تحميل رواية احببت مافيا بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الغرف بالمشفى، كانت امرأة مسنة جالسة على سرير. لوحت بابتسامة خفيفة على وجهها وهي تنظر إلى التي أمامها. كانت ترتدي جاكت أبيض خاص بالأطباء وبطاقة تعريفها عند رقبتها، وترفع شعرها بطوق. "أصبحت بخير بفضل الله، أتمنى أن تهتمي بصحتك حتى لا نعود للوراء بعد كل ذلك." "أشكرك طبيبة أفيلا." قالت السيدة بابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان والشكر. أومأت أفيلا إليها ثم خرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة أخرى. فتبعتها الممرضة التي كانت برفقتها. "أحضري أوراق المريض الآخر." قالت وهي تسير. أومأت الممرضة رأسها إيجا...
رواية احببت مافيا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نور
لماذا تمثلين دور الزوجة الصالحة وأراك تبكين على زوجك الذي يبدو أنه ليس من اهتماماتك؟
وفور انتهاء جملته، لم تلمهله أن يكمل أكثر حتى صفعته. انصدم من ما حدث والصفعة التي تعرض لها. بينما كانت "أفيلا" تنظر له بحنقه من كلامه وإهانته لها بأبشع الطرق، رفع أنظاره إليها بغضب وبرود.
يُحمم، أمسك ذراعها بقوة وسحبها إليه.
هل تدرين ما فعلته للتو؟ مقدار عواقبه؟
كانت نبرته مخيفة ونظرة التواعد في عينيه. كان يضغط على ذراعها يعصرها بقبضته، وهي تنظر له بلا مبالاة ولا تتألم، بينما الخذلان يملأها وغضب في عينيها التي كانت الدموع تغرقهما.
أنا لست خائفة منك.
قالت ذلك ببرود، ثم أردفت بحدة: فاستمع إلي جيداً يا سيد "كاسبر". ليس من حقك أن تتحدث عني هكذا. وإن فعلت، فلن تجد غير كفي هو من يرد عليك. أسمعتني؟
غضب من كلامها واشتعلت عيناه غضباً. حاول أن يتحكم به خشية عليه منه. شعرت بألم من قبضته التي كانت على وشك كسر عظامها. سالت دمعة من عينها بغير قصد، لكنها لم تستطع السكوت. نظر لها "كاسبر" ليفيق ويتلاشى غضبه، فتركها بضيق لتذهب. أمسكت ذراعها تتحسسه، لترمقه نظرة غاضبة، ثم ذهبت وتركته. خرجت وابتعدت من هنا قدر الإمكان.
كان "عمر" واقفاً عند الغرفة، فقد سمع حديثهم دون قصد وغضب كثيراً.
شعر "كاسبر" بالضيق من نفسه بما حدث منذ قليل وحديثه معها. لا يعلم لماذا قال ذلك، أنه ليس له دخل بما تفعله، ويبدو أنها ليست هكذا. وقسى عليها بكلامه. فتح الباب، دخل "عمر". نظر له بلا مبالاة.
كانت تحبه كثيراً.
قال ذلك إليه، فنظر "كاسبر" إليه بعدم فهم، ليجده يكمل وهو ينظر إليه: وما زالت لحد اليوم لا تستطيع التخلص من حبه.
علم ما يقصده، لكن لماذا يخبره بذلك؟
أفيلا ليست هكذا.
قال ذلك ببرود، ثم أضاف بضيق: لا تتحدث ثانية معها بهذه الطريقة. لا أريد رؤيتها حزينة بسبب كلامك الفارغ الذي لا يمت بالواقع بأية صلة.
ماذا؟ هل تظن أني سأذهب وأعتذر لها؟
صمت، وكأنما هذا كان مراده. تنهد وقال: لم أطلب منك أن تعتذر لها، لكن... أتمنى أن تتخلى عن برودك وتفعل ذلك. لأنها من الصعب أن تنسى كلامك إليها، وبالتحديد أنت.
لم يفهم آخر جملة قالها. التفت وهو يكمل وهو معطيه ظهره: كما صببته عليها بسهولة دون الاكتراث لمشاعرها.
نظر له فوجده يذهب. لم يعر كلامه اهتماماً.
كان خارجاً من المشفى إلى أن توقفت قدماه عند مكتب "أفيلا". نظر لها، وجدها جالسة تسند ذراعيها وتضع وجهها بين راحة كفيها وتبكي مع نشيجها وانتفاض جسدها، كأنما لم تبكِ من قبل، أو لأن الجرح كان عميقاً هذه المرة. حزن وهو يراها هكذا. كان سوف يدخل لها، لكن تراجع ببرود ليلقي عليها نظرة، ثم ذهب.
مرت أربعة أيام على ذلك اليوم. كانت "أفيلا" تذهب لعملها وتعود لشقتها دون أي جديد، إلا في كسرتها تداري حزنها كما تفعل كعادتها. لكن كلامه كان يتردد بذهنها، نظرته ونبرته الباردة تتذكرها وتشعر بالاختناق وقلبها الذي يتفتك مراراً.
في مساء اليوم، انتهت من عملها وكانت مغادرة. نظر لها "عمر". ذهبت، فوقف أمامها وهو يقول: إلى أين؟
قالت بتعجب: انتهى دوامي، عليّ العودة.
أية عودة؟ الجميع ينتظرنا.
لم تفهم ما يقصده، أو بالأصح قد نسيت. إلى أن تذكرت فقالت: لن أذهب، أنا متعبة، أعتذر لهم.
لا.
لم تهتم بكلامه وكانت ستذهب، لكنه منعها وهو يبتسم ويقول: لن نتأخر. اجلسي خمس دقائق ثم اذهبي.
لم تعره اهتماماً وأمضت في طريقها. أمسكها قال: لن تذهبي.
نظر له، ثم نظرت حولها. قالت وهي ترسم ابتسامة مزيفة وتجز على أسنانها: "عمر"، الجميع يتطلع بنا. هلا تركت يدي؟
نظر حوله بسبب ما قالته، ووجدها تنظر إليه. نظر إلى "أفيلا" ووجدها مرتبكة. ابتسم قال: دعيهم ينظرون.
إن لم تتركني سوف تندم.
قالت هذا بحدة، فقال: سوف أتركك، اهدئي، لكن كله بثمنه.
نظرت له باستغراب. أكمل: أن تذهبي معي.
دعني.
ماذا قلتي؟
كان يتحدث بلا مبالاة. نظرت حولها وإلى الأنظار التي ينظرون لها. وتلك البسمة التي تلوح وجوههم وكأنما يرون شيئاً جميلاً، فهم. نظرت له تنهدت، ثم قالت: حسناً. أترك يدي الآن.
ترك يدها فور أن قالت ذلك، وهو واثق من نفسه. نظرت له بضيق، ثم ذهبت. ابتسم وهو يراها غاضبة منه.
في السيارة، كان "عمر" يقود ويمسك هاتفه.
هل ركزت على القيادة كي لا نموت؟
أرى المكان الذي أرسلوه لي لنذهب.
ألا تعلم؟
لم أحدد معهم، أخبروني أنهم سوف يتفقون ويرسلونه إليّ. أظنهم غيروا المكان الذي نعتاد عليه، لذلك أنتظر رسالتهم.
أومأت بتفهم. مر وقت، توقفت السيارة. نزل كل من "عمر" و"أفيلا" التي نظرت إلى المكان، ثم نظرت إلى "عمر" قالت: ألم يتغيروا في اختيار هذه الأماكن الصاخبة مثل حفلة التخرج؟
ابتسم، قال بمزاح: تريدين الهدوء مع هؤلاء؟
ابتسمت، ثم تقدم ودخلت. كانت صوت الموسيقى عالياً. نظرا حولهما يلقون بأنظارهما بحثاً عنهم، حتى وجدوهم. وقفوا فور رؤيتهم وأشاروا لهم. كان الرفاق جميعاً اقتربوا منهم، فصافحوا "عمر" بمرح. نظر هو و"أفيلا"، وجدوا هدير من بينهم. أمسك سيف من ذراعه وأخذه معه، بينما "أفيلا" لم تبدِ أي شيء لها.
وقف بعيداً عنهم، قال "عمر" بتساؤل: ماذا تفعل "هدير" هنا؟
ما شأني؟
أعلم أنك من أحضرتها.
لقد أصرت أن تأتي معي، لم أستطع أن أقول لها لا.
الحب يضعفك كثيراً يا صديقي.
قال ذلك بمزاح وسخرية. ابتسم، قال: تعلم صديقك ينتهز الفرص.
أردف قائلاً: ثم إن "هدير" أيضاً صديقتنا يا "عمر"، ولطالما كانت برفقتنا والأقرب إليك، أم أن الحب ذاته هو من أنساك هذا؟
صمت "عمر" وكأنما كان يسترجع ذاكرته معها. أنها كانت حقاً صديقته المقربة. وضعه يده على كتفه بتنهيدة، وهو يقول: لنذهب.
عادوا وجلسوا معهم. قالت "نيرا" بتساؤل: لماذا تأخرتم؟
أفيلا لم تكن تريد المجيء.
قال "أحمد" باستغراب: لماذا؟
نظرت له، ثم قالت: من الأفضل أن تلتزم الصمت.
هل فعلت شيئاً؟
اقترب "عمر" منه وهمس إليه: لماذا أخبرت "نيرا" و"أميرة"؟ لقد اعترفوا عليك فوراً يا أحمق!
هم من ضغطوا عليّ، لم يكن بيدي.
قال ذلك وهو يشير عليهم. ضحكت "نيرا" قالت: إنه محق، لقد كان يحاول أن يفر منا، لكن لم يستطع.
قال "أسر" باستغراب: عن ماذا تتحدثون؟
ليرد عليه "أحمد" وهو يقول: ابقَ أنت بعيداً، واللهو مع الفتيات فقط.
ما هذا الظلم؟ إنهم ليسوا من نوعي على أية حال.
ابتسموا عليه. وقف سيف وأخبرهم أنه سيحضر المشروبات، لتستوقفه "أفيلا" وهي تخبره أنها تريد عصيراً. أومأ لها بتفهم، ثم ذهب وتبعه عمر. نظر "هدير" إليه، وقفت وذهبت.
قالت "أميرة" وهي تنظر لها: أشعر بالغضب من جلوسها معنا.
قالت "نيرا": لننسَ أمرها.
كان "عمر" واقفاً مع "سيف". وجد يد تضع على كتفه. نظر، وجدها "هدير". ابتعد عنها. نظرت له، اقتربت منه قالت: كيف حالك؟
بخير.
قال ذلك، ثم ذهب. أمسكته هدير من ملابسه وقربته منها. نظر لها، وجدتها تقرب وجهها منه. أبعدها عنه على الفور، قال بحدة: ماذا تفعلين؟ هل أنتِ شاربة؟
ابتسمت وهي تقول: ما زلت في وعي.
تنهد، ثم ذهب وتركها ولم يعرها اهتماماً. شعرت بالغضب الشديد من إحراجه لها. نظرت إلى "سيف" الذي كان ينظر لها، ولم تفهم نظراته، إلى أن ملامحه تلوح بالضيق. ثم ذهب هو الآخر. فهو يحبها، لكنها لا تعطيه الاهتمام مثل "عمر"، ولا ترى أحد غيره منذ أن عرفها.
كانت واقفة تحترق، وجدت النادل يحمل المشروبات، لتقع عيناها على عصير "أفيلا". اقتربت منه وأوقف. نظر لها. فتحت حقيبتها وأخرجت مالاً أعطته له. نظر لها باستغراب وعدم فهم. ليجدها تخرج شيئاً وتضعه في العصير. نظر لها بشدة، فابتعدت عنه وفسحت له الطريق ليذهب. نظر المال الذي أغراه، دسه في جيبه وذهب.
كانوا جالسين يتحدثون. ليتقدم النادل منهم ويضع لهم مشروباتهم ويذهب. قال "أحمد": اجتمع الشمل يا رفاق.
قالت "نيرا": لطالما تسهرون، أتحاول خداعنا؟
ألن تقصي لسانك ولو قليلاً؟ أقصد جلستنا معاً أيتها الحمقاء.
أومأت "أميرة" إيجاباً وهي تقول: أجل، لكن "أفيلا" لا تسمح لنا.
قالت "نيرا" بمزاح: انقطعت عن الجميع، لكن الآن هي معنا، لا تغضبوها.
أصمتهم "عمر" وهو يقول: كفاكم تذمراً، جاءت رغماً عنها.
ابتسم "أحمد" وهو يقول: يكفي جميعكم عليها، إنها صديقتنا أيضاً.
كانت تصغي لهم بهدوء وتبتسم فقط. فلماذا تشعر بالغرابة وهي معهم؟ أليس هؤلاء رفاقها من أيام الجامعة؟
لكنها أصبحت غريبة.. غريبة عن الجميع، حتى عن نفسها. وقف "أسر" وعرض عليهم أن يرقصون أم يقفوا هناك قليلاً عوضاً عن الجلوس الممل. وافق الجميع، بينما عارضه "أفيلا" وأنها ستكتفي بالجلوس. كان سيجلس معها "عمر" فهو من أحضرها ولا يريد تركها، لكن علم أن "أميرة" ستبقى، فذهبوا.
كانت "أميرة" صامتة تنظر بعيد. نظرت لها "أفيلا" وعلى ما تنظر، إلى أن لاحظت عيناه موجهاً على "أحمد". ابتسمت قالت: هل يعجبك؟
أجل.
أفاقت من قالته. نظرت إليها بتوتر قالت: أقصد لا.
هل أحببتيه؟
صمتت ولم ترد. قالت "أفيلا": ظننت أعلم أنه سوف يجعلك تحبينه.
ما هذا الهراء؟ إنه صديقي.
كانت تهرب من مجرى الحديث.
انظري ماذا يفعل.
نظرت "أميرة" وجدته واقف مع فتاة ويتحدث معها ويبتسم. شعرت بالغضب. حاولت أن تظهر عكس ذلك وإلا تهتم به.
بينما "أفيلا" جالسة، قاطعها شعور بالغثيان ورأسها تدور. لترى وكأنما الدنيا تنقلب في عينيها رأساً على عقب. رأسها. نظرت "أميرة" إليها وهي تغمض عينيها قالت بتساؤل: ماذا بك؟ هل هناك شيء؟
لا..
قالت ذلك وهى تستند لتقف وذهبت. كانت تسير بغير انتظام وتضع يدها عند رأسها.
كان عمر مع أصدقائه. وقعت عينها على أفيلا التى كانت واقفة وأميرة بجانبها. إلى أن ملامح وجهها غريبة. ذهب إليها. كانت سوف تقع لكنه أمسكها.
قال: "أفيلا" أنتى بخير.
لم يجد ردا. كانت صامتة لا تتحرك. من ثم سمع صوت ضحكاتها تعجب ونظر لها بشدة. فرفعت رأسها لتقول من بين ضحكاتها:
أنا بخير.
نظر إليها ومن نبرته لينظر إلى أميرة بإستغراب وعدم فهم. وهى الأخرى مستغربة. ابتعدت أفيلا عنه وهى تدور. ذهبت. كانت سوف تقع. اقترب منها لكنها أسندت وأعادت توازنها. كانت تضحك ضحك هستيري. نظرو لها جميعا. لترسم هدير ابتسامه جانبيه ساخره. اقترب أسر منهم.
قال: هل شربت.
لا علم.
نظر لها ثم ابتسم.
قال: انظر لها. لو رات شكلها الان لانفجرت من الضحك على نفسها.
نظرت له أفيلا وهى تدور.
قالت بضيق: اصمت.
رفع يداه يهدأها وهو يبتسم.
قال: حسنا أنا أسف.
اعتدلت وذهبت. تبعها عمر حتى لا تؤذى نفسها. نظرت له ثم توقفت وهى تبتسم أبتسامه بلهاء تسع ثغرها. أقتربت منه. نظر لها وجدها تقول:
أشكرك يا عمر.
على ماذا تشكرينى.
قال ذلك بتعجب وهو ينظر لها.
قالت: على كل شئ.
أردفت وهى تبتسم: لم أجد صديق مثلك.
ابتسم عليها من كلماتها على أنها ليست فى وعيها. إلى أنها تبدو لطيفه.
قال: على الرحب. أكاد أغر بنفسي.
اقترب أحمد. ابتسم.
قال: انكى لا تتحملى المشروب.
نظر عمر إليه. فهل شربت حقا. ذهبت أفيلا فتبعها. كانت سوف تقع فامسكها على الفور لتتكيأ عليه وهى تضحك بهستريه.
قالت: ماذا بك لما تلحق بى أنا بخير.
نظر حوله وقد بدأ بعض ينظر إليها ومن تصرفاتها.
قال: لنذهب.
نفيت برأسها وتقول بابتسامه:
لا أريد احببت البقاء.
هيا يا "افيلا".
امسكها. أبعدت يدها بضيق طفولى وهى تقول:
قلت لا اريد اشعر بسعاده تغمرنى الآن. دعنى استغل هذا الشعور.
لترفع اصبعها فى وجهه وتقول:
أتدرك أنك صديق مزعج.
هل ابدو لك كذلك.
نظر له قليلا ثم نفيت برأسها. اقتربت منه. نظر لها ولا يعلم ماذا بها.
قالت: انه هو المزعج.
همست له بذلك. تعجب ثم ابتعدت.
قالت: اتعلم ماذا قال لى.
تنهد عمر.
قال: "أفيلا".
لتقاطعه بصوت ضحكاتها التى تحمل كثيرا من المعانى الحزن والانكسار. نظرت له.
قالت: قال أنى لا أكن له الاخلاص وانى مثلما اهتم به أهتم بالجميع .. ماذا يرانى ذلك الاحمق .. يرانى عاهرة هذا ما فهمته من صيغة كلماته يوما معه ويوم مع غيره.
ابتسمت واردفت قائله: ألا يعلم ان زوجى يكون هو ... انه يسئ لنفسه بما قاله .. وأساء لي.
قالت اخر جمله بصوت ضعيف ثم أضافت:
قال كلماته ولم يهتم كيف ستكون ثقيلة علي. مر ايام ولا تزال تتردد باذني وكأنها اليوم .. بما أنه بحث وعرف كل شيء عني فلماذا لم يعرف من يكون هو. اعتقد أن رجاله يحرصون على ألا تكون هناك معلومة تربطه بي. أنهم ليسوا هينا لكن جيد فأنا لا اريد أن يتذكرني على كل حال .. على ما سيتذكرني .. على غدري به.
تضايق من كلامها.
قال ليصمتها: حسنا يكفي.
نظرت له وضحكت وهى تومأ برأسها.
قالت ساخره: يكفي !! ..
سارت. كانت سوف تقع لكن أسندت على عمر الذى كانت متضايق من كلماتها. نظرت هدير إليها وشغلت بالغضب من قربها من عمر. فظنت أنه سيغضب منها حين يراها. عكس بل يبدو قلق عليها.
رفعت أفيلا وجهها. نظرت إليه وابتسمت ابتسامه مريرة.
قالت: لماذا يحدث معي ذلك. لماذا تسلب مني سعادتي عندما أجدها.
خفضت وجهها وهى تضحك. ثم رفعت.
قالت: قتل والداي بسببى ومن ثم حاولت قتل "على" الذى جعلني أشعر بالسعادة والأمان .... قتلته من أجل ذنب لم يرتكبه .. ليتني سألته قبل أن أتسّرع بغبائي وأكون هكذا الآن وأوصلنا إلى هنا.
كان عمر يصغي إليها ولا يفهم ما تقوله عن أي قتل وما علاقة "علي" بوالديها.
قالت: أحببته ونسيت أني بلا حظ.
أردفت قائلا وهى تنظر له:
لماذا يحدث معي ذلك يا "عمر" تمنيت حياة هادئة كباقي البشر. لماذا حياتي مليئة بالدماء والركض والخوف .. خطأ صغير في مراهقتي من وراء حماسي الزائدة في الاختراق جعلني أدخل إلى عالم مخيف جدا.
كان يريد حل لهذه الألغاز التي تقولها. اخترقت ماذا وعن أي عالم تتحدث.
ضحكت ثم اقتربت منه لتهمس بقول:
لكن تعلم شئ. من خلال هذا العالم قابلت "علي".
نظر لها. ابتعد وهى تاومأ برأسها وتبتسم.
قالت: أجل. أنه من الناس الذى ارتعب واكرههم كثيرا لعدواتي معهم. لقد جاء وأحببته .. كنت أخاف منه بعض الشئ بسبب حقيقته ... لكن خوفي كان على لا شيء فلم يؤذيني ولو لمرة واحدة.
صمتت قليلا.
أضافت: حتى عندما قمت بقتله لم يفكر في الدفاع عن نفسه أو إبعادي عنه. ظل صامتا يتألم .. يتألم فقط.
كان يطالعها بصدمة وهو يتذكر هذا اليوم. فحين يتذكر ما فعلته يشعر بالريبة منها. تنهد.
قال: "أفيلا" لنذهب.
امسك يدها ليذهبا. لكنها ابعدته.
قالت: لا أريد المغادرة من هنا.
نظر لها وبدأ يتضايق من حالتها وهى تضحك بغير إدراك تخرج الحزن الذي بداخلها بالضحك. إلى أن الأنظار عليها وتفوهات تقال وهي لا ليست بوعيها. ليجد شخص يمسك يدها ويسحبها بقوة. فأصدمت بجسده.
نظر عمر. وجده كاسبر. لينظر إليه الجميع بصدمة. بينما نيرا وأميرة تصنما في مكانهما واحتلهما الخوف الشديد من رؤيته. فكانوا يذهبون مع أفيلا بعصا من الأوقات إلى قبره في بداية موته.
رفعت أفيلا وجهها وهى تميل على صدرها. لتنظر له وتبتسمت ابتسامه بلهاء.
قالت: زوجي العزيز متى جئت.
امسك يدها. نظرت له.
قالت: ابتعد.
لم يسمع لها. ولم يمهلها أكثر. إلى أن أخذها وذهبا بين أنظار الجميع عليهم.
قالت نيرا بخوف: هل ما رأيناه صحيح.
قالت أميرة: صحيح أنه "علي" زوج "أفيلا"... ألم يمت.
نظر كل منهما لعمر. الذي لم يتفاجأ مثلهم. ويتجاهل نظراتهم.
خرج كاسبر وهو يمسك بها. وتحاول الإفلات من قبضته. فتح رجاله السيارة.
قالت: ابتعد لا أريد الذهاب معك.
أدخلها رغما عنها وتبعها. ثم أقفل رجاله السيارة وذهبوا.
اقتربت أفيلا من الباب. كانت سوف تفتحه. أمسكها وسحبها إليه يمنعها. أبعدته بضيق. فنظر إلى الرجل لياومئ إليه برأسه إيجابا ويقفل الباب.
حاولت فتحه لكن لم تستطيع. نظرت إليه.
قالت: انزلني.
نظر لها ولم يعيرها اهتمام. فكان يتحكم بغضبه كلما يتذكر كيف رآها وهي قريبة من عمر بضحكاتها وتعرقلها في السير.
قالت: أخبرهم أن يوقفوا السيارة أريد النزول.
لماذا تريد العودة واللهو هناك.
ليس لك دخل بذلك .. أوقف السيارة.
لم تجد أي اهتمام لما تقوله ومحاولتها التي ليس سوى إهدار وقتها.
نظر عمر إلى أميرة. فهي من كانت معها قبل أن تتغير هكذا.
قال: ماذا شربت "أفيلا".
قالت بتعجب: العصير.
غير ذلك.
صمتت قليلا تتذكر. ثم نفيت.
قالت: لم تشرب أي شيء غيره.
أظنها صنف من نوع آخر.
قالت هدير ذلك. نظرو لها بإستغراب. لتنظر إلى أظافرها المطلية.
قالت ببرود: شبيه للمخدرات.
طالعوها بصدمة مما قالته. نظرت لهم بتعجل من تطلعهم إليه.
قالت: هل قلت شيئ خاطئ. واضح جدا أنها ذلك تأثير نوع كذلك. علمت الآن لماذا لا تشرب معنا. كانت نروق لنوع آخر أعلى تركيزا.
اصمتي.
قال عمر ذلك بغضب. نظرت له.
قال أحمد: أفيلا ليست من هذا النوع.
قالت أميرة بقرف وهى تنظر لها:
ليس الجميع مثلك.
ماذا تقصدين.
امسك سيف يدها.
قال: تعالي معي.
نظرت له. ثم نظرت لأميرة بضيق. فأخذها وذهبا. وكان عمر ينظر إلى صديقه بإستغراب.
اخذها إلى الخارج ووقفوا بعيدا. أفلتت يدها.
قالت بضيق: ماذا بك لما أخذتني. كان علي أن ألقنها درسا.
بوضع مخدر لها.
نظرت له بشدة. ليردف:
ما هذا الذي فعلتيه.
ماذا فعلت.
لا تدعي الجهل. لقد رأيتك وأنتي توقفي النادل قبل أن يأتي لنا.
صدمت. فهل رآها حقا أم يريد الإيقاع بها. ابتسمت.
قالت: ما الذي تهذي به. هل ثملت.
مازلت بوعي جيدا.
ليكمل بحده: ما المخدر الذي وضعتيه لها وجعلتيها تتصرف هكذا.
صمتت ولم ترد عليها. ليهتف بها غاضبا:
كيف تفعلين هذا يا "هدير" لمجرد كرهك لها.
ماذا في ذلك.
فيها سجن.
نظرت له بشدة. فإضاف: أتعلمين حجم ما فعلتيه وما سوف يوقعك به ويترتب عليه.
شعرت بالخوف والقلق. نظرت إليه.
قالت: لن تخبر أحد أليس كذلك.
لا أستطيع.
قال هذا ببرود.
فقالت: "سيف" أرجوك.
كنتي فكري بنفسك وفيها وفي المصيبة الذي تفعلينها وتقحمين نفسك بها.
فور انتهاء كلامته ذهب وهو متضايق منها. لكنها أوقفته حين عانقته. تفاجأ كثيرا وتوقف. نظر لها.
قالت هدير: أرجوك لا تخبر أحد. حسنا سأعترف لك أنني أخطأت. لن أفعل ذلك مجددا.
ابعدها عنه. لكنها ضمته اكثر. ثم سمع صوت بكائها وهي تحتضنه وتقول:
"سيف" لا تبتعد.
حين قالت تلك الجملة شعر وكأنما غضبه يزول بمنطقه لاسمه وطلبها له. فكان يحبها لسنين. وهذه المرة الأولى التي تضمه وتقول له ذلك وتترجاه. فعانقها بحب. كانت هدير تعلم أنه يحبها وسوف يضعف أمامها ورجائها ولن يخبر أحد كي لا تتأذى.
فتح المصعد. خرجت أفيلا وهى تسير بغير انتظام. تبعها كاسبر. فلم يستطع تركها هكذا وهي تتعرقل في السير.
اخرجت المفتاح. أقتربت من الباب. لكن لم تستطيع فتحه. كانت لا تدخله في المثقب. تنهد بضيق. ثم أخذ المفتاح منها وقام بفتحه. دخلت تعثرت. لكنه أقترب منها وأمسك يدها. نظرت أفيلا وابتسمت ببلاها. ثم ابعدت يدها عنه.
قال بغضب وهو ينظر لها:
لماذا شربتي.
ماذا. هل أنا أهمك!
رواية احببت مافيا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نور
لم يرد عليها، فهو لا يعلم هل يخبرها أنه تهمه حقًا، وغضبه من رؤيتها اليوم قريبة من "عمر" ضايقه، ورؤيتها ثملة هكذا يثير غضبه.
"لا تقلق، لم أشاركهم في الشرب. أنت تعرف أني لا أكره ذلك المنكر."
"كيف ذلك؟"
قربها منه، نظرت "أفيلا" إليه متعجبة، فهو لم يجد منها أي رائحة خمر، كيف وما هي عليه الآن؟ وجدها تبعده عنها وتقول:
"اذهب."
قال ذلك وهي تذهب، كان ستقع لكنه أسندها، ابتعدت عنه ثم قالت بغضب:
"قلت اذهب."
استدارت ونظرت له وتكمل:
"اذهب بعيدًا، عد إلى ألمانيا من حيث ما جئت."
نظر إليها، اقتربت منه، نظرت في عينه مباشرة، قالت:
"عندما أراك أشعر بالاختناق. رؤية وجهك تذكرني بجرائمي وما فعلته بك. أتذكر خطئي الذي أسعى هاربة منه. أهرب من غبائي الذي دمرني."
أردفت بصوت ضعيف:
"أنا أتألم كثيرًا."
كان ينظر لها بصمت، فهل تتضايق من رؤيته حقًا؟ وما الجريمة التي تقول عنها أنها تلهث بكلامها غير المفهوم؟ تنهد ثم قال:
"لتستريحي."
ابتسمت ابتسامة مريرة وهي تقول:
"هل يعرف شخص مثلي الراحة؟"
لتنظر له وتضيف:
"بحثت عنها كثيرًا، لم أجدها. إنني لا أجدها إلا وأنا معك."
نظر لها بشدة، ثم نظرت حوله وقالت:
"تريدني أن أستريح هنا؟ إنني لم أنم ليلة واحدة كبقية البشر. أشعر بالخوف الشديد عندما أكون هنا بمفردي وأجعل المكان كظلمة حالكة، على الرغم أني أخاف الظلام كثيرًا، كيف أستريح؟"
"أنتي بخير؟"
قال ذلك بتساؤل وهو ينظر لها، ابتسمت بحزن، خفضت وجهها وهي تنفي بالدموع التي بدأت في التعانق، ثم رفعت بأنظارها وتقول:
"لست بخير... هذا يؤلم كثيرًا."
وجدها تشير على قلبها لتصيح بصوت يجهش بالبكاء:
"أريده أن يوقف هذا الألم للأبد. لا أريد أن أشعر بنبضه. أريد أن ينهي الأمر ويتوقف... يتوقف فقط."
سالت الدموع من عينها وقالت:
"أخبرني متى ينتهي هذا العذاب يا 'علي'؟"
اتسعت عينه بالصدمة من ذاك الاسم الذي نطقته "أفيلا"، فلا أحد يعرف ذاك الاسم غيره، فقط أنها هويته، من أين لها أن تعرفه؟
"عيدي ما قلتي."
سمع صوت بكائها قاطع أفكارها، ليجدها تقول:
"متى سينتهي الألم الذي يرافقني كظلي؟ متى سوف تعود إلي وتسامحني؟ متى سوف أعود لنفسي الذي غابت معك؟ أخبرني أرجوك، لم أعد أستطيع التحمل أكثر من هذا."
نظرت له واردفت قائلة:
"تريدني أن أتعذب إلى متى؟ ليس لدي أي مانع. سنة؟ سنتين؟ ثلاث سنوات؟ أم عشرة؟ سوف أقبل أي عقاب منك، لكن على أمل أن تعود إلي بعد هذا العذاب."
كان يشعر بالحزن حيالها، لا يعلم أن كان حزن أم شفقة، أنه لا يدري ما بها، ليجدها تنظر له وتقول برجاء:
"لا تتركني هكذا دون أن أعلم نهايتنا ستكون كيف وإلى أين سنصل."
ابتسمت بسخرية وندم:
"أنا من أوصلتنا إلى هنا من ورا غبائي، دون أن أستمع إليك. لم أعطيك فرصة لتخبرني بالحقيقة وتبرئ نفسك من اتهام باطل."
كان لا يزال لا يفهم شيئًا، إلى أن صوت بكائها يضايقه. قرب يده من وجهها ومسح دموعها برفق وحنان. نظرت له وهي تتابعه:
"لا أريد رؤيتك تبكين مجددًا."
شعر بالحزن، وهي ستشعر بلمسه، أخفضت عيناها بأسف:
"أعتذر، أقسم لك أني أحبك ونادمة على ما فعلته، سامحني أرجوك."
"يكفي."
"هل ممكن أن يأتي يوم ونعود كما كنا؟ أرجوك قلها. أخبرني أننا لن نفترق ثانيًا."
لم يعلم هل تتحدث معه هو أم تتخيل أحد آخر. تنهد ثم قال:
"أجل. هل توقفت عن البكاء؟"
أومأت بالطاعة وهي تحاول التوقف، بينما دموعها لا تزال تسيل، ليمسحهم وكأنما يمحى معها أحزانها. نظر إليها بتمعن، ملامحها ووجهها وشفتاها المحمرتان، شعر بأن هناك من يجذبه إليها. اقترب منها، لكنه آفاق بضيق وابتعد عنها.
نظرت له "أفيلا"، ومن ابتعاده قربت يدها من قميصه. نظر لها ليجدها تقوم بفك أزراره. امسك يدها يمنعها:
"أفيلا، أنتِ لستِ في وعيك."
قال هذا بضيق ليفيقها، فاقتربت منه وكأنما لم تسمع تحذيره لها، لتمسك بيده التي يمسكها وتضعها على خصرها، ثم رفعت ذراعيها ولفتهم حول رقبته. كان ينظر لها، فهو يحاول أن يبتعد عنها وألا يضعف أمامها ويتحكم بنفسه، لكنه يشعر بأنه مقيد بالفعل ويزداد الشعور باجتياح جسده. نظر لها ثم اقترب منها، لتعود للوراء.
دخلا إلى غرفته، جلست على السرير لتستلقي. اقترب "كاسبر" منها وهي مازلت تضع ذراعيها حوله. اقترب منها، نظرت له وهو يقرب، قرب وجهه وباتت تشعر بأنفاسه التي تصادم بشرتها. أغلقت عيناها باستسلام، ليفيق في آخر لحظة. نظر لها وإلى تقربهم الشديد. اللعنة، منذ متى وهو ضعيف هكذا؟ بل ضعف أمام امرأة.
ابتعد عنها، نظر لها، قد غطت في نوم. امسك الغطاء ورفعه عليها، جلس على كرسي بجانبها، أمسك رأسه بضيق من نفسه:
"ما هذا الذي كنت سوف أفعله؟ كيف أضعف هكذا؟ إنها لا تردي بما تفعله، أما أنا، فواعي جيدًا."
نظر لها وهي نائمة وتذكر حالتها، تساءل إن لم تشرب وصادقة حق، فما هذا إذا؟ هل يمكن أن تكون...
تذكرها في ذاك اليوم وهي تأخذ أدوية، وعندما سألها أخبرته أنها فيتامينات:
"هل أنتِ من ذاك النوع؟"
في اليوم التالي، فتحت "أفيلا" عيناها بتعب وتثاقل. نظرت حولها، كانت في غرفتها، لتقع عيناها على "كاسبر" الذي كان جالسًا على كرسي في الغرفة ويجمع يديه وكأنما باله في شيء ما. تفاجأت من وجوده. أعتدلت في جلستها، شعرت بألم في رأسها وجسدها. نظر إليها وقد انتبه أنها استيقظت:
"أنت؟ ماذا تفعل هنا؟"
قالت ذلك بصوت ضعيف دون أن تنظر إليه. فرد عليها ببرود:
"ألا تتذكرين كيف أحضرتك؟"
صمتت من نبرته، إلى أنها لم تفهم ما يرمق له. عادت بذاكرتها ليلة أمس، فكان كل شيء جيدًا ولا يوجد أي خطأ، ما. لكن تتذكر عندما شعرت بدوار في رأسها وغثيان وتنمل بجسدها، للتوقف عند هذا الحد ولم تستطع التذكر ماذا حدث بعده.
نفيت برأسها وهي تقول بخيبة:
"لا أتذكر."
نظرت له واردفت قائلة:
"لماذا؟ لم تحبني عن سؤال بعد؟"
"ماذا شربتي البارحة؟"
قال ذاك دون أن يعير كلامها اهتمامًا. استغربت:
"عصير."
نظر لها وقال بجمود:
"غيره."
لم تفهم نظرته، لكن شعرت بأن ثمة أمر ما، فقالت وهي تتذكر:
"فقط لم أشرب غيره. لماذا؟ ما الأمر؟"
"هل تأخذين شيئًا معين؟"
"آخذ شيئًا مثل ماذا؟"
صمتت قليلاً ثم قال:
"مخدرات مثلًا."
أطلق تلق الكلمة لتصب في قلبها وتنصدم من ما يقوله عنها، هل وصل به الحد لأن يقول هذا لها؟ هل جاء لمنزلها ليكمل إهانته لها؟ أغرقت عيناها بالدموع وضاقت ملامحها تكبح حزنها.
أبعدت الغطاء، أنزلت قدماها من على السرير، وقفت، لكن شعرت بدوار وألم، امسكت رأسها وكانت سوف تقع، لكنه قد تقدم وأمسكها. فعلى ما يبدو أن جسدها ضعيف، حتى أنها استندت عليه حتى انتظمت، لتنظر له وهو يمسكها، فابعدته عنها لتهتف بوجهه غاضبة:
"ابتعد عني، لا تدعي الخوف علي. سأكون بخير لو ظللت بعيدًا."
وقفت أمامه لتقول بحنق:
"كيف تقول هذا؟ ماذا تظن نفسك؟"
"أقول ما رأيته."
رد عليها بذلك الهدوء، ثم أضاف:
"أنك لم ترِ كيف كنتِ ليلة أمس، لذلك تتحدثي."
تعجب وزال غضبها لتقول بتساؤل:
"لماذا؟ كيف كنت؟ ماذا حدث؟ أخبرني ما سبب الكلام الذي تهذي به؟"
لم يرد عليها. نظرت له وهي لم تعد تفهم شيئًا، شعرت أنها لن تحصل على إجابة منها. لكنها الإجابة...
جلست على السرير، امسكت رأسها الذي كان ثقيلًا ويؤلمها كثيرًا. جلست تحاول أن تتذكر، أغمضت عيناها وتذكرت عندما كانت جالسة مع أميرة، ثم شعرت، وعندما وقفت، ثم ظهر في مخيلتها وهي تضحك بهستيريا مع عمر وقريبة منه وتتحدث معه عن "كاسبر" وتتفوه بأشياء تكبحها بداخلها. أشياء لا يجدر قولها. كان شكلها غريب وأحمق وساذج جدًا، بل كان حقيرًا، ذلك النوع الرخيص بتصرفاته التافهة. ثم أخذها "كاسبر"، وعلى ملامحه الغضب. اللعنة، هل رآها بتلك الحالة البذيئة التي تثير الاشمئزاز؟ كيف هي بنظره الآن؟ هل نزلت أكثر من ما يراها؟
فتحت عيناها وهي مصدومة من ما كانت تفعله وكيف تحولت وأصبحت هكذا. نظرت إليه، فلقد كان محقًا تلك المرة، لكن لم يجدر به قول ذلك بوجهها، كان على أن يبرئها بذهنه، على أن يتهمها بالباطل، أنها لا تعلم ماذا حدث، لكن تعلم أنها ليس لها يد بذلك.
وقفت دون أن تنطق بكلمة لتسير متوجهة إلى الحمام، تاركة الباب. من ثم توقفت أمام مرآة لتنظر إلى نفسها. لكنها لم تجدها، لكن وجدت امرأة، الهالات السوداء تحت عينيها قد ازدادت عن ما كانت، وجهها شاحب، ملامحها ذابلة. باتت قبيحة، أنها تشبه المدمنين.
"هذه ليست أنا."
قالت ذلك تخاطب نفسها، لتضيف بصوت ضعيف:
"مستحيل أن تكون أنا. ماذا حدث لي؟"
بدأ صوتها يتحجرش وتجمعت الدموع في عينها، فلقد قلت من نظر نفسها كثيرًا. لأول مرة تشعر بالضياع كلّي.
امسكت زجاجة الغسول خاصتها ودفعتها بقوة إلى المرآة لتنكسر وتتناثر على الفور. سالت الدموع من عينها بحزن.
سمع "كاسبر" الصوت وهو واقف بالخارج، فأسرع إليها. دخل، رأى المرآة مكسورة ومبعثرة وبعضها على الأرض، و"أفيلا" واقفة بينهم وتردد بقول:
"هذه لست أنا."
أقترب ليمسك يدها ويبعدها عن الزجاج، هي لا تتأذى، وقال:
"ما هذا الذي فعلتيه؟"
كانت صامتة، لم ترد عليه. نظر لها، رفعت وجهها وهتفت ببكاء:
"أنا لست هكذا. أنا لا آخذ تلك الأشياء."
"حسنًا، اهدئي."
هتفت به غاضبة:
"لست مجنونة، لما تهدئني؟"
تعجب من انفعالها، لتنظر له واردفت بصوت ضعيف:
"ألا تصدقني؟ ماذا تراني؟ أخبرني، هل تظنني حقًا آخذ هذه الأشياء وأوصلها لجسدي؟ هل أنا منحلة بنظرك لهذا الحد؟ هل تراني بهذا الشكل حقًا؟"
كانت ترجوه بنبرتها، فما زال لديها أمل أن يخيبها، لا تزال تعلم أنه من يعرفها جيدًا، لا تزال تريد أن يطمئنها كعادته. كان ينظر لها بصمت، ثم ضمها إليه. تفاجأت كثيرًا، لتشعر بيده تمسد على شعرها برفق. سالت دموع من عيناها لأنه لم يخيب أملها، لتبادله العناق بقوة وتبكي بحرقة:
"صدقني، لا أعلم ماذا حدث لي البارحة. وعن التصرفات الذي صدرت مني وعن حالتي تلك... لا أعلم شيئًا."
"أصدقك."
قال ذلك بتلك اللهجة الحانية التي تعشقها أذنها. كانت كافية كلمته أن تطفئ حزنها ولو قليلًا.
"أعتذر. لا أقصد أن أجرحك بكلماتي."
لم تعلم هل يقصد ما قاله منذ قليل أم أن كان في المشفى ذلك اليوم، لا تريد تذكره وتسعى جاهدة أن تنساه، إلى أن نبرته في اعتذاره كانت صادقة، لتضمه وهي تقول:
"لست حزينة منك. لا تتركني فقط، ابقَ معي، لعلني أجد نفسي الذي أضعتها بغيابك. لقد كذبت عليك... أنا أكون بخير بقربك، فلا تبتعد أرجوك."
كان لا يفهم شيئًا، فهي في وعيها الآن، هل تقول ذلك له؟ لم يهتم، قال:
"أنا معك."
ابتعد عنها ليمسك وجهها برفق ويرفعه قليلًا لينظر لها، وحزن مسح دموعها وهو يقول:
"ألم أخبرك أني لا أريد رؤيتك تبكين؟"
تفاجأت كثيرًا من قوله، نظرت له بتوتر، فهل تذكر؟ قالت:
"متى قلت هذا؟"
قال بتعجب:
"أمس."
صمتت ونفت برأسها وهي تقول:
"لا أتذكر."
"حسنًا، جيد."
قال ذلك بابتسامة لم تفهمها. قالت:
"ماذا؟ هل حدث شيء؟"
"لا."
نظرت له باستغراب شديد. اقترب منها، قال:
"ألستِ جائعة؟"
"بلا..."
ماذا هل سنعد طعامًا مرة أخرى؟
قالت ذلك بلهفة ونبرة استغرب منها "كاسبر"، هل تلك التي كانت تبكي منذ قليل؟
"اغسلي وجهك أولًا."
أومأت برأسها إيجابًا ورسمت ابتسامة ليبادلها، ثم ذهب وتركها وهي في بهجتها. خرجت، فتحت خزانتها، أخذت ملابس لتبدل هذه الملابس التي عليها من البارحة ولا تطيقها. بعد أن انتهيا، ذهبت إليه وأعدا طعامًا وكأنما ثنائي. كانت تشعر بهالة الحزن من عليها تزاح. كيف يتمكن من أن يجعلها سعيدة وحزينة وقتما شاء؟ كيف يستطيع التحكم في مشاعرها، أم أنها الخاضعة له؟
"كيف تكون سريعًا هكذا؟"
قالت ذلك باهتمام ودهشة. فنظر إلى يديه ليعود له مشهد في مراهقته وهو يلهث متصبب عرقًا، وكانت يداه مجروحتين أثر تدريبه على سرعة حركته بمسك أسلحة.
"لا أعلم."
نظرت "أفيلا" إليه وإلى ملامحه التي أحبتها. قالت وهي تنظر له بتعمق:
"تبدو مختلفًا."
تعجب "كاسبر" ولم يفهم ما قالته، لتردف:
"عندما تكون رجل مافيا تصبح مخيفًا."
توقف عما كان يفعله وتبدلت ملامحه لبرود. نظر لها. تعجبت، وشعرت بالحرج. قالت:
"أعتذر."
نظر أمامه ثم قال ببرود:
"لا بأس."
ذهب. فشعرت بالضيق من نفسها. كان من الجيد لو صمتت على أن تقول هذا وتضايقه. وضعت الأطباق على المائدة. ذهبت لكي تراه، لكن اصطدمت بجسده. ابتعدت بخجل واعتذرت له، ثم جلسا يأكلون. وفور تذوقها للطعام، ابتسمت على الفور بغير قصد من مذاقه الجميل ومن سعادتها بأنه هو من أعده. تشعر بأنه قد عاد إليها.
نظر لها "كاسبر". كانت تصدر همهمات اللذة وسعيدة. ابتسم عليها. قاطع جلستهم صوت رنين هاتف "أفيلا". نظرت إليه لترى المتصل، وجدته "عمر". رفعت أنظارها إلى "كاسبر" التي نظر لها وأنها تأخرت في الرد، وينهشه فضوله. تنهدت، ثم أمسكته وردت عليه.
"مرحبًا يا عمر."
تضايق من سماع ذلك الاسم، فهو يرى كم هو قريب من "أفيلا" كثيرًا، خصوصًا من ذلك اليوم الذي لا ينساه، ذلك حين رفع رجاله أسلحتهم في وجهه ولم يشاء أن يتركها بسبب خوفها الذي كان هو السبب فيه.
"كيف حالك؟"
قال "عمر" ذلك. فعلمت أنه يطمئن عليها بسبب ما حدث بالأمس. قالت:
"بخير."
"ستأتين إلى المشفى اليوم؟"
"لا أظن ذلك."
"حسنًا، سوف أخبر طبيب ياسر بذلك."
"أشكرك."
أنهت المكالمة على ذلك، ثم أقفلت الهاتف وأعادته.
"هل هناك شيء بينكم؟"
قال "كاسبر" ذلك لتندهش وتنظره بشدة. فقال بتوضيح:
"أقصد هل تكنين له المشاعر؟"
"مشاعر!! إنه ليس سوى صديق بالنسبة لي."
سعد بما سمعه منها وهي تبرر له. إذا كان "مازن" مخطئًا بشأنهما ولم يكن يجب أن يتفوه بذلك الهراء حين كان في المشفى.
"من يكون علي؟"
اتسعت عيناها وتبدلت ملامحها لفرط الصدمة. نظرت إلى "كاسبر" التي كان ينظر لها. ارتبكت من نظرته وتوثرت كثيرًا. لماذا يسألها عن اسمه؟ هل يعقل أنه علم؟
"من؟"
"إنه اسم زوجي."
لتضيق ملامحها، تلعن غباءها. فهي تجعله يتيقن الأمر أكثر. أم أنها في ورطة؟ ورطة كبيرة لا تستطيع أن تفر منها؟ إنه بالكاد يشعر بالريبة تجاهها.
"هل كان ذلك اسمه؟"
أومأت برأسها بعدم، وقالت بتلقائية وهي تظهر ثباتها:
"أجل."
"يالها من صدفة."
قال "كاسبر" ذلك بدهشة، ثم نظر لها وأردف قائلًا:
"هل اطلعك على سر؟"
تعجب من نبرته، إلى أنها شعرت بالخوف من نظرته. ليقول:
"اسمي علي أيضًا."
رواية احببت مافيا الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نور
- هل كان ذلك اسمه؟
اومأت إيجاباً بتوتر.
فقال: هل اطلعك على السر؟
نظرت له حين قال ذلك بتلك النظرة.
لتجده ينظر لها ويقول: أسمي علي أيضاً.
ازدرت ريقها بصعوبة من خوفها وتوترها.
بينما ينظر إلى تعبيراتها المتوترة وحبيبات العرق التي بدأت في التسرب.
"لماذا أشعر أن وراءك أمر كبير يا أفيلا؟"
كان يخاطب نفسه.
وقفت وأخبرته أنها قد شبعت، ثم ذهبت تهرب من نظراته لها.
غسلت يدها وخرجت لتجده ينظر لها.
قالت: سوف أعد القهوة.
وذهبت على الفور دون أن تنتظر منه أي رد.
لا تعلم أن هكذا تزيد الشك بها.
دخلت المطبخ، أخذت أنفاسها، وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بسرعة.
التفتت وانفزعت حين وجدته في وجهها.
ارتبكت من وجوده.
قالت: هل تريد شيئاً من هنا؟
اقترب منها.
نظرت له وعادت للخلف بتوتر حتى التصقت بالحائط.
ليضع يده بجانبها.
نظر لها وإلى وجهها الذي يحومه التوتر وتسعى جاهدة أن تظهر عكس ذلك.
لكن دقات قلبها المرتفعة كان يسمعها وعيناها تظهر خوفها.
لا يعلم إن كانت خائفة منه أم من آخر.
"هل تخبئين شيئاً؟"
"لا يوجد شيء حتى أخبئه."
ردت عليه بهدوء.
اقترب ونظر في عينيها مباشرة وقال:
"أتمنى ذلك."
ابتعد عنها وذهب.
نظرت له وهو يذهب، وخشيت أن يكون قد علم شيئاً.
تنهدت بضيق.
فهي إن تهربت اليوم منه، كيف ستتهرب منه غداً؟
لا شك أنه سيعلم الحقيقة الآن أم بعد.. لأنها الحقيقة التي عليها ألا تنساها.
شعرت بالحزن لتسيل دمعة من عينيها.
مسحتها بكف يدها وأخذت نفساً ثم ذهبت.
أحضرت القهوة.
كانت تلقي أنظارها بحثاً عنه حتى وجدته واقفاً في الشرفة الداخلية.
ابتسمت ثم تقدمت.
دخلت.
اقتربت منه ليشعر بوجودها.
مدت يدها بالفنجان وهي تقول:
"تقف مع أصدقائي."
نظر لها بعدم فهم.
فابتسمت، أشارت على النباتات والزهر الذي كان في الشرفة.
"هؤلاء هم أصدقائي."
صمتت قليلاً ثم أردفت وهي تقول:
"كانوا خير أصدقاء لي. حين انقطعت عن الجميع وانعزلت عن الحياة، كدت أصل لحالة الجنون. لم يكن بجانبي غيرهم. لقد سمعوا ما لا يسمعه أحد مني. كنت أجدهم في كل وقت ينتظرونني لأسرد عليهم قصصي المؤلمة."
كان كاسبر يصغي إليها وشعر بالأسى حيالها.
وجدت تبتسم ابتسامة مريرة وتقول:
"تحملوني كثيراً. كنت أدعو الله أن يمد لهم العون مني."
"لماذا؟"
قال ذلك بتساؤل.
نظرت له بعدم فهم فأكمل:
"لماذا انقطعتِ عن الجميع؟"
نظرت أمامها ولم ترد عليه.
فكيف يسأل المرء سؤالاً وهو إجابته؟
كيف تقول له أنها أرادت البقاء لنفسها حتى تهلكها؟
أم بسبب حزنها عليه ما فعلته به؟
فكأنها تشبه الموتى بدونه.
قرب يده من يدها لمسها.
تفاجأت، نظرت له.
كان يرسم ابتسامة هادئة أبعثت لقلبها الطمأنينة.
فه ها هي ذا لم تعد بمفردها، إنه بجانبها من جديد.
"لما القهوة؟"
"إنها مشروبي المفضل. تفعمني ببعض الطاقة."
قالت آخر جملة بمزاح.
ابتسم ثم قال:
"أتعلمين، لا أحب القهوة مثلك، لكن سأجر..."
صمت ولم يكمل ما كان مقدم على قوله.
ليقتحم مشهداً ذاكرته يحجب عيناه عن الواقع.
ليرى هالة ضبابية غير موضحة لذات المرأة واقفة مع رجل يعطيها قهوة.
"أتعلمين لا أحب القهوة مثلك.. لكن سأجرب."
أقفل عينيه بضيق وأبعد يده عن أفيلا الذي كانت تنظر.
عاد للخلف يحاول أن يتذكر أي شيء آخر أو شكل هذه المرأة الذي يراها كثيراً.
"أأنت بخير؟"
قالت ذلك بتساؤل وهي تطالعه وتجد عروقه قد برزت من الجهد الذي يفتعله في اعتصار ذاكرته.
فأتى مشهداً وهما يقفان.
"ألا تبتعد؟"
"لن أبتعد، إذاً سأكون معك دوماً."
ليطبع قبلة على وجنتها ويذهب.
ليأتيه مشهد آخر وهما معاً يتعانقان.
ومشهد آخر كانت تمسك بمسدس وتشير عليه.
ومشهد آخر كانا جالسين عند شاطئ ويلبسها جاكته وقريبين من بعضهما.
أصوات كثيرة بدأت تعج برأسه حواراتهم ولا تزال المشاهد تمر أمامه كشريط فيلم يعرض له.
يسمع أصواتهم وصوت المرأة ليس غريباً عليه.
حاول أن يوضح الرؤية قدر استطاعته يزيل هذا الضباب وتتحسن الصورة.
وبالفعل بدأت له بالاتضاح شيئاً فشيئاً.
ليقاطعه صوت صفير أول برأسه.
شعر بألم شديد ليقع الفنجان من يده وينكسر.
فزعت أفيلا.
عاد للخلف صرخ وامسك رأسه بقوة يحاول كتم ذلك الصفير.
يوقف ذلك الألم الذي يفتك به ولا يقدر على تحمله وكأن خلاياه على وشك الانفجار.
اقتربت أفيلا منه بخوف شديد.
"ماذا بك؟"
قالت ذلك وهي تنظر له لعضلاته التي برزت.
قربت يداه من وجهه الذي كان يتشكل من عروقه ظاهرة.
قالت:
"توقف. افتح عيناك."
كانت خائفة عليك كثيراً لكنه لم يكن يسمع لها.
كان يصارع الألم بكل قوته إلى أنه أقوى منه.
ضمته إليها وهي تهمس بقول:
"لماذا تحاول إعادتها بغير رضاك؟ لماذا تضغط على نفسك؟"
ربتت عليه بحزن من حالته وتحاول منع بكائها من رؤيته يتألم هكذا إلى أن دموعها تتسابق على السيل.
"اهدأ، أرجوك."
شعر بها تلك المرة وقد سمع رجاءها.
لف ذراعيه حول خصرها وقربها منه.
تشعر بألم شديد واختنقت أثر زجاجة قد دهست قدماها.
حاولت أن تبتعد لتخرجها من قدمها لكنه احتضنها أكثر فلم تكن تستطيع التحرك.
وإنما تشعر وكأنه على وشك كسر عظام ظهرها.
على الرغم من ألمها إلى أنها لا تبالي غير بمعاناته.
ربتت عليه ليهدأ ولم تبتعد عنه.
ظلت تحاول تهدئته تدعي أن يكون بخير.
بينما الألم عنده في ازدياد بخلاياه التي تجعله يتيقن بأنه سوف يفقد عقله.
لا أدنى شك بما سيحدث.
لكن الألم بدأ يهدأ وصوت الصفير المرتفع يقل تدريجياً.
فتح عينيه بضعف وكانت محمرتين من الصراع الذي كان يصارعه مع نفسه.
وجده يحتضن أفيلا مشتد بذراعيه كثيراً.
فخفف عليها لكن لم يكن يريد الابتعاد عنها.
كان يشعر بشعور كالأطمئنان بهذا العناق وقربها منه.
شعرت بأنه قد هدأ من ارتخاء ذراعيه وجسده.
ابتعد عنها.
نظرت له وإلى وجهه الذي كانت ملامحه مرهقة وشعيراته عند جبهته المتصببة.
عرفت أزاحتهم بيدها.
نظر لها.
قالت:
"أصبحت بخير."
أومأ برأسه إيجاباً.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لكن داخلها مهمومة بأحزانها.
فلم تنسَ كيف كان يبدو منذ قليل.
أجلسته على الأريكة لينظر إليها واهتمامها به.
فلم ينسَ كيف وجدها تضمه وتسعى لأن يهدأ.
"سأعود بعد قليل."
قالت ذاك وهي تذهب.
كانت تحاول أن تسير بانتظام أمامه حتى دخلت غرفتها.
تنهدت أسندت على الجدار ورفعت قدميها اليسرى من على الأرض تتجنب أن تضغط عليها.
ذهبت وهي تستند حتى جلست على السرير.
وضعت قدمها اليسرى على اليمنى.
وجدت قطعة زجاجة عالقة بها.
كان كاسبر جالس ثم لفت انتباهه دماء مكانه هو وأفيلا ناحية الزجاج.
فتذكر حين وقع الفنجان من يده.
نظر إلى الأرض لتقع عيناه على آثار دماء.
كان يعلم أن هذه الدماء ليست منه.
نظر إلى الغرفة ذهب إليها.
وقف عندها طرق الباب وهو يقول:
"أفيلا."
سمعت ندائه لها ليردف بقول:
"هل يمكنني الدخول؟"
"انتظر لحظة."
قالت ذلك تمنعه.
فلم يعلم هل يدخل أم لا.
لكن لم يجد غير يده تسبقه بإمساك مقبض الباب تفتحه.
ليجدها جالسة على السرير ودماء على يدها وقدمها.
نظرت له من دخوله.
أقترب سريعاً لينظر إلى جرحها.
قرب يده من قدمها ثم نظر لها.
"ستؤلمك قليلاً."
نظرت له ليقوم بسحب الزجاجة من قدمها على الفور.
جزت على شفتيها بتألم وامسكت ذراعه بشدة.
سألها أين صندوق الإسعافات.
أشارت له فأحضره وقام بمسح الدماء وضع عليها مطهر ثم لف حولها القماش الطبي.
وكأنها تنظر له تتابعه وهي منغرسه في ذاكرتها عندما جرحت يده وأخذته وقامت بإخراج الزجاج وفعلت كما يفعل الآن.
انتهى وضع الصندوق جانباً ليجدها تتطلع إليه.
أغلقت وأبعدت أنظارها عنه.
"كيف علقت في قدمك هكذا؟ ألم تريها؟"
لم ترد عليه.
استغرب ليقول بإستدراك:
"هل كان أنا؟"
نظرت له وصمتت.
أردف بأسف:
"اعتذر.. هل تؤلمك؟"
ابتسمت من قلقه عليها قالت:
"لا."
نظر لها وإلى ابتسامتها ليتدفق بها ويشعر بذات الشعور الذي يشعر به مؤخراً.
شعور بالضعف يجتاحه.
اقترب منها.
نظرت له وهو يقترب أكثر توترت لتسير الدماء بشرايينها تتصاعد لمعالم وجهها إلى أنها ساكنة.
نظر إليها وإلى حمرة وجنتها بتوترها ليلعن نفسه من ما أصبح عليه وما تفعله تلك المرأة به.
ابتعد عنها.
نظرت له.
"إذا احتجتِ شيئاً أخبريني."
قال ذلك وهو يقف ليذهب.
أوقفته وهي تقول:
"هل ستغادر؟"
أومأ برأسه ثم ذهب ويتركها وهو في حيرة من أمره.
فماذا يحدث له بالتحديد لم يفهم مشاعره مؤخراً.
هل بات له مشاعر؟ هل تحررت من قيده؟
"هل يعقل أني أحبك يا أفيلا؟ لا أجد جواب غير هذا."
في مساء اليوم في منزل وجيد كانوا يتطلعون إلى التلفاز بصمت.
بينما وجيد لا يتحدث مع أحد.
اقتربت بيري من والدتها قالت بهمس:
"أمي، ألن نرى أفيلا؟"
"كانت لا تبدو على ما يرام قبل رحيلنا. أشعر أنها ليست بخير."
قال وليد ذلك.
نظرت لهم بهيرة لتتنهد وهي تقول:
"لا أعلم، أريد الذهاب لها أيضاً لكن والدكم..."
نظر وليد إليه وقال:
"أبي، ألا يجب أن نرى على أفيلا؟ أنك حتى لم تعد تتصل بعمر لتسأله عنها."
لم يرد عليه ليجدوه يقف ويذهب.
نظروا له ولم يتحدثوا ثانية.
كان وجيد غاضب بخيبته من أفيلا كثيراً ولا يصدق حتى الآن أنها حاولت قتل شخص بل زوجها.
لا يريد أن يقول كونها قاتلة لكن ما فعلته ماذا يسمى.
يشعر أن هناك سبب لا يعلمه.
فهي ابنته مثل بيري ومتاكد أنها لن تفعل شيئاً كهذا غير لسبب يستحق ذلك بشدة.
فلما نفيت وقالت إنه لم يذهب بشيء.
أتُعني أنها هي المذنبة؟
لكنها لا تقتل نفساً وأيضاً الذي تحبه.
فقد كان يراها تهتم لأمره وحبهم لبعضهم.
ماذا حدث لتفعل ذلك؟
في المشفى كان عمر في مكتبه وأحمد معه.
ينظر له وهو يمسك بهاتفه قال:
"ألم تهاتفها وتخبرك أنها بخير؟ ما حاجة لك بأن تتصل بها ثانية."
"لم يكن يجدر بي أن أحضرها."
"لا نعلم بعد ما الذي حدث. لما تشغل تفكيرك؟ إنه يوم وانتهى."
"أنت لا تفهم شيئاً. لم ينتهِ الأمر. إذا كان مخدرات مثلما قالت هدير، فهذا ليس بشيء سهل."
نظر له بشدة وقال:
"ماذا تقول؟ هل تظن أن أفيلا تأخذ..."
قاطعه وهو ينفي بقول:
"بالطبع لا. لم أقصد قول لا. هناك أحد وضعه لها."
"ولما ليفعل أحداً ذلك؟ من يكون؟ بالتاكيد ليس أحد منا."
"أتمنى ذلك."
وسط هدوء الليل في صمت مهيب كانت أفيلا تحاول النوم وتتقلب كثيراً في فراشها.
جلست لتأخذ أنفاسها.
أضاءت الأنوار.
نظرت حولها وللنا فذة فهي تبعث لها هواء.
لما تشعر بالحرارة؟
ضمت ذراعيها وهي تتحسهم بيدها.
فكانت تشعر بأن شيئاً ما يسير فيها ويؤلمها.
أبعدت الغطاء أنزلت قدميها وقفت لتشعر بضعف ساقيها.
لم تشعر بهما. تتجدد صعوبة في السير وتشعر بثقل في جسدها. سارت ببطء، تناولت هاتفها، ولم تكن قادرة على الوقوف أكثر من هذا. جلست على الأرض، أمسكت هاتفها. كانت تتعرق كثيراً على الرغم أن الطقس ليس حاراً، وأيضاً ترتدي ملابس خفيفة، بلوزة نصف كم لونها سماوي وبنطال أسود قصير فوق الركبة، فلا داعي لتعرقها. قلبت في هاتفها وهي تشعر برعشة في جسدها، حتى أحضرت رقماً واتصلت به. مسحت وجهها بكف يدها وكأنما يمطر. لم تجد رداً. وقع الهاتف من يدها فلم تحضره. لكن سمعت رنيناً منه فالتقطته على الفور لترد عليه وتقول بتقطيع:
"هل بإمكانك المجيء إلى الآن؟"
"أفيلا، ماذا بك؟"
"لا.. لا ت..تأخر رجاءً."
أنهت المكالمة وكان جسدها يزداد لا شعوراً بما هي فيه. ضمته إليها وضمت ذراعيها بشدة، تمسكهم بيديها وتمسح بيدها على جسدها. كانت تشعر بقشعريرة غريبة.
توقفت سيارة أمام العمارة ليترجل "كاسبر" ويتقدم إلى المبنى. كان قلقاً عليها كثيراً حين سمع صوتها الذي لا يبشر بخير وطلبها له بالمجيء في هذا الوقت وكأنما تستنجد به.
فتح المصعد، ركض إلى شقتها، رن الجرس لم يجد رداً، رن مرة أخرى وأطرق على الباب ليجده يفتح وتطل منه "أفيلا" ليلحظ وجهها الغريب ومتعرقة بشدة، ولم تبدل حتى ملابس المنزل لأنه أتى إليها. دخل.
"أنتِ بخير؟"
قال ذلك ثم نظر إليها وأضاف:
"لماذا تبدين هكذا؟"
"أشعر بشيء غريب بجسدي."
قال ذلك بصوت ضعيف. نظر لها، أقفل الباب حتى لا يراها أحد بملابسها. أخذها من يدها وأجلسها على الأريكة. كانت يداها باردتين برغم شعورها بالحرارة وتعرقها. شعر بالقلق من أن يكون الذي في تفكيره صحيح. قال:
"ماذا تشعرين؟"
نظرت له أفيلا وهي تمسك ذراعيها وتضمهما وتقول:
"لا أعلم ما الذي يحدث معي.. أتألم.. لكنه ألم غريب.. أشعر وكأنما هناك شيء يسير داخلي."
أردفت قائلة:
"الألم يزداد، لا أعلم ما يحدث لي."
تبدلت ملامحه ليخفض وجهه بضيق. نظرت إليه ثم قالت:
"أوقف الألم.. أعطني أي شيء يوقف هذا الشيء."
"آسف يا أفيلا، لا أستطيع."
لتصيح بوجهه غاضبة بانفعال شديد:
"أخبرك أن توقفه.. أنهِ الأمر بأي شيء، المهم أن ينتهي."
"إذا أعطيتك لن ينتهي، بل سوف يزداد ويتعقد.. لا أستطيع فعل ذلك بك."
قال آخر جملة بحزن للقرار. لتمسكه أفيلا من قميصه بغضب وتنظر له بحنق وتقول:
"لماذا إذا اتصلت بك؟ جئت لتساعدني، أوقف ذلك، لا أقدر على التحمل."
"ما أفعله في مصلحتك."
"أي مصلحة هذه أن تتركني أتوجع كالآن؟"
لم يرد عليها، فليس بيده حيلة أن يفعلها لها شيئاً. هو هكذا يساعدها بالفعل. ليزول غضبها وانفعالها وتقول بصوت ضعيف:
"أشعر وكأن هناك من يحتل جسدي."
نظرت له وتجمعت في عينيها الدموع.
"افعل أي شيء، أرجوك، لا أستطيع التحمل، صدقني."
ليطالعها بصمت إلى أن رجاؤها أصاب قلبه كخناجر تقم بتمزيقه. سالت الدموع من عينيها من الألم الذي يجتاح جسدها والضعف الذي هي عليه الآن، لتجده يضمها إليه برفق وهو يشعر بالضيق من عجزه، أنه لا يستطيع مساعدتها ويراها تتألم ولا يقدر على فعل أي شيء لها. بينما هي مالت برأسها على صدره ولا تزال قبضتها ممسكة بقميصه.
"أريد أن يتوقف هذا الألم فقط.. أوقفه، أرجوك."
لم يعلق على كلامها، إلى أنه شعر ببرودة جسدها. فأفيلا في هذه الحالة بسبب المخدر الذي دخل جسدها وكان تأثيره قوياً، فتملك من جسدها ولن يتوقف الألم حتى تحصل على مخدرات مماثلة له، عندها سيتوقف وسيكون الأمر تعقد بكثير وقد تصل لحالة الإدمان وينتهي أمرها بمصحة عقلية. لا يعلم أن كان المخدر قوياً حقاً أم أنها هي من جسدها ضعيف واستوعبته أضر بها لهذا الحد. كان حزيناً وهو يراها تتجاهله من بين بكائها، إلى أنه لا يرد عليها، يلتزم الصمت فقط. فهو لن يوقف الألم ويعالجه بالأسوأ ويدخل السم إلى جسدها ويصبح علاجها في كل مرة تتألم فيها وتكون مدمنة بسببه. أنه يفعل الصواب، كانت معالم وجهه باردة بينما هو مشتعل غضباً.
"أوعدك أن من فعل بك ذلك سأجعله يدفع الثمن غالياً."
مسح بيده على شعرها ويضمها إليه وهي تبكي، تحاول أن تتغلب على ما هي فيه وتتحلى ببعض القوة وأنها تقدر على ذلك الألم، لكن كلما يمر الوقت يزداد ألمها أكثر ورغبتها في إيقافه تلح. حتى قواها قد بدأت تخور وتتلاشى.
"ابتعد."
قالت ذلك لتردف وهي تحسم الأمر:
"لم أعد قادرة، سوف أتصرف."
دفعته بعيداً عنها. أمسكها يمنعها ويقول:
"لا تفعلي ذلك، سينتهي ألمك قريباً، بقى القليل."
هتفت به بغضب شديد وهي تقول:
"أنت لا تعلم شيئاً، ابتعد."
أفلتت يدها وذهبت لتجده يقف أمامها. لم تغيره اهتمام وابتعدت عنه، لكنه أمسك يدها.
"أتركني."
ليشتد عليها ويسحبها معه. حاولت إبعاد يده لكن قبضته أقوى منها بكثير، وأدخلها إلى غرفتها. نظرت له لتجده يقفل الباب ويقف عنده. اقتربت لكي تفتحه، لكنه أمسك يدها ودفعها ببرود. اعتذرت ونظرت له قالت:
"ابتعد من وجهي."
"لن تذهبي إلى أي مكان."
اقتربت منه تبعده لكن لم يتحرك من مكانه. هتفت به بغضب وبكاء:
"أيها الوغد دعني أذهب."
كان واقفاً بثباته، فلا يريد أن يتركها تدمر نفسها، يشعر بأنها مسؤليته ولا يجب عليه أن يتركها. نظرت له بحنق، فعلم أنه لن يستمع إليها. سارت في الغرفة ذاهبة وإيابة تمسك رأسها. توقفت لتنظر له وتقول:
"لماذا تمنعني؟ ألم تكن تتواعد لي على الكف؟ ألم تقل أنك ستندم؟ ها أنا أمامك الآن، اتركني أذهب."
لم تجد منه أي رد. ذهبت بعدما قد أصابها اليأس. جلست على الأرض، ضمت ركبتيها لصدرها وذراعيها تعقدهما وتتحسسهما.
"كيف أصبحت هكذا من يوم واحد؟ لا فرق بيني وبين المدمنين منذ شهور. ما هذا الضعف؟"
نظر لها "كاسبر" وهي جالسة على الأرض تتحدث إلى نفسها بتوهان وقهر. سار تجاهها، وقف عندها، جلس على ركبتيه مقابلها. نظرت له قالت:
"قيدني."
تعجب من طلبها له. لتردف:
"لا تصغِ إلي وتدعني أذهب بحماقتي التي ستأخذني للجحيم."
"لم أكن لأفعل هذا."
نظرت له بشدة، اقترب منها، مسح وجهها بحنان ثم ضمها وهو يقول:
"ستكونين بخير."
لتبادله العناق بقوة وكأنما تود اختراق أضلاعه، تدفن وجهها به وتقول:
"لا تتركني أو تبتعد عني مجدداً."
"سوف تندمين على هذا الكلام لاحقاً."
قال ذلك بمزاح، لتنفي وهي تقول:
"لم أندم على شيء في حياتي سوى خسارتك."
ابتسم ابتسامة خفيفة، فعلى الرغم أنه لا يفهم كلامها ومستغرب من ثقتها به، فهي لا تعلم شيئاً عنه وإلى حد ما ممكن أن تهلع لحقيقته.
ظل يحتضنها حتى هدأت ولم يعد يسمع صوت بكائها أو برودة جسدها. نظر لها وجد عينيها مقفلتين، علم أنها نامت من الأرق، فقد أجهدت كثيراً. حملها ليجدها متشبتة به، وضعها على السرير. نظر إلى يدها التي تمسك ملابسه بشدة وكأنها لا تريده أن يبتعد عنها، وهو الآخر لم يكن يريد ذلك، لكن وجوده خطأ وخطر عليها.
في الصباح التالي، فتحت "أفيلا" عينيها. جلست، نظرت حولها وتذكرت البارحة وكيف كانت. لم تكن مصدقة أن الصباح طلع عليها بخير. وقفت، خرجت من غرفتها لتشرب بعض الماء، لتقع عيناها على "كاسبر" الذي كان نائماً على الأريكة مستلقياً ويضع ذراعه خلف رأسه، كوضعيته التي تعرفها وتزيده جاذبية.
سارت تجاهه، اقتربت، جلست على ركبتيها مقابله وهي تتذكر سبب وجوده هنا، فكيف كان يمنعها البارحة من إلقاء نفسها بالهاوية. فقد رأت قلقه واهتمامه لأمرها. قربت يدها برفق وحذر من شعره الأسود. ابتسمت وهي تنظر له. وقفت وذهبت إلى غرفتها. فتحت الخزانة، أخذت ملابس لكي تتحمم، لكن توقفت فجأة. نظرت إلى نفسها وإلى ملابسها لتنصدم.
"هل كنت هكذا البارحة؟"
قالت ذلك تخاطب نفسها. تدفقت الدماء لوجهها، أقفلت عينيها بضيق وخجل، أقفلت الخزانة وذهبت. خرجت من حمامها وهي تعقد شعرها بطوق. سمعت صوت "كاسبر" من الخارج:
"اذهبوا أنتم، سألتحق بكم."
خرجت وجدته واقفاً، وكان قد انتهى من مكالمته وذاهب. نظر لها. قالت:
"هل ستذهب؟"
أومأ لها إيجاباً. اقتربت منه ثم قالت:
"ابق قليلاً.. ماذا إن حدث كالبارحة؟ لن أستطيع أن أهاتفك، سيأخذني ضعفي بارتكاب أكبر فعل غبي."
"لن يحدث شيء لكِ.. سأذهب أتمم أمراً وأعود."
"سوف تتأخر."
نفى ذلك بابتسامة هادئة ثم ذهب. وكانت عيناها تتابعه لتجده يتوقف وينظر لها يقول:
"كيف معك رقم هاتفي؟"
نظرت له بشدة ومن سؤاله قالت:
"مازن.. أنه من أعطاه لي حين طلبته بسبب إصابتك."
أومأ لها بتفهم ولم يعلق. ثم ذهب. لتطالعه وهو يغادر، فهي تشعر وكأنها في حلم لا تريد الاستيقاظ منه. فظنت أنها لن تحصل على السعادة من جديد. لكنه عاد وأعاد معه سعادتها.
في غرفة، كان "كاسبر" جالساً ورجاله حوله، وكان رجل يرتدي بدلة سوداء، وكان المدير والنادلين وكل من يعمل كان واقفين أمامه خافضين وهم في هالة من الخوف والارتباك من وضعهم ومن ذاك ومن هؤلاء الرجال منه، ولا يعلمون ماذا يحدث. ليتقدم المدير وهو يتحدث:
"اعذرني أيها السيد، هل يمكنني أن أعلم ماذا يحدث ولماذا أردت جميع العاملين هنا؟"
ليرمقه "كاسبر" نظرة آخرسته خوفاً ولم يتحدث ثانياً. ليعود بأنظاره إلى العاملين أمامه.
"من يومين جاءت امرأة لهنا وطلبت عصيراً... لكن اتضح أنه لم يكن عصير فقط."
قال ذلك ببرود ثم وقف وأضاف ساخراً:
"كان به مخدر، هل تفعلون ذلك عادة وتخلطون أشياء إضافية؟"
نظر لهم وأردف قائلاً بجمود:
"بإمكاني معرفة الفعل، لكني أعطيه عمراً جديداً بأن يعترف من تلقاء نفسه. من فعلها؟"
كانوا خافضين رؤوسهم ولا يتفوهون بأي كلمة. وكان النادل التي كانت صاحب تلك الفعلة يختبئ بينهم ويلعن نفسه لأنه طاوعها وأخذ المال. فهل سيكون مالاً مقابل ثمن حياته؟ كان يحاول إظهار الثبات حتى لا يكشف.
"بدأ صبري بالنفاذ، وقتها لست مسؤولاً عما سيجري لكم."
لا يزالون في صمتهم مرتعين ولا يفهمون.
"كما تريدون."
وفور انتهاء ما قاله، سمعوا صوت أسلحة. نظروا لتتسع أعينهم بصدمة حين وجدوا رجاله، كل منهم يمسك مسدساً ويشير عليهم، ليصيبهم الذعر مما هم فيه. قال المدير وهو مرتعب:
"لحظة يا سيدي، بالتأكيد يوجد خطأ ما.. لماذا لا نرى الكاميرات؟ بالتأكيد سجلت كل شيء."
لم يعيره "كاسبر" أي اهتمام، وكأنما هوايته رؤية من يرتاعب منه. أنه لا يحب التساهل، فبإمكانه أن يفعل ذلك قبل أن يقف هنا الآن، لكنه يريد أن يراه يرتجف أمامه ويأخذ بثأر "أفيلا" فتذكر ما كانت عليه البارحة يشغله غضباً.
"ثلاث ثوانٍ ثم تتصاعد أرواحكم لخالقكم."
لتتسع مقلتا أعينهم ويرتجفون خوفاً، وينظرون لبعضهم، من الذي بينهم فعل تلك الفعلة؟
"واحد."
قال ذلك، فقام رجاله بتعمير أسلحتهم. ارتعبوا من ما يرونه، والرجل يتعرق بشدة ويرتجف.
"اثنان."
ليضع إصبعهم على الزناد يعلنون إطلاقهم، لكن صاح الرجل يوقفهم بقول:
"أنا..."
أنه أنا من فعلت ذلك.
نظر الرجال لـ "كاسبر"، فخفّضوا أسلحتهم طوعًا. زفر الجميع وأخذوا أنفاسهم بارتياح لأنهم نجوا.
سار "كاسبر" تجاهه، فنظروا إليه وابتعدوا عنه بخوف ليجدوه يقترب منهم. كان الرجل ساقاه تصطكان ببعضهما خوفًا، ليتحرك لسانه أخيرًا وكأنه في حالة من التشنج ويقول:
"أعتذر سيدي، لم أكن أعلم أنه يكون مخدر سيضر بها. ظننته شيئًا عاديًا لـ..."
ولم يكمل كلامه حتى تلقى لكمة قوية على وجهه جعلته يترنح على قدميه أمامه. أمسك وجهه بتوجع ليجد دماء تسيل من فمه بغزارة. اقترب الرجال منه ليوقفوه رغماً عنه، فوقف وهو مطاطئ الرأس.
قال "كاسبر" بهدوء مخيف:
"من طلب منك ذلك؟"
كان مرتعبًا ولا يستطيع التحدث، خائفًا من الذي يقف أمامه والذي أقحم نفسه به.
أخرج "كاسبر" مسدسه من بنطاله وسرعان ما قام بتعميره، ليمسك بالرجل بقوة ويده الأخرى التي بها المسدس عند رأسه، لترتجف عيناه وهو يطالعه بارتعباب. قال:
"لا أعلم صدقني... كانت امرأة من بينهم هي من طلبت مني ذلك، لكنني لا أعرفها ولا لي علاقة بها."
تعجب كاسبر، فهل قال امرأة هي من قدمت له؟ فهل ذلك بـ"أفيلا"؟
"أعطتني مالًا مقابل أن تضع لها في عصيرها شيئًا، لكن لم أكن أعرف أنه مخدرات."
تحولت ملامحه لبرود، ليركله بقوة. عاد للخلف وارتطمت بالجدار ووقع. شعر بألم شديد ليجده يقترب منه. ارتجف واعتدل على الفور، ومن شدة خوفه قام بتلويث ملابسه وهو لا يعي بنفسه.
"إن كنت تكذب، ستكون الجاني على نفسك، وكل أحد قريب منك سيلقى مصيرك."
أومأ برأسه بخوف، ومن شدة ارتعابه قام بتبليل ملابسه وهو لا يعي بنفسه. بينما "كاسبر" يطالعه، فهذا ما أراده، ولا يزال لم يشبع غليله. نظر إلى المدير الذي خاف من نظرته.
"أين التسجيلات؟"
"سأحضرها على الفور."
قال ذلك بسرعة وهو يركض من أمامه، ينفذ بجلده لينفذ ما طلبه. جاء وهو معه الحاسوب المحمول به التسجيلات، قام بتشغيله له في اليوم التي كانت "أفيلا" فيه هنا بالتوقيت المحدد ورأى ما حدث. فكانت بالفعل تتصرف على طبيعتها وليس بسذاجة كما كانت عليه، ثم وقفت وكانت تدور ليجد "عمر" يقترب لكي يمسك بها كي لا تقع، فترتمى عليه. اشتعلت عيناه غضبًا من رؤيتها قريبة منه.
قام برجاع الفيديو للوراء ثم توقف عند النادل وهو يحمل المشروبات، وأوقفته فتاة كانت تعطي ظهرها للكاميرا. نظر بتدقيق، وجدها تضع كبسولة في عصيرها، ثم دعته يذهب. جمع قبضته بغضب، كونها امرأة فيكون اقتصاصه منها هينا. وقف وذهب بجمود ليلحق به رجاله. نظر له الجميع وهو يغادر، وهاله الخوف تزاح من عليهم، لنظروا إلى الرجل بغضب وقرف وهو على الأرض، فلقد سبب لهم في كل ذلك.
خرج، ليفتح الرجال له السيارة. دلف ليذهبوا وهم لا يعلمون ما يفكر بهم سيدهم.
في المساء، كانت "أفيلا" لا تزال جالسة تنتظر "كاسبر" وهي متضايقة، فلقد تأخر كثيرًا. سمعت رنين هاتفها، فوجدته المتصل. ردت عليه وهي تقول:
"أين أنت؟ لماذا تأخرت؟"
"انزلي."
تعجبت، قالت بتساؤل:
"هل أنت بالأسفل؟"
"أجل."
"حسنًا."
أقفلت الهاتف، دخلت لتبدل ملابسها. ارتدت فستانًا ورديًا وجاكيت جينز ثلجي وجمعت شعرها. بعدما انتهت، ذهبت.
كان ينتظرها بالأسفل، ومن ثم وجدها تخرج من العمارة. كانت جميلة. اقتربت منه، كانت سوف تتحدث، لكنه أشار لها على السيارة. نظرت له بتعجب، فدلفا الاثنان ثم ذهبا.
"هل هناك شيء؟"
قالت ذلك بتساؤل، فرد عليها وهو يقود:
"لا."
"إلى أين نحن ذاهبون إذا؟"
"المخفر."
نظرت له بشدة، قالت:
"لماذا؟"
"ألا تريدين معرفة من فعل بك هذا؟"
"بالتأكيد أريد أن..."
صمتت لتقول بإستدراك:
"لحظة، هل عرفت؟"
لم يرد عليها، فعلمت أنها محقة.
"لم أتصرف بأساليب، بحكم أنها امرأة. لكنك لديك القدرة بالاقتصاص منها كيفما تريدين."
قال ذلك ببرود، بينما هي انصدمت، فهل قال امرأة؟ فهل من فعلت بها ذلك من بني جنسها؟ نظرت له، فهو بحث عن الأمر من أجلها. ابتسمت، اقتربت لتقول بمكر:
"لماذا علمت؟ هل يهمك هذا الأمر؟"
نظر إليها من ابتسامتها واقترابها منه، فأوقف السيارة فجأة. انفزعت، لتجده يقترب منها. نظرت له بتوتر، وجدته يقترب أكثر.
"ماذا هناك؟"
"تبدين جميلة."
اتسعت عينها لتتدفق الدماء وتحمر وجنتها خجلًا مع عيناه التي تثقبها. ابتسم من شكلها، ابتعد عنها ليعود للقيادة، بينما "أفيلا" أدارت وجهها بتوتر لترتسم ابتسامة على وجهها.
توقف عند المخفر، ليترجلوا ويدخلوا. كانت تنظر له باستيعاب، فكيف يدخل مخفر بين الشرطة دون أن يخاف؟ ألهذا الحد لا أحد يهاب من أحد ولا يستطيع الاقتراب منه ما يسمى القانون.
دخلا إلى مكتب شرطي جالس، عندما رآهم وقف على الفور وأشار لهم بالجلوس بترحيب واحترام. تعجبت "أفيلا" من رد فعل الشرطي، لكن لم تتحدث. جلسا، ثم نادى الشرطي على أحدهم وقال بصيغة الأمر:
"أحضرها لهنا."
أومأ له برأسه بالطاعة وذهب. نظرت "أفيلا" لـ "كاسبر" بعدم فهم، ثم سمعت صوت أنثوي غاضب من الخارج يتقدم منهم، ليفتح الباب. نظرت وتفاجأت حين وجدته قد عاد ويمسك "هدير" وهي غاضبة وتهدد. ثم ابتعدت عنه وقالت:
"كيف تمسكنى هكذا؟ ألا تعلم من أنا ومن يكون أبي؟"
التفتت، نظرت إلى "أفيلا" و"كاسبر" والشرطي، لتتفاجأ من رؤيتها. قال الشرطي لها:
"تعلمين من تكون؟"
وكان يقصد "أفيلا". ردت بغير مبالاة وضيق:
"أجل... هل أحضرتموني لهنا كي أتعرف عليها؟"
"لا، إنك متهمة بقضية مخدرات."
اتسعت عيناها بصدمة. سمعوا طرقات على الباب، ليسمح بالدخول، فدخل رجل في الأربعينات يرتدي زي رسمي.
"أنا المحامي الحاضر عن موكلتي 'هدير إبراهيم'."
"ابتعد من وجهي حتى لا أخسر عملك."
سمعوا ذلك الصوت في الخارج، ليفتح الباب ويدخل رجل يبدو عليه الوقار بشعره الأبيض. اقتربت منه "هدير" بحزن، قالت:
"أبي، لما تأخرت؟ لقد وضعوني بالحبس مع المجرمين."
ليتمغص وجهه، نظر إلى الشرطي، لكن وقعت عيناه على "كاسبر"، ذلك الرجل الجالس بوجه بارد بهيبته. نظر إلى الشرطي، قال:
"هل يمكنني أن أعرف ما الذي يجري وكيف تأخذون ابنتي بهذه الطريقة؟"
اقترب المحامي منه وقال:
"سيد 'إبراهيم'، هل تركت الأمر لي؟ غضبك لن يفيد بشيء."
نظر له بضيق، ثم صمت. فتقدم المحامي الذي نظر إلى "كاسبر"، لتبدل معالم وجهه هو الآخر، ليقول:
"السيد 'كاسبر إدوارد'."
نظرت "هدير" إليه باستغراب، ومَن يقصد بهذا الاسم؟ بينما "أفيلا" استغربت كثيرًا، فمن يعرفه؟ خشيت عليه، فهم بمركز شرطة. نظر المحامي إلى "هدير" بضيق من ما أوقعته به، تنهد، ثم قال:
"حضرت الشرطي، أريد أن أعرف سبب إحضار الآنسة 'هدير' لهنا."
"السبب المخدرات التي بحوزتها، وليس هذا فقط. أنها قامت بوضع مخدر لإحداهن وأوصلت لجسدها تأثير قوي عليها دون رضاها، أي أنها جريمة."
لتنظر "أفيلا" إليها بصدمة وتقول:
"أنتِ."
نظر "إبراهيم" لابنته بشدة، التي ابتلعت ريقها بصعوبة. قالت:
"لم أفعلها، هذا افتراء، لا تصدقها، إنها كاذبة."
رمقها المحامي نظرة أصمتتها من الورطة التي وضعتها بهم. قال:
"هل يوجد دليل على ذلك؟"
"يوجد شاهد قد أعطيته مالًا ليفعل ذلك، وتسجيل بفعليتها. هذا ليس بشيء سهل، إنها جريمة كاملة كما تعلن. ما معنى أن تدخلي إلى جسدها سموم كهذه؟ والذي أدخلته كان قويًا، ممكن أن ينتهي أمرها من وراء ذلك. فبحكم القضية، أنها كمحاولة قتل."
اتسعت عيناها بصدمة، قالت:
"ق.. قتل."
نظر والدها إليها وهو يشعر بالخيبة، ليقول:
"هل فعلتي ذلك حقًا؟"
صمتت ولم ترد، لتشير عليها وهي تقول:
"لكنها بخير، لم أكن أعلم أن الأمر كبير."
"هل فعلتي هذا؟"
قال ذلك بحدة، فأومأت برأسها. قال الشرطي:
"هذه مخدرات، هل تدركين؟ لا مزاح في ذلك."
تركها والدها، ابتعد عنها ليقترب من "كاسبر" وهو مطأطئ الرأس خجلًا، قال:
"أعتذر نيابة عنها."
لتنصدم "هدير"، فهل ذلك والدها الذي يهابه الجميع؟ أنه يهاب الآن رجل يصغره بالكثير، ثم إنه عليه أن يعتذر لـ "أفيلا" صاحبة الشأن وليس هو. لتجده ينظر لها ويقول:
"أتمنى أن تسامحيها."
نظر "أفيلا" له، ومن نبرته اقترب المحامي وقال:
"السيد 'إبراهيم' سيعوض قدر الإمكان لنحل الأمر وديًا."
"هل ترى ذلك؟"
قال "كاسبر" ذلك ببرود، فتوتر بسبب ما قاله.
"لم أقصد الإهانة البتة أو التقليل منك، أعتذر إن كان كلامي قد خرج بطريقة خاطئة. لكنها نادمة على ما فعلته وبالتأكيد لم تقصد."
لم يعلق على أيًا من كلامه، فعن أي ندم يتحدث؟ إن لم تكن امرأة لطبق أساليبه بدون أدنى رحمة، لكن لا يريد فعل ذلك أو إخافة "أفيلا" منه.
تدخلت "هدير"، اقترب منها وهي تقول:
"أفيلا، اعتذر."
نظر لها من نبرته الراجية وغرورها الذي تحطم.
"سامحيني على فعلتي الحمقاء بحقك. اعتذر صدقيني، لن أكررها، سأبتعد عنك، لكن مستقبلي سيتدمر، أرجوك."
كانت تنظر إليها، ليقف "كاسبر" ويمسك بيدها. نظروا إليه، وجدوه يذهب. ضاقت ملامح المحامي بضيق، ونظر إلى هدير، فهي من فعلت بنفسها ذلك. نظرت "أفيلا" إليها، كانت خائفة بشدة وترجوها بعينيها وعلى وشك البكاء. خرجا من هناك وهي لا تزال تنظر خلفها. أبعدت يدها وذهبت. نظر لها باستغراب.
"ما هذا الذي فعلتيه؟ مخدرات.. بحوزتك تلك الأشياء."
هتف والدها بوجهها بغضب، وهي نادمة. قال المحامي:
"ما علاقته بها؟"
"إنه زوجها."
قالت ذلك وهي تبكي، لتتسع عيناه، يقول:
"ولم تجدي غيرها من تتلاعبين بها كعادتك؟ تلك المرة ألقيت بحتفك بسبب غرورك وطيشك. أنتِ لا تعلمين من ذلك الرجل ومن يكون، إنه ممكن أن يقلب المخفر رأسًا على عقب ونحن لا نأتي شيئًا بالنسبة له ولنفوذه."
انتي عالمة لا محالة، أتمنى أن يكون الوضع عند هذا الحد.
نظرت له بصدمة.
قال: هل ممكن أن يسوء أكثر من ذلك؟ أنني سأسحن وسأتدمّر.
لتسقين سجنك تدميراً.
قال هذا بسخرية.
بينما شعرت بالخوف من كلامه.
فتح الباب.
نظروا ووجدوا "أفيلا".
دخلت إلى مكتب الشرطي.
تعجبوا من عودتها.
نظر إلى "هدير" وبكائها.
تنهدت.
فهي لا تعلم ما تفعله.
قالت: أنا متنازلة عن القضية.
ليندهشوا من ما قالته وما سمعوه.
قالت "هدير" ببكاء: أفيلا.
لم تنظر إليها لتقول بتوضيح: لا أريد أن تعقبها.
قال الشرطي: هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ أنكِ تتنازلين عن حقك.
صمتت قليلاً ثم أومأت برأسها إيجاباً.
بينما "هدير" في دهشتها لا تفهم شيئاً.
هي تعلم أن هذه الجريمة قادرة على إنهاءها وسوف تسجن.
وعندما تخرج لن يقبلها أي أحد للعمل.
سوف تقضي عليها.
وهي لديها الفرصة أن تأخذ بثارها من ما فعلته بها قديماً.
والآن اقترب والدها منها.
ابتسم بامتنان.
قال: أشكرك كثيراً، لن أوفي بشكرك حتى الغد.
أومأت له.
لتلقي نظرة على "هدير" ثم التفتت وذهبت.
لكن توقفت حين وجدت "كاسبر" عند الباب ينظر لها.
اقتربت منه.
أمسكت يده.
قالت: لنذهب.
نظر لها وإلى الشرطي الذي كان يبرئ نفسه أمامه وأنه فعل ما طلبه منه.
ذهب معها وتركهم.
جيد، يجب أن تحدي الله أنها تنازلت.
أتمنى أن يتنازل هو الآخر عن حقها.
قال المحامي ذلك.
نظرت له لم تفهم لما يتحدث عنه هو ولا يتحدث عن "أفيلا".
فكيف ستهتم به بينما صاحبة الأمر سامحتها.
بينما وهو يقود كان ينظر إلى "أفيلا" التي كانت طوال الطريق تلتزم الصمت.
صمت.
نظرت إليه ومن نظراته.
قالت بضيق طفولي: ماذا؟ لا تنظر لي هكذا، أنا أيضاً مستغربة من نفسي.
ابتسم ابتسامة خفيفة عليها.
وجدت أنهم تأخروا على المنزل.
نظرت من النافذة.
لم تكن شوارع الحي خاصتها.
كانت شوارع جميلة.
ثم بدأت تتلاشى ويظهر شاطئ.
نظرت إليه بعدم فهم.
توقفت السيارة.
نزل كل منهما.
قالت: ماذا نفعل هنا؟
لم أكن أريد العودة بك الآن.
ابتسمت ثم قالت بمكر: لقد قرأت أفكاري.
نظر لها.
ابتسمت وتقدمت.
ابتسم عليها ثم ذهب ووقفا أمام شاطئ تداعب الرياح وجوهم مع نسمات باردة بذرات ماء خفيفة.
كانت تنظر إلى "كاسبر" وتتخيلهم قديماً حين كانا يجلسان معاً.
نظر إليها.
فردت أمامه بارتباك.
قالت: لما يبدو وكأنهم يعرفونك؟
نظرت له.
قالت: هل يعرفك أن رجل مافيا؟ لذلك كانوا خائفين.
ابتسم عليها.
نظرت له.
قالت: ماذا؟ هذا ما ظننته، فقد لفظ المحامي اسمك، أي أنه يعرفك.
هل أنت مشهور؟
على ما يبدو.
قال ذلك بابتسامة.
تعجب منه.
نظر لها ليقول بتساؤل: لماذا فعلتي ذلك؟
لم أفهم.
فأردف بتوضيح: لماذا تنازلتي عن حقك وأخرجتيها؟
نظرت أمامها.
ابتسمت ابتسامة خافتة.
قالت: لقد اعتذرت وطلبت مني السماح.
ماذا عن ما سببته لكِ؟ ألم تري كيف كنتِ البارحة؟ وممكن أن يتكرر الأمر ويضر بكِ لاحقاً.
أنتِ لا أدرى معنى أن يدخل جسدك هذه الأشياء وتسير في دمائك.
لقد علمت أنه خطأ وكانت نادمة حقاً.
الندم!
قال هذا ساخراً.
ليردف: هل هذا مهم؟
صمتت قليلاً.
تنهدت ثم قالت: صدقني، أنا أيضاً لا أعلم كيف لي أن أسامحها.
لكن لأكون صريحة.
نظر لها وينتظر ما ستقوله.
أنا أيضاً أريد السماح من أحد.
لذلك عندما رأيتها تخيلت نفسي.
تخيلتني وأنا واقفة أمامه نادمة وأعتذر له وأطلب منه السماح والمغفرة.
لكن حرمة كبير.
فممكن أن يشفع لي ما فعلته اليوم عند الله ويجعله يغفر لي.
نظرت إليه.
كان غير متأثر بأي ما سمعه.
قالت: ماذا عنك إذا ارتكب شخص ما خطأ بحقك ونادم عليه كثيراً ويريد السماح، ماذا ستفعل له؟
ستسامحه وتنسى أم؟
نظر لها.
فصمتت ولم تفهم نظراته.
إلى أن عيناه تشع قسوة.
ليقول: لا أعتقد أن هناك من أخطأ معي.
وإن حدث.. فأنا لن أتركه.
أردف قائلاً بجمود: لأني لا أسامح أو أعفو عن أحد.
رواية احببت مافيا الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نور
لأني لا أسامح أو أعفو عن أحد.
نظر أمامه قال ببرود:
لم يجدر عليك مسامحتها، لكن على كل حال هذا الأمر يعود لك.
لم ترد بل التزمت الصمت من خوفها ونبرته فيما قاله، فتذكرت ما فعلته.
تجمعت الدموع في عينها لتخاطب نفسها:
كان خطأ هدير ليس بشيء أمامي.
نظرت إلى الشاطئ تتطلع فيه بحزن، وكأنما تشكو إليه همها الذي يفتك بها.
كانت بعض خصلاتها تأتي على وجهها، قامت بإبعادهم.
نظر لها كاسبر، ووقعت عيناه على الخاتم الذي ترتديه في ذلك الإصبع.
شعرت أفيلا بدوار لتنصدم:
فقد نسيت أخذ دوائي.
لنعود.
قالت ذلك إليه، فأومأ وذهبا.
وصلا إلى العمارة، دخلا المصعد.
شعرت بدوار أكثر، كانت سوف تقع.
أسندت يدها عليها، نظر لها كاسبر قال:
هل أنتِ بخير؟
أومأت برأسها إيجاباً، ثم فتح المصعد، خرجوا.
ذهبت للباب وكانت تفتح، لكن توقفت.
وضعت يدها على الباب تعدل اتزانها الذي تفقده، ونبضها الغير منتظم وتشعر بهبوط.
نظر إليها، تنهد ثم اقترب منها وحملها، لتتطالعه بصدمة كبيرة.
ماذا تفعل؟
لم يرد عليها، فتح الباب ودخل وهو مازال يحملها.
ثم وجدته يتركها فجأة، وكانت سوف تقع.
امسكت في رقبته على الفور.
ليبتسم بخبث ويقول:
أرى الأمر يعجبك.
قالت بضيق:
انزلني مثل بقية البشر، لا أن تتركني أقع.
هل علي أن أنزلك؟
نظر لها واردف قائلاً بابتسامة:
أحببت الوضع.
خجلت وكست حمرة وجهها.
شعر بخجلها، فخشي أن يضعف وهو ينظر لها.
تنهد ثم أدخلها إلى غرفتها، وضعها على السرير.
نظر لها، فتلاقت أعينهم، اقترب منها أكثر.
توترت لكن اعتدلت في جلستها.
ابتسم عندما رآها تبتعد عنه بحرج.
تبدين خجولة.
نظرت له بإستغراب، فأضاف:
من يراكِ الآن لا يتوقعكِ في ذلك اليوم.
عن أي يوم؟
عندما أحضرتكِ لهنا.
صمتت بإستغراب.
اقترب منها قال بشك:
ألا تتذكرين شيئاً حقاً أم تدعين ذلك؟
نفت وهي متوترة وتقول:
لا أتذكر، لماذا؟ هل حدث شيء؟
لا.
قال هذا وهو يبتعد.
امسكته، نظر لها قالت:
تفوهت بالحماقات.
لم يرد عليها، خافت من صمته قالت:
هل فعلت شيئاً أحمق؟ أخبرني لأني لا أتذكر.
عندما تتذكرين سأكون في انتظارك.
لم تفهم ابتسامته ونبرته، لكن شعرت أنه يخبئ شيئاً، مما يزيد رغبتها في تذكر ما حدث وما فعلته.
كانت خائفة أن تكون أخبرته بشيء عنه.
تذكرت دوائها، وقفت وذهبت ناحية الدرج، أخرجته وأخذت من كل منهم وشربت ماء.
وكان ينظر لها قال:
ألا تستغنين عن هذه الفيتامينات؟
نظرت له وإلى ما يقصده، ابتسمت ابتسامة مريرة قالت:
ليس بيدي.
كيف؟
لا تشغل بالك.
كانوا يقفون في الشرفة الداخلية، قالت أفيلا:
لماذا جئت مصر؟
كان لدي عمل هنا علي إتمامه.
شعرت بالحزن وأنه سوف يتركها، قالت:
وهل أنهيته؟
أجل.
سوف تغادر إذاً، فلم يعد هناك داعٍ لبقائك.
قبل أن أقابلك.
نظرت له بإستغراب.
نظر لها هو الآخر قال:
تريدينني أن أبقى أم أغادر؟
تفاجأت منه، وأنه يخيرها.
هل رأيها مهم؟
نظر كاسبر إلى صمتها، نظر أمامه قال:
سأغادر، لا داعي لصمتك.
لا.. لا تذهب.
قالت هذا بتلقائية تمنعه.
نظر لها كاسبر وابتسم.
خجلت من ما قالته.
قال:
لكن كيف عرفتِ أني كنت في ألمانيا؟ هل أخبرك مازن أيضاً؟
ابتسمت ونفت برأسها قالت:
ألا تتذكرني؟
نظر لها باستغراب، فأردفت بتوضيح:
ذلك الحادث الذي تعرضت له هناك عندما انقلبت السيارة.
صمت قليلاً ثم تذكر هذا الحادث عندما جاءت فتاة وأخرجته، لكن لم يستطع رؤية وجهها، لم يكن واضحاً له.
على الرغم أن مر سنين على هذا الحدث، لكنه يتذكره.
نظر لها قال:
أكانت أنتِ؟
أجل.. صدفة، أليس كذلك؟
ماذا كنتِ تفعلين بألمانيا؟ وكيف تتذكرينني بعد كل هذه السنوات؟ لقد نسيت الحادث نفسه.
كنت أدرس، وأيضاً ذاكرتي قوية، لست مثلك.
قالت ذلك بمزاح، لتجده يقترب منها ويثقبها بنظراته.
تعجبت، فقال:
تذكري ذلك اليوم مثل الحادث إذاً.
أخبرني ماذا حدث وينتهي الأمر.
ابتعد وهو يقول:
سأدع ذاكرتك تخبرك.
نظرت له بشك، وقد باتت هي التي تشعر بالريبة.
أريد أن أسألك سؤالاً عالقاً بحلقي لحد اليوم.
قالت ذلك بعفوية، لينظر لها، فقالت:
ذلك الحادث، كيف افتعلته؟
استدرك ما ترمق إليه، صمت قليلاً ثم قال:
جرو.
نظرت إليه بشدة وهي مندهشة.
ليكمل:
عائق على الطريق حين كنت أقود.
لتفلت منها ضحكة، وتنخزه بكتفه.
نظر لها قالت:
تمتلك قلباً طيباً كثيراً.
لم يرد عليها.
نظرت له ولملامحه الجدية، علمت أنه بالفعل لا يمزح.
اعتدلت بحرج قالت:
كيف ذلك؟
عندما كنت صغيراً، كنت أمتلك جرو، كان بمثابة أخي.
ضحكت وهي تقول:
أخيك!!
أومأ لها إيجاباً، فقالت:
أكمل.
في يوم كنت أعبر الشارع، وجاءت سيارة، وكانت على وشك الاصطدام بي، لكنه قفز ودفعني بعيداً.
كان جسدي صغيراً بالنسبة إليه، بينما هو أكبر مني، فدفعته، فاصطدم هو بالسيارة.
حاولت أن أقاضي السائق على ما فعله، لكنهم أخبروني أنه مجرد حيوان، ولم يعاقبوه على شيء غير السرعة التي يقود عليها.
وماذا حدث له؟
قالت ذلك بإهتمام وهي حزينة.
كان بسبب الحادث تكسرت ساقيه، وإحدى أصابعه بقفصه الصدري.
كنت أرى في عينيه مقدار معاناته.
بقيت بجانبه، لكن بدأ الألم والمرض يشتد عليه، وتظهر له أعراض وكأنما يفارق الحياة.
وبالفعل قد مات.
كان فراقه بالنسبة لي صعباً، من بعد فراق أبي.
صنعت له قبراً أنا و...
صمتت قليلاً ثم تنهد وقال:
وأمي، بعد إلحاح شديد مني.
ثم دفنته، لكي آتي لزيارته يوماً.
وعندما رأيت ذلك الجرو في الطريق، تذكرته.
قالت هذا بإستدراك، فاومأ إليها إيجاباً.
نظر إلى ساعته، ثم قال:
علي الذهاب.
أومأت برأسها بحزن، كانت تود لو بقي معها، فهي خائفة من نفسها.
ذهب، امسكت يده.
سوف تأتي غداً.
نظر لها كاسبر وإلى يدها، ليطبع قبلة على خدها بخفة.
اتسعت قدحتا عيناها، تصنمت مكانها، لم تكن قادرة على أخذ أنفاسها، وقلبها يدق سريعاً.
أراكِ لاحقاً.
قال ذلك، وكأنما قد أعطاها إجابته، ليذهب ويتركها.
حاولت تنظيم أنفاسها وضربات قلبها.
وضعت يدها على خدها، وجدت نفسها تبتسم من تلقاء نفسها، وقلبها يغمره السعادة بأن السعادة التي سلبت منها، جاء هو وأعادها لها.
في اليوم التالي، وصلت المشفى لتدخل إلى مكتبها، ارتدت جاكتها وخرجت، قابلت عمر.
كيف حالك؟
بخير، وأنت؟
بخير.
لماذا لم تأتِ البارحة؟
كنت مريضة بعض الشيء.
هل حدث شيء بسبب ذلك اليوم؟
قال ذلك بتساءل.
فردت عليه بابتسامة خفيفة:
كانت فكرة سيئة.
ألم أخبرك أني لا أريد الذهاب؟
اعتذر.
نظرت له بإستغراب، فهل يتأسف حقاً؟ قالت:
لماذا تعتذر؟ لم يكن خطأك.
نظرت إلى الساعة قالت:
علي الذهاب.
أومأ لها بتفهم، فذهبت، وهو يتساءل كيف مرت أيامها من بعد هذه الليلة؟ أكانت على ما يرام؟
كان كاسبر في الفيلا، قال مازن:
أين ذهبت البارحة في الليل ولم تعد مجدداً؟
طرأ أمر ما.
حسناً.... متى سوف تعود إلى ألمانيا؟
نظر له قال بتعجب:
لما تسألني حول هذا الأمر مراراً!
لا أريد أن تبقى في مصر.
قال ببرود:
لماذا؟
لا تنسَ أن ذاكرتك التي فقدتها كانت هنا، وممكن أن تؤثر عليك.
رأيت عندما فعلت الحادث بسبب رؤيتك لأشياء غريبة.
غير ذلك، إذا تكاثرت الرؤى سيكون خطر عليك وعلى عقلك.
لا تقلق، سأكون بخير.
ماذا تعني..... لن تغادر؟
لم يرد.
فأردف قائلاً:
ألم تنتهِ من عملك هنا؟
ليرمقه كاسبر نظرة أصمتته، وكأنما يخبره أنه ليس له دخل به.
فذهب وتركه.
كان متضايقاً من حديث أخيه معه، وأنه لا يهتم بما يقوله.
لا يعلم كم هو خائف عليه من بقائه هنا.
في اليوم التالي بالمساء، دخلت أفيلا لمكتبها، خلعت جاكتها، خرجت، وجدت عمر يدخل.
نظرت له باستغراب.
ذاهبة؟
أجل.
قالت ذلك وهي تذهب.
هل يمكنني أن أسألك عن شيء؟
توقفت، نظرت له، أومأت برأسها.
قال:
لماذا حاولتِ قتله؟
صمتت وتبدلت ملامحها، فعلمت ما يقصده.
قلتِ أشياء غريبة في ذلك اليوم، لكن هذا ما تعجبت منه.
ما علاقة علي بموت والديك، وأي ذنب لم يرتكبه، وأنكِ نادمة على تسرعك؟
ردت عليه بتجاهل:
لا أعلم عن ماذا تتحدث.
ذهبت وتتركه.
أوقفها وهو يقول:
كنت أعلم أن هناك سبب وراء فعلتك.
فكيف تحبينه ثم تحاولين قتله؟
ما هذا الكره المفاجئ؟
صمتت.
نظر لها، أقترب ووقف أمامها، نظر في عينها قال:
أخبريني يا أفيلا، وليعلم مازن والجميع، حتى لا يكون الحق عليكِ، ونضع لكِ مبرراً ولو كان صغيراً.
لكن الحق بأكمله عليّ.
لم يكترث علي أي خطأ بحقي.
قال باستغراب شديد:
إذاً كيف تطعنينه وتذهبين ولم تعيري اهتماماً؟
وحين تعلمين بموته تحزنين؟
كنت أرى...
تنهد بضيق ثم قال:
كنت أرى حبك له، وكنتِ تفكرين فيه كل ثانية، كان يومك بأكمله تشغلينه بتفكيرك به.
كيف تتحولين هكذا.. من حب.. إلى كره أوصلك لقتله، ثم عدتِ وتحبينه؟
هل كان حزنك ندماً على قتله؟
أنني حقاً لا أفهم.
بتأكيد يوجد سبب... غير مسمى الجنون.
لا أستطيع إخبارِك.
لماذا؟
ألا تثقين بي؟
ليس الأمر كذلك.
كيف إذاً؟
أتترين أن نراكِ قاتلة هكذا كثيراً؟
لقد خسرتِ عائلتك، وممكن حين يتذكر تخسرينه هو الآخر.
تجمعت الدموع في عينيها وهي تصغي له.
ضعي سبباً لما فعلتيه يا أفيلا.
أعلم أن يوجد ما تخبئينه.
نظرت له، فتلاقت عينه بعينها، ليشعر أن بداخلها كلاماً كثيراً.
إلى أنه حزن عندما علم أن سبب دموعها تلك هو لأنه ذكرها وفتح هذا المقياس.
ذهبت وتركته.
نظر له، تنهد بضيق.
دلفت لسيارتها وذهبت، وهي تقود تتذكر كلام عمر:
لا أستطيع إخباركم.
أن بررت ما فعلته، سأضطر بإفشاء أسرار لا يجدر بي إفشاؤها.
هل أقول أن والداي قتلا على يد مافيا، الذي علي منهم، وبسبب أحدهم نطق لوسيانو، الذي يكون لقبه بين المافيا، ومع الرسائل الذي كان يرسلها ذلك الوغد، علمت أنه هو.
ولم أنتظر وقمت بقتله.
الحقيقة أن روبرت هو من قتلهم، لم يكن علي.
كان الأمر مؤكداً لي، لم أكن قادرة على التصديق، لكن الأمر كان حقيقياً تماماً.
لم يكن بيدي، كان جانب يخبرني أن ليس هو ولن يفعل ذلك، وجانب آخر يربط الأحداث ويؤكد لي أنه من قتلهم.
كان الأمر ليس في صفي يا علي، صدقني، كان كل الأحداث ضدك.
لو لم يختطفني روبرت ويخبرني بالحقيقة، لما زلت في غفلتي وأكرهك، ولم أكن نادمة مثل الآن على محاولة قتلي.
فلا أستطيع ترك ثأر والداي الذي قتلا أمام عيني بدون رحمة من أجل الحب.
لكن اتضح أن علي أعطاني كامل الحب، وكان يحميني في كل دقيقة على حساب نفسه.
كان حبه أكبر من حبي له.
كنت أخاف من حقيقته أنه مافيا.
والخوف كان مني ومن قلة حبي.
لكني أحملك الذنب معي.
أجل، لو لم تكن خبأت حقيقة والدك، لما فعلت هذا.
إن كنت أخبرتني بما يجري حولي، حتى لا أجهل وأصبح طعماً لروبرت بتلك السهولة.
لكن سامحني، فأنا الآخرة خبأت عليك الكثير.
لكنك خبأت خوفاً علي، أما أنا...
لا أعلم، لكنني أراه انعدام ثقة.
مر يومان عليها دون أي جديد.
في المساء عادت لشقتها، دخلت إلى غرفتها، تذكرت أنها لم تر "كاسبر" منذ ثلاثة أيام. تضايقت أنه لم يأت لرؤيتها.
ثم سمعت صوت جرس الباب. ابتسمت على الفور، ذهبت وفتحت، لكن تبدلت ملامحها واختفت ابتسامتها، فلم يكن هو، بل كانت هدير.
تعجبت: ماذا تفعل هنا؟ وكيف علمت مكانها؟
قالت:
لماذا جئتِ لهنا؟
قالت هدير:
هل أستطيع التحدث معك؟
استغربت من نبرته، لكن قالت:
لا يوجد بيننا أية أحاديث.
قالت هدير:
أعتذر.
أردفت قائلة بأسف:
أعتذر لكِ حقًا. لم يجب أن أفعل ذلك، خطئي كبير أعلم. آسفة على كل شيء. لقد عماني الحقد والغيرة بسبب قربك من "عمر" وحبه لكِ الشديد. تمنيت أن يحبني كذلك، تمنيت أن أكون مكانك بقلبه. أو يحبني أحد مثلك، أو أجد اهتمامًا أو أصدقاء مخلصين. لكن كان الجميع يسير معي من أجل والدي، ليس لدي أحد يحبني من قلبه. لا أعلم معنى الحب حتى. حتى أني أرى حبي "عمر" ليس سوى شيئًا أريد امتلاكه. حتى حب عائلتي لم أجده. كنت أفعل ما أريده ولا أحد يحاسبني، فتهورت. وصل بي الأمر إلى أن أفعل بكِ ذلك بدون سبب. حتى جاء الوقت لأتعاقب وشعرت أني على الحافة وسوف أتدمر من كل شيء ويضيع مستقبلي ولن ينجدني أبي هذه المرة. شعرت بالخطأ والجريمة التي ارتكبتها تجاهك. كنت أعلم تأثير المخدر عليكِ ورغم ذلك وضعته. لكنكِ برغم هذا تنازلتِ عن القضية. علمت ذلك اليوم الاختلاف بيننا وقد اقتنعت أنكِ أفضل والجميع محق أن يحبوكِ. اعتذر مجددًا.
كانت "أفيلا" غير مصدقة كلامها وتشعر بأنها تلعب ملعوبًا آخر أو تتمسخر عليها، لأن هذه ليست هي "هدير". لكن لماذا حزنت من كلامها وتأثرت به وملامح وجهها التي تظهر أنها صادقة؟
قالت هدير:
آسفة، أتمنى أن تسامحيني وتقبلي اعتذاري.
قالت "هدير" هذا وهي تنظر إليها وأنها لم تتحدث ولا يبدو على وجهها أي شيء. علمت أنها لم تقبل اعتذارها. حزنت بشدة، تنهدت ثم ذهبت.
قالت أفيلا:
ادخلي.
نظرت إليها بدهشة من ما قالته.
قالت أفيلا:
ستقفين عند الباب؟
ابتسمت، وجدتها تفسح لها للدخول.
دخلت وجلست لتسألها "أفيلا" عن ما تشربه. شكرتها وأنها لا تريد.
فقالت أفيلا:
لا تخافي، لن أضع لكِ شيئًا.
حزنت من ما قالته وشعرت بالحرج من نفسها.
قالت أفيلا:
سأحضر عصيرًا.
قالت هذا وهي تذهب. أغوتها، وأعطتها كوبها. جلست.
قالت هدير:
أشكركِ أنكِ تنازلتِ عن القضية.
قالت أفيلا:
لا بأس.
نظرت لها واردفت قائلة:
كلامك ليس صحيحًا، الجميع يحبونكِ ولكِ أصدقاء كثيرون. لكن تصرفاتك...
قالت هدير:
أعلم، سيئة، متغطرسة. لكنكِ مخطئة بكونهم يحبونني. لا داعي أن تجبري بخاطري.
قالت أفيلا:
لا أجبر بخاطرك، إنها الحقيقة. ثم إنكِ قلتي أنكِ تتمنين لو يحبكِ أحد. ألم تلاحظي أن هناك من يحبكِ بالفعل؟
تعجبت منا ما تعنيه حتى فهمت. ابتسمت ابتسامة خفيفة.
قالت:
تقصدين "سيف"؟
قالت أفيلا:
تعرفين بأمره؟
قالت هدير:
أجل، لكنني لا أشعر بشيء تجاهه.
قالت أفيلا:
أعطيه فرصة، وأعطي فرصة لنفسكِ. أرى داخلكِ فتاة لطيفة بعض الشيء.
قالت هدير:
حقًا؟ أخبريهم لست سيئة لهذه الدرجة.
قالت ذلك بغرور وتلقائية. لتنظر "أفيلا" لها بشدة وتعجب. لاحظت "هدير" نظراتها. ابتسمت بحرج من ما قالته.
قالت هدير:
حسنًا، لن أدع غروري يتحكم بي.
تنهدت ثم قالت:
صدقيني يا "أفيلا"، لست سعيدة بكوني هكذا. أريد أن أتغير للأحسن وأن أجد الحب من حولي.
ابتسمت وهي تقول:
اطلبي هذا التغيير من داخلكِ لنفسكِ، وسوف تنصاع إلى كلمتكِ وتجدين حياتكِ تغيرت.
قالت هدير:
تظنين هذا؟
أومأت برأسها لتبتسم وتقول:
هل تصبحين صديقتي إذا؟
نظرت "أفيلا" إليها وصمتت. وأحرجت "هدير" من نفسها. فعلًا، نسيت ما فعلته بها. كل هذا؟ كيف تطلب منها صداقتها وتنسى كل شيء؟
قالت أفيلا:
عندما تطأ قدماكِ لمنزلي، تصبحين صديقتي.
نظرت له بشدة. ابتسمت وقالت:
أنتِ جميلة من الخارج ومن الداخل. كان "عمر" محقًا أن يحبكِ ويتغير من أجلكِ.
قالت أفيلا:
سعيدة بتغيره كثيرًا، لكنكِ مخطئة بما قلته. إننا أصدقاء، وإن كان يكن لي الحب فهو لصديق لا أكثر.
صمتت. فهي لا توافقها في كلامها. تعلم أنه ما زال يحبها، لكنها تحب زوجها.
قالت أفيلا:
هل من رأيته في المخفر ومن أخذكِ في ذلك اليوم كان هو حقًا... زوجكِ؟
أومأت برأسها.
قالت أفيلا:
لن أسألكِ كيف، لكن الأمر مريب. لقد ارتعبنا من رؤيته. ولو رأيتِنا كيف كنا عندما غادرتِ، متصنمين.
ضحكت، فقد تذكرت عائلتها وكيف كانا شكلهما. لكن شعرت بالحزن من تذكرهم وكلام عمها الأخير.
قالت أفيلا:
يبدو عليه أنه يحبكِ كثيرًا. فقد كان متضايقًا وغاضبًا من رؤيتكِ تضحكين وقريبة من "عمر". أيضًا في المخفر كان وكأنما نوى لي بالشر على ما فعلته بكِ.
صمتت. إلى أنها ابتسمت مريرة. فهو لا يتذكرها. كيف يحبها؟
استأذنت "هدير" بالرحيل. أوصلتها إلى الباب. ذهبت، لكن عادت.
قالت هدير:
أعطني رقمكِ.
قالت أفيلا:
لماذا؟
قالت بحزن:
ألسنا أصدقاء؟
أخرجت هاتفها وأعطته لها. ابتسمت، سجلت رقمها ودعتها وذهبت.
دخلت "أفيلا" إلى غرفتها، جلست على سريرها، تذكرت كلام "هدير" وعن غضب "كاسبر" عندما رآها. ابتسمت. استلقت ونامت. مدت يدها لتطفئ الضوء، لكن توقفت.
قالت:
لماذا كان يخبرني عن هذا اليوم كثيرًا عندما أحضرني لهنا؟
عادت بذاكرتها لذلك اليوم، وعندما كانت تخرف في كلماتها وحركاتها البذيئة. حتى أخذها "كاسبر" من هناك. من ثم لا تتذكر شيئًا آخر.
أغمضت عينيها تحاول أن تتذكر. وجدت وهو يمسك يدها ويدخلها إلى السيارة. وتحاول أن تخرج، لكنه منعها وقفل الباب. وكان غاضبًا. ثم عندما أدخلها إلى الشقة ودفعته بعيدًا عنها وصارت تتحدث معه وتبكي. ظلت تتذكر الكلام الذي قالته ومتضايقة جدًا. فكيف تفوهت بهذا الكلام واسم "علي" الذي نطقته له. علمت لماذا سألها عنه. لتجد نفسها تمسك قميصه وتفكه. تمسك يداه، تضعها على خصرها وتلف بذراعيها حول رقبته. وساروا حتى دخلوا إلى غرفتها ونامت. وكان كاسبر قريبًا منها جدًا ويقترب أكثر.
فتحت عينيها بصدمة كبيرة تعتريها. حاولت أن تتذكر شيئًا آخر وماذا حدث بعد ذلك، لكن لا تجد أي ما تتذكره.
قالت:
ما هذا الذي فعلته؟ هل جننت؟
قالت ذلك بضيق تخاطب نفسها. تذكرت كلامًا معها وعندما كان يذكرها ويبتسم بخبث. وضعت يدها على وجهها بضيق وخجل من ما فعلته. وقفت، ذهبت إلى خزانتها، بدلت ملابسها، ثم أخذت مفاتيحها وخرجت.
كانت تقود السيارة تفكر وعقلها بمكان آخر. لتقول:
لم أكن بوعي. هذا صحيح، لم تكن أنا. لا داعي أن أتضايق.
قالت ذلك وهي تهدئ نفسها، فلم تكن بحال جيد.
توقفت، نزلت من السيارة. كانت أمام الفيلا التي يجلس فيها. دخلت. نظر الرجال لها بتعجب. ف"كاسبر" كان قد عاد للتو من الخارج.
دلفت لداخل. نظرت حولها. لم تجده. صعدت إلى غرفته. فتحت الباب. كان واقفًا عند خزانته ليبدأ ملابسه. نظر إلى الباب، فكيف يفتح أحد عليه هكذا؟ لكن تفاجأ حين وجدها "أفيلا".
قال بإستغراب:
ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟
اقتربت منه. قالت:
ماذا حدث في ذاك اليوم؟
لم يفهم ما قالته. فأوضحت:
عندما أوصلتني للمنزل.
نظر لها بإستغراب. ثم ابتسم. قال:
أتذكرتي؟
قالت:
أخبرني.
قال:
ماذا تريدين أن أخبرك؟ لقد تذكرتي.
نظرت له بشدة. ثم قالت:
بعد ذلك لا أتذكر شيئًا آخر.
قال:
بعد ذلك؟
قال ذلك وكأنما يتكرر. فقالت بخوف:
أجل.
قال:
إلى أين توقفت ذاكرتك؟
تدفقت الدماء إلى وجنتها. فهل يريد أن يحرجها فقط؟
قالت:
لا داعي أن تعلمي.
قال ذلك ببرود. اقترب منه. قالت بغضب:
لماذا لا تتحدث؟
نظر إليها من غضبها وخوفها ونبرة صوتها، وكأنها على وشك البكاء. إلى هذا الحد ظنت أنه فعل بها شيئًا ليس برضاها. هل تخشى اقترابه لهذا الحد؟
قالت:
لماذا لن تبعدني؟ لم أكن بوعي وكنت تعلم ذلك، وأني أخرف. أخبرني ما هناك. هل حدث شيء؟
اقترب منها ببرود. نظرت له. قال:
إذا قلت أجل.
صدمت. وقالت:
ماذا؟
إنها تعلم أنه زوجها وليس داعي لأن تتعصب أو ذرة شعور بالغضب. لكن ماذا عنه؟ إنه لا يعلم ذلك. لا يعلم أنها زوجته لكي يقترب منها. لا يعلم أنها زوجته لكي يقترب منها. تشعر بالغضب منه. ماذا يراها ليقترب منها وهي ليست شيئًا بالنسبة له؟ قالت بحنق وصوت يجهش بالبكاء:
ليتك تركتني يومها.
وفور انتهاء جملتها، التفت لتذهب. أمسك يدها وسحبها إليه. فالتصق ظهرها بصدره. صدمت. لتجده يحاوطها بذراعيه. قالت بغضب وصوت مرتفع:
ابتعد عني.
قال:
اهدئي.
قالت:
اتركني.
حاولت الإفلات منه بغضب، لكنه ضمها أكثر إليه. فلم يكن هناك أي فاصل بينهم. فتوترت كثيرًا.
قال:
في ذلك اليوم لم يحدث أي شيء.
قال ذلك إليها. فصمتت. لكن لم تصدق ما قاله.
قالت:
كاذب. دعني.
قالت ذلك بغضب. فضحك عليها. تعجبت.
قال:
لم يحدث شيء. لم أقترب منكِ. لما لستِ مقتنعة؟
قالت:
ماذا تعني؟
قال:
الم تفكري كيف عندما استيقظتِ كنتِ كما أنتِ؟ ألم يلفت هذا انتباهكِ؟
صمتت قليلاً. فكان محقًا في كلامه.
قالت بحنق:
وقح.
قرب وجه منها. خجلت. وكان قلبها يدق سريعًا من قربها منه. قال بجدية:
لم أستطع أن أقترب منكِ.
تصنمت "أفيلا" مكانها. نظرت له بصدمة مما قاله. نظر لها وإلى وجهها، فكان قريبًا منها.
قال:
خشيت عليكِ من نفسي.
شعرت بالسعادة بما قاله. إنه يخاف عليها منه. نظر لها كاسبر، وجد وجنتها تكسوها الحمرة. شعر بنبضات قلبها المتسارعة وتوترها. قرب وجه منها. ابتسم بخبث. قال:
لكن لا أعلم إذا استطعت أن أتحكم بنفسي أكثر من هذا أم لا.
اتسعت حدقتا عينيها. ودفعته بعيدًا عنها. ابتسم عليها. فأسرعت بالخروج من غرفته وهي تبتسم. وهي تنزل. وجدت "مازن" أمامها ينظر لها. نظرت له قليلاً، ثم ذهبت تتخطاه.
قال:
كانت أنتِ.
توقفت عندما سمعت ما قاله. نظرت له بعدم فهم. التف، نظر لها. قال:
أنتِ الذي تمنعيه من المغادرة. ألم أخبركِ أن تبقي بعيدة؟
تنهدت. أخذت نفسًا. قالت:
حاولت. لم أستطع.
اقترب منها. قال ساخرًا:
ماذا؟ أتحبينه؟
نظرت له من سؤاله الغريب وعلى سخريته منها. قالت:
إذا كنتِ تحبينه هكذا، لماذا قتلتيه في ذلك اليوم؟
احمرت عيناها أثر حرقة دموعها. قالت:
ألم تمل من تذكيري يا "مازن"؟
قال:
هل كنتِ قد نسيتِ حقًا ما فعلتيه، وتحتاجين لأحد أن يذكركِ؟
خفضت وجهها. جزت على شفتيها بحزن. تمنع بكاءها، لكن لم تستطع. سالت دمعة من عينها. رفعت وجهها. نظرت له. قالت بصوت ضعيف:
لم أنسَ. هل سعدت بسماع ذلك؟
نظر لها مازن ولبكائها. قال:
لماذا فعلتِ ذلك يا "أفيلا"؟
ليردف بتساؤل:
لماذا دمرتينا هكذا؟ ما السبب الذي جعلكِ تحاولين قتل أخي الذي يكون زوجكِ؟ لقد كنتِ تحبينه. وإن كنتِ تريدين قتله، فلماذا ما زلتِ تحومين حوله للعودة إليه؟
سالت الدموع من عينيها. قالت:
لا أستطيع إخبارَك.
تعجب كثيرًا. ابتسم بسخرية. قال:
لا تستطيعين.
ليضيف بقهقهة وصوت مرتفع:
هل قلتِ لا تستطيعين إخباري أم لا تجيدين ما تقولينه؟
قبضت على يدها. تحاول كتم بكائها وأن تتمالك قدر الإمكان.
قالت:
لماذا صمتِ؟ تحدثي. أم أنكِ ستلزمين الصمت هذا كثيرًا؟ أم تبحثين عن حجة؟
لم ترد عليه. تصغي إليه بصمت.
قال:
لماذا ترفع صوتك عليها؟
جاء هذا الصوت من خلفهم. نظرو له. كان "كاسبر" واقفًا ينظر لهم. خافوا أن يكون سمع حديثهم. اقترب منهم. نظر إليها من دموعها. تضايق من رؤيتهم. نظر إلى "مازن". قال:
ماذا يحدث؟
قال مازن:
هذا السبب الذي يجعلك تبقى في مصر. ألا تريد أن تغادر من أجلها؟
نظر له باستغراب. وجده يضيف بسخرية:
صحيح، إذا.
انك تعيد الخطأ مرتين.
غضب من طريقته أكثر من تضايقه، فقد سمع صوته المرتفع في وجهها.
نظر "مازن" إلى "أفيلا" التي كانت واقفة لا تتحدث، قال:
كلما تنسي يا "أفيلا"، اعلمي أني سوف أذكرك دائمًا لأني لم أنسَ.
وقف أمامه وقال بجمود:
تحدث معي.
تفاجأ كثيرًا، قال بتعجب:
ماذا؟
نظرت "أفيلا" إلى كاسبر، قالت:
ماذا تقول؟ مازن صديق...
قاطعها بغضب وهو قال:
لست صديقًا لأحد.
نظرت له بحزن، فقد كانت لا تريد أن يلاحظ "كاسبر" أي شيء بينهما.
لا تتحدث معها هكذا.
قال ذلك بتحذير، نظر له قال:
لماذا؟ هل تضايقت من أجلها؟
نظر له ببرود، ليقف أمامه مباشرة ويقول:
سمعتني جيدًا، أليس كذلك؟
ليصمت وينظر إلى أخيه بصدمة من حديثه معه ودفاعه عن "أفيلا" التي تتحمر به. نظر لها بحنق، ثم ألقى عليه نظرات خيبة وخذلان، ليذهب مبتعدًا عنهم وهو غاضب. خؤح دلف إلى سيارته وذهب.
وقفت "أفيلا" في وجه كاسبر، نظر لها قال:
كيف تتحدث مع أخاك هكذا؟
أخاك؟ لا أعلم أخي كيف.
قال هذا ببرود، فقالت بغضب:
لأنك لا تتذكر. ذاكرتك الذي فقدتها متعلقة به. إنه يحبك كثيرًا، بينما أنت بارد تجاهه بسبب عدم معرفتك به. ألم ترَ كم يعتني ويهتم بك ويخاف عليك؟ على الرغم أنك لا تتذكره، لكنه لا يتركك ودائمًا بجانبك. عندما جئت لمصر، جاء هو أيضًا من أجلك.
نظر لها بلامبالاة مما تقوله وتسمعه منها. اقتربت، نظرت في عينيه قالت:
عندما تحدثت معه هكذا بدون اهتمام لمشاعره، كان هو أول من يهتم بأمرك.
توقف عند تلك الجملة ولم يفهم شيئًا مما تقوله له. أمسكت يده بحنان، نظر لها قالت:
أعلم أنك تحبه أيضًا، لا تدعه حزينًا منك كثيرًا. سوف تعود إليك ذاكرتك يومًا ما وتعلم كم يحبك ووقف بجانبك.
لم يرد عليها، تضايقت من هذا الصمت وكأنه حقًا لا يهتم لأمرها. ابتعدت عنه وخرجت، ركبت سيارتها وذهبت. أمسكت هاتفها، كانت سوف ترن على "مازن" لكن تذكرت كيف كان ينظر لها قبل أن يغادر، فرجعت في كلامها. اتصلت بـ "عمر".
آسفة، هل أيقظتك من نومك؟
لا. ما الأمر؟
هل تعلم عنوان "مازن"؟ أريد الذهاب له.
الآن!
أجل.
أين أنتِ؟
في الطريق.
سوف انتظرك بالأسفل عند منزلي.
حسنًا.
أقفلت الهاتف وأسرعت. وصلت، نزلت أفيلا من سيارتها، وجدت "عمر" واقفًا ينتظرها. اقتربت منه قالت:
اعتذر يا عمر، حقًا لم أكن أنوي أن أنزلك في هذا الوقت.
ماذا تقولين؟ أنني من أردت أن أوصلك بنفسي. لكن أخبريني فقط، هل حدث شيء؟ لقد قلقت.
لنذهب أولًا.
أومأ برأسه، دخلا لسيارته وذهبا، فهو من يعرف المنزل.
بعد مرور وقت، بعدما وصلا، توقف. ترجل من السيارة، وقف عند الباب، رن الجرس وبقوا قليلاً لكن لم يأتهم رد. ضغط مجددًا وأخرى، لكن بدون جدوى. قال:
أظنه ليس بالداخل.
شعرت بالخيبة، قالت:
حسنًا، لنذهب.
ذهبا، ثم وجدوا الباب يفتح. نظرت، وجدت "مازن". نظر لها بضيق قال:
ماذا تفعلين هنا؟ هل جئتِ لتخبريني كم يحبك ودافع عنك وصاح في وجه أخيه من أجلك؟
شعرت بالحزن من اتهامه، قالت:
لماذا تقول ذلك؟
غضب "عمر" قال:
حدث معها جيدًا، لقد جاءت إلى هنا من أجلك.
لم يرد عليه. قال "أفيلا":
لقد كان "علي" غاضبًا، لذلك تحدث هكذا، لكن عندما رحلت، رأيته يتضايق.
ابتسم، قال ساخرًا:
أتُريني طفلاً لتخدعيني؟ إنه لا يعلم من أكون، وكل هذا بسببك.
تنهدت كي لا تحزن، ثم قالت:
ذاكرته بدأت تعود، إنه يرى أشياء حدثت من قبل.
ماذا؟ متى؟ ولماذا لم تخبريني؟ هذا خطر عليه.
قال هذا بقلق. ابتسمت ابتسامة خفيفة قالت:
أترى كم تحبه؟ لكن لا تقلق، إذا كان هذا من تلقاء نفسه، لا بأس. لكن إذا ضغط على عقله ليتذكر، هذا هو الخطر بحد ذاته.
نظر لها باستغراب قال:
أتريدينه أن يتذكر؟
صمتت قليلاً ثم قالت:
لا، لكنه مقدر له أن يتذكر. اليوم أو غدًا سوف يتذكرني.
أردفت بحزن:
ويتذكر ما فعلته.
إذا كنتِ تجدينه هكذا حتى اليوم، فلماذا حاولتِ قتله؟ ماذا فعل لتقسي عليه هكذا؟
خدعت. صدقيني، لم أكن أقصد ما فعلته. لم أتخيل أو أريد أن نكون هنا.
كيف؟
ظننت "علي" هو من قتل والدي.
نظروا لها بصدمة. فعل والدها؟ قُتلوا؟ قال "مازن":
كيف تظنين هذا؟
لأن كل شيء كان يشير عليه.
نظر "عمر" و"مازن" إلى بعضهم بعدم فهم. قال:
لنتحدث بالداخل.
دخلا، جلسوا ينظرون إلى "أفيلا" ينتظرون أن تتحدث. قالت:
"لوسيانو". ذلك الاسم سمعته من أحد القتلة وهم يذهبون بعدما قتلوا والدي.
قال "مازن" باستغراب:
لا أفهم شيئًا. ما علاقة علي بذلك؟
"لوسيانو" يكون لقب "علي" بين المافيا.
اتسعت أعينهم بسماع ما قالته.
آل مافيا؟
قال "مازن" ذلك بصدمة وهو ينطقها بصعوبة. فأومأت برأسها إيجابًا وسردت قصتها المؤلمة لهم. من مراهقتها، بداية اختراقها لحساب والده في ألمانيا. وحكت لهم عن رسائل "روبرت" ومن يكون. و"باولو" الذي سمعته وهو يلقبه بذلك الاسم. وروبرت الذي اختطفها بعدما قتله، وأخبرها بالحقيقة ليندمها ويقتلها. هل الأخرى ليكمل خطته؟ كان كلاهما مصدومًا من تلك القصة الغريبة بأحداثها. قال "مازن" بصدمة كبيرة:
علي رجل مافيا.
نظر "عمر" إلى "أفيلا" بحزن من ما حدث معها وقصتها المؤلمة. تذكر قديمًا عندما كان في منزلها وسمعوا صوتًا ورأى غرفة مليئة بالحاسوبات وأجهزة. وعندما دخلتها "أفيلا" كيف كانت خائفة وكأنما ترى وحشًا. تذكر كلامها في هذا اليوم، هي ليست بوعيها.
"قتل والدي بسببى، ومن ثم حاولت قتل "علي" الذي جعلني أشعر بالسعادة والأمان. قتلته بسبب ذنب لم يرتكبه. ليتني سألته قبل أن أتسرع بغبائي. لماذا يحدث معي ذلك يا عمر؟ تمنيت حياة هادئة كباقي البشر، لماذا حياتي مليئة بالدماء والركض والخوف؟ خطأ من وراء حماسي بسبب الاختراق جعلني أدخل إلى عالم مخيف جدًا. لكن تعلم شيئًا؟ من خلال هذا العالم قابلت "علي". إنه منهم. الآن قد اتضح كلامها له، لقد عرف الأسرار التي كانت تربيه منها.
قال "مازن":
لا أصدق ما سمعته. لكن لماذا لم تسأليه؟ ألم يكن بأمكانك ذلك؟
صمتت. كيف توضح له ما كان في ذهنها؟ أنه نذل ومخادع. فهل تذهب إلى قاتل وتسأله عن سبب قتل والديها؟ ماذا إن كان هو؟ هل سيتركها؟ ذلك ما كانت تفكر فيه.
كنت غبية، أردت أن انتقم فقط.
ماذا إن تذكرك؟
قال "عمر" ذلك. نظروا إليه، أردف وهو يقول:
إن تذكر محاولة قتلك له. هل سوف يدعك؟ ألستِ خائفة على نفسك؟
فكان قد شعر بالخوف عليها، لكن تعجب حين وجدها تبتسم وتقول:
ماذا تعتقد؟ هل سيقتلني؟
نظروا لها بشدة، فأردفت:
كان قادرًا أن يدافع عن نفسه ويقتلني ذلك اليوم بالفعل وأنا أقدم على موته. لكن لم يفعلها، وإذا فعلها الآن وأراد قتلي، لست مبالية للأمر ويكون هكذا تعادلنا والنتيجة أصبحت حاسمة لكلا الطرفين.
تنهد "مازن"، فأصبح في حيرة قال:
لماذا لم تخبرينا بكل هذا باكرًا؟ وعندما سألتك عن السبب، لم تقولي.
لأن لا يجب أن يعلم أحد حول هذا الأمر. لا يجب بأي شكل من الأشكال أن يعلم من يكون "علي". لقد أخبرتكم لأنهي ذلك الأمر، لكن بعدما ينتهي ذلك النقاش، اعتبروا أنفسكم لا تعرفون شيئًا.
صمتت قليلاً. قال "عمر":
لم يكن لذنب أحد، إنه قدر. لقد سمعت لقبه من الرجال الذين قتلوا والديك وعلمت من يكون. لقد كان الأمر وكأنه مخطط له.
كان "مازن" يعلم أنه محق. فإذا كان مكانها وعلم بمن قتل والداه، لن يتركه. لكنه أخاه أيضًا، وكان من ظلم. قال:
هذا لا يمنع أنكِ أخطأتِ.
أعلم ما فعلته جيدًا. أريد منك يا "مازن" أن تعود كما كنت. إذا أردت أن أبتعد عنه، سأبتعد، لكن أريد أن نكون أصدقاء كما كنا، ولست عدوتك كالآن.
تحبه؟
ابتسمت ابتسامة وهي تقول:
ما زلت لا تصدقني وتشك بحبي له؟
أحاول تصديقك.
وصلت "أفيلا" إلى عمارتها، ترجلت من السيارة. نظرت إلى "عمر" قالت:
أشكرك لأنك لم تتركني أذهب بمفردي.
ابتسم وهو يقول:
لم أفعل شيئًا.
بادلته الابتسامة، ثم ذهبت، ليتابعه حتى اختفت عن ناظريه، فذهب.
مر يومان في المشفى. كانت "أفيلا" تعمل، عقلها مشغول، تفكر في "كاسبر" وتنظر إلى هاتفها من وقت لآخر. خرجت من غرفة المريض، وقفت في الممر واتصلت به. رد عليها، تعجبت أنه رد من أول مكالمة، ليست من عادته. قالت:
أين أنت؟
لماذا؟
قال ذلك ببرود. تنهدت وهي تقول:
ذهبت إلى "مازن".
صمت قليلاً ثم قال:
لا، لدي عمل.
هل تتحجج بأي شيء؟
ماذا تريدين يا "أفيلا"؟
أن تذهب لأخاك. مر يومان وأنت لم تحدثه بعد.
كنت مقدمًا على الذهاب من قبل أن تخبريني.
سعدت كثيرًا، قالت:
حقًا؟
شعر كاسبر بسعادتها من خلال نبرتها. قال:
نتحدث لاحقًا.
حسنًا.
قال هذا وهي تقفل الهاتف وتذهب لعملها.
في منتصف اليوم، كان "عمر" قد أرهق من عمله الكثير اليوم. قرر الخروج قليلاً يلتقط بعض الهواء. وحين خرج، توقف عند باب المشفى، وجد "أفيلا" واقفة وكأنما تتحدث مع أحد. تعجب، أقترب منها وتفاجأ حين رأى فتاة ذات شعر أشقر وأعين زرقاء وجسد متناسق ترتدي ملابس عصرية تلفت الأنظار. من ينظر لها يعلم أنها مختلفة وتبدو من بيئة أخرى عن هنا.
رواية احببت مافيا الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نور
وجد "أفيلا" واقفة وكأنها تتحدث مع أحد. تعجب، أقترب منها وتفاجأ حين رأى فتاة ذات شعر أشقر وأعين زرقاء وجسد متناسق ترتدي ملابس عصرية تلفت الأنظار. من ينظر لها يعلم أنها مختلفة وتبدو من بيئة أخرى عن هنا. ليجدها تنظر له بعدما لاحظت نظراته التي تثقبها. فالتفتت "أفيلا" لترى على ما تنظر.
"عمر" لماذا تقف هكذا؟
هل هي صديقتك؟
أومأت إيجاباً وهي تقول: أجل، إنها "ريلا". جاءت من ألمانيا إلى مصر منذ شهر وكانت تبحث عني.
أومأ بتفهم، فهذه إحدى صديقاتها إذاً حين كانت تدرس هناك.
مرحباً يا "عمر".
قالت "ريلا" ذلك إليه. فتعجب كونها تتحدث العربي وأيضاً تعرفه. نظر إلى "أفيلا" التي ابتسمت ثم قالت:
كنت أحدثها عنك.
بادلها الابتسامة، نظر إلى "ريلا" وقال:
سررت بمعرفتك.
ذهب تاركاً لهم حريتهم. لتتابعه "ريلا" بناظريها حتى بعدما ذهب. قالت:
نظرت "أفيلا" إليها، ابتسمت وقالت بمزاح:
er ist gegangen لقد ذهب.
أفاقت. نظرت إليها قالت:
ausمن
Wessen Augen jagst du? من عيناك تلاحقه؟
Was ist das, ich habe ihn nicht gesehen. ما هذا؟ لم أكن أنظر إليه.
ابتسمت ولم تشأ أن تجادلها، قالت:
Wie bist du nach Ägypten gekommen und warum hast du nicht mit mir gesprochen und mir gesagt, ich solle dich treffen? كيف جئتي لمصر ولماذا لم تتحدثي معي لأقابلك؟
لتعقد حاجبيها بضيق وتقول:
Du hast mich komplett vergessen und deine Nachrichten wurden abgeschnitten und als ich dich anrief, gab es mir einen Schalter und manchmal klingelt es, aber du antwortest nicht, ich habe es versucht. تقابليني!!! إنك نسيتني تماماً. وعندما كنت أهاتفك كان يعطيني مغلق، وأوقات يرن لكن لا تردي. لا أعلم ماذا دهاك؟ هل صداقتنا كانت هشة لهذا الحد؟ تأتي لمصر وتنسيني من الأساس... لكنني أنا لست مثلك. بعدما أفرغت من مشاغلي وأشيائي هناك وجئت لمصر لأراكِ. فقد اشتقت لكِ وخشيت أن يكون حدث لكِ شيء وأنا لا أعلم.
Es tut mir wirklich leid, ich habe mit niemandem gesprochen. تعلمين أنكِ أقرب صديقة لي.. اعتذر حقاً، لم أكن أتحدث مع أحد.
لتلاشي غضبها من نبرة صوتها قالت:
Warum؟ لماذا؟
صمتت قليلاً، تنهدت ثم ابتسمت وقالت:
Es ist nicht wichtig, einzutreten. ليس مهماً. لندخل.
und deine Arbeit؟ وماذا عن عملك؟
Wir machen Schluss und sitzen zusammen. سوف أنتهي ونجلس سوياً.
ابتسمت "ريلا" ابتسامة مرحة وهي تمسك ذراعها وتقول:
Ich vermisse es, mit dir zu sitzen. حسناً، كما تريدين.. فلقد اشتقت إلى الجلوس معك.
بادلتها الابتسامة ثم ذهبا.
في مساء اليوم، فتح رجل السيارة ليترجل "كاسبر". وكان أمام منزل. تنهد بضيق، فلا يزال كبرياؤه يمنعه من وجوده هنا.
فتح الباب ليطل "مازن" منه. نظر إلى أخيه سعد من رؤيته وأنه جاء إليه.
كان "كاسبر" سيتحدث، لكنه قاطعه حين وجده يضمه. تفاجأ كثيراً منه. نظر إليه وهو يحتضنه بصدر رحب، وجد نفسه يبتسم ابتسامة هادئة ويربت عليه. نظر "مازن" إلى رجاله الواقفين أمام سيارتهم. فيعيد تذكر كلام "أفيلا" الذي يحاول التهرب منه لكثرة ريبته. فهل معقول أن أخيه أحد رجال المافيا؟ ابتعد عنه، ابتسم قال:
لماذا تقف؟ ادخل.
دخلا وجلسا بالداخل. قال "مازن" بتساؤل:
كيف عرفت مكان المنزل؟
ليس بشيء صعب.
أومأ برأسه بتفهم ليجده يقف ويقول:
لنذهب.
لأين؟
ألا تأتي معي؟
ابتسم ثم وقف وقال: كنت معك لأنك كنت مريض بسبب الحادث، لكنك الآن حمدالله بخير. إذا احتجت شيئاً أخيك موجود دائماً.
تعجب، لم يكن يعلم هل هذا يعني أنه ما زال متضايقاً؟ صمت قليلاً، نظر له ثم قال:
لماذا كنت غاضب من "أفيلا" وتصرخ فيها؟
توتر، لكنه قال: لا، نحن نتصالح دائماً.
حتى تبكي؟
قال هذا ببرود وشك بما قاله. صمت ولم يرد عليه.
أتحبها؟
تعجب كثيراً من سؤاله الذي ليس له مجرى من الحديث. لم يعلم ماذا يقول، هل يؤيده أم لا؟ لم يعلق، وفضل الصمت. علم "مازن" من صمته أن الإجابة هي أجل. لكن مدام لا يقولها، أي أنه غير متأكد أن مشاعره ضعيفة تجاهها عن ذي قبل. فلم يكن متردداً حين سأله ذات يوم أن كان يحبها كالآن. تنهد ثم قال:
"أفيلا" فتاة جميلة.
نظر له بشدة، فشعر بالخوف من نظرته. ليسحب كلامه ويقول بسرعة:
لا أقصد شيئاً، أتحدث عن روحها وأخلاقها.
على الذهاب.
قال ذلك، وقف كاسبر وذهب. فتبعه، أوصله إلى الباب ودعه. وبعدما رحل، أقفل الباب وعقله شارداً.
لقد سامحتك يا "أفيلا" على ما فعلتيه بأخي. فإن سماع بمقتل والديك جعلني أشفُق عليكِ وأضع لكِ عذراً. لكن لا أظن أن "علي" ممكن أن يسامحك.. فبدا لي مخيفاً عندما علمت بحقيقته.
انتهت "أفيلا" من عملها، دخلت مكتبها. كانت "ريلا" تجلس وتمسك هاتفها وتنشغل به حتى أتت. نظرت لها قالت:
انتهيتِ؟
أومأت إيجاباً وهي تقول: لما تحدثيني باللغتين؟
لا أزال لم أتقن العربية بعد، أجدها صعبة على لساني لذلك أتحدث معكِ بطبيعتي.
لكنك قد تحسنتِ في اللغة العربية، لم تكوني هكذا قبلاً.
ابتسمت بمرح وقالت:
حقاً؟ أن عقلي متفتح يستقبل الجديد بسهولة.
أردفت قائلة: كنتِ في ألمانيا تحدثينني بها في أوقات، وغير ذلك كنت أتعلمها. وعندما جئت لهنا أصبحت أتحدثها لكن أتقطع قليلاً.
ابتسمت عليها ثم قالت: جيد، لنذهب.
خرجوا من المكتب، لكن توقفت "أفيلا" فجأة وكأنها تذكرت شيئاً.
ما الأمر؟
قالت "ريلا" ذلك بتساؤل. فردت عليها:
انتظري هنا، سأتحدث مع طبيب ياسر وأعود.
أومأت برأسها إيجاباً. فذهبت. وقفت تنظر في هاتفها حتى تعود إليها. لتنصدم بجسد. تألمت.
اعتذر.
نظرت إليه من صاحب الصوت، فوجدته "عمر". قالت:
لا بأس.
ماذا تفعلين هنا؟ تنتظرين أفيلا؟
أجل.
صمت، لينظر بعيداً ويقول: ها هي قد جاءت.
نظرت لترى "أفيلا" تقترب منهم لتتحدث مع عمر وتسأله أن كان قد انتهى. أخبرها أنه لا يزال لديه عمل. ثم ودعته وذهبت، لتلقي "ريلا" نظرة على "عمر" وتتبعها.
ذهبوا لمقهى. نظرت "ريلا" إلى يدها والخاتم الذي ترتديه. قالت بابتسامة ماكرة:
ما هذا؟ هل لديكِ حبيب؟
نظرت لها بعدم فهم، ثم رأت خاتمها الذي كان مقصدها لتبتسم من تلقاء نفسها. نظرت لها "ريلا" وإلى ابتسامتها لتقول:
صحيح إذاً؟ ألم أقل أنكِ ستقعين في الحب يوماً ما.
أردفت بتساؤل: أخبريني عنه وكيف شكله.. وسيم؟ غني؟ كل شيء.
ليس من هذا، إنه عادي.
قالت ذلك ببساطة. تعجبت، قالت: حقاً؟ كيف أحببتيه إذاً؟ لقد كنتِ صارمة جداً ولا تقتربين من أحد.
ابتسمت وقالت بإدعاء الجهل: هل كنت كذلك؟
ضحكت، قالت: رؤيتك الآن مختلفة عن ذي قبل بمئة درجة. إن لم يكن وسيم أو غني إذاً فهو شخص مميز.
أخبرتك أنه ليس به أي شيء مميز.
عقدت حاجبيها بضيق لتقول بخيبة:
ما هذا الإحباط؟ كيف ليس مميز في شيء؟ ظننت عندما تقعين في حب رجلاً سيكون فريد من نوعه ليس كباقي البشر بسبب ما كنتِ تفعلينه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة من كلامها ولم تعلق. إلى أنها أيدتها داخلها. فهو بالفعل كذلك.. إنه فريد ومميز بكل شيء. أنها من لم تتوقع أن تقابله أو تقع في حبه كونه رجل مافيا.
أخبريني عن دراستك.
قالت "أفيلا" هذا بتساؤل، فقالت:
ألم أخبرك أنك نسيتني؟ لقد تخرجت من سنتين.
تفاجأت، وقالت: حقاً؟ لقد كبرتي كثيراً.
لا تتحدثي معي وكأنكِ تكبريني بكثير.
أومأت برأسها إيجاباً وهي تقول: حسناً. وأين تسكنين الآن؟
أخذت شقة منذ أسبوع تقريباً لحين عودتي.
في يوم، كان "عمر" عائد إلى منزله ويقود سيارته ويتحدث في هاتفه مع "سيف" صديقه ليقول بدهشة:
كيف أخذتها الشرطة وخرجت؟
ظننت أن "أفيلا" أخبرتك عن ما حدث؟ إنها من أخرجتها من السجن ولم تقبل أن تقاضيها على فعلتها.
لا أعلم شيئاً. هل كانت "هدير"؟ كل هذا هي من وضعت لها مخدر في العصير؟
تنهد "سيف" وهو يقول: إن سامحتها "أفيلا" قد سامحناها. لا داعي أن تغضب أنت.
أقفل الهاتف وهو متضايق من "هدير" ولما كل هذا الكره الذي أوصلها أن تفعل ذلك.
خرجت "أفيلا" من حمامها بعدما اغتسلت وبدلت ملابسها. أمسكت المنشفة تجفف شعاراتها. سمعت صوت على الباب. ذهبت، نظرت وجدته "كاسبر". ابتسمت وفتحت على الفور بلهفة دون أن تنتظر لحظة. نظر لها "كاسبر" بشدة. تعجبت، فعلى ما يتطلع؟ نظرت لنفسها، فهي بملابس المنزل. شعرت بالحرج والضيق ولعنت غبائها وتسرعها. ثم فرت من أمامه، دخلت إلى غرفتها لتبدل ملابسها ثم تخرج إليه. نظر إليها وابتسم. أحرجت، قال بتفسير:
تعجلت في فتح الباب لهذا.
هل كنتِ تنتظرين قدومي؟
ابتسمت وقالت وهي مرتبكة: لا، إنني...
انسي
: سأحاول تصديقك
نظر لها واردف
: عندما تفتحي الباب فى المره القادمه انظرى الى ملابسك قبلا حتى لا يراكى أحد
نظرت له بتعجب فإضاف بحده
: سمعتينى صحيح
اومات برأسها بالطاعه قال
: سأسافر
: جيد ا..
لتصمت وتنظر له وتقول : ماذا قلت
ظنت أنها سمعت خطأ لكن على ما يبدو أنه حقيقى وجدية حزنت ثم قالت
: لماذا ألم تخبرنى أنك ستبقى
: طرأ امر هناك ويجب ان اعود اليهم
: الى من ، المافيا
قالت هذا ساخره ليحتل وجهه الجموخ وينظر لها ببرود ولم يرد عليها حتى لا يضايقها برده اقتربت منه ليلحظ الحزن الذى يطغى وجهها من رحيله قالت
: ستنسانى ولن تأتى لهنا ثانيا
: لماذا تقولى ذلك
صمتت ولم ترد عليه فا فى المره السابقه حين غادر وتاخر كثيرا تيقنت أنه نسيها ولن يعود
: لا تتاخر إذا
نظرت واردفت قائله : عدنى انك لن تطول هناك
كان ينظر لها بصمت ليقاطعهم صوت جرس الباب نظر لها "كاسبر" باستغراب ومن سيأتى لها فى هذا الوقت ذهبت وفتحت
: عمر
وما أن سمع هذا الإسم حتى تضايق كثيرا
: اعتذر على مجيئى فى هذا الوقت كنت مار بجانبك
: لا باس
: هل هدي....
صمت ولم يكمل عندما وجد "كاسبر" امامه ويقترب من "أفيلا" ويقف بجانبها ليخاطب نفسه
: كنت اشعر بالريبه منك لكن ليست لدرجه المافيا
تنهد ثم عاد بأنظاره إليها وقال
: هل "هدير" هى من وضعت لكى المخدر فى العصير
تعجب من معرفته قالت : اجل
: لماذا لم تدعيها تعاقب لتتعلم من خطئها
: لقد كانت نادمه زاعتذرت لا داعى لهذا
: وهل اخبرتيهم ان يخرجوها من هناك لذلك ، لماذا لم تخبرينى لقد علمت من سيف
قالت بتعجب : كيف علم سيف لم أخبر أحد
: من الممكن أن تكون هى من اخبرته
قال ذلك بإستغراب ليردف قائلا : على كلٍ يجب ان اذهب اراكى لاحقا
ابتسمت إليه ابتسامه خفيفه ليلقة نظره على "كاسبر" ثم ذهب وهو يجمع قبضته بضيق من نيرانه التى أصبح يتحكم بها إلى أنها تأكله
اقفلت الباب نظرت إلى "كاسبر" كان ينظر لها لم تفهم نظرته لها ولماذا اقترب منها هكذا عندما كان "عمر" هنا قال ببرود
: هل يأتى هنا كثيرا ، رايته المره الفائته عندك اخبرتينى انه جاء لانك كنتى مريضه
نظر لها واردف قائلا : ماذا عن الآن
: قليل ما يأتى لهنا إلى للضروره ولقد رأيت كيف كان واقف عند الباب وتحدث معى
لم يعير كلامها اهتمام ليقاطعها وهو يقول
: لا اود رؤيته قريب منك
تعجب قالت بتبرير : لكنه صديقى لا يوجد خطأ ف..
: انه لا يراكى هكذا اراه يحبك
قال هذا بإنفعال فعقدت حاجبيها بضيق وقالت
: ليس صحيح
اقترب منها بجمود وقال
: اتمنى ان تكون فهمتى كلامى جيدا يا "افيلا"
تعجب من نبرته أنه عاد يهددها من اقتراب أحد منها شعرت بالحزن اخفضت رأسها وهى تقول
: حسنا
نظر لها تنهد ثم ذهب ليجد من يمسك بيده تمنعه
: انتبه لنفسك
نظر لها بإستغراب فكانت متضايقه منذ قليل وخائفه منه ، الأن تخبره أنه يهتم بنفسه وحزينه من رحيله ، ربت على يدها بابتسامه هادئه ثم ذهب وكانت تطالعه خوفا من الفراق .. الفراق الذى باتت تخشاه لحد الموت
اعدت طعام لها لتأكل وبعدما انتهيت اخذت ادويتها ، لتمدد على سريرها للنوم لكن أوقفها شيئا ، سمات صوت اشعار صدر من هاتفها ، عادت لنومها لكن لا تعلم لما أراد فضولها إلقاء نظره ، لتتناوله وجدتها رساله ازدادت ضربات قلبها لتنظر إلى الرقم المرسل منه ليتسرب لقلبها الخوف حين كان مخفى ، توترت لتفتح الرساله وتتبدل ملامحها
" سعيد برؤيتكم سويا مره أخرى "
فى اليوم التالى بالمشفى كانت فى مكتبها عقلها شارظا منغرس فى أفكاره التى لم تعمد من امس بسبب الرساله الذى ارسلت لها وتسال نفسها لماذا تشعر بالخوف وان هناك شئ ما تخشي حدوثه ، ومن هذا الذى راسلها ، هل تقلق على لا شئ ولا داعى من خوفها .. أنها تعيد الأمر فهى كلما تأخذ الأمر ببساطه غير محمل الجد يحمل خلفه المصائب ، تنهدت بضيق اخذت استماره وخرجت
كان "عمر" يقود السياره متوجها الى المشفى وكان يتحدث عبر الهاتف
: لا اعتقد يا "أسر" انى استطيع المجيء اليوم
قهقه وقال بمزاح : لماذا ، هل جدولك اليوم ممتلئ
: اصبت
: لحظه ماذا
قال ذلك بصدمه ابتسم "عمر"
: قلت هذا بمزاح أن دوامك ينتهى تقريبا فى معاد سهرتنا ، اتحجج بلا شئ
: هل اضيع سهره مع اصدقائى بحجج ، الا تعرفنى
: هذا هو "عمر" اين كنت يا صديقى
ابتسم لكن تلاشو ابتسامته حين وقعت أنظاره للخارج لشبان يضايقون فتاه
: احدثك لاحقا
اقفل الهاتف لبفك حزامه ويترجل ، سار تجاهم
: ماذا يحدث
توقفو ونظرو إليه بإستغراب وحين اقترب "عمر" صدم من رؤيه الفتاه فلقد وجدها "ريلا" نظرت له هى الأخرى وبدى عليها الخوف
: من أنت ، تتطلع الينا
قال ذلك شاب وهو ينكزه فى كتفه ويقتربون وكأنما على وشك العراك معه ، نظر له "عمر" وإلى يده التى امتدت عليه
: ألم تسمعنى ياعذا ، اذهب من هنا هيا
لم يعيره اهتمام او يتحدث ببند كلمه امسك يد "ريلا" نظرت له اخذها وذهبا تحت أنظارهم بضيق
: انت
صاح أحدهم وهو يوقفه لكن سرعان ما تعرض للكمه فى وجه أفقدته توازنه ، نظر إلى "ريلا" قال
: اذهبى إلى السياره
كانت تنظر إلى الشاب بذهول آفاقت على صوت "عمر" فاومات له وذهبت على الفور
نظر الشابان إلى رفيقهم ثم نظر الى "عمر"بغضب اقترب منه وكان وشك ضربه لكن عمر امسك زباعها ورحله بقوه ليقع أرضا فتوقف الشاب الآخر فى مكانه ولم يفكر على. الاقتراب مثلهم حتى لا يتعرض للضرب ، لينظر لهم "عمر" بإشمئزاز وقرف ثم ذهب ليدلف لسيارته ويذهب تحت أنظار "ريلا" المتعجبه
: انتى بخير
قال هذا بتساءل قالت : اجل اشكرك
: لم افعل شيئا
نظر إلى ملابسها كانت ترتدى بلاوز بدون اكمام تظهر زراعيها وتنوره قصيره فوق ركبتيها تنهد ثم نظر أمامه قال
: لا اعلم أن كان يحق لى ان اقول ذلك ام لا
نظرت له بعدم فهم فأردف : لا ترتدى مثل هذه الملابس مجددا .. على الأقل هنا
تعجبت نظرت إلى ملابسها ومأنما تحد بهم خطأ قالت
: لماذا
: اختلاف المجتمع عن الآخر يختلف من الثقافه وهذا مجتمع شرقى ، أقول هذا كى لا تتعرضى لمضيقات لا أكثر ..
: حسنا
قالت "ريلا" ذلك وهى تبتسم نظر لها والى ابتسامتها فتوقع ان تعترض أو تتحدث بأنه ليس به دخل بذلك فهو أيضا كان متردد وهو يحدثها ، نظر أمامه قال
: ماذا كنتى تفعلين هنا
: كنت اشترى أعراضا
اومأ بتفهم ثم سألها اين تقيم اخبرته بمكانها وكانت تنظر اليه باعجاب من ما فعله معها وتعلقه على ملابسها .. لم يفعلها أحدا من قبل لأن لها الحريه فيما تريد فعله لكن لم يضيقها حديثه ، اوصلها حيث مكان إقامتها ترجلت نظرت له
: اشكرك
ابتسم إليها قال : لم افعل شئ
كانت ستذهب لكن توقفت قالت
: هل يمكنك ان تعطينى رقم هاتفك
نظر لها عمر باستغراب إلى أنه أخرج هاتفه وأعطاه إليها قالت
: ساحدثك بشأن أمر ما
أومأ لها بتفهم وعلم الآن لما أرادت هاتفه لكن تسائل فيما تريده ، بعدما دونت رقمها أعطته الهاتف ودعته ثم ذعب نظرت وهى مازلت تنظر له حتى اختفى من اعينها فصعدت
دخل "عمر" للمشفى ارتدى جاكته وخرج قابل "افيلا" تذكر البارحه عندما ذهب الي شقتها وكان "كاسبر" معها شعر بغصه فى حلقه
: متى جئت
: منذ قليل
: منذ متى انت تأتى بعدى
قالت هذا بمزاح ابتسم عليها
: هل تضايق "على" بسبب مجيئى البارحه
صمتت قليلا ثم نفيت برأسها وهى تقول : لا
أردفت قائله وهى تنظر لساعتها
: على الذهاب للعمليه
: بالتوفيق
ابتسمت له وذهبت فهو لطالما كان يشجعها
فى المساء عادت "افيلا" لشقتها فتحت هاتفها نظرت الى الرساله التى سببت لها اليوم كاملا فى قلق متواصل قاطعها رنين هاتفها انفزعت ، لكن هدأت حيت رأت أن "ريلا" المتصله
: عدتى من المشفى
: اجل ، هل هناك شئ
: لا مجرد سؤال ، أردت ان اخبرك ان غدا سنتقابل فور انتهائك دوامك
تعجبت فهى كانت تستطيع اخبارها غدا وهى فى المسفى كما تقول ام فى الصباح ، قالت
: اين
: فى ذلك المقهى الذى جلسنا فيه
: حسنا
لتقول بابتسامه مرحه وطفوليه : سانتظرك يا صديقتى
واقفلت الخط لتتعجب "أفيلا" فهى تشعر بغرابتعة التى تعلم أن خلفها أمر ما ، ابتسمت عليها ثم خلدت لنومها
فى اليوم التالى استيقظت من نومها لتأخذ حماما ثم خرجت فتحت خزانتها وبدلت ملابسها ارتدت بنطال اسود كلاسيكى وتوب ابيض على جاكت اسود ثم رفعت شعرها للأعلى بطوق وخصلات تنسدل على وجهها وملابسها
نزلت من العماره تخرج متوجه الى سيارتها لكن توقفت عندما وجدت سياره تتوقف امامها تحديدا وسياره خلفها ، تعجب نظرت حولها لتجد الباب يفتح نزل رجلان اقتربو منهم نظرت لهم "أفيلا" لتعود للخلف بقلق نظرت حولها سرعان ما ركضت لكن أحدهم امسكها فضربته فى وجه وافلتت من يده وذهبت ، ليتبعها رجلان آخران امسكها أحدهم يضم زراعيها خلف ظهرها كى لا تتحرك
: ابتعد ، ماذا تريدون
وجدت احدهم يقترب منها نظرت له بخوف لتجده يضع عصمه على اعينها وربطها حتى لا ترى وسحبوها معهم حاولت الافلات ضربت الذى يمسكها بزراعها من الخلف فابتعد عنها لينسكها الآخر ويقول بحده
: لن نؤيك لكنك تطرينا لهذا
أدخلها إلى السياره فهتفت بهم غاضبه وهى تقول
: من انتم
لم يرد عليها احد وكأنما لم تتحدث
بقت صامته طوال الطريق تشعر بالخوف من الذى معها واين هى ذاهبه وما هذه العصبه الذى على اعينها
توقفت السياره فتح الباب ترجلت وهم خلفها كانت تشعر برياح قويه وصوت ضجيج
: اين انا .. الى اين اخذتمونى
لم يرد عليها احد لا يزالو ملتزمين بصمتهم وهى فى حيرتها والخوف يزداد فى قلبها ، امسكت زراع من يمسكها وقامت بلويه بقوه فتألم لتسرع بالرمض وضعت يدها على اعينها تخلع هذا الشئ الذى يمنعها من الرؤيه لكن امسك احدهم يدها لتركله فى ساقه وتلكمه لكنه امسك يدها ليحكمها فهتفت به غاضبه
: اتركنى
كان هناك شخص واقف يتطلع لكل ما يحدث ويتابعه بصمت مهيب
تقدم بها حتى وجدته يبتعد عنها ولم يعد يمسكها ، تعجبت ثم شعرت أن هناك من يقف امامها صمتت وكأنما تصغى لحواسها لتشعر بظله بوقوفه أمامها مباشره لكن استوقفها شيئا
- من انت
احببت مافيا2
البارت١٥
•
رواية احببت مافيا الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نور
كان واقف بيشوفها وهي تضرب الرجال وتحاول تهرب.
أمسكها رجل بقوة وهو يمنعها فتدخل وهو يقترب، فشعرت بوجود أحد وهالة ظل.
وقف أمامها والرجل يبتعد عنها.
قالت بخوف:
- من أنت؟
لكن استوقفها شيء.. رائحة عطر تغلغلت بأنفاسها ولم يكن غريباً عليها، كانت تعلم صاحب هذه العطر جيداً.
: أنك قوية حقاً.
جاء ذلك الصوت الذي تميزه بنبرته وبحته المثيرة.
قربت يدها منه تود أن تلمسه.
قالت:
- أهذا أنت؟
ابتسم "كاسبر"، اقترب منها، همس لها:
- عرفتيني سريعاً.
أمسك يدها فاطبقت على يده فشعر ببرودة ملمسها.
نظر لها، فهل أصابها الذعر أو ما شابه.
ليرمق رجاله بنظرة:
- من هؤلاء وأين أنا؟
:
- أعتذر على إخافتك، لم أكن أقصد ذلك.
:
- لا بأس، لم أعد خائفة.
ابتسم، قام اقترب منها وأمسك العصابة وأحكمها على أعينها فكانت ستقع.
تعجبت أفيلا منه فظنت أنه سيخلعها فهي تريد أن ترى أين جاءت ولما أحضرها، واليس كان مسافر.
لم تكن تعلم أن هناك طائرته خاصة من خلفهم تنتظرهم ولا يوجد أحد في المكان سواهم على تلك الأرض المستوية للإقلاع.
وقف بجانبها، أخذها وهو يمسكها من كتفها برفق حتى لا تتعثر فهي لا ترى شيء وكانت تضع يدها على يده الذي يضعها على كتفها تتأكد أنه لن يتركها.
كان يتقدمون من الطائرة كادت أن تتعثر بالسلم.
:
- انتبهي.
:
- ما هذا؟ اخبرني ماذا يحدث، أنا لا أفهم شيء.
:
- بعد قليل ستفهمين، هيا.
صعدت هي تستند عليه حتى دخلا إلى الطائرة، كان مضيفتين ينتظروهم.
شعرت "أفيلا" بالمكيف وأن صوت الرياح وقوتها لم تشعر بهم.
رفع السلم وأقفل باب الطائرة فلم تعد تسمع أي ضجيج كالذي بالخارج.
أجلسها "كاسبر" على كرسيها، ابتعد عنها وجدها ما زالت تمسك يده.
ابتسم وجلس بجانبها.
لبدأ كابتن الطائرة بمساره وتحركت الطائرة وتسارعت شيئاً فشيئاً.
تعجبت "أفيلا" لا تعلم هل هي داخل سيارة أم ماذا ثم قلعت الطائرة وبدأت في التحليق.
طبقت على يده بقوة خوفاً.
قالت:
- ما كان ذلك؟ أين نحن اخبرني.
لاحظ خوفها فلم يكمل ما كان يريده.
شعرت باقترابه منه لتجده يقوم بفك الرباط من على أعينها ثم سحبه وهو يقول:
- بإمكانك أن ترى الآن.
فتحت عينها لتراه أول شخصاً.
نظرت حولها وتفاجأت من الطائرة التي تجلس فيها.
نظرت إلى النافذة التي بجانبها فاتسعت أعينها وفتحت فاها بصدمة من تلك السماء التي تحلق فيها..
أنها في الهواء وقلعت بالفعل ويبدأ ظهور السحاب بجانبها.
نظرت إلى "كاسبر" بذهول بمزيج من الدهشة:
- هل نحن في طائرة حقاً أم أنني أتخيل؟
ابتسم عليها فهتفت بصوت مرتفع أثر صدمة:
- هل اختطفتني؟
قهقه بسبب ردة فعلها.
قال:
- على ما يبدو.
نظرت له باستغراب.
قالت:
- كيف أنت هنا؟ الم تقل لي أنك ذاهب إلى ألمانيا؟
:
- كنت مغادراً بالفعل لكن أجلت الأمر ليومين.
اقترب منها، نظرت له بتوتر.
قال بشك:
- ألست سعيدة برؤيتي؟
ابتسمت ثم قالت:
- بلى أنا كذلك.
بادلها ابتسامة خفيفة ثم ابتعد لتعود بأنظارها إلى النافذة تتابع مشهد السماء الذي يحوم حولها وكأنما على وشك لمسه وترسم ابتسامة.
كان يتابعها بأنظاره.
جاءت المضيفة لترى إذا كان يحتاجون لشيء، اقتربت منهم وضعت يدها على كرسي كاسبر لتعدله.
نظرت له وإلى وسامته، لاحظ اقترابها نظر إلى يدها فابتعدت بحرج.
قالت:
- You need something؟ تحتاجون لشيء؟
نظرت لها "أفيلا" بعدما سمعت خطابها فذهبت نظرت لـ"كاسبر" وأنه لم يرد عليها ولم يعيرها أي اهتمام.
سعدت بذلك فهي تعلم أن شخصيته قوية ولا يهتم بالنساء وصارم، هذا هو ما أعجبها به وجذبها تجاهه.
مرا خمس ساعات وكانا قد وصلا وبدأت الطائرة في الهبوط وتستقر على الأرض ثم فتح الباب.
نظرت له فأشار لها بمعنى أن بيذهبا فتبعته.
نزلا من الطائرة كانوا في الليل ولا تعرف أين هي لكنها بالتأكيد بدولة أخرى مدام التوقيت مختلف.
كانت تسير معه وسط تساؤلاتها كان هناك طاقم من الحراس يقفون أمام سيارتهم ينتظرونهم.
ليفتحوا لهم السيارة المميزة بينهم ذو تصميم فريد فاخر.
دخلا للداخل، نظرت من النافذة إلى الشوارع والناس لعلها تعرف أين هي.
وصلا إلى فندق ضخم رحب بهم المدير والعاملين ترحيباً خاصاً وكأنهم كانوا في انتظار قدومهم.
وجدت المدير يعرف "كاسبر" ويتحدث معه برسمي وتلقيب احتراماً.
لم تكن تعلم من أين يهللونه لكن تساؤلاتها أنهم بتأكيد لا يعلمون كونه مافيا فما هي الكنية التي يعرفونه بها.
:
- أين نحن؟
قالت هذا بهمس إليه وكانا في المصعد وهناك من معهم ليدلوهم على الغرفة.
لم يرد عليها ليتقدموا ويصلوا إلى غرفة فتحها بالبطاقة الخاصة ثم أعطاها "كاسبر" واستأذن بالرحيل لينفردا بينما "أفيلا" تنظر الغرفة.
:
- خذي قسطاً من الراحة الآن لحين الصباح.
نظرت له كانت سوف تتحدث لكنه ذهب، أسرعت بإمساك يده تمنعه.
هتفت غاضبة:
- يكفي اخبرني الآن أين نحن وماذا يجري هنا؟
نظر إلى يدها وتعبيراتها الغاضبة ليسحبها إليه بحركة سريعة لم تتوقعها فاصطدمت بجسده ليلتف ذراعيه حولها.
نظرت له بشدة:
- ماذا تفعل ابتعد.
:
- ألم تمسكي يدي؟ دعينا هكذا قليلاً.
قال هذا بخبث وهو ينظر إليها لتتدفق الدماء تصاعداً لوجهها.
ابتسم وهو يرى وجنتها التي تزداد احمراراً وكأنه مستمتع بينما هي ضربات قلبها من سرعتها تتيقن بأنه سيتوقف عنا قريباً.
سمعت صوتاً وجدته مدير الفندق وإحدى مساعديه.
أبعدت "كاسبر" عنها لكن اصطدمت حيث قربها أكثر.
قالت له:
- يوجد أحد.
:
- ماذا في ذلك؟
توترت كثيراً.
ابتسم المدير.
قال:
- We brought wine to your room. Please listen to our guests احضرنا النبيذ إلى غرفة حضرتك. أرجو أن تستمعوا بضيافتنا.
عقدت حاجبيها ونظرت "كاسبر" بضيق وغضب وفور ذهاب المدير وأقفل الباب دفعته بقوة بعيداً عنها لتهتف بغضب:
- أما زلت تشرب ذاك الشيء؟
:
- لا.
قال ذلك بتعجب من انفعالها.
:
- كيف إذاً أحضروه لك؟
:
- هذا مشروب ضيافتهم لم أطلبه منهم.
صمتت وكأنما قد واجهها بالحقيقة، نظرت بعيداً بغضب على الرغم أنه محق أنه يقدمونه للجميع هذا.
:
- لا تقترب منه إذاً.
قالت هذا بحدة.
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم التفت وذهب بينما نظرت حولها ثم جلست على السرير واستلقت للنوم كما أخبرها على الرغم أنها لا تريد النوم.
في الصباح أفاقت أفيلا على صوت الباب.
نظرت إلى الغرفة بتعجب وكيف جاءت لهنا ثم تذكرت.
وقفت ذهبت للباب وفتحت وجدتها امرأة ترتدي زي عمل تبتسم لها.
قالت:
- Hello, I send this dress to you مرحبا، أرسل هذا الفستان إليك.
نظرت لها باستغراب، أخذت الفستان.
قالت:
- I thank you اشكرك.
كانت ذاهبة استوقفتها وهي تقول:
- May I ask you where we are in which country هل يمكنني سؤالك في أي بلد نحن؟
تعجبت كثيراً فهل تتحدث بجدية:
- Switzerland سويسرا.
اتسعت حدقتا عينيها من الصدمة لكنها تمالكت.
قالت:
- I thank you اشكرك.
أقفلت الباب وهي غير مصدقة ما سمعته.
ذهبت أزاحت الستائر من على النافذة لتنظر للخارج ولتلك الشوارع لترتسم ابتسامة واسعة على ثغرها فهي غير مصدقة أنها في سويسرا حقاً..
البلد الذي تحبها وتتمنى أن تأتي إليها وتزورها يوماً ما ها هي الآن فيها.
التفت بسعادة رأت الفستان أخذته وارتدته كان مفتوحاً قليلاً عند العنق حيث تظهر قلادتها التي تزينها دائماً وتجعلها جميلة وعند الخصر ضيق من ثم واسع.
مشطت شعرها وضمته دائرياً من الأعلى وعقدته بجوق حيث تسدل خصلات عشوائية على وجهها.
كانت واقفة عند المصعد كانت ستدخل توقفت عندما وجدت "كاسبر" يرتدي قميصاً رمادياً بنصف أكمام حيث تبرز عضلاته.
نظر لشكلها الرقيق ابتسمت له من ثم دخلت.
:
- لماذا أحضرتنا إلى سويسرا؟
قالت هذا بتساؤل فقال:
- هل علمتِ؟
:
- أجل.
دخلا إلى السيارة وقاد.
نظرت له "أفيلا" بضيق وأنه لم يخبرها بعد سبب مجيئهم إلى هنا وماذا يفعلون رغم سعادتها أنها في سويسرا لكن تريد أن تعلم ماذا يحدث فهي في حيرة من أمره لما لا يعطيها أية اهتمام.
شعرت بشيء وجدت سقف السيارة يتحرك ويفتح فتظهر السماء من فوقهم صافية.
نظرت لها بدهشة ثم نظرت إلى "كاسبر" وابتسمت كانت تتطلع إلى السماء ومن نافذتها والإلى الشوارع وتماثيلها الواقعية وهي فرحة بينما كان هو قاصد أن يسير في هذه الشوارع من أجل أن يريها هذه المناظر ويرى ابتسامتها.
وصلا إلى مكان عند بحر يسيرون على جسر ويتجهون إلى اليخت حتى توقفت عنده.
كانت تنظر إلى الماء ومرتبكة على الرغم أن "كاسبر" ساعدها من قبل أن تتغلب على هذا الخوف لكن لم تستطع..
بعض المخاوف لا نستطيع التغلب عليها بمواجهتها — صعدت، نظر إليها فمد يده ليساعدها لكنها لا تزال واقفة مترددة قالت وهي تنظر إلى الماء:
— أنا أخاف من البحر.
— أنا معك.
نظرت له من تلك الجملة التي لم تكن التراجع بعدها — فمدت يدها ببطء إليه، أمسك يدها فسحبها سريعًا، اصطدمت به، ابتعدت على الفور، ابتسم وذهب فلحقت به.
كانا واقفين وجدت اليخت يتحرك، شعرت بالخوف كثيرًا لكن قاطعها صوت من السماء، نظرت وجدت طيورًا بهالتها وأصوات رنينها من بعيد فوق الماء — تقدمت للأمام وقفت، نظرت إلى الماء المحيط بها والسماء الزرقاء والسحب التي تزينها — تتطلع إلى ذلك المنظر البديع بإعجاب من صنيع الخالق ليجعله بهذا الحسن والإبداع، ابتسمت، نظرت خلفها إلى "كاسبر" الذي كان ينظر إليها، ابتسمت له بامتنان لتعود أنظارها إلى ذلك المنظر وكأنها تزيح خوفها من البحر بهذا المشهد، ثم وجدت يدين تضع بجانب يديها وكان واقفًا خلفها ويحاوطها بذراعيه، التفتت ببطء، نظرت له فتلاقت أعينهم، قرب يده من وجهها، أبعد خصلاتها التي تطير بها الرياح، توترت، قرب يده من شعرها يتلامسه ثم أمسك طوقها وسحبه ببطء فانسدل شعرها البني المموج — نظرت إلى شعرها التي كانت الرياح تأخذه أينما شاءت — نظرت إليه، ابتسم ابتسامة خفيفة قال:
— تبدين جميلة.
دق قلبها بشدة وهي تنظر في كلتا عينيه، اقترب منها وهو يضع يده على وجهها بحنان، نظر إلى عينيها وإلى شفتيها بتمعن، قرب وجهه وهو يلعن نفسه على ذلك الضعف فلم يعد بإمكانه التحمل أكثر من ذلك حين يقترب منها — بدأت تشعر بأنفاسه ليزداد توترها وخوفها — أفاق من ضعفه عندما سمع دقات قلبها العالية، ابتعد عنها، تنهد ليخاطب نفسه:
— بربك ماذا تفعلين بي، لماذا لا أتحكم بنفسي عندما تكوني قريبة مني، لماذا أنا ضعيف هكذا أمامك.
أخذت أنفاسها تنظمها وتعيدها من أول وجديد ويعود نبضها كالمعتاد، التفتت لتتذكره وتبتسم لتعود بأنظارها للبحر:
— ستقفين هناك كثيرًا؟
جاء ذلك الصوت من خلفها، نظرت إليه كان جالسًا ويشير بعينه بجانبه، ابتسمت لتقترب وتجلس بجانبه، تضم ركبتيها، نظر لها "كاسبر"، ضمها بذراعه إليه — تفاجأت منه كثيرًا، نظرت إلى يده ثم نظرت له بتوتر، كان ينظر أمامه وكأنه لم يفعل شيئًا، ابتسمت، كانت تشعر بحنان وحب مثل قديمًا:
— هل هو من أهدَاكِ هذا الخاتم؟
قال هذا بتساؤل، نظرت لخاتمها وقالت:
— أجل.
— لماذا ما زلتِ ترتدينه؟
نظرت له باستغراب قالت:
— لا أظن أن سيأتي يومًا وأخلعه.
شح بضيق من جملتها تلك فهل لا زالت تحبه — نظرت له لتجده يرسم ابتسامة لم تفهمها قال:
— ترتدين خاتمه بينما تجلسين في أحضان رجل آخر.
تجمع في عينيها الدموع من كلامه وصيغته الساخرة حيث شعرت بغصة في حلقها، ابتعدت عنه، وقفت وذهبت بعيدًا وهي غاضبة وحزينة تمنع نفسها من البكاء بأخذ شهيق يعبئ صدرها — فها هو قد أهانها ثانية بقسوته بروده دون أن يفعل حسابًا لمشاعرها — كيف تخبره أنها لم تخطئ فهو زوجها — ليتها تستطيع إخباره بذلك.
وجدته يقف بجانبها، نظرت له ثم نظرت بعيدًا بدون أن تعيره أي اهتمام:
— اعتذر — لم أقصد.
قال ذلك بأسف فشعرت بصدق نبرته، سعدت باعتذاره لها لكن لم تستطع نسيان كلماته، لقد صبها عليها بدون أن يهتم كيف ستؤثر عليها — لفت انتباهه القلادة التي ترتديها، قرب يده منها، نظرت له وجدته يمسك قلادتها وينظر لها بشدة، نظرت له وهي لا تفهم:
— "أفيلا".
قال ذلك وكأنما يقرأ اسمها قالت بتعجب:
— ماذا؟
نظرت إلى القلادة وجدت شيئًا، دققت فيه بشدة وجدت بالفعل اسمها عليها وكأنما نحت عليها بخط صغير وفي مكان لا يلفت الانتباه — فلم تستطع ملاحظة ذلك يومًا أو معرفة بوجود اسمها:
— إنها إصدار خاص.
قال ذلك باستدراك، فعلى ما يبدو أنها قلادة فريدة صنعت لشخص معين وكانت هي:
— كيف عرفت بوجود اسمي، أنني لم أكن أعلم بمكانه قط.
كانت تنظر له باستغراب فتعجب هو الآخر فلا يعرف بماذا يجاوبها، لا تفسير لديه، فذهب شعرت عند رقبتها كانت أثر القلادة التي شبكت في ساعة يده وعندما ابتعد عنها قطعت، وضعت يدها على عنقها تتحسسها من ثم لاحظت اختفاءها — خافت، هرولت تبحث عنها بخوف من فقدانها، نظرت حولها لتراها ثم لفت انتباهها شيء يلمع، اقتربت وجدتها على طرف اليخت وعقله صغيرة وتقع وأيضًا اليخت يتحرك بسبب سيره في الماء فهذا يزيد انزلاقها، ذهبت إليها مدت يدها لتمسكها لكن القلادة كانت قد وقعت، نظرت لها في صدمة لتعيد ذاكرتها وهي تتذكره حين لبسها لها في ذلك اليوم الذي ذهبت إليه لتشاركه سعادتها "تذكرتيني بها — لعلني أصبح ذكرى نادمة على اختيارها".
سمع "كاسبر" صوتًا من الماء مرتفعًا، التفت لم يجد "رافيلا"، نظر في البحر وجد موجاتًا وكأن هناك من قفز للتو — تذكرها وهي تخبره بخوفها من البحر لتضيف ملامحه بغضب ثم قام بخلع قميصه على الفور وسرعان ما قفز.
كانت "أفيلا" تسبح للأسفل فما فعله معها قديمًا أفرادها بتعليمها السباحة — كانت تكتم أنفاسها وترى قلادتها أمامها وهي تنزل للقاع وتعلم أنه للأسفل جدًا ولن تتحمل أنفاسها حتى إذا وصلت لن تستطيع أن تكمل وتخرج ثم وجدت من يمسكها وكان هو، نظرت إلى القلادة حاولت إبعاده لكنه أمسكها بقوة وسبح بها للأعلى بقوة وهي تنظر إلى القلادة وتحاول إبعاده عنها لكن لم تستطع.
شهقت فور أن خرجت تلتقط أنفاسها — هتف بها غاضبًا:
— ماذا تفعلين؟
— دعني.. قلادتي.
نظر لها كاسبر وإلى رقبتها ليلحظ اختفاءها، دفعته ليبتعد عنها فأمسكها، نظرت له قال بحدة:
— توقفي.
شعرت بالخوف من نبرته بينما وهو ينظر لها اقتحمت مشهد ذاكرته لغمض عينيه بضيق:
— اللعنة ليس وقته.
ليتسرب عرقًا يحاول منع نفسه تلك المرة إلى أن فتح عينيه، نظرت له "أفيلا"، وضع يده على خصرها ورفعها للأعلى ثم وجدت أحدًا يمسك يدها ويرفعها إلى اليخت، وجدته أحد المساعدين الذي باليخت معهم، وجدت "كاسبر" اختفى بين الماء فصُدمت من أن يكون قد عاد، شعرت بالخوف فهي رأت القاع ومدى عمقه وتعلم أنه لن يتحمل فهذا صعب عليه، نظرت إلى الرجل قالت:
— help him ساعده.
صمت الرجل، نظرت إلى الماء بقلق وأنه تأخر لتهتف بخوف:
— please Harry up اسرع ارجوك.
قفز الرجل على الفور لتقف في خوف وقلق عليه وتلعن نفسها أنها قالت له عن القلادة — قلقت أكثر عندما تأخر الرجل هو الآخر ثم وجدته ظهر وهو يسنده، هرولت إليه لكن انصدمت حين وجدته مغشيًا عليه لتمد يدها سريعًا وتمسكه به وسحبه ليصعد الرجل.
نظرت له كان مقفل عينيه ولا يتحرك، جثت على ركبتيها وضعت يديها فوق بعضهما على أيسر صدره وقامت بالضغط عليه وتنظر إليه بخوف وتضغط أكثر لتغرق عيناه بالدموع من شدة قلقها:
— أفيق أرجوك.
ضغطت أقوى لكن بدون جدوى، ظلت تضغط خائفة أن يتركها مجددًا وتعيش ما عشته بدون رجعة تلك المرة — نظرت له، أمسكت فمه فتحته قليلًا ثم اقتربت منه وسرعان ما طبعت شفتيها عليه تعطيه تنفسًا صناعيًا ثم رفعت وجهها، نظرت له وأنه لم يقم بعد، اقتربت منه مرة أخرى ودموعها لا تتوقف لتجد يدًا تمسك وجهها وتقربها أكثر، اتسعت حدقتا عينيها بصدمة، أبعَدَتْه عنه على الفور ثم سمعت صوت قهقه منه، دهشت، نظرت إلى الرجل وجدته يبتسم أيضًا، قام يذهب وكان أتم مهمته — جلس "كاسبر" وهو يبتسم يضحك وكان بخير لا يوجد به أي شيء لتدرك أن هذا لم يكن سوى مقلب سخيف تعرضت له قالت بصدمة وبرود:
— أكنت تخدعني؟
توقف عن الضحك من نبرة صوتها وتعبيرات وجهها لتضربه في صدره وتهتف غاضبة:
— تتلاعب بي وبمشاعري — كدت أموت خوفًا عليك وأنت لا تهتم لأمري.
ضربته مجددًا بقوة وتقول:
— كيف أمكنك فعل ذلك؟
أمسك يديها الاثنتين بيد واحدة يمنعها أن تضربه، نظرت له بحنق غاضبة ثم وجدته يرفع يده الأخرى بها القلادة، نظرت له بشدة فهل أحضرها حقًا — ارتمت عليه وضمته بقوة ليعلو صوت جهشها وتبكي بحرقة، صُدم فظن أنها ستسعد:
— خشيت عليك كثيرًا — شعرت بالخوف من فقدانك للمرة الثانية.
تعجب من هذين الكلمتين فعل قالت المرة الثانية .. أكان هناك أولى .. ماذا تعني:
— لماذا ذهبت وخاطرت بنفسك لإحضارها — لا شيء مهم عندي أكثر منك.
لفّت ذراعيها حول عنقه أكثر وتبكي قالت بصوت ضعيف:
— أريدك أنت فقط.
كان مستغربًا من كلامها فهل تحبه إلى هذا الحد، لقد رآها كيف متعلقة بتلك القلادة حيث لم تهتم بمخاوفها ونزلت في الماء لتحضرها لكن الآن أنها تبكي وليس من أجل القلادة بل هي لم تنظر لها حتى أنها خائفة عليه فقط — نظر لها وهي تعانقه من بين بكائها، ضمها هو الآخر قال:
— اهدئي اعتذر لك.
— لا أقبل اعتذارك.
قال هذا بغضب طفولي، ابتسم عليها لتبدأ في أن تهدأ، ابتعدت عنه وكانت دموعها تملأ وجهها، أبعد شعرها المبتل من على رقبتها، اقترب منها ومد ذراعيه يلبسها القلادة حتى انتهى قال:
— لما البكاء في هذا اليوم؟
تعجبت، مسحت وجهها وهي تقول:
— أي يوم؟
نظر لها باستغراب شديد، صمت قليلًا ثم قال:
— لا شيء.
سمعت "أفيلا" صوت هاتفها، ذهبت لحقيبتها ومسكت الهاتف وجدت رسائل كثيرة من "ريلا"، فتحتها كانت تسألها أين هي ولماذا لم تأتِ أسئلة كثيرًا "آسفة لا تغضبي مني" كتبت لها هذا ثم أغلقت الهاتف لكن سمعت صوتًا وكانت قد ردت:
— أين أنتِ الآن؟
— سويسرا.
— هل ما زلتِ نائمة هل اتصل بك لاحقًا؟
— سيكون أفضل.
كانت ستقفل الهاتف لكن "ريلا" ردت سريعًا قالت:
— لا تمزحي أين أنتِ؟
— أخبرتك.
— كيف أنتِ بسويسرا ماذا تفعلين هناك وكيف ذهبتِ ومع من أنا لا أفهم شيئًا.
— عندما أعود أخبرك.
— ومتى سوف تعودي؟
نظرت إلى "كاسبر" الذي كان يرتدي قميصه قالت لها:
— لن ندم أطول.
— لحظة هل أنتِ معه؟
صَمَتَّتْ قليلًا ثم قالت:
— نتحدث لاحقًا.
— انتظري — أخبريني متى سوف تعودي بالتحديد.
نظرت "أفيلا" إليه وسألته متى سيعودا فأخبرها أن على حسب توقيت مصر سيكون بحلول المساء فعادت لهاتفها وأخبرتها.
كانت "ريلا" جالسة في المقهى مندهشة أنها وأنها ليست بمصر، قلبَتْ في هاتفها واتصلت بأحد رد عليها قالت:
— "أفيلا" ليست بمصر الآن.
— كيف أين هي؟
— سويسرا.
— ماذا!!
: ستعود في المساء
: حسنا إلى اللقاء
حين عادت "أفيلا" للفندق وجدت فستان لكن نوع آخر كالحفلات لونه أحمر داكن وجزمة وحقيبة سوداء وجدت أنه أرسل لها رسالة أن تعلمه فور انتهائها تعجبت ولم تكن تفهم شيء هل هم على موعد أم سيتعشوا بالخارج؟
نظرت إلى الفستان أخذته ثم ذهبا.
كان "كاسبر" يرتدي بدلة سوداء تجعله أنيق وتظهر جاذبيته خرج من غرفته نظر إلى الساعة وإن "أفيلا" تأخرت فذهب إليها وجد الباب موصدا فتحه قليلا لتقع أعينه عليها وهي تقف أمام المرآة تحاول قفل سحاب الفستان من الخلف لكن يداها ليست طويلة.
نظرت له "أفيلا" وقد انتبهت لوجوده وقفت على الفور وأعطته وجهها بينما كان ينظر إليها لهيئتها وشعرها المموج الذي تفرده على ظهرها وتصففه بطريقة رائعة وتضع مساحيق تجميل برقة؟ توترت من نظرته لاحظ ذلك فقال
: تحتاجين مساعدة
نظرت له صمتت قليلا لكن أومأت برأسها بحياء فأغلق الباب وأعطته ظهرها؟ أبعد شعرها وضعه على جانب فظهر ظهرها والسحاب أمسك السحاب ورفعه؟ كانت تنظر في المرآة إليه وهو خلفها وقريب منها تعجبها شكلهم سويًا وهي تشعر بأنامله التي تتلامس ظهرها؟ بعدما انتهى نظر لها قليلا ثم التفت وذهب.
توقفت السيارة ليتقدم حارسان يفتحان الباب ليترجل كاسبر ثم مد يده إليها نظرت له أمسكت يده وعندما نزلت وجدت نفسها أمام بناء جميل وناس يرتدون بدلات وزي موحد عدا امرأة أجنبية ترتدي زي مختلف عنهم واقفة وتبتسم إليهم اقتربت منهم قالت
: Welcome مرحبا بكم
نظرت "أفيلا" لـ"كاسبر" بتعجب أكملت
: We were waiting for you, your journey must have been long لابد أن رحلتكم كانت طويلة تفضلوا بالدخول
تقدما وهي لا تعلم شيء كان البناء ذو ديكورة رائع من الداخل وتماثيل وأشياء معلقة جميلة كانت المرأة تسير أمامهم ترشدهم وجدت لوحات فنون جميلة للغاية ومعلقة على الحائط وناس بجانبها يرتدون نفس الزي الذي كانوا بالخارج ويبتسمون لها كانت أفيلا تتطلع إلى اللوحات بدهشة تتذكر حين كانت في ألمانيا رأت لوحة من قبل أعجبتها كثيرا فأصبحت تحب هذه اللوحات وهذا النوع من الفن لكن لا أحد يعلم أنها تهتم بالفن وأي من قبيل هذا؟ علمت أنها في معرض لكن لماذا لا يوجد أحد غيرهم وطقم العاملين وهذه المرأة وكأنهم قاموا بإخلاء المعرض من أجلهم؟ كانت تنظر إلى "كاسبر" وهو يمسك يدها ثم توقفوا؟ قالت المرأة
: This painting is one of our most famous paintings هذه اللوحة من أشهر اللوحات الينا يأتي وفد لرؤيتها
نظرت إلى اللوحة كانت رائعة وع ميقة وداخلها كلام وكأن اللوحة تتحدث وتعرف عن نفسها للذي يراها؟ ذهبت المرأة وتبعوها ثم توقفوا عند لوحة أخرى وكانت جميلة لكن ليس مثل الأولى ثم ذهبوا وتوقفوا عند أخرى والمرأة تحدثهم عنها و"أفيلا" تتطلع على كل لوحة وتتعمق فيها حتى توقفوا عند لوحة اندهشت من رؤيتها وصدمت عندما رأتها كانت اللوحة ذاتها التي رأتها في ألمانيا؟ قالت وهي تنظر لها بتدقيق
: STARRY NIGHT ليلة النجوم
وهي لوحة جميلة رسمها الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ كانت تعبيرا عن وجهة نظره في السماء؟ نظرت المرأة إلى اليها وإنها تعرف اسمها ابتسمت قالت
: You really care about art, as your lover said أنكِ تهتمين بالفن حقا كما قال حبيبك
تعجبت ثم نظرت إلى "كاسبر" الذي لا يزال في هدوئه وبروده؟ ابتسمت المرأة وهي تنظر لهم ثم صفقت بخفة فجاءت فتقدم أحد عامليهم منها وكان معها علبة صغيرة كالخاصة بالمجوهرات قامت بفتحها لها فظهر سوار مرصع بالماس قطع صغيرة تجعله رائع كان جميلا.
أخذه "كاسبر" ليستدير ويصبح مقابلها نظرت له أمسك يدها برفق وضع ليلبسها إياه عند ساعدها الرفيع
: عيد ميلاد سعيد
قال ذلك بابتسامة خفيفة لتنصدم وتتسع حدقتا عينيها من الصدمة فهل قال تلك الجميلة لماذا.. هل اليوم هو يوم ميلادها حقا؟!
تذكرت عندما كانوا على اليخت وأخبرها ألا تبكي في ذلك اليوم.. كان يقصد عيد ميلادها؟ تذكرت عندما أحضرها من منزلها وهو مغمض عينيها حتى صعدوا الطائرة وكانت تسأله ولم يجبها وعندما أحضرها إلى سويسرا وعندما جولها في شوارعها وكانوا على اليخت والآن وهم بالمعرض وهذه اللوحات وخاصة اللوحة التي تقف عندها "ليلة النجوم" هل حضر لكل هذا من أجلها هل فعل كل هذا لها فقط؟ كانت تنظر له وهي غير مصدقة ما يحدث هل تحلم.. أنه حلم بتأكيد وسوف تفيق منه بعد قليل
: You two look great تبدوان ثنائي رائع
قالت المرأة ذلك نظرت لـ"كاسبر" كانت تشير بعينيها على "أفيلا" لم يفهم نظراتها لتقول بصوت منخفض
: the kiss القبلة
نظر كلاهما لها بشدة إليها من ما قالته لتردف بتكرار
: Come on kiss her هيا قبلها
نظر "كاسبر" إلى "أفيلا" التي كانت صامتة تنظر بعيدًا فلم يكن ذلك بحسبه يعلم أن لا يجب أن يفعل ذلك فتضايق بتأكيد كان الجميع ينظرون إليه والمرأة تلحظ تردده قالت نداءً له
: sir سيدي
نظر لها كانت تلقي بأنظارها على "أفيلا" وتبتسم وهي تجز على أسنانها ليفعلها؟ تنهد ثم قال
: Next time في وقت آخر
ليعلو وجهها بحزن وتقول
: not now لا الآن
أردفت قائلة
: kiss her قبلها
ابتسمت نظرت حولها وهي تقول
: kiss her
ثم بدأ هناك من يقول معها من طقم مساعديها ثم العاملين من خلفهم؟ نظر "كاسبر" لهم ولإصرارهم على لا شيء فهو حازم بشأن ذلك فلقد أراد إسعادها فقط؟ ظل يرددون هذا القول والمرأة ويطلبون منه أن يقبلها وهو مرتبك لأول مرة في حياته؟ قال
: She'll be embarrassed for that إنها تخجل سوف تنحرج لذلك...
ولم يكمل جملته حتى وجد من تمسك بوجهه تديره إليها تقربه منها وتلاصق شفتاها به؟ اتسعت عيناه لفرط الصدمة نظر لها وجدها مغمضة عينيها لم يكن مصدقًا ما فعلته وضع يده على رقبتها وقربها منه وأغمض عينيه هو الآخر وقبلها بحب واشتياق.
ابتعد عنها ببطء لتأخذ أنفاسها نظر في عينيها وهي الأخرى ثم سمعوا تصفيق الجميع لهم ويبتسمون إليهم؟ أفاقوا نظرت "أفيلا" لهم وابتسمت بينما هو لا يزال في دهشته لا يصدق ما حدث للتو وتعاملها وكأن شيئًا لم يكن؟ نظرت له وجدته ينظر لها توترت أبعدت انتظارها وابتسمت تهرب من نظراته.
في السيارة كانت خجلة من ما فعلته وتعلم أنه ينظر لها لكن غير قادرة على النظر في عينه؟ توقفت السيارة ترجلت من السيارة تبعته ولم تعلم أين هي أمسك يدها نظرت له فأخذها وجدت نفسها تدخل إلى حديقة جميلة للغاية مزينة بالزهور وأنوار خافتة جميلة؟ توقفا في منتصفها وكان هناك طاولة جلست ثم جلس نظرت إلى الطعام قالت
: هل هذا نوع من العشاء الرومانسي
: ما رأيك أنتِ
قال ذلك بنبرة غامضة وهو ينظر لها تعجبت إلى أنها خجلت وأخفضت أنظارها من تذكر ما حدث ابتسم عليها بعدما انتهت أخذها تعجبت حتى توقفا ثم سمعت صوت صاخب وألعاب نارية نظرت إلى السماء دققت فيها بشدة وجدت أنها ليست مجرد ألعاب نارية أنها مزخرفة باسمها؟ اتسعت عيناها بشدة نظرت إلى "كاسبر" ثم سمعت صوت موسيقى نظرت حولها وجدت فرقة موسيقية كل منهم يمسك آلة ويعزف عليها ويبتسم ويصدر موسيقى رومانسية هادئة جميلة نظرت إليهم بتفاجؤ شديد تجمعت الدموع في عينيها من ما يحدث معها ولا تقدر على تصديقه
: هل هذا حقيقي أم أنا أحلم
نظرت له أردفت برجاء
: أخبرني أنه ليس حلمًا
: حقيقي
في تلك المرة تجمعت بعينيها دموعًا وليست دموع حزن بل دموع الفرحة على وشك التساقط
: هل فعلت كل هذا من أجلي
نظر حوله ثم نظر لها وقال
: يبدو كذلك؟ أنني متفاجئ مثلك؟ لم أتخيل يومًا أن أكون هكذا..
ضمته وقطعت كلامها لتهمس بقول
: أحبك
سمع هذه الكلمة منها شعر بالسعادة تجتاح جسده نظر لها وهي تضمه ابتسم فضمها هو الآخر؟ سالت دمعة من عينيها بغير قصد من سعادتها فهذا اليوم لم تحلم به من قبل أو تتخيل أن يحدث معها جاء وحقق لها ما لم تحلم به ابتعدت
: من أين عرفت بيوم ميلادي لم أكن أتذكره قط
: لاحظت ذلك
: الطائرة.. سويسرا..
والمعرض.. واللوحة؟ هل كان هؤلاء صدفة أقصد جئت بنا إلى سويسرا صدفة والمعرض كذلك وبالصدفة كانت تلك اللوحة هناك... أم أنك كنت مجهزًا لذلك
ابتسم ولم يرد عليها نظرت له قالت بدهشة
: من أين لك علم بكل هذا
: لا يجب أن تسألي ذاك السؤال؟ نسيتِ من أنا
قربت أفيلا وجهها منه ابتسمت همست له قالت
: لم أنسي يا رجل المافيا
سحبها إليه قال بمكر
: تعلمين ما يمكن المافيا فعله
توترت كثيرًا من قربه ابتسم قال
: لو أني لن أسافر إلى ألمانيا لبقينا هنا أكثر
تذكرت أفيلا ما قاله لها في الطائرة أنه قام بتأجيل سفره قالت
: هل قمت بتأجيله من أجلي
أومأ برأسه ابتسمت أفيلا قالت
: لم أظن يومًا أن أرى هذا الجانب الذي لديك
: وأنا أيضًا لم أكن أعلم بأمره
: لنبقَ قليلا
قالت ذلك وهي تبتعد عنه وتجلس على الخضرة الناعمة نظر لها ابتسم جلس بجانبها والموسيقى الهادئة الجميلة تطربهم نظرت إلى السماء كانت مرصعة بالنجوم
: لا تبتعد
نظر لها كاسبر أكملت أفيلا قالت
: لا تبتعد عني في يوم
لم يفهم لماذا تقول ذلك ولماذا اختفت ابتسامتها هكذا
: لماذا تكرر ذلك الطلب لي
: لأني أخشى فراقك حد الموت
: كيف
: ممكن أن تقول أني ذقت الموت من قبل
لم يفهم ما قالته نظرت له أردفت قائلة
: عدني بذلك
: بماذا؟!
: أنك لن تتركني وتظل معي دائمًا... هيا عدني
تنهد نظر أمامه قال
: خائف أن تندمي على هذا الوعد لاحقًا
: لن يحدث
نظر لها بتعجب ولثقتها قال
: أوعدك بهذا
ابتسمت بحزن خائفة ألا يتحقق هذا الوعد عادت ونظرت إلى السماء ثم تفاجأت عندما وجدته يضع رأسه على قدميها ويستلقي نظرت له كان ينظر إلى السماء وكان جميلًا وهو نائم على قدميها وملامح وجهه البريئة التي لم تعهدها من قبل ابتسمت له وضعت يدها على شعره نظر لها وليددها قال
: تذكريني بامرأة كانت تفعل لي ذلك
عقدت حاجبيها بضيق لكن تذكرت أنه ليس له علاقات مع النساء ولا يهتم بهم أو يواعد امرأة من قبل فكيف يقول ذلك قالت بتساؤل
: من تكون
صمت قليلا ثم قال
: تسمى بأمي
: ماذا تقصد بتسمى؟
: هي المرأة التي ولدتني لكنها لم تكن أمًا لي
تضايقت كثيرًا لكن تذكرت أنه لا يتذكر شيئًا ويراها مثل القبل تنهدت قالت
: الأم تكون أم مهما حدث لا تحب غير أبنائها؟ تذكر ذلك جيدًا
: ماذا تسمين امرأة تركت طفلها في بلاد غريبة وأخذه رجل وقام بتربيته ولم يراها بعد ذلك اليوم....
أظنها كانت تقصد تركي هكذا وتذهب فكنت حمل عليها من بعد وفاة أبي.
: يكفي لا تتحدث عنها وأنت لا تعلم شيء.
قالت ذلك بغضب. نظر لها بعدم فهم من غضبها وسبب الدفاع عنها. لاحظت نظراته فعادت على طبيعتها. قالت:
: أقصد يجب أن نضع للجميع عذر.
طغى البرود وجهه. قال:
: العذر لا يليق بها.
اعتدل وابتعد ووقف. علمت أنه تضايق لكنها لم تخطئ. لو يعلم كم كانت تحبه أمه لما تحدث عنها مثل الآن.
ركبوا السيارة وقاد كاسبر هذه المرة ولم يقود السائق. ركبت أفيلا بجانبه. نظرت له وهو يقود ولماذا لا يتحدث معها فحزنت. ثم فتح سقف السيارة. نظرت أفيلا له وللسماء من فوقهم وجميلة. ثم نظرت إلى الشوارع وكل شيء وكأن "كاسبر" فتح السقف ليريها الشوارع قبل مغادرتهم. كانت تتطلع إلى المناطق تودعها وتتمنى أن تأتي هنا مجدداً ومع نفس الشخص. لا تريد غير ذلك.
كان في الطائرة جاءت المضيفة لترى الحزام والأمان لديهم. كانت التي تلقى نظرات إعجاب عليه. أقتربت منه تربطه له. نظر لها سرعان وجد يد تمسك يدها. نظرت المضيفة وجدتها "أفيلا". ابتسمت وهي تجز على أسنانها بغضب. قالت:
: Go, I'll tie him up. اذهبي سأقوم بربطه له.
نظرت المضيفة لها وليدها فتركتها "أفيلا" بقرف فذهبت. اقتربت من "كاسبر" الذي يطالعها. قامت بربط حزامه عليه. نظرت له وكانت عيناها تشتعل غضباً.
: هل أعجبت بعيناها؟
تعجب لم يفهم أنها تقصد عندما نظر لها لكنه كان للتو قد رأها. قالت بحدة:
: خلق الله لديك يدان لتستعملهما حسناً.
ربطت الحزام بشدة وضيقته عليه. من شدة غضبه وكأنما تصبه عليه. أراد أن يضحك من غضبها المفرط. نظرت له بغضب شديد ولابتسامته ثم ابتعدت عنه واعتدلت في جلستها. نظرت من النافذة وهي غاضبة من تلك المضيفة وتعلم أن هذه طائرة خاصة هذا يعني أنه يراها كثيراً. ألقت نظرة عليه. تعجب قال:
: كم مرة تركب طائرتك وتكون هنا؟
: ماذا!!
: أنك تسافر كثيراً وتكون هنا هل تقترب منك هكذا؟
: لا أسافر بطائرتي غير قليل جداً.
: كيف؟
: أسافر بالطائرة العادية من المطار.
: حقاً؟
قالت ذلك وقد هدأ غضبها. ابتسم فابتعدت تمثل الغضب. نظر لها كاسبر قرب يده من يدها وأمسكها بحنان. تفاجأت كثيراً. نظرت إلى يدها وجدت يد بها. نظرت له وجدته يمسك هاتفه وينظر إليه. ثم شعرت بلمسته بأنامله لبشرة يدها. نظرت إلى يدها شعرت بالخجل. ابتسمت. أمسكت يده هي الأخرى ونظرت من النافذة.
وصلوا لمصر. كان يقود السيارة وهي بجانبه. من ثم توقفت وكانوا أمام العمارة التي بها شقتها. نظرت له ابتسمت.
: أشكرك.
: على ماذا؟
: على كل شيء. كان أجمل يوم لي منذ ولادتي. شعرت بسعادة لم أعهدها من قبل.
اقترب كاسبر. نظرت له. ابتسم بمكر قال:
: ألن تودعيني؟
توترت. قالت:
: لماذا.. أجل صحيح متى سوف تسافر لألمانيا؟
: غداً.
حزنت فأمنيتها أن يبقى معها.
: أتمنى أن تعود سريعاً والا تط...
شعرت بدوار وغثيان. أقترب منها فاسندت عليه تستعيد توازنها. قال:
: أنتِ بخير؟
صمتت قليلاً حتى تستعيد رباط جأشها. قالت:
: أهل.
فكانت مرهقة فهي أكلت بدون أن تأخذ أدويتها من البارحة. فهي لم تعلم أنها سوف تسافر فلم تأخذ دواءها معها وهذا خطأ. فيجب أن تواظب عليهم وليس أن تمنعهم. رفعت وجهها نظرت له. كان قلق عليها. اعتدلت ووقفت.
: أنا بخير.
: لا يبدو كذلك.
لم ترد عليه فلم يرحل ويتركها واوصلها لشقتها حتى يطمئن عليها.
دخلا إلى الشقة وهو ما زال يمسك يدها يسندها حتى تجلس. كانت الشقة مظلمة تماماً ولا يرى أي شيء. من ثم أضيئت الأنوار. تفاجأت "أفيلا" لأنها لم تضئ شيئاً. وصدمت عندما رأت الشقة مزينة وعلى الأرض بالونات كثيرة. ثم خرجت "ريلا" وأصدقاؤها جميعاً من بينهم أولاد عمها. تعجبت عندما رأتها معهم. نظرت لهم بدهشة وعدم فهم مما يحدث. لتجدهم يهنئونها على عيد ميلادها. فانصدمت. نظرت إلى "كاسبر" وتبتسم. اقتربوا منها نظروا إليها وإلى كاسبر بشده ولملابسها. قالت نيرا بذهول:
: تبدين جميلة جداً مثل الأميرات.
ابتسم "أسر" قال بشرود:
: إنها محقة.
نظرت له أفيلا فقام "أحمد" بضربه في معدته بقوة بزراعه فتألم. نظر لها بحنق قال:
: ماذا؟
: ألا ترى يا أحمق أن زوجها معها أيها الغبي؟
كان يتهامسان فتوتر "أسر" لكن ابتسم ببراءة بأنه لم يقصد. اقتربت "ريلا". نظرت لـ"كاسبر" وأنه وسيم جداً بل تفوق عن صورته الذي داخل رأسها. نظرت إلى أفيلا التي كانت تنظر لها ولملابسها. فكانت ترتدي ملابس جميلة والفتيات ليس كاجوال كما اعتادت عليها في بلادها. كيف تغيرت. هتفت بها في دهشة:
: Avila Willst du mich verarschen? "أفيلا" هل تمزحين معي؟
نظرت لها باستغراب ولما تتحدث بالألمانية الآن. أكملت:
: Ist das der, von dem du gesagt hast, dass er komplett nackt und nichts Besonderes ist, Mädchen, siehst du nicht, dass er so gutaussehend aussieht, als wäre er nicht von hier? هل هذا هو الذي قلتِ أنه عادي تماماً وليس مميز في أي شيء. يا فتاة ألا ترى أنه وسيم للغاية يبدو أنه ليس من هنا؟
أغمضت أفيلا عينيها بضيق من غباء ريلا. نظرت "أفيلا" إلى "كاسبر" ببطء خوفاً وكان ينظر. خجلت. نظرت إلى "ريلا" ابتسمت رغماً عنها وهي تجز على أسنانها تقول:
: Rila: Meine Liebe, wie sprichst du vor ihm? "ريلا" حبيبتي كيف تتحدثين أمامه؟
تعجب من نبرتها فتساءلت فيما أغضبتها. قالت:
: Was ماذا!!
: Er versteht deine Worte, du Tollpatsch. انه يفهم كلامك يا حمقاء.
: Wie versteht er es كيف يفهمه؟
: Danke, dass du es mir gesagt hast. شكراً لإخباري.
قال "كاسبر" ذلك بابتسامة. اتسعت عيناها من الدهشة. نظرت إلى "أفيلا" بصدمة وجدتها تؤكم برأسها وتبتسم بضيق وتقول:
: أجل يتحدث الألمانية لأنه من ألمانيا وجئتِ بغبائك وأخبرتيه بحديثي معك.
نظرت إلى "كاسبر" ثم إليها وابتسمت بخوف على نفسها منها. قالت:
: حسناً اعتذر لك أكن أعرف.
: سأقتلك فقط انتظري.
نظر الجميع إليهم فلم يكونوا يفهموا الحديث الذي دار بينهم لكن تعبيرات وجه "أفيلا" لا توحي خيراً. حتى سمعوا آخر كلمتين وهي أن "ريلا" تعتذر. علموا أنها تفوهت بشيء أغضبها. كان "عمر" قد فهم حديثهم فهو يفهم الألمانية. ابتسم قال:
: اهدئي يا أفيلا لقد خطأت. لكن لا تعلمي أنها هي من أحضرت بهذه المفاجأة لكِ.
نظرت له ثم نظرت إليها. ابتسمت لها ابتسامة بلهاء لتبعد غضبها. ابتسمت عليها. نظرت لهم قالت:
: لكن كيف دخلتم إلى هنا؟
قال "عمر":
: يوجد رجل واحد معه مفتاح شقتك.
نظر كاسبر إلى "أفيلا" بصدمة وغضب شديد. خافت. لاحظ عمر فقال:
: عمك "وجيه" أحضر "وليد" منه المفتاح وأعطيته لـ"ريلا" كي تتولى الأمور هنا.
هتفت به غاضبة:
: لماذا لا تنطق الجملة بأكملها؟
قهقه ثم قدم اعتذاره لها. بهت وجهها. قالت بحزن:
: الم يسألك عمي عني؟
نظرت لأولاده أردفت قائلة:
: ألا يتحدث عني؟
صمت ولم يعلموا ما يقوله لها. لا. نظر "عمر" إليها قال:
: بلى سألني عنكِ أخبرته أنكِ بخير وبأحسن حال لا داعي أن يقلق عليكِ.
ابتسمت قالت:
: حقاً؟
أومأ برأسه إيجاباً. سعدت كثيراً لكن تتساءل إن سأل عنها لماذا لا يأتي ويراها مع أبنائه. فدائماً يكون أول واحد يعود عليها ويذكرها به. شعرت بدوار كانت سوف تقع. اقترب منها عمر بخوف لكن أمسكها "كاسبر" فشعر بالحرج والحزن. ابتعد.
: أحضر لكِ الطبيب.
قال "كاسبر" ذلك. اعتدلت وهي تقول بصوت ضعيف:
: لا أنا بخير.
قال "عمر" بضيق:
: الم تأخذي أدويتك؟
نظر له "كاسبر" بعدم فهم. نظرت له "أفيلا" وعلى ذكر أدويتها أمامهم جميعاً. قالت "ريلا":
: هل أنتِ مريضة؟
: لا.
أجلسها "كاسبر" على الأريكة. أحضرت "ريلا" لها ماء وأعطتها لها. شربت أفيلا. كانت لا تريد أن تأخذ أدويتها أمامهم بينما عمر غاضب منها بسبب إهمالها فهي وعدته أن تهتم بنفسها. قال "أحمد" بمزاح:
: ظننتك أقوى من هذا.
: اصمت.
ابتسم وأومأ بالطاعة وصمت. قالت "أميرة":
: كيف أصبحتِ؟
: لم يكن هناك شيء أنا بخير.
: حسناً هيا لنحتفل عيد ميلادك بقي نصف ساعة ويأتي اليوم الآخر ويكون قد انتهى.
وقفت أفيلا وهي تمسك يد كاسبر لا تريد تركها. أغلقوا الأضواء لا يظهر غير ضوء الشمعة وهم يجتمعون حولها. كانت "أفيلا" هذه السنوات لا تهتم بأحد وكانوا يعلمون بيوم ميلادها لكن لم يتقدم أحد ويفعل هذه المفاجأة لها لأنهم يعلمون أنها ممكن أن تغضب عليهم. كانت شخص آخر تماماً ولا تتحدث مع أحد لكن الآن متغيرة حتى عن ذي قبل أصبحت مشرقة أكثر. وسبب التغيير هو "كاسبر" الذي رد إليها روحها مرة أخرى. وكانت "ريلا" تعلم بعيد ميلادها فأخذت رقم "عمر" وأخبرته أنها تريد أن تحضر لها مفاجأة. لم يعترض عمر فكان يعلم أنها لن تغضب لأنها عادت أحسن عن ذي قبل فوافق وساعدها. انتهى احتفالهم ودعوها وغادروا وذهبوا. نظر "كاسبر" إليها وأنها ما زالت تمسك يده. قال:
: ألن أذهب؟
نظرت له ونفت برأسها بحزن وهي تقول:
: وددت لو أخبرك أن تبقى.
اقترب منها ابتسم بخبث قال:
: لا بأس يمكنني البقاء.
نظرت له بشده توترت فتركت يده وابتعدت عنه. ابتسم عليها قال:
: إلى اللقاء.
ذهب. أمسكت يده وضمته. قالت:
: أشكرك.
نظر لها بتعجب لكن ضمها هو الأخر بحب ثم ابتعد عنها ابتسم ابتسامة خفيفة وذهب. نظرت له وابتسمت. دخلت غرفتها فتحت الدرج أخرجت أدويتها وأخذتها وشربت ماء. وقفت لتبدل ملابسها. نظرت إلى المرآة لنفسها وفستانها الجميل. ابتسمت.
في اليوم التالي استيقظت "أفيلا" اغتسلت وبدلت ملابسها. أخذت حقيبتها فتحتها وضعت يدها بها لكن تفاجأت أن الشيء الذي تريده ليس بداخلها. تركت الحقيبة نظرت حولها ثم خرجت نظرت على الأريكة وهنا وهنا لكن لا تجده.
: أين هاتفي؟
تذكرت البارحة ويومها.
: هل يمكن نسيته في سويسرا أم في الطائرة.. أو يمكن أنه وقع مني ولن أحصل عليه ثانياً..
قلقت كثيراً من تلك الأفكار وأن تكون قد فقدته بالفعل، فهي لن تعوضه البتة ولا تستغني عنه. فكانت تحمل صوراً لها ولكاسبر، لا تمل من رؤيتها وتحبها كثيراً، وهذه الصور كانت الشيء الذي جعلها على قيد الحياة حتى الآن بسبب النظر إليها كل دقيقة وتراه؟ لكنه الآن معها، لا داعي للصور، لكنها تذكار بتأكيد تريدها؟ أزاحت خوفها وأنها سوف تجده، تفاءلت خيراً.
ذهبت للمشفى، دخلت مكتبها، ارتدت جاكتها وخرجت للعمل، ثم رأت عمر، اقتربت منه لكنه لم ينظر ولم يعيرها اهتماماً. تعجبت وجدته يذهب من أمامها، حتى أنه لم يتحدث معها ولم يتفوه بأي كلمة لها، نظرت له بعدم فهم فذهبت هي الأخرى.
كانت "افيلا" تعمل ولا يتحدث "عمر" معها؟ كانت واقفة تتحدث مع الأطباء والممرضات وتخبرهم بأشياء، رأت "عمر" مارٍ، نظرت له لكنه لم يتطلع إليها، تضايقت منه ثم عادت وتحدثت معهم، ثم انتهوا وذهبوا. وقفت تنظر له، كان واقفاً بعيداً ويتحدث مع ممرضة عن أوراق ويشاور عليها، سمعَت صوتاً من خلفها:
- هل حدث شيء بينكم؟
وجدته "ياسر"، نظرت لـ"عمر" قالت:
- لا أعلم؟ إنه غريب اليوم فقط.
- أظن أن شيء يضايقه، إنها المرة الأولى التي أراه غاضباً ولا يتحدث معك هكذا، فأنتم أصدقاء قريبون.
عقدت حاجبيها بضيق قالت:
- حسناً لا يتحدث معي؟ كما يشاء.
نظر لها فذهبت، تعجب منهما كثيراً فهم يزيدون حيرتها.
في مساء اليوم دخل "عمر" مكتبه، خلع جاكته وبطاقته ليذهب، لكن وجد "افيلا" تدخل، لم يعيرها اهتماماً وذهب. وقفت أفيلا أمامه قالت:
- كفاك عبثاً؟ ماذا هناك؟
- أنك من تعترضين طريقي.
- أنك تعلم مقصدي جيداً يا "عمر".
- لا أعلم شيء.
- أخبرني ما الأمر ولا تفعل هذه الحركات الطفولية.
ابتسم ساخراً قال:
- حقاً؟
ذهب فوقفت أمامه، نظر لها قالت:
- أخبرني يا "عمر" ماذا هناك، لماذا تعاملني هكذا ولا تتحدث معي؟ هل ضايقتك في شيء؟
نظر لها لثوانٍ وزال غضبه قال:
- منذ متى وأنتِ تهتمين بما يضايقني يا "أفيلا"؟
كان نبرته حزناً، لاحظته ونظرته لها:
- منذ أن أصبحت صديقي.
ابتسم بسخرية، فماذا ظن؟ أكثر من ذلك؟ تنهد ثم قال:
- لما تهملين نفسك؟
نظرت له بتعجب قالت:
- ماذا؟
قال بغضب:
- إذا كنتِ سوف تسافرين معه، ألا يجب أن تأخذي أدويتك معك؟ كيف تبقين هكذا بدونها؟
- لا، لم أكن أعلم بالأمر وأني سوف ذاهبة.
قال عمر:
- كيف اختطفك؟
صمت ولم يرد، قالت:
- هل كان هذا سبب غضبك؟
- أجل، هل هناك شيء؟
ابتسمت قالت:
- حسناً، آسفة، لن أكون مهملة مجدداً.
ارتجفت برجاء:
- قبلت اعتذاري أليس كذلك؟
ابتسم وهو يطالعها قال:
- ما بيدي حيلة.. انتهيتِ من عملك؟
- أجل.
تذكرت هاتفها، نظرت له قالت:
- هل يمكنك الاتصال بي؟
نظر لها بتعجب، أكملت بتفسير:
- ضاع هاتفي ولا أعلم أين هو وخائفة أن أكون قد تركته هناك.
- ممكن يكون مع أحد.
أمسك هاتفه واتصل برقمها ينتظر رداً لكن لم يأتِه أي رد، فمرر اتصاله دون جدوى؟ نظرت له "افيلا" قالت بحزن:
- أظنني فقدته بالفعل.
- لا يزال مفتوحاً، سأظل اتصل به حتى يأتيني رداً.
- حسناً؟ أشكرك.
خرجت من المشفى، سمعت صوت نداء وكان "عمر" يناديها، التفتَت نظرت له، اقترب منها وهو يمسك هاتفه، ظنت أن من عثر على الهاتف رد لكنه قال:
- "ريلا" تريد أن تتحدث معك.
نظرت لهاتفه بتعجب، وكيف رقم "ريلا" معه؟ أخذته وردت عليها قالت:
- مرحباً يا ريلا.
- لما لا تردين؟ أردت أن أسألك إذا انتهيتِ من العمل، تعالي أجلسي معي قليلاً.
صمتَت قليلاً ثم قالت:
- الآن؟ لقد انتهيت للتو من العمل ومرهقة، دعينا نتقابل غداً.
- حسناً لا بأس، أراكِ غداً يا صديقتي.
ابتسمت ثم أغلقت المكالمة وأعطت الهاتف إليه، مد يده ليأخذه لكن وجدها تمسكه، نظر لها باستغراب:
- كيف رقم "ريلا" لديك؟
تعجب عمر من ابتسامتها المامرة، أخذ الهاتف بقوة قال:
- دونت رقمها من أجل عيد ميلادك الذي كانت تحضره لكِ، لا أكثر من ذلك.
- ولماذا تتصل بك الآن؟ تبدون قريبين من بعضكم وأنا لا أعلم.
- لم تردي على هاتفك فاتصلت عليّ لأني معك في العمل؟ لا شيء من الذي برأسك.
قال هذا ثم ذهب، استغربت، اقتربت من سيارتها، فتحت الباب ودخلت ثم ذهبت.
في المبنى فتح المصعد، خرجت "افيلا" بعدما وصلت لطابقها، تقدمت من شقتها، فتحت الباب ودخلت، أضاءت الأنوار، استدارت لتقفل الباب لكن انفزعت وأصابها الخوف عندما رأت "كاسبر" جالساً، صدمت من وجوده، نظرت حولها ولرجاله، تعجب فماذا يفعل هنا وكيف لم يسافر بعد؟ كان يمسك بقلمه قال بهدوء:
- هل أخفتك؟
تنهدت تلتقط أنفاسها فهي حقاً خافت كثيراً، تذكرته في منزلها قديماً قالت:
- هذا الاعتيادي.
أفاقت مما قالته، وجدته ينظر لها، ارتكبت التفتَت، تضع حقيبتها على المنضدة وهي تقول:
- ما زلت لم تسافر بعد؟
قال بهدوء وهو ينظر بقلمه بتتمعن ويحركه:
- تريديني أن أترك زوجتي وأذهب؟
ابتسمت "أفيلا" على ما قاله لكن للحظة تبدلت ملامحها، تصنمت مكانها واتسعت عيناها، فهل ما سمعته صحيح؟ زوجته!!؟ التفتَت ببطء بخوف، نظرت له وكان ينظر لها ببرود، تلك النظرة المخيفة التي تعرفها، نظرة المافيا الذي يهابه الجميع وتحريك ذلك القلم الأسود الذي بيده بأن هناك من سيقتل:
- ماذا قلت؟
- أخبريني يا "افيلا" لماذا لم تتأكدي من أنفاسي قبل ذهابك؟
نظرت له بشدة وهي غير قادرة على النطق، فكما توقعت.. لقد تذكرها.. تذكرها وتذكر كل شيء.
نظر لها ببرود ليردف بنبرته المخيفة:
- طعنة واحدة ليست كافية لقتلي.
رواية احببت مافيا الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نور
"تريدينى ان أترك زوجتى وأذهب؟"
ابتسمت "أفيلا" على ما قاله، لكن للحظة تبدلت ملامحها. تصنمت مكانها واتسعت عينها، فهل ما سمعته صحيح؟ زوجته!!
التفت ببطء بخوف. نظرت له وكان ينظر لها ببرود، تلك النظرة المخيفة التي تعرفه.
"أخبريني يا 'أفيلا'، لماذا لم تتأكدي من أنفاسي قبل ذهابك؟"
نظرت له بشدة وهي غير قادرة على النطق. كما توقعت.. لقد تذكرها.. تذكرها وتذكر كل شيء.
نظر لها ببرود ليقول بنبرته المخيفة:
"طعنة واحدة ليست كافية لقتلي."
كانت واقفة تنظر له وكأنها صعقت ببرق. شُقت لنصفين. وجدته يقف، واقترب منها وينظر لها ببرود لا تلوحه غير الشر والتواعد، والذي سيلحق به يبشرها به.
كانت عينها قد احمرت أثر دموعها والحرقة من صدمتها ونظرته لها. فقد كانت تعلم أن سيأتي هذا اليوم ويعلم كل شيء ويتذكرها، لكنه جاء باكراً. ولم تحضر له بعد. لماذا تفيق من حلمها الجميل بهذه السرعة؟ لما محى الواقع الحلم بتلك السهولة؟
جزت على شفتيها وجمعت قبضتها تمنع الدموع أن تسيل من عينها. أدارت وجهها حتى لا تنظر في عينه وتنهار. جزت على شفتيها وجمعت قبضتها تمنع الدموع أن تسيل منهما، إلى أن دمعة قد تمردت عليها وسقطت لقهرتها.
وجدته يخرج شيئاً. نظرت واتسعت عيناها حين وجدته هاتفها. نظرت له بشدة.
"أشكرك لأنك كنت السبب في عودة ذاكرتي."
خرج "كاسبر" ورجاله من الفيلا. فتحوا السيارة له، فدلف كاسبر وأغلقوا الباب. ثم ركبوا سياراتهم من خلفه وذهبوا متوجهين للمطار.
في طريقهم سمعوا رنين هاتف. نظر "كاسبر" لهم، فارتبكوا. نظروا إلى هواتفهم، لم تكن منهم. ثم علموا مكان الصوت. انحنى أحدهما وأمسك الهاتف.
"سيدي، وجدنا هذا الهاتف."
نظر له كاسبر ولم يكن غريباً عليه. أخذه منه. كان هاتف "أفيلا". ابتسم حين تذكرها. قال:
"التفوا، سوف نذهب لمكان آخر من ثم المطار."
أومأ السائق برأسه وغير مسارهم.
نظر كاسبر إلى هاتفها الذي وضعه بجانبه. لكن تذكر عندما كانت واقفة في الحديقة وفور سماع صوت انفزعت وخبأته، وكان سيقع منها. وعندما أمسكه، نتشته من يده على الفور.
نظر إليه وكأنه يريد أن يفتحه، لا يعلم هل يفعل ذلك أم لا. لكن حين تذكر أمر زوجها، جعله يمسك به ويفتحه. يريد أن يرى صورة له يرضي به فضوله. وإن كانت تحبه لأجل الشبه لا غير، فهذا ليس حباً له، إنما تعتبره هو.
فتح الصور، لكن تضايق وهو يفعل ذلك. فقرر أن يقفله. لكن الصور قد فتحت. وما أن وقعت عينه حين تبدلت ملامحه واتسعت قدحتا عينه بشدة.
"هل هذا أنا؟"
خاطب نفسه وهو مصدوم من الصورة التي أمامه وتجمعه بها وهم يبتسمون وقريبان من بعضهم.
ارتفعت ضربات قلبه وخفق بسرعة غير اعتيادية لفرط قلقه واضطرابه. وتعرق جبينه من تلك الصورة التي تثقبها عيناه ولا تكذب رؤيتها. فمتى وكيف أخذ معها تلك الصورة؟
قلب لصورة أخرى، وجد أخرى بنفس المكان ويبدو كذلك التوقيت. لكن وضعية أخرى وهو ينظر لها وهي تضحك. صدم بما يراه ويزداد اضطرابات قلبه شيئاً فشيئاً.
قلب لصورة أخرى، وجد صورة له يحاول أخذ الهاتف منها وكأنما كانا يمرحان من بسمة "أفيلا" التي تتسع ثغرها. أخذ يقلب وأخرى وضعيات مختلفة والابتسامة على وجوههم.
لم يكن يفهم شيئاً، ولا عقله يستوعب أي مما يراه. لكن لحظة، هل هذا يكون زوجها؟
نظر إلى الصورة وإلى نفسه وهو لا يصدق. فمن المستحيل أن يكون هذا مجرد شبيه.
تذكر "أفيلا" وهم واقفين في الحديقة وسألها:
"هل تحملين صورة له؟ أريد رؤية لأي حد يشبهني مما جعلك تبكين وأنت تنظرين إليه."
"إنه معي بالفعل."
تذكر في أول مقابلة لهم عندما احتضنته وبكت بقوة:
"اشتقت لك كثيراً."
تذكر عندما كان في المشفى واستيقظ وجدها تمسك يده وطيلة أيامه تعتني به. كان يراها بأفعالها صادقة وكأنما هو الشخص الذي تريد أعينها أن تراه وليس شبيهاً.
تذكر عندما دخلت الممرضة غرفته وحاولت الافتراء عليه أمامها، فصفعتها "أفيلا" وصاحت في وجهها:
"من يجب أن يُقلب بالحقير هو أنتِ! لا تكذبي لأنه ليس كذلك!"
تعجب من ثقتها به على الرغم أنه لم يكن يعرفها ولا تعرفه قط.
تذكرها في الفيلا حين احترقت يده من أثر القهوة التي سكبت عليه وخافت عليه كثيراً.
عندما كانت في غرفته وهي على السرير وهو فوقها يمسك بيدها. وقتها رأى نفس ذلك المشهد ثم صرخ ويمسك برأسه من الألم، فاحتضنته قالت:
"أرجوك امنع نفسك أن ترى أي شيء، احكم بعقلك حتى لا تفقده."
وهما في الشرفة الداخلية ويشربون قهوة ورأى مشهد مثل ذلك. ثم مشاهد أخرى. تذكر في ذلك اليوم عندما لم تكن بوعيها وتفوّهت بكلام غريب وظن أنها لا تقصده. تذكر عندما سألها على اسم 'علي' وأخبرته أنه زوجها.
عائلتها التي فور رؤيته وتلقيبه بالشبح وخوفهم منه. وأصدقائها الذي فور رؤيته وقفو ولم يتحدثوا بعدما كانوا يضحكون. ظن كل ذلك بسبب التشابه لا أكثر.
انصدم حين ربط الأحداث قال:
"هل أنا هو زوجك يا 'أفيلا'؟ هل كان 'علي' أنا ذاته؟"
تساؤلات تعج برأسه. فكيف ومتى حدث ذلك؟ فلماذا لا يتذكر صلته بها؟ لماذا لا يعرفها؟ هل معقول أنها جزء من ذاكرته التي فقدها وسبب هذه الرؤى التي يراها وهو معها لأنها تلك المرأة التي تأتيه ولا يستطيع أن يراها قط من صورتها المشوشة؟ ... أكانت هي؟
أغلق عينيه بتعب ويتعرق من كثرة التفكير. وتلك المرة حاول أن يتذكر الرؤى الضبابية التي يراها وليس هي من يحب أن تقتحم ذاكرته. لقد نسي التحذير وكلام الطبيب وحرصه على الأمر شديد الخطورة. أنه لا يفرق معه شيء غير أن يتذكر، فهو في كلتا الحالتين سيجن.
تذكر المشاهد التي كان يراها، فبدأت بالظهور في مخيلته لكن ما زالت ضبابية. وهو يريد أن يتذكر. لقد طفح الكيل. يريد أن يعلم كل شيء. السنين التي فقدها وقد عمرًا من عمره دون أن يدري. ويبدو أنها مهمة من كثرة الأحداث التي حدثت له. يحب عليه أن يعرف ويكشف كل تلك الخفايا الآن.
اعتصر عينه وكأنها يعتصر ذاكرته ويقلب بها ويحاول بأقصى ما في وسعه. على الرغم أن هذا شكل خطر عليه، لكنه لا يهتم. برزت عروق وجهه تصل على جبهته. من ثم ظهر مشهد داخل رأسه لفتاة جالسة على الأرض وتبكي وفي يدها مسدس. ليجد رجل يحتضنها من بين بكائها.
كان المشهد ضبابي وليس واضح في أي شيء. جاءه مشهد آخر له يقف خلفها ويلبسها قلادة على عنقها.
"تذكرين بها."
"لا أنساك لأذكرك."
ضغط على نفسه يحاول الرؤية. ثم ظهر مشهد له يجلس على سرير وامرأة في أواخر أواخر الأربعينات تحتضنه. ثم يسحب شاب إليه ويضمه.
دقق النظر ليجد الرؤى تتضح والضباب يبتعد والمشهد الحقيقي يظهر. وتفاجأ عندما وجد ذلك الشاب "مازن". وانصدم من رؤية وجه المرأة، فكانت أمه. أنه يعلم أنها فارقت الحياة، لكن لم يدرك أنه قد قابلها من قبل واحتضنها.
بدأ يتعرق بشدة ورأسه تؤلمه. فحاول أن يرى شيئاً آخر. ثم وهو يمسك فتاة من ذراعها بضيق. سرعان ما صفعته. كان واقفون في ذلك الطريق الذي افتعل به الحادث. وذلك المشهد قد رآه وهو يقود.
نظر إلى وجه الفتاة. سرعان ما فتح عينيه على الفور بصدمة.
"أفيلا!"
عاد يجمع ذاكرته وقدرته الذهنية. وجد مشهد له وهو جالس بمنزل وافيلا تجلس أمامه ورجاله حوله. من ثم أشار لها بالاقتراب. وقرب وجهه منها وهمس لها:
"من يجلس معك هو إحدى رجال المافيا."
اتسعت عينها من الصدمة والخوف وتجمعت الدموع ونظرت له بارتعب. ومن رجاله.
وجد مشهد آخر وهو جالس على سرير وهى أمامه وتمسك يده وكانت مجروحة وبها قطع زجاج صغيرة وتقوم بإخراجها.
مشهد آخر لهم في السيارة وعلى قدميها لاب توب وتحرك أصابعها عليه. ومشهد آخر له وهي نائمة بجانبها متشبثة به.
ومشهد وهو يلبسها ذاك الخاتم في إصبعها. مشهد في المسبح كانت تلف ذراعيها حول رقبته وهو يبتسم.
ظلت الأحداث ومشاهد تتسارع داخل رأسه ولا يستطيع إيقافها البت. وكأنما علق داخلها. ومشاهد تتوارى أمام أعينهم تعلمه وتزيد ارتبكته. فهو هل وشك فقد عقله من تلك المتاهة الذي لن يصمد بها طويلاً.
سمع صوت صفير مرتفع جداً. أصمت وأخفى كل أفكاره وذكرياته. لكنه افتك به.
أمسك برأسه بكلتا يديه يوقف ذلك الصفير المزعج. ألم شديد داخله. ألم لم يعهده من قبل. وكان خلايا عقله تتمزق. ليجد الصوت يرتفع ويفتك به أكثر. صرخ من الألم الذي يمتلكه.
نظر له رجاله بصدمة. أوقفوا السيارة على الفور.
"سيدي، أنت بخير؟"
برزت عروقه وعضلاته أثر التعب والصراع. ويضغط على رأسه بقوة وصوت الصفير لا يكتم. لا يتركه بل يرتفع. وإنهاكه يزداد. فهل هو يفقد عقله بسبب لعنة الفضول؟
لم يعد قادراً على التحمل. وأنفاسه تقل من التعب والإجهاد. وتتسارع دقات قلبه. ويتعرق وجسده أصبح بارداً. من ثم خفت يداه على رأسه. وارتخى جسده. واختفت الأصوات من حوله.
كانت "أفيلا" مصدومة. فهل هي السبب فيما عليه الآن؟
أعطاها "كاسبر" الهاتف. مدت يدها ببطء وأخذته.
أغمضت عينيها بضيق، ومن غبائها فيما فعلته، أن يقع هاتفها في يده هو تحديدًا.
نظر "كاسبر" إليها وقال:
"هل خيبت ظنك أني تذكرت، أم خاب عندما علمتِ أني على قيد الحياة؟"
نظرت له بصدمة مما يقوله. لكنه محق. لا تستطيع أن تجادله أو تخبره حتى أنه مخطئ في كلامه. فهو رآها وهي تقتله، فكيف سوف يصدقها أو يثق بها ثانيًا؟ كما وثق بها واحتضنها، ثم وجدها تأخذ روحه. لا تملك ما يبرئها.
لماذا أتى هذا اليوم؟ إنها لم تستعد لتلك المواجهة الصعبة.
كان "عمر" يقود سيارته. تذكر هاتف "أفيلا" وأنه مفقود. أمسك هاتفه وقرر أن يرن عليه.
كانت أفيلا تمسك هاتفها وعمر يتصل عليها. وهي لا تسمع الصوت لأنه على الوضع الصامت. لكن يدها وقبضتها التي تشتد عليها وهي تمسك، تلامست بشرتها الشاشة وفتحت المكالمة.
نظر عمر إلى الهاتف وأنه قد فتح بالفعل. فرد قال:
"مرحباً، هل..."
"آسفة."
جاءه ذلك الصوت الخافت الذي على وشك البكاء، ويعلم من صاحبته. فتوقف بالسيارة على الفور وهو مستغرب.
ابتسم "كاسبر". نظرت "أفيلا" إليه. قال:
"على محاولة قتلي."
نظر لها وأردف بجمود:
"لا بأس. المهم الآن أني حي."
انصدم "عمر" بما سمعه وحديثهم.
"هل تذكر؟"
أدار السيارة على الفور وقاد سريعًا. فهو يشعر بالخوف الشديد عليها. لم يعلم أين يذهب، إلى الفيلا عنده أم إلى شقتها؟ وأين هم بالتحديد؟
كانت عيناها تمتلئ بالدموع، وضربات قلبها تتواثب. إلى أن ملامحه الجامحة تلوح وجهه غير مبالٍ لها. فهو ينظر لها أنها قاتلة، حاولت قتله. ولم يفعلها أحد إلا أنها فعلتها. وكأن إهانة له.
"لماذا لم تبتعدي عني؟"
لم ترد. التزمت بالصمت.
"هل كنتِ تقتربين مني لتعيدي الكرة وتقتلينني ثانيًا؟ أرى أن الأمر أعجبك."
قالت بصوت يجهش بالبكاء:
"ما الذي تقوله..."
قاطعها وهو يقول ببرود:
"هل أخطأت؟"
صمتت قليلاً من نبرته التي يحدثها بها. كانت على وشك الانهيار، لكن تتماسك. قالت:
"أعتذر. لم يكن بيدي. أعلم أني أجرمت بحقك. لقد كنت غبية."
"وهل علمتِ ذلك بعدما تأكدتِ من موتي، أم الآن خوفًا على نفسك؟"
"ماذا!! هل تظنيني أمثل عليكِ لأني خائفة؟"
"مثلما كنت خائفًا عليكِ مني."
صمتت قليلاً ثم قال:
"أحببتك."
لاح وجهه الجامود. نظر وأردف:
"والآن العن هذا الحب الذي جعلني ضعيفًا أمام من يقتلني."
أحست "أفيلا" بوخزة في أيسر صدرها من جملته هذه التي آلمتها كثيرًا. جعلته يلعن حبهما الذي كان يخبرها أنه لا يحب ويهتم بأحد غيرها. إنه الآن يلعن الحب الذي أحبه لها. وهو محق.
سالت دموع من عيناها بحزن. قالت:
"آسفة."
لم يكن مباليًا بتلك الدموع الكاذبة التي يراها. بل يطالعها ببرود وهدوء لا يبشر خيرًا. نظر لها قال:
"كان يجب أن تستمعي لـ "مازن" وأن تبتعدي عني. فكان هذا لمصلحتك."
وفور انتهاء جملته، أخرج مسدسًا ورفعه في وجهها. انصدمت. نظرت إلى المسدس، ثم نظرت لـ "كاسبر". فعيناه كانت تشعر قسوة لم تراهما من قبل. ذلك الوجه المخيف. أهو وجه المافيا؟ لقد رفع مسدسه في وجهها وينظر لها ولا يهتم، وكأنه حقًا سيقتلها.
لم تبالِ. فكما قالت من قبل، إنه إذا أراد قتلها ليفعلها. ليست مبالية بأمر قتلها ويكون هكذا قد تعادلا.
فتح المصعد. ركض "عمر" إلى الشقة. وضع يده على الباب، وجده مفتوحًا بالفعل. أسرع ودخل. لكن سرعان ما وجد من يمسكونه من ذراعيه بقوة. وقبل أن يفهم ما يحدث، توقفت عيناه بصدمة مما يراه.
ذلك المسدس الذي في يد "كاسبر" ويشير به على "أفيلا" التي أمامه. نظر إليه قال بخوف:
"م.. ماذا تفعل؟"
لم يعره "كاسبر" أي اهتمام. نظر "عمر" إلى "أفيلا" ودموعها التي تتحجر في عينيها. ضرب الرجل الذي يمسك ذراعه الأيسرى، فتركه. ثم لكم الآخر وفلت منهم. لكن أمسكه آخران بقوة وثبتوه. فكانوا ضخامًا. ضغطوا على ذراعه منعه من الحراك، فتألم.
"لو لم تقتربي مني مجددًا لما فعلت شيئًا. لما أقدم على ما سأفعله الآن. لكن مضيت في طريقي وتركتك."
سالت دموع من عيناها. قالت:
"- لم أستطع."
لم يهتم بما قالته. لأنه ثقته قد انعدمت بها.
ضاقت ملامح "عمر". قال:
"أبعد ذلك الشيء. اتركها يا "علي"."
نظر له ببرود قال:
"سأحقق لك أمنيتك وتلحق بها. فلا تستعجل على موتك لأنه قادم."
خال عمر من لهجته وما قاله:
"دعها وشأنها. أنت لا تعلم شيئًا."
"وما هذا الذي لا أعلمه؟"
"أن هناك من خدعها..."
صمت ولم يكمل حين وجدها تنفي برأسها. تنظر له بترجٍّ أن يصمت ولا يتحدث.
كان يقود السيارة يوصلها إلى بعدما غادرت من عند مازن. نظر لها وكان يود أن يقول شيئًا لكن متردد.
"هل تظنين أنه إذا تذكر، سوف يسامحك؟"
صمتت قليلاً ثم قالت:
"لا أعلم."
"لماذا لم تخبرينا عن الأمر من قبل وسببك فيما فعلتيه؟"
"لأنه كما أخبرتك، لم يكن يجب أن تعلموا. لأن الأمر متعلق بحقيقة "علي". وإن تحدثت لعرفتم من يكون."
"لما كل هذا؟"
"أنت لا تفهم شيئًا يا "عمر"."
"ما هو الذي أفهمه؟ ستصمتين في هذه أيضًا؟"
تنهدت ثم قالت:
"- أنك علمت الآن أن "علي" من المافيا. لذلك لا تتفوه بأي كلمة مما سمعتها مني منذ ساعات."
"ماذا!!"
"فهمت كلامي. لا تتحدث عن هذا الأمر ثانيًا وكانك لم تسمعه قط."
صمتت ثم أردفت:
"- لستُ حمل أن أحمل ذنبًا آخر معي."
كان يشعر بالريبة بكلامها. فهل تخاف عليه ولا تخاف على نفسها؟
نظر إليها وهي ما زالت تترجاه بعينيها حزن. نظر إلى "كاسبر" بغضب وأنه لم يبعد المسدس من عليها ولا يزال في جموده. لكن وجده يبعده.
تفاجأت "أفيلا" وهي تراه يخفض مسدسه.
"يغضبني رؤيتك. لستِ خائفة ولا تزالين واقفة على قدميكِ وقادرة على حملك."
شعرت بالخوف من نبرته وما يقوله بكلامه الذي كان كالخنجار الذي يقذفها تجاهها. فهل يريد أن ترتكس على ركبتيها من خوفها؟
أمسك المسدس. التفت وفتح الخزينة وأخرج الرصاصات من المسدس. استغربت وهي لا تفهم شيئًا من ما يفعله. التفت، وقف أمامه.
"يوجد رصاصة واحدة في المسدس."
قال ذلك ثم قام بتعمير المسدس وأردف قائلًا:
"لنرى من سوف يحصل عليها."
وضع المسدس على رأسه. فارتاعبت من قلقها عليه. قالت بصدمة:
"ماذا تفعل؟"
لم يرد عليها. وجدت إصبعه يتحرك على الزناد. اقتربت منه لكنه ضغط عليه. ارتعبت وقطعت أنفاسها من الصدمة. لكن لم يصدر صوت من المسدس.
نظرت إلى "كاسبر" وهي خائفة. لكنه كان بخير. أبعد المسدس عن رأسه. قال:
"لم تكن فيها. على كل، لا يزال أمامنا أربعة. ستكون الرصاصة من بينهم."
زفرت وتأخذ أنفاسها التي كتمت داخلها. أخرجتها براحة، طالما أنه بخير. وجدته يد يده لها وبها المسدس.
نظرت "أفيلا" إلى المسدس بخوف. أخذته ببطء وهي ترتعش حتى استطاعت مسكه. نظرت إلى "كاسبر" وعيناها. قربه من رأسها.
أنصدم "عمر". قال بغضب:
"ماذا تفعلين؟"
كانت "أفيلا" صامتة. الدموع في عينيها وهي تنظر له. أغمضتهم وتتمنى أن تكون الرصاصة بها وتصيبها هي.
ضغط على الزناد. صمت "عمر" بصدمة وخوف. لكن لم يخترق أذنه صوت ناري.
فتحت "أفيلا" عيناها. نظرت إلى نفسها وأنها ما زالت تتنفس. وجدته يأخذ المسدس منها. نظرت له، فرفعه ووضعه مجددًا على رأسه. زادت ضرباتها خوفًا عليه. ودموعها التي بدأت في التساقط لفرط رجفتها من هالة الرعب المحيطة بها. هتفت به غاضبة:
"لا تفعل ذلك. أنهِ الأمر واقتلني."
نظر لها بلامبالاة. وجدته يضغط على الزناد. تسارعت دقات قلبها والخوف ينتابها بشدة. وقلبها لديه ثانيتين ويتوقف نبضه.
ضغط "كاسبر" على الزناد بجمود. ولكن لم تصاحبه الطلقة ولا يزال بخير.
كانت ترتعش من شدة الخوف. بدأ ساقيها بأن يصطكا ببعضهما لأعصابها التي تلفت ويثقل جسدها على قدماها حيث لا تستطيع أن تحملها.
نظر "عمر" إليها وهي تمسك بالمسدس ويدها التي ترتعش. صاح بغضب:
"دعها وشأنها. يكفي."
لم يهتم "كاسبر" بكلام أو يلتفت إليه حتى. فغضب. نظر إلى الرجال وهم يمسكونه. حاول الإفلات من بين أيديهم. لكن ضغطوا على ذراعه بقوة فتألم. وشعر بأن ذراعه على وشك حركة واحدة فتكسر لا محالة.
وضعت "أفيلا" المسدس على رأسها وهي تنظر له بترجٍّ والدموع تسيل من عينيها. تتمنى أن تكون هذه المرة الطلقة تخرج من المسدس وتصيبها هي. إذا لم تكن بها، ستكون ناقصة مرة. وهي الخامسة التي ستكون له وتصيبه هو.
ضغطت على الزناد بتمني. لكن وجدت نفسها بخير. نظرت إلى المسدس. مد "كاسبر" لياخذه. لكنها أبعدت يدها تمنعه.
نظر لها. اقترب منها. فعادت للخلف. وضعت المسدس على رأسها وتنظر له بقهر وحب وحزن. وكأنها تودعه وتطيل من النظر إليه.
نظر "عمر" إلى "أفيلا" بصدمة وخوف. قال بصوت ضعيف:
"أفيلا، لا تفعلي ذلك."
نظرت له. وجدته يتراجع، وعينه بها دموع من خوفه عليها. لكن ما بيدها حيلة. إذا أعطته له، سوف يكمل ولن تستطيع التحمل. فل تأخذ هي الطلقة وينتهي الأمر.
تقدم "كاسبر" منها. فعادت للخلف.
"لا يكفي لحد هنا."
قال ذلك ثم ضغطت على الزناد. تصنم عمر مكانه ولم يتحرك. وكان قلبه على وشك التوقف. نظر إليها بخوف. وجدها ما زالت حية.
نظرت "أفيلا" لـ "كاسبر" بعد فهم واستغراب. فعادت بضغط على الزناد مجددًا. لكن لم يحدث شيئًا.
أمسكت المسدس. فتحت الذخيرة. وصدمت عندما وجدتها فارغة. ولا يوجد به أي رصاص. رفعت عينيها إليه بصدمة ودموعها التي لا تتوقف.
كان ينظر لها ببرود. وكأنه كان غرضه أنه يراها خائفة. ليس إلا. يراها مرتاعبة. ومستمتعًا بذلك. وكأنما يشاهد عرضًا.
أمسك يدها وأخذ المسدس منها، وهي لم تمنعه بل تركته يأخذه. كانت أعصابها غير قادرة على حملها، مستسلمة له.
اقترب منها، وقف أمامها مباشرة. نظر إليها، قرب يده من وجهها. رفعت عيناها، نظرت إلى يده وهي تستشعر ملمسه وقربه منها. نظرت له في عينيه، وجدت بهما جفافاً لم تراه فيه من قبل. ساد الصمت قليلاً، حتى قاطعه "كاسبر" وهو يقول بجمود:
"أنتِ طالق."
تبدلت ملامح "أفيلا" وتجمدت مكانها. لا تشعر بمن حولها، فقط تلك الجملة التي نطق بها وصعقتها، واخترقت قلبها قبل أن تخترق أذنها.
"لا تريني وجهكِ ثانية."
أردف ببرود وتحذير:
"في المرة القادمة لن أتردد في قتلكِ مثل اليوم."
صمت، ولم تقدم على التحدث من الصدمة. بدأ قلبها ينخفض ويبطئ من نبضاته التي كانت متسارعة.
أبعد يده وابتعد عنها وذهب. نظر إلى "عمر" الذي كان يرمقه نظرات حنق وغضب. لم يعره اهتماماً وذهب. تركه رجاله، فوقع على الأرض فور أن أفلتوا يده. تحسس ذراعيه بتألم، ووجدها تخرج وتتبعوه.
كانت "أفيلا" واقفة مكانها، ودموعها تتجمع على وجهها الذي شحب فجأة. أسرع "عمر" إليها، قال بخوف:
"أنتِ بخير؟"
لم ترد عليه، كانت لا تزال متشنجة وكأنها فقدت النطق أو ليس لديها طاقة لتخرج موجات صوت. حرك بؤبؤ عيناها ونظرت إليه، وكانت ملامحها تخلو من التعبيرات.
"أفيلا."
قالها نداءً لها، وهو يطالعها بقلق. وجدها تقفل عينيها وتقع مغشياً عليها، فامسكها على الفور. نظر لها وهي مغشياً عليها.
"أفيلا."
قالها وهو يربت على وجهها. لكنها كانت تشبه الموتى بالنسبة للون بشرتها الشاحب وبرودتها، ودموعها التي لم تجف بعد. قرب يده ومسح دموعها بحزن وخوف. حملها وذهب.
فتح "عمر" السيارة وهو يحملها، أدخلها، ثم دلف للناحية الأخرى وقاد بسرعة متوجهاً لأقرب مشفى، ينظر لها وهو قلق عليها.
امسك هاتفه وأقام مكالمة، حتى جاءه الرد.
قال "مازن": "عمر، ماذا هناك؟"
قال بغضب:
"أخبر 'علي' أني لن أتركه إن أصاب 'أفيلا' مكروها."
استغرب، قال بعدم فهم:
"عن ماذا تتحدث؟"
"كان سيقتلها منذ قليل.. تذكر كل شيء، عادت إليه ذاكرته وجاء ليقتلها. أسمعتني؟"
أقفل الهاتف بضيق وأسرع قيادته.
نظر "مازن" إلى الهاتف بصدمة.
"هل عادت له ذاكرته وتذكر... تذكرها وحاول قتلها؟ هل حقاً ذهب إلى 'أفيلا' ليقتلها؟"
خرج "مازن" على الفور، ركب سيارته وذهب. اتصل بـ "كاسبر" لم يأتِ رد. فاتصل به مجدداً، لكن بدون جدوى. ظل يهاتفه ولم يمل حتى رد عليه. قال:
"مرحباً يا 'علي'. تعلم من أكون الآن."
"ماذا تريد؟"
"أين أنت؟ يجب أن نتحدث."
"تكلم، أنا متجه للمطار."
"إياك وأن تذهب يا 'علي'! انتظر، أرجوك لا تغادر. هناك ما يجب أن تعلمه."
وصل "عمر" إلى مشفى، أخذ الأطباء "أفيلا" وأدخلوها إلى الغرفة. جعلوه يقف بالخارج. وجد هاتفه يرن، وكان "مازن". رد عليه وهو في ضيق.
قال "مازن": "أين أفيلا الآن؟"
"أين ستكون؟ في المشفى."
"ماذا بها؟"
"بعد قليل سوف نعرف."
"اتصل بي وأخبرني حين تعلم."
لم يرد عليه. قال "مازن" بتأكيد:
"سمعتني يا 'عمر'؟"
"حسنا."
جلس "عمر" يتذكرها وهي واقفة وترتجف، ويداها ترتعش وهي تمسك المسدس، ونظرة الخوف في عينيها. بل كانت مرتعبه، في حالة لا يرثى لها. فقد ألمه قلبه وهو يرى خوفها، وهو لا يفعل شيئاً غير أن يشاهدها بسبب هؤلاء الرجال الذين كانوا يمسكونه.
توقفت سيارة "كاسبر" على جانب الطريق، ترحل. وكان "مازن" واقفاً يسند على سيارته ينتظره. وعندما رآه اقترب منه، قال:
"ماذا؟ صحيح ما علمته؟"
لم يرد عليه. فأكمل:
"هل حاولت قتل 'أفيلا' حقاً؟"
"إذا كنت أريد قتلها لقتلتها على الفور. ذهبت وأنا لا أنوي على ذلك من البداية."
نظر له "مازن" بخوف من نبرته وبروده ونظرته، وهو يتحدث عن القتل وكأنه شيء عادي بالنسبة له. قال:
"أتعلم أنها في المشفى الآن؟"
صمت "كاسبر"، ثم قال بجمود:
"هل هذا ما أحضرتني لأجله؟"
صدم "مازن" أنه لا يهتم بها تماماً. قال:
"ألم تحزن من أجلها ولو قليلاً؟"
لم يعر كلامه اهتماماً، وكأنه لا يتأثر بأي ما يقوله له.
قال "مازن" بخيبة:
"أردت إخبارك أن 'أفيلا' ليس لها ذنب بما فعلته."
"أشكرك على ضياع وقتي."
قال ذلك وهو يذهب، معلناً رحيله.
"لقد كانت ضحية مثلك."
توقف عند هذه الجملة. وماذا يعني أنها ضحية مثله؟
"يا 'لوسيانو'."
صدم من سماع لقبه الذي نطقه "مازن" للتو. وأين علم هذا الاسم لا يعلمه غير المافيا. التفت نظره له. قال "مازن":
"أليس هذا لقبك الشهير بين المافيا؟"
نظر له، قال باستدراك:
"هل أخبرتك؟"
أردف بضيق:
"تجعلني أندم أنني لم أقتلها."
"لماذا لم تفعل ذلك إذا؟ لماذا لم تستطع قتلها؟"
نظر له "كاسبر" وصمت. فهو لم يستطع قتلها، أعطاها فرصة لتنجو منه. اقترب "مازن" منه، قال:
"لفت انتباهك أني علمت أنك من المافيا منها، ولم يلفت لقبك. كيف عرفته؟ ما تفسيرك لذكر هذا اللقب من أحد الرجال الذين قتلوا والديها؟"
تعجب وهو لا يفهم ما يقوله.
"قتل والديها أمام أعينها، وجاء أحد القتلة تفوه بهذا اللقب، ومن ثم بعد هذا تسمع هذا الاسم يقال لك وتنصدم أن الرجل الذي يكون زوجها هو من قتل والديها الذي يخدعها طول هذا الوقت."
صدم "كاسبر" مما يسمعه. وكيف يذكر اسمه بعدما قتلهم؟ ولماذا يفعل ذلك؟ إنه لم يأمر أحداً، بل أخبر والده أنه لن يقترب منها، لكن سيصمتها بطريقته. أما عن القتل، فـ "روبرت" هو من فعل ذلك، ليس هو. لهذا حاولت قتله؟ ظنت أنه هو من قتل والديها حقاً؟ كيف تظن ذلك وتقدم على قتله وتطعنه وهي تنظر في عينيه؟
"اختطفها رجل يدعى 'روبورت'، وكان سيقتلها، لكن رجالكم أنقذوها. وعلمت منه كل الحقيقة، وأنها ارتكبت جرماً تجاهك. كنت أراها تبكي عندما أعلمتهم بموتك، لكن ظننتها تمثل وتخدعنا حتى لا يعلم أحد ما فعلته بك، لكن كنت مخطئاً. لقد قضت ثلاث سنوات وهي تعاقب نفسها، حتى علمت بأمرك وأنك على قيد الحياة. أخبرتها أن تبتعد عنك لأنني خشيت عليك منها. فكنت أكرهها بسبب ما فعلته، حتى جاء اليوم وأخبرتني بالحقيقة وبكل شيء. وهي مترددة ولا تريد أن تتحدث حتى لا أعلم من تكون أنت يا أخي..... كانت تريدنا أن نراها قاتلة أفضل من أن نعرف أنك من المافيا... أعلم أنها ارتكبت خطأ كبيراً، لكنها كانت ضحية أيضاً وتحملت الكثير طيلة هذه السنوات وأنت بعيد عنها وتظن أنك ميت، وأنت في الحقيقة مازلت حي."
كان "عمر" جالس أمام الغرفة. خرج الطبيب. اقترب منه، قال:
"هل هي بخير؟"
"كيف تهمل بصحتها هكذا؟ ألا تعلم أنها مريضة سكر؟"
خاف "عمر"، قال:
"ما الأمر؟"
قال الطبيب بتنهيدة:
"لقد أنقذناها، لكن لسوء حالتها دخلت في غيبوبة."
صدم، قال بذهول:
"غي.. غيبوبة؟!"
"أجل."
"متى ستفيق منها؟"
"الله أعلم. ممكن يومين، أو أسبوع، أو شهور. وممكن أن تصل إلى سنين، وبعيد الشر، ممكن ألا تفيق مجدداً."
سمع ما قاله، وقف مكانه ولم يتحدث. قال الطبيب:
"هذه الاحتمالات السيئة ضعيفة، ستفيق قريباً إن شاء الله."
أومأ "عمر" برأسه. دخل إليها، نظر لها وهي نائمة هكذا، لا تشعر به ولا بوجوده. بل يعلم أن روحها الآن في عالم آخر، بعيد عن عالمهم.
"أعتذر يا 'أفيلا'. آسف لأنني كنت ضعيفاً، وهم يمسكونني وغير قادر على إنقاذك منه."
صدم "كاسبر" مما سمعه من مازن عن "أفيلا"، وكانت حقاً ضحية وخدعت. لكن أيضاً لا يستطيع أن يسامحها، ليس قادر على وضع أي مبرر لها. فكان سيموت لو أنهم لم ينقذوها، لكان الآن ميتاً. خاطب نفسه:
"لقد أحببتك بصدق.. لم يحبك أحد قدر الحب الذي أحببته لكِ يا 'أفيلا'. لكن كنت أرى نظرة خوفك مني لمعرفة من أكون، وتقللين بشأن حبي، وأنني ممكن أن أكون خطراً عليكِ، بينما أكره الخطر تجاهي لتكوني بخير.. قتلتِ القلب الذي أحبك قبل أن تقتليني."
"لم يكن ذنبها يا 'علي'."
"أكان ذنبي أنا إذا؟"
"ليس ذنب أي منكما، إنه القدر."
"لا تضع الخطأ تحت مسمى القدر."
قال "كاسبر" ذلك، ثم نظر إليه، قال ببرود:
"سعيد بمعرفة ما كان ينقص ذاكرتي."
اندهش "مازن" من بروده وعدم اهتمامه. قال:
"ماذا؟!"
"أراك لاحقاً."
التفت ليذهب. كان "مازن" مصدوماً، فظن أن علمه بالحقيقة سيضع عذراً لها ولو قليلاً. وجد هاتفه يرن، فرد عليه، وسمع ما قيل، فنظر لـ "كاسبر".
كان "عمر" جالس بالغرفة، ثم وجد الباب يفتح. نظر، رأى "كاسبر". ضاقت ملامحه وغضب "كاسبر" من وجوده معها. لكن نظر إلى "أفيلا".
"ماذا تفعل هنا؟ هل جئت لترى ما حدث لها لتسعد بذلك؟ أقسم لك، إن لم تفق، سأكون أنا من يقتلك هذه المرة."
نظر له ببرود ولم يهتم به.
"أذهب من هنا."
غضب "كاسبر"، فهو يتحكم في غضبه من أجلها، والمشفى الذي هي فيها. وقد لاحظ "مازن" قبضة أخاه التي يجمعها. لكن "عمر" لم يهتم. اقترب منه ليخرجه بنفسه. فوقف "مازن" أمامه، قال:
"ألا تلاحظ أننا في غرفة مريضة؟ لتهدأ من روعك."
نظر له بغضب، ثم نظر إلى "كاسبر" بحنق من ثباته.
"لنقف بالخارج، كثرتنا هنا خطأ."
"أتريدني أن أتركه معها؟"
رمقه "مازن" نظرة حادة، قال:
"عمر، لنخرج. هيا."
امسك يده وأخذه، وهو متردد.
وقفا بالخارج. نظر له "مازن"، قال:
"ماذا دهاك؟"
لم "عمر"، فكان متضايقاً.
"إنها زوجته. ليس من حقك أن تمنعه أن يراها أو يدخل لها. بل وجودك بجانبها هو الخطأ."
ضحك "عمر" هذه المرة، وكأنه كبح ضحكاته داخله، التي لم تكن مفهومة. هل هي ساخرة أم سعيد؟ قال:
"لم تعد كذلك الآن. بات غريباً عنها مثلي. لقد حل رباطه بها."
نظر له باستغراب بعدم فهم. قال:
"كيف؟"
"ألم يخبرك؟"
تعجب من نبرته، قال:
"يخبرني بماذا؟"
"أنه طلقها."
صدم "مازن" مما سمعه.
جاء "وجيد" و"بهيرة"، فلقد اتصل عمر بهم وأخبرهم أن "أفيلا" في المشفى. ولم يهتم بما قاله، فيجب أن تعود إلى عائلتها. لن تتحمل ثانياً أي ضغط وألم بمفردها.
"أين هي؟ ماذا حدث لها؟"
قال "وجيد" ذلك بقلق. فرد عليه:
"ألم تخبرني أنك لا تريد أن تعلم شيئاً عنها؟ ماذا حدث؟ كل ما في الأمر أني لم أهتم بما قلته وأخبرتك أنها في المشفى. فماذا حدث؟"
تنهد، ثم أردف قائلاً:
"على كل حال، إنها في الغرفة. دخلت في غيبوبة سكر."
قال بصدمة:
"ماذا قلت؟ غيبوبة س.. سكر؟ هل كانت 'أفيلا' مريضة سكر؟"
"أجل."
قال بغضب:
"ولماذا ليس لدي علم؟"
"يجب أن تسأل نفسك ذلك..... كانت تسألني عنك، وإن كنت تتابعها معي كالسابق أم لا. كنت أكذب عليها وأقول أجل، حتى لا تحزن."
نظر "عمر" إلى "مازن" بغضب. قال:
"ليتك سلمتني للشرطة ولم أخبرك عن ما حدث.."
ليتني ما استمعت لكِ، وأخبرتها أنه حي، لما وصلت إلى هنا.
نظر لهم بضيق ثم ذهب.
نظر "مازن" لما قاله، فمازن لم يفعل شيئًا خطأ، لقد علم أنها قتلت أخاه، ماذا كان بإمكانه أن يفعل؟ كان يظن أن ما يفعله صواب.
نظر "وجيد" للغرفة بتردد. ربتت "بهيرة" على يده بأن يذهب.
دخل إلى الغرفة، وجد "كاسبر" جالسًا بجانبها ويمسك يدها. اقترب، فأنتبه لوجوده. أعتدل ثم ذهب دون أن ينطق بكلمة.
تعجب "وجيد" منه. نظر إلى "أفيلا" بحزن. اقترب منها.
"مريضة سكر.. سامحيني على إهمالي بشأنك.. لماذا فعلتِ بنفسك ذلك؟"
سالت دمعة من عينها بتأنيب ضمير. قال:
"سيكون كل شيء بخير إن شاء الله. أفيقي أنتِ فقط، سوف نعود كما كنا، أوعدك."
دخلت "بهيرة". اقتربت منه وقالت:
"ستكون بخير، لا تقلق."
"أتمنى ذلك."
كان "عمر" واقفًا خارج المشفى وحزينًا للغاية. قلبه يتوهج بنار تاكله من حبها الذي امتلكه ولا يستطيع التخلص منه، وخوفه عليها، وغضبه مما يحدث معها. يريد أن يراها سعيدة وتكتمل فرحتها لمرة واحدة. كانت محقة بأن حياتها مخيفة.
"لماذا حياتي مليئة بالدماء والركض والخوف؟"
خفض وجهه بضيق. ثم وجد هاتفه يرن. أمسكه ونظر إليه. وجدها "ريلا". رد عليها.
"آسف على اتصالي في هذا الوقت.. أنا في شقة أفيلا، لكنها ليست هنا، والباب كان مفتوحًا وهاتفها على الأرض."
صمت ولم يرد.
"عمر، هل تسمعني؟"
"نحن في المشفى."
"كيف؟ هل ما زالت تعمل؟ أخبرتني أنها انتهت في المساء."
"لا، إنها مريضة."
"ماذا!! أي مشفى؟"
أخبرها باسم المشفى وأقفل معها. أخذت "ريلا" الاسم وسجلته حتى تعطيه للسائق يوصلها على الفور، فهي لا تعلم أي شيء هنا.
وصلت للمشفى. ترجلت من السيارة وأسرعت للداخل. سألت عن غرفة "أفيلا" وعلمت بمكانها، فذهبت لها.
نظرت للذين يجلسون عند الغرفة، لم تكن تعلم أيًا منهم.
"معذرة، هل هذه غرفة "أفيلا"؟"
نظروا لهيئتها وطريقتها في الحديث. قالت "بهيرة":
"أجل."
"هل بإمكاني الدخول لها؟"
"بالطبع، من أنتِ؟"
"أنا صديقتها، أدعى "ريلا"."
نظر لها "وجيد"، فكان سمع الاسم ويعرفه جيدًا، فهي صديقتها التي أوقاتًا كان يهاتفها عندها.
دخلت "ريلا" إلى الغرفة. نظرت إلى صديقتها بقلق وعدم فهم لما حدث معها. فلماذا تبدو نائمة بعمق هكذا؟
نظرت لها، ثم خرجت لتعلم ما الأمر وما حدث معها. نظرت إلى هاتفها، وأن "عمر" ليس موجودًا معهم. اتصلت به وهي متوقعة أنه لن يرد عليها، لكنه رد.
"أين أنت؟"
"الحديقة الخلفية بالمشفى."
خرجت من المشفى، وقفت في الحديقة الخلفية. نظرت حولها تبحث عنه، إلى أن وجدت جالسًا على مقعد.
اقتربت منه، ولكنه لم يلاحظ وجودها. جلست بجانبه. نظرت له.
"أأنت بخير؟"
سمع "عمر" صوتها. التفت ونظر لها، وتفاجأ من وجودها.
"لماذا تجلس هنا بمفردك؟"
صمت قليلاً ثم قال باللامبالاة:
"هل يجب أن أجلس بالداخل؟"
تعجبت "ريلا" من طريقة في الحديث معها. قالت:
"ما بك؟"
"ماذا؟"
"لماذا تتحدث هكذا؟"
"كيف تريدني أن أتحدث؟ أن أضحك مثلاً أو أبتسم، و"أفيلا" مريضة بالداخل؟"
استغربت من انفعاله عليها على لا شيء. قالت بضيق:
"أنك تتحدث عن صديقتي أيضًا، أنا حزينة مثلك بالضبط.. جئتُ كي أراك وأسألك عنها، لكن آسفة على مجيئي."
وقفت وذهبت وهي حزينة من حديثه معها، فقد كانت قلقة عليه، وأنها لم تجده معهم، فأرادت رؤيته، بينما تحدث بفظاظة وهي لم تفعل له أي شيء، بل جاءت لتواسيه، فتعلم أنه سيكون حزينًا، فوجدت به اهتمامًا خاصًا من ناحية "أفيلا".
في الليل، لم يغادر أحد، ولا يزالون في المشفى. أما الغرفة، فكانت "بهيرة" و"ريلا" جالستان بالداخل.
جاء "كاسبر". نظر له "مازن" و"وجيد". لاحظ نظراتهم، لكن لم يهتم. دخل إلى الغرفة. نظروا له. وتذكرته "ريلا". وجدوه يقترب منها ويجلس بجانبها، ينظر لها، ثم يمسك يدها.
نظروا لبعضهم، فوقفوا وخرجوا. نظر "وجيد" لـ"بهيرة". قالت:
"تركناه معها قليلاً."
أومأ بتفهم. نظرت "ريلا" لنهاية الممر، وأن "عمر" لم يأتِ أو تراه منذ أن كانت معه. هل ممكن أن يكون قد غادر؟
كان جالسًا ينظر لها، غارقًا في حيرته.
"علمتُ أنه إذا زادت مدتك في النوم، يزداد الوضع خطرًا، وممكن أن..."
لم يكمل. تنهد بضيق.
"أعلم أنكِ تشعرين بنا، لذلك أفيقي، لا تجعلي الخوف يمتلكني."
نظر لها وإلى ملامحها ووجهها الهادئ الذي أرهق منذ ساعات من الخوف والبكاء. تذكر عندما كانت تطلب منه السماح، تعتذر على محاولة قتله، وحين صرخت به:
"توقف، أنهِ الأمر واقتلني."
كانت خائفة عليه وهي تراه يضع المسدس على رأسه، مرتعِبة بشدة وترتجف. وهو يضغط على الزناد. وعندما أخذت المسدس ولم تعطيه له وتضغط على الزناد تنتظر موتها.
"لماذا لم يكن لدي علم بمرضك؟"
تذكر عندما انتهت من طعامها ووجدها تأخذ أدوية كثيرة، وعندما سألها عنها، ابتسمت وقالت: "ليس بيدي." كانت تقصد بسبب مرضها، وأنها غير بإرادتها، لأنه كان دواء يجب المواظبة عليه.
"هل قسوت عليكِ؟"
تذكرها عندما صدمها في السيارة، وعندما أفاقت ونظرت له بصدمة وسالت الدموع من عينيها وفقدت الوعي. وعندما أفاقت واحتضنته وتبكي. تذكرها في المشفى عندما استيقظ ووجدها بجانبه، والرجل الذي جاء ليقتله ودافعت عنه وكانت ستموت. تذكرها وهي تفك الرباط من على ذراعه وتهتم به. وفي الفيلا عندما وجدها تبكي وهي تنظر له:
"لست بخير، هذا يؤلمني كثيرًا. أريده أن يتوقف هذا الألم للأبد. لا أريد أن أشعر بنبضه. متى سينتهي هذا العذاب يا "علي"؟ متى سأعود لنفسي وتعود إلي وتسامحني؟ لم أعد أستطيع التحمل أكثر من هذا. تريدني أن أتعذب إلى متى؟ ليس لدي مانع، سنة؟ سنتين؟ ثلاث سنوات؟ خمس أم عشر؟ سأقبل أي حكم منك، لكن على أمل أن تعود إلي بعد هذا العذاب. لا تتركني هكذا. لا أعلم نهايتنا ستكون إلى أين وكيف."
"أقسم لك أني أحبك وندمت على ما فعلته، سامحني أرجوك. هل ممكن أن يأتي يوم ونعود كما كنا؟ لا تبتعد عني. عدني بأنك لن تتركني."
"أتحبينني حقًا يا "أفيلا"؟ لم أعد أعلم من المخطئ في حق من؟ أنا أم أنتِ؟ أم بالفعل القدر؟"
نظر لها وهي تغط في النوم. تذكر خوفها الذي شعره بها. لامس وجهها.
"ماذا ظننتِ أني سأقتلك؟ أنا أضعف من ذلك يا "أفيلا". لا أستطيع حتى أن أمِسَّ أذى، فلما أنتِ استطعتِ فعلها؟ بي قسوة تفزعني أحيانًا، فلما لا أستطيع أن أريها لك."
تنهد بضيق: "لما جعلتينا نصل إلى هنا؟ كنت أعلم أن الحب لا يصلح لي منذ البداية."
لم يكن يظهر على ملامحه شيء، لا يزال الحزن يعتل وجهه. فهناك شيئًا مات بداخله من ناحيته، ولا يستطيع أن يعيده. اقترب من يدها وطبع قبلة، لعله يشعر بما كان يشعر به وهو معها، لكن خاب أمله.
وقعت عيناه على خاتمها الذي بيدها. تذكرها وهم على اليخت وأخبرته أنها لن يأتي يوم وتخلعه. وحين قفزت في البحر، على الرغم من خوفها وأنها لا تسبح جيدًا، لكن لم تستطع أن تترك قلادته وأن تفقدها.
"سينتهي كل هذا قريبًا. سأبتعد عنك ولن تريني ثانيًا. لنتوقف لهذا الحد... لتعيشي حياة هادئة كما تمنيتِ، حياة عادية كالباقيين."
كان "كاسبر" يظن أن حبه جحيمي وتملكي، لم يعلم أنه سيتركها في يومها لسعادتها وليريحهم كلاهما، لأن أقدارهم لن تجتمع.
خرجت "ريلا" من المشفى، وكانت في الحديقة الخلفية ترى "عمر". وبالفعل، وجدته ما زال جالسًا بنفس وضعيته. ذهبت إليه، لكن توقفت عندما تذكرت حديثه معها. حزنت، فكانت تريد أن تذهب إليه، لكن لا تستطيع. وجانب منها يخبرها أن تذهب، ويصر على ذلك، فهو كان غاضبًا وهو يتحدث.
ذهبت إليه. كانت خائفة أن لا يحب وجودها، أو يضايقها مرة أخرى، لكن تركت الأحداث لمجراها، ووضعت له سببًا. اقتربت منه، جلست بجانبه. لاحظ "عمر" وجودها. قالت:
"لم آتِ لأجلك، مللت من الداخل فخرجت قليلاً."
لم يرد عليها. نظرت له "ريلا" ولا تعلم لماذا تحب النظر إليه.
"اعتذر."
تفاجأت واندشت من تأسفه. لقت انتباهها دمعة على وجنته. قربت يدها منه ومسحتها بحنان. نظر "عمر" إليها ثم إلى يدها. أبعد وجهه ونظر بعيدًا.
"هل كنت تبكي؟ أأنت بخير؟"
"أجل."
"بماذا تشعر؟"
تعجب من السؤال. نظر لها. فكررت وهي تقول:
"ماذا تشعر الآن؟"
نظر أمامه وخفض رأسه. قال بصوت ضعيف:
"أختنق."
حزنت من نبرة صوته كثيراً. اقتربت منه وقالت:
"من ماذا؟"
صمت قليلاً ثم قال: "الذنب الذي أشعر به.. مما حدث لـ"أفيلا" بسببي. أنا المسؤول عن مرضها وكل ما عانته."
رفع وجهه، أضاف بشرود:
"أخطأت كثيرًا. ليتني أخبرته في نفس اليوم أنه حي. لقد عاشت لثلاث سنوات بطريقة مؤذية لنفسها. كنت أراها تتعذب وتبكي وتهتف باسمه وتناديه، حتى جاءها المرض. لقد تحملت "أفيلا" الحزن وكل هذا الألم والندم طيلة المدة، وتحملت نتيجته بمرضها، وها هي لا تزال تتحمل."
كان يخرج ما في داخله.
"على الرغم من كل ذلك، ما زالت تعتبرني أقرب صديق لها. أنا لا أستحق ذلك."
وضعت يدها على كتفه برفق وقالت:
"لا تقل ذلك، إنها تحبك كثيرًا حقًا وتعتمد عليك في الكثير."
"وهذا ما يضايقني. محبتها لي، أنا لست جديرًا لها."
ابتسم بحزن لوهلة حين تذكر شيئًا جعله يشمئز من نفسه.
"لو تعلمين المرة الأولى التي كنت معها فيها، ماذا حاولت أن أفعل بها. كنت وغدًا. لم أتخيل يومًا أن نكون أصدقاء وتحبني وتثق بي مثل الآن. لقد استطاعت أن تغيرني. أشعر بالقرف من ما كنت أفعله."
تذكر وهى قريبة منه وتبتسم ولم تكن في وعيها: "أشكرك يا عمر على كل شيء، لم أجد صديقًا مثلك." أخفض وجهه بحزن.
نظرت له "ريلا" وجدته يضغط على يده ويجمع قبضته بشدة، وكانت عظامه ظاهرة من ضيقه، وكأنه يحاول منع بكاءه. لهذا الحد يحبها؟ ولماذا يقول إنه سبب في مرضها؟ لم تستطع رؤيته هكذا. اقتربت منه وضَمَّته برفق. نظر لها "عمر" بشدة وهو متفاجئ منها.
"يكفي، ليس لك دخل. هذا مقدر أن يحدث."
ربتت عليه بحنان. وكان عمر يشعر بيدها ومواساتها، وكأنها تزيح حزنه بيدها. شعر بأنه يحتاج ذلك، يحتاج من يواسيه ويكون بجانبه، فهو يشعر بالاختناق الشديد. فعانقها هو الآخر. نظرت له "ريلا" وانه ضمها. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وكانت تشعر بالسعادة وهو قريب منها مثل الآن.
ظلوا يضمان بعضهم حتى نظر "عمر" لنفسه. ابتعد عنها على الفور.
"اعتذر."
قال ذلك بحرج ثم وقف وذهب. نظرت له بتعجب.
دخل "عمر" إلى المشفى ويتذكر كيف كان قريبًا منها واحتضنها. أغمض عينيه بضيق.
وصل إلى الممر الذي به غرفة "أفيلا". نظر لهم. قال "وجيد":
"متى جئت؟"
"لم أغادر بعد."
نظر إلى الغرفة. ذهب إليها، فتح الباب، وجد "كاسبر" جالسًا بجانبها.
"أتشفق عليها بجلوسك بجانبها؟"
نظر له وقد لاحظ وجوده. لم يعره اهتمامًا. عاد بأنظاره إليها. اقترب "عمر" منه. قال:
"لم يهز لك جفن وهي مرتعِبة ورعشة يدها وبكائها. لقد بدت لي وكأنك تريد رؤية ذلك."
كان بارد الوجه، يسمع لكلامه الذي لم يكن من ضمن اهتماماته قط. وجمود وجهه يظهر عدم التأثر. قام وكان سيذهب. قال عمر وهو يوقفه:
"لكني أشكرك حقًا وممنون لك لأنك جعلتها امرأة حرة..."
اظنك كافأتني على إنقاذي لك بما قلته اليوم.
نظر له من ما قاله ليردف بابتسامة جانبية: اشكرك لأنك طلقتها.
رواية احببت مافيا الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نور
قال "عمر" بابتسامة: أشكرك لأنك طلقتها.
فلقد كان العائق لرغباته أنها امرأة متزوجة، ويشكره الآن أنه جعلها حرة.
نظر له "كاسبر" مما قاله، وجده ينظر لـ"أفيلا" بتمعن واهتمام، وكأنه غير موجود.
هنا قد استشاط غضبًا ولم يستطع التحمل.
وقف، اقترب منه، أمسكه من ملابسه ودفعه بقوة للخارج، وتبعه.
وقفوا بصدمة وهو ينظرون لـ"عمر"، وكان ريح قوية أطارته.
ثم نظروا لـ"كاسبر" وهو يخرج، أقفل الباب وكأنما يمنع الإزعاج الذي سيتسبب فيه.
نظر إلى "عمر" وقال بتحذير: إياك وأن تطأ قدماك هذه الغرفة مجدداً.
ابتسم وقال: لماذا؟ هل تشعر بالغيرة؟
نظر "مازن" لـ"عمر" وإلى ابتسامته، وكأنه ينوي موته الليلة.
سار "كاسبر" تجاهه ببرود شديد، اقترب منه، وقف أمامه مباشرة.
نظر له "عمر" وإلى هدوئه المخيم الذي يحل وجعه.
سرعان ما تلقى لكمة قوية أطرحته أرضاً.
صدم الجميع.
اقترب "وجيد" و"مازن" من "كاسبر".
أمسك "عمر" وجنته بتألم يتحسسها، كانت شفتاه قد جرحت وفمه ينزف.
ابتسم.
استغربوا كثيراً منه.
وجوده ينظر إليه ويقول: لا داعي أن تغضب لهذا الحد، فما عاد رباط بها.
لكمه "كاسبر" مجدداً، وكانت أقوى عن زي القبل.
تألم كثيراً ونزفت أنفه، كان فقد الإحساس في وجهه ولم يعد يشعر به.
أمسكه من ملابسه بقوة وقال بحظه: أتركك على قيد الحياة من أجلها، غير ذلك لكنت ميت منذ زمن.
هل تظنني خائف منك؟
نظر "مازن" لهم ونظرات أخيه التي لا تبشر خيراً.
هتف بقول: "عمر" يكفي. اتركه يا "علي".
كانت "ريلا" رأت "عمر" من بعيد وهو يتعرض للضرب، ركضت إليه بخوف.
كان "كاسبر" ينظر له ولا يريد أن يتقدم بفعل شيء يندم عليه، ويضع في الاعتبار أنه من أنقذه.
دفعه بقوة وهو يتركه.
اقتربت "ريلا" من "عمر"، جلست بجانبه بخوف وقالت: أنت بخير؟
نظر لها.
قربت يدها من وجهه برفق إلى العلامة التي على وجهه بسبب الكلمات التي تعرض لها وشفتاه التي جرحت.
نظر "مازن" و"وجيد" لـ"ريلا".
اقترب منه وأسنده معها على الوقوف.
نظر "عمر" إلى "كاسبر" الذي يشتعل غضباً وينظر له وكأنه يريد القضاء عليه.
نظر "مازن" إليه وهو ينظر لأخاه قال: أنفك ينزف ولتضع شيئاً على وجهك.
كان ما زال واقفاً ينظر له.
قالت "ريلا": لنذهب، هيا.
أخذوه وذهبوا من أمامه.
نظر "مازن" لـ"كاسبر" قال: ماذا دهاك؟ لما فعلت ذلك؟
لم يرد عليه وذهب هو الآخر، فكان غاضباً بشدة من كلام "عمر" وعن ذكره أنه طلاقه، ونظرته لها وكأنه يخبره أنه وضع له فرصة أن يقترب منها وليس هناك ما يمنعه بعد الآن.
في غرفة كان "عمر" جالس بعدما أوقفه له الطبيب النزيف، كانت "ريلا" بجانبه و"وجيد" واقف ينظر له بضيق قال: لماذا كنت تتحدث معه هكذا؟
أردت إغضابه.
لكنك كنت تنوي على ما أصابك من البداية؟
أجل، إغضابه ما كنت أريده.. أردت أن أستمتع مثلما فعل هو.
وماذا فعل؟
لم يرد عليه.
جاءت الممرضة وفي يدها كيس طبي مثلج.
أخذته "ريلا"، أمسكت وجهه برفق حتى لا يتألم، وضعته على الجانب الذي تعرض للضرب وهي حزينة من رؤيته وتتذكر كيف ضربه "كاسبر" بقسوة.
نظر "عمر" إليها وهي تمسك وجهه بيدها الناعمة ويدها الأخرى تمسك الكيس وتضعه على وجهه.
نظر إلى ملامحها وكانت تنظر له بحزن، وقد شعر بذلك.
نظر وجيد لـ"ريلا" وكيف تهتم بأمره وقلقه عليه.
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم خرج، فكان ليس سعيداً بحب "عمر" الشديد لـ"أفيلا" وحزيناً عليه، فكان شبيهاً بالحب المميت حيث يكرث حياته لإسعادها فقط وهي لم تبادله صدق مشاركة.
لكن عندما وجد "ريلا" وهي خائفة عليه وكأنها تحبه، ونظرت "عمر" لها وكأنه ينجذب إليها.
كان يحل صمت بينهم.
نظرت "ريلا" له، وجدته ينظر لها، توترت ثم عادت إلى ما تفعله.
هل سعيد بما حدث لك؟
نظر "عمر" بعيداً ولم يرد عليها.
كان هذا ما يريده أو يرى غضبه عندما يتحدث عن "أفيلا" ويغضب وهو ينظر لها.
أراد أن يعرف أن كانت تفرق معه أم لا.
خاطب نفسه: ذلك الأحمق لا يزال يحبها.
سمع صوت رنين هاتف، ابتعد عنها، وقف وذهب، أمسك هاتفه ونظر فيه.
كان "أحمد" المتصل، رد عليه.
مرحباً "عمر"، لماذا اتصلت بي؟ اعتذر لم أسمع الهاتف.
لا بأس، كنت سوف أحضرك لمنزل "أفيلا" لتراها، لكنني أحضرتها للمشفى.
مشفى؟ لماذا؟ هل حدث شيء لها؟
صمت قليلاً ثم قال: دخلت في غيبوبة.
أعطني اسم المشفى.
دخل، وجد "ريلا" ما زالت جالسة، قال: أشكرك.
وقفت، اقتربت منه، نظر لها.
أمسكت يده ثم وضعت بها الكيس وقربته من وجهه ويدها فوق يده قالت: ضعه على وجهك لمدة.
نظر لها وقد شرد في ملامحها.
أبعدت يدها وذهبت وهو واقف ويده على الكيس عند وجهه.
كان "كاسبر" واقف في الخارج عند باب المشفى.
وقف "مازن" بجانبه، انتبه له لكن لم يهتم.
هل طلقت "أفيلا"؟
أجل.
أكان محقاً إذا؟ لماذا فعلت ذلك؟
أردف بتساؤل: بإمكانك أن تعيدها، أليس كذلك؟
نظر له "كاسبر" ببرود وذهب هو متضايق على تذكيره.
ففور استيقاظ "أفيلا" سيبتعد عنها للأبد ولن يعود ثانياً إلى مصر.
لم يتخيل يوماً أن ينطق هذه الجملة لها ويبعدها عنه مثل الآن.
جاء "أحمد"، جلس مع "عمر".
نظر لوجهه بفزع من العلامة التي عليه، وكان سيارة اصدمت به.
مسك وجهه، تألم وأبعد يده بضيق قال: ماذا بك؟
اعتذر.. ماذا حدث لك؟ من فعل بك ذلك؟
لا تشغل بالك.
حسناً.. ماذا تعرضت "أفيلا" حتى تدخل في غيبوبة؟ أم بسبب أنها لا تأخذ أدويتها؟
تذكر "عمر" وهي خائفة والصدمة التي رآها بأعينها بعدما طلقها وحذرها أنه إذا رآها سيقتلها.
"عمر"، أتسمعني؟
أفاق.
نظر له قال: ماذا كنت تقول؟
فيما أنت شارد؟
هل ممكن أن تطول المدة؟
إن شاء الله لا، ممكن أن تفيق غداً أم بعد غد، لا تقلق.
أتمنى ذلك.
في اليوم التالي كان "كاسبر" بالغرفة ينظر لها ويتذكرها.
وهي كانت بجانبه في المشفى واعتنت به.
دخل "وجيد" نظر له قال: هل ما زلت هنا؟
تستطيعون الذهاب، سوف أبقى معها.
ألم تنم من البارحة؟
لم يرد عليه.
نظر له "وجيد" وخرج.
نظروا له، فكانوا مستيقظين، فلم ينم أحد جيداً من البارحة.
لا داعي لوجودكم، اذهبوا.
قال "مازن": هل "علي"..
قال إنه سوف يبقى.
قالت "ريلا": وأنا أيضاً لن أذهب.
نظر "عمر" لها وأنها من البارحة هنا قال: هيا حتى أوصلك.
نظرت له باستغراب، ألم يسمع ما قالته؟
نظر لها بعينيه وأشار أن تتبعه وذهب.
نظرت لهم وذهبت خلفه.
وقفوا بالخارج، توقفت قالت: لن أذهب.
سوف تبقين هنا كثيراً؟
وما الفرق بيني وبينك؟ إنها صديقتي، لا يجب أن أتركها.
لا أقول أن تتركيها، لكن اذهبي لمنزلك من ثم تأتي لرؤيتها ثانياً.
نظرت له وأنه يهتم بها، ذهب لسيارته وفتح الباب قال: هيا.
عادت "بهيرة" للمنزل مع "وجيد".
نظروا لهم، اقتربوا منه قال "وليد": خير يا أبي؟ أخبرتني "بيري" عن "أفيلا" حين عدنا من العمل، اتصلت بك، لما ترد علي؟
قالت "بيري": هل هي بخير؟ نحن قلقين منذ البارحة بسبب اتصال "عمر" المفاجئ في ذلك الوقت.
نظر لهم "وجيد" وذهب.
تعجبوا منهم، نظروا لوالدتهم قال: إنها بخير، ادعوا لها بالشفاء وأن تفيق، إنها في غيبوبة.
قال "وليد": غيبوبة؟ كيف؟
كان لديها داء السكري.
نظروا لها بصدمة واتسعت أعينهم، فكيف أتاها؟ فهي مهتمة بصحتها ولياقتها، كيف جاءها هذا المرض؟
دخلت "بهيرة" وجدت زوجها جالس يضع يده على وجهه بضيق.
جلست بجانبه قالت: ستكون بخير، ادعُ الله أن يشفيها.
يارب.. كنت لا أهتم بها ولا أعلم أي شيء عنها.
لو لم يتصل "عمر" بي لما كان لدي علم بما هي فيه الآن.
هذه هي الأمانة التي سلمها لي أخي يا "بهيرة".
هذا العهد الذي قطعته عند قبره.
هذه ابنتي كما اعتبرتها منذ صغرها.
تركتها هكذا وهي تحتاجني.
لا تحزن، سوف تفيق ونجتمع مجدداً ولن نتركها، أليس كذلك؟
تفيق فقط وسأفعل لها ما تطلبه، لن أبتعد عنها مجدداً.
وصلت "ريلا" لمنزلها.
نظرت إلى "عمر" قالت: أشكرك.
لم أفعل شيئاً.
ابتسمت له ابتسامة خفيفة.
نظر إلى ابتسامتها، لكنها اختفت حين نظرت لوجهه قالت: تشوه وجهك.
قال ببساطة: لا بأس، سوف يعود كما كان ليومين.
ابتسمت قالت: أليس قليل يومين عليه يا "عمر"؟
قربت يدها من وجهه، نظر لها وهي تنظر إليه وأناملها التي تلامس وجهه.
نظرت له، وجدته ينظر لها قالت: أراك غداً.
التفت، فتحت السيارة ونزلت.
نظرت له وهي عند الباب، ابتسمت له ثم ذهبت.
و"عمر" يتابعها حتى دخلت.
نظر أمامه وقاد.
في مساء اليوم كان "كاسبر" جالس بجانب "أفيلا".
سمع صوت هاتفه، أمسكه ونظر فيه، كان رقم غريب.
قام بالرد.
.....
لم يسمع أي صوت غير الصمت المعيب.
تعجب حتى جاءه صوت طلقة نارية.
نظر إلى الهاتف بعدم فهم، وهل أحد يمزح معه؟ بالتأكيد لا، فليس هناك من يتجرأ أن يفعل ذلك.
من يتصل به يرتجف قبل اتصاله.
دخل "مازن" ولم ينتبه "كاسبر" لوجوده قال: "علي"، ألن تذهب؟
أخبرتك أن تعود لمنزلك.
جئت لأطمئن عليك، فأنت لم تنم من البارحة ويبدو عليك الإرهاق.
أنا بخير.
نظر له "مازن" وخرج.
وقف قليلاً، ألقى أنظاره عليه وهو لم يعد يفهم أن كان يحبها أو يبقى هنا، تحملت المسؤولية فيما عليه لا غير، أي مجرد إنسانية.
تنهد ثم ذهب.
في اليوم التالي جاءت "ريلا" إلى المشفى.
وجدت "عمر" جالس على المقعد.
اقتربت منه، وجدته يغمض عينيه وكان نائم.
ابتسمت على شكله، جلست بجانبه.
لما تغفو هنا؟
كان نائم بالفعل، فمال قليلاً حتى أسند بجسده عليها ويميل برأسه على كتفها.
تفاجأت كثيراً، نظرت له وهو قريب منها ويميل عليها هكذا.
وجدت نفسها تبتسم وهي تنظر إليه.
فكان يجب أن يعود للمنزل وينام هناك، فيبدو أنه متعب.
قربت يدها منه وهي توقظه قالت: "عمر".
فتح عينيه.
ابتسمت قالت: إن نومك خفيف، أُفقت بسهولة.
نظر، وجد نفسه مائل عليها وقريب منها.
ابتعد عنها وهو يعتدل قال: منذ متى وأنت هنا؟
منذ قليل..
اذهب لمنزلك، إنك متعب.
لم يرد عليها، فكان لا يريد أن يذهب لمنزله إلا وأن الطبيب يخبره بأنها أفاقت، وقتها يذهب باطمئنان وعدم شعور بالذنب.
"هيا، كفاك جلوسًا هنا."
قالت "ريلا" ذلك وهي تقف وتقول:
"سوف أدخل لها، ولا أريد أن أخرج وأراك هنا."
نظر لها عمر، فذهب ودخلت.
كانت "بهيرة" في الغرفة، نظرت لـ "ريلا" وابتسمت لها، فبادلتها الابتسامة. ألقت عليها السلام.
بعد مرور الوقت، دخل ثلاث فتيات. نظرت لهم، كانت تعرفهم، إنهم أصدقاء أفيلا: "أفيلا" وهي "نيرا" و"أميرة". وكانت الفتاة الأخرى هي "هدير" التي قالت بتساؤل:
"ما حدث لها؟"
قالت "أميرة":
"منذ متى وهي هنا؟ ولماذا لم يخبرنا أحد باكرًا؟ لقد عرفنا للتو."
قالت "نيرا":
"يكفي أنها مريضة، نتحدث بالخارج، ليس هنا."
نظروا لها وصمتوا، فكان محقًا. ينظرون إلى حزنهم من رؤية "أفيلا" وهي مريضة ولا يعلمون ما أصابها، فكانت منذ يومين بأحسن حال، كيف أصبحت هكذا فجأة.
في المساء، كان الطبيب بغرفة "أفيلا" يرى إذا كان بها أي شيء، كما أخبره "كاسبر"، وأن يخبرهم لماذا تأخرت في الاستيقاظ.
"هي بخير، لا داعي للقلق، فتلك غيبوبة وليست نائمة، يعني ممكن أن تكون هكذا كثيرًا. المهم تفيق. هناك من يبقى للأبد."
أنصدم "كاسبر" من الكلمة الأخيرة التي سمعها.
قال الطبيب:
"عن إذنك."
التف الطبيب وخرج. نظروا له وكأنه ينتظرونه أن يطمئنهم أيضًا.
نظر "كاسبر" إليها، وينفي أن يحدث ما سمعه، وأنها سوف تفيق وتكون بخير. فهو يعلم أنها قوية، هذا هو ما كان قد أحبه فيها... كان! ألم يعد يحبها بعد الآن؟
مرت أيام ثم أسابيع، و"أفيلا" غارقة في نومتها. كان يأتي أصدقاؤها لرؤيتها ويدعون لها بالشفاء.
كانت "ريلا" لا تترك "أفيلا"، وكذلك عمر. تبقى بجانبه، الذي بدأت تدرك أنها معجبة به، بل تحبه. لا تعلم، لكن عندما تراه مهمومًا، تحزن من رؤيته هكذا وتواسيه.
كانت الأيام تمر يومًا بدون أن تفيق أو تتحرك حتى. كانوا يحزنون ويخافون عليها أكثر، والقلق ينتابهم، حيث مرت أربعة شهور دون أن يحدث أي جديد.
في صباح اليوم، في الغرفة، كانت "أفيلا" مستلقية، تحرك جفنها، يعلم عودتها للواقع.
فتحت عيناها ببطء شديد. نظرت، لم تكن الرؤية واضحة بسبب قفل عينيها طوال هذه المدة، لكن لمحت طيف شخص جالس بجانبها وممسك بيدها ويرفع وجهه ينظر لها. لم تستطع رؤيته، إلا أنها علمت من يكون. أغمضت عينيها بإستسلام وعادت حيث ما كانت.
بعد مرور ساعتين، عادت لفتح عينيها مجددًا ببطء. نظرت، وجدت ناس حولها. لم تستطع رؤية وجوههم. أغمضت عينيها وفتحتهم مرة أخرى ونظرت لهم، فبدأت الرؤية تتوضح. كانت عائلتها وأصدقاؤها.
"أين أنا؟"
ابتسموا لها وسعدوا عندما سمعوا صوتها. و"وجيد" الذي اشتاق إليها. ابتسمت "هدير".
"مرحباً بعودتك لنا."
قالت "ريلا":
"أنتِ بخير؟ تشعرين بأي شيء؟"
"بخير."
قالت "أميرة":
"الحمد لله."
"علي."
نظروا لها، من نطق هذا الاسم؟ أردفت:
"أين هو؟"
نظروا إلى بعضهم ولم يردوا عليها، فتضايقت من صمتهم، لكن لم تكن قادرة على إعادة سؤالها. قال "وجيد":
"لنخرج حتى تستريح."
أومأ الجميع وخرج. بقيت "أفيلا" في الغرفة على السرير تستعيد صحتها وقوة جسدها التي كان مرخيًا كل هذه الفترة ولن يتحرك أي حركة، لكن أيضًا تتساءل أين هو ولماذا لم تره معهم. سألت من عينها دمعة بصمت وهي تتذكر ما حدث معها، فهل ممكن أنه لم يكن موجودًا من البداية وتوهمت وأنه غادر وعاد إلى ألمانيا ولا يعلم أي شيء عنها أم يأتي لرؤيتها؟
أغمضت عينيها بحزن شديد. دخل "عمر"، فكان قد عاد من عمله. فعندما علم الآخرون أنها استيقظت، اقترب منها، لكن تبدلت ملامحه حين وجدها تبكي بصمت. قال:
"أفيلا، ماذا بكِ؟ لماذا تبكين؟"
نظرت له. قال:
"هل غادر؟"
نظر لها، علم من تقصده بكلامها. قال:
"ما زلتِ مريضة، لنتحدث بعد قليل، تكوني قد استعدتي قوتك."
نظرت له بحزن وتعلم أنه يتهرب منها، هذا يعني أنها محقة في أنه غادر وابتعد عنها.
خرج "عمر" كي لا يراها حزينة هكذا.
كانت جالسة، عقلها شارد، وقلبها يؤلمها من فكرة أنه ذهب وتركها. دخل طبيب ومازن. نظرت له بشدة، فالكل يعرف أين هو، فهذا أخاه.
قال الطبيب:
"حمد الله على سلامتك، لديك ناس كثيرون كانوا قلقين عليك طيلة تلك المدة."
"مدة؟ لماذا؟ أين كنت؟"
"كنتِ في غيبوبة لأربعة شهور. ستخرجين، لكن بعد أن نطمئن عليك."
أومأت برأسها بتفهم. ذهب الطبيب. نظرت "أفيلا" لـ "مازن" قالت:
"انتظر."
وقف، التفت، نظر لها. قالت:
"أين علي؟"
صمت ولم يرد عليها. نظرت له قالت:
"كان هنا، صحيح؟ لقد شعرت به. أفاق لخمس ثوانٍ، رأيت شخصًا بجانبي، كان هو، صحيح؟"
لم يعلم ما يقوله. تضايقت "أفيلا" من صمته. قالت:
"لماذا لا ترد؟ أين هو؟"
تنهد، ثم نظر لها قال:
"غادر."
أنصدمت، فكما توقعت. قال:
"هل سافر؟"
"ليس بعد."
ابتسمت وكان أساريرها قد انفرجت حتى أكمل:
"طائرته ستقلع بعد نصف ساعة."
اختفت ابتسامتها التي لم تحول. قالت:
"ماذا؟"
"سيكون بألمانيا بعد نص ساعة. أنكِ متعبة، يجب أن تستريحي."
قال آخر جملة وهو يذهب.
"لا يمكنه فعل ذلك."
نظر لها باستغراب. جلست بتعب، أنزلت قدميها، وقفت. كانت ستقع، لكنها أسندت على السرير، تعطي لقدميها القدرة على الوقوف من جديد. سارت وذهبت إلى الباب. وقف "مازن" أمامها قال:
"إلى أين تذهبين؟ إنكِ مريضة."
"ذاهبة له. لن أدعه يغادر."
ذهبت، لكنه أمسكها وهتف بها:
"لن يستمع لكِ يا أفيلا. حاولت معه، لكنه حاسم أمر سفره بالفعل. ستجهدين نفسك على لا شيء."
صاحت في وجهه بغضب قالت:
"لن يذهب، اسمعت؟ لا يمكنه. فهل ذلك بي؟ ليس من حقه أن يفعل ذلك. لقد وعدني أنه لن يبتعد عني، أنه لا ينكث وعده لي."
أكملت وهي تبعده عنها:
"اتركني."
سمعوا صوت "أفيلا" من الداخل. دخلو وجدو "مازن" يمسكها وهي غاضبة وتخبره أن يتركها.
"إنه لا يريد أن يبقى حياته هناك."
"ماذا عني؟ ألست من ضمن حياته؟"
"ماذا سوف تفعلين له؟ لن يستمع لكِ."
"ليس لك دخل، اتركني، أنت تضيع من وقتي."
قال "وجيد":
"ماذا يحدث؟"
نظر "مازن" إليه. فدفعته "أفيلا" بعيدًا عنها وذهبت على الفور.
خرجت من الغرفة، لكن توقفت حين وجدت "عمر" واقفًا أمامها. اقترب منها. نظرت له قالت:
"لا تمنعني يا عمر، أرجوك. كان غاضبًا في ذلك اليوم، لذلك لم يعلم ما يفعله. إنه لم يقصد أن يخيفني."
صمتت عندما وجدته يمد يده لها بهدوء. نظرت، وجدت مفتاح سيارة. نظرت له بإستغراب.
"اذهبي."
لم تدرك ما يحدث، هل يخبرها أن تذهب لـ "كاسبر"؟ إنه آخر شيء توقعته منه. لقد ظنت أنه سيمنعها أكثر من "مازن"، فهو رأى ما حدث في ذلك اليوم وبدا له خائفًا عليها منه وكرهه.
"هيا، أسرعي."
أفاقها من دهشتها. ابتسمت له ثم أخذت المفتاح وذهبت. نظر لها "عمر" وابتسم ابتسامة خافتة مليئة بالحزن. فهل كتب أن يعلق في ذلك الحب من طرف واحد؟ مم يؤلم ذلك الشعور. لكن يكفي رؤية ابتسامتها، وهذا هو ما يريده، أن تبتسم فقط.
"ماذا فعلت؟"
قال "مازن" ذلك بغضب. التفت "عمر" ونظر، وجدوا ينظرون له. قال:
"فعلت الشيء الصحيح."
اقترب منه هتف به:
"أي صحيح هذا؟ أن تدعمها وتجعلها تذهب إليه؟"
"وهل تظنها كانت بحاجة لي أو لدعمي؟ كانت سوف تذهب على أي حال. إنها تحبه ولن تقبل أن يتركها."
"ماذا عنه؟ إنه قرر المغادرة. إن أراد البقاء، ابق. هل تظن أن إيقافه سوف يستمع لها؟ لقد حاولت، لم يوافق."
"لتحاول هي الأخرى، ممكن أن يغير رأيه."
تنهد "مازن" بضيق قال:
"أنك تعطيها فرصة لرؤيته قبل ذهابه حتى لا تنساه. أعطيتها أملًا لوهم، وعندما تراه وهو يغادر، ممكن أن تتأثر، فما زلت مريضة."
"لن يحدث شيء."
"ظننتك تهتم لأمرها."
قال "مازن" ذلك بخيبة ثم ذهب سريعًا ليلحق بأفيلا. نظر "عمر" له ويتساءل هل أخطأ حقًا؟ وهل ممكن أنه حين يغادر لن يأتي مجددًا وقراره صارم حتى إذا منعته "أفيلا"؟ نظر لهم، كانوا يتطلعون فيه بعتاب. نظر أمامه وذهب هو الآخر.
كانت أفيلا تقود السيارة بسرعة.
"لا يا علي، انتظرني، لا تغادر، أرجوك. إذا ما زلت غاضبًا مني، لماذا كنت بجانبي في المشفى؟ لماذا فور استيقاظي ذهبت وتركتني؟ لماذا تنهينا بهذه الطريقة؟ لماذا تبتعد عني للأبد؟"
ضغط وزادت السرعة وقلبها يدق بسرعة خوفًا أن يغادر وهي لم تصل بعد.
وصلت إلى المطار بسبب قيادتها بسرعة قصوى. ترجلت من السيارة على الفور وركضت للداخل.
نظرت حولها، كان ناس كثيرون. ذهبت يمينًا، وقفت، نظرت إلى الناس وفي وجوههم، لم تجده بينهم. ركضت ثانيًا وذهبت لمكان آخر تتطلع إلى الناس وحولها كالمجنونة. ظلت تركض ولم تمل حتى توقفت وهي لا تجده.
وضعت يدها على رأسها بضيق وخوف أن يكون قد ذهب، فهي بحثت عنه تقريبًا بكل المطار. إذا فهو دخل الطائرة وهي لن تستطيع بالتأكيد أن تصل إليه إذا أصبح داخلها، وممكن أن يكون لم يأتِ بعد.
وفي لحظة صمت مهيب، تسارعت نبضات قلبها الذي على صوته، وشعرت بشعور تعلمه جيدًا. التفتت حتى وجدت "كاسبر" ورجاله يمرون ويتجهون للداخل. ذهبت إليه وكان يتقدم.
"إلى أين ذاهب؟"
قالت ذلك بصوت مرتفع جعلته يتوقف. كاسبر مكانه لسماع صوتها. التفت ونظر خلفه، وجدها واقفة وتنظر له. خلع نظارته السوداء التي كان يرتديها وهو يطالعها بإستغراب من ما تفعله هنا ومجيئها بتلك الهيئة، ولا يزال آثار مرضها. تنهد بضيق ثم قال ببرود:
"ألم أخبرك ألا تريني وجهك؟ لما لم تستجب لتحذيري؟ ألا تهتمين بحياتك؟"
"إنك تسلبها مني بالفعل."
صمت ولم يرد. أردفت:
"لماذا تغادر الآن؟"
تتعجب مما تقوله. نظرت له وأكملت:
"لماذا لم تذهب في ذلك اليوم؟ لماذا بقيت حتى استيقظت من ثم تريد المغادرة؟"
"ماذا تفعلين هنا؟"
قالها بغير اهتمام لأي مما قالته.
"ماذا ترى؟ بالتأكيد لن أسافر، جئت لأمنعك."
تنهد بضيق ثم سمع صوت نداء لرحلته.
"لا تذهب يا علي، أعلم أنك لا تريد ذلك."
"عودي يا أفيلا."
قال بضيق. فنفت وهي تقول:
"لتعود معي إذا. نعود كما كنا. سوف أحاول تكفير خطئي، لكن لا تتركني. لقد وعدتني."
أردفت وهي تذكره:
"في ذلك اليوم في سويسرا، أخبرتني أنك لن تبتعد عني، كيف تخلف بوعدك لي بهذه السهولة؟"
صمت ولم يرد. تنهد ثم اقترب منها. نظرت له:
"انسيني يا أفيلا."
أنصدمت وأحست بوخزة أيسر صدرها. قالت:
"ماذا؟"
"الحب الذي بيننا لم يمت، لكن أصبح يؤلم لكلا الطرفين."
سالت الدموع من عينيها بما تسمعه منه. فهل حبها يؤلم لهذا الحد؟ أيندم على حبه لها الآن؟
"من الأفضل أن ينتهي كل شيء لهنا."
"ماذا تقول؟ أنت تعي ما تقوله، أليس كذلك؟"
كانت ترجوه بعينيها، لكن لم يظهر منه أي تعبير غير الجمود. قال:
"سوف يكون لديكِ حياة هادئة، عيشيها مثل الباقيين. أنتِ لا تشبهيني."
قال بصوت يجهش بالبكاء:
"وهل تظن أن لي حياة من دونك؟ إنني لا أريد غيرك يا علي."
"سوف تقدرين أن ما أفعله هو الصواب لاحقًا حين نمضي كأية ذكرى في مخيلة الأخرى."
كانت مصدومة، تصغي له وتذهب أكثر مع كل كلمة يخبرها به.
"والآن عودي."
قال ذلك وهو يبتعد عنها. استدار وذهب. نظرت له بشدة ودموعها تنهمر. كانت سوف تركض إليه، لكن رجاله وقفوا في وجهها يمنعونها. نظرت لهم بغضب وخنق، ثم نظرت له، وجدته يعبر الحاجز متجهًا للطائرة دون أن يتطلع بها.
أنصدمت حين أدركت أن الأوان قد فات. جثت على ركبتيها في حزنها. خفضت رأسها وتبكي بحرقة والناس يتطلعون إليها بشدة وهي تبكي.
"لماذا؟"
شعرت بأحد يقترب منها ويجلس بجانبها. نظرت، وجدته "عمر". قالت من بين بكائها وكأنما تشكو له:
"لقد غادر..."
ذهب يا "عمر" وتركني.
تنهد وهو يتألم، فهو الشخص الخطأ الذي يجب أن تشكو له. ألا ترى كم يتألم؟ لطالما كان يتألم من حبها له ويصمت.
"إنه من اختار الرحيل، فعلتِ ما بوسعك."
"لا، إنه لا يريد ذلك، أنا أعلم."
وقف "مازن" ونظر له بغضب، فهو من تسبب في ذلك.
"هيا."
قال "عمر" ذلك وهو يسندها، يساعدها على الوقوف. نظر لـ "مازن" وهو متضايق منه، نظر أمامه فهو يعلم أنه أخطأ.
أخذ "أفيلا" وأدخلها السيارة ثم قفل الباب.
قال "مازن": "أتُشعرين بالسعادة الآن؟"
"لم أكن أعلم أن هذا ما سيحدث."
"أخبرتك، انظري إلى ما سببته لها."
"نتحدث لاحقًا."
قال ذلك بضيق. فتح باب السيارة ودخل لداخل السيارة وذهب.
وهم في طريقهم، كانت "أفيلا" صامتة والدموع تسيل من عينها، الدموع بصمت بدون توقف. تتذكر لقاءهم الذي كان الأخير، وتتيقن لنفسها بأمل أن الله سوف يجمعهم مجددًا، لكن متى لا تعلم. فمستحيل أن يكون فراقهم ينتهي بهذا الشكل، بل هي لم تودعه حتى.
"انسيني يا أفيلا... الحب الذي بيننا لم يمت، لكن أصبح يؤلم لكلا الطرفين. من الأفضل أن ينتهي كل شيء هنا. سوف يكون لديكِ حياة هادئة، عيشيها مثل الباقين. أنتِ لا تشبهيني."
صدر صوت نشيجها وهي تبكي، فلم تصمد وهي تتذكره. نظر لها "عمر"، وجدها تأخذ أنفاسها وصوت بكائها يعلو، وتضم يديها لبعضهم وتجرح أصابعها بأظافرها. أوقف السيارة على الفور بجانب الطريق وهتف بها:
"ماذا بكِ؟"
لم ترد عليه أفيلا، كانت تبكي فقط. وصوت بكائها يؤلمه. وضع يده على يديها يمنعها أن تجرح نفسها. قال:
"توقفي، ألا تشعرين بيدك؟"
نظر لوجهها وأردف:
"لا تبكي، لا أحد يستحق أن تبكي من أجله."
"طلب مني أن أنساه."
قال ذلك بشرود. نظر لها بعدم فهم.
"قال أنتِ لا تشبهيني."
علم أنها تتحدث عنه. تعجب، فقد رأى كم يحبها ويغير عليها، وكيف اعتنى بها ولم يتركها ولو دقيقة بمفردها. لماذا عندما استيقظت ورآها وأخبر الطبيب وجدوه يذهب وكأن مهمته انتهت؟ أبقى جنبها شفقة حقًا.
وماذا يعني بأنها لا تشبه؟ هل يقصد لأنه من المافيا؟ هل ممكن أنه ابتعد عنها من أجل حمايتها وألا يدخلها إلى هذه الأشياء؟ هل ابتعد عنها رغماً عنه؟ لماذا الآن إذاً، فل طالما كان رجل مافيا وبقي معها؟
هتفت "أفيلا" بغضب:
"هل علم هذا الأمر الآن؟"
نظر لها "عمر"، كان وجهها أرهق من كثرة البكاء. قالت:
"هل اكتشف أني لا أشبه الآن؟ لماذا لم يعلم هذا الأمر قديمًا قبل أن أحبه؟ لماذا يعطيني السعادة وقت ما يشاء ثم يسلبها مني بكل سهولة؟ لماذا دخلت هذه التجربة؟ لماذا أحببت؟ لماذا وقعت في الحب؟"
أظرفت بصوت ضعيف: "إنه يؤلم كثيرًا، لم أكن أعلم هذا الأمر. لو كان لدي علم بهذا أو تجربة سابقة لبقيت كما أنا ولا أهتم بأحد. كنت قوية، لست مثل الآن. لقد أضعفني هذا الحب كثيرًا. لكني لست نادمة أني أحببته، لم أندم سوى على خسارته. الحق كله عليّ، أنا من فعلت هذا بنا."
أخرج منديلًا وقربه من وجهها ومسح دموعها بحنان وهو متضايق من نفسه لأنه السبب في بكائها، ليته لم يجعلها تذهب وتراه.
"لا أريد رؤيتك ضعيفة هكذا، بل أريدك كما كنتِ قوية دائمًا. أنتِ قادرة على إسعاد نفسك بنفسك. صدقيني أنكِ تأخذين الحكمة ممن ذاق الألم والوجع واعتاد عليه."
كان يتحدث من داخله. تنهد ثم قال:
"سيكون صعب التأقلم في البداية، لكن حاولي أن تعودي لنا. أعلم أنكِ ستقدرين على ذلك، لكن يجب أن يكون لديكِ الرغبة بداخلك."
أما داخله يعلم أن العجز كان عنده، وهو رغبته في التخلي عن حبها كانت محالة. كانت تنظر إليه وإلى كلامه وتشجيعه ولم تعد تبكي. ابتسم، قال بمزاح:
"يصبح وجهكِ أنفكِ شديد الحمار عندما تبكين."
ابتسمت ابتسامة خفيفة. نظر عمر ابتسامتها وسعد.
"لنسرع ونعود إليهم، إنهم قلقون عليك."
ابتعد عنها وأدار السيارة وذهب.
نظرت "أفيلا" من النافذة وتذكرت المسافة الذي أصبحت بينهم وأين هو وأين هي. لطالما لم تفرقهم المسافات، لكن الآن فرقتهم مع الحواجز الذي باتت بينهم. سالت دمعة من عينها لفرط حزنها. قربت يدها من وجهها ومسحتها.
"لن أستطيع نسيانك يا 'علي'... ولا أريد ذلك. بل أريد أن أبقى أحبك مهما حييت ولا أحب غيرك. سيكون حبك داخلي، لا داعي أن يراه أحد غيري. كما استطعت فعل هذا سابقًا سأحتفظ به لنفسي. لا أعلم أن كنت سعيدًا بقرارك الذي اخترته بمفردك دون أن تعود إلي. قرارك الذي اتخذته بشأننا وأنهيتنا كما أردت أنت. لا أصح الخطأ عليك، أنا أعاتبك على ألم قلبي فقط. لكني أتمنى أن تكون بخير أينما كنت."
رواية احببت مافيا الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نور
وصل "مازن" إلى المشفى. كانوا سيسألونه عن "أفيلا"، لكنهم رأوا "عمر" يدخل بها. كانوا ينتظرونها. اقتربوا منهم. نظر "وجيد" لهم. لما لا يتحدثون؟ وجده يدخلها الغرفة بصمت، فهي لم تكن تريد التحدث مع أحد.
استلقت على السرير حتى يأتيها الطبيب ويفحصها لآخر مرة، ثم يذهبون.
نظر "وجيد" إلى "مازن" وقال:
"هل ذهب؟"
أومأ برأسه بخيبة. فصمت "وجيد" ولم يعلق.
جاء الطبيب بعدما طلبه "عمر"، لأن "أفيلا" أخبرته أنها تريد الخروج من المشفى. فحصها وإذا كان لديها أي تلف بسبب غيبوبتها، لكنها كانت بخير.
قال الطبيب:
"تستطيعين الخروج، عن إذنكم."
شكروه فذهب. قالت "بهيرة" بابتسامة:
"هيا لنذهب إلى المنزل."
نظرت "أفيلا" لها بعدم فهم. قال "وجيد":
"ستأتين معنا يا أفيلا."
قالت باستغراب:
"كيف هذا؟"
"هكذا. لن تكوني بمفردك بعد اليوم. مضت سنين لتعودي. ثم إني أريدك بجانبي."
"لا، أريد الذهاب لشقتي."
كانت حاجة في قراره تضايق "وجيد". قالت "بهيرة":
"ابنتي، ما زلت مريضة. ابقي معنا على الأقل حتى تتعافين."
نظرت "بيري" إليها، وأنها ليست موافقة. اقتربت منها وقالت:
"في كل الأحوال، يجب أن تأتي. ألا تريدين أن تكوني بجانبي في تحضيرات زفافي؟"
نظرت لها "أفيلا"، ثم نظرت لهم بعدم فهم. قال "وليد" بتفسير:
"كان زفاف بيرى في الشهر الذي مضى، لكن أبي أجله لأنك كنت مريضة."
قالت "بيري" بضيق وعتاب:
"لم تكن تعلم بالموعد القديم من البداية لتعلم بالجديد. فهي لم تحضر خطوبتي حتى."
أردفت قائلة بغضب:
"ألا تريدين أن تحضري حفلة زفافي أيضاً؟"
ابتسمت "أفيلا" وقالت:
"مبارك لكِ."
بادلتها الابتسامة، ثم نظرت لأبيها الذي ابتسم لها كونها استطاعت تغيير رأيها وإقناعها.
***
في مساء اليوم، دخلت "أفيلا" إلى منزل "وجيد"، وهم سعداء لعودتها إليهم. لكنها لا تشعر بالراحة. إنها تحب أن تكون بمفردها أو مع شخص واحد تأنس لوجوده، وهو "كاسبر" الذي رحل وتركها. لم يعد معها الآن.
أخذتها "بيري" وأدخلتها لغرفتها التي كانت تجلس فيها قديماً قبل أن تسافر إلى ألمانيا. كانت الغرفة نظيفة ومرتبة، وكأنهم محضرين لكل شيء لبقائها معهم.
قالت "بيري" بابتسامة:
"هيا بدلي ملابسك."
نظرت لنفسها وأردفت:
"ولأبدل أنا الآخرة."
خرجت وأغلقت الباب، تاركة إياها بمفردها. كانت تنظر في الغرفة. بدلت ملابسها. ارتدت بنطالاً طويلاً أسود واسعاً وبلوزة وردية بأكمام. كانت ترتدي ملابس فضفاضة لكونها غريبة هنا. ربطت شعرها بطوق وضمته. جلست على السرير، ثم وجدت من يطرق الباب. سمحت له بالدخول. كانت "بيري".
"لا تأتي لتجلسي. هيا، الأكل جاهز."
"لست جائعة، أريد النوم."
"أنت تمزحين! ستفوتين طعام أمي؟ أعلم أنك تشتهينه كثيراً."
لم ترد "أفيلا" عليها. اقتربت منها وقالت:
"لتأكلي ثم تنامي. هيا."
"لكن..."
أمسكتها من ذراعها وأخذتها، مانعة إياها من النقاش.
***
على الطاولة، كانوا يأكلون وكان "وجيد" سعيداً بوجود "أفيلا" معه. لطالما كانت ابنته مثل "بيري" تماماً. ويحبها. فهو قام بتربيتها في الصغر مع أخيه. كانا يمرحان سوياً كعائلة دافئة تعم بالحب والسلام.
انتهت "أفيلا" من الطعام، استأذنت وذهبت. اغتسلت يدها، ثم دخلت لغرفتها لتنام. وجدت على الكمود بجانب سريرها دواء وكوب ماء. أمسكته ونظرت فيه، وكان دوائها. كان "وجيد" قد وضعه لها لتأخذه من نفسها ولا يطلب منها ذلك أمامهم، فيذكرها بمرضها. فتركه بغرفتها لأنه يكترث لمشاعرها. ابتسمت "أفيلا" ابتسامة خفيفة، أخذت كبسولة وشربت ماء، ثم أطفأت الأنوار ونامت.
***
مر يومان. في أحد الليالي، كان وجيد ذاهباً ليشرب بعض الماء. لاحظ ضوءاً بإحدى الغرف، وكانت غرفة "أفيلا". اقترب منها وكان الباب موصداً. ألقى نظرة عليها، وجدها مستيقظة تنظر في هاتفها ودموع تسيل من عينيها. حزن لرؤيتها واستغرب لما تبكي.
أحست "أفيلا" أحداً. نظرت للباب، مسحت وجهها بكفيها وفتحت، لكن لم تجد أحداً.
***
استيقظت "أفيلا" في اليوم التالي. نظرت إلى الساعة، ثم ذهبت بدلت ملابسها. كانت "بهيرة" قد أحضرت ملابس لها من شقتها، غير الملابس التي كانت لديها هنا. خرجت من الغرفة، قابلت "بيري" في وجهها.
"كنت سأوقظك. هيا لنأكل."
ذهبت "أفيلا" معها وشاركتهم الفطور. نظروا لها. قال "وجيد":
"هل أنت ذاهبة إلى مكان؟"
"للعمل."
"اليوم؟ بإمكانك أخذ قسط من الراحة حتى تتحسني وتكوني قادرة على المواصلة."
"أصبحت بخير."
تدخلت "بيري" وهي تقول:
"دعيه يا أبي. أفيلا تحب عملها كثيراً. وأيضاً المشفى لا تستغني عنها، فقد غابت عنهم بفترة نومها."
كان يعلم أن كلامها ابنتها صحيح، لكن على كل حال، لم يكن ليمنعها. هو يريد أن تخرج ولا تكون سجينة.
***
ترجلت "أفيلا" من السيارة. دخلت للمشفى وتفاجأت عندما وجدت الممرضين والأطباء واقفين ويصفقون لها ويرحبون بها. اقترب "ياسر" منها وقال بابتسامة:
"حمد الله على سلامتك."
كانت "أفيلا" متفاجئة لكن سعيدة. قالت:
"أشكرك، لكن من أين علمتم بمجيئي؟"
وجهوا أنظارهم لـ"عمر". نظرت "أفيلا" له، فقال:
"كنت أعلم أنكِ عندما تخرجين من المشفى سوف تبدأين العمل، فاخبرتهم. وكما رأيتي، يرحبون بكِ."
ابتسمت. نظرت لهم وقالت:
"أشكركم جميعاً."
ابتسموا لها لأنهم سعداء بعودتها سالمة.
***
ذهبت "أفيلا". دخلت لمكتبها وتفاجأت عندما وجدت باقات زهور. نظرت لهم وهي متفاجئة كثيراً. كان كل منهم عليه بطاقة. نظرت في كل منهم. كان زملاؤها الأطباء يتمنون أن تبقى في صحة جيدة. ابتسمت، فقد شعرت بالفرحة حقاً بذلك. أخذت جاكتها وارتدته وبطاقة عملها، ثم خرجت لعملها. كانت تدخل لمرضاها، وفور دخولها يبتسمون، وكأنهم كانوا ينتظرونها. كانت تبتهج بهذا الأمر كثيراً. وما هذا الحب الذي أنعمه الله عليها من الجميع؟ كيف لم تر هذا؟ إن هذه الابتسامة التي يبتسمون لها مرضاها قادرة على جعلها سعيدة بشدة وإعطائها القوة من جديد. ليتها جاءت من أول يوم خروجها، لكانت قد سعدت كاليوم.
***
في منتصف اليوم، كانت تخرج من غرفة مريض. ذهبت من ثم وجدت "ريلا". تفاجأت من وجودها وماذا تفعل هنا. نظرت لها. اقتربت منها.
قالت "ريلا":
"كنت مارّة بجانبك. دخلت بصدفة، ممكن أن أجدك هنا. وبالفعل وجدتك. لماذا لم تستريحي قليلاً؟"
"لا داعي. أصبحت بخير. يكفي الفترة التي غيرت فيها. أخذت راحة بما يكفي."
"حسناً. نتقابل لاحقاً."
"سوف تذهبين بهذه السرعة؟"
قالت "ريلا":
"أتيت لرؤيتك. لا أريد تعطيلك عن عملك."
"ليس لدي شيء الآن."
***
كان "عمر" ذاهباً لـ"أفيلا" ليعطيها أوراق المشفى حتى تفهم ما حدث في فترة غيابها والمرضى الذين في المشفى وتعلمهم. سمع صوتاً. نظر، وجد "ريلا" معها. كانت ترتدي جيب طويل واسع وتيشيرت. كانت "ريلا" ملابسها تغيرت من أجل "عمر"، ففرحت لأن هناك من اهتم بملابسها ويوجهها، على الرغم أنها لديها الحرية بفعل أي شيء. إنها من مجتمع غير مجتمعهم على كل حال.
أطرق على الباب ودخل.
نظرت "ريلا" إلى عمر، قال:
"أعتذر على مقاطعتكم."
قالت "أفيلا":
"لا بأس."
"هذه أوراق المرضى. أحضرتها لكِ إذا احتجتيها."
ابتسمت "أفيلا" بامتنان:
"أشكرك يا عمر."
أومأ برأسه وذهب. و"ريلا" تتابعه بأنظارها بحزن وتضايق أنه لم يعيرها اهتماماً أو ينظر لها. نظرت لها "أفيلا"، ابتسمت وقالت:
"هل أحضره لكِ لتريه قليلاً؟"
أفاقت وقالت:
"من؟"
"من سيكون؟ عمر."
توترت من نبرتها، قالت:
"ماذا تقصدين؟"
"لا أقصد شيئاً."
شعرت "ريلا" أن "أفيلا" علمت بإعجابها بـ"عمر". فهي أكثر من يفهمها، وتعبيراتها تخونها وتظهر على وجهها بطبيعتها. قالت بارتباك:
"هل يواعد امرأة؟"
"من؟ عمر؟ لماذا تسألين؟"
"مجرد فضول."
"أجل، ويحبها بشدة."
نظرت لها بصدمة وحزن. شعرت "أفيلا" بذلك. ابتسمت وقالت:
"أمزح. اهدئي. هل سوف تبكين؟ اطمئني، إنه لا يواعد أحداً."
"حقاً؟"
أومأت برأسها. فهتف بها غاضبة:
"ولماذا قلتي ذلك؟"
نظرت لها وكأنها تتفحص تعبيراتها، قالت:
"هل أنتِ معجبة بـ عمر؟"
توترت "ريلا" قالت:
"ألا تعلمين أني أغلقت هذا الأمر ولن أدخله مجدداً."
صمتت "أفيلا" قالت بجدية:
"ليس لنا دخل بذلك."
نظرت لها بعدم فهم وتغيرت نبرتها، فأكملت:
"وهل كنت أتوقع أن أحب أو أتزوج من رجل؟ كان هذا من قائمة المستحيلات لدي."
"لكنه يحبك."
نظرت "أفيلا" لها من ما قالته وتصغي إليها.
"أنتِ لم تريه وهو جالس بجانبك. قليل ما يغادر المشفى. كان أكثر من ينتظر استيقاظك بفارغ الصبر."
احمرت عيناها وشعرت بحرقة بهما. خفضت وجهها، قالت بسخرية:
"لذلك ابتعد عني."
تضايقت "ريلا" من نفسها على ما قالته، قالت:
"أعتذر، لم..."
"أريد الجلوس بمفردي."
قاطعتها "أفيلا" وهي تقول ذلك. نظرت لها بحزن، وقفت وذهبت. نظرت لها وهي تخرج، تنهدت، ثم ذهبت.
وضعت "أفيلا" يدها على وجهها وبكت بحرقة حين علمت أنه لم يعد بإمكانها الصمود ولا يوجد من يراها.
"لماذا ابتعدت عني يا علي؟ لماذا اخترت قتلي بهذه الطريقة؟"
***
نظر "عمر" لـ"ريلا" وهي ذاهبة. وكانت ملامحها غريبة، ليست منذ قليل وتبتسم. تعجب. ذهب إلى مكتب "أفيلا". نظر لها، وجدها تبكي. تفاجأ كثيراً. فمنذ قليل كانت بأحسن حال وتضحك، ويراها وهي تخرج من عند المرضى وسعيدة. لماذا تبكي الآن هكذا؟ تضايق. تذكر "ريلا"، فهي الذي كانت معها. دخل إلى مكتبه، خلع جاكته وذهب. نظر له "ياسر" قال:
"أين؟"
قال وهو يذهب:
"سأعود سريعاً."
***
خرج من المشفى. دلف لسيارته وذهب.
***
وصلت "ريلا" لشقتها. دخلت وهي تتذكر ما فعلته وتفوّهت به وجعلتها تبكي.
"كم أنا غبية! كيف أقول لها هذا وأذكرتها به؟ لقد كانت تبتسم وأنا من جعلتها تبكي."
شعرت بالضيق من نفسها. ثم وجدت هاتفها يرن. نظرت له، وجدته "عمر". تعجبت، فهو لا يتصل بها. ردت عليه.
"أنا بالأسفل، انزلي."
"أين تحت الـ..."
أقفل الهاتف دون أن يستمع لها. استغربت من فعله. نزلت وبالفعل وجدته واقفاً ينتظرها. اقتربت منه، وجدت وجهه غريباً. نظر لها. قالت:
"عمر، ماذا تفعل هنا؟"
"ماذا قلتي لـ أفيلا وجعلتيها تبكي هكذا؟"
تحدث ببرود. فصمتت حين شعرت بالحرج. قالت:
"حدثتها عنه، وأنه كان يهتم بها وهي في المشفى."
هتف بوجهها بغضب:
"ولماذا تقولين لها شيئاً كهذا؟ ماذا استفدتي؟"
نظرت له من غضبه، قالت بتبرير:
"لم أكن أقصد."
"إنها تسعى أن تنساه. كانت تضحك، ومن ثم جئتي وجعلتيها تبكي."
شعرت بالحزن والغضب من صوته المرتفع عليها. قالت:
"وماذا تظن أنني سعيدة لجعلها تبكي؟"
تضايقت مثلك وغضبت من نفسي. لست بحاجة إليك يا "عمر" لتريني كم تحب "افيلا". أنا أيضًا أحبها.
اردفت بحزن: أخطأت، أعلم، لم يكن يجب أن أقول لها شيئًا عنه.
نظرت له بحنق وأضافت: لكنك أيضًا لا يحق لك أن تتحدث معي هكذا.
صمت، لم يتحدث ثانيًا. التفتت وهي تذهب وتتركه وتشغؤ بالحزن من طريقته معها، فلم يحدثها أحد هكذا من قبل.
تضايق "عمر" من نفسه كثيرًا، ولماذا غضب عليها هكذا؟ فهو يعلم حقًا كم تحب "افيلا"، وبتأكيد لم تقصد ذلك. لقد عماه حبه وخكأ يحقها.
فتح باب السيارة، نظر إلى شقتها ثم دلف لداخل وذهب.
***
في مساء اليوم، كانت "افيلا" في غرفتها. بدلت ملابسها ثم سمعت صوت خالتها "بهيرة" تنادي عليها. خرجت.
كانوا جالسين على المائدة. اقتربت وجلست معهم. نظر لها "وجيد" وهي لم تكن تنظر لأحد. شعر بالخيبة، ظن أنها إذا خرجت سوف تكون أفضل، لكن عادت أسوأ من البارحة. قال:
كيف كان يومك يا "افيلا"؟
ردت وهي تنظر لطبقها: بخير.
هل ثمة شيء ما؟
لا.
صمت حتى لا يضايقها. انتهت من الطعام، دخلت غرفتها، أخذت دوائها، ونامت.
***
في اليوم التالي، كان عمر قد وصل للمشغى. نظر لـ "أفيلا" وجدها تتحدث مع ممرضة. تذكرها وهي البارحة. اقترب منها. نظرت له. قالت:
هل أصبحت منضبطة أكثر منك؟
ابتسم حين علم ما تقصده. قال:
لقد جئت في ميعادي، أنتِ فقط من تأتي باكراً.
قالت بإبتسامة: حقاً، جيد إذا.
أراكِ لاحقاً.
***
ذهب إلى مكتبه، ارتدى جاكته وأخذ أوراقاً وخرج. ثم تذكر "ريلا" عندما حدثها بطريقة سيئة بغير سبب. وكانت هي طيلة فترة الماضية يجدها تسأل عنه وأحواله وتواسيه وبجانبه. على الرغم كان بتفجأ منها، إلى أنه كان يحتاجها وإلى اهتمامها به. كيف يغضب عليها ويحدثنا بتلك الطريقة الفظة؟ أكان أناني حين عادت "افيلا" لم يعد بحاجتها؟
أمسك هاتفه، أحضر رقمها وكان سيتصل، لكن تراجع في كلامه. نظر إلى هاتفه وأعاده وذهب.
***
في منتصف اليوم، كانت افيلا تعمل. جائت ممرضة إليها تخبرها أن هناك أحد يسأل عنها. أومات برأسها وذهبت.
خرجت، وجدتها "ريلا". نظرت لها. اقتربت منها وهي تقول:
"افيلا"، أنا آسفة.
تعجبت. قالت: على ماذا؟
البارحة، بسبب الكلام الذي تفوهت به، لم أكن أقصد..
قاطعتها بهدوء وهي تقول: ومن قال لكِ أن تعتذري؟ لم تخطئي في شيء.
نظرت لها بتفحص. أضافت: أنتِ مريضة، لماذا تتحدثي هكذا؟ وجهك، هل أنتِ متضايقة من شيء؟
بدى ملامح الحزن على وجهها. قالت:
لا، كنت متضايقة من نفسي فقط. إلى اللقاء.
لم تكن تفهم شيئاً. التفت "ريلا" لتذهب، لكن توقفت عندما وجدت "عمر" خلفها وكان قد سمع ما قالته.
ذهبت وهي أبغضه من أعينها. نظر لها "عمر" وهي تذهب. و"افيلا" تتابع ما يجري بعدم فهم.
***
في مساء اليوم، كان "عمر" قد انتهى من العمل. خرج وركب سيارته ثم ذهب. نظر إلى هاتفه وهو بجانبه. أمسكه وقرر الاتصال ليعتذر لها.
***
كانت "ريلا" في منزلها جالسة على الأريكة تقرأ كتاب. سمعت صوت هاتفها. نظرت، وجدته "عمر". تفاجأت وسعدت. كانت سوف ترد، لكن تذكرته وهو يحدثها آخر مرة، فتركت هاتفها ولم تهتم به.
***
كان عمر يهاتفها كثيراً وهي لا ترد. علم أنها لا تريد التحدث معه، فقرر الذهاب إليها كما فعل حين غضب عليها. فهو يفكر فيها طيلة اليوم، خصيصاً عندما رآها تتحدث مع "أفيلا" بكسرة. يعلم أنه إذا ذهب لمنزله لن يوقف تفكيره بها.
***
عادت "افيلا"، دخلت غرفتها، بدلت ملابسها، جلست على السرير بتعب. أمسكت هاتفها تقلب فيه قليلاً. وجدت نفسها تدخل على الصور وتقوم بفتحها. نظرت لصورتها هي و"كاسبر". هما يضحكان. فكانت تطيل النظر إليها. وإلى ضحكته ووجهه وملامحه الوسيم التي اشتاقت لها.
كانت تتطلع إلى شكلهم في الصورة وكيف كانوا يبتسمون من قلبهم وسعيدين.
سقطت الدمعة من عينها بحزن وندم وتأنيب ضمير. نزلت على شاشة الهاتف. أغمضت عيناها بحزن ودموعها تنهمر من عينيها، وكأنها لا تصدق أنهم تفرقوا وأصبحوا مثل الآن. وتحمل نفسها الذنب، فهذا كله خطأها. لن تحملت ذنب، إلا أنت تحمله وجع قلبها الآن.
***
كانت "ريلا" جالسة. ثم سمعت صوت الباب. ذهبت إليه وفتحت، وتفاجأت عندما رأت "عمر". نظر لها. قال:
لماذا لا تردي على هاتفك؟
ردت بلا مبالاة: لم أسمعه، هل هناك شيء؟
بإمكاني التحدث معك.
فسحت له وأشارت بالدخول. فدخل، ثم وجدها.
جلسوا. كانت "ريلا" تنتظره أن يتحدث.
بشأن المرة الفائتة.. أعتذر على حديثي معك.
نظرت له وسعدت أنه يعتذر ويبدو لطيفاً وهو يعتذر. ابتسمت. قالت:
لا بأس.
نظر لها بتعجب وإلى ابتسامتها الجميلة التي أول مرة يلاحظها ويدقق فيها.
سأحضر مشروب الضيافة.
لا داعي، أنا ذاهب.
لم ترد عليه وذهبت من أمامه. عادت وأحضرت عصير، أعطته له. شكرها وهو يأخذه.
جلست. نظرت له. قالت: أنت تحب افيلا كثيراً.
توقف وتبدلت ملامحه. نظر لها. فأكملت بتوصيك:
أقصد كصديق. لقد غضبت وصرخت علي من أجل أنك رأيتها تبكي. أتحب أصدقائك جميعهم هكذا؟
ابتسم ابتسامة خفيفة مليئة بالحزن. قال:
أظن ذلك.
نظر إليها. ثم لفت انتباهه كتاب بجانبها. نظرت "ريلا" على ما ينظر إليه. وجدته كتاب من ضمن الكتب التي تقرأها. قال:
هل يمكنني أن ألقي عليه نظرة؟
بالطبع.
قالت ذلك توافقه وهي تمسكه وتعطيه له.
أخذه "عمر" ونظر إلى الغلاف. ثم فتحه وقلب في الصفحات. كان يتحدث عن علم التخاطر. والذي قد قرأه "عمر" من قبل. نظرت له "ريلا" وهو ينظر إلى الكتاب وكأنه يعرفه.
هل قرأته من قبل؟
أجل، أميل لهذا النوع من الكتب. لكن كيف تقرأينه؟ إنه باللغة العربية، وأنتِ لا تجدينها إلا في القليل.
قالت بابتسامة: المحاولة لا تضر شيئاً، وهذا سيحسن كلامي لاحقاً.
وهل انتهيتِ من قرأته؟
ليس بعد.
لأين توقفتِ؟
اقتربت منه. نظر لها "عمر" وإلى اقتربها. كانت تنظر للكتاب وقلبته. تحضر له الصفحة الذي وصلت لها. وأثناء وهي تقلب، اصدمت يدها بيده، فوقع العصير عليه.
آفاق "عمر" ووقف إلى الفور. وتبعته بحرج. قالت بتوتر:
أعتذر حقاً.. لم أكن أقصد ذلك.
قال عمر: لا بأس، لم يحدث شيء لتعتذري.
أمسكت بمناديل كثيرة. اقتربت منه، أمسكت يده ومسحتها وهي خجلة من نفسها وتهورها. فكيف سيغادر هكذا؟
نظر لها "عمر" وهي قريبة منه. رفعت وجهها. فتلاقت أعينهم. دق قلبها وهي تنظر في عينه. وجدته يقترب منها وهو تائه بملامحها.
نظرت له ومن اقترابه ونظرته لها، حتى بدأت تشعر بأنفاسه ترتطم ببشرتها.
آفاق "عمر". نظر لها. ثم نظر لنفسه، فابتعد عنها على الفور.
نظرت له "ريلا" من ردة فعله وكأنه نفرها.
نظر لها. قال ساخراً: إنكِ معتادة على ذلك.
صدمت من ما قاله لها واحمرت عيناها من الإهانة الذي تعرضت لها للتو.
شعرت بالحزن الشديد. نظرت له بغضب. قالت:
اخرج من هنا.
نظر لها ولدموعها، فخرج بالفعل. نزل، أخذ سيارته وذهب وهو متضايق من نفسه. كلما تذكر اقترابه منها والذي كان سيفعله، ومتضايق أكثر أنها لم تبعده عنها، بل كانت واقفة تتأمله. تمنى لو أبعدته. لكن لماذا تمنى ذلك؟ وسبب ضيقه هو عدم فعلها شيئاً. فهو على كل حال يعلم أنها بالنسبة لها شيء عادي، فلما هي تهمه؟
***
جلست "ريلا" على الأريكة وبكت من الإهانة التي أهانها "عمر" لها. فماذا يراها ليقول لها هذا؟ وتأنب نفسها أنها لم تبعده مما رآها بهذه الطريقة. لم يتجرأ أحد وأن يهينها أو يجعلها تبكي، فكيف له أن يفعل ذلك؟
***
في اليوم التالي، في منزل "جيد" على الطاولة.
قالت "بيري": أفيلا، هل لديكِ شيء اليوم؟
ردت وهي تنظر في طبقها: العمل.
ليس لديكِ فراغ بين العمل؟ هذا يعني أنكِ لن تأتي معي لاختيار فستان زفافي.
تنهدت. نظرت لها. قالت: متى؟
بعد ٤ أيام.
أقصد متى سوف تذهبين اليوم؟
٣ عصراً.
حسناً.
ابتسمت "بيري" لها لأنها وافقت. فلقد ظنت أنها سترفض. لكن "أفيلا" لم تريد أن تحزن "بيري" في طلبها منها.
***
خرجت "أفيلا" من مكتبها متجهة لهملها. وجدت "عمر" قد جاء ولم ينظر لها، كأنه لم يراها وكان شارداً.
فيما أنت شارد؟
انتبه لها. توقف. قال: متى جئتي؟
الآن. لم تقول لي فيما تشرد وتسير، حتى أنك لم تلاحظني.
لا شيء، أفكر في عملية اليوم.
تعجبت من ما قاله لأنه معتاد على ذلك. قالت:
بالتوفيق.
التفت وذهبت. نظرت له باستغراب. فيبدو على وجهه أنه متضايق من شيء وليس من أجل عملية اليوم، فهو لن يشرد هكذا من أجل عملية ولديه اليوم بأكمله في المشفى ليفكر فيها. فتيقنت أن هناك أمر آخر.
***
بعد مرور الوقت، رن هاتفها. كانت في مكتب مع "ياسر" تتناقشه بأمر ما. استاذنت لترد على المكالمة وخرجت. كانت "بيري". ردت عليها:
هل انتهيتِ؟ سوف نمر عليكِ.
تعجبت. قالت: من؟ ولماذا؟
فحزنت "بيري". قالت بعتاب: إنكِ نسيتِ، لقد كان حديثنا في الصباح وليس لمدة تجعلكِ تنسي يا "أفيلا".
تضايقت "أفيلا" فلقد نسيت بسبب العمل. قالت:
آسفة، سوف انتظركِ بالخارج، لم يعد لدي شيء الآن.
حسناً.
***
استأذنت "أفيلا" من ياسر أن تذهب. تعجب، لكنه سمح لها برحيل. شكرته وذهبت.
كانت مارّة بمكتب عمر. نظرت للداخل، وجدته جالس على مكتبه ويمسك وجه. دخلت له:
أخبرني ما الأمر.
انتبه "عمر" لصوتها. رفع وجهه ونظر لها. قال:
هل أنتِ ذاهبة؟
أجل، "بيري" تريدني معها وهي تختار فستان زفافها.
مبارك لها.
أقتربت "أفيلا" منه وهي نظرت في عينه. نظر لها بتفاجؤ. قال:
"أفيلا"، هل هناك شيء؟
فيما تفكر؟ ماذا يشغلك؟ لا تبدو طبيعياً.
ابتعد "عمر". قال: لا شيء.
إذا كنت لا تريد إخباري فلا بأس. لكن لا تكذب وتقول لا شيء.
نظر لها. فذهبت. تنهد بضيق وعاد بظهره للوراء.
***
وقفت "أفيلا" بالخارج تنتظر "بيري". ثم ظهرت. كانت معها فتاة أخرى. نظرت لها وابتسمت. اقتربو منها:
هيا لنذهب.
نظرت الفتاة لـ "أفيلا". وكانت هي الأخرى لا تعلم من تكون. فقام بتعريفها عن نفسها:
أنا "بسمة"، أكون شقيقة "كريم" زوج "بيري".
لم نتقابل من قبل.
سعدت بمعرفتك.
ألم تكوني في حفلة خطبتها؟
نظرت "أفيلا" لـ "بيري" ثم قالت:
- انشغلت قليلاً.
قالت "بيري":
- لا بأس، المهم أنكِ الآن لن تنشغلي عني.
ابتسمت لها ثم ذهبوا. كانوا يريدون السير من أجل التجوال براحتهم، لكن "أفيلا" اقترحت أن يذهبوا بسيارة حتى يستطيعوا العودة للمنزل إذا تأخروا، فوافقوا وركبوا. ثم رن هاتف بسمة، نظرت فيه وردت. وما أن انتهت، أقفلت الهاتف قالت:
- "كريم" ينتظرنا عند المول.
ترجلوا من السيارة. كان هناك شابين واقفين بجانب سيارة مستندين عليها.
عندما رأوهم اعتدلوا. كانت "أفيلا" لا تعلم أحد منهم، كانت تشعر بالغرابة وكأن لم يكن هناك داعٍ لمجيئها.
لكن لم تهتم، فهي جاءت من أجل "بيري" فقط كي لا تحزن منها وتعوضها عن إهمالها وابتعادها عنها في تلك الفترة، فهي تعتبرها شقيقتها كونها ليس لديها شقيقة. فلا تريد التخلي عنها من جديد.
نظرت للمول وهم يتقدمون إليهم. قالت "بسمة":
- منذ متى وأنتم واقفين؟
قال "كريم":
- ليس الكثير. أعانني "حاتم" على ضياع الوقت، لأني توقعت هذا التأخير الذي اعتدت عليه.
ابتسموا من مزاحه. بينما كان صديقه الذي يدعى "حاتم" ينظر لـ "أفيلا" التي لاحظت نظراته ولم تفهمها.
- طبيبة "أفيلا".
تعجبت كثيراً، فهل يعرفها؟
نظر "كريم" إليه قال:
- هل تعرفها؟ إنها ابنة عم "بيري".
- سمعت عنها لذلك أعرفها، فهي طبيبة مشهورة.
مد يده لها وهو يعرفها على نفسه:
- أنا حاتم.
نظرت "أفيلا" له ثم نظرت لـ "بيري" التي كانت تشير لها أن تسلم عليه ولا تحرجه أمامنا جميعاً، فقد مدحها للتو.
مدت يدها وسلمت عليه. ابتسم لها.
قالت "بسمة":
- هي بنا ندخل. إن كنتم قد انتهيتم، فنحن لا يزال أمامنا الكثير.
تقدموا إلى المول. توقفت "أفيلا" ولم تدخل. نظرت خلفها وتطلعت حولها، تشعر بشيء غريب. ثم دلفت وتجاهلت الأمر.
دخلت، فقد ظنت بأن هناك من كان يتطلع فيها أو يراقبها.
كانوا يسيرون في المول. دخلا ليختاروا فستاناً، وذهبا "كريم" و "حاتم" يختاروا بدلته. ظلت "بيري" تقيس وتأخذ رأيهم حتى اختارت فستاناً وطلبوا أن يضبطوا مقاسه عليها.
رن هاتف "بيري" وكان "كريم" الذي قال:
- ننتظركم في المقهى بالأسفل.
- حسناً.
أقفلت الهاتف. نظرت لهم قالت:
- إنهم في المقهى.
خرجوا وكانوا ينزلون للأسفل. شعرت "أفيلا" بشيء، توقفت. نظرت خلفها إلى الناس، وكأن هناك أحد معها ويسير خلفها وكأنه يتبعها خطوة بخطوة، أم أنها تتوهم؟ نظرت أمامها وأكملت سيرها.
دخلوا المقهى. كانوا جالسين ينتظرونهم. اقتربوا منهم وجلسوا معهم. و"أفيلا" تود الذهاب، فهي أتت لمساعدتها في اختيار الفستان، لكن لا تستطيع أن تذهب وتترك "بيري" كي لا يصبح شكلها سيئاً أمامهم، وهي أيضاً ستحزن منها.
قال "كريم":
- سأحضر عصيراً لنا.
ذهب. أوقفته "أفيلا" وهي تقول:
- أشكرك، لكن لا تحضر لي.
قالت "بيري":
- لماذا؟
قال "حاتم":
- هل أحضر لكِ شيئاً آخر؟
- لا.
قالت "بسمة" وهي تؤيده:
- أجل.
تنهدت بقله حيلة. نظرت لـ "كريم" قالت:
- بدون سكر.
قال بتعجب:
- أحضر لكِ عصيراً بدون سكر!!
أومأت برأسها إيجاباً، فذهب.
ثم جاء ومعه العصائر. كانت "أفيلا" تنظر حولها. ثم نظرت ووجدت "حاتم" ينظر لها. تعجبت، فمنذ متى وهو يجول بنظراته عليها. لم تفهمه. نظرت بعيداً دون أن تعيره اهتماماً.
قالت "أفيلا" لـ "بيري" بصوت منخفض:
- سوف أقف هناك قليلاً. عندما تذهبوا اتصلوا بي.
نظرت لها وجدتها تشير على مكان الجليد. ابتسمت قالت بمزاح:
- أتريدين أن تتزلجي أم ماذا؟
ابتسمت قالت:
- لا، سوف أشاهد فقط.
نظر "حاتم" إلى ابتسامتها ثم وجدها تذهب. نظروا لها قال "كريم":
- إلى أين ذاهبة؟
- سوف تقف هناك، فهي لا تحب الجلوس بعض الشيء.
أومأوا برؤوسهم بتفهم.
دخلت "أفيلا" وقفت. نظرت إلى المكان وهي تتذكر حين دخلت من قبل معه.
ظهر لها مشهد وهي واقفة مع "كاسبر" وتجادله أن يدخل معها، وهو كان رافضاً.
نظرت إلى الكرسي تذكرته وهو يجلسها ويجلس على قدميه ويلبسها حذاء الجليد.
كانت تلك الحركة جعلت قلبها ينبض له، ولم ينبض لغيره.
نظرت إلى ساحة الثلج والناس تتزلج عليها وتضحك، فظهر مشهد لها وهي كانت ستقع، فأمسكها ونظروا في أعين بعضهم وكان الجميع ينظر لهم.
تجمعت الدموع في عينها. ابتسمت بحزن عليهم، فأصبحوا ذكرى عابرة في مخيلتها الأخرى تذكره بآلامها فقط.
تبدلت ملامحها، شعرت بأحد خلفها، وقفت ولم تتحرك. شعرت أنه يقترب.
لمحت بطرف عينها يد تقترب منها. أمسكتها وقامت بضغط عليها عند الساعد. التفت، لكنه أمسك يدها التي تمسك بها يده، وقام بلفها حول ظهرها بسرعة بمهارة، فضربته من الخلف بقوة فابتعد عنها.
التفت وهي خائفة. نظرت، ووجدته "حاتم" وكان ينظر لها بشدة. وجدت "كريم" و "بيري" و "بسمة" واقفين أيضاً ويتطلعون إليهم بدهشة.
قال "حاتم" بضيق وهو يمسك معصمه:
- كدتِ تكسرين يدي. لم أفعل شيئاً لهذا.
- لماذا قمت بلف ذراعي هكذا؟
نظر لها قال:
- أتريدين أن أترك يدي لكِ حتى تكسريها؟
صمتت. نظرت بيده. قالت "بسمة" بمزاح:
- جئنا نخبركِ أننا ذاهبون، لكن الحمد لله أن لم أحد يقترب منكِ غير "حاتم"، فهو من تعرض للضرب.
قالت "بيري" بتساؤل:
- "أفيلا"، هل أفزعكِ لهذا الدرجة؟
نظر "حاتم" لها، فكانت صامتة.
- هل كنتِ خائفة من شيء؟
نظرت "أفيلا" له لأنه قال ما في داخلها.
- لنذهب.
قالت ذلك وهي تذهب، سبقتهم وهم يتبعونها بأنظارهم المستغربة، ثم ذهبوا.
خرجوا من المول. نظرت "أفيلا" وجدت "حاتم" ينظر لها. لم تهتم به. دلفت لسيارتها، تبعتها "بيري" وذهبوا.
نظر "كريم" إلى صديقه، وانه ما زال يبتسم. قال:
- ستقف كثيراً. ما خطبك؟ لنذهب.
أومأ إيجاباً، ثم ركب سيارته وذهبوا.
عادوا للمنزل، كانوا ينتظرونهم. ذهبت "أفيلا" إلى غرفتها. نظروا لها. تنهدت "بهيرة" قالت وهي تقف:
- سأضع الطعام.
كانت "أفيلا" في غرفتها. سمعت طرقات على الباب، فسمحت بدخول. كانت "بيري". دخلت نظرت لها قالت:
- أشكرك.
تعجبت، فأردفت قائلة:
- لأنكِ كنتِ معي اليوم.
- لماذا تتحدثين برسمية؟ هل نسيتِ أني شقيقتكِ، وهذا ما يجب علي فعله.
ابتسمت لها، ثم اقتربت منها واحتضنتها. نظرت لها "أفيلا" بتعجب، ثم ابتسمت وربتت عليها.
ابتعدت "بيري" قالت:
- لقد وضعت أمي الطعام، لنذهب حتى لا تغضب علينا.
ابتسمت "أفيلا"، فهي تذكرها بالقدم. وجدتها تأخذها ويذهبان.
رن هاتف "أفيلا" وكان رقماً غريباً. كان يرن طويلاً ويكرر الاتصال، لكن لم يكن مسموعاً، فكانت "أفيلا" بالخارج.
في منزل "عمر"، كان جالساً في غرفته على مكتبه يقرأ بعض الأوراق ويرتدي نظارة القراءة، وقهوته بجانبه.
خلع نظارته بضيق:
- لماذا أفكر بها؟ لما أنا متضايق بسبب ما حدث؟ هل ممكن لأني خذلت بها، لأنها كانت واقفة ولم تبعدني وهي تراني أقترب منها؟
أمسك عمر وجهه بضيق:
- ما هذا الغباء؟ خذلت بها كيف؟ إنها صديقة "أفيلا"، ليست صديقتي أو تقربني بشيء. وأيضاً هي من بلد أخرى، عاداتهم غير هنا تماماً. لا يوجد سبب لتضايق هذا.
تنهد، ثم وقف وأطفأ الأضواء وذهب للنوم.
في الليل، استيقظ "وجيد" ليشرب بعض الماء. فتح الثلاجة وأخذ قارورة. بعدما انتهى، أعادها وأقفلها ثانياً.
ذهب، لكن وهو يتجه لغرفته، شعر بحركة غريبة من خلفه. كان المنزل مظلماً.
أضاء الأنوار وألقى بأنظاره، لم يجد أحداً، فعاد ليطفئ الضوء. لكن سمع صوتاً لم يخيب أذناه هذه المرة.
ذهب ويسير ببطء قال:
- من هناك؟ "وليد"؟ أهذا أنت؟
اقترب من الصوت الذي سمعه ناحية ذلك الحائط.
خرج رجل يرتدي زياً يخفي وجهه. لف ذراعه حول عنقه، والآخر أمسك مسدساً وضعه عند رأسه.
اتصدم "وجيد" بهيئته وسرعته. نظر إلى المسدس بخوف.
نظر الرجل حوله وكأنه يبحث عن أحد.
- من أنت؟
قال "وحيد" ذلك، فلم يغير اهتمامه، وما زال ينظر. ثم قال:
- أين هي؟
تعجب، فهل أتى لأحد من عائلته؟ قال:
- من تقصد؟ لا يوجد أحد هنا غيري.
ضغط بذراعه على عنقه وهو يقول بحنق:
- كاذب.
اختنق "وجيد" قال:
- صدقني، أنا أمكث بمفردي في ذلك المنزل.
ضغط أكثر عليه، فشعر بالاختناق الشديد.
- أين تلك المرأة؟ أعلم أنها هنا. تكلم.
قال ذلك بغضب وهو غير مبالٍ به، وعينه تظل على السر والإجرام.
جاء صوت من خلفه - هل تبحث عني؟
نظروا وانصدم.
رواية احببت مافيا الفصل الأربعون 40 - بقلم نور
طبق زراعه على عنقه جامد وكان سيختنق لكن جه صوت من وراه
: أتبحث عنى
وما أن ألتفت ليرى صاحبت ذاك الصوت فتلقى ركله ابعدته عن "وجيد"
نظر لها فركلها فى ساقها بحركه ماهره فوقعت من شده قوتها وتألمت
اقترب منها لكنها مدت زراعيها والتقطت المسدس وصوبته نحوه فتوقف فى مكان
: عد للوراء ولا تقترب
نظر اليها وجمع قبضتها ورجع بهدوء بس دون أن تلحظ من شده سرعته مسكها زراعيها وأخذ المسدس لكن هناك من ركله بقوه من الخلف فوقع على الارض نظرت "أفيلا" كان "وليد" نظرت للرجل كان سيأخذ مسدسه فركلته تبعده والتقطته ثم رفعته فى وجهه
: حركه أخرى وصدقنى ساطلق عليك
اعتدل الرجل وهو ينظر لها بحنق وشر أما "أفيلا" فكانت قلقه ان يفعل اى حركه بسرعته الفائقه وقوته البدنيه وحركاته القتاليه التى لم تشهدها فيبدو ماهرا جدا وممكن أن يقضى عليهم
خرجت كل من "بيرى" ووالدتها نظرو الى الى "افيلا" بدهشه وهى تمسك المسدس وذلك الرجل الذى على الارض وينظر لها
: من أنت
نظر "وليد" إليها بإستغراب فهو يعتقده لصا والجميع أما "أفيلا" فلا أنه أتى لها وليس اللص بتلك المهاره الذى رأتها به
: الم تسمع ما قالته
: وهل يهمك معرفت من اكون
استغربت من لهجته
ادرف بسخرية : انتى ميته على كل حال ان قتلتينى لن ينتهى الامر سيأتى غيرى ويقتلك
انصدمو من ما يسمعوه وحديث "أفيلا" معه كانت قد احست ايضا بالخوف من نبرته وثقته فى الحديث يبشرهة بالقادم قالت
: لا تقلق عليا سوف ادبر امورى
شعرت من الصباح ان هناك من يتبعنى وشئ سيحدث وكان يقينى صحيح
ابتسم نظر لها قال : حدثك قوى
ثم القى بأنظاره حوله على عائلتها التى كان يتطلعون اليه قال
: لا تعلمين مع من وقعتى لن يتركك فكل من يحاول حمايتك سيموت
: لست من تحدد الموت انه الله
نظرت له بحنق واردفت : كيف تجرأت واقتربت منه
نظر لها بعم فهم وكانت تقصد عمها فرأته وهو يضغط على عنقه ويسأل عنها ويخنقه بلا رحمه ؤ نظرت له ناحيه رقبته
سرعان ما ركلته بقوه فاصدم راسه بالارض ولم يقم مجددا
كانت كطبيبه تعلم نقاط جسد المرء وكيف تستخدم ذلك فى ضرباتها
: هل مات لماذا مستلقى هكذا
قالت "بيرى" ذلك بخوف وهى تنظر للرجل المستقلى على الأرض
نظرت "افيلا" إلى "وليد" قالت
: اتصل بالشرطه
اومأ برأسه فكان ذلك ما سيفعله وذهب
نظرت الى عمها التى كان ينظر لها بشده اقتربت منه قالت بقلق
: انت بخير
احتضنته فبادلها وهو يقول
: انا بخير المهم انتى هل تأذيتى
: لا
كانت خائفه فهو والدها الثانى وارتعبت أن تفقد ابيها للمره الثانيه
ابتعد عنها نظر لها قال
: لما كان هذا الرجل يريدك
: لا اعلم
كانت حقا لا تعلم من هذا ومن ارسله وماذا يعنى بالكلام الذى قاله بأنهت ميته وسيأتى غيره ويقتلها
مر الوقت سمعو رنين حرس الباب وكان الشرطه قد جائت ذهبت "بيرى" وفتحت لهم
نظرت "افيلا" لهم وتبظلت ملامحها بإستغراب وتفحأ قالت
: أنت
كان ترى "حاتم" مع رجال الشرطه اقترب منها نظر لها والى يدها ابتسم قال
: اتركى المسدس سنأخذه
نظرت له بعدم فهم ثم نظرت ل"رجل" كان قد افاق اقتربو منه واخذوه وضعو القيود فى يده فتركت المسدس من يدها قالت
: كان ذلك معه
اخذه حاتم ونظر فيه وهو يتفحصه قال بذهول
: يبدو ذو اصدار حديث
كانت تنظر له بتساؤل من وجوده هنا وجدته يعطيه لإحدى رجال الشرطه ويصعزه فى كيس حفظ البصمات
جاء "وليد" قال ل"حاتم"
: اشكرك على مجيئك بهذه السرعه
ابتسم وقال : هذا واجبى
نظرت "افيلا" ل"وليد" قالت : من يكون
: انه صديق كريم خطيب ب
: اعلم ذلك ، ماذا يفعل هنا
قالت "بيرى" بتفسير : "حاتم"من الشرطه يا "أفيلا" أنه ضابط
اندهشت بما سمعته نظرت له
: كيف امسكتوه وهو مسلح
: استطاعت "افيلا" اخذه منه قبل أن يصل اليه
ابتسمت "بيرى" وهى تتذكر وتقول بمزاح
: لو رايت كيف ركلت وجه كره القدم
نظر "حاتم" إليها وقال : هل هذا سبب الجرح التى براسه
ارظف بجديه : اخبرنى وليد انه جاء وانتى هدفه وقام بتهديدك
قالت "بيرى" : اجل هذا ما حدث
كان ينظر إليها وأنها لا تتحدث قال
: لماذا يفعل ذلك هل تشكين بأحد لديكى عدواه هكذا
نظرت له بلامبالاه قالت : لا اعلم شئ ، انه لديك تستطيعى ان تسأله بنفسك
استدارت وذهبت تتركه وهو يطالعها بإستغراب ، قال "وليد"
: اعتذر هذه طريقتها فى الحديث انها لا تقصد
: لا بأس .. على الذهاب اذا حدث شئ اخبرونى
اومأ براسه بتفهم نظر إلى الغرفه التى دخلتها وهو يفكر فيها ثم ذهب
جلس "وجيد" بقلق وهو يتذكر ذلك المجرم الخطير وعندما وجده يساله عن امرأه ولم يكن يعلم من يريد
لكن اتضح انه جاء ل"افيلا" حتى انه هددها بان هناك من سيقتلها
كانت افيلا جالسه فى الغرفه تتذكر ما حدث ومخاوله القتل التى كانت مقدمه على حياتها " انتى ميته على كل حال ان قتلتينى لن ينتهى الامر سيأتى غير ويقتلك ، لا تعلمين مع من وقعتى .. فكل من يحاول حمايتك سيموت دون أدنى شك "
: من هو الذى وقعت معه ومن يريد موتى .... كان يخنقه لعمى هل حقا ممكن ان يقتلو عائلتى مثلما قتلو والداى ... أنهم يستطيعو فعلها انهم وحوش لن اسمح بذلك ان يموت احد من ورائى مجددا
كانو جالسين شاردين من ثم قاطعهم خروج "افيلا" من غرفتها نظرو لها بتعجب كانت ترتدى ملابس الخروج
قال "وليد" : الى اين ذاهبه فى ذلك الوقت
: سأعود لشقتى
قال "وجيد" بصدمه من ما تقوله : ماذا قولتى .. تعودين !
قالت "بهيره" : لماذا يا ابنتى الم تستريحى هنا
نظرت "أفيلا" ل"بيرى" التى حزنت ابتسمت قالت
: سأكون معك .. لا يعنى ذاهبى انى لن اراكى مجددا
قال "وجيد" بحده : لا يوجد ذهاب الى اى مكان
نظرت له بعدم فهم أردف
: ادخلى لغرفتك
: اسفه يا عمى علي المغادره
: لن تغادر سوف تظلى معنا ، اعلم لما تريدى الذهاب تريدهم ان يقتلوكى
: ان بقيت لن يرحمو أحدا منكن .. انتم لا تفهمو شيئا .. لا تعرفو من يكونو ... انا اشكل خطر عليكم
: أن كنتى تعرفين فيجب أن أعرف
صمتت بضيق ولا تعلم بماذا تخبرهم قال "وليد"
: ذلك الرجل كان يخيفك لن يحدث شئ يا "افيلا" لا زلنا لا نعلم من يكون هذا وما يريده
: وماذا اذا كان حقيقى
قالت "أفيلا" اليهم فصمتو قليلا فردت "بيرى"
: وتظنى ان ذهابك هكذا من اجل حمايتنا انكى تخاطرين بنفسك .. فلولا أن اخى استيقظ فى الوقت المناءب ما كنتى استطعتى عليه ... ابقى ستكونى هنا بأمان
: جاء اليوم ليقتلنى .. كنت انا هدفه وعندما راى عمى كان سيخنقه كان ممكن ان يقتله بالمسدس لكنه انتظر عليه حتى يخبره عنى ومن ثم يستطيع قتله لو كنت تاخرت ثانيه عليه ....
صمت بحزن وضيق من أن تكمل
قال "وجيد" : لا تهتمى بى اخبرتك انى بخير
: لا استطيع صدقنى لا يجب ان اكرر الخطأ واعيد الكرع معكم ما حدث لوالداى
انصدمو من ما يسمعوه فهم يعلمون ما أصاب عائلتها فهل ستكون نهايتهم هكذا
: انتم من تبقى لى ..
وانا اخشي الخساره اكثر من ذلك لحد الموت.
كانت خائفه عليهم بشده، على الرغم من خوفها على نفسها، لكن الابتعاد أفضل. نظرت لهم وذهبت.
قال وجيد بفضب: توقفي يا أفيلا.
ردت وهى تتجه للباب: سوف أزوركم كل يوم، لن أنقطع عنكم مثل المرة الفائتة.
فتحت الباب. قال وجيد بصوت مرتفع وحده: الم تسمعي ما قالته؟ لا يوجد مغادرة، توقفي.
لم تستمع له وذهبت. نظر وليد لهم ولحق بها، فهو خائف من ذهابها بمفردها في ذلك الوقت.
جلس وجيد على الأريكة بتعب بسبب صوته المرتفع. اقتربت بيرى وبهيرة منه خوفاً على صحته. وهو ينادي عليها ليمنعها وإجهاد صوته، لكن عندما تضع شيئاً في رأسها ليس هناك ما يمنعها، وإذا كان الأمر يتعلق بعائلتها.
خرجت، وضعت حقيبتها في السيارة، ثم فتحت الباب وركبت وقادت السيارة على الفور.
نظر لها وليد وهو يوقفها، لكنها كانت ذهبت سريعاً وكأنها تهرب منهم.
كانت تقود السيارة وهي في حيرة: من الذي يريد قتلي؟ ولماذا تذكرني الآن فجأة؟ ماذا فعلت ليريدوا قتلي؟ لم أعد أخترق شيئاً.
وصلت لشقتها، دخلت، أضاءت الأنوار، ثم أغلقت الباب.
التفت ونظرت للشقة، تذكرت كاسبر وهو هنا في آخر مرة، فهي لم تدخل الشقة من ذلك اليوم.
دخلت غرفتها، بدلت ملابسها، جلست على السرير واستلقت، ورفعت الغطاء عليها لتنام. وهي تعلم جيداً أنها لن يأتيها نوم من الخوف بسبب ما حدث منذ ساعات، لكن الخوف ابتعد قليلاً عندما خرجت من منزل عمها، إذا أصابها شيء، لن يتأذوا معها.
طلع الصباح عليها وهي لم تغف ولو دقيقة، وكانت مجهدة جداً لأنها لم تنم.
ذهبت، اغتسلت، وأكلت، ثم أخذت أدويتها، بدلت ملابسها، أخذت حقيبتها وخرجت.
كانت تقود السيارة تتجه للمشفى، وجدت مقهى قريب منها، توقفت.
ترجلت من السيارة وذهبت له، وقامت بطلب قهوة حتى تفيقها، ووقفت قليلاً تنتظر قهوتها.
حتى أحضروها لها، أخذتها وذهبت، لكن وهي تلتفت اصطدمت بأحد. كانت ستقع القهوة عليها، لكنه أمسكها قبل أن تنسكب.
قالت بغضب وانفعال: ألا ترى؟
رفعت وجهها وتفاجأت حين وجدته حاتم. نظرت له، كان يرتدي بدلته كضابط، وما لاحظته من كتفيه أنه رتبة عالية.
عفواً، لكنك أنت من اصطدمت بي.
كان محقاً، فلم تجادله. انتبهت لشيء، نظرت ليدها التي تمسك بالقهوة، كانت يده فوقها، فقد أمسكها من أجل القهوة لا تقع وتنسكب عليها.
لاحظ حاتم أنها تنظر ليده، فأبعدها على الفور، فهو لا يقصد أن يلمسها. نظرت له أفيلا، ثم ذهبت، وكان يطالعها باستغراب وهي تتجه لسيارتها.
ما بها؟ هل هي هكذا دائماً، أم عندما تراني فقط؟
سيدي، تفضل بالجلوس.
قالها النادل بابتسامة ويرحب به.
فتحت أفيلا باب سيارتها لتدخل، لكن توقفت عندما رأت عجوزاً يعبر الطريق ويتعثر، ولا أحد من الذين في داخل سياراتهم خرج وساعده، أو الذين يسيرون.
وضعت قهوتها وركضت سريعاً إليه، أسندته والتقطت عكازه، أعطته له.
أأنت بخير؟
قال بضعف وامتنان: أشكرك يا ابنتي.
ابتسمت له من كلمة ابنتي التي نطقها بحنان. أمسك عكازه وسار ببطء. وسارت أفيلا معه حتى لا يزعجه أحد، ويرى أن اثنين على الطريق وليس واحد. سمعت رنين من سيارة وقال رجل من داخلها بسخط:
أيتها الحمقاء، ابتعدي، أريد المرور.
لم تهتم به، لأنه الوقح الوحيد من بين الناس، لم يحترم العجوز، أما بقية الناس فانتظروا حتى مر العجوز من أمامهم.
خرج الرجل من سيارته بغضب واتجه ناحيتهم وهو عابس. أمسك ذراعها بقوة قال:
ألا تسمع؟
نظرت أفيلا ليده، ثم نظرت له بغضب. كانت ستضربه، لكن وجدت شخصاً يمسك يد الرجل، وكان حاتم.
نظر الرجل إليه وإلى بدلته، فخاف منه. قبض حاتم على ذراعه بصيق، وكأنه يريد كسرها، ثم دفعه بعيداً عن أفيلا، وكان سيتعثر، لكنه اعتدل.
هناك شيء اسمه الاحترام، إذا كنت لا تعرفه، بإمكاني أن أعلمه لك.
ا.. اعتذر، لم أكن أقصد ذلك حقاً.
قالها الرجل بخوف. نظر إلى أفيلا وأردف:
اعتذر.
لم تعره اهتماماً. نظرت للعجوز الذي كان متضايقاً بشدة ويشعر بالحرج من ما حدث لأفيلا بسبب مساعدتها له من شيخوخته وضعفه.
ساروا، ثم وقفوا عند رصيف السير. نظر لها قال بحرج:
سامحيني على ما سببته لكِ يا ابنتي.
تضايقت من تعبيراته، قالت:
من يجب أن يطلب السماح؟ ذلك الرجل، ومنك ليس مني.
اتسمت وهي تردف: غير ذلك، يكفيني كلمة ابنتي منك.
ابتسم ابتسامة بشوشة، سعدت من رؤيتها. قالت:
أين تريدين أن تذهبي؟ لأوصلك إلى مكان ما.
لا، أشكرك.
قال هذا بامتنان وهو يذهب.
لوهلة ظننت أن الابتسامة لا تعرفيها.
سمعت ذلك الصوت، نظرت جانبها، وكان حاتم. قالت:
ماذا تقصد؟
لا شيء.
تذكرت أفيلا ما فعله.
أشكرك.
نظر لها حاتم وكأنه لم يتوقع الشكر منها. وجدها تذهب لسيارتها.
دلفت لداخل وغادرت، وكان ما زال ينظر لها، فقد رأى العجوز عندما تعثر، وكان ذاهباً لمساعدته، لكن وجدها ركضت إليه وساعدته على الفور، وسارت بجانبه حتى لا أحد يضايقه.
ابتسم وهو يتذكرها، ثم ارتدى نظارته الشمسية وذهب.
وصلت أفيلا إلى المشفى، دخلت لمكتبها، جلست بتعب وإرهاق شديد، فكانت عيناها تريد النوم بشدة.
سمعت طرقات على الباب. كانت ممرضة، فسمحت لها بالدخول. دخلت، وضعت ورقة أمامها.
هذه الحالة الجديدة في المشفى، ويلزم لها عملية مهمة، يريد الطبيب ياسر أن تتولي الأمر.
أومأت برأسها بتفهم، فخرجت الممرضة. أمسكت الورقة، أخذت تقرأها، كانت تشخيصاً للمريض.
قاطعها طرقات مجدداً على الباب. نظرت، وجدتها ريلا. ابتسمت ودخلت. وقفت أفيلا، اقتربت منها.
قالت بابتسامة: هل قاطعتك؟
بادلتها وهي تنفي برأسها. صمتت قليلاً، ثم قالت:
جئت لأودعك، سأعود لألمانيا.
نظرت لها بتفاجؤ، قالت: لماذا؟
اتصل أبي وقال لي يجب أن أعود.
وماذا عنكِ؟ تريدين الذهاب أم لا؟
نظرت لها وصمتت، لا تعلم ماذا تقول، أجل أم لا، إنها حتى لا تعلم ماذا تريد.
أخبريني يا ريلا، تريدين أن تبقي في مصر لمدة أخرى أم تعودي؟ وأيضاً عمر، إذا ذهبتِ لن تريه مجدداً.
استغربت من ما تقصده وذكرته. قالت بضيق:
لا يفرق معي في شيء، أنا لا أهتم به. جئت لمصر من أجلك أنتِ.
تعجبت كثيراً من انفعالها، فمنذ يومين أخبرتها أنها معجبة وتسأل عنه، كيف تحولت هكذا ولا يفرق معها؟
هل حدث شيء؟
صمتت ريلا بحزن ولم ترد عليها. اقتربت أفيلا منها، قالت:
هل تشاجرتم؟
قالت ودموع تجتمع في عينها: لا.
نظرت لها بقلق وإلى صوتها. اقتربت منها ورفعت وجهها، نظرت إليه، وجدت عيناها مليئة بالدموع الذي على وشك التساقط. استغربت كثيراً وتضايقت، فهي لم ترى صديقتها هكذا من قبل، وحزينة ومهزوزة. دائماً كانت تضحك وتمزح، فمن الذي أبكاها؟
أخبريني ما الأمر، لما تخبئين عني؟
قالت ببكاء: عمر.
ماذا به؟
صمتت قليلاً، ثم بكت وقالت: إنه يراني عاهرة.
نظرت لها بعدم فهم وهي تقول: ما هذا الذي تقولينه؟ كيف يراكِ كذلك؟ بالتأكيد أنتِ فاهمة خطأ.
لقد قالها في وجهي.
لا زلت لا أفهم شيئاً.
قالت أفيلا ذلك بتعجب. ثم أمسكت يدها وأجلستها وجلست بجانبها، قالت:
هيا، أنا أسمعك.
سردت ريلا عما حدث عندما جاء إليها ليعتذر منها، والأمر بأكمله.
تضايقت أفيلا لدموع صديقتها، لأنها تعلم عمر كيف كان يراها من بداية رؤيته لها، بمعرفتها أنها درست بالخارج وقضت هناك سنين، فرآها بطريقة سيئة، على الرغم أنها من بلده، لكن ظن أنها أخذت من عاداتهم هناك بالحرية، والآن هو يرى ريلا أكثر من ذلك بسبب ما حدث.
تذكرته البارحة وكيف كان شارداً اليوم بأكمله، أكان بسبب ريلا؟
أعطتها منديلاً لتمسح وجهها الذي امتلأ بدموع لم تعدها من قبل، فهي ليست من النوع الذي يبكون، إنها مرحة مدللة، ولا أحد يبكيها أو يضايقها.
حسناً، يكفي، دعيني أرى هذا الأمر.
نفت برأسها وهي تقول: لا يا أفيلا، تعاملي معه كأنني لم أخبرك بشيء، لا أريده أن يعلم أني كنت أشعر بشيء تجاهه، أنتِ هكذا سوف تخبرينه بما لا أريد أن يعلمه.
نظرت أفيلا لها وإلى ترجيها، قالت بمزاح:
ذلك الوغد، إذا رأيته سأقلع رأسه من مكانها. لقد جعلني أرى دموعك للمرة الأولى، لأني كنت قد بدأت أن أشك أنها موجودة.
ابتسمت ريلا من كلامه.
لا يليق بك البكاء، اضحكي، إذا أردتي أن أسافر معك، سأفعلها.
أسرعت وقالت بلهفة: حقاً؟
تفاجأت منها، قالت: أتعلمين؟ لو كانت بلد أخرى غير ألمانيا، لكنت ذهبت معك.
قالت بعدم فهم: ماذا تعني؟
صمتت قليلاً، تنهدت بحزن غفى على قلبها وملامح وجهها.
إنها البلد التي يقيم فيها علي.
عجباً.. أكانت معرفتك به منذ وأن كنتِ في ألمانيا؟
همهمت أفيلا بمعنى أجل. أحست ريلا بحزن من نبرتها، وجدتها تتنهد وتبتسم، مغيره الموضوع.
إذا خبأتِ عني شيئاً ثانياً، سأقتلك.
ابتسمت، قالت: حسناً.. هيا، سوف أذهب وأتركك لعملك.
ابتسمت لها، ثم ودعتها وذهبت.
خرجت أريا واتجهت لباب المشفى، وجدت عمر واقفاً. نظر لها، وقد لاحظ أنها هنا للتو. نظرا لبعضهما، شعرت بالضيق والحزن، فمرت متخطية.
نظر لها وهي تذهب، ثم عاد إلى ما كان يفعله، ولم يعرها اهتماماً.
في مساء اليوم، انتهت أفيلا من عملها بتعب، وكانت قد شربت قهوة كثيراً حتى تفيق وتركز، فعينيها تغفو.
كانت تقود سيارتها ذاهبة لشقتها، سمعت صوت من هاتفها، أمسكته ونظرت فيه، كانت رسالة من رقم مخفي. أوقفت السيارة على جانب الطريق، فتحتها.
اقتربت ساعتك كثيراً.
بحلقَت في الرسالة بخوف وقلق من تلك الرسالة، فهل كان الرجل محقاً؟
من يكون؟ ولماذا يريد أن يقتلني؟
أخذت نفساً، جمعت شجاعتها، على الرغم أن قلبها ينتابه الخوف الشديد ومرتعب، لكنها تحاول أن تعطيها لنفسها ثقة، فلم يحدث شيء إلا ما كتبه الله لها.
نظرت أمامها وقادت السيارة. انفزعت على رنين، نظرت للهاتف بخوف، أمسكته، ثم زفرت تريح نفسها، فكان المتصل وليد. ردت عليه.
مرحباً أفيلا، أين أنتِ؟
عائدة للمنزل.
تستطيعي أن تأتي للمخفر؟
هل الموضوع متعلق بذلك الرجل؟
أجل.
أغلقت الهاتف حتى لا تفعل حادث وركزت على طريقها واتجهت للمخفر.
ترجلت من سيارتها ودخلت للمخفر، نظرت، وجدت عمها ووليد وحاتم واقفون.
اقتربت منهم، لاحظو وجودها. قالت:
ما الأمر؟
قال وجيد: تحقق الضابط حاتم مع الرجل.
نظرت لـ حاتم وقالت: جيد، وماذا قال؟
أن لا يوجد من أرسله، وهو من ذهب لقتلك.
ابتسمت بسخرية وهي أقوى: ما هذا الهراء؟
أردفت قائلة له: هل صدقته؟
بتأكيد لا. هناك أحد، لكنه لا يستطيع الاعتراف عليه، لأنه عندما ضغطنا عليه، أخبرنا بدون أن يدرك ذاته أنه سيموت لا محالة في اللحظة التي ينطق بها حرف. كان كلامه غريباً، غامضاً، يوحي بأن الأمر كبير وراءه.
سألناه ماذا يقصد بكلامه، فعاد وتهرب وفعل نفسه أنه لم يقل شيئًا.
تعجبت "أفيلا": فهل لهذه الدرجة مرتعب ولا يستطيع التحدث؟
"حسنًا، أشكرك."
قالت ذلك وهي تذهب وتتركهم. تبعها "وليد"، بينما شكر عمها "حاتم" وكان سيذهب، لكنه أوقفه وقال:
"أريد التحدث معك في أمر ما."
نظر له وجيه وأومأ برأسه.
في الخارج، فتحت "أفيلا" سيارتها لتركب وتذهب. أوقفها "وليد". نظرت له:
"عودي معنا، لا تكوني بمفردك في هذه الشقة ولا نعلم إذا كنتِ بخير أم لا."
"لا تقلق، سأكون بخير."
"كيف بخير وهناك من يريد قتلك؟"
"سمعت بأذنيّ من الشرطي يقول إن الرجل أخبره أن لم أحد يرسله."
قال ساخرًا:
"ماذا! هل تمثّلين أنكِ صدّقتيه أم تحاولين إهدائي؟"
"لا يوجد ما يجعله يكذب، لذا أنا أصدقه."
نظر لها ويعلم أنها تكذب عليه وخائفة، وتعلم أن هناك خطرًا عليها، لكنها تكابر.
دلفت إلى السيارة سريعًا وذهبت.
وصلت لشقتها، دخلت وأغلقت الباب. جلست على الأريكة بتعب شديد، فهي لا تقدر على الوقوف وعيناها ضعيفيتان من قلة النوم.
تذكرت "حاتم" وما قاله لها في المخفر:
"بتأكيد مهدد مما يجعله لا يستطيع التفوه بكلمة، فأنا لا أقع مع ناس عاديين يبدو عليهم... مستحيل، هل هم من المافيا؟"
ابتسمت بسخرية وأردفت:
"رائع، أنا بالفعل ميتة لا محالة. لن أقدر عليهم، وكذلك الشرطة. ما لم تفعله قديمًا لوالديّ لن تستطيع فعله لي. لا يجب أن أعتمد عليهم."
تنهدت، وقفت، دخلت المطبخ، أعدت طعامًا لها على الرغم أنها لا تريد أن تأكل، تريد النوم فقط، ولكن بسبب مرضها يجب عليها ذلك.
أنهت طعامها، دخلت غرفتها، أخذت أدويتها، واستلقت على السرير بإرهاق واستسلمت للنوم، فهو منقذها من الخوف والقلق الذي تشعر به الآن.
في اليوم التالي، في المشفى، قابلت "أفيلا" "عمر". تذكرت كلام "ريلا" البارحة.
نظر لها وقد لاحظ أنها وحدها، تعجب من نظراتها له. استأذن من الممرضة التي يقف معها وذهب إليها:
"لما تقفين هكذا؟"
تنهدت وهي تقول:
"لا شيء."
تعجب، فقد شعر أنها متضايقة. قال:
"هل أنتِ متضايقة من شيء ما؟"
"أجل، ستسافر "ريلا"، ولا أعلم إذا كنت أستطيع الذهاب لها أم لا."
تفاجأ "عمر" بكلامها: فهل ستعود لألمانيا؟ صمت قليلاً ثم قال:
"تعود سالمة."
نظرت له "أفيلا" وهو يذهب. ابتسمت فور ذهابه، وكأنها قد شعرت بشيء منه تجاه "ريلا"، ولو قليل. لكن المهم أنها شعرت. ومع الوقت ستزداد مشاعره تجاهها. المسألة مسألة وقت ليدرك "عمر" فقط، لكنه يجب أن يمحو الصورة الذهنية السيئة في ذهنه عن "ريلا" أولاً ليبدأ يحبها.
دخل مكتبه ويشعر بحزن لا يعلم سببه. فور سماعه أنها ستغادر، تضايق:
"لتسافر، ماذا لي بها؟ بتأكيد هي لا تهمني وليست في الحسبان."
كان يقنع نفسه بعدم الاهتمام لأمرها.
في مساء اليوم، كانت "أفيلا" تعمل. قاطعها رنين هاتفها، وكانت "بيري" المتصلة.
خرجت لترد عليها، فكانت في غرفة مريض. ردت عليها:
"أنتِ في المشفى صحيح؟"
"أجل."
"أنا أقف بالخارج."
"حسنًا، سوف أنزل لكِ."
أغلقت الهاتف وذهبت. دخلت المصعد ونزل بها، ثم فتح، خرجت، اتجهت للباب المشفى، وقفت في الخارج، تطلع حولها تبحث عن "بيري". وجدتها واقفة بعيدًا قليلاً مع فتاة وكانت صديقتها. اقتربت منها وهي تقول:
"ماذا تفعلين هنا؟"
ردت لها:
"كنا نشتري بعض الأغراض وكنت قريبة منكِ، فجئت أراكِ."
ابتسمت، قالت:
"حسنًا."
"لتبقي في منزلنا اليومين المتبقيين. لا أستطيع أن أحضر لشيء. إذا كنتِ معي سوف تساعدينني."
"أنا معكِ. إذا احتجتِ أي شيء، هاتفيّ وسوف آتي إليكِ."
ابتسمت، قالت برضى:
"إذا كان الأمر هكذا، لا بأس."
ثم أردفت بتذكر:
"أجل، صحيح."
نظرت لها بتعجب، وجدتها تبتسم وهي تقول:
"هل قابلتي "حاتم" من قبل؟ أقصد، رأيتم بعضكم البعض من يوم المولود؟"
زادت حيرتها، قالت:
"لا، لماذا؟"
"ألم يخبركِ أبي أن "حاتم" طلبكِ للزواج؟"
صدمت "أفيلا": كيف يطلبها للزواج؟ لم يراها كثيرًا، يجعله يريدها!
"سمعت أبي وهو يحدث أمي البارحة. ظننت أنكِ تعلمين."
"ماذا سمعتِ أيضًا؟ هل عمي موافق؟"
"قال إنه سيأخذ موافقتكِ، لكنه ليس معترضًا على "حاتم"، فهو رجل يافع وذو مهنة جيدة، فلا يوجد فيه عيب لترفضيه. وأنا أرى كذلك."
تضايقت "أفيلا"، قالت بعدم اهتمام:
"أراكِ لاحقًا."
ذهبت وهي تشعر بالاختناق. أحست "بيري" أنها أخطأت في إخبارها. ذهبت هي وصديقتها.
دخلت "أفيلا" لمكتبها وهي حزينة. ضمت يديها لبعضهما، وكعادتها تجرح يديها بأظافرها، وكأنها هكذا تتخلص من تضايقها وتوترها.
تذكرت "كاسبر" في ذلك اليوم حين وقف أمامها ورفع يده يلامس وجهها، ثم أيقظها على الحملة التي صعقها بها:
"فعلتها يا "علي"! كيف أمكنك قولها؟ تريدني أن أتزوج ظن غيرك وأكون معه؟ أم أنك كنت تعلم جيدًا أني متممة بحبك ولن أقبل بأحد بعدك أو يقترب مني غيرك."
تجمعت في عينيها الدموع، خفضت رأسها. تذكرته قديمًا عندما كانا في الفندق في تلك الليلة التي ذهبت لتصالحه من غضبه منها لأنها نفرته:
"يا "علي"، طلقني."
كان قد صدم من طلبها وعاتبها على ذلك:
"كيف استطعتِ قولها وتنطقينها بهذه السهولة؟ تريدينني أن أبعدكِ عني؟"
سالت الدموع من عينيها بحزن وقهر:
"لقد نطقها فمك وأبعدتني عنك. ذهبت بعيدًا. أحسنت صنعًا، أهذا هو الوعد الذي وعدتني به؟"
وضعت "أفيلا" يدها على وجهها وبكت بشدة وحزن على حالتها وانقلاب الموازين فوق رأسها. فهل تخيلت يومًا أنهم سيكونون هكذا؟
في مساء اليوم، انتهت "أفيلا" من عملها. ذهبت لمكتبها، مرت بمكتب "عمر"، نظرت له، وجدته بالداخل، فدخلت.
كان شاردًا، وأفاق من دخولها:
"ألن تذهب؟"
نفى وهو يقول:
"لا، لديّ بعض استمارات المرضى يجب أن أقرأها."
"هل أساعدك؟"
"لا بأس، سوف أنهيهم سريعًا وأذهب. فلتعودي أنتِ."
صمتت وقالت بصوت منخفض وشرود:
"خائفة من العودة والجلوس في الشقة بمفردي."
"ماذا تقولين!"
أفاقت، نظرت له، قالت:
"ألقاك غدًا."
نظر "عمر" إليها باستغراب.
أثناء طريقها، رن هاتفها. نظرت، وجدته عمها. تنهدت وردت عليه:
"هل انتهيتِ من عملك؟"
"أجل."
"تعالي إلى المنزل، أريد أن أتحدث معكِ قليلاً."
تيقنت بما يريده عمها، لكنها لا تحب أن تخبره أنها تعلم، فسوف يتضايق من "بيري" كثيرًا لأنها أخبرتها.
وصلت لمنزل عمها وجيه. دخلت. نظرت "بيري" لـ"أفيلا" بقلق أن تخبره بما قالته لها في الصباح. لاحظت نظرتها، فأومأت برأسها وكأنها تطمئنها وتخبرها أنها لن تتحدث في شيء.
اقتربت من عمها التي كان جالسًا في انتظارها.
جلست أمامه وتنظر لهم بعدم فهم، وتتصنع أنها لا تعلم شيئًا.
"أتعلمين ما الأمر الذي أريد أن أحدثك عنه؟"
توترت "بيري"، فسوف يحزن والدها منها.
ردت "أفيلا" بهدوء:
"لا، هل هناك شيء يا عمي؟"
قالت "بهيرة" بابتسامة:
"حاتم، صديق كريم، لقد طلب يدكِ للزواج."
صمتت "أفيلا" ولم تعلق. نظر لها "وجيه"، فصمتها لا يدل على الإيجاب.
"ماذا رأيك يا أفيلا؟"
لم ترد، فأردف:
"إذا كنتِ ترفضين، أخبريني لأعطيه جوابًا."
"أرفض إذا."
قالت "بهيرة" بتعجب:
"لماذا يا أفيلا؟ إنه رجل وسوف يعتني بكِ."
"لا أحتاج من يعتني بي."
حزن "وجيه"، لكنه لا يستطيع إجبارها، إنها حياتها. قال:
"حسنًا، سوف أبلغه."
"أشكرك."
وقفت واستأذنت بالرحيل.
دلفت إلى السيارة وقادتها تتجه إلى شقتها، تتذكر كلام عمها وعن طلب "حاتم". فهي مستغربة أنه لم يرها غير ثلاث مرات. ابتسمت بسخرية:
"من مافيا إلى ضابط شرطة. ما هذا الاختلاف الشاسع؟ القدر عجيب حقًا، يكتب لي عجائب. كيف حياتي تنقلب بسرعة هكذا؟"
كانت تشعر بالحزن، فهي تمنت شخصًا واحدًا فقط، وهو "كاسبر". لا أحد غيره. هو من استطاع تحريك قلبها وجعلها تحبه بعدما كانت تكره الرجال. فهل كانت تعتقد أنها ستحب رجلًا يومًا؟
أثناء قيادتها، شعرت بشيء غريب، وأن هناك سيارة خلفها تسير على خطىها منذ خروجها من منزل "وجيه"، وهي تراها ولم تنعطف إلى أي طريق آخر.
نظرت إلى المرآة، ترى انعكاس السيارة، ثم نظرت أمامها وزادت السرعة. نظرت إلى المرآة، ووجدتها بعيدة عنها. فزفرت بخوف، كانت تظن أنها تلحق بها. عادت لقيادتها الطبيعية، لكن لفت انتباهها اقتراب السيارة مجددًا منها. نظرت إلى المرآة، وأنها أصبحت قريبة منها ثانيًا، وليس بالبعد الذي ابتعدته عنها.
شعرت بالخوف، زادت سرعة السيارة بشدة، وهي قلقة وتتمنى أن يكون يقينها خاطئًا. نظرت للمرآة وهي تقود بسرعة، وجدتهم خلفها، وسرعة السيارة مثلها. زادت السرعة أكثر، فكانت السيارة تقودها بسرعة قصوى، تريد الابتعاد عن هؤلاء الذين خلفها، لكنهم ما زالوا معها.
فانعطفت وهي تقودها بسرعة، حيث كانت القيادة صعبة عليها التحكم في السيارة.
دخلت إلى طريق آخر وهي مرتعبه وتتعرق من الخوف الشديد:
"ماذا فعلت؟ من ذا الذي يريد قتلي؟"
في السيارة الأخرى، هتف الرجل بغضب:
"أيها الغبي، جعلتها تعلم أننا نتبعها."
"هل نسلك طريقًا آخر؟"
"لا، يجب أن تختفي من أعيننا. ابق خلفها."
أومأ له بالطاعة.
نظرت "أفيلا" في المرآة بخوف، وتريد أن تطلب النجدة من أي أحد ينقذها من هؤلاء. لا تعلم إذا اتجهت لشقتها ماذا سيصيبها.
ممكن أن يقتلوها بالداخل، فهي خائفة من أن توقف السيارة وتنزل منها فيخرجون هم أيضًا وينقضون عليها.
نظرت أمامها حتى لا تفتعل حادث بسبب هذه السرعة، وسيأتي مخلفات كثيرة عليها من وراء قيادتها.
لكن جاءها النجاة من عند الله، وجدت كمين وشرطة في نهاية الطريق. توجهت إليهم على الفور وهي خائفة، لكن قلت سرعتها تدريجيًا وهي تقترب منهم.
نظروا لها. ترجلت من السيارة وركضت إليهم بخوف:
"ابق في الصف، كيف تصفين سيارتك هكذا؟ أعطني بطاقتك ورخصك."
قالت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة:
"آسفة، لـ... لكن، هـ... هناك."
كانت مرهقة وتنهج من الخوف.
"أفيلا."
جاءها ذلك الصوت. نظرت، ووجدته "حاتم"، وكان واقفًا معهم. اقترب منها. قال الشرطي:
"سيدي، هل تعرفها؟"
"أجل، بإمكانك الذهاب."
أومأ له بالانصياع وذهب. عاد بنظره إليها، وتعرقها وخوفها. قال:
"ماذا بكِ؟"
نظرت "أفيلا" خلفها إلى السيارة التي كانت تلحق بها، لكن تفاجأت عندما لم تجدها.
نظر لها باستغراب، وعلى ما تنظر:
"ذهبوا."
قالت ذلك بدهشة وتفاجؤ. فقال:
"من هم؟"
"كانت هناك سيارة تتبعني."
نظر لبعيد، اقترب منها، قال:
"تعالي، اجلسي قليلاً."
نظرت له وأومأت برأسها، فهي خائفة جدًا. نظرت خلفها وهي تذهب معه، ومتعجبة من اختفاء السيارة.
جلست "أفيلا". نظر "حاتم" لخوفها، أعطاها زجاجة مياه لتشرب.
نظرت إلى الماء، ثم نظرت له. أخذتها وهي تقول:
"أشكرك."
شربت وهي تستعيد بعض الطمأنينة.
جلس "حاتم" وهو يطالعها. قال:
"أخبريني ما أمر السيارة تلك."
ولماذا كنتِ تركضين وخائفة هكذا؟
وأنا أقود، لاحظت أن هناك سيارة تسير خلفي، وكانت معي فور ركوبي للسيارة. تعجبت لأنها لم تنعطف إلى أي طريق آخر. فزادت السرعة وتيقنت أنهم يلحقون بي. دخلت إلى طريق آخر وما زالوا خلفي.
وأين هم؟
فور اقترابي منكم، كانوا قد اختفوا.
هل تستطيعين أن توصفي السيارة؟ هل رأيتِ رقمها، أي شيء؟
كانت سوداء، لم أستطع تمييز الإصدار.
حسنًا، اهدئي.
صمتت قليلاً ثم قال: كنتِ عند عمك، صحيح؟
نظرت له "أفيلا" وهو يعرف أين كانت، فعلمت أن عمها أخبرها بقرارها.
ابقي حتى تكوني بخير. سأقف هناك إذا احتجتِني.
لا داعي، أنا ذاهبة.
الآن!
أومأت برأسها إيجابًا وهي تقف.
انتظري، سأوصلك.
أشكرك، أستطيع العودة.
وقف، نظر لها، قال بثقة:
أعلم أنكِ خائفة من الذهاب بمفردك.
نظرت له بشدة، وكيف علم؟ لكن مثلت القوة وأنها لم تهتم بكلامه.
ابتسم "حاتم" عليها، قال:
هذا عملي على كل حال. هيا.
اندهشت، وبحَلقت به، فهل يقرأ عقلها؟ ذهب إلى سيارته، نظر لها وأشار أن تركب.
فذهبت وركبت معه، وهي محرجة أن خوفها جعلها تذهب معه وهي لا تريد ذلك، وفي الحالتين، هو ضابط وهذا عمله بالفعل، وهو حمايتنا، لم يفعل شيئًا لي.
نظر لها "حاتم" وهو يقود، ثم نظر أمامه حتى لا تضايق منه.
وصلا إلى العمارة التي بها شقتها.
سأرسل سيارتك مع أحد. وإذا حدث أي شيء، أخبريني.
أشكرك.
ترجلت من السيارة وذهبت، وكان يتابعها وهي تدخل العمارة. فتح باب السيارة وترجل، ذهب إليها ونادى عليها.
توقفت "أفيلا". التفتت، نظرت له. اقترب منها.
هل هناك شيء؟
هل يمكنك أن تعيدي التفكير في طلبي بالزواج بك؟
صمتت حتى لا تجرحه بكلامها، فهي تعلم قرارها جيدًا ولا يوجد به أي نقاش.
نظر لها وإلى صمتها.
لا أضغط عليك، فقط أريدك أن تعيدي النظر. أنا حقًا أريدك، وأعجبت بكِ منذ أول مرة رأيتك فيها.
أعجبت بي ليومين؟
ابتسم حاتم بهدوء، قال:
لكني أعرفك قبلها، ليست هذه أول مرة رأيتك فيها.
نظرت له بعدم فهم. قال بتوضيح:
رأيتك في المشفى من قبل... منذ عامين.
حمل "حاتم" رفيقه المصاب على ظهره وأدخله سريعا إلى المشفى. وضعوه سريعا على السرير وأخذوه.
ذهب معهم حتى دخلوا إلى الغرفة وأقفلوا الباب. فوقف في الخارج.
وجد طبيبة تدخل سريعا إلى الغرفة. كان قلقًا على صديقه كثيرا، فقد نزف الكثير.
بعد مرور وقت، وجد الباب يفتح. وقف سريعا واقترب. وجدها تلك الطبيبة التي رآها.
نظرت له وإلى ملابسه الملطخة بالدماء. قال بتساؤل:
كيف حاله؟ هل هو بخير؟
سيصبح بخير عما قريب.
تنهدت، ثم أكملت وهي تشير عليه:
عالج الجرح الذي بذراعك حتى لا يتلوث.
نظر إلى ما تقصده، فكانت ملابسه مشقوقة وجرح في يده. لم يكن خطر، لكن كان يقشعر البدن من رؤيته. نظر حوله، وجدها ذهبت. نظر لها وهي تبتعد عنه. لوهلة شعر بانجذاب تجاهها.
ثم عاد، نظر إلى غرفة صديقه. دخل إليه، وجد ممرضتين يضبطان المحاليل والأجهزة. اقترب منه، كان نائمًا، عاري الصدر، ملتف حول صدره القماش الطبي. نظرت الممرضتان له، قال إحداهن:
دعني أضمد لك جرحك.
متى سوف يفيق؟
قال ذلك وهو غير مكترث لنفسه. فرضت عليه:
قالت الطبيبة "أفيلا" ليس كثيرًا حسب جرعة المخدر التي استوعبها جسده.
نظر لها من الاسم الذي قالته.
تقصدين الطبيبة الذي خرجت للتو من الغرفة؟
أومأت برأسها. فصمت. قال لنفسه:
اسمها أفيلا.
كانت "أفيلا" تنظر له بتعجب. فهل يتذكرها بعد كل هذه المدة؟ إنها لا تتذكر، لأنها لم تحفظ شكله بسبب الكثير من المرضى والناس الذين قابلتهم.
أظنك علمتِ الآن أني أعرفك ورأيتك قبل اليوم التي اكتشفت فيه أنكِ ابنة عم خطيبة "كريم".
نظرت له ولم تتحدث. نظر لها حاتم، قال:
أتمنى أن تفكري ثانيًا.
استأذن وذهب. اتجه لسيارته. فتح الباب، نظر إليها لثوانٍ، ثم دلف وذهب، وتركها في حيرتها. فهل تفعلها؟ هل تعطيه فرصة وتعطيها لنفسها فرصة هي الأخرى في نسيان ماضيها وتبدأ بحاضر جديد.