تحميل رواية احببت مافيا بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الغرف بالمشفى، كانت امرأة مسنة جالسة على سرير. لوحت بابتسامة خفيفة على وجهها وهي تنظر إلى التي أمامها. كانت ترتدي جاكت أبيض خاص بالأطباء وبطاقة تعريفها عند رقبتها، وترفع شعرها بطوق. "أصبحت بخير بفضل الله، أتمنى أن تهتمي بصحتك حتى لا نعود للوراء بعد كل ذلك." "أشكرك طبيبة أفيلا." قالت السيدة بابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان والشكر. أومأت أفيلا إليها ثم خرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة أخرى. فتبعتها الممرضة التي كانت برفقتها. "أحضري أوراق المريض الآخر." قالت وهي تسير. أومأت الممرضة رأسها إيجا...
رواية احببت مافيا الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم نور
دق قلب أفيلا. رفعت وجهها والتفتت للصوت الذي خلفها، ثم تصنمت مكانها وتسارعت دقات قلبها من الصدمة.
اجتمعت الدموع داخل عينيها من "كاسبر" الذي يقف أمامها وفي يده السوار.
"على."
قالت ذلك بهمس وصوت غير مصدق. إنه هو حقًا، وكيف يكون بمصر ومتى جاء؟
شعرت بالسعادة الشديدة من رؤيته، لكن لوهلة تذكرته وهو يطلقها ويبعدها عنه، ويتركها ويذهب لطائرته. تذكرت طلبه لها بنسيانه وتخليه عنها. تعلم أنها أخطأت، لكن طلبت فرصة، فرصة واحدة، لكنه لم يعطها، على الرغم من معرفته بما عانته في السنوات التي عاشتهم من غيره. هل جاء ليريها وجهه ويعطيها أملًا من رؤيته ويكسرها ثم يعود ويتركها ثانية؟
نظر لها "كاسبر". اقترب منها. عادت "أفيلا" للخلف. نظر لها وهي تعود فتوقف. وجد دمعة تسيل من عينها وهي تنظر له بحزن وعتاب من العذاب والألم التي تألمته. أنها لن تراه مجددًا. كانت عيناه ملتفتين.
عادت للخلف وهي تبتعد، ثم التفتت وذهبت وهي تتركه دون نطق بكلمة، وكأنما تهرب منه. سالت من عينيها الدموع من رؤيته وقلبها يؤلمها بشدة.
كان كل من "كريم" و"حاتم" واقفين في الحديقة وقد انتهوا من كل شيء.
لفت انتباهه من بعيد سيارة "أفيلا" وهي تترجل منها. لاحظ تغير وجهها وتعبيراتها، لم تكن سارة وهي تدخل سريعًا للفندق.
فتح المصعد. اتجهت "أفيلا" للغرفة. كانت مفتوحة. دخلت. نظرت لها "بسمة" و"بيري" وإلى وجهها وعينيها الحمرتين. اقتربت منها وقالت:
"أفيلا... هل كنتِ تبكين؟"
"لا."
صمتت وكانوا يطالعونها باستغراب من نبرتها. قالت "بسمة":
"هل أنتِ بخير؟"
نظرت لها وأومأت برأسها. تعجبوا، لكن صمتوا حتى لا يضايقوها بأسئلتهم، ثم ذهبوا للنوم من أجل يومهم غدًا.
لم يأتِ أي نوم لـ"أفيلا". وقفت وابتعدت عنهم وذهبت إلى الشرفة.
وقفت فيها تستنشق بعض الهواء. تذكرت "كاسبر" عندما رأته.
"هل جئت لعمل آخر من أعمالك يا 'على' ثم تغادر؟ وإن كان كذلك، ماذا كنت تفعل هناك؟ هل كنت تعلم أني أقف في ذلك المكان وجئت لتراني وأنا أتذكرك وتسعد بما أنا عليه؟"
خفضت رأسها بحزن وسالت من عينيها الدموع. شعرت يد تضع على كتفها. مسحت وجهها على الفور. نظرت ووجدتها "بيري".
"ألم تنامي؟"
نفت "بيري" وهي تنظر لوجهها:
"لا. لماذا تبكين؟"
"لم أكن أبكي. ثمة شيء في عيني."
"ما الأمر؟ لما تحاولين خداعي؟ أخبريني لماذا عدتِ مهمومة هكذا."
نظرت لها وصمتت قليلًا ثم قالت:
"لقد رأيته اليوم... إنه بمصر."
"رأيتِ من؟"
اتسعت عيناها وأكملت بدهشة:
"على."
أومأت أفيلا برأسها إيجابًا.
"كيف جاء ومتى؟ هل تحدثتم؟"
قالتها "بيري" بتعجب. نفيت "أفيلا" وهي تتذكره. شعرت بغصة في حلقها ثم قالت:
"فور رؤيتي له ذهبت على الفور. لم أكن قادرة على الوقوف أمامه والنظر إليه."
أضافت بصوت يجهش بالبكاء:
"أتذكر كل شيء يا 'بيري'. أتذكر ما فعلته به... وعندما أخرجني من حياته وعندما ابتعد وسافر."
حزنت من نبرتها. قالت:
"حسنًا، يكفي. إنه من طلقك، هذا يعني أنه من أراد ذلك. وأيضًا ابتعد وتركك، فلا تبكي عليه."
"أنا من جعلته يفعل ذلك. تعلمين أني حاولت قتله. والأمر ليس بالهين."
"لم أعرف السبب، لكن على كل حال، فأنتِ علمتِ خطأك. تحملتِ عذاب كل تلك السنوات بأنه ميت وتأنيب ضمير غير ما كنتِ تفعلينه بنفسك، حتى جاء أصابك المرض من كثرة تفكيرك فيه وضيقك."
كانت "أفيلا" تعلم أنها تحاول أن تبعد الخطأ عنها. اقتربت "بيري" منها وقالت:
"لا تعلمين ما سيحدث قادمًا. اتركي الأحداث تأخذ مجراها."
أومأت لها بقلة حيلة. فأكملت بمزاح:
"والآن هيا للنوم. أنا أحتاجه حتى لا يصير تحت عيني أسود ويفر 'كريم' مني."
ابتسمت ابتسامة خفيفة. سعدت "بيري". أخذتها ودخلوا للنوم.
في اليوم التالي، كانت بيري مزالت نائمة. أمسكت "أفيلا" الوسادة وضربتها بقوة.
فتحت "بيري" عينيها بفزع ونظرت لها بنعاس وهي واقفة وتنظر لها.
"لماذا ضربتني هكذا؟ لقد أفزعتيني."
عاظت النوم وهي تكمل:
"شعرت أن روحي تقبض مني."
تنهدت وقالت:
"هذه هي الطريقة الذي تنفع لكِ. مهلًا، هل تعودين للنوم؟"
"أجل. وأطفئي الضوء."
"أتعلمين كم الساعة؟"
"ماذا؟ ستكون بالتأكيد باكرًا. أشعر بأني لم أنم جيدًا."
ابتسمت بسخرية. نظرت لها "بيري". أمسكت هاتفها ونظرت وصدمت. فكانت 3 عصرًا وهي مزالت على السرير.
صرخت بفزع. وقفت على الفور وركضت إلى الحمام لتغتسل وتضبط حالها.
رن هاتف "أفيلا". نظرت فيه. كان "وليد". ردت عليه.
"هل أصعد وأفيقها بطريقتي؟ ستتأخرون هكذا."
"استيقظت، لا تقلق. سننتهي في الوقت."
"لست قلقًا، فإنكِ معها."
قالها بمزاح. ابتسمت. أقفلت الهاتف. ثم سمعت صراخ "بيري". خافت كثيرًا. ركضت إليها وفتحت عليها الحمام. وجدتها واقفة ولم تتغير بعد. اقتربت منها بخوف.
"ماذا حدث؟"
"انظري."
قالتها وهي خائفة وتمد يدها لها. لم تفهم شيئًا، لكن حين نظرت اندهشت.
"كسر ظفري."
أخذت "أفيلا" نفسًا ورفعت وجهها. نظرت "بيري" لها وخافت من نظرتها كثيرًا.
"ماذا؟ هل فعلت شيئًا خاطئًا؟"
أخذت أنفاسها وقالت:
"لا أريد أن أغضب عليكِ في يوم كهذا، لكنكِ من تثيرين غضبي."
عقدت حاجبيها وهي لا تفهم. فأكملت:
"باستطاعتك تركيب أظافر صناعية وخلعها. ليس بالأمر الذي يدعو لصراخك هذا."
نظرت إلى يدها وتقدر نسيانها. ذهبت "أفيلا" حتى لا تنفجر بها، ولاحظت "بيري" ذلك. ابتسمت لأنها أغضبتها وأكملت ما كنت ستفعله.
خرجت. سمعت صوت الباب. ذهبت وفتحت. كانتا فتاتين صديقتا "بيري". أدخلتهم.
"هل تأخرنا عليكم؟"
ردت عليهم:
"استيقظت للتو."
"الكسولة."
في الحديقة، كان "وجيد" و"وليد" واقفين مع الطاهين ويتحدث معهم عن الطعام. ثم انتهى، فذهب يتمم الأمور الأخرى. وفي توتر الجميع ويشعرون بالسعادة.
في الأعلى بالغرفة، خرجت "بيري" من الحمام وهي تضع المنشفة على شعرها. أخذوها سريعًا وقاموا بتجفيف شعرها بالمجفف. وضعوا فستانها والجزمة التي ستقوم بارتدائها.
سمعوا صوت على الباب. ذهبت "أفيلا" وفتحت. وجدتها خالتها "بهيرة" والمرأة التي جاءت لتضع مساحيق التجميل لـ"بيري".
سلمت عليها، لكنها أخذتها بعناق. ثم وقعت عيناها على "بيري" بغضب. اتجهت إليها.
نظرت "بيري" لوالدتها. وقفت وابتعدت عنهم وعادت للخلف بخوف.
"ما هذا التأخير؟ كيف تنامين كل هذا الوقت؟"
"ماذا؟ يلزم لي الراحة."
"الراحة في يوم زفافك! كنتِ تسهرين كل هذه الأيام من أجل أن تنامي اليوم وتعطليننا."
"أي تعطيل هذا؟ يأتون بعروس غيري."
اقتربت منها، فركضت على الفور. ضحكوا عليهم. اقتربت "أفيلا" وقالت:
"اهدئي يا خالتي. لن نتأخر."
ابتسمت "بهيرة" قالت:
"أثق بكلامك."
فتحت "بيري" فاها بدهشة وقالت بتذمر طفولي:
"حقًا؟ ألست ابنتكِ أيضًا؟"
قهقه بسعادة. قالت وهي تخرج:
"هيا هيا أسرعوا. ننتظركم بالأسفل."
اقتربت المرأة من "بيري". أجلستها وسارت تحضرها وتضع لها مساحيق التجميل وكل ما يلزمها.
في المساء.
بالأسفل، كان "كريم" واقفًا مع عائلته ينتظرون "بيري" الذي تأخرت وكان غاضبًا منها وعلى تأخيرها ذلك.
قالت "بسمة":
"إنها عروس. يحدث هذا التأخير عادةً."
رد عليها وهو متضايق:
"هل نؤجل الزفاف من أجلها؟"
صمتوا ليروها جاءت أخيرًا. وكانت جميلة، فنسي غضبه منها على الفور. نظرت له "بسمة" وابتسمت على أخيها. وكذلك "حاتم" يعلم أن غضبه يتلاشى برؤيتها لأنه يحبها.
لاحظ أن "أفيلا" لم تأتِ معهم وليست هنا. أين ستكون؟ ثم طلت "أفيلا" طلتها الرائعة كعادتها. كانت ساحرة. تصفف شعرها بطريقة رائعة. تضع قليلًا من المكياج. ترتدي فستان حرير أخضر يظهر رقبتها وأكمامه تميل قليلًا للأسفل. كان الفستان ذو تصميم رائع. كانت ملفته لجمالها.
اقتربت منهم ووقفت معهم. جاء الشيخ. جلسوا وتجمع الجميع يحضرون عقد قرانهم وأخذ يتمم زواجهم. و"بيري" و"أحمد" سعيدين بشدة.
نظرت لهم "أفيلا". ابتسمت. حين تذكرت سعادتها وهي مع "كاسبر" في ذلك اليوم والشيخ يزوجهم.
عادت من شرودها. ألا تكتمل أحزانها الآن. وجدت "عمر" قد جاء. فكان عمها قام بدعوته، فهو يحبه ويعتبره من العائلة. وجميعهم يحبونه.
ذهبت إليه. نظر لها وإلى شكلها الجميل الذي التقطت عيناه من بين الحشد. اقتربت وقالت بابتسامة:
"كيف هربت من المشفى؟"
ابتسم عليها وقال:
"سأخيب ظنك، لأنني استأذنت من طبيب 'ياسر' بأنهم لا يحتاجونني في المشفى. فلم أهرب، لا تقلقي."
"جيد. فأنت جدير بعملك."
ابتسمت. نظرت "أفيلا" بعيدًا. ابتسمت. قالت:
"انظر هناك."
نظر "عمر" بعدم فهم وتفاجأ من وجود "ريلا". كانت ترتدي فستانًا رماديًا جميلًا عليها وشعرها الذي تصففه وملامحها كانت جميلة كثيرًا. فجعل "عمر" ينظر لها وإلى جمالها.
نظرت "أفيلا" لـ"عمر" وابتسمت عليه. أشارت لـ"ريلا" فنظرت لها. لم تكن تراها. اقتربت منها. ثم لاحظت وقوف "عمر" بجانبها. فتوقفت للحظة وهي مترددة. ثم أظهرت لا مبالاة واقتربت من صديقتها.
فوجئته يستأذن ويذهب. نظرت له "أفيلا". ثم نظرت إليها. قالت:
"تبدين جميلة."
قالت بابتسامة:
"أشكرك. كيف تفاجئيني بالحفل هكذا؟ لقد فوت الطائرة بسببك."
"أتحجج لبقائك معي لفترة أطول."
ابتسما. ثم سمعوا تصفيقًا. نظروا خلفهم. كان "بيري" و"كريم" قد أصبحا زوجين. سعد الجميع. أمسكت يد "ريلا" واقتربوا منهم وباركوا لهم. واحتضنت "بيري" "أفيلا" بسعادة. ابتسمت وبادلتها وهي تقول:
"مبارك لكِ."
"أشكرك 'أفيلا'."
كان "كريم" سعيد جدًا أنها أصبحت زوجته وأصبحوا عائلة الآن.
نظر "وجيد" بعيدًا. استأذن وذهب. تبعه "وليد". نظروا له بعد فهم. ووجدوا في آخر الحديقة بعيدًا عند الباب أربعة سيارات.
نظر الجميع. فكانت الأنظار عليهم ترجو. رجال. اقترب أحدهم من سيارة وفتح الباب ليترجل شخص.
نظرت "أفيلا" وصدمت عندما وجدت "كاسبر" يخرج من السيارة. اقترب عمها "وليد" منه وسلموا عليه ورحبوا به.
كان الجميع يتطلع بـ"كاسبر". فكان عليه هيبة بسيارته ورجاله حوله وشكله الوسيم ذو جاذبية.
كانت "بيري" مصدومة وهي تراه. نظرت "أفيلا" لها وقالت:
"هل كنتِ تعلمين؟"
نفت وهي تقول:
"لا، أقسم لك. أنا متفاجئة مثلك."
دخل "كاسبر" و"وجيد" معه. ثم توقف عندما نظر إلى "أفيلا" وتلاقت أعينهم بنظرات عتاب وهذا جفاف بكل من الآخر.
أشار له "وجيد" وذهبوا ليقتربوا منهم ويباركوا لهم.
ابتسمت "بيري" قالت:
"أشكرك."
لم يكن "كريم" يعرفه، لكن سلم عليه. نظرت له "أفيلا" وكانت واقفة بجانب "بيري". نظر لها هو الآخر. ذهبت.
اقتربت من "وليد" الذي بدا لها أنه يعرف بالأمر. نظر لها قال:
"أعلم أنكِ متفاجئة."
"كيف هو هنا؟ إذا كنتم تعلمون، لماذا لم تخبروني؟"
"تعالي معي."
أخذها. وقفا بعيدًا قليلًا. نظرت له وهي تنظر حديثه.
"قلت لكِ البارحة أني أريد إخبارك بأمر."
صمتت بدهشة. ثم قالت:
"هل كان..."
: أجل، لقد جاء بالأمس فور وصوله لمصر وتحدث مع أبي.
قالت باستغراب شديد: فيما تحدث؟
: كان يخبره أنه ردك إليه قبل انتهاء عدتك.
اتسعت عيناها والدهشة والخوف يعترونها.
: تضايق أبي لأنه كان يجهل بذلك، لكنه استطاع تهدئته. وقبل أن يغادر، الـ.. دعاه أبي لزفاف "بيري".
أكمل بعتاب: إن كنتِ تعلمين، لماذا لم تخبرينا بذلك؟ ولما أخفيتِ أنكِ لا زلتِ على ذمة رجل؟
كانت صامتة، فليس شيئًا من ذلك صحيح. نظرت له وقالت:
: ما الذي تقوله هذا؟ مستحيل ذلك.
نظر لها باستغراب وقال: ما هو الذي مستحيل؟ هل أنتِ متفاجئة لأنه عاد لمصر؟
لم تكن "أفيلا" مستوعبة ما يقوله "وليد" وكانت صامتة تمامًا، لكن لم تجد نفسها إلا وهي يومئ إيجابًا.
: فهمت، أظنه قد عاد لكِ على كل حال. تصرفي على طبيعتك. حسنًا.. علي الذهاب.
ذهب وتركها في حيرتها. بأنه قد عاد لها، لكن شيئًا كان يتساءل: هل سامحها؟ معقول؟ هل بعد كل هذا يحبها؟ أم أن هناك في رأسه شيئًا؟ فهي لا تعلم ما يفكر فيه.
وما كان يتحدث عنه "وليد" تنفيه لنفسها بأنه ليس صحيحًا، فهو لم يعلمها أنه ردها، بل كيف يردها من البداية؟ فهي لم تكن لديها عدة.
: هل هذا علي حقًا؟
فزعت من الصوت الذي أخرجها من تفكيرها. نظرت ووجدته "عمر".
: أعتذر، هل أخفتك؟
نفسه نظر لها وإلى ملامحها التي توحي بالحزن.
: ماذا بكِ؟
: لا شيء، أشعر بدوار قليلاً.
صمت قليلاً ثم قال باستدراك: هل أخذتِ أدويتك؟
نظرت له بتفاجؤ، فهي لم تأخذها حقًا. عبس وقال:
: هل معكِ أم أحضر لكِ من الصيدلية؟
: معي في الغرفة، لكنني نسيت بسبب انشغال اليوم.
: هل أنتِ تقصدين إغضابي؟ اذهبي وخذيها.
: يحدث خلل بمذكرتي مؤخرًا.
قالت ذلك وهي تذهب، وهو ينظر لها. التفت نظر إلى "ريلا"، تذكر كلامها بشأنها.
: هل تحبني حقًا؟ هل يجب أن أعتذر لها؟
كان يتحدث بنفسه، فهو يشعر بشعور غريب ويتساءل عنه، وما سبب هذا الشعور والانجذاب تجاهها.
دخلت "أفيلا" الغرفة، جلست على حافة السرير، فتحت الكومود وأخذت أدواتها وشربت الماء.
تنهدت، وقفت، ذهبت. لكن تبدلت ملامحها، وقفت مكانها عندما وجدت "كاسبر" أمامها. نظر لها وإلى يدها.
: هل تحتاجين إليه؟ عادًة ليذكركِ بعلاجك.
كانت تعلم أنه يقصد "عمر". نظرت بعيدًا تتفادى عينيه، فعندما تنظر في عينيه تدمع عيناها.
: نسيت، وقام بتذكيري.
اقترب "كاسبر" منها، وقف أمامها وقال:
: لماذا ذهبتِ فور رؤيتي البارحة؟ ظننتكِ ستسعدين.
: مرحبًا بعودتك.
قالتها بلامبالاة. وجدته يقترب منها، أمسك يدها. نظرت له، ووجدته يلبسها سوارها الذي كان معه البارحة.
نظرت له وهو قريب منها ويمسك يدها هكذا، وتشعر بلمسته. أحست أنها تريد أن ترتمي في أحضانه وأن تعانقه على غيابه والخوف الذي أصابها، لكن لا تستطيع.
: تركتيه وذهبتِ.
رفع عينيه إليها ورآها تنظر له، لكن أبعدتهما وذهبت دون أن تنطق ببنت كلمة. لكنه أمسك ذراعها وأوقفها أمامه.
: عندما أتحدث، لا تذهبي وتتركيني.
قال ذلك ببرود. فلم ترد عليه وازدادت توترها وهي معه. وقد شعر "كاسبر" بها وتهرب عينيها منه. ابتسم وقال:
: ماذا كنتِ تفعلين هناك في ذلك الوقت؟
نظرت له هذه المرة وإلى ابتسامته.
: هل تسخر مني؟
استغرب من ما قالته ونبرتها المنكسرة. ابتسمت بحزن وقالت ساخرة:
: تريد أن تعلم ماذا كنت أفعل هنا؟ ذهبت لأذكرك. أ رأيتِ مدى حماقتي؟ طلبتِ مني أن أنساكِ، وأنا ذهبت أعيد ذكرياتي التي تركتها لي.
تضايق من نبرة انكسارها كثيرًا، لم يراها هكذا من قبل. هل فعل بها كل ذلك؟ لكنه كان يحميها منه. هل أخطأ في ذلك؟
: أظنكِ كنتِ تعلمين مدى غبائي. وسأكون هناك وجئتِ لتريني لتشعري بالسعادة قليلاً، فبتأكيد لم تأتي شوقًا لرؤيتي...
صمتت وأكملت بحزن: رؤية من حاولت قتلك.
جمع قبضته بضيق حين ذكرته بفعلتها، فهو لم يتخطى الأمر بعد. رفعت "أفيلا" وجهها، نظرت له وابتعدت عنه حتى لا تنهار أمامه أكثر من ذلك، لكن توقفت.
: لماذا قلتِ ذلك لعمي؟
نظر لها. نظرت له وأردفت قائلة: لماذا قلتِ أني لا زلت زوجتك وأنك رددتني قبل انتهاء العدة؟
: لم أكذب، أنكِ بالفعل زوجتي.
نظرت له باستغراب شديد من بروده وثقته، وقالت:
: كيف؟ أنا وأنت نعلم جيدًا أنه لم تكن لي عدة من البداية لأنك لم تلمسني، فكيف لا تزالين زوجتي؟ في ذلك اليوم أصبح كلانا غريبًا عن الآخر في ذات اللحظة حين نطقتها.
لم تستطع ذكر طلاقه لها. وجدته يرسم ابتسامة ساخرة. نظر لها وقال:
: هل اعتدتِ على أن توقعي على أوراق لا تعلمين مجراها، وإن كانت ستلقي بكِ في تهلكة؟
لم تفهم ما يقوله، لتجده يخرج ورقة بحوزته ويمدها إليها.
نظرت وأخذتها منه، وما إن قرأت ما بها حتى تبدلت ملامحها واتسعت عيناها لصدمة كبيرة.
: م.. ما هذا؟
: ألا يبدو أنه عقد زواج.
انصدمت وهي تنظر في الورقة بذهول.
: ل.. لكن كيف، كيف وصل توقيعي هنا؟
: ليس كل ما يقدم لكِ تقومين بتوقيع عليه، إن كان في المشفى أو غيره. لتنتبهي في المرة القادمة.
قال ذلك ببرود وتحذير. لم تكن تستوعب ما يقوله، فهي تقرأ أي شيء قبل أن تمضي عليه. لكن لوهلة عادت ذاكرتها لذلك اليوم، حين كانت تتحدث مع "بيري" في الهاتف ومنشغلة، والممرضة التي جاءتها: "يلزم توقيعكِ هنا".
تتذكر أنها قامت بتوقيع ذلك. أمسك الورق وقامت بوضع يدها على الجزء العلوي وخبأت. وتتذكر الجزء التي كان ظاهرًا لها، لتندهش أنه كان هو.
نظرت له، قالت: ك.. كيف؟ أيضًا لم أرَ توقيعك عليها.
: لأنني لم أكن هنا. فور وقوع الورقة في يدي اكتملت.
نظرت له بشدة وهي مذهولة. أكمل بجدية:
: لقد قمتُ بإرجاعكِ إلي يا "أفيلا".
دمعت عيناها، قالت: ولماذا تفعل ذلك؟
صمت ولم يرد عليها. فكرت: لماذا يعيدني إليه؟ ليس حبًا يا "علي".
نظر لها باستغراب، فاكملت: أستطيع أن أرى بعينك الحب الذي كان يلمع بهما، لم أعد أراه.
: إنكِ من أطفأتيه يا "أفيلا".
قال هذا ببرود، ليردف قائلاً:
: أنتِ فقط، ليس أحد سواكِ.
سالت من عينها دمعة وهي تنظر في عينيه اللتان يشعّان جفافًا.
: لماذا أعدتني إذا؟
لم يرد عليها ويعطيها جوابًا، كان يلوحه البرود فقط. أحست بالحزن والكسرة، ذهبت وهي تريد الابتعاد عنه.
في الحفل، كان الجميع سعيدًا، و"حاتم" واقف مع صديقه "أحمد". نظر إلى الحفل ومتعجبًا من اختفاء "أفيلا" وأين ذهبت.
كانت "ريلا" واقفة تبحث عن صديقتها التي لم تعد معها في الحفل.
: ستأتي قريبًا.
جاءها ذلك الصوت، وتفاجأت عندما وجدت "عمر". كان واقفًا بجانبها. نظر لها والتقطت عيناهما، لكنها أبعدتهما. علم أنها غاضبة منه، فوجهها يخونها بتعبيراتها.
: هل ستسافرين؟
قال ذلك بتساؤل. تعجبت: هل يسألها حقًا؟ قالت بلامبالاة:
: أجل.
: متى؟
: لا أعلم بعد.
قال باستغراب: كيف؟
: كانت طائرتي اليوم، لكنني فوتها من أجل "أفيلا".
أحس بالخوف من أنها كانت ستبتعد عنه ولا يعلم السبب. نظر، وجد "أفيلا" جاءت، كانت ملامحها متغيرة تمامًا وليست كما كانت قبل أن تذهب. وجد "كاسبر" هو الآخر ظهر. فماذا قال لها لتتغير مئة درجة؟
اقتربت "أفيلا" من عائلتها. نظر لها "حاتم". قالت "بيري":
: أين كنتِ؟
: في الغرفة، آخذ شيئًا.
نظرت لها وقالت: أ أنتِ بخير؟
نظرت له "أفيلا" وأومأت برأسها. ثم جاءت رقصة. أمسك "كريم" يدها وذهبا، وقاموا بتشغيل موسيقى رومانسية.
تذكرت "أفيلا" لصديقتها وأنها تركتها بمفردها. وجدتها واقفة، اقتربت منها، قالت:
: اعتذر.
: لا بأس.
نظرت "ريلا" بعيدًا وقالت: أليس هذا هو؟ أم أنني خاطئة؟
نظرت على من تقصد ورأته. نظرت لها وأومأت برأسها.
تأججت لأنها غير سعيدة ومهمومة. هكذا جاءت. بدأت رقصة الجميع، وهو كل ثنائي يصعد ويرقص مثلهم. فصعد كل اثنان ورقصوا على نفس الموسيقى. نظرت "أفيلا" لها، ثم نظرت لـ"عمر". ابتسمت وكأنها جاءتها فكرة.
كان "عمر" واقفًا وتفاجأ عندما وجد "أفيلا" بجانبه. قال بمزاح:
: لماذا تقفين هنا؟ خذي "علي" وارقصا قليلاً.
قالت بضيق: لماذا لا تصمت؟
ابتسم وصمت كما طلبت. قالت:
: ألم تعتذر لها؟
نظر على ما تقصد، وكانت "ريلا". قال:
: ممكن ألا تقبل اعتذاري.
صمتت "أفيلا"، ثم نظرت له وابتسمت. نظر لها بتعجب، قال:
: ماذا؟
كانت "ريلا" واقفة بمفردها تنظر في الحفل وتنظر في ساعتها.
: ترقصين معي؟
فزعت. نظرت وتفاجأت، وجدته "عمر". هل حقًا طلب أن ترقص معه؟ هل سمعت صحيح؟ أم سوف يهينها مجددًا ويرآها سيئة أكثر إذا وافقت؟
: ل...
كانت سترفض، لكن صمتت عندما وجدت "أفيلا" تنظر لها بعينيها وتخبرها أن توافق.
نظر لها "عمر" وإلى الحرف الذي نطقته. نظرت له، تنهدت وأومأت برأسها. ابتسم، أخذها، ووقفا معهم.
أمسك يدها. نظرت لها، ثم وضع يده على خصرها. دق قلبها. نظرت له وخجلت، ثم رفعت يدها ووضعتها على كتفه. كان ينظر إلى عينيها الزرقاوين ولا يريد أن يبعد عينيه من عليها.
: اعتذر.
تفاجأت من ما سمعته. نظرت له وتلاقت أعينهما. أكمل:
: على ما قلته المرة الفائتة.
تذكرت كلامه. نظرت بعيدًا بضيق، فهي لن تنسى ما قاله ونعتها بالعاهرة، لقد أهانها بشدة. نظر "عمر" إلى صمتها المخيم.
: اعتذر مرة أخرى.
شعرت بنبض قلبها، وأنها تنسي ما قاله تدريجيًا.
: لا بأس.
كانت "أفيلا" واقفة تنظر لهم، وفرحة. فقد تأكدت أن "ريلا" هي من سوف تجعل "عمر" يحبها وتأخذ قلبه، فهي لطالما كانت تتساءل وحدته وعدم مواعدته.
شعرت بأحد يقف بجانبها. نظرت، ووجدته هو. نظر لها، فعادت ونظرت أمامها. تنهد وقال:
: ستهربين من عيني كثيرًا.
: لا أفهم ما تقصده.
: قريبًا ستفهمين.
نظرت له بعدم فهم، ثم انتبهت بوجود "حاتم". نظر "كاسبر" لها وعلى ما تنظر، فرأى "حاتم" الذي قال:
: أريد أن أتحدث معك.
نظرت له ونظرت "لكاسبر". لا تعلم هل تذهب أم لا؟ أم تطلب منه أن يتحدث أمامه؟ وممكن أن يتحدث عن طلبه بزواج بها، فيكون قد أخبره بأمره. كانت في حيرة.
شعرت بيد تضع على خصرها وتقربها منه. تفاجأت كثيرًا من قربهم. نظرت إلى يده، ثم نظرت له بتوتر.
كان ينظر لـ"حاتم" ببرود، الذي كان ينظر له بشدة.
: من يكون؟
قال "كاسبر" ذلك. فردت بتلعثم وهي ليست واعية:
: م.. ماذا؟
أفاقت من شرودها. نظرت لـ"حاتم" الذي يثقبها بنظرات. شعرت بالتوتر والحرج. تقدم وهو يقول "كاسبر":
: لم أتعرف بك، فأنا لم أراك من قبل.
من تكون؟
تريد التحدث مع زوجتي للتو ولا تعرف من أكون.
اعتراه وجهه الصدمة وقال: ماذا قلت؟
نظر إليها باستغراب شديد، فهو يعلم أنها ليست متزوجة، فمن هذا الرجل الذي يقترب منها هكذا دون حواجز؟ هل معقول أنه زوجها؟ لكن كيف ومتى؟
من أنت؟
فاق من شروده، نظر له وقال: أنا "حاتم" صديق "لكريم".
مد حاتم يده ليتعرف بنفسه، نظر له "كاسبر" ليمد يده ويصافحه برسمية.
ابتسم "حاتم"، نظر للخلف إلى رجال "كاسبر" الذين ينتظرونه وسيارتهم.
على ما يبدو أنك رجل مهم من هيئة حراسك.
نظر له واردف: ماذا تعمل؟ أتطلع إلى معرفتك.
تعجبت "افيلا" من سؤاله الغريب، فهل معقول أن هيئة "كاسبر" أثارت ريبته بحكم عمله؟ لم تعلم ما سيخبره، أنه من المافيا.
تريد أن تعلم.
نظر "حاتم" إليه بعدم فهم من نبرته. نظرت "افيلا" إلى "كاسبر" لكي يصمت خوفًا عليه، فهو لا يعلم أن "حاتم" ضابط.
مهندس.
اتسعت عيناها من الدهشة والذهول بقوله ذلك. تضايقت كثيرًا لأنه كذب، فلا يعلم أنه يستطيع أن يكتشف كذبه وأنه ليس كذلك.
مهندس، هذا شيء رائع، وأين تعمل؟
شعرت أن "حاتم" يطرح أسئلته وكأنه يحقق معه، لكن بطريقته المجهولة.
هل تحقق معي؟
قالها ببرود، فرد عليه بهدوء: لا، ومن أنا لأحقق معك؟ أريد معرفتك.
لدي شركات هندسة بالمانيا، إذا كنت تريد اسمها فهو 'Enerylcon'.
أحست بالصدمة مما يقوله، تريد أن تصمته لأنه لا يعلم أنه هكذا يوقع نفسه في ورطة وينتحل اسم شركة أيضًا أو يخترعها. هو لا يدري أي شيء، بل يتحدث بثقة غير اعتيادية.
نظرت له وقالت بابتسامة وهي تجز على أسنانها:
أستطيع التحدث معك.
نظر لها وإلى قربها منه، فكان يريد أن يفضحه لـ "حاتم" بأن لا يجب لأحد أن يقترب من ممتلكاته. وجدها تستأذن منه، ثم ذهبا.
وقفا بعيدًا في الحديقة من الخلف حيث لا يوجد أحد. وقفت أمامه قالت:
ما هذا الذي قلته؟
قلت ماذا؟
قالها بهدوء. تضايقت وقالت: كيف تكذب حول عملك له... أنت لا تعلم من يكون. سيعلم الأمر وأنك كذبت و...
صمتت حين وجدت ابتسامة تلوح وجهه. استغربت. اقترب منها. نظرت له وإلى اقترابه. قرب وجهه وهو ينظر في عينيها.
لم أكذب.
توترت من تقربه وعينه التي تثقبه بها في عينيها. قالت بارتباك:
كيف لم تكذب؟
أنا بالفعل مهندس.
اتسعت عيناها من الصدمة. ابتعد عنها وهي تطالعه قالت:
ماذا!!
عيب عليكِ أن تكوني زوجتي ولا تعلمين من أكون بعد.
أنا لا أفهم شيئًا، كيف تكون مهندس... الست...
تعلمين جانبي المخفي عن الجميع، أما الجانب الآخر فهو أني مهندس ولدي شركات بالمانيا.
كانت مصدومة. كيف كانت جاهلة عنه ذلك؟ تذكرت حين كانا في ذلك المطعم وترحيب المدير خاصًا به، وحين كانا في المخفر حين ذكر محامي "هظير" اسمه وبدا عليه الخوف، وجميع من يعرفه يكون له الاحترام.
بتأكيد لدي عمل آخر لا يلفت الانتباه من حولي. أيضًا عائلتك تعلم بذلك.
ماذا تقول!! عمي يعرف!!
أجل، فكيف قبل بزواجي بك؟ كان يجب أن يعرف من أنا وماذا أعمل.
أكنت أنا فقط من لا يعلم بك؟ لماذا لم تخبرني بهذا مسبقًا؟
لم تسأليني لأخبرك.
صمتت وهي في دهشتها. نظرت له قالت:
أنت تقول الحقيقة، صحيح؟ أخبرني فأنا قلقة بسبب "حاتم"، ممكن أن يبحث عن الأمر. أنت لا تعلم من يكون، أخشى أن يعلم شيئًا.
تقصدين الضابط حاتم الذي طلبكِ للزواج؟
قال ذلك ببرود ولهجة مخيفة، فدهشت وغير قادرة على النطق. فكيف علم "حاتم"؟ وأيضًا بخصوص طلبه، هل ممكن أن عمها أخبره؟
أعلم كل شيء يا "افيلا"... لكن لا أحد يستطيع أن يعلم أي شيئًا عني.
قال آخر جملة بثقة عكس قلقها، فهو لا يهتم بالشرطة من الأساس.
خفضت رأسها، ابتسمت. استغرب من ابتسامتها. رفعت عينيها وهي تبتسم ابتسامة سخرية بحزن.
تعلم كل شيء... صحيح... تعلم أنه كان يريد أن يتزوجني، أليس كذلك؟
أردفت قائلة: بخصوص هذا الأمر، كيف ترجعني إليك وأنا ليس لدي علم؟
نظر لها. اقتربت منه قالت بغضب:
ماذا لو كنت وافقت عليه؟ ماذا سيكون موقفي أمامه وأنا امرأة متزوجة؟
أكملت بصوت ضعيف: إلى هذه الدرجة واثق بحبي لك مما جعلك تطلقني بكل سهولة وترجعني في الوقت الذي يحلو لك وبدون علمي، تجعلني أوقع على ورقة وينتهي الأمر... هل أنا ليس لدي كبرياء لهذه الدرجة؟ هل تراني باقية عليك ولا أريد غيرك فتفعل بي ذلك؟
قال بهدوء: لم أفعل ذلك إلا وأنا تأكدت من كامل رفضك له يا "افيلا"... إذا كنتِ وافقتِ على زواجك منه لم أكن لأرجعك، لحررتك مني وتركتك ترين نفسك... لا أستطيع أن أجعلك معي رغماً عنكِ.
ضحكت بحزن من كلماته بحزن. نظر لها باستغراب شديد. قالت بسخرية:
تحررني كيف؟ أفعلها... أريد أن أتحرر منك... سوف تطلقني، أليس كذلك؟
طبعت بصمت من سخريتها وشعر بألمها في الحديث. قالت بصوت يجهش بالبكاء:
لماذا يا "علي"؟
قالت بتساؤل وأكملت: لماذا تجعلني أرى نفسي سهلة هكذا بعينك؟ أعلم أني ارتكبت جرمًا وأنك لم تسامحني بعد... لكن ألم يكن بإمكانك أن تعطينني فرصة لإصلاح خطئي؟ ألم ترَ الندم الذي كان يأكلني؟ لقد انتهيت من كثرة الألم والفقدان... كنت سأسعى لأعيد كل شيء كما كان... لماذا ذهبت وتركتني خلفي أندب حظي؟ أنك لم تعطني فرصة... ألا أستحقها لهذه الدرجة؟
نظر لها وهي تعاتبه بحزنها. اقتربت منه قالت:
ذهبت بدون النظر إلي. رأيتني وأنا أترجاك لكنك لم تهتم بي. أنت من اخترت الفراق دون الرجوع إلي، وكان الأمر متعلقًا بقرارك وحدك... أنت من اخترت أن تبتعد للأبد، فلماذا عدت وفجأة اكتشف أنك أرجعتني وعدت زوجتك دون علمي؟
وسط صمته اقترب منها، نظر في عينيها. أبعدت وجهها وهي حزينة وتمنع نفسها من البكاء ودموعها متحجرة.
انظري إلي يا "افيلا".
لم تستمع له، كانت تعلم أنها ضعيفة، فإذا نظرت له ستبكي بالتأكيد وهي لا تريد ذلك. فقال بهدوء:
سمعتني صحيح؟
تنهدت. نظرت في عينيه، رأى الدموع تجتمع داخل عينيها. قالت بصوت ضعيف:
لماذا عدت يا علي؟
ألم تكوني تريدين عودتي؟
لقد سئمت... أنك جئت لتعطيني سعادة وأمل مجددًا ثم تسلبهم مني برحيلك.
لن أرحل.
أبعدته عنها بغضب قالت:
كاذب... لقد وعدتني وأخلفت بوعدك... قلت أنك لن تتركني وتركتني.
كيف سأكون تركتك وقمت بإرجاعك إلي؟ لقد كنت أحميكِ مني، لكنني لم أتركك. كنت أتابعك من ألمانيا وأعلم أخبارك كما فعلت سابقًا.
قالت بغضب وصوت يجهش بالبكاء: تحميني من ماذا؟ منك؟ لو كنت تريد أن تنتقم مني فافعلها ولا أريد تلك الحماية... لا تتحجج، قل الحقيقة وأنك أردت الابتعاد، هذه كانت إرادتك. لا أعلم لماذا عدت فجأة بعدما أخبرتني أنك لن تعود... طلبت مني أن أنساك، لكنني لم أفعل ذلك أو أفكر مجرد تفكير في نسيانك... أخبرتني أن يجب أن ننهي كل شيء... كنت أظن أن بالفعل أننا انتهينا ورابطنا قد حل... شعرت بشعور في ذلك اليوم لم أشعره به من قبل وكان روحي تسلب مني... ثم تعود وترجعني وأنا كالحمقاء سوف أسعد بذلك وأبتهج بارجاعك لي، وبالفعل أنا سعيدة.
أكملت بحزن وضيق: وهذا يجعلني أكره نفسي يا "علي".
تنهد وقال: أفيلا...
جعلتني أستحقر نفسي كثيرًا.
قالتها بحنق وهي تبتعد. ابتعدت عنه وتذهب. نظر لها وكان يتذكر كلامها ونبرتها المكسورة وهي تتحدث معه وتضايق من نفسه كثيرًا لأنه جعلها ترى نفسها هكذا وهي غالية في عينه كثيرًا، ليست سهلة كما قالت، لأنه أعادها إليه، فهو فعل ذلك لأمر.
كيف لي أن أخبرك؟ ما زلت عند قراري في الابتعاد عنكِ... لكن حين أخرج من حياتك وأبتعد، يجب أن أتركك وأنتِ في أمان، لا أن أدعك في الخطر والموت ملاحق بي.
كان "عمر" واقفًا. "افيلا" أتت وكانت تمسح وجهها من الدموع التي تعرفها. نظر إلى "ريلا" كانت بجانبه وتنظر لها أيضًا بتعجب. ذهب إليها وتبعته.
وقفا أمامها. نظرت لهم. قالت "ريلا":
هل كنتِ تبكين؟
نفيت برأسها. قال "عمر": لقد رأيناكي أخيرًا، ماذا حدث؟
لا شيء.
نظروا لها باستغراب وعدم فهم، لكن صمتوا كي لا يزعجوها، فهي لا تريد التحدث.
نظرت "بيري" إلى "افيلا". نظرت لوالدها قالت بصوت منخفض:
أبي.
همم بمعنى نعم. فقالت: "افيلا" ما بها؟ تبدو غريبة.
نظر "وجيد" عليها. اقترب "وليد" منه قال: إنها هكذا عندما رأت "علي" وأخبرتها بالأمر.
نظر له باستغراب قال: ألم تسعد عندما علمت أنه جاء لمصر؟
لا أعلم، كانت تعبيراتها غريبة علي الرغم أنها زوجته، وفي الحالتين كان سيعود لها.
قالت "بيري" بصدمة: ماذا... زوجته؟
عجبًا، ألم أخبرك أنتِ أيضًا أنه ردها قبل انتهاء عدتها؟
تفاجأت كثيرًا، فلماذا لم تخبرها؟ وهل مجيئه يحزنها؟ لقد كانت تبكي البارحة عليه.
ذهب "وجيد". نظروا له. اقترب من "افيلا" قال:
لما تقفين بمفردك؟
أردت الوقوف هكذا قليلًا.
حسنًا، تعالي وقفي معنا، سوف نذهب قريبًا.
نظرت له وذهبت وهي حزينة منه لأنه لم يخبرها على الفور بأمر عودته، لا أن يتركها تتفاجأ.
كانت واقفة. سمعت صوتًا بجانبها يقول:
كيف لم تخبريني أنكِ متزوجة؟
نظر ووجدته "حاتم". قال: لماذا لم تخبرني عائلتك بهذا الأمر وأنا أطلبكِ للزواج؟
تضايقت من هذا الموقف. قالت: لم يكونوا لديهم علم.
كيف!!
لقد عدنا منذ يومين، والبارحة قد اكتشفت بذلك.
تفاجأ "حاتم"، لكن علم لماذا كانت ترفضه لأنها لا تزال تحبه وتنتظر عودته. لكن لماذا تتحدث وهي متضايقة وكأنها غير ما على شيء لم تريده؟ لو كان كذلك لساعدها واتخذ إجراء بأن يبعده عنها. لم تكن تريده، لكن حين يتذكرها وهي قريبة منه يبدو أنها تحبه وممكن أن تفهم مساعدته خطأ.
شعرت "افيلا" باهتزاز رنين هاتفها. أمسكته، نظرت ووجدته "كاسبر". تضايقت وحزنت. نظرت حولها لم تجده، تعجبت، فأين ذهب؟ فتحت المكالمة.
اخرج أريدك.
كانت ستتحدث، لكن وجدته أغلق الهاتف. استغربت وغضبت. ألم تهتم وتساءلت لماذا يريدها بالخارج؟
ذهبت كما قال لها. وجدته واقفًا ورجاله عند السيارات. نظر لها. فتح باب السيارة دون أن ينطق بكلمة. استغربت، لتجده يشير بعينه إلى السيارة.
ماذا، اتريدني أن أدخل؟
أجل، ستذهبين.
تعصبت وقالت: ومن قال أني أريد الذهاب؟
اقترب منها بهدوء. نظر لها قال: أنا من قلت.
وأنا لن أذهب.
قالت ذلك وهي تذهب. أمسكها "كاسبر" من يدها. أوقفها. قالت:
ماذا تفعل؟
ادخلي.
قال ذلك ببرود بنظرته المخيفة، التي حين رأتها شعرت بالخوف منه ومن يده التي تمسك يدها بقوة.
تركها "كاسبر" ودلف لداخل السيارة. نظرت له. تنهدت ثم تبعته. أقفل رجل الباب ودلفا إلى سيارتهم وذهبا.
نظرت "افيلا" لـ "كاسبر" ومن تحوله عليها. ذكرها باليوم الذي جاء إلى شقتها وحدثها بلهجته المخيفة الخاصة بوجه المافيا لديه. هي لا تريد رؤية ذلك الوجه. نظرت بعيدًا.
كنت دعني أخبرهم أني ذاهبة حتى يسألوا عن غيابي.
أخبرت عمك أنك ستذهبين معي.
قالت بلامبالاة: جيد.
نظر لها. كان يعلم أنها خافت منه عندما حدثها بتلك الطريقة.
وصلوا إلى عمارة. فتح الرجال لهم السيارة. ترجل كلاهما. قالت وهي لا تنظر له:
أشكرك.
كانت ستذهب، لكنه أوقفها. حين اقتربت منها قال:
سأخبرك بأمر حتى لا تخافي مثل المرة الفائتة.
نظرت له بعدم فهم من ما يقوله. أكمل بتوضيح:
وضعت عليكِ حماية حتى لا تتأذي... في ذلك اليوم السيارة التي كانت خلفك كانت لحمايتك، أنا من وكلتهم بذلك.
قالت بصدمة: أنت!! ولماذا لم تخبرني؟
لم أكن في مصر بعد.
وضعتهم لحمايتك حتى أعود.
هل قلت لحمايتي!! ... من ماذا.. كان من الممكن أن أموت في هذا اليوم.
لن يحدث لكِ شيء ما دمتُ على قيد الحياة.
قال ذلك بغضب. تعجبت من تحوله المفاجئ، فهل أخطأتُ بشيء ليغضب هكذا؟ وأيضًا ليس سهل أعصابه، وكان قد تضايق من كلمة الموت الذي قالتها على نفسها وخانته تعبيره قليلاً.
حسنًا، لمَ تضع عليّ تلك الحماية؟
رد عليها ببرود: هكذا.
التفت وذهب. غضبت منه، قالت:
لا أريد تلك الحماية إذا.. أستطيع حماية نفسي بدون رجالك.
توقف ولم يخطُ ثانيًا. نظر الرجال لها ومن جرأتها في الحديث معه، فهم يعلمون سيدي جيدًا. جميع من بقا أمامه يجب أن يكون ضئيلًا بالنسبة له لينجو بحياتهم.
التفت "كاسبر" لها. اقترب منها، قال:
ماذا قلتِ؟
لا أحتاج حمايتك، لا أريدها. لن أقبل أن أحد يسير خلفي ويتبعني.
صمت، وكان هدوءه مخيفًا. قال:
بإمكاني أن آخذك للمنزل وتعيشين معي رغماً عنكِ، فهذا حقي. لكنني لا أريد أن ألجأ لهذا يا "افيلا". فلا أريد أخافتك مني.
أنت تخيفني بالفعل.
قالت ذلك بتلقائية وهي تنظر في عينه، من لهجته معها التي تغيرت. نظر لها ومن ما قالته، هل هي خائفة منه حقًا؟
لمَ أرسلت لي تلك السيارة لحمايتي وأنت ما زلت في ألمانيا.. ولم تنتظر حتى تعود إلى مصر؟ والآن تضع عليّ هؤلاء الرجال.. هل هناك أمر ما؟ بالتأكيد لا تضع هؤلاء من أجل أن يحمونني لفراغ وليس هناك سبب.
لا تشغلي بالك. اقضي يومك بصورة طبيعية.
قال ذلك ببرود وهو يذهب. فتح له رجل السيارة، لكن توقف. نظر إليها وإلى شكلها الذي لم يلاحظه بفستانها وتصفيفه شعرها.
لم تكن تفهم من نظراته. وجدته يدلف لداخل، يركب وتبعه رجاله وذهبوا.
عدا سيارة وبها أربعة رجال. نظرت "افيلا" لهم، فهل هؤلاء من سيحمونها؟ تنهدت بضيق وذهبت.
في سيارة "عمر" كانت "ريلا" معه بعدما أصر أن يوصلها، فلا يجب أن يتركها تعود بمفردها في الليل. وكانت متعجبة من معاملته لها، ولا تنسى كيف رقص معها واعتذر منها، وشعرت أن اعتذاره كان من قلبه حقًا.
سمعت صوت هاتفها. نظرت فيه وتركته. نظر لها وإلى هاتفها الذي يرن وهي لا تقفله أو ترد عليه. نظر أمامه، كان يريد أن يسألها لماذا لم ترد، لكن ليس له دخل بذلك. ثم رن هاتفها مجددًا.
لماذا لا تردين؟
إنه أبي.. لا شك أنه غاضب الآن لأنني لم أعد بعد.
صمت "عمر" عند ذكرته بعودتها. لا يعلم لماذا لا يريدها أن تذهب، لكنه لا يستطيع أن يمنعها، فليس له دخل بها. فقد اعتذر منها وانتهى الأمر.
كان كاسبر في سيارته. ثم سمع صوت من هاتفه، كانت رسالة.
دخل ليلقي نظرة، ليجده مقطع صوتي. فتحه، لم يجد شيئًا سوى الصمت. ليأتيه ضجيج فجأة، وكان شيئًا يكسر، ثم جاءه صراخ أنثوي.
تبدلت ملامحه بصدمة: أفيلا..
رواية احببت مافيا الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم نور
فتح المسجل الصوتي، سمع صوت ضوضاء وواحدة تصرخ جامد، وكان يعرف هذا الصوت جيدًا: "أفيلااا".
ليجد المقطع قد انتهى، نظر إلى هاتفه ثم إلى السائق وقال: "عد سريعا".
استعجب الرجل وهو يقود، قال بعدم فهم: "ماذا؟"
ليهتف بغضب: "اسرع".
ارتعب كلا الرجلين منه غضبه ونفذ أوامره، وقاد بسرعة كما طلب منه.
توقفت السيارة عند العمارة، ترجل "كاسبر" سريعًا من السيارة وركض للداخل بخوف.
ضغط على زر المصعد، وقف ينتظره، لكن تأخر بالنسبة له، فركض على الدرج، فلا يستطيع الانتظار لفرط قلقه لتأخر ثانية ويصيبها أي أذى.
وصل إلى شقتها، طرق الباب بقوة وضغط على الجرس، لم يأت رد.
قام بدفع الباب بقوة يحاول كسره والخوف يزداد.
لكن وجد الباب يفتح، وتفاجأ كثيرًا عندما طلت منه "أفيلا"، وكانت هي من فتحت.
طالعته باستغراب شديد، فقد انفزعت من صوت الباب والجرس.
اقترب منها واحتضنها بقوة من شدة قلقه.
تفاجأت كثيرًا من عناقه لها، نظرت له بعدم فهم.
"أنتِ بخير؟"
استغربت من نبرته، قال بهدوء يزيل قلقه: "أجل، ما خطبك؟"
لم يرد عليها، كان يريدها أن تكون بين ذراعيه هكذا، لا يبعدها، فهو مطمئن عليها وهي معه.
بينما كانت "أفيلا" تنظر إليه، وأنه ما زال يحتضنها، ظنت أنه قد أخطأ، أنها تريد أن تستشعر عناقه من جديد.
رفعت ذراعيها وهي مترددة، وجدته يضمها أكثر، ابتسمت وضمته هي الأخرى بحب.
كانت مشتاقة له كثيرًا، ظنت أنها لن تشعر بهذا الدفء والحب ثانيًا.
ظنت أن هذا العناق لن يبادله لها وسيكون ناقصًا شيئًا حتمًا، أما الحنان أو الحب الذي قل لديه وتعلم ذلك.
لكن لماذا تشعر معه بالخوف والغموض؟ لقد رأته كيف كان يهرول إليه، وفور رؤيتها احتضنها.
ابتعد عنها، نظر إلى وجهها وأنها بخير، قالت "أفيلا": "ما الأمر؟"
"لماذا كنتِ تصرخين؟"
"متى صرخت؟"
"منذ قليل".
قالت باستغراب: "لماذا أصرخ؟!"
تعجب "كاسبر" كثيرًا، هل كان هذا ملعوبًا والصوت عبارة عن وهم؟
أمسك هاتفه وفتح، وقام بتشغيل المقطع الذي أرسل له.
نظرت له بعدم فهم، حتى جائها صوت صراخ من هاتفه، وكان صوتها.
نظرت للهاتف بصدمة، أخذته وشغلته مرة أخرى وسمعته.
"ما هذا.. إنها ليست أنا".
قربت الهاتف من أذنها ودققت فيه.
نظر لها "كاسبر".
أبعدت "أفيلا" الهاتف عن أذنها، نظرت فيه، قال بإستدراك: "صوت مصطنع.. هذا المقطع ليس صحيحًا، إنه من فاعل دون أدنى شك".
على الرغم أن "كاسبر" غضب من الذي فعل ذلك وتوعد له بالندم على المزاح معه الذي يؤدي للموت.
لكنه ارتاح لأنها بخير، وهذا ما يريده.
لاحظت نظراتها المتسائلة، قال: "لماذا تأخرتِ في فتح الباب إذا؟"
"كنت سأبدل ملابسي وفزعت منك".
"حسنًا".
وجدها تنظر في عينيه وكأنها تغوص بهما، وتقول: "إنها المرة الأولى التي أراك فيها خائفًا".
نظر لها وهي تنظر إليه، فعاد لطبيعته، قال بجمود: "لن تبقي هنا.. هيا".
أمسك يدها.
نظرت له "أفيلا"، قالت: "لأين.. أنا لا أريد الذهاب".
لم يستمع لها وأخذها.
أمسكت يده وأبعدتها، قالت: "قلت لا أريد".
نظر لها من معارضتها لكلامه، سار تجاهها ببرود.
نظرت له "أفيلا" وإلى وجهه الجامح الذي قد عاد.
وقف أمامها مباشرة، قال: "أستطيع أن آخذك بطريقتي، لا تجعليني أفعل ذلك".
خافت من نبرته وكيف سيأخذها بطريقته، أيهددها؟ وما هي الطريقة؟ سيجبرها.
شعر بخوفها، لم يكن يريد إخافتها، لكنها لا تأتي غير بذلك.
"أخبرني يا "علي" ما الأمر؟"
نظر لها بعدم فهم، فأكملت: "لماذا عدت سريعا من ألمانيا؟ إنك تطول هناك من عادتك، ولماذا أرجعتني إليك؟ لماذا وضعت ناس يحمونني وأنت ما زلت هناك؟ لماذا كنت تهرول هكذا منذ قليل؟ وذلك الصوت من الذي أرسله لك؟"
صمت ولم يرد عليها، وكأنها كشفت أن هناك شيئًا وراءه باكرًا لسرعة استيعاب عقلها.
اقتربت منه وقالت: "أأنت تعلم حول أمر ذلك الرجل الذي جاء ليقتلني في منزل عمي؟"
"أجل".
"هل تعلم من يكون ذا الذي يريدني؟ لحظة، هل هذا سبب عودتك؟ لهذا تضع عليّ حماية؟"
"لم يكن رجلًا عاديًا يا "أفيلا"، أنتِ لا تعلمين شيئًا، كان بوسعه القضاء عليكم جميعًا".
تعجبت، لكن تذكرت الرجل وحركاته القتالية، قالت: "ماذا تعني بأنه لم يكن رجلًا عاديًا؟"
صمت.
نظرت له وأردفت قائلة: "ما الذي تخبئه.. أخبرني وسوف أذهب معك".
تنهد وقال: "سأخبرك لاحقًا".
تعجبت، قالت بتذمر: "لننتظر إذا حتى تخبرني ثم أذهب معك".
"لا تريدين الذهاب؟"
قال ذلك بهدوء استغربته، لكن نفت برأسها.
فوضع يده على الباب وقام بقفله.
نظرت، وجدته ينظر لها.
لم تفهم شيئًا، سار تجاهها.
نظرت له، عادت للوراء بخوف.
"علي".
كانت تتراجع وهو يسير تجاهها، إلى أن لم تعد تستطيع الرجوع ثانيًا والتصق ظهرها بالحائط.
اقترب منها، وضع يديه بجانبها على الحائط يحاوطها.
نظرت له لتلقي عينيه، دق قلبها، وكانت أعينهم في عين الآخر لشدة قربهم.
شعرت بضربة قلبها تعلو ونبضها يتسارع، وقد رأى توترها وخوفها، وكان هذا ما يريده.
لكن لماذا لا يبتعد؟ لما يجتاحه الضعف الآن؟ يشعر بالضعف الشديد والانجذاب إليها وعلى وشك أن يفقد السيطرة على نفسه.
اقترب منها، فأصبح قريبًا منها كثيرًا.
نظرت له "أفيلا" وهي خائفة، مرتبكة، خجلة كثيرًا من نظرته لها.
قرب يده منها وهو غير واعٍ ولا يدرك نفسه، فثمة شيء ما يحركه.
وضعها على عنقها، شعرت بلمسة وقرب وجهه منها، لتتدفق الدماء في شرايينها بالصعود لوجهها، وهي تنظر له، تشعر بأنفاسه التي ترتطم ببشرتها.
سمعوا صوت الباب، ليفيق "كاسبر" ويعود إلى نفسه.
نظر إلى "أفيلا" وإلى وجنتها الحمراء وخجلها، ابتسم على شكلها وابتعد عنها.
نظرت له وأنه قد ابتعد، أخذت أنفاسها التي قد قطعت.
ذهب للباب وفتح، كان أحد رجاله.
"عذرًا سيدي، هل نصف السيارة أم أنك سوف تذهب؟"
"لن أغادر، وراقبوا العمارة جيدًا وإلى من يدخلها".
أومأ الرجل برأسه وذهب.
أقفل الباب، نظر إلى "أفيلا" التي كانت تنظر له بتعجب وأصبحت لا تفهم شيئًا، فقد سمعت حديثه مع الرجل.
ذهب.
نظرت له، وجدته يخلع جاكته ويعلقه على ذراع الأريكة.
نظر لها كاسبر، وهي تنظر له، لم يعرها اهتمامًا.
فتح أزرار قميصه من عند أكمامه واستلقى على الأريكة وذراعاه خلف رأسه وأقفل عينيه.
اقتربت "أفيلا" منه.
"ماذا تفعل؟"
ليرد وهو يغمض عينيه: "اذهبي للنوم، لن أغادر بسببك".
"بسببي!! ولماذا؟"
لم يرد.
نظرت له "أفيلا" وصمتت بتردد، وهو يعلم أنها لا تزال تنظر له.
"ستنام هنا؟"
"ماذا ترين؟"
"لتنام بالداخل".
لم يرد عليها، شعرت بالغضب منه، فهي لا تريده أن ينام على الأريكة هكذا.
"سمعتني؟"
لم يكن يعيرها اهتمامًا، كطبيعته بارد.
نظرت له وهو نائم، فكان جميلًا جدًا، كيف له أن يكون بهذه الوسامة.
اقتربت منه، قالت: "بتأكيد لم تنم بهذه السرعة".
"ماذا تريدين؟"
قالت وهي تعقد حاجبيها بصيغة الأمر: "إذا كنت تريد البقاء، لا تنام هنا".
ابتسم ابتسامة جانبية، تعجبت من ابتسامته.
فتح عينه ونظر لها، قال: "أنتِ متأكدة فيما تقولينه؟"
نظرت له بعدم فهم.
اعتدل وجلس، نظر لها، قال: "ألن تندمي لاحقًا؟"
ارتبكت من نبرته، وقالت: "ولماذا حتى أندم؟"
نظرت له بعدم فهم.
اقتربت منه وأردفت بإستدراك: "هل أنت تخاف النوم بجانبي؟"
نظر لها كاسبر، وقف واقترب منها.
نظرت له، فقال ببرود: "من يجب عليه أن يخاف هو أنتِ".
قالت وهي تنظر في عينيه بثقة: "لا أخاف منك".
كانت هذه الجملة قادرة على إهدائه وجعله شخصًا آخر. ألا يوجد من يخاف منه حقًا؟ هل تدرك ما قالته أم كانت جملة عادية؟ فا حتى أخاه "مازن" عندما علم أنه مافيا شعر بخوفه منه. ماذا عنكِ يا "أفيلا".
"هيا لتنام بالداخل".
قاطعته وهي تقول ذلك، تمسك يده بحنان وأخذته معها.
لكنه توقف.
نظرت له ولتردده، كان لا يقدر على النوم معها.
نظر لها، قال: "علي الذهاب".
أبعد يده منها.
نظرت له بتعجب واستغراب شديد، فكان سيبقى وينام على الأريكة منذ قليل.
ذهب فتح الباب وخرج، وتركها وكأنه يهرب منها.
نزل "كاسبر"، عندما رأوه رجاله، وقفوا على الفور، فتحوا له السيارة.
اقترب منهم: "لا أريد أحدًا معي، ابقوا معها من اليوم، مهمتكم حمايتها".
أومأوا برؤوسهم بالطاعة.
ركب سيارته وقادها وذهب.
نظر إلى هاتفه وهو يقود، أمسكه واتصل برقم، رد عليه على الفور.
"سأهاتف رقم الآن، أريدك أن تتبع الموقع سريعا".
"أوامرك".
قام بمكالمه أخرى غير الذي معه برقم غريب وملامحه لا تبشر بالخير.
جاءه الرد: "يوم سعادتي عندما رأيت خوفك للمرة الأولى في حياتي، هل تخاف مثلنا؟ من كان يتوقع أن شخص مثلك يحمل مشاعر الخوف ولو ذرة".
لم يهتم بها مما قال ببرود، بكل هدوء: "أيها الوغد ترغب في اللعب معي؟ ليس لدي مانع أن أحفر قبرك بيدي".
"سيكون قبرك قبلي، مثلما حدث من قبل سيتكرر، وكأنما الزمن يعاد".
لن أغادر من هذه الحياة قبل التأكد من أن روحك مغادرة من على هذه الأرض.
ابتسم بسخرية وقال ببرود: أتطلع إلى ذلك كثيرًا.
أقفل المكالمة وكانما نبرته الباردة أشعرته بالغضب.
نظر "كاسبر" إلى هاتفه، فتح السماعة وقال: علمت مكانه.
أجل يا سيدي، سأرسله لك في الحال.
أقفل الهاتف، وجاءته رسالة، فتحها، ثم وضع هاتفه وقاد سريعا.
وصل كاسبر إلى الموقع الذي أرسل له. كان مصف السيارة بعيدًا قليلاً عن المكان المحدد.
أمسك مسدسه، فتح باب السيارة وترجل. نزل، كان بناء قديم. وجد رجلان على الباب، اتجه إليهم دون أي خوف. نظرا الرجال إليه. كان المكان مظلم. هتف أحدهم بصوت عريض: من أنت؟
ليجده يقترب منهم ويظهر "كاسبر" بهالته المخيفة. انصدموا برؤيته. أمسك كل منهم أسلحتهم على الفور، لكن طلقات "كاسبر" تسارعت إليهم، فتلقى كل منهم طلقة برأسه، أوقعته أرضًا.
تخطى جثثهم، وطأهم كومة قمامة، دخل إلى البناء. وجد رجلان يركضون إليه بعدما سمعوا صوت إطلاق النار. رفع رجل المسدس عليه، ركله "كاسبر" بسرعة فائقة فوقع وطاح المسدس من يده.
نظر خلفه، وجد رجلين يتقدمان منه، ليسرع بإطلاق النار عليهم، فسقطوا أرضًا قبل أن يتقدموا خطوة أخرى.
نظر إلى الرجل، كان قد أصاب بزراعه وأخذ مسدسه. أطلق عليه هو الآخر، فرتمى بجانبه.
ذهب كاسبر وأكمل سيره. ظهر له أربعة رجال يمسكون أسلحة. اقترب أحدهم منهم، أطلق عليه، فتسارعت الطلقات تجاهه، لكنه أمسك الرجل الذي صوب عليه للتو كدرع له، وهو من أخذ كل تلك الطلقات جميعها. وتتناثر الدماء عليه حتى نفذت ذخائرهم، ليسرع بمسدسه وضرب طلقتين عليهم، وألقى بالجسم الذي في يده أرضًا.
نظر الرابع إليهم بفزع وعاد ليقتله، لكنه ركله بقوة فاصطدم في الحائط. تألم كثيرًا من ظهره وكأن أضلعه قد تحطمت. نظر له بخوف وهو يقترب منه ويقف عنده. يخرج ذخيرته التي نفذت ويضع بها رصاص، ثم يعيد قفل مسدسه ويرفعه في وجهه. أسرع بالركض إلى المسدس ليتلقطه، لكن قبل أن يحصل عليه تلقى طلقة على يده، فصرخ صرخة مدوية من شدة ألمه بشدة، وتمدد على الأرض. نظر إلى يده وإلى الدماء التي تسيل منها. نظر إلى "كاسبر" بارتعاب وبؤبؤ عيناه يترجف خوفًا، والآخر يطالعها بقوة وبرود يلعب من ينظر إليه.
أين هو؟
قال "كاسبر" ذلك، فرد عليه بصوت ملحوظ يخرجه بصعوبة: ليس هنا.
وجده يعمر مسدسه ويصوب عليه، فدل الرعب لقلبه وقال: ليس هنا صدقني، لقد غادر فور وصولك.
عم الصمت، وكان خائفًا أن يطلق عليه لبضع ثوانٍ، لكن وجده يتراجع ويذهب.
صعد "كاسبر" الدرج، وصل لطابق لم يكن به أحد. سار به بهدوء وحذر، وجد غرفة بها ضوء خافت.
دخلها، كانت خالية، لكن يبدو أن أحدًا كان هنا.
أدار ظهره ليذهب، لكن توقف مكانه فجأة. التفت، اقترب من منضدة، وقف عندها. نظر واعتارته الدهشة. مد يده ليمسك بصورة، وكان بها "افيلا" تركب سيارتها، ويبدو أن أحدًا التقطها لها وهو يراقبها. كانت الصورة عليها بقع دماء.
قاطع تطلعه رنين هاتفه، أمسكه، كان رقمًا غريبًا، رد عليه وهو يقول بحنق: أيها الجبان.
لست جبانًا، فقط لقاؤنا لم يحن بعد... لماذا لم تخبرني بزيارتك لأرحب بك؟
أحببت أن أفاجئك. لماذا هربت؟ أعلم أنك مرعوب من رؤيتي.
قال بغضب: كفاك تعجرفًا أيها الوغد، أنا لا أهاب أحدًا وخصوصًا أنت.
قال ساخرًا: أرى ذلك... لا تقلق، لن أحرمك من رعبك هذا كثيرًا وسأراك عما قريب.
أقفل الهاتف. نظر "كاسبر" إلى هاتفه ببرود، ثم نظر إلى صورة "افيلا" الذي بيده. كان قلبه خائفًا عليها، وعلى الرغم من قناع القوة والجمود الذي يرتديه.
نزل الدرج، سار بين جثث الرجال التي تهب الحياة فيها. كان لا يبالي. خرج من البناء، اتجه لسيارته، ركبها وذهب.
في اليوم التالي، استيقظت "افيلا". اغتسلت، أعدت فطورها، وأخذت أدويتها، ثم بدلت ملابسها وذهبت.
خرجت من العمارة، وجدت رجلان عند البوابة. تعجبت، تذكرت "كاسبر" البارحة.
ذهبت متجهة لسيارتها. خرجت، لكن استغربت بشدة، فلم تكن سيارة واحدة، كما قال، إنهم ثلاث.
ذهبت إلى سيارتها وهي تنظر لهم. وجدتهم يركبون أيضًا. توقفت، نظرت لهم، قالت: هل ستأتون معي؟
لم يرد عليها أحد. كان رجال جامدين صاخبين، وكأنهم رجال آليون. تنهدت كي لا تضايق، فهذه طبيعتهم. قالت: حسنًا، سيارة واحدة تكفي.
نظروا لها. ركبت السيارة. لم يعلموا هل يطيعوها أم لا، فلا تعليمات يأخذوها إلا من سيدهم.
ذهبت، تبعتها سيارتان، وبقوا الآخرون ينظرون بالجوار ويتطلعون إلى من يدخل العمارة ويخرج منها، يراقبونها.
كانت تقود، نظرت للمرآة وإلى السيارتين الذي خلفها. زفرت لأنهم لم يستمعوا لها. تعجبت لماذا هم يحمونها، لماذا وضعهم لها؟ إنهم أمر بغموض تجهله.
ماذا تخبئ يا "علي"؟ أعلم أن هناك أمر، لكن لا تخبرني به.
وصلت للمشفى، ترجلت من السيارة. كان "عمر" هو الآخر قد وصل. نظر لها، قال بمزاح: ما هذه الصدفة.
نظرت له وابتسمت. نظر "عمر" إلى الرجال الواقفين بجانب سيارتهم السوداء. نظرت "افيلا" لهم، قالت بتذمر: أشعر بأني محاصرة.
قال باستغراب: ما الأمر؟ هل هم رجال علي؟
أومأت برأسها بإيجاب. ثم دخلت. ألقى "عمر" نظرة عليهم وتبعها.
لماذا هم معك؟
لا أعلم، إنها المرة الأولى الذي يضعهم لي.
الم تسأليه؟
بلى، لكنه لم يعطني سببًا مقنعًا.
أردفت بحزن: يبدو غريبًا منذ عودته، ليس كما كان من قبل.
غريبًا كيف؟
نظرت له، ابتسمت، قالت بتغيير موضوع: ماذا حدث بعدما ذهبت؟ تصالحت أنت و"ريلا"، صحيح؟
أومأ برأسه إيجابًا. نظرت له، اقتربت منه، ابتسمت، قالت: جيد.
تعجب من ابتسامتها الغريبة، كانها ترمق لشيء، لكنه لا يفهمها. ذهب وتركها.
كان "حاتم" في مكتبه. سمع طرقات على الباب. سمح بالدخول. دخل شرطي.
هناك ما يريد قوله.
نظر له حاتم بشدة حين فهم ما يقصده. وقف وذهب معه.
دخلا إلى الغرفة السوداء التي بها الرجل الذي كان سيقتل "افيلا". نظر له "حاتم". جلس أمامه وقال: اسمعك، هيا قل ما عندك.
نظر له الرجل وأومأ برأسه بمعنى أنه سيتحدث.
انتهت "أفيلا" من عملها، خرجت، كان الرجال واقفين منتظرينها. اتجهت لسيارتها ودلفت لداخل وقادتها. فدلفوا هم الآخرون وتبعوها.
كانت "أفيلا" لا تشعر بالراحة وهم معها هكذا، بل بالعكس يزيد قلقها بأن الأمر كبير.
وصلت إلى العمارة، ترجلت من سيارتها. نظرت للرجال، تنهدت، التفت وذهبت.
فتح المصعد، خرجت واتجهت لشقتها. فتحت الباب ودخلت. أضاءت الأضواء، ثم أقفلت الباب. جلست على الأريكة بتعب. وضعت حقيبتها، لكن وهي تضعها سمعت صوتًا. نظرت حولها، وقفت على الفور، قالت بخوف: من هناك؟
لم يأتها أي رد. فسمعت صوتًا مجددًا، وكان أحد معها في الشقة. خافت "افيلا" كثيرًا. نظرت إلى الشرفة وكان منها الصوت. اقتربت منها بخوف شديد وتتعرق من شدة خوفها أن تفتح فينقب عليها من يقف بالخلف ويقتلها.
من أنت؟ أعلم أنك هناك.
كانت نبرتها مرتعشة، تقطع صوتها وبحّة. كانت ترتجف من شدة الخوف وهي تقترب من الشرفة بأن هناك من سيقتلها الآن دون شك. تتذكر ذلك الرجل الذي لم تكن تقدر عليه لولا "وليد". قاطع تفكيرها حين سمعت صوت نباح جرو.
تعجبت. ذهبت وفتحت الشرفة، وتفاجأت عندما وجدت جرو بالفعل. زفرت براحة واطمئنان بأنه مجرد جرو، لكن كيف دخل لهنا؟
نظرت حولها باستغراب للشرفة. جلست على قدميه. كان لونه بني فاتح وفروته وأذناه المائلة وعيناه لونها بندقتين. كان جميل.
اقترب الجرو منها. وضعت يدها على رأسه، فجلس وكأنه سعد بذلك. ابتسمت عليه له، لكن تحولت ملامحها إلى الغرابة عندما وجدت شيئًا غريبًا حول جسده.
نظرت واتسعت عيناها من فرط الصدمة، قالت: قن...قنبلة!
انتفضت مكانها، وقفت وعادت للخلف وهي تنظر له برعب شديد. التفت وركضت تهرب من تلك القنبلة التي ستفتك بها. لكن توقفت. التفتت، نظرت للجرو من خلفها الذي كان يتطلع بها بغرابة وشكله البريء وهو ينظر لها ولا يعلم لماذا فرت منه، فهو لا يعلم بأمر القنبلة التي ستفكك جسده قريبًا.
زفرت "افيلا" بضيق. اقتربت منه سريعا، نظرت له وإلى القنبلة بخوف، لكن وجدت العداد متوقف. ارتاحت كثيرًا، فهي أيضًا كانت مستعجبه لأنها لم تسمع لها صوت. نظرت فيها بتدقيق لتأخذه ويذهبوا يجدوا من ينقذهم. ثم صدر صوت تصنمت عندما سمعته، كان صوت العداد.
نظرت إليه بصدمة ولماذا تفعل الآن؟ فهي لم تلمس أي شيء أو تضغط عليه.
هل هناك من يتحكم بها؟
قالتها باستغراب ونظرت حولها، ثم نظرت لها ابتسمت: جيد، إنها إلكترونية إذا.. أستطيع التحكم بها.
نظرت للقنبلة، وجدت الوقت أربعين دقيقة ويبدأ يتنازل. استجمعت قوتها، ركضت سريعا، دخلت إلى غرفة بها مكتبها. كان عليه جهاز لاب توب. أخذته سريعا وركضت. جلست على قدميها بجانب الجرو، فتحت الاب توب وتحاول اختراق القنبلة وتتحكم بها، وتنظر للجرو والقنبلة التي عليه بخوف من الانفجار بهم.
عادت ونظرت للاب وهي متضايقة لأنها يجب أن تدخل إلى أنظمة الاختراق خاصتها أولًا ويلزم لها وقته. وعداد القنبلة ينفذ ومتوترة من صوته وتحاول أن تسرع وتفعل ما بوسعها.
نظرت إلى للجرو والعداد، وجدت الوقت ثلاثين دقيقة ومن ثم ينزل. خافت. نظرت حولها بقلق، ثم فكرت في شيء. حملت الجرو والاب توب في يدها وركضت.
نزلت "افيلا" من العمارة سريعا وهي تركض. خرجت من البوابة. نظر لها الرجال باستغراب من خوفها.
فتحت سيارتها على الفور، أدخلت الجرو، وضعت الاب توب وأقفلت الباب. نظرت لهم قالت: لا أحد يتبعني.
أسرعت وركبت السيارة وقادت بسرعة تبتعد.
ركبوا هم الآخرون وذهبوا خلفها، فهم مهمتهم حمايتها، لا يستطيعوا تركها وإطاعتها في أمرها ذاك.
نظرت أفيلا للجرو بخوف وهي جالسة: ستكون بخير.
نظرت للمرآة وجدتهم تبعوها. زفرت بضيق، فزادت سرعتها، فزادوا أيضًا. فانعطفت وسلكت طريقًا آخر.
يجب أن أبتعد عن هنا... خرجت من العمارة وذهبت حتى إذا انفجرت لا يموت ناس أبرياء.. سآخذه سريعا لمكان ليس به أي أحد، ثم أخلصه من تلك القنبلة الذي عليه. إنه أيضًا ليس بذنب أن يكون تلك المرأة البشعة.
نظرت للجرو بحزن وأردفت: من ألبسك ذلك الشيء...
هؤلاء الوحوش لا رحمة فيهم.
زادت سرعة السيارة، نظرت للمرآة وجدتهم ما زالوا خلفها، سلكت طريقاً آخر ثانياً.
في السيارات الأخرى، نظر لها الرجال باستغراب شديد وعدم فهم، وكأنها تهرب منهم. وما هذه الشوارع الكثيرة التي تسلكها؟ هل تسعى أن تجعلهم يفقدون أثرها؟
أمسك أحدهم هاتفه واتصل بـ "كاسبر".
كان "كاسبر" مع رجاله في مكان مهجور، وجد هاتفه يرن، رد عليه.
"أسف سيدي على الاتصال بك، لكن تلك المرأة تهرب منا."
قال باستغراب: "كيف تهرب منكم؟"
"لا نعلم أن..."
صمت ولم يكمل كلامه، تعجب وقال: "ماذا؟!"
قال بخوف: "سيدي، لقد اختفت من أمامنا."
انصدم وقال بغضب: "ماذا قلت؟ اختفت!"
ارتعب الرجل، قال: "كانت أمامنا، لا نعلم أين ذهبت."
"إذا حدث لها شيء ستموتون جميعاً."
قال هذا بجمود وأغلق الهاتف وهو غاضب. نظر له رجاله ومن حوله، ذهب وتركهم، تبعوه. خرج، ركب سيارته وذهب على الفور. ركبت هـ أيضاً وذهبوا خلفه.
أمسك "كاسبر" هاتفه وهو يقود، اتصل بها وهو غاضب من ما فعلته وهربها، هذا الذي يقلقه. لم يجد رداً، اتصل مجدداً لكن لم ينفع، لا ترد عليه. غضب بشدة، وأين سيجدها الآن؟
أوقفت "افيلا" السيارة، حملت الجرو وأمسكت اللابتوب وخرجت بسرعة. كانت في مكان لا يوجد به أحد كما أرادت، ركضت بعيداً قليلاً عن سيارتها.
أنزلت الجرو وجلست بجانبه، نظرت إلى العداد الخاص بالقنبلة، وجدته 15 دقيقة. خافت وتوترت كثيراً، فتحت اللابتوب سريعاً وأكملت ما توقفت عنده، وبدأت تدخل على النظام وتحرك أصابعها بسرعة على لوحة المفاتيح وهي تتعرق وقلبها يدق سريعاً من الخوف. وتدخل على مواقع القرصنة خاصتها، لكن "افيلا" بدت على ملامحها التضايق على وجهها وتجد صعوبة في أن تدخل وأطالت.
"أيها الوغد.. هل أقفلت النظام حتى ينفذ الوقت وتنفجر قبل أن أوقفها؟"
كان الوقت يقل، ومن يتحكم في القنبلة أغلق النظام عندما علم أنها تخترقها وهي قادرة على ذلك، فقام بإطالة الوقت لديها حتى تنفجر القنبلة قبل اختراقها.
كانت "افيلا" لديها أمل أن تنتهي، نظرت إلى العداد بقلق، وجدته عشر دقائق وبضع ثوانٍ. خافت كثيراً، فهي هكذا ستموت بلا شك. أصابها قرب الإحباط والرعب.
"لن أستطيع، ستنفجر قبل أن أوقفها بالفعل. يلزميني أكثر من ذلك على الأقل... ماذا أفعل؟"
نظرت إلى الجرو وهو ينظر لها ببراءة، وكأنها طوق نجاته. لا تعلم ماذا تفعل، قلبها سيتوقف من الخوف من بقائها معه وأيضاً مقيدة، لا تستطيع تركه. نظرت إلى القنبلة بتدقيق، وكأنها خطر لها شيء.
"أتمنى أن يكون ما فكرت به صحيح."
عادت أفيلا إلى اللابتوب وعادت للوراء قليلاً من النظام، ثم توقفت عند شاشة سوداء يوجد بها كلام أخضر كثيراً يرتفع للأعلى. ظلت تحرك أصابعها من على اللوحة ولا تتركها.
لديها أمل في شيء وتتمنى أن يكون يقينها صحيح، فهذا أملها الوحيد، فالقنبلة ستنفجر ولا تقدر عليها.
"افيـــــلا!"
سمعت ذلك الصوت من خلفها وكان بصيغة النداء. التفتت وانصدمت عندما وجدت "كاسبر" خلفها، فكيف جاء إلى هنا وعلم مكانها؟
نظر إليها باستغراب من جلوسها وهذا اللابتوب والجرو. اقترب منها ليرى ما الأمر، لكن هتفت به توقفه.
"ابق مكانك، لا تقترب."
توقف وهو لا يفهم شيئاً. أردفت بحزن وخوف.
"ابتعد من هنا يا علي."
"افيلا، ماذا يحدث؟"
قالت بغضب وصوت بجهش بالبكاء.
"قلت ابتعد! ليس لدي وقت كثيراً."
كانت أفيلا خائفة عليه كثيراً. نظرت إلى اللابتوب وأسرعت، فكان متبقياً 7 دقائق. كانت أصابعها بدأت ترتعش.
نظر لها "كاسبر" وإلى ما تفعله واقترب منها على الفور. نظرت له "افيلا". قال بصدمة.
"قنبلة!"
قال برجاء: "قلت ابتعد.. أرجوك اذهب."
عادت ونظرت إلى اللابتوب. قال بغضب: "هل جننتِ؟ هيا لنذهب!"
أمسك يدها وأخذها. دفعته بعيداً عنها، لكن أمسكها بقوة. نظرت للجرو وهو ينظر لها وهي تبتعد. صرخت بوجهه بغضب وهي تقول.
"لقد أو شكت، اتركني!"
ضربته في صدره بقوة وأمسكت يده، ساعدته والتوت بمهارة جعلته يتركها ويبتعد عنها.
أمسك "كاسبر" يده التي كانت ستكسرها. نظر لها وجدها عادت. غضب كثيراً وفقد صوابه وهو يطالع ما تفعله.
نظرت "افيلا" إلى العداد، وجدت أنه بقى أربع دقائق. عادت إلى اللوحة وتضغط عليها بسرعة وتدعو الله أن ينجيها.
وجدته يقترب منها ويسحبها بقوة. هذه المرة تألمت من قبضته. قالت.
"دعني."
أمسكت أفيلا الجرو وحملته معها. نظر لها "كاسبر" بخوف وغضب وهي تحمل الجرو وبه القنبلة.
"اتركيه يا حمقاء، سنموت."
ابتعد عنها لياخذه منها، لكنها انتهزت أنه تركها فركضت بعيداً عنه. نظر لها "كاسبر" وصدم عندما وجدها تفك القنبلة من عليه. وبمجرد تحرك حزام القنبلة ستنفجر في الحال، فهو واسع المعرفة حول تلك الأشياء. أسرع إليها بخوف شديد.
"ماذا تفعلين؟ ستنفجـ.."
ولم يكمل كلامه حتى تصنمت قدماه من الصدمة.
رواية احببت مافيا الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نور
ماذا تفعلين؟ ستنفجرين..
لم يكمل كاسبر كلامه وتصنم في مكانه بدهشة عندما وجدها فكت القنبلة والحزام من على الجرو ولم تنفجر. ركض إليها.
ارتعبت أفيلا. كان الوقت المتبقي دقيقة واحدة. توترها جعلها تشبه التمثال دون حراك، تقف ساكنة. وجدت كاسبر انتشل الحزام منها ودفعه بسرعة بعيداً وسحبها إليه يحتضنها لتنفجر القنبلة وهي تطيح في الهواء.
جثا على ركبتيه بسبب اهتزاز الأرض من تحتهم والانفجار. تألم إثر اللهب الذي احتك بظهره، لكنه لم يكن مبالياً. كان يحتضنها بشدة وكأنه يخبئها بذراعيه، يدفنها بداخله ليحميها ويخشى عليها من أي مكروه قد يصيبها. كان يحيطها بجسده خوفاً عليها وهي تختبئ بين أضلعه.
عم الهدوء ولحظات صامتة. ابتعد عنها تدريجياً وكأنه متعب ولا يعلم إن كانا أحياء أم أموات.
نظر لها. كانت عيناها محمرتين متجمع بهما الدموع لفرط خوفها.
"أنتِ بخير؟"
نظرت له بحزن. أمسكت وجهه وكأنها تطمئن عليه هو وأنه لا يزال بخير. اندفعت إليه بقوة واحتضنته. نظر كاسبر وجدها تبكي من شدة خوفها مما حدث وقلقها عليه، فكانت آخر ثلاث ثوانٍ وفي يده القنبلة. كان ممكناً أن يموت بسببها. قالت من بين نشيجها:
"ألم أخبرك أن تبتعد؟ خشيت عليك كثيراً."
ضمها إليه ومسح بيده على شعرها وهو يقول:
"كيف لي أن أبتعد؟ لا أهتم بي بقدر اهتمام بك."
"آسفة."
قالتها بهمس وندم وهي تبكي وتضمه أكثر وتتأكد أنه بخير وأنهم ما زالوا على قيد الحياة ولم يموتوا بسببها، فكتب الله لهم حياة جديدة.
ظلوا يحتضنون بعضهم إلى أن هدأت. ابتعدت عنه حين شعرت بأن هناك أحد ما يقترب من ساقيها. وجدته الجرو وكان يريد الاقتراب منها أيضاً. ابتسمت. نظر كاسبر إليه ببرود. وقف قال:
"لنذهب."
أمسكته أفيلا. وكان وكأنه أراد ذلك. نظرت لكاسبر. وقفت وهي تحمل الجرو.
فتح لها باب السيارة دون أي كلمة. نظرت له وانه لا ينظر لها. دلفت فأقفل الباب ثم ركب هو الآخر وذهب.
نظرت أفيلا لكاسبر وهو يقود ولا يتطلع بها أو يعيرها اهتمام، حتى أنه لا ينطق بكلمة منذ ذهابهم. أحست أنه غاضب ومتضايق منها.
بعد مرور وقت، توقفت السيارة. ترجلت وهي لا تزال تحمل الجرو. نظرت وتفاجأت، فلم تكن عند عمارتها. كانت أمام الفيلا التي يجلس بها كاسبر. نظرت له ووجدته يدخل. استغربت كثيراً. تبعته وهي تقول:
"لماذا جئنا لهنا؟ ألم أذهب ل..."
قاطعها وهو يقول بجمود:
"لا، ستكونين هنا من الآن فصاعداً."
ذهب وهو لا يتطلع بها. تعجبت. لحقت به ودخلت لداخل. وجدته يدخل غرفته. أنزلت الجرو ووضعته على الأرض.
"لا تتحرك من هنا."
قالت ذلك له. ثم نظرت إلى غرفة كاسبر وذهبت إليها. صعدت الدرج. كانت ستطرق الباب لكن وجدت الغرفة مفتوحة. أبعدته قليلاً. وجدت يرتدي تيشيرت. لفت انتباهها شيء على ظهره لكنه أنزل التيشيرت ولم تبحلق النظر. التفت ونظر إليها. ذهب ولم يهتم بها. دخلت. اقتربت منه.
"ماذا أفعل هنا؟"
"أخبرتك، ستعيشين هنا."
"لماذا؟"
نظر لها هذه المرة. اقترب منها قال:
"أظنك نسيتِ أنكِ متزوجة ويحب أن تكوني معه في منزله، لا أن تبقي في منزل آخر."
تعجبت منه ومن تحوله. هي فقط سألته. قالت:
"حسناً، أين غرفتي؟"
نظر حوله بلامبالاة وهو يقول:
"كما ترين، أنا أجلس هنا، فبالتالي ستكون هذه غرفتك."
نظرت له بشدة. ذهب ولم يعيرها اهتمام، فكان غاضباً منها كثيراً ولا يريد أن يتحدث معها فيفتعل شجاراً. وعندما يغضب لا يرى أمامه أحد وينسى أن من يتحدث معها هي أفيلا، فبالتالي ليذهب أفضل.
نظرت للغرفة. كانت كبيرة وجميلة للغاية، لكنها متعجبة وسعيدة في ذات الوقت من كاسبر الذي ذكر أنها متزوجة ويجب أن تكون معه في منزله، لكن من لماذا غاضب منها بعدما كان مرتعباً عليها ويحتضنها؟
خرجت من الغرفة. نظرت للأسفل. وجدت الجرو واقفاً في مكانه كما تركته. ابتسمت. نزلت. اقتربت منه. جلست على قدميها. ربتت عليه.
"إنك مطيع."
أصدر صوتاً رقيقاً وكأنه سعيد بيدها التي تربت عليه. ابتسمت له. ثم ذهبت تبحث عن كاسبر.
خرجت من الفيلا. توجهت للحديقة فمن الممكن أن تجده هنا. وبالفعل وجدته واقفاً بجانب المسبح ومعطياً ظهره لها. اقتربت منه فيبدو عليه التضايق.
"اذهبي يا أفيلا."
اندهشت منه حقاً وتوقفت مكانها. فكيف علم بوجودها؟ لم تصدر صوتاً وهو أيضاً لا يراها.
"لماذا تقف هكذا؟"
"أريد البقاء بمفردي قليلاً. ادخلي."
لم تستمع له. اقتربت منه. وقفت بجانبه. نظر لها ثم نظر أمامه بضيق لأنها عنيدة.
"منذ خمس دقائق كنت تخبرني أني زوجتك ولا يجب أن أبقى في منزل بمفردي وأتيت بي لهنا، ومن ثم تقول لي أريد البقاء بمفردي."
نظرت له وإلى تضايقه. أردفت بتساؤل:
"لماذا لا تنظر إلي؟"
لم يرد عليها. وقفت أمامه قالت:
"هل فعلت شيئاً أغضبك؟"
"لماذا هربتِ من الرجال المكلفين لحمايتك؟"
"كنت أريد الذهاب بعيداً حتى لا يتأذى أحد فقط. عندما دخلت لمنزلي وجدت ذلك الجرو وانتبهت لوجود القنبلة عليه. كان وقتها العداد متوقف. ثم وجدته تفعل... لم أستطع فعل شيء غير أن أخذه وأحاول إنقاذه بعيداً عن الناس حتى إذا حدث شيء لا آخذ معي أرواح ناس بريئة. هذا ما في الأمر."
قال ساخراً:
"حدث شيء؟ تعنين أنكِ إذا فشلتِ تموتين أنتِ لا أحد سواك. هل تعين ما تقولينه؟"
"أنا..."
"أنتِ ماذا؟ سابقين بحذرك يوماً من تهورك هذا. يجي لا تقلقي على أحد غير نفسك. لما تهتمي بغيرك؟"
"إنها إنسانية يا علي."
قال ببرود:
"اللعنة على تلك الإنسانية التي جعلتكِ تفعلين هذا. أنا لا أعرف معناها قط، لهذا ألقي اللوم عليكِ كاملاً."
تعجبت حقاً من قوله هذا وأنه لا يبالي بروح أحد. وهي فهمته. صحيح أنه لا يهتم إلا بها، وأن قتل هذا العالم بأكمله دون رحمة تكون هي فقط بخير. قالت:
"ماذا فعلت لكل هذا؟"
"فعلت الكثير يا أفيلا... أنتِ تتحكم بكِ إنسانيتك. ارجعي لعقلك على الأقل. لماذا لم تخبريهم؟ كانوا سيساعدوكِ وينقذوكِ بدون أن تتعرضي للأذى. لماذا لم تتركي هذا الجرو وتذهبي؟ لما كنتِ جالسة وتحاولين توقيفها وتعلمين أن هذا خطر عليكِ؟ كنتِ على الأقل حاولي أن توقفيها وأنتِ بعيدة عنه."
"إذا ابتعدت عنه كان سيقفل النظام. يجب أن أكون قريبة منه والمسافة لا تتجاوز متراً."
كانت تبرر له ليهتف بها غاضباً:
"جيد، ولم تستطيعي أن توقفيها. وعلى الرغم من ذلك بقيتِ بجانبه."
"لم أستطع لأن من يتحكم بالقنبلة أعاد النظام وأمنه ليطول علي وتنفجر قبل أن أوقفها."
قال بسخرية باستدراك:
"هذا يعني أنكِ كنتِ تعلمين أن إيقافها محال."
"أجل، لكن اكتشفت أن استطعت إلغاء نظام حمايتها وهو أن أفكها منه دون أن تنفجر. وبالفعل نجحت."
فهم كاسبر الآن كيف فكت حزام القنبلة من على الجرو ولم تنفجر. لكن أيضاً لو أنه لم يدفعها بسرعة وقوة بعيداً لانفجرت بهم.
"ولماذا تفعلين ذلك؟ كنتِ فور علمك بأنكِ لن تستطيعي إيقافها، اتركييه واذهبي بعيداً."
"كيف أتركه وهو كائن بريء لم يفعل شيئاً ولا يدري بأن جسده سيتفكك بعد دقائق. لقد وضعوه في شقتي وهذا يعني أنهم يريدون قتلي، لكنه دخل في الأمر. كيف تطلب مني يا علي أن أتركه وأنا في يدي إنقاذه؟"
"أيتها الحمقاء، لقد فعلوا ذلك لأنهم أدركوا نقاط ضعفك وكانوا يعلمون أن هذا ما ستفعلينه. إنهم ليسوا هيناً، لا تستخفي بالأمر. إنكِ كصفحة مكشوفة لهم. استخدمي عقلك واتركي إنسانيتك جانباً حتى لا تدفعين ثمنها حياتك."
"حياتي لا معنى لها إلا بوجودك يا علي."
نظر لها من قولها ذلك ولهجتها الحانية، فقد أدركت خوفه عليها.
"من هم الذين تتحدث عنهم؟ من هؤلاء الذين يسعون خلفي؟ آسفة إن كنت قد أخطأت، لكنني لم أكن أستطيع تركه صدقني."
"ماذا إذا انفجرت وأنتِ معه؟"
قالها بصوت ضعيف بعدما خارت قواه ليكمل:
"لم تستطيعي تركه، لكن تستطيعي أن تتركيني؟ لم أكن لأراكِ ثانياً يا أفيلا."
كانت متفاجئة من حزنه وخوفه. هل ما زال يحبها كثيراً هكذا؟ ألم يقل حبه ولو قليلاً؟ اقتربت منه. أمسكت وجهه بحنان وقالت:
"حمد الله أننا بخير."
نظر لها وليدها الرقيقة التي تمسك بوجهه. ابتسمت ابتسامة خفيفة. ضمته إليها بحب. تفاجأ كاسبر من عناقها، لكن قرب وجهه من عنقها ودفنه بها، يشمه بشوق وحنين. ولف ذراعيه حول خصرها وقلبها منه يبعد خوفه وشعور القلق الذي لم يعتاده على أحد أو يمر عليه يوم وخائف مثل الآن. بينما كان بداخله يشتعل غضباً ويتوعد لأحدهم بما حدث اليوم.
كانت أفيلا تضم كاسبر وسعيدة وهو قريب منها وتضمه هكذا. قاطعهم صوت نباح الجرو. ابتعدا عن بعضهما. نظرت خلفها. وجدت الجرو عند قدميها. جلست أرضاً وابتسمت. وكان الجرو يبدو لطيفاً للغاية. كان كاسبر بجمود ينظر إلى أفيلا وهي جالسة بجانب الجرو. رفعت أنظارها إليه. أمسكت يده وقامت بسحبه سريعاً دون أن تجعله ليجلس بجانبها. تفاجأ. نظر لها. ابتسمت. ثم وجد الجرو يقترب منه. نظر له فقترب من يده وكأنه يخبره أن يضع يده عليه. نظرت أفيلا إليه من جموده. أمسكت يده ووضعتها على الجرو وهي تقول:
"أظنك نسيت كيف كنت تعامل جروك."
نظر لها. فلقد أصاب. كان بالفعل قد نسي كيف كان يعامل جروه قديماً. وجدها تنظر للجرو وتبتسم.
دخلا لداخل وكانت تحمل الجرو وتبتسم وكأنها تعرفه قديماً وهو الآخر. نظر لهم كاسبر، ثم نظر أمامه وقال بضيق:
"أظنني قد بدأت أشعر بالغيرة منه من الآن."
ابتسمت قالت:
"هل تحمل مشاعر الغيرة مثل باقي البشر بطبعتك الباردة؟"
مشاعرك غامضة يجهلها الغير.
اقترب منها، فنظرت له، وقال: "لأني ليست لدي مشاعر قط لتظهر لأحد."
تعجبت. اقترب وهو يكمل: "لكنكِ فقط من رأيتها."
نظرت له، فابتسمت لما قاله. أنزلت الجرو وقالت:
"هل يمكنني الذهاب إلى الشقة لأحضر أغراضي؟"
"كل ما تحتاجينه موجود. كنت في الحالتين سأحضركِ لتعيشي هنا، لذلك وفرت لكِ ما تحتاجينه."
"حسنا."
أردفت بتذكر: "لكن أدويتي هناك."
تنهد وقال: "سأحضرها لكِ. تريدين شيئاً آخر؟"
ابتسمت لأنها أزعجته. نفت برأسها. ذهب. نظرت له وهو يذهب، وكانت سعيدة بما يفعله لها، فلم تتوقع يوماً أن يعود ويحبها ثانية أو يسامحها. لكن دب لقلبها الخوف أن تنتهي هذه السعادة أيضاً، فباتت لا تثق بأيامها وانقلابها عليها.
كانت في المطبخ تعد طعاماً. نظرت حولها، فهي لا تعلم أين الأغراض التي تحتاجها، فأخذت بالبحث عن ما تريده.
كان كاسبر بالخارج. جاء الساعي وكان معه الأدوية التي طلبها من الصيدلية. أخذ كاسبر وأعطاه المال ودخل. بحث عنها ليعطيها العلاج، لكن لم يجدها. سمع صوتاً.
ذهب إليها. دخل المطبخ، فوجدها ترفع شعرها لأعلى، تضمه، وخصلات مبعثرة على وجهها، وتثني أكمام ملابسها. نظرت له وقد انتبهت لوجوده. اقتربت منه وقالت:
"جيد أنك قد جئت."
نظر لها بعدم فهم. أردفت: "هل يمكنك أن تحضر لي الملح؟ ما في الرف فوق هكذا."
نظر إلى مكان الملح، كان على الرف ومرتفع قليلاً. نظر إليها، ابتسم، وقال: "ألا تطوليه؟"
نظرت له وإلى ابتسامته الجميلة. تجاهلت سخريته وتوترت. ذهبت وعادت وقفت ثانية إلى مكانها. أمسكت الخضروات. نظر لها، ابتسم. ذهب ليحضر لها الملح. نظرت له "أفيلا". اقتربت منه لتأخذ الملح. أحضره، لكن لمح بطرف عينه يدها، وكان بها سكين. أمسكها على الفور بحركة سريعة وضغط على ساعدها، فتركت السكين، وقعت من يدها. التفت إليها، وكانت تطالعه باستغراب، وإلى يدها التي ألمتها وهو يضغط عليها. نظر لها، وقال بحنق:
"لماذا تمسكين سكين؟"
قالت بتعجب، متجاهلة نبرته: "أنا أقطع بها."
"وهل تقتربين من أحد وفي يدك سكين؟"
نظرت له بشدة، ونظرته لها وكأنه ظن أنها ستقتله. كان ما زال يمسك يدها. تركها وذهب. نظرت له وهو يذهب. نظرت إلى السكين الذي على الأرض وتتذكر ردة فعله. كيف جعلها تترك السكين بضغطة على يدها. والتفت ونظر لها. وجدت في عينيه نظرة غريبة وشعرت بخوفه منها.
"هل خاف من اقترابي منه وفي يدي..."
سكتت. نظرت إلى السكين. أخذتها. نظرت لها. تذكرت نفسها وهي تقتله. تجمعت الدموع في عينها. فعلمت أنه خاف منها وأمسك يدها هكذا. هل معقول أنه ظن أنها ستقتله ثانية؟ شعرت بالحزن أنه فقد الثقة بها، بل لا يأمن نفسه وهو معها، يضع احتمالاً بأنها ممكن أن تغدر به مجدداً. وهذا من حقه. كيف يعود ويثق بمن حاولت قتله؟ لكن تمنت أن يكون قد سامحها ونسي الأمر، لكن اتضح أنه ليس كذلك. ليس الأمر بتلك السهولة.
"لن ينسى ذلك اليوم وما فعلته. لن يسامحني."
على المائدة كان جالسان ويأكلون، بينما لا أحد يتحدث. كان صمت فقط من يوم بينهم. كانت تلقي أنظارها عليه. "لماذا كنتِ تمسكين سكين؟ وهل تقتربين من أحد وفي يدك سكين؟" حزنت كثيراً وهي تتذكره وتنظر له بأنه لم يعد يثق بها حتى الآن، وهي جالسة معه هكذا يتوقع أن تقتله في أي وقت. عادت ونظرت إلى طبقها. نظر "كاسبر" لها وإلى شرودها. كانت تمسك الشوكة والسكين فقط ولا تأكل.
"كُلي لتأخذي أدويتك."
أفاقت. نظرت له. وقف وذهب بعدما انتهى. قالت: "ألا تثق بي يا علي؟"
توقف ولم يتقدم خطوة أخرى. نظرت له. أكملت بحزن وهي تقطع في حديثها: "أأنت لم تنسَ بعد؟"
"لا."
قال ذلك ببرود وهو يذهب ويتركها. احمرت عيناها بحزن وعلى وشك البكاء من ما قاله. خفضت رأسها. سالت من عينيها الدموع.
"كيف أسأله هذا السؤال وأنا أعرف جوابه؟ لماذا لوهلة شعرت بأنه نسي الأمر؟ لكن إن لم يسامحني أو يثق بي، لماذا يدخلني منزله أعيش معه؟"
كانت تبكي. شعرت بشيء أسفل عند قدميها. نظرت، ووجدته الجرو. مسحت وجهها من الدموع. جلست بجانبه. اقترب منها وجلس على ظهره، يضحكها. ابتسمت عليه.
"لا شك بأنك جائع، صحيح؟"
نظرت إلى الغرفة. قالت: "انتظر هنا."
ذهبت. صعدت الدرج. دخلت الغرفة. كان كاسبر جالس على السرير ينظر إلى اللابتوب خاصته. نظر إلى "أفيلا" وهي تدخل عليه. أخذت هاتفها وخرجت. عاد ونظر إلى اللابتوب. نزلت. ذهبت. سار الجرو معها. جلست على الأريكة. فتحت الهاتف. كانت تبحث عن طعام له، فهي لا تعلم ماذا يأكل. وجدت موقعاً فطلبت منه الطعام ودفعت عن طريق حسابها البنكي. وبعد مرور وقت وصل طلبها في الوقت المحدد. خرجت للرجل. وجدت رجال كاسبر يوقفونه والشاب متوتر. اقتربت منهم. نظرو لها. أخذت الطعام.
"أشكرك."
نظر لها الشاب وأومأ برأسه. نظر إلى الرجال وذهب. دخلت. وجدت الجرو أمامها. ابتسمت. ذهبت وتبعها. وقفت في الحديقة. جلست على قدميها ووضعت له الطبق الذي اشترته له خاص به. اقترب الجرو منها، فكان يبدو عليه أنه بالفعل جائع. سكبت له طعامه حتى امتلأ طبقه، ثم وضعته جانباً. أخذ الجرو يأكل. نظرت أفيلا له وهو يأكل. ابتسمت.
"تقابلنا في ظرف سيء، فكنت ستموت موته مؤلمة بدون ارتكاب أي ذنب. هؤلاء الأوغاد الذين وضعوا لك تلك القنبلة وضعوك في الشقة. كان باستطاعتهم وضع القنبلة فقط، لكنهم يحبون الاستمتاع. فهم ليس لديهم رحمة. الحمد لله إن الله نجانا."
نظرت له وهو يأكل. رفع الجرو وجهه ونبح. لم تعلم هل هو سعيد أم لا. اقترب منها وخفض رأسه لها. نظرت له بعدم فهم. رفعت يدها وضعتها على رأسه. فنبح ثانياً. ابتسمت، فكان يبدو لها سعيداً بها وأحبها. اقترب منها وقفز عليها. وقعت على ظهرها وهو فوقها، ويداعبها. ضحكت بشدة. نبح الجرو ويقترب منها بمرح.
كان كاسبر جالس فوق. سمع صوت نباح الكلب ويسمع صوت آخر شبيه له بضحكتها. وقف وذهب عند النافذة، فكان الصوت قريب منه. نظر، ووجدها تضحك والجرو فوقها ويداعب وجهها. لوهلة أحس بالغيرة الشديدة من ذلك الجرو وهو قريب منها هكذا، لكنه كان يريد شكره لأنه جعله يراها تضحك هكذا.
أمسكت أفيلا الجرو. أبعدته وجلست والجرو أمامها وينظر لها. نظرت إلى طبق الطعام. أشارت له.
"أكمل طعامك، هيا."
ذهب الجرو وأكل. ضمت ساقيها، جلست وتنظر له وتبتسم. وكان نسمات الهواء الخفية تشعرها بالنعاس. وقفت ودخلت. صعدت. فتحت ودخلت. كان مزال في وضعيته، جالس على السرير واللابتوب على قدميه.
"أين سأنام؟"
قال وهو ينظر إلى اللابتوب: "هل يوجد سرير غير الذي أجلس عليه؟"
اقتربت منه. جلست على حافة السرير وهي متوترة. نظرت له وهو جالس هكذا. نظرت إلى اللابتوب.
"لن تنام؟"
"بعد قليل. لدي عمل."
"أي عمل؟"
اقتربت منه. نظرت إلى اللابتوب، فوجدت استثمارات وعقود. ولفت انتباهها اسم الشركة. كانت التي ذكرها لـ "حاتم". كانت ما زالت لم تستوعب أنه مهندس ولديه شركات وعمل آخر غير عمل المافيا الذي كانت تعرفه. قالت باستغراب:
"هل هناك شيء آخر لا أعلمه؟"
توقف عما كان يفعله. نظر لها. قالت: "أقصد أنني لم أكن أعلم أنك ابن الرجل الذي اخترقت حسابه، ولم أكن أعلم أنك مهندس، وأيضاً حول شركتك هذه... فهل هناك شيء آخر أجهل أمره عنك... متزوج من امرأة أخرى مثلاً، لديك أطفال أو لديك عائلة؟ شخصية أخرى جديدة؟ إنك مليء بالمفاجآت يا 'علي'. أي شيء متوقع منك."
"كيف علمتِ؟"
تعجبت. قالت: "علمت ماذا؟"
"أنني متزوج ولدي عائلة وحياة أخرى بالفعل."
اتسعت عيناها ثم ابتسمت. قالت: "هذا هراء."
نظر لها ببرود، ثم عاد نظر إلى اللابتوب. نظرت له وإلى ملامحه الجامدة وبروده، بعدما أشعل قلبها بنار غير قادرة على إخمادها. وتعلم أنه يمزح، لكن لماذا يبدو وكأن هذا حقيقي؟
"هل ما قلته صحيح؟"
لم يرد عليها. نظرت له. قالت: "سمعتني يا 'علي'... هل لديك حياة وعائلة أخرى؟"
"كيف إذا أسافر وأبقى هناك طيلة هذه المدة؟"
قالت بضيق: "إذا كنت تمزح، فهذا المزاح ثقيل."
نظر لها في عينها وهي تنظر له. دمعت عيناها. قالت بصدمة:
"أأنت متزوج حقاً؟"
أقفل اللابتوب. أخذه وذهب. نظرت له وهو يخرج. ابتسمت بحزن. وقفت. أخذت هاتفها لتذهب بعيداً وتخرج من هنا. وجدته يفتح الباب ويدخل. نظر لها.
"لن تنامي؟"
"بلى، لكن ليس هنا. في منزلي."
"وماذا يكون هذا؟"
"لا شيء."
قالت هذا وهي تذهب، لكنه أمسك ذراعها يوقفها: "قلت عندما أتحدث معك لا تذهبي."
تنهدت. اقترب منها. وقف أمامها. نظر لها. كان يعلم أنها متضايقة من ما قاله وسمعته منه.
"تثقين بكلامي كثيراً، مما جعلكِ تصدقين ما قلتِه للتو."
نظرت له بعدم فهم. وماذا يعني هذا؟ قالت: "أليس صحيحاً؟"
نفى برأسه. شعرت بالارتياح. فكرة أنه متزوج ويكون هناك في الماتيا مع امرأة أخرى قتلتها. أحستها بالاختناق الشديد. لكن لماذا ليقول ذلك؟
"ليتكِ وثقتِ بي هكذا من قبل، وسألتِني قبل أن تفعلي ما فعلتِه وتجعلنا هنا."
نظرت له بشدة. احمرت عيناها. ذهب. أوقفنه وهي تقول: "أنت تتحمل ثمن ما نحن عليه معي يا 'علي'."
توقف وهو يصغي لها لتكمل: "إن كنت قد أخطأت، فأنت الآخر قد أخطأت حين لم تخبرني بحقيقتك المجهولة. أنت من تركت الشك يتملكني منك حين أخفيت الحقيقة عني، بينما أنا أرجوك بأن تخبرني من قتل والداي وأنت تصمت تدعي الجهل، وأنا قلبي يحترق من مقتلهم أمام عيني، وأنت تعرف قاتلهم وتسعى عليه لأنه ابن الرجل الذي أمامك في صغرك والذي تعتبره والدك."
صمت ولم يرد عليها. نظرت له. قالت: "ماذا؟ ألست من ذكرتني؟ ألا يوجد ما تقوله؟"
"كل ما فعلته كان لحمايتك."
قالها ببرود، ثم استدار ليصبع مقابلها ويردف:
"تتذكرين حين أخبرتك أنني في الوقت المناسب سأخبرك عن كل ما تجهلينه؟ وكنت أقصد بالوقت أن أبعدك عن كل ما هو خطر على حياتك، بينما أنتِ سعيتِ لقتلي يا 'أفيلا'."
ذهب بجمود. لتهتف به بقول: "الخطأ خطأ مهما كان مقدوره."
"إذاً فحمايتي لكِ خطأ لحد الآن. أنا لا أخطئ. أتمنى أن تفهمي ذلك."
ذهب. جلس على السرير. أطفأ المصباح الذي بجانبه ونام، بينما واقفة تنظر له ودموعها متوقفة في عينيها. ذهبت.
وقفت في الشرفة، كانت كبيرة تطل على الحديقة. كان قلبها يؤلمها من ما قاله. فقد علمت أنه يكتم داخله كلاماً لها كثيراً، وهذا ما لاحظته.
"لماذا يذكرني الجميع بالأمر؟ ألم أندم؟ ألم آخذ عقابي بالقدر الكافي ليكفوا عن هذا؟ وجدت رجلاً بعد مقتل والداي ينطق باسمك. ماذا كنت سأفعل؟ أخطأت ومرت سنين ولم أنسَ ذلك اليوم، لكن تذكيري من الوقت لآخر هذا يؤلمني. هل أقتلني بنفس الطريقة؟ هل سينتهي الأمر وسيسامحني 'علي' إن فعلت ذلك؟"
كانت أفيلا تشعر بالضيق والحزن. أخذت نفساً طويلاً، ثم دخلت الغرفة. نظرت له وهو نائم. اقترب من السرير وجلست ونامت بجانبه وبينهم فاصل.
استيقظت. نظرت للغرفة. التفتت ونظرت بجانبها، لم تجده. جلست. أخذت هاتفها. نظرت في الساعة، وجدتها ٣ عصراً. تفاجأت.
"هل نمت كل هذا؟"
تذكرت وهو نائم بجانبها، فكانت تشعر بأمان واطمئنان شديد. على الرغم من حزنها البارحة، إلا أنها كانت سعيدة أنها معه. خرجت من الغرفة. سمعت صوتاً. نزلت وتفاجأت حين وجدته "مازن" يتحدث مع "كاسبر". نظر لها واندش من وجودها. قال:
"أفيلا."
"مرحباً يا مازن."
"هل أنتِ جئتِ للتو أم أنكِ كنتِ هنا؟"
"ماذا ترى؟ نزلت من الأعلى."
نظر لأخيه ولها باستغراب، وهو يقول: "ل.لكن ماذا تفعلين وكيف أنتِ هنا؟"
كان يعلم أنهم انفصلوا ومستغرب ويريد إجابة من أخيه الذي كان صامتاً كطبيعته.
"هل تزوجها من جديد أم ماذا؟"
"شيء قبيل ذلك."
ابتسم. فلقد سعد من سماع هذا وأنه أخيه أرجعها إليه. قال بمكر:
"هل أخي من أحضركِ لهنا إذا؟"
نظرت لـ "كاسبر" وأنه لا يبدي أي تعبير على وجهه. نظرت إلى "مازن".
"لما تقف هكذا؟"
"أنا ذاهب. لدي عمل."
جئت لأتشاجر مع "علي".
لماذا؟
اسأليه، لم أكن أعلم بوجوده في مصر غير اليوم عندما اتصلت به أطمئن عليه وأخبرني. أظن أنني لو لم أتصل به لما زلت أجهل أمره. لحظة، هل أنت جئت من أجلها؟
لم يعلّق. ابتسم "مازن" واقترب منها وقال لها بصوت منخفض:
تبدين أحسن عن ذي قبل. هل هذا تأثير أخي؟
نظرت إليه بمكره وقالت:
ألن تصمت ولو قليلاً؟
ابتسم وقال بطاعة:
حسناً. سعيد برؤيتكم معاً.
ابتسمت له. ذهب "مازن" بعدما ودّعهما. نظرت فوجدت "كاسبر" ينظر لها، تعجبت منه فاختفت ابتسامتها وتساءلت إن كانت قد فعلت شيئاً خاطئاً.
كان قد تضايق من رؤية "مازن" يقترب منها وهمس لها وهي تبتسم. على الرغم أنه أخاه، إلا أنه يشعر بالغيرة تجاه أي أحد يقترب منها. رن هاتفه، وقف وذهب ليرد بعيداً. نظرت له وتنهدت. سمعت صوت نباح الجرو من الخارج، ابتسمت، خرجت، ذهبت للحديقة، وجدته. وفور رؤيته لها ركض إليها وينبح. ضحكت عليه. اقترب منها. جلست على قدميها.
هل نمت جيداً؟ أفكر لك في اسم لمناداتك به، لكن لم أختر بعد. هيا لتأكل.
نظرت "أفيلا" لكيس الطعام الخاص به، تضايقت من نفسها، فكيف تركته هنا له؟ لكن سعدت أنه لم يقترب منه أو يفتحه وتتسخ الحديقة بسببه. وضعت له الطعام. ذهب الجرو، أخذ يأكل. نظرت له، فيبدو عليه الجوع. كيف لم يحاول أن يأكل؟ فكان طعامه بجانبه. ابتسمت وهي تنظر له. سمعت صوت أنثوي يقول:
الطعام جاهز سيدتي.
وقفت، التفتت ونظرت لصاحبة الصوت، وجدتها فتاة في مثل عمرها، كانت ترتدي ملابس كخدمات البيوت في الخارج، عند ركبتيها. استغربت كثيراً. قالت:
من أنتِ؟
أنا "منى"، جئنا اليوم لخدمتك.
ماذا تعني بـ "جئتم"؟ هل يوجد غيرك؟
أجل.
نظرت لها وذهبت. دخلت الفيلا لم تجد أحداً. سمعت صوتاً من المطبخ، ذهبت إليه، وجدت امرأتين غير التي رأتها، وترتديان نفس زيها. نظرت لها. قالت إحداهن:
هل تريدين شيئاً سيدتي؟
نفيت وهي تقول:
لا، شكراً.
ذهبت. لماذا لا تشعر بالارتياح بوجودهم؟ وهذه الملابس متضايقة منها كثيراً. وجدت "كاسبر" ينزل. نظرت له. اقتربت منه. نظر لها. قالت:
هل أنت من أحضرتهم؟
صمت، ثم فهم ما تقصده. قال:
أجل.
لماذا؟
ليساعدوكِ إذا احتجتِ لشيء. هيا لنأكل.
قال آخر جملة وهو يذهب. نظرت له، تبعته. جلسوا على الطاولة وهي تنظر له وهو يأكل وكأن لا شيء قد يحدث. سمعت صوتاً من هاتفها قاطع نظراتها. أمسكته ونظرت فيه. وجدت رسالة من رقم مخفي.
خافت، فلا تعلم من ذلك الذي يراسلها وتشعر بأنه له علاقة بما يحدث معها. فتحت الرسالة: "أتمنى أن تكون هدية البارحة قد نالت إعجابك".
شعرت بالخوف يجتاح جسدها، فهذا يعني أن هذا من يريد قتلها وهو من أرسل لها القنبلة. لكن من يكون الذي ينوي قتلها ولماذا؟
نظرت إلى الرسالة تقرأها ثانياً، لكن انزعجت عندما وجدت من ينتشل هاتفها من يدها. نظرت، وجدت "كاسبر" بجانبها وفي يده هاتفها يتفحصه، وكان معالم وجهه تعلمها كالمرة السابقة.
نظر لها ببرود وقال:
لماذا لم تخبريني بتلك الرسائل؟
لم تكن في مصر بعد، وللتو قد جاءت تلك الرسالة.
يوجد رسالة عندما كنت معك يقول: "سعيد برؤيتكم سوياً". فلماذا تخبريني عنها؟
تعجبت، تشعر بأنه يحقق معها ولا يثق بها، وكأنها تعمدت إخفاء الأمر. قالت بتبرير:
كنت لا تتذكرني، كيف أريك رسالة تدل على أننا نعرف بعضنا؟ ستكون عجيبة بالنسبة لك.
هل هذا هو السبب حقاً أم سبب آخر؟
نظرت له بعدم فهم. أردف بسخرية:
مثل أنكِ تخبئين الأمر عني قاصدة ذلك، مثلما فعلتِ قديماً بقلة ثقتك بي.
صمتت وتجمعت الدموع داخل عينيها. نظر لها ولدموعها. ذهب.
أمسكت "أفيلا" يدها ببعضها وتحرك أصابعها وأظافرها على يدها وتجرحها بعنف وكأنها لا تشعر بأي ألم. خفضت رأسها، جزت على شفتيها، أغمضت عينيها بحزن، فسالت الدموع منها، وتتذكر كلامه لها وقلبها يؤلمها بشدة. فهي لم تقصد حقاً أن تخبئ الأمر عليه. لماذا ذكرها ثانياً بها فيؤلمها هذا التذكير كثيراً؟ لماذا؟ ألن ينتهي الأمر؟ هل سوف يلاحقها مدى الحياة؟
نظر "كاسبر" لها من بعيد وتضايق عندما رآها تبكي، لكنه كان غاضباً منها لأنها لم تخبره بأمر الرسائل، فهذا الأمر مهم بالنسبة له، فيوجد خطر عليها ويجب أن يعلم كل شيء. رن هاتفه، نظر فيه، ثم التفت ورد بالخارج:
كنت سبب في إنقاذها مثل كل مرة. ألم تخش على نفسك؟
قال ببرود:
كان مجرد عداد قنبلة. الآن يبدأ عداد حياتك.
قال بغضب وانفعال:
لنرى.
أغلق المكالمة. نظر لهاتفه بجمود قال:
سأقتلك قبل أن تنفذ ما في رأسك وتمسها بأذى.
دخلت "أفيلا" للمطبخ. نظر الفتيات لها. قالت "منى":
هل تريدين شيئاً سيدتي؟
لم تنظر لهم أو تهتم بهم. اقتربت وسارت تحضر قهوة لها. نظرت لها وهي تحضرها. فهم يستطيعون أن يفعلها لها، لكن يبدو أنها لا تريد ذلك. بعدما انتهت وسكبت القهوة في الفنجان، خرجت وتركتهم وهم يطالعونها.
وقفت "أفيلا" في الحديقة وتمسك فنجان القهوة. نظر الجرو، ركض إليها. ابتسمت له. جلست على الأرض، وضعت القهوة بجانبها، وضعت يدها على الجرو الذي جلس بجانبها.
لماذا أحببتني بسرعة؟ هل هذا بسبب إنقاذي لك؟
صمتت قليلاً ثم أردفت بحزن:
إذا علمت أني قتلت من كان ينقذني، لقمت بالفرار من الذي تجلس بجانبها.
"هل تقتربين من أحد وفي يدك سكين؟"
"ليتك وثقتني بي هكذا من قبل وسألتني قبل أن تفعلي ما فعلته".
تذكرته وهم على الطاولة وانتهى من طعامه وذهب. فسألته، قالت: "ألا تثق بي يا علي؟ أنت لم تنس بعد".
"لا".
ألمها قلبها من التذكر. تنهدت، أخذت نفساً ونظرت إلى السماء والسحب من فوقها. أمسكت قهوتها وشربت. اقترب الجرو منها. ابتسمت ابتسامة خفيفة، سالت من عينها دمعة بحزن وهي ترسمها.
كان "كاسبر" جالس في غرفة المعيشة يمسك اللابتوب خاصته ويضع سماعة بأذنه ويتحدث مع رجل أجنبي فيديو. قال:
Everyone out there will take care of it, don't worry. سيهتم الجميع هناك بالأمر، لا تقلق.
Well, I would like the building to finish as planned. I trust you, Mr. Casper Edward. لا بأس، أود أن ينتهي المبنى كما في المخطط، أثق بك سيد كاسبر إدوارد.
happy about that. سعيد بذلك.
سمع صوت نباح الجرو ويبدو أنه قريب داخل الفيلا. عاد للفيديو وهو يقول:
I'll tell them to finish the contracts, we'll talk later. سأخبرهم أن ينهوا العقود، نتحدث لاحقاً.
أومأ الرجل. أقفل اللابتوب ووضعه جانباً. وقف وخرج. وجد الجرو ينبح كثيراً ويقفز، وفتاة من الخادمات واقفة معه تحاول إسكاته لكن لا يصمت.
نظر له "كاسبر" بتعجب. اقترب الجرو منه عندما رآه لينبح له أكثر. استغرب. جلس على قدميه. نظر له وهو يقفز وكأنه يريد إخباره شيئاً.
ما الأمر؟
ابتعد الجرو وركض. نظر له وجده توقف، التفت وعاد إليه مجدداً ونبح. نظر للخارج وكأنه علم ما يقصده. ليرتسم على ملامحه القلق ويذهب سريعاً.
خرج وحين وصل إلى الحديقة توقف بصدمة عندما وجد "أفيلا" نائمة على العشب. وجد الجرو يقترب منها ويقرب وجهه من يدها، لكنها ساكنة لا تتحرك. ركض إليها بخوف. جلس جانبها، وجدها مغمضة العينين ومستلقية، وجهها شاحب. قرب وجهه منها وربت على وجهها.
"أفيلا".
كانت مغشية عليها لا تشعر بأحد. خاف كثيراً. اقترب منها، نظر، وجد فنجان قهوة. حملها على ذراعيه بسرعة وذهب لداخل.
فتحت "أفيلا" عينيها. نظرت لـ"كاسبر" ثم نظرت للطبيب الذي أعطاها شيئاً أفواهها. كانت في الغرفة على السرير. علمت أنه من أحضرها.
قال الطبيب:
أنتِ بخير.
أومأت برأسها إيجاباً. فقال:
هل تعلمين أنكِ مريضة سكر؟
نظرت له بعدم فهم، ثم نظرت لـ"كاسبر" الذي كان غاضباً منها.
أجل.
كيف إذاً تشربين شيئاً به سكر؟ وعلى حسب معرفتي أنكِ لم تأكلي وبتالي لم تأخذي أدويتك.
صمتت ولم ترد عليه. نظر الطبيب لها قال وهو يقف:
أتمنى ألا يتكرر هذا الإهمال حتى لا تسوء حالتك.
ذهب وتركهم. نظرت "أفيلا" لـ"كاسبر" خافت من نظرته. وجدته يذهب مع الطبيب يوصله إلى الباب.
نظرت له وهو يخرج. كانت تعلم أن السكر خطأ عليها، لكنها قد ملت كثيراً من شرب الأشياء بدون سكر، حتى مشروبها المفضل أصبح مذاقه غريباً عن ذي قبل، ومرارته التي قد بدت تشعر بها، كانت تريد أن تشربه مثل قبل، لكنها بالغت في السكر، فوضعت الكثير وكأنها تنتقم من نفسها وتريد ذلك.
فتح الباب، دخل "كاسبر". نظرت له، وجدته يقفل الباب. سار تجاهها. اعتدلت في جلستها. أنزلت قدماها من على السرير، وقفت لتذهب، لكنه أمسك ذراعها ودفعها، فعادت وجلست على السرير. نظرت له بشدة.
علمت أنكِ من قمتِ بإعداد قهوتك.
صمتت ولم ترد عليه. جعل صمتها يغضب. هتف بها وهو يقول:
وضعتِ تلك الكمية من السكر وتعلمين أنكِ مريضة وهذا خطر عليك.
نظرت له وغضبه وخوفه عليها. شعرت بالسعادة على الرغم من خوفها وغضبه عليها، لكنها أحبت ذلك النوع من غضبه.
لماذا فعلتِ ذلك؟
صمتت قليلاً ثم قالت بضيق:
لا أعلم.
تنهد. اقترب منها. نظرت له وإلى تقربه. نظرو في أعين بعضهم مباشرة.
إن تكرر هذا الأمر، لا تلومي غير نفسك يا "أفيلا".
قال هذا ببرود. نظرت له بخوف من نبرته ونظرته لها. أومأت برأسها بتفهم. نظر لها ثم ابتعد عنها وذهب للخارج.
أخذت أنفاسها تزيح توترها الذي تملكها من قربه منها. سمعت طرقات على الباب. نظرت، كان الباب مفتوحاً، وفتاة من الخادمين واقفة وتحمل طعاماً. سمحت لها بالدخول. دخلت، وضعت لها الطعام.
من قال لكِ أني أريد أن آكل؟
السيد "كاسبر" أخبرنا أن نحضر لكِ طعاماً.
ابتسمت لكن أخفت ابتسامتها. نظرت للفتاة قالت: حسناً، أشكرك.
أومأت الفتاة وذهبت. نظرت للطعام، ابتسمت. سمعت رنين هاتفها. كان رقماً غريباً. ردت.
مرحباً "أفيلا"، أنا "حاتم". أعتذر على اتصالي بك.
لا بأس، هل هناك شيء؟
اعترف القاتل.
اعترف الرجل.
اندهشت. قالت: حقاً؟
أجل، إن أمكنك أن تأتي لنتحدث.
صمتت قليلاً ثم قالت: هل يمكنني أن أذهب غداً؟
لا بأس، انتظرك غداً إذا.
حسناً.
كان "حاتم" في مكتبه أمام شرطيين ينظرون له وهو يفكر ويقول بإستدراك:
لا أصدق أنه في مصر الآن. أظنه قد جاء ليتمم عمل من أعماله وسوف يعود. لذلك نريد أن نقبض عليه قبل أن يغادر.
إنه رجل مخيف وخطر، وأيضاً لم يستطع أحد أن يقبض عليه. كيف سنفعلها نحن؟
نظر "حاتم" له. لف صمت. وقف. سار تجاهه. اقترب منه قال: من تدعي بالخطر ومخيف أيها الضابط...
انسيت أننا الشرطة وهذه مهمتك.
قال بثبات وصوت رجولي: اعتذر يا سيدي.
اذهبوا.
وقفوا بثبات، أدوا التحية له، وذهبوا. عاد وجلس على كرسيه: شرف لي أن أكون أنا من يقبض عليك.
كان "كاسبر" واقفًا يتحدث في الهاتف وكانت ملامحه توحي بالتضايق.
اعثروا عليه، وإن لزم الأمر اقتلوه.
أغلق الهاتف وهو غاضب، قال: إلى متى ستهرب أيها الجبان وتلعب معي من خلف الحائط خوفًا مني؟
كان متضايقًا، سمع صوت فتاة تقول: سيدي، الطعام جاهز.
دلف لداخل وذهب. نظر إلى المائدة، لم يجد "افيلا" جالسة. تذكر الدواء الذي أعطاه الطبيب له أن يأخذه قبل طعامها حتى لا تحدث مضاعفات بسبب السكر الذي دخل إليها.
صعد الدرج، دخل إلى الغرفة، لم يجدها. استغرب. ذهب إلى المنضدة، كان يضع الدواء عليها. أخذه وذهب ليرى أين هي.
كانت "افيلا" قد انتهت من الاستحمام، كانت ترتدي قميص "كاسبر" الذي وجدته في الداخل، فهي نسيت ملابسها. كانت واقفة عند الباب، فعلم أنه في الغرفة، ثم سمعت صوت الباب، علمت أنه ذهب. فتحت وخرجت، لم يكن موجودًا. ذهبت إلى الخزانة وفتحتها، كان بها ملابس كثيرة لها كما أخبرها "كاسبر". أخذت بيجامة ناعمة ودلفت لتذهب، لكن توقفت مكانها عندما وجدته واقفًا عند الباب، وكان للتو قد دخل عندما أخبرته فتاة أنها لم ترها تخرج من غرفتها. نظر لها بشدة، سار تجاها. نظرت له "افيلا"، ازدادت ضربات قلبها والدماء تتدفق لوجهها وكأنها ستنفجر.
اعتذر، نسيت أخذ ملابسي.
كان وكأنه لم يسمع منها شيئًا. اقترب منها. نظرت له وهو يطالع ملامحها وشعرها المبلل. عادت للخلف. اقترب منها ولا يعلم ما الذي يفعله، وما هذا الضعف الغريب، ولماذا يقترب منها بغير رضاها؟ كيف تضعفه؟ ماذا تفعل به؟ يشعر بأن هناك من يحركه، فهو ليس ضعيفًا هكذا.
لم يعد بإمكانها الرجوع، فالتصق ظهرها بالحائط. نظرت إليه وهو قريب منها، كانت متوترة. قرب يده، نظرت له، وضعها على وجهها. دق قلبها بشدة ونبضها يتسارع. وجدته ينزل بيده إلى رقبتها، وتستشعر لمسته لها ليرتجف جسدها ويحدث ما خاشته.
"علي".
قالتها ندائًا له لتجده يقرب وجهه منها. نظرت له، قالت بتوتر وخوف:
مم ماذا تفعل؟
قد بدأت تشعر بأنفاسه الحارة التي ترتطم بوجهها لشدة قربه وملامسته بشرتها بإثارة. كان صوت دقات قلبها عاليًا وكان يسمعها، لكن غير قادر على الابتعاد عنها.
تلامس شفتاهم ليغوص بهما، لكنها في اللحظة الأخيرة ابتعدت عنه بتلقائية وكأنها تنفره. نظر لها وابتعادها عنه، وجدها متوترة وخجلة وخائفة. استغرب، قال:
ما الأمر؟
لا أستطيع، لا زلت أخشى اقترابك.
كانت نبرتها مرتجفة، فعلم ما تقصده، وقال:
ألم تخبريني أنكِ لم تعودي خائفة مني؟
نظرت له بشدة، فكان يقصد ذلك اليوم. خجلت من نفسها كثيرًا. نظر لها، ابتسم. نظرت له وإلى ابتسامتها التي لم تفهم، ليقول ساخرًا:
نسيت أنكِ كنتِ تخدعينني لقتلي.
احمرت عيناها وسالت من عينها الدموع. ابتعد عنها وذهب، لكنها أسرعت وأمسكت يده توقفه. اقتربت منه، قالت ببكاء:
موافقة.. اقترب مني، لن أمنعك بعد الآن.. هيا.
نظر لها بشدة مما تقوله وهذا البكاء، وكأنها مرغمة على ذلك الكلام.
لكن لا تذكرني بذلك اليوم يا "علي".
رفعت وجهها، نظرت له، كان وجهها ملئًا بدموعها. أردفت: صدقني، لقد تحملت كثيرًا، لكن لم أعد أستطيع التحمل أكثر. أنا أضعف من ذلك، لا أتحملك وأنت تذكرني بالأمر مرارًا. أعلم أنك لم تنسَ، لكن سامحني على الأقل وحاول نسيان. أرجوك، لقد أخطأت وأنا علمت خطئي جيدًا. تعذبت كثيرًا وأنت لست معي. كنت أشبه الموتى. ظننا بأنك لم تعد موجودًا. كنت تأتي لي في أحلامي، تمنيت لو تبقى دائمًا ولا يفارق وجهك منامي. كانت صورتك لا تترك ذاكرتي، متعلقة في ذهني، ورائحتك متغلغلة في أنفاسي، وأميزها بين الجموع مثل اليوم، المشفى الذي شعر قلبي بك، رؤيتك بأعيني.
كان يصغي لكلامها، دخلت لقلبه بصدقها وألمها من حديثها.
كانت فكرة أنني لن أراك مجددًا تؤلم بشدة، كانت تجعلني أفكر في الانتحار، وبالفعل فكرت في الأمر، وكنت سوف أقتل نفسي لألقاك.
صدم من ما تقوله، وهل كانت ستقتل نفسها لتراه وهو ما زال حيًا؟ ماذا لو كانت فعلت ذلك ولم تجده كما ظنت؟ ماذا ستكون أمام الله كافرة؟ كيف تفكر في ذلك؟ قالت ببكاء:
لكني لم أفعل ذلك، أتعلم لماذا؟ كنت خائفة من ربي، وفي ذات الوقت كنت أريدني أن أبقى مخلدة في هذه الحياة.
أكملت بصوت ضعيف: لأخذ بثأرك مني. كنت أعلم أن الحياة قادرة على هلاكي وتعذيبى، أما الموت فهو راحة لي. معرفة أنك حي كانت شبيهة لي بالمعجزة. فور رؤيتي لك كانت صدمة، شعرت بأن روحي ترد إلي من جديد. صدقني، لقد ندمت كثيرًا، حتى الآن ما زال الندم وضميري يلاحقوني. تذكيرك لي بما فعلته يجعلني أتمنى الموت أفضل من ذلك الشعور. تظنه هينًا، لكنه يؤلم كثيرًا. غفرت عن ذنبي لسنين، رجوت الله أن أحظى بلحظة معك، فلا تحرمني أنت من ذلك. أرجوك يا "علي"، سامحني، أريد السماح فقط. إن أردت أن تقتلني سأفعل ذلك.
اقتربت منه وهي تردف: اقترب مني، لن أمنعك، لكن لا تذكرني بي ثانيًا، صدقني لم أعد أستطيع التحمل أكثر.
لم يعد قادرًا على التحمل أن يسمع كلمة أخرى وهو يرى ما أوصلها له. شعر بالحزن الشديد من دموعها التي تغزو منها كالأمطار التي لا تتوقف، وكلامها الذي ألمه كثيرًا وجعلها توافق على اقترابه منها وتريد إرضاءه بأي شكل.
نظر لها، اقترب منها، قرب يده من قميصه عند رقبتها. نظرت له في عينيه وهي خائفة، لكن تفاجأت حين وجدته يضمه عليها بعدل، فكان مفتوحًا قليلًا.
اعتذر يا "افيلا".
نظرت له. قرب يده من وجهها ومسحه بحب وحنان وهو يقول:
يكفي. هيا ارتدي ملابسك، سأكون بالأسفل.
تنهد وهو ينظر لها. ابتعد عنها وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه. كانت واقفة متعجبة عما باحت به له والكلام الذي قالته، لكن داخلها راحة كبيرة بعدما أخرجت كل ما بداخلها له، تشعر بأن الحمل عليها خف قليلًا.
كان كاسبر جالسًا على المائدة ينتظرها، حتى وجدها تنزل. كانت ترتدي بيجامة بلون الكناري، جميلة عليها للغاية، وتضم شعرها بطوق وينسدل بعض الخصلات على وجهها. اقتربت وجلست، قال:
اقتربي.
نظرت له، فكانت تجلس بعده بكرسين ومسافة بينهم. نظر لها وأشار بعينه على الكرسي الذي بجانبه. وقفت وذهبت، اقتربت منه وجلست بجانبه. كانت متوترة قليلًا، لكن سعيدة بجلوسها هكذا بجانبه. بدأوا يأكلون. انتهى كاسبر من طعامه:
لا تنسي أخذ أدويتك.
نظرت له. وقف وذهب. انتهت هي الأخرى، خرجت للحديقة، وجدت الجرو جالسًا على الأرض ونائمًا. اقتربت منه، التف ورآها، فقفز وركض إليها. ضحكت عليه، جلست، أمسكت وجهه وداعبته، نظرت له:
هل افتقدتني بهذه السرعة؟
وضعت يدها على رأسه:
كنت خائفًا عليك كثيرًا.
جاءها هذا الصوت من خلفها. التفتت ووجدته "كاسبر". اقترب منها وكان ينظر للجرو، قال:
كان يحاول إخبارنا بشيء، فهمت أنه يريدني أن أتبعه، وعندما جئت وجدت مستلقية على الأرض.
أحرجت وقالت بأسف:
اعتذر.
لا بأس، المهم ألا تعودي. هل اخترت له اسمًا؟ يبدو أنك ستحتفظ به.
أجل، لكن ليس بعد.
نظرت وأردفت: ماذا كان اسم جروك وأنت صغير؟
نظر لها، صمت قليلًا، ثم قال: ألبر.
ألبر.. هل يمكنني أن أسميه بذلك الاسم؟
كانت مترددة وهي تقولها، فتعلم حبه الشديد لذلك الجرو، وممكن أن يضايقه أن يأخذ جروًا آخر اسم صديقه، لكنه أومأ برأسه. ابتسمت واحتضنته سريعًا. اتسعت عيناه من ردة فعلها واحتضانها. نظرت لنفسها، كانت ستبتعد، لكن وجدته يضمها هو الآخر. ابتسمت وضَمَّته بحب، كانت لا تريد مغادرة هذا العناق وأن تبتعد من داخله وهذا الدفء الذي تشعر به.
لكن لفت انتباهها شيء، كان تيشيرت كاسبر فضفاضًا. نظرت لرقبته من الأسفل عند ظهره، وجدت شيئًا غريبًا. لم تكن تستطيع الرؤية، فكان ظلام الليل ولا ينير غير ضوء القمر الخافت. ابتعدت عنه وتريد أن ترى ما هذا. تذكرت عندما جاؤوا للفيلة وكان يرتدي التيشيرت ورأت على ظهره علامة، لكنه أنزل التيشيرت ولم تستطع الرؤية. أمسك يده وأخذته. نظر لها كاسبر بتعجب.
دخلوا لداخل حيث الأضواء والأنوار الكثيرة. صعدوا الدرج ودخلوا الغرفة، فتركته. نظر "كاسبر" قال:
ما الأمر؟
أغلقت الباب. نظر لها بعدم فهم. اقتربت منه، أمسكت التيشيرت الذي يرتديه. نظر لها باستغراب شديد وابتعد عنها:
ماذا تفعلين؟
أريد أن أرى شيئًا.
اقتربت منه، ابتعد عنها وهو يقول: ترين ماذا؟
هل فيه شي فيك؟
قالت: ظهرك.
: ماذا؟
: أريد أن أرى ظهرك لثانية.
نظر لها وهو لا يفهم شيئًا. اقتربت منه وأدارته، وأعطته ظهرها. رفعت التيشيرت قليلاً تريد أن ترى ما هذا الذي رأته وما لاحظته. وجدت شيئًا لونه أحمر. رفعت التيشيرت أكثر، ثم رفعته للأعلى كاملاً. تفاجأت عندما وجدت علامات حمراء على ظهره، وكأنه تعرض لشيء حارق. وجدته ينزل التيشيرت عليه. قالت:
: ماذا بظهرك؟ فيه علامات حمراء؟
: لا شيء.
نظرت له وصمتت. ثم تذكرت القنبلة عندما انفجرت، ولم تكن ابتعدت بالقدر الكافي، لكنه خبأها بداخله خوفًا عليها، وكان يعطي ظهره لها، فوصل اللهيب إلى ظهره. حزنت عليه بما سببته له.
ذهبت. نظر لها وهي تذهب. تعجبت. وجدها عادت، وكان بيدها مرهم. نظر لها. قالت بضيق:
: تقول لي عن إهمالي، وأنت مهمل؟ لماذا لم تضع علاجًا على ظهرك؟
: ليس فيه شيء.
نظرت له. وجدته يذهب. وقفت أمامه وهي تقول:
: يجب أن تضع المرهم لتشفي.
: لست مريضًا.
اقتربت منه، وقالت بحزم:
: اجلس لأضعه لك.
ابتعد وذهب. وقفت أمامه ثانيًا. نظر لها وإلى إصرارها. صمت قليلاً، ثم ابتسم. قال بمكر:
: كما تريدين.
تعجبت من ابتسامته. ذهب وجلس. اقتربت منه، وجلست بجانبه. نظر لها، ثم خلع التيشيرت، فتتسع عيناها بصدمة من صدره العاري أمامها. وأحرجت كثيرًا. احمرت وجنتها من الخجل. وكانت الدماء على وشك أن تتناثر من وجهها.
ابتسم وهو يطالع عينيها التي لم تعد ترفعهما. التفت وأعطاها ظهره. نظرت لظهره، لعضلاته البارزة الضخمة. توترت كثيرًا ودق قلبها بشدة. من توترها كان يبتسم عليها بانتصار، فيعلم أنها ستخجل وغير قادرة على ذلك. لكنه أراد أن يراها هكذا بعدما كانت مصرة.
وضعت "أفيلا" على أصبعها قطعة من المرهم، وقربت يدها من العلامات التي على ظهره. وضعت المرهم عليه وهي خجلة، وسارت تحرك يدها توزع المرهم عليه.
كان يشعر بأناملها وتلامسها لظهره، وهي تضع على البقية. وسارت توزع المرهم على ظهره. وتوقفت فجأة عندما تلامست يدها الندبة من أثر السكين الذي طعن بها منها.
احمرت عيناها وهي تنظر لها. قربت يدها منها ببطء وارتجاف، ولمست أناملها تلك الندبة. تجمعت الدموع في عينيها عندما لمستها وشعرت بها. فكان محقًا في ألا يثق بها. كيف عاتبته اليوم على آلامها، وهو من تألم أكثر منها؟ فهل كان يتخيل أن حبيبته تقتله؟
كان صامتًا وتعجب حين وجدها توقفت. لم يعلم هل انتهت أم ماذا. لكن شعر بشيء غريب. قطرة ماء دافئة سقطت على ظهره. وتفاجأ حين وجدها تخفض وجهها ودموع تسيل من عينيها بصمت. لم يعلم ماذا جرى أدى لبكائها.
: ما الأمر؟ أنتِ بخير؟
قالت بصوت ضعيف مبحوح:
: آسفة.
نظر لها بعدم فهم. قال:
: على ماذا تتأسفين؟
: كان "مازن" محقًا. تلك الندبة لن تمحى، مثل ما فعلته لن ينسى.
علم الآن عن ماذا تتحدث. أخذ التيشيرت وارتداه. نظر لها. كانت ما زالت تخفض وجهها وتبكي.
: لماذا تخفضين وجهك؟ لقد ارتديت ثيابي.
: غير قادرة على النظر في عينك.
قرب يده من وجهها ورفعه. وجد عينيها منتفختين، شفتيها وأنفاها حمراء من البكاء. نظر لها في عينيها، ثم أخذها داخل أحضانه. فضمته "أفيلا" بشدة وبكت وهي تحتضنه. مسح بيده بحنان على شعرها. فكان يؤلمه رؤيتها هكذا. لقد هلكت عيناها من كثرة البكاء.
: كفاكِ بكاءً.
لم تكن قادرة على كتم بكائها، لكن صمتت وهدأت من نفسها قليلًا حتى لا تضايقه منها. شعر أنها هدأت. ابتعد عنها. نظر لها.
: اغتسلي وجهك لتنامي.
أومأت برأسها بالطاعة. فهي تكون معه كطفلة يحومها الشوق لحنان والدها، كما تعتبره هو لا غير من تكون معه.
غسلت. أمسكت المنشفة ونشفت بها وجهها. وذهبت. وجدته جالسًا على السرير مثل البارحة، يضع اللابتوب على قدميه وينظر فيه. اقتربت منه، وجلست بجانبه. نظرت له. قالت:
: هل لديك عمل الآن؟
: أجل.
صمتت قليلًا. ثم قالت بتردد:
: ألن تنام؟
توقف عما كان يفعله. نظر لها وشعر وكأنها تسأله بتردد وحرج. وهي لها الحق في أن تسأله عن كل شيء به. أقفل اللابتوب. نظرت له. وجدته يضعه على الكومود بجانبه، ويقفل الضوء ويعتدل وينام. ابتسمت. فهذا ما أرادته. اعتدلت هي الأخرى ونامت. كانت بينهم مسافة. لكن "كاسبر" يتخطاها. اقترب منها وسحبها إليه وضمه. اتسعت عيناها وهي بين ذراعيه. ويداها عند صدره.
رفعت وجهها. نظرت له. ومن قربه واحتضانه لها. رفعت وجهها. كان مغمض العينين. كانت خجلة ومتوترة كثيرًا. وفي ذات الوقت سعيدة. فتح "كاسبر" عينيه. وراخا وهي تنظر له. خجلت وخفضت وجهها به تهرب من نظراته. ابتسم عليها. فأقفل عينيه وذهب للنوم. بينما هي تنظم نبضات قلبها الذي حدث به اختلال من قربها الشديد. نظرت لنفسها. رفعت ذراعها ببطء وتردد. وضعته عليه. ابتسمت. ثم ضمته هي الأخرى وخلدت للنوم.
في اليوم التالي، فتحت عينيها. لم تجد "كاسبر" بجانبها. جلست. نظرت لهاتفها للساعة. دخلت الحمام. اغتسلت وجهها ثم نشفته. خرجت. فتحت الخزانة وبدلت ملابسها. ارتدت جيب أبيض وارتدت جاكت جينز وقامت بربطه عند خصرها. ورفعت شعرها بطوق للأعلى. أخذت هاتفها وحقيبتها وذهبت.
نزلت. لم تجده. لم تعلم هل تذهب دون إخباره أم تجده وتخبره أولًا. ذهبت. سمعت صوتًا من غرفة المعيشة. دخلت. وجدته واقفًا ويتحدث. ولاحظت أن في أذنه سماعة. التفت ونظر لها. ثم وضع يده على السماعة.
: Wir werden unser Gespräch später fortsetzen. سنواصل حديثنا في وقت لاحق.
علمت أنه كان يتحدث مع أحد من ألمانيا.
: إلى أين؟
: المشفى.
: حسنًا.
نظرت له وذهبت. خرجت. وجدت فتاة. من الذي تعم؟ نظرت لها وسألت نفسها: لماذا لا أحب وجودهم؟
تنهدت وذهبت للخارج. اتجهت للبوابة. كان بها حراس. خرجت. لكن وجدتهم يقفون أمامها. نظرت لهم بعدم فهم. قالت:
: ماذا يحدث؟
لم يردوا عليها. كانوا لا ينظرون لها. نظرت على ما ينظرون. التفت. وجدت "كاسبر" واقفًا. نظرت له. ثم نظرت للرجال. علمت أنه هو من أمرهم بذلك. فعندما اقتربت منهم، بدا أنهم لم يمنعوها. قالت:
: ما الأمر؟
: سأوصلك. فأنا لا أعلم إذا ذهبتِ ستهربين مجددًا أم لا.
قالت بضيق:
: ألا تثق بي؟
ذهب ولم يعرها اهتمامًا. تضايقت.
في الطريق، نظرت له وهو يقود. قالت:
: هل علي حظر تجوال؟
: لو كان حظرًا لما تركتك تخرجين مثل الآن.
نظرت له بغضب. قالت:
: هل ستوصلني كل يوم؟
: إذا اضطررت، فأجل.
: بدأت أشعر بشيء مريب تجاهك وتخبئه عني.
: جيد. لتأخذي حذرك.
نظرت له بعدم فهم. تأخذ حذرها من ماذا؟ ومن؟
دخلت إلى المشفى متوجهة لمكتبها. قابلت "عمر" في الممر. نظر لها ولم يتفاجأ بوجودها، وكأنه يعلم أنها في المشفى.
: هل "علي" أصبح حارسك؟
قالها بمزاح. استغربت. قالت:
: هل رأيته؟
: أجل.
: حسنًا، يبدو هذا أفضل عن ذي قبل.
: أنتِ محقة. فقد رأيت وجهه المخفي وليتني لم أره. أتمنى ألا أراه ثانيًا.
ابتسمت. قالت:
: ولا أنا.
بادلته الابتسامة. قال:
: لديكِ جراحة اليوم؟
: أجل.
: بالتوفيق.
ابتسمت "أفيلا" له وذهبت.
في مساء اليوم، خرجت من غرفة العمليات. كان والدا المريض جالسين. وعندما رأوها هرولوا إليها. فقالت:
: أصبح بخير. سيفيق بعد ساعات أثر جرعة البنج الذي أخذها.
ابتسموا وأخذوا نفسًا فور سماعهم لكلام أفيلا. شكرها. ابتسمت لهم ابتسامة خفيفة وذهبت. غسلت يدها ونشفت يدها. وهي تنشفها تذكرت "حاتم". تضايقت كثيرًا.
: كيف نسيته؟ لكن دوامي لم ينته بعد. هل أذهب الآن؟
خرجت. ذهبت لمكتبها. خلعت جاكتها والبطاقة. وذهبت على الفور. كان "عمر" واقفًا مع طبيبين. وميلان له. نظر إلى "أفيلا" وهي تذهب. قال:
: إلى أين ذاهبة؟
: طرأ أمر وعلي الذهاب.
: لكن دوامك...
كانت قد ذهبت بالفعل. فخذه مستعجلة.
نظرت. وجدت رجال "كاسبر" ينتظرونها. توجهت إليهم. فتحوا لها الباب. ركبت وذهبوا.
: توجه للمخفر.
: لم يعطني سيدي أمرًا لهذا.
تنهدت وقالت:
: لا تقلق، سأخبره.
تردد من صمته. ثم قرر أن يطيعها وذهب للمخفر كما أخبرته بالمكان المحدد.
ترجلت "أفيلا" من السيارة ودخلت المخفر سريعًا. نظرت حولها. لا تعلم أين مكتب "حاتم". سألت أحدهم. فأشار لها أن تتبعه. ذهبت معه. فتح الباب لها. دخلت. وجدت "حاتم" جالسًا ويقرأ أوراقًا. نظر إليها. قالت:
: أعتذر، جئت من العمل إلى هنا. لم أقصد هذا التأخير.
: اجلسي.
تقدمت وجلست. نظرت له وهي تنتظر أن يتحدث. لما هذا الهدوء؟ ليقطعه وهو يقول:
: ماذا بينك وبين المافيا يا "أفيلا"؟
اندهشت. نظرت له باستغراب شديد وعن أي مافيا يتحدث؟ نظر لها وقال:
: ما علاقتك بـ "لوسيانو"؟
اتسعت عيناها من الصدمة...
رواية احببت مافيا الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم نور
نظرت له افيلا باستغراب شديد وعن أي مافيا يتحدث. نظر لها حاتم وأردف قائلاً:
"ما علاقتك بـ "لوسيانو"؟"
اتسعت عيناها من الصدمة وتتساءل: هل قال "لوسيانو" ومافيا للتو أم أنها من سمعت خطأ؟ ما الأمر؟ كيف علم بعلاقتها بهم؟ علم؟ هل يعقل أنه عرف عنها كل شيء؟
عادت لوجهها الطبيعي حتى لا تظهر أي شيء له وتوترها يقوم بفضحها، وتنتظر حتى تعلم ما الأمر. قالت بتصنع الصدمة:
"مافيا؟!"
نظر لها حاتم ولخوفها، فقد شعر به. قال:
"اهدئي، أنا قلق عليك لذلك أسألك."
"ما الأمر؟ هل فهمتني؟"
"من أرسل ذلك الرجل ليقتلك هو أحد من رجال المافيا."
تبدلت ملامحها لاستيعاب قبل أن يكمل:
"رجل يدعى "لوسيانو"."
احتلتها صدمة من ذلك الاسم. صمتت ولم تتحدث. نظر لها حاتم وقال:
"لذلك سألتك إذا كنت..."
قالت بصوت منخفض هامسة لنفسها:
"كاذب؟ مستحيل أن يكون هو."
نظر لها حاتم من تلك الهمهمة وقال:
"ماذا تقولين؟"
نظرت "أفيلا" إليه بهدوء وقالت:
"هل ذلك الرجل الذي حاول قتلي هو من قال ذلك؟"
"أجل."
"لا أعلم من ذلك الرجل ولم يسبق لي أن سمعت بذلك الاسم من قبل."
كان يجب عليها أن تكذب وتتحمل عواقب جذبها، لكن لتبعد أي شبهات عليه أكملت:
"لذلك أظنه يكذب. فماذا بيني وبينه ليرسل لي أحد ويقتلني؟ أنا مجرد طبيبة."
بدا عليه الاقتناع وكأن هذه تساؤلاته أيضًا:
"لذلك أنا أسألك."
"تستطيع أن تسأل ذلك الرجل مجدداً، وإذا كان بالفعل هذا "لوسيانو" من يريد قتلي، فأنتم شرطة، تولوا الأمر."
"أنا توليت أمرك كاملاً يا "أفيلا"."
تبسمت وقالت:
"أشكرك."
نظر حاتم إلى ابتسامتها الجميلة. وقفت، استأذنت وذهبت.
خرجت من المخفر وهي شارده. فتح لها رجل السيارة، دخلت، أقفل الباب وذهبوا.
"مستحيل أن يكون "علي". إنه يكذب، لكن لماذا ليقول هذا؟ أصبح الأمر غامض كثيراً ويحتاج لتفسير."
وصلت إلى المنزل. ترجلت من السيارة وذهبت. صعدت للغرفة، كان الباب مفتوحاً. دخلت، لكن توقفت عندما رأت "كاسبر" جالس على السرير وينظر في الاب توب خاصته، وفتاة واقفة بجانبه تضع له فنجان، لكن كانت قريبة منه. نظر "كاسبر" إليها وقد لاحظ وجودها، فقد جاءت باكراً. التفتت الفتاة، نظرت لـ "أفيلا" التي قالت ببرود:
"اخرجي من هنا."
نظر "كاسبر" إليها من نبرتها، ثم نظر إلى الفتاة. فنظرت له هي الأخرى. فاشتعل قلب "أفيلا" وهي تنظر لهم وقالت بغضب:
"ألم تسمعي ما قلته؟ اخرجي الآن!"
أومأت الفتاة برأسها بالطاعة وذهبت دون أن تنطق ببنت كلمة.
وقف "كاسبر". نظر إليها وهي تنظر إلى الفتاة حتى بعدما خرجت، ووجدها تنظر له وتقول:
"أخبرهم أن يغادروا من هنا."
تعجب من قصدها. اقترب منها وقال:
"ما بكِ يا "أفيلا"؟"
"ليس بي شيء. اجعلهم يغادرون فقط."
"لماذا؟ لم يخطئوا في شيء."
قالت بغضب:
"لا أريدهم. أطلب منهم أن يغادروا."
"أفيلا، ما الأمر؟ اهدئي."
قالت بغضب أكثر:
"أتراني مجنونة؟ إن لم يذهبوا يا "علي"، فأنا من سأذهب!"
كان مستغرباً، مثيراً، لا يفهم تحولها وما الأمر. لم تفعل الفتاة شيئاً، لكنه لم يعلن أنها تشتعل بغيرتها. فرأت امرأة أخرى في غرفتها معه وتضع له فنجاناً وقريبة منه، فكيف عندما تغادر من ذلك المنزل؟ ماذا يحدث في غيابها؟ شياطينها يبث سمومه داخلها بالشك.
كانت غيرتها تجعلها تشك، تفكر في أشياء تغضبها أكثر. على الرغم من ثقتها به، إلا أنها لن تسمح بأن يكون في منزل مع نساء أخريات. إنه يظل رجلاً خاضعاً لغرائزه. لا تعلم كيف ذهبت ووافقت بهذا الوضع. تعلم أنه جاء بهم ليساعدوها ولم يخطئوا بالفعل، لكن هذا الوضع غير مريح لها.
لاحظت صمت "كاسبر" الذي طال، ونظرته لها وكأنه لا يريدهم أن يذهبوا. فذهبت هي. نظر لها وتبعها. نزل الدرج وكاسبر خلفها. قال:
"أفيلا."
لم ترد عليه وهو يسعى ليوقفها، لكنها كانت غاضبة بشدة. خرجت من المنزل. اتجهت إلى البوابة، وجدت رجاله يقفون أمامها. نظرت لهم وقالت بغضب:
"ابتعدوا من وجهي."
أمسك يدها ووقف أمامها. أبعدت يدها منه، قالت:
"أخبرهم أن يدعوني أذهب."
رد بكل برود:
"لا يوجد ذهاب."
"ماذا؟!"
"كما سمعتِ. عندما تدخلين هنا، لا تغادري غير بموافقتي. ادخلي واصعدي لغرفتك."
قالت بضيق:
"وأنا لن أبقى هنا."
ابتعدت عنه. ذهبت للرجال غير مبالية، لكن وجدت من يمسكها ويسحبها إليه، ثم يحملها. نظرت له بصدمة وقالت:
"ماذا تفعل؟ أنزلني!"
لم يهتم بها وذهب ورجاله يتطلعون إلى سيدهم بدهشة.
دخل وكانت لا تزال تخبره أن ينزلها، وتحرك ساقيها باعتراض، لكنه لا يعيرها أي اهتمام. نظروا الفتيات إليه وهو يحملها وهي غاضبة وتصرخ. كانوا يشاهدون من على بعد. قال "منى":
"ماذا فعلتم؟"
"أظنها تضايقت عندما وجدتني في الغرفة، على الرغم أني كنت أغض بصري عنه، ليس من أحلى بل خوفاً منه، فهو صارم وشخصيته قوية، فخشيت أن يتضايق. هي امرأة، أظنها قد علمت ذلك في بنت لحظة. إنه وسيم للغاية، لم يكن خطئي."
"لنصمت."
دخل "كاسبر" إلى الغرفة وهو ما زال يحمل "أفيلا". اقترب من السرير وأنزلها. نظرت له، فكان قريباً منها ويميل عليها. ابتعدت عنه. وقفت. أمسك ذراعها بقوة ودفعها على السرير وهو يعيدها ويقول بحده:
"قلت لكِ لا يوجد ذهاب."
"وأنا قلت لك إنني لن أبقى ماداموا هنا."
"ما الأمر؟ لم يفعلوا شيئاً."
"لن أنتظر حتى يفعلوا. لا يعجبني وجودهم معك وأنا غير موجودة."
"أحضرتهم من أجلك لمساعدتك. أريد راحتك فقط."
"وأنا لا أشعر براحة وهم هنا. هذا الوضع لا أريده."
نظرت له في عينه، قالت بشك:
"لماذا لا تريدهم أن يذهبوا؟"
رد بكل جدية:
"أريد سبباً لخطأ ارتكبوه يجعلك تغضبين منهم هكذا."
نظرت له بضيق وقالت:
"أتريد أن تعلم؟ إنه أنت."
تعجب من قصدها، فأكملت:
"تقربهم منك لا يسمح لأحد بأن يقترب منك غيري. وإن احتجت لأي شيء، أنا فقط من أحضره لك، وليست امرأة أخرى. إذا كانوا لم يفعلوا خطأ، فأنا المخطئة إذا."
نظر لها، وكان قد أيقن غيرتها الشديدة التي لا تسمح له بالنقاش. وقفت وذهبت. أمسك ذراعها وسحبها إليه، فالتصقت به. نظرت له بتوتر:
"كم مرة سأخبرك أن لا تتركيني وأنا أتحدث."
صمتت ولم تتحدث. نظر إليها وإلى وجهها الغاضب. ابتعد عنها وذهب. جلست على السرير بضيق وهي تعقد ذراعيها.
حيث مر وقت قليل، ثم فتح الباب ودخل. تنظر له. سار تجاهها. اقترب منها. قالت:
"غادروا."
لم يرد عليها. نظرت له وغضبت أكثر، فهذا يعني أنه لا يهتم بها و بكلامها. وقفت وذهبت. وقف أمامها. اقترب منها. وضع يده على كتفها ونظر في عينيها وقال بهدوء:
"ذهبوا. هلا هدأتي؟"
نظرت له "أفيلا" وسعدت لأنهم لم يعودوا في منزلها. قرب كاسبر وجهه، نظر في عينها، وضحك. نظرت له بتفجأ شديد وإلى ضحكته. كانت رائعة، لن تنكر، ويبدو جميلاً، لكن لماذا يضحك؟
"على ماذا تضحك؟"
"لم تري شكلك وكيف كنتِ تبدين."
غضبت من سخريته. ابتعدت عنه. أمسكها ودفعها على السرير وهو فوقها، يمسكها. نظرت له بصدمة شديدة:
"لماذا كنتِ غاضبة هكذا؟"
"ألا تعلم؟"
ضحك بخفة وقال:
"لا أود أن أعرف منك."
قالت بحنق:
"هل تتمسخر علي؟"
نظر لها قليلاً ثم قال:
"تبدين جميلة وأنتِ غاضبة."
تلاشى غضبها شيئاً فشيئاً. لكن ضحكته هذه لا تريدها أن تغادر، تريد تراها وتسمعها دائماً. نظر لها وهي تنظر له. توقف عن الضحك وقال بابتسامة جاذبية:
"كيف أبدو؟"
ردت بغير وعي:
"جمي..."
أفاقت قبل أن تكمل. نظرت له، ارتبكت. ابتسم بخبث. توترت. حاولت إبعاده عنها، لكنه لم يبتعد. قال:
"ألن ننام؟"
"هل أمنعك عن النوم؟"
"بلى. أعجبني وضعية البارحة، لنكررها."
نظرت له، تذكرت عندما احتضنا بعضهما وناما. ابتعد عنها. أقفل الضوء. نظرت له. اقترب منها وضمها إليه وهو يقفل عينيه وهو يحتضنها بذراعيه. لم تستوعب وضعها.
تذكرت "حاتم" وهو يقول أن من أرسل الرجل "لوسيانو". لماذا تفكر في هذا الكلام الآن؟ هل تشك به وأنه يريد قتلها؟ لا، لن تهتم بكلامه ولو لذرة، لأن مستحيل من يركض تجاه قنبلة ويقفز بنفسه فراراً من الأخطار لينقذها، هو ذاته من يريد قتلها. بتأكيد هناك شخص آخر أخبره بأن يقول ذلك. لكن لما ليقول اسمه؟ هل يعرف بعلاقتها بـ "لوسيانو"؟
رفعت وجهها، نظرت له. كان مغمض عينيه بسلام. تساءلت: ما هذه الملامح الحادة الجميلة؟ يبدو بريئاً وهو نائم هكذا. قالت وهي تنظر إليه:
"كيف يمكنك التحول هكذا؟"
فتح عينيه، نظر لها بعدم فهم:
"من وجه المافيا المخيف إلى ذلك الوجه البريء؟ كيف تكون هؤلاء الأشخاص في جسد واحد؟"
لم يكن يفهم صيغتها قبل أن تكمل:
"لماذا لا تصبح شخصاً عادياً يا "علي" لتبتعد عن المافيا؟"
تبدلت ملامحه من ما قالته. نظر بعيداً، واحتل البرود وجهه. نظرت له "أفيلا". كانت تعلم بأمر المافيا وأنهم لا يدعون أحداً يخرج من دائرتهم إلا بصندوق التابوت خاصته. إنها تتذكر كلامه في بدايتهم حين حذرها من اللجوء إليهم. شعرت بالخوف والقلق. قالت:
"هل ممكن أن يؤذوك إن ابتعدت عنهم؟"
"مع غيري، ليس أنا."
تعجبت "أفيلا" من ثقته وبروده هذا، وكيف ليس معه؟ إنهم رجال خطرون. لماذا واثق هكذا؟ قالت:
"فلتعتد إذا."
"هل رأيتِ الاختلافات التي بيننا وتغير رأيك بي؟"
"ليس الأمر كذلك."
"إذا، كيف هو؟"
"لا أريد أن أرى نهاية مؤلمة لك."
رد بكل برود ولا مبالاة:
"لن يحدث لي شيء."
"هل أنت واثق من نهايتك؟ كيف ستكون؟"
بدا على وجهه الامتعاض والضيق من الحديث. حيث ابتعد عنها. اعتدلت. نظرت له وقالت:
"ماذا عن الله؟ هل تظن أنك تستطيع النجاة منه مثل حياتك هنا على الأرض؟"
"في الحالتين مصيري واحد. هو الجحيم."
"لا تقل ذلك. تستطيع أن تغيره."
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه وقال:
"كيف هذا؟"
"عد إلى الله، تب إليه."
"وهل تظنين أن التوبة تقبل من شخص مثلي؟"
"ولما لا؟"
"أنتِ لا تعلمين شيئاً يا "أفيلا"."
نظرت له ومن نبرته. ابتعد وهو يقف ويغادر ويتركها. جلست بحزن. لا تعلم هل أخطأت فيما قالته له، لكنها خائفة عليه كثيراً. تريده أن يبتعد عن تلك الطريق، لأنها تعلم نهايته جيداً. لا تريد أن ترى به مكروهاً.
كان "كاسبر" بالأسفل في غرفة المعيشة. وقف عند نافذة الزجاجية الكبيرة ويفتحها، فتظهر الحديقة أمامه وضوء القمر يسقط عليه. كان يستنشق بعض الهواء يزيح غضبه وتضايقه.
بينما "أفيلا" واقفة بعيداً تنظر له. سارت تجاهه. اقتربت منه. وقفت بجانبه ثم قالت:
"آسفة."
لم ينظر لها. كان ينظر أمامه وكأنه لم يسمعها قط، أم يراها واقفة بجانبه. أمسكت يده قالت بحزن:
"أعتذر، لم أكن أقصد مضايقتك، أنا فقط..."
لا بأس
ما زال لا ينظر لها.
قالت: مش هتنـام؟
لا. اذهبي انتي.
سابقى معك.
نظر لها تلك المرة ببرود، قال بصيغة الأمر:
اذهبي.
نظرت له، ومن نبرته وجهه المخيف وعينه وهو ينظر إليها، لماذا حدثها بتلك الطريقة؟ أكل هذا بسبب خوفها عليه؟ ذهبت وهي حزينة منه.
في اليوم التالي استيقظت "أفيلا". نظرت بجانبها لم تجد "كاسبر". تذكرت البارحة، شعرت بالحزن. وهل ممكن أنه لم ينم معها؟ وقفت وذهبت بدلت ملابسها ونزلت. وجدته جالس ويمسك هاتفه. اقتربت منه.
أنا ذاهبة.
حسناً.
نظرت له وهو لا يتطلع بها، قالت بحزن:
مش هوصلني؟
توقف كاسبر عن التقليب في هاتفه. نظرت له "أفيلا" وأنه لم يرد عليها. التفت لتذهب، وجدته وقف. نظر لها وذهب. ابتسمت.
في السيارة، نظرت له وهو يقود. وهل غاضب منها؟ قالت:
ذهبت البارحة للمخفر.
أعلم.
نظرت له بدهشة. فقال:
أخبرتك أني أعلم كل شيء عنكِ يا "أفيلا"، إذا كنتِ أمامي أم بعيدة عني.
تنهدت وقالت:
حسناً. أتعلم ماذا قال "حاتم" لي؟
انتفض وجهه لسماع اسمه منها. نظرت له، أحست أنه غضب. قالت:
أتريد أن تعلم من أرسل الرجل ليقتلني؟
رد بكل برود:
أعرف من هو.
اتسعت عيناها وقالت:
ماذا تعرف؟
صمت. فبدى له أنه يعرف حقاً. قالت:
من هو؟ قال الرجل أنك قمت بإرساله.
تعجب. أكملت:
قال أن "لوسيانو" هو من أرسله.
وجدت ابتسامة ترتسم على شفتيه. تعجبت. قال بسخرية:
هل صدقتيه؟
وهل تظن أني إذا كنت صدقته لكنت معك الآن وعدت إليك البارحة.
في السابق حين كنت قاتل والداك تحدثت إليّ، قابلتني، وقفت أمامه بغرفة خالية لا يكون سوانا، ولم تكوني خائفة. الخوف لا يليق بك يا "أفيلا"، لذلك أسألك إن كنت صدقته أم لا.
حست بالحزن والضيق من التذكر أنها مهما فعلت لن ينسى. قالت:
لم أصدقه.
تستشعر صدق نبرتها، لتكمل:
لم أعطِ نفسي فرصة قط للاستماع إليه، لأنه لن أصدقه. بتأكيد لست أنت يا "علي" أنك ترمي بنفسك في الخطر من أجلي.
لقد زادت ثقتك بي كثيراً.
صمت ولم ترد. نظر لها. علم أنه ضايقها، فلم يتحدث ثانياً.
كانت "أفيلا" تنظر من النافذة. لفت انتباهها شيء في المرآة، وهو انعطاف السيارتين الذي به رجال "كاسبر" وسلكوا طريقاً آخر. تعجبت كثيراً. نظرت له وقالت وهي تشير للخارج:
إلى أين ذهبوا؟
نظر لها بعدم فهم. نظر إلى المرآة للخلف وتفاجأ عندما لم يجد رجاله. أمسك هاتفه واتصل بهم. ردوا على الفور.
هل هناك شيء سيدي؟
أين أنتم؟
قال الرجل بتعجب:
نحن خلفك مباشرة.
قال كاسبر ببرود:
هل تمزح معي؟
خاف الرجل وقال:
لا ياسيدي، نحن خلف سيارتك. إنها أمامنا.
نظر الرجال إلى الرجل الذي يتحدث مع كاسبر ويبرر له أنهم خلفه. نظروا أمامهم إلى السيارة التي يتبعوها. كانت بالفعل سيارة "كاسبر"، لكن ليس هو الذي بداخلها، لأنها ليست سيارته بل شبيهاً لها.
لكن رقم السيارة ذاته.
قال "كاسبر":
سيارة من ال...
صمت عندما توقفت عينه بصدمة إلى النافذة بجوار "أفيلا". وجد سيارة بجانبها. تعجبت من نظراته لها. أرادت أن تعلم فيما يتطلع، لكن توقعت عيناها هي الأخرى ناحية نافذته. وجدت سيارة بجانبه. نظر لها "كاسبر" ثم نظر بجانبه ليرى إلى ما تنظر. فوجد سيارة ذاتها التي على الجانب الأخرى ناحيتها، وأصبحوا محاصرين من الاتجاهين.
رواية احببت مافيا الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم نور
في اليوم التالي استيقظت "أفيلا". نظرت جانبها لم تجد "كاسبر". تعجبت. جلست ونظرت حولها ثم خرجت من الغرفة تبحث عنه. وجدته واقفًا في الشرفة. ابتسمت وذهبت له، لكن سمعت صوته وكأنه يتحدث مع أحد.
"إن كان تحت الأرض فأنا أريده."
تعجبت. اقتربت منه وهي تصغي.
"لقد تمادى روبرت كثيرًا ويجب أن أضع له حدًا."
تصنمت مكانها واتسعت عيناها من الصدمة وهي تكذّب أذنيها. استندت على المنضدة فأصدرت صوتًا. سندت عليها. التفت "كاسبر". نظر إليها وتضايق كثيرًا. أن تكون قد سمعته. كانت عيناها مغمضتين.
"هل قلت روبرت؟"
صمتت وهي تتنهد لأنه أضاع كل ما يفعله هباءً.
"من يكون روبرت؟"
الهدوء الذي تلاه لا يوجد سواه ينظر إليها ولا يعطيها ردًا. فحدث ما كان خائفًا منه. لقد سمعته. ماذا يقول؟ إنه لا يكذب عليها؟ هل يخبرها بالأمر؟ هل عليه أن يفشي عن كل شيء الآن؟
خطت تجاهه وقالت: "لماذا لا ترد علي؟ قلت روبرت، صحيح؟ هل هو رجل آخر غير الذي أعرفه؟"
"لا."
قال ذلك بجمود. فأعرتها الصدمة وعقلها لا يستوعب شيئًا. تعود للوراء وهي واقفة تحمل مسدسًا وهو مستلقٍ على الأرض وتصوّب عليه فيتمدد أرضًا. ارتجف بؤبؤ عينيها من التذكر.
"كيف؟"
رأسها يدور، لا تعلم شيئًا. لماذا يذكر اسم "روبرت" الآن وهو قد مات؟ وكيف يأمر أحدًا أن يجدوه؟ كيف سينفجر رأسها؟ اقترب "كاسبر" منها وقال:
"سأشرح لكِ لاحقًا، لندخل الآن."
نظرت له بشدة وقالت: "تفهمني ماذا؟"
"أفيلا..."
"أخبرني الآن، كيف يكون روبرت؟ ما الذي تخبئه عني يا علي؟"
"أجل، إنه من كنت أتحدث عنه."
لقد أكد عليها أنها لم تخطئ. قالت: "لكنه قد مات. لماذا تذكر اسمه الآن؟"
"لأنه لم يمت."
قالت بصدمة: "ماذا تقول؟ أطلقت عليه النار في ذلك اليوم. لقد قتلته، صدقني، أنا واثقة."
"لم يمت. إنه حي."
اقترب منها، أمسك يدها وأردف قائلًا: "يداكِ ما زالت نظيفة يا أفيلا. كنت متضايقًا بأنكِ قتلتيه. لم أكن أريد أن تتلوث يداكِ بدماء ذلك الحقير. وسعدت أنه حي لأنكِ لستِ قاتلة. ما زلتِ كما أنتِ."
"ماذا تقول؟ أنا لا أفهم شيئًا."
"بعدما سافرت لألمانيا بيوم، جاءتني مكالمة من مصر وكان المتصل روبرت."
"أخي الحبيب، أتمنى أن تكون قد عدت لألمانيا سالمًا."
أعترت "كاسبر" صدمة من ذلك الصوت واللقب. قال: "روبرت؟"
"ما زلت تتذكر أخاك؟"
"لكن كيف؟"
"أتـقصد أنني حي؟ أجل، نسيت أخبارك أن زوجتك ليست ماهرة في التصويب. حتى في اليوم الذي رأيت فيه في عينها نار الانتقام، أصابعها المرتجفة من مخاوفها لا تعتاد على القتل مثلنا."
تذكر أنها حتى لم تكن لتمسك مسدسًا لولاه حين جعلها تصوّب، لكن المخاوف تظل في قلبها.
"نجوت من الموت مثلك. أترى كم القدر يريد لم شملنا ثانيًا."
تحولت ملامحه ببرود وهو يستمع له.
"انتظرت طويلاً حتى تعود ذاكرتك إليك، وبالفعل قد عادت كما خططت، وبفضل أفيلا طبعًا. أتعلم أنها تنفعني كثيرًا... لكن من المؤسف أنها ليست دائمة، لأني سأنهي هذا النفع قريبًا، فقد استنفدت كل ما لدي منها وحان وقت حسابي معها."
قال "كاسبر" بتحذير: "إن مستها بأي أذى، صدقني، لن تشفع لك جهنم من ناري."
"أحزن عليك عندما أراك ما زلت تحبها... حتى أنك لم تستطع قتلها عندما عادت لك ذاكرتك وعرفت بما فعلته بك. إنك ضعيف وأحمق كثيرًا يا كاسبر أمام تلك المرأة."
جمع قبضته وعيناه جامحتان. قال بلهجة مخيفة: "أحذرك مما تنوي أن تفعله."
"صدقني، ليس بيدي. إنه وقت القصاص. بعدما نجوت، كان هدفي هي لا غير... كنت سأبدأ في خلفها من جديد، سأعذبها أو أفعل ما يحلو لي. فبسببها بترت يدي وكدت أن أموت، لكن جأني خبر كونك حيًا فتبدل مساري... انتظرت ثلاث سنوات في مصر أراقبها وأعلم كل تحركاتها لأنها هدفي. انتظرت لقاءكم الجديد لأني أعلم جيدًا أنها من جعلت لك مشاعر وأحببتها، فلم تفعل امرأة أخرى غيرها ذلك... أردتكم أن تعودوا كما كنتم، أو بالأصح، حبك يكون قويًا تفعل أي شيء من أجلها، لكن أرى أنني أخطأت. فحبك قلب كثيرًا، أنك تركتها وأنت من لم يستطع تركها قديمًا... لم تعد تشعر كما كنت، مثلما كنت معها... أخطأت الظن بك، كيف تحب زوجتك التي غدرت بك وطعنتك من ظهرك. كان مشهدًا أليمًا."
"انتهيت."
قال "كاسبر" ذلك ببرود بعدما أصغى له. ثم قال: "لقد قلتها للتو إنني لم أعد أهتم بها. أصبحت أفيلا خارج حياتي. إن أردت شيئًا مني، واجهني أنا وأخرجها من الأمر."
"هذا ما أقوله يا أخي... يا للخسارة إن كانت لا تهمك. ما فائدتها الآن لأقتلها وأخذ بثأري منها وأندمها على قتلها لي. فأنا لست مثلك، سأنسي أمرها وأذهب."
أنهى "روبرت" جملته ثم أغلق الهاتف. نظر "كاسبر" إلى هاتفه بصدمة وقلق على "أفيلا". فهو هنا وهي هناك بمفردها بتأكيد. بعدما أنهى مكالمته، سيبدأ فيما قاله. ماذا يفعل؟ يجب أن يعود لها. سيقتلها بلا شك.
لم تصدق ما سمعته منه وتنظر له بصدمة. كيف يكون حيًا؟ تتذكر أنها صوبت عليه. لقد كانت الطلقة قريبة من قلبه. ألم تخترقه؟ لماذا لم تتأكد من أنفاسه؟ علمت الآن الرجل الذي جاء لقتلها وهددها.
"أنتِ ميتة على كل حال. إن قتلتيني لن ينتهي الأمر، سيأتي غيري ويقتلك. أنتِ لا تعلمين مع من وقعتِ." أكان "روبرت" من أرسله ويتحدث عنه؟ والقنبلة والرسائل؟ "سعيد برؤيتكم معًا مجددًا. اقتربت ساعتك. أعجبتك هدية البارحة."
شعر "كاسبر" بخوفها. وجدها تقول: "ليتني تأكدت من مقتله."
"لن يحدث لكِ شيء. أنا معك."
نظرت له قليلاً ثم قالت: "هل كان هذا سبب عودتك؟"
صمت. اقتربت منه وقالت وهي تنظر في عينيه: "هذا هو سبب مجيئك لمصر، وأن أراكِ ثانيًا. لو أن روبرت لم يحدثك وتعلم أنه حي ويريد قتلي، لما كنت جئت ورأيتني وجهك ثانيًا. لحظة واحدة."
قال آخر جملة ثم أردفت باستدراك: "هل قمت بإرجاعي إليك لهذا فقط، ليس من أجلي؟ وجودك معي الآن ليست سوى مساعدة."
"كان ابتعادي عنكِ من أجلك."
نظرت له بشدة وقالت: "من أجلي؟!"
اقتربت منه وأردفت: "تركتني وأنا أبكي ولم تلتفت حتى إلي. كنت أرجوك أن تبقى معي. طلبت منك فرصة يا علي، فرصة واحدة. لكنك لم تعطها لي وتركتني أكمل عقابي بابتعادك هذا. وتأتي الآن وتقول من أجلي."
تنهد وقال: "أفيلا، افهميني. علاقتنا..."
قاطعته وهي تقول: "يكفي يا علي. تريد أن تقول علاقتنا كانت خطأ من البداية، أليس كذلك؟ لماذا لم ترَ هذا من البداية؟"
"اهدئي."
قالها وهو يمسك وجهها والدموع تتغلغل بين عينيها.
"لماذا جعلتني أحبك لهذا الحد وتتخلى عني الآن؟ لماذا؟"
"لم أقصد أن أسبب لكِ هذا الحزن. لا أريدك أن تكوني تعيسة فقط."
أبعدته وهي تقول: "تعاستي تكون من غيرك. لا تختلق المبررات. لا أعلم هل أشكر روبرت أنه جعلني ألقاك ثانيًا، أم ألعن أني لم أصوّب عليه جيدًا. أتأكد من موته بنفسي. كيف لوغد مثله أن يعيش؟"
"لا أريدك أن تقتلي أحدًا يا أفيلا."
نظرت لمن أردف بجدية: "إذا جئتك الفرصة أن تقتليه ثانيًا، لا تفعلي ذلك إلا في حال واحدة. دفاع عن نفسك، ولن تحتاجي لذلك. سأتولى أمرك كاملًا."
"وأنا لا أحتاجك."
قالتها بجمود. نظر إليها بعدم فهم.
"عد مثلما جئت. ارجع إلى ألمانيا وابتعد عني."
استغرب بشدة من ما تقوله. هل تطلب منه أن يبتعد عنها ويعود ويتركها؟
"ماذا قلتي؟!"
قالت بحزن ودموع تملأ عينيها: "اذهب يا علي."
اقترب منها، وقف أمامها مباشرة. قال: "تريديني أن أبتعد عنك؟"
نظرت له قالت: "لقد فعلتها من قبل، ما الذي سيتغير؟ لتفعلها ثانيًا، وهذه المرة ستكون بموافقتي."
لم يكن مصدقًا ما يسمعه منها. قال: "لماذا تقولين ذلك الآن؟ تحاولين خداعي؟ أعلم أنكِ لا تريدينني أن أذهب."
"بل أريدك أن تغادر وفي أسرع وقت. كما استيقظت من مرضي وجدتك تبتعد، لتبعد أيضًا الآن."
اقتربت منه وأردفت: "كيف تفعل ذلك؟ كيف تعيد ما حدث في الماضي؟ سوف يستغلك ذلك الحقير لأنك تجعلني نقطة ضعف لك. لماذا تجعل نفسك ضعيفًا أمامه بسببى؟ ألم تتعلم الدرس؟ لقد جعلني أقتلك. سمعتني؟ أنك الآن واقف مع من حاولت قتلك، الذي كنت ستموت بسببها. والآن تحاول حمايتها."
نظرت له وأكملت بسخرية: "ما هذا الهراء؟ لم أكن أعلم أنك سهل لهذه الدرجة. كيف عدت تخاطر بنفسك من أجلي بدون أن ترى أن هذه المخاطرة ستكلفك حياتك؟ إذا كان يريد قتلي، فأنت ليس لديك دخل بذلك. لتعود إلى ألمانيا، أستطيع تدبير أموري."
التفت بلا مبالاة، لكن دموعها تكبحها.
"لن أذهب."
قالها "كاسبر" فتعجبت كثيرًا. أغلقت عيناها ثم التفتت وقالت:
"طلقني إذا، أنا لم أعد أريدك."
كانت صدمة كبيرة على "كاسبر" وغضب كثيرًا لأنها ذكرت ثانيًا الطلاق وكأنه شيء عادي. ويعلم أنها تريده وتحبه. لكن لماذا تفعل ذلك؟ يجب أن تخاف على نفسها وليس عليه، مثلما هو خائف عليها لا على نفسه.
"إن ذهبت لتطلقني قبلها. وإن ظللت في مصر، لن ننفصل الآن."
كان على وشك فقط السيطرة على نفسه ولم يعد يستطيع التحمل. قال:
"هل تدركين ما تقولينه؟"
"أجل، لم أعد أريد أن أكون معك. لقد مللت من هذا الارتباط الوهمي."
"وهمي!"
"أجل، لا يوجد أي مسمى بيننا."
"أنتِ من تقولين هذا. لا يوجد شيء بيننا لأنني أحترم رغبتك في هذا."
"أشكرك على احترامك الباهر. وهل ينص احترامك على الخفايا؟ لم أعد أهتم. لينتهِ الأمر ويرتاح كل منا."
كانت عيناها تمتلئ بالدموع وستنهار قريبًا من ما تقوله، وتحاول التحكم بنفسها.
"لن أفعلها."
شعرت بالسعادة، لكن الخوف عليه ازداد بأنه لن يتركها. نظرت له. قال:
"ماذا؟..."
قال ببرود: "كما سمعت."
"أنا لا أريدك يا علي. لم أعد أحبك. طلقني وابتعد عني. أتريد البقاء مع امرأة لا تريدك؟"
غضب كثيرًا وفقد السيطرة على نفسه. أمسك ذراعها بقوة وسحبها إليه واشتد عليها. تألمت منه كثيرًا.
قال كاسبر ببرود وتلك لهجة المافيا المخيفة:
"لقد دللتك كثيرًا، أظنك نسيتِ مع من تتحدثين."
نظرت له بخوف من تلك اللهجة وعينيه ليردف: "أحذري مني يا أفيلا وخافي على نفسك حتى لا أنسى من أنتِ، وترى ما لا أريد أن أريك لك."
كانت تنظر خائفة بالفعل. عينه الباردة وزراعها الذي يؤلمها، فكان يعتصره من بين قبضته القوية.
"تريدينني أن أطلقك؟"
شعرت بالحزن ودارت وجهها ولم تنظر لعينه.
"أنتِ طـ..."
سالت من عينيها دمعة جعلته يبتلع جملته التي كاد أن ينطق بها. عاد لنفسه بعدما كان الغضب يمتلكه ولا يعلم ما يقوله. هل كان سيطلقها ثانيًا؟ لكنها أهانته كثيرًا بكلامها. نظر لها بغضب وترك ذراعها وهو يدفعها بعيدًا ويذهب.
نظرت له وهو يأخذ جاكته ويغادر. سالت الدموع من عينيها وبكت بشدة. لم تعد تعلم ماذا تفعل. يجب أن يبتعد عنها. سيموت بسببها.
لماذا لم يطلقها وينتهي الأمر؟ لماذا يحبها كل هذا الحب؟ كيف صبّت عليه هذا الكلام؟ كيف تحملها؟ لقد جعلته يتحول بسبب كلامها المهين له ومسّت رجولته. كان ذنبه أنه يحبها وخائف عليها ويحميها.
كانت جالسة تبكي وتتذكر ما قالته وندمت. قررت أن تذهب له لتعتذر، لتخبره أنها تحبه، لكن خائفة عليه. لأنه إذا حدث له شيء بسببها ثانيًا، لن تسامح نفسها. نزلت من المبنى، اقتربت من سيارتها، ركبت وذهبت سريعًا.
كان "عمر" في المشفى جالسًا مع الطبيب "ياسر" في مكتبه.
"سيصبح مريضك من الآن ويجب أن تعطني تقريرًا لحالته."
لم يجد أي رد على كلامه من "عمر". نظر له.
"عمر..."
هل سمعتني؟
نظر له قال: ماذا؟
أنت بخير، يبدو عليك التعب. ألم تنم جيدًا البارحة؟
لا، أنا بخير. عن إذنك.
سمح له، فذهب. خرج واتجه إلى مكتبه، جلس بضيق، أمسك رأسه. تذكر "ريلا" وهي تحتضنه قبل أن تذهب.
لما أفكر فيها؟ لماذا أنا متضايق من رحيلها؟ لقد ذهبت وانتهى الأمر. ما هذا الذي يحدث معي؟ هل من الممكن أني أحبها؟ لا، هذا مستحيل. أعلم جيدًا أني أحب "أفيلا" ولم أستطع أن أحب غيرها. لقد حاولت لكن لم أستطع.
كان متضايقًا من تفكيره بها ويشعر أنه قد خسرها، وغاضب من هذا الشعور الذي يشعر به. ولم ينم البارحة من كثرة تفكيره.
***
ترجلت "أفيلا" من السيارة. كانت عند الفيلا، دخلت سريعًا. صعدت الدرج متوجهة للغرفة، فتحتها. لم تجده. دخلت، نظرت للغرفة، ثم ذهبت لترى أين يكون. نزلت، ذهبت لغرفة المعيشة، فهو يجلس هناك، لكن لم تجده. ذهبت إلى الغرف الأخرى التي بالأسفل، لم يكن موجودًا. صعدت الدرج لتبحث عنه بالأعلى. ذهبت للغرف الأخرى تبحث عنه ولم تجده. لكن توقفت فجأة عندما سمعت صوت ضجيج غريب.
تعجبت. التفت وذهبت تجاه الصوت. على يقين، أذناها كانت تقترب من الصوت، تتوجه إلى طابق غريب. وجدت رجلين من رجاله عند الباب. كان الصوت من الداخل. اقتربت منهم فمنعها أحدهم، قال:
غير مسموح الدخول.
أريد رؤيته.
في وقت آخر.
قالت بغضب: ابتعد من وجهي. من أنتم لتمنعوني؟
نظروا لها الرجال. اقتربت منهم، منعوها بتهذيب لأنهم غير مسموح لهم أن يمسوها كما أمرهم سيدهم. لكنها لم تستمع لهم ودخلت الغرفة دفعة واحدة. لكن توقفت مكانها.
وجدت "كاسبر" عاري الصدر، يكيل باللكمات القوية على كيس الملاكمة، وعضلاته متضخمة. وتحول لون القماش الطبي إلى الأحمر والدماء تسيل من زراعه، وهو لا يشعر بها. كان الغضب يمتلكه حتى أنه لم ينتبه بوجود أحد. كان لا يرى شيئًا أمامه غير غضب يريد إخراجه.
سيدتي، لتخرجي الآن.
قالها أحد رجاله. نظرت له، قالت: لماذا لم توقفوه عن ما يفعله؟ ألا ترى أنه مصاب؟
ليس لدينا الحق في ذلك.
نظرت له بشدة. لم تهتم. اقتربت من "كاسبر"، قالت:
توقف.
لم يسمعها، أو ربما لم يلتفت إليها. كان يزيد ضرباته ودماؤه لا تتوقف، تغزو منه وتتساقط قطراتها على الأرض.
صاحت به بغضب:
ألم تسمعني؟ توقف عن هذا!
شعرت بالحزن الشديد من ما هو عليه وما سببته. سالت الدموع من عينها وركضت إليه، ضمته بسرعة فتوقف عن اللكم.
يكفي، أرجوك.
قالتها بصوت هامس يجهش بالبكاء، تمنعه من أن يكمل.
لا تفعل بنفسك ذلك.
كان صامتًا. لم يعلق على أي كلامها. وقال ببرود:
اذهبي من هنا.
ضمته أكثر وبكت وهي تعانقه وتقول: لا، لن أذهب. لا أستطيع أن أتركك. توقف يا "علي"، إنك تنزف كثيرًا. اعتذر على ما قلته، أسحب كلامي. كان ثقيلاً عليّ أيضًا وأنا أنطقه، كان صعبًا، لكنني خائفة عليك كثيرًا. أشعر بأنني سأخسرك مجددًا وسأكون أنا السبب. أنا لا أستحق ذلك منك. لا أستحق حبك وحمايتك لي. أريدك أن تكون بخير فقط. آسفة.
أخذت نفسًا وهي تكمل: أقسم لك أني أحبك وأريدك بشدة. كنت أكذب وأخدع نفسي لأخدعك أنت الآخر وتبتعد عني، لكنك لم تفعل ذلك. سامحني، أرجوك. انسَ ما قلته. أنا لست قادرة على بعدك، لكنني كنت سأحاول لتكون أنت بخير.
لم تتبدل ملامحه لسماعها. وضع يده على كتفها وأبعدها عنه. نظرت له وكانت ترجوه بأعينها. نظر لها ثم ذهب. سعدت أنه توقف عن اللكم وضرب ذلك الكيس القوي الغليظ. ذهبت خلفه لترى نزيفه.
***
دخل "كاسبر" الغرفة. فتح الخزانة وأخذ تيشيرت. دخلت "أفيلا"، اقتربت منه. ذهب، أمسكت يده وقالت: دعني أوقف النزيف.
أبعد يده منها وذهب بهدوء. لكنها وقفت أمامه وقالت: اغضب مني لاحقًا، لأرى جرحك أولاً.
من أنتِ لأغضب منك؟
قال هذا بهدوء. فصمتت من ما قاله. اقترب، وقف أمامها وقال: لا يوجد بيننا أي شيء. لا تنسي ذلك. ما دام الأمر قد كشف لك، فأعلمي أن بقائي لك إنما لأصل عبرك لذلك النذل.
شعرت بالحزن الشديد من كلامه والدموع تتجمع في عينيها. قالت بصوت أجش: تستعملني كطعم إذا.
توقعي مني أي شيء. في النهاية، رجل يضع مشاعره إلى الهاوية مقابل أهدافه.
وما هي أهدافك يا "علي"؟ إنه يريدني أنا، فلما لا تقحم نفسك أنت؟
لو لم نتقابل قط، لما أقحمتك في تلك الأمور.
قال هذا بهدوء. فشعرت بغصة في حلقها من انكسار قلبها. قالت: تقصد أنك نادم على معرفتي؟
أشد ندمًا يا "أفيلا". لم أرغب يومًا أن أصبح كالآن. وإن كنتِ تسألين عن وجودي، فأنا أبقى معك باسم زوجك فقط، لإنهاء أمر "روبرت" وأغادر وأحقق لكِ ما طلبتيه.
تغادر؟ أهذا ما تريده أنت؟
نظر إلى دموعها. فنظرت في عينيه بإنكسار وقالت: أم أن كلامي جعلك تقول ذلك؟ حسناً. أسحب كلامي وأعترف. لقد كذبت. تعلم أني كذبت من خوفي عليك، وتعلم أيضاً أني أحبك. فلما تقول لي هذا الكلام القاسي؟
صمت ولم يعرها اهتمام. ثم ذهب وتركها دون أن يرد عليها. دخل إلى المرحاض، قام بفك الرباط حول ذراعه وكان ممتلئًا بدماؤه. نظر إلى جرحه، كان يؤلمه بشدة ودماء تغزو منه بالفعل، لكن لا يؤلم بقدر الكلام الذي سمعه منها.
فتح صنبور المياه، وقف بأسفلها لتتدفق المياه تغرقه، تختلط بدماؤه.
"طلقني، أنا لا أريدك. إن غادرت أنت، هي الأمر قبلها. وإن ظللت في مصر، لننفصل الآن. أتريد البقاء مع امرأة لا تريدك؟ لا أريدك يا "علي". لم أعد أحبك."
شعر بالضيق وهو يتذكرها. فهي لم تهون عليه أن يبعدها عنه وردها إليه لتصبح زوجته ثانيًا ولا أحد يأخذها منه. حتى أنه عندما جاء لمصر، كان من أجل حمايتها فقط ويقضي على "روبرت" ويذهب وهي في أمان. لكنه غير رأيه في المدة التي قضاها معها. اكتشف أنه يريد البقاء وعظم الابتعاد عنها. كان يحاول مع نفسه وعقله أن يعطيها فرصة ويثق بها. يعافر لأن ينسى ما مضى. لكنها أنهت كل شيء بكلامها، إذا بقصد أو بغير قصد.
***
خرج من الحمام ووجدها لا تزال في الغرفة. نظرت له بتعجب. فكيف يرتدي التيشيرت والدماء وجرحه مكشوف. لم ينظر لها وذهب. شعرت بالخيبة من تجاهله لها وقسوته هذه التي لم تعتدها.
***
نزل "كاسبر". دخل لغرفة المعيشة، اتجه ناحية زجاجات النبيذ الموضوعة ليقف عندها. يمسك زجاجة ويسكب في كأس ويمسكه ليشرب. لكن لوهلة تذكرها وهي تمنعه من شربه.
كانت "أفيلا" واقفة بعيد تنظر له وهو جالس وفي يده الكأس وذلك الشيء المحرم. وحزينة من رؤيته قد عاد ليده ثانيًا بسببها. لكن تفاجأت عندما وجدته يضعه بعيدًا ويتركه ولم يشرب منه شربة واحدة حتى. أسعدها ذلك حقًا. فهذا يعني أنه ممكن أن يتغير للأفضل ويبتعد عن كل هذه الأشياء. شعرت ببعض الأمل يجتاح جسدها وحزنها يبتعد. أثر كلامه الذي جرحها عندما امتنع عن شرب الخمر. نظرت له، كان يبدو عليه الحزن وتضايق. سارت تجاهه، اقتربت منه.
هل يمكنني رؤية جرحك؟
ألم تذهبي بعد؟
إلى أين أذهب؟ سأكون معك إلى أي مكان.
تنهد بضيق وذهب. أمسكت يده. نظر لها بحدة. وجدها تبكي. هدأت ملامحه وتقول:
ألا يحق لي أن أخاف عليك؟ أعلم أن كلامي ضايقك ولم أكن على حق قوله.
نظرت له وأردفت بتبرير: لكن كان هذا من خوفي. هو من جعلني أقول ذلك. لا تعلم عندما كنت أقوله كم كنت أتألم.
وضع يده على يدها وهو يبعدها عنه ويقول: بإمكانك العودة لمنزلك.
نظرت له. ذهب كاسبر. شعرت بالحزن أنه حقًا لا يريدها معه. مسحت دمعتها بكفها وهي تأخذ شهيقًا تملأ رئتيها وتطفئ نار صدرها. اتجهت للنافذة، فتحتها وخرجت للحديقة. وجدت الجرو "ألبر" جالس على الأرض. نظر لها، نبح وقفز إليها وكأنه اشتاق لها. اقتربت من الطبق، وضعته له طعامه. فاقترب سريعًا وأكل. تابعته بعينيها وقالت:
أنك جائع. فلتنتهِ من طعامك، لنذهب.
نظرت ناحية غرفته وأردفت بخيبة: لا يريد أن يتطلع في وجهي بسبب خوفي عليه.
حاولت كبح دموعها وهي تتحدث. أنت لا تريد أن تذهب وتتركه. ليتها تخبره ذلك. إنها تتمنى البقاء معه دونًا عن الجميع. فكرت في أن تذهب إليه لتراه إذا كان يحتاج لشئ.
صعدت الدرج وذهبت للغرفة. كانت مفتوحة. وجدته خالع نصف التيشيرت ويظهر ذراعه المصاب ويلف قماش طبي حوله. اقتربت منه. أمسكت القماش فكان غير ثابت على ذراعه. نظر لها. ابتعد عنها. نظرت له من ابتعاده عنها، ألمها ذلك كثيراً، لكن لم تهتم. اقتربت منه ثانياً، امسكت يده وأخذت منه القماش.
دعني أساعدك على الأقل، فأنا سأغادر.
وجد عينيها تدمع، فترك ذراعه لها. ثبتت القماش برفق على جرحه ولفته على ذراعه. لم يكن يتطلع بها وقد لاحظت ذلك حتى انتهت. نظرت له، قالت: ألن تقل لي شيئاً قبل أن أذهب؟
ماذا تريدين؟
أخبرني فقط أنك لم تعد حزين مني. اعتذر على ما قلته يا "علي". ماذا أفعل؟
لم يرد عليها. فشعرت بالخيبة. ابتعدت عنه وذهبت. نزلت للحديقة، أشارت للجرو أن يأتي. فركض إليها. أخذته وذهبت. فهي من ستعتني به وتعلم أنه لديه انشغلات وممكن أن ينسى طعامه. وصلت لشقتها واسترخت قليلاً. لكن هاتفها من المشفى أنهم بحاجتها. تنهدت. نظرت إلى "البر" قالت:
ابق هنا. سأذهب للعمل ثم أعود. لن أتأخر.
ذهبت وأغلقت الشقة. كانت خائفة أن يحدث له شيء وهي ليست معه. وصلت للمشفى وتوجهت لمكتبها. لكن توقفت عند مكتب "عمر". نظرت له، وجدته جالس ويمسك رأسه. تعجبت. كانت ستكمل سيرها، لكن توقفت حين لاحظت ذبول وجهه.
دخلت إليه. نظر لها وهي تدخل وقد لاحظها. قال: متى جئتي؟
الآن.
نظرت إلى وجهه بتفحص وقالت: ماذا بك؟ هل أنت مريض؟
لا، أنا بخير.
اقتربت منه وقالت: ألم تنم؟ يبدو عليك الإرهاق.
لقد نمت جيدًا.
أنت واثق من ذلك؟
أجل. ما الذي سيمنعني من النوم؟ لقد نمت كفاية.
تعجبت من تحوله هذا. هي لم تسأله عن السبب، لكنه أعطاها الجواب. قالت: هل تفكر في "إيرلا"؟
ولما لا أفكر بها؟
اسأل نفسك ذلك السؤال، وليس لي.
صمت ولم يتحدث. فقد قالت بالفعل الحل له. ذهبت وهو فكر في كلامها في أن يسأل نفسه.
أعلم نفسي جيدًا وقلبي من يحب لا داعي أن أسأله.
***
في اليوم التالي، استيقظت "أفيلا" على صوت بجانبها. نظرت، وجدت "ألبر" كان يداعب وجهها. ابتسمت، قالت:
ما الأمر؟ هل أنت جائع؟
جلست ونظرت في الساعة. وجدت أن المنبه الذي ضبطه قد رن وهي لم تسمعه. اعتدلت سريعًا، بدلت ملابسها، وضعت له طعامه وأخذت حقيبتها وذهبت.
تقدمت من سيارتها لتركب، لكن توقفت لوهلة. التفت وهي تتطلع بعيدًا باستغراب. فقد أحست بأن هناك من يتطلع بها. نظرت حولها بقلق. فكانت في المرة الفائتة إحساسها صحيح وكان هناك من يتبعها وينور قتلها. دلفت لداخل وذهبت.
***
وصلت للمشفى. أخبرتها الممرضة عن مريض وأعطتها ملف. فاخذته منها وذهبت. وجدت مكتب "عمر" خالي وكان جاكته موجودًا أيضاً. فعلمت أنه لم يأت بعد. ذهبت لمكتبها، ارتدت جاكتها وبطاقة عملها وأخذت الملف وخرجت وهي تسير وتقرأ الحالة بعناية.
توقفت للحظة حين شعرت بشيء. نظرت خلفها، لكن لم تجد أحد. سوى ممرضتين. نظرو لها.
هل هناك شيء، طبيبة "أفيلا"؟
نفيت برأسها وهي تنظر أمامها. تنهدت، ثم أكملت سيرها. دخلت المصعد وضغطت على زر. صعدت للطابق الثالث. ذهبت لغرفة المريض. رن هاتفها وكانت "بيري". ردت عليها لتجدها تقول:
نسيتِ أن لديك ابنة عم.
ما الأمر؟ لما أنتِ غاضبة؟
لم أراكِ منذ يوم الزفاف.
ألم تتزوجي وينتهي أمرك؟ لماذا تزعجينني الآن؟
هل هيأ لكِ أن الزواج سيرحمكِ مني؟
أنا لست مثلك.
ابتسمت حين قصدته بزواجها.
"ستأتين بعد الغد عند أبي، صحيح؟"
صمتت وتذكرت عمها عندما أخبرها أنهم سيتجمعون يوم الأربعاء.
"أفيلا، هل تسمعينني؟"
"أجل."
"لتأتِ باكراً، أريد الجلوس معك وقت أطول."
ابتسمت وقالت: "كما تريدين."
"أجل، لقد أخبرتني أمي أنها ستعد أكالتك المفضلة."
"حقاً؟"
"أجل، لكنها لا تعلم أني أخبرتك، فلا تخبريها أنتِ."
"حسناً، لن..."
انقطعت جملة "أفيلا" أثناء حديثها عندما فتح باب المصعد بجانبها وظهر من خلفه رجل غامض يخفي وجهه وينظر لها بجمود. نظرت له من هيئته وتوقفت عيناها على يده، فكان يحمل مطرقة حديد. رفع وجهه إليها بنظرات ثاقبة وتقدم منها.
رواية احببت مافيا الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم نور
أجل لكنها لا تعلم أني أخبرتك فلا تخبريها أنتِ.
حسناً لن...
انقطعت جملة "أفيلا" أثناء حديثها عندما فتح باب المصعد بجانبها وظهر من خلفه رجل غامض يخفي وجهه وينظر لها بجمود. نظرت له من هيئته وتوقفت عيناها على يده فكان يحمل مطرقة حديدية.
سار الخوف في جسدها. تقدم الرجل تجاهها، عادت للخلف ثم ركضت على الفور. فركض خلفها.
نزلت الدرج مهرولة تبحث عن النجدة فالطابق في الأعلى ليس به أحد غير المرضى وهم في الغرف. ركضت في الممر وتصرخ. فضربة واحدة قادرة على إنهاءها. فهو لم يحمل مسدس لأنها مشفى. وإذا سمع أحد صوت إطلاق سيسرعون إليها وتنتهي.
أمسك المطرقة وقام بدفعها نحوها. وقفت سريعاً خلف حائط فلم تصبها. وقعت أرضاً. نظرت كانت الأرضية تكسرت بسبب وقوع المطرقة عليها.
خافت كثيراً. ازدردت ريقها بصعوبة. نظرت بطرف عينها وجدت يد الرجل تمتد نحوها. أمسكتها وقامت بلويها وركلته في بطنه وركضت. لكنه أكلها في ساقها. تألمت كثيراً. وقعت. أمسك المطرقة وقفز فوقها.
بوحشية فسرعان ما أمسكت المطرقة سريعاً قبل أن يصل إليها.
نظرت له بخوف شديد فكان سيفكك رأسها. ضغط الرجل بقوته عليها وكانت تمسك المطرقة خوفاً على نفسها. قامت بركله من الأسفل فابتعد عنها. وقفت وهي تعتدل وتركض فلحق بها.
توجهت للدرج وهي مرتعبه وخائفة بشدة. نظرت خلفها وهو قريب منها. وجدت أحد يمسكها. ارتعبت لكنه وجدته "عمر".
اقترب الرجل منهم ورفع مطرقته. نظر له بشدة. أبعدها وركله بقوة في بطنه. أبعده عنهم. نظرت "أفيلا" أنها لا تزال بخير. قلقت على "عمر" أن يكون ذلك الرجل أحد الماهرين الذي نوى قتلها من قبل. تفاجأت عندما فتح المصعد وخرج رجلان. خافت كثيراً. أمسكت يده ليركضوا. لكن تفاجأت عندما وجدتهم يمسكون الرجل ويضربوه بقوة وينظر لها أحدهم ويقول:
سيدتي أنتِ بخير.
من أنتم؟
نحن رجال السيد "كاسبر". نعتذر على التأخير. لقد تخفى بين الأطباء كل لا نراه. لكن أحد منا وجده يسير خلفك فدخلنا سريعاً حتى سمعنا صوتك.
صمتت ولم ترد. كانت في حالة من الفزع. أمسك الرجلان الرجل وأخذوه.
في مكتب "أفيلا" كان عمر جالس مقابلها على الأريكة. أعطاها ماء تشرب. أخذتها منه. شربت بعضاً منها. كانت متعرقة ويداها باردتان من شدة الخوف. كان يطالعها ويتذكر صوت صراخها الذي سمعه حين فزع معها ورأى الرجل وهو يركض خلفها وفي يده تلك المطرقة ينوي قتلها.
أصبحتِ بخير؟
وأومأت برأسها. قال: من كان هذا الرجل؟
لا أعلم.
ومن كان هؤلاء الرجال الذين قالوا إنهم رجال سيد يدعى "كاسبر"؟
إنهم رجال "علي".
تعجب كثيراً قال: هل "كاسبر" يكون هو؟
أومأت له إيجاباً. صمتت وهي تشرد. قالت قالت لنفسها: ذلك الوغد بتأكيد هو من أرسله.
هيا لأوصلك لمنزلك.
لماذا؟
لن تقدري على العمل.
لا أنا بخير.
أنتِ متأكدة؟
أومأت برأسها. تنهد قال: كما تريدين. إن احتجتِ لشيء أخبريني.
وقف وخرج وهو يتركها. تذكرت الرجل الذي كان سيقتلها منذ قليل وكيف انقض عليها بالمطرقة. لو أنها لم تمسك يده لفتك دماغها وأصبحت أشلاء. هذه الفكرة مرعبة. أخذت أنفاسها وذهبت لعملها رغم خوفها.
في المخفر في غرفة سوداء يوجد رجلان شرطة و"حاتم" برفقتهم. جالس مقابل الرجل الذي حاول قتل "أفيلا".
أ أنت واثق من معلوماتك؟
أجل.
إن كان كلامك كذب سأنهي أمرك.
أخبرتك بكل شيء أعلمه.
وقف نظر للشرطيان قال: ابدأوا في البحث عنه.
أومأ الشرطيان إيجاباً وهم يقفون احتراماً له. نظر "حاتم" إلى الرجل وذهب. توجه لمكتبه. دخل وجلس وهو يريح ظهره ويقول:
من كان يظن أن أمرك يا "أفيلا" سوف يساعدني في الحصول على المعلومات عن رجل مثل كهذا وأدخل في تلك القضايا الموسوعة وأمسك طرف خيط. عليكِ أنتِ.. ما الذي ورائك ليسعى هؤلاء الناس إليك؟
في المساء اليوم ترجل "كاسبر" من السيارة في مكان مهجور. نظر إلى رجاله كان واقفين عند الباب.
أين هو؟
بالداخل سيدي.
فتحوا له الباب. دخل ثم أقفلوا له الباب ثانياً. كان رجل جالس أرضاً مقيد بأحكام. كان هو الذي حاول قتل "أفيلا" اليوم في المشفى.
كانت الدماء تغزو منه من بسبب ضرب الرجال له. سمع صوت فتح الباب ودخول أحدهم. فتح عينه ببطء. نظر إلى "كاسبر" وهو يتقدم منه.
فتح عيناه بشدة من رؤيته وسار الخوف في أطراف جسده. رأى "كاسبر" خوفه قبل أن يفعل أي شيء وكأنه يعلم من يكون. انحنى أمسك وجهه وأبعده. نظر إلى رقبته وأبعد ملابسه فظهر وشم مميز. ابتسم بسخرية. نظر له قال:
تعرفني صحيح؟
لا.
عقد حاجبيه وقال: تعلم أني لا أحب الكذب. سيؤدي هذا لموتك.
تتحدث وكأنك لم تقتلني.
صمت. رفع عينيه وتحدث بجمود: لماذا اقتربت منها؟ أتعلم من تكون هي؟
لم يكن لدي علم بعلاقتها بك. لما كنت أمسكها وأخاطر بحياتي.
"روبرت" من أرسلك؟
صمت قليلاً ثم أومأ برأسه إيجاباً.
أين هو؟
لا أعلم.
خفض "كاسبر" رأسه وهو يتنهد بضيق. نظر له الرجل. سرعان ما تلقى لكمة بقوة جعلته يستلقي على الأرض والدماء تسيل من فمه. تألم كثيراً. سمع صوت. نظر له وهو يعمر سلاحه ويقول:
تجبرني على قتلك.
أشار عليه. ارتعب وقال: أخبرتك بالحقيقة... لا أعلم... صدقني لقد أخذت الأمر منه بمكالمة فقط.
صمت قلق من هذا الصمت والهدوء فسيقتله بتأكيد. وقف وذهب. تفاجأ كثيراً بل صدم. هل سيذهب حقاً ويتركه؟ أ لن يفعل له شيئاً؟
بينما "كاسبر" يسير للخارج ويعيد سلاحه لجيبه. فهو لم يقتله لأنه تذكر الوعد الذي قطعه على نفسه لها. لم ينساه وهو يأخذ بوعده كسيف على رقبته. إن نكثه فقد انهارت رجولته.
دخلت "أفيلا" شقتها وهي شارده. أقفلت الباب. جلست على الأريكة. اقترب "ألبر" منها وهو يجلس بجانبها.
كانت مرتعبه مما حدث معها اليوم لكنها تقوي نفسها... لكن إلى متى؟ وأين سينتهي هذا الخوف؟ يجب أن يقبض على "روبرت" فممكن أن يؤذيها ومن خلفها يؤذي "كاسبر". يجب أن يضع له حداً. لكن هل ستتولى الشرطة أمره؟
تمنت ذلك لأنها لا تريد "كاسبر" هو من يفعل ذلك ويقتله وينهي الخوف والأمر بأكمله. فهي تعلمه لكنه وعدها بألا يقتل أحد.
في الليل كان "عمر" نائم أو شبيه بالنوم على السرير فقط. كان يتقلب كثيراً. فتح عينه بضيق. جلس وهو يشعل الضوء الذي بجانبه. أنزل قدميه. ذهب للحمام وغسل وجهه وهو يتنهد.
لماذا لا أستطيع النوم. أنا لم أنم من البارحة. أشعر بالنعاس الشديد والتعب لكنني غير قادر على النوم بسبب تفكيري المفرط بها. أشعر بالحزن عندما أتذكر أنكِ سافرتِ وابتعدتِ عني. لأن لا عن رأسي ولو ساعة. ساعة فقط أغفو بها.
تذكرها وهي تخبره بحبها لكنه لم يبالي أو يعيرها اهتمام وبكائها من بعد ذلك. كان يعلم أنه جرحها لكنه لم يكن يريدها أن تتعلق بأمل فارغ. كان متضايق من رؤية دموعها كثيراً. فهو يعلم ألم هذه الدمعة. إنه أكثر من يشعر بها لأنه ذاق ذلك الألم.
الحب من طرف واحد. كم هو مؤلم يا "ريلا".
جلس على سريره. نظر إلى المنضدة كان عليها هاتفه. التقطه واحضر رقمها وكان سيتصل بها لكن تراجع. رأى الساعة متأخرة. كان يتحجج فهو يعلم أن التوقيت متغير. لكنه لا يقدر على مهاتفتها. ماذا سيقول لها؟ أقفل الهاتف وأطفأ الضوء وعاد يحاول أن ينام.
في اليوم كانت "أفيلا" تواجه صعوبة في عملها. لا تستطيع التركيز دائماً خائفة. لا تشعر بالأمان.
أين "طبيب" عمر؟ ألم يرى الحالة الذي لديه بعد؟
قالت الممرضة: لم نراه اليوم.
ألم يأتي؟
لا. لكنه لم يدخل لمرضاه.
تعجبت. ذهبت إلى مكتبه لتراه لكن توقفت قبل أن تدخل حين رأته ينظر أمامه ويبدو عليه الشرود. فهي لاحظت تغيره منذ سفرها. حزنت عليه فهو صديقها أيضاً. لكن أضاعها من يده ولم يعلم حقيقة مشاعره لها. كان يجب أن يكون صريح مع نفسه. يعلم ما يريده. لماذا هو تردد بلاعتراف هكذا ويتيقن أنه ليس حب؟ هذا هو ما يريده. أخبره لنفسه أنه ليس حب لكنه خاطئ.
على ما تنظرين؟
سمعت ذلك الصوت بجانبها وكان ياسر. نظر لعمر الذي بداخل.
قالت "أفيلا": لا شيء.
أتعلمين ماذا به؟ يبدو غريباً.
أظنه متعب قليلاً.
فليستريح في المنزل.
يبدو متعلق بالمشفى كثيراً.
هل يبدو ذلك؟
في منتصف اليوم قررت أن تتحدث معه. دخلت إليه. لم يلاحظ دخولها. أطرقت على الباب. نظر لها.
إنك في عالم آخر. فيما تفكر؟
لا شيء.
هل "ريلا" هي من فعلت بك ذلك؟
لا أفهم ماذا تعنين.
أعني شرودك المفرط هذا من وراء رحيلها.
وما علاقتها بي؟ هناك أمر يشغلني فقط.
لماذا لا تكن صريح مع نفسك؟ لما لا تريح تفكيرك بأنك أيضاً تحبها؟
لأني لست كذلك.
لما أنت واثق هكذا؟ ممكن أن تكون مخطئاً.
لأني أعلم من يحبها قلبي.
نظرت له بشدة قالت: هل يوجد امرأة بحياتك؟ لماذا لم تخبرني عنها؟
أقصد أني عندما أحب أحد أعلم بالأمر. لكن "ريلا"...
صمت. فقالت: لكن ماذا؟ فلتكمل. أعلم أنك تفكر بها وهي من تأخذ تفكيرك وأنك تكن لها المشاعر. لكن ترددك هذا من جعلك تضيعها من بين يديك. لست هنا لأخبرك أنك تحبها. جئت لأجعلك توقف تفكير بها. لأنك عندما تركتها تذهب لم تكن مهتم. لذلك لا تهتم الآن كي لا تتعب من وراء كثرة تفكيرك. افعل كما فعلت وهي هنا.
وقفت وهي ترمقه نظرة أخيرة لتكمل - تجاهلها.
نظر لها. ذهبت تركته في ضيقه وحيرته أكثر وهو يقلب كلامها في رأسه ويشعر بأنه صحيح وأنه يحبها وهو بالفعل أضاعها.
في المساء انتهى من عمله. خرج من غرفة مريض. رن هاتفه.
ما الأمر؟
هكذا تحدث أختك الكبيرة.
ماذا فعلتِ يا "مريم"؟ هل تشاجرتِ مع زوجك ثانياً؟
قالت وهي تقول: لا. لقد أخذت فكرة خاطئة عني.
ما الأمر إذا؟
كنت بالخارج. مررت على المشفى الذي تعمل بها وأنا بالأسفل. هل رحلت؟
لا. أنا آتي.
حسناً.
أقفل هاتفه وذهب. أخذ المصعد وحين نزل تفاجأ عندما وجدها واقفة مع "أفيلا" ويتحدثون. أصابه القلق كثيراً. فهل لم يرَ أخته من قبل كيف تحدثها؟ هل ممكن أن مريم حدثتها وأخبرتها أنها تعرفها من كلامه عنها معها؟ والصورة الذي يحملها من حفل التخرج وهم ينظرون لبعضهم حين التقطا سيف لهم وصور الأخرى مع أصدقائهم.
نظرت "أفيلا" له. اقترب منهم. نظرت له مريم قالت: "عمر" لقد تقابلنا أخيراً.
قالت "أفيلا": إنك تهتم بالذكريات كثيراً.
قلق قال: "أفيلا" ليس الأمر هكذا. أنا...
ابتسمت تعجب قالت: ماذا بك؟ أريد نسخة من الصور فقط. لا أمتلك أي صورة لذلك اليوم. أتطلع لرؤية صورنا كأصدقاء كثيراً.
ارتاح فهي لا يبدو عليها التضايق.
أحببت أختك كثيراً.
أنا أيضاً. لنتقابل ثانياً.
بتأكيد. يجب أن أذهب.
قالتها وهي تبتسم لهم وتذهب. نظرت "مريم" له وهو يتابعها. نظر ثم قال:
ماذا قلتي لها؟
رأيتها مارّة. أوقفتها وأخبرتها أني أختك. ماذا في ذلك؟
ألم أسألك عن كيف عرفتها؟
بلى. أخبرتها عبر صور تخرجك عندما وجدتها معك.
هل قلتي شيئاً آخر؟
لا.
حسناً.
لما أنت خائف هكذا؟ هل أخطأت عندما تحدثت معها؟
تنهد قال: لا.
لنذهب
سنأكل أنا جائع ولا أراكِ كثيراً هيا
لم أكن لأمانع أنا أيضاً جائعة
ابتسما وذهبا سوياً
كانت "افيلا" تقود السيارة متجهة إلى منزلها. تذكرت "كاسبر" فهو لم يحدثها منذ ذلك اليوم أو يراها حتى. أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال به لكن لم يأتها رد. شعرت بالخيبة. من أمره بقتل رجل يدعى لوسيانو.
تذكرت "حاتم" والقاتل. لماذا لا تحدثه وتراه؟ تعلم لماذا قال ذلك. إنه يتأكد "روبرت". غيرت مسارها متجهة للقسم. اتصلت به ثانياً لتخبره ألا يتضايق. وأثناء انشغالها.
قطعت أنفاسها من صوت ناري لطلقة جاءت من خلفها. مرت بجانبها وأصابت زجاج السيارة الذي أمامها. اتصدت وقلبها يدق سريعاً. نظرت في المرآة وجدت سيارة خلفها ورجل يخرج منها ويصوب عليها. وضعت الهاتف جانبها وزادت السرعة. وهي خائفة من تلك الرصاصة التي كادت تصيبها.
كانت مرتعشة بشدة. فسمعت طلقة مجدداً لكن جاءت في السيارة من الخلف. كانت لا تعلم ماذا تفعل. إنهم لن يتركوها. نظرت حولها لتبحث عن أي أحد ينقذها. فانطلقت لتصل إلى المخفر.
سلكت طريقاً آخر وكانوا لا يزالون خلفها يتبعونها. وهي تنظر للمرآة من وقت لآخر. عندما تراه سيصوب تنعطف بالسيارة حتى تشوش تصويبه ولا يستطيع أن يصوب عليها.
سمعت صوتاً. نظرت في المرآة وجدت سيارة أخرى قد ظهرت وتصدم السيارة التي تهاجمها بقوة. تفاجأت. لكن نظرت أمامها وانطلقت وهي تبتعد عن ذلك الشجار.
وصلت أفيلا للمخفر. ترجلت ركضت للداخل بخوف. نظر لها رجال الشرطة وهي تهرول لهم. كان حاتم واقفاً. رآها تفاجأ من وجودها. اقترب منها على الفور. فأصطدمت به. نظرت له.
"افيلا" ماذا بكِ؟ لما تهرولين هكذا؟
سيقتلونني
قالتها بخوف. تعجب وقال: من هم؟
لم ترد عليه. نظر للخارج قال: انتظري هنا.
خرج من المخفر. لم يجد أحد غير بعض رجال الشرطة وسيارتها. بس وقعت عينه على الزجاج الأمامي المكسور. لف حول السيارة وجد من الخلف آثار لطلقات أخرى. دخل اقترب منها قال:
تعالي معي.
ذهب. جلست في مكتبه. أحضر لها ماء. جلس أمامها قال:
أصبحتِ أفضل.
أومأت إيجاباً فقال: أخبريني بما حدث.
كنت أقود وجدت طلقة تمر بجانبي كادت أن تصيب رأسي. حين رأيت وجدت سيارة خلفي ورجلاً يقول علي.
صمتت. لم تخبره عن السيارة الأخرى التي ظهرت. فهي تتيقن أنهم رجال "كاسبر" وأبعدوا السيارة من عليها لحمايتها.
حسناً. اهدئي. سأضع عليكِ حماية.
لا داعي.
إنكِ في خطر. إنهم ليسوا ناساً سهلة كما أخبرتك. إنهم مافيا. أتدري خطورتهم؟ إنهم كالوحوش لا يعرفون الرحمة. وأنتِ دخلتِ بهم. أي أنكِ لن تخرجي سالمة.
تنهدت بعمل دون أن ترد عليه. نظر لها "حاتم" قليلاً قال:
أين زوجك؟
حين تذكرته شعر بالحزن. فهو متضايق منها بسبب ما قالته له. وعلى الرغم من ذلك يحميها ورجاله تحوم حولها لا تتركها.
هل يعلم بأن هناك من يريد قتلك ويتركك هكذا؟
لا تنسي أنك تتحدث عن زوجي.
قالت ذلك بحدة وهي تقف ورحلت. تابعها بعينيه. فهي كبرت في نظره من أجل دفاعها عن زوجها. لكنه حزن عندما وجدها تحبه هكذا. فلقد تحولت عندما ذكره.
عادت لشقتها. جلست على الأريكة بتعب وخوف من ما يحدث معها. لن ينتهي هذا الركض وكل يوم من يأتي لقتلها. إلى متى؟
هل سوف تنجو في كل مرة؟ أم ممكن أن تموت؟ وإذا لم تموت ستموت من الخوف. وهي لا تشعر بالأمان والاطمئنان في أي مكان.
في اليوم التالي. ذهبت "افيلا" لعملها بتاكسي. فكانت سيارتها في التصليح. دخلت المشفى.
فقابلت "عمر". كان يبدو عليه الإرهاق كثيراً. نظر لها. رأت عيناه المنهكة.
"عمر" أأنت بخير؟
في ألمانيا. في الصباح. نزلت "ريلا" من العمارة وهي تتحدث في الهاتف:
حسناً. لن أتأخر عليكم.
قالت ذلك وهي تخرج. لكن تثمرت مكانها واتسعت عيناها بشدة وهي ترى "عمر" واقفاً أمامها ينظر لها. إلى ملابسها الذي لم تعد لسابق عهدها بل ترتدي مثلما كانت معه هناك. لم تكن تصدق أنه هو حقاً من يقف أمامها. إنه هنا على هذه الأرض معها. هل هو في ألمانيا حقاً أم هي تتخيل؟ لكن كيف؟
ابتسم ابتسامة خفيفة. تقدم خطوة منها قال:
مرحباً "ريلا".
إنه هو بلكنته وصوته. إنها لا تتخيل. دمعت عيناها عندما رأته. لم تعلم هل تسعد من رؤيته أم تحزن لأنها تبدأ في نسيانه. رأى الحزن إلى ظهر في عيناها.
كيف جئت لهنا ومتى؟
لقد وصلت للتو. ألا تسألينني عن السبب الذي أنا هنا من أجله؟
تعجبت. نظر لها واردف: إنه أنتِ. جئت لأراكِ.
تفاجأت كثيراً قالت: ماذا!!
"ريلا". هل يمكننا التحدث؟
في مقهى. جلس كلاهما. وكانت لا تفهم شيئاً بعد. وماذا يفعل هنا؟ إنها لا تستوعب ما قاله بعد.
هل لديك عمل هنا؟
أجل. لقد أخبرتك.
لكنك لم تقل شيئاً حتى الآن.
إنه أنتِ.
لقد كرر عليها ما قاله. هل حقاً هنا من أجلها؟ قالت: لا أفهمك.
أحبك.
قال ذلك بتلقائية. دق قلبها لسماع تلك الكلمة. لا تعلم هل هي حقيقة أم خيال أم الذي أمامها وهم وسيتلاشى من أمامها بعد قليل.
أنا أحبك يا "ريلا".
دمعت عيناها حين سمعتها منه ثانياً. تفاجأ "عمر" من تعبيراتها وكأنها لم تسعد. رفعت وجهها. أخذت نفساً عميقاً.
أنتِ بخير.
أجل. سعيدة برؤيتك يا عمر. إن احتجتِ لشئ في إقامتك هنا ستجدني موجودة.
اندهش من كلامها. هل هكذا ترد على اعترافه لها؟ وقفت وهي تذهب. تتخطاه. لكنه أمسك يدها يوقفها. ولم تكن تنظر له.
أعلم كم أنتِ غاضبة مني. في ذلك اليوم لم أكن أقصد أن أجرحك. لقد كنت مشوشاً. لا أعلم حقيقة مشاعري لك. أعتذر على ما سببته لك.
قاطعته وهي تقول: على ماذا تعتذر "عمر"؟ لا يوجد شيء لتعتذر بشأنه.
لماذا تحدثينني هكذا؟!!
هل كنا نتحدث بطريقة أخرى؟
لم تكن كسابق عهدها معه. نظرت ليدها. تركها فذهبت. جلس "عمر" بخيبة. يعلم أنها متضايقة منه ولذلك تحدثت معه هكذا. فلم ينسى كيف عادت لبلدها حزينة بسببه.
"افيلا" أكان يجب علي أن آتي؟
"عمر" أأنت بخير؟
لا أعلم.
ما الأمر؟
أصبحت لا أعلم ما الذي يحدث لي. لا أستطيع النوم جيداً من كثرة تفكيري ب..
صمت ولم يكمل. نظرت له قالت: "ريلا" أليس كذلك؟ تفكر بها.
لم يرد عليها. التزم بالصمت. فقالت: أنت تحبها يا "عمر". يجب أن تعلم بمشاعرك.
وماذا سيفيد الآن؟
إذا اعترفت أنك تحبها.
أظن ذلك.
لا أريد ظناً. أريد أن تتأكد من نفسك. هل تحبها أم لا؟
لا أعلم يا "افيلا". صدقيني لا أعلم.
حسناً. سوف أساعدك.
كيف؟!!
أريد أن ترى قادماً. إذا أحبت "ريلا" شخص غيرك وتزوجته وأصبحت معه. أريدك أن تتخيلها وهي مع رجل آخر. فقط.
أوى في ذاكرته حين كان قريباً منها في شقته. لكن ابتعد عنها. تذكر عندما اعتنت به في المشفى أثناء مرض "افيلا" حين لكمه "كاسبر". وضعت كيس الثلج على وجهه وتعاتبه على تهوره. تذكر عندما كانو في الخارج واحتضنه لتواسيه. وعندما كانو في السيارة قربت يدها من وجه مكان اللكمة. عندما كان في شقتها وهي بجانبه تقلب صفحات الكتاب وتحكي قرأتها فيه.
حاول أن يتخيلها مع أحد غيره. لكن قبل أن يتخيل ألمه قلبه بشدة وشعر بالحزن من تضيع من يده.
لكنها تحبني أليس كذلك؟ لن تحب غيري.
لم يجد رداً. نظر إليها من صمتها. كان يريدها أن تؤكد له المعلومة. لكنها لم تفعل. حيث قالت:
لقد كسرتها يا "عمر" قبل ذهابها. لقد كانت حزينة بشدة.
شعر بالندم وقال: ماذا أفعل؟ لم أكن أعلم صدق مشاعري. أردت ألا تتعلق بي. لكن فات الأوان على ذلك.
لم يفت شيء.
كيف؟
بإمكانك الذهاب لها وأن تعتذر وتصلح كل شيء.
أسافر؟
أجل. ألا تستحق أن تذهب لها؟
لكن كيف سأعثر عليها هناك؟
ابتسمت. قالت: نسيت أني كنت معها هناك لسنوات. سأعطيك عنوانها. وإذا احتجت أي شيء اتصل بي. لن أبخل عليك بمعلومة.
ابتسم وحل الضيق من على عنقه. وكأنه عقدته قد حلتها. كل شيء انزاح من عليه بسبب كلامه معها.
أشكرك "افيلا".
ابتسمت له. وجدته يذهب سريعاً. قالت:
لاين.
سأطلب إجازة. أريد الذهاب اليوم قبل غداً.
دخل عمر إلى مكتب ياسر. نظر له وإلى دخلته.
أيمكنك أن تعطيني إجازة؟
تعجب قال: لماذا؟
سوف أسافر.
قال بدهشة: ماذا!! لاين؟
ألمانيا. لدي أمر طرأ هناك.
كم تريد؟
ليس بكثير. يومين أو ثلاثة.
حسناً. لا بأس.
أشكرك.
ذهب عمر إلى منزله بلهفة. فتح اللابتوب خاصته يبحث عن أول طيارة لألمانيا ليحجز بها. قام بتحضير حقيبته ويضب أغراضه وثيابه. وأثناء ذلك قام بالاتصال بأخته مريم. لم ترد على أول مكالمة. فردت على الثانية.
اتصلت لأخبرك أني سوف أسافر اليوم.
قالت بصدمة: ماذا تقول؟ أنت تمزح.
أحدثك وأنا أحضر حقيبتي.
أجننت يا "عمر"؟ تسافر إلى أين وفجأة هكذا؟
أنا متفاجئ مثلك.
انتظرني. أريد رؤيتك.
ما زال هناك وقت.
رن جرس الباب. ذهب عمر وفتح الباب. دخلت أخته وابنها. نظرت له. ذهب وتركها. غضبت مريم. أقفلت الباب. وضعت ابنها على الأريكة وذهبت خلفه. دخل "عمر" غرفته وأكمل بضب ثيابه. دخلت "مريم". نظرت له بدهشة.
أنت ستسافر حقاً. إلى أين؟
ألمانيا.
لماذا؟
يجب أن أنهي أمراً ما وأعود. لا تقلقي. إنهم يومين لا أكثر.
لماذا لم تخبرني قبلها؟
لقد قررت اليوم. لم أكن أنوي أن أسافر.
نظرت له مريم وإلى بهجته الذي في وجهه. صمتت. فهي لا تفهم شيئاً. تراه سعيد وهو يحضر ثيابه. ماذا حدث يجعله يريد السفر ولما سعيد بذلك.
ابتسم وهو يقول داخل نفسه: أشكرك يا "افيلا". لو أنك لم تساعديني لم زلت في مصر ولا أعلم ماذا أريد. أما الآن أنا في ألمانيا ورأيت ريّا وأشعر بالسعادة من رؤيتها كثيراً.
في المساء بمصر. كانت "افيلا" في مكتبها. رن هاتفها. نظرت وجدت عمها "وجيد". تعجبت لماذا يتصل بها. عادت بذكرتها. فاليوم هو الأربعاء. وأخبرها أنهم سيتجمعون. ردت عليه.
مرحباً عمي.
لماذا تأخرتي؟ أخبرتني بيرى أنك ستأتين باكراً لجلوس معها.
اعتذر.
هيا ننتظرك. لا تتأخري.
أغلقت أفيلا الهاتف. خلعت جاكتها وذهبت. حين وصلت إلى منزل عمها. كان يشغل تفكيرها "كاسبر". ولم تسأل عنها. عليه ماذا تقول له؟ فهو أكد عليها أن تحضره معها. رن الجرس. فتح الباب. كانت بيرى. التي قابلتها بإمتقاض. فقالت بتبرير:
كنت في العمل. لم أكن أقصد تأخيري.
ابتسمت. أفسحت لها وقالت: ادخلي.
دخلت. رأت عمها جالس "كريم" و"وليد" وخالتها. نظروا لها. اقتربوا. جلست معهم. كانت تعلم نظراتهم بأن كاسبر ليس معها.
لن يأتي "علي". لديه عمل.
قال "وليد": ألم يكن بوسعه تأجيل عمله اليوم؟
صمتت "افيلا". فحجتها لم تكن مقنعة. قال "وجيد": حسناً....
هل انتهيتِ من عملكِ أم قمتِ بتعطيلكِ؟
لم ينتهِ دوامي، لكن عملي كان قد انتهى. لم يكن لدي شيء، لذلك جئت.
جيد.
رن الجرس، وقفت "بيري" وذهبت لتفتح.
قالت "بهيرة": أخبريني كيف حالكِ "أفيلا" أنتِ و"علي"؟
صمتت "أفيلا" قليلاً ثم ابتسمت وهي تقول: بأحسن حال. إنه لا يدعني أحتاج لأي شيء، يهتم بي كثيراً.
نظروا جميعاً خلفها. تعجبت. ابتسم "وجيد" وقال: مرحباً يا "علي"، كنا في انتظارك.
نظرت لعمها بشدة. التفت، وجده واقفاً.
قال "بيري": أخبرتنا "أفيلا" أنك لن تأتي ولديك عمل.
نظر إليها وقال: هل قالت ذلك؟
صمتت، فهي كذبت لأنها لم تعلم ماذا تخبر عائلتها، لكن كيف جاء؟ إنها لم تخبره أن عمها يريدهم اليوم.
قال "وليد": "أفيلا"، لقد جاء "علي". كيف كان لديه عمل؟
رد عليه بدلاً منه: لا بأس، فأنا لم أخبرها أني قمت بتأجيله.
قال "وجيد": جيد أنك جئت، اجلس يا "علي".
نظر "كاسبر" إليها، جلس بجانبها. سعدت أنه جاء ولم يحرجها أمام عائلتها.
قالت "بهيرة": "بيري" و"أفيلا"، هلا ساعدتموني في وضع الطعام.
أومأوا برؤوسهم وذهبوا. نظرت "أفيلا" للخلف وعيناها عليه. اقتربت "بيري" وهمست لها:
إنه يجلس معكِ في المنزل طيلة اليوم، لا داعي أن تنظري له الآن.
نظرت لها، أظهرت لا مبالاتها. ابتسموا عليها وذهبوا.
قال "كريم": لم أكن أعرفك في الحفل. تفاجأت كثيراً من عمي وهو يرحب بك. يبدو أنك قريب من العائلة. فأخبرتني "بيري" أنك زوج "أفيلا". كانت مفاجأة لي معرفتي أنها متزوجة، فقد تقدم لخطبتها أحد أصدقائي.
نظر "وجيد" إلى "كاسبر" خشية أن يغضب، فهو لا يعلم أنه يعرف.
إنه "حاتم"، بتأكيد تعرفه، إنه من يمسك قضيتها.
أجل، تعرفنا في الحفل ذاته. حين أخبرته من أكون، لم يكن مسروراً.
نظر إليه "كريم" من ردة فعله. ملامحه الهادئة تظهر قوة شخصيته، ليصمته بما قاله.
قال "وليد": لماذا لم تأتِ مع "أفيلا"؟
كما أخبرتك، لم تكن تعلم بأمري، فذهبت.
قال "وجيد": جيد جئت.
اقتربت "بيري" منهم وأخبرتهم عن الطعام، فذهبوا إلى المائدة وجلسوا ليأكلوا. نظر "وجيد" إلى "أفيلا" فكانت تجلس بعيداً عن "كاسبر".
"أفيلا".
نعم.
لماذا تجلسين بعيداً، اجلسي بجانب زوجك.
نظر لها "كاسبر". نظرت لعمها، فهي تعلم أنه متضايق منها ولم تريد إزعاجه. يكفي أنه قد جاء ولم يحرجها أمام عائلتها. أومأت برأسها، وقفت، اقتربت منه وجلست بجانبه. ابتسم "وجيد" وأكل. نظرت "أفيلا" له وهو لا يتطلع بها.
كان يعلم أنها تنظر له. عادت لطبقها بصمت. قرب يده من يدها، لامسها بأناملها. اتسعت عيناها ودق قلبها بشدة. نظرت ليده القريبة منها وتلامس بشرتها. توترت. نظرت له، كان يأكل وكأن شيئاً لم يكن. ابتسمت.
انتهوا من طعامهم، وفي وسط جلستهم قالت "بيري": هناك شيء لا أعلمه حتى الآن. كيف "علي" كان يعيش في الخارج والتقيت بـ"أفيلا"؟ هل قابلتها هناك وهي تدرس؟
نظر إليها من سؤاله، لكنه قال: كنت أعرفها قبل ذلك.
نظروا جميعاً له بعدم فهم. قال "وجيد": كيف؟ هل تقصد أنك تعرفها قبل أن تكون في ألمانيا؟
توترت "أفيلا"، فهو يقصد عن أمر اختراقها لحساب والده. قالت: لا، تقابلنا مرة هناك وتعرفت عليه في مصر.
قال "كريم": تجمعتم في مصر إذا؟
ابتسمت "بيري" وقالت: إنكم مقدرون لبعضكم من البداية. تقابلتم في ألمانيا ثم التقيتم وتعرفتم في مصر.
تذكرت "أفيلا" أحداثهم بالفعل، وكأن القدر يقصد تجمعيهم. كيف لصدفة تجعلها تخترق حساب ذلك الرجل الذي كان والده، ومن ثم تذهب لذات البلد وتلقاه هناك، وتعود لوطنها وتقابله وتتعرف عليه هنا. كل شيء وكأنه مدبر له. هذا هو القدر. لا يعلم كل منا شيئاً عن القادم والمستقبل. استشعرت حنين الماضي وهي تتذكر. نظرت له، تساءلت في نفسها:
كيف ستكون نهايتنا يا "علي"؟ هل سعيدة أم مؤلمة؟ أريدك أن تكون بخير فقط. سأفعل أي شيء لأرد لك الدين الذي لم أنساه يوماً. أعلم أنك لم تنسَ أيضاً، لكن سأفعل ما بوسعي.
كان "وجيد" سعيداً أن بناته الاثنتان أصبح لديهن حياتهن ويتجمعون مثل العائلة.
قال "وليد": دعونا نلعب.
قالت "بهيرة": ألم تكبر بعد؟
قالت "بيري": لا نفعل شيئاً على أية حال. ما اللعبة؟
قال وليد: المافيا.
تبدلت ملامح "أفيلا" لسماع ذلك.
قال "كريم": عبارة عن ماذا؟
هي ألغاز لمجرمين. ومن يستطيع حل هذه الألغاز يكون "مافيا".
إذا حللتها، فأنا "مافيا" إذا.
أجل.
أحببت اللقب كثيراً، أريده أن ينطبق علي من الآن.
ابتسموا، بينما "أفيلا" تعجبت مما قاله. أحب ماذا؟ لقب المافيا؟ يقولها وكأنه لقب عظيم يجعل له هيبة وخوف من الجميع. وبالفعل ذلك اللقب كذلك. نظرت لـ"كاسبر"، فهم لا يعلمون من يجلس معهم.
قال "وليد": لنبدأ.
أخرج هاتفه وفتح الألغاز وقال: جريمة قتل غامضة. كان يوماً ممطراً وبارداً، وهناك فتاة تدعى ماري كانت تشعر بالإحباط، لذا قررت دعوة أصدقائها لزيارتها، لكن بعد 30 دقيقة من وصولهم، عثروا عليها مقتولة. قامت الشرطة باستجواب أصدقائها. تقول صديقتها "لورا" بأنها لم تتناول أي طعام طيلة اليوم، لذا كانت تأكل في المطبخ. وأخبرت "هانا" أنها كانت تسبح في حوض السباحة. وقال "سام" أنه كان يطالع أحد الكتب في الفناء الخارجي للمنزل. وكان "كرسي" يجلس في غرفة المعيشة يرسم في ذلك الوقت. من القاتل؟
نظروا إليه. أخبرته "بيري" أن يكرر، فعاد عليها وأخذوا يفكرون.
قالت "أفيلا": "سام". لأنه كيف يكون يقرأ كتاباً في الفناء وكان الجو يمطر؟
قال "كاسبر": يوجد قاتلان.
نظر الجميع له. أكمل: لم تخطئ "أفيلا"، إنه "سام" و"هانا" أيضاً. الاثنان وضعا حجة بعيدة أوقعتهم. كيف لهم المطالعة على الكتب والسباحة خارج المنزل بين الأمطار والأجواء الباردة؟
نظروا إليه. قلب "وليد" في هاتفه على الإجابة.
الإجابة صحيحة. لننتقل إلى اللغز الثاني. احتجز "مايكل" وعائلته كرهائن من مجرم في منزلهم، وفجأة رن جرس الهاتف. سمح المجرم لـ"مايكل" بأن يرد على الهاتف، ولكن بدون أن يطلب المساعدة وإلا سيقتل أحد من عائلته. لذلك رد "مايكل" وقال: "مرحباً يا أبي، أيمكنني مساعدتك؟ أنا في المنزل ومتعب للغاية. إذا لم تكن حالة طارئة، سأتصل بك في الغد. والآن علي أن آخذ الأطفال إلى السرير". وبعد مرور 15 دقيقة، وصل رجال الشرطة وقبضوا على المجرم. كيف تمكن "مايكل" من طلب المساعدة من والده؟
كان هذا اللغز غريباً بعض الشيء، فصمتوا، فهو لم يقل شيئاً يستدعي الخوف أو طلب النجدة.
شفره.
نظروا إلى "كاسبر" بعدم فهم. أكمل: قام بتقطيع كلماته. كانت شفره: "منزل، حالة طارئة، اتصل".
نظر "وليد" في هاتفه ووجد الإجابة صحيحة. نظروا له بإعجاب. نظرت "أفيلا" لهم ثم قالت: هيا اللغز الآخر.
أومأ وهو يقول: حسناً. قام إرهابي باختطاف طائرة بها الكثير من الذهب و10 ركاب على متن تلك الطائرة. وبمجرد أن وضع المجرم يديه على الذهب، طالب بـ11 مظلة. عندما حصل على مراده، أخذ مظلة واحدة وقفز من الطائرة. لماذا طلب 11 مظلة إذا كان يحتاج مظلة واحدة؟
قالت "كريم" بتساؤل: ألم يكن معه أحد؟ مجرم آخر مثلاً؟
كان بمفرده.
قال "كاسبر": إذا كان قد طلب مظلة واحدة، كان تم خداعه. أعطوه مظلة معطلة. لكنه طلب 11 ليخدعهم هو. فظن طاقم الطائرة أنه سيقفز مع الركاب، لذلك لم يخاطروا وأحضروا جميع المظلات سليمة.
قال "كريم": إنك ذكي كثيراً.
الأمر لا يستدعي الذكاء.
قال "وليد" بمزاح: إذا كنت استدعيته، ماذا سيحدث؟
ابتسم "وجيد": هل حصل "علي" على لقب المافيا إذا؟
قالت "أفيلا": لا. ما زالت اللعبة طويلة، لما العجلة؟
نظرت إلى "كاسبر"، أمسكت يده وهي تبتسم وتجز على أسنانها وتقول: أليس كذلك؟
نظر لها هو الآخر، ابتسم عليها، فهي مجرد لعبة متعلقة بالذكاء والتفكير فقط، وليس لأنه مافيا ومن عالم الجرائم كما تظن هي. نظروا لهم وهم ينظرون لبعضهم. قامت "بيري" بضرب "كريم" بكوعها، فتألم.
ماذا؟
قالت بصوت منخفض إليه: لماذا لا تمسك يدي وتنظر في عيني أنا أيضاً؟
إنك لم تطلبي ذلك.
غضب "بيري" منه أكثر وقالت بغضب: هل يجب أن أطلب؟
وكيف لي أن أعرف؟
ابتسم كل من "بهيرة" و"وجيد" عليهم. رن جرس الباب. تفاجأ "وجيد" فهو لا ينتظر أحداً. ذهبت "بيري" لتفتح.
حاتم.
تفاجأت "أفيلا" كثيراً، والجميع. نظرت لـ"كاسبر" وهو أيضاً. نظروا خلفهم ناحية الباب ووجدوا "حاتم" ورجال شرطة. وقفوا بعدم فهم من رؤيتهم.
اقترب "حاتم" منهم وقال: اعتذر على مقاطعتكم.
قال "وجيد": مرحباً، هل هناك شيء حول أمر "أفيلا"؟
لا.
قال "كريم": ما الأمر إذا؟ ولماذا ولما طاقم الشرطة معك؟
نظر حاتم لـ"كاسبر"، وقف أمامه، ابتسم، قال: مرحباً يا "علي". لا أقصد "كاسبر".
نظر له الجميع باستغراب، ليكمل بجدية:
أم أدعوك بـ"لوسيانو"؟
رواية احببت مافيا الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم نور
واخيراً التقينا يا "لوسيانو".
اتسعت عين أفيلا من الصدمة والخوف مما سمعته للتو. أخرج حاتم القيود بينما كان كاسبر واقفاً بثبات.
قال وجيد: ما الأمر؟
قال حاتم: سنأخذ رجل المافيا معنا ونذهب.
قال كريم بتعجب: مافيا ماذا تقول؟
قالت بيرى: كانت مجرد لعبة.
قال حاتم: عن أي لعبة تتحدثون؟ أنتم لا تعلمون بالتأكيد أن من يجلس معكم مافيا.
تبدلت تعابير وجوههم لصدمة كبيرة. تدخلت أفيلا وقالت: ما الذي تهذي به؟
نظر حاتم إلى كاسبر، واقترب منه وقال: لتتعاون معنا.
ليرد عليه بهدوء: سأفعل ذلك بالفعل، لكنك تخطئ كثيراً بما تفعله.
نظر له من تهديده، لكن لم يعره اهتماماً فهو ليس خائفاً منه. مد كاسبر يده إليه، وضع بها القيد وأخذه تحت أنظار الجميع. كانت أفيلا متصنمة مما يحدث، وكأن الأرض لا تحملها. هل انتهى أمره؟ هل علم الشرطة من يكون؟ ماذا سيفعلون به؟
أسئلة كثيرة تعج رأسها وتخشاها.
خرج كاسبر مع رجال الشركة. شاهدوا رجاله يقتربون منه على الفور، لكنه رمقهم بنظرة كتحذير ألا يتدخلوا أو يقتربوا خطوة واحدة. فوقفوا مكانهم، شاهدوه بصمت وهم يأخذونه ويذهبون.
تحت صدمة الجميع، نطق وليد برجفة من خوفه وقال: م.. مافيا؟ أكنا جالسين مع مافيا؟
نظرت أفيلا إليه بشدة ثم ذهبت بضيق وتركتهم. نظروا لها وهي تغادر، فقالت بيرى بغضب: كيف تقول عن "علي" هكذا أمامها؟
قال كريم: لكن ألم تسمعي ما قاله حاتم بشأنه؟
قال وجيد: إنه سوء فهم.
قال وليد: أبي، رأيت كيف كان يحل ألغاز المجرمين بسهولة ليأخذ تفكيراً بتفكيكها كما فعلنا نحن.
رمقه نظرة أصمته وقال بحده: لا تهزأ بهذا الهراء، كانت مجرد لعبة متعلقة بالذكاء ليس إلا.
أومأ بتفهم، فكان كلام والده محقاً.
***
في غرفة سوداء، كان كاسبر جالساً ومقابله حاتم، وأحد شرطيين يقفان خلف الحائط في غرفة أخرى بجانبهم وينظرون لهما من نافذة زجاجية سوداء لا يراهم أحد غيرهم. يشاهدون كاسبر وتعبيرات وحركاته بتدقيق، وإلى حاتم وما سيقوله، لينهش ردود فعل الآخر.
نظر حاتم في عين كاسبر، يريد أن يرى أي خوف أو توتر أو حتى ارتباك من وجوده بين الشرطة لشخص مثله، لكن لم يجد سوى قوة ثباته والبرود الذي يجتاح وجهه.
قال حاتم: من أين لك بهذا الهدوء؟ أنك بالفعل قوي كما سمعت عنك.
لم يرد عليه، فشعر بالضيق، لكنه هدأ من روعه. مثله وضع صوراً أمامه وقال: أظنك تعلم هذه الصور جيداً.
نظر كاسبر قربهم منهم وأردف: لتتطلع بهم وتعيد ذاكرتك.
كانت لجرائم الذي افتعلها، لكن لم يبالي بالأمر وقال بكل هدوء: لا أعلم عما تتحدث وسبب وجودي هنا حتى الآن.
ليرفع عينه إليه مجدداً مما جعله يغضب، وبدأ يظهر الضيق على وجهه. لكن قاطعهم فتح الباب فجأة ودخول أفيلا، وكان الشرطي يمنعها.
: اخرجي وإلا احتجزتك.
قال حاتم: دعها.
أومأ الشرطي برأسه وذهب وأقفل الباب. نظرت أفيلا إلى كاسبر، فهي قلقة عليه، لكنه كان بخير. أشار لها حاتم أن تجلس، اقتربت وجلست بجانبه. طالعته بتعجب من جلسته بهذا الهدوء والثقة. كيف يمكن أن يكون بهذه القوة بعدما كشف أمره، وممكن أن يسجن أو يعدم؟ وهذا ما يجعل قلبها في اضطراب من الخوف. هل تخشى عليه أكثر من نفسها؟
: أتيتِ لهنا خصيصاً له.
قال حاتم ذلك، نظرت إليه، فاكمل: أظنك لا تعلمين بحقيقته، وإلا ما لتكوني خائفة عليه هكذا. بل ستكونين خائفة منه.
: وأظنك ليس من حقك أن تتحدث عن متهم مادام لم تثبت عليه التهمة. هذا سيكلفك الكثير.
: أقدر موقفك يا أفيلا، فهو زوجك.
: ها أنت قلت الجواب.
تعجبت من ما تقصده، فاردفت: منذ يومين قلت إن من يدعى "لوسيانو" هو من أرسل لي رجل يقتلني. فهل تظن أن زوجي يريد قتلي؟
رد بكل ثقة وتأكيد: ولما لا؟ يفعلها.
نظرت له بصدمة، فكيف يؤكد لها ذلك؟ هل هو خطر عليها لذلك الحد ويتوقع أن يقتلها كغيرها؟
: أريدك أن تطلعي على هذه الصور.
نظرت له أفيلا بعدم فهم، وضع الصور أمامها وقال: لعلك تغيري فكرتك عنه وترى حقيقته الخفية.
أمسكتها ونظرت فيهم. كانت الصورة الأولى مخيفة جداً، من رجل مقتلعة عيناه وتغزو منها دماء. قشعر بدنها، تتسرب الرعب لقلبها. قلبت الصورة بخوف، وجدت صورة أخرى لرجل مستلقٍ على الأرض مفتح عينيه وطلقات بمنتصف رأسه فكت بأحشائه. قلبت لصورة أخرى، وجدت رجلاً مقيداً في كرسي وقميصه مليء بالدماء من كثرة الطلقات التي أصابت جسده.
شعر كاسبر بالضيق، فهو لا يريدها أن ترى هذه الصور ويعلم أنها ستكره وتخاف منه حتماً.
لم تعلم أن بعد رؤيتها لوهلة شعرت بالخوف الشديد وغير قادرة على رؤية صور أخرى، وأحست بالرعب من الذي تجلس بجانبه. كأن كلامه تلاعب برأسها والصور حركت عقلها، وترى الحقيقة بعينها الأخرى وليس بقلبها.
لكن لماذا هي مرتعبه منه؟ فهي تعلم حقيقته وأنه من المافيا، وتعلم ما يفعلونه، وأيضاً هؤلاء المقتولين في الصور، بتأكيد هم أيضاً من المافيا. إنه لم يقتل أحداً بريئاً، كان هذا عالمهم من البداية، ويعلمون أنه خطر ولا يوجد به رحمة.
كانت تحاول أن تبرر له بأي شكل، تحسن صورته داخلها وتتذكر حبه وألا تضعف لتلك الصور، على الرغم من رعبها. تذكرته عندما وعدها أنه لن يقتل مجدداً، وهي أيضاً وعدت نفسها أنه سيتغير. لكن هل تستطيع بعد رؤية تلك الصور التماسك منه ومن رؤيته؟ هل ستعود له كما كانت وكأنها لم ترها، أم ستخاف منه؟
تذكرته عندما كانت نائمة بجانبه ويحتضنها وتخبره أن يتغير. "في الحالتين مكاني النار، لا تقبل توبة من رجل مثلي، أنتِ لا تعلمين من أنا يا أفيلا". أكان يقصد بذلك بما كان يفعله؟
قال حاتم: إنه ليس مجرد رجل من المافيا العادية.
سمعت كلامه، وكانت تمسك الصور ولا تريد ليدها أن ترتجف.
: إنه من أكبر وأخطر رجال المافيا العالمية وليس في ألمانيا فقط.
لا أعلم لماذا تذكرته حين سألته أنه إذا ابتعد عن المافيا ممكن أن يتأذى. أخبرها بكل الثقة أن لا أحد يستطيع فعل ذلك. هل كان ثقته بسبب مكانته بينهم وخوفهم منه؟ فكما قال من أخطر رجال المافيا العالمية. مع من وقعت؟ إنها لم تتوقع ذلك.
: لقب "لوسيانو" لقب كتعظيم له يعني المحظوظ. لا أحد يستطيع الإيقاع به أو الإمساك عليه أي غلطة واحدة من جرائمه العديدة، غير سجله في ألمانيا نظيف بالكامل. لكن مقدر أن يأتي لمصر ويكشف هنا، يكشف أكبر رجال المافيا.
تنهدت أفيلا، وضعت الصور على المنضدة، نظرت له وقالت: لا يوجد دليل.
نظر كاسبر إليها، من تحدثها؟ قال حاتم باستغراب شديد: ماذا؟
: أين دليلك على أنه من فعل ذلك؟
: الصور أمامك، ألم ترَ حقيقته بعد؟ أنك وقعت مع وحش لا يعرف الرحمة، الدماء تحوم حوله وسيغرقك معه.
تضايق كاسبر لأنه يدفعها نحوه لتكرهه، فقال: انتبه لكلامك جيداً وركز على عملك فقط.
نظر له حاتم من تحدثه ونبرته المخيفة وكأنه يحذره، قال: هذا هو عملي.
: أنك تخلطه بدوافعك الشخصية.
وكان يقصد مشاعره تجاه أفيلا. كاد أن يتحدث، لكن رن الهاتف الذي بالغرفة، فصمت. أمسك السماعة ورد، وتبدلت ملامحه. نظر إلى كاسبر، أغلق ثم فتح الباب ودخل رجل يعلو شأنه. فوقف بثبات فور رؤيته وأعطاه تحية خاصة لأهميته.
: أهلاً سيدي، لم أبدي تقريري لزيارتك بعد.
تحدث الرجل بصيغة الأمر: أين المفتاح؟
نظره له بعدم فهم، ثم علم ما يقصده رئيسه. أخرجه وأعطاه له، فأخذه منه وذهب إلى كاسبر الذي كان لا يزال جالساً. نظرت أفيلا إليه وانصدمت عندما وجدته يفك قيده ويقول: نعتذر عن سوء الفهم.
لم يرد عليه، بينما كان بارداً. قال حاتم بصدمة: سيدي ماذا يحدث؟
التفت وقال: أصلح الخطأ الذي تسببت فيه.
: ليس خطأ، إنه لوسيانو.
: أعطني دليلاً بأنه هو.
: الدليل موجود.
ذهب. نظرت أفيلا إلى كاسبر وإلى قوته في جلوسه، حتى أنه لم يقف عندما اقترب الرجل منه مثلها هي وحاتم. جلست وهي تتطلع به، ثم عاد حاتم وخلفه شرطيان يمسكون الرجل الذي حاول قتلها. اتصدمت. أجلسوه أمامه، لكن الرجل عندما رأه ارتعب وارتجفت أطراف جسده.
: من هذا؟
قال حاتم: هذا الدليل، إنه منهم ويعلمه جيداً. انظر.
قام بإظهار رقبته، فظهر وشم غريب.
: ذلك الوشم لمتبعي المافيا الخاص، وهذا واحد من يتبعهم وهو من أخبرنا أنه بمصر ودلنا عليه.
نظر كاسبر له، ثم نظر للرجل لقوله ذلك الكلام، بينما خاف كثيراً عندما ذكر حاتم الكلام الذي تقوم به له أمامه.
: أخبرهم أن هذا هو "لوسيانو" الذي حدثتني عنه.
صمت الرجل ولم يتحدث. نظر رئيسه إليه، اقترب منه قال: تكلم.
لم يكن يفتح فمه كالمقيد وهو يجلس أمام كاسبر، وأعينهما تثقب الآخر. تتمنى أفيلا ألا يتحدث، أن يتوقف الزمن من الخوف الذي يحل عليها.
شعر حاتم بخوفه، فقال: لقد قطعت لك وعداً أن أحميك. لا تخف، أنت في عهدتي.
نظر رئيسه إليه من ما يحاول فعله ولماذا لا يتحدث، وكان يضغط عليه والرجل لا فمه مطبق وكأن شريط لاصق يمنعه التحدث.
صمت الجميع ينتظرون كلمة ذلك الرجل، وهو كان مرعباً، وفي لحظة خرج من جيبه كبسولة، وضعه في فمه. ركض حاتم إليه سريعاً، فتح فمه، لكن قد ابتلعها بالفعل. وصل المفعول لجسده. لم تكن أفيلا تفهم، وجدت جسد الرجل يرتعش ولون بشرته يتغير. يهتم برعشات غريبة ووجهه يشحب وشفتاه تتحول للبنفسجي الخافت، لتجده شيئاً يسيل من فمه. أمسك كاسبر يده، سريعا أخذها، وقف بعيداً وضمها إليه وهو يعطي ظهره لهم كي لا ترى شيئاً.
صرخ حاتم بغضب بإحضار طبيب، يمسك الرجل ويفهمه بقوة.
: لا تمت.. أسمعتني؟
فهذا أمله الوحيد. وقع الرجل على الأرض وجسمه يهتز ومادة بيضاء تخرج من فمه حتى ارتخى جسده.
***
جاء رجال الشرطة ركضوا ورأوا الرجل مستلقياً على الأرض ومتثمم، وحاتم بجانبه يجس نبضه بأصبعيه، فاحتّل وجهه الضيق، وضع يده على عينيه وأقفلهم، معلناً موته.
كانت أفيلا خائفة بشدة، تريد أن ترى ما يحدث خلفها. تريد إرضاء فضولها الذي ينهشها. لكن كاسبر يمنعها باحتضانه لها. يضع يده على خلف رأسها، وهو يضمها يمنعها من الالتفات.
: "علي" ماذا يجري؟
تحركت، لكنه منعها وقال: لا يوجد داعٍ لأن تري يا أفيلا، انتظري لنخرج من هنا.
ثبتت ولم تتحرك. نظر حاتم إلى كاسبر بحنق، وكيف جعل شخصاً يقتل نفسه لمجرد رؤيته. نظر لرئيسه الذي كان يطالعه بغضب من الموقف الذي وضعه بهم. اقترب من كاسبر وقال بأسف: نعتذر لك بشدة، أتمنى أن تقبل اعتذاري.
قال حاتم: لكن سيدي..
نظر له بحدة ليصمت مطيعاً لأمره. عاد إليه وقال: يمكنك الرحيل، سنوصلك بأنفسنا.
: لا داعي.
قال كاسبر ذلك، أخذ أفيلا وخرج، ولا يزال يمنعها الرؤية، فكانوا يحملون جثة الرجل. خرجوا من المخفر، وجدوا العائلة واقفة في انتظارهم.
قال وجيد: ماذا حدث؟
صمتت أفيلا قليلاً ثم قالت: كان سوء فهم.
قال كريم بتساؤل: كيف خرجت بهذه السرعة؟
نظروا إليه، فأردف بتوضيح: أقصد أنك لم تبقَ حتى ليوم واحد، بل خرجت في ذات الوقت.
قال وليد: معارف "علي" كثيرة، لا تستهين به.
كانت أفيلا تعلم صدق كلامهم، فهي أيضاً لم تكن تعلم أن نفوذه عالية هكذا، ولم تنسَ كيف رئيس حاتم يحترمه واعتذره منه مرتين، حتى أنها لوهلة شعرت...
شعر بأنه خائف منه.
قال وجيد: "لما تقفون؟ هيا، كل منكم لنعد لأدراجنا."
كان رجال كاسبر واقفين في انتظاره. فتحوا له السيارة. نظر إلى أفيلا، لا يعلم هل ستأتي معه أم خائفة منه ككل الجميع. لم يجبرها على الذهاب معه خصيصًا بعد ما حدث. خيرها بين العودة معه أو أن تعود بمفردها. لكن وجدها تدخل دون النظر إليه. صعد ليغلقوا الباب ويغادروا.
نظر إليها من صمتها. كانت محقة في ذلك، فما رأته لا يُنسى. كان ينوي أن يأخذها معه للمنزل، لكن يجب أن تبقى بعيدة عنه تلك الفترة.
كانت أفيلا في عالم آخر. تذكرت الرجل والشئ الذي وضعه في فمه، من ثم تحول لونه وسار يرتجف. لم ترَ ما حدث بسببه، وكأنه لم يُرِد أن يُريها شيئًا سيُغلق في ذاكرتها. فأخذها بعيدًا بسرعة وأعطى ظهرها لذلك المشهد منعًا لها أن تراه.
في مكتب حاتم، كان واقفًا بثبات ورئيسه أمامه في أوج غضبه.
"ارتكبت خطأ شنيعًا بهذه الفعلة... خذلتني بك يا حاتم. إن ملفك يثبت كونك رجلًا كفؤًا."
كان صامتًا احتراما له ولا يقاطعه.
"لكن اليوم الثقة أخذتك... أرجو أن يكون الرجل تقبل اعتذاري ولم يتخذ موقفًا بسبب ما حدث اليوم. ماذا كنت تفكر؟ أتريد أن يحدث أزمة دبلوماسية؟ ألا تعلم من يكون هذا؟ إنه إحدى أكبر رجال المانيا. شركاته يعلمها الجميع وتتميز بالسمعة الجيدة، كيف تتهمه بأنه رجل مثل لوسيانو؟"
"لو لم يقتل ذلك الرجل نفسه لعلمت يا سيدي ما أعلمه. أنا متأكد أنه هو."
"أين بقيت شهودك؟"
"حين جاءت الفرصة له بأن يخبرنا طلب مني أن أكون بمفردي. لم يكن هناك أحد معي وأخبرني بكل ما فعلته عن المافيا الألمانية. إنهم الآن داخل مصر."
"يكفي، لا أريد سماع هذه الخرافات. ستقل رتبك عقابًا لك."
"حسنا سيدي."
ذهب وتركه في بحر أفكاره. جلس بضيق شديد.
"إنك لست سهلا حقًا. لقد كنت أحمق أمامك. تعلم أنك ستخرج منها وأنت جالس بارتياحية."
في الصباح عند الشروق بألمانيا، نزلت ريلا باكرًا من العمارة وهي ترتدي ملابس رياضية. تضم شعرها لفوق بطوق وتركض بالجوار وتسمع موسيقى.
أثناء ركضها، تفاجأت كثيرًا عندما وجدت عمر يركض بجانبها يرتدي جاكت أسود ويفتحه قليلا وبنطال رياضي أسود. نظرت إليه بشدة، خلعت السماعة من أذنها وهي تطالعه. نظر لها، قال:
"أتركضين باكرًا هكذا كل يوم؟"
"كيف أنت هنا؟!"
"شعرت بك فوجدت قدماي تأخذني لهنا. كنت في مصر أكتفي بالنادي الرياضي ولم يكن باكرًا كالآن."
ابتسمت وقالت: "أنا السبب إذا."
"أجل، لكن لا بأس، أحببت الأمر وأنا معك."
"حقًا؟ لتعود حيث ما جئت. ما زلت لا أصدق أنك في ألمانيا بعد."
قال بجدية: "لن أتركك."
نظرت إليه وتقابلت أعينهما لتشرد قليلا. أفاقت عندما سحبها عمر بقوة واصطدمت بجسده. نظرت له ثم نظرت لمكانها. وجدت شاحنة مرت، فكانت قد خرجت على الطريق.
"أنتِ بخير؟"
أومأت إيجابا إليه. أدرك قربها منه، يضمها بذراعيه ويقول: "الجو بارد هنا."
نظرت إليه بشدة، قالت: "عمر."
همهم بمعنى نعم. ابتعدت عنه، وجدته يبتسم. قالت: "ماذا؟"
"لا شيء."
"علي الذهاب."
"لا أعلم شيئًا هنا، كيف تتركينني هكذا؟"
توقفت، نظرت له، فهي تعلم أنه يستطيع العودة، فهو ليس طفلًا. قالت: "كيف جئت للعمارة إذا؟"
"بالسيارة، أخبرت السائق عن المكان فيقلني إليه."
ابتسمت، قالت: "حقًا؟ أتساءل عن معرفتك بمكان سكني."
"لا يهم، كيف عرفت."
"دعني أخمن، أفيلا، أليس كذلك؟"
"امم، ليس بالتحديد. استعنت بها وجئت لأراكِ."
"ولماذا تأتي وتراني؟"
ليقول بجدية: "اشتقت لك يا ريلا."
نظرت في عينيه، دمعت عيناها من جملته. تماسكت. نظر عمر إليها وكأنها ستبكي. ابتعدت عنه وذهبت في خيبتها. تمنت لو أخبرها بذلك باكرًا. كم كانت تتشوق لسماع كلمة واحدة فقط منه عند رحيلها. أن يخبرها أن تبقى، ألا ترحل. لكنه لم يفعل ذلك. ولم تنسَ انكسارها وما شعرت به في يوم رحيلها. لقد عادت إلى وطنها محطمة.
تضايق عمر من نفسه. لا يعلم ماذا يفعل، لكنه لن يمل وسيحاول معها إلى أن تنسى حزنها منه. فهو علم أنها ما زالت تحبه.
في مصر، توقفت السيارة عند عمارة أفيلا. نظر كاسبر إليها، فكانت صامتة طول الطريق. كانت تنزل، لكن توقفت وهي تفتح الباب، عادت لمكانها.
"لم يحدث شيء اليوم، لذلك لا داعي بأن تدعي أفكارك تحوم بأنني مغتربة عنك. ما زلت كما أنا."
نظر إليها، كانت تعطيه ظهرها. قال: "ألستِ خائفة مني؟"
صمتت قليلا، ثم قالت: "بلى. لكنك ستتغير، أليس كذلك؟"
صمت ولم يرد عليها. اعتدلت، نظرت له بشدة، إنه لم يعطها ردًا يطمئنها.
"لماذا لم ترد؟ لن تكون كذلك يا علي. أريدك أن تتغير."
"فكرت في أن أتغير منذ أن أحببتك."
نظرت له لوهلة، تبسمت، وقال: "لتأخذ الخطوة إذا."
تذكرت الكلام الذي قالته له وغضب منها بسببه. نظرت بعيد بحزن، وقالت: "أعتذر على ذلك اليوم. كنت غبية عندما طلبت منك أن تبتعد عني، واليوم علمت أني لا أستطيع الابتعاد عنك حتى إذا..."
نظرت له وأردفت: "حتى إذا كنت قاتل هذا العالم بأكمله. لذلك لتنسَ كلامي ولا تتركني كما قلت لك."
تنهدت حين أخرجت ما بجعبتها. فتحت الباب لتنزل، لكن وجدت من يمسكها ويسحبها. نظرت إليه، سرعان ما أمسك وجهها ودفن وجهه بها يقبلها. اتسعت عيناها.
نظر الرجلان لسيدهم في المرآة. انصدموا، فهو رجل جامح وصارم بشدة، فأبعدوا أعينهم يتحاشون النظر.
نظرت أفيلا إليه، مالت للخلف ليميل عليها ويقبلها حتى أسندت رأسها على النافذة. بادلته بمشاعر الحب والاشتياق شديد.
ابتعد عنها ببطء، أسند جبهته على جبهتها وقال:
"أيًا كان ما سيحدث، لن أبتعد عنك."
رفع عينيه إليها وأردف: "أخبرتك من قبل أن المافيا لا يتركون من ضعفوا أمامهم."
نظرت له من قربه وما حدث للتو. تذكرت من جملته هذه قديمًا حين كان في المنزل معها قال: "تركت عليكِ علامة امتلاكي، لذلك احذري من الاقتراب من أي أحد، فالمافيا لا يتركون من ضعفوا أمامهم."
نظرت له وهي تعود للحظتها تلك ونبضات قلبها السريعة. ابتعد عنها، اعتدلت في جلستها بحيرة ونزلت على الفور. أخذت أنفاسها وتعيد حرارة جسدها الطبيعية. بينما كان يطالعها، ثم نظر أمامه وذهب.
دخلت لشقتها، ركض ألبر إليها، لكنها توجهت إلى غرفتها. لتقف عند المرآة تنظر لنفسها. وضعت يدها على شفتيها وهي تتذكره، لترتسم ابتسامة خافتة نابعة من قلبها.
نظرت إلى ألبر، قالت: "أشعر أني سعيدة.. وأخشى من تلك السعادة أن تختفي بحدث أليم. فسعادتي دومًا لا تكتمل."
تنهدت وذهبت، وضعت له الطعام وجلست تطالعه وهو يأكل. شاردة في أفكارها عن ما حدث والنتائج التي ستلحق بهم. ذلك الرجل الذي تفشى بحقيقة كاسبر للشرطة. أي معلومات سيعرفها حاتم ليتأكد أنه هو لذلك الحد. وبينما هو مرتعِب من كاسبر، لماذا تحدث؟ بتأكيد روبرت من هددّه.
"خطوة كبيرة منك أن تجعله يفشي معلومات خاصة بالمافيا لتقع به. فأنت أيضًا منهم، أي ستلحق به إن وقع. ومن يعلم، ممكن أن تغرق أنت بمفردك."
رغم قلقها، لكنها كانت تشعر بالسعادة. على الرغم من تضايقها من ما حدث اليوم، لكنها نسيت كل شيء. فقد أحست بحبه الشديد لها وأنه معها هي فقط. شخص آخر غير حقيقته التي لن تنكر أنها شعرت بالخوف منه. طريقة حديثه اليوم وبروده وقوته، جموده دون خوف من أحد جعلها تخاف. بالرغم من معاملته المختلفة معها، هي التي شفعت له وقررت أن تعطيه فرصة ليكسر ما رأته اليوم. فرصة أن يتغير لتبقى معه وتعلم أنه سوف يتغير ويكون "علي" فقط حقيقته التي تدركها. ليس "كاسبر" أو "لوسيانو". سيكون زوجها "علي".
في مساء اليوم بألمانيا، دخلت ريلا غرفتها. كانت عائدة للتو من الخارج. بدلت ملابسها، ثم جلست على السرير. تذكرت عمر وما قاله لها. حزنت وهي تتذكره، فلا تنسى كيف بكت يومها لأنه لم يهتم بها وندمت أنها أخبرته وأهانت نفسها. قاطع تفكيرها صوت جرس الباب. ذهبت لتفتح وتفاجأت عندما وجدته هو.
"عمر؟ ماذا تفعل هنا؟"
"لا أعلم. أتحجج لرؤيتك."
قالت بتذمر: "هل قطعت تلك المسافة لتأتي لهنا وتمزح معي؟"
تبسم على ما قالته ورد عليها بتلقائية: "أنا متفرغ بالفعل لكِ.. لا يوجد ما يشغلني هنا."
اقترب من عينيها وأردف: "لا شيء عندي غيرك."
نظرت له والتقت عيناه. ابتعد وقال: "لكني لم أقطع أي مسافة، فأنا جالس بلا شيء."
"أعلى؟!"
قالتها وهي تنظر فوقها بعدم فهم، ثم نظرت له وقالت: "مهلًا، هل تسكن في ذات المبنى؟"
أومأ إيجابا. فعقدت حاجبيها وقالت: "لماذا؟"
"أريد البقاء بقربك."
طالعته من نبرته المتغيرة، بل تحوله. فهي لم ترَ هذه اللطافة والحب منه. كانت هي من تتقرب إليه، إنه احتل مكانها الآن. قالت بتساؤل:
"إلى أين تريد أن توصل؟"
"إليكِ."
تعجبت كثيرًا من صراحته. ذهب وتركها لتقفل الباب وتسند ظهرها عليه. رفعت عينيها للأعلى وهي تتخيله يمكث فوقها. قريب منها. تبسمت. لا تعلم ماذا يحاول أن يفعل بهذه الحركات، لكنها سعيدة.
في الصباح في مصر، كان رجلان مقيدين على كرسيان ومقيدين سويا، حيث أن الكرسيان مربوطتان ببعضهما، وظهر كل منهما ملتصق بالآخر. كانا فوق ارتفاع كبير لبناء لم يكتمل بعد. كانا الرجلان ذاتهما اللذين داخل السيارة التي لحقت أفيلا ويصوبون عليها. كانا غاضبين ويصرخون، ينادون على أي أحد في وسط ذلك الفراغ. يحاولون تحريك أنفسهم، فمنذ ذلك اليوم عندما أمسكوا بهم وهم على وضعهم هكذا.
سمعوا صوتًا، نظروا تجاهه، وأخيرًا ظهر أحد من بعيد. نادوا عليه بغضب ويأمرونه بأن يأتي لهنا ويخلصهم. وبالفعل كان يتقدم منهم، لكن لم يكن في حسبانهم ما ينتظرهم. ظهر من وراء ذلك الشخص أربعة أشخاص آخرين. نظروا، لتعتصرهم الصدمة وانقطع صياحهم وكأنهم فقدوا النطق بظهور وجه الشخص.
كان كاسبر، ذلك الشخص الذي لم يتمنوا رؤيته يومًا. فهم يعلمون من يكون ذلك. وقف عندهم بهدوئه المعتاد وقال:
"أين روبرت؟"
ارتدى الاثنان قناع الجهل وأنهم ليسوا خائفين منه. وقال إحداهما:
"لا نعلم."
تنهد وهو يتقدم منهم ويقول: "أكره الكذب، لأنه يجعلني أدمر من حولي، وهذا ما لا أريده."
خافوا منه، ليمد يده ويظهر رقبتهم ويردف: "بتأكيد تعلمون هذا الشيء عني، وتعلمون من أنا."
رأى الوشم الذي توقع. ابتسم ساخرًا، قال: "ذلك الأحمق استخدمكم ليفشي أسرارنا."
تنهد وهو يبتعد عنهم وهم في صمتهم يتهربون بأعينهم منه. فلم يتخيلوا يومًا أن يقابلوا لوسيانو وجهًا لوجه. العمل معه عن طريق الجهل، لكن لم يستطع أحد مقابلته ورؤيته بسهولة.
"للمرة الثانية، وهذا ليس بطبيعتي. أين روبرت؟"
كانا يتمثلون القوة ليرد أحدهم: "في هاتين الحالتين سنموت، إما منك أو منه، لذلك نعلم مصيرنا."
"أنت محق."
نظر له الرجلان باستغراب. أكمل: "على الرغم من ثقتك، لكن ما أن ترى الموت بأم أعينهم يتشبث بأي فرصة للنجاة."
تقدم وهو يتخطاهم ويقف على حافة البناء ليرى مقدار المسافة للأسفل كم تساوي. نظر له الرجلان وهو واقف. كان يوجد حجر صغير على الأرض. أزاحه بقدمه فوقع الحجر. أنصت للصوت، فأخذ وقت حتى سمع صوت وقوعه.
"سيكون موتًا رحيمًا بالنسبة إليكم."
نظر له الرجلان بخوف ومن ما يفكر فيه. التفت إليهم وعاد وقف أمامهم. نظر لهم وإلى خوفهم الذي ظهر على جبهتهم من تعرقهم، قال:
"ما زلتم تجهلون مكاني."
لم يرد أي منهم. فدفع الكرسيين بقدمه. انصدم الاثنان وحاولا تثبيت أقدامهم ليعيدوا انتظام الكرسي. تقدم منهم. نظروا له بخوف.
"ماذا تفعل؟"
دفعهم بقوة أكبر عن ذي قبل فتراجعوا للخلف كثيراً.
اثنان خلفهم، فكانوا يقتربون من حافة البناء.
نظروا إليه وقلوبهم على وشك التوقف من شدة خوفهم.
"لا، أرجوك."
"انتظر."
دفعه بقدمه بقوة دون أن يستمع إليهم، فتراجع الكرسي كثيراً.
صرخوا بقوة.
"سأخبرك."
مال الكرسي وكان على وشك السقوط، لكن في اللحظة الأخيرة توقف ولم يقع.
فتحت أعينهم ليجدوا أنفسهم بين الهواء، وكان "كاسبر" ممسكاً الكرسي الذي كان بأكمله للخارج عدا قدم واحدة.
نظروا للأسفل فقشعر بدنهم خوفاً.
"أين هو؟"
قال "كاسبر" ذلك، فنظروا إليه.
"في منزل بعيد عند مزرعة الشمالية."
صمت قليلاً وهو يفكر، ثم سحبهم للداخل ليأخذوا أنفاسهم.
اقترب الرجال منهم وقاموا بفك قيودهم.
نظروا لهم بدهشة، لكن وجدوهم يفكّونهم من على الكرسيين فقط ويجعلونهم يقفون.
تقدموا من "كاسبر".
"إن لم يكن "روبرت" هناك، تعلمون ما سيحدث لكم."
أومأوا برؤوسهم بتفهم.
أشار لرجاله، فأخذوهم وذهبوا.
أمسك هاتفه وقام بمكالمة.
انتظر قليلاً حتى جاءه الرد.
"لنتقابل."
***
كان "كاسبر" واقفاً يضع يده في جيبه والأخرى يمسك بها قلماً، يفكر وواقف ورجاله واقفون عند سيارتهم.
جاءت سيارة لتستوقف بجانبهم.
فتح الباب وترجل "حاتم".
نظر إليهم وإلى "كاسبر" وهو يعطيه ظهره.
نظر إلى رجاله الواقفين، ثم اقترب منه ووقف بجانبه.
"أردت مقابلتي."
"علمت بأن منصبك قد قل."
"هل اشتهرت لذلك الحد؟ الفضل يعود لك يا رجل المافيا."
"أستطيع أن أرتب لك مع ترقية أيضاً."
قال باستغراب: "وكيف سيحدث هذا؟"
"باتفاق الذي سيعقد بيننا."
"اتفاق!! أتحاول أن ترشيني لأتوقف عن الإلحاق بك؟"
رد عليه بكل هدوء: "لتلحق بي كما تشاء. فعلها الكثير قبلك ولم ينالوا سوى تضييع وقتهم."
"لأنهم مرعوبون منكم. أما أنا فلست كذلك. أخبرني لماذا تريدني؟"
"أخبرتك."
"لن أخدمك في شيء من أعمالك لأصل لرتبتي ثانياً."
"لم أقل هذا."
تعجب كثيراً منه وقال: "ماذا إذا؟"
"سيكون في تخصص عملك من ضمن مهماتك."
"لا أفهم شيئاً مما تعنيه."
نظر له "كاسبر" وقال: "لتقفل التسجيل الذي تسجله لي أولاً، ثم نتحدث."
اتسعت عينا "حاتم" ونظر له بشدة، فكيف علم أنه بالفعل يضع جهازاً ليسجل له كل كلمة يقولها.
"كيف عرفت؟"
"لم أكن لأتفوه كلاماً يستدعيك لتسجيل. لست أحمق. أنا أقدم لك مساعدة."
تعجب من كلامه.
أخرج الجهاز، كان صغيراً بعض الشيء، يضعه في حزام بنطاله.
أغلقه وأعاده لجيبه وقال:
"هل غيرت مسارك وأصبحت تساعد الشرطة؟"
لم يرد عليه.
بينما نظر لرجاله، أومأ برؤوسهم.
نظر لهم "حاتم" باستغراب.
وجدوا يخرجون من السيارات رجلين مقيدين ويقربونهم منه.
نظر حاتم إلى "كاسبر" بشدة وقال:
"ما هذا؟"
"سأدعك تقبض على أحد رجال المافيا، وعندما تقبض عليه نكون قد استفدنا نحن الاثنان."
"وماذا ستستفيد أنت؟"
"لا يعنيك."
"كيف لا يعنيني؟ يجب أن أعلم الأمر كاملاً، وإلا لن أساعدك في الإمساك به."
"أظنني غير قادر على ذلك. أستطيع أن أقتص من ذلك الرجل بمفردي دون أية مساعدة من أحد."
"لماذا لم تفعلها إذا؟"
"وعد قطعته يقيدني."
طالعه بعدم فهم، لكنه كان محقاً.
فهو ليس بحاجة له ولمساعدته.
يستطيع أن ينهي أي أحد يقف أمامه.
"أنا أعرض عليك عرضاً، إذا وافقت فأنت الكاسب، وإذا رفضت فهذا يعود إليك."
نظر "حاتم" للرجال والرجلين المقيدين، عاد نظر إلى "كاسبر" وقال:
"وكيف سأقبض عليه وليس معي دليل واحد ضده؟ مكانه، ومعلومات، وكل شيء. يجب أن يكون هناك تخطيط حوله."
"أعلم مكانه وسوف تحصل على الدلائل بنفسك. أريدك فقط أن تجهز قواتك، فبعد ساعة سأكون عنده."
قال بدعش: "بعد ساعة؟"
نظر إلى ساعته يده وأردف: "هل سنقبض عليه اليوم؟ ما زلت لا أعلم من يكون وما دوري في هذه الخطة؟"
استدار مقابله وقال: "ستعلم كل شيء عندما نصل."
***
في الليل بألمانيا، كان "عمر" ما زال مستيقظاً.
خرج من شقته ليشتري بعض الأغراض التي يحتاجها.
نزل من العمارة، فتح المصعد، خرج، لكن توقف عندما وجد "ريلا" في وجهه.
نظرت له، وأنه لم يخرج، فدخلت المصعد وضغطت على رقم شقتها.
"أين كنتِ في ذلك الوقت؟"
"لماذا تسأل؟"
قال بحدة: "أين كنتِ يا "ريلا"؟"
نظرت له من تحوله وقالت: "مع أصدقائي."
اقترب عمر منها.
نظرت له بتوتر ليقول:
"لا أريد رؤيتكِ عائدة في ذلك الوقت مجدداً."
"هل أنا طفلة لأخذ إذن منك؟"
فتح المصعد، كانت ستخرج.
أمسكها وهو يقترب منها.
نظرت له وهو قريب منها وينظر إليها.
"عمر، ما خطبك؟"
"لستِ طفلة، لكنني أغار."
تعلقت عيناها بعينه حين قال ذلك.
"ماذا قلت؟"
لامس وجهها بحنان وقال: "أنني أغار عليك، هل احترمتِ ذلك؟"
كانت غير قادرة على التفوه بكلمة، لكن أومأت برأسها إيجاباً دون أن تعي.
ابتعد عنها وذهب وهو يبتسم عليها.
دخلت "ريلا" شقتها وهي غاضبة.
خلعت جاكتها، جلست وهي تتذمر لأنها أطاعته فيما قاله.
سمعت صوت الباب، ذهبت لتفتح، لتجده "عمر".
"نسيت إخباري شيئاً آخر."
"هل تضايقتِ من كلامي؟"
نظرة له ومن لهجته الحنونة أردف: "لا أتحكم بك. أنا فقط خائف عليك، لا أريدكِ أن تعودي متأخرة هكذا لأنكِ تهمينني كثيراً."
لم تعلم ما تقوله، لقد أسكتها بكلامه وهدأ غضبها.
مد يده.
نظرت له، وجدت نوع الشوكولاتة الذي تفضله بشدة.
ابتسمت.
كان "عمر" قد اشتراها لها ليسعدها، وبالفعل رأى ابتسامتها.
"من أين علمت أني أحب هذا النوع؟"
"لا تشغلي بالك."
أخذته منه ليقول قبل رحيله: "اذهبي للنوم."
غادر وتركها.
أقفلت الباب وهي سعيدة، ليس من أجل الشوكولاتة فقط، لأنه من أحضرها لها.
***
في مصر بالمساء، في مكان خالٍ يثير الريبة.
توقف "كاسبر" بسيارته، وكان بمفرده، ليس معه أحد.
ترجل من السيارة وتقدم من مبنى يبعث منه ضوء خافت.
كان رجلان واقفين.
التفتوا إليه ورفعوا أسلحتهم في وجهه على الفور.
لكنه لم يعرهم اهتماماً، ورفع يديه بأنه لا يحمل سلاحاً.
تخطاهم وهو يدخل.
نظروا إليه، ثم نظروا حولهم وأخفضوا أسلحتهم.
في أحد الغرف، كان رجال محاطين بشخص جالس على الكرسي، يده مبتورة.
وكان أمامه حقيبة معبأة بالممنوعات ليلتقط إحداها وهو يرسم ابتسامة.
فتح الباب بقوة.
فزع من الصوت والتفت على الفور.
كان "روبرت".
نظر إلى "كاسبر" بصدمة من وجوده.
"وأخيراً رأيت وجهك."
رفع الرجال أسلحتهم عليه على الفور، لكن لم يرمش له جفن.
قال "روبرت": "من سمح لك؟"
"أنا."
قال ذلك بجمود وهو يتقدم، يتخللهم ويجلس على أريكة أمامه.
نظر إلى رجاله، كان لا يزال يصوبون بأسلحتهم على "كاسبر" وهو ينظر له بقوة.
"كيف علمت بمكاني؟"
"سؤال وجيه. لكن عليك أن تسأل أتباعك."
نظر حوله بشك وقال: "ما الذي تقصده؟"
"رجالك لا يكنون الإخلاص لك. في أول دقيقتين اعترفوا على الفور."
ظهر الغضب على وجهه وقال: "سحقاً لهؤلاء الحشرات."
حاول إخفاء ثورته.
ابتسم وقال: "دعك مني وأخبرني أين رجالك؟ ألست خائفاً بمجيئك بمفردك؟ أنك على حافة الموت هنا."
"لا أحتاج لرجال ليحموني، فأنا مكلف بحماية نفسي."
وكان يقصد رجاله.
أراح ظهره وأردف: "جئت لنتحدث."
"أخطأت بمجيئك هذا، لكن لا بأس. لنتحدث، ومن ثم أقتلك."
ابتسم "كاسبر" بسخرية من ثقته.
نظر "روبرت" لرجاله، فخفضوا أسلحتهم.
في مكان بعيد قليلاً، كان يوجد سيارتين شرطة وثلاث سيارات بها رجال "كاسبر".
وكان "حاتم" جالس معهم ويضع في أذنه سماعة يتواصل بها مع "كاسبر".
وعلى قدميه لاب توب، وتوجد شاشة سوداء وبها خط مستقيم، وكان هذا موقع جهاز الذي معه ويسجل حديثه.
قال "روبرت": "افتقدتك كثيراً. منذ ذلك اليوم التي قامت زوجتك بقتلك ولم أراك مجدداً."
ابتسم بشر وهو يحيي ذاكرته ومشهد قتله داخل رأسه ويقول:
"أخبرني كيف عدت على قيد الحياة وسامحتها بتلك السهولة؟"
تنهد بضيق، ثم ارتدى هدوءه: "عار عليك. لقد أسأت سمعتنا حين استخدمت امرأة لتصل بها إلى مبتغاك مني. ما فعلته هي لم تستطع أنت فعله."
غضب كثيراً من رده الذي أحرجها.
قال: "لا تقلق، فأنا من سيفعلها هذه المرة."
"إلى ماذا تسعى؟ علمت أنك أصبحت واحداً من المافيا."
ابتسم قال: "هذا صحيح. كنت أجتهد تلك السنوات حتى تصبح مقابلتنا منصفة مثل الآن."
"اممم، هذا جيد."
نظر له من سخريته.
أكمل: "وماذا فعلت من خلال رحلتك في المافيا؟ أراك واقفاً في مكانك لأنك غبي، كما كان ينعتك والدك دائماً، بالأحمق، ويبعدك عن أعمالنا."
غضب كثيراً وقال: "لم أعد ذلك الأحمق الصغير الذي يهتم بذلك الهراء. لقد أخذت محبة والدي بذكائك وقوتك. صنعك أبي تشبه الوحوش بلا رحمة التي لا تستطيع الرياح إخمادها. كان يتفاخر بذلك كثيراً وكيف أصبحت، بينما أنا لم يعلمني ذلك قط. كنت متقدماً مني، وإن كان علمني واهتم بي لأصبحت مثلك."
"لا تقل مثلي، لأنك لن تصبح كذلك وإن عافرت طوال مسيرتك."
تضايق "روبرت" منه كثيراً، لكن قال: "أنك لا تعرف لأي حد تغيرت. خلال سنوات فقدانك لذاكرتك، لقد قمت ببيع أسلحة تضاهي مبتدأ مثلي، ممنوعات صدرتها لبلدان، قمت بعقد صفقات بين المافيا ليصير لي مكان بينهما وأدخل لهذه الدائرة، وبالفعل نجحت، لكن لم أصل لمكانتك."
"كبرت كثيراً. هل فعلت كل ذلك؟"
"وما زلت أطور من ذاتي. فسوف أدخل مع 'كرسام' في نوع مخدرات جديدة عالية يطمح إليها الجميع، أظنك تعلمها بتأكيد."
لم يهتم كل ذلك ليقول بلا مبالاة: "ولماذا كنت تختبئ مني؟"
ابتسم وقال: "لم أختبئ، فقط انتظرت حتى تعود لك ذاكرتك وأرى إذا كنت ما زلت تحبها أم لا. وإذا لم تكن تحبها كما أخبرتني، فليس لها نفع وسأقتلها."
رفع يده المبتورة وقال: "أترى ما فعلته بي؟ أنني أريد الانتقام منها بسبب تلك الإعاقة. لكن اتضح أنك تعشقها يا أخي. من كان يصدق أنك ستقع في حب امرأة قط وتكون هي من يلقي بحتفك."
كان حاتم يسمع الحديث كاملاً وموجات الصوت تظهر على شاشة اللاب توب، ومستغرب عن أي امرأة يتحدثون. هل تكون "أفيلا"؟
قال روبرت: "لماذا ما زلت تنقذها مني؟ سأقتلها في هاتين الحالتين، حتى بعدما أقتلك."
ابتسم بهدوء لما قاله ورد عليه بسخرية: "بعدما تقتلني... إذا لم يحدث ما تريده، لأنك لا تستطيع قتلي."
"لكنني استطعت من قبل."
"لم يكن أنت."
""أفيلا" هي صاحبة الفضل، لكن لا تنسَ أنني من جعلتها تقتلك."
صدم "حاتم" من سماع ذلك الاسم. هل قال "أفيلا"؟ هل لها دخل بتلك الأمور؟ وما هذا الذي يسمعه؟ هل حاولت قتل زوجها من قبل؟ كيف دفعوها لفعل ذلك؟ إذا... لحظة... هل تعلم هوية زوجها ومن يكون؟ أتعلِم أنه من المافيا؟
تذكرها وهي تدافع عنه ولم تنبش بأي معلومة يخبرها به وعن مدى خطورته. بل كانت لا تأبه لسماع أي شيء ضده، على الرغم من معرفتها بمن يكون، تحبه ذلك الحب الشديد.
أفاقه صوت "روبرت" فعاد لسماع حديثهم.
"ذوقك في النسائي مميز."
نظر "كاسبر" إليه ليردف بخبث: "لا أنكر إعجابي بها. أتعلم أني اشتهيتها أثناء مماتك."
جمع قبضته وتحولت ملامحه الهادئة إلى غضب بركاني.
سمع صوت من سماعته الذي في أذنه:
"اهدأ، لا تدعه يغضبك."
كان ذلك "حاتم".
أكمل: "أنت بمفردك، لذلك تحكم بنفسك. سنقتحم قريباً بعدما نأخذ ما نريده."
هدأ من نفسه، فكان كلامه محقاً.
قال "روبرت": "كانت محاولة قتلي لك ناجحة. أتطلع إلى الثانية بعد دقائق وسأتأكد بنفسي من موتك. كدت تفارق الحياة، لا أعلم كيف أنقذوك ومن له يد بذلك."
"أشعر بالخيبة من كلامك، ألست سعيدة برؤية أخاك؟"
ضحك فور أن قال ذلك.
قال: "لكنني سأشتاق لك مجدداً."
لن تدوم هذه السعادة كثيراً.
ابتسم وهو يقول من بين هدوئه: "حزين على هذه الثقة. أحببت اللعب معك."
"كيف أبدو يا أخي؟"
اختفت ابتسامته، نظر له وأردف: "أحمق."
نظر له بغضب، ومن نعته بالأحمق كاد أن يتحدث، لكنه سمع صوت ضجيج مرتفع بالخارج.
قال روبرت بتساؤل: "ما الذي يجري؟"
نظر له كاسبر وهو ينظر للباب. ورجاله ركلوه بقوة في وجهه. سقط روبرت على الأرض. نظروا له رجاله. صوبوا على كاسبر، لكنه أسرع وأمسك روبرت. وجه مسدسه.
نظر روبرت إليه بضيق وقال: "أطلقوا عليه، لا تهتموا بي."
كانوا حائرين، لا يعلمون ماذا يفعلون. ثم فتح الباب ودخل الشرطة. فرفعوا أسلحتهم وصوبوا عليهم. وحدث اشتباك حتى ألقوا القبض عليهم.
اقترب حاتم من كاسبر الذي كان يمسك بـ روبرت العالق في صدمته.
"لتفتخر بإنجازاتك معنا."
نظر إلى كاسبر بضيق وقال: "هل أصبحت تعمل مع الشرطة الآن؟"
"مفاجأة، أليس كذلك؟"
قال بغضب: "أيها الوغد، لن أمررها لك."
وضع القيود بيده، وضعهم وأشار لهم أن يأخذوه.
قال حاتم: "هذا لا يعني أنني سأتركك."
نظر له وأردف: "سأبحث خلفك حتى أقبض عليك أنت الآخر."
"لن يحدث."
"كيف؟"
"انقطعت عن هذا الطريق."
قال ساخراً: "أتُحاول خداعي؟"
لم يهتم بما قاله. مد يده وهو يقول: "أين التسجيل؟"
تنهد بضيق وقال: "إنك تأخذ حذرك من كل شيء. رجالك لم يسمحوا لي بحفظه عندي إلا بعدما تراه وتتأكد من إخفاء صوتك."
قام كاسبر بتعديل المسجل، حيث قام بفبركة صوته كي لا يكون له صلة بهذا الأمر. ثم أعطاه له. أخذها منه. ثم رأوا رجال الشرطة يضعون أمامه حقائب.
"هذا كل ما في الداخل."
انحنى حاتم ورأى ما بها. ليجد ممنوعات وأسلحة كثيرة. أومأوا بتفهم وأشار لهم. ذهبوا ووضعوا في سيارتهم.
"لم أكن أعلم أنني سأقولها، لكن..."
نظر إلى كاسبر وأردف: "أشكرك، فقد ساعدتنا."
نظر له من شكره. ذهب ليدلف لسيارته ويرحل. ليتبعه رجاله. نظر لهم حاتم. ثم ركب مع الشرطة وقال:
"لنذهب."
غادروا هم الآخرين. وكان سعيداً بما حدث وتخطيط كاسبر في الدخول وإيقاعهم في الكلام. لم يتوقع قط أن يسجل له ليسلمه للشرطة. إنه بالفعل يتعامل بذكائه. إذا أراد إنهاء أحدٍ منهم، لا يتجه للقانون. لذلك لم يتوقع هذا منه قط. ستثبت تهمة روبرت ويتحققوا من أمره ثم يرسلوه إلى وطنه. فهم أيضاً يبحثون عنه ويحاكموه هناك ويسجنوه. فيجب أن يسجن في بلده.
***
في المشفى كانت أفيلا في عملها تشخص حالة مريض. رن هاتفها. خرجت لتجيب. وكان هو.
"أين أنتِ؟"
"في المشفى."
"أريد أن أراكِ."
"الآن؟!"
فكانت أثناء دوامها وهو يعلم ذلك. وكعادته لا يطلب أن يراها كثيراً. فكانت حائرة.
"أجل، سأنتظرك في مكاننا."
أنهى المكالمة على ذلك، تاركاً إياها في تعجبها. "مكاننا؟" ماذا كان يقصد بذلك؟ وعن أي مكان يتحدث؟ صمت قليلاً إلا أن أدركت مقصده.
***
كان كاسبر واقفاً مسنداً على السيارة في المكان الذي كانوا يقفون فيه قديماً في الحديقة الخلفية لمول.
توقفت سيارة بقربه. لتترجل أفيلا وتتقدم منه. تبسمت حين رأته. وقفت بجانبه وأسندت على السيارة مثله، دون أن تتفوه بكلمة.
نظر لها وهو يتذكرها قديماً. وكذلك هي كانت تراه وتقوم بإحياء ذكرياتهم.
صمتوا. وأخذ كل منهم يوقظ أرواحهم المترابطة وتذكيره بأنفسهم بتلك الوقفة. قاطع ذلك الصمت كاسبر وهو يقول:
"كيف كان يومك؟"
"جيد. وأنت؟"
صمت قليلاً ثم قال: "على ما يرام."
ابتسمت وقالت: "أهذا أفضل من السابق؟"
"إلى الآن لا أعرف."
صمتت وهي تجهل ما يقوله.
"أين تريدين أن يكون زفافك؟"
تبدلت ملامحها تدريجياً وهي تستوعب ما قاله. نظرت له بشدة من هدوئه عكس دهشتها.
"ماذا قلت؟"
"حفلة زفافك، أين تريدين فعلها؟"
قالت بصدمة: "أي حفل زفاف؟ ولمن؟ وماذا تقصد؟"
"أخبرتك أنني سأقوم بكل تحضيرات الزواج لاحقاً بسبب استعجالي. وها أنا الآن أنفذ ما قلته."
نظر لها وأردف: "إنني لا أخلف بوعدي."
كانت تبحلق فيه ويجف لسانها عن التحدث. ابتسم وقال:
"أظنك نسيتِ ذلك. فلقد مرت سنوات ونحن متزوجان."
"أجل، ما فائدة الزفاف الآن؟"
"ألا تريدين ذلك؟"
نفت برأسها وهي تقول: "بالطبع أريد. هل يوجد أهم من ذلك لدى الفتاة؟"
ابتسم وقال: "لتنسي أننا متزوجان. وها أنا الآن أطلبك من جديد."
تجمعت الدموع داخل عينيها لفرط السعادة.
"أنت لا تمزح، صحيح؟"
أمسك يدها وقال: "لا يا أفيلا، إنني لا أمزح."
رفع عينيه إليها وقال بهيام: "تقبلين الزواج بي؟"
ارتسمت ابتسامة على وجهها وعيناها تتلألأ كنجمة ساحرة. انقضت عليه وهي تعانقه وتقول:
"بالطبع."
نظر لها من اندفاعها بهذه القوة. ابتعدت عنه بحرج وقالت:
"أعتذر."
رفعت عينيها بحرج وقالت: "هل بالغت في ردة فعلي؟"
سحبها وطوق عليها بذراعيه بقلب مطمئن. فكان هو الخطر الذي يخاف عليها منه. ويسعى لإبعاد هذا الخطر لأي ثمن كان. ابتسمت وهي تنظر له لتبادله العناق.
رواية احببت مافيا الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم نور
أين تريدين أن يكون زفافك؟
تبدلت ملامحها تدريجيا وهى تستوعب ما قاله. نظرت له بشدة من هدوئه عكس دهشتها.
ماذا قلت؟
حفلة زفافك، أين تريدين فعلها؟
قالت بصدمة: أي حفل زفاف؟ ولمن؟ وماذا تقصد؟
أخبرتك أني سأقوم بكل تحضيرات الزواج لاحقًا بسبب استعجالي.. وها أنا الآن أنفذ ما قلته.
نظر لها واردف: أنني لا أخلف بوعدي.
كانت تبحلق فيه ويجف لسانها عن التحدث. ابتسم وقال:
أظنك نسيتِ ذلك.. فلقد مرت سنوات ونحن متزوجان.
أجل، ما فائدة الزفاف الآن؟
ألا تريدين ذلك؟
نفيت برأسها وهى تقول: بالطبع أريد، هل يوجد أهم من ذلك لدى الفتاة؟
ابتسم وقال: لتنسي أننا متزوجان وها أنا الآن أطلبك من جديد.
تجمعت الدموع داخل عيناها لفرط السعادة.
أنت لا تمزح صحيح؟
أمسك يدها وقال: لا يا "أفيلا"، أنني لا أمزح.
رفع أعينها إليها وقال بهيام: تقبلين الزواج بي؟
ارتسمت ابتسامة على وجهها وعيناها تتلألأ كنجمة ساحرة. انقضت عليه وهى تعانقه وتقول:
بالطبع.
نظر لها من اندفاعها بهذه القوة. ابتعدت عنه بحرج وقالت:
اعتذر.
رفعت عيناها بحرج وقالت: هل بالغت في ردت فعلي؟
سحبها وطوق عليها بذراعيه بقلب مطمئن. فكان هو الخطر الذي يخاف عليها منه.. ويسعى لإبعاد هذا الخطر لأي ثمن كان. ابتسمت وهى تنظر له لتبادله العناق. كادت الدموع أن تتعانق مثلهما لفرط سعادتها مما سمعته، لكن استوقفها عقلها وهو يبث القلق داخلها من ذكر هذا الكلام الآن. نظرت له وتذكرت ذلك اليوم حين أخبرها أنه سيتزوجها عاجلاً وكانت تجهل الأمر بأن ثمة مخطط في عقله.
شعرت كاسبر بارتخاء ذراعيها وهى تبتعد عنه وملامحها منطفئة عن ما رأته قبل ثوانٍ معدودة.
ما الأمر؟
أنني من يجب أن أسأل عن ذلك.. ما سبب كلامك المفاجئ هذا؟
طالعها بنظرات مستغربة بينما كانت الخيبة تظهر في عيناها حيث قالت:
هل تريد إقامة حفل لتخبر "روبرت" بزواجنا مثل السابق.. تريد أن تخبره أنك لا تزال تحبني كي يستخدمي ضدك لكن ألا يمسني بسوء؟
كان حبه هو المعلق في ذهنها بما لقاه منها، لكن الآن باتت تعلم كل الخفايا المخبأة فلن تعيد الزمن ويعاد الكرة.
لماذا تظنين بي هكذا؟
الم تكن الحقيقة قديمًا؟ ماذا فعل ظني الخاطئ وماذا حدث من يقيني المتشائم.. أنني أخشي الفقد كثيرًا.
تعلقت عيناها بأعينه واردفت: أخشي فقدانك.. ألا يحق لي بعد ما مررنا به ألا أفكر بما يدور في عقلك.. إن كان هذا صحيحًا لا يا "علي".
ماذا تقصدين بلا؟
أنني لست موافقة.
نظر لها بشدة من رفضها. أدارت وجهها وقالت: لن أفعلها، لنبقى هكذا لكن لنكن سويًا.. لا تخبئ عني ثانيًا، رأيت ما حدث لنا لتكن صريحًا وقل أن الحفل لم يكن سوى مخطط لإبقائي حية.
لما كل هذا الخوف؟
بسبب ما رأته عيني وليس بوسعي أن أراه مجددًا.
وكان لحظة سعادتها لم تكتمل. كان الحزن قابعًا في قلبها غير قادر على الزوال لسدة خوفها. سارت محاصرة بين أسوار البؤس.. أسوار قامت ببنائها. شعرت به يمسكها من يدها. نظرت له وكان مطأطأ رأسه. لاحت ابتسامة على شفتيه لم تفهمها.
أخبرتك من قبل أن من أسباب حبي لك هو خوفك بشأني.
ماذا؟
نظر لها وقال: أحب خوفك علي الذي لم أعهده من أحد من قبل.
لكنها لم تفهم ما قاله بصيغته وتسلسل عقلها كلامه وقالت:
إذاً أنني محقة.. أنت تفعل ذلك لكي أ..
أشار بإصبعه السبابة مقربًا من فمها بمعنى أن تصمت. ابتلعت كلامها وطالعته باستغراب ليقول:
هل استمعتي لي؟ لم يعد هناك "روبرت".
كان لحملته أثر كبير داخلها. نظرت له بشدة مما تخشاه وتتمنى أن يخيب ظنها. قالت بنبرة قلقة:
هل قتلته؟
لقد وعدتك.
كيف إذا.. ما تفسير كلامك؟
أبعدته عن طريقنا دون اللجوء لأساليبى.. لقد تم إلقاء القبض عليه.
اتسعت قدحتا عيناها وقالت بصدمة: كيف ومتى؟
لم يرد عليها. تعجبت من هذا الصمت حتى ترجمته داخلها ونظرت له بدهشة. قالت بشك: لا تقول... أنت... أأنت من جعلتهم يقبضون عليه؟
سار الأمر بمساعدة أحد ما.
أحاطت التساؤلات وجهها ولا تزال لا تصدق، لكن أعينها الجدية ترغمها على التصديق. سرد عليها أحداث اليوم وانشغاله عنها لم يكن من محض فراغ. كانت تستمع وتندهش لمعرفتها بما فعله، كيف أنهاهم بذكائه ولم ينفذ أساليبه لوعده لها، بل اندهشت لمعرفة أن "حاتم" كان الشرطي الذي ساعده ليعيده لمنصبه الذي خسره. فقد كانت حزينة عليه لمعرفتها بحبه الشديد لعمله وما كان يركض خلف "كاسبر" ليس سوى عمل يريد أن يتممه.
سار الأمر بمساعدة الشرطة إذا.. هل قابلت "روبرت" وجهًا لوجه بعد كل هذا الوقت؟
كنت مضطرًا.
قال ذلك بجدية فلم يكن ميسورًا حين رآه وما سمعه منه. نظرت له "أفيلا" بطرف عيناها وقالوا بغير تصديق: الشرطة وأنت يا "علي".. الاثنان معًا؟
ابتسم وقال: لم يكن في الحسبان.
لم يخطر على بالي يومًا.. هل هكذا لم يعد هناك خطر عليك؟
لا تزال خائفة عليه هو، بينما لم تعلم أنها كانت هدفًا مترصدًا من أولئك المجرمين وفي طريقهم لقتلها.
رد عليها بنبرته الهادئة: انتهى الأمر.. نستطيع من الآن أن نكون مثل أي اثنين عاديين.
رمقها بجملته في هذا اليوم حين كان معها وكانت تترجاه أن يتوقف: "لنعيش حياة عادية مثل أي اثنين".
لا أكاد أصدق ما أسمعه منك.
اعتدل في وقفته وهو يقول: لنعود للمنزل.
فلقد انتهى العائق الذي كان بينهم وها هو يريدها أن تعد معه من جديد، لكنها استوقفته وقالت:
عن أي منزل تتحدث؟
منزلنا؟
لا يصلح، لم نتزوج بعد.
تعجب من ما قالته. أضافت بتوضيح: لقد قلت ذلك أن ننسى أننا متزوجين وقد طلبت يدي.. لتنتظري لذلك اليوم إذا.
تبسم بقلة حيلة وقال باستدراك: يوم الزفاف.
أومأت له وهى تقول بابتسامة متبادلة: يوم الزفاف.
كانت عيناهما تثقب الآخر بحب مزدوج. نظرة بها حياة لم ينظراه لبعضهما من قبل، لكن ثمة فجوة بينهم لا تزال تشكل حاجزًا بينهم.. هل سيأتي يومًا ويكونا قد تخطيا الأمر متى وكيف؟ لعل ذلك اليوم قريب، لكن الأقدار ستكون قد اتخذت مسارًا مختلفًا.. مسارًا حدده القدر ولا بوسع أحد أن يغيره.
***
في الصباح بألمانيا عاد عمر من بالخارج وبحوزته حقيبة مشتريات الذي تلزمه. وقف عند المصعد ينتظره. استنشق رائحة عطر تفاذُه أملأت المكان بأكمله وخطوات كعب تتناغم لتقف امرأة بجانبه قريبة منه. نظر إليها كانت ترتدي ملابس خليعة تظهر مفاتنها وجسدها المتناسق. لم يهتم. فتح المصعد ليدلف الاثنان لداخل. كانت سيطبق زر الطابق في اللحظة الذي فعلتها هي. أفسح لها، فضغط على الزر وحين عادت للخلف اختار طابقه وعاد. أوقفته مبتعدًا عنها. طالعته المرأة بنظرات لاحظها لكن لم يهتم بها حتى قالت:
Du bist neu hier (أنت جديد هنا).
لاحظ حديثها الموجه إليه قال: Ja (أجل).
تقدمت خطوة منه. نظر إليها لتقول وهي تلقي بنظراتها المتفحصة على وجهه: Du bist nicht aus Deutschland (أنت لست ألماني).
أومأ لها إيجابًا. اقترب منه حتى لامست كتفاها جسده فأبتعد عنها. نظرت إليه من ابتعاده. ابتسمت ثم وقف أمامه قريبه منه والجدار خلفه لينظر إليها وهي في وجهه:
wie alt bist du (كم عمرك)؟
كان يبدو أنها تكبره رغم شكلها الذي يبدو صغير. لكن معرفتها لسنه بسبب حرجة منها. لم يرد عليها وانزاح قليلاً بتوتر من جرأتها. وجدها تقترب أكثر تمنعه من الابتعاد تقول:
Es sieht nicht danach aus, junger Mann (لا يبدو ذلك، أيها الشاب). ماذا بك.. تبدو مريضًا.
mir geht es gut (أنا بخير).
Was ist los? Du siehst krank aus (ماذا بك؟ تبدو مريضًا). لا تبدو كذلك أيها الشاب.
شعر بالحرج من الوضع الذي عليه. اقتربت أكثر. عاد للخلف فتح المصعد. ابتعد عنها سريعًا وقال:
هذا طابقي.
نظرت إليه من ابتعاده. خرج من هناك وكأنه يهرب منه وحش يلاحقه. تنهد من توتره وهو يتقدم من شقته ليستعيد توازنه الذي فقده بسببها. وهو يفتح الباب وجد من تلتمس ذراعه ببطء. أبعد يده بسرعة وجدها تلك المرأة. ابتسمت قالت:
Hast du wirklich Angst vor mir (هل أنت خائف مني حقًا)؟
Was führt Sie hierher? Ihr Stockwerk ist ganz oben (ما الذي جاء بك لهنا؟ طابقك في الأعلى).
اقتربت منه وضعت زراعه على الحائط تحاوطه وقالت: Ich wollte dich näher kennenlernen. Bleibst du alleine hier?! (أردت التعرف عليك أكثر.. هل تمكث هنا بمفردك؟!)
وكأنها تحاول إغراءه بشتى الطرق. قالت بضيق: Bleib weg (ابتعدي).
hast du eine Freundin? (هل لديك حبيبة؟)
ja (أجل).
ابتسمت وقالت: Sie hat Glück, jemanden wie dich zu haben (إنها محظوظة كونها لديها رجل وافي مثلك).
اقتربت منه. عاد للخلف بتوتر شديد. أمسك مقبض الباب والمرت بيده حتى صدر صوت التشفير وفتح الباب. ابتعد عنها ودخل وهو يقفل الباب في وجهها. لتفتح عيناها بصدمة وتنظر إلى نفسها وما فعله. فهل رفضها للتو؟ أعدلت ثيابها وهي ترجع شعرها للخلف بثقة تعيد كرامتها الذي تبعثرت وذهبت.
***
في منتصف اليوم كانت "أفيلا" تقود سيارتها. سمعت رنين هاتفها التقطته وهى ترد على "بيري" التي تتصل بها.
مرحباً "بيري".
"أفيلا" أبي مريض.
سار القلق في بدنها من صوتها وقالت: ماذا بعمي؟
لا أعلم.. لكنه ليس على ما يرام.
توقفت بالسيارة وهي تقول بتساؤل: حسنًا أين أنتم؟
في المنزل.
ألم تأخذوه لمشفى؟
كلا، أنه قد رفض.
ولماذا قد تستمعون إليه؟
تعلمين أبي لا يستطيع أحد أن يجادله.
تنهدت وقالت: حسنًا آتيه.
أقفلت الهاتف وأدارت السيارة مغيره اتجاه سيرها قاصدة بيت عمها وهي قلقة.
***
في المنزل كان وجيد مسطحًا على الفراش والمرض بادٍ على وجهه وزوجته جالسة بقربه قلقة عليه.
قال "وليد": لنذهب المشفى يا أبي لنطمئن عليك.
قلت لكم أنني بخير.. اتركوني بمفردي فقط.
قالت "بهيرة": كيف سنتركك وأنت هكذا.
قاطع حديثهم صوت جرس الباب. قالت "بيري": أظن "أفيلا" قد جاءت.
قال "وجيد" باستغراب: "أفيلا".
ذهبت "بيري" لتفتح رأت "أفيلا" التي دخلت وقالت: أين هو؟
بالداخل.
أشارت له فذهبت تجاه الغرفة وحين دخلت ورأته مسطحًا على فراشه وجهه مرهق قالت:
عمي.
اقترب منه. نظر إليها قال: ما الذي جاء بك؟
أخبرتني "بيري" للتو.
نظر إليها والدها بعتاب. قالت: أنك لم تذهب للمشفى فأحضرت "أفيلا" لك.
قالت "أفيلا": لماذا أنهم يستطيعون معرفة ما بك؟
لا داعي، سأكون بخير. لماذا تكبرون الأمر؟
أن تركناه سيزداد علينا إعطاء الأمر حجمه..
التفت ونظرت إلى "وليد" وقالت: "وليد" هل أحضرت لي حقيبتي من السيارة؟
حسنًا.
ذهب ليحضرها إليها. اعتدل "وجيد" بضعف. مانعت "بهيرة" وقالت: لتستلقي لا داعي لهذا.
أوقفتها "أفيلا" وهي تقول: دعيه الجلوس أفضل من النوم.
ابتعدت لتتركها تساعده على الجلوس وتوقف الوسادة خلف ظهره ليستند عليها. جاء "وليد" بحوزته حقيبة قال:
"أفيلا" تقصدين هذه؟
نظرت له أومأت إليه إيجابًا فناولها إياها. لتخرج أدواتها إلى بحقيبتها العادية لنرى مؤشراته الحيوية وتفعل له ما يلزم. بعدما انتهت قالت:
ضغط منخفض.. أخبرتك بأن تهتم بوجباتك ولا تحمل نفسك فوق طاقتها.
لكنني أفعل ذلك.
إذا كيف أصبحت هكذا..
لم تخضع لفحص طبي بعد.
قالت بهيرة: ما ضرورة ذلك؟
لنعلم أنه بخير.
نظرت له برجاء وأردفت: لا تهمل نفسك، أرجوك.
قالت ذلك برجاء وصوت ضعيف. نظر إليها من نبرتها، ابتسم وقال: لا تخافي، لا أزال معك.
وهذا ما يطمئني. لمن الخوف مستمر؟
كان صوتها يجهش تدريجياً. نظرت له وأكملت: لا أريد فقد أبي مرتين. إنني أراه فيك، فلا تتركني، أرجوك.
تغلغلت الدموع في عين وجيد حين ذكرته بأخيه. أومأ إليها وهو ينظر إليها ويقول: وأنا أراه بك.
مد ذراعه إليه. اقتربت منه لتأخذ عناقاً حانياً، ويربت عليها بخفة.
توقفت عن البكاء. هل هناك عروس تحزن الآن؟
تفاجأت كثيراً حين قال ذلك. ابتعدت عنه وقالت: عروس؟
أجل. ألن تتزوجي عما قريب؟
من أين تعلم بهذا؟
ألم تنوِ إخباري؟
لا، لم أقصد. لكنني لم أخبرك بعد لتعلم.
ابتسم وقال: عليّ أخبرني.
عليّ؟ لكن متى؟
اتصل بي من يومين وأخبرني عن حفل زفاف الذي لم يفعله في زمانه، سيقيمه الآن ويعلن زواجكم.
صمتت. أومأت له بتفهم. نظر لها وجيد، قال: ماذا؟ ألستِ سعيدة؟
بلى. لكن أرى أنه ليس من الداعي.
قالت بهيرة: تستحقين حفلاً مثل أي فتاة. أنكِ لستِ قليلة بالنسبة إليهم.
الموضوع ليس كذلك يا خالتي.
لا تعلم كيف تفسر أنها سعيدة بما يحدث وأنها ستكون معه من جديد، لكن تشعر بشعور غريب لا تعلم ما تفسيره. أنها لا يهمها زفاف أم غيره، يهمها أن يكون معها. وضعت بيرى يدها عليها، قالت: لا تقلقي، إنه توتر عروس ليس إلا. تتذكرين هذا الكلام.
قالت ذلك بمزاح. ابتسمت بهدوء وقالت: أتذكر.
قال وجيد: هل حددتم اليوم؟
ليس بعد.
قالت بيرى: أنتم بطيئون كثيراً. لتحددوا المعاد بأقرب وقت.
إن شاء الله يحدث.
قالت ذلك بابتسامة. ابتسموا لها سعيدين لسعادتها. بين هذا الهدوء هو ما يريبها. وكأنه هدوء ما قبل العاصفة. تطمئن قلبها بأن الخطر قد زال وحان وقت الحياة. أن تعيد بناء حياة كباقي البشر خالية من السفك والركض والدماء. لتنعم بسلام. وها هي تسعى لذلك.
***
في منتصف اليوم في ألمانيا، نزل عمر من المبنى. وأثناء سيره توقف لوهلة عندما رأى طيف ريلا عند الباب بالخارج وكانت تتحدث مع شاب. اقترب منها وهو ينظر لهما. التفت ورأته. انتبهت لوجوده. رأى الضيق على وجهها.
ماذا هناك؟
لا شيء.
نظرت إلى الشاب وقالت موجهة إليه الحديث: Gehen Sie von hier aus. غادر من هنا.
ذهبت، لكنه أمسك يدها يوقفها. تضايق عمر. اقترب، أمسك يده الممسكة بها ودفعها بعيداً عنها. نظر له بشدة من فعله. وقف أمامه وقال:
Wie kannst du es wagen, mich so zu drängen? كيف تتجرأ على دفعي هكذا؟
Berühre sie noch einmal und du wirst sehen, was ich mit dir mache. لتلمسها ثانياً وسوف ترى ما سأفعله بك.
خشيت ريلا وهي تنظر لهما. بينما ابتسم بسخرية، أشار عليها وقال: Was wirst du diesem Baby tun? ماذا ستفعل هذه حبيبتي؟ المسها كما شئت.
غضب من ما قاله، لكن استوقفته كلمة حبيبته. نظر لها بشدة وقال: ماذا يعني هذا؟
كانت ستتحدث، لكن تحدث الشاب وقال: Wir lieben einander. نحن نحب بعضنا.
صاحت به بضيق وقالت: Lügner, das war alt und nur nach dem Geschmack eines Teenagers, glaub es nicht, Omar. كاذب، كان هذا قديماً، مجرد إعجاب لفتاة مراهقة. لا تصدقه يا عمر.
صمت وهو يستوعب كلامهم. من يكون؟ هل هذا الذي أخبرته أفيلا عنه وقام بخيانتها مع صديقتها وشهدت على ذلك؟ غضب كثيراً لرؤيته. هل حصل الشرف لما قبلة الوعد الذي تمنى لقائه ليلقنه درساً، بل يطاردها ويدعوها بحبيبته.
Warum sagst du nicht die Wahrheit? Ich bin zurück. Wir werden zurück sein, wie wir waren. لماذا لا تقول الحقيقة؟ لقد عدت. سنعود كما كنا.
قال ذلك وهو يقترب منها، لكن وقف عمر في وجهه وهو يمنعه ويقول: Verschwinde von hier und lass dich nicht wieder erwischen. اذهب من هنا ولا تتعرض طريقها ثانياً.
Sie haben kein Einkommen. ليس لك دخل بذلك.
نظرت ريلا إليه وهو غاضب. اقتربت منه، أمسكت يده. نظر لها، قالت: لنذهب.
نظر الشاب لها قال: Ist er dein Freund? هل هو صديقك؟
Ihr Liebhaber. حبيبها.
أنصدم من ما سمعه وطالعها بشدة. وكانت متفاجئة هي الأخرى.
Ist das richtig? هل هذا صحيح؟
صمتت قليلاً ثم قالت: Ja. أجل.
تضايق عمر من نظراته عليها. أمسكت يده، أخذته بعيداً عنه حتى لا يقع في ورطة بسببها. دخلا إلى العمارة، ثم توقفا. تركت يده وقالت:
لا تفتعل شجاراً بدون سبب.
نظر لها من تغيرها المفاجئ قال: لقد كان يقترب منك.
استطيع تولى أمري، لكنك أسرعت ودفعته.
لم أخطئ. لو أنني رأيتك تحاولين تهدئتي، لكنت حطمته. فقد لقبك بحبيبته ذلك الوغد.
ابتسمت تعجب منها. نظرت له وقالت ساخرة: ماذا! هل شعرت بالغيرة؟
تضايق من سخريتها. لم يهتم وقال بإدعاء الجهل: من يكون؟
معرفة قديمة.
من أين تعرفينه؟
ليس لك دخل بذلك.
قال ذلك وهي تذهب. أمسك يدها وسحبها إليه وقال: منذ خمس دقائق، قلتي أنك حبيبتي، لذلك مضطرة لإخباري.
قلت ذلك كي لا تكون كاذباً أمامه. لم أريد إحراجك. لا نخدع أنفسنا.
نظر إلى كلتا عينيها بشدة وقال: نخدع أنفسنا؟ أتسمين حبي خداعاً؟
وأنا لا أحبك يا عمر.
احتلتها الصدمة من الجملة التي قذفتها نحوه. نظر لها وهو غير مصدق ما تفوهت به.
كاذبة... تكذبين.
لم ترد عليه وهي تخفض أنظارها. اقترب منها وأردف: أعلم أني أخطأت، لكن لم أكن أعلم أني أحبك. اكتشفت ذلك عندما ذهبت وتركتني. كنت في غفلة من أمري.
رفعت عينيها والدموع بها وقالت: بعد ماذا؟
تعجب كثيراً من نبرتها. أكملت: اكتشفت متأخراً. لم أنس ما شعرت به في ذلك اليوم.
أشارت على أيسر صدره وقالت بحنق: هذا القلب لا يحب لأنه قاسٍ.
نظر لها من كلامها وقد خارت قوة لتكمل:
تتحدث بسهولة وتجرح وتكسر وتهين، ثم تعود وتعتذر. تكتشف خطأك بعدما تركت للشخص أثراً بداخله لن يمحى. كيف تعود إلي وتقول أحبك؟ هل ظننت أني سأرحب بك؟
أنا آسف. اعتذرت منك وها أنا لا أزال أعتذر. أعطني فرصة أخرى. إنني أحبك حقاً. تركت كل شيء على الفور وجئت من أجلك.
خفضت رأسها. تساقطت دموعها. أبعدت يدها منه. تركها دون أن يمنعها. ذهبت دون أن تتحدث بكلمة. تركته واقفاً بين خيباته الذي كان سبباً بها.
أنتِ مخطئة يا ريلا. إنني أكثر من عانى من قلبه بسبب الحب، ولا تزال المعاناة مستمرة.
***
في المساء في المشفى، كانت أفيلا تعمل بحالة مريضها، لكن عقلها كان شارداً. نظرت إلى هاتفها الذي كان خالياً من المكالمات، فهو لم يحدثها اليوم بأكمله.
بعدما انتهت من عملها، كتبت إلى الممرضة تقريراً للعناية. أومأت لها بتفهم. ذهبت متوجهة لمكتبها.
وجدت استمارات على المكتب. أخذتها وجلست على كرسيها تتنهد بإرهاق من أعمال اليوم.
هل انتهيتِ؟
سمعت ذلك الصوت عند الباب. نظرت إليه وتفاجأت من رؤيته.
عليّ.
وقفت وهي متفاجئة من وجوده وبمكتبها. اقتربت منه قالت: متى جئت لهنا؟
الآن.
نظرت له قليلاً. فهل تذكرها الآن؟ قالت: لماذا لم تحدثني منذ الصباح؟
كان لدي عمل. هلا ذهبنا؟
إلى أين؟
ستعلمين. هيا.
انتظر.
ذهبت لتخلع جاكتها وتعلقه. اقتربت منه وذهبت معه وهي تتساءل لأين ذاهبون.
توقفت السيارة. ترجلا، وكانا أمام أتيليه راقٍ. كانت تلقي بأنظارها عليها من الخارج. امسك يدها. نظرت له. أخذها للداخل. وفور دخولهما، وجدت أربع فتيات وامرأة تتقدمهم وترحب بهم وترشدهم إلى طريق ما.
دخلوا إلى إحدى الغرف الخاصة. جلسوا على أريكة في الانتظار. وكانت أفيلا ترى اللوحات المعلقة، رسومات تجسيدية بملابس حديثة غريبة بالنسبة إليها. دخلت امرأة وهي مبتسمة وتقترب منهم.
مرحباً سيد كاسبر. سعيدة بمعرفتك.
مد يده وهو يصافحها. طالعتها أفيلا من أيديهم المتشابكة. تبسمت لها وصافحتها هي الأخرى وجلست أمامهم. كان بحوزتها دفتراً متميزاً بشكله من الخارج. أعطته إليها قالت:
هل اطلعتِ على هذا؟
نظرت لها وإلى الدفتر الممتد إليها باستغراب. تناولته منها. رأت رسومات داخله لفساتين جميلة.
اختاري التصميم الذي يعجبك.
هل أنتِ المصممة؟
أجل. يا للخيبة، كنت أظن أن الجميع يعرفني. اسمي نادين السياني.
أنا فقط لا أتابع لذلك.
لا بأس. ليس الجميع يميل إلى الموضة. على كل حال، أتمنى أن ينال أحدها إعجابك. لم يرتدي أحد من قبل من هذه التصميمات الخاصة. سيكون خصيصاً لك كما قال خطيبك.
استوقفت ذلك اللقب بذهنها ونظرت إليه بتساؤل. لماذا أحضرهم لهنا ولماذا تصميم خاص لها وهذا الاهتمام؟ أنها لا تبالي ولم تعد تعلم أي ما يجري. شعرت به يمسك يدها. نظرت له وكأنه فهم ما ترمق. أشار بعينيه إلى الدفتر الذي بين يديها. قبضت على يده وكانت ذاتها الذي سلم على نادين بها. قبضت عليها بتملك وعادت ترى التصميمات المخططة. كانت في حيرة حتى توقفت عن التقليب عند صفحة ما. كانت عيناها تثقب فستاناً جميلاً هادئاً نال إعجابها.
لاحظت نادين توقفها قالت: هل أعجبكِ أي منهم؟
أجل.
بإمكاني أن أرى.
أعادت إليها الدفتر إلى ما توقفت عندها، فرأت ما تعنيه. حتى تبسمت وقالت:
ذوقك راقٍ.
رفعت عينيها إليهم وأردفت قائلة: لحظة واحدة.
استأذنت وهي تغادر حتى أصبحت بمفردهم. نظرت أفيلا إلى كاسبر قالت: تصميم خصيصاً ها؟
ألم يعجبكِ شيئاً؟
بلى، لكن لما كل هذا؟ لم يكن هناك داعٍ.
أنكِ تستحقين الأجمل.
تطاير الكلام الذي داخلها من قوله ذلك وشعرت بنبضة الحب تروادها. دخلت امرأتان وبحوزتهما الفستان المألوف، وكان ذاته الذي اختارته. دخلت نادين قالت:
هيا لترى كيف سيكون عليك.
ظننتك لم تنتهِ منه بعد.
ابتسمت وقالت: لحسن الحظ أنه متمم على أكمل وجهه. ينتظرك فقط.
أومأ لها "كاسبر". وقفت "أفيلا" وذهبت معهم إلى غرفة القياس. كانت محاوره. جلس في الانتظار، سمع صوت "أسعار" من هاتفه، فتحه وقلب به يملأ فراغه.
"على"
أتاه ذلك الصوت. رفع عينيه إلى الذي يقف أمامه. تعلقت عيناه بها، وبشكلها الذي أسره، وكأنه يراها لأول مرة. كان فستانًا منقوشًا برقة مع تطريزات هادئة يظهر رقبتها والأكمام تأخذ بزوايا وكأنه صمم خصيصًا لها. كانت تشبه محارة لؤلؤ مرصعة بالكريستال المزخرف الأبيض والنقوش.
"كيف أبدو؟"
قالت ذلك وهي تنظر لنفسها بشك وتنتظر ردًا منها، كأنها ترى نفسها بعينيه هو فقط لا غير.
تقدم منها وكأنه يريد أن يعانقها من قرب. توقف عندها وهو يطيل النظر إليها. اكتست وجنتاها بالحمرة زادتها جمالًا.
"جميلة"
قال ذلك مخاطبًا إياها. فتبسمت. قالت: "لأي حد؟"
اقترب بضع بوصات منها وهمس لها في أذنيها: "للحد الذي يجعلني أريد أن أتزوجك الآن."
لم تنطق من بعد ما قاله. ابتعد عنها، نظر لها وهي تتحاشى عينيه. سابقتها ابتسامتها الطفيفة بحياء خافت.
"هل اخترتِ هذا؟"
قال "نادين" ذلك مقاطعًا إياهما. نظرت له وأومأت برأسها إيجابًا. تبسمت وقالت:
"جيد، سأجهزه لك."
نظرت إليهما الاثنان وأردفت بتهنئة: "مبارك لكما."
أومأت لها وكانت تشعر بالسعادة الذي تخففها دومًا، لكن لن تجعل بؤسها يعكر هذه اللحظة. بعدما انتهت وخرجا للرحيل، اصطف حراسه أمام السيارة وهم يتقدمون منهم. أمسكت "أفيلا" يد "كاسبر" توقفه. نظر لها. قال:
"ماذا هناك؟"
"لماذا لا يزالون معك؟ لم تعد بحاجة إليهم."
"لكن الخطر لم ينتهِ."
نظرت له مما قاله: "كيف هذا؟ أتعني..."
"لا تقلقي، إنهم حراسه ليس إلا."
كان ذاهبًا. اشتدت على يده توقفه. تنهد وقال: "ماذا أيضًا؟"
"لا أريد العودة الآن."
نظرت له وأردفت: "لنسير قليلاً."
كأنها تتشبث بأي لحظة تديم فيها سعادتها قبل الانتهاء. لم يشأ أن يرفض طلبها ذاك. نظر إلى رجاله وقال:
"اذهبوا أنتم."
أومأوا برؤوسهم وذهبوا بسياراتهم ليغادروا من المكان. ليدلف داخل سيارته بمفرده ويذهب بها إلى أحد الأماكن الذي اختارها. بينما كانت تتابع الطرقات تتساءل لأين ذاهبان؟ فهي لم تحدد إلى أي مكان، بل قالت: "نسير." توقف، وكان أحضرها إلى مطعم. نظرت. نزل وهو يشير إليها فتبعته ودخلا. رحب بهم المدير برؤيته. كانت تتطالع وتشعر بالفخر أم سعيدة معه؟ لا تعلم. لماذا يعرفونه كشخصية عامة بينما هي غافلة عن أمره؟ تتساءل لماذا لم تسأله عن حياته العادية بعيدًا عن المافيا؟ لما لم يثر ذلك فضولها؟ هل أشغلها عشقها له؟ لم تهتم بعمله، أيا تريده هو فقط. أن يكون بجانبها مثل الآن. يذهبون معًا إلى كل مكان عبر هذا العالم الكبير وأيديهم متشابكة لا يفترقان. هل هذا حلم صعب أن يتحقق؟ إنها لم تطلب الكثير.
كانا جالسين على أحد الطاولات بركن هادئ منعزل عن الخارج ويحظيان بأمسية هادئة. بعيدًا عن ضجيج العالم ينفردان لبعضهما كليلة مميزة من بين ذكرياتهم. فهل ستصبح ذكرى عابرة كمثل الأخرى؟
كان "كاسبر" يقود السيارة عائدًا بعدما غادر من المطعم. نظر إليها وهي تجلس بجانبه. كانت عيناها معلقة على الخارج.
"أتعلم، كنت جائعة حقًا."
"لاحظت ذلك."
قال ذلك وهو ينظر أمامه، لكنها استوقفته وقالت: "ماذا تقصد؟"
نظر إلى جسدها. تعجب من نظراته. ركز في قيادته وقال: "لديك قوة حرق عالية، لهذا لا يزيد وزنك."
نظرت إلى نفسها. قالت: "هل أبدو لك ثمينة..."
نظرت وأردفت بضيق: "أنا لا آكل كثيرًا، فقط أحب الطعام معك."
"لماذا؟"
قال ذلك وهو ينظر لها بطرف عينه. تلاشى ضيقها منه، ولم تعلق على كلامه وقالت:
"لأين أنت ذاهب؟!"
كانت ترى الطريق المشابه لها في ذاكرتها. وظهر شاطئ أمامها. توقفت السيارة. ترجلت قبله وطالعت هذا الفضاء الذي يحيط بها. فلقد ظنت أنه سيرجع بها. التفتت له وقالت:
"ماذا نفعل هنا؟"
تقدم منها وهو يضع يده في جيبه ويقول: "طلبتِ أن نسير."
"ليكن إذن."
قالت ذلك وهي تلف ذراعها حول ذراعه. نظر إليها وهي تبتسم وتسير معه جنبًا إلى جنب وسط أصوات الرياح التي تهفو عليهم مع ذرات المياه الباردة. صوت موج البحر كصوت موسيقى هادئة تطرب مسامعهم.
"على، لماذا أنت وسيم؟"
شعر وكأنه لم يسمع خطأ. لكن حين رأى الجدية على وجهها وهي تكمل وتقول: "إنك وسيم للحد الذي لا يتوقع أحد أن تكون من المافيا."
"ما العلاقة في ذلك؟"
"الجرائم، كثرة الحوادث الذي أعلم عنها، لا يوجد لديك أي نظرة من الذي في مخيلتي..."
ابتسم وقال: "ممكن لأني قد حافظت على وجهي."
"كنت أرسم صور ناس قبيحون مشوهون لهؤلاء المافيا. فجئت أنت وحطمت تلك الصورة."
"أهذا مدح أم ذم؟"
"مجرد تصريح مني في هذه اللحظة الهادئة الذي لن تتكرر."
"لماذا تقولين هذا؟!"
"هذا ما يخبرني."
نظر لها وهي تشير على أيسر صدرها وأردفت: "هذا، فقد الأمان واعتاد القلق دومًا."
لم يرد على كلامها وأكمل سيره في صمت. نظرت إليه وقالت: "لماذا أنت هادئ؟"
"ماذا تريد أن أكون؟"
"أريدك أن تتحدث."
"في ماذا؟"
"عن حياتنا الذي في ذهننا. أريد أن نرسم حلمًا."
"كي يمحوه القدر."
قال ذلك وهو ينظر لها. فتوقف الكلام في حلقها مما قاله. نظرت إليه وصمتت. أدركت أنه يشك بلحظتهم هو الآخر. توقفت عن السير. نظر لها. توقف الآخر. وجدها تتقدم من الرمال الناعمة وتجلس بقربها. خلعت حذائها وتشعر بملمس المياه تدغدغ قدماها. شعرت به يقف خلفها. رفعت وجهها إليه. جلس بجانبها.
"هل تحب البحار؟!"
"لماذا؟"
"جئت بنا لهنا مرة، وأيضًا في سويسرا ذلك اليخت التي لم أصدق يومًا أن أكون وسط البحر هكذا، بل أقفز داخله."
قالتها بابتسامة وهي تتذكر. نظرت له وأردفت: "وها نحن الآن نسير عند الشاطئ نجلس قرب البحر. لم أحدد مكانًا لنسير فيه، لكنك أحضرتنا لهنا. فما تفسيرك لهذا؟"
"أخفيتِ الإجابة. كل هذا كان شعورًا داخليًا لم أكن أعلم سببه. لأني لم أكن أتذكر، لكن كنت أميل لذلك اللجوء."
"لهذا أسألك. تتكلم، تكن تتذكر. لكن الآن أنت..."
لم تكن تريد أن تذكر الماضي، لمن قالت: "لكنك الآن تتذكر وجئت لهنا. لماذا؟!"
"عندما كنا جالسين لأول مرة. ذلك الحدث الذي جمعني بك."
صمتت وهي تتذكر الفيلا المطلة على البحر وجلستهم سويا بها حتى تشفى.
"أحببته من جلوسي معك."
صمتت وكأن الذكريات تعود بها. تحيي بداخلها تلك الذكرى اللعينة التي فعلتها. لكن تساءلت فجأة، ماذا حدث لذلك المنزل؟ فلم تره قط. وأيضًا "كاسبر" عندما كان لا يتذكرها، لماذا لم يكن في هناك؟ بل كان يمكث في منزل آخر على الرغم من عدم تذكره.
"هل يمكنني أن أسألك سؤال؟"
أومأ إليها. صمتت بتردد. تعجب من صمتها فقالت: "تلك الفيلا، لماذا لم أراك فيها؟"
تبدلت ملامحه شيئًا فشيئًا. نظرت له وأردفت: "تتذكرها؟"
صمت وهو يعرف ما تقصده. ولذكرها قال: "أخبرني مازن بأن لا أذهب إليها. ولم أكن أعلم السبب حتى عادت ذاكرتي."
شعرت بنبرة صوته وتغير تعبيراته بالضيق. لكن الفضول لم يوقفها لهنا حتى سألته: "وماذا حل بها؟"
طال الصمت قليلاً. نظر إليها ببرود وقال: "تريدين أن تعرفي؟"
لم تفهم نبرته ونظرته تلك. هل الأمر كبير ليمنعه من التحدث؟ خشيت أن تعتزله ردًا. أومأت برأسها وهي مترددة. أمسك يدها وأخذها معه. تعجبت. قالت:
"على."
صعد إلى السيارة. قالت: "لأين؟"
"حيث ما تريدين."
قال ذلك وذهب متوجهًا لهناك. وكانت تنظر له. تغيره الذي لم يكن قبل قليل. بل رؤيته ذلك الوجه يخيفها وهي معه وإلى أين ذاهب بها. توقف بعدما وصل. ترجل. نظرت له، تبعته وهي تنزل حتى توقفت عيناها على الحركة مترصدة ذلك المنزل المتفحم الذي أمامها. دق قلبها نبضات متتالية مما تراه. هذا الحي مألوف لها. وهذا المنزل الخارجي يذكرها بمنزل تعرفه. لكن هذا كمنزل أشباح. كمنزل لم تطأ قدم به. محترق، كومة من الغبار وجدرانه المتهالكة. الحديقة القاحلة التي وصلت إليها النار وأكلتها. أكلت كل أرض تحيط بها.
التفتت ونظرت إليه وهو يقف بضع خطوات بعيدًا منها ويعطيها ظهره. لا ينظر إلى ما خلفه ولا يهتم بالرؤية. برود يجتاح وجهه.
استجمعت رباط جأشها وقالت: "على. هل هذه..."
"أجل."
نظرت له بشدة وقالت: "ماذا حل بها؟"
"أحرقتها."
أصابتها الصدمة لمعرفتها وفقدت النطق. وكأن لم يعد بمقدورها التحدث ثانيًا. أحرقها. أنه من فعل ذلك. أحرق المنزل الذي اجتمعا به.
تذكرت اعترافه لها حين أحضرها لهنا: "علمت بمشاعري تجاهك هنا." عندما دفعها إلى المسبح ليقضي على خوفها. عندما كانت مصابة وفاق على وجهه لأول مرة وهو نائم بجانبها ويدها متشبثة بملابسه.
شعرت بحرقة داخلها وكأن النار الذي أحرق تأكلها معه. فهي قد أكلت المنزل ونسيت أن تأكل من تسبب بها.
"لنرحل."
قال ذلك إليها وهو يدفعها لداخل السيارة. نظرة إليه وألقى نظرة خلفها. اتبعته وخلت ليغادرا من هذا المكان الذي تمنت لو لم تسأله عنها. من هالة الذكريات المختلفة حول عنقها. دموع تتجمع من كل تلك الذكريات التي تتركها. غصة بحلقها تهلكها. يتردد بذهنها شيء واحد. ماذا إن لم تكن قد ذهبت في ذلك اليوم. ذلك اليوم ليتها لم تصر على ذهابها لذلك الملهى معه. بيته لم يستمع لها وتركها. لم تكن قد عرفت من يكون وظلوا كما كانوا مثل القدم. حتى وهي معه الآن تشهد أن الفحوى الذي بينهم لن ولن ترحل. جعلته يحرقها الذي قال عنها أنها أحييت حبهم. فقام بتدميرها من وراء ما فعلته به. سالت من عينها دموع في صمت.
"آسفة يا على."
نظر إليها مما قالته ليرى دمعة تسقط من عينيها وهي تخفض رأسها وتردف بصوت خافت: "آسفة كثيرًا."
توقف بالسيارة على جانب الطريق. تنهد تنهيدة عميقة وقال: "أخبرتك أني أحرقته، لكن لم تقل أني حرقت نفسي معها."
"لكنك كذلك بالفعل."
رفعت وجهها إليه وأردفت: "كنت تحرقها وأنت تحترق معها."
يريد أن يوقفها عن التحدث كي لا تنجرف مع الحديث عبر الحادثة التي تؤثر عليه. قال: "استمعي إلي، أنني..."
"أنك تتألم."
قالت وهي تنظر في كلتا عينيه ليصمت وتكمل: "أشعر بك، فأنا أحترق الآن، ليس على المنزل، بل على ما وصلنا إليه."
قال بضيق: "ما هو الذي وصلنا إليه؟ ما هو؟!"
"ذكرى لم ولن تنسى."
أغمض عينيه وهو يعتصرهم كي لا تأخذه معه لتلك اللحظة. تنهد. نظر إليها قال: "لتنسي تلك الذكرى يا أفيلا."
لم تكن تتوقع أن تكون هذه جملة صادرة منه. أكمل: "لقد قمت بإحراق المنزل لعدم تذكّري. لا تأتي أنتِ وتذكريني بها."
لم تكن تشعر سوى بنبرة رجاء من صوته. قالت: "انسى."
"أجل، لتنسي. فلتفعلي ذلك مثلي."
"لا تحاول، ما دمت بغير استطاعتك. إنك تحاول تهدئتي، لكن ماذا عن ثورتك الذي بداخلك؟"
أشارت على قلبه وأردفت: "قمت بمحو المنزل من الحدث. لكني تركت بداخلك أثرًا لن يُمحى. هذا لن يُنسى. وإن نسي، فعقلك لن يدعك وشأنك. أنني منذ زمن أسعى ولم أستطع."
لم يرد عليها. نظرت له وقالت: "كيف سنتزوج؟ كيف سنعيش معًا تحت سقف واحد؟"
"سنعيش كما نحن الآن يا أفيلا."
قرب كفه من وجهها وهو يبعد شعرها ويردف: "سنعيش. لا تحملي همًا."
"الن تتركني ذات يوم؟"
الن تدرك أنك اخترت خطأ!
مرت سنين ولم استطع التخلص منك داخلي.
نظر إلى كلتا عينيها واردف: لو تعلمين مدى حبي لك لما قلتي ذلك.
أحست بدفء من كفه الملامس لوجهها وكلامه الذي يصب في قلبها ويجعله يتألم. لا تشعر بالسعادة، فقط الحزن والتأنيب الذي لا يتركها.
أشعر بالضيق من نفسي كلما أدركت كم كنت غافلة عن حبك، بينما أنت تحميني حتى من نفسي.
تنهد بضيق، فهي تذكره بما يسعى للتخلص منه، لكنها دون أن تدري تجعله يتذكر. وضعت يدها فوق يده عند وجهها وقالت:
اعتذر.. لن أتحدث ثانيًا.
رأى الدمع الذي يتغلغل بين جفونها وبرودة يدها، قال:
لا تبكي.
هل يمكن لي بسؤال آخر؟
قالت ذلك تستأذنه، فأومأ لها. صمتت قليلاً ثم قالت:
لطالما كنت أسأل نفسي، لماذا رأيت منك كل هذا الحب وأنت شخصًا.. شخص قاسٍ قد قتلت دون أن يرتجف لك جفن. كيف يمكن أن يكون لك قلب تحب به؟
نظرت له بتعلق واردفت:
لكنني وجدت بداخلك حبًا وخوفًا عليّ لم أجده في أحد. لماذا أحببتني هكذا؟
لأنك من وجدت الحياة معها.
إنك كنت من مخاوفي، وليس عليك بل على نفسي.
لأنني حين أكون معك أصبح "عليّ"، ذلك الشخص الذي تمنى أن يشعر بالحياة وقد شعر بها معك.
لن تفهمي ذلك لأنك لم تجربي معنى أن يعيش المرء كأنه يخاف الشعور كي لا يصبح ضعيفًا.
لماذا أحببتني كل ذلك الحب إذا؟
لقد وقعت في حبك سهوًا.
قال ذلك بقلة حيلة وتلقائية، فقالت بتردد:
ألم يقل حبك؟ ألا تحمل تجاهي ما ينفرك مني؟
صمت لا يجد ردًا على كلامها، وكأن ليس بوسعه الكذب في هذا حتى عليها، لكن قال:
ابتعد يا "روبرت"، وزال الخطر من حولك، فلا يوجد داعٍ لبقائي معك.
تعلقت عيناها به مما يعنيه، حزنت، لكن أومأت بإستدراك. إذا هو سيرحل. لكنه أكمل وهو يجعلها تنظر إليه ويقول:
لكنني اخترت حياة جديدة معك.
التمعت عيناها وقالت ببريق أمل:
ماذا تعني؟
كانت عيناه هي التي تتكلم. فسالت دمعة من عينيها واقتربت منه وهي تعانقه.
أنا أيضًا أحبك... أحبك كثيرًا.
نظر لها وهي تلتف ذراعيها حوله وتدفن رأسها بداخله، وتهامس له برجاء تام:
سامحني يا "علي"، أرجوك... أعتذر لك بشدة. أوعدك أنني سأجعلك تنسى.
سيأتي يوم، أما الآن أم غدًا، سيكون الحساب قد تصفى. أتيقن بهذا.
لم يعطها ردًا والتزم الصمت والهدوء فقط، وكانت تعانقه باشتياق وتشعر بيده يمسح على شعرها بحب وعينه شاردة تحيط بالفراغ. ليقول بداخله محدثًا نفسه:
أحاول يا "أفيلا". صدقيني أنا أحاول بكل طاقتي حتى أنسى. لتكفي عن تذكيري.
لم يكن يعلم أم أن يحب عليه أن يتخطى، أم سيجعلها تعيسة معه. هل تسرع؟ هل اتخذ قرارًا خاطئًا، وهذا شعور بالشفقة؟ لكن الشفقة عليه هو. هذا الحديث جعله يتشتت مما حدث اليوم. هل يعلقها به لأنه لا يستطيع إجراحها فقط؟ لكن قلبه ينفي. أجل، إنه يحبها، وهذا ما اعترف لها وبينه وبين نفسه كلامًا نابعًا من قلبه. لطالما لم يكن يميل لهذا الحب من الأساس، فكان له يد على قلبه قبل رؤيتها حتى استسلم له خاضعًا. لم تأبى له هذه الحياة. ومن منا لا يقع في فخ الحب دون أن يعي حتى، سار عاشقًا لشخص لا يعلم أما أن يكون مقدرًا له، أم أن يكون ملعونًا بالوجع الدائم. هل ستسير الأمور على نحو جيد كما خطط لها؟ أم للقدر رأي آخر.
لتمر الأيام بهدوئها السلس بشكلها الاعتيادي. كان التواصل بينهم مستمرًا. يعاملان على نسيان ذلك اليوم. علمت "أفيلا" منه أنه يضبط أوراقه هنا للإقامة، فسعدت كثيرًا ورأت السعادة في صوتها وهي تؤيده لأخذ خطوة في حياتهم للاستقرار.
كانت في المشفى تعمل. جائت ممرضة قالت:
طبيبة "أفيلا"، هل طلبتني؟
أجل.. هل صدرت نتيجة فحص "وجيد مصطفى"؟
لا أذكر الاسم جيدًا، لكن أظن ذلك.
أحضري النتيجة إلي.
أومأت لها إيجابًا وذهبت لتكمل عملها. نظرت "أفيلا" إلى هاتفها وتذكرت "عمر" و"ريلا" الذي لا تعلم شيئًا حيالهما، ولا هي الأوضاع معهما.
تناولت الهاتف وهي تقيم مكالمة. جائت الممرضة قاطعتها وقالت:
هذا هو الذي طلبتيه. شيء آخر.
أخذته منها وقالت:
شكرًا لكِ.
غادرت من مكتبها، فتحت الملف ورأت الأوراق والأشعة المفحصة لجسده. قلب بهم وهي تقرأ لتنزل أسفل النتيجة، حتى هدأ قلبها رويدًا رويدًا حين كان بخير ولا يوجد به شيء. حمدت الله وذهبت لتعلمهم بالنتيجة.
***
في المساء كانت "ريلا" جالسة في شقتها نائمة على معدتها وتعبث بالهاتف. رن فجأة من بين يديها. نظرت لاسم المتصل، ابتهج وجهها، ردت عليها:
"أفيلا".
اشتقت لكِ.
وأنا أيضًا سعيدة باتصالك كثيرًا.
أخبرتك أنني لن أنقطع مثل ذي قبل.
ابتسمت وقالت:
أخطأت بشأنك. كيف حالك؟
بخير. أخبريني أنتِ كيف حالك مع "عمر"؟
ضاقت ملامح وجهها وقالت باستفهام:
صحيح. لماذا لم تخبريني أن "عمر" سيأتي لهنا؟
لقد كانت مفاجأة. لم يكن يفكر في الأمر سوى هفوة حلت على رأسه.
كيف هذا؟
عندما ذهبتِ، تحول لم يعد كما كان. بات يشرد كثيرًا ومرهقًا وحزينًا.
سخرت "ريلا" من هذا الكلام بداخلها، عن أي حزن تتحدث وهو الذي رآها تبكي لم يرق قلبه عليها.
كان يتهرب من مشاعره حتى واجهته وتقبل الأمر. لم ينتظر حتى حجز طائرة وسافر إليكِ على الفور.
صمتت قليلاً ثم قالت:
أمم.. حسنًا.
ماذا!! ألستِ سعيدة؟
تنهدت وهي تقول:
لا أعلم. أشعر بالسعادة لرؤيته ثانيًا وحزينة لأنه عندما أراه أتذكر كيف قام بكسري.
سامحيه يا "ريلا". أخبرتك أنه "عمر" لم يكن يعلم بحبه. لم يريد أن يجعلك تتعلقين به. لقد كان يفكر بكِ أنتِ.
لم تعلق على كلامها، إلى أنه تلاعب بقلبها من جديد.
هل قلتِ له شيئًا أو تشاجرتما؟
قالت بتعجب:
شيئًا مثل ماذا؟
لو كنت أعلم لما سألتك. أتساءل لأنه حدثني عن مغادرته اليوم.
استوقفت جملة "أفيلا" لثوانٍ تستوعب، قالت:
ماذا قلتي؟
ألم يخبرك "عمر" إذا؟
لا لم يخبرني. ما الأمر؟
لقد حدثته اليوم، وانهى حديثنا بأنها عائد.
احتلتها الصدمة مما سمعته لتكمل:
قال إنه لا يوجد داعٍ لبقائه، فظننت أن للأمر له علاقة بك.
صمتت وهي في ذهول تام. تذكرت مشاجرتها معه وما قالته كونها لا تحبه. معقول أن يكون قد خاب أمله؟
"ريلا".
أفاقت على صوتها، عادت إلى المكالمة وقالت:
أتحدث معك لاحقًا.
حسنًا.
أغلقت الهاتف، جلست على الأريكة وتشعر بحزن يغفو على قلبها، ضيق يقيد أنفاسها وتوتر من حيرة أمرها. سيغادر؟ كيف سيغادر؟
لم تتمهل حتى خرجت متوجهة إلى الطابق الأعلى. صعدت إليه وقرعت جرس الباب باستعجال. تشعر بتأخره. خائفة من أن يكون قد ذهب. هل غادر قبل أن يودعها؟
قاطع حبل أفكارها فتح الباب، وكان "عمر". نظر لها، قال:
"ريلا".
دخلت وهي تتخطاه. لفت انتباهه حقيبته على الأريكة وملابسه، وكأنه يقوم بتحضيرها ويضب ملابسه للرحيل. تقدم "عمر" وهو يراها تنظر لأغراضه، قال:
"ريلا"، هل هناك خطب ما؟
نظرت إليه، اقتربت منه متجاهلة نظرات الاستفهام، عانقته وهي تقول:
لماذا؟
تفاجأ كثيرًا من عناقها ذاك. تطالعها باستغراب، قال:
"ريلا".
قاطعته وهي تصيح به بغضب:
لماذا يأست مني؟ إلى أين أنت ذاهب؟ لماذا يا "عمر" يأست بهذه السرعة؟ كيف تتركني بتلك السهولة وأنا التي حاولت مرارًا معك؟
ما الأمر؟ أنا لا أفهم شيئًا.
تريد أن تبتعد عني؟
عن ماذا تتحدثين؟
ابتعدت عنه وقالت بحنق:
ألم تظن أنني سأعلم؟ تريد أن تسافر وتعود لمصر. استسلمت باكرًا بسبب جملة قلتها لك.
ضربته بقبضتها في كتفه وقالت:
تنتهز الفرصة لتغادر.
أمسك يدها بهدوء وقال:
لم أكن لأغادر وأتركك.
نظرت إليه من نبرته الهادئة، وكأنه أطفأ نيران ثورتها. أشارت على الحقيبة وقالت:
كيف؟ ألم تكن تضب أغراضك؟
نظر إلى ما تقصده، قال:
أرتب أغراضي للإقامة. علمت أن بقائي سيطول بسببك.
قال آخر جملة بقلة حيلة. نظرت له بعدم تصديق وقالت:
حقًا؟
ابتسم عليها. اقترب منها وضمها إليه وهو يقول:
حقًا.
نظرت له، ابتسمت وبادلته العناق. سعد "عمر" بذلك وأنها بين أضلعه، قال:
سامحتيني؟
أفاقت من حلمها. أبعدته عنها وقالت:
لا.
قلبك متحجر.
أرادت أن تبتسم لكن لم يسعها سوى الصمت.
من أين لكِ بهذا الكلام؟ مغادرتي؟ العودة؟
"أفيلا" من قالت لي ذلك.
قال بتعجب:
"أفيلا"؟
--------
كان "عمر" جالسًا في شقته مهمومًا، يشعر بخيبة كلما تذكر الكلمات التي قذفتها "ريلا" في وجهه. هل تأخر للحد الذي قال حبها له؟ تنهد وهو يضع وجهه داخل كفيه. رن هاتفه، أخرجه من جيبه، وجدها "أفيلا". ابتسم وكأن مكالمتها جاءت في وقتها، رد عليها.
على حسب يقيني أنكِ في الليل الآن.
أجل، ماذا في ذلك؟
ألا تهتمين لحياتي؟ أن علم "علي" سيقتلني هذه المرة.
ابتسمت وقالت:
اتصلت بكِ لأني أعلم أنكم في الصباح.
كيف حالك؟
بأحسن حال.
صمت قليلاً، فهو يشعر بالسعادة في نبرتها. ابتسم وقال:
سعيد بسماع ذلك.
ماذا فعلت مع "ريلا"؟
تنهد وقال:
لا تزال غاضبة مني. قالت لي اليوم أنها لا تحبني ولم تنسَ كيف كسرتها في ذلك اليوم.
هذا يعني أنكم لم تتصالحا بعد.
لا، لكنني أحاول، لكنها لا تعطني الفرصة.
ضع لها عذرًا. لقد رأيت رحيلها من مصر لم يكن سوى وداع تام. كانت تبكي وأنت..
لم تكمل كي لا تذكر هذا الأمر. بينما قال باستدراك:
أعلم.
شعرت بنبرة الحزن من صوته واستسلامه. قالت:
بمناسبة أني صديقتك، سوف أسرع الأمر عليك.
كيف؟
دع الأمر لي.
------------
تذكر محادثتها، هل دبرت لهذا من أجله؟ تبسم لتذكرها وقال:
لا أعلم كيف أشكرها.
قالت "ريلا":
عن من تتحدث؟
لا شيء... لنخرج قليلاً، أشعر بالملل هنا.
قالت باستغراب:
نخرج... الآن؟
ما دمتِ معي، لا بأس. لكن بمفردك، لا.
عقدت حاجبيها وقالت:
ولما لا تراني صغيرة لأصطحابي للخارج؟
بلى، أنتِ كذلك.
نظرت له بشدة، قالت: مهلًا.. ماذا؟
أمسك يدها وأخذها قبل أن تعود لشجار آخر. نزلا من العمارة. رن هاتف "عمر"، توقف، نظر فيه، كانت هي. ابتسم، رد عليها، قال:
أشكرك يا "أفيلا".
نجح الأمر إذا.
نظر إلى "ريلا" وهو يمسك يدها، قال:
أجل.
جيد.. أريدكم بمصر إذا، من أجل الزفاف. إياكم والنسيان.
سنأتي.
إلى اللقاء إذا.
أنهت المكالمة، وكانت تقف خارج المشفى. ابتسمت، ثم سمعت نداء إحدى الممرضات عليها. أومأت لها ودخلت.
أغلق "عمر" الهاتف معها. قالت "ريلا":
مع من تتحدث؟
"أفيلا".
ماذا قالت؟
تريدنا أن نعود لمصر سريعًا من أجل زفافها.
قالت بتعجب:
زفاف.. هل سوف تتزوج؟
إنها متزوجة، لكن لم تفعل حفلًا من قبل.
ولماذا لم تفعله أثناء العقد؟
صمت قليلاً وهو في تساؤل. نظر إليها وقال:
لديهم أسبابهم الخاصة.
***
في إحدى الأمسيات الهادئة، كانت عائدة من الخارج. دخلت غرفتها لتبدل ملابسها بإرهاق من يومها الذي كثرت أعماله فيه، وخاضت جراحه، لكنه أتى بأكمل وجه.
فتحت المبرد، أخذت قارورة ماء، وجلست وهي تشرب برفق. قاطعها صوت رنين الهاتف الذي كان على الطاولة بعيدًا عنها بضع خطوات. تنهدت وهي تقفل القارورة لتعيدها. إذا وجدت الهاتف يرن مرة أخرى، رنات متتالية أثارت الريبة. ذهبت، التقطته، وكان هو المتصل. تبسمت وردت عليه.
هل اشتقت إلي؟
أين أنتِ؟
قال ذلك بتعجل، سابقًا حديثها. تعجبت من نبرته، أجفلت لثوانٍ وهي تستمع لأنفاسه اللاهثة، قالت:
ماذا بك؟ هل أنت بخير؟
أين أنتِ..
أما زلتِ في المشفى؟
لا، أنني...
لكن لم تكمل جملتها حين قاطعها جرس الباب.
انتظر لحظة.
"أفيلا".
لكنها لم تكن استمعت لندائه وذهبت لترى من هذا الزائر الذي يطرق على الباب.
لكن ما أن أمسكت مقبض الباب وفتحت حتى تثمرت مكانها ووقع الهاتف من يدها.
من الذي تراه أمامها؟