تحميل رواية «اسد مشكي» PDF
بقلم رحمه نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فصل ١ من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!! فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب؟ بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه.. الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل. كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره. عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، وأشباح بشر ي...
رواية اسد مشكي الفصل الأول 1 - بقلم رحمه نبيل
رواية اسد مشكي الفصل الاول 1 - بقلم رحمه نبيل
من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!!
فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب ؟؟
بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه ..
الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل .
كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره، عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، واشباح بشر يطوفون بين الطرقات .
الله ابتلى بلاده بجماعة من المخنثين، جاءوا شهورًا، خربوا بها ما عُمّر عقودًا، رحلوا وتركوا خلفهم دخان حرائقهم، واطلال فسادهم، تركوا شعبًا بنفوسٍ مهتزةٍ وكوابيسٍ مخيفة .
زفر زفرة مرتفعة يسمع صوت خطوات خلفه تبعه كلمات رفيقه الجديد وخليله الوفي الذي وضع كل ثقته به، أو بالأحرى بقايا ثقته بعدما غدر به أقرب الأقربين ..
" مولاي "
استدار نصف استدارة يمنحه بسمة صغيرة هادئة مشيرًا له بالاقتراب ليجاوره الشرفة الفسيحة حيث يحب قضاء وقته منذ كان طفلًا يتطلع لبلاده الجميلة ولم يدرك ما خبأه لها المستقبل :
_ اقترب يا المعتصم، هيا تعال وانظر لمشكى .
اقترب منه المعتصم يجاوره الشرفة يحدق بالبلاد التي ورغم نكبتها لا تزال متماسكة، بلاده وبلاد أجداده رغم أنه لم يولد أو يحيا بها، لكنه عشقها من حديث والده عنها، وكان يتشوق لزيارته السنوية لها :
_ اجمل البلاد مولاي .
ابتسم أرسلان وهو يهز رأسه هزة صغيرة، ثم تنهد وقال بحسرة :
_ لهذا تكالبوا عليها يا صديقي، ذنبها جمالها .
يعلم المعتصم ما يمر به أرسلان، فما يحمل فوق اكتافه في هذه اللحظة ثقيل، بلاد منكوبة، وشعب محطم، ودفاع شبه مكشوف؛ الجيش اعداده قليلة، والامدادت لا تكفي تغطية نصف حدود المملكة، الزراعة في تراجع بسبب تأثر الأراضي الزراعية بعمليات التخريب التي نالتها على أيدي الباطشين، لا شيء سليم في هذه البلاد سوى ايمان شعبها بربهم .
ارتفع صوت الأذان في الأرجاء معلنًا موعد الفجر في المملكة ليربت أرسلان على كتف المعتصم يدعوه ليتبعه صوب مسجد القصر، تحرك بصمت وخفة صوب الخارج وقد أخذ معطفه الاسود يتطاير خلفه يسير بخطوات قوية لا يبصر حوله سوى طريقه، حتى خطى بوابة المسجد ليخلع معطفه الملكي وتاجه وحذائه ويترك سيفه، ثم دخل المسجد مُجردًا من كل ما قد يميزه كملك عن باقي جنوده وقاطني القصر .
فبين يديّ الله الكل سواسية ...
ابتسم للجميع بسمات صغيرة، ثم جاورهم الصفوف خلف الإمام لتعلو في هذه اللحظات كلمات الله وتصمت جميع الاصوات خاشعة لها.
" الله أكبر.."
بدأ الجميع يتبع الإمام في صلاته لتمر دقائق قبل أن يعلو صوته بالتسليم معلنًا انتهاء الصلاة .
تحرك الجميع ليباشر البعض أعماله والبعض يعود لإكمال نومه، فيما بقي أرسلان جالسًا يضم قدميه أسفله يدعو الله أن يعينه على القادم، فالبلاد على شفا جرفٍ من الانهيار، عاد بها لنقطة الصفر.
عادت له بلاده مدمرة كما تسلمها من والده، بل اسوء، فالأن ليست البلاد فقط المدمرة، بل نفوس قاطنيها .
_ مولاي، هل انتهيت ؟!
ابتسم أرسلان يستقيم في جلسته، ثم تحرك صوب المعتصم الذي كان قد سبقه لبوابه المسجد، يلتقط حذائه ومعطفه وسيفه يتحرك معه صوب الساحة يردد :
_ هل تقدم أحد للانضمام للجيش يا المعتصم ؟!
صمت المعتصم وتردد في الحديث يحاول إيجاد أي إجابة لا تصيب أرسلان بالاحباط، أرسلان الذي يعلم الإجابة بالفعل، لكنه يتساءل فقط لدفع المعتصم إلى مشاركته كل ما يصل له دون تردد أو مواراة .
_ سوف يأتي الكثيرون مولاي أثق بذلك، هم فقط يحتاجون لبعض الوقت للتعافي .
ابتسم له أرسلان ينظر للسماء التي بدأت تنير بعض الشيء معلنة بداية يوم جديد ومولد أمل جديد .
_ لهم كل الوقت يا المعتصم، لهم كل الوقت .
كانت كلماته غريبة بنبرة اغرب، جعلت المعتصم ينظر له بعدم فهم وترقب لشرح ما يقصد، لكن أرسلان استدار له برأسه ونظرات خبيثة يرفع سيفه قائلًا :
_ إذن يا المعتصم هل تستطيع مجاراتي في القتال، أم أنك تماثل معلمك فشلًا ولن تتمكن من الصمود أمامي لثواني ؟؟
اتسعت أعين المعتصم بصدمة كبيرة يدرك أن الحديث الآن موجه لقائده السابق والذي تتلمذ على يديه وتعلم القتال منه :
_ ماذا ؟؟ القائد سالار لم يكن يومًا فاشلًا .
ابتسم له أرسلان يرفع السيف في وجهه يلقي معطفه جانبًا وعليه التاج دون اهتمام، ثم اتخذ وضعية الهجوم يشير له بالتقدم :
_ اثبت لي ذلك ...
وفي ثواني وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث دارت معركة حامية بين المعتصم وارسلان الذي يقاتل بشراسة ارعبت المعتصم لثواني وهزت ثباته، قبل أن يتمالك نفسه ويعود لمجابهة أرسلان في القتال .
ومع بداية اليوم وحيث من المفترض أن يستيقظ أهالي القصر الملكي في مشكى على صوت زقزقة العصافير ونسمات الهواء، كانوا يستيقظون على أصوات السيوف .
تجمع بعض الجنود يراقبون ما يدور بين المعتصم وارسلان الذي كان يحارب وكأنه يقاتل عدوًا ..
وبعد دقائق طويلة انتهت المعركة بسقوط سيف المعتصم، وسقوط المعتصم نفسه ليجاور سيفه ارضًا، ويشرف عليه أرسلان بنفسه مبتسمًا بسخرية ومزاح خشن يتخيل نظرات سالار أمامه وهو يردد تلك الكلمات :
_ كما توقعت، فاشل تمامًا كمعلمك .
تشنجت ملامح المعتصم، يحاول النهوض ينفض ثيابه بسأمٍ ورفضٍ تام للهزيمة ومذاقها المُر :
_ لقد اخذتني على حين غرة، هذا ليس عادلًا .
توقف أرسلان يلوي فمه بسخرية لاذعة:
_ ومنذ متى كانت الحرب منصفة يا صغير ؟؟ الحرب هي الساحة الاولى للغدر يا المعتصم .
ختم حديثه يحرك سيفه أمام عيون المعتصم الذي تنفس بغيظ شديد، يحاول تهدئة نفسه وتمرير تلك الهزيمة وتذكير نفسه أنه هُزم من شخص ينافس قائده ومعلمه، هُزم من أرسلان بيجان ملك مشكى، الرجل الذي قضى نصف حياته في الحروب، والنصف الآخر يبحث عن الحروب.
إذن هزيمته أمام هذا الرجل كانت حتمية، لكن لن يستمر الأمر طويلًا .
_ لا بأس بهزيمة اليوم مولاي، يومًا ما ستُهزم، وسيكون لي الشرف لتكون هزيمتك على يدي.
ارتسمت بسمة جانبية على فم أرسلان يتحدث بجدية شديدة وهو يلوح بالسيف في وجهه معترضًا على تلك الكلمات التي كانت كما لو أنها سبة له :
_ خسئت أنت واشباهك الاربعين، لم يولد بعد من يهزم أرسلان بيجان .
نفض المعتصم ثيابه، ثم رفع عيونه صوب أرسلان يقول ببسمة واسعة يسخر منه وبكلماته تلك :
_ سمعت هذه الكلمات من قبل، أين يا ترى ؟؟ آه نعم رجال سفيد، الآن انظر إليهم، حتى القائد سالار ركع على ركبتيه لزوجته يعترف بهزيمة مستحقة لها .
_ هذا سالار يا بني ...
_ أنت لا تفرق شيئًا عن القائد سالار، أنتما بنفس العقلية تقريبًا .
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا :
_ خسئت، لا أحد ولا حتى سالار يشبهني، هذا سالار، وأنا أرسلان، لا سالار يشبهني ولا أنا أشبه سالار، كلٌ يمتلك شخصيته .
هز المعتصم كتفه يراقب تحرك أرسلان بعيدًا عنه وهو يحرك السيف بين كفيه يطلق صفيرًا عاليًا مستفزًا للمعتصم الذي رفع صوته وهو يقول بجدية :
_ نعم، لكن الهزيمة لا تفرق بين سالار وارسلان مولاي، وغدًا سنجلس جميعًا نراقب هزيمتك ونصفق لها .
لوح أرسلان بسيفه في الهواء دون أن يتوقف في سيره أو يستدير له حتى :
_ استمر في احلامك يا بني .
ابتسم له المعتصم يجيب بثقة :
_ ليس في احلامي يا مولاي، بل في الواقع، أين ستهرب من مصيرك أنت، هزيمتك ستصيبك ولو حفرت لذاتك قبرًا في الأرض السابعة، هي فقط تنتظر الوقت المناسب للظهور وتعلن عن نفسها ..
________________________
البرازيل_ سجن "كارانديرو" :
أمام بوابة السجن وحيث كان يحيط بها عدد كبير من المسلحين لمنع تخطي أي مسجون للبوابات أو الاقتراب منها حتى، انتفض البعض على صوت إطارات تحتك بالأرض أمامهم، ومن ثم توقف سيارة سوداء بشكل همجي تسببت في إحداث غبار جعل أحدهم يزفر بضيق وهو ينظر في ساعة يده يتأكد أن موعد حضورها الاسبوعي قد حان .
يسمع صوت أحد الجنود جواره :
_ لقد أتت سيدي .
أجابه بسخرية وهو يرفع عيونه صوب السيارة السوداء أمامه:
_ استطيع رؤية ذلك، أفتح البوابة لها .
تحرك الجندي ينفذ أوامره، بينما استمر الآخر يراقب السيارة ينتظر أن تطل هي عليهم بهئتها المعروفة والتي لا تتغير، صورة محفوظة تسير بها طوال الوقت .
وما هي إلا ثواني وأخرجت قدمها التي كانت ترتدي بها حذاء اسود لامع ذو كعب عالٍ، ومن ثم خرجت بجسدها ترتدي ثيابها الرسمية المعروفة، بنطال بذلة اسود اللون، يعلوه قميص ابيض تدخل اطرافه داخل البنطال، مع وجه شبه خال من المساحين عدا القليل، وخصلات تجمعها في " كعكة سوداء " محكمة، تسير بهدوء تحمل حقيبة سوداء، وبنظرات هادئة تحركت صوب البوابة التي كانت قد فُتحت لها بالفعل لتدخل دون أن تحيد بنظرها لأحدهم، تتحرك خلف الجندي الذي كان يعلم دوره يقودها صوب الغرفة المخصصة لتبدأ عملها الاسبوعي ...
الطبيبة النفسية الشرعية " سول " والتي تعمل لتأهيل المجرمين داخل سجون البرازيل للحياة الطبيعية بعد سجنهم، تؤمن أن الجميع _ حتى المجرمين _ يستحقون فرصة ثانية للعيش بشكل طبيعي، بعيدًا عن السجون وما عانوه بها .
سارت في الممر لا يُسمع سوى صوت قرع حذائها الاسود، تبتسم بلطف لمن يقابلها، بسمة رسمية صغيرة تحاول بها كسر الجليد مع من حولها، حتى وصلت أخيرًا لغرفة صغيرة حيث تمارس جلساتها الأسبوعية للتأهيل مع اخطر المجرمين الذي يعانون من خلل نفسي يزين لهم أذية الغير، غرفة مراقبة بالكامل تحتوي ثلاثة حراس لمراقبة الأوضاع .
_ شكرًا لك .
قالت جملتها بلكنة برتغالية متقنة، ثم تحركت بهدوء تلقي الحقيبة الخاصة بها على الطاولة تجذب المقعد المقابل لذلك المجرم المقيد أمامها تمنحه بسمة لطيفة صغيرة لا تناسب الوضع الذي تجلس به أمامه وهي تلوح له :
_ مرحبًا .
زمجر الرجل أمامها، ولولا الأصفاد التي تقيد نصف جسده العلوي، لكان نهض الآن وهجم عليها وقطعها بأسنانه دون أن يرف له جفن .
لكن هل تهتم هي ؟؟ لا والله لا تفعل.
فتحت الحقيبة الخاصة بها تبحث عن المدونة التي تسجل بها كافة الملاحظات الخاصة، تزفر بضيق وهي تحاول ابعاد اغراضها الشخصية جانبًا، تحدث السجين بأريحية وكأنه رفيق قديم لها :
_ فوضى عارمة تسود الحقيبة، لا ادري حتى ما سبب حملي لكل تلك الأشياء و....ها لقد وجدته .
اخرجت الدفتر تبتسم له بسمة واسعة، ثم فتحته تضع قدم على الأخرى وهي تردد براحة :
_ والآن اخبرني كيف حالك وكيف هي أيامك في هذا المكان الـ... في هذا السجن ؟؟
ارتج الرجل في مقعده يحاول النهوض وسحب أي سلاح وأخذها رهينة حتى يطلقوا سراحه ويخرج من هذا السجن الخانق، ومن ثم يفرغ احشائها ويحطم أسنانها ليمحو بسمتها تلك، وسول أبصرت كل ذلك تتنهد وهي تسجل بعض الكلمات :
_ سيئة ها ؟؟ هل يمكنك أن تصف لي ما يزعجك بالمكان تحديدًا؟! هل هي الأجواء الباردة أم الإضاءة المزعجة أم الطعام قليل الملح، أم قهوة تشارلي المريعة على سبيل المثال ؟؟
زمجر الرجل زمجرات جعلتها ترفع عيونها له تردد بجدية مستاءة منه وكأنه خيب ظنها أو ما شابه :
_ عزيزي هل تتحدث مع أحد حيوانات الغابة ؟؟ أنا لا افهم زمجراتك حدثني بكلماتٍ كالبشر كي استطيع مساعدتك رجاءً .
مال الرجل وهو ينظر لها بشر، لتعلم أنه على وشك إطلاق كلماته الاولى لها، وهذا جعلها تترقب باهتمام، أما هو ابتسم بشر مرعب هامسًا بصوت متحشرج مخيف وكأنه لم يستعمل حنجرته منذ عقود وهذا أول عهده بالحديث :
_ تبًا لكِ أيتها الـ *****.
لم تصدم أو تبتأس من كلماته وقد كانت ابسط شيء تقابله في حياتها المهنية، فقط ابتسمت تجيبه بهدوء ورقة شديدة تحاول التحلي بالصبر، فهو ليس أول سجين يعاندها في بداية العلاج :
_ تبًا لك أيضًا أيها الوسخ .
ختمت حديثها ببسمة مترقبة حين رأت نظراته تحتد أكثر وأكثر، ثم أكملت بكل بساطة وهي تدون بعض الكلمات :
_ أخبرني إذن، هل يعجبك وجودك في المكان هنا؟؟
ومجددًا الرد زمجرة وسبات عديدة ومحاولة عقيمة ليفلت من اصفاده ويهجم عليها يقتلها ويقطعها أربًا، احلام قاطعتها هي بجملتها :
_ ألا يحفزك شيء للخروج من هنا؟؟ لا تمتلك ما يجعلك تحارب نفسك القذرة والخروج ؟؟ ألا يوجد بالخارج ما يستحق سحق شياطينك لأجله ؟؟ زوجة أخت...ابنة مثلًا .
صمتت حين رأت نظراته تلين بشكل مريب وقد أصابت وتره الحساس، تبتسم بسمة بسيطة صغيرة وهي تميل على الطاولة تكمل حديثها بهمس :
_ لديك ابنة صغيرة صحيح ؟؟ آلانا ها ؟؟
رفع عيونه لها وقد التمعت بشكل قوي وهي ترى أنها وجدت واخيرًا ما ستلعب عليه في الفترة القادمة، فتحت فمها للحديث، لكن وقبل فعل ذلك وأد هو كلماتها حين رفع يده المصفدة يجذب رأسها بحدة صوبه وقد بدأ يخنقها بالاصفاد يطحن عظام رأسها بالطاولة ..
حركة مفاجئة غفلت عنها "سول" التي أطلقت سبة مرتفعة تحاول الإفلات منه وقد بدأ وجهها يتحول للأحمر بسبب الاختناق، تدفع يده عنها وهو فقط ينظر لها بشر يطلق تهديدات للجنود بعدم التدخل وإلا قطع رأسها، وقد اندلعت حالة من الهرج والمرج في المكان بأكمله .
_ إن اقترب أحدكم سأحطم عظام رأسها لتلك الـ ***** .
وسول لا تسمع شيء ولا تهتم بشيء سوى رقبتها العزيزة التي تكاد تنفصل عن جسدها بأقسى طريقة ممكنة، تجاهد لدفع جسدها عبر الطاولة ترفع يدها حتى تصل لوجهه، وبصعوبة شديدة وصلت واخيرًا لتدفع أصابعها في عيونه بقوة مستغلة انشغاله بالحراس، حتى كادت تشعر بأنها فقأتهما له .
أطلق الرجل صرخة عالية، ولم يكد يتبعها بسبة حتى رفعت سول قدمها تضرب أسفل معدته بعنف شديد من أسفل الطاولة، ثم ابتعدت عن يده بسرعة تمسك رأسها تصطدمها بشر في الطاولة ليفقد الرجل اتزانه في ثواني ويلتف حوله الجنود يخرجونه من الغرفة بسرعة كبيرة، بينما سول عادت بظهرها للمقعد تستريح عليه متنفسة بصوت مرتفع وهيئة مُدمرة.
ثواني التقطت بها الأنفاس، ثم جمعت اغراضها وأخرجت المرآة تتفحص هيئتها المدمرة، وقد فسد الكحل الخاص بها وهذا يذكرها بالبحث عن " ماركة " أخرى تصلح للتعامل مع هؤلاء الهمج، وأصبحت الكعكة في شعرها تميل للجانب بشكل مزري، وأحمر الشفاة تدمر بالكامل .
ضيقت عيونها وهي تدقق النظر في هيئتها :
_ هناك شيء خاطئ هنا ..
ثواني حتى أخرجت أحمر الشفاة من حقيبتها و ضعت القليل منه، ثم ابتسمت تقول متجاهلة باقي هيئتها المزرية :
_ هذا أفضل.
حملت الحقيبة وخرجت بكل هدوء مرفوعة الرأس كعادتها لا تهتم بمن حولها تودعهم ببساطة، ثم خرجت من البوابة وهي تردف بحنق :
_ كان أبي محقًا حين أمرني بالاهتمام بمحل الزهور الخاص بي وتركي لهؤلاء الفاسقين، عسى أن يحترق السجن بكم يا همج .
تحركت بالسيارة وهي تخرج يدها من النافذة تتوعدهم بالعودة مجددًا وتسجيل انتصار آخر على هؤلاء القذرين :
_ سأعود لك أيها الفاسق، سأعلمك كيف تصبح وتتصرف كإنسانٍ طبيعي، فكل مختلٍ وله طريقته الخاصة في التعامل...
________________________
ثواني وتوقفت بسيارتها في حي راقي هادئ تحيطه الأشجار من كل الجهات، وقد كانت الضوضاء الوحيدة في المكان صادرة من سيارتها التي اوقفتها، ثم هبطت منها تغلقها بقوة، تتحرك صوب محل ذو واجهة زجاجية مليئة بالزهور واعلاه لافتة مكتوب عليها بأحرف ملونة وردية " زهور سول "
سول الثانية التي تتناقض مع الاولى، فتاة تعيش بهويتين، صباحًا تعمل اخصائية تأهيل وعلاج نفسي في أخطر السجون، ومن ثم بائعة ورود في غاية الهشاشة والرقة .
وهنا الأمر يعتمد على حظك، إما أن تتعامل معها بشخصيتها الاولى أو تكون من الحظ الجيد لتقابلها بالثانية .
دخلت المحل الخاص بها تلقي مفاتيح السيارة بأهمال، ثم اختفت في غرفة جانبية لدقائق قبل أن تخرج منها وقد ابدلت ثوبها الرسمي بفستان يغطي كامل جسدها عدا ذراعيها ممتلئ بالورود الصغيرة يعطيها لمحة رقيقة، ومن ثم تركت لخصلاتها العنان، تضع لافتة ( مفتوح ) على باب المحل لتستقبل أول زبائنها ببسمة واسعة لطيفة .
- مرحبًا، كيف اساعدكِ اليوم آنستي ؟؟
ابتسمت لها الفتاة تردد ببسمة مشابهة لخاصة سول :
- مرحبًا سول، أود الحصول على بعض الورود الحمراء فاليوم زفاف ابنة خالتي واريد إحضار هدية مناسبة لها .
- اخترتي المكان المناسب عزيزتي، استريحي ريثما اجهز لكِ طلبك رجاءً.
ومن ثم بدأت تتحرك في المكان بكل همة وبسمة واسعة ترتسم على شفتيها تنتقي زهور بعناية ودقة تكوّن بوكيه في غاية الجمال والبهجة للفتاة، قبل أن تسمع صوت الاجراس التي تعلن وصول زبون آخر، فتحدثت بجدية وهي منكبة على الانتهاء من البوكيه أمامها تسمع صوت نقرات لحذاء رجالي :
_ لحظات واتفرغ لك سيدي ...
وعادت للانشغال قبل أن يوقفها صوت رجلي يهتف بنبرة لعوبة عابثة تعلمها جيدًا :
- سول جميلة جميلات سجون البرازيل بأكملها، وقاهرة الفاسدين ....
توقفت يد سول عما تفعل تتنهد بصوت مرتفع قبل أن تعقد رابطة الزهور بشكل رقيق، ثم حملتها تستدير صوب الفتاة ببسمة صغيرة :
- تفضلي، انتهينا ..
- اشكرك سول، أنتِ الافضل في هذا .
ابتسمت لها سول تتحرك معها صوب الحاسوب الخاص بها كي تسجل ما تم بيعه وتنتهي من حساب الفتاة بينما صوت الرجل يصدح حولها في المكان مفسدًا مزاجها المعتدل :
- أنتِ لم تنسي موعدنا صحيح ؟!
أغمضت سول عيونها تخرج الايصال للفتاة مبتسمة :
- تشرفت بوجودك عزيزتي، اتمنى لكِ وقتِا سعيدًا في الزفاف .
ودعتها الفتاة ببسمة تغادر المكان، بينما رفعت سول عيونها صوب الرجل تردد بنبرة مغتاظة :
- مرحبًا بك لود، أنرت محلي المتواضع.
هز لها لود رأسه هزة صغيرة، ثم نظر حوله يقول :
- حفلة اليوم مهمة سول، لا يمكنك تجاهلها ككل مرة .
صمت يراها تتحرك في المكان برشاقة وخفة، ليقرر أن الوقت ربما يكون مناسبًا ليعرض عليها عرضه الذي يكبته داخل صدره خائفًا من البوح به، خاصة وقد تلبستها شخصيتها اللطيفة الرقيقة :
- الحفلة ستضم أكبر رجال الدولة وستكون فرصة ممتازة لبناء علاقات وثيقة تفتح لكِ جميع الأبواب المغلقة، فقط لو ....
صمت بتردد حين رأى توقف جسدها وتحفزها الخطير وهي تضيق عيونها تدعوه بصمت أن يكمل ما جاء لأجله والذي تدرك داخل صدرها أنه لن يعجبها :
- فقط لو ماذا لود ؟؟
ابتلع ريقه يهتف بالكلمات بسرعة قبل أن يتراجع :
- فقط لو ارتديتي بعض الفساتين الملائمة لمثل هذه الحفلات بعيدًا عن ثيابك الرسمية السوداء وتلك الفساتين الملئية بالزهور، ما ...ما رأيك لو ارتديتي ما احضرته لكِ .
رفعت حاجبها مترقبة وهو اتخذ صمتها موافقة مؤقتة ليسارع صوب سيارته وفي دقيقة كان يعود حاملًا حقيبة لإحدى الماركات العالمية مبتسمًا :
- انظري عزيزتي، بمجرد أن رأيته اقسم أنني لم أر غيرك يرتديه، انظري إليه سوف تخطفين الأنظار والانفاس اليوم .
حركت سول عيونها ببطء تراقب الفستان القصير الذي كان يتميز بحملات ذهبية من الحديد مع فتحة ظهر تظهر كامل ظهرها .
اكمل لود وقد ابتسم لصمتها، لأول مرة لا تعترض على شيء، يستفيض في إظهار خبرته كمساعد شخصي لها، وصاحب ذوق من الطراز الأول وخبير بالنساء وما يلائمهن أكثر من النساء أنفسهن :
- بشرتك الذهبية هذه ستليق مع اللون الاحمر المثير وبشدة، لطالما كنت مؤمنًا أن اللون الأحمر خُلق لاصحاب البشرة الذهبية؛ وخاصة اللاتينيات منهن ...
ابتسمت سول بسمة رقيقة، تقترب منه، ثم مدت ذراعها تضعه جوار خاصته مشيرة له بعيونها :
- انظر أنت تمتلك لون البشرة ذاتها، ربما يمكنك أنت ارتدائه إن اعجبك لهذه الدرجة عزيزي .
ختمت حديثها تتحرك تاركة له متسع الأعين فاغر الفاه من كلماتها، قبل أن يزفر بضيق شديد :
- سول أ....
- ولا كلمة لود، أنا لا ارتدي ثياب الجواري وفتيات الليل هذه، إما أن ارتدي ما اريد أو تنسى أمر ذهابي لحفل النخاسة هذا .
صمتت ثواني، ثم عقدت حاجبيها تقول بعد تفكير قصير وكأن شخصيتها الأولى تحكمت بها فجأة تحرك يديها بعدم اهتمام :
_ مهلًا ما الذي يجبرني من الأساس على الذهاب؟! اللعنة عليهم جميعًا وعليك وعلى الفستان الأحمر لود، أنا لن أذهب لذلك المكان .
سارع لود بسرعة يصرخ بصدمة كي لا تغير رأيها يلقي الفستان على المقعد جوارها :
- لا لا انسي أمر الفستان، فلتحرقيه إن اردتي، لكن هذا الحفل جد مهم لتعميق علاقاتك، بحثك الاخير الذي تجرينه يحتاج لمن يموله يا ابنتي وأنا اثق أن هناك من سيكون مهتمًا هناك .
على رنين هاتف لود ليتأفف وهو يرفعه :
- حسنًا إذن القاكِ مساء اليوم سول، و....ربما سيفيدك اختيار شيء غير البذلة السوداء و....
تراجع حين أبصر نظراتها ليزفر بحنق :
- حسنًا افعلي ما تريدين لقد سئمت، وأنا من اخترت مقابلتك حين تتلبسك شخصيتك اللطيفة كي يسهل اقناعك .
- هذا ما جعلك تخرج على قدميك لود، والآن أرحل فأنت تخنق زهوري برائحتك النفاذة هاته، هيا تحرك خارج مملكتي .
رفع حاجبه بغيظ شديد قبل أن يخرج من المكان وصوت تمتماته يتبعه :
_ حسنًا سمو الملكة، سأتركك لتولي أمور مملكتك .
وهي فقط ابتسمت بسمة صافية، تراقبه حتى خرج من مملكتها العزيزة، ثم تحركت بين زهورها تقلمهم وتسقيهم وهي تدندن بصوت خافت رائق هادي .
كانت ملامح سول من تلك الملامح الرقيقة، إذ تميزت بوجه وبشرة ذهبية ورثتها عن والدتها وعائلة والدتها اللاتينية أبًا عن جد، بينما ورثت عيونها الخضراء من والدها وخصلاتها السوداء كذلك منه ..
ابتسمت بشجن تتذكر والديها العزيزين، رحلا وتركاها وحيدة تحيا ما بين حلميهما لها، فوالدتها والتي انحدرت من عائلة ذات سيادة وماضٍ عريق في البلاد اختارت لسول حياة تكون ابنتها بها ذات مكانة قوية مرموقة وحازمة فأصبحت الطبيبة سول اخصائية التأهيل النفسي، بينما والدها العزيز أبى إلا أن تحيا فتاته المدلله حياة تليق بالاميرات، فأفتتح لها محل الزهور هذا، وما بين والدها ووالدتها واحلامهما، تشتتت حياتها واحلامها حتى نست ما تريده هي وعاشت تحقق لهما ما يريدان، لكن الحق يُقال هي لا تبتأس، ولا تمل، هي فقط تفتقدهما وبشدة .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس أعلى عرشه يتابع بعيونه كافة المستشارين الذين عيّنهم له بعد عودة بلاده من نكبتها في محاولة للخروج لشاطئ الأمان بعد الأمواج التي جرفت البلاد مؤخرًا .
يجلس بكل هدوء وعيونه تتحرك على الجميع أمامه، الكل يشكو ويتذمر من حالة البلاد، وكأنهم كانوا يأملون أن تعود بين ليلة وضحاها، يبتئسون من وضع احضرهم كي يغيرونه
ابتسم بسخرية لاذعة وهو يسمع صوت أحدهم يردد :
- أنت تطلب مستحيلًا مولاي، الأمر كبير ويحتاج للكثير من العمل، أن تعود البلاد لحالتها السابقة أسبق بأحياء جثة، هذا مستحيل، بالطبع لا يمكننا إنجاز كل هذا، خاصة أنك تطلب التكفل بالكامل بالأسر المنكوبة، أنا أقترح أن نرفع الدعم عن البعض ونخفف من أعباء الخزينة، فبهذه الطريقة لن نستطيع دفع الرواتب للعاملين بالقصر وخارجه، وهذا سيدفعهم للرحيل كغيرهم.
حرك أرسلان لسانه على شفتيه ثواني قبل أن يقول بهدوء شديد :
- سلّم عُهدتك للمعتصم وأخرج من هنا .
رفع الرجل عيونه بفزع في وجه أرسلان لا يفهم ما قاله ليكون هذا رده، بل لا يستوعب سرعة رد أرسلان واتخاذه لهذا القرار، بينما أرسلان لم تتحرك شعرة واحدة به وهو يهتف بصوت مرتفع :
- تسلم من الرجل عهدته يالمعتصم، وابحث لي عن آخر يدرك جيدًا معنى أن تكون مستشارًا لبلادٍ منكوبة، أبحث لي عن رجل يعلم يقينًا أنه لن يأتي ليتمتع بأمتيازات منصبه بقدر ما سيحمل اعباءه .
صمت، ثم نظر للرجل المصدوم يشير صوب الباب مبتسمًا بكل برود واستفزاز بسمة واسعة :
- شرفتنا، سوف نبحث لك عن عملٍ سهل بسيط ونرسل في طلبك .
ختم كلماته والرجل يحاول استيعاب ما يحدث قبل أن ينتفض ويخرج من المكان بسرعة يبتلع الإهانة التي وُجهت له وهو من أكبر علماء هذه المملكة، بينما صدح صوت أرسلان خلفه يردد بجدية وقوة وعيونه تمر على الجميع يتحدث بتجبر :
- حين اخترتكم من بين الجميع، اخترت صفوة علماء وأطباء ومهندسي البلاد، أنتم تقلدتم مناصب تحمل لكم من الأعباء أكثر مما تحمل من الرفاهيات، هذه بلادكم قد طالها من الخراب حتى أضحت رماد، وإن رأيتم أن إعادة تعميرها مستحيل وأنتم الاعلون، فما الذي تتوقعونه من شعوب لا حول لها ولا قوة ؟!
صمت الجميع لينهض أرسلان يتحدث بجدية وصوت جهوري كي يصل للجميع :
- مشكى ستنهض وتعود كسابق عهدها وإن اضطررت لفعلها وحدي ودون مساعدة منكم سأفعلها، لذا من يشعر أنه لن يستطيع التكيف على المسؤولية التي وكلته إياها، لينسحب من الآن وأنا سأتكفل بنفسي لإعطائه عمل بديل .
عم صمت طويل في القاعة وهو يمر بعيونه في قوة ينتظر فقط رفة جفن من أحدهم ليخرجه من المكان، وحين رأى منهم ثباتًا قال بهدوء :
_ شكرًا لكم، تحركوا لتنفيذ ما طلبته منكم .
تحرك الجميع للخارج واحدًا تلو الآخر، قبل أن يتراجع ويوقفهم معذبًا إياهم بنظراته المرعبة مجددًا، وحينها قد ينهار أحدهم دون شعور .
كام يراقبهم بأعين هادئة والمعتصم يجاوره، متحدثًا بهدوء وبكامل الصلاحيات التي منحها له أرسلان :
_ ألا تعتقد أنك بالغت بعض الشيء في ردة فعلك مولاي ؟؟
عقد أرسلان حاجبيه ثواني، ثم استدار صوب المعتصم يجيب بهدوء وبكلمة واحدة:
_ لا .
عض المعتصم شفتيه يحاول أن يجعله يتعامل بلين أكثر مع الجميع، لكن أرسلان الذي اشبعته الحياة غدرًا وطعنًا تعهد ألا يعطي لأحدهم مكانة أكثر مما نال بالفعل، هم رضوا بتقلد مناصب عليا، إذن ليتحملوا اعبائها كما يتنعمون بمميزاتها.
تنهد المعتصم وهو يتحدث بخفوت :
_ أتسمح لي بالتحدث بحرية مولاي ؟!
_ لك ما تريد يا المعتصم.
_ أخشى أنك تصنع لنفسك أعداءً جدد مولاي .
رفع أرسلان حاجبه يهبط عن عرشه متحركًا صوب المعتصم ينظر له باهتمام، ثم قال بهدوء :
_ أخبرني يا المعتصم، ما الذي سيجبرهم على صنع عداوات معي ؟؟ ما التصرف الذي صدر مني ليجبرهم على ذلك ؟؟ اعني أخبرني أنت هل أسئت لأحدهم ؟؟
نفى المعتصم، فأكمل أرسلان بهدوء شديد :
_ إذن هل حدث ورأيت مني تجبرًا أو ظلمًا في حق أحدهم ؟!
ومجددًا نفى المعتصم، فرغم تجبر أرسلان بعض الأوقات إلا أنه يشهد أنه يومًا لم يظلم أحدهم أو يتجبر عليه .
تنهد أرسلان بصوت مرتفع يوضح للمعتصم ما يفعل، فهو في النهاية سيكون مرافقه وعليه تفهم ما يفكر به :
_ أنا لا أطمح لعداوة يا المعتصم، لكن هذه بلادي وأي تراخي سيؤخر من نهوضها، أوتعلم عدد الأسر المشردة وغير القادرة على العيش، عدد المنازل المحطمة ؟! عدد الجثث التي ما تزال نبحث لها عن مقبرة لنكرمها بدفنها ؟؟ عدد الأطفال بلا آباء ؟؟
صمت ثم صاح باستنكار مشيرًا للباب الذي خرج منه الجميع :
_ البلاد على شفا جرفٍ من الانهيار وهذا يتذمر بشأن الرواتب ؟؟ هذا وأنا لم اقصر في رواتبهم حتى، فما بالك إن فعلت لظرف ليس بيدي؟؟ امثال هذا الرجل إن منحته المزيد من الصلاحيات قد يقتل أسرة بكاملها جوعًا، ليتزين هو بالذهب، ألا لعنة الله عليهم، لا حاجة لي بهم بين رجالي يالمعتصم، فهمت ؟!
هز المعتصم رأسه بتفهم، بينما أرسلان فقط اغمض عيونه يقول بهدوء بعد صمت قصير :
_ دعنا نتحرك صوب الساحة لتفقد تدريب الجيش ....
وبهذه الكلمات ختم الحوار القصير مع المعتصم يتحرك بجدية صوب الخارج بقوة لا يهتم بمن حوله وكل ما يراه هو بلاده وما سيحتاجه ليعيد تعميرها ...
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تسير بين طرقات البلاد وهي تجر قدميها جرًا، تشعر بجسدها يأن وجعًا، روحها تطلب استراحة، حتى المحارب ينال استراحته الخاصة، وهي ألا راحة لها ؟!
تتحرك ولا تهتم للأعين المشفقة التي تدور حولها، ثيابها الرثة هيئتها المدمرة، ملامحها التي تخفيها خلف غطاء متسخ، حتى ما ظهر منها لم يكن افضل حالًا من غطائها .
تتحرك بين الجميع لا صاحب لها غير كلمات الشفقة والحسرة عليها، لم تهتم تكمل جر قدمها صوب منزلها كي تحتمي به من الجميع، تحتمي من اشباح ماضيها القريب المريع .
واخيرًا ارتسمت بسمة داخل عيونها وهي تحدق بجدران منزلها، أو بقايا جدرانه، اقتربت بأقدام تعرج بسبب إصابتها تفتح الباب، ثم اندفعت بجسدها للداخل تنهار ارضًا وهي تهمس كلمات خافتة موجوعة :
_ لقد عدت أمي...
رفعت عيونها تبحث عن طيف والدتها، وحين لم يصل لها رد منها، تنهدت بحنق تحمل حقيبة الطعام تتحرك للداخل بتعب شديد، وهي تخلع الحجاب والغطاء تكشف عن وجهها المستدير الابيض ذو الأعين البنية والشعر الاشقر ..
_ أنا هنا فاطمة .
ابتسمت فاطمة تتحرك بخطوات متمهلة داخل المطبخ، تراقب والدتها تدور في المكان أمامها تصنع لها من الطعام ما تحب وتهوى، فجأة تذكرت فاطمة ما أبصرت بالخارج لتزفر بضيق مرددة وهي تفرغ الحقائب :
_ أمي، لقد أحضرت طعامًا يكفينا لأيام، كي لا نخرج مجددًا، لقد أصبحت البلاد بحال سيئة للغاية، أصبحت مدمرة تمامًا، والطعام قد بدأ ينفذ من الجميع .
صمتت ثم استدارت صوب والدتها تتأمل ملامحها بتسائل :
_ أين ابي وأحمد أمي ؟! ألن يتناولوا الطعام معنا ؟!
توقفت يد والدتها عما تفعل وقد شحب وجهها، تحاول تمالك نفسها وقد بدأ جسدها يرتجف حين ذكرت فاطمة زوجها وولدها البكر، تنهدت بصوت مرتفع، ثم استدارت صوب ابنتها تقول بهدوء مصطنع عكس ما يموج داخلها من عواصف :
_ فاطمة يا ابنتي اذهبي للاغتسال، فهيئتك مدمرة، ومن ثم بدلي ثيابك فقد أصبحت رثة بشكل غير محتمل .
نظرت فاطمة لنفسها ثواني قبل أن تزفر بضيق :
_ أي ثياب تلك أمي، لقد احترقت مع المنزل .
ختمت حديثها تشير للجدران المحترقة حولها والشبه مدمرة، ثم زفرت تحاول أن تمحو ذكرى احتراق المنزل من ذاكرتها تكرر السؤال مرة ثانية :
_ إذن أين أبي وأحمد ؟؟ مازالا في المسجد ؟؟
توقفت يد والدتها تجيب بمرارة وقد التمعت الدموع بعيونها تنظر بوجه ابنتها تردد بحسرة وقهر :
_ بل احترقا مع المنزل ...
اتسعت عيون فاطمة وهي تتراجع للخلف بصدمة وعنف حتى أن جسدها اصطدم في الجدار صدمة قوية، ترى اندفاع والدتها صوبها وهي تتلقف جسدها قبل السقوط تردد بلهفة :
_ بسم الله عليكِ يا ابنتي، ما بكِ عزيزتي تنفسي .
رفعت فاطمة عيونها صوب والدتها تحاول التحدث، لكن غصتها استحكمت حلقها تمنعها الحديث، سقطت دموعها بقوة تهتف بصعوبة :
_ مـ...مـا....ماذا ؟؟ أبي وأحمد ؟؟ أبي كان هنا منذ ....
_ لا إله إلا الله، يا ابنتي والدكِ وأخيكِ رحلا وقت حريق المنزل منذ شهر ونصف، رجاءً افيقي، لم يعد لي سواكِ لا تجبريني على فقدانك كذلك يا ابنتي .
رفعت فاطمة عيونها لوالدتها ثواني قبل أن تسقط في موجة حارة من البكاء والصراخ وعقلها لا يستوعب أن والدها الذي ودعها منذ ثواني مع شقيقها للذهاب إلى الصلاة قد رحلا، رحلا وتركاها مع والدتها وحدهما، بلا معيل أو سند لهما في هذه الحياة .
انطلقت صرخاتها وارتفعت أصوات البكاء والشهقات في المكان، ووالدتها تضم جسدها بقوة تحاول أن تحتوي انهيار صغيرتها وآخر من تبقى لها في هذه الحياة .
وفاطمة فقط تتنفس بعنف وصوت بكائها ما يزال يصدح بالمنزل، بالتزامن مع صوت ابتهال واستغفار ودعاء والدتها ...
وكانت هذه حالة فاطمة كل ليلة تبكي حتى تنهار لتسقط نائمة في النهاية بين احضان والدتها التي كانت تسهر ليلتها تتلو عليها آيات القرآن...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أمام المنزل تتنفس بصوت مرتفع وهي تحمل العديد من الحقائب بين جميع أصابعها، وبين أسنانها ولا ينقصها سوى أن تحمل حقائب بين رموشها .
تنفست بصعوبة بسبب وجود حقيبة بين أسنانها، تنظر لجيب الحقيبة المعلقة على كتفها وهي تفكر في طريقة لإخراج المفتاح الخاص بها، نظرت حولها تبحث عمن يساعدها، قبل أن تقرر ترك الحقائب بهدوء ارضًا كي لا يتحطم ما بها، ومن ثم تخرج المفتاح، لكن وقبل أن تفعل سمعت صوتًا خلفها يتحدث :
_ تحتاجين مساعدة ؟!
استدارت " سول" ببطء صوب الخلف تبصر جارها العزيز يقف في منتصف الممر بين منزليهما وهو يرتدي ثياب نوم وشعره مشعث مبعثر، وقد كانت عيونه شبه مغلقة، وكأن أحدهم سحبه عن فراشه بالقوة ليأتي ويساعدها.
وفي الحقيقة لم يكن هذا مجرد تخمين، بل كانت حقيقة مجردة ..
فهذا الجار العزيز كان يحظى بنومة هنيئة هادئة على فراشه بعد يوم عمل طويل، قبل أن يتفاجئ بوالدته الغالية تقتحم غرفته بقوة تسحب عنه الغطاء بعنف، ومن ثم سحبته هو شخصيًا عن الفراش تصرخ في وجهه وهي تسحبه من تلابيبه :
_ أنت نائم هنا أيها الاحمق والفتاة المسكينة لا تستطيع حمل الحقائب وحدها، يا عديم الشرف والرجولة .
فتح "راجيش " عيونه بصدمة وفزع وهو يتحرك عن الفراش بسرعة وخوف حتى أنه تعرقل في المفرش وهو يصرخ :
_ يا ويلي الفتاة تحمل الحقائب ..
ولم يكد يتحرك خلف والدته حتى توقف فجأة يستوعب ما قيل يردد بلغة هندية وتفكير :
_ مهلًا حقائب ماذا وفتاة من ؟!
جذبت والدته ثيابه تقول بشر وهي تنظر في عيونه :
_ وتمتلك وقتًا لتتساءل ؟؟ الابطال لا يفكرون وهم يندفعون صوب فتياتهم للمساعدة أيها الحقير، تحرك وساعد الفتاة كأي رجل راقي .
رمقها " راجيش" بعدم فهم وقبل أن يستوعب ما يحدث وجد جسده يندفع خارج المنزل وقد طردته والدته ليساعد الفتاة التي تقطن أمامهم علّه يثير إعجابها وتتزوجه كما تتمنى هي وترغب، وينال الجنسية وتحصل هي على أحفاد برازيليين.
ابتسمت له سول بلطف شديد، بسمة جعلت والدة راجيش تستند على الباب مبتسمة بسعادة وهي تضع يدها على قلبها تراقب ذلك المشهد الرائع :
_ ستكون كنة ممتازة، سأعلمها صنع الكاري والبرياني لولدي.
تحدثت سول المسكينة والتي كانت غافلة عن احلام جارتها العزيزة التي تطوف حولها، بنبرة مترددة محرجة :
_ أوه راجيش هذا لطف حقًا منك .
اتسعت بسمة والدة راجيش وهي تضع يدها على فمها تخفي بصعوبة صيحة انتصار كادت تفلت منها تردد بصوت منخفض :
_ يا الله رائعان سويًا، عسى أن يرزقكما الله بالكثير والكثير من الأولاد .
فجأة انتفض جسدها بعدما كانت مستندة على باب المنزل بهيام في تلك اللحظة التي تنافس افلامها المفضلة رومانسية تخرج الهاتف من الساري الخاص بها :
_ أخشى أن تلد احفادي ويرثون مظهر والدهم، عسى أن يكونوا كلهم كوالدتهم الجميلة ولا يرثون من راجيش سوى اسم عائلة خان .
وبعيدًا عن احلام" السيدة خان " كانت الحياة الواقعية، حيث ابتسم راجيش بسمة عادية هادئة يحمل عنها بعض الحقائب كي يعطيها فرصة اخراج المفتاح .
وهي تنفست براحة تقول مشيرة بعيونها على الحقائب :
_ بحذر رجاءً فهي تحتوي اشياء رقيقة هشة .
امتصت والدة راجيش شفتيها بحنق وهي ترمق ولدها بعدم رضا :
_ والله أخبرته لهذا الحمار أن يتعامل برقة مع الأشياء الهشة مثلك، لكن ماذا نقول وهو ثور كوالده، لا يفقه في التعامل الناعم شيئًا .
استدارت سول صوب الباب تفتحه بهدوء، ثم نظرت لراجيش تفكر فيما ستفعله، فهي لا تقبل إدخال رجال لمنزلها وبالطبع لن تخجله وهو يساعدها، مدت يدها بتردد صوب الباب تقول بتوتر جعلها تنطق ما لا تقبل :
_ تفضل راجيش .
نظر لها راجيش يلاحظ التردد الذي على نظراتها ليدرك ما تفكر بها فابتسم يضع الحقائب على باب المنزل بهدوء قائلًا :
_ لا شكرًا، أفضل ألا ازعجك، فأنتِ بالتأكيد عدتي متعبة من عملك .
كادت زفرة راحة تخرج من فمها ترمقه بامتنان شديد، فلطالما كان راجيش من ذلك النوع اللطيف الراقي والمحترم من الشباب، ذلك النوع النادر الذي لا ينبت في بلادها كثيرًا .
فتحت فمها لتشكره، لكن فجأة اقتحمت والدته المكان تقول :
_ أيها الغبي الفتاة تدعوك للمنزل وأنت تتعفف؟!
ختمت حديثها تضربه بخفة على رقبته ليميل راجيش بسرعة يتفادى ضربتها يحذرها بعيونه أن تتمادى في كلامها المريب أمامها :
_ أمي ما الذي تقولينه أنتِ ؟؟
دفعته السيدة خان جانبًا تزجره بعيونها متوعدة :
_ اصمت أنت أيها الحقير حسابي معك بمنزلنا .
ابتسمت تستدير صوب سول المتعجبة تردد ببسمة واسعة :
_ دعكِ من هذا الغبي الذي لا يفقه شيئًا يا ابنتي، وأخبريني إن كنتِ مهتمة بالطعام الهندي، سوف يدعوكِ راجيش على مطعم هندي ويعرض الزواج عليكِ هناك، وبمجرد عودة والد راجيش من الهند نتمم الزواج، وحينها يمكنكم الدخول سويًا للمنزل لا بأس .
اتسعت أعين سول بصدمة كبيرة وقد اشتد احمرار وجهها مما سمعت، بينما راجيش انتفض يضم جسد والدته يحاول أن يكتم فمها يصمتها عن الحديث، لكن يبدو أنها أخذت عهدًا على نفسها ألا تصمت بعد اليوم، يكفيها خمس سنوات من الصمت بين الاثنين، كان وقت كسر الجليد بينهما، ولم تدرك أنها تحطمه فوق رأس ولدها :
_ يمكنك أخذ ميعاد لنا مع قريبك، ذلك الضخم الذي يأتيكِ هنا كل ثانية ويزعجنا بصراخه أمام المنزل لتسمحي له بالدخول، ماذا كان اسمه ؟!
نظرت لراجيش وكأنها تنتظر إجابته، بينما هو أشار لها بعيونه أن تتوقف، لكنها لن تهتم وهي تكمل تحرك رأسها للجانبين في حركة معتادة منها :
_ نعم صحيح لود، خذي معه ميعاد لحين يعود زوجي، ونقابله، ولا تقلقي نحن لن نطالبك بمهر ضخم كما تفعل بعض العائلات .
تشنجت ملامح سول ترفع حاجبها، ثم حركت عيونها صوب راجيش الذي كان يخفي وجهه ينظر بعيدًا، وهي فقط قالت تفرك خدها بأصبعها في تفكير :
_ ماذا ؟؟
نظرت لها السيدة وقد تلاشت بسمتها شيئًا فشيء، بعد كل ذلك الحديث يكون ردها كلمة واحدة ؟؟ استدارت صوب راجيش وكأنها تشكوها له تهمس بصوت مسموع لسول التي رفعت حاجبها :
_ يبدو أنها حمقاء مثلك يابني، الفتاة استيعابها بطئ، مساكين احفادي .
ابتسمت سول بعدك تصديق هامسة بصوت خافت :
_ يا ويلي .
رفعت صوتها تقاطع حديث السيدة مع ولدها تقول بصوت مرتفع جعل جسدها ينتفض :
_ سيدة خان .
نظرت لها السيدة بفزع :
_ ماذا يا كنتي ؟!
_ كنـ...ماذا ؟!
نظرت صوب راجيش متشنجة، بينما أشار لها الاخير مترجيًا أن تتجاوز عن حديث والدته التي أفسدت الافلام عقلها بالكامل وأصبحت تبحث حولها عن قصة لولدها متحججة أنه لا يقل عن "شاروخان " و " عامر خان " و " سلمان خان " شيئًا، هو أيضًا ينحدر من نفس العائلة ويمتلك نظارة طبية تشبه تلك الخاصة بعامر خان، إذن لا أحد أفضل من الآخر..
_ ماذا ألا يعجبك راجيش ؟؟ هذا ولدي كانت فتيات ترافندروم يركضن خلفه لاهثات وهو من رفض قائلًا أن نصفه الآخر يقبع في الجزء الآخر من العالم، حيث أنتِ .
نفى راجيش برأسه بسرعة وهو يهتف :
_ والله لم يحدث، لقد كنت أحب ابنة الجيران من الأساس .
فجأة أطلق صرخة متألمة حين هبطت صفعة والدته على كتفه وهي تصرخ في وجهه :
_ أيها الغبي أحاول تحسين صورتك هنا وأنت تتفاخر بعلاقاتك السابقة أيها الفاسق ؟!
_ أي علاقات هذه يا أمي لقد كانت تكبرني بخمس أعوام والآن أصبح لديها ولد بعمري، توقفي عن هذه الأفعال، أنتِ تحرجينني.
أخذت والدته تصرخ في وجهه بلغة هندية غير مفهومة لسول التي كانت تتابع ما يحدث بضيق قبل أن تبصر راجيش يستأذن منها وهو يسحب والدته خلفه بالقوة معتذرًا، وهي فقط تحركت لداخل المنزل تتنفس الصعداء بعدما أخرجها الله بعقلها من عالم بوليوود ذاك .
_ رحمتك يا الله، متى يتوب الله عليّ من كل هذا ؟؟
تنفست بعمق تتحرك داخل المنزل تلقي حقيبة كتفها جانبًا ومن ثم بحثت بعيونها عن رفيق السكن خاصتها تناديه بقلق :
_ موزي هل أنت هنا ؟؟
ثواني فقط وقبل أن تكرر ندائها للمرة الثانية وجدته يقفز في وجهها يصدر اصوات صاخبة منقضًا عليها لتتراحع للخلف ساقطة على ظهرها تحاول التنفس بشكل طبيعي :
_ ليس أنت أيضًا موزي، ألا من راحة لي ؟!
أخذ المدعو " موزي" يقفز حولها مصدرًا اصواتًا صاخبة وكأنه يحتفي بعودها، ابتسمت له سول تنهض وهي تنفض ثيابها، ثم تحركت صوبه ليقفز على كتفها يتوسطه وهي توجهت به صوب الغرفة لترتيب الأغراض التي احضرتها .
_ أتدري أن الحياة تهون بوجودك موزي، مالي سواك بعد رحيل والديّ .
صمتت وهي تنظر للصورة التي كانت تجمع عائلتها، هي ووالدها ووالدتها وموزي، قردها العزيز الذي ربته مذ كان مجرد رضيع .
_ أخشى أن تنتهي حياتي دون أن أجد من يشاركني بها موزي.
أصدر القرد صوتًا مرتفعًا لتبتسم له وهي تتحرك صوب الخزانة الخاصة بها :
_ لا اقصد الإساءة عزيزي لكنني بالطبع لن اقضي المتبقي من حياتي معك، يحق لي الحصول على رجلٍ وسيم راقٍ حنون وشاعري، يحبني وكأن لا نساء غيري، ويدللني وكأن الدلال لم يُخلق لسواي، رجل ينحني له العالم، وينحني هو لي .
حملت ثيابها تتجهز للاستحمام، ثم توقفت تراقبه بشرود :
_ هل تعتقد أنني سأجد هذا الرجل في هذا العالم أم عليّ الذهاب لعالم موازي والحصول عليه ؟؟
أصدر لها موزي صوتًا لتبتسم وهي تهمس بمزاح متحركة صوب المرحاض :
_ نعم في العالم الموازي بالطبع .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتحرك بقوة صوب الخارج مندفعًا بشكل جعل الجميع يتخذ ساترًا بعيدًا عن عيونه، وقد تخلى أرسلان عن ثوبه الملكي وارتدي ثيابه المعتادة التي كان يخرج بها للحروب، ثياب سوداء يعلوها معطفه الاسود ذو شارة الأسد الذهبية والقلنسوة السوداء .
وفي الخلف كان يتبعه المعتصم بسرعة وهو ينظر له بقلق يراه يعتلي صهوة حصانه وهو يهتف بنبرة قوية :
_ تولى الأمور لحين عودتي يالمعتصم .
_ مولاي فقط تمهل ارجوك، حتى ....
ومنذ متى تمهل أرسلان أو فكر في شيء مرتين، تجاهل حديث المعتصم يتحرك بخيله بسرعة مرعبة وهو لا يرى أمامه سوى طريق يسابقه وكأن الأشجار تركض جوار خيله .
وعقله عاد لساعة من الآن حين كان يراقب تدريبات جيشه قبل أن يأتيه مرسول إحدى الممالك..........
تنهد أرسلان يراقب التدريب الذي يقوده المعتصم، ثم هز رأسه للجميع ليكمل، يتحرك هو بعيدًا عنهم كي يطمئن على باقي الأمور في المملكة، لكن لم يكد يتحرك خطوة حتى توقفت قدمه على صوت أحد الجنود يردد بجدية وصوت مرتفع بعض الشيء جذب انتباه الباقيين :
_ مولاي مرسول من سبز .
ضيق أرسلان ما بين حاجبيه بتعجب يتوقف في سيره يراقب الرجل الذي يقف خلف الجندي يحمل بين يديه رسالة مرددًا :
_ مولاي رسالة لك من ملك سبز .
_ الملك بارق ؟!
ردد أرسلان الاسم بخفوت متعجبًا حضور مرسول من سبز دون مقدمات، فهو بالفعل منذ اسبوعين تحدث مع ملك سبز " بارق " بنفسه واعلمه أنه سيزوره مع نهاية الأسبوع الثالث من الشهر للأتفاق على الغلال التي سيأخذها منه .
التقط منه الرسالة يمحو علامات التعجب التي علت وجهه :
_ اكرموا ضيفنا لحين رؤية رسالة الملك ومن ثم اااا....
قاطعه الرجل بشكل جعل أرسلان يرفع عيونه له بانتباه :
_ شكرًا لك مولاي، لكن الأوامر تقتضي أن أسلمك رسالة الملك ومن ثم أعود سريعًا، اشكرك والآن اسمح لي بالانصراف .
شعر أرسلان بالريبة من تصرفات الرسول الذي كان ينظر حوله بشكل مُقلق، وكأنه جاء يرتكب جريمة قتل أو ما شابه .
اقترب المعتصم من أرسلان الذي كان يراقب الرسول بأعين ضيقة مخيفة، توقف جواره يهمس بفضول :
_ من هذا ؟؟
_ مرسول من سبز
_ من سبز ؟؟ ما الذي يريده الملك بارق يا ترى ؟؟
فتح أرسلان الرسالة وهو يردد بجدية يحدق بها :
_ سنعلم الآن.
وبمجرد أن فتح الرسالة بدى الأمر كما لو أنه فتح أبواب الجحيم لتمر عيونه على الكلمات أمامه بسرعة كبيرة وقد اشتعلت عيونه بقوة وبشكل مخيف وارتسمت بسمة مريبة على فمه، بينما المعتصم في الخلف يقرأ كلمات الملك بارق بصدمة بالغة هامسًا بعدم تصديق :
_ ما الذي ....ما الذي يحدث هنا ...ومن ....ماذا ... أنا لا افهم شيئًا .
طوى أرسلان الرسالة بقوة حتى تقطعت بين أنامله وقد بدأت عروقه تنفر بشكل مخيف حتى كادت تنفجر هامسًا بجنون :
_ الويل لهم جميعًا .....
كان المعتصم يراقب رحيل أرسلان ليجذب خصلاته بقوة متخوفًا مما يحدث حوله، لقد فُتحت أبواب الجحيم على الجميع وقد استفزوا نيران أرسلان الخامدة .
_ الرجل كان يبحث عن متنفس لغضبه ونيرانه، وها قد أعطوه سببًا ليرينا أي مختل هو، أعان الله سبز ومن بها ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المساء ..
سبز تلك المملكة الهادئة المسالمة والتي كانت تحيا بعيدًا عن أي صراعات، بجبالها الخضراء ومساكنها البسيطة وأشجارها المتناثرة في كل مكان، بلاد وشعب وجدوا حياتهم في الزراعة فاختاروها مهنة أساسية للبلاد منذ قديم السنين، إلى جانب بعض المصانع القليلة التي تكفي بالكاد احتياجات الشعب من المواد المصنعة .
فجأة يقتحم تلك الصورة الهادئة لمملكة سبز عاصفة متمثلة على هيئة جسد رجولي يمتطي خيل ابيض اللون ينافي سواد ثيابه، يخفي ملامحه خلف قلنسوته المعروفة، يتقدم من حدود سبز بشكل مخيف كما لو أنه جاء لاحتلالها وحده .
انتفض جنود الحدود بعدم فهم يراقبون ذلك الخيل الغريب الذي يقتحم حدود البلاد، حمل أحدهم المنظار يردد بجهل :
_ من هذا الذي يقترب من الحدود بهذا الشكل الجنوني ؟!
اقترب من سور المراقبة جندي آخر يبدو ذو رتبة عالية ينتزع منه المنظار، ثم أخذ يدقق النظر في ذلك الجسد، يحاول التوصل بهويته قبل أن يأخذ أي إجراء مقاومة غير محسوبة تجاهه، ولولا شارة الأسد الذهبية التي التمعت يسبب انعاكس الشمس عليها، لما تعرف هؤلاء الجنود على هوية الزائر .
ارتفع صوت القائد يردد بصوت مرتفع لرجاله :
_ افتحوا الابواب يا رجال هذا ملك مشكى، الملك أرسلان .
وارسلان الذي كان قد وصل لبوابة الحدود وبعد ساعات طويلة من امتطاء خيله لم يتوقف فيها للراحة، رفع رأسه تزامنًا مع كلمات الجندي التي صدحت في الأرجاء .
توقف بحصانه بسرعة يلتقط أنفاسه، رحلة سفر استمرت ساعات لم يتوقف خلالها لحظة واحدة وكل كلمة قرأها في الخطاب تثير جنونه .
ثواني وابصر بوابة الحدود تُفتح له، وقائد الجنود يرحب به ببسمة واسعة :
_ مرحبًا بـ .....
ولم يعطه أرسلان فرصة لإكمال جملته حتى يندفع بحصانه للداخل بشكل مرعب جعل الجميع يفتحون أعينهم بصدمة يردد كلمات تلاشت مع الغبار الذي خلفه :
_ مرحبًا بك أيضًا...
اتسعت عين قائد الجنود يراقب تحركات أرسلان المخيفة ولولا أنه يمتلك تصريحه بالمرور وقتما يريد ولأنه ملك إحدى الممالك، لكان شك أنه جاء يعيث فسادًا في البلاد بهيئته تلك .
وفي الحقيقة كان شكه أقرب للواقع، إذ أن أرسلان في هذه اللحظة كان على استعداد ليحيل قصر سبز لرماد بنظراته، ولولا أنه يثق ببارق وبأن هذا الخطاب الذي وصله منه ربما يخفي خلفه أكثر مما يظهر، لكان أظهر لهم من الجحيم ألوانًا .
وبعد ساعة قضاها في طريقه للقصر تحت نظرات أهالي سبز المتعجبة من ذلك الفارس الذي يلتحف في الاسود، وصل واخيرًا صوب قصر سبز يطلب إذن الدخول :
_ أخبروا الملك بارق أنني اطلب مقابلته .
وما هي إلا دقائق وكانت ابواب قلعة سبز تُفتح أمامه بموجب السلطة الممنوحة لجميع ملوك الممالك الأربعة، تحرك أرسلان للداخل يهبط عن حصانه، يسلمه لأحدهم، ثم تحرك بهدوء بين الطرقات صوب المبنى الرئيسي للقلعة بأعين هادئة تخفي خلفها الكثير .
وهناك بالاعلى كان يقف من شرفة غرفته يراقبه ببسمة واسعة غامضة وقد علم أنه بمجرد استلام رسالته سيأتيه دون تفكير، ولم يخيب أرسلان ظنه، لكن العجب أنه جاء وحده وهو من تخيل أن شخص بتجبر وكبرياء أرسلان، بمجرد قراءته لتلك الرسالة سيهجم بجيوشه على القلعة.
يبدو أن المحنة التي مر بها علمت أرسلان الصبر ...
أطلق ضحكات خافتة تزامنًا مع سماعه صوت الحاجب في الخارج يتحدث بصوت جهوري كي يصل له :
_ مولاي الملك أرسلان ملك مشكى يطالب بمقابلتك.
ضاقت عيونه وهو ما يزال يتأمل سبز بجبالها بهدوء :
_ استضفه في غرفة الاجتماعات لحين مجيئي .
ختم حديثه، يعود بنظراته صوب البلاد يردد بهدوء وبسمة واسعة يستند على سور النافذة :
_ فلنعلم أسد مشكى بعض الصبر، لا بد أنه يحطم القاعة الآن على رؤوس من بها ...
وفي القاعة كان يجلس هو بهدوء شديد، هدوء عكس عواصفه الداخلية، وإن سألتموه عن سبب صبره وهذا الهدوء المنبثق منه في هذه اللحظة، سيخبركم أنه يختزن طاقة غضبه ليفجرها في الوقت المناسب .
أبصر أرسلان من أسفل رموشه رجل يتحرك داخل الغرفة يضع له بعض الفواكه والعصائر يبتسم له بتوتر، ثم قال بهدوء :
_ هل تود طلب شيء سيدي، اساعدك في احضار شيء معين ؟!
رفع أرسلان عيونه للشاب الذي تراجع للهلف بريبة من نظراته، قبل أن يبتسم أرسلان مرددًا بهدوء :
_ نعم رجاءً، أخبر الملك بارق أن هذا العنب والموز لن يصمدا طويلًا أمام غضبي، وأنني انتظر الغداء لتناوله معه .
فتح الرجل فمه ببلاهة وعدم فهم، يحاول إدراك ما يقصد أرسلان، بينما الاخير ابتسم بسمة صغيرة يشير له بعيونه أن يتحرك مرددًا بنبرة هادئة قدر الإمكان فهذا المسكين لا ذنب له ليخرج به غضبه :
_ تحرك يا بني وأخبر الملك بارق أنني لست بصبور لانتظر أكثر.
تحرك الشاب بسرعة للخارج، كي يتفادى نظراته التي بدأت تشتعل، بينما أرسلان اعتدل في جلسته يراقب المكان حوله بعين شادرة وهو يتذكر الكلمات التي خُطت في رسالة الملك بارق، كلمات لم تُحقّر من شأنه كملك فقط، بل وقللت من شأن مملكته وشعبه ..
شعر أرسلان بالدماء تشتعل في رأسه وهو يضغط على قبضتيه يحاول الصمود في وجه امواج غضبه كي لا تقتلع جذور صبره ..
ليقاطع كل أفكاره السوداء صوت صدح من أمامه:
_ مرحبًا بأسد مشكى، أنرت سبز ...
رفع أرسلان رأسه بهدوء صوب المتحدث ليبتسم له بسمة صغيرة، ثم هز رأسه هزة مرحبة يجيب بكلمات مقتضبة :
_ مرحبًا بك أنمار، أين الملك بارق ؟!
تحدث أنمار وهو يتحرك داخل الغرفة يراقب ما يقبع أمام أرسلان مستاءً، يجلس على المقعد المقابل له :
_ أرى أن ضيافتنا لم تنال اعجابك أرسلان .
رفع أرسلان حاجبه وهناك بسمة متجهمة ارتسمت على فمه مرددًا باستنكار :
_ أرسلان ؟!
_ نعم أوليس باسمك ؟؟ اعذرني فآخر عهدي بأخبارك أن اسمك كان أرسلان .
ضحك أرسلان ضحكة صغيرة يجيبه بهدوء وهو يتناول بعض حبات العنب يحركها بين أنامله بهدوء :
_ لا عتب عليك، أنا اعذرك، فمن أين لك بأخبار الرجال والحروب، وأنت تقضي يومك بين الأسواق والاحتفالات الموسمية لكم، أنمار ؟؟ أعانك الله .
اشتعلت أعين انمار الذي شعر بالإهانة مستترة بين كلمات أرسلان، لكنه تجاوز عنها يجيب بهدوء :
_ أخبروني أنك طلبت مقابلتي ؟؟
رفع أرسلان عينه عن حبات العنب يجيب بهدوء :
_ وما حاجتي بك ؟؟ أنا جئت لمقابلة الملك بارق، تحرك وأخبره أنني في انتظار أنمار فلا وقت لي اضيعه على تُرّاهاتك ...
اتسعت بسمة انمار بشكل لا يلائم الإهانة التي وُجهت له منذ قليل، يتراجع على المقعد الخاص به، يضع قدم أعلى الأخرى بشكل أثار انتباه أرسلان الذي راقب قدمه التي رفعها في وجهه بسبب قرب المقاعد، رفع عيونه ببطء صوب انمار الذي أردف بهدوء :
_ يبدو أن رسالتي وصلت لك ولهذا السبب أنت هنا، جيد أنك أسرعت في المجئ، فكلما اسرعنا في مناقشة هذا الأمر كان افضل لي ولك .
كانت عيون أرسلان ما تزال معلقة على قدم أنمار الذي ما يزال يرفعها أمامه بكل تبجح، ولم يجبه بكلمة واحدة .
رفع أنمار حاجبه يبتسم بخبث :
_ إذن ما رأيك فيما ذكرت لك في الخطاب ؟؟
والإجابة من طرف أرسلان كانت صمت تام، لم يتحدث بكلمة واحدة مما جعل أنمار ينظر له بعدم فهم، لينتبه إلى نظراته المشتعلة على قدمه، اعتدل بتوتر غير مقصود منه يتنحنح بصوت منخفض :
_ لقد رأيت أن الأمور يجب أن تُوضح كي يدرك كلٌ واجبه، سبز ليست ملزمة على أن تجود بخيراتها على شعبك وبلا مقابل، نحن لا نوزع صدقات هنا ملك أرسلان، هذا تعب شعبي ومجهود سنة، نحن لن نتصدق بربع انتاج سبز على شعب مشكى هذا ليس عادلًا وأنت تعلم هذا، لذا كما أوضحت لك في الخطاب نحن سنتلقى نصف السعر قبل شحن الغلال والنصف الآخر حين تسليمه لمشكى، فقد اكتفينا من أعمال الخير، ما ردك؟!
كان يتحدث بكل هدوء وجدية وهو ينظر صوب أرسلان الذي يراقبه دون ردة فعل واضحة منه، وحينما انتهى من الحديث ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة لا معنى لها :
_ أنت حقًا لا تريد سماع ردي صدقني .
توتر أنمار من كلماته يدرك تمامًا أنه ضغط على زر انفجار أرسلان حين اقترب من كبريائه كرجل قبل أن يكون ملك :
_ بلى، أريد سماعه .
ابتسم أرسلان ثواني قبل أن يميل ببطء ينزع حذاءه، تحت نظرات أنمار المتعجبة، وقبل أن يتحدث بكلمة يفهم بها ما يفعل أرسلان كان حذاء أرسلان يصطدم بوجهه في صفعة قوية يبصق كلماته في وجهه :
_ والله لو علم حذائي أن مصيره سيكون لمس وجهك، لتمنى أن تفنى حياته كقطعة جلد قذرة في الوحل ممزقًا أكرم له .
شعر أنمار بإهانة كبيرة جعلت جسده يتيبس دون القدرة على النطق ومازالت الضربة على وجهه تنبض بعنف، أما عن أرسلان فانطلق يجذب ثيابه وقد فلت عقال صبره يردد من بين أسنانه :
_ لم أعتد التحدث في أمور الممالك والبلاد مع الصغار، لذا سأكون ممتنًا لك إن رحلت وارسلت لي الملك بارق، وايضًا زوجتك ستكون ممتنة لأن تعود لها سالمًا .....أنمار .
انتفض جسد أنمار انتفاضة قوية وهو يثأر لكرامته التي التصقت بباطن حذاء أرسلان :
_ ما الذي ترمي إليه بحديثك ملك أرسلان، هل تهددني ؟!
_ لو كنت تعلمني علم اليقين لادركت أنني لا اهدد، أنا أنفذ ما افعل دون تحذير أو تهديد، أنا فقط اشفق عليك من غبائك ورعونتك، أنت لن يعجبك أن اجيبك الجواب اللائق على حديثك؛ لذا تحرك وأرسل لي ملك البلاد أنمار...
رفع أنمار رأسه بتكبر يجيب :
_ أنت بالفعل تتحدث معه.
رفع أرسلان حاجبه بعدم فهم ليبتسم له أنمار ملقيًا بقنبلته :
_ لقد تعرض الملك بارق لنوبة صحية جعلته طريح الفراش وحسب الأعراف والقوانين، أنا من ينوب عنه، لذا أنت الآن تتحدث مع ملك سبز، ومن اليوم وصاعدًا سيكون التعامل بيننا مختلفًا عما كان أيام الملك بارق، فذلك الرجل الطيب كان يخجل مطالبتك بثمن ما تأخذه من خير سبز، لكن أنا لا، البلاد ستسير بنظام آخر، واول حجر وضع لذلك النظام هو وضع حدود لك ولمملكتك أرسلان......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس على سجادتها والهدوء يحيط بها من جميع الاتجاهات، سارحة في ملكوت آخر غير واعية لما يدور حولها ولا لموزي الذي اجار على كل الفاكهة التي أحضرتها فقط تدعو وتبتهل الله ألا تكون الوحدة مصيرًا أبديًا لها، وأن يرزقها الله بمن يؤنس حياتها .
ختمت دعائها على رنين جرس الباب لتنتفض وهي تردد بصوت مرتفع :
_ آتية .
ولم تكد تنهض بما ترتدي حتى داست بالخطأ على طرف صوب الصلاة الخاص بها " الاسدال" لتسقط مجددًا وبعنف شديد على وجهها تطلق تأوهات عالية جذبت انتباه من بالخارج .
إذ جاءت السيدة خان مع راجيش بعد ساعة من إقناعها بالاعتذار عما قالت، كانت تنفخ وتزفر بعدم رضا أمام الباب تردد بسخرية :
_ لم أتوقع أن أحيا لليوم الذي تُقاد به والدة الزوج لتعتذر لكنتها .
اتسعت عين راجيش بصدمة، كنتها ؟! ماذا كان يفعل طوال الساعة المنصرمة إذن ؟؟ هذه المرأة ستصيبه بالمرض والشيخوخة المبكرة :
_ كنة من يا امي ؟؟ ماذا أخبرتك أنا ؟! أي كنة هذه والفتاة تــــ
وقبل إكمال كلماته سمع الجميع صوت تأوهات وصرخة سول تأتيهم من الداخل لتطلق والدته شهقة مرتفعة تدفع راجيش صوب الباب مرددة :
_ اقتحم المنزل، حطم الباب واندفع لتنقذ الفتاة بسرعة، منحك القدر فرصة للتقرب منها ايها الأحمق فلا تضيعها .
_ أحطم ماذا امي ؟؟ هل تمزحين معي ؟! توقفي عن مشاهدة افلامك هذه، لا يوجد في هذه الحياة الواقعية مثل تلك التراهات .
شهقت السيدة خان بصوت مرتفع تخفي أذنها وكأنها تأبى سماع المزيد من كلماته السامة لها والمرفوضة تمامًا تبتعد عنه متراجعة صوب المنزل الخاص بها :
_ لا أصدق أن تلك الأحاديث تخرج منك راجيش، لا أصدق لقد خذلتني حقًا، يا الله رحمتك .
راقبها راجيش بعدم فهم لتلك الأفعال المبالغة التي تصدر منها، ثم نظر لباب منزل سول ثواني حيث عم هدوء مفاجئ، قبل أن يركض صوب والدته بغيظ :
_ أمي عودي هنا لنعتذر إلى الفتاة ...
بينما في الداخل كانت سول قرب الباب على وشك فتحه، قبل أن تصل لها المحادثة الخارجية لتتنفس الصعداء، فهي لم تكن في مزاج يسمح لها بمعاملة السيدة خان بكل تعقيداتها الآن.
تنفست بصوت مرتفع تستدير صوب المطبخ الخاص كي تحضر بعض الطعام لها، لكن فجأة توقفت حين أبصرت موزي يحمل مزهرية والدها المفضلة والتي كان يعاني بأزهارها طوال الوقت .
_ موزي ما الذي تفعله ضع هذا ارضًا كي لا يتحطم .
أصدر القرد عدة اصوات عالية وهو يضم له المزهرية، ثم تحرك بها صوب الأريكة يقف عليها يرفعها عاليًا وكأنه على وشك قذفها، لتتسع أعين سول تصرخ به :
_ لا يا سيد، أنت لن تفعل هذا، أقسم أن احرمك من الطعام ليوم كامل موزي، دعها، دعها ارضًا، لا ادري ما سبب أفعالك هذه منذ أيام، هيا اتركها ارضًا أيها القرد الاجرب الحقـــ
وقبل إكمال جملتها كان موزي ينفذ أوامرها بالفعل ويتركها ارضًا، لكن يبدو أنه نفذها بطريقته هو إذ تركها تطيح من بين أنامله لتتحطم إلى أشلاء جعلت أعين سول تتسع تباعًا وضربات قلبها تتوقف لثواني ووجهها يشحب تنبس بذهول :
_ ما ...ما الذي ....ما الذي فعلته ؟! هذا كان عزيز على قلب والدي، ما الذي فعلته ؟!
سقطت دموع سول تراقب أشلاء المزهرية ارضًا بوجع كبير تنحني ارضًا لا ترى من بين دموعها تتلمس اشلائها التي ما تزال تحتفظ بذكرى لمسات والدها الغالي، سقطت دموعها أكثر وهي تبكي بوجع تجمع القطع المتناثرة :
_ لماذا موزي ؟! لقد كان آخر ما تبقى من أبي لماذا فعلت هذا ؟!
ارتفع صوت بكائها أكثر ليقترب منها موزي بتردد وهي فقط تبكي، تبكي فقدان والديها، تبكي وحدتها التي جعلتها عاجزة عن الارتماء في احضان أحدهم وإفراغ بكائها بها .
اقترب منها موزي يصدر اصواتًا جعلتها تصرخ بجنون في وجهه :
_ ابتعد عني أيها القذر قبل أن اقتلك، أخرج من هنا هيا، أرحل سأبقى وحدي، هيا ارحل، هذا خطأي، كان عليّ رميك في الطرقات منذ فترة طويلة .
نهضت بعنف وغضب كي تنفذ كلماتها تتحرك صوبه، ليهرب القرد منها في المنزل يصعد على الأثاث هنا وهناك وبين أنامله شيء معدني اسود ألقاه على وجه سول بعنف يدافع به عن نفسه لتتأوه الأخيرة تطلق سبات عديدة وهي تحمي عيونها :
_ لقد تجاوزت حدودك أيها الحقير اقسم أنني سأفرغ احشائك واحشوك قطنًا والقي بك في ملجأ اطفال يعيثون بجلدك الفساد ومن ثم الا.....
توقف عن الحديث فجأة حين أبصرت ما رماها به موزي قرص مدمج صغير جعلها تنحني ببطء تلتقطه بتردد لترتجف أناملها حين تعرفت على الخط الذي يزينه، كان خط والدها وقد كتب على القرص اسمها ..
ارتجفت تقرأ الكلمة التي زينت القرص أسفل اسمها بخط صغير " وصيتي " ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ربما كان عليّ ارسال مرسول لسفيد وطلب النجدة من القائد والملك، لقد أخطأت حين تركته يذهب وحيدًا .
كانت هذه كلمات المعتصم الذي وقف في منتصف الساحة يراقب السماء وقد مرت ساعات منذ رحل أرسلان ولم يعد حتى الآن، يا الله يخشى سقوط مشكلة أعلى رؤوس الجميع في لحظة غضب من أرسلان .
سمع صوتًا خلفه لأحد المستشارين يردد بهدوء يحاول بث الطمأنينة بصدر المعتصم الذي يتعامل الآن كأم تأخر ولدها عن العودة قبل الغروب :
_ لا تقلق معتصم هو سيكون بخير، الملك يستطيع التعامل مع الجميع بطريقته .
استدار له المعتصم يتحدث بغيظ شديد يرفع إصبعه في وجه الشاب والذي كان يعمل طبيبًا في العاصمة قبل أن يستدعيه أرسلان ليترأس مشفى القلعة الرئيسية :
_ اولًا اسمي المعتصم وليس معتصم، ثانيًا أنا لست خائفًا على الملك، أنا خائفٌ منه، هناك فرق، أخشى أن يحيل سبز لرماد، هذا خطأي ربما كان عليّ التحدث مع الملك إيفان ليدركه فهو من يستطيع التعامل مع نوباته جيدًا .
فرك الشاب والذي كان يُدعى " زيان " وجهه يتنهد بحنق مرددًا بصوت منخفض حانق :
_ لقد أصبحت متعجرفًا كالملك لكثرة مرافقتك له .
استدار له المعتصم يرمقه بغضب وقبل أن يتحدث بكلمة صدر صوت أحد الجنود يردد بجدية :
_ سيدي هناك من جاء لمقابلة الملك لأمر هام ..
رفع المعتصم يديه في الهواء بقلة حيلة وعصبية غير مبررة :
_ وأين هو الملك ها ؟؟ هل ترى الملك بيننا ؟!
تراجع الجندي للخلف متعجبًا حالة المعتصم الغريبة عليه وهو كان الرجل الهادئ المسالم، يقسم أنه جاءهم من سفيد راقيًا هادئًا مسالمًا، لكن يبدو أن التأثير السلبي لمشكى وملكها تفشى داخله بسرعة البرق .
فجأة ومن بين صرخاته أبصر المعتصم رجلًا يبدو في بداية الخمسينات من عمره يظهر على وجهه الإرهاق الشديد :
_ أنا فقط جئت اسلمه رسالة هامة وسأرحل .
مسح المعتصم وجهه يهتف بصوت خافت غير مسموع :
_ ترى أي كارثة تحملها هذه الرسالة .
رفع صوته متسائلًا :
_ رسالة من من ؟!
تحدث الرجل بصوت حزين وهو يمدها له :
_ هذه وصية من رجل كان قريبًا للملك، أراد أن يتم تسليمها له بمجرد رحيله عن هذه الحياة، لكن وبسبب بعض الظروف لم استطع المجئ وتسليمها مباشرة بعد موته .
نظر له المعتصم بهدوء يحاول فهم ما يقول :
_ وصية ؟؟ وصية من ؟؟ وما الذي تتحدث عنه ؟! من تقصد ؟؟ وأي نوع من الوصايا هي وما هي علاقة الملك بوصية الرجل ؟!
نظر الرجل له نظرات غامضة جعلت المعتصم يشعر بالريبة ويتأكد ظنه أن هذه الرسالة تحمل لملكهم كارثة ثانية، لكن ستكون كارثة من نوع آخر........
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية الحرب ومن يدري كيف تكون نهايتها .
فالحرب لم تنتهي بعد والفوز مصير حتمي.
دمتم سالمين
رحمة نبيل
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية اسد مشكي الفصل الثاني 2 - بقلم رحمه نبيل
أعلم أنني لم أكن الأب الذي تتمنينه في الكثير من الأوقات، وكذلك لم أكن الأخ أو الابن الذي قد يتمناه إنسان في حياته، لم أفلح في أي دور عدا دور العاشق والزوج، الدور الوحيد الذي أجدت لعبه في حياتي هو دور العاشق لوالدتك، المرأة التي كنت على استعداد للتخلي عن حياتي مقابل سعادتها، المرأة التي تخليت عن عالمي وحياتي وقيمي فداءً لعينيها، انغمست في عالمٍ ليس بعالمي وحياة ليست بحياتي، انغمست ونسيت ما عشت عليه وتربيت عليه، نسيت قيمي وحياتي ونسيت أن أعلمك ذلك، اهتممت فقط بتسجيل كلمة مسلمة في اوراقك الشخصية ونسيت أن أعلمك معنى أن تكوني "
خرجت تنهيدة عميقة من صدر ذلك الرجل صاحب الملامح المليحة، يرفع عيونه الممتلئة بالدموع للشاشة يردد بحسرة وندم:
"نسيت نفسي وظننت أن صلاتي وقربي من ربي يكفيان، ولا يهم ما يحيط بي، رأيت المنكر ولم استنكره، ألفت الحرام رغم إني لم اقربه، أبيت أن أُحزن والدتك إن اجبرتك على ثياب تخفيكِ عن الأعين، تركت لها حرية نشأتك طالما أنني سجلتك تحت لقب مسلمة، أصمتُ ضميري برؤيتك تصلين فروضك واقنعت نفسي أنني اديت رسالتي وعدت للاستمتاع بحياتي مع والدتك تاركًا لها حرية تعليمك، وانظري أين أنا الآن؟؟ رحلت والدتك وتركتني وحدي، رحلت وبقيت أنا، بقيت لادرك أنني أضعت حياتي سدى وركضت خلف الفناء ونسيت الحي الذي لا يموت."
صمت يمحو بعض الدموع، ثم تنهد بصوت مرتجف يكمل حديثه:
"لا تسيئي فهمي وتظنين أنني ألقي بكامل الذنب على والدتك، فوالله ما رأيت منها شرًا يومًا، بل والله يشهد أنها كانت ونعم المرأة، أنا فقط المخطئ هنا أنني خفت التحدث واغضابها، لم أجرب حتى لأعلم إن كانت قد تقبل نصيحتي، والدتك امرأة لو عاد بي العمر مرات لاخترتها دون تفكير، لكن كنت سأصلح ما أفسدته، رحلت والدتك وتركت لي حياة فارغة باهتة دونها، وإن كنتِ تسمعين حديثي الآن فهذا يعني أن الله كان بي رحيمًا والحقني بها، وكل أمل أن أفعل بعدما أكفر عن ذنوبي واعيدك للطريق الذي حدت أنا عنه."
ثواني عم بها صمت طويل جعل أعين سول تدمع أكثر وهي تراقب والدها بحسرة تتذكر بعد موت والدتها وكيف تحول والدها، أصبح لا يفارق سجادة الصلاة، بل وكان يصر على أن يؤدي فروضه في المسجد، وقد عكف في آخر شهرين على تحفيظها ما تيسر له من القرآن، كانت تشعر كما لو أن والدها استيقظ من سبات عميق، أشرق وجهه ورأت به نورًا لم تبصره طوال الست والعشرين عامًا التي عاشتهم، ابتسمت من بين دموعها وهي تراقبه يهمس لها ويكمل باللغة العربية التي علمها إياها خصيصًا لتكون قريبة منه ويشعر بالألفة:
"إن كنتِ تسمعين حديثي هذا، فهذا يعني أنني رحلت، وأنكِ الآن وحيدة، لكن يا ابنتي لن يدوم الأمر طويلًا، اعلم أنني قديمًا ظلمتك حين ألقيت بكِ بين امواج الحيرة والتشتت، بين حياتك كفتاة مسلمة، وعيشتك كفتاة غربية، لكن نحن لسنا كذلك، لا أنا كذلك ولا حتى أنتِ، نحن لا ننتمى لهنا يا ابنتي، نحن ننتمى لعالم آخر، هناك حيث ستجدين روحك المفقودة، عودي لعالمك وعيشي بين من يشبهك، لا تسمحي للقذارة بالتغلغل داخلك، ولا تقاوميه سيري مع الموجة، اوصيكِ بنفسك خيرًا يا ابنتي، اوصيكِ بروحك، سلميها لمن يعتني بها، عودي لمشكى يا ابنتي ...."
ومن بعد تلك الكلمات انقطعت الصورة ولم يصدر شيء سوى صوت تشويش يعلن نهاية المقطع المصور وهي فقط تراقب الشاشة بدون فهم، ما الذي يقصده والدها ؟! تعود لمن ؟؟ ولأين ؟؟ و...مشكى ؟؟ ما الذي يقصده بهذه الكلمة يا ترى، وأين سمعتها من قبل ؟؟
كان عقلها يدور في دوائر مغلقة تشعر بالحيرة وهي تبحث في ذاكرتها عن تلك الكلمة التي تكررت على مسامعها كثيرًا و...فجأة شعرت بكتاب يُقذف في وجهها بقوة لتسقط للخلف مطلقة صرخة موجوعة وسباب مرتفع، ولم تكد تعتدل في جلستها لتنفذ تهديدها لذلك القرد حتى أبصرت ما اصطدم في وجهها والذي لم يكن سوى مجلد اسود اللون خُط عليه بأحرف فارسية كلمات تدركها جيدًا، وكيف لا وهي تعلم أن والدها عربي إيراني من أصل فارسي - كما أخبرها - أم لا ؟!
تحركت عيونها على الكلمات وقد بدأ نبض قلبها يزداد بشدة تنطق بصوت منخفض:
"_ خاطرات من در وطنم ( مذكراتي في وطني )"
رفعت سول عيونها بتردد صوب موزي الذي كان يراقبها برضى بعدما اوصل ما يريد لها كما أمره والدها مئات المرات ودربه.
"حسنًا موزي هذا لا يبدو مبشرًا تمامًا."
أصدر موزي اصواتًا صاخبة وكأنه يشاركها اللحظة لتردد هي بصوت خافت:
"يبدو أن والدي أشفق عليّ من رتابة الحياة بعده، فترك لي ما يزيد من حياتي إثارة، وليست أية إثارة، أخشى أنني لن احب ما سأراه ..."
صمتت ثم همست بفضول وهي تقلب المذكرات بين أناملها:
"ترى ما الذي تخفيه هذه الصفحات عني ؟؟!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"والدك."
اتسعت عيون أنمار بصدمة من الرد الذي لم يتوقعه، انتظر غضب وصراخ وانهيار وربما جزء مريض غبي خيالي داخله هيأ له أن أرسلان ربما يتوسله حتى لو في أحلامه.
لكن كان رد أرسلان عليه كلمة واحدة أصابته بالحيرة قبل أن يوضح الاخير ما يقصد:
"رحمة الله على والدك، جيد أن الله قبض روحه قبل أن يبصر عاره بعيونه، أنت ........."
صمت ثواني ثم قال بعجز وضيق وهو يمرر يده على وجهه يتنهد بصوت مرتفع:
"اعذرني فلا أجد حديث لبق اجيبك به، وكل ما يدور في عقلي الأن كلمات لا تلائم مكانتي ولا تناسب عمرك، لذا حين أجد ردًا أكثر احترامًا عما يدور في رأسي سأرسله في خطابٍ لك."
اشتد غضب أنمار وهو يراقب تحرك جسد أرسلان بعيدًا عنه دون رد واضح على الخبر الذي ألقاه على مسامعه منذ ثواني، لا رد، لا إجابة شافية لصدره.
بينما أرسلان فقط لم يأخذ حديثه بشكل جدي، إذ تحرك للبحث عن الملك بارق بنفسه والتحدث معه عما يحدث، يبارك لنفسه رده اللبق، ها هو بدأ يخطو خطوات جيده في تقويم نفسه كما نصحه إيفان، أوه ليأتي رفيقه العزيز ويرى الأخلاق التي أضحى يتمتع بها، لكن فجأة توقفت أقدامه حين وصل له صوت ذلك الحقير زوج ابنته للملك بارق:
"صدقني أنت لست في موضع قوة لتتجبر وتسخر وتتصرف بهذه الطريقة، عليك تعلم الرد والتحدث على قدر مكانتك أرسلان."
توقف أرسلان عن التحرك، ثم استدار ببطء يردد ببسمة واسعة وانبهار:
"أحسنت، صحيح، هذه هي الجملة التي كنت أبحث عنها في عقلي لاخبرك بها، عليك تعلم الرد والتحدث على قدر مكانتك يا حقير."
صمت ثم أضاف ببسمة فخورة:
"اضفت عليها بعض اللمسات المميزة الخاصة بي، اتمنى ألا تمانع ذلك."
ختم حديثه ثم استدار وفورًا انمحت بسمته يتحرك في ممرات القصر ومعطفه الاسود يتطاير خلفه، يتجاهل الجميع، حتى وصل لجناح الملك بارق ولم يكد يطلب الأذن بالدخول حتى أبصر جسدًا انثويًا يخرج منه.
تراجع أرسلان سريعًا للخلف مخفضًا رأسه ارضًا كي تمر مرددًا بصوت خافت:
"هل الملك بارق متفرغ لمقابلتي ؟؟"
رفعت الفتاة عيونها صوب المتحدث لتتفاجئ بجسد أرسلان، ابتلعت ريقها بتوتر وهي تهمس بنبرة شبه مرتجفه كأرتجاف سائر جسدها وقلبها:
"هو ... أبي ليس ...هو ليس بخير هذه الأيام."
عقد أرسلان حاجبيه يرفع رأسه في لمحة سريعة ليتأكد أنها هي نفسها، قبل أن يخفضها حين أدرك هويتها:
"أميرة توبة، السلام عليكم."
وكانت الرجفة في هذه اللحظة من نصيب قلبها الذي رقص سعادة حين وصلت أحرف اسمها محملة بصوته ونبرته التي تقتلها، كتمت تنهيدة شوق داخل صدرها بصعوبة:
"عليكم السلام ملك أرسلان، لقد ... أبي هذه الأيام ليس بخير."
تنهد أرسلان وهو يرفع رأسه لها يردد بهدوء:
"إذن ما قاله أنمار صحيح ؟؟"
وكأن ذكره لاسم زوجها صفعها ليفيقها وتشعر بفداحة افكارها، وحقارة عقلها الذي أبى نسيان حبيب طفولة بعيد عنها بعد المشرق والمغرب، ابتلعت ريقها تشعر بالكره لذاتها، للحظة ضعفها حين رؤيته وسماع صوته بعد كل هذه السنوات وهي من عوّدت قلبها على البعد:
"ما الذي قاله أنمار ؟!"
"أنه الملك الحالي."
رفعت عيونها له بصدمة تردد بشراسة:
"ملك ؟! ملك ماذا ؟؟ أبي ما يزال حي يُرزق، ما الذي تقوله أنت ؟؟"
رفع أرسلان عيونه لها يتعجب هجومها عليه رغم استياءه لتحدثها معه بهذه النبرة، لكن باعتبارها امرأة، وإكرامًا لوالدها، فقد نجت من لذاعة لسانه:
"لست أنا من قال، بل زوجك، يخبرني أن الأمور ستكون بين يديه هذه الأيام بسبب حالة الملك الصحية."
توتر جسد توبة من كلماتها، هي ليست في وعيها وإن وقفت ثانية إضافية أمامه سوف اتحدث بما لا يجب الافشاء به:
"أبي يمر بوعكة صحية جعلته طريح الفراش و...هو لا يشعر حاليًا بشيء حوله، لذا ...جميع امور الدولة أنمار من سيتولاها، لكن هذا لا يعني أنه الملك."
لم يهتم أرسلان بكل ما يحدث وقد أدرك أن القادم لن يكون سهلًا لتحكم الحقير أنمار بكل شيء، كل ما اهتم به في هذه اللحظة هي كلمات توبة حول حالة الملك بارق، اهتز صدره بخوف يردد:
"يمكنني رؤيته ؟؟"
هزت توبة رأسها وهي تتحرك بعيدًا عن الباب تسمح له بالمرور، وهو تحرك دون كلمة واحدة أو حتى يرفع عيونه لها، ولم ينتبه لنظراتها التي لحقته، قبل أن تتحرك بعيدًا تستغفر ربها وصدرها يرتجف.
أرسلان حب حياتها مذ كانت طفلة، أحبته وكبتت مشاعرها داخلها، تشفق على حالها أن تعصى الله لأجل نظرة خاطئة، حفظت ذاتها لأجله، لأجل أن يجمعها الله به بالحلال، ولم يحدث، انتظرت وانتظرت ولم يكن حتى يرفع عيونه بها بالخطأ، تجنبها كما يتجنب جميع النساء، لتدرك في النهاية أنها ليست مميزة لديه، وأن شأنها شأن كل النساء عنده.
كان أبعد من السماء عنها، لذا رضخت للأمر الواقع وتزوجت أنمار، مستشار والدها الوسيم الذي بذل الغالي والنفيس ليحظى بها، لتتعهد له بالاخلاص، إذ عزلت ذاتها عن كل ما قد يشينها، لكن الآن وقد عاد ما سعت للهروب منه عادت كل المشاعر لها، لتصيبها بحالة اشمئزاز من ذاتها.
في غرفة الملك بارق.
تحرك للداخل بهدوء وكأنه يخشى أن تزعج اصوات خطواته راحة الملك بارق، وصل للفراش يميل عليه ببطء، ثم طبع قبلة على رأسه، ومن بعدها قبل يده باحترام وحب:
"شفاك الله وعفاك عم بارق، ليبعد الله عنك كل مكروهٍ."
جلس على المقعد أمام الفراش يراقب ملامحه الشاحبة بحزن شديد لا يدرك ما حدث له، هو كان يعلم عن مرضه المزمن، لكن ليس لدرجة أن يجعله طريح الفراش بهذا الشكل وقد حسب أن الأدوية تؤتي ثمارها في تحسن حالته.
مال أرسلان على الفراش يضم كف بارق بين كفيه هامسًا:
"عسى ألا يريني الله بك سوءًا، لست في حالة تسمح لي بعيش مأساة فقد أخرى يا عم."
تنهد بصوت مرتفع هامسًا:
"خذ راحتك وخذ وقتك لكن لا تتأخر وتتركني مع زوج ابنتك القذر هذا، كي لا تستيقظ وتجده مقطعًا لاشلاء، أنا لست بالحُلم الذي يجعلني اتحمله طويلًا، لذا عد سريعًا رجاءً...."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أجواء صاخبة وموسيقى تكاد تصيب الأصم بصمم مضاعف، اضواء حمراء تصيب الضرير بوجع في عيونه، نساء تتحرك بين أذرع الرجال، ورجال تدور عيونهم على الأجساد الشبه عارية حولهم، هذه الأجواء التي تجعلك تشعر أنك سقطت بالخطأ في الجحيم، أجواء لم تكن تناسبها ولا تشبهها البتة وهذا ما جعل جسد سول يتوقف عن التحرك حينما طلب منها النادل أخذ كعطفها الذي يخفي أسفله ثوبها الرسمي المعتاد.
رفعت عيونها له تراه يبتسم لها بسمة رسمية ساحرة هامسًا بلباقة:
"معطفك سيدتي الجميلة."
وتبع حديثه بامتداد يده لنزع المعطف الخاص بها، لولا أن ضربت سول يده الممتدة بعنف تهتف له بتحذير:
"يدك عن معطفي أيها الـ ..."
وقبل أن تكمل كلماتها قاطعها وصول لود الذي بمجرد أن لمح وجودها حتى هرول لأخذها:
"أوه سول جميلة جميلات سجون البرازيل بأكملها، انرتي المكان حبيبتي."
رفعت سول عيونها صوب لود تجيب بضيق واختناق:
"لم تذكر لي أن الحفل في الجحيم لود، ما بئر المعاصي هذا، هل تمزح معي ؟؟"
شحب وجه لود بقوة ينظر حوله بسرعة يتأكد أن لا أحد سمع كلماتها، ثم اقترب منها يقول ببسمة صغيرة يحاول أن يلملم ما بعثرته من كلمات وقحة، وكم تمنى ألا تأتيهم بشخصيتها هذه، فهو يفضل سول الرقيقة بائعة الورود أكثر في مثل هذه المواقف.
"حسنًا عزيزتي في البداية اعطني هذا المعطف ومن ثم سأشرح لكِ كـ ..."
وقبل أن تمتد يده لها صرخت في وجهه بغضب بدأ يشتعل رافضة أن تخطو لمثل هذا المكان وتغرس نفسها في كل هذه المعاصي:
"لعنة الله على معطفي، ما مشكلتكم مع معطفي يا قوم ؟؟ ثم دعك منه وأخبرني ما هذه القذارة التي تسميها ظلمًا حفلة ؟؟ وهؤلاء المخنثين الذين يتمايلون يمينًا ويسارًا، لا تخبرني أنهم أنفسهم من احضرتني لاقابلهم."
ابتلع لود ريقه سريعًا يحاول التماسك وهو يقترب منها يحاول أن يسترضيها ويخفف من غضبها، ومن ثم يأخذها لتتعرف على الجميع في الداخل:
"سولي حبيبتي أنا...."
رمقته سول بشر وقبل صدور كلمة واحدة منها ردًا عليه قاطعهم صوت نسائي من الخلف يردد:
"لودي عزيزي ما بالك انسحبت قبل إكمال حديثنا ؟؟ ما رأيك لو نكمله فوق."
اتسعت أعين سول تستدير صوب لود الذي نفى برأسه سريعًا يفتح فمه لتبرئة نفسه، لكن الفتاة كانت كمن أقسم على تلويث ما تبقى من صورته النظيفة في عيون سول:
"لقد حضرت لك شرابك المفضل افخم أنواع الشمبانيا هنا."
شهقت سول بصوت مرتفع تهمس بعدم تصديق:
"شمبانيا ؟؟ خمر يا خالد ؟!"
ابتلع خالد ريقه يحاول أن يتحدث لكن الفتاة اقتربت منه تضم ذراعه مرددة بدلال:
"من هذا خالد لودي ؟! ماذا تقول هذه الفتاة ؟؟"
بللت سول شفتيها، ثم تراجعت للخلف بملامح منكمشة مشمئزة، تهز رأسها بيأس منه وقد انغمس رفيق الطفولة في المعاصي وغرته الحياة القذرة التي ولد بها رغم انتمائه لعائلة محافظة.
وقبل أن تتحرك خطوة بعيدًا عن باب منزل النخاسة هذا قاطعها وصول أحد الرجال، ذوي البذلات السوداء والملامح القاسية كزعماء المافيا، يدور بعيونه عليها بشكل جعل جسدها يرتجف وهي تعود للخلف بريبة من نظراته مرددًا بجدية ونبرة عابثة:
"لا تخبرني أن تلك الفاتنة هي نفسها سول يا لود، لو كانت كذلك فأنا على استعداد لتمويل المتبقي من حياتها على نفقتي الشخصية وليس فقط مجرد بحث."
مالت رأس سول وهي ترمقه بملامح متشنجة تشعر أنها تقف أمامه عارية بسبب نظراته تلك، ضغطت باسنانها على شفتيها كارهة خالد وما فعله ليضعها بمثل هذا الموقف القذر:
"اشكرك يا سيد لا حاجة لي بتمويلك احتفظ به لنفسك واحتفظ بعيونك في وجهك كي لا افقأهم لك."
تبعت حديثها بالتحرك بعيدًا عنهم، لكن ذلك الرجل لم يكن ليقبل رحيلها بهذه السهولة، ليس بعدما نالت إعجابه، سارع يمسك يدها يجذبها بقوة لاحضانه مرددًا بصوت خافت أجش:
"إلى أين يا جميلة، لم تبدأ الحفل بعد."
لم تستوعب سول مايحدث إلا حينما وجدت نفسها بين احضان ذلك الرجل، اتسعت عيون خالد بصدمة وقد أحمر وجهه غضبًا، ولم يكد يتحرك ليبعده عنها، حتى وجد سول تعود برأسها للخلف وبكل قوتها اندفعت بها تضربها في خاصة الرجل وتحديدًا منطقة الأنف لتنفجر الدماء منها ويتراجع للخلف مطلقًا صرخة مرتفعة جعلت الجميع ينتبه لما يحدث.
تأوهت سول بصوت مرتفع تمسك رأسها وقد شعرت بالدوار يصيبها تعود للخلف وهي تفرك رأسها، رفعت عيونها لتبصر ما يحدث لتجد العديد من الحراس يركضون صوبها، تراجعت للخلف بخوف مما رأت:
"على رسلكم يا رجال، كان الأمر مجرد نقاش بيني وبين هذا القذر."
وحين وجدت الشر يعلو ملامح الرجال، عادت بسرعة للخلف تركض على الدرج الرخامي وآخر ما أبصرته هو اندفاع خالد ليمنعهم بجسده من اللحاق بها يلقي على الرجال كل ما يقابله، ثم وحين تأكد أنها هربت ركض بسرعة صوب سيارتها التي بدأت تتحرك بسرعة مريعة يصرخ بصوت مرتفع:
"انتظريني ... انتظريني سول."
بصقت سول خارج النافذة بغضب منهم:
"لتحترق في الجحيم يا حقير، عسى أن يحطموا عظامك."
أطلق خالد صرخة مرتفعة وقد أبصر الرجال يندفعون صوبه كالسيل ولم يكن أمامه من طريقة للنجاة سوى القفز على مقدمة سيارة سول التي اندفعت بها خارج القصر بسرعة مرعبة وهو يحاول التمسك بها صارخًا برعب:
"على مهل، على مهل سوف اسقط أسفل عجلات سيارتك .."
ابتسمت سول بخبث تزيد من سرعتها يشكل جنوني:
"وهذا المطلوب عزيزي ..."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وصية ؟؟ وصية من ؟؟ ولِمَ أنا بالتحديد من يوصيني ؟؟ ما الذي رآه ذلك الرجل بي حتى يضع وصيته بين يدي ؟؟"
كان يتحدث وهو يلقي بثوبه في سلة الملابس داخل جناحه يقف بجذع عارٍ أمام المعتصم والذي بمجرد عودته تلقاه بكارثة أخرى وكأنه ينقصه، فبعد عودته رفض التحدث حتى يفكر فيما سيحدث، ليعاجله المعتصم بكارثة جديدة.
"لا ادري، لقد سلمني الرسالة وأخبرني أنه لا يستطيع التأخر ورحل مؤقتًا حتى تقرر، مؤكدًا عليّ تسليمها لك بنفسي وضمان تنفيذها."
رفع أرسلان حاجبه ينتزع منه الرسالة بحنق شديد، ثم نفخ ينزع عنها الخيط الحريري المحيط باللفافة يهتف بسخرية:
"أصبحت المصائب تُلف في رابطة حريرية، وتُرسل على هئية كلمات في رسائل ورقية و...."
فجأة توقفت كلماته حين أبصرت عيونه اسم المرسل الذي بدأ به الخطاب، اغمض عيونه يعيد النظر مرة واثنين وثلاثة حتى يتأكد أن ما رآه صحيحًا.
رفع عيونه صوب المعتصم الذي اقترب منه بفضول شديد يحاول أن يبصر ما تحتويه الرسالة، لكن لم يفهم شيئًا في النهاية.
"ما هذا ؟؟"
حدق به أرسلان ثواني قبل أن يعود بنظراته مجددًا صوب الخطاب يحاول إدراك ما يراه، بعد كل هذه الأعوام يعود ؟! يعود بوصيته.
همس أرسلان وكأن صوته جاء من اعماق بئر سحيق:
"العم رائف."
ولم تكن هذه الإجابة شافية للمعتصم، الذي استمر بالتحديق في وجه أرسلان يحاول معرفة ما يقصد، لكن يبدو أن أرسلان لم يكن يعي حتى بوجوده إذ سحبته امواج ذكرياته صوب مشهد قديم حفظه عقله، مشهد لا يدري حتى كيف يحتفظ به كل هذا الوقت ومنذ كان بالسادسة؟؟
كان الرجل يحمل الصغير بين أحضانه يضمه بقوة مرتعبًا أن يطاله أذى من مقتحمي القصر، وارسلان فقط يتململ بين ذراعيه يود الهبوط والتحرك للقتال مع والده، ورغم سنوات عمره الصغيرة إلا أنه كان يصمم على القتال بكل تهور.
"دعني أريد أبي.."
رمقه الرجل بحنق وغضب متأففًا بصوت مرتفع، يخرج من ممر جانبي هامسًا بغضب:
"يا بني توقف عن الحركة لقد ارهقتني، ثم تقاتل من ؟! الرجال بضعف...بل ضعفين حجمك، اصمت و...."
توقف الرجل عن الركض حين أبصر أمامه العديد من الجنون الذين أحاطوا به، ليشعر أن ضربات قلبه كادت تتوقف، نظر للطفل بين يديه يهمس بصوت منخفض:
"حين اتركك اركض يا أرسلان حسنًا ؟!"
نظر له أرسلان باعتراض شديد، ثم تململ يشعر بالغضب يتمكن منه صارخًا بصوت مرتفع:
"أبي يقول أن الرجال لا يهربون من ساحة المعركة، الجبناء فقط يفعلون كهؤلاء الأوساخ."
اتسعت عين الرجل بصدمة يرى الرجال وقد بدأت أعينهم تشتد غضبًا يتقدم أحدهم منهم مرددًا بنبرة مرعبة محركًا سيفه في الهواء:
"ما الذي تقوله أيها الصغير ؟! هيا عد ما قلته، لا اسمع لك صوتًا، من هؤلاء الأوساخ يا هــــلكن."
أرسلان الصغير أعاد كلماته دون اهتمام بسيف الرجل الذي كان مرفوعًا أمام عيونه يردد بجدية وقوة دون أن تهتز شعرة له:
"قلت أنني لا أهاب هؤلاء الأوساخ، وهؤلاء الأوساخ هم أنتم."
اتسعت الأعين حتى شعر رائف أن قلبه سيتوقف من الرعب من نظرات الرجال، كمم فم أرسلان يعود للخلف هامسًا:
"يا فتى اصمت سوف نموت بسبب لسانك السليط هذا."
حاول أرسلان ابعاد يد رائف عنه، لولا أن الأخير تراجع أكثر يستعد لتركه حين يتأكد أنه منحه فرصة جيدة للهروب، فقد أمنه الملك على ولي العهد، وهو وعده أن يحميه بروحه.
وفي ثواني ركض بعيدًا يترك أرسلان ليهرب، لكن الصغير كان عنيدًا كالثور، فحينما أطلقه رائف عاد له مجددًا بتهور يصرخ بوجهه غاضبًا:
"أخبرتك أنني لا اهرب."
ولم يكد رائف يتحدث بكلمة حتى أبصر سيف أحدهم يهبط بقوة على أرسلان يكاد يشق رأسه، لولا يد رائف التي مدها بسرعة كبيرة يحميه به لتعلو صرخاته في المكان تحت نظرات الصغير المصدومة مما رأى.
"مولاي ما بك ؟؟"
انتفض أرسلان من ذكرياته يحاول إبعاد ما حدث عن عقله مرددًا بصوت خفيض:
"ماذا قلت ؟!"
رفع المعتصم حاجبه ثواني قبل أن يعيد سؤاله على مسامعه مجددًا:
"أخبرتك من هذا ؟!"
شرد أرسلان ثواني ينظر للخطاب مرددًا بصوت هادئ:
"شخص أدين له بحياتي، بل أكثر..."
صمت ثم أكمل:
"عم رائف مرشد العالم الآخر."
"مرشد العالم الآخر ؟! حسبت أن مشكى لا تمتلك مرشدي عالم آخر."
"نحن كذلك بالفعل، منذ سنوات ونحن لا نمتلك واحدًا."
صمت طويلًا قبل أن ينبث بهدوء وعيونه تطالع الخطاب بفضول شديد لمعرفة ما يريده رائف فعله لأجله ولِمَ هو بالتحديد من كتب الوصية باسمه:
"تحديدًا منذ تخلى عنا مرشدي مشكى واستقروا في عالم المفسدين."
ورغم أنه لم يفهم بشكل كامل ما يقصده أرسلان، إلا أن ذلك لم يمنع المعتصم عن دس رأسه جوار كتف أرسلان كي يتفحص تلك الوصية بفضول جم، يفكر أن ذلك الرجل الذي جاء يوصله الخطاب كان مرشد العالم الآخر قبل أن يتخلى عن عالمهم ويستقر هناك ؟!
"وما الذي يريده منك ؟؟ وما وصيته ؟!"
رفع أرسلان الخطاب أمامه بملامح منقبضة وقد بدأت عيونه تتسع شيئًا فشيء هامسًا باستنكار شديد:
"ابنته ؟؟ سو...سول ؟؟ ماذا ؟؟؟"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"سول...سول أنا آسف اقسم أنني لم اعلم أن كل هذا سيحدث، لقد ظننت أن الأمر سيكون كأي حفل عادي، وما تخيلت أن يتمادوا لهذه الدرجة."
كان يتحدث صارخًا أمام باب منزلها ينتظر اذنا منها للدخول أو منحه حتى فرصة التحدث، كارهًا أن تظلمه في هذه المعادلة وهو لم يكن له غرض سوى مساعدتها لتحقيق حلم والدتها.
"فقط افتحي هذا الباب ودعينا نتحدث بشكل لائق، فلا بد أن السيدة خان تتابع هذه المشاداة من خلف الأبواب الآن، هيا لا تشمتي بنا أحدًا."
انتفضت السيدة خان بعيدًا عن ثقب المراقبة الموجود في باب منزلها، تعود للخلف بصدمة محدقة حولها بشك أن يكون انتبه لها، لتجد أن لا أحد حولها، فعادت بكل بساطة تلتصق بباب المنزل تراقب ذلك الرجل الحقير الذي يحاول سرقة كنتها منها.
تنهد خالد يحاول الحديث لولا الباب الذي فُتح فجأة وقد شعرت سول أنها ستنفجر لو لم تصرخ به:
"اسمع يا هذا، سمحت لك بالعمل معي، لأنني لم أجد من يكون محل ثقة مثلك وقد اطمئننت أنك مثلي تمتلك بعض القيم والمبادئ التي ستجعلني أأمن جانبك، لكن يبدو أنني اخطئت، تدعوني لحفلة سكارى وحثالة يصفون أنفسهم بصفوة المجتمع كذبًا، يرتشفون الخمر كما المياه، ويفعلون الفاحشة كالمصافحة، إن كان هذا المجتمع هو المجتمع الذي سيحقق لي احلامي، ألا لعنة الله على المجتمع واحلامي."
ولم تكد تختم جملتها حتى رنت تصفيقات حارة من جانب السيدة خان والتي خرجت من منزلها تشجعها بشكل جعل سول تفتح فمها بتعجب.
وخالد يمسح وجهه بضيق ينظر لها في محاولة أخيرة للتحدث:
"سول أنا لست ..."
ولم يكد يكمل حديثه حتى صدح صوت اغلاق الباب في وجهه بقوة جعلت بسمة السيدة خان تتسع وهي تردد:
"هذه هي كنتي العزيزة، محظوظ راجيش حاز امرأة جميلة ذات كلمة كالسيف في وجه كل الحثالة امثالك ايها السمين."
نظر لها خالد بصدمة كبيرة ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى وجد الباب يُغلق في وجهه بقوة جعلت ينتفض، في النهاية ختم يوم بسبات متتالية من امرأتين وغلق باب في وجهه و....ماذا ؟؟ هل قالت سمين للتو ؟؟
في الداخل كانت تجلس على الأريكة تحاول التنفس والهدوء سعيدة بانتهاء اليوم واخيرًا لتتفرغ إلى محاولة إيجاد تفسير لتلك الكلمة التي نطق بها والدها في التسجيل الصوتي الخاص به. " مشكى "
فتحت سول أولى صفحات الكتاب والذي لا تعلم عنه شيئًا لتبصر لغة فارسية أمامها تكوّن العديد من الجمل استطاعت تمييز بعضها وجهلت معنى البعض الآخر، لتبدأ ليلة طويلة لسول في محاولة لترجمة كل ما تراه، وكلها شوق لتدرك مقصد والدها، لكن كل ما فهمته حتى الآن من هذا الكتاب كان تقريبًا لا شيء.
"خيال علمي، رواية خيالية ؟؟"
قلبت الكتاب بين أناملها تتساءل بجدية:
"ترى ما الذي كان يقصده والدي حين ذكر هذا الاسم العجيب ؟! مشكى ما السر وراء هذه الكلمة الغريبة ؟ تكاد تقسم انها مـألوفة على مسامعها اكثر من وقع اسمها، لكن اين سمعتها وعلى لسان من ؟؟"
تنفست يصوت مرتفع وهي تقلب صفحات الكتاب بين اناملها تبصر اسم تردد أكثر من غيره (بيجان ) ؟؟ يا له من اسم عجيب ترى من هذا بيجان الذي يتغنى به الكاتب في خمس صفحات و....اوه مهلا هو بطل هذه الرواية الخيالية إذن؟؟ قلبت الصفحات بين اناملها تبحث في أحد اركان الكتاب عن صورة مختبئة لذلك البطل، لكن لا شيء إذن ما عليها سوى تخيله اندمجت سول في القراءة والتي ورغم صعوبتها لعدم تمكنها بشكل كامل من إتقان تلك اللغة الغريبة والتي كانت حسب معلوماتها المحدودة عن والدها هي لغته الأم جوار العربية التي ت ما اتقنها أكثر.
ساعات مرت وهي جالسة تطالع روايتها الخيالية الجديدة بكل حماس، حروب ومؤامرات وغيرها من الاحداث الخاطفة للانفاس، حتى وصلت واخيرًا لأحد فصول الكتاب تحت عنوان ( ارسلان بيجان) ..
اسم موسيقي استحسنته مسامع الفتاة التي اندمجت دون علم في قراءة تاريخ أمة ظنًا أنها تطالع رواية خيالية تاريخية. وإن كان اسم وأعمال بيجان أثارت فضولها في لحظة من اللحظات، فقد فجرت طفولة ذلك الطفل المريب فضول وتعجب سول، رفعت صفحات الكتاب امام عيونها بصدمة:
"ما هذا الكاتب المختل ؟ أي نوع من الاشخاص يضع مثل تلك الصفات بطفل لم يبلغ السادسة بعد؟ هذا تحريض صريح على العنف مع الأطفال في طفولتهم."
ألقت الكتاب بحنق شديد رافضة تقبل كل تلك الصفات العنيفة في طفل صغير:
"المسكين كل ذنبه للطفل أنه سقط في يد كاتب مختل لا يدرك الفرق بين الطفولة والإجرام، بدلًا من اللعب بالوحل يقاتل بالسيوف."
نفخت تحدق بالكتاب تفكر في عقلها بفضول شديد استطاع ذلك الكاتب الماهر زرعه داخل صدرها، تفكر بلا توقف إن كان ذلك الطفل الصغير المختل حقيقيًا ترى كيف سيكون حين ينضج ؟؟ هل ستتغلب عليه طبيعته العنيفة ويصبح شخصًا مريعًا أم ربما يفوز الجانب الإنساني ويصبح شخصًا مسالمًا جيًدا وكم تمنت أن ان يكون الاختيار الثاني من اعماق قلبها، تتخيل ذلك الطفل المختل كشاب هادئ مسالم حنون يمنح الجميع ما فقده هو، لبتسمت لهذه الفكرة وقد ارضتها هذه النهاية:
"- نعم هذه النهايات المثالية سينضج ذلك الطفل المسكين ليقرر أن يصبح حنونًا مسالمًا يمنح العالم ما فقده هو على يد كاتب مختل .."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صرخة انطلقت من فم الجندي هزت الجدران حوله من قوتها، ولولا رحمة الله به ما خرجت صرخته تلك ولا خرج له صوت مرة أخرى بعدما كاد سيف أرسلان يجز عنقه أثناء التدريب.
ابتلع الجندي ريقه يتراجع للخلف زاحفًا والرعب ملئ صدره، بينما عيون أرسلان مثبتة عليه بنظرات غامضة وكأن الجندي خيب أمله حين نجى من ضربته.
راقب المعتصم ما يحدث بأعين جاحظة وقد أوقف ما حدث قلبه لثواني معدودة قبل أن يعود النبض مجددًا حين أبصر الرجل برأسه دون أن تُمس.
" رحمتك بعبادك يا الله."
مال أرسلان برأسه يراقب الجندي بعدم رضى، قبل أن يعتدل زافرًا بحنق شديد:
"كان من المفترض أن تصد ضربتي لا أن تركض منها خوفًا يا بني."
ابتلع الرجل ريقه لا يستطيع التحدث وذكرى اللحظات التي كاد يفقد بها حياته تُعاد أمامه:
"هو....هو أنا لم ...لقد ...لم اتمكن من مجاراتك ولم ... أنت لم تمنحني فرصة التجهز."
رفع أرسلان حاجبه بعدم فهم مرددًا بسخرية لاذعة:
"لا اعتقد أن الأعداء قد يستأذنوك قبل مهاجمتك في المعركة يا أخي."
صمت الجميع حول أرسلان بخوف منه، بينما المعتصم يخفي وجهه خلف قبضته يشعر برغبة عارمة في الصراخ وصوت همساته الحانقة يخرج منه بضيق:
"كادت روحي تُزهق لاقنعهم بالمجئ والانضمام للجيش ممنينًا إياهم بحياة رغدة هانئة، تالله يبدو أنهم لن يبصروا الهناء ولا الرغد إلا في جنات الخلد بإذن الرحمن."
انتفض جسد المعتصم حين سمع صوت أرسلان يهتف بهم بهدوء رغم صرامة نبرته التي جعلت أجسادهم تتحفز:
"أدرك أن نصفكم لا يدري شيئًا عن القتال أو حمل السيوف، واعلم جيدًا أن البعض منكم يعتقد أنني خشن بعض الشيء في التدريبات اليومية."
تمتم المعتصم ببسمة مستنكرة ساخرة:
"لا لا استغفر الله."
اكمل أرسلان وهو يتحرك أمام صفوف الجنود الذين تطوعوا في جيشه الذي يحاول النهوض بعد نكبتهم السابقة:
"لكن في الواقع هذا ليس اعتقادًا، بل حقيقة عليكم التأكد منها، وهذا ليس لأجلي يا رجال، بل لأجل أن أصنع منكم جنود لا يخشون إلا الله فقط."
مسح المعتصم وجهه يهمس بصوت حانق:
"لا إله إلا الله."
ابتسم أرسلان يحاول صبغ حديثه ببعض اللين يربت على كتف أحد الرجال بمؤازرة يكمل حديثه بصدق وقد أبصر اليأس والتردد في أعين البعض، بل والتراجع كذلك:
"انظروا حولكم في كل شارع وكل عين وكل جسد ستجدون وطن يقاوم، كلٌ يقاوم بطريقته، كلٌ يحاول لملمة شتاته ورأب صدوعه، اعطوهم فرصة الانهيار دون خوف من لحظة السقوط، أروهم أنهم حتى وإن انهاروا فسيكون هناك من يحمي ظهورهم لحين يتماسكون وينهضون مجددًا."
صمت يبصر انحناء رؤوس البعض منهم، منهم من فقد الكثير، ومنهم من يقاوم الفقد.
"أنتم أيضًا يحق لكم الإنهيار، يحق لكم لملمة شتات أنفسكم، لكن نحن رجال، يمكننا التحمل لحين نصل لشاطئ الأمان وحينها نمنح أنفسنا إشارة الانهيار، حينما نصل لليابسة، حينها فقط يمكننا أن نخر ارضًا ونتنفس الصعداء ونعطي لأرواحنا إشارة الانهيار."
ربت على كتف البعض منهم مبتسمًا بسمة مشجعة جعلت بسمة بعضهم ترتسم تلقائيًا:
"أنتم الآن لستم مجرد رجال تحيون لأجل قوت يومكم واسرتكم، بل أنتم رجال اصطفاكم الله لحماية ذويكم وأهالي مشكى، صغار وكبار ونساء، مسؤولية شعب بأكمله تقع على عاتقنا، تعبك وكل قطرة عرق تبذلها في سبيل حفظ روح مسلم، سيُكتب لك الله بها اجرًا، ربما اقسو عليكم في التدريبات وقد ييأس أحدكم من طريقتي في التعامل، لكن في المستقبل ستشكرونني على كل هذا."
ابتسم لهم بلطف، ثم تنهد يقول:
"يمكنكم أخذ راحة لتناول الطعام وتنفس الصعداء، ثم نعود لنكمل."
ختم حديثه يشير بكفه صوب مبنى الحراس ليهرول الجميع له بسرعة، تحت نظرات المعتصم المشفقة عليهم، يتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة.
استدار له أرسلان يتحرك بعيدًا صوب القصر:
"إذا كنت انهيت وردك اليومي من الاستغفار ألحق بي يا المعتصم."
ركض خلفه المعتصم بسرعة كبيرة يردد بجدية يتلو عليه كل ما جهزه حسب أوامره الأخيرة:
"لقد ارسلت لسفيد خطاب طلبت به على لسانك الاستعانة بمرشدي العالم الآخر الخاصين بهم."
توقف أرسلان يعظم فهم يستدير صوب المعتصم وكأنه غفل عن الأمر تمامًا:
"نستعين بهم لماذا ؟!"
حدق بهم المعتصم ثواني بتعجب:
"لإحضار الفتاة، ألم تقل أنك لن تستطيع الذهاب بنفسك لتحضر فتاة فاسدة لتكون كالشوكة في خاصرك، وأنك تفضل قضاء يوم بأكمله في غرفة مغلقة مع الملك إيفان على أن تقطع كل تلك المسافة لأجل امرأة ؟؟"
رفع أرسلان حاجبه:
"إذن ؟؟؟"
ابتسم له المعتصم بكل فخر مرددًا:
"وإذن أرسلت لمن يستطيع أن يحضرها دون أن تتكبد عناء ذلك بنفسك."
"أنا لم اطلب منك إحضارها."
"لكن هذه وصية الرجل لك مولاي، لا يمكنك أن تخلفها، اوصاك بابنته وأنا سأرسل في إحضارها."
رفع أرسلان حاجبه مستنكرًا كل ما يحدث حوله، هو ليس في مزاج يسمح له ليصبح مسؤولًا عن امرأة لا تجمعه به علاقة، ليس مستعدًا ليحيا بدور المسؤول خاصة في هذا الوقت:
"وكيف ستحضروها لهنا ؟!"
"الرجل الذي احضر الوصية سيصطحب صامد وصمود لها وهما سيتوليان مسؤولية إحضارها حتى بداية الغابة وحينها نرسل أحدهم ليحضرها لمشكى."
تشنجت ملامح أرسلان بقوة من كل ما يحدث حوله، يشعر بأن حياته تتعقد أكثر واكثر، ووجود هذه المرأة التي لا يعلم عنها سوى أنها ابنة رائف الذي يدين بحياته، يعكر ما تبقى من حياته الصافية.
مسح وجهه يهتف بضيق شديد:
"يا الله وكأن حياتي ينقصها مصائب، لنحضر لها واحدة إضافية."
"وما ادراك أنها مصيبة ؟؟ لربما كانت امرأة صالحة هادئة مسالمة كما زوجة القائد سالار، اعتقد أن زوجة القائد غيرت فكرتنا عن شعب العالم الآخر، اثق أنها ستكون امرأة جيدة لن تحتاج منك للكثير من المجهود لتأمين حياتها بمشكى."
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يبتسم بسمة واسعة ساخرة يتحرك صوب غرفة العرش ليجتمع بمستشاري البلاد:
"لا اعتقد أن حظي بمثل هذه المثالية يا المعتصم ......."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"صدقني الحياة ابسط مما تفعله، تقضي يومك بين جدران السجون فقط لأن زوجتك خانتك، فقررت التخلص منها وأصبحت سفاحًا عالميًا، بالله عليك ألم تمل هذه النمطية السائدة في سفاحي هذه الأيام، أعني أنت لم تأت بشيء جديد في عالم الإجرام."
تحرك الرجل بقوة لتزفر هي بضيق تسجل بعض الملحوظات أمامها مكملة حديثها وقد ابتعدت بالقدر الكافي لتتجنب مشكلة المرة السابقة:
"اسمع يا رجل أنا هنا لمساعدتك وسأفعل، فلست أنا من يستعصى عليّ مختل مثلك، لكل مختل طريقته المثلى في التعامل."
رفع الرجل نظراته لها لتبتسم له سول بلطف شديد مرددة:
"صدقني الحياة ابسط مما تتخيل، ماذا كان سيحدث لو أنك بصقت في وجه زوجتك، وأخذت ابنتك وهاجرت لريف ايطاليا بكل بساطة ؟! على الاقل ما كنا نجلس الآن نضيع وقتي ووقتك في هراء نعلم أنا وأنت أنه لن يفيد كلينا."
زفر الرجل بصوت مسموع، ثم نطق بنبرة خشنة بسبب كثرة شربه الكحوليات والتدخين:
"اغربي عن وجهي."
أعادت سول خصلات شعرها للخلف متنفسه بعنف، ثم رفعت عيونها له تقول بجدية:
"إذن ألا تشتاق لابنتك ؟؟ ألا تستحق صغيرتك أن تجاهد نفسك الامارة بالسوء وتصحح من حياتك المليئة بالقاذورات لأجلها ؟؟"
أخرج الرجل صوتًا عاليًا هز المكان حوله جاعلًا من سول تتراجع للخلف تضم المدونة لصدرها بخوف شديد، بينما الاخير يحاول الإفلات من قيوده ليحطم عظامها.
"اغربـــــــــي عــــــــن وجـــــــــــهــــــي ."
"صدقني هذا لن يفيد، نحن لن نصل لحلقة وصل بهذه الطريقة."
ضرب الرجل الطاولة بعنف جعلها تتحرك حتى كادت تسقط على سول التي لوت شفتيها ثواني تراقب غضبه الذي أخذ يطيح بكل ما حوله صارخًا بها أن ترحل وتتركه.
ألقت المدونة امامه بعنف، ثم تنفست بصوت مرتفع وهي تستند على الطاولة، قبل أن تنتفض عن مقعدها بعنف تسبب في سقوطه تنبطح بجسدها على الطاولة تجذب جسد الرجل لها بشر تهمس من بين أسنانها له وقد اتسعت عين الرجل بصدمة كبيرة وهي فقط نبست بفحيح:
"إذن لنبدأ من جديد، أنا سأجلس هنا كأي اخصائي تأهيل بارع، وأنت ستجلس على مقعدك كأي سجين حقير تستمع لكلماتي وتهز رأسك لي وكأنك اقتنعت بحديثي وقررت فجأة التوبة والعودة لرشدك، كأن كلماتي كانت كالسحر على مسامعك، اتفقنا."
ابتسم الرجل بسمة مختلة يهمس لها بصوت يقطر سمًا وقد أعجبه ما يحدث واعجبته سول وبشدة:
"وإلا..."
ابتسمت سول ثواني تطيل النظر في عيونه بشكل خطير قبل أن يقتحم أحد الرجال المكان مرددًا:
"انتهى وقتك دكتور سول ..."
تركته سول بقوة وقد ارتد جسده للخلف تعدل من وضعية ثيابها باهتمام، تهتف بكذب وداخلها تحمد ربها على حضور الشرطي في هذا الوقت:
"لتحمد ربك أن خلصك الشرطي مني."
حملت حقيبتها بسرعة كبيرة تركض للخارج دون كلمة تحت نظرات الجميع، وهي تشعر بأن الحياة دبت بجسدها مرة أخرى وقد خرجت حية من هذا المكان المرعب، مرحى يوم آخر تقضيه في هذه الحياة وحيدة.
جلست بالسيارة تتنفس بصوت مرتفع تستكين برأسها على المقود تفكر في العودة للمنزل اليوم وقضاء مسائها على الفراش تتناول الطعام وتلاعب موزي و......توقفت عن التفكير حين أبصرت الرواية الخيالية التي ألقتها داخل السيارة كي تمرر بها وقتها في محل الزهور.
"أوه، مرحبًا أرسلان بيجان، هل اشتقت لي ؟؟"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسير بين الجميع في أسواق العاصمة، يخفي نصف وجهه بالغطاء الذي اعتاد قديمًا التحرك به وقت وجود المنبوذين، يحرك رأسه مرحبًا بالجميع وعيونه تبتسم لهم من خلف اللثام، يبحث بعيونه عما جاء لأجله، يحاول إيجاد رجال يصلحون للانضمام إلى الجيش وإقناعهم بذلك.
وما بين جولاته في الأسواق بحثًا عما جاء لأجله، سمع اصواتًا عالية بعض الشيء جذبت انتباهه وانتباه الجميع، تحرك صوب الصوت ليبصر بعض الأطفال الذين يعرضون بضاعتهم بطريقة جذابة جعلت الجميع ينتبه لهم، ابتسم المعتصم وقد انبهر بطريقتهم في عرض البضاعة، تقف جوارهم والدتهم تراقبهم بسعادة.
ليقرر أن يكون هو أول زبون لهم يتحرك داخل الدائر يخرج بعض العملات الذهبية يضعها في الإناء أمامهم مرددًا بهدوء ونبرة حنونة:
"ضع لي بعضًا منها يا صغير."
ابتسم الطفل ببهجة حقيقية ينظر صوب والدته التي بدأت تعبأ بعض الحلوى المنزلية للرجل الكريم الذي دفع لأجلهم أكثر من ثمنها بكثير.
حمل المعتصم حقيبة الحلوى يتحرك بها بعيدًا بعدما أبصر البعض تقدم ليشتري كذلك من الصغار.
تحرك بعيدًا عنهم ينظر داخل حقيبة الحلوى التي يحملها، قبل أن يغلقها ويرفع عيونه للطريق مجددًا، لكن فجأة سقطت عيونه على جسد صغير يقف في إحدى الزوايا يراقبه بانبهار شديد، أو ربما هذا ما ظنه هو، فأعين الفتاة الواسعة ذات الرموش الكثيفة جعلته ينظر حوله بحثًا عن ذلك الشيء الذي أثار انتباهها لدرجة مراقبته بهذا الاهتمام.
ليكتشف المعتصم أنه كان هو هذا الشيء.
رفع حاجبه يعود ببصره مجددًا صوب الفتاة التي كانت تخفي جسدها خلف الحائط وتخفي وجهها خلف لثام اسود اللون رث بعض الشيء، يشير لنفسه متحدثًا بعدم فهم:
"هل تحدقين بي ؟؟"
رمشت الفتاة بسرعة كبيرة وهي ما تزال تنظر له، قبل أن تتحرك عيونها ببطء بعيدًا عن عيونه، تثبتها على حقيبة الحلوى، ليدرك المعتصم ما ترمي إليه، ابتسم بسمة لطيفة لها يرفع حقيبة الحلوى مرددًا بهدوء:
"تريدين القليل ؟!"
أطالت النظر به ثواني قبل أن تقرر هز رأسها في إشارة لنعم، فاتسعت ابتسامة المعتصم يشير لها بالتقدم:
"هيا يا صغيرة تعالي وخذي البعض لاجلك .."
نظرت له الفتاة بخجل شديد، ثم حركت عيونها حولها وكأنها تبحث عن شيء ضائع، ليقرر المعتصم أن يتقدم هو ويكسر خجلها ذلك، وبالفعل تحرك صوبها يراقبها بحنان وما كاد يمد لها الحقيبة:
"هيا خــ ..."
وقبل إتمام جملته اختطفت الفتاة الحقيبة منه وركضت بسرعة كبيرة وكأنها تبخرت تحت أعين المعتصم الذي استدار ينظر حوله بصدمة كبيرة يحاول فهم ما حدث منذ ثواني، نظر ليده الممتدة في الهواء وكأنه يبحث عن حقيبة الحلوى، يقسم أنها كانت بين أنامله منذ ثواني.
مهلًا هل كان يحمل حقيبة حلوى من الأساس أم أن كثرة مصاحبته لارسلان تسببت في تدهور حالته العقلية ؟!
ما الذي حدث للتو؟؟ سرق بواسطة طفلة صغيرة ؟؟ تحركت اقدام المعتصم بسرعة كبيرة جهة الطريق الذي سلكته الصغيرة:
"مرحى فتاة صغيرة تسرقني، في مثل هذا العمر وبعد كل تلك الاعوام من التعامل مع أخطر الرجال دون أن أخرج بخدش واحد، أتلقى صفعة كهذه ؟؟"
زاد من سرعة اقدامه خلفها يبحث عن ذلك الشبح الذي حمل حلواه واختفى بين الطرقات، دار حول نفسه دقائق عديدة لا يدري أين يتحرك أو أين يبحث ؟ فجأة توقفت أقدامه حين سمع صوتًا رقيقًا يتحدث بنبرة منخفضة، ضيق ما بين حاجبيه يتحرك صوب الصوت، الصوت يقترب كلما ضاقت الطرقات، حتى وصل المعتصم لأحد الأزقة الضيقة يبصر جسدًا صغيرًا في أحد الاركن يجلس ارضًا أمام هرة صغيرة تقدم لها حلواه مرددة بنبرة حنونة:
"انظري بوبي أحضرت لكِ ولصغاركِ بعض الحلوى، فأنتِ من البارحة لم تتناولي طعامك وهذا سيئ للغاية أنتِ في فترة نفاس يا امرأة عليكِ الاهتمام بصحتك اكثر."
تشنجت ملامح المعتصم يردد بإستنكار وهو ينظر حوله بعدم فهم:
"فترة نفاس ؟؟"
بينما يبدو أن الصغيرة لم تكن تهتم بكل ما يدور حولها بقدر اهتمامها بلعب دورها كممرضة ماهرة لبوبي التي خرجت من ولادة متعسرة فجر اليوم السابق، لكن يبدو أن تلك الحالة الإنسانية اللطيفة لم تلق صداها لدي المعتصم الذي تحرك صوبها يميل برأسه يناظرها باستنكار شديد ينتظر أن تنتبه ربما له وتستحي مما فعلته به، لكن يبدو أن حالة بوبي كانت شديدة الخطورة لدرجة أنها لم تنتبه لذلك الرجل الذي جلس ارضًا جوارها يرمقها بإستنكار وترقب لذرة اهتمام تعطيه قدره ومكانته التي تنافسه عليها قطة خرجت من عملية ولادة متعسرة.
ثواني انتهت بها فاطمة من حديثها مع القطة وهي تتنفس بحرية تنزع عنها غطاء الوجه، تجفف قطرات عرقها تستدير ببطء مبتسمة بسمة صافية واسعة:
"صغارك في غاية ال......"
ولم تكمل جملتها بسبب الصرخة التي صدحت في المكان متراجعة للخلف بسرعة كبيرة زاحفة، بينما المعتصم والذي كان يجلس القرفصاء بالقرب منها دون انتباه يحدق بها بنظرات مخيفة جعلتها تزحف برعب أكثر تحاول التحكم في ضربات قلبها، ابتلعت ريقها تمد يدها بسرعة صوب القطة تنتزع حقيبة الحلوى تمدها له مجددا:
"- أنا اسفة."
نظر المعتصم صوب يدها قبل أن يتحرك مجددا لوجهها يطيل النظر به ثواني معدودة، ثواني قليلة تاه في ملامحها الصغيرة يحدق بها بنظرات غريبة جعلتها ترتجف وهي تعود للخلف تحاول التحكم في تنفسها، أما عنه هو فبمجرد إدراكه ما يفعل ابعد عيونه عنها بسرعة مستنكرًا أن تخرج هذه التصرفات من مجرد فتاة بملامح بريئة كمربية القطط هذه، تحركت نظراته صوب القطط يتحدث بصوت هادئ لا يشي بإنفعالاته الداخلية:
"ألأ تشفقين على بوبي أن تطعم صغارها حلوى مسروقة ؟؟"
نظرت فاطمة حولها تحاول إيجاد مخرج لها من بين قيده الذي فرضه، وبمجرد أن ان ابصرت ضوء أمل ومنفذ للنجاة منه، زحفت ببطء إليه وهي ما تزال تحدق بعيونه وكأنها تحاول تشتيته بنظراتها، تستغل انشغاله بالنظر صوب القطط، تزحف بشكل مضحك صوب الجزء الفارغ جواره تركض خارج الزقاق.
كل هذا والمعتصم فقط يحدق بالقطط متلاشيًا النظر لوجهها مجددا تكفيه نظرة واحدة دون إرادة منه، ابتسم بسخرية يبصر محاولتها الغبية للهرب بعيدًا:
"حقًا؟ هل تمزحين معي يا فتاة ؟؟"
استدار ببطء صوبها يرفع عيونه صوبها مجددًا مع نظرة مرعبة زاجزة جعلتها تتراجع مكانها تجلس كطفل مذنب تضم يديها بين قدميها وقد امتلئت عيونها بدموع الخوف تهمس بصوت منخفض:
"كنت فقط أود اطعام بوبي."
"- بالسرقة ؟؟"
"- لم افعل."
"- بلى فعلتي."
خرجت جملته الاخيرة حادة قوية بشكل جعلها تنتفض باكية تدافع عن نفسها:
"أنت من أتيت لي واعطيتني الحــ....."
"- اياكِ والكذب يا فتاة لا ينقصك حمل ذنب اخر، يكفيك السرقة."
بُهتت ملامح فاطمة تفتح فمها بصدمة تحدق في وجهه والذي كان لا يظهر منه سوى أعين تردد ببلاهة:
"ذنب ؟؟"
"- وماذا تسمين السرقة يا ترى إن لم تكن ذنب ؟؟"
"- أنا ... أنا لم ....انت لست ...... "
تابعها المعتصم بشفقة على ملامحها التي شحبت رغم كل الاوساخ التي تحيط ملامحها وتخفي ملامحها، لكن كانت دموعها وارتجاف شفتيها كافيًا، تنهد يتحدث بلين دون أن ينظر لها يجلس القرفصاء، بينما هي تضم نفسها في أحد أركان الجدران:
"اسمعي يا فتاة رغبتك في عمل الخير لا يجب أن تقترن بسوء كي لا يضيع اجرك، فلا يمكنك السرقة لإطعام القطط، حسنا ؟؟"
هزت رأسها بسرعة ليبتسم هو ويتحرك بعيدًا عن الطريق يفتح أمام عيونها أبواب الحرية لتخرج من مصيدة ذلك الرجل ذو الجسد الطويل، لكن وقبل التحرك منحت فاطمة نفسها إشارة خضراء لتتأمله، ثواني قبل أن تبعد بعيونها عنه تتحرك بعيدًا تمسح دموعها تهرول، لكن اوقفها هو بسرعة كبيرة:
"انتظري."
توقفت بقلق دون أن تستدير مخافة أن يرمقها بنفس النظرة المخيفة مجددًا وهو فقط أقترب منها يمد يده لها بحقيبة الحلوى مرددا بلين وشفقة من خوفها ذاك:
"تفضلي هذه حلواكِ لا اعتقد أن بوبي احبتها."
رفعت عيونها الدامعة لوجهه فابعد هو عيونه عن خاصتها يتنحنح بصوت خشن:
"هي لكِ آنستي ...."
"- فاطمة."
تعجب المعتصم كلمتها لتسحب هي الحلوى من بين أنامله مرددة بصوت خافت ضعيف:
"اسمي فاطمة نادني به لأنني أحبه."
ختمت حديثها تلقي له نظرة أخيرة تتساءل بفضول كبير:
"ما اسمك ؟؟"
تعجب المعتصم حديثها، مسح جوار عيونه وكأنه يخفي الشيء الوحيد الظاهر منه عنها يردد بصوت خرج خافتًا:
"المعتصم بالله، اسمى المعتصم بالله."
منحته بسمة صغيرة جعلته يحدق بها طويلًا دون شعور:
"شكرا يا المعتصم، أنت حقًا لطيف."
تعجب المعتصم كلماتها ولم يكد يستفسر عما تقصد، إذ وجدها تخرج من حقيبة حلواه قطعة تمنحه إياها ببسمة صغيرة ليفتح هو يده دون شعور منها يتلقى عطياها وكرمها بطيب خاطر وهي فقط ابتسمت له.
تلك الصغيرة لا تدرك أنها كانت المرأة الوحيدة بعد والدته التي تقرر منحه شيئًا ما أو تحدثه هكذا بكل بساطة، بل تبتسم له بلطف كما كانت تفعل مع قططها منذ ثواني، مهلًا هل تفعل ذلك مع الجميع ؟؟
وهي لم تكن تدري عن تلك الافكار أو الصراعات التي تدور برأسه، هي فقط منحته حلوى وتحركت.
وهكذا بكل بساطة أخذت المتبقي من حلواه وتعقله ورحلت .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أخبروني أنكِ طلبتي لقائي عزيزتي."
ختم كلماته يتحرك صوبها يميل عليها ليضع قبلته على وجنتها وهي فقط جامدة دون أن تأتي بحركة واحدة، ابتعد يتجاهل جمودها ذلك فهو في العادة لا يهتم لكل هذا.
"كيف حال الملك بارق اليوم ؟!"
رمته بنظرة هادئة، قبل أن تبتسم بسمة لطيفة رقيقة تقترب منه بخطوات مدروسة جعلت عيونه تشتعل ينتظر قربها بلهفة، وقد كان.
مدت توبة يدها تستقر بها على كتفه تتحسسها برفق، ثم تحركت يدها تضم وجهه مرددة بصوت هامس خرج كسيمفونية عذبة لعازف محترف مخضرم:
"منذ متى وأصبحت ملكًا لسبز أنمار ؟؟"
اتسعت عيون أنمار من كلماتها، يحدق في وجهها وملامحها الهادئة بشكل غريب وهو يدرك أن زوجته التي يعلمها تمام العلم ليست بمثل هذه الوداعة وهذا الهدوء عادة:
"عزيزتي أنا...."
"أنت ماذا عزيزي ؟!"
ابتلع ريقه يحاول إيجاد مبرر يدرك أن الخبر وصل لها عن طريق أرسلان لا غيره، وعلى ذكر أرسلان اتسعت عيونه فجأة وكأنه أدرك الموضع الذي سيقلب به الطاولة:
"من أخبرك هذا الهراء ؟! نفسه أرسلان صحيح ؟!"
تراجعت للخلف ترمقه بنظرات مشتعلة:
"هل نتحدث هنا عمن اخبرني، أو عما أخبرني به ؟؟ هل أخبرت الجميع في القصر أنك ملك سبز الجديد ووالدي ما يزال حي يرزق ؟؟ هل جننت أنمار ؟!"
كانت صرخات توبة ترتفع شيئًا فشيء حتى بدأت ترن في الأرجاء بشكل مرعب وقد اشتد احمرار وجهها وعيونها، لكن سيكون ملعونًا إن سمح لها بقيادة الجدال:
"هل اغضبك أنني اتولى أمر البلاد واتحمل هذه المسؤولية الكبيرة بدلًا عن والدك المريض، أم ...."
ترك كلماته معلقة قبل أن يبتسم بشكل خبيث مرددًا بخفوت وهو يقترب منها يضم وجهها له:
"أم يغضبك رؤية حبيب قلبك بعد كل هذه السنوات دون قدرتك على الارتماء بين أحضانه والتعبير عن اشتياقــ"
صمت رهيب حل بعد هذه الكلمات الغير مكتملة، صمت بدأه صفعة حطت على وجهه ونهاه صرخة انفجرت وصوت توبة رنّ في المكان بأكمله وقد جنّ جنونها تتحدث بملامح مشمئزة محتقرة:
"أصــــــــــــــــمــــت."
اتسعت أعين انمار بصدمة كبيرة وقد كانت هذه المرة الأولى التي يصدر عن زوجته الرقيقة الراقية تصرف كهذا، بينما توبة كانت كمن تلبسها شيطان تصرخ في وجهه بجنون وصوت مرتفع لم تهتم حتى لو وصل لغيرهم خارج جدران الجناح الخاص بهم:
"لا تجرئن على رميي بالباطل كي لا انسى مكانتك هنا واحرقك حيًا يا عديم الرجولة، تتجرأ وتقذفني بمثل هذه الصفات وأنا زوجتك؟؟ أنا الأميرة توبة أميرة سبز، يتجرأ عليها رجل ...."
صمتت ولم تخرج السبة التي وقفت على أطراف شفتيها تصارع للخروج، ابتلعت ريقها تحت نظرات أنمار التي ما تزال مصعوقة مما يحدث، لا يسمع من حديثها شيئًا وصوت الصفعة ما يزال يتردد في أذنه.
"إن كنت تنظر لي بهذه الطريقة فلا يشرفني البقاء على اسمك ليوم واحد أنمار، ستطلقني إن كنت ترمقني بمثل تلك النظرات، أنا امرأة شريفة لم يسبق وأن خنت نفسي قبل خيانتك وليشهد الله أنه وطوال أعوام زواجي بك لم أحط من قدري وافكر برجل آخر غيرك، أنت...."
صمتت تتنفس بعنف شديد، ثم رفعت عيونها له تقول بغضب وقد كانت نفسها مشحونة بالاستياء وكل شيء يضغط على أعصابها في تلك اللحظة:
"أبي حي يرزق، ملك سبز ما يزال حيًا لتعلن نفسك ملكًا أنمار، إياك والتجرأ على مكانة أبي، وإلا لن تجد أمامك غيري ليقف في وجهك، التزم بحدود مكانتك المحدودة كنائب عنه و...عني."
ختمت حديثه تراقبه بصمت وهو ما يزال صامتًا بشكل خطير لا شيء يتحرك به سوى صدره الذي كان يصعد ويهبط بقوة دليلًا على شدة غضبه.
تراجعت توبة تتحرك صوب خزانتها تخرج منها ثيابها، ثم نبست بصوت خافت دون أن تكلف نفسها عناء الاستدارة صوبه:
"أنت لن تلغي شيئًا سبق واعطى والدي كلمته بها، اعتقد أنك تدرك ما أعني أنمار.."
ختمت حديثها تدخل المرحاض، تاركة خلفها مراجل تغلي بالغضب والحقد، يضغط على قبضته بجنون حتى كاد يحطمها يراقب المرحاض بأعين مرعبة، ولم تصدر عنه ردة فعل على ما حدث سوى بسمة صغيرة لا معنى لها.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح جديد بعد مرور ثلاثة اسابيع لها مع الصغير أرسلان بيجان بطل الرواية الخيالية التي تركها لها والدها كي تؤنس وحدتها.
فترة طويلة تقضيها في قراءة مغامرات طفل، طفل مريب غريب و...عجيب.
تركت سول الكتاب من بين أناملها ناقمة حين وصل لنهايته ولم تُستكمل القصة، أين باقيتها؟؟ ما الذي حدث لارسلان وما مصيره حينما ينضج، لما توقف القصة عند عمر ست سنوات فقط ؟؟
"ربما هناك جزء ثاني منها ؟!"
وعند هذه الفكرة اندفعت سول بسرعة تجذب حاسوبها المحمول تضعه على قدمها تبحث به بسرعة كبيرة عن اسم الكتاب الذي كانت تقرأه، تبحث عن كاتبه وعن اجزاءه، لكن النتيجة كانت ...
"لا شيء ؟!"
حقًا ؟؟ لا بد أن هناك انسان ما كتب هذه الرواية، كيف يعقل أن لا اخبار عنها ؟؟
زفرت بضيق ولم تكد تستكمل بحثها، حتى سمعت صوت موزي يصدر ضجيجًا في الخارج، نفخت بصوت عالٍ تصرخ بنبرة مسموعة:
"موزي توقف عن كل هذا، أنا لست في ....."
ثواني فقط حتى اتسعت عيونها بقوة تنتفض عن الفراش راكضة للخارج بشكل جنوني جعلها تسقط مرات عديدة في طريقها، بحثت دون هداية عن ذلك القرد حتى ابصرته يجلس على نافذة البهو يراقب المارة وهو يحمل بعض الفاكهة يتناول قضمة، ثم يلقي باقيتها على المارة لترتفع اصوات السبات والصراخ في الاسفل، وقد زاد هذا حماس موزي ليسارع ويحضر باقية الفاكهة ويكمل استمتاعه اليومي.
كل ذلك تحت أنظار سول المتشنجة:
"وأنا من كنت أتعجب نظرات الجيران الكارهة لي كل يوم ؟!"
صرخت بصوت مرتفع باسمه تندفع صوبه تجذبه من سترته الصغيرة التي يرتديها طوال الوقت ترفعه منها صارخة:
"أنت أيها القرد الحقير، ما الذي تفعله ؟؟ هل تحاول أن تدفعني لحافة الإفلاس ؟؟"
أصدر موزي اصواتًا مزعجة وهو يحاول الإفلات من قبضته أو خلع سترته حتى، لتجذبه هي أكثر مرددا بجنون:
"احضرتك من الملجأ وآويتك في منزلي أيها المتشرد واحضرت لك من الفواكه ما تشتهي الأنفس."
دارت بعيونها عليه تقول بصوت خافت حاد:
"حتى أنني دفعت كل ما املك في جيبي ذات شهر فقط لاشتري لك سترة القرد عبود عسى أن تسر قلبي وتصبح مثله، لكن لا أنت مصر أن تكون حقيرًا كبغباء جعفر، خيبت ظني يا سيد."
تململ موزي بين قبضتها وهي فقط تنفست تتذكر ما خرجت لأجله:
"على كلٍ ليست وقت محاسبتك الآن فأنا سألقي بك في الطرقات على أية حال، أخبرني قبل تشريدك اولًا موزي أين وجدت تلك الرواية ومن اخبرك عن مكان المقطع المسجل لأبي ؟؟"
رمقها القرد دون فهم، كان يحاول فقط الإفلات منها، لكنها سحبته معها داخل الغرفة تشير صوب الكتاب الذي أعطاه لها:
"هذا أين وجدته ؟!"
أصدر القرد أصواتًا مزعجة يحاول الفرار منها، لكن هيهات، رفعته أمام عيونها بإصرار، تأبى البقاء وحيدة بعدما اعتادت الحياة بين صفحات هذا الكتاب، لم تكتفي بعد مما قرأت، لم ترضي فصولها تجاه ذلك الإرسلان المريب.
"تحدث أين وجدته، هل تعلم أين هو الجزء الثاني منه ؟؟ هل تعلم عن أرسلان ذاكة؟! اعترف أيها الاجرب."
نظر لها القرد ببلاهة لتشعر هي بغباء شديد، كثرة تعاملها مع المختلفين سيجعلها واحدة منهم.
ألقت القرد على الفراش بحنق تحاول أن تخرج من تلك الحالة التي تلبستها، والشكر لله أن هناك انسان على هذه الأرض تذكرها ليأتي ويرن جرس منزلها في هذه اللحظة التي كانت في أمس الحاجة لمشاركتها مع بشري يصرف انتباهها عن التفكير في كل ما يحدث حولها.
تحركت صوب الباب بسرعة تفتحه بلهفة تبصر خالد يتوسطه، ادعت الحنق وهي تردد:
"ما الذي تريده خالد ألم اخبرك قبلًا ألا تأتي، فأنا لم اسامحك بعد على ما فعلته معي و....."
توقفت عن الحديث حين أبصرت أمامها صديق والدها
رواية اسد مشكي الفصل الثالث 3 - بقلم رحمه نبيل
خائن...حقير ...قذر.
صفات كانت أبسط ما وقع على مسامعه وهو يتحرك في الممر، يرفع رأسه دون أن يخفضها لحظة واحدة، يأبى أن يذل ذاته حتى ولو كان مخطئًا. يديه مقيدة أمامه، يسير بخطوات متزنة دون أن يمنحهم رفاهية الشفقة عليه.
ابتسم بسمة ساخرة، يحرك رأسه للرجال في تحية صامتة، لكن كل ما تلقاه منهم كانت نظرات مستحقرة.
لم يهتم وأكمل سيره حتى وصل لباب القاعة الكبرى، والذي فُتح أمامه بكل سهولة ويسر كما كان يحدث سابقًا، لكن الفرق أنه سابقًا كان يُفتح له احترامًا، والآن يُفتح له لأنه مقيد.
دفعه أحد الجنود للداخل، وهو فقط تحرك دون اهتمام، يسير بكل هدوء حتى توقف في منتصف القاعة أمام الجميع.
يسمع صوت الحاجب يردد:
_ الخائن نزار مولاي.
ابتسم نزار بسمة صغيرة رغم القهر الذي يملأ صدره والنيران التي كانت تموج بنفسه. ابتلع مرارة عالقة في حلقه، يردد بصوت خافت:
_ شكرًا لك.
رفع رأسه بهدوء وشفتيه ترتجف، يقاوم وبصعوبة رغبته العنيفة في الارتماء أسفل أقدام والده والبكاء بحسرة:
_ مولاي...
تماسك آزار بصعوبة، وقد شعر بصدره ينتفض حين أبصر ملامح صغيره التي كانت تنضج يومًا بعد يوم أمامه. أبعد وجهه عنه رافضًا أن يطيل النظر في وجهه، ووالله كان هذا أكبر عقاب يتلقاه نزار منذ ما حدث.
أسابيع قضاها في الظلام ليدرك أن ظلام نفسه كان أحلك مما عاش به، أين كان عقله وهو يسلم نفسه للشيطان.
سقطت دمعة منه ليمحوها سريعًا، يردد بصوت خافت:
_ أخبروني أنك استدعيتني لأمر عاجل.
تحدث آزار يحاول ألا ينظر داخل عيون وليده، مرددًا بصوت قوي حاول صبغه بحدة:
_ نعم، زوجتك تطالبك بالحرية، فهي لن تقضي المتبقي من عمرها جوار سجين لأجل خيانة بلاده ووالده وقبلهم دينه وضميره.
رفع نزار عيونه له بصدمة، واستدار صوب الجهة التي كان والده ينظر لها، ليجدها تقف هناك بملامح شبه منهارة شاحبة، ليدرك أنها قضت الساعات السابقة تبكي.
ابتسم بسمة مكسورة، يهتف بصوت خافت:
_ زهور؟؟
رفعت عيونها الحمراء له ثواني، قبل أن تبعدها صوب آزار، تردد بوجع:
_ مولاي ارجوك، خلصني منه.
ابتسم نزار بسمة موجوعة، يبعد عيونه عنها يحاول التماسك، بينما والده تنفس بعنف يقول بصوت رن في المكان أمامه:
_ زوجتك لجأت لي كي اخلصها من قيدها، حررها واتركها تحيا بسلام مع رجل يستحقها و.....
انطلقت ضحكة نزار الصاخبة تقطع حديث والده، ضحكة موجوعة سرعان ما انقلبت لشهقات مكبوتة. يسقط على ركبتيه أمامه يتحدث بصوت من ينازع موته دون أن تسقط له دمعة واحدة:
_ لا بأس هي تريد حريتها، أنا كذلك اطالبك بتحريري، ارجوك فقط خلصني من كل هذا مولاي، فقط أصدر حكمك وجز عنقي، أم أنك لم تكتفي من ذلي وتعذيبي؟ شهور... شهور لا تكفي ولا تطفئ نيرانك أبي؟
كان يتحدث بصوت صارخ حاد جعل البعض يتحفز بشكل خطير مخافة أن يجن جنونه ويهجم عليهم. فرغم أن نزار كان يعرف سابقًا بأنه لا ينافس والده قوة أو تجبرًا، إلا أن غضبه كان مؤذيًا وسامًا. ذلك الطبيب الخبيث الذي كان يمكنه فعل كل شيء بأعشابه وعقله قبل يده، كان الجميع يخشى غضبه. وقد ظهرت بعض الإشاعات أنه قد يقتلك بشربة ماء دون أن تشعر. إشاعات وأقاويل كان ينفيها نزار بلطفه وحلمه المعهود وطيبته، لكن الآن وقد انكشفت اللعبة، أصبح الجميع يدرك أي نوع من الأشخاص كان.
_ ألا يكفيكم ما فعلتم بي؟ فقط أصدر حكمًا، حكمٌ واحدٌ سيريحنا جميعًا، اخبرهم أن يجزوا عنقي ولننتهي من كل هذا.
طالت نظرات آزار له وقلبه يوجعه لما يرى أمامه، لكنه لم يحد عما جاء به لأجله. يردد بكل هدوء:
_ طلقها... طلق المرأة ودعها تجد من يقدرها ويحفظها.
رفع نزار عيونه له بصدمة. لم يتأثر أو يهتم بانهياره، ابتسم بملامح متألمة، ينهض بهدوء من مجلسه، يتحرك صوب زوجته التي تراجعت للخلف برعب، ليمنحها بسمة صغيرة. يميل عليها وهي ارتجفت في موضعها تأبى الابتعاد فيجن ويقتلها.
أما هو مال عليها يقبل رأسها بهدوء، ثم ابتعد يهتف:
_ أنتِ طالق زهور، اذهبي وجدي من يقدرك زوجتي العزيزة.
ختم حديثه، ثم نظر صوب والده الذي كان يتألم على ما يرى. ولده يحصد ما زرعه طوال سنواته السابقة، ورغم أن ما يحدث نتاج أفعاله، لكنه والله لا يتحمل رؤيته منكسرًا بهذا الشكل.
ابتلع ريقه يراقب نزار يتحرك لمنتصف القاعة، ثم مال بنصف جسده باحترام مبتسمًا بقهر:
_ طلباتك أوامر مولاي، والآن اخبرهم أن يعيدوني لمحبسي؛ كي لا تعتاد رئتي كل هذا الهواء النقي، ومن ثم تتذمر على رائحة العفن والرطوبة في السجون. لقد أخذ مني الأمر وقت طويل لتتأقلم على الحياة القذرة في الأسفل.
ختم حديثه يقول بهدوء:
_ والآن اسمحوا لي يا سادة.
تبع حديثه بحركة من يديه المقيدة، يتحرك صوب خارج القاعة مع الحراس الذي تلقوا أمر آزار الصامت يسحبونه لمحبسه، حيث ركنه الآمن بعيدًا عن الأعين المحتقرة والمتشفية.
سار بينهم مقيدًا وعقله يعيد عليه كل ما مر به، يشعر أن روحه تطوف بين الحياة والموت، لا هو يتمتع بلذة الحياة، ولا جرب طعم الموت. هو معلق ما بين هذا وذاك، يتلقى عقابه بصمت ورضى، لربما إن فعل تُقبل توبته.
***
يقف أمام جيشه يبصر أبواب سبز المغلقة في وجهه لأول مرة. رفع يده يمنع أحدهم التقدم خطوة مخافة أن يصدروا أصواتًا يروعوا بها آمنين:
_ أود الحديث بكل هدوء مع ذلك الوسخ الذي يدّعي المُلك عليكم يا رجال.
علت الشهقات بين جميع الجنود، حتى جنود أرسلان نفسهم لم يصدقوا أنه قد يلقي بمسبة كهذه على شخص ما ذو مقامٍ رفيع كالملك أو غيره.
لكن غضب أرسلان كان أقوى من كل اعتبارات ولباقات في هذه اللحظة. غضبه ولولا علمه بأن شعب سبز ليس له يد في تصرفات حقيرٍ يقودهم، لكان أحال البلاد لرماد على رؤوس من بها. لولا علمه أن هناك كبار وعجائز آمنين بالداخل لاقتحم سبز وأحالها لرماد، لكنه لا يريد أن يرى انعكاس لمشكى في أعين سبز لذا أعاد كلماته بصوت جهوري:
_ حدود مشكى محرمة على كل وسخ تسول له نفسه بأن يطئها، تلك البلاد التي رواها رجال بدمائهم الطاهرة ما كان لها أن تستقبل أجساد بنجاسة ملككم المزعوم، لذا إما أن يخرج ليتحدث معي رجل لرجلٍ، أو ادخل أنا واجعله حديث رجل لبقايا رجل.
كان جميع جنود الحدود على أراضي سبز في حالة هلع مما يحدث، لا أحد يدري ما الذي يجب أن يحدث، لا أحد يوافق ما فعله أنمار، لكن أنى لهم الاعتراض وجميع أوامره تخرج بختم الملك الرسمي؟
تقدم قائدهم من السور يردف بصوت مرتفع واحترام شديد لأرسلان:
_ جلالة الملك، وجودك في سبز شرف لنا، لكن ليس وأنت مسلح بجيشك، إن جئت كضيفٍ حملناك فوق الرؤوس، أما إن كان وجودك كمعتدٍ، فعذرًا سبز ليست ساحة حرب لاستقبالك وجيشك.
اشتعلت أعين أرسلان وارتسمت بسمة جانبية أعلى فمه، يرفع رأسه له يردد بجدية وصوت جهوري:
_ ما عاذ الله أن نكون معتدين، والله ما قدّمنا سوءًا يومًا، وما كانت مشكى يومًا معتدية على غيرها من البلاد، نحن لا نهجم، نحن فقط ندافع، وما تراه الآن دفاع عن أرضنا التي استحلها ملكك صبيحة اليوم ونصب بها حدود جديدة وكأنها بلاد والده.
صمت ثم رفع عيونه يردد بنبرة خشنة حادة قوية:
_ والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن هناك أطفال وشيوخ ونساء أخشى ترويعهم، ولولا أنني أكثر من يعلم ما قد يفعله اقتحامي بهم، لما كانت أسواركم الوهمية هذه تمنعني من الدخول وتلقين ذلك الـ...
صمت ولم يكمل كلمته، ثم قال بهدوء وبسمة مريعة:
_ سأترك لخيالكم عنان تخيل ما قد أصف به ملككم.
_ لطالما كنت حاد اللسان، لا يمت حديثك لللباقة بصلة أرسلان، فلا عجب أن تتطاول على ملكٍ بالسب، فمنذ متى كنت لبقًا راقيًا، أنت طوال حياتك بذئ اللسان، لا يليق بك أن تكون ملك البتة.
كانت تلك كلمات أنمار الذي وصل للتو بعدما علم ما سيحدث، وصل يسابق الريح ليشاهد ويمتع عيونه بما سيفعل أرسلان، يمني نفسه بمشهد يريحه في لياليه التي يجافيه بها النوم حين تذكر ما فعله معه.
ابتسم أرسلان بسمة غريبة متحدثًا بهدوء مريب:
_ عجبًا، هذا الإرسلان الذي تتحدث أنت عنه لا يخرج سوى للأوساخ عديمي الرجولة فقط، أتعجب أنه ظهر لك، بل وتحفظه كما لو أنك لم تتعامل سوى مع هذه النسخة فقط مني، رغم أنني امتلك داخلي أرسلان حنون رقيق القلب عذب اللسان.
ختم حديثه، يضع يده جهة صدره وقد رسم نظرات وداعة ولطف على وجهه، يكمل بكل براءة وبسمة خبيثة:
_ لمَ يا ترى ظهر لك؟
صدرت ضحكة قوية من أحد الرجال الذي يتبعون أرسلان في الخلف، كبتها الرجل بسرعة كبيرة وقد كادت عيونه تدمع من نظرات الجميع المذهولة صوب أرسلان، ليستاء الأخير منه مرددًا بتقريع مصطنع:
_ عيب يا بني ما تفعله، الآن ستجعل أنمار يقذف جميع رجالي بالباطل وأننا لا نمتلك من اللباقة ما يكفي لنتحدث معه.
شعر أنمار بالنيران تكاد تحرق الجميع حوله وأولهم رجال سبز الذين يكبتون ضحكاتهم بصعوبة، هاتفًا بصوت حاد:
_ هل أهنتني للتو أرسلان؟
_ والله لم أفعل يا عزيزي، أنا فقط كنت أحلل لك شخصيتي التي تقذفها بالباطل، وكون أن جميع الصفات التي ذكرتها تنطبق عليك، ليس خطئي، ثم ليس لأنني تواضعت معك ومررت لك مناداتك باسمي مجردًا بعض المرات تزيدها وتحدثني كما لو أننا رفاق أو بنفس المقام. أنا الملك أرسلان بيجان ملك مشكى، وأنت أنمار الـ... أنمار.
صمت وكأنه لا يجد له لقبًا يضعه خلف اسمه، مبتسمًا باستهانة جعلت أنمار يتحدث بنبرة جليدية يستند على سور جدار سبز متحدثًا بنبرة مرتفعة كي يسمعها الجميع:
_ وهذا سيكون كافيًا للرد عليك ملك أرسلان، هذا الانمار سيرد لك اهانتك هذه وتعديك على أراضيّ ويلات، صدقني لن يعجبك غضبي.
نفخ أرسلان بصوت مرتفع يرتجف وهو يراقب أنمار من الأسفل:
_ أوف يا منجي من غضب أنمار يا الله، ليحمنا الله يا رجال.
_ استمر بالسخرية، فلا تمتلك ردًا سواها.
_ بل هي وسيلة جيدة لأشتت أرسلان القذر داخلي كي لا يتناسى كل أساليب اللباقة التي تربى عليها، فلا سبز ولا شعبها ولا الملك بارق يستحقون مني ما أفكر به في هذه اللحظة، لذا لا تستفز بقايا ذرات صبري وتمتحن أخلاقي.
صمت يتنفس بعنف وقد بدأ صدره يعلو ويهبط بقوة كبيرة، يشعر برغبة عارمة في التحرك وتحطيم جمجمة أنمار:
_ أخبر رجالك بالانسحاب من مشكى وترك حدودها وشأنها، ولتحمد ربك أنني كنت من اللباقة التي تجعلني آتيك بنفسي وأعاملك كما البشر وأتحدث إليك بدلًا من أن أسأل دمائهم على حدود مشكى التي أجاروا عليها، فمشكى شربت قبلًا الكثير من الدماء ولا مانع إن امتصت المزيد، وحذاري غضبي أنمار، فذلك الوقح الذي عددت صفاته منذ ثواني هو تلميذ مبتدأ لما أخفيه داخلي، فلا تجعلني أخرجه خصيصًا لأجلك، لا تجبرني على تلويث يدي بدماء مسلم.
ختم حديث، ينظر حوله لجيشه، ثم قال بصوت جهوري:
_ لديك مهلة سبع ساعات لتسحب رجالك من حدود مشكى، وإلا أعدتهم لك في أكفانهم.
_ هذه ليست حدود مشكى، بل حدود سبز التي جار عليها والدك قديمًا، ولأن الملك بارق كان يخشى الحروب صمت ولم يتحدث، لكن عصر الانبطاح لكم انتهى وأنا من...
_ صدقني كلمة إضافية وسأريك كيف يكون الانبطاح، لا تجبرني على التقليل من صورتك أكثر أمام الرجال، اصمت ونفذ ما قلته بالحسنى، كما أخبرتك سبع ساعات، أعتقد أنهم كافيين لرحلة ذهاب وعودة من مشكى لسبز.
ختم كلماته يتحرك بهدوء شديد مشيرًا لرجاله أن يتبعوه، وقد أوصل رسالته واضحة لأنمار ومن معه، وفي نفسه ما يزال يتوعد له بالكثير، لكن صبرًا فالقادم أكثر ويخفي أكثر.
اشتد غضب أنمار بقوة، يشعر بصدره يحترق والتوعد يلتمع بعيونه، بينما رجاله جواره يراقبون ما يحدث وقد بدأ ناقوس الخطر يصدح داخل عقولهم، وحل واحد يلمع أمام أعينهم لينجوا من شر أرسلان.
عليهم إعلام باقي الملوك للتدخل.
***
_ حسنًا عمي جلال، مهلًا واعذر غبائي اللحظي، أنا لا أدري ما علاقة روايتي بما تقصه الآن؟ ومن هذين الشخصين اللذين يتشاجران مع موزي على فاكهتي؟
ختمت حديثها تشير على صامد وصمود اللذين كانا يتشاجران مع موزي، أحدهم يجذب القرب بعيدًا والآخر يجمع الفاكهة بسرعة قبل عودة القرد ومشاركتهم بها.
ابتلع جلال ريقه لا يدرك كيف يشرح لها ما يحدث حولهم:
_ هل شاهدتي المقطع المصور الذي تركه لكِ والدكِ؟
_ هل تعلم بشأنه؟
هز جلال رأسه بنعم، يمسح وجهه بهدوء:
_ أنا من صور هذا المقطع لوالدك، اسمعي يا ابنتي اعلم أن ما سأقوله الآن هو ضرب من دروب الجنون، لكن لا أنتِ ولا خالد تعلمون هذه الحقيقة، حقيقة أنني ووالدك لا ننتمي لهذا العالم؟
تعجب خالد ما يسمع، وقد شعر أنه سقط في فيلم خيالي أو ما شابه:
_ هل انتم مستذئبون؟
رمته جلال بحنق شديد:
_ صدقني إن كنت، لكانت ضحيتي الأولى هي أنت، اصمت لأكمل حديثي.
زفر بصوت مرتفع ثم أكمل يشرح لهم ما يقصد، وقد حان الوقت لينتهي من كل هذا ويسلم أمانة رفيقه لمن يعتني بها ويحفظها - كما اعتقد رائف - فما من أحد من وجهة نظره قادر على التعامل مع طفلته كأرسلان، ولا أحد سيعتني بابنته كشعبه:
_ أنا ووالدك لا ننحدر من هذا العالم يا ابنتي.
فتح خالد فمه ليتحدث بكلمات، لكن جلال منعها قبل الخروج يتحدث بصرامة:
_ لا لسنا مصاصي دماء أو فضائيين، واصمت لأنني أتحملك بصعوبة الآن، أنا ورائف ننحدر من الممالك الأربعة، تحديدًا مشكى.
اتسعت أعين سول تحاول معرفة ما يقصد، مشكى مجددًا، نفس الكلمة الغريبة تردد على مسامعها، وجلال لم ينتبه لصدمتها وأخذ يقص عليهم كل شيء يخص مشكى والممالك وانعزالهم منذ قرون وكل شيء يخص تاريخ الممالك حتى وصل للنهاية:
_ وكل مملكة كانت تمتلك ما يُسمى بمرشدي العالم الآخر وهم الأشخاص الذين نعدهم حلقة وصل بيننا وبين هذا العالم، تمامًا كصامد وصمود.
تحركت جميع الأعين صوب صامد وصمود اللذين كانا يملئان الأفواه بالفواكه بشكل غريب وكأنهم لم يبصروا فاكهة في حياتهم يومًا. ابتسم الاثنان بغباء حين وجدا جميع الأنظار موجهة لهم.
_ حسنًا ليس تمامًا.
أبعد جلال عيونه عنهما يكمل:
_ وبمشكى كنت أنا ووالدك نتولى هذا الدور حتى أتت اللحظة التي أتينا بها لهذا العالم بلا رجعة، يوم أبصر والدك والدتك وهام بها عشقًا ليقرر التخلي عن كل شيء والابتعاد عن عالمه لأجلها، وكنت وقتها لا أمتلك سواه، وحين فكرت بالعودة وجدت أنني لا رفيق لي سوى والدك فقررت البقاء هنا وتعرفت على والدة خالد، وبهذا دفنا حياتنا أسفل هويات وهمية نحن من صنعها بمساعدة بعض الأشخاص هنا.
تنهد بصوت مرتفع يمسح وجهه:
_ ورغم أن والدك كان هو صاحب قرار البقاء هنا، إلا أنه كان متعلقًا بمشكى والبلاد وكثيرًا ما يبكي شوقًا لها، وقد قرر حينما يحين الوقت سيأخذك ويعرفك على جميع أبناء شعبك، أراد لكِ أن تنضجي بين رمال مشكى كما فعل هو، لكن يبدو أنه تأخر ولم تمنحه الحياة هذه الفرصة، وكانت وصيته الأخيرة قبل الرحيل هي أن أسلمك لمن يأخذك صوب بلادك، وأنا قد ذهبت هناك وجهزت لاستقبالك، وجئت بمن يصطحبك.
ختم حديثه يشير صوب صامد وصمود، بينما سول فقط تراقبه متسعة الأعين شاردة تفكر في كل ما سمعته، عقلها يأبى تصديق كل هذا، ربما هو يمزح معها، أو... ربما يخدعها، فما يقوله ضرب من الجنون، لكن حديث والدها وهذين الغربيين، يثبتان صحة حديثه.
أبصر جلال حيرتها:
_ أدرك ما تفكرين به يا ابنتي، لكن هذه هي وصية والدك، لقد أوصى بكِ لملك مشكى ردًا لصنيع أسداه له قديمًا، صدقيني الجميع سيعتني بكِ هناك.
رفعت عيونها له شاحبة الوجه تردد بعدم فهم:
_ أنا لا أفهم ما تقوله، أي ملك هذا وأي عناية؟ هل تتحدثون عن طفلة لا تملك حرية اختيار حياتها؟ كيف تقررون عني بهذا الشكل؟ تحددون حياتي وتبحثون عمن يعتني بي كما لو كنت طفلة، ولم يسألني أحد رأيي؟
نظر خالد لوالده باعتراض على ما يحدث، يرفض أن تتعرض رفيقة طفولته لكل تلك الضغوطات:
_ أبي نحن هنا مع سول، أنسيت أنها شقيقتي بالرضاعة.
نظرت له سول ببسمة غير مصدقة وغضب:
_ ليته كان مسمومًا أيها الـ... هل أنا طفلة لتبحثوا لي عمن يهتم بي؟ بالطبع أنا أرفض كل هذه الخرافات.
أخرج جلال خطابًا من جيب سترته يلقيه لها:
_ كنت أعلم أن هذا سيكون ردك، على كلٍ هذه رسالة أخيرة تركها والدك، وكأنه كان يعلم ما سيحدث، فكري في الأمر جيدًا وخذي وقتك، صامد وصمود سيكونان هنا حتى مساء الغد ومن بعدها سيرحلان، أما بكِ أو بدونك.
ختم حديثه ينهض مشيرًا للجميع بالتحرك، ورغم اعتراض خالد، إلا أن جلال سحبه بالعنف للخارج، وهي كانت في عالم آخر لم تعِ ما يحدث حولها ولا استوعبت بعد أن الجميع خرج بالفعل، لا تبصر سوى سواد أمام عيونها لا ابيض به سوى رسالة والدها. امسكتها بتردد تخشى أن تفتحها أو تقرأ ما بها.
أغمضت عيونها تضغط عليها بقوة تهتف:
_ لِمَ يا أبي؟ لماذا تجبرني على خوض كل ذلك؟ تلقيني بين أحضان المجهول مدعيًا أن هذا لأجل مصلحتي، أي مصلحة تلك وأي حياة قد أحياها بين أناس لا أعلم عنهم شيئًا، وأي ملك هذا الذي أوصيته بي؟ تلقي بمسؤوليتي على عاتق شخص آخر، والله وحده يعلم كيف سيتعامل معي...
تنهدت بصوت مرتفع تشعر بيد موزي تربت على خصلات شعرها وهو يجلس أعلى كتفها. فتحت عيونها تنظر له بتردد تهمس:
_ ما الذي سأفعله موزي؟ لقد انهار عالمي في ثوانٍ وبشكل غير محسوب، وأنا... كيف ألقي بنفسي بين أحضان المجهول؟ ما أدري كيف ستكون حياتي هناك مع هذا الملك، وكيف سيكون هذا الملك حتى؟
***
_ سول؟ أي نوع من البشر يمتلك مثل هذه الأسماء السخيفة عديمة المعنى؟
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يعيد قراءة تلك الوصية التي كانت بمثابة حمل إضافي فوق أكتافه وكأن مشاكله ينقصها واحدة لتأتي هي وتكملهم. العم رائف العزيز يوصيه بابنته خيرًا مرات ومرات حتى شك أرسلان أنها طفلة صغيرة و... مهلًا، ربما كانت بالفعل. هل يعقل؟ أرسل له صغيرة كي يعتني بها؟
عند هذه الفكرة شعر أرسلان بالحنق والضيق من كل ما يحدث حوله، فهو بالفعل يمتلك ما يكفيه من المشاكل ليصبح مربية أطفال لابنة رائف العزيز.
_ تبدو كمن يتشاجر مع أفكاره مولاي، هونها عليك لا يستحق أنمار كل هذا التفكير، في النهاية يمكننا حل هذه المشكلة بإذن الله.
استدار أرسلان صوب المعتصم الذي اقتحم خلوته المعتادة داخل شرفة القصر. رمقه بعد فهم للحظات قبل أن يدرك ما يتحدث عنه. ابتسم أرسلان بسخرية:
_ أنمار من يا بني الذي قد ينال شرف تفكيري به لثانية؟ بعينه أن يشغل تفكيري لثانية واحدة، يكفيه تكبدي عناء التحرك والذهاب له وإرهاق نفسي وجيوشي لأشاهده يرتجف فقط.
صمت أرسلان ثم أكمل ببسمة واسعة يتذكر نظرات أنمار:
_ حسنًا إن طلبت رأيي فقد كان الأمر يستحق أن أقطع بحارًا وبلدان لأشاهده يحترق غضبًا، لكن ليس لدرجة أن أضيع لحظات هدوئي الثمينة وأفكر بهذا الحقير.
هز المعتصم رأسه يقترب من الشرفة يتوسطها جوار أرسلان الذي كان يجلس على السور بكل استرخاء، وتساءل عما يؤرقه:
_ حسنًا هذا شيء لم أفهمه بعد، ما سبب ذهابك وعودتك دون اتخاذ أي إجراء لإنهاء الأمر؟ لقد ظننت أنك ستعود بسيفك مُدمى، ولم يحدث.
_ لو كان الأمر متوقفًا على أنمار، لكنت أكثر من سعيد لألوث سيفي بدمائه، لكن للأسف هناك أشخاص لا ذنب لهم سوى أنه يتحكم بهم وسخ مثله، جنود الحدود لا ذنب لهم، هم رجال الملك بارق الذي لطالما وقف جواري في كل شيء، حاربوا معنا في حرب لا تخصهم، ليس بعد كل هذا أرد له جميله بقتل جنود حملوا سيوفهم ليحرروا مشكى سابقًا.
رمقه المعتصم بتقدير وبسمة واسعة:
_ في النهاية لديك قلب.
رفع أرسلان حاجبه بسخرية:
_ نعم تخيل أنني أفعل.
تجاوز المعتصم عن كل شيء يتساءل بتعجب:
_ إذن ما الذي كان يشغل تفكيرك حين جئت لك؟
_ ابنة رائف.
نظر له المعتصم بعدم فهم ليتحدث أرسلان بجدية:
_ لا أدري حقًا لِمَ أنا بالتحديد، رغم أن ابن خالة رائف وعائلته يسكنون مشكى منذ سنوات، لِمَ أنا من أوصاني بابنته الصغيرة؟
_ ربما لثقته أنك ستحافظ عليها، أعني لا أدري حقًا ما رأى بك ليأمنك عليها، فإن كنت بمكانه ما كنت لأفعل صدقًا، فعدا شقيقتك، أنت لا تؤتمن للتعامل مع البشر فما بالك بفتاة صغيرة؟
تشنجت ملامح أرسلان بحنق:
_ تمنيت حقًا لو أن رائف يفكر مثلك، لوفر عليّ عناء الاعتناء بصغيرته.
راضاه المعتصم محاولًا التهوين عليه، رغم أنه غير مقتنع بما ينطق به في الحقيقة:
_ حسنًا لا بأس، لا أعتقد أن الاعتناء بفتاة صغيرة سيكون بمثل هذه الصعوبة، أعني ما مدى سوء التعامل مع فتاة صغيرة بريئة؟
بلل أرسلان شفتيه وهو يتحدث بغيظ شديد، فهو حقًا ليس في ظروف تسمح له بالتعامل مع النساء وخاصة الصغيرات المزعجات منهن:
_ أسوأ مما تخيل، يا عزيزي النساء يحتجن للتعامل اللين وأنا في الحقيقة مخزوني من اللين لا يكفي سوى لزوجتي، أنا من الأساس أوفر كل ذرة لين داخلي لأجلها، الآن أنا مضطر لتبذيره على فتيات صغيرات.
رمقه المعتصم بتشنج هامسًا:
_ هل تمزح معي؟
_ هل تراني أفعل؟
_ لا أفهم ما تقصد؟ هل أنت جاد بحديثك عن توفيرك لللين لأجل زوجتك؟
رفع أرسلان حاجبه بحنق:
_ أنت لا تريدني أن أعامل زوجتي كما أعاملكم صحيح؟
_ حقًا؟ وكيف ستعاملها يا ترى؟ أعني ما الفرق بيننا وبينها، نحن في النهاية كلنا بشر نستحق منك معاملة آدمية مولاي.
دفعه أرسلان بسخرية لاذعة يطلق صوتًا مستنكرًا من فمه:
_ هل تمزح معي؟ تود أن تتساوى معاملتي مع زوجتي بكم أيها الـ...
صمت ثواني يتمالك لسانه الذي كاد ينطق بكلمة بذيئة، يمسح وجهه بضيق شديد:
_ انظر إلى ما اضطررتني لفعله؟ كدت أسُبّك للتو وأفسد هدأتي مع اللباقة. حسنًا، لنكن واضحين يا بني، زوجتي عزيزتي، تلك المرأة المحظوظة التي سيكتب الله لها أن تكون امرأتي، لن تتساوى معكم، أعني لنكن واقعيين، هل سأعامل امرأة برقة امرأتي كما أتعامل معكم؟ مستحيل.
ابتسم له المعتصم بغيظ شديد من كلماته:
_ وما أدراك أنها رقيقة؟ ربما كانت مثلك، فالشبيه للشبيه مولاي...
_ مستحيل، قلبي يخبرني أن امرأتي التي تقبع في مكانٍ ما في هذا العالم في غاية الرقة والـ...
صمت أرسلان وانتبه إلى ما كاد يفعله، هل كان سيتغزل ويصف امرأته للتو على مسامع رجل آخر؟ تشنجت ملامحه يردد باستنكار:
_ أنت ما علاقتك بامرأتي يا هذا؟ لتكن كيفما كانت ما علاقتك أنت ها؟
اتسعت أعين المعتصم بعدم فهم، لكن أرسلان انزعج كثيرًا من تحدثه عن زوجته (التي لا يعلم عنها شيئًا) مع رجل آخر يشير للمعتصم:
_ هيا ارحل من هنا، وإياك أن تفكر بينك وبين نفسك حتى من باب الفضول كيف ستكون زوجتي، لتكن كيفما كانت لها كل الصلاحيات.
اتسعت أعين المعتصم لا يفهم سبب تحوله بهذا الشكل، بينما أرسلان رمقه بحدة، ثم أبعد عيونه يشرد في السماء وهو يتنفس بصوت مرتفع، يدرك أن الوقت ربما ليس ملائمًا ليتمنى ذلك، لكنه فقط يتمناها امرأة تستطيع تحمله والتعامل معه، هذا جل ما يتمناه.
***
اندفعت بسرعة تدفع رأسه للجدار بقوة كادت تحطم جمجمته، وهي تدفعه بكل ما تمتلك من قوة، بينما الأخير يقاوم بكل ما يمتلك، يزمجر بصوت مرتفع. وهي تضغط عليه أكثر والجنود حولها يحيطون بهم ليتداركوا الوضع. المرة الثالثة التي يثور بها هذا الحقير عليها، وقد كاد يحطم عظامها هذه المرة ليمتلئ وجهها ببعض الكدمات الحمراء. وهي كانت تخرج غضبها وكل سخطها به تصرخ بصوت مرتفع تدفع رأسه في الجدار أكثر:
_ اسمع أيها المختل، أنت ستتعالج، شئت أم أبيت ستفعل، لقد سئمت منك ومن اتباع الطرق السلمية في التحدث معك، تبًا لك ولكل العلاج الحديث الذي يجبرني على التعامل مع وسخ مثلك بشكل آدمي، هل تظنني ضعيفة ها؟ تعتقدني ضعيفة؟
ابتسمت وهي تقرب وجهها منه تهمس بشراسة:
_ ربما أبدو رقيقة، لكنني مختلة أكثر منك.
رفع المسجون رأسه بصعوبة ينظر لها بغضب شديد، ولولا جسده الذي يحتوي على نسبة من المخدر لكان حطم عظامها بكل ما للكلمة من معنى. فإن تحدثنا بكل واقعية ما كان لفتاة بحجم وهشاشة سول أن تتمكن من رجل بحجم وضخامة هذا السجين.
جذبه الجنود سريعًا بعيدًا عنها وبصعوبة شديدة استطاعوا أن يخرجوه حيًا من بين قبضتها. وهي تشعر بالغضب يتلبس منها تود الإفلات من بين أيديهم تصرخ في وجهه:
_ ستتعالج وتصبح طبيعيًا رغم أنفك أيها المجنون.
زمجر الرجل وقد كان الوضع مزريًا، إذ كان الجنود يجذبونه من جهة والبعض يجذبونها من الجهة الأخرى، حتى أبعدوه وأخرجوه، ثم تركوها لتتنفس بصوت مرتفع والجميع يرمقها بصدمة لما فعلت.
رفعت عيونها لهم تبتلع ريقها لا تعلم كيف تبرر ما فعلت منذ ثوانٍ، بللت شفتيها تردد بصوت خافت:
_ هذه طريقة جديدة في العلاج.
رفع أحد الرجال حاجبه يردد:
_ لتحمدي ربك أنه لم يكن في كامل وعيه، وإلا كان طحن عظامك أيتها الطبيبة، احرصي على حياتك واتركي هذا السجين لشخص غيرك.
تنفست سول بصوت مرتفع، تحمل حقيبتها مندفعة للخارج بقوة كبيرة لا ترى أمامها. ما كان عليها المجيء للعمل وهي مشوشة الفكر كما هي الآن. زفرت بضيق شديد تتحرك صوب سيارتها، ومن ثم انطلقت بها لمحل الزهور خاص بها، لربما تجد السلام في جزئها اللطيف من اليوم.
توقفت وهبطت لتبدل ثيابها، وما هي إلا دقائق حتى سمعت أجراس الباب تعلن دخول أحد الزبائن. رفعت رأسها ترحب ببسمة واسعة:
_ مرحبًا بكم في مـــ.
توقفت عن الحديث حين أبصرت خالد يقف مع الشخصين الغريبين أمام الباب، وهو يردد بصوت حانق:
_ لقد أصر أبي على أن أوصلهما لكِ مؤكدًا على ألا أتركك حتى نعلم ردك بخصوص ذهابك لمشاكي.
زفر صمود يصحح له بحنق:
_ بل مشكى يا صغير.
تشنجت ملامح خالد بغضب شديد وهو يرمق هذا الطويل وكأنه ينظر لبناية من عشرة طوابق، يرفض فقط التحدث معه احترامًا لفرق الطول بينهما. بينما صمود لم يهتم له، يحرك نظراته على سول بعدم رضا لما ترتدي. حسنًا، هو وصامد اعتادوا منذ زمن رؤية نساء بملابس قد تظهر للبعض غير ملائمة، لكن بالطبع لم يكن الأمر يعنيهما طالما أنها لا تنتمي لهم، وها هي امرأة من ذلك النوع الذي يرفضانه على وشك أن تصبح أحد أفراد الممالك.
ترى ما ستكون ردة فعل أرسلان على هذا؟
خرج صمود من أفكاره على حديث صامد الذي قال بصوت حانق غاضب:
_ هيا لا تعطلونا، نحن نمتلك في حياتنا أهم من أخذ تلك الصغيرة لمشكى، والله لولا أنني أخشى على حياتي من ذلك المتجبر، لكنت تركتها وعدت.
وافقه صمود الحديث:
_ نعم صدقت يا أخي، والله لا أدري ما الذي يجبرنا على التعامل مع مثل هؤلاء البشر، أعني انظر لحظنا التعس، نقضي نصف أوقاتنا في إحضار النساء للمملكة وكأن لا نساء كافيات بها لنستورد أخريات من الخارج.
نظر له صامد يهمس بصوت شبه مسموع للجميع:
_ والله يا أخي أكاد أقسم أن تلك المرأة ما هي إلا ساحرة أخرى ستسقط الملك في سحرها، وسترى غدًا، سيتحول لأحمق كما حدث لمن سبقه، فنساء المفسدين سحرهن قادر على إخضاع أعتى رجال الممالك.
_ نعم صدقت يا أخي، ضعاف النفس هم فقط من يسري عليهم سحرهن، والحمد لله الذي حفظنا ونجانا من سحر المفسدات، انظر إلينا قضينا نصف أعمارنا في عالمهم، هل ترانا وقد سقطنا لهن؟
أغمض صامد عيونه يضع يده على صدره شاكرًا الله على نعمه:
_ هذا من فضل الله علينا يا أخي، فقط لأننا نمتلك من الإرادة والإيمان بالله ما يكفي لدفع سحرهن.
كل ذلك كان يحدث أسفل عيون سول التي قالت بعد ثوانٍ من الصمت وهي تشير لهما مستنكرة غاضبة رافضة بكل ما فيها من إرادة:
_ هل تريدني أن أسلم حياتي لهذين الأحمقين وأسير معهما في طريق مجهول لمملكة خيالية داخل إحدى الروايات، لأحيا مع ملك وشعب لا أدري عنهم شيئًا؟ أنت بالطبع تمزح، من المستحيل أن أفعل هذا.
***
بعد أيام:
_ إذن كم من الوقت ستستغرق هذه الرحلة؟
توقف صامد يتأفف بصوت مرتفع ملحوظ وبشكل جعل سول تتراجع للخلف وهي تشد القبض على حقيبة ظهرها التي تحملها كما لو كانت ذاهبة للتخييم:
_ يا الله يا امرأة لقد سئمت من كثرة أسئلتك هذه؟! اسمعي يا فتاة نوعين من البشر لا أتحملهم، الثرثار والغبي.
تشنجت ملامح سول ثوانٍ قبل أن تردد بكل هدوء وببسمة واسعة:
_ علميًا أنت تعاني من حالة كره للذات فما ذكرته متمثل بك أنت والاحمق الآخر، لكن لا بأس أنت محظوظ فأنا أعمل في معالجة المختلين أمثالكم، يمكننا النظر في أمركما حينما أتفرغ وأستقر بالمملكة هناك.
ختمت حديثها تتحرك أمامه دون اهتمام وكأنها تعلم الطريق أفضل منهم، بينما فغر صامد فاهه بصدمة يحاول استيعاب ما قيل، ويبدو أن أحدهم لم يستوعب بعد أن الفتاة أهانتهما للتو.
نظر الاثنان لبعضهما البعض في محاولة فهم ما تقصد وحينما يأسا من الأمر تحركا بكل هدوء خلفها، وصوت زفراتهم يكاد يصم سول التي لم تهتم وهي تردد باهتمام:
_ إذًا أيها الحمقى أخبراني عن مشكى وملكها.
رمقه صمود بغيظ شديد:
_ كل ما يمكنني قوله هو أن مشكى وملكها يلائمانك وبشدة.
توقفت تراقبها بعدم فهم ليتحدث صامد بكل جدية:
_ مشكى مملكة قوية لها وضعها بين الممالك، حسنًا هي كانت الأقوى بين جميع الممالك قبل نكبتها الأخيرة، أما عن ملكها فهو...
صمت يستدير حوله وكأن هناك من يراقبهم قبل أن يهمس لها بصوت منخفض:
_ هو حقير متجبر لا يطاق.
بداية مبشرة سول، يبدو أن الكثير ينتظرك في مشكى. عضت شفتيها تسمع صوت صمود يكمل عن أخيه:
_ هل تعلمين أنهم يطلقون عليه أسد مشكى؟ برأيك لِمَ يا ترى؟
رمشت تردد بتفكير:
_ ربما لأنه يمتلك صفات الأسد؟
_ بل لأنه أسد في الحقيقة، يقال أنه يتخفى في هيئته البشرية حتى تحين لحظة تحوله، وحينها لا أحد ينجو من مخالبه.
تشنجت ملامح سول تحرك رأسها صوب موزي الذي كان نائمًا على حقيبة الظهر خاصتها لتراه قد استيقظ يرمق المكان حوله بضجر، وهي فقط أكملت الطريق حين أدركت أن حديثها معهما قد يضر بقواها العقلية:
_ ذكراني ما الذي يجبرني على السير معكما وسماع كل هذا الهراء؟
تحدث صامد وهو يراقب المياه تتحرك أسفل المركب:
_ لأنك سئمتِ حياتك المملة عديمة النفع رفقة بعض المختلين.
أضاف صمود يذكر ما كانت تتحدث به طول الطريق أثناء مجيئهم:
_ ولأنك لا تريدين أن تخلفي بوصية والدك العزيز الذي كان من الأنانية ليلقي بكِ في المجهول مع شعب لا تدرين عنهم شيئًا، وغبيان مريبين مخيفين.
توقف فجأة صامد عن التحرك في السفينة التي تأخذهم صوب الغابة وكأنه استوعب ما قال شقيقه منذ ثوانٍ، يستدير لها متسائلًا بجدية:
_ مهلًا هل كانت تقصدنا بهذا الوصف؟
نظر الاثنان لبعضهما البعض طويلًا وكأن الأمر غير واضح لهما، وسول لم تكن تهتم حتى بتوضيح ما تقصد هي، تتحرك في المكان تراقب ما حولها باهتمام شديد وعقلها يسبح في مناطق بعيدة، حيث ذلك الأسد الذي يتحدثون عنه، وجزء مريض من عقلها الباطن يصدق أقاويلهم بخصوص حقيقة أنه أسد في الواقع.
أفاقت من أفكارها على صوت أحد الأخوين خلفها يردد بجدية:
_ فقط نتركها عند حدود مشكى ونرحل، وهي يمكنها إكمال الطريق وحدها، أو ربما يرسل الملك من يأخذها، لا أهتم، فقط ننتهي من هذا الأمر.
رفعت سول حاجبها بسخرية لاذعة، تراهما يتحدثان عنها كما لو كانت حملًا ثقيلًا عليهما، ولا تدري في الحقيقة من يمثل حملًا على من، فإلى جانب أنها تساير كل هذا الجنون في حياتها، كانت مضطرة لتحمل هذين الشخصين، فقط ليعينها الله على إنهاء كل هذا بسلام وعقل.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن متى نصل لمشكى؟ كم تبقى من الوقت؟
ابتلع صمود ما يأكل بتلذذ شديد، ثم أجاب ببسمة واسعة:
_ لم يتبقى الكثير، كدنا نصل لحافة العالم.
توقفت يد سول قبل أن تصل لفهما تردد بعدم فهم لما نطق به:
_ ماذا؟ حافة ماذا؟ أي حافة عالم هذه؟ هل تقع مشكى هذه في الجحيم أم ماذا؟
_ لا تقع خلف الحافة، لا تقلقي الأمر سهل، سيستغرق الأمر ثلاثة أو أربعة أيام ونصل هناك بسلام.
صمت بتردد، ثم نظر لها يبعد عيونها عنها بسرعة ولأول مرة يتدخل في الأمر ويتحدث بهذا الشكل لأحدهم، لكن سول كانت في غاية اللطف معهم ولا تستحق الموت على يد أرسلان بعد كل هذا.
_ آنستي.
رفعت سول عيونها لصمود بعدما كانت شاردة بعيدًا عنهما، ترمقه باهتمام ليتنحنح الآخر يجلي حلقه ثم قال بخجل مشيرًا لثوبها:
_ لا أعتقد أنه يمكنك دخول الممالك بهذا الشكل.
رمشت دون فهم قبل أن تبعد عيونها عنه تمررها على ثوبها والذي كان مكونًا من بنطال من خامة الجينز مع حذاء أسود برقبة طويلة تدخل به أطراف البنطال كي يلائم السير في تلك الطرقات الوعرة، يعلوه سترة وردية تتنافى رقتها مع خشونة الحذاء والبنطال.
_ ما به شكلي يا صمود؟ هل الجينز من الممنوعات داخل الممالك أم ماذا؟
ابتلع صمود ريقه ولم يستطع الرد عليها، لكن صامد لم يكن بمثل هذا التردد وهو يردف بجدية:
_ حسنًا إن تحدثنا بجدية، فأنت بالكامل ستكونين من الممنوعات ولا أدري ما ستكون ردة فعله للملك، لكن لندعو الله ألا يكون هو من جاء لاستقبالك.
رفعت سول حاجبها وقد شعرت بالضيق يعتريها، تميل برقبتها للجانب، ثم رفعت عيونها لموزي الذي كان منشغلًا في تناول طعام بكل لطف.
_ لا أفهم ما علاقة ملككم العزيز بملابسي، هل يتحكم بثياب جميع أفراد شعبه؟
_ بل هي تقاليد نلتزم بها جميعًا داخل الممالك.
كانت تلك كلمات صامد الباردة وهو يكمل تناول طعامه بهدوء، بينما هي فقط رددت كلماته باستنكار:
_ تقاليد؟
_ هكذا يأمرنا ديننا آنسة سول، النساء في الممالك لا يمكنهن ارتداء مثل هذه الثياب الـ...
صمت صمود عن التحدث، وهو يرى ملامح سول قد تغضنت بمشاعر سلبية كثيرة لم يفهم منها شيئًا. أبعدت الشطيرة عن فمها، ثم قالت بهدوء:
_ لقد انتهيت من تناول الطعام، حينما تنتهيا لنكمل الطريق رجاءً فقد مللت من هذه الرحلة وقد طالت عما تستحق، ولا أدري حقًا إن كنت سأصل في النهاية لمشكى هذه، أم أكتشف في النهاية أنني كنت من الحمق للبحث عن سراب ومملكة خيالية مع رجلين غريبين فقط لأن أبي أمرني بذلك.
ختمت حديثها تجمع أغراضها داخل حقيبة الظهر، ثم تحركت بعيدًا عنهما، بينما موزي ينظر صوب صامد وصمود بغضب وكأنها هما سبب تعكر مزاجها لسول.
والأخيرة فقط ابتعدت تشعر بغصة في حلقها، وشعور غريب بالرفض لما تفعله، منذ متى كانت بهذا التهور لتتخلى عن حياة مضمونة لأجل مجهول؟
والله وحده يعلم ما الذي يخفيه هذا المجهول لها.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
رواية اسد مشكي الفصل الرابع 4 - بقلم رحمه نبيل
كانت تقف متأففة من انتظارها الطويل، بثياب شبه مبتلة وهي ما تزال ترمق صمود بضيق شديد.
حركت عيونها حتى وصلت لرأسه تناديه بضيق من تأخر ذلك الرجل الذي من المفترض أن يأتي ويجرها للمجهول.
ورغم كل الأفكار التي تناديها بالهرب، إلا أنها قاومت بشراسة كبيرة، تؤجل فكرة الهرب لحين التأكد من المجهول.
من يدري، لربما كانت الحياة هنا أكثر تشويقًا من العيش جوار راجيش والسيدة خان ومع العزيز موزي.
"إذن صمود، متى يتكرم علينا ملكك ويرسل من يدخلنا لتلك البلاد؟"
نظر لها صمود ثواني، ثم حرك نظراته صوب ساعة اليد التي يرتديها، يردد بجدية:
"حسب تقديرات تلك الآلة الزمنية، فمن المفترض أن يصل الدعم خلال..."
صمت صمود واستغرق وقتًا في التحديق داخل الساعة. دقائق وسول تراقبه بتحفز وعدم فهم. ترقب طويل حتى انتهى صمود من فك شفرات الآلة الزمنية المريبة، ليقول ببسمة واسعة:
"خلال ١٥ ساعة من الآن."
اتسع فم سول وتشنجت ملامحها بشكل واضح:
"عفوًا، أي ١٥ ساعة هذه؟ هل تمزح معي؟"
"لا، هذا ما تخبرني به الآلة الزمنية."
أصدر موزي بعض الأصوات المعترضة، وكأنه يعبر عن الاستياء المنتشر في الأجواء بالنيابة عنه وعن سول، التي كانت قد وصلت لحافة صبرها وهي تردد:
"صمود، أي آلة زمن تلك؟ ما الذي تتحدث عنه؟ ثم كيف حصلت على ساعة اليد هذه؟"
رمقها صامد بعدم فهم:
"ساعة يد؟"
"نعم، تلك التي تحدق بها منذ دقائق طويلة."
"تقصدين آلة الزمن السحرية؟ هذه اشتريتها بخمسة وعشرين قطعة ذهبية، أعطاني إياها أحد الأشخاص. انظري، هناك بعض القطع المعدنية تتحرك داخلها وكأنهم يركضون خلف بعضهم البعض، مبهرة ها؟"
كانت سول تتابع كلماته بعدم فهم، بينما ضيق موزي عيونه وهو يراقب تلك الساعة التي يقربها صمود من سول كي تراها بشكل جيد.
ومن ثم، ودون مقدمات، مد يده بسرعة كبيرة ينتزعها عن معصمه بشكل مؤلم، ثم صاح بصوت مرتفع يرفعها في الهواء وكأنه يحتفل بغنيمته التي حازها بعد حرب ضارية.
بينما صمود، اتسعت عيونه بصدمة شديدة وما تزال يده ممتدة، يراقب ما فعله موزي، قبل أن ينتفض صارخًا:
"أنت أيها اللص، أعد لي آلة الزمن خاصتي، أعدها أيها اللص."
أطلق موزي أصواتًا مرتفعة وهو يتحرك فوق كتف سول بسرعة حتى وصل لرأسها، يقف عليه بشكل جعل شعرها يفسد بالكامل. وسول تحاول انتزاعه صارخة به:
"توقف، توقف أيها الأجرب، موزي توقف، أفسدت شعري."
قفز موزي عن شعرها بسرعة، يتحرك بعيدًا عنهم وهو يضم الساعة لصدره. بينما صمود أبى أن يتخلى له عن آلة الزمن خاصته، ليلحق به راكضًا وهو يصيح:
"لا تتحركي حتى يصل لكِ مبعوث مشكى، وأنا سأتولى أمر ذلك اللص... عد هنا أيها الحقير."
لاحقتهم سول بعيونها مصدومة مما يحدث. التفتت حولها تحاول البحث عمن يساعدها في التحكم بهذين الأحمقين. وما كادت تلحق بهما حتى وصل لمسامعها صوت طرق على الأرضية أسفلها. شعرت بضربات قلبها تزداد بتوتر هامسة بتمني:
"صامد؟"
استدارت ببطء تحاول رؤية القادم، وقد اظلم المكان حولها وانتشرت أصوات الحيوانات الليلية. لتلعن في هذه اللحظة كل من كان له يد في وصولها لهذه اللحظة من حياتها المثيرة للشفقة.
شعرت بضربات قلبها تزداد وهي تتراجع للخلف أكثر بتحفز شديد، تتخذ وضعية الهجوم تستعد للانقضاض على أيٍ من كان القادم. لكن ما لم تكن مستعدة له، أن تقابل مثل تلك الأعين التي انعكست عليها الشعلة التي يحملها الفارس.
تراجعت بسرعة للخلف تبصر ثلاثة أحصنة تقترب منها، ليتوقف قلبها لحظات قبل أن يعود للعمل بسرعة كبيرة، تطلق صرخة مرتفعة تزامنًا مع توقف الأحصنة.
وعنده، لا يعلم كيف أجبره المعتصم على التحرك مع صامد وإحضار حصان لها ليأخذها به صوب القصر. تأفف، لا يعلم على ماذا يركز أفكاره، حربه الوشيكة أم صغيرة رائف؟
تحرك بالحصان بسرعة كبيرة، يمسك لجام خيله بيد، واليد الأخرى يمسك لجام الخيل الذي أحضره لها، وجسده من سرعة الحصان يكاد يطير في الهواء. بينما صامد يحاول أن يلحق به في سباق خاسر.
دقائق طويلة مرت حتى بلغت ساعة، وأخيرًا وصل خارج حدود مملكته حيث تنتظره ابنة رائف. ضيق عيونه وهو يقترب، وقد انعكس ضوء القمر على الأرض ليظهر جسدًا أمامه. جسد رجل؟ بالطبع هذا ليس طول صمود العملاق، وليس جسد صمود حتى؟
ما الذي يحدث؟ رجل بجسد امرأة يرتدي ثياب رجولية من بنطال و...
فجأة اتسعت عيون أرسلان بقوة مرعبة وهو يسحب لجام الأحصنة بشكل مباغت تسبب في توقفهم بسرعة كبيرة وارتفاع صهيلهم، حتى أن خاصته كاد يُسقط أرسلان على ظهره. وارسلان فقط أطلق سبة مرتفعة وهو يصرخ بصوت عالٍ:
"توقف عن التحرك صامد... توقف صامد بسرعة ورعب كبير لا يدرك ما حدث فجأة."
بينما أرسلان همس وهو يبصر بطرف عيونه جسد امرأة ترتدي بنطال وثياب مريبة عليه، والأسوأ أنها تسير بشعرها:
"هناك امرأة بلا حجاب."
نظر له صامد ثواني قبل أن يتنفس يقول بهدوء:
"هذه هي نفسها الفتاة التي أرسلتنا لاحضارها مولاي."
اتسعت عيون أرسلان بصدمة يستدير صوب صامد صارخًا بعدم فهم:
"من تقصد أنت؟ هل تمزح معي؟ ابنة رائف؟ ما الذي فعلتموه بها؟"
هز صامد رأسه وهو يتراجع بحصانه بريبة يبرر بسرعة:
"فعلنا ماذا؟ أقسم أننا وجدناها هكذا، هذه هي ابنته سول التي أرسلتنا لنحضرها."
كانت سول تقف على بُعد صغير منهم تسمع ما يتحدثان به، لترفع حاجبها بعدم فهم من كلمات ذلك الرجل، ليس لتحدثه بلغة لا تفهمها أو ما شابه، لكن لتحدثه بكلمات لا تريد أن تفهمها حتى.
همست بتشنج تتدخل في الحديث:
"عفوًا..."
ورغم أن مسامعه التقطت تلك الهمسة الصغيرة، إلا أنه تجاهلها يصرخ في وجه صامد:
"كيف تقبل بإحضارها بهذا المظهر صامد؟ ما الذي دهاك أنت وشقيقك، هل أفسدتك كثرة اختلاطك بهم؟ أجننتم، أين حجاب المرأة؟"
"مـــــــــــــاذا؟"
ومجددًا تجاهل أرسلان صيحة سول:
"أقسم أنني لن أمرر لكما هذا، سرتما بالمرأة كل هذا الطريق وجعلتموها عرضة لأعين الرجال بهذه الهيئة الـ... الرجولية؟"
تحركت عيون سول على ثوبها تشعر بالغضب يتمكن منها. نعم، تدرك أنه ربما تكون ثيابها غير مناسبة، لكنها تحاول أن تستر أكبر قدر من جسدها، ونجحت في هذا، أم ماذا؟
"أنت يا هذا، هل جننت، عمن تتحدث بهذا الشكل أيها المختل؟"
اتسعت أعين أرسلان بشر أكثر وهو ما يزال ينظر بصامد، يرفض تحريك عيونه لها حتى. ليتراجع صامد للخلف يهتف وهو يشير لها:
"أقسم، هي من تحدثت وليس أنا."
تنفس أرسلان بعنف شديد يخلع عنه معطفه الأسود ذو شارة الأسد الذهبية المميز به، ومن ثم ألقاه عليها قائلًا بصرامة:
"ارتدي هذا واخفي خصلاتك بالقلنسوة يا امرأة."
أبعدت سول المعطف عن وجهها بغضب جحيمي تحاول التحكم بنفسها، ثم نظرت صوب صامد:
"من هذا الرجل صامد؟ هل هو غبي إذ يبدو لي أنه لا يفهم ما أتحدث عنه، أخبرني إن كان يتحدث غير العربية لغة لأحدثه بها."
اشتعل جسد أرسلان بقوة يستدير لها دون انتباه صارخًا:
"خسئتِ أنتِ واشباهك الأربعين أيتها الـ..."
فجأة توقف عن الحديث حين وقعت نظراته على وجهها وشعرها، ليستغفر ربه ويبعد عيونه عنها صارخًا:
"ارتدي المعطف يا امرأة كي أستطيع التحدث معكِ، وأري شعرك خلف القلنسوة."
ابتلعت سول إهانته، ثم ارتدت معطفه تحاول تجاهل الرائحة الرجولية الملتصقة بها، تضع القلنسوة على رأسها، ليس لأنه طلب منها، بل احترامًا لدينها أولًا، ومن ثم تقاليد البلاد التي ينحدر منها والدها.
"فعلت، والآن انظر لي وأنت تحدثني."
استدار أرسلان لها يهبط عن حصانه يقف أمامها، وصدره ما يزال يعلو ويهبط بعنف. يرى أن القلنسوة أخفت نصف وجهها تقريبًا، ليتنفس الصعداء:
"ما الذي ترتدينه هذا؟ ألم يخبرك العم رائف ما يكفي عن دينك، أم..."
صمت ثم تساءل مضيقًا عيونه بتفكير، وقد تذكر حديث والده عن أن رائف أحب امرأة من العالم الآخر، وربما كانت كتابية ليست بمسلمة:
"أي دين تتبعين أنتِ؟"
اتسعت عيون سول ترفع رأسها بسرعة أدت لسقوط القلنسوة عن شعرها مظهره كل ما أخفته هي. ليرفع هو يده بشكل تلقائي ودون شعور، يرفعها مجددًا على رأسها بسرعة كبيرة:
"شعرك..."
مدت يدها بسرعة تتمسك بالقلنسوة مرددة بصوت خافت بعض الشيء:
"أنا أتبع الإسلام."
ضيق عيونه وهو ينظر لها ثواني قبل أن يردد:
"يبدو أن العم رائف غفل عن الكثير أثناء نشأتك."
وقبل أن تجيبه سول بكلمة سمع الجميع صوت صمود وهو يعود حاملًا موزي من سترته وقد أخذ الأخير يطلق أصواتًا صاخبة مزعجة، جعلت أرسلان يغلق عيونه بغضب:
"صمود، ما الذي تفعله؟ دع القرد أرضًا واصرفه، لا ينقصني قرود في حياتي أنا."
تركه صمود بحنق بعدما انتزع منه ساعته، ليركض موزي بسرعة صوب سول يصعد على جسدها يتوسط كتفها وهو يتمسك برأسها، لتتسع عيون أرسلان بصدمة وهو يسمعها تردد بجدية:
"لنا حديث طويل بخصوص السرقة سيد موزي."
هتف أرسلان بصوت مستنكر:
"موزك؟!"
رفعت نظرها له تحاول أن تراه من خلف القلنسوة وقد كانت تمنع ذلك عنها:
"هل أسمع اعتراضًا على تسميتي لقردي؟"
"قردك؟"
تحركت رأس سول صوب صمود تحاول النظر له بصعوبة:
"هل جميع رجال مشكى قليلي الفهم كهذا الرجل صمود؟ عسى ألا يكون ملكهم مثله، وإلا ستكون المملكة في ورطة."
ختمت حديثها، ثم نظرت صوب موزي الذي كان يميل برأسه يحاول النظر لها من خلف القلنسوة، ثم مد يده ليرفعها عنها، وهي تمسكها صارخة:
"توقف موزي، أبعد يدك عني."
كل هذا تحت نظرات أرسلان المبتسم بعدم تصديق:
"قليلي الفهم؟ أنا؟ حقًا؟"
حاول صمود التحدث، لكن يبدو أن الخوف عقد لسانه. لكن صامد تحدث بسرعة يتدارك ما يحدث قبل أن تتمادى وتؤدي بهم لهلاك حتمي:
"لا تقلقي آنستي، فالملك لا يشبه هذا الرجل، بل هذا الرجل هو نفسه الملك."
اتسعت عيون سول وتوقفت يدها عن مقاومة موزي الذي استغل الفرصة وأبعد القلنسوة عنها، ليستغفر أرسلان بصوت مرتفع وقد تحركت يده مجددًا ترفع القلنسوة لرأسها وهو يصرخ:
"توقف عن هذا أيها الـ..."
توقف أرسلان فجأة عن الصراخ وقد استوعب فجأة أنه الآن يصرخ ويتشاجر مع قرد. مرحى، انتهى من البشر ولم يتبق أمامه سوى القرود ليشاجرهم.
بينما سول نظرت له لضيق وغضب تردد متقصدة كل كلمة تخرج منها:
"آه، هذا إذن الملك الأحمق المتجبر الذي أخبرتماني عنه صامد، صحيح؟"
اشتعلت أعين أرسلان بقوة يستدير ببطء صوب الأخوين ليبصر كليهما الموت في أعينه، وقد كان قاب قوسين من جز عنقهما يتوعد لهما بالويل. فتحدث صامد بسرعة وهو يسحب يد صمود:
"بما أن دورنا انتهى هنا مولاي، فسوف نرحل نحن. إن احتجت لنا فرجاءً جد لك بديلًا عنا، فنحن اعتزلنا هذه المهنة."
ختم حديثه وهو يصعد على الحصان جاذبًا خلفه صمود بصعوبة وقد كان الأخير يودع سول بحزن، يكره تركها مع الملك وحدها، لكن عليه الرحيل في النهاية:
"وداعًا سول، إن احتجتي لي، اسألي عن مكاني."
وبعد تلك الكلمات، لم تستوعب سول سوى أنها أصبحت الآن مع ذلك الرجل حاد الطباع وحدهما، هي وموزي.
رفعت القلنسوة بعض الشيء كي تبصره، وفتحت فمها للتحدث لكن أوقفها هو يردد بجدية وقد اكتفى لليوم، يشير للحصان الذي أحضره لها:
"اصعدي لنرحل."
ختم حديثه يتحرك صوب حصانه تاركًا إياها تراقبه بأعين متسعة وفم مفتوح ببلاهة، تراه يصعد على حصانه منتظرًا إياها أن تفعل المثل، وكأنها وُلدت في ساحة حرب أو ما شابه.
استقر أرسلان على حصانه يراها تنظر له بأعين بلهاء ونظرات طفلة تطالب والدها بتعليمها كيفية السير.
وإن كانت تعتقد أن هذه النظرات قد تضعفه ليتنازل ويساعدها للصعود على الحصان فقد أخطأت.
"أنتِ لا تنتظرين أن أساعدك للصعود، صحيح؟"
نظرت له سول ثواني قبل أن تهتف بسخرية:
"أوه، لا بالطبع، فأنا بارعة في هذا كما ترين، لقد ولدتني أمي على ظهر حصان. أخبرك شيئًا، يمكنك الرحيل وأنا سألحق بك، فأنا أحفظ الطرقات هنا كراحة يدي."
رمقها أرسلان بإعجاب مصطنع، ثم ابتسم يردد بهدوء وانبهار:
"هذا جميل، إذن ألقاكِ على بوابة القصر، السلام عليكم."
وقد كانت جملته هذه آخر ما نطق به قبل أن يتبخر بكل بساطة من المكان، تاركًا سول تقف على حدود مشكى وحدها مع موزي، تراقب رحيله بأعين متسعة وبلاهة واضحة. نظرت حولها تشعر أنها تحلم، هي تحلم بالتأكيد. حدقت بموزي الذي تمسك برأسها في خوف حين خلى المكان حولهما، تهمس له بعدم فهم:
"هذا ليس حقيقيًا، صحيح؟"
***
حاولت فتح عيونها بصعوبة، رأسها يدور بلا هوادة، لا تشعر بأطرافها. آخر ما تتذكره هو دخول زوجها عليها غرفتهما، وقبل سؤاله عما يريد منها وجدت رائحة نفاذة تكاد تزكمها، ومن بعدها لا شيء.
حركت نظراتها في المكان حولها ولم تكد تنهض حتى سقطت مجددًا لشدة الدوار الذي أصابها. صوت ضحكات وأصوات رجالية صاخبة تصل لها من الخارج.
ابتلعت ريقها، بالتأكيد هي ليست في القصر، فهذا المكان القذر لا يمكن أن ينتمي لقصر والدها بأي شكل من الأشكال.
"أنمار، أقسم أن أحيل المتبقي من حياتك جحيمًا إن صدق ما أشعر به."
نهضت بصعوبة تستند على الجدران حولها تحاول التحرك، لكن تيبس أقدامها لا يساعد. سقطت دموعها تضرب قدمها بقوة:
"ليلعنك الله أيها الفاسق إن كان لك يد بما أنا به الآن."
كانت تشعر أنه ينتوي بها شرًا، والله كانت تشعر. اتخذت كامل الاحتياطات لغدره بأي شكل من الأشكال، لكن آخر ما توقعته أن يسجنها مخدرة في مكان قذر كهذا.
سقطت دموع توبة بعجز كبير تحاول التحرك بصعوبة. مدت رأسها من النافذة تحاول الاستنجاد بمن بالخارج لينجدها. كانت على وشك فتح فمها للصراخ، قبل أن تصمت بشكل كامل حين أبصرت مشاهد جعلتها تتنفس بصعوبة.
إذ كان الفجور يسود الأجواء في الخارج، ورائحة الفسوق تزكم أنفها، رجال يتمايلون ونساء تتراقص ومشاهد جعلتها تدرك أن ذلك الحقير عديم المروءة الذي تزوجت به فعل بها أسوأ مما تخيلت.
"لعنة الله عليك أنمار، ما الذي فعلته بي أيها الحقير؟ ما الذي فعلته بي؟"
فجأة انتفض جسدها بسرعة كبيرة وعنف أكبر للخلف رغم وجع عضلاتها المتيبسة، كردة فعل طبيعية على فتح الباب واقتحام عدة نساء للغرفة بروائح الخمر تفوح من أجسادهن وملابس زاهية بشكل مبالغ وعارية بشكل أكثر مبالغة.
اقتربت منها فتاة تردد ببسمة واسعة:
"انظروا، لقد استيقظت العاملة الجديدة يا فتيات، هيا جهزوها فالرجال ينتظرونها بفارغ الصبر منذ وصلت للسوق."
شعرت توبة بقلبها يكاد يتوقف مما ترى وتسمع، تراجعت للخلف تهتف بصدمة واحرف تخرج بصعوبة وهي تدفع أيديهم بعيدًا:
"مـ...ما... ما الذي... ما الذي تتحدثون عنه، أنا... أين أنا؟ من أنتم؟"
ابتسمت لها إحدى النساء تردد بجدية كبيرة:
"أين أنتِ؟ أنتِ في قريتنا الجحر، ومن نحن؟ نحن نعمل لدى السيد أنمار، والآن تحركي معنا للتجهز."
هتفت توبة بشفاة مرتجفة وعدم فهم:
"أجهز لماذا؟ ما الذي تقصدينه؟"
"للمزاد يا جميلة، الرجال في الخارج ينتظرون بلهفة ظهور البضاعة الجديدة التي أحضرها السيد أنمار..."
بضاعة؟ فعلها الخسيس وألقى بها التهلكة.
شعرت توبة بالأرض تدور من أسفلها وصوت النساء يأتي من بعيد، وقد بدا الأمر كالحلم، بل كابوس تدور أحداثه خارج حدود الممالك، فما كان لكل ذلك الفسق أن يسكن نفوس شعبها أو شعب أيٍ من الممالك.
وفي ثوانٍ كان جسدها يرتطم في الأرض بقوة مرعبة حين فقدت وعيها، وكأنه عقلها قرر منحها هدنة مما سمعت للتو.
***
"تلك السيدة التي جئت بها منذ أيام، ما الذي تنوي فعله بها؟"
رفع أنمار عيونه للرجل الذي دخل عليه مقره في ذلك الجزء الأسود من سبز، جزء حرص طوال سنوات على إخفائه وتجميع كل أعوانه به وصنع مقر للمعاصي بعيدًا عن مثالية الممالك، مقرٌ يستعين به الشيطان إذا ما أراد أن يراود أحدهم عن نفسه، مقرٌ لمن باع روعه وخسر حياته وآخرته.
"فقط اتركها داخل تلك الغرفة ولا تدعها تخرج منها إلا بأمر مني، وتذكر، لا يقتربن منها أحدكم، وإلا نالكم مني ما لا يسركم."
ابتلع الرجل ريقه يجلس جواره مرددًا بصوت خافت:
"لكنها، ومنذ استيقظت، تثير الجلبة وقد بدأ البعض يتساءل، المرأة لا تبدو من هذا النوع و..."
أوقفه أنمار عن الاسترسال في كلماته:
"أخبرتك أن تحتفظ بها داخل تلك الغرفة القذرة حتى أنتهي مما أريد، وبعدها أنا سأخبرك ما تفعله معها، لا نريد أذيتها الآن، فلا نعلم متى نحتاجها مستقبلًا."
صمت ثوانٍ يتذكر تلك الفترة الجحيمية التي عاشها تحت مراقبتها. كانت تشاركه كل القرارات، يستشيرها مجبرًا في كل همسة يخرجها، تزعم سيادتها ضمنيًا على البلاد، كالشوكة في خاصرته، كانت حقيرة شرسة لا يفوتها شاردة أو واردة إلا وتحكمت بها كما كان يفعل العجوز والدها.
ابتسم بسخرية يرفع عيونه ينظر من النافذة صوب المنزل الذي يحتوي غرفتها والذي يتوسط المكان:
"عاملوها كما الأميرات، فمدللة أبيها لم تعتد سوى هذه المعاملة، وحينما أنتهي مما أريد وأتحكم بكل شيء، حينها وحينها فقط يمكننا تركها لتبصر بعيونها ما الذي فعله عديم الرجولة الحقير الذي تزوجته."
***
دخلت المنزل تحمل حقائب كثيرة أحضرتها من الخارج بعدما صرفت آخر ما تبقى معهم من أموال. نادت بصوت مرتفع كعادتها أول ما تطأ المنزل:
"أمي، لقد جئت، أحضرت معي طعامًا يكفينا لأيام حتى أتدبر بعض الأموال لنا."
ثوانٍ حتى أبصرت والدتها تخرج من المطبخ الصغير تجفف يدها مرددة ببسمة واسعة:
"أنرتِ المنزل عزيزتي، هيا اقتربي لتتناولي الطعام، أعددت لكِ كل ما تحبينه."
اتسعت بسمة فاطمة تتحرك ركضًا صوب المطبخ وصوت يرن في المكان سعيدًا مبتهجًا:
"حقًا أمي؟ صنعتي لي الحلوى التي أحبها كذلك؟"
"كل ما تشتهيه صغيرتي أعددته لكِ، لكن في البداية اذهبي واغتسلي ريثما أجهز الطاولة."
هزت فاطمة رأسها تركض بسرعة صوب الداخل تحمل الحقائب معها لتضعها داخل المخزن الذي تخزن به عادة كل ما تريده.
تحركت لغرفتها تنتزع غطاء وجهها، ومن ثم ألحقته بحجابها تفرد خصلات شعرها الشقراء والتي أهملتها بشكل كبير في الآونة الأخيرة حتى بدأت تسوء حالتها.
تنهدت وهي تبعد الحذاء المهترئ جانبًا وما كادت تتحرك لتغتسل كما أمرتها والدتها حتى أبصرت عصا خشبية موضوعة جانبًا. نظرت لها بتعجب تحاول تذكر أين رأتها. امسكتها تقلبها بين يديها وقد كانت تعاني من فقدان ذاكرة مستمر، تفعل شيئًا اليوم، وتنساه في غدًا، لكن العجب كل العجب أنها تذكرت، تذكرته.
لم تشعر سوى بنفسها وهي تهمس مبتسمة:
"المعتصم بالله؟"
تذكرته؟ حملت العصا وركضت للخارج تنادي والدتها بصوت مرتفع مشاغب، تركض بين طرقات المنزل ببهجة وكأنها لم تحزن يومًا، بحيوية وكأن الحياة لم تطحنها بين ضروسها لحظة.
فتاة في التاسعة عشر من عمرها، على مشارف العشرين، أسقتها الحياة مرارة رجل في الثمانين من عمره مر بالكثير، لكن يبدو أن روح الصغيرة كانت روح مناضلة أبت إلا أن تقاوم حتى لحظتها الأخيرة.
"أمي انظري."
استدارت لها والدتها بعدما وضعت الطعام، تنظر لها بحنق:
"انظر ماذا يا فاطمة؟ لماذا لم تغتسلي حتى الآن يا ابنتي، الأوساخ تكاد تتغذى على جسدك."
نظرت فاطمة لنفسها لحظات تراقب الأتربة المنتشرة على جسدها:
"حسنًا حسنًا، لكن انظري في البداية إلى ما جئت به."
رفعت لها والدتها عيونها صوب ما تحمل تردد بعدم فهم:
"عصا؟"
"المعتصم بالله..."
"المعتصم بالله؟"
هزت فاطمة رأسها بحماس شديد وهي تقص على والدتها قصة ذلك المعتصم ذو البنية القوية والعيون الحادة والبسمة اللطيفة، ترفع يديها في الهواء تصف لها كل شيء:
"رجل يا أمي... رجل طويل البنية كالجنود، لديه لحية سوداء ووجه منحوت، كما أن لديه رموشًا في غاية الطول، كما أن عيونه... لديه عيون صفراء."
كانت والدتها تراقبها بعدم فهم لما تتحدث به ابنتها التي لا تهتم لشيء في هذه الحياة، حتى تأتي الآن وتعبر عن انبهارها بشيء، بل رجل.
"عين صفراء؟"
"نعم، لقد كانت صفراء، أقسم، كانت تنير في الضوء. ثم هو... لقد ضربته."
اتسعت عيون والدتها شاهقة بصدمة كبيرة:
"ضربتي من؟ ما الذي فعلته يا ابنتي؟"
صمتت فاطمة وكأنها تستوعب الآن فقط مقدار ما فعلته تردد بخجل شديد وهي تنظر أرضًا:
"لم أقصد، لقد تحركت يدي دون إرادة مني أقسم، فجأة وجدتها تتحرك وتضربه بالعصا، و... هو لطيف، لقد أعطاني تلك الحلوى، تتذكرين؟"
وضعت والدتها يدها على رأسها تحاول فهم ما يقال مرددة بتعب وإرهاق شديد بدأ يظهر على ملامحها بوضوح:
"آه يا فاطمة، ما الذي فعلتيه، أنا لا أفهم من حديثك شيئًا يا ابنتي."
أمسكت فاطمة يدها بسرعة تساندها صوب الأريكة حتى اجلستها:
"أمي هل غضبتي؟ أقسم أنه أخافني، لم أقصد، حسنًا سأعتذر منه، سأخبره أنني لم أقصد."
تنهدت والدتها ترمقها بشفقة. ابنتها الصغيرة والتي خرجت لعالم لا تفقه به الكثير، فمنذ طفولتها وكعادة بعض الفتيات في المملكة لم تكن تخرج سوى مرات قليلة لم تؤهلها لكيفية التعامل مع جميع أنماط البشر، والآن وبعد صدمتها فيما حدث لأسرتهم وخروجها هي طوال الوقت جعلها لا تفقه كيفية التعامل الصحيح مع الجميع.
"فاطمة يا عزيزتي، هناك حدود علينا وضعها مع الغرباء ومن ضمن تلك الحدود هي ألا نقبل هدايا ممن لا نعرفه، وكذلك لا نتحدث معهم، وبالطبع لا نضربهم بالعصا، هذا خطأ عزيزتي، حسنًا؟"
فاطمة لم تكن طفلة بلهاء أو ذات تصرفات غير مسؤولة، هي كانت تدرك كل شيء، كل ما في الأمر أن ردات فعلها لم تكن بإرادتها أغلب الأحيان.
هزت رأسها لتبتسم والدتها تربت على رأسها بحنان:
"هيا اذهبي واغسلي وجهك ويديكِ وتعالي لتناول الطعام عزيزتي."
ركضت فاطمة لتنفذ ما قالته والدتها وقد قررت في نفسها أن تذهب غدًا وتعتذر من المعتصم، فهو لم يخطأ بشيء، بل كان لطيفًا معها وفي النهاية تضربه؟
خرجت تجفف يدها ترى والدتها تصب الطعام لتبتسم قائلة بهدوء:
"أين أبي وأحمد، ألن ننتظرهما؟"
توقفت يد والدتها عما تفعل وشعرت بغصة تكاد تخنقها، ترفع عيونها لفاطمة التي جلست على الطاولة تتناول بعض اللقيمات بتلذذ مرددة:
"أحمد كذلك يحب هذا الطعام، سأحاول ألا أتناوله بالكامل وأبقي له القليل كي لا يغضب مني، آخر مرة كاد يحطم فراشي أعلى رأسي."
سقطت دموع والدتها وهي تبتسم تربت على كتفها بحنان وصوتها خرج محملًا بغصة:
"كلي يا ابنتي، كلي ما تشائين، وإن نفذ اصنع لأحمد المزيد."
ابتسمت لها فاطمة تنغمس في تناول الطعام تحت نظرات والدتها التي فقط كانت تراقبها بهدوء ودموع جارية تدعو الله أن تخرج ابنتها من هذه الدوامة التي كلما مدت يدها للنفاذ منها سحبتها مجددًا.
آه يا ابنتي، أين خلاصك من كل هذا.
***
"معتصم؟"
استدار المعتصم يضم معطفه البني لجسده كي يتفادى لسعات البرد القادمة من الجنوب. رفع حاجبه يراقب زيان يقترب منه وهو يحمل بين يديه تفاحة يتناولها باستمتاع:
"ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت؟ البرودة قارصة في الخارج، هذا ليس جيدًا قد تتعرض لنوبة برد شديدة معتصم وأنت تعلم أننا في غنى عن إصابتك خاصة هذه الأيام."
التوى ثغر المعتصم بضيق شديد:
"من الأساس أُدعى المعتصم بالله، ورأفة مني بكم ولثقل اسمي كاملًا على لسان البعض، سمحت لكم بمناداتي المعتصم فقط، لكن أن تجردني من التعريف وتجعل اسمي نكرة، هذا ما لن أسمح به زيان. ثم ماذا برأيك الذي قد يجعلني أنتظر في هذا الوقت على بوابة القلعة؟"
قلب زيان عيونه بحنق وغيظ منه يتناول قضمة من التفاحة ليكمل المعتصم حديثه بسخرية يفتح ذراعيه:
"بالطبع أنتظر أن يلقي القدر بمصيبتي بين أحضاني لتدفئني."
فتح زيان فمه ليتحدث، لكن قاطعه صوته كلمات صدرت من مراقب البرج عند البوابة الخاصة بالقلعة:
"افتحوا الأبواب للملك."
ابتسم المعتصم بسمة جانبية يهمس بصوت شبه مسموع:
"ها هي مصيبتي أتت."
ثوانٍ وكانت أبواب القلعة تُفتح والمعتصم يحدق بها في فضول كبير ينتظر أن تطل عليهم الفتاة مع الملك ليلتقطها ويخفيها بعيدًا عنه قبل أن يتخلص منها، فهو يدرك جيدًا أنه ذهب لها مجبرًا لأجل دينه لوالد الفتاة.
استعد ومد عنقه يحاول رؤية من دخل من البوابة ليبصر فقط أرسلان يتقدم منهم بحصانه حتى توقف أمامهم بكل بساطة، والمعتصم ما يزال ينظر للبوابة ينتظر أن تدخل الفتاة خلفه لربما كانت خجلى أو ما شابه.
رفرف برموشه في عدم فهم، ثم رفع عيونه صوب أرسلان الذي هز له رأسه وكأنه يخبره "ماذا؟"
تركه المعتصم وتحرك صوب البوابة ينظر يمينًا ويسارًا يبحث عن أثرها، ثم عاد لأرسلان الذي هبط عن حصانه يربت عليه بهدوء قبل أن يلتفت على صوت المعتصم الذي هتف بعدم فهم وريبة:
"أين هي؟"
"من؟"
اتسعت عيون المعتصم يهتف وهو يقترب بسرعة من أرسلان مرددًا بعدم فهم:
"ماذا؟ من من؟ أين هي الفتاة التي ذهبت لتحضرها؟"
أجابه أرسلان بهدوء واستفزاز:
"الفتاة؟"
رفع المعتصم يده يضعها على رأسه بصدمة:
"استغفرك ربي وأتوب إليك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
"إذا كنت بدأت وردك الليلي من الاستغفار فسأرحل أنا لأغتسل وأرتاح قليلًا قبل صلاة الفجر."
وقبل أن يتحرك امسك المعتصم يده بسرعة كبيرة يردد ببهوت:
"قتلتها؟ فعلتها وقتلتها؟ ابنة رائف ما الذي فعلته بها؟ أين هي؟ لقد ذهبت لتحضرها."
أجابه أرسلان متأففًا وهو يشير صوب البوابة:
"سوف تلحقني، لا تقلق، أنا لا أقتل نفسًا بريئة يا المعتصم، أنت لا تتحدث مع سفاح و..."
فجأة توقف عن الحديث يتراجع للخلف بصدمة من صرخة المعتصم التي رن صداها في المكان:
"مـــــــــــــاذا فعــــــــلـــــــت؟ تلحقك أين؟ من يلحقك؟ فتاة لا تعلم عن عالمنا شيئًا؟ هل تحاول دفعي للجنون؟ لأنك نجحت بالفعل."
تناول زيان قضمة من التفاحة وعيونه متسعة بحماس شديد لما يحدث أمامه، يردد بينه وبين نفسه:
"أقسم بالله أن معتصم كان كنسمة الهواء لا نشعر به في المكان لكثرة صمته وهدوءه، الآن ننام على صراخه ونستيقظ على صياحه."
رمته أرسلان ببرود يردد بجدية وصوت هادئ:
"انتبه لنبرتك يا المعتصم، أنت تتحدث مع ملكك."
تراجع المعتصم يتنفس بصوت مرتفع وقد جرفه غضبه ليصرخ في وجه الملك بكل وقاحة. ابتلع ريقه يحاول الهدوء:
"أنا... اعتذر منك مولاي، لكن الأمر فقط أنها غريبة، أنت تعلم ذلك، هي لا تعلم الطريق، أخبرني أنك لم تتركها وحدها."
"لا، تركت معها جديل..."
اقترب منه المعتصم يتساءل بعدم فهم:
"عفوًا، تركت معها من؟ من هذا جديل؟ أحد رجال الجيش؟"
نفى أرسلان يردد بجدية خالصة أصابت المعتصم في مقتل:
"بل الحصان، هو يعلم الطريق جيدًا، لا تقلق، كل ما عليها أن تصعد فوق ظهره وهو سيحضرها هنا بكل بساطة."
تأوه المعتصم يضع يده أعلى صدره لا يصدق أن ما يسمعه حقيقة. أرسلان لا يفعل ذلك، بالطبع هو يخدعه، لكن كيف والفتاة لم تأت بعد؟ أرسلان ليس نذلًا لهذه الدرجة.
بينما أرسلان راقبه بهدوء يفكر في إخباره الحقيقة وأنه اختبأ حتى رآها تصعد بعد سبع محاولات فاشلة لتتوسط ظهر جديل، ومن ثم تحرك خلفها بخيله يراقب الطريق لها حتى اطمأن أنها دخلت الممر الأخير للقصر ومن ثم انحرف هو للمدخل الآخر ليصل قبلها. رغم أنها سبته وسخرت منه وهذا ما لا يسمح به البتة، إلا أنه لم يكن حقيرًا أو عديم رجولة ليترك امرأة وحدها في مثل هذا الليل حتى وإن كانت تحفظ البلاد، فما بالكم بامرأة غريبة ذات لسان لاذع؟
تنهد وهو يفتح فمه ليعترف للمعتصم بأنه لم يتركها وكان يرافقها في رحلتها، لكن وقبل أن يفعل سمع صوت حوافر خيل تقترب ليقول بهدوء:
"ها هي أتت، أخبرتك أن جديل لا يخطئ الطريق."
نظر له المعتصم بشك يعلم أنه يخفي شيئًا، لكن كبرياؤه يمنعه من قول ذلك الشيء وهو سيعلمه.
رفع عيونه صوب الفتاة ليرحب بها، لكن أول ما نطق به كان:
"مهلًا، هل ترتدي الفتاة معطفك الخاص؟"
***
مستندًا على جدار سجنه يراقب النافذة الوحيدة التي تمن عليه بضوء القمر، يراقبها بأعين ضبابية وصوت والده في جلسة المحاكمة الأخيرة يرن في أذنه.
"العدل لا يفرق بين أمير وفقير، وعقوبة الخيانة نعلمها جميعًا، ومهما أُجلت لابد أن تنفذ."
صمت آزار ثواني قبل أن ينطق بجملة خرجت منه بصعوبة وكأنها أبت أن تفعل إلا بروحه:
"غدًا ومع شروق الشمس، يُعـ...يُعدم.... يُعدم ولد... نزار."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى آزار من المكان بسرعة مرعبة وكأنه خشي أن ينهار باكيًا أمام الجميع، تاركًا نزار يراقب رحيله ببسمة حزينة، يهتف بصوت مرتفع قبل خروج آزار بالكامل من المكان:
"أقبل حكمك مولاي، على ألا تنساني من دعائك، ادع الله أن يغفر لي، لا تنسني يا أبي، زرني كلما سنحت لك الفرصة، وهذه آخر أمنياتي."
سقطت دموع نزار يدفن وجهه بين قدميه يتنهد بصوت مرتفع، يتذكر مقابلته مع والده والتي حدثت مباشرة بعد عودته من سفيد وقبل نطقه بالحكم. جلسة بدأت بلوم وعتاب وانتهت بعناق اقتنصه منه نزار دون أن يشعر.
ظل جالسًا ينتظر موته بفارغ الصبر، علّ الموت يكون به رحيمًا، لكن أي رحمة يرتجي وهو لم يكن رحيمًا، شارك في ضياع أرواح الكثيرين وكاد يساهم في المزيد.
فجأة ومن بين أفكاره سمع نزار صوت فتح الباب، ارتجف صدره وشعر بالخوف يتملك من أطرافه. هل حان الوقت؟ الشمس لم تشرق بعد، هل قرر والده أن يسرع من التنفيذ حتى ينتهي منه؟
رمش يبعد الدموع عن عيونه حتى يبصر القادم، ليرى أحد جنود والده يتحرك صوبه مرددًا بصوت خافت هامس:
"هيا تحرك معي بسرعة قبل أن ينتبه لنا أحد."
رفع نزار عيونه للرجل بعدم فهم:
"من أنت؟ ماذا تفعل؟ هل... هل أرسلك أبي؟"
نطق جملته الأخيرة بأمل كبير أن يكون والده قد خدع الجميع وسيهربه، لكن خفتت شعلة الأمل داخل عيونه يردد بصوت هامس:
"ألم تتعرف عليّ نزار؟ هذا أنا الوليد، هيا تحرك معي."
الوليد، أحد جنود الجيش الأشداء و... أحد الخائنين الذين عملوا معه، كيف لم يسقط كما سقط الباقيين؟
كان يحدق في وجهه بتساؤل التقطه الوليد بمهارة ليردد ببسمة:
"سأخبرك بكل شيء لاحقًا، علينا فقط الخروج من المكان الآن قبل أن ينتبه أحدهم، لنخرجك هيا."
تحرك معه نزار دون إرادة وقد نبتت زرعة أمل داخل صدره القاحل، سيعيش، ورغم كرهه للتعامل مع هذه القذارة إلا أن الشيطان في هذه اللحظة زين له فرصة أخرى، الله يمنحه فرصة أخرى ليحيا.
أو ربما كان اختبارًا آخر.
"إلى أين تأخذني؟"
"حيث مقر الرجال وتجمعنا."
تعجب نزار حديثه يسير خلفه مرددًا بصوت هامس:
"الرجال؟ ألم يُقتلوا جميعًا والمتبقي منهم أجار عليهم أرسلان؟"
ابتسم الوليد بسخرية:
"هذا ما يحسبونه هم يا أخي، نحن بكل مكان وبكل مملكة، موت بافل لم يكن نهايتنا، بل كان بداية عصر جديد لنا، المستقبل لنا والممالك لنا، سنسقط تلك الحياة التي فرضت علينا، والدين الذي أُجبرنا على إتباعه، كل ذلك سيسقط مع سقوطهم."
شعر نزار بالرعب مما يسمع، الأمر أكثر رعبًا وأشد وطئًا مما كان بافل. هل يكمل أم يعود لسجنه ويموت بما تبقى له من شرف وعزة:
"أين سنذهب الآن؟"
"أخبرتك حيث الرجال."
ردد سؤاله بتصميم ليعلم أين سيكون رحاله القادم:
"وأين هم الرجال؟ بأي مملكة؟ مشكى؟"
استدار له الوليد يهتف حينما خرج به من المكان بأكمله يشير صوب الخيول التي تنتظرهم وقد أدرك نزار في هذه اللحظة أن الأمر مخطط له سابقًا:
"بل سبز."
***
نظر أرسلان بشر صوب المعتصم الذي لم يكن يفهم ما يحدث، هو فقط يرى امرأة تهبط عن الحصان بصعوبة تحمل فوق كتفها.... قرد؟
كما أنها ترتدي معطف أرسلان الذي يعتز به ويعتبره رمزًا له في الحروب، معطف كان الجميع يرتعبون إذا ما رأوه يرفرف خلف صاحبه، الآن ترتديه امرأة تتحرك صوبهم بخطوات هادئة.
بينما أرسلان ضم ذراعيه لصدره وقد كان يرتدي بنطال قماشي أسود مع سترة بنفس اللون بعدما نزع معطفه وأعطاه لها.. يترقبها ويترقب وصولها، ينتظر جولتهم الثانية من النقاش ولسانها اللاذع، وفي الحقيقة ستكون محقة فيما تفعل.
أما عن سول فقد هبطت عن الحصان بصعوبة كبيرة كما صعدت بصعوبة أكبر. سارت له وكل خلية في جسدها تنتفض بغضب جنون، جسدها يهتز من الحنق والغيظ داخلها. وصلت واخيرًا أمامه، ترفع رأسها له وقد كان وجهها يظهر من بين قماش معطفه الذي شدته عليها. نظرت له ثواني طويلة ترقبه هو أن تنفجر، لكن كل ما حدث بعد هذا كان دربًا من الجنون.
ابتسمت سول برقة شديدة ولطف تشير للحصان الذي هبطت من عليه للتو متحدثة بامتنان وصوت رقيق:
"أشكرك مولاي على كرمك وجودك، لقد كان الجواد خير مرافق لي في رحلتي."
شعر أرسلان بالغباء وهو يرى طريقتها في التحدث معه، كان يبدو كما لو أن من أمامه هي إحدى الأميرات ذوات اللسان العذب والرقة اللامتناهية وليس نفسها المرأة التي كادت تلتهمه حيًا منذ ساعات.
"- ماذا؟"
"أشكرك مولاي على كرمك، كان هذا لطفًا منك."
ردد المعتصم الكلمة بصدمة:
"لطفًا؟"
أكملت هي بهدوء والرقة ذاتها:
"والآن هل تتكرم وترشدني لمكان سكني المؤقت فأنا أشعر بالإرهاق."
والإجابة من أرسلان كانت نفسها:
"ماذا؟"
"مكان سكني مولاي، فأنا وموزي مرهقان من هذه الرحلة الطويلة."
ختمت حديثها تشير صوب موزي الذي استقر على أكتافها يغط في نوم عميق مصدرًا أصواتًا خافتة، بينما أرسلان فقط يحاول تجاوز هذه النسخة الرقيقة وقد كان الأمر مرهقًا.
أما عن المعتصم، والذي لا يدرك عن سول شيئًا، فقد توقع أن تغضب الفتاة وتثور على ملكهم، لكن يبدو أن رائف قد أحسن تنشأتها إذ يبدو أنها تمتلك من الحلم ما يكفي لتتعامل مع أرسلان.
تنحنح وقد كان أول من يخرج عن صدمته يشير صوب الداخل:
"مرحبًا آنستي، أنرتِ مشكى، أنا المعتصم بالله قائد جيوش مشكى ومساعد الملك أرسلان."
ابتسمت له سول بسمة رقيقة ترحب به بلغة عربية متقنة:
"مرحبًا بك تشر..."
فجأة توقفت عن الحديث فجأة وقد شعرت أن دلو بارد سقط أعلى رأسها تردد بصوت خافت وصل لكليهما مما جعل أرسلان يعقد حاجبيه بعدم فهم:
"أرسلان؟ هل ذكرت أرسلان؟"
نظر لها المعتصم بعدم فهم بينما أرسلان، والذي كان يدعي اللامبالاة اعتدل يردد بضيق:
"ألديكِ اعتراض على تسميتي؟"
نظرت له سول بسرعة كبيرة تمشطه بعيونها تحاول البحث عن الطفل الصغير المسكين والذي تحالف عليه كاتب الرواية ليدمر له طفولته. لا يعقل أنهما نفس الشخص؟ هل هذا هو؟
"أرسلان بيجان؟"
ابتسم لها بسمة هادئة لا تمت للسعادة بشيء، بل كانت باردة للغاية:
"صحيح."
"الطفل المسكين؟"
اتسعت عيون المعتصم وزيان بينما تشنج وجه أرسلان ينظر حوله يبحث عن الشخص الذي تقصده تلك الفتاة بكلماتها التي لا تمت له بأي صلة:
"عفوًا؟"
كانت سول في هذه اللحظة تنظر له تحاول أن تخرج من أعماقه شخص مسكين أُجبر على هذه الحياة الصعبة وقد أوصلته عقد الماضي لما هو عليه من تجبر واضح، لكن لا والله كان يبدو أن هذا المصير من اختياره الخاص ورغبته الخالصة.
ابتلعت ريقها تحاول أن تخرج صورة الطفل المسكين المضطهد من رأسها والتي كانت لا تتلائم بأي شكل من الأشكال مع صورة هذا الرجل.
تمتمت بعدم تصديق:
"والله اتضح أن الكاتب هو المسكين الوحيد في هذه القصة."
تأفف أرسلان وهو يلاحظ نظراتها له ليتململ في وقفته هاتفًا بصوت جامد:
"هل تحتاجين لتناول الطعام قبل نومك؟"
تشنج وجه المعتصم لا يفهم السؤال الذي طرحه أرسلان للتو، ولا أرسلان ذاته يفهم كيف خرج السؤال منه، هو فقط أراد تشتيت نظراتها المريبة تلك وكأنها تدرسه أو تحاول النفاذ لعقله.
أجابته سول وهي ما تزال تحاول التعافي من صدمتها تلك:
"لا شكرًا لك، تناولت طعامًا عصر اليوم مع صامد وصمود."
"حسنًا إذن سأرسل لكِ من يرشدك من نساء القصر و... هل هذا القرد سيقيم معكِ بغرفتك؟"
لم تفهم سبب سؤاله ورغم ذلك أجابت بهدوء وهي تضم موزي لها وقد بدأ يتململ في نومته ويفتح عيونه كطفل تزعجه أحدهم أثناء غفوته:
"نعم، فموزي لا يحسن التصرف بعيدًا عني، كما أنه لا يستطيع النوم إلا بالقرب مني، ولا تقلق فموزي لن يتسبب بأي مشاكل لأحد هنا، هو هادئ مطيع في العادة."
تمطأ موزي مصدرًا أصوات هادئة، قبل أن يفيق بالكامل ويفرك عيونه، ثم بدأ رحلته صوب كتف سول يستقر عليه مرة ثانية، وانظروا لحسن حظه، بمجرد أن استيقظ وجد وجبته تلوح في الأفق، لذا دون تفكير قفز بسرعة كبيرة على كتف أرسلان الذي انتفض بتفاجئ متسع الأعين وقبل صراخه بكلمة تخطاه موزي وهو يقفز صوب زيان يلتقط منه التفاحة يقضمها بشهية فوق رأسه، بينما زيان ما يزال يمد يده التي كانت تحمل التفاحة مفتوح الأعين بصدمة كبيرة.
أغمضت سول عيونها بخجل مما حدث تحاول أن تتحدث، ترى موزي يقفز مجددًا فوق كتف أرسلان الذي صرخ بضيق:
"توقف عن هذا يا هذا..."
لم يهتم به موزي وهو يصعد فوق رأسه يجلس عليها مفسدًا شعر أرسلان الذي رفع عيونه بشر يهمس:
"أنت حقًا لا تريد أن تكون سببًا في إزعاجي واليوم تحديدًا، ابتعد عن رأسي."
ويبدو أن تأثير طاقة أرسلان امتدت وتخطت البشر حتى وصلت للحيوانات، إذ قفز موزي بسرعة عن أكتافه وبرعب شديد يستقر فوق أكتاف سول الآمنة، بينما سول رمقته بتحذير وتوعد، ثم نظرت صوب زيان المصدوم ببسمة خجولة:
"اعتذر منك، هو فقط يحب الفاكهة و..."
وقبل إكمال جملتها تحرك موزي لفوق رأسها بسرعة كي يجلس هناك كما اعتاد، لكن تسببت أقدامه الصغيرة في إزاحة القلنسوة عن رأسها لتسقط مظهرة شعرها، ولم يكد أحدهم يستوعب ما يحدث حتى صرخ أرسلان، والذي أدرك ما سينتج عن حركة ذلك القرد:
"أعينــكم للاســفل."
لم يدرك أحدهم ما يحدث، لكن فجأة انخفضت أعينهم بسرعة كبيرة، وتوتر المعتصم إذ تحرك بسرعة يعطيهم ظهره مرددًا بسرعة وهو يهرول من المكان:
"سأذهب لأرسل امرأة ترشدها وتساعدها."
نظر زيان حوله لا يدري ما يفعل قبل أن يصيح بصوت مرتفع:
"انتظرني يا معتصم."
ردد المعتصم وهو يتحرك بعيدًا عنه وقد وصل صوته لهم:
"أخبرتك أنني المعتصم أيها الطبيب الـ..."
وتلاشى صوتهم بعد تلك الكلمات ولم يتبقى عند البوابة سوى سول وقردها. أرسلان الذي تحدث من أسفل أسنانه:
"أخفى شعرك."
أبعدت سول موزي بسرعة تخفي شعرها مجددًا بالقلنسوة تردد بصوت خافت:
"آسفة لم..."
"سأخبرك وبهدوء ما سيحدث، هذا القصر، بل هذه المملكة لها قواعد تحكمها، أولها لا صوت يعلو أحكام الله التي شرعها، وأنتِ امرأة.... مسلمة."
كان يتحدث وهو يضغط على كل حرف وهي فقط تراقبه بهدوء شديد وملامح محايدة لا تعبر عما يدور داخل صدرها في هذه اللحظات، ليتابع هو حين أبصر منها صمتًا:
"ثوبك الشرعي إما أن تلتزمي به، أو لا تغادري غرفتك، فهمتي؟"
راقبته بكل هدوء وحين انتهى من كلماته التي خرجت منه بنبرة حادة محذرة، أهدته أكثر بسماتها لطفًا وهدوءًا نفسها البسمات التي تمنحها للمجرمين الذين تعالجهم:
"أريد غرفة بنافذة تطل على أي مسطحات مائية إذا لم أكن أثقل عليك فضلًا."
تعجب أرسلان حديثها وطريقتها في التعامل معه وردودها المريبة. تراجع لا يجد في رأسه ردة فعل، هل يكمل صراخ بها لأنها تجاهلته أم ماذا؟
بينما هي تفاءلت خيرًا بحياتها في هذا القصر ومع هذا المختل. حسنًا، هي اعتادت التعامل مع كثيري الصراخ مثله، لكنها لم تعتد العيش معهم، ولم تكن هذه بداية مبشرة بالمرة.
"لا بأس، يومين ونفكر بالهرب من هنا وترك ذلك المختل ومملكته."
كان أرسلان يتنفس بصوت مرتفع وهو يراقبها قبل أن يتراجع حين سمع صوت امرأة في الخلف تردد بخفوت واحترام:
"أرسلني قائد الجيش لاعتني بالآنسة مولاي."
ابتسمت سول بسمة واسعة تتخطى أرسلان سريعًا دون اهتمام وقد كان معطفه يتطاير خلفها وموزي يتمسك بها وعيونه يركزها بخوف على أرسلان الذي ما يزال يقف مكانه بهدوء شديد يسمع صوتها الرقيق تتحدث للمرأة:
"اشكرك، واسفة لو تسببت في أي إزعاج لكِ."
كانت تلك آخر كلمات سول قبل أن تتحرك مع المرأة تاركة، ليستدير موزي على كتفها يرفع يده ببقايا التفاحة يلقيها على أرسلان بغضب لصراخه به، لكن أرسلان امسكها قبل أن تصل له ورفع يده يرد له الضربة بقوة أكبر أسقطت موزي أرضًا عن كتف سول التي توقفت بصدمة تنظر له:
"حقًا؟؟"
ابتسم لها أرسلان ببرود شديد، ثم أبعد عيونه عنها ببساطة يحاول استيعاب ما حدث خلال تلك الساعات الأخيرة. أولهم مقابلته مع أنمار وحديثه معه وطلبه القذر الذي جعله ينهض ويحطم قاعة الاجتماعات الخاصة بسفيد أعلى رأسه، ثم إلقاء ثلاث سبات في وجهه، مخبرًا إياه أن يحتفظ بغلاله فلا حاجة له بها، وانتهى اللقاء العاصف برحيل أنمار هربًا من المكان تاركًا إيفان ومن معه يمتصون غضبه.
والآن يختتم يومه بكارثة أخرى متمثلة في ابنة رائف صاحب الشخصيات المتعددة وموزها المزعج.
نظر أرسلان للسماء يتنفس بصوت مرتفع:
"وماذا بعد ذلك؟ هل هناك المزيد لأجلي في هذه الحياة؟"
***
ألقى نفسه على الفراش بعد يوم طويل، واخيرًا اطمئن أن كل شيء بخير في المكان، واطمئن أن أرسلان سيبيت ليلته دون أن يقتل أحدهم.
تنهد بصوت مرتفع يغمض عيونه:
"مالك ومال كل هذا يا المعتصم؟ بالله لقد كنت تحيا حياة هانئة أقصى ما تتحمله به هو هموم غسل ثيابك المتسخة بعد يوم تدريب شاق."
صمت قبل أن يبتسم يحمد الله، أين كان هو وأين أصبح، الأمر كله كان فضلًا من الله، وحسن اختيار من قائده سالار. فرغم أن الجيش كان يحتوي كفاءات أعلى منه وأشخاص أكبر عمرًا وخبرة منه، إلا أنه ما يزال يتذكر كلمات سالار له: "ربما تتساءل عن سبب اختياري لك تحديدًا لأجل هذه المهمة يا المعتصم مفكرًا أن هناك الكثير أقدم منك بالجيش هنا، رغم أنك لا تقل عنهم دهاءً وخبرة، إلا أن سبب اختياري لك أبعد من كونك جندي هنا."
صمت سالار يربت على كتفه، ثم جلس على أحد المصاطب يدعوه ليجاوره، ثم تنهد تنهيدة عالية قائلًا: "حدود مهمتك لن تتوقف على اندساسك بينهم وتسليح الشعب وقيادتهم، بل أنا أرسم لك مستقبلًا أبعد من هذا يا المعتصم. أنت ستقود الشعب للثورة، ومن ثم ستقود جيش مشكى بعد عودتها بإذن الله."
اتسعت أعين المعتصم بفزع: "ماذا؟ أنا؟ لكن أنا مازلت صـ..."
"أنا قدت جيوش سفيد بعمر الثالثة والعشرين يا المعتصم، لست صغيرًا، أنا أثق بك أكثر من الجميع، اخترتك من بينهم لأنك مميز بشيء لا يمتلكونه هم."
على التعجب أعين المعتصم ليشير سالار صوب قلبه ببسمة واسعة: "حبك لبلادك ودماء مشكى التي تسري بين أوردتك ورغم حياتك الطويلة بسفيد، لن يخاف أحدهم على مشكى كما يفعل أفراد شعبها، ومهما أظهرنا من تعاطف، فلن يوازي انتماء من تسير به دماء هذه البلاد، أنت تنحدر من مشكى وهذه نقطة في صالحك، ثم..."
صمت ثوانٍ قبل أن يضيف بخوف من تلك الفكرة: "أخشى على أرسلان من نفسه ووحدته، لا يغرنك صراخه وغضبه وتهوره، أرسلان منذ طفولته كان أكثرنا حنانًا وطيبة حتى أكثر من إيفان الخبيث ومني، لكنه لا يظهر ذلك للجميع."
ابتسم يرى استنكار المعتصم: "لا أحد يبصر كل هذا سوى القريب منه فقط، أو من يسمح له أرسلان برؤية هذا، عدا ذلك ستجد رجل مستفز منفر تكره مصاحبته، أريدك أن تكون جواره، هذا رجل خانه الجميع وباعوه ولن يمنح ثقته لأحد بسهولة، وقد يتسبب هذا في وحدته، لا أنا ولا إيفان جواره طوال الوقت ويومًا ما ستغادر شقيقته لبيت زوجها، ولن يتبقى له سوى نفسه وأنت، صاحبه وكن جواره وصدقني إن أمن أرسلان جانبك، فاعدك برفيق حياة قد يموت فداءً لك يا المعتصم."
أفاق المعتصم من شروده مبتسمًا، صدق القائد قوله، لا يدري السبب، لكن كسب ثقة أرسلان لم تكن بالصعوبة التي يتوقعها، فخور أنه أصبح جواره يأتمنه كل شيء ويعامله كشقيقه الأصغر وقد عوضه فقدانه لأسرته في سن صغير.
أرسلان، والذي كان يبطن عكس ما يظهر للجميع، رجل مسؤول تحمل الكثير، قوي ورغم تهوره حنون على شعبه قد يتحمل أي شيء لأجل شعبه.
ولا يدري المعتصم أن أرسلان هو من كان في أمس الحاجة لرفقته، وأنه هو من عوضه وحدته، وكأن سالار كان يدرك أن كلًا منهما سيمثل سندًا للآخر بطريقته.
***
تقف في منتصف الجناح تدور بعيونها يمينًا ويسارًا وكأنها تدرس البيئة حولها، لكن يبدو أن تقبلها لما يحيط بها لم يكن كبيرًا.
"لا يبدو أن فترة بقائنا هنا ستكون ممتعة كما توقعنا يا موزي، وانظر لحظنا الرائع والسعيد، بطل روايتنا العزيز أصبح واقعًا وها نحن نعيش الجزء الثاني منها بشكل واقعي."
أصدر موزي صوتًا منزعجًا يتحرك بعيدًا عن كتفها، يقفز على الأثاث حولها وكأنه يختبر جودته وإن كانت ستتحمل قفزاته في المستقبل أم لا؟
بينما هي كانت فقط صامتة تراقبه بشرود كبير وعقلها يدور في منطقة أخرى بعيدة. إن كان أرسلان بيجان ذلك الطفل الصغير واقعًا، هذا يعني أن كامل الرواية واقعية، أو ربما ليست برواية في النهاية.
تحركت صوب النافذة تقف بها تراقب السماء الممتلئة بالنجوم وقد ساعد قلة الأضواء على ذلك وبشدة، مظهر جعلها تبتسم دون وعي منها، ثم فتحت ذراعيها بسعادة وراحة مفاجأة شعرت بها وقد ساهمت الأجواء الشاعرية حولها على الأمر.
"حسنًا، يبدو أنني سأحب هذه الحياة الفكتورية."
وكان هذا أقصى ما تبادر لذهنها، حياة من العصر الفكتوري رغم الاختلاف الجوهري بين هذا المكان وما شاهدته في الأفلام.
أغمضت عيونها تتمايل مع نسمات الهواء حتى سبحت في عالم آخر وقد بدأت تدندن بعض النغمات الفرنسية القديمة والتي تذكرها بذلك العصر القديم، نغمات راقية هادئة رقيقة جعلتها تتخيل نفسها ترتدي فستانًا من عدة طبقات وتتمايل مع أمير راقٍ داخل بهو واسع ملئ بالأضواء والثريات.
لكنة فرنسية ممتازة أخرجت كلمات الأغنية بشكل منمق ساحر، وكادت الأجواء تكتمل وتصبح أكثر سحرًا، لولا صوت السيوف الذي قاطع خلوتها الشاعرية مفسدًا جو السلام والوئام هذا بالكامل.
انتفض جسد سول بعنف تفتح عيونها بسرعة تبحث عن مصدر ذلك الصوت وقد شعرت نفسها داخل ساحة حرب. دارت بعيونها ولم تبصر شيء لتقرر التحرك بنفسها ورؤية ما يحدث.
تحركت بسرعة صوب الخارج، لكن قبل أن تفعل توقفت فجأة تتذكر كلمات ذلك البغيض بشأن ثيابها. انتزعت معطفه الأسود بحنق شديد:
"غيرت رأيي، أنا لا تعجبني الحياة هنا."
تحركت صوب الخارج تضع المعطف عليها تغطي به جسدها وشعرها وهي تسير بسرعة كبيرة تبحث عن مصدر ذلك الصوت وقد صور عقلها لها أنه ربما شخص يتعرض للتعذيب أو ما شابه كما العصور الوسطى.
كل هذا وموزي يركض خلفها بسرعة كبيرة حينما رآها تندفع من الغرفة.
كانت تسير في الممرات تحاول الخروج من تلك المتاهة، لكن كلما ظنت أنها نجت منها وجدت نفسها تعود لنفس نقطة البداية، أو ربما لم تكن نقطة البداية؟
توقفت تضع يدها في خصرها متأففة:
"والله لو كان أحدهم يُعذب لقُطع شرائح قبل أن أستطيع الخروج من هنا."
فجأة أبصرت أحد الرجال يمر من أمامها مرتديًا زيًا حربيًا:
"أنت توقف."
توقف الرجل بسرعة واستدار يعدم فهم صوب الصوت النسائي ليُصدم من امرأة ترتدي معطف الملك الخاص، شعر بريبة مرددًا:
"نعم؟"
"من أين يأتي ذلك الصوت؟"
"ذلك الصوت؟"
"صوت السيوف."
هز رأسه يجيب وهو يخفض رأسه ينظر أرضًا لتتعجب سول ما يفعل، لكنها لم تعلق تهتف بجدية:
"ذلك الصوت من أين يصدر وما سببه؟"
"هذا الملك يتولى تدريب بعض الجنود."
وقبل أن يسترسل في شرح الأمر وصلت صرخة فزعة لهم جعلت جسدها ينتفض بشكل مرتعب، قبل أن تصرخ بصوت مصدوم:
"يتولى تدريب ماذا؟ الرجال يستغيثون!"
ختمت حديثها وهي تركض بسرعة صوب الصوت الذي بدأ يزداد أكثر وأكثر، تركض ومعطف أرسلان يتطاير خلفها حتى وصلت لساحة واسعة مليئة بالشعلات حولها.
اقتحمت ساحة التدريب تصرخ بصوت جعل الجميع يتوقف بتعجب وعدم فهم:
"توقف، ما الذي تفعله بهم يا هذا؟"
كنت تصرخ في وجه أرسلان الذي كان يقف أمامها متعرقًا لا يرتدي سوى بنطال قماشي وسترة دون إكمال سوداء اللون يتنفس بصوت مرتفع ويراقبها بأعين متسعة وهي تقف في وسط الرجال تصرخ في وجهه.
نبس بشر وهو يضيق عيونها عليها:
"لن يكون أسوأ مما سأفعله بكِ إن لم تتحركي من بين الرجال الآن."
اشتعلت أعين سول وقد وصلت لذروة غضبها وتلاشت شخصيتها الرقيقة التي حافظت عليها منذ جاءت تصرخ في وجهه بعد تهديده لها بإلحاق الأذية بها:
"آها، لقد علمت، والله علمت منذ الوهلة الأولى التي أبصرتك بها، أنت من ذلك النوع من الملوك الذين قرأت عنهم عبر التاريخ، مثلك مثلهم سادي."
ابتسم لها أرسلان بسمة مخيفة أظهرت أسنانه أمام عيونها وكأنها أنياب ذئب سينقض عليها:
"عفوًا منك آنستي، لكن لا أعتقد أن التاريخ يمتلك اثنين مني، لذا لا أظن أنكِ قد صادفتي من يشبهني داخل كتبك العزيزة."
ابتسمت سول بعدم تصديق تردد بذهول:
"هذا من حسن حظه للتاريخ، والآن ماذا؟ لست ساديًا فقط، أنت نرجسي كذلك."
أصدر موزي، والذي وصل للتو وتسلق حتى كتفها، صوتًا مرتفعًا وكأنه يؤيد ما قالته.
ويبدو أن مصطلحاتها الطبية والتي ظهرت في القرون الوسطى من عصرها لم تلقى صداها عن أرسلان الذي رمقها بعدم فهم، ذلك المسكين الذي لا يدرك ما تريده هي.
هل شبهته للتو بزهور النرجس وأضافت له "ياء الملكية"؟
ضيق عيونه وهو يحدق بها بنظرات جعلتها تتراجع للخلف وقد ابتلعت ريقها تحاول أن تعتذر بسبب تسرعها في الحديث معه بوقاحة وأمام الجميع، بينما هو فقط تجاوز ما حدث يردد بهدوء ولهجة مرعبة:
"سأمهلك دقيقة واحدة لتختفي أنتِ وموزك من أمام عيوني وعيون رجالي في هذه اللحظة، وحذاري أن تتخطي حدودك داخل هذا القصر."
تنفست بصوت مرتفع تعترض على حديثه:
"أنت تؤذيهم و..."
صرخ أرسلان بصوت جعلها تنتفض:
"أؤذي من يا امرأة؟ نحن نتدرب على القتال."
ارتجفت وشعرت بالخوف منه ورغبة عارمة في البكاء، لكنها تماسكت تجيبه بثبات مذكرة نفسها أنه ليس أول مختل تتعامل معه في حياتها. "تذكري سول، لكل مختل طريقته المثلى في التعامل."
تنفست بصوت مرتفع تعود لرشدها وثباتها:
"حسنًا، لكن التدريبات يمكنها أن تكون أقل حدة مما تفعل أنت."
ضحك أرسلان بصوت مرتفع وبشكل جعل الجميع ينظر له بريبة، بينما هو تماسك بصعوبة ثم قال بإذعان:
"حسنًا، بعد كل ضربة أوجهها لهم سأهديهم عناقًا."
نظرت له بغيظ لسخريته منها، بينما هو فقط تنفس بصوت مسموع ثم قال كلمة واحدة:
"لغرفتك."
رمقته بعناد، لولا نبرته الحادة التي خرجت بصوت منخفض كي لا يزيدها معه وهي في النهاية امرأة لا قبل لها بالتعامل مع غضبه:
"الآن..."
رمته بنظرة مشتعلة متوعدة، ثم ركضت صوب الغرفة تغلي من الغضب وموزي على كتفها يرمق أرسلان بشر ونظرات لم تأخذ سول فرصتها لتوجهها لها.
ابتسم أرسلان بسخرية، ثم نظر حوله للرجال ثوانٍ قبل أن يقول:
"انتهينا لليوم، غدًا نكمل يا رجال، نلتقي في صلاة الفجر."
ختم حديثه يغرز سيفه أرضًا ونظراته ما تزال معلقة على الطريق الذي سلكته سول:
"أعتقد أنني أفضلها طفلة صغيرة الآن."
***
تحرك خلف الوليد يحاول أن يستوعب ويدرك أين وصل. منذ ساعات وهو يتحرك بخيله في طرقات لم يطئها سابقًا، أماكن لم يعلم حتى بوجودها. ليس لأنه لم يذهب لسبز يومًا، فعلى العكس كانت سبز أكثر البلاد التي زارها في حياته بسبب قرب وعلاقة والده بالملك بارق.
ابتلع ريقه بريبة حين سمع صوت معازف يقترب لتنكمش ملامحه بنفور شديد. كان الصوت مزعجًا مؤذيًا له، صوت نساء تغني وروائح غير محمودة تزور أنفه.
نفس الشعور بالتقزز الذي كان يصيبه كلما ذهب لزيارة بافل قديمًا، تناقض بين ما فعله وما يشعر به.
ابتسم بسخرية على نفسه يهبط عن حصانه حين سمع كلمات الوليد التي صدحت في المكان:
"هيا، لقد وصلنا."
تحرك خلفه نزار يحاول أن يتمالك وقد تغلب عليه الإرهاق الشديد، فشهور من الانعزال داخل السجن مع تناول القليل من اللقيمات لم يساعدوه ليتماسك أكثر من ذلك.
كاد جسده يسقط أرضًا بتعب لولا الوليد الذي امسكه يردد بهمس:
"ما بك تماسك يارجل."
فتح نزار عيونه بصعوبة يحاول أن يبصر ما يحدث حوله، لكن تلك المشاعل التي تحيط به تكاد تسبب له العمى. اعتدل بصعوبة يردد بصوت خافت محاولًا ألا يظهر بصورة الضعيف أمامهم، كي لا يتغذوا عليه كما يحدث في الغابات عادة.
"أنا بخير، فقط أشعر بالإرهاق، أنت تدرك كيف تكون سجون أبي."
ابت
رواية اسد مشكي الفصل الخامس 5 - بقلم رحمه نبيل
استيقظت بعد نومة هانئة دون أن تشعر حتى بالقلق كما اعتادت منذ وفاة والديها. السبب مجهول، أو ربما معروف ولكنها تحاول أن تتجاهله قدر الإمكان.
ابتسمت حين أبصرت موزي يجلس على نافذة الشرفة الخاصة بها يراقب السماء كعادته حين يستيقظ.
تحدثت ببسمة وبلغتها البرتغالية المتقنة:
"صباح الخير موزي، تبدو نشيطًا اليوم."
تحركت عن فراشها وهي ترتدي ثياب النوم، والتي تتكون من بنطال قصير وثياب علوية ضيقة.
ضيقت عيونها تتعجب أن موزي لم يستدر لها أو يعيرها أي انتباه حتى كما جرت العادة، فقد كان يتحين الفرصة ليقفز عليها بكل سعادة بعد كل استيقاظ لها.
تحركت صوبه تردد بعدم فهم:
"موزي ما الذي تفعله منذ الصباح ويشغلك عني؟"
وقبل إكمال جملتها أبصرت ما يفعل لتتسع عيونها تهمس بصدمة كبيرة وحذر:
"لا ليس هنا، من أين أحضرت كل هذه الفاكهة موزي؟"
لكن موزي لم يهتم حتى للاستدارة وإجابتها على شيء، بل كان منشغلًا كليًا في مراقبة الجميع في الاسفل، ويتناول الفاكهة باستمتاع، وكأنه ينتظر شيئًا بعينه. وها هو انتفض جسده باهتمام شديد حين أبصر ما يريد.
تحفز جسده بشكل مريب جعلها تقترب أكثر من النافذة غافلة عما ترتدي، تراقبه بعدم فهم:
"موزي ما الذي تفعله؟ نحن لسنا في المنزل لـ"
قبل إكمال جملتها ابصرته يرفع الفاكهة في الاعلى وهو يوجهها صوب جهة معينة. ضيقت عيونها تنظر للاسفل تبحث عن هدف موزي، ولم يأخذ الأمر منها وقتًا لتدرك أن قردها العزيز جعل الملك الطاغية هدفًا لفاكهته ويبدو أنه لم ينس بعد ما فعله له سابقًا.
اتسعت عيونها تتحرك بسرعة صوبه تجذب ما يحمل وهي تصرخ:
"إياك، إياك وفعلها لا ينقصنا صراخه منذ الصباح و..."
وسبق السيف العزل، قبل حتى أن تنتهي من جملتها كانت بقايا الفاكهة التي يتناولها موزي تصطدم بظهر أرسلان في الاسفل والذي كان يتحدث مع بعض الرجال في منتصف الساحة الخلفية للقصر.
وفجأة وأثناء انسجامه في الحديث مع الرجال شعر بشيء يصطدم به من الخلف. ضيق أرسلان ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يستدير خلفه يبحث عن الفاعل. وحين أبصر المكان فارغًا، رفع حاجبه بتفكير، قبل أن يرفع عيونه فجأة للأعلى ليبصر ذلك القرد يراقبه بسعادة. ابتسم بسمة مخيفة سرعان ما تلاشت بشكل مفاجئ حين أبصرها تقف في النافذة بهذه الهيئة.
همس بصدمة كبيرة وقد تسارعت دقات قلبه مما يرى:
"ما هذا الـ"
أبعد عيونه بسرعة يعض شفتيه متوعدًا لها بالويل:
"سامحك الله يا رائف، هل شغلتك الحياة عن تربية ابنتك؟"
أفاق أرسلان من شروده على صوت زيان يتحدث بجدية:
"مولاي هل سمعت ما قلت؟"
"ماذا؟ عفوًا زيان لقد شردت، ما الذي كنت تردده؟"
أعاد زيان ما قال منذ ثواني يردد بجدية كبيرة يوضح بها الملك ما سيفعل في الأيام المقبلة:
"كنت أخبرك أنني رتبت لأجل الحملات الطبيبة التي ستجوب المملكة، لكن الأمر يحتاج للكثير من التمويل، فالادوية التي نمتلكها لن تكفي الـ"
قاطعه أرسلان وهو يبعد صورتها عن عقله مستغفرًا ربه يحاول أن يهدأ قليلًا ولا يصعد ويلقيها هي وقردها من النافذة:
"لا تهتم ولا تحمل هم شيء زيان، أنا اتدبر كل شيء، فقط أبدأ جولتك وعالجهم، هناك الكثيرون من أهالي مشكى ما يزالوا جرحى ولا يستطيعون البحث عن علاج أو التحرك لايجاده، أريد أن تصل المساعدة لكل منزل في البلاد."
هز له زيان رأسه يردد بجدية:
"لا تقلق مولاي، أنا جهزت الكثيرين ممن درسوا الطب بالفعل وسأعمل على متابعتهم بشكل دوري وتوزيع المساعدات بشكل متساوي على الجميع."
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم استدار صوب رجل في الخمسين من عمره يردد بهدوء:
"وأنت يا المصطفى هل تسير كل أمورك على ما يرام؟"
أومأ له المصطفى بهدوء:
"عاينت جميع المباني التي ستتحول لمصانع، وقد بدأنا العمل بالفعل عليها وبإذن الرحمن خلال أسابيع وتصبح جاهزة لعودة الصناعة بعد توقفها في البلاد."
"جيد، اعتني بالأمر، أريد تحقيق اختفاء ذاتي في أسرع وقت."
"إن شاء الله مولاي."
تنهد أرسلان تنهيدة شبه مرتاحة، ثم مسح وجهه يشير لهم بالانصراف، وقد بدأ يعود ببلاده شيئًا فشيء صوب الطريق الصحيح، بغض النظر عن غلال الطعام التي اوقف استيرادها من سبز بعد آخر حوار نشأ بينه وبين أنمار العزيز.
تحرك بعيدًا عن الساحة يدخل القصر كي يبدل ثيابه لأخرى أكثر راحة كي ينضم لجنوده والمعتصم في ساحة التدريب.
وبمجرد دخوله للقصر تحرك صوب جناحه وهو يفكر في القادم. عليه بدء استصلاح الأراضي الزراعية الخاصة بمملكته، فهو لن يضع نفسه وشعبه تحت رحمة أحدهم ولو كان ذلك الاحدهم هو والده نفسه.
وحين استقر على ما سيفعل رفع رأسه لينحرف في الممر المؤدي لجناحه قبل أن يسمع صوتًا انثويًا أجبره على رفع عيونه ليرى من المنادي رغم أنه يدرك جيدًا صاحبة الصوت.
"أيها الملك..."
رفع عيونه لها بغضب شديد مما حدث صبيحة اليوم وخروجها للنافذة بثياب ليست بثياب حتى. فتح فمه للصراخ قبل تعلق الكلمات في حلقه وتتسع عيونه بصدمة كبيرة يراها تقترب منه بفستان يغطي كامل جسدها، من اللون الاسود مع بعض زهور العباد الصفراء وتجمع خصلاتها في شريطة صفراء على هيئة وردة أعطتها هيئة في غاية الرقة، وكان سيقدر أرسلان صنيعها إن كانت احتفظت بكل رقتها لنفسها في غرفتها.
استدار بسرعة ينظر حوله يبحث عن أي رجل داخل الممرات، وحين اطمأن أن لا رجال في المكان اندفع بسرعة صوب غرفته التي كان على اعتابها يفتح الباب بسرعة كبيرة ينتزع معطفه الذي يلقيه على الفراش، ثم خرج بسرعة يلقيه عليها صارخًا بحدة:
"ارتدي هذا..."
توقفت سول بصدمة ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى اكمل صراخه وهو يشير لها أن تبتعد:
"ألم أحذرك، تجاوز حدودك يا امرأة؟ ما هذا الـ... لا أجد تسمية لما تفعلين، كيف تخرجين بهذه الهيئة الـ..."
ومجددًا عجز عن إيجاد وصف لما يراه وتفعله هي.
أمسكت سول المعطف الخاص به تنظر له ثواني ببرود قبل أن ترفع عيونها له تقول ببسمة عادية وبمنتهى الرقة وكأنه لا يصرخ بها:
"اشكرك، أفضل الاحتفاظ بهيئتي كما هي."
"وأنا لا أفضل ذلك البتة، فإما أن تخفي ما تظهرينه بسخاء للجميع، أو أخفيكِ أنا للأبد."
رفعت حاجبها تردد بسخرية:
"ماذا؟ ستقتلني وتواري جثتي؟"
"وهل تعتقدين أنني بالغباء الذي يجعلني آثم لأجل امرأة مثلك؟"
ابتسمت سول بسمة جانبية وهي تلقي معطفه عليه تقول بكل عناد، تنظر لعيونه بتحدي:
"امرأة مثلي أنت لن تحب رؤية ما يمكنها فعله بك إن عاملتك المعاملة التي تعاملها للرجال امثالك سيدي الملك."
إهانة بإهانة، ورغم أنه محق وهي تدرك ذلك، إلا أنها كانت ستقدر له حديثه معها بهدوء وسلام ربما حينها كانت ستستمع له، لكن الآن وقد سلك طريقًا آخر في الحديث، فليتحمل لذاعة لسانها.
اتسعت أعين أرسلان بصدمة كبيرة يبتسم بسمة مخيفة يضغط على معطفه، وقبل أن ينطق بكلمة وجدها تتحرك بكل هدوء بعيدًا عنه وبخطوات رقيقة بهذا الثوب الذي يخفي كل شيء بها عدا شعرها ورقبتها.
وهي فقط شعرت بحاجتها للخروج قبل أن تتعامل معه معاملة الرجال في السجون، فعقلها الأن يشجعها وبشدة على ضرب رأسه في الجدار و...
توقفت أفكارها فجأة وتوقف سيرها بالتزامن مع خروج شهقات مرتفعة حين وجدت سيفًا يقطع طريقها. نظرت لذلك السيف بأعين متسعة، بينما هو كان يقف جوارها يبعد عيونه عن جسدها يحدق بالسيف:
"أنتِ لا تريدين اللعب معي بهذه الطريقة صدقيني."
ابعدت سول عيونها عن السيف ببطء حتى ثبتتها على وجهه، ثم وفي غفلة عنه أمسكت السيف بقوة و اقتربت منه بخطوات جعلت جسده يتجمد بغضب، يحاول التماسك وتذكير نفسه أنها امرأة. تراجع خطوات للخلف ليس خوفًا بل تجنبًا لأي تلامس غير مرغوب من طرفه، بينما هي ابتسمت تقف على بعد خطوات صغيرة منه وهو يراقبها بشر أن تتجرأ وتقترب خطوة إضافية:
"أنا لم اقطع كل تلك المسافة تاركة خلفي حياتي واصدقائي وعملي وكل ما امتلك كي تتحكم أنت بي بهذا الشكل. اهتم بمملكتك ودعك مني وحياتي، صدقني هذا سيريح كلينا."
أجابها أرسلان بغيظ شديد وشر ونظرات ملتهبة جعلتها تبتلع ريقها والخوف يسكنها، وها قد أبصرت بأم عينيها تجسيد حي للنظرات التي تحدث الكاتب المختل عنها:
"تحكم!؟ تسمين ما أفعله تحكم؟ آه يا امرأة أنتِ حقًا لا تريدين رؤية تحكمي، ولن تفعلي، فلا حق لي عليكِ لاتحكم بكِ، لكن لي كامل الحق في فرض قواعد وقوانين هذه البلاد عليكِ رغم أنفك."
صمت ثم أكمل بشراسة غير مهتمًا للخوف اللحظة الذي سكن عيونها:
"ثيابك هذه لا يجوز الخروج بها من باب غرفتك وإلا أقسم بالله أنني ســ..."
وقبل إكمال جملته انتفض جسده وجسدها حين سمعا صوت صرخات يأتي من الخارج والأصوات الجهورية تنطلق وكذلك صافرات الإنذار تعلو في المكان.
***
كانت صدمته وهو يراقبها تُعامل معاملة الجواري اكبر من أي صدمة قابلته في حياته. هو في حياته لم يقابلها يومًا أو يبصر وجهها منذ نضجت، كانت جميع لقاءاته معها من وراء حجاب أو رسمية لأكبر حد ممكن.
الآن يبصر امرأة تُباع وتصرخ أنها ابنة الملك بارق؟ حقًا؟ وما الذي ستفعله ابنة الملك بارق في مثل هذا المستنقع؟
شعر بقبضة الوليد تمسك يده وهو يجذبه بعيدًا ساخرًا:
"ماذا هل أعجبتك المرأة؟ يمكنني شرائها لك إن أردت."
سار خلفه نزار وهو ما يزال ينظر صوب تلك المرأة التي تقف بكل إباء تنظر للجميع بشر، يحاول معرفة إن كانت صادقة أم لا، لكن كلمة الوليد سقطت على مسامعه قوية بشكل مرعب:
"شرائها؟ شراء ماذا؟"
"المرأة، عزيزي أنت هنا بأكبر سوق للنساء وكل ما تشتهي الأنفس."
انقبض قلب نزار بصدمة أكبر، يشعر بحجر وضع أعلى صدره، إذ أبت رئته أن تسمح بدخول ذرة هواء ملوثة إضافية. ما الذي يحدث هنا في عالمهم، كيف يختبئ هذا السواد بين بياض عالمهم؟
أفاق على كلمات الوليد:
"كلهن نساء جئن لأجل اكتساب قوت يومهن، والبعض رجالهن من ارسلهن مجبرات، لكن في النهاية هن هنا، لذا إن أردت أن تستمتع يمكنك..."
وقبل أن يكمل كلماته أبصر جسد نزار ينتفض بقوة مرعبة وهو يتحرك صوب الرجل الذي امسك بالفتاة التي تدعي أنها أميرة سبز وصفعها بقوة.
اتسعت عين الوليد يبصر ما يحدث مرددًا:
"يبدو أنه رغم حقارتك نزار ما تزال تمتلك صفات القوم الذين تنحدر منهم..."
عند توبة وحين صرخت بهم أنها أميرة ابنة ملك، لم تلقى منهم سوى ضحكات ساخرة والبعض شامتة.
نظرت له بأعين مشتعلة وهي تقسم داخلها أنها ستموت على أيديهم خيرًا لها أن تُلوث.
استدارت بسرعة كبيرة تسحب السيف الذي كان متدليًا من ثياب الرجل الذي جاء لبيعها داخل سوق النخاسة هذا تصرخ بصوت جهوري تتخذ وضعية قتالية وقد كانت تتقن كل ما يتقنه الأميرات من فنون قتالية:
"أقسم بالحي الذي لا يموت إن اقترب مني أحدكم ليكون مصيره الموت."
نظر لها الجميع بصدمة قبل أن يهتف أحدهم بإعجاب كبير وهو يتقدم منها يقيمها نظرة الشاري لبضاعة جديدة:
"أحب هذا النوع الشرس، سأشتريها."
مدّ يده صوب وجهها وكأنه يفكر في اختبار بضاعته أولًا قبل اعتمادها، لكن وقبل أن تصل يده لها كانت تسقط ارضًا وقد انفجرت دماؤه في وجه توبة التي تراجعت للخلف وقلبها يرتجف برعب مما تراه. لا تدرك كيف فعلتها، تقسم أنها كانت تهدد فقط، لكن يبدو أن جسدها كان له رأي آخر وتحرك دون إرادتها.
صرخ الرجل بصوت مرعب وهو يمسك موضع ذراعه المبتورة وهي تراقبه بأعين متسعة وقد تشتت عن كل ما حولها ولم تشعر إلا بصفعة قوية تهبط على وجهها والرجل يصرخ:
"أيتها الوسخة ما الذي تجرأتي وفعلتيه، هل تحسبين نفسك في الممالك حيث حرمة الجسد؟ أنتِ هنا كالخرقة البالية مصيرك التنقل بين الرجال حتى تفني."
كلمات سقطت على مسامعها بشكل جعل جسدها يرتجف بقوة من قذارتها وهي التي لم تحسب يومًا أن تسمعها وقد عاشت كل حياتها في بيئة هادئة نظيفة. وأبوها العزيز، الوحيد الذي كان سيفتقدها ويقلب البلاد رأسًا على عقب لأجلها، أين هو الأن؟
سممه الحقير زوجها بسم بطئ المفعول.
سقطت دموعها بقوة وقد بدأت شهقاتها تعلو بقوة، حتى امسكها الرجل من حجابها فانتزع بين أنامله ولم يكد يلقيه بعيدًا حتى شعر بمن يمسك يده.
استدار ببطء صوب ذلك الذي تجرأ وتدخل في عمله، ليبصر جحيم داخل نظرات رجل غريب قوي البنية. ابتلع ريقه يحاول جذب يده منه صارخًا:
"من انت؟ دع يدي."
ضغط نزار على يد الرجل أكثر وأكثر حتى كادت عظامه تتحطم أسفل قبضته لتنطلق صيحة مرتفعة من فمه. حاول تداركها بسرعة والجميع يراقب ما يحدث بصدمة كبيرة.
"ألم يخبرك أحدهم أن رفع يدك على امرأة قلة مروءة؟"
حدقت توبة بذلك الرجل، تشعر أنها رأته من قبل، رأته كثير من المرات لكن أين؟
طبيعة الأميرات في الممالك كانت تضمن لهن أقل فرص في الاحتكاك بأي رجال من ممالكهم أو ممالك أخرى حتى لو كانوا أمراء، لكن هذا لم يمنع من مصادفة قد تحفر له لمحة في عقلها.
ورغم أنها لم تتذكره إلا أنها لم تمنع نفسها من السخرية:
"وغد يتحدث عن الرجولة؟"
استدار لها نزار يرمقها بصدمة، وهي رمته بنظرة مقابلة مليئة بالقوة والشر وكأنها تتحداه. ابتسم لها بعدم تصديق وكأنه يخبرها حقًا كدتِ تبكين رعبًا منذ ثواني ممن يضربك والآن تتحديني؟
أبعد عيونه عنها حين سمع صوت الرجل يردد بخبث بعدما نجح في مغافلته وتحرير قبضته منه:
"أه هكذا إذن؟ يبدو أنها أعجبتك، كان يمكنك قول ذلك دون هذه الأفعال لتظهر ذو مروءة أمام المرأة، نحن هنا لسنا في الممالك."
ويبدو أن كلمة الممالك في هذا المستنقع كانت بمثابة سبة لهم، أن يتشبهوا برجال صالحين كان اسوء ما تصف به زمرة من الاوساخ.
"ألف قطعة ذهبية وتكون لك."
اتسعت عيون توبة بصدمة، بينما تشنج جسد نزار برفض شديد يشعر بالاشمئزاز مما يسمع، لكن وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة تدخل الوليد الذي وجدها فرصة جيدة ليدفع بنزار خارج عباءة رجال الممالك، ومن افضل من دفع رجل للفساد من مرأة تجره جرًا صوب الحافة؟
خطة وضعها عقل الوليد في ثواني معدودة.
"لك ما تريد، سأرسل لك ألفي قطعة ذهبية، أرسل المرأة للمنزل الثالث في الجهة الشمالية فهو سيكون مسكنًا لرجلنا الجديد."
اتسعت عيون نزار برفض ينتفض بعيدًا عن الرجل وتوبة التي شعرت بالدنيا تدور حولها. نظرت صوب نزار بشر وهو لا يعي من نظراتها شيئًا فقط ينفي برأسه متقززًا من تلك الفكرة، لكن وقبل أن يتحدث بكلمة أو يصرخ برفضه جذبه الوليد بسرعة وكان آخر ما وصل لاذنه كلمة:
"بيعت الفتاة للرجل الجديد ذو المروءة..."
خرجت كلماته الأخيرة ساخرة بشكل جعل نزار يتمنى في قرارة نفسه لو بقي داخل سجن والده وأُعدم أفضل له من عيش كل ذلك الكابوس المريع.
أما عن توبة فبمجرد سماعها لقرار بيعها شعرت أن المكان يدور حولها، ولم تعي بمن يجذبها أو يحركها، كلمة واحدة ترن داخل أذنها... بيعت... بيعت... بيعت.
الأميرة توبة أميرة سبز، بيعت كالجارية لأحد رجال المستنقع.
***
"احتموا في منازلكم، يا أهالي مشكى احتموا في الديار."
كانت كلمات رددها أحد الباعة داخل السوق بصوت جهوري يحذر الجميع حوله بنبرة مرتعبة أن يتكرر ما عاشوه سابقًا. أصبحت النفوس ترتجف كلما سمعوا صرخة، يسيرون الطرقات وفي عقولهم يتوقعون أن تهبط ضربة أعلى رؤوسهم في أي لحظة. أصبحت نفوسهم مهتزة ينتظرون صرخة جوار اذنهم ليركضوا ويحتموا بأول ما يصادفوه، لولا أنه مؤخرًا ومع عودة ملكهم واستقرار الأمن بدأ الأطمئنان يتسلل بخبث صوبه، ويعودون لحياتهم السابقة، لكن تلك الصرخات من ذلك المنادي أعادتهم لنقطة الصفر، إذ حمل كل شخص ولده وفر صوب أقرب نقطة آمنة.
أمرهم المنادي أن يحتموا بالديار، لكن أين لهم بالديار وقد تدمر نصفه، والنصف الآخر ما يزال يقاوم.
رحل الديار مع ساكنيه وتبقت مجرد أجساد مرتعشة.
وفي القصر...
كانت تقف أمامه تراقب عيونه التي اشتعلت وإن وصفت شعورها منذ ثواني بالخوف، فهي الآن تقف أمامه ترتجف رعبًا حتى كادت تبكي دون مبالغة. ما رأته في عين هذا الرجل في ثانية، لم تره في أعين أعتى المجرمين المختلين على مدار أعوام عملها داخل سجون البرازيل.
رأت شياطين تصارع للتحرر.
تراجعت سول للخلف دون شعور حين أبصرت عروق جسده بالكامل تنتفخ وهو يضغط على السيف بقوة، ثم همس لها بجملة واحدة:
"إلى غرفتك ولا تتحركي حتى آمرك بالعكس."
"هل... أنت... بخير؟"
سؤال غبي خرج منها دون إرادة، لكنها كانت بحاجة لتسأله هذا السؤال فالرجل كان على وشك الانفجار، وهي شعرت به يحارب نفسه فاشفقت عليه ولا تعلم كيف يمكنها أن تفعل الآن، فالأفضل هو الشفقة على من يقف في طريقه في هذه اللحظة.
استدار لها أرسلان ببطء يمنحها بسمة جعلت عظامها تذوب رعبًا:
"نعم... لكنهم لن يكونوا هكذا."
وفي ثواني كان أرسلان ينطلق كالقذيفة يصرخ بصوت جهوري جعل جسدها يرتجف وهي تركض صوب النافذة تراقب ما يحدث بأعين متسعة بعدما التقطت المعطف تخفي به شعرها تتجنب غضبه.
"لا تدعوا واحدًا منهم يفلت منكم، لا ترتجفن ايديكم حين حمل الأسلحة، بل اجبروهم هم على أن ترتجف قلوبهم، قاتلوا وكأن حياة ذويكم تعتمد على خروجكم منتصرين، تحركوا، غطوا مداخل ومخارج القصر، اجعلوا القصر مصيدة لهم..."
كان يركض على الدرج بسرعة مخيفة حتى وصل لساحة القصر يبصر رجاله حوله مستنفرين يصرخ بصوت مرتفع بهم:
"أتوا لكم بأقدامهم، اجعلوا لحظة دخولهم مشكى ندبة لا تُمحى من أرواحهم يا رجال."
صمت يتحرك حاملًا سيفه بين الأجساد يكمل بهمس:
"هذا إن بقت لهم أرواح..."
وفي ثواني التحم الجانبين بمعركة شرسة لا يعلمون متى بدأت أو من بدأها ولماذا حتى؟
كل ما يرونه أنهم في هذه الثواني كانوا يخرجون رواسب الماضي وما أصابهم في القتال، وأولهم أرسلان الذي عادت برأسه ذكرى موت جنوده وشعبه ومحاولة قتله، واخيرًا والدته.
***
حين سمع هتاف الجنود بهجوم مجهول المصدر، انتفض جسده وتحرك بسرعة، كي يحمل سيفه، لكن وقبل أن يتحرك خطوة واحدة أبصرها تقف مرتعبة مرتعشة في مكانها، وفي ثانية تفكير واحدة أدرك أن ترك فتاة كفاطمة في وسط القتال سيكون بمثابة وضعها في وجه مدفع مكبلة. عاد لها بسرعة يمسك بيدها، ثم سحبها دون تفكير وهو يطلق تعليماته للرجال حوله يصرخ بهم بكل ما علمهم إياه في الأسابيع المنصرمة:
"الجميع للخارج أغلقوا مداخل القصر وحاصروهم، ليس مجددًا، لا تسمحوا لهم أن يعيدوا كرة الماضي، اجعلوا مشكى مقبرة لهم."
كان يتحدث وهو يتحرك بها في المكان يسحبها خلفه يحاول الخروج من منطقة القتال ويصل لمبنى القصر يضعها بالداخل، لكن فجأة وأثناء تحركهم شعر بيد تضم خصره وجسد يختفي بجسده، ليتوقف عن التحرك بصدمة كبيرة وقد كاد قلبه يتوقف يسمع صوتها وهي تهتف بنبرة مرتعشة:
"ارجوك أخرجني من هنا، أريد العودة لأمي وأبي، لا تتركني وحدي."
ابتلع المعتصم ريقه يحاول أن يتحرك ويستوعب ما يحدث فالقتال لن ينتظر أن يفيق هو من غفوته ويدرك أن هناك امرأة تعانقه من الخلف وللمرة الأولى في حياته.
عند هذه الفكرة انتفض بعنف يبعدها عنه بشكل خرج قويًا دون إرادة منه، ثم جذبها يهرول صوب القصر وحينما دخله كان يحرك سيفه في الهواء وهو يلقي بالتعليمات للجميع:
"أمنوا النساء والعاملات، لا تجعلوا قدم قذر منهم تطئ حرمة غرفهن."
ختم حديثه وهو يتحرك يحاول معرفة أين سيتركها لفاطمة التي كانت ترتجف مما يحدث حولها، ولم يعلم مكانًا قد يتركها به ولم يفكر لثواني حتى وجد نفسه يقف أمام غرفته، ابتلع ريقه يفتح الباب وهو يدفعها يردد بصرامة:
"لا تخرجي من هنا كي لا يطالك أذى، حينما ينتهي كل شيء سآتي لاخرجك، سمعتي اياكِ والخروج."
بكت فاطمة بخوف وهي تهز رأسها وكل ما استطاعت قوله هو كلمات قليلة بنبرة مرتجفة:
"عائلتي في الخارج، في المنزل المحترق سيقتلوهم."
لم يفهم المعتصم ما تريد قوله، لكنه خمن أنها قلقة على عائلتها لذلك قال بهدوء وكأنه يحادث طفلة وهو يميل بجسده كي يصبح وجهه مقابلًا لخاصتها:
"لا تقلقي هم بخير، الملك في الخارج لن يسمح لهم أن يمسوا أحدهم بسوءٍ وكذلك سأفعل أنا والجميع، سنحرص ألا يمس شخصًا أي سوء، لذا اطمئني حسنًا؟"
بكت فاطمة تهز رأسها ثم هتفت من بين دموعها:
"عد ولا تتركني وحدي هنا ارجوك."
"أعدك بذلك وهذا وعد رجال."
ختم حديثه يضع يده على قلبه، وإن سألتموه سبب فعله ذلك سيخبركم أنه لا يدري، لكنه شعر أنه يحتاج لطمئنتها.
اغلق الغرفة جيدًا، ثم ركض بسرعة صوب غرفة تقبع في نهاية الممر ممتلئة بالأسلحة، وبعدها توجه للساحة الخارجية وهو يخرج بعض السهام يضع واحدًا في القوس كي يصوب على الرجال، لكن اتسعت عيونه بصدمة مما رأى من أرسلان هامسًا بذهول وقد ارتجف جسده:
"رحمتك يا الله......"
***
وفي نفس اللحظة التي كانت تتعرض بها مشكى لهجمات مجهولة المصدر _ كما قيل _ كان الأمر ذاته يحدث مع باقي الممالك.
جميع الممالك استيقظت على أصوات انفجارات متتالية وهجمات ضارية منظمة، وكأن الأمر لم يكن وليد الصدفة، بل كان مرتبًا منذ ايام طوال.
انتفض رجال سفيد منذ الصباح بقيادة قائد جيوشهم "سالار" صوب منتصف المدينة حيث حدثت انفجارات أرعبت العامة. إذ خرج من الغرفة يركض بسرعة مرعبة وهو يحمل أسلحته بعدما ارتدى ثياب الحرب لتركض زوجته خلفه تمسك ذراعه مرتعبة مما ترى على ملامحه:
"ما الذي يحدث سالار؟ ما هذا؟"
توقف سالار ثواني ينظر لها نظرات طويلة غامضة جعلتها تتعجب ما يحدث أكثر، تدرك أنه يخفي شيئًا ما، ليميل سالار بكل بساطة على رأسها يقبلها بهدوء شديد مرددًا بحنان:
"بعض الإزعاج وسنتخلص منه مهجتي، فقط استكيني عزيزتي ولا تزعجي رأسك بما يحدث، يمكنك الذهاب للجلوس مع الملكة والاميرات لحين ننتهى وشرب بعض العصير الرطب ما رأيك؟"
تشنجت ملامح تبارك بصدمة كبيرة من بساطة حديثه وشرح ما يحدث وكأنها ذاهبة لنزهة أو ما شابه، وما كادت تفتح فمها حتى تركها ينطلق للخارج وصوته الجهوري يصل لها.
"استعدوا يارجال."
ابتلعت تبارك ريقها تهتف بريبة:
"سترك يا رب."
***
والمثل كان في آبى، إذ خرج آزار على حصانه يحمل سيوفه صارخًا بكل الغضب والقهر داخله حين اكتشف هروب ولده صباح اليوم:
"لا اريد وسخ فيهم حيًا، ابيدوهم واحضروا لي بقاياهم."
ختم حديثه ينطلق بسرعة مرعبة خارج القصر وعيونه تشتعل بشر هامسًا:
"لعنة الله عليكم اجمعين، لعنة الله عليكم اجمعين."
***
حتى سبز لم تكن استثناءً من تلك الهجمات إذ علت صرخات قائد الحرس الملكي وهو يوجه الجنود وعيونه تبحث عن ملكهم المزعوم:
"أمنوا الشعب يا رجال، انتشروا في الأسواق واحضروا من تبصروه منهم، لا تدعوا منهم خسيس إلا وتخلصتم منه."
اقترب منه أحد الجنود يتحدث بريبة وتردد:
"سيدي نحن لم نأخذ إشارة التحرك بعد من الملك و..."
قاطعه القائد بنظرة مشتعلة صارخًا وهو يجذب ثيابه بعنف:
"إذن لنترك الشعب يموت لحين يستيقظ جلالته ونأخذ منه إذن التحرك لإنقاذهم، عجبًا أصبحنا ننتظر الاذن لنكون رجالًا؟ ما بالك يا هذا هل جننت؟"
انتفض الرجل للخلف برعب مما يحدث، ثم هز رأسه بإيجاب وطاعة يتحرك بسرعة تحت نظرات القائد المشتعلة والذي كان يحاول أن يهدأ صدره يستند على سور القلعة يهمس بصوت خافت:
"ألا لعنة الله على كل وسخ..."
***
وما بين كل تلك الأحداث التي تشهدها للمرة الأولى كانت سول تقف في نافذة القصر تراقب ما يحدث بأعين متسعة، لا تصدق أنها تشهد حربًا، حرب حقيقة وليست مجرد مشاهد تراقبها من خلف شاشات التلفاز الخاص بها.
وكم كانت الفكرة مرعبة لها، مرعبة وبشدة، لكن الأشد رعبًا هي الطريقة التي كان يقاتل بها أرسلان، كان يقاتل بشكل مخيف جعلها تدرك أن أيًا كان من كتب الكتاب قد فاته الكثير والكثير ليتحدث به عن هذا الرجل أمامها.
ابتلعت ريقها تهمس وعيونها تتحرك معه أينما ذهب دون وعي منها:
"يا حفيظ يا الله."
انطلق المعتصم داخل ساحة القصر يشهر سهامه يصيب بها من يصيب ويسقط من يسقط، وحينما نفذت السهام معه ألقى القوس ارضًا، ثم حمل سيفه ينطلق لهم يحمي ظهر أرسلان الذي كان لا يبصر سوى الدماء أمامه وملامحه أضحت مرعبة وكأنه انفصل عن آدميته.
وسول في الأعلى تراقبه وكأنها تنتظر لحظة تحوله لأسد حقيقي، فهو لا ينقصه سوى أن يخرج أنيابه ويغرزها بأجسادهم.
كانت تشرف عليهم من الاعلى تراقب الساحة كما لو أنها تحمي ظهروهم، أو ربما كان الأمر هكذا بالفعل، إذ أبصرت ومن بين الجميع شخصين يتسللان بشكل مريب بعيدًا عن الساحة صوب أحد الجهات، ضيقت عيونها تفكر في هوية هذين الاثنين وإن كانا من جنود مشكى بالفعل أو لا. لكن ما هي إلا ثواني حتى أدركت من تصرفاتهم وردات فعل جسدهم وهم يتلفتون حول بعضهم البعض أنهم ليسوا كذلك البتة.
صرخت بصوت مرتفع تنبه الجميع بالاسفل:
"هناك... أحدهم يتسلل للداخل."
لكن لا أحد سمعها بسبب اصوات القتال المرتفعة في الأسفل.
تحركت بسرعة بعيدًا عن النافذة تركض صوب الجهة التي ابصرتهما يدخلان منها، وهي تصرخ في الرجال حولها:
"هناك متسللان، هناك شخصان يحاولان الدخول للمبنى من الجهة الجنوبية لقد ابصرتهما."
لكن وفي وسط كل هذه الفوضى لم يجبها أحدهم إذ كان الرجال يدفعون بالنساء صوب الملاجئ كي يحموهن من أي هجمات.
ابتلعت ريقها وهي تقف ثواني تحاول التفكير في الأمر لثواني، ثواني فقط قبل أن تركض بشكل جنوني تبحث عن أي شيء تمسكه لحماية نفسها، وحينما فشلت رددت بسخرية:
"ومنذ متى احتجتي لأداة كي تحمي نفسك من المختلين سول، يمكنك فعلها بيديكِ العاريتين."
ركضت صوب الباب الجنوبي وهي تهدأ من ركضها حتى وصلت له لتجده مغلق بالكامل تراجعت كي تختبأ في إحدى الجهات بعيدًا عن الباب بقليل فقط، ثم حدقت به تنتظر دخولهما حتى ظننت أنهما لن يفعلا، وفي ثواني وقبل أن تتخذ قرارها بالانسحاب وجدتهما يتسحبان للداخل.
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تتحرك صوبهما بخفة وقبل أن يستوعب أحدهما ما يحدث كان رأس رجل منهم تصطدم في الجدار بقوة مرعبة كادت تحطم جمجمته، والثاني لم يكد يستدير حتى شعر بقدم تضرب رأسه بعنف شديد تسقطها ارضًا.
ابتسمت سول بعدم تصديق وهي تحدق بالاجساد تاني افترشت الأرض للتو:
"حقًا هذا فقط؟ أتضح أن الأمر أسهل من الشجار في غرفة مغلقة مع مجرم مقيد على استعداد لأكلي حية."
فركت ذقنها وهي تنظر لهم بهدوء حتى أنها جلست القرفصاء جوار أجسادهم المرمية ارضًا:
"ترى هل كانت هذه الحياة من اختياركما أم أن الحياة هي من اجبرتكم على ذلك؟"
بالطبع لم تتلقى أي رد منهما، كل ما سمعته هو صوت اقدام أخرى تقترب منها، ولم تكد تنهض لتختبأ حتى شعرت ينصل حاد على ظهرها، أغمضت عيونها تهمس بصوت خافت:
"حسنًا هذا ليس جيدًا البتة...."
سمعت صوت الرجل الذي يهددها يهمس لها بعدما أبصرها ترتدي معطف أرسلان المعروف، إذن لا بد أنها امرأته أو امرأة يهتم بها:
"بكل هدوء تحركي معنا وارشدينا صوب غرفة الملك يا هذه، وإلا فقدتي حياتك..."
وإن كانت سول تعلمت شيء خلال حياتها الطويلة داخل مصحات التأهيل والسجون عدا أن الثياب البيضاء هي اسوء اختيار في جلساتها فقد تتلطخ ببقع دم لا تزول، فهي أن معاندة مجرم وقتاله وهو يحمل سلاح هو اسوء قرار قد تفعله، وأسلم الحلول في هذه المواقف هي أن تقف وترفع يديك وتبتسم بسمة المغلوب على أمرك وتنطق بكل ضعف يتمنى هو أن يراه في عيونك:
"أنا استسلم....."
وفي الخارج كانت كفة الحرب راجحة لأرسلان ورجاله بالفعل، فمن جاء للقتال كانوا في غاية الضعف وكأنهم جاءوا في عملية انتحارية أو ما شابه، هذا ليس هجومًا منظمًا، بل تشتيتًا لأجل غرض آخر لا يعلمه إلا هم.
اقترب المعتصم من أرسلان يهمس له بريبة:
"اهدأ مولاي، بدأ جنودنا أنفسهم يخشونك."
استدار أرسلان حوله يراقب الجميع بأعين مشتعلة، وجسده بأكمله ينتفض من الغضب، وفي ثواني كان يتحرك صوب أحد الرجال يجذبه عن الأرض يجبره على الوقوف أمامه وهو يهمس له بصوت مرعب:
"كتب الله لك ايامًا معدودة في حياتك البائسة هذه يا فتى، اذهب للحقير الذي أرسلك وأخبره أن يتمتع بالحياة طالما يمكنه ذلك، وأنه في اللحظة التي سأمسكه بها سأخرج روحه ببطء حتى يصرخ طلبًا للموت الرحيم، وحتى ألقاك مجددًا، تمتع بآخر انفاسك."
ختم حديثه يدفع الرجل بقوة بعيدًا عنه يأمر بالتحرك وإيصال رسالته صوب لمن ارسلهم، بينما المعتصم يراقبهم وبمجرد خروجه أشار أرسلان للجثث الملقاة ارضًا:
"ادفنوا من مات منهم وعالجوا من يزال حيًا فأنا بحاجة لإجراء حوار معهم."
ختم حديثه ثم نظر حوله صوب رجاله يتأكد أن خسارته لم تكن كبيرة فجيشه لا ينقصه أي خسارات في العدد هذه الأيام.
تنفس بصوت مرتفع ثم قال للمعتصم:
"خذ بعض الجنود ودر في البلاد وأبحث إن كان أصاب أي منطقة ضرر أو أُصيب أحدهم، تأكد أن كل شيء بخير وازرع الطمأنينة داخل صدور القوم فهذا جُل ما يتمنوه الآن."
ختم حديثه ثم استدار صوب رجاله يهتف بصوت مرتفع:
"كان هذا أول اختبار لكم على أرض الواقع يا رجال، وقد نجحتم به وبامتياز، تكبير...."
رنت كلمة "الله أكبر" تهز جوانب القصر بأكمله ليبتسم أرسلان واخيرًا وهو يراقب المحيط الخاص به بأعين مظلمة غامضة.
بينما في الداخل وحين وصل صوت التكبير للرجال الذين يقودون سول صوب غرفة أرسلان والتي بالمناسبة لا تعلم أين هي، لكن هي لن تقول ذلك، فربما يكون هذا السبب هو ما يحفظ حياتها حتى هذه اللحظة.
حين سمع الجميع صوت التكبير أدرك الرجلين أن الخسارة كُتبت عليهم، فتوققوا ينظرون لبعضهم بخوف، وقد بدت فكرة الاكمال صوب غرفة الملك الآن وأخذ ما يريدون فكرة اسوء من السيئة، فكل ما يهم الآن هو الخروج الآن من هنا، وقد كانت تلك المرأة ذات الثوب الغريب بطاقتهم الرابحة لذلك.
فجأة تحول الابتزاز لأسر وأصبحت أسيرة للمجرمين، وهي فقط تسير معهما دون كلمة واحدة أو نقاش.
يمين تسير يمين، يسار تتحرك يسارًا حتى تبصر بصيص أمل ينقذها من بين أيديهم.
فجأة وجدتهما يغيران طريقهما صوب بوابة خروج لتدرك ما يحدث الآن، لكن هل تتحدث؟ ليس وهي تلعب دور الضحية الرقيقة التي تنتظر فارسًا ينقذها.
وحين أصبحت في الساحة الخلفية نظرت حولها بسرعة كبيرة تبحث لها عن مخرج منهم، لكن يبدو أن نهاية روايتها ستكون في أول يوم لها، ربما هي ليست بطلة روايتها حتى.
همست باقتناع:
"ربما كنت الشريرة في قصتي بالفعل، فمنذ متى تُقتل البطلة في أولى فصول روايتها الخاصة إلا إن كان الكاتب مجنون بما فيه الكفاية؟"
حسنًا يبدو أن لعب دور الرهينة المسكينة آن له أن ينتهي، فلا فارس ولا جندي شجاع سيأتي لينقذها، لا منقذ لها سوى الله ومن بعده نفسها.
تنفست بصوت عنيف قبل أن تقف فجأة وبشكل أثار تعجب الرجلين، وقبل أن يتحدث أحدهما بكلمة كانت قبضة سول تصطدم في وجه أحد الرجال وصوتها يصدح بغضب:
"انتهينا من هذه اللعبة."
ولم يكد الرجل يستوعب ما يحدث حتى عاجلته بلكمة ثانية تنتزع منه السيف بعنف ملقية إياه ارضًا، ثم أمسكت ذراعه ثنتها بعنف مما أدى لكسرها، وقبل أن تندمج معه في القتال شعرت بضربة عنيفة تصيبها ليصطدم رأسها في الجدار خلفها، أطلقت سول صرخة مرتفعة.
وكانت تلك الضربة قادمة لها من الرجل الاخر إذ يبدو أنها اندمجت في ضرب أحدهم ونسيت الآخر، رفع الآخر السيف وهو يقرر قطع رأسها، لكن وقبل أن يهبط السيف عليها وجدت سيف آخر يقطع طريقه.
ولم تكن سول في حالة تسمح لها برفع عيونها عن السيفين اللذين كادا يقطعان جسدها لشرائح متناهية الصغر، لتبصر من ذلك الجندي الشجاع الذي أنقذها.
لكن صوته، استطاعت وبكل سهولة أن تميزه وهو يردد بنبرة مرعبة:
"لا نعامل النساء بهذه الطريقة يا بني."
تشنجت ملامح سول ترفع عيونها بسرعة تحدق في وجهه بعدم تصديق وقد نست للحظات ما يحدث واين هي:
"انظروا من يتحدث عن التعامل مع النساء؟"
ابتسم أرسلان بسمة جانبية دون حتى أن ينظر لها، ثم وفي ثواني كان يدفع جسد الرجل بعيدًا عنها، وقبل أن يتحدث الرجل بكلمة واحدة كان سيف أرسلان يصمته للأبد تحت نظرات سول المصعوقة مما يحدث.
نزع أرسلان سيفه من جسد الرجل، ثم استدار لها وسيفه يقطر دماء وجسده بأكمله ملئ ببقع الدماء والجروح جراء الحرب الضروس التي خاضها للتو، يحدق فيها بنظرات جعلتها تتراجع وهي تهمس له:
"تحتاج للتفكير بجدية في تأهيل ذاتك كي تتعالج من كل هذا العنف القابع داخلك."
تشنجت ملامح أرسلان بسخرية:
"العنف داخلي؟ لقد جئت لأجدك على وشك تحطيم عظام الرجل."
"نعم لكن ليس... ليس كما فعلت."
صمتت ثواني قبل أن تضيف:
"حين كنت تقاتل في الساحة، ابصرتك من الأعلى تقاتل بشكل مرعب، أنت حقًا تحتاج لعلاج مكثف."
رمقها ثواني قبل أن يبتسم بسمة سوداء:
"ومن سيعالجني يا ترى؟ أنتِ؟"
"إن أردت يمكنني ذلك، فأنا أعمل على تأهيل المجرمين والمختلين، هذه مهنتي."
رمقها أرسلان ثواني قبل أن ينفجر بالضحك على كلماتها، وهي تراقبه لا تفهم سبب ضحكه، لكنها انتظرت وانتظرت حتى فرغ من ضحكاته، ومن ثم تنفس بصوت مرتفع يقول:
"أوه حقًا؟ أكاد أجزم طريقتك في معالجة المجرمين والمختلين، لكن يا امرأة أنا لست أحدهم أنا الملك أرسلان بيجان وخسئتِ أنتِ واشباهك الأربعين إن وصفتيني بالمجرمين والمختلين...."
"لا فرق بينك وبينهم."
كانت تتحدث بجدية وقوة وهي تحدق في وجهه تحاول ألا تنهار مما شاهدت، لتؤجل الانهيار لاحقًا حينما تختلي بنفسها في غرفتها.
"بل الفرق كبير كبِر مقامي، هؤلاء مجرمون، أما أنا... فأنا ملك ما كانت ليدي أن تتلوث يومًا بدماء طاهرة، كل دماءٍ سالت على سيفي هي دماء حقير قذر كهؤلاء، فلا تتجرأي وتصفيني بينكِ وبين نفسك حتى أنني مجرم أو مختل."
كان يتحدث بنبرة جعلت عظامها تكاد تذوب رعبًا خاصة مع هالة السواد التي تحيط به في هذه اللحظة، ومشاهد قتاله، كل هذا ساهم في رسم صورة مخيفة له في أعين سول التي همست له:
"أنا لم أقل أنك مجرم، بل..."
صمتت فجأة حين قاطعها صوت أرسلان والذي كان هادئًا في هذه اللحظة بشكل مثير للتعجب:
"ما اسمك؟"
اتسعت عيونها تنظر له بعدم فهم تردد:
"سول..."
"ليس هذا الاسم، أريد اسمك الحقيقي، لا أعتقد أن رائف العزيز قد أسماكِ سول صحيح؟ ما اسمك الحقيقي يا امرأة؟"
نظرت له ثواني طالت حتى نطقت بنبرة مترددة كلمة كادت تنسى مذاقها على لسانها بعدما دفنتها أسفل لقبها والذي عُرفت به بين الجميع.
"سلمى."
"سلمى؟"
ولا تدري سول السبب لكن جسدها ارتجف لنبرته الأجشة التي نطقت اسمها، لتتساءل الآن بينها وبين نفسها هل كان اسمها يحمل مثل هذا الوقع على الأذن طوال الوقت، أم لأنه هو من نطقه فقط؟
ابتسم لها أرسلان وهو ينبس بنبرة محذرة:
"إذن آنسة سلمى إليكِ قواعد قصر الثلاث، أولهم أن تلتزمي بثوب يليق بالمكان ويحفظك كامرأة مُصانة، وثانيها أن تتبعي اوامري طالما تتنفسين هواء مملكتي، وثالثهم ألا تنسي ثانيهم."
ختم حديثه يهز لها رأسه بهدوء مبتسمًا، ثم تحرك تاركًا إياها تقف مسلوبة الأنفاس مكانها لا تقدر على الإتيان بحركة واحدة.
فجأة توقف أرسلان في سيره ثم استدار لها يؤدي لها حركة ملكية ينحني نصف انحناءة لها:
"أنرتي مشكى آنستي، أعتقد أن يومك الأول حكى لكِ ما أنتِ على وشك أن تعاصريه معنا......"
***
تحدق بباب المنزل واعينها شاخصة، لم تقاوم ولم تصرخ طلبًا النجدة أثناء سحبها، فعقلها لم يعترف بعد أن ما يحدث معها هو واقعًا ملموسًا، وما زال يصنف كل ما يدور حولها كابوسًا سيستيقظ منه في أي ثانية.
تراجعت للخلف وكأن الباب سيُفتح في أي ثانية وينقض عليها وحشٌ منه، تنفست بعنف تضع يدها على صدرها، صوت تنفسها أصبح مرتفعًا، حاولت أن تستوعب ما يحدث حولها.
"كابوس، كل ما يحدث كابوس، بالطبع كابوس."
ابتلعت ريقها تتحرك صوب الباب وقد بدأ جسدها ينتفض برعب تتطرق عليه بيد مرتجفة تردد بصوت مرتعش مرتعب:
"اخرجوني من هنا، أنا لست هكذا، اخرجوني، أبي أخرجني من هنا، أبي أخرجني."
وعند هذه الكلمة انتفض جسدها مللسوع وقد بدأت تتنفس بصوت مرتفع وهي تطرق الباب بهستيرية وكأنها استوعبت فجأة ما حدث، بيعت لرجل. بضاعة مزجاة كانت، الأميرة توبة بيعت بثمن بخسٍ لأحد الذكور العفنين، اشتراها رجل وكأنها إحدى الغانيات.
سقطت دموعها تصرخ بصوت مرتفع تحاول أن تكسر الباب صارخة بجنون:
"أنا لست جارية لأُباع، أنا الأميرة توبة، أخرجوني من هنا، يا ابي."
وعلى بُعد صغير منها كان يجلس شاحب الوجه لا يستوعب ما يعيشه في هذه اللحظة، لا يبصر الوجوه حوله، الوليد يتحدث بكلمات لم يصل أي منهم لعقله، وكل ما يراه مشاهد جلبت التقزز لنفسه. هل هذا ما كانوا يطمحون له في البداية؟ عالم قذر تحكمه الشهوات وتقوده الشرور؟
انتفض جسده حين مسّ الوليد جسده يقرب له كأس من المشروب:
"ما بك عزيزي تبدو كما لو أنك شاهدت شبحًا؟"
رمق نزار ما يحمل الوليد بين كفه باشمئزاز، ينفره بعيونه قبل أن يبعد يده مرددًا؛
"ما الذي يحدث هنا؟ أنا لا أفهم أي شيء؟ لماذا أحضرتني هنا وما غرضك خلف كل هذا؟"
نظر له الوليد ثواني قبل أن يبتسم بسمة غير مريحة ثم هتف بنبرة خفيضة:
"حسبت أنك ستشكر لي صنيعي وتسعد لتحريرك."
"دعنا نتحدث دون مواراة وليد، أنت لم تحررني حبًا بي أو ما شابه."
صمت ثواني، ثم أكمل بأعين مشتعلة:
"هناك ما تطمح له خلف كل ذلك وأنا أنتظر سماعه."
اتسعت بسمة الوليد يربت على كتفه ثم هتف:
"تمتلك من الملك آزار الكثير، أرى الخبث يلوح بنظراتك تمامًا كوالدك."
نظر له نزار ثواني قبل أن يبعد يده بهدوء مرددًا بصوت بدا له باردًا، لكنه كان في باطنه مشتعلًا كارهًا لما يحدث حوله:
"أفضل ألا تلوث اسم أبي بذكره في مثل هذه المجالس."
صُدم الوليد من كلماته، لكن نزار لم يعلق على شيء يتحدث بجدية وهو يشجعه على التحدث كي يفهم ما يدور حوله:
"إذن أخبرني كيف نجوت من حملة التطهير التي قامت بالمملكة؟ أنت كنت أول الداعمين لبافل مع شقيقك."
أطلق الوليد ضحكات مرتفعة رغم القهر الذي لاح في نبرته:
"نعم، لكن لا أحد يعلم ذلك سوى القليل، والقليل قُتلوا بالفعل، لم يتبقى منهم سواي والبعض الذين نجوا بأرواحهم واندسوا داخل المملكة بعيدًا عن أعين الملك."
صمت ثم أكمل بهدوء وهو يرتشف بعضًا مما يحمل داخل كأسه:
"منذ استعان بنا بافل وأنا حرصت ألا أكون مكشوفًا للكثيرين وبالفعل لم يكن أحدهم يعلم بانضمامي لهم سوى أنت وشقيقي العزيز وبعض الرجال، أنت سُجنت وشقيقي قُتل على يد الحقير أرسلان، والباقيين أنا توليت أمرهم كي تضمن بقائي داخل آبى دون أن يُكشف أمري."
صمت يرى نظرات نزار الشبه مصدومة ليكمل ببسمة وغمزة مازحة:
"يمكنك القول إنني نجحت بما فشلت أنت به، نجوت قبل سقوطي، أخبرتك سابقًا ألا تجعل وجودك واضحًا للجميع، انظر أين أصبحت الآن، بمجرد سقوط بعض المتمردين سقطت معهم حينما وشوا بك، وها أنا ذا ورغم انضمامي قبلك لعصبتهم إلا أن أحدهم لم ينتبه لي."
تجاهل نزار كل ما يحدث حوله وما يقال فما حدث انتهى:
"وإذن؟ ما الذي تنتوون عليه؟ ومن تبقى لكم؟"
"الكثير يا أخي الكثير، ألم أخبرك أننا في كل مكان وكل مملكة، نحن اقوى واشرس من ذي قبل وهذه المرة لن يهدأ لنا بال إلا حينما ننتهي منهم أجمعين."
اشتعلت أعين نزار فمال عليه الوليد هامسًا بفحيح كما يوسوس الشيطان لنفس العبد، يزين له المعاصي:
"تخيل أن نحقق لك حلمك الأول وتصبح ملكًا على آبى؟"
شرد نزار أمامه وقد بدأ قلبه يرتجف مما يسمع هذا يعني أنهم يخططون لإزاحة الجميع ومن بينهم والده؟
"نحن الآن أصبحنا اقوى بكثير ولدينا خطط ستذهلك، بافل كان احمقًا استطاع الوقوع في شركهم، لكن الآن المستقبل لنا نحن والقادم لنا والممالك كذلك ستكون لنا."
حدق به نزار يهمس بعدم فهم:
"هل كان كل ذلك مخططًا من البداية؟"
"صحيح، كان بافل مجرد بيدقًا في لعبتنا، استخدمناه كطعم استنفذ بعض قواهم واختبرنا به طريقة دفاعهم، الآن وقد وصلنا لما نريد حان وقت ضرب ضربتنا."
"أنا لا أفهم ما تريد قوله، وليد أنت مع من تتعامل الآن؟ شخص آخر غير بافل؟ وهؤلاء؟ هل هؤلاء منبوذون أم ماذا؟"
ضحك الوليد بصوت مرتفع ينظر حوله للجميع ثم اجابه بصوت هامس:
"المنبوذون يا عزيزي لقب قديم الطراز، أنا أفضل تسميتهم المتحررين من قيود الممالك، الأشخاص الذين سئموا القوانين الخانقة والحياة المنغلقة، انظر حولك نحن نعيش داخل سجن كبير آن أوان التحرر منه يا عزيزي، هذه دعوة مفتوحة لكل من سئم القيود، خلقنا الله احرارًا واستعبدونا تحت مسمى الدين والعادات."
شعر نزار بالصدمة لما يسمع، صدمة أفاق منها على صوت الوليد وهو يربت على ظهره يشجعه للتحرك والاندماج معهم:
"حسنًا يكفي ذلك للآن، غدًا نكمل الحديث وسنكون جميعًا موجودين."
ولم يكد يتساءل عن هوية "جميعًا" تلك التي نطقها حتى وجده يدفعه صوب الخارج يقوده لمنزل خشبي غريب، ونزار يسير بهدوء معه ودون شعور وجد نفسه يُدفع لداخل المنزل، ومن ثم أُغلق الباب بعنف شديد.
نظر للباب ثواني وهو لا يدري ما يحدث في حياته في تلك اللحظة، تنفس بصوت مرتفع، يأخذ شهقيًا وقبل أن يخرج زفيره، شعر بضربة عنيفة سقطت أعلى رأسه وكان آخر ما أبصره من بين الدوامة التي ابتلعته هو وجه امرأة تحدق فيه بشر كبير ومن ثم شعر بضربة ثانية اقوى من الاولى، واخيرًا سواد غطى المشهد أمامه.
***
ما أشبه اليوم بالبارحة.
بقايا خراب نتج جراء القنبلة التي أُلقيت داخل طرقات مشكى، خرج أهل مشكى حينما صاح المنادي لهم بكلمات الأمان، لينتشر الجميع يطمئن أن كل شيء بخير.
ألا من فجرٍ لمشكى، هل كُتب على شعبها عيش المتبقي من حياتهم في الظلام؟
شعر المعتصم بقلبه يغوص داخل صدره حجم الخراب الذي تسببت به تلك القنابل، ورغم أن الخراب مقارنة بما سبقه يعد رفاهية لهم، إلا أنه يظل خرابًا.
تنفس بصوت مرتفع يبصر مراهقًا يركض صوب يحمل عصا غليظة مبتسمًا بسعادة جعلته يبتسم بسمة صغيرة يرحب به بسعادة:
"تاج الدين، مرحبًا بك يا بطل."
اتسعت بسمة تاج الدين يردد وهو يحرك العصا:
"مرحبًا يا قائد لقد كنت انتظرك، هل حان الوقت لأنضم للجيش؟"
ربت ربنا المعتصم على خصلاته يحرك عيونه في المكان حوله:
"قريبًا يحين الوقت يا بطل، فقط كن جوار والدتك الآن فلا رفيق لها سواك، أنت بالطبع لن يهون عليها أن تكون وحيدة حين رحيلك للجيش."
اعترض تاج الدين بصوت قوي:
"أمي هي من تشجعني، تخبرني أن الجيش مكان الرجال، وهذا واجبي تجاه بلادي."
ابتسم له المعتصم ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت بكاء فتاة مرتفع يرن في الأجواء، تجلس على رصيف الطريق. نظر لها بعدم فهم يبحث في الجوار عن والديها قبل أن يتساءل:
"لماذا تبكي الصغيرة؟ هل أصابها مكروه خلال الهجوم؟ أين والديها تاج الدين؟"
استدار تاج الدين صوب الصغيرة يحدق بها ثواني، قبل أن يعود للمعتصم يجيبه بهدوء وحزن:
"لا هي تبكي هكذا طوال الوقت بلا توقف، لا تتحدث ولا تأكل فقط تبكي طوال الوقت."
"ماذا؟"
هرول صوبها المعتصم حين رأى أن بكاءها بدأ يزداد يتساءل بخوف وهو يلتقط الصغيرة سريعًا بين أحضانه:
"وأين والديها يا تاج؟ كيف يتركون الصغيرة بـ"
"أُستشهدوا منذ أشهر في إحدى هجمات المنبوذين."
توقفت باقي كلمات المعتصم على طرف لسانه حين سمع كلمات تاج الدين التي قاطعه بها، شعر بضربة تصيب رأسه وهو يسمع تاج يخبره ببساطة يهز كتفه بشفقة:
"لا أدري هل كان من حسن حظها أو سوءه، لكن الصغيرة كانت تلعب مع أبناء جيرانهم، حين انفجر منزلها بسبب قنبلة سقطت عليه، ومنذ ذلك الحين وهي تجلس على قارعة الطريق جوار ركام منزلها تبكي وتنادييهم رافضة الذهاب مع أحدهم."
ارتجفت يد المعتصم يضم الفتاة له أكثر دون وعي والصغيرة تزداد بكاءً وهي تهمس من بين شهقاتها تنادي والديها، جذب المعتصم رأس الصغيرة صوب كتفه، ثم أخذ يربت عليها بهدوء يهمس له:
"لا عائلة لها سوى والديها؟ لا عم أو خال أو غيرهم؟"
"لا أعتقد فمنذ ما حدث لم يأت أحدهم ويسأل عنها."
"أين تقيم الصغيرة؟"
"لا مكان محدد، كل يوم يتبرع أحدهم وياخذها للمبيت لديه ومن ثم تخرج في الصباح تبكي جوار حطام منزلها."
وكأن الصغيرة كانت تعطي الليل لنفسها هدنة، ومن ثم تغوص في بحار أحزانها صباحًا، حالها كحال سواها في مشكى، لكن الفرق أنها صغيرة يمكنها الصراخ والبكاء، بينما هناك الكثيرون لا يحصلون على رفاهية الانهيار حتى.
حملها المعتصم وانهى حديثه مع تاج الدين، ومن ثم تحرك صوب رجاله يأمرهم للأطمنان على الجميع وتمشيط المنطقة بالكامل، ومن ثم تحرك صوب حصانه يضم الصغيرة له وقد قرر الاعتناء بها، وربما يتكفل بها أرسلان مع جميع الأطفال الذين يتكفل بهم.
يدرك أنه سيشجع الأمر.
ويوم آخر انتهى نهاية غير سعيدة بالمرة، وكل ما يتمناه المعتصم الآن هو أن يعود لغرفته ويلقي جسده على الفراش يأخذ هدنة من كل ذلك قبل مواصلة معاركه اليومية و....
فجأة اتسعت عيونه بصدمة كبيرة حينما توقف عقله عند كلمة غرفته:
"فاطمة، لقد نسيت أمرها تمامًا..."
***
"ما حدث قد حدث يا رجال، انتهى اليوم ونجحتم في أول اختبار لكم على أرض الواقع، أنا فخور بكم، ومهما حدث كنت سأفخر بكم، أنتم رجال وهذا الفرق بيننا وبينهم تذكروا هذا."
كانت تلك كلمات أرسلان التي يلقيها على مسامع جنوده الذين نجوا مما حدث، يقف أمام صفوفهم يبث فيهم القوة والأمل، كلمات أعادت الحياة لهم بعدما انطفئت عن ملامحهم.
تنفس يبتسم لهم بتشجيع:
"من يريد منكم العودة لمنزله والاطمئنان على ذويه فليفعل، ومن يود منكم البقاء هنا فهذا منزلكم، لديكم بضع ساعات تصرفوا فيها بحرية."
ختم حديثه ولم يكد يفتح فمه للمرة الثانية ليكمل ما يريد قوله حتى أبصر من خلف ظهورهم في الحديقة الجانبية جسد يتشح بالاسود بكامله، ولولا أنه لا يمتلك جسدًا لينًا نحيفًا، ويقف هنا مع رجاله لقال أن ذلك الجسد الذي يتمايل في أحد أطراف الحديقة مرتديًا معطفه الأسود مع شعاره الذهبي هو نفسه.
تشنجت ملامح أرسلان يراقب ذلك الجسد الذي يتمايل محركًا يديه في الهواء تارة واكتافه تارة أخرى.
ابتسم بعدم تصديق يحاول أن يستوعب ما يحدث، ابتلع ريقه يهتف محاولًا التماسك:
"يمكنكم الانصراف يا رجال ونلتقي بصلاة الفجر إن شاءالله."
ختم حديثه يشير لهم بالرحيل وحينما أوشك البعض منهم على الاستدارة للرحيل، مد يده بسرعة يمنعهم وهو يتنحنح بصوت منخفض:
"يمكنكم إتخاذ الطريق الآخر أفضل من هذا."
رمقه البعض بعدم فهم، لكن لم يناقشه أحدهم ورحلوا بكل بساطة وهو يتلاشى النظر لهم ولتلك التي لا تهتم لما حولها البتة.
تنفس بصوت مرتفع يتحرك صوبها وهو يذكر نفسه بالصبر عليها والهدوء الذي لا يمتلك منه ذرة في هذه اللحظة، كما أوصى نفسه بأخلاقه كرجل لبق راقي لا يجوز له الصراخ بوجه امرأة خاصة لو كانت كتلك المرأة الـ... رقيقة؟!
خرجت الكلمة الأخيرة من دون شعور حين وجدها تستدير صوبه ببسمة لطيفة رقيقة تحمل بين أناملها بعض الزهور تردد بسعادة واضحة:
"جيد أنك هنا، اتمنى أنك لن تمانع قطفي لبعض الزهور من حديقة قصرك."
نظر أرسلان للزهور بين يديها ثم رفع نظراته لها يحمد الله أن الظلام يخفي ملامحها عنه، يخرج أنفاسه بصوت مرتفع:
"ما الذي تفعلينه خارج غرفتك بهذا الوقت آنسة؟"
"اقطف بعض الزهور."
هز أرسلان رأسه بهدوء مقتنعًا بما تقول:
"أوه، صحيح وقت مناسب لقطف بعض الزهور، القنابل تتساقط علينا كالغيث، والهجمات تتوالى أعلى رؤوسنا كالحجارة، بالطبع وقت ملائم لقطف الزهور آنستي."
ابتسمت له سلمى تتجاوز عن حديثه الساخر لها، وهي تمد يدها له بزهرة من بين الزهور التي أناقتها لأجل شرفتها، تهتف بصوت رقيق وبسمة واسعة لم تظهر له بشكل جيد بسبب الضوء:
"تبدو منزعجًا تعاني من ضغط نفسي، تفضل هذه لك انت سمو الأمير."
كان أرسلان يتابع يدها التي امتدت صوبه بملامح متشنجة من الصدمة، قبل أن تتلاشى الصدمة ويحل محلها الحنق:
"أمير؟ أنا ملك ولست أمير يا امرأة."
هزت كتفها تربت على الزهور ببسمة واسعة وبكل الرقة واللطف الذي تمتلكه أضافت:
"وما الفرق؟ كلهم ينحدرون من أسرة ملكية في النهاية."
رفع أرسلان حاجبه يردد بسخرية:
"الملك هو من يتولى الحكم والأمير هو مجرد شخص ينحدر من أسرة الملك، شقيق أو ابن أو غيرهم، وأنا هنا ملك ولست أمير."
كانت تعلم بالطبع هذه المعلومات، أو ربما اختلط عليها الأمر فهي ورغم حبها الشديد لقراءة الكتب التاريخية إلا أنها لم تكن تهتم بالمسميات بشكل كبير، أو ربما فعلت كل هذا فقط لترى ملامح الحنق تعلو وجهه.
"حسنًا امير كنت أو حتى ملك فأنت تستحق مني اعتذارًا سيدي على وقاحتي التي صدرت مني حين وصفتك بالمجرم، ربما تكون مختلًا لكنك لست مجرمًا، لقد أنقذتني شكرًا لك."
ختمت حديثها تدفع الزهرة صوبه بعدما انتقتها بكل دقة، وهو فقط امسكها بعدم فهم وقد شعر بالتشوش إذ كانت تلك اول مرة يهديه أحدهم هدية. هذه المرأة كل ما بها يشوشه حينما يجهز نفسه لجدال عنيف معها تتحول لامرأة أرق من الزهور التي تحملها، وحينما يخطط للتحدث بلا اهتمام وهدوء تنفجر في وجهه كبركان انتظر قرون ليثور.
رفع عيونه لها وهي فقط ابتسمت له بسمة صغيرة ظهرت من خلف قلنسوة معطفها أو معطفه و... حسنًا هذا يذكره بشيء.
"إذن متى أرسل لكِ امرأة تساعدك في انتقاء ثوب يليق بكِ؟"
نظرت سول صوب نفسها إذ كانت ترتدي بنطال قماشي واسع مع سترة صفراء بأكمام ثم غطتهم وغطت نفسها بمعطفه الأسود.
"عفوًا؟"
"أنتِ بالطبع لا تخططين قضاء المتبقي من عمرك داخل القصر تسيرين بثوبي الخاص صحيح؟"
ابتسمت سول بسخرية لاذعة تخبره بكل جدية:
"المتبقي من عمري؟ ومن أخبرك أنني انتوي البقاء هنا المتبقي من عمري؟ أنا فقط اجلس ليومين كي أثبت لنفسي أنني حاولت حتى آخر لحظة تقبل حياتي الجديدة ومن ثم سأرحل راضية دون شعور بالذنب تجاه وصية والدي."
هز أرسلان رأسه وكأنه يوافقها الرأي، ثم تحدث بهدوء شديد وكأنه يناقشها بمنتهى الرقي:
"ومن سيسمح لكِ يا ترى بالخروج من هنا؟ هل تعتقدين أننا في نزهة تأتين وقتما تشائين وترحلين حين تودين؟ ومن سيخرجك من الأساس؟"
اشتعلت أعين سول من كلماته التي تحاول أن تملي عليها ما تفعل وهذا كان اسوء ما يمكن تقديمه لها:
"ومن سيمنعني من الخروج من هنا؟ ونعم كنت في نزهة داخل رواية لكاتب مختل وبمجرد خروجي سأنسى كل ما شاهدته بها وأولهم أنت، وأخيرًا صمود وصامد سيفعلان، أنت بالطبع لا تخطط لحبسي في هذا العالم الذي جئت إليه بغباء."
مال عليها أرسلان قليلًا مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما، ثم أشار بإصبعه صوب بوابة القصر التي تقبع على بعد كبير منهما يقول بكل الاسترخاء والهدوء في هذا العالم:
"هذه بوابة القصر تجاوزيها إن استطعتي."
ختم حديثه يمنحها أكثر بسمات العالم استفزازًا، ثم اعتدل يهتف:
"والآن اسمحي لي بالمغادرة فقد اكتفيت من هذا اليوم حتى الآن."
وهكذا بكل بساطة رحل وهي ظلت مكانها تحاول أن تستوعب ما حدث للتو، هل هددها أنها لن تغادر المكان؟ هل يحاول حصر حياتها داخل قصره؟
اشتعلت ملامحها تراقب حركاته داخل القصر قبل أن تبتسم بسمة صغيرة لا معنى لها، ثم نظرت صوب باقة الزهور التي تحملها وتحركت صوب غرفتها بهدوء شديد.
***
اندفع داخل القصر، ثم هبط عن حصانه بسرعة مرعبة وهو يتحرك صوب غرفته يدعو الله في قلبه أن تكون الفتاة قد ملت ورحلت بعد انتهاء الحرب، رغم أن عقله ومعرفته الصغيرة بفاطمة تنفي بالكامل ما يفكر له.
اقتحم مبنى الغرف وتحرك صوب غرفته ولم يكد يخطو للممر الخاص له حتى أبصر زيان يقبل صوبه مرددًا براحة:
"ها أنت ذا معتصم طرقت على غرفتك طويلًا ولم اسمع جوابك، لقد طلب الملك لقائنا في جناحه الخاص لـ"
قاطعه المعتصم وهو يلوح بيده في الهواء بعدما أعطاه الصغيرة النائمة:
"اعتني بالصغيرة، وسألحق بك سألحق بك اسبقني."
تحرك تاركًا زيان يراقب أثره بعدم فهم قبل أن يردد بهدوء وهو ينظر للصغيرة:
"ما باله هذا؟ ومن هذه الصغيرة؟ هل هي ابنته؟"
والمعتصم فقط توقف أمام غرفته يطرق الباب بهدوء وضربات قلبه تزداد وهو يحاول أن يسمع أي صوت ينبأ بوجودها في الداخل. نظر حوله للممرات الفارغة وكأنه يتأكد أن لا أحد حوله سيسمعه ينادي باسم امرأة داخل غرفته.
اقترب من الباب ينادي بصوت منخفض للغاية:
"فاطمة، هل أنتِ بالداخل؟"
الصق أذنه بالباب ولم يصل له أي صوت، ليفتح الباب بهدوء شديد، يدخل فقط رأسه وهو يعيد الكرة:
"فاطمة أنتِ هنا؟"
دخل بكليته ينظر حوله يبحث عنها ليجد الغرفة فارغة بالكامل، إذن هي رحلت، تنفس واخيرًا الصعداء يستدير حوله ماسحًا وجهه براحة مقررًا الاستحمام ثم اللحاق بالجميع في غرفة الملك.
وما كاد يستدير حتى تفاجئ بجسد صغير يختفي خلف الباب وهي تبتسم له بسمة صغيرة تردد بصوت منخفض:
"مرحبًا."
أطلق المعتصم ص
رواية اسد مشكي الفصل السادس 6 - بقلم رحمه نبيل
ارتجفت يد توبة التي كانت تحمل عصا غليظة استطاعت استخلاصها من الطاولة الشبه مهترئة والقابعة في أحد أركان الغرفة.
ارتجفت كفها كما قلبها وهي تنظر من بين دموعها لجسد الرجل الذي سقط أرضًا وقد بدأت دماؤه تسيل خارج رأسه.
تركت العصا سريعًا مرتجفة بخوف، تتراجع للخلف بوجه أحمر وأعين حمراء كادت تخفي زرقة حدقتيها.
دارت بعيونها في المكان وجسدها يرتجف بقوة تحاول أن تهدأ ارتجاف صدرها:
_ هو يستحق... هو يستحق... هو يستحق.
كانت تنطق الكلمات بهستيرية وهي تنحني ببطء جوار جسد نزار الذي فقد الوعي بعد الضربة الثانية.
ابتلعت ريقها تمد العصا صوبه وهي تحركه بخفة ومن ثم اندفع جسدها للخلف برعب، لتجد أن لا حركة صدرت عنه.
شعرت بضربات قلبها تزداد تكرر برعب:
_ لقد قتلته، قتلت رجل.
وفجأة عند هذه النقطة انهارت أرضًا جوار جسد نزار تشعر بالرعب يتملك منها، تخفي وجهها بين قدميها منهارة.
يستحق القتل، لكن ليس على يديها، كان جسدها بأكمله يرتجف من فكرة أنها استطاعت قتل رجل ما.
ظلت بنفس الوضعية تبكي دون توقف وهي تفكر ما الذي تفعله الآن، لا تعلم طريق الخروج من هنا، هي حاولت أقسم أنها حاولت الفرار لكن لم تستطع.
الآن شعرت شعور كل امرأة أُختطفت وأُستباحت على يد المنبوذين، كانت تسمع حكايات قديمًا تجعلها تبكي وترتجف وتشفق عليهن، والآن أصبحت واحدة منهن.
وعند هذه الفكرة بدأت شهقات توبة تعلو وهي تصرخ بحرقة وقهر:
_ عزيز قومٍ ذُل، تشفق على نفسها، أين والدي وأين حياتي، أضحت ضحية ذكر وسخ أتخذ الدياثة مبدأً له في حياته، تزوجت بذكر، بل شبه ذكر وليس شبه رجل، ألقى بها بين غياهب الجب.
كانت تبكي وتصرخ من بين بكائها بكلمات غير واضحة بسبب الشهقات، كل ذلك كان يصل لمسامع ذلك الملقى أرضًا من بين غفوته، أضواء مزعجة وجسد متيبس ووجع قاتل يضرب رأسه.
لا يدرك كم من الوقت ظل ممددًا على تلك الأرضية الصلبة، لكنه يدرك أنه وقت كافٍ ليسبب له وجع قاتل في فقرات ظهره.
حاول فتح عيونه وفشل مرات عديدة، ربما تلك الضربات تسببت له في عمى على أقل تقدير.
حاول التنفس وهو يرفع كفه يبعد الدماء عن عيونه، ثم حاول فتح عيونه مجددًا بكل ذرة قوة متبقية داخل جسده الواهن.
دقائق طويلة مرت وهو يحاول ويحاول حتى نجح وأخيرًا، دار بنظرات ضبابية في المكان لا يمكنه تحريك جسده، ربما تسببت الضربات في إصابته بالشلل إن نجى من العمى.
فجأة وأثناء رحلته داخل الغرفة بنظراته استقر على جسد متكوم في ركن جواره يهتز ويصرخ ويبكي.
ضيق ما بين حاجبيه يحاول معرفة ما يحدث، من هذه من الأساس؟!
وفجأة وكأن الذكرى ضربت رأسه يتذكر ما حدث ليشهق دون شعور منه:
_ أميرة توّبة؟!
وعلى همسته انتفض جسد توبة بسرعة ترفع عيونها صوب المتحدث لتتسع لرعب حين أبصرته ما يزال حيًا.
تراجعت برعب وتحفز للخلف وهو حاول النهوض ليشعر بالعجز، جسده بأكمله يأن وجعًا، قضى شهورًا عدة داخل السجن على بعض اللقيمات والآن خرج منه على محاولة قتل وكل هذا تسبب في إصابته بوجع في كل خلية داخل جسده.
حاول مرات ومرات أن ينهض تحت أعين توبة المتحفزة والتي زحفت حتى أمسكت العصا مجددًا تراقبه يتحرك بصعوبة بجسده حتى اعتدل وهو يطلق تأوهات مرتفعة واخيرًا استقر بنصف جسده العلوي على أحد الجدران، يغمض عيونه بتعب شديد قبل أن يفتحها ويرفعها لها لتشحب بقوة.
بينما نزار أخذ ثواني كي يستوعب عقله ما يراه، الفتاة أمامه بلا حجاب وقد تبعثرت خصلاتها السمراء حولها بشكل فوضوي، مع ملامح هادئة وجه أبيض مستدير بملامح صغيرة وأعين زرقاء.
ولأول مرة في حياته من بعد طفولتهم يبصر وجه توبة، رفيقة الطفولة التي كان يشاركها اللعب في فناء القصر حتى عمر السابعة ومن بعدها مُنعوا من اللعب سويًا وانشغل كلٌ بحياته، ولم يقابلها من بعدها البتة إلا من وراء حجاب ولم يكن حتى يرفع عيونه بها، الآن يراها أمامه واقعًا بكل ملامحها وخصلاتها.
وعند هذه الفكرة ابعد نزار عيونه عنها بسرعة كبيرة وبوجه محتقن غاضب وقد بدأ صدره يعلو ويهبط غضبًا من ذاته يتمتم بالاستغفار.
تمتمات وصلت واضحة لتوبة التي حدقت به ثواني قبل أن تنفجر في الضحك مرددة بسخرية لاذعة ونبرة متحسرة:
_ فاسق يذكر ربه؟! ألا تخجل من نفسك أيها الحقير؟!
ارتفعت عين نزار لها بصدمة، لكن سرعان ما أبعدها يتحدث بصوت خافت:
_ أين حجابك؟
امتلئت عيونها دموعًا تهتف بقهر وكره ينبض من كل خلية في جسدها:
_ انتزعوه مني، كي لا يبقى بين جسدي وفسوقك من حائلٍ..... سيدي.
كانت السخرية تقطر من فمها مع كل كلمة تنطقها، تراقبه ينظر أرضًا رافضًا النظر لها نظرة واحدة فقط، وهذا ما جعلها تتعجب ما يفعل، هل يدعي هذا القذر المثالية؟!
لكن نزار لم يهتم بكل ما يحدث وتحرك ببطء وصعوبة بعد محاولات فاشلة منه، ثم استند على الجدار الخاص بالمنزل يجر نفسه جرًا خارج المكان، تحت عيونها المتعجبة.
بعد كل ما تلقاه من ضربات منها ما يزال يستطيع السير، يبدو أن قوته ليست بالهينة لتفنى من ضربتين فقط.
أما عن نزار فقد اندفع بجسده خارج المكان بأعين مشتعلة يبحث بعيونه عمن يمكن أن يخرج به نيرانه، وقد كان الأمر من نصيب المرأة التي تدير المكان بأكمله بأمر من أنمار وقد تقدمت منه بدلال:
_ يا ويلي ما الذي فعل بك هذا؟! يبدو أن الفتاة الجديدة شرسة، إن لم تعجبك أخبرني أحضر لك غيرها.
نطق نزار بسبة مرتفعة، ثم نطق بكلمات محدودة:
_ أين حجاب المرأة؟!
حدقت فيه المرأة بعدم فهم، ليكرر كلماته بصوت مرتفع شبه صارخ:
_ أين حجاب المرأة في الداخل؟!
نطقت بعدم فهم:
_ أي حجاب هذا؟! هل أنت مجنون؟! ثم كيف تحدثني بهذه الطريقة، وتوقف عن النظر بعيدًا، انظر لي وأنت تتحدث معي.
ويبدو أن حديثها لم يعجب نزار والذي اهتز جسده بغضب شديد وهو ينطق نفس الجملة مجددًا، لكن بغضب أكبر:
_ أريد حجاب المرأة فتحركي واحضريه وإلا اقسم بالله أن أحيل هذا المكان لرماد.
ومن بعد كلماته خافت المرأة من طريقته، وقررت أن تتحدث مع الوليد بشأن الرجل الذي أحضره:
_ حسنًا سأحضر حجابًا و...
_ بل حجابها هي، لا أريد أي حجاب ملوث يعود لامرأة أخرى قد تكون مثلك.
اتسعت أعين المرأة بشر وقد أحمر وجهها من تلك الإهانة والتي سرتها في نفسها حتى تلتقي بأنمار، تحركت سريعًا واختفت لدقائق قبل أن تعود له تمنحه حجابًا باللون السماوي والذي كان شبه مدمر لينتزعه منها بغضب، ثم عاد صوب المنزل وقبل دخول طرقه، ومن ثم تحرك للداخل.
كل ذلك وتوبة ما تزال تجلس في ركن المنزل تحدق به بشر وكره كبير، فجأة انتفض جسدها تمسك العصا حين أبصرت اقترابه منها:
_ هيييه أنت ابتعد، لا تقترب مني وإلا أقسمت بالواحد الأحد ألا أترك بك عظمة واحدة دون أن أفتتها لشظايا في غاية الصغر.
اتسعت عيون نزار من شراستها قبل أن يبتسم بسخرية متحدثًا لها:
_ لو أنك أظهرتي هذه الشراسة على من أحضرك هنا، ما كنتِ تقفين أمامي الآن تحاولين السيطرة على ارتجاف جسدك ورعشة صوتك وتهدديني.
بُهتت لكلماته وشعرت بالغصب يندفع بين أوردتها ونظرت له معتقدة أنه يعلم من أحضرها ويسخر منها، لا بد أن ذلك الوسخ الديوث أخبرهم ذلك متفاخرًا.
لكن وإن ظن أنها ستصمت وتسمح له أن يتعالى عليها فقد أخطأ.
رفعت رأسها تردد بإشمئزاز:
_ ولو أنك أظهرت هذا الصلاح على شياطينك، ما كنت تقف الآن أمامي في هذا المستنقع.
سمع حديثها بملامح ذاهلة قبل أن يبتسم بسمة غريبة يخرج لها حجابها الخاص يلقيه عليها لتتلقفه سريعًا تخفي به شعرها، لتشعر أخيرًا براحة كبيرة وهي تقف أمامه وكأنها كانت تحدثه عارية.
أما هو فنظر لها ثواني قبل أن يبتسم وينظر أخيرًا لعيونها مرددًا بنبرة جعلت ضربات قلبها تزداد دون سبب:
_ ما زلتِ كما أنتِ توبة، يسعدني معرفة أن العالم لم يغير بكِ شيئًا، وصدقيني سأحرص على ألا يفعل.
ختم حديثه ثم تحرك بعيدًا عنها وهي تنظر لأثره بعدم فهم، لا تستوعب ما قال ولا ما يقصد، فقط نظرت لاثره وهو يرحل تاركًا إياها في حيرتها.
***
أغمض عيونه يحاول أن يستوعب ما يحدث داخل جناحه، هي ليست واقفة في منتصفه بثياب شبابية مع خصلاتها المتحررة، كل هذا مجرد خيال مريض من عقله ليس إلا.
لكن أصوات الهمسات والشهقات حوله جعلته يفتح عيونه بسرعة وهو يرميها بنظرة جعلتها تتمنى لو وجدت لها قبرًا في ركن الجناح تدفن به جسدها بعيدًا عنه، لكن رغم كل ذلك حاولت أن تتماسك وتتحدث بهدوء وهي تشرح ما حدث أمامه:
_ لقد... هو موزي دخل هنا بالخطأ وأنا جئت...
وقبل إكمال جملتها وجدته يتخطاها بسرعة مخيفة يقف أمامها معطيًا إياها ظهره وهو يرمي الجميع بنظرات مرعبة:
_ أعينكم للأسفل.
أبعد الجميع عيونهم المصدومة برعب عنها بينما هو صوت تنفسه القوي كان كل ما يُسمع في المكان، بينما هي ما تزال في ظهره مصدومة متسعة الأعين تحاول تجاوز ما يحدث حولها.
ابتلعت ريقها بصعوبة تحاول أن تتحدث بكلمة، لكن وقبل أن تفعل استدار لها بكليته مما جعلها تتراجع وهي تخشى أن تقف في وجهه في هذه اللحظة.
فتحت فمها للحديث بكلمة لكنها توقفت حين أبعد هو عيونه عنها يتحرك بسرعة صوب غرفته، ثم وفي ثوانٍ فقط عاد وكأنه يخشى تركها وحدها بهذا الشكل، يلقي لها بمعطفه الأسود الثالث منذ أتت لتفهم هي ما يريده تضعه على جسدها تتحدث بسرعة:
_ أنا لم آتـ...
قاطعها بغضب حاول كبته بصعوبة كي لا يزيد من الطين بلة أمام رجاله، هو فقط ابتسم بسمة خشنة يردد لها بهدوء:
_ لا بأس جلالة الملكة غدًا نتحدث إن شاء الله، ومن ثم كان الأمر خطئي أن تركت باب غرفتي مفتوحًا وهذا ما تسبب في دخول موزك هنا وإفساده لكل شيء، رجاءً اذهبي لنيل قسط من الراحة والصباح نتحدث بشكل أوضح.
تعجبت ما يقول وتعجبت هدوءه، ولم تنتبه لتلك الكلمة التي خرجت منه في وسط حديثه، فقط هزت رأسها تجيبه بنبرة رقيقة دون وعي:
_ نعم هذا صحيح، وآسفة على ما حدث، إن أردت يمكنني تعويضك بـ...
قاطعها همسة أرسلان الذي فقد كان ذرات رقيه المزعومة واشتد غضبه وهي تتحدث معه بهذه الهيئة أمام رجاله:
_ فقط ارحلي من هنا قبل أن أفقد صبري.
اتسعت عيون سول بقوة وهي تنظر له بشر لكلماته، لكنها فقط ابتسمت له تدرك أنها المخطئة في هذا الموقف وأي عناد من طرفها لن يكون في صالحها البتة:
_ ليلة سعيدة جلالة الملك، أنصحك بشرب بعض المشاريب الدافئة واستنشاق بعض الهواء النقي لتهدأ نيران غضبك.
كانت تتحدث ببسمة رقيقة وهي تتخطاه وهو ما يزال يحدق في الفراغ مكانها وقد اشتد إصراره على ما كان يرفض في البداية، سوف يفعله ولو كلفه هذا حياته.
بينما سول تخطته تشير لموزي أن يلحق بها، ومن ثم تخطت الرجال تهمس لهم بصوت خافت رقيق:
_ ليلة سعيدة لكم، وآسفة على الإزعاج.
وبمجرد أن خرجت أغلقت الباب خلفها بهدوء شديد، تاركة أرسلان يعطي ظهره للجميع وهو قاب قوسين أو أدنى من الانفجار في وجوههم.
نظر الجميع لبعضهم البعض بتردد ولا أحد يعلم ما حدث، كاد أحدهم يتحدث بكلمة، لكن أرسلان استدار لهم يتحدث بصوت جامد وكلمات خرجت دون إرادته بنبرة حادة:
_ ما حدث منذ ثوانٍ إياكم أن تفكروا به بينكم وبين أنفسكم حتى، أعتقد أن حديثي في غاية الوضوح يا رجال.
نظر الجميع له والاستنكار والصدمة تعلو ملامح البعض مما حدث وسمعوا، والاحترام يعلو ملامح البعض الآخر وقد كان الأمر لا يعنيهم البتة أن يتدخلوا به خاصة بعدما أعلن الملك للتو مكانة المرأة.
وفي عرفهم لا دخل للرجال بالنساء أو بما يحدث معهن، فما بالكم لو كانت تلك المرأة هي الملكة المستقبلية للبلاد كما أعلن أرسلان منذ ثوانٍ؟!
بينما أرسلان ينظر لهم بشر وهو يعلم أن الكلمة التي ألقاها في حديثه أعطت لهم إشارة لعقوبة التحدث فيما حدث منذ ثوانٍ، وقد عمد لنطق تلك الكلمة في تلميح ضمني كي يضمن عدم تجرؤ أحدهم وذكر ما حدث بينه وبين نفسه.
لكن هو لا يلقي الكلمات جزافًا كل كلمة تخرج من فمه بحساب.
ابتسم لهم بسمة صغيرة، ثم قال بهدوء:
_ والآن تفضلوا لحين انتهي من ارتداء ثيابي ويأتي زيان والمعتصم ومن ثم نشرع في الحديث عما سيحدث قبل اجتماع الملوك غدًا...
***
كان يسير في طرقات البلاد خلفها يراقبها منذ نصف ساعة تقريبًا لا يود الإعلان عن وجوده، فقط يتابعها بحرص وكأنه يسير خلف كنزه الثمين يحرسه من أعين كل من تسول له نفسه بالمساس به.
ابتسم دون وعي يراقبها تتحرك في الطرقات الشبه خالية وهي تردد ترنيمات خافتة كان يسمعها في طفولته من والده، الفتاة كانت نقية صافية خالية من أي شوائب قد تعكر صفو قلبها، وهذا ما أرعب المعتصم عليها، مثل هذه الفتاة على والديها الاعتناء بها أكثر.
فجأة وأثناء تحركهم توقفت فاطمة فجأة في سيرها، ليتوقف المعتصم بدوره وحين استدارت اندس بجسده بسرعة خلف أحد المباني بسرعة متعجبًا تصرفاته، فهو لا يفعل شيء خاطئ كي يختبئ، لكن كان الأمر مجرد ردة فعل من جسده.
بينما فاطمة نظرت خلفها بشك تشعر بقدم تلحق بها ليدب الرعب في قلبها وهي تتذكر كلمات والدتها المحذرة، فأخذت ترددها بصوت شبه مرتفع:
_ أنا لا أخافك يا هذا، أي كنت من تتبعني فأنا لا أمتلك لا ذهب ولا أموال كي تفعل وإن فكرت بالاقتراب مني سأصرخ بصوت مرتفع وأجمع الأشخاص حولي حولك وستكون في ورطة.
اتسعت عين المعتصم وهو يختبأ خلف الجدار وقد ارتسمت بسمة غير مصدقة على فمه، هذه الفتاة خروجها من منزلها انتحار... هل تعتقد أنه لو كان شخصًا سيئًا حقًا ويلحق بها وسمع هذه الكلمات سيخافها؟
مد رأسه بهدوء ينظر لها من خلف الجدار مبتسمًا بسمة صغيرة على تصرفاتها وقد أخذت تستدير حولها تحدق في الأماكن بحثًا عمن يتبعها، وحينما تأكدت أنها أخافته أكملت طريقها بسرعة.
خرج المعتصم من مخبئه يلحق بها بخطوات تمثال هرولتها.
قبل أن تتوقف فجأة مما جعله يتوقف هو الآخر بضيق:
_ ليس مجددًا يا ابنتي أكملي طريقك أريد العودة للقصر.
بينما فاطمة انتبهت فجأة لقطة صغيرة تقبع في ركن منزل منكمشة من البرودة على نفسها، مالت عليها تهمس بصوت منخفض:
_ مرحبًا يا صغيرة، أين والدتك؟
اقترب المعتصم بهدوء دون أن تشعر به يراقبها تتحدث للقطة بلطف شديد، جعله يبتسم دون شعور يهمس بإعجاب لم يستطع كبته وهو شارد بملامحها الرقيقة التي تخفيها آثار الأوساخ وكأنها كانت تلعب بالوحل:
_ والله لو كنتِ ابنتي ما تركتك تبصرين الخارج كي لا تتلوثي يا فاطمة.
مالت فاطمة أكثر على القطة، ثم حملتها بين أحضانها، ونظرت حولها تخشى عودة والدتها وعدم إيجادها، وتخشى أن تتركه وحدها في هذه البرودة، ظلت محتارة قبل أن تقرر واخيرًا أن تأخذها وترحل:
_ هيا سنعود غدًا للبحث عن والدتك يا صغيرة.
ومن ثم تحركت بكل بساطة وهدوء دون أن تدرك ما فعلت لتوها بالمعتصم الذي ابتلع ريقه بصعوبة يتحرك خلفها وهو يسمع صوتها تتحدث للقطة:
_ أشعر أن قدمي تأن وجعًا من ذلك الحذاء الأحمق، ربما عليّ شراء حذاء آخر صحيح يا... نحن لم نختر لكِ اسمًا بعد، غدًا نفعل إن لم نجد والدتك.
صمتت ثم أكملت بجدية كبيرة وهي تنحرف في طريق شبه مظلم:
_ ربما يمكن لبوبي أن تتكفل بارضاعك مع صغارها، سأعرض الأمر عليها غدًا إن لم نجد والدتك.
كبت المعتصم ضحكته بصعوبة، لكن كان الأمر أكبر منه إذ انفجر فجأة في الضحك بشكل جعل أقدام فاطمة تتوقف فجأة في الظلام وقد اشتدت ضربات قلبها قوة.
فتحت عيونها بفزع تخشى الاستدارة صوب الضحكات، في حين أن المعتصم كان ما يزال غارقًا في موجة الضحك دون أن يتمكن من التحكم بذاته.
استدارت فاطمة واخيرًا بعد نقاشات عديدة مع ذاتها لتشجيعها، استدارت تنظر لذلك الجسد الذي يقف خلفها على بعد خطوات قليلة في شارع صغير مظلم، ابتلعت ريقها تتحدث بريبة:
_ من أنت؟ هل تلحق بي؟
تماسك المعتصم بصعوبة يردد من بين ضحكاته:
_ أنا آسف لم أقصد، أقسم أنني لم أقصد...
نظرت له فاطمة بحنق تهمس بغيظ شديد:
_ من أنت ولماذا تلحق بي، تحدث وإلا صرخت بالجميع أنك تحاول أذيتي، وسأخبر أبي وأخي عنك.
اتسعت عيون المعتصم يهمس بصدمة من حديثها:
_ ماذا فعلت لكل هذا؟! هذا أنا المعتصم بالله، لقد كنت ألحق بكِ فقط للتأكد أنك ستصلين لمنزلك بأمان.
نظرت له ثوانٍ بعدم فهم تحاول تذكر أين سمعت هذا الاسم قبل أن تتسع بسمتها تلقائيًا تهتف:
_ المعتصم؟! نعم أتذكرك، لقد تقابلنا سابقًا، أحضرت لك حلوى أيضًا و...
صمتت ثم قالت فجأة وكأنها تذكرت الأمر:
_ الحلوى لقد نسيتها في غرفتك وضعتها على الطاولة هناك.
_ ألم تحضريها لي؟
_ نعم فعلت.
_ إذن لا بأس هي في غرفتي في أمان.
هزت رأسها قبل أن تبتسم وهي تمد له يدها بالقطة تهمس:
_ انظر ماذا وجدت، هذه الهرة الصغيرة كانت تبكي في الطرقات بسبب البرودة، هل تريد الاحتفاظ بها، فأمي ربما تغضب إن عدت بها للمنزل كما أنني لا أمتلك طعامًا يناسبها.
نظر المعتصم ليدها التي تحمل الهرة ثوانٍ بزهول، لم يستوعب ما تقول، ابتلع ريقه يردد:
_ هذه لي؟!
_ نعم تريدها؟!
صمت ثوانٍ وهو يحدق بالقطة ومن ثم بها، وكاد يرفض فلا هو متفرغ للاعتناء بأي كائن حي، أو يعلم حتى كيف يعتني به، لكن نظراتها المترجية تلك جعلته يمد يده لها خوفًا أن يحزنها يلتقط منها الهر بين أحضانه:
_ نعم سيسعدني ذلك.
اتسعت بسمة فاطمة ليبصر المعتصم في هذه اللحظة وبسبب ضوء المشاعل الخافت في الطرقات أجمل البسمات التي أبصرها خلال أعوامه الخمس والعشرين، أبعد عيونه عنها حينما شعر أن الشيطان بدأ يتحكم فيه بشكل مبالغ، ليسمع صوت فاطمة تردد بلطف:
_ أنت حقًا في غاية اللطف، أتساءل لما أخبرتني أمي أن البعد عن الغرباء فأنت تبدو لطيفًا.
فتح المعتصم فمه ببسمة غير مصدقة، امرأة تصفه باللطيف وهو الذي قضى حياته بأكملها بين الأسلحة والدماء، الحمدلله أنها لم تبصره يومًا في ساحة الحرب.
_ والدتك محقة، لا تقتربي من الغرباء كثيرًا، فهذا خطر خاصة على صغيرة مثلك.
_ لست صغيرة أنا على مشارف العشرين.
_ لا أعتقد أنكِ قد تنضجي ولو كنتِ على مشارف التسعين.
نظرت له فاطمة بعدم فهم ليهز رأسه لها يشير أن تتحرك أمامه:
_ تحركي لنوصِلك للمنزل كي لا تتأخري أكثر لا بد أن عائلتك قلقة عليكِ.
فتحت فاطمة عيونها بصدمة وكأنها استوعبت للتو:
_ أوه نعم لا بد أنهم كذلك.
ختمت حديثها تهرول أمامه بسرعة وهو يلحقها بنفس السرعة قبل أن تتوقف فجأة تستدير له هامسة بتساؤل:
_ صحيح لم تخبرني ماذا ستسميها للهرة؟!
نظر لها بتشنج، تلك الفتاة مريبة حقًا للتو كانت تهرول مرتعبة مما سيحدث لها والآن تتساءل عن اسم الهرة التي وجدتها، فتح فمه ينتوي الصراخ بها لتتحرك حتى ينتهي ويعود مع هرته للقصر، لكن وجد نفسه ينطق باسمها وبلغة فارسية خالصة:
_ برفی "ثلجية".
اتسعت عيون فاطمة بانبهار وهي تنظر صوب القطة البيضاء ترى حسن اختياره للأسماء:
_ أنت جيد في هذا، أحببت الاسم، هل يمكنك المرور يومًا لاختيار أسماء لأبناء بوبي؟!
اتسعت عيون المعتصم يرفع عيونه لها بصدمة وهي فجأة انكمشت ملامحها تهتف بفزع:
_ يا ويلي أمي لقد نسيت.
ومن ثم بدأت تركض مجددًا وهو خلفها يهمس لنفسه بالصبر فهذه ستكون المرة الأخيرة التي سيراها بها بهذه الفتاة الغريبة.
راقبها حتى وجدها تدخل أحد المنازل الشبه محترقة وكأنه على وشك السقوط والانهيار، انقبض صدره لرؤية المنزل، لقد كانت النوافذ محطمة والباب شبه مدمر، أطال النظر به قبل أن يتراجع بعيدًا يحمل القطة ويتحرك بهدوء عائدًا للقصر ليحضر اجتماع الملك وقد تأخر كثيرًا بالفعل.
***
_ لينجينا الله من جنون أرسلان، رسالته لا تنبئ بالخير.
ابتسم سالار بسخرية وهو يحرك رأسه، ثم مال على ظهر المقعد يتأمل السماء، يردد بهدوء شديد ردًا على حديث إيفان:
_ أي كان ما سيفعل فلأول مرة أوافقه الرأي، لقد تجاوزوا جميع الخطوط الحمراء.
تنهد إيفان يميل على الطاولة أمامه يستند عليه بيديه، ثم اطال النظر حوله لرجاله يتحدث بجدية:
_ لا يبدو لي أن الأمر سينتهي على خير هذه المرة، ما يحدث في الممالك جنوني.
_ لا بأس إيفان ستمر كما يمر كل شيء عزيزي، فقط توكل على الله.
ختم حديثه يعتدل في جلسته، حين سمع صوت إيفان يوجه كلماته لتميم "صانع الأسلحة داخل سفيد":
_ هل فعلت ما أخبرتك به تميم؟!
_ نعم مولاي كل شيء تم، جهزت شحنة الأسلحة التي ستتحرك غدًا لمشكى وأخرى لآبى.
_ جيد، غدًا نتحرك لمشكى جميعًا عدا دانيار هو سيبقى هنا لتولي الأمور في المملكة لحين عودتنا.
ابتسم دانيار بسمة واسعة وقد كان هذا أفضل قرار يصدره الملك، فهو في الحقيقة لا يخطط للأبتعاد عن زوجته والذهاب لمشكى في هذا الوقت تحديدًا، ليس وقد تعهدت له بليلة رومانسية وسهرة طويلة في شرفة غرفتهم.
انتبه إيفان لشرود دانيار الطويل وبسمته المريبة ليضيق عيونه، ثم نظر صوب تميم يردد ببسمة واسعة مستفزة:
_ أو غيرت رأيي، تميم أنت ستبقى ودانيار سيأتي.
أمسك سالار كوب العصير أمامه يرتشفه مبتسمًا بسخرية يرى أن الحرب بدأت اليوم مبكرًا بين إيفان وزوج شقيقته، وحقًا لا يدرك متى يتوقف إيفان عن الغيرة على شقيقته ويعتزل إزعاج دانيار.
اشتعلت أعين دانيار بغضب شديد يشعر برغبة عارمة في النهوض واستلال سيفه والانقضاض على إيفان والتخلص من كل هذه المعاناة التي يحياها على يده.
أما عن إيفان كان فقط يبتسم متابعًا ما يحدث يعلم جيدًا هوية الأفكار التي تدور الآن في عقل دانيار، لكنه لم يهتم يكمل بكل بساطة:
_ إذن يا رجال اذهبوا للنوم فلدينا رحلة طويلة غدًا.
ختم حديثه ينهض عن المقعد، ثم استأذن منهم بهدوء شديد يتحرك في المكان، نهض دانيار عن مقعده وكأنه على وشك الهجوم عليه، لكن توقف قبل أن يتحرك صارخًا بغضب:
_ يا الله لترحمني منه.
تحرك بعيدًا صوب غرفته مشتعلًا بالغضب، فيما نهض تميم مكانه مقررًا الذهاب وأخذ قسط من الراحة بعد يوم شاق قضاه بين طرقات سفيد مع الجيش، يستأذن بهدوء من سالار الذي ودعه، ثم بعد دقائق قليلة وأخيرًا تحرك قرر أن يختم يومه بشيء لطيف، وما ألطف من زوجته ليختم بها اليوم؟!
تحرك صوب غرفته وتوقف ثوانٍ قبل أن يطرق الباب بهدوء، ومع طرقته الثالثة وجدها تفتح الباب بلهفة تطمئن أنه لم يصب بأذى تهتف بكل المشاعر داخل صدرها:
_ حمدًا لله على سلامتك يا قائد.
_ سلامتي أنتِ تبارك...
ختم حديثه يتحرك داخل الغرفة ملتقطًا جسدها بين أحضانه بيد، والأخرى أغلق بها الباب يتنفس براحة شديدة وقد بدا على صوته الاسترخاء:
_ عسى أن يكون يومك ملئ بالخير مولاتي.
اتسعت بسمتها فهو لم يخلف عهده معها منذ زواجهم، أخبرها أنها ملكته وستظل، وحافظ القائد على كلمته، ومنذ متى أخلف القائد له كلمة.
_ الحمدلله بخير دامك بخير يا قائد.
ابتعدت قليلًا تهمس بحنان:
_ أنت لم تتناول طعامك...
_ لست جائعًا، فقط متعبًا وفي الغد لدي رحلة طويلة لمشكى، لذا فقط أحتاج للراحة.
انقلبت ملامح تبارك وهي تتراجع للخلف أكثر:
_ ستطيل البقاء في مشكى؟!
_ لا أدري أتمنى ألا نفعل.
_ ما الذي حدث سالار، أنا لا أفهم شيئًا، ألم ننتهي من كل هذا سابقًا، ألم يفنوا بعد؟!
نظر لها سالار ثوانٍ قبل أن تغيم عيونه بنظراته غير مفهومة، ثم ابتسم يردد بصوت خافت:
_ هم يتكاثرون كالحشرات تبارك، لا ينتهون لعنة الله عليهم أجمعين، لقد توالت ضرباتهم على الممالك الأربعة والحمدلله لم يصب أحدهم سوء.
ثمن ثوانٍ قبل أن يكمل بملامح متغضنة:
_ رغم أنني أشك أن أذية أحد كان هدفهم.
_ ماذا تقصد؟! إن لم يكن أذية ما سبب ما فعلوه إذن؟!
_ إعلان عن عودتهم، ضربات مستترة متفرقة لتشتيت النفوس، إضعاف القلوب، اختاروا طريقة حرب جديدة، وجدوا أنهم أجبن من حرب الرجال وساحة المعارك، فاختاروا حرب النفوس والعقول، ضربات كالتي حدثت قد تبث الرعب في نفوس الشعوب وتقذف القلق في صدورهم وهذا يضعفهم، حسنًا لست متأكدًا من شيء، لكنني أعلم جيدًا أن القادم لن يكون هينًا.
ابتلعت تبارك ريقها وقد توجست مما نطق سالار، ورغم ذلك اقتربت منه تتحدث بخوف دب في صدرها:
_ أنت ستكون بخير سالار؟!
_ لا تقلقي الله خير حافظ.
هزت تبارك رأسها تحاول رسم بسمة رغم الخوف الذي انتشر على ملامحها، نهض سالار يتحرك صوبها مبتسمًا، ثم جذب رأسها له بحنان يضمها لصدره:
_ ما بكِ تبارك، أنا الآن بخير أمامك، ثم ألا تثقين بي، الله ولييّ فمن هم لا أخشاهم؟!
سقطت دموع تبارك وهي تضم نفسها له بقوة، قبل أن تنفجر فجأة في البكاء مما جعل سالار يفتح عيونه بصدمة كبيرة يبعدها عنه بسرعة يحاول التأكد أنها تبكي حقًا ولا يتخيل:
_ يا ويلي ما بكِ؟! هل فقدتيني لتبكي بهذه الطريقة؟!
_ بعد الشر عنك يارب اللي يكرهك واللي يتشدد ليهم يا سالار.
ختمت حديثها وهي تمسح دموعها، ثم أردفت بصوت خافت حزين:
_ فقط حزينة لأن الحرب عادت من جديد، لم أصدق أنها مرت على خير لتعود أقسى وأشد.
_ هؤلاء الخنازير لعنة الله عليهم لا ينتهون البتة، عسى أن يحترقوا في جهنم.
تنهد وهو يمد يده يمسك يدها يسحبها صوب الطاولة التي كانت قد أعدتها له يهتف ببسمة صغيرة:
_ هيا تعالي لنطعمك، لربما سبب ما يحدث لكِ هو الجوع ليس إلا.
فجأة توقفت أقدامه حين تذكر شيئًا ما، واستدار لها بشك:
_ أنتِ لم تغفلي عن أدويتك صحيح؟!
صمتت تبارك وهي تحاول التذكر متى آخر مرة تناولت دوائها، ليدرك سالار أنها فعلت ولم تأخذها بانتظام كما أمرها.
_ كنت سأ... سأفعل أقسم لك، فقط انتظرتك لتعود ومن بعدها سأخذها.
كانت تتحدث وهي تتحرك خلفه بسرعة بينما هو كان يتحرك بخطوات واسعة داخل الغرفة وهو يبحث عن الأدوية التي يخفيها لأجلها، وهي تتحرك خلفه تحاول أن تجاري خطواته، وهو فقط يبحث بين الأغراض الخاصة وهي تتحدث بصوت لاهث بسبب هرولتها خلفه:
_ فقط اسمعني سالار، أنا فقط كنت أنتظر عودتك فأنا لا أحب تناول الأدوية إلا من بين أناملك، أتفاءل بك خيرًا، لذلك انتظرتك.
توقفت فجأة حين توقف هو واستدار لها يرميها بنظرات جعلتها تبتلع ريقها مبتسمة بسمة رقيقة علها تؤثر عليه ويتوقف عن زجرها بنظراته نفسها التي يرمي بها جنوده وقت التدريب.
أما عنه فاكمل طريقه صوب الطاولة يلتقط عنها كوب ماء، ثم استدار لها وهي تلحق به تتحدث بسرعة:
_ الآن سآخذها و.....
وقبل إكمال جملتها كان سالار يدس الأدوية في فمها ثم اتبعها بكوب الماء وهي ترتشف دون كلمة واحدة كي لا تغضبه وحينما انتهى مما يفعل بملامحه واجمة غاضبة، مال بكل بساطة يطبع قبل على وجنتها هامسًا بحنان يتنافى مع ملامحه منذ ثوانٍ:
_ شفاكِ الله مهجتي، لا أراني الله بكِ سوءًا، سأذهب للاستحمام وأعود.
وختم حديثه بقبلة على وجنتها الأخرى، ثم تحرك بهدوء وهي فقط تتابعه بأعين متسعة لا تفهم ما حدث منذ ثوانٍ.
***
صباح جديد يخفي له الكثير، وها هو يستقبل الصباح كعادته من شرفته المفضلة في الطابق الثالث، بدأت الشمس تلقي أشعتها على الأجواء، وكم كان ممتنًا لقدوم نهار جديد واخيرًا مبددًا ظلمة الليلة السابقة.
ابتسم يراقب الشروق ببسمة واسعة، قبل أن تتلاشى بسمته شيئًا فشيئًا حين أبصر في الحديقة الجانبية ما جعل عيونه تتسع ليتحرك بسرعة خارج المكان وهو يزفر بضيق وصوت حنقه يعلو ويعلو يتمنى من أعماق قلبه ألا يصل أحدهم صوب تلك الحديقة في هذا الوقت.
_ سامحك الله يا رائف، سامحك الله على ما فعلت بابنتك وبي.
وفي الخارج كانت تقف هي في الحديقة ترتدي ثياب رياضية تتكون من بنطال قماشي أسود واسع الأقدام مع سترة ثقيلة بيضاء من النوع الواسع، تبتسم باتساع وراحة شديدة وقد بدأ موزي يستمتع بالأشجار حوله يقفز هنا وهناك.
ابتسمت له سول وهي تفتح ذراعيها للحياة في صباح جديد مشرق حيث الهواء العليل و......
وقبل إكمال قصيدة الصباح الجميل في رأسها شعرت بسترة تصطدم في وجهها بعنف وصوت يهدف في المكان صارخًا:
_ أنا لن أسير خلفك في كل مكان أبذر عليكِ ستراتي ألا يمكنك أن تتبعي ما أقول لمرة واحدة؟!
أغمضت سول عيونها بضيق شديد تبعد السترة عن وجهها تحاول التنفس والهدوء، هي من الأساس تضع قبعة ثوبها الشتوي على رأسها لأجل صراخه هذا.
نظرت له بأعين مشتعلة قبل أن تهتف في وجهه بهدوء يخفي خلفه نيرانا:
_ أنت حقًا تعاني مشاكل جمة في التحدث بشكل حضاري، ما يزال عرض علاجي لك قائمًا إن أردت.
أشار لها أرسلان والغضب يأكل خلاياه وهو يفكر أن هذه المرأة جاءت تنشر الفساد داخل جدران قصره وهو قد سأم كل هذا:
_ اسمعي أنا لم أحاسبك على ما حدث البارحة بعد، فلا تثقلي ميزانك معي يا امرأة واتبعي ما أخبرك به وإلا...
نظرت له سول ثوانٍ قبل أن تضع يديها داخل جيوب سترتها الشتوية تبتسم له باستفزاز:
_ وإلا ماذا؟! تقتلني وتعلق رأسي على جدران قلعتك؟!
_ ألم أخبرك أنني لا أشبه أيًا من الملوك الذين قرأتِ عنهم سابقًا في كتبك العزيزة، لذا لا، صدقيني ما سأفعله لم تكتب عنه الكتب ولم يخطر على بال أي كاتب مختل.
كانت سول تتابعه بهدوء وهي تزال تدفئ أناملها داخل سترتها تنتظر أن ينتهي من حديثه، ثم قالت بكل بساطة وهدوء:
_ أنا لن آخذ منك مالًا لقاء معالجتي لك، صدقني لقد سبق وعالجت الكثيرين مثلك...
صمتت ثم أكملت ببسمة واسعة:
_ أوه آسفة تذكرت أن لا أحد مثلك، أقصد أنني عالجت البعض ممن يعانون تلك الأعراض التي تعاني أنت منها، لمَ لا تجربني؟!
اتسعت أعين أرسلان قبل أن يبتسم لها بسمة مريبة وهو يردد:
_ هذا ما أنويه بالفعل، لكنها لن تكون مجرد تجربة.
_ ما الذي ترمي إليه أنت؟!
ابتسم لها ولم يتحدث بكلمة، كل هذا وهو لم يرمي لها بنظرة واحدة حتى، بل كان يتحدث وهو يبعد عيونه عنها يحدق في نقطة خلفها، مما جعلها تغتاظ وهي ترفع إصبعها في وجهه تلقي بتهديد لا معنى له:
_ اسمع يا هذا، لا تختبر صبري فأنا حتى الآن أتعامل معك بالحسنى ولا أريد معاملتك معاملة زبائني الأعزاء...
وقبل إكمال جملتها رأت نظراته تتحول من خلفها صوب إصبعها يحدق به ثوانٍ قبل أن يرفع عيونها لها يردد بصوت محذر:
_ خسئتِ أنتِ وأشباهك الأربعين، اخفضي إصبعك ولا تتجرأي وتهدديني، كي لا يصيبك ما لا قبل لك بتحمله.
ابتسمت سول بعدم تصديق تهمس له بغضب مكبوت:
_ أنت نرجسي حقًا.
وكانت إجابة أرسلان عليها هي نظرة غاضبة وهو يرفع إصبعه في وجهه:
_ أنتِ وقحة.
اتسعت أعين سول بعدم فهم، وفتحت فمها للتساؤل عما يقصد، لكن وقبل أن تستفسر عما يقصد كان الجحيم قد فتح أمامها حين أبصرت برتقالة مجهولة المصدر تمر بالقرب من رأس أرسلان الذي امسكها بسرعة كبيرة وكأنه يصد ضربة سيف، رفع عيونه صوب الرامي يعطيه نظرة لو كان موزي يعقل ما يفعل لبحث لنفسه عن قبر ودفن به جسده.
اتسعت بسمة مختلة على وجه أرسلان جعلت سول تتحدث بتردد وهي تقف أمامه، تحاول أن تشتته عما حدث:
_ أنا أريد الخروج للتسوق و...
لكن فات الأوان لما تريد فعله وقد اندفع جسد أرسلان صوب موزي الذي ركض بسرعة يختبأ بين الأغصان، لكن يد أرسلان كانت أسرع وهو يمسك بسترته يجذبه صوبه أمام عيونه يهمس بصوت مرعب وكل فكره يدور حول وضع حد لهذا القدر كي لا يتمادى في أفعاله ويلقيه بشيء كلما أبصره وربما كانت المرة القادمة أمام الجميع:
_ ليس قردًا من يفكر مجرد تفكير على أن يلقيني بشيء ولو كان ورقة شجر، خسئت أنت وكل سلالتك أيها الأجرب...
***
" ملك آبى الملك آزار، افتحوا أبواب القصر..."
على صوت المنادي كانت أبواب سبز تُفتح أمام قافلة آزار الذي تحرك بخيله بسرعة كبيرة، حتى وصل بعد دقائق أمام المبنى الخاص بصديقه، هبط عن حصانه يتحرك وهو يهز رأسه مرحبًا بالجميع دون أن يحيد بعيونه عن الطريق يدرك جيدًا أين يسير، وجهته المعروفة منذ سنوات وخاصة الأيام الأخيرة.
وأخيرًا وصل صوب مكانه المنشود، ليدخل بهدوء ويغلق الباب خلفه يخلع معطفه يلقيه جانبًا يهتف بأعين ملتمعة بالحنين وصوت خافت يراقب رفيق العمر وشقيقه الذي حظي به منذ طفولته:
_ ما بالك أحببت الراحة أيها العجوز؟!
تحرك صوب الفراش حتى وصل له يجذب أحد المقاعد يجلس عليها ثوانٍ، ثم أمسك يد بارق يربت عليها بحنان، يضمها بين قبضتيه يستند عليهم بذقنه محدقًا بوجه بارق الشاحب والذي كان أشبه بالموتى، ودون شعور سقطت دموعه يدفن وجهه على يده التي تقبض على يد بارق يهمس بصوت موجوع:
_ الحمل ثقيل يا صديقي، عد ولا تتركني وحدي في هذه الحياة، والله أشعر أنني أقف أعزلًا في ساحة حرب، إياك وتركي وحيدًا يا بارق، لا تفعلها بي وتقسم ظهري.
ختم حديثه ينفجر في البكاء وهو يضم كفه وقد بدأت ذكرياته مع بارق تعود أمام عيونه، بارق والذي كان يمثل له الصديق والأخ والرفيق، الآن ذلك الرفيق مهدد بتركه.
سقطت دموعه أكثر وظل على جلسته ساعات يتحدث معه كما لو كان بارق يسمعه، قبل أن ينهض يمسح دموعه، ثم قبله على جبينه وودعه بهدوء:
_ سأعود مجددًا يا أخي...
تحرك للخارج بهدوء، يغلق الباب خلفه، يرتدي معطفه الملكي مجددًا بملامح جامدة يتحرك في الممر قبل أن يتوقف أمام قاعة العرش يدخلها بعدما أعلن الحاجب وصوله ليبصر أنمار يتوسط عرش بارق، كبت استنكاره وحقده داخل صدره يرى أنمار يرحب به ببسمة واسعة راقية.
_ ملك آزار أخبرني الرجال أنك جئت منذ ساعات طويلة، فخمنت أنك ذهبت للجلوس مع الملك بارق.
_ جيد أنك ما زلت تذكر من الملك هنا أنمار.
لم يهتم أنمار بحديثه، يتجاوزه بكل بساطة، ثم أضاف بهدوء:
_ إذن كيف حالك وحال آبى؟!
وكما فعل أنمار، فعل آزار معه، إذ تجاوز عن سؤاله وهو يبادره بسؤال آخر في المقابل ودون مقدمات هتف بصوت جامد:
_ مالي لا أرى زوجتك في الجوار؟! أين الأميرة توبة أنمار؟!
***
" موكب سفيد يصل لبوابة القصر بقيادة الملك إيفان، افتحوا الأبواب "
كان ذلك صوت أحد مراقبي الأبراج التي تحد القصر، وبمجرد أن ختم جملته حتى فُتحت أبواب مشكى على مصرعيها لتستقبل موكب سفيد بقيادة إيفان وبالطبع سالار.
تحرك إيفان بسرعة كبيرة فوق حصانه داخل القصر يجاوره سالار الذي كان يحرك رأسه يحيي الجميع حوله مبتسمًا بسمة صغيرة، وخلفهم موكب جاءوا به من سفيد ومن ثم حراس الملك الذين رافقوه في رحلته.
خرج أرسلان من القصر يتحرك بكل هيبة صوب بوابة القصر الخاص به يرتدي معطفه الملكي والذي كان يتميز بامتزاج اللون الأسود مع الذهبي، توقف ثوانٍ في سيره قبل أن يخلع المعطف يمنحه للمعتصم مرددًا:
_ خذ يا بني دعني أرحب بأخوتي.
ابتسم له المعتصم وقد فهم مقصده، فأرسلان ذهب يستقبل إيفان والقائد سالار بصفته صديقًا وأخًا وليس ملك مشكى، تحرك أرسلان بخطوات متلهفة، حتى وصل لهم، ليكون أول من يهبط هو إيفان الذي تقدم منه مبتسمًا يردد بنبرة حنين:
_ مرت شهور منذ آخر زياراتي لمشكى.
فتح له أرسلان ذراعيه مرحبًا:
_ أنت مرحب بك في بلادك طوال الوقت إيفان.
اقترب منه إيفان يضم أرسلان بقوة وهو يربت على كتفه يهمس له بصوت خافت:
_ عسى أن تكون زيارتي القادمة وهي بأحسن حال يا أرسلان، أثق بك.
ردد أرسلان بصوت خافت:
_ إن شاء الله.
ابتعد عن إيفان قليلًا يرحب بسالار الذي اقترب منه يردد بود ونبرة حنونة:
_ يسعدني رؤيتك مبتسمًا بملامح هادئة أرسلان.
_ شرفني بزيارتك كل يوم بعد صلاة الفجر، أكون مبتسمًا حتى مشرق الشمس.
انطلقت ضحكات سالار وهو يربت على كتفه، ومن ثم سمع أرسلان صوتًا ينطلق من جوارهم مرددًا باحترام:
_ السلام عليكم ملك أرسلان.
استدار أرسلان صوب صاحب الصوت والذي لم يكن سوى تميم، فمنحه بسمة واسعة يفتح له ذراعيه:
_ مرحبًا بك في مشكى يا تميم.
ضمه تميم وهو يتقبل ترحابه ببسمة واسعة وقد جاء هو مع الموكب فقط لأنه أكثر من يفقه في الأسلحة، وقد جاءوا مشكى بصفقة أسلحة جديدة من تصنيعه، حمدًا لله أن إيفان لم يصر على أخذ دانيار والذي كاد يحطم القصر فوق رؤوس الجميع.
ابتعد عنهم أرسلان يشير لرجاله بمساعدة رجال سفيد في نقل ما جاءوا به يهتف بجدية:
_ ساعدوا رجال سفيد في تفريغ ما جاءوا به بحرص يا رجال.
استدار صوب المعتصم مضيفًا:
_ وأنت يا المعتصم أشرف بنفسك على تجهيز غرف الرجال فسوف يبيتون ليلتهم هنا.
رحب المعتصم بهم ببسمة واسعة، ثم غادر سريعًا ينفذ أوامر الجميع، ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى قال أرسلان:
_ ستبيتون اليوم حتى عودة الملك آزار من زيارة سبز ومن ثم يلحق بنا غدًا لنعقد اجتماعنا.
تحرك وهو يشير لهم بالتحرك خلفه:
_ هيا الحقوا بي كي نتناول الفطور، بالفعل تأخرت عن تناوله بسببكم وهذه ستكون أول مرة أخرق قوانين مملكتي لأجلكم...
وفجأة توقف عن الحديث وتوقفت أقدامه عن الحديث حين سمع صوتًا خلفه يهتف بنبرة جعلت قلبه يرتجف وجسده بأكمله يهلل شوقًا:
_ ألا يستحق انتظاري خرقًا لقوانينك أخي؟!
تأوه أرسلان وهو يستدير بسرعة يبحث بأعين مشتاقة عن صاحبة الصوت، ليبصر إيفان قد اقترب من الموكب يمسك يدها يساعدها على الهبوط بحنان، وحينما استقرت على الأرض أمسكت كهرمان "ملكة سفيد" طرف ثوبها تميل قليلًا مرددة بصوت رقيق:
_ اشتاقت العين لرؤيتك جلالة الملك.
تملعت أعين أرسلان بقوة وهو يتحرك صوبها بأقدام مهرولة يزيح إيفان عنها بعنف:
_ ابتعد عن جوهرتي قليلًا يا هذا.
تشنج وجه إيفان بحنق شديد يهمس له بكلمة لم تصل لمسامع أرسلان، وحتى لو وصلت فما كان أرسلان ليهتم في هذه اللحظة وهو يلتقط جسد شقيقته الحبيبة بين أحضانه بقوة:
_ جوهرتي الحبيبة، والله ما بقي عضو في جسدي إلا ومات شوقًا لضمك غاليتي.
اتسعت بسمة كهرمان وهي تردد بصوت معاتب:
_ لهذا رحلت آخر مرة دون رؤيتي حتى أو كلمة واحدة من طرفك أخي.
_ كنت وقتها غاضبًا وبشدة، أشغلت عليكِ رؤيتي بتلك الحالة صغيرتي.
_ ربما يمكننا إجراء ذلك الحوار الملئ بالعواطف في الداخل أرسلان.
استفاق أرسلان من كل مشاعره التي غمرته وكل ذلك الدفء الذي أحاط به لحظة رؤيته شقيقته على صوت إيفان، ليلوي شفتيه بحنق شديد، ثم ضمها من كتفها يتحرك بها للداخل مشيرًا للجميع أن يلحق، ولمح بطرف عيونه سالار الذي تحرك صوب الموكب يساعد أحدهم على الهبوط ولم يكن بحاجة للتفكير في الأمر فقد كانت زوجته لا ريب.
وكذلك كانت، اقترب سالار من الموكب يبتسم وهو يمد كفه لها مرددًا بحنان شديد:
_ هيا مهجتي لنساعدك في الهبوط.
منحته تبارك بسمة واسعة وهي تتحرك معه صوب الداخل وخلف الجميع بعدما أصرت على المجئ معه.
وبمجرد أن دخلوا قادهم أرسلان صوب قاعة الطعام والتي كان يتفرع منها غرفة جانبية للنساء كي يأخذن راحتهن في الأكل.
أشار لهم جميعًا بالجلوس وقبل التحدث وأخبار شقيقته باصطحاب زوجة سالار صوب قاعة النساء اقتحمت عاصفة المكان بأكمله بشكل أثار انتباه الكل.
نفخ أرسلان وهو يضع يده على وجهه وداخل صدره يتضرع لربه ألا تكون خرجت بهيئتها التي تصيبه بأزمة قلبية حادة، وايضًا ألا تتواقح بكلماتها الحادة أمام الجميع.
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ فجأة وجد الجميع الباب يُفتح وجسد يلتحف بالأسود يتقدم منهم، أسود يعلمونه جيدًا، معطف أرسلان المميز يغطي نصف جسدها تقريبًا وجزء لا بأس به من ملامحها.
ترتديه امرأة بملامح غريبة عنهم ترتدي أسفله بنطال قماشي أسود واسع بعض الشيء وقميص من اللون الأبيض، تتحرك صوبهم بخطوات قوية مرتدية حذاء بكعب عالٍ وعيونها مشتعلة وقد كان جسدها متحفز بشكل كبير.
تتحرك بين الجميع تحت أعين الرجال المتسعة والنساء المصدومة مما يحدث، تحركت بهدوء صوب أرسلان تحمل حقيبتها أعلى ظهرها تردد بهدوء:
_ اعتذر للدخول بهذا الشكل الوقح يا سادة، لكنني جئت فقط لأطالب الملك بترك موزي، فأنا لدي رحلة طويلة.
حدق بها الجميع دون فهم لما يحدث، لا شخص يدرك ما سبب ارتداء تلك المرأة لملابس رجال، ولا أحد يفهم ما يحدث عدا تبارك التي كانت ترمقها بانبهار تقريبًا، فالفتاة كانت جميلة للغاية و... مهلًا جميلة؟!
فجأة استدارت بسرعة كبيرة صوب زوجها تطمئن أنه لا يرى ما تراه هي الآن، لكن أبصرته ينظر للفراغ بعيدًا هو وإيفان، فقط كانت نظرة واحدة منحوها للمرأة قبل أن يبعدوا أعينهم.
تنفس أرسلان بصوت مرتفع، قبل أن يهتف بصوت جهوري:
_ كهرمان...
انتفض جسد كهرمان دون شعور لولا يد إيفان التي أمسكت يدها بسرعة يهدئها وقد تقدمت صوب أرسلان تتساءل بريبة:
_ نعم؟!
_ اصطحبي المرأة معكم صوب قاعة الطعام لتحظى بفطورها.
هزت كهرمان رأسها، ثم استدارت صوب سول التي كانت تضم يديها لصدرها تنتظر أن ينفذ أرسلان ما تريد.
_ تفضلي معي يا آنسة.
قاطعتها سول والتي لم تبعد عيونها عن عيون أرسلان المشتعلة:
_ إنه لشرف لي أن أشاركك الطعام آنستي، لكنني للأسف لا أمتلك وقتًا لذلك، لذا أرجو أن تعذريني وأن تخبري ذلك الرجل والذي يقف جوارك أن ينفذ ما أقول ويدعني أرحل.
اتسعت أعين إيفان بقوة وقد ارتسمت بسمة واسعة على جانب فمه ينظر صوب سالار نظرة فهمها الأخير ليبتسم له بالمقابل وهو يهمس لإيفان:
_ هل أبصر امرأة تؤدب أرسلان هنا؟!
_ يبدو أنه آن الأوان ليشفي الله صدري يا صديقي.
كل ذلك الحديث لم يكن يصل لأرسلان الذي اشتعلت عيونه وهو يهتف في وجهها:
_ خسئت مليون مرة، لم يولد بعد من يلقي أوامره في وجهي يا امرأة، أخبرتك لا رحيل من هنا وافعلي ما شئتِ.
وبالمثل ردت له سول حديثه لكن بصوت أكبر هدوءًا منه:
_ وأنا أخبرتك أنك لن تملي عليّ ما أفعله فلا كلمة لك عليّ جلالة الملك، والآن كأي رجل متحضر راقٍ دع غوغائيتك جانبًا، وأعد لي موزي وأحضر صامد وصمود لإعادتي صوب حياتي التي سلبتموني إياها.
الأن اتضحت الأمور للجميع، زائرة من عالم المفسدين مرة أخرى.
حرك سالار أنظاره صوب تبارك التي رمقت سول بشفقة وهي تدرك شعور الغربة الذي تحياه في هذه اللحظة، وكيف لا وهي مرت به بكل مرارته، لكن على عكسها هي سواء بقيت هنا أو عادت لم تكن تمتلك حياة تحزن عليها لمفارقتها، لكن يبدو أن تلك المرأة تفعل، وهذا سيجعل تأقلمها هنا أصعب.
أضافت سول على حديثها السابق بنبرة في غاية الهدوء تحترم الحاضرين دون حتى أن تدرك هويتهم:
_ أنا لا أطالبك بالكثير، مجيئي هنا كان خطأ منذ البداية، والآن كل ما عليك هو أن تصحح هذا الخطأ مولاي وأن تطلق صراحي.
رمقها أرسلان ثوانٍ دون رد من جهته، كان في غاية الهدوء وكأنه يشاهد عرضًا أو ما شابه حتى نطق بكل تأني:
_ كهرمان عزيزتي ارشديها صوب قاعة الطعام وعرفيها على المكان فالآنسة منذ جاءت لم تتح لها فرصة التعرف على المكان.
ختم حديثه وهو يراها تفتح فمها للأعتراض لولا نبرة التي خرجت شبه حادة:
_ كما أخبرتك كهرمان.
ابتلعت كهرمان ريقها تتحرك صوب سول التي رمقته ببسمة صغيرة تراه يرمقها بشر وكأنه يحذرها مخالفة أوامره، وهي لم تفعل سوى أن هزت رأسها له بهدوء، ثم تحركت مع كهرمان بكل كبرياء.
وتبعتهم تبارك بسرعة، تاركين الرجال خلفهم وقد أحاط بهم هدوء مريب، لم يقطعه سوى صوت ضحكات مكبوتة من جهة إيفان، جعلته يضع يده بسرعة أعلى فمه، بينما سالار تظاهر أنه يمسح وجهه كي لا يبصر أرسلان وجهه المبتسم وضحكاته التي تنتظر لحظة ضعف منه لترن في المكان.
أرسلان الذي كان عنوان استفزاز جميع من يقابله، ولم يستطع إنسان في هذه الحياة أن يصمته عما يريد أو يتحدث له بنبرة لا تعجبه جاءت امرأة وفعلت كل ذلك وبكل هدوء ودون رفع صوتها في وجهه حتى، كانت تحدثه كما لو أنها تعلم كيف تتعامل معه بل ودرسته بدقة، وما لم يدركه أحدهم أنها بالفعل فعلت.
تنفس أرسلان بصوت مرتفع يغمض عيونه قبل أن يقول بهدوء بعدما فتحها مجددًا:
_ يمكنكما الضحك كي لا تنفجرا.
وكأنه أعطى لهما الأذن بذلك فانفجر سالار يضحك بصوت مرتفع وقد اختلطت ضحكاته بضحكات إيفان المتشفية والذي مال على سالار يردد من بين أنفاسه:
_ والله لو تسمح لي الظروف لنقلت مقر حكمي لقصر مشكى هنا كي لا أفوت لحظة واحدة مما يحدث، انظر يا سالار ما كاد يفوتنا، نحن نحيا حياتنا الطبيعية دون معرفة ما يحدث هنا؟!
أجابه سالار من بين ضحكاته:
_ حمدًا لله يبدو أننا في بداية القصة، ما زالوا في مرحلة الشجار والتحدي، عسى أن يطيل الله بعمري وأشهد نهايتها من يدري لربما انتهت بزفاف.
ختم حديثه يطلق ضحكة شاركه بها إيفان، لكن فجأة توقفت الضحكات في حلق كل منهما بقوة واتسعت الأعين بذهول وصدمة مرعبة حين سمعوا صوت أرسلان يتحدث بنبرة خافتة وصوت هادئ:
_ بل ستبدأ بزفاف يا عزيزي، لن يكون الزفاف نهاية قصتي، بل سيكون بدايتها.
***
تجلس بنفس الوضع في ركن المنزل الذي أُلقيت به، تشعر بالمكان يضيق عليها كل ثانية، ثم يشفق عليها ويتسع، وسرعان ما تتلاشى شفقته ويعود للضيق من جديد.
دمرت نفسها حين وافقت أن يكون ذلك الشبه ذكوري زوجًا لها، والدها الذي كان يشعر بالريبة ناحيته، وهي فقط كانت تراه رجلًا محترمًا، والآن اكتشفت أنه لم يكن محترمًا ولا حتى رجلًا، خشيت على قلبها من الفتنة ووافقت على أول شخص ظنته رجلًا مناسبًا، ارتعبت من فكرة أن حبها المستحيل لأرسلان قد يوصلها لمرحلة غير مرغوبة في حياتها، أن تخطئ وتقلل من شأنها وعفتها لأجل حب طفولي وهمي بنته في رأسها.
مسحت دموعها حين سمعت صوت طرق على الباب ليتشنج وجهها متسائلة عن هوية ذلك الشخص الذي يحترم خصوصيتها بين هؤلاء البشر، لتبصر وجهه يطل عليها حين دخل المكان.
آه هذا الفاسق الراقي الذي تحيا معه بهذه الغرفة العفنة.
أبعدت عيونها عنه بإشمئزاز وهو تنفر من رؤيته أو التحدث معه، رغم أنه لم يتصرف معها تصرفًا غير لائق، إلا أنه يكفيها انتماءه لهذا المكان كي تشمئز من وجهه.
ابتسم نزار بسخرية من ملامحها التي انقبضت باشمئزاز حين أبصرته:
_ لم أكن أعلم أن وجهي بهذه البشاعة.
استدارت له توبة تتأكد أن حجابها يغطي كامل خصلاتها:
_ ربما لا تمتلك مرآة في منزلك، لكن هذا ليس عذرًا الحقيقة، فلا بد أن انعكاس سواد ظهر لك يومًا في المياه أو الأواني على سبيل المثال.
جلس نزار أرضًا يستند على الجدار أمامها، يحدق بها طويلًا دون كلمة واحدة، ثم تحدث دون مقدمات:
_ زوجك هو من أحضرك هنا؟!
شحب وجه توبة بقوة وشعرت بغصة استحكمت حلقها:
_ أنا لست متزوجة.
_ حقًا؟! سمعت أنكِ متزوجة ولديكِ طفل حتى، لا يعقل أن كل هذه إشاعات لإبعاد الرجال عن الأميرة توبة فاتنة سبز.
وعند ذكره آخر كلمات له أحمر وجه توبة بقوة بشكل جعله يلوم نفسه بقوة وقد زادها عليها، ابتلع ريقه يعتدل في جلسته يقترب منها قليلًا فقط وهو يردد:
_ أنا آسف لم...
وقبل إكمال كلماته شهد نزار على انفجار وانهيار لم يشهد له مثيلًا يومًا، أبصر توبة المرأة التي ظنها يومًا فولاذية من حديث والده عليها وعلى ما تفعله مع والدها، تنهار باكية أمامه كطفلة وهي تدفن وجهها بين يديها تردد من بين شهقاتها:
_ اللهم رحمتك يا الله، رحمتك يا الله.
تصدع قلب نزار يقترب أكثر منها بريبة، لا يستطيع الاقتراب أكثر أو حتى التربيت عليها، اكتفى فقط بمواساتها من بعيد:
_ أنا آسف أقسم أنني آسف، توبة أنا آسف، والله ما قصدت إيلامك بهذا الشكل.
وتوبة كانت قد غرقت في موجة بكاء وانهيار على ما وصلت له، أصبحت حياتها مزرية تهتف من بين شهقاتها بصوت متوجع:
_ أريد أبي، أريد العودة لأبي.
_ سأعيدك.
وحين اخترقت كلمته تلك أذنها توقفت عن البكاء وهي ترفع عيونها الحمراء له بعدم تصديق وكأنها تشك في صدق كلماته، ليهز هو رأسها لها بسرعة يضع يده على صدره:
_ قسم بالله أن أخرجك من هنا ولو كان هذا على رقبتي، لكِ كلمة لا أخلفها إلا على جثتي، سأخرجك وأعيدك لوالدك.
نظرت توبة ليده التي يضعها على صدره، وكلماته التي لا تخرج من فاسق مثل الجميع هنا، وهذا جعلها تضيق ما بين حاجبيها بتفكير:
_ أنت... أنت لست منهم؟! من أنت؟! أشعر أنني أعرفك، هل... أفعل؟!
صمت نزار وقد اسودت نظراته بشكل جعلها تفكر في سبب شروده بهذا الشكل، بلل شفتيه، ثم هز رأسه يردد بصوت خافت يعلم علم اليقين أنها إن علمت هويته سيزداد احتقارها له حتى أكثر من احتقارها لمن بالخارج:
_ لا أعرفك.
_ كاذب.
نطقت جملتها بقوة وكأنها تتحداه أن يكذب حديثها، أما عنه فقط أبعد عيونه عنها يهتف بصوت شارد:
_ فقط لنقل أنني آثم اتخذك طريقًا للتوبة، ألا تريدين أن تكوني توبة عاصي؟!
اتسعت عيون توبة من كلماته ونبض قلبها نبض مجهول جعلها تبعد عيونها عنه بسرعة دون رد، بينما هو ظل شاردًا ولا يدرك ما نطق به، هو فقط همس بكلمات أخيرة:
_ ستبقين هنا لحين أستطيع إخراجك من المكان، لا تقلقي لن أمسك بسوء ولن أسمح لأحدهم أن يفعل.
_ من الأساس لن يستطيع أحدهم فعل الأمر حتى وإن أراد.
ابتسم بسمة ساخرة وهو ينظر للأرض ليس وكأنها نفسها الفتاة الباكية منذ ثوانٍ:
_ هذا جيد استمري على مثل حديثك، فلسانك اللاذع ويدك التي تبطش بمن يقترب منك سيسهل عليّ أمر حمايتك.
رفعت توبة ذقنها تهتف بإباء:
_ أترفع عن حمايتك يا هذا، لو كنت تستطيع الحماية لكنت حميت قلبك من سواد شياطينك أولى لك.
شردت ملامحه وقد ظهرت لمحة إعجاب دون إرادته على وجهه يهمس بصوت جعلها تفكر في معنى كلماته:
_ من يعلم ربما هذه فرصة أخرى لي واختبار آخر، لن أسمح لأحد ولو كان أنتِ أن يدفعني للفشل به، ستخرجين من هنا وتعودين لبلادك ووالدك، وحينها قد تتذكرين هذه اللحظة وتدركي أنني لا أخلف بوعد قطعته.
***
انتهى أخيرًا من تجهيز الغرف التي ستستقبل ضيوفهم، الغرفة المجاورة للملك ستكون لملك سفيد وزوجته، بينما الغرفة التي تقع في الجزء المعزول بالقصر بالطبع من نصيب قائد الجيوش وزوجته كي يتحول مساءً دون أن يزعجه أحدهم.
ضحك المعتصم بسخرية على الأفكار التي تدور هنا عن رجال الممالك، فكما وصفوا سالار سابقًا بالوحش وصفوا كذلك أرسلان بالأسد وقد بنى كل من الرجلين رعبًا خالصًا في صدور الجميع، فبالإضافة لسالار وأرسلان كان الملك آزار ثالث مدمني الحرب.
دخل غرفته يلقي ثيابه جانبًا يحضر أخرى مناسبة للتدريبات التي سيتولاها اليوم بمفرده لانشغال أرسلان مع ضيوفه، ولم يكد يتحرك أو يخرج حتى اخترق مسامعه صوت مواء ضعيف جعله يتذكر فجأة أنه يحتفظ أسفل سقف غرفته المتواضعة بروح أخرى.
تحرك بخفة يجلس على ركبتيه جوار السرير حيث صندوق صغير به وسادة تنام عليها الهرة البيضاء والتي يبدو أنها استيقظت للتو وأخذت تموء طلبًا للغذاء.
ابتسم لها المعتصم بحنان شديد يمد يده يلتقطها وهو يحدق بعيونها الزرقاء يهمس دون شعور بصوت خافت:
_ في غاية الرقة كصاحبتك.
فجأة أفاق من ذلك الخدر الذي أصابه لثوانٍ، وهو ينظر حوله مخافة أن يكون أحدهم اطلع منذ قليل على بلاهته وما يحدث معه، ابتلع ريقه:
_ الوضع أصبح مخيفًا ها؟! لنسأل الله ألا نتقابل مع صاحبتك مجددًا فما للجسد سوى عقلٍ واحد فقط لأفقده بسببها وبسبب أفعالها العفوية والبريئة و...
زفر بصوت مرتفع حين شعر أنه الآن سيغرق في موجة مدح للفتاة، نهض يمسك القطة بين أنامله بحنان وهو يتحرك بها خارج المكان يبحث عن شيء قد يطعمه لها، لا يعلم ما هو، لكن ربما يتحرك صوب المطبخ وهناك يجد من يساعده.
وبالفعل تحرك صوبه وهو يحمل الهرة بين أحضانه بكل الرقة في صدره، فشتان ما بين المعتصم بالله الذي يحمل الهرة في هذه اللحظة بحنان، وما بين المعتصم بالله الذي يحمل سيفه في أرض المعركة بكل خشونة.
وربما كانت هذه سمة رجال الممالك، أشداء على الكفار رحماء بينهم، يعلمون علم اليقين أن الرجولة ليست أن تكون غليظ الطباع على الجميع، يعلمون كيف يوجهون غلظتهم وشدتهم لمن يستحقها.
توقف أمام المطبخ وهو ينظر حوله يخجل من إيقاف إحدى الفتيات وسؤالها عن شيء، ابتلع ريقه ينظر صوب الهرة التي بدأت تموء مرة أخرى.
_ حسنًا فقط اهدأي ودعيني أبحث عمن يمكنه مساعدتنا هنا.
_ المعتصم؟!
توقفت المعتصم عن حديثه مع الهرة يستدير ببطء صوب صاحبة الصوت والتي كانت الوحيدة التي تستطيع نداءه باسمه مجردًا بهذا الشكل، ابتلع ريقه يراها أمامه تبتسم نفس البسمة المعتادة لها، وحقًا في هذه اللحظة شعر أن عقله بدأ يرسم له صورتها أمامه، فبكل الأشكال لا يمكن لها الوصول لهنا بهذه البساطة.
ولِمَ التعجب يا المعتصم سبق وأن وصلت لساحة الرجال دون عناء، هل سيتعسر عليها دخول مبنى القصر حيث غرف النساء والمطبخ؟! تلك الفتاة يشعر أن لا باب يظل مغلقًا أمامها، والخوف كل الخوف أن يكون الدور القادم عليه.
_ ما الذي تفعله هنا
رواية اسد مشكي الفصل السابع 7 - بقلم رحمه نبيل
صمت عم المكان حتى ظن الجميع أن الصدمة أصابت الفتاة بخرسٍ مؤقت، صمت لا يليه حديث، كل الأعين تحدق صوب سلمى التي حاولت أن تعطيهم ردة فعل، أي ردة فعل تبعد تلك الأعين الفضولية عنها.
فتحت فمها ثواني، ثم اغلقته، ومن بعدها فتحته، ومن ثم اغلقته مجددًا حتى وجدت لديها بعض التعبيرات التي تشكلت في عقلها وخرجت أخيرًا بكلمات تعطيهم أمل أنها حية:
_ ماذا؟ لا أفهم ما تقول؟
رفع أرسلان حاجبه بسخرية لاذعة، ثم ابتسم بسمة جانبية يردد بهدوء شديد:
_ ماذا؟ أصابتك البلاهة الآن؟
_ أنت لا تتحدث بجدية صحيح؟
اقترب أرسلان خطوات قليلة، يضع يده خلف ظهره، ثم رفع رأسه يجيب بكل هدوء:
_ لحسن حظك ودعوات والدك الصالح ورضا الله عنك، أنا أتحدث بجدية تامة آنستي.
اتسعت عيون سلمى أكثر تحدق في وجهه تنتظر منه ضحكة رنانة تخبرها أنه يمزح معها في هذه اللحظة، وحين وجدت الجدية تعلو ملامحه، هزت هي رأسها تعود للخلف بظهرها:
_ أوه أرى أن الرواية بدأت تتخذ مجرى غير محمود العواقب.
ابتسمت بسمة واسعة تحرك يديها في الهواء وكأنها تنهي دورًا في مسرحية ما والآن تحيي الجمهور للاختفاء خلف الستار:
_ اسمحوا لي بالانسحاب من كل هذا، اعتقد أن دوري انتهى هنا، وبالنسبة لموزي، لا بأس احتفظ به هو يفتعل المشاكل لي على أية حال، اعتقد أنه سيحب العيش في مثل هذا المكان الملئ بالفواكه وأهداف الفواكه الخاصة به.
ختمت حديثه، ثم استدارت صوب تبارك وكهرمان التي كانت ما تزال تنظر لأخيها بصدمة كبيرة، لا تصدق ما سمعته للتو، أرسلان قرر التخلي عن عزوبيته لأجل فتاة من المفترض أنه لا يعلم عنها الكثير، كانت ملامحها متشنجة قبل أن تتحرك صوب زوجها واثقة أن أرسلان لا يخفي عنه شيئًا، فكانت نظرتها مليئة بالشك والاتهام لاخفائه الأمر عنها.
ليحرك إيفان يده يردد بنبرة هادئة:
_ والله لم أكن أعلم سوى منذ قليل، أخوكِ يحطم توقعات الجميع بعزوبيته الأبدية، أعني من كان يتوقع أن هناك على مثل هذه الارض امرأة قد تتحمل العيش مع شقيقك للأبد؟ أقسم أنه لولا الحرمانية لكنت راهنت الجميع على العريف أنه لن يجد من يتحمله سوى خارج هذا الكوكب.
اشتدت نظرات كهرمان له بغيظ شديد، ليمنحها هو بسمة واسعة يكمل حديثه بكل بساطة مشيرًا لأرسلان:
_ دعينا نتحدث بواقعية، أخوكِ لا يُحتمل.
قطع أرسلان كل ذلك الحديث وقد مل كل ذلك الأمر:
_ هل يمكنني الطلب منكم تركي القليل من الوقت مع زوجتي المستقبلية، لدي بعض الأمور لاناقشها معها.
نظر له الجميع بشك وكأنه سيتخلص منها بمجرد خروجها، ليمنحهم هو بسمة صغيرة مشيرًا بعيونه صوب الخارج، وحينما بدأوا يتحركون اوقف سلمى والتي تحركت معهم:
_ آنسة سلمى لحظة من فضلك.
توقفت سلمى دون وعي حين سمعت منه اسمها، ولم تكد تستدير له حتى أبصرت الجميع يخرج من القاعة تاركين إياها وحيدة معه في المكان، رمشت تستدير له ببطء، وحين أبصرت وجهه ابتسم لها يتحدث:
_ ما رأيك بحديث ودي هادئ كأي شخصين عاقلين في الحياة؟
رفعت سلمى حاجبها بشك من كلماته ليتحرك أرسلان خطوات قليلة صوبها تراجعت هي ضعفها، ضيق عيونه يهمس بسخرية:
_ لا تخافي فلن اعضك.
_ بعد ما رأيته منك في ساحة الحرل، أشك في هذه الحقيقة.
تنحنح بصوت منخفض قبل أن يهمس لها بصوت بعيد كل البعد عن المزاح وقد كان يبدو جديًا في هذه اللحظة:
_ لم أكن أحب أن تبصر زوجتي هذا الوجه مني في الحقيقة.
_ من؟
_ زوجتي.
_ زوجتك من؟
_ أنتِ.
ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم:
_ أنت لا تمزح؟
_ لا اعتقد ذلك، نحن لسنا في وضع يسمح لنا بالمزاح.
_ أي وضع تقصد؟
اشتدت نظراته حدة وكأنها ذكرته بما يحاول نسيانه، فاقترب منها خطوات واسعة لم تستوعبها أو تدركها حتى وجدته يقف على بُعد خطوات منها يردد بصوت جعلها ترتجف خوفًا دون أن تظهر كل ذلك:
_ البارحة.
_ ما الذي حدث البارحة؟
ابتسم لها بسمة مرعبة:
_ أنتِ لا تمزحين صحيح؟ حين أوصاني بكِ والدك وخصني بالاعتناء بكِ لم آخذ الأمر على محمل الجدية خاصة أنكِ امرأة ناضجة يمكنها الاعتناء بنفسها، لكن ما حدث البارحة ينفي كل هذا ويدفعني دفعًا صوب تنفيذ وصية والدك بحذافيرها.
رمقته بعدم فهم وكأنه يتحدث بلغة لا تفهمها، فقط تستمر في التحديق في وجهه وكأنها تبحث عن حل للألغاز التي يتحدث بها، ابتلعت ريقها وهي تشعر أن القادم لن يعجبها:
_ وصية غير الاعتناء بي؟
_ نعم، حسنًا يمكنك القول إنها جزء من العناية بكِ.
رفعت حاجبها وكأنها تدعوه ليكمل ما يقصد، فابتسم هو يلقي بقنبلته:
_ الزواج بكِ.
اتسعت أعين سلمة بقوة تهمس دون وعي:
_ أنت تكذب.
_ لا أفعل، ما كنت لانفذ هذا الجزء من الوصية وألقي بنفسي بين غياهب امرأة لا اعلم عنها شيئًا، ما كنت لاسلم احلامي التي بنيتها عن زوجتي لفتاة مجهولة، لكن بعد ما حدث بالأمس اعتقد أنني سأتجاوز عن كل احلامي واتواضع بعض الشيء واقبل بكِ.
رفعت سلمى عيونها بسرعة صوبه لتتحرك القلنسوة، وقبل سقوطها حتى كانت يده تمسكها بسرعة وهو يحفظها فوق رأسها وكأنه أضحى يعلم اوقات سقوطها وأوقات ثباتها.
ابتسم يهمس من بين أسنانه بنبرة محذرة:
_ هذا الوضع لن يستمر كثيرًا، كدت أنهي معاطفي عليكِ يا امرأة.
رفعت سلمى عيونها بهدوء حتى ثبتتها على يده ثواني ليستوعب هو أنه ما يزال يمسك بالقلنسوة، أبعد يده بسرعة يتنحنح بخجل يعود خطوات للخلف، ثم تنفس بصوت مرتفع يشرح لها مقصده وما سيحدث:
_ حسنًا إليكِ ما سيحدث، بسبب ما فعلتيه بالأمس ولقطع الألسنة في الحديث بشأنك كان عليّ التلميح في حديثي إلى أنك التحدث عنك يعد تجاوزًا في حقي شخصيًا باعتبارك الملكة القادمة. جلالة الملكة.
وكأنه بكلمته تلك استدعى فجأة ذاكرتها التي ضربتها في مقتل تتذكر كلماته البارحة والتي لم تفهم مقصده منها، ومن بين صدمتها كان يراقبها هو بترقب قبل أن تنتقل الصدمة له وتصبح من نصيبه حين ابتسمت هي بسمة غريبة ترفع عيونها الخضراء له تحدق به ثواني:
_ إذن أنت تريد الزواج مني. جلالة الملك؟
رفع أرسلان حاجبه ولم يفهم التحول الذي حدث في شخصيتها، لتبدأ سلمى في التقرب منه بشكل جعله يتراجع خطوات خوفًا من تلامس غير مقبول له، لتتوقف هي بعد خطوات مناسبة وقد حفظت المسافة بينهما، مرددة بصوت هامس:
_ إذن الملك أرسلان بيجان المتغطرس تواضع وهبط عن عرشه وقرر إعطاء واحدة من عامة الشعب شرف الزواج منه؟
لم يفهم أرسلان سبب حديثها بهذا الشكل، لكنه أجابها ببساطة:
_ هذا من حسن حظك.
_ بل من حسن حظك أنت، فأنت الآن تطلب ودّ امرأة بنساء الأرض كلهن.
رفع أرسلان حاجبه بسخرية:
_ وتصفينني أنا بالمتغطرس؟ ألا ترين أن بعض التواضع سيفيدك؟
ابتسمت له بلطف وقد راقتها ملامح الانزعاج على وجهه:
_ رحم الله أمرء عرف قدر نفسه، وقدري عالٍ جلالة الملك، فهل لك من سبيلٍ إليه؟
_ ألا تبالغين؟
اطالت النظر بعيونه ثواني قبل أن تتراجع بكل جدية تهز رأسها ثم هتفت بقوة ورقة في الوقت ذاته:
_ إن كنت ترى هذا.
نظرت لعيونه تهمس بنبرة جادة:
_ فطلبك مرفوض جلالة الملك، وحتى ترى قدري الحقيقي، وتعطي نفسي حقها، وتدرك أي نوع من النساء أنا، فسيظل طلبك مرفوضًا.
ختمت حديثها، تمنحه بسمة واسعة، ثم تركته ورحلت بكل بساطة، لكن وقبل خروجها توقفت فجأة تقول ببسمة واسعة:
_ وصحيح قبل أن أنسى أطلق سراح موزي واعده لغرفتي قبل أن تجدني أقلب قصرك رأسًا على عقب بحثًا عنه، ولا اضمن لك أن يمر بحثي دون كوارث.
وبهذه الكلمات انتهى وجودها في المكان تتحرك للخارج بقوة وهي تبتسم بسخرية، يظن أنه يسديها صنيعًا بزواجه منها، يعتقد أنها سترقص وتقفز فرحًا وتهلل للأمر، آه ذلك الارسلان يحتاج لإعادة تأهيل وهي ستكون أكثر من سعيدة لتفعل ذلك. فكما تقول دائمًا.
_ كل مختلٍ وله طريقته المثلى في التعامل.
***
_ إذن تم كل شيء كما خططت له أنمار.
رفع أنمار عيونه صوب المتحدث، ثواني هي حتى ابتسم بسمة جانبية، ثم هز رأسه يردد بصوت هادئ:
_ لا اعتقد أن مكانتك في المكان مقارنة بمكانتي تؤهلك بتجريدي من لقبي.
ابتسم الرجل والذي كان واحدًا من ضمن رجال كثيرين متجمعين في مقر أنمار داخل بئر المعاصي الخاص بهم لمناقشة ما حدث، ليقرر أن يلقي بجملته دون مقدمات:
_ أرى أنك مبتسم فخور بما حدث.
صمت ثواني يكمل جملته المعلقة:
_ أنت لا تتوقعهم بمثل هذه البلاهة صحيح؟ هم سيكتشفون ما يحدث وحينها يمكنك توديع روحك أنمار.
ابتسم أنمار بسمة جانبية لا يهتم بما يسمع، هو وضع خطة سيسير عليها الجميع ولو على رقابهم، حرك نظراته بين الجميع قبل أن يستغرق في التفكير لحظات، ومن ثم تحدث بما يدور في عقله بعدما نهض من مكانه يتحرك قبل أن يتوقف فجأة مرردًا بهدوء:
_ برأيكم ما السبب الذي جعلني أزج ببافل الأحمق في لعبة الكبار هذه؟
صمت وكأنه ينتظر ردا منه، ثم ابتسم يكمل:
_ بافل العزيز كان بيدقًا في حرب لا قبل له به، حرب لا تليق بمثل حماقته وضعف شعبه، مجرد لعبة نحركها كي ننفذ بها اغراضنا الشخصية ولا مانع من منحه شعورًا وهميًا بالسيطرة، فلا تظنوا أنهم سينتصرون علينا كما فعلوا معه.
حرك نظراته بينهم ثواني قبل أن تتوقف على أحد الاوجه:
_ سمعت انك أحضرت لنا أحد رجال آبى هنا وليد.
ابتسم الوليد يرفع عيونه صوب أنمار، ثم هز رأسه يررد اسمه بهدوء:
_ نزار.
_ ولده للملك ازار؟
وكانت الاجابة هزة رأس صغيرة من الاوليد، وحينما شعر أنها ليست كافية لأنمار اضاف بهدوء:
_ لقد كاد يُعدم فرأيت أننا اولى من الموت بشخص كنزار، كونه طبيبًا عبقريًا وذو عقل خبيث سيفيدنا في الكثير غير أنه يعلم الكثير بالفعل عن ابى والممالك.
_ وما أدراك أنه سيساعدنا؟ ولاؤه الاول سيكون لبلاده ووالده.
_ لو كان كما تفضلت لما حكم عليه والده بالاعدام ولا سجن أشهر طويلة، نزار انتهى عصره.
لم يقتنع انمار بما قيل ورغم ذلك حرك رأسه بشرود:
_ سنرى الامر.
صمت عم المكان حين نطق أحد الرجال:
_ إذن ما الذي تخطط له الآن بعد ضربتك الاولى أنمار؟
ارتسمت بسمة مريبة على فمه وقد شعر الجميع حوله ببلاهة كبيرة، فأنمار لم يكن يصرح بخطوته القادمة على عكس الباقيين، وهذا ما جعلهم يخشون صمته أكثر من كلماته:
_ الآن؟ الآن سأرسل لجميع الملوك خطابًا عاجلًا أعرب به عن قلقي البالغ إزاء الاوضاع الحالية مطالبًا إياهم باجتماع عاجل لمناقشة ما يحدث، ونعرض عليهم عرضنا لضمان سلامة الشعوب بالطبع.
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد بدا أن تلك الاجابة لم ترضي فضولهم، بل جعلته أشد وطأة عليهم، ورغم ذلك هل تجرأ أحدهم وناقشه؟ لا لم يحدث، بل اكتفوا بالصمت والنظرات المتبادلة ردًا وجوابًا، ولا أحد يدري القادم في هذه اللعبة.
***
كانت ما تزال تجلس مكانها تدعي المسكنة كلما زارتها امرأة لتلقي بعض الكلمات السامة على أذنها كأنها اصبحت احداهن، وأنه لا فرق بينها الآن وبين أي فتاة منهن، لكن والله لن يحدث هي ما تزال الاميرة توبة التي لم تمسها يد دنسة عدا زوجها، كانت اليد الوحيدة الدنسة التي لوثتها، وليعطها الله العمر لتكون نهايتهتا على يديها انتقاما منهه على ما فعل بها وبوالدها واخيرا ولدها الصغير.
انتظرت حتى شعرت أنها اضحت وحدها في المكان وأن المكان اضحى مظلمًا حولها بشكل كافٍ لمواراة جسدها بين طياته، نهضت مستغلة نسيان مشتريها للباب مفتوحًا، أو تركه متعمدًا لإظهار مرؤته، تتسحب صوب النافذة الارضية والتي كانت تطل على الجهة الخلفية للمنزل، حاملة بين يديها سكين حصلت عليه دون أن تشعر الفتاة الصغيرة التي كانت تقطع لها الطعام ثم رحلت.
وحينما وصلت للنافذة عقدت الغطاء حول وجهها، ثم قفزت بسرعة كبيرة تتحرك بعيدا عن المكان رغبة بالهرب من هذا المستنقع.
دارت حول المنزل تبحث لها عن مخرج وصوت معازف وغناء يصل لها من بعيد وضحكات جعلت جسدها يرتجف، كادت تركض بعيدًا عن المكان الذي لا تعلم له من موقع، لكن فجأة توقفت حين أبصرت بعض الرجال يحدون المنطقة بأكملها من جميع الجهات.
ابتلعت ريقها تخفي ملامحها وهي تتحرك بعيدًا عكس الاتجاه الذي كانت تسير به، وسارت في المكان تحاول ألا تثير الإنتباه لها وضربات قلبها تعلو كلما وجدت قدمها تقترب من مكان غناء.
فجأة وجدت نفسها تقف على بُعد صغير من بعض الرجال، وهناك نساء كثيرات يتحركن ويتمايلن أمامهم بشكل مثير للأستفزاز.
لكن من بين الجميع وقبل أن تتحرك ابصرته، ابصرته لتشتعل عيونها بقوة وهي تشعر بصدرها يتحرك بقوة.
زوجها العزيز الذي دمر حياتها وحياة كل من تعلمه يجلس في منتصف الساحة جوار بعض الرجال الذين تشعر أنها ربما صادفتهم يومًا.
يجلس وأمامه فتاة فارعة الطول ممشوقة القوام جميلة الملامح بشكل مبهر، حتى أنها للحظات تحسرت أن يتلوث جمالها بكل تلك الآثام التي كانت تحيطهم، كانت ملامح الفتاة مرعبة خبيثة بشكل مقزز، تتمايل ببراعة لم تشهدها يومًا على امرأة، ويبدو أنها الآن في لقاء حصري مع امرأة زوجها الثانية، إذ كانت أعين أنمار تكاد تقتلع على جسد الفتاة التي كانت ترقص وتغني دون أن تمنحه اهتمامًا حتى.
ازداد غضبها وشعرت بالجحيم يشتعل داخل صدرها:
_ أيها الفاسق الوسخ، لعنة الله عليك، لوثت نفسك ولوثت جسدي معك يا حقير، والله لا أكون توبة ابنة الملك بارق إن لم أخرج روحك بين أناملي.
ختمت حديثها وقد بدأ شيطانها يتحكم بها ويدعوها للتقدم بين الجميع وطعنه طعنة واحدة وليحدث ما يحدث، فقط تطفأ لهيب انتقامها، ولتمت بعدها.
اخرجت السكين وهي تتحرك صوب الساحة وعيونها تتقد بالغضب تشعر بالنيران تزداد اشتعالًا تتحرك صوب منتصف الساحة وقد تعلقت عيونها به، أخرجت طرف السكين من ثيابها وقد عقدت العزم على التخلص منه.
وفي نفس اللحظة تحرك مكرهًا مع الوليد صوب الساحة كي يرافق الرجال في جلستهم ويتقرب منهم، نفسه كارهة وعقله يمنعه من معاندته مذكرًا إياه أن الوليد هو من أنقذه.
تنفس بصوت مرتفع وقد بدأ جسده يرتجف رفضًا لكل ذلك، لكنه وصل واخيرًا للساحة يسمع صوت وليد الذي تحدث بصوت شبه مرتفع بسبب اصوات الموسيقى:
_ هذا هو الزعيم، اعتقد أنك تعلمه مسبقًا.
رفع نزار عيونه صوب الرجل الذي يشير عليه الوليد، ليبصر آخر من توقع رؤيته، أو ربما توقع بالفعل، لكنه مهما توقع قذارة هذا الرجل الذي لم يكن يطمأن له أبدًا لم يكن ليتخيل أن تصل به قذارته لهذه النقطة.
تنفس بصوت مرتفع يهمس بسخرية وكره:
_ أنمار الراعي الرسمي للحفلات الموسمية في سبز؟ القذارة تليق به بالفعل، لا اندهاش في الحقيقة.
ختم حديثه وهو يتقدم خطوات بطيئة صوب أنمار الذي كانت عيونه معلقة بنقطة تتحرك أمامه، يدرك أنه يناظر المرأة التي ترقص، لكنه لم يتجرأ ويحرك عيونه صوبها.
لكن فجأة أبصر تحرك أنمار بهدوء بعيدًا عن الفتاة صوب نقطة خلفها لينهض فجأة يضيق ما بين حاجبيه بتفكير وهو يتحرك صوب نقطة خلفها بتحفز.
***
يقف في منتصف الساحة يراقب تدريبات الجنود بأعين منتبهة وبال مشغول، ولا يدري سبب شروده، كل ثانية يستفيق ليتحدث كلمات مقتضبة مع الجميع، ثم يغرق في شروده دون شعوره مجددًا.
تنفس بصوت مرتفع، وهو يشير لأحد الرجال:
_ جيد، يمكنك أن تبدل مع عبدالله، هيا عبدالله انزل للساحة وتجهز، وأنت استرح بعض الوقت ريثما ادعوك مرة أخرى.
ختم حديثه يشير لأحد رجال الجيش القدامى:
_ رجاءً تولى الأمر ريثما أمر على رماة السهام.
وبالفعل تحرك بهدوء شديد صوب الساحة الخاصة برمي السهام، لكن وقبل أن يتحرك ابصرها تتهادى في مشيتها بالقرب من الحدائق الخاصة بمحاصيل القصر والتي أمر أرسلان بزراعتها لسد بعض العجز الذي تمر به البلاد.
أبعد عيونه يتجاوزها بشكل سريع، لكن فجأة توقف حين سمع صوت خلفه يهتف بنبرة ودودة وكأنه رفيق قديم عزيز:
_ المعتصم بالله؟ هذا أنت!
توقف المعتصم فجأة في سيره يغمض عيونه بقوة وقد شعر بجسده بأكمله يتخشب حين سمع صوتها يناديه بكل بساطة وكأنه رفيق لها وهذا ما يزعجه، لا يمكنها أن تتباسط بهذا الشكل معه، وبالطبع مع غيره، منذ ساعات فقط أمرها بذلك، لكم يبدو وكأنه كان يتحدث مع نفسه.
استدار لها يستعد للصراخ في وجهها، لكن توقف عما كان على وشك قوله حين أبصرها تمد له طبق حلوى وهي تردد ببسمة لطيفة:
_ هذه الحلوى التي أفضلها، صنعتها لأعبر لك عن اعتذاري بخصوص تلك الضربات التي وجهتها لك آخر مرة.
ضيق المعتصم ما بين حاجبيه بعدم فهم:
_ ضربات آخر مرة؟
_ نعم حين ضربتك بالعصا، أنا أعتذر أنا فقط لم أشعر بنفسي وأنا أفعل ذلك، لذا حين استيقظت أتيت لك واحضرت بعض الحلوى لاعتذر منك.
أمسك المعتصم الحلوى دون فهم يردد بصوت غير مستقر:
_ لكن أنتِ. البارحة كنتِ هنا و. ما الذي؟ ما الذي يحدث هنا، ألم تأتي لي البارحة وتعتذري مني واعطيتيني حلوى كذلك؟ أم كان الأمر حلم مني؟
وقد كانت الفكرة الأخيرة صادمة مرعبة له، أن ترافقه الفتاة في أحلامه وتندمج أحلامه بالواقع كان مرعبًا بشكل كبير له.
أما عن فاطمة فنظرت له بحيرة تهتف وكأنها لا تعي ما تفعل:
_ حقًا، هل فعلت؟
ردد بريبة شديدة:
_ نعم فعلتي و.
وقبل أن يكمل كلمته أشارت هي إلى الحلوى:
_ واعطيتك حلوى؟
هز رأسه بنعم، فابتسمت تنتزع منه الطبق دون شعور بشيء، وتقول بحسن نية:
_ أوه هذه إذن ليست حلواك، لمن هي إذن، أشعر أنني أحضرتها لشخصٍ ما، لكن من لا أتذكر، لذا خمنت أنها لك.
صمتت وهي تحاول التذكر تحت أعين المعتصم المصدوم من تصرفها معه، وهو ما يزال يحدق بيده الفارغة التي كانت تحمل طبق الحلوى قبل ثواني.
ثم رفع عيونه لها وهي مستمرة في التفكير لمن جاءت بهذه الحلوى، لتنفض رأسها بعدم تذكر:
_ لا يهم، سأتذكر لابد، ربما احضرتها لأحد آخر قد ساعدني هنا.
_ من هذا؟
خرج السؤال مندفعًا منه وبشكل جعلها تنظر له بعدم فهم:
_ ماذا؟
_ لمن احضرتي الحلوى إن لم تكن لي؟
واحسنت يا المعتصم منذ ساعات كنت تصرخ بها أن تهتم بأمورها وتتوقف عن التباسط في معاملتها معك، والآن تكاد تضرب رأسها في الجدار لتعترف بصاحب الحلوى التي احضرتها، بداخلك تتململ بضيق لفكرة أنها قد تهتم بشخص آخر هنا أو ربما هناك من يعاملها افضل منك.
ورغم تعجبه أنها تقريبًا لا تتذكر شيء مما يحدث بينهما سوى اسمه، إلا أنه تجاوز كل ذلك يردد بجدية:
_ حسنًا إليكِ ما سيحدث، خذي حلواكِ وارحلي من هنا واذهبي لوالدتكِ واخبريها ألا تترك تخرجين وحدك من المنزل وإلا اوقفت بعض الجنود على باب منزل ليمنعوكِ من الخروج.
نظرت له بعدم فهم، بينما هو اكمل حديثه بتحذير وهو يرفع إصبعه في وجهه بتحذير:
_ وحذاري أن تختلطي بالغرباء وإلا اقسم بالله أن أخبر والدتك لتعيد تأديبك فاطمة، والآن تحركي وعودي لمنزلك.
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها وهو ينفخ بضيق وقد فكر جديًا للحظات في التحرك صوب المنزل الخاص بها وتنفيذ تهديده، ونصح والدتها ألا تتركها تخرج، والله لو كانت ابنته ما جعلها تبصر ضوء الشمس سوى من خلال نافذتها.
فجأة توقف في سيره، ثم عاد لها مرة أخرى ينتزع منها طبق الحلوى بكل هدوء وجدية، ومن ثم شكرها بصوت خافت وتحرك بعيدًا عنها دون كلمة إضافية بينما ملامح الجدية تملئ وجهه.
ليسجل المعتصم أول خروج له من لقائتهما، وقد كانت هي من تتركه كل مرة وترحل بطريقة اغرب مما سبقتها، الآن ها هو يلقي تهديده في وجهها والذي يشعر أنها ستنساه بمجرد ابتعاده، ومن ثم حمل منها طبق الحلوى كطفل احمق غار اهتمام والدته بابن الجيران وغادر المكان بأكمله ليبحث لنفسه عن مكان يتناول به حلواها الشهية.
وهي فقط تتابعه بأعين متسعة لا تفهم ما يدور داخل صدر ذلك الرجل ولا تعلم ما يحدث حولها حتى.
***
_ حسنًا مصطفى، انتهي مما أمرتك به وعد لي بما وصلت له.
ختم حديثه وهو يتحرك في بعض الممرات لمبنى يقع بالقرب من مبنى الغرف الخاصة بهم، يتحرك وهو ينظر حوله يبحث عن الضوضاء التي تصدر عادة من هذا الجزء من القصر، لكن لا صوت يُسمع في هذه اللحظة ليتوقف فجأة متسائلًا:
_ عجبًا، ما هذا الصمت العجيب، أين الصغار يا المصطفى؟
نظر المصطفى حوله يحاول معرفة أين هم الصغار الذي يعتنون بهم أسفل سقف القصر بعدما فقدوا ذويهم، وحينما شعر بالحيرة هز كتفه يشير صوب باب جانبي:
_ ربما خرجوا للحديقة مولاي.
تحرك أرسلان بسرعة صوب الباب الجانبي وحينما فتحه تنفس الصعداء يطمئن على الصغار بنظرات سريعة، ثم استدار صوب المصطفى يتحدث بصوت هادئ مشيرًا له بيده:
_ يمكنك الذهاب الآن، اشكرك.
تحرك المصطفى بعيدًا بهدوء تاركًا أرسلان يتحرك داخل المكان، وهو يراقب الصغار ببسمة واسعة وقد شعر براحة كبيرة حين أبصرهم يتحركون ويمرحون في المكان، ابتسم بحب وسعادة كبيرة بعدما مرت الغيمة السوداء التي أحاطت بهم منذ جاءوا للقصر، كانوا يحيون بتعاسة وحزن، والآن بدأوا يخرجون من فقاعتهم السوداء.
تنهد يخلص معطفه يضعه جانبًا، ثم تحرك بهدوء شديد صوب الحديقة يراقبهم باستمتاع وقد أعاد له مشهد لعبهم ذكرى طفولة كهرمان.
حرك عيونه في المكان يبصر النساء الذين يتولون رعايتهم وهم يراقبونهم من بعيد باهتمام.
تنفس براحة وهو يتحرك ليجلس أسفل أحد الأشجار، وقد كان هذا مكانه المميز الذي يشعر به بالحرية بعد يوم طويل من القيود التي فرضت عليه كملك.
عيون ضبابية تدور بين الوجوه حوله، وما زالت اصوات صرخات الصغار ترن في أذنه، يتذكر يوم التقاطهم من طرقات مشكى وإحضارهم للقصر بعدما فقدوا جميع أفراد أسرهم. صرخات متتالية وانهيارات وحالة جعلته يكاد يسقط ارضًا من هول ما يرى، والله وحده يعلم كيف تمالك ذاته يومها.
وعلى عكس البعض منهم، عبر البعض الآخر عن صدمته بصمت قاتل دون أن يبدي أي صوت أو يخرج ردة فعل تدل على حياته، عيون شاخصة ووجوه شاحبة، ونظرات تقص له أهوال، منهم من أبصر قتل عائلته أمام عيونه، ومنهم من أبصر موته ونجى منه، الجروح ما تزال غائرة في نفوس الصغار وعلاجها صعب.
تألم قلب أرسلان مما يحدث يدفن وجهه بين يديه وهو يهمس بتعب شديد:
_ اللهم لا اعتراض على حكمتك ياالله، فاللهم رحمتك بشعبي فقد اضنتهم الحياة.
أرسلان الذي لم يكد يتنفس الصعداء بعدما عبر ببلاده من ظلام الفقر صوب رغد العيش، حتى جاءتهم الطامة الكبرى، والآن عليه أن يعيد إعمار ما تهدم بالفعل وهذا لن يكون سهلًا، فما تحطم لم يكن المنازل فقط، بل كانت الأرواح.
انتفض جسد أرسلان على صوت صرخات فتاة صغيرة وبكاء مرتفع، جعله يرفع عيونه يبحث حوله في المكان عن صاحبة الصوت ليبصر بعض العاملات يحاولن إمساك فتاة صغيرة تود الإفلات من بين ايديهن وهي تصرخ أنها تريد العودة لمنزلها.
تحرك أرسلان بسرعة من مكانه وهو يتقدم منهن متسائلًا:
_ ما الذي يحدث هنا؟
تراجعت إحدى العاملات وهي تردد بصوت منخفض:
_ مولاي. فقط الصغيرة تود الخروج من هنا.
حرك أرسلان عيونه صوب الفتاة والتي كانت عيونها حمراء وبشدة مع وجه شاحب شحوب الموتى، رمقها ثواني قبل أن ينحني جالسًا القرفصاء أمامها، ينظر لها ثواني يشير للعاملات بتركها، لتسقط ارضًا باكية وهي تتحرك بغضب ارضًا تنتظر أن يلبوا لها طلباتها، وارسلان فقط يراقبها بهدوء شديد حتى انتهت وتعبت مما تفعل بعد دقائق.
فابتسم يتحرك صوبها بهدوء يجذب جسدها عن الأرض ينفض ثيابها، ثم هتف بحنان شديد لم يسبق وأن ظهر لغير كهرمان:
_ لا اعتقد أن هذه الهيئة المدمرة تليق بآنسة جميلة مثلك صغيرتي، أنظري لقد لوثتي ثيابك بالكامل.
ختم حديثه ينتهي من نفض ثيابها، ثم اصلح خصلات شعرها ومسح دموعها، ومن بعدها حملها بين ذراعيه وهو يهتف بهدوء:
_ أخبريني الآن ودون بكاء ما الذي تريدينه وسأحضره لكِ.
نظرت له ثواني وقد بدأت عيونها تمتلئ دموع مجددًا، ليحذرها أرسلان بنبرة جادة صارمة:
_ دون بكاء آنستي، أخبريني دون بكاء.
_ أريد. أريد أبي وأمي، أريد العودة لمنزلي.
بلل أرسلان شفتيه يشعر بالعجز يحاول أن يتماسك أمام الصغيرة:
_ اسمعيني صغيرتي لقد ذهب والدك ووالدتك عند الله، الله يحبهم فأخذهم جواره، وتركوكِ هنا لتعتني بي.
كادت الصغيرة تبكي في نصف جملته الأولى قبل أن تتلاشى دموعها فجأة حين سمعت النصف الثاني، فابتسم أرسلان أن استحوذ على اهتمامها يضيف بجدية:
_ أنا يتيم لا أب لي ولا أم، لقد ذهبوا مع والديكِ وتركوني وحيدًا وأخبروني أنك ستعتنين بي، فهل تفعلين؟
نظرت له بعدم فهم ثواني، وهو فقط يراقبها قبل أن تردد بصوت خافت:
_ لكنني أريد أمي.
_ هي هنا قريبة ومعكِ في كل وقت وكل مكان يا صغيرة، هي تعتني بكِ كما تعتني بي والدتي، والله فوقهم يعتني بنا جميعًا.
ويبدو أن الصغيرة لم تقتنع بكلماته بشكل كامل، لذا انتقل للجزء الثاني من خدعته:
_ هل تريدين اللعب مع قرد؟
اتسعت أعين الصغيرة تردد بذهول:
_ قرد؟
_ نعم قرد وقح مُعلق، هل تريدين المشاهدة؟
اتسعت أعين الصغيرة ببسمة واسعة لتكون بمثابة موافقة على عرض أرسلان المغري، الذي ضمها بين ذراعيه وهو يتحرك خارج المكان بأكمله صوب الحديقة الخلفية حيث يعلق موزي منذ ساعة تقريبًا.
وصل بعد دقائق صوب الحديقة، وبمجرد وصوله اتسعت عيونه وهو يبصر ما يحدث أمامه ليهتف بعدم فهم:
_ ما. ما الذي؟ ما الذي يحدث هنا؟
***
كانت ثواني فقط حتى تحركت عيون نزار صوب المنطقة التي يحدق بها أنمار، لتتسع عيونه مما يرى، ولحسن حظه كانت النقطة التي يقف بها تكشف له هوية توبة أكثر مما تكشف لأنمار.
ابتلع ريقه وهو يتجاهل تقدمه صوب أنمار يغير طريقه صوب توبة بسرعة كبيرة، وحينما وصل لها وقف أمامها بشكل جعلها تتراجع شاهقة بصوت مرتفع وهي ترفع عيونها له بصدمة كبيرة.
في اللحظة نفسها التي تحركت الفتاة الراقصة وهي تقاطع طريق أنمار تزيد من حماس رقصتها تجذب وجهه وانتباهه لها.
أما عن نزار فقد رماها بنظرة مميتة، ثم قبض على ذراعها بشكل قوي وبعدها تحرك بسرعة واختفى بها من المكان، يتحرك صوب المنزل الذي من المفترض أن يكون منزلهما وصوت الموسيقى يبتعد عنهما شيئًا فشيء، في المقابل يعلو صوت صراخها المزعج.
_ كيف تتجرأ، يا عديم الرجولة يا حقير، كيف تتجرأ وتلوث يدي وتمسني؟ هل تدرك من أنا و.
فجأة ترك يدها بقوة يصرخ بجنون في منطقة مظلمة بالقرب من المنزل لا تحتوي أي مشاعل وقد فاض به منها:
_ نعم الأميرة توبة أميرة سبز، لكن سمو الأميرة افيقي وانظري حولك لثواني فقط، ماذا ترين الآن؟
وكأنها كانت منومة وهي تدور بعيونها حولها لتبصر ظلام ينافس ظلام المجهول الذي تحياه، انقبض صدرها وصوت نزار ما يزال يرن في الأجواء حولهم:
_ أنتِ الآن لستِ في قصرك، هؤلاء ليسوا العاملين في قصر والدك لتتأمري عليهم، وبالطبع أنا لست خادمًا لديكِ لتتعاملي معي بهذا الشكل، ما الذي ظننته أنتِ؟ أن تتحركي وتقتليه بين أعوانه وفي أرضه وحينها يصفق لكِ الجميع لتخلصك من شرير القصة؟
كانت توبة تسمع كلماته وقد احمرت عيونها لكتمها الدموع، تشعر بعجزها وقلة حيلها وقد انطبق عليها في هذه اللحظة مقولة (ارحموا عزيز قومٍ ذُل) وهي فقط لم تُذل، بل تجازوا الذل لما أكثر من ذلك، والآن يأتي هذا ويكمل عليها.
سقطت دموعها دون شعور بينما نزار أشار لها بتحذير:
_ لا تبكي الآن، ماذا أخبرتك أنا؟ بالله ماذا أخبرتك؟ ألم اعدك أن اساعدك في الخروج من هنا؟ ها؟
وكل ما فعلته هو أنها انخفضت عيونها تضغط على قبضتها وقد بدأت دموعها بالتساقط وانقباض صدرها يزداد، تشعر أنها لن تخرج من هنا أبدًا، لن ترى والدها، والدها المسكين الذي سيموت بسبب زوج اختارته بعقلها وقد فشل عقلها في أول اختبار وضع به.
سقطت دموعها أكثر وصوت نزار ازداد حدة:
_ إياكِ والتصرف من تلقاء نفسك مرة أخرى وإلا.
وقبل إكمال جملته وجد دفعة قوية وضربة اقوى تسقط على صدره معيدة إياه للخلف وصوت توبة يصدح في المكان:
_ لا تأمرني، لا تأمرني، أنت لست والدي ولست والدتي لتفعل، لا عاش من يأمرني أيها النكرة، أنت لا شيء، أنت لا تختلف عنهم، مثلك مثلهم فلا تدعي الفضيلة، ما الذي يجعلني أثق أنك لن تفعل مثلهم؟ ما الذي يجعلني أثق بك ها؟
وقبل إتمام كلماتها امسك يدها بقوة يضغط عليها حتى كاد يحطمها، ثم نبس من بين شفتيه بصوت حاد:
_ أنتِ لا تمتلكين خيارًا آخر سمو الأميرة، إما أن تثقي بي أو تقضي المتبقي من حياتك هنا.
نظرت له بشر يبادلها ها دون اهتمام وصدره يعلو ويهبط، قبل أن تهمس له بصوت أكثر حدة من خاصته:
_ دع. يدي.
انتفض جسد نزار بعيدًا عنها وكأنه لتوه استوعب ما فعل ليرتجف جسده دون شعور ينفض يديها بعيدًا عنها، فابتسمت بسخرية، ثم همست:
_ يعجبني ادعاء الفضيلة، ويعجبني أكثر اصرارك عليه. يا عديم الرجولة.
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه لولا كلماته التي نطقها بغضب وضيق منها:
_ أنتِ حقًا غير محتملة، لو كنت بالفعل عديم رجولة لتركتك تتنقلين من رجل لآخر سمو الأميرة.
توقفت أقدام توبة عن السير، ثم استدارت له بهدوء تردد دون أي ملامح:
_ وقتها كانوا سيتناقلون جثتي ليس إلا.
أنهت حديثه واخيرًا ترحل من أمام عيونه بعدما ألقت بكلمات أخرى:
_ هيا عد حيث الحفل ولا تفوت عليك متعة مشاهدة الأجساد المتمايلة.
دخلت المنزل الذي ظنت أنها هربت منه بالفعل، والآن عادت له مصغرة مهزومة، يبدو أن الأمر ليس بهذه السهولة، خروجها من هنا لن يكون سهلًا كما تخيلت.
تحركت صوب ركنها المفضل الذي تحشر به جسدها منذ وطأت المكان، لكن وقبل أن تفعل وجدت طرقًا على الباب لتدرك أنه صاحب المروءة الفاسق.
تنهدت بصوت مرتفع وهي تهتف بضيق شديد:
_ أرحل من هنا قبل أن يكون موضع سكيني هو قلبك.
فتح نزار الباب وتحرك للداخل، ثم تركه مفتوحًا، وبعدها تحرك بهدوء شديد يجلس في الركن المقابل لها يجلس نفس جلستها يضم قدميه لصدره تحت نظراتها المتعجبة.
بينما هو رفع نظراته لها يردد بجدية:
_ سأبقى هنا حتى ينتهي الفجور في الخارج.
رفعت توبة عيونها وتمتمت بسخرية لاذعة:
_ بارك الله بك أيها القذر، لا أكثر الله امثالك ولا ارانا اشباهك في هذه الحياة.
رماها نزار بنظرات مشتعلة واجهتها هي ببسمة متحدية وكأنها استهوت العناد معه، وهو فقط كان يراقبها بضيق من تصرفاتها معه، كلما حاول أن يفتح صفحة جديدة مع نفسه ذكرته هي بما تلاشاه.
منحها بسمة واسعة مستفزة لم يكن يعلم أنه يمتلكها حتى وهو الذي عُرف بعقله وجديته الخانقة:
_ فاللهم أمين، عسى أن يستجيب الله لكِ سمو الأميرة.
رفعت توبة حاجبها ليبتسم هو لها بسمة أخرى جعلتها تبعد عيونها عنه بضيق وهي تزفر بصوت مرتفع:
_ ليمنحني الله الصبر.
هز نزار رأسه بشرود:
_ نعم ليمنحني الله الصبر.
***
_ لا أحد يملي عليّ ما أفعله إيفان، كون أنني تقبلت أن استضافة ذلك الكائن في قصري لا يعني أنني سأمرر لكم اتخاذ قرارات دون العودة لي.
ختم حديثه يرفع عيونه للجميع وقد ارتصوا حول طاولة الاجتماعات، ابتلع المعتصم ريقه وهو يرى الأجواء بدأت تشتعل بين الجميع.
تحدث إيفان بهدوء دون أي عناد من طرفه فقط لعلمه أن أرسلان محق وهو وإن كان في محله كان ليغضب أن أحدهم أتخذ قرارًا في بلاده دون العودة له.
_ معك كامل الحق أرسلان، لكننا ندرك أنك ما كنت لتقبل بوجوده، ووجوده جد هام لأنه سيساهم في معرفة ما يفكر به، وإن كان له علاقة بما حدث في الممالك أم لا؟
اشتعلت أعين أرسلان وهو يشعر بالغضب، رجل أهان شعبه واهانه شخصيًا، واراد احتلال جزء من بلاده، وبعد كل هذا مجبر على استضافته ولجم شياطينه عنه حتى يعلم ما يود الوصول له أو ما يخفيه.
فجأة ارتسمت بسمة مرعبة على فم أرسلان جعلت سالار يدرك أن القادم لن يعجب أحد منهم، أو في الحقيقة سيعجبه هو لكنه لن يصرح بذلك وسيدعي الاستياء من تصرفات أرسلان المتهورة والتي يحسده عليها، يتمنى فقط أن يمتلك عقل أرسلان لينفذ كل ما يفكر به دون وضع اعتبارات لأحد، لكن تعقله يمنعه من ذلك، لكن إن اضطر سيفعل ويتجاوز أرسلان في تصرفاته.
فجأة وحين عم صمت وجد آزار أن الفرصة مناسبة لطرح ما يكتمه بين صدره:
_ هناك شيء آخر عليكم معرفته قبل مجئ أنمار.
انتبه له الجميع وقد على نظراتهم الاهتمام ليتحدث آزار بكلمات مقتضبة دبت النيران في صدور الجميع:
_ أنمار فعل شيئًا بابنة بارق.
انتفض جسد أرسلان عن مقعده يضرب الطاولة بغضب صارخًا:
_ فعل ماذا هذا النذل عديم الرجولة؟ هل وصلت قذارته للنساء؟
اشتعلت أعين سالار بالمثل، بينما إيفان كان يتابع نظرات آزار بتحفز شديد والذي نطق بعد صمت قصير:
_ لا أعلم، ذهبت لزيارة بارق صباح البارحة ولم أجدها وحينما سألته عنها توترت ملامحه ثواني، ثم خرج لي بأكثر الحجج سخافة، أخبرني أنها هاجرت لشمال البلاد حيث أحد الحكماء للبحث عن علاج لوالدها، الأميرة توبة ما كانت لتترك والدها لحظة واحدة وهو بهذه الحالة، هي ليست بهذا الغباء لتترك البلاد ووالدها، أنا واثق أنه فعل لها شيئًا خاصة أنه في زيارتي السابقة لاحظت من حديثها أن أفعال زوجها لا ترضيها وأنها تقف له بكل قرار.
شعر سالار بالغضب يملئ صدره وقد تخيل أن يمس أحدهم حرمة نسائهم، ما كان لأحدهم أن يدخل النساء في حسابات الحروب.
وارسلان شعر بالنيران تشتعل به:
_ حين يأتي لا يتدخلن أحدكم فيما سأفعله به، وإن فعل أحدٌ شيئًا سأضعه على قائمتي مع عديم الرجولة هذا.
ابتسم له إيفان بسمة غامضة مخيفة وكأنه يعلن له موافقة ضمنية، بينما سالار مال على الطاولة يستند عليه بذراعه وقد كانت ملامحه جامدة بشكل أكثر رعبًا من غضبه وكأنه يفكر كيف ينفرد بأنمار في حوار هادئ سلمي خاص بينهما.
كل ذلك والمعتصم يراقب بهدوء ظاهري يخفي خلفه ازدراء وضيق شديد وقد شعر برغبة عارمة في مشاركة ملكه القتال، يتخيل نفسه يقيد أنمار بشجرة وينقض عليه مع أرسلان أو ربما يجعله هدفًا لتدريب المبتدئين على الرماية لا يعتقد أن هناك عقاب اسوء من هذا.
فجأة سمع صوت أحد الجنود يهتف على البوابة:
_ سيدي، الكائن أنمار وصل لبوابة القصر.
ضيق إيفان حاجبه بعدم فهم يردد:
_ الكائن أنمار؟
ابتسم أرسلان بفخر وقد كانت هذه أوامره يتذكر جملته التي ألقاها على مسامع رجاله وهو يخبرهم أن يعلمون حينما يصل الكائن أنمار عديم الرجولة، وها هو الجندي يغفل عن ذكر عديم الرجولة، لكن لا بأس هو سيخبره بها بنفسه وفي وجهه.
نهض أرسلان يعدل من وضعية معطفة الملكي يتحرك صوب بوابة القاعة.
_ سآتي لاستقبله بنفسي، فهو ضيفي في النهاية.
***
خرجت من غرفتها تتحرك إلى الشرفة حيث تنتظرها تبارك وكهرمان لتناول الافطار سويًا، ابتسمت وهي ترى موزي يتحرك على كتفها ورأسها يردد اصوات مستمتعة وكأنه مستمتع بالاجواء حوله، لا ضوضاء ولا تلوث ولا صراخ أم راجيش كل صباح بابنها أن يتحرك ويحضر له زوجة تمنحها أحفاد برازيليين.
جذبت طرف المعطف والذي كاد يسقطه موزي عن رأسها وقد قررت جديًا أن تستغل وجود كهرمان وتبارك رفقتها لمعرفة أكثر عن الثياب في للمكان وكيف تنتقي ما يناسبها ويتناسب مع المكان، وتعود لطريق حادت عنه قديمًا.
_ موزي توقف وإلا اقسم بالله أن الملك لن يكتفي بتعليقك هذه المرة بل سيحشوك ويلقي بك في القمامة و.
وقبل إكمال جملتها مال عليها موزي يستند برأسه على رأسها لتتسع بسمتها وهي تردد بحنان:
_ أوه صغيري اللطيف، لا تقلق لن اسمح له بأن يلقيك بالقمامة، بل سأطلب منه دفنك وتكريمك موزي.
ابتسم لها موزي بلطف لتضحك وهي تربت على جسده تسير صوب الشرفة تدعو الله ألا تضل الطريق:
_ أنت أحمق.
قبل إكمال جملتها شعرت سول بجسدها يصطدم بقوة في جسد صلب ولولا تلك الرائحة الغريبة النافذة وقصر القامة لصاحب الجسد قالت أنه أرسلان، وبعيدًا عن كل العلامات السابقة ما كان لأرسلان أن يتجرأ يومًا ويمد يده يلفها حول خصرها بهذه الوقاحة.
اتسعت أعين سول وهي تحرك عيونها صوب اليد التي أمسكت خصرها وقد ارتجف جسدها برفض وازدادت ضربات قلبها، رفعت عيونها ببطء صوب ذلك الوقح تسمع صوته يردد بنبرة راقية هادئة في غاية الاحترام والبراءة:
_ انتبهي سيدتي وأنتِ تسيرين.
اشتعلت أعين سول ببطء وهي تنظر في وجه ذلك الرجل، ثم مدن يديها بسرعة تمسك بها يده التي تضم خصرها تضغط عليها بقوة مرددة من بين أنفاسها الرافضة والغاضبة:
_ يدك عني أيها.
قاطع جملتها والذي كادت تختمها بسبة صوت تعلمه تمام العلم وهو يصدح في المكان بأكمله بنبرة جعلتها ترتجف خوفًا:
_ أنمـــــــــــــــــار.
***
حب أو حرب. اقبلها طالما كنتِ طرفًا بها.
دمتم سالمين.
رحمة نبيل.
***
كانت اصوات صرخات موزي تكاد تصم الآذان حولها وهي تزفر بضيق شديد تراقبه معلقًا على أحد الأشجار في الحديقة الجانبية وأمامه معلقة موزة على بعد كبير، فقد كان صراحه في هذه اللحظة ليس لأنه معلق منذ ساعة تقريبًا، بل لشعوره بالعجز عن امساك الموزة وقد أدرك أرسلان كيف يعذبه جيدًا.
_ فقط توقف عن الصراخ فكل ما يحدث في حياتي من مصائب بسببك أنت، لو أنك لم تدفعني صوب غرفته أو تلقي بالوصية في وجهي، كله بسببك والله لن اسامحك على ما فعلت بي أيها الاجرب.
ختمت حديثها تتحرك صوب الشجرة تقف أسفلها تحاول معرفة الطريقة لتنزله، قبل أن تجد أن الحل الوحيد هو أن تتسلق الشجرة وتفك وثاقه، ثم تهبط معه.
كانت كعادتها ترتدي فستان طويل يعلوه معطف أرسلان والذي أضحت تستخدمه كحجاب وساتر لها وكأنها أحبت الأمر.
بدأت تتسلق الشجرة والتي ساعدها احتوائها على الكثير من الفروع والتي استعملتها كدرجات لوضع قدمها وتسلقها، وحينما صعدت لها تقدمت من نهاية الفرع الذي علق به أرسلان موزي تتمتم بضيق:
_ يا الله، أي ملك هذا الذي يضع عقله بعقل قرد أحمق غبي كموزي؟
أصدر موزي صوتًا مبتهجًا حين أبصرها تقترب منه، فرمته بنظرات غاضبة مغتاظة:
_ فقط انتظر حتى تقع يدي عليك أيها الاجرب ستتمنى لو أنك مت على يد ذلك المتجبر.
وما إن وصلت لموزي مالت بجسدها على الفرع أكثر كي تصل للرباط حول يديه والذي أحكمه أرسلان وبقوة:
_ يا الله أنا لن اتحمل الحياة بينكما بهذا الشكل عليك أن تصنع هدنة مع ذلك الرجل موزي فهو لا يمزح البتة.
أصدر موزي اصواتًا صاخبة لم تفهم منها شيئًا وفقط استمرت في محاولة فك وثاقه، لكن وقبل أن تفعل شعرت بقدمها تكاد تنزلق عن الفرع لتتمسك بأعين متسعة مرتعبة في الفرع وهي تطلق صرخة مرتفعة مرددة بلهجة برتغالية:
_ أوه لا، لا لا لا لا.
شعرت بالفرع يهتز بقوة لتتمسك أكثر وقد بدأ صدرها يتحرك بعنف وهي تهمس:
_ ستتحطم عظامي بسببك، سأقتلك إن نجوت موزي.
شعرت بجسدها ينزلق عن الفرع أكثر وأكثر حتى كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط ارضًا لترتفع شهقاتها بقوة تدعو الله أن يخلصها من هذه الورطة فالمسافة لم تكن بالقصيرة البتة.
وكأن الله استمع لدعائها إذ سمعت صوتًا يصدر من الأسفل:
_ عجبًا أتذكر أنني علقت قرد واحد فقط.
اتسعت أعين سلمى وهي تنظر له أسفلها تهتف من بين أسنانها:
_ انزلني من هنا وتحلى ببعض المروءة.
كان أرسلان ما يزال يضم الصغيرة بين ذراعيه والتي اتسعت عيونها تراقب ما يحدث أمامها بحماس ولهفة انستها بكائها:
_ انزلك كيف؟ يمكنك النزول بنفس الطريقة التي صعدتي بها عندك فأنا لا اعلم كيف أساعدك في النزول.
رمته بحدة كبيرة:
_ لا تعرف ماذا؟ هل أطالب بمعجزة؟ أنا فقط أريد مساعدتك لي، تلقف جسدي بدلًا من السقوط ارضًا.
_ أوه لا هذا الخيار ليس متاحًا للأسف آنستي، أنتِ لستِ امرأتي لافعل، لكن إن أردت يمكنك الانتظار لنصف ساعة وحينها تحين صلاة العشاء، وبعدها اطلب من الشيخ المجئ لعقد القرآن ومن ثم يحق لي وقتها تلقفك.
اشتعلت نظرات سلمى أكثر وهي ترميه بغضب شديد ودون شعور وبسبب وضعية جسدها غير المنضبطة سقط المعطف من عليها لتبقى فقط بفستانها وخصلاتها الواضحة، اتسعت أعين أرسلان يبعد عيونه عنها بسرعة، يستدير معطيًا إياها ظهره يردد بسرعة:
_ حسنًا ابقي هنا، سأذهب لأحضر بعض النساء لمساعدتك.
ترك الصغيرة ارضًا مع تعليمات بانتظاره في هدوء، ثم تحرك بسرعة بعيدًا وهو يحدق في المكان حوله يتأكد أن لا رجال بالحوار.
وحينما خرج من الحديقة ألقى بتحذير لهم:
_ لا يدخلن أحدكم للحديقة حتى آمر بعكس ذلك.
ختم حديثه يتحرك بين الطرقات وهو يردد كلمات بينه وبين نفسه بحنق وغضب شديد وحيرة مما يحدث في حياته وما يتخذه من قرارات بتهور، وفجأة أبصر إحدى العاملات ليناديها بسرعة.
_ آنسة رجاءً تعالي معي لنساعد الفتاة بالداخل.
توقفت الفتاة ونظرت صوب أرسلان ثواني دون فهم، لكن أرسلان لم يمنحها فرصة للحديث وهو يشير لها بالتحرك خلفه، ثم سبقها على الحديقة الجانبية.
كانت فاطمة تقف في منتصف الساحة تنظر حولها تفكر فيما يجب فعله قبل أن تشعر بالقلق من اللحاق برجل غريب والذهاب معه لأي مكان، ويبدو أن تحذيرات والدتها الكثيرة لقت صداها الآن واخيرًا في وقت غير مناسب.
إذ فجأة نظرت حولها، ثم تحركت بسرعة بعيدًا عن المكان وهي تقرر الاختباء من ذلك الرجل الذي يريد جرها صوب الحديقة الجانبية بحجة مساعدة فتاة أخرى وكأنها حمقاء وستصدقه.
بينما عند أرسلان وبمجرد أن دخل الحديقة أشار بإصبعه دون أن ينظر لسلمى حتى:
_ هذه هي الفتاة رجاءً ساعديها وانزليها و.
صمت فجأة حين سمع صوت سول تردد بتعجب:
_ مع من تتحدث أنت؟
رفع أرسلان عيونه لها بعدم فهم قبل أن يخفضها بسرعة وهو يستغفر الله، يرمق الفراغ جوارها وهو يهتف بصوت منزعج:
_ يا الله أخبرتك مئات المرات أن ترتدي حجابك ولا تخرجي بهذا الشكل من غرفتك، أنتِ لن ترتاحي حتى ازج بكِ في السجون أنتِ وموزك.
نظر خلفه باحترام وهدوء شديد ظنًا أن العاملة جاءت خلفه:
_ هيا يا آنسة ساعدي الفتاة في.
وفجأة وجد نفسه يتحدث مع فراغ خلفه ولا أحد يقف هناك، شعر لثواني أنه كان يتخيل حديثه مع العاملة، كل ذلك والصغيرة تقف تحدق بما يحدث بحيرة وزهول قبل أن تجذب قدم أرسلان مشيرة صوب سلمى تهتف بجدية:
_ من هذه يا عم؟
مال أرسلان يربت على خصلاتها مرددًا بحنان:
_ هذه مشعوذة يا صغيرتي وهذا موزها يساعدها في أعمال الشعوذة.
اتسعت عيون الصغيرة وهي تحرك نظراتها صوب سلمى التي أصبح جسدها ينتفض من الغضب:
_ ألا تخجل من الكذب على الصغيرة مولاي، من المفترض أنك صورة جيدة لشعبك.
ابتسم أرسلان وهو يعدل من ثياب الصغيرة دون أن ينظر صوب سلمى حتى:
_ ومن قال أنني أكذب، أنا انطق بالحق وما كان لي نطق الكذب يومًا، لساني الطاهر هذا لا ينطق بالكذب.
انطلقت ضحكة مرتفعة لسلمى جعلته يرفع عيونه بشر صوبها ليخفضها بسرعة حين وجد خصلاتها تتطاير حولها، يتنفس بعنف حتى نظرات الغضب لا يستطيع توجيهها لها، فقط تنتظر حتى يتزوجها والله ليغلفها بالسواد من رأسها لاخمض قدميها.
بينما سلمى ورغم وضعها المزري في هذه اللحظة إلا أنها أكملت ضحكتها تردد:
_ حسنًا ما قلته لتنفي كونك كاذبًا هو أكبر كذباتك مولاي، لسان من الطاهر؟ أنت تحتاج لجلسات مكثفة لتتقبل ذاتك وتعترف بحقيقتك مولاي.
اتسعت بسمة أرسلان الخبيثة يهتف دون أن يكلف نفسه حتى عناء النظر لها:
_ حسنًا جلالة الملكة سيسعدني أن نتناقش بمثل تلك الأمور في جلساتنا بعد الزواج.
ختم حديثه ودون أن يمنحها فرصة للرد تحرك بعيدًا عن المكان تاركًا إياها تغرق في صدمتها من تصريحاته التي أصبح يصدرها وكأن زواجه منها أمر واقع، تحرك لخارج الحديقة يردد بجدية للصغيرة:
_ راقبي المشعوذة لحين عودتي بمن يساعدها.
وما إن خرج أبصر كهرمان تتحرك مع إيفان في الحديقة والاخير يبتسم لها بحنان وهو يهمس لها ببعض الكلمات، اشتعلت عيونه يتحرك صوبهم وهو يجذب إيفان بعيدًا عن شقيقته:
_ تعالي هنا، كهرمان اذهبي للحديقة الجانبية ستجدين أحدهم يحتاج للمساعدة ساعديه.
نظرت له كهرمان بعدم فهم بينما إيفان رفع حاجبه يجيبه:
_ ما الذي تقوله أنت، ثم إن كان أحدهم يحتاج مساعدة لِمَ لا تساعده أنت ها؟
رمقه أرسلان بهدوء، ثم نبس بجدية:
_ لا يمكنني.
ضيق إيفان عيونه وقد شعر بالريبة، فمنذ متى يعترف الملك أرسلان بيجان بعجزه عن فعل شيء، بل ويطلب المساعدة كذلك؟
تحرك ينتوي التحرك صوب الحديقة الجانبية:
_ حسنًا أنا سأرى ربما يمكنني.
وقبل إكمال جملته أو تحركه خطوة إضافية كانت يد أرسلان تجذبه بحدة مرعبة صوبه وهو يصرخ في وجهه:
_ لا. لا يمكنك ذلك، إياك والتحرك خطوة صوب الحديقة.
اتسعت عيون إيفان بصدمة من ردة فعل أرسلان العنيفة، لكن فجأة تلاشت الصدمة وحل الإدراك محلها لترتسم بسمة خبيثة على فمه يهمس لكهرمان دون أن ينظر صوبها وما زالت عيونه معلقة على وجه أرسلان المشتعل:
_ إذن اذهبي كهرمان وساعدي زوجة أخيكِ فالمسكين مُقيد لا يستطيع تقديم المساعدة في الوقت الحالي.
حل الإدراك على عقل كهرمان وهي تتحرك بسرعة صوب الحديقة الجانبية وهي تراقب أخاها الذي يقف مقابل زوجها وكأنهما على وشك التصارع.
رحلت وتركت إيفان يحلق حول أخيها بنظرات خبيثة:
_ هل أرى الدائرة وقد دارت أم ماذا آرس؟
اقترب منه أرسلان ينافسه طولًا وجسدًا يهتف ببسمة مخيفة:
_ صدقني إن استمر هذا الحوار ثواني إضافية لن ترى المتبقي من عمرك.
انطلقت ضحكات إيفان وقد شعر بالانتشاء، بهذه السرعة سينال انتقامه؟
_ إذن أخبرني كل هذه المعاناة وهي وحيدة لا أخ لها، ماذا إن امتلكت شقيقًا مثلك؟
منحه أرسلان بسمة جانبية:
_ كانت لتزداد فوق الحظ حظًا، تخيل أن تمتلك امرأة زوجًا مثلي، بل وتمتلك شقيقًا يشبهني كذلك؟ أي حظ سعيد تمتلك هذه المرأة؟
نعم هذا هو أرسلان، يستطيع تحويل كل حوار ضده لجملة غزل وشكر في ذاته، كانت موهبة مميزة اكتسبها على مدار سنوات تعامله مع إيفان وسالار، فقد عكف الثلاثة طوال تلك السنوات على توبيخ بعضهم البعض وانتقاد كل شاردة وورادة بينهم على سبيل المزاح.
انطلقت ضحكات إيفان بصوت مرتفع:
_ أنت لن تتغير يومًا أرسلان.
_ حتى وإن فعلت يومًا فلن تنال شرف أن تكون سببًا في تغييري إيفان.
***
في المساء.
يقف جوار الباب الخاص بالقصر ينتظر أن تنتهي لتتحرك عائدة إلى المنزل، فقط ينتظر ليتأكد أنها ستصل بخير، لا يضمن أن تصل بأمان وحدها.
تلك الفتاة التي أضحى يشعر صوبها بمسؤولية لا يدري لها من سبب، هي لا تقربه ولا تهمه، لكن الضعف وقلة الحيلة التي يبصرها بعيونها تدفعه دفعًا صوب مساعدتها بكل خطوة، بل والخوف عليها فيما تفعل.
ابتلع ريقه وهو يهمس لذاته:
_ هذا خطأ، ما أفعله خاطئ، لا يمكنني فعل ذلك و.
كان يتحدث وهو يتحرك صوب مبنى النوم يحاول تناسى ما يود فعله، فهو لن يقضي حياته بأكملها يراقبها في ذهابها وإيابها، هو لديه الكثير بالفعل في حياته ليضيف عليهم مسؤولية الاهتمام بفاطمة.
ولم يكد المعتصم يمضي المعاهدة التي أقرها مع نفسه للتو، حتى مزق الورقة بالكامل حين ابصرها تتحرك بهدوء شديد تنظر ارضًا وتتحرك من أمامه دون أن تبصره، ومن ثم خرجت من القصر بكل هدوء.
ابتلع ريقه يسير خلفها دون شعور وقد قرر ألا يشعرها بوجوده فقط يلحق بها يتأكد أنها ستصل بسلامة ومن ثم يعود بهدوء دون أن يشعر أحد.
وهكذا فعل، أخذ يتحرك خلفها في الطرقات الهادئة في هذا الوقت وهي فقط تتحرك وتردد بصوت خافت بعض الكلمات التي لا تصل لمسامعه.
اقترب بعض الشيء منها عله يسمع كلمة منها، وحين فعل انتفض صدره وما يسكنه وهو يسمع كلماتها الهامسة.
كانت تردد كلمات وكأنها تخرج من عقلها الباطن، كلمات استنجاد واستغاثة، كانت كما لو أنها تطلب المساعدة، تذكر والدها وشقيقها في كلماتها.
لم يفهم المعتصم ما يحدث معها، ولا ما تقوله، كانت الكلمات تخرج منها بنبرة عادية وكأنها تخبرك بحالة الطقس، لا تصف لك حريق ابتلع عائلتها.
فجأة توقفت فاطمة على مقدمة الشارع الذي يقبع به منزلها تنظر له بأعين شاردة، ومن ثم تحركت لتجلس على إحدى المصاطب جانبًا ودون مقدمات انفجرت في بكاء عنيف وهي تنادي والدها والجميع.
انتفض قلب المعتصم وهو ينظر حوله برعب من تلك الحالة التي دخلت بها دون مقدمات، وكأن رؤيتها لبقايا منزلها المحترق أعادت لها ما حاول عقلها تناسيه.
نظر حوله وكأنه يتوسل أحدهم ليتدخل ويساعدها، ابتلع ريقه يأبى الظهور لها في هذا الوقت، هو لا يريد اظهار نفسه لها.
وفاطمة كل ما فعلته هو أنها استمرت بالبكاء لدقائق وهي تردد:
_ ليساعدهم أحدكم، أبي وأحمد، ليخرجهم أحدكم.
بلل المعتصم شفتيه يتحرك نحوها واقدامه كلما تحرك خطوة عادتها، التردد كان السمة المسيطرة عليه في هذه اللحظة ورغم ذلك تحرك صوبها يهمس بصوت خفيض:
_ فاطمة، أنتِ بخير؟ تريدين مني أن أنادي والدك؟
رفعت فاطمة عيونها الباكية صوبه ليشعر باهتزاز صدره من نظراتها وهي تشير صوب المنزل الخاص بها تهتف بصوت مذبوح:
_ أبي أسفل الركام، ساعده ارجوك.
تحركت عيون المعتصم صوب المنزل بسرعة وقد شعر بارتجاف جسده بسبب نبرتها وكلماتها، وجد منزلها مستقر كعادته.
تقدم منها خطوة صغيرة مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما:
_ لا شيء هناك فاطمة، افيقي رجاءً وتحركي لمنزلك.
نظرت له بأعين دامعة:
_ لكنهم هناك بين ألسنة اللهب وأسفل الركام، لا أحد يستطيع المساعدة، لقد ابصرته، أبصرت يد احمد وهو يحاول الخروج ومساعدة أبي، لكنه لم يستطع.
صمتت ثم همست بشرود:
_ الجميع مرتعب من شكل النيران التي تلتهم كل ما تقابله، لا أحد تمكن من مساعدتهم، لا أحد.
اقترب المعتصم أكثر وقد شعر بالخوف عليها:
_ فاطمة رجاءً افيقي، لا شيء هنا، لاحريق ولا شيء، منزلك يقبع هناك لا شيء به.
نظرت فاطمة صوب المنزل ثواني دون أي ردة فعل، وفجأة سقطت دموعها مجددًا وعلت شهقاتها، تخفي وجهها بين يديها.
اقترب منها المعتصم أكثر وهو يجلس القرفصاء أمامها حتى تستطيع النظر له:
_ فاطمة.
رفعت عيونها له تهمس بصوت موجوع:
_ أنا خائفة.
كلمة هزت المعتصم ليتحدث دون وعي وهو ينظر في عيونها وكأنه يقطع وعدًا عليها قبل نفسه:
_ والله لن أسمح للخوف أن يزور قلبك طالما هناك انفاس بصدري فاطمة، اطمئني، أنا سأحميكِ من أي شيء وكل شيء، يمكنك اعتباري من اليوم وصاعدًا حارسك الشخصي، إن واجهتي أي شيء أخبريني فقط.
_ هل تعدني؟
_ كلمة مني لا يحيل بيني وبينها سوى قبري فاطمة.
وهذا كان أكثر ما تطمح له فاطمة، أن تنام ليلتها وهي تدرك أن هناك من يساعدها بعد رحيل والدها وشقيقها، هناك من يقف في ظهرها هي ووالدتها إن سقطت، هناك من يعتني بها.
ارتسمت بسمة واسعة على فمها وقد طبعت كلماته في عقلها الضعيف الذي لا يعي ولا يتذكر الكثير، وكأنها بتلك البسمة تعطيه عهدًا بالتذكر في المقابل تهمس بصوت خافت:
_ شكرًا لك، أنت حقًا رجل صالح.
ابتسم لها المعتصم دون شعور:
_ هيا تحركي صوب منزلك لا بد أن والدتك ستبدأ بالقلق عليكِ الآن.
نهضت فاطمة بسرعة وهي متسعة الأعين وكأنها للتو استوعبت:
_ نعم أنت محق، يا ويلي أمي ستقتلني، وداعًا أيها المعتصم، أراك لاحقًا ملاكي الحارس.
رحلت بسرعة كبيرة تاركة إياها ما يزال يجلس القرفصاء يراقبها بأعين ضبابية قبل أن ترتسم بسمة شاردة على فمه دون شعور منه يهتف بصوت هامس:
_ وداعًا يا صغيرة.
***
خرجت لشرفة الغرفة تتنفس هواء الصباح العليل براحة شديدة تتذكر ما حدث مساء الأمس حين علقت بالشجرة وتركها ورحل، ولولا شقيقته اللطيفة لقضت ليلتها كالقردة معلقة.
اشتدت ملامح سلمى وهي تستند على سور الشرفة تنظر أمامها تردد بضيق وغيظ:
_ والله يبدو أنني سأوافق على الزواج منك خصيصًا لتأديبك أيها ال. وسيم.
ختمت جملتها بكلمة هامسة خرجت منها دون وعي حتى أنها وضعت يدها أمام فمها بسرعة تحرك نظرها في الغرفة حولها تتأكد أن لا أحد سمع تلك الكلمة منها، ثم عادت بعيونها مجددًا صوب النافذة التي كانت تعرض لها مشهدًا رائعًا للملك الـ " وسيم " وزوج كهرمان حسب ذاكرتها.
كانت تراقب بأعين متسعة السباق بينهما وقد كان الاثنان كلٌ فوق حصانه يتحرك به بسرعة مرعبة حول القصر وصوت ضحكات أرسلان ترن في القصر بشكل جعلها تبتسم دون وعي.
_ أتضح أنك تستطيع الضحك بعد كل شيء.
وفي الاسفل ومنذ الصباح كانت اصوات الصهيل هي ما يصدح في المكان بدل من زقزقة العصافير.
إيفان والذي اشتاق لمنافساته المعهودة مع أرسلان، جذب أرسلان معه ومن بعد صلاة الفجر لعقد منافسة يعيدون بها أمجاد الماضي، وها هم وحتى شروق الشمس لم يتوقفوا ولا أحد منهم يود الاستسلام.
أرسلان والذي كان يتشح بالسواد كعادته مرتديًا معطفه وقد سقطت القلنسوة عن رأسه، كان يغمز باستفزاز لإيفان:
_ مالي أراك وقد أحببت ظهري إيفان فمنذ بدأت ولم تبعد عيونك عنه.
انطلقت ضحكات إيفان، ثم وفي ثواني تقدم بخيله بسرعة مرعبة يتخطى بها أرسلان الذي لم يعجبه ما حدث ولحق به في ثواني وهو يتوعد له:
_ أنس أمر الفوز علي هذه المرأة عزيزي.
_ يا الله نفس الجملة كنت على وشك قولها لك.
ابتسم له أرسلان بخبث وهو
رواية اسد مشكي الفصل الثامن 8 - بقلم رحمه نبيل
ظلت جالسة بنفس الوضعية دون أن تحرك نظراتها بعيدًا عن موضع سجودها، وهو جوارها ينتظر أن تعطيه نظرة واحدة، يأمل أن يرى انعكاس صورته في عيونها، لكن وكأن توبة كانت تعلم غايته، إذ ظلت محتفظة بوضعيتها تسبح على أصابعها وهي لا تعطيه أي اهتمام.
ظل جالسًا طويلًا في انتظار ردًا منها حتى مل ليتأفف بصوت شبه مسموع:
_ ألا تعتقدين أن تجاهلك لي وقاحة سمو الأميرة، لا أعتقد أن التقاليد الملكية تخبرك أن تبعدي عيونك عن محدثك؟
كان يرغو ويزبد بغيظ شديد وهي فقط استمرت في التسبيح والاستغفار، وحينما انتهت مما تفعل، استدارت له تنظر في وجهه ثواني تحاول تذكر أين رأته، لتتسع بسمته وقد أعطته واخيرًا اهتمامًا يستحقه رجل بمكانته، لكن فجأة أبعدت عيونها عن وجهه:
_ غادر.
كلمة واحدة نطقت بها ولم تضف لها أخرى لتشتعل أعين الرجل وبقوة حتى كاد ينقض عليها، ضغط على يده بغضب شديد قبل أن ترتسم بسمة مغتاظة على فمه يهمس بفحيح:
_ ماذا؟ يبدو أن سمو الأمير قد أعجبك لدرجة أنك تكتفين به عن الرجال و......
وقبل أن يكمل جملته المسمومة وجد صفعة قوية تهبط أعلى وجهه وصوت توبة يصدح في المكان بأكمله وقد اشتد غضبها:
_ غـــــــــــــــــــادر.
اشتعلت أعين الرجل وهو ما يزال ينظر ارضًا وقد اشتدت عيونه، اهتز صدره بغضب شديد يرفع عيونه لها يرميها بنظرة مرعبة وفي ثواني كانت الصفعة التي وجهتها له تُرد لها اثنتين وبقوة مضاعفة، ثم مد يده يجذبها من حجابها يصرخ في وجهها بجنون:
_ أيتها القذرة من تحسبين نفسك؟ بضاعة مزجاة غير مرغوب بكِ، حتى زوجك سئم النظر في وجهك والقاكِ هنا ليلتقطك الأمير، ومنذ اشتراكِ لم يخطو حتى للغرفة وكأنه يشمئز النظر في وجهك أيتها الـ *****.
أغمضت توبة عيونها تحاول التحمل وعدم البكاء، ليس أمامه على الأقل، يمكنها فقط التخلص منه، ومن ثم تمنح نفسها حرية الانهيار ورثاء ذاتها.
ابتسمت بصعوبة من بين دموعها المكتومة:
_ حديثك متعارض يا سيد، منذ دقائق كنت تغرد أنني لا أرى سوى ذلك الرجل ملمحًا إلى وجود شيء خاطئ بيننا في حديثك راميًا إياي بالباطل، والآن بنفسك تردد أنه منذ اشتراني كما تدعي لم يخطو للغرفة، ألا ترى نفسك متناقضًا؟
ختمت حديثها مبتسمة في وجهه وهو ما يزال يمسك شعرها، وحينما رأى نظراتها ابتسم لها بسمة مقيتة، ثم اقترب من وجهها لتبعد هي رأسها بإشمئزاز، بينما هو لم يهتم حتى وهو يردد:
_ يومًا ما، يومًا ما ستخضعين سمو الأميرة وستأتيني بقدميكِ تلقين بنفسك أسفل أقدامي.
_ ابترها ولا أفعل.
نظر لها بعدم فهم لثواني قبل أن تردد هي ببسمة مستفزة:
_ أقدامك، ابتر أقدامك ولا القي بنفسي اسفلها، تمامًا كما حدث مع ذلك الخنزير الذي فقد ذراعه ذلك اليوم.
أبعدها الرجل يلقيها بقوة بعيدًا عنه، ثم صرخ في وجهها:
_ تتكبرين وكأنكِ ما تزالين أميرة وفي قصر والدك، افيقي أنتِ هنا في الجحر.
رددت توبة وهي تتنفس بصوت مرتفع تسارع لتعديل وضعية حجابها:
_ يظل الأمير اميرًا ولو خرج من قصره، كما يظل الخنزير خنزيرًا ولو خرج من وحله.
عض الرجل شفتيه وكاد يتحرك صوبها لولا أن قاطعت امرأة حديثهما وهي تهتف بضيق:
_ هيا زهير قبل أن يعود ذلك الرجل مجددًا، أخذت أكثر من وقتك.
ختمت حديثها وهي تشير له ليخرج وقد كانت هي نفسها المرأة التي تدير المكان، وقد سمحت خصيصًا لزهير بالدخول علها تقتص من ذلك الرجل الذي وصفهم بالقذرين لأجلها.
رماها زهير بنظرة مميتة بادلته هي النظرة بأخرى مبتسمة، ثم أشارت له بعيونها أن يخرج:
_ غادر يا حقير.
توعد لها زهير بصمت، ثم تحرك خارج المكان بغضب شديد، بينما ألقت لها السيدة بنظرة تقيمية، ومن ثم خرجت وأغلقت الباب بسرعة خلفها تاركة توبة تحدق بالباب ثواني قبل أن تسقط ارضًا تدفن وجهها بين قدميها تتأوه بخفوت وقد كانت خدودها تنبض بألم مريع، وقد شعرت بها تحترق، تحسستها ودموعها تسيل دون شعور، رغمًا عنها قارنت في هذه اللحظة بين أميرة سبز المدللة والتي لم يكن والدها يرفض لها مطلبًا، وبين توبة الفتاة التي تتعرض لكل أنواع الإهانة والذل.
هتفت دون شعور باكية بقهر وحسرة:
_ أبي أين أنت؟
كلمة واحدة رنّ صداها في المكان لينتفض جسد أنمار دون شعور بعيدًا عن سلمى التي تماسكت وهي ترميه بنظرة حانقة تنفض موضع يده على خصرها وكأن ثعبان كان ملتفًا عليه، ترميه بنظرات مشتعلة وكم تمنيت لو أن أرسلان لم يأت لتقطع يده.
لكن ذهبت أمنيتها ادراج الرياح حينما وجدت فجأة جسد أرسلان يخفي مشهد ذلك الرجل الغريب عن عيونها، وقد وقف أمامها يمنع عنها رؤية ما سيحدث وكأن المشهد الذي يعرض ليس مناسبًا لها.
مدّ أنمار يده يبتسم بسمة واسعة وكأنه لم يفعل شيئًا للتو:
_ مرحبًا أرسلان.
ولم يخجله أرسلان ويرد يده خائبة، بل سارع يقبض عليها كما يقبض الأسد على فريسته، يضغط عليها بقوة عنيفة وهو يردد من بين أسنانه:
_ لا مرحبًا بك أيها الانمار، فوق أنك تقف في قصري وبلادي التي سبق وهنتها، تعديت على حرمات نسائي ومددت يدك لها بلمسة؟ أي وغد متبجح أنت أنمار؟
صمت يضغط على يد أنمار الذي سارع يحاول أبعد يده عن يد أرسلان، لكن هيهات، مال عليه أرسلان يهمس بصوت مخيف:
_ خسئت وخسئت وخسئت أنت وكل من ينحدر من سلالتك، امرأتي خط أحمر، تلك اليد التي لمستها سأقطعها لك أيها الـ_
_ جلالة الملك.
اشتعلت عيون أرسلان وهو يستدير لها ببطء ينتظر منها اعتراضًا ليشتعل غضبًا أكثر، لكن كل ما خرج من سلمى في تلك اللحظة هي همسة صغيرة له وبصوت منخفض:
_ واليد الأخرى من فضلك.
اتسعت بسمة أرسلان بقوة قبل أن يعود لأنمار مجددًا، يجذبه من يده الأخرى بقوة وهو يردد:
_ هيا أنمار تعال صوب قاعة الرجال وتصرف كواحد منهم لمرة واحدة على الأقل.
ختم حديثه بإهانة مبطنة، ثم استدار صوب سلمى يرمقها بعيون ضيقة وكأنه يقيمها، لتمتد يده الحرة دون شعور وهو ينزل القلنسوة أكثر وأكثر لتغطي وجهها بالكامل عدا ذقنها ثم ردد بحنق وغضب مكبوت:
_ سنتحدث في هذا الأمر لاحقًا جلالة الملكة.
ردد أنمار بصدمة وكأنه لم يستوعب بعد ما يحدث حوله:
_ جلالة الملكة؟
_ ماذا؟ هل لدى سيادتك اعتراض؟
رمآه أنمار بعدم فهم ثم ردد وهو يحاول تمالك نفسه:
_ أوه لم ادرك أنك تزوجت، و.... مبارك لك، لم نتعرف جلالة الملكة أنا.......
قاطعه أرسلان وهو يدفع به للخلف:
_ ومنذ متى وكنا نتعرف على النساء يا هذا، عيونك ارضًا ويدك جوارك قبل أن تفقدها والتزم حدودك ولا تتعدى الخطوط الحمراء هنا.
ابتسم له أنمار بسخرية ثم هتف بصوت خافت لم يسمعه سوى أرسلان وقد كانت سلمى ما تزال تلتزم الصمت خلفه لا تود التدخل في حديثهم:
_ ويا ترى ما هي تلك الحدود؟ المرأة خلفك؟
صمت حين أبصر نظرات أرسلان والذي حدق به ثواني قبل أن يستدير صوب سلمى بهدوء يردد بصوت خافت:
_ استأذنك هناك بعض الأحاديث الجانبية التي عليّ مناقشتها مع أنمار بشكل ضروري.
اشتعل غضب أنمار وازداد صوت تنفسه ولم يكد يتحدث كلمة حتى تجاهله أرسلان، ينظر صوب سلمى مشيرًا لها بعينه أن تتحرك:
_ إذا سمحتي اذهبي حيث النساء جلالتك وحينما انتهي لنا حديث طويل.
ختم كلماته وكأنه يتوعد لها، وفي الحقيقة هو لم يكن فهو يدرك أن لا ذنب لها بقذارة أنمار الذي كادت يده تترك أثرًا على خصرها على ذكر الأمر ضغط على يده أكثر وبغضب أكبر، ثم دفعه أمامه وهو يردد:
_ هيا تعال معي قبل أن أفقد المتبقي من صبري.
استدار مع نهاية حديثه ونظر صوب سلمى، ثم أشار لها بعيونه أن تتحرك محذرًا، بينما هي ابتسمت لها بسمة مستفزة، ومن ثم لوحت له بشكل جعل ملامحه تزداد غضبًا زافرًا بضيق شديد وهو ينظر أمامه هامسًا بصوت منخفض:
_ صبرًا حتى ينتهي كل هذا يا امرأة.....
كان يتحرك مع أنمار في الممر حتى انحرف في طريقه صوب القاعة الخاصة بالرجال وحينما تأكد أنه اختفى عن الأنظار مع أنمار، حتى دفع جسد الأخير بقوة ضاربًا ظهره في الجدار خلفه يضع ذراعه أمام رقبته يكاد يخنقه.
مال عليه أرسلان يهمس له بصوت منخفض وملامح سوداوية وهو يحدق في عيونه وكأنه يوصل لها رسائل غير قابلة للنقاش.
_ ملكة مشكى..... المرأة التي كانت تقف خلفي هي ملكة مشكى والتي ستحترمها رغم أنفك، زوجتي ليست مجرد حدود يا هذا، بل هي رأسك التي سأدحرجها أسفل أقدامي إن تجرأت على تعديكِ حرمتها، والنظر لها نظرة لا تعجبني، أو لنقل النظر لها بشكل عام، شيئان لا تمزح بهما معي أو تقترب منهما كي لا اتناسى آدميتي واعاملك معاملة تستحقها، بلادي وامرأتي، اعتقد أن كلماتي تبدو واضحة لك صحيح.... أنمار؟؟
كان مع كل كلمة يزيد من الضغط على رقبة أنمار، والاخير يعيش معاناة خالصة وهو يحاول الفكاك من بين قبضته، تنفس أنمار بصوت مرتفع وهو يبعد عنه يد أرسلان بصعوبة واخيرًا، ثم هتف من بين أنفاسه اللاهثة:
_ ومتى تعديت حدودي أرسلان، أنت حقًا تبالغ، كل ما في الأمر أنها كادت تسقط وكانت تلك رد فعل طبيعية مني و....
اصمته أرسلان وهو يشير له بإصبعه:
_ الملك أرسلان بيجان، ما كان لي أن تتساوى مكانتي بخاصتك أنمار، لذا احفظ الألقاب بيننا، نحن لسنا رفاق لتنادي اسمي مجردًا.
اشتعلت عيون أنمار ولم يكد يتحدث حتى ابتعد عنه أرسلان، ثم أشار له بعيونه على قاعة الاجتماعات:
_ ألحق بي لننتهي من كل هذا.
ومن بعد هذه الكلمات اختفى جسد أرسلان وعيون أنمار تلحق به بشكل غامض غريب، قبل أن يعدل من وضعية ثيابه ويلحق به بخطوات هادئة لا تشي بشيء ....
_ إلى أين فاطمة؟!
توقفت عن التحرك وهي تحمل طبق حلوى صنعته صباح اليوم خصيصًا لأجل المعتصم بالله، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تنظر صوب والدتها تفكر في حجة تخرج بها، وقبل التحدث أبصرت والدتها ترتدي ثياب غير تلك المعتادة داخل المنزل:
_ هل أنتِ على وشك الخروج؟
هزت والدتها رأسها وهي تتحرك صوب الحذاء الخاص بها ترتديه، ثم رفعت عيونها لابنتها، تتحرك صوبها تعدل من وضعية حجابها تخفي خصلاتها داخله، ثم تحركت واحضرت محرمة وأخذت تمسح لها وجهها:
_ نعم، ذاهبة في زيارة لإحدى النساء هنا، لن اتأخر سأعود بعد ساعة أو اثنتين، صحيح أين تذهبين لم تخبريني؟
ابتسمت فاطمة بسمة صغيرة، ثم همست وهي تبعد عيونها عن والدتها:
_ إلى العمل مع الخالة ألطاف، ألم تخبريني أنكِ وافقتي على عملي معها في القصر؟
حملت والدتها المفتاح وهي تتحرك مع ابنتها خارج المنزل تتنهد بتعب شديد:
_ يا ابنتي لا يهون عليّ تعبك وما تفعلينه؟ أخبرتك أنني أنا من سيذهب للعمل.
_ لا أمي، أنتِ مريضة ولا تقدرين على شقاء العمل، ثم لا تقلقي أنا اعتني بنفسي جيدًا، فقط كوني بخير واصنعي لنا طعامًا جيدًا، كله يهون لأعود إلى المنزل أجدك في انتظاري مع أبي وأخي وطعام ساخن لذيذ.
توقفت أقدام تولاي "والدة فاطمة" عن الحركة تحدق في ملامح ابنتها وقد شعرت أنها تخسرها شيئًا فشيء، الفتاة ما يزال عقلها سجين لحظة خروج والدها وشقيقها للصلاة قبل حريق المنزل.
تنهدت بصوت مرتفع وهي لا تدري كيف تساعدها لتخطي كل ذلك، تشعر بالعجز، هل هناك أدوية أو اعشاب تجعلها تتخطى كل ذلك؟
_ أمي؟؟ أنا أتحدث معكِ وأنتِ لا تجيبين.
رفعت والدتها عيونها لها، ابتلعت لها ريقها تحاول الحديث قبل أن تبصر ألطاف تقترب منهم وهي تتحدث ببسمة واسعة:
_ هيا يا ابنتي، هل أنتِ جاهزة للذهاب؟؟؟؟
هزت فاطمة رأسها تودع والدتها بسرعة وهي تضم طبق الحلوى لصدرها متحركة مع ألطاف التي كانت تراقبها بحنان شديد وتسير معها صوب القصر تدعو لها بالرزق والسعادة ...
_ إذن يا المعتصم..
رفع المعتصم عيونه بسرعة ينظر صوب سالار مرددًا باحترام شديد ولهفة:
_ أوامرك يا قائد؟
ابتسم له سالار يربت على كتفه بحنان:
_ أي قائد يا المعتصم، أنت الآن قائد كذلك، لا تنس مكانتك، أنت الآن قائد جيوش مشكى.
_ معاذ الله أن أكبر عليك يا قائد، ستظل قائدي لنهاية العمر.
ابتسم له سالار بامتنان لكلماته، يهز رأسه له:
_ اتشرف بك تلميذًا يا المعتصم، أخبرني كيف تسير الحياة هنا مع أرسلان؟
هز المعتصم رأسه بهدوء ولم ينتبه لأرسلان الذي دخل المكان كالعاصفة، إذ كان ظهره جهة باب الدخول.
توقفت أقدام أرسلان ببطء حين سمع جملة سالار، والذي أضاف بعد جملته الأولى بخبث حينما أبصر وصول أرسلان:
_ اعلم أنني أثقلت عليك بالكثير حين ألقيت بك في مشكى مع أرسلان، أعانك الله على الحياة معه يا بني.
نظر له المعتصم ثواني قبل أن ينفي برأسه يتحدث بجدية كبيرة ونبرة صادقة وإخلاص كبير لملكه:
_ سيظل ما فعلته معي دين في رقبتي لنهاية حياتي يا قائد، فأنت لم تمنحني مكانة يطمح لها الكثيرون فقط، بل منحتني حياة جديدة ابني بها ذاتي، أما فيما يخص الملك أرسلان، فرفقته أفضل ما رزقني الله به في حياتي، فالله يشهد أنه لم يقصر يومًا معي أو يقلل من شأني أو حتى دفعني للندم ثانية، بل عاملني كما لو أنني عشت طوال عمري بهذا المنصب واستحققته..
_ وأنت كذلك يا المعتصم، من سواك يستحق أن يكون قائدًا لجيوشي؟ والله لا امنحن مكانتك لسواك ولا يستحقها غيرك.
كان أرسلان يتحدث بجدية كبيرة وملامح حانقة وهو ينظر صوب سالار يردد بدفاع عن المعتصم وكأنه أب أزعج البعض صغاره:
_ مالك والمعتصم سالار؟ دع قائد جيوشي وشأنه.
ابتسم له سالار يردد باستفزاز:
_ في الحقيقة كنت افكر في إرسال أحد رجال الجيش ذوي الخبرة لمساعدتك واستعادة المعتصم لجيش سفيد.
تشنجت ملامح أرسلان يضرب الطاولة بقوة وهو يهتف في وجه سالار:
_ وهل ترى الأمر لعبة؟ تمازحني أنت؟ هذا قائد جيوشي وليس سلاح اعيرك إياه.
_ المعتصم من تلاميــــ_
_ المعتصم من مشكى، تسير به دماء مشكى وسيظل في مشكى حتى تفنى روحه، ولا تطيل الحديث في الأمر، كي لا ينتهي بيننا الأمر بتحطيم ما تبقى من قصري على رؤوس من به سالار.
اتسعت بسمة سالار وبشدة وقد أبصر بعيونه نجاح ما سعى له، لتدب الراحة في صدره، ولم يكد يتحدث حتى وجد الجميع أنمار يدخل للقاعة بهدوء شديد وهو يهتف بنبرة جادة وبسمة صغيرة:
_ مرحبًا بالجميع، عساكم في أفضل حال.
سحب أرسلان مقعده، ثم جلس عليه بكل هدوء، يجيب ببسمة واسعة وهو يستند بيديه على الطاولة أمامه:
_ والله كنا قبل أن تأتي أنت، هيا اجلس هنا.
ختم حديثه يشير صوب مقعد يقع في نهاية الطاولة وكأنه ينفي أنمار بعيدًا عنهم.
ابتسم سالار يعود بظهره للخلف يعجبه ما يرى مرددًا جوار إيفان:
_ كان أرسلان سيموت إن لم يجبه بحديث لاذع.
هز إيفان رأسه يبتسم بسمة جانبية ساخرة:
_ دعه يخرج ما يعتمر بصدره أفضل للجميع كي لا ينفجر بنا.
تحدث آزار وهو يضرب على الطاولة يفتتح الحديث فيما حدث:
_ دعكم من الأحاديث الجانبية ولننتهي فيما جئنا لأجله، الهجمات والضربات الأخيرة التي سقطت أعلى رؤوس الجميع تهدد أمن الممالك ولا أعتقد أن ما حدث أمر يمكن تجاوزه.
استمع له الجميع بانصات قبل أن ينهض ازار من مكانه يدور حول مقعد، ثم اخرج من حقيبته التي يضعها خلف مقعده خارطة كبيرة ألقاها أمام الجميع يشير صوب نقطة تقع في منتصفها:
_ مقر الهجمات كان بالتحديد في الأطراف الشمالية من آبى، أي على بعد بعض الكيلومترات من حدودنا مع الغابة الشمالية التي تفصل مملكتي عن مملكة سبز، لقد جاءت الهجمات من جهة سبز.
ضاقت عيون إيفان وهو يتحدث بنبرة عادية يحاول تخمين ما يحدث:
_ هل يعقل أن تكون سبز مقرهم الحالي؟
انتفض أنمار من كلمات إيفان ينفي بسرعة ما يرمي إليه الأخير:
_ غير صحيح، سبز مملكة لا يخطوها فاسق مثل هؤلاء.
اتسعت بسمة أرسلان وفتح فمه ليتحدث، ولم يتمكن من كبت كلماته:
_ عجبًا لايخطوها فاسق، ويحكمها فاسق، ذلك الكاذب الفاسـ...
لكن المعتصم تدارك الأمر وهو يمسك يده يهمس له برجاء يقطع كلماته وبسرعة كبيرة:
_ أرجوك لا، أتوسل إليك لا تكمل كلمتك لنمرر الاجتماع على خير.
التوى ثغر أرسلان يضرب الطاولة وهو ينفخ بضيق شديد:
_ لا أحد هنا يتهمك يا أنمار، نحن هنا للبحث عن رأس الأفعى وقطعها.
ختم حديثه وهو يسحب سيفه يلقي به بعنف على الطاولة بشكل غير متوقع لأنمار الذي انتفض للخلف ليرفع أرسلان حاجبه مبتسمًا بسمة جانبية هاتفًا:
_ إذن دعونا نتحدث في خطة لما يحدث معنا يا سادة....
_ إذن ما الذي تطالبني به الآن وليد، أنا لا افهم ما تقصده؟
دفع الوليد بعض الطعام أمام نزار وهو يربت على كتفه ببسمة يتحدث له بنبرة ودودة هادئة، فلطالما كان نزار من أكثر الأشخاص المقربين له:
_ فقط تناول طعامك وبعدها نكمل حديثنا.
دفع نزار الطعام بعيدًا عنه، ثم رفع عيونه للوليد مجددًا:
_ اعذرني فأنا لا يمكنني تناول شيء طالما هناك ما يشغلني، لذا هلا نختصر كل هذا وتخبرني ما قصدته بحاجتك لمهارتي؟
رمقه الوليد ثواني بعيون ضبابية غامضة قبل أن يخرج تنهيدة مرتفعة أتبعها بكلمات جمدت الدماء بعروق نزار:
_ نريد منك صنع سم قوي المفعول..
اشتدت ملامح نزار يحاول معرفة ما المزيد:
_ سم قوي المفعول؟ لماذا؟ هل هناك حيوانات شرسة تـ
قاطعه الوليد وهو يخبره بصوت منخفض:
_ لأجل الحرب القادمة.
_ لأجل الحرب القادمة؟ وما دخل السموم بالحروب يا الوليد؟ ما الذي تقصده أنت، حديثك غامض لا أفهم منه شيئًا..
_ لا يمكنني التوضيح أكثر نزار، هل ستساعدنا أم ماذا؟
نظر له نزار طويلًا قبل أن ينهض ينظر له من علياه وصدره يعلو ويهبط بغضب:
_ ماذا.
نطق كلمته وهو يتحرك خارج المكان دون إضافة لولا يد الوليد الذي امسك به يوقفه عن التحرك، يزفر بصوت مرتفع:
_ نزار فقط لا تتسرع، أنا أخرجتك من ورطتك وخاطرت برجالنا لأجل تحريرك بعدما تعهدت للقادة هنا أنك ستكون ذو قيمة لنا في هذه الحرب.
ابعد نزار يده عنه يهتف بجدية وهو يحدق بعيونه وكأنه يتحداه:
_ وأنا لست بيدقًا يحركه قادتك دون معرفة ما يحدث حولي، سألتني صنع سم وسألتك السبب، حين تخبرني السبب سأفكر في مساعدتكم.
أنهى حديثه يتحرك خارج المكان دون الالتفات للوليد والذي صاح بنفاذ صبر:
_ نزار أنت لا تدرك ما تفعله، لا يمكنك تحديهم سوف يؤذونك، هم سيحصلون منك على هذا السم بأي طريقة كانت فلا تجبرهم أن تكون بطريقة لن تعجبك.
لكن نزار كان قد غادر بالفعل دون اهتمام، يشعر بالاختناق وكأن هناك صخرة تقبع أعلى صدره، ولم يشعر بنفسه سوى وهو متوقف أمام منزله، أو منزلها لا يدري حقًا لمن المكان فهو لا يطأه سوى مرات قليلة، المرات التي يشعر فيها بحاجة ملحة لمجالسة شخص نقي، المرات التي يشعر فيها بحاجته لتنفس هواء غير ملوث بالمعاصي، كهذه المرة.
توقف يتنفس بصوت مرتفع ولا يدري بأي حجة يطرق عليها الباب، لكنه فعل بالفعل وطرقه..
ثواني ولم يصل له رد كعادته فلحق طرقته الاولى بالثانية ومن ثم الثالثة ومن بعدها دخل يخفض رأسه يبحث عن حجة للنطق بها.
_ مرحبًا هل تودين تناول الطعام الآن أم تنتظرين لبعد الصلاة؟
لم تصل له إجابة وكان متوقعًا في الحقيقة، لكن الغير متوقع هو سماعه لصوت شهقات مكبوتة يصدر من أحد أركان الغرفة.
رفع رأسه بسرعة يبحث عنها حتى ابصرها تخفض رأسها بين قدميها وجسدها ينتفض بشكل غريب.
ضيق ما بين حاجبيه لا يفهم الخطب يتقدم منها خطوات قليلة مرددًا بصوت خافت:
_ سمو الأميرة؟ أنتِ بخير؟
ولا رد....
مجددًا ناداها.
ومجددًا نفس الصمت منها.
هنا وازداد رعبه وهو يقترب منها يجلس على عقبيه بالقرب من جسدها مع تركه مسافة مناسبة بينهما، يميل برأسه وكأنه يحاول الوصول لوجهها:
_ توبة؟!
ارتفعت شهقات توبة أكثر وأكثر حتى بدأ صوت الشهقات يصدح في المكان، واخيرًا رفعت توبة وجهها ببطء له ليبصرها نزار الذي بدأت عيونه تتسع بشكل جنوني وهو يبصر خيط من الدماء جوار فمها وعلامات أصابع غليظة يزين وجهها، شعر بصدره ينتفض كحدة انتفاضات جسدها.
_ دعني وحدي رجاءً..
ختمت حديثها وقد بدأ بكاؤها يزداد أكثر وأكثر، ليشعر نزار بالجحيم يشتعل داخل صدره، يحاول إيجاد كلمات للتحدث بها، لكن لثواني عجز عن ذلك.
واخيرًا وبعد دقائق نطق بما أحرق صدره:
_ من؟
نظرت له توبة بندم فهم ليكرر نزار كلماته بصوت غاضب رغم أنه كان منخفضًا:
_ من فعل بكِ هذا؟
فجأة انفجرت توبة في البكاء وكأن والدها يسألها من ضربها من الفتية، تردد دون شعور من بين بكائها:
_ لا اعلم.... لا اعلم رجل ضخم اشقر ذو لحية ضخمة وهناك..... هناك جرح غائر جوار عيونه.
وكان هذا الوصف كافيًا لنزار الذي تركها وتحرك بعيدًا عنها متوعدًا، وقد اشتد غضبه أضعاف مضاعفة، المرأة التي تعهد أمام الله ونفسه أن يساعدها حتى يخرجها من هذا المستنقع تُهان وتُضرب بهذا الشكل وقد اعتبرها هو مسؤوليته، خرج لا يبصر أمامه إلا السواد يبحث بعيونه بين الرجال عن رجل بنفس المواصفات التي ذكرتها واستمر بحثه دقائق حتى أبصره يجلس مع بعض الرجال، وقبل أن يستوعب المحيطين به ما يحدث كان جسد الرجل يسقط بينهم وجسد نزار يعلوه وقد انقض يضرب وجهه ضربات متتالية يفرغ به غضبه، ولم يستطع أحد أبعاده عن الرجل.. ليركض أحد الرجال بسرعة كبيرة صوب الوليد وكل مرة استطاع نطقه هو:
_ الرجل الذي احضرته يكاد يقتل زهير في الخارج........
_ أخي لن يعجبه ما نفعل الآن صدقوني قد يحيل المملكة لرماد فوق رؤوسنا جميعًا...
كانت تلك الجملة خارجة من فم كهرمان التي لا تدرك كيف طاوعها عقلها لتجاوز أوامر شقيقها بالخروج من القصر دون حراس، أو حتى كيف وافقت على الخروج دون إعلام زوجها الذي كان مشغولًا بالمناسبة مع زوجها في اجتماعًا مهمًا لا تشعر أنه سينتهي قبل غروب الشمس وقد وصل لهم اصوات صاخبة خارجة من القاعة وقد بدا الأمر، كما لو أن الرجال في الداخل يتقاتلون.
وتبارك التي كانت قد اختبرت ما يحدث سابقًا كانت تدرك أن الأمر سينتهي بإيجاد سالار لها في ورطة يجرها جرًا صوب الغرفة، ومن ثم يستمر في الصراخ لدقائق قبل أن يهدأ ويبدأ السؤال عن حالتها، لذا قالت بهدوء:
_ حسنًا لست قلقة في الحقيقة فشقيقك لن يتوجه لي بكلمة.
صمتت تكمل بهمس لذاتها:
_ سالار هيقوم بالواجب وهيوجه ليا كلمات.
نفخت سلمى بلا اهتمام وهي تتحرك معهم تتفقد أسواق المدينة حولها باهتمام:
_ من الأساس شقيقك يفعل ذلك في اليوم العادي دون سبب، لذا لا ريب من إعطاءه سبب مقنع للأمر.
ختمت حديثها وهي تنظر لموزي الذي يعلو كتفها بكل هدوء ولطف:
_ صحيح موزي؟
أصدر موزي صوتًا مستمتعًا بما يرى حوله وقد أغرته كل هذه الأشياء والفواكه حوله ولولا تحذيرات سلمى له كل ثانية بعيونها لكان عاث فسادًا في المكان بأكمله.
همست تبارك لكهرمان بصوت خافت:
_ تستطيع التحدث لغة القرود.
أطلقت سلمى ضحكة شبه مرتفعة جعلت أعين تبارك تتسع، بينما كهرمان ابتسمت تردد:
_ احترسي حين الهمس تبارك، فيبدو أن عزيزتنا سلمى تمتلك حاسة سمع أخي.
نظرت لها سلمى بحنق لتهز كهرمان كتفها مبتسمة:
_ هذه حقيقة، أخي يمتلك حاسة سمع حادة مرعبة.
بدأت تتلمس الأقمشة وهي تردد بنبرة عادية:
_ ربما لتدريبات ابي المكثفة له في طفولته، كان يتدرب أيامًا طويلة دون الرؤية يعتمد فقط على سمعه، وعليه صد الضربات الموجهة له وإلا ليتحمل وجعها.
ارتعش جسد تبارك تتذكر ذلك النوع من التدريبات الذي كانت تفشل به فشلًا ذريعًا حتى هذه اللحظة، بينما سلمى لم تكن متعجبة مما تسمع، أولم تطلع بالفعل على طفولة أرسلان القاسية، والده كان يتعامل معه معاملة الجندي في ساحة الحرب، لا تتذكر أن الرجل تلقى لحظة حنان واحدة طوال سطور الكتاب وصفحاته التي تتخطى الخمسة الآلاف صفحة.
ورغم كل ذلك هي كانت تدرك وبكل سهولة أي نوع من الشخصيات هو أرسلان وكيف تتعامل معه.
_ شقيقك ليس مسكين كهرمان...
ابتسمت كهرمان وهي تمسك طرف فستان من تلك الاثواب التقليدية عندهم تردد:
_ لا ليس كذلك ولا أنصحك بوصفه هذا الوصف أمام عيونه فسيكون رده عليكِ واحدًا ولا أنصحك بسماعه.
_ خسئتِ أنتِ واشباهك الاربعون.
استدارت لها كهرمان بصدمة تتساءل بعيونها عن معرفتها للجملة، وكأنها لا تدرك أن أخاها يسير بين الجميع موزعًا إياها عليهم.
اقتربت سلمى من الثوب تتحسه ببسمة جانبية دون إجابة الأسئلة التي تطرحها عيون كهرمان، تتلمس الثوب بإعجاب شديد فقد كان اسود مع بعض النقوش الفضية اللامعة على الأطراف.
نظرت له ثواني قبل أن تهمس بنبرة مريبة:
_ اعجبني هذا الثوب سأبتاعه لأجل زفافي من شقيقك.
اتسعت أعين كهرمان أكثر وكذلك تبارك التي حدقت في سلمى بعدم فهم، هل أعلنت للتو موافقتها الصريحة على زواجها من أرسلان أم ماذا؟
وسلمى لم تهتم بشرح شيء فقط أشارت للرجل أن يضعه في حقيبة، ثم أخرجت بعض النقود التي تحملها في جيب بنطالها لتستوعب فجأة أنها تحمل عملة بلدها المحلية.
ويبدو أن كهرمان أدركت الأمر لتتدخل بسرعة تقول بلطف شديد:
_ إذن اسمحي أن يكون الثوب هدية مني لكِ عزيزتي، فأنا شقيقة زوجك في النهاية.
ختمت حديثها بنبرة خبث قابلتها سلمى بنفس مقدار الخبث الذي يملئ شخصيتها الثانية، بينما تبارك تنظر لهما بخوف وقد شعرت فجأة بالريبة منهما تتراجع للخلف...
وعلى بعد صغير في نفس السوق كان البعض يندمج بالشعب يلقي كلمات هنا وهناك، البعض يتحدث عن أوضاع المملكة والبعض الآخر يردد كلمات منتقاة بعناية ويبدو أن حرب النفوس بدأت بالفعل.
إذ وصلت لمسامع الفتيات بعض الكلمات المترامية من رجل وامرأة جوارهما وهما يتحدثان بصوت شبه مسموع:
_ والله ما أعلمه هو أنه إن لم يكن على قدر منصبه فليدعه لشخص يستحقه، وراثة العرش هي ما اوصلتنا لما نحن عليه.
_ ما الذي تتحدثين به أنتِ، بعد كل ما فعله وما يفعله لأجلنا؟ أنتِ يا امرأة ناكرة للجميل.
تدخل رجل آخر وكأنه جاء نجدة للمرأة التي شعرت بالعجز عن الرد:
_ فعل ماذا هذا واجبه وأكثر، انظر أين كنا وكيف اصبحنا؟ نحن نحتاج لملك قوي يحكمنا يستطيع أن ينهض بالبلاد.
توقفت يد كهرمان عما تفعل وهي تنظر صوب السيدة والرجل بنظرات متعجبة وعقلها يحاول إنكار ما وصل له من كلمات مترامية بالطبع هذه الكلمات ليست على أخيها.
وتبارك تتابع ما يحدث لا تفهم شيئًا، لكن كل ما تدركه أن أرسلان الذي سمعت عنه من إيفان سابقًا وسالار لاحقًا لم يكن بأي شكل من الأشكال نفسه الرجل الذي يتحدثون عنه.
بينما كانت سلمى تتابع بأعين حادة ما يحدث وقد ابتعدت عيونها عن وجه السيدة تدور في الوجوه حولها وقد بدأت تدرس ردات فعل أجسادهم التي بدأت تتحفز وكأن عقولهم وجدت أخيرًا شيء تلقي بعجزهم عليه..
كانت نظرات سريعة استطاعت سلمى أن تدرس بها ما يدور حولها، كل النظرات كانت واحدة نظرات، عدا القليل فقط من النظرات التي استطاعت تمييزها من بين الجميع.
رفعت حاجبها وهي تعود بنظرها صوب الرجل الذي كان يتحدث بكل تبجح يساند المرأة فيما تقول بكل جوارحه:
_ أنتم فقط عصبة من الجبناء يخدعكم ببعض الفتات الذي يلقيه لكم والقليل من الرعاية التي يوفرها، البلاد تحتاج لقائد حقيقي في غمضة عين ينهض بها و.....
_ مثلك.
توقف الرجل عن التحدث فجأة حين سمع تلك الكلمة التي اخترقت الأجواء بشكل حاد جاعلة جميع الأعين تتحول صوبها، امرأة بثوب غريب ومعطف اسود تغطي به رأسها تحمل على كتفها قرد يرمق الجميع بضيق وكأن ما يحدث لا يرضيه..
ابتسمت سلمى بسمة واسعة وهي تقترب خطوات قليلة تحت أعين الرجل المتعجبة حتى توقفت على بعد صغير منه تتحدث معه بنبرة خرجت جادة مؤيدة حتى شعرت كهرمان أنها توافقهم الأمر.
_ معك حق، هذه البلاد بالفعل تحتاج لمن ينهض بها في غمضة عين، لذا إذا كنت تعلم ما عليك فعله لماذا لا ننصبك ملكًا علينا؟
توتر الرجل تحت نظرات سلمى التي تكاد تثقب روحه وهي تتحدث له بصوت مسموع:
_ اغمض عيونك وتخيل معي للحظة أنك الملك هنا، أنت ملكنا والكلمة الأولى والأخيرة لك في في هذه اللحظة، ما رأيك؟
نظرت للجميع تنتظر منهم تأييدًا ثم أكملت:
_ والآن معك من الوقت مقدار غمضة عين هيا اصلح لي الخراب المحيط بنا جلالة الملك.
اتسعت عين الرجل وتوتر من نظرات سلمى التي كانت وكأنها تخبره بعيونها أنها تدرك ما يفعل وأي غرض جاء به، توتر جسده واهتز بشكل واضح لسلمى التي ارتسمت بسمة على جنب فمها وهي تطقطق إصبعين تهتف ببسمة:
_ انتهت مهلتك كملك ولم تقدم لنا سوى صمتًا، أي نوع من الملوك أنت مولاي؟ عار عليك.
رفعت عيونها صوب الجميع تمر بعيونها عليهم قبل أن تتوقف على بعضهم، عدد معين من الأشخاص فقط من اطالت النظر بهم حتى توتروا وبشدة وقد شعروا للحظة أنها كشفت هويتهم.
لكن كل ما في الأمر أن سلمى فقط التقطت نظرات أعينهم وحركات أجسادهم وردات فعلهم المتباينة عمن يحيط بهم، فتعجبتها ليس إلا.
استقامت تسجل وجوههم في عقلها، ثم قالت رغم جهلها لطريقة حكم أرسلان الفعلية، لكنها تدرك أي نوع من الأشخاص هو، وبأي شكل من الأشكال يحكم، وتحت أي ظرف هو ليس ذلك المتخاذل الذي يتحدثون عنه:
_ من العار أن تتجمعوا وتعقدوا احاديثًا كهذه في حين أن الملك لا ينام ليلته فقط ليؤمن لكم صباح هادئ، تتحدثون وكأنه يحكم البلاد منذ يومين ولا تعلمون عنه شيئًا، على حد علمي فقد حكمكم منذ سنوات طويلة ولم اسمع شكوى واحدة في سنوات الرغد، عجبًا برزت لكم ألسنة في السنوات العجاف؟ اخجلوا من أنفسكم.
ختمت حديثها تستدير صوب البائع تحمل منه حقيبة ثوبها، ثم أشارت صوب تبارك المصدومة مما فعلت وكهرمان السعيدة بما سمعت وقد كانت على وشك الرد، لكن رد سلمى اصمتهم واصمتها وانجدهم من لسانها.
تحركت مع سلمى وهي تردد في نفسها بسعادة:
_ يبدو أن اخي احسن الاختيار ووجد توأمًا له بشكل حرفي، فأنتِ تمتلكين نفس اللسان تقريبًا.
رددت تبارك في أعقابهم:
_ مرحى لمشكى حصلت على ملك وملكة مرعبين......
ضرب إيفان الطاولة بغضب شديد وقد استطاع أن يثير هذا الحوار سخطه وغضبه واخيرًا، شيء استطاع استخراج جنون إيفان من داخله.
وكم كان هذا مشهدًا ممتعًا لأعين أرسلان الذي عاد بظهره للخلف يترك ضفة القيادة لإيفان الذي صاح بجنون في وجه أنمار:
_ نفـــــعــــل مـــــــاذا؟؟ هـــل جننـــت؟؟
تنهد أنمار بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه وقد سأم من كل هذا، فهو منذ اشتد الحوار وهو يتلقى غضب آزار تارة، وجنون أرسلان تارة، والآن عليه التعامل مع سخط إيفان، كان يعلم أن اقتراحه لن يلقى صداه لديهم، لكنها كانت محاولة أخيرة قبل فعل ما خطط له.
_ فقط أهدأ رجاءً ظننتك ستكون الوحيد العاقل بينهم وقد اتضح أن سالار هو افضلكم في هذا الأمر.
هز سالار رأسه بكل هدوء يردد بنبرة عادية ليس وكأنه ينبس بتهديد أو ما شابه:
_ لا أنا فقط لا أحب أن أفزع زوجتي بمظهر الدماء التي تلتصق بثيابي، أنت تدرك كم هو صعب استخراجها من نسيج الثياب صحيح؟
نظر له أنمار وهو يفكر في كلمات سالار وقبل أن يجد ردًا سمع ضربة آزار على الطاولة وهو يهتف بصوت حاد:
_ ما تدعونا له الآن إن لم تحمله وتخرج من هنا سأحرص على حجز فراش لك في الغرفة المجاورة لبارق واستولى أنا على بلاده واضمها لآبى لحين يستيقظ.
تحركت أعين أنمار بفزع صوب آزار يرفض ما يسمع:
_ أنت لن تجرأ على ذلك.
_ جربني.
مسح إيفان وجهه يحاول الهدوء وهو ينظر لعيون أنمار:
_ دعونا لا نتسرع يا رجال ربما فهمنا مقصده بشكل خاطئ، بالطبع أنمار لا يقصد بحديثه أن نعقد معاهدة سلام مع هؤلاء الكفار ونعترف بهم مملكة خامسة ونمنحهم جزء من كل مملكة لنعطيهم حقهم كبشر بيننا، بالطبع لا يقصد ذلك.
نظر له أنمار وهو يحاول إخراج كلمات تكون لها أقل تأثير عليهم، وحتى الآن لم يرى بعد ردة فعل أرسلان والذي كان على عكس المتوقع أقلهم حدة في ردة فعله.
_ فقط لنفكر في الأمر، اعتقد أن طريق الحروب سيعود علينا بخسائر كثيرة وعلى الشعوب اختيار السلام هو اسلم الحلول معهم.
ختم حديثه يدور بين الجميع بعيونه ينتظر منهم ردًا وقد الجمهم بعرضه، أنمار يحاول لعب دور حمامة سلام الآن ودفعهم للاعتراف بالمتمردين وإقامة مملكة لهم داخل ممالكهم.
توقفت عيون أنمار على أرسلان وكأنه ينتظر منه ردًا على حديثه، لكن كل ما فعله أرسلان هو أنه مال بنصف جسده العلوي صوب حذائه لينتفض جسد أنمار بسرعة للخلف متحركًا عن مقعده بشكل أثار انتباه الجميع له.
أما عن أرسلان فهو فقط عدّل من وضعية حذائه بهدوء، ثم اعتدل بنصف جسده ينظر للجميع ببسمة، ثم أشار لأنمار أن يجلس:
_ اجلس عزيزي، لا تخف لا انتوي تلويث حذاء آخر لي.
صمت أرسلان ثانية، ثم نهض عن مقعده يتحرك صوب أنمار يردد بهدوء:
_ أو لا تتعب نفسك بالجلوس فأنت ستغادر على أية حال، هيا خارج بلادي يا حثالة.
ومن بعد هذه الكلمات امسك أنمار من ثيابه بإهانة كبيرة يجره معه صوب خارج القاعة بقوة مرعبة وتحرك به يهبط الدرج بشكل كاد يسقط أنمار مرات عديدة، والاخير فقط يهدد ويحذر بشكل مستميت.
حتى وصل أرسلان لبوابة القصر ودفع بأنمار صوب البوابة يهتف بصوت جهوري:
_ حراس.... اخرجوا هذا الحثالة من القصر والبلاد بأكملها كي لا يدنس رمالها، القوه خارجًا ولا تسمحوا له بأن يطأها مجددًا.
نظر له أنمار نظرات مميتة وقد بدأ كل الغضب في صدره يتجمع حول أرسلان تحديدًا:
_ ستندم على هذا أرسلان...
ارتج القصر بصوت أرسلان المرتفع والذي هدر بنبرة مرعبة جعلت المعتصم يتمسك بسور القصر وهو يتابع بأعين متسعة وقد ركض بسرعة كي يتحكم في أرسلان إذا ما تجاوز غضبه حدود العقل:
_ خســــئت وخســـئ قولك وعملك أيها الخسيس، ما كان لي أن أندم على شيء الله وكيلي به، الندم هذا سأسقيه لك كاسات إن لم تغادر قصري في هذه اللحظة، تبغونها عوجًا أنت وجماعتك بدل أن تصلحوا في الأرض، مصيركم اكفان على يدي...
ومن بعد كلماته لم يبصر أحدهم جسد أنمار الذي امتطى حصانه وأخذ رجاله الذي كانوا ينتظرونه على بوابة القصر مع باقي حراس الملوك، وقد كان قائد جيوش سبز معه، يتبعه بحصانه مبتسمًا بتشفي واضح، وقبل اغلاق بوابات مشكى بشكل كامل استدار الرجل يلقي بتحية لأرسلان وكأنه يشكر صنيعه.
بينما أرسلان فقط يقف أمام البوابة يتنفس بصوت مرتفع لولا صوت المعتصم الذي همس له:
_ مولاي هل أنت بخير؟
_ نعم، لكنهم لن يكونوا كذلك.
وبمجرد انتهاء جملته أبصر الابواب تُفتح من جديد ليعقد حاجبيه بترقب للقادم، فأبصر آخر من توقع أن يعبر تلك البوابة في هذه اللحظة.
زوجة أرسلان وشقيقته، وزوجته المستقبلية ويبدو أنهن حضروا بالفعل ما حدث منذ ثواني......
_ ما الذي يحدث هنا وأين كانوا؟؟؟؟؟؟؟
ابتسمت كهرمان وهي تراقبهم تهمس:
_ حسنًا هذا لقاء لم أكن أتوقعه.
رفعت عيونها صوب الاعلى وكأنها تبحث عن أحدهم حتى استقرت على جسد إيفان الذي كان يراقبها بعدم فهم وهو يعقد حاجبيه يتساءل بصمت عما يحدث لتتسع بسمة كهرمان تتحرك بعيدًا عن الجميع تردد:
_ أنا أفضل ردة فعل زوجي أكثر في هذه اللحظة، لذا استأذنكم يا سادة.
خفضت رأسها في تحية صامتة ثم تحركت تاركة تبارك تنظر حولها كما التائهة لا تدرك ما يجب فعله، لتقرر في النهاية أن تتبعها مرددة:
_ اختار نفس الاختيار، بالاذن منكم.
رحلت تاركة سلمى تقف وحيدة في مرمى أعين أرسلان الذي ما تزال توابع الاشتعال ظاهرة على ملامح وقبضته المبيضة لشدة ضغطه عليها، حتى أن موزي ارتعب من نظراته ليقفز بسرعة من كتف سلمى يتحرك بعيدًا صوب الأشجار ويبدو أنه قرر أن يقضي المتبقى من عمره في البراري حيث لا تطاله يد أرسلان الباطشة والذي أصبح كابوسًا متحركًا للقرد المسكين.
_ حتى أنت يا موزي؟!
رفعت عيونها ببطء صوب أرسلان الذي كان يبدو متحفزًا لتبتسم له تنظر حولها بعدم فهم:
_ أنت لا تنتظر ردًا مني صحيح؟
وكانت إجابته على سؤالها سؤال آخر يلقيه على مسامعها:
_ هل خرجتي للعاصمة بمثل هذه الثياب وبمعطفي الخاص آنسة سلمى؟؟
تحركت عيون سلمى صوب جسدها الذي يلتف في فستان ابيض بزهور وردية يغطي كامل جسدها وقد كانت حريصة على انتقائه للخروج، وعليه حذاء رياضي ابيض مريح، واخيرًا معطف أرسلان السحري الذي تسير به بين الجميع كما لو كان يساعدها في الاختفاء، رفعت عيونها ببطء صوبه تمنحه أكثر بسماتها لطفًا تردد بصوت هادئ رقيق:
_ اتمنى ألا تمتلك اعتراض على ذلك مولاي.
_ بلى افعل مولاتي، أفعل ونصف..
هزت كتفها بهدوء تتحرك للداخل:
_ إذن هذه مشكتلك جلالة الملك وليست خاصتي.
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة جعلتها تتعجب الأمر، لكنها أكملت طريقها صوب الداخل، لكن فجأة توقفت حين أبصرت امرأة تتحرك صوبها بتحفز شديد وبسمة غريبة مرتسمة على فمها، توقفت جوار أرسلان تردد بنبرة لم تخطأها أذن سلمى:
_ مولاي الطعام جاهز لك ولضيوفك.
ولم ينظر لها أرسلان حتى أو يستدير فقط هز رأسه شاكرًا بصوت منخفض وقبل الرحيل تحدث بصوت هادئ للعاملة:
_ افضل في المرات القادمة أن تخبري أحد الحراس وهو سيأتي ليخبرني، وشكرًا مجددًا...
رحلت الفتاة بهدوء بعدما هزت رأسها بطاعة، بينما سلمى تقف تنظر لظهره ثواني نظرات غامضة، ثم تحركت من المكان بأكمله وهو فقط تنفس بصوت مرتفع يتحدث للمعتصم جواره والذي كان يراقبه ما يحدث بصمت.
_ ابدأ بتحضيرات الزفاف يا المعتصم، فهذه اللعبة لن تستمر طويلًا..
تجلس في ركنها المفضل داخل الغرفة تصل لها اصوات صرخات في الخارج وأصوات الرجال تعلو والنساء تولول كما لو أن حربًا اندلعت.
صوت صراخ نزار يصل لها واضحًا يلقي تهديدات ويرمي بكلمات قاسية على مسامع الجميع وأخيرًا صمت عم المكان إلا من بعض التمتمات..
سمعت صوت طرق على باب الغرفة ثلاث مرات لتدرك أنه هو فلا أحد في هذا المكان يمتلك لباقة كافية ليطرق الباب على امرأة عداه، ليثير بذلك تساؤلها حول هويته التي يخفيها أسفل قناعه.
دخل نزار المكان تاركًا الباب مفتوح خلفه، يتحرك بهدوء شديد صوبها، حتى احتفظ بمسافة مناسبة بينهم وجلس ارضًا على عقبيه ينظر لها دقائق طويلة بصمت قتله في النهاية بكلمات معدودة:
_ أنا آسف.
رفعت عيونها له بعدم فهم وقد بدا الجهل واضحًا على معالمه ليكمل دون أن ينتظر تعليقًا منها:
_ اعتذر على ما حدث، تعهدت بحمايتك لحين إخراجك من هنا، وفشلت في أول خطوة، لقد.... لقد كسرت له اليد التي امتدت لكِ، اعتذر منكِ.
سقطت دمعة من عيون توبة وهي تبعد وجهها عنه تحاول كبت بكاء ظنه هو وجعًا أو غضبًا، لكنه في الحقيقة كان قهرًا وحسرة أن كلمات المواساة وفزعة الرجولة لم تخرج من زوجها، بل من غريب..
العجيب أن زوجها والذي من المفترض أن يلعب هذا الدور كان هو من ألقى بها من الأساس في هذه الحياة الغريبة عليها.
نظر لها نزار ولم يدر ما يجب قوله، لذا اعتمد الصمت لغة بينهما وجلس ارضًا أمامها يراقبها بهدوء، ثم ابعد عيونه عنها صوب النافذة يشرد منها وهو يفكر في القادم، المستقبل يزداد ظلامًا والحياة تضيق عليه، تنهد بصوت مرتفع ولم يكد يزفر شهيقه حتى سمع صوتها الخافت تتحدث بصوب ابح ربما لكثرة البكاء..
_ لقد قتل طفلي....
شعر نزار بعقله يتوقف عن العمل فجأة، وهو يستدير لها يحدق في عيونها منتظرًا أن تضحك أو على الأقل تفسر له تلك الجملة الغريبة.
لكن كل ما خرج منها هو كلمات قليلة مذبوحة:
_ سمعت البعض هنا يتحدثون عن الأمر، عن ولد أنمار المسكين الذي قُتل بسبب تجبر والده، لقد.... لقد أراده الانضمام لهم وحينما بكى الطفل للعودة إلي قُتل بضربة خاطئة من أحد الرجال، لقد.... لقد قتل طفلي، قتل طفلي الذي كادت روحي تخرج حين ولادته..... قتلوه.
الآن يدرك نزار سبب انفجارها ذلك اليوم في البكاء حين أشار لطفلها، راقبها بفم مفتوح بعض الشيء وأعين شاخصة ووجه شاحب، يحاول أن يبتلع الصدمة، ارتجف صدره وانتفض جسده من بشاعة التخيل، الطفل لا يعنيه ويشعر بجسده بأكمله ينتفض بغضب فما بالكم بوالدته.
دفنت وجهها بين قدميها وهي تهتف من بين صرخاتها المكبوتة داخل صدرها:
_ دمر عالمي ودمر حياتي، سمم والدي وقتل طفلي وألقى بي في مستنقعه، وأخذ بلادي لقد دمرنا بالكامل، لقد دمرنا..
ابتلع نزار ريقه وهو لا يدري كيف يهون ما حدث عليها، فقط يغمض عيونه يستغفر ربه، ظن أنه يمتلك أكبر ابتلاء في هذه الحياة، ولا يعلم أن هناك من يمتلك ابتلاءً يفوق ابتلاءه، الله يختبرها بصبرها ومما رأى خلال الأيام السابقة فقد نجحت وبامتياز، أما عنه فالله اختبره بإيمانه والنتيجة......
_ سأقتص لكِ.
رفعت توبة عيونها له ليهتف بصوت خافت خرج بصعوبة بسبب غصته التي يكتمها:
_ سأقتص لك منه أميرة توبة.
نظرت له توبة بعيون باكية حمراء وكأنها تسأله صدق وعده، وحين ابصرت نظراته هتفت بصوت خافت موجوع:
_ أنا أريد.... أريد أن انتقم منه بنفسه، لا أحد له حق الانتقام منه سواي أنا فقط..
هز رأسه لها وقد أخذ عهدًا صامتًا على نفسه في هذه اللحظة أنه سيفعل المستحيل كي يحضره لها أسفل أقدامها تأخذ منه قصاصها كيفما شاءت.
أبعدت توبة عيونها عنه بهدوء شديد حينما تأكدت أنه وافق على ما قالت، أبعدت عيونها وشردت بعيدًا عنه وجسدها ما يزال يرتجف، وهو صمت يستمتع بالاجواء الهادئة في المكان عكس صخب الخارج، وربما كان هذا هو سببه جلوسه هنا رغم معرفته أنه لا يمكنه ذلك، يخشى الخروج والتلوث بمشهد يؤذيه أو أن يسمع كلمة سيئة في الخارج، يأبى ترك الدفء والمغادرة.
فجأة خرج من أفكاره على سؤالها الذي جذب انتباهه:
_ ذلك الرجل الاشقر، أخبرني كلمة لا افهم معناها حتى الآن...
نظر لها منتظرًا أن توضح له ما يقصد، لتنظر هي في عيونه وكأنها تتحداه أن ينكر شيئًا:
_ لقد سمعته يخبرني إن كنت استمتع برفقة الأمير..
صمتت تنظر له وقد شحب وجهه لتهمس بهدوء:
_ أي أمير يقصد؟؟؟؟
يراقب سماء المملكة التي امتلئت بالنجوم يبتسم براحة مؤقتة منحها لنفسه في مثل هذا الوقت من الليل حيث الجميع نيام بعد انتهاء يوم شاق آخر.
اغمض عيونه يستنشق أكبر قدر من الهواء وقد شعر فجأة بالانتشاء، وزاد الأمر حين مرت نسمة هواء منعشة تحرك خصلاته السوداء الكثيفة.
كان النظر له في هذه الحالة الغريبة عليه متعة كبيرة لعيونها، الرجل كان فتنة بحد ذاتها، نوع يشبه رجال المافيا والعصابات الخطيرين والوسيمين والاقوياء، لكن النوع الصالح منهم، فمن المجحف أن تشبه هذا الرجل وما يفعل بالمافيا.
تنهدت بصوت منخفض تستغفر ربها تبعد عيونها عنه، تتقدم منه دون شعور تضم سترة شتوية خاصة بها وتضع القبعة أعلى رأسها تخفي كامل شعرها وقد أغلقت سحابها حتى ذقنها تقريبًا.
_ مساء الخير...
فتح أرسلان عيونه ببطء وهو يستدير صوبها ينظر لها نظرة صغيرة قبل أن يبعد عيونه عنها يجيب بهدوء:
_ مساء الخير آنسة سلمى، أراكِ تسيرين في وقت متأخر من الليل حيث من المفترض أنكِ نائمة في هذا الوقت.
_ لا رغبة لي بالنوم الآن أشعر برغبة قوية في استنشاق بعض الهواء.
هز رأسه وصمت لتتحرك صوب النافذة حيث يجلس على النتوء الصخري الذي يخرج منها تنظر له نظرات طويلة جعلته يرفع حاجبه بضيق منها ومن تأملها له، هذه المرأة حقًا لا تدرك ما تفعل.
وفجأة نطقت ببرتغالية خالصة دون شعور منها:
_ أنت تمتلك أكثر ملامح جذابة بهذا العالم أتعلم هذا؟
انظر لها أرسلان بعدم فهم يحاول تحليل ما سمع منذ ثواني منها، قبل أن يهز رأسه بحنق:
_ توقفي عن حديثك الاعجمي هذا وحدثيني بلسان عربي.
ابتسمت له سلمى ترفع حاجبه وما تزال تحتفظ بلسانها الاعجمي كما يقول:
_ يبدو أنك مشتاق لسماعي اتغزل بك بالعربية كي تقيم عليّ الحد وتقذف بي من النافذة جلالة الملك.
_ أيتها الاعجمية.
ضحكت سلمى بصوت منخفض وهي تبعد عيونها عنه لتسمعه يردد:
_ اذهبي للنوم الآن.
_ أخبرتك أنني لا ارغب بالنوم، فقط اود الجلوس أو ربما ابحث عن شيء مثير للأهتمام هنا افعله، أخبرني ما الذي تفعله حين تشعر بالملل؟
وكانت الإجابة منه تلقائية دون شعور:
_ اقاتل..
اتسعت عيون سلمى ثواني قبل أن تلين ملامحها مبتسمة بسمة واسعة:
_ يبدو هذا خيارًا جيدًا تود قتالي؟
تشنج وجه أرسلان وهو ينظر لها باستهانة وقد كانت أول نظرة له منذ جاءت إليه:
_ أنتِ بالطبع تمزحين معي، صدقيني أنتِ لا تريدين أن تفعلي ذلك..
_ بلى أريد، هل تخشى أن تتجرع خسارة مني؟
_ بل أخشى أن تتجرعي آهات مني.
ختم حديثه يشير لها بالابتعاد:
_ والآن رجاءً تحركي بعيدًا فلا قبل لي بقضاء ليلتي في صراع معكِ.
_ ما الذي ستخسره إن بارزتني؟ ربما تأتيك الفرصة وتتخلص مني واريحك.
رفع أرسلان وجهه ينظر لها ثواني قبل أن يجيب بنبرة جعلت جسدها يرتجف رجفة سريعة:
_ أنا إن أردت التخلص منك كان بإمكاني إعادتك ببساطة لعالمك.
_ ما الذي يجعلك تحتفظ بي إذن؟
نظر لها طويلًا قبل أن يهبط من الشرفة يتحرك صوبها يقف أمامها ثواني يشرف عليها بجسده، ومن ثم ابتسم يردد:
_ تعرفين طريق ساحة القتال أم ارشدك لها؟
ابتسمت له ترفع حاجبها بخبث تحركه بشكل عابث وقد اعجبتها هذه اللعبة معه، تهتف بمزاح واضح:
_ هل اعتبر تهربك من الإجابة انبهارًا وتمسكًا بي مولاي؟
نظر لها أرسلان ثواني قبل أن يرتفع طرف شفتيه فيما يشبه بسمة صغيرة، ومن ثم همس لها بنبرة اجشة وهو يبعد عيونه عنها وبلهجته الفارسية:
_ شاید " ربما "
ختم كلمته يستدير قبل حتى أن تفكر في معنى الكلمة التي نطق بها، تحرك بعيدًا عنها يشير بيده دون أن يستدير لها حتى:
_ ودّعي موزك العزيز واتركي وصيتك والحقي بي آنسة سلمى.
ابتسمت سلمى بعدم تصديق وهي تحاول أن تستوعب ما قال، ربما؟ ربما حقًا؟ هل فهمت للتو معنى كلمته؟ ربما أخطأت، عليها التأكد من الأمر سريعًا، لكن قبلها هناك قتال عليها الفوز به....
متسطح على الفراش بجسده، لكن روحه بعيدة عنه، روحه هناك مع تلك الشقراء الصغيرة والتي وبدون شعور منها أو حتى منه جعلته حارسًا شخصيًا لها طوال النهار كلما حانت له فرصة بين الاجتماعات.. الأمر يزداد تعقيدًا وسوءًا عليه التصرف بشكل أكبر تعقل، هل الأمر له علاقة بأنها كانت المرأة الاولى التي يتعامل معها بهذا القرب في حياته؟ هل عليه التوقف عن الأمر، هو حاول بالفعل، لكن دون شعور يبدأ عقله الغبي في رسم صور لها وهي تلقي نفسها في مصائب بعيدًا عنه، الفتاة برقة الزهور وبحماقة الاطفال، والله لو كان الأمر بيده لذهب إلى والدتها وعاتبها على تركها لها بالخارج وحدها في هذا العالم القاسي.
اغمض المعتصم عيونه يتذكر ما حدث منذ ساعات، هذه الفتاة ستكون سبب لنهايتها أو حتى نهايته....
_ يا المعتصم...
توقفت أقدام المعتصم فجأة في منتصف القصر وهو يغمض عيونه وقد شعر بأنه على وشك فقدان تحكمه بنفسه، نظر حوله يبحث عن أحد ربما انتبه لندائها عليه باسمه، ليحمد أن لا أحد فعل.
استدار ببطء صوب جسدها الذي يتحرك ناحيته بسرعة كبيرة تحمل بين يديها قطة صغيرة، نفسها القطة التي سبق واهدتها له، من أين احضرتها؟
وصلت له لتبتسم بلطف وهي تقول:
_ أنظر ماذا وجدت؟ هرة صغيرة تشبه خاصتك، فكرت ربما تود الاعتناء بها مع قطتك.
كانت تتحدث بلطف وهي تنظر له بترقب.
الأمر بدأ يزداد بشكل ملحوظ، هذه الفتاة تفعل الفعلة وتنساها بعد خمس ثواني كحد أقصى وهذا ليس طبيعيًا، نظر بيدها ثم رفع عيونه لها يردد:
_ فاطمة كم مرة أخبرتك ألا تناديني باسمي وألا تتباسطي مع الغرباء في الحديث؟
نظرت له فاطمة ثواني قبل أن تفهم ما يرمي إليه لتعود خطوة للخلف تضم القطة لها بخجل من كلماته:
_ لا أذكر أنك فعلت، امي هي من تخبرني ذلك طوال الوقت وليس أنت، ثم أنت لست غريبًا أنت.... أنت.... أنت....
كانت تحاول إيجاد وصف له يبعد عنها اتهامه ويصفه، لكن لحظة تفكير مع نفسها وجدت أنه... محق، من هو لتفعل كل هذا معه.
سقطت دمعة من عيونها، دمعة إدراك لما يحدث حولها تهتف بصوت ابح موجوع في محاولة يائسة للحفاظ على الإنسان الوحيد الذي ساعدها:
_ المعتصم.... أنت المعتصم الذي يساعدني.
كبت المعتصم تأوهًا كاد يخرج من حلقه وهو يبعد وجهه عنها يمسحه بضيق من نفسه قبل أن يكون منها، كله خطأ منه منذ البداية، اقترب منها بشكل ما كان عليه أن يفعله...
ابتلع ريقه حين أبصر الدموع تكاد تخرج من عيونها ليهمس:
_ فاطمة.
للتو فقط كانت يحذرها من نزع الألقاب، لكن يبدو أن لقلبه رأي آخر في هذا القرار.
رفعت عيونها الدامعة له تهمس بصوت خافت:
_ أنا آسفة لم أقصد أن أتخطى حدودي معك.
ابتسم لها يحاول تهوين ما يحدث:
_ لا بأس، هيا اعطني الهرة أنا سأعتني بها.
مسحت فاطمة دموعها تمد يدها بالقطة له هامسة:
_ اعتني بها فهي وحيدة..... مثلي.
فتح المعتصم عيونه ينتفض عن فراشه يسحب نفسه قسرًا من تلك اللحظات، عليه شغل نفسه بأي شيء غيرها، كالكوارث التي تحدث في المملكة، أو الحرب الوشيكة، أو خطط أرسلان التي ستحيل البلاد لرماد، أو حتى ترتيب مواعيد رحيل فاطمة ليراقبها كعادتها ويتأكد أن والدتها تتسلمها سالمة دون انـ....ها نحن نتود مجددًا يا المعتصم عدنا لنقطة البداية..
دفن وجهه في الوسادة يكبت صرخة غضب عالية ....
كانت تقف أمام جدار ملئ بالسيوف على مختلف أنواعها تحاول معرفة أي نوع ستتمكن من حمله والتعامل معه، مع العلم أنها لا تفقه شيئًا في المبارزة.
لكن هل تعترف؟ لا.
هل تستسلم له؟ أيضًا لا.
واخيرًا استقرت على سيف يبدو مناسبًا لقبضتها الصغيرة الرقيقة التي لم تحمل شيئًا بتلك الخشونة، هذا إن تغاضينا بالطبع عن بعض الأسلحة والسكاكين التي كانت تنتزعها مع بعض المجرمين يوميًا، فنعم يدها الرقيقة لم تمس شيئًا بهذه الخشونة.
سمعت صوت اقدام خلفها جعلها تستدير ببطء، لتبصر أرسلان يتقدم من الساحة ببطء، وحينما دخلها ابتسم لها بسمة صغيرة يتحرك صوب جدار الأسلحة يمد يده للأعلى ينتزع سيفًا محددًا جعل عيونها تتسع، نعم كان أكثر السيوف رعبًا في الجدار...
تحركت عيونها بصدمة مع السيف حتى استقر بين قبضته تردد بذهول وهي تقارن بين سيفها الرقيق وخاصته المرعب:
_ عجبًا أنت تأخذ الأمر على محمل الجد، هل تخطط للتخلص مني حقًا؟
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة:
_ لا تقلقي هذا السيف غير مؤلم بقدر سيفي الخاص بالحروب.
أبعدت سلمى عيونها عن الجدار تنظر في وجهه مرددة بصدمة:
_ سيفك الخاص بالحروب؟ هل تمزح معي؟
هز أرسلان رأسه ينفي كلمتها وهو يعيد خصلاته بأكملها للخلف كي لا تعيق قتاله مع المرأة أمامه، يجيب بجدية:
_ لا امازح النساء عادة، لكن ربما في المستقبل إن كتب لك الله أن يُسبق اسمك بالملكة، قد افعل.
تحرك صوب منتصف الساحة بخطوات رشيقة قوية يرفع أكمام ثوبه الاسود يردد بهدوء شديد ونبرة مازحة رغم الجدية الواضحة على ملامحه:
_ بالطبع لن اقاتلك بسيفي الخاص، فذلك السيف مخصص فقط للحروب وقد تشبع بدماء الكافرين والقذرين، ولن أسمح له أن يمسّك ويلوثك إذا اصبتك بضربة.
اتسع فم سلمى بقوة وهي تسمع كلماته، هو يتحدث بجدية، حقًا يفعل.
_ كم أنت.... شهم!
ابتسم لها أرسلان يتخذ وضعية قتال يشير لها أن تقترب منه:
_ سأمنحك فرصة الضربة الأولى وهذا كرم لا يناله مني الكثيرون صدقيني.
تقدمت منه سلمة وهي تحمل السيف بيد واحدة حتى توقفت في منتصف الساحة أمامه تنظر له تارة وللسيف تارة وكأنها تنتظر أن يتحرك سيفها معتمدًا على ذاته ويقاتل ذلك المتوحش الذي أبصرت كيف يكون قتاله الفعلي، الرجل كان مرعبًا وحشيًا في ساحة الحرب.
رفع السيف بصعوبة بعض الشيء ليرفع حاجبه ساخرًا، والتقطت هي نظراته تردد بصوت حانق:
_ لا تنظر لي بهذا الشكل، فهذه أول مرة اتعامل مع هذا النوع من السيوف، أنا بالفعل اقاتل بالسيوف لعلمك، لكنني لا استخدم هذا النوع الكبير، احتاج لفرصة كي اتأقلم معه.
رفع أرسلان سيفه بكل سهولة يحركه أمام عيونها لتحرك مرددًا ببساطة:
_ هذا السيف مخصص للصغار الذين ندربهم هنا.
رمشت سلمى وهي تنظر له ثواني، قبل أن تحرك عيونها صوب السيف لتدرك الان سبب كونه أصغرهم حجًا واقلهم حدة، ابتسمت بسمة واسعة رقيقة ترفع عيونها له بلطف وكأنها قررت فجأة أن تستخدم سلاح آخر ضده، لطفها ورقتها التي لطالما اذابت الرجال.
لكن أرسلان رفع حاجبه بسخرية وقد تشنجت ملامحه يهتف لها:
_ حقًا؟؟
التوى وجه سلمى لتعلو الشراسة ملامحها وارسلان يتابع تحول المرأة في ثانية ليدرك الآن أنها ربما تكون مختلة بالفعل... مثله.
وهذا... أعجبه وبشدة.
_ أول مرة تحملين سيف صحيح؟
نظرت له سلمى بحنق تردد بضيق من نظراته المستفزة تلك:
_ كان من المفترض أن تدرك أن امرأة بمثل رقتي لا قبل لها بمثل تلك الأشياء جلالة الملك.
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا من حنجرته، ثم ردد ببسمة غير مصدقة:
_ امرأة بمثل رقتك؟ يا امرأة لقد ابصرتك بأم عينيّ تضربين رجلًا ضعف حجمك حتى كادت رأسه تنفجر، اقسم أنه كان يمتلك رقة أكثر منك في تلك اللحظة.
رفعت له سلمى عيونها بشر وهي تكره أن يراها خشنة بهذا الشكل وينتزع منها صفاتها التي تميزها كأنثى، هذا وهو ابصرها تضرب رجلًا، حمدًا لله أنه لم يبصر كيف تتعامل مع مرضاها عادة.
_ ما الذي تريد الوصول له أنت؟
نظر لها أرسلان ثواني قبل أن يبتسم لها مشيرًا بعيونه صوب سيفها:
_ احملي سيفك سأعلمك..
نظرت له سلمى بصدمة من جملته، هل أرسلان من ذلك النوع الصبور الذي قد يعلم شخصًا ما
رواية اسد مشكي الفصل التاسع 9 - بقلم رحمه نبيل
تحرك بين ظلمات الليل يلتفت يمينًا ويسارًا، حتى وصل للبوابة الخلفية للقلعة. ابتسم بخبث وهو يفتح البوابة للزائر الذي تقدم بهدوء شديد وبخطوات مهيبة يتشح بالسواد لولا التماع شعاره الذهبي أسفل ضوء المشاعل.
"فقط أحرص على ألا ينتبه لك أحدهم، لقد أمنت لك طريقك حتى غرفته."
اتسعت بسمة أرسلان وهو يبرز سيفه. قد تكبد عناء السفر ليلًا من بلاده لسبز فقط كي يشفي صدره من ذلك الحقير. تعهد للجميع أن يتعامل بكل رقي كملك لمشكى، لكنه لم يذكر شيئًا عن تعامله كأرسلان.
نظر أرسلان خلفه صوب المعتصم الذي كان يضم معطفه البني بجسده يقف جوار الأحصنة. يهتف بصوت خافت:
"ربما يكون أفضل لو جئت معك."
رفع أرسلان حاجبه بشكل لم يظهر واضحًا أمام عيون المعتصم بسبب الظلام.
"وتشاركني متعتي؟؟ أبدًا..."
ختم حديثه، ثم استدار صوب قائد جيوش سبز. يرفع لثامه أعلى وجهه:
"هيا أصلان، قدني صوب مكب النفايات الذي يبيت فيه ذلك الخنزير."
تحرك اصلان وخلفه أرسلان بخفة شديدة يتخذان من الليل ستارًا لهما. وقد ساعد أرسلان معرفة الرجل لكل طرقات المكان وتأمينه لدخوله.
"لا أعلم سبب تكبدك كل ذلك العناء، كان يمكنك ضربه في مملكتك وما جئت هنا خصيصًا لتفعلها."
تنهد أرسلان بصوت مرتفع:
"أنا اهتم بصورتي أمام الجميع، لا أحبذ أن أظهر أمامهم بشكل عنيف."
والجميع هنا كان يقصد به "سلمى" بالطبع.
أضاف وهو يسير بلا اهتمام في الممرات:
"ثم إن فعلتها هناك لكنت وجدت الجميع يحيل بينه وبينه، وأنا لا أود أن يشاركني أحدهم جلستي الودودة مع عزيزي أنمار."
ختم حديثه وهو يقف أمام غرفة ليشير له الرجل بهدوء مرددًا:
"هذه هي، ولا تتأخر كي لا يشعر بنا أحدهم."
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم تحرك يدخل غرفة أنمار. يتحرك بين الظلام بعدما أغلق الباب خلفه، حتى وصل لفراش أنمار. يميل جوار رأسه وعيونه تبرق بغضب. الآن فقط يستطيع أن يخرج ما اعتمر صدره حين أبصره يمسك سلمى من خصرها، وحين سمع كلماته عن معاهدة السلام الحمقاء.
مال يهمس في أذن أنمار:
"مرحبًا أنمار، هل اشتقت للعم أرسلان؟"
فتح أنمار عيونه بتعجب شديد حين سمع ذلك الصوت جواره. وقبل أن يستوعب ما يحدث وجد يد توضع على فمه.
والصوت يهمس به:
"لا تقلق يدي بخفة عقلك..."
***
كانت تتحرك مع كهرمان بين طرقات المكان وهي تبتسم بلطف. تردد بصوت خافت بعض الشيء:
"لا بأس، يمكنني صنع أجمل باقة زهور لأجلك إن أردتِ."
"تستطيعين ذلك؟"
اتسعت بسمة سلمى بفخر كبير وهي تحرك يديها في الهواء بمزاح:
"عزيزتي، أنتِ تتحدثين الآن مع أفضل بائعة زهور في أمريكا الجنوبية بأكملها."
نظرت لها كهرمان ترمش بعدم فهم. لتحرك سلمى يديها بعدم اهتمام:
"لا تهتمي، أستطيع بالطبع تنسيق واحدة لكِ، فقط أرشديني للمناسبة وسوف انتقي لكِ زهورًا تعبر عنها."
ختمت حديثها تنظر صوب تبارك التي كانت هادئة بشكل كبير. لتتحدث بجدية وبسمة مقترحة بلطف عليها:
"وأنتِ تبارك، ألا تريدين أن أصنع لكِ واحدة؟"
نظرت لها تبارك بصدمة من عرضها. وقد خجلت أن تطلب منها الأمر ذاته. ابتسمت بسمة مترددة:
"يمكنك؟"
غمزت لها سلمى تهمس بخبث:
"أصنع لكِ واحدة تهدينها لزوجك إن أردتِ."
ابتسمت تبارك بسمة واسعة تهز رأسها بسعادة كبيرة. وقد توقفت جميعًا أمام القاعة الخاصة بالاجتماعات حيث جئن لمقابلة أرسلان لأجل الحديث معه بأمر يهم سلمى - حسب قولها.
نظرت كهرمان للباب والذي كان مفتوحًا أمامهن تقول بهدوء:
"هيا سلمى، انتهي مما جئتي لأجله لنرحل من هنا ونترك الرجال للعمل."
هزت سلمى رأسها تدفع الباب ببطء، ثم خطت للداخل وهي تردد بهدوء شديد:
"لا تقلقي، فقط أخبر الـ..."
وفجأة توقفت عن الحديث وهي تبصر حربًا مشتعلة أمامها جعلتها تفتح فمها وعيونها ببلاهة كبيرة لا تصدق ما تراه.
بينما كهرمان قلبت عيونها بغيظ مكبوت وهي تهمس بصوت مغتاظ:
"يا الله، ليس مجددًا..."
حدقت تبارك فيما يحدث بقلق وهي تحرك عيونها مع سالار الذي يقف الآن بين أرسلان وإيفان يحيل بينهما كعادته في قتال يكاد الاثنان يقتلان فيه بعضهما البعض.
دفع سالار أرسلان للخلف يصرخ بغضب:
"والله إن لم تتوقفا ليكون قتالكما معي أنا، لقد سئمت من هذا."
دفعه أرسلان جانبًا بغيظ:
"فقط توقف أنت عن الزج بنفسك في نقاشاتنا وسنكون بخير، هل تراني قتلت الرجل؟ حين أفعل تحدث واصرخ."
ختم حديثه يشير صوب إيفان الذي ابتسم بكل برود يستفز كل ذرة من ذرات دماء أرسلان الحارة:
"نعم سالار، اخرج من بيننا ولا تخف، فأقصى ما يستطيع أرسلان فعله هو التهديد فقط."
ابتسم له أرسلان وهو يميل عليه بجسده يهمس باستفزاز وهو يرفع إصبعه في وجهه:
"خسئت مليون مرة أيها الـ... من حسن حظك أنني الآن أحاول تهذيب لساني."
رفع إيفان حاجبه بسخرية:
"أوه، حقًا فعلت؟"
دفع أرسلان سالار جانبًا وهو يردد ببسمة واسعة:
"نعم حقًا فعلت، لكنني لم أهذب قبضتي بعد."
ومن بعد تلك الكلمة كانت يد أرسلان تهبط على وجه إيفان الذي تلقى منه الضربة ليردها في الثانية ذاتها ويشتغل القتال مرة أخرى بينهما. وسالار يحاول حشر جسده بينهما وهو يصرخ بهما:
"يا الله، يا مغيث، هل جننتما؟ توقفا، توقف إيفان، ما بك أنت الآخر؟ تحدثا كالبالغين دون قتال."
تنفست كهرمان بصوت مرتفع وهي تمسح وجهها تحاول أن تهدأ. وجوارها سلمى تراقب ما يحدث بأعين متسعة لا تصدق ما تراه. ملكين يتشاجران مع بعضهما البعض كالصغار. تشنجت ملامحها تهمس بعدم فهم:
"هل هما جادان؟"
نبست كهرمان بسخرية شديدة:
"أوه عزيزتي، عليكِ اعتياد هذا المشهد، فأخي الحبيب يعشق استفزاز زوجي العزيز، وزوجي العزيز لا يتحسن مزاجه إلا بإخراج شياطين أخي الحبيب، وهكذا ندور في دائرة قتال كلما تقابلا، ويضيع بينهما القائد سالار."
تمتمت تبارك بشفقة وخوف على زوجها أن تناله قبضة بالخطأ بين الاثنين:
"زوجي المسكين..."
تساءلت سلمى وهي تراقب ما يحدث:
"هل يجب علينا التدخل؟"
أجابتها كهرمان بجدية:
"حسنًا، في هذه اللحظات لا أفضل ذلك في الواقع، لكن حسنًا، نحتاج لذلك بالفعل."
ختمت حديثها تتحرك صوبهم بهدوء تاركة مسافة مناسبة على بعد كبير منهما. تردد بصوت هادئ رقيق تلعب به على أوتار الاثنين، فإن كان هناك نقطة ضعف مشتركة بينهما فهي كهرمان:
"أخي... إيفان."
توقف الاثنان عن الشجار بسرعة كبيرة ليستدير أرسلان صوب كهرمان يرمقها بتساؤل وعدم فهم وكأنها قاطعت شيئًا هامًا. أما عن كهرمان فقط ابتسمت بسمة صغيرة تردد:
"السلام عليكم أخي، عسى أن يكون يومك جميلًا."
وفي ثوانٍ تلاشت الحدة عن ملامح أرسلان ليتحول فجأة لشخص آخر لم تتعرف عليه سلمى لثوانٍ، شخص حنون بشوش يتحرك صوب كهرمان يردد بنبرة صوت لأول مرة تسمعها منه سلمى:
"جوهرتي الحبيبة، أصبح يومي كذلك حين أبصرتك، هل كل شيء على ما يرام معك؟"
كانت سلمى تتابع ذلك الجانب من أرسلان، تراه ينظر لشقيقته بحنان ولطف شديد ونظرات غريبة على تلك الأعين التي اعتادت النظر بتجبر وسخرية. ابتلعت ريقها وقد أدركت في هذه اللحظة أن نظرتها الأولى به لم تخيب:
"واتضح أن تحليلي لك لم يكن محض تراهات جلالة الملك."
ابتسمت كهرمان لأرسلان تجيبه بهدوء شديد:
"نعتذر عن قطع حديثكم الآن، لكنني جئت لأخذ إذنك لأجل شيء هام."
عقد أرسلان حاجبيه يولي شقيقته كامل الاهتمام في حين أن سالار تنهد بصوت مرتفع يتحرك صوب تبارك يهمس لها بصوت منخفض:
"مرحبًا مهجتي، دعينا نتحرك من هنا قبل أن تشتعل الحرب بينهما من جديد."
نظرت له تبارك وقبل نطق كلمة واحدة امسك سالار يدها مبتسمًا بحنان:
"دعينا نهتم بك وبأدويتك عزيزتي، إذ يبدو أن هراء هذين الاثنين أنساني ذلك، معذرة منكِ تبارك..."
ابتسمت له تبارك ولم تتحدث بكلمة، بل فقط تخلت عن الجميع ولحقت به، فبحضرته تتلاشى جميع الأصوات ويختفي الجميع من حولهم.
كل ذلك وارسلان ينظر للجميع بعدم فهم:
"إذني لماذا كهرمان؟"
نظرت كهرمان صوب سلمى ثوانٍ قبل أن تبتسم بسمة صغيرة وتردد باختصار ما تريد:
"لقد أخبرت سلمى بالأطفال الذين نحتفظ بهم تحت سقف المنزل وهي اقترحت أن تساعدنا في علاجهم لتجاوز صدمتهم، إذ يبدو أن هذا مجال عملها."
صمتت ثوانٍ ثم أكملت بجدية:
"هي تريدك أن ترشدها لما ستفعل وهي ستساعدهم ليتخطوا كل ما حدث، كما أنها أخبرتني أنها تتطوع لمساعدة أيًا كان من يريد مساعدتها، فهل تمد لها يد العون أخي؟"
ارتفعت عيون أرسلان بتفاجئ صوب سلمى التي ابتسمت له بسمة صغيرة هادئة. بسمة لا تدرك تلك المرأة ما فعلت به، فقد شعر فجأة بالامتنان لها لما تبرعت به لأجل شعبه.
وسلمى تلك المسكينة شعرت بالصدمة وهي تبصر نظرة غريبة في أعين أرسلان. هل خبرتها في قراءة الأعين تضاءلت مع مرور الوقت أم أن أرسلان ينظر لها الآن نظرة امتنان وشكر.
ابتسم أرسلان بسمة شاكرة يثبت لها الاحتمال الثاني:
"نعم بالطبع، يمكنني ذلك، شكرًا لما ستفعلينه لأجل شعبي... آنستي."
***
اتسعت أعين نزار بصدمة كبيرة يحاول أن يستوعب ما حدث منذ ثوانٍ. بلل شفتيه وهو يحدق بوجه توبة وقد توقف قلبه عن الدق للحظات بعد كلماتها.
"لقد أخبرني ذلك الرجل أنك أمير؟ أي أمير كان يقصد؟"
نظر نزار أرضًا بأعين متسعة يخشى أن ينظر لها فتكشف لها صدمته ما يخفي. ليس الآن وليس أبدًا، هي دون شيء تحتقره، والآن إن علمت هويته سيزداد احتقارها فوق الاحتقار احتقارًا.
"أنا لا أدري..."
"أنت لم يسبق وأخبرتني اسمك؟ ماذا تسمى؟"
وهذا سؤال أسوأ فإن علمت اسمه ستدرك وبكل سهولة هويته وتربطها بحديث ذلك الغبي زهير. فكم أمير في الممالك يُسمى نزار؟
مسح وجهه وهو يهز رأسه وكأنه يحاول نفي فكرتها عنه، ينفي كل ما تفكر به، ينفي حقيقته التي بدأت تلتمع في عيونها الآن.
"أنا لست أميرًا ولا أدرك ما أخبرك به ذلك الرجل أو سببه، ربما... ربما فقط كان يسخر أو ما شابه."
نظرت له توبة بشك ولا يبدو له أنها اقتنعت بحجته السخيفة، لكن لا يمتلك غيرها ردًا، على الأقل في هذه اللحظة.
فرك أصابعه بهدوء ينهض عن مكانه بتردد وكأنه يرفض الخروج من هنا، مسكنه الدافئ والأمن بعيدًا عن الفتن في الخارج. وكأنه يلزم جانبها خوفًا أن تدركه الفتنة، وكأن الفتنة تخشاها فلا تقترب منه في وجودها. أم هي الفتنة في حد ذاتها؟
تحدث بصوت خافت لا يعلم أوصل لها أم لا:
"سوف أخرج وأتركك ترتاحين."
ابتسمت له توبة بسمة ساخرة تهمس بصوت وصل له وأثبت له أنها بالفعل سمعت كلماته، تنهض عن مكانها تتحرك صوبه تردد بصوت خافت:
"تتهرب؟ أنت جبان لتهرب من مواجهاتك يا سيد..."
استدار لها نزار نصف استدارة يهمس بنبرة تسمعها لأول مرة منه:
"لا أخاف المواجهة، بل أخشى توابعها، لنقل فقط أنني هكذا بخير وهذا أفضل لنا، يمكنك أن تسميني كما تريدين، ناديني بالاسم الذي تريدنه."
وكاد يخرج لولا صوتها الذي خرج شبه متوسل دون شعور وكأنها بدأت تفقد الأمل في التحرر من قيدها:
"ستنفذ وعدك لي؟ ستخرجني من هنا صحيح؟ أنت لم تنس كلماتك لي؟"
استدار لها نزار ببطء وحدق في وجهها طويلًا، ثم ابتسم بسمة صغيرة يتحرك خارج المكان بعد إلقاء كلمات مقتضبة:
"بروحي سمو الأميرة، سأخرجك من هنا ولو فوق جثتي."
هز رأسه لها ينحني نصف انحناءة، يتحرك صوب الخارج تحت عيونها وهي تتابعه بأعين دامعة، قبل أن تحشر جسدها في زاوية المكان تنظر للفراغ أمامها، وقد شعرت بانقباض صدرها وشعور قاتل بالوحدة بعد تركه لها، واتضح في النهاية أنها ودون شعور كانت تأنس بوجوده.
أما عنه فقد خرج يتحرك في المكان دون هداية يشعر بالاختناق، ودون إرادته يعود بعقله صوب نقطة أبى أن يقترب منها منذ ما حدث، نقطة أبى أن يفكر بها كي لا يحترق صدره بمرارة الخسارة.
جلس على أحد الصخور يدفن وجهه بين يديه:
"زهور... الحبيبة التي اختارها من بين كل النساء لتكون زوجته، الحنونة والرقيقة التي أحبها وقدرها، ورغم أن زواجهما لم يكن ناتجًا عن قصة حب ملحمية كوالده أو عمته على سبيل المثال، وقد كان زواجًا شبه تقليديًا، إذ كانت زهور ابنة أحد مستشاري والده الأوفياء الذين راحوا في أحد الحروب واوصاه عليها ليتزوجها هو ويتقرب منها ويسقط في حبها دون شعور منها. كانت برقة الزهور وجمال الحوريات، وهذه أيضًا فقدها."
ما يزال صدى صوتها يهتز داخل أذنه حين جاءت لزيارته ذلك اليوم.
"فقط اخجل من نفسك وحررني فلا طاقة لي لعيش حياة مع رجل مثلك نزار، تحلى ببعض المروءة وحل وثاقي."
كانت تهتف بكلمات كالسيف تحتمي بالقضبان التي تفصل بينهما، بينما هو يجلس في زاوية السجن المظلمة يضم قدميه لصدره شاردًا بعيونه دون أن ينظر لها نصف نظرة حتى.
بكت زهور وقد شعرت بالاختناق وهي تراه على نفس وضعيته:
"أنا... أنا لم أعد أطيق البقاء يومًا واحدًا حاملة اسمك نزار، لذا دعني أذهب بعيدًا عنك، ولا تحملني خزي انتمائي لرجل مثلك."
لم يتحدث نزار بكلمة واحدة، بينما هي مسحت دموعها تردد بقهر:
"إن لم تقبل أن تطلقني بالحسنى، فسوف أطالبك بذلك أمام الجميع، سأطلب من الملك تطليقي منك."
ولم تكد تتحرك حتى سمعت صوته الذي خرج مقهورًا مذبوحًا:
"ألا يمكنك تحمل الاحتفاظ باسمي للمتبقي من حياتي زهور؟ لهذه الدرجة لا تطيقين اسمي؟ بعد كل ما فعلته لكِ طوال هذه الفترة؟ لقد منحتك روحي زهور."
اختنق في نهاية جملته وكأن غصته اكتفت من كتمانها، ابتلع ريقه يقاوم البكاء بصعوبة.
نظرت له زهور دقائق طويلة دون رد واخيرًا رمت بكلماتها الأخيرة:
"سأنتظر أن تطلقني أو أسمعها منك في المحاكمة وأمام الجميع، وداعًا يا زوجي العزيز..."
انتفض جسد نزار من ذكرياته على يد وضعت على كتفه. نظر جواره بسرعة يبحث بعيون ضبابية عن صاحب اليد ليتفاجئ بالوليد الذي هتف دون فهم:
"ما بك يا أخي؟ تبدو شاحبًا."
مسح نزار وجهه بهدوء يحاول التحدث بصوت طبيعي:
"أنا... أنا بخير..."
هز الوليد رأسه، ثم أشار له يقول:
"هيا لقد دعانا أنمار لاجتماع عاجل، وأنت معنا."
نظر له نزار بشك ليجذبه الوليد معه. وداخل عقل نزار تدور الطواحين. هل قرر أنمار الثقة به بهذه السرعة؟ أم أنه أراد أن يقذف به بين لعبتهم القذرة؟
***
كان من المفترض أن يحضرها للمكان ويتحرك بعيدًا عن أيادي فتنتها، لكن الأوان فاته واحكمت فتنتها القبض عليه دون منحه حتى رفاهية الهرب.
يقف بعيدًا يراقبها وهي تجمع حولها الأطفال تلاطفهم ببعض الكلمات وتستغل قردها أسوأ استغلال لتكسب ود الصغار.
ابتسم وهو يراقبها ترفع قردها أمامهم تردد ببهجة وحماس شديد:
"يمكنه الرقص أيضًا، هيا انظروا."
وضعت موزي أرضًا وهي تراقبه بحماس مع الصغار الذين حركوا عيونهم عليه. لتلتوي ملامح موزي بحنق وكأنه لا يحبذ الجمهور العريض، يرفض أن يتحرك أمامهم حركة واحدة حتى. حتى أنه جلس أرضًا يضم قدميه لصدره معترضًا أن يلعب دور المهرج في هذه اللعبة.
ارتفعت أعين الصغار لسلمى التي ابتسمت بحرج مما يحدث. وقد أخجلها هذا القرد أمام الجميع. جذبته من ثيابه بغضب ترفعه صوبها وهي تنظر له بضيق:
"ألم نتفق على مساعدتي في كسب ود الصغار موزي مقابل فاكهة تكفيك لضرب جميع من بالقصر وخاصة صاحب الشعر الأسود والنظرات المخيفة؟"
نعم كانت تلك علامات مميزة يميزها موزي على أرسلان سريعًا، لكن إن كانت تنتظر أن يفهم حديثها ويخبرها سمعًا وطاعة فقد نست سلمى أنها تحدث قردًا لا يفقه مما تفعل شيئًا.
تنهدت سلمى وهي تجلس أرضًا تضم قدميها لجسدها، تشير للأطفال أن يلتفوا حولها في دائرة. وقد فعلوا سريعًا لتبتسم لهم تشير أن يضموا عليها أكثر وأكثر، حتى أضحت الدائرة أصغر. تبتسم بسعادة وقد اقتربت منها فتاة صغيرة تضع رأسها على قدم سلمى. لتردد الأخيرة بعد تنهيدة صغيرة:
"ما رأيكم بلعب لعبة جميلة؟"
نظر لها الجميع بحماس لتقترب سلمى بوجهها من الجميع تهمس بصوت شبه مسموع:
"كل واحد منا يذكر لنا أجمل ذكرى عاشها في حياته وأكثر شيء أحبه. وفي النهاية نكتب كل تلك الذكريات في ورق صغيرة ونسحب كل يوم ورقة بذكرى مختلفة ننفذها جميعًا لنعيد إحياء ذكرياتنا."
ويبدو أن تلك الكلمات كانت أكبر من إدراك الصغار. لتحرك هي رأسها تتحرك من مكانها تحضر الأوراق والحبر الملون الذي أحضرتهم معها تعود صوب الدائرة تهتف بحماس:
"حسنًا، امنحوني اهتمامًا يا سادة..."
كانت مندمجة فيما تفعل بينما أرسلان يراقبها عن بعد يضم ذراعيه لصدره. وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه دون شعور، وضربات قلبه تتسارع وهو يراقبها تبتسم لهذا وتتحدث لذاك. نظراتها الملتمعة وصوتها المغرد، وخصلات شعرها التي تناثرت بعدما سقطت القلنسوة دون شعور... و...
عند هذه النقطة استوعب أرسلان فجأة سقوط غطاء رأسها. لينتفض جسده بعيدًا عن الشجرة يستدير بسرعة كبيرة وبوجه شاحب. يضع يده على صدره يغمض عيونه يركض من المكان مدركًا فداحة ما فعل. يا الله عليه الانتهاء من كل هذا.
بمجرد أن خرج من المكان نادى بصوت صاخب للجنود حوله وقد بدأ يشمر أكمامه يبعد خصلاته عن عيونه مرددًا بوجه غير مفسر:
"أحضروا لي المعتصم... سريعًا..."
***
"أنا لا أفهم فاطمة، ما الذي تريدين مني فعله؟ تحدثي ببطء رجاءً."
رفعت فاطمة عيونها له وهي تنظر حولها بتوتر. فقد وبختها والدتها بما فيه الكفاية مساء الأمس بعدما أخبرتها ما تفعل هنا. حذرتها ألا تتعامل مع الغرباء وخاصة الرجال منهم. لكن هذا... المعتصم صحيح؟
المعتصم لن يتسبب لها بمصائب.
ابتلعت ريقها تفرك يديها وهي تردد بصوت منخفض خجل مما تطلبه منه:
"أنا فقط أريد العودة للمنزل رجاءً، أمي... هي مريضة وتريدني أن أعود لها مبكرًا ورئيسة العمل ترفض ذهابي مبكرًا... أنت أخبرتني أنك القائد هنا صحيح؟"
نظر لها المعتصم يهز رأسه دون وعي لتبتسم له بلطف شديد:
"إذن هل يمكنني الرحيل رجاءً، سأعوض هذا اليوم لاحقًا أقسم لك."
أجابها المعتصم بعدم فهم لما يحدث حوله:
"ماذا؟ لا... أقصد فاطمة، أنا لست... هذا ليس تخصصي هنا ولا أعلم إن كان يمكنني ذلك أو..."
"هل تكذب أيها المعتصم؟"
اتسعت أعين المعتصم بقوة من كلمتها التي نطقت بها دون اهتمام بمكانته حتى في المكان. نظر حوله يتأكد أن لا أحد سمعها.
"ماذا؟! يا فتاة هذا ليس جيدًا البتة، ما تقولينه هذا غير مقبول."
التوى ثغر فاطمة بغضب وقد اعتقدت للحظة أنه استغل جهلها وخدعها كما تحذرها والدتها طوال الوقت من الغرباء أنهم يستغلون سذاجتها.
"هل تحاول استغلال سذاجتي أيها المعتصم؟"
فتح المعتصم فمه بصدمة كبيرة يحاول أن يدرك ما تقول. الفتاة تحدثه بكل بساطة و... صمتت أفكاره حين أبصر دموعها تهبط على وجنتيها ليفزع مما يحدث. ما الذي فعله الآن؟
"فاطمة ما الذي... ما الذي حدث لتبكي؟ توقفي رجاءً، سوف اتحدث مع رئيسة العاملات هنا، أقسم أنني سأخبرها بحاجتك للرحيل مبكرًا، اذهبي الآن إن أردتي ولا تهتمي."
همست فاطمة بصوت منخفض وهي تخبره بنبرة مذبوحة:
"أمي مريضة للغاية أخشى أن تتركني وترحل، لقد... لقد كنت أسمع صوت سعالها طوال الليل وصوت تأوهات متوجعة."
انقبض صدر المعتصم وهو يبصر البؤس يسطر خطوطه على ملامحها. تنهد بصوت مرتفع يفكر في شأن هذه الفتاة. أفكارها وكلماتها وردود أفعالها، ليست طبيعية. يشعر أنها تعاني صعوبة في التعامل بشكل طبيعي مع المحيطين بها، فعداه والسيدة ألطاف وبعض القطط، لم يبصرها تقترب من شخص في محيطها أو تحاول حتى التحدث مع أحدهم. وهذا يزعجه ويخيفه ولا يدري السبب، أو حتى يهتم له. كل ما يهتم به هو أن هذه الفتاة تحتاجه وهو يحتاج للشعور بها آمنة كي يستطيع النوم ليلًا دون شعور خانق.
"لا تخافي فاطمة سوف... سوف تكون بخير إن شاء الله، إن أردتي أستطيع إحضار طبيب لها إلى المنزل ويعالجها."
رفعت فاطمة عيونها الملتمعة بالدموع له، تنظر له أكثر نظرات العالم صفاءً ورقة:
"حقًا ما تتحدث به؟ ستفعل لأجلي؟"
وكان سؤالًا وجملة عادية من فاطمة، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له إذ ردد بصوت منخفض خافت أبى أن يخرج منه وهو يبعد عيونه عنها يشغل عقله بشيء آخر حوله عداها:
"نعم سأفعل..."
واختنقت كلمة "لأجلك" داخل حلقه، لم يستطع أن يخرجها لشعور قاتل بأنه الآن يخطئ وبشدة. لا يستطيع أن يقف هكذا بكل بساطة مع فتاة لا رابط بينهما بأي شكل ويتحدث بكل أريحية. هذه الفتاة ودون قصد منها أو حتى شعور بالأمر تجبره على تخطي حدود وضعها منذ سنوات لنفسه.
سخر منه عقله في هذه اللحظة وكأنه يخبره: الآن تتذكر حدودك؟ وأين كانت تلك الحدود وأنت تعدها راكعًا أمامها البارحة أن تكون حارسها؟ منافق.
ابتلع ريقه، وقد ارتجف بدنه لما يدور داخل عقله وتجهله فاطمة. رفع عيونه لها يردد بصوت منخفض:
"سوف أفعل لا تقلقي سأتحدث مع طبيب القصر ليذهب بنفسه ويتفقد والدتك و..."
صمت وتردد فيما يريد قوله:
"هل يمكنني قول شيء دون أن تحزني فاطمة؟"
ها نحن ذا بدأنا. تخشى حتى أن تحزنها. الأمر يتطور بشكل مرعب. ربما السبب أنني يومًا لم أقترب بهذا القدر من امرأة. ربما لشعوري الكبير بالمسؤولية تجاهها؟
هزت فاطمة رأسها تنتظر حديثه:
"نعم بالطبع، تفضل."
"حينما تحتاجين مساعدتي في شيء ما، لا تأتيني إلى ساحة الرجال فهذا ممنوع، و... لا... لا يمكنك..."
نسي ما كان سيقوله وهو يرى نظراتها البريئة أمامه. يا الله الفتاة تكاد تصيبه بالجنون. لا يستطيع أن يخبرها ما يفكر به، لا يستطيع أن يأمرها ألا تتباسط معه أو سواه في الحديث.
تنهد بصوت مرتفع يهمس بصوت شبه مسموع لها:
"أنسي الأمر رجاءً، فقط عامليني بشكل رسمي حين رغبتك في طلب أي مساعدة، لا تتباسطي معي في الحديث بهذا الشكل ولا تتحدثي بهذه الـرقيقة..."
لكن لن يفعل وينطقها.
"بهذه الطريقة مع شخص غريب، وأخيرًا لا تبتسمي هذه اللطيفة لكل من تريه، ضعي حدود بينك وبين الجميع."
وجاءه الرد قاتلًا منها وهي تهمس بكل تلقائية منها:
"لكنك لست كالجميع..."
أعطاها المعتصم ظهره وهو يمسح وجهه بقوة شديدة وقد بدأت تمتمات الاستغفار تعلو بشكل ملحوظ.
"استغفرك ربي وأتوب إليك، استغفرك ربي وأتوب إليك..."
أشار لها دون الاستدارة صوبها:
"ارحلي رجاءً فاطمة، ارحلي وأنا سأخبر رئيسة العمل بما تريدينه، فقط رجاءً ارحلي عن هنا."
ابتسمت له فاطمة تردد بكل امتنان:
"شكرًا لك يا المعتصم، أنت ذو مروءة ورجل صالح."
ختمت حديثها ترحل تاركة المعتصم يحاول تجميع شتاته الذي تبعثر وتفرق بعدما أصابته ضربة من كلماتها. أخذ يتحرك في المكان بملامح واجمة وكأن أحدهم وجه له سهمًا منذ قليل وليس مجرد كلمات شكر وامتنان من فتاة.
كان يتمتم بالاستغفار وكلمات عصبية وبصوت مرتفع:
"رحمتك يا الله، ما الذي يحدث في هذا المكان؟"
"معتصم ما الذي تفعله هنا؟ الملك كان يبحث عنك منذ دقائق بشكل محموم و..."
وقبل إكمال كلماته وجد زيان أن المعتصم تحرك صوبه يجذبه من ثيابه بشكل خطر وكأنه للتو سبه أو طعنه.
"ماذا أخبرتك أنا زيان؟ أدعى المعتصم وليس معتصم، هذا معتصم شخص آخر وليس أنا، حسنًا؟"
هز زيان رأسه بعدم فهم:
"أنت يا رجل مريض نفسي..."
تركه المعتصم وهو يحرك يده في الهواء بضيق:
"وهل من يعيش معكم في هذا القصر يبقى بعقله ها!!"
"ما بكم يا رجال منذ الصباح تصيحون وتصرخ كالمجانين، هل هذه عدوى واصابت جميع الرجال هنا؟"
فجأة نفض المعتصم عنه يصرخ بنبرة متشككة:
"ابتعد عني لا ينقصني أن أصاب بجنونكم..."
"جنوننا؟ من تقصد؟"
رتب زيان ثيابه، ثم عدل خصلاته يردد بنبرة عادية:
"الملك منذ الصباح يتحرك في القصر ويصرخ في الجميع مع ملامح وجه غير مفسرة..."
صمت ينظر صوب المعتصم ثم أكمل:
"تمامًا مثلك."
اتسعت عيون المعتصم وهو يترك زيان ويهرول سريعًا صوب أرسلان يبحث عنه مرتعبًا أن يكون انشغاله تسبب في حدوث كارثة أو هناك ما فاته.
شعور قوي بالذنب أن يكون هناك ما أصاب أرسلان وهو لم يكن جواره، كان يهرول في الممرات وهو لا يرى حوله حتى وصل واخيرًا صوب القاعة ليفتح الباب بسرعة كبيرة مرددًا:
"مولاي..."
رفع أرسلان عيونه صوب المعتصم بتعجب من حالته، يشير له بهدوء عكس ما وصف زيان:
"اقترب يا المعتصم، أين كنت منذ الصباح؟"
تحرك المعتصم صوبه وهو يبتلع ريقه:
"كنت في الساحة الخلفية أطمئن عن سير الأمور، و... هناك دفعة جديدة من الرجال انضموا لنا مولاي، و... مولاي هل كل شيء على ما يرام؟"
نظر له أرسلان ثوانٍ قبل أن يهمس بصوت خافت:
"لا أدري، فقط أشعر بكل شيء يتحرك من حولي دون قدرة مني على إيقافه أو التحكم به، أنا فقط..."
صمت ثم أشار على خطاب يقبع أمامه يردد بصوت غامض:
"وصلني خطاب من سبز للتو."
اتسعت أعين المعتصم يقترب وبسرعة من مقعد أرسلان يجلس جواره بهدوء شديد ينتظر أن يصرح أرسلان بما يدور في عقله.
"يبدو أن سبز في طريقها للانهيار، ستلحق بمشكى، لكن هذه المرة على يد أهلها، أنمار بدأ يقود البلاد للحضيض وأشك في نشوب حرب داخلية وشيكة بينه هو وأتباعه وبين جيش سبز والملك بارق، لقد أرسل لي قائد الجيش يطلب مساندة مني في حربه ضد أنمار ورجاله ذاكرًا أن هناك العديد من الرجال الذين لا يعلم عنهم شيئًا بدأوا يظهرون على الساحة، أنمار يخطط لشيء لن يسر أحد."
اتسعت أعين المعتصم ينتظر أن يكمل أرسلان الحديث وقد كان، إذ لمعت عيونه بشراسة:
"بلاد الملك بارق لن تسقط بهذه الطريقة، ليس وأنا حي على الأقل."
"ما الذي يمكننا فعله مولاي؟ هل نرسل جيوشًا لهم؟"
ابتسم أرسلان بسمة غير مفسرة وهو يعود بظهره للخلف:
"لا يمكننا وحسب القوانين أن نتدخل في سياسات الممالك الداخلية يا المعتصم، لكن... هذا في العلن فقط، لم يذكر أحدهم شيئًا عن فعلها في الخفاء يا بني، فهمتني؟"
بدأ المعتصم يدرك ما يفكر به أرسلان، لكنه أراد أن يتأكد من كل شيء ليطلب بهدوء واحترام:
"هل تفسر لي أكثر مولاي؟"
هز له أرسلان رأسه ثم أمره بهدوء:
"فقط أرسل للجميع كي أخبركم مرة واحدة ما أفكر به، احضرهم فرأيهم سيفيدني أكثر وأكثر..."
***
انتهت مما تفعل وتحركت لتقف أمام المرآة تراقب خصلات شعرها والتي مشطتها للتو، تتنهد بصوت مرتفع وهي تبحث يمينًا ويسارًا عن موزي، فمنذ تركت الصغار وعادت لتأخذ قسطًا من الراحة وهي لا تجده في المكان.
"فقط أتمنى ألا يكون الآن يدمر في غرفة الملك كي لا تكون نهايتي ونهايته."
أمسكت معطف أرسلان كي ترتديه بكل تلقائية، لكن فجأة توقف يدها تتأمل في المعطف ثوانٍ، رفعت عيونها تتحرك صوب الخزانة التي تمتلكها تفتح لتجد عدد من معاكفه الشخصية التي أعطاها لها أو... حسنًا ألقاها في وجهها مكرهًا، ابتسمت بسمة واسعة وهي تردد بنبرة خافتة ساخرة مما يحدث معها:
"أوليس هذا أكثر شيء رومانسي؟"
صمتت ثم ضحكت بسخرية أكبر وهي ترتدي المعطف تردد بلغتها الأم وبلهجة برتغالية ممتازة:
"رومانسي وأرسلان لا يلتقيان، سأموت قبل أن أرى هذا الرجل يتصرف برومانسية."
وضعت القلنسوة أعلى رأسها تتحرك في ممرات القصر ترحب بهذا وذاك، وكالعادة لا هذا يرفع عيونه بها، ولا ذاك يهتم بمرورها من الأساس. وإن سألتموها عن رأيها، ستخبركم أنها تحب هذا، أن تشعر بالراحة في الحركة دون نظرات جانبية أو صريحة من بعض الوقحين، هي حياة مثالية تتمناها جميع النساء.
وصلت أخيرًا للمكان حيث ستقضي المتبقي من يومها كما نصحتها كهرمان إن أرادت المعرفة أكثر عن عالمهم وكل ما يخصه.
"هذه إذن مكتبة مشكى، تبدو لي... مبهرة."
دخلت المكتبة وهي تدور بعيونها في المكان بحماس شديد وعيون ملتمعة، ولم تنتبه أنها في هذه اللحظة لم تكن وحيدة في المكتبة.
إذ سمعت صوتًا فجأة يصدح بالمكان بشكل جعلها تنتفض:
"مرحبًا، أنتِ المرأة التي أحضرها الملك من العالم الآخر؟"
نظرت سلمى صوب الصوت الصادر من أحد أركان المكتبة لتبصر امرأة جميلة الملامح مبتسمة الوجه تراقبها بفضول شديد. هزت سلمى رأسها بنعم وهي ترحب بها بلطف شديد:
"نعم، مرحبًا بكِ أيضًا..."
اقتربت منها الفتاة ببسمة واسعة وفضول يلتمع في حدقتيها:
"تبدين جميلة للغاية، لا عجب أن الملك أرادك لنفسه، فهو لطالما كان محاطًا بالفاتنات ولم أظن يومًا أن يختار زوجة أقل فتنة منهن."
رفعت سلمى حاجبه تردد بسخرية:
"محاط بالفاتنات؟ بل العجب عزيزتي أن هؤلاء الفاتنات لم يهربن منه."
ختمت حديثها وهي تبتعد عن تلك الفتاة المريبة التي تتحدث بكلمات غريبة كونه أول حديث لها معها، بينما الأخيرة فقط تراقب ظهر سلمى بصمت ونظرات مريبة، ثم تحركت بعيدًا صوب باب المكتبة وهي تقول:
"اعذريني، سوف أرحل لأكمل عملي، جولة ممتعة في المكتبة."
ختمت حديثها تخرج من المكان وهي تغلق الباب خلفها بهدوء شديد لم تشعر به سلمى التي اتسعت عيونها بانبهار مما ترى، ولم تدرك حتى أنها في هذه اللحظة أصبحت مسجونة داخل مكتبة مشكى التي تقع في أقاصي القصر حيث لا يطأ أحد هذا الجزء سوى القليل.
***
"ما الذي تقصدونه؟ تريدون صنع سم للأسلحة؟"
ابتسم أنمار بملامح محطمة منذ ليلة الأمس وقد توعد للفاعل، يراقب ملامح نزار بدقة وكأنه يود النفاذ داخله ليكتشف ما يفكر به هذا الرجل وإن كان عليه الثقة به أم لا. بينما نزار ما يزال يردد بصدمة مما سمع:
"سهام مسممة وسيوف مسممة؟ أي عقل شيطاني خرج بهذا؟"
ابتسم أنمار يهتف بسخرية:
"رجاءً، لا تخجلني."
نهض نزار ينظر حوله للجميع، ثم قال بهدوء:
"هذه جريمة بكل المقاييس، وأنا لا أستخدم علمي في أذية الغير أبدًا."
أطلق أنمار صوتًا ساخرًا وهو يراقب حركات جسد نزار، ثم نظر صوب الوليد والذي يبدو أنه لم يكن راضيًا عما يحدث في المكان.
"هل أخطأت وأحضرت لنا شيخًا يا الوليد أم أن رفيقك تناسى ما فعل؟ هل نسيت ما فعلت يا نزار؟ أنت ساهمت في قتل مئات بل آلاف البشر فقط لأجل أطماعك الشخصية عزيزي..."
وكأن نزار بالفعل نسي ما فعل أو حاول تناسيه، ابتلع ريقه وقد بدأ عقله يدور في دوائر مفرغة، لا يقبل أن يعود لتلك النقطة مجددًا هو سبق وخرج بصعوبة من بئر المعاصي هذا، ولن يعود له.
"إذن ما ردك؟"
نظر له نزار لحظات طويلة دون رد من طرفه حتى كاد أنمار يفقد الأمل في أن يتحدث، ففتح فمه هو ليضيف:
"وجودك بيننا ل..."
لكن كلمات نزار قاطعته سريعًا وهو يتحدث بجدية:
"ما الذي سأناله في المقابل؟"
ابتسم له أنمار بسمة جعلت ملامح نزار تنكمش بضيق شديد، ينفر من نظراته السوداء وتعابير الشر التي تسكن وجهه:
"وما الذي تريده وترغبه أنت؟"
رمقه نزار لوقت طويل يفكر في أشياء كثيرة ومطالب أكثر مما قد يتوقع أنمار على رأسهم حريته وحرية زوجته ونسيانها بالكامل.
لكنه تمهل في إعلان مطالبه يردد بجدية:
"دعني أفكر ومن ثم آتيك بما أريد، وحتى ذلك الحين لا أريد أن أبصر أحدكم."
ختم حديثه يرحل من المكان تحت نظرات الجميع من حديثه مع أنمار ومعهم بهذه الطريقة ليس وكأنه يملكهم. أما عن أنمار فابتسم بسمة واسعة بسخرية شديدة:
"يبدو أن سمو الأمير غفل عن أن تاج الملك سقط عن رأسه منذ أشهر وأن عباءة الملك قد ضاقت عليه، ما يزال يأمر وينهي وكأنه في قصره، لكن لا بأس سنكمل الطريق معه ونرى نهاية ذلك الطريق... سمو الأمير نزار."
***
"أنا لا أريد المغامرة بهذا الشكل أرسلان، فقط دعنا نتريث ونفكر في الأمر بشكل صحيح."
حرك أرسلان عيونه صوب صوت العقل الوحيد في هذه الجلسة، يقلب عيونه بملل شديد، ثم أخرج زفرة مرتفعة من صدره ومن بعدها تحدث بكل هدوء وبملامح تخبرك أنه على وشك التحدث بشيء هام:
"إيفان، أنت أكثر إنسان متعقل ومتريث وممل بهذه الحياة، أنصحك بخوض حرب لربما تعيد الشغف والحماس بحياتك، إن أردت أنا متفرغ هذه الأيام."
رفع إيفان حاجبه يردد بسخرية:
"أشكرك، فأنا عندما أريد إدخال الحماس على حياتي بالطبع لن أستعين بك."
ابتسم له أرسلان وفتح فمه ليتحدث لولا صوت سالار الذي تدارك ما كان على وشك الحدوث:
"دعونا نتنفس ونفكر بهدوء قبل صدور أي قرار أو نشوب أي شجار..."
نظر صوب إيفان يهتف بجدية:
"أنا أوافق أرسلان القرار."
ابتسم أرسلان يعود بظهره للخلف وهناك لمحة تشفي ارتسمت على وجهه، ليكمل سالار وبكل هدوء:
"لكن بالطبع ليس الخطة، خطته تحتاج بعض اللمسات والتعديلات لتتلائم مع البشر العاديين وليس الوحوش أمثاله."
أطلق أرسلان صرخة حانقة، ثم ضرب الطاولة:
"خسئت أنت وأشباهك الأربعين سالار، أتعيب بي وبخططي؟ خسئت مليون مرة."
نظر له سالار يهز كتفه بهدوء:
"لنتحدث بجدية عزيزي، مثل هذه الخطط لا تلائم إلا المتحولين أمثالك، نحتاج لخطة تتلائم مع البشر العاديين."
ابتسم أرسلان وقد بدأ يهدأ يردد بجدية ومزاح:
"لا أعتقد أن ما يلائمني يلائم غيري من عامة الشعب والبشر العاديين أمثالك، فمنذ متى وكان لي شبيه سالار؟"
تمام سالار بضيق:
"هذا من حسن حظنا، وليرحمنا الله من سلالتك ومن يخلفك."
"لقد سمعتك..."
"وهل تظنني خائفًا لذلك؟ اسمع ما تشاء لا يهمني."
تنفس أزار بصوت مرتفع وقد صمت بما فيه الكفاية:
"ألن ننتهي من هذا؟ دعونا ننتهي رجاءً مما يحدث هنا لنتناول الغداء فأنا قد فاتني الفطور."
تحدث أرسلان بجدية وقد سئم كل ذلك:
"حسنًا يا سيد سالار جوبان، أنبئني بما تفكر به وأبهرني."
ابتسم له سالار وهو يشمر أكمامه ثم نهض يسحب الخارطة يفتحها أمام الجميع وهو يميل عليها مرددًا بصوت شبه مسموع:
"هذا أسهل ما يمكنني فعله عزيزي، أن أبهر الجميع هو شيء اعتدت فعله طوال عمري..."
ابتسم له أرسلان بسخرية وهو يخلع معطفه يكتفي بثيابه العادية يميل على الطاولة يسحب طرف الخارطة له:
"وتقولون عني متكبر؟"
نظر له سالار بخبث قبل أن يهمس وهو يضع يده على نقطة انتبه لها الجميع:
"إذن ما رأيك بــــ..."
نظر أرسلان حيث يشير سالار، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة يهمس بنبرة غامضة بعض الشيء:
"يمكنني الاعتراف وبشكل مبدئي مؤقت، أنك يا رجل رائع..."
***
"هل وجدتيها؟"
"لا، لا أعلم أين هي."
صمتت كهرمان وهي تفكر في شيء قبل أن تتحدث بما يدور في ذهنها:
"هل تعتقدين أنها ذهبت لأخي؟"
هزت تبارك كتفها بعدم فهم، ثم تحركت تجلس على الفراش الخاص بها تتنهد بتعب وقد نسيت أخذ الدواء الخاص بها منذ جاءت تقريبًا وقد انشغلت بالتعرف على محيطها. ولولا سالار ما كانت أخذته البتة.
"لا تقلقي، لا أعتقد أنها تفعل شيئًا يستدعي كل هذا القلق، لربما ذهبت تسير مع قردها بعض الوقت أو ما شابه."
فركت كهرمان وجهها ثم تحدثت بتوتر:
"لا أعلم، ما يقلقني هو عدم وجودها بأي مكان قد تكون به و... أخشى أن تكون قد سقطت في مشكلة ولا أحد معها يساعدها خاصة أنها أخبرتني أنها ستأتي للجلوس معنا قبل موعد الغداء."
بدأ القلق يتسرب لصدر تبارك:
"إذن ماذا نفعل؟"
"لا أدري، نذهب للبحث عنها، لربما عادت لغرفتها أو غيره، فقط تحركي معي لنرى أين هي..."
وعلى بعد كبير منهما كانت الأخيرة تقف خلف الباب تطرقه بعنف صارخة تحاول الخروج، لكن لا شيء. لا أحد يسمعها، ولا أحد يجيب.
"أخرجوني من هنا، هل هناك من يسمعني؟"
بدأ صبرها ينفذ، منذ عشر دقائق وهي تستغيث ولا من مجيب.
زفرت بصوت مرتفع:
"جيد، نهاية مأساوية لحياة مملة كحياتي."
انهار جسدها أرضًا تستند على الباب وهي تتنفس بصوت مرتفع تحاول تهدئة نفسها ببعض الكلمات التي ربما تخفف من وطأة ما حدث عليها حتى يفتقدها أحدهم ويبحث عنها، أو ربما يأتي أحدهم للمكتبة صدفة رغم شكها في هذا فالمكان هنا يبدو أن لا أحد يطأ له في العادة.
"يبدو أن سكان هذا القصر لا يحبون القراءة."
دفنت وجهها بين قدميها وهي تفكر في طريقة للخروج والنجاة لتسقط دون شعور في نيمة عميقة، مع أحلام غريبة.
***
"يبدو هذا جيدًا لي، أنا أوافق على ما قيل."
كانت هذه كلمات آزار فابتسم إيفان يوافقه الرأي ويؤيده:
"نفس الرأي هنا، أنا أوافق هذه الخطة."
ابتسم سالار لأرسلان الذي لم يمرر ما يفعلونه دون وضع لمساته الشخصية. وحينما انتهى الجميع نظر لهم أرسلان يردد أخيرًا براحة مؤقتة حتى ينتهي من كل ذلك:
"إذن هل نتحرك لتناول الطعام قبل أن ينفجر الملك آزار في الجميع؟"
ابتسم سالار:
"كل شيء لأجل الملك آزار، كلنا طوع أوامره هنا..."
ابتسم له آزار وقد غمر الدفء صدره من كلمات سالار. والذي كلما شعر أنه سيغوص في أفكار سوداء بخصوص ولده أو ذكريات سيئة وجد سالار يلقي له بطوق نجاة كي يتمسك به ويخرج من بحار الذكريات هذه.
"لا حرمني الله من يا بني."
راقبهم أرسلان ببسمة يدعو لهما بالسعادة رغم وجود جزء صغير داخل صدره به غصة. هو يومًا لم يجرب كل تلك المشاعر. والده لم يكن من ذلك النوع الذي يحب الاحتضان أو التربيت بحنان. هو كان من النوع الذي يبتسم فقط حينما يراك تحمل سيفًا بشكل صحيح، أو تقتل قذرًا بطريقة صحيحة. وهو لا يقنط ولا يبتأس. هو يحمد الله على ما وصل له بسبب تنشئة والده له، ويحمد الله على أن نشأ في كنف والدته ومعه صغيرته. رغم أن المسؤوليات التي تركها له والده لم تعطيه الفرصة كي يتمتع بكل ذلك، لكنه رغم ذلك لا يسعه سوى أن ينبث بالحمد ويرضى بكل ما كتبه الله له.
أفاق من أفكاره على صوت إيفان الذي قال بهدوء:
"إذن بما أننا انتهينا من كل هذا فسوف نرحل."
انكمشت ملامح أرسلان بقوة وقد شعر بالضيق من هذه الفكرة:
"ماذا؟ مبكرًا هكذا؟"
"أي مبكرًا هذه أرسلان، نحن هنا منذ أيام تاركين المملكة في يد دانيار والذي أكاد أجزم أنه يقضي نصف يومه ملتصقًا بشقيقتي أينما سارت."
ختم حديثه بنبرة حانقة غاضبة وكأن ذلك الأمر يثير سخطه. ابتسم له أرسلان يردد بنبرة ساخرة:
"مزعج ها؟"
نظر له إيفان بتساؤل ليحرك له أرسلان حاجبه:
"ذلك الشعور مزعج للغاية، أن يأتي شخص مثلك ويتبجح ويختطف منك أميرتك ويحتفظ بها جواره طوال الوقت حارمًا إياك من رؤيتها فقط بحجة أنه زوجها، فما بالك لو كان هذا الزوج بعيدًا عن عيونك كما أنت أيها السارق."
ختم حديثه يلقي كلمته في وجه إيفان بضيق وغضب. ومازالت نفسه لم تتقبل بعد أن إيفان سلبه شقيقته. لا يزال يتذكر انقباضة صدره واختناقه يوم زفها له. يا الله عسى ألا يحيا ذلك الشعور مجددًا.
"أنت محظوظ بما يكفي لأن الله كفاك شر شقيق مهووس بشقيقته، هذا حقًا مقيت."
ابتسم أرسلان وهو يرفع عيونه في وجه إيفان يردد بجدية وهو يميل عليه:
"وهل ظننت أنني سأكون بحكمتك في التعامل مع شقيق زوجتي إن كان لها شقيق مثلي أو مثلك؟ حين تصبح امرأتي على اسمي حينها لا حق لأي إنسان على هذه الأرض فيها سواي، ستكون ملكية حصرية لي."
رمقه إيفان يردد بصوت خافت متحديًا:
"يبدو هذا خيارًا جيدًا لي أيضًا، يمكنني فعل هذا مع زوجتي الحبيبة."
"حسنًا، من سوء حظك أنني شقيقها، لذا ما ستفعله لن ينطبق عليّ."
كاد إيفان ينجرف معه في نقاش حاد، لولا ارتفاع صوت سالار الذي نطق بجملة محذرة وكأنه يتعامل مع أطفال:
"هل أنتما على وشك التشاجر الآن؟"
ابتسم إيفان يبتعد عن أرسلان يردد بود وهو يربت على كتف أرسلان:
"نتشاجر؟ نحن؟ أبدًا، صحيح آرس؟"
هز أرسلان رأسه بموافقة فهو لا قبل له في هذه اللحظة بسماع خطبة طويلة من سالار ومناقشته وعناده. ربما بوقت لاحق يفعل، لكن الآن رأسه يؤلمه لذا اختصر كل ذلك يربت على كتف إيفان بالمثل:
"صحيح يا إيڤان."
رفع ستلتر حاجبه بسخرية ثم همس:
"ما نطقتما به منذ ثوانٍ أكبر دليل أنكما كنتما على وشك التشاجر، ممثلان فاشلان."
في تلك اللحظة وقبل أن ينطق أحدهما بكلمة يبرر بها ما يحدث سمع الجميع صوت أحد الحراس يدخل المكان بهدوء شديد وهو يردد:
"اعتذر عن المقاطعة، ولكن الملكة كهرمان تطلب الدخول رفقة زوجة القائد."
اعتدل سالار في جلسته حين سمع عن مجيء زوجته يراقب الباب بهدوء ولهفة شديدة، بينما أرسلان أعطاه الإذن لدخولهم. وبمجرد أن ولجت كهرمان هزت رأسها بتحية صامتة تحدث الجميع من وراء غطاء الوجه الخاص بها:
"اعتذر للمقاطعة، لكن الأمر هام، نحن نبحث عن سلمى منذ ساعات وحتى الآن لم نبصر لها أثر."
انتفض جسد أرسلان بقوة لدرجة أن مقعده سقط بقوة خلفه يردد بعدم فهم وهو يتحرك صوب شقيقته:
"منذ ساعات؟ هل بحثتي في الحديقة الـ..."
قاطعته كهرمان بلهفة وخوف شديد:
"بحثنا في كل مكان أخي ولا أثر لها."
همس أرسلان بصدمة وصوت خرج منه مبهوتًا وكأن يتحدث من بئر سحيق. وكم ألمهت تلك الفكرة:
"هل... هل رحلت؟"
سقطت دموع كهرمان على ملامح أخيها الشاحبة وشعرت بالضيق لأجله:
"لا... لا أدري، لكن لا أعتقد ذلك فهي لم تأخذ قردها لقد وجدته في منطقة الصغار يلعب معهم، ربما... ربما خرجت وضلت طريقها أو... ربما خرجت و..."
صمتت لا تعلم ما يمكن قوله في هذه اللحظة. بينما تبارك نطقت بأول شيء خطر في عقلها وقد شعرت بالخوف في هذه اللحظة:
"ذلك الرجل في السوق، ربما آذاها بسبب ما قالته في المرة الأخيرة، ذلك الرجل كان يحدق في وجهها بشكل مريب."
استدار أرسلان بقوة صوب تبارك وبوجه مرعب يهتف بنبرة جعلت تبارك تبحث عن سالار وتتحرك له. أرسلان بملامحه الجامدة كان يخيفها منذ أول مرة أبصرته مصابًا في كوخ سالار، فما بالكم الآن وهو بكامل صحته وفي فورة غضبه. وسالار حين أبصر نظرات أرسلان المخيفة تلك تحرك يشكل حاجزًا بينه وبين زوجته يرجعه للخلف محذرًا إياه بعيونه:
"أرسلان ما بك، لا تنظر لها بهذه الطريقة."
رفع أرسلان عيونه صوب سالار يهتف بملامح منقبضة وفكرة أن أحدهم آذاها في الخارج وهو هنا لا يعلم شيئًا تصيبه بالجنون. الفتاة أمانته وهو الآن لا يدري عنها شيئًا.
صاح بصوت شبه مرتفع يراعي وجود نساء معهم يحاول التماسك:
"سالار أنا لست أحمقًا لأمس زوجتك بسوء، فقط دعها تخبرني ما تقصد، من هذا الرجل الذي تتحدث عنه قبل أن ينفجر غضبي في الجميع وأولهم أنت."
رمقه إيفان بشك وقد شعر في هذه اللحظة أن ما يحدث قد تخطى حدود الوصية التي أخبرهم عنها. الرجل يكاد يفقد صوابه لأجل اختفاء المرأة عن عيونه لساعات، ويخبرهم أنها وصية يحفظها.
نظر صوب كهرمان يردد بصوت هادئ كي ينهي كل ذلك إذ يبدو أن سالار في حالة لا تسمح له للتصرف بعقله عندما يتعلق الأمر بسلامة زوجته، فهو الآن يقف أمام أرسلان بعناد يخفي خلفه زوجته رافضًا أن تتحرك أو تتحدث كلمة خوفًا أن يزداد رعبها وتسوء حالتها بسبب مرضها الذي لا يعلم الكثيرين عنه.
"كهرمان أخبرينا أنتِ إن كنتِ تعلمين عما تتحدث به سمو الأميرة."
أمسكت تبارك بثوب سالار من الخلف ليشتد غضب سالار وهو يمسك كفها يضمه بقوة أكبر وكأنه يعدها بصمت أنه هنا لأجلها.
ابتلعت كهرمان رأسها تقول بصوت هادئ حاولت صبغه بالجدية وهي ترى نظرات أخيها التي تحركت صوبها:
"هي... المرة الأخيرة التي خرجنا بها للسوق سمعنا أحد الرجال يتحدث بشكل سيء عن أخي و..."
صمتت حين رأت نظرات أرسلان المصدومة من حديثها واكملت دون توقف ما حدث تخبرهم بالضبط ما صدر من بعض الأشخاص وما فعلته وقالت له سلمى، وحديث سلمى في طريق العودة أن هناك بعض الرجال نظراتهم لم تكن طبيعية بينهم.
"لكن أخي لا أعتقد أن هناك أحد قد يمسها بسوء و..."
لكن أرسلان لم يتوقف لسماع أي تبرير منها وهو يهتف بصوت مرتفع:
"يا المعتـــــــــــــــــــــصم."
انتفض المعتصم من مقعده بعدما كان يلتزم الصمت طوال الاجتماع حتى يستلزم الأمر تدخله، تحرك خلف أرسلان بسرعة مهرولًا:
"مولاي."
"خذ بعض الرجال وتحرك في المدينة، الجزء الشمالي، وأنا سأبحث في الأسواق."
نظر له سالار ثوانٍ قبل أن يتنهد بصوت مرتفع يتحرك خلفه:
"انتظرني سآتي لمساعدتك في البحث عنها."
نظر صوب تبارك يربت على رأسها بهدوء هامسًا لها بصوت حنون:
"لا تخافي مهجتي ما كان لأرسلان مهما بلغت ثورته أن يمسك بسوء، هو لم يقصد إخافتك."
وتبارك كانت تعلم ذلك، لكن خوفها منه كان دون إرادتها، هي فقط تراجعت حين أبصرت غضبه. تحرك سالار بعدما أوصاها بنفسها وكذلك فعل إيفان الذي خرج خلف الجميع.
يتحدث لسالار بصوت جاد وهو يراقب خطوات أرسلان الواسعة صوب خيله يبتسم بسخرية مما يحدث:
"أين أبصرت هذا المشهد من قبل يا ترى؟"
علم سالار إلاما يلمح فردها له بسرعة قبل حتى أن يستوعب أنه تلقى الضربة:
"يوم سمعنا خبر اختطاف الأميرة كهرمان..."
ابتسم إيفان بسمة واسعة مغتاظة يتحرك بخطوات شبه متحركة:
"أنت حقًا... مستفز سالار."
"من بعض ما لديكم مولاي."
ختم سالار يصعد على ظهر حصانه بقوة، ومن ثم نغزه لينطلق بسرعة خلف حصان أرسلان الذي اندفع كالقذيفة من مدفع. ومعهم إيفان... ومن ورائهم المعتصم مع بعض الرجال ليسلك طريقًا مختلفًا عنهم يبحث عنها في جزء آخر لربما جرفتها أقدامها للسير في الطرقات.
***
تجلس في غرفتها الآمنة وهي تحشر جسدها في الزاوية تحاول أن تهدأ من أفكارها التي تدور. وكلما مرت بها ذكرى مع ذلك الرجل اشتد غضبها حتى وصلت لنقطة ولدها الصغير، القشة التي قسمت ظهر البعير.
عند هذه النقطة انهارت كل قوى توبة التي سقطت رأسها أرضًا تنوح وتبكي وتصرخ، تتأوه وتنادي ولدها، ولدها الصغير المسكين والذي كان كل ذنبه أنها لم تحسن اختيار والده.
بكت وبكت حتى شعرت أن عيونها تكاد تنفجر من شدة البكاء، جرحها ما يزال حيًا ولن يميته سوى موت من تسبب به.
"آه يا صغيري، عسى أن يرحمك الله ويلحقني بك يا عزيزي، عسى أن يلحقني الله بك على خير ويخرجني من هذه القرية الظالم أهلها."
كانت تهمس تلك الكلمات من بين شهقاتها التي توقفت فجأة حين سمعت صوتًا جوارها يردد بجدية ونبرة تدركها جيدًا أكثر من أي شيء في الحياة. كيف لا وهي كانت تنام عليها وتستيقظ بها.
"مرحبًا بأم محمد، ما أسعد قلبي برؤيتك بخير حال وما تزالين حية."
اضطربت نبضات قلب توبة التي اهتز جسدها بقوة لسماع صوته بهذا القرب. القرب الذي منّ الله عليها أن حرمها منه. ارتجف جسدها بقوة وهي ما تزال ساقطة أرضًا دافنة وجهها أسفلها.
تقاوم وتقاوم نفسها، لكن وكأن شيطانًا تلبسها إذ انتفض جسدها فجأة وبقوة دون أن تشعر حتى بما تفعله. وقبل أن يتوقع أنمار ردة فعله، كانت تنقض هي عليه تمزق وجهه بأظافرها وهي تصرخ في وجهه وتوجه له الضربات في كل مكان تطاله:
"أيها الوسخ، أيها الحقير، عسى أن تحترق بنيران جهنم يا وسخ، لا أراك الله خيرًا في حياتك ولا سعادة، لا شهدت يومًا سعيدًا ولا رغدًا، عسى أن تخلد في النار مع أمثالك من الكفار يا حقير."
كانت تضربه وأنمار أسفلها يحاول دفعها، لكن قوى الغضب التي تلبست جسد توبة في هذه اللحظة كانت تعادل قوى خمسة رجال أشداء. تضرب وتصيب كل ما تقع يدها أو قدمها عليه، حتى كادت في إحدى الضربات تفقأ عيونه، لولا شعورها بيد تجذبها بقوة بعيدًا عنه وصوت يصرخ خلفها أن تتوقف.
تنفست بصوت مرتفع وهي تتململ بين يديّ الفتاة التي كانت تحاول تهدئتها:
"توقفي أيتها الغبية إن قتلتيه ستموتين خلفه، توقفي عن غبائك هذا."
استدارت توبة بقوة ترفع يدها وتصفع الفتاة دون حتى أن تعلم من هي. كان المارد الذي تلبسها في قمة جنونه وغضبه. وهي تتراجع للخلف تصرخ بهم جميعًا:
"ارحلوا، اخرجوا من هنا، لا تلوثوا عيوني برؤيتكم."
رفعت الفتاة والتي لم تكن سوى نفسها الراقصة التي كان زوجها يغازلها تلك الليلة:
"حسنًا، اهدئي سنخرج، فقط توقفي عن الصراخ بهذه الطريقة كي لا يشعر بكِ أحدهم وحينها لن يعجبك ما سيحدث لكِ."
كانت توبة تراقبها بأعين حمراء وصدرها يعلو وينخفض في اضطراب محسوس قبل أن تشير للخارج صارخة بكل ما تبقى لها من طاقة:
"للخارج... للخارج... اخرجوا من هنا."
نهض أنمار ببطء وهو يتحرك صوبها وقد لمعت عيونه بشر مرعب. لو أبصرته توبة لأرتجفت. يتحرك صوبها وهو يخرج سكينًا يبتسم بسمة مريبة:
"أيتها الـ***** اقسم أنني سأشوه ملامحك هذه حتى لا تتعرفي عليها إن أبصرتيها صدفة."
وقبل أن يصل لها أمسكت الراقصة يده بسرعة تجذبه بعيدًا عنها وهي تصرخ:
"لا لا... لا تفعل أنمار، لا تنس سبب إحضارك لها هنا، إن تسببت لها بشيء فسوف تخسر بطاقتك الرابحة، توقف والجم شياطينك..."
نظر لها أنمار برفض وقبل أن يتحدث بكلمة جذبته الفتاة بسرعة للخارج وهي تمنعه حتى النظر لها تتحدث معه بكلمات لم تصل لتوبة التي كانت ما تزال تقف مكانها لا تسمع ولا تبصر شيء حولها. ظلت واقفة دقائق طويلة لا تسمع ولا ترى شيء. وآخر ما أبصرته قبل انهيارها الثاني كان وجه نزار الذي صُدم من هيئتها يهتف بقلق وخوف:
"سمو الأميرة؟ هل أنتِ... بخير؟"
وقبل أن يتبع سؤاله بسؤال ثانٍ كانت توبة تنفجر في بكاء حار وهي تسقط أرضًا بقوة كادت تصيبها بكدمات لا تُشفى بسهولة لولا يد نزار الذي تلقفها بسرعة بين ذراعيه ودون شعور يهتف بلوعة ورعب عليها وعلى حالتها التي لم يبصرها قبلًا:
"يا ويلي توبـــة..."
انهارت توبة بين ذراعيه انهيارًا لم يشهده نزار سابقًا وقد تيبس جسده لا يستطيع التحرك، ولا يعلم ما يجب فعله، فقط يراقبها بأعين شاخصة يرفض لمسها واستغلال لحظات ضعفها. أغمض عيونه وهي تتمسك بسترته تبكي وتصرخ بكلمات اخترقت وأحرقت صدره.
وهو فقط يتنفس بصوت مسموع مغمض الأعين يهمس لها بكلمات لم تصل لها بسبب أصوات بكائها.
"لا بأس سمو الأميرة، كل شيء سيكون بخير، سأقتص لكِ أقسم، كل شيء سيكون بخير... توبة."
***
البرد بدأ ينخر عظامها وقد كان حجم المكتبة الواسعة لا يساعد البتة على إيجاد مكان لتدفئ نفسها. ابتلعت ريقها وهي تتحرك في المكان وقد يأست أن يسمع أحدهم ندائها. تحرك عيونها هنا وهناك تبحث لها عن مخرج، ولم تجد سوى النافذة العملاقة التي تتوسط الجدار الجانبي لتكون مخرجًا لها من المكان.
ابتلعت ريقها تتنفس بصوت مرتفع تذكر نفسها بكل أساليب الحماية التي اكتسبتها من عملها. حسنًا، هذه ليست المرة الأولى التي تُسجن بها، بل هذه وإن صدق تعبيرها أهونها. على الأقل ليست مسجونة مع مختل في مكانٍ قذرٍ نائي كرهينة، أو حتى سُجنت في زنزانة باردة رطبة مع مجنون يساومهم على حياتها.
بالتفكير في حياتها السابقة تدرك الآن أنها تحيا في هذا القصر أكثر فترات حياتها رغدًا.
توقفت أمام النافذة تفكر في طريقة تخرج بها من المكان. حسنًا، المسافة لم تكن كبيرة لهذه الدرجة، ربما يمكنها فعلها حقًا والخروج من هنا.
جلست على النافذة من الداخل تنظر حولها في البداية للمرة الألف ربما وجدت من يساعدها دون الحاجة لتقديم عروض سيرك، لكن مجددًا لا أحد.
تنفست بصوت مرتفع تخرج بجسدها كله من النافذة تجلس عليها وهي تدرس الوضع حولها في البداية. وبمجرد أن رفعت يدها عن زجاج النافذة لتتحرك على النتوء الموجود في جدار القصر سمعت صوت النافذة تنغلق بقوة وكأنها تغلق أمامها جميع الأبواب إن فكرت في العودة. لكن الأدهى أنها انغلقت على قدمها لتطلق صرخة وهي تسحبها بصعوبة تتأوه بصوت شبه مرتفع. كبتت دموعها بصعوبة تضم يدها لصدرها.
"حسنًا، كانت هذه فكرة سيئة، أسوأ حتى من استفزاز وغد يعاني من اختلال في عقله. بدأت حياتك تخرج عن نطاق سيطرتك سول، الأمور من سيء لأسوأ عزيزتي."
نظرت للاسفل تبحث عن طريقة للخروج لتجد جزء نتوء من الجدار يمكنها الاستناد عليه للنزول، لكن مع فستانها كان الأمر صعبًا بعض الشيء.
تنفست بصوت مرتفع وهي تغمض عيونها بقوة تحاول أن تتمالك نفسها:
"يا الله، فقط لينتهي كل هذا على خير، فقط لينتهي كل هذا على خير وأقسم ألا أقترب من المكاتب والكتب مجددًا، لطالما كنت أرى المكاتب أماكن مخيفة ما كان عليّ المجيء لها."
تنفست بصوت مرتفع وهي تنظر للأسفل مرات ومرات قبل أن يشتد إمساك أصابعها للجدار خلفها وتجلس على النتوء وهي تحاول أن تهدأ وقد قررت العودة مجددًا لكن وجع قدمها حال دون ذلك:
"فقط لنهدأ ونأخذ نفسًا عميقًا و..."
"يا ويلي هنـــــــــاك امرأة تحاول الانتحار هنا."
فتحت سلمى عيونها بسرعة وهي تنظر حولها تبحث عن تلك المجنونة التي تحاول الانتحار. فبينما هي هنا تكافح لأجل الحياة هناك من يحاول إنهاء خاصته. بدأت صرخة الفتاة في الأسفل تعلو والجميع يتجمع في المكان. وهي تبحث بعيونها عمن يحاول الانتحار ل
رواية اسد مشكي الفصل العاشر 10 - بقلم رحمه نبيل
توقف بحصانه يتنفس الصعداء حين جاءه رسول من القصر يخبره أن الملك عثر بالفعل على الضيفة.
مسح المعتصم وجهه يتنهد براحة شديدة، ثم أشار للرجال خلفه:
_ لنعد إلى القصر.
وبمجرد أن نطق تلك الكلمات تحرك معهم سريعًا في طريقه للقصر، لكن وأثناء تحركهم شعر بنفسه يتوقف دون إرادة، وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة أشار لهم بهدوء:
_ فقط اسبقوني رجاءً.
هز الرجال رؤوسهم رغم تعجبهم تصرفات المعتصم الذي شحب وجهه فجأة وهو ينظر لنقطة بعيدة، يشير لهم بالتحرك لينفذوا الأوامر ويتحرك هو في شارع فرعي شبه مظلم يتحرك ببطء شديد يدعو الله ألا يصدق ظنه وهو يبصر جسد صغير متكوم على نفس المكان يحدق بمنزل شبه محترق يبكي ويردد كلمات غير مفهومة لمن يتحرك.
بدأ حصان المعتصم يتوقف شيئًا فشيء بسبب جذب المعتصم للجامه، وحينما اقتربوا من تلك النقطة شهق المعتصم برعب وهو يهتف بصوت ملتاع:
_ يا الله، فاطمة.
قفز عن حصانه بسرعة وقبل حتى أن يتوقف يهرول صوبها برعب وهو ينظر حولها الظلام يردد بخوف عليها:
_ فاطمة يا ويلي... ما الذي تفعلينه بهذا الوقت، ما الذي تفعلينه؟ فاطمة؟
اليوم وبسبب ما حدث لم يستطع السير خلفها واللحاق بسيرها كي يتأكد أنها بخير. اقترب منها بسرعة وهو يهتف باسمها حتى وأخيرًا انتبهت له تشير له باكية على منزلها:
_ أبي وأحمد في الداخل... المنزل يحترق بهما.
نظر أحمد صوب المنزل الخاص بها ليجده كما عرفه، يبدو أن فاطمة ما تزال سجينة لحظات معاناة، تعجب فهي دائمًا كانت تشير لوالدها وأحمد أنهم احياء، والآن؟
هناك شيء اكبر من مجرد نسيان دائم وذكريات سيئة حول الصغيرة. ابتلع ريقه يقترب منها يجلس نفس جلسته السابقة، يجلس القرفصاء أمامها يتحدث بصوت خافت حنون:
_ فاطمة انظري إليّ، انظري المنزل لا يحترق ولا أحد في الداخل يحترق حسنًا؟
نظرت له فاطمة ثواني قبل أن تنفجر في البكاء بصوت صاخب:
_ لم نجد لهم عظامًا حتى، لقد احترقوا بالكامل وأمي... أمي اخذت تبكي هناك أمام البيت لينقذهم أحد ولم يتمكنوا من ذلك.
اغمض المعتصم عيونه يدرك أن ما يخرج منها في هذه اللحظات هو ماضي عاشته وما يزال محفورًا داخل عقلها. فاطمة لا تختلف عن هؤلاء الصغار الذين وجدهم بين الطرقات يعانون صدمات.
سقطت دموع فاطمة وهي تنظر له تهمس بصوت منخفض:
_ أنا... لم استطع مساعدتهم... فقط كل ما استطعت فعله هو مشاهدتهم يحترقون، كل ما تمكنت من فعله وقتها كان البكاء عليهم، لم أقدم لهم سوى الدموع، فلا صرخاتي سحبتهم خارج النيران ولا دموعي أطفأت احتراقهم.
تأوه المعتصم وهو يشعر بالعجز مما يحدث ولم يستطع التحدث بكلمة:
_ فاطمة... هو... أنا... فقط أخبريني ما الذي يمكنني فعله لأجلك، أي شيء يمكنني تقديمه لكِ أخبريني.
نظرت له ثواني وهي تهمس بصوت مذبوح:
_ هل تستطيع إخراجهم من النيران.
ختمت حديثها تشير صوب منزلها القابع بهدوء في منتصف الطريق، ليشتد شحوب وجه المعتصم الذي شعر بصدره ينتفض مما نطقت به.
ظل يحدق في المنزل ثواني قبل أن يهمس بصوت منخفض:
_ لا، لا أستطيع ذلك، لكنني أستطيع إخراجك أنتِ من ظلامك فاطمة.
نظرت له فاطمة ببسمة باهتة ولم تفهم جملته الأخيرة، ليؤكد هو على كلماته:
_ سوف تتخطين كل هذا فاطمة، سنعبر كل هذا حسنًا؟
_ أريد النوم دون كوابيس يا المعتصم.
تنفس المعتصم بصوت مرتفع وقد اشتد احمرار وجهه ينتفض بعيدًا عنها ويده ترتعش بشكل مريب، يشير لها بصوت هادئ أن تنهض:
_ هيا انهضي.
تحرك صوب حاملة السهام الخاصة به والتي تقبع على ظهر حصانه يخرج منها مصحفًا صغير الحجم يقدمه لها:
_ احتفظي بهذا، كلما شعرتي بالخوف اقرأي منه ما تيسر لكِ، وضعيه جوار رأسك وإن شاء الله ستكونين بخير يا صغيرة.
ثبتت فاطمة عيونها على المصحف ثواني، قبل أن ترفعها صوبه ببطء، ثم رسمت له بسمة صافية تناقض كل الغيوم التي كانت تحيط بها منذ ثواني، ابتسمت وكأنها لم تحزن يومًا، ابتسمت وكأن الخوف لم يسكن قلبها يومًا، وهذا ما جعل المعتصم يخشى ما يحدث معها أكثر وأكثر، الفتاة كانت في غاية الهشاشة وأكثر.
_ اعتني بنفسك لاجلك ولأجل والدتك فاطمة.
هزت فاطمة رأسها تتمسك بالمصحف تضمه لصدرها بلهفة شديدة، ثم مسحت دموعها تقول بصوت خافت:
_ ألا تريد المجئ وتذوق الحلوى التي تعدها والدتي؟ لقد أخبرتني أنها ستعدها اليوم لأجلي.
اتسعت عيون المعتصم يردد بعدما تنحنح بصوت منخفض:
_ لا أعتقد أنه من الملائم أن تدعي شاب غريب لمنزلك في هذا الوقت أو بأي وقت فاطمة، هذا لا يجوز.
_ لكنك المعتصم، أنت تحميني وتساعدني.
تنهد المعتصم بصوت مرتفع يمسح وجهه يعطيها ظهره يردد بصوت عال:
_ استغفرك ربي و أتوب إليك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
استدار لها مجددًا يرسم ملامح جامدة على وجهه:
_ فاطمة، رجاءً.
_ ماذا؟
_ عودي لمنزلك وحاولي التوقف عن مثل تلك الكلمات والاستثناءات في حياتك؟ أنا لست استثناء، أنا في النهاية رجل غريب، اجنبي لكِ وبيننا حدود أحاول ألا أتخطاها، لذا ساعدينا لاساعدك دون أن أتخطاها رجاءً.
نظرت له فاطمة ثواني قبل أن تهز رأسها له مبتسمة بسمة صغيرة:
_ حسنًا لا بأس أنا موافقة، لا تقلق أنا أضع بالفعل حدود بيننا يا المعتصم.
تشنجت ملامح المعتصم بقوة وهو يراقبها بعدم فهم، كل هذا وهي تضع حدود بينهما؟ ماذا إن انتزعتها؟
رفع حاجبه بسخرية مما سمع، ثم أشار صوب منزلها بصمت لتهز هي رأسها وتتحرك سريعًا في الطريق المؤدي له وهي تبتسم له مودعة.
لكن وقبل أن تصل وأخيرًا لمنزلها توقفت تنظر لظهره تناديه بصوت مرتفع:
_ أيها المعتصم.
توقف المعتصم قبل أن يبلغ حصانه يستدير لها بعدم فهم لتمنحه هي بسمة واسعة:
_ شكرًا لك، أنت رجل صالح ذو مروءة.
ابتسم لها دون شعور ثم هز رأسه لها في تحية صامتة، يميل لها نصف ميلة، ثم صعد حصانه يراقبها حتى تأكد أنها بلغت منزلها ووجد امرأة هناك تستقبلها على باب المنزل.
تنهد وهو يتحرك بحصانه وأخيرًا يعود للقصر يفكر فيما يحدث هنا بينه وبين نفسه:
_ إلى أين يقودوني طريقك فاطمة؟ كلما اعتقدت أنني تخطيت كل ذلك، أجد نفسي أبحث عنك لأتأكد أنكِ بخير.
صمت ثم شرد يردد دون شعور:
_ لكن هل أنتِ كذلك بالفعل؟
صمت عم المكان بعد جملته، وهي فقط كل ما فعلته حدقت داخل عيونه وكأنها تبحث عن شيء ما داخلها، ظلت تنظر لعيونه دون رد قبل أن تبصره يبعد عيونه عنها وهو يستقيم في جلسته وكأنه حاز الرد الذي ينتظره. أشفق عليها أن تعيد بلسانها ما لا تتقبله مسامعها، لذا عفاها من الحديث.
أشار خلفه لكهرمان أن تقترب:
_ كهرمان، ساعديها رجاءً.
تحركت كهرمان صوب سلمى وهي تساعدها على النهوض، لتفعل الأخيرة بهدوء ولكن لم تخرج قبل أن تلقي له نظرة أخيرة مرددة بكل هدوء ولطف:
_ شكرًا لك على مساعدتك جلالة الملك.
وختمت جملتها أن هزت رأسها في تحية صامتة، ثم تحركت للخارج تاركة أرسلان ما يزال يقف بهدوء شديد يحدق من النافذة المحطمة بهدوء شديد قبل أن يهتف بكلمات قليلة:
_ زيان ما الذي كان يُقال في الاسفل؟
نظر زيان لظهر أرسلان بجهل لما يتحدث عنه فهو لن يسمع شيء فبمجرد أن أبصر ما يحدث تحرك سريعًا ليساعد:
_ أنا لا... لا أعلم ما تقصد مولاي، ما الذي تتحدث عنه؟ أنا لم أكن بالاسفل.
استدار له أرسلان نصف استدارة يهتف بهدوء شديد:
_ إذن من كان بالاسفل زيان؟
_ مولاي أنه... أعتقد القائد تميم كان بالاسفل.
هز أرسلان رأسه بهدوء، ثم تحرك خارج المكتبة ينتوي الذهاب للتحدث مع تميم، لكن فجأة وحينما وصل لباب المكتبة توقف يتساءل:
_ حين جئت للمساعدة هل كان الباب عالقًا زيان لذلك لم تستطع الآنسة الخروج؟
كانت تخمينًا أكثر منه سؤالًا، لأنه إن لم يكن الباب العالق هو ما منعها من الخروج فما الذي فعل إذن؟
وجاءه الرد من زيان في الخلف وقد كان نفس الشيء يثير تعجبه حين أتى:
_ في الحقيقة مولاي، حينما أتيت كان الباب مغلقًا.
صمت ثواني ثم أضاف يضغط على كامل حروفه:
_ من الخارج، هناك من أغلق الباب من الخارج، ربما أحد أغلقه بالخطأ دون معرفته أن هناك أحدهم داخل المكتبة.
ابتسم أرسلان بسمة صغيرة وهو يتحرك خارج المكتبة يهتف بجملة واحدة قبل أن يخطو للخارج:
_ ومنذ متى أغلقنا أبواب المكتبة زيان؟
تحرك أرسلان في الممر وعيونه تطلق شرارًا، هناك ما يدور من خلف ظهره في هذا القصر وهذا أكثر ما يكرهه، أن يتخطاه أحدهم ويدبر لبعض الألاعيب من خلف ظهره داخل قصره.
كان يتحرك بعنف داخل الممرات وهو يجمع خصلاته للخلف وقد اشتد الغضب على ملامحه وبمجرد خروجه للساحة نظر في جميع الوجوه المتجمعة حوله يهتف بصوت منخفض حاول قدر الإمكان أن يجعله هادئًا:
_ عذرًا إن كنت أسبب لبعضكم الإزعاج، لكنني أود منكم اللحاق بي صوب قاعة العرش وسأكون ممتنًا لهذا يا سادة.
ختم حديثه ببسمة واسعة، سرعان ما تلاشت وهو يستدير دون إضافة كلمة يتحرك بقوة يسبقهم كأنه يعلن لهم أن الرفض، أو الاعتراض ليس متاحًا على أية حال.
كل ذلك وإيفان يتابع ما يحدث وكذلك سالار الذي امسك له يد تبارك والتي كانت تراقب ما يحدث بفضول تهمس لسالار:
_ ما الذي يريده؟
هز سالار رأسه بجهل يسحبها خلفه وهو يردد بهدوء يلحق بالجميع ليرى ما يحدث:
_ لا أدري، لكنه لن يكون جيدًا، بالنظر لحالة أرسلان ونظراته، فما سيحدث لن يعجب أحدهم.
نظرت له تبارك بعدم فهم ليهتف لها وهناك بسمة جانبية ارتسمت على فمه:
_ لقد حرروا شياطين الرجل، وهو من الأساس لا يحتاج لمحفز ليفعل.
صمت ثم فكر في الأمر ثواني، ينظر لها لحظات قبل التحدث:
_ ما رأيك بتجنب كل هذا مهجتي والذهاب للبحث عن الملكة كهرمان والجلوس معها لحين ينتهي ما يريده أرسلان من الجميع؟
حدقت به تبارك ثواني وهي تفكر في الأمر، وبالنظر لحالة أرسلان ووصف سالار، فهي بالفعل تفضل تجنب كل تلك الإثارة والتشويق والجلوس في الركن البعيد الهادئ، لذا تحدثت وهي تهز رأسها:
_ أنا سأذهب للبحث عنها، لا بد أنها في غرفتها أو غرفة سلمى.
ربت سالار على رأسها يراقبها تتحرك بعيدًا عن الجميع ليتنفس الصعداء، ثم نظر صوب إيفان يردد بهدوء:
_ هيا لنلحق بصاحبك قبل أن يتناول من بالداخل.
ضحك إيفان ضحكة صغيرة يتحرك مع سالار خلف الجميع:
_ لا أعرف لماذا، لكنني أشعر أن ما سيحدث سيرضيني بشكلٍ ما.
كان يجلس بين الرجال بملامح مختفية خلف إصاباته ويجسد شبه محطم، وعيون سوداء، يتنفس بصوت مرتفع والجميع حوله يأبى التحدث بكلمة واحدة حتى لا يطالهم شره في هذه اللحظة.
صمت عم المكان واستمر دقائق حتى بدأ بعضهم يشعر بالملل ويتحركون في مقاعدهم يضيق من هذا الصمت المقيت وقد اعتادت نفوسهم الضوضاء.
تأفف أحدهم بصوت شبه مرتفع وصل لمسامعه، ليرفع رأسه وعيونه صوب ذلك الرجل يردد بصوت وكأنه خرج من الجحيم:
_ هل هناك ما يزعج سيادتك؟
صُدم الرجل وبهت وجهه ولم يتحدث بكلمة واحدة، ثم تراجع في مقعده يردد بهدوء مصطنع:
_ لا الأمر فقط أننا هنا منذ دقائق طويلة دون فعل شيء أو التحدث بشيء، أنت جمعتنا لأجل لا شيء تقريبًا.
ابتسم له أنمار بسمة صغيرة كانت أكثر رعبًا من صمته السابق:
_ وماذا تمتلك يا ترى لتفعله وقمت أنا بتعطيلك عنه؟
رمش الرجل وقبل أن يفتح فمه ويتحدث بكلمة انتفض جسده يرعب حين نهض أنمار غاضبًا ساخطًا من الجميع يصرخ في وجوههم وهي تحرك في الغرفة الفسيحة داخل مقره وكأن ما ناله من أرسلان وتوبة سيخرجه بالجميع:
_ إن كنتم تشعرون بالملل دون فعل شيء، لِمَ لا تجربون على سبيل المثال أن تنفذوا ما آمركم به؟ أخبرتكم أن تحضروا لي تلك الفتاة التي يدعي أرسلان أنها زوجته ولم تفعلوا، أمرتكم بزرع الفتن بين شعبه ولم تفعلوا، أمرتكم بأحداث الخراب في الممالك ولم تفعلوا، أن تحضروا لي سمًا قوي المفعول وأيضًا لم تفعلوا، إذن ما سبب تأففكم للجلوس دون فعل شيء يا ترى، طالما أنكم لا تفعلون شيء في جميع الأحوال؟
ختم حديثه، ثم حرك عيونه على الجميع يتحدث من تحت أسنانه بغضب:
_ أنتم تمامًا كما قيل عنكم في الممالك، مجموعة من الجبناء الحثالة، ستعيشون كالعبيد لهم دون أن تستطيعوا فعل شيء.
تنفس بصوت مرتفع وكأنه كان في سباق قبل أن يتوقف فجأة على الدوران ينظر للوليد بشر:
_ أنت أحضرت ذلك القذر نزار هنا وغامرت برجالنا لتحريره لأجل لا شيء؟ ألم أخبرك أنني أريد سمًا منه؟
فتح الوليد فمه للتبرير:
_ الأمر فقط أنه يرفض مساعدتنا دون معرفة.
وقبل إكمال جملته صرخ أنمار في وجهه:
_ يرفض ماذا؟ يرفض مساعدتنا؟ وهل يمتلك خيار الرفض من الأساس؟ إن لم يقبل اقتله يا وليد نحن لا وقت لدينا للتوسل والاقناع، أما أن يقبل مساعدتنا أو يودع حياته و.
_ يمكننا إقناعه دون اللجوء لقتله.
كان ذلك صوت زهير الذي خرج من أحد الأركان يهتف بفحيح خبيث، تحركت الأعين صوبه ليدرك الوليد في هذه اللحظة أن زهير يسعى لانتقامه من نزار على ما فعل معه آخر مرة.
حذره بعيونه أن يتحدث بكلمة ويكشف ما سعى الجميع لكتمه عن أنمار منذ قدوم نزار هنا، مستغلين ندرة وجود أنمار في الجوار واعتماده الكامل على بعض الأشخاص هنا لتسيير أمور الجحر.
ترك أنمار ثياب الوليد يناظر زهير بفضول:
_ وكيف برأيك نفعل ذلك زهير؟
_ هدده بما يجبره على ذلك سيدي.
_ والذي هو.
نظر زهير لعمق عيون أنمار وهو يهتف بكلمة جعلت الأخير تتسع عيونه بصدمة:
_ زوجتك سيدي.
رفع أنمار حاجبه يتحرك صوب زهير خطوات صغيرة يردد بعدم فهم:
_ زوجتي؟
_ الأميرة توبة، عشيقة نزار الجديدة.
قنبلة ألقاها زهير بين الجميع يراقب توابعها دون اهتمام للدوي الذي أحدثته، يراقب ملامح الوليد المتوعدة، ونظرات أنمار المصدومة، ليدرك في هذه اللحظة، أنه أصاب الهدف وبنجاح.
هذا ليس عالمها ولا مكان لها بين الجميع هنا، هي لا تشبههم وهم لا يتقبلونها كما ترى. كانت تلك هي الأفكار الوحيدة التي تدور في عقل سلمى وهي تضم جسدها على الفراش شاردة في نقطة فارغة أمامها لا تبصر شيئًا، سوى سواد، لا مستقبل ولا حياة لها هنا. على الأقل في عالمها كان لديها خالد ووالده، عملها، محل الزهور الخاص بها، حياة لم تكن تحبها، لكنها كانت مرتاحة على الأقل.
_ هل أنتِ بخير؟
رفعت سلمى عيونها صوب كهرمان تحدق فيها ثواني قبل أن تحرك عيونها صوب تبارك تسألها دون مقدمات:
_ هل سبق وشعرتي بالفراغ، وأنكِ لا تنتمين لهذا المكان، وإن حياتك السابقة بكل ما فيها من عيوب افضل من هذه الحياة؟
تفاجئت تبارك من كلماتها غير المتوقعة، حتى أنها نظرت صوب كهرمان بتعجب، بينما سلمى أكملت:
_ هل هناك أمل أن أجد نفسي في مكانٍ ما؟ أنا أشعر أنني اجلس هنا بلا فائدة لا أفعل شيء ولا أقدم شيء لأحد، لا فائدة ترجى مني و.
_ بلى هناك الكثير تقدمينه، لكنكِ لم تجربي بعد.
كانت تلك جملة كهرمان التي خرجت منها بقوة توقف الهراء الذي تنطق به سلمى، بينما سلمى أبعدت عيونها تنظر صوب النافذة وهي تهمس بصوت منخفض:
_ أشعر بأنني عبء لا أكثر، أنا عبء على الجميع هنا وأولهم شقيقك، لقد.
توقفت تبتلع غصتها وهي تتذكر نظراته لها اليوم، تقسم أنها إن رأت نظرة إعجاب صغيرة فقط في عيونه كانت ستوافق دون تفكير على عرضه الذي سبق وأخبرها به، لكنها لم تجد. لم تبصر أي ذرة إعجاب أو انجذاب، كل ما رأته كان مجرد... مسؤولية.
_ أنا فقط مجرد وصية يود أن يريح رأسه من جهتها معتبرًا أن الزواج مني سيخفف من عبئها، لقد أبصرت كل ذلك في عيونه، اليوم أبصرت كم كان مضغوطًا كما لو أنه مجبرًا على ذلك و... التضحية بكل أحلامه في زوجته المستقبلية لأجل تحمل مسؤوليتي.
رفعت عيونها صوب كهرمان تهمس بصوت خافت:
_ لا أعتقد أن شقيقك في يوم من الأيام كان ينتظر أن يرتبط في النهاية مع امرأة مثلي، الرجل يحطم أحلامه في زوجته المستقبلية لأجل مسؤولية غير مرغوبة.
كانت كهرمان تتابع ما تقول سلمى، ونعم كانت توافقها في كل كلمة، ربما لم يتخيل أحدهم يومًا أن يكون مصير أرسلان مع امرأة مثلها، لكنها تدرك أكثر من الجميع أنه ما من إمرأة في هذا العالم كانت لتلائم أرسلان كما تفعل هي.
_ أنا أثق كامل الثقة أن الله يدبر الأمر بحكمته، ومجيئك هنا لم يكن عبث، وكما كان وجود تبارك هام لأجل سالار، كذلك وجودك هام لأرسلان، بالله عليكِ ألم تدركي كيف هو اخي؟ هل تعتقدين أن هناك امرأة في هذا العالم أو حتى عالمك تستطيع التأقلم معه؟ هل تتخيلين أن هناك امرأة قد تتحمل أرسلان بكل تقلباته؟
نظرت لها سلمى ثواني قبل أن تهمس بجدية ودون شعور:
_ أرسلان ليس بهذا السوء كهرمان، هو فقط يظهر الجميع الجزء الذي يود ترسيخه في الأذهان محتفظًا بجانبه الهش واللطيف بعيدًا عنه.
اتسعت بسمة كهرمان الخبيثة وقد أخرجت من سلمى ما كانت ترنو له:
_ عجبًا يبدو أنكِ أبصرتي ما يحاول أخي إخفاءه عن الجميع، لِمَ يا ترى؟
اتسعت أعين سلمى بصدمة، بينما تبارك ابتعدت عنها بقلق من نظراتها وكأنها تخشى أن يتسرب بعض خبثها لها، تتحرك للجلوس على المقعد المجاور لفراش سلمى تجاوب على سؤال سلمى الأول والمعلق:
_ اسمعي سلمى أنا وحين جئت هنا، كنت أُعامل معاملة أسوأ من معاملة الجواري في عصور ما قبل الحداثة وأنا من المفترض أنني كنت الملكة، شعرت في كثير من المرات بأنني لا أنتمي لهذا المكان، لكن صدقيني كل ذلك تلاشى حين وجدت نصفي الآخر هنا.
ابتسمت لها كهرمان تجلس على الفراش جوارها مرددة بجدية:
_ ها انظري، كل شعورك هذا سيتلاشى بمجرد أن تعثري على نصفك الآخر والذي هو أخي بمشيئة الرحمن.
رفعت سلمى عيونها وهي تعتدل في جلستها تعيد خصلاتها للخلف وقد بدا عليها التفكير الطويل في الأمر:
_ الأمر ليس بهذه السهولة التي تتحدثين عنها كهرمان، شقيقك ليس من تلك الشخصيات التي يسهل التعامل معها.
اتسعت بسمة كهرمان وهي تقفز للسرير تجلس أمامها تتشدق بأعين ملتمعة من الحماس:
_ إذن هذه مهمتك عزيزتي، اخرجي من داخل أخي رجل رومانسي حنون، وصدقيني لن يأخذ الأمر منك الكثير فأخي بالفعل يمتلك داخله حنان ورومانسي لو وُزعت على رجال العالم لأكفتهم وفاضت.
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، لست هنا أعلمكم أمور دينكم يا سادة، بل أنا هنا لأذكركم أنه لا تهاون في شرع الله، ورمي المحصنات والقذف من الكبائر التي لا أقبل بأي شكل من الأشكال أن تُرتكب في بلادي، بلاد تعلو بها راية لا إله إلا الله، والآن لتسمعوني أصواتكم، وليتقدم أولئك الذين تبجحوا منذ قليل وقذفوا امرأة بالباطل بدلًا من التفكير في طريقة لمساعدتها.
ختم كلماته بصوت رج أرجاء المكان لترتجف النساء ويخفض الرجال رؤوسهم أرضًا دون كلمة واحدة.
بينما عيون أرسلان تتحرك عليهم، ونيران تشتعل في صدره بعد ما سمعه من تميم الذي رفض في البداية التحدث عما حدث كي لا يزيد الأمور اشتعالًا، لكنه تراجع خوفًا أن يتجرأ من أطلق تلك الأكاذيب أكثر ويمس أعراض امرأة أخرى ويتمادى.
راقب أرسلان الجميع ينتظر منهم كلمة، لكن لا أحد تحدث بكلمة، وهو لولا خوفه أن يظلم بريء بهم لكان جردهم جميعًا من عملهم في هذه اللحظة، تنهد بصوت مرتفع ثم قال يقطع الصمت:
_ المرأة التي تحدثت في وسط الجميع مدعية أنها أبصرت الآنسة تخرج من غرفتي مساءً ملمحة لوجود شيء لا يرضي الله بيننا، لترني رجاءً.
تحركت أعين الجميع صوب إحدى الجهات، حيث كانت تقف العاملة نفسها وهي تخفض رأسها أرضًا مرتجفة تدعو الله أن يخلصها من بين يديه ومن بعدها ستختفي عن وجه الأرض بأكملها.
ثواني حتى سمعت صوت أرسلان يعلو في المكان ليشتد ارتجاف جسدها بأكمله وهي ترفع رأسها برعب تبصره أمامها مباشرة وبشكل كانت تتمناه سابقًا، لكن الآن تتمنى لو تهرب منه لآخر بقاع الأرض.
_ أين شهداؤك على تهمتك يا امرأة؟
ارتجف جسد العاملة وقد بدأت دموعها تتساقط تهتف بصوت مرتعب:
_ مولاي أنا.
_ ءأتيني بأربعة شهداء أو يُنفذ بك حد قذف المحصنات، ثمانون جلدة ولا تُقبل لك شهادة يومًا.
فجأة ودون مقدمات سقطت المرأة أرضًا تبكي بصوت مرتفع تترجاه العفو:
_ ارجوك مولاي الرحمة اقسم أنني لم أقصد أبدًا كل ذلك، أنا فقط تحدثت بما رأيت و.
_ وماذا رأيتي؟
رفعت المرأة وجهها له وقد كان أحمر كالدماء وعيونها تكاد تخرج من شدة البكاء من محجريها.
_ رأيتها... رأيتها تخرج من غرفتك مساءً ترتدي معطفك و.
_ و ماذا؟ أكملي، ماذا رأيتي أيضًا؟
تنفست بصعوبة وقد شعرت أن القاعة أضحت ضيقة عليها إذ كانت لا تستطيع التنفس بشكل طبيعي، تتذكر ماذا رأت أيضًا عدا خروجها من غرفته ومبارزتهما، لكن لا شيء كان يشفع لها عنده ويقوي حجتها.
_ لا شيء مولاي.
ابتعد عنها أرسلان ينظر صوب الجميع، ثم قال بقوة:
_ ذلك اليوم وفي جناحي لم تكن المرأة معي وحدها، بل كان جميع مستشاري القصر حاضرين وكان باب جناحي مفتوحًا، ومن كان منهم حاضرًا يمكنه الشهادة بذلك، إذ لم اختلي بها وحدنا.
هز المستشارون رؤوسهم بالإيجاب، ليكمل أرسلان كلماته يعلنها على مسامع الجميع:
_ تلك المرأة التي يخوض العديد بعرضها هي زوجتي المستقبلية وملكتكم إن شاء الله، من يخوض في عرضها بكلمة فلا رد له عندي سوى شرع الله والذي سأنفذه به بنفسي واجلده الثمانين جلدة بيدي.
صمت يتنفس بصوت مرتفع، ثم رفع إصبعه يحركه في وجوه الجميع يردد بصوت مرتفع:
_ هذه المرأة ستكون زوجتي وعرضي وشرفي، وحتى ييسر لي الله حلالها وتصبح امرأتي، إياكم أن تفكروا بينكم وبين أنفسكم يومًا في الخوض بعرضها ولو بكلمة، زوجتي بالنسبة للجميع ليست مجرد خط أحمر، بل هي دماء متناثرة واشلاء متفرقة.
صمت ينظر للمرأة الساقطة أرضًا ثم هتف بصوت مرتفع:
_ حــــــراس، اصطحبوا الآنسة صوب السجن لحين يتم الحكم في شأنها.
ختم حديثه يتابع صراخ المرأة وقد توقف الحراس جوارها يشيرون لها بالتحرك وهي تبكي وتترجى أرسلان الذي راقبها بهدوء ودون أي ردة فعل من طرفه.
وحينما خرجت نظر للجميع، ثم ابتسم يتحدث بهدوء:
_ انتهت الجلسة يا سادة، ألقاكم فجرًا للصلاة.
ختم كلماته يتحرك بقوة خارج القاعة وقد اكتفى اليوم من كل ما يحدث، صدره مشحون بالنيران والغضب، نظراتها وهي تخبره أنها ليست امرأة سيئة، قهرها وحسرتها وهي تحاول تبرير نفسها أمامه قتلته.
توقف في شرفته المعتادة يجلس بها دون كلمة، ثم سحب نفسًا عميقًا يردد بصوت هادئ:
_ وماذا بعد ذلك؟
تبكي على صدره دون شعور منها لوضعها، وهو فقط يحاول إبعادها دون أذيتها، لكن كلما ارتفعت يده ليدفعها بعيدًا تراجع حين يزيد انهيارها أكثر وأكثر.
واستمر الأمر لنصف ساعة تقريبًا، حتى ضرب الإدراك جسد توبة التي انتفضت بسرعة مرعبة عن نزار تتراجع للخلف وكأن صاعقة ضربتها، كانت تنظر له متسعة الأعين شاحبة الوجه، ليس وكأنه هو من أجبرها على الارتماء بين أحضانها.
ابتلع نزار ريقه يحاول أن يتحدث بكلمة تخفف من وطأة ما حدث على عقلها:
_ سمو الأميرة م.
_ لا.
همس بعدم فهم:
_ لا؟
نظرت له بتحذير وهي تشعر بجسدها ينتفض بكره وغضب من ذاتها، كيف فعلتها، كيف فعلتها واقتربت من رجل لا يحل لها بهذا الشكل ولو كان تحت تأثير الصدمة؟
_ لا تقترب مني، ابتعد ولا تقترب ودعني وشأني.
اتسعت أعين نزار بصدمة كبيرة وهو يرمقها باستنكار، هو من يبتعد وهي من كانت تتمسح به منذ ثواني؟
ورغم كل استنكاره ذاك وكل نظراته التي باحت لها بما يفكر به، إلا أنه كتم كل ذلك داخل صدره، يحفظ لها حق خجلها، يرفض خدش حيائها، يهز رأسه وهو يغمض عيونه بغضب:
_ أوامرك سمو الأميرة، تأكدي ستكون آخر مرة اقترب لكِ فيها.
دفنت توبة رأسها بين قدميها وهي تبكي بصوت منخفض:
_ فقط دعني وحدي، ارحل من هنا. رجاءً.
عض نزار شفتيه، يحاول الحديث لكن كل ما خرج منه هو سؤال صغير:
_ أنتِ بخير؟
وكم كان سؤاله سخيفًا في هذا التوقيت تحديدًا؟ بهذه الحالة ويتساءل إن كانت بخير؟
لكن يبدو أن توبة لم تكن في حالة تسمح لها بالتفكير إن كان سؤاله سخيفًا أو لا.
_ لا لست بخير.
توقف بعدما كان على وشك الخروج يهمس بصوت خافت:
_ ما الذي حدث؟
_ لقد... لقد عاد.
ضيق نزار ما بين حاجبه بعدم فهم لثواني:
_ عاد؟
همست بنشيج وبكاء:
_ أنمار.
اشتعلت أعين نزار الذي انتفض سريعًا يردد بلهفة وخوف وهو يبحث في وجهها عن شيء حدث لها، أو أثر تركه نزار وهو ما تسبب في بكائها، وكأن كل الندوب التي تركها ذلك الذكر سابقًا لا تكفي للبكاء.
_ هل... هل فعل لكِ شيء سييء؟
_ لا أعتقد أن هناك أسوأ مما فعل سابقًا ليفعل الآن.
ابتلع ريقه:
_ ما الذي حدث؟
نظرت له ثواني قبل أن تنفجر في البكاء أمامه للمرة التي لا يعلم عددها وهي تخبره كل ما حدث وكأنها تشكو ضرب أحد الفتيان لوالدها، تحرك يديها أمام وجهها وهي تبكي وتخبره ملخص اللقاء بينهما.
وختمت حديثها بصوت متقطع:
_ أنا لا أريد... لا أريد أن أبصر وجهه أمامي مجددًا، لا أريد.
اغمض نزار عيونه بقوة وهو يمسح وجهه يحاول التفكير في طريقة للخروج من المكان بأسرع ما يمكن، إن لم يكن لأجله ولأجل ألا يغرق في المعاصي فلأجلها هي.
_ حسنًا فقط اهدأي سوف... أتولى الأمر.
نظرت له تتساءل بريبة:
_ ماذا ستفعل؟
_ سوف نهرب من هنا.
_ هل يمكنني البقاء هنا؟
أبعد أرسلان عيونه عن السماء، يحركها صوب وجه المعتصم الذي اقترب منه بتردد وقد أخبره زيان منذ دقائق ما حدث، اقترب أكثر من الشرفة يبتسم بسمة صغيرة لأرسلان:
_ أنا لا أتطفل عليك صحيح؟
ابتسم له أرسلان بحنان يتنحى جانبًا يتيح له مكان للجلوس مشيرًا له جواره:
_ أجلس يا المعتصم، أنت لا تفعل البتة.
ابتسم المعتصم براحة شديدة فهو يدرك أن هذا الرجل لا يتقبل الكثيرين أثناء غضبه، وأن يفعل معه فهذا يعني له الكثير:
_ هل أنت بخير مولاي؟
_ نعم أنا كذلك لا تقلق.
صمت ثم نظر له بتركيز يبعد الحديث عنه يوجهه صوب المعتصم يتساءل بجدية:
_ ماذا عنك؟
هز المعتصم رأسه بهدوء:
_ بخير.
_ لا يبدو لي ذلك، أنت تتصرف بغرابة منذ فترة، هل حدث شيء في حياتك لا أدري عنه؟
نظر له المعتصم بتردد، ثم أبعد عيونه بشكل جعل أرسلان يعقد حاجبيه وقد تأكد الآن أن المعتصم يخفي عنه شيئًا هامًا، مال عليه يهمس:
_ المعتصم، لم اعهد منك أن تنفيني عن مشاكلك، أنت بخير؟ أخبرني إن كان هناك ما يسوئك هنا و.
_ لا، لم يحدث شيء هنا، أنا فقط.
صمت ولم يكمل حديثه وهذا آثار ريبة أرسلان أكثر يضع يده على كتف المعتصم يربت عليها:
_ أخبرني ما يحدث معك يا المعتصم، شاركني همومك من يدري لعلي أجد لك حلًا يا أخي.
نظر المعتصم في عيونه بتقدير، ذلك الرجل ورغم كل ما سُلب منه ما يزال يعطي، رغم كل ما مُنع عنه ما يزال يمنح وببزخ:
_ أخشى فقط أن تزيد مشاكلك واحدة مولاي.
_ لا يسوئني أن أحمل مشاكل شعبي يا المعتصم، بل يسعدني أن احلها إن استطعت.
تنهد المعتصم وهو ينظر له ثواني قبل أن يشرع في إخباره بأمر فاطمة، أخبره القشور فقط عن حالتها وطريقة تعاملها مع الجميع وما تعانيه، وكانت كل كلمة تخرج منه تثير صدمة أرسلان الذي وبمجرد انتهاء المعتصم حتى ابتعد عنه بعيونه يدفن وجهه بين كفيه ليشعر المعتصم بأنه أخطأ في إخباره.
ردد أرسلان بصوت منخفض:
_ اللهم عفوك ورضاك يا الله.
_ أشعر أنني أثقلت الأمر عليك مولاي، أنا أعتذر.
_ غير صحيح، أنا فقط أشعر. أشعر بالوجع لأجلهم يا المعتصم، أشعر بالعجز، أنا مقيد، لا أعلم كيف أساعدهم. يا الله فقط أعني لأخرجهم من ذلك النفق المظلم.
مسح وجهه وهو يحاول البحث عن حل داخل عقله قبل أن يسمع صوتًا جواره يهمس بنبرة خافتة خجلة وقد سمع الله نجواه منذ ثواني لنفسه:
_ جلالة الملك.
رفع أرسلان عيونه ببطء صوب جهة الصوت ليبصرها تقف بثوب مليء بالزهور كعادتها ليعلم أن الشخصية اللطيفة تتلبسها في هذه اللحظة، نظر لوجهها يجدها تبتسم له بلطف:
_ أردت فقط أن أشكرك بشكل لائق على مساعدتك لي اليوم، لا أعلم ما كان ليحدث لولا وجودك.
ظل أرسلان يحدق فيها دون ردة فعل، فقط يحدق في وجهها بشرود جعلها تتعجب وهي ترفع يدها سريعًا تتحسس شعرها لربما نسته دون غطاء، لكن حين اطمأنت لملمس القماش أسفل أناملها حركت أصابعها تتحسس ملامحها لربما هناك شيء على وجهها.
وارسلان فجأة انتفض يدرك تحديقه المريب بها هامسًا بصوت خافت:
_ إذا طلبت مساعدتك بشيء هل تفعلين؟
نظرت له بعدم فهم وكذلك المعتصم الذي يراقب ما يحدث بفضول شديد ينتظر طلب أرسلان والذي كان يصرخ طوال الوقت أنه لا يحب أن يطلب معروفًا من أحدهم، لكن أرسلان سبق وكسر تلك القاعدة مئات المرات لأجل شعبه، وهذه المرة لن تكون استثناء.
اتسعت أعين سلمى بصدمة كبيرة، ولولا أنها أبصرت نظرات الضيق وعلامات الاختناق واضحة على ملامحه، ما كانت فوتت تلك الفرصة لتزعجه، لكن نظراته تلك جعلتها تلجم سخريتها، تجيبه بكل عملية وهدوء ولطف وهناك بسمة صغيرة ارتسمت على شفتيها علها تخفف القليل مما ترى على وجهه:
_ سيسعدني معرفة كيف أساعدك جلالة الملك.
تنفس أرسلان الصعداء يرميها بنظرة امتنان على كبحها لشخصيتها المزعجة، والتي يفضلها في كثير من المواقف لكن ليس هذا بالطبع.
_ اخبرتيني أن عملك هو معالجة المرضى وتأهيلهم لحياة طبيعية.
استحوذ أرسلان على اهتمامها بذكره عملها لتتقدم خطوة تهز رأسها بنعم لتتحرك يده بسرعة يمسك القلنسوة الخاصة بها والتي كادت تسقط عن رأسها، ينظر لعيونها يهتف بجدية:
_ هناك من يعاني من ماضي مظلم ما يزال سجينًا، يرفض تحريره وهذا أثر على حياة هذا الشخص، هل يمكنك مساعدته في تخطي ذلك الماضي؟
حركت سلمى عيونها بين يده التي تمسك القلنسوة وبين عيونه التي تنتظر ردها بلهفة، وللمرة التي لا تعلم عددها يتحرك قلبها جوار هذا الرجل، حاولت أن تتماسك وهي تجيبه بصوت هادئ:
_ إن شاء الله أفعل فقط دلني عليه.
اتسعت لها بسمة أرسلان يهتف وهو يحرك نظراته صوب المعتصم الذي كان فقط مصدومًا.
مصدوم من طريقة تعامل ملكه _ خشن الطباع _ بهذا الشكل مع ضيفته التي كان يتشاجر معها منذ يوم واحد فقط وعلى وشك قتلها.
غير مدرك أن هذه هدنة معتادة قبل العودة لساحة الحرب بينهما.
فجأة استفاق من صدمته على صوت أرسلان الذي ناداه:
_ إذن يا المعتصم، أخبر الآنسة سلمى عن الفتاة.
نظر المعتصم صوب سلمى التي تراجعت للخلف تعدل القلنسوة بسرعة وهي تتحدث بصوت رقيق أثار ضيق أرسلان بعض الشيء، يرفض أن تخضع في القول مع أحدهم ولو كان ذلك الأحدهم نفسه، وهذا شيء آخر يناقشه معها.
_ إذن أخبرني بالتفصيل كل ما يتعلق بالفتاة، ولا تغفل عن شيء رجاءً، فكل شيء قد تعتقد أنه لن يفيد بالنسبة لي ذو فائدة كبيرة، لنبدأ باسمها، ماذا تسمى الفتاة؟
نظر لها المعتصم يبتلع ريقه وهو يجيبها بصوت خافت يبعد عيونه عنها بسبب نظرات أرسلان الذي يضم ذراعيه لصدره وعيونه مثبتة عليه وكأنه يخبره صراحة " أنا أراقبك".
_ فاطم... فاطمة، تسمى فاطمة.
سبز المملكة الأكثر سلامًا في الأربع ممالك والتي كان يطلق عليها الجميع "رئة الممالك" لكثرة المناطق الخضراء والأشجار التي تحتويها، أكثر الممالك هدوءًا وسلامًا، ما عادت كذلك، وقد نالتها أيادي الخراب والدمار.
عمت الفوضى شوارع العاصمة في سبز وبعض الباعة يصرخون وهم يبصرون الجنود يدمرون محلاتهم ويفرضون حظر تجوال وقوانين صارمة، اشتعلت الأوضاع وأصبح الشعب قاب قوسين أو أدنى من الانتفاض.
ارتفع صوت أحدهم بين الطرقات يصرخ بجنون:
_ ما بكم جننتم؟ تنهبون خيراتكم وتدمرون ثروات بلادكم؟ هذه بلادكم أفيقوا.
توقف أحد الجنود ينظر له ثواني باحتقار، قبل أن يكمل طريقه، لكن الرجل لم يصمت وهو يزيد من صراخه حتى بدأ البعض يتحرك تبعًا لصرخاته وكأنه أيقظ داخلهم حمية الحرب.
وهذا ما أثار ريبة الجنود ليتحرك أحدهم صوب الرجل والذي كان في منتصف عمره يجذبه بقوة مسقطًا إياه أرضًا بعنف يجره جرًا وهو يصرخ في الجميع:
_ هذا سيكون مصير كل من اعترض منكم، قوانين الملك لا رجعة بها ولا نقاش.
وقبل أن يكمل طريقه وجره للرجل وجد جسد يقف أمامه، رفع عيونه ببطء صوب ذلك الجسد يتجهز للصراخ في وجهه، لكن لم يكد يفعل حتى وجد لكمة تسقط على وجهه وصوت جهوري يصدح في المكان:
_ ترفع يدك على شعبك، يدك التي كان من المفترض أن ترد أيادي المعتدي عنهم هي نفسها التي تبطش بهم؟
رفع الجميع عيونهم صوب المتحدث والذي كان نفسه قائد جيوش سبز "أصلان"، ينظر للجميع حوله باشمئزاز وكره، يدفع الرجل للخلف، ثم مال وساند الرجل حتى وقف ومن بعدها واجه الجميع يهتف بصوت مرتفع:
_ هذه البلاد لا كلمة بها تعلو فوق كلمة الملك، وأقصد بالملك هنا هو الملك بارق شفاه الله، لا مدعيي الملك، وكلمة الملك بارق الأولى والأخيرة كانت الشعب أولًا، وسيظل الشعب ومصلحته أولًا شئتم أم أبيتم.
تحدث الجندي بصوت مرتفع:
_ لكن هذه أوامره الملك أنمار و.
قاطعه أصلان بصوت محتد:
_ وأنا لا آخذ أوامري من سيدك يا هذا، اذهب له وأخبره أنني وإن أردت جعلت سبز جحيمًا له ولمن معه، فليتجنب غضبي ويعود عما برأسه، لأنني سأكون له ولكل من سولت نفسه بأذية سبز في المرصاد.
ختم حديثه يدفعه بعيدًا ليتوعد له الجندي ويرحل ومن معه، بينما بقي أصلان ينظر لاثره بأعين ملتمعة بالغضب، ثم دار بعيونه في الرجال حوله يتنفس بصوت مرتفع وهو يرى نفق مظلم يكاد يبتلع سبز ومن بها.
_ دمتي في رعاية الله يا سبز.
في صباح اليوم التالي.
كان يقف على أعتاب قصر مشكى يودع الجميع بأعين حزينة وخاصة شقيقته الحبيبة، مال يحتضنها بقوة هامسًا:
_ سترحلين ومعكِ قلبي جوهرتي.
ضمته كهرمان بحنان وهي تربت فوق ظهره:
_ هذه ستكون المرة الأولى التي أتركك بها مطمئنة أنك لن تكون وحدك يا أخي، أما عن قلبك فتركت لك نصفه تهديه لمن تستحقه.
ختمت حديثها وهي تمنحه بسمة صغيرة تشير بعيونها صوب سلمى التي كانت تراقب تعامل أرسلان اللطيف مع شقيقته بصدمة لا تظن أنها ستنجلي قريبًا.
ابتلعت ريقها بتوتر حين أبصرت تحول نظرات الجميع صوبها، رمشت بتوتر وهي تنظر خلفها بحثًا عمن جذب انتباههم، ثم نظرت للأعلى لربما كانوا ينظرون لموزي، وحينما أدركت أنها هي كانت هدف نظراتهم ارتسمت بسمة خجولة صغيرة فوق شفتيها ترفع كفها في الهواء تلوح به لكهرمان.
ضحكت كهرمان ضحكة صغيرة وهي تميل هامسة لأخيها:
_ الله أتى لك بالفتاة من عالم آخر، فلا تضيعها منك يا أخي فلن تجد من تلائمك مثلها.
ختمت حديثها تتحرك صوب سلمى تفتح لها ذراعيها مودعة:
_ سأشتاق لكِ سلمى.
عانقتها سلمى بصدق تهمس بحزن جلي:
_ أمن الضروري رحيلكم كهرمان؟ هكذا سأصبح وحدي.
_ لقد تركنا سفيد طويلًا وآن أوان العودة، حينما تصبحين ملكة لمشكى ستدركين معنى أن يترك الملك أو الملكة مملكتهم جلالتك.
احمر وجه سلمى بقوة لتميل عليها كهرمان هامسة:
_ أنتِ لم تغيري رأيكِ صحيح؟
نظرت لها سلمى ثواني تهمس:
_ هذا يعتمد على شقيقك كهرمان.
ابتسمت لها الأخيرة في الوقت الذي اقتربت به تبارك لتفتح لها سلمى ذراعيها تودعها بحب شديد:
_ سأشتاق لكِ تبارك، أنتِ من أرق وألطف النساء الذين قابلتهن في العالمين.
ابتسمت تبارك لهذا اللقب:
_ وأنتِ كذلك لطيفة جدًا، ألقاكِ على خير حين نأتي لزفاف وسنحضر باقي الفتيات ستحبينهن.
_ سأتشرف بذلك بالطبع.
فجأة سمع الجميع صوت المنادي يأمر بالتحرك، لتميل كهرمان نصف ميلة تودع الجميع وكذلك تبارك وتحركن صوب موكب النساء الذي يقبع على عربة تجرها الخيول، ومن ثم تحركوا خارج أسوار مشكى مع رجال سفيد الذين ودعوا أرسلان بالمثل.
واخيرًا أُغلقت أبواب مشكى ولم يتبقى بها سوى أهلها.
استدار أرسلان ببطء للخلف ليبصرها تحدق في أبواب مشكى بمشاعر عديدة جعلته يتساءل:
_ هل أنتِ بخير؟
رفعت عيونها له تجيب بهدوء:
_ نعم فقط أتساءل متى يحين دوري؟
رفع حاجبه بدون فهم يسألها التوضيحء لتكمل هي مبتسمة بسمة جانبية:
_ للرحيل أقصد.
أجابها بنفس البسمة الخاصة بها:
_ نعم أحب رؤيتك تحاولين.
_ صدقني أنت هكذا باستفزازك لي لا تحسن الأمر ولا تغير رأيي.
_ ومن أخبرك أنني أسعى لتحسين الأمر من الأساس؟
صمت ثواني ثم أشار للباب الذي كان قد أغلق بالفعل:
_ أخبرتك سابقًا، هذه بوابة القصر غادريها إن استطعتي.
رفعت حاجبها، وهو فقط أبعد عيونه عنها يردد بهدوء:
_ صحيح اليوم ستأتي فاطمة، سيعمل المعتصم على إيصالها لكِ وحينما تنتهين من العمل معها لدينا مبارزة نخوضها سويًا، ومن ثم نبدأ تدريبات التصويب، واخيرًا نصف ساعة يمكنك قضاؤها مع ذاتك للتأمل.
ابتسمت له تهز رأسها بهدوء شديد:
_ هذا كرم شديد منك أقدره وبشدة مولاي، أعتقد أن هذا عادل بما يكفي، شكرًا لك.
هز لها كتفه ورأسه، ثم تحرك بعيدًا عنها ببطء يهتف:
_ العدل أساس الملك آنستي، أتمنى لكِ يومًا سعيدًا بين ربوع مشكى. في حفظ الله.
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن الجميع وهو يشير لبعض رجاله أن يلحقوا به وقد أظلمت تعابير وجهه فجأة وبشدة وكأنه تحول لشخصٍ آخر للتو.
بينما سلمى تراقب ظهره بهدوء، قبل أن تنظر صوب موزي تهمس بضيق:
_ سيتعبنا هذا الوسيم ها؟
أصدر موزي صوتًا مرتفعًا لتومأ هي مؤيدة كل أحاديثه التي لا تفهمها بالمناسبة:
_ هذا رأيي كذلك، كان لطيفًا طالما كان مجرد شخصية في رواية، لكن حينما خرج منها أصبح شريرًا، و... حسنًا أنا لست طيبة أيضًا كما تعلم موزي، لذا نعم هو يناسبني بعض الشيء.
تمسك موزي برأسها وهو يصدر أصواتًا خافتة بعض الشيء وكأنه يحتج بصمت عما يحدث:
_ لا تقلق موزي، لن أتخلى عنك أبدًا في المقابل، ثم ما يزال طريقي مع هذا النرجسي طويلًا، وإن ظن أنني سأستسلم له بهذه السهولة فقد أخطأ.
انتزع المعتصم القوس من يد الجندي، ثم أزاحه بهدوء شديد جانبًا يشير له بهدوء يعلمه إياه كل الأخطاء التي وقع به:
_ انظر يا صديقي هذا كتفك الذي يمسك القوس، لا علاقة له بأي حركة تقوم بها، ثبته ولا تحركه، هذا فقط هو ما تحركه، الكتف المتصل بالذراع الذي تحمل القوس، اجذب السهم للخلف، ضع كل قوتك في الجذب، اسحب واسحب حتى تشعر أن لا مجال لسحبة واحدة إضافية، ومن ثم ضع كل تركيزك وجمع حواسك بأكملها في الهدف وأخيرًا.
وبمجرد أن نطق كلمته الأخيرة كان السهم يفلت من أسره بين أنامل المعتصم يلتف في الهواء بقوة مرعبة حتى استقر في هدفه أخيرًا لتتسع بسمة المعتصم، يمنح القوس مرة أخرى للرجل:
_ سهل صحيح؟
كانت أنظار الرجل ما تزال معلقة على الشجرة أمامه بصدمة كبيرة يراقبها متسع الفم، كبت المعتصم بسمة وهو يربت على كتفه:
_ أثق بك، تستطيع فعلها يا أخي.
حرك الرجل عيونه صوب المعتصم:
_ لكن يا قائد.
_ لا لكن، فقط أبذل ما بوسعك وافعل ما تستطيعه وحين تصل لنهاية الطريق يمكنك وقتها قول لكن، لكن بعدما تقدم كل ما تملك.
غمز له المعتصم، ثم ابتعد يشير له بإكمال ما كان يفعل، يراقب التدريبات باهتمام شديد وبسمته تتسع شيئًا فشيء وهو يرى أن الجيش أصبح على قدر عالٍ من التمرس ومن يبصر هؤلاء الرجال الآن لن يتخيل أنهم وقبل بضعة أشهر كانوا مجرد أرباب منزل وبائعي في الأسواق عاديين.
بفضل الله أولًا، وتدريبات الملك ومن ثم متابعته، الآن يمكنه القول أن مشكى تمتلك جيشًا يُعتمد عليه.
خرج من أفكاره على صوت أحد الجنود يتقدم منه يهتف باحترام:
_ سيدي الملك ينتظرك في قاعة الاجتماعات لأجل مناقشة بعض الأمور.
هز له المعتصم رأسه، ثم أشار صوب أحد الجنود القدامى:
_ تيّم، أكمل العمل من هنا لحين أرى ما استدعاني الملك لأجله.
ختم حديثه وتحرك بسرعة وهو يشمر أكمامه، يعدل خصلاته، وقد كان يرتدي ثوب أبيض مع بنطال بني.
قبل أن يتوقف فجأة في سيره حين أبصرها تمر أمامه مع مجموعة من النساء تتحرك صوب الحديقة، إذن هي جاءت هنا ولم تقفز له في ساحة القتال؟
مريب، هل يعقل أنها واخيرًا قررت أن تتبع تعليماته ولا تقفز له في مناطق الرجال، الآن فعلت؟
نظر حوله يود لو يتحرك لها ويجرها معه صوب سلمى، لكن لا يستطيع، بالتأكيد لا يمكنه أن يتخطى مكانته وكل شيء، وفوقهم حدود دينه، لذا توقف ينظر حوله يبتغي وسيلة ليوصله لها.
وحين يأس أن يفعل تنهد بصوت مرتفع وهو يكمل طريقه خوفًا من التأخر على أرسلان، يثق أنه سيجد طريقة ليتواصل معها، وما كاد يخطو خطوته الأولى صوب القاعة حتى سمع صوتها يهتف بنفس النبرة المعتادة منها:
_ يا المــعتـصــــم.
توقفت أقدامه يستدير حول نفسه بسرعة يتأكد أن لا أحد انتبه لما فعلت، لكن وقبل أن يتأكد وجدها تقف أمامه بسرعة وهي تردد ببسمة واسعة:
_ السلام عليكم يا المعتصم، كيف حالك اليوم، عسى يومك سعيدًا إن شاء الله.
رمش المعتصم بصدمة وهو يحرك عينيه بتوتر في كل مكان لا يستوعب كل تلك الكلمات أو الأسئلة التي انبثقت من فمها:
_ هل أنت بخير؟ مالك تنظر في كل مكان حولك؟ هل تبحث عن شيء ضائع، أهي قطتك الصغيرة برفى؟
نظر لها بتعجب:
_ برفى؟ هل تتذكرينها؟
_ نعم بالطبع أفعل، أنا من أعطيتها لك هدية في النهاية ألا تتذكر؟
صمتت تطيل النظر به مرددة:
_ هل... تعاني مشاكل في ذاكرتك أيها المعتصم؟
تشنجت ملامح المعتصم بقوة يحدق في وجهها باستنكار:
_ هذا أنا؟
حرك رأسه بلا اهتمام، ثم تنهد بصوت مرتفع يهتف بصوت منخفض بعض الشيء وكأنه يتلاشى أن يستمع أحد لحوارهم والذي يسعى أن ينتهي بأسرع وقت:
_ هناك أحدهم كنت أود منك التعرف عليه.
نظرت له بعدم فهم ليكمل هو:
_ صديقة لكِ، ألم تخبريني أنك لا تمتلكين أصدقاء فاطمة!!
ازدادت نظرات الريبة من عيون فاطمة، لينظر هو إلى عيونها بثقة وكأنه يشجعها على الأمر، يشير صوب الحديقة الخلفية للقصر:
_ انظري لهذه الحديقة، هناك امرأة هناك تجلس مع قرد تنتظرك للتعرف عليكِ، لقد أخبرتها عنكِ وكم أنتِ فتاة لطيفة وهي متشوقة للتعرف عليكِ.
اتسعت عيون فاطمة بحماس شديد وقد تجاهلت كل جملته ولم تعلق سوى على كلمات بعينها.
_ حقًا فعلت؟ هل تراني لطيفة يا المعتصم؟
رمش المعتصم واشتعل وجهه بخجل وكأنه للتو أدرك ما قال، وهو من ظن أنها لن تتوقف عند تلك الكلمة.
وضع يده أمام فمه يحاول أن يخرج كلماته بنبرة جامدة:
_ نعم صحيح، والآن هي متشوقة للتعرف بكِ، هل تذهبين للتعرف بها؟
_ نعم لا مشكلة في ذلك، لكن أنا لدي الكثير من العمل و.
قاطعها المعتصم دون نقاش معها في الأمر:
_ أوه لا، لا تهتمي بهذا الشأن، لقد... أنا سوف أخبر المسؤولة بالأمر وهي لن تمانع أن تأخذي راحة.
_ راحة ماذا أنا بدأت للتو.
هز رأسه بهدوء ينظر حوله يحاول إيجاد حجة جيدة قبل أن يهتف بها:
_ اسمعي فاطمة هذه المرأة التي ستذهبين لها هي امرأة مسكينة وحيدة لا أصدقاء لها هنا أبدًا، وحينما أخبرتها عنكِ أحبتكِ وطلبت مني التوسط لها عندكِ كي تصبحي صديقة لها، وهي الآن تجلس وحيدة هناك فهل تذهبين لها؟
نظرت فاطمة صوب الحديقة بتردد تشعر بالريبة مما يحدث، هي ليست غبية لتتجاهل كل هذا التوتر المنتشر على وجه المعتصم، لكن... هذا المعتصم وهي تثق به صحيح؟
_ حقًا؟ أم تحاول استغلال طيبتي وتخدعني؟
رمش المعتصم، ينفي برأسه بسرعة:
_ لا أقسم أنني لا أفعل، فقط اذهبي بنفسي وانظري، سوف تحبين المرأة كثيرًا فهي لطيفة.
ابتلعت فاطمة ريقها تنظر له ثواني ثم هزت رأسها:
_ حسنًا لا بأس سأذهب، لكن.
توقفت عما كادت تتحدث به وترددت ليشجعها على التحدث:
_ لكن ماذا فاطمة؟
لا تقول لطيفة عن امرأة أخرى غيري... كلمات كبتتها داخلها بغيرة فطرية، ليست تلك الغيرة التي تنشأ بين رجل وامرأة في العادة، بل هي غيرة نشأت بين فتاة ترفض أن يمنح الرجل الوحيد والشخص الوحيد الذي يهتم بها اهتمامًا لشخص غيرها خاصة لو كان ذلك الشخص امرأة أخرى.
_ لا شيء، سأذهب وأنت... فقط أخبر رئيسة العمال أنني سأغيب لدقائق وأعود حسنًا؟
هز لها رأسه مبتسمًا وهو يراقبها تتحرك صوب الحديقة بتردد، تلتفت كل ثانية للخلف وكأنها تتأكد أنه يراقبها حتى إذا ما حدث شيء تركت له تستنجد به.
ابتسم لها بسمة مطمئنة حتى أبصرها أخيرًا تدخل الحديقة ليتنفس الصعداء:
_ الآن انتهت مهمتي، عسى الله أن يوفقك جلالة الملكة في مهمتك.
نظر لباب الحديقة بتردد، قبل أن يبلل شفتيه ويتحرك سريعًا بخطوات شبه مهرولة صوب القاعة وهو يمني نفسه بعلاج سريع للصغيرة.
وكل ثانية يلتفت للخلف ينظر صوب الحديقة وكأن أودع للتو صغيرته في الروضة بيومها الأول، ولم يتوقف عن الاستدارة حتى اصطدم بقوة في أحد الرجال ليعتذر بسرعة مبتسمًا له بخجل:
_ آه اعتذر منك، اعذرني لم أبصرك.
ختم حديثه وهو يرفع يده معتذرًا، ثم تحرك بسرعة صوب القاعة يفرك رقبته بخجل مما يحدث معه.
دخلت الحديقة بتردد شديد تشعر بالخوف من التعرف على أشخاص غرباء ربما يكونون سيئين، لكن المعتصم أخبرها أنها لطيفة وهي تثق به.
ويبدو أن المعتصم أضحى مقياس فاطمة في الآونة الأخيرة للتعامل مع العالم الخارجي.
وبمجرد أن خطت للمكان حتى دارت بعيونها فيه بحثًا عن تلك الفتاة التي تحدث عنها المعتصم، لتبصر فتاة تجلس بين الورود الملونة أرضًا تلتقط بعضها، ترتدي فستان غريب عليه رسومات لورود كذلك، وهناك قرد يجلس أعلى كتفها.
كانت تبدو كما لو أنها.....خرجت من لوحة، جميلة رقيقة مشرقة.
فجأة استدارت لها تلك المرأة تمنحها بسمة واسعة رقيقة ولطيفة تهتف باسمها بصوت رقيق:
_ فاطمة؟
رمشت فاطمة بريبة لا تدري ما يجب فعله، ظلت واقفة مكانها تتراجع خطوات غير محسوسة، وقد اشتعلت إنذارات والدتها بتجنب الغرباء في رأسها.
ظلت تفرك يديها بقوة وهي تنظر لبوابة الحديقة، لتدرك سلمى ما تفكر فيه في هذه اللحظة، تلاحظ علامات التوتر التي انتشرت على جسدها.
جمعت بعض الورود تنهض تتحرك صوب فاطمة بخطوات هادئة تعطيها كامل وقتها لتتخذ ردة فعلها قبل أن تصل لها تحمل زهرة ملونة تضعها داخل حجاب فاطمة وهي تهمس بلطف:
_ زهرة الفريسيا، تشبهك وبشدة.
صمتت ترى نظرات فاطمة المنبهرة مما تسمع، قبل أن تعود عيونها صوب سلمى تتساءل عما تقصد لتوضح لها سلمى وهي تجذب يدها برقة صوب الطاولة الجانبية:
_ زهرة الفريسيا، ترمز للبراءة؛ لذا شعرت أنها تعبر عنكِ.
اتسعت عيون فاطمة أكثر بأنبهار تتحسس الزهرة داخل حجابها:
_ هل حقًا أشبه الزهور؟
_ بل الزهور هي من تشبهك فاطمة، ألا تمتلكين مرآة لرؤية كم أنتِ جميلة وبريئة تبارك الرحمن.
وباستثناء كلمات والدتها الحبيبة وغزل والدها وشقيقها، كانت تلك أول كلمات لطيفة تسمعها فاطمة في حياتها، أول شخص يمتدح جمالها المخبئ أسفل أكوام العناء والشقاء الذي يغطي كامل ملامحها.
رفعت عيونها لتبصر القرد يمسك أحد الزهور يتناولها وهو ينظر لها بأعين متسعة لتردد سلمى وهي تجذب منه الزهرة بضيق:
_ حتى موزي يرى أنكِ جميلة، صحيح موزي؟
أصدر موزي صوتًا مرتفعًا وهو يتأمل فاطمة يميل برأسه على رأس سلمى.
خجلت فاطمة وأحمر وجهها تنظر للزهور التي وضعتها سلمى على الطاولة:
_ شكرًا لكِ، أنتِ كذلك لطيفة، لقد... لقد أخبرني المعتصم أنكِ لا تمتلكين أصدقاء هنا، وهذا غريب إذ أنكِ جميلة ولطيفة كذلك.
_ كنت انتظرك لتكوني صديقتي فاطمة، فهل تكوني؟
نظرت لها فاطمة بتردد وهي تتذكر كلمات والدتها المحذرة عن كيفية التعامل مع الغرباء، لكنها سبق وتعاملت معهم ولم يخدعها أحدهم، وهذه تبدو لطيفة كما المعتصم، لذا ابتسمت ترفع كفها تصافح كف سلمى الممدود تهتف بسعادة:
_ نعم يسعدني ذلك وبشدة.
وعلى عكس جلسة النساء في الحديقة والتي كانت تفوح منها رائحة الزهور وتتطاير حولها الفراشات، كانت جلسة الرجال تفوح منها رائحة الدماء والخناجر تتطاير يمينًا ويسارًا.
انتفض جسد بعض الرجال على صوت غرز أحد الخناجر في الخريطة التي تغطي الطاولة أمامهم، وفي جزء معين استقصده أرسلان.
ابتسم أرسلان وهو يشمر عن أكمامه وقد كان يرتدي ثياب علوية باللون الأبيض على عكس عادته مع بنطال أسود اللون تاركًا خصلاته الكثيفة تتطاير بعشوائية حوله.
يستند بقبضتيه على الطاولة أمامه يردف كلماته بكل هدوء:
_ هذه المنطقة الواسعة والتي وضعت حولها دائرة حمراء، المنطقة المستهدفة من المتمردين والتي ينتوون جعلها مملكة خامسة لهم، وكأن الأرض تابعة لوالدهم.
صمت ثم حرك رقبته يقول بتوضيح:
_ منطقة تضمن سبز بأكملها دون استثناء شبر منها وحدود مشكى مع سبز وحدود آبى مع سبنز والغابات التي تحد سفيد، ومن هذه الخريطة الصغيرة نستنتج شيء هام، ترى ما هو اعزائي؟
تحدث زيان وهو يفكر في حديث أرسلان:
_ لِمَ سبز بالتحديد ستكون كاملة ضمن خطتهم في تكوين مملكة؟
أجابه المعتصم بشرود وكأنه يفكر بصوت عالٍ:
_ سبز هي مقرهم الرئيسي؟
أشار له أرسلان، ثم صفق يهتف بإعجاب واضح:
_ احسنت، سبز هي مقرهم الأساسي، إذ يبدو أن أولئك الخنازير لم يكتفوا بسبز وقد بدأوا ينشرون قذوراتهم حول الممالك، وذاك الهجوم الذي شُن منذ أيام على جميع الممالك في الوقت ذاته كان ستارًا لضخ المزيد من صغار الخنازير داخل الممالك والبدء ببث سمومهم في نفوس الشعوب وتلك حربهم الأولى.
أولى الجميع انتباهه لأرسلان وما يقول، بينما الأخير اكمل بهدوء يستند على الطاولة يضيق عيونه مبتسمًا بسمة كانت أشبه بغيوم مفاجئة بعد يوم صافٍ:
_ نحن الآن لا نواجه حفنة من الأغبياء عديمي الخبرة كالمنبوذين والذين كنا ندرك جميعًا أقصى ما يمكنهم فعله هو التكاثر كالحشرات، ولولا كثرتهم ما خطوا أرض مشكى سابقًا.
فرد يديه يهتف بجدية كبيرة:
_ هؤلاء كانوا ويؤسفني قول أنهم كانوا بقايا بعض الذكور هنا، لذا هم متمرسون يدرون جيدًا كيف يحملون سيفًا ويقاتلوننا، يتوقعون منا رجفة وجهلًا بما يفعلون.
صمت ثم دار بنظراته بينهم وكأنه يختبر ردات فعلهم، يمنحهم كامل وقتهم ليبصر ردات فعلهم على حديثه، ثم مال على الطاولة يبتسم بسمة مرعبة وهو يردد بصوت كالفحيح:
_ إذن امنحوهم ما يريدون يا رجال.
_ فقط سر معي نزار وسوف تعلم ما أريده منك حين نصل.
تحرك معه نزار بضيق شديد ود لو استدار وهروب بعيدًا عن المكان، لكن لأجل النفاذ بروحه وروح الأميرة والتنفيذ ما يخطط له عليه مجاراتهم.
وصل واخيرًا صوب منزل أضخم من جميع المنازل حوله، ولم يكن الأمر بحاجة لذكاء ليدرك نزار أنه مقر كبير المستنقع، تحرك للداخل بعدما أخذ الوليد الأذن لهم من الحراس على الباب.
دخل وهو ينظر حوله بضيق واختناق، وكأنه لا يطيق البقاء في المكان ثانية إضافية، لكن وبمجرد أن وطأ المنزل سمع صوت نزار يدعوه للتقدم أكثر:
_ الأمير نزار أنار خيمتي بنفسه، يالهذا الشرف العظيم؟
كان من الواضح السخرية البارزة في أحرفه وكلماته، لكن نزار اتسعت بسمته وهو يقف وقفة قوية يهز رأسه بهدوء:
_ لا بأس ببعض التواضع مع أمثالك نزار.
تغضنت ملامح أنمار بقوة من رد نزار، لكن سرعان ما لانت وهو يمنحه بسمة واسعة يردد بجدية:
_ تقدم يا عزيزي وجاورني المجلس فما جئت به يحتاج لأن ترتاح وتستقر.
رفع نزار حاجبه ولم تعجبه اللهجة التي يتحدث بها أنمار ورغم ذلك تقدم من مجلسه يجلس بهدوء وقد جاوره الوليد هادئًا بشكل كبير وكأنه يرتقب انفجارًا أو ما شابه.
_ أخبرني الوليد أنك رفضت العمل على الدواء الذي نطالبك به، لماذا يا ترى؟ ألا تعتبره ردًا لجميل انقاذك من الموت؟
حدق نزار في أعين أنمار بقوة:
_ عزيزي أنمار، هل تراني في مكان أفضل من القبر الذي كنت سأذهب له إن لم تنقذني؟ لا، صحيح؟ إذن لا تعتبر انقاذك لي جميل طالما لم تأخذني لمكان أفضل مما كنت سأذهب له على أية حال.
التوى جانب فم أنمار فيما يشبه البسمة، لكنها لم تكن بسمة بأي شكل من الأشكال، لكن نزار قابل تعابير وجهه تلك بهدوء شديد وهو يضم يديه لصدره في انتظار ما يريد لاحقًا.
_ حسنًا يبدو أنك ما زلت تمتلك نفس العقلية الخاصة برجال الممالك، يتبجحون ويتكبرون حتى نعطيهم الحافز المناسب ليتوسلونا.
رفع نزار حاجبه بسخرية ولم يكد يتحدث بكلمة حتى وجد أنمار يشير بإصبعه لأحدهم، ليغيب الرجل داخل المنزل ويعود بعد ثواني يمسك بين يديه توبة مقيدة ومكممة الفاه ووجهها يحتوي العديد من الجروح، ورغم ذلك ما زالت تقاوم وبشدة.
أشار أنمار للرجل، فألقى توبة أرضًا بقوة مما جعل جسد نزار ينتفض بسرعة لولا يد أنمار الذي أوقفه يردد باستفزاز لكل خلية من جسده:
_ ليس بهذه السهولة أيها الشهم، في البداية علينا مناقشة ما سآخذه في المق