تحميل رواية احببت مافيا بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الغرف بالمشفى، كانت امرأة مسنة جالسة على سرير. لوحت بابتسامة خفيفة على وجهها وهي تنظر إلى التي أمامها. كانت ترتدي جاكت أبيض خاص بالأطباء وبطاقة تعريفها عند رقبتها، وترفع شعرها بطوق. "أصبحت بخير بفضل الله، أتمنى أن تهتمي بصحتك حتى لا نعود للوراء بعد كل ذلك." "أشكرك طبيبة أفيلا." قالت السيدة بابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان والشكر. أومأت أفيلا إليها ثم خرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة أخرى. فتبعتها الممرضة التي كانت برفقتها. "أحضري أوراق المريض الآخر." قالت وهي تسير. أومأت الممرضة رأسها إيجا...
رواية احببت مافيا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور
فى إحدى الغرف بالمشفى كانت امرأة مسنة جالسة على سرير، تلوح بابتسامة خفيفة على وجهها وهي تنظر لتلك التي أمامها. ترتدي جاكيت أبيض خاص بالأطباء وبطاقة تعريفها عند رقبتها، وترفع شعرها بطوق.
"أصبحت بخير بفضل الله. أتمنى أن تهتمي بصحتك حتى لا نعود للوراء بعد كل ذلك."
"أشكرك طبيبة أفيلا."
قالت ذلك السيدة بابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان والشكر. أومأت أفيلا إليها ثم خرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة أخرى. فتبعتها الممرضة التي كانت برفقتها.
"أحضري أوراق المريض الآخر."
قالت ذلك وهي تسير، لتومئ الممرضة رأسها إيجاباً وهي تقول:
"حاضرة."
لتذهب تلبي طلبها، بينما أفيلا كانت متوجهة لمكتبها الخاص. فقد مرت ثلاث سنوات، وكانت تلك المدة كافية لتحقيق اسماً ومكانة خاصة وشهرة، وليس في المشفى فقط. فأكثر المرضى يدخلون مشفاهم لها، وتفوقها، وتعاملها معهم. فقد أثبتت مكانة لدى الجميع.
جلست على الكرسي بتنهك، إلى أن جاءها صوت عند الباب.
"كثرت أعمالك."
نظرت لصاحب الصوت لتجده عمر، كان يرسم ابتسامة مرحة على وجهه ويضع يديه في جيبه. قالت:
"لا بأس بذلك."
"لا تليق بك المشقة."
قال ذلك بمزاح. قالت بلامبالاة:
"هل انتهيت؟"
"ليس بعد. جئت لرؤيتك ليس إلا."
قال ذلك ببساطة ليغيظها. نظرت له ليقاطعهم دخول الممرضة. استأذنت من عمر ودخلت لتعطي أفيلا الملف الذي طلبته.
"سأذهب حتى لا أعطلك. أراك لاحقاً."
قال ذلك وهو يخرج. أومأت أفيلا وهي تتناول الملف بين يديها.
"تحتاجين شيئاً آخر طبيبة أفيلا؟"
قالت الممرضة ذلك تعلن رحيلها، لترد عليها:
"لا. أشكرك."
لتومئ برأسها وتتركها وتذهب. أمسكت الملف، وقفت، وخرجت من مكتبها متوجهة لغرفة إحدى مرضاها.
كانت تسير تتطلع إلى الأوراق وتقرأها بتوجس، ليقاطع قراءتها نبض قلبها الذي يزداد ويتسارع شيئاً فشيئاً بدون أي سبب. لتسمع دقاته من هنا، وكأنه على وشك اختراق قفصها الصدري. شعرت بوخزة به ليؤلمها، فتضع يدها على قلبها ليهدأ، ولكنها تسارعت أكثر. وفي ذات اللحظة، تجد أحداً يمر بجانبها، لتشم ذلك العطر المميز الذي تعرفه جيداً ولا يخيب عن أنفاسها وتخطئ بتعريفه. رفعت أنظارها وما رأت حتى صدمت واتسعت قدحتا عيناها. لتجده هو... إنه كاسبر. كان ماراً بتلك الخطوات الواثقة التي اعتادت عليها. كانت ما زالت لم تستوعب ولا تصدق بعد ما تراه، تحدق في الفراغ من هول صدمتها. إلى أن عادت أنظارها إليه على الفور، لكن صدمت حين لم تجده. نظرت حولها تبحث عنه وأين ذهب، لتركض على الفور تلحقه وكأنها لن تسمح له بالهروب. لكن حين وصلت لنهاية الممر لم تجده، لتفتح غرفة التي على يسارها دون تردد، لكن لم تجده. لينظر لها المريض والممرضة باستغراب لفتحها الغرفة بهذه الطريقة، لكنها لم تبالي وذهبت لتبدأ بفتح الأخرى، ويلقون أنظاراً متعجبة عليها، بينما عقلها مغيب. تقتحم الغرف تبحث عنه بلهفة. لتركض، ظلت تدخل إلى الغرف وتركض، لكن دون جدوى. توقفت أمام المصعد للنزول، لكنه تأخر، فركضت على الدرج بأقصى سرعتها. كادت أن تتعثر، لكنها تكيأت على الجدار، لم تهتم وأكملت، كأنها رأت روحها التي سلبت منها.
نزلت لطابق السفلة وركضت وهي تنظر يمينها ويسارها، لعل عيناها تلتقطه، وكأنه يلعب معها الغميضة. إلى أن اصطدمت بجسد أحدهم. نظرت، وجدته عمر، ليقول باستغراب بعدما رآها:
"ماذا بك؟"
"إنه هنا. لقد رأيته. لم يمت."
قالت ذلك تخاطب نفسها. فقال عمر بتساؤل:
"عن من تتحدثين؟"
"علي... لقد رأيته."
قالت ذلك وهي تذهب، لكن عمر أمسكها، تنهد وقال:
"أهديء يا أفيلا. كيف سيأتي علي؟ ثم إنه ماذا سيفعل في المشفى؟"
"أخبرتك أني رأيته. لقد شعر قلبي بوجوده."
أبعدته عنها وهي تذهب وتقول:
"لن تسمحي له بالهروب مجدداً. لن أدفع. يكمل تلك اللعبة التي يلعبها معي ويختبئ مني."
لتضيق ملامح عمر وهو يطالعها بقله حيلة، فكما قالت لن تسمح له بالهروب مجدداً. لطالما كانت تراه بكل مكان تذهب إليه، وإن كان شبحاً أم طيفاً أم ذاكرتها أم عيناها من يهيئ لها لتروي شوقها منه ولو قليلاً. ذهب إليها، أوقفها وهو يقول:
"حسناً، لا بأس. لتستريحي قليلاً. تعالي معي."
لتنظر له بحنق وتصرخ به غاضبة:
"أنا لست مريضة. ابتعد عني."
نظر لها من غضبها الشديد وصوتها المرتفع، وهو لم يقل شيئاً. فلماذا تنفعل هكذا؟
"دعني وشأني."
"أفيلا."
دفعته بغضب لتكمل ركضها، ليتبعها، فرك قلقه عليها، فلا يستطيع أن يتركها بتلك الحالة.
بدأت الدموع تسيل من عين أفيلا وهي تركض، وكان رأسها على وشك الانفجار، وهي تبحث عنه كالمجنونة، لكن لا تجده. فأين قد ذهب؟ هل اختفى ثانية؟ هل أضاعته بغبائها؟ غبائها! لطالما كانت غبية.
أمسكت رأسها بضيق وحزن لتبكي بحرقة، أنها لم تجده، بل هلوسة من ضمن الهلوسات التي تراها. اقترب عمر منها، نظرت له بعين ممتلئة بالدموع والهيبة، ليحزن من رؤيتها هكذا. تنهد، ثم قال:
"لنذهب."
لم ترد عليه، خجلاً أو إحراجاً، أم لا يزال عقلها يتذكر طيفه؟ أخذها عمر، خرجوا من المشفى، فتح باب سيارته وأدخلها برفق، ثم أقفلبه وعاد للمشفى متوجهاً لمكتب الطبيب ياسر. دخل إليه بعدما استأذن، قال:
"سأوصل أفيلا لمنزلها وأعود."
"هل هي بخير؟"
"لا بأس بقسط من الراحة، فهي تعمل كثيراً."
أومأ له بتفهم وسمح له بالذهاب وأن ترتاح جيداً. فأومأ له برأسه، ثم ذهب. خرج من المشفى وعاد لسيارته ليدلف لداخل. نظر لها، كانت صامتة، لا تتحدث ولا تنظر له. تنهد، ثم ذهب.
توقف أمام عمارة كبيرة، ليترجل ويذهب بناحية أخرى. فتح لها الباب لتنزل ويذهبا. دخلا المصعد حتى وصل إلى طابق شقتها به. أخرجت المفتاح وقربته من المثقب، إلى أنه وقع من يدها أثر أعصابها. نظر عمر إليها، انحنى والتقطه، وفتح هو الباب.
دخلت وجلست أفيلا على الأريكة، وعمر على الأريكة الأخرى مبتعداً عنها.
"إلى متى ستبقين هكذا؟"
نظرت إليه باستغراب وعدم فهم، ليقول بتفسير:
"تهتفين باسمه ولا تخرجينه من قلبك. كيف سوف تكملين حياتك وأنتِ بهذه الحالة؟"
تبدلت ملامحها لترد ببرود طغى تعبيرات وجهها:
"ليس لك دخل بذلك."
"لكنك مسؤوليتي. لقد أوصاني عمك بك."
نظرت له لتقول بغير اكتراث:
"أحررك من هذه المسؤولية إذا."
لتقف وتذهب. نظر لها عمر بحزن، فعلم أنها هكذا تعلنه برحيله، فخرج وتركها دون أن يأخذ على كلامها. لطالما كان يفعل ذلك خلال تلك الفترة.
دخلت الحمام، فتحت الصنبور لتغسل وجهها، ثم خرجت. جلست على حافة السرير. نظرت إلى الكمود، فتحت درج لتأخذ علبة دواء بداخله، وكان به كبسولات ليست كثيرة. كانت على وشك البكاء. لتفتحها وتأخذ ثلاث منهم، ثم تدفعهم دفعة واحدة لفمها، وتتناول كوباً من الماء وشربته. ثم أقفلت العلبه وأعادتها لكونها. عادت لسريرها لتتمدد عليها وترفع الغطاء من عليها، وتترك النافذة مفتوحة. يدخل ضوء القمر الخافت ينير تلك الغرفة التي فيها. فهي تحب النوم وعيناها تثقب القمر، فتراه شبيهاً لها. يبدو منيراً بضوئه الذي يظهره، إلى أنه في الحقيقة جسم معتم. تلك هي حقيقتها. لا تعلم لماذا حين تنظر له تجد ذكريات تحوم حولها. ليست ذكريات... بل حاضرها.
"هل أحببت من قبل؟"
قالت ذلك بتساؤل وهي ترتشف رشفة من فنجان القهوة الذي تمسك بكلتا يديها وتميل عليها، ليرد عليها بتلقائية:
"لم أعرف الحب يوماً إلا بك."
ارتسمت ابتسامة على وجهها من رده. نظرت له لتقول بمزاح وهي تفعل بإصبعها حركة دائرية:
"لأن وجهك به غموض يرعب من حولك."
"لماذا لم ترتعبِ إذا؟"
"لأني أحبك."
قالت ذلك بابتسامة ممزوجة بالحياء. لينظر لها ويبتسم بهدوء ويقول:
"لم أمنح أحد حق التجول في تفاصيلي إلا أنت."
"إنه لشرف كبير لي."
ردت عليه ذلك ببعض المرح. لينظر لها، فتلتقط أعينهما ببسمة متبادلة تلوح وجوههم.
لتتغلغل الدموع من بين عينيها التي قد جفت من كثرة البكاء، والسواد من تحتهما يعلنان هلاكهم. تنهدت، ثم نامت وهي تضم نفسها بذراعيها، وكأن بتلك الحركة تجمع أشلائها لتشعر بنبذة من الأمان. فهي باتت وحيدة تماماً. وحيدة من قبل الجميع، وهي من بنت تلك الوحدة. فهي تشعر بالراحة كلما ابتعدت عن الآخرين، وكأنها ترى من العدم اختلاطها بالبشر.
في اليوم التالي، وصلت المشفى، دخلت لمكتبها، ارتدت جاكتها وبطاقاتها وخرجت لعملها. وجدت عمر واقفاً مع الطبيب ياسر، الذي نظر لها قال:
"ظننت أنك ستبقين في المنزل."
"لماذا؟"
قالت ذلك باستغراب. فرد عمر عليها مغير الحديث:
"لدينا عمل."
أومأت بتفهم ثم ذهبت، بينما هو خشِي أن تضايق حين تعلم أنه أخبر ياسر أنها مريضة، فتتفهمه خطأ وتظنه يدعي الجنون عليها كما تفعل عادة. لم يكن يعلم أنها تتعمد ذلك لتنفره عنها. لطالما كان بجانبها ولم يتركها، ولا يكترث بما تقوله، بل تجده مرافقاً لها دائماً. إنه من بقى معها لحد الآن.
دخلت لغرفة، وقفت عند مكتب الكشوفات لتقلب فيهم تبحث عن ملف معين.
"دعيني أساعدك."
قال عمر ذلك. نظرت له ثم عادت بأنظارها وتكمل لتقول:
"أشكرك."
ذهبت بعدما حصلت على الكشف التي تريده. نظر لها وهي تذهب ليرن هاتفه، يقاطع شروده، وجده وجيد. رد عليها:
"مرحباً يا عمي."
"أهلاً يا عمر، كيف حالك؟"
"بخير، حمد الله."
"هل أفيلا معك في المشفى؟"
"أجل."
"هل هي بخير؟"
"بخير، لا تقلق."
"حمد الله. أردت الاطمئنان عليها لأنها لا ترد على الهاتف."
"من الممكن أنها منشغلة أو لا تسمعه بسبب المشفى."
قال هذا تبريراً لها، بينما وجيد يدرك أنها لا ترد على أحد. كان لديه أمل أن تخيب ظنه تلك المرة. تنهد، قال:
"أتصل بك لاحقاً."
"حسناً."
أنهى المكالمة، ثم ذهب لعمله.
في أحد الأيام... في تمام الساعة الثانية والنصف منتصف الليل. كانت على ملامحها الضيق وتعقد حاجبيها، وكأنها وحش ما يطاردها، وتتسرب حبيبات العرق على جبهتها. لتفتح عينيها بفزع وتجلس على الفور، تنظر لأركان الغرفة وكأنما تبحث عن أحد. لتدرك أنه لم يكن سوى حلم. بل كابوس. فجع مثل الذي يراودها بكل ليلة تنام بها، وكأن ليس من حقها أن تغيب عن العالم، بل عليها أن تبقى عيناها يقظة لتتوجع ولا تعطي لقلبها قسطاً من الراحة كي لا يزعجها. إن الموت هيّن مما هي عليه. مسحت بكفها وجهها ورفعت شعراتها المنسدلة على وجهها مبتلة. نظرت للنافذة لتبعد الغطاء وتتوجه إليها. تقف عندها لتجد القمر محجوباً بتلك الغيمات المزعجة وتمنع ضوئه من الوصول إليه. لتسمع صوت تصادمهم وأصوات الرياح التي تداعب وجهها، برغم برودتها، إلا أنها تليق بوجهها الذي يحمل هماً لا مثيل له. لتقرب يدها عند صدرها وتمسك بقلادة تلتف حول رقبتها، تبث لقلبها الأمان. "تذكريني بها. لعل يأتي يوم وأصبح ذكرى سيئة في ذاكرتك. ذكرى نادمة على اختيارها."
أغمضت عينيها بحزن خفي، لتسقط دمعة سالت من شدة قهرها، لتقول بصوتها المبحوح:
"الذكرى السيئة التي نادمة على اختيارها هي أنا..."
أنا فقط ليس أحد سواي.
"لا أريد رؤيتك تبكين."
نظرت لصوتٍ أتى من ذاكرتها، لتجد طيفه يقف بجانبها ويرسم ابتسامته الهادئة.
قرب يده من وجهها ومسح تلك الدمعة.
ابتسمت والدموع تجمع في عينيها وهي تنظر له.
"هذه مشاعر لا أستطيع التحكم بها."
"تحكمي بها من أجلي."
أومأت رأسها بالطاعة دون تردد.
قربت يدها لتلامس كفه الموضوع على وجهها، لكن قاطعها صوت الرياح القوي الذي تطايرت ستائر النافذة عليه.
تلاشى من أمامها.
ابتسمت ابتسامة مريرة، فشَفِقت دموعها عليها، فتحررت وبدأت بالسيل.
هلكت روحها من كثرة البكاء والكتمان والصمت والتألم الوجع.
ظنت أنه حين تأخذ شقة، تمنع ذكرياتها من أن تحوم حولها.
ذكرياتها معه.
تريد أن تبتعد عن أي مكان جمعهما.
سيحرصها من الحنون.
إلى أنها قد حنت بالفعل، أنها لم تنساه قط ولن تنسى.
لم تعلم أنها كانت تهرب من لا شيء.
كان هروبها من حياة أفيلا القديمة لسجنٍ الذي أعدته لروحها.
باتت حياتها ملخصة من العمل إلى المنزل فقط.
حتى أنها لا ترى عائلتها أو تتواصل معهم قط.
تكتفي بالجلوس بمفردها.
ترى أن كل من يقترب منها ستسبب له الأذى، كونها نذير شؤم.
في المشفى، بغرفة العمليات، كانت "أفيلا" وطبيب وثلاث ممرضات يقومون بجراحة.
ترتدي قفازات طبية وقناع وجه.
تطلب منهم أدوات تحتاجها، فيعطوها ما تريده.
ممرضة بجانبها تمسح عرقها، وأخرى تنظف الدماء من المريض.
حتى توقفت لتعلن انتهاء الجراحة.
نظروا لها.
خلعت القفازات لترميهم في سلة القمامة.
أنزلت الكمامة من على وجهها لتأخذ أنفاسها، ثم التفتت وذهبت، تاركةً إياهم ليكملوا ما يلزم.
وجدت امرأة وفتاة صغيرة في الثامنة، التي فور رؤيتها ركضت إليها لتقول من بين بكائها الطفولي:
"أبي بخير؟"
نظرت "أفيلا" إليها وهي عند ساقيها لقامتِها القصيرة.
رفعت انتظارها للمرأة التي كان الخوف والقلق يمتلك تعبيرات وجهها.
وجدت الطفلة تمسك جاكتها بقبضتها الصغيرة.
نظرت لها لتنخفض وتصبح مقابلها وتقول:
"إنه الآن بأحسن حال."
قالت ذلك لتطمئنها.
"هل نجحت العملية؟"
أومأت "أفيلا" رأسها إيجاباً.
"أين هو؟"
قالت الطفلة ذلك.
"إنه نائم الآن، سيفيق عما قريب."
لتبتسم وتمحو الحزن الذي كان عالقاً في ملامح صغيرة مثلها.
اندفعت إليها وعانقتها.
تفاجأت أفيلا كثيراً.
نظرت إليها وإلى هذا العناق الحاني.
رفعت ذراعها بتردد تعانقها، إلى أنها اكتفت بأن تربت عليها بخفة.
فتبعدت عنها.
"أشكرك كثيراً."
قالت زوجته ذلك بابتسامة ممتنة.
أومأت "أفيلا" لها، وقفت وذهبت.
"طبيبة "أفيلا"."
جاءها هذا الصوت.
وكانت الطفلة ذاتها تناديها.
توقفت ونظرت إليها لتقول بابتسامة بريئة:
"أتمنى أن أصبح مثلك حين أكبر."
"تتمنين الجحيم إذا."
قالت "أفيلا" ذلك بوجهها الخالي من التعبيرات.
التفتت وذهبت، تاركةً إياهم خلفها.
دخلت المصعد ونزلت إلى الطابق الأسفل.
خرجت، رأت "ياسر" من بعيد.
سارت تجاهه.
نظر لها.
"نجحت العملية صحيح؟"
أومأت أفيلا برأسها إيجاباً.
ثم قالت:
"هل تحتاجونني بشيء أم أغادر؟"
"لا تستطيعين المغادرة، فقد انتهى دوامك."
خرجت من المشفى متوجهة لإحدى السيارات المصطفة.
لفتحت باباً لتدلف، لكن توقفت للحظة.
ألقت نظرة إلى الصيدلية القريبة منها.
عادت بقفل الباب وذهبت.
"أتريدين هذا الدواء حقاً؟"
قال ذلك "الصيدلي" بتساؤل.
لتؤمئ برأسها.
"منذ متى وأنتِ تأخذينه؟!"
لم ترد عليه.
تنهدت، فعلم أنها لا تريد القول.
"اسمعي، بحكمي طبيب وعلي أن أخبرك أنه يريح في البداية، لكن بعدها تظهر أعراض تضرك وممكن أن..."
"أنا طبيبة."
نظر لها بتفاجؤ.
"أعلم ما هي أعراضه."
"وتأخذينه؟"
"أريد الذهاب."
قالت ذلك تخبره أن يغلق الحديث وأنها غير مبالية.
نظر لها، ذهب ثم عاد وأعطاها ما طلبته.
أخذتها وذهبت بعدما دفعت.
خرجت ثم توقفت عند الباب.
نظرت إلى الدواء الذي بحوزتها.
تنهدت ثم ذهبت.
في منزل وجيد، كانوا متجمعين على المائدة يأكلون.
لتقول "بهيرة":
"لنذهب "لأفيلا"، لم نرها منذ مدة."
قال "وليد" بغير اكتراث:
"إنها لا تريدنا يا أمي."
نظرت إليه لترد "بيري" وهي تؤيده:
"وليد محق يا أمي، أخذتها حياتها وتناست، لا أعلم إن كانت قاصدة أم لا، فأنا أعلم ما تعانيه، لكنني لم أنس أنها لم تحضر خطبتي."
"الزموا الصمت إن لم ستتفوهون بالهراء."
قال "وجيد" ذلك.
نظروا إليه وصمتوا.
ليقول معاتباً إياهم:
"سوف تعود كما كانت قريباً، مسألة وقت ليس إلا."
لم يعلم هل يبرر لأولاده أم لنفسه، فعن أي وقت يتحدث؟
لقد تغيرت كثيراً ولم تكن حتى عن ذي قبل، فكانت تراهم، أما الآن فهي انقطعت البتة.
هل ستعاني من وحدتها هكذا كثيراً؟
"لنذهب إليها يا "بهيرة"، فأنا أفتقدها."
قال ذلك يعلنها بقراره.
لؤومأ برأسها موافقة.
دخلت "أفيلا" شقتها، في يدها دواء.
وضعته على المنضدة والمفتاح.
ودخلت غرفتها، بدلت ملابسها.
سمعت صوت الباب.
ذهبت وفتحت.
وجدت عمها وخالتها.
ابتسموا لها.
بينما تفاجأت من زيارتهم.
أفيلا أفسحت لهم مجالاً للدخول، ثم أقفلت الباب وأضاءت الأنوار لتنير هذا الظلام الحالك الذي تعيش فيه.
فهي تحب المنزل يكون عتمة، يملأه السواد ويعم في كل ركن مثل حياتها المظلمة.
أحضرت عصيراً إليهن ووضعته لهم وجلست معهم.
قالت "بهيرة":
"كيف حالك يا ابنتي؟ افتقدناكي كثيراً."
"بخير، كيف حالكم؟"
ليرد عليها "وجيد":
"نحن بخير."
كان ينظر إلى الشقة.
قال بتساؤل:
"هل تبقين هنا بفردك هكذا بين الظلام؟"
لم ترد عليه، فتعلم كيف سينتهي ذلك النقاش الذي ملت منه.
قال:
"ألا تنوين العودة؟ تعالي امكثي معنا، إنه منزلك أيضاً."
"لا بأس، أنا سعيدة هنا."
قالت "بهيرة":
"نحن قلقون بشأنك يا "أفيلا"."
"أنا بخير، أذهب للعمل وأعود، ممن القلق."
"أنتِ لستِ بخير."
قال "وجيد" ذلك بإنفعال.
ليككمل:
"ما فائدة جلوسك هنا عن هناك؟"
"لأني أريد ذلك."
"لن ينتهي الأمر حتى تتزوجين وتعودي كما كنتي."
"أنا متزوجة بالفعل."
نظر إليها بإستغراب، ليجدها ترفع يدها التي بها خاتم زواجها الذي ألبسه لها.
بينما وجيد نظر لها قال:
"لكنه ليس معنا... انتهى هذا الزواج منذ زمن."
"لم ينتهِ، مادام هذا الخاتم لا يزال معي، فلم ينتهِ ولن ينتهي."
"أفيلا."
قال هذا لتسمعه.
ليكمل بهدوء:
"أقدر أنك كنتِ تحبينه، لكن مر الكثير للحد الذي يجعلك تنسيه."
"أنك مخطئ يا عمي، أنني لا أزال أحبه ولن أنساه البتة."
"لكن عليك أن ترين حياتك. تزوجي عمر، إنه يحبك. أنا متأكد أنه من سوف يسعدك ويستطيع أن يخرجك من هذا الجحر الذي تعيشيه."
"عمر صديقي فقط، إلى متى سأخبركم بهذا؟ لن أتزوج من أحد، عمر أو غيره."
قالت ذلك بأنفعال.
ليرد عليها بغضب بعدما طفح الكيل لهدوئه:
"هل تريدين أن تكملي حياتك على هذا النمط في هذا الظلام بين أربعة جدران، لا تخرجين من بينهم؟"
"وجيد، اهدأ."
قالت "بهيرة" ذلك لأنفعاله.
ليقول بغضب:
"سوف تتزوجين يا أفيلا الآن أم بعد؟ ستتزوجين، لن أدعك تلقين نفسك على الهاوية وأقف أتفرج عليك. إنها حياتك، لكنني الواصي عليك من بعد أخي. أي يجب أن تسمعي كلامي لأني أريد ما في صالحك."
"بلغت السن القانوني منذ زمن. يحق لي التصرف كما يحلو لي دون وصي."
قالت "أفيلا" ذلك.
لينظر لها من ما قالته وكأنها تخبره أنها ليست بحاجة إليه.
وقف وهو غاضب وذهب.
نظرت "بهيرة" إليها ثم وقفت وذهبت لتتبع زوجها.
كانت "أفيلا" حزينة وتشعر بالضيق من حديث عمها وكلماته التي اندفعت منه.
تضم يديها لبعضهما وتجرح أصابعها بأظافرها وتنظر للأسفل بعين ممتلئة بالدموع.
"اشتقت لك."
لقد عجزت من البوح ما بداخلها.
تألم بين دوامة صمتها.
في لحظات ضعفنا ووحدتنا لا نستطيع القول "أنا متعب".
أينما رميت بروحك فهي متعبة.
نتألم ولا أحد يدري سوانا.
يعجز الإنسان أحياناً حتى في صمته.
دخلت لغرفتها، ارتدت معطفاً وهو رداء يلبس فوق الثوب الخارجي لتدفئته.
أخذت مفاتيحها وذهبت وأقفلت الباب بقوة.
كانت أفيلا تقود سيارتها وتفكر في كلام وجيد لها:
"لا يعلمون شيئاً، لا يعلمون أنني أنا من قتلته بيدي ويطلبون مني الزواج، كيف لي أن أتزوج من أحد ويقترب مني غيره؟ لقد تحمل ما لا يحتمله أحد، أعطاني حباً واهتماماً لم أعطه إياه، ثم تطلبون مني نسيانه؟ لم أقتل نفسي وأنهي حياتي حتى اليوم لأعاقبني، لأجعل الندم يهلكني يوماً بعد يوم، حتى يتوقف نبض قلبي من تلقاء نفسه من شدة آلامه، يعلم استسلامه وأنه لم يعد يتحمل. لا أريد الراحة لي... أريد العذاب، كما فعلت به، أريد أن أقتل نفسي بالبطيء لأخذ بثأري مني... لكنني أود الموت كثيراً، أريده أن يأخذني إليه، لقد اشتقت إليه حقاً. ليست المرة الأولى، بل هي عادتي بكل يوم ولكل ساعة، بل شهيق وزفير التقطته أشتاق لك. ولكن بصمت."
كانت تقود السيارة بسرعة، ثم ضغطت مكابح فجأة.
نظرت أمامها، وجدت جرواً على جانب الطريق.
"على ما تنظر؟"
قالتها بتساؤل.
لتلقي نظرة فتجد جرواً صغيراً يلعب مع طفل.
"لا أعتقد أن شخصاً مثلك يميل إلى الحيوانات الأليفة."
"أصبتِ."
"لماذا تنظر له إذا؟"
"يشبه صديق قديم."
نظرت له بإستغراب، قالت:
"صديق! وماذا حل به؟"
"قتلته."
فتحت فمها من الدهشة واتسعت قدحتا عينيها.
تسرب لقلبها الخوف.
نظر لها وفلتت ضحكة عفوية منه.
شكلها لتضيق ملامحها.
"أترى المزاح بإخافتي؟"
قالت ذلك بغضب وهي تضربه بكتفه بقوة.
ليضع يده مكان ضربتها بتألم، قال:
"إنك عنيفة."
نظرت له ومن نبرته لتبتسم عليه.
شعرت بحرقة في عينيها أثر دموع بدأت في التعانق.
تنهدت ثم فتحت الباب لتترجل منه.
نزلت وسارت تجاهه بحذر كي لا ينقض عليها، فاكثرية الحيوانات لا تأمن لنفسها مع إنسان ولها الحق في ذلك.
أوقات ندرك أن الله ميزنا عن الحيوانات بالعقل، إلى أننا ندرك أنهم بهم عقلانية أكثر منا.
لكنه كان ثابتاً، لم يتحرك.
جلست مقابله تاركة مسافة.
نظرت إليه ثم لفت انتباهها جرح في قدمه.
نظرت له بشدة ثم اقتربت منه ليعود للخلف.
فرفعت يداها تهدأ، لتنظر لجرحه عن قرب وكان عميقاً.
تلفتت حولها وكأنها تبحث عن شيء، ثم لمحت صيدلية من بعيد.
"انتظر هنا، سأعود."
ركضت أفيلا ثم توقفت حين سمعت صوت تصادم السحاب ببعضهم، تسقط قطرات ماء.
لتنظر أسماء وتقول:
"هل تدمع السماء؟ لقد سبقتني هذه المرة. يا ألله، ألم يحن وقتي بعد؟"
لتردف بصوت ضعيف كأنما تود البكاء:
"ألم يحن وقت اللقاء أم لا يزال العقاب مستمر؟"
تنهدت ثم ذهبت أحضرت المظلة من السيارة وتوجهت نحو الصيدلية لتحضر ضمادة لتطيب الجرح الذي كان ملوثاً.
خرجت من الصيدلية بعدما اشترت ما تريده ثم ركضت إليه سريعاً حتى لا يكون قد ذهب.
وأثناء وهى تركض وجدت ضوء شديد قريب منها.
نظرت، سرعان ما اصطدمت سيارة بها، فاستلقت على الأرض.
فتح الباب ليترجل أحدهم، وتسمع خطوات أقدامه يقترب منها.
لتجده يحملها.
نظرت "أفيلا" إليه، لكن الرؤية لم تكن واضحة ولم تستطع رؤيته.
لتقفل عيناها بأستسلام وغابت عن ذاك العالم.
عجباً، هل استجاب الله ندائها بهذه السرعة وحقق لها رغبتها؟
هل ماتت أم وقعت في جحر أعمق من الذي فيه؟
لم تكن الحياة هينة معها، بل أصبحت تأثر روحها. معتادة الوحدة، مجهولة الهوية داخلها، ولا تعلم متى ستفيق من هذا الظلام المعتم المغيم فوق أعينها.
رواية احببت مافيا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور
فتحت عينيها بضعف. نظرت إلى السقف من فوقها. اللعنة، هل لا تزال حية؟ أم أن صدرها يعلو ويهبط كونها تتنفس؟
نظرت حولها لتجد نفسها في غرفة غريبة لا تعرفها، لكنها تعرف أنها ليست غرفتها. جلست وهي متعبة، وكان جسدها يؤلمها وتشعر بثقل برأسها.
وضعت يدها تتحسس، فاستشعرت ضمادة عند رأسها، فعلمت أنها مجروحة. عادت بذاكرتها فتذكرت السيارة التي اصطدمت بها ومن بعدها فقدت وعيها.
أنزلت قدميها من على السرير، وقفت، لكنها لم تستطع الوقوف أثر ارتخاء قدميها. عادت لجلستها. نظرت إلى قدميها، فهل أصيبت بهمها؟ أسندت يدها على السرير، وقفت وسارت تجاه الباب. فتحته، وجدت أنها في منزل كبير فاخر، "فيلة" التي تكره وتخاف دخولها منذ تلك الواقعة المريرة، ولم تطأ قدماها بدخول مكان شبيه لها من بعد ذاك اليوم. شعرت بالاختناق والضيق لوجودها هنا. أسندت يدها ونزلت على الدرج، تتساءل أين هنا وأين البشر الذين بهذا المنزل.
نزلت، نظرت حولها تبحث عن أي أحد، وهي تسير. يبدو من نوع البيوت الهادئة، لكن هدوء ذاك يشعرها بالريبة.
وجدت ضوءًا من إحدى الغرف، سارت متوجهة إليها. كانت غرفة المعيشة، واسعة، ذات تصميم كبلاد الخارج، وتلك الركنة الأنيقة. خطت لداخل لتجد أحد واقفًا بعيدًا، معطيًا ظهره لها. فتساءلت إن كان ذلك صاحب المنزل الذي سمع صوت أقدامها وعلم بوجود أحد معه. كان يرتدي قميصًا أسود، يدع اثنين من أزرار قميصه الذي يدخله في بنطاله الأسود، ويطوي أكمامه قليلاً، تظهر ساعة يده الفاخرة، ويضع يده في جيبه، ويده الأخرى يمسك بها كأسًا كان به نبيذ.
لم ترَ سوى كتفيه العريضتين الملفة.
"انت من صدمتني... أين أنا؟"
وحين انتهت "أفيلا" من كلماتها المتساءلة، لتجده يلتفت إليها، لتتجمد ملامحها وتتسع عيناها لفرط صدمتها، وتسارع خفقان قلبها وصوت دقاته المرتفع، وكأنه على وشك التوقف. إنه هو، بهيئته ذاته، "كاسبر". احمرت عينا "أفيلا" وتجمعت الدموع بها، لتسير تجاهه بخطواتها البطيئة وهي تنظر له. لتقف أمامه وهي تثقبه بنظراتها، وارتعاش شفتاه، وتثمر وجهها. غير مصدقة ما يحدث وأنه من يقف أمامها.
"أصبحتي بخير."
ليرتفع نبضها بمجرد سماع صوته وشفتاه التي تحركت ونبرته التي تعرفها جيدًا. لترتسم ابتسامة على ثغر وجهها بسعادة، دون أن ترد عليه. تعلم أن هذا حلم، وأنه ليس هو، بل إحدى هلوساتها التي كان دائمًا تراودها. اقتربت منه لترفع يدها ببطء أثر رجفتها. نظر لها وليدها، وجدها تقربها من وجهه تلامسه، وكان ملمسها باردًا.
"تبدو حقيقي."
قالت ذلك بصوت ضعيف وابتسامة خافتة. تنظرت في عينيه التي اشتاقت لها كثيرًا، وتريد أن تروي شوقها وجرح قلبها. سالت الدموع من عينيها، ليجدها ترتمي عليه. نظر لها، وجد عينيها مقفلتين أثر فقد وعيها.
كان طبيب يحاول إفاقتها "لأفيلا"، لتفتح عيناها وهي تشعر بثقل بجسدها، لتلتقط عيناها ذات السقف، لتجول بأنظارها في الغرفة سريعًا، إلى أن توقفت بأنظارها عليه. كان واقفًا بذات الغرفة. إنه هو حقًا. ألا تزال تحلم؟ مستحيل أن يكون الواقع. مستحيل أن يكون هو ذاته. أهي معجزة؟ أم كما سمعت، يخلق من الشبه أربعين؟ لكنه نسخة مطابقة. ذات القوام والجسد والعينان، ذات التعبيرات والملامح. إنه هو. بل إنها في معجزة تشهد أعينها عليها الآن.
"هل أنتِ بخير؟"
قالت الطبيب ذلك بتساؤل، لكنها لم تكن تنظر سوى له، وكأنها ثملت لرؤيته. وقفت لتطأ قدماها على الأرض، لتقترب منه. نظر لها، سرعان ما انقضت عليه بعناق قوي، لينظر "كاسبر" لها وهي قريبة منه بشدة، والطبيب متفاجئًا. ليبتسم من ردة فعلها، ويمسك بحقيبته وهو يقول:
"جيد."
ليقف ويهم بالخروج، ويتركهم. نظر "كاسبر" إليه وهو يخرج، ليسمع صوت بكاء صادرًا منها وتقول:
"أنت حقيقي."
نبرته كانت مليئة بالحزن الذي يمحى شيئًا فشيئًا. لينظر لها وهو متفاجئًا، ليجد رجلان من إحدى رجاله جاؤوا عندما سمعوا صوت بكائها ونشيجها الذي كان مرتفعًا. لينظروا إلى سيدهم، وإلى "أفيلا" التي تعانقه بقوة وتلتف ذراعيها عليه، وكأنه سيهرب منه، وتبكي بحرقة.
"لا تبتعد ثانيًا. إن كان حلمًا دعني أنغمس به."
كلماتها تخرج من صميم قلبها، لتجد يده تضع على كتفيها وتبعدها عنه.
"معذرة."
نظرت له "أفيلا" حين ابتعدت عنه، لتقول برجاء:
"سامحني أرجوك. سامحني على جريمتي بحقك. أنا أتعذب مرارًا ل..."
"هل أنتِ بخير؟"
لتؤم برأسها دون تردد، متجاهلة نبرة صوته الغريبة. لتقول من بين بكائها:
"بخير. أصبحت بخير فور رؤيتك."
لترفع أنظارها إليه وتردف قائلة:
"افتقدتك كثيرًا."
اقتربت منه لتعانقه للمرة الثانية، فهي لم تكتفِ بذلك العناق القصير، إلى أنه منعها وابتعد عنها، لتتصنم قدماها من ردة فعله.
"يبدو أنكِ مخطئة بيني وبين شخص آخر."
نظرت له باستغراب شديد من جملته التي قالها للتو.
"ماذا؟"
"اصطدمتي بسيارتي، فأحضرتك لمنزلي."
لتتجمد الدموع في عينيها وهي تنظر له بعدم فهم، من تحدثه وكأنه لاول مرة، وادعائه الجهل كونه لا يعرفها. بل لم يبدُ على أي وجه صدمة أو تفاجؤ من رؤيتها مثلها. لتقول وهي تبتسم ابتسامة مريرة:
"ما الذي تقوله؟ لما تتحدث معي هكذا؟"
نظر لها باستغراب، لتردف قائلة:
"تتحدث وكأنك لا تعرفني. عاقبني ما تشاء. لكن لا تحرمني منك. هذا العقاب لم أعد قادرة ا..."
"عفوًا."
قاطعها، لتنظر له، فيقول: "هل تعرفينني؟!"
لتنصدم بسؤاله الذي طرحه عليها للتو.
"سيدتي."
قال ذلك أحد الرجال الذي يتابعون ما يحدث، لتنظر لهم، كان واحد منهم الذي فك قيدها في ذاك اليوم حين اختطفت من "روبرت". لكن "كاسبر" رمقه نظرة جعلته يصمت، لأنه تحدث بحضوره. عاد بأنظاره لأفيلا ليقول:
"هل تقابلنا من قبل؟"
ابتعدت عنه، عادت للخلف وهي تنظر له بعين مليئة بالدموع والصدمة والخذلان والحزن، فما عادت تعلم من هذا ومن هي. لم تعد تعرف أحدًا. التفتت وذهبت. إنها توقفت أمام ذاك الرجل، نظرت له، وهو الآخر كان يعرفها، لتتخطاهم وتذهب من هنا. خرجت من المنزل، وجدت رجاله واقفين، نظرو لها، فأكملت.
تلقي نظرات خلفها وهي تسير، وكأنها تترك شيئًا منها يخصها بالداخل، تتركه وترحل. ظنت أن هذا شبحه، أم طيفه، أم مخيلتها كعادتها، أم إحدى تأثيرات الدواء الذي تأخذه... لكن كيف؟ لقد تحدثت معه، لقد عانقته، برغم أنه لم يبادلها، وكان في جموحه، إلى أن عطره قد اجتمع بعطرها وتغلغل بأنفاسها. سالت الدموع من عينها. ثم سمعت صوت أحدهم يوقفها. توقفت، نظرت له، وجدته الرجل ذاته.
"لماذا منعتني من الحديث معك؟"
قالت ذلك بضيق، إلى أنه قال:
"عدنا إلى مصر منذ خمسة أيام."
ابتسمت "أفيلا" بأمل ولا تصدق، لتقول: "إذا، أنه هو صحيح."
أومأ الرجل برأسه إيجابًا، لتسيل دموعها من السعادة. هل طال حلمها هذه المرة؟
نظرت له، وكانت ستقول شيئًا، إلى أنه سبقها بالقول:
"سوف تحصلين على الإجابات من شقيقه."
لتتسع عيناها بصدمة كبيرة: "مازن!"
أومأ إليها بمعنى نعم، ثم ذهب، وهي لا تزال واقفة في مكانها. تساؤلات تحوم حولها ولا تجد لها تفسيرًا. إنه حي، ومازن... ماذا عن مازن؟ هل كان يعرف؟ لكن كيف؟ لقد أكد لي روبرت أنه مات، وشهادة الوفاة، وكل ذلك. كيف حدث؟ لا أفهم شيئًا. هل جننت؟ أتملكني هذا الجنون هذه المرة؟
"القبر."
قالت ذلك بإستدراك، فهو حل لأسئلتها لحين تعرف ما يجري.
وصلت إلى المقابر، لتدخل، فينظر لها رجل المدافن ويقول:
"طبيبة "أفيلا"، خيرًا؟ هل جئتي..."
"افتح ذاك القبر."
قالت ذلك ببرود، تقاطعه، بينما هو صدم من ما قالته.
"ماذا؟"
"ألم تسمع؟"
"ك... كيف؟"
"مثلما قفلته، قم بفتحه، هيا."
"ما تطلبيه لا أستطيع فعله. الميت له حرمة لا يحق لنا انتهاكها."
"هذا القبر لزوجي. أتريدني أن أذهب لأقرب مخفر وأرفع شكوى ضدك؟"
ليشعر بالخوف من قولها ذاك، ويتوتر. قال:
"لكن..."
"قلت لك افتحه."
قالت ذلك بصوت مرتفع غاضب. نظر لها وهو لا يفهم أي شيء، لكن استسلم وأومأ بقله حيلة.
"أمري لله. حاضر... لحظة واحدة."
وقفت تنتظره بفارغ الصبر، وتأتي ذهابًا وإيابًا، إلى أن عاد إليها. نظر لها، تنهد بقلة حيلة، ثم بدأ في تنفيذ ما طلبته.
كانت تنظر له، تتابع ما يفعله، لتجده توقف فجأة وينظر إليها. تعجبت، إلى أنها أبعدته وألقت نظرة إليها، لتنصدم حين رأت القبر فارغًا. لتجتمع بعينيها الدموع، وتصطك ساقيها، فتجس على ركبتيها التي لم تعد بمقدورها التحمل. هل ما يحدث حقيقي؟
"قمت بدفنه أنا وحراسه."
قال مازن ذلك، وكان في منزلها. لتنظر له بغضب وتقول:
"كيف تفعل ذلك دون أن تخبرني؟"
لتردف قائلة:
"ماذا عن الجنازة؟ لم نسير معه حتى. هل جننت؟ كيف تفعل ذلك؟ إنه يستحق أن نقيم له عزاءً مثل البشر."
"أخي قد قتل."
قال ذلك بغضب مضاهي غضبها، ليكمل بضيق:
"وتريدين مني أن أقيم له عزاء؟"
ليزول غضبها بسماع ما قاله، وتشعر بغصة بحلقها، وكانت على وشك البكاء.
"هذه شهادة الوفاة. سوف أسافر بعد يومين. أخبرتك عن مكان القبر، إذا أحببتِ الذهاب إليه."
نظرت إليه، وهل سيسافر الآن؟ وجدته يمد يده بورقة، أخذتها بتردد ورعشة يدها، ودموعها على وشك التساقط. وما أن أخذتها، ليلتف وهم بالذهاب، يتركها بمفردها.
كانت جالسة، لا تصدق ما يحدث. بينما القضية، تتذكر قول عمها أن مازن من يتولى أمرها مع الشرطة، وأنه من أخبرها أن الجاني لم يترك خلفه أي أثر. تتذكر الأحداث التي كانت غريبة بتلك الفترة وغرابته. فهي لم تراه أبدًا للقبر لرؤية أخاه، بل سافر وترك كل شيء خلفه. ماذا يعني هذا؟ على قيد الحياة؟ هل أنزل الله عليها بمعجزة؟ كونه على قيد الحياة ليس سوى أكبر معجزة بالنسبة إليها.
كان الرجل ينظر إليها، ليجد ابتسامة ترسمها على وسع ثغرها. تعجبت، إلى أنه تفاجأ كثيرًا حين وجدها تضحك وتخفض رأسها بضحكاتها المريرة الساخرة، المزدوجة بحزن ونار في قلبها لا تهمد. لا تعلم إن كانت سر ضحكاتها الحزن المغيم من فوقها، لأنها كانت بعيدة عنه كل تلك المدة، وعن كل ما عانته.
أم سعيدة سعادة مضاهية، وكأنها امتلكت العالم بأسره لمعرفتها أنه حي.
ذهبت لشقتها، لتجلس على الأريكة وهي في صدمة، تتذكر لحظة لقائه بها. فلقد كان معها منذ ساعات. أمسكت هاتفها لتتصل بأحدهم، لكن لم يأتِها رد. لتتصل مرة أخرى، حتى وجدت المكالمة فتحت، تعلن سماع الآخر.
"أين أنت؟"
"لماذا؟"
لتقول بإستدراك: "أنت في مصر صحيح؟"
صمت قليلاً، ثم قال: "أجل."
"أريد مقابلتك."
"في وقت آخر، أنا في العمل."
"علي... على قيد الحياة."
قالت هذا، لتجده صمت، ولم يرد عليها من بعد ما قالته. لترسم ابتسامة جانبية ساخرة وتقول:
"يبدو أن لديك علم مسبق بذلك."
"أين نتقابل؟"
في مقهى، كانت "أفيلا" جالسة تنظر في ساعتها، لتجده يدخل. كان مازن، الذي لم تراه منذ ثلاث سنوات، فلقد انقطع عن الجميع واختفى منذ آخر لقاء بينهم. كانت قلقة أن يكون غير رقم هاتفه ولن تستطيع التواصل معه، لكنه كان كما هو، وكأنه وضع حساب تلك اللحظة. نظر لها، اقترب منها.
"لماذا اتصلتي بي؟"
قال ذلك وهو يجلس، لتقول:
"كيف فعلتها؟"
نظر لها بعدم فهم وأستغراب، فقالت:
"كيف زورت الشهادة وصنعت قبرًا مزيفًا وأخبرتنا أنك دفنته به؟"
تعجب من كلامها ونبرتها الواثقة، ليقول:
"ما الذي تتفوهين به؟"
"لا تدعي الجهل..."
كان على معي منذ قليل.
"أرى أن خطأ ما قد أصابك. لقد مات منذ ثلاث سنوات، هل تذكرتيه الآن؟"
لتهتف بوجهه بانفعال: "لم أنسه حتى أتذكره. لقد رأيته وجهًا لوجه، تحدثت معه بعد كل تلك الغيبة، بعدما كنت أتحدث لقبر.. القبر الذي قمت بفتحه بنفسي وكان فارغًا."
"يبدو أني خيبت أملك."
قال ذلك بنبرة ساخرة. تعجبت، قالت:
"ماذا؟!"
لم يرد عليها. قالت:
"ماذا تقصد؟ أخبرني... كيف خدعتنا بموته؟"
نظر لها ليقول ببرود:
"مثلما حاولتِ قتله."
لتتصنم بمكانها أثر صدمة كبيرة صعقت بها للتو. فلا أحد يعلم أنها هي من قتلت كاسبر غيرها وروبرت، وهو قد مات. كيف علم مازن بها؟ أكان كل ذلك يعرف؟ لكن كيف؟ ماذا يحدث؟ ستصاب بالجنون بلا أدنى شك. ما كل تلك الأسرار المخفية؟
"إذا كان القبر حقيقيًا، لم أكن لأسمح لك بالاقتراب منه."
لتشعر بغصة في حلقها وحزن طغى في قلبها من كلامه الذي كان حقيقيًا وتذكيرها بما فعلته. لكنها لم تنسَ، ليذكرها أنه فقط يدفع بخناجر لقلبها ليفتح جرحها من جديد.
"عندما علمت من أحد حراسه أنه بمصر، جئت لمنع أي لقاء بينكم. فكنت أعلم أنكم ستتقابلون، الآن أم بعد... لكنني تأخرت، لكن لم أتأخر كثيرًا. لذلك اسمعيني جيدًا يا 'أفيلا'."
كانت صامتة تصغي إلى كلماته وتشعر بحرقة في عينيها.
"انسي أنكِ رأيته أو جمع لقاء بينكم من جديد. كما كان في مخيلتك، قد مات... فهو ميت لحد الآن."
"أين كان كل هذه المدة؟"
قالت ذلك بتساؤل وصوت مبحوح يكبح بكاءً.
"بألمانيا... بسببك هو لا يتذكر أخاه ويراني غريبًا متطفلاً ليس إلا."
قال ذلك بضيق. لتنظر له أفيلا بشدة وقالت:
"ماذا تقصد بأنه لا يتذكرك؟"
لم يرد عليها، ثم وقف يعلنها برحيله. نظرت له وهو يذهب، لتقف وتلحق به.
خرجن من المقهى. وقفت أمامه تمنعه وتقول:
"ماذا تقصد بأنه لا يتذكرك؟ أخبرني."
زفر بضيق لأنه فتح مجرى لهذا الحديث. قالت:
"هل هو أيضًا لا يتذكرني؟ ألم يكن يدعي عدم المعرفة بي؟ أرجوك يا مازن، أخبرني، أريد أن أعلم كل شيء. سوف أفقد عقلي صدقني... لا تزال هناك أسئلة كثيرة تضج برأسي، يجب علي معرفتها."
صمتت قليلاً، ثم نظر لها وقال:
"هناك من يجيبك عليها غيري."
نظرت له بتعجب واستغراب لتقول:
"من؟"
"عمر."
"عـ... 'عمر'... وما علاقته بـ'علي'؟"
لم يكترث لكلامها ليقول قبل ذهابه:
"أتمنى أن تكوني فهمتِ كلامي وتبتعدي عن 'علي'. وأن حدث وقابلتيه، لا تحاولي التقرب منه أو الاختلاط به، فأنا لن أدعكِ تقتلينه مرة أخرى."
نظرت له أفيلا وسالت من عينها دمعة أثر كلماته التي حزنت لكونها حقيقة. نظر لها مازن وذهب، وهي واقفة مكانها لترفع رأسها تأخذ نفسًا لتخفف من حرقة عينيها. تنهدت واستجمعت قواها، فتساءلت: ما كان مقصده بأن عمر من يحمل إجابتها؟ هل هو أيضًا يعرف أن 'علي' حي؟ يا لسخرية القدر منها. هل الجميع يعرف؟ هي التي كانت في غفلتها تعيش وهمًا مؤلمًا لسنين بذنبه الملتف حول عنقها.
ذهبت لسيارتها، فتحت الباب ودلفت لداخل. تناولت هاتفها وأقامت مكالمة ليأتيها رد:
"مرحباً أفيلا ال...."
"أنت في المشفى."
قالت ذلك ببرود متجاهلة رد السلام.
"أجل، لما..."
أقفلت أفيلا الهاتف بعدما حصلت على مرادها، لتقود سيارتها وتذهب متوجهة للمشفى. التي حين وصلت، نظروا لها ومن حالتها التي كانت عليها من البارحة. لتقترب من إحداهن وتسألهم عنه:
"الطبيب 'عمر'، ستجدينه بمكتبه."
ذهبت أفيلا والممرضة تنظر لها باستغراب من كيفية سؤالها.
كان 'عمر' جالسًا بمكتبه يرتدي نظارة قراءة ويتطلع بأوراق المرضى، ليقاطعه دخول أفيلا عليه. نظر لها وإلى هيئتها والضمادة التي عند رأسها. خلع نظارته، وقف وذهب إليها، قال:
"ماذا حدث لكِ؟"
اقترب منها بقلق ليجدها تقول ببرود:
"هل كنت تعرف؟"
نظر لها ولم يفهم سؤالها. نظرت له، قال:
"هل تعرف أن 'علي' حي؟"
صمت ولم يرد عليها، بينما ملامحه تبدلت. لتصرخ به بغضب:
"تحدث ولا تفكر في الكذب أيها المخادع!"
اقترب منها، قال:
"هل هدأتِ؟"
"لا تقترب مني. هل كنت تعرف أم لا؟"
"أجل."
فور انتهاء لفظه لتلك الكلمة، سرعان ما تلقى صفعة على وجهه.
رواية احببت مافيا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور
لا تقترب مني. هل كنت تعرف أم لا؟
أجل.
فور انتهاء لفظه لتلك الكلمة، سرعان ما تلقى صفعة على وجهه منها. لينصدم كثيراً بهذا الكف. ليجدها تمسكه من ملابسه بقوة وتنظر له بحنق، لتقول بصوت يجهش بالبكاء:
لماذا فعلت بي هكذا؟ لماذا يا عمر؟ لقد اعتبرتك صديقي.
نظر لها ومن نبرتها ليشعر بوخزة في أيسر صدره من رؤيتها تنظر له هكذا ودموعها تسيل على وجنتيها. لتصرخ به بغضب وانفعال:
هل كنت تستمتع وأنا أرى هذا؟
نظر لها بشدة وحزن قال:
أفيلا.
اصمت.
صاحت به غاضبة لتقول:
رأيتني وأنا أهتف باسمه يومياً. تعلم أن هلوستي كان عنوانها هو. وتصر وتكمل بخداعك لي. في ذاك اليوم التي رأيته في المشفى كان حقيقياً، كانه هو علي. لتجدني أركض كالمجنونة فتواسينني بكذبك الذي اعتدت عليه.
كان مصدوماً بكلامها، إلى أنه شعر بحزن شديد من اتهامها له.
كيف أمكنك أن تفعل هذا بي؟ هل تعلم كيف عشت هذه السنوات؟ لقد كان الندم يأكل قلبي وضميري الذي يلاحقني وأتعذب منه مراراً. لقد كنت أفكر في الانتحار كل يوم وأرى أن ليس من حقي تنفس ذلك الهواء الذي سلبته منه. أردت إنهاء هذه المأساة بأي طريقة.
أفيلا، أنا لم...
أنت لا تعلم عما مررت به. أنتم لا تعلمون شيئاً.
قالت آخر جملة وهي تتركه وتجلس على ركبتيها وتبكي بحرقة. والآخر متضايق لسماعه صوت بكائها. جلس مقابلها، كانت تضع راحة كفيها على وجهها. أنه لم يرها ضعيفة بهذا الشكل لمرة واحدة حين علي قد مات. هل كانت تكبح كل ذلك بداخلها؟ ليلعن نفسه بالحزن الذي سببه إليها. رفع ذراعيه بتردد خشية أن تفهمه خطأ. ليتنهد ويضمها إليه برفق، متخطياً الحواجز. كل ما يشغله أن يوقف بكائها. إلى أنه ترك مسافة.
اعتذر.
قال ذلك بهمس لها، ليمسد بيده على شعرها يهديها. لتتوقف عن البكاء. تمنى أن يعانقها يوماً، لكنه لم يرد أن يكون عانق إنسانياً ليواسيها، لا غير.
كان ممرضتان مارين ليتوقفوا عند المكتب وأبتسموا حين وجدوا من رؤية عمر وأفيلا يتعانقان كما هيأ لهم، فكان الباب زجاجياً مطل على الداخل.
ماذا تفعلون؟
جاءهم هذا الصوت من خلفهم، وكان ياسر. ارتبكوا، بينما هو ألقى نظرة على ما كانوا يرونه. لينظر إلى الممرضتين قال بحدة:
اذهبوا إلى عملكم.
أومأوا برؤوسهم وذهبوا. نظر ياسر إليهم، ثم نظر إلى عمر وأفيلا وذهب.
توقفت أفيلا عن البكاء لتدرك ما يحدث فتبعده عنها على الفور. نظر لها، كان وجهها منتفخ ومليء بالدموع. وكان لا يستطيع التحمل قال:
اهدئي. أنا آسف.
أريد أن أعرف ما حدث.
نظرت له وأردفت قائلة:
أخبرني مازن أنك معك أجوبتي.
ليجمع قبضته بضيق. ليسمعها تقول برجاء:
أرجوك يا عمر، لا تخبئ عني أي شيء. يكفي، أريد الحقيقة. ليس بمقدوري التحمل، صدقني.
تنهد بقلة حيلة من نبرتها ليقول:
في ذاك اليوم لم تكوني بمفردك.
نظرت له بعدم فهم ليكمل:
سمعت حديثك عبر الهاتف في ذلك اليوم الذي كنتِ غريبة به كثيراً. لا أعلم، راودني شعور غريب خشيت عليك، فقمت بإلحاق بك.
وقف عمر أمام الفيلة التي رأى أفيلا تدخل إليها. نظر لها من الخارج، لا يعلم أن كان عليه الدخول أم لا. دخل وهو ينظر حوله يبحث عنها. ولا يعلم أين هي أو ما الذي يفعله هنا. أنه يخطئ. إن علمت أنه تبعها لن تفهم سوى أنه يزعجها. سمع صوت سيارة بالخارج. وقف خلف حائط. سمع صوت أقدام. نظر، وجده كاسبر. تعجب كثيراً من رؤيته. ليجده يصعد الدرج ويدخل لإحدى الغرف. هل كان هو من تحدثه عبر الهاتف وتريده أن يكونا بمفردهما؟ شعر بغصة في حلقه وحزن. قرر الرحيل، فما حاجة لوجوده وقلقه التافه. لم يكن سوى تطفل بالفعل على حياتها.
خرج من خلف الحائط. ذهب، لكنه توقف. لا يعلم لماذا. أراد أن يلقي نظرة. صعد وهو متردد كثيراً. ليقترب من الغرفة. وقف خلف الحائط ليلقي نظرة. لتتسع حدقتا عينه ويفتح فاه بصدمة كبيرة تعتاره. ونبضه يعلو من ما يراه برؤية أفيلا بتلك الملابس وفي يدها سكين. تتساقط من عليها قطرات دماء الذي كان هو صاحبها. ومستلقٍ على الأرض وتلقي أنظار عليه. الدموع تسيل من أعينها بصمت. لتقع السكين من يدها وتذهب. لينزل سريعاً قبل أن تنتبه له. اختبأ حتى لا تراه. ثم سمع صوت أقدامها. نظر إليها، كانت قد ارتدت ملابسها. ليجدها تخرج من الفيلة. وما أن ابتعدت حتى نظر للأعلى ويركض متوجهاً للغرفة. نظر إلى كاسبر الذي كان غارقاً بدمائه.
بربك، ماذا فعلتي يا أفيلا؟
قال ذلك بضيق وهو يراه. ليقترب منه بخوف شديد من ما يقحم نفسه فيه. فهذه مخاطرة كبيرة. ليتسلم للأمر ويجلس بجانبه. وضع يده على أنفه يتحسس. حتى زفر بارتياح عندما وجده يتنفس وعلى قيد الحياة. اقترب منه ليحمله. لكن توقف لوهلة. نظر إلى السكين. اقترب منها، كان سيمسكها لكنه تراجع. نظر إلى يده. ثم أخرج مناديل. ثم قام بتغليفها. ثم دفنها في جيبه جيداً. وعاد إليه ليضع ذراعه على كتفه ويحمله وينزل به.
أدخله إلى سيارته ودخل هو الآخر. وقاد بسرعة متوجهاً لأقرب مشفى من هنا. ليلقي أنظاره عليه قال:
سوف أنقذك. ليس لأجلك، لأجلها هي فقط. لا أريدها أن تكون قاتلة.
لا يصدق أنه حقاً يساعده. لا يصدق أنه يفعلها وسينقذه. فلطالما تمنى أن يبتعد عن حياتها للأبد لتكون أفيلا له فقط. فلقد كان يشكل عائقاً إليه. لقد تمنى موته. وها قد يحدث ما أراده. وبعدها يريد مساعدته. ليزفر بضيق وينظر أمامه ويسرع في القيادة.
توقف عند مشفى. فتح السيارة وحمله ودخل به سريعاً. رآه الأطباء والممرضين بالدماء الغزيرة من عليه. ليسرعوا إليه بسرير متحرك. وضعه عليه وأخذوه وذهبوا. نظر لهم عمر. ثم تذكر شيئاً. أمسك هاتفه ليخرج رقماً. وحين رد عليه لم يعطه وقت للاستغراب من اتصاله ليقول:
تعال إلى المشفى سريعاً.
كان عمر عند أمام غرفة التي بها كاسبر. رأى مازن في نهاية الممر كان يلهث. فيبدو أنه كان يركض. ليتقدم سريعاً منه والقلق بادياً على وجهه. فكان عمر اتصل به من رقمه الذي كان مدونه بسبب والدته وأخبره عن أخيه ووجوده في المشفى.
اقترب منه. نظر له. ثم نظر إلى الغرفة التي يجلس أمامها قال:
ما الأمر؟ ما به علي؟
لم يرد عليه. فاردف قائلاً:
ماذا حدث له؟
لا يزال بصمته. لكن الآخر قلق. مما قال بغضب:
ألا تسمع ماذا حدث لأخي ولماذا هو بالمشفى؟
ليقاطعه خروج الطبيب. وقف عمر واقترب مازن منه سريعاً ليقول:
ما به؟ هل هو بخير؟
لم تكن تعابير وجه الطبيب ميسرة ليقول:
أقمنا جرحه. لكن حالته حرجة بسبب نزيفه الغزير. نحتاج لأحد يتبرع له بالدماء.
سوف أتبرع له.
من تكون؟
أخيه.
جيد. لكن يجب أن نتطابق من عينة الدم أولاً.
أومأ له مازن بالموافقة. ذهب الطبيب. لكن توقف فجأة. عاد بأنظاره إليهم ثم قال:
كيف جرح هكذا؟
نظر له مازن باستغراب ليكمل:
وكأنها كانت محاولة قتل.
لينصدم ما يسمعه قال: ماذا؟
ليس جرحاً عادياً حسب تشخيص حالته. هناك من قام بطعنه بمهارة حيث كادت أن تصيب الكلية أسفل العضلات في المنطقة الواقعة أسفل نهاية القفص الصدري. وهي متصلة بشكل غير محكم بالغشاء المصلي البطني الذي يمكن أن تتسبب طعنة كهذه في إتلاف كليتي الشخص. لكن قد تمزقت إحدى خلاياه ليزيد الوضع خطورة.
تسرب الهلع لقلب مازن والخوف مما حدث لأخيه.
الوضع لا يبشر خيراً.
ماذا تعني؟
سنفعل ما بأيدينا. المهم أن نسرع.
ليزداد القلق من نبرته. بينما الطبيب نظر إلى عمر الذي كان صامتاً. وخانته تعبيرات وجهه بالتوتر وتعرق جبينه. وهو يتذكر ما رآه. كان يبدو عليه المعرفة. فهو من أحضره. شعر بالأنظار الموجهة نحوه. ذهب الطبيب وتركهم. لينظر مازن إلى عمر الذي لم يفهم نظراته. إلى أنه قال:
اسرع بنقل الدماء له. ألم تسمع؟ قال إن وضعه خطير.
لا يزال ينظر إليه. تعجب ليجده يقترب ويقف أمامه مباشرة ويقول:
لم تجاوب.
بشأن ماذا؟
ماذا حدث له؟
لا أعلم.
قال ذلك بعدم معرفة يحاول التماسك.
لا تعلم؟ من يعلم إذا؟
نظر عمر إليه يشعر باتهام في نبرته.
إنك من أحضرته لهنا.
ماذا تعني؟
يقول الطبيب أنه طعن. أي أحد تعمد ذلك. هل كان هناك من يحاول قتله؟
نظر عمر إليه ونظر بعيد بضيق من تلك الأسئلة. فما الذي وضع نفسه فيه. لماذا اتصل به؟
يبدو أنك تعرف. فلما أنت صامت؟ من يكون هو؟ لماذا لم تمسكه به؟
لا أعرف من يكون.
ألم تر وجهه؟
لا.
إنك كاذب.
نظر عمر إليه من نبرته الواثقة. ليرسم ابتسامة ساخرة ويقول:
هل أبدو لك أحمقاً؟ أنا محامٍ. أعرف من النظر في التعبيرات من أمامي إن كان كاذباً معي أم صادق. وأنت كاذب. قلت إنك لا تعرف من يكون. أي أنك رأيت وجهه. لكن لم تعرفه مسبقاً. بينما سألتك إن كنت رأيت وجهه فنفيت. كيف هذا؟
كان مندهشاً منه وكيف أوقع به بسؤالين.
كيف أحضرته للمشفى؟ وما المكان الذي جمع به؟ هل كنت تعلم أن أحد سوف يقتله؟ أم أنك هو؟
نظر له بصدمة كبيرة. فها هو يتهمه كونه قاتلاً.
ماذا تقول؟
أخبرني بالحقيقة قبل أن أتصل بالشرطة وأتهمك بما حدث له وأنك لك يد بذلك. هل تدري ما سيحدث لك؟ ستنهار مكانتك. اسمك، كنيتك كطبيب سيكونان بالقاع. حتى وإن لم يثبت عليك شيء، فالمجتمع سيثبتونه من نظرتهم لك. ولن يروك بريئاً كالقانون. بل سيقتنعون بالاتهام الباطل الذي وجه نحوك. وأن تقبل بك مشفى لن يحدث.
كان عمر مصدوماً مما يسمعه ليشعر بالخوف حقاً من ما يقوله وتهديده إليه. أنه سينتهي بلا أدنى شك.
لكنني من أنقذته.
قال ذلك تبريراً ليرد عليه باللامبالاة:
وتخبئ على المجرم.
ليشعر بالضيق ويقول: لا أستطيع إخبارك.
لنخبر الشرطة إذا.
إن كنت تريد أن تعرف. الشرطة لن تتدخل في الأمر.
نظر مازن إليه بشدة وقال: أتريدني أن أعلم من حاول قتل آخر وأدعه وشأنه؟
لن أخبرك حتى تعدني.
هل تعرفه؟
لم يرد عليه. إلى أنه أومأ برأسه. لينظر له بشدة وعدم فهم. ليقول بضيق وقلة حيلة ليرضي فضوله: حسناً.
صمت قليلا ثم قال بتردد : أفيلا
لتتسع عيناها بدهشة : هل قلت أفيلا؟
: لا أعلم لما فعلت ذلك لكن ما أعرفه أن يوجد سبب وراء فعلتها
: هل تسخر مني؟
قال "مازن" ذلك بضيق ليضيف : تريد أن تقنعني أنها فعلت ذلك بزوجها؟
لينظر "عمر" إليه بصدمة كبيرة ليقول بصوت ضعيف وهو لا يصدق:
: زوجها!!
: أجل، وأيضًا أنها تحبه فكيف لها أن تفعل تلك الجريمة وبحق من فعلتها؟
كان يسمع وصامتاً يشعر بغصة في حلقه من حزنه، فقد فهمها خطأ، أنه زوجها حقاً، لم يكن شيئاً خطأ بوجودهم بمفردهم. تنهد ثم قال باللامبالاة:
: لا أعلم، رأيتهم في منزل من ثم خرجت "أفيلا" وكان هو مستلقياً على الأرض.
نظر إليه بشدة ليقاطعهم صوت من الغرفة، وكانت ممرضة تهتف بأحد الأطباء ليشعر "مازن" بالخوف وكأنه على وشك فقدان أخيه الذي تبقى له. يخشي فقدانه كما فقد والدته منذ قريب. هل سيذوق الفقد للمرة الثالثة ولم يعد له أحد؟ وجد الطبيب يهرول إلى الغرفة بطاقمه ويقومون له صدمات كهربائية، ينعشون به نبضات قلبه التي كانت تتوقف وأنفاسه بدأت في أن تنقطع، لكن بدأ الجهاز بالعمل من جديد وعادت نبضة كالمعتاد. ليخرج الطبيب، نظر إليه وقال:
: عليك أن تسرع، الوضع يسوء، المريض لا يستجيب لنا.
أومأ له على الفور. اقتربت منه ممرضة قالت:
: لنذهب.
نظر لها ثم نظر لعمر وذهب معها. كان لا يصدق ما يحدث وما سمعه... أفيلا؟ لكن كيف... كيف تكون هي من فعلت ذلك؟ لقد رأى كم يحبان بعضهما وكم سعت حتى تجمعهما بوالدته، وبيوم وليلة تقتله... هل حاولت قتل أخيه حقاً؟
دخل مع الممرضة لترى تطابق الدماء حتى انتهت وقالت:
: سلبي.
: ليست زمرة الدم نفسها.
: لا.
: كيف؟
خرج مسرعاً، نظر له عمر ورآه يركض وجسده ليس ضعيفاً، فحين يأخذون من أحد دماء يبقى مسطحاً لبضع الوقت.
: دمي غير مطابق له، إنه O، يجب أن أجد متبرع له نفس زمرة دمه.
قال "مازن" ذلك وهو محتار.
: البنك.
: ماذا؟
: بنك الدم... انتظر هنا، سوف أذهب أحضره.
أومأ إليه. ليجده يذهب. وقف أمام غرفة أخيه ينظر إليه، ثم سمع أصوات. نظر وجد رجالاً يشبهون حراسه الذي يراهم مرافقينه دائماً. وقفوه أمامه. قال أحدهم:
: ماذا حدث؟ أين السيد "كاسبر"؟
تعجب من هذا الاسم ومن "كاسبر" هذا الذي تلفظه باسمه... هل هو أخاه؟ سألهم كيف عرفوا بوجوده في المشفى. أخبروه أنهم اتصلوا به ورد عليهم أحد، أخبرهم بوجوده في المشفى. علم أنه عمر. جاءت ممرضة تقترب منهم وتقول:
: إذا سمحتم، ممنوع الوقوف هكذا، هذه مشفى، أنتم تزعجون المرضى.
لم يتحرك أحداً منهم، فهم لن يغادروا غير وهم يرون سيدهم أفاق. لم يتعودوا أن يروا ضعيفاً. هل طعنة تفعل به هكذا؟ تعرض لإصابات بالغة ونفد منها... لطالما كان ينفد ببراعته، فما دهاه هذه المرة؟
قدم "مازن" اعتذاره لها وسألها إن كان مسموحاً أن يبقى اثنان. لتصمت وتومئ إيجاباً. فأخبرهم أن يبقى اثنان منهم. وبالفعل غادروا وبقي اثنان ممن يعتمد عليهم.
تأخر "عمر" بعض الشيء وقلق كثيراً إن لم يعثر على الدم. جاء الطبيب قال:
: لماذا لم تحضروا متبرعاً حتى الآن؟
كانت سيتكلم لكن قاطعه عمر الذي أتى. اقترب منهم ولم يجد معه أي شيء، فقلق وقال:
: أين...؟ ألم تجد؟
: بلى، أعطيته لهم حتى لا يتعرض للطقس ويصبح فاسداً.
أومأ بتفهم وذهب الطبيب عندما علم أنه أحضر الدم الذي يحتاجونه. ثم عاد. دخلا إلى الغرفة، وقف "مازن" نظر إليهم من الزجاج، رآهم يعلقونه إليه ثم يفتحونه. فبدأ بسريان ليدخل لجسد "كاسبر" ليشعر بالارتياح بعدما تجاوز الخطر.
: كيف حدث لسيدي ذلك؟
قال ذلك أحد رجاله يخاطب نفسه. نظر له "مازن":
: ليس سهلاً أن أحد يمسه له أو يخدشه خدشاً صغيراً.
ليجمع قبضته بضيق وهو يتخيل ما حدث له. سمعوا رنين هاتف وكان هاتفه للرجل. ليخرجه ويرد عليه:
: أخذوها؟ لا أين...؟ أيها الأغبياء، ألستم مكلفين بحمايتها؟
نظر "عمر" و"مازن" للرجل وإليه ونبرته الحادة وانقلاب تعبيراته الجامحة.
: ماذا تنتظرون؟ اخرجوها من هناك قبل أن يقتلها.
أقفل الهاتف وكانوا ينظرون إليه. قال رفيقه:
: ماذا هناك؟
: اختطفت تلك الفتاة المخترقة.
: تقصد السيدة "أفيلا"؟
وفور سماع "عمر" اسمها ليقول:
: ماذا... "أفيلا"؟ أين هي؟
نظر له "مازن" وإلى ردة فعله، خوفه عليها.
: سينقذونها، فالسيّد "كاسبر" كان يضع عليها حماية حساباً لذلك اليوم.
: كان يحميها بينما هي غدرت به. يا للسخرية.
قال "مازن" هذا. نظروا إليه باستغراب، بينما "عمر" لم يهتم بكلامه. مر وقت قليل ثم رن هاتف الرجل. نظر إليه "عمر" باهتمام.
: حسناً.
أقفل الهاتف ليسأله:
: ماذا حدث؟ هل هي بخير؟
: أجل، أنقذوها في آخر لحظة.
شعر بالارتياح وهو يتساءل عن أي خطر كانت فيه "أفيلا". أنه حقاً لم يفهم شيئاً. بينما "مازن" غير مهتم بما يحدث إليها.
كان "عمر" جالساً يفكر بها، وللحظة انتبه لأمر، ممكن أنها تذهب للشرطة وتخبرهم بما فعلته وتدمر ما فعله، فحتى إن كان حياً ستعاقب. عليه أن يلحق بها. نظروا إليه وهو يذهب.
مر سبعة عشر ساعة عليهم وأتى "عمر" وعلم أنه لا يزال لم يستيقظ. وجدوا الطبيب يدخل الغرفة. ذهب مازن خلفه، تبعه الرجلان. دخل ليجده قد فتح عينيه. قال "مازن":
: أنت بخير.
كان لا يزال جسده ضعيفاً وتحت تأثير المخدر. قال الطبيب:
: حمد الله أنك أُفقت، قدنا نفقد الأمل.
نظر "كاسبر" إلى "مازن" وإلى "عمر" والطبيب، ثم نظر للرجلين. قال بصوت ضعيف:
: أين أنا؟
: في المشفى.
: لماذا؟
نظر له الطبيب باستغراب من سؤاله.
: ماذا حدث لي؟
ليقول أحد رجاله:
: سيدي، ألا تعلم؟ أننا ننتظرك حتى تفيق لتخبرنا.
: لحظة واحدة.
قال الطبيب ذلك، يقاطعه وهو ينظر إلى "كاسبر".
: هل تعلم ماذا حدث لك؟ سبب دخولك للمشفى؟
صمت ولم يرد عليه. ينظر حوله. قال الطبيب يوقفه:
: لا تحاول أن تتذكر الآن، قل فقط أجل أم لا.
نظر له ليضيف:
: أتعلَم من أنت؟
تعجب من سؤالها، لكن أومأ برأسه بمعنى نعم. فقال الطبيب وهو يشير عليهم:
: هل تعلم من يكونون هؤلاء؟
نظر إلى وجوههم، ثم نظر إلى الرجلين، لينظر إلى الطبيب وينكر معرفته ب"مازن" و"عمر" وأنه لم ير وجوههم قبلًا. ينصدم "مازن" كثيراً يقول:
: أخي، ألا تعرف من أكون؟
نظر له "كاسبر" باستغراب شديد من كلمة أخي التي لقبها بها للتو. أخرجهم الطبيب ليبقى معه بمفرده. ذهب مازن وهو ينظر لأخاه الذي لم يكن ينظر له وكأنه حقاً لا يعرفه.
وقف بالخارج ينتظر الطبيب الذي كان يتحدث معه. يتحدث معه ثم خرج. اقترب منه قال:
: إنه فقد جزء من ذاكرته.
نظر له بشدة واستغراب ليكمل:
: إنه يعرف من يكون وكنيته الشخصية، كان يرد على أسئلتي تلقائياً. لكن حين سألته عن اليوم حسب ظنه هو، أصدماني برده.
: وما كان هو؟
: 2020/3/14.
لتتبدل ملامحه بتعجب شديد من هذا التاريخ.
: هذا ما عرفته أن يظن أننا لا نزال بتلك السنة، لا يعلم أنها قد مرت. لم أخبره عن تاريخ اليوم حتى لا يكون ذلك مربكاً بالنسبة إليه ويحاول العثور على أحداث تلك السنة فيضر بحالته.
: ماذا يعني هذا؟
: إن سنة بأحداثها تلاشت من ذاكرته.
: سنة!!
قال ذلك الرجل باستغراب وهو يتذكر التاريخ الذي سمعه، ليقول باستدراك:
: إنه اليوم الذي جاء سيدي فيه إلى مصر. أتذكر ذلك التاريخ.
فهم بطبيعة عملهم لا ينسون أي شيء، وإن كان أوقات أنفاسهم يجب أن يحسبوها.
قال "مازن" باستغراب:
: كيف؟
رد عليه الطبيب:
: لا يزال أمامنا لمعرفة حالته جيداً. سنعمل على فحوصات وصورة لرأسه لمعرفة إن كان هناك اختلال أم أي اضطراب قد أصابه.
قال ذلك ثم استاذن وذهب. جلس "مازن" في دهشته. وبعد مرور الوقت، وكان الطبيب مانعاً أي أحد الدخول إليه لأنه لم يكن بصحة جيدة، لا يزال متعباً. كان "مازن" متضايقاً من هذا، فهو يريد التحدث معه. جاءت ممرضة وأخبرتهم أن الطبيب ينتظرهم في مكتبه. علموا أن النتيجة قد ظهرت وقام بتشخيص حالته.
جلسا مقابلانه ليخرج صورة طبية "أشعة" وأعطاها لمازن. نظر إلى الطبيب وإلى ما في يده ليأخذها منه ليُبقي نظره وهو لا يفهم شيئاً. قال الطبيب:
: أثبتت تلك الصورة التي أجريناها بالتصوير الرنين المقطعي المحوسب لاستبعاد أورام الدماغ وغيرها من الاضطرابات الدماغية البنيوية، أم تخطيط كهربائية الدماغ EEG لاستبعاد اضطرابات الصرع... لكن رأسه سليم، لم يتعرض لأي إصابة أو خدش ولو صغير.
ليتعطب ويترك ما في يده على المكتب ويقول:
: كيف؟ لماذا لا يتذكرني إذا؟
: Dissociative Amnesia، فقدان الذاكرة التفارقي.
قال "عمر" ذلك باستدراك لينظروا إليه ويقول الطبيب بتفاجؤ:
: كيف علمت؟
: أنا طبيب أيضاً.
أومأ بتفهم. فقال "مازن":
: عن ماذا تتحدثون؟ أنا لم أفهم بعد حالته بعد.
: فقدان الذاكرة التفارقي. هو فقدان ذاكرة ناجم عن الصدمة أدت لعدم قدرة على تذكر المعلومات الشخصية الهامة في الفترة التي فقدها فقط. الصدمة التي تعرض لها جعلته يفقد جزء من ذاكرته وهي بمُدتها القصيرة "سنة". أما ذاكرته القديمة مازالت نشطة كما هي، وهذا هو ما عليه الآن.
: أ... ألن يتذكرني مجدداً؟
: بلى، هناك احتمال لذلك. لكن احتمال ضئيل. نوع فقدان ذاكرته كان لاضطراب نفسي. ليس فقدان ذاكرة كلي لو وضعت احتمال كبير كونه سوف يتذكر ببعض الجلسات من أجل تكوين عقله.
ليصمت قليلاً ويكمل:
: لكن عقله هو ذاته من قام بمسح ذلك الجزء من ذاكرته. هناك ثغرات داخل ذكرياتها يكون العقل له القدرة على تكوينها. ولفرط صدمة ساحقة جعلته يعاني، فيتدخل العقل ليقوم بمساعدته ويمحي ذلك الجزء الذي قد يؤثر عليه قادماً بشكل مفرط.
: محو؟
قال "مازن" ذلك يخاطب نفسه:
: ذاكرته الذي تجمع بها مع أمي وعرفني قد مُحيت... بربك ماذا فعلتِ يا أفيلا؟
قال آخر جملة بضيق. نظر "عمر" والطبيب إليه لينظر لهم ويقول:
: هل أستطيع أن أراه؟
صمت الطبيب قليلاً ثم أومأ برأسه بالموافقة.
دخل مازن إلى "كاسبر" الذي كان مستيقظاً في ذلك الوقت، ينظر إلى الفراغ بشرود. اقترب منه ليلحظ وجوده وينظر له. جلس على حافة السرير قال:
: أخي، ألا تتذكرني؟ ماذا عن أمي؟ ألا تتذكرها أيضاً؟
نظر له بعدم فهم واستغراب من تلك الدمعة التي سالت من عينه، دموع أنه لا يعرف من يكون الذي أمامه وعن أي أم يتحدث.
: أخبرني أنك تمزح... تتذكرني أليس كذلك؟ تتذكر كل شيء صحيح؟ حسناً، سأساعدك.
قال ذلك ببعض الأمل ليقول:
: الأونة الأخيرة لقد كنا عائلة جميلة لشهرين. تجمعت معنا بعد غياب طويل... حاول أن تتذكر.
: عائلة؟
أومأ له وهو يقول:
: أجل...
من أنت وعن ماذا تتحدث؟
مازن أخيك هذا أنا، تذكرني.
نظر له "كاسبر" باستغراب وهو ينظر له وما يقوله، هل كان لديه عائلة حقًا؟ الدين أخ... ليصمت ويريد التذكر، لكن لما لا يرى أي شيء مما يقول عليه.
لقد سعينا لجعلك تقابلها. لقد راتك قبل موتها.. لقد حزنت عليها كثيرًا.
حزن؟ عن أي حزن يتحدث؟ ومن التي رآها قبل موتها؟ من الذي قابلها؟ بينما "مازن" يذكره بأيامهم الماضية ويجعله مضطربًا دون أن يدري، ويسبب له الأرق بفضوله الذي ينهشه ليتذكر ما حدث بتلك الفترة.. لماذا لا يتذكر أحدًا؟ لماذا؟
قاطعه صوت صفير داخل رأسه يعج جمجمته ولا يسمع غيره، ليشعر بألم شديد. ليمسك بكلتا يديه لتنطلق صرخة مدوية منه من ذلك الصوت الذي يسمعه.
نظر له مازن بشدة، قال بقلق:
ماذا بك؟
الآخر كان يعافر وكأنه يصارع وحشًا، ليصدر صوت اختناق شديد منع أثر حركته المندفعة، متناسيًا إصابته البالغة التي تمنعه من التحرك البتة ويحب أن يلتزم الفراش.
ماذا يحدث... أخي؟
ليفتح الباب بسرعة، نظر وجد الطبيب ليدخل سريعًا هو ممرضتان.
ماذا فعلت؟
قال ذلك إليه بتساؤل، ليرتبك ويقول:
لقد...
أبعده بضيق واقتربوا من "كاسبر" التي كانت هائجة تعافر، قد استطاعته ليقوم بحقنه فيهدأ حتى ارتخى جسده إثر المخدر وتوقف عن الحراك.
نظر إلى "مازن" سار تجاهه، أمسكه من ذراعه وأخرجه من الغرفة، قال:
ماذا قلت له؟
نظر له وللغرفة وقال بتبرير:
أنا فقط أخبرته عني، حاولت أن أذكره بما حدث في الفترة الأخيرة ل...
ليهتف به بغضب وهو يقول:
أتريـده أن يجن؟
رواية احببت مافيا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور
ماذا بينك وبين المافيا يا "أفيلا"؟
نظرت له أفيلا باستغراب شديد، وعن أي مافيا يتحدث؟
نظر لها "حاتم" وأردف قائلاً: ما علاقتك بـ "لوسيانو"؟
اتسعت عيناها من الصدمة، تتساءل: هل قال "لوسيانو" ومافيا للتو أم أنها سمعت خطأ؟ ما الأمر؟ كيف علم بعلاقتها بهم؟ علم؟ هل يعقل أنه عرف عنها كل شيء؟
عادت لوجهها الطبيعي حتى لا تظهر أي شيء له، وتوترها يقوم بفضحها، وتنتظر حتى تعلم ما الأمر.
قالت بتصنع الصدمة: مافيا؟
نظر لها حاتم وخاف، فقد شعر به.
قال: اهدئي، أنا قلق عليك لذلك أسألك.
ما الأمر؟ هل فهمتني؟
من أرسل ذلك الرجل ليقتلك؟ هو أحد من رجال المافيا.
بدلت ملامحها ليتفاجأ قبل أن يكمل: رجل يدعى "لوسيانو".
احتلتها صدمة من ذلك الاسم.
صمتت ولم تتحدث.
نظر لها حاتم قال: لذلك سألتك إذا كنت...
قالت بصوت منخفض هامسة لنفسها: كاذب، مستحيل أن يكون هو.
نظر لها "حاتم" من تلك الهمهمة وقال: ماذا تقولين؟
نظرت "أفيلا" إليه بهدوء وقالت: هل ذلك الرجل الذي حاول قتلي هو من قال ذلك؟
أجل.
لا أعلم من ذلك الرجل ولم يسبق لي أن سمعت بذلك الاسم من قبل.
كان يجب عليها أن تكذب وتتحمل عواقب جذبها، لكن لتبعد أي شبهات عليه.
أكملت: لذلك أظنه يكذب، فماذا بيني وبينه ليرسل لي أحد ويقتلني؟ أنا مجرد طبيبة.
بدا عليه الاقتناع وكأن هذه تساؤلاته أيضاً.
لذلك أنا أسألك.
تستطيع أن تسأل ذلك الرجل مجدداً، وإذا كان بالفعل هذا "لوسيانو" من يريد قتلي فأنتم شرطة، تولوا الأمر.
أنا توليت أمرك كاملاً يا "أفيلا".
تبسمت وقالت: أشكرك.
نظر "حاتم" إلى ابتسامتها الجميلة.
وقفت استأذنت وذهبت.
خرجت من المخفر وهي شاردة.
فتح لها رجل السيارة، دخلت، أقفل الباب وذهبوا.
مستحيل أن يكون "علي"، إنه يكذب، لكن لماذا ليقول هذا؟
أصبح الأمر غامضاً كثيراً ويحتاج لتفسير.
وصلت إلى المنزل، ترجلت من السيارة وذهبت.
صعدت للغرفة، كان الباب مفتوحاً، دخلت لكن توقفت عندما رأت "كاسبر" جالساً على السرير وينظر في اللابتوب الخاصته، وفتاة واقفة بجانبه تضع له فنجاناً، لكن كانت قريبة منه.
نظر "كاسبر" إليها وقد لاحظ وجودها، فقد جاءت باكراً.
التفتت الفتاة، نظرت لـ "أفيلا" التي قالت ببرود: اخرجي من هنا.
نظر "كاسبر" إليها من نبرتها، ثم نظر إلى الفتاة، فنظرت له هي الأخرى.
فاشتعل قلب "أفيلا" وهي تنظر لهم وقالت بغضب: ألم تسمعي ما قلته؟ اخرجي الآن.
أومأت الفتاة برأسها بالطاعة وذهبت دون أن تنطق ببنت كلمة.
وقف "كاسبر" نظر إليها وهي تنظر إلى الفتاة حتى بعدما خرجت، وجدها تنظر له وتقول: أخبرهم أن يغادروا من هنا.
تعجب من قصدها، اقترب منها وقال: ماذا بك يا "أفيلا"؟
ليس بي شيء، اجعلهم يغادرون فقط.
لماذا لم يخطئوا في شيء؟
قالت بغضب: لا أريدهم، أطلب منهم أن يغادروا.
"أفيلا"، ما الأمر؟ اهدئي.
قالت بغضب أكثر: أتراني مجنونة؟ إن لم يذهبوا يا "علي" فأنا من سأذهب.
كان مستغرباً، مثيراً، لا يفهم تحولها وما الأمر، لم تفعل الفتاة شيئاً، لكنه لم يعلن أنها تشتعل بغيرتها، فرأت امرأة أخرى في غرفتها معه وتضع له فنجاناً وقريبة منه، فكيف عندما تغادر من ذلك المنزل؟ ماذا يحدث في غيابها؟ شياطينها يبث سمومه داخلها بالشك.
كانت غيرتها تجعلها تشك، تفكر في أشياء تغضبها أكثر، على الرغم من ثقتها به، إلا أنها لن تسمح بأن يكون في منزل مع نساء أخريات، إنه يظل رجلاً خاضعاً لغرائزه.
لا تعلم كيف ذهبت ووافقت بهذا الوضع.
تعلم أنه جاء بهم ليساعدوها ولم يخطئوا بالفعل، لكن هذا الوضع غير مريح لها.
لاحظت صمت "كاسبر" الذي طال، ونظرته لها وكأنه لا يريدهم أن يذهبوا، فذهبت هي.
نظر لها وتبعها.
نزل الدرج وكاسبر خلفها.
قال: "أفيلا".
لم ترد عليه وهو يسعى ليوقفها، لكنها كانت غاضبة بشدة.
خرجت من المنزل.
اتجهت إلى البوابة، وجدت رجاله يقفون أمامها.
نظرت لهم وقالت بغضب: ابتعدوا من وجهي.
أمسك يدها ووقف أمامها.
أبعدت يدها منه، قالت: أخبرهم أن يدعوني أذهب.
رد بكل برود: لا يوجد ذهاب.
ماذا؟
كما سمعتِ، عندما تدخلين هنا لا تغادرين غير بموافقتي، ادخلي واصعدي لغرفتك.
قالت بضيق: وأنا لن أبقى هنا.
ابتعدت عنه، ذهبت للرجال غير مبالية، لكن وجدت من يمسكها ويسحبها إليه، ثم يحملها.
نظرت له بصدمة وقالت: ماذا تفعل؟ أنزلني.
لم يهتم بها وذهب، ورجاله يتطلعون إلى سيدهم بدهشة.
دخل وكانت لا تزال تخبره أن ينزلها، وتحرك ساقيها باعتراض، لكنه لا يعيرها أي اهتمام.
نظر الفتيات إليهم وهو يحملها وهي غاضبة وتصرخ.
كانوا يشاهدون من على بعد، قال "منى": ماذا فعلتم؟
أظنها تضايقت عندما وجدتني في الغرفة، على الرغم أني كنت أغض بصري عنه، ليس من أجله بل خوفاً منه، فهو صارم وشخصيته قوية، فخشيت أن يتضايق. هي امرأة، أظنها قد علمت ذلك في بند لحظة. إنه وسيم للغاية، لم يكن خطئي.
لن نصمت.
دخل "كاسبر" إلى الغرفة وهو لا يزال يحمل "أفيلا".
اقترب من السرير وأنزلها.
نظرت له، فكان قريباً منها ويميل عليها.
ابتعدت عنه، وقفت.
أمسك ذراعها بقوة ودفعها على السرير وهو يعيدها ويقول بحدة: قلت لكِ لا يوجد ذهاب.
وأنا قلت لك أني لن أبقى ماداموا هنا.
ما الأمر؟ لم يفعلو شيئاً.
لن أنتظر حتى يفعلوا، لا يعجبني وجودهم معك وأنا غير موجودة.
أحضرتهم من أجلك لمساعدتك، أريد راحتك فقط.
وأنا لا أشعر براحة وهم هنا، هذا الوضع لا أريده.
نظرت له في عينيه قالت بشك: لماذا لا تريدهم أن يذهبوا؟
رد بكل جدية: أريد سبباً لخطأ ارتكبوه يجعلك تغضبين منهم هكذا.
نظرت له بضيق وقالت: أتريد أن تعلم؟ إنه أنت.
تعجب من قصدها، فأكملت: تقربهم منك، لا يسمح لأحد بأن يقترب منك غيري، وإن احتجت لأي شيء أنا فقط من أحضره لك، وليست امرأة أخرى. إذا كانوا لم يفعلو خطأ، فأنا المخطئة إذن.
نظر لها، وكان قد أيقن غيرتها الشديدة التي لا تسمح له بالنقاش.
وقفت وذهبت.
أمسك ذراعها وسحبها إليه، فالتصقت به.
نظرت له بتوتر: كم مرة سأخبرك أن لا تتركيني وأنا أتحدث.
صمتت ولم تتحدث.
نظر إليها وإلى وجهها الغاضب.
ابتعد عنها وذهب.
جلست على السرير بضيق وهي تعقد ذراعيها.
حيث مر وقت قليل، ثم فتح الباب ودخل.
تنظر له، سار تجاهها، اقترب منها.
قالت: غادروا.
لم يرد عليها.
نظرت له وغضبت أكثر، فهذا يعني أنه لا يهتم بها و لكلامها.
وقفت وذهبت.
وقف أمامها، اقترب منها، وضع يده على كتفها ونظر في عينيها وقال بهدوء: ذهبوا، هلا هدأتِ؟
نظرت أفيلا له وسعدت لأنهم لم يعودوا في منزلها.
قرب كاسبر وجهه، نظر في عينها، ضحك.
نظرت له بتفاجؤ شديد وإلى ضحكته، كانت رائعة، لن تنكر، ويبدو جميل، لكن لماذا يضحك؟
على ما تضحك؟
لم تري شكلك وكيف كنتِ تبدين.
غضبت من سخريته.
ابتعدت عنه.
أمسكها ودفعها على السرير وهو فوقها، يمسكها.
نظرت له بصدمة شديدة: لماذا كنتِ غاضبة هكذا؟
ألا تعلم؟
ضحك بخفة وقال: لا أود أن أعرف منك.
قالت بحنق: هل تتمسخر علي؟
نظر لها قليلاً ثم قال: تبدين جميلة وأنتِ غاضبة.
تلاشى غضبها شيئاً فشيئاً، لكن ضحكته هذه لا تريدها أن تغادر، تريد تراها وتسمعها دائماً.
نظر لها وهي تنظر له.
توقف عن الضحك وقال بابتسامة جاذبية: كيف أبدو؟
ردت بغير وعي: جمي...
أفاقت قبل أن تكمل.
نظرت له، ارتبكت.
ابتسم بخبث.
توترت، حاولت إبعاده عنها، لكنه لم يبتعد.
قال: ألن ننام؟
هل أمنعك عن النوم؟
بلا، أعجبني وضعية البارحة، لنكرره.
نظرت له، تذكرت عندما احتضنا بعضهما وناما.
ابتعد عنها، أقفل الضوء.
نظرت له، اقترب منها وضمها إليه وهو يقفل عينيه وهو يحتضنها بذراعيه.
لم تستوعب وضعه.
تذكرت "حاتم" وهو يقول أن من أرسل الرجل "لوسيانو".
لماذا تفكر في هذا الكلام الآن؟ هل تشك به وأنه يريد قتلها؟
لا، لن تهتم بكلامه ولو لذرة، لأنه مستحيل من يركض تجاه قنبلة ويقفز بنفسه فرار الأخطار لينقذها، هو ذاته من يريد قتلها.
بتأكيد هناك شخص آخر أخبره بأن يقول ذلك.
لكن لما ليقول اسمه؟ هل يعرف بعلاقتها بـ "لوسيانو"؟
رفعت وجهها، نظرت له، كان مغمض عينيه بسلام.
تساءلت: ما هذه الملامح الحادة الجميلة؟ يبدو بريئاً وهو نائم هكذا.
قالت وهي تنظر إليه: كيف يمكنك التحول هكذا؟
فتح عينيه، نظر لها بعدم فهم: من وجه المافيا المخيف إلى ذلك الوجه البريء؟ كيف تكون هؤلاء الأشخاص في جسد واحد؟
لم يكن يفهم صيغتها قبل أن تكمل: لماذا لا تصبح شخصاً عادياً يا "علي" لتبتعد عن المافيا؟
تبدلت ملامحه مما قالته، نظر بعيداً، واحتل البرود وجهه.
نظرت له "أفيلا"، كانت تعلم بأمر المافيا وأنهم لا يدعون أحداً يخرج من دائرتهم إلا بصندوق التابوت الخاصته.
إنها تتذكر كلامه في بدايتهم حين حذرها من اللجوء إليهم.
شعرت بالخوف والقلق، قالت: هل ممكن أن يؤذوك إن ابتعدت عنهم؟
مع غيري، ليس أنا.
تعجبت "أفيلا" من ثقته وبروده هذا، وكيف ليس معه؟ إنهم رجال خطرون، لماذا واثق هكذا؟
قالت: فلتبتعد إذا.
هل رأيتِ الاختلافات التي بيننا وتغير رأيك بي؟
ليس الأمر كذلك.
إذاً كيف هو؟
لا أريد أن أرى نهاية مؤلمة لك.
رد بكل برود ولا مبالاة: لن يحدث لي شيء.
هل أنت واثق من نهايتك؟ كيف ستكون؟
بدا على وجهه الامتعاض والضيق من الحديث، حيث ابتعد عنها.
اعتدلت، نظرت له وقالت: ماذا عن الله؟ هل تظن أنك تستطيع النجاة منه مثل حياتك هنا على الأرض؟
في الحالتين مصيري واحد، هو الجحيم.
لا تقل ذلك، تستطيع أن تغيره.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه وقال: كيف هذا؟
عد إلى الله، تب إليه.
وهل تظنين أن التوبة تقبل من شخص مثلي؟
ولما لا؟
أنتِ لا تعلمين شيئاً يا "أفيلا".
نظرت له ومن نبرته، ابتعد وهو يقف ويغادر ويتركها.
جلست بحزن، لا تعلم هل أخطأت فيما قالته له، لكنها خائفة عليه كثيراً، تريده أن يبتعد عن تلك الطريق لأنها تعلم نهايته جيداً.
لا تريد أن ترى به مكروهاً.
كان "كاسبر" بالأسفل في غرفة المعيشة.
وقف عند نافذة الزجاجية الكبيرة ويفتحها، فتظهر الحديقة أمامه، وضوء القمر يسقط عليه.
كان يستنشق بعض الهواء، يزيح غضبه وتضايقه.
بينما "أفيلا" واقفة بعيدا تنظر له.
سارت تجاهه، اقتربت منه، وقفت بجانبه، ثم قالت: آسفة.
لم ينظر لها، كان ينظر أمامه وكأنه لم يسمعها قط، أم يراها واقفة بجانبه.
أمسكت يده، قالت بحزن: أعتذر، لم أكن أقصد مضايقتك، أنا فقط...
لا بأس.
قال: لا ينظر لها.
قالت: ألن تنام؟
لا، اذهبي أنتِ.
سأبقى معك.
نظر لها تلك المرة ببرود، قال بصيغة الأمر: اذهبِ.
نظرت له ومن نبرته، وجهه المخيف وعينه وهو ينظر إليها، لماذا حدثها بتلك الطريقة؟ أكل هذا بسبب خوفها عليه؟
ذهبت وهي حزينة منه.
في اليوم التالي، استيقظت "أفيلا".
نظرت جانبها، لم تجد "كاسبر".
تذكرت البارحة، شعرت بالحزن، وهل ممكن أنه لم ينم معها؟
وقفت وذهبت، بدلت ملابسها ونزلت، وجدته جالساً ويمسك هاتفه.
اقتربت منه: أنا ذاهبة.
حسناً.
نظرت له وهو لا يتطلع بها، قالت بحزن: ألن توصلني؟
توقف كاسبر عن التقليب في هاتفه.
نظرت له "أفيلا"، وأنه لم يرد عليها.
التفت لتذهب، وجدته وقف.
نظر لها وذهب.
ابتسمت.
في السيارة، نظرت له وهو يقود، وهل غاضب منها؟
قالت: ذهبت البارحة للمخفر.
أعلم.
نظرت له بدهشة، فقال: أخبرتك أني أعلم كل شيء عنكِ يا "أفيلا"، إذا كنتِ أمامي أم بعيدة عني.
تنهدت وقالت: حسناً، أتتعلم ماذا قال "حاتم" لي؟
انتفض وجهه لسماع اسمه منها.
نظرت له، أحست أنه غضب.
قالت: أتريد أن تعلم من أرسل الرجل ليقتلني؟
رد بكل برود: أعرف من هو.
اتسعت عيناها وقالت: ماذا تعرف؟
صمت، فبدا له أنه يعرف حقاً.
قالت: من هو؟ قال الرجل أنك من قمت بإرساله.
تعجب.
أكملت: قال إن "لوسيانو" هو من أرسله.
وجدت ابتسامة ترتسم على شفتيه.
تعجبت، قال بسخرية: هل صدقتيه؟
وهل تظن أني إذا كنت صدقته، لكنه معك الآن وعدت إليك البارحة.
في السابق حين كنت قاتل والديك، تحدثت إلي، قابلتني، وقفت أمامه بغرفة خالية، لا يكون سوى أنا وأنت. ولم تكوني خائفة. الخوف لا يليق بك يا "أفيلا"، لذلك أسألك إن كنتِ صدقته أم لا.
أحست بالحزن والضيق من التذكر أنها مهما فعلت، لن ينسى.
قالت: لم أصدقه.
تستشعر صدق نبرتها لتكمل: لم أعطِ نفسي فرصة قط للاستماع إليه، لأنه لن أصدقه. بتأكيد لست أنت يا "علي"، أنك ترمي بنفسك في الخطر من أجلي.
لقد زادت ثقتك بي كثيراً.
صمت ولم ترد.
نظر لها، علم أنه ضايقها، فلم يتحدث ثانياً.
كانت "أفيلا" تنظر من النافذة.
لفت انتباهها شيء في المرآة، وهو انعطاف السيارتين الذي به رجال "كاسبر"، وسلكوا طريقاً آخر.
تعجبت كثيراً.
نظرت له وقالت وهي تشير للخارج: إلى أين ذهبوا؟
نظر لها بعدم فهم.
نظر إلى المرآة للخلف وتفاجأ عندما لم يجد رجاله.
أمسك هاتفه واتصل بهم.
ردوا على الفور: هل هناك شيء سيدي؟
أين أنتم؟
قال الرجل بتعجب: نحن خلفك مباشرة.
قال كاسبر ببرود: هل تمزح معي؟
خاف الرجل وقال: لا يا سيدي، نحن خلف سيارتك، إنها أمامنا.
نظر الرجال إلى الرجل الذي يتحدث مع كاسبر ويبرر له أنهم خلفه.
نظروا أمامهم إلى السيارة التي يتبعوها، كانت بالفعل سيارة "كاسبر"، لكن ليس هو الذي بداخلها، لأنها ليست سيارته، بل شبيه لها.
لكن رقم السيارة ذاته.
قال "كاسبر": سيارة من ال...
صمت عندما توقفت عينه بصدمة إلى النافذة بجوار "أفيلا".
وجد سيارة بجانبها.
تعجبت من نظراته له.
أرادت أن تعلم فيما يتطلع، لكن توقعت عيناها هي الأخرى ناحية نافذته.
وجدت سيارة بجانبه.
نظر لها "كاسبر" ثم نظر بجانبه ليرى إلى ما تنظر، فوجد سيارة ذاتها التي على الجانب الأخرى ناحيتها، وأصبحوا محاصرين من الاتجاهين.
رواية احببت مافيا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور
في اليوم التالي، استيقظت "أفيلا" ونظرت بجانبها، لم تجد "كاسبر". تعجبت، جلست ونظرت حولها، ثم خرجت من الغرفة تبحث عنه. وجدته واقفًا في الشرفة. ابتسمت وذهبت له، لكنها سمعت صوته وكأنه يتحدث مع أحد: "إن كان تحت الأرض، أريده".
تعجبت، اقتربت منه وهي تصغي: "لقد تمادى روبرت كثيرًا ويجب أن أضع له حدًا". تصنمت مكانها واتسعت حدقتا عينيها من الصدمة وهي تكذب أذنيها. ساندت نفسها على المنضدة، فصدرت صوتًا.
التفت "كاسبر"، نظر إليها وتضايق كثيرًا أن تكون سمعته. كانت عيناها مغيبتين. "هل قلت روبرت؟"
صمتت وهي تنهد، لأنه أضاع كل ما يفعله هباءً. "من يكون روبرت؟"
الهدوء الذي بعده لا يوجد سواه، وهو ينظر لها ولا يعطيها ردًا. فحدث ما كان خائفًا منه، لقد سمعته. ماذا يقول؟ إنه لا يكذب عليها. هل يخبرها بالأمر؟
خطت تجاهه. قالت: "لما لا ترد علي؟ قلت روبرت، صحيح؟ هل هو رجل آخر غير الذي أعرفه؟"
"لا"، قال ذلك بجمود. فأعارتها الصدمة وعقلها لا يستوعب شيئًا. تعود للوراء وهي واقفة تحمل مسدسًا وهو مستلقٍ على الأرض وتصوب عليه. فيتمدد أرضًا. ارتجف بؤبؤ عينيها من التذكر: "كيفر".
رأسها يدور، لا تعلم شيئًا. لماذا يذكر اسم "روبرت" الآن وهو قد مات؟ وكيف يأمر أحدًا أن يجدوه؟ كيف سينفجر رأسها؟
اقترب "كاسبر" منها وقال: "سأشرح لك لاحقًا، لندخل الآن".
نظرت له بشدة وقالت: "تفهمني ماذا؟"
"أفيلا..."
"أخبرني الآن، كيف يكون 'روبرت'؟ ما الذي تخبئه عني يا 'علي'؟"
"أجل، إنه من كنت أتحدث عنه". لقد أكد عليها أنها لم تخطئ.
قالت: "لكنه قد مات. لماذا تذكر اسمه الآن؟"
"لأنه لم يمت".
قالت بصدمة: "ماذا تقول؟ أطلقت عليه النار في ذلك اليوم. لقد قتلته، صدقني، أنا واثقة".
"لم يمت، إنه حي". اقترب منها، أمسك يدها وأردف قائلاً: "يداكِ ما زالت نظيفة يا 'أفيلا'. كنت متضايقًا بأنكِ قتلتيه، لم أكن أريد أن تتلوث يداكِ بدماء ذلك الحقير. وسعدت أنه حي لأنكِ لستِ قاتلة، ما زلتِ كما أنتِ".
"ماذا تقول؟ أنا لا أفهم شيئًا".
"بعدما سافرت لألمانيا بيوم، جائتني مكالمة من مصر وكان المتصل 'روبرت'".
"أخي الحبيب، أتمنى أن تكون عدت لألمانيا سالماً".
أعارت "كاسبر" صدمة من ذلك الصوت واللقب.
"روبرت؟"
"ما زلت تتذكر أخاك؟"
"لكن كيف؟"
"أتقصد أنني حي. أجل، نسيت أخبارك أن زوجتك ليست ماهرة في التصويب. حتى في اليوم الذي رأيت فيه في عينيكِ نار الانتقام، أصابعكِ المرتجفة من مخاوفكِ لا تعتاد على القتل مثلنا. تذكر أنها حتى لم تكن لتمسك مسدسًا لولاه حين جعلها تصوب، لكن المخاوف تظل في قلبها. نجيت من الموت مثلك. أترى كم القدر يريد لم شملنا ثانيًا؟"
تحولت ملامحه ببروز وهو يستمع له. "انتظرت طويلاً حتى تعود ذاكرتك إليكِ، وبالفعل قد عادت كما خطت، وبفضل 'أفيلا' طبعًا. أتعلم أنها تنفعني كثيرًا... لكن من المؤسف أنها ليست دائمة، لأني سأنهي هذا النفع قريبًا، فقد استنفدت كل ما لدي منها وحان وقت حسابي معها".
قال "كاسبر" بتحذير: "إن مستها بأي أذى، صدقني لن تشفع لك جهنم من ناري".
"أحزن عليك عندما أراك ما زلت تحبها... حتى أنك لم تستطع قتلها عندما عادت لك ذاكرتك وعرفت بما فعلته بك. إنك ضعيف وأحمق كثيرًا يا 'كاسبر' أمام تلك المرأة".
جمع قبضته وعيناه جامحتان. قال بلهجة مخيفة: "أحذرك مما تنوي أن تفعله".
"صدقني، ليس بيدي. إنه وقت القصاص. بعدما نجوت، كان هدفي هي لا غير. كنت سأبدأ في خلفها من جديد، سأعذبها أو أفعل ما يحلو لي. فبسببها بتر يدي وكدت أن أموت، لكن جأني خبر كونك حيًا فتبدل مساري. انتظرت ثلاث سنوات في مصر أراقبها وأعلم كل تحركاتها لأنها هدفي. انتظرت لقاءكم الجديد لأنني أعلم جيدًا أنها من جعلت لك مشاعر وأحبتها، فلم تفعل امرأة أخرى غيرها ذلك. أرتديك أن تعود كما كنتم، أو بالأصح حبك يكون قويًا تفعل أي شيء من أجلها، لكن أرى أنني أخطأت. فحبك قلب كثيرًا، أنك تركتها وأنت من لم يستطع تركها قديمًا. لم تعد تشعر كما كنت مثلما كنت معها. أخطأت الظن بك، كيف تحب زوجتك التي غدرت بك وطعنتك من ظهرك. كان مشهدًا أليمًا".
انتهى.
قال "كاسبر" ذلك ببرود بعدما أصغى له، ثم قال: "لقد قلتها للتو، إنني لم أعد أهتم بها. أصبحت 'أفيلا' خارج حياتي. إن أردت شيئًا مني، واجهني أنا وأخرجها من الأمر".
"هذا ما أقوله يا أخي... يالا الخسارة إن كانت لا تهمك. ما فائدتها الآن؟ لاقتلها وآخذ بثأري منها وأندمها على قتلها لي. فأنا لست مثلك، سأنسى أمرها وأذهب". أنهى "روبرت" جملته ثم أقفل الهاتف.
نظر "كاسبر" إلى هاتفه بصدمة وقلق على "أفيلا". فهو هنا وهي هناك بمفردها. بتأكيد، بعدما أنهى مكالمته، سيبدأ فيما قاله. ماذا يفعل؟ يجب أن يعود لها. سيقتلها بلا شك.
لم تصدق ما سمعته منه وتنظر له بصدمة. كيف يكون حيًا؟ تتذكر أنها صوبت عليه. لقد كانت الطلقة قريبة من قلبه. ألم تخترقه؟ لماذا لم تتأكد من أنفاسه؟ علمت الآن الرجل الذي جاء لقتلها وهددها: "أنتِ ميتة على كل حال، إن قتلتيني لن ينتهي الأمر، سيأتي غيري ويقتلك. أنتِ لا تعلمين مع من وقعتي". أكان "روبرت" من أرسله ويتحدث عنه؟ والقنبلة والرسائل: "سعيد برؤيتكم معًا مجددًا. اقتربت ساعتك. أعجبتك هدية البارحة".
شعر "كاسبر" بخوفها. وجدها تقول: "ليتني تأكدت من مقتله".
"لن يحدث لكِ شيء، أنا معكِ".
نظرت له قليلاً ثم قالت: "هل كان هذا سبب عودتك؟"
صمت. اقترب منها وقالت وهي تنظر في عينيه: "هذا هو سبب مجيئك لمصر، وأن أراكِ ثانيًا. لو أن 'روبرت' لم يحدثكِ وتعلم أنه حي ويريد قتلي، لما كنتِ جئتِ ورأيتني وجهكِ ثانيًا. لحظة واحدة".
قال آخر جملة ثم أردف باستدراك: "هل قمت بإرجاعي إليك لهذا فقط؟ ليس من أجلي؟ وجودكِ معي الآن ليست سوى مساعدة".
"كان ابتعادي عنكِ من أجلكِ".
نظرت له بشدة وقالت: "من أجلي؟!"
اقتربت منه وأردفت: "تركتني وأنا أبكي ولم تلتفت حتى إلي. كنت أرجوك أن تبقى معي. طلبت منك فرصة يا 'علي'، فرصة واحدة، لكنك لم تعطها لي وتركتني أكمل عقابي بابتعادك هذا. وتأتي الآن وتقول من أجلي".
تنهد وقال: "أفيلا، افهميني. علاقتنا..."
قاطعته وهي تقول: "يكفي يا 'علي'، تريد أن تقول علاقتنا كانت خطأ من البداية، أليس كذلك؟ لماذا لم ترَ هذا من البداية؟"
"اهدئي"، قالها وهو يمسك وجهها والدموع تتغلغل بين عينيها. "لما جعلتني أحبك لهذا الحد وتتخلى عني الآن؟ لماذا؟"
"لم أقصد أن أسبب لكِ هذا الحزن. لا أريدكِ أن تكوني تعيسة فقط".
أبعدته وهي تقول: "تعاستي تكون من غيرك. لا تختلق المبررات. لا أعلم هل أشكر 'روبرت' أنه جعلني ألقاكِ ثانيًا أم ألعن أني لم أُصوّب عليه جيدًا. أتأكد من موته بنفسي. كيف لوغد مثله أن يعيش؟"
"لا أريدكِ أن تقتلي أحدًا يا 'أفيلا'".
نظرت لمن أردف بجدية: "إذا جئتكِ الفرصة أن تقتليه ثانيًا، لا تفعلي ذلك إلا في حال واحدة، دفاع عن نفسكِ، ولن تحتاجي لذلك، سأتولى أمركِ كاملاً".
"وأنا لا أحتاجك".
قالتها بجمود. نظر إليها بعدم فهم: "عد مثلما جئت، ارجع إلى ألمانيا وابتعد عني".
استغرب بشدة من ما تقوله. هل تطلب منه أن يبتعد عنها ويعود ويتركها؟
"ماذا قلتي؟!"
قالت بحزن ودموع تملأ عينيها: "اذهب يا 'علي'".
اقترب منها، وقف أمامها مباشرة قال: "تريديني أن أبتعد عنكِ؟"
نظرت له قالت: "لقد فعلتها من قبل، ما الذي سيتغير؟ لتفعلها ثانيًا وهذه المرة ستكون بموافقتي".
لم يكن مصدقًا ما يسمعه منها. قال: "لماذا تقولين ذلك الآن؟ تحاولين خداعي. أعلم أنكِ لا تريدينني أن أذهب".
"بل أريدكِ أن تغادري وفي أسرع وقت. كما استيقظت من مرضي وجدتُك تبتعد لتبعد أيضًا الآن".
اقتربت منه وأردفت: "كيف تفعلين ذلك؟ كيف تعيدين ما حدث في الماضي؟ سوف يستغلكِ ذلك الحقير لأنكِ تجعلينني نقطة ضعف لكِ. لماذا تجعل نفسك ضعيفًا أمامه بسببى؟ ألم تتعلم الدرس؟ لقد جعلني أقتلك. سمعتني أنك الآن واقف مع من حاولت قتلك الذي كنت ستموت بسببها. والآن تحاول حمايتها".
نظرت له وأكملت بسخرية: "ما هذا الهراء؟ لم أكن أعلم أنك سهل لهذه الدرجة. كيف عدت تخاطر بنفسكِ من أجلي بدون أن ترى أن هذه المخاطرة ستكلفك حياتك؟ إذا كان يريد قتلى فأت ليس لديك دخل بذلك لتعود لألمانيا، أستطيع تدبير أموري".
التفت بلا مبالاة، لكن دموعها تكبحها. "لن أذهب".
قالها "كاسبر"، فتعجبت كثيرًا واتسعت عيناها. ثم التفت وقالت: "طلقني إذا، أنا لم أعد أريدك".
كانت صدمة كبيرة على "كاسبر" وغضب كثيرًا لأنها ذكرت ثانيًا الطلاق وكأنه شيء عادي. ويعلم أنها تريده وتحبه. لكن لماذا تفعل ذلك؟ يجب أن تخاف على نفسها وليس عليه مثلما هو خائف عليها لا على نفسه.
"إن ذهبت لتطلقني قبلها، وإن ظللت في مصر لننفصل الآن".
كان على وشك فقط السيطرة على نفسه ولم يعد يستطيع التحمل. قال: "هل تدركين ما تقولين؟"
"أجل، لم أعد أريد أن أكون معك. لقد مللت من هذا الارتباط الوهمي".
"وهمي؟!"
"أجل، لا يوجد أي مسمى بيننا".
"أنتِ من تقولين هذا. لا يوجد شيء بيننا لأنني أحترم رغبتكِ في هذا".
"أشكرك على احترامك الباهر. وهل ينص احترامك على الخفايا؟ لم أعد أهتم. لينتهِ الأمر ويرتاح كل منا".
كانت عيناها تمتلئ بالدموع وستنهار قريبًا من ما تقوله وتحاول التحكم بنفسها.
"لن أفعلها".
شعرت بالسعادة، لكن الخوف عليه ازداد بأنه لن يتركها. نظرت له. قال: "ماذا؟!"
قال ببرود: "كما سمعت. أنا لا أريدك يا 'علي'. لم أعد أحبك. طلقني وابتعد عني. أتريد البقاء مع امرأة لا تريدك؟"
غضب كثيرًا وفقد السيطرة على نفسه. أمسك ذراعها بقوة وسحبها إليه واشتد عليها. تألمت منه كثيرًا. قال كاسبر ببرود وتلك لهجة المافيا المخيفة: "لقد دللتك كثيرًا، أظنك نسيتِ مع من تتحدثين".
نظرت له بخوف من تلك اللهجة وعينه ليردف: "احذري مني يا 'أفيلا'، وخافي على نفسك حتى لا أنسى من أنتِ، وترى ما لا أريد أن أُظهره لكِ".
كانت تنظر خائفة بالفعل، عينه الباردة وزراعها الذي يؤلمها، فكان يعتصره من بين قبضته القوية.
"تريدينني أن أطلقك؟"
شعرت بالحزن ودارت وجهها ولم تنظر لعينه. "أنت طـ..."
سالت من عينها دمعة جعلته يبتلع جملته التي كاد أن ينطق بها. عاد لنفسه بعدما كان الغضب يمتلكه ولا يعلم ما يقوله. هل كان سيطلقها ثانيًا؟ لكنها أهانته كثيرًا بكلامها. نظر لها بغضب وترك ذراعها وهو يدفعها بعيدًا ويغادر.
نظرت له وهو يأخذ جاكته ويغادر. سالت الدموع من عينيها وبكت بشدة. لم تعد تعلم ماذا تفعل. يجب أن يبتعد عنها، سيموت بسببه. لماذا لم يطلقها وينتهي الأمر؟ لماذا يحبها كل هذا الحب؟ كيف صبّت عليه هذا الكلام؟ كيف تحملها؟ لقد جعلته يتحول بسبب كلامها المهين له ومسّت رجولته. كان ذنبه أنه يحبها وخائف عليها ويحميها.
كانت جالسة تبكي وتتذكر ما قالته، وندمت. قررت أن تذهب له لتعتذر، لتخبره أنها تحبه، لكن خائفة عليه، لأنه إذا حدث له شيء بسببها ثانيًا، لن تسامح نفسها. نزلت من المبنى. اقتربت من سيارتها، ركبت وذهبت سريعًا.
كان "عمر" في المشفى جالسًا مع الطبيب "ياسر" في مكتبه.
"سيصبح مريضكِ من الآن، ويجب أن تعطيني تقريرًا لحالته".
لم يجد أي رد على كلامه من "عمر". نظر له.
"عمر..." هل سمعتني؟
نظر له قال: "ماذا؟"
"أنت بخير؟ يبدو عليك التعب. ألم تنم جيدًا البارحة؟"
"لا، أنا بخير. عن إذنك".
سمح له فذهب، خرج واتجه إلى مكتبه. جلس بضيق. أمسك رأسه. تذكر "ريلا" وهي تحتضنه قبل أن تذهب. "لما أفكر فيها؟ لما متضايق من رحيلها؟ لقد ذهبت وانتهى الأمر. ما هذا الذي يحدث معي؟ هل ممكن أني أحبها؟ لا، هذا مستحيل. أعلم جيدًا أني أحب أفيلا ولم أستطع أن أحب غيرها. لقد حاولت لكن لم أستطع".
كان متضايقًا من تفكيره بها ويشعر أنه قد خسرها وغاضب من هذا الشعور الذي يشعر به، ولم ينم البارحة من كثرة تفكيره.
ترجلت "أفيلا" من السيارة. كانت عند الفيلا، دخلت سريعًا. صعدت الدرج متوجهة للغرفة. فتحتها، لم تجده. دخلت، نظرت للغرفة، ثم ذهبت لترى أين يكون. نزلت، ذهبت لغرفة المعيشة، فهو يجلس هناك، لكن لم تجده. ذهبت إلى الغرف الأخرى التي بالأسفل، لم يكن موجودًا. صعدت الدرج لتبحث عنه بالأعلى. ذهبت للغرف الأخرى تبحث عنه ولم تجده. لكن توقفت فجأة عندما سمعت صوت ضجيج غريب.
تعجبت، التفت وذهبت تجاه الصوت على يقين. أذناها كانت تقترب من الصوت، تتوجه إلى طابق غريب. وجدت رجلين من رجاله عند الباب. كان الصوت من الداخل. اقتربت منهم فمنعها أحدهم قال: "غير مسموح الدخول".
"أريد رؤيته".
"في وقت آخر".
قالت بغضب: "ابتعد من وجهي. من أنتم لتمنعوني؟"
نظروا لها الرجال. اقتربت منهم، منعوها بتهذيب لأنهم غير مسموح لهم أن يمسوها كما أمرهم سيدهم. لكنها لم تستمع لهم ودخلت الغرفة دفعة واحدة. لكن توقفت مكانها. وجدت "كاسبر" عاري الصدر يكيل باللكمات القوية على كيس الملاكمة وعضلاته متضخمة وتحول لون القماش الطبي للاحمر والدماء تسيل من ذراعه وهو لا يشعر بها. كان الغضب يمتلكه حتى أنه لم ينتبه بوجود أحد. كان لا يرى شيئًا أمامه غير غضب يريد إخراجه.
"سيدتي، لتخرجي الآن". قالها أحد رجاله.
نظرت له قالت: "لماذا لم توقفوه عن ما يفعله؟ ألا ترى أنه مصاب؟"
"ليس لدينا الحق في ذلك".
نظرت له بشدة. لم تهتم. اقتربت من "كاسبر" قالت: "توقف".
لم يسمعها أو ينتبه إليها. كان يزيد ضرباته ودماؤه لا تتوقف تغزو منه وتتساقط قطراتها على الأرض.
صاحت به بغضب: "ألم تسمعني؟ توقف عن هذا!".
شعرت بالحزن الشديد من ما هو عليه وما سببته. سالت الدموع من عينها وركضت إليه. ضمته بسرعة فتوقف عن اللكم.
"يكفي، أرجوك". قالتها بصوت هامس يجهش بالبكاء تمنعه من أن يكمل: "لا تفعل بنفسك ذلك".
كان صامتًا، لم يعلق على أي كلامها. وقال ببرود: "اذهبي من هنا".
ضمته أكثر وبكت وهي تعانقه وتقول: "لا، لن أذهب. لا أستطيع أن أتركك. توقف يا 'علي'، إنك تنزف كثيرًا. اعتذر على ما قلته، أسحب كلامي. كان ثقيلاً عليّ أيضًا وأنا أنطقه. كان صعبًا، لكنني خائفة عليك كثيرًا. أشعر بأنني سأخسرك مجددًا وسأكون أنا السبب. أنا لا أستحق ذلك منك، لا أستحق حبك وحمايتك لي. أريدك أن تكون بخير فقط. آسفة".
أخذت نفسًا وهي تكمل: "أقسم لك أنني أحبك وأريدك بشدة. كنت أكذب وأخدع نفسي لأخدعك أنت الآخر وتبتعد عني، لكنك لم تفعل ذلك. سامحني، أرجوك. انسي ما قلته. أنا لست قادرة على بعدك، لكنني كنت سأحاول لتكون أنت بخير".
لم تتبدل ملامحه لسامعها. وضع يده على كتفها وأبعدها عنه. نظرت له وكانت ترجوه بأعينها. نظر لها ثم ذهب. سعدت أنه توقف عن اللكم وضرب ذلك الكيس القوي الغليظ. ذهبت خلفه لترى نزيفه.
دخل "كاسبر" الغرفة. فتح الخزانة وأخذ تيشيرت. دخلت "أفيلا". اقتربت منه. ذهب. أمسكت يده وقالت: "دعني أوقف النزيف".
أبعد يدها منها وذهب بهدوء. لكن وقفت أمامه وقالت: "اغضب مني لاحقًا لأرى جرحك أولاً".
"من أنتِ لأغضب منك؟" قال هذا بهدوء. فصمتت من ما قاله. اقترب، وقف أمامها وقال: "لا يوجد بيننا أي شيء. لا تنسي ذلك. مادام الأمر قد كشف لكِ، فأعلمي أن بقائي لكِ إنما لأصل عبركِ لذلك النذل".
شعرت بالحزن الشديد من كلامه والدموع تتجمع في عينيها. قالت بصوت أجش: "تستعملني كطعم إذا؟"
"توقعي مني أي شيء في النهاية. إن رجلًا يدفع بمشاعره إلى الهاوية مقابل أهدافه".
"وما هي أهدافك يا 'علي'؟ إنه يريدني أنا، فلما لا تقحم نفسك أنت؟"
"لو لم نتقابل قط، لما أقحمتك في تلك الأمور". قال هذا بهدوء. فشعرت بغصة في حلقها من انكسار قلبها. قالت: "أتقصد أنك نادم على معرفتي؟"
"أشد ندمًا يا 'أفيلا'. لم أرِد يومًا أن أصبح كالآن. وإن كنتِ تسألين عن وجودي، فأنا أبقى معكِ باسم زوجكِ فقط، لإنهاء أمر 'روبرت' وأغادر وأحقق لكِ ما طلبتيه".
"تغادر؟!" أهذا ما تريده؟
نظرت إلى دموعها. فنظرت في عينيه بإنكسار وقالت: "أم أن كلامي جعلك تقول ذلك؟ حسنًا.. أسحب كلامي وأعترف. لقد كذبت. تعلم أني كذبت من خوفي عليكِ، وتعلم أيضًا أني أحبكِ. فلما تقول لي هذا الكلام القاسي؟"
صمت ولم يعرها اهتمامًا ثم ذهب وتركها دون أن يرد عليها. دخل إلى المرحاض، قام بفك الرباط حول ذراعه. وكان ممتلئًا بدماؤه. نظر إلى جرحه كان يؤلمه بشدة ودماء تغزو من بالفعل، لكن لا يؤلم بقدر الكلام الذي سمعه منها. ففتح صنبور المياه، وقف بأسفلها لتتدفق المياه تغرقه تختلط بدماؤه.
"طلقني، أنا لا أريدك. إن غادرت أنتِ، الأمر قبلها. وإن ظللت في مصر لننفصل الآن. أتريد البقاء مع امرأة لا تريدك؟ لا أريدك يا 'علي'. لم أعد أحبك".
شعر بالضيق وهو يتذكرها. فهي لم تهون عليه أن يبعدها عنه وردها إليه لتصبح زوجته ثانيًا ولا أحد يأخذها منه. حتى أنه عندما جاء لمصر كان من أجل حمايتها فقط ويقضي على "روبرت" ويذهب وهي في أمان. لكنه غير رأيه في المدة التي قضاها معها. اكتشف أنه يريد البقاء وعظم الابتعاد عنها. كان يحاول مع نفسه وعقله أن يعطيها فرصة ويثق بها، يعافر لأن ينسي ما مضى. لكنها أنهت كل شيء بكلامها، إذا بقصد أو بغير قصد.
خرج من الحمام وجدها لا تزال في الغرفة. نظرت له بتعجب، فكيف يرتدي التيشيرت والدماء وجرحه مكشوف؟ لم ينظر لها وذهب. شعرت بالخيبة من تجاهله لها وقسوته هذه التي لم تعتدها.
نزل "كاسبر"، دخل لغرفة المعيشة. اتجه ناحية زجاجات النبيذ الموضوعة ليقف عندها، يمسك زجاجة ويسكب في كأس ويمسكه ليشرب. لكن لوهلة تذكرها وهي تمنعه من شربه.
كانت "أفيلا" واقفة بعيد تنظر له وهو جالس وفي يده الكأس وذلك الشيء المحرم، وحزينة من رؤيته قد عاد ليده ثانيًا بسببها. لكن تفاجأت عندما وجدته يضعه بعيدًا ويتركه ولم يشرب منه شرفة واحدة حتى. أسعدها ذلك حقًا، فهذا يعني أنه ممكن أن يتغير للأفضل ويبتعد عن كل هذه الأشياء. شعرت ببعض الأمل يجتاح جسدها وحزنها يبتعد أثر كلماته التي جرحتها. عندما امتنعت عن شرب الخمر، نظرت له. كان يبدو عليه الحزن وتضايق. سارت تجاهه. اقتربت منه: "هل يمكنني رؤية جرحك؟"
"ألم تذهبي بعد؟"
"إلى أين أذهب؟ سأكون معك إلى أي مكان".
تنهد بضيق وذهب. أمسكت يده. نظر لها بحده. وجدها تبكي. هدأت ملامحه وتقول: "ألا يحق لي أن أخاف عليك؟ أعلم أن كلامي ضايقك ولم يجب علي قوله".
نظرت له وأردفت بتبرير: "لكن كان هذا من خوفي. هو من جعلني أقول ذلك. لا تعلم عندما كنت أقوله كم كنت أتألم".
وضع يده على يدها وهو يبعدها عنه ويقول: "بإمكانك العودة لمنزلك".
نظرت له. ذهب كاسبر. شعرت بالحزن أنه حقًا لا يريدها معه. مسحت دمعتها بكفها وهي تأخذ شهيقًا تملأ رئتيها وتطفئ نار صدرها. اتجهت للنافذة، فتحتها وخرجت للحديقة. وجدت الجرو "ألبر" جالسًا على الأرض. نظر لها. نبح وقفز إليها كأنه اشتاق لها. اقتربت من الطبق، وضعته له طعامه. فاقترب سريعًا وأكل. تابعته بعينيها وقالت: "إنك جائع، فلتنتهِ من طعامك، لنذهب".
نظرت ناحية غرفته وأردفت بخيبة: "لا يريد أن يطلع في وجهي بسبب خوفي عليه".
حاولت كبح دموعها وهي تتحدث. "أنت لا تريد أن تذهب وتتركه". ليتها تخبره ذلك. أنها تتمنى البقاء معه دونًا عن الجميع. فكرت في أن تذهب إليه لتراه إذا كان يحتاج لشيء.
صعدت الدرج وذهبت للغرفة. كانت مفتوحة. وجدته خالع نصف التيشيرت ويظهر ذراعه المصاب ويلف قماش طبي حوله. اقتربت منه. أمسكت القماش فكان غير ثابت على ذراعه. نظر لها. ابتعد عنها. نظرت له من ابتعاده عنها ألمها ذلك كثيرًا، لكن لم تهتم. اقتربت منه ثانيًا، أمسكت يده وأخذت منه القماش: "دعني أساعدك على الأقل، فأنا سأغادر".
وجد عينيها تدمع. فترك ذراعه لها. ثبتت القماش برفق على جرحه ولفته على ذراعه. لم يكن يتطلع بها. وقد لاحظت ذلك حتى انتهت. نظرت له قالت: "ألست تقول لي شيئًا قبل أن أذهب؟"
"ماذا تريدين؟"
"أخبرني فقط أنك لم تعد حزيناً مني. اعتذر على ما قلته يا 'علي'. ماذا أفعل؟"
لم يرد عليها. فشعرت بالخيبة. ابتعدت عنه وذهبت. نزلت للحديقة، أشارت للجرو أن يأتي. فركض إليها. أخذته وذهبت، فهي من ستعتني به وتعلم أنه لديه انشغالات وممكن أن ينسي طعامه. وصلت لشقتها واسترلحت قليلاً. لكن هاتفها من المشفى أنهم بحاجتها. تنهدت. نظرت إلى "البر" قالت: "ابقَ هنا، سأذهب للعمل ثم أعود، لن أتأخر".
ذهبت وأغلقت الشقة. كانت خائفة أن يحدث له شيء وهي ليست معه. وصلت المشفى وتوجهت لمكتبها. لكن توقفت عند مكتب "عمر". نظرت له وجدته جالسًا ويمسك رأسه. تعجبت. كانت ستكمل سيرها لكن توقفت حين لاحظت ذبول وجهه. دخلت إليه. نظر لها وهي تدخل وقد لاحظها قال: "متى جئتِ؟"
"الآن".
نظرت إلى وجهه بتفحص وقالت: "ماذا بك؟ هل أنت مريض؟"
"لا، أنا بخير".
اقتربت منه وقالت: "ألم تنم؟ يبدو عليك الإرهاق".
"لقد نمت جيدًا".
"أنت واثق من ذلك؟"
"أجل. ما الذي سيمنعني من النوم؟ لقد نمت كفاية".
تعجبت من تحوله هذا. هي لم تسأله عن السبب. لكنه أعطاها الجواب. قالت: "هل تفكر في 'ريلا'؟"
"ولما لا أفكر بها؟"
"اسأل نفسكِ ذلك السؤال، وليس لي".
صمت ولم يتحدث، فقد قالت بالفعل الحل له. ذهبت وهو فكر في كلامها في أن يسأل نفسه: "أعلم نفسي جيدًا وقلبي من يحب، لا داعي أن أسأله".
في اليوم التالي، استيقظت "أفيلا" على صوت بجانبها. نظرت، وجدته "ألبر". كان يداعب وجهها. ابتسمت قالت: "ما الأمر؟ هل أنت جائع؟"
جلست ونظرت في الساعة. وجدت أن المنبه الذي ضبطه قد رن وهي لم تسمعه. اعتدلت سريعًا، بدلت ملابسها. وضعت له طعامه وأخذت حقيبتها وذهبت.
تقدمت من سيارتها لتركب. لكن توقفت لوهلة. التفت وهي تتطلع بعيدًا باستغراب. فقد أحست بأن هناك من يتطلع بها. نظرت حولها بقلق. فكانت في المرة الفائتة إحساسها صحيحًا وكان هناك من يتبعها وينوي قتلها.
دخلت الداخل وذهبت. وصلت للمشفى. أخبرتها الممرضة عن مريض وأعطتها ملفًا. فاخذته منها وذهبت. وجدت مكتب "عمر" خاليًا وكان جاكته موجودًا أيضًا. فعلمت أنه لم يأتِ بعد. ذهبت لمكتبها. ارتدت جاكتها وبطاقة عملها وأخذت الملف وخرجت وهي تسير وتقرأ الحالة بعناية.
توقفت للحظة حين شعرت بشيء. نظرت خلفها. لكن لم تجد أحدًا سوى ممرضتين. نظرو لها: "هل هناك شيء، طبيبة 'أفيلا'؟"
نفيت برأسها وهي تنظر أمامها. تنهدت ثم أكملت سيرها. دخلت المصعد وضغطت على. صعدت للطابق الثالث. ذهبت لغرفة المريض. رن هاتفها. وكانت "بيري". ردت عليها لتجدها تقول: "نسيتِ أن لديكِ ابنة عم؟"
"ما الأمر؟ لما أنتِ غاضبة؟"
"لم أراكِ منذ يوم الزفاف".
"ألم تتزوجي وينتهي أمركِ؟ لماذا تزعجينني الآن؟"
"هل هيأ لكِ أن الزواج سيرحمكِ مني؟ أنا لست مثلكِ".
ابتسمت حين قصدته بزواجها. "ستأتين بعد الغد عند أبي صحيح؟"
صمتت وتذكرت عمها عندما أخبرها أنهم سيتجمعون يوم الأربعاء.
"أفيلا، هل تسمعينني؟"
"أجل".
"لتأتي باكراً. أريد الجلوس معكِ وقت أطول".
ابتسمت قالت: "كما تريدين".
"أجل، لقد أخبرتني أمي أنها ستعد أكلكِ المفضل".
"حقًا؟"
"أجل. لكنها لا تعلم أني أخبرتكِ، فلا تخبريها أنتِ".
"حسنًا، لن..."
انقطعت جملة "أفيلا" أثناء حديثها عندما فتح باب المصعد بجانبها وظهر من خلفه رجل غامض يخفي وجهه وينظر لها بجمود. نظرت له من هيئته وتوقفت عيناها على يده. فكان يحمل مطرقة حديد. رفع وجهه إليها بنظرات ثاقبة وتقدم منها.
رواية احببت مافيا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور
فتحت باب المصعد بجانبها وظهر من خلفه رجل غامض يخفي وجهه.
كان يحمل مطرقة حديدية.
سار الخوف في جسدها.
تقدم الرجل تجاهها، عادت للخلف ثم ركضت على الفور.
ركض خلفها.
نزلت الدرج مهرولة تبحث عن النجدة.
كانت في الطابق الأعلى وليس به أحد غير المرضى وهم في الغرف.
ركضت في الممر وتصرخ.
ضربة واحدة قادرة على إنهائها.
لم يحمل مسدسًا لأنها مشفى، وإذا سمع أحد صوت إطلاق سيسرعون إليها.
أمسك المطرقة وقام بدفعها نحوها.
وقفت سريعًا خلف حائط فلم تصبها.
وقعت أرضًا.
نظرت، كانت الأرضية تكسرت بسبب وقوع المطرقة عليها.
خافت كثيرًا.
ازدردت ريقها بصعوبة.
نظرت بطرف عينها، وجدت يد الرجل تمتد نحوها.
أمسكتها وقامت بلويها وركلته في بطنه وركضت.
لكنه أمسكها في ساقها.
تألمت كثيرًا.
وقعت.
أمسك المطرقة وقفز فوقها.
بحشية، فسرعان ما أمسكت المطرقة سريعًا قبل أن يصل إليها.
نظرت له بخوف شديد، كان سيفكك رأسها.
ضغط الرجل بقوته عليها وكانت تمسك المطرقة خوفًا على نفسها.
قامت بركله من الأسفل فابتعد عنها.
وقفت وهي تعتدل وتركض.
فلاحقها.
توجهت للدرج وهي مرتعبه وخائفة بشدة.
نظرت خلفها وهو قريب منها.
وجدت أحدًا يمسكها.
ارتعبت، لكنه وجدته عمر.
اقترب الرجل منهم ورفع مطرقته.
نظر له بشدة.
أبعدها وركله بقوة في بطنه.
أبعده عنها.
نظرت أفيلا أنها لا تزال بخير.
قلقت على عمر أن يكون ذلك الرجل أحد المرتزقة الذي نوى قتلها من قبل.
تفاجأت عندما فتح المصعد وخرج رجلان.
خافت كثيرًا.
أمسكت يده ليركضوا.
لكن تفاجأت عندما وجدتهم يمسكون الرجل ويضربونه بقوة.
وينظر لها أحدهم ويقول:
سيدتي أنتِ بخير.
من أنتم؟
نحن رجال السيد كاسبر.
نعتذر على التأخير.
لقد تخفى بين الأطباء كي لا نراه.
لكن أحدنا وجده يسير خلفك فدخلنا سريعًا حتى سمعنا صوتك.
صمتت ولم ترد.
كانت في حالة من الفزع.
أمسك الرجلان الرجل وأخذوه.
في مكتب أفيلا.
كان عمر جالس مقابلها على الأريكة.
أعطاها ماء لتشرب.
أخذتها منه.
شربت بعضًا منها.
كانت متعرقَة ويداها باردتان من شدة الخوف.
كان يطالعها ويتذكر صوت صراخها الذي سمعه.
فزع معها ورأى الرجل وهو يركض خلفها وفي يده تلك المطرقة ينوي قتلها.
أصبحتي بخير؟
وأومأت برأسها.
من كان هذا الرجل؟
لا أعلم.
ومن كان هؤلاء الرجال الذين قالوا أنهم رجال سيد يدعى كاسبر؟
إنهم رجال علي.
تعجب كثيرًا.
هل كاسبر يكون هو؟
أومأت له إيجابًا.
صمتت وهي تشرد.
قالت لنفسها: ذلك الوغد بالتأكيد هو من أرسله.
هيا لأوصلك لمنزلك.
لماذا؟
لن تقدري على العمل.
لا، أنا بخير.
أنتِ متأكدة؟
وأومأت برأسها.
تنهد.
كما تريدين.
إن احتجتِ لشيء أخبريني.
وقف وخرج وهو يتركها.
تذكرت الرجل الذي كان سيقتلها منذ قليل وكيف انقض عليها بالمطرقة.
لو أنها لم تمسك يده لفتك دماغها وأصبحت أشلاء.
هذه الفكرة مرعبة.
أخذت أنفاسها وذهبت لعملها رغم خوفها.
في المخفر.
في غرفة سوداء يوجد رجلان شرطة وحاتم برفقتهم.
جالس مقابل الرجل الذي حاول قتل أفيلا.
أ أنت واثق من معلوماتك؟
أجل.
إن كان كلامك كذب سأنهي أمرك.
أخبرتك بكل شيء أعلمه.
وقف، نظر للشرطيان.
ابدأوا في البحث عنها.
أومأ الشرطيان إيجابًا وهم يقفون احترامًا له.
نظر حاتم إلى الرجل وذهب.
توجه لمكتبه.
دخل وجلس وهو يريح ظهره ويقول:
من كان يظن أن أمرك يا أفيلا سوف يساعدني في الحصول على المعلومات عن رجل مثل هذا.
وأدخل في تلك القضايا الموسوعة وأمسك طرف خيط.
عليكِ أنتِ.. ما الذي ورائكِ ليسعى هؤلاء الناس إليكِ.
في المساء.
ترجل كاسبر من السيارة في مكان مهجور.
نظر إلى رجاله الذين كانوا واقفين عند الباب.
أين هو؟
بالداخل سيدي.
فتحوا له الباب.
دخل ثم أغلقوه ثانيًا.
كان رجل جالس أرضًا مقيدًا بإحكام.
كان هو الذي حاول قتل أفيلا اليوم في المشفى.
كانت الدماء تغزو منه من بسبب ضرب الرجال له.
سمع صوت فتح الباب ودخول أحدهم.
فتح عينه ببطء.
نظر إلى كاسبر وهو يتقدم منه.
فتح عيناه بشدة من رؤيته وسار الخوف في أطراف جسده.
رأى كاسبر خوفه قبل أن يفعل أي شيء.
كأنه يعلم من يكون.
انحنى، أمسك وجهه وأبعده.
نظر إلى رقبته وأبعد ملابسه فظهر وشم مميز.
ابتسم بسخرية.
نظر له.
تعرفني صحيح؟
لا.
عقد حاجبيه.
تعلم أني لا أحب الكذب.
سيؤدي هذا لموتك.
تتحدث وكأنك لم تقتلني.
صمت.
رفع عينيه وتحدث بجمود.
لماذا اقتربت منها؟
أتتعلم من تكون هي؟
لم يكن لدي علم بعلاقتها بك.
لماذا كنت أمسكها وأخاطر بحياتي؟
روبرت من أرسلك؟
صمت قليلاً ثم أومأ برأسه إيجابًا.
أين هو؟
لا أعلم.
خفض كاسبر رأسه وهو يتنهد بضيق.
نظر له الرجل.
سرعان ما تلقى لكمة بقوة جعلته يستلقي على الأرض والدماء تسيل من فمه.
تألم كثيرًا.
سمع صوت.
نظر له وهو يعمر سلاحه ويقول:
تجبرني على قتلك.
أشار عليه.
ارتعب وقال:
أخبرتك بالحقيقة.. لا أعلم.. صدقني.
لقد أخذت الأمر منه بمكالمة فقط.
صمت.
قلق من هذا الصمت والهدوء.
فسيقتله بالتأكيد.
وقف وذهب.
تفاجأ كثيرًا بل صدم.
هل سيذهب حقًا ويتركه؟
الن يفعل له شيئًا؟
بينما كاسبر يسير للخارج ويعيد سلاحه لجيبه.
فهو لم يقتله لأنه تذكر الوعد الذي قطعه على نفسه لها.
لم ينساه وهو يأخذ بوعده كسيف على رقبته.
إن نكثه فقد انهارت رجولته.
دخلت أفيلا شقتها وهي شارده.
أغلقت الباب.
جلست على الأريكة.
اقترب ألبر منها وهو يجلس بجانبها.
كانت مرتعبه مما حدث معها اليوم.
لكنها تقوي نفسها.
لكن إلى متى؟
وأين سينتهي هذا الخوف؟
يجب أن يقبض على روبرت.
فممكن أن يؤذيها ومن خلفها يؤذي كاسبر.
يجب أن يوضع له حد.
لكن هل سيتولى الشرطة أمره؟
تمنت ذلك لأنها لا تريد كاسبر هو من يفعل ذلك ويقتله وينهي الخوف والأمر بأكمله.
فهي تعلمه.
لكنه وعدها بألا يقتل أحدًا.
في الليل.
كان عمر نائم أو شبيه بالنوم على السرير فقط.
كان يتقلب كثيرًا.
فتح عينه بضيق.
جلس وهو يشعل الضوء الذي بجانبه.
أنزل قدميه.
ذهب للحمام وغسل وجهه وهو يتنهد.
لماذا لا أستطيع النوم؟
أنا لم أنم من البارحة.
أشعر بالنعاس الشديد والتعب.
لكني غير قادر على النوم بسبب تفكيري المفرط بها.
أشعر بالحزن عندما أتذكر أنكِ سافرتِ وابتعدتِ عني.
لا تغيبين عن رأسي ولو لساعة.
ساعة فقط أغفو بها.
تذكرها وهي تخبره بحبها لكنه لم يبالي أو يعيرها اهتمامًا.
وبكائها من بعد ذلك.
كان يعلم أنه جرحها.
لكنه لم يكن يريدها أن تتعلق بأمل فارغ.
كان متضايقًا من رؤية دموعها كثيرًا.
فهو يعلم ألم هذه الدمعة.
إنه أكثر من يشعر بها لأنه ذاق ذلك الألم.
الحب من طرف واحد.
كم هو مؤلم يا ريلا.
جلس على سريره.
نظر إلى المنضدة.
كان عليها هاتفه.
التقطه وأحضر رقمها.
وكان سيتصل بها لكن تراجع.
رأى الساعة متأخرة.
كان يتحجج.
فهو يعلم أن التوقيت متغير.
لكنه لا يقدر على مهاتفتها.
ماذا سيقول لها؟
أقفل الهاتف وأطفأ الضوء وعاد يحاول أن ينام.
في اليوم.
كانت أفيلا تواجه صعوبة في عملها.
لا تستطيع التركيز.
دائمًا خائفة.
لا تشعر بالأمان.
أين طبيب عمر؟
ألم يرى الحالة التي لديه بعد؟
قالت الممرضة:
لم نراه اليوم.
ألم يأتي؟
لا.
لكنه لم يدخل لمرضاه.
تعجبت.
ذهبت إلى مكتبه لتراه.
لكن توقفت قبل أن تدخل حين رأته ينظر أمامه ويبدو عليه الشرود.
فهي لاحظت تغيره منذ سفرها.
حزنت عليه فهو صديقها أيضًا.
لكن أضاعها من يده ولم يعلم حقيقة مشاعره لها.
كان يجب أن يكون صريحًا مع نفسه.
يعلم ما يريده.
لماذا هو تردد بالاعتراف هكذا ويتيقن أنه ليس حب.
هذا هو ما يريده.
أخبره لنفسه أن ليس حب.
لكنه خاطئ.
على ماذا تنظرين؟
سمعت ذلك الصوت بجانبها وكان ياسر.
نظر لعمر الذي بداخله.
قالت أفيلا:
لا شيء.
أتعلمين ماذا به؟
يبدو غريبًا.
أظنه متعب قليلاً.
فليسترح في المنزل.
يبدو متعلقًا بالمشفى كثيرًا.
هل يبدو ذلك؟
في منتصف اليوم.
قررت أن تتحدث معه.
دخلت إليه.
لم يلاحظ دخولها.
أطرقت على الباب.
نظر لها.
إنك في عالم آخر.
فيما تفكر؟
لا شيء.
هل ريلا هي من فعلت بك ذلك؟
لا أفهم ماذا تعنين.
أعني شرودك المفرط هذا من وراء رحيلها.
وما علاقتها بي.
هناك أمر يشغلني فقط.
لماذا لا تكن صريحًا مع نفسك؟
لما لا تريح تفكيرك بأنك أيضًا تحبها؟
لأني لست كذلك.
لما أنت واثق هكذا؟
ممكن أن تكون مخطئًا.
لأني أعلم من يحبها قلبي.
نظرت له بشدة.
هل يوجد امرأة بحياتك؟
لماذا لم تخبرني عنها؟
أقصد أني عندما أحب أحد أعلم بالأمر.
لكن ريلا...
صمت.
فقالت:
لكن ماذا؟
فلتكمل.
أعلم أنك تفكر بها وهي من تأخذ تفكيرك.
وأنك تكن لها المشاعر.
لكن ترددك هذا من جعلك تضيعها من بين يديك.
لست هنا لأخبرك أنك تحبها.
جئت لأجعلك توقف التفكير بها.
لأنك عندما تركتها تذهب لم تكن مهتم.
لذلك لا تهتم الآن كي لا تتعب من وراء كثرة تفكيرك.
افعل كما فعلت وهي هنا.
وقفت وهي ترمقه نظرة أخيرة لتكمل.
تجاهلها.
نظر لها.
ذهبت تركته في ضيقه وحيرته أكثر وهو يقلب كلامها في رأسه ويشعر بأنه صحيح وأنه يحبها.
وهو بالفعل أضاعها.
في المساء.
انتهى من عمله.
خرج من غرفة مريض.
رن هاتفه.
ما الأمر؟
هكذا تحدث أختك الكبيرة.
ماذا فعلتي يا مريم؟
هل تشاجرتي مع زوجك ثانيًا؟
قالت وهي تقول:
لا.
لقد أخذت فكرة خاطئة عني.
ما الأمر إذا؟
كنت بالخارج.
مررت على المشفى الذي تعمل بها.
وأنا بالأسفل.
هل رحلت؟
لا.
أنا آتي.
حسنًا.
أقفل هاتفه وذهب.
أخذ المصعد.
وحين نزل تفاجأ عندما وجدها واقفة مع أفيلا ويتحدثان.
أصابه القلق كثيرًا.
فهل لم ترَ أخته من قبل كيف تحدثها؟
هل ممكن أن مريم حدثتها وأخبرتها أنها تعرفها من كلامه عنها معها؟
والصورة التي يحملها من حفلة التخرج وهم ينظرون لبعضهم حين التقطا سيلفي لهم.
وصور أخرى مع أصدقائه.
نظرت أفيلا له.
اقترب منهم.
نظرت له مريم.
عمر.
لقد تقابلنا أخيرًا.
قالت أفيلا:
إنك تهتم بالذكريات كثيرًا.
قلق.
أفِيلا.
ليس الأمر هكذا.
أنا..
ابتسمت.
تعجب.
قالت:
ماذا بك؟
أريد نسخة من الصور فقط.
لا أمتلك أي صورة لذلك اليوم.
أتطلع لرؤية صورنا كأصدقاء كثيرًا.
ارتاح.
فهي لا يبدو عليها التضايق.
أحببت أختك كثيرًا.
أنا أيضًا.
لنتقابل ثانيًا.
بالتأكيد.
يجب أن أذهب.
قالتها وهي تبتسم لهم وتذهب.
نزلت مريم له وهو يتابعها.
نظر ثم قال:
ماذا قلتي لها؟
رأيتها مارّة.
أوقفتها وأخبرتها أني أختك.
ماذا في ذلك؟
ألم أسألك عن كيف عرفتها؟
بلى.
أخبرتها عبر صور تخرجك عندما وجدتها معك.
هل قلتي شيئًا آخر؟
لا.
حسنًا.
لما أنت خائف هكذا؟
هل أخطأت عندما تحدثت معها؟
تنهد.
لا.
لنذهب.
إلى أين؟
سنأكل.
أنا جائع ولا أراكِ كثيرًا.
هيا.
لم أكن لأمانع.
أنا أيضًا جائعة.
ابتسموا وذهبوا سويًا.
كانت أفيلا تقود السيارة متوجهة إلى منزلها.
تذكرت كاسبر.
فهو لم يحدثها منذ ذلك اليوم أو يراها حتى.
أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال به.
لكن لم يأتيها رد.
شعرت بالخيبة.
من أمر بقتل رجل يدعى لوسيانو.
تذكرت حاتم والقاتل.
لماذا لا تحدثه وتراه؟
تعلم لماذا قال ذلك.
إنه بالتأكيد روبرت.
غيرت مسارها متوجهة للقسم.
اتصلت به ثانيًا لتخبره كي لا يتضايق.
وأثناء انشغالها.
قطعت أنفاسها من صوت ناري لطلقة جاءت من خلفها.
مرت بجانبها وأصابت زجاج السيارة الذي أمامها.
اصطدمت وقلبها يدق سريعًا.
نظرت في المرآة وجدت سيارة خلفها ورجل يخرج منها ويصوب عليها.
وضعت الهاتف جانبًا وزادت السرعة.
وهي خائفة من تلك الرصاصة الذي كادت تصيبها.
كانت مرتعبه بشدة.
فسمعت طلقة مجددًا.
لكن جاءت في السيارة من الخلف.
كانت لا تعلم ماذا تفعل.
إنهم لن يتركوها.
نظرت حولها لتبحث عن أي أحد ينقذها.
فانطلقت لتصل إلى المخفر.
سلكت طريقًا آخر.
وكانوا لا يزالون خلفها يتبعونها.
وهي تنظر للمرآة من وقت لآخر.
عندما تراه سيصوب تنعطف بالسيارة حتى تشوش تصويبه ولا يستطيع أن يصوب عليها.
سمعت صوت.
نظرت في المرآة وجدت سيارة أخرى قد ظهرت وتصدم السيارة التي تهاجمها بقوة.
تفاجأت.
لكن نظرت أمامها وانطلقت وهي تبتعد عن ذلك الشجار.
وصلت أفيلا للمخفر.
ترجلت ركضت للداخل بخوف.
نظر لها رجال الشرطة وهي تهرول لهم.
كان حاتم واقف.
رآها تفاجأ من وجودها.
اقترب منها على الفور.
فاصطدمت به.
نظرت له.
أفيلا.
ماذا بكِ؟
لما تهرولين هكذا؟
سيقتلونني.
قالتها بخوف.
تعجب.
من هم؟
لم ترد عليه.
نظر للخارج.
انتظري هنا.
خرج من المخفر.
لم يجد أحدًا غير بعض رجال الشرطة وسيارته.
بس وقعت عينه على الزجاج الأمامي المكسور.
لف حول السيارة.
وجد من الخلف آثار لطلقات أخرى.
دخل.
اقترب منها.
تعالي معي.
ذهب.
جلست في مكتبه.
أحضر لها ماء.
جلس أمامها.
أصبحتِ أفضل؟
أومأت إيجابًا.
أخبريني بما حدث.
كنت أقود.
وجدت طلقة تمر بجانبي كادت أن تصيب رأسي.
حين رأيت وجدت سيارة خلفي ورجل يصوب علي.
صمتت.
لم تخبره عن السيارة الأخرى التي ظهرت.
فهي تتيقن أنهم رجال كاسبر.
وأبعدوا السيارة من عليها لحمايتها.
حسنًا.
اهدئي.
سأضع عليكِ حماية.
لا داعي.
إنكِ في خطر.
إنهم ليسوا ناسًا سهلة كما أخبرتك.
إنهم مافيا.
أتدرين خطورتهم؟
إنهم كالوحوش لا يعرفون الرحمة.
وأنتِ دخلتِ بهم.
أي أنكِ لن تخرجي سالمة.
تنهدت بعمل دون أن ترد عليه.
نظر لها حاتم قليلاً.
أين زوجكِ؟
حين تذكرته شعر بالحزن.
فهو متضايق منها بسبب ما قالته له.
وعلى الرغم من ذلك يحميها ورجاله تحوم حولها لا تتركها.
هل يعلم بأن هناك من يريد قتلكِ ويترككِ هكذا؟
لا تنسي أنك تتحدث عن زوجي.
قالت ذلك بحدة وهي تقف ورحلت.
تابعها بعينيه.
فهي كبرت في نظره من أجل دفاعها عن زوجها.
لكنه حزن عندما وجدها تحبه هكذا.
فلقد تحولت عندما ذكره.
عادت لشقتها.
جلست على الأريكة بتعب وخوف مما يحدث معها.
لن ينتهي هذا الركض وكل يوم من يأتي ليقتلها إلى متى؟
هل سوف تنجو في كل مرة؟
أم ممكن أن تموت؟
وإذا لم تموت ستموت من الخوف.
وهي لا تشعر بالأمان والاطمئنان في أي مكان.
في اليوم التالي.
ذهبت أفيلا لعملها بتاكسي.
فكانت سيارتها في التصليح.
دخلت المشفى.
فقابلت عمر.
كان يبدو عليه الإرهاق كثيرًا.
نظر لها.
رأت عيناه المنهكة.
عمر.
أأنت بخير؟
في ألمانيا.
في الصباح.
نزلت ريلا من العمارة وهي تتحدث في الهاتف.
حسنًا.
لن أتأخر عليكم.
قالت ذلك وهي تخرج.
لكن تجمّدت مكانها واتسعت عيناها بشدة وهي ترى عمر واقفًا أمامها ينظر لها.
إلى ملابسها الذي لم تعود لسابق عهدها بل ترتدي مثلما كانت معه هناك.
لم تكن تصدق أنه هو حقًا من يقف أمامها.
إنه هنا على هذه الأرض معها.
هل هو في ألمانيا حقًا أم أنها تتخيل؟
لكن كيف؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
تقدم خطوة منها.
مرحباً ريلا.
إنه هو بلكنته وصوته.
إنها لا تتخيل.
دمعت عيناها عندما رأته.
لم تعلم هل تسعد من رؤيته أم تحزن لأنها تبدأ في نسيانه.
رأى الحزن إلى ظهر في عينيها.
كيف جئت لهنا ومتى؟
لقد وصلت للتو.
ألن تسأليني عن السبب الذي أنا هنا من أجله؟
تعجبت.
نظر لها وأردف.
إنه أنتِ.
جئت لأراكِ.
تفاجأت كثيرًا.
ماذا!!
ريلا.
هل يمكننا التحدث؟
في مقهى.
جلس كلاهما.
وكانت لا تفهم شيئًا بعد.
وماذا يفعل هنا؟
إنها لا تستوعب ما قاله بعد.
هل لديك عمل هنا؟
أجل.
لقد أخبرتك.
لكنك لم تقل شيئًا حتى الآن.
إنه أنتِ.
لقد كرر عليها ما قاله.
هل حقًا هنا من أجلها؟
قالت:
لا أفهمك.
أحبك.
قال ذلك بتلقائية.
دق قلبها لسماع تلك الكلمة.
لا تعلم هل هي حقيقة أم خيال أم الذي أمامه وهم وسيتلاشى من أمامها بعد قليل.
أنا أحبك يا ريلا.
دمعت عيناها حين سمعتها منه ثانيًا.
تفاجأ عمر من تعبيراتها.
كأنها لم تسعد.
رفعت وجهها.
أخذت نفسًا عميقًا.
أنتِ بخير؟
أجل.
سعيدة برؤيتك يا عمر.
إن احتاجتِ لشئ في إقامتك هنا ستجدني موجودة.
اندهش من كلامها.
هل هكذا ترد على اعترافه لها؟
وقفت وهي تذهب.
تتخطاه.
لكنه أمسك يدها يوقفها.
ولم تكن تنظر.
أعلم كم أنتِ غاضبة مني.
في ذلك اليوم لم أكن أقصد أن أجرحك.
لقد كنت مشوشًا.
لا أعلم حقيقة مشاعري لك.
أعتذر على ما سببتُه لك.
قاطعته وهي تقول:
على ماذا تعتذر يا عمر؟
لا يوجد شيء لتعتذر بشأنه.
لماذا تحدثينني هكذا؟
هل كنا نتحدث بطريقة أخرى؟
لم تكن كسابق عهدها معه.
نظرت ليدها.
تركها فذهبت.
جلس عمر بخيبة.
يعلم أنها متضايقة منه.
ولذلك تحدثت معه هكذا.
فلم ينسَ كيف عادت لبلدها حزينة بسببه.
أفِيلا.
أكان يجب علي أن آتي؟
أفِيلا.
أأنت بخير؟
لا أعلم.
ما الأمر؟
أصبحت لا أعلم ما الذي يحدث لي.
لا أستطيع النوم جيدًا من كثرة تفكيري ب..
صمت.
ولم يكمل.
نظرت له.
ريلا.
أليس كذلك؟
تفكير به؟
لم يرد عليها.
التزم بالصمت.
فقالت:
أنت تحبها يا عمر.
يجب أن تعلم بمشاعرك.
وماذا سيفيد الآن؟
إذا اعترفت أنك تحبها.
أظن ذلك.
لا أريد ظنًا.
أريدك أن تتأكد من نفسك.
هل تحبها أم لا؟
لا أعلم يا أفِيلا.
صدقيني لا أعلم.
حسنًا.
سوف أساعدك.
كيف؟
أريدك أن ترى قادمًا.
إذا أحبت ريلا شخصًا غيرك وتزوجته وأصبحت معه.
أريدك أن تتخيلها وهي مع رجل آخر.
فأوى في ذاكرته حين كان قريبًا منها في شقته.
لكن ابتعد عنها.
تذكر عندما اعتنت به في المشفى أثناء مرض أفِيلا.
حين لكمه كاسبر.
وضعت كيس الثلج على وجهه وتعاتبه على تهوره.
تذكر عندما كانوا في الخارج واحتضنه لتواسيه.
وعندما كانوا في السيارة قربت يدها من وجه مكان اللكمة.
عندما كان في شقتها وهي بجانبه تقلب صفحات الكتاب وتحكي قرأتها فيه.
حاول أن يتخيلها مع أحد غيره.
لكن قبل أن يتخيل ألمه قلبه بشدة وشعر بالحزن من تضيع من يده.
لكنها تحبني أليس كذلك؟
لن تحب غيري.
لم يجد ردًا.
نظر إليها من صمتها.
كان يريدها أن تؤكد له المعلومة.
لكنها لم تفعل.
حيث قالت:
لقد كسرتها يا عمر قبل ذهابها.
لقد كانت حزينة بشدة.
شعر بالندم.
وقال:
ماذا أفعل؟
لم أكن أعلم صدق مشاعري.
أردت ألا تتعلق بي.
لكن فات الأوان على ذلك.
لم يفت شيء.
كيف؟
بإمكانك الذهاب لها وأن تعتذر وتصلح كل شيء.
أسافر؟
أجل.
ألا تستحق أن تذهب لها؟
لكن كيف سأعثر عليها هناك؟
ابتسمت.
نسيت أني كنت معها هناك لسنوات.
سأعطيك عنوانها.
وإذا احتجت أي شيء اتصل بي.
لن أبخل عليك بمعلومة.
ابتسم وحل الضيق من على عنقه.
كأنه عقدته قد حلتها.
كل شيء انزاح من عليه بسبب كلامه معها.
أشكرك أفِيلا.
ابتسمت له.
وجدته يذهب سريعًا.
قالت:
إلى أين؟
سأطلب إجازة.
أريد الذهاب اليوم قبل الغد.
دخل عمر إلى مكتب ياسر.
نظر له وإلى دخلته.
أيمكنك أن تعطيني إجازة؟
تعجب.
لماذا؟
سوف أسافر.
قال بدهشة:
ماذا!!
إلى أين؟
ألمانيا.
لدي أمر طرأ هناك.
كم تريد؟
ليس بكثير.
يومين أو ثلاثة.
حسنًا.
لا بأس.
أشكرك.
ذهب عمر إلى منزله بلهفة.
فتح الاب توب خاصته يبحث عن أول طيارة لألمانيا ليحجز بها.
قام بتحضير حقيبته ويضب أغراضه وثيابه.
وأثناء ذلك قام بالاتصال بأخته مريم.
لم ترد على أول مكالمة.
فردت على الثانية.
اتصلت لأخبرك أني سوف أسافر اليوم.
قالت بصدمة:
ماذا تقول؟
أنت تمزح؟
أحدثك وأنا أحضر حقيبتي.
أجننت يا عمر؟
تسافر إلى أين وفجأة هكذا؟
أنا متفاجئ مثلك.
انتظرني.
أريد رؤيتك.
ما زال هناك وقت.
قرع جرس الباب.
ذهب عمر وفتح الباب.
دخلت أخته وابنها.
نظرت له.
ذهب وتركها.
غضبت مريم.
أقفلت الباب.
وضعت ابنها على الأريكة وذهبت خلفه.
دخل عمر غرفته وأكمل بضب ثيابه.
دخلت مريم.
نظرت له بدهشة.
أنت ستسافر حقًا؟
إلى أين؟
ألمانيا.
لماذا؟
يجب أن أنهي أمرًا وأعود.
لا تقلقي.
إنهم يومين لا أكثر.
لماذا لم تخبرني قبلها؟
لقد قررت اليوم.
لم أكن أنوي أن أسافر.
نظرت له مريم وإلى بهجته الذي في وجهه.
صمتت.
فهي لا تفهم شيئًا.
تراه سعيد وهو يحضر ثيابه.
ماذا حدث يجعله يريد السفر ولما سعيد بذلك؟
ابتسم وهو يقول داخل نفسه:
أشكرك يا أفِيلا.
لو أنك لم تساعديني لمزلت في مصر ولا أعلم ماذا أريد.
أما الآن أنا في ألمانيا ورأيت أريا وأشعر بالسعادة من رؤيتها كثيرًا.
في المساء بمصر.
كانت أفِيلا في مكتبها.
رن هاتفها.
نظرت وجدت عمها وجيد.
تعجب لماذا يتصل بها.
عادت بذكرياتها.
فاليوم هو الأربعاء.
وأخبرها أنهم سيتجمعون.
ردت عليه:
مرحباً عمي.
لماذا تأخرتِ؟
أخبرتني بيرى أنك ستأتين باكرًا لجلوس معها.
اعتذر.
هيا ننتظرك.
لا تتأخري.
أقفلت أفِيلا الهاتف.
خلعت جاكتها وذهبت.
حين وصلت إلى منزل عمها.
كان يشغل تفكيرها كاسبر.
وأسأل عنها.
عليه ماذا تقول له؟
فهو أكد عليها أن تحضره معها.
رن الجرس.
فتحت الباب.
كانت بيرى التي قابلتها بامتعاض.
فقالت بتبرير:
كنت في العمل.
لم أكن أقصد تأخيري.
ابتسمت.
أفسحت لها وقالت:
ادخلي.
دخلت.
رات عمها جالس.
كريم ووليد وخالتها.
نظروا لها.
اقتربوا.
جلست معهم.
كانت تعلم نظراتهم بأن كاسبر ليس معها.
لن يأتي علي.
لديه عمل.
قال وليد:
ألم يكن بوسعه تأجيل عمله اليوم؟
صمتت أفِيلا.
فحجتها لم تكن مقنعة.
قال وجيد:
حسنًا.
هل انتهيتِ من عملك أم قمتِ بتعطيلك؟
لم ينتهِ دوامي.
لكن عملي كان قد انتهى.
لم يكن لدي شيء.
لذلك جئت.
جيد.
رن الجرس.
وقفت بيرى وذهبت لتفتح.
قالت بهيرة:
أخبريني كيف حالك أفِيلا.
أنتِ وعلي.
صمتت أفِيلا قليلاً.
ثم ابتسمت وهي تقول:
بأحسن حال.
إنه لا يدعني أحتاج لأي شيء.
يهتم بي كثيرًا.
نظروا جميعًا خلفها.
تعجب.
ابتسم وجيد.
مرحباً يا علي.
كنا في انتظارك.
نظرت لعمها بشدة.
التفت ووجدته واقفًا.
فقال بيرى:
أخبرتنا أفِيلا أنك لن تأتي ولديك عمل.
نظر إليها.
وقال:
هل قالت ذلك!!
صمتت.
فهي كذبت.
لأنها لم تعلم ماذا تخبر عائلتها.
لكن كيف جاء؟
إنها حتى لم تخبره أن عمها يريدهم.
واليو م.
قال وليد:
أفِيلا.
لقد جاء علي.
كيف كان لديه عمل؟
رد عليه بدلاً منه.
لا بأس.
فأنا لم أخبرها أني قمت بتأجيله.
قال وجيد:
جيد أنك جئت.
اجلس يا علي.
نظر كاسبر إليها.
جلس بجانبها.
سعدت أنه جاء ولم يحرجها أمام عائلتها.
قالت بهيرة:
بيري وأفِيلا.
هلا ساعدتموني في وضع الطعام.
أومأوا برؤوسهم وذهبوا.
نظرت أفِيلا للخلف وعيناها عليه.
اقتربت بيرى وهمست لها:
إنه يجلس معك في المنزل طيلة اليوم.
لا داعي أن تنظري له الآن.
نظرت لها.
أظهرت لا مبالتها.
ابتسموا عليها وذهبوا.
وقال كريم:
لم أكن أعرفك في الحفل.
تفاجأت كثيرًا من عمي وهو يرحب بك.
يبدو أنك قريب من العائلة.
فأخبرتني بيرى أنك زوج أفِيلا.
كانت مفاجأة لي معرفتي أنها متزوجة.
فلقد تقدم لخطبتها أحد أصدقائي.
نظر وجيد إلى كاسبر.
من أن يغضب.
فهو لا يعلم أنه يعرف.
إنه حاتم.
بتأكيد تعرفه.
إنه من يمسك قضيتها.
أجل.
تعرفنا في الحفل ذاته.
حين أخبرته من أكون.
لم يكن مسرورًا.
نظر له كريم من ردة ملامحه الهادئة تظهر قوة شخصيته.
ليصمته بما قاله.
قال وليد:
لماذا لم تأتِ مع أفِيلا؟
كما أخبرتك.
لم تكن تعلم بأمري.
فذهبت.
قال وجيد:
جيد جئت.
اقتربت بيرى منهم وأخبرتهم عن الطعام.
فذهبوا إلى المائدة وجلسوا ليأكلوا.
نظر وجيد إلى أفِيلا.
فكانت تجلس بعيدًا عن كاسبر.
أفِيلا.
نعم.
لما تجلسين بعيدًا؟
اجلسي بجانب زوجك.
نظر لها كاسبر.
نظرت لعمها.
فهي تعلم أنه متضايق منها.
ولم تريد إزعاجه.
يكفي أنه قد جاء ولم يحرجها أمام عائلتها.
أومأت برأسها.
وقفت.
اقتربت منه وجلست بجانبه.
ابتسم وجيد وأكل.
نظرت أفِيلا له وهو لا يتطلع بها.
كان يعلم أنها تنظر له.
عادت لطبقها بصمت.
قرب يده من يدها.
ولمسها بأناملها.
اتسعت عيناها ودق قلبها بشدة.
نظرت ليده القريبة منها وتلامس بشرتها.
توترت.
نظرت له.
كان يأكل وكأن شيئًا لم يكن.
ابتسمت.
انتهوا من طعامهم.
وفي وسط جلستهم.
قالت بيرى:
هناك شيء لا أعلمه حتى الآن.
كيف علي كان يعيش في الخارج والتقيت ب أفِيلا؟
هل قابلتها هناك وهي تدرس؟
نظر إليها من سؤاله.
لكنه قال:
كنت أعرفها قبل ذلك.
نظروا جميعًا له.
بعدم فهم.
قال وجيد:
كيف؟
هل تقصد أنك تعرفها قبل أن تكون في ألمانيا؟
توترت أفِيلا.
فهو يقصد عن أمر اختراقها لحساب والده.
قالت:
لا.
تقابلنا مرة هناك وتعرفت عليه في مصر.
قال كريم:
تجمعتم في مصر إذا.
ابتسمت بيرى.
وقالت:
إنكم مقدرون لبعضكم من البداية.
تقابلتم في ألمانيا ثم التقيتم وتعرفتم في مصر.
تذكرت أفِيلا أحداثهم بالفعل.
وكأن القدر يقصد تجمعيهم.
كيف لصدفة تجعلها تخترق حساب ذلك الرجل الذي كان والده.
ومن ثم تذهب لذات البلد وتلقاه هناك.
وتعود لوطنها وتقابله هنا.
كل شيء وكأنه مدبر له.
هذا هو القدر.
لا يعلم كل منا شيئًا عن القادم والمستقبل.
استشعرت حنين الماضي.
وهي تتذكر.
نظرت له.
تسألت في نفسها:
كيف ستكون نهايتنا يا علي؟
هل سعيدة أم مؤلمة؟
أريدك أن تكون بخير فقط.
سأفعل أي شيء لأرد لك الدين الذي لم أنساه يومًا.
أعلم أنك لم تنسَ أيضًا.
لكني سأفعل ما بوسعي.
كان وجيد سعيدًا أن بناته الاثنتان أصبح لديهن حياتهن ويتجمعون مثل العائلة.
قال وليد:
دعونا نلعب.
قالت بهيرة:
ألم تكبر بعد؟
قالت بيرى:
لا نفعل شيئًا على أية حال.
ما اللعبة؟
قال وليد:
المافيا.
تبدلت ملامح أفِيلا لسماع ذلك.
قال كريم:
عبارة عن ماذا؟
هي ألغاز لمجرمين.
ومن يستطيع حل هذه الألغاز يكون مافيا.
إذا حللتها فأنا مافيا.
أجل.
أحببت اللقب كثيرًا.
أريده أن ينطبق علي.
من أنا؟
ابتسموا.
بينما أفِيلا تعجبت.
ما قاله.
أحب ماذا؟
لقب المافيا!!
يقولها وكأنه لقب عظيم يجعل له هيبة وخوف من الجميع.
وبالفعل ذلك اللقب كذلك.
نظرت ل كاسبر.
فهم لا يعلمون من يجلس معهم.
قال وليد:
لنبدأ.
أخرج هاتفه وفتح الألغاز.
وقال:
جريمة قتل غامضة.
كان يومًا ممطرًا وباردًا.
وهناك فتاة تدعى ماري.
كانت تشعر بالإحباط.
لذا قررت دعوة أصدقائها لزيارتها.
لكن بعد 30 دقيقة من وصولهم.
عثروا عليها مقتولة.
قامت الشرطة باستجواب أصدقائها.
تقول صديقتها لورا بأنها لم تتناول أي طعام طيلة اليوم.
لذا كانت تأكل في المطبخ.
وأخبرت هانا أنها كانت تسبح في حوض السباحة.
وقال سام أنه كان يطالع أحد الكتب في الفناء الخارجي للمنزل.
وكان كرسي يجلس في غرفة المعيشة يرسم في ذلك الوقت.
من القاتل؟
نظروا إليه.
أخبرته بيرى أن يكرر.
فعاد عليها.
وأخذوا يفكرون.
قالت أفِيلا:
سام.
لأنه كيف يكون يقرأ كتاب في الفناء وكان الجو يمطر.
قال كاسبر:
يوجد قاتلان.
نظر الجميع له.
أكمل:
لم تخطئ أفِيلا.
إنه سام وهانا أيضًا.
الاثنان وضعا حجة بعيدة أوقعتهم.
كيف لهم المطالعة على الكتب والسباحة خارج المنزل بين الأمطار والأجواء الباردة.
نظروا إليه.
قلب وليد في هاتفه على الإجابة.
الإجابة صحيحة.
لننتقل إلى اللغز الثاني.
احتجز مايكل وعائلته كرهائن من مجرم في منزلهم.
وفجأة رن جرس الهاتف.
سمح المجرم لمايكل بأن يرد على الهاتف.
ولكن بدون أن يطلب المساعدة.
وإلا سيقتل أحدًا من عائلته.
لذلك رد مايكل وقال:
مرحباً يا أبي.
أيمكنني مساعدتك؟
أنا في المنزل ومتعب للغاية.
إذا لم تكن حالة طارئة سأتصل بك في الغد.
والآن علي أن آخذ الأطفال إلى السرير.
وبعد مرور 15 دقيقة.
وصل رجال الشرطة وقبضوا على المجرم.
كيف تمكن مايكل من طلب المساعدة من والده؟
كان هذا اللغز غريب بعض الشيء.
فصمتوا.
فهو لم يقل شيئًا يستدعي الخوف أو طلب النجدة.
شفرة.
نظروا إلى كاسبر.
بعدم فهم.
أكمل:
قام بتقطيع كلماته.
كانت شفره.
مساعدة.
منزل.
حالة طارئة.
اتصل.
نظر وليد في هاتفه ووجد الإجابة صحيحة.
نظروا له بإعجاب.
نظرت أفِيلا لهم.
ثم قالت:
هيا اللغز الآخر.
أومأ وهو يقول:
حسنًا.
قام إرهابي باختطاف طائرة بها الكثير من الذهب و 10 ركاب على متن تلك الطائرة.
وبمجرد أن وضع المجرم يديه على الذهب طالب ب 11 مظلة.
عندما حصل على مراده أخذ مظلة واحدة وقفز من الطائرة.
لماذا طلب 11 مظلة إذا كان يحتاج مظلة واحدة؟
قالت كريم بتساؤل:
ألم يكن معه أحد؟
مجرم آخر مثلاً؟
كأنه بمفرده.
قال كاسبر:
إذا كان قد طلب مظلة واحدة كان تم خداعه.
أعطوه مظلة معطلة.
لكنه طلب 11 ليخدعهم هو.
فظن طاقم الطائرة أنه سيقفز مع الركاب.
لذلك لم يخاطروا وأحضروا جميع المظلات سليمة.
قال كريم:
إنك ذكي كثيرًا.
الأمر لا يستدعي الذكاء.
قال وليد بمزاح:
إذا كنت استدعيته ماذا سيحدث؟
ابتسم وجيد.
هل حصل علي لقب المافيا إذا؟
قالت أفِيلا:
لا.
ما زالت اللعبة طويلة.
لما العجلة؟
نظرت إلى كاسبر.
أمسكت يده وهي تبتسم وتجز على أسنانها وتقول:
أليس كذلك؟
نظرت له هو الآخر.
ابتسم عليها.
فهي مجرد لعبة متعلقة بالذكاء والتفكير فقط.
وليس لأنه مافيا ومن عالم الجرائم كما تظن هي.
نظروا لهم وهم ينظرون لبعضهم.
قامت بيرى بضرب كريم بكوعها.
فتألم.
قال:
ماذا؟
قالت بصوت منخفض إليه:
لماذا لا تمسك يدي وتنظر في عيني أنا أيضًا؟
إنك لم تطلبي ذلك.
غضب بيرى منه أكثر.
وقالت بغضب:
هل يجب أن أطلب؟
وكيف لي أن أعرف؟
ابتسم كل من بهيرة و وجيد عليهم.
رن جرس الباب.
تفاجأ وجيد.
فهو لا ينتظر أحد.
ذهبت بيرى لتفتح.
حاتم.
تفاجأت أفِيلا كثيرًا والجميع.
نظروا خلفهم ناحية الباب.
وجدوا حاتم ورجال شرطة.
وقفوا بعدم فهم من رؤيتهم.
اقترب حاتم منهم.
وقال:
أعتذر على مقاطعتكم.
قال وجيد:
مرحباً.
هل هناك شيء حول أمر أفِيلا؟
لا.
قال كريم:
ما الأمر إذا؟
ولماذا كل طقم الشرطة معك؟
نظر حاتم ل كاسبر.
وقف أمامه.
ابتسم.
وقال:
مرحباً يا علي.
لا أقصد كاسبر.
نظر له الجميع باستغراب.
ليكمله بجدية:
أم أدعوك ب لوسيانو.
رواية احببت مافيا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور
أرجوك لا تقترب مني.
أدرك ما وراءها بما تفعله، ضاقت ملامحه. اقترب منها، أمسك ذراعها بقوة فبكت أكثر، لكن لم يهتم. هذه الحركات الحقيرة دفعها إلى الباب يخرجها، لكن وجده قد فتح. وقعت الممرضة، لكن هناك من أمسكها. رفعت أنظارها، وجدتها "أفيلا" التي نظرت لها بشدة، وإلى "كاسبر" من خلفها الواقف، وتريد تفسيراً لما يحدث. اعتدلت الممرضة وتشهقت بخوف ووجهها غارق في البكاء، لتتطلع إلى ثيابها وشكلها المبهدل، لتنظر إليه بصدمة مما تراه. سمعت صوت بكائها وهي تقول:
طبيبة "أفيلا"، جيد أنك أتيت. انقذيني من ذاك الوحش.
نظرت إليها لتردف برجاء:
لقد كان يحاول الاعتداء علي، احميني منه أرجوكي.
كان "كاسبر" متفاجئاً أن "أفيلا" لم تذهب من المشفى بعد، ومتضايقاً أنها تلك العاهرة وهي تفتريه عليه أمامها. و"أفيلا" تنظر له بصدمة. لم يعلم نظرتها هذه، هل تعني أنه يصدقها؟ فهي لا تعرفه وهذه امرأة مثلها، بالتأكيد ستقف بجانبها. وجدها تقترب منه وتقف أمامه مباشرة وتنظر في عينيه. نظر لها، استدارت إلى الممرضة. دققت النظر إليها والحزن البادي على وجهها بانهيار. اقتربت منها، مدت، أمسكت ملابسها لتعدلها من عليها، لتسعد من داخلها أنها انخدعت بها.
أخبريني ماذا كنتِ تفعلين هنا؟
قالت "أفيلا" ذلك وهي ترتب هندامها. نظرت الممرضة إليها وسؤالها، شعرت بتوتر من كيفية الإجابة. لتجدها ترفع أنظارها ببرود. ارتبكت ثم قالت:
كنت أسأله أن كان يريد أي شيء.
لتنظر إلى "كاسبر" وتضيف:
أخبرتني أن أعتني به، لكن هذا الحقي...
ولم تكمل كلمتها. سرعان ما تلقت صفعة قوية على وجهها، أصمتتها بصدمة كبيرة تعتريها. وتفاجأ "كاسبر" كثيراً من فعل "أفيلا". نظر إلى الممرضة التي رفعت وجهها ببطء. نظرت إليها وهي لا تزال في صدمتها.
من يلقب بالحقير، هي أنتِ.
لم تصدق تحولها وما تقوله. ابتسمت ساخرة:
أخبرتك أن تعتني به لأنه مريض، لا أن تحاولي إغراءه بتسكعك حوله.
استعادت رباط جأشها لتدافع عن نفسها وتقول:
لا طبيبة "أفيلا"، أنا فقط كنت أرى محتجاته. إنه من كان يستغل الأمر ويحاول التقرب مني و...
لتصمتها صفعة قوية صافحت وجهها. ومن هول صدمتها لم تعد قادرة على النطق ثانية. أمسكتها من ملابسها وقالت بحدة:
لا تحاولي الكذب... إنه ليس هكذا.
نظرت لها بحنق لأن حيلتها قد فشلت. وعيناها تشتعل غضباً. اقترب "كاسبر" من "أفيلا" الذي كان قد تابع ما حدث. وضع يده على يدها التي تمسكها بها. نظرت له، ليتطاير غضبها. علمت أنه يخبرها أن تتركها. نظرت إلى الممرضة بحنق وقرف، فتركتها. بينما كانت تريد تلقينها درساً لأنها حاولت التقرب منه. بل رؤية ملابسها وهي بتلك الحالة يجعلها تشتعل غضباً، وتعلم أنه لم يفعل شيئاً، إلا أنها غيرتها تأكل قلبها. لتجدها تنظر إليهم وتذهب للخارج، تتركهم وهي غاضبة. فما الذي أتى بـ "أفيلا" في ذلك الوقت؟ لكانت نجحت بما أرادته. بينما هي سعدت، فقد علمت وهي تغادر برحيل "كاسبر" غداً من المشفى، فذهبت لتراه لتودعه بعينيها. ومن الجيد أنها أتت.
لم يكن هناك داعٍ بما فعلتيه.
سمعت ذلك القول وكان منه. السترات، ونظرت إليه بدهشة وقالت:
ماذا؟
كنتِ أخرجتها فقط، هذا ما كنت سأفعله بدون أن أمد يدي عليها.
ابتسمت بسخرية قالت:
هذا النوع عليك أن تأخذ ردة فعل لتوقفها عند حدها.
نظرت له، كان بارد الملامح. فأردفت بغضب:
ألم ترَ ما قالته عنك؟ وبعد كل ذلك لا تريدني أن أقترب منها.. أي هراء ذلك.
قالت آخر جملة بضيق وهي تتذكرها.
وماذا في ذلك؟
قال "كاسبر" ذلك ببرود. نظرت له، واردة لتجده يقترب منها. عادت للخلف بإرتباك. قال هو يقترب منها:
هل كلامها ضايقك؟
نظرت له وتوترت كثيراً. عادت للخلف إلى أن توقفت مع توقف قدماه من الاقتراب منها، لينظر لها عن قرب. بلحظات صمتت ليقطعه وهو يقول:
لا داعي أن تضايقي، فأنا لست زوجك.
نظرت له بشدة وصدمت. ابتعد عنها قالت بإرتباك:
زوجك؟!
علمت أن زوجك يشبهني، لذلك أريد إخبارك أني لست هو حتى تفعلي ذلك.
احمرت عيناها وتجمعت داخلها الدموع بحرقة، فقد ظنت أنه تذكر ويعرف من تكون.
أنت بالفعل لست هو.
قالت "أفيلا" ذلك ببرود. نظرت له لتكمل بصوت ضعيف:
أنك لا تشبه في شيء.
نظر لها "كاسبر" ومن نبرتها، وكانت على وشك البكاء. ليجد دموع تسيل على وجنتها وهي تنظر له بحنق وتخرج. شعر بالضيق من نفسه، فهل جرحها بكلماته ليسبب في بكائها كالآن.
دخلت إلى مكتبها والدموع تسيل من عينها بحزن وغضب تتذكره وهو يخبرها أنه يشبه زوجها الذي يكون هو.
هل ظن أنه "علي"؟ بل إنه "كاسبر" الذي كنت أخاف منه دوماً.
صمتت لوهلة وتلاشى غضبها، فهي أحبت "كاسبر" قبل أي شيء، من ثم أحبته لـ "علي". إنهم شخص واحد ذاته الذي تحبه.
تنهد تنهيدة طويلة تحمل هماً وحزناً. قربت يدها من وجهها تمسح دموعها، ثم خلعت جاكتها وذهبت لتغادر.
في اليوم التالي كان "كاسبر" يغادر. وقف ليذهب، دخل "مازن" والطبيب "ياسر" الذي ابتسم ابتسامة خفيفة قال:
لو كنت أعلم أنك بخير هكذا لسمحت لك بالخروج البارحة على الفور.
حمد الله على سلامتك.
أومأ إليه أردف قائلاً:
سوف تذهب، لكن يجب أن يعتني بك أحد وتتابع مع طبيب.
أشكرك.
قال "مازن" ذلك. أومأ "ياسر" برأسه وذهب.
خرج كل من "مازن" و"كاسبر" من المشفى المغادرة، لتتوقف عيناه عندما وجد "أفيلا" تترحب من السيارة وتتقدم من المشفى إلى أن توقفت مكانها حين رأته. نظر "مازن" إليه ولما توقف، نظر على ما ينظر ليجدها واقفة.
تذكرت ما حدث البارحة. شعرت بالخذلان. ذهبت لتدخل للمشفى متخطية، نظر لها.
الن نذهب؟
قال "مازن" ذلك. نظر له ثم ذهب. فتح رجاله السيارة لهم ليدلفوا لداخل ويغادروا.
كانت "أفيلا" جالسة في مكتبها وهي حزينة من رحيله، فهي لم تمل من رؤيته بعد. هل غادر؟ الن تراه ثانية؟ وجدت هاتفها يرن. أمسكته لتجده عمها وجيد. ردت عليه.
مرحباً يا أفيلا.
مرحباً عمي، هل هناك شيء؟
أريد التحدث معك.
تعجبت فيما يريدها. قالت:
أنا في المشفى الآن.
حين تنتهي تعالي للمنزل.
حسناً.
في المساء كانت "أفيلا" وصلت إلى منزل عمها التي لم تكن تراه ولم تطأ قدماها لداخل لفترة كبيرة. ضغطت على الجرس. فتح الباب وكانت "بيري" لتبتسم فور رؤيتها.
اشتقت لكِ.
قالت ذلك وهي تعانقها. تفاجأت "أفيلا" منها كثيراً. ابتسمت ابتسامة خفيفة وبادلتها العناق لثوان ثم ابتعدا وأشارت لها بالدخول وتسألها عن حالها.
دخلت وجدت عمها وخالتها جالسين. اقتربت منهم. نظرت لها "بهيرة" وابتسمت وأشارت أن تجلس بجانبها. لم تفهم "أفيلا" شيئاً، إلا أنه شعرت بصمة أمر ما. جلست، نظرت لعمها قالت:
خير يا عمي، فينا تريدني.
هناك أمر أريد أن أحدثك به.
ماذا هو؟
لتسبقه "بيري" في الفور بمرح:
لقد خطبك رجل للزواج.
نظرت لها بصدمة ومن ما سمعته. لينظر "وجيد" إليها بحدة فأرتبكت وخفضت أنظارها أسفاً.
هل ما قالته صحيح؟
قالت "أفيلا" ذلك. نظر لها قال:
أجل، إنه مهندس، رجل صالح يعرف الله. أعجب بك وأخبرني أنه يريد أن يتزوجك.
تنهدت بضيق وقالت:
ألم تمل من هذا يا عمي؟
أعطي لنفسك فرصة، أنك لم تريه بعد.
لا داعي لرؤيته، هذا الزواج لن يتم على أي حال... بل إنه مستحيل.
لكني وافقت.
قال ذلك يضعها أمام الأمر الواقع. لكنها قالت ببرود:
هذا لا يعتمد على موافقتك، إنه غير قانوني وشرعي، فأنا امرأة متزوجة بالفعل.
نظر لها بغضب وقد طفح الكيل منه قال:
كفاكي جنوناً به، لقد مات.
لم يمت، إنه حي.
تنهد ثم قال:
داخلك... إنه حي بداخلك، أما في الواقع فلا...
لتقاطعه وهي تقول:
إنه على قيد الحياة، علي لم يمت.
نظر لها وانتابته الصدمة مما تقوله، فهو سمع كثيراً منها ذلك، لكن هذه المرة تتحدث مختلفة عن أي مرة، وكأنها لا تقنع هو، بل نفسها ذاتها مقتنعة وتتحدث بثقة.
كيف لم يمت؟
كان ينظر لها ويشعر بالقلق عليها قال:
أنتِ بخير يا أفيلا.
أخبره أني متزوجة.
قالت ذلك وهي تقف تعلنهم برحيلها وهم يتطلعون بها في تفاجؤ واستغراب. بينما "وجيد" انتابه الخوف حياله وباله مشغول بالتفكير بها.
في الفيلة كان "كاسبر" بغرفته يقوم بتبديل ملابسه. وأثناء ذلك تذكر "أفيلا" وهي قريبة منه وتلف القماش الطبي حول ذراعه ورأسه. تذكرها عندما لم تصدق الممرضة وصدقته هو وصفعتها لأنه اتهم عليها. "لا تحاولي الكذب، إنه ليس هكذا".
تلك الجملة كانت غريبة بالنسبة إليه. فمن أين لها أن تعرف؟ فكل رجل بداخله غريزة. كيف كانت واثقة في كلامها هكذا؟ هل كانت تقصد زوجها وتتحدث عنه؟ لكنه شعر وكأنما تتحدث عنه هو حقاً وليس أحد أخر.
"علمت أن زوجك يشبهني، لذلك أريد إخبارك أني لست هو حتى تفعلي ذلك". ليتذكر صورتها والدموع من عينها أثر كلماته التي جرحتها. ضغط على يده عندما تذكرها ولا يعلم. شعر بالضيق لرؤيتها منكسرة، وكأنما لم يراها هكذا من قبل. وهو لا يعرفها، بل لم تجمعهما غير لقاءات لدقائق وحدود رسمية بينهم. لماذا يفكر فيها؟ هل يشعر بالشفقة عليها؟ لكن منذ متى وهو يشفق أو يتأثر بأحد.
في مساء اليوم خرجت "أفيلا" من المشفى تحب الوقوف بالخارج وتنظر حولها. نظرت يمينها في حديقة المشفى تذكرت وهي جالسة مع "كاسبر" ويشربون القهوة وتبتسم له. ابتسمت وسالت من عينها دمعة. رفعت يدها ومسحت وجهها ودخلت.
في اليوم التالي نزل "كاسبر" من غرفته وجلس على المائدة يأكل هو و"مازن" الذي كان يلقي أنظاره عليه ثم قال:
سوف أحضر طبيب ليتابعك.
لا داعي.
قال ذلك بغير اهتمام. نظر له بتعجب قال:
لكنك مريض، جرح رأسك لم يلتئم بعد وزراعك، يجب أن يتابعك طبيب.
نظر له ببرود ثم عاد لطعامه ولم يرد عليه. لكن لوهلة تذكر شيئاً. صمت "مازن" ولم يشأ إزعاجه.
أريد تلك الطبيبة.
قال "كاسبر" ذلك. نظر له وسعد، لكن ما يقصد ليردف:
صديقتك.
تبدلت ملامحه. نظر له قال:
من؟ "أفيلا"؟
أومأ إليه. تعجب، فهل تذكر شيئاً ويخبأ؟ قال بتساؤل:
هناك أطباء كثيرون، لماذا هي؟
لم يرد عليه. تنهد ثم قال:
لن توافق.
نظر له أكمل بتوضيح:
توافق بشأن عملها في المشفى فقط.
ستأتي.
نظر "مازن" إليه ومن نبرته الجامحة لا يعلم ما يفكر به ولما قالها بثقة ومأنما يعلم بذلك. هل ممكن أن يكون تذكرها؟ لكن هل سيكون بذلك الهدوء لذا تذكرها؟
لماذا إذا يريدها هي بالتحديد.
جاء أحد رجاله ليقاطعهم. اقترب من "كاسبر" ليخبره بشيء في أذنه بصوت منخفض، ثم ابتعد. ليسود الصمت قليلاً، ثم يقف بجمود ويذهب. نظر له مازن وهو يغادر ليخرج هاتفه.
كانت أفيلا في العمل تتحدث مع مريض، سمعت رنين هاتفها. استأذنت وهمت بالذهاب. وقفت بالخارج، أمسكت الهاتف وتعجبت كثيراً حين كان المتصل "مازن". فهل يتصل بها؟ لكن سرعان ما أصابها القلق أن يكون حدث شيء لـ "كاسبر". رديت، لكن قبل أن تتكلم سبقها في القول:
"إذا طلب 'علي' منك أن تتابعي حالته، ارفضي."
تعجبت وقالت باستغراب: "ماذا؟!"
"فهمتي، أليس كذلك؟"
"ولماذا ليطلب مني أنا ذلك؟"
صمت قليلاً ثم قال: "لا أعلم."
تنهدت ثم قالت: "حسناً، على كل حال لم أكن سأقبل، لتطمئن."
"جيد."
قال ذلك ثم أنهى المكالمة. بينما هي كانت تفكر فيما قاله، فهي لم تكن لتقبل حتى لا تتعلق به. لا تريد ذلك، بل تريد الابتعاد عنه حتى لا تسببه له أي أذى آخر. إن كان سيكون بخير في ابتعادها، فلتبتعد.
فتح رجلان باباً ليدخل "كاسبر" بجمود، فيقلوه من خلفه. ليسير بثبات وفي يده ذاك القلم الأسود. ليقترب من أحد مقيد، مشوه من كثرة الضربات التي تعرض إليها، وكان هو ذاته حاول قتله في المشفى. جلس على قدميه مقابله، ونظر في عينه نظرة لا تبشر بخير. ليجده يقول بهموء وهو ينظر لقلمه:
"أتُشعر بالخوف؟"
لم يرد عليه خوفاً. إذا نطق بحرف واحد تنطلق رصاصة تنهيه باكراً. فالتزم الصمت تماماً. سرعان ما أكل عليه، لكنه قواه، عند صدفيه ترنح بسببها وسالت الدماء منه. قرب يده ليشعر بالخوف. ليجده يضعه عند فمه ويبعدها وينظر لإصبعه. وكأنما يتذكر دماء "أفيلا" وجرح شفتاها وضربه لها. قال:
"هكذا أرضيت ضميري بعض الشيء."
نظر له ببرود واردف قائلاً: "من أرسلك؟"
لم يجاوب عليه. ثم وجده يقف. نظر له وينصدم حين وجده يخرج مسدسه ويصوب عليه. ارتعب بدنه وقال:
"انتظر، إنه باولو."
ليردف قائلاً وهو يرتجف: "باولو هو من أرسلني لأقتلك."
لتنطلق رصاصة تصيبه في منتصف رأسه، ليقع الرجل أرضاً. ذهب كاسبر ببرود، وكأنما لم يندهش لسماع الاسم. ولم يكن ليتركه حياً، فقد حاول قتله ورأى كيف هجم على امرأة بعنف وكاد أن يقتلها وهي ليس لها دخل به.
ليمر اليوم التالي، وكانت "أفيلا" عائدة لشقتها لتدخل وتجلس على الأريكة بتعب. ثم وقفت، دخلت غرفتها لتبدل ملابسها، لكن سمعت صوت جرس الباب يوقفها. تعجبت. نظرت إلى الساعة، كانت منتصف الليل. فمن سيأتي لها في هذا الوقت؟ فتحت، وجدت رجلان. نظرت لهم باستغراب، فاخبراها أنهم رجال "كاسبر" وأنه يريدها. لم تكن تفهم شيئاً. قالت:
"لماذا؟"
وتذكرت حديثها مع مازن البارحة. قالت:
"لن أذهب. أخبره أني أرفض ذلك. سوف أرسل له طبيب آخر إن أراد."
"لقد أخبره شقيقه أنكِ رفضتِ، فطلب منا أن نحضرك."
كانا يتحدثان بجمود. لم تعر كلامه اهتماماً. قالت:
"لن أذهب. أعتذر له."
كانت ستقفل الباب، لكن وضع يده يمنعه. نظرت له، قالت:
"ماذا هناك؟"
"أعتذر سيدتي، لكننا ننفذ الأوامر فقط."
نظرت له باستغراب وعدم فهم. فأمسكوها من ذراعها. نظرت لهم بشدة وصدمت. قالت:
"ماذا تفعلان؟"
أخذوها وذهبا. لتهتف بصوت مرتفع:
"أبتعدوا!"
لم يردوا عليها. نزلو من العمارة وهي معهم، تحاول الإفلات منهم وتأمرهم بأن يتركوها.
"أنتم!"
توقفوا عند ذاك الصوت، لينظروا ليجدوا رجلاً في أواخر عقده الأربعين كهلاً، وكان حارس المبنى. نظر إلى أيديهم ليقل بسخط:
"كيف تمسكون الطبيبة هكذا... اتركـوها."
نظروا لبعضهم بجموح من تحدث معهم هكذا. فنظرت "أفيلا" إليهم وشعرت بالخوف. فقالت:
"لا بأس يا عم صالح، أعرفهم."
نظر لها بشك، ثم ذهبوا وعينه معلقة عليهم ويشعر بالريبة. ومن هؤلاء الرجال؟ فهو لا يرى لها زائرين كثيراً وتبقى في حالها. أمسك هاتفه وأقام مكالمة حتى أتاه الرد. قال:
"الطبيب عمر معي."
"مرحباً يا عم صالح، كيف حالك؟"
"أنا بخير الحمد لله... أردت أن أخبرك أن هناك رجلين يمسكان الطبيبة ويأخذونها."
"ماذا؟ رجلان؟!"
"أجل، لم أرتاح لهم، لهذا اتصلت بك لأعلمك كما طلبت مني."
شعر بالقلق. فعن أي رجلين يتحدث؟ قال: "لماذا لم تمنعهم؟"
"منعتهم، لكن الطبيبة قالت أنها تعرفهم وذهبت معهم، لكن شعرت بالريبة منهم."
"حسناً، أشكرك."
أغلق الهاتف وذهب. وشعر أنه لم يكن جيداً إعطاء رقمه لحارس المبنى الذي كان مريضاً عنده. فأراد أن يطمئن عليها خشية لما كانت عليه "أفيلا" قبلاً، فكانت تثير القلق.
فتحوا السيارة ليدخلوا أفيلا. لكنها سرعان ما ركلت أحدهم فابتعد عنها، ثم لكمت الآخر وركضت بعيداً عنهم. لتجد آخرين يقفان أمامه ويعيقوها. قال رجل:
"سيدتي، لا نريد إيذاءك."
"قلت أني لن أذهب معكم."
كانوا متضايقين ولا يريدون أن يغضبوا احتراما لها ولسيدهم، فيمنع أن يتصرفوا معها بأسلوبهم الآخر. أمسكها أحد من الخلف. حاولت الإفلات، لكنها أمسكها بإحكام مانعاً الحركة. صرخت. ووضع يده على فمها وأدخلها إلى السيارة، ثم ذهبوا مبتعدين من هنا.
وصلوا إلى الفيلا، ليتجلوا وهي معهم، ويأخذوها للداخل وهي متضايقة كثيراً ومحاولات للفرار التي باتت فاشلة.
كان "مازن" ماراً ليتوقف وينظر إلى "أفيلا" بصدمة من وجودها وكيف يمسكها الرجلان. نظرت له وقد رأته، فاخذوها للأعلى.
أدخلوها إلى غرفة. وجدت "كاسبر" الذي نظر لها بدهشة من إمساك رجاله لزراعيها هكذا. ليرمقهم نظرة غاضبة، فتركوا زراعيها وابتعدوا عنها. ليقل أحدهم:
"نعتذر يا سيدي... لم تكن تريد أن تأتي معنا."
قال ذلك بتبرير، برغم أنهم كانوا يمسكونها، إلا أنهم كانوا عيناً معها. نظر إليها. كانت تعادل في وقفتها. نظرت له، قالت:
"لماذا طلبتني؟"
"ألم يخبرك "مازن"؟"
"بلى، أخبرني ورفضت... فقمت بإرسال لى رجالك ليحضروني رغماً عني."
نظر لها، فهو أرادهم أن يخبروها لا أن يأتوا بها هكذا. ليجدها تبتسم ابتسامة ذات معنى، وتقترب منه. نظر لها، فباتت قريبة كثيراً، لتقل بصوت منخفض في أذنه:
"أتنفذ أساليب المافيا علي؟"
تصنم بما سمعه منها. ابتعدت عنه. لينظر لها بصدمة وتفاجؤ. فكيف عرفت أنه من المافيا؟ سرعان ما أخرج مسدسه ووجهه نحوها ليقل بجمود:
"من أنتي؟"
شعرت بالخوف من حركته وإخراج المسدس. نظرت، وهل يرفع مسدس حقاً في وجهها؟ لم يفعلها من قبل ويفعلها. دخل "مازن" للغرفة وتوقف بصدمة حين رأى "كاسبر" في يده مسدس ويوجهه على "أفيلا" التي كانت واقفة أمامه تنظر إليه. أعاد بأنظاره لأخيه بخوف وقال:
"ما... ماذا تفعل؟"
لم يرد عليه. لينصدموا حين وجدوه يقوم بتعميره وهو يقول ببرود:
"لا أكرر كلامي."
خطت "أفيلا" خطوة تجاهه. نظر لها بتعجب، كونها لا تبالي بحياتها، أم استعان بها؟ إلا تعرف ما تفعله سيكلفها حياتها.
"أنك لا تقتل النساء."
قالت ذلك، لينظر لها باستغراب ومزيج من الدهشة. لتكمل:
"أليس هذا من ضمن مبادئك؟"
"أراكِ تعلمين عني الكثير."
قال هذا بذهول، إلى أن تبدلت ملامحه لجمود. ليردف قائلاً:
"لكني إذا اضطررت، أتخلى عن هذه المبادئ."
نظرت له، ومن لهجته المخيفة. ليضغط على الزناد ويطلق عليها. لينفذ "مازن" من الصوت، نظر إلى "أفيلا" بصدمة وهو يوفى. ليجدها واقفة على قدماها متصنمة، تصطك ساقيها ببعضهما من ارتجافها. كانت في حالة من الصدمة، أنفاسها مقطوعة من هولها. لتتحرك عيناها وتنظر لكاسبر، الذي كانت عيناه باردتين مخيفتين بقسوته، عكس عيناها المرتجفة خوفاً. رفعت أفيلا يدها ببطء شديد. قربت أناملها من أذنها، ثم نظرت ليدها. كان على أناملها دماء، أثر جرح الطلقة التي مرت بجانبها. ألقت نظرة خلفها وهي ترتجف. وجدت الطلقة أصابت الجدار، فقد كادت أن تصيبها. قام "كاسبر" بتعمير مسدسه مرة أخرى بجمود، غير مبالٍ بصدمتها.
"تلك المرة ستكون في منتصف رأسك."
قال ذلك بتحذير، وهو يعيد تصويبه عليها بنظرته المخيفة الباردة، يعلن جديته فيما قاله، غير مكترث لحياتها.
رواية احببت مافيا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نور
ضغط على الزناد فأطلق عليها رصاصة اخترقت أذان الجميع. انفزع مازن من الصوت وكتم أذنيه، وكان الجميع مصدوماً. فتحوا أعينهم وشافوا فريدة واقفة ورجليها بتترعش ومصدومة، ولا تصدق أنه أطلق عليها.
رفعت يديها ببطء ولمست أذنيها لتجد دماء على أناملها. لفت وشافت الطلقة مخترقة الجدار وقريبة من موقعها، حيث كادت أن تصيبها. ارتجف قلبها وعادت ونظرت له، وكانت عينه مخيفة، باردة، مليئة بالقسوة. لقيته بيعدل مسدسه وبيقول:
"تلك المرة ستكون في منتصف رأسك."
قام ليعمر مسدسه غير مبالٍ بها. بينما هي سمعت ما قاله، عادت أنظارها إليه بصدمة وخوف شديد من الذي يقف أمامها. لم تكن ترتعب منه هكذا يوماً، لم تراه مخيفاً. أصاب قلبه رجفة الموت هكذا. كانت لا تستطيع أن تأخذ أنفاسها حتى وقعت مغشياً عليها. نظر لها، اقترب منها وأمسكها ليجدها مقفلة عيناها.
"ما الذي فعلته؟"
قال مازن ذلك بغضب. لم يرد عليه. حملها واقترب من فراشه، وضعها عليه، ثم ابتعد عنها. نظر إلى رجاله، قال ببرود:
"أحضروا طبيباً إليها."
أومأوا بالطاعة فخرج من الغرفة وتركهم. وكان مازن يطالعه إلى أن غادر، ثم نظر إليها وهي فاقدة الوعي لفرط صدمتها. فلقد أشفق عليها بما رآه ورؤيتها ترتجف من الخوف بما فعله أخيه. فهو أيضاً خاف منه. سمع رنين هاتفه وجده رد عليه ليجده يقول:
"أعلم أنك آخر شخص ممكن أن أسأله عن أفيلا، لكنها ذهبت..."
"إنها هنا."
قال ذلك وهو يقاطعه. فتعجب عمر كونه يعرف مكانها. كان يقود السيارة. قالت مازن:
"سوف أرسل لك العنوان."
"حسنا."
قال ذلك ثم أنهى المكالمة وهو مستغرب كونه يعرف مكانها. ليتذكر ما أخبره به حارس المبنى. فهل كان الرجال هم رجاله هو؟
سمع صوت هاتفه قاطعه، وكان العنوان. فالتف بسيارته وتوجه إليه. ترجل بعدما وصل. أسرع ليدخل، لكن رجاله أوقفوه ويسألونه من هو وكنيته.
"اتركه، إنه الطبيب."
قال مازن ذلك. نظروا له فسمحوا إليه. فدخل عمر. نظر إليه ليجده يذهب دون أن ينطق بكلمة. تعجب، إلى أنه تبعه. دخل إلى غرفة لتقع عيناه على أفيلا التي كانت مستلقية على السرير. اقترب منها سريعا:
"ماذا حدث لها؟"
"أغشي عليها أثر خوفها."
استدار. نظر له باستغراب، قال بتساؤل:
"خوفها من ماذا؟"
لم يرد عليه. حين تذكر ما حدث. ليدخل كاسبر. نظر إليهم لينظر إلى من يجلس عند أفيلا. التفت عمر ونظر، ويبدو عليه معرفته، ليقول:
"أنت."
فكان رآه في المشفى مع مازن منذ ثلاث سنين لتلك الواقعة التي حدثت له.
"جئت لأطمئن على أفيلا ونذهب."
قال عمر ذاك. تعجب كاسبر، فهل يعرفها؟ ليجده يمسك يدها. وكان سيحملها. قبض على يده. نظر له فأبعده عنها وهو يقول ببرود:
"لن تذهب إلى مكان."
قالت باستغراب:
"كيف لن تذهب؟"
"كما سمعت.. لن تخرج من هنا حتى أعلم أمرها."
نظر عمر إلى مازن باستغراب وعدم فهم من ما يجري. فتح أفيلا عيناها بأرق. نظرت الغرفة. اقترب وجلس على حافة السرير وقال:
"أنتِ بخير."
نظرت إليه ثم وقعت عيناها على كاسبر، فتذكرت ما حدث قبل أن تفقد وعيها. لتشعر بالخذي والخزف. لا تصدق. مستحيل أن يفعل ذلك. بتأكيد كان حلماً. فهل أطلق عليها؟ هل كان سيقتلها؟ وأنجدها غثيانها.
"ماذا حدث لك؟"
قال عمر ذلك بتساؤل. نظرت لتمسك صوته بنبرته الباردة:
"يمكنك المغادرة."
كان يقصد عمر، الذي نظر إليه ليجد من تمسك بيده وكانت أفيلا. نظر لها لتنفِ برأسها، ألا يتركها. ليستغرب من خوفها الشديد ويداها الباردتان. نظر كاسبر إليها وهي تمسك بيده. نظرت أفيلا إليه وتذكرت عندما كانت توصل عمر لشقته وكان سكيراً وتقرب منها، إلى أنه أبعدها عنه. وكان في يده مسدس على وشك قتله. "تذكري ما أخبرتك به يا أفيلا. من يقترب منك يحكم على نفسه بيده." هل هي تكترف خطأ وممكن أن يؤذيه بسببها؟ لكن في ذاك الوقت كان يحبها. أما الآن فلن، فهي لا تمثل أي شيء عنده. فلن يصيب عمر مكروهاً.
"أفيلا، أنتِ بخير."
قال ذلك، فأومأت برأسها خوفاً، وقد رأى ذلك، فقال:
"لنذهب."
"أراك لم تفهم كلامي."
جاءه ذلك الصوت. نظر له بلامبالاة ليقول بثقة:
"لن أغادر من هنا غير وهي معي."
"مقدار تلك الثقة يكلف المرء حياته أحياناً."
تعجب ولم يفهم ما قاله. سرعان ما سمع صوت، وكان أصوات أسلحة رجاله التي تصوب ناحيته. لتفزع أفيلا منهم. وينصدم مازن من رؤية ذلك. نظر إلى أخيه الذي لم يعد يعرف من يكون، إلى أنه خائف منه. كان عمر ينظر إليهم، ليعود بأنظاره إلى كاسبر ويقول:
"هل تظن أني سأخاف وأتركها؟"
لم تعلم أفيلا ما سيقدم كاسبر على فعله. فهل يظنه يهدده أو يمزح معه، أم أنه حقاً غير مبالٍ بحياته من أجلها؟ لتترك يده التي تمسكها على الفور وهي تقول:
"عمر، اذهب."
نظر إليها بدهشة. فهل تطلب من الرحيل؟ قال:
"لا تخافي، أنا معك، سأخرجك من هنا."
"غادر يا عمر، أرجوك."
قالت ذلك رجاءً من أجل أن يستمع إليها، فهي لا تريده أن يتأذى من تحت رأسها.
"إلى الخارج."
قال ذلك ليجده ينظر إليه ولا يزال موجوداً. اقترب مازن منه وأمسك ذراعه وأخذه ليهتف به أن يبتعد عنه. لن يصغي إليه وأخرجه. لينظر كاسبر إلى رجاله. أومأوا برؤوسهم وذهبوا. نظرت أفيلا إليهم لتجدهم يقفلون الباب خلفهم. خافت. لتجده يجلس على حافة السرير. ابتعدت عنه من تلقاء نفسها. نظر لها، لم يعر الأمر اهتماماً، قال:
"من أين تعرفيني؟"
نظرت له بخوف، لم ترد عليه. تنهد ثم أضاف:
"لا أريد إيذاءك، لكنك تضطرني لذلك.. يجب أن أعلم من أين لك أن تعرفي أنني من المافيا.. أنكِ تعرضين نفسك للخطر، وهذا ليس بشيء سهل أن تتفوهي به."
"قابلتهم من قبل."
قالت أفيلا ذلك ثم أضافت:
"ممكن أن تلقبها أن بيني وبينهم علاقة وطيئة منذ زمن... لذلك فأنا أعلم أساليبهم."
نظر لها، وكيف لها علاقة معهم؟ كيف توقع نفسها مع ناس كهؤلاء؟ هل تبدو له سهلة؟ أما هي غير كذلك.
"عندما رأيتك وأنت تصوب على ذلك الرجل الذي كان يحاول قتلك، ورؤية رجالك يأخذونه ليخفوا أثره من المشفى، وعندما أحضروني لهنا... شعرت أنك منهم، لكن لم أكن متأكدة.. كنت أمزح معك في قول أنك تنفذ أساليب المافيا عليا، لكن... لم أعلم أنك حقاً منهم."
كانت تجمع كلماتها ومتوترة.
"وكيف علمتِ بمبادئي؟"
"لقد قلتها هكذا بغير حسبان."
لتردف بخيبة ساخرة:
"لكني كنت خاطئة."
"ألم تخافي على نفسك بقول ذلك وإن كان بمزاح؟ كونك لديك علاقة بالمافيا فأنتِ تعلمين أن يلعبوا بأرواح البشر.. وأنا منهم.. أي أني لا أهتم بحياة أحد، فتأخذي حذارك."
"رأيت ذلك."
كان يتحدث بجمود وينظر لتعبيراتها.
"أتمنى ألا تكوني تكذبين."
قال ذلك بنبرة تحذير غامضة. فشعرت بالخوف. هل تكذب؟ هل تخبره أنها تعلم عنه كل شيء؟ حتى لقبه بين المافيا الذي كان السبب فيما فعلته قديماً.
لتجده ينظر لها ثم يقترب منها. نظرت له بشدة. ومن تقربه مد يده لوجهها. توترت كثيراً وارتفعت نبضات قلبها لتشعر بلمسة أنامله من أذنها.
"أعتذر على إخافتك."
نظرت له ومن ما قاله بتلك النبرة الحنونة التي ترجف قلبها حباً. شعرت بأن خوفها يبتعد عنها، بل دقات قلبها تتواثب شغفاً وحنيناً. شوقها يغترق بها. نظر كاسبر إليها ليجدها تنظر له وتتلاقى أعينهم. وهي افتقدته بتلك النظرة كثيراً. ليقتحم رأسها مشهد يفيقها على الواقع. لتتذكر وهو يضمها بحب. لتخرج سكينها وتقم بطعنه بكل دم بارد. لتجده ينظر لها بصدمة وعين متجمعة بها الدموع بعروقه البارزة، ولا يفعل لها شيئاً غير أنه مستسلم بين يديها.
أحمرت عيناها لتغلغل حبيبات الدمع بين جفونها، وكأنها تعيش المشهد ذاته. ابتعدت عنه. نظر لها كاسبر ومن ابتعدت. لتسيل من أعينها الدموع وتنظر إليه بحزن وعما فعلته به قديماً. كان متفاجئاً كثيراً وهو يراها تبكي، ولتحولها بين لحظات كانت هادئة. ابتعد عنها، وقف وخرج من الغرفة وتركها.
مسحت وجهها وذهبت للأسفل. خرجت من الفيلا، نظرت إلى البوابة، كان بها رجاله. علمت أنهم لن يسمحوا لها بالرحيل، فذهبت.
وقفت في حديقة خلفية تلعن نفسها لأنها لا تستطيع التقرب منه، بل كل ما تراه يهيئ لها ذلك المشهد بالذنب الذي اقترفته بحقه.
أخرجت هاتفها تفتحه وتفعل به شيئاً، لتتوقف عند إحدى الصور الذي قامت بفتحها، وكانت صورة لهما وهما معاً حين التقطتها له على غفلة بفمه تفاحة وينظر لها. "أفيلا."
"امسحي ذلك."
"لماذا؟ تبدو لطيفاً."
تسمع تلك الأصوات تجول برأسها وصوت ضحكات تتبعه من قلبها وهو يركض خلفها سعياً للحصول عليه.
ابتسمت حين تذكرته، لتقلب على صورة أخرى وهو يحاول أخذ الهاتف، وصورة أخرى وهم يضحكون، لتتعمق في سعادتهم وكيف بيدها دمرت كل شيء.
"أنا أفتقدك كثيراً."
قالت ذلك بصوت ضعيف تخاطب نفسها بحزن شديد يحتل دمعتها التي تساقطت من شدة قهرها. لتسمع صوت خلفها. انفزعت وخبأت الهاتف، لكن كان سيقع منها، لكن هناك من التقطه. زفرت باطمئنان أن لم يقع. لم يحدث له شيء. لتنظر إلى من أمسكه وتجده هو. أسرعت بأخذه قبل أن يراه ما فيه. نظر لها، جد وجهها محمر والدموع تملؤه.
"أعتذر. كنت أشعر بالضيق، وقفت هنا قليلاً."
"لما تبكين؟"
نظرت لنفسها ثم مسحت وجهها، يكفيها وهي تقول:
"لا شيء."
"هل تذكرتيه؟"
نظرت له بعدم فهم، فقال بتوضيح:
"زوجك."
"لم أنساه حتى أتذكره."
"تحملين صورة له؟"
قال ذلك بتساؤل، ليضيف:
"أريد أن أعلم لأي حد يشبهني مما جعلك تبكين وأنتِ تنظرين إلى."
وكان يقصد بتحولها بالغرفة. نظرت أفيلا إليه قليلاً، ثم قال:
"إنه واقف معي الآن."
تبدلت ملامحه. نظر لها بعدم فهم من ما تقوله وماذا تعني بتلك النبرة. فقالت بتفسير:
"أقصد أنه معي دائماً."
أومأ بتفهم، ثم قال:
"كيف لك علاقة بالمافيا وتعرفينهم؟"
"تمتد علاقتي بهم في كل مرة... فلقد قتل والداي على يدهم."
نظر لها. فظن أنها تعمل معهم. يبدو أن ثمة أمراً ما خاطئ. فلما والديها قتلو؟ ماذا فعلت؟ أوقعتها بهم.
"كيف؟"
ابتسمت. نظرت له، قالت:
"تستطيع أن تعرف كل شيء عني، لا داعي لسؤالي."
"لما تتحدثين معي الآن بتلقائية بينما ارتجفتِ وأنتِ تتكلمين عنهم؟"
أردف ببرود وهو ينظر لها:
"أنا أيضاً منهم."
"إنك مختلف."
قالت ذلك بثقة. تعجب، إلى أن ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه وقال:
"وما الاختلاف؟ أتشوق لمعرفته."
نظرت له ومن نبرته، لتتعمق في ابتسامته، وكأنما تتأمل ملامحه وتحفظ صورته وتكونها داخلها من جديد. فلم تراه منذ سنين وجهاً لوجه بتلك الابتسامة. نظر لها كاسبر وإلى صمتها، وجدها تنظر له. أفاقت بتوتر ونظرت بعيد، قالت:
"متى سأغادر؟"
"كنت أريد أن تكوني أنتِ الطبيبة التي تتابعني، لكن لا أستطيع منعك."
أن أردتي أن تغادري، لم هذا؟ لكن من الأفضل أن يكون غداً صباحاً، سوف، فالوقت متأخر.
ذهب فور انتهاء ما قاله، أوقفته وهي تقول:
لماذا أنا؟
توقف وصمت قليلاً، فهو لا يجد جواباً، ليكمل سيره دون أن يرد عليها، وهي تتابعه بنظرات مستغربة، إلى أن تشعر بالسعادة لأنه أخبرها أن تبقى بسبب الوقت، هل يقلق عليها ويهتم لأمرها؟
في صباح اليوم التالي، استيقظ كاسبر، نزل ليجد مازن جالساً، نظر له، لم يهتم بنظراته من البارحة التي كانت تشي بالصدمة، ذهب، لكن تذكر أفيلا، نظر إلى غرفتها، صعد وأطرق الباب برفق، فوجده مفتوحاً، فتحه ودخل، وجدها لا تزال نائمة.
اقترب منها ونظر إلى وجهها الذي كانت تسدل عليه بعض خصلات شعرها، عندما كان يراها ويشعر وكأنه يرى بداخلها حزن كثير وغموض لا يعرف تفسيره، لكن الفضول ينهشه هذه اللحظة عكس طبيعته. نظر لنفسه ووجوده هنا، فهل جن ليدخل لغرفتها أثناء نومها؟ خرج منها ونزل، جلس بالأسفل.
هل غادرت أفيلا؟
قال مازن ذلك بتساؤل، نظر له ونفى برأسه وصمت، فبعد قليل سوف تستيقظ ويرسل أحد معها يوصلها لمنزلها كما أحضرها. وقف مازن وذهب.
استيقظت أفيلا من نومتها على صوت هاتفها، أمسكته، وجدته عمر، كان قد اتصل بها كثيراً، ردت عليه، قال:
أنتِ بخير؟
علمت أنه يطمئن عليها، فقالت:
أنا بخير، أشكرك.
جيد.
أتحدث معك لاحقاً.
حسناً.
رواية احببت مافيا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور
أغلقت المكالمة وخرجت من غرفتها. نزلت تلقت أنظارها ثم وجدت "كاسبر" جالسًا يضع قدمه فوق الأخرى ويمسك هاتفه، وفي يده الأخرى كأس به نبيذ. نظرت له بشدة فتذكرت حين رأته كان في يده أيضًا. شعرت بالغضب وهي تراه يشرب هذا الشيء، وأيضًا في الصباح. سارت تجاهه بضيق واقتربت منه لتنتشله من يده بحركة سريعة. نظر لها بتفاجؤ من ما فعلته وقال ببرود:
"ما كان ذلك؟"
"لا يجب أن تشرب ذلك الشيء في الصباح هكذا."
وقف بجمود. نظر لها وقال:
"هل أحتاج لأحد أن يخبرني ما يجب علي فعله؟"
توترت من نبرته، لتستعيد رباط جأشها وهي تقول بثقة:
"ألست الطبيبة الخاصة بك؟ وها أنا أرى عملي."
"وأنتم رفضتم."
"أجل، وقبلت الآن... ماذا في ذلك؟"
نظر لها في عينيها عن قرب، لتشعر بالتوتر. فابتعد وعاد لجلسته ينظر لهاتفه وكأن شيئًا لم يكن. تفاجأت لكن سعدت أنه هكذا استمع لها.
دخلت إلى غرفتها وهي تبتسم بطفيف الأمل والسعادة التي تحتلها.
"هل ممكن أن أعطي فرصة لنا وأصلح خطئي؟ هل من الممكن أن يحبني من جديد؟"
كان جالسًا ليسمع رنين هاتفه. لينظر لاسم المتصل وتتجمد ملامحه. وقام بالرد.
"مرحباً يا صاح، أما زلت على قيد الحياة؟"
قال "باولو" ذلك بسخرية، ليرد ببرود:
"تعلم أن قتلي ليس بتلك السهولة."
"إنك محق، ذلك الغريب أضاع فرصتي في قتلك، على الرغم أنه أحد رجالي الخاصة."
"يجب عليك أن تغيرهم إذا... لتجد من يستطيع أن يقتلني ولا تهدر وقتك."
"ليس سهلاً قتلك... لكنني سوف أفعلها. الخسارة التي سببتها لي كانت كبيرة وليس ضئيلة لقدر استهانتك. تذكر مبدأك 'الخطأ يعم على الجميع'. وأنا أسير على مبدأك، لذلك تحمل خطأك."
"وأنا لا أخطئ."
قال "كاسبر" ذلك بجمود وهو يقفل الهاتف ويتذكر ما قاله إليه، فعن أي خسارة سببها له أنه لا يذكر شيئًا.
في المشفى، كان "عمر" في مكتبه يتذكر خوف "أفيلا" البارحة وعندما مسكت يده بعدم تركها.
"ماذا فعل حتى يخاف منها هكذا؟"
تذكر رحاله والأسلحة التي كانت معه، ليتساءل ما مهنتهم. يحملون تلك الأشياء، أنهم حراسه، ويعلم أنهم يحملون ذلك عادة لحمايته، لكن لا يرفعوه في وجه أي أحد.
في مساء اليوم، كانت أفيلا جالسة في غرفتها وقد ملت. قررت الخروج. نزلت سألت أحدهم عن المطبخ فدلها. لتتوجه إليه وتلقى بحثًا عن القهوة حتى وجدتها، فقامت بإعدادها. حتى انتهت. أمسكت الفنجان والتفتت لتغادر، لتنصدم بجسد. فانكسبت القوة عليه. شهقت بخوف وكان "كاسبر". أسرعت بإمساك التيشيرت الذي كان يرتديه وتبعده عن جسده حتى لا يحترق لسخونة القهوة. كان تحرك بيدها يبعث الهواء ليبرد.
"ألا يجب أن تنتبه قليلاً؟"
قالت ذلك بضيق وكأنما توبخه. كان ينظر لها. أبعدها قال:
"لا بأس."
لم تهتم. ليجدها تمسك بيده، فكانت القهوة انسكبت عليها وعلى يدها أيضًا. لكنها لا تهتم إلا بعد.
"هل يوجد هنا مرهم للحروق؟"
أشار لها، فذهبت فتحت الدرج وأحضرته. أمسكته من يده برفق، وقبل أن تدعه يتحدث، أخذته وخرجا.
كان جالسًا على الأريكة وهي بجانبه تضع له من المرهم على يده التي كانت حمراء. تنفخ بعض الهواء البارد وهي تحرك بأناملها برفق. بينما "كاسبر" كان ينظر لها ويتابع ما تفعله. لترفع أنظارها إليه، فتوترت من نظراته لها. فعادت ونظرت إلى يده.
"أعتذر، في المرة القادمة سأصدر صوتًا، إنك تفزع أحيانًا."
قالت ذلك وهي تقف تأخذ المرهم وتذهب لتضعه في مكانه وخرجت.
صعدت لغرفتها وكانت مارّة بجوار غرفته. وكان الباب مفتوحًا. نظرت إليه وجدته يحاول خلع التيشيرت الذي انسكب عليه القهوة، لكن ذراعه يمنعه. خشيت أن يحركه حركة خاطئة.
سمعت طرقات على الباب. وجدتها "أفيلا". دخلت. اقتربت منه. نظر لها. أمسكت ذراعه ثبتته من ثم رفعت التيشيرت ليتفاعل معها ويخلعه. ذهبت لخزانته، أخذت أحضرت له الآخر. اقتربت منه وألبسته له. قالت:
"إذا احتجت لشيء أخبرني."
كانت تتعمد ألا تنظر إليه من خجلها، لكن عيناها تمردت ونظرت له. وهو الآخر، فكانت قريبة منه. توترت. ابتعدت عنه وذهبت لغرفتها.
كان مازن واقفًا قد رأى "أفيلا" وهي تخرج من غرفة أخيه. دخل لغرفته وهو متضايق من علاقتهما التي تزداد يومًا بعد يوم. قلق على أخيه أن يقع في حبها مرة أخرى وتغدر به.
"الحب الذي أراه في عينك يا أفيلا يجعلني أجن وأريد أن أعلم السبب الذي جعلك تفعلين به ذلك. لا أزال أتساءل برغم جريمتك عن سببها المجهول لحد الآن."
في صباح اليوم التالي، كانت أفيلا جالسة في غرفتها تمسك هاتفها وتتابع فيديوهات. ثم رن هاتفها ووجدته "ياسر".
"تعالي للمشفى، يوجد حالة طارئة."
"حسنا."
قالت ذلك وهي تقف سريعًا وتهم بالمغادرة. فمن نبرته أصابها القلق. قابلت "كاسبر" قالت:
"هل يمكنك أن تخبرهم أن يدعوني أذهب وسوف أعود؟"
"لأين؟"
"يحتاجونني بالمشفى."
أومأ لها إيجابًا، فذهبت على الفور. وقفت عند البوابة. نظروا إليها. قال أحدهم:
"إلى أين لنوصلك؟"
وجدت ذلك جيدًا لها، فاخبرتهم للمشفى. فخرج اثنان معها. ركبت السيارة وذهبت.
ترجلت حين وصلت وأسرعت بالدخول المشفى. وحين دخلت لاحظت الأجواء غريبة وهناك من يبكي وصوت أنفاس لاهثة به، فأصوات مختلطة. نظرت لعمر الذي كان يبدو مشغولًا، لكن ذهبت إليه ليفسر لها.
"ما الأمر؟"
"حافلة بها أطفال كثيرون فعلت حادث."
لتنصدم من ما سمعته وخوف يحتل ملامحها. ذهبت سريعًا. لتراهم. دخلت إلى ممر وجدت في كل الغرف بها أطفال بمراحل عمرية مختلفة، أقصاها تسعة أعوام. كان الجميع يسعفوهم ويهرول الأطباء من غرفة لأخرى. سمعت إحدى الممرضات تنادي. اقتربت منها على الفور. دخلت إلى الغرفة. اقتربت من طفل كان مجروحًا في ساقه جرح بليغ يقشعر له البدن وينزف بغزارة. واحد ذراعيه قد كسرت. ليؤلمها قلبها من رؤيته يتألم ويتحمل ذاك الوجع. أسرعت بتضميد جروحه وفعلت ما يلزم. والمنقذة تساعدها. ثم سمعت صوتًا آخر. نظرت للممرضة فاومأت لها أن تكمل. ثم خرجت.
دخلت إلى غرفة كان الطفل لا يستطيع أخذ أنفاسه ويتوقف نبضه. والممرضة تحاول فعل شيء. ركضت إليه لتطبق بيديها عند أيسر صدره وأخبرتها أن تنظر إلى الشاشة. وسارت تضغط عليه وتتابع نبضه وتضغط أقوى لتجده يستجيب لها.
"هيا ارجوك... لا تستسلم يا صغيري، مازال باكراً عليك."
قالت ذلك بصوت مرتجف خوفًا، لكن لم يكن يستمع لها. بل كان بدأ يشكل الخط يستقيم. لتتسع حدقتا عينيها. ثم نظرت إلى الطفل لتضغط أقوى حتى سمعت صوت صفير من الجهاز يحسم الأمر. لتتصنم في مكانها. ابتعدت عنه وهي تنظر له. كان نائمًا في سلام وكأنما الله أراحها من ذلك الألم ومن تلك الحياة الذي قد فارقها. ليفتح الباب بقوة وتدخل امرأة تهرول بنحيبها وتنام طفلها.
"لما توقفتم؟ أيقظوه."
قالت ذلك بغضب. ثم نظرت لـ"أفيلا" لتقترب منها وتصرخ بها غاضبة:
"لما لا تتحدثين؟ أعيدي لي ابني."
لم تكن ترد عليها وهي تصرخ بها غاضبة. ثم قالت ببكاء:
"ارحوكِ أعيديه لي."
كانت صامتة تسيل منها الدموع وهي لا تزال تنظر إليه بحزن. أنها لم تستطع إنقاذه وتسمع صوت بكاء والدته قهراً وحزناً عليه وتفتك بقلبها.
في الليل، لم تكن "أفيلا" عادت للفيلا بعد. حيث ذهب "كاسبر" لإحدى أعماله وعاد ولم يجدها. نظر إلى الساعة ثم رن على رجاله الذي ذهبوا معها.
"أين أنتم؟"
"نحن أمام المشفى ننتظر خروجها."
تعجب ألم تخرج بعد إذا. أقفل الهاتف ونزل. نظر له "مازن" وجده يغادر. اتساءل لأين.
دلف لسيارته ومنع أحد أن يذهب معه. وقاد هو متوجهاً للمشفى، لا يدرك لأي حماقة يقحم نفسه بها. ترجل من سيارته. رأى رجال نظروا له ومن مجيئه ليجدوه يدخل إلى المشفى.
لم يعلم أين ممكن أن يجدها. ولماذا هو خائف عليها؟ لماذا يشعر بأنها ليست بخير؟ سار في ممرات ماثلة، وجد نفسه توقف أمام مكتب وجد "أفيلا" بالداخل. فتح ودلف. نظر لها جالسة على الأريكة تضع وجهها بين راحتي كفيها. سمعت صوت. رفعت أنظارها وتفاجأت عندما وجدته هنا. بينما نظر إلى وجهها المتغير، أنفها وشفتاها الحمراء. جلس بجانبها وهو ينظر لها قال:
"أنتِ بخير؟"
نفيت برأسها لجهة بتبكاء، وكأنها كانت تأخذ هدنة.
"أنا لست سوى فاشلة... لم أستطع إنقاذ طفلاً... كنت أمل والدته بعد الله... لكن لم أنجح وخذلتها. لقد مات بين يدي."
نظر لها ولبكائها لا يعلم ماذا يجدر عليه فعله. قرب يده بتردد ليضعها على ظهرها وربت عليها برفق، وهو لا يعلم ما الذي يفعله. بل لماذا جاء إلى هنا من الأساس.
"اهدئي، لقد فعلتِ ما باستطاعتك."
خرجت تلك الكلمات منه ليواسيها. نظرت له ليجدها تعانقه بقوة. نظر لها بشدة ومن اقترابها منه لهذا الحد.
"لو كنت رأيته لما قلت ذلك. كان كالملائكة وهو يغط في النوم الأبدي غير مدرك الحياة. أشعر وكأني المسؤولة عما حدث وحزن والدته عليه."
كانت تتحدث وهي تبكي وتجهش بحزن وهي تعانقه بقوة وكأنما تريد أن تخترق أضلعه من شدة التصاقها به. كان ينظر إليها ولطيبة قلبها الذي جعلتها تحمل نفسها ذنبًا ليس لها دخل فيه. تضايق من صوت بكائها ليجد نفسه يبادلها العناق الذي شعرت بذراعيه يضمها. تفاجأت إلى أنها سعدت كثيرًا وشعرت بدفئه يرتادها من جديد. مسح بيده على شعرها يحاول تهدئتها وهي تضمه أكثر. لا تريد أن يبتعد عنها. تريد أن تشعر بذلك الشعور الذي افتقدته من سنين.
"اشتقت لك كثيراً."
قالت ذلك بهمس إليه بتفاجؤ من قالته للتو. نظر لها فهل تقصده هو.
نظر لها ببرود، ابْتَعَدَ عنها لتشعر وكأنما يخلع قلبها من ابتعاده.
": هل انتهى دوامك؟"
أومأت برأسها بمعنى أجل، فقال: "لنذهب."
": حسنًا."
نظرت له واردفت باستغراب: "كيف عرفت مكتبي؟ هل هناك من دلّك؟"
صمت قليلاً، نظر لها ونظر إلى الغرفة، قال:
": لا أعلم. وجدتني هنا."
تعجبت كثيراً، لكنها تجاهلت الأمر. خلعت جاكتها وذهبا.
دخلا إلى الفيلا. صعدت إلى غرفتها لتغسل وجهها. كانت تريده أن يشكرها، لكنها أمضت في طريقها. بينما كاسبر توجه لغرفة المعيشة التي كانت مشتعلة بها ضوء خافت. جلس على الأريكة بإنهاك، ثم وقف ليذهب ناحية ركن الغرفة الذي به زجاجات نبيذ ليأخذ إحداهن ويسكب في كأسه. وهي شاردة الذهن، وضع يده في جيبه بجمود وهيبة، وأمسك بالكأس. وقف عند زجاج مطل على الخارج، ليحركه بحركة دائرية ويرتشف شرفه بتلذذ ورقي، وكأنما يعطي صاء وهدنة لعقله الذي بات مشوشاً مؤخراً بما يحدث له. لأول مرة بغرابة تصرفاته بالنسبة إليه، فهو لم يهتم بأحد.
في الليل، نزلت "آفيلا" من غرفتها وهي تشعر بالملل الشديد في غرفتها ولا يغفُ لها جفن. وجدت ضوءاً خافتاً متغرفة المعيشة الذي دخلتها ذات يوم. ذهبت تجاهه، وجدته واقفاً، لتقع عيناها على ذلك الكأس الذي في يده لتضيف ملامحه. وسارت تجاهه. نظر لها ولاحظ وجودها، ليتعجب من اندفاعها نحوه. ليجد ذراعها تمتد لتأخذ الكأس، لكنه أبعده ولم تصل إليه. نظرت له وكانت قريبة منه.
": ماذا تفعل؟"
قال ذلك باستغراب وهو ينظر لها، فقالت بضيق:
": ألم أخبرك ألا تشرب ذاك الشيء؟"
": قلتِ في الصباح."
": في كل الأوقات."
": لا."
": لا آخذ إذنك، لن تشرب."
قالت ذلك بغير اهتمام وهي تقترب منه لتأخذ ما في يده، لتجده يقترب منها هو الآخر. نظرت له، قرب وجهه ونظر في عينيها مباشرة، قال:
": لماذا أنتِ مهتمة؟"
نظرت له وقد توترت. اقترب منها فابتعدت عنه وعادت للخلف تضع مسافة بينهم. ظل يقترب منها وهي ترجع حتى لم يعد بإمكانها الرجوع ثانية. نظرت للحائط الملاصق لظهرها. نظرت له، اقترب منها لتجد ذراعه يحاوطها. توترت كثيراً لتبلع ريقها بصعوبة، وخف قلبها بسرعة شديدة. لتجده يقرب وجهه منها، قالت بخوف وتوتر:
": ماذا تفعل؟"
نظر لها ولم يرد عليها. احمرت كثيراً لتتصاعد الدماء لوجنتيها خجلاً من اقترابه منها، حتى باتت تشعر بأنفاسه. نظر لها ولشكلها، ابتسم ثم عاد للخلف يبعد عنها. نظرت له، وجدته يضع الكأس في مكانه ويتركها ويذهب. ابتسمت لأنه استمع لها، فهي تكره أن ترى ذلك المنكر في يده.
دخلت إلى غرفتها وهي تشعر ببهجة مرتسمة على وجهها وسرور من قلبها، وكأنها غير مصدقة، أو ظنت سوف يأتي يوم وتكون سعيدة مجدداً كالآن. سمعت صوت طرقات على الباب. فتحت، وجدته "مازن". تعجبت من مجيئه. أفسحت له ودلف للداخل. نظر لها، قال:
": أراكِ سعيدة."
تنهدت كي لا تضايق نفسها، إلى أنه أطفأها، قالت:
": ماذا تريد؟"
": غادري يا "آفيلا"."
تعجبت، إلى أنها قالت بتبرير: "رأيت أنه أحضرني بعدما رفضت ا..."
": غادري من حياته بأكملها."
قاطعها "مازن" وهو يقول ذلك، فأصمتها بجملته ولم تصدق ما يطلبه منها.
": محوت ذاكرته، وهذا شيء أنا سعيد به كثيراً، ولا يفرق معي أن تذكرني أم لا. لا يفرق معي ذلك أكبر من أن يجهل حقيقتك ولا يعلم ما فعلتيه به. لذا ابتعدي عنه."
احمرت عيناها، جمعت قبضتها تحاول أن تكبح بكاءها، قالت:
": أريد فرصة، فرصة واحدة لإصلاح ما حدث، وأمحو هذا الأثر لديه ونعود كما كنا."
ليهتف بها غاضباً: "لن يعود شيء كما كان، لا أنتِ ولا هو."
صمتت بحزن من نبرته وصوته المرتفع، فأقترب ووقف أمامها مباشرة، قال:
": تقولين ستمحين الأثر الذي لديه؟ عن أي أثر تتحدثين؟"
أردف قائلاً بسخرية: "أثر السكين أم أثر الذي قلبه؟ ولن يُمحى بسهولة."
نظرت له وهي لا تفهم، فقال بتفسير:
": تخبريني أي منهما تريدين أن تمحيه؟ أثر سكينك الذي قمتِ بطعنه، الذي لن يزول. لقد تركتِ له ندبة في ظهره تشهد على جريمتك."
نظر لها ثم ابتعد عنها وقال: "لن أسمح لكِ أن تقتربي منه. لذلك لا تضعي أملًا فارغًا، لأنه لا يعلم حقيقتك، لذلك يعاملك كأن شيئاً لم يكن."
سالت الدموع من عينيها وهي تسمع ما يقوله إليه. صمته لا تملك ما يبرأها من خطأها، فخرج وتركها لتجلس على السرير بقهر.
مرت ساعات وكان الهدوء يعم في أركان المنزل. خرجت من غرفتها وهي لا تزال مستيقظة، يارا متوجهة لإحدى الغرف، ثم توقفت لتفتح الباب ببطء وتخطو قدماها لداخل. وجدته نائماً على سريره. اقتربت منه بحذر أن تصدر حوافر قدماها أية صوت. حين أصبحت على مقربة منه، مدت يدها برفق، أمسكت التيشيرت الذي يرتدي ورفعته للأعلى قليلاً ببطء شديد حتى لا يشعر بها، لتجد شيئاً غريباً وكأنما علامة. فرفعته أكثر لتظهر الندبة الذي في ظهره أثر السكين الذي طعنته بها. وضعت يدها على فمها تمنع صوتها، لتسيل من عينيها الدموع بحرقة شديدة لأن "مازن" محق، بالأثر الذي لن تستطيع أن تمحيه طوال الدهر. مدت يدها منه وهي ترتجف، لتقرب أناملها من ظهره تلامس الندبة، لتشعر بألم أيسر صدرها. فماذا عن ندبة قلبه؟ قلبه الذي جرح، جرح كبير لن يُشفى. ليقاطع تفكيرها يد تقبض على يدها وتسحبها بقوة لتقع على السرير. سرعان ما وضعت يدها على الوسادة، فتعلم أنه يضع مسدسًا تحته.
": اهدأ، إنه أنا."
نظر لها بتفاجؤ من وجدها في غرفته بهذا الوقت. نظر إلى يدها التي تضعها فوق الوسادة وكأنها تعلم ما سوف يخرجه. نظر لها وإلى دموعها الذي على وجهها، قال ببرود:
": ماذا تفعلين هنا؟"
لم تكن آفيلا تعلم ما تقوله. هل تخبره أنه كانت ترا الندبة الذي على ظهره وتقول له أنها هي من سببتها؟
تعجب من صمتها، إلى أنه نظر لها ولهيئتها وهو قريب منها. سرعان ما رأى مشهدًا بامرأة في مكانها: "شعرت بأن سأفارق تلك الحياة."
"ماذا أتى بك؟ هل اشتقتِ إلي؟"
"هل يمكنك أن تبتعد قليلاً لأتحدث؟"
"لا أريد. إنكِ من جئتي إلي."
تلك الأصوات التي تزدحم داخله، كأنه يسمعها بالفعل وتقال له. لما لا يستطيع أن يرى من هؤلاء؟ لما الصورة غير واضحة؟ لا يرى سوى ضباب. ليقاطعه صوت صفير داخل رأسه جعله يبتعد عنها. وقف وعقد حاجبيه بإنزعاج، ليعود للخلف ويمسك رأسه بكلتا يديه ليصرخ بألم. اعتدلت "آفيلا". نظرت له بصدمة ومن ما يحدث به. وقفت، أسرعت بالاقتراب منه وهي تقول:
": أنت بخير؟"
لم يكن يسمعها، بل يسمع أصواتًا أخرى يحاول تمزيقها. وضعت يدها على يداه، قالت:
": توقف، لا تحاول أن تتذكر."
كان الألم يزداد داخل رأسه ويرى أشياء أخرى لامرأة ورجل وهما يأكلان، ومشهد آخر وهما يضحكان ويسمع أصوات ضحكاتهم وكلامهم داخل رأسه تثير جنونه. ليضغط عليها بقوة، فقد كان على وشك الانفجار من ذلك الصفير الصدى من أعماقه. أمسكته "آفيلا" وتنظر له ولتعرقه والارق البادي على وجهه بعروقه البارزة. ضمته إليها تحاول أن تتحكم به، قالت:
": اهدأ، لا ترهق نفسك على ما ليست لدي القدرة."
احتضنته أكثر وهي تردف قائلة:
": امنع فضولك ولا تحاول أن ترى شيئًا. تحمم بعقلك حتى لا تفقده."
تسيل الدموع من عينيها من رؤيته هائجا يتألم بسببها. لن تسامح نفسها أن حدث له شيء. بدأ "كاسبر" أن يهدأ والذكريات تتلاشى من عليه، إلى أن قلبه لا يزال ينبض بشدة من انتهاكه. لف ذراعيه على خصر "آفيلا" وضمه إليه ودفن وجه في عنقها، يحاول أن يهدأ من ثورته ويشعر بالأرق والغثيان. بينما هي تضمه ودموعها صامتة لا تتوقف، تدعي ربها أن يكون بخير وألا يتكرر ذلك معه. لن تتحمل رؤيته يعاني بهذا الشكل.
أجلسته على السرير وهي لا تزال تضمه إليها وقريبة منه وهو متعلق بها. لتقل له بصوت هامس في أذنيه:
": سامحني على ما سببته لك."
كانت نبرتها توحي بالندم وتأنيب الضمير.
في اليوم التالي، فتح "كاسبر" عينيه. اعتدل ليشعر بثقل في رأسه. خرج من الغرفة. نزل وجد "آفيلا" جالسة مع "مازن". وحين رآها تذكر ما حدث البارحة وثورته وهو يعافر ذلك الألم واحتضانها له، حتى أنها نامت بجانبه ولا يزال في عناق حميم متخطية الحواجز الذي من المفترض أن تضع. اقترب منهم. نظروا له. لم تتحدث "آفيلا"، وجدها تصعد بعدما استأذنت بالذهاب. نظر لها بتعجب، ثم وجدها تنزل وتقول إليه:
": عليا الذهاب إلى المنزل."
استغرب من نبرتها الرسمية، وهل تريد المغادرة الآن؟
": انتظري، سأوصلك."
قال ذلك ببرود وهو يذهب. نظرت له، ثم نظر إلى "مازن" ولحقت به.
في السيارة، كانت تنظر أمامها تمنع النظر إليه. وكان "كاسبر" قد لاحظ ذلك وتغيرها منه، فتساءل أن كان بسبب ما حدث البارحة.
": ماذا كنتِ تفعلين بغرفتي؟"
قالت ذلك لتفيق وتنظر إليه. فنظر لها بمعنى أنه يريد الجواب. فقالت:
": سمعت صوتًا آتيًا من عندك. كنت ألقي نظرة."
وجدته ينظر لها وكأنه غير مصدق ويشك بها. توترت والتزمت الصمت تجنبًا لارتكاب خطأ. توقف بعدما وصلوا إلى العمارة. ترجلا ودخل معها إلى المبنى ومن ثم يذهب. وقفت أمام المصعد. نظر لها. نظرت له هي الأخرى وآفاق نظراتهم صوت المصعد ليفتح. نظرت "آفيلا" وتفاجأت حين وجدت عمها وعائلتها، وكانوا قد نزلوا من عندها للتو. نظروا إلى "كاسبر" لتبدل ملامحهم واعتلتهم صدمة كبيرة على وجوههم ممتزجة بالخوف. ليلحظ "كاسبر" نظراتهم الثاقبة عليه، وأعينهم المرتجفة، وسيقانهم التي تصطك ببعضها لفرط الهول من ما يرونه.
": ش... شبح."
قالت "بيري" ذلك بتقطيع، تخرج الكلمة بصعوبة وهي تزدرد ريقها بخوف. لينظر "وجيد" إلى "آفيلا" وإليه ويشعر بالأرق ودوار برأسه، قال:
": إن..."
نظر "كاسبر" إليه مستغربًا مما يحدث.
"أفيلا" نظرت إليه بتوتر، تخشى أن يكشف أمرها.
"وليد" ساند "وجيد" فور أن رأى أنه سيغشى عليه.
"أفيلا" أسرعت إليه قائلة بقلق:
"عمي؟ ماذا بك؟"
اقترب "كاسبر" منها ليساعدها.
ابتعدوا عنه بخوف عند اقترابه.
نظر لهم خوفًا من ردة فعلهم، لكنه لم يهتم.
أسنده وحمله، بينما كانوا ينظرون إليه.
دخلوا المصعد، والآخرون لم يدخلوا معهم، وكأنهم يرون وحشًا.
فتحت "أفيلا" الباب ودخلا.
"كاسبر" أشار لها إلى الغرفة، فتوجه إليها ووضعه على السرير.
شكرته ورفعت الغطاء عليه.
سمعوا صوت جرس الباب.
قالت "أفيلا" برجاء:
"هل يمكنك أن تفتح؟"
نظر إليها وذهب، وحين فتح الباب وجدهم.
نظروا إليه بخوف وابتعدوا فور رؤيته، ولم يدخلوا.
نظر إليهم، ثم تركهم ودخل وهو لا يفهم شيئًا.
كان واقفًا مع "أفيلا" التي كانت تحاول إفاقته.
دخلت "بهيرة" ببطء وهي تنظر حولها.
"بيرى" و"وجيد" كانا متشبتين في ذراعها وكأنهم طفلان في الخامسة من عمرهما.
وقفوا يحدقون به، مندهشين مما يرونه.
قالت "بيرى" بصوت منخفض:
"أمي؟"
همهمت "بهيرة" بمعنى نعم.
سألت "بيرى":
"هل تظهر الأشباح هيئتها للبشر؟ أم أننا فقدنا عقلنا كأفيلا؟"
لم ترد عليها "بهيرة"، كانت شاردة.
لاحظ "كاسبر" نظرات موجهة نحوه، فرفع أنظاره إليهم.
نظروا بعيدًا على الفور.
أفاق "وجيد" وفتح عينيه ببطء.
نظر إلى "أفيلا" بتفاجؤ، ثم اتسعت عيناه وجلس على الفور.
"هل أنت بخير؟"
نظر إليها ولم يفهم شيئًا، وكأنه فقد النطق.
شعر "كاسبر" بالضيق من نظراتهم وأفعالهم الغريبة.
قال:
"عليّ الذهاب."
نظروا إليه بشدة عندما تحدث وسمعوا صوته.
وقفت "أفيلا" واقتربت منه.
"أشكرك."
نظر إليها ثم ذهبت لترافقه، بينما كانوا يتابعونهم بأنظارهم.
أوصلته عند الباب.
صمتت قليلًا ثم قالت:
"أعتذر نيابة عنهم."
"يبدو غريبين بعض الشيء."
قال "كاسبر":
"هل كانت تقصدني بالشبح؟"
ابتسمت بتهكم.
"أجل.. ألم أخبرك أنك تشبه."
"أرى ذلك."
"إذا احتجت شيئًا، هاتفني. مازلت أتابع معك."
أومأ إليها وهو يغادر.
نظرت له حتى اختفى عن ناظريها.
أغلقت الباب، والتفتت فوجدتهم يقفون وينظرون إليها بخوف.
ضحكت بغير قصد، كانت تكبحها طوال الوقت.
تذكرت كيف كانوا مرعوبين وينظرون إليه من بعيد، خشية الاقتراب.
قال "وليد" بدهشة:
"أفيلا؟ هل يتحدث مثلنا؟"
تساءلت "بيرى":
"هل أرواح الموتى نستطيع أن نراهم؟"
ابتسمت "أفيلا" وردت عليها:
"أجل، أخبرته أني أريد رؤيته، فخرج لي، ومن ثم عاد ثانيًا."
صرخت "بيرى" بخوف:
"إذًا، إذا كنت محقة، كنا واقفين مع شبح!"
ضحكت عليها "أفيلا" وذهبت.
جلست على الأريكة.
نظروا إليها بعدم فهم، مستغربين هدوء أعصابها وضحكها.
ابتسم "وجيد" عندما رآها تضحك، فقد ظن أنه لن يسمعها هكذا.
اقتربوا منها وجلسوا.
"شبح... هل قالت شبح؟"
قالت "أفيلا" ذلك بضحك.
قالت "بيرى" وهي تنظر إليها:
"هل قلت شيئًا خاطئًا؟"
"هل سيظهر شبحه لكم؟ إنه 'علي' لا غيره."
نظروا إليها بصدمة وهي تقولها ببساطة.
قال "وجيد":
"كيف هذا؟"
"أخبرتكم أنه حي، لكنكم ظننتموني أخرف وجننت."
قالت "بهيرة":
"ابنتي، كيف يكون 'علي'؟ ألم يمت؟"
تبدلت ملامح "أفيلا" واختفت ابتسامتها.
"لا، لم يمت."
قال "وليد" باستغراب:
"أخبرينا عما تتحدثين، نحن لا نفهم شيئًا."
"أنقذه عمر."
قالت "أفيلا" بشرود.
قال "وجيد" بتعجب:
"أنقذه؟ أنقذه من ماذا؟"
"مني."
نظروا إليها بتعجب من ما تقوله.
رفعت أنظارها إليهم وأعلنت أنها ستفصح عما تخبئه.
"أنا القاتل."
"أنا هي التي حاولت قتله."
صدموا مما تقوله، ولا يصدقون.
قال "وجيد":
"أتتمزحين؟ أخبريني ما يجري، أنا لا أفهم."
نظرت إليه، وكانت ملامحها جدية، وكأنها تخبره أنها لا تمزح.
تبدلت ملامحه بصدمة.
"أفيلا، أنت تمزحين، أليس كذلك؟"
قال "وجيد" ذلك وكأنه يترجاها أن تخيب ما قد استلمه.
حزنت لأنها تمنت أن تنفي ذلك، لكنها قالت:
"تلك هي الحقيقة... أنا من قتلت زوجي."
لم يرد عليها أحد.
"لذلك، عندما علم مازن ما فعلته والجريمة التي اقترفتها، لم يخبرني أنه حي، وقام بنزيف أمر وفاته لتحويلها لواقع."
تلقت صفعة على وجهها.
صدموا من رد فعل "وحيد".
تجمعت الدموع في عينيها، تستوعب الكف، وتنظر إليه بحزن.
"أنتِ يا أفيلا... تقتلين."
شعرت بغصة في حلقها.
"خبّأتي كل ذلك عني، وتصارحيني به الآن؟ لماذا فعلتِ ذلك؟ لماذا بيدك دماء أحد؟ لا أصدق أنكِ حقًا... تقتلين نفسًا بغير حق، ومن يكون... زوجك."
سالت الدموع من عينيها بصمت.
"لهذا ابتعدتِ عنا وعن الجميع، وانفردتِ بالجلوس بمفردك؟ لأنكِ تعلمين الجرم الذي ارتكبتيه، خشيتِ أن يعلم أحد، فقمتِ بالاختباء كالمجرمين ليهربوا من مواجهة حقيقتهم."
نظرت إليه بصدمة من ما يقوله عنها.
"ظننت أنكِ وصلتي لهذه الحالة من بعد مماته لحبك الشديد له وحزنك على فراقه. لم أتوقع أنه لم يكن سوى ضميرك لجريمتك التي تهربين منها."
قالت "بهيرة":
"وجيد، اهدأ، لنسمعها."
هتف بها غاضبًا:
"نسمع لمن؟"
يشير عليها ويكمل:
"لهذه؟ ألا ترى من تجلس أمامك أنها ليست أفيلا؟ ألم تسمعي ما قالته؟ أنها هي من قتلته... أنها قاتلة!"
شعرت وكأن جميع من حولها لم تعد تشعر بهم.
"كان الرجل سيموت، الله أعلم عما جرى لها وكيف أنقذوه."
نظر إليها وقال:
"قلتِ أن أخاه لم يخبرك أنه حي، أتعلمين لماذا؟ لقد خاف عليكِ. جيد أنه لم يخبر الشرطة عنكِ، ماذا كنتِ ستفعلين؟ لكنتِ الآن في السجن تقاضين على ما ارتكبتيه... السجن."
قال "وليد":
"أبي."
أوقفه عن التحدث وهو يرى "أفيلا" تبكي بصمت.
قال باستغراب:
"أخبريني، كيف سامحك؟"
تساءل:
"كيف يسير معكِ هكذا، وكأنكِ لم تفعلي له شيئًا؟"
تحركت شفتاها أخيرًا، تحاول أن تستعيد رباط جأشها.
"إنه لا يتذكرني... لا يتذكر أي شيء عني."
قالت "بهيرة" باستغراب:
"كيف لا يتذكرك؟"
"جزء من ذاكرته قد مُحي، وكان هذا الجزء من بداية معرفته بي."
ابتسم "وجيد" بسخرية:
"إنه القدر... حكمته الله كي لا يجعله يتذكر ما فعلته به زوجته."
وقفت وقد طفح الكيل من صمتها، وصرخت بانهيار:
"يكفي! أعلم أني ارتكبت جريمة، لكنكم لا تعلمون أنني تعرضت لخداع أدى لجعلي أفعل ذلك به."
نظروا إليها بتعجب.
"أنت لا تعلم عما مررت به، ليس لأنني قاتلة، لا، لأنني كنت أشتاق له في كل يوم، في كل ساعة ودقيقة، وفي كل نفس أخذه، أشتاق إليه... لا يفارقني ليلاً ونهارًا. كان الندم وضميري لا يتركوني. لقد عشت لثلاث سنوات في عذاب لن تشعروا به. كان كل يوم يمر عليّ ببطء، كنت أختنق، أتمنى الموت لينتهي هذا العذاب. والآن علمت أنه حي، والقبر فارغ، والشهادة مزيفة. لماذا تركني كل هذه المدة، أرى نفسي قاتلة، وأفتقده كثيرًا، وقلبي يؤلمني عليه؟ لماذا يحاسبني على ذنبي بالموت؟ لا أحد يشعر ما شعرت به في كل ليلة، لا أحد يعلم عن الصراع الذي كان داخلي."
قال "وجيد" بهدوء:
"إذا كنتِ تحبينه هكذا، فلماذا حاولتِ قتله؟ ماذا فعل لكِ؟ أعطني مبررًا لأعذرك، فأنا لا أريد رؤيتك قاتلة، بالتأكيد يوجد سبب."
"لا يوجد."
"ماذا؟!"
"لم يرتكب أي شيء بحقي."
قالت ذلك بجمود، فهي تعلم أنه كان غباءً منها فقط.
نظر إليها "وجيد" بغضب.
"لا أريد رؤيتك مجددًا."
نظر إليها، ثم أردف:
"لنذهب."
قالت "بهيرة":
"انتظر..."
لكنه رمقها بنظرة أسكتتها.
ذهب وتركهم.
نظروا إليها، ثم لحقوا به.
"أفيلا" لا تزال واقفة والدموع تسيل من عينيها، وقلبها يؤلمها.
شعرت بوخزة في صدرها ألمتها كثيرًا.
وضعت يدها على صدرها الأيسر، وتضيق بملامحها بألم، ويتصبب عرقًا.
سارت ببطء بقدميها اللتين لا تقدران على حملها.
أصابها دوار، فاستندت على المنضدة.
نظرت حولها، لتجد غشاوة في عينيها، لا ترى بهما جيدًا.
دخلت غرفتها وهي تتكئ على الجدار، تشعر بغثيان وضعف.
خفقان قلبها، لم تعد تستطيع السير.
ظلت واقفة عند المنضدة تسند عليها.
أخرجت هاتفها بتعب، وكانت يدها تمسك الهاتف بضعف.
فتحته وهي لا ترى شيئًا به، تريد أن تتصل بأي أحد ليأتي لها، لكن لا تميز الرؤية.
سرعان ما وقعت على الأرض مغشيًا عليها.
في المشفى، كان "عمر" في مكتبه، قاطعه صوت رنين هاتفه.
تناوله ووجدها "أفيلا".
رد عليها قائلاً:
"ألن تأتي اليوم للمشفى؟"
لم يجد ردًا عليه، كان الصمت فقط.
نادى عليها:
"أفيلا..."
هل تسمعينى؟
لم ترد عليه ولم يسمع أى صوت.
نظر إلى المكالمة لينتابه القلق.
خلع جاكته وذهب.
خرج من المشفى ليأخذ سيارته ويغادر وهو يتصل بها، لكن لا يجد أى رد.
وصل إلى العمارة، دخل المصعد حتى وصل وتوجه إلى شقتها.
طرق الباب لكن وجده مفتوحاً.
تعجب.
فتحه لينصدم وهو يراها مستلقية على الأرض.
ركض إليها على الفور بخوف.
وضع رأسها على قدمه وهو يقول:
"أفيل."
أمسك وجهها، كان بارداً.
حملها ودخل بها إلى غرفتها ليضعها على السرير.
ثم ابتعد عنها.
رأى كوب ماء.
وضع قليل على يده لينثره على وجهها، لكنها لم تفق.
كان قلقاً عليها كثيراً وماذا حل بها.
أمسك هاتفه وأقام مكالمة.
"دائماً ما تحدثنى بأوقات غير مناسبة."
تعجب.
قال بتساؤل:
"أين أنت؟"
"فى المشفى. ماذا هناك؟ لما تزعجنى فى وجبتى."
"سأرسل لك عنوان تأتى عليه."
"ماذا؟"
"حسناً."
"انتظر ا..."
أقفل الهاتف دون أن يستمع.
فمر وقت قليل، كان جالساً في الخارج.
سمع صوت الباب فذهب ليفتح سريعاً ليجده صديقه "أحمد".
"ما الأمر؟ أقلقتنى."
قال ذلك باستغراب، فهو لاحظ نبرته الغريبة عبر الهاتف.
أفسح له للدخول وترك الباب.
وأدخله بسرعة الغرفة التى بها "أفيلا" لينظر لها بدهشة، ثم نظر لعمر.
"ماذا أصابها؟"
"برأيك لماذا أحضرتك؟"
قال ذلك بضيق.
ليضع يده على رأسه يستوعب غباءه.
ثم سار تجاهها.
فتح حقيبته وقام بفحصها.
وعمر خائف عليها، فإن أمكنه لفعل ذلك أو اتصل بصديقاته الفتيات.
وليس "أحمد" لكنه المختص بذلك، أما هو طبيب جراحى وليس معه.
وجده يقيس ضغط دمها حتى انتهى.
وقف.
اقترب منه.
"ماذا بها؟ هل هى بخير؟"
قال ذلك بتساؤل.
نظر له "أحمد" ومن قلقه تنهد.
ثم مد يده بورقة وهو يقول:
"أحضر لها هذا الدواء."
نظر إليه، فاخذها منه ليلقى نظرة على ما بها.
وحين قرأ اسم العلاج الذى دونه لضمن حالتها، صدم.
ونظر له بشدة.
فأومأ "أحمد" بقله حيله وخيبة وهو يقول:
"أجل "أفيلا" مريضة سكر."
لتقع عليه جملته كالصاعقة:
"ماذا قلت؟!"
رواية احببت مافيا الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور
احضر لها هذا الدواء.
نظر عمر إليه، أخذ الورقة ونظر، وصُدم من اسم الدواء الذي كتبه أحمد. نظر له.
"أجل، أفيلا مريضة سكر."
قال عمر بحزن: "هل أنت متأكد؟ كيف أتى لها؟ هل هو وراثي أو ما شابه ذلك؟"
"لا أظن ذلك، فإن كان وراثيًا لكان مرضًا مزمنًا. من الممكن أنه جاء إليها بسبب الحزن أو الكتمان. لدى البعض قد يصيبهم داء السكري الذي يرتبط بالحالة النفسية ارتباطًا وثيقًا في ظل الضغوطات اليومية، ما يعرض لنوبات مستمرة من القلق، التوتر، أو العصبية، والحزن والاكتئاب. أظنك تعلم كل ذلك، وتعلم أيضًا أن العلاقة بين السكري والصحة النفسية مزدوجة، فأعراض السكر بسبب اضطرابات نفسية والعكس صحيح."
صمت قليلًا، وألقى نظرة على أفيلا، وأضاف:
"لا أعلم إذا كانت أفيلا تعرف أم لا، لكن حالتها سيئة للغاية، والسكري غير منتظم عندها. لذلك يجب عليها الانتظام في أدويتها وأخذ قسط من الراحة والصفاء الذهني وعدم التوتر والاكتئاب الملازم."
أردف قائلًا: "لا أريد أن أذكرك بالأخطار إن لم تسِر على نظام لتستقر على حالتها. فأخطار السكر ممكن أن تفقد بصرها أو تدخل في غيبوبة وأشياء أكثر بسبب هذا الإهمال."
"لن يحدث لها شيء."
قال عمر ذلك بصوت ضعيف يكبح حزنه وخفقان قلبه القلق بشأنها. رفعت أنظاره إلى صديقه، ثم قال:
"أشكرك يا أحمد."
"لم أفعل شيئًا، فلا حاجة للشكر. طمئني عليها."
أومأ برأسه إيجابًا بابتسامة خفيفة، ثم أوصله إلى الباب ودخل إلى الغرفة التي كانت نائمة بها ولم تفق بعد.
كان واقفًا بجانبها ينظر لها بحزن شديد.
"كنت أعلم أن ما تفعلينه بنفسك سوف يضرك كثيرًا بك. هذا الحزن الشديد والاختناق وما تكتمينه بداخلك لن يدعك تسلمين إلى، وأنتِ هالكة."
جلس على حافة السرير وهو ينظر لها نظرات حزن وندم وتأنيب ضمير. قرب يده من يدها بتردد، وأمسك بها برفق.
"هل أنا السبب فيما أنتِ عليه الآن؟ كل ما عشته من الحزن كان لي يد به. ليتني أخبرتكِ باكرًا أنه لم يمت ولا يزال حيًا، لما كنتِ الآن مريضة."
أخفض أنظاره وابتعد عنها وخرج.
***
في المساء، في إحدى صالات القمار، كان حالًا جالسين وكان باولو منتصفهم. سمعوا صوت ضجيج من الخارج. نظر إلى رجاله، قال:
"ماذا يحدث بالخارج؟"
ذهب رجلان ليلقيا نظرة، وحين خرجوا صُدموا من تلك المذبحة ورجالهم يتعاركون مع رجال آخرين. غضبوا كثيرًا، تساءلوا من هم ومن أين أتوا، ومن الذي غدر بهم لاقتحام مكان سيدهم. لكن اتسعت عيونهم واصطكت سيقانهم ببعضها مما يرونه.
كان باولو جالسًا، ملامح الضيق تعتري وجهه. يريد أن يرى ماذا يجري، لكن قلق أن يغدر أحد به ويفتله، فيبدو أن الوضع ليس على ما يرام في الخارج.
"لما تأخر هذان الأحمقان؟ اذهبوا واعلموا ما يحدث."
قال ذلك بسخط لمن هم معه. أومأوا له وذهبوا، لكن وجدوا الصوت توقف وعم الهدوء في الأجواء عكس ذلك الضجيج الذي كان منذ قليل. نظروا لبعضهم باستغراب، بينما باولو خاف من ذلك الهدوء. ولم يكمل حتى ثبت يقينه بفتح الباب بقوة وجسد يرتمي عند قدميه. ليقف بفزع ويرجع للخلف. نظر للرجل الذي كانت الدماء تغزو منه، كان من الذين خرجوا ليعلموا ما يحدث. رفع أنظاره بصدمة ليجد كاسبر أمامه واقفًا بجموده وعينيه الباردتان التي تخيف من ينظر إليه. شعر بالخوف، وأين رجاله الأغبياء الذي بالخارج؟ ماذا حل بهم ليدخل عليه هكذا؟ استعاد رباط جأشه وهو يقول:
"هل جئت لتعتذر؟"
سار تجاهه ببرود. عاد للخلف. قال:
"إذا أنت خائف، وهذا سبب مجيئك."
"الخوف! الاعتذار!"
قال هذا ببرود ونبرة مخيفة. نظر له، قال:
"هاتان الكلمتان لا أجدهما في قاموسي."
ضاقت ملامحه، فمن نبرته أنه عنى، ولا يبشر بخير. فبالتأكيد لن يتركه وشأنه بسبب الحماقة التي ارتكبها في محاولة قتله. وسيسبب في موته الآن، برغم معرفة العواقب الوخيمة. ظن أنه سهل التلاعب مع الموت. نظر إلى رجاله، هتف بهم بغضب:
"ماذا تنتظرون؟ اقضوا عليه!"
أومأوا إليه، فتقدم رجال كاسبر الذين كانوا كثرة، وحل شجار بينهم. ركض باولو للفرار، لكن هناك من ركله بقوة فوقع فوق الطاولة. لكمه، لكن كاسبر تفاداها، وبحركة سريعة أمسك بكوعه ولواه بعنف لتُدوّي صرخة مدوية منه بتألم من كسر ذراعه. اقترب منه وقال:
"ممكن أن ينفجر هذا المكان الآن في لحظة."
نظر له، واتسعت عيناه بصدمة، قال: "ماذا؟"
التفت وتتطلع حوله بخوف. وجد أحدًا يمسك جهازًا في يده ويشير عليه. تسرب الهلع إلى بدنه. عاد نظره إلى كاسبر الذي بارد الملامح. تأوه حين اشتد على ذراعه، ليجده يقول:
"تعلم من أنا جيدًا يا باولو، فلا تعبث معي، لأنك هكذا تعبث بتعداد حياتك. اتقِ شرّي. في المرة القادمة لن يكون تحذير."
قال آخر جملة تأكيدًا له. سرعان ما انتشل عصا حديدية بجانبه وغرز بها في ذراعه لتتناثر دماؤه ويصرخ بعلو صوت وتهتز الجدران من صراخه تألمه. ابتعد عنه وذهب وتبعه رجاله، وتركوه بين صراخه المدوّي الذي يكمل لخمس دقائق. فهذه الضربة قد أصابت إحدى أوردته. كانوا يتخطون تلك الجثث ويكملون سيرهم للخارج ليفتحوا السيارة إليه، فدلف لداخل وانطلقوا بسيارتهم.
***
"هل أحضرت معلومات عنها؟"
قال كاسبر ذلك بجمود. أومأ الرجل برأسه إيجابًا وأعطاه جهازًا لوحيًا. أخذه كاسبر وألقى نظرة.
"كان يقيني بمحله. إنها أنتِ، تلك الفتاة."
***
في الليل، أفاقت أفيلا. فتحت عينيها بضعف. وجدت نفسها في غرفتها. تعجبت من أحضرها لهنا.
كان عمر جالسًا بالخارج كي لا يكن معها بذات الغرفة. سمع صوتًا. ذهب ليرها، وحين دخل وجدها تعتدل في جلستها. نظرت له، قالت:
"عمر."
سار تجاهها وهو يقول: "أنتِ بخير."
أومأت برأسها إيجابًا، قالت: "ماذا حدث وكم الساعة؟"
"الثانية صباحًا."
تفاجأت كثيرًا. هل كانت نائمة كل ذلك الوقت؟
"هل كنتِ تعلمين؟"
قال عمر ذلك بجدية وهو يقاطع شردوها. قالت:
"أعلم ماذا؟!"
نظر لها ثم قال: "أنكِ مريضة سكري."
صمتت ولم ترد عليه. إلى أن تعبيرات الدهشة لم تحتل وجهها. كانت صامتة لا تنظر له، بينما هو ينتظر ما تقوله.
"أجل."
نظر لها بشدة ليقول بإنفعال: "كيف هذا؟"
اقترب وأردف قائلًا: "لماذا لم تخبريني مسبقًا؟ لما لا تهتمين بنفسك يا أفيلا؟ إن كنتِ تعلمين أنكِ مريضة به، فيتأكيد تعلمين أنه خطر وممك..."
"لا تخبر أحد."
قالت أفيلا ذلك وهي تقاطعه. ليصمت وينظر لها بدهشة، وكأنما لم تعبر كلامه اهتمام أو ما يشغلها شيئًا آخر. أهذا الطلب هو ما يشغلها ولا تكترث غير به، أن لا يخبر أحد؟
"ماذا قلتي؟"
نظرت له، قالت: "رجاءً يا عمر، ليبقى هذا بيننا."
لم يفهم سبب طلبها، إلى أن نظرتها له لم يتحملها. زفر بضيق وهو يقول:
"لن أخبر أحد، اطمئني."
نظر لها وأردف قائلًا: "لكن أمام ذلك، ستفعلين لي شيئًا."
تعجبت من ما قاله، فماذا يريد؟
"اعتني بنفسك وبواجباتك وأدويتك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، قالت: "حسنًا."
كانت ابتسامتها كفيلة أن تريحه وهي تأيده.
"علي الذهاب."
قال ذلك إليها. كان يريد أن يبقى بجانبها ويهتم بها، لكن ليس صحيحًا أن يكون في شقتها بمفردهما أكثر من ذلك. سمع صوت جرس الباب. تعجب. نظر إلى أفيلا، قال:
"تنتظرين أحدًا؟"
"لا."
ذهب ليرى من الذي أتى بتلك الساعة. فتح الباب وتوقف مكانه بدهشة وتفاجأ عندما وجده أمامه، وكان كاسبر. نظر له باستغراب وعدم فهم من وجوده هنا، فهو يعلم أن تلك تكون شقة أفيلا وتعيش فيها بمفردها، فماذا يفعل هنا وفي ذلك الوقت المتأخر؟ شعر بالضيق. لتقع عيناه على أفيلا تخرج من إحدى الغرف، وكان شكلها غريبًا، يبدو عليها الأرق. نظرت له وتفاجأت من رؤيته. نظر لها وإلى عمر ليقول:
"هل جئت في وقت غير مناسب؟"
كانت نبرته باردة، ولم يفهم عمر نظرتة والمقصد بما قاله.
"لا تفضل بالدخول."
قالت أفيلا ذلك إليه. نظر لها عمر، قال:
"هل تريدين شيئًا مني؟"
"أشكرك يا عمر."
أومأ لها بابتسامة وذهب. دخل كاسبر، ولا ما زال ينظر له حتى بعدما غادر.
"ماذا يفعل هنا وأنتِ بمفردك؟"
لم يعلم لما قال هذا، وبال صفة يسألها. تضايقت أفيلا من المعنى لسؤاله، إلى أنها قالت:
"كنت مريضة، وقد كان هنا لذلك."
نظر لها وقد لاحظ وجهها، شحوب وجهها وملابسها الذي لا تزال عليها من الصباح ولم تبدلها. اقترب منها، نظر لها، قال:
"أنتِ بخير."
نظرت له، وزال ضيقها، بل احتلتها سعادة لقلقه. لا تعلم أن كان قلقًا أم مجرد سؤال، إلى أنها ابتسمت وهي تقول:
"أنا بخير."
نظرت له وأضافت باستغراب:
"لكن ماذا تفعل هنا؟"
صمت قليلًا، ثم قال: "أنكِ من قتلتِ روبرت."
لم تكن تعي لذلك الاسم الذي سمعته، إلى أنها صدمت من ما قاله وطالعته بذهول.
"لما أشعر وكأنكِ تفاجأتِ؟"
أردف وهو ينظر لها: "فأنتِ من قلتي بلسانك أني أستطيع أن أعلم عنكِ كل شيء عنكِ."
كانت صامتة تصغي له، وبرود يحتل ملامحها.
"أجل، أنا من قتلته."
قالت ذلك. نظرت له وأردفت بغضب: "أنا قاتلة؟ ألم تكن تعلم ذلك أم لم تتوقع مني؟ صدقني، أنا أيضًا لم أتوقع أن أكون هنا كالآن بتلك الحياة السوداء. لكن ما الفرق أن كنت قاتلة؟ ألا يحق لي أن أكون أشبههم في شيء؟ لكن لم يكن قتلت كاملًا، كان قصاص."
كان ينظر لها باستغراب بهدوء ويتابع تعبيراتها. اقتربت منه، قالت:
"أتريد أن تعلم كيف وما سبب فعلي لذلك؟ السبب الأول أنت تعرفه جيدًا."
اقتربت منه وأردفت: "لأنه من قتل والدي."
كان متعجبًا. ماذا تعني أنه يعرف السبب الأول؟ من أين لها أن تعرف بذلك؟ وجد عينها تغرق في دمعها وتقول:
"السبب الثاني، أنه جعل مني وغدة تشبه."
أكملت بصوت يجهش بالبكاء: "جعلني أقتل أقرب شخص إلي بخداعه لي. جعلني أفقد من وجدت الأمان معه. ولا أعلم إذا كان سوف يعود إلي مجددًا أم لا."
لتصمت وتضيف بغضب ممتزج بالبكاء: "بسبب ذلك الوغد خسرت أقرب الناس إلي وخسرني معهم نفسي. لست نادمة على قتله، نذل مثله. إذا رجع الزمن بي إلى الوراء لقتلته مجددًا."
لا يعلم ماذا يقول، لكن لماذا حزن من نبرة صوتها وبكائها؟ لماذا تألم من سماع كلامها؟ هل هذا سبب شعوره بالريبة ناحيتها؟ هذا الحزن الذي كان يراه بها.
***
"هل تعلمين من أكون؟"
قال ذلك بتساؤل. نظرت له بعدم فهم، فأردف:
"أنا ابن ذات الرجل الذي قمتِ باختراق حسابه. فكيف عرفتِ أن روبرت هو من فعل ذلك وليس أنا؟"
نظر لها وأضاف: من ضمنهم أمر اختراقك، إنه وكلني أن أتكلّف به.
كانت تصغي إليه بصمت. اقتربت ووقفت أمامه. نظرت في عينيه وكان ينظر لها ولدموعها التي أغرقت وجهها.
"لست أنت."
قالت ذلك فتعجب من ثقتها وعيناها التي ثقبت روحه، ولم يفهم معنى ما قالته. لما يشعر باضطراب حين يكون معها، هزّ رأسه من التفكير وفضوله يزداد حيالها.
"هل أتيت من أجل ذلك حقًا؟"
قالت ذلك بسخرية. تعجب، فهل كانت تريده أن يأتي لأمر آخر؟ شعرت "أفيلا" بحماقتها بما قالته.
"سأسألك سؤالًا، ومن ثم سينتهي ذلك اللقاء."
نظرت له، ومن نبرته لتجده يقول:
"هل تقابلنا من قبل؟"
خفق قلبها عند ذلك السؤال وتبدلت ملامحها، الذي كان يتابع تعبيراتها ليضيف:
"هل لي علاقة بك سابقًا؟"
توترت كثيرًا. حاولت ألا تظهر ذلك قدر الإمكان، إلى أن صمتها أثار فضوله، بينما هي تبحث عن ما تقوله.
"ماذا تعني؟ كيف تسألني عن ذلك؟ أظن أن لو كانت هناك علاقة بيننا سابقًا، لكانت تعلم مثلما أعلم، ولست أنا من يتذكر فقط. فلا أعتقد أن هناك شيئًا غير أول لقاء بيننا عبر الطريق."
قالت "أفيلا" ذلك بهدوء. لينظر "كاسبر" إليها بشك. توترت، هل أخطأت بقول شيء؟ بينما هو لم يعلم هل يخبرها أنه حقًا لا يتذكر شيئًا، لذلك يسألها، وأن هناك سنة من عمره فقدها بأحداثها، الذي تبدو أحداثًا كثيرة وتزيد فضوله، بأنه يحب عليه أن يعرفها، لكن يتحكم بنفسه لتحذير الطبيب عن حالته. كانت مرتبكة، ثم شعرت بالدوار والغثيان وارتخاء قدميها. كانت ستقع، لكن "كاسبر" أمسكها. كانت تحاول أخذ أنفاسها بنبض قلبها غير المنتظم.
"أنتِ بخير؟"
أومأت برأسها إيجابًا، وهي تنظر له، إلا أنها تتكيء عليه بجسدها الضعيف. ذهب وأجلسها على الأريكة، وحين لامست يداها شعر بهما ساخنتين، وضع يده على جبهتها يتفحص حرارتها. نظرت "أفيلا" له بشدة وإلى يده. بينما هو ينظر إليها، رأى مشهدًا غير موضح يقتحم ذاكرته بنفس ذلك الوضع. أبعد يده عنها على الفور فور تلاشي ذلك المشهد. تساءل، ما ذلك الذي يراه؟ أنفض أفكاره. نظر لها، كانت تطالعه باستغراب من ردة فعله. قال:
"سوف أحضر لكِ طبيبًا."
وقف ليذهب، لكن أمسكت يده تمنعه.
"لا، بعد قليل سأكون بخير. أشكرك."
نظر لها وإلى يدها، فتركها بإحراج. تنهد ثم قال:
"هل أكلتِ؟"
"ليس بعد."
"سأحضر لكِ طعامًا إذا."
أخرج هاتفه وقام باتصال بأحد، لكنها منعته وهي تقول:
"لا، يجب أن آكل من الخارج. السعرات خطأ عليّ. لا ترهق نفسك. أشكرك."
نظر لها باستغراب ثم أغلق المكالمة وهو لا يعلم ماذا يفعل، لكنه لا يريد تركها هكذا. صمتت قليلًا ثم قال:
"هل أعد لكِ طعامًا؟"
لم تصدق أفيلا ما قاله، وهل سمعت أذناها صحيحًا أم تتخيل؟ نظرت له قالت بلهفة:
"أجل."
تعجب كثيرًا من نبرته، قال:
"ماذا إن لم يعجبكِ؟"
"أتُمزح معي؟ أنك تستطيع الطهو بمهارة لم..."
صمتت ولم تكمل ما كانت ستقوله. نظرت له وجدته يتطلع فيها بشدة والاستغراب يحوم وجهه، لتدرك غباءها وأن عليها أن تحذر أكثر من ذلك. وجدته يقترب منها ويقول:
"يزداد شعوري بالريبة تجاهك."
ارتبكت، أمسكت أصابعها بتوتر، وقفت وقالت:
"لم أقصد شيئًا. لا بأس، سوف أعده بنفسي."
قالت ذلك وهي تذهب، لكنه أمسك يدها منعها. نظرت له ولم تتوقع ما قاله.
كانت واقفة في المطبخ تنظر له وترسم ابتسامة من تلقاء نفسها. تخشى أن يراها، تحاول أن تخبئ سعادتها ولا تعلم كيف تشعر. وكأن بتلك السعادة قد أصبحت بخير دون شيء آخر. اقتربت منه، أمسكت يداه. توقف، نظر لها، وجدها تقوم بطي أكمام قميصه. ازدادت ضربات قلبه ليرى مشهدًا كذلك لامرأة تطوي أكمامه.
"٣٠ دقيقة."
"ماذا تعني؟ هل تريد أن ننتهي في ذلك الوقت؟"
"هل أنتِ خائفة؟"
"أراك واثقًا بنفسك كثيرًا."
كان يسمع تلك الأصوات تعج برأسه. أغمض عينيه بضعف وسحب يداه منها. نظرت له وجدته متعرقًا ويجمع قبضته يده.
"ماذا بك؟"
قالت هذا بقلق. قربت يدها من يده ليفتح عينيه.
"ما هذا الذي أراه؟"
قال هذا يخاطب نفسه، فقالت بتساؤل واهتمام:
"ماذا رأيت؟"
"أشياء تحدث لي، أراها في مخيلتي، وكأنها حدثت معي من قبل."
شعرت بالخوف والقلق عليه. فهل رأى شيئًا لها؟ ذهبت، سكبت له كوبًا من الماء وأعطته له ليستريح قليلًا. تنهد. نظر لها. كانت تمسك بيده. ابتعدت حين لاحظت نظراته. وجدته يخرج هاتفه ويقيم مكالمة.
"اذهبوا أنتم، سأعود لاحقًا."
كانت "أفيلا" واقفة تنظر له وهو يعد الطعام وتبتسم من تلقاء نفسها. تتابعه بتوجس لهيئته التي تحبها كثيرًا. كان "كاسبر" يلحظ نظراتها الثاقبة تجاهه. نظر لها. نظر لها. أخفت ابتسامتها وارتبكت ونظرت بعيدًا على الفور. ابتسم عليها ولا يدري كيف له من هذه الابتسامة. عادت أنظارها إليه وابتسامته لتتدفق بها. أرادت أن تساعده فأقتربت وأخبرته أنها ستقطع. وقفت بجانبه وقامت بتقطيع الخضروات. نظر لها من حركة يدها، كانت بطيئة. لم يعلم أن قواها بجسدها باتت ضعيفة وليس بيدها. اقترب منها، وقف خلفها ومد ذراعيه وهى في المنتصف. تفاجأت "أفيلا" من تقربه منها وكانت تحدق في الفراغ ومتوترة. نظرت له، كان قريبًا منها كثيرًا، فنظر لها هو الآخر والتقت أعينهما. خفق قلبها بسرعة شديدة. ارتبكت، فنظرت أمامها بتوتر. وجدته يمسك يدها برفق التي تمسك السكين ويحركها على الخضروات ويقطعها، وكانت بين ذراعيه ومتوترة كثيرًا. إلى أن أنها تنظر إلى يديها، وجدتها تتحرك بخفة مثل يده، كما يفعل. ابتسمت بسعادة ومرح ولا تصدق. نظرت له، بادلها ابتسامة خفيفة ثم ابتعد عنها لتعيد انتظارها وتكمل ما تفعله، والبهجة مرتسمة على وجهها. كان يشعر بالسعادة لرؤيتها تبتسم هكذا.
كانت "أفيلا" تساعده وهو يعلمها وتسعد كثيرًا عندما تفعل شيئًا بطريقة جديدة.
جلست على المائدة لتتذوق الطعام، وصدر منها صوت تلذذ ودهشة:
"مذاقه.."
قالت هذا، ثم صمتت تعجبًا. كاسبر نظر لها:
"أشكرك كثيرًا."
كانت نبرتها متغيرة، عكس ما كانت قبل قليل. أخفضت رأسها لتجمع الدموع في عينيها، فذلك المذاق لم تتوقع أن تتذوقه من جديد.
بعد أن انتهوا من طعامهم، ذهبت أفيلا لأخذ أدويتها. نظر لها كاسبر بتعجب مما تفعله. وجدها تأخذ شيئًا، وكان كبسولات. تعجب من هذه الأدوية التي تأخذها، ثم شربت ماء.
"أنتي مريضة؟"
قال ذلك بتساؤل. التفتت ونظرت له. علمت ما يقصده، توترت ولم تعلم ما تجيب، إلا أنها قالت:
"مجرد فيتامينات."
تعجب، لكنه لم يرد أن يجبه. وجدها تعيدها كما كانت. وقفت، اقترب منها. نظرت له، وجدته يقف أمامها مباشرة، يضع يده على جبهتها. لما حين يفعل ذلك يذكرها بوالدها. أشعر بالسعادة لمجرد حركة كهذه تثبت اهتمامه بها. ابتسمت أفيلا وهي تراه خائفًا عليها. قال:
"انخفضت حرارتك ل.."
صمت حين نظر لها، وجدها تنظر له بتمعن. لم يفهم نظراتها. دقق في ملامحها وشعر بشيء يجذبه، شعور لم يفهمه من قبل. اقترب منها. نظرت أفيلا إليه، توترت. نظر إلى عينها وقربه الشديد منها. ابتعد عنها ويشعر بالحرج، لا يعلم ما هذا الذي كان سوف يفعله وكيف ضعف أمامها.
"علي الذهاب."
قال ذلك دون أن ينظر إليها، وهم بالمغادرة. وكانت تتابعه بنظراتها وهو يذهب. ثم ابتسمت. دخلت غرفتها ونامت وهي تشعر بالسعادة التي تغمرها، ونامت بسلام لأول مرة.
كانت تعمل في المشفى ببهجة تتضح على معالم وجهها وإشراقها التي لاحظها الجميع، عكس ما كانت معتادة عليه. سعد عمر من رؤيتها هكذا، رغم أنه لا يدري سبب هذه السعادة، إلا أنه يعلم مصدرها ومن له يد بأن تكون مفعمة بالحيوية كل اليوم.
مر يومان في المشفى. دخلت أفيلا إلى إحدى الغرف، كان بها ولد ذو السبع سنوات، من ذاك الحادث. أخذت كرسيًا وقربته من سريره. نظرت له وقالت بابتسامة:
"كيف حالك اليوم؟"
"أنا بخير. أصدقائي كيف هم؟"
صمتت حين تذكرت الولد الذي قد مات بين يديها. شعرت بالحزن، إلا أنها قالت:
"حمدًا لله، بخير جميعًا."
أرادت أن تطمئنه رغمًا عنها. ابتسم لها. دخل عمر في تلك اللحظة، قال:
"أفيلا، هناك أحد يسأل عنك."
قالت بتساؤل:
"من؟"
نظر لها وإلى الطفل. فهم ما يقصده. وقفت وذهبت معه. كانا يسيران، قالت:
"لم يقل من."
لم يرد عليها. إلا أنها توقفت عندما رأت نيرة وأميرة، صديقاتها، التي لم ترهم منذ سنتين تقريبًا بسبب انقطاعها ونفر الجميع عنها. لكنهما كانا يطمئنان عليها من عمر، الذي يعلمون أنها ستكون بخير طالما معه. ابتسموا حين رأوها. اقتربوا منها وعانقوها. نظرت لهم بدهشة وتعجب من ذلك العناق. ابتسمت ابتسامة خفيفة وضمتهم برفق هي الأخرى، ليسعد عمر وهو يراها تبتسم. ابتعدت عنهم، قالت:
"ماذا تفعلان هنا؟"
"جئنا لنراكِ، فلم نرَ بعضنا منذ مدة طويلة."
قالت نيرة هذا. وآخر جملة بتذمر، قالت أميرة:
"أخبرينا كيف حالك."
"بخير."
قالت نيرة بتساؤل:
"هل أنتِ حقًا مريضة سكر؟"
نظرت أفيلا لهم بصدمة، ثم نظرت إلى عمر بحنق. خاف من نظرتها، قال سريعًا:
"لم أخبر أحدًا، أقسم لكِ، ما زلت عند وعدي لك."
"كيف عرفوا إذا؟ هل تخدعني؟"
قالت نيرة لتهدأ من ثورتها:
"ليس عمر من أخبرني، إنه أحمد."
ضاقت ملامحه من صديقه، قال بضيق:
"ذلك الوغد."
وجدها تنظر له وتقول:
"وكيف علم؟ بتأكيد منك."
"اهدئي قليلاً، إنه من فحصك."
صمتت، فهي لم تسأل عمر عن ما قاله الطبيب له ومن أحضره. فهو طبيب جراحة مثلها، بالطبع لن يكون هو من فحصها.
"إذا رأيته سوف أكسر رأسه."
قالت ذلك بغضب وهي تتوعد له. ضحكت نيرة، قالت:
"حزينة عليه كثيرًا."
ابتسمت أميرة، ثم قالت باقتراح:
"لما لا نتقابل جميعًا ونجتمع مجددًا؟"
لتؤيدها نيرة بقول:
"فكرة جيدة، سوف يسعد الجميع."
نظروا إلى عمر وأفيلا ينتظرون ردهم. فهو يراهم ويجتمع مع أصدقائه بأوقات، أما هي فلا يرونها. قال:
"ليس لدي مانع."
"لا."
قالت أفيلا ذلك. نظروا إليها، ومن نبرتها، قالت نيرة:
"لماذا؟"
"لا يروق لي. اذهبوا أنتم."
قالت ذلك إليهم وهي تذهب، تقفل مجرى المقاس وتحسم قرارها إليهم. نظروا لها وتعجبوا، فقد ظنوا أنها قد عادت كما كانت تمرح من رؤيتها تبتسم، لكنهم كانوا خاطئين. لم تكن سوى ابتسامة عابرة لرؤيتهم، لا تزال في جموحها.
"أتركوها لي."
نظروا إلى عمر بدهشة. قالت أميرة:
"حقًا تستطيع إقناعها؟"
ابتسم بقله حيلة، قال بمزاح:
"سأحاول، لكنه صعب بالنسبة لها."
ضربته نيرة في كتفه وهي تقول:
"خارت قواك عن السابق على ما يبدو."
نظر لها بضيق من سخريتها، قال:
"ليس الأمر كذلك، تعلمين أنها عنيدة."
ابتسمت وهي تنظر له بمكر. تنهد، ثم قال:
"تحدثوا معهم ونتقابل في موعدنا."
"جيد. إلى اللقاء."
قالت ذلك وهي تمسك بيد أميرة وذهبتا. وكان يتطلع بهما. تنهد، ثم قال بضيق:
"ما هذا الذي أوقعت نفسي به؟ كيف سوف أحضرها معي؟"
في مساء اليوم، كانت أفيلا في مكتبها بعدما انتهت من دوامها. تخلع جاكتها الأبيض وهمت بالذهاب. وجدت عمر يدخل. نظر لها، قال:
"أنتي ذاهبة؟"
أومأت برأسها إيجابًا، ثم قالت:
"ماذا عنك؟"
"لدي وقت إضافي."
نظر لها وأردف قائلاً:
"لماذا لا تريدين أن تأتي معنا؟ سوف يجتمع الرفاق جميعًا، وهذه فرصة لكي تغيري أجوائك قليلاً."
تبدلت ملامحها، فقد عرفت سبب مجيئه.
"لا أريد."
قالت ذلك وهي تذهب، تتخطاه. لكنه أمسك يدها يمنعها. نظرت له، قال:
"وعدتني أنكِ سوف تهتمين بنفسك."
قالت بتعجب:
"هل نكثت بوعدي أو ما شابه؟"
"أجل."
نظرت له بإستغراب، فأكمل:
"ما زلتِ داخل هذه الدائرة المغلقة، لا تخرجين منها. حين قلت اعتني بنفسك، ليس لحالتك الجسدية فقط يا أفيلا. أتمنى أن تكوني فهمتِ متى ما رمقتُ له."
تنهدت، ثم قالت:
"ماذا تريد؟"
"عودي كما كنتِ الآن. لا يوجد سبب لما تفعلينه، وسجنك هذا لن يضر أحدًا إلا سواك. كان سببك هو ذلك الذنب لـ علي، وهو الآن قد عاد، لكن أفيلا ما زلتِ تدفنينها بداخلك."
كان صامتة، تصغي إلى ما قالته، لكن تعبيرات وجهها لم تتغير. نظرت إلى يدها، ثم نظرت له. قالت:
"اترك يدي."
نظر لها عمر، فهل هذا ردها؟ تنهد بضيق، ثم تركها. فذهبت لتخرج وتتركه، إلا أنها توقفت عند الباب.
"إن كنت قلقًا علي، فأريد أن أطمئنك أن المرض السكري لدي من سنة ونصف، أي أني تأقلمت عليه، وهو قد تأقلم على حالتي. حين غشيت عليّ، كان بسبب الأرق لا غير."
نظر لها ولا يعلم هل تسخر منه حقًا بكلامها الهراء ذلك؟ أتظنه سيقتنع ولا يعرف عن حالتها؟ أتُبرر له أم تُبرر لنفسها؟ نظرت له، ثم قالت:
"لم أمانع. سوف أفكر."
نظر لها. ابتسم لأنها استمعت له، فذهبت.
في الفيلة، كان مازن يرى كاسبر قد جاء من الخارج، وملامح الجمود تعتري وجهه. تعجب. نظر إلى ساعته، قال بتعجب:
"هل انتهى بهذا السرعة؟"
دخل كاسبر إلى غرفته وتذكر حين كان في المشفى من أجل زراعة، لأن يحرره. بينما وهو مار من مكتب أفيلا، وجدها قريبة من عمر، وكان يمسك بيدها. ذلك المشهد أثار شعاعًا داخله، لا يعلم سببها. يشعر باضطرابات في الفترة الأخيرة ولا يتصرف على طبيعته، بل يجعل من نفسه أحمقًا. ماذا دهاه؟ هل جن؟ هل بدأ أن يفقد شخصيته التي بناها عقله؟ لنسنه ستنهار في لحظة. إن لم يكن قد فقد ذلك الجزء من ذاكرته الذي يؤثر عليه كليًا، فلما هو هنا الآن ويبغض نفسه؟ سنة قد مُحيت، لكن تلك السنة تؤثر على ماضيها وحاضرها، تؤثر على خلاياه وأعصابه التي تتلف. تذكر كلام الطبيب له أن لا يندهش بما يراه وتصرفاته إن كانت غريبة، فهذا جزء من العصب الذي يتحكم به، لكن عقله لا يزال سليمًا ويوافق باتزانه عليه أن يتحكم به فقط. تنهد، ثم ذهب لدورة المياه لأخذ حمام.
جلس بالأسفل. نظر له مازن، وكان يريد أن يسأله إن كانت الأمور قد سارت على ما يرام. كانت ملامح وجهه باردة. ليسود الصمت قليلاً، ويقطعه وهو يقول:
"هل هناك ما يربط أفيلا بصديقك؟"
"عن أي صديق تتحدث؟"
قال ذلك بتعجب. لم يعلق. فنظر له وقال باستدراك:
"تقصد عمر؟"
نفى، وهو يضيف:
"لا، إنهم أصدقاء."
"فقط؟"
نظر مازن إلى أخاه، ومن نبرته الباردة، صمت قليلاً. نظر له ولصمته، فقال:
"لا أعلم جيدًا حول هذا الأمر. لكن، أوقات أشعر وكأن علاقتهم ليست تحت مسمى الصداقة. من الممكن أنهم يحبان بعضهم أو يتواعدا، لا أدري بالتحديد."
جمع قبضته بضيق، وأراح ظهره للخلف ببرود دون اكتراث لأي ما سمعه. نظر مازن إليه، يعلم أنه تضايق بما سمعه ويظهر العكس، وهذا سبب كذبه عليه بالباطل.
"أعتذر يا أخي، يجب أن تبعد تفكيرك عنها. أعلم أنك بدأت تحبها من جديد. إن كان عقلك قد جعلك تنساها، فقلبك سيرجعك إليها."
كان يخاطب نفسه وهو يشعر بالضيق. لا يعلم إذا كان أخطأ عندما قال كلامًا كهذا، أم أنه فعل الصواب لخوفه على أخيه وأراد أن يبعده كي يتذكرها بسبب قربها منه. فلماذا يشعر أن أفيلا هي من ستجعله يتذكر وتعيد له ذاكرته، وهي ذاتها من ستلقي بحتفها لأنها لا تعلم عما ممكن أن يفعله بها لجريمتها؟
في اليوم التالي، وصلت أفيلا إلى المشفى. دخلت مكتبها، ارتدت جاكتها وخرجت ترى عملها. وجدت عمر يدخل للمشفى وقد وصل للتو. اقترب منها، قال:
"هل فكرتِ؟"
لم تفهم، إلا أنها عرفت ما يقصده. فقال:
"بربك، ما زال الوقت باكرًا، دع لي بعض الوقت."
"سوف توافقي على كل حال. لقد حدد الرفاق وأخبروني أن أحضرك."
"سوف أخيب ثقتك بنفسك كثيرًا."
قالت ذلك بابتسامة عليه وهي تذهب. نظر لها عمر، ابتسم وذهب إلى مكتبه.
في الفيلة، على المائدة، كان كاسبر يأكل، ومازن ينظر له بتعجب من ذلك الهدوء الشديد وأنه على طبيعته جدًا.
"هل أخطأت عندما ظننت أنك تكن لها المشاعر وبدأت تحبها؟ ألم يجدر بي قول ذلك؟ فأراك غير مبالٍ."
كان يخاطب نفسه باستغراب. لاحظ كاسبر نظرات مازن إليه، قال:
"أتُريد قول شيء؟"
أفاق من تفكيره، نظر له وارتبك، ثم قال:
"ماذا فعلت البارحة في المشفى بشأن زراعتك؟"
"لم أذهب."
قال بدهشة وتساءل:
"لماذا؟"
"أصبحت بخير، ليس لدي وقت لذلك."
"لكن يجب أن تذهب."
رمقه كاسبر نظرة باردة، فصمت. انتهى من طعامه، وقف ليذهب. ليوقفه مازن وهو يقول:
"إذا انفرغت قليلاً، اذهب. لن يأخذوا من وقتك الكثير."
نظر له، وكان يشعر لاهتمامه به. أوما برأسه إيجابًا وأنه سيرى ذلك الأمر، ثم ذهب. والتساؤلات تحوم حوله، فمن ضمن رغبته في عودة ذاكرته معرفة ذلك ما يدعى "مازن". فمن يكون ليهتم به هكذا ويعطيه كل هذا الاهتمام الذي لم يعهده من أحد؟ يبدو صادقًا معه، فمنذ ثلاث سنوات وهو يراقب يطمئن عليه ولا يتركه من بعد هذه الواقعة التي حدثت، حتى بعدما سافر لألمانيا كان على علم بأنه يتواصل مع رجاله لأني لا يرد عليه.
في منتصف اليوم، كانت أفيلا واقفة مع ياسر في الطابق بالأسفل، ويمسك أوراقاً ويشير عليها ويتحدثان. لتقع عيناها على كاسبر حين وجدته يدخل للمشفى. ابتسمت وسعدت، فهي لم تره منذ أن كان معها في شقتها. نظر لها، وقد رآها. وجدته يكمل سيره بجموح دون أن يبدي أي اهتمام لرؤيتها. تعجبت وحزنت. نظر ياسر إليها وإلى ما تنظر له.
"أفيلا، هل سمعتيني؟"
أفاقت، نظرت له، قالت:
"ماذا..."
أجل.
أردفت قائلة: هل يمكنني الذهاب قليلاً؟
حسناً.
ذهبت قابلة ممرضة، سألتها عنه، فأومأت إيجاباً وأشارت لها على الغرفة، فتركتها وتوجهت إليها.
وحين وصلت، دخلت وجدت ممرضة تساعده في فك القماش من على ذراعه.
نظروا لها وقد دخلت.
اقتربت منها وقالت: تستطيعين الذهاب.
نظرت الممرضة إليها باستغراب، نظرت إلى كاسبر ثم أومأت وذهبت.
لتنظر إليها أفيلا بعدما رحلت، ثم تعود أنظارها إليه.
اقتربت منه وأكملت هي.
كان صامتاً، وقد لاحظت ذاك، بل غريباً، ليس بصمته العادي الذي تعرفه، إنه صمت آخر.
نظرت له وأنه لا يتطلع بها أو لا يبدي أي اهتمام.
قررت أن تقطع هذا الصمت وهي تقول: كان موعدك البارحة، لماذا لم تأتي؟
قال باللامبالاة: لم يكن لدي وقت.
لم يكن لديك وقت لصحتك؟
أردفت بتذمر بين نفسها: ما هذا الهراء.
هل تهتمين بالجميع هكذا؟
قال هذا بنبرة ساخرة.
تعجب كثيراً وقالت بعدم فهم: ماذا؟
نظر لها هذه المرة واقترب منها.
نظرت له وتوترة من اقترابه منها ونظرته الجافة الذي يثقبها بها.
هل اعتدتِ تقتربين من الجميع وتمتد علاقاتك... فكيف كنتِ قريبة مني من يوم ويوم آخر.. مع غيري؟
شعرت بوخزة أيسر صدرها، تهاوت كثيراً بحجم كلماته ونظرته التي يوجهها نحوها.
كانت لا تصدق ما سمعته منه وما يقوله لها، صدمتها كبيرة.
تختار قواها: لوهلة قد شعرت باختلافك، لم أعلم أن الاختلاف سيكون عبر ذلك.
نظر لها وأكمل بسخرية: لماذا تمثلين دور الزوجة الصالحة وأراكِ تبكين على زوجك الذي يبدو أنه ليس من اهتماماتك...
ولم يكمل، سرعان تلقى صفعة على وجهه.