مُرتبه،وبها فرش نظيف كأنها تُرتب يومياً،سارت بالغرفه تشعر بغصه كبيره فى قلبها،آلمًا يكاد يقتسم قلبها،تذكرت مرحهن الثلاث معاً بتلك الغرفه أوقات كثيره،بسمة همس،إتكئت على فراش همس تمسد عليه بيدها،دمعه نزلت من عينيها أغمضت عينيها تعتصر تلك الدموع،لكن فجأه رأت همس تقف امامها تُشير لها الى أحد أدراج المكتب الخاص بها.
فتحت سلسبيل عينيها بسرعه وإحتارت فى تلك الرؤيه،لكن ذهبت الى مكان إشارة همس لها،وفتحت درج المكتب،تعحبت الدرج لا يوجد به سوا هاتفها وجواره كارت ذاكره صغير"ميموري"
أمسكت سلسبيل الهاتف ووضعت يدها على ذر الفتح،لكن لم يفتح لامت سلسبيل غبائها بالتأكيد الهاتف غير مشحون منذ مده طويله،جذبت أيضاً الميموري الموجود جواره.
تذكرت سلسبيل حين كانت تدخل أحياناً الى همس تجدها تستمع الى تسجيل محاضراتها على الهاتف،كانت تتحدث لها بسخريه:
يعنى تقعدى طول المحاضره ترغى مع اللى جانبك فى المدرج وتسجلى المحاضره على كارت ميمورى عالتليفون،مش عارفه إزاى بتعرفى تفصلى بعد كده بين صوت رغيك وصوت تسجيل المحاضره.
كانت همس تبتسم وتقول لها: واضح جداً صوت رغيي، وصوت المحاضره، يلا سبينى أركز فى المحاضره.
كانت تستهزأ سلسبيل منها قائله: يا بنتى إنتى ليه محسسانى إنك فى كلية الطب، إنتى فى كلية إقتصاد وتدبير منزلى،آخرك يا طباخه يا خياطه،إستغلى ده وأعملى لك مشغل تطريز أو تريكو.
كانت همس تبتسم وتقول لها:ندر عليا يا سلسبيل لأول ولد تخلفيه لأعمله كل مستلزمات السبوع شُغل هاند ميد على إيدى.
تذكرت ذالك سلسبيل الآن وتحسرت فى قلبها ها هى تحمل بأحشائها نبته قماح
أخذت سلسبيل الهاتف وذالك الميموري ووضعتهم بجيبها وخرجت من غرفة همس بل من الشقه بأكملها،وصعدت الى شقتها.
بتلقائيه وضعت هاتف همس على جهاز الشحن،ودخلت الى الحمام،رغم ان الطقس خريفى لكن شعرت ببعض الشوب يغزو جسدها،أخذت حمامً دافئًا وخرحت من الحمام أدت فرضها،وقامت بعمل كوب من النعناع الاخضر تشربه،كى يُهدى ذالك المغص والغثيان قليلاً،
عادت الى مكان وضعها هاتف همس على الشاحن، وجدت به نسبة شحن قليله، تستطيع فتحه وهو على الشاحن، بالفعل قامت بأعادة فتح الهاتف، الذى فتح بعد قليل، كان هنالك نمط فتح خاص به كانت سلسبيل تعرفه، قامت بفتح الهاتف، وجدت عليه بعض البرامج والتطبيقات الخاصه التى كانت تهواها همس، قامت بفتح معرض الصور، ترى تلك الصور التى كانت تلتقطها همس لهن الثلاث وكانت تستغل شغفها ببعض التطبيقات التصميمات المُضحكه والمرعبه لهن على صورهن وكانت تُرسلها لهن على هواتفهن.
فتحت أحد الملفات، كان لصورهن بالفعل، أخذت ترى تلك الصور، تاره تبتسم وتاره أخرى تدمع عينيها، فتحت ملف آخر بالصور، تعجبت كثيراً، من الصور، الصور لــــ قماح
أخذت ترى صوره خلف اخرى، كانت صور كثيره لـ قماح
بمواضع مختلفه وأماكن، متى إلتقطت له كل تلك الصور،! ولما إلتقطتها؟!
كان الجواب بإحدى الصور المرسوم عليها قلب ومدون بداخلهُ كلمة حبيبى قماح...ذُهلت سلسبيل وتسألت أيُعقل همس كانت تُحب قماح؟!
أيُعقل أن يكون قماح هو من أخطأت معه همس لذالك فضلت الصمت وقتل نفسها؟
رواية عش العراب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد علاقة آثمة، نهضت زهرت من جوار نائل وتركتْهُ وحده بالفراش. سارت عارية أمام عينيه لم تخجل. سخر نائل منها بداخله: كيف لتلك الفاجرة أن تخجل أو تستحي؟ لكن تحدث:
"مش ملاحظة إنك عادية كده مع إنك مكملتيش حتى شهر على الإجهاض؟ لما اتصلتي عليا وقولتي نتقابل استغربت بصراحة."
تنبهت زهرت لفحوى حديثه، ورغم ذلك ادعت عدم الفهم:
"قصدك إيه بـ 'عادية كده'؟"
رد نائل:
"قصدي اللي بتولد أو بتجهض بتقعد أقل واجب شهر بتنزف من وقت للتاني، إنما انتي...؟"
ردت زهرت:
"مش شرط تنزف شهر أو أكتر، طبيعة الأجسام مش زي بعضها، عادي جداً. وبعدين اللي يسمعك يقول مكنتش عاوزنا نتقابل، ولا تكون زهقت مني، نسيت حبي ليك، وكنت لك شوق في سلسبيل العراب."
نهض نائل من على الفراش واقترب من زهرت وجذبها بقوة لصدره قائلاً:
"إنتي عارفة جواب السؤال ده، سلسبيل مين دي اللي تتقارن بيكي، يا ملكة الأنوثة؟ أنا بس استغربت وقولت يمكن حكاية حملك دي ملعوب كنتي عاوزة تستفادي من وراه."
ارتبكت زهرت وقالت:
"كنت هستفاد إيه؟ أنا فعلاً كنت حامل والنصيب كده."
تبسم نائل ابتسامة خبيثة بداخله، متأكداً أن تلك الفاجرة لم تكن حامل من الأساس. انحنى يُقبلها بشهوة وقضى معها وقتاً محرماً. كان للحرام زهوة، شعر الاثنان بنشوة كبيرة. وضعت زهرت رأسها على صدر نائل لاهثة، إلى أن هدأت أنفاسها وتحدثت:
"مش بحس إني ست غير وأنا معاك في حضنك، مكنش لازم أتجوز من رباح، بحس معاه بملل وفتور... لو بإيدي أمنعه يلمسني."
سخر نائل بداخله، لكن قال لها:
"وإيه يجبرك على إني تستحملي العيشة معاه؟ أظن سحبتي منه مبالغ كتيرة غير الدهب اللي اشتريتيه."
ردت زهرت:
"اللي سحبته مش نقطة في بحر ثروة عيلة العراب، ولا يساوي جزء من حق ماما اللي لهفوه. تفتكر لو كنت في مستوى بنات عيلة العراب كان أبوك رفض إنك تتجوزيني؟ كان هيجي يخطبني بنفسه زي ما جه عشان الست سلسبيل وخد الصدمة في قلبه. إيه الفرق بيني وبين سلسبيل؟ أنا أجمل منها بكتير، ولو كنت بنفس ظروفها كان زمان معايا شهادة أفضل منها. عارف إيه الفرق بيني وبين سلسبيل؟ هي بنت ناصر العراب وأنا بنت مجاهد حماد الموظف اللي مرتبه ما كانش بيقضي سجاير، وباقي مصاريف البيت كانت بتتزكى الحاجة هداية بيه على ماما مع إنه في الأصل حقها."
تحدث نائل:
"وهتفضلي كده كتير مع رباح؟ بصراحة يا روحي بغير لما بتخيله معاكي زي دلوقتي كده."
ضحكت ضحكة رقيقة قائلة:
"خلاص هانت، رباح بقى زي الخاتم في صباعي، وأي شيء هطلبه منه هينفذه حتى لو غصب عنه ومش هيسأل السبب. فين الحبوب اللي طلبتها منك؟"
ابتعد نائل قليلاً عن زهرت وفتح أحد أدراج الطاولة بجوار الفراش وأتى بعلبة بلاستيكية صغيرة وأعطاها لها قائلاً:
"بس خدي بالك، مفعول الحبوب دي أشد وإدمانها سهل جداً، وعلاجها صعب."
تبسمت بنصر قائلة:
"وهو ده المطلوب. خلاص زهقت، رباح أوقات بيخاف من العقربة هداية وبيسمع كلامها. الحبوب دي هتخلي كلمتي أنا بس المسموعة."
قالت زهرت هذا ونهضت من على الفراش وبدأت بإرتداء ملابسها.
تحدث نائل:
"على فين؟ بتلبسي هدومك ليه؟ لسه الوقت بدري وكمان رباح أكيد مشغول الأيام دي في توريدات الرز للشونات."
ردت زهرت:
"تفتكر إني بعمل حساب لـ رباح؟ كله من العقربة هداية مشددة قوي الفترة دي عليا في الخروج. عاوزة تفرد نفسها، ولازم أهدي معاها شوية. أنا عرفت إنها هتخرج معرفش فين، سمعتها بتكلم السواق، قولت فرصة أنا كمان أخرج أتنفس شوية. وقولت لهم في الدار هروح أزور بابا أطمن عليه وأقعد معاه شوية، وزوغت وجيت على هنا. خليني أرجع لبيت بابا أهو أقعد معاه شوية، شكله حالته متأخرة، كله من السجاير اللي الدكتور مانعها عنه وهو مش بيسمع الكلام. يلا ربنا يشفيه. هحاول في أقرب وقت نتقابل. ولا يمكن الود يتوصل تاني؟ رباح قالي إنه شاف هند عند قماح في المقر."
رد نائل:
"هند فعلاً لسه بتحب قماح، بس هو بقى متجوز من غيرها، وقماح بيعرف يفصل بين الشغل وعواطفه. ومتهيألي لو كان لسه عاوز هند كان يقدر يرجعها تاني وما يتجوزش من غيرها."
ردت زهرت:
"ما سبق وقولتلك عن سبب جواز قماح من نبع الحنان سلسبيل، كان قرار من هداية."
رد نائل:
"هو قماح برضو حد يقدر يرفض عليه حاجة حتى لو كانت هداية؟ عالعموم، يا ريت يتوصل الود بين قماح وهند وقتها..."
نظرت زهرت لـ نائل وقالت بإستفهام:
"وقتها إيه؟ ممكن يطلق سلسبيل ويرجع الأمل تاني لأبوك؟ ولا تكون إنت نفسك فيها؟"
رد نائل:
"هنرجع تاني لنفس الموال. قولتلك سلسبيل ملهاش أي صفة عندي."
ردت زهرت:
"هصدقك يا نائل ودلوقتي. يلا لازم أمشي..."
قالت هذا واتجهت للفراش وانحنت تُقبل نائل بفجاجة. رغم أنه ينفر منها، لكن جراها في تلك القبلة الفجاجة والمحرمة. خرجت زهرت من الشقة. تنهد نائل براحة. تذكر حديث زهرت عن سلسبيل. هو بالفعل كان يهواها. تمنى لو أن تكون من نصيبه، لو كان تزوجها لكان قطع كل صلته بتلك الفاجرة، لكن قماح سبقه واختطفها من أمام يديه وفاز بها. وظل هو في دوامة الخطيئة مع زهرت الفاجرة. كان يتمنى أن يتخلص من ذلك الوحل.
***
بالشقة التي تعيش فيها همس. استقبلت وصيفة هداية بحفاوه وترحاب، ثم استأذنت منها وتركتها مع همس وحدهن. نظرت هداية لهمس وفتحت لها ذراعيها. تبسمت همس لها بمحبة وارتمت بحضنها. طبطبت هداية على ظهر همس وقبلت جبهتها قائلة:
"همس الرقيقة اللي زي النسمة. تعرفي أنا كان نفسي أسميكي نسيمة على اسم أمي الله يرحمها، بس المخسوفة قدرية قالتلي اسم قديم، والله هي اللي قديمة. بس وقتها كارم هو اللي قال 'هاميس'، رغم إنه كان صغير وقتها عنده ست سنين، وقالنا إنه سمع الاسم في فيلم لـ رشدي أباظة. ويظهر نهلة كانت بتحب رشدي أباظة ووافقت على الاسم."
تبسمت همس قائلة:
"فعلاً ماما بتحب أفلام رشدي أباظة، بس بتحب بابا أكتر."
تبسمت هداية قائلة:
"إنتي هتجوليلى على نهلة وحبها لـ ناصر وكمان حبها للجميع؟ مش زي قدرية، معندهاش حب غير لنفسها وبس. والحمد لله محدش من ولادها خد طبايعها غير رباح، فيه شوية منها وشوية من العراب. ربنا يهديه ويصلح حاله."
تبسمت همس قائلة:
"فعلاً رباح عنده شوية تطلع زي مرات عمي وزهرت كمان زي عمتها. بس عمي مش بيسمع لكلام مرات عمي، إنما رباح بيسمع لـ زهرت وزهرت بتكرهنا وبالأخص سلسبيل، يمكن لأنها أقرب واحدة فينا ليها في العمر."
ردت هداية:
"اللي يكرهكم يا بتي، عمي ما يشوفكم. ودلوقتي أنا مش جايه عشان نتحدث عن قدرية ولا زهرت، أنا اتوحشتك وكمان عاوزة أتحدث معاكي في موضوع كارم جالي عليه."
تغابن وجه همس وقالت:
"عارفة الموضوع ده يا جدتي وبقولك بلاش تتكلمي فيه، أنا خلاص أخدت قرار."
ردت هداية:
"موضوع إيه يا بتي وقرار إيه اللي أخدتيه؟ همس، إنتي لازمن ترجعي تاني للدار، بكفياكي يا بتي. ارجعي وارحمي قلب ناصر ونهلة المحروق عليكي. أنا اللي مصبر قلبي على بعدك ده إني عارفة إنك لسه عايشة ولما بتوحشك باجي أزورك، وبطمن عليكي من عمك وكارم من يوم ما عرف إنك لسه عايشة."
تنهدت همس ببكاء:
"يا ريت كارم ما كانش عرف إني لسه عايشة. يمكن كان زمانه نسيني مع الوقت. ما كانش لازم أسمع كلام عمي وأظهر نفسي قدامه. وده اللي ناوية عليه، أبعد تاني من قدامه، وهو مع الأيام هينساني ويكمل حياته."
ردت هداية:
"كان نسيكي من الأول يا بتي. كارم كان خلاص عقله قرب يشت منه. ظهورك قدامه رجع له عقله في الوقت المناسب. ليه يا بتي الجسوة دي؟"
ردت همس:
"عشان خاطري يا جدتي، خليني أبعد عن هنا وهتشوفي مع الوقت كارم هينساني، أو حتى هيتعود على غيابي ويكمل حياته. أنا مبقتش أنفعه ولا أنفع غيره، ووجودي هنا ملوش لازمة. أنا فكرت أسافر لأي بلد بره مصر."
فزعت هداية قائلة:
"تسافري بره مصر؟ إذا كنتِ جاري وبينى وبينك ساعة بالعربية وبخاف عليكي، وعلى طول بدعي ربنا يحفظك. لأ يا بتي، أنا مستحيل أوافقك عالقرار ده."
ردت همس برجاء:
"عشان خاطري يا جدتي، لو بتحبيني صحيح، خليني أسافر بره مصر. وكمان أنا ممكن أكمل دراستي. أنا مقدرش أرجع تاني أكمل دراستي في الجامعة هنا، ومعظم زمايلي عرفوا إني مت. حتى لو عمي اتصرف وحل اللي حصل بالفلوس ومش مثبت في الأوراق الرسمية موتي، بس انتشر بين زمايلي الخبر ده أكيد. لما أرجع هقولهم إيه؟ أنا عفريتة هاميس... جدتي، سفري خارج مصر من مصلحتي، على الأقل هاخد شهادة."
فكرت هداية بعقلانية في حديث همس، لكن همس فتاة ولها ظروف خاصة، كيف ستعيش بالغربة وحدها؟ لو كانت كالسابق ربما كانت وافقت دون تردد، لكن الآن همس مهزوزة ومحطمة ولديها خوف من اقتراب أحد منها. كادت هداية أن ترفض... لكن همس انحنت على يدها وقبلتها قائلة:
"لو صحيح بتحبيني ومصدقة إني مظلومة، وافقي على سفري يا جدتي. عمي مستحيل يساعدني قبل ما ياخد منك الإذن الأول. صدقيني، سفري بره مصر ممكن يساهم إن حالتي النفسية تتحسن وكمان هيسهل على كارم ينساني، لما يعرف إني هربت منه وإني مش عاوزاه."
نظرت هداية لها بحنية وأتى لها خاطر: ربما لو وافقت همس الآن وتركتها تسافر بعيد عن هنا، تعود هي من تلقاء نفسها بعد أن تتحرر من ذلك الرهاب الذي يسيطر عليها حين يقترب منها أحد. هنا تحبس نفسها بين جدران تلك الشقة، نادرًا ما تخرج منها. بالخارج ستخرج حتى لقضاء احتياجاتها الضرورية. هنا تخشى أن يتعرف عليها أحد. همس لديها يقين أن خارج مصر لن يعرفها أحد، وذلك سيجعلها تعود تختلط بمن حولها، حتى لو كان بحذر شديد، ربما مع الوقت يختفي ذلك الرهاب عنها وتعود هي من تلقاء نفسها. تبسمت هداية بحنان قائلة:
"هقول لعمك يجهزلك أوراق السفر يا همس، طالما دي رغبتك يا بتي، وهدعي لكِ تلاقي نفسك وترجعي هنا همس القديمة اللي كانت بسمتها كيف شروق الشمس."
تبسمت همس براحة وحضنت جدتها، بينما هداية ضمتها بقوة بين يديها، تتمنى أن تعود همس تثق بمن حولها مثلما تثق بها.
***
بشقة سلسبيل. أغلقت سلسبيل الهاتف وتركته على الشاحن، بعد أن شعرت ببعض الخمول. أرادت أن تمدد جسدها. ذهبت إلى غرفة النوم. الوقت لا يزال باكراً على عودة قماح للمنزل. اتكأت بأحد جانبيها على الفراش. وضعت يدها تُمسد على بطنها، لا تعرف بأي شعور تحس، لا فرحة ولا حزن. مسدت على بطنها قائلة:
"كان نفسي أتجوز عن حب، ويوم ما ربنا يرزقني بأطفال يكونوا نتيجة علاقة حب، مش عنف وجواز غصب، من شخص عنده غرور وعنجهية، عمر قلبه ما حس بغيره، كل اللي همه ياخد اللي هو عاوزه حتى لو على حساب معايرة غيره بنقط ضعفه."
أثناء حديث سلسبيل مع جنينها، عاودت التفكير بتلك الصور الخاصة بقماح التي رأتها على هاتف همس. لامت نفسها: كيف شكت أن قماح هو من أخطأت معه همس؟ بالتأكيد ليس هو. لو أرادها لكان ببساطة تزوجها ولن يجد أحد يمانعه كما فعلوا معي. وما كان عايرها بخطية همس. لكن لماذا عنفه معي؟ هل كان عنيفاً هكذا مع زوجتيه السابقتين؟ بالتأكيد كان كذلك، هكذا أجاب عقلها وأكد ذلك بما رأته ذات مرة حين صفع هند. هند التي تبدو أنها ما زالت تحبه رغم أنه صفعها وطلقها بعدها مباشرة. رأت بعين هند ذلك اليوم نظرة لها لم تعرف تفسيرها. ماذا كانت تريد أن توصل لها يومها؟ رأت هند تترجى قماح، وهو حين رآها أمامه، أغلق بوجهها باب شقته. لا تعرف ماذا فعل بـ هند بعدها. كل ما عرفته أنه طلقها بنفس اليوم. لما عادت تحوم حوله؟ بالتأكيد تحبه، هذا هو التفسير الوحيد. لكن كيف ما زالت تحبه وهو بهذه القسوة؟ لا يبالي بمشاعر الآخرين، هذا آخر اهتمامه، وإن كان لا يهتم أصلاً. تذكرت منذ أن عاد قماح من اليونان، كانت بعمر هي الثامنة تقريباً. كان دائماً ما ينهرها حين يراها تلعب مع أحد الفتيان، أو حتى إن رآها تسير مع زملائها الفتيان وهم عائدين من المدرسة. حتى حين دخلت إلى الجامعة كان أحياناً ينهرها حين تتحدث عن أحد زملائها الشباب. حين تتحدث عن شيء حدث أمامها، قالها مرة صريحة: لا يعترف بوجود شيء اسمه صداقة أو أخوة بين شاب وفتاة بالجامعة أو العمل. كانت تكره تلك التحكمات التي تجعل والدتها تفرضها عليها، ليس عليها فقط بل على أختيها أيضاً التي تقيدهن. لا تعلم أن من تريد أن تخطئ لن يقيدها شيء.
عدلت سلسبيل بعض الوسائد واعتدلت على الفراش تضجع بظهرها على تلك الوسائد. لا تعرف كيف سحبتها الغفوة دون شعور منها.
بعد المغرب بقليل، دخل قماح إلى المنزل. تقابل مع إحدى الخادمات. سأل عن جدته. أخبرته الخادمة أنها خرجت من المنزل بعد العصر وأن سلسبيل بشقتهما. رد قماح عليها:
"تمام، روحي شوفي شغلك..."
قال قماح هذا وتوجه صاعداً إلى سلسبيل. دخل الشقة كانت ساكنة، وشبه مظلمة إلا من نور يأتي من غرفة النوم. ذهب مباشرة إلى غرفة النوم. تفاجأ حين وجد سلسبيل تبدو ناعسة، تنام نصف جالسة، مضجعة بظهرها على تلك الوسائد. للحظات ظل يتأملها وهي نائمة، ما زال وجهها يبدو عليه الإجهاد والضعف. اقترب من الفراش وجلس عليه، مد يده على وجه سلسبيل يتلمس وجنتيها بظهر يده، كذلك شفاها. ملس عليها بإبهامه. في البداية لم تشعر سلسبيل بذلك، لكن دون قصد منه، ضغط إبهامه بقوة على شفتيها، جعلها تفتح عينيها. انخضت، واعتدلت جالسة.
تهكم قماح:
"مالك؟ شفتي عفريت؟ بس غريبة، بقالك فترة مش بتنامي على السرير."
ردت سلسبيل:
"أنا معرفش نمت إزاي، إحنا إمتى؟"
رد قماح:
"فاضل حوالي ساعة على آذان العشاء."
تعجبت سلسبيل قائلة:
"عجيبة إزاي النوم سحبني بدون ما أحس بالوقت. هقوم أتوضأ وأصلي وأنزل تحت عشان تجهيز العشاء."
بالفعل، تركها قماح تنهض من على الفراش. بعد قليل، عادت سلسبيل لغرفة النوم، كي تأخذ ثياب أخرى ملائمة أكثر. بالصدفة سمعت حديث قماح على الهاتف، والذي تحدث باختصار. أنهى المكالمة سريعاً.
تحدثت سلسبيل:
"السعر اللي قولته ده غالي قوي، والناس غلابة."
سخر قماح قائلاً:
"بتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت تت
رواية عش العراب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سعاد محمد سلامه
بمنزل ريفى متوسط مكون من دورين، وضعت الأم البسيطة صينية صغيرة عليها كوبان من الشاي على منضدة. جلست على الأريكة، وتبسمت على ذاك الذي يمدد جسده على الأريكة غير المنتبه لحديثها. لم ينتبه إلا حين وضعت يدها تمسد خصلات شعره الطويلة قليلاً.
تبسم لها قائلاً:
فين الشاي يا ماما؟
تبسمت له قائلة:
اللي واخد عقلك الشاي أهو قدامك على الطاولة، بس قولي لي شارد في إيه كده يا نظيم.
جلس نظيم مبتسمًا يقول:
بفكر في الدنيا.
تبسمت أم نظيم قائلة:
مالها الدنيا يا ولدي؟
تنهد نظيم وهو يمد يده يأخذ أحد كوبي الشاي ووجهه ناحية يد والدته.
أخذت الكوب منه ببسمة، بينما مد نظيم يده وأخذ الكوب الآخر وارتشف منه قائلاً:
لما كنت في فرنسا كان بيبقى نفسي في كوباية شاي زي دي من إيديكي يا ماما تعدل مزاجي وتدفيني في ليالي الشتا.
تبسمت له قائلة:
ربنا يعلم يا ولدي التلات سنين الآخرين مروا عليا إزاي وأنت غايب، بس ها أديّك رجعت بشهادة الدكتوراه، وكمان قرشين سترونا وسط خلق الله. تعرف أنا نفسي بقى تتجوز وتشوف ولادك كده يملوا عليا الدار.
تبسم نظيم يقول:
شكلك يا أم نظيم كده عندك ليا عروسة.
تبسمت له قائلة:
ألف ومين يتمناك يا ولدي، كفاية شهادتك العالية، ومعاك قرشين مسنود عليهم مع تدريسك في الجامعة. مش هتعاود تدرس تاني في الجامعة من أول السنة جنب المركز التعليمي اللي بتدي فيه دروس.
تبسم نظيم:
فعلاً هرجع تاني أدرس في الجامعة، البعثة اللي كنت واخدها عشان الدكتوراه خلصت. تعرفي يا ماما وأنا في فرنسا اتعرض عليا أشتغل هناك في بعض المعاهد التعليمية الخاصة ببعض الكورسات، بس طبعاً الجامعة هنا رفضت آخد إجازة، وأفضل هناك، كنت هاخد أجر كبير هناك.
تبسمت أم نظيم قائلة:
رزقك يا ولدي هيجي لحد رجليك في أي مكان، وأها إحنا الحمد لله مستورين بيت وعندنا ومرتبك صحيح من الجامعة مش كبير، بس أنت بتقول إن المركز التعليمي اللي بنشتغل زين وبتاخد مرتب كويس.
تبسم نظيم يقول:
المركز ده فرع من مركز كنت بشتغل فيه في فرنسا وله فروع كتير في مصر، ولما عرفوا إني من الصعيد أدوني إدارته غير التدريس فيه، يعني المرتب مضاعف.
تبسمت والدته قائلة:
أها زي ما قولت لك يا ولدي رزقك هيجي لحد رجليك.
تبسم نظيم يقول بتصديق:
فعلاً كلامك صح يا ماما، مين يصدق إن الولد اللي كانت أمه بتسترزق من بيع الدقيق والرز للناس، بقى دلوقتي دكتور في الجامعة.
تنهدت أم نظيم براحة كانها تنفض تعب السنين عن جسدها قائلة:
وأنت يا ولدي ساعدتني كتير، بتشتغل في الصيف وفي الإجازات ووقت فراغك، كنت بتروح الشونة تشتغل باليومية تشيل على كتفك أشولة الدقيق والقمح والرز.
تبسم نظيم يقول:
انتي عارفة يا ماما إنهم كانوا في الأول لما كنت بروح الشونة عشان أشتغل مع الشيالين كانوا بيستضعفوني وبيشيلوني الأشولة التقيلة، لحد ما واحد من صحاب الشونة نفسها شافهم، ووقتها نادى عليا، وسألني ليه بشتغل شيال مع إن شكلي لسه صغير وسألني على والدي. قلت له إني ابن محمود بهنسي اللي كان رئيس عمال عنده قبل ما يتوفى، بشتغل عشان أصرف على نفسي وأنا بتعلم. وقتها شكر في سيرة بابا وعرض عليا إنه يتكفل بتعليمي كرامة لذكرى بابا، بس أنا رفضت. بس هو وقتها قال لي بتعرف في الحسابات؟ قلت له أيوه أنا شاطر في المدرسة وبعرف أحسب كويس. قال لي يبقى بلاش تشتغل شيال وتهد صحتك وأنت لسه صغير، هتشتغل تحت إيد واحد من المحاسبين، تحسب له الأوزنة الموجودة على الشكاير والأشولة، وكمان هيبقى بمرتب ثابت كل شهر، والأيام اللي هتغيبها بسبب الدراسة والامتحانات مش هتتخصم من المرتب ده. وفضلت أشتغل عنده لحد ما خلصت جامعة، بس بعدها لما اتعينت معيد سبت الشغل في الشونة دي، وبعدها انقطعت صلتي باللي كانوا فيها. بعدها بكذا سنة سافرت فرنسا بعثة من الجامعة آخد الدكتوراه.
تدمعت عين والدته قائلة:
عارفة الحكاية دي يا ولدي، بس إيه فكرك بيها دلوقتي؟
تبسم نظيم يقول:
أنا عمري ما نسيت فضل الراجل ده عليا، يمكن لو كنت فضلت في وسط الشيالين كان مستقبلي اتغير لشكل تاني. سماحه ليا بالغياب وعدم خصمه من أجري فرصة إني أتفوق في الدراسة. تعرفي لما مرة سألته ليه بتعمل معايا كده... قال لي والدك كان أمين وعمر ما عهدته نقصت، بالعكس كان بيخاف على المال وبيراعي ربنا فيه. وحكى لي على موقف بابا عمله، كان الدنيا مطرت وشكاير القمح كانت بره المخزن، أمر العمال وساعدهم في تدخيل شكاير القمح جوه المخزن، وكانت الكمية كبيرة وقتها، واحد غير بابا كان ممكن ميعبرش ويرميها على العمال.
تنهدت والدته بدمعة قائلة:
ده كله عارفاه يا نظيم، ربنا شايف ومطلع يا ولدي، على اللي عمل الطيب واللي عمل السوء، وبيرد الطيب والسوء. بس مجولتيليش إيه اللي فكرك بالراجل ده دلوقتي.
تبسم نظيم يقول:
أنا عمري ما نسيته ولسه فاكر اسمه لغاية دلوقتي... ناصر العراب.
***
بأحد المخازن التابعة لـ العراب.
كان حماد يجلس يتابع دخول تلك التوريدات الآتية للمخزن، ويدونها. نهض واقفاً يمد يده لمصافحة ذاك الذي دخل مع تلك البضاعة مبتسمًا يقول بنبرة تسلية:
أهلاً نائل السنهوري، من زمان متقابلناش، من سنة تقريباً... من بعد طلاق هند وقماح.
رد نائل وهو يمد يده يصافحه:
فعلاً من بعد طلاق قماح وهند متقابلناش.
رد حماد:
مش عارف ليه الود يمكن يرجع تاني، ويمكن نرجع نتقابل تاني كتير في دار العراب؟ ولا مستحيل خلاص اللي كنت بتروح عشانها دار العراب راحت بعيد عن إيدك.
رغم أن نائل يفهم فحوى حديث حماد عن زواج سلسبيل التي اختطفها قماح من أمامه، لكن ادعى عدم الفهم قائلاً:
مين اللي كنت بروح عشانها دار العراب وراحت بعيد عن إيدي؟
رد حماد بتورية:
قصدي هند طبعاً، مش هي أختك وكنت بتروح دار العراب تزورها وتطمن عليها. خلينا في شغلنا، عندي خبر من رباح إني أستلم منك الرز وأدخله للشونة... أكيد عارف الكمية اللي جاي بها، خلينا أثبتها في الدفاتر.
في تلك الأثناء رن هاتف حماد، أخرجه من جيبه ونظر للشاشة ثم لـ نائل وقام بالرد في البداية مبتسمًا بمزح ثم تحدث متعجبًا:
بتقولي إيه يا زهرت؟ قماح انضرب بالرصاص ومين اللي ضربته سلسبيل؟ ليه؟ إيه اللي حصل؟ بقولك اقفلي الموبايل وأنا هتصل على رباح أعرف منه خدوا قماح لـ مستشفى إيه. قماح ابن خالي وغالي ولازم أطمن عليه.
أغلق حماد الهاتف ونظر إلى وجه نائل المشدوه. تبسم في داخله ولكن رسم أمامه التأثر.
تحدث نائل:
سمعتك بتقول قماح انضرب بالرصاص، و...
قاطعه حماد ينظر له بتسلية:
يظهر عملت حسنة في حياتك وربنا نجاك من نبع المايه سلسبيل. زهرت بتقولي إنها ضربت قماح بالرصاص. يلا خلينا نخلص تسليم البضاعة وأنهض أروح المستشفى أشوف حالة قماح إيه.
بينما نائل المذهول قال:
طب وسلسبيل ليه هتضرب قماح بالرصاص؟
ردت حماد:
معرفش، زعلانة. زهرت قالت لي المختصر وبس. خلينا نخلص توريد البضاعة بسرعة.
كان نائل يود معرفة القصة كاملة لكن حماد نفسه لا يعرف الحقيقة، وإن كان لدى نائل شك يكاد يكون يقين أن سلسبيل غير قادرة على إيذاء أحد، وبالأخص إن كان قماح. هنالك خطأ بالتأكيد.
***
بالعودة لدار العراب.
وقفت سلسبيل مذهولة وهي ترى قماح يسقط أمام ساقيها مدرجاً في دمائه. دماؤه التي على يديها جزء منها، وما زال بيدها ذاك السلاح. إذن هي من أطلقت عليه تلك الرصاصة التي جعلته يجثو ممدداً أمام ساقيها. نظرت ليدها التي ترتعش، ولم تقدر في التحكم بيديها. وقع السلاح منها أرضاً. عقلها مذهول. هي أصبحت قاتلة وقتلت من؟ قماح ابن عمها، لا ليس هذه صفته الوحيدة لديها، قماح زوجها أيضاً. والد ذاك الجنين الذي ينبت بأحشائها. هنا فقدت عقلها ولم تستطع السيطرة على جسدها. استسلمت لتلك الإغماءة تسحبها للهاوية. لولا إسناد ناصر لها لارتمى جسدها أرضاً جوار قماح.
قماح الذي ينزف يشعر بألم يفتك بصدره، لكن ليس فقط من تلك الرصاصة بل أيضاً من حديث سلسبيل الجاف، من أخفى عشقها بقلبه. ها هي تجهر بكرهه. أغمض قماح عينيه واستسلم لتلك الدوامة تسحبه نحو الغياهب. لم يشعر بإغماء سلسبيل.
فزع النبوي وهرع إلى جوار قماح، كذالك هداية، التي سحبت طرحة من على رأسها ووضعتها على صدر قماح تكتم اندفاع دمائه، كذالك محمد أخيه الأصغر. بينما تحجر قلب قدرية تتمنى الأسوأ، كذالك زهرت. بينما رباح هنالك شعور بألم في رأسه جعله ربما لا يشعر بـ قماح مثلما يشعر بألم رأسه. وضع رأسه بين يديه يفركها بقوة حتى أنه شعر أن عينيه عليها غشاوة. انشغل ناصر في حمل سلسبيل بين يديه، وانخلع قلب نهلة عليها، وعلى ذاك الممدد أيضاً، كذالك هدى الباكية. أعطى الحل النبوي حين حاول حمل جسد قماح قائلاً:
ساعدني بسرعة يا محمد خلينا ناخد أخوك للمستشفى.
بالفعل ساعده محمد وحمل معه جسد قماح وخرج الاثنان من الغرفة بخطوات سريعة. وأعقبتهم هداية حسب مقدرة سيرها، كذالك نهلة وهدى خرجن خلف ناصر الذي يحمل سلسبيل الغائبة عن الوعي. بقيت تلك الحقودتان وبقلبيهما يتمنيان سماع الأسوأ.
***
بالشقة التي تقطن بها همس.
خرجت من غرفتها تضع الطرحة على رأسها، بعد أن سمعت دقات جرس الباب المتلاحقة. شعرت بريبة للحظات حين رأت كارم. لكن كارم لم ينتظر واقترب منها ومسك يديها يقول بفرحة عارمة:
برائتك ظهرت يا همس، العائلة كلها عرفت حقيقة اللي حصلك.
ارتعشت يدي همس بين يدي كارم وشعرت برهاب من مسكه ليديها. سحبتهما سريعاً، تبتلع حلقها وقالت بخفوت:
بتقول إيه! برائتي ظهرت، طب إزاي؟
شعر كارم بنغزة في قلبه حين سحبت همس يديها من بين يديه، لكن تبسم يقول:
سلسبيل هي اللي أظهرت براءتك، من الموبايل والميموري اللي كانت عليه.
تعجبت همس قائلة:
موبايل مين وميموري إيه؟
سرد كارم لها عن تشغيل سلسبيل لهاتفها وذاك الميموري الذي سجل كل ما حدث لها ذاك اليوم التي انتهكت فيه، رغم أنه يشعر بنار بقلبه حين يتذكر صوت همس في ذاك التسجيل.
تعجبت همس، وتذكرت ذاك اليوم. هي كانت وضعت ذاك الميموري بالهاتف كي يقوم بتسجيل المحاضرة الثانية لها والتي ألغيت على آخر وقت، ونسيت أن تخرج الميموري أو حتى توقف التسجيل عليه. أخرجته بعد عدة أيام وتركته بأحد أدراج غرفتها. وبعد ما حدث لها ذاك اليوم كانت تذهب للجامعة فقط كي تبتعد عن من بالمنزل وعن الحديث مع أختيها. كانت تائهة تشعر بنهايتها تقترب. مع الوقت سيكتشف أمرها، حتى أنها لم تكن تتوقع أن تكون حامل لكن شكت بعد أن تغيرت طبيعة جسدها. أتت بذالك الاختبار الذي رسم آخر طريقها.
أغمضت همس عينيها ودموعها تسيل، تشعر كأن كل الأسى الذي عاشته ذاك اليوم يعاد أمام نظرها مرة أخرى. ضمت يديها على جسدها تشعر بخوف. لم تستطع الوقوف على ساقيها، وهي تخشى أن تنهار أرضاً. بالفعل انهارت ساقيها ووقعت جاثية.
انخض كارم وجثى لجوارها ومد يده الذي تردد كثيراً أن يضعها على كتف همس، لكن حسم أمره ولف إحدى يديه على كتف همس التي ارتعدت وشعرت برهاب. حاولت الابتعاد عن يد كارم، لكن كارم تمسك بها قائلاً:
همس أنا عمري ما أقدر أئذيكي بخدش وكنت واثق من براءتك. آن الأوان إنك تتغلبي على الخوف اللي بقى ملازم ليكي، والمفروض ترجعي من تاني للعائلة وزي ما عرفوا براءتك، يعرفوا إنك لسه عايشة.
نظرت همس لـ كارم وقالت بنهي:
لأ مش لازم حد من العائلة يعرف إني لسه عايشة. مش هقدر أواجههم، ومش هتحمل نظرات الشفقة ولا الشمت من حد... أنا مرتاحة كده.
قالت همس هذا وتحاملت على نفسها ووقفت على ساقها، وتوجهت تجلس على أحد المقاعد الموجودة بالمكان.
نهض كارم واقفاً ينظر لـ همس قائلاً:
مين اللي هيشمت فيكي يا همس؟ ومين قال لك إنك هتلاقي شفقة؟ هتلاقي دعم من أخواتك، إنتي مشوفتيش شكل سلسبيل وهي داخلة تقول إنها لقت براءتك، كأنها لقت كنز. و...
قاطعته همس قائلة بحسم:
أنا قولت مش هرجع يبقى خلاص، وكويس إني براءتي ظهرت قبل ما أسافر.
تفاجأ كارم يقول:
هتسافري! هتسافري فين ومين اللي هيسمح لك تسافري أصلاً؟
تحدثت همس بيأس:
أنا خلاص اتفقت مع جدتي إني هسافر وكمان كلمت عمي النبوي يجهز لي أوراق السفر وهسافر في أقرب وقت.
تعجب كارم يقول بذهول وهو يشعر بحريق في قلبه:
يعني هتسافري بعد خلاص ما ظهرت براءتك قدام العائلة.
ردت همس:
حتى ظهور براءتي مش هيمنعني من السفر. قرار سفري أنا خدته من قبل براءتي ما تظهر.
تحسر كارم يقول:
ليه يا همس عاوزة تهربي؟ ليه مش عاوزة ترجعي تاني؟ همس القديمة كان نفسي انتي اللي تحاربي وتظهري براءتك بس إنتِ من البداية استسلمتي وحاولتي تنتحري. كان الانتحار عندك أسهل من تبرئة نفسك، زي دلوقتي كده الهروب والسفر عندك أسهل من إنك تواجهي الجميع وتقولي لهم أنا لسه عايشة.
ردت همس بحده:
كفاية يا كارم، أنا من البداية محاولتش الانتحار.
تعجب كارم يقول:
قصدك إيه إنك محاولتيش الانتحار!
ردت همس:
أنا مكنتش أعرف إن السلاح فيه رصاص، لأن بابا دايماً بياخده معاه بس لما يكون مسافر بالليل، وبيقول إنه بياخده بس للتهويش وحماية مش أكتر. بس عمره ما استعمله، والمسدس بيبقى فاضي وبياخد خزنة الرصاص معاه بس بتبقى منفصلة عن المسدس. أنا كنت واخده السلاح أديه لبابا هو اللي يموتني بيه ويخلصني من الوجع اللي عايشة فيه. زمان كلمة سمعتها من جدي رباح بيقول لجدتي هداية... الموت عند التعب راحة، وأنا كانت راحتي الموت، بس مكنتش قادرة آخد الخطوة دي من الأول، كنت ضعيفة. لو كنت قدها كنت قتلت نفسي يوم ما اغتصبوني ومكنتش رجعت لدار العراب غير جثة، أو حتى بعدها كنت روحت مكان مقطوع وموتت نفسي وكالتني الكلاب والديابة.
ختمت همس حديثها ببكاء:
أنا جبانة يا كارم.
جثى كارم على ساقيه أمام همس وقال:
فعلاً إنتي جبانة يا همس، بس أنا مش هسيبك يا همس. مش عاوزة تسافري وتبعدي عن هنا، ومش عاوزة حد من العائلة يعرف إنك لسه عايشة. أنا معنديش مانع بس معندكيش غير حل واحد مفيش غيره.
ببكاء قالت همس:
وأيه هو الحل ده؟
نتجوز.
نظرت همس له بذهول، وقبل أن تتحدث تحدث كارم:
مش عاوزة تسافري، هنسافر سوا بس وإحنا متجوزين. ولو رفضتي، أنا بنفسي هقول للعائلة إنك لسه عايشة، وقبل ما تهدديني إني لو قلت لهم هتنتحري، هقول لك قبل ما تنتحري هنتحر أنا كمان قبلك وهيبقى ذنبي في رقبتك وخلينا بقى نتقابل في جهنم سوا.
ذُهلت همس، بينما تبسم كارم وقال:
أنا فعلاً حاولت الانتحار بعد موتك يا همس، واللي منعني وقتها قماح.
نظرت له همس بذهول وقالت:
قماح!
تبسم كارم يقول:
قماح... ابن الإغريقية اللي ماما طول عمرها كانت بتكرهنا فيه اللي لما كنت بشوف نظرة عينك له كنت بكرهه، بس كنت غلطان. قماح عمره ما نظر ليكي، كنت بشوف نظراته لـ سلسبيل دايماً. كان نفسي أقول لك إنتي عايشة في وهم، وكنت بسكت خايف تقولي لي أنا حرة. كنت منتظر تخلصي دراستك وكنت هفاتح جدتي إني أتزوجك ووقتها كنت هاخد دعمها. بس النهارده مش هسكت يا همس ولا هستنى دعم من حد. قدامك اختيار واحد، من الاثنين، يا نسافر مع بعض متجوزين ونبدأ حياتنا بعيد عن هنا، يا هفتش سر إنك لسه عايشة ونتحمل سوا النتيجة بعدها.
***
بمشفى خاص.
أمام غرفة العمليات.
جلست هداية التي ما زالت متماسكة، رغم تشتت عقلها وقلبها بين قماح الذي يصارع الموت، وبين سلسبيل التي انهارت فجأة. كانت تخشى تلك اللحظة. سلسبيل كانت تتحمل فوق طاقتها من معاملة قماح القاسية لها، كانت تشعر بذلك رغم أن سلسبيل لم تبوح بذلك لأحد قبل الليلة. رأت تلك العلامات الدامية بعنق سلسبيل يوم مرض قماح. غصت وقتها، ودعت لـ قماح أن تزول عنه تلك القسوة. كذالك رفض قماح لها أن تعمل بتلك اللهجة الحاسمة. قماح بدل أن يظهر حبه لـ سلسبيل دفنه خلف قسوته معها. ولكل إنسان طاقة تحمل، وبلحظة قد يضرب بكل شيء عرض الحائط. وقد كان براءة همس بدل من أن تفرح العائلة، قسمتها حين طلبت سلسبيل الطلاق من قماح على مرأى الجميع.
كذالك كان النبوي يشعر بخوف أن يفقد قماح مرة أخرى، لكن هذه المرة مختلفة. المرة السابقة كان بسبب جدته اليونانية التي أخذته غصباً بعد وفاة كارولين. كان لديه إحساس أن قماح سيعود بإرادته وقد كان. لكن هذه المرة قماح يصارع الموت. تذكر سلسبيل التي لم تتحمل رؤية قماح ينزف وفصل عقلها أيضاً، والتي كانت قبلها بلحظات تتمنى الطلاق منه. يبدو أن للقدر أمر غريب.
بينما نهلة التي كانت جالسة تنظر لـ هدى التي تجلس جوار ناصر تضع رأسها على صدره تبكي، لامت نفسها على ضعفها. بلحظة كانت ستفقد ابنه أخرى لو لم تصب الرصاصة قماح وأصابت سلسبيل، كانت ستفقد عقلها بالتأكيد غير قادرة على تحمل ذاك الألم مرة أخرى. رغم أنها حقاً حزينة على إصابة قماح، لكن تذكرت سلسبيل حين سقط قماح أمامها. سلسبيل لديها مشاعر لـ قماح لكن قسوته معها جعلتها تكبت تلك المشاعر. لكن حين رأته بذلك المنظر لم تتحمل وغابت عن الوعي.
ناصر الذي يضم هدى، يشعر بالتوهة والوجع. التوهة من الحقائق التي ظهرت اليوم. براءة همس، وفشل زواج سلسبيل. اعتقد أن قماح لن يقدر على إيذائها لكن كان مخطئاً في ظنه. قماح بدل أن يحتوي سلسبيل جعلها تشعر بالدونية. لكن تأكد سلسبيل لديها مشاعر ناحية قماح ومعاملته الدونية لها جعلها تخشى من إظهار تلك المشاعر وفضلت إنهاء ذاك الزواج الذي لم تكتسب منه سوا ذاك الجنين الذي ينمو بأحشائها.
نهض الثلاث واقفين حين خرجت إحدى الطبيبات قائلة:
الحمد لله المدام كويسة وكمان البيبي بخير، بس واضح إنها تعرضت لضغط قوي وده السبب في الإغماءة اللي كانت عندها، وكمان حالة ضعف واضح إنها كانت بتطوع نفسها ومش بتتغذى كويس في الفترة الأخيرة وبسبب الحمل أثر عليها. إحنا عطناها مهدئ وده مالوش تأثير على الحمل، وكمان ركبنا لها تركيبة محاليل تعويضية بالفيتامينات وبعض الأدوية التانية، وهي نايمة دلوقتي وهتفضل نايمة لحد الصبح، وإن شاء الله تصحى كويسة.
تبسمت هدى كذالك نهلة وناصر الذي تحدث بعد ذهاب الطبيبة:
خلّوكم أنتم هنا جنب سلسبيل وأنا هروح أطمن على قماح.
ردت نهلة:
ربنا يطمنا عليه هو كمان.
نظرت هدى لـ نهلة قائلة:
بعد اللي سلسبيل حكته لنا عن معاملته القاسية لها، لسه بتتمنوا له الخير... أنا...
قاطع ناصر هدى قائلاً:
قماح قبل ما يبقى جوز سلسبيل هو ابن أخويا، ومهما كان اللي حصل بينه وبين أختك هو في النهاية جوزها والأزواج ياما بيحصل بينهم. واهو أنتي شوفتي بنفسك مقدرتيش تشوفيه مصاب، وكمان قماح ابن عمك ومش لازم تتمني له الشر.
شعرت هدى بخزة وصمتت.
أمام غرفة العمليات.
أتى محمد بزجاجة مياه وكوب، وسكب من الزجاجة في الكوب وناولها لجدته. أخذتها منه هداية، ارتشف بعض القطرات وأعطتها له مرة أخرى. ما زالت متماسكة. مر عليها الكثير من الأزمات واجهتها بصدر رحب وتغلبت عليها لم تتمكن منها الأيام، لكن الآن أمام عاصفة قد تعصف بما ظلت تقوم بتدشينه وحمايته. هو قوة وتماسك ابنيها. الآن هنالك عاصفة قوية. قماح هو الوحيد القادر على التصدي لها، ولكن كيف وهو بداخل تلك الغرفة يتصدى للموت.
بالفعل بداخل غرفة العمليات، كان الأطباء يقومون بانتزاع تلك الرصاصة. بعد وقت وقف النبوي بلهفة حين رأى باب غرفة العمليات يفتح، لكن هداية لم تقدر على النهوض. تحدث الطبيب:
بصراحة بنية المريض القوية ساعدتنا كتير، لأنه نزف دم كتير على ما وصل لهنا في المستشفى، وكمان الرصاصة استقرت في مكان قريب من الرئة وده أكيد كان بسبب السلسلة دي لأن هي اللي عملت كمانع في توغل الرصاصة في الرئة.
نظر النبوي لذاك السلسال. هذا السلسال كان لـ كارولين. هو أعطاها إياه وكان قلب مقسوم مكتوب عليه الشهادتين من ناحية، ومن الناحية الأخرى كان مكتوب عليه اسم كارولين بالهيروغليفي واسم النبوي باليونانية. تيقن أن قماح كان يحتفظ به ذكرى من والدتهم.
مد النبوي يده وأخذ السلسال، بينما قال محمد:
طب حالته عاملة إيه دلوقتي؟
رد الطبيب:
الحالة مش خطيرة قوي بس طبعاً لازم الاحتياط. هيفضل الليلة في العناية المركزة وبكرة إن ما حصلش انتكاسة هيخرج لأوضة عادية. ودلوقتي عن إذنكم لازم أبلغ الشؤون القانونية في المستشفى دي إصابة رصاصة.
تحدث النبوي:
طب ممكن تنتظر بس لحد المريض ما يفوق وأكيد...
قاطعه الطبيب النبوي قائلاً:
متأسف دي إصابة رصاصة وفي مكان خطير وواضح إنها كانت عن قرب يعني ممكن تكون محاولة قتل... عن إذنكم.
غادر الطبيب، بينما شعر رباح الذي خف ألم رأسه بعد أن أخذ تلك الكبسولة التي أعطته إياها زهرت قبل أن يلحق بهم إلى المشفى. شعر ببعض التشفي من إصرار الطبيب، فلو عُلم أن من أطلقت الرصاصة هي سلسبيل، سيتشفى بـ قماح زوجته تكرهه وأقدمت على قتله. يكفي عليه أن يعلم أن زوجته تكرهه.
***
مرت تلك الليلة وبزغ شروق يوم خريفي جديد.
بدار العراب.
قدرية:
حين علمت أن قماح قد نجا شعرت بالقهر. كم تمنت أن يرحل. هي تكره رؤيته، يذكرها دائماً بغريمتها التي سرقت قلب زوجها. لكن ما زال هنالك جانب جيد بما حدث بليلة أمس. لو وقع الطلاق بين قماح وسلسبيل، انهارت أعمدة دار العراب والسبب هو ابن الإغريقية. بداخلها تمنت أن تصر تلك الحمقاء سلسبيل على الطلاق والأ تسمع لحديث هداية.
وهنالك من تشعر بنشوة وهي تسرد لـ والدتها ما حدث بليلة أمس، لتقول عطيات:
يعني سلسبيل مكنتش تقصد تضرب قماح بالرصاصة. هو اللي اتهجم عليها، بس سلسبيل طلعت كارهة قماح بالجو. لما تطلب الطلاق قدام العائلة كده. بس الخوف هداية تأثر عليها وتخليها تشيل الطلاق من دماغها زي ما سبق وخلتها وافقت على الجواز.
ردت زهرت:
معتقدش هداية هتعرف تأثر على سلسبيل المرة دي، شكل سلسبيل مليانة من معاملة قماح الوحشة لها. دي هددته يا يطلقها يا تموت نفسها. بس الغريب إن قماح شكله اتصدم لما سلسبيل قالت إنها لو موتت نفسها هتبقى بروحين.
انزعجت عطيات قائلة:
قصدك إيه من روحين؟ يعني سلسبيل حامل. دي تبقى مصيبة. دي ممكن تبقى النقطة اللي تخلي قماح يتمسك بسلسبيل وميرضاش يطلقها.
تهكمت زهرت:
هيتعلق بواحدة مش عاوزاه عشان حتة جنين في بطنها الله أعلم الحمل ده هيكمل ولا لأ. ماهي كمان أهي اترمت بعده وفي المستشفى، لما سألت رباح في الموبايل قال لي مرحش عندها ولا يعرف عنها حاجة. كله اللي شافه ناصر راح لهم يطمن على قماح ورجع لعند مراته وبناته تاني ولسه قماح مرمي في العناية.
ردت عطيات:
يا ريت ما يطلع منها، وكمان سلسبيل تسقط. غلبت أقول لك بطلي مانع الحمل اللي بتاخديه وهاتي حفيد قبل سلسبيل، دلوقتي هي اللي هتربع على الحجر. هداية هتكبرها على الكل في الدار هنا، ويمكن على قماح نفسه.
ردت زهرت بلامبالاة:
ميهمنيش حمل سلسبيل لأنها مش هتسمع لـ هداية وهتطلق من قماح. بقولك حطت السلاح على صدرها.
ردت عطيات:
يا ريت كانت الطلقة صابت قلبها هي يمكن أقل ما فيها كانت خسرت الحمل. ناصر أخويا مش سهل يبان طيب وحنون بس جواه بركان وعشان بنته ممكن يعمل أي شيء. بالذات بعد ما ظهرت براءة المخفية همس اللي غارت. ياريت سلسبيل والمخفية التالتة يحصلوها على القبر. ناصر لو سمع لطلب سلسبيل وجاتها ممكن ياخد كل أملاكه ويكتبها باسم بناته الاثنين. ووقتها سلسبيل بدل ما تبقى مرت قماح، تبقى شريكة له وميجدرش يسيطر عليها.
تنبهت زهرت لذالك، كيف عمها الحقد من سلسبيل واعتقدت أنها تشفت فيها. لو حدث ما قالته والدتها ربما تتطلق سلسبيل من قماح. ووقتها يعود الأمل لـ والد نائل، ذاك الطامع بها منذ البداية.
***
بالمشفى بغرفة سلسبيل.
بدأت تصحو بعد زوال مفعول تلك الأدوية. كانت تهذي باسم قماح، إلى أن فاقت وفتحت عينيها. نظرت لجوارها كان يقف ناصر الذي تبسم لها بحب.
تحدثت سلسبيل:
قماح.
تبسم ناصر:
قماح بخير يا سلسبيل. لسه النبوي قافل معايا الخط من شوية وجالي إنهم نقلوه لأوضة عادية وهيفوق بعد شوية.
أغمضت سلسبيل عينيها براحة هامسة:
الحمد لله.
تبسم ناصر وتذكر إصرار سلسبيل على طلب الطلاق بالأمس والآن أول ما فتحت عينيها سألت عن حال قماح. غريب هو الحب، لكن الكبرياء حين يتدخل قادر على قتل هذا الحب. وسلسبيل قماح جرح كبرياءها، رغم ما عرفه وسمعه من سلسبيل عن معاملة قماح السيئة لها. لكن ما زال بداخله يتمنى ألا يهدم هذا الزواج. لكن القرار الأخير لـ سلسبيل وسيساندها فيه مهما كان.
بخارج غرفة سلسبيل كانتا هدى ونهلة آتيتين معاً. تقابلتا مع حماد الذي قال بلهفة:
سلسبيل إزيها يا مرات خالي؟ والله أنا أول ما عرفت اللي حصل جيت على هنا على طول. سلامتها.
نظرت له هدى بنفور. بداخلها تعلم أنه كاذب ومراءٍ يسير خلف هدف برأسه. سابقاً كان يتودد لـ همس والآن يريد لفت نظرها. لكن هن كانتا يفهمانه. هو يسعى خلف ثروة والدهن. لكن كانت هدى تشفق عليه سابقاً، لكن الآن تمقته بسبب طمعه. لكن هي ليست ساذجة.
ردت نهلة على حماد:
سلسبيل الحمد لله كويسة كانوا شوية ضعف بسبب الحمل ومكنتش مهتمة بتغذية نفسها، بس الحمد لله كتر خيرك.
رد حماد وعينيه على هدى:
كتر خيري إيه يا مرات خالي، إنت عارفه غلاوة بنات خالي ناصر. سلسبيل زي زهرت أختي بالضبط.
تحدثت هدى:
أيوا بنات خالك ناصر زي أختك زهرت بالضبط، ودلوقتي عن إذنك لازم نروح لـ سلسبيل. مفيش معاها غير بابا وزمانها فاقت، والدكتورة قالت بلاش تزحموا الأوضة. روح اطمن على قماح. أنا وماما لسه جايين من عنده. الدكتور نقله لأوضة عادية. وفي أي لحظة هيفوق.
شعر حماد بالغبطة من حديث هدى الجاف، لكن ابتلعه قائلاً:
ربنا يقومها بالسلامة، هروح أطمن على قماح وأرجع تاني الشونة. أنتم عارفين إننا في موسم جني الرز، ورباح مش هيقدر يتابع التوريدات لوحده، ومحمد لسه مش فاهم في الشغل قوي. مرة تانية حمدلله على سلامة سلسبيل يا مرات خالي.
أماءت له نهلة رأسها، بينما قالت لـ هدى بعد أن غادر:
ليه بتكلميه بخشونة كده؟ مش كتر خيره جاي يسأل على أختك.
ردت هدى:
ياريته ما جه ياريته يبعد عنا. أنا بقيت بكره كل عيلة العراب واللي يقربوا لها، زي ما يكون بنات عيلة العراب ملعونين بالأغبياء.
تبسمت نهلة رغم عنها، من تلك الصغيرة سليطة اللسان.
***
بعد وقت في نفس اليوم.
جلس النبوي جوار هداية مُنهكاً يقول:
الحمد لله الدكتور قال إن الخطر زال عن قماح وحالته اتحسنت، وكمان اتصلت على ناصر جالي إن سلسبيل كمان الدكتور كتب لها على خروج من المستشفى.
تنهدت هداية قائلة:
الحمد لله قدر ولطف.
تنهد النبوي يقول:
الحمد لله ربنا خفف القدر، بس اللي حصل نساني إزاي يا حاجة توافقي على طلب همس إنها تسافر بره مصر؟ إزاي تأمني عليها في الغربة لوحدها.
ردت هداية:
ومنين جايلك إني وافقت إنها تسافر بره مصر؟ همس في الأول والآخر بنتي، حتى لو بحالتها القديمة مستحيل أوافق تسافر لوحدها. همس بحالتها دي ضعيفة. أنا بس هاودتها، بس هنا هيبان حقيقة كارم قدامها، ومتأكدة إنه مش هيوافق تسافر لوحدها.
تبسم النبوي بتفهم، كيف غفل عن عقل الحجة هداية.
بينما بغرفة قماح بعد وقت في نفس اليوم.
خرج الطبيب مبتسماً يقول:
المريض الحمد لله فاق، وتقدروا تشوفوه بس بلاش زحام، ولا تتعبوه بالأسئلة. هروح أتصل عالضابط المسؤول عن التحقيق، وأعرفه إن المريض يقدر يدلي بأقواله.
تبسمت هداية للطبيب. دخلت هي والنبوي للغرفة، تبسموا حين وجدوا قماح يفتح عينيه.
تحدثت هداية:
ألف سلامة يا ولدي.
كذالك تبسم النبوي وقال نفس الشيء، لكن فجأة رن هاتف النبوي. نظر للشاشة تعجب حين رأى من يتصل عليه. إنها قدرية. رد عليها ليتفاجأ، أو بالأصح يُصدم وهو يسمع منها:
ناصر أخوك ومرته وبناته خرجوا من البيت بعد ما خدوا شنط هدومهم، حاولت مع ناصر بس هو مصر.
أغلق النبوي الهاتف ونظر الى هداية التي قالت له:
في إيه اللي حصل تاني وجالتلك عليه قدرية خلى وشك سأم كده.
ابتلع النبوي ريقه وقال:
قدرية بتقول إن ناصر خد بناته ومراته وسابوا دار العراب.
كأنه أطلق رصاصة بقلب هداية وكادت تختل لكن تماسكت ونظرت لـ قماح بلوم وعتب وقالت له:
الحل في يدك، رجوع ناصر تاني لدار العراب في يدك.
أماء لها قماح بموافقة، لكن في ذاك الوقت دخل أحد الضباط قائلاً:
ممكن تسيبوني أنا والمصاب لوحدنا دقايق؟ متخافوش مش هتعبه في التحقيق.
خرجت هداية تستند على النبوي.
بينما تحدث الضابط لـ قماح:
في البداية حمدلله على سلامتك، وبعد ما الدكتور المسؤول عن حالتك قدم تقريره الطبي اللي ذكر فيه إن الرصاصة كانت من مسافة قريبة كانت تسمح لك تشوف مين اللي أطلق عليك الرصاصة، يا ترى شفت اللي ضربك بالرصاصة.
رد قماح:
أيوا شوفته.
طب هو شخص تعرفه؟ كان هذا سؤال الضابط.
أغمض قماح عينه. جاءت لخياله سلسبيل، وإصرارها على الطلاق، وأيضاً معرفته بترك عمه وزوجته وبناته لدار العراب. بالتأكيد عمه يساند سلسبيل. فتح عينيه لا يوجد حل آخر.
أعاد الضابط سؤاله:
إنت قلت إنك شفت اللي ضرب عليك الرصاصة، تقدر تقول هو مين.
رد قماح بهدوء عكس ثورة ضميره، لكن ليس هناك حل آخر ولا طريق آخر للضغط على سلسبيل غير هذا. تنهد قائلاً:
اللي ضرب عليا الرصاصة... عمي ناصر العراب.
رواية عش العراب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامه
تجول محمد بسيارته بين الطرقات يشعر بآسى بعد أن سخر منه رباح وقام بذمه أنه ما زال مبتدئًا لم يتعلم كيفية سير العمل وفضل وميز حماد عليه بالخبرة. كان يشعر بالدونية. أخوه بدل أن يساعده على إتقان العمل قام بنفيه واستغل غياب والده الذي يجلس جوار قماح بالمشفى. كان يتجول بلا هدف كأنه ينفض عنه ذلك الإحساس البغيض.
للحظة فكر عقله وتذكر تدخين رباح للسجائر. قرر الإتيان بعلبة سجائر والتدخين قد ينفث عن غضبه بها. توقف بالسيارة أمام أحد البقالات المتوسطة وترجل من السيارة ودخل إلى تلك البقالة.
كانت بداخل تلك البقالة فتاة ليست صاحبة جمال فتان. خمرية البشرة بملامح وجه صغيرة، حتى جسدها متوسط الطول وليست ممتلئة الجسد. طولها مع حجم جسدها يعطيها جسدًا مناسبًا ليست ثمينة. لكن لديها لسان يفوق جسدها عشرات المرات.
كانت تلك الفتاة تتحدث مع البائع تقوم بالفصال معه في الشراء. لاحظ أنها تخرج لسانها عند نطق حرفي السين والصاد. تنطقهما "ثاء". واضح أنها لدغاء.
تقول:
بث (بص) يا عم نثيم (نسيم) أنا خدت عشر كيلو رز ومعاهم سبعة كيلو دقيق قمح وتلاتة دقيق درة. هو ده حسابك؟ وكفاية إني محسبتش أجرة التوكتوك اللي هروح بيه. المفروض كان يبقى عليك.
رد نسيم:
توكتوك إيه يا "سميحة". الحساب ناقص أصلاً عشرة جنيه. يا بنتي أنا صاحب بقالة على قدي مش فاتح فرع لسوبر ماركت كارفور. هاتِ العشرة جنيه والمسيح الحي أنا مديكِ البضاعة بتمنها اللي جاية ليَّ بيها. طب أقولك نقسم البلد بينا، هاتِ خمسة وخليلك خمسة اللي مش هتركبي بها توكتوك. أنا ألف مرة أقول للست "فتحية" بلاش تبعتك تاخدي مني حاجة. إنتِ بتناهدي معايا وبتفاصلي في حق باكو اللبان، وأنا مبقاش فيا حيل كبرت على المناهدة بتاعتك دي. أنا جاي لـ فتحية تتصل عليا أو حتى تبعتلي أي حد من الشارع وأنا هبعتلها اللي عاوزاه لحد باب الدار.
زغرت له سميحة قائلة:
قصدك إيه يا عم نسيم يعني مش عاوز تشوف وشي؟ أنا كان قلبي حاسس من زمان إنك مش بتحبني، وأنت اللي معصي الواد كيرلوس ابنك أبو عيون إزاز عليا ومش عاوزاه يتجوزني.
ضحك نسيم قائلاً:
يا بتي كيرلوس ميجوزش ليكي. إنتم مش على ملة واحدة. إنتي ناسيه إنك مسلمة وهو مسيحي.
تبسمت سميحة قائلة:
مش عيب يا عم نسيم الواد كيرلوس أبو عيون إزاز يعمل زي عمر الشريف لما أسلم علشان يتجوز فاتن حمامة. هي فاتن حمامة أحسن مني في إيه؟ إن كانت هي سيدة الشاشة العربية، أنا سيدة خط الصعيد الأولى. وهيبقى عندي آتلييه لصناعة الخزف.
ضحك نسيم قائلاً:
قصدك القُلل اللي بتبيعيها لـ إستير على إنها فازات أثرية. غير أنها بترشح الماية. ولا الماجات كمان اللي بتفرقع من الماية السخنة.
ردت سميحة:
أي فخار بيرشح مايه، ده صحي عن ماية التلاجات. وكمان قولتها بلاش تغلي الميه قوي قبل ما تفرغها في المج.
رد نسيم:
آه الفخار بيرشح، بس دي مش بترشح دي بتسرسب الماية في مفيش قبل ما نشرب منها تكون فضيت. عيب في الصانعة.
ردت سميحة بإستهجان:
عيب في إيه! الصانعة لأ بقى أنا متمكنة في صناعة الخزف. بس بصراحة إستير بخيلة وعاوزة الرخيص وكل حاجة على قد تكلفتها. هو في قُلة النهارده باتنين جنيه إلا ربع؟ أقل قُلة بخمسة جنيه والمج النضيف بعشرة جنيه. بس أنا براعي العشرة وإننا جيران. يلا كفاية رغي يا عم نسيم ماما زمانها استغيبتني. أقولك خد خمسة جنيه أهي، وهاتلي كارتونة جامدة تستحمل أحط فيها الدقيق والرز وأشيلها على راسي.
رد نسيم:
هتشيلي على راسك ليه؟ مجبتيش شنطة معاكي كنتِ شيلتيهم بين إيديكي.
ردت سميحة:
لأ إيدي تخدل وتوجعني على ما أوصل. يلا خلصني وشوف الزبون اللي واقف ده عاوز إيه.
أتى نسيم بكارتونة وضعها على طاولة أمامه ووضع بها الأرز والدقيق.
نظرت سميحة لمحمد قائلة:
ساعدني يا أخ أحط الكارتونة دي على دماغي بدل ما أنت واقف بقالك ساعة تتسمع على كلامنا.
اقترب محمد وقام بمساعدتها بوضع الكارتونة فوق رأسها. تلامست أطراف أناملهما. شعر محمد بكهرباء تنغز في قلبه. بينما سميحة استدارت ومدت يدها أخذت أحد البرطمانات قائلة:
البرطمان ده خلاص مفيهوش غير كم كرملاية. هاخده أتسلى في الكرملة وأنا بخبز وأدكن البرطمان لما نعمل مربى الأرنج أبقى أخزنها فيها ومتخافش نايبك محفوظ يا عم نسيم.
تحدث نسيم:
كم كرملاية إيه يا سميحة هاتِ البرطمان وأما يفضى أبقى خديه.
ردت سميحة:
لأ أنا خلاص أخدته. سلام بقى هبقى أجيب لـ إستير كم رغيف عيش بني زي هو اللي بتحبه.
تهكم نسيم:
إستير بتحب عيش الرده إنما إنتي بتضحكي عليها بالعيش بتاعك مصبوغ دقيق أبيض باللون البني.
ردت سميحة:
يا عم هي إستير بتركز في اللون إنما الطعم عندها مالوش لازمة. يلا وآه قبل ما أمشي قول لـ إستير، الدراسة هتبدأ الأسبوع الجاي. أنا مش عاوزاها تعملي سندوتشات لانشون وسجق سمعت إنهم يفرموا فيران مع اللحمة. أقولك قولها تعملي سندوتشات جبنة رومي وحلاوة طحينية بس بالمكسرات اللي الواد كيرلوس أبو عيون إزاز بياكل منها. يلا أهي آخر سنة وأتخرج وأرتاح من الدراسة وأنطلق نحو المستقبل.
تبسم نسيم لها وقال:
كل سنة وإنتي طيبة بمناسبة رجوع الدراسة. سلميلي على فتحية.
غادرت سميحة المكان، غير منتبهة لنظرات محمد الذي ود السير خلفها ومعرفة مكان منزلها. لا يعرف السبب لما أراد معرفة عنها أكثر. تلك المشاغبة شغلت عقله، جعلته يتصنم مكانه غير منتبه لحديث نسيم إلا حين قال له:
أستاذ حضرتك عاوز إيه.
انتبه محمد ونظر لنسيم ود سؤاله عن تلك الفتاة ومعرفة الأكثر عنها، لكن خشي أن يُسيء نسيم الظن به. تحدث محمد:
كنت عاوز تشكيلة حلويات مع بعضها شوية كرملة على لبان وبونبوني.
تبسم نسيم وقال:
الكميات عاوز قد إيه.
رد محمد:
ممكن تملالي برطمان من بتوع الحلويات اللي قدامك ده.
تبسم نسيم وبدأ بوضع تلك السكاكر وملء له أحد البرطمانات، ومد يدهُ له بها وقال له قيمة الحساب. أخرج محمد حافظة ماله وأخرج بعض المال، وأعطاها لنسيم الذي تبسم قائلاً:
المبلغ المطلوب أقل من كده بكتير، مش معاك فكة.
رد محمد:
لأ للأسف.
تبسم نسيم وبدأ في إعطائه باقي ماله وقال له:
حضرتك أول مرة أشوفك هنا، أكيد عابر طريق. الحلويات دي واخدها لعيالك مع إن شكلك صغير على إنك تكون متجوز.
تبسم محمد:
فعلاً أنا مش متجوز. والحلويات دي واخدها لنفسي أتسلى بها في الطريق. سلام.
أخذ محمد برطمان السكاكر وغادر البقالة، وعاد لسيارته وضع البرطمان جواره على المقعد. نظر له مبتسمًا وفتح إحدى قطع الحلوى يمضغها وهو يتذكر تلك المشاغبة اللدغاء. بنفس اللحظة تذكر أنه كان ذاهب لشراء السجائر يُنفث عن غضبه بدخانها. ها هو عاد بالحلوى، وذهب غضبهُ. لا يعلم ما سبب ذلك بداخله. تمنى رؤية تلك المشاغبة مرة أخرى، بل مرات.
آتى الليل بفندق بمدينة بني سويف.
بأحد الغرف تمددت سلسبيل على الفراش تشعر بضعف. تحدثت هدى لها قائلة:
أول مرة في حياتي أبِيت بره دار العراب. ماما عمرها ما سمحت إن واحدة فينا تبات بره الدار حتى لو عند أي حد من قرايبنا. حتى رحلات المدارس والجامعة ممنوع في أماكن بعيدة.
تنهدت سلسبيل قائلة:
ليه كذا مرة سافرنا نصيف أو نتفسح وكنا بنبات بالأيام بره دار العراب.
ردت هدى:
بس كنا بنبقى عارفين إننا راجعين تاني لـ دار العراب. المرة دي بابا قال هنقعد في الأوتيل كم يوم على ما يدبر لينا بيت نعيش فيه. بصراحة متوقعتش إن بابا يوافقك ويسيب دار العراب، حتى ماما كمان معترضتش زي عادتها على حاجة واحدة فينا عاوزاها.
ردت سلسبيل وهي تُغمض عيناها:
أنا كمان استغربت وكنت متوقعة تعترض، بس يمكن لما لاقت بابا وافق وافقت وخلاص. أنا حاسة بشوية إرهاق، خفضي نور الأوضة وسيبني أنام.
ردت هدى:
لو حاسة بتعب أنادي لبابا يرجعك للمستشفى تاني.
ردت سلسبيل:
لأ أنا كويسة مش تعبانة. كل اللي حاسة بيه شوية إرهاق وعاوزة أنام يمكن من تأثير الأدوية اللي أخدتها. طفي النور وتصبحِ على خير.
أطفأت هدى أنوار الغرفة إلا من نور ضعيف، ثم صعدت إلى الفراش الممدد عليه سلسبيل ونامت جوارها. جذبت الغطاء عليهن قائلة:
وإنتي من أهل الجنة إنشاء الله هتصحي كويسة.
أستسلمت سلسبيل للنوم كأنها تريد الغياب عن الوعي وتنسى أنها كادت أن تصبح قاتلة. شعرت براحة حين علمت أن قماح قد فاق وأصبح بحال أفضل.
بغرفة أخرى بنفس الفندق.
بكت نهلة.
اقترب منها ناصر وأمسك يدها قائلاً:
ليه بتبكي يا نهلة.
ردت نهلة:
ببكي على ضعفي، اللي كان هيضيع منى بناتي واحدة وراء الثانية. في الأول خسرت همس، وسلسبيل كمان كنت في لحظة هخسرها. عقلي بيشت لما بفكر إن الرصاصة كانت ممكن تصيبها وتموت هي كمان قدام عيني. قلبي مكنش هيستحمل أفقد بت تانية من بناتي. حتى لما ربنا نجاها والرصاصة أصابت قماح مقدرتش أصلب طولي وأغمى عليا. قد ما فرحت ببراءة همس قد ما قلبي انخلع لما شفت وعرفت قسوة قماح على سلسبيل اللي كانت بتداريها قدامنا لحد ما فاض بيها. أنا لما أمي هداية قالت إن قماح هيتجوز من سلسبيل فرحت وجلت ولد عمها وأكيد مش هيعايرها بـ همس. بس كنت غلطانة. كنت هستنى إيه من واحد زي قماح اتجوز وطلق مرتين قبل كده. إزاي مفكرتش في كده.
ضم ناصر نهلة قائلاً:
أنا عندي إحساس مؤكد قماح بيحب سلسبيل. أنتي مشوفتيش ملامح وشه لما سمع طلب رجب سلسبيل لابنه. بس مستغرب ليه عاملها بالجسوة دي. حتى سلسبيل نفسها عندها مشاعر ناحية قماح. وأها شوفتي بنفسك مجدرتش تتحمل منظره وهو عايم في دمه وعقلها فصل. حتى أول ما فاقت كان أول حاجة قالتها سألت على قماح.
تنهدت نهلة بحزن قائلة:
أول مرة أسيب دار العراب من تلاتين سنة من يوم ما اتجوزنا. حاسة بغربة وضياع.
تنهد ناصر هو الآخر قائلاً:
تعرفي إن استغربت إنك معترضيش لما سلسبيل طلبت إننا نسيب الدار مش قادرة أتحمل تجعد فيها.
ردت نهلة:
أنا نفسي استغربت إزاي قبلت إني أسيب داري. بس سلسبيل كانت أول فرحتي. وراحتها تهمني.
تنهد ناصر ببسمة يقول:
لسه فاكر يوم ولادتها ولما شيلتها أول مرة حسيت إني ملكت سعادة الدنيا كلها. كانت فرحة اتشوقنا ليها سنين.
عادت تدمع عين نهلة قائلة بندم:
لما خلفت التلات بنات حسيت إن قدرية فرحانة. كنت بآسي عليهم عشان ميبقوش زيي ضعاف. كنت ببقى مبسوطة لما يعارضوني ويجولك يطلبوا منك توافق على حاجة أنا رفضتها. حاولت أربطهم بيك عشان ميحسوش بالضعف، يحسوا إن وراهم سند. أنا اتربيت يتيمة وكنت أنا وأختي وأمي لوحدنا. شفت أمي كانت في بيت العيلة خاضعة لقرارات غيرها. فاكرة مرة جدتي كان عمي جايبلي عريس يخطبني وياريته كان فيه ميزة. خوفت وجتها جدتي توافق عليه وتدمر حياتي معاه. بس هي اللي رفضته. عارف لو جدتي وافقت عليه أمي مكنتش هتعترض. أنا دايماً جوايا خوف عشت بيه في بداية جوازي منك رغم إننا اتجوزنا عن حب. بس كنت خايفة.
نظر لها ناصر بتعجب قائلاً:
كنتي خايفة من إيه؟
ردت نهلة:
لما حصل واتقدمتلي زمان، عمتي سألت عنك. وجالوا لها الحاجة هداية شديدة قوي. غير ولدها الكبير متجوز مرتين. وقتها عمتي لمحتلي إني ممكن إنت كمان مع الوقت تتجوز عليا مرة تانية. بس أمي جالتلي في إيدك تكسبِ الحاجة هداية. كلمة حاضر بتريح خليكي تحت جناحها. ورغم إني كنت بحبك وعارفة إنك بتحبني، بس دخل لقلبي الخوف ده. ولما دخلت دار العراب وغبت في حكاية الخلفه، حتى لما خلفت البنات وراء بعض، كنت بخاف إنك في لحظة تقولي هتجوز عشان أخلف ولد يشيل اسمي ويحفظ مالي.
نظر لها ناصر يقول:
بس إنتي كنتي عارفة إن مفيش فيكي عيب وتقدرِ تخلفي. العيب كان فيا من البداية. وأنا اللي كنت محتاج لشوية علاج، وإنتي استحملتي ده معايا كله وصبرتي وعمرك ما حسستيني إن فيا عيب. ييجي بدل ما أكافئك أروح أتجوز عشان أخلف ولد. لو كان مكتوب لي خلف الولد كان هيبجي منكِ يا نهلة. إنتي رفيقة عمري كله. شيلي الوهم ده من دماغك. وعاوزك تعرفي حاجة واحدة. النبوي لما اتجوز على قدرية مكنش عشان يكسرها أو يقلل من قيمتها. النبوي معرفش العشق غير مع أم قماح. قدرية من يوم ما دخلت دار العراب كانت فاكرة هتاخد السيطرة من أمي وتبقي هي الكبيرة وكلمتها المسموعة. كان في إيدها تاخدها بس هي اختارت الطريق الغلط. بتكبر نفسها بالذات لما خلفت رباح. أول ولد يكمل نسل العراب. فكرت إنها بكده خلاص ملكت اللي قدامها. الراجل منا بيبقى محتاج الست تكون ضل له مش يبقى هو ضل لها. كانت بتتعمد تجيب المشاكل مع أمي ومع ذلك أمي كانت بتفوت لها كتير. بس كبرها زاد وكانت عاوزة تدخل في شغلنا كمان وتعمل نفسها فاهمة في كل شيء. أبويا كان شديد قوي على فكرة وكان بيكره اللي مينفذش كلمته وقدرية كانت بتعاندة دايماً. دي وصلت بيها مرة قالت لأبويا إنت راجل كبرت وخرفت المفروض يحطوك في الخانكة. وده كان سبب أول طلاق بينها وبين النبوي. بس أمي وقتها قالت ولدنا ميتربش بعيد عننا وغصبت عليه رجعها. وياريتها بعدها عقلت، لأ فضلت بنفس الطباع. بس النبوي كان قابل كارولين صدفة وعشقها ولما قال لأمي في الأول اعترضت وبالذات إن كارولين لا من بلدنا ولا على ديننا الإسلامي. بس لما شفتها أول مرة قلبها انشرح لها، ووافقت يتجوزها. ودخلت كارولين لـ دار العراب وكانت عكس قدرية عاوزة العيلة تكبر ويبقى بينها الحب. أمي هي اللي علمتها مبادئ الدين والصلاة، وخدتها لشيخ الجامع وأسلمت بإرادتها، واتفقت في الدين. وهي اللي كانت بتطلب منه يعدل بينها وبين قدرية. رغم قلبه الميال لها، مكنش بيحاول يعدل بينهم. بس قدرية كانت بتفتعل المشاكل معاكي ومع كارولين. كان جواها حقد من قربكم من بعض. وحاولت تخوض في شرف كارولين. وده السبب في طلاقها التاني. بس وقتها كانت خلفت التلات ولاد. ولنفس السبب أمي خافت وضغطت عالنبوي يرجعها. حتى كارولين لما ماتت حقد قدرية مماتش معاها. وأهو من وقتها النبوي مسك نفسه عشان ولاده يتربوا في دار العراب. وقال كفاية قماح اتخد بالغصب وكان عايش طول الوقت متشوق ليه. قماح لو مكنش عاوز يرجع لهنا مكنش حد هيقدر يجبره يرجع. ولما رجع أمي فرحت بيه وكمان النبوي اتردت له الحياة من تاني. رغم إنه عمره ما فرق في معاملته بين ولاده، بس قدرية زرعت في قلب رباح كُره كبير ناحية قماح. وعنده غِل منه. رغم إن قماح ورباح دارسين في نفس الجامعة ونفس التخصص. بس قماح عنده ذكاء فطري قدر يطور ويكبر اسم العراب عكس رباح مبفكرش غير إنه يعارض وخلاص. حتى جوازه من زهرة كان غصب عن أمي بس في الآخر طاوعته. رغم قماح فشل في جوازتين قبل كده بس كان عندي أمل إنه يحتوي سلسبيل ويقدرها. بس للأسف كنت غلطان ودلوقتي اللي سلسبيل هتقرره أنا هوافقها عليه حتى لو مش مقتنع بيه. رغم إني كنت بشوف سلسبيل بتحاول دايماً تتجنب المكان اللي فيه قماح بس متأكد كان جواها مشاعر لـ قماح بتخاف منها. بس هو خذلها بمعاملته العنيفة لها. قماح وسلسبيل بينهم خط واصل. فاكر لما كان عندها تمن سنين وقالتلي إنها حلمت برجوع قماح لهنا تاني. رغم إنها معرفتوش غير من صورة وهو صغير بس يوم ما رجع ملامحه كانت اتغيرت عن الصور. فاكر إنها عرفته قبل ما يقول هو مين. ودخلت جري على أمي وقالت لها قماح رجع يا جدتي زي ما قولتلك إني شوفته في الحلم.
بالمشفى.
كانت هداية رغم كبر سنها لكن رافقت قماح وكان معها النبوي، الذي طلب منها العودة إلى المنزل. لكن قالتها له لن تعود قبل عودة ناصر وزوجته وابنتيه.
كانت تجلس على فراش آخر بالغرفة مضجعة على بعض الوسائد. بينما كان النبوي ساهداً يشعر بخواء. لأول مرة يشعر بفقد ناصر. ناصر مُحق فيما فعل. لو كان مكانه وعرف عن سوء معاملة ابنته لكان فعل كل ما تطلبه منها. حائر أيذهب لأخيه ويقول له أن ابنته الأخرى ما زالت حية، وأن يعود للمنزل مرة أخرى وسيفعل كل ما تريده سلسبيل حتى لو أصرت على الطلاق سيجبر قماح على طلاقها. قماح ذلك الطير الذي عاد لعشه بعد غياب. ماذا حدث له في تلك السنوات الذي كان فيها بعيداً أكسبته كل تلك القسوة في قلبه. جعلته يقسو على ابنة عمهِ. ليست فقط ابنة عمه، بل عشق قلبه العيون تبوح بمكنون القلب. قماح يعشق سلسبيل. لما عاملها بهذا الجفاء جعلها تنفر من حياتها معه. زوجتيه السابقتين لم تنفرن من زواجه منهن بل كن على استعداد لتقبيل يده من أجل إبقائهن على ذمته.
بينما قماح الذي يُغمض عيناه رغم ألم جسده لكن هنالك ألم أقوى يشعر به. ماذا سيكون رد فعل سلسبيل حين تعلم باتهامه لـ عمه بأنه هو من أطلق الرصاصة. سلسبيل أعلنت له كرهها. لكن في نفس الوقت أعلنت أنها تحمل برحمها جنين منه. كيف هذا وتلك علبة دوائية الذي رآها وواجه بها منذ أيام وتعصب عليها بسببها وطلبت وقتها الطلاق لأول مرة. سلسبيل كانت تعرف أنها حامل قبل لقائهم الحميمي الأخير الذي عصف بكل شيء. ندم قماح يسأل نفسه ما السبب وراء ذلك العنف الذي كنت تمارسه على سلسبيل. لما هي بالأخص كنت عنيف معها. ليه لما كنت بتقرب منها كنت بتفتكر أسوأ سنين عشتها في عمرك. سلسبيل هي الحاجة الوحيدة اللي كانت في الماضي لما بتفكر فيها كنت بتحس بشوق إنك ترجع تاني لهنا. ولما رجعت لهنا ليه كنت عاوزها بعيدة عنك وحاولت تنساها بس مقدرتش. كانت قدامي قريبة وأنا اللي كنت ببعدها عني. ليه لما في لحظة حسيت إنها ممكن تبقى لغيري خوفت ووافقت على قول جدتك. رغم إني عمري ما لمحت لها إني عاوز أتجوز سلسبيل. ليه يا قماح، اعترف.
أجاب عقله:
عشان ماما كانت بتحبها.
عارض قلبه:
كذاب مش ده السبب الوحيد. الجواب إنك بتحبها. مقدرتش تدخل لقلبك غيرها. حاولت وفشلت.
تنهد قماح بآهة خافتة.
ذهب إليه النبوي قائلاً:
قماح إنت موجوع أتصل عالدكتور.
رد قماح:
لأ يا بابا أنا كويس بس اتحركت حسيت بشوية وجع بسيط.
تبسم النبوي له قائلاً:
الحمد لله إصابتك مكنتش خطيرة. بس مقلتليش قولت إيه للظابط في التحقيق. أصل أنا قولته إن ناصر كان بينضف السلاح وطلقة خرجت بالغلط.
صمت قماح، أنقذه من الرد صوت طرق باب الغرفة.
نظر النبوي للفراش التي تضجع عليه هداية وجدها تمسك مسبحتها. سمح لمن يطرق الباب بالدخول. كان الطبيب المباشر له ومعه إحدى الممرضات.
إنتهت ليلة أخرى وآتى صباح آخر.
بالفندق.
جلس ناصر مع زوجته وابنتيه يتناولون طعام الفطور بالغرفة الخاصة به هو ونهلة. كانوا يشعرون بالوحدة والغرابة رغم أنهم كانوا أحيانًا لا يجتمعون معًا بوجبة الفطور، لكن ليس هناك مذاق لشيء.
تحدث ناصر:
في عندنا بيت صغير في بني سويف قريب من المقر كنا عاملينه زي استراحة لو حد من الإداريين اللي في القاهرة بات هنا لأي ظرف طارئ. هبعت حد ينضفه ونروح نعيش فيه الفترة دي على ما أشوف بيت أوسع. مش معقول هنعيش في الأوتيل ده كل اتنين في أوضة كده زي سكن التلاميذ.
تبسمت سلسبيل وكذلك هدى التي قالت:
كان نفسي أدخل جامعة القاهرة وأعيش في سكن الجامعة. بس ماما رفضت وقتها.
تبسمت نهلة قائلة:
وكنتي هتدرسي إيه في القاهرة مش موجود هنا. وبعدين إنتي مبتعرفيش تعملي أي حاجة خالص إزاي كنتي هتعيشي لوحدك في القاهرة. كُلي من سكات.
أثناء ذلك رن هاتف ناصر، أخرجه من جيبه، ونظر لمن يتصل عليه ثم نظر لهن قائلاً:
ده المحامي الخاص بالمقر. هرد عليه.
بالفعل رد عليه لكن استغرب قول المحامي له قائلاً:
طب وليه استدعوني تاني للتحقيق مش قدمت أقوالي قبل كده. على العموم نتقابل في القسم بعد ساعة.
تعجبن الثلاث وقالت نهلة:
خير سمعنا من ردك عالمحامي إنهم استدعوك للقسم.
رد ناصر:
معرفش السبب. المحامي بيقول يمكن شوية إجراءات. يلا أنا شبعت هقوم أقابل المحامي، وبعدها هطلع على الشغل، وأشوف إن الاستراحة جهزت النهارده نروح نعيش فيها. يلا أشوفكم المسا.
تبسمن له، لكن سلسبيل لا تعلم لما شعرت بوجود خطب ما خلف استدعاء والدها. نهضت من على طاولة الطعام قائلة:
شبعت، في ليا علاج هروح الأوضة التانية أخده.
نهضت نهلة قائلة:
لازم زي الدكتورة ما قالت تحافظي على أكلك وعلاجك. خليني أجي معاكي للأوضة التانية.
ردت سلسبيل:
لأ متتعبيش نفسك، أنا هروح أخد العلاج وأرجع لهنا من تاني.
شعرت نهلة بغصة من رد سلسبيل. شعرت أنها ما زالت غاضبة من سلبيتها معهن. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك.
دخلت سلسبيل إلى الغرفة وأخرجت هاتفها، وقامت بالاتصال على رقم هذا المحامي، فهي تعاملت معه سابقًا حين كانت تذهب للتدريب بالمقر مع بعض المحاسبين وهي طالبة ولديها معرفة سابقة به. فهو ساعدها في استخراج بعض الأوراق الثبوتية ذات مرة.
بالفعل رد عليها المحامي، بعد السلام والترحيب.
سألته سلسبيل:
ليه استدعوا بابا في القسم، مش سبق وقدم أقواله.
ارتبك المحامي وقال:
أنا معرفش السبب. أنا لسه داخل القسم ولسه هعرف السبب.
شعرت سلسبيل بربكة المحامي وقالت له:
بس أنا متأكدة إنك تعرف سبب استدعاؤه. ياريت بلاش لف ودوران.
رد المحامي:
بصراحة قماح بيه اتهم ناصر بيه إن هو اللي ضرب عليه الرصاصة.
ذهلت سلسبيل، للحظات. لكن تهكمت فماذا تتوقع من قماح غير السوء.
تحدثت للمحامي:
طيب وبعد ما استدعوا بابا للقسم ممكن إيه اللي يحصل.
رد المحامي:
ممكن يتحول للنيابة والنيابة يا أما تخرجه بكفالة أو تتحفظ عليه. ده اتهام مباشر قماح بيه بس هو اللي يقدر يسحب اتهامه.
زفرت سلسبيل نفسها بغضب قائلة:
تمام شكراً لتوضيحك الأمر ليا.
أغلقت سلسبيل الهاتف وألقته على الفراش بغضب كبير، وقالت:
قماح لسه مستمر في جبروته، بس أنا هعرف إزاي أوقفه عند حده.
قالت سلسبيل هذا وأخذت هاتفها وحقيبة يدها وغادرت الفندق تعرف إلى أين تتوجه.
بينما أغلق المحامي هاتفه، وقام بالاتصال على قماح قائلاً له:
مدام سلسبيل لسه قافلة معايا وعرفتها باتهامك لناصر بيه إنه هو اللي ضرب عليك الرصاصة.
رد قماح:
تمام كويس. دلوقتي قفل المحضر زي ما اتفقنا. سلام.
أغلق قماح الهاتف ونظر لوالده مبتسمًا يقول:
المحامي اتصل على عمي وقاله على الاستدعاء، وكمان زي ما توقعت سلسبيل اتصلت عالمحامي تعرف منه سبب استدعاء عمي، وقالها على اللي قولته له عليه.
تبسم النبوي يقول:
تفتكر هايجي بفايدة وعمك ومراته وبناته هيرجعوا لدار العراب من تاني.
رد قماح بثقة:
متأكد قبل المسا عمي هيرجع هو وهما لدار العراب من تاني.
تبسم النبوي يقول:
أتمنى ده اللي يحصل، وياريت يكون ده فرصة تانية لك مع سلسبيل وتصلح اللي عملته معاها وخلاها تطلب الطلاق قدام العيلة كلها.
أومأ قماح رأسه دون رد وتذكر حديثه للضابط بالأمس بعد أن فاق وأدلى بإفادته. فلقد أخبره النبوي سابقاً عن ما قاله في محضر التحقيقات هو وعمه، أن الرصاصة خرجت من السلاح بالخطأ أثناء تنظيف ناصر للسلاح وأصابت قماح الذي كان يجلس معه وقتها وأنه ليس هناك نية قتل بل خطأ غير مقصود. وهذا هو السبب الحقيقي خلف استدعاء ناصر للقسم من أجل إنهاء المحضر بصفة أن الرصاصة خرجت من سلاح مرخص باسم ناصر.
تحدث النبوي:
جدته روحت البيت بالعافية بعد ما الدكتور قالها إنك ممكن تخرج بكرة من المستشفى وتكمل علاجك في الدار. أنا عندي مشوار مهم هروحه دلوقتي وهرجعلك بعده. هتصل على محمد ييجي يقعد معاك لحد ما أرجع.
رد قماح:
لأ مالوش لازمة خلي محمد يشوف شغله. أنا كويس وإن احتجت حاجة هطلبها من الاستقبال.
رد النبوي:
تمام أنا مش هغيب، وهخلص مشواري بسرعة وأرجعلك.
تبسم قماح له وهو يقبل رأسه ثم غادر. تنهد قماح بغصة، يشعر بالوحدة. تذكر والدته حين كان يمرض كانت تظل بجواره بالفراش حتى يشفى. الآن هو مريض وبالمشفى وحده.
لكن لم يظل وحيداً كثيراً، حين سمع صوت فتح باب غرفته ودخلت آخر شخص كان يتوقع أن تأتي الآن أو بالأصح لم يكن يريدها أن تأتي من الأساس. تحدث متعجباً:
هند!
نظرت له هند بإشتياق قائلة:
حمدلله على سلامتك يا قماح. نائل لسه قايل لي من شويه ومستحملتش وجيت لك هنا فوراً.
اعتدل قماح على الفراش مضجعاً على بعض الوسائد. وقال لها:
متشكر مكنش له لزوم تيجي.
ردت هند:
قماح إنت عارف غلاوتك عندي. إنت عارف إني لسه...
قاطعها قماح بإقتضاب:
مالوش لازمة حديثه ده دلوقتي. إحنا خلاص قصتنا خلصت وسبق وقولتلك أتمنى ليكِ السعادة. كل اللي بينا دلوقتي شغل وبس.
تدمعت عين هند واقتربت من الفراش كثيراً. لكن قبل أن تعود للحديث فوجئت حين فتحت سلسبيل باب الغرفة ودخلت بتعسف. لكن تفاجئت سلسبيل بوجود هند تقف قريبة من الفراش الذي يضجع عليه قماح. نظرت لهما بإستهزاء، ثم نظرت إلى هند بإستحقار قائلة بحده:
اطلعي بره.
نظرت لها هند رغم غيظها لم تبالي وظلت واقفة ببرود.
تحدثت سلسبيل بأمر:
قولت اطلعي بره وخلي عندك كرامة شوية.
نظرت هند إلى قماح علها تجد منه رد آخر يساندها أو يدعم بقاءها أمام سلسبيل، لكن خاب أملها حين رأت عين قماح التي لمعت وهو ينظر إلى سلسبيل. شعرت بخزة. حاولت إخفائها وقالت:
الحمد لله اطمنت على قماح إنه بخير. قالت هذا ونظرت لقماح قائلة: هبقى أتصل أطمن عليك.
لم يرد قماح عليها. عيناه منصبة على سلسبيل. لكن تعجب حين لاحظ ذلك لصق طبي صغير موضوع على كف يدها من الخلف. ود معرفة سبب وجوده.
شعرت هند بنار حارقة بقلبها بالإضافة إلى غيرة وكره لـ سلسبيل وخرجت من الغرفة.
ذهبت سلسبيل خلفها وأحكمت غلق الباب، ثم نظرت لـ قماح قائلة:
غرضك إيه من اتهام بابا يا قماح؟ أنا اللي ضربتك بالرصاصة مش بابا.
رد قماح:
أنا اللي إيدي ضغطت عالزناد وضربت الرصاصة يا سلسبيل.
نظرت له بغيظ قائلة:
طب ليه اتهمت بابا إنه هو اللي ضربك بالرصاصة.
صمت قماح.
اغتظت سلسبيل من صمته قائلة:
أقولك أنا ليه؟ عشان أجلك وتساومني إني أتراجع عن الطلاق.
رد قماح ببرود:
مش بس تتراجعي عن الطلاق، ترجعي إنتي وعمي ومرت عمي وهدى مرة تانية لدار العراب.
تهكمت سلسبيل ضاحكة:
لأ الطلبات كتير المرة دي، وده مين اللي هيوافق عليها؟ أنا ولا بابا اللي اتهمته.
رد قماح بثقة:
لو أنتي وافقتي على الرجوع لدار العراب عمي هيوافق ومش هيمانع القرار ليكي.
ردت سلسبيل:
أنا بكرهك يا قماح. في حياتي مشوفتش شخص عنده غرور وعنجهية قدك. مفكر إنك تقدر تمشي غيرك على مزاجك، تفرض أوامرك عليه.
رد قماح الذي شعر بغصة من قول سلسبيل أنها تكرهه:
القرار في إيدك يا سلسبيل. تراجعك عن الطلاق ورجوعكم البيت من تاني قصاد إني أسحب اتهامي لعمي.
ردت سلسبيل:
وهتعيش بالغصب مع واحدة بتكرهك.
رد قماح ببرود عكس نار قلبه:
عادي. مقدرتش أعيش قبل كده مع اللي حبوني وكانوا يتمنوا مني بس كلمة حب.
ردت سلسبيل:
لسه عند رأيي فيك. إنت إنسان مريض ومحتاج علاج نفسي.
تبسم قماح بصمت أغاظ سلسبيل التي قالت بإستسلام خادع:
تمام يا قماح. هتراجع عن طلب الطلاق وهنرجع من تاني لدار العراب. بس متحملش إنك تفرض عليا أي حاجة بعد كده. وأول حاجة إني هشتغل زي ما كنت عاوزة، ومش هتقدر ترفض تاني. وجوازنا هيستمر فقط منظر مش أكتر. إنت كده كده كرهتني في الرجالة، وأهو اسمي قدام الناس إني متجوزة من قماح العراب، مش هيضرني في حاجة.
قالت سلسبيل هذا وغادرت الغرفة تصفع خلفها الباب بقوة، بينما قماح رغم شعوره بالألم مما قالته سلسبيل لكن قال:
أهلاً بحفيدة وخليفة الحاجة هداية عن حق.
بالكافيه المملوك لـ كارم.
تبسم النبوي له بعد أن أخبره عن تحسن حالة قماح.
تبسم كارم يقول:
الحمد لله عدت على خير. أنا مقولتش لـ همس على إن عمي ساب دار العراب، ولا حتى إن قماح خد رصاصة في صدره. قولت بلاش لحالتها تسوء أكتر وتفكر إن ظهور براءتها السبب.
تبسم النبوي:
كويس إنك مقولتلهاش. همس في حالتها دي محتاجة أخبار كويسة تشجعها تعدي المرحلة دي. ها قولتلي إنك أقنعتها إنك تسافر معاها. يا ترى قررتوا هتسافروا فين؟
رد كارم:
دبي. تواصلت عالنت مع سمسار بيشتغل في مجال العقارات وطلبت منه يشوف لي شقة وكمان هناك في كافيهات ومطاعم قولت له يشوف لي كافيه أو مطعم صغير كده هناك أشتريه وأشتغل فيه.
تبسم النبوي يقول:
طب كويس وقالك ده يخلص في قد إيه.
رد كارم:
السمسار قالي في خلال شهر بالكتير. وده اللي خلاني أستعجل. لازم قبل ما نسافر أنا وهمس نكتب كتابنا هنا، وتسافر على إنها مراتي.
تبسم النبوي يقول:
دي سهلة. ابدأ اعمل فحوصات الجواز ومتشلش هم المأذون ولا ولي العروسة ولا الشهود.
رد كارم:
أنا مش شايل هم ده كله. أنا اللي شايل همه هو همس نفسها. خايف تتراجع. همس كل شوية بقرار. غير عندها فوبيا لو راجل قرب منها حتى بدون قصد. مفيش غيرك إنت الوحيد اللي بتثق فيه.
رد النبوي:
وده دورك دلوقتي. همس بعد ما فاقت من الغيبوبة خافت مني أنا كمان، بس مع الوقت قدرت أحول خوفها ده وأقرب منها لحد ما رجعت تثق فيا من تاني.
رواية عش العراب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامه
بدار العراب.
تفاجئت قدريه من دخول هدايه على العاملات بالمطبخ قائله:
واحده منيكم تطلع عالسطح تدبح ديكين بلدي، وتسويهم جوه.
نهضت قدريه التى كانت تجلس بين الخادمات تتأمر عليهن.
رسمت الحُزن وهى تنظر لـ هدايه قائله:
إزي قماح النهارده؟ أنا كنت هاجي امبارح أطمن عليه، بس النبوي قالي إنه الحمد لله فاق بس الدكتور مانع الزيارة.
ردت هدايه بنزق:
آه نحمد ربنا قماح جوه وربنا نجاه وإن شاء الله بكرة ولا بعده بالكتير هيخرج من المستشفى، مالوش لازمة زيارتك.
قالت هدايه هذا ونظرت للخادمات، وقالت لهن:
زي ما قولت، واحدة تطلع تنقي ديكين بلدي وتدبحهم وتسويهم، وأنا هروح مجعدي، ولما ناصر بيه ومرته والبنات يرجعوا، جولي لـ ناصر بيه يجيني المجعد.
قالت هدايه هذا وغادرت تاركة تلك الحقودة تتعجب وتقول لنفسها:
وليه عقربة، طالما جالت إكده ييجي ناصر راجع من تاني؟ كيف جدرت تخليه يرجع تاني؟ كان نفسي دار العراب تتهد على دماغك.
بالفندق
عادت سلسبيل. حين دخلت إلى الغرفة وجدت هدى ووالداتها جالستان.
تحدثت نهله:
سلسبيل، خرجتي فين؟ ناسيه كلام الدكتورة إنك لازم ترتاحي.
ردت سلسبيل:
أنا كنت بتمشى شوية، إنتي عارفة إني مش بحب الرقده في السرير.
تنهدت هدى قائله:
طب ليه مقولتيش ليا؟ كنا اتمشينا سوا.
ردت سلسبيل:
كنت محتاجة أتمشى لوحدي، ودلوقتي سيبوني لوحدي، أنا حاسة بشوية إرهاق، محتاجة أنام، هترتاح شوية على ما بابا يرجع.
مساءً
رغم أن سلسبيل لم تنم وظل فكرها مشغول، تشعر بمقت من ذالك الزواج. كانت تريد إنهاءه. هي تشعر كأنها مُقيدة بأغلال قوية. حتى حين حاولت فك تلك القيود، لجمها قماح باتهامه لوالدها بأنه هو من قام بإطلاق الرصاصة عليه. تعلم أنها تستطيع الإدلاء بأقوالها وتعارض ما قاله قماح، لكن قماح قادر على التأثير في الآخرين وجعلهم يمتثلون لقوله. حتى جدتها هو قادر على إقناعها بسهولة. ليس أمامها اختيار آخر الآن، عليها الامتثال لطلب قماح والعودة لـ دار العراب وتكملة هذا الزواج، لكن ليس كما يريد هو بفرض هيمنته عليها. انتهى ذالك، الآن هي من ستتحكم بحياتها معه. عليها التفكير فقط في شيئين، هما ذالك الجنين الذي ينمو برحمها ومستقبلها التي سبق ورسمته. لكن زواجها من قماح أجل الخطوة الأولى وهي أن تعمل، وسيحدث ذالك. قماح هو من بدأ بالابتزاز والتجبر وما ستفعله هو رد فعل.
فاقت سلسبيل في شرودها حين دخلت هدى للغرفة قائله:
سلسبيل، إنتي صاحية؟
اعتدلت سلسبيل على الفراش قائله:
أيوا صحيت من شوية، بابا رجع ولا لسه؟
ردت هدى:
رجع من شوية وقال كويس إننا لسه مطلعناش هدومنا من الشنط، الأستراحة اللي قال عليها جهزت.
نهضت سلسبيل وقالت:
بس إحنا هنرجع دار العراب من تاني.
تعجبت هدى من قول سلسبيل، وقبل أن تسألها، كانت خرجت من الغرفة وذهبت إلى الغرفة الأخرى. دخلت بعد أن طرقت الباب وخلفها هدى المتعجبة من قول سلسبيل.
تبسم ناصر لها وقال بحنان:
ماما جالتلي إنك كنتي حاسة بشوية إرهاق، نايمة وهدى كانت جاية ليكي تصحيكي، إزيك دلوقتي؟ عارف إنك مش مرتاحة في نومة الأوتيلات دي. الاستراحة خلاص العمال نضفوها وبجت جاهزة، خلونا ننزل نتعشى في مطعم الأوتيل وبعدها نروح للإستراحة، أهي تلمنا على ما أشوف لينا بيت مناسب.
ردت سلسبيل:
بس إحنا عندنا بيت مناسب، يبقى ليه نسيبه ونعيش في الاستراحة؟
لم يفهم ناصر ولا نهله فحوى حديث سلسبيل، إلا عندما قالت هدى:
سلسبيل قصدها إننا هنرجع دار العراب من تاني.
تعجبت نهله، وكذلك ناصر الذي قال:
مش فاهم قصدكم، وضحوا شوية.
ردت سلسبيل:
دار العراب هو بيتنا يا بابا، ولازم نرجع له تاني. حضرتك لك فيه زي عمي النبوي بالتمام، يبقى ليه نسيب بيتنا ونعيش في الاستراحة؟ وكمان هناك هنلاقي راحتنا أكتر من الاستراحة، وكمان جدتي هدايه وحشتني.
رغم تعجب ناصر من تغير سلسبيل لقرارها بترك دار العراب، لكن بداخله سعيد. فحقًا استوحش والداته. ربما كان تسرعًا منه حين استجاب لطلب سلسبيل بترك دار العراب، لكن حالتها كانت لا تسمح بالمجادلة أو الرفض منه. هو طاوعها رغم عدم اقتناعه، لكن أراد أن ترتاح نفسيًا بعد ما حدث.
بينما نهله قالت:
مش كان طلبك نسيب دار العراب؟
قاطعتها سلسبيل:
كنت مضايقة، بس خلاص بقيت كويسة ودارنا أولى بينا سواء من الأوتيل أو حتى الاستراحة اللي بابا بيقول عليها، خلونا نرجع لدارنا من تاني.
رد ناصر:
فعلاً دار العراب دارنا، بس ليه غيرتي رأيك فجأة كده؟
ردت سلسبيل:
مفيش، بس فكرت وعقلي هداني إني اتسرعت لما طلبت الطلاق من قماح، كان وقت غضب مني. وكمان مكنش لازم نسيب دارنا لأي سبب. كفاية أسئلة وخلينا نرجع لدارنا من تاني يا بابا.
تبسم ناصر واقترب من سلسبيل وضمه قائلاً:
نرجع دارنا يا سلسبيل، تأكدي أنا دايماً هكون سندك في أي قرار تاخديه.
تبسمت له سلسبيل وقالت:
ليه المحامي كان عاوزك تروح له القسم الصبح؟
رد ناصر بصدق:
كانوا عاوزين يقفلوا المحضر بسبب إن السلاح اللي انضرب بالرصاصة اللي جت في قماح منه.
رغم أن سلسبيل لم تصدق ذالك، لكن قالت:
كانوا عاوزينك عشان كده بس؟
رد ناصر بتعجب:
وهيكونوا عاوزينى في إيه تاني؟ قفلت أنا والمحامي المحضر، وبعدها روحت المستشفى اطمنت على قماح، وكنت في المقر باشر شوية أعمال، ولما العمال اللي أمرتهم بتنضيف الاستراحة جاليوا إنها بجت جاهزة جيت عشان آخدكم، بس أها إنتي عايزة نرچع دار العراب، خلينا نرچع من تاني لدارنا.
بداخل سلسبيل شك في قول والدها، هو يخفي عليها مساومة قماح واتهامه له بمحاولة قتله كي لا يزيد في مقتها له، لكن لا بأس عليهم العودة إلى دار العراب.
بعد وقت
كانت صدمة بالنسبة لـ زهرت ورباح حين دخل ناصر وخلفه نهله وبنتيه، إلى المنزل.
تحدثت لهم إحدى الخدمات بترحيب:
ناصر بيه، الدار نورت برجوع أهلها، عجبال قماح بيه يرجع بالسلامة يارب. الست هدايه كانت جايلالي لما ناصر بيه يرجع، خليه يجيلي مجعدي.
تبسم ناصر يقول:
الحجة هدايه قلبها دليلها، هروح لها.
بالفعل ذهب ناصر إلى غرفة هدايه.
دخل ناصر.
نهضت هدايه من على سجادة الصلاة تنظر له، وهو يقول:
حرام يا أمي...
لكن صفعة... عناق... نظرات لوم وعتاب... صفعة قوية على وجه ناصر من هدايه جعلته ينظر لـ هدايه بذهول.
عناق... جذبت هدايه ناصر تُعانقه بقوة.
نظرة عتاب من ناصر لـ هدايه وقال:
أول مرة في حياتي تمد إيدك عليا.
نظرة لوم من هدايه لـ ناصر وقالت له:
عشان متفكرش إنك كبرت عليا وتعمل حاجة من غير سبب وتمشي وراء عيلة صغيرة، وتسيب داري وتبعد عني من غير ما تفكر في حالي من بعدك.
تحدث ناصر:
إيه اللي عملته من غير سبب؟ قصدك إني أخدت مراتي وبناتي وسيبت الدار عشان سلسبيل؟ لو كنت عارضتها يمكن كانت نفسيتها تعبت أكتر وحصلها حاجة هي أو الجنين اللي في بطنها.
ردت هدايه:
أيوه، بدل ما كنت تعقلها، بتطاوعها على خراب عشها.
تبسم ناصر بتهكم قائلاً:
خراب عشها؟ فين عشها ده يا أمي؟ قماح مقدمش لـ سلسبيل غير الوجع، سواء كان في المعاملة أو المعايرة كمان. كنت مفكر إنه هيصون بنتي ويحتويها، بس كنت غلطان. خلاني أحس عملت ذنب كبير لما مسمعتش لرأي سلسبيل من الأول.
ردت هدايه:
المجوزين ياما بيحصل بينهم يا ناصر، سلسبيل مش سهلة وعندها جُدرة (قُدرة) جواها تجدر على جبروت وبرود قماح، وتحولهم. بس هي اللي غالب عليها شعور إنها اتغصبت على جوازها من قماح.
رد ناصر بتبرير:
مش سلسبيل اللي غلطانة يا أمي، معاملة قماح معطهاش فرصة تقرب منه. على طول معارض حتى إنها تشتغل بدون ما يقول سبب مقنع. قماح كمان كان يقدر يكسب سلسبيل بالراحة واللين مش بالأمر والعنف. ناسي إنها حفيدة الحجة هدايه.
تبسمت هدايه قائله:
يبقى ندي لهم فرصة تانية ونبدأ من جديد، مش نقطع الوصل بينهم ونطاوع بتك وتسيب دارها، نشمت قدريه وزهرت فيها. حفيدة الحجة هدايه لازم تكون صلبة ومتتكسرش بسهولة.
بينما بخارج غرفة هدايه، آتت قدريه هي الأخرى ليست متعجبة من رجوع ناصر وزوجته وبنتيه. صدقت هدايه حين قالت في وقت سابق أنهم سيعودوا قبل نهاية الليلة، وها هم عادوا بالفعل لبيتهم. كانوا سُحقوا قبل العودة لهنا، لكن رسمت بسمة الأفعى وقالت بعتاب جائر وهي تنظر لـ سلسبيل:
أنا زعلانه منك يا سلسبيل، يعني كده من أول خلاف بينك وبين قماح، تطلبي الطلاق؟ لأ ومش بعد اللي حصل وكنتي هتموتي قماح لولا ربنا نجاه، كنتي تعقلي كده؟ لأ تسيبى الدار.
ردت سلسبيل:
كانت غلطة وخلاص، أهو أديني رجعت تاني لدار العراب وندمت إني اتسرعت في طلب الطلاق. وعلى قولك مش من أول خلاف بيني أنا وقماح أطلب الطلاق وأسيب دار بابا قبل بيتي، وأنا محستش براحة بره دار العراب. هطلع شقة بابا أرتاح، يلا يا هدى نطلع.
رغم شعور زهرت بالبغض من سلسبيل، لكن قالت:
مش تستنوا نتعشى سوا؟ إنتي دلوقتي بتاكلي لاتنين، لتوقعي من طولك تاني.
رد رباح ساخرًا:
لأ سلسبيل لما وقعت من طولها مكنش بسبب الجوع، كانت خايفة على قماح.
ردت سلسبيل عليه:
فعلاً كنت خايفة على قماح، مش جوزي وأبو الجنين اللي في بطني، غير قبل ده كله ابن عمي زيك بالتمام، يعني قماح يبقى أخوك حتى لو مش شُققة أب وأم واحدة، بس في النهاية قماح يبقى أخوك ومن دمك. يلا يا ماما يلا يا هدى نطلع، وبابا يبقى يحصلنا.
تبسمن لها نهله وهدى وصعدن معها إلى شقة والدها. لكن قبل أن يغلقن الباب خلفهن، تفاجئن بإحدى الخادمات تحمل صينية طعام قائله:
الوَكل ده الحجة هدايه أمرت بيه يجهز عشان الست سلسبيل ترم عضمها وتتقوى بيه هي واللي في حشاها، ربنا يكملها وتقوم بالسلامة بحجرها ملان ويكون صبي بإذن الله.
أخذت نهله منها الصينية قائله:
صبي أو بنيه، المهم الخلقة التامة وييجي بالسلامة، تسلمي.
دخلت نهله بالصينية ووضعتها على السفرة قائله:
يلا تعالوا يا بنات نتعشى.
كادت سلسبيل أن تعترض لولا دخول ناصر قائلاً:
أنا طول اليوم مدوقتش الذات، ولو مأكلتيش هبات جعان، يلا أنا شامم ريحة الوكل وجوعت أكتر، واضح من ريحة الأكل إنها فراخ بلدي من اللي بتربيهم الحجة هدايه، ودول مبيطلعوش غير للغالين، ومين أغلى عليها من نبع المايه الصافي.
تبسمت له سلسبيل الحائرة. كانت تعتقد أنها أنهت تلك المرحلة بحياتها، بعد أن تركت الدار بالأمس ها هي تعود مرة أخرى لها.
بعد قليل
غفت عيون سلسبيل لترى بغفوتها طفلة صغيرة تحبي على يديها وساقيها تتجه نحو وقوفها. جثت سلسبيل على ساقيها تفتح ذراعيها لتلك الطفلة الصغيرة. تنظر اقترابها منها وتأخذها بين يديها تضمها لقلبها. انتظرت أن تقترب منها، حتى أصبحت أمامها، لكن الطفلة لم تتجه إليها بل مرت من جوارها وتركتها تنظر في أثرها. رأتها تتجه إلى مكان مظلم، لكن فجأة حين اقتربت الطفلة من المكان، هنالك من أنار الضوء. نظرت سلسبيل لمن أنار الضوء. تفاجئت من ذالك الواقف يبتسم للطفلة المقبلة عليه وجثى هو الآخر لها يستقبلها بين يديه. لكن رأت امرأة أخرى خلف قماح الذي نهض يحمل الطفلة. مدت المرأة يدها للطفلة تريد اقتناصها من بين يدي قماح، لكن الطفلة مانعت وتمسكت بـ قماح، كذلك قماح تمسك بالطفلة، وابتعد عن تلك المرأة واقترب من مكان جثوها. ومد إحدى يديه لها كي تنهض. نظرت سلسبيل للطفلة ثم ليد قماح. دون شعور منها وضعت يدها بيد قماح ونهضت تنظر للطفلة، التي تجلجل ضحكتها البريئة في المكان. تبسمت سلسبيل بتوق لحمل تلك الطفلة، فوجئت بقماح يعطيها لها ببسمة. أخذت سلسبيل منه الطفلة وضمتها تستنشق عطرها البريء، تقبل وجنتيها بشوق. فجأة استيقظت سلسبيل دون سبب. فتحت عينيها تتذكر ذالك الحلم. سأل عقلها من تلك الطفلة التي كانت بالحلم؟ ولما حلمت بها الآن؟ أتكون حامل في فتاة؟ لا، ليس هذا تفسير تلك الرؤية. تذكرت حين سمعت جدتها ذات مرة تقول: البنت في الحلم... دنيا جديدة. تسأل عقل سلسبيل: هل بعودتك لـ دار العراب ينتظرك مع قماح دنيا جديدة؟
بشقة رباح
الغل والحقد ليس فقط في قلب زهرت، بل رباح أيضًا. جلس على الفراش يضع رأسه بين يديه يدلكها بأصابعه، عل هذا الصداع يذهب عنه. صعدت زهرت على الفراش وجلست خلفه تدلك له كتفه بدلال قائله:
مالك يا حبيبي؟ هو الصداع رجعلك تاني ولا إيه؟ مش كان خف شوية؟
رد رباح المستمتع بتدليك زهرت لكتفيه:
مش عارف ليه رجع تاني وبقى أقوى، حتى علبة الحبوب اللي جبتيها لي قربت تخلص.
ردت زهرت:
ليه بسرعة كده؟ إنت عارف الدوا ده مستورد وغالي، وياريته غالي بس ده شاحح في الصيدليات. أنا دوخت على ما صاحبتي دبرت لي العلبة دي واللي طلبته أديته لها، قولت صحتك عندي أغلى.
جذب رباح إحدى يدي زهرت من على كتفه وقبلها قائلاً:
حبيبتي ربنا يخليكي ليا.
تبسمت زهرت بنشوة قائله:
ويخليك ليا. أنا عارفة سبب الصداع ده دلوقتي إيه. أكيد زعلان إن قماح وسلسبيل هيخلفوا قبلنا.
قالت زهرت هذا ورسمت التأثر والدموع الكاذبة والخداع الذي يقع فيه رباح بسهولة قائله:
والله كنت بموت وقولت للدكتورة حياته هو أهم مني، كفاية أنه حتة منك كانت بتنبض جوايا.
استدار رباح لها وضمه قائلاً:
أنتي عندي أهم من أي حاجة تانية في الدنيا، حتى لو عشت من غير ولاد عمري كله.
تبسمت زهرت بنصر وهي تحتضن رباح قائله:
لأ الدكتورة قالت لي إني كويسة والإجهاض مأثرش على الرحم وممكن بسهولة أحبل تاني. نفسي في ولد يكون بحنيتك عليا.
شعر رباح بغشاوة تجتاح عيناه، حاول مقاومتها هي وذالك الألم الذي يشتد مع الوقت. تراخت رأسه على كتف زهرت التي شعرت بذلك وتبسمت قائله:
شكلك الصداع تاعبك، خليني أجيب لك حباية من الدوا، خدها ونام هتصحى كويس، أكيد ده بسبب إرهاقك في الشغل. قماح اتصاب في وقت هجمة الشغل في الشون، والشغل مله بقى مرمي عليك، بس إياكش بعد ده كله يقدروا تعبك شوية.
رغم ألم رأس رباح، لكن امتثل لقولها. شعر بضعف حين تسحبت من بين يديه، وكاد يسقط برأسه على الفراش، لكن تماسك بوهن يغتاظ من ذالك الصداع.
عادت زهرت له بذالك الدواء وأعطت له حبتين قائله:
خدلك قرصين أهم يساعدوك على الراحة بسرعة.
بالفعل أخذ منها الحبتين وابتلعهما دون رشفة ماء، وارتمى بجسده يتمدد فوق الفراش مغمض العينين.
تبسمت زهرت بداخلها:
رباح الآن طوع يديها. لو طلبت منه أي شيء سيفعله. وبالفعل قالت له:
رباح، إنت نمت ولا إيه؟
رد رباح:
لأ بس حاسس بدوخة من الصداع، دلوقتي يروح.
تبسمت زهرت وقالت:
كنت عاوزة أطلب منك طلب بس شكلك تعبان، خليه لبعدين، أهم حاجة ربنا يشفيك من الصداع ده.
رد رباح:
اطلبي يا زهرتي.
تبسمت زهرت وقالت:
أنت عارف إن بابا عيان بصدره وكنت حاجز له عند دكتور صدر شاطر وكنت هاخده ونروح له، بس الحجة هدايه منعتني من الخروج من الدار بعد كده غير بإذنها، وأنت عارفني مش بحب المشاكل، بس هي مش بتشطر غير عليا، وأهو أنت شايف بعينيك، عمك ومراته وبناته، امبارح سابوا الدار والليلة رجعوا تاني بمزاجهم. لازم يكون لك كلمة قدامها، أنا مراتك إنت وإنت اللي تحكم عليا مش هي.
رد رباح:
تمام يا روحي، بعد كده لما تحبي تخرجي وهي رفضت اتصلي عليا.
تبسمت زهرت بظفر قائله:
وأنا كنت هخرج أروح فين؟ كنت هتفسح ولا هعمل شوبينج؟ أنا كنت هاخد بابا المريض للدكتور، يمكن يجعل الشفا على إيده. وكمان في حاجة كنت عاوزة أطلبها منك بس مكسوفة.
رد رباح باستفسار:
مفيش بينا كسوف وقولي عاوزة إيه.
ردت زهرت:
كنت عاوزة مبلغ كده لزوم علاج بابا، بفكر أدخله مستشفى خاصة يهتموا شوية بعلاجه، انت عارف حالته المادية، وحماد مش مخلي عن يده، كل مرتبه ضايع على علاج بابا.
رد رباح:
وده سبب لكسوفك؟ قد إيه المبلغ اللي عاوزاه عشان المستشفى دي.
ردت زهرت:
معرفش لسه، أنا قولت أقولك قبل ما أدخله للمستشفى.
رد رباح:
بسيطة، هكتب لك شيك بمبلغ، حطيه في حسابات المستشفى، وإن احتجتي أكتر متنكسفيش تطلبي مني حاجة، في النهاية باباكي جوز عمتي.
تبسمت زهرت وآتت بدفتر الشيكات الخاص بـ رباح وأعطته له قائله:
بلاش تقفل المبلغ، سيبه مفتوح، أمضي بس عالشيك، وكمان الورقة دي إيصال ضمان أنا جبته من المستشفى إن بابا يدخل المستشفى على حسابك الخاص.
بالفعل قام رباح بالأمضاء على الشيك كذلك الإيصال دون حتى قراءة محتواه، وبعد ذلك شعر بنعاس، استسلم له قسرًا.
بينما تبسمت زهرت بظفر وقالت بفحيح:
الشيك ده وإيصال الأمانة اللي مضيت عليهم، بكده أبقى ضمنت أطلع من عيلة العراب بمبلغ محترم يقهرهم.
بعد مرور أسبوع.
بمنزل نظيم.
صباحًا.
تبسمت والدته تقرأ الماعوذتين ثم قالت:
النهارده أول يوم في الدراسة، كل سنة وأنت طيب.
تبسم نظيم يقول:
وأنتي طيبة يا ماما. أمال فين لدوغة؟ مش هتروح الجامعة ولا إيه؟
ردت التي آتت من خلفه قائله:
ولا إيه! طبعاً النهارده أول يوم في العودة للجامعة، لازم أروح أقابل أصحابي.
تبسم نظيم قائلاً بتريقة:
أصحابي؟ مش عارف ليه يارب يوم ما رزقتني بأخت طلعت لدغة. معظم اللي بيبقوا عندهم لدغة بتبقى في حرف الراء، إنما إنتي لدغة في حرف السين والصاد.
ردت سميحة بتفاخر:
عشان تعرف إني متميزة حتى في اللدغة. بالك العظماء هما اللي عندهم اللدغة بتاعتي. عندك محمد عبد الوهاب كان ألدغ زيي كده، هما المبدعين كده لازم يكون عندهم حاجة يتميزوا بيها.
ضحكت والدتها قائله:
المبدعين والمتميزين دول إنتي مش منهم، إنتي فاشلة بامتياز، ونصابة.
ضحك نظيم قائلاً:
الست إستير جابت طقم الفخار اللي إنتي بعتيه لها كله مشرخ، وبيشر ميه. يا بنتي إنتي طالما هاوية صناعة فخار روحي أي مركز تعليمي.
ردت فتحية:
يا بني هي مش هاوية ولا عندها حتى موهبة، هي عاوزة تنصب على الناس في فلوس وخلاص، وإستير الغلبانة الوحيدة اللي كل مرة تقع في فخها وتشتري منها. بالك اللي بيشتري منها مرة مش بيشتري تاني، مفيش غير إستير، معرفش زي ما يكون ساحرة لها.
تبسم نظيم يقول:
لأ مش ساحرة لها يا ماما، إستير بتخاف منها. خايفة تبلغ عنها إنها حفيدة إستير بولانسكي اليهودية اللي كانت في مسلسل رأفت الهجان.
ضحكت سميحة قائله:
فعلاً، هي اسمها إستير بولس ناقص لانسكي، أنا مش عارفة إيه الناقص بصراحة، بحاول أطور من نفسي. هو العيب عندي في الفينشج.
ضحكت فتحية:
العيب من البداية مش في الفنشينج زي ما بتقولي. إنتي بسبب الفخار ده طفشتي برج الحمام اللي كان عندنا.
ردت سميحة:
كل همك الحمام؟ ما هو اللي طفس وكان بينقر في الفخاريات اللي بصنعها، يعني أقول للزبائن إيه فازة بمنقار الحمام؟ وبعدين احمدي ربنا إن الحمام طفش أصلاً، ربنا رايد متاكليش حاجة من حرام.
ضحك نظيم يقول:
وأيه هو الحرام ده بقى يا لدوغة؟
ردت سميحة بثقة:
مش الحمام بياكل من الغيطان وكمان بياكل من عالأسطح بتاعة الناس، ده مش سرقة.
عقل نظيم حديث سميحة في رأسه وقال:
تصدقي يا ماما صح كلام لدوغة، أنا لما كنت بشتغل في الشونة، كنت أوقات بصفر أطير الحمام والعصافير. ربنا يعوض عليكي يا ماما.
ضحكت فتحية قائله:
يارب. يلا اقعدوا افطروا، قبل الأكل ما يبرد، وبعدها توكلوا على الله.
تبسموا لها وجلسوا أرضاً، حول منضدة صغيرة يتناولون طعام الفطور، بمشاغبة بين نظيم وسميحة... وبسمة فتحية عليهم.
بعد قليل نهض نظيم يقول:
الحمد لله شبعت، ألحق بقى أروح الجامعة عندي المحاضرة الأولى، ادعي لي يا ماما.
قال هذا وانحنى يقبل رأس فتحية.
نهضت سميحة هي الأخرى تتحدث والطعام بفمها، وأنا كمان خدني في سكتك وصلني لجامعتي، حتى اتفشخر قدام صحابي إن أخويا عنده عربية، وكمان أذل الواد كيرلوس اللي مفكر الموتوسيكل بتاعه ده طيارة نفاثة.
تبسمت فتحية قائله:
طب ابلعي الأكل الأول وبعدها ابقي اتكلمي. وماله موتوسيكل كيرلوس مش كتر خيره أوقات لما كنتي بتتأخري في الجامعة بتتصلي عليه ييجي ياخدك، عمره اتأخر عنك.
ردت سميحة:
أنا ندلة، وقررت اتغر وأتكبر عليه، بعربية نظيم، وبعدين خليه هو في مذاكرته السنة دي عنده شهادة، وبعدين كفاية رافض يأسلم زي عمر الشريف عشان يتجوزني، وبيقول مش عاوز لدغة.
ضحك نظيم قائلاً:
يعني العيب في اللدغة، بسيطة نقطع الحتة الزايدة في لسانك، يمكن يرضى.
ردت فتحية:
والله لو قطعت لسانها كله هتفضل لدغة وكفاية رغي، يا نظيم دي ما بتصدق حد يسحبها للرغي، هتتأخر، وأنتي خدي العيش بتاع إستير معاكي فوتيه على نسيم في البقالة.
تبسم نظيم يقول:
العيش البني بتاع إستير، والله إستير دي هتدخل الجنة بسبب مقالبك فيها، زمانها بتقول كان يوم أسود يوم ما ولدت ماما فيكي.
تبسمت فتحية تقول:
لأ دي بتحبها جوي.
تبسمت سميحة بدلال قائله:
أنا لذيذة وأتحب أصلاً.
تبسم نظيم يقول:
أحب أنا البنات الواثقة في نفسها دي، يلا يا لدوغتي الصغيرة، عشان الوقت، بلاش أتأخر كده أول يوم دراسة.
غادر الاثنان وتركا فتحية تنظر في أثرهما مبتسمة. تنهدت براحة، هذان الاثنان تعبا مثلها. لا تنسى هذه الصغيرة التي كانت تحبي وقت وفاة والدها، ها هي الآن كبرت وأصبحت شابة، مرحة حقًا ليست متفوقة بالدراسة لكن لديها هدف بحياتها تريد بناء شخصية خاصة بها.
أمام تلك البقالة
مثل كل يوم منذ أسبوع يأتي صباحًا يتمنى أن يصادفه الحظ ويرى مرة أخرى. يفكر أن يذهب يسأل عليها ذالك البائع، لكن كان يتراجع بآخر لحظة. فماذا سيقول له إذا سأله لماذا تسأل عنها؟ لكن ربما يرأف لحاله القدر اليوم. ها هي تنزل من تلك السيارة تحمل بيدها شنطة منزلية متوسطة وتدخل إلى محل البقالة، مبتسمة. لم تنتظر كثيراً بسبب زمور تلك السيارة التي ترجلت منها قبل دقيقة، يبدو أنه يقوم باستعجالها. بالفعل عادت، لكن كادت أن تصطدم بتلك الدراجة النارية، لكن تفاداها سائق تلك الدراجة مبتسمًا. نظرت له سميحة قائله:
جرى إيه يا كيرلوس؟ جواز ومش عاوز تحوزني ورضينا بيها، لكن كمان عاوز تخبطني بالموتوسيكل بتاعك وأبقى مكسحة وتوقف حالي.
تبسم كيرلوس لها قائلاً:
صباح الخير يا لدوغة، كويس إني قابلتك. ماما باعتة ليكي السندوتشات دي وبتقولك فين العيش البني؟ مش خبزتيه امبارح؟
ردت سميحة:
العيش مع عم نسيم، وهات السندوتشات، بس إيه؟ إنت مش رايح المدرسة ولا إيه؟
رد كيرلوس:
مدرسة إيه؟ أنا في ثانوية عامة، بناخدها دلوقتي من منازلهم مش بنروح المدرسة إلا مرتين، مرة نكتب الاستمارات، وأيام الامتحانات. ادعي لي من قلبك، نفسي أبقى زي نظيم وأدخل حاسبات ومعلومات وأبقى مبرمج وأخترق الشبكات العالمية.
تبسمت سميحة:
ربنا يحقق لك أملك. هات السندوتشات وخليني أروح لـ نظيم قبل ما يسيبني ويمشي، ووقتها مفيش غيرك توصلني.
تبسم كيرلوس:
لأ بالسلامة يا لدوغة.
تبسمت له وعادت إلى سيارة نظيم.
بينما محمد تعجب هذا كيرلوس الذي تحدثت عنه، أنه فتى صبي يبدو بوضوح بالكاد أكمل السادسة عشر من عمره. لكن هي قالت عنه أبو عيون إزاز. عيناه عادية لكن يرتدي نظارات نظر، فهم قصدها العيون الزجاج هي تلك النظارات. تبسم محمد فتلك اللدغة تبدو عشرية وتحب المرح. لكن من الذي ركبت معه السيارة؟ لم يفكر كثيراً وسار خلف السيارة يرى إلى أين تذهب. توقفت السيارة أمام إحدى الجامعات، ترجلت سميحة من السيارة وألقت قبلة في الهواء لمن كان معها بالسيارة. شعر محمد بانزعاج من ذالك. أيكون لديها حبيب أو خطيب؟ سأل محمد نفسه: لماذا انزعجت من ذالك؟ أنت رأيتها مرة واحدة فقط وأثرت على عقلك؟ أصبحت طوال الأسبوع المنصرم تأتي إلى ذالك المكان يوميًا تنتظر رؤيتها، أليست هذه حماقة منك؟ جاوب عقله: بل هذا قمة الحماقة، عليك الانتباه لنفسك قبل أن تسير بطريق لا تعلم بدايته من نهايته.
بجامعة هدى
بأحد المدرجات.
كانت هدى تجلس جوار صديقتها فوق أحد المدرجات، ظهرها لمقدمة المدرج. كانتا تتحدثان بمرح مع بعض زملائهم، يتحاورون عن ما فعلوه بالإجازة الصيفية، وكيف قضوها بين مرح وعمل ولهو، والبعض منهم في أخذ بعض الدورات تساعده في إتقان البرمجة. تنبهوا حين دخل ذالك المدرس الجديد واعتدلوا في أماكنهم، لكن هدى مازالت تعطي ظهرها له. تحدثت زميلتها لها بصدمة:
هو بص كده!
استدارت هدى واقفة تنظر أمامها. انصدمت هي الأخرى حين رأت نظيم، الذي وقع بصره عليها. تبسم بداخله لكن أخفى ذالك قائلاً:
معاكم دكتور نظيم بهنسي، هكون معاكم إن شاء الله السنة دي، تقدروا تعتبروني أخوكم الكبير، وأي حد يوقف قدامه معلومة وعاوز لها تفسير، أنا طبعاً مش بأدي أي معلومة ببلاش، كله بتمنه.
تبسموا له، بينما هو قال:
طبعاً بهزر، أنا عارف إن نظم الحاسوب والبرمجة بحر كبير، وأنا شخصياً في بعض الداتا ممكن أكون مش متقنها. أي طالب يوقف قدامه معلومة يقدر يسألني، ودلوقتي، خلونا في المحاضرة.
بدأ نظيم في شرح بعض النماذج لبعض نظم البرمجة، كان يشرح ببساطة تشبه شرحه في ذالك المركز التعليمي التي تذهب إليه. يبدو أنه شخص لديه ضمير فيما يقدمه للآخرين. قارنت بينه وبين بعض المدرسين الآخرين، والذي يكون اعتمادهم في شرح الكورسات الخارجية فقط، بينما بالجامعة مجرد حضور روتيني لا أكثر. لفت ذالك انتباهها.
بعد وقت انتهت المحاضرة. غادر نظيم المدرج. سمعت همس الفتيات عن ذالك الأستاذ الجديد وعن وسامته، وعن بساطته وتلقائيته. لكن سخرت هدى منهن قائله:
في أستاذ جامعة ييجي للجامعة بترنج سوت؟ فين وقار الأستاذ؟ والله إنكم تافهين.
قالت هذا ونهضت تخرج من المدرج. لديها شعور لا تعرف سبب لضيقها حين تحدثن الفتيات بإعجاب بـ نظيم وشخصيته البسيطة. سارت بين أروقة الجامعة دون إرادة منها، لا تعرف كيف توجهت إلى غرفة أعضاء التدريس. وقفت بمدخل الغرفة. جالت عيناها بالغرفة تبحث عن من. لا تعرف ما هذا الشعور. هذه ليست أول مرة ترى نظيم، لكن أول مرة تسمع مدح الفتيات به، أو ربما ليست أول مرة. سابقاً صديقتها مدتحت بوسامته وجاذبيته، لكن كان هذا مزاحًا منها لا أكثر.
تفاجئت بمن خلفها يتحدث:
لو سمحتي يا آنسة هدى ممكن توسعي من على الباب، عاوز أدخل للاوضة.
تجنبت هدى له.. حتى دخل. تحدث لها قائلاً:
على فكرة مواعيد الكورس هتتغير من أول الأسبوع الجاي، هتبقى مناسبة مع مواعيد المحاضرات.
أومأت هدى رأسها صامتة. تبسم نظيم يقول:
بدوري على دكتور معين... هنا في أوضة أعضاء التدريس، ولا دخلتي هنا بالغلط.
تلربكت هدى وقالت:
لأ مش بدور على حد معين ولا مربع، فعلاً دخلت هنا بالغلط.
قالت هدى هذا وخرجت من الغرفة. بينما تبسم نظيم هامسًا:
بنت العراب شكلها قوية.
بينما هدى سارت تشعر بغيظ قائله:
شخص بارد، وإنتي يا هدى غبية إيه اللي وداكي أوضة أعضاء التدريس؟ بقى أنا مش طيقاه في الكورس اللي شهرين، إزاي هقدر أستحمله سنة بحالها؟ يارب يرفدوه.
تبسمت لها صديقتها التي آتت لجوارها تلهث:
روحت فين يا هدى بعد ما خرجتي من المدرج؟ أنا لفيت مبنى الجامعة عليكي، ومالك مضايقة كده ليه؟ البنات بتهزر، بس بصراحة عندهم حق. معظم الدكاترة اللي درسوا لينا قبل كده كانوا بيبقوا كبار شوية في السن، إنما نظيم قريب لينا في السن وتفكيره كمان زينا بسيط ومش معقد زي الدكاترة التانيين.
نظرت لها هدى باستخفاف وقالت:
واضح إن تفكيرك سطحي زي البقية. أنا خلاص النهارده أول يوم في الدراسة ومكنش في غير محاضرة واحدة، همشي سلام.
بدار العراب
ليلاً
بالصدفة تسمعت قدريه على حديث النبوي على الهاتف. لم تستطع تفسير شيء من حديثه سوى:
أنا اتفقت مع المأذون على آخر الشهر ده نكتب الكتاب. جهز أنت الأوراق المطلوبة بقى قبل الميعاد ده، مش عاوزك تتأخر على الميعاد اللي اتفقت مع المأذون عليه ومتحملش هم الشهود كمان.
قال النبوي هذا وأغلق الهاتف مبتسمًا، بينما اشتعلت نيران بقلب قدريه. هل سيتزوج عليها مرة ثانية؟ بعد كل هذه السنوات يعيد نفس فعلته القديمة وتُفاجئ به يدخل عليها بزوجة أخرى كما فعل بالماضي؟ لكن لا لن تسمح بذالك مرة ثانية وستمنع تلك الزيجة لو اضطرت للقتل مرة أخرى.
بشقة سلسبيل.
بغرفة النوم.
شعر قماح النائم بيد سلسبيل التي وضعتها على جبهته ومسحت بين خصلات شعره، فتح عينيه ونظر لها مبتسمًا. ردت عليه ببسمة رقيقة:
إنت صاحي يا قماح.
تبسم لها وجذبها عليه ونظر لشفتاها قائلاً:
صحيت لما لمستِ بإيدك شعري، تعرفي إن ماما لما كنت ببقى عيان كانت بتنام جنبي وتعمل كده.
تبسمت له سلسبيل برقة. جذبها قماح عليه ودون تفكير قبلها بهدوء وعشق. شعر بها تبادله القبلات، جذبها أكثر عليه ونزع عنها ملابسها وبدأ في تقبيلها. يديه تسير على جسدها برفق. شعر بسلسبيل تذوب معه في الغرام.
رواية عش العراب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامه
بغرفة هدى
كانت تجلس على الفراش ممده ساقيها وتضع عليهما حاسوبها، تقوم بتطبيق عملي لبعض نظم البرمجة التي سبق ودرستها في ذلك الكورس. تذكرت ذلك الخطأ الذي فعلته تلك المرة وجعل الحاسوب الذي كانت تعمل عليه يطلق إنذار خطأ. على ذكر هذا الخطأ تذكرت نظيم وعادت برأسها حديث زميلاتها وإعجابهن به، سواء بشرحه البسيط أو وسامته ولباقتِه. لما شعرت بغيظ منهن، أجاب عقلها: أكيد بسبب عدم استظرافك له.
نهرت نفسها لما تفكر في هذا الغبي بالنسبة لها منذ أن رأته أول مرة، بالمصعد. أغلقت الحاسوب وقالت لنفسها: شكلي بدل ما كنت هسهر أطبق عملي اللي أخدته سواء في المحاضرة أو الكورس، هفكر في الغبي نظيم اللي مفكر نفسه "محمود الخطيب". على الأقل محمود الخطيب بيلبس بدل رسمية مش زي الغبي ده اللي مفكر الجامعة نادي رياضي وجاي بترنج سوت. أنام أحسن لي وبكرة بالنهار أبقى أطبق عملي.
وضعت هدى الحاسوب على طاولة بجوار الفراش وتمددت على الفراش، لكن هذا الأحمق سكن تفكيرها إلى أن نعست بعد وقت ليس بالقصير.
على الجهه الأخرى، كان نظيم بغرفة نومه نائم على فراشه يضع يديه أسفل رأسه يتنهد. لكن فجأة أتت لخياله تلك صاحبة الوجه الضحوك. تنهد قائلاً: هداية ناصر العراب. تبسم حين تذكر ردها عليه في الجامعة حين أحرجها، ونظرتها المذهولة حين رأته بالمدرج يعطي لهم المحاضرة. لكن فجأة زالت بسمته ونهر نفسه قائلاً: فوق يا نظيم، إنت مين وهي مين. مهما وصلت وبقيت دكتور جامعة، بس في النهاية إنت نظيم بهنسي اللي كنت شغال عامل عند باباها. كمان هي واضح عندها شوية غرور، بلاش تنجرف لطريق نهايته معروفة. إحنا مش في زمن القصص الخيالية.
***
بشقة سلسبيل
لم يكن ما يشعر به قماح حلم، كان حقيقة. سلسبيل بين يديه يُقبلها، يديه تدمغ جسدها، لكن انقلب كل ذلك بعد أن شعر برفض سلسبيل لتلك المشاعر التي تسيطر عليه. يود قربها والفرار معها من ذلك الواقع الذي تفرضه عليه. شعر بنفورها وجمودها، ليس هذا فقط بل دفعته له وقولها: كفاية يا قماح، إبعد عني مبقتش قادرة أتحمل لمسك لي. متنساش إنك لسه موجوع في صدرك.. بلاش تخليني أستغل وجيعتك وأبعدك عني.
رفع قماح جسده قليلاً من فوق سلسبيل ونظر لعيناها ورأى بهما نظرة جديدة، نظرة برود ورفض وتحدي. تنحى عنها نائماً فوق الفراش. لملمت سلسبيل ثيابها ثم نهضت من على الفراش، ولم تنظر إليه وكادت تخرج من الغرفة لكن توقفت لثوانٍ تستمع لحديث قماح الجاف: مفكرة بأسلوبك ده تمنعك عني إني هطلقك، غلطانة يا سلسبيل، أنا ممكن مع الوقت أزهق ومش بعيد أتجوز عليكِ، لكن عمري ما هطلقك يا بنت عمي.
ضحكة سخرية من سلسبيل التي مازالت تعطيه ظهرها ثم قالت: ده اللي متوقعاه من البداية يا ابن عمي، الصفة الوحيدة اللي هتفضل بينا هي إننا ولاد عم وبس.
رد قماح بغضب حاول ألا يُظهره: والجنين اللي بطنك ده ملوش صفة تربطنا... وليه كنتي بتهتمي بيا الأيام اللي فاتت؟
وضعت سلسبيل يدها على بطنها وردت وهي مازالت تُعطيه ظهرها: للأسف، بس ده لسه في علم الغيب، يا عالم يكمل ويجي للحياة ولا إيه لسه اللي هيحصل. وسبق وقولتلك اهتمامي بيك إنسانية، في الأول والآخر إنت ابن عمي. نسيت أقولك إني اتفقت مع بابا إن طالما حالتك الصحية اتحسنت من بكرة هنزل أنضم للمحاسبين في المقر. بقولك للعلم فقط، تصبح على خير، يا ابن عمي.
غادرت سلسبيل الغرفة وتركت قماح يشعر بغضب جم. سلسبيل أعلنت التحدي معه. في نفس الوقت شعر بغصة من تبدلها هكذا حين اقترب منها، فهي طوال الأيام الماضية تولت الاعتناء به. حقًا لم تكن تنام لجواره على الفراش، لكن هو ظن أنها تفعل ذلك من أجل أن تعطي لزواجها فرصة أخرى. لكن يبدو أنه مخطئ، فهي قالت أن ذلك إنسانية وأنه ابن عمها. كم يبغض تلك الكلمة حين تقولها.
بينما سلسبيل ذهبت إلى غرفة المعيشة، جلست على إحدى الأرائك، تشعر بنغزات في قلبها. وضعت يدها على بطنها. قماح قال ما صفة هذا الجنين الذي ينبت برحمها؟ تعلم أنه حلقة وصل بينهم. رغم معاملة قماح السيئة لها منذ بداية زواجهما، لكن ذلك الجنين الذي برحمها لم تستطع أن تكره وجوده. كان سهل عليها إجهاضه والتخلص من أي رابط يربطها بقماح ويظل الرابط الوحيد هو أنهم أبناء عم فقط. لكن لا تعلم لما حين عرفت بوجود هذا الجنين تضاربت مشاعرها بين الفرح والحزن. كانت تود أن يجده هذا الجنين سعيدة حين تشعر به وهو برحمها، لكن هذا لم يحدث والسبب هو غطرسة وعنجهية وقبل ذلك عنف قماح معها.
***
قماح الذي بغرفته يسترجع ماضي طفل بالعاشرة بدأ يرى قسوة من حوله.
فلاش باك.
كانت الحياة حين تنقلب وتعطي وجهها السيء تزيد من القسوة.
بعد وفاة والدته بعدة أشهر، كانت تهتم به هداية وتراعيه في تلك الفترة. كان يرى الفرحة والشمت في عين قدرية، ونهرها له في الخفاء لكن لم يكن يبالي بذلك. كان في المقابل هداية وجدهُ وكذا النبوي، يُظهرون له المحبة. كذا عمه ناصر وزوجته، لكن تبدل ذلك أيضاً. حين فوجئوا بدخول جدة قماح اليونانية وبصحبتها رجل كهل، به ملامح من والدته الراحلة. عرف أنه خاله، هو رأى له صوراً سابقاً. وكان معهم مترجم خاص ورجل يبدو من زيه دبلوماسي وبعض رجال الشرطة.
تحدث أحد رجال الشرطة: معنا أمر بتسليم الطفل قماح النبوي العراب لـ جدته السيدة "إليخاندرا مونتيس" بصفتها حاضنة له، وهذا قرار من المحكمة اليونانية أنها الأحق بحضانة طفل ابنتها التي توفت من عدة شهور.
إنخض الجميع، كيف حدث هذا وكيف حصلت هذه المرأة على حضانة قماح بتلك السهولة. رفض قماح ذلك وذهب إلى حضن جدته هداية التي ضمته وقالت: لا، أنا عايز أفضل هنا مع جدتي هداية وبابا. كذا بنت عمي سلسبيل ماما كانت بتحبها. ماما مش كانت بتحب الست دي لا هي ولا الراجل اللي معاها ولا بتحب اليونان. ماما كانت بتحب هنا وأنا عايز أعيش هنا.
ذهب ذلك الكهل الذي كان معهم وقام بشد قماح قوياً من بين يدي هداية، التي فلت منها قماح بصعوبة، وقامت بحذبه مرة أخرى تحتضنه. تفوه ذلك الكهل ببعض الكلمات باليونانية، ترجمها لهم المترجم قائلاً: هما معاهم أمر واجب التنفيذ بأخذ الطفل قماح كونه حفيد الست إليخاندرا مونتس.
تعجب النبوي قائلاً: إزاي وإمتى طلع الأمر ده، وإزاي متعرفش قبل كده.
رد المترجم: ده أمر من المحكمة اليونانية بصفة إن والدة الطفل ده تحمل الجنسية اليونانية يحق لـ جدته اليونانية أخذ حضانته طالما هي عندها الصلاحيات الكاملة، زي الأهلية العقلية وكمان المادية. وهذين شرطين يتوفران في جدته. هذا أمر إلزامى من السفارة اليونانية بمصر، بتسليم الطفل قماح النبوي العراب لجدته السيدة إليخاندرا مونتس.
رد ناصر: طب لو رفضنا تسليم قماح إيه اللي هيحصل.
رد المفوض من السفارة: وقتها هندخل في نزاع، وهذا طبعاً بعد تسليم الطفل لـ جدته اليونانية أولاً.
رد النبوي: مستحيل أسلم ابني ليهم. أنا عندي يقين إن الست دي غير مؤتمنة على ابني، إذا كانت مراتي نفسها كانت شبه قاطعة علاقتها بيهم من بداية جوازنا.
رد المفوض: احذر من طريقة حديثك، ممكن يتخذ عليك إنك بتسب السيدة إليخاندرا. مفيش طريق دلوقتي غير تسليم الطفل للسيدة إليخاندرا وبعدها تقدر تلجأ للمحكمة سواء اليونانية أو المصرية. لكن دلوقتي معانا أمر واجب التنفيذ، بتسليم الطفل، ولو حضرتك رفضت هتضطر لأخذه بالقوة... من فضلك مش عايزين الأمر يتصاعد لخلاف بين الدولتين.
رد الجد: يتصاعد وماله بس مش هنفرط في ولدنا يتربى بعيد عن عينينا وسط ناس أغراب منعرفش أصلهم من فصلهم.
رد المفوض بتهكم: وابنك بيتجوز من اليونانية مكنش يعرف أصلها من فصلها. بلاش الطريقة دي، أنا لغاية دلوقتي مش عايز أصعد الأمور. الطفل والدته يونانية وبالتبعية لولدته بيحمل جنسيتها والأحق به جدته اليونانية. دلوقتي مفيش قدامكم طريقة غير تسليم الطفل لجدته، وتمضوا على أمر التسليم ده.
رد ناصر: ممكن نتفاهم براحة مع السيدة إليخاندرا يمكن نتوصل لحل سلمي يرضي جميع الأطراف.
رد المفوض بعد أن تحدث إلى إليخاندرا قائلاً: السيدة إليخاندرا بترفض أي حوار، وهي عاوزة طفل بنتها كذكرى لها من بنتها اللي توفت بعيد عنها وادُفنت في أرض غريبة ولم تستطع وداعها الوداع الأخير.
تهكمت هداية بين نفسها وقالت: الوداع الأخير وده من ميتى.
بينما قال النبوي بإستماتة: أنا مستحيل أسمح ابني يبعد عني، ومستعد أدفع للست دي أي مبلغ تطلبه فوراً.
رد المفوض: دي تعتبر رشوة، من فضلك يا حضرة الضابط نفس القرار اللي في الأوراق معاك.
رغم عدم اقتناع الضابط بذلك، لكن جذب قماح قوياً من يد هداية التي كان قماح يتشبث بها. يدي هداية أصبحت خاوية. في لحظات أخذت تلك الغريبة ومن معها قماح وغادروا المنزل. ذهب خلفهم النبوي، لكن صعدوا بالسيارة سريعاً قبل أن يأتي بسيارته. كانت سيارتهم اختفت من على الطريق أمامه. شعر النبوي بفقد جزء كبير من قلبه. توالت الأيام وقبل أن يأخذ النبوي قرار بضم قماح له كان سافر مع تلك العجوز والكهل الآخر لتبدأ رحلة من الألم والحرمان. كان القدر يعاقبه على ماذا لا يعرف...
تلك العجوز إليخاندرا من قدمت دعوى ضمه بأوراق ثبوتية مزورة أنها تمتلك الأهلية والقدرة المالية. ما كانت سوى امرأة عجوز تهوى الكحوليات تتجرعها بشراهة، وذلك الوغد المدعو خاله ما كان سوى مُخنث يهوى القمار وفتيات الليل. وليس هذا فقط كانت هناك زوجته التي ليس لديها أي مبادئ هي الأخرى. علم سبب طلبهم لحضانته بعد ذلك، كان هو المال، ابتزاز النبوي مقابل أن يرى طفله. كان عليه دفع الفدية لهم. كانوا يتمسكون بحضانته بشراسة بسبب تلك الأموال التي كان يرسلها لهم النبوي مقابل سماحهم له برؤيته بين الحين والآخر مرة في العام تقريباً...
تذكر تلك المدرسة الشعبية التي كان يذهب إليها ومعاملة باقي زملائه له، بالأخص حين عرفوا أنه ليس يوناني، وكذا يحمل ديانة الإسلام. بدأ الاضطهاد من بعض زملائه العنصريين له، سواء بالذم أو أحياناً بالضرب. الضرب الذي تكاتل عليه أكثر من فتى وقاموا بضربه بعد خروجهم من المدرسة وأحد الضربات أصابت عنقه بعنف خلفت ألم قوي. حين عاد للمنزل لم يجد من يهتم به. أصيب بالحمى لليالي، لكن وسط تلك العتمة تعرف على صديق كان هو الآخر يتيم يعيش مع جده الضرير. تقبله دون عنصرية وقام بمصادقته. كان خير صديق اعتنى به وبدأ في علاجه حسب خبرته الصغيرة. مر وقت وبدأ قماح يكبر أصبح بالسادسة عشر.
رأى زوجة خاله تلك اللعوب تتودد إلى صديقه تريد اللهو معه، ذلك الذي بالكاد أصبح صبي، تريد أخذه للرذيلة معها. رفضها صديقه مرات، فبدأت برمي شباكها على قماح نفسه. كانت تتعمد أن تتعرى أمامه كي تثيره، لكن هو كان يمقت منها ويشعر بالنفور وكان يبتعد عن المنزل لأيام وليالي أحياناً. كان يفضل المبيت في الشارع عن الذهاب إلى المنزل والتصادم مع تلك العاهرة. حتى جدته لم تكن تسأل عنه، كل ما يهمها المال كي تأتي بالكحوليات. كان مبدؤها: أعطني المال وافعل ما تشاء. كان هو وصديقه يتشاجران مع من يحاول العبث معهم من أبناء الحي المتسكعين. لكن حين أصبح قماح بعمر السابعة عشر، ربما شاء له القدر أن يغير مصيره، يعود لموطنه، ربما ينتظره مستقبل أفضل عن هنا باليونان. ربما مع الأيام بسهولة ينضم لهؤلاء المتسكعين وينتهي به الحال بسكين مثل صديقه الذي كان يشاركه الألم والحرمان حين تكاتل عليه بعض شباب الشارع المتسكعين وقاموا بضربه هو وصديقه الذي أخذ سكين بمقتل أثناء مشاجرتهم الاثنين معهم بسبب اضطهادهم لهم. كان آخر حديث صديقه له... إنت عديت سن الستاشر سنة وتقدر تتحكم في حياتك... عد لبلدك، عد لهتان الاثنين التي كنت دائماً تحكي لي عنها، تلك المرأة الحنون جدتك، وتلك الطفلة الصغيرة لابد أنها أصبحت فتاة صغيرة الآن. كانت هذه آخر أقوال صديقه له قبل لفظ نفسه الأخير. اتخذ بعدها القرار، لن يبقى هنا ويصبح متشرد ومتسكع وينتهي به الأمر إما بفراش زوجة خاله، أو قتيل على يد أحد المتسكعين... حسم أمره، وتسأل عن مكان السفارة المصرية باليونان، وأخذ أوراقه التي تثبت أنه لديه الجنسية المصرية وأنه بلغ السادسة عشر من عمره وبقانون اليونان لديه الحق في السفر لأي مكان حتى دون إذن والديه أو من يتواصى عليه. عاد الطير الذي أسِر قهراً لسنوات، عاد لعشه مرة أخرى. لم يشعر بمصر بغربة بل انتماء، وحدث عكس ما حدث بالماضي... مثلما أخذوه عنوة عاد برضاه... كانت من فتحت له باب المنزل هي سلسبيل التي قاده قلبه لها وقال: إنتِ نبع المايه الصافية.
للحظات ارتجفت سلسبيل قبل أن تدخل إلى غرفة جدتها تلهث قائلة: قماح رجع يا جدتي زي ما قولتلك إني شفته في الحلم.
خرجت هداية إلى بهو المنزل، وجدت صبي يافع أمامها يبدو نحيل. بسرعة كانت تضمه قائلة: كنت متأكدة الطير لازم يعود لعشه، ابن العراب رجع من تاني لعشه.
من فرحة هداية سجدت أرضاً. بينما آتت على صياح سلسبيل كل من قدرية ونهلة، التي تبسمت له ورحبت به. لكن قدرية تغابنت وجهها فهي تمقته بشدة وعودته مثل اللهب في قلبها، لكن أمام هداية رسمت البشاشة. ليست البشاشة فقط، بل اقتربت منه وحضنته قائلة: ولدي عاد من تاني. بينما نهلة صافحته فقط. سلسبيل ذهبت خلف جدتها تنظر له فقط لم تتحدث له، لكن شعرت بنظرة عيناه لها كان بها شيء غريب لا تفهمه.
عودة للحاضر... زفر قماح نفسه بغضب حين تذكر الماضي الذي خلق منه ذلك القاسي الذي أصبح عليه. حتى تلك القطعة التي كانت مازالت بقلبه لينة انتهت حين دخل إلى عالم الأعمال. لكن هناك قطعة أخرى بقلبه كان يخشى أن يظهر لينها... عشقه لـ سلسبيل... التي فقدها بقسوته عليها حين امتلكها. لكن مازال هناك أمل واهٍ.
***
بشقة النبوي
بغرفة النوم كان النبوي نائم على الفراش وقدرية تتسطح لجواره مستيقظة، تشعر بلهيب في قلبها بعد أن تسمعت على جزء من حديثه على الهاتف. كم تود الفتك به الآن. شار شيطانها عليها، قتلهُ. كما يقول المثل: جنازته ولا جوازته. لكن لو قتلته سيستريح. هي تريده أن يشعر بالألم مثلما سقته لها يومًا حين دخل عليها بالأغريقية وقال أنها زوجته. على ذكر تلك الأغريقية تذكرت حين سكبت لها الزيت على سلم المنزل لتنزلق ساق كارولين وقتها وتسقط على درجات السلم متأثرة بقوة تنزف بشدة. لكن أنقذها النبوي وقتها الذي عاد بالصدفة للمنزل وأخذها للمشفى، لتلد طفلة متوفاة، ويستمر النزيف على كارولين ويصحب ذلك ارتفاع في درجة حرارة جسدها أدى لوفاتها بعد وفاة طفلتها بعدة أيام متأثرة بحمى نفاس. لكن بالأصل هي قتلتها بسكب ذلك الزيت على السلم. كم تشفت قدرية في موتها وقتها. كُسر قلب النبوي مثلما كسر قلبها يوم أن تزوج عليها. لكن اليوم لن تنتظر أن يدخل عليها بزوجة أخرى. فكر عقلها لتهتدي لشيء، عليها مراقبة تحركات النبوي وستعرف أين يذهب. ووقتها ستدخل وتمنع تلك الزيجة. لابد أن تبحث عن شخص يراقب تحركات النبوي ويخبرها بها أولاً بأول.
***
باليوم التالي... صباحًا
أمام شقة ناصر أثناء نزول سلسبيل السلم.
تبسمت هدى وهي تنظر لـ سلسبيل قائلة: إيه الشياكة والأناقة دي عالصبح؟ خلاص هتستلمي الشغل في المقر النهارده.
ردت سلسبيل: آه خلاص قماح صحته بقت كويسة، وكلها كم يوم ويقدر هو كمان يرجع لشغله، وأنا اتفقت مع بابا ياخدني معاه.
تبسمت هدى: مبروك يا بشمُحاسبة، أبقي افتكري أختك الغلبانة في كم جنيه كده من مرتبك.
تبسم لها ناصر قائلاً: اللي يسمعك يقول ناقصك حاجة.
تبسمت هدى قائلة: ناقصني عربية خاصة بيا مش أقف قدام الجامعة أستنى السواق عشان يجي ياخدني، بعد المحاضرات... أنا بعد ما أخلص كورس نظم البرمجة هروح أي مدرسة سواقة وأتعلم السواقة وأطلع رخصة وأترحم من انتظار السواق.
ضحك النبوي الذي كان صاعدًا كي يطمئن على قماح قبل أن يذهب للعمل وقال: العربية هتبقى هديتي ليكي بعد ما تخلصي دراسة وتتخرجي من الجامعة ويبقى عندنا مبرمجة شاطرة.
تبسمت هدى له قائلة بتذمر مرح: لسه هستنى ده كله، طب ما تعتبر الهدية دي لـ سلسبيل وأشتري ليا عربية خاصة زيها، ولا عشان هي مرات ابنك لها معزة خاصة.
تبسم النبوي قائلاً دون قصد منه: أنتم التلاتة عندي معزة واحدة وبعتبركم بناتي، بس بصراحة سلسبيل زايدة في المعزة عنكم شوية، دي نبع الماية خليفة الحجة هداية.
شعرن هدى وسلسبيل بغصة فهن أصبحن اثنتين. كذا ناصر شعر بغصة وتدمعت عينيه. لاحظ ذلك النبوي خلف بسمتهن وصمت أخيه. كم ود أن يرق لقلب أخيه وقلبهن ويخبرهن أن الثالثة مازالت تعيش لكن هي تختار أن تكون بنظر الجميع ميتة لا يعلم سبب لذلك.
بعد قليل
كان قماح يقف بشرفة شقته، رأى ذهاب سلسبيل مع عمه في سيارته. تنهد بسأم كان يود أن تبقى لجواره مثل الأيام السابقة... سلسبيل أعلنت التمرد ولا شيء سيخضعها الآن.
***
عقب الظهر
بالشقة التي تقطن بها همس.
تحدثت بفرحة عارمة: يعني سلسبيل حامل؟
رد كارم: أيوه، جدتي هي اللي قالتلي، وكمان قالتلي أنها كانت متأكدة أنها حامل من مدة قبل سلسبيل يمكن من قبل سلسبيل ما تعرف إنها حامل.
رغم فرحة همس لكن شعرت بغصة في قلبها وصمتت لدقائق. عاودت لها ذكرى اكتشاف أنها كانت حامل، وما حدث بعدها. أغمضت عينيها تحاول كبت تلك الدمعة والغصة بقلبها.
تحدث كارم الذي تعجب من صمت همس فجأة: لأ وكمان إيه؟ جدتي بتقول إنها متأكدة إن سلسبيل حامل في ولد وهيكون أول من يحمل جينات العراب صرف، سواء أب أو أم.
تبسمت همس وقالت: تعرف أنا كنت وعدت سلسبيل أعمل كسوة سبوع أول طفل لها على إيدي، شغل هاند ميد.
تبسم كارم لها: وقدامك الفرصة والوقت لسه بدري استغليه وقبل ما تولد سلسبيل تكوني خلصتيه لها.
تبسمت همس قائلة: فعلاً لسه وقت، هبدأ أشتري المستلزمات اللي محتاجة لها.
فجأة صمتت همس وتذكرت أنها بنظرهم ميتة، وقالت بغصة: بس دلوقتي مينفعش، أنا في نظري ميتة، وكمان هسافر بره مصر.
رد كارم: في إيدك ترجعي تاني لهم يا همس.
ردت همس بتعسف: قولتلك قبل كده مش عايزة أرجع وأشوف نظرات الشفقة من حد.
رد كارم: خلاص يا همس بسيطة، وقتها ممكن نبعت كسوة السبوع هدية ولادة سلسبيل.
تبسمت همس.
تحدث كارم: همس أنا خلاص تواصلت مع السمسار في دبي وتممت معاه شراء الكافيه وكمان شقة صغيرة كده على قدنا، وكمان حجزت تذاكر السفر على آخر الشهر. وقولت لـ بابا وهو قالي إنه اتفق مع المأذون وحدد ميعاد كتب كتابنا على آخر الشهر ده وكمان حجزت ميعاد سفرنا هيبقى تاني يوم للميعاد اللي بابا حدده.
تبسمت همس بغصة وقالت: يعني لسه قدامك فرصة تتراجع.
رد كارم: همس إنتي عارفة إن حلم حياتي يجمعني معاكي بيت واحد.
نظرت له همس تشعر برهبة بداخلها. تخشى ذلك اليوم الذي يُغلق عليها وعلى كارم باب واحد، وبالأكثر إذا كان في بلد أخرى.
***
بعد مرور أسبوع
عصراً.
كانت مفاجأة وفاة والد زهرة قبل ثلاث أيام. يقولون الجنازة حارة والميت ليس سوى شخص فاقد الأهمية. لكن لابد من إجادة تمثيل مظاهر الحزن.
بعزاء النساء.
بداخل المنزل، البسيط. دخلت سلسبيل بصحبة نهلة. ذهبت إلى مكان جلوس عمتها وقامت بأداء واجب العزاء لها. رغم شعور عطيات بالبغض من سلسبيل، لكن تداركت أمرها وتقبلت منها العزاء. ذهبت سلسبيل بعد ذلك إلى زهرة وجلست بجوارها، تقوم بتعزيتها. شعرت زهرة بالبغض. ودت لو قامت بطردها وأن تقول لها: بعد ماذا أتيتِ يا ملكة العراب لتعزيتى؟ اليوم هو اليوم الثالث لـ وفاة أبي. لكن صمتت خشية من حديث الناس أنها تغار من سلسبيل.
لكن هناك ما حدث هو دخول تلك الفتاة مع والداتها. ذهبت مباشرةً إلى مكان جلوس زهرة. زهرة التي نهضت لها وقامت بحضنها بود. تحدثت الأخرى قائلة: البقية في حياتك يا زهرة. عارفة إني اتأخرت على ما جيت أقدم واجب العزاء، بس أنا كنت بتابع الشغل مع بابا ونائل وعارفة إننا في موسم توريد الرز.
ردت زهرة: كفاية اتصالك عليا يا هند. طول عمرك صاحبة واجب. تعالي اقعدي جانبي.
بالفعل جلست هند جوار زهرة. الناحية الأخرى شعرت سلسبيل بالبغض من الاثنتين. لكن كانت بين النسوة هداية. التي نهضت من مجلسها حين رأت دخول هند واستقبال زهرة لها وتوجهت إلى مكان جلوس سلسبيل. التي وقفت لها بتلقائية.
وضعت هداية يدها على كتف سلسبيل ونظرت لـ زهرة: الليلة تالت يوم للعزاء، كفاية كده يا بتي وارجعي لدارك وجوزك.
مثلت زهرة الدموع بحرقة قائلة: أنا طول ما أنا هنا حاسة بنفس بابا جانبي.
تحدثت عطيات ببكاء هي الأخرى: حدّتي الحجة هداية صحيح يا زهرة، لازم ترجعي دار جوزك. بكفاياكي عاد الحزن في القلب والروح، واللي راح كان غالي. بس بيتك وجوزك لهم حق عليكي عشيه تروحي دارك.
أماءت هداية عينيها ونظرت لـ سلسبيل قائلة: يلا يا بتي مش قدمتي واجب العزاء لعمتك وسلفتك، خلينا نرجع دارنا.
بالفعل هاودت سلسبيل هداية ومسكت يدها وخرجن من منزل والد زهرة وخلفهن نهلة. لكن كادت هداية أن تتعرقل في حصوة كبيرة على الأرض أثناء سيرها، وكادت أن تقع أرضاً، لولا أن تمسكت سلسبيل بها. ليس سلسبيل فقط، بل يد أخرى مسكت يد. نظرت هداية لتلك اليد وسرعان ما سحبت يدها قائلة: تسلم.
رد عليها وعيناه تنظر لـ سلسبيل: ألف سلامة عليكي يا حجة هداية.
ردت هداية التي لاحظت نظرات نائل لـ سلسبيل: تسلم يا نائل. يلا يا سلسبيل الحمد لله ربنا ستر وموقعتيش قدام الخلق.
بالفعل سارت سلسبيل جوار هداية، وخلفهن نهلة. لكن مازالت عين نائل تتابع أثر سلسبيل. غير منتبه لتلك الحقودة زهرة التي رأت الموقف صدفة من شباك منزل والدها، ليزداد حقدها على سلسبيل.
بعد وقت في نفس اليوم.
وقفت عطيات تلوم زهرة: مكنش لازم توقفي وتحضني هند، ناسيه إن هداية كانت بين الحريم، كان لازم تعملي حساب لوجود سلسبيل. متنسيش إن هند تبقي طليقة قماح.
ردت هند بلا مبالاة: أهو قلتي طليقة، يعني اللي المفروض كانت تخزي هي سلسبيل لأنها هي اللي جت بعدها. وبعدين هند كانت صاحبتي، واتصلت عليا عزّتني قبل كده. إنما الملكة سلسبيل اتنازلت وعفرت رجلها بشوية تراب في آخر يوم للعزاء، جايه فض مجالس يعني... ناسيه إني قبل ما أكون سلفتها، إن بابا يبقى جوز عمتها. كان المفروض تقعد جانبي تاخد عزاه، لكن مين يتكبر... بعد ما بقى لها كلمة واشتغلت وقماح نفسه استسلم للأمر بسهولة معرفش إزاي بعد ما كان معارض، طبعاً لازم يتنازل بعد ما عملوا حركة وسابوا الدار.
ردت عطيات: بلاش تاخدي صف هند على سلسبيل، بلاش تكسبى بغض هداية. هداية من الأول مكنتش مرحبة بهند، وهند كانت بتعمل معاها مشاكل.
ردت زهرة: نفس ما بتعمل معايا، ناسيه إنها وافقت عليا بالغصب بعد إصرار رباح عليا. ماما بلاش تخافي من هداية، رباح بقى زي الخاتم في صباعي خلاص.
***
بعد مرور ثلاثة أسابيع.
صباحاً بشقة سلسبيل.
دخلت إلى غرفة النوم كعادتها مؤخراً تأخذ ملابس لها من الدولاب وتذهب إلى الحمام ترتديها. لكن في ذلك الوقت أثناء دخولها، تفاجئت بوقوف قماح نصف عاري يرتدي ملابسه. تجاهلته كعادتها وتوجهت ناحية الدولاب وفتحت إحدى الضلف وأخرجت ملابس لها.
تحدث قماح: مفيش صباح الخير.
ردت سلسبيل باقتضاب: صباح الخير.
سخرت بداخلها، كم مرة سابقاً قالت لـ قماح صباح الخير وكان يستخسر الرد عليها. هو الآن من يطلب منها قول صباح الخير.
سارت سلسبيل لكن وقع منها إحدى قطع ملابسها. قبل أن تنحني وتأتي بها، انحنى قماح والتقطها، ثم مد يده بها لـ سلسبيل. تعجبت سلسبيل لكن مدت يدها تأخذ منه قطعة الملابس، لكن قماح تعامل بمكر وتمسك بقطعة الملابس وشاغب سلسبيل التي تذمرت وشدت قطعة الملابس من يد قماح. لكن مازال قماح متمسك بالقطعة بشدة، مما جعل سلسبيل حين رجعت للخلف كادت تقع، لكن جذبها قماح من خصرها عليه حتى توازن وقوفها. نظرت سلسبيل له وقبل أن تدفعه عنها ضمها قماح قوياً بين يديه والتقط شفاها بقبلة قوية متشوقة لكن ليست عنيفة كقبلاته السابقة لها. دفعته سلسبيل بيدها سريعاً لكن قماح تمسك بها بين يديه. لكن سلسبيل دفعته أقوى وقالت: من فضلك عندي شغل في المقر مش فاضية لحركاتك الفاضية دي.
تراخت يدي قماح عن سلسبيل، تسحبت من بين يديه وأخذت من يده قطعة الملابس وغادرت الغرفة بضيق.
بينما تبسم قماح يشعر بز هو كان يتشوق لشفاه سلسبيل.
سلسبيل التي خرجت من الغرفة وذهبت إلى غرفة أخرى وارتدت ملابسها، ثم توجهت إلى المرآة كي تعدل حجابها. لاحظت احمرار شفتيها من قبلة قماح. شعرت بضيق قائلة بسخرية: حلوة اللعبة الجديدة اللي بيلعبها قماح العراب؟ مفكر إني معرفش بزيارات هند السنوري له في المقر، شكلها عايزة توصل الود القديم.
بينما بخارج الغرفة تحدث قماح: سلسبيل إن كنتي خلصتي لبس خلينا ننزل، علشان أنا اللي هوصلك النهارده معايا.
فتحت سلسبيل باب الغرفة قائلة: والسواق راح فين.
رد قماح: معرفش الحجة هداية قالت لي من بالليل أبقى آخدك معايا في عربيتي عشان هي هتحتاج للسواق من بدري.
تعجبت سلسبيل وقالت: خلاص هروح مع بابا أو عمي.
رد قماح: سلسبيل بلاش اعتراض فاضي، عادي إنك تروحي للمقر معايا في عربيتي.
ردت سلسبيل: فعلاً عادي، هعتبرك زي السواق بالظبط، حتى السواق رغاي، إنما إنت صامت.
تبسم قماح لها دون رد، وأشار لها بيده لتسير أمامه وبالفعل سارت وهو خلفها يبتسم.
***
ظهراً
بشقة همس.
جلست هداية تقرأ المعوذتين بعد أن وضعت خبيرة التجميل بعض اللمسات البسيطة على وجه همس، أصبحت أجمل بملامح مازالت بريئة.
انتهت الخبيرة، أعطتها هداية رزنة من المال وغادرت. بينما قالت همس: مش عارفة كان لازمتها إيه الكوافير دي يا جدتي، كل الحكاية كتب كتاب عالضيق.
تبسمت هداية قائلة: ولو زينة الصبايا لازما يظهر جمالها الليلة، وكارم يشوف جدامه جمر بدر منور. لو بيدي كنت زغرطت وعملتلكم فرح كبير تحلف بيه البلد بحالها.
ردت همس بغصة: فرح، طب كفاية يا جدتي، أنا لو مش إصرار كارم عمري ما كنت وافقت أتجوزه وأربط حياته بيا بعد اللي حصلي.
ردت هداية: نصيحة منى يا بتي، عارفة اللي مريتي بيه كان صعب ووعر، بس قدامك فرصة جديدة استغليها، بلاش تضيعيها من يدك. ربنا مد في عمرك وعطاكي فرصة تانية لهدف هو الوحيد اللي يعلمه.
***
بالمقر.
دخلت سلسبيل إلى إحدى غرف المقر مع عبد الحميد. تفاجئت بجلوس قماح مع هند يتحدثان. شعرت بنغزة في قلبها لكن سرعان ما نفضت عن رأسها.
تحدث قماح وعيناه تنظر إلى سلسبيل: أنا كنت طلبت من الأستاذ عبد الحميد يعملي كشف حساب بتوريدات الحج رجب السنوري ومدام هند هي المسئولة عن التعامل معانا... يا ريت يكون كشف الحساب جاهز.
رد عبد الحميد: كشف الحساب جاهز، سلسبيل عملته وأنا راجعته من وراها وبصراحة مفيهوش أي غلطة، وده الملف اللي فيه كشف الحساب، سواء التوريدات اللي وصلتنا من الحج رجب، وكمان المبالغ اللي دفعناها تحت الحساب قبل كده، وكمان المبلغ المطلوب مننا دفعه، وأنا جايب معايا سلسبيل عشان لو احتاجت أي توضيح، لأنها هي اللي عملت كشف الحساب ده من البداية للنهاية فهي أدرى بكل تفاصيل كشف الحساب.
شعر قماح بالغيرة من نداء عبد الحميد لـ سلسبيل دون لقب يسبق اسمها. بينما شعرت هند بالكراهية نحو سلسبيل بسبب مدح عبد الحميد لعملها، وليس هذا فقط بل هناك أقوى من ذلك نظرات إعجاب قماح لها، مازالت عيناه تلمع ببريق خاص حين يرى سلسبيل أمامه.
تحدث عبد الحميد: وجودي هنا ملوش لازمة، سلسبيل معاها كل المعلومات المالية اللازمة، وكمان عندي شوية تقفيلات عالحسابات لازم أعملها. خلاص انتهينا من الموسم ولازم نظبط حساباتنا قبل السنة ما تنتهي.
تحدث قماح: تمام يا أستاذ عبد الحميد، تقدر تروح تشوف باقي أشغالك وتسيب سلسبيل هي توضح لينا كشف الحساب.
غادر عبد الحميد، وبالفعل جلست سلسبيل بالصدفة جوار قماح. بدأت في سرد محتويات كشف الحساب، بالكامل وتوضيحه بمهارة، جعلت قماح يشعر أنه كان مخطئ حين لم يحسب لقوة ورجاحة عقل سلسبيل حساب وحاول طمس شخصيتها.
بعد قليل دخل عليهم بالغرفة النبوي مبتسماً. لكن حين وقع بصره على هند اختفت بسمته وقال: قماح أنا خارج دلوقتي عندي مشوار مهم.
نهضت سلسبيل قائلة: عمي كنت محتاجالك في حاجة مهمة.
وضع النبوي يده على كتف سلسبيل قائلاً: بعدين بالليل لما أرجع للدار، دلوقتي عندي مشوار مهم... يا أميرتي.
ردت سلسبيل ببسمة: تمام لما ترجع المسا.
تبسم النبوي وغادر الغرفة. كذا قماح أتاله اتصال هاتفي فأعتذر للرد وتجنب بعيداً عنهن. لكن كانت عيناه على سلسبيل.
نظرت هند لـ سلسبيل بغيره ساحقة قائلة: واضح إنك بتخططي الفترة الجاية تاخدي مكانة كبيرة بإدارة حسابات العراب. بس يا ترى كشف الحساب الخاص بينا وقع تحت إيدك صدفة ولا بقصد منك.
ردت سلسبيل: أنا مكانتي فعلاً كبيرة كفاية إني بنت ناصر العراب وحفيدة الحجة هداية، وعندي كرامة ومش بجري وراء شخص رماني من حياته. بقيت بشوفك كتير، سواء في عزاء جوز عمتي وكمان هنا في المقر.
ردت هند بوقاحة: ناقص تشوفيني في دار العراب من تاني.
نهضت سلسبيل وقالت: وماله، أنا قولت من البداية عديمة الكرامة.
في ذلك الأثناء عاد قماح وقال: خلينا نكمل بقية كشف الحساب.
ردت سلسبيل: أنا وضحت النقط المهمة في الكشف واللي فاضل شغل إداري مش من اختصاصي، عن إذنكم، الأستاذ عبد الحميد بقى يعتمد عليا كتير.
غادرت سلسبيل الغرفة وتركت هند مع قماح. تحدثت هند: سلسبيل عندها غرور كبير معرفش إنت متحملة إزاي، أكيد بسبب إنك بتحبها.
رد قماح بهدوء: ده مش غرور ده ثقة. فعلاً أنا بحب سلسبيل.
***
بدار العراب بعد قليل.
ردت قدرية على هاتفها لتسمع من يقول لها: النبوي بيه دخل العمارة إياها اللي سبق وقولت عنوانها لحضرتك، بس مش لوحده كان معاه واحد من شكل لبسه أنه مأذون وكمان اتنين تانيين.
ردت قدرية: تمام.
أغلقت قدرية الهاتف قائلة: مستحيل تتجوز عليا مرة تانية يا نبوي، لو اضطريت أقتل عروستك قدامك.
رواية عش العراب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامه
في شقة همس.
غرفة الصالون.
كان يجلس النبوي برفقة المأذون والشاهدين، ومعهم كارم الذي تختلط بداخله المشاعر. بين فرحه أنه أخيراً، همس ستصبح زوجته كما تمنى منذ أن وعى على الحياة، وخوف من القادم بعد أن تبقى همس وحدها معه بمفردهما. يخشى رد فعلها، بسبب ذلك الرهاب حين يقترب منها.
أثناء تفكير كارم، دخلت هداية مبتسمة تلقي عليهم السلام. دخلت من خلفها همس الغرفة. في تلك اللحظة، سحرته تلك الحورية الصغيرة التي ترتدي رداءً أبيض يمزج بين الحرير والشيفون، بسيط مطرز ببعض الأحجار الصغيرة الزرقاء. حقاً، كان لابد لتلك الأحجار الزرقاء بالرداء أن تحميها من الحسد. من الجيد أنها تضع ذلك النقاب على وجهها حتى لا يرى وجهها أحد.
نهض واقفًا، هائمًا. ماذا سيحدث لو رأى وجهها الآن؟ سيسمعها كل ما قيل في كلمات الغزل، ويقول إنها لا تكفي ولا تعبر عن ما بقلبه الهائم بها.
تبسمت له هداية، جعلته ينتبه على حاله، وتبسم لهن ثم جلس.
بعد جلوسه، جلست هداية وجوارها همس التي يرتجف داخلها بشدة. بعد دقائق، ستصبح بعقد شرعي وقانوني زوجة لكارم. عجيب هو القدر. كانت سابقًا تتهرب منه حين يقترب منها. كان بخيالها صورة أخرى لفارس أحلامها. تبدل ذلك بعد أن عادت مرة أخرى للحياة. نبض قلبها لآخر غير صورة ذلك الفارس الوهمي التي كانت ترسمها. ما حدث لها بدل كل شيء بحياتها. تجربة قتلت براءتها الطفولية وأحيتها بشكل آخر، أكثر نضوجًا من اللازم. لكن برهبه تسكن عقلها وقلبها، تخشى النظر في الوجوه، لا تريد أن ترى شفقة حتى من أقرب الناس إليها.
بعد قليل.
انتهى المأذون من تراتيل الزواج، وقام كارم بالإمضاء. ثم مرر دفتر المأذون نحو همس كي تمضي. يرفع القلم بيده لها.
نظرت همس لذلك الدفتر ثم لكارم. تحدثت بعينيها:
"قدامك فرصة قبل ما تربط حياتك بيا. أنا مهزومة وموصومة."
تبسم كارم وتحدثت عيناه:
"أنتي مش مهزومة. ليه مفكرتيش في إن ربنا إدالك فرصة تانية في معركة الحياة؟ أنتي تاج العفة. اللحظة دي أهم لحظة بعمري. متعرفيش قد إيه إشتقت وناجيت ربنا إن تكوني من نصيبي. القدر عطاني منحة تانية ومش هتنازل عنها. وهترجعي همس اللي كانت بسمتها زي شروق الشمس بعد الغيوم."
مدت هداية يدها وأخذت الدفتر ووضعته على ساق همس. نظرت همس لها، أمأت هداية لها بالإمضاء.
إمتثلت همس لما يحدث ومدت يدها، أخذت القلم من يد كارم. بيد مرتعشة خطت همس اسمها بالدفتر.
في تلك اللحظة، أطلقت وصيفة الزغاريد المجلجلة.
للحظة، انخضت همس، لكن تبسمت بعد ذلك.
تبسم المأذون قائلاً:
"مش تستنى إمضاء الشهود الأول."
تبسمت وصيفة وقالت:
"ده كتب كتاب ست البنات والعرايس. أنا جبت الشربات."
شعرت همس بغصة في قلبها. بينما تبسم النبوي قائلاً:
"فعلاً همس ست العرايس. وزغرتي يا وصيفة لو بعرف أزغرت كنت زغرطت."
تبسمت همس وهي تنظر للنبوي بإمتنان. بادلها البسمة بحنان وتشجيع.
بينما تفاجأ الجميع حين سمعوا صوت زغروطة مميزة. نظر كارم لها بذهول قائلاً:
"الحجة هداية بتزغرت في كتب كتابي. لأ، دا واضح إن معايا كل الحظ النهارده."
ضمت هداية همس تحت كتفها وقالت براحة:
"إنت معاك زينة الصبايا. هاميس ناصر العراب."
تبسمت همس التي يرتجف قلبها. شعرت هداية برجفة همس، فضمتها أكثر وقبلت رأسها.
تدمعت عين همس. بينما نهض المأذون قائلاً:
"مبارك عليكم وبالرفاء والبنين. أعذروني، لابد أن أستأذن. عندي عقد قران آخر."
أشارت هداية لكارم قائلة:
"فُز يا كارم مع حضرة الشيخ وصلوا للمكان اللي رايده."
رغم أن كارم يود البقاء، لكن نهض وخرج مع المأذون. كذلك الاثنين الشهود. وتركوا النبوي وهداية وهمس. التي أتت همس الصغيرة لها وكشف ذلك الوشاح عن وجهها وهمهمت ببعض الكلمات تهنئ همس. تبسمت لها همس وقبلت وجنتيها. بينما تبسم النبوي قائلاً:
"هو الشربات خلص ولا إيه يا وصيفة؟ عاوز كوباية تانية."
تبسمت وصيفة قائلة:
"لأ يا نبوي بيه. في شربات كتير. في المطبخ. هروح أجيب لك كوباية تانية. تؤمرينى بحاجة يا حجة هداية؟"
تبسمت هداية قائلة:
"ميؤمرش عليكي ظالم يا وصيفة. كتير خيرك. جميلك على راسي. يا بت الأصول. كفاية راعيتي الأمانة وصنتي السر الفترة اللي فاتت."
تبسمت وصيفة قائلة:
"لازمته إيه الكلام ده يا حجة هداية؟ خيركم سابق عليا. غير كتر خيره النبوي بيه. كفاية إنه خد همس بت بتي لدكتور وأهو ربنا جاب على يده نتيجة. همس بدأت تجمع بعض حروف الكلام، ومع الوقت يمكن تتكلم زينا."
تبسمت همس قائلة:
"إن شاء الله. أكتر حاجة هفتقدها وأنا خارج مصر هي همس. اتعودت على اللعب معاها وكمان بنتشارك الشيكولاتة والبونبوني مع بعض."
تبسمت وصيفة بحب قائلة:
"ربنا يرزقك الذرية الصالحة انتي وكارم بيه ويكونوا كيف قلوبكم الصافية."
تنهدت همس بغصة قائلة:
"إن شاء الله."
تبسمت وصيفة قائلة:
"هروح أجيب الشربات وأرجع."
تبسم النبوي وهو ينظر لهمس قائلاً:
"فرحتي النهارده ملهاش حدود. بقيت متوكل بكتب كتاب اتنين من بنات العراب. لأ، والأتنين بهديهم لاتنين من ولادي."
تبسمت همس قائلة:
"كده مش ناقص غير هدى، بس دي شكل نصيبها هيبقى من بره العراب."
تبسم النبوي وقال:
"حتى لو نصيبها من بره العراب، أنا برضه اللي هتوكل ليها. والحجة هداية هي اللي هتساعد في تزينها لعريسها كيف ما عملت معاكي إنتي وسلسبيل."
تبسمت همس قائلة:
"وسلسبيل الحمل عامل معاها إيه؟ بطنها بانت ولا لسه؟"
تبسمت هداية قائلة:
"لأ، لسه. هو كده حبل البكرية مش بيظهر غير متأخر. غير إنها حامل في صبي، والحامل في الصبي بتبقى بطنها مش كبيرة، زي البنت."
تبسمت همس قائلة:
"إيه اللي خلاكي متأكدة كده يا جدتي إن همس حامل في ولد؟ مش يمكن بنت؟ وبعدين سلسبيل أساساً رفيعة وطويلة وممكن الحمل ميظهرش عليها بسرعة."
تبسم النبوي يقول:
"الحجة هداية عمر توقعها ما خاب."
تبسمت هداية. بينما في نفس الوقت دخلت وصيفة بكوب الشربات. أخذه النبوي، لكن دون انتباه منه، سقط جزء كبير منه فوق ملابسه.
تحدثت وصيفة:
"خير إن شاء الله."
قالت هداية:
"قوم يا ولدي اخلع البدلة والقميص، خلي وصيفة تنضفهم لك."
خلع النبوي الجاكيت وقميصه وبقي بفانلة داخلية بنصف كم وأعطى ملابسه لوصيفة. أخذتهم وخرجت. لكن لسوء الحظ، في نفس الوقت رن جرس باب الشقة.
ذهبت وصيفة وقامت بفتح الباب.
لتلك التي حين رأت ملابس النبوي على يدها، لبستها كل الشياطين. جذبت الملابس من على يدها بتعسف قائلة:
"هو المأذون لحق يكتب الكتاب ولا إيه؟ أنا جيت متأخرة."
ردت وصيفة بتعجب:
"الست قدرية."
ردت قدرية بتعالي:
"أيوا ستك قدرية. إيه النبوي ضاق بيه الحال وهيرمي على واحدة كانت بتيجي الدار تبع بضاعتها البايرة؟ خلاص النسوان خلصوا مبقاش غيرك يا بياعة الزبدة."
ردت وصيفة:
"مش فاهمة تقصدي إيه يا ست قدرية...."
علت قدرية صوتها، وبدأت تسب وصيفة ببذائة.
في ذلك الوقت، وصل صوت قدرية إلى غرفة الصالون وسمعته همس، التي ارتاعبت أوصالها، وقامت تغطي وجهها. ليس هذا فقط، بل بدأت تبكي وترتعش وتهذي بخوف، ونهضت من جوار هداية، وأصبحت مثل المجانين تهذي بخوف ورعب. كل ما تقوله: "مش عاوزة حد يشوفني. أنا مش خاطئة، مش خاطئة" وتسيل دموعها.
ارتاعبت هداية هي الأخرى، لكن على حالة همس التي تبدلت حين سمعت صوت قدرية. كذلك النبوي الذي تعجب حين رأى حالة همس. همس لم تُشفى بالكامل، ها هي من أول مواجهة غير مباشرة. ارتاعبت. رغم ذلك، خرج النبوي من غرفة الصالون وأغلق خلفه الباب. نظر لقدرية التي تتهجم على وصيفة بالسب والحديث البذيء، بل وكادت تتهجم عليها بالضرب، لكن توقفت وارتجت من صوت النبوي الحازم:
"قدرية إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتي العنوان ده إزاي؟... ممشية ورايا اللي يراقبوني إياك."
ردت قدرية المرتجفة بتعسف:
"راجلي، بيعمل إيه في شقة مفروشة في البندر؟ لأ، وطالعلي كمان بالفانلة؟ يظهر قطعت عليكم الخلوة."
صفعة قوية على خد قدرية، أفقدتها صوابها. نظرت للنبوي بذهول، لكن قبل أن تتحدث، جذب النبوي قميصه وأرتداه وقام بجذب قدرية من يدها قائلاً:
"حسابنا مش هنا. حسابك واعر."
تهكمت قدرية قائلة:
"حسابي واعر ليه؟ فيها إيه الخدامة دي عشان تتجوزها عليا؟ ولا لفت عليك ميتين؟ ما أنت قلبك حنين. زمان لفت عليك الإغريقية اللي كانت جاية مصر تستلقط راجل، ودلوقتي بياعة الزبدة اللي كنت بشحتها خلجاتي القديمة."
رد النبوي:
"حسابك كبر يا قدرية قدامي من سكات. وكلمة زيادة هتكوني...."
قاطعه حديثه دخول كارم إلى الشقة، وتعجب بل وذهل حين رأى والدته. وشعر بتوجس، وقال:
"مامان."
نظرت له قدرية بذهول قائلة بسخرية:
"جاي هنا ليه؟ جاي تشهد على كتب كتاب أبوك من واحدة كنت بتزكي عليها بخلجاتي القديمة."
كانت وصيفة تبكي من كم الإهانات التي نالتها من قدرية، لكن كانت صامتة. نظرت قدرية لبكاء وصيفة قائلة:
"ساكتة ليه و بتبكي على إيه؟ اتفاجئتي لما عرفتي إنك مجاملة؟ واحدة غيرك مش تبكي دي تسم نفسها. لما تبقي في سنك ده وتلوفي على راجل متجوز وعنده شباب. بس العيب مش عليكي. العيب على اللي بيرمي على النسوان، لاه وولده زيه وبيساعده. عقله راح منه من يوم الخاطية ما قتلت حالها."
قالت هذا وصفعت كارم على وجهه.
تلقى كارم الصفعة بصمت مذهول من وقاحة ودناءة والدته.
بينما صفعة قوية من النبوي لها، وجذب يدها بقوة وخرج من الشقة وأغلق خلفه الباب بقوة. نظر كارم لوصيفة قائلاً:
"إيه اللي حصل وماما جت هنا إزاي؟"
لم ترد وصيفة ومازالت تبكي.
تحدث كارم:
"همس..."
أشارت له وصيفة على باب غرفة الصالون.
ذهب إليها سريعاً وفتح الباب. نظر بذهول، لتلك التي ترقد على الأرض تجلس القرفصاء تضم ساقيها لصدرها، تبكي وترتعش وتهذي، تكاد تصرخ، لكن تكمم فمها بيديها، خشية أن تسمعها قدرية ويفتضح أمر أنها مازالت تعيش. سمعت كل حديث قدرية القذر في حقها. قدرية أعادتها لنقطة الصفر التي ظنت أنها تخطتها. عاد لها الرهاب من أي أحد يقترب منها، حتى هداية نفسها حين اقتربت منها كي تضمها، عادت همس تزحف للخلف، تنظر لها بخوف. لم تستسلم هداية وجلست لجوارها وضمتها بقوة، رغم ممانعة همس. لكن احتوتها بين يديها ونظرت لكارم قائلة:
"اتصل بالدكتورة اللي بتعالج همس، وقول لها على العنوان خليها تيجي."
إمتثل كارم لقول هداية وقام بالاتصال على الطبيبة، ثم أغلق الهاتف. يتقطع نياط قلبه وهو يرى همس بكل ذلك الضعف والهذيان. كلماتها كانت تشق قلب كارم، تلك الجملة التي قالتها سابقاً "أنا مش خاطئة" وازداد عليها كلمة "أنا ما كان لازم أعيش، موتي كان راحة لي".
كاد كارم أن يقترب منها، لكن صرخت همس بقوة بنهر. تعود أمامها صورة واحدة، هذان الوغدان اللذان اغتصباها. عقلها يود الاستسلام لتلك الغيبوبة وتفصل عن الوجود، لكن إرادتها ضعيفة.
ظلت هكذا لوقت إلى أن أتت الطبيبة. حين اقتربت من همس صرخت تقول:
"إبعدوا عني، سيبوني. أنا ليه مموتش؟ كنت ارتاحت."
ردت هداية التي تحتضنها بدموع:
"وحدي الله يا بنتي، بلاش تكفري. منين جالك إن الموت راحة. خلي الدكتورة تساعدك."
بصعوبة تمكنت الدكتورة من حقن همس بإحدى المهدئات. جعلتها تسترخي وتنام.
حملها كارم وأدخلها إلى غرفة نومها ثم عاد للطبيبة مرة أخرى.
تحدثت الطبيبة بحزم قائلة:
"إيه اللي حصل وصل همس للحالة دي؟ دي انتكاسة لها. آخر جلسة لينا مع بعض قالت لي إنها هتسافر مع ابن عمها بعد ما يكتبوا كتابهم، وكنت حسيت إنها بدأت تعود لها الثقة شوية في اللي حواليها."
ردت هداية وسردت لها جزء بسيط مما حدث عن سماعها لصوت سباب زوجة عمها.
تنهدت الطبيبة بغضب قائلة:
"سبق والسيد نبوي سألني عن حالة همس وأنه عاوز يعرف باباها ومامتها إنها لسه عايشة، وقولت له بلاش استعجال، لأن همس لسه مقدرتش تتخطى اللي حصلها كان صعب. أنا عرفت إنكم عرفتم إن اللي حصلها كان غصب عنها، بس هي جواها إحساس بالضعف قوي. لأن في العادة اللي بتتعرض لحادث اغتصاب، ممكن تحاول تقاوم بإيدها حتى لو مقاومة ضعيفة منها. بس همس حالتها مختلفة. هي كان مشلول حركتها. جسمها كان شبه متخدر. وده اللي سهل على الأوغاد اللي اغتصابوها إنهم ميتركوش آثار قوية على جسمها. كانت شبه كدمات. اللي حصل لهمس كنت متوقعة حدوث جزء منه وقت ما انت اتعرفت عليها بالكافيه. بس يمكن وقتها وجودها في مكان عام وسط الناس خفف شوية من حدة الموقف. وكمان في سبب أهم، همس عندها ثقة فيك بس الحذر والرهبة من أي حد يقرب منها هو اللي بيخليها تتراجع. بدليل لما طلبتها للجواز في البداية رفضت وفضلت تسافر للخارج وتبعد عن هنا. في دماغها إنك ممكن تنساها بسهولة بعدها. بس لما أصرت على طلبك وحطيتها في اختيار سلمت للأسهل بالنسبة لها إنها تسافر معاك. بس محدش يعرف أنها لسه عايشة."
تحدث كارم:
"طب وحالتها هترجع تاني زي الأول ولا إيه اللي هيحصل."
ردت الطبيبة:
"لأ طبعاً مش هترجع بنفس درجة الأول، هي هيستمر معاها الرهبة لوقت."
رد كارم:
"المفروض إننا كنا بعد كتب الكتاب هنسافر للقاهرة، لأن ميعاد الطيارة الساعة تسعة الصبح. كنت عامل حسابي نبات في أوتيل في القاهرة."
ردت الطبيبة:
"عادي الحقنة اللي خدتها هتنيمها للصبح، وممكن تصحى هادية. وكمان بعدها عن هنا أفضل بعد اللي حصل، ممكن تحس بأمان أكتر من هنا."
تبسم كارم للطبيبة.
بينما عاودت الطبيبة الحديث:
"أنا ليا زميلة طبيبة نفسية عايشة مع جوزها في الإمارات وتواصلت معاها وعطيتها تقرير مفصل عن حالة همس وكمان همس تواصلت معاها هاتفياً ومعاها عنوان الدكتورة في الإمارات."
تبسمت هداية قائلة:
"عندي إحساس إن ربنا هياخد بيد همس وترجع من تاني لينا وتعود زي ما كانت كيف شروق الشمس."
تبسم كارم بأمل.
غادرت الطبيبة. تحدثت هداية:
"زي الدكتورة ما قالت يا كارم، يمكن سفر همس دلوقتي يكون في صالحها وتعود من تاني لينا وتواجه خوفها. دلوقتي خليني أبوسها وبعدها خدها يا ولدي وسافروا يبلغكم السلامة."
رد كارم وهو ينحني على يد هداية:
"ادعي لينا كتير يا جدتي. أنا محدش من العيلة كان يعرف إني هسافر غير حضرتك وبابا. وقولت لبابا هو يبلغ ماما والعيلة بعد ما أكون سافرت، عشان ممكن ماما كانت هتحاول تقنعني إني مسافرش. بس معرفش إزاي عرفت بالشقة دي وجت لهنا واتكلمت بالطريقة الفظة دي. بعتذر ليكي يا ست وصيفة."
ردت وصيفة التي تشعر بمهانة قدرية لها، لكن هداية جبرت بخاطرها ببعض الكلمات، كذلك كارم الآن:
"اعتذارك على راسي يا أستاذ كارم. انتي مغلطتيش في حاجة. ربنا يسعدك انت وهمس وابقي افتكروني من فترة للتانية بمكالمة تليفون."
تبسم كارم لها يومئ رأسه بقبول. ثم نظر لهداية قائلاً:
"أنا مش عارف إيه اللي بابا هيعمله مع ماما، بس بتمنى ربنا يهديهم بينهم. وأرجوكي يا جدتي حاولي تهديهم بينهم. بابا بيسمع لكلامك."
ردت هداية:
"سافر وانت وهمس واطمن يا ولدي اللي فيه الخير هو اللي هيحصل بإذن الله."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمقر.
أتى المساء.
انتهى يوم العمل.
بمكتب قماح.
نظر إلى ذلك الحاسوب الذي أمامه يتابع عبر تلك الكاميرات الموجودة بالمكتب التي تعمل به سلسبيل ومجموعة من المحاسبين. تبسم وهو يراها منهمكة بالعمل. سلسبيل لديها قوة إرادة استهون بخضوعها سابقاً له، لكن ها هي تمردت عليه. لكن شعر بغيرة حين رأى وقوف أحد زملائها بالمكتب بجوارها يبدو أنه يقوم ببعض التوجيهات لها. تضايق من قربه منها. ود الذهاب إلى المكتب وأخذها بعيداً. بالفعل نهض وذهب إلى تلك الغرفة، ودخل مباشرة.
تبسم له العاملين بالمكتب والبعض منهم نهض يرحب به بحفاوة. بينما هو عيناه على تلك الجالسة بلا مبالاة.
تحدث أحد الموظفين:
"نورت المكتب يا قماح بيه. أي خدمة."
رد قماح:
"متشكر بس كنت جاي آخد مدام سلسبيل وقت الشغل خلاص انتهى."
تبسم له قائلاً:
"فعلاً المفروض وقت الشغل انتهى، بس ما شاء الله مدام سلسبيل عندها نشاط غير عادي. وفضلت تساعدنا في تخليص شوية حسابات خاصة بالتجار اللي وردوا لينا في الفترة اللي فاتت. رغم إن أستاذ عبد الحميد قالنا إنها حامل ومش لازم نجهدها، مع ذلك هي أصرت تساعدنا."
رغم شعور قماح بالغيرة من حديث ذلك الموظف وهو يمدح في سلسبيل، لكن رسم بسمة وقال:
"فعلاً مدام سلسبيل حامل ومش لازم نجهدها. كفاية كده النهارده."
نظرت له سلسبيل وفكرت في معارضته أمام الموظفين، لكن دخول والدها إلى المكتب جعلها تصمت وترسم بسمة. حين قال:
"مش كفاية كده يا سلسبيل، إنتي مالكيش إجهاد."
تبسمت سلسبيل له ونهضت قائلة:
"تمام، اللي مخلصش النهارده أخلصه بكرة رغم إني مش حاسة بأي إجهاد."
لملمت سلسبيل بعض محتوياتها الخاصة بها ووضعتها بحقيبة يدها، وتوجهت نحو وقوف والدها، لتسير معه وخلفهم كان قماح، يشعر بالغضب من تجاهل سلسبيل المتعمد له.
توقف ناصر أمام المقر قائلاً:
"قماح خد معاك سلسبيل للدار."
تحدثت سلسبيل بمعارضة:
"لأ هروح معاك يا بابا."
رد ناصر:
"مش هينفع عندي مشوار مهم قبل ما أرجع للدار."
إمتثلت سلسبيل لقول والدها الذي تبسم لقماح. رد قماح عليه ببسمة هو الآخر، بينما سلسبيل تضايقت من ذلك. كيف لوالدها أن يثق بقماح بعد أن قام باتهامه وجعلها تستمر في ذلك الزواج بمساومة منه. لو كان بودها لإنتهت ذلك الزواج من ذلك العنجهي.
بعد قليل بسيارة قماح، كان يقود السيارة ببطء.
شعرت سلسبيل بذلك وقالت له:
"إنت ليه بتسوق ببطء كده."
رد قماح:
"مش بسوق ببطء ولا حاجة. هي دي سرعة العربية في العادة."
نظرت له سلسبيل:
"عربية أحدث موديل وماركة عالية، وبتمشي بالبطء ده. قماح بلاش استهبال، وسوق بسرعة شوية."
تبسم قماح قائلاً:
"وراكي إيه في الدار؟ مستعجلة علشانه من شوية في المكتب مكنتيش عاوزة تقومي، وتكملي شغل."
تنهدت سلسبيل قائلة:
"حسيت بتعب فجأة، من فضلك زود سرعة العربية."
رد قماح:
"متنسيش إنك حامل والسرعة العالية مش كويسة علشانك بسبب المطبات."
ردت سلسبيل:
"قماح بلاش طريقتك دي. عاوزة أروح الدار، حاسة بإرهاق."
تبسم قماح يقول بمكر:
"طريقة إيه، مش فاهم قصدك."
ردت سلسبيل:
"طريقتك المتحكمة، دايماً في اللي حواليك. قولت لك إنك مش هتفرض شيء عليا بعد كده، ياريت تسوق بسرعة شوية ومتخافش. صحيح، أنا حامل بس شوية سرعة مش هتأثر عليا. وبسبب الحمل ده هو اللي مانعني آجي المقر بعربيتي اللي اشتراهالي عمي، وبحتاج للسواق، بس شكلي بعد كده هاجي بعربيتي."
نظر قماح لشبابيك السيارة وفجأة توقفت.
عجبت سلسبيل من ذلك، لكن قبل أن تستعلم عن سبب وقوفه، تفاجئت به يجذبها وبلا انتظار قبل شفتيها قُبلة متشوقة بها بعض الحدة قليلاً.
تفاجئت سلسبيل بذلك للحظة فقدت الإدراك من المفاجأة، لكن وعيت على حالها وقامت بدفعه بيديها تبعده عنها. بالفعل ابتعد حين شعر بحاجتها للتنفس. تبسم وهو ينظر لوجه سلسبيل المتهجم، وقبل أن تتحدث عاد يقود السيارة، لكن سرع في القيادة قليلاً. بينما سلسبيل التقطت أنفاسها قائلة:
"قولت لك قبل كده متقربش مني، وإن كان جوازنا ما زال قائم فهو بحدود وأولها إن جوازنا مجرد منظر مش أكتر."
رد قماح باستفزاز:
"مفيش حاجة اسمها جوازنا منظر. سلسبيل، أنا لغاية دلوقتي متحكم في نفسي ومستحمل عنادك، وإن كنت اتنازلت وقبلت إنك تشتغلي فده بمزاجي مش أكتر."
تهكمت سلسبيل ساخرة دون رد. نظر قماح لها وتبسم وقال:
"بس بصراحة تحديكي وإنك تحاولي تثبتي نفسك في شغل المحاسبة مكنش مفاجئ ليا. بس اللي اتفاجئت بيه معاملتك البسيطة مع الموظفين."
نظرت له سلسبيل قائلة:
"إيه كنت فاكرني زي هند السنوري، هتفشخر باسم العراب على الموظفين."
رد قماح:
"واضح إن غرورك مش بيظهر لحد غيري يا نبع المايه."
ردت سلسبيل:
"مش غرور ده كرامتي اللي أنت دستها من أول جوازنا. وبعدين ميهمنيش تقول عليا مغرورة. واضح إن الغرور صفة في نسل العراب، سواء كان بنت أو ولد. بس بستغرب واحدة زي هند المفروض إنها طليقتك. أنا لو مكانها ما كنتش هتعامل معاك نهائي حتى لو اضطريت. كان ممكن تخلي أخوها أو باباها اللي يتعاملوا معاك، أو إني أبيع بنص سعر السوق أكرملي... بس واضح إنك غالي عندها. على العموم ميهمنيش. هي واحدة معندهاش كرامة مش جديدة عليها."
تبسم قماح وقال:
"أول درس أنا اتعلمته، البيزنس مفهوش مشاعر. وده درس ليكي انتي كمان."
ردت سلسبيل بتهكم:
"إنت معندكش مشاعر لا بيزنس ولا في غيره، وفي فرق بين المشاعر والكرامة، بس شكراً إنك عرفتني الدرس ده، ياريت تسرع السرعة شوية، الطريق تقريباً شبه فاضي."
بالفعل زاد قماح من سرعة السيارة، بعد أن شعر براحة في الحديث مع سلسبيل رغم ردودها عليه المقتضبة، لكن لأول مرة يتجاذبان الحديث بتلك الطريقة، بطريقة المجادلة.
وصلا إلى دار العراب ودخلا إلى المنزل سوياً.
ليسمع الاثنان أصوات النبوي وقدرية العالية.
ليتوجه الاثنان إلى مكان الصوت.
ليقف الاثنان مذهولان مما سمعوه.
بينما قبل قليل.
دخل النبوي بقدرية إلى دار العراب. تحدث قائلاً:
"آخر شي كنت أتوقعه منك إنك تراقبيني. وصلت لبكاء الجنان للدرجة دي."
ردت قدرية:
"إنت السبب في جناني. جوازتك عليا قبل كده بالإغريقية، والنهارده كمان تتجوز عليا واحدة مستعجلة خدامة للي في رجلي. ولأ، واضح إنك طويت كمان كارم تحت جناحك ويمكن هو الشاهد على جوازك من بياعة الزبدة، ما هو عقله طار من يوم ما الخاطية همس قتلت نفسها قدامنا."
نظر النبوي لنهلة التي أتت ودموع فرت من عينيها وقالت بدفاع:
"كلنا سمعنا تسجيل باللي حصل لهمس وهمس عند ربنا. بلاش تجيبي سيرتها بوصمة هي بريئة منها."
تهكمت قدرية قائلة:
"مفكرة إني صدقت اللعبة ولا إيه؟ الشيخة سلسبيل المكشوف عنها الحجاب، أكيد تسجيل متفبرك. وده ميهمنيش."
رد النبوي الذي يحاول أن يتمالك غضبه حتى لا يخطئ:
"وأيه اللي يهمك يا قدرية."
ردت قدرية:
"يهمني نفسي، وكرامتي اللي إنت هدرتها من سنين يوم ما دخلت عليا بالإغريقية وجولت مرتي، من غير ما تعمل حساب لشعوري وجاتها. جبت خواجاية اتعرفت عليها في الشارع الله أعلم عشقت كم راجل جابلك."
تعصب النبوي قائلاً:
"كارولين كانت شريفة وعفيفة ومكنش في حياتها أي راجل قبلي يا قدرية."
تهكمت قدرية:
"بأمارة إيه أمها اللي الكاس مبيفارقش إيدها، ولا أخوها الجمارتي."
نظر النبوي لها متعجباً يقول:
"وعرفتي المعلومات دي منين."
ارتبكت قدرية قائلة بتوهين:
"سمعتها مرة بتتكلم عنهم... غير الفلوس اللي كنت بتبعتها لهم عشان يسمحوا لك تشوف قماح."
اقترب النبوي وأمسك قدرية من عضدها وقال باتهام:
"كذابة، كارولين من يوم ما اتجوزتها نسيت أهلها في اليونان. انتي اللي بلغت أمها وأخوها بموتها ويمكن كمان انتي اللي ساعدتيهم عشان ياخدوا قماح."
ردت قدرية:
"وأنا كنت أعرفهم منين ولا أعرف حتى لغتهم. أنا كنت بفسر كلام كارولين العربي المكسر بالعافية.... وبعدين إنت بتتهمني عشان تداري خزوتك."
رد النبوي:
"هخزي من إيه، أنا راجل ومن حقي أتزوج مرة واتنين وتلاتة وأربعة كمان، وانت كل اللي عليكي تتحملي وتسكتي."
ردت قدرية بثوران:
"ليه كنت موصومة ولا خاطئة زي بنت أخوك، ولا الإغريقية اللي اتجوزتها زمان."
فلت لجام النبوي، وقال:
"بنت أخويا وكارولين، أشرف وقلوبهم أنضف من قلبك يا قدرية. أنا بندم إن في يوم رجعتك لعصمتي..... إنتِ طالق يا قدرية."
اخترقت تلك الكلمة آذان كل من قماح وسلسبيل اللذين دخلا، كذلك زهرة التي أتت بسبب الصوت العالي، ونهلة الباكية بسبب ذكر قدرية لهمس بكل ذلك السوء.
بينما اشتعل غضب وغليل قدرية التي كأنها أخذت رصاصة برأسها. غاب عقلها وأصبحت تهذي بجنون تسب وتلعن تقذف كل شيء أمامها وتركله بقدميها بقوة. حتى أنها توجهت ناحية سلسبيل بغليل وهي تنظر إلى بطنها، وكورت يدها بقوة وكادت تضربها في بطنها، لولا أن جذبها قماح من أمامها لتصبح بحضنه، لكن نالت سلسبيل جزء من الضربة بمعصم يدها. تألمت سلسبيل بآه قوية، من قوة تلك الضربة. لكن من الجيد أنها أخذت الضربة بمعصم يدها، ولو كانت تمكنت الضربة من بطنها لكان لها ألم وتأثير أقوى، وأذت جنينها.
عاودت قدرية نفس الضربة، لكن هذه المرة تلقتها يد قماح، بعد أن جذب سلسبيل لتبقى خلفه.
رواية عش العراب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامه
دخلت هداية الدار تسمعت لتلك الأصوات العالية، توجهت إلى مكان الأصوات، نظرت بتعجب لما يحدث من هياج، وقالت باستفسار متعجبة:
"إيه اللي بيحصل هنا، ليه بترعشي كده زي التور الهايچ يا قدرية."
ردت قدرية بصفاقة ووقاحة:
"الحرباية كبيرة الدار أخيراً شرفت، كنتِ فين طول اليوم بتدبري لإيه، ولا يمكن كنتِ مع ابنك عند العروسة الجديدة، ومش بعيد تكوني إنتي اللي كنتِ مرسال الوصل بينهم، حرباية طول عمرك بتكرهيني. من فترة كل يوم والتاني تاخدي نفسك وتغوري من الدار."
غضب النبوي وكاد أن يضرب قدرية، لكن قالت هداية بقوة ونهي:
"نبوي."
امتلك النبوي غضبه بصعوبة.
بينما قالت هداية:
"أنا عمري ما كرهتك يا قدرية، إنتي اللي قلبك كان حقود. كنتِ عاوزة تاخدي السيطرة وتتمريسي على الدار، كنتِ تقدري تاخديهم بالراحة، بس إنتي اتكبرتي وفكرتي إن الوقاحة وقلة الأدب واللسان الزفر هما اللي هيخلوكي كبيرة الدار. ربنا لما يكره بني آدم يسلط عليه عقله يخليه يفكر إن بالكبر والقلب الحاقد هيوصل لمبتغاه."
سخرت قدرية قائلة:
"الحاجة هداية بتقول حكم، كنتِ عاوزاني خدامة كيف نهلة، ولا ألعبان كيف الأغريقية اللي ضحكت على ولدك وباركتي جوازها مني."
بينما النبوي قائلاً:
"يا ريتك كنتِ زي واحدة منهم، يمكن ما كناش وصلنا للحال ده. كفاية يا قدرية، ما عادش ليكي مكان هنا في دار العراب."
في ذلك الوقت دخل ناصر متعجباً من حديث أخيه بعد سماعه لحديث قدرية السافر، وقال بنفور:
"إيه حصل عاد، هنا. صوتك واصل الشارع يا قدرية."
ردت قدرية:
"جاي منين إنت كمان، يمكن كنت الشاهد التاني، على جواز أخوك الشاهد الأول ولدي وإنت الشاهد التاني."
تعجب ناصر من حديث قدرية، أيقن أن قدرية تهلوس من جمرة قلبها الحاقد.
بينما زهرت تتضارب بداخلها المشاعر بين فرح وبعض الحزن على حال عمتها، لكن المسيطر عليها الفرح. عمتها لم تساندها سابقاً، بل أرادت زوجة أخرى غيرها، لكنها امثلت بسبب ضغط رباح. كذلك انشغالها دائماً بالتخطيط لأخذ مكان هداية والسيطرة على دار العراب. عمتها فشلت فيما أرادت أن تصل إليه ذات يوم. تسحبت بهدوء وتركت المكان، إلى أن خرجت إلى حديقة المنزل، تنفست بعض الهواء، وفكرت أن تهاتف رباح وتقول له على ما حدث، التي لا تفهم منه شيئاً سوى طلاق أبيه وأقوال أمه غير المفهومة منها، سوى أن النبوي تزوج بأخرى، وهو أنكر ذلك. فكرت حتى إن أتى رباح ماذا سيفعل. لا داعي لذلك.
في أثناء ذلك صدح الهاتف بيدها برنين، للحظة انخضت، لكن تبسمت حين رأت اسم من يهاتفها على شاشة الهاتف.
بالعودة للداخل، رد ناصر بعدم فهم:
"شاهد على جواز مين؟ مين اللي اتجوز! مش فاهم حاجة. أنا كنت مع تاجر بنتعامل معاه."
تهكمت قدرية وقالت بسواد:
"ما إنت دايماً متأخر، حتى في خطيبة بتك...."
قاطعتها هداية قائلة بحسم وقوة:
"همس مش خطيبة يا قدرية، والزمي حدك، واقفل خشمك. خشمك ده اللي ربنا سايجه يكره فيكي خلقه. كفاياكي عاد كده."
نظرت قدرية لها بغلول.
بينما قال النبوي بإنهزام:
"كل حقوقك هتوصلك لحد بيت أخوكي يا قدرية، ما عادش ليكي مكان هنا، مهما تقولي مش هييجي أسوأ من اللي قولتي قبل كده."
بغلول وحقد يهلك قلبها قبل الآخرين، غادرت قدرية المنزل.
في نفس اللحظة، تحدث ناصر قائلاً:
"مش فاهم إيه اللي حصل، ومين اللي اتجوز."
نظر النبوي لهداية وقال:
"اللي حصل كان لازم يحصل من زمان. قدرية كان لازم تطلع من حياتي، بس القدر."
رد ناصر:
"طب ومين اللي اتجوز."
رد النبوي وهو ينظر لقدرية:
"كان كتب بنت واحد عزيز عليا، وكفاية أسئلة لحد كده. أنا عندي صداع هطلع أرتاح."
تعجب ناصر، وشغل عقله تبادل النظرات بين النبوي ووالدته. لكن تحدثت نهلة وهي تقترب من سلسبيل، وكشفت معصم يدها، وجدته به أثر قوي لضربة قدرية لها. نظرت لقماح وقالت:
"مش عارفة قدرية ليه مغلولة من بناتي، بتعايرني بواحدة والتانية كانت عاوزة تسقطها كيف ما كانت عملت فيا زمان وأنا حبلى في سلسبيل رفصتني برجليها في بطني وجتها، وربنا نجاني."
تعجبت هداية ونظرت ليد سلسبيل ثم نظرت لقماح وتبسمت.
بعد قليل، بالغرفة التي كان يشارك النبوي فيها كارولين.
دخلت هداية. وجدته يجلس على مقعد جوار الفراش، منكباً برأسه على الفراش، يحمل بين يديه صورة يضمها لصدره. وضعت يدها على كتفه، قائلة:
"عارفة إني ظلمتك يا ولدي وحملتك فوق طاقتك كتير، بس إنت ابني البكري وكنت سندي من بعد أبوك."
رفع النبوي رأسه ونظر لهداية ومسك يدها التي كانت فوق كتفه وقربها من فمه وقبلها قائلاً:
"إنتي مظلمتنيش يا أمي، ده كان قدري، وما كانش بإيدي، وكان لازم أتحمله. قدرية يعلم ربنا أنا كنت بحاول معاها كتير، ترجع عن السواد اللي في قلبها، بس هي استسلمت له. أنا كنت عارف إنها هي السبب في موت كارولين، ومع ذلك والست عليها عشان ولادي التانيين ما يتربوش بعيد عني وتسجى في قلوبهم السواد والغل اللي سجلته لرباح. وبقيت متأكد خلاص إنها كانت السبب في بعد قماح كمان عننا لفترة، معرفش إيه اللي حصل فيها خلاه بالقسوة دي، ويقسى على الوحيدة اللي قلبه دق ليها. كنت شايف نظراته لسلسبيل من وقت ما رجع. كنت مستني لحظة ما يجولى أنا بحب سلسبيل، ورايد أتجوزها. لما جه وقالي أنا ناوي أتجوز أول مرة كنت حاسس هيقولي على سلسبيل، بس وقتها خيبت ظني، وجلت يمكن زي ما قال وقتها زميلته في الجامعة وقلبه حبها. بس بعد فترة صغيرة، انفصل عنها. حتى هند لما شافها وهي بتشتغل مع أبوها لفتت نظره وطلب مني أطلبها له. كنت زعلان، بس من جوايا جلت يمكن خير، لسلسبيل إنها ما تبقاش من نصيبه. بس دي كمان ما اتحملتش وطلقها. بس لما جه رجب ونائل عشان يطلبوا سلسبيل، هو اتهز وعرف إنه مش هيقدر يشوف سلسبيل مع حد غيره. يمكن ما كانش متوقع إن حد يقدر يقرب ويطلبها للجواز، أو كان بيكابر قلبه. بس لما حس إن سلسبيل هتبعد عن عينيه مقدرش يتحمل. بس بعد كده عمل إيه مجدرش يحافظ على سلسبيل. كان نفسي يبقي زي كارم ويحارب عشان يوصل لقلبها. بس هو استسهل العنف معاها. بس النهارده لما وقف قدام قدرية وحمى سلسبيل منها قد ما كنت حزين من كلام قدرية فرحت إن قماح ظهر حبه لسلسبيل وخوفه عليها."
ردت هداية:
"سلسبيل وقماح راجل ومراته والراجل ومراته ياما بيحصل بينهم، وفي الأول وفي الآخر بيرجعوا لبعض. يا ولدي ربك هو اللي بيوفق القلوب. كان من يصدق إن كارولين تيجي هنا رحلة سياحة وتجابلها وتعشقها وتعشقك. صحيح، كان القدر له حكم تاني، بس ربنا خلى من كارولين قماح ذكرى، وكمان كارم ماخدش طباع قدرية الغلاوية، وحارب عشان يفوز بهمّس، وعندي يقين إنه هيرجعها تاني همس القديمة."
رغم غصة قلب النبوي لكن تبسم وقال:
"حصل إيه بعد ما أنا مشيت من الشقة."
سردت هداية له ما حدث.
تنهد النبوي قائلاً:
"أنا كنت فكرت همس بدأت تتخطى حاجز الخوف، مش عارف حياتها مع كارم في بلد غريبة هتبقى شكلها إيه مع حالة الخوف اللي عندها دي."
ردت هداية:
"هتبقى زينة وبكرة تشوف، بس إنت زيح الهم عن قلبك، كل أمر ربنا خير."
تبسم النبوي وقال:
"إن شاء الله خير، يمكن خروج قدرية من حياتي اتأخر كتير، كان الفضل ليكي إني بقدر أتحكم في نفسي عشان ولادي ما يبعدوش ويتربوا بعيد عني، بس خلاص كبروا دلوقتي، ويعرفوا مصلحتهم."
بشقة سلسبيل.
بغرفة النوم.
وقفت تضع أحد المراهم على معصم يدها. في ذلك الوقت دخل قماح إلى الغرفة. كانت سلسبيل تقف بمنامة بلا أكمام. نظر قماح لها.
خجلت سلسبيل وجذبت ذالك المئزر الذي كان موضوع فوق الفراش وارتدت كم منه، لكن لوجع يدها لم تستطع إكمال ارتداء الكم الآخر بسبب ألم يدها.
للحظة تبسم قماح. هل تظن سلسبيل أنه كان ينظر لجسدها؟ اقترب قماح من سلسبيل، وقام بمسك يدها المصابة ونظر لها بغصة قائلاً:
"إيدك زرقا، وأكيد بتوجع. البسي هدومك وخلينا نروح لدكتور يشوفهالك ويكتبلك مسكن."
جذبت سلسبيل يدها من يد قماح وتهمكت تنظر له صامتة، لكن بداخلها تبتسم بسخرية. أحقاً يشعر قماح بألم يدها؟ أليس هو من كان يتلذذ بترك آثار علاماته على جسدها.
بينما قالت له بحِدة:
"مالوش لازمة الدكتور، حطيت مرهم عليها والصبح هخلي جدتي تدلها لي، والوجع هيروح. ده وجع بسيط، مش جديد عليا اتحملت زيه قبل كده."
قالت سلسبيل هذا ورغم ألم يدها إلى أنها جذبت المئزر عليها وخرجت من الغرفة وتركت قماح الذي فهم إلى ماذا تلمح سلسبيل، بالتأكيد لمعاملته العنيفة لها سابقاً، شعر بألم وندم.
بعد مرور شهر.
صباحاً.
أمام بقالة العم نسيم.
تفاجأ محمد بنقر على زجاج باب سيارته. فتح زجاج باب السيارة، ونظر لمن يقف أمامه يقول:
"ممكن نتكلم كلمتين يا ابني في محل البقالة بتاعي."
رغم تعجب محمد لكن نزل من السيارة، وأتبع العم نسيم إلى داخل محل البقالة.
تفاجأ محمد بقول نسيم:
"قولي يا ابني إيه آخرة لعب العيال اللي بتعمله ده."
تعجب محمد وقال:
"مش فاهم قصدك."
رد نسيم:
"لأ فاهم. إنت بقالك فترة بتيجي الصبح توقف هنا في الشارع، ولما تشوف سميحة بتمشي وراها بعربيتك. عاوز توصل لإيه؟ أنا كان سهل عليا أخلي شباب المنطقة يتعاملوا معاك بطريقة مش كويسة، أقل ما فيها يضربوك ويخلوك تحرم تخطي عشر شوارع قدام الشارع ده. بس أنا راجل أفهم في الناس كويس، شكلك وهيئتك ابن ناس، كمان محاولتش تتحرش حتى لفظياً بسميحة. بس وقفتك دي غير كمان تعقبك لها بعربيتك، فيها شي غريب. خلص يا ابني وهات من الآخر."
ارتبك محمد قائلاً:
"أنا فعلاً ابن ناس، ومش قصدي أعاكس ولا بتسلى، وبصراحة أنا معجب بالآنسة سميحة، بس."
تبسم نسيم:
"بس إيه."
رد محمد:
"خايف تكون مرتبطة، بالشخص اللي أوقات كتير بيوصلها للجامعة."
تبسم نسيم قائلاً:
"لأ متخافش مش مرتبطة، ده أخوها الكبير، دكتور في الجامعة."
فرح قلب محمد وظهر ذلك بوضوح على وجهه.
بينما قال نسيم:
"بص يا ابني الخط المستقيم هو أقصر الطرق دايماً. عجباك سميحة ادخل البيت من بابه بلاش توقف كده في الشارع تراقبها زي المخبرين."
تحدث محمد بدون فهم:
"مش فاهم يعني إيه ادخل البيت من بابه!"
رد نسيم:
"يعني هات أهلك وتعالى اطلب إيدها من أمها وأخوها. سميحة متلاقيش زيها، أدب وأخلاق وكرامة."
ارتبك محمد قليلاً وقال:
"طب مش ممكن يكون في حياتها غيري وترفضني وقتها."
رد نسيم:
"زي ما قولتلك في الأول الخط المستقيم هو أقصر الطرق. لو في حياتها شخص غيرك وقتها يبقى تبعد عن هنا وملهاش لازمة وقفتك دي هنا كل يوم."
أعاد محمد حديث نسيم في رأسه، بالفعل هو مُحق.
تبسم محمد بموافقة وقال:
"أنا هقول لبابا وهو يقول لجدتي ونيجي نطلب إيد سميحة في أقرب وقت."
تبسم نسيم يقول:
"الكلام أخدنا ونسيت أسألك إنت اسمك إيه ومنين؟"
رد محمد:
"أنا محمد النبوي العراب."
قبل أن يكمل محمد حديثه أوقفه نسيم قائلاً:
"إنت ابن النبوي العراب التاجر المعروف بتاع الغلال."
أومأ محمد برأسه قائلاً:
"أيوه."
تبسم نسيم يقول:
"يعني إنت حفيد الحجة هداية."
أومأ محمد بموافقة.
تبسم نسيم يقول:
"أنا نظرتي فيك مخيبتش، قولت واد ناس طيبين، لو قاصد شر كان من زمان لفت نظر سميحة له بأي طريقة. حتى لو عاكسها في الشارع. بص يا ابني سميحة تربيتي من وهي صغيرة، لو قربت منها هتطلق عليك لسانها. مفيش غير الطريق المباشر قدامك، ادخل البيت من بابه."
ظهراً.
بالإمارات العربية.
نظرت همس لساعة معلقة بصالة الشقة. تعجبت الوقت فات على ميعاد مجيء كارم اليومي إلى الشقة، فهو تعود على تناول وجبة الغداء معها يومياً، ثم يعود للعمل بذلك المطعم مرة أخرى. شعرت همس ببعض التوجس، فكرت في الاتصال عليه، بالفعل آتت بهاتفها، لكن بآخر لحظة تراجعت عن الاتصال.
تذكرت طوال الشهر المنصرم كارم لم يضغط عليها بأي شيء، تنام بغرفة وهو بغرفة أخرى، حتى حديث هادئ، حتى أنه يصطحبها للقاء تلك الطبيبة حسب المواعيد، لكن تشعر بوجود غصة في قلب كارم بعد أن عرف أن والده قد طلق والدته وأنها تعيش بمنزل أخيها. حاول الاتصال عليها للاطمئنان عليها لكنها ترفض الرد عليه. لم ترد عليه سوى مرة واحدة وذمته واتهمته أنه ساعد في طلاقها من والده، وكيف سافر ولم يخبرها سابقاً، بالتأكيد هرب حتى لا يواجهها.
ربما لم يبوح لها كارم بذلك، لكن هي سمعت حديثه مع عمها صدفة. شعرت بغصة قوية كارم فقد والدته بسبب زواجه منها، وذالك بسبب خوفها من معرفة أحد أنها مازالت تعيش. تذكرت حديثها الأخير مع الطبيبة حين سألتها عن مدى تقاربها من كارم كزوجين أخبرتها أن كارم لم يتخطى حدوده معها. بالتأكيد خائف أن تخشى منه ويسيطر عليها ذالك الرهاب. طلبت منها الطبيبة أن تحاول البدء بالتقرب من كارم. بالفعل هي ستبدأ الخطوة الأولى، عليها المحاولة لبدء حياة جديدة. كارم بعد ما فعله من أجلها يستحق أن تجازف من أجله، وتشعرُه أنها تشعر بجواره بالأمان. لكن تعجبت لما لم يأتِ مثل كل يوم لتناول الغداء معها.
بأحد البنوك في بني سويف.
وقفت زهرت مذهولة تقول لمدير ذلك البنك الذي أمامها:
"يعني إيه متقدرش تصرفلي الشيك ده."
رد المدير:
"لأن الشخص اللي كتبلك الشيك ده اتجمدت إمضته على الحساب اللي كان بيسحب منه في البنك عندنا."
تعجبت زهرت قائلة:
"يعني إيه، بس ده جوزي وإزاي كتبلي الشيك."
رد المدير:
"معرفش تقدري تسأليه بنفسك، متأسف مقدرش أصرفلك قيمة الشيك."
خجلت زهرت من المدير ودون حديث تركته وخرجت تشتعل غضباً. كيف حدث ذلك ولم يخبرها رباح بذلك. لكن جاء إليها شك أن يكون رباح نفسه لا يعرف. فكرت أن تهاتفه وتخبره بذلك، لكن تراجعت عن ذلك وهاتفت شخصاً آخر رد عليها بسرعة.
تبسمت بمكر قائلة:
"هند السنوري بقالك شهر مكلمتنيش قولت أسأل عليكي أنا."
رغم شعور هند بنفور ناحية زهرت، لكن حاولت إخفاء ذلك وقالت:
"أبداً والله، إنتي عارفة معزتك عندي بس مشاغل مع بابا في التجارة."
ردت زهرت:
"ربنا يعينك، بس إيه مقضية حياتك كده شغل؟ إيه رأيك نتقابل، إنتي وحشاني، وكمان نتكلم شوية نفضفض لبعض."
فكرت هند. زهرت هي من تعطيها أخبار قماح. لما لا تقابلها وتعرف جديده.
تبسمت هند وقالت:
"خلينا نتغدى سوا في المطعم اللي اتقابلنا فيه سوا في بني سويف."
ردت زهرت:
"وماله، أنا قريبة منه وقربنا عالغدا، هستناكي هناك، بلاش تتأخري عاوزة أرجع لدار العراب الولية العقربة هداية من يوم طلاق عمتي وهي ماسكة عليا بالحيلة على ما عرفت أخرج من الدار ومش عاوزة أتأخر ترسم نفسها عليا."
ردت هند:
"لأ نص ساعة واكون في المطعم."
توجهت زهرت إلى ذلك المطعم وجلست على إحدى الطاولات تفكر فيما قاله مدير البنك لها، حول تجميد إمضاء رباح. بالتأكيد لسلسبيل يد بهذا. لما حين عملت بالحسابات تجمدت إمضاء رباح. إذن لتشغل عقلها بهند.
بعد قليل.
نهضت زهرت ترسم بسمة رياء وقامت بحضن هند والترحيب بها وعتابها المزعوم منها. بررت لها هند عدم اتصالها بإنشغالها.
جلست الاثنتين بالمطعم.
تحدثت زهرت:
"أخيراً اتقابلنا، كنتِ وحشاني قوي."
ردت هند برياء:
"والله إنتي أكتر."
تبسمت زهرت:
"والله لما كنا سلايف كنا منسجمين مع بعض، وده كان عامل إزعاج لـ عمتي قدرية وكمان للحجة هداية، اللي بعد طلاق عمتي زي ما يكون مفيش قدامها غيري، شكلها عاوزة ترتاح مني."
ردت هند:
"ورباح هيسمح بكده؟ رباح بيموت فيكي. طب يا ريت قماح كان حبني نص حب رباح ليكي، يمكن ما كانش طلقني."
ردت زهرت بمكر:
"قماح هوائي وشكله كده بدأ يمل ويكل من الست سلسبيل، ولو مش حامل وكمان خايف من هداية، يمكن كان طلقها بسبب معارضتها له إنها تشتغل غصب عنه."
غص قلب هند وقالت:
"ده اللي بستغربه، قماح لما اتجوزنا ممنعنيش إني أشتغل ليه عارض شغل سلسبيل."
ردت زهرت:
"سلسبيل عاوزة تفرد نفسها وتبين إنها فيها من قوة وعقل العقربة هداية، وده يمكن اللي مخلي قماح معارض شغلها، خايف تتنفخ عليه، زي العقربة هداية كده ما لها كلمة على كل اللي في دار العراب الكبير قبل الصغير."
ردت هند:
"أو يمكن بيحبها وبيغير عليها."
ضحكت زهرت بسخرية وقالت:
"قماح يحب! ضحكتيني. طب تراهنيني إن لو ظهر واحدة جديدة قدام قماح مش بعيد يتجوزها على سلسبيل، أو حتى يطلقها."
وسوست زهرت بحديثها في رأس هند، التي قالت:
"قصدك إيه، يعني قماح ممكن يتجوز للمرة الرابعة."
ردت هند بمكر:
"أو يعيد واحدة من الاتنين اللي سبق وطلقهم. لو استخدمتي ذكائك وقربتي من قماح ممكن جداً يفكر يرجعك، بالذات وأن الست سلسبيل بقت مشغولة في الشغل في المقر ومش فاضية له."
شعللت زهرت رأس هند، التي تبسمت لها بسمة موافقة.
بالمقر.
كان هذا وقت الغداء.
بمكتب قماح.
لم يخرج لتناول الغداء بل ظل بمكتبه يتابع عبر حاسوبه كاميرات المراقبة. جلوس سلسبيل مع زملائها بالمكتب، يتناولون الغداء في جو من المرح بينهم، وبساطة سلسبيل في التعامل معهم. رأى جلوس أحد المحاسبين جوارها وحديثه معها وابتسامها له. شعر بغيرة قوية، ود أن يذهب إليها ويأتي بها تجلس معه ولا تبتسم لأحد غيره. كان قرار خاطئ حين امتثل لقرارها بالعمل. هي لا تعلم أنه لم يكن يمنعها تجبراً منه، بل غيرة عليها. أجل يغار حين تتحدث مع أي رجل غيره، بالأخص هؤلاء الموظفين بالمقر. سابقاً حين كانت تأتي بعض الوقت تقوم ببعض التدريب أثناء دراستها كان يشعر بالغيرة حين يراها تتحدث معهم، وكان ذالك لوقت قصير ساعتين بالأكثر ومرة مرتين بالأسبوع، والآن لوقت طويل ويومياً. زفر أنفاسه، وفكر في شيء قد يجعلها تذهب إلى مكتبه. رفع سماعة هاتفه وطلب من السكرتيرة الخاصة به، طلب بعض ملفات المحاسبة من الحسابات، وأن تأتي بها سلسبيل.
بالفعل بعد وقت.
دخلت سلسبيل ببعض الملفات. تبسم قماح خفية وقال:
"شايف إنك بسرعة تأقلمتي مع الموظفين في المقر."
ردت سلسبيل:
"عادي، سبق وكنت باجي وأنا في الجامعة هنا وليا معرفة سابقة معاهم، بس أكيد مطلبتنيش عشان كده، دي الملفات الخاصة اللي طلبتها من سكرتيرتك."
تبسم قماح:
"فعلاً طلبتك عشان شغل، الملفات دي فيها حسابات لبعض الموردين اللي انتهى تعاملنا معاهم، وكنت عاوز آخد فكرة عن إجمالي معاملاتهم معانا، وبصراحة معنديش وقت أقرأ الملفات دي، ممكن تختصر لي الموجود فيها شفهياً."
ردت سلسبيل:
"تمام."
نهض قماح من على المقعد خلف المكتب، واقترب من سلسبيل قائلاً:
"خلينا نقعد هناك، حتى نبقى قريبين من بعض وأفهم أكتر."
نظرت سلسبيل إلى المكان الذي أشار لها عليه، كانت أريكة جلدية وأمامها طاولة صغيرة. بالفعل ذهبت للمكان وجلست خلف جلوس قماح، وبدأت في توضيح الملفات له، لكن هو لم يكن يركز في ذلك، كان يركز معها هي، ود أن يجذبها ويقبلها يروي ظمأه لشفاهها بسبب هجرها له الفترة الماضية. بالفعل اقترب أكثر من سلسبيل ووضع يده على كتفها يقربها منه.
ارتبكت سلسبيل حين شعرت بيده التي وضعها عليها، ورفعت بصرها عن تلك الملفات ونظرت له. نظر قماح لها أيضاً، كادت سلسبيل أن تتوه في عينيه، وكذالك قماح الذي جذبها عليه لم يعد يفصل بين شفاهم سوى سنتيمترات قليلة، لكن في تلك اللحظة فُتح باب المكتب دون استئذان.
مما أربك سلسبيل، وجعلها تفيق من تلك السطوة وتراجعت برأسها تنظر إلى من دخلت عليهم دون استئذان ترسم بسمة دهاء قائلة:
"قماح وحشتني."
نهضت سلسبيل من جوار قماح تسير ونظرت لها باشمئزاز قائلة:
"متشوفيش وحش، أظن أنا خلصت توضيح الملفات لك أسيبك لـ هند السنوري اللي وحشتها وجاية تشوفك وتملى عيونها بيك."
تضايق قماح من ذلك بشدة، كم ود أن يطرد هند الآن من المكتب ويطلب من سلسبيل البقاء معه.
لكن خروج سلسبيل السريع منعه من ذلك. نهض هو الآخر من مجلسه وذهب إلى خلف مكتبه وجلس على المقعد قائلاً بفتور:
"خير يا أستاذة هند جاية ليه النهارده."
شعرت هند بوخز في قلبها، ليس فقط من حديث قماح الفاتر، بل حين دخلت ورأت قماح قريب من سلسبيل بدرجة قريبة للغاية، ربما لو لم تدخل بالوقت المناسب لكان قبلها. لكن رسمت بسمة قائلة بعتاب مدلل:
"أستاذة هند. من إمتى كان بينا رسميات يا قماح. بصراحة، أنا كنت هنا قريبة من المقر بتغدى مع تاجر بنتعامل معاه ومستظرفتوش، استأذنت منه ولما لقيتني قريبة قولت آجي أسلم عليك."
رد قماح:
"وأيه سبب عدم استظرافك للتاجر؟ على العموم ميهمنيش، وكان لازم قبل ما تدخلي للمكتب تاخدي إذن مني."
ردت هند وهي تتغاضى عن فتور حديث قماح:
"أبداً تاجر غلس شوية وكذا مرة لمح لي بإعجابه بيا، وأنا بصراحة مش برتاح لنظراته. إنت عارف إني بحب أشتغل مع التجار اللي برتاح لهم، بس بابا ضغط عليا أقابله، واتكلمت معاه في الشغل ولما لقيته هيتعدى حدوده استأذنت منه بحجة إني عندي ميعاد معاك هنا في المقر."
قالت هند هذا وسارت بدلال إلى أن اقتربت من مكان جلوس قماح وانحنت على مكتبه أمامه قائلة:
"شكلك اتضايقت من مجيي لهنا. على العموم..."
قطع حديث هند، سماع طرق على الباب، ودخول سلسبيل بعده، التي انصدمت للحظات من وقوف هند وانحنائها على مكتب قماح، لكن أظهرت اللامبالاة وقالت بتريقة:
"آسفة إن كنت قاطعتكم، نسيت الملفات وكنت راجعة عشان أخدهم." بالفعل أخذت سلسبيل الملفات وخرجت سريعاً.
بينما نهض قماح ونظر لهند قائلاً بحدة:
"أظن سبق وقولت ليكي، اللي بينا شغل وبس، يا ريت تتفضلي، مش فاضي وبعد كده قبل ما تيجي للمقر، تبقي تطلبي معاد الأول."
تضايقت هند من جفاء قماح ورسمت الدموع وقالت:
"قماح إنت ليه بتعاملني بالطريقة دي، إنت عارف إنت إيه بالنسبة ليا. قماح أنا معنديش مانع إني أكون زوجة تانية لك."
بالمركز التعليمي.
انتهت تلك المحاضرة، وخرج معظم المتدربين من الغرفة. أثناء سير هدى للخروج كادت تتصادم مع إحداهن التي دخلت ببسمة تقول بعشم:
"نظيم إتأخرت ليه، بقالي نص ساعة مستنياك تحت السنتر ولما زهقت قولت أطلع أكبس عليك لا تكون موزة غيري بتعاكسك."
تبسم لها نظيم بقبول.
بينما نظرت هدى لها تتفحصها تبدو بسيطة، ولاحظت اللدغة. لا تعرف لما شعرت بالغيرة منها وعادت بنظرها إلى نظيم الذي تقابلت عيناه مع عيني هدى. تبسم لها. بادلته هدى بعدم اهتمام وخرجت مباشرةً، لكن فكرها مشغول من تكون تلك الفتاة، التي قبل أن تحدثه أرسلت له قبلة في الهواء. وهو تبسم لها.
ليلاً.
بعد منتصف الليل.
بالإمارات.
كانت همس تجلس أمام شاشة التلفاز تشعر بالقلق. كارم لم يأتِ طوال اليوم، وهاتفته عدة مرات ولم يرد عليها. فكر عقلها أن تذهب إلى ذلك المطعم. حسمت أمرها، ستبدل ملابسها وتذهب إلى المطعم، لكن قبل أن تدخل إلى غرفة النوم، سمعت تكات فتح باب الشقة.
ذهبت سريعاً نحو الباب، تبسمت حين رأت كارم يدخل. بتلقائية منها ارتمت في حضنهُ قائلة:
"الحمد لله إنك بخير."
رجف قلب كارم ولف يديه حولها سعيد بذلك.
لكن انتبهت همس لنفسها وشعرت برجفة وابتعدت عن كارم سريعاً وقالت بارتباك:
"إيه اللي آخرك لنص الليل وكمان مجتش عالغدا وطول اليوم بتصل عليك مش بترد."
شعر كارم بنغزة في قلبه بعد أن ابتعدت همس، لكن في نفس الوقت تذكر حضنها له فابتسم قائلاً:
"أبداً، حالنا عميل وطلب تأجير المطعم العشاء على شرف حفلة مهمة له، وكنت مشغول مع العمال طول اليوم. عشان تعرفي وشك حلو عليا يا همس، العميل ده رجل أعمال وطلب مني أنه يعمل حفلات ولقاءات خاصة بشركته عندي في المطعم من وقت للتاني."
تبسمت همس قائلة:
"مش وشي اللي حلو عليك، إنت اللي ضميرك سالك."
ضحك كارم يقول بتكرار:
"هاميس ناصر العراب اللي كانت بتدرس في مدارس لغات تقول كلمة "سـالـك"."
تبسمت همس قائلة:
"دي كلمة عادية على فكرة مش محتاجة مدارس لغات، وبعدين بطل تريقة."
تبسم كارم يقول:
"هبطل تريقة لأني جعان طول اليوم مأكلتش."
تبسمت همس قائلة:
"مش كنت في المطعم طب ليه مأكلتش طول اليوم."
تبسم كارم يقول:
"اتعودت خلاص، لازم ناكل سوا ونتكلم واحنا بناكل."
تبسمت همس قائلة:
"بس جدتي هداية كانت دايماً تقولنا لا كلام على طعام."
تبسم كارم يقول:
"ده أحلى كلام هو اللي بيتقال على الطعام."
بشقة سلسبيل.
قلبت سلسبيل في فراشها تشعر بضجر، لكن فجأة سمعت صوت فتح باب الغرفة. نظرت باتجاه الباب.
تبسمت حين رأت دخول قماح نصف عاري. تبسم هو الآخر لها وأقترب من الفراش، وانحنى عليها. وقبل جانب عنقها، ورفع رأسه ينظر لعين سلسبيل.
تبسمت له بقبول. انحنى قماح يقبلها مرة أخرى، تجاوبت معه سلسبيل ولفت يديها حول عنقهُ مستمتعة بقُبلاته.
رواية عش العراب الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامه
إستيقط كارم يشعر بالظمأ. لم يجد ماء بالغرفة. نهض من على سريره وخرج من الغرفة كي يذهب إلى المطبخ. لكن لاحظ خط نور ساطع من باب غرفة همس الموارب قليلاً. تعجب.
وقام بالطرق على الباب. دخل مبتسمًا بعد أن سمحت له همس. دخل مبتسمًا وهو يقترب من الفراش قائلاً:
"إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟ وأيه القماش الكتير والورق اللي على السرير ده؟"
تبسمت همس قائلة:
"بصمم باترون عشان أبدأ في تنفيذ كسوة سبوع ابن سلسبيل."
جذب كارم بعض القماش وجلس على الفراش قائلاً:
"أنا شايف اسم ناصر مكتوب على بعض القماش ليه؟"
تبسمت همس قائلة:
"مش بتقول جدتي بتأكد أن سلسبيل حامل في ولد يبقى متأكدة سلسبيل هتسميه.. ناصر."
رد كارم:
"أيه سبب اليقين اللي عنده ده؟"
شعرت همس بغصة وقالت:
"عشان إحنا التلاتة كنا متعاهدين إن أول ولد هنخلفه هنسميه ناصر."
ضحك كارم قائلاً:
"يعني بكده في المستقبل إن شاء الله هيبقى في تلاتة ناصر."
غص قلب همس وقالت:
"إن شاء الله."
تبسم كارم قائلاً:
"واضح إن عمي ناصر محظوظ، بتلات بنات... أحلى من بعض."
تبسمت همس تشعر بشوق لوالديها وأختيها. لكن نفضت عن رأسها قليلاً وقالت:
"كارم كان فيه موضوع عاوزة أتكلم معاك فيه.. عاوزة أعرف رأيك إيه."
رد كارم:
"وأيه الموضوع ده؟"
ردت همس:
"وأنا بشتري القماش والمستلزمات دي، من محل القماش، المحل ده له اسم كويس هنا في دبي. لما اشتريت مستلزمات كتير، الست صاحبة المحل سألتني وخدت معايا في الكلام. ولما قولت إني بعرف أخيط وبطرز مفارش وكمان بشتغل شُغل تريكو كويس... وكان معايا منديل أنا مطرزاه. لما شافت تطريزه اتجننت بيه وقالت لي إن عندها كمان مشغل كبير لشُغل الهاند ميد، سواء التطريز أو التريكو اليدوي. لأن فيه بعض العملاء بيحبوا نوعية الشغل ده، ويبقى ربحها أكبر. ولو أحب أشتغل معاها وأساعد في تعليم البنات في المشغل هي معندهاش مانع. بس أنا قولت لها أن ممكن أشتغل طلبيات وأنا هنا في الشقة، إنما عرض إني أعلّم البنات في المشغل ده صعب."
تبسم كارم وقال:
"طب والله عرض كويس. أنتي متمكنة في التطريز. وليه صعب تشتغلي معاها تعلمي البنات في المشغل؟ سهل تشتغلي يومين في الأسبوع تعلمي البنات. ومتنسيش منه تدريب عملي على دراستك اللي لازم تخلصي من السنة دي بقى."
فرحت همس وقالت:
"يعني ده رأيك؟ أوافق على عرضها."
تبسم كارم يقول:
"طبعاً توافقي، دي فرصة كويسة. ومتأكد مع الوقت هيبقى عندك مشغل خاص بيكي."
فرحت همس كثيراً قائلة:
"إنت عارف إني كنت ناوية أفتح مشغل بعد ما أخلص الدراسة، بس..."
توقفت همس عن استكمال حديثها وشعرت بألم في قلبها، بسبب ما حدث لها دمر أحلامها. شعر كارم بذلك وقال:
"الفرصة لسه قدامك يا همس. ويمكن قبل ما تخلصي دراسة يكون عندك المشغل. وأهو كمان تساعديني في بُني مستقبلنا مع بعض."
تبسمت همس قائلة:
"فلوس العراب هي اللي اشترت لينا شقة ومطعم هنا."
تبسم كارم وقال:
"الفلوس دي دين عليا وهسدده لبابا على دفعات مع الوقت... ده كان اتفاقي معاه من قبل ما نسافر. ما هو مش هنفضل معتمدين على فلوس العراب، لازم يكون لينا حياتنا الخاصة بينا وبأولادنا."
نظرت همس لكارم بشعور مؤلم حين قال،، أولادنا. هل سيكون لهم أطفال بالمستقبل؟ مازال ذلك الرهاب يتملك منها. كارم لم يتعدى حدود ابن عمها إلى الآن.
بينما تبسم كارم قائلاً:
"همس بابا قال للعيلة إني اتجوزت."
تعجبت همس برعشة صوت قائلة:
"بجد؟ طب كويس، متأكدة عمي مش هيقولهم إني لسه عايشة؟ فمش هيفرق معاهم اتجوزت مين."
رد كارم:
"لحد أمتى يا همس هتفضلي مخبية عنهم إنك لسه عايشة."
ارتعش صوت همس أكثر وأخفضت وجهها قليلاً تُخفي تلك الدمعة بعينيها وقالت:
"معرفش لحد أمتى. ومن فضلك بلاش تضغط عليا في الموضوع ده، وسيب القرار للقدر هو اللي يقرر أمتى الوقت."
اقترب كارم من مكان جلوس همس ووضع إحدى يديه على يديها التي تفركهما ببعض. وباليد الأخرى رفع رأسها. ونظر لعيونها. فرت دمعة همس دون شعور منها. جفف كارم بإنامله تلك الدمعة. تلاقت عينيه مع عيني همس. تبادلت العيون النظرات لبعضها تبوح بمكنون القلوب الجريحة التي دواؤها أمامها لكن مُر تذوقه.
ملس كارم على وجنتي همس بأنامله كأن يمسك زجاج يخشى أن ينكسر بين يده. للحظة أغمضت همس عينيها مستمتعة بملمس أنامله التي تسير على وجهها. بذلك الحنان. لكن فجأة أتت تلك الذكرى المرة أمامها. تذكرت صفعات هذان الوغدان لها. فتحت عينيها سريعاً وعادت برأسها للخلف سريعاً صامتة.
لاحظ كارم ذلك. لكن لم يستسلم. ومد يده على وجهها يعود يتلمسه براحة. ورفع يده الأخرى أحكم وجهها بين يديه.
ارتعش جسد همس. شعر كارم برعشة همس بل ورأى ارتعاش شفتيها. التي ملس بأنامله عليها. دون وعي منه لما سيحدث بعد ذلك. لكن قلبه مشتاق. اقترب برأسه منها والتقم شفاها بقبلة شوق وتوق.
ترك شفاها بسرعة يقبل وجنتها. لم يفق إلا حين تذوق طعم دموعها بين شفتيه. ابتعد سريعاً للخلف. ينظر لوجهها عينيها المغلقة رغم ذلك تسيل دموعها على وجهها.
تحدث بصوت شجي:
"همس."
فتحت همس عينيها بصعوبة. نظرت لوجه كارم الذي تبسم وقال لهما بتوهان:
"أنا كفاية سهر لحد كده عشان عينيكي ونامي دلوقتي وأبقى كملي بالنهار. لسه بدري على ميعاد ولادة سلسبيل."
تبسمت همس هي الأخرى وأومأت رأسها بموافقة. نهض كارم من فوق الفراش وقام بجذب القماش والأوراق ووضعها على أريكة بالغرفة. بينما تمددت همس على الفراش. عاد كارم مرة أخرى قريب من الفراش وجذب عليها الغطاء قائلاً:
"تصبحى على خير."
تبسمت همس:
"وإنت من أهله."
تبسم كارم وسار يخرج من الغرفة. بعد أن أخفض نورها. وقف جوار الباب يتنهد بفرحة رغم دموع همس التي غصت بقلبه. لكن همس لم تخف منه كما كان يحدث في السابق. تذكر حديثه مع الطبيبة المعالجة مع همس اليوم التي ذهب إليها وقت استراحة العمل بالمطعم. حين سألها عن مدى تقدم حالة همس النفسية. وأنها أصبحت لا تخاف منه حين يقترب مثل السابق حين كانت تخاف حين فقط تشعر أنه يكاد يلمس يدها. الآن أحياناً تتلامس أيديهم بعفوية ولا تخاف منه.
ردت عليه الطبيبة:
"هكلمك بصراحة. أنا لما تواصلت معايا زميلتي الدكتورة اللي كانت مشرفة على حالة همس من البداية وتحاورت معاها في حالة همس وأبعادها، والرهاب اللي أصبح ملازم لها وخوفها إن أي حد يقرب منه. بس كان فيه اتنين بس هما اللي بتثق فيهم. توصلنا إن الرهاب ده ممكن مع الوقت مش هقول يروح وترجع لحالتها القديمة، بس ممكن الموضوع ده يخف مع الوقت. بالذات لما تبعد عن المكان اللي حصل لها فيه الحادثة الصعبة اللي مرت بها. وكمان هي هنا في غربة ومتعرفش حد غيرك. وكمان عايشين في نفس الشقة. بالتالي بتقضوا وقت كبير مع بعض في نفس المكان. فالرهاب اللي عندها منك بدأ يقل وتثق فيك أكتر. سبق وقولت لي إنكم ولاد عم ومتربين سوا. قبل كده حاولت تمسك إيدها أو تحضنها مثلاً؟"
رد كارم:
"طبعاً كان مستحيل أحضنها دي كانت بنت عمي ومكنتش شايفها زي أختي. إنما مسكت إيدها كتير قبل كده بنوايا طيبة."
تبسمت الطبيبة:
"أهي النوايا الطيبة دي يمكن هي اللي أثرت على تحسن حالتها في الفترة القصيرة اللي فاتت. همس عندها يقين إنك مش هتأذيها بس الخوف اللي جواها بيتحكم فيها. والخوف بدأ بالتدريج يختفي. أنا عاوزاك تتعمد ومثلاً تتأخر في الرجوع للسكن وتشوف رد فعلها هيكون إيه. وكمان ممكن تزيد ومثلاً تحضنها."
تحدث كارم باستفسار:
"طب وده مش ممكن يجيب نتيجة عكسية وترجع تخاف مني تاني وترجع لحالتها القديمة وتنزوي عني."
ردت الطبيبة:
"لأ اطمن. همس مبقاش قدامها غيرك تثق فيه دلوقتي."
تبسم كارم وهو يتذكر حضن همس له حين عاد. وأيضاً تلك القبلة التي قبلها لهمس قبل قليل. حقاً آلمه دموع همس. لكن همس لم تخاف منه انشرح صدره. فالطريق لم يعد طويل لرجوع هاميس القديمة.
بينما بغرفة همس. وضعت يدها على شفاها تتذكر تلك القبلة. كم كانت رقيقة وعفوية. سأل عقلها لما للحظات تجنب عنها ذلك الرهاب واستسلمت لتلك القبلة. لكن في نفس الوقت تذكرت محاولة الوغدان تقبيلها. لكن وقتها بسبب تلك الأقنعة التي كانوا يخفون وجوههم بها منع ذلك. تلك كانت أول قبلة لها. شعورها يمزج بين الحنية والمرارة في نفس الوقت. لكن ربما أكثر شعور تشعر به الآن هو تجربة تلك القبلة مرة أخرى ومعرفة أي شعور يطغى عليها وقتها.
***
إستمتعت سلسبيل بتلك القبلات المتشوقة الخالية من العنف. قبلات تجعلها تشعر أن لديها مكان بقلب قماح. مدت يدها كي تجذبه عليها أكثر. لكن فجأة شعرت بخواء بين يديها. فتحت سلسبيل عينيها. تفاجئت بنور الغرفة الخافت. نظرت حولها الغرفة فارغة. ما كانت تشعر به قبل قليل لم يكن سوى حلم أو ربما وهم لن يحدث. ويقبلها قماح بتلك الطريقة الرقيقة. ظلت مستيقظة لوقت. شعرت بالضجر. فكرت أن تنهض من على الفراش وتذهب إلى غرفة المعيشة تشاهد أحد الأفلام. بالفعل خرجت من الغرفة. لكن أثناء سيرها كان باب غرفة النوم الأخرى مفتوح. لا تعرف لما ساقتها قدميها للدخول للغرفة وأشعلت ضوء خافت. نظرت نحو الفراش. وجدت قماح مثل عادته ينام ببطنه على إحدى يديه. كان شبه عارٍ بسبب انحصار ذلك الغطاء عليه. كان هنالك بعض البرودة بالغرفة. بالتأكيد بسبب ذلك المكيف وأيضاً الطقس أصبح يميل نحو البرودة. أطفئت المكيف. وذهبت نحو الفراش وقامت بتغطية قماح ثم أطفئت النور سريعاً وخرجت من الغرفة. وبدل أن تذهب إلى حجرة المعيشة ذهبت إلى غرفة النوم مرة أخرى وتسطحت على الفراش تتنهد بشعور لا تعرف له تفسير ولا لذلك الحلم الذي بسببه استيقظت من نومها. أيعقل أنها تشتاق لقماح أن يكون بتلك الرقة. بالتأكيد لا. هذا مجرد وهم.
بينما قماح لم يكن نائم. كان يشعر بالضجر وحرارة تغزو جسده غير قادر على إطفائها سوا سلسبيل. شعر بها حين أشعلت ضوء الغرفة وأغلقت المكيف. وأيضاً حين قامت بإلقاء غطاء الفراش عليه. للحظة فكر أن يستدير لها ويجذبها إليه يروي شوقه وتوقه لها. لكن تراجع في قرارة نفسه. لا يريدها أن تعرف أنه يشعر بالضجر بسبب هجرها له.
***
صباح اليوم التالي.
بدار العراب.
بشقة النبوي باكرًا. استيقظ على طرق باب غرفته. بالتأكيد عرف من يطرق عليه فقال:
"ادخل يا محمد."
دخل محمد قائلاً:
"عرفت إني محمد إزاي."
تبسم النبوي قائلاً:
"هو في حد تالت معانا في الشقة... صباح الخير."
انتبه محمد وخبط على رأسه قائلاً:
"آه صحيح، صباح النور."
وقف محمد متوتراً. بعد ذلك تحدث النبوي قائلاً:
"مالك واقف متوتر كده ليه؟ جاي تشتكي من أفعال رباح معاك."
رد محمد:
"لأ من يوم ما حضرتك كلمته آخر مرة وهو بقى بيعاملني يعني أهو كويس شوية، بس فيه حاجة لاحظتها عليه، بيشتكي من صداع في دماغه."
انخض النبوي وقال:
"من امتى لاحظت إنه بيشتكي من صداع."
رد محمد:
"هو صدفة كنت دخلت عليه واتعصب عليا، وشوفته خد حباية ولما سألته قالي إنه عنده صداع بيجيله من فترة للتانية بس الدوا ده بيريحُه."
تنهد النبوي وقال:
"طب جولى چاي لي باكر إكده ليه مش عادة تصحى بدري إكده."
بتوتر قال محمد:
"كنت عاوز أتكلم معاك في موضوع خاص يهمني... وووو."
رد النبوي بتحفيز:
"وأيه ادخل مباشر في الموضوع."
رد محمد بمط في الموضوع:
"طبعاً حضرتك قولت لينا إن كارم اتجوز. وبالشكل ده مبقاش عازب غيري."
تبسم النبوي وقال:
"فعلاً مبقاش في عيلة العراب عازب غيرك. بس ده دخله إيه في الموضوع اللي عاوز تكلمني فيه."
رد محمد بتوتر:
"بصراحة أنا كمان بفكر اتجوز."
تبسم النبوي وقال:
"تتجوز مرة واحدة كده."
رد محمد:
"لأ طبعاً مش مرة واحدة، طبعاً هيكون في فترة خطوبة، وبعدها اتجوز."
تبسم النبوي وقال بمكر:
"هقول للحجة هدايا تشوفلك عروسة زينة إكده."
رد محمد بتسرع:
"لأ أنا خلاص لقيت العروسة."
تبسم النبوي وقال:
"بجد؟ طب هي مين... بنت حد نعرفه."
رد محمد:
"لأ، بصراحة هي بنت شوفتها كذا مرة وعجبتني، وقولت أتقدم لها رسمي."
تبسم النبوي يقول:
"وزينة البنت دي على إكده وبنت مين؟"
رد محمد:
"هي زينة وحلوة، بس مش من البلد هنا، هي من بلد جنبنا."
تبسم النبوي وقال:
"تمام، هات لي اسمها واسم عيلتها أسأل عنهم، وإن كانت بنت ناس طيبين يبقى على بركة الله."
تبسم محمد بانشراح وقال:
"هي بنت ناس طيبين أنا سألت عنها."
تبسم النبوي وقال:
"مفيش مانع نسأل زيادة ثقة... ومتخافش طالما إنت واثق إنها بنت ناس طيبين، زي ما بتقول."
رد محمد:
"تمام يا بابا هقولك اسمها واسم عيلتها، ومكان بيتهم كمان."
تبسم النبوي ماكراً:
"واضح إنك واقع لشوشتك. اطمن إنشاء الله تطلع بنت ناس طيبين وتكون نصيبك. بس اديني يومين كده أسأل عنها، ده جواز العمر كله يا ولدي، ولازم يكون بين ناس طيبين."
***
بالمقر.
تبسم النبوي لدخول سلسبيل عليه المكتب. وقال:
"أهلاً بالحجة هدايا الصغيرة. رأيي إن ناصر أخويا كان لازم يسميكي إنتي هدايا، مش هدى. إنتي اللي واخده من صفاتها كتير. أولها القلب الحامي في الشغل."
تبسمت سلسبيل وقالت:
"كويس إن فيا حاجة منها."
تبسم النبوي ونهض من خلف مكتبه واقترب من سلسبيل وقال:
"خلينا نقعد شوية نتحدث مع بعضينا، كنت عاوزك في موضوع مهم."
تبسمت سلسبيل له وذهبت وجلست لحواره على أريكة بالغرفة. وضع النبوي يده على كتف سلسبيل قائلاً بمفاجأة:
"أخبار قماح إيه."
ردت سلسبيل بتعلثم:
"قصدك إيه بأخبار قماح؟ هو حضرتك مش عايش معانا وشايفه بنفسك."
رد النبوي:
"أنا قصدي أخباره معاكِ إيه، لسه بنفس طباعه القديمة."
تعلثمت سلسبيل وقالت:
"لأ اتغير شوية."
تبسم النبوي وقال:
"اتغير شوية كتير ولا صغيرين."
لم تعرف سلسبيل أن ترد عليه وتقول ماذا. أنهما شبه منفصلان رغم أنهما يعيشان بشقة واحدة. لكن أنقذها من الرد دخول محمد. تبسم لسلسبيل وقال:
"كنت بدور عليكي في الحسابات قالولي إنك هنا عند بابا في مكتبه. الملف اللي طلبتيه مني اهو."
تبسمت سلسبيل وأخذت الملف من محمد. الذي نظر لوالده وقال له:
"شكلي جيت في وقت غير مناسب. الكنة وحماها شكلهم بيخططوا لحاجة الله يكون في عونك يا قماح. أنا لما اتجوز مش هخلي مراتي تقرب من بابا ليقويها عليا."
تبسمت سلسبيل. بينما قال النبوي:
"انصرف أحسن لك وروح شوف شغلك بدل ما أكنسل عالموضوع إياه."
تبسم محمد وقال بمرح:
"لأ وعلى إيه الطيب أحسن. عندي شوية شغل هروح أكملهم. بدل ما تنفذ تهديدك انت النبوي العراب برضوا."
انصرف محمد وترك النبوي، وسلسبيل، التي قالت بفضول:
"أيه موضوع محمد ده."
تبسم النبوي وقال:
"محمد عاوز يتجوز، وقالي على عروسة وبعت اللي يسأل عنها ولو طلعت زي ما بيقول بنت ناس طيبين يبقى على البركة، أجوزه وميبقاش فاضل غير هدى."
تبسمت سلسبيل. لكن غص قلبها وقالت:
"أنا استغربت لما قولت لينا إن كارم اتجوز وعايش مع مراته في دبي. مكنتش أتوقع إنه ينسى همس بالسرعة دي؟"
أخطأ النبوي وكاد لسانه يزلق. لكن تدارك حاله قبل إخبار سلسبيل أن زوجة كارم هي همس حين قال:
"ومين اللي قالك إنه نسيها يا بتي، بس الحياة بتستمر. خلينا في موضوعنا عن قماح. بصي يا سلسبيل عارف عقلك طول عمره كبير. قماح لما بعد عننا مكنش كده. معرفش إيه اللي حصله في السنين اللي غاب عننا فيها. احكمي قلبك يا بنتي معاه بلاش عقلك. قماح يمكن غامض وقليل الكلام غير إنه تقريباً مالوش أصحاب يقدر يفضفض لهم. لكن متأكد إن ليكِ جواه معزة خاصة. حاولي تقربي منه. وصدقيني وقتها هيظهر قماح الطفل البريء اللي سلبت عقله عيلة صغيرة اسمها سلسبيل وكان بيرجع من المدرسة يدور على مكانها ويضايق لو لقاها نايمة."
تعجبت سلسبيل من حديث عمها وقالت بخجل:
"عمي ليه سميت قماح بالاسم الغريب ده."
تبسم النبوي وقال:
"مش أنا اللي سميته. ده جدك رباح الله يرحمه. كنا بعد موسم القمح. ووقفتها كنا اشترينا القمح من الفلاحين وخزناه. وكان عندنا خزين السنة اللي قبلها متبعش هو كمان. كانت جدتك هدايا كل شوية تقلب فيه وخايفة يسوس. ويهدر معانا. قماح اتولد الفجرية. الضحى لقيت جدك داخل الدار، هيطير من الفرحة. وقال: رزق المولود الجديد وصل معاه. الحكومة فتحت لشراء القمح. ومعظم الفلاحين والتجار خلاص صرفوا بضاعتهم. والحكومة علت سعر توريد القمح الضعف. واحنا عندنا مخزون سنتين. وأنا اتفقت مع الجمعية الزراعية اللي في بني سويف أورد لهم المخزون على دفعات وكمان الحكومة هتدفع حق القمح فوري. ووقفتها جدتك هدايا سجدت لله في نفس اللحظة. كانت خايفة على مخزون القمح ده يعطب او يسوس بسبب مدة تخزينه. وقتها جدك قال قماح. استغربنا. بس الوحيدة اللي فهمته جدتك وقالت هو ده اسم الصبي. قماح. بركة القمح تصحبه طول حياته. وقتها بعنا القمح وبمكسبه اشترينا عشر فدادين أرض. وجدك قال لازم أول زرعة يزرعها في الأرض دي هي القمح. وأيضاً الاسم عجب كارولين كتير ووافقت عليه. جدك كان بيحب قماح قوي. يمكن أكتر من ولادي التانيين وكان دايماً ياخده معاه من وهو حتى متفطمش عن صدر كارولين. علم قماح كتير من طباعه. واللي كان أولها محدش يقوله لأ على قرار هو خده حتى الحجة هدايا نفسها. لما كانت تعارضه في شيء. بس الحجة هدايا طبعاً لها طرقها الخاصة اللي تلين اللي قدامها لها بسهولة. حتى جدك كان بيلين ليها."
تبسمت سلسبيل له بفهم. لكن بذات الوقت رن هاتف النبوي. تبسم قائلاً:
"حتى العشر دقايق اللي كنت عاوز أقعدهم مع بنتي مستكترينهم عليا."
تبسمت سلسبيل قائلة:
"هسيبك تشوف شغلك يا عمي."
تبسم النبوي لها وقال:
"على فكرة أنا جمدت توقيع رباح ومحمد وقماح كمان. لو مش انتي اللي نبهتيني للمبالغ اللي كانت بتنسحب من رصيدنا في البنوك."
تبسمت سلسبيل له وقالت:
"ده شغلي يا عمي. هسيبك ترد ع الموبايل اللي مش بيبطل رن. أوعى تكون عروسة جديدة هتدخل دار العراب."
تبسم النبوي وقال:
"هو الواضح كده."
تبسمت سلسبيل وقالت:
"وطبعاً لازم عراب دار العراب يجيب قرارها الأول. يلا سلام."
تبسم النبوي لسلسبيل التي غادرت. ثم فتح هاتفه يستمع لمن يتحدث إليه. ثم أغلق الهاتف يتنهد ببسمة راحة.
***
مساءً.
بدار العراب.
بغرفة هدايا.
تحدثت هدايا قائلة:
"يعني إنت سألت عن البنت وأهلها."
رد النبوي:
"أيوه، هي بنت يتيمة أبوها كان بيشتغل عندنا زمان، وحتى سألت ناصر عنه، وقالي كان مؤتمن وإن أخوها كان بيشتغل عندنا كمان، وتعرفي يا حاجة أخوها ده بقى دكتور في الجامعة دلوقتي، وهي أخلاقها زينة."
تبسمت هدايا قائلة:
"يبقى على خيرة الله يا ولدي. باكر إنشاء الله هعمل زيارة لهم وأشوفها بعيني وأطلبها، وربنا يجعل الخير من نصيب محمد."
***
في ظهيرة اليوم التالي.
بمنزل سميحة.
فتحت الباب ببسمتها المعتادة. تفاجئت بتلك المرأة العجوز التي لا تعرفها. لكن رحبت بها. في نفس اللحظة دخلت قلب هدايا ببسمتها البشوشة. وقامت بالطبطبة على كتفها. نفس الشعور شعرت به سميحة، وهي تتنحى جانباً من الباب حتى تدخل هدايا. التي سمت الله ودخلت إلى المنزل. في نفس اللحظة أتت فتحية تسأل من الذي آتى.
ردت هدايا:
"أنا الحجة هدايا العراب."
تبسمت فتحية ترحيباً قائلة:
"اتفضلي يا حاجة هدايا، نورتي دارك ومطرحك."
تبسمت هدايا قائلة:
"تسلمي يا بتي."
دخلت فتحية وهدايا إلى غرفة الجلوس. وكانت خلفهم سميحة متعجبة من ترحيب والدتها الزائد بتلك المرأة البشوشة التي شعرت معها بالألفة. لكن قالت فتحية:
"روحي يا سميحة هاتي للحاجة هدايا حاجة ساقعة. ولا أقولك حضري الغدا، الحجة هدايا تبارك سفرتنا."
تبسمت هدايا قائلة:
"مالوش لزوم يا بتي، كل اللي عاوزاه شربة ميه من يد عروستنا الحلوة دي."
لم تفهم سميحة مغزى حديث هدايا. اعتقدت أنها مجاملة منها وذهبت كي تأتي بالمياه. بينما مازالت فتحية ترحب بهدايا بحفاوه. حتى عادت سميحة بالمياه. وأعطتها لهدايا التي أخذتها. ارتشفت القليل. ثم وضعت الكوب أمامها. مبتسمة. تقول:
"روحي يا سميحة وسيبيني مع أمك شوية."
تبسمت سميحة وامتثلت لأمر هدايا. مما زاد من إعجابها بسميحة. التي رغم فضولها. لكن بعد وقت ستعرف من تلك المرأة البشوشة.
نظرت هدايا لفتحية قائلة:
"بصي يا بتي، أنا جايلك في طلب..."
قاطعتها فتحية قائلة:
"عنيا للحاجة هدايا بس اشري."
تبسمت هدايا قائلة:
"بلاش تقاطعينى في الحديث يا بتي. بصي أنا حفيدي الصغير اسم الله عليه دلوقتي بقى شاب زين. وواجب يكمل دينه ويتزوج. وولاد الحلال دلونا عالصبية سميحة بتك. وزي ما شوفت من بشاشة وشها، وسمعت عنها كل خير، جايلك أطلب يدها لحفيدي محمد."
قاطعت فتحية هدايا وقالت:
"أنا أجيبها خدامة لرجلك يا حاجة هدايا."
ردت هدايا:
"لأ يا بتي أنا عندي صبايا كيف سميحة ومرضاش تكون خدامة. دي هتبقى زيهم حفيدتي. اسألي عننا وشاوري بتك واخوها وهستنى ردك عليا."
تبسمت فتحية لها. وقالت:
"صيت العرابين سابقهم. ويا بختها اللي الحجة هدايا ترضى عنها."
بعد قليل نهضت هدايا وأخرجت ورقة من جيبها قائلة:
"دي نمرة تليفون دار العراب. هستنى اتصالك عليا بالرد. ودلوقتي اندهي لسميحة أسلم عليها قبل ما أمشي. بصراحة دخلت قلبي جوى."
تبسمت فتحية ونادت على سميحة التي أتت لها. جذبتها هدايا وقامت بحضنها قائلة:
"حلوة اللدغة بتاعتك دي يا بتي. بتفكرني بأمي الله يرحمها كانت لدغة زيك كده."
لم تتذمر سميحة وابتسمت لها.
مساءً.
لم يكن نظيم فقط المتعجب من ما سردته لهم والدتهم حول طلب هدايا ليد سميحة لأحد أحفادها. وقبول فتحية. لكن قال نظيم:
"لازم نسأل عنه الأول، يا ماما. على راسي كلامك عن الحجة هدايا، وكمان سبق واتعاملت مع واحد منهم. بس صوابعك مش زي بعضها، والوقت اتغير."
ردت سميحة:
"رغم إني حسيت مع الست دي براحة وقبول بس برضو كلام نظيم صح. افرضي كان عيل سيس."
ضحك نظيم وقال بتريقة:
"ممكن يكون عيل ثيث. الفلوس بتفسد الأخلاق برضو."
***
بعد مرور يومين.
اتصلت فتحية على هدايا تبلغها الرد بالموافقة. اتفقت معها هدايا على أن تكون الخطبة على الضيق بسبب وفاة زوج ابنة زوجها من قريب. وقالت لها، أنها ستأتي بصحبة العريس وأبيه وعمه فقط. لقراءة الفاتحة بالغد وأيضاً شراء الذهب.
ثاني يوم.
بمنزل سميحة.
دخلت إلى غرفة الجلوس. تحمل صينية عليها بعض المشروبات. تخفض رأسها بحياء. ولفت بالصينية على من بالغرفة. حتى وصلت إلى محمد. رفعت بصرها ونظرت له. تذكرته سريعاً. هو ذاك الشاب الذي كان يقف ببقالة العم نسيم. ذاك اليوم. تلاقت عيونهم. تبسم محمد. بينما سميحة خجلت. ووضعت الصينية وخرجت من الغرفة.
بينما لاحظت هدايا ذلك وابتسمت قائلة:
"إحنا جايين دلوقتي، نقرا فاتحة سميحة ونروح بعدها نجيب شبكة العروسة من عند الصايغ. خلينا نقرا الفاتحة الأول عشان البركة وتكون فاتحة خير علينا يارب."
بعد قليل انتهوا من قراءة الفاتحة. تحدثت هدايا قائلة:
"مبارك. وبالمناسبة دي إننا خلاص بقينا أهل. أنا بعزمكم يوم الجمعة تشرفوا دار العراب. ده اليوم اللي بتتجمع فيه كل العيلة وأنتم خلاص بقيتوا من العيلة."
تبسم نظيم يفكر في رد فعل هدى حين تراه أمامها في دار العراب.
***
يوم الجمعة.
قبل الظهر.
بالأتلييه الخاص بـ سلسبيل.
تفاجئت هي وهدى بدخول حماد عليهن الأتلييه. تبسم لهن وقال:
"مالكم وشكم اتغير كده ليه؟ أنا عملت حاجة غلط؟ لما جيت لهنا. أنا سألت عنكم الشغالة قالت لي في الأتلييه في الجنينة قولت آجي أسلم عليكم. وبالمرة أشوف الأتلييه أول مرة أدخله من زمان."
تجولت عين كارم على المنحوتات الموجودة بالأتلييه وقال بانبهار:
"اللي يشوف المنحوتات دي يقول حقيقية مش تقليد. إنتي عندك موهبة جامدة. لازم آخد صور للمنحوتات دي. عندي واحد صديقي عنده بازار بيبيع تحف. ومتأكد لو شاف المنحوتات دي هيشتريها منك بالتمن اللي تطلبيه منه."
بالفعل بدأ حماد بتصوير تلك المنحوتات. لكن رغم نفور هدى وسلسبيل من وجوده معهن بالأتلييه. رسمتا بسمة مجاملة.
انتهى حماد من تصوير المنحوتات على هاتفه. ثم عاد لمكان وقوفهن وقال بإنبهار:
"أنا بتأسف إني زمان كنت بضايقك يا سلسبيل وبرمي الطين في الجنينة. بصراحة كنت غلطان. إنتي عندك موهبة جامدة يا بيلا."
تحدث من دخل بحدة قائلاً:
"اسمها سلسبيل يا حماد."
نظر حماد خلفه. ورسم بسمة وقال:
"صباح الخير يا قماح. ومالك مضايق إني بنادي على سلسبيل. بـ بيلا. دي دلعها من وإحنا صغيرين كنا بنقوله لها."
رد قماح بتعسف:
"أهو قولت كنتم صغيرين دلوقتي كبرتوا مينفعش تنادي عليها باسم الدلع. بعدين إيه اللي جابك هنا الأتلييه مع البنات."
رد حماد بارتباك:
"جيت أسلم عليهم مش بنات خالي."
رد قماح:
"كنت تقدر تنتظر تسلم عليهم جوه في قلب الدار مش هنا. بعد كده ممنوع تدخل الأتلييه. ودلوقتي اتفضل اطلع من هنا."
شعر حماد بخذلان وغضب ساحق من حديث قماح الفظ معه. وخرج يشعر بالكُره الكبير له.
بينما قالت سلسبيل بهجاء:
"مكنش لازم تكلمه بالطريقة الفظة دي. متنساش إنه ابن عمتنا. وإحنا متربيين سوا من صغرنا. يعني زي أخونا."
نظر قماح لـ هدى. التي تنحنحت قائلة:
"هسيبكم مع بعض وأروح أساعد ماما في المطبخ."
نظر قماح إلى مغادرة هدى وإغلاقها خلفها باب الأتلييه. وقال:
"عيدي اللي قولتي كده. حماد. ابن عمتك ومتربيين سوا. ويا ترى بقى تربيتك تسمحلك بشاب يدخل لأوضة مقفولة وفيها بنتين. لأ قصدى مدام وأختها الصغيرة."
ردت سلسبيل:
"والله إنت دخلت ولقيتنا واقفين معاه باحترامنا مش بنتماصى زي اللي بتجيلك مكتبك تتماصى وإنت مبسوط بكده."
رد قماح:
"يعني إيه؟ عاوزة تتماصي على حماد؟ ده بعينك."
قال قماح هذا. وجذب سلسبيل من عضدها لتلتحم بصدره وقبلها بقوة. دفعته سلسبيل عنها بقوة أيضاً. تركها قماح تلهث. لكن تعجبت حين قالت له:
"قولتلك قبل كده، متقربش مني جوازنا انتهى. كفاية كده. كل ما أقول فيه فرصة إن جوازنا يستمر إنت بتضيعها بغبائك. وشكك. حماد بالنسبة لي مش أكتر من شخص انتهازي واستغلالي وبيسعى وراء هدف هو عاوز يوصله. في الأول كانت همس، دلوقتي بقى هدى. وكنا مضايقين من دخوله لهنا. بس ميصحش نطرده زي إنت ما عملت."
رد قماح بتهكم:
"وكنتي عاوزاني أعمله إيه أصقف له وأقوله براڤوا وهو بيمدح في مراتي لأ وكمان بيدلعها، وهي بتضحك له، يظهر عاجبك كلامه."
ردت سلسبيل بحده:
"قماح أوعى لمعنى كلامك. قولت لك حماد ملوش صفة عندي أي واحدة منا غير إنه ابن عمتنا."
رد قماح:
"هصدقك وأكذب وداني اللي سمعت دلعه ليكِ. ولا بعد شوية لما يشوف مكانك فين ويقعد جنبك."
تعصبت سلسبيل عليه قائلة:
"والله أنا بكره يوم الجمعة ده عشان الاجتماع ده بالذات. جدتي مفكرة إنها بكده بتجمع العيلة بس الحقيقة العيلة الحقيقة أصبح ملهاش وجود. غير منظر قدام الناس."
اقترب قماح من سلسبيل مرة أخرى وأمسكها من عضدي يديها وجذبها بقوة عليه وقال:
"العيلة موجودة. فعلاً. إنتى مش متقبلة وجودها. يمكن كان نفسك تخرجي براها. وتوافقي على الجواز من نائل مثلاً. نائل كان امبارح عندك في المقر بيعمل إيه."
حاولت سلسبيل دفع قماح عنها. لكن فشلت بسبب تمسكه بها. لكن قالت له بحده:
"إيه إنت بتراقبني في المقر ولا إيه؟ أقولك نائل كان جاي ليه. اكتشف غلط في الحسابات. وكان جاي بسببه. يا خسارة فوت على هند فرصة إنها تيجي لك المقر. وتملي نظرك بشوفة وشك اللي بتعشقه. ويمكن إنت كمان بتعشــــ."
لم تكمل سلسبيل حديثها. حين انقض قماح على شفاها بالقبلات الشغوفه ليست عنيفة لكن كانت مغلفة بالغيرة. مد قماح يديه على ملابس سلسبيل حاول أن يزيلها عنها. بالفعل فتح أزرار الجزء العلوي من ملابسها. وجذبها معه إلى تلك الأريكة. الموجودة بالأتلييه. كان يود الالتحام معها. يتشوق لها يؤلمه هجرها الذي طال. يريد أن يثبت لها أنها مازالت ملكه وستظل ذلك. لكن سلسبيل للحظات خانها جسدها وكاد يمتثل لطغيان قماح. لولا رنين هاتفها. أفاقهما الاثنان. دفعت سلسبيل قماح كي ينهض من فوقها. لكن قماح لا يريد ذلك يريد سلسبيل تحت أمره.
تحدثت سلسبيل:
"قوم من فوقي يا قماح. ناسي إني حامل. كفاية مش هسمحلك تأذي الجنين اللي في بطني. وكمان مش ملاحظ إننا في الأتلييه وممكن أي حد يدخل علينا. زي حماد كده."
نهض قماح من فوق سلسبيل يشعر بغضب. نهضت سلسبيل تزُم ملابسها عليها. وذهبت إلى مكان هاتفها الذي مازال يرن. نظرت لشاشته. ثم نظرت لقماح ونظراته المترقبة.
تحدث قماح باستعلام وهو يقترب من سلسبيل:
"مين اللي بيتصل عليكي وليه مش بتردي. بس أنا هعرف مين."
قال قماح هذا وأخذ الهاتف من يدها. ثار عقله حين رأى اسم المتصل عليها وقال:
"نائل بيتصل عليكي ليه دلوقتي."
ردت سلسبيل:
"معرفش. أرد عليه قدامك أسأله وأعرف ليه بيتصل عليا."
تعصب قماح قائلاً:
"ممنوع تردي عليه. وكمان اعملي حسابك إن مفيش رجوع للشغل تاني. أنا سمحت بس الفترة اللي فاتت بمزاجي. لكن كفاية. ولا مصدقة كلمات الإعجاب بتاع الموظفين. لبنت العراب الذكية اللي أول شيء عملته أنها نقلت لبابا تحركات أرصدتنا في البنوك عشان يجمد توقيعنا. ويفضل توقيعك إنتي وبس. عاوزة توصلي لإيه؟ إنك تثبتي إنك التوب في شركة العراب. الوحيدة اللي ضحت عشان اسم العراب."
ردت سلسبيل:
"أنا فعلاً الوحيدة اللي ضحت عشان اسم العراب. كفاية إني رضخت من البداية وقبلت اتجوز شخص عنجهي عنده داء يدوس على آلام اللي قدامه ويشك فيه. رغم إنه هو كله مساوئ. أنا عرفت ليه هند بتقلل من كرامتها وبتجري وراك. لأنها فاهماك كويس ومينفعكش غيرها. يا قماح واحدة ترضخ لك. أنا مش هرضخ تاني لأي حد يا قماح. وقبل ما تخرج من هنا، بقولك طلقني. بس قبلها هقولك مش أنا اللي قولت لعمي يجمد توقيعك ولا توقيع أخواتك. عشان أبقى أنا التوب في المقر. أنا اتفاجئت بكده. ولما سألت عمي، قالي إنه جمد توقيعاتكم كلكم عشان محيطش الحقد بينكم. وأنا ساب توقيعي لأن ده قرار بابا اللي شريك زيه بالظبط."
تحدث قماح:
"قولتلك قبل كده انسى إني أطلقك يا سلسبيل."
قال قماح هذا وخرج من الأتلييه يصفع خلفه الباب. بينما سلسبيل، ندمت. كلما حاولت إعطاء فرصة لهذا الزواج تتفاجئ بالهزيمة من غباء وعنجهية وشك قماح.
***
بعد وقت.
تحدثت هدايا:
"الغايب حجته معاه. قماح اتأخر خلونا إحنا نقوم نتغدى."
بالفعل دخل الجميع إلى غرفة السفرة وجلسوا بأماكنهم. وبدأوا بتناول الطعام. لكن في ذلك الحين دخل قماح وألقى السلام عليهم.
رد الجميع عليه. بينما نظرت له هدايا وقبل أن تتحدث فوجئت بمن دخلت خلفه تقول:
"متجمعين عند النبي."
نظر الجميع. لصوت هند. تبسمت زهرة لغمزة عين هند لها. كذلك رباح. لديه شك بسبب الفرحة المرسومة على وجه هند. بينما استغربت هدايا، والنبوي وناصر، وجود هند. لكن تأكد حدث زهرة ورباح. حين قالت هند بفرحة:
"أنا سعيدة إني رجعت تاني فرد من عيلة العراب. قماح ردني تاني لعصمتي."
انصدم الجميع. بين شامت وعاتب وشافق على الاثنين. سلسبيل وقماح حياتهم معاً دخلت إلى متاهة بسبب غباء وتسرع وعنجهية قماح.
نظر قماح نحو سلسبيل. ينتظر رد فعلها. لكن سلسبيل عادت تتناول الطعام. وأظهرت عدم المبالاة كأن الأمر لا يعنيها. شعر قماح بالندم أكثر. هو وقع بخطأ جسيم سيدفع ثمنه بعد وجفاء سلسبيل. التي لو طلبت الطلاق الآن هدايا نفسها ستساندها.
بينما دوى بالمكان صوت صفعة قوية. ارتج الجميع ونظروا بذهول واندهاش إلى قماح الذي تلقى الصفعة. حتى سلسبيل نفسها تفاجئت من ذلك ووقفت اللقمة بحلقها وسعلت كثيراً. لتتفاجئ مرة أخرى باليد التي تُعطى لها كوب الماء. هي نفسها اليد التي صفعت قماح.