تحميل رواية احببت مافيا بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الغرف بالمشفى، كانت امرأة مسنة جالسة على سرير. لوحت بابتسامة خفيفة على وجهها وهي تنظر إلى التي أمامها. كانت ترتدي جاكت أبيض خاص بالأطباء وبطاقة تعريفها عند رقبتها، وترفع شعرها بطوق. "أصبحت بخير بفضل الله، أتمنى أن تهتمي بصحتك حتى لا نعود للوراء بعد كل ذلك." "أشكرك طبيبة أفيلا." قالت السيدة بابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان والشكر. أومأت أفيلا إليها ثم خرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة أخرى. فتبعتها الممرضة التي كانت برفقتها. "أحضري أوراق المريض الآخر." قالت وهي تسير. أومأت الممرضة رأسها إيجا...
رواية احببت مافيا الفصل الأول 1 - بقلم نور
في إحدى الغرف بالمشفى، كانت امرأة مسنة جالسة على سرير. لوحت بابتسامة خفيفة على وجهها وهي تنظر إلى التي أمامها. كانت ترتدي جاكت أبيض خاص بالأطباء وبطاقة تعريفها عند رقبتها، وترفع شعرها بطوق.
"أصبحت بخير بفضل الله، أتمنى أن تهتمي بصحتك حتى لا نعود للوراء بعد كل ذلك."
"أشكرك طبيبة أفيلا." قالت السيدة بابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان والشكر.
أومأت أفيلا إليها ثم خرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة أخرى. فتبعتها الممرضة التي كانت برفقتها.
"أحضري أوراق المريض الآخر." قالت وهي تسير.
أومأت الممرضة رأسها إيجابًا وهي تقول: "حاضرة."
ذهبت لتلبية طلبها، بينما كانت أفيلا متوجهة لمكتبها الخاص. لقد مرت ثلاث سنوات، وكانت تلك المدة كافية لتحقيق اسم ومكانة خاصة وشهرة، وليس في المشفى فقط. فاكثر المرضى يدخلون مشفاها لها، لتفوقها وتعاملها معهم. لقد أثبتت مكانة لدى الجميع.
جلست على الكرسي بتنهد، إلى أن جاءها صوت عند الباب: "كثرت أعمالك."
نظرت لصاحب الصوت لتجده عمر. كان يرسم ابتسامة مرحة على وجهه ويضع يداه في جيبه.
قالت: "لا بأس بذلك."
"لا تليق بك المشقة." قال ذلك بمزاح.
قالت بلامبالاة: "هل انتهيت؟"
"ليس بعد، جئت لرؤيتك ليس إلا." قال ذلك ببساطة ليغيظها.
نظرت له، ليقاطعهم دخول الممرضة. استأذنت من عمر ودخلت لتعطي أفيلا الملف الذي طلبته.
"سأذهب حتى لا أعطلك، أراك لاحقًا." قال ذلك وهو يخرج.
أومأت أفيلا وهي تتناول الملف بين يديها.
"تحتاجين شيئًا آخر طبيبة أفيلا؟" قالت الممرضة ذلك تعلن رحيلها.
لترد عليها: "لا، شكرًا لك."
أومأت برأسها وتتركها وتذهب. أمسكت الملف، وقفت، وخرجت من مكتبها متوجهة لغرفة إحدى مرضاها.
كانت تسير تتطلع إلى الأوراق وتقرأها بتوجس. ليقاطع قراءتها نبض قلبها الذي يزداد ويتسارع شيئًا فشيئًا بدون أي سبب. لتسمع دقاته من هنا وكأنه على وشك اختراق قفصها الصدري. شعرت بوخزة به ليؤلمها، فتضع يدها على قلبها ليهدأ، ولكنها تسارعت أكثر.
وفي ذات اللحظة، تجد أحدهم يمر بجانبها لتشم ذلك العطر المميز الذي تعرفه جيدا ولا تخطئ في تعريفه. رفعت أنظارها، وما رأت حتى صدمت واتسعت قدحتا عيناها لتجده هو.. أنه كاسبر.
كان مار بتلك الخطوات الواثقة التي اعتادت عليها. كانت مازالت لم تستوعب ولا تصدق بعد ما تراه. تحدق في الفراغ من هول صدمتها. إلى أن عادت أنظارها إليه على الفور، لكن صدمت حين لم تجده. نظرت حولها تبحث عنهم وأين ذهب. لتركض على الفور تلحقه وكأنها لن تسمح له بالهروب.
لكن حين وصلت لنهاية الممر لم تجده. لتفتح غرفة التي على يسارها دون تردد، لكن لم تجده. لينظر لها المريض والممرضة باستغراب لفتحها الغرفة بهذه الطريقة. لكنها لم تبالي وذهبت لتبدأ بفتح الأخرى ويلقون أنظار متعجبة عليها. بينما عقلها مغيب، تقتحم الغرف تبحث عنه بلهفة.
لتركض، ظلت تدخل إلى الغرف وتركض، لكن دون جدوى. توقفت أمام المصعد للنزول، لكنه تأخر. فركضت على الدرج بأقصى سرعتها، كادت أن تتعثر لكنها اتكأت على الجدار. لم تهتم وأكملت، كأنها رأت روحها التي سلبت منه.
نزلت لطابق السفلي وركضت وهي تنظر يمينها ويسارها، لعلى عيناها تلتقطه وكأنه يلعب معها الغميضة. إلى أن اصطدمت بجسد أحدهم. نظرت، وجدته عمر. ليقول باستغراب بعدما رآها: "ماذا بك؟"
"إنه هنا، لقد رأيته، لم يمضِ." قالت ذلك تخاطب نفسها.
فقال عمر بتساؤل: "عن من تتحدثين؟"
"علي.. لقد رأيته." قالت ذلك وهي تذهب.
لكن عمر أمسكها، تنهد وقال: "أهدئي يا أفيلا، كيف سيأتي علي؟ ثم إنه ماذا سيفعل في المشفى؟"
"أخبرتك أني رأيته، لقد شعر قلبي بوجوده."
أبعدته عنها وهي تذهب وتقول: "لن تسمع له بالهروب مجددًا، لن أدفع ليكمل تلك اللعبة التي يلعبها معي ويختبئ مني."
لتضيق ملامح عمر وهو يطالعها بقله حيلة. فكما قالت، لن تسمح له بالهروب مجددًا. لطالما كانت تراه بكل مكان تذهب إليه، وإن كان شبحًا أم طيفًا أم ذاكرتها أم عيناها من تهيأ لها لتروي شوقها منه ولو قليلًا.
ذهب إليها، أوقفها وهو يقول: "حسنًا، لا بأس. لتستريحي قليلاً.. تعالي معي."
لتنظر له بحنق وتصرخ به غاضبة: "أنا لست مريضة، ابتعد عني."
نظر لها من غضبها الشديد وصوتها المرتفع وهو لم يقل شيئًا. فلما تنفعل هكذا؟
"دعني وشأني."
"أفيلا!"
دفعته بغضب لتكمل ركضها، ليتبعها لفرط قلقه عليها، فلا يستطيع أن يتركها بتلك الحالة.
بدأت الدموع تسيل من عين أفيلا وهي تركض، وكان رأسها على وشك الانفجار وهي تبحث عنه كالمجنونة، لكن لا تجده. فأين قد ذهب؟ هل اختفى ثانيًا؟ هل أضاعته بغبائها؟ غبائها، لطالما كانت غبية.
أمسكت رأسها بضيق وحزن لتبكي بحرقة، أنها لم تجده، بل هلوسة من ضمن الهلوسات التي تراها. اقترب عمر منها، نظرت له بعين ممتلئة بالدموع والهيبة، ليحزن من رؤيتها هكذا. تنهد ثم قال: "لنذهب."
لم ترد عليه خجلًا أو إحراجًا، أم لا يزال عقلها يتذكر طيفه. أخذها عمر، خرجوا من المشفى، فتح باب سيارته وأدخلها برفق ثم أقفله. وعاد للمشفى متوجهًا لمكتب الطبيب ياسر. دخل إليه بعدما استأذن.
قال: "سأوصل أفيلا لمنزلها وأعود."
"هل هي بخير؟"
"لا بأس بقسط من الراحة، فهي تعمل كثيرًا."
أومأ له بتفهم وسمح له بالذهاب وأن ترتاح جيدًا، فاومأ له برأسه ثم ذهب. خرج من المشفى وعاد لسيارته ليدلف لداخل. نظر لها، كانت صامتة، لا تتحدث ولا تنظر له. تنهد ثم ذهب.
توقف أمام عمارة كبيرة، ليترجل ويذهب بناحية أخرى، فتح لها الباب لتنزل ويذهبا. دخلا المصعد حتى وصل إلى طابق شقتها به. أخرجت المفتاح وقربته من الثقب، إلى أنه وقع من يدها أثر تشنج أعصابها. نظر عمر إليها، انحنى والتقطه وفتح هو الباب.
دخلت، وجلست أفيلا على الأريكة، وعمر على الأريكة الأخرى مبتعدًا عنها.
"إلى متى ستبقين هكذا؟"
نظرت إليه باستغراب وعدم فهم. ليقول بتفسير: "تهتفين باسمه ولا تخرجينه من قلبك، كيف سوف تكملين حياتك وأنتِ بهذه الحالة؟"
تبدلت ملامحها لترد ببرود طغى تعبيرات وجهها: "ليس لك دخل بذلك."
"لكنك مسؤوليتي، لقد أوصاني عمك بك."
نظرت له لتقول بغير اكتراث: "أحررك من هذه المسؤولية إذا."
لتقف وتذهب. نظر لها عمر بحزن، فعلم أنها هكذا تعلنه برحيله. فخرج وتركها دون أن يأخذ على كلامها. لطالما كان يفعل ذلك خلال تلك الفترة.
دخلت الحمام، فتحت الصنبور لتغسل وجهها، ثم خرجت. جلست على حافة السرير، نظرت إلى الكمود، فتحت درج لتأخذ علبة دواء بداخله. وكان به كبسولات ليست كثيرة. كانت على وشك البكاء. لتفتحها وتأخذ ثلاث منهم، ثم تدفعهم دفعة واحدة لفمها وتتناول كوبًا من الماء وشربته. ثم أقفلت العلبه وأعادتها لكونها. عادت لسريرها لتتمدد عليها وترفع الغطاء من عليها وتترك النافذة مفتوحة، يدخل ضوء القمر الخافت ينير تلك الغرفة التي فيها.
فهي تحب النوم وعيناها تثقب القمر، فتراه شبيهًا لها، يبدو منيرًا بضوئه الذي يظهره، إلى أنه في الحقيقة جسم معتم. تلك هي حقيقتها. لا تعلم لماذا حين تنظر له تجد ذكريات تحوم حولها. ليست ذكريات.. بل حاضرها.
"هل أحببت من قبل؟" قالت ذلك بتساؤل وهي ترتشف رشفة من فنجان القهوة الذي تمسك بكلتا يديها وتميل عليها.
ليرد عليها بتلقائية: "لم أعرف الحب يومًا إلا بك."
تسمت ابتسامة على وجهها من رده. نظرت له لتقول بمزاح وهي تفعل بإصبعها حركة دائرية: "لأن وجهك به غموض يرعب من حولك."
"لماذا لم ترتعبِ إذا؟"
"لأني أحبك." قالت ذلك بابتسامة ممزوجة بالحياء.
لينظر لها ويبتسم بهدوء ويقول: "لم أمنح أحد حق التجول في تفاصيلي، إلا أنتِ."
"إنه لشرف كبير لي." ردت عليه ذلك ببعض المرح.
لينظر لها، فتلتقط أعينهما ببسمة متبادلة تلوح وجوههم.
لتتغلغل الدموع من بين عينيها التي قد جفت من كثرة البكاء، والسواد من تحتهما يعلنان هلاكهم. تنهدت، ثم نامت وهي تضم نفسها بذراعيها، وكأن بتلك الحركة تجمع أشلائها لتشعر بنبذة من الأمان. فهي باتت وحيدة تمامًا، وحيدة من قبل الجميع، وهي من بنت تلك الوحدة. فهي تشعر بالراحة كلما ابتعدت عن الآخرين، وكأنها ترى من العدم اختلاطها بالبشر.
في اليوم التالي، وصلت المشفى، دخلت لمكتبها، ارتدت جاكتها وبطاقتها وخرجت لعملها. وجدت عمر واقفًا مع الطبيب ياسر، الذي نظر لها قال: "ظننت أنكِ ستبقين في المنزل."
"لماذا؟" قالت ذلك باستغراب.
فرد عمر عليها مغيرًا الحديث: "لدينا عمل."
"آه."
"معلومات بتفهم." ثم ذهبت.
بينما هو خشي أن تضايق حين تعلم أنه أخبر ياسر أنها مريضة، فتفهمه خطأ وتظنه يدعي الجنون عليها كما تفعل عادة. لم يكن يعلم أنها تتعمد ذلك لتنفره عنها. لطالما كان بجانبها ولم يتركها ولا يكترث بما تقوله، بل تجده مرافقًا لها دائمًا. إنه من بقى معها لحد الآن.
دخلت لغرفة، وقفت عند مكتب الكشوفات لتقلب فيهم تبحث عن ملف معين.
"دعيني أساعدك." قال عمر ذلك.
نظرت له، ثم عادت بأنظارها وتكمل لتقول: "أشكرك."
ذهبت بعدما حصلت على الكشف التي تريده. نظر لها وهي تذهب ليرن هاتفه، يقاطع شروده، وجده وجيد. رد عليها: "مرحباً يا عمي."
"أهلاً يا عمر، كيف حالك؟"
"بخير الحمد لله."
"هل أفيلا معك في المشفى؟"
"أجل."
"هل هي بخير؟"
"بخير، لا تقلق."
"الحمد لله، أردت الاطمئنان عليها لأنها لا ترد على الهاتف."
"من الممكن أنها منشغلة أو لا تسمعه بسبب المشفى." قال هذا تبريرًا لها.
بينما وجيد يدرك أنها لا ترد على أحد. كان لديه أمل أن تخيب ظنه تلك المرة. تنهد قال: "أتصل بك لاحقًا."
"حسنًا."
أنهى المكالمة ثم ذهب لعمله.
في أحد الأيام... في تمام الساعة الثانية والنصف منتصف الليل، كانت على ملامحها الضيق وتعقد حاجبيها، وكأنها وحشًا ما يطاردها، وتتسرب حبيبات العرق على جبهتها، لتفتح عينيها بفزع وتجلس على الفور تنظر لأركان الغرفة وكأنما تبحث عن أحد. لتدرك أنه لم يكن سوى حلمًا. بل كابوسًا، فزع مثل الذي يراودها بكل ليلة تنام بها. وكأن ليس من حقها أن تغيب عن العالم، بل عليها أن تبقى عيناها يقظة لتتوجع ولا تعطي لقلبها قسطًا من الراحة كي لا يزعجها. إن الموت هيّن من ما هي عليه.
مسحت بكفها وجهها ورفعت شعراتها المنسدلة على وجهها مبتلة. نظرت للنافذة، لتبعد الغطاء وتتوجه إليها تقف عندها. لتجد القمر محجوبًا بتلك الغيمات المزعجة وتمنع ضوئه من الوصول إليه. لتسمع صوت تصادمهم وأصوات الرياح التي تداعب وجهها. برغم برودتها، إلا أنها تليق بوجهها الذي يحمل همًا لا مثيل له. لتقرب يدها عند صدرها وتمسك بقلادة تلتف حول رقبتها.
تبث لقلبها الأمان: "تذكريني بها، لعل يأتي يوم وأصبح ذكرى سيئة في ذاكرتك، ذكرى نادمة على اختيارها."
أغمضت عينيها بحزن خفي. لتسقط دمعة سالت من شدة قهرها لتقول بصوتها المبحوح: "الذكرى السيئة التي نادمة على اختيارها هي أنا.. أنا فقط، ليس أحد سواي."
"لا أريد رؤيتك تبكين."
لتنظر للصوت الذي أتى من ذاكرتها، لتجد طيفه يقف بجانبها ويرسم ابتسامته الهادئة. لتجده يقرب يده من وجهها ويمسح تلك الدمعة. لتبتسم والدموع تتجمع في عينيها وهي تنظر له: "هذه مشاعر لا أستطيع التحكم بها."
"تحكمي بها من أجلي."
أومأت رأسها بالطاعة دون تردد. لتقرب يدها لتلامس كفه الموضوع على وجهها. إلى أنها لم تلتقطها. ليقاطعها صوت الرياح القوي الذي تطايرت ستائره النافذة عليها، لتجده قد تلاشى من أمامها. لتبتسم ابتسامة مريرة. فتشفق دموعها عليها فتتحرر وتبدأ بالسيل. لقد هلكت روحها من كثرة البكاء والكتمان والصمت والتألم الوجع. ظنت أن حين تأخذ شقة لتمنع ذكرياتها من أن تحوم حولها. ذكرياتها معه. تريد أن تبتعد عن أي مكان جمعهم. سيحرسها من الحنون. إلى أنها قد حنت بالفعل، أنها لم تنساه قط ولن تنسى.
لم تعلم أنها كانت تهرب من لا شيء. كان هروبها من حياة أفيلا القديمة لسجن الذي أعدته لروحها. باتت حياتها ملخصة من العمل إلى المنزل فقط. حتى أنها لا ترى عائلتها أو تتواصل معهم قط. تكتفي بالجلوس بمفردها. ترى أن كل من يقترب منها ستسبب له الأذى كونها نذير شؤم.
في المشفى، بغرفة العمليات، كانت أفيلا وطبيب وثلاث ممرضات يقيمون بجراحة. ترتدي قفزات طبية وقناع وجه. تطلب منهم أدوات تحتاجها ليعطوها ما تريده، وممرضة جنبها تمسح عرقها، وأخرى الدماء من المريض. حتى توقفت لتعلن انتهاء الجراحة. نظروا لها، خلعت القفازات لترميهم في سلة القمامة، وأنزلت الكمامة من على وجهها لتأخذ أنفاسها. ثم التفتت وذهبت، تاركة إياهم ليكملوا ما يلزم.
وجدت امرأة وفتاة صغيرة في الثامنة. التي فور رؤيتها ركضت إليها لتقول من بين بكائها الطفولي: "أبي بخير؟"
نظرت أفيلا إليها وهي عند ساقيها لقامتها القصيرة. رفعت انتظارها للمرأة التي كان الخوف والقلق يمتلك تعبيرات وجهها. لتجد الطفلة تمسك جاكتها بقبضتها الصغيرة. نظرت لها لتقول: "انه الآن بأحسن حال."
قالت ذلك لتطمئنها. لتقول زوجته بلهفة: "هل نجحت العملية؟"
أومأت أفيلا رأسها إيجابًا.
"أين هو؟" قالت الطفلة ذلك.
فردت عليها: "إنه نائم الآن، سيفيق عما قريب."
لتبتسم وتمحي الحزن الذي كان عالقًا في ملامح صغيرة مثلها. لتندفع إليها وتعانقها. تفاجأت أفيلا كثيرًا، نظرت إليها وإلى هذا العناق الحاني. لترفع ذراعها بتردد تعانقها، إلى أنها اكتفت بأن تربت عليها بخفة. فتبتعد عنها.
"أشكرك كثيرًا." قالت زوجته ذلك بابتسامة ممتنة.
أومأت أفيلا لها، وقفت وذهبت.
"طبيبة أفيلا." جاءها هذا الصوت وكانت الطفلة ذاتها تناديها. توقفت ونظرت إليها لتقول بابتسامة بريئة: "أتمنى أن أصبح مثلك حين أكبر."
"تتمنين الجحيم إذا." قالت أفيلا ذلك بوجهها الخالي من التعبيرات. التفت وذهبت تتركهم خلفها.
دخلت المصعد ونزلت إلى الطابق الأسفل. خرجت، رأت ياسر من بعيد. سارت تجاهه. نظر لها قال: "نجحت العملية صحيح؟"
أومأت أفيلا برأسها إيجابًا. ثم قالت: "هل تحتاجونني بشيء أم أغادر؟"
"لا تستطيعين المغادرة، فلقد انتهى دوامك."
خرجت من المشفى متوجهة لإحدى السيارات المصطفة لتفتح بابها لتدلف. لكن توقفت للحظة. ألقت نظرة إلى الصيدلية القريبة منها. عادت بقفل الباب وذهبت.
"أتريدين هذا الدواء حقًا؟" قال ذلك الصيدلي بتساؤل.
لتأومأ برأسها. قال: "منذ متى وأنتِ تأخذينه؟!"
لم ترد عليه، تنهدت. فعلم أنها لا تريد القول.
"اسمعي، بحكمي طبيب وعلي أن أخبرك أنه يريح في البداية، لكن بعدها تظهر أعراض تضر بك وممكن أن..."
"أنا طبيبة."
نظر لها بتفاجؤ. لتردف قائلة: "أعلم ما هي أعراضه."
"وتأخذينه؟"
"أريد الذهاب." قالت ذلك تخبره أن يغلق الحديث وأنها غير مبالية.
نظر لها، ذهب ثم عاد وأعطاها ما طلبته. أخذتها وذهبت بعدما دفعت. خرجت ثم توقفت عند الباب. نظرت إلى الدواء الذي بحوزتها. تنهدت ثم ذهبت.
في منزل وجيد كانوا متجمعين على المائدة يأكلون. لتقول بهيرة: "لنذهب لأفيلا، لم نرها منذ مدة."
قال وليد بغير اكتراث: "إنها لا تريدنا يا أمي."
نظرت إليه لترد بيري وهي تؤيده: "وليد محق يا أمي. أخذتها حياتها وتناست، لا أعلم إن كانت قاصدة أم لا. فأنا أعلم ما تعانيه، لكنني لم أنسَ أنها لم تحضر خطبتي."
"الزموا الصمت إن لم ستتفهوا بالهراء." قال وجيد ذلك.
نظروا إليه وصمتوا. ليقول معاتبًا إياهم: "سوف تعود كما كانت قريبًا، مسألة وقت ليس إلا."
لم يعلم هل يبرر لأولاده أم لنفسه. فعن أي وقت يتحدث. لقد تغيرت كثيرًا ولم تكن حتى عن ذي قبل. فكانت تراهم، أما الآن فهي انقطعت البتة. هل ستعاني من وحدتها هكذا كثيرًا؟
"لنذهب إليها يا بهيرة، فأنا أفتقدها." قال ذلك يعلنها بقراره. لتاومأ برأسها موافقة.
دخلت أفيلا شقتها، في يدها دواء وضعته على المنضدة والمفتاح. ودخلت غرفتها. بدلت ملابسها. سمعت صوت الباب، ذهبت وفتحت. وجدت عمها وخالتها. ابتسموا لها، بينما تفاجأت من زيارتهم. أفيلا أفسحت لهم مجالًا للدخول ثم أقفلت الباب وأضاءت الأنوار لتنير هذا الظلام الحالك الذي تعيش فيه. فهي تحب المنزل يكون عتمة يملأه السواد ويعم في كل ركن مثل حياتها المظلمة. أحضرت عصير إليهم ووضعته لهم وجلست معهم.
قالت بهيرة: "كيف حالك يا ابنتي، افتقدناك كثيرًا."
"بخير، كيف حالكم؟"
ليرد عليها وجيد: "نحن بخير."
كان ينظر إلى الشقة قال بتساؤل: "هل تبقين هنا بفردك هكذا بين الظلام؟"
لم ترد عليه، فتعلم كيف سينتهي ذلك النقاش الذي ملت منه. قال: "ألا تنوين العودة؟ تعالي امكثي معنا، إنه منزلك أيضًا."
"لا بأس، أنا سعيدة هنا."
قالت بهيرة: "نحن قلقون بشأنك يا أفيلا."
"أنا بخير، أذهب للعمل وأعود، ممن القلق."
"أنتِ لستِ بخير."
قال وجيد ذلك بإنفعال. ليكمل: "ما فائدة جلوسك هنا عن هناك؟"
"لأني أريد ذلك."
"لن ينتهي الأمر حتى تتزوجين وتعودي كما كنتِ."
"أنا متزوجة بالفعل."
نظر إليها باستغراب. ليجدها ترفع يدها التي بها خاتم زواجها الذي البسه لها. بينما وجيد نظر لها قال: "لكنه ليس معنا.. انتهى هذا الزواج منذ زمن."
"لم ينتهِ، مدام هذا الخاتم لا يزال معي فلم ينتهِ ولن ينتهي."
"أفيلا." قال هذا لتسمعه. ليكمل بهدوء: "أقدر أنك كنتِ تحبينه، لكن مر الكثير للحد الذي يجعلك تنسيه."
"أنك مخطئ يا عمي، أنني لا أزال أحبه ولن أنساه البتة."
"لكن عليك أن ترى حياتك، تزوجي عمر، إنه يحبك، أنا متأكد أنه من سوف يسعدك ويستطيع أن يخرجك من هذا الجحر الذي تعيشين فيه."
"عمر صديقي فقط، إلى متى سأخبركم بهذا.. لن أتزوج من أحد، عمر أو غيره." قالت ذلك بأنفعال.
ليرد عليها بغضب بعدما طفح الكيل بهدوئه: "هل تريدين أن تكملي حياتك على هذا النمط في هذا الظلام بين أربعة جدران لا تخرجين من بينهم؟"
"وجيد اهدأ." قالت بهيرة ذلك لانفعاله.
ليقول بغضب: "سوف تتزوجين يا أفيلا الآن أم بعد، ستتزوجين، لن أدعك تلقي نفسك على الهاوية وأقف أتفرج عليك. إنها حياتك، لكنني الواصي عليك من بعد أخي، أي يجب أن تسمعي كلامي لأني أريد ما في صالحك."
"بلغت السن القانوني منذ زمن، يحق لي التصرف كما يحلو لي دون وصاية." قالت أفيلا ذلك.
لينظر لها من ما قالته وكأنها تخبره أنها ليست بحاجة إليه. وقف وهو غاضب وذهب. نظرت بهيرة إليها ثم وقفت وذهبت لتتبع زوجها.
كانت أفيلا حزينة وتشعر بالضيق من حديث عمها وكلماته التي اندفعت منه. تضم يدها لبعضها وتجرح أصابعها بأظافرها وتنظر للاسفل بعين ممتلئة بالدموع: "اشتقت لك."
لقد عجزت من البوح ما بداخلها.. تألم بين دوامة صمتها. في لحظات ضعفنا ووحدتنا لا نستطيع القول "أنا متعب". أينما رميت بروحك فهي متعبة. نتألم ولا أحد يدري سوانا. يعجز الإنسان أحيانًا حتى في صمته.
دخلت لغرفتها، ارتدت معطفًا وهو رداء يلبس فوق الثوب الخارجي لتدفئته. أخذت مفاتيحها وذهبت وأقفلت الباب بقوة.
كانت أفيلا تقود سيارتها وتفكر في كلام وجيد لها: «لا يعلمون شيئًا، لا يعلمون أنني أنا من قتلته بيدي ويطلبون مني الزواج. كيف لي أن أتزوج من أحد ويقترب مني غيره؟ لقد تحمل ما لا يحتمله أحد. أعطاني حبًا واهتمامًا لم أعطه إياه. ثم تطلبون مني نسيانه.. لم أقتل نفسي وأنهي حياتي حتى اليوم لأعاقبني له. لجعل الندم يهلكني يومًا بعد يوم، حتى يتوقف نبض قلبي من تلقاء نفسه من شدة ألمه. يعلم استلامه وأنه لم يعد يتحمل. لا أريد الراحة لي.. أريد العذاب.. كما فعلت به، أريد أن أقتل نفسي بالبطيء لأخذ بثأره مني.. لكنني أود الموت كثيرًا، أريده أن يأخذني إليه.. لقد اشتقت إليه حقًا. ليست المرة الأولى، بل هي عادتي بكل يوم ولكل ساعة بل شهيق وزفير التقطته أشتاق لك.. ولكن بصمت.»
كانت تقود السيارة بسرعة، ثم ضغطت مكابح فجأة. نظرت أمامها وجدت جرو على جانب الطريق.
"على ماذا تنظر؟" قالتها بتساؤل. لتلقي نظرة فتجد جرو صغير يلعب مع طفل.
"لا أعتقد أن شخصًا مثلك يميل إلى الحيوانات الأليفة."
"أصبتِ."
"لماذا تنظر له إذا؟"
"يشبه صديق قديم."
نظرت له باستغراب قالت: "صديق! وماذا حل به؟"
"قتلته."
فتحت فمها من الدهشة واتسعت قدحتا عيناها. تسرب لقلبها الخوف. نظر لها وفلتت ضحكة عفوية منه. شكلها. لتضيق ملامحها.
"أترى المزاح بأخافتي؟" قالت ذلك بغضب وهي تضربه بكتفه بقوة.
ليضع يده مكان ضربتها بتألم قال: "إنك عنيفة."
نظرت له ومن نبرته لتبتسم عليه.
شعرت بحرقة في عينيها أثر دموعا بدأت في التعانق. تنهدت ثم فتحت الباب لتترجل منه. نزلت وسارت تجاهه بحذر كي لا ينقض عليها. فاكثرية الحيوانات لا تأمن لنفسها مع إنسان ولها الحق في ذلك. أوقات ندرك أن الله ميزنا عن الحيوانات بالعقل، إلى أننا ندرك أنهم بهم عقلانية أكثر منا.
لكنه كان ثابتًا لم يتحرك. جلست مقابله تاركة مسافة. نظرت إليه ثم لفت انتباهها جرح في قدمه. نظرت له بشدة ثم اقتربت منه ليعود للخلف. فرفعت يديها تهدأ. لتنظر لجرحه عن قرب وكان عميقًا. تلفتت حولها وكأنها تبحث عن شيء. ثم لمحت صيدلية من بعيد.
"انتظر هنا، سأعود."
ركضت أفيلا. ثم توقفت حين سمعت صوت تصادم السحاب ببعضهم تسقط قطرات ماء. لتنظر أسماء وتقول: "هل تدمع السماء؟ لقد سبقتني هذه المرة... يا الله، ألم يحن وقتي بعدل؟"
لتردف بصوت ضعيف كأنما تود البكاء: "ألم يحن وقت اللقاء أم لا يزال العقاب مستمر؟"
تنهدت ثم ذهبت أحضرت المظلة من السيارة وتوجهت نحو الصيدلية لتحضر ضمادة لتطيب الجرح الذي كان متلوثًا.
خرجت من الصيدلية بعدما اشترت ما تريده ثم ركضت إليه سريعا حتى لا يكون قد ذهب. وأثناء وهى تركض وجدت ضوء شديد قريب منها. نظرت. سرعان ما اصطدمت سيارة بها. فأستلقت على الأرض.
فتح الباب ليترجل أحدهم وتسمع خطوات أقدامه تقترب منها. لتجده يحملها. نظرت أفيلا إليه. لكن الرؤية لم تكن واضحة ولم تستطع رؤيته. لتقفل عينيها باستسلام وغابت عن ذاك العالم... عجبا، هل استجاب الله ندائها بهذه السرعة وحقق لها رغبتها؟ هل ماتت أم وقعت بجحر أعمق من الذي فيه؟
رواية احببت مافيا الفصل الثاني 2 - بقلم نور
فتحت عينها بضعف. نظرت إلى السقف من فوقها. اللعنة، هل لا تزال حية؟ هل لا يزال صدرها يعلو ويهبط كونها تتنفس؟ نظرت حولها لتجد نفسها في غرفة غريبة لا تعرفها، لكن ما تعرفه أنها ليست غرفتها. جلست وهي متعبة وكان جسدها يؤلمها وتشعر بثقل برأسها. وضعت يدها تتحسسها فاستشعرت ضمادة عند رأسها فعلمت أنها مجروحة. عادت بذاكرتها فتذكرت السيارة التي اصطدمت بها ومن بعدها فقدت وعيها.
أنزلت قدميها من على السرير. وقفت لكن لم تستطع الوقوف أثر ارتخاء قدميها. عادت لجلستها. نظرت إلى قدميها فهل أصيبت بهما؟ أسندت يدها على السرير ووقفت وسارت تجاه الباب. فتحته وجدت أنها في منزل كبير فاخر، "فيلة" التي تكره وتخاف دخولها منذ تلك الواقعة المريرة ولم تطأ قدماها بدخول مكان شبيه لها من بعد ذاك اليوم. شعرت بالاختناق والضيق لوجودها هنا. أسندت يدها ونزلت على الدرج تتساءل: أين هنا؟ وأين البشر الذين بهذا المنزل؟
نزلت. نظرت حولها تبحث عن أي أحد وهي تسير. يبدو من النوع البيوت الهادئة، لكن هدوء ذاك يشعرها بالريبة.
وجدت ضوء من إحدى الغرف. سارت متوجهة إليها. كانت غرفة المعيشة واسعة ذات تصميم كبلاد الخارج وتلك الركنة الأنيقة. خطوت لداخل لتجد أحد واقف بعيد معطياً ظهره لها. فتساءلت إن كان ذلك صاحب المنزل. الذي سمع صوت أقدامها وعلم بوجود أحد معه. كان يرتدي قميص أسود يدع اثنان من أزرار قميصه الذي يدخله في بنطاله الأسود ويطوي أكمامه قليلاً، تظهر ساعة يده الفاخرة. ويضع يده في جيبه ويده الأخرى يمسك بها كأس كان به نبيذ. لم تر سوى طرفاه العريضتين الملفته.
قالت: أنت من صدمتني... أين أنا؟
وحين انتهت "أفيلا" من كلماتها المتسائلة، لتجده يلتف إليها لتتجمد ملامحها وتتسع أعينها لفرط صدمتها وتسارع خفقان قلبها وصوت دقاته المرتفع وكأنه على وشك التوقف. إنه هو بهيئته ذاته "كاسبر". احمرت عينا "أفيلا" وتجمعت الدموع بها. لتسير تجاهه بخطواتها البطيئة وهي تنظر له. لتقف أمامه وهي تثقبه بنظراتها وارتعاش شفتاه وتثمر وجهها، غير مصدقة ما يحدث وأنه من يقف أمامها.
: أصبحتِ بخير.
ليرتفع نبضها بمجرد سماع صوته وشفتاه التي تحركت ونبرته التي تعرفها جيداً. لترتسم ابتسامة على ثغر وجهها بسعادة دون أن ترد عليه. تعلم أن هذا حلم وأنه ليس هو بل إحدى هلوساتها التي كان دائماً تراودها. اقتربت منه لترفع يدها ببطء أثر رجفتها. نظر لها وليدها. وجدها تقربها من وجهه تلامسه وكان ملمسها بارد.
: تبدو حقيقي.
قالت ذلك بصوت ضعيف وابتسامة خافتة. تنظرت في عينيه التي اشتاقت لها كثيراً وتريد أن تروي شوقها وجرح قلبها. سالت الدموع من عينيها ليجدها ترتمي عليه. نظر لها وجد عينيها مقفلتان أثر فقد وعيها.
كان طبيب يحاول إفاقتها "لأفيلا". لتفتح عيناها وهي تشعر بثقل بجسدها. لتلتقط عيناها ذات السقف. لتجول بأنظارها في الغرفة سريعاً إلى أن توقفت بأنظارها عليه. كان واقفا بذات الغرفة. إنه هو حقاً.. ألا تزال تحلم؟ مستحيل أن يكون الواقع.. مستحيل أن يكون هو ذاته. أهي معجزة أم كما سمعت، يخلق من الشبه أربعون؟ لكنه نسخة مطابقة.. ذات القوام والجسد والعينان ذات التعبيرات والملامح. إنه هو.. بل إنها في معجزة تشهد أعينها عليها الآن.
: هل أنتِ بخير؟
قالت الطبيب ذلك بتساؤل. لكنها لم تكن تنظر سوى له وكأنها ثملت لرؤيته. وقفت لتطأ قدماها على الأرض لتقترب منه. نظر لها. سرعان ما انقضت عليه بعناق قوي. لينظر "كاسبر" لها وهي قريبة منه بشدة والطبيب متفاجئ. ليبتسم من ردة فعلها ويمسك بحقيبته وهو يقول: جيد.
ليقف ويهم بالخروج ويتركهم. نظر "كاسبر" إليه وهو يخرج. ليسمع صوت بكاء صادراً منها وتقول: أنت حقيقي.
نبرته كانت مليئة بالحزن الذي يمحى شيئاً فشيئاً. لينظر لها وهو متفاجئ. ليجد رجلان من إحدى رجاله جاؤوا عندما سمعوا صوت بكائها ونشيجها الذي كان مرتفع. لينظروا إلى سيدهم والى "أفيلا" التي تعانقه بقوة وتلتف ذراعيها عليه وكأنه سيهرب منه وتبكي بحرقة.
: لا تبتعد ثانية. إن كان حلماً دعني أنغمس به.
كلماتها تخرج من صميم قلبها. لتجد يده تضع على كتفيها وتبعدها عنه.
: معذرة.
نظرت له "أفيلا" حين ابتعدت عنه لتقول برجاء: سامحني أرجوك، سامحني على جريمتي بحقك، أنا أتعذب مراراً ل...
: هل أنتِ بخير؟
لتؤمئ برأسها دون تردد متجاهلة نبرة صوته الغريبة. لتقول من بين بكائها: بخير.. أصبحت بخير فور رؤيتك.
لترفع أنظارها إليه وتردف قائلة: افتقدتك كثيراً.
اقتربت منه لتعانقه للمرة الثانية. فهي لم تكتف بذلك العناق القصير. إلى أنه منعها وابتعد عنها. لتتصنم قدماها من ردة فعله.
: يبدو أنكِ مخطئة بيني وبين شخص آخر.
نظرت له باستغراب شديد من جملته التي قالها للتو.
: ماذا؟
: اصطدمتِ بسيارتي فأحضرتك لمنزلي.
لتتجمد الدموع في عينيها وهي تنظر له بعدم فهم من تحدثه وكأنه لاول مرة وادعائه الجهل كونه لا يعرفها. بل لم يبدِ على أي وجه صدمة أو تفاجؤ من رؤيتها مثلها. لتقول وهي تبتسم ابتسامة مريرة.
: ما الذي تقوله؟ لما تتحدث معي هكذا؟
نظر لها بإستغراب. لتردف قائلة: تتحدث وكأنك لا تعرفني، عاقبني ما تشاء، لكن لا تحرمني منك، هذا العقاب لم أعد قادرة ا...
: عفواً.
قاطعها. لتنظر له فيقول: هل تعرفينني؟
لتنصدم بسؤاله الذي طرحه عليها للتو.
: سيدتي.
قال ذلك أحد الرجال الذي يتابعون ما يحدث. لتنظر لهم. كان واحد منهم الذي فك قيدها في ذاك اليوم حين اختطفت من "روبرت". لكن "كاسبر" رمقه نظرة جعلته يصمت لأنه تحدث بحضوره. عاد بأنظاره لأفيلا ليقول: هل تقابلنا من قبل؟
ابتعدت عنه. عادت للخلف وهي تنظر له بعين مليئة بالدموع والصدمة والخذلان والحزن. فما عادت تعلم من هذا ومن هي... لم تعد تعرف أحداً. التفتت وذهبت. إلى أنها توقفت أمام ذاك الرجل. نظرت له وهو الآخر. وكان يعرفاها. لتتخطاهم وتذهب من هنا. خرجت من المنزل. وجدت رجاله واقفين. نظرو لها فأكملت.
تتلقى نظرات خلفها وهي تسير وكأنها تترك شيئاً منها يخصها بالداخل. تتركه وترحل. ظنت أن هذا شبحه أم طيفاً أم مخيلتها كعادتها أم إحدى تأثيرات الدواء التي تأخذه... لكن كيف؟ لقد تحدثت معه. لقد عانقته برغم أنه لم يبادلها وكان في جموحه. إلى أن عطره قد اجتمع بعطرها وتغلغل بأنفاسها. سالت الدموع من عينها. ثم سمعت صوت أحدهم يوقفها. توقفت. نظرت له. وجدته الرجل ذاته.
: لماذا منعتني من الحديث معك؟
قالت ذلك بضيق. إلى أنه قال: عدنا إلى مصر منذ خمسة أيام.
ابتسمت "أفيلا" بأمل ولا تصدق. لتقول: إذاً، أنه هو صحيح.
أومأ الرجل برأسه إيجاباً. لتسيل دموعها من السعادة. هل طال حلمها هذه المرة؟!!
نظرت له. وكانت ستقول شيئاً. إلى أنه سبقها بالقول: سوف تحصلين على الإجابات من شقيقه.
لتتسع عيناها بصدمة كبيرة: مازن؟
أومأ إليها بمعنى نعم. ثم ذهب. وهي لا تزال واقفة في مكانها. تساؤلات تحوم حولها ولا تجد لها تفسيراً. إنه حي.. ومازن... ماذا عن مازن؟ هل كان يعرف؟ لكن كيف؟ لقد أكد لي روبرت أنه مات وشهادة الوفاة وكل ذلك. كيف حدث..... لا أفهم شيئاً. هل جننت... أتملكني هذا الجنون هذا المرة؟
: القبر.
قالت ذلك بإستدراك. فهو حل لأسئلتها لحين تعرف ما يجري.
وصلت إلى المقابر. لتدخل. فينظُر لها رجل المدافن ويقول: طبيبة. "أفيلا" خيراً هل جئتي...
: افتح ذاك القبر.
قالت ذلك ببرود تقاطعه. بينما هو صدم من ما قالته: ماذا؟
: ألم تسمع؟
: ك.. كيف؟
: مثلما قفلته قم بفتحه. هيا.
: ما تطلبه لا أستطيع فعله. الميت له حرمة لا يحق لنا انتهاكها.
: هذا القبر لزوجي. أتريدني أن أذهب لأقرب مخفر وأرفع شكوى ضدك؟
ليشعر بالخوف من قولها ذاك ويتوتر. قال: لكن...
: قلت لك افتحه.
قالت ذلك بصوت مرتفع غاضب. نظر لها وهو لا يفهم أي شيء. لكن استسلم وأومأ بقله حيلة: أمري لله، حاضر..... لحظة واحدة.
وقفت تنتظره بفارغ الصبر. وتأتي ذهاباً وإياباً. إلى أن عاد إليها. نظر لها. تنهد بقلة حيلة. ثم بدأ في تنفيذ ما طلبته.
كانت تنظر له تتابع ما يفعله. لتجده توقف فجأة وينظر إليها. تعجبت. إلى أنها أبعدته وألقت نظرة إليها. لتنصدم حين رأت القبر فارغ. لتجتمع بعينيها الدموع وتصطك ساقيها. فتجس على ركبتاها التي لم تعد بمقدورها التحمل. هل ما يحدث حقيقي؟
: قمت بدفنه أنا وحراسه.
قال مازن ذلك. وكان في منزلها. لتنظر له بغضب وتقول: كيف تفعل ذلك دون أن تخبرني؟
لتردف قائلة: ماذا عن الجنازة؟ لم نسير معه حتى. هل جننت؟ كيف تفعل ذلك؟ إنه يستحق أن نقيم له عزاء مثل البشر.
: أخي قد قُتل.
قال ذلك بغضب مضاهي غضبها. ليكمل بضيق: وتريدين مني أن أقيم له عزاء؟
ليزول غضبها بسماع ما قاله. وتشعر بغصة بحلقها. وكانت على وشك البكاء: هذه شهادة الوفاة. سوف أسافر بعد يومين. أخبرتك عن مكان القبر إذا أحببتِ الذهاب إليه.
نظرت إليه. وهل سيسافر الآن؟ وجدته يمد يده بورقة. أخذتها بتردد ورعشة يدها ودموعها على وشك التساقط. وما أن أخذتها. ليلتف وهم بالذهاب يتركها بمفردها.
كانت جالسة لا تصدق ما يحدث. بينما القضية تتذكر قول عمها أن مازن من يتولى أمرها مع الشرطة. وأنه من أخبرها أن الجاني لم يترك خلفه أي أثر. تتذكر الأحداث التي كانت غريبة بتلك الفترة وغرابته. فهي لم تراه أني للقبر لرؤية أخاه. بل سافر وترك كل شيء خلفه... ماذا يعني هذا؟ على قيد الحياة.. إنه على قيد الحياة. هل أنزل الله عليها بمعجزة؟ كونه على قيد الحياة ليس سوى أكبر معجزة بالنسبة إليها.
كان الرجل ينظر إليها. ليجد ابتسامة ترسمها على وسع ثغرها. تعجبت. إلى أنه تفاجأ كثيراً حين وجدها تضحك وتخفض رأسها بضحكاتها المريرة الساخرة المزدوجة بحزن ونار في قلبها لا تهمد. لا تعلم إن كانت سر ضحكاتها الحزن المغيم من فوقها لأنها كانت بعيدة عنه كل تلك المدة وعن كل ما عانته... أم سعيدة سعادة مضاهية وكأنها امتلكت العالم بأسره لمعرفتها أنه حي.
ذهبت لشقتها. لتجلس على الأريكة. وهي في صدمة. تتذكر لحظة لقائه بها. فلقد كان معها منذ ساعات. امسكت هاتفها لتتصل بأحدهم. لكن لم يأتِها رد. لتتصل مرة أخرى. حتى وجدت المكالمة فتحت. تعلن سماع الآخر: أين أنت؟
: لماذا؟
لتقول بإستدراك: أنت في مصر صحيح؟
صمت قليلاً ثم قال: أجل.
: أريد مقابلتك.
: في وقت آخر. أنا في العمل.
: "علي" على قيد الحياة.
قالت هذا. لتجده صمت. ولم ولم يرد عليها من بعد ما قالته. لترسم ابتسامة جانبية ساخرة وتقول: يبدو أن لديك علم مسبق بذلك.
: أين نتقابل؟
في مقهى. كانت "أفيلا" جالسة تنظر في ساعتها. لتجده يدخل. كان مازن. الذي لم تراه منذ ثلاث سنوات. فلقد انقطع عن الجميع واختفى منذ آخر لقاء بينهم. كانت قلقة أن يكون غير رقم هاتفه ولن تستطيع التواصل معه. لكنه كان كما هو. وكأنه وضع حساب تلك اللحظة. نظر لها. اقترب منها.
: لماذا اتصلتِ بي؟
قال ذلك وهو يجلس. لتقول: كيف فعلتها؟
نظر لها بعدم فهم وأستغراب. فقالت: كيف زورت الشهادة وصنعت قبر مزيف وأخبرتنا أنك دفنته به؟
تعجب من كلامها ونبرتها الواثقة. ليقول: ما الذي تتفوهين به؟
: لا تدعي الجهل... كان علي معي منذ قليل.
: أرى أن خطب ما قد أصابك. لقد مات من ثلاث سنوات. هل تذكرتيه الآن؟
لتتفوه بوجهه بإنفعال: لم أنساه حتى أتذكره. لقد رأيته وجهاً لوجه. تحدثت معه بعد كل تلك الغيبة. بعدما كنت أتحدث لقبر.. القبر الذي قمت بفتحه بنفسي وكان فارغ.
: يبدو أني خيبت أملك.
قال ذلك بنبرة ساخرة. تعجبت. قالت: ماذا؟!!
لم يرد عليها. قالت: ماذا تقصد؟ أخبرني... كيف خدعتنا بموته؟
نظر لها ليقول ببرود: مثلما حاولتِ قتله.
لتتصنم بمكانها أثر صدمة كبيرة صعقت بها للتو. فلا أحد يعلم أنها هي من قتلت كاسبر غيرها وروبرت. وهو قد مات. كيف علم مازن بها.. أكان كل ذلك يعرف؟ لكن كيف.. ماذا يحدث؟ ستصاب بالجنون بلا أدنى شك. ما كل تلك الأسرار المخفية؟
: إذا كان القبر حقيقياً لم أكن لأسمح لك بالاقتراب منه.
لتشعر بغصة في حلقها وحزن طغى في قلبها من كلامه الذي كان حقيقياً وتذكيرها بما فعلته... لكنها لم تنسي. ليذكرها أنه فقط يدفع بخناجر لقلبها ليفتح جرحها من جديد.
: عندما علمت من أحد حراسه أنه بمصر جئت لمنع أي لقاء بينكم. فكنت أعلم أنكم ستتقابلون الآن أم بعد.. لكنني تأخرت. لكن لم أتأخر كثيراً. لذلك اسمعيني جيداً يا "أفيلا".
كانت صامتة تصغي إلى كلماته. وتشعر بحرقة في عينيها.
: انسي أنكِ رأيته أو جمع لقاء بينكم من جديد. كما كان في مخيلتك قد مات... فهو ميت لحد الآن.
: أين كان كل هذه المدة؟
قالت ذلك بتساؤل وصوت مبحوح يكبح بكاءً.
: بالمانيا...... بسببك هو لا يتذكر أخاه ويراني غريباً متطفلاً ليس إلا.
قال ذلك بضيق. لتنظر له أفيلا بشدة وتقول: ماذا تقصد بأنه لا يتذكر؟
لم يرد عليها. ثم وقف يعلنها برحيله. نظرت له وهو يذهب. لتقف وتلحق به.
خرجن من المقهى. وقفت أمامه تمنعه وتقول: ماذا تقصد أنه لا يتذكرك؟ أخبرني.
زفر بضيق. لأنه فتح مجرى لهذا الحديث. قالت: هل هو أيضاً لا يتذكرني؟ ألم يكن يدعي عدم المعرفة بي؟ أرجوك يا مازن أخبرني. أريد أن أعلم كل شيء. سوف أفقد عقلي صدقني.. لا تزال هناك أسئلة كثيرة تضج برأسي يجب على معرفتها.
صمتت قليلاً. ثم نظر لها وقال: هناك من يجيبك عليها غيري.
نظرت له بتعجب وإستغراب. لتقول: من؟
: عمر.
: عـ .. "عمر"... وما علاقته بـ"علي"؟
لم يكترث لكلامها. ليقول قبل ذهابه: أتمنى أن تكوني فهمتِ كلامي وتبتعدي عن "علي". وأن حدث وقابلتيه لا تحاولي التقرب منه أو الاختلاط به. فأنا لن أدعك تقتلينه مرة أخرى.
نظرت له مازن. وذهب. وهي واقفة مكانها. لترفع رأسها تأخذ نفساً لتخفف من حرقة عينيها. تنهدت واستجمعت قواها. فتساءلت ما كان مقصده بأن عمر من يحمل إجابتها... هل هو أيضاً يعرف أن "علي" حي؟ يالسخرية القدر منها.. هل الجميع يعرف؟ هي التي كانت في غفلتها تعيش وهماً مؤلماً لسنين بذنبه الملتف حول عنقها.
ذهبت لسيارتها. فتحت الباب ودلفت لداخل. تناولت هاتفها. وأقامت مكالمة. ليأتِها رد: مرحباً أفيلا ال....
: أنت في المشفى؟
قالت ذلك ببرود متجاهلة رد السلام.
: أجل. لما؟
أقفلت أفيلا الهاتف بعدما حصلت على مرادها. لتقود سيارتها وتذهب متوجهة للمشفى. التي حين وصلت. نظرو لها ومن حالتها التي كانت عليها من البارحة. لتقترب من أحداهن وتسألهم عنه.
: الطبيب "عمر". ستجدينه بمكتبه.
ذهبت أفيلا. والممرضة تنظر لها باستغراب من كيفية سؤالها.
كان "عمر" جالس بمكتبه يرتدي نظارة قراءة ويتطلع بأوراق المرضى. ليقاطعه دخول أفيلا عليه. نظر لها وإلى هيئتها والضمادة التي عند رأسها. خلع نظارته. وقف وذهب إليها. قال: ماذا حدث لكِ؟
اقترب منها بقلق. ليجدها تقول ببرود: هل كنت تعرف؟
نظر لها ولم يفهم سؤالها. نظرت له. قال: هل تعرف أن "علي" حي؟
صمت ولم يرد عليها. بينما ملامحه تبدلت. لتصرخ به بغضب: تحدث ولا تفكر في الكذب أيها المخادع.
اقترب منها قال: هل هدأتي؟
: لا تقترب مني. هل كنت تعرف أم لا؟
: أجل.
فور انتهاء لفظه لتلك الكلمة. سرعان ما تلقى صفعة على وجهه.
حببت مافيا 2 بارت 2
رواية احببت مافيا الفصل الثالث 3 - بقلم نور
لا تقترب مني.
هل كنت تعرف أم لا؟
أجل، فور انتهاء لفظه لتلك الكلمة، سرعان ما تلقى صفعة على وجهه منها. لينصدم كثيراً بهذا الكف، ليجدها تمسكه من ملابسه بقوة وتنظر له بحنق، لتقول بصوت يجهش بالبكاء:
لماذا فعلت بي هكذا؟ لماذا يا "عمر"؟ لقد اعتبرتك صديقي.
نظر لها، ومن نبرتها ليشعر بوخزة في أيسر صدره من رؤيتها تنظر له هكذا ودموعها تسيل على وجنتها، لتصرخ به بغضب وانفعال:
هل كنت تستمتع وأنت تراني هكذا؟
نظر لها بشدة وحزن، قال:
"أفيلا".
اصمت.
صاحت به غاضبة لتقول:
رأيتني وأنا أهتف باسمه يومياً. تعلم أن هلوستي كان عنوانها هو، وتصر وتكمل بخداعك لي. في ذلك اليوم التي رأيته في المشفى كان حقيقياً، كانه هو "علي". لتجدني أركض كالمجنونة، فتواطيني بكذبك الذي اعتدت عليه.
كان مصدوماً بكلامها، إلى أنه شعر بحزن شديد من اتهامها له.
كيف أمكنك أن تفعل هذا بي؟ هل تعلم كيف عشت هذه السنوات؟ لقد كان الندم يأكل قلبي وضميري الذي يلاحقني وأتعذب منه مراراً. لقد كنت أفكر في الانتحار كل يوم، وأرى أن ليس من حقي تنفس ذلك الهواء الذي سلبته منه. أردت إنهاء هذه المأساة بأي طريقة.
"أفيلا".
أنا لم.
أنت لا تعلم عما مررت به. أنتم لا تعلمون شيئاً.
قالت آخر جملة وهي تتركه وتجلس على ركبتيها وتبكي بحرقة، والآخر متضايق لسماع صوت بكائها. جلس مقابلها، كانت تضع راحة كفيها على وجهها. أنه لم يرها ضعيفة بهذا الشكل لمرة واحدة حين "علي" قد مات. هل كانت تكبح كل ذلك بداخلها؟ ليلعن نفسه بالحزن الذي سببه إليها. رفع ذراعيه بتردد خشية أن تفهمه خطأ، ليتنهد وضمه إليه برفق، متخطياً الحواجز. كل ما يشغله أن يوقف بكاءها. إلى أنه ترك مسافة.
اعتذر.
قال ذلك بهمس لها، ليمسد بيده على شعرها يهداها. لتتوقف عن البكاء. تمنى أن يعانقها يوماً، لكن لم يرد أن يكون عانقاً إنسانياً ليواسيها لا غير.
كان ممرضتين مارين، ليتوقفا عند المكتب وابتسما حين وجدا من رؤية عمر وأفيلا يتعانقان كما هيأ لهم، فكان الباب زجاجياً مطل على الداخل.
ماذا تفعلون؟
جاءهم هذا الصوت من خلفهم، وكان "ياسر". ارتبكوا. بينما هو ألقى نظرة على ما كانوا يرونه، ليراهم. فنظر إلى الممرضتين، قال بحدة:
اذهبوا إلى عملكما.
أومأ برؤوسهم وذهبوا. نظر ياسر إليهم، ثم نظر إلى عمر وأفيلا وذهب.
توقفت "أفيلا" عن البكاء، لتدرك ما يحدث، فتبعده عنها على الفور. نظر لها، كان وجهها منتفخاً ومليئاً بالدموع. وكان لا يستطيع التحمل. قال:
اهدئي، أنا آسف.
أريد أن أعرف ما حدث.
نظرت له وأردفت قائلة:
أخبرني مازن أن معك إجاباتي.
ليجمع قبضته بضيق، ليسمعها تقول برجاء:
أرجوك يا "عمر"، لا تخبئ عني أي شيء. يكفي، أريد الحقيقة. ليس بمقدوري التحمل، صدقني.
تنهد بقله حيلة من نبرتها، ليقول:
في ذلك اليوم لم تكوني بمفردك.
نظرت له بعدم فهم، ليكمل:
سمعت حديثك عبر الهاتف في ذلك اليوم الذي كنتِ غريبة به كثيراً. لا أعلم، روادني شعور غريب. خشيت عليك، فقمتُ باللحاق بك.
وقف "عمر" أمام الفيلا التي رأى "أفيلا" تدخل إليها. نظر لها من الخارج، لا يعلم أن كان عليه الدخول أم لا. دخل وهو ينظر حوله، يبحث عنها ولا يعلم أين هي أو ما الذي يفعله هنا. أنه يخطئ إن علمت أنه تبعها، لن تفهم سوى أنه يزعجها. سمع صوت سيارة بالخارج. وقف خلف حائط، سمع صوت أقدام. نظر، وجده "كاسبر". تعجب كثيراً من رؤيته، ليجده يصعد الدرج ويدخل لإحدى الغرف. هل كان هو من تحدثه عبر الهاتف وتريده أن يكونا بمفردهما؟ شعر بغصة في حلقه وحزن. قرر الرحيل، فما حاجة لوجوده وقلقه التافه. لم يكن سوى تطفل بالفعل على حياتها.
خرج من خلف الحائط، ذهب، لكن توقف. لا يعلم لماذا. أراد أن يلقي نظرة. صعد وهو متردد كثيراً، ليقترب من الغرفة. وقف خلف الحائط ليلقي نظرة، لتتسع حدقتا عينه ويفتح فاه بصدمة كبيرة تعتاره، ونبضه يعلو من ما يراه برؤية "أفيلا" بتلك الملابس، وفي يدها سكين تتساقط من عليها قطرات دماء، الذي كان هو صاحبها، ومستلقياً على الأرض. وتلقي أنظار عليه. والدموع تسيل من عينيها بصمت، لتقع السكين من يدها وتذهب. لينزل سريعاً قبل أن تنتبه له. اختبأ حتى لا تراه. ثم سمع صوت أقدامها. نظر إليها، كانت قد ارتدت ملابسها. ليجدها تخرج من الفيلا. وما أن ابتعدت، حتى نظر للأعلى ويركض متوجهاً للغرفة. نظر إلى "كاسبر" الذي كان غارقاً بدمائه.
بربك، ماذا فعلتي يا أفيلا؟
قال ذلك بضيق وهو يراه. ليقترب منه بخوف شديد من ما يقحم نفسه فيه، فهذه مخاطرة كبيرة. ليتسلم للأمر ويجلس بجانبه. وضع يده على أنفه، يتحسس، حتى زفر بارتياح عندما وجده يتنفس وعلى قيد الحياة. اقترب منه ليحمله، لكن توقف لوهلة. نظر إلى السكين. اقترب منها، كان سيمسكها، لكنه تراجع. نظر إلى يده، ثم أخرج مناديل، ثم قام بتغليفها، ثم دفنها في جيبه جيداً وعاد إليه. ليضع ذراعه على كتفه ويحمله وينزل به. أدخله إلى سيارته ودخل هو الآخر وقاد بسرعة متوجهاً لأقرب مشفى من هنا. ليلقي أنظاره عليه، قال:
سوف أنقذك، ليس لأجلك، من أجلها هي فقط. لا أريدها أن تكون قاتلة.
لا يصدق أنه حقاً يساعده. لا يصدق أنه يفعلها وسينقذه. فلطالما تمنى أن يبتعد عن حياتها للأبد، لتكون أفيلا له فقط. فلقد كان يشكل عائقاً إليه. لقد تمنى موته، وها قد يحدث ما أراده، وبعدها يريد مساعدته. ليزفر بضيق وينظر أمامه ويسرع في القيادة.
توقف عند مشفى. فتح السيارة وحمله ودخل به سريعاً. رآه الأطباء والممرضون بالدماء الغزيرة من عليه، ليسرعوا إليه بسرير متحرك. وضعه عليه وأخذوه وذهبوا. نظر لهم عمر، ثم تذكر شيئاً. أمسك هاتفه ليخرج رقماً. وحين رد عليه، لم يعطه وقتاً للاستغراب من اتصاله، ليقول:
تعالى إلى المشفى سريعاً.
كان "عمر" عند أمام غرفة التي بها "كاسبر". رأى "مازن" في نهاية الممر، كان يلهث، فيبدو أنه كان يركض. ليتقدم سريعاً منه والقلق بادياً على وجهه، فكان "عمر" اتصل به من رقمه الذي كان مدوناً بسبب والدته، وأخبره عن أخيه ووجوده في المشفى.
اقترب منه. نظر له. ثم نظر إلى الغرفة التي يجلس أمامها. قال:
ما الأمر؟ ما به "علي"؟
لم يرد عليه. فأردف قائلاً:
ماذا حدث له؟
لا يزال بصمته. لكن الآخر قلق. مما قال بغضب:
ألا تسمع ماذا حدث لأخي ولماذا هو بالمشفى؟
ليقاطعه خروج الطبيب. وقف "عمر" واقترب مازن منه سريعاً ليقول:
ما به؟ هل هو بخير؟
لم تكن تعابير وجهه الطبيب ميسرة، ليقول:
أقمنا جرحه، لكن حالته حرجة بسبب نزيفه الغزير. نحتاج لأحد يتبرع له بالدم.
سوف أتبرع له.
أخيه.
جيد. لكن يجب أن نتطابق من عينه الدم أولاً.
أومأ له "مازن" بالموافقة. ذهب الطبيب، لكن توقف فجأة. عاد بأنظاره إليهم، ثم قال:
كيف جرح هكذا؟
نظر له "مازن" بإستغراب. ليكمل:
وكأنها كانت محاولة قتل.
لينصدم ما يسمعه. قال:
ماذا؟
ليس جرحاً عادياً حسب تشخيص حالته. هناك من قام بطعنه بمهارة، حيث كادت أن تصيب الكلية أسفل العضلات في المنطقة الواقعة أسفل نهاية القفص الصدري، وهي متصلة بشكل غير محكم بالغشاء المصلى البطني، الذي يمكن أن تتسبب طعنة كهذه في إتلاف كليتي الشخص. لكن قد تمزقت إحدى خلاياه ليزيد الوضع خطورة.
تسرب الهلع لقلب "مازن" والخوف مما حدث لأخيه.
الوضع لا يبشر خيراً.
ماذا تعني؟
سنفعل ما بأيدينا، المهم أن نسرع.
ليزداد القلق من نبرته. بينما الطبيب نظر إلى "عمر" الذي كان صامتاً، وخانته تعبيرات وجهه بالتوتر وتعرق جبينه وهو يتذكر ما رآه. كان يبدو عليه المعرفة، فهو من أحضره. شعر بأن النظار موجهة نحوه. ذهب الطبيب وتركهم. لينظر "مازن" إلى "عمر" الذي لم يفهم. نظره إلى أنه قال:
اسرع بنقل الدم له. ألم تسمع؟ قال إن وضعه خطير.
لا يزال ينظر إليه. تعجب. ليجده يقترب ويقف أمامه مباشرة ويقول:
لم تجاوب.
بشأن ماذا؟
ماذا حدث له؟
لا أعلم.
قال ذلك بعدم معرفة، يحاول التماسك.
لا تعلم؟ من يعلم إذاً؟
نظر عمر إليه، يشعر باتهام في نبرته.
من أحضرته لهنا.
ماذا تعني؟
يقول الطبيب إنه طعن. أي أحد تعمد ذلك. هل كان هناك من يحاول قتله؟
نظر عمر إليه. ونظر بعيداً بضيق من تلك الأسئلة. فما الذي وضع نفسه فيه؟ لماذا اتصل به؟
يبدو أنك تعرف، فلما أنت صامت؟ من يكون؟ لماذا لم تمسكه به؟
لا أعرف من يكون.
الم تر وجهه؟
لا.
أنك كاذب.
نظر "عمر" إليه من نبرته الواثقة، ليرسم ابتسامة ساخرة ويقول:
هل أبدو لك أحمقاً؟ أنا محامٍ. أعرف من النظر في التعبيرات من أمامي أن كان كاذب معي أم صادق. وأنت كاذب. قلت أنك لا تعرف من يكون، أي أنك رأيت وجهه، لكن لم تعرفه مسبقاً. بينما سألتك أن كنت رأيت وجهه، فنفيت. كيف هذا؟
كان مندهشاً منه، وكيف أوقع به بسؤلان.
كيف أحضرته للمشفى؟ وما المكان الذي اجتمع به؟ هل كنت تعلم أن أحد سوف يقتله؟ أم أنك هو؟
نظر له بصدمة كبيرة، فها هو يتهمه كونه قاتلاً.
ماذا تقول؟
أخبرني بالحقيقة قبل أن أتصل بالشرطة وأتهمك بما حدث له، وأن لك يد بذلك. هل تدري ما سيحدث لك؟ ستنهار مكانتك، اسمك، كنيتك، كطبيب، سيكونان بالقاع. حتى وإن لم يثبت عليك شيء، فالمجتمع سيثبت ذلك من نظرتهم لك. ولن يروك بريئاً كالقانون. بل سيقتنعون باتهام باطل الذي وجه نحوك. وأن تقبل بك مشفى لن يحدث.
كان عمر مصدوماً مما يسمعه، ليشعر بالخوف حقاً من ما يقوله وتهديده إليه، أنه سينتهي بلا أدنى شك.
لكنني من أنقذته.
قال ذلك بتبرير، ليرد عليه باللامبالاة:
وتخفي على المجرم؟
ليشعر بالضيق ويقول:
لا أستطيع إخبارك.
لنخبر الشرطة إذاً.
إن كنت تريد أن تعرف، الشرطة لن تتدخل في الأمر.
نظر "مازن" إليه بشدة، وقال:
أتتريدني أن أعلم من حاول قتل آخر وأدعه وشأنه؟
لن أخبرك حتى تعدني.
هل تعرفه؟
لم يرد عليه، إلى أنه أومأ برأسه. لينظر له بشدة وعدم فهم، ليقول بضيق وقلة حيلة ليرضي فضوله:
حسناً. من هو؟
صمت قليلاً، ثم قال بتردد:
أفيلا.
لتتسع عيناها بدهشة.
هل قلت أفيلا؟
لا أعلم لماذا فعلت ذلك، لكن ما أعرفه أن يوجد سبب وراء فعلتها.
هل تسخر مني؟
قال "مازن" ذلك بضيق، ليضيف:
تريد أن تقنعني أنها فعلت ذلك بزوجها؟
لينظر "عمر" إليه بصدمة كبيرة، ليقول بصوت ضعيف وهو لا يصدق:
زوجها؟
أجل. أيضاً أنها تحبه، فكيف لها أن تفعل تلك الجريمة وبحق من فعلتها؟
كان يسمع وصامتاً، يشعر بغصة في حلقه من حزنه، فلقد فهمها خطأ. أنه زوجها حقاً، لم يكن شيء خطأ بوجودهم بمفردهم. تنهد، ثم قال باللامبالاة:
لا أعلم. رأيتهم في منزل من، ثم خرجت "أفيلا" وكان هو على مستلقياً على الأرض.
نظر إليه بشدة، ليقاطعه صوت من الغرفة، وكانت ممرضة تهتف بأحد الأطباء. ليشعر "مازن" بالخوف، وكأنه كل وشك فقدان أخيه الذي تبقى له. يخشى فقدانه كما فقد والدته منذ قريب. هل سيذوق الفقد للمرة الثالثة، ولم يعد له أحد؟ وجد الطبيب يهرول إلى الغرفة بطاقمه، ويقومون له صدمات كهربائية، ينعشون به نبضات قلبه التي كانت تتوقف، وأنفاسه بدأت في أن تنقطع. لكن بدأ الجهاز بالعمل من جديد، وعادت نبضاته كالمعتاد. ليخرج الطبيب. نظر إليه، قال:
عليك أن تسرع. الوضع يسوء. المريض لا يستجيب لنا.
أومأ له على الفور. اقتربت منه ممرضة، قالت:
لنذهب.
نظر لها. ثم نظر لعمر وذهب معها. كان لا يصدق ما يحدث وما سمعه. أفيلا؟ لكن كيف؟ كيف تكون هي من فعلت ذلك؟ لقد رأى كم يحبان بعضهم، وكم سعت حتى تجمعهما بوالدته. وبيوم وليلة تقتله؟ هل حاولت قتل أخيه حقاً؟
دخل مع الممرضة لترى تطابق الدم. حتى انتهت، وقالت:
سلبي.
ليس زمرة الدم نفسها.
لا.
كيف؟
خرج مسرعاً. نظر له عمر، وإلى أنه يركض، وجسده ليس ضعيفاً. فحين يأخذون منه أحد دماء، يبقى مسطحاً لبضع وقت.
د مي غير مطابق له، إنه O. يجب أن أجد متبرعاً له نفس زمرة دمه.
قال "مازن" ذلك وهو محتار.
البنك.
ماذا؟
بنك الدم. انتظر هنا، سوف أذهب أحضره.
أومأ إليه. ليجده يذهب. وقف أمام غرفة أخيه، ينظر إليه. ثم سمع أصوات. نظر، وجد رجالاً يشبهون حراسه الذي يراهم مرافقينه دائماً. وقفوا أمامه. قال أحدهم:
ماذا حدث؟ أين السيد "كاسبر"؟
تعجب من هذا الاسم ومن "كاسبر" هذا الذي تلفظه باسمه. هل هو أخاه؟ سألهم كيف عرفوا بوجوده في المشفى. أخبروه أنهم اتصلوا به ورد عليهم أحد، أخبرهم بوجوده في المشفى. علم أنه عمر.
جاءت ممرضة تقترب منهم وتقول:
إذا سمحتم، ممنوع الوقوف هكذا. هذه مشفى، أنتم تزعجون المرضى.
لم يتحرك أحد منهم. فهم لن يغادروا غير وهم يرون سيدهم أفاق. لم يتعودوا أن يرونه ضعيفاً. هل طعنه تفعل به هكذا؟ تعرض لإصابات بالغة ونفد منها. لطالما كان ينفد ببراعته، فما دهاه هذه المرة؟
قدم "مازن" اعتذاره لها، وسألها أن كان مسموحاً أن يبقى اثنان. لتصمت وتؤمئ إيجاباً. فأخبرهم أن يبقى اثنان منهم. وبالفعل غادروا، وبقي اثنان من يُعتمد عليهم.
تأخر "عمر" بعض الشيء، وقلق كثيراً أن يكون لم يعثر على الدم. جاء الطبيب. قال:
لماذا لم تحضروا متبرعاً حتى الآن؟
كانت سيتكلم، لكن قاطعه عمر الذي أتى. اقترب منهم. ولم يجد معه أي شيء، فقلق وقال:
أين...؟ ألم تجد؟
بلا، أعطيته لهم حتى لا يتعرض للطقس ويصبح فاسداً.
أومأ بتفهم. وذهب الطبيب عندما علم أنه أحضر الدم الذي يحتاجونه. ثم عاد. دخلا إلى الغرفة. وقف "مازن" نظر إليهم من الزجاج. رآهم يعلقونه إليه. ثم يفتحوه. فبدأ بسريان ليدخل لجسد "كاسبر". ليشعر بالارتياح بعدما تعدى الخطر.
كيف حدث لسيدي ذلك؟
قال ذلك أحد رجاله، يخاطب نفسه. نظر له "مازن":
ليس سهلاً أن أحد يمسه له أو يخدشه خدشاً صغيراً.
ليجمع قبضته بضيق. وهو يتخيل ما حدث له. سمعوا رنين هاتف. وكان هاتفه للرجل. ليخرجه ويرد عليه:
أخذوها. لا أين. أيها الأغبياء، ألستم مكلفين بحمايته؟
نظر "عمر" و"مازن" لرجل إليه. ونبرته الحادة وانقلاب تعبيراته الجامحة:
ماذا تنتظرون؟ اخرجوها من هناك قبل أن يقتلها.
أقفل الهاتف. وكانوا ينظرون إليه. قال رفيقه:
ماذا هناك؟
اختطفت تلك الفتاة المخترقة.
تقصد السيدة "أفيلا"؟
وفور سماع "عمر" اسمها، ليقول:
ماذا؟ "أفيلا"؟ أين هي؟
نظر له "مازن" وإلى ردة فعله، خوفه عليها.
سينقذونها. فالسيّد "كاسبر" كان يضع عليها حماية حساباً لذلك اليوم.
كان يحميها. بينما هي غدرت به. يا للسخرية.
قال "مازن" هذا. نظروا إليه بإستغراب. بينما "عمر" لم يهتم بكلامه. مر وقت قليل. ثم رن هاتف الرجل. نظر إليه "عمر" بإهتمام:
حسناً.
أقفل الهاتف. ليسأله:
ماذا حدث؟ هل هي بخير؟
أجل، أنقذوها في آخر لحظة.
شعر بالارتياح. وهو يتساءل عن أي خطر كانت فيه "أفيلا". أنه حقاً لم يفهم شيئاً. بينما "مازن" غير مهتم بما يحدث إليها.
كان "عمر" جالساً يفكر بها. وللحظة انتبه لأمر. ممكن أنها تذهب للشرطة وتخبرهم بما فعلته وتدمر ما فعله. فحتى أن كان حياً، ستعاقب. عليه أن يلحق بها. نظروا إليه وهو يذهب.
مر سبعة عشر ساعة عليهم. وأتى "عمر". وعلم أنه لا يزال لم يستيقظ. وجدوا الطبيب يدخل الغرفة. ذهب مازن خلفه. تبعه الرجلان. دخل ليجدوه فتح عينيه. قال "مازن":
أنت بخير.
كان لا يزال جسده ضعيفاً وتحت تأثير المخدر. قال الطبيب:
الحمد لله أنك أفاقت. قدنا نفقد الأمل.
نظر "كاسبر" إلى "مازن" وإلى "عمر" والطبيب. ثم نظر إلى الرجلان. قال بصوت ضعيف:
أين أنا؟
في المشفى.
لماذا؟
نظر له الطبيب بإستغراب من سؤاله.
ماذا حدث لي؟
ليقول أحد رجاله:
سيدي، ألا تعلم؟ أننا ننتظرك حتى تفيق لتخبرنا.
لحظة واحدة.
قال الطبيب ذلك، يقاطعه وهو ينظر إلى "كاسبر":
هل تعلم ماذا حدث لك؟ سبب دخولك للمشفى؟
صمت. ولم يرد عليه. ينظر حوله. قال الطبيب يوقفه:
لا تحاول تذكر الآن. قل فقط أجل أم لا.
نظر له ليضيف:
أتتعلم من تكون؟
تعجب من سؤالها. لكن أومأ برأسه بمعنى نعم. فقال الطبيب وهو يشير عليهم:
هل تعلم من يكونون هؤلاء؟
نظر إلى وجوههم. ثم نظر إلى الرجلان. لينظر إلى الطبيب وينكر معرفته ب"مازن" و"عمر" وأنه لم ير وجوههم قبل. ينصدم "مازن" كثيراً. يقول:
أخي، ألا تعرف من أكون؟
نظر له "كاسبر" بإستغراب شديد من كلمة أخي، الذي لقبه بها للتو. أخرجهم الطبيب، ليبقى معه بمفرده. ذهب مازن وهو ينظر لأخيه الذي لم يكن ينظر له، وكأنه حقاً لا يعرفه.
وقف بالخارج ينتظر الطبيب الذي كان يتحدث معه. يتحدث معه. ثم خرج. اقترب منه. قال:
إنه فقد جزء من ذاكرته.
نظر له بشدة وإستغراب. ليكمل:
إنه يعرف من يكون وكنيته الشخصية. كان يرد على أسئلتي تلقائياً. لكن حين سألته عن اليوم، حسب ظنه هو، أصطدمني برده:
وما كان هو؟
2020/3/14.
لتتبدل ملامحه بتعجب شديد من هذا التاريخ.
هذا ما عرفته أن يظن أننا لا نزال بتلك السنة. لا يعلم أنها قد مرت. لم أخبره عن تاريخ اليوم حتى لا يكون ذلك مربكاً بالنسبة إليه، ويحاول العثور على أحداث تلك السنة، فيضر بحالته.
ماذا يعني هذا؟
إن سنة بأحداثها تلاشت من ذاكرته.
سنة؟
قال ذلك الرجل بإستدراك. وهو يتذكر التاريخ الذي سمعه. ليقول بإستدراك:
إنه اليوم الذي جاء سيدي فيه إلى مصر. أتذكر ذلك التاريخ.
فهم بطبيعة عملهم، لا ينسون أي شيء. وإن كان أوقات أنفاسهم، يجب أن يحسبوها.
قال "مازن" بإستغراب:
كيف؟
فرد عليه الطبيب:
لا يزال أمامنا لمعرفة حالته جيداً. سنعمل على فحوصات وصورة لرأسه لمعرفة أن كان رائعاً أحدث به اختلال، أم أي اضطراب قد أصابه.
قال ذلك، ثم استأذن وذهب. جلس "مازن" في دهشته. وبعد مرور الوقت، وكان الطبيب مانع أي أحد الدخول إليه، لأنه لم يكن بصحة جيدة، لا يزال متعباً. كان "مازن" متضايقاً من هذا، فهو يريد التحدث معه. جاءت ممرضة وأخبرتهم أن الطبيب ينتظرهم في مكتبه. علموا أن النتيجة قد ظهرت، وقام بتشخيص حالته.
جلسا مقابلانه. ليخرج صورة طبية "أشعة" وأعطاها لمازن. نظر إلى الطبيب وإلى ما في يده. ليأخذها منه، ليقي نظره، وهو لا يفهم شيئاً. قال الطبيب:
أثبتت تلك الصورة التي أقمناها بالتصوير الرنين المقطعي المحوسب لاستبعاد أورام الدماغ وغيرها من الاضطرابات الدماغية البنيوية، أم تخطيط كهربائية الدماغ EEG لاستبعاد اضطرابات الصرع. لكن رأسه سليم. لم يتعرض لأي إصابة أو خدش ولو صغير.
ليتعذب. ويترك ما في يده على المكتب. ويقول:
كيف؟ لماذا لا يتذكرني إذا؟
Dissociative Amnesia.
فقدان الذاكرة التفارقي.
قال "عمر" ذلك بإستدراك. لينظروا إليه. ويقول الطبيب بتفاجؤ:
كيف علمت؟
أنا طبيب أيضاً.
أومأ بتفهم. فقال "مازن":
عن ماذا تتحدثون؟ أنا لم أفهم بعد حالته.
فقدان الذاكرة التفارقي. هو فقدان ذاكرة ناجم عن الصدمة، أدت لعدم قدرة على تذكر المعلومات الشخصية الهامة في الفترة التي فقدها فقط. الصدمة التي تعرض لها جعلته يفقد جزء من ذاكرته، وهي بمده قصرها "سنة". أما ذاكرته القديمة مازالت نشطة كما هي. وهذا هو ما عليه الآن.
أ... الن يتذكرني مجدداً؟
بلى. هناك احتمال لذلك. لكن احتمال ضئيل. نوع فقدان ذاكرته كان لاضطراب نفسي. ليس فقدان ذاكرة كلي. لو وضعت احتمال كبير كونه سوف يتذكر ببعض الجلسات من أجل تكوين عقله.
ليصمت قليلاً ويكمل:
لكن عقله هو ذاته من قام بمسح ذلك الجزء من ذاكرته. هناك ثغرات داخل ذكرياتها. يكون العقل له القدرة على تكوينها. ولفرط صدمة ساحقة جعلته يعاني. فيتدخل العقل ليقوم بمساعدته صاحبه ويمحي ذلك الجزء الذي قد يؤثر عليه قادماً بشكل مفرط.
محو؟
قال "مازن" ذلك. يخاطب نفسه:
ذاكرته الذي تجمع بها مع أمي وعرفني قد مُحيت. بربك، ماذا فعلتي يا أفيلا؟
قال آخر جملة بضيق. نظر "عمر" والطبيب إليه. لينظر لهم ويقول:
هل أستطيع أن أراه؟
صمت الطبيب قليلاً. ثم أومأ برأسه بالموافقة.
دخل مازن إلى "كاسبر" الذي كان مستيقظاً في ذلك الوقت، ينظر إلى الفراغ بشرود. اقترب منه. ليلحظ وجوده وينظر له. جلس على حافة السرير. قال:
أخي، ألا تتذكرني؟ ماذا عن أمي؟ ألا تتذكرها أيضاً؟
نظر له بعدم فهم واستغراب من تلك الدمعة التي سالت من عينه. دموع. أنه لا يعرف من يكون الذي أمامه، وعن أي أم يتحدث.
أخبرني أنك تمزح. تتذكرني، أليس كذلك؟ تتذكر كل شيء صحيح؟ حسناً، سأساعدك.
قال ذلك ببعض الأمل. ليقول:
الآن، لقد كنا عائلة جميلة لشهرين. تجمعت معنا بعد غياب طويل. حاول أن تتذكر.
عائلة؟
أومأ له وهو يقول:
أجل. أنا وأنت وأمي.
من أنت؟ وعن ماذا تتحدث؟
مازن، أخيك. هذا أنا. تذكرني.
نظر له "كاسبر" بإستغراب وهو ينظر له وما يقوله. هل كان لديه عائلة حقاً؟ دين أخ؟ ليصمت ويريد التذكر. لكن لما لا يرى أي شيئاً مما يقول عليه.
لقد سعينا لجعلك تقابلها. لقد رأتك قبل موتها. لقد حزنت عليها كثيراً.
حزن؟ عن أي حزن يتحدث؟ ومن التي رآها قبل موتها؟ من الذي قابلها؟ بينما "مازن" يذكره بأيامهم الماضية ويجعله مضطرباً دون أن يدري، ويسبب له الأرق بفضوله الذي ينهشه. ليتذكر ما حدث بتلك الفترة. لماذا لا يتذكر أحداً؟ لماذا؟
لقاطعه صوت صفير داخل رأسه. يعج جمجمته. ولا يسمع غيره. ليشعر بألم شديد. ليمسك بكلتا يديه. لتنطلق صرخة مدوية منه من ذلك الصوت الذي يسمعه. نظر له مازن بشدة. قال بقلق:
ماذا بك؟
الآخر كان يعافر، وكأنه يصارع وحشاً. ليصدر صوت اختناق شديد، منع أثر حركته المندفعة، متناسياً إصابته البالغة التي تمنعه من الحراك البتة، ويحب أن يلتزم الفراش.
ماذا يحدث؟ أخي.
ليفتح الباب بسرعة. نظر، وجد الطبيب. ليدخل سريعاً هو وممرضتين.
ماذا فعلت؟
قال ذلك إليه بتساؤل. ليرتبك ويقول:
لقد.
أبعده بضيق. واقتربوا من "كاسبر" الذي كان هائجاً يعافر. قد استطاعتهم ليقوم بحقنه فيهدأ. حتى ارتخى جسده أثر المخدر. وتوقف عن الحراك. نظر ل"مازن". سار تجاهه. أمسكه من ذراعه وأخرجه من الغرفة. قال:
ماذا قلت له؟
نظر له وللغرفة. وقال بتبرير:
أنا فقط أخبرته عني. حاولت أن أذكره بما حدث في الفترة الأخيرة ل...
ليهتف به بغضب وهو يقول:
أتتريده أن يجن؟
رواية احببت مافيا الفصل الرابع 4 - بقلم نور
كانت مقيدة على كرسي، تصرخ وتنادي على أي أحد يسمعها، لكن لم يكن يرد عليها.
حتى سمعت صوت أقدام تقترب منها بخطى ثابتة، إلى أن توقفت وشعرت بأن أحداً يقف أمامها.
قالت: "من أنت؟"
لم يأتها رد، فغضبت.
قالت: "ماذا تريدون مني؟"
صمتت حين أتاها صوت شبيه لها يقول: "مرت ساعات على لقائنا".
لم تفهم ما قاله.
أبعدوا القماشة من على عينيها، فتحتهما تدريجياً، تفاجأت وتبدلت ملامحها وقالت: "أنت!".
وُجد ذاك الرجل جالساً أمامها، يمسك بقلم ويحركه يميناً ويساراً.
نظرت حولها، كانت في مكان مغلق، لا يوجد غيرها وهؤلاء الرجال وذلك الرجل فقط.
"تذكريني؟" قالها ببرود وهو لا ينظر لها.
فقالت: "لماذا أحضرتني لهنا؟"
رفع أنظاره إليها، شعرت بالتوتر.
قال: "تشعرين بالخوف؟"
كانت لهجته وهدوؤه يربكانها، وكانت خائفة منه ومن ما هي فيه، وتحاول إظهار ثباتها.
تذكرت نظراته صباحاً وهو يتوعد لها، فأبتسمت.
نظر لها كاسبر بتعجب، فقالت بحنق: "Du Bastard أيها الوغد".
شعر كاسبر بالضيق لأنها سبته للتو، لكنه تفاجأ من لهجتها الألمانية، فكيف عرفت أنه يستطيع فهمها؟ بل وصوتها مألوف، وتلك اللهجة يشعر بأنه سمعها من قبل.
تساءل إن كانت تجيد الألمانية؟ ولماذا اختارت هذه اللغة وحدثته بها؟
"كنت سأعاقبك على الكف فقط".
نظرت له بتعجب.
أكمل وهو يقف: "لكنك تماديتِ".
نظر إلى رجاله وقال: "انتهوا من عملكم".
توجهت الأنظار نحوها.
نظرت إليه بشدة، نظر لها وأردف: "بعدها أحرقوا هذا المخزن القذر".
صدمت أفيلا وارتعبت من كلامه.
أدار ظهره وذهب.
سار الرجال تجاهها، خافت كثيراً من نظراتهم.
اقتربوا منها، فبكت بحرقة وتحاول الإفلات من بين صرخاتها.
قالت: "ليتني تركتك داخل السيارة في ذاك اليوم".
توقف كاسبر عند سماع هذه الجملة وذكرها لسيارة، ليدرك أنها هذه الفتاة.
التفت وركض إليها، أبعد الرجال عنها.
نظر لها، كانت مستلقية على الأرض وعيناها مقفلتان ومغشي عليها.
رأى دموعاً مغرقة وجهها.
خلع جاكته ووضعه عليها.
تنهد بضيق، ثم حملها.
نظر إليه رجاله: "سيدي".
قال ببرود وهو يقاطعه: "لا أريد أن أسمع أي شيء".
أومأوا له بالطاعة.
ذهب وتركهم يطالعونه.
كان يشعر برعشة جسدها لا تزال موجودة أثر خوفها الشديد.
تجاهلها وتقدم من سيارته ليغادر بها.
وصل إلى الفندق وهو يحملها.
دهش الناس من رؤيته وهذه الفتاة التي معه.
دخل المصعد، نظر إليهم، فنظروا بعيداً بارتباك.
دخل إلى جناحه، نظر إلى رجاله بمعنى ألا يدخلوا أحداً، فوقفوا في الخارج.
سار تجاه السرير، اقترب، وضع أفيلا.
نظر لها وإلى ملامحها، فتذكر الفتاة التي كسرت زجاج السيارة وأخرجته، وعندما خلعت قميصه ووضعته على رأسها، وعندما كان نائماً على قدميها وأخبرته أن يفتح عينيه.
لا يصدق أنها كانت هي.
إنه لم يستطع رؤية وجهها بسبب رؤيته في هذا اليوم.
سمع ضجيجاً من الخارج، تعجب وذهب.
خرج، فصمت الرجال.
نظر إلى المدير الواقف وعلى ملامحه الضيق.
قال كاسبر ببرود: "ماذا هناك؟"
رد عليه المدير بغضب: "لا يسمح بإحضار نساء هنا يا سيدي، هذا ممنوع في الفندق، لا يجب حدوث هذا".
فهو يعلم أنه أعزب، والتي معه ليست زوجته.
نظر له كاسبر وخطى تجاهه بجمود.
وقف أمامه مباشرة، قال: "أستطيع أن أهدم هذا الفندق على رؤوسكم جميعاً وأجعله رماداً".
بلع المدير ريقه وقد توتر من نبرته المخيفة ونظرته التي لا توحي خيراً.
قال كاسبر وهو يتفحص تعبيراته: "جيد، أحضر طبيباً".
نظر له المدير، دخل كاسبر، أقفل الباب في وجهه ولم يعير أحد اهتماماً.
دخل وجيد إلى المنزل وقد كان الباب مفتوحاً.
نادى على أفيلا، لم يجد رداً، بحث عنها لكن لم يجدها.
خاف عليها، خرج بلهفة ليبحث عنها، وجد وليد أمامه.
قال وليد: "أبي، ماذا هناك؟ وأين أفيلا؟"
قال وجيد: "لا أعلم".
قال وليد: "هل ممكن أنها ذهبت لشراء حاجيات، لما أنت قلق هكذا؟"
كانت مكالمة ريالا هي سبب قلق وجيد، لهذا يعلم أنها لم تذهب لشراء حاجيات.
يدعي أن تكون ريالا قد أخطأت.
خرج وذهب وليد معه وهو لا يفهم أي شيء.
فتحت أفيلا عينيها، نظرت حولها وتساءلت أين هي وما هذه الغرفة الكبيرة.
اعتدلت بضعف، وجدت ركناً بعيداً يوجد به زجاجات نبيذ.
سرعان ما تذكرت ما حدث، نظرت إلى نفسها والسرير التي كانت نائمة عليه.
قفزت منه بخوف وهي تطالعه.
كانت ضربات قلبها تعلو من شدة الخوف وكيف جاءت لهنا.
كانت تعد للوراء إلى أن توقفت عند مرآة، لفت انتباهها شيء.
ملابسها المتغيرة.
هذه ليست الملابس التي كانت ترتديها.
نظرت على الأريكة، وجدت ملابس أخرى.
اقتربت منها وقد تذكرت لمن تكون.
نظرت للغرفة والسرير وإلى ملابسها وملابس ذاك الرجل.
فسالت من عينيها الدموع والارتجاف.
ذهبت ناحية الخمر، أمسكت زجاجة، نظرت لها بقرف وغضب، ثم دفعتها بقوة فانكسرت.
سمع الحراس في الخارج صوت، فتحوا الباب، دخلو، ووجدوا الغرفة خالية، لا يوجد غير زجاجة منكسرة على الأرض.
تساءلوا كيف حدث هذا.
كانت أفيلا تقف خلف الباب تنظر لهم.
سرعان ما ركضت مبتعدة عنهم.
نظروا إليها بصدمة وركضوا خلفها.
خرج كاسبر من الحمام على الصوت، كان يرتدي ملابسه.
نظر إلى الرجال واقفين ثم إلى السرير، لم يجدها.
قال بضيق: "أيها الحمقى، هل هربت منكم؟"
قال رجل بخوف: "سوف نحضرها يا سيدي".
ذهب كاسبر للخارج ولم يستمع له.
كانت أفيلا تعتقد أن عند الباب ممكن أن يكون هناك أحد، لذلك كسرت الزجاجة حتى يدخلوا وتستطيع الخروج من هناك.
نزلت وهي تركض وخلفها الرجال، ثم خرجت من الفندق حافية.
"القادمون"
"هناك" قالها رجل بصوت مرتفع.
فأسرعت وسلكت طرقاً آخر تهرب منهم.
كانت وهي تركض تشعر بألم في قدمها وأنها دهست على شيء حاد.
لم تهتم وظلت تركض حتى ابتعدت عن الفندق كثيراً.
نظرت خلفها لم تجد أحداً يتبعها من هؤلاء الرجال، لكن توقفت عند سمعت صوت وضوء قوي في عينها، وكلت سيارة.
وقفت أمامها، فتح الباب وخرج كاسبر.
نظرت له أفيلا وخافت منه كثيراً وأنها رأته، فتذكرت ما حدث لها.
عادت للخلف ببطء، وكانت ستُركض، لكنه أمسك يدها، لكنها ركلته فابتعد عنها.
شعر كاسبر بالغضب، اعتدل ونظر لها، لكن تبدلت ملامحه وتفاجأ عندما رأى في يدها مسدساً وتصوبه نحوه.
تذكر عندما وضع سلاحه على الطاولة، فلعن نفسه على ذلك.
نظر لها، قال بهدوء: "أعطيني هذا".
"ماذا فعلت بي؟" قالتها أفيلا بضيق.
فرد عليها: "لم أفعل شيئاً".
صرخت أفيلا، قالت: "كاذب... كيف وصلت إلى هذه الغرفة ونمت على هذا السرير؟ متى ارتديت هذه الملابس؟"
خطى كاسبر تجاهها، قال: "لم يحدث شيء، صدقيني".
بكت أفيلا وصمتت قليلاً، ثم قالت: "أخبرني إذا".
"أنا من أحضرتك إلى هناك".
قاطعته بغضب وصوت مرتفع: "أرأيت أنك تكذب".
وضعت يدها على المسدس وسحبته للخلف وأخذت وضعية التصويب.
تفاجأ كاسبر أنها تعلم كيف تمسكه جيداً.
كان بداخله يمنع نفسه أن يستخدم طريقته ويؤذيها لتبعد مسدس.
إنه يريدها أن تنزله من تلقاء نفسها دون أن تتعرض للأذى.
تنهد وقال: "استمع لي، لم أقترب منكِ، وهذه الملابس أرسلت امرأة مثلك تبدلها، لم أكن هناك في ذاك الوقت".
هدأت أفيلا، نظرت إلى نفسها بعدم تصديق.
نظر لها كاسبر واستغل شرودها، اقترب منها، أمسك يدها وسحبها فالتصق ظهرها بصدره.
"ابتعد، اتركني" قالتها بغضب وخوف.
أخذ المسدس، لكنها كانت تشتد عليه، فضغط على قبضتها فتألمت وتركته، وقع من يدها.
حاوطها بذراعيه، حاولت الإفلات منه.
قال: "اهدئي".
اشتد عليها بذراعيه يمنعها من الحركة.
اقترب وهمس لها بهدوء: "لم يلمسكِ أحد... صدقيني".
توقفت أفيلا عن الحراك، سعدت بذلك كثيراً وما قاله، لكنها كانت خائفة من تقربه منها والتصاق جسده بها.
شعر كاسبر بقطرات دافئة تسقط على يده.
"ابتعد... أرجوك" قالتها أفيلا بصوت ضعيف مرتجف.
ابتعد عنها كاسبر على الفور، وجد دموعاً تسيل منها وتنظر له بخوف.
تفاجأ من بكائها، فهو لم يفعل لها شيئاً.
لقد بدت قوية عندما اختطفها إلى ذلك اللحظة التي لم يفعل شيئاً يخفيها أو يجعلها تبكي.
التفت أفيلا لكي تذهب، لكن توقفت عندما وجدت سيارة تقف أمامها ويخرج الرجال منها.
تذكرت كيف انقضوا عليها، عادت للخلف بخوف وهي تطالعهم إلى أن توقفت بجانب كاسبر.
نظر لها، وجدها مرتعبه وهي تنظر إليهم.
نظر إليهم كاسبر وأشار بعينيه أن يبتعدوا، فاستمعوا إليه وأفسحوا لها الطريق.
نظرت أفيلا إليهم ثم ذهبت على الفور تريد الابتعاد من هؤلاء الوحوش.
وصلت أفيلا لمنزلها، كانت تسير ببطء.
وقف وليد فور رؤيتها، فلقد أخبره والده أن يبقى في المنزل ليعلمه أن عاد.
قال وليد: "أين كنتِ؟"
لم ترد عليه أفيلا، دخلت إلى غرفتها دون أن تنظر له.
ذهب وليد، رن على والده وأخبره أنها عادت.
في الحمام، كانت أفيلا تشغل المياه وهي من تحتها تبكي، تفرك جسدها بعنف شديد وترتجف عندما تتذكر ما حدث معها.
أخذت تنظفها من القذرات التي تجمعت عليها.
"أوغاد... أكرهكم جميعاً" قالتها بحنق وعين شارده.
فكانت تكره الرجال وتخاف من تقرب رجل منها بشدة غير والدها، حتى من كانوا يمزحون معها تبتعد عنهم.
منذ طفولتها هكذا، بسبب أستاذها الذي لم يهتم بصغر سنها وكانت صغيرة منكسرة لا تعلم ما يحدث، لكنها تعلم أنه خطأ.
فجاءت لديها مخاوف منهم جميعهم وتكره اقتراب من أي رجل بسبب طفولتها التي تدمرت باكراً.
لذلك أفيلا لم تواعد أحد من قبل أو تحب أي شاب.
استلقت على السرير وقامت بتغطية نفسها.
وصل وجيد، سأل وليد أين هي، أخبره أنها بغرفتها، فذهب ليراها ويطمئن عليها.
دخل وأطرق الباب برفق، فلم يأتيه رداً، فتحه، وجد أفيلا نائمة.
اقترب منها: "أفيلا، أين ذهبتِ؟"
لم يجد رداً منها، لكن وجدها تنظر بعيد وعيناها شارده.
طالعها وشعر بالخوف لوهلة عندما رآها هكذا للمرة الثانية، فقد قديماً عندما كانت في الحادية عشرة من عمرها، جاء يوم وكانت صامتة، لا تتحدث مع أي أحد، ترتعش وتنظر أمامها فقط.
وظلوا يسألونها، لكنها لم تكن تتحدث لأحد.
أحضروا لها طبيباً ليطمئنوا عليها، أخبرهم أنها بخير وليس بها أي مرض جسدي.
فانتابهم القلق أكثر، يريدون أن يعلموا ما حدث معها، إن كانت تعرضت لمضايقات في المدرسة أو شيء من هذا القبيل، لكنها لم تقل شيئاً.
خافوا أن يفاتحوها أو يسألوها بعدما عادت طبيعية، ففضلوا الصمت عوضاً عن هذا.
قال وجيد بقلق: "أفيلا، ماذا حدث لكِ؟ أنتِ بخير؟"
لم ترد عليه أفيلا، فهي في حالة يرثى لها في عالم آخر، وقد عادت لحالتها قديماً لم يروها من سنين.
والفنون التي تعلمتها للدفاع عن نفسها حتى لا يقترب منها أي أحد لم تفلح مع هؤلاء.
على الرغم أن كاسبر أخبرها أن لم أحد يلمسها أو يحدث أي شيء لها، إلا أنها لا تستطيع إخراج رأسها من التفكير وتذكر كاسبر وهو يذهب واقتراب الرجال منها.
تنهد وجيد وذهب، جلس بالخارج مع ابنه.
قال وليد: "ما بك؟ هل أفيلا بخير؟"
قال وجيد: "ارجع إلى المنزل لوالدتك وأختك، سأبقى هنا".
قال وليد: "لماذا؟ هل...؟"
قاطعه وجيد، قال: "لا يوجد شيء، هيا اذهب".
أومأ وليد باستغراب وعدم فهم وذهب.
بينما وجيد جلس وهو يتذكر أفيلا وهي صغيرة والآن نفس حالتها، ويتساءل ما هذه الصدمة التي لم يعلم بها أحد.
ماذا حدث لكِ في طفولتك؟
اتصل وجيد بالطبيب، فمن الممكن أنها مريضة.
جاء الطبيب، أدخله وجيد إلى أفيلا التي قفلت عيناها، علم أنها نامت.
اقترب الطبيب وفحص أفيلا.
قال الطبيب: "إنها بخير".
قال وجيد: "حمد الله إذاً، ما بها؟ لماذا هي هكذا ولا تتحدث معي؟"
قال الطبيب وهو ينظر لها: "أظنها حالة نفسية، اعرض على طبيب أخصائي لهذا لتعلموا ما بها".
أومأ وجيد بتفهم، فذهب الطبيب، لكن توقف، نظر إليه، قال: "رأيت على رقبتها علامات كجروح، شبيهة لحرق جلدي.. ماذا حدث لها؟ شيء؟"
قالها الطبيب بتساؤل ونبرة شك.
فتعجب وجيد كثيراً، أي جروح هذه؟ نظر له، قال: "لم يقترب أحد منها".
نظر له الطبيب للحظة، ثم ذهب.
وصله وجيد، ثم ذهب إليه.
دخل، اقترب منها وألقى نظرة على رقبتها، وجدها حمراء.
أمسك يدها وأبعد أكمام الجاكت قليلاً، فوجد جروحاً كبيرة على يدها وحمراء مثل رقبتها، وكأن أحد كان يريد اقتلاع جلدها.
أمسك ذراعها الآخر ووجد نفس العلامات.
خاف وجيد عليها كثيراً، خرج بقلقه ليدعها تنام بهدوء.
لكن كيف سيرتاح عقله؟ فكر في كلام الطبيب وتساءل هل يحضر لها طبيب نفساني أم سوف تغضب أفيلا؟
أبعد هذه الفكرة، لأن أفيلا ليست مجنونة، هي سوف تحكي له عندما تستيقظ بالتأكيد.
في الليل، في وسط الهدوء، كان كاسبر نائماً والحراس على باب جناحه.
توقف المصعد في طابقه، ثم فتح وظهر ثلاث رجال يرتدون ملابس غريبة ويرتدون أقنعة وفي أيديهم جهاز تعقيم.
قال أحد رجال كاسبر: "من أنتم؟"
"نحن فريق التعقيم الخاص بالفندق، يجب أن نعقم المكان هنا".
كان يقصدون أن ينزلوا للأسفل حتى ينتهوا ويصعدوا ثانياً، لكن لم يتحرك الرجال من مكانهم ووقفوا كما هم ولم يبتعدوا عن المكان ولم يردوا عليهم أيضاً.
أخذ الثلاث رجال يعقمون المكان وهم فيه، فهم لم ينزلوا على أية حال.
بدأ رجال كاسبر يشعرون بشعور غريب ولا يعلمون السبب.
نظروا إلى الثلاثة التي تحمل التعقيمات، فتحولت ملامحهم وركضوا إليهم، فرفعوا التعقيمات في وجوههم، وكان به مادة مخدرة، فوقعوا أرضاً.
ألقوا بأغراضهم على الأرض وذهبوا إلى جناح كاسبر، وأخرج كل منهم من جيوبهم مسدساً.
كان معهم بطاقة غرفته.
فُتِح الباب، دخلو ببطء دون إصدار أي صوت، يمسكون أسلحتهم، يأخذون وضعية التصويب.
نظروا إلى السرير والذي كان كاسبر نائماً عليه مغيباً.
اقتربوا منهم بخطى ثابتة، فتسارعت طلقات نارية خرجت من مسدساتهم عليه تفتك به.
رواية احببت مافيا الفصل الخامس 5 - بقلم نور
أخرج كل منهم سلاحه، كان معهم بطاقة غرفته.
فتحت الباب، دخلو ببطء دون إصدار أي صوت، يمسكون أسلحتهم، يأخذون وضعية التصويب.
نظروا إلى السرير والذي كان كاسبر نائم عليه مغيبًا.
اقتربوا بخطوات ثابتة، فتسارعت طلقات نارية خرجت من مسدساتهم عليه، تفتك به.
نظروا لبعضهم باستغراب من عدم ظهور دماء على الرغم من أن الفراش قد فتك من الطلقات.
سار أحدهم ورفع الغطاء، وتبدلت ملامحهم حين وجدوا وسادات ممزقة أثر طلقاتهم.
تعجبوا ونظروا لبعضهم.
كان كاسبر يقف خلف الحائط المقابل لهم، ويمسك قلمه ويضغط عليه بجمود، وفي يد أخرى يمسك مسدسًا ويأخذ وضعيته.
سرعان ما أظهر لهم، نظروا له ولم يمهلهم لحظة ليصدموا.
أخرج طلقات متسارعة عليهم، أصابتهم الثلاث ووقعوا أرضًا كجثث هامدة، دون حراك.
كان الرجال بالأسفل قد سمعوا صوت النار، فتسارعوا وصعدوا.
وصدموا حين وجدوا الرجال الذين يعقمون المكان، يغطون في نوم عميق وجناحه مفتوح.
دخلو إليه سريعًا، وجدوا ثلاث جثث على الأرض، وكانوا الذين يعقمون المكان، بينما كان كاسبر واقفًا ناحية الخمر ويملأ كأسه، وعلى ملامحه البرود، وكأن شيئًا لم يحدث.
نظر لهم ببرود، فخفضوا رؤوسهم خجلًا.
عاد لكأسه، أظهر ظهره وذهب.
حمل الرجال الجثث وخرجوا، وكاسبر واقف أمام النافذة، يحرك كأس الخمر التي بيده ويشربه ببطء، وفي يده الأخرى يمسك القلم خاصته.
***
في صباح اليوم التالي، أحضر وجيد فطورًا إلى أفيلا.
دخل إلى غرفتها، وجدها استيقظت.
وضع الطعام بجانبها، قال بمزاح:
أعددت لكِ فطورًا خفيفًا.. لن يؤلم معدتك، لا تقلقي.
لم ترد عليه أفيلا.
فقال:
لماذا لا تتحدثين معي؟ أين كنتِ البارحة يا أفيلا؟ ولماذا كنتِ تصرخين؟
وضع يده على رأسها بحنان واردف قائلًا:
أخبريني عما يحدث معك، أنا مثل أخي بالضبط، أنا والدك.. هل تخافين مني؟
نظرت له أفيلا، قالت:
لا يوجد شيء.. كنت أسير بالجوار.
في ذاك الوقت وقد تأخرتي كثيرًا.
لم تعلق.
تنهد وقال:
حسنًا، ما هذه العلامات التي عليكِ؟ هل تأذيتي من أحد؟ أخبريني أرجوكي.
نظرت أفيلا إلى يداها، كانت الجروح التي جرحت بها نفسها وهي تستحم ظاهرة.
لم تعلم بماذا تخبره، أنها هي من تجرح جسدها، فصمتت.
نظر لها وجيد، علم أنها لن تتحدث، لم يضغط عليها وخرج.
مر 17 يومًا، وكانت أفيلا عادت كما كانت قليلًا، وحاولت تناسي هذا اليوم.
كانت تذهب إلى جامعتها وتعود بعد الانتهاء منها، لا يحدث ما جديد، كانت تسير حياتها بهدوء.
دخلت إلى المدرج، جلست.
اقتربت منها فتاة، قالت:
مرحباً، اسمي هدير.
نظرت أفيلا إليها وعلمت أنها تحدثها، قالت:
أفيلا.
قالت هدير:
أعلم، ألستِ الفتاة التي جاءت من ألمانيا؟ رأيت ذاك الفيديو، كنتِ رائعة حقًا.
لم ترد عليها أفيلا، فهي حين تتذكر تضايق، فبسبب ما حدث عادت لهنا، البلد التي لم تكن تريد أن تطأ قدمًا إليها من جديد.
انتهى يومها وغادرت، وهي تخرج من الجامعة نادت عليها هدير.
توقفت ونظرت لها.
كانت تقف مع شابين وثلاث فتيات، كانوا مشهورين في الجامعة، وقد سمعت عنهم خلال أيامها الفائتة، أنها الرفقة التي تمثل الشهرة هنا.
لكنها لم تعر للأمر اهتمام.
اقتربت هدير منها، قالت:
إلى أين تذهبين؟
تعجبت من حديثها، وكأنها تعرفها منذ زمن، قالت:
الجامعة انتهت.
عائدة لمنزلك؟
أومأت أفيلا.
فقالت هدير:
لديكِ مواعيد الآن؟
قالت بتعجب:
لا.. لماذا؟
شاركينا إذا، سنجلس في مقهى قليلاً لتنضمي إلينا.
لا يمكنني.. عليا الذهاب.
جاءت فتاة من خلفها اسمها نسرين، قالت:
يا فتاة، سوف نستمتع، سوف تصبحي شهيرة عندما تصاحبينا.
قالت أفيلا ببرود:
ومن طلب الشهرة؟ لا أظنني بحاجة لصحبتكم.
نظرت نسرين إليها وحنقت وجهها من رد أفيلا عليها، فهي كانت تمزح، لكن أفيلا لا تحب من يتصنع عليها.
قالت هدير:
مزاحنا ثقيل بعض الشيء.
لم ترد أفيلا عليها.
قرب شاب يده من أفيلا، ابتعدت عنه.
نظر لها بشدة من ردة فعلها.
هل أنتِ خائفة منا؟
قالها بابتسامة ساخرة لم تفهمها.
فردت هدير عليه:
إنها تستطيع تكسيرك يا عمر.
قال عمر وهو ينظر لآفيلا:
حقًا؟
نظرت أفيلا له، وكل منهم يثقب أنظاره للآخر.
تنهد عمر وقال:
لتذهب معنا إذا.
ألقى نظرة واردف قائلاً:
إن لم تكن خائفة.
كانت أفيلا تشعر بالضيق حين تتذكر أنه قرب يده منها، وحين ابتعدت نظر لها وكأنه رأى خوفها منه.
اقترحت هدير عليهما، أن يذهبا، وكان عمر يطالعها، فوافقت.
أمسكت هدير يدها وذهبتا.
قالت هدير:
يبدو أن والديك يقلقان عليك، لذلك كنتِ تمانعين وتريدين العودة.
صمتت أفيلا ولم ترد.
نظروا إليها ولصمتها.
قالت هدير بمزاح:
مع من تعيشين؟
عمي.
قالت هدير باستغراب:
أين والداك؟
صمتت ثانيًا ونظرت بعيدًا، تمنع اللجوء لهذا الحديث.
قالت هدير باستدراك:
اعتذر.. بالتأكيد تحبين عمك كثيرًا.
أومأت لها وقالت:
لم يقطع عمي وجيد اتصاله حتى عندما سافرت، كان يتابعني من هنا ويطمئن عليا، لطالما يهتم بي، يذكرني ب..
صمتت ولم تكمل.
قالت هدير باستدراك:
والدك؟
لم تعلق.
ابتسمت هدير، قالت بمزاح:
إذا أخبرتك عن عمي سوف تصدمين، لا صمت أفضل.
جلسوا في المقهى.
ذهب عمر يعمل مكالمة، وذهب سيف وأحمد وهما الشابين الآخرين، أحضروا عصير وجلسوا.
كان عمر قد تأخر، كانت أفيلا لا تهتم.
وبعد قليل قررت المغادرة.
تفاجأت هدير بهذه السرعة، لكن لم تمانعها.
وقفت لتذهب، جاء عمر، نظر لها، لم تهتم وذهبت.
هل تعرفين رجل اسمه وجيد؟
قالها عمر بتساؤل، فتوقفت ونظرت له، قالت:
أجل.
قال عمر:
بالخارج، إنه يسأل عنكِ.
قالت أفيلا:
كيف؟ هل هو هنا؟ أين؟
تعالي معي.
أومأت أفيلا إيجابًا.
شعرت هدير بعدم راحة، فهي تعلم عمر.
قالت توقفهم:
أذهب معكم.
رمقها عمر نظرة ببرود، قال:
لا داعي.
نظرت إليه باستغراب.
ذهب وتبعته أفيلا، التي حين خرجت قالت:
أين؟
إنه ينتظرك، اتبعينى.
لأين؟
ألا تريدين أن تلقيه؟
لم تذهب أفيلا.
نظر لها قال:
هل أنتِ خائفة؟
تعجبت من لهجته، لكن لم تعيره اهتمام وذهبت.
ابتسم عمر وتبعها.
كان الجميع ينظر إلى هدير، التي كانت تطالع عمر إلى أن اختفى عن ناظريها.
قال سيف بمزاح:
هل تغارين عليه يا هدير؟
قالت نيرا:
إنها خرقاء، يقنعها بحبه بينما يواعد نص فتيات الجامعة.
قالت هدير بضيق ولا مبالاة:
عمر لا يحب أحد غيري.. تعلمون هذا جيدًا.
نظروا لها، ابتسموا وصمتوا، فهم قاصدين إغضابها.
***
كان عمر يسير وأفيلا خلفه.
تذكر عندما سمع حديث هدير مع أفيلا وعن عمها، فقرر استغلالها.
فهو عندما رآها أعجب بها وبشخصيتها القوية التي أعجبته.
فما من فتاة لا تريده، إنه واعد جميع فتيات الجامعة وينتظرن حديثه معه.
لكن عندما اقترب من أفيلا، ابتعدت عنه على الفور، لم تنظر له حتى، أشعره ذلك بالضيق.
كانوا يسيرون، وأفيلا لا تعلم أين هي ذاهبة، فبدأ الناس يقلون من حولها ويذهبون في شوارع خالية.
نظرت إلى عمر، التي بدت تشعر بالقلق تجاهه.
قالت:
أين هو؟
ستريه، انتظري قليلاً.
منذ أن خرجنا من المقهى وأنت تقول هذا.
قالها بضيق.
لم يعلق على كلامها، إلى أن وجدها توقفت، فتوقف والتفت.
نظر إليها قال:
لما توقفتِ؟
كفاك عبثًا وقل لأين نذهب، أنتِ لا أرى طيقًا لشخص حتى.
ابتسم عمر.
نظرت أفيلا إليه باستغراب.
قال:
لأنه ببساطة لا يوجد.
قالت بصدمة:
ماذا؟ كيف؟
بكل صراحة، أحببت السير معك كثيرًا.
نظر لها من فوق لأسفل، واردف قائلاً:
كيف لو اقتربت منكِ؟
لم تهتم أفيلا بكلامه، وطالعته باشمئزاز وبرود.
قررت العودة وألا تهتم به.
التفتت وذهبت.
أمسك عمر يدها وسحبها، لكن لكمته بقوة جعلته يتركها على الفور وهو يتألم.
أمسك، لكن ارتسمت ابتسامة جانبية، وكأنه يستمتع بمقاومتها له.
اعتدل ونظر إليها.
قالت بجمود:
توقف.
إن لم أفعل.
شعرت بالغضب.
قالت:
سأقتلك.
قال ساخرًا:
هل قتلتِ من قبل؟
صمتت وتبدلت ملامحها عند هذه الجملة.
اقترب منها، ابتعدت، وكانت ستوجه عليه بلكمة، لكنه تصدى لها.
نظرت إليه بحنق، وهو يمسك ذراعها، كانت ستضربه، لكنه قربها منه لتصبح ملتصقة بجسده.
لتطاير غضبها، ويحل مكانه الخوف.
حاولت الابتعاد، لكنه حاوطها ليرتجف جسدها من عودة ذاكرتها لماضي الذي يشعرها بالضعف.
بدت على ملامحها الخوف وتحاول الإفلات.
أمسك ذراعيها بقوة، يستغل ضعفها وخوفها الذي ظهر، وكأنها مغيبها.
اقترب منها أكثر وقرب وجهه.
لم تستطع أفيلا التحمل، دفعته وركلته بقوة، ليبتعد عنها، فوقع عمر على الأرض من ضربتها، ولم يقف مجددًا.
بينما أفيلا كانت تعيد ضربات قلبها وتأخذ أنفاسها.
نظرت له وتوقفت عيناها عليه، بأنه لم يعتدل ومستلقٍ بطريقة غريبة ولا يتحرك البتة، حتى حركات صدره أثر تنفسه لا تظهر عليه.
سارت تجاهه ببطء.
كانت تطالعه باستغراب، إلى أن أصبحت على مقربة منه، واتسعت عيناها بصدمة وارتعاب، حين وجدت دماء كثيرة تسيل من رأسه، وحجر كبير بجانبه وعليه آثار دمائه أثر اصطدامه بها.
احمرت عيناها من شدة الخوف، وضعت يدها على فمها، تمنع خروج صوتها.
عادت للخلف، سالت دمعة من عينها وهي تطالعه.
تعثرت ووقعت جالسة على الأرض.
زحفت للخلف، تبتعد عنه بخوف وتسيل دموع من عيناها من الصدمة، وهي تنظر لعمر المستلقي.
رواية احببت مافيا الفصل السادس 6 - بقلم نور
ظهر الخوف على وجهها وهي تحاول الإفلات منه، وهو يستغل ضعفها وخوفها الذي يحتلها.
اقترب منها حيث لا يفصله شيء، قرب وجهه منها وكاد أن يلامسها، لكنها ركلته بقوة ليبتعد عنها.
فوقع عمر على الأرض من ضربتها ولم يقف مجددًا.
بينما أفيلا كانت تعيد ضربات قلبها وتأخذ أنفاسها.
نظرت له وتوقفت عيناها عليه بأنه لم يعتدل ومستلقٍ بطريقة غريبة ولا يتحرك.
حتى حركات صدره أثر تنفسه لا تظهر عليه.
سارت تجاهه ببطء، كانت تتطلعه باستغراب إلى أن أصبحت على مقربة منه.
اتسعت عيناها بصدمة وارتعاب حين وجدت دماء كثيرة تسيل من رأسه وحجر كبير بجانبه وعليه آثار دمائه أثر اصطدامه بها.
احمرت عيناها من شدة الخوف، وضعت يدها على فمها تمنع خروج صوتها.
عادت للخلف، سالت دمعة من عينها وهي تتطلعه.
تعثرت ووقعت جالسة على الأرض، زحفت للخلف تبتعد عنه بخوف وتسيل دموع من عينيها من الصدمة وهي تنظر لعمر المستلقي.
وجدت شخصًا يجلس بجانبها، أفاقت نظرت له وتفجأت حين وجدته كاسبر.
لم تلاحظ وجوده، كان ينظر لعمر.
قالت أفيلا بصوت ضعيف: لم أقصد.
قال: أعلم.
نظرت إليه وقالت بصوت يجهش بالبكاء: لقد مت... قتلته.
قال: اهدئي.
قالت: أنا قاتلة.
قال: لستِ كذلك.
قالت بتقطيع وخوف: لا... أنا...
قاطعها بحدة: لا تتفوهي بهذا الكلام.
صمتت ولم تتحدث ثانيًا.
قال: انظري إلي.
أدارت وجهها ناحيته، نظرت إليه.
قال: إنكِ لم تفعلي شيئًا... حسنًا.
قالها تأكيدًا عليها، مانعًا تفكيرها أن يوقعها في ورطة لاحقًا وأن تتحدث أمام أحد عن ما حدث.
كانت أفيلا تنظر في عينيه وصامتة من الرعب المحيط بها.
وجدت رجاله يحملون عمر ويأخذوه.
أمسك كاسبر يدها، نظرت له.
وقف وأخذها معه وهي لم تعلق وتائه في شرودها.
ألقت نظرة على الرجال وهم يضعونه في سيارة من سياراتهم وكأنه جرذ لا قيمة له، ويزيحون التراب على الدماء التي على الأرض يخوفها.
يفعلون ذلك بمهارة ودون ذرة رحمة أو خوف بأن هناك أحد قُتل، وما يفعلوه يثبت كونها جريمة متعمدة.
أدخلها كاسبر إلى سيارته ثم ذهب لناحية أخرى، دلف وذهب.
نظرت أفيلا له وقالت بتردد: ماذا سوف تفعلون به؟
قال: لا تقلقي بشأن هذا.
تعجبت، قالت: كيف؟
لم يرد عليها.
التفت ونظرت خلفها، وجدت السيارة التي وضعوا فيها عمر تغير مسارها وتذهب من طريق آخر.
قالت: إلى أين يأخذونه؟
قال كاسبر ببرود ولا مبالاة: سيتخلصون منه ليمحي أي أمل من العثور عليه.
صدمت أفيلا منه وقوله هذا وكأنه قمامة.
نظرت له، قالت: كيف تتخلصون منه، هل هو جرو ليعامل هكذا؟
لم يعر كلامها اهتمامًا.
قال: لتنسي ما حدث وما رأيتيه.
صمتت أفيلا قليلًا ثم قالت: أوقف السيارة.. اجعلهم يعودون به.. أنا لم أقصد س.. سوف أخبرهم بما حدث.
وكانت تقصد الشرطة.
نظر لها ببرود وقال: ماذا سوف تقولين لهم؟
توترت، لكنها قالت: مجرد حادث غير مقصود، كان دفاعًا عن النفس.
نظر كاسبر أمامه ولم يهتم بكلامها التي باتت أحمقًا لا يمت للواقع بصلة، فهي لا تدري أي عقوبة ستأخذ بشأنها ولن يستمعوا بأي ما تقوله.
غضبت أفيلا من تجاهله، نظرت خلفها وقالت: أريد النزول، أوقف هذه السيارة، وأخبرهم أن يعطوني إياه.
لم يهتم.
قالت بصوت مرتفع: ألا تسمع، أخبرك أن تتوقف.
أمسك كاسبر يدها بقوة، فصمتت.
نظر لها، خافت من نظرته كثيرًا.
قال بلهجة مخيفة: لا ترفعي صوتك حتى لا تلحقين به.
قالت بسخرية: ألحق به.. أم تأمر رجالك بالهجوم علي؟
نظر لها بغير اهتمام ولم تتغير ملامحه، ثم ترك يدها وابتعد.
نظرت أفيلا للباب، كانت ستفتح، لكن السيارة توقفت بقوة فصدم رأسها.
قال كاسبر ببرود: انزلي.
شعرت بالضيق، التفت وأسرعت بلخروج للابتعاد عنه.
أمسكت باب السيارة، كانت ستفتحه، لكن وجدت يدًا تمسك يدها وتسحبها إليه.
اتسعت عيناها من قربها، قالت بغضب وهي تبتعد وتسحب يدها: ماذا تفعل؟
اشتد على يدها يمنعها من الحركة وقال بحدة: اصمتي.
صمتت بخوف، نظرت له ووجدته ينصت لشيء لم تفهم، لكن هدأت حين بدأت هي الأخرى تسمع صوتًا غريبًا.
بدا على ملامح كاسبر الصدمة.
قال بصوت منخفض لنفسه: قنبلة.
ترك يدها وابتعد عنها ونظر حوله وخلفه، وجد شيئًا ينير، جهاز صغير ملتصق في ركن السيارة ويصدر ضوءًا خفيفًا لونه أحمر.
لكن لم يكن الصوت منه على حسب مسامعهم، كان بأسفل السيارة وكان من تحتهم.
جاء الرجال عندما رأوا سيارتهم توقفت، نظروا له من النافذة، أشار لهم بالابتعاد وألا يلمسوا السيارة، فاصغوا إليه وعادوا للخلف.
أمسك هاتفه وأرسل لهم رسالة يخبرهم بوجود قنبلة.
صدم الرجال، نظروا إلى السيارة يتفحصوها وأسفلها حتى وجدوها بالفعل ودهشوا، فكيف وضعت ومتى.
التقطوا لها صورة وأرسلوها إلى كاسبر يخبروه أن يقينه صحيح.
نظر كاسبر إلى الصورة والعداد، فأمامهم ٣٠ دقيقة ثم تنفجر وهم بداخلها.
لكن ما لاحظه تركيبها التي يعرفه، وهذا النوع ينفك إلكترونيًا وبها نظام يمكنه تشغيله وإيقافه.
أخبر رجاله أن يسرعوا.
كانت أفيلا قد رأت المحادثة وشكل القنبلة وخافت كثيرًا.
قالت: لنفتح الباب وننزل.
توجهت للباب، أمسكها كاسبر من كتفها وقربها منه.
نظرت له وليداه.
قال: توقفي، إنك تعجلين موتانا، إن فتح الباب أو تحركت السيارة ستنفجر على الفور.
تسرب لقلبها الرعب والفزع.
رأى ذلك من تعبيرات وجهها في عينها.
قال: سوف أخرجك، لا تقلقي.
أومأت إيجابًا وهي خائفة.
ابتعد عنها، أمسك هاتفه ليسرعهم، وكانت مرتعبه تنظر حولها خائفة أن تتحرك حركة فتن.فجر الق.نبله كما أخبرها.
لفت، انتابها حاسوب نقال أمامها "لاب توب".
أخذته، وضعته على قدمها.
نظر لها باستغراب وماذا تفعل، رأى يداها ترتجف وكان بؤبؤ عينيها يتحرك بخوف.
قالت أفيلا بصوت منخفض: لا أصدق أني سأفعلها.. مر زمن على هذا.
أخذت نفسًا عميقًا، تعيد ثباتها، ثم بدأت تدخل على صفحات وتظهر أشياء غريبة وكلمات صغيرة باللون الأخضر وتحرك يداها بسرعة على لوحة المفاتيح بمهارة، وكاسبر لا يعلم ما تفعله.
كانت أفيلا تنظر إلى الشاشة أمامها وتتعرق وتزداد ضربات قلبها خوفًا، وتتوارى أحداث لها في مخيلتها جالسة في غرفة صغيرة بين أجهزة كثيرة وكل شاشة منهم تظهر عليها كلام كثير وصورة مختلفة.
عادت للواقع، تمنع هذه الذكريات من أن تحوم أمام أعينها ويمتلكها الخوف الذي تلبش في جسدها.
يجب أن تركز على ما تفعله.
أمسك كاسبر هاتفه وهو غاضب لأنهم تأخروا، حتى جاء رجاله وهم يمسكون برجل يحمل حقيبة بها أغراضه الذي سيحتاجها.
جلس على الأرض بجانب السيارة، فتح حقيبته، أخرج حاسوبه وبدأ في الدخول على نظام القنبلة، ومتوتر من الرجال الذي حوله.
كانوا ينظرون له وهو يحرك يديه على اللوحة بسرعة ومركز على عمله.
جاء صوت من الحاسوب كإنذار وإشعار بلون أحمر، صدم الشاب وتبدلت ملامحه، أخذ يكرر ما فعله ويعيد مرة أخرى.
فجأة نفس الصوت وذات الكلمة التي تخبره أنه لا يفلح في الدخول.
نظر له الرجال باستغراب.
قال أحدهم بغضب: ماذا يحدث؟
قال الرجل: هناك من يخترق النظام بالفعل ولا يسمح لي بالدخول عليه.
وجد كاسبر رسالة، فتح هاتفه، أخبروه أن هناك أحد دخل على نظام القنبلة ولا يستطيعون أن يدخلوا عليه بوجوده.
نظر لهم من النافذة بغضب، فخاف رجاله.
سمع صوتًا بجانبه، نظر وجد أفيلا تتمتم بكلمات وتحرك شفتاها تقول شيئًا لنفسها، وعلى الشاشة يظهر أرقام وكأنه عد تنازلي مثل عداد لشيء ما.
تعجب كثيرًا، نظر لها، أمسك هاتفه وسأل رجاله عن الوقت المتبقي، فالتقطوا صورة له، وجد أن بقي ٤٠ ثانية.
نظر إلى الشاشة التي أمامه، وجد أنه نفس العدد.
نظر لها بصدمة، قال: أنتِ.
كانت هي أفيلا من تجلس على النظام واخترقته.
قال كاسبر بضيق: ماذا تفعلين؟
لم تهتم به وظلت مركزة على الشاشة.
قال بغضب شديد: ستقتليننا، أخرجي من داخله ليقفلها قبل أن تنفجر، لم يتبق الكثير.
لم تسمع له وتكمل ما تفعله وحركات أصابعها التي لا تتوقف، لكنه كان يوترها أكثر مما عليه والقلق الذي ينتابها في هذه اللحظة وارتجاف قلبها لأنها تفعل ذلك.
تحاول تجاوز كل هذا للنجاة، عليها أن تكمل.
كان كاسبر يسمع صوت العداد من اللاب توب ويخبرها بحد أن تخرج، وكان على ملامحه الغضب وهي لا تستمع له.
كان يسمع دقات قلبها وأنفاسها وكأنها تأخذها بصعوبة ويرى عرقها الشديد.
كان يريدها أن تتوقف خوفًا عليها، يريد أن يخرجها، لكنها عنيدة.
وجد الوقت خمس ثوانٍ، صدم.
٤، ٣، ٢.
فتح الباب ودفع أفيلا بقوة للخارج في ذات اللحظة، فوقعت بعيدًا عن السيارة.
كان الجميع بعيدًا خائفون من الانفجار، لكنهم لم يجدوا أي شيء قد حدث.
شعرت أفيلا بألم جسدها، اعتدلت بضعف، فنظرت خلفها وسعدت كثيرًا أن السيارة لم تنفجر، وفي نفس الوقت تفاجأت عندما تذكرت كاسبر وهو يفتح الباب ويدفعها للخارج.
لو لم تنتهِ وكان لديها وقت وفعل هذا، كان جعل السيارة تنفجر به من فعله هذا.
ركضت إلى السيارة، خرج كاسبر وهو غير مصدق أنه على قيد الحياة.
وجد أفيلا تقف أمامه وغاضبة.
قالت: ما هذا الذي فعلته.. لو لم تتوقف القنبلة وفتحت السيارة لانفجرت أيها المتهور... حتى أن كان المتبقي ثانية واحدة فلدينا أمل.
نظر لها بشدة، اقترب ووقف أمامها.
قال: من المتهور.. كدتِ تقتليننا، كانت مخاطرة كبيرة.
قالت: كنا بالفعل في خطر.
قال: جاء لنا شخص يخلصنا من هذا، لكنك لم تدعي له فرصة.
كان الجميع ينظرون لهم باستغراب ومن مشاجرتهم الغريبة.
قالت أفيلا: لقد جاء وكان الوقت المتبقي ١٥ دقيقة، لم يكن لينتهي في هذا الوقت القصير.
نظر كاسبر للشاب، فأومأ برأسه ثم أخفضها بحرج.
ابتسمت أفيلا بكبرياء ثم نظرت لكاسبر.
قالت بضيق: هل تأكدت الآن... لقد أنقذتك للمرة الثانية، يجب عليك أن تشكرني لا أن تصرخ في وجهي وأنت المخطئ.
نظر الرجال لها بشدة وأنها تطلب من سيدهم أن يشكرها، فهي لا تعلمه جيدًا أو من يكون ذاك الرجل الذي أمامها.
اقترب كاسبر من أفيلا.
نظرت له، تلاشى ضيقها، عادت خطوة للوراء.
قال بهدوء: شكرًا لكِ.
نظرت له أفيلا ومن لهجته التي تغيرت كثيرًا.
عادت للخلف قليلًا وهي تتطلعه بتوتر.
نظرت له وذهبت، وكان يتطلع فيها وهي تغادر.
اقترب رجاله، نظروا له، فعاد إلى وجهه الاعتيادي وذهب بجمود.
عادت أفيلا إلى منزلها وهي مرهقة وشارده تتذكر إمساكها اللاب توب وما فعلته.
تنهدت بضيق وذهبت، لكن تذكرت عمر.
قالتها بصوت مرتجف: ما الذي فعلته؟
تذكرتهم وهم يضعونه في السيارة وقول كاسبر أنهم سيتخلصون منه.
قالت: مستحيل.. أنا لن أفعل هذا، إنه ليس جرو.. كيف تركتهم يأخذونه ونسيت أمره وذهبت، هكذا تكون جريمة، أنا لست حثالة أن قاتلة، سأقول أنه كان حادث.
قالت آخر جملة بتردد وخوف، وقلبها غير مطاوعها فيما تفعله فالقانون سيحاسبها على كونها قاتلة.
لكن أفيلا ترى القانون سخيفًا لا يعطي حقًا أم باطلًا، ولقد رأت ذلك بأم أعينها ولا تكترث للقانون في حياتها.
لكن إن لجأوا إليها عليها التحدث.
أمْسكت رأسها بضيق وذهبت وتلعن نفسها عما حدث وتأكدت لنفسها أنها ليست قاتلة وكان حادث، لذلك ذاهبة وستخبر الشرطة بما حدث حتى لا تكون مجرمة.
إنها لم تفعل شيئًا، لقد كان يتقرب منها وحاولت إبعاده لا أكثر.
شعرت بالخوف عندما تتذكر الدماء التي راتها به والرجال عندما حملوا وقاموا بمسح الدماء، هذه ستكون جريمة مدبرة لها.
لم تعلم أين يكون عمر الآن.
تذكرت ذاك الفندق الذي كانت فيه في هذا اليوم، قررت الذهاب له على أمل أن تجده، فلا تعلم أي شيء عنه وعن مكانه.
وصلت إلى الفندق، وجدت رجاله في كل مكان.
ذهبت للمصعد، نظر لها الرجال، خافت أن يوقفها، لكن لم يعترض طريقها، فتصرفت بطبيعتها وأخذت نفسًا حين دخلت.
وصلت عند جناحه، خرجت من المصعد، وجدت رجلين عند الباب.
سارت تجاههم.
قال أحدهم بصوت عريض: إلى أين تذهبين؟
قالت أفيلا: أريد رؤيته.
قال الرجل: لا يسمح بذلك.
قالت أفيلا بصوت مرتفع غاضب: ماذا تقول، أخبرك أني أريد رؤيته.
قال الرجل بحدة: عودي حيثما كنتِ إن كنتِ تهتمين لحياتك.
قالت: ابتعد من وجهي.
قالتها وهي تقترب منهم، فرفعوا مسدسات على وجهها.
اتسعت عيناها وصدمت، وكان قلبها يرتجف من الخوف من رؤية ذلك الشيء ثانيًا، تسربت حبيبات العرق على جبهتها وهي تعيد في ذاكرتها صوت إطلاق نار.
شعرت بضيق تنفسها، قررت الذهاب، لكن وجدت الباب يفتح ويظهر كاسبر وهو عاري الصدر ويرتدي بنطالًا فقط وشعره مبتل وفي يده منشفة.
قال بجمود: دعوها.
خفض الرجال أسلحتهم وأعادوها مكانها.
نظرت أفيلا وقد اطمأن قلبها، دخل كاسبر فذهبت خلفه.
نظرت إلى الباب ووجدته يقفل، فارتبكت.
نظر لها كاسبر وأنها تنظر إلى الباب، تنهد.
قال ببرود: ماذا تريدين؟
نظرت إليه وهو ما زال عاريًا وكتفاه العريضة وعضلاته المتفرعة بعروقه التي تزيده جاذبية.
أشاحت عينيها عنه.
قالت: أين وضعته؟
قال: من؟
قالت: الشاب الذي قتل.. تنهدت ثم أكملت: الذي مات.. أين هو؟
قال: ماذا تريدين منه؟
نظرت له أفيلا وقالت: ليس لك دخل بذلك، أخبرني أين أخذتموه.
اقترب كاسبر منها.
قال: هل كان حبيبك؟
توترت، قالت: لا.. أجل، أين هو؟
قال: ولماذا كنتِ خائفة منه عندما كان يتقرب منكِ؟
نظرت له أفيلا بدهشة وكيف علم، هل رآهم؟
كان كاسبر ينظر من النافذة وهو يقود، وجد شابًا وفتاة قريبين، لم يهتم بهم، لكن دقق بها وعلم من تكون.
قال كاسبر: لا تجيدين الكذب.
قالت أفيلا بصدمة وتساؤل: ماذا فعلتم به؟
قال كاسبر ببرود: لم نفعل له شيئًا.
قالت: ماذا تعني؟
قال: إنه على قيد الحياة.
تحولت ملامح أفيلا وانفرجت أساريرها، قالت بلهفة: حقًا.. أين هو إذا؟
قال: في المشفى القريبة من هنا.
ابتسمت، شعرت بالاطمئنان وأن ما يخيفها قد انزاح من على قلبها.
ذهبت بسرعة إلى الباب لتغادر.
قال: هل شعرتِ بالخوف أن تصبحي قاتلة للمرة الثانية؟
توقفت قدماها متثمرة في مكانها من ما قاله.
ليردف وهو ينظر لها: أفيلا.
انصدمت عندما من ذكر اسمها للتو، التفت ببطء، نظرت له.
أحببت مافيا
البارت السادس
تفااااااااااااااااااعل❤️
•
رواية احببت مافيا الفصل السابع 7 - بقلم نور
كانت ستتدخل لكن اتصدمت حين رفعوا مسدسات على وجهها.
خافت كثيرا وقررت الذهاب، لكن وجدت الباب يفتح ويظهر كاسبر وهو عاري الصدر ويرتدي بنطال فقط، وشعره مبتل وفي يده منشفة.
قال بجمود: دعوها.
دخل لجناحه وتركهم.
تبعته لتبتعد عن رجاله، وجدت الباب يقفل عليهم.
ارتبكت.
نظر لها كاسبر وهي تنظر إلى الباب.
تنهد وقال ببرود: ماذا تريدين؟
نظرت إليه وهو ما زال عاري، وكتفاه العريضة وعضلاته المتفرعة بعروقه التي تزيده جاذبية.
أشاحت عيناها عنه وقالت: أين وضعته؟
: مَن؟
: الشاب الذي قتل...
تنهدت ثم أكملت: الذي مات... أين هو؟
: ماذا تريدين منه؟
نظرت له أفيلا وقالت: ليس لك دخل بذلك. أخبرني أين أخذتموه.
اقترب كاسبر منها وقال: هل كان حبيبك؟
توترت وقالت: لا... أجل.
: أين هو؟
: ولماذا كنتِ خائفة منه عندما كان يتقرب منكِ؟
نظرت له أفيلا بدهشة، وكيف علم؟ هل رآهم؟
كان كاسبر ينظر من النافذة وهو يقود، وجد شاب وفتاة قريبان، لم يهتم بهم، لكن دقق بها وعلم من تكون.
قال كاسبر: لا تجيدين الكذب.
قالت أفيلا بصدمة وتساؤل: ماذا فعلتم به؟
قال كاسبر ببرود: لم نفعل له شيئًا.
: ماذا تعني؟
: أنه على قيد الحياة.
تحولت ملامح أفيلا وانفرجت أساريرها، قالت بلهفة: حقًا... أين هو إذا؟
: في المشفى القريبة من هنا.
ابتسمت، شعرت بالاطمئنان وأن ما يخيفها قد انزاح من على قلبها.
ذهبت بسرعة إلى الباب لتغادر.
: هل شعرتِ بالخوف أن تصبحي قاتلة للمرة الثانية؟
توقفت قدماها متسمّرة في مكانها مما قاله.
ليردف وهو ينظر لها: أفيلا.
انصدمت عندما ذكر اسمها للتو.
التفت ببطء، نظرت له.
التفت ببطء، نظرت إليه.
كان واقفًا يضع يده في بنطاله وينظر لها ببرود.
قالت بصوت ضعيف متقطع: ماذا قلت؟
: فتاة عمرها ١٧ عام تشاهد مقتل والديها أمام أعينها... من وراء ذكائها في الاختراق.
انتهى من جملته الأخيرة ثم نظر إليها.
كانت واقفة متصنّمة تنظر للفراغ ولا تتحدث كالتمثال من كلامه، وعلى ملامحها الحزن وهي تتذكر.
نظرت له بعين ممتلئة بالدموع وقالت: من تكون؟
: أود إخبارك، لكن إذا عرفت...
قالها ببساطة.
نظرت له باستغراب، فاكمل بجمود: سأضطر لقتلك.
صدمت.
سار تجاها بخطى ثابتة.
كانت الدموع تسيل من عينها بعد ذكرها بوالديها.
نظرت له بحنق وعيناها حمراء.
قال كاسبر: لا أريد أذيتك، فأنا أحتاجك.
: كيف؟
: سنتقابل كثيرًا بعد هذه المقابلة، وأخبرك فيما أريدك.
: لا أظنك سأعلم إذا، لأن لن يكون هناك مقابلة. أتمنى ألا أراك ثانيًا.
اقترب منها وأصبح مقابلاً له.
نظر لها ببرود وقال: أنا من يحدد ذلك، وليس أنتِ.
كانت أفيلا غاضبة والدموع تسيل من عينها وتنظر له بحنق وضيق.
التفت وذهبت تغادر من هذا المكان للابتعاد عنه.
دخلت أفيلا المشفى، سألت الاستقبال عن عمر وأنه أتى إليهم منذ قليل، فدلوها على غرفته.
أدت شكرها وذهبت.
وقفت عند الباب مترددة، أطرقت برفق ثم فتحت.
ألقت نظرة، تنهدت ثم دخلت.
نظر عمر إليها، تفاجأ من وجودها.
اعتدل في جلسته وكان يشعر بضعف في جسده.
: ظننتك غادرتِ.
قال ذلك، فتعجبت أفيلا، لكن علمت أنه يظن أنها من أحضرته لهنا.
قالت: كيف حالك الآن؟
نظر لها ولم يتوقع أن تقول له ذلك، قال: أفضل.
أومأت أفيلا له.
قال: أعتذر.
نظرت له، أضاف بحرج: اعتذر على كل شيء، أعلم أنني أخطأت عندما خدعتك وحاولت أن...
: فلتهتم بنفسك.
قاطعته بغير اكتراث، فلا تريد أن تتذكر.
أضافت وهي تستدير: على الرحب.
ذهبت أفيلا، لكن أوقفها عمر قائلاً: هل بإمكانك أن تأخذيني للمنزل؟
توقفت، نظرت له باستغراب.
فقال: لا، لا أقصد أي شيء صدقيني، فقط أخبرني الطبيب أن لا يمكنني العودة بمفردي، لحدوث أي أعراض في الطريق أثناء قيادتي... رأسي ليست على ما يرام.
علمت أنه يقصد اصطدامه البالغ بالحجر ونزيفه، حيث موصل بوريده خرطوم دماء تعويضًا عن دمائه الذي فقدها.
: لذلك يجب أن يرافقني أحد، وإلا لن أستطيع الخروج...
أردف بتوضيح: لا أحب البقاء في المشفى.
لم تبدِ أي تعبيرات الاهتمام على وجهها بأي ما قاله، فكيف ترافق ذلك الشخص ثانيًا.
التفت لتذهب، لكن شعرت بالمسؤولية لأنه هنا بسببها.
تنهدت وقالت: أعطني رقم والديك لأتصل بهم.
أخرجت هاتفها تنتظره أن يخبرها بالرقم، لكن لاحظت صمته.
نظرت له باستغراب: والداي متوفيان.
صمتت لوهلة ثم قالت: عائلتك؟ أليس لديك أحد؟
: لدي أخت كبيرة متزوجة، لكن لا أريد أن أقلقها على لا شيء.
أعادت هاتفها وقالت ساخرة: أتريدني أن أصدق ما تقوله؟
: إنك محقة... اعتذر مرة أخرى. يمكنك الذهاب.
نظرت له أفيلا وهو يستند ليقف.
شعرت ببعض الشفقة حياله من أجل والديه، فهو مثلها.
تريد تصديقه لتساعده لأنها لا ترفض مساعدة أحد، لكن خائفة من حيلة... فهو خدعها ولا تنسى ما حاول فعله في الصباح.
فذهبت وتركته.
كان عمر يسير وممرضة تسنده إلى أن خرج من المشفى.
توقف عن السير حين وجد أفيلا واقفة ولم تذهب بعد، وبجانبها سيارة أجرة وكأنها تنتظره.
نظرت له، اقتربت منه، نظرت للممرضة فشكرتها.
وبدون أن تتفوه بأي كلمة أخرى مدت يدها وهي تنظر بعيدًا بمعنى أن يسند عليها.
تفاجأ كثيرًا، أمسك يدها واستند عليها.
قالت الممرضة بابتسامة: حبيبتك جميلة، تبدوان ثنائي رائع.
نظرت أفيلا لها بدهشة من كلامها وعن أي ثنائي تتحدث.
نظر عمر إليها، وجدها تتطلع إلى ممرضة حتى وهي تذهب.
ابتسم عندما رأى صدمتها ظاهرة على وجهها.
لهم بينما هو تذكر لقبها "حبيبته".
توقفت السيارة أمام عمارة.
خرجت، مدت أفيلا يدها إليه.
أمسكها وخرج.
أخبرت السائق أن ينتظر.
أسندته إلى أول الدرجات حتى دخلا البناء.
وقفت وقالت: لا أستطيع أن أوصلك أكثر من هذا.
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة وقال: أعلم... أشكرك كثيرًا.
نظرت له أفيلا لثوانٍ ثم ذهبت.
دلفَت إلى السيارة وغادرت.
كان عمر ما زال واقفًا ينظر لها إلى أن ابتعدت عن عينيه.
في ملهى ليلي، دخل كاسبر وكان مرافقه رجلان من رجاله.
نظر للمكان ورائحة الخمر التي تفوح منه.
ذهب بلا مبالاة، بينما كانت امرأة تقف على منصة تمسك بعمود وتتمايل.
انخفضت حين رأته لتصبح مقابل وجهه.
توقف كاسبر ونظر إليها: لم أرَ ذلك الوجه هنا من قبل.
نظر الرجلان إلى سيدهم الذي كان ثابتًا.
نزلت المرأة واقتربت منه، رفعت يديها لتلمس وجهه.
أمسك يدها رجل: الزمي مكانك.
أبعدها، نظرت له بحنق وقالت: يدك قاسية على امرأة ناعمة مثلي.
تنهد كاسبر ومنعهم من التحدث وقال: تعلمين أين أجد رجلاً يدعى مدحت.
: مدحت... إنه...
كادت أن تتحدث لكن صمتت وقالت بمكر: وماذا ستعطيني إن أخبرتك؟
: كم تريدين؟
: تمهل، أنا لا أريد المال...
لم يفهم.
اقتربت منه وقالت بصوت أنثوي: إنني أريد رجلاً.
همست له في أذنه وقالت: أريدك أنت... لن تكون زبونًا لي، فأنا من أبتغيك.
لم تجد ردًا.
نظرت له، ابتسمت وقالت: ماذا قلت؟
: لكِ هذا.
: لنذهب إذًا.
أمسكت يده ووضعتها على كتفها وأخذته.
نظر الرجلان إلى سيدهم باستغراب.
دخلا لغرفة وحين أُغلقت الباب واقتربت منه لتجده يحاوطها بين الجدار.
ابتسمت وقالت: على رسلك.
اقترب منها.
لنترك العنان إليه.
سمعت صوتًا كصوت صلاح.
تعجبت، شعرت بشيء.
نظرت واتسعت قدحتا عيناها حين وجدته يضع مسدسًا عند خصرها.
: ماذا تفعل؟
قالتها بصوت مرتجف.
لينظر له بعينيه المخيفتين ويقول: ألا زلتِ تريدينني؟
سار الخوف في جسدها ونفت برأسها.
: جيد... أين يكون؟
نظرت للمسدس بخوف وقالت: في الطابق السفلي عبر ممر السلم.
صمت ونزل سلاحه وقال ببرود: لا تعبثي مع أحد لا تعلمين من يكون.
نظرت إليه ليردف: قد يكلفك ذلك حياتك.
أومأت برأسها بفهم.
ابتعد عنها بهدوء وأعاد وضع مسدسه في بنطاله وذهب.
نظرت إليه لتأخذ أنفاسها التي كبحتها بشدة خوفها.
كان الرجلان واقفين ليجدوا كاسبر ظهر بثباته ولم ترافقه المرأة.
ذهب دون أن ينظر لهما.
تبعوه ليذهب لأسفل ويسير بممر حتى سمع صوتًا بإحدى أركان الغرفة العازلة.
دخل وجد رجلاً يجلس وامرأتان بجانبه من فتيات الليل يرتدون ملابس كاشفة لجميع مفاتنهن، يتغازلن به وكان يلمسهن ويرسم ابتسامة على ثغره.
رأى كاسبر قال: أين كنت؟ انتظرتك كثيرًا.
جلس وهو يقول بثقة: للخارج.
نظرت الأمرأتان إليه والرجل كذلك، فهذا الملهى ملكه.
رفع عينيه إليه ببرود.
تنهد وقال: انتظروني في الخارج وأنا سآتي إليكما.
أومأت له وذهبت وهم يتركونهما يتطلعان في كاسبر ورجاله.
اعتدل مدحت وقال: لم تعطني ردك على صفقتنا.
: صفقة خاسرة.
قال وقال: أتتحدث بجدية... أتعلم ما يعادل الأرباح الذي ستأخذها حين تستلم المخطوطات تلك؟
: ليست معك لأستلمها، فلا تسبق أفعالك... ما دام لم تجد بعد من يحل تعقيدتها.
: لهذا حدثتك أنت لتحلها... ما أعرفه أنك لا تجد صعوبة بأي عمل يخص أعمالنا.
: إنني أتيت لمصر لهذه الصفقة.
نظر له من نبرته فقال ببرود: هذا يعني أني لا أضيع مجيئي عبثًا.
: ماذا تقصد؟
: إن لم تجد مخطوطة ذلك النظم، سآخذ روحًا بدلاً منه.
نظر له بشدة وقال بغضب: أتهددني بمكاني؟
: أنا لا أهدد... أنفذ فقط.
وقف يعلن رحيله.
أوقفه مدحت وقال: أخبرتك المشكلة ليست في المخطوطة، هناك من يجب أن يحلها ونستطيع أن ننهي عليه بعدما ينتهي.
: لتجدها قبلًا والباقي علي.
قال ذلك وهو يلتفت ليذهب.
أوقفه وهو يقول: تعني أنك وجدت شخصًا موثوقًا؟
صمت كاسبر قليلاً، أكمل سيره دون أن يرد وتبعه رجاله.
جلس مدحت بضيق وهو يشرب كأسًا ويقول: ذلك المغرور.
عادت أفيلا إلى منزلها، وجدت عمها وجيد ورجل آخر جالسًا معه لا تعرفه.
نظرت له باستغراب وقالت: عمي.
نظر لها وقد انتبه لوجودها قال: لما تأخرتِ هكذا، أين كنتِ؟
: حدث أمر ما قام بتأخيري.
نظرت لذلك الرجل، فلاحظ وجيد ذلك فقال: هذا الطبيب هشام.
نظرت له باستغراب.
فقال هشام بابتسامة هادئة: مرحبًا أفيلا.
قالت باستغراب: أتعرف اسمي؟
: أخبرني السيد وجيد عنك.
: عني أنا؟!!
نظرت لوجيد وقالت بقلق: عمي هل أنت بخير؟
رد عليها: أجل.
: لِما الطبيب إذا؟
نظر وجيد لهشام قال: سوف أخبرك. اجلسي... سأعود بعد قليل.
ابتسم هشام له، وأفيلا لا تفهم شيئًا بعد، وتتساءل ما الذي يحدث وإلى أين عمها يذهب ويدعها مع رجل غريب.
قال هشام: اجلسي... دعينا نتحدث قليلًا.
نظرت لثوانٍ ثم جلست.
قال وهو يطالعها: هل أنتِ خائفة مني؟
: أظنني لا أعرفك حتى لا أخاف من كونك غريبًا عني.
ابتسم قال: الحق معك... لكن لم أقصد ذلك، أردت أن أخبرك أن نكون أصدقاء.
صمتت قليلاً ثم قالت: في أي تخصص أنت؟
تعجب من سؤالها قال: لماذا تسألين؟
: أريد أن أعلم، ألا يحق لي أن أسأل عن صديقي لأعرفه عليه؟
لم يكن هشام يريد أن تعلم كونه طبيبًا، لكن وجيد تسرع وأخبرها.
تنهد قال: طبيب نفسي.
أدارت وجهها وابتسمت بسخرية ثم قالت: ما سبب وجودك؟ هل أنا الحالة؟
نظرت له وأردفت قائلة: هل جئت لتعالجني؟
: لستِ مريضة، أنا فقط...
قاطعته أفيلا قالت: لكنني كذلك، أنا مجنونة وهذا سبب الذي أتيت أنت من أجله.
نظر لها بتعجب، كان سيتحدث لكنها سبقته.
قالت وهي تقف: أتريد أن ترى؟
لم يفهم.
وجدها تذهب.
اقتربت من منضدة، نظر لها باستغراب، فامسكت مزهرية ودفعتها بقوة.
وقعت على الأرض وتكسرت إلى أشلاء.
وقف هشام في فزع، نظر إلى الزجاج.
أمسكت أفيلا زجاجة ودفعتها لتنكسر هي الأخرى.
قال هشام بصدمة: ماذا تفعلين؟
: عالجني، ألست هنا من أجل ذلك؟
قالتها بغضب وصوت مرتفع.
نظر لها.
قالت بسخرية: هذا هو الجنون، هل رأيته؟
أمسكت زجاجة أخرى وكسرتها وسارت تدفع من حولها أي شيء.
جاء وجيد بسرعة، وجد زجاجًا على الأرض بجانب أفيلا وهشام واقف يحاول تهدئتها ويطلب منها أن تتوقف من حالتها الجنونية هذه.
قال وجيد: ماذا يحدث؟
نظرت أفيلا إليه، توقفت.
ابتسمت بسخرية وقالت: كيف تراني يا عمي؟
أكملت بانفعال وعلى وشك الانهيار: كيف تراني لتحضر لي طبيبًا نفسيًا؟
حزن وجيد قال: كنت أريد مساعدتك، لقد خشيت عليك...
: مساعدتي في ماذا؟ من قال لك أنني أريد مساعدة من أحد... مما خشيت ها؟
أكملت باستدراك: تقصد الجروح التي وجدتها علي، تريد أن تعلم كيف جرحت صحيح؟
نظر لها ومن نبرتها أضافت بجدية: إنه أنا.
صدم وجيد من قولها هذا.
: أنا من أقوم بجرح جسدي، تغمرني السعادة عندما أفعل ذلك.
نظرت إلى هشام الذي كان يتطلع فيها بشدة ويراقب تصرفاتها: لا أظنك متفاجئًا، المجانين يفعلون بأنفسهم أكثر من ذلك.
خطت تجاهه لتكمل بجدية: المجانين يقتلون أنفسهم أحيانًا.
ألقت نظرة خذلان عليه ثم ذهبت.
دخلت غرفتها وقفلَت الباب بقوة.
حزن وجيد كثيرًا ولعن نفسه أنه أحضر هشام.
نظر له تنهد قال بحرج: اعتذر، هي فقط غاضبة لأنني لم أخبرها قبل مجيئك.
: لا بأس.
قال هشام ذلك ثم ذهب وهو يتذكر تحول أفيلا بإثبات جنونها له وغضبها.
لم يفعل أحد هذا من قبل معه... كانوا يدعون العقلانية وأنها مجرد عقدة بحياتهم، ليست مثلها تريد أن تثبت ما ليس فيه.
لم يقتنع بتمثيلها بل شعر بوجود ما يؤثر عليها.
على حسب دراسته يعلم بنظر إلى شخص في عينه، وقد رأى أن داخلها ما تخفيه عن الجميع ولا تريد أن تخرجه لأي أحد كان.
فبعض الأسرار لا يستطيع المرء أن يبوح بها مهما طال الدهر، يبقيها لصديقه الرفيق الملازم طوال رحلته في الحياة، وهي نفسه.
كانت أفيلا جالسة في غرفتها تجمع قبضتها وتضم كفي يدها وتجرح أصابعها بأظفارها وتحركها عليها بعنف، وكأنها تريد أن تلسع جلدها.
لا تشعر وغير مبالية.
كانت تنظر للفراغ وعيناها متجمع بها الدموع، لا تجرؤ على السيل.
ليست هي من تبكي، بل نفسها التي أوصلتها لهنا.
النفس تبكي على نفسها أحيانًا.
سمعت رنين هاتفها، المكالمة من ألمانيا.
لم ترد عليه وتركته إلى أن صمت من تلقاء نفسه.
مرت أيام ولم تذهب أفيلا إلى الجامعة منذ ذاك اليوم، ولم تتحدث مع عمها وغادر المنزل.
كانت حين تتذكر ما فعلته أمامهم تشعر بالضيق، فتمنع نفسها أن تفكر في هذا.
ذهبت إلى الجامعة.
عندما دخلت وجدت هدير وأصدقائها واقفين.
لم تهتم بهم وأكملت سيرها.
نادت هدير عليها حين رأتها.
تركتهم واقتربت منها.
قالت هدير: مرحبًا أفيلا.
أومأت لها.
قالت هدير: لماذا لم تأتي الأيام الفائتة؟
: كنت مريضة.
: لم يأتِ عمر أيضًا مثلك.
لم تعر اهتمامًا لذكره وذهبت.
أوقفتها هدير قالت: أين ذهبتم؟
توقفت أفيلا، التفتت ونظرت لها.
قالت هدير: عندما أخذك عمر من الملهى...
: ما الذي تقصدينه؟
: لا أقصد شيئًا، لكن الأمر غريب، أنكم غادرتم ولم تعودوا ثانيًا والجامعة أيضًا لم تأتوا أنتما الاثنان منذ مدة، هل حدث شيء بينكما؟
: لا تثرثري كثيرًا.
جاءها هذا الصوت من خلفها مقاطعًا كلامها.
نظروا وجدوه عمر، كان على رأسه ضمادة صغيرة مكان جرحه.
ذهبت أفيلا وتركتهم.
نظر عمر لها وهي تغادر.
اقتربت هدير منه، وضعت يدها على رأسه قالت بقلق: ما هذا؟
: لا شأن لكِ.
نظرت له ثم قالت: هل حصلت على مرادك؟ لا يبدو عليك.
نظر عمر لها بضيق، ابتعد عنها وذهب وتركها هو الآخر.
تعجبت منه وشعرت بالغضب من معاملته لها.
اقتربت منها نسرين ابتسمت وضعت يديها عليها قالت: ماذا بك؟
: من الممكن أنها غاضبة من إحراج عمر لها.
قالتها نيرا بسخرية.
فرد سيف بمزاح: يكفي، سوف تبكي.
قالت هدير بغضب: اصمت.
وقالت نسرين: اهدئي، كنا نمزح.
لم ترد هدير عليها.
اقتربت منها قالت: هل تغارين على عمر من أفيلا؟
قال أحمد: إنكِ من عرفتيه عليها بعدما أصبحت صديقتك، فلما الغيرة الآن؟
ضحكت نيرا قالت: لم تريد صداقتها، لقد طلب عمر منها ذلك فتقربت منها من أجله.
قال أحمد: أيتها الحمقاء، الفتاة جميلة وصعبة المنال، ظننتيه سوف يستمتع قليلاً ويتركها.
كانت هدير تستمع لهم وتشعر بالغضب الشديد من كلامهم.
ذهبت لتبتعد عنهم لأنهم لن يتركوها ويستمرون في مضايقتها.
دخلت المدرج، استأذنت من الدكتور وجلست بجانب أفيلا التي لم تهتم بها.
انتهت المحاضرة.
جمعت أفيلا دفاترها.
: هل تضايقتِ من كلامي؟
قالتها هدير بتساؤل.
فردت أفيلا: لماذا أتضايق وأكترث لهراء؟
قالت ذلك ثم ذهبت.
غضبت هدير من ردها عليها بهذه الطريقة وإحراجها.
توقفت أفيلا قبل أن تخرج عندما رأت عمر يدخل.
نظر لها قال: كيف حالك؟
صمتت قليلاً، نظرت للضمادة قالت: بخير، وأنت؟
: بخير أيضًا.
: جيد.
ابتسم عمر بهدوء إليها.
نظرت له ثم ذهبت وكان يطالعها إلى أن خرجت.
اقتربت هدير منه، أمسكته من ملابسه برقة وتدلل قالت: اشتقت لك.
نظر عمر إليها ومن نبرتها: ألن تخبريني عما حدث معك؟
أمسك يدها.
نظرت له، أبعدهما عنه وعاد خطوة للخلف يبتعد عنها ثم تركها وذهب.
لتشيط غضبًا وتحاول تمالك أعصابها.
في الليل استيقظت أفيلا من نومها، شعرت بالظمأ قليلاً.
أبعدت الغطاء، أنزلت قدماها وخرجت.
اقتربت من الثلاجة، أضاءت الأنوار، أخذت قارورة ماء وأغلقتها.
تنهدت والتفتت.
سرعان تبدلت ملامحها، وقعت الزجاجة من يدها أثر الصدمة.
رواية احببت مافيا الفصل الثامن 8 - بقلم نور
أخذت قارورة ماء لتشرب، لكن ما إن التفتت حتى تبدلت ملامحها. وقعت الزجاجة من يدها أثر الصدمة من رؤية كاسبر جالساً أمامها ورجاله في أركان الغرفة.
"أنت... ل... لكن كيف؟" نظرت له واردفت قائلة: "ماذا تفعل هنا؟"
"أخبرتك بمقابلتنا الثانية." قالها ببرود، فخافت من نبرته وقد بدأت تشعر بشيء مريب تجاهه.
نظر إليها كاسبر من فوق لأسفل. لم تفهم نظراته إلى أن ألقت نظرة على نفسها، فاتسعت عيناها. كانت ترتدي بيجامة قصيرة وشعرها مفرود على ظهرها وخصلات على وجهها. فاحمر وجهها خجلاً. نظرت له، كان لا يتطلع إليها. ركضت سريعاً إلى غرفتها وأغلقت الباب.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه كاسبر لم يقصدها. نظر له رجاله بتعجب، فرفع أنظاره لهم بجمود فوقفوا ثابتين.
خرجت أفيلا بعدما ارتدت ملابس وربطت شعرها بطوق. جلست على الأريكة المجاورة لتلك التي يجلس عليها.
"سوف أمررها لك إن دخلت هنا أنت ورجالك مرة أخرى، سوف أتصل بالشرطة." قالتها أفيلا بتضايق.
فرد عليها ببرود: "افعلي ما شئتِ."
استغربت من كونه غير مبالٍ، وجهه جامد بهذا الشكل الذي يسير داخل النفوس.
التساؤل: "أين غرفتك؟"
نظرت له بشدة قالت: "م... ماذا تريد بغرفتي؟"
تنهد وقال بضيق: "الغرفة التي كنتِ تتخفين بها في عالمك الآخر."
تبدلت ملامحها وظهر عليها التوتر، لكنها أخفته وقالت: "لا أعلم عن ماذا تتحدثين."
أمسك كاسبر يدها بقوة فتألمت. نظر للأسفل ثم إليها، فخافت كثيراً من تلك النظرة وعيناه التي تمتلئ بقوة وشر.
"أعاملك برفق لأنك ساعدتيني في ذاك اليوم... لا أريد أن أتعامل معك بحقيقتي."
قالت بسخرية على كلامه: "أي رفق هذا؟"
نظر لها ثم ترك يدها. أمسكت يدها تتفحصها ثم قالت: "قل ماذا تريد مني لأرحل."
"أريدك ليوم واحد."
اتسعت عيناها، نظرت له بشدة، وقفت بغضب شديد قالت: "هل جُننت؟"
اقترب الرجال منها، رمقهم نظرة أبعدتهم عنها وعادوا لمكانهم. نظر لها وهو جالس وفي حالة هدوء لا تماثل غضبها.
"أُسئتِ الفهم، أريدك أن تبطلي نظام أمن."
تلاشى غضبها وشعرت بالحرج. قال: "اجلسي."
جلست. نظرت له قالت: "تريدني أن أكون معك ليوم واحد لأخترق نظام أمن؟"
أومأ لها إيجاباً، فابتسمت بسخرية قالت: "وهل تظن أني سوف أوافق؟"
"أخبرتك من قبل أني من يقرر ذلك."
شعرت بالضيق من ثقته في الحديث قالت: "وأنا لن أفعل هذا، إنني لا أعلم من تكون حتى."
"ومن أخبرك أني سوف أوافق؟ أني لا أعلم من تكون حتى."
قالتها بضيق، فرد عليها بثباته قائلاً: "حذرتك من قبل، لا أعيد تحذيري لأحد لا يهتم بحياته."
اقترب منها، نظر في عينها، أشار لها أن تقترب منه. تعجبت لكن اقتربت بتردد. أشار بيده أن تقترب أكثر فقربت وجهها وهي قلقة ولا تفهم. نظر في عينها قال: "ما زلتِ تريدين أن تعرفي؟"
أومأت له إيجاباً وهي مرتبكة من نبرته. اقترب من أذنها، توترت لكن صمتت حين وجدته يقول: "من يجلس معك هو أحد رجال..." صمت قليلاً، نظر أمامه ببرود ثم تحركت شفتاه قائلاً: "المافيا."
سار في جسدها رجفة لسماع ذلك اللقب وتبدلت ملامحها وكأن سُكب من فوقها دلو ماء بارد. نظرت له ببطء شديد وارتعاب ملأ عيناها، فهي علمت من يكون، وليتها لم تعلم. كان على ملامحه البرود والجدية كونه لا يكذب. ابتعد عنها واعتزل في جلسته وهي تتطالعه بملامح متصنمة. نظرت للرجال الواقفين حولها. احمرت عيناها وتجمعا الدموع في بهما. تنظر لهم وكأنها ترى الرجال الذين قتلوا والديها وذكر اسم المافيا لها. تذكرت عندما جاء رجاله واختطفوها وعندما أخذوا عمر، وكانهم معتدين على حمل جثث وأخبرها أنهم سيقتلونه بعيداً ويتخلصون منه والمسدسات التي يحملوها. نظرت إلى كاسبر قالت بارتجاف وخوف: "م... ما الذي أ... أوقعك بي؟"
قال كاسبر: "ممكن أن تلقبيه بالقدر."
نظر لها واردف قائلاً: "مهمتك بعد ثلاث أيام لتستعدي."
"لن أفعلها... عاهدت ألا اخترق شيئاً، أم العودة إلى هذه الأجهزة مرة أخرى... عندما اخترقت نظام القنبلة لأننا كنا سنموت، لكن أشعر بالندم على هذا الآن، ليتني لم أفعلها." قالت آخر جملة بحنق.
لم يغير كلامها شيئاً من تعبيراته. قال: "في البداية كان لديك حرية الاختيار."
لم تفهم ما قاله، فأضاف: "يجب عليكِ الموافقة."
"ماذا تقصد بـ يجب؟" قالتها باستغراب.
نظر لها قال: "لأن الرفض سيكلفكِ حياتك." قالها وهو يخرج مسدساً بحوزته يعمره ويصوبه نحوها. اتسعت عيناها وتسرب لقلبها الفزع.
قال كاسبر ببرود: "تذكري تحذيري، حين تعرفين من أكون سأضطر لقتلك."
نظرت له بخوف وقد رأى ذلك خلال حركة بؤبؤ عينيها. أبعد مسدسه عنها، فأخذت نفساً كانت تكبحه من الخوف.
"لك القرار."
"هل تهددني؟"
"لا أعلم ما هو التهديد."
نظر لها قال بجمود: "أنا أنفذ فقط."
كانت تطالعه بحنق وخوف في آن واحد. وقف كاسبر وذهب وتبعه رجاله. حتى خرج.
زفير من فمها بعدما علمت برحيلهم. سالت دموع من عينيها بخوف وحزن. مرتعبه من هؤلاء الذين كانوا يجلسون بمنزلها. لا تعرف كيف صمدت كل هذا أمامه بعدما علمت حقيقته.
"مافيا." قالتها بصوت ضعيف غير مصدقة أنها سمعت هذا اللقب ثانياً.
***
في اليوم التالي، ذهبت أفيلا للجامعة، فخافت من الجلوس بالمنزل وحدها حتى لا يأتي كاسبر وهي بمفردها ويقتلها أو يقتحم عليها أحد رجاله.
كانت جالسة في المحاضرة غير مركزة، شاردة، غارقة في تفكيرها داخل دوامة لم تتركها من البارحة.
انتهت المحاضرة وغادر الجميع، وهي لا تزال جالسة تتذكر كاسبر عندما اقترب منها وعرفها بنفسه كونه من المافيا وحين هددها: "يجب عليكِ الموافقة، لأن الرفض سيكلفكِ حياتك."
أمسكت رأسها توقفه عن التفكير وتسيل من عينيها دموع الخوف.
"لماذا لا أعيش حياة عادية مثل باقي البشر؟ يا الله ماذا فعلت لتعاقبني هكذا؟ أرجوك انقذني من هؤلاء."
كان عمر لم يرى أفيلا وهي مغادرة، ظن أنها لم تأتِ اليوم. كان يسير، توقف عندما سمع صوتاً. وقف أمام مدرج أفيلا وتفاجأ من وجودها. كانت تمسك رأسها وصوت جهشها يسمعه من هنا. تفاجأ كثيراً وتساءل: هل تبكي؟
ذهب بتردد واقترب منها. جلس بجانبها، وجدها لم تلاحظ وجوده حتى. قرب يده منها، كان خائفاً أن تفهمه خطأ فتراجع.
"أفيلا."
سمعت ذاك الصوت فتوقفت عن البكاء. أبعدت يدها عن وجهها، رفعت رأسها نظرت إلى عمر الذي بجانبها ولم تنتبه له.
نظر إلى عينيها المنتفختين وشفتاها وأنفهما الحمرتين والدموع التي تملأ وجهها. شعر بشيء غريب كحزن من رؤيتها هكذا. أخرج منديلاً ومد يده إليها. نظرت له ثم أخذته.
"لماذا تبكين؟ هل حدث لكِ شيء؟"
"لا أبكي."
"ما زالت الدموع تسيل من عينك، أخبريني، يمكنني مساعدتك."
"أشكرك." قالتها وهي تستعد للرحيل. أمسكت دفاترها وقفت وكانت سوف تذهب، لكن وجدت من يمسك يدها. نظرت له بشدة. ترك يدها وأخرج وقف: "سأوصلك."
"لا."
"هيا."
سبقها وخرج. تعجبت أفيلا منه كثيراً، لا تفهم ماذا يريد أن يثبت لها.
كان عمر يسير مع أفيلا وهي مبتعدة عنه. كان يطالعها بصمت. تنهد ثم قال: "هل أستطيع أن أسألك سؤال؟"
لم ترد وصمتت. لم يفهم علامة صمتها.
"هل لديكِ حبيب؟"
"لا." قالتها بتلقائية وهي تسير.
نظر لها قال: "كم مرة واعدتِ؟"
"ليس رقم قياسي، صفر."
"لحظة ماذا..." نظرت له بتعجب من استغرابه. قال: "ألم تحبي رجلاً من قبل؟"
"كان سؤال واحد وليس مئة سؤال."
"اعتذر، لكنى متفاجئ بعض الشيء، سنك ليس صغيراً للحد الذي لا تكون لديكِ علاقة سابقة، وكنتِ بالخارج، كيف لم تواعدي أحداً؟"
"أتريد أن تعلم؟" قالتها أفيلا بتساؤل، ثم أضافت: "أكره الرجال."
نظر عمر لها بشدة. كانت تنظر أمامها وكأنها لم تقل شيئاً، بينما هو مستغرب كثيراً يفكر في جملتها الأخيرة التي ألقتها ولم تكن كدعابة، فهي تبدو لا تميل للحس الفكاهي البتة بل تتحدث بجدية. صمت ولم يتحدث ثانياً.
وصلت أفيلا لمنزلها، توقفت. نظرت إلى عمر قالت: "أشكرك."
ابتسم ابتسامة خفيفة قال: "على ماذا تشكريني؟ فعلتيها معي من قبل."
نظرت له وصمتت قليلاً. التفتت وذهبت لتفتح الباب لدخول، لكن قبل ذلك فتح الباب ولم تكن هي وتفاجأت حين وجدت وليد أمامها. نظر عمر له باستغراب ونظر إلى أفيلا بشدة التي لاحظت نظراته.
قال وليد وهو ينظر له: "من يكون؟"
"وليد، ماذا تفعل هنا؟" قالتها وهي تطالعه، ثم سمعت صوتاً من الخلف. نظرت وجدت خالتها وبيري خلفه، أبعدوه واقتربوا منها.
قالت بيري بمزاح: "تبدو زيارتنا إجبارية لمنزلك."
نظرت بهيرة لعمر، نظرت أفيلا. قالت بابتسامة: "هل هو صديقك؟"
علمت قصدها قالت: "إنه زميلي في الجامعة... ماذا تفعلون؟"
قالت بيري: "أخبرتك، جئنا نزورك لأنك لا تأتين إلينا."
"ابتعدوا أنتما الاثنان." قالتها بهيرة. تعجبوا ونظروا لها. اقتربت من عمر قالت: "ادخل يا بني، لما أنت واقف؟"
نظرت أفيلا إليها بشدة، وجدت عمر ينظر لها فشعرت بالحرج.
قال عمر بابتسامة: "أود ذلك، لكن أفيلا... أشعر أنها سوف تضايق بوجودي، لنجعلها مرة أخرى."
قالت بهيرة: "ماذا تقول... أفيلا."
قالت أفيلا: "ماذا؟"
نظرت لها فاستدركت، تنهدت وقالت: "ادخل يا عمر، عندما تقول خالتي شيئاً يجب أن يُنفذ."
ابتسم لها ودخلوا جميعاً. كان هو وعمر جالسين، كان يتحدث معه يحاول إحراجه أمام أفيلا، لكن عمر يرد عليه بلباقة. وبهيرة وبيري تنظران لوليد بغضب، لكنه لم يهتم بهم إلى أن جاءت مكالمة لوليد وذهب. نظر عمر إلى أفيلا التي كانت متضايقة أيضاً. قالت له: "اعتذر عن وليد، إنه لا يعرفك لذلك."
ابتسم قال بمزاح: "أشعر أني في مقابلة عمل... من يكون؟"
"ابن عمي."
أومأ بتفهم. نظر إلى وليد الذي شعر بشيء غريب تجاهه. عاد أنظاره إلى أفيلا قال: "هؤلاء عائلتك؟"
"أجل."
دخل وجيد بعدما أخبرته بهيرة بوجود صديق أفيلا هنا. سعد أنها بدأت تكون صداقات. دخل نظر لعمر وإلى أفيلا، كانا يتحدثان. اقترب منه وسلم عليه ورحب به. وبالدله عنى السلام. قالت أفيلا: "إنه عمي وجيد."
نظرت إليه ثم قالت: "أنا متأكدة أنها المرة الأولى التي تراه... أليس كذلك يا عمر؟"
نظر لها شعر بالحزن والحرج من نفسه من كلام أفيلا له. علم أنها تذكره بذاك اليوم الذي كذب عليها فيه وخدعها.
قال وجيد: "اجلس، لما أنت واقف؟"
جلس عمر وبجانبه وجيد. نادت بهيرة على أفيلا. استاذنت وغادرت.
دخلت المطبخ، كانت رائحة طعام شهية للغاية. وجدت مكرونة. مدت يدها فضربتها بهيرة على ظهر يدها فصدر صوت ألم ونظرت لها.
قالت بهيرة: "كبرتِ على هذا."
قالت أفيلا بضيق: "رائحة طعامك تضعفني."
ابتسمت رد عليها: "كلي إذا، لن أمنعك."
ضحكت أفيلا وبهيرة وبيري، وكانت لم تضحك منذ مدة. فبهيرة ذكرتها بوالدتها وتصرفاتها معها في الصغر.
خرجت من المطبخ وعلى وجهها ابتسامة. تعمق فيها عمر لمجرد رؤيتها مبتسمة وأسنانها التي لم يشهدها لها من قبل، وقد سمع صوتها ضحكتها وهو جالس وكان يظن أنها ليست أفيلا وأنها لا تضحك حسب ظنه.
نظرت أفيلا إليه، وجدته ينظر له، أحرجت فاختفت ابتسامتها وذهبت.
وضعت بهيرة الطعام على الطاولة. كان عمر ذاهب، لكن بهيرة مانعت وأصر وجيد على أن يجلس معهم على المائدة. كانوا جالسين يأكلون. نظرت بهيرة إلى أفيلا ابتسمت قالت بمزاح: "ألم تقولي أن الطعام المصري سوف يؤلم معدتك؟"
قالت أفيلا بإدعاء الجهل: "من قال ذلك؟"
قالت بيري: "أنتِ."
"لا أتذكر هذا."
ضحك وجيد وقال: "دعوها تأكل على راحتها."
قال وليد: "أخبرني يا عمر، هل أنت متفوق مثل أفيلا أم أقل منه؟"
نظر له عمر ووجيد نظر إلى ابنه بضيق من سؤاله.
"لست بذكاء أفيلا، لكنني أحاول." قالها عمر بابتسامة. سعد وجيد من رده وطريقة كلامه. قاطع أكلهم صوت غريب.
كانت أفيلا تأكل فتوقف الطعام في حلقها وتجمدت ملامحها عندما سمعت ذلك الصوت. نظرت بعيداً وركضت سريعاً. نظروا لها باستغراب.
وقفت أفيلا أمام غرفة، نظرت لها لثوانٍ ثم فتحت الباب وخطت لداخل لتسمع ذاك الصوت كإنذار من جميع الحواسيب قيد التشغيل. شعرت بالصدمة الكبيرة وهي تنظر إلى الأجهزة تعمل ومتصلة بالكهرباء وتصدر صوتاً مرتفعاً ويأتي على الشاشات إشعارات كثيرة.
تسارع نبضها بخوف وتسببت حبيبات العرق على جبهتها. تقدمت وفصلتهم جميعهم وقطعت الكهرباء من الوصول إليهم حتى انقطع الصوت.
عادت للخلف بخوف وتأخذ أنفاسها. نظرت وجدتهم واقفين على الباب ينظرون للغرفة ومذهولين. خرجت أفيلا وأغلقت الباب بسرعة.
"من دخل إلى هنا؟" قالتها أفيلا بضيق.
فقالت بيري: "أنا، وجدتها مقفلة كثيراً فقمت بتنظيفها."
": هل طلبت منكِ أن تفعلي هذا؟" قالت ذلك بضيق فحزنت بيري.
"آسفة، لم أعلم أن هذا سيضايقك."
أغمضت أفيلا عينيها لتهدأ من نفسها قليلاً. تنهدت وقالت: "اعتذر يا بيري."
"ما كل هذا يا أفيلا، وهذا الصوت؟" قالها وجيد باستغراب ويقصد الغرفة.
ردت عليه: "لا شيء."
قال وليد: "لم أرَ هذه الغرفة من قبل، تشبه غرفة المخابرات."
نظرت أفيلا إليه بشدة. قالت بهيرة: "حسناً، هيا لتكملوا طعامكم."
"لقد شبعت." قالتها أفيلا بدون أي تعبير ثم ذهبت.
كان عمر واقف عند الباب ليغادر، وكان وجيد وفيلا معه.
قال عمر: "أشكركم على استضافتي."
قال وحيد بابتسامة: "أي شكر هذا؟ أصبحت من العائلة من اليوم."
ابتسم عمر قال: "يشرفني ذلك."
نظر عمر إلى أفيلا. نظر وجيد إليها قال: "ادخلي يا أفيلا، سوف أوصله وأعود."
نظرت أفيلا لعمر ثم دخلت وغادروا.
قال وجيد: "هل يمكنني استئمانك على أفيلا؟"
نظر عمر إليه. من ذكرها أضاف: "انتبه عليها فقط عندما لا أكن أنا معها."
"إن لم تخبرني لكنت فعلت ذلك من تلقاء نفسي."
ابتسم وجيد بهدوء قال: "أشكرك."
***
في الليل كانت أفيلا تدرس على ضوء خافت في غرفتها. تذكرت وهي تأكل والصوت الذي سمعته وأصاب لقلبها الرعب ورؤية هذه الأجهزة ودخول هذه الغرفة ثانياً. نظرت للخارج وقفت وذهبت. خرجت من غرفتها توقفت عن تلك الغرفة كانت تنظر لها وتسمع دقات قلبها وهو يحسها على الابتعاد، فهو يتذكر ما لا يريد تذكره.
لتعود بها ذاكرتها قديماً.
كانت أفيلا في الثانوية ولم تكن تهتم حول القرصنة وأشياء الاختراقات، لكن في يوم رأت صديقتها خائفة وعندما سألتها دار نقاش بينهم، أخبرتها أن الشاب الذي كانت تواعده يحمل صورها ويهددها بها الآن وإذا علم أهلها سوف يقتلوها. تضايقت أفيلا لحماقتها لأنها جعلته يفعل بها ذلك، لكن غضبها تملكها، فهي تكره الرجال وألعابهم ليستدرجوا الفتاة.
ظلت تبحث على الإنترنت لطريقة في مساعدتها حتى وجدت الاختراقات وكيف تخترق هاتف من يقوم بتهديدك. تعجبت من هذا، لكن شاهدت الفيديو وشعرت برغبة في المزيد لتمكنها أكثر، فظلت تشاهد لينفتح عقلها على ذلك الأمر. وكانت عقلها ذكي، فاستوعبت بسرعة ما عليها فعله.
جلست أمام الحاسوب بغرفتها لتطبق ما تعلمته، وبدأت تدخل على أشياء غريبة تتذكر الخطوات وتفعلها. كانت تشعر بمغامرة بذلك حتى ظهر أمامها هاتف لشاب، فغمرتها السعادة وبهجة وعدم تصديق أنها فعلتها. شعرت بانتصار أنها نجحت.
ظلت تقلب في بيانات الهاتف وتدخل على كل شيء به، وكان يوجد له صور لفتيات أخريات وصور قذرة وتهديدات كثيرة. لم تعلم هل تمسح صور صديقتها فقط وتنهي الأمر، لكنها أرادت أن تلقنه درساً، فقامت بمسح كل شيء من على هاتفه وهي سعيدة بما تفعله وكأنه إنجاز إلى أن انتهت.
أرجعت ظهرها للخلف وهي ترسم ابتسامة، وضعت ذراعيها خلف رأسها وهي فاتحة الكاميرا ترى ردة فعله. وجدته يمسك هاتفه ومصدوم ويقلب فيه ويقول: "ك... كيف م... من مسح... ماذا حدث للهاتف؟"
ضحكت عليه كثيراً وهي تراه يصرخ بغضب ويسأل بكيف وثورة جنونه. قام بتصويره وهو هكذا ونزلتعا على المواقع وهي تخفي كنيتها حتى لا يعرفها أحد، فسخر عليه الجميع وأصبح منبوذاً وكانوا يمدحونها على ما فعلته.
شكرتها صديقتها وكانت ممتنة لها كثيراً، فهي تعلم أنها هي. لكن أفيلا لم تتوقف عند هذا، فكانت هذه بدايتها، فطورت نفسها وأخذت كورسات عن هذا المجال لتزيد خبرتها وبدأت تدخل على حسابات رجال كبار في مصر وذوي نفوس عالية وترى معلومات يمكن أن تقضي عليهم بها. لكن لم تفعل ذلك. كانوا يصدمون حين يعرفون أنهم تعرضوا للاختراق ويحاولون جاهداً العثور عليها، لكن لا يستطيعون أن ينالوا منها لحظرها وخفائها وعدم تمكن أحد من الوصول لها، وكانوا يستغربون أن هذا المخترق لم يهدد أو يبتزهم من أجل المال، فهو بإمكانه أن يصبح فاحش الثراء من وراء ذلك. لكن ما لا يعلمونه أنها غرضها الاستمتاع فقط لا أن تؤذي أحداً ستره ربه.
كانت هويتها الجلوس في غرفة صغيرة خصصتها لهذا الجانب لها مليئة بالحواسيب وأغراض إلكترونية. تدخل إلى هذا العالم وتتجول فيه إلى أن...
في يوم اخترقت حساباً، ولم يكن حساباً عادياً أو رأت تصنيفه من قبل، بل كان يبدو لها حساباً غريباً صعب الاختراق جداً، لكنها نجحت. وليتها لم تفعل، فهي تعرضت لصدمة كبيرة حين شاهدت ما فيه وتصنيف هذا الحساب ومن أي نوع هو.
وجدت صوراً لأناس مقتولين وصوراً لأسلحة ومخدرات وصوراً لأناس أجانب ومعلومات من لغات كثيرة. تسرب إليها الخوف عندما رأت هذا وشعرت بالخجل لاكتشافها هذا الحساب الذي لا يبدو عادياً البتة، فهو يمكنه أن يقلب موازينها بأكملها.
خرجت منه ولغت اختراقها له بسرعة وأخفت أي أثر لها حتى لا يتمكن أحد منه. لم تعلم أفيلا أنها لا مفر منهم وأنهم سيغثرون عليها في بند لحظة، فلقد اقتحمت حساباً سيغير مجرى حياتها ويقلبها عليها لأنها رأت معلومات عن أعضاء مافيا خطيرين لا يعرفون الرحمة. وأن هكذا دخلت لعالمهم الذي لن تخرج منه سالمة والعقاب سيكون شديد. وقد جاء خبر لصاحب هذا الحساب عن ما حدث وعلم أن هناك من يعلم عنه الكثير وقادر على أن يقتص منه، فلم يدع فرصة لذلك.
في يوم كانت أفيلا جالسة أمام حاسوبها، وجدت رسالة غريبة تظهر لها. قرأتها، كان يخبرونها أنها في عداد موتها. لم تهتم من الرسالة، ظنت أنها أحد يمزح معها أو يقوم بمضايقتها إلى أن جاء ذلك اليوم.
كانت أفيلا عائدة من مدرستها. قالت بابتسامة: "لقد عدت." فهي عادة تدخل وتسبب ضجراً لهم، لكن لم تسمع صوت والديها ولم يرحبوا بها أو يكونوا في انتظارها مثلما تعود دائماً. تعجبت، خلعت حذائها وسارت لداخل قالت: "أبي، أمي." لم تجد رداً، تساءلت أين هم وإن كانوا هرجو وذهبت لمكان لماذا لم يخبروها. أمسكت هاتفها لكن سمعت صوتاً غريباً أوقفها.
رفعت أنظارها وسارت ثم توضح الصوت شبيه لها بهمهمات من داخل أحد الغرف. ذهبت تجاه الصوت واقتربت من الغرفة. دلفت لداخل نظرت واتسعت عينها ولم تصدم كثيراً إلى أن أمسكها رجلان. حاولت ضربهم لكنهم كانوا كأنهم ضخماء وكثر وعقوياء جداً. ضربها أحد بمسدسه من الأسفل على رأسها فتألمت كثيراً وسالت الدماء على وجهها وجثثتها على ركبتيها وثبتوها ومسكوا ذراعيها وهي تشعر بالضعف. رفعت أنظارها إلى والديها اللذين كانا مقيدين أمامها وحولهم رجل في أيديهم أسلحتهم ويخفون وجوههم وأعينهم مخيفتان.
قال رجل وهو يسير تجاهها بسخرية: "لا أصدق أنها أنتِ، إنكِ صغيرة... لكن هذا لا يمنع أن لا نضع حداً لذكائك." انخفض وأصبح مقابلها قال: "كيف اخترقتِ حساباً كهذا بهذه السهولة برغم صغر سنك؟"
قالت أفيلا بضعف: "عن ماذا تتحدث؟"
صفعها الرجل بقوة جعلتها تستلقي على الأرض وتجرح شفتاها. غضب والدها وثار جنونه وحاول الإفلات من أيديهم. نظرت له أفيلا وكان يطالعها بحزن لأنه لا حول له ولا قوة من بينهم. أمسكها الرجل بقوة وأعدلها قال: "تعلمين قصدي، كم رأيتِ من المعلومات؟"
"لم أرَ شيئاً."
صمت الرجل قليلاً وهو ينظر لها وإصرارها على الكذب، ثم ألقى أنظاره على والديها ليتسرب لقلبها الخوف وقالت: "ل... لا، صدقني لن أخبر أحداً عن هذا وكأنني لم أرها... أوعدك... أوعدك أن لا أفتح فمي، لم أكن لأفعل هذا صدقني... دع والداي أرجوك."
"اصمتي، أنا من فعلت هذا، إنها صغيرة على أن تكون هي الفاعلة." قالها والدها بغضب ووحدة.
نظرت له قالت بصوت يجهش بالبكاء: "ابني."
نظر لها وكان حزيناً يسألها بعينه من هؤلاء وما علاقتها بهم، وكانت تطالعه وصمتها تريد أن تخبره ولا تستطيع. تنظر لوالدتها التي خائفة عليها كثيراً.
سمعت صوت نظرت وجدت الرجل يعمر مسدسه ويوجهه نحو والديها. اتسعت عيناها وصدمت. نظرت إليهم كانوا غير مبالين، نظرت إلى أعينهم كأنهم يودعونها ويرون الموت بترحيب.
"م... ماذا تفعل؟" قالتها بصوت بجهش بالبكاء ثم قالت بصوت مرتفع وصراخ: "ل... لا، لا أرجوك."
لتنطلق رصاصتان تجاه والديها تنعيم في بند لحظة، ثم تركهم الرجال فيسقطان جثثاً هامدة أمامها لا روح فيهما.
تصلبت وتجمدت ملامحها وكأن الزمن قد توقف عند هذه اللحظة. تركوها هي الأخرى فارتخت قدماها وجلست على الأرض. ذهبوا وتركها في حالتها التي يرثى لها. جلس الرجل مقابل لها، اقترب منها قال: "لقد عبثتِ مع المافيا أيتها القرصانة، هؤلاء لا عبث معهم."
كانت صامتة كالتائه، وجهها يخلو من التعبيرات. ذهب وتركها.
أصبحت الغرفة خالية لا يوجد غيرها غير أجساد والديها بلا روح. ما استطاعت الوقوف فأستندت على الأرض براحة كفيها وزحفت إليهم وهي لا تزال في صدمتها.
اقتربت منهم توقفت عندهم، نظرت لوالدتها قربت يديها التي كانت ترتجف ولمست وجهها.
"آ... أمي." قالتها بصوت مبحوح أخرجته بصعوبة. نظرت لوالدها اقتربت منه وأمسكت وجهه وتغرقت يداها وملابسها من دمائهما: "أبي."
اخفضت رأسها وسالت دموع من عينيها بحزن شديد ثم بدأت في البكاء والانهيار. هزته وتحسه على الاستيقاظ وتصرخ بهم أن يجيبوها لكن دون جدوى. تنادي عليهم كطفل يريد الأمان من هذا الجحيم الذي رآه ولا يأتي عليها رداً، تجلس بجانبهم مختلطة بدمائهم ترى شحوبهم وتحتضنهم بصمت.
عادت من ذاكرتها المؤلمة وكانت عيناها متجمدة في الدموع التي توشك على التساقط. عادت للخلف مبتعدة عن هذه الغرفة. أغمضت عينيها بحزن كي لا تفيض فأمطرت. التفتت وذهبت.
في اليوم التالي ذهبت أفيلا للجامعة. كانت سوف تدخل للمبنى لذهاب لدرسها. خرجت هدير أمامها هي وصديقاتها. نظرت أفيلا لهم.
قالت هدير وهي تطالعها: "كيف حالك؟"
"بخير." قالتها أفيلا بغير اهتمام ثم ذهبت. لكنها أمسكت ذراعها ودفعتها بقوة بعيداً. فتعثرت أفيلا من على الدرج ووقعت على الأرض وجرحت كفيها.
سارت هدير تجاهها ببرود. وقفت أمامها. أخرجت هاتفها وقربته من وجهها. نظرت له أفيلا وجدت صورة لها مع عمر البارحة عندما كان في المدرج.
قالت هدير بسخرية: "لماذا تمثلين دور صعبة المنال لتتقربي منه؟"
أمسكت نسرين ذراعها وصديقتها الأخرى وأوقفوهما. اقتربت هدير منها أمسكتها من شعرها بقوة. وكانت أفيلا تنظر لها وعلى ملامحها البرود تطالعها.
قالت هدير: "لا تقتربي من شيء غير ملكك، أتسـمعين يا أفيلا؟ هذه قرصة أذن فقط."
رواية احببت مافيا الفصل التاسع 9 - بقلم نور
أمسكت ذراعها ودفعتها بقوة بعيدًا، فوقعت على الأرض وجرحت كفيها.
سارت هدير تجاهها ببرود، وقفت أمامها، أخرجت هاتفها وقربته من وجهها لتريها صورة لها مع عمر البارحة عندما كان في المدرج.
قالت هدير بسخرية: "لماذا تمثلين دور صعبة المنال لتتقربي منه؟"
مسكت نسرين ذراعها وصديقتها الأخرى وأوقفاها. اقتربت هدير منها، أمسكتها من شعرها بقوة، وكانت أفيلا تنظر لها وعلى ملامحها البرود.
قالت هدير: "لا تقتربي من شيء غير ملكك، أتسمعين يا أفيلا؟ هذه قرصة أذن فقط."
كان الجميع يتطلع إليهم وكأنهم يشهدون شجارًا لأول مرة وسعداء بهذا. رفعوا هواتفهم ليصوروا الفتاة التي ضربت شيئًا في جامعة بألمانيا، هناك من يضربها.
كان عمر قد وصل للتو إلى الجامعة وصُدم من رؤية أفيلا وهدير وصديقاتها يمسكونها هكذا. اقترب منهم سريعا. نظرت له هدير فتركتها، وتركت نسرين وصديقتها الأخرى يدها ودفعوها على الأرض بقوة.
ذهب هدير لعمر الذي كان على ملامحه الضيق والغضب. قالت وهي تقترب: "حبيبي متى وصلت ل..."
لم تكمل كلامها حيث وقعت أمامه على وجهها. نظر لها عمر بدهشة فهو لم يلمسها. رفع أنظاره وجد أفيلا تنظر لها ببرود.
خلعت طوقها فانسدل شعرها، ثم جمعته وربطته فكان قد تبهدل. نظرت لها هدير بغضب وصديقاتها أدارت ظهرها لهم غير مبالية وذهبتا.
اقتربت نسرين منها مدت يدها. امسكتها أفيلا والتفت وركلتها بقوة في صدرها من الخلف. أمسكت نسرين صدرها بألم.
وقفت هدير، اقتربت منها وهي مشتعلة غضبا من ما فعلته فيها للتو. سرعان ما اقتربت حتى لكمتها أفيلا بقوة عند صدغيها بطريقة ماهرة أوقعتها أرضا ونزف فمها. سارت تجاها، انخفضت وأصبحت مقابلة لها. قالت:
"صمت لأني لا أريد أن أتعرض للطرد للمرة الثانية، لكنك من بدأتي وتمادي في تحذيرك لي."
كانت هدير لا تزال تتألم لكن لم تفعلها إلى صرخت عندما أمسكتها من شعرها بقوة ثم تلقت صفعة على وجهها قوية. ثم تركتها بضيق وذهبت فكانت قد أفرجت غضبها.
كانت صديقتهم الأخرى التي أمسكتها واقفة بعيد، قلقة من الاقتراب منها ومن ستفعله بها. وجدتها تعدل ملابسها، أخذت دفاترها، سارت تجاها. خافت كثيرا. نظرت لها أفيلا لكن لم تقترب منها. أكملت سيرها.
نظرت إلى عمر الواقف وإلى الجميع التي تتطلع بها وتصورها. دخلت لجامعة ولم تكترث لأحد.
نظر عمر لصديقاته التي كان يريد أن يفعل بهم هذا من رؤيتهم يمسكونها بهذا الشكل، لكن خجل أن يمد يده على فتيات. لكن أفيلا فعلت ما كان يريده وسعد منها كثيرا وقد زاد إعجابه بها من لياقتها ودفاع عن نفسها.
نظرت له هدير، اقتربت منه، أمسكت يده وضعتها على وجهها وبكت وقالت بحزن: "انظر إلى وجهي."
نظرت بعيد وأضافت بحنق: "ماذا فعلت هذه المجرمة بي؟"
نظر لها بضيق وأبعد يده ثم ذهب. نظرت له وعلى ملامحها الغضب وتتوعد لأفيلا على ما فعلته بها:
"سأجعلك تندمين كثيرا، أوعدك بذلك. وأنت الآخر يا عمر سأندمك على التلاعب بي."
***
انتهت أفيلا من جامعتها خرجت وكانت الأنظار تثقبها وهي غير مهتمة. وجدت هدير وصديقاتها واقفين ينظرون لها بتوعد. أكملت سيرها.
وهي تسير سمعت من ينادي عليها. لم تهتم به حتى وجدت سيف توقف أمامها. نظرت له: "كيف حالك؟"
تعجبت من حديثه معها. قال: "رأيت ما فعلتيه مع صديقاتي، لست متضايق أن هذا بينكم على كل حال."
ذهبت أفيلا دون أن تعيره اهتمام. وقف أمامها قال: "لا أريد إزعاجك."
"أنك تفعل ذلك بالفعل."
نظر لها ومن صراحتها قال: "حقا."
تنهدت بضيق قال: "حسنا، لنتحدث عبر شيء آخر."
لم تفهم أفيلا ما قاله فأكمل: "أريد أن أعترف، لقد أعجبت بك وأريد التحدث معك. هل يمكنك أن تعطيني هاتفك لتسجل رقمي؟"
"هل هناك شيء يا سيف؟" قالها عمر وهو خلفه وقد سمع حديثه مع أفيلا. ابتسم قال وهو ينظر له: "لا."
لم تفهم أفيلا نبرته ونظراتهم. نظر عمر إليها قال: "هل انتهيتِ؟"
"أجل." قالتها وهي تذهب وتبتعد عنهم.
نظر عمر إلى سيف وهو ينظر لها ثم نظر إليه قال: "ماذا هناك يا عمر؟ هل حولت وجهك إلى الطف بهذه السرعة؟ ألم تفلح معك بالوجه الآخر؟"
"لا تقترب من أفيلا، أسمعتني؟"
"ويلك، هدأ من روعك. كنت أحاول أن أجعلك خاسرا ونكسب نحن الرهان."
لم يعيره اهتمام. اقترب سيف منه وضع يده على كتفه قال: "أنت ممثل بارع يا صديقي."
قالها بسخرية يمنع ضحكه ثم ذهب.
***
خرجت أفيلا من الجامعة ثم وجدت عمر يسير بجانبها. نظرت له بتعجب: "هل تمانعين أن أسير معك؟"
نظرت أمامها ولم ترد عليه. قال عمر: "ماذا قالت هدير لكِ؟"
"أخبرتني أن أبتعد عنك. ظنت أن هناك شيء بيننا. على حسب نبرتها كانت تهددني لشيء."
صمت عمر قليلا وقلق أن تكون هدير ستؤذيها. نظر لها قال: "أعتذر."
"لا بأس، كنت متضايقة اليوم كثيرا فاخرجت غضبي عليهم."
ابتسم عمر عليها قال: "جيد إذا."
أكملوا سيرهم إلى أن رن هاتف أفيلا. أخرجته وجدت رقم غريب. ردت عليه: "أين أنتِ؟"
توقفت عن السير وعلى ملامحها الصدمة والخوف. نظر لها عمر وتوقف هو الآخر. كان هذا صوت لا تتمنى سماعه وآخر شخص تريده أن يتصل بها.
"ماذا تريد؟" قالتها أفيلا بتساؤل. فرد عليها ببرود: "سألتك سؤالا."
"عند الطريق أمام الجامعة."
وجدت صوت بجانبها. نظرت وجدت سيارة توقفت. نزل الزجاج وظهر كاسبر. قال: "اصعدي."
نظرت له بخوف ولم تساعدها قدماها على التحرك وكأنها تصنمت لرؤيته ثانيتا. لاحظ عمر تعبيراتها الغريبة. نظر إليها قال: "أتتعرفينه؟"
لم ترد عليه. كانت تنظر إلى كاسبر بخوف فرأته ينزل من سيارته ويسير تجاهها بوجه بارد. أمسك عمر يدها أوقفها خلفه يبعدها عنه قال: "ماذا هنا؟"
نظر كاسبر إليه ومن ما فعله للتو: "أراك تعافيت."
قال ذلك استغرب عمر كثيرا من مقصده. اقترب ووقف أمامه قال ببرود: "ليتني تركتك، لكن لا بأس ممكن أن نعيد الكرة."
لم يكن يفهم كلامه البتة لكن أفيلا مقصده جيدا وأنه يتحدث عن المرة الفائتة ويهدد عمر بقتله. خافت عليه منه، وأن تقحمه في الخطر من ورائها. ابتعدت عنه. نظر لها عمر من ابتعادها قالت: "لنذهب."
نظرت لعمر وأردفت قائلة: "أعرفه، لا تقلق."
نظرت إلى كاسبر الذي كان يتطلعها. ذهب فلحقت به وهي خائفة.
كان عمر ينتابه القلق عليها. وجد السيارة تذهب وسياران خلفها.
***
توقفت السيارة بعيدًا. نظرت أفيلا إليه وإلى صمته: "ما الذي فعلته؟" قالها ببرود دون أن ينظر لها. تعجبت وقالت بتساؤل: "فعلت ماذا؟"
"افتحي هاتفك."
أومأت إيجابا وهي لا تفهم. فتحته وتطلعت فيه بعدم فهم إلى أن وجدت فيديو ظهر لها فيما حدث في الصباح. فتحت التعليقات كانت بعض منهم بلغة الألمانية.
"لقد عبثوا مع الشخص الخطأ. أهلا بك، سعداء لرؤيتك ثانيتا. أحسنتِ. كانوا يتنمرون عليها يستحقوا ذلك. لماذا ضربتهم هكذا؟ لم يخطئوا لهذه الدرجة. أنك قدوتي."
نظرت له قالت: "ماذا في ذلك؟"
"لما أظهرتي بطولتك في هذا اليوم... سوف تعملين معي. هذا يعني أن تبقي حذرة ومتخفية عن الأنظار حتى تنتهي."
"هل تريدني أن أصمت ولا أفعل لهم شيئا؟... وأي عمل هذا؟.. أن أصبح منكم؟ هذا في أحلامك."
قالت آخر جملة بحزم وتعلن ذهابها. فتحت باب السيارة وقبل أن تخرج هناك من أمسك يدها وسحبها إليه. نظرت له بصدمة من قربها. نظرت بيدها وتضايقت. حاولت إفلاتها فقبض على يدها فشعرت بألم:
"بدأ صبري ينفذ."
قال ذلك بلهجة مخيفة. نظر لها ثم أضاف: "لا تجعليني أعاملك مثلما أتعامل مع الجميع. وقتها لن ينفعك الندم. سترينني كالموت الذي يطاردك."
كانت تنظر له وخائفة من نبرته كثيرا ومن اقترابهم. حاولت أن تسحب يدها لكنه كان يعصرها بين قبضته. كانت خائفة أن تضربه أو تكيل عليه بلكمة لتبعده فيقتلها بلا أدنى شك. سالت من عينها دمعة أثر خوفها وهي تطالعه في عينه المليئة بالقسوة. نظر لها، لفت انتباهه رقبتها وعلامات عليها كجروح. خفف على يدها. استغلت أفيلا ذلك وسحبتها. خرجت من السيارة وهي خائفة وتحاول منع دموعها من السيل وتأخذ أنفاسها التي لا تستطيع أخذها عندما كانت معه في هالة من الرعب.
***
عادت أفيلا للمنزل. رن هاتفها ردت: "Bleibt es dir nicht übrig, einen Freund namens Rela zu haben? ألا تعلمي أن لديك صديقة اسمها ريلا؟"
قالت أفيلا: "لماذا أنتِ غاضبة؟"
"Warum bist du zornig?"
"Weil du mich nicht anrufst."
"لأنك لا تتصلين بي."
"Es tut mir wirklich leid, du weißt nicht, was passiert ist."
"اعتذر حقا، أنتِ لا تعلمين ما كان يحدث لي منذ وصولي."
صمتت ريلا تعجبت من نبرته الحزينة قالت: "bist du gut?"
"أنتِ بخير؟"
تنهد قالت: "Ja, wie läuft dein Studium?"
"أجل، كيف دراستك أمورك تسير على ما يرام؟"
"Ich sagte meinen Eltern, wenn die Sommerferien kommen, würde ich ein Flugzeug nach Nasr nehmen und meinen Urlaub bei dir verbringen, und sie stimmten zu."
"أخبرت والديّ أنه عندما تأتي العطلة الصيفية سأستقل طائرة إلى مصر وأقضي عطلتي معك ووافقوا."
ابتسمت أفيلا قالت: "Ich warte wirklich auf dich."
"أنا في انتظارك."
أنهت المكالمة. جلست على الأريكة لا تعلم ما سوف يحدث لها غدا، أم بعد غد أم بعده.. لا تشعر بالأمان.
أي أمان هذا لطالما كانت تهرب خشية أن تقع في هؤلاء مجددا. كانت كالفأر الهارب ولكنهم وقعوا عليها كالبلاء. وكأن مصيرها أن تكون هكذا طوال حياتها.
هل تهرب لكنه سيجدها أينما كانت. كما علم كنيتها وكل شيء عنها سيعلم أين هي. هل تخبر الشرطة أن هناك من يهددها وهل ممكن أن يحموها أم سوف يقتلها لفعلتها ذاك؟ لا عبث مع المافيا إنهم أناس لا يعرفون الله ومثل الوحوش. هذه الحياة غابتهم الذي يمرحون بها بقتل الناس وانتشال لحمهم بدون رحمة.
حسمت موقفها وأخذت قرار أن تذهب إلى الشرطة والقانون يحميها بالتأكيد.
أخذت هاتفها وذهبت. لكن قبل أن تفتح باب المنزل لتخرج، أوقفتها ذاكرتها. حين تذكرت نفسها قديما.
كانت جالسة في مخفر أمام شرطي وتصرخ بغضب وعمها يحاول يهدأها رغم الحزن الذي طغى على قلبه: "كيف لا تعلمون أين هم؟ أخبرك أنهم مافيا هذا ما قالوه. لقد قتلوا والداي أمام عيني وذهبوا وكأنهم قتلوا حيوانات لا قيمة لها."
"لم تثبت تحقيقاتنا."
"اللعنة عليكم وعلى تحقيقاتكم السخيفة. أنا أعلم عنهم الكثير، أستطيع مساعدتكم."
لم تكن لتهتم بتحذير ذلك الوغد لها أو تنسى ثأر والديها والذي قتلهم. أنها تريد الموت لكن حين التأكد أن قاتل والديها قد فارق الحياة.
"اهدئي يا أفيلا."
قال وجيد وجيد ذلك لكنها لم تكن تستمع لأحد. نظر الشرطي إليها تنهد وقال بضيق: "اسمعيني جيدا، نحن نفعل ما في أيدينا لكن القضية معقدة كثيرا. لقد شككنا بك لكنني أبعدت هذا الاحتمال عنك."
نظرت له أفيلا بشدة واستغراب من ما يقوله فكيف شكوا بها. أنها من قتلت والديها. قال لها: "لتنسي ما حدث وادعي لهم بالرحمة."
ابتسمت بحزن وسالت دموع من عينيها قال ساخرة: "أنساي والداي."
نظرت له واقتربت وتثقب عينه قالت: "هل أنتم تخافون منهم؟"
لم يرد عليها. أكملت بنفس النبرة الهادئة الضعيفة: "هل تدارون عليهم لأنكم ضعفاء؟"
نظر لها الشرطي من ما قالته فاومأت بإستدراك وهي تقول: "إذا كلامي صحيح."
وقفت أفيلا التفت قالت: "أنت محق. أنهم مخيفون كثيرا. كقبيلة إن خرجت لافترست الجميع. اللعنة... اللعنة عليكم جميعا أيها الحثالة."
كانت تسير بضعف وتمسح دموعها بيدها وقد ذهبت أرواح والديها هباء والقاتل يستمتع في مكانه كونه قضى عليها بضربته الفانية وأن لا خوف منها بعد الآن.
-أفاقت من ذاكرتها، عادت للخلف مبتعدة عن الباب. فكيف تريد اللجوء إليهم ثانيا؟ أنها ترى القانون سخيفا بسببهم. فهل سيحموها أن أفشت بسر كاسبر كونه مافيا؟ بل سيصادرون عليه ويجعلونه يقتلها بكل سهولة.
تذكرت وهو يخبرها أنه من المافيا. لتصمت قليلا وتسائلن هل من الممكن إذا عملت معه تعلم منه قاتل والديها؟ فهو منهم بتأكيد سوف تصل لهم.
أمسكت هاتفها وقلبت في آخر مكالمة كانت لكاسبر. اتصلت به لم تجد ردا. اتصلت به مجددا فلم يأتيها ردا. شعرت بالخيبة. رن هاتفها فتحته على الفور. لم يتحدث إلى أن قالت: "أريد رؤيتك."
صمت قليلا ثم قال: "اذهبي إلى الفندق سيأخذوكِ إلي."
"هل أن..." أقفل الخط في وجهها دون فتح نقاشا. غضبت أفيلا لكن أسرعت وخرجت من منزلها.
وصلت إلى الفندق. نظرت إلى رجاله. اقتربت منها أحدهم كانت سوف تتحدث لكنه سبقها فال: "اتبعيني."
ذهبت أفيلا معه بصمت.
دخلوا إلى مكان غريب. نظرت أفيلا حولها وجدت كاسبر يرتدي حملات وعضلاته تبرز يرتدي نظارة تصويب وفي يده مسدسه وأمامه المرمى، والرجال في أركان الغرفة الواسعة ذاك وزجاج مانع للصوت.
سارت تجاهه بتردد. كان يعمر مسدسه. اقتربت منه قالت دون أن تنظر إليه: "قلت أنك من المافيا."
قالتها بتردد. لم يعلق على كلامها. نظرت له قالت: "إذا وافقت وعملت معك، هل يمكنني أن أعرف من الذي قتل والداي؟"
"أريدك ليوم واحد."
نظر لها قال: "لكن هذا لا يمنع أني أحتاجك."
قالت بتعجب: "ماذا تعني؟"
"أحتاجك معي. سوف تسهلين لي في الكثير من الأشياء. لكن إذا أدخلتك بيننا وقررتِ الخروج."
نظر لها وأردف قائلا: "لن تستطيعي."
شعرت بالخوف لوهلة من نبرته. نظر إلى مسدسه قال: "من يخونه تفكيره فقط بالخروج."
أمر مسدسه وأقفل الخزينة وأضاف بجمود: "يخرج من الحياة بأكملها."
نظرت له بشدة، قال: "لذلك لا أريد إدخالك لدائرة الموت تلك."
"ما المقابل إذا ذهبت معك غدا؟"
قالتها أفيلا وهي تحاول تمالك نفسها وأن تستقوي. رد عليها: "اطلبي ما تشائين. سوف أرسله إلى حسابك."
"لا أريد مالا." قالتها أفيلا له ثم أكملت: "ساعدني أن أعرف من قتل والداي وسأفعل لك ما تريده."
نظر لها كاسبر. فقالت: "لست خائفة بما سيحدث لي أو لأقول أني اعتدت على الخوف. ما الفرق في الموت التي تتحدث عنه وفي الموت التي أنا فيه. قتل أحبتي أمام عيني ومضت حياتي كالجبانة تخافكم أكثر من الموت، تخشى أن يسبقها ماضيها ويقتحم حاضرها. وهذا ما حدث."
كانت تقصد مقابلتها له. قالت: "لا أدري أن كنت سأكمل حياتي بهذا النمط. أن كان هذا قدري فأريد أن آخذ بثأر والداي قبل أن أغادر وأقابلهم أن كان موتي سيكون بقبض الروح من عند الله أو القتل منكم."
كان كاسبر ينظر لها ولم يعلق على ما تقوله. نظرت له قالت: "كيف عرفت من أكون؟"
"أعرف الكثير عنك."
"إذا تستطيع أن تعلم أيضا من قتلهم؟"
صمت لوهلة ولم يكن ينظر لها. اقتربت وأصبحت بجانبه: "أرجوك لا أريد مالا. ساعدني فقط على هذا... ولن نتقابل مجددا."
نظر لها للحظات ثم قال ببرود: "حسنا."
تعجبت أفيلا من نبرته لكن سعدت قالت: "أشكرك."
أدارت ظهرها وذهبت حتى سمعت صوت طلقات نارية. قشعرت بدنها وأوقفتها عن السير. كان كاسبر قد عاد لوضعيته ويصوب على المرمى التي أمامه ويصيبها في المنتصف.
كانت أفيلا خائفة من ذاك الصوت وقد أفزعها وتسمع طلقات داخل رأسها وجثث والديها ترمى أمام أعينها. تعيش المشهد وكأنه حقيقي حتى توقف كاسبر عن الإطلاق عندما وجدها واقفة وشعر بخوفها.
أمسك يدها. سحبها إليه وأوقفها أمامه. نظرت أفيلا له من الخلف وجدت ذراعه يقترب منه. أمسك يدها وعدل وضعيتها وذراعيه يحيطان بها. كانت متوترة. ابتعد عنها وقف بجانبها. نظرت له وهي لا تفهم شيئا.
"Nour Nasser: اطلقي." قالها بجمود. نظرت له بشدة قالت بإرتباك: "ماذا... ل.. لا أستطيع أن أخاف صوت ال..."
"أعلم لهذا أخبرك أن تطلقي، لتتغلبي على هذا الخوف ولا تعطليني غدا إذا حدث تداخل."
"لكن إن..."
"اطلقي هيا."
شعرت بالخوف منه قالت بقله حيلة: "صدقني لا أستطيع، لا أريد ذلك."
"الآن."
أغمضت أفيلا عينيها بخوف وحزن وضغطت على الزناد فانطلقت رصاصة تجاه المرمى. لم تكن في مثل تصويب كاسبر لكنها استطاعت وفعلتها.
وقع المسدس من يدها أثر رعشة يديها ثم جلست على الأرض بعدما لم تقدر قدماها على حملها. سالت دموع من عينيها وهي تغمضهما بحزن شديد ثم صدر صوت بكائها.
نظر لها كاسبر وتفاجأ فهو قام بمساعدتها لماذا تبكي؟ لقد جعلها تتغلب على شيء من مخاوفها.
كانت تبكي ودموع تتساقط لا تتوقف تمسك يدها المرتجفة بضيق وقلة حيلة. وجد نفسه يقترب منها يجلس على الأرض بجانبها. مسك يدها التي كانت باردة من شدة خوفها. نظرت له وعيناها ممتلئة بالدموع. اخفضتهما قالت: "أخبرتك أني لا أستطيع فعلها. أنا لست مثلكم."
"لكنك استطعت التصويب." قالها كاسبر إليها وكانت هي لا تزال تبكي. كان ينظر لها وجمود يزاح من ملامحه قال: "اهدئي."
لم تكن ترد. فـ أثناء وهي تطلق تخيلت نفسها أنها ذلك الرجل وهذه يداها ووالديها أمامها وتطلق عليهم وتقتلهم كما اتهم ضميرها لسنين أنها من قتلت أحبتها.
نظر لها كاسبر وكان يمسك يدها الباردة من خوفها. تنهد بضيق ثم سحبها إليه. وضع يدها حوله وضمها.
كانت تبكي لا تستوعب ما يحدث وقربها وأنها بين أضلعه. كان جموده يزاح. ربت عليها برفق ومتضايق أنه أخافها ولا يعلم ما سبب هذا الشعور لكنه حاول تجاهله.
نظر لهم الرجال ومصدومين من اقتراب كاسبر من امرأة ويضمها ثم نظروا أمامهم وكأن شيئا لم يكن.
***
عادت أفيلا لمنزلها محرجة وتشعر بالضيق وهي تتذكر كيف كانت قريبة من كاسبر. وضعت يدها على وجهها التي تشعر بالحرارة فيه.
"وجدني أبكي فورا احتضنني.. من يظن نفسه؟"
قالتها بضيق ثم ذهبت.
***
في اليوم التالي في الليل كانت أفيلا جالسة في منزلها ولم تذهب إلى جامعتها تنتظر رسالة من كاسبر ليخبرها أين سوف تذهب.
في المساء سمعت صوت على الباب. ذهبت وجدت سيارة. نظرت لها. رن هاتفها كان كاسبر. نظرت للسيارة ردت عليه: "اصعدي."
قالها لها ثم أقفل الهاتف. فعلمت أنه سيذهب معها. اقتربت دلفت إلى السيارة وهي خائفة ثم ذهبا، وتتساءل أين سوف يذهبون وقد جاء بسيارة واحدة لا يوجد معه حراسة.
توقفت السيارة حين وصلوا. نزلت أفيلا نظرت حولها كان مكان يشبه الصحراء يهمه السكون. ألقت أنظار حولها وجدت بناء قديم يشبه البنايات في العصور القديمة وكأنهم في الأهرامات.
كانت سيارات كثيرة بجانبها وسيارة أمامها ورجل واقف ومعه رجاله هو الآخر. لم تكن بكثرة رجال كاسبر. اقترب منهم نظر إلى أفيلا كان وجهه مخيف يشبه وجهه الإجرام ومملوء بالندبات. قال الرجل لكاسبر: "أنت تمزح صحيح؟"
نظر إلى أفيلا وأردف قائلا: "هل فتاة هي من ستفتحه؟"
لم يعلق كاسبر على كلامه ونظر له ببرود فصمت الرجل وتراجع عن سخريته. نظر كاسبر إلى أفيلا قال: "ادخلي معه."
نظرت له أفيلا بشدة ثم قالت: "ألن تأتي؟"
تعجب من قولها ذلك. كان لن يدخل لكن رأى في عينها الخوف فقرر الذهاب معه.
دخلت أفيلا وترا على الحيطان رسومات محفورة وتشبه رسومات الفراعنة بالفعل وكأنها دخلت إلى مقبرة من مقابرهم العظيمة التي شهد لها التاريخ. كانت عندما تسير ترى رجال يرتدون زي أمن مستلقين على الأرض وكأنهم مخدرين أو مقتولين لا تعلم.
نظرت لكاسبر لا تفهم شيئا وتتساءل لماذا أتت لهنا مالذي يريد أن تفتحه لهم بالتحديد.
توقفوا عند باب يوجد عليه لوحة على الحائط كنظام الأمن هنا.
اقترب رجل منها وأعطاها لاب توب مجهز. نظرت لكاسبر فاعطاها إشارة أن تبدأ. أومأت بتردد. أخذت نفسا وبدأت في اختراق نظام أمن ذلك المكان. وهي قلقة من ما تفعله ولا تشعر بالارتياح.
كان الرجل ينظر لها ويشعر أنها بلا فائدة ولن تستطيع فتح نظام كهذا إلى أن صدر صوت للباب يعلن تشفير المرور ثم فتح. نظر الرجل وابتسم بلهفة لذلك الكنز الذي بدأ في الظهور أمامه.
اتسعت عينا أفيلا لفرط الصدمة من رؤية تابوت وآثار مصرية لبلدها وتحف من الذهب الخالص.
لم تكن تصدق ما تراه عيناها... اللعنة ما الذي فعلته.... لقد شاركت أصابعها بجريمة لا مفر منها... لقد خانت بلدها لتجار آثار.
أحببت مافيا
البارت التاسع
تفااااااااااااااااااعل❤️
رواية احببت مافيا الفصل العاشر 10 - بقلم نور
اتصدمت حين رات تابوت وآثار مصرية لبلدها وتحف من الذهب الخالص. لم تكن تصدق ما تراه عيناها.
"اللعنة! ما الذى فعلته؟"
لقد شاركت بأصابعها بجريمة لا مفر منها. لقد خانت بلدها لتجار آثار.
ضغطت على لوحة التحكم رغم انتهائها، ولم يعد هناك ما تفعله.
ذهب الرجل تجاه الباب ليدخل، فعيناه متشوقة لالتماس ذلك. لكن حدث ما أوقفه ودهشته. وجد الباب يقفل من جديد وأعاد النظام. ركض إليه، وضع يده يمنع من أن يقفل. ثم سحبها فقفل الباب وقد انتهى الأمر.
نظر كاسبر إلى أفيلا من ما يحدث، وألقى الرجل أنظاره إليها.
قال بتساؤل: "ماذا حدث؟ لماذا قفل الباب؟"
صمتت أفيلا قليلاً وكانت تخفض أنظارها.
قالت: "لا أستطيع... لا أقدر على أن أخون بلدي."
نظر لها الرجل بشدة فقد ظن أنها أخطأت في شيء. لكن علم أنها من أقفلتها. سار تجاهها بغضب متطاير على وجهه المخيف. أمسكها بقوة فوقع الحاسوب من يدها.
"أيتها الوغدة! افتحيه!"
كانت خائفة ولا تقدر على فعل شيء. صرخ فيها بغضب:
"افتحي ذلك الباب أيتها العاهرة وإلا قتلتك!"
لم ترد عليه. فاخرج مسدسه وضعه عند رأسها. نظرت أفيلا إليه بخوف وإلى يده.
"انزل مسدسك."
قالها كاسبر ببرود. فتوقف الرجل. نظر إليه ثم نظر لأفيلا وأنزل المسدس بضيق وابتعد عنها. اقترب من أفيلا وقال:
"لماذا أقفلتِ الباب؟"
نظرت وكانت خائفة منه أن يقتلها هو الآخر. فصمتت خشية أن تكون تسرع موتها. نظر الرجل له وأنه لم يفعل شيئاً. اقترب منها بغضب وهو يتوعد لها بالجحيم. وجده يمسك يدها ويقربها منه. نظر له بشدة. وتفاجأت أفيلا من ما فعله.
"ماذا تفعل؟"
قال الرجل بضيق. فرد عليه:
"انتهى الأمر."
قال بصدمة: "ما الذي انتهى؟"
نظر إلى أفيلا وأكمل: "لن تخرج هذه الساقطة من هنا على قيد الحياة إلا عندما تعيد فتحها."
"لن تفعل."
نظر له وجده يأخذها ويذهب دون أن يعيره اهتمام. فأشتعل غضباً.
خرج كاسبر وأفيلا من هناك. وكانت تنظر له ولا تعلم عما سيفعله بها وإلى أين يأخذها. هل سيقتلها في الخفاء؟
كان يسير إلى أن وجدها توقفت فجأة. شعر برجفة جسدها من أعصاب يدها التي يمسكها. وجد وجهها متجمداً إلى أن صدم حين وجد دماء على ملابسها ناحية كتفها.
ارتمت بجسدها عليه. نظر كاسبر لها ثم رفع أنظاره. وجد الرجل خلفها وفي يده مسدس يتصاعد البخار منه بأنه من أطلق عليها ولم يصدر شيء بسبب كاتم الصوت الذي يضعه.
نظر له ببرود وغضب جحيمي. أخرج مسدسه. ركض الرجل لينفد بجلده. لكن الطلقة كانت أسرع منه وأصيب في رأسه ليتوقف ويسقط أرضاً.
تسارع رجاله وآخرون أخرجوا أسلحتهم وأطلقوا عليهم. فأخرج رجاله هم الآخرين أسلحتهم وأطلقوا النيران.
انخفض كاسبر وهو يضم أفيلا حتى لا يصيبها شيء. كانا بالمنتصف. جاء رجاله يحجبونه. فحملها وذهب. توقفت الطلقات. كان رجال كاسبر قضوا على الرجال الآخرين.
دلف إلى السيارة من الخلف بجانب أفيلا وركب رجلان أمامه وقادوا السيارة سريعاً. نظر لها كاسبر. وضع إصبعين عند رقبتها وجدها على قيد الحياة.
"إلى المشفى."
قالها كاسبر. فنظر الرجلان لبعضهما.
قال أحدهم: "سيدي، هذا خطر."
نظر له كاسبر فشعر بالخوف وقال بتفسير: "سيسألون عن إصابتها."
"لنعد ونحضر لها طبيباً."
"أسرع إذاً."
خافوا كثيراً من غضبه وسرعان ما ذهبوا وكانوا يقودون بسرعة.
توقفت السيارات عند منزل كبير 'فيلا' جميلة بالقرب من الساحل. ولم يذهبوا إلى الفندق حتى لا يراهم أحد ويكون لا فعلوا شيئاً.
خرج كاسبر من السيارة وهو يحمل أفيلا ويذهب بها لداخل. اصطف رجاله حول الفيلا وبداخلها يؤمنونه.
دخل إلى غرفة ووضعها على السرير. أزاح ملابسها من على كتفها قليلاً فرأى إصابتها التي كانت عميقة ودماءها تسيل بغزارة. شعر بالضيق ولعن نفسه أنه لم يذهب إلى مشفى.
دخل طبيب ومعه طاقمه الطبي يحملون حقائبهم وعدتهم. ابتعد كاسبر يفسح لهم. أعطوها جرعة مخدر.
نظر إليه وقال: "هل يمكنك أن تخرج؟ لترى عملك فقط."
قالها كاسبر. فصمت الطبيب وأعطى إشارة لهم أن يبدأوا. بينما كاسبر واقف كان قلق عليها ولا يعلم سبب هذا القلق. هل هو شعور بالمسؤولية بما سببه لها؟
ظل واقفاً ينظر لهم وهم قد شقوا ملابسها ليقوموا بعملهم بجد. كان يعلم أن ما يفعله خطأ. وجوده وعيناه المعلقة عليها خطأ، لكن لا يبالي كعادته. يرى الأطباء وقفزاتهم الملطخة بدمائها.
انتهى الأطباء. وضعوا لها محاليل وكل ما يلزم لحين إفاقتها. جلست ممرضة بجانبها تعتني بها كما طلب كاسبر وأن تخبره بحالتها.
مر يومين على مكوثه في الفيلا تلك. كان يذهب لها في غرفتها من وقت لآخر ينظر لها للحظات ويخرج. يتساءل لماذا لم تفتح عيناها إلى الآن. كان يهتم لأمرها وينتظر أن تفيق.
في صباح اليوم الثالث بطلوع النهار، دخل إلى الغرفة. لم يكن قد نام بعد فقرر رؤيتها.
وقف قليلاً ثم جلس على حافة الفراش مبتعداً عنها. استيقظت الممرضة. نظرت له ولم تنتبه لوجوده.
بتساؤل: "سيدي، هل تحتاج لشئ؟"
"اخرجي."
تعجبت وقالت: "لكن..."
نظر لها كاسبر. نظرة أصمتتها. وقفت وذهبت.
نظر إلى يدها. قرب يده منها وأمسكها يتذكر آخر مرة حين أوقفها بجانبه وكانت مرتعشة.
نظر إلى ملامحها وهذه أول مرة التي يدقق فيها ويكون قريب منها دون أن تغضب أو تبدي ملامح الخوف منه الذي طالما يراها في عينيها. تنهد ثم وقف ليذهب. لكن وجد من يمسكه.
نظر، رأى يد أفيلا قبضت على يده التي كان يمسك بها. نظر لها بشدة وأنها أفاقت. وجدها تفتح عينيها ببطء. عاد لجلسته بجانبها.
"أنتِ بخير؟"
قالت أفيلا بصوت ضعيف:
"لا تتركني."
تفاجأ من هذه الجملة. وبتاكيد لا تقول له هو أو أنها غير واعية:
"أبي."
قالت ذلك نداءً ثم أكملت: "لا تذهب، لا تتركني ثانياً. لم أعد قادرة على تحمل الذنب أكثر من ذلك. اعتذر على كل شيء... سامحني أرجوك."
قبضت على يده أكثر وسمع صوت نشيج يصدر منها ودموع تسيل من عينها وهي تغمضهم.
كان يريد أن يتصل بالطبيب أو يحضر الممرضة ويخبرها أنها تحدثت معه. لكن هناك شيء بداخله منعه من ذلك. نظر إلى يدها التي تشتد عليه وخوفها ورجائها بأن يبقى. لكن يعلم أنه ليس هو بل تظنه أباها.
اقترب منها وشبه نائم بجانبها. كانت تبكي ويسمع صوت جهشها. قرب يده منها بتردد. تنهد ثم وضعها على رأسها يلامس شعرها يهدئها وهي تتمتم بكلمات لوالدها وتتخيل أنه هو. رفعت ذراعها ببطء وضمه.
نظر لها كاسبر بشدة وخفق قلبه من تقربه الشديد الذي أصبح خطيراً عليها. كان سيبدلها ذلك العناق. لكن هناك من أوقفه. أبعد أنظاره عنها بضيق من نفسه. فأفيلا الوحيدة التي لا يجب أن يفكر فيها أو يقترب منها بأي شكل من الأشكال ويستثنيها. يسمح له أن يفكر بأي امرأة عداها.
يجب أن يبتعد عنها. لكن لماذا لا يستطيع؟
يعلم أن عندما تستيقظ إذا رأته سوف تغضب. لكنه غير مبالي بما يحدث. يشعر برغبة أن يكون قريب منها. لا يعلم لماذا. لكن أحب هذا الشعور.
كان يريد أن يضمها هو الآخر. لكن جانب بداخله يصيح به غاضباً بالخطأ التي يرتكبه وأنها ليست من يجب أن يكون معها.
لم تعد أفيلا تبكي. نظر لها وكان قريب منها للغاية. ابتعد عنها ليذهب. لكن وجد أفيلا متشبثة في ملابسه. مد يده ليبعدها عنه. لكنها كانت تمسك فيه بقوة. عاد بجانبها ويبعد أنظاره. يحاول أن يتحكم في نفسه وغاضب من ضعفه. فهو لم يضعف أمام امرأة من قبل. ولم يوعد لطبعه الحاد ورؤية أن هذا تضييع وقت. لقد رباه والده في ألمانيا أن يكون هكذا قوي وألا يضعف أمام أي أحد.
- كان في السابعة عشر من عمره وجالس معه في فناء القصر.
"ما هي المشاعر؟"
قالها كاسبر ببرود وتساؤل. نظر إليه قال: "المشاعر؟!!"
"أجل."
"أنها شعور داخل المرء مندفع من القلب."
نظر إلى كاسبر في عينه وأردف قائلاً: "وإياك أن تجعل قلبك يحرك تلك المشاعر."
"هل لدي القدرة على التحكم به؟"
"إن انحرف عن مسارك ولم يطاوعك فأقتله."
نظر إليه كاسبر بشدة. اقترب ووقف أمامه مباشرة قال: "ابق يقظاً، بارداً. لا تسمح له بأن يخالف أوامرك. وإن فعل وتحركت مشاعرك ذات يوم، فمن الأولى أن تقتل نفسك حتى لا تقتلك هي. ستتنفس لكنك بلا قيمة."
نظر له وأردف قائلاً بجدية: "مت قوياً على أن تموت ضعيفاً."
كان يطالعه بصمت. وضع يده على كتفه قال: "هل فهمت؟"
"أجل."
قالها كاسبر ببرود ووجه خالٍ من التعبيرات. فأومأ والده ثم ذهب.
- عاد من ذاكرته. نظر إلى أفيلا. فتساءل إن كان هذا مقصده وهذا الشعور والضعف الذي فيه الآن هي مشاعر تحركت من قلبه الذي لا يشهد له وجود وكونه شخص قاسٍ لا يعرف الرحمة. فعن أي قلب هذا؟
***
كان رجلان واقفان بالأسفل يدخنان. نظرا للأعلى.
قال أحدهما: "ألا يزال السيد كاسبر هناك؟"
"على ما يبدو أنه لم يخرج من الصباح."
نفث دخانه وأردف: "يبدو أن هناك امرأة نالت إعجابه."
تبسم وقال ساخراً: "عن من تتحدث؟ ألا تعلم سيدي جيداً؟"
"ماذا تفسر هذا؟"
"من المحتمل أنها أثارته فيأخذ مراده ويعود لأدرجه."
"لم أراه يخضع لأي منهم ولم يكترث لضغينته يوماً. فعن أي إثارة تتحدث؟"
أومأ له بتفهم وهو يأخذ نفساً من سيجاره. قال: "لنصمت أفضل ونرى عملنا.. فمجرى الكلام قد يكلفنا حياتنا."
وافقه الرأي وصمت الاثنان وهو يراقبون الوضع.
***
فتحت أفيلا عينها ببطء. كانت تشعر بضعف. لكن تبدلت ملامحها لصدمة عندما رأت كاسبر نائم بجانبها. نظرت لنفسها. كانت بين أضلعه وقريبة منه.
نظرت له لثوانٍ تستوعب ما هي عليه وإن كان حقيقياً. أبعد كاسبر ذراعيه وفتح عينيه. نظر لها.
قالت أفيلا بغضب:
"ماذا تفعل هنا؟"
لم يعرها اهتمام. ابتعد عنها ثم توقف.
نظرت أفيلا وجدت يداها تمسك بالتيشيرت الذي كان يرتديه. تعجبت كثيراً. شعرت بالخجل ثم تركته. وقف وأعدل ملابسه.
قال: "كيف حالك الآن؟"
كانت أفيلا سوف تجلس. لكن شعرت بألم في كتفها. فتذكرت ما حدث. نظرت إليه بخوف.
قالت: "آسفة على ما حدث.. سوف تقتلني."
نظر لها من نبرته. قالت: "صدقني لو كان شيء آخر لقمت بفتحه على الفور. لكن كانت آثار مصرية. إنها أكبر جريمة ممكن أن أفعلها في حياتي. لم أقدر على أن أدعكم تأخذون تراث بلدي على يدي..."
قاطعها اقتراب كاسبر منها. نظرت له.
"لن أفعل لكِ شيئاً. أود أن أشكرك."
تعجبت. قالت بخوف: "ت... تشكرني.. على ماذا؟"
"على حسك الداخلي لبلدي."
صدمت أفيلا. نظرت له بشدة.
قالت: "كيف بلدك... هل أنت مصري؟"
"أجل."
"لكن..."
"لندع هذا الأمر بيننا. لا يعلم أحد غيرك."
نظرت له أفيلا وأومأت إيجاباً. وقف وذهب. تذكرت اتفاقها معه وأن مقابل ما كانت ستفعله أن يساعدها في معرفة قاتل والديها. شعرت بالحزن لأنه بالفعل لن يقدم معها على شيء الآن. فهي لم تكمل الاتفاق.
جاءت الممرضة وكاسبر معها. فكان قد منع دخول أحد وهو معها. فذهب ليحضرها.
أخذت تفعل المستلزمات. نظرت إلى أفيلا وابتسمت.
قالت: "حمداً لله على سلامتك سيدتي."
تعجبت أفيلا من ذلك اللقب. لكن بادلتها الابتسامة.
"كان زوجك قلق عليك كثيراً."
قالت بإستغراب وهي تطالعها: "لكني لست متزوجة."
نظرت لها. توقفت عن ما تفعله.
قالت: "كيف.. لقد كان نائم بجانبك لوقت..."
قالتها بتعجب ثم صمتت ولم تكمل كلامها حين أدركت أن هناك سوء فهم. بينما أفيلا نظرت لكاسبر.
"اهتم بعملك."
قال ذلك للممرضة ببرود. فردت بحرج: "اعتذر."
استأذنت وذهبت للخارج. نظر كاسبر إلى أفيلا التي كانت تنظر له. ذهب هو الآخر. لكنها أوقفاته.
"منذ متى وأنت بجانبي؟"
"منذ الصباح."
قالت بضيق: "ولماذا كنت نائم بجانبي؟"
"رأيتِ يدك كيف كانت متعلقة بي."
شعرت أفيلا بالخجل. نظرت له ثم قالت: "كنت غير واعية. لماذا لم تبعدني؟"
أكملت بسخرية: "ألم تستطع إبعاد يدي لهذه الدرجة؟ هل كانت أقوى من يديك؟"
نظرت له قالت: "ماذا؟ هل كنت مستمتعاً؟"
"لم يكن ممتعاً لأنك كنتِ نائمة."
صدمت أفيلا من وقاحته وتبدلت ملامحها.
"أنت! كيف تجرؤ؟"
قالتها بحنق وهي تقف. لكن أصدرت صوت ألم. وضعت يدها على الجرح. اقترب منها كاسبر. أبعدته. أفيلا قالت بصوت ضعيف:
"ابتعد عني. لا تلمسني."
"اهدئي."
قالها وهو يقترب منها. نظرت له. عادت للخلف. فطالعها كاسبر ثم خطى تجاهها. شعرت أفيلا بتوتر.
قالت: "ا.. أنت، ابق بعيداً."
اقترب منها فعادت للخلف. اقترب أكثر وكانت تطالعه بخوف حتى التصق ظهرها بالحائط ولم يعد بإمكانها الرجوع أكثر. نظرت له وهي مرتبكة وهائبة.
"لأول مرة أشعر بالضعف. وهذا يغضبني."
قال كاسبر ذلك وهو ينظر لها. ثم قرب وجهه منها. يحاول أن يتحكم بنفسه لكن لا يستطيع. بينما كانت أفيلا خائفة منه كثيراً وعلى ضعفها أمامه وهو غير مبالٍ. إلى أن وجد دمعة تسيل على وجنتها. نظر لها. كانت عيناها ترتجف وعلى ملامحها الخوف والضيق.
ابتعد عنها وعاد للخلف ببرود. وقد استوعب ما كان سوف يفعله. نظرت أفيلا له. وجدته يذهب.
كان غاضباً من نفسه وخجل من اقترابه منها بغير موافقتها. يجب أن يتحكم في نفسه. منذ متى وهو يضعف هكذا؟ لم يبالِ بأي امرأة رآها. كانت كل حياته للقتل.
جلست أفيلا على السرير. أخذت أنفاسها لتطمئن وأنها بخير وتعيد نبضها الطبيعي.
نظرت حولها للغرفة ولا تعلم أين هي. ذهبت إلى النافذة وفتحتها تستنشق الهواء. وجدت بحراً أمامها. ارتسمت ابتسامة على وجهها عندما رأته. ثم ذهبت.
خرجت من الغرفة وتفاجأت من هذه الفيلا التي فيها. تجاهلت ونزلت. ذهبت إلى الباب لتخرج. أوقفها رجل.
"لأين؟"
"أريد الخروج."
"يجب أن يخبرنا سيدي أولاً."
ضاقت ملامحها ثم قالت: "أين يكون؟"
نظر لها وصمت قليلاً ثم أشار لها على غرفته. فذهبت إليه.
وقفت عند باب غرفته تنظر له ومترددة. استجمعت قواها ثم طرق الباب. لم يأتِها رد. طرقته مجدداً وكان كذلك. تعجبت فهل نام بهذه السرعة؟ طرقت ثالثاً. لكن قبل ذلك فتح الباب. نظرت له. دخل وتركها. فدخلت خلفه.
"ماذا تريدين؟"
قال ذلك لها. نظرت إليه وأنه لا ينظر إليها. لم تهتم.
قالت: "أخبرهم أن يدعوني أذهب."
"لا زلتِ مريضة. لا يمكنك الذهاب بعد."
"لن أغادر. أريد الجلوس بالخارج قليلاً."
"لا.. عودي لغرفتك."
قالها كاسبر ببرود. وقفت أفيلا أمامه ونظرت في عينه.
قالت: "هل ستمنعني؟ ....... لماذا لا تنظر إلي؟"
"اخرجي."
"لن أخرج غير وأنتم تخبرهم أن يدعوني أذهب."
نظر لها كاسبر. فصمتت وشعرت بالخوف من نظرته. ابتعدت عنه بتوتر. وجدته يخلع التيشيرت الذي يرتديه ويظهر صدره. نظرت له بشدة ثم أبعدت عينيها.
قالت: "مم.. ماذا تفعل؟"
سار تجاهها. ارتعبت منه وعادت للوراء. لكن رأته يفتح خزانته وأخذ قميصاً وارتداه وفوقه سترة.
"هيا."
كانت واقفة صامتة متفاجئة منه كثيراً. أفاقت ثم ذهبت.
خرجوا ومعهم سيارتان بها رجالهم خلفهم. توقفت أفيلا عند الشاطئ. نظرت له قليلاً ثم جلست. نظر لها كاسبر جلس بجانبها.
كانت تنظر إلى البحر بسعادة. رأى ذلك من خلال ابتسامتها التي لم يراها من قبل.
"تحبين البحر؟"
"لا... إنه من أكبر مخاوفي."
نظر لها بإستغراب. فهي تبتسم عبر النظر إليه فقط. قالت بتفسير: "أحب رؤيته."
صمتت قليلاً ثم أكملت: "يذكرني بأمي. عندما كانت تريد أن تكسر خوفي وتعلمني السباحة. لكنها لم تنجح في ذلك."
اخفضت أفيلا رأسها. قالت: "ليتها هنا الآن لتعلمني ذلك. لم أكن لأعارضها حتى لو كنت أغرق."
اخفضت أنظارها قالت بصوت ضعيف ملئ بالحزن: "اشتقت لها كثيراً."
نظر لها كاسبر ونبرتها. وجدها تجز على شفتيها وتغمض عينيها تحاول كبح بكائها. لا يعلم ماذا يقول. فهو لم يهتم بمشاعر أحد من قبل. لكنه يشعر بالضيق الآن.
"إنهم بمكان أفضل."
رفعت أنظارها إليه.
"لم تكن الحياة جميلة يوماً ليبقوا فيها. لقد امتلأت بالوحوش... مثلي. لا تحزني أو تشعري بالندم وتأنيب الضمير. ما حدث كان مقدراً أن يحدث."
كانت تطالعه بصمت. لا تعلم كيف علم أن ضميرها يؤلمها منذ ذلك اليوم. وأخبرها من قبل أنها من تسببت في قتلهم. كيف تحول لهذا الهدوء وتلك النبرة وكأنه يواسيها ويخفف عنها.
"تقول هذا لأنك لم ترَ ما رأيته."
نظر لها. أكملت: "بمجرد التخيل أن والديك يقتلان أمامك بكل وحشية يجعلك تموت حياً. فماذا إن رأيت وشاهدت ذلك على الأرض الواقع ولم يكن تخيلاً. كان الموت هيناً من هذا الجحيم."
لم يعلق على كلامها. نظرت له وسخرت من نفسها داخلها. فهي مع من تتكلم وتشرح وتبرر الحزن الذي طغى على قلبها. أنه لن يفهمها بالطبع.
"هذه الدنيا فانية كما قال الله في كتابه... أي أننا سنلحق بهم جميعاً. ستختلف من حيث المكان."
اندهشت أفيلا. نظرت له بشدة. قالت بتساؤل: "هل أنت مسلم؟"
نظر لها. ثم نظر أمامه. قالت بتنهيدة: "إسمٌ فقط."
"ماذا تقصد؟"
"أخشى أن أقول مسلم وأهين الإسلام بي. لذلك لا أحد يعلم ديانتي."
"إن كنت تعلم أن ما تفعله خطأ. لماذا لا تتوقف؟"
لم يرد عليها. نظرت له قليلاً ثم قالت: "بإمكانك أن تغير ذلك. باب التوبة مفتوح دوم."
رد عليها ببرود وهو ينظر لها: "ليس لي. لا تعلمين شيئاً عني وحول كل ما فعلته."
صمتت ولم ترد. وكأنها أدركت ذلك مع نفسها. هي لا تعلم حوله شيئاً وكم ذنوب ارتكبت. لكن التوبة واجبة على الجميع. ومستقبل أن كان مقدار سيئ بمقام جبال.
"لكن كيف مسلم واسمك كاسبر؟"
قالتها أفيلا بتعجب. فكانت قد علمت اسمه من الفندق. لكن لم تجد الدهشة تعتره. لأنها تعرف اسمه لأنه كان يعلم.
"اسمي الحقيقي هو علي."
نظرت له. أردف قائلاً: "علي راشد."
"كيف هذا؟ مصري ومسلم واسمك علي. ألا يبدو شيئاً غريباً؟ أم أنك تخدعني؟"
نظر لها. لم تفهم نظراته الجدية. لكنها توترت وصمتت.
"لا أتذكر جيداً. كنت ولد ذو ست سنوات. حين سافرت مع.. أمي إلى ألمانيا. كانت ذاهبة للعمل. لكننا افترقنا بحكم القدر. لم أكن أعلم شيئاً هناك ولا أجيد حديثهم. إلى أن رآني رجل وأخذني."
كانت تنظر له ولكلامه. قالت بإستدراك وتردد: "هل هو من جعلك هكذا؟"
نظر كاسبر لها ثم نظر أمامه بجمود. ولم يرد. صمتت أفيلا وشعرت أنها تدخلت فيما لا يعنيها وهذا ضايقه.
عادت بأنظارها إلى البحر ونسمات الهواء الباردة التي تداعب وجهها وتطير بخصلات شعرها. ضمت ذراعيها وكانت تشعر بالاسترخاء.
نظر كاسبر إليها. تنهد. ثم خلع جاكته. اقترب منها ووضعه عليها. نظرت له بدهشة. أعدله عليها إلى أن توقف حين نظر لها فتلاقت أعينهما. وهو يضع يده على كتفها وقريب منها. نظر في عينها وخصلات شعرها المختلطة بوجهها. قرب يده وأزاحهما خلف أذنها. ثم أقترب منها بغير وعي وإدراك.
نظرت له أفيلا. وكانت ضربات قلبها تعلو. تطالعه وهو يقترب منها.
أبعدت وجهها ونظرت بعيد. نظر لها كاسبر ولنفسه. ابتعد عنها وهو محرج ويلعن هذا الضعف الذي يجعله أحمق وكأنه مراهق.
كانت أفيلا لا تعلم من يكون هذا الرجل الذي جالس بجانبها ويبدو ليس رجل مافيا التي كان يتحدث معها الأيام الفائتة. بل شخص آخر متغير. فقد أخبرها عنه. وكانت سعيدة أنه يخبرها عن نفسه واقترابه منها الذي يشعرها بشعور لم تعهده من قبل.
كانوا جالسين بهدوء صامت.
جاءت امرأتان أجنبيتان واقفان بعيد. نظروا لكاسبر وأفيلا والرجال الواقفين خلفه.
نظرت أفيلا وتوقفت عيناها عليهم. وجدتهم يتطلعون بهم. والأخص كاسبر. نظر إليها وعلى ما تنظر. وجد امرأتان بعيداً ينظرون له ثم يبتسمون وامرأة تلوح له.
"لنذهب."
قالت أفيلا ذلك وهي تقف. نظر لها كاسبر.
قال: "ألا تريدين الجلوس؟"
"إذا أردت البقاء فلتبقى. أريد العودة."
تعجب من تحولها ونبرتها. وقف وذهب معها وتبعه حراسه.
دخلا إلى الفيلا. كان صامتين. نظرت أفيلا له وملامح الضيق على وجهها. وهو لا يعلم شيئاً. مستغرب من نظرتها التي تثقبها له منذ أن غادروا. صعدت بدون التفوه بكلمة.
دخلت أفيلا غرفتها. ثم توقفت. نظرت لنفسها والسترة الذي عليها. خلعتها. فسعدت الممرضة برفق. شكرتها أفيلا على ذلك وذهبت. فاوقفتها تقول: "إلى أين؟ يجب أن تستريح. الحركة الكثيرة خطأ عليك. جرحك لم يلتئم بعد."
"لا بأس. سأعود سريعاً."
قالتها وهي تذهب متوجه لغرفته.
عندما وصلت لم تجده. تعجبت. نزلت الدرج وهي تلقي بأنظارها بحثاً عنه.
ذهبت إلى أن توقفت حينما وجدته واقف. سارت تجاهه وأصدرت صوتاً تعلم بوجوده. التفت ونظر إليها. اقتربت منه.
"تفضل."
قالتها وهي تعطيه السيارة. نظر ليدها. قال: "هل حتى من أجل أن تعيديها لي؟"
"أجل.. شكراً."
تنهد بضيق. أخذها منها. قال: "لا ترهقي جسدك على لا شيء."
نظرت أفيلا إليه من ما قاله واهتمامه بشأنها. أومأت برأسها بتفهم. ثم التفت وذهبت.
مر أيام على بقائهم معاً في الفيلا. لكن لم تكن الأحاديث كثيرة أو تجمع في أي مكان. قليلاً ما يروا بعضهم. إلى أن علاقتهم لم تعد كالسابق. باتت مختلفة. وأصبحت أفيلا تتحدث معه عادياً دون أن تخاف. لكن كانت تلاحظ تجنب منه. وكأنه متعمد تجاهلها. لم تكن تهتم كثيراً. كانت تلازم غرفتها والممرضة تساعدها في أي شيء تفعله كما طلب منها كاسبر أن تعتني به.
***
في مساء اليوم. كان وجيد يهاتف أفيلا لمرات كثيرة. قال بضيق:
"لا يزال مغلق."
قالت بهيرة: "اهدأ. بعد قليل تفتح هاتفها وتتصل بك."
قال وجيد بحدة: "ولماذا تقفله من البداية؟ إنها تقلقني.. سوف أذهب لها."
قال وليد: "انتظر يا أبي."
ذهب وجيد بدون أن يستمع لأحد. فهو كثير القلق على أفيلا بكل ما مرت. وخائف أن يصيبها أذى. لذلك كان يريدها أن تعيش معه كأبنائه وأمام عينيه. لأنها آخر ما تبقى من أخاه.
ذهب للمنزل وتعجب حين لم يجدها. وقد قلق أكثر ويتساءل أين تكون ذهبت في هذه الساعة المتأخرة.
***
في صباح اليوم التالي. كانت هدير واقفة مع صديقاتها. مر عمر من أمامهم. نظر سيف إليه.
قال: "يا صديقي، ألن تسلم علينا؟"
"سأتأخر على المحاضرة."
قالت نيرا: "منذ متى وأنت تحضر؟"
قالت هدير وهي تتركهم وتقترب منه: "أريد التحدث معك."
"ليس الآن."
قالها عمر وهو يذهب. أوقفته.
قالت: "الآن."
أمسكت يده. نظر لها. تنهد ثم ذهب معها.
توقفوا بعيداً خارج الجامعة. نظر لها عمر.
قال: "تحدثي يا هدير. لم نقف هنا للصمت."
"لماذا لا تعطيني وجهك؟"
نظر لها. أكملت: "أنت لا تتحدث معي... تغيرت منذ اليوم الذي أخذتها من المقهى وذهبتم ولم نعلم أين كنتم... إذا استمتعت معها يكفي. اتركها. فأنا أشعر بالغيرة عليك. أنا أحترق هنا. لكن أتركك على راحتك."
أمسكها عمر من ذراعها بقوة فتألمت. قال بحدة:
"إنها ليست من هذا النوع."
نظرت له هدير وهي تتألم.
قالت: "هل صدقت نفسك يا عمر؟ أعلم أنك تمثل اللطف عليها لتكسب الرهان."
"أنا معجب بها حقاً."
قالها عمر بسخرية. نظرت له بشدة.
قالت: "كيف معجب بها... أتحبها؟"
ترك ذراعها. قال: "أجل."
اقتربت منه. قالت: "ماذا عني؟ ألا تحبني؟ هل سوف تتركني الآن بعد كل هذه السنين؟ لقد فعلت الكثير لأجلك.... مازلت تريدني أليس كذلك؟ حسناً أنا موافقة."
لم يكن يصدق ما تقوله. تنهد بهدوء.
قال: "استمعي يا هدير. لم أحبك قط. لطالما اعتبرتك صديقتي لا أكثر."
أمسكت يده وقالت والدموع في عينيها: "أنت تكذب. هل فعلت شيئاً ضايقك؟ هل بسبب ما فعلته فيها؟ لكنها ضربتني بوحشية ولم تصمت."
"الأمر ليس له علاقة بذلك. ما شعرت به مع أفيلا كان مختلفاً. لم أشعر به من قبل. جعلتني أنفصل عن جميع الفتيات التي أواعدهن. هي من فعلت ذلك. ليست أنتِ.. أعلم أنني أخطأت في حقك. لكنك كنتِ تعلمين أنني للهو ولستُ جدياً."
سالت دموع من عينيها بحزن وهي غير مصدقة ما تسمعه منه. أبعد يده. قال: "اعتذر."
ذهب وتركها خلفه مانعاً اللجوء لحديث آخر.
***
كانت أفيلا جالسة وتشعر بالملل من الجلوس في غرفتها. وقفت أمام النافذة تتطلع للخارج.
كان كاسبر ماراً. إلى أن توقف عند غرفتها حين رآها واقفة عند النافذة. ذهب لكن توقف. نظر لها لثوانٍ ثم خطى لداخل.
"هل تشعرين بالملل؟"
نظرت له أفيلا وقد انتبهت لوجوده. أومأت برأسها وعادت تنظر إلى النافذة.
قالت: "لماذا تجلس بفندق بينما بإمكانك الجلوس هنا؟"
صمت قليلاً. نظرت له. قال: "يختلف الأمر من حيث الحشد واختلاف الأماكن."
"ماذا تعني؟"
"إن بقيت في مكان واحد سهل أن يعرف مكاني وأين أكون."
"لهذا تجلس بالفنادق وتقصد بالحشد الناس؟"
قالتها أفيلا بإستدراك وتفهم.
"بدلي ملابسك."
نظرت له من قول هذا: "ماذا؟"
"لنسير قليلاً."
قالت بدهشة وغير تصديق: "حقاً؟"
نظر لها لسعادتها. ثم ذهب. كانت تظن أنها سمعت خطأ. لكنه قصد حقاً ما قاله. ذهبت على الفور إلى الخزانة التي في غرفتها. كان بها ملابس أحضر كاسبر لبقائها هنا.
كان واقفاً بالأسفل بعدما انتهى وكان في انتظارها. إلى أن وجدها تنزل. نظر لها. كانت ترتدي جيب بيضاء وبلوزة وردية وتجمع شعرها بطوق للأعلى وعلى وجهها بعض الخصلات. كانت رقيقة في هيئتها. اقتربت منه. نظرت لنفسها.
قالت: "أشعر بالحرج. إنها المرة الأولى التي أرتدي فيها جيب."
"تبدين جميلة."
نظرت أفيلا له وقوله ذاك. أفاق كاسبر. نظر لها ثم عاد لبروده. أخرج هاتفها الذي كان معه من يومها. أعطاه لها وذهب. نظرت للهاتف ثم تبعته.
دلفا للسيارة وخلفهم سيارتان بها رجاله.
نظرت أفيلا إليه. قالت: "ظننت أننا سنسير فقط."
لم يرد عليها. تعجبت. فصمتت. ثم وجدت أنه يزيد السرعة.
توقفت السيارة عند مطعم كبير وفاخر. دخلا. فاستقبلهم المدير بحرارة وأشار لهم على الطاولة بمكان خاص. جلسوا وحولهم حراسة. كان جميع من في المطعم يلقون أنظارهم عليه. وقد لاحظت أفيلا ذلك. نظرت له.
قالت: "هل لديك معرفة بالمدير؟"
نظر لها بإستغراب. فأكملت بتفسير: "يبدو عليه وكأنه يعرفك... هل يعرف من أنت؟"
اقترب منها. قال: "تقصدين المافيا؟"
قالت بصوت منخفض: "أجل."
"وهل من يعرفني تكون المعرفة أني من المافيا؟"
صمت قليلاً. تدرك حمقاتها. قالت: "الحق معك."
أراد كاسبر أن يبتسم عليها. قالت: "كيف يعرفك إذا؟"
لم يرد عليها وعاد لجلسته.
وضعوا الطعام وتمنوا لهم الاستمتاع. كانت أفيلا تنظر له وهى تتسائل من يكون هذا. تراه شخص آخر. لا تعلم من هو. لكن من تعد خائفة منه لأنه من المافيا. بل تشعر بالأمان.
أثناء وهم يأكلون. استأذنت وذهبت لدورة المياه.
كان جالس. سمع صوت رنين. ولم يكن هاتفه. بل كان لأفيلا. لم يهتم. لكن رن الهاتف ثانياً. ألقى نظرة. وجده عمها وجيد. تركه إلى أن انتهت المكالمة.
وجد يرن ويبدو أنه قلق عليها. وكأنه لم يصدق أنها فتحت هاتفها. فكان مغلق. أخذه وذهب له.
توقف بعيداً ينتظر خروجها.
اغتسلت أفيلا وجهها. نظرت للمرآة تتذكر معاملة كاسبر لها. وجودها في مطعم وأكلهم سوياً وكأنهم في موعد. أخذت مناديل تجفف وجهها. ثم ذهبا.
خرجت وهي لا تزال تجففه. وتوقفت مكانها بصدمة. عندما وجدت كاسبر وامرأة قريبة منه وتقبله.
أحببت مافيا
باب العاشرة
ترى مين دي؟ تفااااااااااااااااااعل❤️ •