تحميل رواية «اسد مشكي» PDF
بقلم رحمه نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فصل ١ من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!! فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب؟ بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه.. الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل. كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره. عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، وأشباح بشر ي...
رواية اسد مشكي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رحمه نبيل
انقطع الهواء عن رئته وقد شعر لثواني، ثواني فقط أنه تجمد بالكامل حتى لم يعد قادرًا على تحريك إصبع واحد.
ابتلع ريقه وهو يتراجع خطوة للخلف وأصوات حوله لا تصل لأذنه، ولا يبصر في الوجوه سوى وجه واحد.
أرسلان...
وصوت واحد يتردد داخل أذنه في هذه اللحظات، جملة واحدة لم تنفك تتردد في كوابيسه منذ شهور طويلة: "أمي وأختي... نساء القصر، لقد... أخبرني أنه سيتخلص منهم، ساعدهم نزار، وصيتي لك أمي وشقيقتي، ساعدهم."
والآن... الوجه الذي لم يبصر صاحبه منذ شهور طويلة، تحديدًا منذ هجوم المنبوذين وإشاعة خبر موته على أيديهم، وقد كان لوالده الفضل في عدم اصطدام طرقهم منذ ذلك الوقت بأي شكل من الأشكال. ويبدو أن أرسلان كان يحترم والده لدرجة أنه تخلى عن قصاصه لأجل الملك آزار وترك محاكمته له.
تراجع خطوات قليلة وهو يحاول التحدث.
وارسلان اتسعت بسمته بقوة وهو يهمس له بصوت مخيف:
_ مر وقت طويل ها؟ تحديدًا منذ لحظة احتضاري نزار.
ويبدو أن عقل نزار توقف فجأة عن العمل ولم يعد يحسن التفكير في شيء. ولولا صرخة الوليد خلفه والذي كسر النافذة يقفز منها صارخًا برعب على نزار:
_ أهرب نزار، أهرب...
ثواني كانت حتى أبصر أرسلان جسد نزار يندفع بجنون مرعب صوب النافذة يقفز منها خارج الغرفة، يهرول على الدرج وهو يشعر أنه على وشك السقوط أرضًا على وجهه. وصوت خطوات معروفة خلفه جعلت ضربات قلبه تزداد وهو يهرول خارج القبو بالكامل حتى وصل لممرات القصر. أمامه جسد الوليد وخلفه يركض أرسلان بشكل مرعب حتى تخيل أنه أسد حقيقي سينقض عليه في أي لحظة.
تنفس بصعوبة وهو يخرج للحديقة الخاصة بالقصر. جميع أطراف جسده ترتجف وقد بدأت أنفاسه تعلو أكثر. وصوت الوليد يعلو بنبرة مختنقة من الرعب:
_ انتبه نزار انتبه يا أخي.
ولم يكد نزار يعي حتى لتحذيره حتى وجد يد تمسك بذراعه بقوة مرعبة جعلته يشعر أن ذراعه كُسرت. ولم تكن تلك اليد سوى يد أرسلان الذي جذب جسده بعنف صوب الجدار يكاد يخنقه.
وفي اللحظة التي كانت رأس نزار تكاد تتهشم على جدار القصر صرخ بصوت مرتفع مرعب:
_ أهرب يا الوليد أهرب ولا تتوقف، لا تنظر خلفك.
كان يصرخ وهو يبصر نية الوليد بالعودة له، لكنه أوقفه بصرخته. لينظر له الوليد بأعين خائفة ورفض، لكن نزار صرخ بجنون:
_ أهرب يا أخي، أهرب يا الوليد.
ومن بعد تلك الكلمات نظر له الوليد نظرة أخيرة لأرسلان مليئة بالوعيد، ومن ثم هرول يستغل انشغال الجميع بنزار. وقد شُحن صدره بالغضب وتوعد لهم بالويل، وتعهد بتحرير نزار ولو كان ذلك آخر ما يفعله في حياته قبل أن يقتلوه.
_ سأعود لك يا أخي لا تقلق.
وعند نزار كان يشعر بوجهه يكاد يتلاشى بسبب الاحتكاك بالجدار خلفه. وصوت أرسلان يميل عليه وهو يهمس:
_ لم يكن هذا استقبالًا أتوقعه منك نزار، هانت عليك العشرة يا أخي؟!
رفع له نزار عيونه وقد كان الندم والاعتذار يملئ كافة نظراته. يهمس بصوت منخفض:
_ والله لم تهن أرسلان.
نظر له أرسلان ثواني بأعين سوداء ونظرات غير مفسرة، قبل أن يتحدث ببسمة ساخرة مذبوحة:
_ لا أعتقد ذلك نزار.
بمجرد انتهاء جملته شعر نزار بضربة قوية لرأسه داخل الجدار خلفه، حتى أنه كتم تأوه عنيق كاد يفلت منه.
_ هنّا، وهان والدك والجميع نزار.
كاد نزار يتحدث بكلمات كان يخزنها داخل صدره، لولا صوت خلفه جعل جسده يرتجف وهو يغمض عيونه بقوة وقد جفت الدماء في عروقه وتمنى لو قُتل قبل عيش هذه اللحظة.
يسمع صوتها يهتف من خلفه برعب ولهفة:
_ أرسلان لقد وعدتني، وعدتني أنك لن تؤذيه و...
توقفت عن الحديث حينما فاضت دموعها وهي تنظر صوب نزار الذي رفع وجهه لها، يبتسم بسمة صغيرة شبه ميتة، يكتم صرخاته ويد أرسلان ما تزال تكبله بقوة من الخلف:
_ لا تتدخلي بما لا يعنيكِ سمو الأميرة، لا احتاج لدفاعك عني فلست طفلًا، ثم ليس لأنني ساعدتك مرة تردينها لي بتوسلك أحدهم لرحمتي.
ختم حديثه بنبرة ساخرة وهو يحاول أن يبتلع ريقه بصعوبة، وقد كانت كلماته التي نطقها كسكاكين تقطع حنجرته. يخشى أن تلقي نفسها في كل مشاكله ويطالها أذى لمساعدته، أن تُعتبر خائنة لأجل اخفاءه عن الجميع.
رفع أرسلان عيونه صوبها، ومن ثم جذب نزار بعيدًا عن الجدار وهو يلقيه صوب المعتصم الذي بدأ يربط يديه يجذبه بعيدًا عن المكان. وتوبة فقط تنظر لأثرهم باكية بقوة تتحرك خلف أرسلان وهي تصرخ برعب مما يمكن أن يحدث وقد لغى الهلع عقلها:
_ أرسلان لقد وعدتني، وعدتني أنك لن تؤذيه، لن تفعل لقد وعدتني، هذه كلمتك لي لا تحنث بوعدك أرســــــــلان.
كانت تتحدث بهستيرية وهي تركض خلفه صارخة، وارسلان فقط تحرك خلف رجاله الذين سحبوا نزار. ونزار يصرخ بالمقابل بها:
_ فقط توقفي توبة، توقفي ولا علاقة لكِ بما يحدث، توقفــــــي وعودي لغرفتكِ.
لكن توبة أصابتها نوبة هلع هستيرية وهي تتخيل إعدامه وقتله وفقدانه للأبد. نزلت دموعها بشدة وهي تتوسل أرسلان الذي كان يحاول ألا ينظر لها:
_ لقد تاب وندم أرسلان، اقسم بالله أنه ندم وسيساعدك، لقد ساعدني وساعد الجميع، لقد تاب، لقد...
وقبل إكمال جملتها توقف أرسلان ونظر لها ثواني يتحدث بهدوء شديد:
_ سمو الأميرة، انصحك بالعودة لغرفتك وعدم التدخل في هذه الأمور. توقفي عما تفعلين توبة، انتهى الأمر وتدخلك في قضية نزار لن يزيدها إلا سوءًا، فقط أدعي أمام الجميع أنكِ لم تصطدمي يومًا بنزار، لأجلك قبلي، اعتني بوالدك ولا تفكري بما حدث.
ختم حديثه وهو يتركها شاحبة الوجه مكانها، دون أن تؤتي ردة فعل واحدة يرحل آخذًا معه نزار الذي كان يحدق بها ببسمة صغيرة وهو يهز رأسه لها وكأنه يبث بها اطمئنان لا يمتلك منه ذرة واحدة حتى.
أما عن توبة فقط ظلت واقفة باهتة الملامح جامدة التعبيرات، لا تكاد تتنفس بشكل طبيعي تحاول الحديث بكلمة تتابع رحيلهم حتى اختفوا عن الأنظار. وكان آخر ما نطقته بلوعه هو اسمه...
_ نــــزار...
_ كيف تركته يذهب وحده إيفان، لقد... هو ربما يـأوقفها إيفان عن الحديث وهو يربت عليها بهدوء شديد يحاول تهدئتها بكلمات لم تصل لسلمى التي لم تتمكن من التعبير عن رعبها عما حدث. وقد وصل لها ما حدث ورغم عدم فهمها للأمر بشكل كامل إلا أن رعبها على ما يمكن أن يحدث لأرسلان قد زاد حينما أدركت هوية ذلك الرجل الذي ذهب لإحضاره.
كانت مستقرة في شرفة القصر تراقب البوابة الخاصة بها وكأنها تنتظر أن يطل من خلفها بخير حال كما تركته قبل رحيله.
وفي الأسفل حيث منتصف للساحة تقف كهرمان مع زوجها تحاول الحصول منه على أي معلومة قد تطمئنها على أخيها.
أما عن آزار وسالار فقد كانا وكأن على رؤوسهما الطير، لا احد يتحدث بكلمة ولا أحد يبدي أي ردة فعل عما يحدث.
كلٌ يفكر بالقادم والهدوء جاء ممهدًا للعاصفة.
ربت إيفان على كف كهرمان يحاول تهدئتها بكلمات قليلة لا يمتلك غيرها في هذه اللحظة:
- سيكون بخير لا تقلقي كهرمان، أنتِ تعلمين أخاكِ، لم ينتهي بعد من حيواته السبع.
ختم كلماته بمزاح يحاول به كسر حدة الأجواء، في حين أن كهرمان كانت تخشى تهور أخيها، أو أن يصاب بسوء اثناء تهوره ذاك.
وعلى عكس كهرمان لم تكن سلمى تظهر أي مما يدور في داخلها تترقب بصمت حتى يظهر هو. تخشى القادم فالأحزان داخل صدر أرسلان ليست بالقليلة لتتسع لحزن إضافي، صدره لا يتسع لآلام أخرى، جروحه لم تندمل بعد ليجاورها جرح جديد.
تراقب البوابة وكأنها ستسرع من عودته. الاصوات حولها غير واضحة ولا تسمع أحدهم ولا تدرك ما يحدث، حتى شعرت بيد تربت عليها.
استدارت ببطء صوب تلك اليد لتبصر فاطمة والتي كانت تراقبها من بعيد منذ دقائق عديدة، تخشى الاقتراب والتطفل عليها، حتى أبصرت حزنها يزداد على صفحة وجهها، لذا تقدمت لتكون جوارها.
_ لا تحزني كل شيء سيكون بخير بإذن الله، لقد ذهب معه المعتصم وأخبرني أنه سيعتني بنفسه وبمن معه، فلا تخشي على زوجك.
أغمضت سلمى عيونها بوجع وهي تشعر أن الأمور تتعقد أكثر وأكثر. كلما ظنت أن جروح أرسلان بدأت تُشفى، وجدت القيح ما يزال يسكنها.
تبسمت بسمة صغيرة على كلمات فاطمة وهي تهمس بصوت خافت:
_ الشخص الوحيد الذي أخاف منه على أرسلان، هو أرسلان نفسه، أرسلان عدو نفسه الأول، عسى أن يردهم الله سالمين.
ساعات مرت وهو فوق حصانه يسير خلف بعض الرجال، حتى وصل واخيرًا صوب هدفه وغايته. وقد كانت صدمته مما حدث ما تزال واضحة فوق ملامحه، يشعر أن أنفاسه لم تعد تتحرك داخل صدره بشكل طبيعي.
توقف الحصان ولم يكد يهبط عنه حتى اتسعت عيونه بصدمة يهمس بصوت منخفض مرعوب:
_ يا ويلي ما الذي حدث هنا.
كان يقف على باب الجحر وهو يحدق بما أمامه. كان المكان رماد، وقد بدا وكأن الجحيم فتح أحضانه للجحر ومن به. ودون شعور تخيل لو أن نزار معه هذه المرة ورأى ما يرى، يقسم أنه كان انهار أرضًا من الضحك.
وعلى ذكر نزار انهمرت دموع الوليد وهو يتحرك وقد شعر بالرعب على رفيقه. وبعد ساعة قضاها في التفكير لطريقة تحريره، أهداه عقله إلى اللجوء لهم. فمن أسر نزار هو أرسلان، ومن يعادي أرسلان هو أصلان. إذن عدو عدو... حليفي.
_ أين هو أصلان؟
تساءل بجدية وهو يدور بعيونه بين الجميع. وقد كانت الاجساد منتفضة تتحرك في كل مكان تحاول تدارك ما يحدث ومنهم من يحاول لملمة ما يخصه من الاغراض قبل أن يطالها شبح الخراب الذي أحدثه المعتصم قبل رحيله.
وما بين هذا وهذاك لم يبصر الوليد أصلان لذا تساءل على أمل أن تأتيه اجابه من رافقه منذ دخل للجحر. لكن كل ما وصل له كان صوت الرجل في الخلف والذي كام يبدو عليه الحنق الشديد وهو يشير صوب شجرة بعيدة شبه محترقة يقبع اسفلها مقعد وعليه يجلس أصلان بهدوء شديد يراقب المشهد أمامه بملامح صافية لا يعكرها سوى افتقاده لبروده المشروب الخاص به، وقد افسدت عليه الحرارة الناتجة من الحريق الأمر.
تعجب الوليد مما يحدث وهو ينظر صوب أصلان الذي كان يتابع الحرائق وهي تلتهم المكان بهدوء شديد.
_ ما الذي يحدث هنا؟
كان هذا السؤال صادرًا من الوليد وهو يراقب أصلان، الذي أشار بكأسه صوب الحريق أمامه مبتسمًا بسمة واسعة:
_ الجحر يحترق.
كان يتحدث وكأنه يشرح له مشهدًا لا يراه بالفعل، بينما الوليد شعر بالخوف من تصرفات ذلك الرجل المختل والذي كان يجلس متظاهرًا بعدم الاهتمام بما يحدث بعدما دمر لهم المعتصم وكرهم، أو ربما لم يكن يهتم بالفعل.
اقترب منه الوليد أكثر وهو يحاول التحدث:
_ هل أنت بخير؟
رفع أصلان عيونه له وهاله البرود وعدم الاهتمام تحيطه، لكنه ابتسم ببساطة يجيب سؤاله بسؤال في المقابل:
_ أراك وقد عدت بعدما هربت مع سمو الأمير، مالي لا أراه رفقتك؟ تراه تخلى عنك؟
_ بل انقذني وحماني.
_ كم هذا مؤثر، والآن هل مات اثناء محاولته حمايتك؟
غضب الوليد من برودته وهو يتحدث بهذا الشكل يحاول أن يهدأ نفسه متجاوزًا عن كل استفزاز أصلان ذلك:
_ بل أُسر أثناء هروبنا من أرسلان و...
قاطعه أصلان وقد اعتدل جسده وأظهر واخيرًا ملامح وتعابير توحي باهتمامه بما يحدث في الجوار وهو يردد بنبرة سوداء غريبة:
_ أرسلان؟
_ نعم الملك أرسلان اكتشف مكانه بطريقة غريبة واسره، لذا جئت اطلب مساعدتك، سأكون معك واساعدك ضد أرسلان، في مقابل أن تساعدني في تحرير رفيقي.
ابتسم له أصلان بسمة غريبة وهو يهتف بصوت منخفض:
_ عادل بما يكفي يا صديقي، أخبرني الآن ما هي المميزات التي قد تدفعني بقبول عرضك؟ هل تنفث نيران من فمك أم تمتلك قدرة خارقة لتكون عنصرًا فعالًا في حربنا ضد الممالك؟
شعر بالسخرية تخرج مع حروفه ورغم ذلك حافظ الوليد على ملامحه وهو يردد بهدوء شديد:
_ ليس هذا أو ذاك، لكنني أدرك ثغرات أبى لا يدركها الملك آزار نفسه، كما أن لي اعوانًا في كل الممالك، أنت نفسك لا تدري كم عددهم.
التمعت عيون أصلان بشكل مخيف وهو يهمس ببسمة واسعة:
_ يبدو هذا مثيرًا للاهتمام، إذن اخبرني يا صديقي العزيز كل ما...
وقبل إكمال جملته وجد أحد الرجال يهرول صوبه ليقلب عيونه وهو يهمس بضيق:
_ ها هي كارثة أخرى تهرول صوبي.
وبالفعل بمجرد أن توقف الرجل حتى هتف بأنفاس منقطعة وصوت مهتز:
_ سيدي لقد... يبدو أن... أحدهم استغل حالة الهرج تلك وأخرج النساء من الجحر و... وكذلك أنمار لا أثر له في المكان.
_ زمرد؟
استدارت زمرد صوب الصوت لتبتسم دون شعور وهي تتحرك صوب صاحب تهمس بصوت خافت مرهق:
_ كدت أنسى اسمي منك أخي.
ابتسم لها إيفان وهو يتلقفها بين أحضانه بحب كبير يربت عليها بحنان شديد، ومن ثم مال يطبع قبلة صغيرة على رأسها هامسًا بصوت هادئ لطيف:
- مالي أراكِ متعبة منذ الصباح، أنتِ بخير؟
_ مجرد إرهاق ليس إلا أخي، سأكون بخير طالما كنت عزيزي.
ابتسم لها إيفان بحب شديد وهو يزيد من ضمها، يربت عليها ويهمس لها بكلمات عدة غير مسموعة لغيرها، لكن أعين سلمى والتي كانت تبصر ذلك المشهد من شرفة القصر اتسعت وهي تهمس بعدم فهم لكهرمان التي كانت تواسيها منذ ثواني:
_ هل أتخيل كهرمان أم أن زوجك يخونك مع صديقتك في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع؟
نظرت لها كهرمان ثواني بعدم فهم تحاول ترجمة الاحرف التي نطقت بها، قبل أن تعيد عيونها صوب الساحة تبصر في أحد الاركان إيفان يضم له زمرد بلطف ويربت عليها وهو يتحدث بكلمات لا تصل لهما.
_ ماذا؟
نظرت له سلمى تهمس بتشنج:
_ ماذا أنتِ؟ أخبرك أن زوجك يعانق الآن امرأة على مرأى منكِ وأنتِ تتساءلين ماذا؟
عادت كهرمان بعيونها صوب ما يحدث في الأسفل ترسم ملامح الصدمة على وجهها بإتقان، تهز رأسها بوجع:
_ وكأن حياتي ينقصها خيانة زوجي العزيز لي.
ربتت عليها سلمى وهي تشعر بالمسؤولية تجاهها، تضمها لصدرها بحنان شديد، تتخذ دور أرسلان في غيابه، تحنو على الشخص الذي يعني لزوجها أكثر مما تعلم هي شخصيًا، وكل من يحبه أرسلان يُكرم لأجله.
_ لا تحزني حبيبتي والله خسرك، أنتِ امرأة لا تعوضين، حينما يعود أرسلان سوف نخبره بما يحدث هنا ليساعدنا في حل كل هذا، ربما يمكنه التحدث مع زوجك وتطليقك منه و...
ابتعدت عنها كهرمان منتفضة بسرعة تصيح بصدمة ننا سمعت:
_ تطليقي؟ من إيفان؟ يا ويلي ما الذي تتحدثين عنه، عسى ألا يفرقنا سوى القبر، يا فتاة زمرد هي أخت إيفان.
كانت سلمى تسمع كلماتها وهي ترمش بعدم استيعاب لما قالت، بينما كهرمان ضحكت على تعابير وجهها تمسك يدها وهي تقول من بين ضحكاتها:
- زمرد هي الأخت الغير شقيقة لإيفان، لذا لا أعتقد أن هناك مشكلة في عناقه لها، رغم أنني أخبرته سابقًا ألا يعامل هذه الفتاة اللئيمة بهذا الحنان الكبير فهي تتفنن في استفزازي بالأمر، لكن ماذا نفعل والمدللة تستحوذ على نصف قلب زوجي.
كانت تتحدث وهي تدعي حنقًا مصطنعًا تضم يديها لصدرها بغيظ شديد، وما كان من سلمى سوى أن ابتسمت لها بلطف تربت عليها:
_ لا بأس، أنتِ في المقابل تمتلكين قلب زوجي.
بادلتها كهرمان البسمة وهي تربت على كتفها بلطف مماثل تشفق على هذه الحمقاء التي لا تدرك أن قلب أرسلان كُتب بيعًا وشراءً لها:
_ ليتني أفعل عزيزتي، لكن أخي يحتفظ لكِ بسكن كامل اكبر من مساحة الممالك مجتمعة داخل قلبه، تاركًا لي غرفة خارجية مطلة على الحدائق.
ازداد نبض سلمى بقوة وقد شعرت بجفاف حلقها من سماعها لتلك الكلمات من كهرمان، فما بالكم لو كانت من أرسلان نفسه؟
حلم جميل تتمنى لو يتحقق.
التقطت كهرمان تعابيرها لتهمس لها بصوت خافت:
_ عليكِ رؤية الطريقة التي يتحدث بها أخي عنكِ، أو تبصرين نظراته لكِ، أخي لايحبك، بل يهيم بكِ سلمى فرفقًا به فما زال المسكين لم يستوعب حقيقة عشقه لكِ.
ختمت كهرمان كلماتها تزامنًا مع ارتفاع صوت المنادي في الأسفل يهز الارجاء بكلماته التي انطلقت فجأة ودون مقدمات.
_ الملــــــــك أرســــــــــــــــلان، أفتحــــــــــــوا الأبـــــــواب....
_ مرحبًا زين، هل اشتقت لي؟
رفع زيان عيونه عن الطفل أمامه ونظر لخالد ثواني قبل أن يعود صوب ما يفعل مجددًا:
_ لا لم افعل في الحقيقة.
التوى ثغر خالد دون اهتمام، تحرك صوب الفراش يراقب الصغير الذي كان ينظر بجمود غريب على عمره الصغير صوب السقف يطيل النظر به، ليرفع خالد عيونه صوب السقف يبحث عما يثير انتباه الطفل بهذه الطريقة، لكن لا شيء.
اقترب منه خطوات صغيرة يداعب خصلات الصغير بلطف لم يحرك به شيء، بل ظل جامدًا بشكل مريب، جعل خالد يضيق عيونه بعدم فهم يميل بجسده حتى اصبح رأسه مقابل الفراش:
_ مرحبًا يا صغيري، ما اسمك؟
ومجددًا لا شيء يدل على أن الطفل حي سوى أنفاسه التي يشعر بها خالد.
رفع عيونه بعدم فهم صوب زيان الذي وضع بعض الأعشاب على جروح الصغير فوق معدته:
_ لا ترهق ذاتك فهو لا يتحرك ولا يتحدث.
انكمشت ملامح خالد بحزن شديد، يرفع أنامل الصغير بغرض مداعبة بشرته بلطف:
_ أوه يا صغيري، ترى ما الذي اوصلك لهذه المرحلة يا عزيزي؟
ولم تصل له إجابة او ردة على سؤاله الاستنكاري سوى صوت فتح الباب ودخول أحدهم وقد رن صوت رقيق في المكان:
_ مرحبًا سيدي هل انتهيت من فحص عابد؟ كل شيء بخير؟
استدار خالد بهدوء صوب الصوت، قبل أن تتسع عيونه بصدمة يبصرها مجددًا، الفتاة التي لمحها سابقًا، لكن هذه المرة عن قرب يتيح له تأمل ملامحها بشكل أدق، لولا جسد زيان الذي قطع عنه الرؤية متعمدًا.
_ نعم كدت افعل لا تقلقي، يمكنك العودة صوب غرفتك وانا أرسله لكِ مع أحد الممرضين هنا بعدما انتهي.
ابتسمت له بلطف سلب المتبقي من تعقل خالد:
_ لا أريد أن ارهق أحدهم معي، أنا هكذا أفضل شكرًا لك.
_ يا ويلي مما ترى عيوني، أحقيقة أنتِ؟
توقفت الفتاة عن الحديث وقد شعرت جمدتها الصدمة مما سمعت والتعجب لما قيل.
_ ماذا؟
استدار زيان بسرعة صوب خالد ينظر له بصدمة مما قال:
_ أنت مجددًا، ألن تتوقف عن هذه الافعال؟
نظر له خالد بتحذير شديد يهمس له بضيق:
_ أنت ما الذي تتحدث به؟ ستجعل الفتاة تأخذ فكر خاطئة عني.
_ هل أنت احمق! الفتاة لا تهتم بكِ من الأساس.
_ اشش فقط لا تتدخل بيني وبين الفتاة وكل شيء سيكون بخير.
اتسعت عيون زيان بصدمة:
_ بينك وبينها؟ أي بين هذا يا بني؟ للتو رأيت الفتاة من الأساس، ومن ثم ما تفعله محظور ومحرم هنا أن تختلط بنساء لا علاقة لك بهن.
ازاح خالد زيان جانبًا:
_ فقط اهتم بالصغير لحين أهتم أنا بشقيقته.
رمش زيان بصدمة لا يصدق ما حدث منذ ثواني، ليرفع سهمًا مصوبًا به على اجنحه خالد التي فردها بتغطرس أمامها كطاووس احمق، وقد أنزله زيان لارض الواقع:
_ هذه ليست أخته، بل والدته يا عزيزي.
تحركت الخيول تجتاز أسوار قلعة مشكى، تحمل فوق ظهورها الجنود، وخلفهم البعض يحيط بنزار الذي كان يخفض رأسه أرضًا، يرفض بأي شكل من الأشكال رفع رأسه والنظر لأعين المحيطين به.
الاصوات حوله متداخلة، لكن أذنه كانت فقط مهتمة بسماع صوت واحد، لكن لم يصل له أي كلمة تحمل بصمة والده، ليبتلع ريقه وهو يحاول أن يدعي عدم الاهتمام.
هبط أرسلان عن حصانه وهو يستقبل سالار الذي تحرك صوبه بسرعة يميل عليه هامسًا ببعض الكلمات القليلة، ليرفع له أرسلان ملامحه المتشنجة، والتي لم تلين إلا عندما أبصر نظرات سالار، ليتنهد بصوت مرتفع:
_ ألقوا به في السجن لحين أخبركم أوامر بعكس ذلك.
وبالفعل بمجرد انتهاء جملته أبصر الجميع يسحبون نزار بعيدًا عن الساحة. ومن ثم رفع عيونه يبحث عن الملك آزار الذي كان يقف على بُعد صغير منه يضم يديه لصدره يراقب ما يحدث بلا تعابير تقريبًا، حتى أبصر نظرات أرسلان له ليبتسم له بحنان يحاول محو ما قال سابقًا.
لكن فجأة انمحت بسمته حينما توقف نزار دون مقدمات جوار جسده. رفع له آزار عيونه يدعي برودًا مناقضًا للأشتعال داخل صدره، ولم يكد يصدر ردة فعل على توقف نزار جواره، إلا وتراجع للخلف بصدمة حينما ألقى نزار نفسه بين أحضانه بسرعة وقد امتلئت عيونه بالدموع، يقبل كتف والده بحب ولهفة شديدة جعلت آزار يتنفس بقوة وصعوبة شديدة كي يكبت تأوه وحزنه عن أعين الجميع.
بينما نزار اكتفى بهمسة موجوعة بصوت باكٍ:
_ اشتقت لك أبي.
ولم يكد يكمل كلماته حتى شعر بالجنود يجذبونه بعيدًا عن آزار الذي اغمض عيونه بقوة يبعد وجهه عن نزار مخفضًا إياه ارضًا كي لا يبصر أحدهم دموعه التي كادت تسيل على وجنته.
يراقب من أسفل رموشه وقطرات الدموع تجمعت في عيونه، أقدام ولده تبتعد عن مكانه، يُجر بعيدًا عن الساحة صوب سجون مشكى.
ويبدو أن السجون كانت مصيرًا أبديًا لنزار، من سجون آبى لسجون الجحر لسجون مشكى، واخيرًا سجن الذنب الذي كان اسوءهم.
كان يسير مع الجنود وهو يضم يده أمامه مقيده، لا يبصر الطريق، لا يبصر شيء سوى سواد فقط. أين كان وأين أصبح؟ ما الذي فعل بنفسه، ما الذي أوصله لهنا؟ حقد وشيطان يوسوس له.
رفع عيونه ينظر خلفه صوب سالار الذي كان يراقبه بهدوء وبلا ملامح، ليبتسم له نزار بسمة غريبة من بين وجعه، ومن ثم حرك رأسه له بتحية صامتة ساخرة من واقعه.
سالار العزيز، ابن العمة حيث كانت البداية لكل هذا.
في غيابك ووجودك، كان محياكِ......
رؤياكِ ولو غابت الشمس، ما غابت....
نبيل محمد " والدي العزيز "
دخل غرفته بسرعة وهو يتحرك في المكان يبدل ثيابه كي يلحق بالجميع في غرفة الاجتماعات. لكن فجأة وقبل أن يشرع فيما يريد شعر بالباب يُفتح خلفه بقوة.
ولم يحتج للأستدارة لمعرفة الفاعل، فمن غيرها يمتلك الجرئة ليفعل كل ذلك؟
_ مرحبًا حلوتي.
تحدث وهو ما يزال يعطيها ظهره يبحث عن ثيابه في الخزانة، وهي تقدمت منه ببطء وعلى كتفها يلتصق بها موزي الذي كان في الآونة الاخيرة يسير بين طرقات القصر يعيث بها فسادًا، ومن ثم يبيت ليلته في غرفة خالد حيث لن تصل له ايادي أرسلان.
تعجب أرسلان صمتها خلفه، رغم شعوره باقترابها، ابتسم بعدم فهم وهو يستدير ينظر لوجهها يستفسر عن صمتها، لكن كل ما فعلته أنها مدت اناملها تتلمس الجروح في ظهره تهمس بصوت حنون:
_ كلما أبصرت تلك الجروح لا يتبادر لعقلي سوى سؤال واحد، هل مازالت تؤلمك؟
نظر لها أرسلان ثواني لا يستوعب سؤالها، قبل أن يبتسم بسمة صغيرة:
_ لم تؤلمني يومًا سليمى، لم تؤلمني الجروح الجسدية يومًا.
_ وهذا.... مرعب أرسلان، هذا مرعب ألا تشعر ألا تتوجع، ألا تنهار، ألا تبكي، كل هذا مرعب، هذا.... هذا يلغي كل ذرة شعور توحي بأنك حي داخلك.
نظر أرسلان لعيونها وهي تتحدث ليمسك يدها يهتف ببسمة صغيرة وببساطة شديدة:
_ لقد تخيطت ما تتحدثين عنه منذ زمن سليمى، الشيء الوحيد الذي يربط بيني وبين إنسانيتي الآن هو أنتِ، فلا تقطعي آخر رابط لي، حسنًا؟
ختم كلماته بكلمة بسيطة وسؤال ابسط جعل أعين سلمى تتسع من هول ما سمعت. كان الأمر أكبر من مجرد تراكمات ماضي، أرسلان انغمس باحزانه ولم يكتفي بالاعتياد عليها، بل تشربها حتى أصبحت هي المسلك الصحيح الذي يسلكه في حياته، حالته كانت أشبه بمدمن اعتاد ما يتعطاه وتأقلم عليه ولن يقتنع بغيره بديلًا.
على عكس فاطمة التي كان عقلها يتفنن في إبعادها عن الألم وانكاره وصنع عالم يحميه منه، كان عقل أرسلان ينجذب صوب الماضي ووجعه بإرادته بل وينقب عنه ويستمتع بالوجع ليحرص على عدم نسيانه.
كان شحوب وجهها مرعبًا لدرجة انتبه لها أرسلان الذي ألقى ثوبه على الفراش يقترب منها يهمس بريبة:
_ سلمى أنتِ بخير؟
رفعت سلمى عيونها له وقد التمعت بنظرة غريبة، لكنها في النهاية ابتسمت بسمة صغيرة وهي تردد بصوت مهتز تعود لسؤالها الأول الذي نطقته حينما دخلت للمكان:
_ هل أنت بخير أرسلان؟
ورغم تعجبه أجاب:
_ أنا بخير سليمى.
_ إذن أنا بخير كذلك.
ابتسم أرسلان ابتسامة واسعة صافية وهو يميل عليها مرددًا بحنان:
_ وسأحرص على أن تكوني دائمًا كذلك سليمى.
تنهد وهو يعتدل بجسده، يشير ثوب المرحاض:
_ سوف أذهب للاستحمام فهناك الكثير عليّ الانتهاء منه، وقد اتأخر مع الرجال في الإجتماع.
_ ما الذي يحدث هنا أرسلان ومن هذا الرجل الذي احضرته، لم افهم الأمر بشكل واضح، فالاحاديث متشعبة وغريبة.
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة قبل أن يتحرك صوب المرحاض:
_ هذه بداية النهاية سليمى.
_ ما حدث في الخارج منذ دقائق سمو الاميرة ك...
ولم يكمل زبير كلمته بسبب توبة التي رفعت عيونها له تتحدث بقوة رغم ارتجاف كل عضلة في جسدها:
_ لا أعتقد أنني بحالة تسمح لي بالتحدث عما حدث قائد زبير، ولا أظن أنك في مكانة تسمح لك بمحاكمتي عن افعالي.
اشتدت ملامح زبير بقوة لثواني ولم يتحدث بكلمة واحدة، بل فقط هز رأسه لها، ومن ثم تحرك خطوات مبتعدًا عنها، ولم يكد يخرج حتى سمع صوتًا قويًا يصدح في المكان:
_ تـــــــــوبة...
انتفض جسد توبة كما قلبها، بينما ظل زبير ثابتًا في محله لا يتحرك خطوة واحدة، كل ما فعله أنه فقط مال برأسه في تحية احترام لملكه الذي كان يتحرك بكل قوة وكأنه لم يمرض يومًا، يسير بهدوء وهو يحدق في وجه ابنته بعد أيام طويلة من الظلام والذي تلاشى منذ ساعات قليلة ولم يجد جواره أحد ليخرج ويكتشف الفوضى في قصره وبلاده.
أما عن توبة فلم تصدق حينما رأت أعين والدها مسلطة عليها لتبتسم دون وعي وهي تندفع صوبه بلهفة:
_ أبي أنت ت...
منعها بارق من التقدم خطوة بكفه ومن ثم قال بهدوء:
_ لا أعتقد أنني ربيتك يومًا على مثل هذه التصرفات توبة.
ارتجفت توبة من نظرات والدها، والذي رغم طيبته وحنانه، كان صارمًا في كل ما يخص تعاملها مع الغير خوفًا أن يستوطن الكِبر صدرها يومًا.
ارتجفت توبة وهي تنظر ارضًا بخجل تحاول أن تلملم شتاتها وتتحكم بردات فعلها قبل أن تتحدث، بينما زبير تحدث بهدوء شديد كي يكسر حدة الاجواء التي علت في المكان:
_ لا بأس مولاي، استأذنك بالرحيل.
ولم يكد يتحرك خطوة حتى تقدمت توبة بسرعة بغرض الاعتذار منه وقد شعرت بالخزي من تصرفاتها، لكن والدها كان الاسرع وهو يتحرك صوب المقعد الاول الذي قابله يهتف بجدية:
_ انتظر زبير، هناك ما يجب معرفته قبل رحيلك إذ يبدو أن ابنتي تأبى قول الحقيقة وتتهرب مني كلما سألتها.
نظرت توبة ارضًا وهي تضغط على يدها بقوة تمنع ارتجافة كادت تمتد لأجزاء جسدها بالكامل، تلتزم صمتًا احترامًا لوجود والدها، لكن كل الصمت تلاشى وحل محله هياج وصراخ داخلها وهي تسمع سؤال والدها الذي وجهه لزبير:
_ أين هو أنمار زبير؟
كان سؤالًا هادئًا وكأنه يتتظر إجابة بعينها، إجابة يتوقعها، وتوبة فقط تتنفس بسرعة، فمنذ صرحت بلا وعي بقتل طفلها ولم تضيف حقيقة أخرى خوفًا على صحة والدها.
ابتلع زبير ريقه وهو يرفع عيونه صوب الملك يتحدث بهدوء شديد:
_ مولاي لقد... هو لقد...
_ هو ماذا زبيـــــر؟! ما الــــــذي حــــدث في بلادي في غيابي ولماذا أرى الكثير من جنود آبـــــــى في الجوار ما الذي حدث هنا أخبرني؟
نظر له زبير ثواني قبل أن يصرح له بهدوء شديد:
_ لقد...انقلب أنمار علينا وحاول تدمير البلاد، وقد نشر بين الجيش رجاله الفاسدين وكادوا ينجحون لولا ستر الله ورحمته بنا ومن ثم مساعدة الملوك.
اتسعت عيون بارق بقوة ةقد كان يشعر بالريبة من أمر ذلك الخسيس الذي سلمه ابنته، لكنه أبى في لحظة غضب أن يظلم ابنته وحفيده بسبب شكه.
جلس بارق على عرشه بعد غياب شهور لا يعلم عددها حتى، يستقيم بظهره وقد اسودت عيونه بشكل مرعب يتوقع القادم والذي لن يعجبه بأي شكل من الاشكال.
_ ومن ثم؟ قص لي ما حدث زبير ولا تغفل عن تفصيلة واحدة حتى.
ومن بعد تلك الكلمات بدأ زبير يتحدث بكل ما حدث بداية من تسميمه والذي اكتشفوه لاحقًا مرورًا باختفاء حفيده وابنته واختطافهم، وتحكم أنمار بكل شيء في البلاد حتى كادت تتحول لرماد، ومن ثم دخول الملك آزار بجيشه لها.
استمع بارق لكل شيء ولم يصدر أي ملامح تدل على صدمته أو حزنه، بل فقط سواد غريب انتشر على ملامح وجهه البشوشة عادة.
وحينما انتهى زبير لم يصدر من بارق سوى سؤال واحد:
_ وأين أصلان؟
نظر له زبير ثواني قبل أن يقول بهدوء شديد:
_ اختار طريق أنمار وانضم له برجاله.
نظر بارق جواره صوب توبة التي كانت تتابع ما يحدث بوجه شاحب وكأنها تحيا ما حدث معها مجددًا:
_ الطبيب الذي عالجني كان نفسه نزار؟
نظرت توبة ارضًا بهدوء ومن ثم هزت رأسها، ليبتسم والدها بسمة مريبة:
_ إذن جهز لي الموكب فسأذهب لمشكى.
خرج من غرفته وهو يرفع قبضته يجمع خصلاته في رابطة للخلف، ومن ثم رفع رأسه يتوجه صوب غرفة الإجتماعات حيث الجميع.
لكن ما كاد يبلغ الغرفة حتى ارتفعت أبواق صاخبة جعلت القلوب ترتجف داخل الصدور، ابواق تعلو وتعلو بشكل هستيري وصوت المنادي يصرخ بنبرة جهورية:
_ احملــــــــــموا الأسلحـــــــة، هجـــــوم على العــــــاصمة، كـــــــلٌ يحمل سلاحه.
توقف أرسلان ثواني قليلة قبل أن ينتفض جسده يركض بطريقة مرعبة بعيدًا عن غرفة الاجتماعات التي اندفع منها جسد سالار بسرعة توازي سرعة أرسلان.
كلٌ يركض صوب غرفته ليحصل على اسلحته، الرجال يركضون في الممرات بشكل مرعب وقد بدأ الخوف ينتشر في الأجواء، ورائحة الموت تفوح في الهواء.
والدخان الصادر من منتصف العاصمة يغطي السماء بالكامل وصرخات الشعب تغطي اصوات الرجال في القصر.
كل شيء حدث بشكل غير متوقع، كان هدوئًا جلب خلفه أعاصير انتزعت كل جذور السلام التي تكبد أرسلان الكثير لزراعتها، عواصف أعادت شعب لم يتجاوز بعد ما عاشه سنوات للخلف.
اقتحم أرسلان غرفته بشكل هستيري وهو ينتزع سيوفه وخناجره، ومن ثم حمل حاملة السهام على ظهره، ينطلق صوب الخارج في اللحظة التي أبصر بها سلمى تندفع من غرفتها مرتعبة وهي تصرخ باسمه متمسكه بمرفقه تهتف برعب:
_ إلى أين أرسلان، إلى أين؟ لا تذهب.
نظر لها أرسلان في عيونها بقوة ينتزع يده عنها:
_ إلى بلادي التي يغتالها هؤلاء الخنازير سلمى، ادخلي غرفتي ولا تغادريها أبدًا.
ولم يكد يتحرك خطوة حتى امسكت به سلمى باكية مرتعبة من مظهره وملامحه، كان رجلًا غريبًا لا يمت لزوجها بصلة، رجل مرعب مخيف تشع منه هالة سوداء خانقة، رجل ما تمنت يومًا أن تبصره في زوجها.
وما تمنى هو أن تبصره هي به، وقد حرص طوال الوقت على إبعاد شياطينه عن زوجته، لكن حدث وابصرتها.
نظرت له تحاول التحدث من بين شهقاتها:
_ عد لي أرجوك أرسلان، اعتني بروحك لأجلي أتوسل إليك.
نظر لها ثواني نظرات غريبة، قبل أن يهز رأسه بهدوء مرعب، ومن ثم امسكها يدفع بها صوب غرفته يعطيها سيف خاص به يهتف بنبرة لا روح فيها:
_ كل من يقترب منكِ شبرًا واحدًا انزعي روحه ولا تأخذك به رأفة، سأعود لأجدك بخير، أنتِ قوية وادري ذلك، لذا... أنا لا اترك سليمى، بل اترك سول التي كان يطاردها المجرمون لأخذ روحها، ولم يستطيعوا.
ومن بعد تلك الكلمة ابتسم لها بسمة غريبة وهو يضغط على يدها التي تحمل السيف، ومن ثم خرج مندفعًا يغلق الباب بقوة صارخًا في الجنود أن يتبعوه لمنتصف العاصمة وابقى البعض ليحمي النساء والاطفال في القصر.
في اللحظة التي ركض بها أرسلان صوب الخارج، كان سالار كذلك يحمل سيفيه وهو يتحرك بشكل مرعب صوب حصانه.
وحينما خرج الإثنان وجدا الملك آزار قد سبقهما يخرج برجاله من القصر باندفاع مرعب.
يتبعه إيفان الذي خرج لتوه بعدما تأكد من تأمين زوجته وأخته وتحرك بسرعة كبيرة معهم، تاركًا دانيار لحماية القصر والنساء، وكذلك ترك أرسلان المعتصم معهم خاصة وهو يعلم علم اليقين ما قد يصيب زوجته في هذه اللحظة.
اندفعت الخيول من قصر مشكى بشكل مرعب تحمل فوق ظهورها ملوك الثلاث ممالك ومعهم بعض جيوشهم صوب ساحة البلاد، تاركين باقية الجنود والقادة يحمون القلعة ومن بها.
وهنا اندلع الجحيم.
كان الأمر بدايته بدخول الوليد للبلاد متخفيًا بين مجموعة من تجار سبز، وحينما وطأ للبلاد شرع يجمع كل أعوانه، وما هي إلا ساعات قليلة وبدأ الجميع يشعر بحالة غريبة تسود الاجواء، ثواني إضافية وارتفعت اصوات القنابل في الاجواء وانتفضت الأجساد وبدأ الجميع كل يهرع لمنزله عل جدرانه البسيطة تكون اقوى من أسلحتهم.
وقد شكل الوليد برجاله المدسوسين في كل مكان تشتيتًا ممتازًا، حتى يتمكن أصلان من تنفيذ خطته التي املاها عليه.
بدأ الكل يركض لمنزله خائفًا مما يحدث في الخارج، عدا بعض الرجال الذين حملوا العصي وتحركوا بسرعة كبيرة صوب الاصوات العالية وقد بدا أنهم اكتفوا مما يحدث واقسموا ألا يسمحوا بدورة ثانية من الذل.
وفي اللحظة التي تحرك بها رجال المملكة صوب العاصمة، كان أرسلان يتحرك مع الجميع صوبهم.
في نفس اللحظة التي تحرك بها جزء من رجال أصلان بشكل متخفي صوب قصر مشكى لتحرير نزار كما تعهد أصلان للوليد.
والجزء الثاني بقيادة أصلان كان على أعتاب آبى يدك حصونها مستغلًا غياب الملك، وقد كانت آبى خيارًا أكثر من مناسب لقربها من سبز مركز تجمهرهم.
وصل واخيرًا أرسلان صوب منتصف العاصمة حيث تجمهر الحميع في معركة غير عادلة بين كائنات بشرية بأسلحة وسيوف، ورجال بعصيّ.
هبط عن حصانه، يخرج سيفه وهو يلوح به في الأجواء وقبل أن يدرك أحدهم وجوده كانت رأس أحد الرجال تصطدم بالأرض أسفل اقدام الوليد، الذي ابتلع ريقه يرفع عيونه ببطء وقلب نابض بالخوف، ليبصر الجحيم متمثلًا أمامه على هيئة "أرسلان"، واكتمل مشهد موته برؤيته لإيفان وآزار، وأخيرًا سالار.
حرب لم يكن يتمنى خوضها يومًا في الحقيقة.
رفع سالار سيفيه في الهواء ولم ينزلهم إلا ملطخين بالدماء، وقد على الغضب وجهه وهو يمسك بثياب أحدهم يجذبه له يبتسم له بسمة جعلت الرجل يكاد يسقط أرضًا مغشيًا عليه وقد كتب الله له أن يبصر وجه سالار في الحروب والذي لطالما سمع عنه، لكن كل ما سمعه لم يكن يفي حق لحظة الرعب التي يحياها الآن.
أما عن سالار فمنحه بسمة غريبة وهو يهمس بصوت مسموع بصعوبة بسبب اصوات الصرخات والسيوف من حوله يجذب الرجل له بقوة من مقدمة ثوبه:
_ إذن أخبرني ما هو غرضكم من خلف هذه الالاعيب.
اتسعت عيون الرجل وهو ينظر له وقد بدأ جسده يرتجف يهمس بكلمات متقطعة:
_ ارح... ارحم... ارحمني ارجوك.
_ الراحم هو الله يا بني، لكن ربما يزرع الله في قلبي بعض الرأفة بك إن اخبرتني ما الذي تسعون له من خلف هذا التشتيت؟
_ أنا... ااا.... ا... أنا لا أعلم شيئًا، لقد... ارجوك ارحمني.
اشتدت عيون سالار وهو يسحب الرجل له وقد على الغصب وجهه يتحدث بشر:
_ هذه الالاعيب الغبية لا تخيل عليّ، أعلم أن هناك غرض مرجو من خلف كل هذا، لذا كن وسخ جيد وأخبرني ما تبغونه، واعدك أن اتركك وشأنك ولن اقتلك بيدي.
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وقد كانت كلماته متلعثمة غير مفهومة:
_ يريدون تحرير... تحرير أحد رجال أصلان في القصر و... احتلال آبى مستغلين وجود الجميع هنا.
ختم الرجل كلماته ليلقى به سالار بقوة بعيدًا عنه، ولم يكد الرجل يتنفس الصعداء مستعدًا للهرب حتى شعر بسيف يخترقه لتتسع عيونه بقوة، بينما رفع سالار يده في الهواء ينظر لسيف إيفان الذي اخترق الرجل:
_ وعدتك ألا اقتلك بيدي.
تحرك سالار بسرعة صوب آزار كي يحذره بما يحدث وما خطط له أصلان، في حين أن إيفان اقترب من أرسلان والذي كانت شياطينه ترافقه في الحرب.
أصوات السيوف بدأت تعلو وتعلو حتى هزت جدران القصر وقد بدا أن رجال الجيش المتبقيين يخوضون حربًا أشد وطأة من الحرب في العاصمة.
تحرك خالد بسرعة كبيرة في الممرات وهو يتحرك صوب تيّم وقد على الرعب ملامحه يحاول فهم ما يحدث، ليبصره في منتصف الساحة وقد تكالب عليه والجنود الكثير من الرجال، ليهرع له بسرعة يحاول أن يساعد، لكنه كان اعزلًا، لذا تراجع بسرعة وفي ثواني ودون تفكير كان يهرول صوب مخزن الاسلحة يحصل لنفسه على بعض السهام والتي كان الشيء الوحيد الذي يبرع به بعيدًا عن السيوف، وفي طريقه أبصر الفتاة نفسها تحمل الصغير وهي تركض به لنفس الجهة.
وصل للمخزن يبصرها تنتزع أحد السيوف تضم لها الصغير، ولم تكد تخرج من المكان حتى صُدمت بوجود خالد لترفع السيف في وجهه بسرعة ويدها تهتز برعب كبير:
_ لا... لا تقترب، لا تفعل أنا أحذرك.
رفع خالد يده بسرعة وهو يتحدث بسرعة كبيرة:
_ ما بكِ أنا لست سيئًا، أنا خالد.
نظرت له الفتاة بعدم فهم وقد تشنجت ملامحها ليهتف خالد بسرعة وقد شعر بالغباء فجأة:
_ اقصد أنني لست شريرًا في هذه الحكاية، أنا بطل هنا لست سيئًا، أنا نفسه الرجل الوسيم الذي كان مع الطفل حينما كان يعالجه زين تتذكرين؟
كانت الفتاة ما تزال ترفع سيفها في وجهه وملامحها مشوشة، وقد شعرت أنها ستنهار في أي لحظة والطفل يتمسك بها في قوة شديدة.
كانت آمنة تضمه بين أحضانها معتقدة أن كل شيء سيكون بخير حتى سمعت اصوات الصرخات والسيوف لتشعر أن حصن امانها على وشك السقوط وهي لن تسمح لهم، أن يدمروا عشها الذي بنته بتضحية شقيقتها، لذا هرولت صوب المكان الذي أبصرته سابقًا وقد كان الجنود يحصلون منه على أسلحة مقررة أن تدافع عن نفسها ضد من لا تعلم بما لا تعرف.
واخيرًا ظهر لها هذا الرجل ذو الثوب الغريب والنظرات الاغرب.
_ أنت... تراجع للخلف ودعني أمر، أنا لست... لا أثق بك، أنت تبدو لي... مريبًا.
_ مهلًا يا جميلة أي مريب هذا، هل أصابك العمى؟ ما بال نساء هذا المكان؟
نظرت له بعدم فهم ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى سمعت أصوات أقدام تهرول لهم، فدفعها خالد بسرعة كبيرة للخلف صوب الغرفة التي خرجت منها للتو يكتم فمها مغلقًا الباب بسرعة مشيرًا لها بالصمت، وهي نفذت كل ما أمر به مرتعبة من اصوات تعلمها تمام العلم في الخارج، تمنع الصوت من الوصول للطفل.
وقد بدأ جسدها يرتجف ولاحظ خالد رعبها ذلك فابتعد عنها بسرعة يهمس لها بصوت هادئ مطمئن:
_ لا تخافي كل شيء سيكون بخير، فقط التزمي الصمت.
صمت ثواني قبل أن يتساءل بجدية:
_ ما اسمك؟
رفعت له الفتاة عيونها الدامعة وهي لا تدرك ما يريد او ما يقصد وقد شعرت بالفوضى تملئ صدرها في هذه اللحظة من كثر المخاوف التي سكنته، لكنها رغم ذلك همست بصوت مرتجف:
_ حور.
تجلس وهي تضم فاطمة لها بقوة تحاول تهدئتها والأخيرة تتتفض نفضات مفزعة.
لا تعلم ما حدث، لكن فجأة وجدت كهرمان تقتحم الجناح الخاص بارسلان ومعها زمرد التي كانت تحمل سيفها، وتجر خلفها فاطمة الباكية تعطيها لها كي تتولى أمرها.
وكل ما فهمته من كهرمان أنهما أبصرا المعتصم يقف في الممر وهو يضمها بعجز كبير، عجز عن تهدئة زوجته ونوبة الفزع التي أصابتها وعن مساعدة الجيش في الخارج وقد بدأت الامور تسوء، وحينما ابصرهما شعر أنه وجد طوق نجاته ليخبرهم أن يأخذوها معهم للملكة وهي ستتولى الأمر.
وقد حدث ما قال، فبمجرد أن أبصرت فاطمة سلمى، حتى هرولت بسرعة لأحضانها تبكي بعنف وترتجف بخوف من الأصوات في الخارج والدخان الذي بدأ يغطي السماء.
وسلمى فقط تضمها وتهمس لها بكلمات حنونة تهدئها، بينما هي استمرت تهزي بكلمات عن حريق وقتل عائلتها، وتنادي والدتها، بينما كهرمان تراقبها بشفقة وزمرد تبصر ماضي شبيه في الصغير، الفرق أنها عبرت عن خوفها بالقتل والصغيرة اختارت الانطواء.
فجأة تحركت كهرمان حركات بطيئة صوب الباب الخاص بالجناح تحت أعين الجميع المتعجبة، ولكن لم يطل تعجبهم حينما استمعوا لصوت القتال يشتعل في الممرات وقد بدا أن حراس الجناح تم مباغتتهم وقتلهم.
ارتجف جسد فاطمة أكثر وقد بدأت سلمى تزيد من ضمها وعيونها تلتمع بغضب مخيف، بينما زمرد من يبصر بسمتها في هذه اللحظة يكاد يقسم أنها نالت لتوها هدية كانت تتمناها منذ سنوات.
أما عن كهرمان فهي تحركت تحمل سيفها وهي تتخذ وضعية الدفاع تنظر صوب الباب تنتظر القادم، وزمرد حملت السيف تهمس ببسمة سعيدة:
_ نعم هذا ما كنت انتظره، سلمى خذي الصغيرة للمرحاض واختبئوا حتى ينتهي كل هذا.
نهضت سلمى بسرعة تجذب معها فاطمة لداخل المرحاض، ومن ثم اجلستها على حوض الاستحمام تهمس لها بلطف:
_ فاطمة عزيزتي هل تثقين بي؟
رفعت لها فاطمة أعين باكية وبشفاة مرتجفة همست بخوف ولأول مرة:
_ أريد المعتصم.
ابتسمت لها سلمى ولأول مرة تستغيث وتطالب فاطمة بوجود المعتصم وليس والدتها وهذا شيء جيد ستؤجل فاطمة تحليله لما بعد.
مالت تمسك يد فاطمة تهمس بحنان:
_ فاطمة حبيبتي هل تثقين بي؟
نظرت فاطمة لها وهمست وكأنها لا تعي ما يحدث أو تدرك شيء:
_ أريد المعتصم.
_ سوف يأتي المعتصم، هو فقط هو فقط في الخارج يحرص على ألا يصيب احدهم سوءًا، يحرص على ألا يصيب أحدهم ما أصابك فاطمة.
التمعت الدموع بأعين فاطمة وهي تهمس بصوت مذبوح:
_ أشعر بالخوف بعيدًا عنه سلمى، الأصوات في الخارج تشبه الأصوات ذلك اليوم.
_ يا قلب سلمى أنتِ على جثتي أن يمسك أحدهم بسوء عزيزتي، أنا سأخرج الآن سأقف أمام الباب للتأكد أن ما من أحد سيمسك بسوء.
بكت فاطمة وهي تمسك يدها تهمس برعب:
_ كذلك أخشى عليك سلمى، أنا لا أريد فقدانك أنتِ أيضًا أرجوكِ، أرجوكِ سلمى.
_ لن تفعلي عزيزتي، سأكون بخير لا تقلقي، فقط أبقي هنا ولا تخرجي ابدًا حتى افتح لكِ الباب أنا حسنًا؟
_ لا تفعلي سلمى أشعر بالخوف ابقي جواري كي لا تتأذي.
ابتسمت لها بحنان شديد وهي تربت على يدها تربيته صغيرة، ومن ثم نظرت لعيونها تهمس بصوت منخفض ظنته هادئًا رزينًا، لكنه كان مرعبًا:
_ فاطمة عزيزتي هم من عليكِ الخوف عليهم من الاذية وليس العكس.
ومع انتهاء كلماتها استقامت بسرعة وهي تتحرك خارج المرحاض تغلقة وهي تقف أمامه تنظر حولها لتبصر زمرد ترفع سيفًا وكذلك كهرمان لتتحدث لها الاخيرة وهي تتجهز للقتال وقد أوشك باب الجناح على التحطم بالكامل أسفل الضربات القوية في الخارج:
_ تريدين سيفًا؟
ابتسمت لها سلمى تهز كتفها بهدوء:
_ لا أعتقد أنني اجيد استخدامه على أية حال.
نظرت لها زمرد بعدم فهم ومن ثم نظرت لكهرمان تتحدث بتعجب:
_ إذن؟ ما الذي تفعلينه في الخارج هنا؟ عودي للمرحاض واختبئي، لا يمكنك قتال هؤلاء الخنازير عزلاء.
_ من قال إنني عزلاء؟
نظرت لها زمرد بعدم فهم وقبل الاستفسار عما تقصد سلمى كان الباب قد تحطم بالكامل واندفع منه رجال كالسيل، ولم تعطهم زمرد الفرصة حتى لاكتشاف ما يقبع خلف الابواب المغلقة وما ينتظرهم حتى كانت دماء أحدهم تسيل أمام الباقيين تبتسم لهم بسمة واسعة:
_ لكم اشتاق سيفي أن يرتوي بدمائكم القذرة.
انطلقت كهرمان بسرعة وهي تقاتل أحد الرجال تحت أعين سلمى المصدومة مما ترى، لكن فجاة أفاقت على أحدهم والذي اندفع بسيفه صوبها لتحمل أول ما طالته يدها والذي كان " شمعدان" معدني تمسكه بسرعة مرعبة وهي تضربه في رأس الرجل متسببه اندفاع دماؤه بقوة في المكان.
وفي ثواني تحول المكان من جناح لأرسلان إلى مجزر، زمرد تقتل كل من يقابلها بلا تفكير وكهرمان فقط تصيب اصابات بالغة، وسلمى تضرب هذا وتحطم رأس ذلك.
حتى وجدت العدد يزداد والأمور تتأزم، وتحرك أحدهم صوب المرحاض حيث كانت اصوات شهقات خفيفة تصدر وكأنه لا يصدق أن هناك امرأة طبيعية هنا تبكي وتشهق كالنساء ويمكنه استخدامها ليخرج من هنا حي.
في اللحظة التي تحرك بها كانت زمرد تجز عنق الرجل أمامها وتحركت بسرعة صوبه، لكن في ثواني تجمدت كما الجميع حينما سمعت صوت صرخات فاطمة تعلو في المكان والرجل يخرج وهو يحمل سيفه عليها يصرخ بصوت جهوري.
_ للأسفل كلٌ تضع سيفها ارضًا ولا تدفعوني لدحرجة رأس الفتاة أمامكم.
ارتعشت فاطمة بخوف وهي تنظر صوب سلمى والجميع باستجداء، بينما سلمى اشتدت نظراتها.
وكهرمان ألقت سيفها دون تردد، أما عن زمرد قاومت وهي ترمقه بشر كبير، لكنها في النهاية خضعت تلقي السيف ارضًا بضيق شديد.
ابتسم الرجل حينما أبصر الاكفة فارغة يهتف بسخرية:
_ جيد والآن يمكنني أن أرى نساء أمامي، السيوف لا تليق بأكفافكن الرقيقة يا سيدات.
التوى ثغر كهرمان تهتف بسخرية:
_ والله الشيء نفسه معك، السيوف لا تليق بأكفافك، كما با تليق الشوارب بوجهك أنت حتى تحمل السيف بشكل خاطئ الآن.
لم يهتم الرجل وهو يشير لمن تبقى من الرجال بسحبهم:
_ خذ الجميلات للخارج سوف يسعد سيدي بالصيد الذي نلناه، مجموعة من أشراف نساء الممالك ملكات واميرات، يوم حظنا هذا، هيا تحركوا معه.
تحرك الرجل صوبهن ولم تكد زمرد تجلدهم بسياط لسانها او حتى تميل لحمل سيفها مجددًا ضاربة بتعقلها عرض الحائط.
حتى اتسعت عيونها كما الجميع تراقب سلمى في ثواني وهي تميل بسرعة تزيح طرف فستانها تظهر من اسفله حزام جلدي كالذي تضع به خناجرها، يلتف حول قدمها، لكن الفرق أن سلمى لم تكن تحمل به سيف او خنجر، بل كانت تحمل به....شيء اسود غريب عليها.
كانت ثواني هي حتى استلت سلمى مسدسها العزيز والذي كان رفقتها في الحقيبة الخاصة بها ولم تخرجه إلا اليوم حينما سمعت صوت الانفجارات خارج غرفتها.
انتزعت المسدس من حزامه الخاص واستقامت ترفعه في وجه الرجل تتحدث بنبرة خشنة:
_ فاطمة عزيزتي اغلقي عيونك.
ارتجف جسد فاطمة وهي تغلق عيونها بقوة تشعر بقرب نهايتها، تناجي ربها وتنادي زوجها.
بينما سلمى ابتسمت تهمس بتحذير:
_ لا تتقدم خطوة واحدة.
نظر لها الرجل باستهانة، يمرر عيونه على تلك القطعة السوداء الصغيرة باستهزاء، يواصل تقدمه لها ولم يكد يضيف خطوة على خطواته حتى أطلقت سلمى ودون أن يهتز لها رمش رصاصة بسرعة الضوء لتخترق رأسه ، ومن ثم ضربت رصاصة ثانية في رأس الرجل الذي يمسك بفاطمة ليسقط أرضًا في ثواني جوار فاطمة والتي كانت تغمض عيونها بقوة مرتجفة، عكس أنظار الجميع في المكان والتي كانت شاخصة.
بينما سلمى اطلقت رصاصة ثالثة في الهواء تحذيرًا لمن تبقى منهم تصرخ بصوت مرتفع:
_ الرابعة ستكون في صدر من يتجرأ ويتحرك خطوة لا آذن أنا بها يا بقايا الذكور.
_ أرسلان كفى، أرسلان كفى، أرســــــــــــلان.
توقف أرسلان عما يفعل وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد بدأ العرق ينتشر على وجهه إذ كان كما لو أنه يحارب وحده ويخشى أن ينال غيره شرف ابادتهم.
نظر حوله يتأكد أن الأمر انتهى بالفعل، ومن ثم رفع رأسه لإيفان يعيد خصلات شعره للخلف يرسم بسمة واسعة على فمه وقد بدا في مزاج جيد في هذه اللحظة يأخذ نفسًا عميقًا وهو يردد براحة شديدة:
_ كان هذا... رائعًا للغاية.
زفر إيفان بضيق وهو يجذبه بعيدًا عما يحدث يتحدث بسرعة كبيرة وقد بدأ الجنود من حوله يتداركون ما يحدث:
_ دعنا نعود للقصر بسرعة، لقد هجم الكثير منهم عليه و...
توقف أرسلان فجأة بصدمة من ذلك الخبر ومن ثم قال بلهفة وقد افتقد وجود سالار والملك آزار في الجوار:
_ سالار ذهب هناك للمساعدة صحيح؟
نفى إيفان وهو يتحرك صوب الحصان الخاص به يدفع أرسلان أمامه وقد تجمد من الرعب عما يمكن أن يصيب زوجته وشقيقته وباقي النساء هناك، وقد كانت ذكرياته السوداء لمقتل والدته في هجوم مماثل تلوح أمام عيونه، وصوت إيفان جاء من بعيد وهو يردد بكلمات غير مفهومة لم يدرك منها سوى أن الملك آزار توجه لآبى مع سالار.
ولم يكن بكامل إدراكه ليسأل عن السبب وهو يلقي بجسده على الحصان ينطلق بسرعة مرعبة وهو يصرخ في رجاله خلفه:
_ مشطوا المنطقة بأكملها وتأكدوا أن لا أحد منهم تبقى.
ختم حديثه يختفي بالكامل من مرمى بصر إيفان الذي فتح عيونه بصدمة، يصعد على حصانه يلحق به وهو يردد بغيظ شديد:
_ يارب رحمتك بي.
كان المعتصم قد اجار على كل من توقف أمامه، وعيونه تطلق نيرانًا لشدة الغضب، ذلك الهادئ الرزين تحول في ساحة الحرب لرجل لا يتمنى ولو في اسوء كوابيسه أن تبصره زوجته، والتي ربما تخشاه المتبقى من حياتها إن أبصرت ما يفعل بالرجال أمامه.
كان كوحشٍ سجن بدائيته أسفل ثوب الهدوء واللطف الذي يسير به عادة بين الممرات، إن استثنينا ساحات التدريب من الأمر.
كان يقاتل على الأرض، بينما دانيار يقف في موقعه المميز والمفضل.
اعلى سطح القلعة الشاهق يقف مع سهامه وبعض الرجال خلفه من جيش الرماة في مشكى، يحمل ثلاثة سهام يضعهم في القوس يضيق عيونه وفي ثواني كانت السهام تغادر قوسه صوب رحلة قصيرة حتى استقروا في وجهتهم داخل صدور بعض الرجال في الأسفل.
اتسعت بسمة دانيار وهو يستدير ليحمل المزيد من السهام، لكنه اثناء ذلك أبصر اتساع أعين الرجال خلفه ليبتسم بهم بسمة صغيرة غامزًا يحمل المزيد والمزيد ومن ثم نظر صوب الساحة يسقط أجساد أكثر وأكثر.
وهو يفكر في زوجته لا بد أنها الآن تنتظر في الغرفة فرصتها لتطلق المجرم الصغير داخلها، ولا يدري المسكين أن زوجته في تلك اللحظة كانت بالفعل قد قتلت لها عدد مماثل لضربة من ضرباته.
تحرك الرجل في الممرات وهو يبحث بعيونه عن مدخل للضوء يرشده حيث يريد، فما يعلمه من خلال وجوده داخل القصر أن هذا هو السجن الذي وُضع به نزار.
تقدم خطوات وهو ينظر حوله بتوتر من أن يمسك به أحدهم وتكون نهايته، فجأة، وقبل أن يخطو خطوة اضافية داخل السجن شعر بأحدهم يجذب جسده بقوة مرعبة صوب القضبان وصوت خلفه يهمس بشر:
_ أخرج مفتاحك واخرجني من هنا، الآن.
اتسعت أعين الرجل وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي:
_ سيدي... نزار؟
رفع نزار حاجبه بسخرية شديدة:
_ لم أدرك أنني مشهور هكذا لدرجة أن يدرك أحدهم هويتي من صوتي.
_ لقد... لقد جئت اخرجك سيدي، السيد وليد أرسلني لمساعدتك، الجميع في الخارج يشعل قتالًا كتمويه لخروجك.
جذبه نزار له أكثر حتى كادت القضيان تخترق جسده:
_ حقًا؟ يا لي من مهم.
_ اقسم لك.
_ تقسم لي؟ وهل لكم من قسم أو ذمة يا حقير؟
رفع الرجل المفتاح في الهواء وهو يهمس من بين أنفاسه المسلوبة:
_ لقد حصلت على المفاتيح لإخراجك واحضرت لك رسالة سيدي وليد دليلًا لتصدقني، إذ أنه علم أنك لن تثق بي.
تركه نزار ببطء وهو يراقب الرجل يتنفس بصعوبة شديدة، يمسح ذرات العرق أمام وجه نزار الذي كان يبتسم بشكل مريب يراقبه وهو يخرج مفاتيحه، ثم شرع يجربها واحدة تلو الأخرى، حتى نجح في فتح الباب واتسعت بسمته بقوة يرفع عيونه بحماس لنزار:
_ لقد فُتح.
_ نعم احسنت، والآن اعطني رسالة الوليد.
مد الرجل يده بسرعة يخرج الرسالة من ثوبه يهتف بلهفة:
_ ها هي، علينا إخراجك من هنا قبل أن ينتهي القتال في الخارج و...
توقفت كلمات الرجل وقد اتسعت عيونه وأطلق شهقة من خرجت روحه، او ربما كان هكذا بالفعل.
سحب نزار خنجره بهدوء شديد من جسد الرجل، يراقبه يتهاوى ارضًا ببطء قبل أن يبتسم يلوح بالرسالة في الهواء:
_ شكرًا لك يا خسيس.
تحرك بعد كلماته تلك يجذب لثام الرجل بسرعة يغطي به وجهه يقرر الخروج من ذلك المكان دون أن يشعر به أحدهم، ومن ثم يفكر في مكانه وأين يجب أن يتوجه بعد ذلك.
_ لنرى أي البلاد تقبل بك نزار وقد لفظتك جميع الأراضي.
هرول بجسد هزيل خارج منطقة الجحر وبسمته تتسع أكثر وأكثر وعيونه تلتمع بشكل مخيف وقد تنفس واخيرًا بحرية خارج ذلك المكان الذي سُجن به لوقت لا يعلم عدده حتى.
توقف جوار إحدى الاشجار وهو يسحب نفس عميق يستند بظهره عليها ومن ثم انهار ارضًا من شدة الارهاق والتعب، يفرك أقدامه المصابة بجروح عدة بالغة لشدة التعذيب الذي ناله من الرجال في الجحر.
ومن ثم اتسعت بسمته أكثر وأكثر حتى تحولت البسمة لضحكات، والضحكات لهستيرية غريبة، ختمها بنظرات حادة يحمل غصن من الأرض وهو يخط بعض الكلمات بأعين مظلمة، قبل أن يترك الغصن فجأة وهو يعبث بخصلات شعره التي كان يربطها بربطة بيضاء تحول لونها للأسود من شدة القاذورات التي تراكمت عليها خلال الفترة الاخير، استخرج منها ورقة شبه مهترئة، تكاد تدوب انسجتها بين أنامله، وهو يدور بعيونه عليها يراقب الاسماء التي دونها منذ طفولته.
قائمة الانتقام خاصته لكل من عاداه يومًا، أو آذاه.
نظر حوله بشكل غريب حتى يأس من إيجاد مبتغاه، فهداه عقله لجرح إصبعه ليخط على الورقة اسم إضافي أدخله في انتقامه "أصلان".
ومن ثم أخذ يراجع الاسماء بهدوء وجنون وكأنه يمحو من انتهى دوره ليفسح المجال لغيره ممن يريد التخلص منهم.
_ أمي، أبي واخوتي الحمقى جميعهم، الغبي بافل، أرسلان، سالار، إيفان، آزار العجوز، وبارق، توبة الحقيرة، أصلان القذر، واخيًرا أختي العزيزة....زمرد.
هبط من حصانه بسرعة الضوء يركض داخل القصر يتجاهل الجثث المترامية حوله والدماء التي لوثت ارضية القصر، والرجال الذين بدأوا يتحركون في المكان للمساعدة في نقل الجرحى للمشفى.
بينما المعتصم يتحدث مع تيم بهدوء شديد:
_ اسحبهم لأي مكان حتى أفكر في أي مقلب نفايات سندفنهم و...
وقبل أن يكمل كلماته كان يبصر جسد أرسلان الذي اندفع بشكل مرعب للداخل ليتحدث له ببسمة صغيرة:
_ مولاي لقد...
لكن أرسلان لم يتوقف وهو يبعده بسرعة من طريقه دون وعي، ليمسكه تيم بسرعة قبل أن يسقط، ولم يكد يعتدل في وقفته حتى اصطدم بهم إيفان والذي كان يهرول خلفه مرتعبًا على زوجته وشقيقته، ليسقطهم ارضًا بقوة وبشكل كان مثيرًا للضحك بشكل غريب في وسط كل هذه المجازر التي صنعها هؤلاء الرجال منذ ثواني.
تأوه تيم بقوة وهو يدفع المعتصم الذي نفض ثيابه بسرعة يتأكد أن لا أحد رأى ما حدث، ينبث بعدم فهم:
_ ما الذي يحدث هنا، لم يتوقف الملك للسؤال على ما حدث واندفع للداخل بشكل غريب وكأن الحرب كانت بالداخل و...
فجاة
رواية اسد مشكي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رحمه نبيل
كان ولم يكن
كانت ثواني فقط يتهادى بها للخارج وكأنه يسير في حدائق قصر والده، دون أن يحمل همًا لشيء. يسير بهدوء قبل أن يبصر الجميع يركض بشكل غريب أمامه، لكنه لم يهتم لشيء. يرفع عيونه لهم ببرود، يلقي عليهم سلامًا بسيطًا، ومن ثم انطلق يكمل طريقه صوب خارج القصر تاركًا خلفه موقد نيران مشتعل.
ثواني فقط، ثواني قبل أن ينقض عليه أرسلان والذي كان في أوج غضبه، يجذبه من ثيابه وهو يصرخ في وجهه بجنون:
_ أيها الحقير، لقد فاض الكيل منك ومن أفعالك. هذه المرة لن أحسب حسابًا للعجوز آزار وسأخلص الممالك أجمع منك ومن شياطينك أيها الخائن الـ...
وقبل إكمال كلماته وإخراج روح نزار بين قبضته، كان إيفان يتدخل وهو يجذب جسد أرسلان للخلف:
_ لا تفعل أرسلان، استحلفك بالله ألا تفعل.
لكن الأخير لم يكن يعي بكلمات إيفان ولا يبصر أمامه سوى سواد ودمار وخراب. يصرخ بجنون وغضب مرعب:
_ قسمًا برافع السموات أنني لن أرحمك هذه المرة نزار، ليس هذه المرة وسأجعل جسدك هذا بقايا جسد رجل.
سحب إيفان أرسلان للخلف بصعوبة شديدة، وقد كان يبدو كما لو أنه يتمسك بالأرض أسفله. ونزار يحاول التنفس بشكل طبيعي، يستند على الجدار خلفه والمعتصم يحيط به مخافة أن يهرب.
تحدث إيفان وهو يصرخ في وجه نزار بغيظ شديد:
_ ألم تجد خيرًا من هذا الوقت لتظهر في وجه هذا الرجل؟! هو كالثور ينتظر راية حمراء وجئت أنت تلوح بها.
نفض نزار ثيابه بضيق شديد وهو يحاول الوقوف بشكل جيد، يجيبه بملامح غاضبة وبشدة:
_ هو طوال الوقت ثور.
التمعت عيون أرسلان بغضب شديد سرعان ما تلاشى وحل محله الصدمة والرعب حينما نطق إيفان ببساطة شديدة:
_ فاتك ترويض هذا الثور على يد زوجته.
وبمجرد انتهاء كلماته حتى انتفض جسد أرسلان يصرخ برعب شديد وهو يدفع إيفان بعيدًا عنه، يهرول في الطرقات:
_ يا ويلي سلمى...
ومن ثم توقف ثواني يشير صوب نزار بشر:
_ ضع هذا الرجل في أي مكان لحين أعود له.
ومن ثم أكمل طريقه بكل بساطة. نظر إيفان لاثره وهو يشير صوب المعتصم الذي كان يتابع الحوار العبثي هذا بعدم فهم، ومن ثم قال إيفان بهدوء شديد:
_ فقط أبعد هذا الرجل عن الممر قبل أن يبصره أرسلان مجددًا.
_ هل... هل أعيده للسجن؟!
_ لا، ضعه في أي غرفة حتى ينتهي كل هذا ويعود الملك آزار لينظر ما سنفعل معه لهذا النمرود.
قلب نزار عيونه بغضب شديد من كلمات إيفان، بينما المعتصم يحاول فهم ما يحدث، لكن لا أحد يتحدث ولا أحد يفسر. تحرك إيفان خطوات كي يلحق بارسلان، لكنه توقف مجددًا ينظر صوب نزار يرفع إصبعه في وجهه هامسًا بنبرة مخيفة حادة:
_ أقسم بالله نزار إن حاولت الهرب كعادتك سأكون أنا من يتخلص منك ومن أفعالك الحقيرة تلك.
ختم كلماته يرحل تاركًا نزار يراقب رحيله بهدوء شديد وهو يضم يديه لصدره، ينظر صوب المعتصم الذي كان يراقب ما يحدث ببلاهة شديدة. يسمع صوت نزار وهو يتحدث بعد تنهيدة طويلة:
_ إذن دعنا نرحل من هنا.
***
خلف صوت الرصاصة صمت ينافس صمت القبور ليلًا. لا أحد يتنفس بصوت مرتفع حتى مخافة أن تصيبه سلمى بضربة من تلك الآلة الغريبة التي تحملها بين أناملها. الكل يراقبها بأعين متسعة.
وزمرد تراقب بأعين منبهرة.
ابتسمت لهم سلمى بسمة صغيرة وهي تتحرك تشير للجميع بالمسدس تهتف بهدوء شديد:
_ سيوفكم أرضًا.
نظر الرجلين لبعضهم البعض بتردد، قبل أن يرمي أحدهم السيف أرضًا رعبًا مما يمكن أن يصيبهم منها إن اعترض أحدهم، وتبعه الثاني لتكمل هي كلماتها بهدوء أشد:
_ والآن ضعوا أيديكم حيث يمكنني أن أراها.
نظر لها الجميع بعدم فهم لتهمس لها زمرد وهي تشير صوب أيدي الرجال:
_ ألا تبصرين أيديهم؟!
نظرت لها سلمى ثواني لتدرك أن جملتها لم تكن مفهومة لهم، وقد ترجمتها ترجمة حرفية ولم تعلم كيف تُنطق بالعربية، لكنها قالت مجددًا وهي تلوح بالمسدس في الهواء:
_ أعني أيديكم للأعلى فوق رؤوسكم وانبطحوا للأسفل.
فعل الرجال ما طلبته سلمى لتبتسم كهرمان وهي تراقب ما يحدث باستمتاع، بينما فاطمة كانت ما تزال مصدومة لا تدرك حتى ما حدث للرجلين اللذين تلقيا ضربة من آلة سلمى، لكنها كانت تتابع بهدوء وترقب للقادم.
وحينما انتهى الرجلين مما أمرت سلمى به ابتسمت برضا شديد، ومن ثم هتفت ببساطة:
_ هذا جيد والآن ابقوا بهذا الوضع حتى أرى ما يمكنني فعله بكما.
نفخت زمرد بسخرية وهي تشير للرجلين بضيق:
_ ما هذه الألعاب؟! وما هذه الوضعية السخيفة، هل نحضرهم لاستقبال قنبلة أعلى رؤوسهم؟! سوف أقتلهم وننتهي.
نظرت لها سلمى برفض شديد وهي تمسك بمرفق زمرد برفض شديد لما تقول:
_ لا يمكنك ذلك، لا يحل العنف كل شيء، لذا توقفي عن اتخاذه طريقة لحل مشاكلك هذا ليس جيدًا على صحتك النفسية.
نظرت زمرد ليد سلمى التي تمسك ذراعها ثواني قبل أن ترفعها وتحركها على الرجلين اللذين أصابتهما رصاصات سلمى منذ ثواني، ومن ثم عادت بنظراتها الساخرة صوب سلمى تميل برأسها وهي تجذب ذراعها:
_ ابعدي جناحك هذا عن يدي، وانظري حولك يا ابنتي، هل أنتِ عمياء؟! لقد ثقبتي للتو رأس الرجلين وصنعتي نفقًا بحجم حبة بندق برأس كل منهما.
أبعدت سلمى يدها عن مرفق زمرد وهي تبتسم لها بسمة صغيرة خجلة، تحاول تبرير ما فعلت منذ ثواني:
_ كان الأمر فقط أنني اضطررت لذلك، لم يكن اختيارًا وضعت به فاخترت العنف، هذا يختلف.
أشارت زمرد صوب الرجلين أرضًا:
_ نعم والآن أنا مضطرة كذلك للعنف هذا ليس اختيارًا لعلمك.
_ وما الذي يجبرك وقد جردتهما من اسلحتهما؟!
أشارت زمرد لعقلها وهي تهمس بجدية:
_ عقلي، صدقيني إن لم أفعل ذلك لن أنام ليلًا لكثرة الكوابيس التي ستأتيني، لذا دعيني أفعل ما أريده كي أنام هانئة البال.... هيا أعطني ثاقب الرؤوس هذا واخبريني أي جزء يجب أن أضغط عليه كي أفجر رؤوسهم؟!
اتسعت عيون سلمى من بساطة الحديث لتتأكد في هذه اللحظة أن كهرمان لم تكن تمزح سابقًا حينما أخبرتها أن زمرد ليست بهذا اللطف وأنها كانت مجرمة سابقًا، كانت تعتقدها تمزح معها، لكن بالنظر لوجه زمرد وبساطة الطريقة التي تتحدث بها عن القتل أدركت أنها أبعد ما تكون عن المزاح.
في هذه اللحظة وقبل أن تقرر سلمى أن تردع زمرد عن فعل شيء اقتحم أرسلان المكان بسرعة وهو يصرخ بفزع، يمرر عيونه على كهرمان يتأكد أنها بخير، يدرك أن شقيقته تدري جيدًا كيف تقاتل وتحمل سيفًا تقطع به من يقترب منها أربًا دون رحمة وهو من عكف على تدريبها، لكن زوجته المسكينة لا يمكنها سوى القتال باليد وهذا سيكون انتحارًا ضد رجال بأسلحة، لذا اقترب منها يهتف بخوف:
_ سليمى أنتِ بخير!!
تنفست سلمى الصعداء واخيرًا الصعداء حينما أبصرته بخير رغم كل الدماء التي كانت تغرق ثيابه، يتحرك صوبها وهو يعتذر منها:
_ أنا آسف أنا المخطئ في هذا، كان عليّ تأهيلك لمثل هذه اللحظات وتعليمك المبارزة لتدافعي عن نفسك، أنا آسف.
تحدثت زمرد بسخرية لاذعة:
_ والله بل واجب عليك تأهيل المحيطين بها ليتعاملوا معها.
نظرت صوب كهرمان التي كانت تراقب شقيقها وقد وجد أخيرًا ما يخاف عليه، ويحميه ويعطيه جزء من روحه ليحيي به الجزء الآخر.
لكن فجأة استفاقت على صوت زمرد زهي تردد بسخرية:
_ تراه مسكينًا، ويراها وديعة، وفي الحقيقة كان الإثنان جزارين مختلين، ليعين الله شعبكما عليكما.
دخل إيفان المكان وهو يتحرك صوبهما يطمئن على زمرد وكهرمان وهو يمرر عيونه عليهما بحنان شديد، يخرج منديل من جيبه يمسح الدماء التي تغرق وجه زمرد بفزع شديد كي يتأكد إن كانت دماءها أو لا.
لتمسك زمرد يده بلطف وهي تقبلها بحب:
_ لا تخف أخي ليست دمائي.
ضحكت كهرمان بخفة وهي تربت على ذراع إيفان بحنان:
_ تعلم أختك إيفان، لقد أثقلت في القتال.
ضم إيفان يد كهرمان بحنان شديد:
_ تفعل ما تشاء كهرمان الأهم أن تكون سالمة في النهاية.
نظر لها بحب هامسًا بصوت خافت يطمئن عليها:
_ وكذلك أنتِ جوهرتي.
ابتسمت له بحب قبل أن يقتحم دانيار المكان يطمئن على الجميع من زوجته، ليسمع صوتها وهي تتذمر:
_ أين كنت دانيار، تأخرت وفاتنا المشاركة في مشهد لقاء ما بعد الحرب مع الجميع، قصرت رقبتي والجميع يطمئن على زوجته وأنت لست هنا.
تنهد دانيار باطمئنان حينما ابصرها تقف بخير، ثم تحرك لها ينبث بلطف:
_ أتمنى أن تكوني استمتعت زمرد.
ابتسمت له زمرد قبل أن يسمع الجميع صوت أرسلان يهتف بقلق:
_ هل أصابك أحدهم بسوء...
أجابته زمرد بسخرية وهي تشير لجثة الرجلين ومن يجلس أرضًا ينتظر مصيره:
_ بل زوجتك هي السوء بحد ذاته.
حرك أرسلان عيونه بعدم فهم صوب ما تشير له زمرد، ليبصر الأجساد أرضًا بوضع غريب وميتة غريبة، والبعض يرفع يده وهو يجلس منبطحًا وكأن المعلم يعاقبه لعدم إتمام الواجب، ليتحدث بعدم فهم:
_ ما... ما الذي حدث هنا؟!
رفعت له زمرد عيونها تهتف وهي تشير صوب سلمى ساخرة معلقة على جملة أرسلان برغبته تعليم زوجته الدفاع عن النفس:
_ أقترح مولاي أن تبدأ في تعليم الجميع كيفية الدفاع عن النفس ضد تلك المشعوذة التي تزوجت بها.....
***
الهدوء كان كل ما يمكن الشعور به وسماعه في المكان بأكمله، بالإضافة إلى أصوات تنفس الصغير الذي غفى على أقدام حور وقد بدأت تداعب خصلاته بحنان، وخالد يجلس جوار الباب وهو يحمل بين يديه بعض السهام تحسبًا لأي هجوم.
فجأة شرد بها وهو ينظر لها بإعجاب شديد، رغم أن جزء قليل فقط هو ما كان يظهر من ملامحها، إلا أن ذلك الحنان المنبثق من عيونها الجميلة جذبه ورسم لها صورة أشد جمالًا في عقله لها.
حرك عيونه صوب الصغير يبتسم بلطف:
_ شقيقك الصغير؟!
_ لا بل طفلي..
انقطعت أنفاس خالد في تلك الثانية وشحب وجهه بقوة وهو يحاول إدراك ما قيل منذ ثواني، طفلها؟! كيف يكون؟!
ابتلع ريقه بصعوبة يحاول إخراج كلمات موزونة لا تظهر خيبة أمله ولا صدمته:
_ طفلك؟! تبدين صغيرة لتكوني أم.
_ وهل كان العمر عائقًا يومًا أمام الأمومة؟!
ختمت حور كلماتها وهي ترفع عيونها في وجهه ثواني، ثم اخفضتها تنظر صوب الصغير. وخالد التزم الصمت ثواني وقد فشل زحفه صوبها قبل حتى أن يقترب من حصونها، شيء مخيب للآمال ومحبط.
_ وأين زوجك يا ترى؟!
لم تجبه حور، بل فقط رفعت عيونها وهي تقول:
_ هل سنظل هنا للأبد؟! أريد الخروج، أشعر أن الأمر في الخارج قد انتهى بالفعل، لذا دعنا نخرج.
نظر لها ثواني، ثم هز رأسه لها، وتحرك صوب الباب يشير لها بالبقاء:
_ فقط ابقي هنا حتى أتأكد أن كل شيء أصبح بخير و...
وقبل إكمال جملته وجد الباب يُفتح بقوة ليتراجع صارخًا بفزع وقد فاجئه الرجل الذي فتح دون سابق إنذار.
انتفض جسد حور لصراخ خالد وهي تضم جسد الطفل تحمد ربها أن صرخة خالد لم توقظه مفزوعًا، تراقب ما يحدث بأعين متسعة.
وخالد أخرج سهمًا يلوح به أمام ذلك الرجل الذي تعجب وجودهما في غرفة الأسلحة:
_ من أنتما وماذا تفعلان هنا؟!
فتحت حور فمها للتحدث، لكن اوقفها خالد وهو يسد الرؤية عنها وقد احتل الفراغ بينها وبين الرجل:
_ اسمع يا هذا، مرورك صوب الفتاة خلفي سيكون على جثتي، إذا كنت تريد العبور لها، فعليك بالتخلص مني أولًا.
ختم كلماته وهو يضع السهم داخل القوس بسهولة، ومن ثم رفعه في وجه الجندي الذي كان يراقب ما يحدث وعلامات استفهام كثيرة تحلق فوق رأسه؛ أكبرهم، من هذا الرجل الغريب؟!
في تلك اللحظة جاء رجل ثاني يحمل بعض الأسلحة، يحرك عيونه في المكان بعدم فهم:
_ ماذا يحدث هنا؟!
هز الرجل كتفه بعدم فهم وهو يشير صوب خالد:
_ لا أعلم ما يحدث وهذا الرجل الغريب يردد كلمات مريبة، لا أعلم كيف جاءوا لمخزن الأسلحة.
لوح خالد بالسهم في وجوه الاثنين محذرًا:
_ تحدث ببطء يا هذا فأنا لا أفهم هذه الكلمات السريعة، واحذرني فأنا قد أبدو وسيمًا وراقيًا، لكن خلف غطاء الرقي هذا يقبع مجرم على استعداد لتحطيم هذا المكان فوق رؤوس الجميع إن اقترب أحدكم مني.
ضرب أحد الرجلين يد بالاخرى وهو يدفع خالد جانبًا، يضع الأسلحة في مكانها:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، شفاك الله وعفاك يا أخي، أنصحك بالتزام الصلاة والذكر، وسيشفيك الله بأمره من هذا الجنون.
نظر لهم خالد وهم يتحركون لرص الأسلحة دون حتى الاهتمام به وهو يقف في منتصف الغرفة يحمل السهم، بينما حور تضم لها الصغير في ركن الغرفة ترمش بعدم فهم لما يحد ويقال.
استدار لها خالد ينظر لها ثواني قبل أن يبتسم ببلاهة:
_ المساكين من شدة الخوف يتصرفون ببلاهة غير محسوبة.
رفعت له حور حاجبها، ليتحرك صوبها، ينحني بسرعة يلتقط جسد الصغير بين أحضانه بشكل طبيعي وكأنه اعتاد فعل الأمر:
_ دعينا نخرج من هنا قبل أن يفيقوا من صدمتهما.
ختم جملته يتحرك بسرعة للخارج وهو يحمل الصغير وحور تراقب أثره بأعين متسعة مصدومة، قبل أن تهرول خلفه كي تأخذ منه الصغير:
_ أنت ما بك؟! أعد لي طفلي أيها المختل.....
***
اتسعت أعين أرسلان وهو يحرك عيونه على ما فعلت زوجته، يحاول فهم ما حدث، ومن ثم رفع عيونه صوبها لتمنحه سلمى في هذه اللحظة أكثر بسماتها لطفًا ونظراتها وداعة وهي تضم كفيها أمامها تحمل بينهما مسدسها، ورغم ذلك حاولت ألا يؤثر وجود المسدس على صورة الملاك البرئ الذي تحاول رسمه.
بينما زمرد هزت رأسها وهي تقول باقتناع:
_ والله صدقتها.
أما عن أرسلان فكان ما يزال يحدق بهت بملامح غير مفسرة يشير صوب الجثث:
_ أنتِ من فعل هذا؟!
ابتسمت له تهز رأسها بنعم، ومن ثم أشار أرسلان على الرجلين الذين يجلسان أرضًا في انتظار حكمه:
_ وهذا؟!
ومجددًا هزت رأسها، ليشير على جثث أخرى لتنفي بسرعة وهي تدافع عن نفسها أمامه:
_ لا هؤلاء لم أفعل لهم شيئًا أقسم، كانت كهرمان أو زمرد.
وافقتها زمرد وهي تشير صوب أحد الرجال أرضًا بفخر:
_ نعم هذه الجثة هي صنع يدي، وهذا هناك لكهرمان، يمكنكم رؤية الفرق بالطبع، بين من يقتل بحب ومن يقتل بعدم احترافية.
تحركت أعين الجميع صوب زمرد التي لم تفهم سبب نظرات أحدهم.
ليزفر أرسلان بصوت مرتفع يمسح وجهه بقوة:
_ حسنًا، لن نتناقش الآن في الجثث وصنع يد من هي، الآن تحركوا جميعًا خارج هذا المكان حتى يتم نقل الجثث بعيدًا وتنظيفه فلا يمكنكم الجلوس في مثل هذا المكان طويلًا ورؤية هذه الجثث..
أشار لهم دانيار بسخرية كبيرة:
_ نعم صحيح، لا يمكنهم رؤية صنع أيدهم، هذا سيضر بنفسيتهم.
استدارت له زمرد بحنق شديد:
_ ماذا تريد أنت؟! أن أصاب بحالة نفسية صعبة الشفاء وأنا اجلس ساعات بين كل هذه الدماء؟! اارجل يخشى حدة المشهد على أعيننا وأنت لا تبالي.
تأتأت بصوت مرتفع، قبل أن تنظر له من أعلى لأسفل بحنق شديد، تمسك يد كهرمان ومن ثم تحركت لتجذب فاطمة والتي كانت صامتة بشكل غريب وهي تراقب الجميع بأعين شاردة وبعدم إدراك وكأن دوامة ابتلعتها.
ألقت زمرد نظرة أخيرة على سلمى:
_ أنتِ الحقي بنا ودعيهم ينتهون من عملهم عسى أن يرتاح السيد دانيار.
ختمت حديثها وهي تتحرك خارج الغرفة تاركة دانيار يراقبها بأعين متسعة مصدومة يحاول إدراك الخطأ الذي ارتكبه من الأساس، ليتنهد بصوت مرتفع يمسك الاحياء منهم يخرجهم معه صوب السجن.
بينما إيفان نظر نظرة صغيرة صوب أرسلان، ثم استأذن بهدوء يخرج من المكان تاركًا له الوقت ليطمئن على زوجته، وتحرك هو لينتهي من الاهتمام بكل شيء وتوابع الهجوم...
وبمجرد أن خرج آخر شخص من المكان..
مال رأس أرسلان بهدوء حتى استقر على كتف سلمى التي رفعت كفها تضم رأسه بحنان شديد وهي تميل عليه برأسها ويدها تداعب خصلاته التي كانت هائجة بشكل يحكي عن المعركة التي خاضها.
وأرسلان فقط يتنفس بهدوء يحاول إيجاد سلامه على أكتافها، يلقي سيفه أرضًا للمرة الثانية لأجلها، ومن ثم رفع كفيه يستبدل سيفه بخصرها، يضمه بحنان مناقض لمسكته السيف سابقًا، واخيرًا وجد أرسلان روحه الهائمة بين أحضانها لسلمى.
ومرت الدقائق طويلة بينهما على هذا الوضع، أرسلان يرتشف منها راحة وسكينة افتقدها طوال ثلاث عقود عاشهم فوق هذه الأرض، وسلمى تستمد أمانًا عاشت عمرًا تنبش عنه بين غدر الحياة.
استكان أرسلان لها، وامنت سلمى بين أحضانه....
واخيرًا وبعد دقائق اضافية، سمعته سلمى، يهمس بصوت منخفض مرهق:
_ متى الخلاص سليمى؟!
ابتسمت سلمى بحنان وهي تطبع قبلة صغيرة على رأسه والتي ما تزال مستقرة على كتفها:
_ قريب أرسلان، قريب يا عزيزي.
_ وإن لم يكن قريب فهل تكوني؟!
نظرت له سلمى بعدم فهم، ليرفع رأسه هامسًا بحب:
_ كوني خلاصي من شياطيني، ونجاتي من نفسي سليمىٰ.....
«شخص واحِد فقط؛ تستطيع أن تقولَ أمامه أنك مهزوم ولا تجرحك حِدة الكلمة، مهزوم، ولا تجرحك شفقَة النظرة، مهزوم، ويميل رأسُكَ على كتفه ببساطة»
***
توقف سالار فجأة قبل بلوغ حدود آبى وقد شعر بالخطر يتحرك حوله والأصوات تختفي بشكل مريب..
نظر له آزار بعدم فهم:
_ سالار ما بك و...
فجأة صمت حينما شعر بنفس شعور سالار، وقد بدأ جهاز الإنذار يصدح داخل عقله بضراوة منبهًا إياه لخطر قريب.
بينما سالار ضيق عيونه بتفكير يحركها بين الأحراش وكأنه يخضعها لأستجواب عما تخفيه بين أشجارها الكثيفة، يدرك في أعماقه أن هناك شيء غريب يحدث حوله.
_ هذا فخ..
همهم سالار ردًا على جملة آزار وقد شعر بالمثل، وكم كان ممتعًا لسالار التعامل مع شخصٍ بمثل عقل أصلان، ذلك الحقير يدرك جيدًا كيف يلاعبهم.
أخرج سيفيه يشهرهم في الهواء يردد بصوت شبه مسموع:
_ الحمدلله أن أطال الله في عمري لأرى خنزيرًا يفكر.
فجأة وقبل أن يجيبه آزار ظهر العديد من الرجال يخرجون من بين الأشجار يرفعون سيوفهم في الهواء أمام سالار وآزار ومن معهم.
وانبثق صوتٌ من بينهم يردد بهدوء شديد:
_ مرحبًا يا رجال مر وقت طويل ها؟!
رفع سالار عيونه صوب جسد أصلان الذي خرج من بين الرجال، ليبتسم له بسمة هادئة صافية لا تظهر أيًا مما يدور داخله.
_ والله أنت الأعلم مني أصلان، فأنا بالتأكيد لا أحسب الأيام في بُعدك لأخبرك إن كان مر وقت طويل أم لا، لكن يبدو أن الخوف الساكن في جوفك كان له الفضل في جعلك تعد الأيام في انتظارنا.
_ أوه لكم اشتقت لكلماتك الحكيمة سالار، مازلت كما أنت.
هبط سالار عن حصانه بهدوء شديد وهو يتحرك صوب أصلان الذي لم يهتز له شعرة واحدة:
_ منذ متى وتساوت المقامات بيننا أصلان؟! أراك تناديني بسالار وكأنك رفيق قديم لي؟!
_ أولم نكن؟!
_ انقطع الخير بيني وبينك حينما قررت التخلي عن نفسك لصالح الخنازير أصلان.
ادعى أصلان كل الحزن داخل صدره وهو يتنفس بصوت مرتفع وبشكل يدل على خيبة الأمر والضيق:
_ خسارة حقًا...
_ لا بأس عليك اعتياد الخسارة بشكل عام فهناك الكثير منها ينتظرك.
اتسعت بسمة أصلان بشكل مريب ثم همس بصوت خافت وصل واضحًا لسالار:
_ لا بأس سأنتظرها على عرش سفيد إذن.
نظر له سالار ببرود وهو يضغط على سيوفه يتجهز للقتال قبل أن يلقي أصلان بقنبلته:
_ ألم أخبرك؟! بينما تشرفني أنت والملك آزار في مصيدتي المتواضعة تلك، ويلملم أرسلان ما يحدث داخل مملكته مع إيفان، هناك جيش آخر يتوجه لسفيد ويحكم سيطرته عليها، وهذا ما اسميه أنا بالحرب الباردة.
_ أوه حقًا ومن أين ستحضر جسدًا يجلس على العرش أصلان؟!
نظر له أصلان بعدم اهتمام وهو يرسم أكثر الملامح الباردة والمستفزة أعلى عيونه، بينما سالار أكمل:
_ فبينما ينتهي أرسلان من بقايا ذكورك، ويتخلص تميم من نصف جيشك، أكون أنا دفنتك بأرضك.
_ سنرى بهذا الشأن، من يدري ربما يخرج رجالي منتصرين في كل الحالات، إما بسفيد، أو ربما بغنيمة ثمينة، كزوجتك مثلًا..........
***
الإِنسانُ يتألَّم بالوهَمِ أكثر مما يتألمُ بالحقيقة.
- الرّافعي.
تحرك بين الممرات بعدما انتهى من حبس نزار في إحدى غرف القصر، يبحث بعيونه وبكل اللهفة داخله على زوجته، لكن وقبل أن يعثر عليها فجأة توقف في منتصف الطريق حينما أبصر جسد إلياس يقطع طريقه.
_ جيد أنني وجدتك، هناك من يريد لقائك و...
دفعه المعتصم جانبًا دون اهتمام يتجاهله كليًا وهو يهرول بعيدًا عنه دون كلمة واحدة تاركًا إلياس يراقبه بأعين متسعة من تصرفه معه، يحاول إدراك ما حدث منذ ثواني.
ليشتعل وجهه بالضيق الشديد وهو يتحرك خلف المعتصم بإصرار وكأنه لا يبصر حالة الدمار التابع للمعركة التي يغرق بها القصر أو البلاد، إذ كان إلياس لا يبصر أبعد من أنفه ولا يرى غير غايته ورغبته الوحيدة التي بنى كامل حياته عليها وليس على استعداد ليخطط لحياة جديدة متخليًا عما بناه سابقًا.
تحرك المعتصم صوب غرفته كي يبحث عن فاطمة وبمجرد أن دخلها وجد الصمت يملأها حتى شعر أنه يكاد يختنق بهذا الصمت المريب، وأدرك في ثواني أن فاطمة ليست في هذا المكان.
سقط قلبه رعبًا خشية أن يكون أذى قد صابها، وتحرك مهرولًا خارج المكان يبحث عنها بين ممرات القصر وقد هداه عقله أن يبحث لدى الملكة لربما يكون قد أبصرها أحدهم.
وفي طريقه لجناح الملك توقف حين سماعه صوت بكاء مرتفع يدركه جيدًا، توقفت أقدامه وتباطئت حركته شيئًا فشيء، حتى استقر أمام جسد صغير مكوم في أحد الممرات وحوله العديد من الأشخاص الذي لم يبصر منهم أحدًا وهو يركض مفزوع صارخًا باسمها:
_ فاطمــــة.
في تلك اللحظة وقبل وصول المعتصم بثواني وبمجرد خروج زمرد مع فاطمة، شعرت بها تتوقف فجأة، نظرت لها بعدم فهم وهي تدعوها لإكمال المسير، لكن فاطمة ظلت مكانها تأبى التحرك خطوة تهمس كلمات منخفضة غير مفهومة.
اقتربت منها زمرد تهمس بحنان:
_ فاطمة ما بكِ؟!
نظرت لها فاطمة بأعين دامعة ووجه شاحب غريب:
_ أريد المعتصم...
نظرت لها ثواني وهي تحاول فهم ما تقصد قبل أن تخمن بلطف وهي تحاول إمساك يدها مجددًا:
_ المعتصم هذا زوجك؟!
لكن فاطمة جذبت يدها بعيدًا عن زمرد بعنف وهي تتراجع للخلف مرة ثانية تهتف دون إدراك لما حولها:
_ أريد المعتصم، أين هو؟!
بدأت تنظر حولها بحثًا عن مصدر أمان واحد لها، لكن المحصلة كانت صفر، لم تدرك منهم أحدًا، ولم يتعرف عقلها على أحدهم ليبدأ جدار الحماية الذي كان يفرضه حولها بالانهيار أسفل تيارات القلق والخوف.
وابتعدت فاطمة للخلف باكية وهي تهتف باسم المعتصم وأمها، وقد بدأ جسدها يرتجف وهي تهتف باسم المعتصم متراجعة للخلف دون أن تنظر أين تخطو، وانتهى بها الأمر ساقطة أرضًا لتطلق كهرمان مرتعبة وهي تهرول صوبها ترفع طرف ثوبها كي تستطيع الجلوس أرضًا جوارها.
_ بسم الله، ما بكِ فاطمة، اهدأي عزيزتي زوجك ربما في الخارج وسيعود.
لكن فاطمة فقط نظرت حولها بأعين ضبابية وقد بدأت دموعها تتساقط دون التحدث بكلمة، والوجع الذي سكن عيونها في تلك اللحظة جعل دموع زمرد تسقط دون شعور وهي تبصر نفس نظراتها حينما سجنت في سجون أخيها، نفسها نظرات الرعب والقلق، لكن الفرق الآن أن سجن فاطمة أشد من سجون أخيها، كانت الصغيرة سجينة عقلها.
فجأة ظهر رجل يركض في المكان وهو يهتف باسم فاطمة برعب، يركض صوبها وهو يلتقط جسدها دون كلمة واحدة بين أحضانه.
وكأن وجود المعتصم في هذه اللحظة كان بداية لتحرير مخاوف فاطمة وانهيارها، إذ في ثواني ودون كلمة واحدة انفجرت في البكاء داخل أحضانه، تتمسك بثياب المعتصم وهي تردد كلمات غير مفهومة:
_ في الداخل، كان في الداخل.... الجميع في الداخل والحريق يأكل كل ما يقابله، لقد كاد يقتلني.... والحريق... أبي وأحمد يا المعتصم.
بالنسبة للجميع كانت كلمات فاطمة غير مفهمومة ولا معروفة لهم، لكن للمعتصم، كان يعلم ما تقصده من كل حرف يخرج من شفتيها، يربت عليها بحنان شديد:
_ لا تبكي عزيزتي أنا هنا، ولن اسمح لشيء بالحدوث، لا تبكي فاطمة لا سوء سيمسك عزيزتي، أنا هنا.
نظرت كهرمان للمشهد أمامها، وقد قررت أنه عليهما الرحيل، امسكت بكف زمرد تجذبها بعيدًا، بينما الأخيرة عيونها معلقة بفاطمة وقد آلمها قلبها على كل تبصره من انهيارها.. لكنها في النهاية رحلت بهدوء مع كهرمان تدعو أن تعثر فاطمة على مخرج لها من السجون التي تضع بها نفسها.
دقائق مرت وهو يضم له فاطمة والعجز يرسم خطوط واضحة على وجهه، وفي لحظة يأس شعر المعتصم أن حياته وزوجته ستفنى بين الأحزان.. لكن رحمة الله به تجلت في الثانية التالية يسمع صوت يأتي من نهاية الممر ينادي باسم فاطمة، ولم يكن ذلك الصوت سوى سلمى والتي بطريقة ما علمت ما حدث وهرولت صوبهم.
ابتعد المعتصم عن فاطمة وهو ينظر لسلمى بتوسل وكأنه يخبرها بنظراته أن تغيث زوجته وتنقذها قبل أن تبتلعها مخاوفها.
بينما سلمى فقط جلست على أقدامها وهي تتحدث بكلمات كثيرة نصفها لم يصل لفاطمة، والنصف الآخر حاولت دفعه بالقوة داخل عقلها...
_ فقط تنفسي فاطمة تنفسي وانظري حولك عزيزتي، لا احد هنا ولا نيران، فقط انظري نحن في القصر حيث لا شيء سييء سيطولك، المعتصم هنا وأنا هنا والجميع حولنا، هيا انظري حولك هيا...
رفعت فاطمة عيونها لسلمى ودموعها تسقط بخوف وجسدها يرتجف، بينما فاطمة فقط ضغطت على كفها تتحدث بصوت حنون:
_ كل هذه مجرد أحلام، كل ذلك ماضي صغيرتي، لا شيء هنا ولا نيران ستبتلعك، انظري لي، هل تشعرين بحرارتها؟!
نظرت لها فاطمة ثواني وسلمى استرسلت في كلماتها:
_ هل تشعرين بحرارة النيران هنا؟! هل تسمعين أصوات صرخات حولك الآن؟!
نظرت لها فاطمة ثواني بأعين زائغة تحاول التنفس بشكل طبيعي وهي تنظر حولها بأعين ضبابية بسبب دموعها، قبل أن تبتلع ريقها، تشعر بسلمى تمسك كفها تمدها في الهواء رافعة إياها أمام عيون فاطمة:
_ هل تستشعر كفك أي حرارة!؟
حركت فاطمة عيونها صوب كفها وهي تحاول فهم ما يحدث، ثم نفت برأسها، بينما سلمى ابتسمت لها بحنان:
_ والآن انظري جوارك من هذا؟!
حركت فاطمة عيونها ببطء صوب المعتصم تهمس بصوت منخفض:
_ المعتصم..
_ نعم المعتصم، اسمعيني فاطمة حيثما يكون المعتصم يكون واقعك عزيزتي، المعتصم الآن هنا، إذن لا حريق ولا دماء، هذا واقعك حبيبتي.
كان أرسلان في الخلف يتابع ما يحدث ورغم عدم فهمه للأسلوب الذي تتبعه زوجته والكلمات التي تبدو للغير في منتهى البساطة، إلا أنه انبهر حينما أبصر هدوء فاطمة واستيعابها ما يحدث حولها، وكأنها لم تكن تحتاج سوى لتأكيد صغير أنها بخير وكل شيء حولها بخير.
ابتسمت سلمى وهي تربت على رأسها بحنان، تنظر صوب أرسلان الذي ابتسم لها بحنان، ومن ثم همست لها وقد قررت أن تكمل معها جلساتها المنقطعة:
_ ما رأيك بالمجئ معي والجلوس في شرفتي؟! زرعت بعض الورود الجديدة تعالي لترينها.
نظرت فاطمة للمعتصم الذي رسم بسمة صغيرة بصعوبة بالغة على فمه، وهو يشير لها برأسه أن تذهب معها، فنهضت فاطمة بهدوء تتحرك مع سلمى التي كانت تمسك يدها بحنان.
تاركة المعتصم جالسًا أرضًا يتابعها بأعين جامدة بعض الشيء قبل أن يشعر بيد أرسلان على كتفه يربت عليه بحنان:
_ ستكون بخير يا أخي.
رفع له المعتصم عيونه يبتسم بسمة صغيرة، وقبل التحدث بكلمة أبصر الجميع إيفان وهو يتحرك في الممر بشكل مرعب وملامح مخيفة وقد بدا أن الذئب الوديع كشر عن أنيابه، وهذا نادر الحدوث في العادة.
لحق به أرسلان محاولًا فهم ما يحدث ليصدمه الرد حينما قال إيفان ببسمة مرعبة:
_ يبدو أن العزيز أصلان لن يهدأ له بال إلا حينما يبصر شياطيني، لقد تحركت جيوشه لسفيد وتميم هناك يقود باقية الجيش وحده..
***
كانت جملة واحدة نطق بها أصلان على مسامع سالار ليكون رد الأخير عبارة عن خنجر صغير استقر جانب معدة أصلان دون حتى أن يستوعب الأخير ما يحدث.
ابتسم سالار بسمة مخيفة وهو يميل على أصلان هامسًا بشكل مخيف يسحب خنجره بكل بساطة من معدة الأخير:
_ أنت لن تحب الخوض في أحاديث معي خاصة في هذه الجزئية، قد أجادلك بردود تزهلك، واسمعك من الألفاظ أعذبها، لكن حينما يصل بنا النقاش لزوجتي فسلاحي فقط من يتحدث.
رفع سالار خنجره الذي كان غارقًا في دماء أصلان، يمسحه بتقزز في ثوب الأخير وبسمة صغيرة ترتسم على شفتيه:
_ لا تقلق لن تقتلك الضربة، فقط ستتسبب بوجع قاتل يجعلك تتمنى لو كانت الضربة قاتلة، لكنك ستحيا في نهاية الأمر، وهذا ليس رحمة مني، بل لأن الحقير أرسلان جعلنا نقسم واحدًا تلو الآخر بأغلظ الإيمان أن لا أحد سيقتلك، وأنا يا عزيزي ما اعتدت أن أحنث بقسمي.
ختم كلماته يراقب وجه أصلان الذي كان يحاول إظهار جمود واخفاء وجعه عن وجه سالار، لكن غلبه الألم وهو يضغط على جرحه يتراجع ببطء قبل أن ينهار أسفل أقدام سالار، وكاد أحد رجاله يتقدم من سالار لقتاله، لكن أصلان ليس بالغبي ليلقي برجاله في قتال مع سالار ودون قيادته، هو سيحتاج لكل يد في المستقبل، لذا أشار لهم بالانسحاب وهو يرسم بسمة بصعوبة على فمه يتحدث بسخرية:
_ إذن اسمح لي باستغلال هذا الكرم السالاري والرحيل الآن، وتذكر أن لنا لقاء قريب يا عزيزي.
ابتسم له سالار بسمة واسعة وهو يشير له بيده ليتحرك بعيدًا عنهم، لكن ما كاد أصلان يتحرك مع رجاله حتى سمع صوت سالار يردد ببرود شديد وبسمة أشد برودًا:
_ وحدك...
رفع له أصلان عيونه بعدم فهم وقد كان يتماسك بصعوبة في هذه اللحظة ألا ينهار أمامه:
_ لقد أقسمت عليك أنت فقط وليس على رجالك، لذا إن أردت الخروج من هنا، فغادر وحدك....
ختم كلماته بنبرة مظلمة مخيفة تبعها جحيم مستعر بقيادة آزار على رجال أصلان.....
***
في الوقت ذاته كان تميم يتوسط ساحة العاصمة في سفيد وهو يحمل سلاسل حديدية يطيح بها كل من اقترب منه، يقود جيوش سفيد للتخلص ممن دخل خلسة للبلاد..
_ كل الصلاحيات متاحة لكم يا رجال، الأهم أن توصلنا لنتيجة واحدة، التخلص منهم، ولكم حرية اختيار الطريقة.
كانت تلك الكلمات التي نطقها تميم قبل أن ينقض على كل من يقابله يطيحه أرضًا وهو يبتسم ينتزع منهم السيوف يراقبها بسخرية لاذعة:
_ تقتلوننا بأسلحتنا يا أوغاد؟!
ختم كلماته وهو يطيح رجل آخر أرضًا وقد كانت الأعداد كبيرة بشكل غريب على مثل هؤلاء الشرذمة..
أما عن قصر سفيد فقد كانت تقف في النافذة تراقب المكان في الأسفل بأعين هادئة تسمع صوت برلنت خلفها:
_ هل تعتقدين أن كل شيء سيكون بخير تبارك؟!
_ إن شاء الله سيكون برلنت، لنأمل ذلك.
ابتعدت عن النافذة وهي تشعر بالتوعك الشديد والتعب يكاد يهزمها، إذ فجأة شعرت بالظلام يبتلعها بالكامل وهي تكاد تسقط أرضًا لولا يد برلنت التي أمسكتها بسرعة وهي تصرخ بخوف:
_ يارب يا رحيم، تبارك ما بكِ، تحركي معي صوب الفراش أرجوكِ، تحركي معي.
لكن تبارك في هذه اللحظة كانت فقط تجاهد لفتح عيونها وهي تشير صوب جزء من الغرفة، تتبعت برلنت عيونها لترى أنها توقف تشير صوب الخزانة التي تجاور السرير:
_ ماذا؟! ماذا يوجد هناك.
_ الدواء...
كلمة نطقت بها بصعوبة لتتركها برلنت بهدوء أرضًا تتحرك بسرعة كبيرة صوب الخزانة تفرغ ما بها حتى وجدت عقاقير طبية لتتحرك بها مجددًا صوب تبارك تهمس لها بخوف:
_ ماذا أفعل تبارك ارشديني لأساعدك.
مدت لها تبارك يدها وهي تنزع منها الدواء ومن ثم تناولته، وما هي إلا ثواني حتى بدأت تشعر بجسدها يسقط في موجة إرهاق كبيرة وقد كان آخر ما همست به هو اسمه....
***
في الوقت الذي كان رجال سفيد يتجهزون للتحرك من مشكى صوب سفيد، سمع إيفان صوت الصقر الخاص بسفيد يصدح في المكان بصخب، ليرفع رأسه يحدق به يدور في السماء وكأنه يبحث عن مرسى له، ليطلق إيفان صفيرًا مرتفعًا ينبه الصقر لمكانه، وما هي إلا ثواني وهبط يستقر على مرفق إيفان يحمل رسالة في قدمه، انتزعها إيفان منه بسرعة وهو يمرر عيونه عليها، وثواني فقط حتى تنفس الصعداء وابتسم بسمة صغيرة:
_ كل شيء تحت السيطرة...
صمت ثواني وهو ينظر لأرسلان يفسر له أكثر:
_ تمكن تميم من احتواء الهجوم وقتل ما استطاع وأسر الباقيين لحين عودتي.
_ بهذه السهولة؟!
_ نعم بهذه السهولة، وهذا ما يقلقني، أصلان ليس أحمقًا ليخاطر بهذا العدد من رجاله لأجل لا شيء، هنا وفي سفيد وكذلك آبى، لقد خاطر بالكثير من رجاله ولأجل ماذا؟!
وقد كان هذا السؤال هو نفسه ما يدور برأس أرسلان، إذ كان على يقين أن ما فعله أصلان ليس هباءً الرجل يعلم جيدًا ما يفعل ومتى يفعل، وهذا الهجوم الذي شنه على الثلاث ممالك في وقت واحد لا يشي إلا بكارثة يجهز لها ويطهوها على نار هادئة.
رفع عيونه لإيفان يبصر أن الآخر يفكر في نفس ما يفكر به، وقد أصابه هذا الأمر بحيرة أكبر.
لكن وقبل أن يفكر أحدهم بصوت مرتفع فيما يحدث، أو يعلن عن شكوكه، أعلن حارس القلعة وصول وفد من آبى.
انتفض إيفان يبصر بأعين متسعة تحرك الملك بارق فوق حصانه داخل قلعة مشكى، ولم يكن أرسلان أقل صدمة من إيفان يهمس ببسمة واسعة وسعادة:
_ الملك بارق...
توقف وفد آبى بقيادة بارق، ليهبط الأخير بهدوء وحذر وقد كان ما يزال يعاني من بعض توابع السم الأخير.
اقترب منهم بارق بهدوء شديد ورغم ذلك مانت مشيته لا توحي إلا بقوة رغم كل ما ألمّ به خلال الأيام السابقة.
راقبه الأثنان وهو يتحرك صوبهما بخطوات رزينة، وحينما اقترب منهما ابتسم يفتح ذراعيه لهما، ليكون أرسلان أول من يلقي بنفسه بين أحضانه بلهفة ولوعة يهتف بسعادة طاغية:
_ عم بارق، حمدًا لله على سلامتك، الحمدلله الحمدلله على سلامتك يا عم.
ضمه بارق بحنان شديد وهو يربت على ظهره، لطالما وجد بارسلان ولده الذي لم ينجبه، كما وجد به أرسلان بعضًا من حنان والده الذي كان ينقب به في أبيه.
تنفس واخيرًا براحة وهو يهمس:
_ الحمدلله أنك بخير، لا أصدق أنني أراك واقفًا أمامي الآن..
ابتسك له بارق بحنان وهو يشدد من احتضانه:
_ وأنا كذلك اشتقت لك أرسلان.
جذب إيفان أرسلان بعيدًا عن بارق وهو يضمه بحب مرحبًا:
_ دعني أرحب به كذلك يا رجل.
ضمه بارق ضاحكًا وهو يربت عليه:
_ تعالى يا بني، اشتاق بارق العجوز لكم جميعًا، عسى أن الكثير لم يفوتني.
ابتعد عنه إيفان وهو ينظر لأرسلان الذي ابتسم بسمة جانبية يهتف بسخرية خفيفة:
_ لا تقلق فاتك عمر بأكمله مولاي، عمر يوازي سنواتك الكثيرة التي عشتها يا عجوز.
ضربه إيفان بخفة موبخًا، ليضحك بارق بصوت خافت:
_ مازلت كما أنت أرسلان لا لاجم للسانك ولا يدك.
اتسعت بسمة إيفان الساخرة وقد كان يتحين الفرصة ليرد ضربات أرسلان السابقة له:
_ أوه، سيصدمك مولاي أن أرسلان بالفعل وجد من يلجم يده ويهذب لسانه، وبدلًا من السبات أضحى يلقي أشعارًا، زوجته جاءت لتغيره من رجل كهف لشاعر.
نظر له أرسلان بشر بينما اتسعت عيون بارق بعدم فهم:
_ زوجته؟!
ابتسم له أرسلان باستفزاز:
_ ألم أخبرك أن الكثير فاتك أيها العجوز.
فجأة أبصر الجميع جسد يتهادى خارج الهودج الذي كانت الخيول تجره داخل القلعة، ولم يكن ذلك الجسد سوى لتوبة التي سارت مرفوعة الرأس تأبى أن تنحني أمام أحدهم، تدرك أن الجميع هنا يلومها لما فعلت وما أجرمت به، تنتظر نظرات اتهام ونفور.
لكن وعلى عكس توقعها، لم يرفع أحدهم نظره لها بالسوء، بل اخفضوا أنظارهم، ومال أرسلان برأسه مرحبًا بصمت، بينما إيفان اكتفى بتحية صغيرة:
_ مرحبًا سمو الأميرة.
هزت لهم توبة رأسها وهي تمسك طرف ثوبها تميل قليلًا ومن ثم اعتدلت تنظر حولهم وكأنها تبحث عنه بين الممرات، وكأن نزار سيكون حرًا وينتظر وصولها ليتسقبلها.
ابتسمت من خلف غطاء وجهها بسخرية لاذعة، وهي تنظر صوب والدها الذي امسك يدها بحنان يجذبها معه:
_ نطمع في كرمك أرسلان، أريد منك توفير غرفة كي ترتاح ابنتي.
هز له أرسلان رأسه يجيب بنبرة هادئة يظهر بها احترامه الكبير للملك بارق:
_ سبق واخبرت سمو الأميرة أن الأرض أرضها مولاي، فلا يستأذن أحد ليحصل له على مكانِ في أرضه، أي غرفة تريدها سمو الأميرة لها بالطبع.
ابتسم له بارق وهو يشير لابنته بالتحرك، لتودع الجميع بهزة رأس دون كلمة واحدة حتى، تتحرك بروح باهتة في المكان تبحث عن كيف العزيز الغائب تتمنى أن تصطدم به ولو صدفة..
***
أما عنه فقد تم سجنه في غرفة صغيرة لا تحتوي سوى فراش وخزانة ومرحاض صغير وطاولة طعام ضئيلة الحجم بالكاد تكفي لجلوس شخص واحد.
لكن نزار نبذ كل ذلك وهو يجلس في ركن الغرفة في الظلام يراقب نافذته بأعين جامدة وماضي بعيد يمر به، حيث بدأ كل شيء.
"والدك يحب سالار أكثر منك وهذا ما يعلمه الجميع نزار"
رفع نزار الصغير عيونه صوب رفيقه في درس الأعشاب الذي كان يداوم عليه، ينظر له بعدم فهم:
_ هذا غير صحيح، أبي يحبني وكذلك يحب سالار، لكنه يحبني أكثر، أنا ولده الوحيد.
التوى ثغر المراهق الذي كان يرافقه يشير بعيونه صوب ما يفعل نزار ساخرًا:
_ أنظر لنفسك ولما تفعل، والدك لا يبتغي طبيبًا، بل يبحث عن ولي عهد قوي جسور كسالار والذي أضحى من أشد الجنود هنا رغم السنوات القليلة بينكما، والدك حينما يريد تسليم العرش لأحدهم بالطبع لن يكون ولده اللطيف الصغير الذي يتلاعب بالأعشاب، الحكم لن يُدار بالطب.
كانت كلمات كبيرة على مجرد مراهق، لكن ذلك الشاب والذي كان في السابعة عشر من عمره، يتدرب صباحًا مع سالار في الجيش، ثم يأتي لدروس الأعشاب مساءً ليرضي والدته، كان يردد ما يراه ويردده الجميع بدورهم.
نظر نزار للأعشاب بين أنامله بأعين حزينة، لا يفهم ما يحدث، لكنه فقط ترك كل شيء وتحرك من المكان دون أن يجيب نداء أحدهم، يبحث عن والده بعيونه والحزن يملئ صدره، وكم كانت لحظات حزنه وضعفه مدخلًا مناسبًا للشيطان..
وأثناء بحثه عن والده سمع صوته يصدح من جهة ساحة التدريب ليتحرك صوبها بلهفة سرعان ما تلاشت حينما أبصر والده يقاتل سالار في الساحة ثم سقط أرضًا يضحك بقوة وقد تحرك له سالار يساعده للنهوض، ثم بدأ ينفض الغبار عن ثوبه ليبتسم له آزار بحنان يضمه بحب شديد.
صورة ومشهد حُفر في عقل نزار الصغير ليحتفظ به المتبقي من حياته دون شعور...
ومن بعد ذلك اليوم بدأ نزار يلتصق بوالده ويصر عليه أن يعلمه المبارزة كسالار، يطلب منه أن يجعله مقاتلًا بارعًا منه، بحثًا عن نظرة فخر داخل عيون والده.
لم يبتغِ ملكًا يومًا، لكن كان يبتغي مكانة في قلب والده لا ينافسه أحد عليها، ولا حتى سالار....
ولولا غشاوة الغضب ونار الحقد التي تعمي عيون نزار، لأبصر كيف ينظر له والده طوال الوقت بحب وحنان.
حاول سالار خلال السنوات التي قضاها معهم أن يتقرب من نزار، والذي كان ينبذه بشكل غريب، مما جعل سالار يبتعد عنه بالمثل دون اهتمام لما يفعل، حتى جاء الوقت ورحل لسفيد كي ينضم لجيشهم هناك.
كانت لحظة انتصار وسعادة غامرة لنزار، الذي شعر أن الحياة واخيرًا تمنحه فرصة التفرد بقلب واهتمام والده.
وبدأ نزار يكبر يومًا بعد يوم ليتناسى خلال تلك الأيام هذه الأفكار السخيفة، وبدأ يدرك أن سالار يومًا لم يبتغِ حكمًا، ولم يهتم بملك آبى، أو تسيد قلب والده، وأن كل أفكاره القديمة كانت مجرد أفكار طفولية لا أساس لها.
شبّ نزار واضحى طبيبًا ماهرًا وقائد جيوش قوي، يقود جيوش آبى، وخلال ذلك تعرف على الوليد ورفاقه، وهذه كانت بداية انحدار آخر في حياة نزار...
خرج نزار من أفكاره وهو ينهض من مكانه يدور في تلك الغرفة المظلمة يبحث بها عن بقعة ضوء، لكن الغرفة كانت مظلمة ظلام يماثل حياته.
أغمض عيونه وهو يضحك بقوة، ضحكات لا معنى لها سرعان ما انقلبت لشهقات مرتفعة وجمل كثيرة من ماضيه تتردد في أذانه...
" نزار والدك يحبك، لكن إن وضع في اختيار يومًا بينك وبين سالار سيختار الأخير، لذا عليك بالحفاظ على حقك في آبى، وأنا أدرك الطريق لذلك..."
" لم أحبك يومًا، ربما اعتدت وجودك، لكنني لم أحبك، لطالما أحببت غيرك وأُجبرت عليك، لذا وفر علينا هذه اللحظات والتي ستجرحك وحررني"
" لم أعتقد أنني سأصل للحظة التي أخجل فيها من كونك ابني نزار، كسرت ظهري وخيبت أملي بك أيها الحقير..."
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب النافذة يفتحها بقوة وكأنه على وشك الاختناق والكثير من الذكريات التي ظن أنه دفنها تمر أمام عيونه، فتح النافذة واخيرًا يسحب نفسًا عميقًا يحاول أن يغلب تلك الذكريات..
وفجأة خرج طوق نجاته من بحار ظُلمته، ليتمثل له على هيئة "توبة"، المرأة الوحيدة التي سكنت جزءًا لم يطئه أحدهم طوال حياته، المرأة الوحيدة التي سكنته في اللحظة التي لم يعد قلبه بها صالحًا للعيش، بل وحولته جنة.
ابتسم دون شعور وهو يراقبها تتهادى من أمام عيونه صوب المبنى الخاص بغرف مشكى، يتابعها بهدوء بأعين شغوفة، طيفها الذي أصبح رفيقًا له في أحلك لحظات حياته، وآه فقط لو تمنحه الحياة فرصة صغيرة، آه لو ترضى عنه الحياة يقسم أنه ما كان تركها تبتعد عنه ثانية واحدة.
اتسعت بسمته رغم الحزن الذي ملئ عيونه وهو يبصرها وقد اختفت وتلاشى طيفها.
ولم يدرك نزار أنها لم تكن طيفًا، بل كانت حقيقة ملموسة....
***
بعد ساعات...
_ لا أصدق أن كل هذا حدث أثناء غفوتي.
التوى ثغر أرسلان بسخرية لاذعة وهو ينظر في عيون الملك بارق:
_ غفوة من مولاي؟! لقد كانت ميتة صغرى وأعادك الله لنا بمعجزة.
نظر له إيفان بحاجب مرفوع وتوبيخ صامت، ليهز أرسلان كتفه بعدم فهم:
_ ماذا؟! لقد سأل وأنا أجبت.
ضحك بارق ضحكة صغيرة وهو يستمتع بما يحدث أمامه يشعر بالحياة بعد شهور من الموت كما قال أرسلان.
ضرب إيفان كتف أرسلان بغيظ شديد ليرميه الأخير بنظرة مشتعلة وقبل التحدث كلمة واحدة، فُتح الباب معلنًا عن وصول آزار الذي هرول بشكل محموم صوب بارق يجذبه لأحضانه بخشونة وقد كاد ينفجر في البكاء من السعادة.
_ بارق أنت لم تمت بعد الحمدلله.
انحنى ثغر أرسلان في بسمة كبيرة وهو يميل برأسه صوب إيفان الذي قلب عيونه بضيق شديد يتمتم بصوت غير مسموع:
_ لولا معاشرتي لك وأنت طفل لقلت أنك ابنه لآزار لا يعقل ألا تكون تلك الجينات بكما غير متوارثة.
اطلق أرسلان ضحكات مرتفعة وهو ينظر صوب آزار الذي كان يأبى ترك بارق يخرج من أحضانه يربت عليه بحنان شديد وحب أشد.
اقترب أرسلان من إيفان يهمس له:
_ أنظر للملك آزار كيف يضم له بارق رافضًا أن يتركه من أحضانه وهو فقط نام بالفراش لعدة أسابيع، وأنت أيها الحقير عانقتني ثواني معدودة بعدما عدت من موتة طويلة.
تأتأ بضيق وهو ينظر لإيفان من أعلى لأسفل بحنق شديد جعل إيفان ينظر له بصدمة، قبل أن يبتسم له هامسًا بسخرية:
_ لا بأس في ميتتك القادمة سأعطيك حضنًا يستمر لساعات.
_ نعم سأضمك معي بنفس القبر، فلن أرحل وأتركك تهنأ بالحياة بعدي أيها الـ....
صمت فجأة ومن ثم تأفف:
_ استغفر الله جلستي معك تفسد أخلاقي بالكامل.
ختم حديثه يبتعد عنه بشكل جعل أعين إيفان تكاد تخرج من محجريهما، يبتسم بعدم تصديق.
بينما سالار يقف بعيدًا يرحب ببارق رافضًا الاقتراب منهما كي لا يفقد أعصابه بسببهما، يدعي أنه لم يأت بعد.
_ إذن ما الذي حدث؟! عدتم بسرعة وهذا شيء... مريب.
كانت تلك جملة أرسلان التي نطق بها بمجرد أن استقر الجميع على المقاعد وكم كان الأمر عبثيًا، هجوم هنا ومن ثم لا شيء، هجوم على آبى ومن ثم لا شيء، هجوم على سفيد وايضًا لا شيء.
_ لم يدخل أحدهم لآبى وهذا ما تأكدت منه، لقد كان فخًا ليبعدنا عن مشكى وكذلك عن سفيد.
_ ربما كان مجرد استنزاف للقوات أو....
تحدث إيفان وكأنه التقط حروف سالار التي على وشك النطق بها:
_ تمهيد لدس أعوانه في جميع الممالك، لنفكر في الأمر سفيد ومشكى وآبى وسبز لا مملكة سلمت منه اليوم إلا وزرع بها جيش للقتال و...
قاطعه أرسلان فجأة وهو يفكر بصوت مرتفع:
_ هذا ليس ما يجب أن تفكر به إيفان، بل كيف ومتى استطاع الدخول لكل هذه الممالك رغم الحراسات على الحدود، إلا لو كان بالفعل يمتلك ما يعاونه على ذلك داخل كل مملكة.
ونعم كان حديث أرسلان في هذه اللحظة أكثر ما يدور داخل عقول الجميع، دخول الرجال بهذه السهولة للأربع ممالك سقطة في حكمهم، وكأن جميع حدودهم مفتوحة لهم.
_ يبدو أننا نحتاج لشن حملات تطهير للجيوش والبلاد.
كانت تلك الجملة التي نطق بها آزار وهو يراقب ملامح الجميع حوله، لتعلو كلمات المعتصم يشارك واخيرًا بعد صمت طويل من جهته هو ودانيار:
_ سبق واستجوبت أحد الرجال الذين اكتشفت وجودهم داخل الجيش وما علمته منه أنه هنا منذ أشهر وهناك الكثير مثله، وهذا يعني أن الأمر ليس اليوم ولا البارحة، بل منذ شهور ومع كل هجمة تُشن تزداد أعدادهم، حتى يصل بهم الأمر لأن تصبح جيوشنا بأكملها من رجالهم.
ضم أرسلان كفه وهو ينظر للجميع بعيون ونظرات وصلت واضحة الجميع، حتى أن آزار زفر بقوة وهو يضرب الطاولة:
_ ليس مجددًا أرسلان...
ابتسم له أرسلان وهو يشير على الجميع حوله:
_ لا حل غير هذا، سبق وسبقناهم بخطوات مولاي، والآن نحن نتراجع علينا أن نعلم ما يكنون وما يخططون له، ولا حل غير هذا.
نظر الجميع لبعضهم البعض نظرات غامضة لم يفهم منها المعتصم او دانيار شيئًا، قبل أن ينهض أرسلان يستند بيده على الطاولة وهو يأمر المعتصم بهدوء شديد:
_ أحضر ذلك الحقير نزار يا المعتصم.
نظر المعتصم حوله بتردد قبل أن ينهض يهز رأسه بطاعة وتحرك بهدوء خارج المكان تاركًا الكل ينظر لبعضهم البعض، وآزار ينظر صوب أرسلان بشر، بينما الأخير فقط ينظر صوب الباب ينتظر دخول نزار يدعي عدم انتباهه بنظرات آزار.
قطع بارق كل ذلك الصمت يردد بهدوء شديد وهو يضم كفيه أمامه:
_ كان نزار هو من ساعدني للشفاء من السم الذي وضعه لي ذلك الوسخ أنمار.
نظر الجميع له ليخبرهم بارق ما حدث بهدوء شديد.
وقبل أن يجيب احدهم الملك بارق بكلمة فتح الباب ودخل المعتصم يقود أمامه نزار الذي تحرك داخل المكان بملامح جامدة لا توحي بشيء، يراقب الجميع بأعين لا توحي بالنيران داخل صدره .....
***
كان يجلس في أحد أركان الغابة وهو يختبأ بين الأشجار يحاول أن يتلاشى أي دورية تمشيط للمنطقة، يكتم تأوهاته من الوجع الذي تلبس جسده، وبعد ساعات طويلة أخيرًا قرر أنمار الخروج من جحره.
يجر أقدامه على حدود مشكى يبتسم بسمة واسعة خبيثة:
_ أحيانًا تكون الفوضى ذات فائدة كبيرة.
صمت ثواني قبل أن يكمل:
_ بل لطالما كانت الفوضى ذات فائدة لمن هم مثلي.
تحرك داخل الغابة وهو يشعر بالتعب يتمكن منه، وقد فقد كامل طاقته وقوته في الطريق، شعر بعدم قدرته على استكمال المسير ليجلس جانبًا وقد جف ريقه وقد كاد يموت عطشًا.
دقائق أو ربما ساعات جلس أسفل الشجرة وهو يتنفس بصعوبة، قبل أن يسمع أصوات جواره وأحدهم يهزه بخفة:
_ هل أنت بخير يا أخي؟! تبدو متعبًا.
فتح أنمار عيونه بصعوبة وهو يحاول تمييز الوجوه حوله، لكن فشل في ذلك وكل ما استطاع النطق به بصعوبة هو كلمات معدودة:
_ ماء... أريد ماء.
أخرج أحدهم قارورة كان يعلقها في حقيبته وهو يمدها صوب أنمار، ليمسكها الأخير مختطفًا إياها من بين أنامل الرجل بلهفة شديدة، يرتشف كل ما بها وقد كاد يفقد روحه عطشًا.
واخيرًا ترك القارورة يتنهد براحة وهو يغمض عيونه، يستند رأسه على الشجرة خلفه مبتسمًا بهدوء، لولا صوت الرجل الذي هتف بتعجب:
_ هل أنت بخير يا أخي؟!
تشنجت ملامح أنمار وهو يرفع عيونه للرجل بسخرية من تلك الكلمة التي نطقها، لكن فجأة تحدث أحد الرجال في الخلف:
_ هل ضللت الطريق أو ما شابه؟! كيف وصلت لهنا؟!
فتح أنمار عيونه بلهفة شديدة وقد ارتسمت بسمة خبيثة غريبة على شفتيه يجيب:
_ نعم صحيح، لقد ضللت الطريق فهلّا ساعدتموني في الوصول للعاصمة؟؟؟؟
***
_ إذن أنتِ لن تمنحيني واحدة من تلك الآلات العجيبة؟!
داعبت سلمى خصلات فاطمة والتي سقطت في نومة عميقة بعد ساعة تقريبًا من الحديث معها بشتى الأمور، ترفع عيونها صوب زمرد:
_ مسدس تقصدين؟!
_ نعم ثاقب الرؤوس، أريد واحدًا لي، سأدفع لكِ مقابله ١٠٠٠ قطعة ذهبية.
ارتفع حاجب سلمى بسخرية شديدة:
_ لا حاجة لي بذهبك عزيزتي، أنا ملكة مشكى وامتلك الكثير من هذه العملات.
صمتت ثواني تنظر صوب كهرمان تسألها بجدية:
_ أليس كذلك؟!
ابتسمت لها كهرمان بسمة واسعة:
_ نعم كذلك، لديكِ الكثير من الذهب هذا غير مهرك الذي سيقدمه لكِ أخي قبل إتمام الزواج.
_ مهر؟!
هزت كهرمان رأسها تبتسم بسمة لطيفة:
_ هدية تقدم من الزوج للزوجة قبيل الزواج، وفي الحقيقة، هي حق أكثر منها هدية.
التمعت عيون سلمى مما سمعت تهمس بلهفة:
_ وهل سيقدم لي أرسلان المثل؟!
مالت زمرد على كهرمان تتحدث بصوت مرتفع وقد قصدت أن تصل الكلمات لسلمى لثير حنقها:
_ هذا الفتاة جشعة، عليكِ تحذير شقيقك منها.
_ مهلًا أنا لست كذلك، أنا فقط احببت فكرة أن يهديني أرسلان شيئًا من اختياره.
صمتت وقد أعاد لها عقلها صورة تلك الزهور التي قطفها بنفسه من حدائق سبز فقط لأنها اعجبتها، وقد كانت هديتها الأثمن قبل أن تفقدها قبيل اختطافها.
نغزت كهرمان زمرد بحنق:
_ توقفي عن هذا، ثم يحق لزوجة أخي أن تتدلل.
ابتسمت لها سلمى بخجل شديد وهي تعيد خصلاتها للخلف وقد لمعت عيونها الخضراء ببريق خاطف، بينما زمرد قلبت عيونها بضيق:
_ لا يهم، متى ستحضرين لي ثاقب الرؤوس؟!
تنهدت سلمى بصوت مرتفع:
_ إن شاء الله حينما تنبت لي أجنحة واعود لعالمي أحضر لكِ واحدًا.
_ إذن اعطني خاصتك حتى تحضري لي واحدًا.
زفرت سلمى بصوت مرتفع وهي تهمس بملل:
_ يا ويلي منكِ زمرد.
_ هكذا دون سمو الأميرة؟! يا امرأة متى تساوت الرؤوس؟!
نظرت لها سلمى بسخرية، وقبل أن تتحدث بكلمة واحدة سمع الجميع صوت طرق على باب الجناح الخاص بسلمى حيث تجمع الجميع، ومن بعدها ارتفع صوت الحارس يهتف بجملته معلنًا عن هوية الطارق:
_ سمو الأميرة توبة أميرة سبز.....
***
_ لم يخبرني أحدهم أنني سأحل ضيفًا على مجلس إشراف الممالك.
رفع أرسلان حاجبه وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد كانت رؤية وجه نزار تحرك داخله الجزء الحقير به:
_ فقط حاول ألا تكثر كلماتك نزار فأنا لن أتحمل لك أكثر من خمس كلمات في هذه الجلسة ومن بعدها سأحطم عظامك.
رفع نزار حاجبه بسخرية شديدة:
_ اعتذر من جلالتك.
_ هذه ثلاث كلمات، تبقت اثنتان فحاول استخدامهم بحكمة.
قلب نزار عيونه بسخرية يسمع صوت إغلاق الباب خلفه وقد تحرك المعتصم ليقف خلفه وكأنه ينتظر منه حركة غدر ليخرج سيفه ويجز عنقه.
لتتسع بسمة نزار وهو ينظر صوب أرسلان:
_ لم يكن هذا استقــ..
وقبل إكمال جملته تحرك أرسلان من مكانه ينقض على نزار بالضرب دون أن يمنحه حتى فرصة التنفس من بين ضرباته، كان يضربه والجنون يعميه وهو يصرخ في وجهه بكلمات كثير غير مترابطة:
_ أيها الحقير من تظن نفسك أنت ها؟! تتصرف بعقلك دون العودة لأحد؟! هل تعلم ما حدث لوالدك في غيابك أيها الوسخ؟!
ختم حديثه وهو يسقط نزار أرضًا بشكل جعل الأخير يطلق تأوهًا مرتفعًا، يتنفس بصوت مرتفع يمسك جسده يحاول الاعتدال، بينما تحرك سالار يجذب أرسلان بعيدًا عن نزار صارخًا بغيظ:
_ أرسلان ما بك أنت؟! ليس هذا ما اتفقنا عليه.
ابتعد أرسلان يكبت شياطينه بصعوبة وهو ينظر بكامل الغضب صوب نزار الذي كان يستقبل ضرباته دون رد من جهته وكأنه يعاقب نفسه بهذا الشكل، يعطي كامل الحق لأرسلان، هذا رجل خسر شعبه ووالدته وتدمرت بلاده ولم تنهض بعد، وكاد يموت ذلك اليوم.
رفع رأسه بصعوبة صوب أرسلان ينظر في عيونه بأسف، وهو يهمس ببكاء وعجز والدماء تغطي وجهه:
_ أنا.... آسف حاولت إنقاذ والدتك ذلك اليوم ولم ...أستطع ...اقسم أنني حاولت لقد ...علمت متأخرًا ما حدث ...
بكى بصوت مرتفع وهو يتذكر تلك الليلة والتي كانت الجحيم بعينه عليه:
_ اقسم أنني حاولت لكنني لم أستطع، تأخرت كثيرًا ولم أصل إلا حينما تحول ملجأ النساء لرماد و..... أخبروني أنهم تخلصوا من جثتك وذهبوا لحرقها، آسف اقسم أنني آسف....
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يبتسم بوجع وروح مذبوحة وهو يتذكر الطريقة التي قُتلت بها ولولا رحمة الله به لكانت كهرمان كذلك واحدة من النساء اللواتي ذهبن ضحية خيانة مستشارة.
أبعد أرسلان عيونه عن نزار وقد كانت تلك المواجهة الأولى مع نزار بعدما حدث له، وقد رفض أن يلقاه مئات المرات، إذ لم يتجاوز بعد ما حدث.
ونزار رغم كل ما مر ما يزال يلوم نفسه على ما حدث، سقطت دموعه دون شعور وهو يهمس بصوت منخفض لا يهتم للدماء التي تسيل على وجهه:
_ وصلت متأخرًا، لم ...
صمت ولم يقو على الحديث بكلمة إضافية، ليتحرك له سالار يميل عليه وهو يساعده لينهض، يضمه له بقوة وحنان مربتًا على كتفه لينهار نزار في هذه اللحظة وهو يتذكر تلك اللحظة التي وصل بها لقصر أرسلان يوم الهجوم على مشكى.
دخل القاعة الخاصة بالعرش ليجدها خالية إلا من جثة أرسلان الملقية في منتصف المكان وهو يهزي بكلمات غير مفهومة، نظر نزار حوله بسرعة قبل أن يركض صوبه وهو يجذب رأسه على قدمه بلهفة:
_ أرس
رواية اسد مشكي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رحمه نبيل
في الماضي البعيد، حيث بدأ كل شيء...
كان الشيطان، الذي أقسم على إضلال العباد، متعهدًا ألا يسكن جهنم وحده. بدأ يستغل لحظات ضعف كل إنسان ليتسرب إلى حياته مفسدًا إياها. يقنعك أنك فقير مقهور رغم تقواك، والآخر غني مرفه رغم فسوقه. أي عدل هذا؟
أنت مريض لا حول لك ولا قوة، رغم أنك عشت حياتك بشكل صحي حريصًا على سنوات عمرك. وغيرك ممن عاش حياته لهوًا ولعبًا، يتمتع بصحة تتمناها كل ثانية.
وهكذا كان يستغل كل مدخل قد يفتح له بابًا يعبر منه صوب نقاط الضعف التي قد تسحبك سحبًا للمعصية. يستغل كل خطوة تبتعد بها عن ربك ليقربك من جماعته.
وكان مدخل نزار في ذلك الوقت "غيرة". غيرة بدأت فطرية على والده الذي كان أقرب ما له في هذه الحياة، قبل أن يأتي من يقاسمه الاهتمام والحب، بل ويمنحه أكثر مما أعطاه هو. أو ربما هذا ما ظنه هو وزينه شيطانه، واستغله شياطين الإنس.
كان يتحرك بين الطرقات الوعرة في الجبال يسير مع الوليد وبعض رفاقه الذين كان يقضي معهم بعض أوقاته بعد التدريب. لا يصدق أنه وافقهم وأتى معهم لهذا المكان، بل وتحدث لبافل وسلم له روحه وبلاده على طبق من ذهب.
أتى معهم ليبيع نفسه لبافل وجماعته ويتعاون معهم لأجل... لأجل لا شيء. لا يدري نزار مرأبه مما يفعل الآن. وكأنه حينما استمع للوليد ووافقه بعد صدمة كبيرة من اكتشاف حقيقة خيانتهم لوالده، كان مخدرًا حينما تبعهم. أعمى الغضب عينيه وغطى الحقد بصيرته ليسير خلف سراب لن يطاله منه سوى الهلاك له ولغيره.
فبدلًا من تسليم الخونة لوالده بمجرد معرفتهم، ركض ينضم لهم، ويسلم خطط الملوك وبعض الأسلحة لبافل على طبق من ذهب دون شعور حتى منه. ليستفيق بعد كل هذا في صدمة عظيمة من فعلته.
فجأة شعر نزار بتوقفهم. ليفتح عينيه ويبعد الغمامة التي أعمته طوال طريق العودة من مخبأ بافل. يرى أنه وصل أخيرًا للقصر.
تنفس بعمق وكأنه كان يغرق. يسمع صوت الوليد جواره يربت على كتفه بتشجيع:
"صدقني لن تندم يا صديقي. منذ اليوم وستكون الكلمة العليا لك في هذا المكان. غدًا ألتقي بك لنتفق على ما سيحدث في الخطوة القادمة. آن الأوان لنغير تاريخ الممالك يا أخي."
نظر له نزار بأعين ضبابية وتعجب وكأنه لا يعي ما يقول الوليد. أي تاريخ هذا؟ هو لا يطمح لتغيير شيء. هو لا يبتغي شيئًا عدا أن يكون مقربًا من والده كما كان سالار. لا يبتغي سوى الاهتمام ممن يحيطه والحب، والتقدير لما يحب. أن يحبه الجميع فقط لأنه نزار وليس نزار المحارب أو نزار ابن الملك. أن يشجعه الجميع على ما اختار وأحب لا أن يجبر على أن يسلك طريق الحروب والمبارزة لينال إعجابًا. اختار الطب ليجد أنه ليس كافيًا ليجذب اهتمام الآخرين له. فذهب للمبارزة، فوجد أنها ليست كافية كذلك. ليقف في المنتصف ضالًا تائهًا. أي الطرق يسلك يبحث عن مرشد يساعده، لكنه بدل من ذلك وجد من يضله.
تحرك بلا وعي صوب غرفته وهو يشعر بأختناق شديد. يسير بين الممرات وكأنه كان بحلم. بل كابوس لا نهاية له. ما الذي فعله وكيف فعل؟ أين كان وأين وصل؟
هل حقًا سلم البلاد وكل ما يخطط له الملوك لبافل ورجاله؟ هل هو بهذه القذارة حتى؟ ربما كان كذلك طوال الوقت ولم يعي.
دخل غرفته يسمع صوت زوجته يهدر من بعيد بكلمات لم تصل له. جلس على مقعد أمام الفراش بأعين شاخصة لا يدرك ما يحدث حوله. لتمل زوجته بعد دقائق حينما شعرت أنها تتحدث مع جدار أصم، واختارت النوم بضيق وغضب.
بينما هو ظل جالسًا مكانه لا يتحرك، لا يشعر بالوقت ولا يفقه ما يحيطه. وعقله لا ينفك يفكر فيما فعل. وكأن أحدهم كان يتحكم به. وفجأة أفاق على واقع مرعب. واقع صُنف به أمام نفسه خائنًا.
لا يدري نزار كم من الوقت ظل جالسًا على نفس جلسته وكم من الساعات قضى بهذه الوضعية شاخص الابصار. لكن أشعة الشمس التي أزعجت عيونه أنبأته أن الوقت كان أطول مما ظن.
نظر حوله يحاول أن يستوعب الحياة وما يحدث. المفترض أن اليوم هو اجتماع لوالده مع الجميع في سفيد لمناقشة ما يحدث بالممالك بعد هجمات المنبوذين الأخيرة. ومن المفترض أن يلعب هو دور الخائن في هذه الجلسة. وقد كان.
فبعد ساعات طويلة تحرك مع والده صوب المملكة ليستقبلهم الجميع استقبال حافل. خاصة سالار الذي بمجرد أن أبصر والده يخطو لقاعة الاجتماع حتى أقبل يضمه بحب ووالده يبادله الحب بما يفيض عنه. وهو فقط يراقب ما يحدث.
ولثواني شعر أن سالار يستحق ذلك، عكسه، فماذا قدم هو لهم مقابل ما قدم سالار؟
أفكار أخرى يستغلها الشيطان ليدخل مجددًا لروحه. يستغل ضلال روحه أسوأ استغلال.
ولم يشعر سوى بيد أرسلان الذي ربت عليه بهدوء وهو يهمس له ببسمة واهتمام. وقد كان أرسلان في الواقع أكثر الجميع تقربًا منه. منذ الطفولة وهو يصادق الجميع ويقربهم منه. كان أكثرهم صداقة له. وكذلك أشدهم كرهًا.
"ما بك نزار؟! تبدو شاحبًا، هل أنت بخير؟!"
هز نزار رأسه بنعم هزات صغيرة. ومن ثم تحرك بصمت صوب المقعد الخاص به يراقب جلوس الجميع. ومن ثمّ بدأ كلٌ يلقي بأوراقه على الطاولة ويصرح بما يخطط له تحت أعين نزار الذي كان يراقب الجميع بدقة شديدة. ونبضات قلبه تعلو شيئًا فشيء.
حتى سمع والده يهتف بجدية:
"هذا الأمر دعوه لي. سأتولى مع رجالي تأمين حدود الساحة وقت الحرب. ولن أسمح لأحدهم باختراق جدار الدفاع الخاص بجيشي. فلن يجدوا ثغرة واحدة ينفذوا منها صوبكم."
"بل سيفعلون."
كانت كلمات قليلة نطق بها نزار بصوت ميت وهو ينظر أمامه بلا تعابير. وقد بدأت قبضته تشتد. قبل أن ينظر في عيون الجميع بتردد شديد. يدور بينهم يراقب عدم الفهم والتعجب. حتى وصل لعيون والده الذي كان يترقب باقي جملته.
تحدث آزار بعدم فهم:
"هل تشكك في قوة دفاع والدك نزار؟!"
ابتلع نزار ريقه بصعوبة:
"العفو مولاي، بل... بل أشكك في قوة الفتنة والخيانة أبي."
"وأنا لا أؤوي الخائنين بني، جيشي كله رجال و..."
قاطعه نزار بصوت مذبوح وقد بدأ جسده بأكمله يرتجف. قضى ليلة جحيم البارحة وهو يشعر بنيران تشتعل داخل صدره مما فعل. سلم الجميع لبافل بعدما كان منقادًا خلف شياطينه.
"بلى تفعل مولاي."
نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم. قبل أن يتحدث إيفان بشك وهو ينظر لملامح نزار:
"نزار مابك؟ هل تعرف شيئًا نجهله نحن؟ أعلمت بخيانة أحدهم في جيش الملك آزار؟"
هز نزار رأسه بنعم. وقد تساقطت دموع دون شعور يهمس بنعم مذبوحة ونبرة باكية جعلت الجميع حوله يتعجبون. لينطق سالار بعدم فهم وريبة:
"من؟"
"أنا....."
دقائق طويلة مرت بعد هذه الكلمة. دقائق لم ينطق بها أحدهم كلمة. وقد شخصت الأبصار. دقائق طويلة لم يسمع بها نزار صوت تنفس أحدهم حتى.
وهو فقط كان يدفن رأسه أرضًا يضغط على كفه بتوتر يتحدث بكلمات سريعة قبل أن يضعف ويتراجع ويدمر الجميع بسبب شياطينه:
"لقد... البارحة... لقد كنت... معه... مع بافل... لقد أخبرته عن بعض الثغرات في الممالك و خطة... خطة.."
صمت ثواني وقد شعر أنه لم يعد بإمكانه التنفس أو المواصلة. تساقطت دموعه أكثر يهتف من بينها بصعوبة:
"أقسم بالله أنني حتى الآن لا أدرك كيف حدث كل هذا. لم أشعر بنفسي وأنا أتلو عليه كل ما خططتم له و...."
فجأة صمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن بسبب غصته أو شهقاته. بل بسبب صفعة قوية جعلت رأسه تستدير وصوت آزار يهدر في المكان بشكل مرعب. ولم يفكر حتى أن والده يمازحه. فنظرات وبكاء نزار توحي أن كل ما نطق به حقيقة مجردة.
"أيهـــــــــــا الوســـــــخ الخائـــــــــن، أيهـــــــــا الحقيــــــــــر، تبيعنا؟ ولمـــــن يا وسخ؟ لمــــــــن؟!"
كان يتحدث وهو يتوالى بصفعات قوية على وجه نزار الذي استقبل صفعات والده بصدر رحب دون أن يعترض أو يدافع عن نفسه بكلمة. والده، ولولا تدخل أرسلان يجذب آزار بعيدًا عنه لكان الأخير جز عنق ولده في هذه اللحظة بعدما استل سيفه من غمده.
جذبه أرسلان بالقوة للخلف وهو يصرخ بخوف مما يحدث أمامه:
"لا يا عم لا تفعل استحلفك بالله، لا تفعل هذا ولدك."
حاول آزار الإفلات من أرسلان وهو يصرخ بجنون:
"هذا خائن وليس ولدي، خنزير مثلهم، يسلم رقابنا لذلك الوسخ، لماذا؟ ما الذي وعدك به؟ ما الذي منحه لك ولم أفعل؟"
نهض نزار يتحرك أمام والده يجلس على ركبتيه يحني له رقبته وكأنه يسلمها له. يتحدث من بين شهقاته بكلمات غير مفهومة:
"أقسم بالله يا أبي أنني لم أكن أشعر بما أفعل، لم أكن أشعر، كان شيطاني أقوى مني، استغل... استغل حقدي و... لا لم يستغل شيء، بل أنا يا أبي من كنت ضعيفًا أمام وسوسته ووسوسة نفسي الأمارة بالسوء. أتوسل إليك إما أن تقتلني وتريحني من عذاب ضميري أو تسامحني."
ابتسم له آزار بسخرية لاذعة:
"أسامحك؟"
بصق آزار في الهواء بشكل مهين:
"لا أسامح الخائنين يا حقير."
في هذه اللحظة تمنى نزار لو أن لو ترك أرسلان والده ليقتله. انهار أرضًا باكيًا بندم بدأ يشق صدره. وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت وشعر أن لا ملجأ له. لولا يد أحدهم التي انتشلته من ضياعه. رفع عينيه بتردد ليبصر سالار الذي نظر له بغموض. ورغم نظرات الاستنكار التي تلتمع في عيونه إلا أنه همس بصوت جامد:
"تماسك ولا تنهار، لم تكفر عن ذنبك بعد لتفعل."
نظر له نزار ثواني يبعد عيونه عنه وهو ينظر لآزار الذي كان ورغم الصلابة التي يظهرها يتحرك بصعوبة صوب أحد المقاعد. يده ترتجف وهو يتمسك بالمقعد يجذبه ليجلس عليه بضعف. وبارق جواره يحاول تهدأته.
شعر آزار بنفسه يكاد يسقط ميتًا من شدة قهره. ينظر لولده يبحث عن تقصيره ليوصله لتلك المرحلة. بينما نزار تحدث بصوت منخفض حرج بصعوبة بسبب بكائه:
"أنا آسف، فقط... سامحني أبي، أقسم أنني سأفعل أي شيء لتثق بي مجددًا."
ابتسم آزار بسخرية تتخللها حسرة وقهر لا حد لهما. وقد سقطت دمعة من عيونه أخفاها عن الجميع عدا نزار الذي أبصرها لينهار أرضًا من بشاعة ما يحدث. يتمنى لو أنه داخل كابوس الآن فيستفيق منه ويهرول ليسجد شكرًا لله أنه ما يزال طاهرًا. أن جسده لم يتدنس بنجاسة أعداء الله. وعند هذه الحقيقة ارتفعت أصوات بكائه ينهار أكثر وأكثر.
ليتدخل في هذه اللحظة صوت إيفان والذي كان يراقب ما يحدث يتحدث بصوت العقل:
"الحمدلله أنك استفقت قبل فوات الأوان نزار. كما أن أمر الخطة يسير بإذن الله. نضع غيرها وهذا قد يكون لصالحنا أن نضللهم بخطة جديدة. في أسوأ الأحوال إن لم نجد خطة جديدة نتبع خطة أرسلان التي يستخدمها كل حرب ولا تفشل يومًا."
نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم يوضح خطته المتبعة ببساطة:
"نبيدهم عن بكرة أبيهم."
هز سالار رأسه باقتناع بعض الشيء. بينما نزار نظر صوب والده يتحرك له وهو ينحني أمامه جالسًا على ركبتيه يتوسله الغفران:
"والله لن أفعلها مجددًا وإن فعلتها، اقتلني ولن أعترض، أنت إن أردت قتلي الآن، أقسم لن أعترض كذلك."
لم يتحدث له آزار بكلمة ولم ينظر له حتى. وقد بدا في حالة رثاء لنفسه وعمره الذي فناه في تربية ولده ليكون جزاؤه في النهاية طعنة لم يحسب لها حسابًا.
"ومن أخبرك أننا لا نريدك أن تفعلها مجددًا؟"
نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم بخبث:
"لدينا الكثير من الأعين لدى بافل. لكن بالله عليكم هل يضاهي كل هذا عين تكون ملتصقة به طوال الوقت. ومن أفضل ليمثل دور تلك العين من أمير متمرد حقير يسعى لملك لا يفنى ولنزع والده عن العرش وقد أعماه الحقد على الجميع. والله لو كان الأمر بيدي لفعلتها بنفسي وكنت تلك العين، لكنني لن أكون مقنعًا سوى في دور الملك، لكن نزار ملامحه الهادئة والطيبة هذه تصلح لتكون قناع لشخص حقير وسخ."
نظر الجميع صوب أرسلان بصدمة من كلماته. ليبتسم لهم الأخير بخبث شديد وقد بدا أن خطته بدأت تقنعهم. وهنا كانت نقطة تحول نزار من خائن بحق إلى خائن لمصلحة الممالك. رغم الخسائر التي تكبدها الجميع بعد إعلان نزار ثغرات الممالك، إلا أنهم تغاضوا عن الأمر لأجل نزار والملك آزار.
ومن هذه اللحظة أصبح الجميع متقدمين خطوات عن بافل ورجاله. وكانت جميع خطوات بافل لديهم قبل أن يفكر بها. وطوال شهور طويلة، حرص نزار على كسب ثقة وود بافل وإبعاد كافة الشكوك عنه. وقد نجح بعض الشيء. بغض النظر عن شك بافل به قليلًا، إلا أنه كان يتناسى كل شكه حينما يأتيه نزار بأخبار عن الملوك.
كانت جميع خطط بافل تُطرح على طاولة الملوك قبل أن يفكر بها بافل حتى. عدا خطة واحدة.
"نكبة مشكى."
كان في طريقه عائدًا من رحلة صيد مع أحد رجاله. لينشأ بينهم حوار هادئ. سرعان ما انقلب عن حديث حول المستقبل بعدما يحصلون على المملكة بالكامل لها ويحكمونها. أخذوا يحلمون أحلام يقظتهم على مسمع من نزار الذي كان فقط يهز رأسه شاردًا. قبل أن تصطدم جملة برأسه وقد باح بها أحدهم دون شعور.
"واليوم سنخطو خطوتنا الأولى صوب الحكم بعدما تسقط مشكى."
نظر له نزار بعدم فهم:
"تسقط مشكى؟"
نظر له الرجل بعدم فهم يهتف بجدية:
"نعم اليوم ستسقط مشكى بالكامل بعدما يقتحمها رجال بافل بمساعدة رجالنا بالطبع. وكل ذلك تحت قيادتك بالفعل، أوليس لهذا طلبت خروجنا لرحلة صيد لأجل التمويه عن دورك في الهجوم."
شعر نزار في هذه اللحظة بأن قلبه سقط أرضًا وقد ارتجف كفه. ينظر حوله بعدم فهم. كيف حدث ذلك؟ كيف لم يخبره الوليد بما يقول هذا الرجل؟ كيف لم يعلمه بل ويستخدم رجال المملكة تحت اسمه.
فجأة ودون مقدمات غير نزار وجهته يعود أدراجه صوب حدود مشكى والتي كانت أقرب له من آبى. لم يكن يفكر بشكل سليم ولم يدرك ما يجب فعله. كل ما رآه أمامه أنه عليه تحذير أرسلان مما سيحدث. لم يفكر في الاستعانة بوالده ولا بجيشه. لُغيت عقلانيته ولغى عقله. وتصرف برعب غير محسوب.
ساعات قليلة حتى وصل لمشكى بعد أذان الفجر تقريبًا. ولم يكد يدخلها حتى أبصرها رمادًا أمامه ليشهق برعب وقد توقف قلبه لثواني:
"رحمتك يارب."
ارتجف جسده وهو يسرع بخيله بسرعة. ولم يخطر بباله سوى أن يتدخل ويأمر رجاله الذين انضموا لجيش بافل بتحريض من الوليد وأخيه. بالتوقف. حتى وإن عني ذلك كشفه.
وصل حتى القصر والخراب هو ما يقابله في البلاد بأكمله. لا حراس ولا جنود ولا شعب. بالكاد جثث متناثرة هنا وهناك. مجزرة بكل المقاييس. وكان هو يدًا غير مباشرة في نشوب تلك المجزرة. لو أنه علم منذ البداية. لو أنه كان أكثر حرصًا وانتبه لكل ما يحدث من حوله. لو أنه وصل مبكرًا وأوقف الرجال.
أفكار تتصارع داخل رأس نزار الذي نصب نفسه في هذه اللحظة قاتلًا. لا فرق بينه وبين من ارتكبت يده هذه المجازر.
تحرك داخل القصر بسرعة يبحث عن الوليد بأعين غاضبة وشكل مرعب وكأن جنون أصابه. يبحث هنا وهناك والجميع يراقبه ظانين أنه يبحث معهم عن الناجين ليتخلص منهم.
حتى كانت الطامة الكبرى لنزار... أرسلان في منتصف القاعة ساقطًا أرضًا يصارع الموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة. هنا انهار وركض له صارخًا برعب باكيًا:
"أرسلان يا أخي أنا آسف، لم أكن أعلم اقسم بالله لم أعلم، غافلوني وخدعوني، لم أقصد هذا و....."
أمسك أرسلان كفه وهو يهمس بصوت جاهد بكل ذرة قوة داخله في إخراجه. يحاول الحديث بصوت مسموع وقد أدرك أن الموت قادم لا محالة. طعنه بافل وطعنه مهران بعدما أخبره بما فعل بنساء القصر جميعهن. ورحلوا تاركين إياه يحارب الموت وينزف حتى آخر قطرة:
"أمي وأختي.... نساء القصر، لقد..... أخبرني أنه سيتخلص منهم، ساعدهم نزار، وصيتي لك أمي وشقيقتي، ساعدهم."
"فقط دعني أساعدك في البداية، دعني أخرجك من هنا وأعالجك، يمكننا إنقاذك و...."
دفع أرسلان يده بحدة وهو يهمس بوهن:
"دعني وساعدهم، لقد... سيحرقهم أحياء، ساعدهم ودعني، أذهب وساعدهم، أوصيك بهم نزار، هم في الملجأ الغربي في الطابق السفلي، انقذهم."
نظر له نزار ثواني بتردد قبل أن يجبره أرسلان بقوة على الرحيل. لينهض وهو يركض بين الجميع في الممرات يراقب خرابًا وموتًا، ودمارًا بدأ يعم المكان. انهارت مشكى وتهاوى ملكها.
أخذ يهرول على الدرج وهو يدعو الله أن يصل وينقذهم. يرتجف لا يبصر أمامه شيء ولا يسمع كلمة واحدة حوله. وأخيرًا وصل للمخبأ الغربي. لكن متأخرًا... احترق الملجأ بمن به وتحولت النساء لرماد. شهق نزار بصدمة وهو يهوى أرضًا يصرخ بصدمة مما يبصر أمامه. كل هذا بسببه، كل هذا بسببه. لو أنه لم يتهاون ولم يستخف ببافل لما حدث هذا. لو أنه لاحظ ما يحدث حوله جيدًا ما حدث هذا. لو أنه وأنه ما كان كل هذا.
عاد ركضًا صوب أرسلان لا يبصر طريقه من شدة البكاء وكثرة الدموع. ركض برعب لينقذ أرسلان ويتوسله الصفح بعدما فشل في آخر اختبار له.
لكن حينما وصل لم يجده. اختفى أرسلان من المكان وقد كانت آثار جره على الأرضية واضحة بسبب دمائه المتناثرة. سقط نزار في هذه اللحظة يراقب وأمام عيونه نتائج فشله. خذل الجميع وقبلهم نفسه.
تهاون وهانت البلاد. كان شريكًا للمنبوذين بتهاونه. دماء أهل مشكى ونساء القصر تسيل من كفيه كذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فُتح الباب يظهر من خلفه جسد توبة التي ابتسمت بسمة صغيرة للجميع، تهمس بصوت مسموع لهن:
"أتمنى ألا يكون وجودي هنا مقاطعًا لأي أحاديث."
رفع الجميع أعينهن لها وقد بدا أن كل يفكر في وجودها هنا بمشاعر مختلفة عن الآخر. فسلمى كانت مشاعرها محايدة لا تدرك ما يجب أن تشعر بوجود تلك المرأة التي لا تعلم عنها الكثير هنا. وكهرمان تبتسم لها بلطف وترحيب. وزمرد تنظر لها بتقييم وكأنها تبحث بها عن خصم جديد أو ماشابه حتى تثبت العكس.
"بالطبع لا، انضمي لنا توبة."
ختمت جملتها وهي تنظر صوب سلمى تستأذن منها بصمت أن تستضيف توبة في جناحها. لتهز سلمى رأسها وهي ما تزال تربت على خصلات فاطمة بلطف شديد.
"تبدين شاحبة عن المرة الأخيرة سمو الأميرة."
جلست توبة على المقعد أمام الفراش جوار الجميع. تنظر لوجه سلمى التي طرحت سؤالها للتو تبتسم بسمة صغيرة:
"لم أعلم أنكِ تتابعين حالتي بهذه الدقة جلالة الملكة."
ابتسمت لها سلمى بسمة جانبية ولم تمنحها جوابًا سوى كلمات صغيرة لا معنى لها تقريبًا للجميع. لكن لتوبة أصابت نقطة في أعماقها:
"أحيانًا يكون البوح بالحزن أسهل من كتمانه داخلك. كثرة كتمان ما يؤرقك سيولد انفجارًا لن تخرجي منه سالمة. لذا الأفضل أن يعبر الإنسان عما يسكن دواخله بشكل مستمر، سواء كان هذا الشعور هو حزن أو فرح أو حتى غضب."
نظر لها الجميع بعدم فهم عدا توبة التي ابتسمت بسمة مهتزة تراقب يدها التي تداعب خصلات فاطمة بحنان:
"أحيانًا لا تمتلكين حرية الاختيار، فيكون كتمان ما يؤرقك هو السبيل الوحيد للتعايش معه."
"حسنًا هذه الكلمات الكبيرة والتي لا أفقه منها شيئًا لا تعجبني، فأما أن تتطوع واحدة منكما لشرح ما يقال أو تتوقفن عن الأمر برمته وببساطة."
هزت سلمى كتفها بهدوء:
"لا شيء زمرد فقط نتناقش في أمور تخص النفس البشرية."
نفخت زمرد بعدم اهتمام:
"وهل اشتكت لكما النفس البشرية لتهدرا دقائق ثمينة كان يمكن استغلالها بشكل أفضل، لتتناقشوا في أمرها؟ ثم ما الذي يستدعي النقاش بهذه الألفاظ الكبيرة فيما يخص البشرية، البشر إما صالح فيعيش بسلام، أو طالح فأقتله."
"يا ويلي من تفكيرك."
رفعت لها زمرد حاجبها بسخرية:
"هذا التفكير هو ما جعلني أحيا وأنجو حتى اليوم، وهو ما جعل هذه الأميرة المدللة تنجو كذلك وإلا أصبحت طعامًا لأخوتي لعنة الله عليهم أجمعين وجعلهم حطبًا لجهنم فاللهم آمين."
رفعت كهرمان كفها للسماء تهتف بجدية:
"آمين."
اتسعت أعين سلمى بصدمة مما سمعت منذ ثواني من كلمات زمرد، تحاول أن تعي ما قيل، هل دعت لتوها على أخوتها؟
"حسنًا مهما فعلوا لا أعتقد أن الدعاء عليهم بهذا الشكل مقبول حتى هم إخوتك في النهاية."
نظرت لها زمرد ثواني قبل أن تطلق ضحكة صاخبة وهي تتحدث بصعوبة من بيت ضحكاتها:
"الدعاء عليهم؟ حبيبتي الدعاء على إخوتي هو أكثر أفعالي رقة معهم، كهرمان أخبريها ما فعلته بأخوتي لعنة الله عليهم."
"قتلت منهم من استطاعت، والباقيين سلمتهم للموت."
هزت زمرد رأسها وهي ترفع كفها في الهواء تهمس بجدية وفخر:
"وكله بقبضة يدي المباركة هذه، قسمًا لو بُعثوا من جديد لأعدت قتلهم مرات ومرات."
شعرت سلمى بالريبة وهي تجذب فاطمة وتعود للخلف بعيدًا عن زمرد التي رمقتها بسخرية لاذعة:
"لا تخافي عزيزتي، فأنا لا أعض اللطفاء، أنا لم يسبق وأن آذيت أحدهم، سوى إخوتي وأبي ونصف قومي، ورجال أخي كذلك فقط، وهم ليسوا لطفاء بالمناسبة..."
"أنتِ مريبة، هل هذا طبيعي حتى؟ ثم ألم تخبريني كهرمان أنها شقيقة زوجك، هل هذا يعني أنها قتلت أشقاء زوجك."
التوى ثغر كهرمان باشمئزاز، وكذلك زمرد التي انكمشت ملامحها تهتف:
"أعوذ بالله، ما كان لأخي أن يرتبط بهؤلاء الحثالة لا من قريب أو بعيد، أخي هذا جنتي على هذه الأرض، ومن تبقي لي في هذه الحياة هو وزوجي."
"وأنا؟"
تدخلت كهرمان بكلمتها تشعر بالضيق لنسيان زمرد لها فيمن يخصونها، لتشعر بضربة صغيرة على كتفها:
"أنا أتحدث عن الرجال يا ابنتي ما بكِ، أنتِ وتبارك وتلك الغبية برلنت..."
صمتت تنظر لسلمى التي نظرت لها بأعين بريئة، جعلتها تزفر:
"هذه سلمى المستفزة، والصغيرة فاطمة كذلك."
نظرت صوب توبة التي كانت تتابع كل هذا بهدوء شديد:
"تريدين الإنضمام لهم كذلك؟"
ابتسمت لها توبة بلطف لتضيف زمرد اسمها للقائمة:
"حسنًا سأغلق القائمة على هذا ولن أصادق شخص آخر فأنا لن أتحمل امرأة أخرى في حياتي معكن."
ضحكت كهرمان بصوت مرتفع وهي تبصر حيرة سلمى التي ما تزال تلتمع في عيونها لتهتف بجدية:
"ما الذي تعلمينه سلمى عن نكبة مشكى؟"
"ليس الكثير، فقط بعض الأحاديث المترامية."
"إذن دعيني أخبرك القصة منذ البداية وأعلمك ما قصدناه بأخوة زمرد..."
تابعت زمرد تكمل على جملتها:
"لعنة الله عليهم أجمعين......."
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان سالار يقص على دانيار والمعتصم ما حدث خلال الفترة المنصرمة، تحت نظرات نزار الجامدة، وملامح أرسلان الباردة بشكل غريب.
"وهكذا من بعد يوم الهجوم هذا قررنا أن تستمر اللعبة حتى نسقط بافل، وقد أجاد نزار لعب دوره طوال تلك الفترة، بل وادعى بين جنوده الخائنين أن هجوم مشكى كان بمباركته، حتى سقط بافل وكاد نزار ينسحب ونعلن للجميع ما حدث وقد سُجنا نزار بالفعل تمويهًا لغيابه وتجهيزًا لأنسحابه..."
صمت وهو ينظر لنزار مكملًا:
"لولا تسلل أحد الرجال لنزار في السجن وأخبره ألا يقلق وأن بافل ليس سوى ستار يختبئ خلفه العقل المدبر، هنا تراجعنا وقررنا استمرار نزار فيما يفعل وقد كان إعلان إعدامه بين الجميع مجرد تحفيز لخروج المجرم، فقط مجرد تحفيز ليكشف الرجال عن أنفسهم ونحقق معهم عن هوية ذلك الحقير وخطته، ومن ثم تنتهي مهمته عند تلك النقطة، لكن كان لنزار رأي آخر..."
تحدث آزار مكملًا بضيق شديد:
"خالف أوامري وخالف الخطة وهرب مع ذلك الحقير للجحر دون أن يعطيني إشارة حتى لما سيفعل ولم يصلني به سوى بضع رسائل تخبرنا باقتضاب ما يحدث ومنها علمنا أمر أنمار وغيرها من الأمور."
كانت كلماته تخرج بضيق وغضب وقد ازدادت عصبيته بسبب مخالفة نزار أوامره. بينما نزار كان يسمع كل ما يحدث بهدوء شديد دون ردة فعل. لم يشعر للحظة واحدة بالندم لمخالفته أوامر والده، بل كان يسعى خفية للغفران، يسعى ليريح صدره ويخفي أصوات الصرخات التي تصدح في أذنه كل مساء كلما تخيل أنه كان يمكنه إيقاف مذبحه وتأخر.
إحساس التقصير يطارده وكل شعور ذنب بينه وبين نفسه لم يدعه لحظة. بل سياط الندم ما تزال تجلده في صحوته ونومه. والده وأرسلان وشعبه وبلاده، كل ما حل بهم كان بسبب أو بآخر بسببه.
والغضب الذي كان يظهره آزار لم يكن لحظة ادعاء، بل ما يزال صدره غائرًا بغضب شديد على عصيان ولده له للمرة الثانية.
رفع نزار عينيه صوب أرسلان الذي لم يتجاوز بعد تلك الحادثة. لم يتجاوز بعد رحيل والدته وإن ادعى عكس ذلك. لم يتجاوز كل ذلك، وغضبه من نزار ليس لأجل ذلك. يعلم يقينًا أن الأمر لم يكن بيده، ربما تخاذل قليلًا، لكنه لم يكن المذنب الأول. رغم أنه كان يتمنى لو أنه استطاع المساعدة.
لكن غضبه كله لأجل عصيانهم والاختفاء دون حتى اتفاق مسبق بشكل أربك جميع مخططاتهم. وما بين هذا وذاك ما تزال هناك غصة صغيرة داخل صدره تمنعه التعامل معه بشكل طبيعي. دون إرادته ما تزال ضبابية تلك اللحظات تراوده. ما يزال توسله لنزار بمساعدة الجميع يرن داخل أذنه. يحاول تخطي كل ذلك، لكن يبدو أنه حتى وإن رغب في نسيان الماضي، فلن يستطيع.
وما بين الرغبة في النسيان والقدرة على النسيان بحار طويلة لا يألف سباحتها ولا يبصر لها من يابسة. ينتظر علّ طوق نجاة ينتشله يومًا.
"إذن بما أن كل شيء أضحى واضحًا، هلّا عدنا لما نفعل؟"
وكان ذلك صوت إيفان الذي تدخل في الحديث يدعو الجميع للجلوس. ليتحرك الكل بالفعل للجلوس ويختار نزار أقرب مقعد جوار الملك بارق. والذي ابتسم له بلطف يهتف بصوت حنون:
"شكرًا لمساعدتي بني، أخبرتني توبة كل شيء فعلته لأجلها ولاجلي، أنا مدين لك بالعمر وما يزيد عليه يا بني."
ختم حديثه ليربت نزار على يده بحنان وملامح شبه جامدة يهمس بصوت خافت وهو ينظر أمامه دون أن يهتدي لنقطة يعلق بها بصره:
"لا داعي لشكرك ملك بارق، أنت بمثابة أب لي، ثم لا دين لي عندك أنا و...."
فجأة صمت دون مقدمات وهو ينظر للملك بارق بشكل جعل الأخير يتعجب. والجميع يترقب. وقد علت الدهشة وجوههم حينما نطق.
"بل في الحقيقة أنا أقبل دينك هذا ملك بارق، لكنني لا أطالبك بحياتك، بل أثمن من ذلك..."
اتسعت أعين الجميع بصدمة ليهتف آزار في ولده بغيظ وغضب شديد ضاربًا الطاولة بجنون من وقاحة ولده:
"نزار ما الذي تهذي به أنت؟!"
لكن نزار لم يتراجع وقد علت التصميم عيونه وهو يهتف بقوة في وجه الملك بارق وكأنه يطالبه بحق معترف به لأجله:
"زوجني ابنتك ملك بارق........."
ـــــــــــــــــــــــــــ
صدمة كبيرة سقطت فوق رأس سلمى حينما أدركت حقيقة بواطن الأمور. ومن ثم حركت عيونها صوب زمرد تنظر لتلك المرأة وهي تتخيل أن أحدهم مر بكل ما مرت به، والله لكان جُن.
تنفست بصوت مرتفع تقول:
"زمرد، بخصوص إخوتك..."
"لعنة الله عليهم أجمعين."
تمتمت سلمى ببسمة واسعة:
"اللهم آمين...."
صمت الجميع وساد صمت طويل بين الجميع حتى قطعته فاطمة التي فتحت عيونها وقد بدا كما لو أنها كانت مستيقظة طوال الوقت تختف بصوت خافت:
"لماذا توقفتم الحديث؟"
نظر لها الجميع ثواني بعدم فهم لتكمل هي ببسمة صغيرة:
"أصوات الحديث حولي تصمت أصوات رأسي."
ربتت سلمى على رأسها بهدوء وهي تميل مقبلة جبهتها تهمس لها بصوت منخفض:
"كلما ارتفعت أصوات رأسك، ارفعي أصوات قلبك، يمكنك إغماض عينيك بهدوء شديد، واسحبي شهيقًا، واخرجيه ببطء وفكري في أشياء وأصوات تجعلك سعيدة، كضحكة المعتصم أو صوته مثلًا."
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وقد كانت هذه الكلمات بمثابة مسكن قوي المفعول لأوجاعها.
وقبل أن تتحدث واحدة من الموجودات بكلمة، ارتفع طرق الباب يعقبه إعلان الحارس بهوية القادم:
"السيد خالد...."
صمت الحارس ثواني قبل أن يعلن بصوت خافت بعض الشيء حانقًا:
"والسيد موزي، يطلبان الإذن للدخول."
ارتفع حاجب سلمى تردد بسخرية:
"السيد؟ حقًا؟"
تنهدت سلمى بصوت مرتفع وهي تبعد فاطمة بلطف عنها، تشير للجميع بالبقاء في غرفة النوم، وتحركت لبهو الجناح الخاص بها، تفتح الباب تستقبل خالد الذي اندفع لها يتحدث بلهفة:
"أنتِ بخير سول؟ سمعت أن هجومًا شرسًا نشب في المكان، ما بال هذا القصر وهذه البلاد؟"
"يااه خالد الآن تذكرت، انتهى الأمر حتى أن جثث المعتدين بدأت بالتحلل."
"للتو تفرغت من أعمالي هنا لآتي وأطمئن عليكِ."
"أعمالك؟ حقًا؟"
"نعم لقد كنت أقوم بواجبي لحماية المساكين."
"كدت أصدقك."
"عليكِ ذلك، على كلٍ ليس هذا ما جئت لأجله."
ارتفع حاجب سلمى تترقب ما يريده أخوها:
"نعم ما الذي جئت لأجله مصطحبًا مع السيد موزي والذي لم أعد أبصره في الجوار."
رفع موزي رأسه لها وقد كان فمه ممتلئًا بالطعام ليقفز على كتفها يستقر هناك حيث مسكنه الأدفا، وهي تبتسم له، بينما تحدث خالد:
"حسنًا هو من أصر على أن يلقبه الرجل بالسيد، تعلمينه عنيد في مثل هذه الأمور."
تنهد بصوت مرتفع:
"على كلٍ، كنت أريدك أن تساعديني في بعض الأمور هنا في هذا المكان الغريب."
"أساعدك؟"
"نعم، هناك فتاة هنا أود منكِ معرفة كل ما يتعلق بها و...."
أوقفته سلمى عن الاسترسال في الحديث وهي تردد بسخرية:
"فتاة؟ هنا؟ ما شأنك بنساء هذا المكان، خالد إياك وأن ترتكب أي فعل أحمق فأنا أمنع عنك أرسلان بصعوبة من الأساس، والنساء في هذا المكان عبارة عن خطوط حمراء تسير على أقدام فتجرأ وتخطى إحدى هذه الخطوط لتُقطع قدمك شطرين."
"يااه ما بكِ، افترضتي بي سوء النية فورًا، رغم أنني ويشهد الله لا أقصد سوى الخير، كل ما في الأمر أن هذه الفتاة كانت من ضمن المساكين الذين حفظت أرواحهم خلال الهجوم واردت الاطمئنان عليها بعد مساعدتي لها."
قلبت عيونها بسخرية تدرك أخاها جيدًا أكثر من أي شخص:
"خدمة ما بعد البيع ها؟"
"شيء من هذا القبيل، إذن ما رأيك؟"
أشارت سلمى صوب الباب متحدثة بصرامة:
"غادر المكان."
"لن تساعديني؟"
"للخارج لود."
نفخ خالد بضيق شديد وهو يتحرك صوب الخارج خطوات قليلة:
"أصبحتي لا تطاقين منذ جئتي هنا، هيا موزي لنبحث لنا عن ملجأ آخر بعيدًا عن هذه المرأة."
لكن موزي استمر في تناول طعامه فوق كتف سلمى التي ابتسمت باستفزاز لخالد، بينما الأخير رمقه بصدمة:
"موزي؟ هذا لم يكن اتفاقنا يا صاح، تعاهدنا على النجاة في هذا العالم سويًا."
أطلقت سلمى ضحكات خافتة وهي تراقب ملامح أخيها بعدما ألقى عليه موزي بقايا فاكهته ردًا على كلماته:
"يبدو أن موزي نسي العهد أخي."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمت طويل عم المكان ولم يقطعه سوى صوت حانق خرج من أعماق حنجرة آزار الذي شعر بقرب انفجاره، يراقب ولده بأعين متسعة ينتظر أن يظهر أي تعبير يشي بمزاحه، فلم يكن هذا الوقت بأي شكل من الأشكال وقتًا مناسبًا لما طرح ولده منذ ثواني.
أما عن بارق فاستمر بالتحديق في وجه نزار، ومن ثم حرك عيونه صوب آزار:
"آزار هل يمزح ولدك معي؟"
"ليته فعل بارق، لكن يبدو أن الكثير فاتنا خلال هذه الشهور..."
رفع نزار حاجبه:
"عفوًا منكم أنا لا أقصد أي مقاطعة أو شيء آخر، لكنني لا أمزح و...."
صمت ثواني ثم أكمل بجدية:
"يمكنكم اعتبار الأمر شرطًا صغيرًا لفعل أيًا كان ما تريدونه مني."
فتح أرسلان فمه وقد ارتسمت الحدة واضحة على فمه:
"هل تساومنا لـ..."
قاطعه إيفان وهو يمسك ذراعه بهدوء يقمع جيوش غضبه:
"لا يفعل، صدقني لا يفعل والله لا يفعل أرسلان، الرجل فقط يتحدث بعفوية ويطلب طلبًا أخيرًا قبل أن يلقي نفسه بالتهلكة لأجلنا."
نظر له نزار وعلم من كلماته أن ما يريدونه به لن يكون يسيرًا:
"طمأنتني، طمئن الله قلبك جلالة الملك."
ضيق أرسلان عينيه بهدوء وهو يراقبه وكأنه يحذره الاقتراب منه:
"وما المطلوب منا الآن كي نحقق أمنيته الأخيرة؟"
"أمنيتي الأخيرة؟ ما الذي تخططون له بالتحديد؟"
"سنلقيك بالجحيم عسى أن تخرج منه سالمًا غانمًا كي تقر عين الملك آزار."
زفر آزار بصوت مرتفع:
"أرسلان بالله عليك تعامل كما لو أن لا شيء حدث وساعدنا لنمرر ما يحدث، وأعدك بعدما يعود ولدي سآخذه بعيدًا عنك."
نظر نزار بعناد صوب أرسلان وقد كان ما يحدث قاسيًا عليه رغم ما يظهره من عدم اهتمام. أرسلان والذي كان أقربهم له الآن يتعامل معه بعدائية تقتله ليصبح وحيدًا منبوذًا، ويدرك أنه محق فيما يفعل فهو وإن كان محل أرسلان لعاش المتبقي من عمره غاضبًا عليه.
"لكنني لا أريد ذلك أبي، لقد خططت من الأساس أن أقيم زفافي في مشكى، تدرك أن لا مملكة تضاهيها بالطعام، وسيكون طباخين القصر أفضل من يشرف على مأدبة طعامي."
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا يظهر بسمته الجانبية للجميع:
"أتظن طباخي قصري خدم في قصر والدك؟ خسئت أنت واشباهك الأربعين ومن يشابه أشباهك د."
صمت ثواني قبل أن ينظر صوب آزار يتحدث بجدية معتذرًا:
"معذرة منك ملك آزار لا أقصد إهانة لشخصك، أنا فقط أهين ولدك ليس إلا."
ابتسم له نزار بسمة صغيرة لطيفة وكأنه يستعطفه الموافقة، لكن أرسلان لم يفعل سوى أن ابتسم بسمة أخرى مستفزة يتحدث بهدوء شديد وسخرية:
"ثم أنت ترى ما يحدث بأم عينيك، لم يعد لدينا غلال كافية لنتكفل بمثل هذه المناسبات، أصبحنا فقراء والله الغني يا بني، لذا أنا من سآتي لآبي وأحضر معي شعب مشكى لتناول طعام زفافك، أو ربما تناول طعام المآتم الخاص بك."
"لا قدر الله، عسى أن يطيل الله بعمري حتى أحيا ليوم زفافي."
تدخل بارق بعدما وجد أن الأمر بدأ يتمادى لتحضيرات الزفاف وهو جالس لا يفقه ما يحدث:
"هل تمزحون معي؟ أنتم الآن تتحدثون وترتبون زفاف ابنتي في وجودي وبدون موافقتي حتى؟"
تحدث نزار بسرعة خشية أن يغضب عليه بارق ويرفض طلبه:
"العفو جلالة الملك، نحن فقط نمزح ليس إلا."
تحدث أرسلان بجدية وهو يضم كفيه أمامه بهدوء:
"أنا لا أمزح."
زفر نزار بقوة وقد شعر برغبة عارمة في الصراخ بوجه أرسلان، لكنه يعلم يقينًا أن شياطين أرسلان قد تحيل المتبقي من حياته جحيمًا، وهو لا يود أن يقضي حياته في جحيم أرسلان، بل يأمل في العيش داخل نعيم توبته.
لكن هل يتقبل مكافأة كمثلها وقربها، وهو ما يزال يحمل بين أكفته عصيانًا وذنبًا كبيرًا؟
"جلالة الملك..."
"اسمع نزار أنت مثل ولدي رغم كل ما فعلت مازلت أراك، ذلك الشاب الهادئ والعاقل والحنون."
التوى ثغر أرسلان بسخرية، بينما بارق أكمل بهدوء شديد وهو يربت على كتفه وقد بدأت ضربات قلب نزار ترتفع خوفًا من سماع الكلمات التالية التي ستخرج من الملك بارق.
وقد كان...
"أنا لا أعتقد أن زواجك من ابنتي سيكون القرار الصحيح خاصة في هذا الوقت."
حرك أرسلان رأسه بموافقة:
"والله عين العقل."
التفت نزار بشر صوب أرسلان ليبتسم له الأخير بهدوء:
"أنا فقط أمتدح الملك على فطنته."
تنهد بارق ولم يكد يكمل حديثه حتى سمع صوت نزار يقاطعه بلهفة:
"جلالة الملك ارجوك، أنا لا أطالبك بها في التو وفي الحال."
"رغم أن هذا حلم يلازمني طوال الوقت." أسرّ نزار جملته داخل صدره يتسلح بالصبر والحكمة وقد أدرك أن طريقه صوب توبة ملغمًا بالكثير من العوائق.
"أنا فقط أطالبك بوعد أنه حينما ينتهي كل هذا، عدني أنه... ستعطيني فرصة إثبات حسن نيتي وصدق طلبي."
نظر له بارق ثواني بتردد ليتدخل آزار وهو يتحدث بضيق يحاول ألا يظهر تعاطفًا أو لينًا مع ولده خاصة بعد غضبه منه:
"ما بك بارق أعطه فرصة لنرى ما سيفعل، الشاب لا يطلب الكثير فقط فرصة وإن لم يعجبك ما سيحدث فأرفض وانتهينا."
هز نزار رأسه بنعم وقد لمعت عيونه بقوة ينتظر أي حركة إيجابية من الملك بارق تخبره بقبول ولو كان قيد التنفيذ.
زفر بارق بصوت مرتفع:
"دعنا ننتهي ومن ثم أعرض عليها الأمر، فقط ننتهي من كل شيء، فعرض مثل هذا العرض عليها اليوم قد يكشف الأمر برمته ونحن لن نخاطر بخروجه خارجنا."
هز نزار رأسه برضا وقد كان ذلك الوعد أكثر ما يتمنى يتنفس بصوت مرتاح. وقبل التحدث بكلمة سمع صوت سالار ينطلق أخيرًا في المكان:
"إذا كان الجميع انتهى، دعونا نبدأ في الاجتماع الخاص بنا...."
ـــــــــــــــــــــــ
"تبارك هل أنتِ بخير؟"
فتحت تبارك عيونها بصعوبة شديدة تبصر ضبابًا حولها، وقابلها أثناء دوران عيونها في المكان عيون برلنت والتي كانت تنظر لها بهلع شديد:
"ما الذي حدث؟"
"سقطتي دون مقدمات، ظننت أن سوءًا أصابك و..."
صمتت ثواني ومن ثم تابعت باهتمام بعدما رأت عيون تبارك التي بدأت تزوغ:
"تبارك هل تسمعينني؟"
"سالار..."
مالت برلنت أكثر وهي تحاول أن ترهف السمع لما تقول تبارك:
"لا أسمعك ماذا قلتي؟"
"سالار، أريد الذهاب له برلنت، أريد الذهاب له الآن أرجوكِ."
نظرت لها برلنت بعدم فهم وهي تحاول التحدث، بينما تبارك شعرت تهزي بكلمات غير مفهومة:
"أريد الذهاب له برلنت اخبري تميم أن يساعدني في ذلك."
نظرت لها برلنت ثواني وكأنها تتأكد من وعيها، لكن تبارك فقط نظرت لعيونها تهمس بإصرار وقد شعرت أن لا حياة لها ولا أمان بعيدًا عن سالار. ورغم معرفتها أنه سيغضب حينما تتحرك دون وجوده، إلا أنها أصرت على ما تريد:
"أخبري تميم أرجوكِ برغبتي واجعليه يجهز موكب، فأنا لن أبيت ليلتي بعيدًا عن سالار."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أخبرتك أن تبعدي ذلك الكائن ذو الشعر الوبري عني، وإلا أقسم أن أجعلكم تبكون عليه ما تبقى ما حياتكم."
ربتت سلمى على كتف موزي بحنان، بينما الأخير أخذ يحدق في تلك المرأة التي تصرخ بشر وقد وضعها على القائمة السوداء الخاصة به والتي تتضمن (أم راجيف، سكان الحارة بلا استثناء / بائع الفاكهة الذي يصرخ به عند سرقة فاكهته / أرسلان/ وأخيرًا زمرد صاحبة الصوت الصاخب).
كانت زمرد تصرخ به، وفي المقابل يصرخ هو بها بصوت مزعج وهو يحمل بقايا موزة كاد يهرسها بين أصابعه يهددها بجعل وجهها هدف موزته القادم.
والأخيرة تنظر له بشر مماثل:
"جرب أن تفعل ما يدور بعقلك يا أجرب وسترى ما سأفعل بك."
تراجع موزي للخلف خطوات قليلة وهو يرمقها بغيظ شديد، يحشر بقايا الفاكهة في فمه، بينما زمرد ابتسمت بسمة جانبية ساخرة جعلت سلمى تراقبها متسعة الأعين:
"حسنًا هذا مذهل، هذه المرة الأولى التي يتراجع بها موزي عن نيته."
"لا تقلقي، لقد تعاملت عقدين من حياتي مع قرود فقط، مع كامل الاحترام للقردة وسلالاتهم."
صمتت ثواني ثم تحدثت بملل شديد:
"حسنًا انتهينا من الحديث، ماذا تفعلون أيضًا في هذا المكان عدا التحدث طوال الوقت؟"
حدقت بها سلمى دون فهم، لتتحرك زمرد عن الفراش وهي تهتف بجدية تضع الحجاب أعلى رأسها:
"من تأتي لقتالي؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم، فقد جاءت هذه الحالة لها دون مقدمات، ولم تكد واحدة تفتح فمها حتى أشارت زمرد بإصبعها على توبة لتنتفض توبة بتفاجئ وهي تبصر إصبع زمرد عليها:
"أنتِ، أنتِ أميرة لذا لابد أنكِ تعلمين جيدًا كيف تقاتلين بالسيف؟"
"نعم أعلم لكن..."
وقبل أن تكمل جملتها جذبتها زمرد دون تفاهم حتى تشير للباقية بحماس شديد، وقد كانت المبارزة أفضل ما تجد زمرد نفسها به، شيء تخرج به كافة طاقتها السلبية، شيء يشعرها أنها حية.
نظرت سلمى صوب كهرمان التي ابتسمت بلا سبب:
"والآن ماذا؟"
"الآن سنشهد منافسة شرسة بين سفيد وسبز يا ابنتي......."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إذن أنتم تريدون مني الخروج من هنا والعودة صوب الجحر بقدمي؟ أوليس هذا ما أُعاقب عليه الآن بالفعل؟ أنني ذهبت هناك منذ البداية؟"
هز له سالار رأسه ببساطة:
"نعم والآن نخبرك أننا نريدك أن تذهب، فأنت بالفعل صنعت لنفسك مكانة بينهم هناك، كما أن وجود رفيقك هناك سيساعدك في الدخول عكس أي شخص آخر سيواجه مشكلة في ذلك، كما أن طريقة إحضارك من سبز وجرك بهذا الشكل أمام الوليد لن يدع لديه شك أنك تعمل لحسابنا."
ختم حديثه يشير صوب أرسلان الذي اتسعت بسمته بقوة وهو يضع يده جهة صدره يردد بجدية:
"لا داعي لشكري على ذلك، كان ذلك من دواعي سروري حقًا، وإن أردتم يمكنني جره مرة أخرى من هنا للجحر بنفسي، سيكون هذا شرف لي."
زفر نزار بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه يخرج من جيب ثوبه رسالة مطوية وهو يلقيها أمامهم وقد كانت نفسها الرسالة التي أعطاها له الرجل قبل أن يقتله:
"هذه رسالة أرسلها لي الوليد مع الرجل يخبرني بها أنه ينتظرني للعودة، لكنني قتلته ورفضت ظنًا أنكم ستغضبون من عودتي."
سحب أرسلان الرسالة يقرأها بهدوء قبل أن ينفخ بضيق يلقيها على الطاولة:
"ما هذا الخط البشع؟"
سحب إيفان الرسالة يبتسم له باستفزاز وهو يراقب كلمات الوليد:
"نعم ينافس بشاعة رسمك في الحقيقة."
نظر له أرسلان بضيق ليبتسم لهم سالار بتحذير مبطن:
"هل سنبدأ الآن؟"
ختم كلماته يسحب الرسالة من بين أنامل إيفان يراقب حروف الوليد بهدوء وانتباه:
"جيد، هذا سيمهد لك الطريق لأجل الدخول، ستعود للجحر تبحث عن الوليد وتخبره أنه أثناء هربك مع ذلك الرجل تم الإمساك بكما وقُتل الرجل بشكل أو بآخر على يد......"
صمت ثواني وكأنه يفكر في الأمر قبل أن يشير لأرسلان:
"أرسلان على سبيل المثال، يمكنك جعله شرير قصتك هو لا يمانع."
حرك أرسلان رأسه بسعادة كبيرة وكأن سالار أعطاه للتو دور البطولة في مسرحية ما، وقد لمعت عيونه بقوة:
"نعم لا بأس أحب أن أكون الشرير في قصص الأوساخ، يمكنك أن توصفني بأنياب وقرون حمراء إن أردت."
ضحك نزار عليه بخفة يهمس بصوت شبه مسموع:
"صدقني لا تحتاج لتلك الأوصاف لتظهر بصورة الشرير، ماشاء الله سمعتك مرعبة أكثر من كل ذلك."
"اللهم أدمها نعمة علينا، ما الإنسان إلا سمعة ولسان عذب يا بني."
تحدث آزار بعد صمت طويل وهو يراقب الجميع يتفقون على أرسلان ولده للجحيم:
"لكن هذا لن يكون آمنًا، أنتم تلقون به بين غياهب الجب."
نظر له أرسلان وقد أدرك ما يدور بخلده في هذه اللحظة:
"لا تقلق ملك آزار، كل شيء سيكون بخير، ثم أنا رحمت ذلك الغبي رفيقه ومنعت نفسي عن قتله في الهجوم فقط لأجل هذا، وولدك بسبعة أرواح سيكون بخير لا تقلق."
"يعجبني ثقتك بي."
تمتم أرسلان بصوت منخفض وصل واضحًا لنزار وهو يبتسم له بسمة مخيفة:
"هذه ليست ثقة، أنا فقط أصمت العجوز عن إفساد خطتنا."
اتسعت عيون نزار وسالار الذي نظر له بشر، لكن أرسلان لم يهتم وهو ينظر للجميع بجدية:
"إذن نحن متفقون على إرسال ذلك الــ ....نزار صوب الجحر لمعرفة ما يخطط له أصلان؟"
صمت الجميع ثواني وكأنهم يفكرون بشكل دقيق أكثر في الأمر لتتسع بسمة أرسلان دون اهتمام:
"جيد إذن، والآن الخطوة الأخيرة قبل التحرك للجحر."
نظر له الجميع بترقب لينظر هو بشكل مرعب لوجه نزار وقد لمعت عيونه بطريقة مخيفة جعلت نزار يعود للخلف خطوات بمقعده رغم جلوسه على بعد مناسب من أرسلان الذي تحدث بجدية:
"لا يمكنك الذهاب لهم بهذا الشكل."
"بهذا الشكل؟ ما الذي تقصده؟"
أشار أرسلان على وجهه بجدية:
"هكذا بوجه صاف وشعر مصفف، والله لا أقبل أن يقال في حقي أن الملك أرسلان لا يعلم كيف يكرم ضيوفه داخل سجونه، ثم لأجل الواقعية والإقناع، هل تعتقد أنهم سيصدقون وجودك عندي هذه الأيام بهذه البشرة الصافية الخالية من أي شوائب؟"
نهض عن مقعده يشمر أكمامه وهو يتأتأ بهدوء شديد:
"هذا مرفوض، هذه سمعة يا بني وأنا لا أقبل أن يظن بي هؤلاء القذرين الحسنى، دعني أفسد صورتي في عيونهم."
ابتعد نزار عن مقعده حينما أبصر الجدية والإصرار في عيون أرسلان:
"والله أن لا صورة فاسدة في عيونهم بقدر فساد صورتك، أقسم أن الرجال هناك لا يمقتون أكثر منك بين الجميع."
"لا تقلق ستكون يدي خفيفة، بعض الضربات الصغيرة، ولا تقلق سأحرص على أن تُشفى قبل زفافك، وأعدك أن أقدم لك وليمة زواجك هدية من مشكى."
نظر إيفان بترقب صوب ما يحدث، بينما سالار استعد للنهوض والفصل بينهم، وبارق فقط يراقب ما يحدث منتظرًا القادم.
بينما آزار ينفخ بغيظ شديد مرددًا بضيق:
"هذا أرسلان لن يصمت أو يرتاح خاطره إلا حينما يقطع سلالتي عن هذا العالم."
ابتسم أرسلان بلطف شديد وهو يقترب من نزار الذي أخذ يبحث عن خنجره في ثوبه ولم يكد يخرجه ليدافع عن نفسه حتى تلقى لكمة قوية في وجهه أسقطته أرضًا.
لترتفع صرخته الغاضبة في المكان، بينما أرسلان أشرف عليه من الأعلى وهو يميل عليه هامسًا ببسمة هادئة بريئة:
"فقط حاول ألا تحرك وجهك كثيرًا كي لا تفسد عملي."
رفع له نزار عينيه يبتسم بغيظ متحدثًا من بين أسنانه:
"تبًا لك أرسلان، أيها الحقير، جيد أنني تركتك تموت ذلك اليوم، وجعلتك تخسر روحك الأولى يا وسخ."
ختم كلماته لينظر له أرسلان ثواني بملامح هادئة لا تشي بشيء. ينظر حوله ثواني للجميع، ثم رفع يده في الهواء يبتعد عنه مشيرًا صوب جسد نزار الملقى أرضًا:
"ها انظروا إلى ذلك القذر الحقير الذي يتلفظ بألفاظ سيئة لا تليق بجلسة رفيعة المستوى كجلستنا هذه ملقيًا سبات على مسامع العجائز؟ أتعجب كيف سيأمن العجوز بارق على ابنته مع قذر مثل هذا الرجل يتلفظ بمثل تلك الألفاظ القذرة؟"
اتسعت بسمة إيفان بعدم تصديق يهز رأسه باهتمام:
"في طريقك لاستنكارك السبتين اللتين أطلقهما نزار نطقت أكثر من أربع سبات في جملة واحدة، أحييك أرسلان فعلت ما عجز عنه الكثيرون."
حرك أرسلان يده في الهواء بغضب شديد معترضًا على كلمات إيفان برفض شديد:
"لقد أقلعت بالفعل عن السب ولم يعد لساني النقي هذا ينطق بكلمة سيئة إلا على الأوساخ والقذرين أمثال أصلان وانمار وألفين آخرين. الآن جاء هذا الرجل من حيث لا أدري ليفسد قوتي ويعكر صفو لساني، شيطان، هذا شيطان."
فجأة قاطع ذلك الاجتماع الجاد والهام صوت طرق خفيض على الباب، تبعه صوت أحد الرجال وهو يتحدث بجدية:
"سيدي لقد انتهى الجميع من تحضير الطعام، والآن نحن في انتظاركم...."
وفي ثواني وبعدما كانت الوجوه حادة والجلسة مشدودة، انفرجت الملامح ونهض الجميع ببساطة.
ابتسم آزار وهو ينهض ينفض كتفه بهدوء وكأنه ينفض غبارًا متجاهلًا ما يحدث مع ولده في الوقت الحالي:
"وأخيرًا جاء وقتنا المفضل بارق، هيا بنا."
ابتسم له بارق ينهض يلحق به وهو يشير له صوب الخارج برقي:
"من بعدك ملك آزار."
ابتسم له آزار وهو يربت على كتف رفيقه الأقرب والذي عادت روحه بعودته:
"ما تزال راقيًا كما كنت، النصف موتة التي خضتها لم تغير بك الكثير، سبحان من يحيي الميت."
ومن بعد تلك الجملة اختفى صوت الإثنين، تاركين خلفهم الجميع يتبادلون النظرات في صمت، يقطعها إيفان الذي أعلن انسحابًا مبكرًا من الحرب النفسية تلك، يخرج من المكان دون اهتمام، تبعه سالار الذي ابتسم بسمة صغيرة يصفف خصلاته بأصابعه، ومعه دانيار الذي استأذن بصمت، وفي النهاية لم يتبق سوى المعتصم وارسلان ونزار.
ولم يكد الأخير يفتح فمه، حتى قاطعه أرسلان مبتسمًا بكل ذرة استفزاز يمتلكها:
"يا المعتصم..."
"مولاي؟"
"خذ هذا المجرم إلى السجن رجاءً."
اتسعت عيون نزار بصدمة مما يفعل ليتحدث أرسلان بهدوء وبراءة وكأنه يبرر له ما يفعل:
"هذا لأجل الحبكة المنطقية عزيزي، لا ضغينة، أو... نعم هناك ضغينة......."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى غرار معركة الرجال في الأعلى كانت معركة النساء في الأسفل تقودها العزيزة زمرد ضد... الجميع، فقد بدا كما لو أنها تشن حربًا على الجميع في هذه اللحظة.
تتحرك حول توبة وهي تلوح بسيفها، بينما الأخيرة تقبض على سيفها بجدية كبيرة تضيق عيونها بترقب شديد، تبتسم لزمرد والتي بمجرد أن أبصرت بسمة توبة حتى شعرت بها إشارة لأشعال الحرب فانقضت عليها بقوة، لكن توبة ورغم أنها لم تحمل سيفها سوى القليل من المرات آخرها في ذلك الجحر، إلا أنها لم تكن بالمنافس الهين، وفي الوقت ذاته لم تكن منافس قوي يستطيع التغلب على زمرد والتي لم تترك سيفها منذ ولادتها.
أخذ القتال يشتعل أكثر وأكثر حتى شعرت كهرمان أن زمرد ثواني وستدحرج رأس توبة أسفل أقدامهن.
"حسنًا هذا ليس جيد البتة، علينا إيقاف زمرد قبل أن تقتل توبة وتتسبب في حرب بين سفيد وسبز، وزوجي المسكين من سيكون عليه التعامل مع الأمر."
اتسعت بسمة سلمى أكثر، بينما فاطمة تراقب ما يحدث بأعين متسعة غير مصدقة أن امرأة يمكنها القتال بهذه المهارة كالرجال تهمس بصوت منبهر:
"هذا رائع، أنا... أريد أن أفعل مثلها، أريد أن أقاتل مثلها."
نظرت لها كهرمان بصدمة وقد ظنت أن الصغيرة ستهلع مما ترى.
ولم تدرك أن فاطمة أول عهدها بالقصر كان في ساحة القتال تقلد حركات المعتصم وهي تحمل عصا.
"الرحمة يا رب، أين سقطت أنا؟ لا عاقل وحيد بكن؟"
استدارت لها سلمى تلقيها ببسمة غريبة أخبرتها دون التحدث بكلمة، أنه لا... لا عاقل وحيد بينهم.
"أنا يعجبني ما يحدث الآن تمامًا مثل فاطمة؟"
"يا فتاة ما بكِ؟ لا عاقل بكم سوى تبارك والله، مالنا نحن النساء بالسيوف، نحن خلقنا للدلال والرقة والغناء والرقص وغيرهم من الأمور اللطيفة."
التمعت عيون سلمى بشدة وهي تهمس بحماس شديد:
"الغناء والرقص؟ أحب هذا، هل تستطيعين الغناء؟"
هزت لها كهرمان رأسها بنعم وهي تعود بعيونها صوب القتال:
"نعم علمتني أمي كل تلك الأشياء، في الحقيقة كانت أمي في منافسة شرسة طوال الوقت مع أخي لتزرع بي رقة توازن الخشونة التي يزرعها بي أرسلان."
"وأرسلان؟"
"ما به أرسلان؟"
"ما رأيه حول تلك الأمور!؟ أقصد الغناء والرقص؟ ألم يكن يمانع؟"
"لماذا سيمانع، أخي لا يتدخل بمثل أمور النساء هذه، فرغم أنه يحاول أن يزرع بي قوة وبأس يدرك أنني في النهاية فتاة لي على نفسي حق."
اتسعت بسمة سلمى بشكل غامض وهي تنظر أمامها تبصر توبة الساقطة أرضًا تصارع للنهوض دون أن تجز زمرد عنقها:
"هذا جيد، إذن كيف ترقصون هنا، هل لديكم مطربين وأغاني محمسة و...."
قاطعتها كهرمان وهي تهتف بعدم فهم:
"ماذا؟ لا أفهم ما تقولينه، نحن ننشد على طرق الدفوف ونرقص عليه، هذا كل شيء."
"يبدو هذا جيدًا أيضًا، إذن أيمكنك أن تعلميني ذلك؟"
نظرت لها كهرمان متجاهلة أصوات الصراخ التي بدأت تشتعل حولهم وقد نهضت توبة تضرب زمرد في معدتها بقوة مسقطة إياها أرضًا بخشونة، وفاطمة تراقب بأعين ملتمعة متحمسة وبشدة...
"إذن لا بأس، أخبريني متى تكونين متفرغة وسأعمل على تعليمك ما تريدين."
ختمت كلماتها وهي تبعد عنها جسد توبة التي سقطت عليها تمنح كامل تركيزها لسلمى التي ابتسمت لها تؤمي بإيجاب، ومن ثم نظرت صوب فاطمة تتحدث بحنان:
"وأنتِ فاطمة تريدين تعلم الأمر كذلك؟"
"لا أنا أريد أن أتعلم القتال مثلهما."
زفرت كهرمان بضيق:
"جيد وجدت زمرد لنفسها قرين."
نظر الجميع صوب القتال والذي بدأ كما لو أن توبة قد بدأت تثور وتحترق داخليًا أكثر وأكثر وتزداد شراسة وكأنها في حرب حقيقية...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك ببطء داخل البيت الصغير الذي يقبع في أحد أسواق مشكى، بعدما سار لساعات وربما لأيام صوب مشكى مع تلك القافلة التي توقفت لأجله في الغابة.
نظر أرضًا بهدوء شديد يبتسم بسمة صغيرة يدعي بها خجلًا كبيرًا، وقد سمع صوت الرجل ينادي بصوت مرتفع غاضب:
"أين تلك الفتاة؟ أنتِ أيتها الكسولة عديمة الفائدة أين أنتِ؟ أين ذهبت؟"
تحدث الآخر بصوت خجل من الموقف برمته:
"أشعر أن وجودي في المكان لن يكون لائقًا خاصة بوجود امرأة هنا يا عم، أنت وأكثر الله من خيرك فعلت واجبك ويزيد ووصلتني لمشكى، سأرحل أنا كي لا أثقل عليك أكثر."
امسك به التاجر رافضًا رحيله بهذا الشكل وهو بهذه الحالة من الضعف والإرهاق:
"والله لن يحدث، لن ترحل من هنا حتى تستعيد صحتك، هذا إكرام ضيف."
صمت ينظر حوله ثواني قبل أن يتحرك صوب الداخل:
"توقف هنا حتى أجد تلك الفتاة أو......"
وقبل إكمال جملته أبصر ابنته تخرج من غرفة جانبية وهي تمسك بين يديها صينية الطعام شبه فارغة، تنظر صوب والدها بعدم فهم، ومن ثم نظرت لضيفه والذي كان رث المظهر مبعثر الهيئة، تحاول فهم ما يقبع خلفه:
"ماذا؟ من هذا الرجل؟"
رفع والده عينيه لها زاجرًا:
"هذا ضيفي يا فتاة، لذا تأدبي وتحدثي بشكل يليق بكونك فتاة محترمة."
اشتعلت عيون الفتاة بقوة ظن إهانة والدها المبطنة، ومن ثم نظرت لهم من أعلى لأسفل ولم تكد تتحرك متجاهلة الاثنين حتى سمعت صوت والدها يقول بجدية:
"ديـــــــــلارا."
توقفت ديلارا تغمض عيونها بضيق شديد تستدير صوب والدها وضيفه تردد بصوت حانق:
"ماذا؟"
"اذهبي وحضري طعامًا لضيفنا..."
صمت ينظر صوب الرجل وقد أدرك فجأة أنه لم يعلم اسمه وقد غفل عن تلك النقطة طوال الوقت:
"لم تخبرني اسمك يا سيد....."
صمت ينتظر من ضيفه إكمال جملته، ليبتسم له الرجل بهدوء واحترام شديد يغض طرفه عن ديلارا وهو يتحدث بصوت رخيم:
"أنمار سيدي... اسمي أنمار........."
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ذروة الحرب، ومن يطفئها؟؟؟؟
دمتم سالمين.
رحمة نبيل
•
رواية اسد مشكي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رحمه نبيل
يتحرك بين الممرات مع المعتصم الذي كان يجذبه من ثوبه بخفة أمام الجميع صوب السجون، بعدما تم وضع الخطة واتفق الجميع على كل شيء.
ونزار يسير مخفضًا عيونه أرضًا دون أن يرفعها في وجه أحد، يهمس بضيق وهو يشعر بقبضة المعتصم تشتد شيئًا فشيء على ثوبه:
_ تدرك أنه لا تحتاج لإتقان الدور بهذا الشكل، صحيح؟
ابتسم المعتصم بسمة صغيرة جانبية يهمس بصوت وصل واضحًا لنزار:
_ نعم أدرك، لكن هذه أوامر الملك و... أوامري كلها آخذها من الملك وليس أنت سمو الأمير، لا ضغينة صدقني.
ابتسم نزار بضيق شديد وهو يتحرك بين ممرات القصر يهمس بصوت حانق:
_ عسى أن يخرجني الله سالمًا من بين يدي مولاك، إذ يبدو أنه لن يغفر ما حدث قريبًا.
عند التطرق لهذه النقطة شعر المعتصم بحيرة:
_ مازلت لا أفهم سبب غضبه منك حتى الآن.
_ الخذلان يا المعتصم، الخذلان أسوأ ما يمكن أن يمر به أحدهم، وأنا خذلت أرسلان وتخاذلت عن دوري، وأخبرتهم ما لا يجب عليهم معرفته.
تنهد بصوت مرتفع وقد شعر بعدم قدرته على الاستكمال في هذا الأمر، يمرر عيونه بعيدًا عن المعتصم يدعي عدم الاهتمام لما يحدث حوله، لكنه ما يزال حتى هذه اللحظة يشعر بالخذلان تجاه مشكى وشعبها.
لو كان فطنًا لكان أدرك أن هناك ما يدور خلف ظهره، لو أنه كان سريع البديهة لتحرك ليحضر المساعدة بدلًا من الذهاب وحده، لو كان يزن الأمور لأنقذ أرسلان وأنقذ البلاد قبل فوات الأوان، ولو كان يعلم ما كشف ثغرات البلاد لبافل...
أثناء تحركه بهدوء مع المعتصم صوب السجن حيث اتفق أن يكون بوابته للخروج متخفيًا، توقفت فجأة أقدامه عن الحركة وتجمد جسده بالكامل وهو يبصرها أمامه وقد خرجت من أحلامه لتتمثل على هيئة خطفت كل ذرة من كيانه، تتهادى أمامه بكل رقة وهي مبتسمة بسمة مشرقة.
بسمة سرعان ما انتقلت له ليبتسم باتساع يتابعها بأعين ملتمعة يتمسك بسور الشرفة يحدق بحلمه المتجسد على هيئة امرأة فاتنة تتحرك بين طرقات المملكة.
كان حلمًا جميلًا في غاية الواقعية لدرجة أنه أبصرها ترفع عيونها له مبتسمة بسمة واسعة سرعان ما تلاشت بصدمة كبيرة وقد اتسعت عيونها وشحب وجهها.
أما عنها فكانت تسير مع الفتيات تضحك على كلمات كهرمان وحوارها الشيق مع زمرد، ومن بين ضحكاتها وقعت عيونها على طيف فجأة جعلها ترفع عيونها بتعجب لتتسع عيونها وتشعر بتوقف أنفاسها وهي تبصر نزار يقف في شرفة أحد الممرات يراقبها ببسمة حالمة شاردة وما يزال المسكين يظنها طيفًا... وهي فقط توقفت تنظر له دون أن تنزع عيونها عنه وقد شعرت فجأة بضربات قلبها تكاد تتوقف من صدمتها، نعم جاءت للمكان علها تبصره مرة ولو بالخطأ، لكنها لم تتوقع أن تفعل.
ظلت أقدامها متيبسة لا تشعر بأحد حولها وهي تراقبه يقف هناك مبتسمًا لها بسمة غريبة، يراقب حلمه البعيد غير عالمًا أنها واقع.
تحركت عيون المعتصم ببطء صوب ما ينظر له ليتعجب حينما يرى بعض النساء ليبعد عيونه وهو يجذب نزار بعيدًا عن سور الشرفة:
_ أقسم أنه لن يهدأ لك بال إلا حينما يعلق الملك رأسك على بوابة مشكى، تنظر بكل تبجح في النساء، تحرك معي.
نظر له نزار بعدم فهم ليتحدث المعتصم بجدية وهو يجذبه بعيدًا عن الشرفة وكأنه ينتزعه من حلمه الوردي صوب واقع رمادي:
_ أدري أنك بالفعل طلبت ودها للأميرة توبة، عسى أن يجمع الله بينكما بالخير، لكن لا يجوز اختطاف النظرات لها بهذا الشكل و...
توقف نزار عن الانقياد لجذب المعتصم وقد تيبس جسده يهمس بصوت شبه مسموع:
_ هل... تعني أنها... هي هنا؟ هل كانت الأميرة توبة تقف في الأسفل حقًا؟ هل تبصرها كذلك؟
رفع المعتصم حاجبه بعدم فهم وهو يجذبه من مرفقه بقوة حينما أبصر بعض الجنود يمرون بجانبها، يهمس بصوت خافت يرسم ملامح حادة على وجهه:
_ هي ليست شبحًا كي لا أبصرها، لقد كنت تحدق بها لدقائق طويلة، ولا تدرك أنها موجودة؟!
شعر نزار بالصدمة تتلبسه وقد بدأت ضربات قلبه ترتفع يهمس لنفسه ببسمة واسعة:
_ هي ليست وهمًا؟
أدخله المعتصم للسجن وهو يدفعه صوب أحد الأبواب يزجه به بهدوء شديد ثم أغلق الباب يلقي المفتاح بشكل متوارٍ له غامزًا:
_ أتمنى أن تعجبك ضيافتنا سمو الأمير.
ختم حديثه يشير للحراس على السجن بجدية وصرامة شديدة:
_ لا تغيب عيونكم عنه.
تحرك للخارج ليلتقط نزار المفتاح بخفة يخفيه داخل ثيابه كما هو متفق عليه مع الجميع، يرفع عيونه صوب الباب ببسمة صغيرة:
_ لا أعتقد أن زيارة قصيرة غير متفق عليها ستزيد من الأمور سوءًا ها؟
_ إذن كل شيء بخير معكن؟
ابتسمت إحدى النساء باتساع لنازين التي كانت طوال الوقت تبذل كل ما بوسعها لتساعدهن في التأقلم مع الحياة تلك دون أي مشاكل، ورغم كل ما تفعل وما يبذل الجميع حولهن من مجهود إلا أن البعض لم يتخطى بعد ما حدث.
فتيات يأخذن جانبًا دون التحدث بكلمة واحدة أو حتى التفاعل مع محيطهن، وهذا ما كان يتسبب في إحباط نازين.
خرجت من شرودها على صوت حور التي تحدثت ببسمة صغيرة:
_ نحن بخير حال نازين، شكرًا لكِ.
داعبت نازين خصلات الصغير عابد والذي كان يسكن أحضان حور نائمًا بعمق:
_ كيف حال الصغير؟
نظرت حور لعابد تتنهد بصوت شبه مرتفع:
_ أعتقد أننا نبلي بلاء حسنًا، لكن... الصغير لم يتخطى بعد قتل والدته...
ختمت جملتها تستشعر بغصة قوية تستحكم حلقها، وقد أعادت لها الكلمات ذكرى قتل "ياقوت" أمام عيونها والصغير.
نظرت لها نازين وهي تشعر بالحزن، وودت لو امتلكت القدرة لتمسح ذاكرة جميع النساء والأطفال هنا، بداية بنفسها.
سمعت صوتًا لإحدى العاملات تردد اسمها بهدوء:
_ الطبيب زيان ينتظرك في الخارج.
رفعت لها نازين عيونها، لتبتسم حور وهي تضم عابد لها بلطف:
_ اذهبي لرؤية زوجك نازين، أنتِ تقضين معنا وقتًا أطول مما تفعلين معه، وهذا جحود لحق زوجك، تمسكي بالحياة الواقعية طالما كانت وردية نازين ولا تهربي منها لمجرد أنكِ اعتدتي السواد عزيزتي.
نظرت لها نازين بأعين شاردة وهي تحاول أن تنفذ ما تسمع، لكن منذ عادت تقريبًا وهي تحاول تجنب زيان، تحاول تجنب الحقيقة التي قد تلتمع خطئًا داخل عيونه، تحاول البحث عن واقع مزيف بين من اعتادت على العيش بينهن، وتنبذ واقعًا سعيدًا يناديها مخافة أن يجذبها ذلك الواقع خارج دائرة كانت تحمي بها نفسها.
تحركت ببطء صوب الخارج وهي تحاول أن تدعي اللامبالاة، وبمجرد أن خرجت أبصرت زيان يقف جانب الغرفة ينتظرها، رفعت عيونها له ولم تكد تفتح فمها بكلمة واحدة، حتى وجدته يرفع سلة فاكهة أمامها مبتسمًا بسمة واسعة:
_ هذا موسم حصاد العنب، أحضرت لكِ ما يكفيكِ وصديقاتك.
حركت نازين عيونها من يده التي تحمل السلة، صوب السلة نفسها وقد شعرت أن فجوة زمنية سحبتها فجأة صوب ماضي بعيد تشتاق له وبشدة...
صوت نازين وهو يغلق باب منزلهم بقوة يناديها بصوت صاخب يلقي أغراضه على الطاولة متحركًا صوب المطبخ وهو يصيح بسعادة: "نازين تعالي وانظري ماذا وجدت أثناء طريق العودة للمنزل؟!"
ختم حديثه يطل عليها برأسه مبتسمًا بحماس يرفع السلة في الهواء: "العنب يا ابنتي، جاء الموسم المفضل لنا."
التمعت عيون نازين بحماس شديد، ورغم ذلك شاكسته بمزاح: "أنت لا تحب العنب زيان، كيف يكون موسمك المفضل؟!"
"نعم لكنكِ تفعلين، وهو يساهم على تحسين مزاجك السيء، ويمثل عنصرًا مهمًا لمساعدتي في مراضاتك حين الغضب، بالله كيف لا يكون الموسم المفضل لي؟ هذا هو الحليف الأول لي، وقد جاء بعد انتظار شهور."
سقطت دموع نازين دون شعور وهي تنظر صوب العنب ترسم بسمة واسعة تناقض دموعها بصعوبة:
_ يبدو هذا... رائعًا، شكرًا لك... زيان.
كان زيان يدرك جيدًا ما تمر به ويعلم أنها تحتاج للوقت لتخرج من فقاعتها، لذا ترك كامل الوقت، مع الاحتفاظ بوجوده بجوارها، ومساعدتها في الخروج من كل هذا دون أن تشعر حتى أنه يفعل، وقد كانت هذه نصيحة صغيرة تلقاها من الملكة حينما عاد لها في أمر زوجته...
ما يزال يتذكر وجه الملك حينما طلب منه إذنًا في التحدث مع الملكة في أمر يخصه.
"زيان أنت تدرك أنك تعني لي الكثير، وأن أبي رحمة الله عليه كان يحبك، فلا تجعلني الحقك به."
"مولاي أنا... صدقني ليس هذا ما قصدته، أنا فقط... أحتاج مساعدتها في شيء أعتقد أنها تدركه أكثر مني و..."
صمت ثواني ثم قال بتردد: "أريد طلب مساعدتها فيما يخص زوجتي، هي... لم تعد..."
صمت وقد أبى التحدث بكلمة عن زوجته مع أحدهم ولو كان الملك، لذا ابتلع باقي كلماته والتي لم يكن أرسلان ينتظرها في الحقيقة، بل تفهم الأمر يتنهد بصوت مرتفع: "حسنًا زيان..."
خرج زيان من شروده على صوت نازين التي همست بصوت منخفض:
_ هل... تناولت طعامك؟
وهذا تطور ملحوظ، تسأله عن طعامه وتهتم، والله أكثر مما يتمنى، ابتسم لها باتساع وكاد يجيبها كما هو المعتاد أنه بخير ولا تحمل همه، لكن فجأة رن صوت سلمى في رأسه وهي تخبره.
"اجذبها لحياتك، اجعلها تشاركك يومك دون شعور، ليس بشكل مباشر، لكن تظاهر أن الأمر طبيعي، لا تجعل الأمر يبدو كما لو أنك تجبرها على العودة لمشاركتك حياة طبيعية، اجعل الأمر يبدو تلقائيًا عفويًا منك، مثلًا ادعي المسكنة."
ابتسم زيان بسمة صغيرة وهو ينظر لوجه زوجته، ثم تنهد بصوت حاول إظهاره مرهقًا:
_ لا لم أفعل بعد، لم أمتلك الوقت لأفعل، لكن لا بأس ربما حينما أنتهي من عملي أبحث عن شيء لأتناوله هذا إن لم أسقط على الفراش من شدة التعب.
وهذه كانت لحظات إعجاب أبداها زيان لنفسه وحياها على ما فعل منذ ثوانٍ، ففي ثوانٍ نظرت نازين صوب الغرفة للنساء، قبل أن تعود له تتحدث بجدية:
_ لا يمكنك ذلك زيان، أنت تهمل نفسك بالفعل، هيا تعال سأرى ما يمكنني أن أعد لك ليسد رمقك، و... كل يوم سأفعل الأمر نفسه كي لا تهمل ذاتك حسنًا؟
ختمت حديثها وهي تجذب يده معها، وهو نظر لها نظرة يتيم مسكين وجد من يعطف عليه أخيرًا بعد سنوات من الوحدة والإهمال، يخرج تنهيدة مصطنعة:
_ حسنًا لا بأس، أنا أشعر بالجوع على أية حال.
نظرت له نازين ثوانٍ واستشعرت فداحة ما كانت تفعل، كانت تهمله بكل الطرق الممكنة وتغمس ذاتها داخل مجتمع النساء، بينما هو لا يوفر فرصة واحدة ليعتني بها ويظهر حبًا.
نظرت له بأسف:
_ إذن تعال معي سأعد لك طعامًا تحبه.
ختمت حديثها تجذب يده معها، وهو سار خلفها يبتسم بسمة عاشقة يهمس بصوت لم يصل لها:
_ لكنني أحبك أكثر نازين...
وصل الجميع صوب جناح سلمى لتبدأ كهرمان في تنفيذ وعدها بدروس الرقص للجميع، لكن ما أن خطى الجميع للجناح حتى نظرت لهم توبة بتردد وهي تهمس بصوت شبه متوتر:
_ سوف... أذهب فقط لأطمئن إن كان أبي قد أخذ دواءه أم لا وأعود لحين تتجهزون.
ومن بعد تلك الكلمات تحركت بسرعة دون كلمة أو حتى انتظار رد من أحدهم تاركة الجميع يجلس بحيرة مما يحدث، عدا سلمى التي ابتسمت بسمة جانبية وهي تتذكر نظراتها أثناء تحركهم للغرفة.
نظرت لكهرمان وهي تتحدث بهدوء:
_ إذن سأذهب لأرتدي ثيابًا مريحة تناسب ما سنفعل وأعود سريعًا.
تحركت صوب الخزانة الخاصة بها وتوقفت أمامها ثوانٍ قبل تختار ما تريد وتتحرك صوب المرحاض الخاص بها والجميع في الخارج ينتظرها.
عدا زمرد التي تحدثت بهدوء:
_ سأذهب لدانيار أتأكد أن كل شيء بخير معه.
ومن بعد هذه الكلمات اختفت تاركة فاطمة وكهرمان سويًا لتبتسم فاطمة بسمة صغيرة لكهرمان التي بادلتها البسمة بأخرى رقيقة حنونة، قبل أن تتحدث بخجل:
_ هل يمكنني أنا كذلك الذهاب لأطمئن على المعتصم؟
اتسعت بسمة كهرمان وقد شعرت أن الفتاة تستأذنها، لكنها فقط زادت من بسمتها وهي تشير لها على باب الخروج لتهرول فاطمة بشوق كبير للخارج تاركة كهرمان تراقب أثرها ببسمة واسعة على براءتها.
نظرت للمكان حولها وهي تفكر في التحرك لرؤية إيفان كذلك وقد استبد بها الشوق لزوجها العزيز، لكن ما كادت تتحرك عن مقعدها حتى سمعت طرقًا على الباب وصوت شقيقها يصدح بهدوء:
_ سليمة أنتِ بالداخل؟
ابتسمت كهرمان بسمة صغيرة وهي تنظر صوب المرحاض ثوانٍ، ومن ثم نهضت تتحرك صوب الباب تفتحه فجأة ليتراجع أرسلان مخفضًا رأسه دون أن ينتبه أن كهرمان هي من فتحت الباب.
ولولا كلمتها التي نبهته للأمر لظل مخفضًا رأسه.
_ السلام عليكم أخي...
اتسعت بسمة أرسلان يرفع رأسه بهدوء صوب كهرمان وقد لمعت عيونه بنظرات تخصها بها طوال الوقت:
_ السلام عليكم عزيزتي، ما أسعد يومي لرؤية وجهك البهي جوهرتي.
ختم كلماته وهو يضم كهرمان له بحنان شديد، ثم رفع عيونه لها يربت على رأسها بحب:
_ كيف هي أحوالك حبيبتي؟
_ سعيدة أخي، سعيدة لأجلك.
جذبها أرسلان لصدره يضمها بحب شديد وهو يربت عليها:
_ عسى السعادة لا تفارق قلبك حبيبتي، كيف تجري أمورك مع إيفان، إن فعل لكِ شيئًا يمكنك الجلوس هنا وأعيده لبلاده وحده.
ابتعدت عنه كهرمان بصدمة:
_ أخي بالله عليك.
ضحك أرسلان بصوت مرتفع وهو يضرب رأسها بإصبعه:
_ على الأقل أخفي لهفتك عن عيوني أنا أغار.
نفخت كهرمان وهي تفرك رأسها بحنق مصطنع:
_ وأنا من ظننت أنك ستنشغل بزوجتك عني قليلًا؟ يمكنك الغيرة على زوجتك وتدليلها وإبعاد الجميع عنها أخي واتركني لزوجي.
ضم أرسلان يديه لصدره يبتسم ببساطة شديدة:
_ ومن قال أنني لا أفعل؟ زوجتي ملكية خاصة احتفظ بكامل الحقوق فيها وحدي.
_ أعانها الله، سوف أذهب لتفقد زوجي لحين تنتهي زوجتك من تجهيز نفسها.
نظر لها أرسلان وهو يستقيم في وقفته بترقب:
_ ستخرجون؟
_ بل سنرقص.
ختمت حديثها تغمز له بخبث وهي تتحرك بسرعة خارج الغرفة تاركة أرسلان ينظر لها بأعين متسعة بصدمة من كلماتها، وما هي إلا ثوانٍ حتى اتسعت بسمته قليلًا وقد استحسن عقله لأول مرة الأمر.
_ لِمَ لا أشعر بالانزعاج من هذا الأمر يا ترى؟
سمع صوت إغلاق باب غرفة زوجته في اللحظة التي فُتح بها باب المرحاض لتطل عليه زوجته التي كانت تجفف خصلاتها وتتحرك داخل الغرفة تردد بهدوء:
_ آسفة للتأخر فقط فتيات، أردت الانتعاش كي أكون بكامل نشاطي و...
توقفت عن الحديث حينما أبصرت حذاء رجالي مستقر أمام عيونها، لتبعد المنشفة عن شعرها ببطء ترفع عيونها شيئًا فشيء على جسد زوجها الذي تدرك كل جزء به وتحفظه عن ظهر قلب، لتصل أخيرًا لوجه أرسلان الشاحب وعيونه المتسعة...
والأخير، هذا المسكين الذي تلقى للتو صدمة حياته وهو يبصر زوجته بثياب... أو ببقايا ثياب، تتكون من بنطال رجالي من اللون الأسود قصير لا يغطي كامل قدمها، بل بالكاد يتخطى ركبتها و... شيء غريب لا يكاد يغطي معدتها وبلا أكمام أو أكتاف حتى.
صدمة تلقاها أرسلان جعلته شاحب الوجه، لتقتنص منه سلمى في هذه اللحظة ردة فعل فشل أعتى الرجال على استخراجها من أرسلان حتى في أشد الحروب ضراوة.
استطاعت وبكل بساطة وبثوب قصير أن توصل أرسلان لمرحلة صدمة لا يتحرك بعدها.
ألقت المنشفة على المقعد أمامها، وهي ترفع رأسها له تجمع بسرعة خصلات شعرها الرطب في ربطة عشوائية لم تساعد بأي شكل من الأشكال في تخفيف وطأة ما يحدث على أرسلان، الذي ما يزال يحدق فيها بنفس التعابير المصدومة والباهتة مما يرى.
أما عنها ابتسمت ببساطة ترحب به رغم صدمتها وتوترها لثوانٍ:
_ مرحبًا أرسلان متى أتيت؟ وأين الفتيات؟
_ وأين ثيابك؟
أبعدت سلمى خصلاتها الأمامية عن عيونها وهي تخفض نظرها صوب ثوبها، ومن ثم رفعت عيونها له تبتسم وهي تتحدث ببساطة:
_ ماذا تقصد؟
_ هل كنتِ ستخرجين عارية بهذا الشكل أمام الجميع؟
فغرت سلمى فمها بصدمة:
_ عارية؟
وحينما لم يجيبها وهو ما يزال يراقبها بملامح متشنجة يتخيل أن تبصرها الفتيات بهذه الهيئة ال... عارية.
_ هل تمزح معي؟ هذه ثياب منزلية، ثم ماذا في الأمر و...
_ رجاءً سيدتي لا تتجرأي وتصفي بقايا القماش هذه بكلمة "ثياب" حتى، هذه وقاحة أكبر من وقاحتك للخروج بهذا الشكل أمام الجميع.
نظرت سلمى له بتشنج قبل أن تدور بحدقتيها حولها ساخرة:
_ وقاحة؟ أمام الجميع؟
_ الفتيات جميعهن كن هنا وكن سيبصرن ما... ما أبصره أنا الآن.
نظرت له سلمى تضم ذراعيها لصدرها ترفع حاجبها وهي تقف أمامه بقوة:
_ وإذن؟
رفع لها أرسلان عيون مشتعلة بالغضب صارخًا بغضب جعل جدران الغرفة تهتز بهما، ولولا رباطة جأش سلمى في التعامل مع حالات الغضب هذه لكانت هرولت تبحث لها عن ساتر منه، وفي الحقيقة كانت ستفعل لولا أنه يحدق بها بهذه الأعين الغاضبة التي أيقظت داخلها تمردًا وهو يصرخ:
_ سلمــــى هل تمزحين معــــي، تظهرين جســــدك لهن؟
صُعقت سلمى من صراخه بهذا الشكل وعادت للخلف، ليشعر أرسلان بأنه تجاوز حده في الغضب، لذا ابتلع ريقه وهو يمسح رأسه يحاول أن يهدأ ومازالت نبرته تحمل غضبًا واضحًا:
_ سلمى ما هي عورة المرأة للمرأة؟ تعلمين صحيح؟
وسلمى التي كانت تدرس الإسلام منذ طفولتها حتى المراهقة قبل أن تنشغل في حياتها الخاصة، ومن ثم تعود للتعلم في أواخر حياة والده، لم يسبق أن تصادمت مع تلك الكلمات، أو ربما حدث دون أن تقف عند تلك المعلومة.
رفع أرسلان إصبعه وهو يشير لمعدتها الظاهرة يتحدث بصوت مهتز بعض الشيء ليخرج منه حادًا دون إرادة:
_ ما بين الركبة والسرة، هذه عورة المرأة للمرأة سلمى.
رفعت سلمى حاجبها وهي تضم يديها لصدرها تهمس بجدية وهي تتابع نظراته وملامحه بأعين حادة:
_ تعلم أنني لا أعاني مشاكل بالسمع صحيح؟
نظر لها بعدم فهم لتتحدث هي ببرود وكأنها توبخ طفلًا:
_ لو تحدثت بهدوء ونصحتني لم أكن سأرفض حديثك أرسلان.
رفع رأسه لها يحاول فهم ما تريده، لتقترب منه سلمى ببطء وهي تبتسم له بسمة غريبة، ترفع يدها وهي تمسك طرف سترته السوداء تهمس له بصوت منخفض جعل الأخير ينظر لعيونها وكأنه مسحور:
_ هذه الحياة مشاركة عزيزي آرس، ليست سيد وجارية، نتناقش بهدوء وتنصحني بهدوء، دون صراخ في وجهي وتوبيخي، فأنا ما زلت أخط طريقي في هذه الحياة، حسنًا؟
ختمت حديثها وهي تقترب منه بوجهه لتتسع عيون أرسلان وهو يسمعها تهمس جوار أذنه:
_ كن آرس جيد عزيزي.
انتهت تربت على كتفه بهدوء وبسمة حنونة وكأنها تلقن ولدها درسًا وهذا تحديدًا ما وصل لأرسلان الذي ابتسم بسخرية وقبل أن تبتعد جذبها من مرفقها يقربها منه مجددًا:
_ هل عاملتني للتو كما الأطفال؟ حقًا سلمى؟
_ حينما تتصرف مثلهم تتلقى معاملتهم أرسلان، هذا ما يحدث.
ضغط أرسلان على ذراعها ضغطة صغيرة وهو يهمس لها بصوت خرج كالفحيح محذرًا وقد رسم له عقله الكثير والذي لن يعجب سلمى إن أطلعت عليه:
_ لست طفلًا لتتحدثي لي بهذه الطريقة لأنني فقط غرت على زوجتي، أنا حتى في طفولتي لم أكن طفلًا سلمى، فلا تتعاملي معي بهذا الشكل فأنا لا أستسيغه ولا أتقبله من أيًا كان.
_ حتى أنا؟
_ خاصة أنـــــــتِ.
تحدث بكلمة يعني بها الشرق، ووصل لها المعنى غربًا.
فأرسلان يرفض أن تراه زوجته كطفل، يرفض أن يتخلى في حياة من تهمه من النساء عن دور جدار يرتكنون له، رافضًا أن يظهر في موقف الضعيف بأي شكل، رافضًا أن يتعرى من صلابته أمام زوجته ولو فعل مرة، يأبى أن يظهر ضعفًا لأحد ولو نزف داخليًا حتى فنى، إذ يبدو أن أرسلان لم يتخطى بعد ما بناه والده داخل عقله منذ طفولته، يخشى أن تتغير صورته الصلبة في عيونها بعدما صرح لها بعض مشاعره الداخلية، أقصى مخاوفه أن يحدث ذلك.
وسلمى لم ترى سوى رفضه لها أن تلعب دورًا لمساعدته في الخروج من ظلامه، رفضه لأن تصبح يدًا تحنو عليه من غارات الزمن، رفضه لتصبح في حياته أكثر من مجرد امرأة أُجبر عليها، امرأة لم يعترف لها يومًا بحبه مباشرًا صريحًا وكأنه يستثقل الكلمة، أو يراها لا تستحقها.
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تهز رأسها بحسرة تنظر لعيونه نظرات مخذولة مقهورة من كلماته:
_ أعدتنا لنقطة الصفر أرسلان، والتي يبدو أنني توهمت بكل حمق أنني تخطيتها، سامحك الله.
جذبت يدها بقوة من بين أنامله، تعطيه ظهرها وهي تتحرك صوب الخزانة الخاصة بها بخطوات غاضبة، ليس من أرسلان بقدر نفسها التي شعرت في هذه اللحظة بالاختناق والرغبة في الصراخ بوجهه، لدرجة أن يدها كانت ترتجف بغضب شديد وهي تفرغ الخزانة لا تبصر أمامها لشدة الغضب تصرخ دون حسبان وحقيقة أنه ربما لا يحمل لها أرسلان ما تحمله هي له تقتلها.
_ إن كنت ترفض دوري في حياتك أرسلان فأنا كذلك لا أتقبل أن تلعب دور المسؤول عليّ، أخرج رجاءً فأنا أريد تبديل ثيابي.
اتسعت عيون أرسلان في هذه اللحظة وشعر بقبضة تعتصر رقبته حتى أصبح التنفس صعبًا عليه، ابتلع ريقه بصعوبة وهو يقف كالطفل المذنب في الغرفة، يود الرحيل ثأرًا لكرامته بعدما طردته بشكل غير مباشر، ويرفض الرحيل تاركًا إياها بهذه الحالة، رافضًا نزعها له من حياتها بهذا الشكل بعدما اعتاد فكرة وجودها.
بعدما صارت هي وجوده... نظر لظهرها ثوانٍ يحاول التحدث، لكنه توقف في النهاية يتراجع بهدوء بعدما ردد بكلمات قليلة:
_ جئت أخبرك أن الطعام جاهز في غرفة النساء، بدلي ثيابك وتعالي لتتناولي الطعام.
ضحكت سلمى من بين دموعها التي هبطت دون شعور وهي تعطيه ظهرها، تتحدث بصوت ساخر:
_ هذا لكرم منك مولاي، أحرص ألا تزيده كي لا أعتاده وأطمع بالمزيد، والذي لا يمكنك تقديمه بالمناسبة، على كلٍ شكرًا لك لا أريد تناول الطعام تناولت للتو ما يكفيني.
ضغط أرسلان على كفه بقوة من تلك الكلمات وهو ينظر لظهرها بغضب وكم ود لو صرخ أنه على استعداد لتقديم ذاته قربانًا لها حتى، لكن حتى الكلمات خانته في هذه اللحظة ليصرخ صرخة غاضبة وهو يضرب الطاولة بقدمه مسقطًا إياها أرضًا صائحًا بصوت غاضب جهوري:
_ أنــــــتِ يا امرأة..... أنــــتِ ...حسنًا لا تأكـــلي.
صمت بعجز وقد أبى التحدث في غمرة غضبه كي لا يزيد الطين بلة، ليطلق صرخة أخيرة وهو يتحرك خارج الغرفة مغلقًا بابها خلفه بقوة، تاركًا سلمى خلفه تنظر للباب بدموع كثيفة، تسقط أرضًا بين الثياب جوار الخزانة تدفن رأسها بين يديها بضيق:
_ يا ويلي أرسلان، متى نخرج من تلك الهوة؟ متى تسمح لنا بالتنفس خارج ظلامك...
أخذت تلوم نفسها على ما قالته وفعلته، كيف تجاوزت حدها بهذا الشكل في التعامل معه وهي أكثر من يعرف ما يدور داخله و... توقفت عن أفكارها وهي توبخ نفسها على أفكارها تلك، فهي إن سمحت له أن يرسل لها نصائحه بالصراخ فلن يتوقف يومًا عن الصراخ.
مسحت دموعها بسخرية تضرب الثياب بغيظ:
_ هذا الأرسلان يحتاج لتأديب، معدوم الأدب هذا.
نظرت حولها بأعين دامعة وهي تفكر في القادم، إذ يبدو أن أرسلان يحتاج لسلك درب آخر أكثر وعورة حتى تصل لجوهره.
_ لكنه... يستحق وأكثر سول، يستحق وأكثر عزيزتي، لا بأس يا ابن بيجان يبدو أنني استهونت بوحوش ماضيك.
ختمت حديثها تربت على كتفها وكأنها تواسي نفسها في اللحظة التي سمعت بها صوت طرق على باب غرفتها، مسحت دموعها بسرعة وهي تهتف بصوت حاولت جعله طبيعيًا:
_ من؟
_ لقد أرسلني الملك بطعامك مولاي، يخبرني أن أجعلك تأكلين كل ما أحضرته لكِ، يخبرك أنه وضع لك كل ما تحبين.
ضحكت سلمى وهي تمسح دموعها تتحرك من مكانها تتوجه صوب الباب، لكن فجأة رن حديث أرسلان في عقلها، لتعود وتختطف أول ما وقعت عيونها عليه تغطي به جسدها، فاتسعت بسمتها بشدة حينما تلمست معطف أرسلان الأسود والذي تمتلك منه الكثير في خزانتها ترفض أن تحررهم بعيدًا عنها.
ارتدته تتحرك صوب الباب تفتحه بهدوء مبتسمة بلطف في وجه الفتاة التي بادلتها البسمة:
_ السلام عليكم مولاتي، أين أضع الطعام.
ابتسمت لها سلمى تتحدث بهدوء:
_ اشكرك عزيزتي، لا أريد تناول الطعام، لا أشعر بالجوع الآن، لذا أعيديه رجاءً عسى أن يستفاد به غيري.
نظرت لها الفتاة بحيرة:
_ لكن الملك أخبرني أ...
_ أخبريه أن الملكة أخبرت جلالتك بالفعل أنها تناولت الكثير قبل قليل.
يقف أمام قاعة الطعام وهو ينظر لبداية الممر ينتظر أن يبصرها تعود من غرفة زوجته رافضًا أن يتناول الطعام حتى يطمئن أنها فعلت، لكن تلاشى حماسه وحل مكانه غضبًا قاتلًا من نفسه حينما لمحها تعود بالطعام لم يُمس وهي تخبره الجملة التي أرسلتها معها سلمى.
شعر أرسلان بالضيق يخنقه وهو يشير برأسه للعاملة لتتحرك صوب قاعة النساء تساعد الجميع، وهو ظل واقفًا وقد فقد رغبته في تناول الطعام أو حتى فعل شيء.
نظر لبداية الممر بتردد حيث بدأ الجميع يتوافد على القاعة، ليتحدث آزار بتعجب وهو يلمح أرسلان يقف هذه الوقفة:
_ ما الذي تفعله هنا أرسلان؟ لا تخبرني أنك هبطت عن برجك العاجي لتلعب دور المستضيف الكريم والمتواضع، تستقبلنا على أبواب القاعة.
رفع له أرسلان حاجبه بسخرية لاذعة وهو يدفع باب القاعة على مصرعيه:
_ لماذا ألا تستطيع فتح الباب بنفسك أيها العجوز، ثم منذ متى تكبرت عليكم، أنا طوال الوقت أستقبلكم في قصري بكل كرم وأتحملكم دون كلمة واحدة وهذا بحد ذاته تواضعًا مني معكم.
أطلق بارق ضحكة مرتفعة على ملامح آزار الذي احمر وجهه وهو يرفع إصبعه في وجه أرسلان:
_ أنت لن تهدأ إلا حينما تجمعنا ساحة حرب، إذ يبدو لي أنك لم تتلق التربية اللازمة لتحترم كبار السن.
نظر أرسلان لإصبع آزار بضيق شديد وقد أمسك لسانه عن قول كلمة حادة احترامًا لسن آزار، لكنه لم يمنع نفسه وهو يرفع يده ينزل إصبع آزار بضيق:
_ لا أحب أن يرفع أحدهم إصبعه في وجهي آمرًا، ومن ثم بعد الصلاة نتجمع في الساحة الخلفية أيها العجوز وأريك كيف تكون الحرب، دون أن تختبأ خلف درعك ورجالك.
اتسعت أعين بارق وهو يرى أن الأمر بدأ يأخذ منحنى خطر، فما أسوأ من تنافر الأشباه، سوف يسقط الاثنان القصر أعلى رؤوس قاطنيه.
فجأة صدح صوت إيفان بهدوء وهو يبصر الجميع على باب قاعة الطعام:
_ ما الذي يحدث هنا؟! هل جدّ شيء؟
لكن أرسلان لم ينزع عيونه عن آزار الذي ابتسم بسمة مرعبة:
_ جهز كفنك يا فتى فلن أرحمك...
اتسعت بسمة أرسلان بشكل يشابه بسمة آزار، لتتسع أعين إيفان الذي نظر بقلق لبارق:
_ ما الذي يحدث هنا؟
تحدث بارق ببساطة وهو ما يزال يراقب الاثنين:
_ أرسلان سيحارب آزار بعد الصلاة اليوم، قرر الاثنان إطلاق حملة جديدة لتخفيف الضغط عن الأعداء وقتل بعضهما البعض.
نفخ إيفان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه بضيق يدفع أرسلان من أمامه بغضب يدخل للقاعة وقد شعر بفقدان الشغف لفك الحرب هذه:
_ أبتعد عن وجهي، هيا ملك بارق لنأكل قبل أن يبرد الطعام.
نظر بارق في أثر إيفان بصدمة ثوانٍ، قبل أن يهز رأسه باقتناع ويتحرك خلفه بسرعة، تاركًا الاثنين في الخارج ما يزالان يحدقان في بعضهما البعض وكأن من يخفض نظره أولًا سيكون خاسرًا في المعركة الأولى...
وفي الداخل جلس بارق رفقة إيفان وقد رفع الأخير رأسه يتحدث بتفكير:
_ أين هو سالار؟
خرج من غرفته بعد ساعات هدوء قضاها مع ذاته في الداخل قبل أن يعود ويكمل حياته الرتيبة الرمادية بعيدًا عن نصف روحه الذي تركه في سفيد ولا يطمئنه عنها سوى بعض الرسائل القليلة التي يرسلها كل بضعة أيام.
_ أسوأ من الحرب فراقك تبارك.
ولم يكد يخرج من الممر الخاص بغرفته حتى أبصر دانيار الذي أوقفه ببسمة:
_ جيد أنني وجدتك يا قائد، هناك من ينتظرك على بوابة قصر مشكى.
رفع له سالار رأسه بعدم فهم، ولم يكد يستفسر حتى سمع صوت دانيار يبتعد وهو يردد بجدية:
_ موكب من سفيد طلب أن تكون أنت في استقباله سيدي، اعذرني سأتحرك لتناول الطعام قبل أن يجير عليه الباقيين.
ختم حديثه بضحكة صغيرة تاركًا سالار بنظر لا أثره بعدم فهم، لكنه تحرك بهدوء صوب بوابة القصر وهو يلقي تحية على من يقابله ببسمة صغيرة، حتى وصل للبوابة ينظر صوب الجنود وقد اقترب منه أحدهم يردد بهدوء:
_ موكب من سفيد سيدي وقد رفض قائد الموكب الدخول إلا في وجودك لأستقبالهم، الغريب أن أحدهم لم يمنحنا علمًا مسبقًا بقدوم موكب من سفيد.
شعر سالار بالريبة الشديد وتحركت يده صوب سيفه يتجهز لأي غدر وقد عمل عقله سريعًا يحلل الموقف يدور بعيونه في المكان وكأنه يدرس المكان وجاهزيته لأي هجوم محتمل:
_ افتح الأبواب يا بني.
تحرك الرجل ينفذ أوامر سالار بسرعة وطاعة، فأرسلان لطالما أخبر رجاله أنه إن كان لغريب عن مشكى كلمة وأمر على رجاله فسيكون إيفان أو سالار.
ثوانٍ وبدأت أبواب مشكى تُفتح تكشف عما خلفها، فابصر سالار العديد من رجاله الذين يعلمهم تمام العلم ليخفف القبضة عن سيفه وهو يرفع حاجبه بعدم فهم، يبصر ابتعاد رجاله كاشفين عن هودج خلفهم وقد أشار أحدهم صوب الهودج يتحدث بجدية:
_ جئناك بأمانتك بأمر من القائد تميم سيدي فتسلمها منا رجاءً كي نعود لسفيد بأسرع وقت.
رفع لهم سالار حاجبه وقد بدأ قلبه ينبض بعنف وهو يتحرك صوب الهودج وعقله توقف لثوانٍ عن تحليل محيطه، حتى توقف أمام الهودج يدرك داخله ما سيبصره خلف ستاره، وقد صدق حدسه إذ كان أول وجه قابله حينما أبعد الستار وجهها... وأول ما سمع هو صوتها وهي تهمس بصوت خافت وبسمة واسعة ودموع مشتاقة:
_ السلام عليكم يا قائد...
اتسعت بسمة سالار دون وعي منه وهو يبعد خصلات شعره عن وجهه بسرعة يمنح نفسه أكبر قدر ممكن من الرؤية وهو يهمس اسمها بصدمة:
_ تبارك؟
ابتسمت له تبارك وهي تمد يدها له كي يساعدها في النزول:
_ انتظرتك طويلًا، حتى غرقت بشوقي، فقررت إنقاذ نفسي وجئتك سالار.
أمسك سالار كفها برقة وحنان شديد، يطبع قبلة صغيرة على باطن كفها، ومن ثم دون كلمة، مد يده يمسك خصرها يساعدها في النزول، ومن ثم امسك يدها بقوة يجذبها جواره متحدثًا لقائد الموكب:
_ أوصلت الأمانة وتسلمتها، أشكرك.
ابتسم له القائد وهو يهز رأسه باحترام، ينظر لرجاله:
_ إذن انتهى دورنا، علينا العودة لسفيد لمؤازرة باقية الجيش مع القائد تميم، اسمح لنا بالرحيل.
نفى سالار برأسه وهو يشير لرجال مشكى:
_ تريد أن يقتلني أرسلان ولن ألومه، حينما يعلم أنني أعدتكم دون تلقي ضيافة مشكى، والله يشن حربًا على سفيد ونحن لا ينقصنا جنونه الآن، ارتح وخذ ضيافتك وأحمل المؤن التي تلزمكم في السفر وعد.
كاد الرجل يفتح فمه يعترض على الأمر باحترام، لولا كلمات أرسلان التي صدحت في الخلف:
_ سمعت ما قال سالار؟ نفذ وإلا أمرت رجالي بأسركم رهائن جميعًا الآن وستنالون واجب ضيافتكم بالإجبار.
ختم حديثه يشير بعيونه لرجاله الذي تحركوا لمساعدة رجال سفيد في ربط الأحصنة وإنزال الهودج وترتيب الأمور الخاصة بهم.
بينما هو نظر صوب سالار مبتسمًا لأجله وقد أبصر وجهه الذي أضاء حين رأى زوجته، أخفض عيونه وهو يميل برأسه في هدوء شديد وتحية راقية:
_ سمو الأمير، أنرت مملكة مشكى...
نظرت له تبارك وهي تلتصق في سالار تتعجب هدوء ورقي أرسلان الذي سمعت ورأت عنه الكثير بنفسها، هذا الرجل كيف يكون بهذا الرقي الآن؟
وفي الحقيقة كانت نظرة تبارك السطحية لأرسلان، هي نفسها نظرة الجميع السطحية لسالار، فلا هم أبصروا ما رأت هي بسالار، ولا أحد أبصر ما عثرت عليه سلمى داخل أرسلان.
ولو أُخبرت تبارك أن الرجل الذي تخشى حتى مجرد النظر له، لا يختلف عن زوجها شيئًا في طباعه الخشنة، لشهقت واستغفرت ونفت، الشيء ذاته مع سلمى التي لم تكتشف أن هناك بعد من يفوق لين وحنان زوجها.
ابتسم له سالار يجذب تبارك له وهو يستأذن منه ليردد أرسلان والذي تلقى خبر وجود موكب من سفيد فتحرك ليستقبله بنفسه:
_ سأرسل لكما الطعام حتى غرفتك.
شكره سالار بامتنان وهو يسحب تبارك بعيدًا عن الجميع وقد شعر برغبة قوية في ضمها ليروي ظمأ شوقه، تاركًا أرسلان يراقبه ببسمة صغيرة يدعو الله أن يديم سعادته.
_ أدام الله سعادتك يا أخي.
تنهد بصوت مهموم وهو يتذكر ما حدث مع سلمى:
_ وألحقنا بك.......
_ توقفي عن كلماتك هذه وتحلي ببعض الأخلاق واخرجي للمسكين في الخارج ببعض الطعام.
نظرت ديلارا صوب شقيقها بصدمة مشيرة لوالدها بعدم فهم:
_ هل سمعت ما يقول والدك عثمان؟ يدخل علينا برجل غريب ويخبرنا أن نستضيفه بيننا.
_ ألا تعلمين أي شيء عن كرم الضيافة يا فتاة؟
_ أي كرم ضيافة هذا؟ رجل غريب لا نعلم له من شيء وتثق به بهذا الشكل؟
_ يبدو مسكينًا ضل طريقه.
ابتسم أنمار الذي كان يجلس في الخارج يراقب النافذة وهو يرتشف بعض العصير ببرود شديد يراقب المارة في الخارج:
_ نعم يا عم مسكين للغاية، انتزعوا مني رجالي وسجنوني في سجوني، لا أنجح لهم الله بيعة.
ختم حديثه يكبت ضحكة صغيرة كادت تفلت من كلماته لنفسه، ينظر ليده التي كانت ممتلئة بالجروح، ومن ثم حرك عيونه في المكان يردد بضيق:
_ وكأنني أطيق الجلوس في هذا المكان القذر معكم، لم أهرب من حياة المتشردين سابقًا لأحيا في هذا المنزل.
وبالحديث عن حياة المتشردين عاد أنمار بأفكاره صوب نقطة من حياته ظن أنه دفنها وتجاوزها منذ سنوات وعقود طويلة، نقطة ما كان يحبذ العودة لها... أن تولد ابنًا لأحد المنبوذين لهو أسوأ ما يمكن أن تقدمه الحياة لك، وأن تولد ابن قائدهم هو السوء بحد ذاته.
فما بالك بأن تولد ولدًا بين الكثير والكثير من الأبناء حتى أنك لا تدرك كم أخًا تمتلك، فوالده العزيز لم يكن يحسب الأمر، فكلما نالت امرأة إعجابه أحضر له بذرة فاسدة منها وكأنه أخذ عهدًا على نفسه أن يكون جيشًا من أبنائه، فأنحى منهم ما لا يحصى عدده.
ومن بين كل هؤلاء كان هو... أنمار الصغير المنبوذ بين المنبوذين، المستضعف بين الجميع، يُضرب ويوبخ لأتفه الأمور، والجميع يشاهد ويصفق، يشاهدون الحقير بافل وهو يتخلص منهم واحدًا تلو الآخر، وهو لم يكن بقوة بافل أو محظوظًا بأم تحميه كما زمرد... كان أشدهم نحسًا حتى في الأم التي خرج من رحمها، امرأة جاحدة لم تهتم له ولم تنظر له وكأنها تخشى أن ترى صورة أبيه في وجهه، وما ذنبه هو؟ ما ذنبه هو إن وقعت بقبضة ذلك الرجل وأصبحت إحدى نسائه؟
نشأ على مبدأ القوي يأكل الضعيف، وهو لم يجد أضعف منه سوى زمرد ليجد بها متنفسًا عن ضيقه ويستمر في مضايقتها كلما سنحت له الفرصة، لكن حتى تلك المتعة الصغيرة انتهت حينما تلقى ضربات من يد والدتها، المرأة التي تمنى في قرارة نفسه لو كانت والدته هو، ولا ينسى ضربات زمرد نفسها وسخريتها منه وكرهها له وللجميع.
عاش بينهم حتى ضاقت به نفسه وقرر هجرهم والبحث عن حياة أخرى خارج جحرهم، ليهرب في ليلة مظلمة ولا يعتقد أن والده شعر به أو تذكره حتى، ربما ظن أن بافل تخلص منه حتى.
هرب وترك لهم المكان بأكمله وهو ما يزال في بداية مراهقته لا يدري عن الحياة سوى أسوأ ما بها، ليصطدم في طريق هروبه بالعائلة التي غيرت حياته وانتشلته من ظلام والده لنورهم، ليكون عرفانه بالجميل لهم... قتلهم.
أفاق من شروده على صوت... الذي أنقذه وهو يهتف بهدوء مربتًا على ظهره مشيرًا على بعض الطعام أمامه:
_ تناول طعام يا بني فأنت تبدو ضعيفًا.
ابتسم له أنمار بمسكنة شديدة وهو يرفع عيونه صوب ديلارا التي تحركت خارج غرفة شقيقها لغرفتها، تلقيه بنظرة سوداء في طريقها ومن ثم رحلت لتتسع بسمته يتناول الطعام بهدوء مرددًا بنفسه:
_ يبدو أن الجلوس في هذا المنزل القذر ليس بهذا السوء في النهاية...
_ لا أفهمك أخي أنت تتحدث بكلمات غير مترابطة ولا أفهم منها شيئًا.
نظر أرسلان بضيق حوله وهو يزفر بقوة، بينما إيفان يراقب ما يحدث باستمتاع شديد في انتظار أن ينطق بها أرسلان صراحة.
ليشير له الأخير بضيق:
_ أنت اخرج من هنا أريد التحدث مع أختي وحدنا.
وإن ظن أنه بهذا الشكل سيخجل إيفان ليرحل مكسور الخاطر فقد نسي من يكون إيفان بالتحديد، فقد أرجع إيفان ظهره للخلف بهدوء شديد وهو يهتف ببرود:
_ هذه غرفتي وهذه زوجتي، وإن كان هناك من يجب أن يرحل فهو أنت.
استشاط أرسلان بقوة وهو يشعر بدمائه تفور داخل أوردته، من جهة زوجته الغاضبة ومن جهة برود إيفان وهذا ما لا يتحمله ليوم واحد.
_ إيفان لا ينقصك يومي، لا تزدها عليّ كي لا أضعك على القائمة بعد العجوز آزار.
اتسعت عيون إيفان بصدمة وبسمة غير مصدقة:
_ مهلًا هل حذفتني من القائمة لتضيفني لها من الأساس؟
اشتد غضب أرسلان أكثر ليتحرك صوب إيفان وقد نفذت ذرات صبره المتبقية:
_ حسنًا أنت من جنيت على نفسك...
وقبل التحرك صوب أوقفته كهرمان التي امسكت مرفقه وهي تربت عليه بحنان تردد بصوت خافت تشعر بالحزن لأجل الحيرة الظاهرة في عيون شقيقها:
_ ما بك أخي، تبدو... حزينًا حائرًا.
استدار لها أرسلان بأعين منطفئة وهو ينظر لها بحزن واضح في مقلتيه:
_ سلمى غاضبة مني.
_ سبحانه المنتقم، أخذ حقي منك دون أن أحرك إصبعًا حتى.
حدجته كهرمان بنظرة شرسة ليرفع إيفان كتفه بعدم اهتمام يبرر كلماته تلك:
_ لا تنظري لي بهذا الشكل أنتِ بأم عينيكِ أبصرتي ما كان يفعل معي، والله هذه استجابة دعوة مؤمن خرجت من أعماق قلبي، إذ دعوت أن يقتص الله لي منه ويرزقه بزوجة لها أخ يماثله، لكن تدابير الله تفوق أحلامنا، وجعله هو بنفسه العائق أمام نفسه...
ختم جملته يطلق ضحكة مرتفعة، لينهض أرسلان يتحرك له غاضبًا:
_ أنت أيها الحقير، كنت محقًا حينما رفضت تزويجك أختي، انظري إلى تصرفاته، انظري هذا هو الرجل الـ...
_ انتبه إلى ألفاظك عزيزي صدقني أنا فقط أعذر أفعالك لأنك في ضيق، ومن ثم ماذا تنتظر مني أو من زوجتي.
رمته كهرمان بنظرة مشتعلة ولم تكد تتحدث كلمة واحدة تعترض فيها على حديثه حتى تابع إيفان بجدية وهو يشير لأرسلان:
_ الشخص الوحيد الذي يمكنه مساعدتك في شأنك هو نفسه من أوقعك به، نفسك أرسلان، لا أحد منا يدرك زوجتك بقدرك ولا أحد يعلمها مثلك، لذا أنت فقط من يمكنه إيجاد الحل لما أوقعت به نفسك بغبائك أيها الأحمق المتسرع.
كان أرسلان يستمع لكلماته بهدوء شديد وهو يفكر فيها بجدية، قبل أن تتسع عيونه فجأة في نهاية الجملة ويرفع رأسه لإيفان الذي ابتسم له بسمة مستفزة.
_ اشكرني لاحقًا يوم زفافك حينما تصل إليه بسلام.
رماه أرسلان بنظرات حانقة، لكنه رغم ذلك لم يتحدث بكلمة وهو يتحرك من المكان يفكر فيما يمكن أن يفعله ليسترضيها، لكن قبل ذلك تحرك حيث المطبخ ليرسل لها طعامًا للمرة الثالثة هذا اليوم...
وبمجرد أن خرج نظرت كهرمان صوب إيفان بلوم:
_ لم يكن عليك التعامل معه بهذا الشكل إيفان، فأنت تعلم كم هو حساس تجاه التعبير عما يؤرقه.
تشنجت ملامح إيفان بسخرية:
_ كهرمانتي المسكينة أنا أعلم أرسلان قبل أن يصبح شقيقك حتى، وأدرك جيدًا أنه لن يستمع لكلمات أحدهم إن لم تكن بهذا الشكل، هو لن يتلقى نصيحة من أحدهم إلا إن أُلقيت في وجهه بشكل لا تظهر أنها شفقة عليه.
نظرت له ثوانٍ بشك وعدم اقتناع، ليمنحها إيفان بسمة صغيرة لطيفة وهو يرفع كفها يقبله بحنان:
_ كهرمان حبيبتي، أرسلان شقيقي وقطعة من قلبي، رفيقي الأقرب الذي مهما تجادلت معه وتحدثت معه بشكل لئيم وعاملني هو باستفزاز، فوالله لا أقبل له سوى السعادة، فلا تظني لحظة أنني قد أنبذ أرسلان حينما يحتاج ليد العون، والآن هو لا يحتاج سوى لمساعدة نفسه.
ابتسمت له برقة وحب حينما أبصرت صدق مشاعره تجاه شقيقها، تفكر كيف شكّت لحظة في الماضي أنه قد يكون عدوًا لأرسلان.
أبصر إيفان بسمتها ليهمس هو لها بحب:
_ ما أسعدني برؤية بسمتك جميلتي، أولست أكثر الرجال حظًا لأنال جوهرة ثمينة مثلك، خبيث ذلك الأرسلان أخفاكِ في كهفه عن عيوني لسنوات، لكنني في الواقع لا ألومه البتة فلو أبصرتك من قبل والله ما تركتك لحظة بين جدران مشكى.
ابتسمت له كهرمان ليتنهد إيفان بصوت مرتفع وهو يميل برأسه مقتربًا منها يتحدث بصوت خافت مرهق:
_ متى ينتهي كل هذا كهرمان ونعود للديار، فكم اشتقت لمحياكِ بين حدائق سفيد.
مدت كهرمان كفها تلامس وجنته بحنان شديد وحب:
_ عن قريب إيفان، غدًا ينتهي كل هذا ونعود لسفيد سويًا.
_ عساه يكون قريبًا بين أحضانك حبيبتي....
يتحرك بين الممرات بأعين متيقظة وهو يبحث عنها هنا وهناك، يسأل كل من يمكن أن يبصرها إن كانت تقاطعت طرقهم أم لا، لكن لا أحد استطاع أن يدله عليها.
توقف المعتصم بعجز في المكان يحاول أن يهدأ يتحرك مرة ثانية صوب غرفة الملكة وهو يدعو من أعماق قلبه أنها هناك، ولم يكد يقترب من الباب حتى سمع صوت خلفه يردد بهدوء:
_ هذا أنت يا رجل، أخذت أبحث عنك من ذلك اليوم لكنك اختفيت، أين كنت سألت عنك زين، لكنه لم يجيبني ربما غار أن أصادقك وأهمل صداقتي معه.
نظر المعتصم صوب خالد الذي تحرك صوبه بعدم فهم يحاول معرفة ما يريد، لكنه هز رأسه بعدم إدراك لما يحيطه، يطرق باب غرفة الملكة وخالد جواره يحمل فوق كتفه القرد الخاص بالملكة:
_ أنت هنا أمام غرفة شقيقتي، يبدو أنك لم تنسها بعد، صدقني زوجها المتجبر لن يكون سعيدًا بهذا كما أنني لا أقبل أن تـ...
نظر له المعتصم وهو يهمس بصدمة من حديثه:
_ أنت عمن تتحدث؟ توقف عن هذه الأحاديث الغبية، أنت ستتسبب في جزي عنقي لغبائك.
رمش خالد بعدم فهم وهو يراه يطرق الباب بإصرار، وما هي إلا ثوانٍ حتى فتحت لهم سلمى الباب ترتدي ثوب الصلاة الخاص بها تحدق بهما بعدم فهم، لكن المعتصم لم يمنحها حتى فرصة التفكير فيما يحدث.
_ فاطمة، هل أبصرتها؟
استدارت له سلمى:
_ نعم كانت معي ومع الفتيات منذ بداية اليوم، لكنها فجأة اختفت ولا أدري أين فأنا تركت الفتيات للانتهاء من بعض الأمور معها، ربما كهرمان أو زمرد تعرفان مكانها، لكن لماذا هل هي...
وقبل إكمال كلماتها تركها دون استئذان حتى ولأول مرة يتصرف بوقاحة، لكنه لم يكن يعي حتى ما يفعل يهرول صوب جناح الملك إيفان عساه يجد سلواه هناك.
بينما خالد استدار صوب سلمى يتحدث بجدية:
_ من هذه فاطمة؟ وماذا يحدث هنا؟
_ هذه زوجته، ومن ثم ماذا تفعل أنت هنا؟
ابتسم خالد يشير صوب موزي:
_ قررنا أنا وموزي أن نبيت معكِ ليلتنا، مرت سنوات منذ فعلنا ذلك.
رفعت حاجبها تبتسم ساخرة:
_ خالد نحن لم نفعل هذا منذ كنا صغار.
_ إذن آن الأوان لنفعل الآن.
ختم حديثه يدفعها داخل الغرفة وهو يغلق الباب خلفه:
_ أنا لي حق بكِ كما ذلك المتجبر زوجك، وكذلك موزي المسكين الذي أهملته لأجله، والآن اجلسي كي أقص لكِ عن ملاكي...
في الوقت المقرر له والمخطط له، والذي كان المعتصم قد أعد له بتخفيف الحراسة عن الباب الخلفي للقصر، يعطي نزار الفرصة ليهرب دون أن يعيقه شيئًا، ويسير في طريقه بكل بساطة.
لكن وهل يفعل نزار؟ بالطبع ليس بعدما أبصرها تتهادى أمام عيونه واقعًا وليس مجرد خيال من عقله المريض... بها.
تحرك بين الممرات يدعو الله أن تكون قد استقرت في الغرفة نفسها التي وجدها بها المرة السابقة، يدعو أن يبصرها مرة أخيرة قبل التحرك لمصير بائس لا يعلم له من نهاية.
وصل لبداية الممر وهو ينظر حوله، ومن ثم اقترب من الباب يطرقه بهدوء يختفي جانبًا تحسبًا إن لم تكن هي المجيب.
لكن يبدو أن الحياة أشفقت على نزار وما يحياه وقررت أن تمنحه ولو لمرة واحدة ما يرجو، ذلك الضال الضائع بين طرقات الحياة لا يدري له من مرسى ولا يبصر له من شاطيء.
أبصرها تخرج من الغرفة تنظر حولها بحثًا عن الطارق، وقد شعرت بوجوده في المكان، لتعلو خفقاتها، تترك الباب وهي تبتعد عنه بهدوء تبحث بين الممرات بعيونها عنه، حتى أبصرته يختبأ في أحد الممرات الجانبية البعيدة، لتشهق بصوت منخفض هامسة اسمه:
_ نزار؟
_ مر وقت طويل سمو الأميرة...
سقطت دموع توبة وهي تتحرك صوبه تهمس بصوت متلهف:
_ نزار أنت بخير، لم يؤذيك أحد صحيح؟ أنا آسفة، أقسم أنني لا أدري كيف حدث، وجدت فجأة أرسلان يقف أمامي يبلغني بمعرفته إخفائي لك، ووالله كنت على استعداد لقتلي ولا أنطق بمكانك، لولا أنه أقسم لي أنه لن يمسك بسوء وسيسلمك لوالدك.
صمتت تبتلع ريقها وهي تهمس من بين دموعها بصوت حزين مقهور:
_ أردت لك الاستقرار، لربما يغفرون لك ما فعلته إن علموا ما فعلته لأجلي وأجل أبي، أنا... آسفة نزار.
كان نزار يتابعها وهي تتحدث بكلمات كثيرة متتابعة دون أن تأخذ فرصتها حتى للتنفس، يبتسم بسمة واسعة شاردًا بها:
_ لا بأس أتقبل كل شيء طالما كان منكِ، ولو كان موتًا توبة.
_ يا ويلي نزار لا تتحدث بهذا الشكل و...
نظرت فجأة حولها وكأنها تستوعب ما يحدث:
_ أنت هنا؟ لقد... ألم يسجنك أرسلان؟
_ لقد هربت.
_ يا ويلي، ما الذي فعلته نزار لا يمكنك...
قاطعها بهدوء وهو يقترب منها خطوات صغيرة:
_ ستكون المرة الأخيرة التي أهرب بها توبة.
توقف قلب توبة وشحب وجهها بشكل مرعب وقد شعرت بتوقف أنفاسها:
_ ماذا... ماذا تقصد؟ ما الذي تنوي فعله نزار، أتوسل إليك لا تتهور و...
_ لم أفعل، بل سأصلح كل ما فعلته سابقًا، سأذهب لهم، لأصلح ما سبق وأفسدت، سأحقق ما حلمت به منذ شهور طويلة، أريد أن أفعل لأنام بسلام، ولأحيا بسلام.
ختم حديثه ينظر لعيونها ثوانٍ والأخيرة تراقبه بعجز عن الحديث، تنظر للأرض وكل ذرة بجسدها تدعوها لإيقافه، كل همسة داخلها تصرخ بردعه عما ينوي:
_ لا تفعل نزار.
_ سأفعل توبة، ليس لأجلي فقط هذه المرة، بل لأجل قلبي وروحي كذلك.
_ إن عدت فلا أعتقد أنهم سيسمحون لك بالعودة مجددًا، أرجوك نزار أنا... يمكنني مساعدتك لتبدأ حياتك بعيدًا... بعيدًا عن كل هذا... يمكنني أن أبعدك عن هذا كله إن أردت و...
_ وأنا لن أقبل بالمزيد من البعد توبة وقد نفر قلبي هذا البعد، آن الأوان ليسكن قلبي ولن يحدث إلا بعدما أفعل ما أردته منذ شهور طويلة.
كانت ضربات قلبها تزداد وهي تشعر بما يخفيه خلف كلماته، لكنها أبت الاقتراب مما يقصد ونفض الغبار عنه، تهمس بصوت خافت وبشدة:
_ إذن هذه النهاية؟
_ بل البداية سمو الأميرة.
رفعت نظرها له بتعجب ليهمس لها بحماس رغم عدم احتياجه لها، لكن كل ثانية يقضيها جوارها حاجة ملحة له:
_ ما رأيك بمساعدتي لمرة أخيرة سمو الأميرة؟
ينعزل بها عن الجميع داخل غرفته والتي كان ينأى بها عن قصر مشكى بالكامل شاكرًا لأرسلان مساعدته في الحصول عليها واحترام رغبته بالابتعاد عن الجميع وضوضائهم، فالضوضاء الوحيدة التي يتقبلها كانت منها.
ضمها له بحنان:
_ اليوم فقط كنت أتلهف بنيران شوقي لكِ وأدعو الله أن ينتهي كل هذا لأعود لكِ.
ابتسمت له تبارك بسمة حنون وهي تستكين لأحضانه بحب شديد:
_ القلوب عند بعضها يا قائد.
ابتسم بسمة صغيرة يغمض عيونه باستمتاع وقد رفض أن يفتح عيونه ويسحب نفسه من بين أحضانها حتى يرتوي بالكامل، وآه لو تدري تبارك أنه يشحذ قواه داخل أحضانه ليقوى على مجابهة العالم.
وتبارك احترمت صمته، بل واستكانت لذلك الصمت براحة شديدة، واستمر الأمر لدقائق طويلة.
_ أريحي قلبي وأخبريني أنكِ كنتِ تهتمين بأدويتك تبارك؟
_ نعم، كنت سالار لا تقلق.
هذا إن استثنينا آخر مرة سقطت منذ يوم بعدما كادت تسحبها غيبوبة مرضية تودي بحياتها، لكن هل تخبر سالار بذلك؟ لا لم تفعل خاصة وهي وحدها معه في هذه الغرفة المنعزلة عن أي مساعدات خارجية قد تلجأ لها حينما يجن جنونه، فهي تتذكر جيدًا آخر مرة علم بها أنها كادت تسقط أرضًا بسبب نسيانها للدواء لفترة طويلة ما يزال صدى صرخاته يرن بأذنها.
"قسمًا برَافِعِ السمَاواتِ تَبَارَكْ إنْ حَدَثَ وأهْمَلْتِ أدْوِيَتَكِ مُجَدَّدًا فَسَتَكونُ قَطِيعَةٌ بَيْنَـنـا إلَى أنْ يَبْرَأَ صَدْرِي ولَنْ يَفْعَلَ، لَسْتُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِخَسَارَتِكِ فَقَطْ لِأَنَّكِ امْرَأَةٌ مُهْمِلَةٌ، وَاللَّهِ لَنْ أُسَامِحَ أيَّ أحَدٍ يُصِيبُكِ بِضَرَرٍ ولَوْ كَانَ ذَلِكَ الأحَدُ هُوَ نَفْسُكِ."
_ عزيزتي أنتِ بخير؟
استفاقت تبارك من شرودها على كلماته لترفع عيونها له تبتسم بسمة صغيرة له تبعد صدى كلماته عن عقله، وإن كانت ما تزال لا تصدق أن من أخرج تلك الكلمات القاسية ذلك اليوم هو نفسه سالار الذي يعاملها كقطعة زجاج يخشى أن تتحطم أسفل قبضته الخشنة.
_ نعم بخير، فقط كنت شاردة.
نظر لها بحاجب مرفوع:
_ شاردة فيمن؟ هذا ليس جيدًا أن تشردي في وجودي تبارك.
كان يتحدث وهو ينزع حجابها بهدوء وبسمة حنونة، قبل أن تتوقف يده عن الحركة وهو يسمع صوتها تهمس بصوت هائم بملامحه:
_ كنت أفكر إن كان طفلي القادم سيشبهك، أعتقد أنه عليّ تكثيف النظر لوجهك خلال الشهور القليلة القادمة سالار..........
يقف خلف باب غرفتها وهو يراقبه بصدمة كبيرة لا يصدق ما يصل له في هذه اللحظة، يبتسم بعدم تصديق، وهو ينظر حوله وكأنه يبحث عن تنين مجنح أو سمكة طائرة أو شيء خارق للطبيعة يشير إلى أنه يحلم.
لكن لا شيء، كل شيء كان طبيعيًا وصوتها الذي يصدح من خلف الباب كان أكثر شيء يجذبه للواقع وهي تردد:
_ آسفة فأنا لا أسمح للغرباء بدخول غرفتي في مثل هذا الوقت من الليل، أنا امرأة يا سيد ولا يمكنني أن أغامر بسمعتي بهذا الشكل.
_ هل... هل جننتي يا امرأة؟ أنتِ زوجتي.
كانت كلمات أرسلان تخرج مصدومة منها لتتسع بسمة سلمى أكثر وأكثر وهي تهتف:
_ لا أعتقد ذلك، لقد أوضحت لي مكانتي بالفعل منذ ساعات، ولا أتذكر أن أيًا مما نطقت به أوحى لي بهذه الحقيقة، وإن كنت تتحدث عن تلك العهود التي نطقتها عليّ قبل أن يعلننا الشيخ زوجين، فما هي إلا كلمات في الهواء لا تعلم عنها شيئًا جلالة الملك.
شعر أرسلان بالجنون وهو يحاول أن يتحلى بالهدوء ليراضيها:
_ حسنًا سليمى أنا.....
_ لا جلالة الملك، لا أسمح لك بانتزاع الألقاب بيننا، فما بالك بتدليلي؟ احتفظ بحق تدليلي لمن أكون له أقرب من روحه، وليس مجرد رجل غريب ينأى بنفسه عني.
جن جنون أرسلان وهو يضرب الباب بقدمه في عنف جعل سلمى تتراجع للخلف وهي تكبت شهقتها بيدها تراقب الباب بأعين متسعة مرتعبة تخشى أن يحطمه أعلى رأسها.
وفي الخلف خالد يختبأ أسفل الفراش تحسبًا أن يحطم أرسلان الباب أعلى رؤوسهم جميعًا وجواره موزي الذي أخذ يطلق صرخات صاخبة ليكمم له خالد فمه بقوة:
_ أصمت أيها الأجرب لئلا ينتهي منها ويكمل علينا.
لم يكد يختم كلماته حتى سمع صوت أرسلان يتحدث بصوت مرتفع صارخًا:
_ سلمى افتحي هذا الباب كي لا أحطمه أعلى رأسك، أدخلني ودعنا نتحدث كأي اثنين عاقلين.
_ إثنان عاقلان؟ عمن تتحدث جلالة الملك؟
سمعت سلمى سبة تخرج من أرسلان، لتتسع عيونها بصدمة تصرخ بصوت موبخ:
_ أنت يا سيد ألزم حدودك.
_ حدودي هذه سأدهسها وأحطمها إن كانت حائلًا بيننا سلمى.
_ ارحل من هنا يا سيد ولا تضطرني للتصرف بشكل لن يعجبك.
اقترب أرسلان من الباب يتحدث بسخرية:
_ حقًا وما الذي ستفعلينه يا ترى؟
ابتسمت سلمى بخبث وهي تراقب الباب تضم يديها لصدرها ببرود شديد:
_ سأترك لك القصر بأكمله لتحطم ما تشاء فيه.
_ حقًا، وإلى أين ستذهبين يا ترى؟
_ أرض الله واسعة مولاي.
تنفس أرسلان أنفاسًا ساخنة لشدة غضبه، والفكرة نفسها تودي بتعقله أدراج الرياح، وفكرة أن تتركه أو يفقدها ويعود لحياته قبلها، كانت جحيمًا أكبر من جحيم حياته السابقة:
_ سأجعلها أضيق لكِ من سم الخياط سلمى، فلا يبقى لك في تلك الأرض سوى دياري.
فجأة تراجع للخلف حينما فتحت الباب بقوة ليبصرها تطل عليه بفستانها المميزة بالورود وهي تحدق به بأعين مشتعلة وبسمة غريبة ترفع له حاجب واحد:
_ ومن أخبرك أنني سأخضع لأنانيتك ونرجسيتك مولاي؟ أنا وإن أردت الرحيل فستستيقظ غدًا لتجد القصر فارغًا مني.
اقترب منها أرسلان حتى أصبح يفصل بينهما شعرة فقط يهمس بصوت محذر:
_ حاولي فقط.
لمع التحدي بعيون سلمى بشكل خطير وقد أقسمت أنها هي من ستعيد تربيته لهذا الأرسلان وتعلمه كيف يكبت غضبه ويتحدث بشكل لائق ويفكر بكل كلمة قبل أن ينطقها:
_ إذن قف وراقبني أفعل..........
_ لقد رحلت بحثًا عنك، كان هذا آخر ما قالته أنها ستذهب لتطمئن عليك.
كمت كلمات كهرمان ترن في عقله وهو يتحرك بحصانه بأقصى سرعة عنده صوب المقابر حيث وجدها آخر مرة، يدعو الله أن يجدها هناك، وقد أصبح قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، يدعو الله أن يكف عنهم الحزن والفواجع وقد تحمل ما لا يتحمل بشر.
لكن مهما كان ما تحمله، لن يصل لنصف ما تحملته هي.
هبط عن حصانه وهو يدفع البوابة الحديدية للمقبرة يتحرك داخلها بسرعة كبيرة، وهو ينظر حوله بحثًا عنها، ينادي باسمها وصوته قد بدأ يتهدج من رعبه:
_ فاطمة... عزيزتي أنتِ هنا؟ فاطمة.
لكن الصمت كان الرد الوحيد، لكنه طمأن نفسه أن هذا كان الرد نفسه سابقًا قبل أن يجدها ترتكن صوب الجدار و... توقف أمام الجدار والقبر الخاص بعائلتها يبصر فراغًا قاتلًا، استدار حول نفسه يبحث بأعين ضبابية عنها.
وقد خرج صوته ضعيفًا مرتجفًا:
_ فاطمة... ليس مجددًا فاطمة، والله لم أعد أقوى
رواية اسد مشكي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رحمه نبيل
يسير معها في الطرقات الخاصة بمشكى، والتي كان المعتصم قد أمّنها بالفعل بنفسه سابقًا، لكن دون أن يشعر به أحدهم بذلك، ليظهر كما لو أنه كان من البراعة ليهرب وحده.
والآن يدعي نزار أنه يتبع توبة، وهي من ترشده صوب بوابة الخروج من المكان وتوصله للخارج بأمان.
مرشدته الساحرة التي أخرجته من أسوار مشكى المتينة.
"هيا اتبعني، لا أحد في هذا الممر."
ابتسم لها نزار يتحدث بشرود وهو يسير خلفها:
"آه الحمدلله أن الهمني طلب مساعدتك، الله وحده يعلم ما كان سيحدث لي لو خرجت من هنا وحدي، أو قابلت أحدهم."
استدارت له توبة تنظر له ببسمة داعمة، وهي تجيب ببساطة رغم القلق والضيق لما تفعل، فهي الآن تساعده في الهروب مجددًا وتساهم للمرة الثانية في إبعاده عن توبته، وتلقيه بين التهلكة ليبحث بنفسه عن غفرانه.
توقفت فجأة في أحد الممرات وهي تنظر له ثواني قبل أن تردد بجدية:
"نزار… لِمَ لا… أرجوك تراجع عما تخطط له، أنا قلقة ألا نخرج سالمًا هذه المرة، صدقني سأتوسط لك لدي أبي والجميع وأخبرهم أنك من ساعدني و…"
توقفت عن الحديث ثواني قبل أن تندفع تردد بجدية:
"وسأخبر أرسلان أنك أنت من ساعدني لندله على مكان زوجته حين اختطفها أنمار، عد معي رجاءً، ساعدني لأساعدك."
نظر لها نزار ببسمة صغيرة يتابع كلماتها، ويسعده الخوف الذي يبصره على وجهها في هذه اللحظة، ولو كان الأمر بيده وتوقف عند حدود غفران يطلبه لنفسه، لتخلى عن غفرانه لأجل توبته، يقسم لو أن الهروب للجحر كان لأجله وبإرادته لتخلى عن كل ذلك لأجل تلك النظرة وهذه الكلمات.
"الله خير حافظ سمو الأميرة، فقط تذكريني بالخير دائمًا و… انتظريني توبة."
"أنت لا تساعد في طمئنتي نزار، ما الذي تنوي له؟"
ابتسم لها وهو يشير بعيونه صوب الطريق:
"الخير بإذن الله، دعينا نكمل الطريق كي لا نتأخر فيكشفنا أحدهم، اسبقيني لتأمني لي الطريق."
ولو كانت توبة تفكر قليلًا فيما يحدث حولها، لأدركت في هذه اللحظة أن هذا الهدوء واليسر كان مريبًا ومرعبًا أكثر من وجود حراس في هذا الوقت وفي هذا المكان.
لكن يبدو أن خوفها على نزار في هذه اللحظة ألغى كل عقلانية قد تتسم بها.
ونزار ذلك العاشق يسير خلفها هائمًا، كما لو كانت تجذبه ملقية عليه تعويذة سحرية، الفتاة لم تكن تبذل أي جهد حتى لتبهره، يكفيه أن تبتسم لتلتمع عيناه.
نعم تمامًا كما تفعل الآن بمجرد أن أبصرت نفسها تقف معه على بوابة القصر الخلفية دون أن يحول أحدهم بينهم وبين الحرية.
استدارت بسعادة كبيرة وهي تهتف دون تصديق:
"لقد… فعلناها… يا ويلي نزار فعلناها، لقد… لقد ساعدتك في الهرب من حصون مشكى، هذا… شيء يُخلد في التاريخ."
ونزار رغم معرفته أن خروجهم بسلام الآن كان في المقام الأول بتخطيط ومباركة من أرسلان نفسه، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بتوبة، فليحترق أرسلان.
"نعم وكل هذا بفضل الله أولًا، وفطنتك ثانيًا، لولا وجودك معي الله وحده يعلم ما كان سيحدث، ربما فاجأني أحدهم دون توقع وسقطت بين أيديهم مجددًا."
اتسعت عيون توبة وهي تتخيل ما كان سيحدث لو تحقق ما قاله:
"لا قدر الله، جيد أنني كنت معك وساعدتك."
جارها نزار بالكلمات:
"الحمدلله."
نظرت حولها وهي تطمئن أن كل شيء آمن:
"أعتقد أن بوابة الخروج من جدار القلعة هناك من هذه الجهة، هل ترشدني لها لأطمئن أكثر."
أوقفها نزار عن التحرك وهو يمد ذراعه يقطع طريقها صوب الجدار الخاص بالقلعة:
"إلى هنا وانتهى دورك سمو الأميرة، أنا سأباشر من هنا وحدي، ولا تقلقي كل شيء مخطط له."
توقفت ونظرت لذراعه ثواني قبل أن ترفع عيونها له تنظر له بتردد كبير:
"هل… ستكون بخير؟"
"سأكون."
"عدني؟"
"لا أعد بما لا أطيق حمله سمو الأميرة، يكفيني وعدًا واحدًا معلقًا في رقبتي والله وحده يعلم كيف سأنفذه."
كان الخوف يرعد داخل صدرها وهي تنظر له من خلف لثامه، تتحدث دون وعي:
"أي وعد تقصد؟"
"وعد قطعته على نفسي، عسى الله يمنحني القوة لأن أنفذه."
"كن بخير نزار رجاءً."
ابتسم لها بسمة صغيرة:
"عساني أكون بخير كي أعود وأطالبك بدينك."
ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم لكلماته:
"دين؟!"
"تدينين لي بحياتك، لي طلب لا يُرد… تتذكرين؟"
فجأة لمعت في عقلها ذكرى قريبة تشعر بها بعيدة لتبتسم بسمة صغيرة:
"فقط عد بسلامة ولك مني طلبًا لا يُرد سائله نزار."
"أرى أنكِ بدأتي تتواضعين معي هذه الفترة، هل هذا لأجل الوداع؟"
"عساه ألا يكون وداعًا، لعلّ الله يكتب لنا لقاء آخر."
ابتسم لها وهو يرفع اللثام وأخيرًا فوق وجهه يتجهز للرحيل:
"إذن هل أجدك في انتظاري إن كان لنا لقاء؟"
كان يتحدث وهو يتحرك بعيدًا ينظر لها منتظرًا أن تمُنّ عليه بكلمات تروي ظمأه وتشدد من عوده وتقويه على ما سيلقي به نفسه.
"فقط عد بخير نزار."
"هذا ليس جوابًا سمو الأميرة."
امتلئت عيون توبة بدموع منعتها بصعوبة وهي ترسم بسمة واسعة على فمها:
"جوابي سأمنحه لك حينما تعود سمو الأمير."
"سأعتبر هذه إجابة بنعم، وأنكِ ستنتظريني توبة."
قاومت توبة حتى آخر لحظة الاعتراف باهتمامها به، هذا إن تواضعت مشاعرها واكتفت بوصفها بكلمة فقيرة كـ "اهتمام" ليته كانت اهتمامًا، فتفقده، ويا ليت كان شغفًا فيهبهت.
يا ليت ويا ليت، لكن ما الأماني إلا رغبات مكبوتة مقيدة بالحياة، تنتظر الخلاص.
سقطت دمعة فشلت في كبتها كما فعلت بمثيلاتها:
"فقط… أنا… كن بخير نزار… لأجلي ارجوك."
كانت كلماتها الأخيرة خافتة فلم تصل له، أما عنه ابتسم بسمة واسعة وهو يرفع يده يضعها على قلبه في بادرة بدت كما لو أنه يؤدي لها تحية، لكنه في الحقيقة كان يوصيها بقلبه.
"السلام عليكم سمو الاميرة."
ومن بعد هذه الكلمات تلاشى خيال نزار بين الظلمات تاركًا توبة تتابعه بعيون دامعة، تحاول الابتسام وعدم الركض خلفه تترجاه البقاء والعودة:
"وعليكم السلام… نزار."
"الصبر ليس فقط مفتاح الفرج يا عزيزي، بل هو دليلك للوصول إلى قمة النصر، لذلك كانت نهاية كل من سبقني هي الدفن في التراب."
ختم أصلان كلماته وهو يعتدل ينظر لوجه أحد رجاله يتحدث بجدية كبيرة وهو يراقب جرحه الذي عالجه منذ ساعات بعدما نجى بصعوبة من طعنة سالار.
"نحن لم نخسر دزرينة من جيوشنا لأجل تحطيم كل شيء في غمضة عين، لأن البعض منكم لا يطيق صبرًا لرؤية ما أخطط له."
نظر الرجال لبعضهم البعض وقد بدأ الضيق يحتل النفوس من كل ذلك الانتظار فمنذ لحظة اقتحام الممالك والجميع يترقب لخطة أصلان التي يدفنها داخل نفسه ولا يدركها سواه هو وعدد ضئيل للغاية من رجاله.
فجأة أبصر الجميع الوليد يتحرك صوب الحجرة بملامح سوداء وما تزال بقايا أثر المعركة مرسوم على وجهه.
يجلس في ركن الحجرة دون كلمة واحدة، ليبتسم له أصلان يضيق عيونه:
"أراك تعيسًا يا الوليد، كل هذا لأن صديقك لم يعد معنا."
رفع له الوليد عيونه بغضب شديد:
"صديقي هذا هو نفسه الشخص الذي ضحيت بالكثير من رجالي في الممالك لأجله أصلان فلا تنس ذلك."
"وإلا ماذا يا الوليد؟"
نظر له الوليد بعدم فهم لثواني من انحراف الحديث لجهة أخرى، هو فقط كان يذكر أصلان بما عاد لأجله، لكن يبدو أن أصلان كان يمحي كل من يشتم منه رائحة عصيان ولو كانت بعيدة، هو ليس بأحمق ليغامر بما وصل له، ليس قبل أن يبصر الممالك رماد.
"عما تتحدث أنت؟"
ابتسم له أصلان يجيب ببساطة:
"أخبرتني أنك جئت لأجل إنقاذ رفيقك فقط، وأنا أخبرك ماذا لو لم أفعل؟"
اشتعل وجه الوليد في ثواني وهو يقترب خطوات سريعة من أصلان يهتف بصوت قوي غاضب:
"وإلا كما انقلبت عليهم لأجل رفيقي سأفعل لأجله مرة ثانية وهذه المرة لن يكون انقلابًا على الممالك أصلان."
صمت يهتف بصوت خافت محذر لا يصل سوى له وقد بدأت نبرته تتحول بشكل مخيف:
"ماذا تظن أنت ها؟ تعتقد أن اليومين اللذين قضيتهما هنا سيؤهلانك لتفرض سيطرتك على هؤلاء الخنازير؟ عزيزي أنا هنا قبل أن تدرك أنت أن هناك ما يسمى منبوذين، نجوت من كل إبادة حصلت للمنبوذين، أتظن أنك قد تمسني بسوء."
اشتعلت عيون أصلان وقد أبصر أمام عيونه ما يخشاه، الوليد لم يكن بالهين، كان ثعبانًا استطاع إيقاع من حوله دون أن يمس سوى بخدوش قليلة فقط.
تنفس أصلان بصوت عالي، وهو يبصر ابتعاد الوليد مبتسمًا بشر:
"وللعلم ما ضاع في الهجوم الأخير مجرد عدد قليل ممن أتحكم أنا بهم، لم أفني سنوات عمري داخل المستنقع هباءً عزيزي، يلزمك سنوات طويلة لتصل لما وصلت أنا له."
ختم حديثه وهو يشير له بإصبعه محذرًا:
"تذكر ما أخبرتك به، فكما مكنتك من دخول الممالك بجيوشي بكل يسر، سأجعلك تدخل قبرك بيسر أكبر."
ابتسم وهو يتحرك مبتعدًا عنه مرددًا:
"فقط تضرع لربك أن يعود ذلك الرجل مع رفيقي سالمًا، وإلا لن تضمن ردة فعلي، فأنا لا أغامر برجالي هباءً أصلان."
راقب أصلان ابتعاد الوليد ببطء وهو يدرك في هذه اللحظة أن المنافس الأول له في الجحر لم يكن ذلك الأحمق أنمار بأي شكل من الأشكال، بل كان أصلان تلك الحية التي تختبأ في جحر صغير تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج وتلدغك.
وهو ما سمح يومًا بوجود يد عليا عليه في أي مكان، ولن يسمح الآن كذلك.
تحرك خارج منزلها بملامح جامدة وبشدة، وجه قد اشتد شره، وبدا كما لو كان لوحًا صخريًا لا روح به، يسير دون كلمة، وقد حدث ما خشي منه، فاطمة تركته للمرة الثانية.
أغمض عيونه بقوة يحاول أن يتمالك نفسه وهو يتحرك صوب حصانه، ومن ثم انطلق للقصر بجمود كبير وقد أصبحت الحياة أمامه باهتة.
"ليتني لم أقابلك يومًا فاطمة، على الأقل لم أكن سأتذوق حياتي معكِ فأفتقدها حين رحيلك، ليتكِ تركتني جاهلًا معنى النعيم في وجودك والجحيم في غيابك."
ظل شاخص الأبصار أمامه دون كلمة إضافية، حتى وصل للقصر بهدوء شديد، يقود حصانه بكل بساطة صوب الإسطبل، ومن ثم وكأن لا شيء حدث تحرك بكل يسر داخل القصر وهو يشمر أكمامه ينوي تغيير ملابسه والذهاب للتدرب لعله ينسى ما يحدث معه.
لكن في طريقه توقف حينما سمع صوتًا خلفه يهتف:
"المعتصم…"
توقف قلبه وتوقف جسده بالكامل وهو يهتف داخل عقله أنها ليست هي، ليست هي فاطمة، وياليتها كانت.
استدار ببطء يرسم بسمة صغيرة محترمة على فمه يميل برأسه نصف ميلة:
"جلالة الملكة."
"لقد بحثت عن فاطمة في غرفتها لأجل طعامها، لكنني لم أجدها، هل كانت معك في الخارج، فقط أعطها هذا الطعام و…"
قاطعها المعتصم ببساطة شديدة ينفي برأسه وما يزال يحمل نفس البسمة:
"لا لم تكن، كنت وحدي."
اتسعت عيون سلمى بعدم فهم وقلق:
"ماذا؟ كيف؟ لقد بحثت عنها في كل مكان وليست هنا، وأنت سألتني عنها وظننت أنك وجدتها و… هل يعقل أنها في غرفتك، هل يمكنك التأكد رجاءً و…"
قاطعها المعتصم بهدوء شديد ونبرة ثابتة بشكل مريب:
"لا ليست في غرفتي، هي ليست في القصر بأكمله، وليست في مكان، لقد… رحلت، ولولا أنكِ تقفين أمامي الآن تسألين عنها لظننت أنها سراب ابتدعه عقلي فقط ليمرر أيامي التي أحياها وحيدًا."
اتسعت بسمته بقوة:
"جيد أنني ما زلت أحتفظ بعقلي بعد كل شيء."
كانت سلمى تتابع ما يقول وهي ترى نظراته الغريبة وحركات جسده الأغرب وكلماته المريبة:
"هل… هل أنت بخير؟ ما الذي تتحدث عنه؟ كيف تتحدث بهذه البساطة وزوجتك مفقودة و…"
وللمرة الثانية قاطعها المعتصم ببساطة شديدة:
"هل كانت حقًا؟"
نظرت له سلمى بعدم فهم وخوف من حالته ليبتسم وهو يفسر مقصده:
"هل كانت زوجتي حتى؟ لا أعتقد."
تنهد بصوت مرتفع وهو يراقب المكان حوله:
"لا أعتقد أن وقوفنا بهذا الشكل في هذا الوقت لائقًا، لذا استأذنك مولاتي، تصبحين على خير."
ختم كلماته يتحرك بكل بساطة من أمام سلمى التي كانت تراقبه بصدمة كبيرة وهي تحاول إدراك ما يحدث حولها في هذا المكان.
أما عن المعتصم فدخل غرفته ببساطة وهو يخلع عنه معطفه يلقيه جانبًا، ومن ثم تحرك يخرج ثوب القتال مقررًا التدرب طوال الليل وقد أهمل الأمر مؤخرًا، ربما لأنه أصبح حرًا من ربط فاطمة له، الآن يمكنه ممارسة حياته بشكل طبيعي قبل وجود فاطـ.
عند هذه النقطة من الأفكار انهار المعتصم أرضًا، انهار وقد كبت مشاعره بشكل ولد إنفجارًا مدويًا، انهار يصرخ ويبكي بوجع كبير.
يستوعب ببطء أن حياته أصبحت خالية من فاطمة، بل إنه لم يعد يمتلك حياة من الأساس.
رحلت فاطمة ورحلت معها روح المعتصم.
غادر أراضي قلعة مشكى أخيرًا وبدأت رحلته في التوجه لحدود سبز، يودع القصر بأعين مشتاقة وقبل حتى التحرك، تنفس بلوعة من مفارقتها، ولم يكد يستدير ليواصل مسيرته.
حتى انتفض جسده للخلف بصدمة وخوف بسبب انطلاق صوت في الأجواء بشكل غير متوقع، يضع يده على قلبه بصدمة يراقب ذلك الجسد المستند على الشجرة أمامه يضم يديه لصدره بكل برود ويبتسم باستفزاز:
"لم أعهدك رقيق المشاعر بهذه الطريقة، والله يا بني كدت أبكي لنظرتك التي تودع بها جدران مشكى هذه، لم أكن أدرك أنك تحمل هذه المشاعر العميقة لمشكى."
كان نزار ما يزال في مرحلة الاستيعاب يحاول التنفس بشكل طبيعي بعدما كاد أرسلان يوقف قلبه منذ ثواني.
في حين أن الأخير يبتسم له بشكل مريب:
"أفكر في منحك مكانة كبيرة داخل مشكى بعد عودتك كي لا تفارقها مجددًا."
صمت ثواني ثم أكمل:
"سجين دائم."
نفخ نزار بضيق شديد وهو يتحرك بعيدًا عن أرسلان ومشكى وقد أدرك أن أرسلان أبى إلا أن تمر ليلته على خير، وأن يكون آخر وجه يبصره هو وجهها.
"أشكرك أفضل أن أكون جثة متعفنة في الجحر على أن أكون سجينًا في مملكة تحكمها أنت."
"بالتفكير في الأمر فأنت محق، من اعتاد الوحل يصعب عليه العيش في الحدائق."
توقفت أقدام نزار عن التحرك وهو يستدير ببطء صوب أرسلان يرمقه بشر:
"ألا يمكنك تمرير الليلة أرسلان، لا تفسد مزاجي برؤية وجهك هذا، هيا عد لقصرك ودعني أقضي ما تبقى من ليلتي الأخيرة حرًا بمزاج صافٍ لا يفسد وجودي."
"هذا جزائي لأنني الوحيد الذي فكر في توديعك؟ والدك لم يفعلها يا فتى."
"وأنت تأخذ مكانة والدي الآن؟!"
اتسعت عيون أرسلان بفزع من تلك الفكرة:
"معاذ الله أن أنجب فتى مثلك، لا ينقصني أن يكون ولدي مثلك."
"أنا أشفق عليه منذ الآن أرسلان، أن يمتلك الشخص والدًا مثلك لهو شيء مثير للحزن والشفقة والله."
اتسعت بسمة أرسلان بقوة قبل أن يطلق ضحكة صاخبة بددت سكون الليل من حولهم:
"أنت تفعل بالفعل، والدك الملك آزار تتذكر؟"
صمت نزار فجأة يدرك ما قال أرسلان قبل أن يضحك بقلة حيلة:
"لحظة إدراك، أنني هذا الشخص المثير للحزن والشفقة، إذن سيكون هناك ما أشاركه مع ولدك."
"لا تجمع صغيري في جملة واحدة أشعر أنك تلوث براءته لطفلي قبل حضوره حتى."
"براءة؟ لا أعتقد أن هذه كلمة قد ترتبط بك أو بنسلك بأي شكل من الأشكال، حتى أطفالك سيكونون مثلك أرسلان."
اتسعت بسمة أرسلان بقوة يهتف بجدية:
"محظوظون هؤلاء الأطفال."
"لن ننتهي الليلة، أنا سأرحل من هنا فلدي طريق طويل صوب الجحر."
ولم يكد يتحرك خطوة حتى تراجع للخلف بسبب إلقاء أرسلان حقيبة متوسطة الحجم عليه، ليؤدي ذلك لإسقاطه أرضًا بقوة يتأوه بصوت مرتفع.
"هذه حقيبة طعام للطريق، وضعت لك قارورة مياه كذلك وبعض الأعشاب للجروح."
نهض نزار بصعوبة بسبب وجع ظهره، يفركه وهو يرفع نظره لأرسلان يتحدث من بين تأوهاته:
"كم أنت أرسلان طيب القلب حقًا."
"لا بأس بتدليل الخراف قبل الذبح عزيزي."
اتسعت عيون نزار وهو ينهض بصعوبة يهمس من بين أسنانه وانفاسه قد بدأت ترتفع بقوة:
"تبًا للذاعة لسانك."
تحرك أرسلان دون اهتمام به، يفك عقدة الحصان الذي يربطه على الشجرة خلفه، يسلم اللجام لنزار الذي نظر له بعدم فهم ليبتسم له أرسلان:
"بالطبع لن أتركك تذهب للجحر سيرًا نزار."
التمعت عيون نزار وهو يتنفس بقوة، يرفع عيونه بامتنان لأرسلان الذي أكمل حديثه قبل أن يشكره نزار حتى:
"هذا سيؤخرك ويؤخرنا مما يؤدي لتأخير زفافي، لذا لا بأس بمساعدتك لننتهي من هؤلاء الخنازير، لأجل الورد يُسقى العُليق."
ضغط نزار على اللجام بين قبضته يتمتم بغضب شديد:
"عُليق؟ إن كنت عليقًا فأنت صبار أرسلان."
ختم حديثه وهو يرميه بنظرة مغتاظة يتحرك بقوة بعيدًا عن المكان يحمل حقيبة الطعام ويجر حصانه، وقبل أن يختفي من أمام أرسلان توقف ثواني يهتف بجدية وهو ينظر لوجه أرسلان الذي كان يتابعه باهتمام:
"رغم كل ما حدث لك، ورغم كل ما فعلته، ورغم جميع محاولاتك، فلن تستطيع أن تدفن حنانك أرسلان، بدليل أنك الوحيد الذي اهتممت بمساعدتي الآن، ولا تظن أنني صدقت حججك حول تدليل الخراف أو تعجيل زواجك يا أخي."
ختم حديثه بكلمات بسيطة:
"ألقاك بخير حال إن كتب الله لي النجاة أرسلان، السلام عليكم."
رحل دون أن ينتظر ردًا تاركًا أرسلان ينظر لأثره يهتف بصوت خافت شارد:
"تصحـبك السلامة نزار."
ومن بعد الليل الأسود الذي مر على الجميع، كلٌ بحالٍ غير الآخر، أعلن الصباح وجوده بفرض سطوته على السماء وقد انتشر النور في الأرجاء.
تحرك بين الممرات وهو يراقب الجميع ويتحدث معه بعض المستشارين له بجدية:
"جيد إذن نحن نتقدم، أريد بحلول الأسبوع القادم أن ننتهي من إصلاح جميع الأراضي الشمالية لأجل زراعتها."
ابتسم له المستشار وهو يومئ برأسه، بينما أرسلان أكمل سيره يتحدث بجدية:
"المحصول الأول تم حصده صحيح؟"
هز الرجل رأسه مجددًا ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع صوت أرسلان يردد ببساطة:
"إذن انشر نصفه في الأسواق بنصف سعره، وخصص ربعه لأجل بيت المسلمين، وربع قم بتخزينه حتى ينفذ ما بالأسواق."
توقف الرجل وهو ينظر لأرسلان بعجز:
"لكن مولاي، هكذا سيكون هناك عجز في المحصول القادم، فنحن إن بعناه بنصف السعر لن نتمكن من تحصيل المبلغ المطلوب لأجل زراعة المحصول القادم و…"
توقف أرسلان كذلك ينظر للرجل ببساطة:
"لا تقلق لن يحدث عجز، هم يدفعون نصف السعر أو ما يقدرون عليه، والنصف الثاني أدفعه من مالي الخاص، فقط افعل ما أمرتك به حسان."
ابتسم له المستشار بسمة مقدرة:
"حسنًا، لك ذلك مولاي."
وقبل أن ينسحب حسان ليتولى أمور الزراعة كما أمره الملك، أوقفه أرسلان بنبرة جادة محذرة:
"حسان… أريدك المرور بنفسك على الأسواق لتتأكد أن لا تاجر سيتعامل بأرواح الشعب، وأن الأسعار التي ستُعرض لهم هي ما أبلغتك بها، الحرب والجوع قد يفسدا النفوس، أعطوا التجار المحاصيل بربع الثمن وتباع بنصف الثمن، ومن لا يستطيع بيت المسلمين مفتوح للجميع."
"حسنًا أنا فقط أفكر في حل صغير، لماذا لا نوزع النصف على الجميع وبهذا نتجنب كل هذا."
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يشرح وجهة نظره لحسان والتي قد يعارضه بها البعض، لكنها خطة النجاة التي خرج بها من الظلمات سابقًا وستتبعها مجددًا:
"نحن يا حسان نحاول النهوض بالشعب والبلاد وإعمارها، إن أعطينا الشعب كل شيء مجانًا هذا سيدفع البعض للتواكل، الأمر كدائرة، رجل يعمل ويشتري ليحيا، عمله هذا إعمار للبلاد، تخيل أن نعطيه ما يريد دون الحاجة لبذل جهد؟ نحن بهذا الشكل نخبره بشكل غير مباشر أن اجلس في منزلك ونحن سنحضر لك ما تريد دون أن ترهق نفسك، وإن جلسوا هم في المنازل؟ البلاد من يعمرها؟"
التمعت عيون حسان بإعجاب شديد بما يفكر به أرسلان، والأخير أكمل ببساطة:
"لا نزيل الأحمال عنهم فيتواكلوا، ولا نزيدها عليهم فيقنطوا، نحن نخففها عنهم، علّ الله يخفف عنا يوم الحشر يا صديقي، ومن لا يقدر يأخذها مجانًا، هل الأمر واضح لك؟"
"أنت عبقري مولاي، سياستك منطقية بشكل مرعب."
"الحياة تعلم الكثير يا صديقي."
ختم حديثه يربت على كتف حسان يتحرك بعيدًا عنه صوب جناح زوجته بعدما انتهى مما يجب فعله في هذه الساعات يفكر في استغلال الساعة التي يتفرغها في محاولة فتح حديث معها وجعل المياه الراكدة بينهما تعود لصفوها.
طرق الباب ينتظر ردها وهو يستعد ليتحدث معها بلطف لا يدري من أين سيحضره، لكنه سيفعل، وهدوء لا يدرك كيف يدعيه، لكنه سيفعل، سمع صوت الباب يُفتح، ليسحب نفس عميق وهو يرفع وجهه بهدوء:
"سليمى نحتاج للتحد…"
فجأة توقفت كلماته في حلقه وهو يبصر أمامه خالد يفرك عيونه بنعاس ويتثائب بكسل شديد:
"هل جهز الفطور؟"
رمش أرسلان لا يستوعب ما يرى أمامه:
"ماذا… ماذا تفعل أنت هنا، وأين هي زوجتي؟"
استند خالد بكسل على الباب يجيبه ببساطة مستفزة:
"ماذا أفعل هنا؟ كنت نائمًا، وأين هي زوجتك؟ لقد رحلت منذ الصباح، والآن أجبني على أسئلتي، أين هو الفطـ…"
فجأة قطع أرسلان كلماته وهو يجذبه من ثوبه صوبه يهمس بصوت مرعب خافت:
"حدد بالضبط ما تقصد بكلمة 'رحلت'، أين رحلت يا هذا؟ أين زوجتي؟"
نظر له خالد بصدمة وعدم فهم لتلك الملامح التي تعلو وجهه:
"هيه أنت دعني، أخبرتك أنها راحلة ولا أدري لأين، لقد استيقظت على صوتها في الصباح وهي تردد أنها ستترك القصر لبضعة أيام حتى تؤدبك."
اشتعل وجه أرسلان بقوة وقد شعر بغضبه يكاد يفجر المكان حوله، يترك خالد بعنف ليتراجع الأخير للخلف يتماسك بصعوبة لئلا يسقط أرضًا.
بينما أرسلان شعر بنيران تشتعل بصدره وقد أسود وجهه بشكل مرعب حتى أنه لم يدرك لشدة غضبه أن خالد كان نائمًا بجناح زوجته.
همس بصوت مخيف يتحرك صوب الحراس الذين كانوا يناوبون على البوابات طوال اليوم:
"الويل لكم جميعًا إن مسّ زوجتي سوءًا."
"إذن يا… تاج صحيح؟"
ابتسم تاج بسمة واسعة، وهو يحدق في تلك المرأة المختلفة بانهيار شديد واحترام أكبر:
"نعم سيدتي اسمي تاج الدين، أنا قائد الحرس في هذه المنطقة."
اتسعت بسمة سلمى وهي تسير معه بهدوء تراقب الأسواق حولها:
"لي الشرف في السير معك سيد تاج، أخبرني إذن هل اقتربنا من المنزل؟"
"نعم اقتربنا كثيرًا من هنا لو سمحتي سيدتي."
ابتسمت سلمى وهي تسير خلفه تراقب رجلًا راقيًا في هيئة مراهق، الأمر الذي أثار تعجبها، إذ يبدو لها الصبي ناضجًا أكثر من الكثير من الرجال في عالمها من الأساس.
كانت تراقب الأسواق بهدوء شديد وهي تسير مرتدية ثوبها المعتاد منها مع حجاب بسيط وفوقهم ترتدي معطف أرسلان تخفي به نصف وجهها.
تتعجب لماذا يحدق بها الجميع بهذا الشكل، ويبدو أن تاج لم يكن فقط ناضجًا، بل فطن كذلك، إذ قال ببسمة:
"معطف الملك."
نظرت له بعدم فهم ليوضح ما يقصد:
"الجميع يحدق فيكِ بفضول لأنكِ ترتدين معطف الملك، من المتعارف هنا، أن الرجل لا يمنح معطفه أو عباءته إلا لمن يقع تحت حمايته وأهل منزله، يمكنك القول أنها بمثابة إشارة واضحة للجميع أن هذه المرأة تنتمي بشكل أو بآخر للرجل الذي منحها عباءته."
توقفت أقدام سلمى بصدمة كبيرة وهي تحدق في ظهر الصغير بعدم فهم، تحاول ترجمة كلماته، تنظر لمعطف أرسلان بأعين زائغة.
أرسلان منحها المعطف منذ أول مرة أبصرها بها، وقبل حتى أن يفكر في الزواج بها، هل… ربما كان مضطرًا بسبب ثوبها، لكن بعد ذلك؟! كان يمكنه ببساطة أن يدفعها صوب غرفتها لتغطي نفسها، لكنه كان يكتفي بمنحها معطفه في كل فرصة.
همست بصوت منخفض دون شعور:
"لقد… ألبسني أرسلان معطفه الملكي ذات مرة، يوم عقد القرآن."
توقفت أقدام تاج وهو يستدير لها بانبهار:
"ارتديتي المعطف الملكي؟ هذا… رائع، يبدو أنكِ تعنين الكثير للملك ليمنحك معطفه الملكي، لم يسبق أن فعل أحد الملوك هذا الأمر مسبقًا سوى الملك آزار حسب ما أخبرني أبي، سبق ومنح معطفه ذات مرة لزوجته لشدة حبه لها فالمعطف الملكي لا يُزين أكتاف أحدهم سوى الملوك، ولا يُنزع منهم إلا حينما يتنحون عن العرش تاركين مكانتهم لمن يتبعهم، فوصف البعض الأمر بأن من يمنحه الملك معطفه وكأنما يمنحه مكانته وأكثر بشكل ضمني."
تجمد جسد سلمى وهي تفكر في كلماته برأس يدور من الصدمة، تفكر كل هذا يقع خلف فعل بسيط؟!
ختم تاج كلماته وهو يتحرك أمام سلمى وهو يلقي التحية على كل من يقابله، وهي تسير خلفه تستكشف الكثير مما جهلت من هذا المراهق.
التي لم تستطع الصمت أكثر تتساءل للحصول على المزيد من المعلومات:
"وهل هذا الأمر يختلف عن ارتداء المعطف العادي؟"
ضحك تاج الدين وهو ينحرف بها في شارع ضيق صغير:
"بالطبع أن يمنحك رجل معطفه هو إشارة منه على أنه يحيطك بحمايته كما أخبرتك، وكما يفعل الملك الآن بوضعه معطفه الخاص عليكِ، لكن أن يمنحك ملكٌ معطفه الملكي لهو أمر أكبر بكثير في تاريخنا حيث تناقل الجميع حكايات عن هذا الأمر كما أخبرتك."
فتحت سلمى فمها للتحدث، لكن فجأة توقفت وهي تشعر بجسد يصطدم بها بقوة كبيرة، مسقطًا إياها أرضًا دون اهتمام، رفعت عيونها لصاحب ذلك الجسد ترمقه بحدة، لتبصر فتاة شابة في منتصف عقدها الثالث تقريبًا ترمقها بنظرات غريبة، ولم تعتذر حتى، بل اكتفت بأن تشملها بنظرة سوداء، ومن ثم تحركت بعيدًا وهي تتم ببعض الكلمات:
"هذا ما ينقص البلاد، بالإضافة للدمار، تأوي المفسدين كذلك."
اتسعت عيون سلمى تبتسم بعدم تصديق لما سمعت، تستدير صوب الفتاة التي رمتها بنظرة ساخرة وكأن سلمى تسير بخمسة أذرع، بينما الأخيرة تتابعها بعدم فهم.
"هيه أنتِ ما بكِ توقفي هنا وتحدثي بصوت مسموع."
زفر تاج الدين بحنق وهو يحدق بظهر الفتاة:
"لا عليكِ منها جلالة الملكة، اتبعيني كدنا نصل لمنزل فاطمة."
سارت خلفه سلمى وهي ما تزال ترمق أثر الفتاة بعدم فهم، فهذه المرة الأولى التي تبصرها، ثم كيف تعرفت عليها أنها غريبة عن هذا المكان، حاولت أن تتناسى تلك الفتاة وهي تتحرك خلف تاج الدين تنظر للمكان حولها وقد كانت البلاد في حالة إعمار، إذ استقامت العديد من المنازل التي كانت قد أبصرتها مهدمة آخر مرة، ابتسمت وهي ترى أن مشكى تعود أخيرًا للحياة.
"وصلنا، هذا هو منزل فاطمة."
ختم حديثه يشير لمنزل فاطمة، نفسه المنزل الذي جائته مسبقًا لكنها نست الطريق، والآن تبصره مجددًا، لكن أسوأ من المرة الأولى، فقد كانت آثار الحروق ظاهرة أكثر وأشد وطئًا.
"ما الذي حدث هنا تاج، هل… يبدو المنزل أسوأ مما أبصرته مسبقًا."
"نعم فقد تعرض المنزل منذ فترة قصيرة لحريق آخر، هذه الفتاة فاطمة مسكينة حقًا."
شعرت سلمى بقلبها يغور في صدرها وهي تقترب من المكان بتردد تشكر تاج بهدوء لمساعدتها، ليرحل الأخير مبتسمًا:
"إن احتجتي لشيء، تعلمين مكان محل والدتي، أنا هناك أراقب الأوضاع طوال الوقت، وداعًا."
ختم حديثه يهرول بعيدًا عن سلمى التي كانت شاردة بجدران المنزل دون وعي، تقترب منه شيئًا فشيئًا تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي.
"أعان الله قلبك فاطمة."
دخلت المنزل بأقدام مترددة وهي تبحث في كل مكان عن فاطمة على أمل أن تكون قد عادت البارحة، قلبها يضرب صدرها بخوف:
"فاطمة صغيرتي، أنتِ هنا؟!"
لكن لم يصلها سوى صمت خانق في الأرجاء، وبعد دقائق طويلة من البحث في المنزل، تراجعت للخارج وقد قررت البحث في الجوار عنها.
خرجت وهي ترفع القلنسوة الخاصة بمعطف أرسلان، لكن فجأة توقفت يدها حين أبصرت جسدًا يتحرك أمامها، جسد تدرك أنها رأته مسبقًا، حاولت تذكر أين أبصرت هذه الفتاة سابقًا، لكن ذاكرتها لم تسعفها في الأمر، ورغم ذلك لم تهتم وهي تتحرك بعيدًا عن المنزل وكل ما تهتم له في هذه اللحظة هو إيجاد فاطمة حتى اضطرت لطرق جميع الأبواب بحثًا عنها.
"اليوم سيُقام عزاء زوجة أخيكِ قبل زفافها."
زجرت كهرمان زمرد بأعين محذرة وهي تراقب الوضع في الأسفل، حيث ساحة القصر، إذ كان أخوها يتجهز ليحتل مملكة أو يحيلها لرماد بحثًا عن زوجته المتمردة.
"أوليس هذا متأخرًا بعض الشيء؟"
نظرت كهرمان بعدم فهم لزمرد، لتكمل الأخيرة موضحة:
"أعني أن يهرب ويذهب للبحث عنها، ويعاندون ويصرخون وبلا بلا بلا، كل هذه الأفعال متأخرة على علاقتهم، أعتقد أن الأمر كان ليكون منطقيًا لو أقبلت سلمى على الهروب منذ اللحظة الأولى التي أدركت فيها أنها مقدرة لأخيكِ، لكن لا بأس أن تهرب متأخرًا، خير من ألا تهرب."
تنفست كهرمان بصوت مرتفع تحاول أن تتمالك نفسها قدر الإمكان فما يحدث الآن مريب، وغير مفهوم، البارحة فقط كان كل شيء بخير بينهما وكانت سلمى تنوي تعلم الكثير لأجل أخيها والآن.
"افتحــــــوا البوابــــــــــات."
قاطعتها صرخة أرسلان لتنتفض من مكانها بشكل مخيف وهي تنظر صوب الأسفل تدعو الله أن يمرر ما يحدث دون أي مشاكل.
"يا ويلي من ثورتك أرسلان، ليمرر الله ما يحدث على خير."
"هذا سيكون ممتعًا نوعًا ما، إلا إن قرر أخوكِ إفساد المتعة والعثور على سلمى بسرعة قبل أن يتلظى بنيران شوقها."
نظرت لها كهرمان من أسفل رموشها بقلة حيلة:
"يتلظى بنيران شوقها؟ بل سلمى هي من ستحمص بنيران غضبه، فقد لينجدنا الله منه."
مع بداية الصباح وصل واخيرًا إلى حدود الجحر بعد قضاء ساعات الليل بأكمله في رحلته بين مشكى وسبز، وصل واخيرًا ليكون أول ما استقبله وجه أصلان والذي وصله أخبار وجوده قبل حتى أن يصل هو.
ابتسم أصلان بسمة جانبية وهو يضم يديه لصدره يراقب اقتراب نزار منهم، حتى توقف حصانه أمامهم.
ردد الأخير بسخرية وهو يراقبه:
"مات في الجحر خنزيرًا فاستراح الناس من أذاه، فخلف الخنزير وسخًا فاق في القذارة أباه."
"حسب ما أتذكر أنك كنت طبيبًا نزار ولست حكيمًا."
"حسنًا يمكنك القول أن هذه إحدى مميزاتي الكثيرة، أنني فنان شامل من جميع النواحي."
ابتسم له أصلان وهو ينظر حوله ثم تحدث ببساطة دون اهتمام بكلماته:
"أراك وقد عدت مجددًا، خير؟"
"صدقني لم يدفعني لهذا المكان، سوى أن لا مكان لي سواه، ليس حبًا فيه وبالطبع ليس شوقًا لقاطنيه، بل إن سمح لي الزمان لهربت لآخر العالم من رؤيتكم."
رفع له أصلان حاجبه بسخرية، هذا بالتحديد ما يثير ريبته، كيف يعود بأقدامه وهو لا يطيق حتى النظر في وجوههم؟
"تمتلك من الشجاعة ما يجعلك تأتيني بأقدامك وتتجرأ على إهانتي، شجاع أكثر مما توقعت نزار، ظننتك لم ترث من والدك سوى عيونه، اتضح أنك تمتلك نفس التهور."
"نعم نحن عائلة لا قيود تحجمها، والآن ستدعني أدخل أم أعود لأبحث لي عن مكانِ آخر بعيد عن مكب النفايات هذا؟"
وقبل أن يجيبه أصلان بكلمة وقد كان الشك يساوره حول وجوده في هذا المكان خاصة بعد أسره من قبل جيش مشكى، لكن قطع كل ذلك اندفاع الوليد والذي ما إن بلغه خبر تواجد نزار حتى هرول يستقبله بالأحضان.
هبط نزار عن حصانه يستقبل الوليد ببسمة صغيرة، بينما الأخير يضمه بسعادة كبيرة:
"الحمدلله أنك بخير، خفت ألا تصل سالمًا، أرسلت لك أحد الرجال لكي يخرجك أرى أنه نجح."
هز له نزار رأسه:
"نعم استطاع استغلال انشغال الجميع بصد الهجمات وأخرجني، لكن في الطريق للخروج كدنا نكشف فطلب مني الذهاب وهو سيضللهم، ولا أدري إن كان حيًا أم لا."
ردد الوليد براحة لرؤية نزار بخير:
"لا يهم المهم أنك بخير و…" توقف حين أبصر نظرات أصلان، ليمسك بمرفق نزار وهو يجذبه معه للداخل:
"تعال سنتحدث في منزلي."
ومن بعد هذا سحبه دون اهتمام بمن حوله، ونزار لا يفهم ما يحدث هنا، ولا ما الذي يدور بين الوليد واصلان، إذ أنه لو كان يمتلك أصلان أي نية صغيرة في طرده شر طردة، فقد تلاشت هذه النية بعدما أبصر الوليد وهذا شيء عجيب سيكون سعيدًا بمعرفة سببه.
تحرك معه ينظر لظهر أصلان يفكر بالقادم والذي يخفي له مستقبل مجهول والسؤال الذي يدور في عقله الآن.
كيف سيعلم خطتهم من الأساس واصلان يثق بالذئاب الضالة، ولا يثق به؟
ساعات تدور بين الأسواق لا تدري لها من مخرج وكأنها دخلت متاهة دون أن تشعر، أين هي وماذا تفعل وماذا ستفعل، لا تعلم، حتى لا تستطيع الوصول للنقطة التي التقت فيها قبلًا بتاج.
توقفت في المنتصف وقد قررت أن توقف أي عربة وتسألها أن تقلها صوب القصر، لكن ببساطة لا أحد توقف إذ كانت جميع العربات خاصة بالتجارة وحمل البضائع.
زفرت بصوت مرتفع وهي تتحرك صوب أحد البائعين تسأله بصوت خافت ولطف:
"مرحبًا، إذا سمحت كيف أصل للقصر هنا؟"
نظر لها الرجل ببسمة صغيرة وهو يهتف بلطف رغم التعجب البادي على ملامح وجهه إلا أنه لم يتدخل في المرأة أمامه يجيبها ببساطة:
"عليكم السلام يا ابنتي، منطقة القصر؟ نعم هو قريب من هنا مسافة عشر دقائق تقريبًا من هذا الاتجاه."
ختم حديثه يشير صوب أحد الاتجاهات، لتبتسم بشكر وامتنان، تتحرك حيث أشار الرجل، تتنهد براحة وقد قررت أنها اكتفت لليوم، ويبدو أن أرسلان كذلك قد تأدب فهي منذ ساعات وهي خارج القصر، ستعود الآن ويكفيه ما غابته منذ الصباح.
تحركت لجهة القصر كما وصف لها الرجل.
وبعد لحظات من اختفائها، عمت الفوضى في السوق بسبب انتشار حراس الملك وقد تحرك أرسلان بين الجميع يبحث عنها بأعين مشتعلة بالغضب يخفي خلفه أمواج من الرعب، يدعو الله أن تكون بخير.
"هددت ونفذت ما قالته، هذه المرأة…"
كتم صرخة غاضبة كادت تخرج من فمه وقد بدأ يسأل عنها جميع الباعة في السوق.
أما عنها فقد تحركت صوب الجهة التي وصفها العجوز وهي تتنهد بحزن تفكر في مكان فاطمة تتمنى أن تعود للقصر وتجدها هناك.
ظلت تسير دقائق طويلة حتى اصطدمت وأخيرًا بمبنى شاهق الارتفاع في غاية الرقي والفخامة تنطق كل حجارة به بالبزخ، قصر كبير ضخم يحتل حيزًا كبيرًا من الأرض أمامها، كان رائعًا نعم، لكنه لم يكن المقصود البتة.
"مهلًا هذا ليس قصر أرسلان؟ هل أرشدني الرجل لمكان خاطئ."
تراجعت وهي ترى أن العجوز أخطأ في الوصف وأوصلها لقصر غير الذي كانت تبحث عنه.
وما أدراه أنها تسأل عن قلعة مشكى؟
خطت للخلف كي تبتعد عن ذلك القصر وتعود للسوق مجددًا، لكن لم تكد تفعل حتى تجمدت أقدامها بصدمة وصوت صرخات مدوية تنطلق من داخل ذلك القصر.
ونعم ربما لو كانت حمقاء فضولية لكانت هرولت الآن صوب القصر بخوف كي تستكشف وتعلم سبب الصرخات، لكن لا هي ليست كذلك وقد علمها عملها أن الجهل أحيانًا يكون أبسط الطرق للنجاة، وهي في هذه اللحظة اختارت الجهل سبيلًا، تهرول بعيدًا قبل أن يطالها أذى لم تطلبه.
"حسنًا كنت سأكون سعيدة باستكشاف ما يحدث، لكنني لا أفضل الموت في هذا الوقت من العام."
تحركت مبتعدة عن الأذى، والذى أبى الابتعاد عنها، إذ فجأة سمعت صوتًا صاخبًا خلفها يصرخ بصوت مرتفع بكلمات كثيرة غير مفهوم منها شيئًا سوى اسم واحد استطاعت التقاطه من بين كل الكلمات "أرسلان".
ابتسمت سلمى بسمة حانقة وهي تستدير ببطء صوب القصر، تراقبه بأعين ملتمعة وصوت الفضول والخوف على أرسلان يحثها على الاقتراب من القصر واستكشاف ما يحدث، لكن صوت العقل بها أوقفها:
"أوه هل سنرضخ الآن للمصائب ونركض خلفها كأي بطل غبي لفيلم سخيف يلقي بنفسه بين المشاكل لأجل فضوله، ظننت أننا أذكى من هذا سول."
صمتت ثواني وهي تراقب القصر، ومن ثم تحركت صوبه بسرعة كبيرة وهي تتحدث بصوت خافت:
"نعم أذكى من هذا، لكن ليعلنهم الله إن أرادوا بأرسلان سوءًا، سيفقدون الرجل عقله بسبب ألاعيبهم، ماذا سأعالج أنا به وهم يستمرون في إنتاج أمراض نفسية كل ثانية داخله."
ختمت حديثها تتحرك بمهارة للقصر وهي تبحث لها عن مدخل، لكن يبدو أنه كان محصنًا بشكل جيد، ولم تستطع الدخول، تراجعت للخلف تنظر لجدرانه بغضب شديد، لكن من بين موجة غضبها أبصرت فجأة ما جعل عيونها تتسع وهي تختبأ بسرعة خلف أحد جدران القصر بعيدًا عن الأعين تراقب ما يحدث بأعين متسعة وقد أبصرت العديد من الرجال يتحركون خارج القصر بأوجه مغطاة يحملون حقائب كبيرة بعض الشيء.
وقد بدأ أحدهم يتحدث بالفارسية لتعجز عن فهم الكثير من كلماتهم عدا القليل فقط والذي لم يكن مبشرًا بالمرة.
ابتلعت ريقها وهي تحاول جاهدة ترجمة ما تسمع منهم، لكن القليل فقط أدركته والباقي لم تفهم منه شيئًا لتهتف بالبرتغالية حانقة:
"ليتني استمعت لأبي وتعلمت الفارسية كذلك، تبًا لكم تحدثوا بالعربية حتى."
فجأة توقف أحد الرجال وردد العديد من الكلمات لم تفهم منها شيئًا عدا شيء واحد جعل جميع حواسها تنتبه بقوة وهي تردد بصوت خافت وعدم فهم:
"منتصف هذا الشهر؟"
وعند هذه النقطة أبصرت سلمى الرجال يتحركون بعيدًا عن القصر لتبتعد هي عن الأبصار وهي تراقبهم حتى اختفوا بشكل تام من المكان، وهي ظلت مكانها تتنفس بعنف شديد تحاول أن تتماسك، مدركة أن وجود هؤلاء الأشخاص في هذا المكان وهذه الصرخات، ليست نذير خير البتة.
"ما الذي يحدث في هذه البلاد ومن هؤلاء وما غرضهم الخفي، وما هذا القصر المريب؟ أشعر أنني تم الإلقاء بي داخل أحد أفلام الغموض والمغامرة."
ابتعدت عن القصر وهي ترميه بنظرة غامضة، تتحرك بعيدًا عنه بسرعة قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه، تهرول في الاتجاه الذي ظنت أنها جاءت منه، لتكتشف في نهاية المطاف وبعد هرولة لدقائق أنها…
"مرحى يا سول، يبدو أن أرسلان لن يكون الوحيد الذي سيتأدب من هروبك اليوم."
استيقظت على صوت ضوضاء حولها تحاول إبصار مصدر ذلك الصوت والذي كان غريبًا عليها، رفعت رأسها بصعوبة وقد شعرت بها تيبست بسبب جلستها غير المعتدلة، أو ربما لم تكن جلسة.
تأوهت بوجع وقد أدركت أن ما تسبب في ألم عظامها لم يكن جلستها، هي لم تنم جالسة كما ظنت، بل كانت مكبلة في عربة قديمة.
عند هذه الحقيقة انتفض جسد فاطمة وهي تحاول الصراخ، تحرك جسدها بقوة حركات تسببت في إعلام السائق بأستيقاظها.
فجأة شعرت بحركة العربة تتوقف، وصوت يهدر من الجزء الأمامي لها بصوت سعيد:
"فاطمة جيد أنك استيقظتي، لقد كدنا نصل لوجهتنا عزيزتي، ها نحن ذا."
اتسعت عيون فاطمة بقوة وحاولت أن تتحدث، لكن خاب رجائها وقد كانت القماشة أعلى فمها تمنعها، سقطت دموعها بضعف وهي تلقي رأسها على أرضية العربة مجددًا تناجي ربها، تنادي المعتصم بعجز وصوت الرجل في الأمام يصفر ويغني بسعادة.
"لا تقلقي فاطمة حبيبتي كدنا نصل لسفيد، أقسم لكِ أنني سأحسن التعامل معكِ ولن أدع أي سوء يمسك عزيزتي."
سقطت دموع فاطمة أكثر وأكثر وهي تضرب العربة بقدمها تحاول الفكاك، لكن لا حياة لمن تنادي، لم يتحرك الرجل في الأمام خطوة واحدة.
وبعد حركات كثيرة مزعجة توقف أخيرًا بعربته على جانب الطريق، ومن ثم تحرك صوب العربة بغضب شديد يفتح بابها لتبصر أخيرًا صاحب الصوت، وتتسع عيونها وقد تعرفت عليه، حاولت التحرك وهي تصرخ صرخات مكتومة، بينما الرجل تحرك صوبها يجذب جسدها له بشكل جعل الأخيرة تتلوى بين يديه وقد احمر وجهها بشكل مرعب لشدة البكاء والمقاومة وقد بدأت انفاسها تتلاشى.
لكنه لم يهتم ولم يبصر سوى مستقبله الذي رتب له يقترب منه، يراقبها بحب شديد وجنون تمكن من كل ذرة بجسده:
"توقفي عن المقاومة فاطمة انتهينا، انتهينا من ذلك الفصل في حياتك، تبقى فقط أنا وأنتِ، فاطمة وإلياس."
اشتد بكاء فاطمة وهي تحاول الإفلات منه، لكنه أجبرها عن التوقف وهو يجذب رأسها له يطيل النظر في عيونها لا يبصر خوفها أو يشعر بارتجاف جسدها، بل ما أبصره كان انعكاس حبه لها، لم يرى الهلع الذي كاد يفقدها الوعي، بل فقط أبصر مستقبلًا مشرقًا تمامًا كما خطط.
مستقبل لا يفسده وجود دخيل.
"اششس لا تقلقي حبيبتي، سوف يكون كل شيء بخير فاطمة، كل شيء سيكون بخير، حينما نصل للمنزل سأريكِ غرفتك، غرفتنا سويًا ها؟ وسأحضر لكِ كل ما تتمنين، أقسم أنني عملت لسنوات بلا توقف لأجل أن أعوضك كل ما تطلبين."
ارتعش جسد فاطمة وقد أوشكت على السقوط في حالة من اللاوعي وقد بدأ عقلها يمارس لعبته المفضلة.. الهروب من الواقع.
اقترب منها إلياس يستند برأسه على خاصتها يهمس بنبرة تملك وعشق:
"لن يستطيع أحدهم أن يفرق بيننا ما تبقى من حياتنا، انتهى كل شيء وأصبحـتي لي ومعي."
رواية اسد مشكي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رحمه نبيل
عبر حصانه بوابة القلعة وهو لا يزال يتمسك بخصرها بحرص خوفًا أن تفلت منه وتسقط.
سلمى تنظر أمامها بهدوء شديد وابتسامة صغيرة، وكأنها لم تتسبب في إعلان حالة استنفار منذ بداية اليوم في القصر.
توقف أرسلان بحصانه في الساحة وهبط منه بغضب واضح على ملامحه.
ينظر لها بملامح حانقة شرسة، ولم يكد ينطق بكلمة واحدة، حتى قالت بابتسامة هادئة بشكل عجيب:
- ساعدني رجاءً.
رمش أرسلان بعدم استيعاب للحظات قبل أن يمد يده دون وعي لها.
لتتمسك هي بها وتهبط بكل حرص ورقي.
وحينما استقرت أرضًا بمساعدته، نظرت له بامتنان تهز رأسها له:
- شكرًا لك مولاي.
وهي كلمات فقط قبل أن ترفع طرف ثوبها وتتحرك تاركة إياه دون كلمة إضافية.
تاركة إياه يراقبها بملامح متشنجة، تتهادى أمامه وكأن شيئًا لم يكن.
وهو فقط يقف في منتصف الساحة يحدق في ظهرها يحاول إدراك ما حدث منذ ثوانٍ.
بينما سلمى ابتسمت ابتسامة خبيثة وهي تتحرك صوب جناحها.
وقد انتهى يومها الأول في الخارج، بينما أرسلان يحدق في ظهرها بشر مستططر بعدما استوعب ما فعلت منذ ثوانٍ.
لم يظهر أيًا من دواخله أمام أحد، بل حافظ على ملامحه المحايدة.
يشير صوب أحد الرجال ليأخذ حصانه إلى الإسطبل.
ومن ثم بكل بساطة سار خلفها بخطوات بدت للبعض هادئة، لكنها كانت في داخلها تخفي غضبًا ونيرانًا.
لو أخرجها لن تتمكن سلمى من التحكم بها ولو استخدمت جميع ما تعلمت طوال سنوات دراستها.
تحرك في الممرات لا يهتم بمن يحيطه أو بأحد.
ولا يبصر سوى غرفتها التي تلوح أمامه كراية حمراء.
وصل وهو يمد يده بقوة ليفتح الباب، لكنها توقفت في الطريق.
يتنفس بصوت مرتفع.
ومن ثم تماسك يتذكر أنه لا يستطيع اقتحام غرفتها بهذا الشكل.
يطرق الباب بهدوء لا يظهر ما يضمره.
وحينما سمع صوتها يأذن له بالدخول وكأنها تعلم الطارق.
وقد كان.
فتح الباب بعنف يغلقه خلفه بشكل مفزع.
ومن ثم تقدم صوبها بخطوات تحطم الأرض أسفله والنيران تخرج من أذنيه.
ليتلاشى كل ذلك في ثوانٍ وهو يبصرها تتوقف أمامه وهي تعطيه ظهرها تهمس برقة:
- هل تساعدني في فك تلك الربطة في شعري، فهي تزعجني ولا أستطيع فكها.
فجأة انمحت ملامح الغضب عن وجه أرسلان.
واعتلى وجهه نظرات هدوء غريبة وعدم فهم.
ونسي لثوانٍ ما حدث يمد يده بهدوء ليفك ربطة شعرها والتي كانت معقودة بشكل غريب.
وهي أمامه تعطيه ظهرها تبتسم بسمة متوارية.
وارسلان محوّر كامل تركيزه في العقدة أمامه وكأنه يضع خطة لحرب ضروس.
يضيق ما بين حاجبيه وهو يتساءل بجدية كبيرة:
- من عقد الربطة بهذا الشكل الغريب؟
- لم أجد من يساعدني في عقدها فخرجت مني بهذا الشكل.
همهم وهو يولي كامل انتباهه للربطة.
لتميل سلمى برأسها عليه أكثر تهمس بصوت منخفض:
- دعني أساعدك قليلًا.
رفع أرسلان عيونه لها بعدم فهم لثوانٍ.
ليُصدم فجأة من قربها منه.
فابتسم بدون وعي واللمعت عيونه دون شعور:
- تبارك الله...
وانقلب السحر على الساحر.
فبعدما قررت أن تستخدم سلمى سحرها ورقتها لتخمد نيران أرسلان، أشعل هو نيران شوقها وحبها المتواري له.
شعرت بضربات قلبها تزداد وهي تراه يطيل النظر بها.
قبل أن يهمس لها بجدية وابتسامة غريبة:
- سبحان من أحلّ لي تأملك سليمى.
كل هذا ويأبى نطق كلمة بسيطة.
يغازلها في سطور ويأبى فمه نطق كلمة.
الرجل سيوصلها لمرحلة بعيدة من الجنون.
ابتلعت ريقها تشرد به دون شعور بالزمن حولها.
قبل أن تراه يبتعد عنها ببطء يرفع يده في الهواء.
ثوانٍ قبل أن تدرك ما يحدث وتنظر إلى يده تراه يمسك طرف عقدة شعرها يبتسم لها ابتسامة جانبية:
- انتهينا من عقدة شعرك، والآن حان وقت عقدة حياتي.
- أي واحدة بالتحديد، فحياتك ملغمة بالكثير منها أرسلان.
- أكبرهن سلمى... أنتِ.
مالت سلمى برأسها ترفع حاجبها:
- تصفني بعقدة؟ هذا غير منصف لشخص قضى حياته في حل عقد الغير.
- وتعجزين عن حل عقدتي.
- كما لو أنك تسمح لي؟!
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه مغمضًا عينيه يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي.
ومن ثم فتح عينيه ينظر لها بجدية:
- حسنًا سلمى، نحن لن ننتهي من هذا صحيح؟ ما فعلتيه لا يُغتفر أن تقضي نصف يومك، بل يومك بأكمله في الخارج دون أي شعور بالمسؤولية لذلك الرجل الأخرق الذي كاد يحطم قصرًا دام قرونًا من الزمن.
تحركت سلمى في أرجاء المكان وهي تخلع معطفها تبعثر خصلاتها من الضفيرة التي كانت تقيدها.
سالبة بذلك اهتمام أرسلان دون حتى أن تشعر بما تفعل:
- ننتهي؟ متى بدأنا لننتهي مولاي؟ هل تعي أنك لم تتحرك من بعد نقطة الانطلاق حتى؟ ما حدث اليوم كان... إلى ماذا تنظر الآن؟
توقفت سلمى عن التحدث بعدم فهم وهي تنظر له بتعجب من نظراته الشاردة تلك.
تنظر لعيونه تحاول معرفة ما يدور داخل عقله.
بينما أرسلان سحب تركيزه بصعوبة من خصلاتها لوجهها ليركز عليها.
لكن الأمر لم يكن أفضل حالًا مما سبقه.
يحاول أن يتذكر سبب وجوده هنا من الأساس لتضربه ذكرى آخر ساعات جحيم قضاها قبل العثور عليها.
لتشتعل فجأة عيونه مرة أخرى بلا مقدمات:
- أين كنتِ سلمى؟
رمشت سلمى تحاول أن تفهم معنى سؤاله المفاجئ وسببه.
- ماذا؟
- اليوم... طوال اليوم أين كنتِ يا امرأة؟ هل تحاولين دفعي للجنون لأنكِ نجحتِ بالفعل.
رفعت سلمى إصبعها في وجهها وهي تردد بابتسامة غير مصدقة:
- أنت يا رجل هل تصدق نفسك؟ من سيدفع من للجنون؟ أنا جئت ووجدتك هكذا فلا ترمي التهم جزافًا و...
- أفضل أن تحتفظي بكامل يدك بجوارك أثناء الحديث سلمى.
نظرت له بعدم فهم ليرفع يده وهو ينزل إصبعها بضيق شديد وقد قبض عليه بلين ولطف يناقض ملامحه:
- لا ترفعي إصبعك في وجهي مجددًا.
ابتسمت سلمى وهي تتراجع للخلف بصدمة:
- أنت... هل أنت جاد؟
- نعم، وصدقيني هذه أكثر ردة فعل هادئة لطيفة أصدرتها في حياتي تجاه شخص يرفع إصبعه في وجهي.
- والله وسام شرف على صدري، الملك أرسلان لم يقطع إصبعي لأنني رفعته في وجهه أثناء الحديث، هل يجب أن أكون شاكرة لهذا التميز مولاي؟
- لا أريد شكرًا أريد سببًا لمغادرتك القصر.
ضمت سلمى يديها لصدرها وهي تردد بهدوء شديد:
- لا سبب، أردت ففعلت.
- هكذا إذن؟
- نعم، هل أنا في سجن؟
رفع أرسلان يديه في الهواء يستنكر كلماتها:
- استغفر الله، سجن ماذا يا ابنتي، هل تسمين ما أفعله معك سجنًا، هذا جحود وظلم، السجن شيء آخر عزيزتي...
بعد دقائق لم تعلم سلمى عددها كانت تقف متسعة العينين مصدومة وبقوة وهي ترى أرسلان يخرج المفتاح من مكانه بعدما أغلق القضبان عليها.
ينظر لها بهدوء شديد يراقبها بابتسامة صغيرة مشيرًا للسجن الصغير الذي وضعها به والذي كان يخصصه لعقاب الجنود حينما يخطئون وقد أفرغه خصيصًا لأجلها.
- هذا هو السجن، الآن نعم أنتِ في السجن.
شعرت سلمى أنها لا تزال تحلم وهي تنظر حولها بعدم فهم تحاول إدراك ما يفعله أرسلان.
بينما الأخير سحب أحد المقاعد ووضعه أمام القضبان يجلس عليه واضعًا قدمًا فوق الأخرى مبتسمًا لها ابتسامة سعيدة لا تناسب الأجواء يضم يديه لصدره:
- ولأزيدك شرفًا سأكون حارسك في هذا السجن...
...
- ساعدني أرجوك فقط حاول مساعدتها لتفتح عيونها.
كان يتحدث بكلمات غير مفهومة وهو يشير صوب جسد فاطمة الفاقد للحياة أمامه وبأعين زائغة يرشد لها الطبيب الذي يقطن بنفس الحي.
- من هذه ومن فعل بها هذا إلياس؟
توترت ملامح إلياس وهو يهمس بخوف شديد لفقدانها بعد كل ما حدث:
- هذه... قريبتي وزوجتي، تزوجنا في مشكى منذ يوم واحد وجئت بها هنا و...
صمت قبل أن ينهار باكيًا برعب:
- فقط ساعدها أرجوك ساعدها لا أريد فقدانها.
أبصر الحكيم حالته المزرية، ومن ثم حدق بجسد فاطمة وهو يتحرك صوبها يحاول أن يفحصها بشكل حذر.
يرفع يده ليفتح عيونها، يمد يده أسفل رأسها كي يموضعها بشكل مناسب للفحص.
لكن فجأة شعر بشيء لزج أسفل قبضته.
ضيق عينيه بعدم فهم يسحب يده بهدوء شديد قبل أن تتسع عيونه وقد أبصرها مضرجّة بالدماء، وبالطبع ليست دماءه.
- يا الله الفتاة تنزف من رأسها، ما الذي حدث لها يا بني؟ الفتاة شاحبة شحوب الأموات.
سقط إلياس جوار فراشها وهو يتمسك بيدها، يناجيها بكلمات منخفضة ورعب جلي:
- لا تكوني لئيمة بهذا الشكل فاطمة، أرجوكِ أفيقي، نحن لم... لم تمنحيني الفرصة لإثبات مقدار حبي لكِ حتى، أرجوكِ لا تفعلي بي هذا، لا تفعـــــــلــــي بــــــــي هــــــــذا.
كان يصرخ في نهاية جملته وهو يضغط على يدها بقوة جعلت الحكيم يستشعر خطرًا في المكان.
يسحبه بعيدًا عنها بقلق:
- ابتعد عنها، هل جننت ابتعد إلياس الفتاة لا تحتمل ما تفعله أنت الآن تماسك وأدعو الله أن ينجيها.
اقترب منها الحكيم بسرعة وبدأ يفحصها ويفحص تنفسها.
تحت أعين إلياس الذي كان يراقب بأعين زائغة ونصف وعي.
ليبتعد الرجل عنها في النهاية وهو ينظر لإلياس:
- الفتاة حالتها الصحية سيئة للغاية لا يمكنني معالجتها هنا، نحتاج لنقلها إلى مستشفى الحي و...
انتفض جسد إلياس بقوة يأبى تنفيذ ما يقول هذا الرجل:
- لا لن يحدث ويأخذها أحدهم مني، هي... هي زوجتي و... ولن أسمح لأحدهم أن يسلبني إياها بأي شكل، سيتم... معالجتها هنا أمام عيوني، سواء استطعت ذلك أو لا فسأحضر لها أكبر أطباء المملكة، حتى لو اضطررت إلى اللجوء لأكبر أطباء البلاد.
ختم حديثه ينظر بإصرار للعجوز الذي هز رأسه بيأس وشرع يقنعه بضرورة إرسالها للمشفى لتجنب أي مخاطر عليها.
بينما هو يرفض بإصرار وضراوة.
وهي... في عالم آخر تصارع ماضيها وتتمسك بحاضرها وتفتش عن مستقبلها والذي كان يقبع في عيون باسمة حنون وقبضة يد لطيفة وكلمة واحدة تأسرها منه...
...
- فاطمة...
تنهد بصوت مرتفع وهو يرفع عينيه للرجال أمامه يتدربون بقوة وجدية دون توانٍ.
وهو يراقبهم بأعين مهتمة مدققة، وعقله معهم، لكن قلبه نفر الحياة دونها وهجره تاركًا جسدها خاويًا من أي نبض.
تنهد بصوت مرتفع يستمع لصوت جواره يهمس بجدية:
- سيدي أنت بخير؟
رفع له المعتصم عينيه وقد كانت الإجابة على طرف لسانه بلا، لا محبوسة يتمنى الصراخ بها، لكن لا المكان ولا المكانة يسمحان له.
- نعم، أنا كذلك تيم، ماذا هناك؟
- لقد وصل وفد جديد للانضمام إلى الجيش، هذا الوفد الثالث هذا الأسبوع.
ابتسم له المعتصم سعيدًا بما يحدث.
فبعدما كان الجميع في البداية يأبى الانضمام للجيش، بدأت الحماس والرغبة في الدفاع عن البلاد وإعلائها تملأ الصدور أجمعها.
- جيد سأذهب لتفقدهم بنفسي.
وقد كان هذا ما نص عليه الاتفاق، فإما أن يكون الملك بنفسه حاضرًا لتفقد الدفعات الجديدة أو المعتصم، وذلك في إطار التنقيب عن الرجال المندسين بين الجيش.
تحرك المعتصم بجدية وخطوات هادئة مع تيم وهو يراقب المكان حوله عله يبصرها ولو طيفًا في المكان.
يتعهد بإكمال بحثٍ لم ينتهِ بعد التدريبات، فهذه كانت حياته منذ يوم، يعمل ويبحث، يبحث ومن ثم يعمل.
توقف في الساحة الأمامية للقصر يبصر عددًا من الرجال ينتظرون.
ليمرر المعتصم نظراته بينهم بهدوء قبل أن يمنحهم ابتسامة صغيرة مرحبة:
- مرحبًا بكم يا رجال، أنرتم قصر مشكى وعمّا قريب بإذن الله جيش مشكى.
ختم حديثه يمرر عينيه بين الجميع وهو يتحدث بجدية:
- سعيد لمعرفتي أنكم هنا بإرادتكم الحرة دون أي إجبار أو ضغوطات خارجية، فقط لحماية البلاد، ومن يرى عكس ذلك فباب القصر مفتوح له والملك سيتكفل له بعملٍ يقيه وأسرته شر الحاجة.
صمت وهو يدور بين الأعين يبحث بها عن متردد.
فكم جاءهم رجل مجبر ليحصل على مرتب الجيش ويعين به أسرته، رغم عدم رغبته في الانضمام للجيش.
ومنذ ذلك الحين أعلن أرسلان قراره أن من يكمل يكون لأجل البلاد، ومن ينسحب فهو متكفل به وعمله.
ابتسم حينما لم يجد بينهم مؤيدًا لكلماته.
ومن ثم شرع يتحدث بما هو متفق عليه من البداية:
- جيد إذن الجميع هنا بإرادة حرة وليس مقيدًا أو مجبرًا، الآن دعونا نقسمكم، من منكم يجيد أي نوع قتال فليتحرك إلى اليمين رجاءً.
ظل منتظرًا إلى أن تحرك رجلان فقط لليمين ليهز لهم المعتصم رأسه بتقدير.
ومن ثم نظر للباقيين:
- هذا يعني أن الباقيين لا يدركون في القتال شيئًا؟
هز الباقيين رؤوسهم ليمنحهم المعتصم ابتسامة صغيرة:
- لا بأس فلا نطلب منكم في البداية الكثير، سوف يتولى القائد تيم تعريفكم على المحيط هنا وإخباركم بجدول التدريبات ومن ثم يعود بكم لي لنبدأ أولى تدريبات اليوم، لكن قبل ذلك أطلب منكم رجاءً اللحاق بي.
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن ساحة القصر العامة صوب ساحة القتال الرئيسية حيث الجميع.
والكل خلفه يسيرون بتؤدة يراقبون الأجواء حولهم يفكرون في القادم وكيفية النجاة بين كل هؤلاء الرجال الأشداء، فقد أبصروا جنودًا كالآلات.
توقف بهم المعتصم في جزء شبه منعزل عن ساحة القتال وهو يشير لهم جميعًا بهدوء شديد:
- اخلعوا ثيابكم العلوية رجاءً، سيتم فحص الجميع للتأكد من عدم وجود أي إصابات خطيرة قد تمنع وجوده معنا.
ختم حديثه وهو يشير جواره صوب رجل يضم يديه لصدره ذو عضلات قوية بارزة من ثوبه الأبيض العلوي والذي ابتسم للجميع معرفًا عن نفسه:
- مرحبًا أنا زيان، طبيب القصر والجيش، تشرفت بكم.
ختم زيان كلماته وهو يشمر أكمامه بهدوء شديد يبتسم لهم.
ومن ثم أشار لهم بعيونه صوب الثياب ليبدأ البعض بخلعها دون اهتمام.
والمعتصم يراقب بهدوء شديد واهتمام أشد، يبصر تردد البعض وعدم اهتمام البعض بالأمر.
ابتسم المعتصم ابتسامة غريبة وهو يبصر عدد خمسة رجال يراقبون الجميع برفض، وتردد في خلع ثوبهم.
نظر صوب زيان الذي تنفس بصوت هادئ وهو يتحرك صوبهم بهدوء شديد ليبدأ بفحصهم وهو ينظر صوب المعتصم الذي كان يتابع بهدوء قبل أن يتحرك جهة الخمسة رجال بهدوء شديد.
- إذن كل شيء بخير معكم؟
رفع أحدهم نظره للمعتصم بتردد وقد كان يبدو شابًا في بداية عقده الثالث:
- نعم... أنا فقط... لا... لقد... هل يمكنني إجراء هذا الفحص في مكان آخر فهذا المكان ظاهر للجميع.
- لا بأس بذلك بالطبع، هذه غرفة تبديل الملابس يمكنك إجراء الفحص بها، ومن ثم عليك الاعتياد في المستقبل فالحرارة هنا شديدة بعض الشيء وستجبرك دون طلب منا على التدرب دون ثوب علوي بما لا يظهر عورتك بالطبع.
ختم حديثه وهو يشير صوب تيم:
- تيم ساعد إخوتك وأرشدهم صوب الغرفة الخاصة بتبديل الثياب.
وبالفعل قام تيم بإرشاد الرجال صوب غرفة تبديل الثياب لينتظروا زيان هناك.
وقد بدأ الأخير يفحص الجميع بدقة بحثًا عن أي إصابات أو علامات قد ترشده لأي شيء غريب بهم.
وبعد دقائق طويلة انتهى ليتوجه صوب الغرفة مع المعتصم الذي تحدث بهدوء:
- ثلاثة هذه المرة.
- وكيف عرفت فخمسة رفضوا الأمر.
- يمكنني التفريق بين التردد والخوف زيان، الشاب الذي تحدث كان مترددًا، وآخر كان كذلك، بينما هناك ثلاثة كانت أعينهم زائغة وكأنهم يبحثون لهم عن مخرج من هنا.
ختم حديثه وهو يفتح باب الغرفة ليتجمد جسده مما أبصر في هذه اللحظة وتحركت يده بهدوء صوب خنجره وقد احتدت نظراته بقوة:
- تبًا لكم...
...
كان موكب سيفيد يستعد للرحيل تباعًا لدانيار الذي رحل سابقًا الجميع مع زوجته صوب سيفيد.
خرج سالار من القصر وهو يضم بين كفيه يد زوجته باهتمام شديد وقد كان حريصًا حتى على كل خطوة تخطوها.
- سالار أنا بخير أقسم لك.
- عساكِ دائمًا عزيزتي، لم أقل عكس ذلك.
- لكن تعاملك معي بهذا الحرص يقول ذلك سالار.
نظر لها سالار بعدم فهم.
لتشير بعيونها صوب يده التي تمسك يدها، ويده الأخرى التي تضم خصرها بقلق أن تزل أثناء مشيتها.
- أنا فقط أساعدك في السير بشكل جيد، ماذا ألم أفعل ذلك سابقًا؟
رفعت حاجبها بسخرية وهي تجيبه بهدوء:
- لقد كنت تعلم سابقًا أنني أستطيع المشي وحدي.
نظر لها بصدمة قبل أن ترتسم ابتسامة بسيطة على وجهه وهو يعود لمسكها بنفس الطريقة متحركًا صوب الهودج الخاص بها:
- إذن يمكننا البدء في ذلك منذ اليوم عزيزتي.
قلبت تبارك عيونها وهي تتحدث بهمس خافت:
- أنت تفعل هذا لأجل طفلك سالار صحيح؟ لا تفعل هذا لزوجتك.
وسالار المسكين والذي لم يكن يدري بعد ما سينتجه عقل تبارك وهرموناتها المستجدة على جسدها، أجابها بكل براءة ولطف:
- لكِ ولطفلي...
- أنت لم تفعل هذا من قبل حينما كنت وحدي دون طفلك يا قائد، وتفعله الآن وأنا أحمله، إذن فالمبرر الوحيد أنك تفعله لأجل طفلك.
توقف بها سالار جوار الموكب يبتسم بعدم فهم لها:
- ماذا؟ لا أفهم ما تقولينه لكنني...
- أنت فقط تهتم لطفلك سالار أكثر من اهتمامك بي، أنا حتى لا أتذكر أنك اهتمت بي يومًا مثل هذا الاهتمام.
كانت تتحدث وهي تبعد عيونها بحزن عن سالار الذي اتسعت عيونه بصدمة وقد أخذ يراجع عقله في كل اتهاماتها:
- لم أفعل حقًا؟
- يا ليتني كنت ابنتك أو حربًا لتهتم بي سالار، خسارة والله.
ختمت حديثها تتحرك صوب الموكب كي تصعد له وقد أنهت النقاش بينهما عند هذه النقطة، وهو يراقبها بصدمة.
وتبارك تحاول الصعود للموكب بصعوبة، لكنها لم تستطع ولم تكد تستدير صوبه لتطلب المساعدة حتى شعرت بيده تضم خصرها بلطف يعاونها لذلك.
ومن ثم مد يده يخلع حقيبته التي يحملها فوق ظهره يضعها لها وهو يتحدث بجدية:
- طعام ومياه لأجلك عزيزتي، لأجلك تبارك حسنًا.
قال جملته الأخيرة وهو يضغط على كلماته لتبتسم له تبارك ابتسامة صغيرة تمسك كفه تقبلها بحب:
- أكثر ما يعجبني بك أن لا "نكد" تمكن يومًا من هز شعرك بك.
- وما علاقة مزاجك السيء بشعري تبارك؟
- معجب كما الجميع يا قائد.
اتسعت لها ابتسامة سالار وهو يمد يده لها يربت على وجنتها بحب غامزًا:
- جيد الآن تعادلنا مولاتي، فكل عضو بي صريعٌ لكِ.
هامت عيونها به، ليبعد يده عنها بهدوء ومن ثم أغلق الستار في انتظار وصول الملكة لتجاورها الهودج، يتحرك لبداية الموكب يتحدث بصوت مرتفع جهوري يناقض صوته الحنون الهامس منذ ثوانٍ وكأنه تحول:
- تجهزوا يا رجال.
ومن بعد هذه الكلمات ابتسم سالار دون شعور وهو ينظر حوله بسعادة كبيرة ووالله لو أقسم لهم أحدهم يومًا أن فرحته بطفله الأول ستنافس سعادته بفوز حرب كبيرة لظن أنه يبالغ، لكن أي مبالغة وهو ما يزال حتى الآن يشعر بنفس شعوره لحظة نطقت تبارك كلماتها معلنة بداية حياة جديدة نفخها الله برحمها.
ابتعد ببطء عنها وهو يحدق فيها بعدم فهم فتبارك لطالما كانت تهذي بالأمر طوال الوقت متمنية الحصول على خصلاته في أولادهم، لكن هذه المرة لفت انتباهه كلماتها:
- شهور؟
- نعم، لكنني لا أستطيع أن أجزم كم شهر تحديدًا، على أية حال هي شهور ونعلم كيف يبدو الصغير.
- صغير؟
ابتسم دون وعي يردد بصوت خافت:
- صغيري؟
هزت له تبارك رأسها وهو ما يزال في حالة من اللاوعي يهمس بسعادة يتخيل نفسه يحمل صغيرًا بين كفيه:
- سيكون الأمر رائعًا.
نظر لكفوف يده:
- أن تحمل يدي والتي اعتادت حمل السيوف نطفة صغيرة منكِ، لهو شعور جميل أتمنى تجربته، عسى الله أن يقر عيني به.
- إن شاء الله سيحدث بعد شهور سالار.
رفع لها سالار عينيه بعدم فهم لتدرك تبارك في هذه اللحظة أن سالار لم يستوعب بعد الحقيقة التي تحاول إخباره بها:
- سالار هل سمعت ما قلت؟
ابتسم لها سالار يربت على رأسها بحنان:
- نعم عزيزتي سأدعو الله في كل صلاة أن يرزقنا بطفل يمتلك مثل شعري فقط لأجلك والله، عساه يكون قريبًا.
قلبت تبارك عيونها وهي تهمس بضيق وصوت خافت شبه مسموع:
- امممم بدائي وهيتعبنا، شكلك ملكش في أم التلميحات.
تنفست بعمق وهي تنظر في وجهه مبتسمة بضيق تضرب كفًا بالآخر في حركة شعبية بعض الشيء:
- أنا حامل يا سالار أتمنى تكون الرسالة وصلت.
رمش سالار بعدم استيعاب وهو ينظر لها محاولًا ترجمة كلماتها في عقله، وهي تراقبه بصدمة لتأخر احتفالاته بالخبر المترقب:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ده كله وأنا بقولك بالكلام أمال لو طاوعت عقلي ولمحت ليك بالأفعال هيحصل إيه؟
وسالار فقط يراقبها دون كلمة، فقط أعين متسعة وفم فاغر:
- يا جدع اديني ردة فعل لاغيني، أقولك حامل تقولي مش مصدق وداني، أرني الانبهار يارجل لقد قطــ...
فجأة توقفت عن الحديث وهي تبصر لمعان عيون سالار بقوة وقد شعرت فجأة أن وجهه أشرق بشكل لم تبصره منذ يوم زفافهم حينما أبصرها بفستانها.
ردد كلمات غير مرتبة:
- أنتِ... تبارك أنتِ... تحملين... طفلي؟
ابتلع ريقه قبل أن ينفرج فمه عن ابتسامة واسعة يصيح بعدم تصديق يختطف تبارك بين ذراعيه بقوة:
- يا ويلي تبارك سأصبح أبًا، أنا سأصبح أبًا...
وكما حملها فجأة تركها فجأة وهو يتحرك في المكان دون استقرار وبشكل غريب جعلها تنظر له بعدم فهم ليتحرك صوب المرحاض بلهفة شديدة.
وهي تتابعه بعدم فهم:
- إلى أين سالار؟
- سأقيم الليل تبارك حمدًا لله على زحام نعمه، آآه أصدق سأصبح أبًا، سأصبح أبًا.
انتفض جسده انتفاضة غير محسوسة حينما سمع صوتًا جواره يردد بهدوء:
- سيدي لقد تجهزنا للرحيل، فقط ننتظر الملك والملكة...
...
- انتهيتِ كهرمان؟
رفعت كهرمان عيونها صوب إيفان الذي ابتسم لها بحب يتابعها بشغف كبير.
لتتحرك صوبه وهي تقول بجدية وهدوء:
- نعم إيفان، دعنا نتحرك فكم اشتقت لسيفيد، رغم حزني لترك مشكى.
- كم أنا سعيد أن سيفيد تركت مكانًا بقلبك.
- وطني كما مشكى إيفان.
ابتسم لها بحب وهو يمد لها يده لتضع كفها به، وهو مد كفه الآخر ينزل غطاء رأسها يتحرك بها للخارج.
يسير بها في ممرات القصر وهي تناظر القصر حولها بأعين مشتاقة حتى قبل الفراق.
- تعتقد أن مشكى ستعود لما كانت عليه إيفان؟
أجابها إيفان بهدوء شديد وهو ينظر معها لربوع القصر الذي بدا وكأنه يستعيد رونقه السابق:
- لا أعتقد، بل أنا متأكد عزيزتي، أخوكِ عنيد ذو رأس يابسة لن يرتاح له بال حتى يفعل كما فعل سابقًا بعدما تسلم البلاد من بعد والدك.
ابتسمت له كهرمان قبل أن تتسع ابتسامتها أكثر بشكل غريب تهمس له بصوت وصل واضحًا:
- غريبة هي الحياة إيفان، منذ أشهر طويلة كنت أسير بين هذه الممرات أتأمل المكان أتخيل أن أسير بها يومًا مع زوجي الذي سيتمكن من انتزاعي من بين مخالب أخي، وتخيلت وقتها أنني سأتزوج شخصًا يشبه أرسلان فلا يفل الحديد إلا الحديد، لكن أنظر إلى ما حدث؟ تزوجت نسخة معادية لنسخة أخي.
ضحك إيفان بصوت مرتفع وهو يضم كفها بحنان يداعبه بإصبعه، وهو يميل عليها هامسًا:
- أحيانًا لا يحتاج الحديد لحديد مثله ليُفل عزيزتي، ثم كنت على استعداد لقتال أخيكِ عقودًا، كي أعلن انتصارًا في النهاية، وأفوز بمكافأة ثمينة، وما أثمن من أميرة مشكى.
رفعت له كهرمان رأسها بتكبر ذكره بكبرياء أرسلان، ورددت بمزاح معه:
- وملكة سيفيد...
ضحك إيفان وهو يقبل كفها بحنان:
- يليق بكِ وأكثر عزيزتي.
ابتسمت له بحب وهي تهمس بجدية وصدق:
- صدقني إيفان، لو كنت بشخصك قد تمثلت لي في جندي بسيط حتى، لحاربت كذلك لأجلك، لا يعنيني المكانة التي سأنالها لزواجي بك، بقدر ما يعنيني بقائي معك.
- أتخيل لو كنت جنديًا، ربما كان سينتهي بي الأمر مختطفًا إياك من بين براثن أخيكِ.
- لا أعتقد أن أخي كان سيمانع حتى لو كنت جنديًا.
سخر منها إيفان يدرك جيدًا أن أرسلان لم يكن ليُمانع زواج شقيقته بجندي لأجل مكانته، بل كان سيُمانع لأجل الممانعة فقط.
- نعم كان سيقتله فقط.
- أنت تظلم أخي كثيرًا.
- بل أخوكِ يظلم بلادًا بشعبها عزيزتي...
...
يجلس أمام السجن بهدوء شديد وهو يمسح سيفه يعطي له كامل انتباهه.
رغم عينيه اللتين كانتا تخونانه وتتحركان صوب تلك المرأة التي تتحرك في السجن أمامه بشكل غريب.
قبل أن تتوقف وهي تنظر له ثوانٍ تقترب من القضبان تهمس بصوت غريب:
- تعتقد أن قضبان السجن هذه ستكون رادعًا لي؟ هل تمزح معي أرسلان؟ أنا قضيت خلف القضبان أكثر مما قضيت في منزلي.
رفع لها أرسلان عينيه مبتسمًا:
- لا بأس إذن بقضاء ساعات إضافية من حياتك خلفها.
استشاطت سلمى من طريقته في معاقبتها، ضربت القضبان بغضب شديد وهي تصرخ بغيظ منه:
- أنت يا رجل مستفز و... أخرجني من هنا أرسلان وإلا لا تلومن إلا نفسك.
نظر لها بسخرية:
- وإلا ماذا؟ هل هددتني للتو سلمى؟
نظرت له دون رد، ثم تحركت بهدوء في المكان تراقبه بنظرات لم تخفَ على أرسلان الذي انتفض جسده فجأة حينما أبصرها تخلع حجابها تحرر خصلاتها، ومن ثم فرشته أرضًا، وجلست عليه بهدوء شديد.
بينما هو نهض عن المقعد يقترب منها محذرًا:
- ما الذي تفعلينه؟ ارتدي حجابك سلمى.
- الجو خانق هنا.
نظر أرسلان حوله بضيق شديد:
- ليس كذلك، ارتدي حجابك فلا يمكنك خلعه خارج غرفتك.
نظرت له سلمى بابتسامة صغيرة:
- بلى يمكنني، للتو فعلت ألم ترَ؟ ثم ألم تفرغ لي السجن للحصول على خدمة عالية المستوى، إذن لا بأس.
مسح أرسلان وجهه ولم يكد يفتح فمه للتحدث حتى تكلمت سلمى بجدية كبيرة وهي تنظر له ببراءة:
- آه منك يا أرسلان أعدت لي ذكريات عديدة جميلة بين جدران سجنك هذا.
نظر لها أرسلان بعدم فهم ولم يكد يعلق على كلماتها، حتى فجأة انتفض عن مكانه حينما خلعت معطفها تضعه جانبها وقد ظلت مرتدية ثوبًا بلا أكمام لكن الحمدلله كانت تغطي سرتها هذه المرة.
ألقت المعطف جوارها تحت أعين أرسلان الذي انتفض عن مقعده يتحرك صوبها بخطوات مهرولة صارخًا بصدمة وهو ينظر حوله:
- ما الذي تفعلينه أنتِ، هل جننتِ؟ ارتدي هذا الـ... ارتديِه سلمى.
استند على القضبان وهو يراقبها تستند بدورها على الجدار خلفها، تتنهد بحنين وتتحدث دون اهتمام باشتعال أرسلان في الخارج:
- آه يا آرس من هذه الأيام، كنت أدخل السجن لتهتز الأرض من أسفلي، أدخل على المريض من هنا فتبدأ أقدامه بالارتعاش من هنا، أتدري في إحدى المرات حينما كنت أعالج أحد المسجونين فجأة نطق بغضب...
- أنتِ يا امرأة ارتدي معطفك هذا.
- لا لم يقل هذا، بل قال أنه لولا أنني جميلة لكان تخلص مني و...
قاطعها أرسلان وهو يندفع صوب القضبان يمد يده وهو يصرخ بجنون وقد اشتعل جنونه وهو يتخيل أحدهم يجلس أمام زوجته ويغازلها بهذا الشكل:
- أنـــــــتِ... أنـــــــتِ يا امرأة... سأقتلك، سأقتلــــــك...
نظرت له بهدوء وهي تبتسم بقلة حيلة:
- تقتلني كيف من خلف القضبان؟
أخرج أرسلان المفتاح من جيبه وهو يفتح السجن ويندفع داخله بشكل جعل سلمى تتحرك بسرعة وهي تركض بعيدًا عن عينيه تهرول في أنحاء السجن وهي تصرخ وهو خلفها يصرخ بغضب بدوره، حتى أمسكها ولم يكد يفعل لها شيئًا حتى صُدم لها تعضه بقوة.
ومن ثم استغلت صدمته تركض صوب باب السجن تخرج منه جاذبة الباب خلفها واغلقته بسرعة مبتسمة ابتسامة واسعة وهي تنزع المفاتيح من الباب.
- آه منه الزمان مولاي، آه منه، والآن...
سحبت المقعد تجذبه أكثر للقضبان تجلس أمامه وهي تضع قدمًا فوق الأخرى، تنظر له بهدوء ومن ثم أبعدت خصلاتها للخلف:
- والآن سيد أرسلان أخبرني ألا تغرنك حياة الهدوء بعيدًا عن الصراخ.
وعكس ما توقعت أسود وجه أرسلان بشكل مريب وهو يقترب من القضبان بخطوات رشيقة يقف خلفه وهو يميل برأسه لها مبتسمًا ابتسامة خطيرة كأنه يجاريها:
- وهل سألقاكِ في تلك الحياة الهادئة سيدتي؟
ارتفع حاجب سلمى وهي تبتسم له ابتسامة مماثلة:
- في جميع حياتك مولاي ستكون مضطرًا للتعامل مع امرأة تسمى سلمى.
- ما تصفينه الآن سيدتي ليس اضطرارًا، وجودك حاجة سليمى.
اتسعت بسمتها وهي تضع قدمًا فوق الأخرى، تراقبه بابتسامة وهو يتابعها برأس مرفوعة يقف بكل قوته داخل السجن دون أن تهتز له عضلة.
وربما سيكون غريبًا، لكن في هذه اللحظة كان أرسلان مثيرًا خلف القضبان بهذه الوقفة القوية والملامح الحادة.
تقسم أنه لو كان في عالمها كان سيكون رجل عصابات يُهاب، أو ربما رجل أعمال في غاية الذكاء.
ونعم كانت امرأة محظوظة لتحظى برجل مثل أرسلان.
اقتربت من القضبان وكل خطوة تقربها أكثر منه حتى أصبحت أمامه:
- لم تجب سؤالي بعد جلالة الملك، متى تكتفي من حياة الصخب هذه وتقرر الانضمام لي في حياة هادئة؟
نظر لها أرسلان طويلًا ولم يجبها لتشعر أنها تنتظر مستحيلًا منه.
تنفست بضيق وهي تبتعد عنه، لكن ما كادت تفعل حتى شعرت بيد أرسلان تقيدها جواره يجذب جسدها صوب القضبان يهمس لها بصوت خافت:
- يمكنني التخلي عنه لأجلك سلمى، إن كان الصراخ يزعجك لهذه الدرجة سأكمل حياتي همسًا، لكن أبعد من رغبتك هذه لن أحقق.
- ليس فقط الصراخ أرسلان، بل كذلك الظلام الذي يبتلعك.
ابتسم لها ابتسامة غريبة وهو يميل على أذنها هامسًا:
- ليس الظلام هو من يبتلعني عزيزتي، بل أنا من أجبر الظلام على أن يحيطني.
رفعت عيونها له وقد شعرت بالاختناق من جملته:
- وهذه ليست حياة أتمناها أرسلان.
- لكنها حياتك في النهاية، سواء قبلتي أو أبيتي سلمى.
- لا شيء يُفرض عليّ جلالة الملك.
فجأة تركها أرسلان بشكل مفاجئ يحرك المفاتيح أمامها بهدوء يتحرك صوب الأرضية يلتقط معطفها وحجابها، ومن بعدها توجه صوب الباب يفتح القضبان بكل بساطة، ومن ثم خرج منها، يقترب منها، ودون كلمة جعلها ترتدي المعطف ومن ثم رفع الحجاب يضعه فوق رأسها بشكل مرتب.
- لا بأس أحيانًا تفرض علينا الحياة ما لا نرتضيه.
ختم جملته يقبض على يدها بحنان مناقض لكلماته ومن ثم تحرك بها خارج المكان وهي تسير خلفه تنظر لظهره بإصرار أكبر تهمس بكلمات غير مسموعة:
- لكنني من الحياة لم أرتضِ بسواك أرسلان...
...
تحركت خلف والدها وهي تخفي وجهها خلف الغطاء الخاص به، لتتوقف مع والدها أمامه، شبيه الغائب الحاضر في ذهنها.
نزار كبير رغم اختلاف الطباع، لكن تجمعهما الملامح.
- سأشتاق لك أيها العجوز، عسى أن ننتهي من هذه لتعود سهراتنا الجميلة.
ابتسم له بارق وهو يتحرك ليضمه له بحب:
- لنا لقاء قريب آزار.
ضمه آزار بحب شديد قبل أن يربت على ظهره بارق بجدية:
- اسحب رجالك من بلادي آزار فقد عدت وانتهينا.
- حدث قبل أن تطلب أخي.
ابتسم له بارق ابتسامة صغيرة وهو يبتعد عنه، لينظر آزار صوب توبته بأعين أخرى، يراقب الفتاة التي يدرك يقينًا أنها سلبت لبّ ابنه وجعلته مجنونًا هائمًا يبحث عنها في جميع الأوجه.
- في النهاية أحسن الاختيار.
نظرت له توبة بعدم فهم ليبتسم لها آزار بهدوء:
- سعيد لرؤيتك بخير يا ابنتي، كوني دائمًا ولنا لقاء قريب جدًا عساه يكون كما نتمنى جميعًا.
زفر بارق بضيق وهو يرفض عرض الأمر في الوقت الحالي على ابنته، لكن يبدو أن ابنته لم تهتم سوى للحديث الودي مع الملك آزار والذي قررت استغلاله أسوأ استغلال وهي تهمس بجدية:
- ملك آزار، بخصوص... بخصوص الأمير نزار.
نظر لها آزار باهتمام، لتحيد هي بنظرها سريعًا صوب والدها خجلة، ومن ثم نظرت أرضًا تفرك يديها:
- لطالما كنت مثله الأعلى، ولطالما أحبك، كان على استعداد للتضحية بنفسه فداءً لنظرة فخر منك.
أبعد آزار عينيه عنها، بينما هي ابتسمت ابتسامة صغيرة تكمل همسها بنبرة خجلة:
- هو يحبك فلا تقسو عليه رجاءً.
أخفى آزار بسمته وهو يسمع نبرتها التي فشلت في إخفاء نبرتها العاشقة بها، يهمس لنفسه:
- وأخيرًا سينال ولدي حبًا يستحقه، عساها تكون فرحة العمر صغيري.
تنهد بصوت مرتفع وهو ينظر لها بحب أبوي:
- ليقدم الله الخير يا ابنتي.
نظر حوله يبصر موكب سيفيد وقد تجهز وقد بدا أن الجميع يهجر مشكى، كلٌ لبلاده قبل التجمع مجددًا.
- أين هو أرسلان ليس ظاهرًا في المكان، هل يترفع عن توديعنا، ذلك المتكبر.
- والله إن شدة تواضعي معكم أيها العجوز هو ما جعلك تطمع في المزيد، ولولا أنني لم أتفرغ لنفذت لك وعدي بقتال، لكن ساعتك لم تحن بعد.
رفع الجميع رؤوسهم صوب أرسلان الذي تحرك للساحة مع زوجته والتي كانت قد ارتدت فستانًا طويلًا تخفي وجهها خلف الغطاء.
اقترب أرسلان من الجميع مبتسمًا وهو يودعهم بأحضان لطيفة:
- تصحبكم السلامة مولاي، عساني ألقاكم بالخير دائمًا.
ضمه آزار بحب شديد وهو يربت على كتفه بحنان يهمس داخل أذنه بصوت خافت:
- كن بخير واعتني بزوجتك، وانتبه لها يا بني فقد أصبحت روحك معلقة بها، نصيحة من شخص عاش حياته متمردًا على الحياة قبل أن تأتي من تخضعه دون رغبته.
ختم حديثه يغمز له، ليتحرك أرسلان بعينيه صوب سلمى التي بدأت تودع تبارك التي نزلت من الهودج لتودعها بعدما رحلت دون الجلوس معها مرة واحدة حتى، وكهرمان التي أخذت توصيها صبرًا بأخيها.
ليشرد بها دون شعور يبتسم، قبل أن يسمع صوتًا خلفه:
- آه منه الحب يا أخي انظر ماذا فعل برجال أشداء، أنه لأمر عسر ها؟
استدار أرسلان صوب سالار الذي اقترب منه يضمه لأحضانه، يربت عليه بقوة وحنان:
- احفظ لسانك وأحسن التصرف أخي، فلن نجد في هذا العالم امرأة أخرى تتحملك.
رفع أرسلان حاجبه وكبت جملة في عقله "ومن أخبرك أنني سأقبل بأي امرأة أخرى؟" لكنه ترفع عن التحدث بهذه الكلمات أمام أحدهم، يبتسم له ابتسامة صغيرة قبل أن ينتقل لتوديع بارق، ومن ثم أخيرًا إيفان الذي أخذ يوصيه كما الجميع بأن يحسن التصرف.
زفر أرسلان بضيق:
- ما بالكم جميعًا تتحدثون كما لو أنكم تتركون طفلًا صغيرًا لا يحسن التصرف، ما بالكم أنتم؟
- هذا لأننا نعلمك جيدًا أرسلان، ونعلم ما تفعله في الجميع حولك، لذا نوصيك أن تهدأ وتتعامل بتريث.
ابتسم أرسلان بسخرية وهو يتذكر ما فعلت به سلمى منذ ثوانٍ، يسخر منهم وهو يردد بصوت خافت:
- والله المفترض أن توصونها هي وليس أنا، لا ينقصني سوى أن أعامل كالصغار.
ابتسم سالار يتحدث بهدوء:
- والله أكسبني التعامل معك خبرة ستعينني على تربية صغيري القادم.
التوى ثغر أرسلان بضيق ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع الجميع جملة إيفان والذي التقط المعنى المبطن بها:
- صغيرك القادم؟؟
عند الفتيات:
- آسفة عزيزتي المرة القادمة تكون زفافك إن شاء الله وحينها لكِ مني وعدًا بقضاء أسبوع كامل معكن.
- ربتت عليها سلمى بحنان:
- لا بأس تبارك، مبارك لكِ عزيزتي عسى أن ينشأ الصغير بعافية وسعادة حبيبتي.
تحدثت كهرمان وهي تمسك يد سلمى برجاء:
- سلمى حبيبتي لن أوصيكِ أخي، تحمليه وصدقيني ستجدين خلف الصخور جوهرة لا تقدر بثمن.
ابتسمت لها سلمى تربت على كتفها:
- لا تقلقي عزيزتي اعتدت نحت الصخور، وأخوكِ صوان وليس صخرة، لكن لا بأس نحن أهل لها.
فجأة وقبل أن يتحدث أحدهم انتفضت الأجساد على صرخات الرجال المهللة لينظر الجميع لهم بعدم فهم.
لكن تبارك لمحت احتفالهم بسالار لتبتسم بفهم ثوانٍ وارتفعت أصوات الاستعداد للتحرك وتوجهت النساء للموكب وبقيت سلمى واقفة عند البوابة تودعهن بنظرات لطيفة تشعر بالفراغ يبدأ في احتلال صدرها بعد رحيلهن وقد اعتادت وجودهن.
والآن هي وحدها بلا رفقة، وفاطمة مختفية ولا أحد يساعد...
وعلى ذكر فاطمة استدارت صوب أرسلان تنظر له باهتمام تتحدث بلا مقدمات:
- أرسلان لقد اختفت فاطمة...
...
يقف على باب الغرفة يراقب الرجال الثلاثة يرفعون خناجرهم على الإثنين الآخرين وامامهم تيم يظهر لهم خضوعًا مصطنعًا، كي لا يتسبب في أذية أحدهم.
كشفوا أنفسهم حينما اشتد بهم الخوف، ومنذ متى كان الأمن رفيقهم، فهؤلاء من المرتدة والمنبوذين كُتب عليهم التشتت والخوف أبد الدهر.
أشار أحدهم بعيونه صوب يد المعتصم التي كانت على وشك استلال خنجره، ليرفع الأخير يده في الهواء مبتسمًا.
بينما تحدث أحد الرجال وهو يشير بحنجره محذرًا ونبرته خرجت مهتزة بشكل واضح وقد أعلنوا هزيمة مبكرة قبل حتى بدء المعركة، ألقوا الأسلحة قبل أن يحملوها:
- ابتعدوا عن الباب الآن، دعوا لنا مساحة للذهاب من هنا، هيا ابتعدوا.
أبتعد المعتصم عن الباب بسرعة مشيرًا لزيان بالمثل، ومن ثم أشار لهم بهدوء ليخرجوا مبتسمًا بسخرية:
- ومن أجبركم على المجيء منذ البداية؟ أنتم من جئتمونا دون دعوة من طرفنا، لكن لا بأس، هيا يمكنك المغادرة.
سحب الرجل رهينته بين يديه أكثر وهو يتحرك صوب الباب وعيونه تطلق مئات التحذيرات للمعتصم:
- لا يتحركَن أحدكم مقدار خطوة واحدة حتى نخرج نحن من هنا.
وصل للباب أخيرًا وقد كاد يتنفس الصعداء متحدثًا بجدية:
- أنا أحذركـــ...
وقبل إكمال جملته كان زيان يمد قدمه بهدوء وما زالت يده مرفوعة في الهواء، يراقبهم يتساقطون فوق بعضهم البعض بشكل مضحك وقد ارتسمت بسمة مستهزئة على شفتيه.
بينما المعتصم مال يسحب منهم السلاح، ومن ثم رفعه عليهم يتحدث بنبرة مخيفة وبأعين سوداوية:
- والآن تحركوا أمامي بلا كلمة واحدة.
نظر الرجال لبعضهم البعض بتردد وقد بلغ الخوف منهم مبلغه، ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة واحدة حتى انتفضت الأجساد على هدير المعتصم وهو يضرب أحدهم في خصره:
- قُلت تحركــــــــــوا.
...
يقف بعيدًا عن الأعين يراقب القاصي والداني لا يدع أي شخص يتخطى مجال الرؤية أمامه، يتابع الجميع بأعين دقيقة وبالأخص أصلان الذي كان سيد اهتمامه في هذه اللحظة.
يراقبه وهو يتمرن بقوة تمارين قاسية وبالمثل يفعل بجنوده حوله، وعقل نزار يكاد يتوقف محاولًا الوصول لخطته اللعينة التي تقبع في عقله.
لكن لا شيء، طوال الساعات السابقة لم يصل لشيء سوى أنه وبفضله فسيتعين على الممالك مواجهة مريض كأصلان بخطة لا يعلمون عنها شيئًا.
فجأة رفع أصلان عينيه وكأنه شعر أنه مراقب، لكن وعلى عكس المتوقع لم تهتز شعرة واحدة لنزار وكأنه لا يهتم إن أمسك به أصلان يراقبه أو لا.
اتسعت ابتسامة أصلان وهو يعتدل وقد كان جسده ممتلئًا بالعرق يجففه بهدوء ومن ثم تحدث بصوت وصل لنزار واضحًا:
- لطالما عرفنا أن القتال لأصحابه والتخاذل لأصحابه، فالبعض لا يستطيعون شيء سوى خلط بعض الأعشاب وطحن بعض النباتات.
ارتفع حاجب نزار بسخرية وهو يتحدث بصوت ساخر يماثل سخرية أصلان يتحرك صوب الساحة يشمر أمامه بهدوء، ومن ثم حمل أحد السيوف يحرك بين أنامله بمهارة عالية:
- قوى الجسد فانية يا عزيزي بمجيكروب صغير قد يطيح بها، لكن قوى العقل باقية حتى تفنى روحك، فما بالك بمن امتلك كليهما؟
جذب أصلان سيفًا بقوة من مكانه يطيل النظر بنزار الذي حرك إصبعه بخفة على السيف وكأنه يختبر مقدار حديته، ومن ثم رفع عينيه صوب أصلان فجأة:
- ما رأيك إذن أن تجرب مبارزة يد طاحن النباتات؟
رفع أصلان السيف في الهواء يتخذ وضعية القتال متحفزًا لكل حركة، وفي ثوانٍ لم يدرك أحدهم ما يحدث حتى، اشتعل القتال بينهما وقد بدأت الأجساد تبتعد بريبة عن ساحة التدريب التي تحولت في ثوانٍ لمعركة حامية بين نزار قائد جيوش آبى وربيب يد الملك آزار، وأصلان القائد السابق لجيوش سبز وربيب يد أحد المزارعين.
أخذ الضربات تتقاذف من هذا لذاك والعيون تراقب باتساع وحماس شديد، حتى كادت تخرج من المحاجر.
حرك نزار السيف بين يديه بمهارة شديدة، قبل أن يهوي بضربة لولا انتباه أصلان لكانت جزت عنقه، لذا فقط أصابته ضربة في كتفه.
تراجع أصلان للخلف وهو ينظر للدماء التي تفجرت من ذراعه وقد اشتعلت عيونه، يبلل شفتيه بأعين تلتمع بالشر.
أما عن نزار فلم يضيع فرصته ليسخر منه يراقب جرحه باهتمام مصطنع:
- أووه لست آسفًا، ذكرني أن أطحن لك بعض الأعشاب النافعة، فتلك اليد ماهرة في ذلك كما تعلم.
ختم كلماته وهو يحرك أصابعه في الهواء أمام وجه أصلان الذي ضغط على جرحه بقوة، ثم رفع عينيه صوب نزار الذي حرك السيف بين أنامله بهدوء:
- نكتفي بهذا القدر لليوم؟
فجأة أصابته ضربة جانبية تسببت في جرح سطحي في خصره، ليطلق ضحكة مرتفعة لا تتلائم مع ما يحدث يكمل بكل جدية:
- حسنًا إن كنت تصر...
ومن بعد تلك الكلمات هجم على أصلان بضربات قوية متتابعة، كان يردها الأخير بالمثل، لتشتعل المعركة بين الاثنين أكثر وأشد والجميع يتابع بأعين متسعة مرعبة مما ينتهي عليه المعركة.
في الثانية التي وصل بها وليد ليراقب ما يحدث بصدمة كبيرة:
- والله لن يهنأ لك بال حتى تتخلص من حياتك نزار...
...
يتحرك بين ممرات القصر بملامح واجمة جامدة مخيفة وبخطوات واسعة تحرك صوب قاعة القصر، وخلفه تحاول سلمى أن تتدارك خطواته وتلحق به، لكنه لم يكن يمنحها الفرصة حتى.
دخل القاعة بقوة وهو يتحدث لجنوده بقوة وصرامة:
- أرسلوا للمعتصم... حــــالًا.
تحرك صوب عرشه يجلس عليه بهدوء، وسلمى وصلت أخيرًا صوب القاعة تتنفس بصوت مرتفع وهي تحاول التقاط أنفاسها.
- ما بك؟ ما الذي اتفقنا عليه نحن ها؟
- لم نتفق على شيء.
رفعت سلمى حاجبها بغيظ شديد وهي تهتف من أسفل أسنانها:
- أرسلان بالله عليك، لا تصعبها علينا.
- أنا لا أفعل، بل أنتِ من تفعلين في الحقيقة، ما الصعب في تقبلي هكذا دون إرهاق نفسك بتغييري، أنا أوفر عليّ وعليكِ مجهودًا.
تنفست سلمى بصوت مرتفع وهي تغمض عينيها، ومن ثم فتحتها بهدوء شديد وهي تقف في منتصف القاعة تهتف بصوت هادئ وابتسامة مسالمة:
- لا مولاي، لن أفعل ولن أتقبلك هكذا، لن أحشر نفسي في ظلامك، فلما لا تخرج أنت لنوري؟
أشار لها أرسلان بضيق:
- على أي أساس تصنفين حياتي مظلمة وخاصتك مضيئة، لمَ ليس العكس؟
نظرت له بصدمة من كلماته تبتسم بعدم تصديق وهي تقترب من العرش:
- بالله عليك ما تقول؟ هل تصدق نفسك حتى؟ ماضي وحروب وسيوف ودماء وقتال من أين يأتيك النور حتى؟
وقف أرسلان مقابلها وكأنه يناطحها:
- مجرمين وقتال ومعارك، من أين يأتيكِ النور حتى؟
نظرت له سلمى ثوانٍ وهي تضيق عينيها بتحدي، قبل أن تهمس بصوت قوي:
- سأثقب سقف منزلي لتدخل منه الشمس أرسلان، سأفتح به فتحة كبيرة ليخترق النور عتمتك.
- لا بأس سيدتي يمكنني نزع السقف بأكمله لأجلك إن كان يمثل لكِ أزمة لهذه الدرجة.
صرخت سلمى بصوت مرتفع:
- ها أنظر، أنظر إليك، دون تفكير لجأت للعنف.
- أي عنف هذا أنا أساعدك في حل مشكلتك مع السقف.
نظرت له ببلاهة شديدة:
- هذا... هذا ما فهمته؟ أنني أعاني مشاكل مع السقف؟ حقًا أرسلان؟
هز لها أرسلان كتفه بابتسامة صغيرة ولم يكد يتحدث كلمة حتى اقتحم الحارس المكان يتحدث بهدوء واحترام:
- مولاي القائد المعتصم ليس بالقصر.
أبعد أرسلان عينيه عن سلمى يحدق في الجندي وهو يهمس ضاغطًا على أسنانه بغضب:
- أين ذهب هذا المعتصم؟؟؟؟
...
كان يقف معهم بملامح جامدة غريبة لا تمت للمعتصم بأي صلة، يراقب ملامح حرس القصر جهة الجنوب بعدما تفرغ لتوه من التحقيق بالفعل مع كل حراس البوابات الأخرى.
- إذن لا بد أن زوجتي العزيزة تمتلك مهارة الاختفاء، فلا واحد منكم جميعًا أبصرها تخرج من هنا، إذن لابد أنها تبخرت أو ماشابه.
نظر الحراس لبعضهم البعض وقد كان الجميع يراقب ملامح المعتصم الذي يتحدث ببساطة وبساطة كبيرة تجعلك تعتقد أنه ربما يمزح، لكنه لم يكن البتة.
فجأة انتفضت الأجساد حينما صرخ وقد فقد صوابه، يصرخ ويردد أنه لن يهتم ولتذهب للجحيم، لكنه يلحقها لذلك الجحيم إن كان سيجمعهما، يبحث عنها في جميع الطرقات الفارغة عله يصطدم بها صدفة.
- هل أعمى الله أبصاركم؟! هذه امـــــرأة... انـــسان وليست حشرة لتخرج من أسفل أقدامكم دون شعور، بالله عليكم.
ختم حديثه وهو يطلق صرخة عاجزة، يعز عليه الجلوس هنا وهي الله وحده يعلم ما حدث معها.
تنفس بصوت مرتفع وهو يميل مستندًا على ركبتيه يركز في الأرض أسفله وقد بدأ اليأس يتمكن منه ولولا وجوده على مرأى ومسمع من الجميع لسقط أرضًا يرثي نفسه وزوجته التي لم تحيا يومًا واحدًا سعيدًا منذ ولدتها أمها إلا يوم ولادتها نفسه.
- آه يا فاطمة آه...
نظر له الحراس بشفقة وهم يعلمون شعور أن يقف المرء عاجزًا عن تأدية دوره في حماية من يخصه.
أولم يحيوا هذا الشعور من قبل حينما سلبت البلاد من بين أيديهم دون أن يتمكنوا حتى من رفع إصبع؟
ابتلع المعتصم ريقه يحاول تمالك نفسه، ومن ثم استقام وهو ينظر لهم بجدية يحاول تنظيم أنفاسه بشكل يسمح له بإخراج كلمات متوازنة، ومن ثم مسح خصلاته وهو ينظر لهم متسائلًا وكأنه يدرس الأمور حوله:
- العربات، هل خرجت أي عربات في ذلك الوقت؟
نظر الجميع لبعضهم البعض، قبل أن يتحرك أحدهم وهو يردد بجدية وهدوء رغبة في المساعدة قد استطاعته:
- سوف أحضر الدفتر الخاص بالعربات.
نظر له المعتصم بأمل بدأ ينتعش داخل صدره ولم يكد الرجل ينتهي من جمع ما يريد المعتصم حتى وجد المعتصم أحد الرجال يهرول صوبه بسرعة:
- سيدي أنت هنا؟ الملك يبحث عنك في كل مكان.
نظر له المعتصم بأعين مخيفة بعض الشيء، ومن نظر للرجال يهتف بجدية:
- حينما يعود رفيقكم دعوه يحضر لي كافة التفاصيل عن العربات لجميع البوابات وليس الجنوبية فقط رجاءً.
ختم حديثه وهو يتحرك بعيدًا عنهم، لكنه فجأة توقف ينظر لهم ثوانٍ بتردد ومن ثم تحدث بجدية:
- وأنا... أعتذر إن تماديت في الحديث معكم.
تحرك بعد كلماته تلك صوب الملك وهو يفكر فيما سيفعل، عليه التصرف بذكاء وليس تهور، وأول تلك الخطوات ليصل لها هو معرفة كيف يمكن أن تخرج من القصر دون أن يشعر بها أحد؟
...
يجلس مبتسمًا باتساع لا يهتم بكثرة الضربات التي تلقاها أثناء المعركة الحامية التي خاضها ضد أصلان، طالما أنه أعطى أصلان ضعف ما نال هو من ضربات.
شعور عارم بالسعادة وهو يبصره يبصق دماءه أمامه وقد بدأت عيونه تشتد وتزداد قتامة، لكن نزار فقط نظر له بابتسامة متسعة ومن ثم ألقى سيفه يتحدث بهدوء:
- مر عليّ علني أجد لك بعض الأعشاب لتخفف من جروحك، ولا تتعرض للشمس كثيرًا فهذا سيضر بجروحك.
ختم حديثه وهو يفرد ذراعيه بهدوء شديد في الهواء مبتسمًا بابتسامة واسعة، ومن ثم استقام يتحرك بعيدًا عنه تاركًا أصلان يصارع أرضًا بحثًا عن سيفه كي ينهض وينقض عليه.
وها هو الآن يجلس في المنزل بجروح كثيرة أمام الوليد الذي كان يتابعه بملامح مصدومة مما فعل وقد بدأ الحنق يسيطر عليه:
- ألا يمكنك على الأقل أن تدعي الطاعة والمسالمة.
- لا، لا يمكنني.
نفخ الوليد وهو يتحرك صوبه متحدثًا بجدية:
- اسمعني نزار المرة السابقة كدنا نموت بسبب ما فعلنا وهذه المرة أصلان لن يهمه شيئًا، وإن كان الأمر بيده لقتلنا بالفعل، لكنني أحرص على جعله يحتفظ بنا لأطول وقت ممكن.
رفع له نزار رأسه وهو يفكر في كلماته بجدية:
- وما المقابل يا ترى؟
نظر له أصلان بعدم فهم ليهمسه له نزار بسخرية وغضب من تصرفات الوليد:
- ما مقابل احتفاظه بنا أحياء حتى الآن يا ترى؟
زاغت عيون الوليد وهو يحاول الابتعاد بنظره عن نزار، وقد بدأ الأخير يشعر أنه لا يخفي خيرًا له، نهض يقترب منه هامسًا بتحذير.
- وليد لا تحترف الحقارة يا أخي فتضل وتهوى أقدامك.
نفى الوليد ما يدور في رأس نزار يهتف بجدية:
- صدقني لا أعلم ما يخطط له، لا أعلم سوى أنه... سينفذ ما يخطط له منتصف هذا الشهر واليوم... لقد دعا رجاله لأجتماع ضروري اليوم وخمنت أنه قد يكشف لهم الخطوة القادمة له.
التمعت عيون نزار بقوة بينما الوليد يتابعه يدرك أن نزار يتشبث في أي حبال قد توصله للبر، يتحين الفرص ليحصل على رضى الممالك ومن بها، يعتقد أنه بتسليمه للجميع سيصل لغفرانهم أو يكفر عن ذنبه السابق.
وأد الوليد لمعان عيون نزار وهو يهتف بجدية:
- وبالطبع نحن لسنا من المدعوين على هذا الاجتماع.
نظر له نزار ثوانٍ قبل أن يردد بجدية وابتسامة واسعة:
- من ذكر شيء عن الدعوة يا الوليد؟؟؟؟؟؟؟
...
يجلس في نافذة الغرفة التي يحتلها داخل منزل أنورين وهو يرتشف بعض المشروب الدافئ الذي حصل عليه بعدما رمته ابنة أنورين بشر لو خرج وتمثل على أرض الواقع لكان نيرانًا تحرق.
ابتسم دون اهتمام يتابع الطرقات الشبه فارغة أمامه بأعين شاردة بشكل واضح، ولم يستفق سوى على صوت أنورين خلفه لتنقلب ملامحه بضيق شديد:
- ليتلطف بي الله من هذا العجوز الممل.
رسم ابتسامة واسعة وهو يستدير صوب أنورين ولم يكد يتحدث بكلمة حتى انتفض الإثنان بشكل مرعب على أصوات صراخ قوية في الخارج وصيحات مرعبة.
انتفض أنورين يخرج من منزله ركضًا صوب الصوت، بينما هو جذب وشاحًا يخفي ما استطاع من وجهه وهو يتحرك خلفه بسرعة.
في اللحظة التي بدأ الجميع يخرج من دياره والأصوات تعلو والصرخات تزداد قوة.
ركضت ديلارا برعب وعثمان يتسند على كل جدار يقابله وقد انفض الجميع للخارج وبدأت أصوات الصرخات تعلو من جميع المنازل تقريبًا وأحدهم يردد في منتصف الساحة كلمات غير مفهومة، يحمل بين يديه امرأة فاقدة لكل معاني الحياة يصرخ بجنون وهيستيرية مرعبة:
- ابنتي، قتل ابنتي، من تبقى لي في الحياة استكثروا عليّ، سمموها.
بدأت الأصوات تعلو من حوله والكثير يسقط أرضًا وكأن وباء انتشر فجأة بين الشعب، حتى أن البعض بدأ يبتعد عن المصابين برعب.
الذعر انتشر بين الشعب والكل يصرخ ويستغيث للمساعدة، ولا أحد يجيب خوف الاقتراب والإصابة بذات الوباء.
أنمار فقط يراقب ما يحدث بعدم فهم، يشعر بالريبة والتي تأكدت حينما سمع صوتًا ينطلق من بين الجموع الغفيرة:
- كل هذا بسبب الغلال التي وزعها الملك على الجميع، أراد التخلص منا ليخفف من مسؤولياته، والله قلت أنه لا يفعل شيئًا لوجه الله، والده وتخلص منه لأجل الملك فما يضيره ببعض الفقراء مثلكم لن يمثلوا سوى المزيد من الأعباء على مملكته.
صمت لينطلق صوتًا جهورًا منه وهو يضيف على جملته السابقة بكل غضب:
- لا عجب أن يستغل ضعفكم وصمتكم ويقتل المزيد منكم حتى يحصل على شهيد من كل بيت.
كان الرجل يتحدث بكل قهر وقد احمر وجهه، بينما الجميع نظر له باستنكار رافضين تصديق ما يهذي به هذا الرجل، لكن البعض من أتباعه بدأ يساندونه في كلماته ويشعلون الفتنة، والبعض ممن غلبهم الشيطان انقادوا خلفه وقد اشتعلت أعينهم بالقهر والحسرة يصرخون بالقصاص ممن كان سبب فقدانهم أحبتهم.
وأنمار يراقب الرجل الذي أشعل الفتنة منذ البداية يحاول تذكر أين أبصره قبل أن تتضح له ملامحه ليهمس بصدمة:
- حربي؟
فجأة بدأت ابتسامة واسعة ترتسم على فمه وهو يراقب ما حوله وقد اندفع عدد لا بأس به من الشعب ورجال أصلان صوب القصر غاضبين مستنفرين.
بينما ظل الكثير ممن احتفظ بعقله يراقبون ما يحدث بعدم تصديق يحاولون قمع رؤوس الفتنة، لكن الفتنة كانت أشد وطأة، وكانت لها اليد العليا هذه المرة...
...
- طلبتني مولاي؟
- سيد المعتصم حمدًا لله أنك أنرت القاعة بطلتك، أرسلت القاصي والداني للبحث عنك، على حد علمي كانت زوجتك هي الضائعة ولست أنت.
رفع له المعتصم عينيه وقد اشتدت ملامحه شرًا يحاول الحديث بكلمة، لكن أرسلان رمقه بنظرات حادة يتحدث بنبرة ساخرة سوداوية وهو ينظر بطرف عينيه صوب سلمى التي كانت تراقب ما يحدث دون تدخل:
- جلالة الملكة هلّا تركتينا بمفردنا رجاءً، فهناك كلمات لا أحبذ إطلاقها على مسامعك.
فتح المعتصم عينيه بصدمة كبيرة، ليس من جملة أرسلان التي أطلقها منذ ثوانٍ، بل من سلمى التي تحركت صوبه تهمس له بكلمات جعلت وجه الأخير يشتد غضبًا بشكل مريب.
ومن ثم ابتعدت عنه تبتسم برقة لا تناسب ملامح أرسلان التي تبعت جملتها، أما عن أرسلان نظر لها بأعين أشد شراسة مما كان ينظر للمعتصم منذ ثوانٍ يهمس لها بصوت وصلها هي دون غيرها:
- أنتِ يا امرأة تحتاجين لجلسة تأديب مكثفة.
ابتسمت له سلمى وهي تضرب كتفه بخفة ممازحة، تنبث بجدية كبيرة:
- موعدنا في السجن مولاي، اسمح لي بالرحيل.
رمقها أرسلان بسخرية لاذعة وهي تميل لتحمل طرف فستانها برقي، ومن ثم استقامت تتحرك للخارج قبل أن تتوقف بهدوء تستدير نصف استدارة وبنبرة جادة أردفت:
- وتذكر ما قلته مولاي، اسمحا لي بالانصراف.
تحركت خارج القاعة تاركة المعتصم يراقب ما يحدث بعدم فهم وصدمة من صمت أرسلان أمام زوجته ووداعته الظاهرة هذه.
لكن بمجرد أن خرجت سلمى من مجال رؤية أرسلان حتى اشتدت ملامحه وعلت الجدية وجهه:
- والآن سيد المعتصم شرفني بما لديك.
حاول المعتصم أن يستوعب ما يدور حوله ينظر صوب أرسلان الذي هبط عن مقعده يتحرك نحوه، والأخير يتابعه بترقب وكأنه ينتظر قدره.
وحينما توقف أمامه تحدث بجدية:
- أتراني أحمقًا يا المعتصم؟
اتسعت عيون المعتصم بقوة وهو يسارع لنفي حديثه بكلمات متلهفة:
- العفو مولاي، من يقول هذا؟
- أفعالك يا المعت
رواية اسد مشكي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم رحمه نبيل
تحرك بخطوات قوية عكس انهياره الداخلي، يسير رافعًا رأسه دون أن ينحني ولو لثانية واحدة حتى.
ما تزال كلمات الجندي يرن صداها بقوة داخل أذنه، شعبه الذي ضحى بحياته بأكملها وافنى عمره لأجلهم وذاق من الأهوال ما تشيب له الرؤوس لأجل مصلحتهم، يطالبه الآن بالرحيل.
ارتسمت بسمة غريبة على فمه، بسمة جانبية ساخرة وهو يتحرك صوب بوابة القصر دون أن يفكر ثانية واحدة، كان جنوده يحيطون به خوفًا أن يؤذيه أحد الرجال في الخارج تحت وطأة غضبهم.
لكن أرسلان فقط منعهم رافعًا كفه لهم، يشير لهم بعيونه لفتح الباب.
بدأت البوابة تُفتح شيئًا فشيئًا كاشفة عن جموع غاضبة، وأعين تكن له من الكره ما ينافس ولاءهم سابقًا، راقبهم بملامح جامدة وأعين مختنقة وسؤال واحد لا ينفك يتردد بأذنه في هذه اللحظة.
"علام ضاع العمر يا ولدي؟"
لا شيء.
ابتسم بسمة صغيرة يواجه بها الحشود أمامه وهو يرحب بهم بهدوء وتماسك يُحسد عليه رغم تعجب النظرات وكأنه يقف أمام غرباء وليس أمام شعبه الذين يعلمهم تمام العلم:
"شعبي العزيز، طلبتم لقائي، وأنا لبيت النداء، أوامركم للعبد الفقير إلى الله."
وكلمة واحدة انطلقت من فم أحد الرجال لتصيب صدر أرسلان في منتصف قلبه بالتحديد:
"ارحل من هنا."
حرك أرسلان عيونه بينهم وقد بدأ البعض منهم يكرر الكلمة بلا هوادة، وكأنهم مبرمجين على تلك الكلمة، منحهم بسمة صغيرة، وهو يرفع يده بكل هدوء يفك عقد معطفه الملكي ليتدحرج أرضًا أسفل أقدامه، ومن ثم رفع لهم كفيه في الهواء:
"لا بأس لكم ما تريدون، بالتوفيق في إحياء مشكى."
ختم كلماته بكل بساطة وهو يتحرك تاركًا الجميع في صدمتهم من سهولة فعلته وكأن لا شيء يعنيه، وفي الواقع أرسلان في هذه اللحظة لم يكن يعنيه شيء، سبق وبذل الكثير وجزاؤه... لا شيء.
تابع المعتصم ما يحدث بوجه شاحب وقد شعر بأن ضربات قلبه كادت تتوقف، وقد أسود المستقبل فجأة أمام عيونه يبصر دمار وخراب البلاد من بعد أرسلان، فإن كان هناك سبب من بعد رحمة الله بهم أن تبقى البلاد قائمة حتى هذه اللحظة، فهو وجود ملك كأرسلان ينحت الجبال بكفيه لأجلها.
نظر صوب أرسلان وهو يتحرك صوبه بسرعة يلتقط معطفه عن الأرض يلحقه كي يمنعه ما يفكر به، حتى لو وصل به الأمر ليتوسله أمام الجميع.
أما عن أرسلان، لم يكد يتحرك داخل القصر حتى صاح أحد الرجال بصوت مرتفع مقهور وكأنه أبى أن تنتهي هذه المسرحية بهكذا مشهد ختامي بسيط، إذ بدا أن أمله في الدمار كان أكبر مما حدث:
"بهذه البساطة مولاي، بعدما تخلصت من أطفالنا؟"
توقفت أقدام أرسلان وهو يضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم يستدير لهم يحاول معرفة ما يقصده، ليصرخ بوجهه أحدهم بجنون:
"ترسل لنا غلال مسممة للتخلص منا وتخفيف مسؤولياتك؟ أنت أكثر ملوك هذا العالم حقارة."
"خســــــئـــــــت أنــــــت وكل من تجرأ ونطـــق بكلمة سوء في حق الملك."
ولم تكن تلك الجملة صادرة من فم أرسلان الذي كان يتابع ما يحدث بصدمة دون القدرة على الرد حتى، بل صدرت من سلمى والتي أبصرت كل شيء من شرفتها تهرول صوب بوابة القصر تصرخ في وجوههم وقد فاض بها الكيل من هؤلاء البشر والذين كلما ضاقت بهم الحياة ألقوا بمصائبهم على أكتاف أرسلان.
"ألا لعنة الله على عديمي الفائدة الذين كلما أصابتهم وخزة شوكة ركضوا يبكون أن الملك هو من نثر الأشواك في طريقهم؟! هل تصدقون الهراء الذي تتفوهون به أيها الحمقى."
نظر لها أرسلان بصدمة وما زال ما سمعه يعقد لسانه ويلجمه عن الرد، وكل ما يدور في عقله هو مصيبة تسمم الغلال.
ارتفع صوت سلمى وهي تتقدم أرسلان تدافع عنه أمام الجميع بقهر وغضب جحيمي وهي تتذكر ما تعرض له في طفولته لأجلهم ولأجل البلاد، القهر كان يشتعل داخلها أكثر وأكثر حتى شعرت بعدم قدرتها على الصراخ بصوت مرتفع أكثر:
"يسمم الغلال؟! بالله عليكم من الوسخ الغبي الحقير الذي اقترح هذه الأفكار الحمقاء؟ يسمم غذاء تعب في زراعته شهور لأجل التخلص من بعض الأغبياء مثلكم؟!"
صمت الجميع وعم صمت قاتل بينهم بعد كلمات سلمى القاسية، والأخيرة لم تكتفِ وهي تشير حولها على الجنود والذين كانوا متحفزين بشكل مخيف:
"كان من الأوفر له أن يأمر رجاله بقتلكم ولم يكن سيكلفه الأمر سوى بعض مساحيق التنظيف لمسح دمائكم عن السيوف، لكن أن يسمم الغلال؟! من صاحب هذه الفكرة الحمقاء ها؟"
كان أرسلان في هذه اللحظة ورغم كل ما يدور داخل عقله، لا يستطيع التغاضي عن دفاعها المستميت عنه في هذا الوقت، ربما كانت المرة الأولى التي يمثل بها أحدهم خط دفاع له وهو من اعتاد أن يكون كذلك لجميع من حوله.
لكن سلمى كانت تنظر للجميع بتحذير وهي تحرك إصبعها في وجهها:
"تحلوا ببعض التعقل وابحثوا حولكم عمن يمكن أن يفعل ذلك بكم، فلو كان الملك يريد التخلص منكم، فما غايته من إعمار البلاد إن كان سيبيد شعبها؟ يورثها لأبنائه؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد بدأ حربي يشير لرجاله بالانسحاب من بين الجميع، تحت أعين أنمار والذي كان يتخفى بين الحشود يراقب ما يحدث يبحث عن فرصته لدخول القصر.
أما عن سلمى، ابتسمت بسخرية:
"والله لو كان بيدي، لحكمت أنا البلاد وسيكون أول قرار أصدره هو أن يتم تقطـ"
وقبل إكمال كلماتها سحبها أرسلان بسرعة يدفن رأسها في صدره يمنعها من إكمال كلماتها هامسًا بتحذير:
"اشش لا تزيدي من الطين بلة يا امرأة."
حاولت أن تبعد رأسها عن صدره بصعوبة، بينما هو ضغط عليها حتى كاد يخنقها يحذرها بصوت هامس:
"لنا حساب لاحقًا سليمى، دعيني ألملم مصائبي ومن ثم أتفرغ لأكبيرهن..."
ختم كلماته وهو ينظر لها بحدة مصطنعة تتوارى خلفها نظرات امتنان وسعادة خفية لدفاعها عنه، يرفع عيونه للجميع وقبل التحدث وصله صوت أحدهم وهو يهتف بسخرية:
"الملك لا يستطيع الرد لا هو ولا جنوده فيصدر امرأته المشهد تدافع عنه و..."
"جلالــــــة الملكــــــة."
كانت كلمة حادة خرجت من أرسلان الذي جذب جسد سلمى بقوة يخفيها خلفه وهو يمنعها عن أعين الجميع يتحدث بصوت جهوري كي يصل للجميع:
"سماحي لكم بقول ما تريدون منذ دقائق ورضوخي لرغبتكم بتركي العرش، لا يعني أنني سأصمت على حرفٍ يقال في حق امرأتي، أسامح في عرش مشكى وحكمها ولا أسامح في حق زوجتي ولو بنظرة."
صمت يدير عيونه بين الجميع كي يتأكد أن رسالته قد وصلت للجميع:
"اقطعه أربًا لمن يفعل ولن تأخذني به رحمة، قد أتجاوز عن حقي، لكن حق زوجتي انتزعه من أعينكم."
ختم كلماته بشراسة ومن ثم ابتسم لهم وهو يجيب سؤال الرجل:
"ومن ثم ردًا على سؤالك، فما كان رد جلالة الملكة عليكم تصديرًا للنساء نيابة عني، فلساني كالسوط اجلد به من يقترب مني ولله الحمد، لكنني في العادة أترفع عن التُرهات، وزوجتي العزيزة لا يهون عليها أن تسمع هذه الحماقات عني وتصمت فهي مخلصة لزوجها، شيء ربما لا تعلمون عنه الكثير فأختلط عليكم."
قطع تلك الأحاديث صوت قوي رغم ارتجاف نبرته وقد بدأ الجمع ينفصل للجانبين مفسحًا الطريق أمام المتحدث والذي لم يكن سواه "شيخ مشكى".
استند على عصاه يسير بصعوبة وخلفه جمع غفير من الرجال يفوقون المتمردين عددًا يردد بصوت منخفض:
"لا تسمع لناكري الجميل مولاي، فالأعمى فقط من لا يبصر أفضالك على مشكى وشعبها، واعذرهم فبعض الرجال أنساهم الزمان أصولهم وما تربوا عليه."
ختم حديثه ينظر للرجال المتمردين والذين كان نصفهم تقريبًا رجال أرسلان، والنصف الآخر من اتبع شيطانه.
وافق الرجال خلف الشيخ كلام الأخير وهم يهتفون بشعارات ودعوات لأرسلان.
"نعم مولاي لا تستمع لهم نحن جميعًا ندرك قدرك ونعلم من أنت، لا تستمع لمعدومي العقول."
نظر لهم أرسلان بامتنان للحظة وشعر ببصيص أمل صغير أن حياته لم تذهب هباءً يتنهد بصوت مرتفع:
"لا بأس إذن، إن نسوا من أنا أذكرهم."
ختم حديثه وهو ينتزع معطفه من المعتصم بهدوء شديد ينفضه ومن ثم ارتداه ينظر لهم ببساطة وهو يهتف بجدية وبسمة صغيرة:
"ها نحن ذا عدنا مجددًا أعزائي، استأثم لتركي الحكم طبقًا لرغبتكم قبل محاكمة عادلة؟ إذن لكم ما تريدون."
صمت يدير نظراته في المكان قبل أن يهتف بقوة:
"حـــــــراس، احضروا الجميــــــع لقاعــــة الـــحكـــم ......."
مسطح على فراشه يتنفس ببطء وكأن رائحتها تعبق الأجواء حوله تمده بسبب للحياة، وكأنه يخشى أن يسحب رائحتها بالكامل، ومن ثم يشرد بعيدًا عنها يتلمس رائحتها كما طيفها.
عيونها ونظراتها، صوتها وبسمتها، كانت المرأة تمثل له فتنة كبيرة يستعيذ بالشيطان كلما سُحب لبحارها.
إن كان أحب زوجته السابقة، فما الذي يحياه الآن مع توبة؟ لماذا هي ولماذا الآن؟ وكأنه اكتشف وجودها في الحياة للتو.
تنهد بصوت مسموع يستغفر ربه وقد نوى النهوض ليتوضأ ويصلي يصرف عنه شيطانه الذي يزين له تخيل امرأة لا تحل له، والندم يأكله أكلًا أنه لم يصر على الملك بارق أن يزوجها إياه.
أغمض عيونه يفركها بقوة وما كاد يبعد أصابعه عن عيونه حتى شعر بجسده يرتجف وينتفض بسبب لمسة حنونة على صدره، لمسة جعلته يرتعب من فكرة أن أوهامه بدأت تتجسد في واقعه.
فتح عيونه بفزع بعدما التصق بظهر الفراش بعيدًا عن تلك اليد التي تخيل لثواني، بل لحظات قليلة جدًا أنها تعود لسارقة القلب وسالبة الروح، لكن حينما استوعب ما يحدث حوله أبصر امرأة تظهر من زينتها أكثر مما تخفي، تبدي للرائي ما لا يسمح لخياله بالتصور.
تبتسم له بسمة ساحرة رقيقة مع ملامح وجه جميلة وللغاية يعترف، لكنها كانت في هذه اللحظة قمئة ومثيرة للإشمئزاز لدرجة ظهرت ملامح التقزز تعلو وجهه بصراحة لم يحاول حتى إخفائها وهو يتحدث بشر ينطلق من نظراته:
"ما... ما الذي تفعلينه هنا يا امرأة؟ من أدخلك ومن أنتِ؟"
ابتسمت الفتاة برقة ولطف شديد حتى شك نزار لثواني أنها ملاك نقي طاهر هبط بالخطأ في هذا المستنقع، لترتسم بسمة ساخرة على فمه من هيئتها وكلماتها وقد كان كل منهما نقيض الآخر.
"أنا قمر رأيتك تسير هائمًا وحيدًا حزينًا ففكرت بالمجيء لأؤنس وحدتك سيدي، هذا ما حثني عليه قلبي."
"صاحبة واجب أنتِ يا قمر، أولم يخبرك قلبك هذا أنني لا أغتر بمثل هذه الإغراءات الفاشلة الحمقاء وأنه لو كان أرسل لي دجاجة مع بعض الأرز لإغرائي لنجح بدرجة أكبر مما فعل الآن بإرسالك؟"
توترت الفتاة وهي تتقهقر خطوات صغيرة للخلف تحاول التحدث بكلمات مترددة:
"مـ.. ماذا؟ عمن تتحدث؟"
"قلبك يا طيبة القلب."
هكذا تحدث وبكل سخرية يتحرك عن الفراش يجذب الغطاء من أسفلها بعنف حتى كاد يسقطها أرضًا يلقي به على وجهها نابثًا بصوت جامد:
"غادري الغرفة."
أبعدت قمر الغطاء عن وجهها وهي تحاول التحدث بكلمات غير مرتبة:
"أنت لماذا تتعامل معي بهذه الخشونة؟"
تحدث نزار بغضب بدأ يظهر على ملامحه بعدما فشل في إخفائه:
"خشونة؟! الخشونة هذه ستبصرينها إن لم تختفي من أمام وجهي، وأخبري ذلك الخنزير أن آخر باب يسلكه لي هو النساء، فهو لا يتعامل مع أحد كلابه الذين يسيل لعابهم لرؤية أجساد نساء."
شحب وجه الفتاة وهي تتحرك عن الفراش وتوترت تحاول التحدث بكلمات تبرأ ساحتها وتحسن من موقفها، لكن أي تحسين هذا وهي أتته بقدميها ودون أمر من أحدهم، انبهرت بقوته وملامحه الخشنة، بسمته ونظراته وكل كلمة كان ينطق بها جذبتها كما الفراشة للنيران.
"أنا لم... لقد... لقد أجبرني على فعل ذلك."
نعم ليعتقد أنها أُجبرت على ذلك بدلًا من معرفة أن الشيء الذي أجبرها على ذلك هو شيطانها، لربما يخفف هذا من نظرات الاحتقار التي تعلو وجهه في هذه اللحظة.
"لقد جعلني أفعلها مرغمة و..."
صمتت تدفن وجهها بين كفيها باكية بصوت منفطر تحت نظرات نزار المتعجب والذي كان يبحث في وجهها عن شيء يشي بالقهر وهو يتحدث بهدوء متحركًا صوب باب المنزل يفتحه على مصرعيه يتوقف جواره:
"ما الذي جعلكِ تستمرين في البقاء هنا، لماذا لم ترحلي مع النساء حينما رحلن بالفعل سابقًا؟"
توترت المرأة وهي تبعد عيونها عنه، ليبتسم لها نزار بسمة صغيرة ساخرة، يشير صوب بابه بهدوئه:
"اذهبي وأخبري من أرسلك أنني لا أحيد عما أريد لأجل امرأة، عليه بذل المزيد من الجهد، والآن للخارج."
نظرت له المرأة بصدمة وهي تحاول التحدث بكلمة لتبرأ ساحتها، لكن حتى تلك الكلمة لم يسمح بها نزار وهو يشير لباب المنزل.
تحركت الفتاة صوب الباب بخطوات متباطئة، وحينما وصلت له رفعت عيونها تنظر له، لكنه ترفع بنظراته عنها، لتتحرك هي بعيدًا عن المنزل تاركة إياه ينظر بعيدًا شاردًا وبمجرد أن شعر بها تخرج من المكان حتى صفع الباب في أثرها بحدة يتمتم بكلمات غاضبة.
"هذا ما ينقصني يلقي بجواريه عليّ، مقزز."
تمدد على الفراش ولم يكد يتنفس الصعداء حتى شعر بيد تهزه بهدوء، لينتفض ضاربًا إياها بعنف شديد جعل صاحبها يتأوه متراجعًا بغضب وهو يصرخ:
"أيها الحقير ما بك؟"
اعتدل نزار في جلسته وهو يراقب الوليد الذي ضم كفه لصدره بغضب شديد ووجع، ليبتسم له بسمة صغيرة:
"هذا أنت؟"
"من يأتيك غيري هنا؟"
"جميع المصائب بما في ذلك أنت يا الوليد."
كاد يعود للتسطح على الفراش، لكنه توقف عن الفكرة وهو يبتعد حانقًا رافضًا النوم مرة ثانية، يتحرك في المكان يلتقط زجاجة المياه يرتشف منها بهدوء وهو يراقب المكان في الخارج وعقله يدور في نقطة واحدة، كيف سيصل لخطة أرسلان؟
جاءه الجواب على هيئة جملة من الوليد يتحدث ببساطة وهو يحدق في ظهره بجدية كبيرة:
"بعد دقائق يبدأ اجتماع أرسلان مع رجاله........"
تحرك داخل القاعة يتبعه الجميع وخلفهم الحراس يحرصون على عدم تحرك أحدهم خطوة بعيدًا عن القاعة حتى يصدر الملك عكس ذلك.
أما عن أرسلان فقد توقف في منتصف القاعة يراقبهم بأعين جامدة، يتحرك بها بين الأوجه حتى توقفت على جسد زوجته التي كانت تقف في أحد الأركان تضم يديها لصدرها بترقب وكأنها تنتظر أن ينبث أحدهم بكلمة فتنقض عليه تقطعه أربًا.
ابتسم أرسلان بسمة صغيرة يشير لها بعيونه أن تقترب منه، لتعتدل في وقفتها بتوتر ترمش بعدم فهم، وأرسلان فقط حرك لها رأسها يدعوها للأقتراب، فتقدمت منه سلمى ببطء لا تفهم ما يحدث، وبمجرد أن أصبحت أمامه حتى خلع أرسلان معطفه بهدوء يحتويها به، ومن ثم أمسك يدها يقودها صوب عرشه يجلسها عليه بلطف، ومن ثم استدار يراقب الجميع ببسمة صغيرة وكأنه بما فعل يثبت كلماته التي نطقها في الخارج ويرسل رسالة صريحة بمكانة زوجته في القصر.
والآن بعدما خلع معطفه ظل بثوبه الذي يتكون من بنطال أسود قماشي وسترة واسعة بعض الشيء من اللون الأخضر يتحدث بهدوء شديد:
"والآن اعزائي تريدون محاكمة؟ لكم ما أردتم، ولأنني ملك ظالم حقير كما سبق ولمّح البعض في حديثه، إذن دعوني أخبركم أنني سأكون القاضي في هذه المحاكمة كذلك مكملًا سلسلة الظلم."
صمت ثواني ثم راقبهم ببسمة:
"دعونا نجمع أطراف الخيوط ليأخذ كل ذي حقٍ حقه."
نظر جواره يتحدث بصوت مرتفع:
"تيم، أجمع لي جميع من امتد إصبعه في هذه الغلال بداية من الوزير ومساعديه وحتى التجار، وخذ وقتك لدينا الوقت بطوله حتى لو استمرت المحاكمة أسبوع كامل."
انتهى من كلماته يشير بعيونه صوب تيم، ومن ثم مال يهمس للمعتصم الذي كان يجاوره بكلمات لم تصل لغيره، ومن ثم أشار بعيونه له، نظر المعتصم جواره للرجال يتحرك بهم صوب الخارج كي يحضر من أمر الملك بحضوره، وارسلان فقط يراقب الجميع بعيونه وقد بدأت عيون البعض تتحرك بتوتر في المكان وكأنهم يبحثون لهم عن مخرج، ومن بينهم أنمار الذي كان يلعن في هذه اللحظة فضوله الذي جعله يسير خلفهم، الآن علق مع أرسلان بسبب مصائب الحقير أصلان ورجاله.
زفر بصوت منخفض وهو يندس بين الجميع وكأنه يبحث له عن ركن يخفي به جسده.
وعيون سلمى تتحرك بين الجميع وكأنها تدرس ردات فعلهم تراقب التوتر الذي بدأ يعلو في المكان بين البعض والخوف الشديد الذي ظهر على أعين البعض الآخر.
تحرك أرسلان حتى توسط الساحة يواجههم ببسمة صغيرة:
"الآن اعزائي اسمعوني حججكم واتهاماتكم."
لكن كلمة واحدة لم تصدر من أحد أمامه، ليبتسم بسخرية لاذعة:
"لا اسكت الله لكم حسًا، تحدثوا فهذا ما جئتم لأجله، أردتم خروجي ورحيلي، واخبرتكم أنني سأفعل، لكن ليس وأنا أحمل فوق أكتافي ذنبًا كقتل نفس بريئة بغير نفس، سأرحل لأنني أريد وليس لأنني مخطئ، فإن كان هناك خطأ هنا في هذه اللحظة، فهو تصرفكم."
ارتفعت الهمسات بين الجميع وقد بدأ الخزي يظهر على وجوه البعض، وارسلان يراقبهم ببرود شديد:
"أفنيت عمري في محاولة للقيام والنهوض بالبلاد، لم أطلب منكم تمجيد لما أفعل أو حتى شكر، لم أفعل كل ذلك لأجلكم، بل فعلته كي لا أُسأل أمام الله يوم الحشر عنكم، وعن ولايتي عليكم، كي لا أنكس رأسي حينما أُسأل عن مسؤوليتكم."
أشار لنفسه وقد شعر بالنيران تحترق داخل صدره ولحظات حياته تمر أمامه بلمحة مرارة على حياة لم يحياها كما يجب:
"لقد... لقد عزلت أبي عن الحكم وصمت عن اتهامات البعض منكم حينما وصفتموني بالجاحد الذي طمع في الحكم، فقط كي لا تسقط البلاد بيد المنبوذين، انقلبت على أبي كي لا تهوى البلاد أكثر مما كانت عليه وأنتم تتذكرون جيدًا حال البلاد في آخر فترات حكم أبي بعدما تشعب الفساد بين رجال المملكة."
تنفس بصعوبة بسبب غضبه الذي ارتفع أكثر ثم أكمل بصراخ:
"أفنيت شبابي وطفولتي لأجلكم، ظلمتموني ووصفتموني بألقاب لا افتخر بها حتى، وتغاضيت عنها، وفي النهاية لم أنتظر منكم شكرًا أو عرفانًا بالجميل، فقط انتظرت منكم تقبلًا لي ومساعدة و..."
توقف يتنفس بصوت مرتفع بعدما شعر في هذه اللحظة أن كل ما أفناه في حياته كان هباءً منثورًا.
صمت يبتلع غصته وهو يحدق بعيونهم والخذلان يزين نبرته:
"تخليت ولأول مرة في حياتي عن كبريائي و... لأول مرة طالبت بمساعدة الممالك الأخرى لأجلكم، الغلال من سبز والأسلحة من سفيد والثياب من آبى، دهست كبريائي أسفل أقدامي لأجلكم، كي لا أُسأل أمام الله عنكم وأنتم..."
ابتسم بقلة حيلة يتنفس بصوت مرتفع:
"والله أنني أتمنى لو تمنحوني حريتي وترحموني لوجه الله وتطلقون سراحي لأترك لكم العرش، أقسم بالله العظيم إن تقدم منكم رجلٌ الآن وقال أنه قادر على حكم البلاد وفعل ما فعلته ولو نصفه حتى، لتخليت له عن البلاد في هذه الثانية."
نظر الرجال لبعضهم البعض بتردد وقد بدأ الخزي يعلو نظراتهم، والبعض ينظر أرضًا بخجل لفعلته، ولم يجرأ أحدهم على التقدم خطوة واحدة، ليبتسم أرسلان بسمة صغيرة باهتة.
"هذا ما توقعته، لا أحد يلقي بنفسه للتهلكة."
كل ذلك وسلمى تنظر للجميع نظرة غاضبة ساخطة، كأم تلقي بنظرات حانقة صوب ضارب طفلها، ولو كان الأمر بيدها لأطلقت لسانها عليهم، انتبهت لخطوات أرسلان الذي بدأ يتحرك صوبها بهدوء، ثم نظر نظرات موجوعة ولم يكد يتحدث كلمة واحدة.
تحرك بخطوات قوية عكس انهياره الداخلي، يسير رافعًا رأسه دون أن ينحني ولو لثانية واحدة حتى.
وحينما وصل لها نظر لعيونها ولم يكد يفتح فمه للتحدث بكلمة، حتى شعر بيد سلمى تضم كفيه بين خاصتها حنان كبير تهمس له بصوت منخفض بكلمات احتاج لسماعها في لحظات انهياره:
"أنت أروع ملك في التاريخ، ولو مُنحت الفرصة لحذفت صفحات كاملة من التاريخ واكتفيت بذكر اسمك أرسلان، وتبًا لمن يقول عكس هذا."
نظر أرسلان ليدها ثواني قبل أن يرفع عيونه عنها يحدق بملامحها بأعين ملتمعة، وقد بدأت بسمته ترتسم على فمه يهمس بصوت منخفض يرفع كفها يقبل باطن خاصتها بحنان شديد، وقد كان ظهره هو ما يظهر للجميع في الخلف.
"ولو كانت حياتي كتابًا لأكتفيت أن يتزين بأحرف اسمك وكفى باسمك حياة سليمى ....."
راقبها تتحرك داخل القاعة بعدما انصرف جميع مستشاريه والذين انتهى معهم من الاجتماع للتو.
يحرك لها عيونه حتى استقرت أمامه، وقد كان وجهه شاحبًا مرهقًا كروحه، خسر حفيده وكاد يخسر ابنته وبلاده.
وآه من مرارة الغصة التي تستحكم حلقه كلما تذكر أنه خسره دون حتى أن يحتضنه للمرة الأخيرة، أشار على المقعد أمامه:
"اجلسي توبة."
نظرت له توبة بتردد قبل أن تجلس بهدوء على المقعد تراقبه بأعين هادئة تنتظر تحدثه، وهو فقط أطال النظر لها دون كلمة واحدة لوقت طويل بعض الشيء قبل أن يتحدث بجدية:
"أخبريني يا ابنتي ما مدى تقبلك لفكرة الارتباط برجل آخر هذه الفترة، أو حتى لاحقًا؟"
شحب وجه توبة لثانية قبل أن تشعر بقلبها يكاد يتوقف من صدمة وهول ما سمعت، والدها أحضر لها زوج آخر بهذه السرعة، ابتلعت ريقها تحاول الحديث وقد علقت الكلمات في حلقها.
"أبي أنا... أنا لا...."
ارتجف قلبها من فكرة أن تعايش التجربة لمرة ثانية مع رجل لا تعلم عنه شيء، رجل غيره...
"أبي لست... أنا لست مستعدة لأي ارتباط في الوقت الحالي."
تدرك في قرارة نفسها استحالة ارتباطها بنزار، لذا إن لم يكن هو، فلن يكون غيره، وهي تعلم أنه لن يكون بأي شكل من الأشكال، لذا تنفست بصوت مرتفع ترفع رأسها لوالدها الذي كان يراقبها باهتمام ودقة:
"لست مستعدة لخوضها على الإطلاق، لا أريد... لا أريد الارتباط لقد أغلقت هذا الباب منذ فقدت طفلي وحياتي واكتشافي ما فعل الرجل الذي سبق واخترته ليجاورني حياتي كشريك بها، لذا لست مستعدة أبدًا لخوض التجربة مجددًا."
ضيق والدها عيونه يلمح حزنًا وتوترًا متواريًا خلف نظرات الرفض التي تظهرها:
"أبدًا؟"
ابتلعت غصتها وهي تهتف بصوت مذبوح:
"نعم أبدًا."
هز رأسه متفهمًا ما تمر به في هذه الآونة وقد علم أن هذا سيكون ردها، يعلم يقينًا أن تخطي ما مرت به لن يكون هينًا، لذا سينتظر لربما يبرأ جرحها عما قريب وتمنح نفسها فرصة العيش خارج هذه القوقعة، خاصة أنه كان يبصر نظرات ملتمعة متوارية حين يُذكر اسم نزار.
"إذن سأبلغه رفضك."
رفعت رأسها لوالدها بتعجب من كلماته:
"تُبلغه؟ هل هناك ما حدث ولا أعلمه؟"
شاب نظراته بعض الغموض والخبث وهو يربت على كتفها بحنان شديد:
"لا تهتمي، أردت فقط معرفة رأيك في الأمر بشكل عام، ومن يدري ربما يأتيكِ من يغير رأيك ويدفعك للموافقة."
ابتسمت بحسرة وهي ترى أنها لم تكن من المحظوظين في أمور القلب والحب، المرة الأولى لم يُكتب لها أن تقترب حتى من قلب أرسلان والثانية لم يقدر لها أن تقترب من نزار.
والسؤال الذي يدور في صدرها منذ أول خفقة لنزار، هل سبق وأن أحبت أرسلان يومًا أم أنه فقط كان مجرد نجمة بعيدة لامعة أعجبها ضوءها، وقد تأثرت بحديث من حولها حول قوته وتجبره وبأسه على الأعداء وحنانه في الوقت ذاته على شقيقته ومن يعنيه من النساء، شعور داخلي جعلها تتمنى لو اختصها ذلك الرجل القوي بحنانه فتكون استثناءً على جميع النساء.
تعمقت بشعور جديد أحبت تجربته، ولم تفعل، والآن مشاعرها غير المشروطة لنزار تصفعها لتفيقها من وهم قديم ظنته حبًا، فإن كان ذلك حبًا فما بال مشاعرها لنزار؟
انتبهت لوالدها الذي كان يراقبها باهتمام شديد، تمنحه بسمة صغيرة وهي تنظر لكفها شاردة:
"لا أعتقد ذلك أبي."
هز لها بارق رأسه وهو يهتف بجدية:
"دعيها لرب العباد وهو يدبر أمرك يا ابنتي."
"ما تفعله ليس سوى تسريع لموتك وموتي نزار."
رمى نزار الوليد بنظرات محذرة وهو يتحرك ببطء شديد حول ذلك المنزل الذي يقبع به اجتماع أصلان مع رجاله، يبحث عن ثغرة للوصول إليه.
"فقط اصمت وليد، وإن لن تساعدني فقط ارحل بهدوء ودعني لما أفعل رجاءً."
"ما تفعله لن يجدي نفعًا."
استدار له نزار وهو يضربه بقوة على رأسه بضيق، ومن ثم جذبه صوبه متحدثًا بضيق:
"بدلًا من التحدث والتسبب بصداع نصفي لي، جد لنا ثغرة تدخلنا للمكان يا سيد الثغرات، أم أنك لا تجد سوى الثغرات التي تدخلني للممالك لتشعرني بالمزيد من الذنب؟"
ختم كلماته يضربه بغيظ في كتفه، ليتأوه الوليد بضيق، يبعد يد نزار عنه، ومن ثم نظر حوله ثواني يتنفس بصوت مرتفع:
"فقط ابقَ هنا وأنا سأجد لك مدخلًا، لكن بالله عليك لا تتصرف بحماقة تودي بك وبي للهلاك، لا أصدق أنك خرجت حيًا من تحت يد أرسلان ليتخلص منك أصلان."
رفع له نزار حاجبه بضيق:
"فقط تحرك وخلصني من كل هذه الخطب العصماء في الحفاظ على روحي ولا تلعب دور أمي يا الوليد وإلا خلصتك من حياتك التي لا تعلم ما تفعل بها وتلقي بنفسك في أي كارثة تمر من أمامك."
زفر الوليد بضيق وهو يتحرك بعيدًا عن نزار الذي عاد بنظراته صوب المنزل والذي يقبع على بعد خطوات منهم، يراقب الوليد يتحرك صوب الباب الجانبي للحراس هناك يتوقف أمامهم وهو يتحرك بكلمات لم تصل له، يشير في جهة ما.
واستمر الأمر طويلًا حتى كاد نزار ينام من شدة ملله، لكن فجأة أبصر إشارة الوليد له بالتقدم، لتتسع عيونه وهو يتحرك صوبه بريبة شديد، فقد كان ما يزال هناك جنديين عند باب المنزل، لكن حينما وصل أشار له الوليد يتجاهل وجود الجنديين:
"هيا انتهِ مما تريد لنرحل."
نظر له نزار بعدم فهم ومن ثم نظر للجنود بتساؤل ليبتسم له الوليد ببساطة، بسمة جعلت نزار يبتلع ريقه بريبة:
"حسنًا كدت أصدق أنك ساحر تستطيع دخول أي مكان."
ضحك الوليد ضحكة صغيرة وهو يميل على نزار هامسًا بصوت منخفض:
"ميزة أن تقضي الكثير في الوحل فتعلم كيف يفكر الخنازير..."
"لم أرَ يومًا خنزيرًا بمثل ذكائك يا الوليد."
ختم نزار كلماته وهو يربت على كتف الوليد ضاحكًا يتحرك داخل المكان، تاركًا الوليد في الخارج يرمقه بغضب شديد، قبل أن يتنفس بصوت مرتفع، ينظر حوله يراقب المكان.
وفي الداخل تحرك نزار يخفي ملامحه وهو يحاول أن يتخفى عن الأعين المحيطة به وقد كان المكان هادئًا بشكلٍ مريب، لا أنوار في المنزل سوى ذلك المنبعث من الغرفة التي يجتمع بها أصلان برجاله.
ابتلع ريقه يتحرك صوبهم بخفة حتى أصبح أمام الغرفة مباشرة يرهف سمعه محاولًا التقاط أي كلمة قد تفلت من أسر الجدران حوله.
وما كان الأمر سوى ثواني قليلة من الصمت حتى ارتفع صوت في الأرجاء يهتف:
"ولماذا منتصف محرم بالتحديد؟ ثم الليلة هي ليلة الخامس عشر من محرم، أي بعد قليل من الساعات، الآن تخبرنا؟"
"ليس لشيء، موعد كغيره، هذا اليوم ستكتمل الصفوف وتنتهي الاستعدادات، لذاك رتبت الأمر عليه وايضًا كي يصبح تاريخًا مميزًا ليكون ذكرى نكبتهم."
ضيق نزار عيونه وقد بدأت دقات قلبه تتصارع وهو يحاول التوصل لما يتحدثون عنه، إذ يبدو أن ما يخطط له أصلان سيكون القاسم لتماسك الممالك.
ابتهل لربه أن يذكر أحدهم أي شيء متعلق بخطة أصلان او حتى يلمح لها.
لكن لا شيء فقط غموض وكأنهم أنفسهم لا يعلمون ما يتحدثون عنه.
شعر نزار بغضب كبير يتلبسه وقد شعر برغبة عارمة في اقتحام المكان وانتزاع ما يريده منهم بالقوة، لكن آخر ذرات تعقله منعته الأمر وهو يتنفس بصوت منخفض يحاول أن يتمالك نفسه.
"اللعنة عليك أصلان، تحدث بما جئت به أيها الوسخ."
أما عن أصلان في الداخل فقد كان يجلس مراقبًا الجميع حوله باهتمام شديد، ليباغته أحد الرجال متسائلًا:
"إذن من سينفذ ما تخطط له؟ هل هو حربي باعتباره الموجود في الوقت الحالي داخل حدود الممالك؟"
شرد أصلان وصمت وكأنه لا ينوي الرد، قبل أن يتحدث بهدوء:
"لا تشغل عقلك بمن ينفذ، المهم أن يُنفذ.."
صمت ثواني وهو يطيل النظر للرجل يتحدث بهدوء:
"فقط أشغل عقلك بما سنفعله نحن، فما سيحدث في ذلك اليوم ليس الخطة الأساسية، بل التمويه للخطة."
"تفجير الممالك ليس الخطة؟ إذن ما هي الخطة يا ترى؟"
كانت جملة ساخرة خرجت من فم أحد الرجال لتصيب نزار في مقتل، وهو يشعر بالمكان يدور حوله وقد سقطت الكلمات أعلى رأسه كالصاعقة، تفجير الممالك؟ سيفجرونها؟ كيف ومتى ومن سيفعل؟ أسئلة كثيرة دارت داخل عقله يحاول إيجاد إجابة لها، لكن الحصيلة صفر.
ابتلع ريقه يرهف السمع لكلمات أصلان ردًا على الرجل:
"الوصول للحكم المطلق.. هذه هي الخطة."
اتسعت البسمات وقد بدأت الأحلام تتطاير في الغرفة، وكلٌ يمني نفسه بمنصب عالٍ، وأموال طائلة، وحاشية ونساء.
تراجع نزار حينما استشعر قرب انتهاء الحوار، ينظر حوله بحثًا عن مخرج يهرول خارج المكان وهو يحاول التنفس والتفكير في القادم، هل يرسل لهم رسالة بما وصل له، أم ينتظر حتى يجمع ما يكفيه من المعلومات؟
وبمجرد أن خطى خارج المكان استقبله الوليد مبتسمًا:
"إذن مـ"
"لكن..."
لم يكن نزار يبصر أمامه من شيء يهرول بعيدًا عنه وقد استقر على إرسال رسالة لهم يبلغهم بما وصل له، يحثهم على البحث من جهتهم في حين ينتهي هو من جهته فالأمر لا يبدو مزحة، ولا يبدو بعيدًا، بل بعد ساعات يبدأ اليوم الذي حددوه.
يدعو الله داخل صدره ألا تنجح لهم بيعة ولا يجبر لهم خاطر، رحمة بشعوب لا تعلم ما يحاك لأجلها في الخفاء.
"لعنة الله على أعوان إبليس، لعنة الله عليك أصلان......."
"أخبرتك أن حالتها لن تتحسن هنا، ساعدني لنخرجها من منزلك لمشفى القصر، الفتاة تحتضر."
نظر إلياس برعب صوب وجه فاطمة والتي لم تعِ بعد ما يحدث حولها ولم تستفق حتى هذه اللحظة، كان يمتلك أملًا خافتًا أن تستيقظ ولا يحتاج لإخراجها من منزله، اقترب منها وهو يتحسس وجهها بخوف شديد وبيد مرتجفة سار مع ملامحها.
ابتلع ريقه بصعوبة يرفع عيونه صوب الحكيم والذي كان يتابعه بغضب مرعب:
"إلياس يا بني هذه زوجتك تحتضر، ما بالك تعاند فيما يخص صحتها هل جننت؟"
رفع إلياس نظراته صوب الحكيم وكأنه يفكر جديًا في الأمر لينفض الرجل يديه بغضب وهو يردد بصوت حانق:
"يا فتى اتقِ الله، المرأة شاحبة شحوب الأموات ولا تتحرك، وأنت تصر أنها ستفيق، ولم تفعل، لا أملك المزيد لأقدمه لك، هنا وانتهى دوري."
ختم كلماته يتحرك بعيدًا عن المنزل تاركًا إلياس يراقب فاطمة برعب باكيًا عليها، يميل بالقرب منها يقبل جبهتها وهو يهمس بصوت منخفض خائف:
"عزيزتي فاطمة لا بأس، سوف... سوف أساعدك في... سوف تصبحين بخير عزيزتي لا تخافي."
نظر حوله وكأنه يبحث عن شيء ضائع قبل أن يعود بنظراته لها يهتف بصوت منخفض:
"سأفعل أي شيء لتصبحي بخير عزيزتي، حتى لو كان الذهاب بكِ لآخر البلاد وليس فقط قصر سفيد."
ختم كلماته يطبع قبلة صغيرة على كفها، ومن ثم تأكد من إحكام الغطاء عليها، يتحرك خارج الغرفة يفكر في تحضير طعام علها تستيقظ جائعة وكم يتمنى أن تصبح بخير قبل الذهاب للقصر.
نظر لها نظرة أخيرة وقد اتخذ قراره، من اليوم وحتى صباح الغد إن لم تستيقظ، سيتحرك بها لمشفى القصر.
تنهد بتعب ووجع كبير يغلق الباب بهدوء خلفه.
أما على الفراش فبمجرد أن سمعت صوت إغلاق الباب، حتى فتحت عيونها ببطء وهي تنظر صوب الباب ببسمة صغيرة ووجه شاحب باهت لشدة الإرهاق، تقاوم الدوار الذي أصابها، تتمنى لنفسها مساعدة ستنالها حينما تخرج من هذا المنزل، ستبحث عن الجنود في قصر سفيد وستبلغ الملك ليساعدها، فلا تعتقد أن العجوز سيتمكن من مساعدتها ضد إلياس.
وقد ترددت كلمات إلياس السابقة في أذنها وهو يعد الحكيم أنه سيذهب بها للقصر إن لم تستجب للعلاج، وهي لم يكن أسهل عليها من ادعاء المرض والذي أصابها بالفعل.
نظرت للسقف وهي تهمس بصوت منخفض:
"أين أنت يا المعتصم؟؟"
فُتحت الأبواب على مصراعيها، يتحرك للداخل تيم بملامح جامدة يتبعه الكثير من الرجال، وقد صنع له الجميع طريقًا ليمر من بينهم.
وصل أخيرًا لمنتصف القاعة وخلفه يقف العديد من الرجال ليبتسم بسمة صغيرة وهو يشير للملك لمن خلفه من الرجال:
"مولاي الوزير وجميع معاونيه."
حرك أرسلان عيونه بهدوء صوب الوزير والذي كان لا يفهم ما يحدث في المكان وقد جاء به تيم دون أن يمنحه حتى فرصة إدراك ما يجري في المكان.
تحرك تيم جانبًا يترك للملك الفرصة للتحدث والتحقيق معهم، وارسلان فقط اكتفى بالنظر لهم ثواني قبل أن يهز رأسه لهم مرحبًا بصمت.
ولم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة يكسر بها الصمت، وقد كان أرسلان في هذه اللحظة يراقب الجميع بأعين غامضة لا تشي بما يدور داخل صدره.
فقط يراقب ينتظر شيئًا لا يعلمه غير، لتمر دقائق دون أي جديد حتى بدأ الجميع في التململ بضيق وملل، وارسلان فقط يراقب بصبر يُحسد عليه.
يضم يديه لصدره وهو يراقبهم بهدوء شديد، قبل أن تمر دقائق أخرى ويبصر الجميع تحرك المعتصم داخل المكان وخلفه الكثير والكثير من الرجال يتحدث بهدوء واحترام:
"مولاي، جميع تجار العاصمة هنا كما أمرت."
وقف الرجال خلف المعتصم بهدوء واحترام شديد وقد تحدث أحدهم بنبرة واثقة رزينة:
"أمرت بمجيئنا مولاي، فاللهم خير."
راقبهم أرسلان بهدوء قبل أن يبتسم لهم بسمة صغيرة يرحب بهزة رأس فيهم، ومن ثم تحرك بعيدًا عن العرش يقترب من موضع وقوف الجميع يراقبهم بأعين غامضة قبل أن يتحدث بهدوء وهو يشير للتجار بيده:
"تفرقوا رجاءً، اتركوا مسافة بينكم."
نظر له البعض بعدم فهم، والبعض الآخر بفضول وترقب للقادم، وارسلان فقط يراقبهم منتظرًا أن ينفذوا أوامره، وسلمى فقط تتابع ما يحدث بهدوء شديد تنتظر الخطوة التالية لزوجها.
أما عن أرسلان فقد كان ينتظر أن ينفذ التجار أوامره، ليتحدث أحدهم أخيرًا بعدما شعر بالريبة:
"هل... هل صدر منا شيء خاطئ مولاي؟"
"لا، لا شيء فقط نفذوا ما طلبته رجاءً."
نظر التجار لبعضهم البعض، قبل أن يتفرقوا بعيدًا عن بعضهم البعض، ينظر أرسلان لهم، ومن ثم نظر صوب الوزير يتحدث بهدوء شديد:
"الغلال التي أمرت بتوزيع نصفها، هل تأكدت من صلاحيتها قبل التوزيع؟"
هز الوزير رأسه بنعم يدافع عن نفسه بهدوء ظنًا أن تهمته في هذه اللحظة هو الإهمال:
"نعم مولاي، لقد أشرفت بنفسي على توزيعها على التجار المقيد اسمائهم في دفاتر المملكة وراقبت حركة البيع في أول يوم، ومن ثم أناب عني المستشارين."
هز له أرسلان رأسه ومن ثم نظر للتجار الذين اصطفوا أمام الجميع، يتحدث لتيم:
"هل أحضرت جميع التجار يا المعتصم، متأكد أنك لم تغفل عن أحدهم؟"
"الجميع هنا مولاي."
ابتسم أرسلان وهو يشير للشعب بهدوء شديد:
"أعتقد أنكم تتذكرون بالفعل من اشتريتم منه الغلال وتعاملتم معه، تفعلون صحيح؟"
هز البعض رؤوسهم بثقة والبعض الآخر لم تصدر منه حركة وما زالت الريبة تعلو وجوههم في انتظار ما سيصدر من أرسلان.
بينما الأخير أشار صوب التجار المرصصين بجدية:
"إذن ساعدوني لنجد رأس الضُر الذي أصابكم وليوجه كلٌ إصبعه على التاجر الذي ابتاع منه الغلال المسممة."
اتسعت أعين التجار بصدمة كبيرة وقد بدأت حركة قلق ورعب تدب بين صفوفهم والبعض يحاول التحدث مدافعًا عن نفسه، لولا يد أرسلان التي رفعها يمنع الجميع من نطق كلمة واحدة.
يبتسم مشيرًا لشعبه بهدوء شديد:
"الغلال خرجت دون شائبة تشوبها من مخازننا، إذن فالعيب إما يكون من التاجر أو المستهلك ذاته، تحركوا واشيروا على التاجر الذي ابتعتم منه الغلال، أم أنكم لا تتذكرونه؟ لا يعقل أن تنسوا وجه الرجل الذي كُلف بمنطقتكم ليوزع عليها الغلال."
نظر صوب الوزير وكأنه يتأكد مما يقول:
"حسب معرفتي أن كل منطقة بالعاصمة لها محل خاص يقبع في بدايتها به تاجر يتسلم من الغلال ما يكفي حاجة المنطقة التي تقع تحت أمره صحيح؟"
هز الوزير رأسه بنعم، وقد كان ذلك النظام هو المتبع منذ عقود طويلة، فبغض النظر عن المحال الصغيرة التي تقبع في كل ركن من أركان العاصمة والبلاد بأكملها، كان هناك مخزن رئيسي يشرف على توزيع الغلال التي يضخها القصر للشعب بأسعار مخفضة، وأحيانًا يوزع ذلك المخزن ما يفيض عن حاجتهم للمحال الصغيرة، إذن إن كان هناك أي شيء قد حدث خارج القصر فسيكون بدايته المخزن والذي يديره التجار الرسميين له.
نظر أرسلان صوب الشعب ينتظر منهم حركة تدل على سماعهم لكلماته، وبالفعل تقدم بعض الرجال يدورون بعيونهم بين التجار ليستقر كل واحد على تاجر مختلف، ومنهم من اجتمعوا على أحدهم والتوتر يعلو في الأرجاء، بينما بعض الأفراد لم يتحركوا من أماكنهم أو حتى خطوا صوب التجار، كل ذلك وارسلان يراقب ما يحدث يبحث بعيونه عن أكثر شخص اجتمع عليه الرجال.
وبعد دقائق طويلة انتهى الأمر بالجميع يقف البعض عن التجار مشيرين لهم، والبعض الآخر يراقب دون أن يأتي يحركة واحدة، والبعض يتابع ما يحدث.
وارسلان فقط نظر للرجال يتأكد بهدوء:
"متأكدون أن هؤلاء هم من ساهموا في توزيع تلك الغلال عليكم؟"
هز أحد الرجال رأسه يتحدث بقهر شديد:
"نعم مولاي، وكيف أنسى وجه من تسبب في سلب ابنتي من بين أحضاني؟"
"وأين هي الآن؟"
انكمشت ملامح الرجل بعدم فهم ليتبع أرسلان كلماته يردد بهدوء:
"أين هي ابنتك الآن؟ تركتها ملقاة تنازع الموت لتأتي مطالبًا برحيلي؟"
رمش الرجل وهو ينظر حوله بعدم فهم وقد ألجم سؤال أرسلان لسانه، لكن أرسلان لم يهتم وهو ينظر للباقيين يتأكد منهم أن هؤلاء هم التجار الذين باعوهم الغلال الفاسدة، وحينما حصل على تأكيد من الجميع، صاح بصوت جهوري رن صداه في الأجواء:
"حــــــــــراس، ألقـــــــوا القبض عليهم ..."
وفي ثواني انتفضت الأجساد وهم يبصرون الحراس يهرولون صوب التجار، يتابعون ما يحدث، لكن الصدمة كانت أن الحراس لم يأسروا التجار، بل أسروا المتمردين ممن أوْشوا بهم ..........
وعم الصمت فجأة وكأن صاعقة ضربت المكان ولا أحد يفهم ما يحدث في هذه اللحظة.
وسلمى تتابع ما يحدث بأعين متسعة وبسمة مصدومة وملامح متشنجة تتمتم ببرتغالية دون شعور:
"Você é um enganador." (أيها المخادع)
تابع أرسلان نظرات الرجال المصدومين من أسرهم ببسمة صغيرة ثم ردد ببساطة كلمات أصابت الجميع بصدمة وقد أدركوا أنه ليست جميع الألعاب ستنطلي على أرسلان.
"لا يعقل أنكم لم تتعرفوا على تجار الحي الخاص بكم، هذا غريب صحيح!!"
تحدث أحد الرجال وهو يحاول الإفلات من يد أحد الجنود:
"لكننا... تعرفنا عليهم للتو، هذا هو البائع الذي باعني الغلال المسممة، هل تحاول أن تخفي أفعالك بأسرنا والجميع شاهدون؟ أي وقاحة تمتلك مولاي؟"
"أنا حتى هذه اللحظة أحترم مكانتي أمام الجميع كملك وإلا لأريتك كيف تكون الوقاحة و..."
مهلاً أنا الآن لست ملكًا بالفعل.
صمت ثواني كأنه يستوعب ما يحدث، ومن ثم تحرك صوب الرجل يسقطه أرضًا بعدما أسقط لكمة قوية أعلى فكه يردد ببسمة واسعة:
"سأكتفي بهذه ردًا، احترامًا لكبار السن والأطفال والنساء، وحينما أنفرد بك، سأريك كيف تكون الوقاحة."
تحدث أحد رجال أصلان والذين كانوا بالفعل متنكرين بين الشعب يحاول أن يتحدث بكلمات متماسكة ويده ما تزال أسيرة الجنود:
"نحن لم نفعل سوى ما أمرتنا به، تعرفنا على التجار."
"من أخبرك أن هؤلاء تجار؟"
تحدث الرجل وهو يشير صوبهم محاولًا الحديث بكلمات متماسكة وقد شعر بالحيرة وعدم الإدراك يبوح في الأجواء:
"أنت للتو أخبرتنا أنهم تجار و...."
قاطعهم أرسلان ببسمة واسعة مستفزة:
"وقد كذبت، هؤلاء ليسوا تجار، بل هم جنودي عزيزي ......"
كان يتحرك أمام بوابة القاعة يراقبها من بعيد وكأنه يبحث لعيونه عن مدخل ليسد رمق فضوله الذي يأكله أكلًا، لكن لا شيء ظهر له، سمع صوتًا معترضًا من رفيقه الذي كان مستقرًا على كتفه ليزفر خالد بصوت مرتفع:
"أهدأ وتوقف عن التحرك، واصمت أصوات اعتراضاتك تلك ودعني أعلم ما يحدث."
ردد موزي بعض الأصوات المحتدة وهو يود التحرك بعيدًا عن كتف خالد يبحث له عن مرتعًا آخر بعيدًا عن هذا المكان، لكن خالد والذي كشف نيته امسك بفخذه قبل القفز يلصقه بكتفه حانقًا:
"ابقَ هنا أيها المتخاذل، دعنا نعلم ما يحدث ونرحل ببساطة، لن أتركك ترحل ولن أتحرك حتى أعلم ما يحدث هنا و...."
فجأة تلاشى اعتراضه وتلاشى إصراره وتلاشت معهم نيته في التعسكر أمام بوابة القاعة ليعلم ما يحدث، وهو يبصرها تتحرك في الحديقة المقابلة لممر القاعة، تلاعب صغير ببسمة واسعة جعلت خالد يفتح فمه ببسمة بلهاء ينفض موزي عن كتفه مسقطًا إياه أرضًا دون اهتمام، ومن ثم تحرك صوب الحديقة هائمًا على وجهه.
وموزي يجلس أرضًا يردد أصوات مرتفعة مزعجة لم يهتم لها خالد حتى ولم يعرها أي انتباه، يكمل طريقه ببسمة واسعة وحينما استقر في الحديقة ردد بانبهار وقد أبصر مجددًا وجهها دون غطاء:
"حور..."
رفعت حور عيونها عن عابد تحركها في الأرجاء بحثًا عن صاحب الصوت لتصطدم في وجه خالد المبتسم والذي اقترب منها دون وضع أي اعتبارات لأي حدود يجب فرضها بينهما ضاربًا بكل ذلك عرض الحائط:
"ليلة رائعة ها؟! تبدو السماء اليوم صافية مع كل هذه النجوم المتلئلئة، لكن يبدو أن إحداهن سقطت أرضًا ليغشى نورها نور جميع النجوم."
حدقت به حور قبل أن ترفع عيونها صوب السماء والتي كانت خالية تمامًا من أي نجوم، ومن ثم عادت بنظرها مجددًا له تبتسم بسخرية، أما عنه فلم يهتم بأي شيء قدر اهتمامه بها:
"إذن أخبريني ما يدفع فتاة جميلة مثلك للسهر وحدها في هذا الوقت؟"
يتحدث ويتغزل ويفتتح أحاديث كثيرة، وحور فقط صامتة لا تصدر كلمة واحدة تراقبه بعجز عن فهم تفكير هذا الرجل.
وأخيرًا وبعد صمت تحدثت بصوت منخفض:
"ماذا تريد أنت؟"
ابتسم لها وهو يجلس أرضًا جوارها يراقبها بأعين مسحورة بها:
"جيد أنكِ انتقلتي لصلب الموضوع، أعلم أنكِ لا تطيقين صبرًا لمعرفة سبب مجيئي لذلك سأريحك وأخبرك أنني لا أعلم، أنا فقط أحب الجلوس رفقتك واعلم أن هذا خطأ، أنتِ امرأة متزوجة وهذا خاطئ، لكن ما حيلتنا تجاه قلوبنا؟!"
كانت تسمعه وهي تشعر بالبلاهة من كلماته، بينما هو لم يرحمها وهو يسقط على مسامعها كم أن الحب موجع في حالتهما، لكن ما حيلة قلبيهما وقد كُتب عليهما لعنة الحب وستلاحقهما حتى قبريهما.
"هل أنت أحمق؟!"
كان هذا الرد الوحيد الذي صدر منها بعد كل ما سمعت منه، وهو فقط فتح عيونه بصدمة من ردها وكأنه لم يتوقع هكذا رد بعدما يقتحم على الفتاة جلستها الهانئة ويردد كلمات غريبة على مسامعها وكأنها عاشقين غدرت بهما الحياة.
نهضت تنفض ثيابها وهي تحدق فيه بضيق، تشير لعابد أن يقترب:
"أي حب محرم هذا وأي زوج؟! هل جننت أنت؟!"
رفع عيونه لها بلهفة:
"لا تخبريني أنكِ مطلقة؟!"
اتسعت عيونها بصدمة أكبر من إصرار ذلك الرجل على موقفه، هزت رأسها بيأس وهي تتحرك من أمامه تردد كلمات حانقة منه ومن تصرفاته وهو فقط يتابعها بعدم فهم حتى شهق فجأة يردد بإدراك:
"أيُعقل؟ هي أرملة؟؟؟"
ومن بعد كلمات أرسلان حدث كل شيء بسرعة إذ تم سحب الرجال الذين ألقوا بالتهم جزافًا على جنوده باعتبار أنهم التجار الذين باعوهم الغلال المسممة، سُحبوا جانبًا ليواجه أرسلان المتبقي من المعترضين والذين لم يتحركوا لتوجيه التهم.
"حينما يرغب أحدهم في إسقاط بلاد لا يسقطها بالأسلحة وقد جرب الأمر مسبقًا معهم وفشل، بل سيحاربهم بالنفوس والعقول، وأنتم بضعف إيمانكم وقلة بصيرتكم كنتم لقمة سائغة في أفواه هؤلاء الملاعين، يصرخون برحيلي فتكون أصواتكم صدى لهم، يلوحون برايات الاعتراض فتكون أكفكم أول من يرفرف بالراية، ولم تفكروا بتعقل لثانية واتبعتم الصوت الأعلى."
ختم حديثه يشير صوب الكثير من المتسللين ولم يتبقَ من المعترضين سوى القليل فقط وقد اكتشفوا للتو أن الصوت الأعلى لهم كان لمتسللين، على الخجل أوجه الجميع وقد شعروا بتسرعهم، ليتحدث أحدهم بقلة حيلة:
"لكن... لقد... سقطوا أمام عيني وابنتي لقد..."
صمت ولم يستطع التحدث بكلمة واحدة وقد شعر ببطلان كافة الحجج ليدرك أرسلان ما يدور داخل عقل الشيخ في هذه اللحظة، يتحرك صوبه بهدوء شديد يربت على كتفه:
"لقد أرسلت الجنود لسحب الغلال من التجار وكذلك أرسلت قافلة طبية لعمل معاينة كاملة لجميع من تناول الغلال، أدرك ما تشعر به، لكن ليس بالضرورة أن تلقوا بمصائبكم أمامي، فأنا وإن أردت بكم سوءًا، ما حاجتي لإعمار البلاد وتكبد كل ذلك العناء، وما حاجتي لزراعة غلال وتكبد خسائر كثيرة فقط للتخلص منكم، يمكنني بكل بساطة ترككم للموت جوعًا، فهذا سيكون أوفر لي."
ختم كلماته ببسمة جعلت الرجل ينظر أرضًا بخجل، بينما رفع أرسلان عيونه صوب وزيره يردد بجدية:
"أنت المسؤول أمامي عن معرفة كيف وصل السم للغلال، ومنذ اليوم وصاعدًا لن تخرج حبة ذرة واحدة للأسواق قبل التأكد أنها خالية من أي سوء."
رفع عيونه صوب المتسللين يتحدث بهدوء:
"أما عنكم فما زلنا نمتلك الكثير لنتحدث به سويًا، خذوهم للسجون حتى أنظر في أمرهم."
وبالفعل جرهم الحراس للخارج تحت صيحاتهم وأصوات الاعتراض منهم والاستنكار، وكلٌ يصرخ يحاول الإفلات.
وبعد دقائق وحينما خلت القاعة منهم، حرك أرسلان عيونه بين الجميع، ثم هز كتفه ببساطة:
"الآن وقد انتهت المحاكمة، وباعتباري ملك حقير ظالم، فسيتحتم عليكم تحمل وجودي على عرش مشكى حتى نخرج من هذا النفق المظلم وحينها أمنحكم مشكى على طبق من ذهب تفعلون بها ما تشاؤون ولا شأن لي."
كان يتحدث بكلمات بسيطة وكأن الأمر لا يعنيه رغم مرارة حلقه، وقد رفضت كل ذرة داخل صدره ما ينطق به، فمشكى كانت بلاده وبلاد أجداده، الآن يأتي للتخلي عنها بكل بساطة.
ابتلع ريقه بهدوء ولم يكد يتحدث بكلمة حتى ارتفع صوت رجل وهو يتحدث بلهفة مقاطعًا كلمات الشيخ الذي كاد يعترض:
"لكن... مولاي نحن لا... لا يمكننا أن نفعل ذلك و... هذه مشكى لن يحكمها غيرك، ليس بعد كل هذه السنوات."
ترددت الكلمات في الأرجاء بالموافقة والتأييد وارسلان يتابعهم بهدوء دون كلمة واحدة، ينظر خلفه بهدوء وبأعين ضبابية صوب سلمى التي ابتسمت له بمؤازرة.
ليتنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يتمنى أن ينتهي اليوم على خير وقد أثقل كل ما حدث كاهله يشعر بعدم قدرته على التنفس بشكل سليم وقد قرر في قرارة نفسه أن ينعزل بذاته بعيدًا عن الجميع وفي ثواني وحينما أبصر المعتصم يتولى الأمور من حوله لتهدئة الجميع وتولي أمور التحكم في الأمور نيابة عنه حينما أبصر ما يمر به، حتى تحرر أخيرًا ينطلق بعيدًا عن الجميع بعد نظرة أخيرة صوب المعتصم الذي اقترب منه يربت على كتفه بحنان أخوي كبير:
"هونها تهون مولاي."
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة باهتة:
"تهون، عساها تهون قريبًا يا المعتصم."
ابتسم المعتصم بسمة لم تصل لعيونه حتى فما يدور داخل صدره من حروب وشعور قوي بالعجز يقتله ويمنعه من الابتسام حتى، لكن رؤية أرسلان يتوجع تؤلمه أكثر، ليربت عليه وهو يضغط على كتفه بمؤازرة:
"بإذن الله تكون مولاي، ومتى استعصى عليك شيئًا، دعها لرب العباد يدبرها."
ابتسم أخ أرسلان بسمة صغيرة يبتلع ريقه مرددًا بصوت منخفض:
"ساعد... ساعد الملكة لتصل لغرفتها بسلام وضع حراس عليها وتأكد أنها لا تحتاج لشيء."
ومن ثم رحل بكل بساطة رافضًا أن يستدير لها حتى كي لا تبصر حزنه أو تطلع على أعمق نقاطه السوداء داخل صدره، وهو يعلم ذاته بمجرد أن ينظر لعيونها قد ينهار أرضًا يطالبها بمساعدة لتحرير روحه.
لكن سلمى والتي علمت ما يدور بخلده تحركت عن العرش تهبط بسرعة خلفه، ليتحرك لها المعتصم ينفذ أوامر الملك يهتف بجدية:
"مولاتي رجاءً را...."
قاطعته سلمى بإصرار وقد اسودت نظراتها مقررة أن اليوم سيكون الأخير لها في المحاولة مع أرسلان، فإما أن يرضخ لها ويعترف بها شريكًا لحياته في الضراء قبل السراء، أو تكون النهاية بينهما.
"ليس اليوم يا المعتصم، ليس اليوم ......."
تحركت عربته داخل بوابات قصر سفيد وهو ينظر حوله بهدوء وجواره استقر الحكيم والذي أصر على اصطحابه وعدم تركه ليتأكد أنه أوصل فاطمة لمشفى القصر حتى طبيب القصر.
زفر إلياس أنفاسه بغضب وتوتر وهو يتوقف بالعربة على جانب المشفى الخاصة بالقصر يهبط عنها وهو يتحدث بحنق دون شعور:
"ربما كنت تستطيع مساعدتها دون الحاجة للمجيء هنا يا عم، أنا لا أرتاح للتعامل في الخارج مع أحد غريب ولا أثق في أحد لمعالجة زوجتي."
نظر له الحكيم ولم يجبه أو يناقشه في شيء وهو لم يتوقف منذ تحركهم من المنزل عن الحديث وقد رفض الحكيم أن ينتظر إلياس للصباح مصرًا على إحضارها للمشفى في أسرع وقت.
تحرك تاركًا إياه يردد بجدية:
"سأُعلم الطبيب بوصولنا، لقد أرسلت له رسالة مسبقة بالفعل."
ومع هذه الكلمات تركه يتحرك صوب المشفى كي ينادي الطبيب، تاركًا إلياس يراقب فاطمة النائمة بشحوب بحزن يتحسس وجهها بحنان:
"لا بأس، سأفعل أي شيء لأجلك حبيبتي، فقط كوني بخير لأجلي فاطمة."
قاومت فاطمة إبعاد يده عنها، وهي تدعي الإغماء، بينما هو يراقبها بحب دون القدرة على إبعاد عيونه عنها، ولم يستفق سوى على صوت انطلق خلفه:
"مرحبًا."
استدار إلياس ببطء صوب المتحدث ليواجهه شاب وسيم يبتسم له بلطف معرفًا عن نفسه وهو يمد له يده:
"أنا الطبيب مهيار، طبيب القصر."
نظر إلياس صوب يده ثواني قبل أن يصافحه بهدوء يشدد قبضته على يد الأخير متحدثًا بغيرة مشتعلة:
"أنت من ستفحص زوجتي؟"
نظر له مهيار بتعجب، ومن ثم نظر ليده يسحبها من بين كفه مجيبًا بهدوء:
"لا، لقد أرسلت لمن سيساعدها، أنا سأشرف فقط على حالتها، وسيشرف أحدهم على فحصها وعلاجها بالشكل المطلوب لا تقلق."
نظر له إلياس ثواني قبل أن يهز رأسه ببساطة، ومن ثم أبصر جسد أنثوي يقترب منهم بهدوء دون أن يظهر منها شيء حتى توقفت أمامهم تردد بنبرة رقيقة:
"السلام عليكم."
ابتسم مهيار وهو يشير صوب المرأة معرفًا الجميع عليها:
"ها هي المسؤولة عن مساعدة زوجتك قد أتت، سمو الأميرة تبارك ......"
تسحب خارج الجحر وهو يحمل بين كفيه رسالة كتب بها كل ما يريد إيصاله للمالك، ولأن سبز كانت الأقرب له والأقرب للجحر، فقد وقع اختياره عليها وتحرك بخفة صوب الحدود الخاصة بالجحر يوصل الرسالة للملك بارق ليحذرهم مما ينوي أصلان.
ظلام الليل كان ستار له يختفي بين جنباته، يعلم جيدًا كيف يخرج دون أن يشعر به أحدهم وكيف يوصل رسالة بكل بساطة، وقد فعلها سابقًا بالفعل.
لكن في خضم أفكاره وهو يشجع نفسه على الانتهاء من الأمر بسرعة، نسي أن الجحر هذه المرة لا يقع تحت أمرة أنمار العزيز، بل كان وللأسف الشديد تحت حكم أصلان... الرجل الذي استحق من بين الآلاف من الجنود أن يحمل لقب قائد جيوش سبز بأكملها عن جدارة.
كانت أنفاس نزار بطيئة وكأنه يخشى أن يسمع أحدهم صوت أنفاسه، وبمجرد أن وصل للحدود الخاصة بالحجر حيث تقبع ثغرتهم التي أخبره بها ملك الثغرات "الوليد" بدأت أنفاسه تعلو وتعلو وهو يهرول بشكل جنوني خارج المكان بسرعة كبيرة يتحرك في طرقات محفوظة، يبحث بين الأشجار عن الحصان الذي تركه استعدادًا لهذه اللحظة.
وبالفعل بمجرد وصوله للشجرة التي ربط بها الحصان، حتى ازدادت هرولته وأنفاسه، وما إن صعد فوق ظهره حتى نغزه بسرعة يتحرك في طريقه لأبى والتصميم يعلو نظراته والرعب يسكن قلبه.
يحمل بين يديه رسالته التي خط بها كل ما وصل له، لكن ما كاد الحصان يتجاوز عدد خطوات معدودة حتى شعر به نزار يتهاوى مطلقًا صهيل مرتفع حطم سكون الليل وقد بدا أن الحصان ينازع الموت.
وقد كان، فما إن تحرك بخيله حتى أصاب الحصان سهمًا أسقطه أرضًا بعنف شديد مما تسبب في ارتفاع صرخة نزار والتي كانت مصدومة أكثر منها متألمة.
لم يشعر سوى بجسده يتدحرج بعنف كبير مع الحصان أرضًا، وقد كان ثقل الأخير يقبع فوقه، ليكبت نزار صرخة أخرى كادت تخرج من فمه يحاول سحب جسده من أسفل الحصان وقد بلغ من الوجع مبلغه، لكن كل محاولاته توقفت تمامًا حينما شعر بظل يخفي ضوء القمر عنه.
رفع عيونه ببطء شديد وقد علم في نفسه من يكون صاحب الظل، وصدق حدسه حينما أبصر بسمة أصلان الذي همس له بصوت بدا كالفحيح:
"ليس من الآمن التحرك في غابات سبز في مثل هذا الوقت المتأخر سمو الأمير خاصة في وجود بعض الأشخاص السيئين في الأرجاء. تمامًا مثلنا ......"
أبواق الحرب انطلقت، أو ربما تلك فقط أصداء متأخرة، وربما الحرب كانت قد بدأت بالفعل دون أن نعي ذلك، والآن فقط أبصرنا نيرانها.
دمتم سالمين.
رحمة نبيل.
رواية اسد مشكي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رحمه نبيل
رفع عيونه ببطء صوب المرأة التي توقفت أمامه يرمقها بتردد. رغم أن لا أحد في المكان توجه له بما يشعره بالأمر، إلا أن إلياس في هذه اللحظة لم يشعر بالراحة في هذا المكان، وشعر لوهلة بالندم على المجيء.
نظر صوب فاطمة ثواني وكأنه يفكر في الهرب بها من المكان. وبالفعل كان على وشك فعل الأمر، لولا تحدث تبارك بهدوء شديد حينما أبصرت شحوب ملامحه واعزت قلقه الظاهر على زوجته كما سمعت من مهيار:
"لا تقلق يا سيد، ستكون زوجتك بإذن الله بخير. فقط ساعدنا لنأخذها إلى الداخل حتى نـ"
"لا."
كلمة واحدة قاطع بها إلياس حديثها لينظر لها بتردد وقد أدرك ما فعل منذ ثواني. أما عن تبارك فحدقت به بعدم فهم، ومن ثم نظرت جوارها لمهيار الذي تحفزت ملامحه وهو يرمق الرجل بريبة.
ليتدخل الحكيم في هذه اللحظة وهو يحاول أن يحسن بعض الشيء من صورة إلياس التي يقسم أن يفسدها كل ثانية:
"اعذريه سمو الأميرة، هو لا يقصد أي إهانة بالطبع. هو فقط متوتر ويكاد يُجن منذ ما حدث لزوجته. المسكين تزوج لتوه ليُصدم بحالتها. هيا... هيا يا ولدي أحمل زوجتك للداخل كي نساعدها. هيا."
نظر لهم إلياس برفض. ولم يكد ينطق كلمة إضافية حتى سمع صوت الحكيم يردعه عن أي تراهات ينطق بها، ومن ثم زجره بنظراته موبخًا:
"تحرك وأحضر زوجتك كي تطمئن عليها إلياس وتوقف عن قلقك هذا، سمو الأميرة هنا لتساعدك."
نظر لهم إلياس ثواني برفض ظاهري جعل تبارك تشعر بالريبة منه. لكنها تماسكت، فماذا يمكن أن يفعل وهو في قلعة سفيد؟
ابصرته يتحرك بهدوء صوب العربة يسحب منها جسدًا صغيرًا مغطى بالكامل من رأسه لأخمض قدميه، ومن ثم نظر لهم يتحدث بصوت خافت:
"إلى أين؟"
أشارت له تبارك بهدوء صوب المشفى الخاص بالنساء:
"من هنا رجاءً، أول غرفة تقابلك على اليسار وأنا قادمة لفحصها."
هز رأسه برتابة وتحرك يحملها بين يديه وهو يحدق في وجهها بحزن والهم يرسم خطوطًا واضحة فوق معالم وجهه، ليسلب تعاطف وشفقة تبارك عليه وهي تبصر مقدار معاناته لأجل زوجته. تنهدت بصوت مرتفع تراقب الحكيم وهو يتحرك ليسحب العربة بعيدًا عن الساحة، ولم يتبقى سوى هي ومهيار.
"هذا الرجل مريب بشكل كبير."
استدارت تبارك صوب مهيار تحدق فيه قليلًا قبل أن تعود بعيونها صوب الطريق الذي سلكه إلياس:
"ظننت أنني الوحيدة التي لاحظت الأمر. على كلٍ، أعتقد أن هذا بسبب مرض زوجته، أعانه الله."
صمت مهيار وهو ما يزال يحدق في الطريق:
"لا أدري ربما. على كلٍ، سأرافقك للمشفى وأنتظرك حتى تنتهين من فحصها وأعلم ما سنفعل معها. الحكيم أخبرني أن غيبوبتها مستمرة منذ يوم وأكثر، وهذا مقلق خاصة أنه أشار إلى أنها تعاني نزيفًا قويًا في الرأس."
"وما سبب النزيف يا ترى؟!"
"لم يخبرني، لكننا سنعرف ذلك بعد ثواني."
همست تبارك بصوت منخفض:
"تبدو الفتاة صغيرة، جسدها وهن وبشدة ربما لم تتحمل الأمر وكان هذا سبب الإغماء."
"دعينا نتأكد بأنفسنا، هيا لنلحق بهم."
سارت معه تبارك وهي تفكر في حالة تلك المسكينة التي سقطت ضحية الإعياء بعد زواجها بقليل من الأيام كما أشار الحكيم:
"مسكينة، عسى الله أن ينجيها من أي سوء ويتلطف بقلوب من يحبها."
"هونها عليك يا أخي."
تنفس المعتصم بصوت مرتفع وهو ينظر حوله بعجز بعدما تحرك مع زيان صوب العاصمة كي ينتشل المتبقيين من المندسين ويساعد في نقل المصابين من التسمم، وايضًا يبحث عنها بين الطرقات. وزيان يراقبه كالمجنون يدور بعيونه في المكان يناجي الجدران يسألهم عن "فاطمة"، ولو استطاع لحدثهم يستعطفهم بحالته، يشعر بانقباضة صدر، يخشى أن تكون قد أُصيبت بأذى يفقده إياها.
"والله لن تهون بسواها زيان، أنا حياتي أصبحت..."
"لم تعد هناك حياة من الأساس."
همس الكلمات الأخيرة بروح خالية من أي علامات توحي بوجوده بينهم في هذه الحياة. يدور حول نفسه يراقب الجنود منتشرين في الأرجاء وزيان يتابع نقل المصابين للعربات.
"اصبر وما صبرك إلا بالله، ستعود فلا مكان لها سواك حسب ما أعلم، كنت كل عائلتها وما لها سواك."
دار المعتصم بعيونه في المكان يهتم بقهر:
"لست بحالٍ أفضل منها زيان، فما لي سواها، ثم أنا أشعر يقينًا أن الأمر لم يكن بإرادتها، هذه المرة هي ليست بخير. أقسم بالله أن انقباضة صدري تكاد تخنق خفقاته و..."
فجأة توقف عن التحرك بشكل غريب وقد اتسعت عيونه بقوة يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي. وزيان يراقبه بقلق وخوف يضغط على كتفه بتسائل:
"ما... مابك يا المعتصم هل أنت بخير؟ ما بك؟!"
ابتلع المعتصم ريقه بصعوبة وهو يحاول التحدث بشكل طبيعي، ثم نظر صوب زيان يهمس بصوت مختنق وكأنه فقد قدرته على الحديث:
"لا... لا... هي... هي لها عائلة، هي لديها عائلة."
تعجب زيان من كلماته يحاول فهم ما يقصد. بينما المعتصم ارتجف بقوة وقد شعر بالمكان يدور حوله وهو يكتشف الآن ما أغفله في خضم رعبه وقلقه عليها وسخطه على حالها، يهتف بحرقة:
"لديها عائلة، لديها عائلة."
تراجع بظهره بعيدًا عن زيان الذي حاول معرفة ما يقصد المعتصم، لكن الأخير لم يمتلك حتى الوقت بالتوضيح وهو يسارع صوب حصانه يمتطيه، ومن ثم انطلق به بشكل مرعب وعيونه قد بدأت تشتد بشكل مخيف، ينظر أمامه والجحيم يرافقه.
دقائق طوال استمرت لنصف ساعة حتى وصل للقصر ليترجل عن الحصان بسرعة كبيرة يتحرك صوب الجنود المداومين على حراسة البوابات يصرخ بنبرة هلعة وهو يقتحم غرفة المراقبة:
"اعطني دفاتر المغادرين من القصر لليومين السابقين."
نظر له الرجل والذي انتفض عن مقعده برعب من مظهر المعتصم والذي كان أحمر العينين مبعثر الخصلات، وكأنه يخفي قاتل خلف قناع اللطف والهدوء. ولم يكد يستفسر حتى ضرب المعتصم المقعد أمامه بجنون:
"اعطني ذلك الدفتر اللعين."
تحرك الرجل بسرعة يحضر له ما طلب، بينما المعتصم يقف في مكانه وكأنه يقف على جمر. كيف كيف غفل عن الأمر، كيف غفل عن وجوده المفاجئ واختفائه المفاجئ؟
عاد له الرجل بالدفتر لينتزعه المعتصم من بين أنامله يقلب صفحاته بسرعة للتاريخ الذي اختفت به فاطمة وما يليه، يمرر عيونه على الكلمات بسرعة كبيرة وبسبب توتره لم يستوعب نصف المسجل أمامه من شدة لهفته وكأن ضباب مشاعره غطى عيونه، ليظل يقرأ مرة واثنتان وثلاثة بعجز.
رفع عيونه بعجز شديد ينظر للرجل أمامه وقد شعر أنه لا يستطيع القراءة، فقد قدرته على التحكم بكافة أطرافه. يمد يده بالدفتر صوب الرجل يتحدث بصوت خافت مرتجف:
"هل... أخبرني إن خرج في هذا اليوم شخص يُدعى إلياس فأنا لا أبصره جيدًا؟"
نظر له الجندي بشفقة، يمسك الدفتر وأخذ يفحصه بشكل محموم واهتمام شديد، حتى رفع رأسه بلهفة كبيرة وهو يشير صوب تاريخ ووقت معين يجاوره عدة أسماء يهمس بأمل:
"هذا هو سيدي؟!"
اقترب منه المعتصم وهو يركز على الاسم يحاول أن يمحو غشاوة عيونه التي تغطيها بقوة. وفكرة أن تكون زوجته كل ذلك الوقت بين يدي ذلك المختل تنحر المتبقي من تماسكه. ابصر اسم إلياس يتموج أمام عيونه وجواره وقت الخروج نفسه الوقت الذي اختفت بعده فاطمة.
انهار المعتصم وقد تأكدت ظنونه، يهتف بصوت مرتجف:
"هل... هل فتشتم العربة؟"
نظر له الجندي ثواني دون رد ليدرك المعتصم رده فتكون ردة فعله هو ضربة قوية لكل ما وقع أمامه يصرخ بجنون:
"لعنة الله عليه إن كان السبب، ليلعنه الله إن مسها، لعنة الله عليه، كيـــــــــــف... كيـــــــــــف خرج وأنتم جالسون دون تفتيش، كيف؟!"
تنفس بعنف وقد شعر بجسده يشتعل بنيران الغضب ينظر حوله بجنون يفكر من أين سيحضره الآن. كل ما يعرفه عنه أنه يسكن سفيد.
ابتلع ريقه وقد همس بإصرار وقهر:
"لا بأس.... لا بأس، حتى لو اضطررت لقلب سفيد رأسًا على عقب سأفعل... سأفعل."
تجلس في الشرفة الخاصة بها أرضًا تراقب السماء بأعين منطفئة. تضم قدميها لصدرها وهي تستند برأسها عليها شاردة لا تشعر بما يدور حولها.
تشعر أنها في كابوس. ما تزال حتى هذه اللحظة تبكي طفلها، ترثي نفسها، صغيرها الذي لم تبكيه لحظة على مرأى أحدهم، كانت الجدران هي أكثر من يشهد انهياراتها عليه.
القهر في نفسها يزداد، تتخيل ما حدث معه قبل موته، شعوره الذي شعره أثناء قتله، صدمته أن الفاعل والده. لم تعرف كيف قُتل ولا تريد أن تعلم كي لا تصاب بنوبات هلع، ويرافقه موته أثناء كوابيسها. تكفيها أحلامها التي تسيل منها دماؤه.
"في الجنة يا صغيري، كنت... رجلي ورفيقي، مت رجلًا صغيري، أثق أنك كنت ستكون رجلًا قويًا للغاية لاتشبه والدك في شيء، لكنها رحمة الله بك أن رحمك من خزي حمل اسمه المتبقي من حياتك، يكفيني أنا أن أحمل خزي الزواج بهكذا رجل."
أغمضت عيونها وهي تحاول إبعاد صورته عنه عيونها وأصواته الهامسة لها ما تزال تتردد وهو يلقي على مسامعها كلمات حادة كل يوم ليحطم منها أكثر وأكثر ظنًا أنه سيحصل على فتات من تحطيمها يجيد تشكيلها لاحقًا، ولم يعلم أنه سينال شظايا تقطع كفيه وتخضبهما دماءً.
"ماذا تظنين نفسك أنتِ يا امرأة؟ تتحدثين بهذه الوقاحة و..."
"أميرة سبز."
كانت كلمات باردة قاطعته بها وهي تنظر له بهدوء وملامح جامدة للغاية، وهو يراقبها بشر، لتهتف هي دون أن تعطيه فرصة التحدث حتى:
"من أظن نفسي؟! أميرة سبز، والسؤال هنا هو من تظن نفسك أنت؟ أعطني شيء يميزك عدا كونك زوجي أنمار."
ختمت حديثها وهي تبتسم له بسمة مستفزة تراقب وجهه الذي اشتد احمراره وقد وصل لحافة غضبه يكاد ينفجر مما يحدث.
فجأة تراجع جسد توبة ساقطًا على الفراش خلفها بقوة حينما تلقت منه صفعة تبعها صرخته المرتفعة:
"أنا ابن المستشار الأول للملك أيتها الـ****، وإن ظننتي أن زواجي منكِ ميزة تضاف لي، فزواجي منكِ شفقة مني على حالتك البائسة أيتها الولهانة."
رفعت عيونها له ترمقه بشر قبل أن تنتفض صارخة في وجهه:
"لا بائس في هذه الغرفة سواك أيها الـحقير، تلقي زوجتك بالسوء جزافًا أيها الحقير، أنا الأميرة توبة تتهمني بشرفي يا عديم الشرف والنخوة، وأنت تبطش كالحيوانات أينما وجدت امرأة؟!"
بصقت أرضًا وهي تهتف بصوت غاضب وقد لمعت عيونها بالشر:
"كلماتك هذه آخر كلماتك ستنطقها وأنا على اسمك، فلن أحيا ثانية واحدة مع نصف ذكر، سأكون ملعونة إن سمحت لك بلمسي مجددًا أيها الحقير."
ختمت كلماتها ترفع حجابها تضعه على رأسها وهي تتحرك بسرعة كبيرة خارج الجناح وقد قررت قرار لا عودة فيه، لن تظل زوجته يومًا إضافيًا ليس بعد ما فعل. لكن ما كادت تصل غرفة والدها حتى أبصرت حالة الاستنفار بالقرب منها لتهتف بهلع ورعب:
"أبي؟؟"
تنهدت بصوت مرتفع تسحب نفسها من تلك الذكريات السيئة تحاول أن تبعد كل ذلك عن عقلها، كل ما مرت به من بعد ذلك اليوم وسقوط والدها في غيبوبة لا تنتهي، وتعاون الجميع مع أنمار ليتسلم أمور البلاد دون الرجعة لها.
أبعدت كل ذلك عن رأسها وهي تبدل صورة أنمار التي تشعرها بالاختناق، بصورة أخرى جعلتها تبتسم دون وعي وهي تهتف باشتياق وخوف:
"نـــــــــــــزار."
"نزار... نزار هل تسمعني؟ نزار يا أخي هل تسمعني أرجوك اجبني."
أصوات تأتيه من بعيد وشعور قوي بالوجع يسكن كل جزء من جسده، عظامه يشعر بها متحطمة، ووجع كبير في يديه وهو يشعر أنهما ستخلعان من مكانهما.
فتح عيونه بصعوبة ليبصر أمامه وجه الوليد وهو ينظر له بخوف يهتف بكلمات لا تصل له، فقط همس دون وعي:
"أنا عطش."
هتف الوليد بسرعة وهو يحاول تحريره من القيود التي تربطه بالحائط بعدما تم الإمساك به في محاولة لتسريب خطة أصلان وتم سجنه في هذا المكان وتعذيبه دون رحمة.
"فقط دعني اساعدك للخروج من هنا، كان... كان قرارً خاطئًا منذ البداية، دعنا نخرج من هنا."
رفع نزار له عيونه بصعوبة وهو يحاول التحدث، لكن الوليد لم يمنحه فرصة وهو يسارع في فك أسره، ومن ثم حمل جسده أعلى ظهره يتحرك به بسرعة كبيرة من المكان، سرعة لا تناسب حمله لوزن نزار، لكنه كان يدرك أنه إن لم يخرجه في هذه اللحظة من الجحر فلن يستطيع الخروج ولن يسامح هو نفسه لتعريضه للخطر.
يتحرك وهو يبكي بخوف عليه، لا يزال يتذكر كلمات أحد رجاله الذين يعملون تحت أمره في الجحر وهو يهتف له بلهفة:
"سيدي لقد أمسك أصلان بالامير نزار وقد كان في حالة يرثى له وأخذه للسجون ولا يبدو أنه ينتوي له خيرًا."
تحرك يحمل فوق ظهره نزار وهو يسير خلف اثنين من رجاله الذين يؤمنون له الطريق، يهمس كلمات غير مفهومة على مسامع نزار:
"لو علمت أن سيري في هذا الطريق سيجعلني أخسر الشخص الوحيد المتبقي لي في الحياة ما وطأته، فقط لا تتركني يا أخي."
كان يهذي بكلمات غريبة ونزار يعي لكل ما يحدث، لكن الوجع في جسده جعله عاجزًا عن الرد بكلمة واحدة.
وصل به الوليد لمكان غريب لأول مرة يبصره ومن ثم وضعه على الحصان وهو يربت على ظهره يهمس:
"لا بأس يا أخي، لن اسمح لأحدهم باذيتك ليس وأنا حي."
"إذن سيكون وأنت ميت يا الوليد."
توقفت يد الوليد عن التربيت على ظهره نزار الذي لم يتمكن حتى من فتح عيونه لينظر إلى المتحدث والذي كان يدركه فقط من صوته. حاول رفع رأسه حتى وفشل، ولم يصل لمسامعه سوى صوت الوليد وهو يهمس له:
"اذهب لسبز واختبأ هناك هي أقرب لك، اختفي عن الوجود وعش حياتك يا أخي وتذكرني في دعواك لعل الله يغفر لي."
توقفت أمام ملجأه وهي تتنفس بصوت مرتفع وكأنها تحاول شحذ قواها لمواجهته تدرك أنه الآن في أكثر لحظاته قهرًا وضعفًا، وبدراسة شخصية زوجها العزيز، فهذه واحدة من اللحظات التي يرفض كليًا مشاركتها أحدهم، لكنها ليست أحدهم.
مدت يدها تفتح مقبض المنزل الذي يجلس به خلف القصر، لكنها تفاجئت به مغلقًا. ضيقت ما بين حاجبيها وحاولت فتحه مرات عديدة وفشلت، لتتنفس بشكل عميق وهي تطرق الباب بهدوء:
"أرسلان أنت في الداخل افتح هذا الباب."
لكن لا رد، لا صوت وصل لها يخبرها أن هناك أي أحد في الداخل، فقط هدوء الليل المريب والقمر الذي يتوسط السماء منبئًا ببداية الأيام البيض التي تتوسط الشهور الهجرية، وتحديدًا منتصف مُحرّم.
نظرت صوب القمر ثواني وكأنها تذكرت فجأة شيئًا، كلمات متناثرة بالفارسية عن شيء سيحدث في منتصف الشهر، منتصف الشهر؟ أي غدًا؟ أم اليوم حيث الليلة الأولى من نصف الشهر؟
طرقت الباب مجددًا بجدية وصوت متلهف:
"أرسلان افتح هذا الباب هناك ما احتاج لاخبارك إياه، افتح ودعني ادخل رجاءً، أرسلان هل تسمعني حتى؟ أرسلان افتح هذا الباب ارجوك، لا تفعل هذا بي وتنبذني بعيدًا عن حياتك، أرسلان اترجاك."
وفي ظلام الحجرة في الداخل.
يجلس بهدوء مستندًا على الجدار برأسه وهو يراقب السماء التي كانت واضحة له من زجاج شرفته برتابة ظاهرية، واحتراق داخلي، ومائة فكرة وصوت يترددون في عقله. هل هو مجبر على ذلك؟ هل هو مجبر أن يحيا حياته مقيدًا بهذا الشكل ليتم في النهاية الطعن به وبشرفه، ما الذي جناه من كل هذا؟
سقطت دمعة على وجنته وشعور القهر والمرارة يملآن صدره. الخذلان يتغذى على قلبه وقد اكتفى، اكتفى من كل ذلك، يشعر بفقدانه القدرة على المواصلة في كل هذا، يتساءل إن كانت هناك نهاية لكل ما يحدث له، نهاية سعيدة في مكان بعيد عن هذا.
مكان كبير ملئ بالزهور الملونة وهي تجلس في منتصفه تنتظره ليلقي بنفسه بين أحضانها ويغفى على قدمها بهدوء شديد ويلقي بالدنيا وما فيها خلف ظهره.
تنهد براحة من مجرد التخيل، وقد كان في عالم بعيد لا يسمع شيء مما تقوله سلمى في الخارج، يحيا معها داخل عقله غير واعيًا لشيء.
شعر بالضيق يتمكن من قلبه مجددًا والشيطان يوسوس له بكلمات جعلته ينتفض من مكانه يصرخ بصوت مرتفع يحطم ما حوله بشكل محموم يتنفس بقوة، يندفع بعيدًا عن المكان صوب المرحاض وقد شعر بتحكم الأفكار السوداء به، قرر الصلاة كي يبعد كل ذلك عن عقله، قرر البحث عن سكينته في المكانة الذي كان متأكدًا أنه سيجدها فيها.
كل ذلك ولم يخترق قوقعته صوت سلمى الذي ارتفع برعب من الخارج وهي تزيد من طرقها على الباب تهتف باسمه مرتعبة مما قد يفعل بذاته.
"أرسلان لا تفعل هذا بي، افتح هذا الباب وأقسم أنني لن أتحدث معك بكلمة واحدة، فقط أكون جوارك ولو صامتة، لا تعزلني وتبعدني عنك أرسلان، أرسلان أرجوك."
ختمت كلماتها بنبرة باكية خافتة وهي تنهار أرضًا تستند على الباب تهتف بصوت مختنق باكٍ:
"أتوسل إليك لا تفعل بي هذا، لعنة الله على عالم يحزنك أرسلان، إن نبذك الجميع، فأنا مازلت أريدك، مازلت أريدك ولو رفضك الجميع، مازلت اتقبلك ولم يعد لي غيرك."
بعد ساعات طويلة من كل ذلك:
الأجساد تتحرك في الظلام بشكل غريب، ظلال وهمسات واستنفار غريب داخل العاصمة في مشكى، ليس فقط مشكى بل كانت الحركات منتشرة في الأربع ممالك.
الأصوات تتهامس والأعين ترسل إشارات معروفة متفق عليها.
فجأة وفي ظلمة الليل وفي لحظة واحدة، منتصف الليل وبداية منتصف الشهر، ارتفعت أصوات مفاجئة ضجت في المكان.
ولم يكن ما يحدث يقتصر على مجرد أصوات صاخبة أيقظت الأموات من قبورهم، بل كانت جحيماً فُتح على الجميع، انفجارات متتابعة بدأت تدوي في أرجاء الممالك الأربعة وفي أماكن معينة مدروسة بدقة.
وفي ثواني تحول الليل الهادئ لنهار من شدة النيران التي اندلعت عقب الانفجارات.
وقد بدأت أصوات الصرخات تعلو في المكان وكلٌ يلوذ بحياته وحياة ذويه، منهم من يمسك بيد طفله ويركض به، والبعض يهرول في الطرقات يحاول إطفاء نيران جسده، وهذا يصرخ هلعًا وهو يحمل بين كفيه جسد ابنته المحترق.
انتشرت الفوضى في الممالك في ثواني وقد بدا وكأنها إبادة جماعية لسكان الممالك.
**سفيد:**
انتفض جسد سالار بسرعة وهو يركض بسرعة في الطرقات بعدما انطلقت أبواق الإنذار تضج في القصر، لا يبصر أمامه سوى دخان ونيران بدأت تملئ سماء سفيد يردد بصوت مرتفع:
"يا الله يا مغيث يا الله يا مغيث."
كان الجميع يركض يحاول تدارك ما يحدثه، وقد كان أول من ينطلق خارج القصر هو إيفان الذي هرول يمتطي أول حصان قابله، عيونه متسعة بفزع وكأنه يبصر أشباحًا أمامه، يتحرك بحصانه بسرعة صوب أصوات الانفجارات التي بدأت تزداد تغطي على أصوات الصرخات، قلبه يكاد يتوقف وهو يتنفس بصوت سريع يبصر الجميع حوله يهرولون للمساعدة.
فجأة توقف على بداية الطريق المؤدي لساحة العاصمة وقد انعكست النيران في عيونه لتسبب له صدمة جمدته في مكانه، يهمس بصوت مرعب وقد شحب وجهه:
"يا الله رحمتك بنا."
انتفض على صوت سالار الذي كان يصرخ بصوت جهوري في الجميع وقد قفز عن حصانه دون توقفه حتى يبصر عجز الجميع عن التصرف وقد كانت البحيرات تبعد عن مكان الانفجارات وكأنهم اختاروا أماكنهم بعناية:
"الآبار، استعينوا بمياه الآبار، والبعض يركض لسحب مياه من البحيرة التي تتوسط المشرق، تحركوا قبل أن تلتهم النيران المزيد من المساكن."
استفاق إيفان من صدمته وهو يهبط عن حصانه يهرول بسرعة صوب المنازل يساعد الجنود في إخراج الناجين منها وقد عمت الفوضى في المكان وهو يصرخ بصوت مرتفع:
"للقصر ليتوجه جميع الناجين صوب القصر، الجميـــــع يتحــــرك للقصـــــر الآن."
**آبى:**
"أبي هل مازلت مستيقظًا؟!"
نظر آزار خلفه بعدما سمع صوت ابنته، يمنحها بسمة حنونة مشيرًا لها أن تقترب لتجاوره شرفة غرفته:
"هذا السؤال الذي يجب أن أسأله أنا لكِ صغيرتي، ما الذي تفعلينه مستيقظة حتى الآن؟"
"لا شيء كنت فقط أقرأ بعض الكتب في المكتبة وقد طار النوم من عيوني."
صمتت ثواني وكأنها تمتلك ما تتحدث به، لكنها مترددة في كيفية طرحه:
"أبي هو... هل... هل سيعود أخي قريبًا؟"
ابتسم لها آزار بحنان وقد كانت ابنته واحدة من القلائل في قصره الذين يعلمون حقيقة نزار وقد أبى أن يفسد في عيونها دور البطل الذي ترى بها شقيقها، أبى أن يكسر صورة ابنه في عيون شقيقته ولو كان كذبًا.
"إن شاء الله حبيبتي سيعود قريبًا، فقط دعينا ندعو الله أن يعيده لنا بخير حال."
اقتربت منه وهي تستند على صدره تردد بصوت حزين بعض الشيء:
"أتمنى فقط... اشتقت له كثيرًا."
ابتسم يقبل خصلاتها بحنان مربتًا عليها بلطف:
"وهو كذلك اشتـ"
فجأة علقت الكلمات في حلقه حينما أبصر السماء المظلمة تتحول لنهار من شدة النيران التي ارتفعت في المكان عقب صوت انفجار قوي، انتفضت ابنته صارخة بين يديه ليضمها له آزار وهو يهمس بصدمة كبيرة جمدته في أرضه:
"بســــــــــم الله."
**سبز:**
تحركت بين الممرات تحمل بين يديها الأعشاب الخاصة بوالدها وهي تسرح بها وكأنها تحكي لها عن صاحبها، تشكو لها شوقها له.
أبعدت عيونها عنها وهي تسير صوب الغرفة تتوقف أمامه تمد يدها لطرق الباب، لكن وقبل أن تفعل انتفض جسدها تطلق صرخة مرتفعة تزامنًا مع ارتفاع أصوات الانفجارات في الخارج.
اتسعت عيونها وهي تركض بسرعة ورعب في الممر حتى وصلت للنافذة التي تقبع في نهاية تبصر منها ما يحدث بأعين فزعة مرتعبة، وقد ارتجف صدرها لتسقط طبق الأعشاب ويتهشم أسفل أقدامها، تراجعت بخوف للخلف وهي تحاول أن تتماسك.
ركضت في الممر بسرعة وهي تصرخ باسم والدها:
"أبـــــــي، أبـــــي."
كان الخوف يعلو ملامحها وهي تسمع أبواق الإنذار تدوي في المكان وأصوات الصرخات تزاحمها الأجواء.
توقفت أمام باب غرفة والدها ولم تكد تطرقها حتى أبصرت جسد بارق يندفع من المكان بسرعة وهو يصرخ بصوت جهوري:
"اذهبي للملجأ الغربي توبة، خذي نساء القصر واذهبي للملجأ الغربي."
ومن بعد تلك الكلمات تلاشى جسد بارق وهو يهرول مع جنوده للبحث عن المتسبب في الأمر تاركًا إياها تراقبه بأعين دامعة خائفة وبقوة.
**مشكى:**
انتفض جسد سلمى بقوة وهي تنظر حولها بعدم إدراك لما يحدث وقد غفت دون شعور من التعب أمام باب المنزل الذي استقر به أرسلان، لكن ما بال الأرض أسفلها ناعمة بهذا الشكل.
فتحت عيونها تحاول إدراك المحيط بها، لتبصر غرفتها وفراشها وموزي جلس أمامها يتناول بعض الطعام ملوثًا المكان بأكمله وخالد معه يتحدث له بكلمات غير مفهومة.
نظرت لهم سلمى دون إدراك وهي تقسم أنها كانت أمام ملجأ أرسلان، كيف جاءت هنا؟
"أنت من أحضرني هنا خالد؟"
رفع خالد عيونه لها وهو يتنفس الصعداء:
"واخيرًا استيقظتي؟ لقد خفت عليكِ كثيرًا منذ عاد بكِ زوجك شاحب الوجه يحملك بين ذراعيه، الغريب أنه سمح لي بالبقاء معكِ أنا وموزي شريطة ألا نتسبب في إيقاظك، وها أنتِ فعلتي دون تدخل أحدنا."
ختم كلماته ببسمة وهو ينظر لها، بينما هي نظرت له بعدم فهم تفكر في الأمر قبل أن يحمر وجهها بقوة حينما أدركت أنه لم يسمح لها بالدخول في النهاية وأحضرها هنا بكل بساطة، كانت هذه الفرصة الأخيرة التي وضعتها له بالحسنى والآن استنفذ كل تحضرها ولطفها معه، طفح الكيل.
انتفضت عن الفراش تتحرك بقوة خارج المكان وهي تحمل معطفها ولم تكد تضعه على جسدها حتى اهتز جسدها بقوة تطلق صرخة تزامنًا مع ارتفاع أصوات صرخات موزي وخالد الذي فزع من الصوت المرعب الذي ارتفع في الخارج.
وضعت سلمى يدها على صدرها بخوف تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، لكن أصوات الانفجارات التالية لم تكن تساعد في الأمر بأي شكل من الأشكال، ركضت صوب النافذة تراقب منها ما يحدث تحاول فهم ما جرى في الخارج، لتبصر الجحيم وقد تمثل لها على أرض الواقع.
لأول مرة تبصر مشهدًا كهذا بعدما كانت تبصره من خلف الشاشات، الآن تراها واقعيًا كما لم يكن يومًا، واقعًا يعايشه شعب بشكل يومي تقريبًا.
شهقت برعب وهي تتراجع للخلف ولم تكد تنطق بكلمة حتى سمعت صوت صرخات أرسلان وهو يلقي بالتعليمات للجميع وصوته الجهوري يصل لها في غرفتها:
"سيارات الخزانات، احملوها وتوجهوا بسرعة صوب العاصمة، افتحوا خزانات المياه في العاصمة، افتحوا كامل الخزانات حتى لو أغرقتم العاصمة، تحركـــــــــــــــوا."
وارسلان عكس الجميع، وبعد نكبة مشكى الأولى أخذ يحمي بلاده ويضع في كل منطقة خزان مياه عملاق يستمد حمولته من البحيرات والبحار التي تحيط مشكى، وكأنه كان يخشى أن يمر شعبه بما يؤرق نومهم مجددًا. وقد كان وللأسف الشديد أنه كان.
تحرك فوق حصانه بسرعة كبيرة صوب العاصمة وسلمى تراقبه بأعين متسعة وخوف بدأ يتغذى على ثباتها لتتحرك دون وعي وبسرعة صوب الأسفل.
أرسلان ليس في حالته الطبيعية وليس في كامل عافيته النفسية بعد كل ما مر به، لا تستطيع تركه يلقي بنفسه في التهلكة.
تحرك خالد بسرعة من فوق الفراش وهو يلحق بها مرتعبًا أن يمسها سوء، لكن ما إن خرج خلفها ليلحق بها أبصر تيم وهو يركض مع بعض الرجال يصرخ لهم بتعليمات كثير فهم منها أنه يطالبهم بمساعدة النساء وإبعادهم مع الأطفال صوب الملجيء.
نظر صوب بوابة القصر حيث اختطفت أخته أحد الأحصنة ورحلت، ومن ثم نظر صوب أحد المباني التي كان يرتفع منها بكاء أطفال وصرخات كثيرة.
كاد يهرول خلف سلمى لينفطر قلبه بشدة حينما سمع صوت أحد الأطفال وهو يصرخ باكيًا:
"لا أريد أن أموت كأبي، لا أريد أن احترق مثله."
ارتجف جسد خالد بقوة وهو يهرول بسرعة صوب الصغير يلتقطه من الارض بقوة لأحضانه، ومن ثم تحرك بسرعة صوب الأطفال يقودهم أمامه بلهفة:
"هيا يا صغار تعالوا معي، هيا تعالوا معي، هيا."
كان يقودهم بعيدًا عن كل تلك الضوضاء وقد أبصر تيم ينظر له بامتنان يشير صوب أحد الجهات:
"خذهم لهذه الجهة ستجد هناك ملجأ مؤمن، ساعدهم يا خالد أرجوك."
هز خالد رأسه بالايجاب وهو يتحرك بسرعة محركًا الصغار معه وهو يردد لهم بكلمات هامسة مطمئنة، يحاول بث الطمئنينة بصدورهم مشفقًا عليهم أن يبصروا كل ذلك في هذا العمر مدركًا أن الصغار لن يتخطوا كل ذلك بسهولة، هذا إن فعلوا من الأساس.
كانت سرعة حصانها مرعبة بالنسبة لامرأة لم تمتطيه سوى مرات تعد على أصابع اليد الواحدة، لكن في هذه اللحظة كان خوفها على أرسلان، يفوق رعبها من وضعها الراهن.
تتحكم بالحصان بصعوبة كبير ولا تعلم حتى كيف توقفه، كل ما تعلم هو أنها يجب أن تكون جوار أرسلان في هذه اللحظة وتساعده.
أبصرت حصان المعتصم يتحرك بسرعة أمامها لتتبعه بسرعة تضاهي سرعته وهي تنغز خاصرة الحصان، وقد اشتد خوفها مما يحدث وأصوات الصرخات في المكان حولها أصابها بالرعب والخوف حتى كادت تنهار لثواني لولا تماسكها وهي تهمس لنفسها بكلمات خافتة.
ابتلعت ريقها تتوقف فجأة بالحصان في إحدى الطرقات حينما أبصرت النيران التي بدأت تلتهم المكان حولها بشكل مخيف، حاولت التنفس بشكل طبيعي، تبلل شفتيها وهي تراقب ما يحدث بأعين مصدومة.
هي والتي لم تعش بمشكى سوى شهور شعرت بالقهر وقد أوجعها قلبها مما ترى، فما بالكم به وهو الذي وهب كل قطرة دماء بشرايينه لهذه البلاد.
حركت عيونها في الجميع تبحث عنه بخوف واضح، تبصر هذا يركض يحمل دلو مياه، وهذا يحمل طفل ويخرج به من منزل محترق.
وزيان يركض بجنون مع بعض الجنود يحمل المصابين بعيدًا عن الحرائق، كان يركض في الطرقات وكأنه اعتاد الركض طوال حياته، حتى أنه واثناء ركضه اصطدم دون شعور في صخرة ليسقط أرضًا بقوة يطلق تأوهًا مرتفع، لكنه عاد ونهض بسرعة غريبة يتحامل على نفسه وهو يسارع لنقل باقي المصابين.
انهارت سلمى وهي تبصر ما يحدث أمامها، وقد بدأ تنفسها يعلو بقوة تبحث عن مصدر أمانها بين الجميع، لتبصره واخيرًا وهو يحمل دلاء المياه في كلتا يديه مع جنوده ويركض بها بين الطرقات محاولًا إدراك ما يمكن إدراكه.
جاءت لتساعده، لتدرك فجأة أنه طوال الوقت كان هو من يساعدها دون أن تشعر، ظنت أنها تدعمه لتعلم أن وجوده كان أكبر داعم لها في حياتها.
تراقب الجميع يتنقل هنا وهناك للمساعدة لما يمتلكون، وهي فقط تتابع ما يحدث بعيونها ولا تعلم ما تفعل، هبطت عن الحصان بشكل غير صحيح تمامًا تسبب في سقوطها، لكنها لم تأبه تفرك ركبتها بوجع، ثم تحركت في المكان تنظر حولها بتيه قبل أن تتحرك وتساعد في إخراج النساء وقد كانت تركض هنا وهناك تحمل طفل هذه وطفل هذه وتضعهم بالعربات التي تحملهم صوب القلعة، تساعد هذه العجوز وتعين هذا الشيخ.
وقد كان جسدها يرتجف مما ترى ورائحة الحريق تكاد تخنقها، تحاول مساعدة من يمكنها مساعدته وهي تقابلهم بلطف ونبرة رقيقة.
"لا بأس تمسكي بي... دعني اساعدك يا عم هيا... امسكي يدي يا صغيرتي لنخرجك من هنا."
امسكت بيد طفلة صغيرة تسحبها بسرعة بعيدًا عن الحريق، لكن الصغيرة بكت وهي ترفض التحرك تصرخ متمسكة بالأرض أسفلها مشيرة صوب المنزل:
"أمي بالداخل، لن أرحل دونها، لن أرحل."
نظرت لها سلمى وهي تنظر للمنزل الذي كان الحريق يلتهم جزء منه وفي طريقه للجزء الآخر:
"لا بأس صغيرتي دعينا نخرجك من هنا، ومن ثم نخرج ماما و..."
"لا لا... أنتِ لا تفهمين، أمي لا تستطيع السير، هي مريضة لا تستطيع التحرك ساعديها أرجوكِ، ساعديها لم أعد امتلك سواها وقد رحل أبي."
نظرت لها سلمى بصدمة قبل أن تحملها بسرعة وبالاكراه تركض بها صوب العربة تضعها هناك وهي تهمس لها بجدية:
"ابقي هنا سوف أحضر لكِ والدتك حسنًا؟؟ اجلسي هنا ولا تتحركي."
همست بحنان، ومن ثم تحركت بسرعة صوب المنزل ولم تبصر السيدة التي مرت بجانبها وهي تتكأ بصعوبة على بعض نساء حارتها، أخذت السيدة تسير بصعوبة حتى وصلت للعربة مع جيرانها لتبصر ابنتها التي بكت بسعادة وهي تلقي نفسها بين أحضان والدتها المتعبة:
"أمي حمدًا لله أنكِ هنا، لقد أرسلت لكِ الخالة لتخرجك لم أرحل دونك."
ابتسمت لها والدتها بتعب شديد ولم تكن تعي كلماتها، فقط ربتت على كتفها بحب، لتلقي الصغيرة نفسها بين أحضان والدتها تستمد منها الحنان.
وقد غفلت أنها للتو أرسلت سلمى لحريق لن تخرج منه بناجٍ وربما لن تخرج هي ناجية حتى.
تحركت سلمى بسرعة تبحث عمن يساعد في الأمر، لكنها أبصرت الجميع وقد كان مشغولًا بإطفاء الحريق، تحاول إيقاف هذا وذاك، ولا أحد يملك وقتًا للتوقف ثانية وسماع ما تريده، الجميع يهرول ليساعد بما أُمر به، نظرت صوب المنزل بعجز وهي تفكر في التراجع، لكن المرأة المريضة بالداخل وابنتها في الخارج وحدها، هل ستتحمل العيش بذنب طفلة فقدت أمها وكانت تمتلك هي فرصة المساعدة؟
ألا يكفيها ذنب ياقوت الذي ما يزال يخنقها، تحركت بعد دقائق تردد داخل المنزل وقد شجعها أنه لم يكن قد احترق بالكامل.
اندفعت بسرعة صوب المكان وهي تغلق أذنها عن أي أصوات قد تلقي الخوف في صدرها وتمنعها الأمر، ومن بين تلك الصرخات كانت صرخة جندي وهو يبصر امرأة تلقي بنفسها بين النيران ليهرول لها صارخًا بجنون:
"مـــــا الذي تفعلينه، توقفي سيدتي، لا أحد بالداخل."
لكن كانت صرخته متأخرة وقد دخلت سلمى بالفعل، اتسعت عيون الجندي بصدمة أكبر وهو يسمع همسة رفيقه من الخلف وقد انتبه على صرخاته منذ ثواني وتعرف على هوية سلمى في ثواني متحدثًا بصدمة بالغة:
"هــــــــل هـــــــذه الملكــــــــة؟?"
كان أرسلان يتحرك مع رجاله يطفئون الحرائق وينقلون المصابين لجهة بعيدة حيث زيان وفريقه الطبي يسعفهم، أرسلان يهرول بين الجميع وهو يبصر خرابًا آخر ووجع آخر يحاول تدارك ما يحدث، يراقب للمرة التي لا يعلم عددها دمار بلاده وخراب ما كاد أن يصلحه.
تراجع وهو يتنفس بصوت مرتفع يردد بصوت مختنق:
"إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، اللهم أجرنا في مصيبتنا."
أخذ يراقب بعيونه الجنود وهم يتداركون الوضع ويخرجون كل السكان ويفرغون المكان، استطاعوا الخروج دون ضحايا رغم بشاعة الإصابات، أنقذوا الأرواح وخسروا المنازل.
أغمض عيونه وهو يراقب تحرك جنوده بعيدًا ببعض الناجيين يسمع صوت المعتصم وهو يركض صوبه يتحدث بصوت مرتفع:
"مولاي الحمدلله لم نفقد ضحايا اخرجنا الجميع في الوقت المناسب وقد كانت الانفجارات بعيدة عن المنازل، لكن الحرائق الناتجة عن الانفجار تسببت في خراب الكثير من المنازل والغلال وكذلك الكثير من الإصابات."
تنهد أرسلان براحة جزئية وقد حمد ربه أن خطط الإخلاء التي سبق ووضعها بعد نكبتهم قد أتت ثمارها:
"لا بأس يا المعتصم، لا بأس، خسارة الأملاك تُعوض، غدًا نبنيها مجددًا كما فعلنا سابقًا، فقط حاولوا إطفاء الحرائق كي لا تمتد للمــ"
"مــــــــولاي، مــــــــولاي، إنهـــــــا المــلكـــــة، الملكة ألقت بنفسها في أحد المنازل المشتعلة تبحث عن ناجين و...."
كانت مجرد كلمات هلعة نطق بها الجندي، لكنها كانت بمثابة قنبلة أخرى سقطت عليهم، لكن من بين الجميع لم تصب سوى أرسلان الذي شحب وجهه وارتجف جسده وهو يستدير بسرعة مرعبة صوب الجندي يهتف بعدم إدراك وقد دارت الأرض أسفله يتحدث بصوت مرتجف لأول مرة على مسامع جنوده:
"ملكة؟ أي ملكة تقصد أنت؟?"
وكأن مشكى تمتلك ملكة غيرها! لكن عقله أبى تصديق ما سمع، وماذا ستفعل سلمى هنا، ولماذا ستلقي بنفسها في منزل محترق؟ هو تركها آمنة في فراشها ليعود ويجدها هناك سالمة تنتظره ليعتذر لها، ويترجاها ألا تتركه وحده.
"ملكة... الملكة، زوجتك مولاي."
وقبل أن يتبع جملته بجملة أخرى اندفع جسد أرسلان بجنون صوب الجهة التي أشار لها الجندي، يهرول كالمجنون وهو يدفع الجميع من أمامه يصرخ بلوعة مناديًا باسمها وقد توقف قلبه عن الخفقان.
ركض وركض حتى وصل لمنزل شبه محترق بالكامل يحاول جنوده إطفاء الحرائق باستماتة، والبعض يحاول الدخول، لكن النيران كانت تأكل كل ما يقترب منها، وارسلان يراقب كل ذلك بجسد مرتجف وقد شعر بالخوف يشل جميع أطرافه يراقب المنزل أمامه وقد انعكس اشتعاله داخل عيونه بعجز أصابه لثواني.
لكن سرعان ما خرج من حالة العجز تلك وهو يسمع صوت أحدهم يصرخ بجملة أبصر بها دمار حياته "الحريق يزداد شراسة، والملكة بالداخل، ليحضر أحدكم المزيد من المساعدات."
الملكة بالداخل.
الملكة بالداخل.
الملكة بالداخل.
المرأة الوحيدة التي سلم لها حياته، في الداخل، داخل الحريق؟
وعندما ضربت هذه الحقيقة مراكز الإدراك أطلق أرسلان صرخة مرتعبة يأمر جنوده باطفاء الحريق، وهو يركض كالمجنون صوب المنزل يلقي بنفسه بين ألسنة اللهب وصوته لا يتوقف عن النداء باسمها، وقد كان قاب قوسين أو أدنى من إلقاء نفسه بين أحضان الحريق لولا يد المعتصم الذي جذبه برعب بعيدًا عن المنزل يصرخ بخوف:
"لا مولاي لا تفعل الحريق شديد، لا تفعل سوف نخرجها، أرجوك لا تفعل، سنخرجها، انتظر فقط ثواني ارجوك."
نظر أرسلان صوب المعتصم نظرة جمدت دماء الآخر داخل عروقه، لكنه لم يتحرك وقد عاونه تيم وبعض الجنود يجذبونه بعيدًا عن الحريق وارسلان يقاومهم بشراسة وهو يصرخ بهم:
"دعوني، زوجتي بالداخل، اتركوني، هل جننتــــم؟؟ زوجتي داخل الحريق، زوجتي بالداخل، والله لن أسامحكم والله إن مسها خدشٍ واحد لأحيلن حياتكم اجمعين لجحيم أسوأ مما تبصر أعينكم الأن، اتركــــــــوني زوجتي بالداخل."
"أرجوك مولاي فقط تمالك نفسك سوف نخرجها، لكن لا يمكننا فقدناك."
دفع أرسلان المعتصم بعيدًا وهو يلكمه بقوة صارخًا بجنون:
"سأقتلك يا المعتصم قسمًا بالله سأقتلك إن لم تبتعد من أمامي."
ختم حديثه يحاول جذب نفسه من بين أذرع جنوده، لكن الرعب الذي على وجوههم في هذه اللحظة والخوف الشديد من خسران قائدهم وملكهم كان أقوى من أي خوف أو رعب.
جن جنون أرسلان وهو يحاول الإفلات بيأس وقد بدأت صرخاته تزداد ونبرته ترتجف وهو يصرخ بهم:
"دعــــوني لعنة الله عليكم اجمعين، دعوني زوجتي تحترق بالداخل، والله العظيم لأحيلن مشكى جحيماً فوق رؤوس الجميع إن لم تتركوني، لأكونن أنا عدوكم أجمعين."
تحدث المعتصم بارتجاف:
"نحن نتدارك الوضع مولاي، أرجوك فقط اصبر سوف نخرجها، لكننا لا نستطيع المغامرة بك ومشكى لا...."
جن جنون أرسلان ليتحدث دون وعي كلمات ما كان ليفكر بها حتى في حالته الطبيعية، ولسان خوفه من فقدانها هو من يتحدث:
"ألا لعنة الله عليك وعلى مشكى، أنا أتنازل عنها وعنكم وعن الجميع، فقط لا أطلب منكم سواها، لم أطلب يومًا سواها، حتى الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرة تسلبوني إياه."
بُهت المعتصم وهو يدرك أن أرسلان محق هو أناني، لكنه مجبر على أن يكون، إن سقط أرسلان سقطت المملكة وستضيع بشعبها وتتدمر بالكامل، سيضيع شعبه بأكمله إن مس أرسلان سوء، ورغم ذلك تذكر أنه يومًا ألقى بنفسه في النيران لأجل فاطمة وسيفعلها مجددًا إن تطلب الأمر، نظر بعجز لأرسلان يدرك أنه سينفذ تهديده إن مسها سوء، لذا هز رأسه وهو يأمر الجميع بتركه.
لكن هذه المرة هم من رفضوا تنفيذ أوامره ليجن جنون المعتصم كذلك وهو يتحرك صوبهم يصرخ في وجوههم بترك الملك.
"ما بكم أنتم؟؟ هذه أوامر الملك أيها الحقير، دعه تيم هل جننت لعصيان أوامر الملك؟?"
وارسلان لم يفكر كثيرًا أو ينتظر لينتهي هذا النقاش، وهو يخرج خنجره ويصيب أول شخص أمامه وقد كان نفسه تيم الذي تراجع للخلف بصدمة ممسكًا ذراعه، يبصر أرسلان يضرب جميع من يمسك به وهو يهرول صوب المنزل المشتعل يضرب بابه بقدمه يلقي بنفسه بين النيران وقد أخذ عهدًا على نفسه، إما أن يخرج بها، أو يلحق بها.
"إيفان أبتعد، إيفان ابتعد ما بك."
كانت صرخات سالار ترتفع في المكان بأكمله، بينما إيفان يركض حاملًا بين ذراعيه طفل شبه محترق وهو يصرخ بصوت مرتفع:
"الأطفال في الداخل سالار، الكثيرون هناك، تحركوا واخرجوا الصغار."
تحركت عيون سالار صوب المنزل الذي خرج منه إيفان، قبل أن يركض بسرعة وهو يشير لبعض الرجال بلحاقه، يتحرك بسرعة كبيرة ينقذ ما يمكن إنقاذهم، وايفان يركض بشكل جنوني يحمل الأطفال ويخرجهم للعربات قبل أن يشعر فجأة بنيران تحرق ظهره ليطلق صرخة مرتفعة رن صداها في المكان.
اتسعت عيون سالار وهو يبصر أحد الأجزاء المتداعية تهبط فوق ظهر إيفان ليطلق صرخة كما لو أنها سقطت فوقه هو، يهرول صوب إيفان يضرب الأجزاء المحترقة بقدمه يجذب إيفان بعيدًا عنها وهو يضمه له بخوف شديد يساعده للخروج من المنزل هاتفًا في الرجال حوله:
"اسرعوا واخرجوا الأطفال اسرعوا وأخرجوهم من هنا."
تحرك بسرعة يسند إيفان الذي كان يتأوه بوجع يحاول أن يتماسك:
"لا بأس سالار أنا... أنا بخير... بخير... فقط اتركني وتولى الأمر، أخرج الصغار من الملجأ الخاص بهم، اخرجهم قبل أن يمس أحدهم سوء."
أجلس سالار في مكان بعيد عن النيران وهو يقطع سترته ينظر للحروق التي ملئت ظهره بشكل كبير:
"أهدأ لقد حدث ما تريد اخرجناهم، أهدأ، نحن نتدارك الوضع."
أبعد إيفان عيونه عن سالار الذي أخذ يقيم جروح ظهره، ومن ثم نظر لبلاده بأعين ضبابية من الدموع يهمس بصوت موجوع على بلاده وشعبه وقد سقطت دمعة دون شعور منه وصوته خرج محملًا بغصة قهر وبسمة لا تلائم الوضع ارتسمت على فمه:
"أتضح أن أرسلان كان أقوانا طوال الوقت، لم يكن يبالغ حينما مازحنا بأنه أشدنا بأسًا، هو كذلك بالفعل، كان....كان جبلاً ليتحمل رؤية بلاده لشهور تعاني مما نعانيه نحن في ساعات ولم ينهار أرضًا، أعانه الله وأعاننا."
نظر له سالار ثواني قبل أن يحرك عيونه صوب المنازل التي بدأت نيرانها تخفت بعدما تداركوا الوضع بصعوبة ولمدة ساعات، يجلس بهدوء أرضًا يراقب الأدخنة المتصاعدة واطلال المنازل بأعين شاردة:
"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ليتلطف الله به وبنا جميعًا، إنا لله وإنا إليه راجعون."
سبز.
كانت تقف في الساحة وهي تساعد في نقل الصغار والنساء المصابين صوب المشفى تساعد في إيواء اللاجئين من الحريق للغرف ترشد هذا وذاك وقد أوشكت على السقوط أرضًا تنهار مما ترى، لم تكد البلاد تنهض بعد عودة والدها لهم حتى انهارت مجددًا.
سقطت دموعها وهي تحمل أحد الأطفال تتحرك به صوب المشفى تضعه على الفراش وهي تهمس له بكلمات لتهدأ بكاءه، تساعد الأطباء في علاج من تستطيع المساعدة.
ومن ثم تحركت صوب الساحة وقد كان خوفها على والدها قد بلغ مبلغه، أخذت تدور بين المصابين تساعدهم وعقلها يدور حيث والدها وباقي الشعب.
"اللهم أجرنا يا الله."
"سمو الأميرة مصاب آخر أتى، لكن حالته تبدو أسوأ بكثير."
نظرت توبة صوب العاملة وهي تتحرك بسرعة معها صوب البوابة الخاصة بالقصر تشير للعاملين بالمشفى أن يلحقوا بها بحامل لحمل المصاب، اقتربت بسرعة وهي تتحدث بصوت مرتفع لأحد النساء معها:
"رجاءً اطلبي منهم تجهيز مبنى الضيوف لاستقبال باقي الحالات، لقد كادت المشفى تمتلئ بالجرحى."
ختمت حديثها وهي تشير للرجال بحمل المصاب والذي كان ساقطًا أرضًا تقترب منه بحذر تحاول تقدير حالته، والرجال اقتربوا يعدلون من وضعية جسده يحملونه على الحمالة، لكن بمجرد أن كُشف وجهه لتوبة شعرت بانقطاع الهواء عن رئتيها، تراجعت للخلف وقد سُحبت الحياة من جسدها فجأة، تبصر كابوسها وقد تمثل على أرض الواقع.
"نـ... نزار؟?"
كلمة مرتجفة هي كل ما استطاعت مغالبة صدمتها لإخراجها، تبصره أمامها دامي الجسد مبعثر الهيئة وكأنه تعرض لعذاب لمدة أيام متتالي، ارتجف جسدها كله وهي تقترب منه هامسة بنبرة باكية مصدومة:
"نزار؟ كيف؟ كيف هو... كيف جاء هنا كيف؟!"
ابتلعت ريقها وهي تراقبه منهارة وفي ثواني انفجرت في بكاء قوي وهي تقترب منه بلهفة شديدة تهمس باسمه بنبرة مرتعبة:
"نزار؟ يا ويلي نزار ما الذي حدث لك، نزار تحدث لي، نزار أرجوك... من فعل هذا بك؟!"
كانت تخرج كلماتها باكية بصعوبة وأحد الجنود حولها أدرك هوية الرجل يهتف بصوت منخفض:
"لا نعلم ما حدث، لكننا وجدناه فجأة يتقدم من البوابة منهكًا قبل أن يسقط أرضًا مصابًا بجروح بليغة."
كانت توبة تسمع وهي تشعر بالوجع يتمكن منها وكأن جروحه ترسل صدى بين جنبات صدرها هي، انهارت أرضًا جوار صدره تبكي بصوت مرتفع:
"نزار أرجوك لا تفعل بي هذا، ليس أنت، أرجوك ليس أنت أرجوك نزار."
"سمو الأميرة هل نحمله للمشفى؟"
لكن توبة كانت حالتها يرثى لها لا تعي شيء سوى أنه الآن ممد أمامها لا حول له ولا قوة لا تدري ماذا حدث معه وكيف ولماذا، أو حتى طريقة وصوله لهنا.
تحدق في وجهه بوجع وهي ما تزال تتوسله التشبث بالحياة لأجلها.
أما عنه فقد كان في عالم آخر يحيا سوادًا ابتلعه بالكامل وآخر لحظات وعيه وإدراكه تمر أمام عيونه بسرعة كبيرة ودموعه تسقط جانب عيونه دون أي وعي أو شعور منه.
رفعت توبة عيونها للسماء وهي تبصر ما يحدث تهتف بصوت مرتفع موجوع:
"يا الله رحمتك بنا يا الله."
"إلى أين زمرد توقفي."
امسكت تبارك زمرد بصعوبة وملامحها تنطق بالقلق تحدق في تبارك بعدم فهم هاتفة:
"إلى أين؟ هل تمزحين معي بعد ما ذكرتيه منذ ثواني؟!"
ابتلعت تبارك ريقها وهي تحاول الحديث، بينما كهرمان تقف جوارها بأعين ملتمعة بالشر رغم كل ما يحدث في الأرجاء. وصلتهم أنباء خمد الحرائق.
وبعدما شعروا بالهدوء يسود الأجواء ألقت تبارك جملتها التي أثارت جنون زمرد وهي تهب منتزعة خنجرها تصرخ:
"تخبرينني أن الفتاة في المشفى مريضة وحدها تستغيث من رجل حقير اختطفها، هل تمزحين معي؟!"
"نعم لكن هناك... نحن لسنا متأكدين من الأمر حتى هي لم تقل سوى كلمات معدودة لا أدري إن كانت صحيحة أم يُهيأ لها؟!"
صمتت تبارك وهي تتذكر رؤيتها لفاطمة ممددة لا حول لها ولا قوة على الفراش وقد شعرت بالشفقة والحزن عليها، لكنها قررت علاجها بهدوء والمغادرة على أية حال لتطمئن على الباقيين، ومن تعود لها لاحقًا حين تستفيق، لولا كلمات فاطمة التي جمدتها في أرضها.
كانت تبارك تفحص الفتاة وهي تنظر لها بشفقة كبيرة تربت عليها بحنان وتضمد جروح رأسها، وحينما وجدت أنها انتهت تحركت بهدوء بعيدًا عنها كي تخبر مهيار ما تحتاج له الفتاة، لكن فجأة شعرت بيد تمسك مرفقها وصوت هامس يخرج من الفتاة المتسطحة على الفراش.
توقفت تبارك ترمش بعدم فهم وهي تتحرك صوب فاطمة مجددًا وما تزال تشعر بأنها مألوفة بشكل ما، لكن كلماتها التالية أصابتها بصدمة أكبر:
"ساعديني رجاءً، لقد... الرجل في الخارج ليس... لقد... اختطفني من زوجي."
أفاقت تبارك على صوت كهرمان التي كانت تتحدث بصوت العقل:
"لا يمكنك الذهاب هكذا والهجوم عليه وأخذ الفتاة بكل بساطة زمرد."
رمشت زمرد ثواني وكأنها لا تفهم ما يقال تردد ببساطة تحرك كتفيها بهدوء:
"بلى يمكنني ذلك، بل وازيدك من الشعر بيت، سوف أحطم عظامه حتى يكتفي."
تنفست كهرمان وهي تمسك يد زمرد التي كانت تنتفض بغضب منذ سمعت أن هناك امرأة مقهورة في الأرجاء:
"زمرد دعينا نفكر، لننتظر حتى يعود إيفان ونسلمه له ويحاكمه للتأكد من الأمور من جميع الأبعاد."
جذبت زمرد يدها من يد كهرمان وهي تمنحها بسمة واسعة:
"أعان الله أخي على ما يحدث، لا يكفيه حقير كهذا يضيع عليه وقته، ثم أنا أميرة كذلك ويمكنني أن أحكم وحكمي هو أنه مذنب، رفعت الجلسة."
ختمت حديثها تتحرك وهي تجذب خنجرًا من ثوبها والشر ينطلق من عيونها تتوجه صوب المشفى حيث تلك المظلومة المقهورة تفكر في أكثر من طريقة إبداعية للتخلص منه، وخلفها تهرول كهرمان وتبارك التي ندمت على أخبارهم، لكن الفتاة كانت صغيرة ورقيقة وأثارت تعاطفها وبشدة.
ابتلعت ريقها وهي تتحرك خلف زمرد داخل المشفى، تبصر زوج الفتاة أو من يدعي أنه زوجها يقف أمام باب الغرفة مع الحكيم يتحدث معه بصوت منخفض وكلمات وصلت لهم:
"عندما تأتي تلك الطبيبة فقط أخبرها أن تعطني الأعشاب وأنا سأهتم بمتابعة علاجها في المنزل."
زفر الحكيم وقد وصل لقمة غضبه من إصرار إلياس الخانق على أخذ زوجته والرحيل، وما كاد يتحدث بكلمة حتى سمع صوتًا خلفه يردد بسخرية:
"لا بأس سنعطيك الأعشاب لتعالج بها ذاتك في المنزل، لكن لا أعتقد أن الطبيب مهيار بهذه المهارة التي تمكنه من صنع دواء يعالج ما سأفعله بك."
رفع إلياس عيونه صوب الصوت ليبصر امرأة بملامح حادة تحدق في وجهه بشر مستطر جعله يضيق عيونه بعدم فهم، لكن زمرد لم تهتم وهي تقترب من باب الغرفة تدفع جسد إلياس جانبًا بخنجرها مرددة بهدوء:
"هيا تحرك بعيدًا عن هذا الباب وعد لمنزلك على أقدامك طالما يمكنك ذلك."
رمقها إلياس بعدم فهم أكبر:
"هل جننتي؟ من هذه المرأة وما دخلك بي؟!"
تحركت كهرمان وهي تحاول الحديث بصرامة وملامح جامدة:
"اسمع يا سيد لقد علمنا أنك اختــ"
كن فجأة توقفت عن الحديث تفتح عيونها بصدمة وهي تشعر بيد زمرد تزيحها جانبًا تفسح لنفسها رؤية واضحة لوجه إلياس:
"انتظري أنتِ يا ابنتي، لنرى ما يريد هذا الحقير المتبجح، فوق أنك تخطف الفتاة تقف وتتبجح أمامنا يا وغد؟!"
شحب وجه إلياس بقوة وقد بدا أن المكان حوله بهت فجأة، يحاول تمالك نفسه كي يتحدث بنبرة طبيعية لا تظهر توتره ورعبه الداخلي من اكتشاف ما فعله:
"اخــ...اختطاف؟!"
سخرت منه زمرد بقوة:
"نعم اخــ...اختطاف، الفتاة في الداخل ما علاقتك بها يا هذا ولا تقل أنها زوجتك كي لا أشرحك لقطع متناثرة في الأرجاء."
تنفس بصعوبة بسبب نظراتها وهو يحاول التحدث بكلمات متماسكة.
وفي الداخل كانت فاطمة تجاهد لتنهض عن الفراش وقد كان الوهن قد تمكن منها بالكامل، تسمع أصوات النقاش في الخارج مكتومة بعض الشيء، لكن هذه كانت فرصتها الوحيدة للفرار من هذا السجن الذي صنعه لها مختل.
تحركت تستند على الجدار تبكي من شدة الوجع الذي يدور داخل رأسها، تحاول التحدث ونداء من بالخارج، لكن صوتها أبى أن يخرج، وصلت وأخيرًا صوب الباب تستند عليه بصعوبة، وهي تحاول جذبه لكن شدة ضعفها حال دون ذلك، لتتنفس بصوت مرتفع وهي تطرق على الباب بقوة.
طرقات عالية على الباب جعلت أعين الجميع تتحرك صوبه ليشتد شحوب وجه إلياس وهو ينظر صوب وجه زمرد التي ابتسمت له بسمة مخيفة وهي تتحرك صوب الباب، ولم تكد تفتحه حتى شعرت بيد إلياس يمسك يدها مانعًا إياها، وكانت فقط ثانية لا أكثر حتى رن صدى صفعة زمرد على وجهه في المكان وهي تهتف من أسفل أسنانها:
"إياك ولمسي يا هذا."
ومن بعد تلك الكلمات دفعته بظهره خنجرها وهي تحذره بعيونها:
"ابتعد من أمام الباب هيا."
وبالفعل دفعته بقوة وهي تفتح الباب بسرعة كي تساعد تلك المسكينة تتحدث بجدية:
"هيا اخرجي ولا تخشي شيئـ"
لكن قطع كلماتها سقوط جسد هزيل عليها وقد كانت فاطمة تستند على الباب بارهاق شديد وبدا أنها بذلت كافة قوتها في التحرك من الفراش للباب.
وزمرد التي لم تستوعب ما يحدث مالت بسرعة تلتقط جسد الفتاة بين أحضانها برعب تضمها خشية السقوط أرضًا:
"بسم الله ما بــ......"
"فاطمــــــــــــــة؟؟؟؟؟"
كانت تلك كلمة نطقت بها زمرد وقد كان دورها هذه المرة لتتلقى صاعقة فوق رأسها تحمل بين يديها جسد الصغيرة فاطمة وقد كانت تبدو كما لو أنها فقدت الحياة.
اتسعت عيون كهرمان التي هرولت صوب فاطمة تهتف اسمها بعدم فهم، وزمرد أخذت تحدق بالصغيرة التي امتلكت قطعة من قلبها بلطفها ورقتها سابقًا، اشتد احمرار وجهها وهي ترفعه صوب إلياس الذي تراجع للخلف وقد فقد النطق حينما أبصر نظرات زمرد له.
ولم تكن مجرد نظرات تلك التي وجهتها زمرد له، بل كانت مقدمات لنهايتـــــه.
"نزار تماسك، نزار أرجوك."
"نزار فقط تماسك ارجوك."
كان صوت توبة وهي تتحرك خلف الجنود الذين يحملون جسده يتردد في عقله دون القدرة على فتح عيونه، حتى أنه لم يكن قادرًا على تحريك إصبعه، وصوت صرخات توبة باسمه تداخل مع أصوات قريبة باسمه كذلك. الصوت الأخير الذي اخترق وعيه قبل أن يدفعه الوليد بعيدًا عن الجحر ورجال أصلان.
سقطت دموعه بقوة وقد شعر أنه عاد لتلك اللحظة، حينما كان فوق الحصان يراقب بأعين ضبابية ما يفعل الوليد وهو يحارب وحده رجال أصلان يمنعهم من الوصول إليه، شيئًا فشيئًا بدأ وعيه يعود له وهو يحاول التحرك لمساعدة الوليد الذي سقط أرضًا وتلقى طعنة قوية في جسده، انتفض جسد نزار عن الحصان بقوة وهو يحاول التحرك يهبط من فوقه بصعوبة يتحرك صوب الوليد، بينما الأخير نهض بصعوبة يحمل سيفه.
في اللحظة ذاتها التي تدخل رجال الوليد يدافعون عنه، رفع الوليد عيونه صوب نزار يتحدث بصراخ ووجع:
"نزار عد... امتطي حصانك وأبتعد عن هنا و... سامحني... سامحني وأخبره أن يسامحني."
نظر له نزار بعدم فهم وقد كان جسده محطمًا من شدة الضربات التي تلقاها، يتقدم من الوليد، بينما الأخير تحرك صوبه بسرعة يتحامل على طعنته، يدفع نزار لحصانه بسرعة قبل أن يشتد الحصار عليهم ويتساقط رجاله.
"هيا أرحل من هنا، أرحل ولا تنظر خلفك، ارحل أرجوك."
يدفعه ونزار يتمسك بيده يرفض ترك كفه:
"تعال معي يا الوليد لن أتركك هنا، سيقتلك يا أخي لا تبق تعال معي، سأ... ستكون معي للنهاية يا رفيق هيا."
"نزار لا تكثر من الحديث وأرحل."
وقبل إكمال كلمات الوليد اتسعت عيونه بقوة وقد شعر بروحه تخرج حينما أحس بنصل حاد يخترق معدته.
نظر للأسفل ببطء، بينما نزار امتلئت عيونه بدموع كثيفة وقد خاف وارتعب حتى أن يهبط بنظراته للاسفل حيث اخترق السيف الجسد، اشتدت كثافة الدموع وهو يبصر ملامح الوجع على وجه الوليد أمامه، لتتحرك عيونه أخيرًا بصدمة صوب السيف الذي اخترق جسد الوليد.
أما عن الوليد فرفع عيونه صوب نزار وقد امتلئت بالدموع، بينما نزار ما يزال يحدق فيه بصدمة كبيرة، خرج منها بسرعة يلتقط جسد الوليد قبل السقوط، ليكون السقوط من نصيبهما سويًا، يضم نزار الوليد له وهو يهمس بهلع وهزيان:
"الوليد، يا أخي أنت بخير، أنت بخير، سأعالجك، سأعالجك لا تخف، والله سأفعل، فقط... تحرك... تحرك معي لنخرج من هنا، هيا سأعالجك وتتوب كما أخبرتني."
كان يتحدث بسرعة وهو يحرك يده على جرحه يحاول كتم دماءه في اللحظة التي تدخل فيها أحد رجال الوليد يسدد ضربة قاتلة لمن طعن الوليد.
ونزار فقط ينظر للوليد برعب قبل أن يبكي بصوت مرتفع يضم له جسد الوليد والذي رغم كل ما فعله معه، إلا أنه لم يشعر يومًا أنه يكرهه، بل ضحى بحياته مرات ومرات لأجله، ورغم كل ما فعله قديمًا إلا أنه سامحه حينما رأى منه مساعدته ومعاونته له ونصره ولو بروحه.
"يا أخي لا تفعل بي هذا... لا تفعل يا الوليد ليس الآن أتوسل إليك، تب لترافقني للجنة يا الوليد أرجوك، تماسك."
رفع الوليد نظره ينظر في وجه نزار باكيًا بقوة وقد امتلئت عيونه بالرعب:
"أنا... خائف."
بكى نزار وهو يضمه مرتعبًا:
"لا... لا تخف أخي ستكون بخير... ستكون بخير والله سأبذل حياتي لعلاجك هيا انهض معي أتوسل إليك."
"سامحني... سامحني ارجوك وا... ادعو لي يا نزار، ادعو لي أن يغفر الله لي ما فعلته، لم... فعلت... فعلت كل ذلك لأنك كنت أحق منه بالملك، خفت أن يأخذه منك، وأنت... أنت... أنت أخي... الأحق بآبي."
سقطت دموع نزار وهو يبكي بصوت مرتفع:
"لا تتحدث، ارجوك فقط تماسك لنخرج من هنا، هيا حاول التحرك معي أرجوك لا تتركني، لم... لم تتب بعد يا الوليد، لم تستغفر الله بعد، لا تفعل هذا بي، أردتك أن ترافقني في الجنة يا أخي، أردتك أن تفعل."
بكى الوليد برعب وخوف:
"ادعو لي يا أخي، وا... أخبر أبي أنني... لقد فعلت كل شيء لاجلك أخي... أنت.... أخي الأصغر... أخي."
شعر نزار بشحوب يتمكن من وجه الوليد، ليبدأ في هزه بخوف يتحدث برعب:
"انطق الشهادة يا الوليد، انطق الشهادة يا أخي أرجوك يا الوليد."
ابتسم الوليد وقد عجز عن نطقها وهو الذي لم ينطقها يومًا في حياته، يأتي الآن ويتعلق بها في مماته؟!
ثقل لسانه وزاغت أبصاره وهو يحدق بنظرات أخيرة في وجه نزار.
"سألتني لماذا أفعل كل هذا لأجلك؟!"
"توقف عن الحديث، فقط... ساعدني لاخرج بك."
لكن الوليد كان ينظر له بأعين دامعة لا يعي ما يقال له
رواية اسد مشكي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم رحمه نبيل
لم تدرك كهرمان ما تبصره في هذه اللحظة.
فاطمة هي المرأة الأخيرة التي قد تتخيل أن تجدها في هذا الوضع بعدما قصت لهم تبارك ما حدث.
راقبت وجه فاطمة الشاحب كالأموات بين يديّ زمرد التي شددت على ضم الصغيرة برعب. تناظرها بأعين متسعة مصدومة مما ترى. وقد لاحظت كهرمان سابقًا تأثر زمرد بفاطمة وكأنها تبصر داخل فاطمة نفسها الهشة التي لم تسمح لها بالخروج بسبب حياتها.
لم تدرك كهرمان ما يحدث. فجأة وجدت جسد فاطمة بين أحضانها بعدما ألقتها لها زمرد. اندفعت بشكل مرعب صوب إلياس تجذب جسده وتضربه في الجدار خلفه بجنون. أسقطته أرضًا، ومن ثم أنكبت عليه بالضربات المتلاحقة وهي تصرخ بكلمات وسبات لا تتذكر أنها أخرجتها منذ تركت قومها.
"أيها الوسخ الحقير! ما الذي فعلته بها أيها الوسخ؟ ما الذي فعلته بها؟!"
ختمت كلماتها وهي تضرب معدته بقدمها بقوة. استقامت تنظر للحكيم الذي كان يحدق فيما يحدث بأعين متسعة مرتعبة مما يحدث.
صرخت في وجه الرجل وقد ظنت أنه شريكٌ له في هذه الجريمة في حق الصغيرة فاطمة: "وأنت..."
تراجع الحكيم للخلف بسرعة مرتعبًا يرفع يديه في الهواء ينفي عنه تلك التهمة التي تحط من قيمته: "أقسم بالله أنني لا أعلم ما يحدث. لا أدرك ما فعل. لقد اختفى لأيام في مشكى لزيارة عائلته قائلًا أنه ذاهب ليحضر ابنة عمه ويتزوجها وعاد بها بهذا المظهر الشاحب وطلبني لمساعدتها."
تأوه اليأس بصوت مرتفع وهو يحاول التحدث: "هي زوجـ"
لكن ضربة زمرد في منتصف معدته حالت دون إكمال باقي جملته. كتم الأخير صرخة كادت تخرج منه وقد تناثرت دماؤه في المكان.
"اصمت ولا تسمعني صوتك أيها الحثالة. لم أنتهِ منك بعد."
نظرت صوب الحكيم مجددًا وهي تتساءل بأعين مشتعلة بالشر: "إذن هو زوجها؟!"
"هذا ما قاله هو. نعم."
تأوه اليأس بصوت منخفض وقد سقطت دمعة منه وهو يناظر فاطمة ساكنة بشكل فطر قلبه. يهمس باسمها بلوعة وهو يمد يده لها: "فاطمة صغيرتي..."
نظرت له كهرمان بشر تسحب فاطمة بعيدًا بمساعدة تبارك التي لم تكن تفهم ما يحدث في المكان. لكن يبدو أن الجميع هنا يعرف فاطمة عداها هي. ساعدت كهرمان لأخذ فاطمة صوب فراشها داخل الغرفة والاطمئنان عليها.
ربتت كهرمان على رأسها بحنان تقبله بلطف: "لا تخافي عزيزتي. كل شيء سيكون بخير."
نظرت لها تبارك تحاول فهم ما يحدث: "تعرفونها؟!"
هزت لها كهرمان رأسها: "نعم. هذه فاطمة. تعرفنا عليها في مشكى. هي صديقة سلمى وزوجة قائد جيوش مشكى حسب ما أعلم."
اتسعت عيون تبارك بصدمة وقد شعرت بعدم الفهم يطفو في الأجواء. أشارت للخارج باستنكار وقد بدا أن عقلها قد توقف عن العمل بشكل طبيعي في خضم ما يحدث حولها: "قائد جيوش مشكى؟ هو ليس ذلك الرجل الذي ضربته زمرد في الخارج، صحيح؟!"
"تبارك حبيبتي. هذا ليس زوجها. هذا الرجل اختطفها من زوجها. ما بكِ؟!"
أومأت تبارك بنعم وكأنها تذكرت الآن كيف بدأ كل ذلك من الأساس. تنظر صوب كهرمان، ومن ثم لفاطمة وهي تحاول معرفة الخطوة القادمة: "الآن ماذا؟!"
ارتفعت فجأة صرخات مريعة للرجل في الخارج وكأنه يتعذب. وبالفعل كان كذلك.
شهقت كهرمان وهي تركض للخارج: "الآن سنحاول إخراج الرجل من تحت يد زمرد، ومن ثم نرى ما نفعل لاحقًا معه حينما يعود إيفان والجميع."
"هو بخير؟"
"لا أعلم في الحقيقة سمو الأميرة، لكن إصاباته بليغة. لقد يبدو أنه تعرض لتعذيب أو ما شابه. لنأمل أن تندمل الجروح الخاصة به وألا يزداد وضعه سوءًا."
ختم الطبيب حديثه وهو يتحرك خارج الغرفة ليتابع عمله مع مصابي الحريق. تاركًا توبة تقف على باب الغرفة تحدق بجسد نزار الساكن بشكل خانق على الفراش.
سقطت دموعها بوجع وقد شعرت في هذه اللحظة بالندم الشديد. الندم بدأ يأكل داخلها مخلفًا وجعًا لا يحتمل بها.
"كل هذا بسببي. كل هذا بسببي نزار. أنا آسفة. أنا آسفة لو لم أساعدك لتهرب صوب ذلك الجحيم مجددًا. لو أنني أجبرتك على الهرب لمكان آخر."
انهارت أرضًا جوار باب غرفتها وهي تطلق شهقات مرتفعة. بدأت غصات بكائها تعلو حتى شعرت بأن روحها على وشك الخروج مع شهقاتها.
تراقب وقد آمنت في هذه اللحظة بأن ما تحمله لنزار تخطى مجرد مشاعر امتنان وانبهار برجل رأت منه الخير أكثر مما أبصرت فيه شر. هي أحبته. أحبت نزار كما لم تحب أحدًا قبله.
"لا تفعل بي هذا نزار. يكفيني فقدانًا لتنضم لهم. يكفيني وجعًا. انهض وكن بخير لأجلي أتوسل إليك."
أغمضت عيونها بوجع تدفن رأسها بين قدميها. أخذ عقلها يعيد عليها لحظاتها معه وبسماته وكلماته، مطالبته لها بالانتظار لتنفذ له وعدها بطلب لا يرد، وداعه الأخير وكأنه يعلم أنه لن يعود.
وعند هذه الفكرة انفطر قلب توبة وهي تشهق بصوت مرتفع. بدأت أصوات بكائها تعلو أكثر وأكثر في المكان: "أرجوك... أرجوك نزار... أنا أرجوك ألا تفعل بي هذا."
أما عن نزار فقد كان في عالم آخر يحيا مرارة أخرى.
"أنا مستعد للتضحية أكثر لأجلك نزار. فأنت أخي."
نظر نزار بضيق صوب الوليد. رفع كفه يضرب جانب رأس الوليد بغضب: "هل جننت يا الوليد؟ تفعل كل ما هو سيء لأجلي. يا رجل اقطع علاقتك بي إن كانت تدفعك لمثل هذه الطرق القذرة، أو لماذا لا تساعدني بشرف على الأقل؟ لماذا تلجأ دائمًا لمثل هذه الأساليب القذرة؟"
التوى فم الوليد وهو يبعد عيونه عن نزار، ينظر للنافذة يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي. يدرك أنه محق. هو لا يفعل شيئًا صحيحًا في حياته هذه سوى مساعدته، وحتى هذا يفعله بالطريقة الخطأ. لكن ماذا يفعل وهو اعتاد أن يتخذ السوء منهجًا في حياته؟ أو بشكل أدق، غزرت أقدامه في السوء حتى أصبح من الصعب العودة للصواب.
اقترب منه نزار يربت على ظهره بهدوء وحنان. فرغم كل ما صدر سابقًا ويصدر الآن، إلا أنه لا ينكر بأي شكل من الأشكال أن الوليد، ومن بعد فضل الله عليه، كان أحد أسباب نجاته حتى هذه اللحظة. كان يسير خلفه طوال الوقت وكأنه حارس شخصي له. يرفض أن يدعه يقابل بافل وحده. يرفض رفضًا قاطعًا زجه في أي هجمة من هجمات المنبوذين قديمًا. وهذا ما علمه لاحقًا.
الوليد لم يخبره بخطة بافل في احتلال مشكى سابقًا، خوفًا من أن يزج نزار نفسه في الأمر ويطاله أذى. رفض أن يقحمه في الأمر هذا فيتأذى أو يكره ذاته لاحقًا.
"يا الوليد، أنت بمقام أخي ويعز عليّ أن أتركك للضلال والكفر. عد يا أخي لصوابك وتذكر والدتك التي تعبت لتنشأك نشأة سليمة فحدت عن الطريق الصحيح."
استدار الوليد ينظر له بحزن وخزي: "وهل تعتقد أن يتقبل الله توبتي بعد كل هذا؟"
"استغفر ربك يا الوليد. الله يعفو عن السيئات ويتقبل التوبة عن عباده. فقط تب قبل فوات الأوان."
صمت ثم نظر للرسالة التي تقبع على فراشه وقد حان وقت التحرك ليوصلها إلى ملك سبز. تنهد بصوت مرتفع: "سوف أخرج لاستنشق بعض الهواء و..."
"أنت ذاهب لتحذرهم فلا تكذب نزار. أنا أعلم أنك تساعدهم في الخفاء."
توقف قلب نزار مما سمع وقد شعر أن المكان يدور من حوله. هل يعقل أن الوليد اكتشف خدعته؟ لكن فجأة تنفس الصعداء حينما سمع صوت الوليد يهتف بجدية: "أعلم أنك تسعى لنيل غفران جراء ما فعلت سابقًا. وأنا لا ألومك في البحث عن حياتك القديمة. على الأقل هذا يشعرني بشعور أفضل حينما أراك تحيا كما كنت قبل أن أدمر حياتك ظنًا أنني أصلحها بغبائي."
ابتله نزار ريقه وهو ينظر للوليد. ليبتسم الأخير له بحزن: "فقط... لا تنساني يا أخي. فأنا لا أمتلك غيرك في هذه الحياة. ربما إن عشت أهرب لأعيش شريدًا في أحد الصحاري أو غيرها حينما ينتهي هذا. ربما أزهد عن الحياة وأعتكف بعيدًا عن الجميع و... لكن لا تتركني وحيدًا. فقط اسأل عني كل فترة ولو كانت عقودًا."
تحرك نزار بسرعة صوب الوليد يجذبه لعناقه بقوة وهو يربت عليه بحزن لنبرته التي زادته قهرًا عليه. وقد كان شيطان الوليد أقوى منه: "سوف تعود معي... سوف آخذك معي... سأطلب غفرانًا لك وتعود معي. لن أتخلى عنك يا أخي. لا تقلق."
سقطت دموع الوليد. كانت تلك مرة من المرات النادرة التي أبصر بها نزار دموع الوليد. لينفجر الأخير في بكاء حار: "صدقني لن أرفض ولو قبلتني أبًا سجينًا لها، لكن لا تدعني وحدي. فأنا أخشى الوحدة يا أخي. خذني معك نزار."
ضمه نزار بقوة وهو يربت عليه ليس وكأنه هو الكبير، بينما الوليد يضمه بخوف شديد، وكأنه يمنحه عناق الوداع الأخير. ولم يدرك أحدهما أنه كان كذلك بالفعل. كان وداعًا لا يدري أحدهما عنه شيء. رحل الوليد وهو يدافع عن نزار للمرة الأخيرة. عاش حياته يدافع عنه ومات لأجله. كان أخاه أمام عيونه طوال الوقت. كان معه طوال الوقت يحيطه بحمايته ويحارب شعوبًا وقبائل لأجله، وهو فقط لا يدري عنه شيئًا.
انتفض جسد نزار وهو يشهق بصوت مرتفع. ازدادت دموعه بقوة، وصوته يهتف بكلمات غير مفهومة جعلت جسد توبة ينتفض من مكانه وهي تتحرك له تهتف بلوعة: "نزار... نزار أنت بخير؟!"
لكن كل ما صدر من نزار هو شهقات متتالية واسم لم ينفك يردده بلا هوادة.
كررت توبة الاسم بعدم فهم لما يحدث: "الوليد؟؟؟"
كان الجميع يقف مراقبًا لما يحدث أمامهم. كان ذلك المشهد أشد وطئًا عليهم من الحرائق التي خمدت منذ ثوانٍ وكادت تلتهم المنازل.
الملك منهار أرضًا يضم بين أحضانه زوجته. باكيًا متوسلًا لها أن تنهض.
أما عن أرسلان، في هذه اللحظة لم يهتم بشيء أو بأحد. لأول مرة يكون أنانيًا ويهتم بحياته فقط. حياته هو فقط. حياته التي تقبع بين يديه تنازع الحياة لتحتفظ بأنفاس إضافية.
سقطت دموعه وهو يضمها هامسًا ببكاء ورعب: "بالله عليكِ لا تفعلي. أقسم بالله الذي لم أقسم به يومًا كذبًا، أنني لأجلك على استعداد لمحاربة نفسي. سأكون مثلما تريدين. سأتخلى عن كل ما يغضبك بي فقط... كوني معي. لا تتركي يدي وقد وجدت أخيرًا من يمسكها سلمى..."
سقطت دموعه وهو يضمها لاحضانه أكثر. والمعتصم يراقبه بتأثر قبل أن يقترب بسرعة منه يحاول إخراجه من صدمته تلك ويدفعه للتحرك من المكان لعلاجها: "مولاي..."
"لا تفعلي سلمى. أرجوكِ لا تفعلي..."
مال المعتصم يجلس خلف أرسلان بعيدًا عن جسد زوجته الذي كان يضمه لصدره بقوة وكأنه يبتغي دسها بين أضلعه: "مولاي أرجوك لنرحل صوب القصر."
وارسلان ما يزال يضمها ينتظر منها بادرة تطمئن قلبه أنها لم تتخلى عنه لأجل كونه شخصًا سيئًا.
"لست سيئًا سلمى، فلا تتركيني كما الجميع. والله لن أكون سيئًا. سأتخلى عن كل ما يغضبك بي."
"مولاي أرجوك نحتاج لمعالجة الملكة. دعنا نعود للقصر لنعالجها. ساعدها أرجوك."
توقف أرسلان عن الحديث وهو يرفع عيونه صوب المعتصم ينظر لوجهه نظرة ضبابية وكأنه لا يبصره بشكل جيد. ومن ثم عاد للنظر إلى سلمى، يجذبها لصدره أكثر وكأن ذلك ممكنًا. ثم همس بصوت منخفض: "معطفي... أحضر لي معطفي يا المعتصم. لقد... لا أعلم أين ألقيت به. ابحث لي عنه رجاءً."
أدرك المعتصم ما يبتغيه أرسلان وهو ينأى بعيونه عن سلمى. ينتزع معطفه الخاص ولم يكد يمده لأرسلان الذي نظر لعيونه نظرة رافضة: "معطفي يا المعتصم..."
ابتلع المعتصم ريقه وهو يتحرك بعيدًا عن أرسلان يبحث عن معطفه. بينما الأخير يضم له جسد زوجته يخفيه عن الأعين. يشعر بالحقارة لرفضه معطف المعتصم في هذا الوقت، لكنه يقبل أن يكون حقيرًا على أن ترتدي زوجته ثيابًا تحمل رائحة رجل آخر.
دقائق مرت حتى عاد له المعتصم ينفض معطفه ومن ثم قدمه له. ليلف به أرسلان سلمى. ومن ثم نهض يتحرك بها بين الجميع برأس مرفوع ليس وكأنه هو من كان يبكي منذ ثوانٍ أمام الجميع على زوجته.
وصل بها صوب حصانه. يستدير ببطء صوب المعتصم. ومن ثم نظر للعاصمة أمامه بهدوء ورثاء يهتف بنبرة ميتة: "لا بأس. لا بأس. نعيد إعمارها مجددًا ومجددًا. لكِ يوم تنهضين به مشكى، نهضة لا يتعبها سقوط بأمر الله. اجمع جميع من تضرر يا المعتصم واحضرهم للقصر سنتكفل بهم ريثما نعيد البلاد لوضعها."
صمت ومن ثم تحدث بصوت منخفض وصل للمعتصم وكأنه الجحيم. صوته كان كأجراس إنذار تنبئ بقرب النهاية، أو ربما النهاية نفسها: "حذرتهم سابقًا أنني أتهاون بأي شيء عدا زوجتي وبلادي. انتهِ من لملمة كل ذلك يا المعتصم وأعلن حالة استنفار في البلاد. آن أوان أخذ ثأر كل قطرة دماء أُريقت في بلادي، وكل حجر سقط في مشكى..."
"الرحمة أرجوك الرحمة."
كلمات لو كانت نطقت من فم آخر وعلى مسامع آخر ربما... ربما كانت أتت بثمارها المرجوة، وربما كان المتحدث نال الرحمة التي يرجوها.
لكن ليس عندما يكون المتحدث أحد المتسببين في خراب بلاده، وليس المستمع هو آزار الذي ارتسمت بسمة مرعبة على فمه وهو يخرج خنجرًا من ثوبه يطلقه في ثوانٍ ليصيب ذراع الرجل لتعلو صراخته في المكان.
ابتسم بسمة صغيرة يتحدث بهدوء: "رحمة؟ هذه كلمة قطعت كل صفحة ذُكرت بها في قاموسي. رحمتك هذه تنالها عندما تنتقل للرفيق الأعلى فهو أرحم على عباده مني. أما أنا فمجرد قذر متجبر لا يغفر لمن يتخطى حدود وضعها لنفسه."
مال أمام الرجل بهدوء يهمس له بنبرة مخيفة: "والآن ما رأيك لو تتحدث بما يخطط له سيدك؟ لربما يتسبب هذا في تفكيري بتخفيف طريقة موتك."
رفع الرجل عيونه لآزار يحاول أن يفتح فمه مجددًا لتوسله لكن آزار منعه بهدوء: "ولا تضع وقتي بالتوسل لشيء لن تناله فأقصى ما أقدمه لك ميتة رحيمة."
سقطت دموع الرجل وهو ينظر له برعب: "لقد... هو فعل الشيء ذاته مع نفس الممالك ليضلل على دخول جيوشه للبلاد. لقد... هو يخطط لاستغلال ما يحدث ويتحرك للممالك في اليومين القادمين وسيبدأ بسفيد. وأقسم أنني لا أعرف أكثر مما أبلغتك به الآن. هذا أقصى ما وصلت له."
"وأنا لا أحنث وعدي يا بني."
ختم آزار كلماته في اللحظة التي اخترق بها الخنجر معدة الرجل ليسقط أرضًا تحت أقدام آزار. يراقبه الأخير بملامح جامدة، قبل أن يتحرك وينظر للدمار الذي أصاب البلاد. وعلى حسب قول الجثة التي تقبع خلفه فهو لا يمتلك فرصة النهوض بالبلاد، ولا فرصة للتفكير في إعمارها. ربما يفكر في ذلك حينما ينتهي منهم جميعًا. حينها وحينها فقط يمكنه أن يعمرها على رفاتهم.
"أرسل رسالة لجميع الممالك واطلب اجتماعًا عاجلًا يا بني. دقت طبول الحرب..."
"لا أظن أنه من الحكمة ترك البلاد في هذا الوقت إيفان."
كانت تلك كلمات سالار وهو يتحرك في ممرات القصر خلف إيفان الذي كان يتعامل بشكل شرس مرعب منذ أن أبصر ما حدث في البلاد منذ ساعات قليلة.
وإيفان فقط ابتسم بسمة غريبة عليه: "انتهى وقت الحكمة عزيزي سالار. حان وقت اليد. سنترك كل من تميم ودانيار في البلاد ونتحرك لسبز. حان وقت وضع نهايتهم."
ختم حديثه ينظر صوب تميم ودانيار ليهز كلٌ رأسه بالطاعة. بينما سالار احترم كلمات إيفان ولم يتناقش أكثر معه في قراراته. فهو يثق في عقليته الإدارية، كما يترك له إيفان كل ما يتعلق بالتخطيط للحروب وغيرها من الغزوات.
كان الجميع في طريقهم لقاعة الاجتماعات قبل أن يقطع طريقهم أحد الجنود الذي تحرك صوبهم بسرعة بمجرد أن أبصرهم يتحدث بجدية: "مولاي حمدًا لله على سلامتكم. كنت أنتظر عودتكم لأخبرك بما يحدث."
نظر له إيفان بريبة: "ما يحدث؟ وما الذي يحدث هنا؟! هل أصاب أحد النساء سوء أو تضرر أحدهم؟!"
نفى الجندي برأسه ومن ثم رفع عيونه صوب دانيار الذي ارتاب من نظراته يهمس بقلق لنفسه: "نظر لي. إذن الأمر متعلق بمصيبتي التي اخترتها لنفسي. سترك ورضاك يا الله."
"إنها سمو الأميرة مولاي..."
ضرب دانيار قدمه بقوة يهتف دون شعور: "والله كنت أعلم. بالطبع سمو الأميرة. من غيرها يا ترى؟ أمي رحمة الله عليها؟!"
رماه إيفان بشر وهو يعيد نظراته للجندي يتحدث بجنون: "تحدث يا رجل. ما بها أختي؟ هل سأسحب الحديث منك؟!"
توتر الجندي مبتلعًا ريقه بصعوبة يشير جهة المشفى: "يفضل أن ترى بنفسك..."
في المشفى:
كانت كهرمان تحاول جذب زمرد عن الرجل بصعوبة. استطاعت ذلك لمرة قبل أن يفتح ذلك الأحمق فمه مجددًا ويستفزها بكلماته أكثر فيجن جنونها وتنقض عليه مرة ثانية بالضرب.
هنا ونفذ صبر إلياس. وفي لحظة غفلة عنه زمرد التي كانت تحاول الفكاك من كهرمان لتوسعه ضربًا، نهض بسرعة يتحرك لها يرفع يده صافعًا إياها بقوة جعلت شهقات الجميع ترتفع وعيون زمرد تتسع بصدمة كبيرة.
نفسها اللحظة التي خطى بها الجميع لممرات المشفى ليبصر دانيار ما حدث مع زوجته، وإيفان ما نال أخته.
وهي لحظات فقط حتى اندفع الاثنان بجنون صوب إلياس. إيفان يجذب زمرد بسرعة لاحضانه يطمئن عليها. ودانيار لم يكن لديه الوقت ليفعل وهو يمسك بجسد الرجل يوسعه ضربًا كالمجنون وهو يصرخ به وقد برزت عروقه بشكل مخيف: "تمتد يدك لزوجتي أيها الوسخ. عليك اللعنة. أقسم أنني سأحطم عظامك بالكامل أيها الحقير..."
كان الجميع قد أبصر ما فعل إلياس ولم يبصروا ما فعلت زمرد أو ما أصاب وجه إلياس حتى. لم يبصروا سوى أن هناك رجلًا صفع زمرد.
أما عن زمرد فقد استكانت لأحضان إيفان بوداعة وهي تنظر بحزن صوب تبكي دون شعور: "لقد صفعني أخي."
"اقطع يده زمرد. تُقطع يده حبيبتي..."
هنا وانفجرت زمرد في البكاء داخل أحضان إيفان. ليضمها وقد اسودت عيونه يراقب إلياس الذي كاد دانيار يخرج روحه بين كفيه خاصة مع ارتفاع شهقات زوجته.
وتبارك تراقب ما يحدث بتشنج وقد انقلب المشهد في ثوانٍ. تنظر لكهرمان التي كانت تبتسم بصدمة مما يحدث.
تحرك سالار صوب تبارك يتأكد أنها بخير حينما أبصر وجودها في المكان لتعلو عيونه نظرات مترقبة وهو يسألها بشك: "هل لمسك هذا الرجل؟"
نفت تبارك برأسها وهي تتحدث بصوت منخفض: "لم يفعل سالار. في الحقيقة زمرد لم تمنحه الفرصة ليفعل."
نظر لها بعدم فهم، ومن ثم حرك نظراته صوب دانيار الذي كان كمن تلبسه عفريت. يشير بعيونه لتميم: "تميم امسك هذا المجنون قبل أن يقتل الرجل بين يديه."
وبالفعل تحرك تميم صوب دانيار بسرعة يبعده عن إلياس. وأخيرًا تساءل إيفان عما يحدث: "ما الذي يحدث هنا، ومن هذا الرجل؟ ليفهمني أحدكم كيف بدأ كل هذا رجاءً؟!"
رفعت زمرد عيونها عن صدر إيفان تصرخ وهي تشير صوب الرجل وقد محت كل ملامح المسكنة التي كانت مرتسمة على وجهها منذ ثوانٍ: "هذا الحقير اختطف فاطمة من زوجها."
ارتفعت ملامح عدم الفهم على وجوه الجميع وقد تحدث دانيار وهو يقترب منها بتحفز وكأنه ينتظر إشارة منها لينقض مجددًا عليه: "فاطمة من؟ وزوجها من؟ ماذا فعل هذا الوسخ تحدثي."
نظرت له زمرد بحزن وهي تقترب منه تهمس بصوت به غصة بكاء مشيرة صوب إلياس ليجن جنون دانيار مجددًا من ملامحها الحزينة: "فاطمة صديقة سلمى..."
نظر لها الجميع بعدم فهم مجددًا وقد كانت كما لو أنها تتحدث بكلمات متقطعة غير مفهومة، بينما كهرمان تدخلت توضح لهم الأمر أكثر، إذ يبدو أن غضب زمرد وصل لعقلها فأذابه: "فاطمة زوجة قائد جيوش مشكى، المعتصم. هذا الرجل اختطف زوجة المعتصم وادعى أنها زوجته..."
اتسعت عيون الجميع وقد حلقت حول إلياس بصدمة كبيرة، وسالار رماه بنظرات سوداء مخيفة قبل أن ينتفض جسد البعض على صرخة إيفان المرعبة: "حراس، احضروا هذا الوسخ لقاعة العرش وارسلوا رسالة لقائد جيوش مشكى بالحضور......"
تحرك يهبط عن حصانه وهو يضمها له برقة وقد عز عليه أنها في حالة لا وعي. يبتسم متذكرًا المرة السابقة التي كانت معه على صهوة حصانه وارادت أن تهبط عنه.
"ساعدني رجاءً."
نظر لها بأعين عاشقة وملامح مبتسمة دون وعي. يكفيه أن ينظر لها فقط ليبتسم. يكفيه أن يشرد بها ليذوب في ملامحها.
تحرك بها بسرعة صوب غرفته وهو يتحدث بجدية كبيرة لأحد رجاله: "أحضر الطبيبة بسرعة رجاءً..."
دخل بها الغرفة يضعها على الفراش. ومن ثم بدأ يتحرك يساعدها لخلع حجابها، وكذلك الحذاء الخاص بها. فك لها خصلات شعرها ينثرها خلفها كي لا تزعجها. يلاحظ أطرافها التي تدمرت بالكامل من الحريق. يتحرك صوب المرحاض غاب به لثوانٍ. ومن ثم خرج نظر لها ثوانٍ يحمل بين يديه قماشة قطنية أخذ يبللها وبعدها يمسح ملامحها بحرص وحنان. ومن ثم حينما انتهى مال عليها يقبل عيونها برقة شديدة. وقد بدا في هذه اللحظة أنه ما يزال مصدومًا مما حدث، وعقله لا يحسن التفكير في ردات فعله.
"ليت العالم كله، ولا شعرة منكِ سليمة."
اعتدل في جلسته حينما صوت طرقات على باب غرفته. سمح للطارق بالدخول حينما سمع صوت الطبيبة، يشير لها بالتقدم وهو يهتف بنبرة حاول جعلها متماسكة: "فقط أخبريني متى ستفيق رجاءً."
كان تقريرًا منه أنها ستفيق. لم يكن يسألها إن كانت بخير أو لا، يسألها فقط أن تخبره متى ستفتح عيونها، وكأن أي خيار عدا ذلك كان غير مقبولًا.
"حسنًا. هل يمكنك التحرك جانبًا رجاءً كي أفحصها؟!"
لكن أرسلان كان فقط يراقب سلمى ينتظر أن تفتح عيونها. وكأن حياته مرهونة للحظة يبصر عيونها. تنهدت الطبيبة بصوت مرتفع وهي تتحرك كي تنتهي مما جاءت لأجله، بينما أرسلان ما يزال جالسًا ينتظر أن تنتهي.
لا يشعر بها ولا بخروجها وعودتها بعد دقائق تحمل بعض الأعشاب تطحنها وتضعها في فم زوجته. وبعد نصف ساعة تقريبًا سمعها تتحدث بهدوء: "حسنًا. يبدو أنها استنشقت الكثير من الأدخنة وهذا ما أدى لحالتها تلك. منحتها بعض الأعشاب التي تساعد على توسيع مجرى تنفسها وتساهم في تحسين حالة الرئة على أمل أن تستجيب لهم في أسرع وقت لنكمل باقي الفحوصات و..."
صمتت ثم قالت وهي تشير لجزء ظاهر من قدم سلمى: "لقد أُصيبت ببعض الحروق البليغة في قدمها. لقد أحضرت الأعشاب لأضعها لها و..."
"أنا سأفعل."
"ماذا؟!"
"أشكرك حضرة الطبيبة. أنا سأساعدها في وضع تلك الأعشاب."
مدت له الطبيبة يدها بتردد: "آه حسنًا. لا بأس في ذلك. تفضل. يفضل وضعها مرتين يوميًا و... قد تترك جروحها أثرًا على جسدها و..."
"لن يسبب لها هذا ألمًا؟"
"ماذا؟!"
"هذه الجروح التي قد تترك أثرًا هل ستظل يؤلمها؟"
رمشت الطبيبة تحاول أن تستوعب ما يحدث: "لا. بمجرد استقرار حالتها ستأخذ وقتها للشفاء ومن ثم لن تشعر بألم، لكنه سيترك أثرًا مزعجًا على جسدها قد يتسبب لها في..."
"لا بأس إذن، طالما أنه لن يؤلمها فلا بأس."
صمت ثوانٍ وهو يتساءل دون شعور: "هل سيحزنها الأمر؟"
"ماذا؟!"
كانت الطبيبة تشعر بالبلاهة الشديدة وهي تحاول أن تدرك ما يدور داخل عقل الملك. أما عن أرسلان فقد أفاق على نفسه يحاول أن يظهر أمامها بمظهر جاد: "لا بأس. أشكرك للمساعدة. يمكنك الذهاب لمساعدة الباقيين وآسف لازعاجك."
تحركت الطبيبة بريبة صوب الخارج وهي تنظر لتصرفات الملك والتي كانت غريبة عنها. بينما هو راقبها حتى خرجت ليتنفس بصوت مرتفع يدفن وجهه بين كفيه: "يا ويلي سلمى. أفيقي قبل أن أفقد عقلي أرجوكِ. لم أتوسل لأحدهم في حياتي عداكِ. أرجوك سلمى أنا أرجوكِ لا تقتلي آخر ذرة تربط بيني وبين إنسانيتي. سأكون حقيرًا لا يطاق إن حدث لكِ شيئًا."
انتفض جسده على طرق الباب في الخارج. لكنه رفض الانسلاخ عنها. ليس وقلبه لم يستكين بعد بمحياها. كان غير قادر على التحرك بعيدًا عنها وكأنه تجمد جوارها يرتقب منها نظرة أو بسمة تطمئنه ليتحرك ويباشر حياته من حيث توقفت قبل رؤيتها فاقدة للحياة.
لكن الطرق في الخارج لم يسمح له بكل ذلك إذ استمر يعلو وصوت الجندي يتردد في المكان: "مولاي صقر سفيد جاءك برسالة."
رفع أرسلان رأسه ببطء. ينظر صوب سلمى ثوانٍ بقلق وخوف. لكنه في النهاية مال يطمئن أنها بخير مقبلًا خدها بحنان: "لن أتأخر..."
خرج من المكان وقد ارتسم على وجهه أكثر الأقنعة صلابة وجمودًا. يغلق الباب خلفه بهدوء يلتقط من الجندي الرسالة ومن ثم تحدث بصوت منخفض: "شكرًا لك."
تحرك الجندي تاركًا أرسلان يراقب رحيله بأعين ضبابية. ومن ثم فتحها بهدوء يفض رموزها التي لا يفهمها سواه وعدد قليل من الرجال حتى إذا ما وقعت بالخطأ في يد آخر غيرهم.
مرر عيونه على الكلمات أمامه قبل أن تشتد قبضته على الرسالة بغضب أكبر ودماؤه بدأت تغلي كالمراجل في عروقه.
"كانت شعرة بينكم وبين صبري، وقطعتموها."
تحرك بين ممرات القصر بأعين سوداء بشكل غريب وكأنه ليس في عالمهم. حتى وصل لقاعة الاجتماعات ينظر لأحد الجنود: "بمجرد وصول القائد المعتصم أرسله لي."
ومن بعد كلماته تلك دخل للقاعة يغلق على نفسه وهو ينتزع خارطة الجحر من مكانها يفردها أمامه. ومن ثم أحضر قلمًا وأخذ يخط بعض الخطوط عليها ويده مشتدة بغضب قبل أن تلين قبضته فجأة حينما توقفت عند جزء صغير بالخارطة.
زهور سلمى التي خطتها أناملها سابقًا. وفي ثوانٍ تلاشى جنونه وكأنه كان في حالة لا وعي يتحسس الخريطة أمامه بشرود. قبل أن يجلس على المقعد خلفه يتنفس بصوت مرتفع: "صبرًا سليمى، صبرًا غاليتي. فقط انتهي منهم وأعدك بنسخة كالنسمة مني. لكِ كل ما تتمنينه فيّ. فقط انتهي من كل هذا."
"مولاي القائد وصل..."
ثوانٍ وسمع صوت فتح أبواب القاعة وصوت خطوات المعتصم يقترب منه. لم يستدر أرسلان، بل انتظر حتى وصل له المعتصم وتوقف خلفه يردد بهدوء: "طلبت رؤيتي مولاي؟!"
"كل شيء بخير يا المعتصم؟!"
"نعم تداركنا الوضع، والاصابات ليست بالجللة فقد تصرفنا بسرعة ولله الحمد، فقط هنا ثلاث رجال وطفل صغير هم من تأذوا بشكل مريع."
تمتم أرسلان بصوت خافت بـ "اللهم أجرنا في مصيبتنا" ومن ثم هتف بصوت مسموع: "تدرك ما ستفعل مع ذويهم صحيح؟"
"تكفلت بالأمر مولاي لا تقلق."
نهض أرسلان وهو يهز رأسه: "تجهز للتحرك صوب سفيد لتوصل رسالتي لإيفان."
نظر له المعتصم بعدم فهم: "أوصل رسالة؟! لكن مولاي هذا ليس دوري. هناك من يمكنه ذلك غيري. أنت والبلاد تحتاجون لوجودي الآن. يمكن لتيم حتى الـ..."
"هناك أمانة سيسلمها لك إيفان يا المعتصم. أمانتك لن يتسلمها غيرك يا أخي."
ردد المعتصم بعدم فهم: "أمانتي؟!"
"زوجتك، هي في سفيد..."
"المعتصم يا بني اسمعني وتوقف عن تهورك هذا. لا أعلم من أين اكتسبت كل هذه الخصال السيئة؟! كنت إنسانًا مسالمًا حينما جئت هنا. الله وحده يعلم مع من كنت تقضي وقتك لتكتسب منه كل هذه الأمور السيئة؟!"
كانت تلك جملة أرسلان التي نطق بها وهو يمسك مرفق المعتصم الذي كان يلقي بالسرج فوق صهوة الحصان. ليستدير متشنجًا وهو ينظر لأرسلان وكلماته الأخيرة تثير به تهكمًا وسخرية.
"لا أدري حقًا ممن اكتسبتهم؟ ربما من جلستي مع زيان؟!"
"إذن قلل جلساتك معه، وأنا سأنصح خالد بالمثل. لا ينقصنا مختلين في القصر."
قلب المعتصم عيونه من كلمات أرسلان والذي كان يتحدث بجدية كبيرة. ومن ثم تنهد بصوت مرتفع: "ما الذي تريدني أن أفعل وأنت تخبرني أن زوجتي الآن في سفيد وقد عثروا عليها مخطوفة وأنا هنا أبحث عنها كالمجنون كل يوم وكل ليلة. مولاي أنا لم أنم ساعات متتالية أكثر من أربع ساعات منذ رحلت. أنا كنت أهرب في المساء للبحث عنها، وبحثت عن ذلك الوسخ في كل مكان هنا. ولولا ما حدث لكانت الآن في سفيد. ما الذي تتوقعه مني حينما أعلم ما فعل في زوجتي في النهاية؟!"
"تقتله..."
رمش المعتصم بعدم فهم ليقترب منه أرسلان يهتف بكلمات سوداوية بسيطة للغاية: "تقتله. اختطف امرأة لا تحل له وتصرف في أمرها دون رضاها، إذن اقتله..."
صمت ثوانٍ ثم قال بجدية كبيرة وهو يقترب من المعتصم يتحدث بنبرة مرعبة وعيونه تطلق شرارًا وكأنه أعلن الحرب على الجميع: "اسمع يا بني ما سيحدث..." ومن ثم بدأ يطلق على أذنه ما سيحدث وكأنه يعلم بالتحديد ما سيواجهه: "ستجد إيفان يطالبك بعقد جلسة حكم عليه كي يعطي كل ذي حقٍ حقه وووووو... فقط تجاهله لذلك الحكيم، وأخبره أنك أخذت أوامر مباشرة مني بأن يكون الحكم عليه في مشكى، وذلك حقك لأن المتضرر من مشكى فلا يحق له الحكم عليه في سفيد."
ابتسم يربت على كتف المعتصم مؤازرًا إياه شاعرًا بالنيران التي كانت مشتعلة داخل صدره. وقد أبصر بعيونه جنونه في البحث عن زوجته، لذا قال ببساطة وجدية خالصة: "أحضره لي وأنا سأعطيك حق الحكم عليه بما تريد. وإن رفض إيفان أخبره أنني سأمر بجيشي عليه قبل التوجه لأصلان. حسنًا يا أخي؟!"
تلمعت عيون المعتصم بامتنان شديد قبل أن يلقي نفسه بأحضان أرسلان يضمه بقوة وحب أخوي كبير، بينما أرسلان ضمه بحب وهو يربت على ظهره يهتف بجدية وقوة: "لا عاش من تسبب لك بخدشٍ يا أخي. أحضره ولك مني وعدًا بترك الحكم في يدك. وهذا حقك لأجل زوجتك وعرضك الذي استحله لنفسه."
ضم المعتصم نفسه أكثر لأرسلان الذي ابتسم له وهو يهمس: "فقط أوصل رسالتي واحضر أمانتك وذلك الخسيس. وعد سريعًا، فلا أستغني عن وجودك كثيرًا يا المعتصم فأنت يدي يا أخي."
تأثر المعتصم بكلمات أرسلان، يبتعد عنه مبتسمًا بامتنان: "لك ذلك مولاي. من الأساس لم أعد أستطيع البقاء بعيدًا عن مشكى لوقت طويل. لمشكى ولملك مشكى. هنا حياتي وعائلتي مولاي..."
"إذن اذهب لتحضر عائلتك وعد سريعًا يا أخي، فأنت لا تود تفويت العروض التي سيقيمها الملك أرسلان هنا ها؟!"
ختم حديثه بغمزة ليضحك المعتصم هامسًا بنبرة سوداوية: "بالطبع لا أريد مولاي. سأكون أول المشاركين في العرض."
ختم حديثه يودع أرسلان بكلمات صغيرة ومن ثم تحرك لحصانه يتحرك بسرعة مرعبة وخلفه بعض الجنود. يغادرون بوابة مشكى تحت أعين أرسلان الذي تنفس بصوت مرتفع ينظر للسماء بأعين ضبابية لا تظهر ما يخفيه خلف نظراته.
"اقتربت يا حمقى."
تحرك من بعدها للداخل يتوجه صوب غرفتها وقد غاب عنها أكثر مما خطط. تنفس بصوت مرتفع يضغط على مقبض باب غرفته ولم يكد يفتحه حتى سمع أصوات غريبة في الداخل.
ضيق ما بين حاجبيه وهو يفتح الباب ببطء يبصر جسد خالد يدور في المكان وفوق كتفه يوجد موزي يطلق أصواتًا مبتهجة.
رمش بعدم فهم يتابع حركات خالد: "ينام في هذا المكان الجميل ويترك لي غرفة متواضعة؟ هذا إجحاف في حقي ومكانتي كمهندس مرموق في ربوع البرازيل."
مال أرسلان برأسه قليلًا يتابع ما يحدث دون فهم. ما الذي يحدث في المكان، وكيف يتجرأ هذا الخالد على اقتحام غرفته وازعاج زوجته و... زوجته؟! أين هي؟!
انتفض جسده برعب وهو يبحث عنها بعيونه في المكان وقد أبصر مكانها فارغًا على الفراش. توقف قلبه وهو يهتف باسمها بصوت مرتفع: "سلمى... يا ويلي سلمى أين هي؟!"
كان يصرخ باسمها صراخًا هستيريًا، لينتفض خالد برعب وهو يضم له موزي يحاول التحدث بكلمة. بينما أرسلان جن جنونه وهو يتحرك في المكان يبحث عنها مشيرًا للفراش: "كانت هنا. هي مريضة. كيف... أين رحلت... أين هي؟ كيف تركتها ترحل أنت؟!"
أشار خالد بيد مرتعشة صوب المرحاض وهو يهمس بصوت متوتر: "لقد أفاقت منذ ثوانٍ وطلبت دخول المرحاض و..."
لم يهتم أرسلان بسماع باقي كلماته يتحرك بسرعة صوب المرحاض يطرق عليه برفق كي لا يفزعها: "سلمى حبيبتي أنتِ في الداخل؟!"
اتسعت عيون خالد وقد التقطت أذنه الكلمة، يميل ببطء على كتفه الأيمن حيث يرقد موزي: "حبيبتي؟ هل فاتنا شيء موزي؟!"
لكن أرسلان لم يكن يعي ما يحدث حوله فقط كل ما يراه هو زوجته المريضة التي نهضت لتوها بعد ساعات من بقائها في الفراش دون حراك.
وبقدر لهفته كان خوفه.
حاول استراق السمع على ما يحدث في الداخل، لكن لا شيء وصل له وكأن لا حياة داخل المرحاض.
"سلمى أنتِ بالداخل صحيح؟"
"أخبرتك أنها بالداخل. لقد دخلت أمام عيوني واسأل موزي و..." توقف عن الحديث حينما زجره أرسلان بنظراته صارخًا وقد بدأ يفقد عقله: "اصمت! لا تثر جنوني. هي لا تجيب ولا يوجد أي صوت في الداخل. ألم تفكر في مساعدتها أو الاطمئنان عليها حتى؟!"
شحب وجه خالد وكأنه لم يفكر في تلك النقطة يتحرك صوب المرحاض في اللحظة التي بدأ بها أرسلان يدفع الباب بقوة حتى تحطمت أقفاله تحت وطأة ضرباته العنيفة.
وبمجرد أن فُتح الباب شهق أرسلان متراجعًا للخلف بصدمة مما أبصر يهتف دون وعي: "يا رحيم..."
فزع خالد من ردة فعل أرسلان ليقترب بسرعة بخوف. لكن فجأة تجمد حينما رنت صرخة أرسلان في المكان وهو يوقفه في مكانه: "لا تقترب! لا تفعل! اخرج من المكان، اخرج الآن."
نظر له خالد بفزع رافضًا: "ماذا؟! بالطبع لا. هذه أختي سأ..."
"للخارج أخبرتك للخارج خالد. لا يمكنك رؤيتها الآن. هيا أخرج من المكان."
شعر خالد بقلبه يهوى من هول الغضب المرتسم على وجه أرسلان. يدرك أن ما حدث لشقيقته داخل المرحاض مروع ليتسبب في كل هذا الغضب لأرسلان.
"لكن هي..." تحدث أرسلان بنبرة موجوعة أجبرت خالد على الرضوخ: "أرحل الآن، وسأخبرك متى تعود للاطمئنان عليها. أدرك أنها أختك وتخاف عليها، لكن أرجوك أرحل الآن."
"فقط أخبرني أنها بخير."
نظر أرسلان لسلمى مجددًا يهمس بصوت غريب: "هي كذلك..."
ابتلع خالد ريقه وهو يدرك أنه يجب الرحيل وترك خصوصية لهما. لذا امسك موزي يجذبه معه للخارج تاركًا أرسلان يراقب سلمى في المرحاض. ومن ثم تحرك بسرعة يحضر أحد قمصانه ومنشفة جافة. يقترب من المرحاض أكثر.
توقف أمامه ثوانٍ يراقبها بأعين مكسورة. كُسر مرات عديدة. كُسر في كل ما يحب. والآن جاء الوقت ليكسروه في زوجته.
طرق الباب بهدوء يهتف بصوت شبه مرتجف: "سلمى هل أدخل؟!"
وسلمى كانت ما تزال على حالها تنظر أمامها دون شعور بالمكان حولها وقد بدا أنها ما تزال تعاني من توابع ما حدث.
تنحنح أرسلان يتحرك للداخل يعلق الثياب. ومن ثم شمر أكمامه يتقدم منها يبصرها تجلس في أرضية المرحاض المبتلة وحولها خصلات شعرها التي قصتها بشكل عشوائي مزقه. بينما جسدها لا يستره سوى قطع صغيرة من الملابس تظهر جميع حروقها. وقد خمن من ملامحها ما أصابها حينما أبصرت كل ذلك.
حاول الابتسام وهو يمد كفه لها يدير وجهها صوبه يراقبها بحب وهي فقط نظرت لعيونه تبتسم بسمة ميتة: "احترقت جميع خصلاتي ولم يتبقى لي سوى القليل. كنت مجبرة على قصهم. لقد... كنت أحبهم كثيرًا."
حرك أرسلان عيونه في الأرجاء يحاول مقاومة دموعه على حالتها. يبتسم بصعوبة وهو يردد بصوت حاول جعله متماسكًا: "لا بأس. لننظر للجانب المشرق في الأمر."
رمقته بعدم فهم، ليمد أرسلان يده يمسك خصلاتها التي أصبحت تصل لكتفها بالكاد. ومن ثم أشار لشعره الذي كان يعقده خلفه يفك ربطته ممازحًا: "نالك شرف امتلاك خصلات بطول خصلاتي يا امرأة. أي شرف تحملين الآن؟!"
نظرت له سلمى ثوانٍ قبل أن تبتسم ثوانٍ، وتضحك بلا شعور على كلماته، قبل أن تتلاشى ضحكاتها وتتحول لدموع صامتة وهي تنظر لوجه أرسلان تهتف بضعف وكأنها تشكو ما يحزنها: "لقد... أحببتهم كثيرًا. كنت أكره أن أقص خصلاتي أرسلان لقد..."
صمتت تنفجر في البكاء وهو فقط جذب رأسها لصدره يربت عليها بحنان: "لا تبكي عزيزتي. لا تبكي. الأهم أنكِ معي تحدثيني وتتنفسين وتطربين أذني بصوتك. لا يهمني أي شيء عدا ذلك. حتى لو كنتِ صلعاء بالكامل لا يهمني."
ضحكت سلمى دون شعور في أحضانه تهتف بصوت مكتوم: "لم تحصل على امرأة صلعاء، لكنك حصلت على امرأة مشوهة أرسلان..."
أبعدها أرسلان عنه بعنف يمسك وجهها يجذبه لوجهه وكأنه سيناطحها. وقد كانت طرقه للتعبير عن حبه مريبة بقدر غضبه: "أي مشوهة هاته. أنتِ يا امرأة ما فائدة مرايا الغرفة إن لم تبصري حسنك؟ هل يمكنكِ أن تكوني أجمل من الآن حتى؟!"
"نعم كنت أجمل من الآن، لكنك لم تبصرني."
"لا عجب أنني كنت أعمى."
"وأحمق."
"نعم أعمى وأحمق."
جذبها يستند على جبهتها هامسًا بصوت منخفض حنون: "سلمى... أي إنسان يبصر بهائك هذا ولا يذوب أرضًا من حسنك، فهو أحمق وحقير وأنا أكبر أحمق حبيبتي، إذ أنني أبصرت ذلك وترفعت عن الذوبان أمام حسنك."
"هل أصبحت شاعرًا فقط لتراضيني؟ لا تقلق أرسلان أنا... طبيبة نفسية وأدرك كيف أتخطى كل هذا. نعم سأحزن دون إرادة مني، لكنني سأتخطى هذا بعد فـ..."
"أشششش، فقط اصمتي وامنحنيني فرصة الحديث يا امرأة فلا ندرك متى تنفك عقدة لساني مجددًا لأخبرك ما أريد أخبارك إياه."
أبعدها عنه برقة كبيرة، وهو ما يزال يأسر وجهها بين كفيه الخشنين، يميل مبتسمًا يتأمل بها بشرود وكأنه يجهز لكلماته، أما عنها كانت تحاول أن تركز معه لولا خصلاتها القصير التي تتحرك فتفسد مزاجها.
زفر أرسلان وهو يلملم خصلاتها بين كفيه يجمعهم في رابطة شعره الخاصة: "جيد؟ والآن أعطني كامل تركيزك رجاءً."
نظرت ليده ومن ثم لعيونه تهتف بمشاعر مختلطة لا تستطيع تحديدها: "تخيلت كل شيء في حياتي، أي مشهد شاعري قد يحدث بين اثنين تخيلته، إلا أن يمنحني زوجي رابطة شعره لأجل ربط شعري بها، هذا... غريب ولطيف نوعًا ما."
"هل تزعجك رابطة شعري؟ هي نظيفة فأنا لم أحارب بها لذا هي ليست ملوثة بالدماء أو غيرها."
انكمشت ملامح سلمى باشمئزاز، ليطلق أرسلان ضحكات مرتفعة وهو يراها تجاهد لتنزع رابطة شعره وهو امسك يدها: "أمزح معكِ اقسم أنني أمزح. ما بكِ؟ ثم هل يزعجك فكرة امتلاكي لشعر طويل بعض الشيء؟ أقصّه لأجلك."
اتسعت عيونها وهي ترفض بسرعة: "لا إياك أن تفعل هذا... هذا يمنحك مظهرًا ساحرًا مهيبًا أرسلان، لا تقصه."
"جيد، فأنا لا أحب قص شعري كثيرًا، والآن..."
صمت ينظر لها بهدوء قبل أن يتحرك بجسده يحضر لها المنشفة يجفف جسدها باهتمام وهي تتابع ما يفعل وقد أخرجها دون شعور منه من حالتها التي كادت تسحب لها منذ ثوانٍ. راقبته يساعدها بلطف لتنبث دون شعور: "أنت... تصلح لتكون طبيبًا نفسيًا صدقني."
توقفت يد أرسلان وأحضر قميصه يلبسها إياه بلطف، ثم مال وحملها بين ذراعيه يضمها لصدره مقبلًا خصلات شعرها: "لا أعتقد أنني أجيد الأمر. لا أستطيع أن أعالج أحدهم من مرضي نفسي، لكنني ماهر في جلب الأمراض النفسية للآخرين."
ختم حديثه يتركها على الفراش، ثم جلس أرضًا أمامها يمسك بين يديه الأعشاب التي وصفتها لها الطبيبة يراقب قدمها بحرص، ومن ثم أخذ يمرر الأعشاب على قدمها، يرفع عيونه لها بعد ثوانٍ هامسًا: "إلا أنتِ، يمكنني أن أكون طبيبًا نفسيًا لأجلك إن أردتِ، لا أمانع البتة، طالما أنني سأنال مكافأتي برؤيتك تبتسمين سلمى."
"هل أثر الحريق على عقلك أرسلان؟!"
"حسنًا هذا ليس ردًا انتظرته بعد كل تلك الكلمات التي نطقتها لتوي."
"لهذا بالتحديد أسألك منذ متى أصبحت شاعرًا؟ تنطق بكلمات كهذه؟!"
تشنجت ملامح أرسلان وهو يكمل تمرير الأعشاب على قدمها ناظرًا لعيونها: "منذ متى يا ناكرة الجميل؟ حقًا؟ لقد كنت أغرقك بأعذب الكلمات طوال الوقت، هل تنكرين غزلي لكِ الآن؟!"
"حقًا فعلت؟!"
انتهى أرسلان ينهض من مكانه، يتوجه صوب ذراعيها يكشف عنهما قميصه ومن ثم أخذ يدهن ذراعيها بهدوء قبل أن يهمس بصوت خافت بعض الشيء وملامح حنونة وهي فقط تراقب وجهه القريب منها بهيام واضح: "نعم، تذكري فقد أخبرتك الكثير سلمى، ربما شيء واحد فقط لم أخبرك إياه طوال الفترة السابقة رغم أنني كنت أحمله في صدري مذ أول لحظة أبصرتك تقريبًا."
شردت به سلمى دون شعور تحاول استخلاص كلماته وقد كان قلبها يطرق بقوة: "ما... ما هو؟"
"أنني أهيم بكِ عشقًا سليمى......."
كانت تقف على باب الغرفة الخاصة به تراقب والدها وهو يطمئن عليه بقلق واضح وكأنه على وشك فقدان أحد أبنائه وليس رجلًا صُنف خائنًا للجميع. هل يعقل أن والدها يفعل له ذلك من باب رد الجميل حينما ساعده في غيبوبته؟!
تحركت للداخل تراقب والدها بأعين متعجبة وشك ملء قلبها، تسمع كلماته للطبيب وقد شاب نبرته خوف واضح: "إذن سيكون بخير؟!"
"لا يمكننا الجزم بهذا مولاي. فقط ننتظر أن تمر هذه الليلة بخير ومن ثم نختبر أجهزته الحيوية للتأكد أن كل شيء معه بخير."
حرك بارق عيونه صوب نزار يهز رأسه. ولم يلاحظ خروج الطبيب أو حتى اقتراب توبة منه وهي ترمقه بعدم فهم: "ما الذي يحدث هنا أبي؟!"
نظر لها بارق بعدم فهم، أو بالأحرى ادعاء عدم الفهم، يبتلع ريقه وهو يبعد عيونه عنها وكأنه يتهرب من حقيقة ستؤذيها: "ما الذي يحدث توبة؟ أليس هذا ما طلبتيه أنتِ بالفعل؟!"
"طلبته؟! طلبت منك مسامحته ومساعدته أبي، لكن قلقلك هذا لأجل طلبي كذلك؟!"
نظر لها باعتراض ولم يكد يتحدث بكلمة حتى قاطعته هي بصرامة: "أبي ما الذي يحدث؟! هل... هل قلقك هذا ليس طبيعيًا. أنت تكاد تبكي خوفًا. وما معنى أن يسامحكم هو أو غضب الملك آزار. ما معنى كلماتك التي رددتها في الخارج؟!"
"ما هو غير الطبيعي بقلقي؟! هذا ابن رفيقي وأنا من ربيته و..."
قاطعته توبة بعدم تصديق لما يتحدث به والدها وقد شعرت بشكوكها تتأكد وهي تبصر توتر والدها الواضح: "ابن رفيقك الذي تبرأ منه؟! والده تبرأ منه أبي وهذا ما نعمله جميعًا بسبب خيانته لكم و..."
صمتت ثوانٍ تقترب من والدها وكأنها تستوعب شيئًا ربما غفلت عنه سابقًا أو ربما انتبهت له ولم تفكر أو تتوقف عنه كثيرًا: "أو ربما لم يفعل؟ هروبه بكل بساطة من سجون... هروبه من سجون أرسلان للجحر. كل هذا... لا... لا أحد يستطيع اختراق سجون مشكى أو حتى خداع أرسلان والهروب بكل بساطة إلا إذا سمح هو له."
صمتت تبتسم بعدم تصديق وقد شعرت بالحيرة وعدم الفهم تدور حولها: "هل... هل غفرتم له مقابل أن يلقي بنفسه في التهلكة؟ أن يعود للجحر؟ لهذا كان مصممًا؟ لأجلكم؟!"
اتسعت عيون بارق من استنتاج ابنته. بينما هي أكملت بفزع وكأنها كانت عمياء طوال الوقت: "حينما أبصرته في مشكى كان يسير بين الطرقات بكل بساطة غير محاط بالكثير والكثير من الرجال كما يفترض أن يكون و... أبي هل ألقيتم به لمصيره مقابل أن تسامحوه وأنا... أنا ساعدتكم بكل غباء؟!"
نظر لها بارق بعدم استيعاب لجملتها الأخيرة لا يفهم مقصدها لتهبط دموعها ساخرة من نفسها: "لقد جاءني يطلب مساعدتي للهروب من مشكى و..."
نظرت صوب نزار وهي تنظر له بأعين دامعة ووجع كبير، تشعر بالذنب يقتلها: "لقد... لقد ساعدته ليعود لهم بنفسي. شجعته بصمتي و... هذا بسببي أبي و..."
"لا يا ابنتي ليس بسببك. أنتِ لا تفهمين شيئًا."
"إذن أخبرني... أخبرني أبي ما يحدث ولا تدعني في غياهب الجهل أطفو بحثًا عن مرسى لي. أنت لا تدرك مقدار الوجع حينما أتذكر أنني من فعل به هذا."
مسح بارق وجهه بقوة وهو ينظر صوب جسد نزار ثوانٍ قبل أن يتنهد بصوت مرتفع: "اسمعي، فقط اهدأي وستعلمين كل شيء."
فتحت توبة فمها بلهفة ولم تكد تتحدث كلمة حتى قاطعها والدها رافعًا كفه في الهواء: "ليس الآن توبة، فقط دعينا ننتهي وينهض هو ليخبرك لما حدث بنفسه. سيكون هذا أفضل و..."
ولم يكد يكمل كلماته حتى بدأت همهمات تعلو من فم نزار. همهمات أخذت ترتفع شيئًا فشيئًا حتى فزع الجميع على صرخات نزار باسم الوليد ليركض بارق بسرعة يحاول التحكم بتشنجات جسد نزار يصرخ في توبة التي تصنمت مكانها بصدمة: "توبة اذهبي لتحضري الطبيب بسرعة. تحركي! احضري الطبيب...."
تجمدت سلمى مكانها وهي تنظر لعيونه بعدم تصديق. وهو فقط ظل يحدق بها ينتظر منها أي ردة فعل تطمئنه، أي كلمة منها تخبره أنه مرغوب لديها.
"حسنًا صمتك هذا لم يكن ردًا أتوقعه. توقعت تهليلات واحتفالات وشكر وامتنان. هل... هل تقبلين بي وبحبي؟!"
حاولت سلمى الخروج من صدمتها لتتحدث له بأي كلمة تعبر عما يدور داخل صدرها من انفجارات في الوقت الحالي. ورغم سهولة الكلمات لم تستطع سوى الخروج بكلمات متقطعة لا معنى.
"أرسلان... أنا... أنت لا..."
"أنا ماذا حبيبتي اخبريني؟!"
"وهذا كثير. فبعد أشهر عجاف سقاها من المياه غيثًا. وهذا خطر عليها." وضعت يدها على وجهها تتحسس حرارته وقد عجزت عن النطق: "يا ويلي أرسلان أنا لا... لا... أعني... فقط أريد أن..."
صمتت وقد كان الأمر أكبر من قوة تحملها وهي من كانت فصيحة اللسان سابقًا لا أحد يستطيع إجبارها على الصمت إن لم تود هي ذلك.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهو مد يده يضم كفها بحنان: "ماذا تريدين؟ يمكنكِ أمري إن أردتِ وسيكون مجابًا."
"أنا أحلم بالطبع. فارسلان لن ينطق هذه الكلمات ولو وضعت سيوف على رقبته. أنت... لا تسمح لأحدهم برفع صوته في وجهك فما بالك بأمرك. هل تمازحني؟!"
ضحك أرسلان بصوت هادئ وهز يهز رأسه موافقًا كلماتها والتي كانت صحيحة مائة بالمائة. لكن ورغم أنه أظهر لها مئات المرات أنها استثناءً عن الجميع، إلا أنها لم تصدق الأمر حتى الآن.
رفع يده يجذب وجهها بين كفيه مرددًا بجدية وهو شارد في عيونها بحب شديد: "أنتِ الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يمتلك حقًا بي ليخبرني ما يريده في أي وقت يرغبه. لذا لكِ تصريح مني بأمري بكل ما تريدين حُلوتي، وأنا أتعهد لكِ بالسمع والطاعة، على أن تتعهدي لي بقلبكِ."
ابتسم وهو يراقب احمرار وجهها واتساع عيونها ليبتسم بسمة صغيرة عاشقة: "عادل بما يكفي ها؟!"
"لــ...لمــ...لماذا الآن ولماذا أنا؟!"
أسئلة كثيرة دارت داخل عقلها في هذه اللحظة ليهز هو رأسه ببساطة ليس وكأنه ينطق في هذه اللحظة ما لم يتخيل يومًا أن يفكر به حتى، وعيونه تلمع بالحب: "ربما لأنني أدركت مؤخرًا أنكِ ذلك الوطن الذي عشت عمرًا شريدًا أفتش عنه بين الطرقات. الوطن الذي أدركت منذ لحظتي الأولى بين أحضانه أنني على استعداد لبذل كل ذرة دماء في سبيله سلمى."
وما كاد يتم كلماته حتى كانت سلمى ترمي نفسها بين أحضانه وهي تبكي بعدم تصديق من الصدمة. وأخيرًا ما انتظرته طويلًا أتاها أفضل مما تخيلت.
"يا ويلي أرسلان، قلبي سيتوقف من... سيتوقف من هول ما تقول."
"عسى أن تتوقف قلوب أعدائك حبيبتي. لا أراني الله بكِ وخزة شوكة سليمى."
سقطت دموع سلمى أكثر وهي تضم نفسها بين أحضانه تهمس بصوت منخفض باكٍ، وقد شعرت أنها أخيرًا قد نالت ما تتمنى ويزيد.
"أرسلان أنا.... أنا أحبك. أرسلان أنا أحبك..."
ابتسم أرسلان بقوة وهو يتنفس براحة واخيرًا وكأنه كان يغرق وللتو أبصر السطح وتنفس براحة.
ضمها بقوة وهو يهمس بكلمات حنونة: "لطالما رددت ممازحًا أن كل من أعرفهم محظوظون لامتلاكهم شخص مثلي بحياتهم. كنت مسكينًا مُغيبًا. أي حظ هذا وهم لا يمتلكون سليمى..."
ضحكت سلمى من بين دموعها وهو يمازحها بحب: "ولن يفعلوا. أنتِ حظي ونعمتي في هذه الحياة والتي سأكون في غاية الأنانية لأشاركها مع أحدهم حتى موزك ولودك. وحتى دلالة الملكية هذه لن تنسب لكِ مجددًا."
ضحكت سلمى من بين دموعها وهو مد يديه يمسح دموعها بحب ومن ثم مال يقبل وجنتها هامسًا بصوت منخفض: "عسى الله أن يمنّ على العبد الفقير برؤية ضحكاتك كل يوم."
ابتعد عنها يبتسم بحنان، ثم ربت على خصلاتها بحنان، لينتبه إلى خصلاتها غير المرتبة: "دعيني أساعدك في ترتيب خصلاتك هيا."
"حسنًا حاول ألا تكثر من تدليلك هذا حتى أعتاد فلا أضمن أن يتحمل قلبي هذه الكلمات كثيرًا أرسلان."
ابتسم لها بحب وهو يتحرك يبحث عن مقصه الخاص ومن ثم عاد يشير لها لتستدير وهي ابتسمت تمازحه: "إذن سأكون من المحظوظين القليلين الذين يقص الملك أرسلان خصلاتهم."
"لا بأس بالتواضع معكِ عزيزتي. أنتِ فقط دون الآخرين..." ومن ثم شرع يقص لها خصلاتها بحنان شديد وهي فقط تستمتع بهذه اللحظات من الهدوء والصفاء. وبمجرد انتهائه طبق قبلة حنونة على خصلاتها التي أصبحت أكثر ترتيبًا.
ومن ثم ساعدها لترتاح على فراشها يهمس بصوت منخفض: "والآن حلوتي ارتاحي ولا تفكري بشيء سوى بلون فستان زفافنا الذي سنقيمه عقب الانتهاء من كل هذا والذي سيكون بالأخضر كما اعتدنا هنا حسنًا؟!"
نظرت له بريبة من كلماته ولكنه لم يسمح لها حتى بالتفكير في أيٍ كان ما يرهق تفكيرها يبتسم لها بحنان يجذب الغطاء عليها: "فقط استرخي واستمتعي بما يحدث."
حدقت فيه بعدم فهم، ليبتسم لها وهو يميل مقبلًا وجنتها بحنان وقد لمعت عيونه بنظرات مخيفة: "حان وقت تنفيذ وعدكِ الذي ألقيتيه على مسامع العزيز أصلان. تتذكرينه؟!"
نظرت له بعدم فهم لثوانٍ قبل أن تتذكر فجأة توعدها له حينما صفعها بأن الصفعة سيردها زوجها أضعافًا.
أما عن أرسلان هز رأسه وكأنه يؤكد على ما يدور في رأسها، ومن ثم خطى بعيدًا عنها يغلق الباب خلفه بهدوء ينظر للحراس على بابها بصرامة: "لا يتحركن أحدكم من أمام غرفة الملكة ولا أحد مسموح له بزيارتها عدا أخيها والقرد ولا أحد آخر حتى وإن كان قرد آخر رفيق لقردها. سمعتم؟!"
هز الحراس رؤوسهم، بينما أرسلان تحرك من أمام غرفتها لتتلاشى نظراته الحنونة بشكل مخيف وهو يلتقي تيم في الممرات والذي هتف بجدية ولهفة: "مولاي... لقد... كانت الانفجارات في جميع الممالك، تضررت الممالك بأكملها بما حدث."
كان أرسلان يستمع لما يحدث بهدوء دون أي تعابير تذكر على وجهه، فقط يسمع كلمات تيم الذي شرع يكمل كلماته: "الاجتماع في سبز بعد ساعات قليلة."
"إذن جهز القافلة يا بني سأتحرك الآن."
تحرك تاركًا تيم وهو يهرول بين الممرات، لكن فجأة توقف على صوت أرسلان الذي أضاف بهدوء: "وتيم... جهز موكبًا للملكة كذلك، سوف اصطحبها معي."
ختم كلماته يكمل طريقه صوب القاعة الخاصة بالاجتماع يجمع منها المخطوطات وكل ما سيحتاجه في الأمر.
"آغازِ پایان" بداية النهاية.
يدور بين طرقات القصر لا يصدق أنه وصل لهذه النقطة. كانت فكرة عبقرية أن يندس بين شعب أرسلان حتى يتمكن من دخول المكان والتغلغل به.
لكن التحرك داخل القلعة كان كالمشي حافيًا على حقل من الأشواك. عليك الحذر في كل خطوة تخطوها فلا يوجد موضع قدم يخلو من رجال أرسلان.
فجأة سمع أصوات بعض الجنود يقتربون ويتحدثون بأصوات شبه مرتفعة.
"فقط تجهزوا فالملك سيتحرك بعد ساعة واحدة لسبز."
آخذ يتلو على الجميع دورهم في هذه القافلة المتوجهة صوب سبز ومن ثم انفض الجمع، كلٌ لينتهي مما وكل له.
وانمار يراقب بعيون ملتهبة وقد أضاءت فكرة ما عقله، ليبدأ التحرك خلف الرجال يبحث عن فرصته للتغلغل بينهم، حتى أبصر واحدًا يبتعد عن الجميع مرددًا أنه سيودع عائلته ويعود إليهم سريعًا.
اتسعت بسمة أنمار أكثر وقد وجد الثغرة التي ستدخله للجيش، يراقب الرجل بهدوء شديد يتحسس خنجره الصدأ الذي يخفيه بين ثيابه: "خذ وقتك إذن في توديعهم فقد تكون فرصتك الأخيرة لتفعل..."
ساعات الليل مرت بسرعة حتى كاد الصباح يطل بنوره على المملكة، في اللحظة التي كان الجميع موجود داخل قاعة محاكمة سفيد.
الفتيات وبعض الجنود وإلياس ومعهم فاطمة التي أفاقت منذ ساعة واحدة تتابع ما يحدث وما يقال أمامها.
حيث تحرك صوبها إلياس بمجرد أن أبصرها يصرخ باسمها مبتسمًا دون شعور بسعادة كبيرة: "فاطمة عزيزتي أنتِ بخير حبيبتي؟! كاد قلبي يتوقف من الخوف عليكِ حينما أبـ..."
ولم يكد يقترب منها خطوة واحدة حتى أوقفه خنجر زمرد الذي أشهرته أمام معدته مباشرة، فلو كان تقدم مقدار خطوة واحدة لكان الخنجر اخترق معدته ليخرج من الجهة الثانية لظهره.
حرك إلياس عيونه على الخنجر قبل أن يرفعها صوب زمرد باستنكار، ومن ثم نظر جهة فاطمة التي كانت تتعلق بزمرد وكأنها والدتها يهمس بصوت مقهور موجوع: "فاطمة... هذا... أنا إلياس."
أخفت فاطمة عيونها في جسد زمرد وهي ترتجف بقوة وزمرد رفعت عيونها له ولم تكد تصرخ في وجهه تبعده عنهم حتى رن صوت إيفان في المكان: "للخلف ولا تقترب خطوة أو تتحرك حتى أئذن لك، ولا تثقل مصائبك واحدة."
رفع له إلياس عيونه باستنكار وكأنه قد نسى في خضم ادعائه الحقيقة: "ما الذي يحدث مولاي؟! لا أفهم شيئًا مما يحدث، ما سبب وجودي هنا وزوجتي؟ لقد جئت لعلاجها."
"زوجتك إذن؟!"
"نعم زوجتي، هي تعاني من بعض الإرهاق وتمر بحالة نفسية وجسدية صعبة مؤخرًا بعدما فقدت عائلتها، فأتيت لعلاجها هنا حسب نصيحة الحكيم ولا أدري ما يحدث الآن."
رفع إيفان حاجبه وهو يحركه على الجميع وقد أدرك أن إلياس لا يفقه حقيقة علمهم بهوية فاطمة الحقيقية لذا قرر مجاراته: "أين أوراق زواجك منها؟!"
بُهتت ملامح إلياس وهو يبتلع ريقه بتوتر يحاول إيجاد كلماته: "لم... لم أحصل بعد عليهم. لقد وعدني الشيخ أن يخرجهم ويوثقهم في مشكى، ومن ثم سأمر عليه لتسلمهم. لقد تزوجتها في مشكى."
"هل هذا صحيح سيدتي؟!"
كانت كلمات إيفان موجهة صوب فاطمة والتي كان يعلم حقيقتها، لكنه أبى إلا أن يدفعها للتحدث بالحقيقة بنفسها.
وفاطمة فقط تتمسك بزمرد وكهرمان تنظر لها بشفقة ومن ثم نظرت لإيفان وكأنها تستعطفه أن يتجاوز هذا الجزء، لكن إيفان نظر صوب فاطمة بإصرار: "سيدة فاطمة هل حقًا ما يق
رواية اسد مشكي الفصل الأربعون 40 - بقلم رحمه نبيل
توقفت الأصوات في القاعة بالكامل وتحولت الأنظار كلها صوب البوابة التي فُتحت لتظهر خلفها جسد المعتصم الذي بدا كما لو أنه يجهز نفسه للأنقضاض على ضحيته.
ومنذ وطأ القاعة لم تتحرك عيونه لأحدهم، ولأول مرة لم يرحب بمن حوله ولم يتحدث بكلمة، فقط تحرك وعيونه مثبتة على جسد واحد فقط، يبتسم بسمة غريبة لا تليق بما يجب أن يشعر به في هذه اللحظة.
كانت عيونه لا تتحرك عن إلياس الذي شعر في هذه اللحظة بأن كامل حياته انتهت عند هذه النقطة، ابتلع ريقه وهو يتراجع للخلف يراقب عيون المعتصم الذي لم ينزع عيونه عنه لثانية فقط ويده تتحرك بهدوء شديد يتحسس سيفه.
عيون حمراء. عروق بارزة. هيئة رثة. شعر مبعثر. ملامح جامدة وجسد مشدود. إشارات كثيرة واضحة ترسل للأعمى تحذيرات متتالية بتجنب المعتصم في هذه اللحظة وتجنب الاحتكاك به.
ولم يكد يتقدم خطوة إضافية صوب هدفه حتى تجمد جسده فجأة وتلاشى كل ما سبق ذكره، لتلين ملامح المعتصم بسرعة مرعبة وتعلو نظرة حنونه رقيقة وجهه حينما سمع صوتًا اشتاقه بجنون وهو يهمس بلهجة وكلمة كادت روحه تخرج من جسده مطالبة سماعها ولو في أحلامه حتى.
يا المعتصم...
استدار المعتصم صوب فاطمة والتي كانت تختبئ منذ ثواني بين أحضان زمرد وكهرمان، لكن بمجرد أن ابصرته، حتى تحررت من خوفها وهرولت صوبه تتلمس به ملاذها الأمن.
يا المعتصم أنت هنا ؟!
ابتسم المعتصم بحنان يتلقفها بسرعة بين أحضانه وقد بدأت يديه ترتجفان وهو يجذبها لصدره وكأنه لا يصدق أنه يلمسها مجددًا بعد كل هذه الأيام.
يا قلب المعتصم أنتِ فاطم.
كان يهمس لها بكلماته وهو يضمها يميل برأسه قرب أذنها يتنفس بصوت واضح وهو يتحدث بكلمات متقطعة.
فاطم... صغيرتي... كدت... أموت شوقًا ورعبًا عليكِ حبيبتي، يا ويلي اشعر أنني... للتو فقط تنفست.
ضمت فاطمة نفسها له وهي تهمس اسمه ببسمة سعيدة لعودتها له وكأنها نست كل ما مرت به فجأة حينما ابصرته أمامها.
يا المعتصم أنا.... أنا كنت ... يا المعتصم.
فجأة انفجرت في موجة بكاء حارة دون مقدمات بعدما كانت تبتسم منذ ثواني له، تهتف بكلمات متقطعة من بين دموعها وكأنها لا تصدق أنها الآن في ملجئها الآمن، تصف له كل ما مرت به الأيام السابقة بكلمات شبه متقطعة بسبب البكاء.
لقد .... كنت في السيارة وهناك قطعة قماشية في فمي ولم استطع الصراخ أو حتى التنفس و.... لقد ... ضربني يا المعتصم حينما أخبرته أنني أريد رؤيتك ... لقد .... اخرجني من هنا أرجوك، أريد العودة للمنزل معك يا المعتصم لا تتركني هنا أرجوك أخرجني الآن.
ختمت حديثها بوجه اشتد احمراره بسبب شدة البكاء وقد فشلت عن التنفس بسبب حدة الشهقات، ليبعدها عنه المعتصم وهو يحاول أن يساعدها في التنفس بشكل طبيعي.
حسنًا أنا هنا فاطمة.... حبيبتي انتهى كل هذا ... هيا انظري إلي، لن أرحل دونك أبدًا، سوف نعود سويًا للمنزل حيث ينتظرك الجميع، كل من يحبك ينتظرك هناك عزيزتي.
رفعت فاطمة عيونها الباكية له، ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة ليقاطعها المعتصم بجدية.
هل يمكنك الذهاب مع الملكة الآن ريثما أودع الملك إيفان والحق بكِ ؟؟
تمسكت فاطمة بثوبه، وهي تبكي بانهيار ترفض وهي تهز رأسها نافية رغبتها في الابتعاد عنه ولو خطوة مرتعبة أن يتكرر ما حدث ويبعدها أحدهم قسرًا عنه.
لا أرجوك لا تفعل، لا تتركني مجددًا يا المعتصم هو سـ...
فاطمة أرجوكِ اسمعيني، لن يحدث شيئًا، فقط سأتحدث للملك ونرحل سويًا لمشكى حسنًا حبيبتي ؟؟
همست بضعف وهي تتوسله خائفة من أن يكون كل هذا مجرد وهم من عقلها الباطن وقد عادت لعادتها القديمة لتنكر حاضرها. باحت بخوفها له وهي تهمس بصوت منخفض.
اخشى.... أن.... تبتعد .. فأدرك أنك مجرد وهم ... المعتصم ارجوك.
ربت عليها المعتصم ومال يهمس لها كلمات قليلة لطيفة وهو يربت على ظهرها بحنان وكم اوجعه خوفها من عقلها وما يريها إياه حينما تشتد بها العواصف.
بروحي أن يمسك سوء مرة أخرى فاطم، مرة ولن تتكرر، صدقيني لن تتكرر عزيزتي.
ضم وجهها بلطف بين كفيه، ومن ثم أشار لكهرمان يطلب مساعدتها بصمت، لتتحرك كهرمان تمسك مرفق فاطمة تردد بحنان.
فاطمة أرجوكِ.
ولم تحتاج فاطمة للمزيد من الكلمات لترضخ لكلمات المعتصم وتتحرك مع كهرمان للخارج والمعتصم يراقبها بهدوء حتى شعر بها وقد ابتعدت، ثم عاد بنظراته صوب الجميع، يحركها بينهم حتى استقر على إلياس وهنا بدأت شياطين المعتصم تطفو على السطح وتعلن عن وجودها أمام الجميع.
---
ساعات بعدما تلقى خطاب من بارق حتى وصل لسبز كي يتجهز للحرب القادمة، ورغم أن بلاده لم تنهض بعد من نكبتها الأخيرة إلا أنه اقسم أنه لن يهنأ له بال ويمس حجر واحد من بلاده حتى يبيدهم عن بكرة أبيهم.
دخل برجاله لقلعة سبز وهو يبصر بقايا ما حدث الليلة السابقة يظهر على الوجوه حوله وأعداد الأشخاص المتوجهين للمشفى.
هبط يقابل بارق الذي كان ينتظره في منتصف الساحة يرحب به بين أحضانه.
عساك بخير آزر.
ابتعد آزار عن أحضان بارق بعدما ربت عليه يردد بملامح واجمة.
ليس قبل أن أنتهي من كل هذا، لم يصل أحد ؟!
نفى بارق رأسه وهو يبتلع ريقه يحاول الحديث مستغلًا تأخر الباقيين.
لا ليس بعد، لكن .... هو ... آزار ريثما يصل الآخرين، تعال لـ.
نظر له آزار بعدم فهم منتظرًا أن يكمل حديثه.
آتي لماذا بارق ؟؟ كل شيء بخير صحيح ؟!
مسح بارق وجهه وهو يتذكر حالة نزار التي ساءت فجأة وهو يصرخ ويبكي في غفوته ويهذي بكلمات غير مفهومة قبل أن يسقط مجددًا في غيبوبته.
أنه...
تنفس بارق بصوت مرتفع وهو يرفع كفه في وجه آزار بهدف أن يهدئه قبل حتى تحدثه بما يريد، وازار فقط يراقب كفه ينتظر أن يتحدث وقد بدأ القلق يتسرب لصدره أكثر وأكثر.
أنت لا تساهم في تهدئتي بارق لا تثر جنوني أنت الآخر، والله لا ينقصني شيء لقد فاض الكيل و.....
أنه نزار.
توقف آزار عن الحديث فجأة بصدمة وهو ينظر لوجه بارق بعدم إدراك.
نزار ؟! مابه ولدي بارق هل وصلتك رسالة منه ؟!
نفى بارق برأسه وهو يحاول الحديث ليجن جنون آزار وقد فاض كيله يصيح بصوت جهوري مرتعب.
بارق ما بك لا تثر جنوني اقسم بالله العلي العظيم أنني الآن على استعداد للذهاب وتناوله لذلك الوسخ الذي كنت تأويه أسفل قصر حيًا، والله اقطعن لحمه واكله بأسنانى لو مس ولدي بســ.....
نزار ... هو هنا... لقد ... هرب من الجحر وجاء للقصر.
شحب وجه آزار وهو ينظر لبارق وكأنه ينتظر أن يكمل كلماته التي تركته معلقًا بين الصمود والانهيار.
وبارق أشفق عليه وعلى نفسه من تحمل توابع ما سيقول، ليمسك بيده يجذبه خلفه وازار سار دون كلمة واحدة وكأن صمته وهدوءه في تقبل ما يريد بارق سيضمن له سلامة ولده.
أما عن بارق جذبه بهدوء صوب الغرفة التي يقبع بها نزار وهو يتنفس بهدوء يحاول أن يمرر ما يحدث ليهونها على رفيقه.
وحينما وصل لباب الغرفة والذي كان مفتوحًا، أبصر آزار جسد توبة التي انكمشت على نفسها في أحد أركان الغرفة تدفن رأسها بين قدميها باكية دون أن تعي بمن حولها.
نظر لها آزار بفزع وهو يجذب يده من بين كف بارق.
توبة ؟! ما بكِ يا ابنتي هل أنتِ بخير ؟!
ازدادت شهقات توبة بقوة ليحرك آزار رأسه بهدوء صوب بارق يتحدث وهو يشير له صوب ابنته المنهارة دون أن يهرول لمعرفة السبب، لكن أثناء تحركه بعيونه صوب بارق أبصر جسدًا بعلو الفراش الذي يتوسط الغرفة، جسد لا يمكن أن يخطأه بأي شكل من الأشكال.
نظر صوب بارق بصدمة، ومن ثم عاد بعيونه صوب ولده الذي يتوسط الفراش بملامح مدمرة وجسد لا يظهر لكثرة جروحه، تحرك صوبه بأقدام مرتجفة يهمس بصوت خرج مختنق.
بني ؟؟؟
اقترب منه بخطوات مرتجفة وهو لا يشعر بمن حوله، يطيل النظر بوجهه يبحث بين كل تلك الجراح عن ولده العزيز، لكن كل ما حصل عليه هو بقايا جسد طفله الصغير.
نزار ؟؟؟ نزار يا قلب أبيك من .... متى حدث .... كيف يا بارق ... كيف وماذا ...
كان يتحدث بعجز وهو يتحسس وجه نزار وقد بدأ جسده يرتجف كما يديه يشعر بالصدمة وقد تملكت منه، وبارق يدرك أنه ما يزال في صدمته وحينما يستفيق سيحطم البلاد فوق رؤوسهم.
جلس ارضًا على ركبتيه أمام الفراش يهمس بكلمات غير مسموعة سوى لطفله، قبل أن تتجمد يده ويستدير صوب بارق باعين مرعبة.
بارق ما الذي حدث لولدي ؟؟ كيف وصل هنا وهو بهذا الـ ....
صمت بعجز عن إيجاد كلمات تعبر عن حسرته وقهره الذي يحياه في هذه الحياة، نهض يتحرك صوب بارق وهو ما يزال يردد الكلمات بوجع كبير وبارق يقف في منتصف الغرفة بأعين حمراء مستسلم لهزات آزار له وهو يصرخ بوجع من الوضع الذي يرى به ولده.
ما الذي حدث له بارق ؟؟ ما به ولدي ... إنه... كالجــ ... لا يسمعني حتى ؟!
ارتفعت أصوات بكاء توبة في المكان ليلتفت لها آزار وكأنه استوعب فجأة وجودها في المكان ينظر لها ثواني وهو ما يزال يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يترك مرفق بارق ويهرول صوبها بلهفة يجلس على عقبيه أمامها مرددًا بصوت شبه باكٍ.
توبة يا ابنتي ما به نزار ؟؟ أخبريني ما به ؟؟ أرجوكِ تحدثي، ليفعل أحدكــــــم قبل أن يجن جنوني ..
رفعت عيونها له وهي تتحدث بصعوبة من بين دموعها.
لا.... لا أعلم لقد ... جاء مع المصابين منذ ساعات في حالة سيئة وقد اخبرني الجنود أنهم وجدوا جسده منهار على مقربة من بوابة القلعة وكأن احدهم ألقاه وهرب، و... منذ ذلك الحين لا يستجيب لأحد و...
صمتت تبتلع ريقها ليحثها هو بعيونه أن تكمل كلماتها، وفعلت وهي تنظر صوب جسد نزار تهمس دون ادراك لما يحدث حتى.
ومنذ ذلك الحين لا يفعل سوى أنه يستيقظ يصرخ باسم ومن ثم يعود لغيبوبته.
يصرخ باسم ؟؟ اسم من ؟؟
سقطت دموعها وهي تهمس بصوت مرتجف.
الـــ..... الوليد.
شحب وجه آزار وهو يتراجع للخلف ينظر صوب ولده مرددًا الاسم بخفوت وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف من صدمة ما وصل له تفكيره.
الوليد هو من فعل هذا بولدي ؟!
ومن بعد هذه الكلمات لم يبصر آزار أمامه سوى ماضي بعيد حين جاءه ولده يومًا مع فتى يكبره في العمر وهو يخبره بسعادة أنه وجد رفيقه الأقرب. " هذا الوليد يا أبي... صديقي الجديد، لقد ساعدني في الخارج اليوم، هيا يا الوليد سلم على أبي."
رفع آزار عيونه صوب الوليد يحدق فيه بدقة قبل أن يبتسم له بحنان يربت على كتفه بلطف يميل كي يصل لطوله. " مرحبًا يا الوليد، شكرًا لمساعدتك طفلي بني "
والوليد فقط حدق فيه طويلًا دون ردة فعل لثواني قبل أن يبتسم بسمة صغيرة ويهز له رأسه بلا حديث.
تعجب منه آزار ونظر صوب نزار الذي همس بحماس. " هو لطيف، لكنه خجول صحيح يا الوليد ؟!"
ختم كلماته وهو يرفع قبضته للوليد يحييه بها لينظر الوليد ثواني صوب قبضته تلين نظراته بحنان، يرفع يده يضربها بيد نزار يتحدث بلطف. " صحيح يا أخي.."
ومن ثم أبصر نزار يجذب الوليد من يده خلفه وهو يصيح بكلمات حماسية حول الوقت الذي سيقضيانه سويًا، والوليد فقط تحرك خلف نزار ببسمة واسعة عكس تلك المقتضبة التي كان يوجهها له منذ ثواني.
سنوات مرت وأيام ولم يفترق ولده عن الوليد، بل زادت علاقتهما، وقد تقدم الوليد للجيش بطلب من نزار الذي أحب لرفيقه أن يكون معه بنفس المكان، والوليد لم يفكر ثانية وهو يتقدم لجيش أبى يثبت كفاءته ويزداد اقترابًا من ولده، وقد شعر آزار أنه خلال هذه الفترة كان الوليد يعمل حارسًا لولده أكثر من كونه جنديًا في الجيش، قبل أن يكتشف خيانته...
انتفض جسد آزار من افكاره البعيدة على صوت بكاء وصراخ بدأ يشتد من جهة ولده، نظر صوب الفراش ليبصر ارتجاف جسد نزار بنفس الحالة التي وصفتها له توبة، هرول صوبه وهو يجذبه لاحضانه باكيًا يحاول احتواء ارتجاف جسد ولده الذي كان يبكي مرددًا اسم الوليد بلا توقف.
ما الذي حدث لك يا بني، ما الذي فعله بك الوليد، ماذا فعل بك ؟؟؟
لكن نزار لم يكن يعي ما يقال أو يحدث، فقط استكان في أحضان والده وهو يتنفس بصعوبة ومازالت اللحظات الأخيرة لأخيه تعاد أمام عيونه، لفظه أنفاسه الأخيرة بين يديه، نظراته الشاخصة وهو يُجذب بعيدًا عنه.
أخي..... يا الوليد.
---
أرسلان هذا لن ....
رجاءً سلمى فقط افعلي ما أريده دون جدال، انهضي وساعديني لنحضرك، سوف نتحرك بعد دقائق قليلة.
امسكت يده قبل حملها وهي تهتف بصوت خافت متوسل.
أرسلان ارجوك هذا لن يفلح، وجودي معك ما هو إلا تشتيت لك وأنا الآن لن أكون سوى حملًا عليك صدقني.
وجودك بعيدًا عن عيوني سيكون حملًا أكبر من وجودك معي، هذا إذا صنفنا وجودك حملًا من الأساس، فأنا آخذك معي حاجة لي قبل أن تكون لكِ.
ختم حديثه وهو يميل لحمل جسدها بين يديه يتحرك بها صوب المرحاض بعدما جهزه لها، وهي تنظر له بشرود تتحدث بصوت مشفق عليه من مشقة حمل همها طوال رحلة المفترض أن يعطي لها كامل تركيزه.
يمكنك أن تذهب ولا تقلق اقسم أنني سأكون بخير، سيهتم بي خالد.
توقفت أقدام أرسلان في المرحاض وهو يضعها برفق يساعدها في فك خصلاتها وهو يتحدث بجدية دون حتى أن ينظر لها.
حينما تفقدينني بالكامل، يمكنك وقتها أن تعتمدي على رجل غيري سلمي.
اتسعت عيون سلمى من كلماته تمسك كفه وهي تقبله دون شعور.
لا تقل هذا أرسلان، ادامك الله في حياتي، أنا فقط لا أريد أن....
تنفس يمنعها عن الحديث.
سلمى انتهينا، لن أتركك وحدك هنا في البلاد، لن آمن على تركك بعيدة عن عيوني، ولن ارتاح لأعتناء غيري بكِ.
ختم حديثه وهو يميل لتحسس المياه، ومن ثم اعتدل لها ينظر لها بحيرة، قبل أن يمسك كفها بحنان شديد يرفعه له لتبتسم وهي تنظر له بحنان تستعد لاستقبال قبلاته الرقيقة على باطن كفها، لكن أيا ليت جميع الأماني تتحقق....
حمل كفها يرفع له يتأكد أن لا جروح به قبل أن يغمسه في المياه الدافئة جوارها وهو ينظر لعيونها بانتباه.
درجة حرارة المياه مناسبة لكِ صحيح ؟!
حركت سلمى عيونها بين يدها المغمورة في المياه وبين نظراته الجادة تنتظر أن يضحك، ومن ثم ينتشل كفها ويقبله كما حلمت منذ ثواني.
ماذا ؟!
ماذا ماذا ؟! المياه حبيبتي هي لطيفة هكذا ؟! أنا في العادة احبها أشد سخونة لكنني خشيت أن يتحسس جسدك من المياه الحارة أو تتأذى جروح قدمك، إن لم تكن مناسبة أزيد من برودتها لكِ.
ابتسمت بعدم تصديق وهي ترفع كفها الحر تضم به وجنته بحنان جعله يبتسم لها بلطف، ومن ثم ربتت عليه.
لا أرسلان لا اريدها أشد برودة، يكفيني أنت عزيزي، دع لي شيئًا دافئ في حياتي حتى وإن كان المياه التي سأستحم بها.
هز أرسلان رأسه لثواني دون أن يستوعب ما قالت، يمسك كفها الذي يضم وجهه يقبل باطنه دون شعور محققًا لها حلمها دون قصد حتى.
حسنًا لا بأس.
اعتدل ومن ثم خرج من المرحاض يحضر لها المنشفة والملابس وهي تتابعه بعدم تصديق مبتسمة بصدمة قبل أن تضحك ضحكات خافتة.
الرجال مساكين حقًا.
فجأة عاد لها أرسلان يحمل بين يديه اثنين من فساتينها ذات الزهور التي كانت تتنقل بهم بين ووردها في محلها العزيز الذي أجرته قبل رحيلها ليعتني به احدهم في غيابها، فلا ذنب لزهورها أن تذبل فقط لأنها كانت ذاهبة في رحلة مؤقتة وستعود سريعًا.
كان هذا قبل أن تكتشف سلمى أنها تركت زهورها العزيزة، لتأتي هنا وتعتني بنبتة نادرة تحمل لها حياة بين وريقاتها.
وها هي نبتتها العزيزة التي تنافس الصبار قسوة من الخارج، والبتلات رقة من الداخل يحمل لها ثوبيها ينتظر أن تختار ما تحب.
وجدت هذين يبدوان في غاية الرقة و.... هما يشبهانك، لكنني محتار أيهما أختار، ماذا تحبين أنتِ ؟!
أنت.
رفع عيونه لها بعدم فهم، وربما كانت مثل تلك الكلمات المتوارية والغزل الملتوي ليفلح مع أرسلان لو أنه تعامل مسبقًا مع مثل هذه الأمور أو جربها، لكن المسكين كان يختبر معها مشاعر دخيلة على حياته، وايضًا ربما كان المنشأ سيساهم أكثر لو كان نشأ في طرقات البرازيل بين النساء وليس بين طرقات مشكى بين السيوف والحروب.
أبصرت سلمى نظراته تلك لتشعر بقلبها يتضخم بحب ذلك البدائي الذي حتى لا يتفهم الغزل الرخيص الذي احضرته من عالمها معه، ولن يفهم إلا إن ألقت أبيات من الشعر في وجهه.
ضحكت تتحرك صوبه تقبل وجنته بحب ولم تتمكن من تمالك نفسها أمامه.
لماذا لا تختر لي آرسي ؟!
ابتسم أرسلان من تدليلها له، ثم رفع فستان من اللون الأسود به زهور بيضاء صغيرة يردد بجدية.
هذا سيكون جميلًا، أحببت الاخضر كذلك، لكن هو يشبه عيونك وقد تحسدك عين دون شعور، وكذلك الاسود سيكون جميلًا، ذكريني فقط أن ارقيكِ قبل التحرك.
ختم حديثه بنبرة جادة لتطلق سلمى ضحكات مرتفعة وهي ترتمي في أحضانه تضم نفسها له بقوة، يا الله تتخيل لو أنها رفضت وصية والدها ولم تأت هنا، أو رحلت بعد مجيئها بأيام ولم تصبر، كيف كانت ستحيا دونه ؟!
أرسلان أنت.... لطيف للغاية.
وارسلان في الحقيقة لم يكن يبتأس من الوصف أبدًا، فهو ومنذ اللحظة الأولى كان يبتعد بجانبه القاسي عن زوجته، يرفض أن تبصر منه جانبًا لا يحب أن يظهره أمام نساءه، لذا أن تراه لطيفًا معها لهو ... شيء رائع يحبه.
---
هل نتدخل ؟!
كانت هذه كلمات إيفان وهو يراقب ما يفعل المعتصم أمامه وقد اوشك على تقطيع جسد إلياس بكل ما للكلمة من معنى بعيدًا عن المبالغات.
لكن سالار ابتسم وهو ما يزال يقف جانبًا يضم يديه لجسده يراقب ما يحدث باستمتاع.
لا أعتقد أن أحدنا كان ليحب أن يقاطعه أي كان في مثل هذه اللحظات إيفان، ثم هذا المعتصم تلميذي النجيب يدرك متى يبدأ ومتى يتوقف، لا تقلق لن يحرقه غضبه لقد نشأ على يديّ.
فجأة سمع الجميع صوت تكسير عظام مرتفع وقد رنت صرخات إلياس في المكان بشكل تقشعر له الأبدان، لولا أن الأبدان التي كانت تحيط به كانت لرجال حرب اعتادوا سماع صرخات أسوء ورؤية مشاهد أكثر رعبًا.
مال إيفان برأسه صوب سالار ساخرًا من كلماته الأخيرة، ليرفع سالار يده يتبرأ مما يحدث في هذه اللحظة.
لا تنسى أنه قضى مع أرسلان عام، هذا تأثير أرسلان على الرجل لا علاقة لي بما يحدث، لكنه يعجبني إن سألتني رأيي، في الحقيقة بعض تصرفات أرسلان الحقيرة تعجبني كثيرًا.
تنهد إيفان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه.
لــيعــينــنــي الله عــلــيــك وعــلــيــه وعــلــى آزار فــي الــقــادم، لا اعــلــم كــيــف ســأسيــطــر عــلــى جــنــونــكــم.
رفع عيونه صوب دانيار وهو يشير له بعيونه تجاه المعتصم يطلب منه بصمت التدخل، لكن دانيار نظر له برفض لحظي وكأنه يتوسله أن ينتظر أكثر، لكن إيفان زفر بصوت مرتفع وهو يشير بيده في إشارة واضحة صوب المعتصم.
تحرك دانيار صوب المعتصم والذي كان في عالم آخر يفرغ طاقته السلبية وكل قهره وما عاناه الأيام السابقة بجسد إلياس، يصرخ بكلمات متداخلة يستهدف يده التي مست زوجته بالسوء.
حاول دانيار التحرك صوب المعتصم ليصرخ الأخير.
لا أحد يوقفني، لا أحد يقترب.
كان يصرخ دون وضع اعتبارات لأحد ولأول مرة ينسى مع من يتحدث، ليرفع دانيار يديه في الهواء وهو يحرك رأسه صوب الملك ليهتف سالار ببسمة حينما سمع زفرات إيفان.
دعوه حتى تنصرف روح أرسلان عن جسده ويعود المعتصم سالمًا ويتوقف وحده.
تدخل إيفان وقد شعر بأن الامور تزداد سوءًا ولا يمكنه أن يترك المعتصم يقتل الرجل بيديه بهذا الشكل.
المعتصم توقف عما تفعل .. المعتصم توقف .... المعتـــــــــصــم.
وأخيرًا أفاق المعتصم لنفسه يتنفس بصوت مرتفع ينظر للجميع بعدم فهم قبل أن تتحرك قدمه لتضرب إلياس للمرة الاخيرة في معدته، ولم تصدر عن إلياس حركة وهو لا يعي اساسًا شيء وقد فقد الوعي.
حسنًا يا المعتصم تركتك تقتص لزوجتك ولنفسك، لكن علينا أن نقيم محكمة و....
لا ..
كانت كلمة واحدة خرجت من المعتصم قاطع بها كلمات إيفان الذي اسودت عيونه بشكل مخيف ليتراجع المعتصم ويدرك وقاحته أمام الملك، يميل برأسه معتذرًا.
المعذرة مولاي لم أقصد أن أقاطعك، لكنني أطلب منك حقي في محاسبته بنفسي وفي مشكى، الرجل أخطأ بي وأنا من شعب مشكى، إذًا الحق في الحكم عليه لمملكة مشكى واعتذر على ذلك لكنه سيأتي معي لمشكى.
ابتسم إيفان عكس المتوقع وهو يشتم رائحة أرسلان في الأجواء.
هذه ليست كلماتك يا المعتصم، هذه كلمات أحد الآخر.
هز سالار رأسه بتسلية يعجبه ما يحدث في الواقع.
نعم أحد بشعر طويل واعين بنية ووجه بملامح مقتضب، ولسان لاذع تحديدًا.
اعتذر منهم المعتصم وقد كان يكن احترامًا خاصًا لإيفان وارسلان.
اعتذر عن وقاحتي حقًا، لكن هذا رجاء مني مولاي.
راقبه إيفان ثواني وهو يحرك عيونه صوب إلياس قبل أن يهتف بجدية وتأني.
لك ذلك، الحكم بيدك وبيد ملكك يا المعتصم، كنت المجني عليه ولك الحق في الحكم بما يطفئ نيران صدرك، سالار ضع هذا الخسيس في عربة مغلقة وأرسله مع المعتصم لمشكى، فبها ملك عادل لا يرحم أحدًا.
ختم حديثه بسخرية لاذعة وهو يدرك ما سيفعل أرسلان، يربت على كتف المعتصم وهو يضع نفسه محله، يتخيل أن يمس أحدهم زوجته ويتعامل أمام الجميع بوقاحة كما لو أنها زوجته ويستحلها لنفسه، ولن يبالغ إن قال أنه كان سيأمر بقطع رأسه على مرأى ومسمع من الجميع ليكون عبرة لكل خسيس يستحل النساء لنفسه.
أضاف بهدوء.
بعدما نقتص منه بالطبع على صفعه للأميرة زمرد.
نظر جواره صوب سالار، ومن ثم تحدث بهدوء يذكر سالار بالرسالة التي جاء بها المعتصم.
تجهز سنتحرك لسبز بعد ساعة واحدة، تميم أنت ودانيار ستظلان في البلاد، تميم سيأخذ الجنود وينتشرون في العاصمة للتأكد أن لا مصابين غفلنا عنهم، ومحاولة إيجاد من زرع هذه القنابل، وتميم... أنت المسؤول أمامي لتدرك نوعية هذه المتفجرات ومن أين قد يحصلون عليها.
صمت يوجه كلماته صوب دانيار.
دانيار أنت ستعتني بأمور البلاد ريثما أعود وتهتم بمن لجأ للقصر، سالار ستكون معي في الرحلة.
ختم كلماته يتحرك خارج المكان ليتجهز والجميع يتابعه بهدوء وبمجرد أن خرج تحرك المعتصم بسرعة ليضرب إلياس مجددًا ولم يتحدث أحدهم بكلمة وقد رحل الملك بالفعل.
في حين أن إيفان ابتسم بمجرد أن خرج من المكان يسمع صوت ضربات وكلمات المعتصم الغاضبة تعلو يهز رأسه بيأس.
اصابتك عدوة أرسلان يا المعتصم، حسرة على هدوئك ورباطة جأشك.
---
كان ما يزال يجلس على الفراش وهو يضمه بجنان يربت على كتفه وظهره، ونزار ما يزال يهذي باسم الوليد، ويردد كلمة أخي حتى شعر آزار أن ما يتعلق بوليد ليس خيانة أو غدر من الوليد البتة، فولده يناجي الوليد كما لو أنه يناجي روحًا ضائعة.
لماذا رحل ؟؟ لقد ... تخلى عني ... ضحى بنفسه لأجلي..
كان يهذي بكلمات عدة استطاع منها آزار أن يستشف ما حدث تقريبًا ليدرك أن ولده في هذه الحالة بسبب رثائه لما حدث للوليد، ورغم تعجبه مما يحدث إذ كان الوليد مجرد خائنًا إلا أنه لم يستطع سوى أن يكون ممتنًا للوليد بالكثير، حيث حفظ له روح ولده بعد رحمة الله به.
كان يربت على ولده ولم يكد ينطق بكلمة يواسي بها ولده حتى تجمدت يديه من كلمات نزار الذي نطق بها باكيًا دون وعي.
أخي... لقد كان أخي ولم أعلم إلا لحظة موته بين ذراعي، مات أخي بين يدي دون أن أعلم أنه كان أخي، مات دون أن ينطق الشهادة حتى، كان ... سيتوب ... والله كان سيفعل.
تجمد جسد آزار بعدم فهم يبعد عنه نزار الذي لم يكن يعي أي شيء مما يحدث حوله ينظر بأعين ضائعة وروح مرهقة في الوجوه وهو يكرر نفس الكلمات.
كان أخي ولم أعلم إلا لحظة موته بين يدي، كان يحميني لأنه أخي...
صمت وقد هبطت دموعه بقوة وهو يهتف ببكاء حاد.
كان أخي.... مات أخي.
ارتجفت يد آزار وهو يمسك وجه نزار بين يديه يهتف بنبرة خافتة خرجت بصعوبة من بين شفتيه.
ماذا.... ما الذي.... نزار ما الذي تهذي به أنت ؟؟ ما الذي تقوله أنت هو .... بني ما الذي تقصده، أنت لا أخ لك سوى سالار ما الذي تتحدث به أنت ؟! عمن تتحدث ؟!
بكى نزار بقوة ينفي برأسه وهو يتحدث بصوت متقطع بسبب شهقاته.
كان ... الوليد أخي... أخي الأكبر لقد .... هو أخي لقد كان طوال الوقت أخي... كان جواري دون أن أفعل، لقد كان أخي من دمي.
اتسعت عيون آزار وقد سقطت يده عن وجه نزار وشعر بالأرض تميد به ينظر صوب بارق بصدمة وهو لا يفهم ما يسمع، أي اخ هذا؟؟ هو لا يمتلك ولد غير نزار وزوجته لم تتزوج غيره حتى مماتها، وهو لم ... فجأة شعر بزلزلة داخل صدره وهو يهمس بكلمة مرتجفة.
جالا ؟؟
صُدم بارق من كلمات آزار وهو يقترب منه يتحدث بصوت متعجب.
ما الذي يحدث هنا آزار هل ... كانت جالا تحمل طفلك حينما طلقتها ؟!
نفى آزار برأسه بقوة وهو يهتف بنبرة قوية والصدمة قد شلت جسده.
لا ... اقسم بالله لم تكن ... لم أكن لأدعها ترحل وهي تحمل طفلي لم أكن سأقبل بتطليقها و... أنت تعلم بارق لقد ... كان الأمر... هي من طلبت مني ذلك... هي من أرادت ذلك و.... لم تكن اقسم لك.
أو... لم تخبرك ببساطة.
صدمة أخرى تسقط فوق رأس آزار الذي شعر بالدنيا تدور حوله، بعد هذه السنوات من طلاقه لزوجته الثانية يكتشف أنها كانت تحمل ولده ؟!
يتمنى لو كان افتراضه ذلك خطأ ليس إلا.
جالا؟؟
المرأة التي تزوجها قديمًا عرفانًا لوالدها الذي كان يعمل مستشارًا له والذي اوصاه بها كي يحميها من عائلته، ليتزوجها على والدة نزار والتي رضخت للواقع بقلب مقهور وهجرت قصر زوجها لأيام... كانت جالا امرأة صبورة حكيمة وطيبة القلب، قضت قرابة العشرة أشهر زوجة له، لتأتيه يومًا حينما أبصرت حالته المتشتتة بينه وبين زوجته الأولى تطالبه بطلاقها، تطالبه بتحريرها وتحرير ذاته.
ما يزال يتذكر كلماتها وهي تبتسم له بلطف.
دعنا نتحدث بواقعية مولاي، أنت لم تحبني يومًا، و... الحمدلله أنني لم أفعل، واعتذر على قول ذلك، لكنني احترمك لدرجة أنني اشفق عليك أن تعاني في حياتك بسببي، وايضًا لا أريد لنفسي أن تتعلق بك، وافسد لك حياتك، لقد أوصلت رسالتك واضحة للجميع ولا اعتقد أن عائلتي ستكون بالغباء الكافي ليمسوني بسوء وقد أعلنت أمام الجميع صراحة أنني انتمي لك، حتى لو كنت طليقتك، لذا حررني وحرر روحك وحرر زوجتك من أحزانها، والله أنني احسدها على قوتها، امرأة أخرى لم تكن لتقبل بمشاركتك مع سواها مولاي، سأرحل وأنا أحمل لك كامل الاحترام والعرفان، لذا أرجوك طلقني ...
ورغم محاولات آزار في منعها، إلا أنها أصرت وأخبرته أنها لن تكون مرتاحة ولن تنام قريرة العين يومًا إلا حينما تتحرر، وقد كان لها ما تريد لتختفي جالا بين ليلة وضحاها من المكان وقد نقلت محل اقامتها وانقطعت اخبارها، وآخر ما توصل له لاحقًا أنها عثرت لها على شريك حياة يحبها وحصلت منه على طفلين ... طفلين كان أحدهما ولده ؟؟؟؟؟
سقطت دموع آزار وقد ارتجف جسده من الفكرة يهتف بصوت باكي من ذلك الإحتمال.
لماذا ؟؟ لماذا جالا؟؟ لماذا ؟؟ لماذا جالا؟ سامحك الله.... سامحك الله... سامحك الله جالا... سامحك الله.
كان يردد كلماته وهو يبكي لا يصدق أنها فعلت به كل هذا، حرمته ولده، حرمته من ابنه البكر، لم تشفق يومًا عليه أو على ولده لتأتي وتخبره بذلك، يعلم يقينًا أنها ابتعدت كي لا تفسد حياته، لكن هل ظنت أن ولده سيفسد حياته ؟!
بدأت شهقات آزار ترتفع في المكان وهو بجسده بالكامل يرتجف.
كان... أمام عيوني طوال الوقت؟ الوليد ؟؟ كيف ... كيف لم أعلم ؟؟ كيف ؟؟؟؟
اقترب منه بارق يضمه بقوة وهو يتماسك بصعوبة وقد بدأت الغرفة حوله تصبح خانقة، ابنته تبكي بصدمة في أحد الأركان، ونزار منهار على فراشه، وازار يهذي بين ذراعيه باكيًا يرثي ولده.
اليوم حصلت على ولدي، واليوم فقدته ... فقدته يا بارق، فقدت ابني البكر يوم علمت به ... فقدته و...
فجأة توقفت كلماته حينما تذكر كلمات نزار حول موت الوليد ليستدير له يهتف بصوت خافت.
نزار... ما الذي حدث للوليد، نزار ؟؟
رفع نزار عيونه لوالده وقد كان وجعه النفسي في هذه اللحظة أشد وطأة من الجسدي، رمق والده بأعين حمراء لشدة البكاء ليبتعد آزار عن بارق يميل على ولده يجذبه لاحضانه بقوة ولا يدري أيهما أشد جرحًا، ولا من يواسي من ؟؟
فلكلٍ جرحه الذي يبحث له عن مسكن في الآخر.
---
مع بداية شروق الشمس كان يقف على بداية مملكته الصغيرة والتي يسعى بكل ما يمتلك ليوسعها، اتسعت بسمته يتنفس عبير الصباح الأول براحة كبيرة.
كم من الرائع أن تجلس فوق أكوام من أحزان الجميع، شعور رائع أن تكون الوحيد المبتسم بين وجوه كثيرة عابسة، والأجمل أن تكون انت المتسبب في هذا العبوس.
ختم كلماته يتنفس بصوت مرتفع مغمضًا عيونه يفتح ذراعيه يستقبل اشعة شمس يوم جديد براحة كبيرة وقد وصلته اخبار نجاح خطته.
سيدي ... ما التالي ؟!
فتح أصلان عيونه بهدوء وهو ينظر للسماء، ثم استدار نصف استدارة ينظر لعيون المتحدث.
الضربة الأخيرة يا عزيزي، الحجر الاخير الذي يهدد بتماسك الجدران.
نظر له الرجل بعدم فهم، ليبتسم له أصلان بهدوء شديد وهو يتحرك يراقب الجحر القذر بأعين غامضة وكأنه يفكر داخل عقله في القادم، قبل أن يتحدث بجدية.
تجهزوا، اليوم مساءً نضع نهاية الممالك.
ابتلع الرجل ريقه.
وما... ما الذي سنفعله بالتحديد ؟!
نظر له أصلان بغموض ولم يكن قد صرح من قبل عن خطواته، ليس قبل أن يخطوها بيوم، بل فقط كان يكتفي بإخبارهم بها قبل حدوثها بوقت لا يكفي أي جاسوس ليرسل أي أخبار عنهم.
ستعلم في الوقت المناسب.
ومتى يكون الوقت المناسب ؟!
ابتسم له اصلان بسخرية وهو يشير بعيونه.
سأخبركم عنه في الوقت المناسب.
ومن بعد تلك الكلمات تحرك تاركًا الرجل ينظر في أثره وقد علت عيونه نظرات تقدير وانبهار مما يفعل أصلان، رغم ضيقه في بعض الأحيان، لكنه لم يسبق أن تعامل مع رجل بمثل عقليته وهذا بحد ذاته يجبرهم على السير خلفه دون التساؤل عن كيف ولماذا.
يبدو أنه حانت لحظتنا .....
---
مع بداية غروب شمس اليوم، كانت قافلة مشكى التي يقودها أرسلان قد وصلت بالفعل لحدود سبز.
توقف أرسلان فجأة بشكل آثار انتباه الجميع، ليحرك أرسلان نظراته صوب الطريق يشير لهم بمواصلة الطريق صوب القصر.
يمكنك اكمال الطريق وأنا سألحق بكم بعد قليل.
نظر الرجال لبعضهم البعض بعدم فهم، لكن أرسلان لم يهتم كثيرًا بتوضيح ما يريد، فقط هبط عن حصانه، يشير للسائق الذي بقود عربة الهودج الخاصة بسلمى ليتوقع.
ومن ثم تحرك صوب الهودج يرفع الستار جزء صغير لتهتف له سلمى التي نظرت له ببسمة.
وصلنا ؟!
لا فقط اقتربي.
نظرت له بعدم فهم، لكنها لم تجادل كثيرًا، فقط تحركت صوبه، تمسك بيده التي مدها لها، وقبل أن تتساءل عما يريد كان يجذبها له بحنان يخرجها من العربة بعدما انزل الحجاب يغطي وجهها، ومن ثم رفع قلنسوة معطفه فوق حجابها لتزفر بضيق.
كان يمكنك حملي في تابوت ووفرت على نفسك كل هذا أرسلان.
بعيد الشر عنك عزيزتي، لا أراني الله بطرفك سوء، هيا تعالي.
امسك يدها يحملها برقة يرفعها صوب حصانه وهي لا تفهم ما يحدث، أما عنه صعد خلفها يمسك اللجام يضمها عليه بلطف له، ومن ثم أمر رجاله بهدوء شديد.
نصف ساعة وسألحق بكم.
ومن بعد هذه الكلمات اختفى من أمامهم وسلمى فقط تتابع ما يحدث، وهو فقط مال عليها يهمس بصوت حنون.
اسمحي لي حلوتي أن آخذك في جولة سريعة داخل أحلامي..
رفعت عيونها له ترمقه من خلف غطاء وجهها، ليبتسم لها بحنان وهو يعود بعيونه صوب الطريق، يكمل توجيه خيله صوب إحدى الجهات، أبصرت سلمى المنازل تبتعد شيئًا فشيئًا وقد بدأت الاراضي الزراعية تفرد سيطرتها في الإرجاء، وعيون سلمى تتسع بانبهار بكل الزهور التي بدأت تنعكس في عيونها بألوانها الزاهية.
دقائق قليلة حتى توقف أرسلان بحصانه، وهبط من حصانه يحملها لتهبط كذلك، ومن ثم سحبها برقة داخل محاصيل الزهور التي كانت تشتهر بها سبز يسحب كفها بحب شديد لمنتصف الحقول يحقق حلمه الذي كان ينام كل يوم على أمل رؤيته واقعًا.
حقل كبير من الزهور تتوسطه هي بثوب رقيق مثلها، تبتسم له بحب وتراقب بأعين ملتمعة، وليحقق آخر جزء من حلمه تحرك صوبها يرفع غطاء الوجه عنها، يبصر ردة الفعل التي أرادها، بسمة واسعة وعيون لامعة.
أرسلان هذا .... هذا .... يا ويلي قلبي يكاد يتوقف من البهاء حولي.
أخذت تدور في المكان بعدم تصديق لكل تلك الزهور التي تبصرها، تشعر أنها عادت بروحها صوب محل الزهور خاصتها تتنقل بينه بسعادة وراحة.
كل هذا وارسلان يتابعها بشغف يشبع عيونه من رؤيتها بهذه الهيئة.
أعجبك ؟!
أعجبني ؟؟ هل تمزح معي ؟! لقد سلب قلبي ارسلان.
محظوظ هذا البستان.
رفعت سلمى عيونها صوبه تبتسم له بامتنان شديد، ومن ثم تحركت تلقي نفسها بين أحضانه بحب كبير تتنفس براحة وسعادة وقد أثرت بها لفتته، أكثر من رؤية هذه الزهور.
أرسلان... شكرًا لك.
تدللي حلوتي، فقط ليمنحني الله العمر المديد فأهبه للعبادة ومن ثم اسعادك فقط.
ابتعدت عنه قليلًا تهمس بصوت مرتجف من مشاعرها التي ثارت داخل صدرها.
صدقني رغبتك في اسعادي، هي سعادة بحد ذاتها أرسلان، أن تبحث عما أحب وتفعله، هذا يعني لي الحياة ...
شعر أرسلان بالفخر من نفسه لهذه اللفتة الصغيرة، كان فخورًا أنه أسعدها، كالطفل الذي ينال الثناء من والدته حينما يحسن التصرف.
نظر حوله وكأنه لا يعلم ما عليه فعله من شدة سعادته، لكنه وبعد دقائق من الصمت الطويل وجد اخيرًا لسانه ينطق بكلمات معدودة.
إذن حينما ينتهي كل هذا واعود من الحرب سليمى، هل ... تتزينين لأجل زفافنا ؟؟؟
---
فُتحت ابواب مشكى تستقبل موكب سفيد بقيادة إيفان ويتبعه سالار، وفي الخلف موكب كهرمان التي أصرت على المجئ للتأكد من سلامة أخيها، وتبارك التي أبت ترك سالار رغم رفض الأخير بسبب حالتها.
تنهد سالار وهو يرمق الموكب بضيق ويزفر بصوت مسموع، ليتبعه إيفان بالشيء ذاته، وقد بدا أن وجود النساء في هذه الرحلة وفي هذا الوقت تحديدًا لم يكن مرغوبًا من الجميع، لكن أي إرادة يمتلك رجال سفيد أمام أعين نسائهم ؟؟
يبدو أن أرسلان وصل قبلنا.
ختم إيفان كلماته وهو يحدق بأعلام مشكى السوداء التي تلوح في الأفق.
جيد أنه جاء هنا على الأقل، والله تخيلت أن يخدعنا جميعًا ويقنعنا أنه سيأتي للأجتماع ومن ثم يذهب للهجوم وحده.
ضحك إيفان وهو يهبط عن حصانه.
اشياء يستطيع أرسلان فعلها وببساطة.
هبط سالار وهو يتحرك مع إيفان صوب بارق الذي كان ينتظرهم في منتصف الساحة بعدما أبلغه أحد الرجال بوصول الموكب الخاص بسفيد، يبتسم لهم بسمة بدت لأعين إيفان باهتة كما لو أن الزمن اجار عليه.
اقترب منهم بارق يرحب بأعين منطفئة.
مرحبًا انرتم سبز.
مرحبًا ملك بارق، عساك بخير حال أنت والجميع.
هز له الملك بارق رأسه دون تعليق، فقط أشار على أحد الجهات ببساطة.
تفضلوا من هنا رجاءً.
نظر له سالار بشك وحدق بايفان الذي كان يشاركه نفس الريبة، لكنهم ساروا خلف بارق على أية حال وقد تحدث سالار بجدية.
إذن وصل الجميع ؟!
لا ليس جميعهم، فقط آزار في الداخل، أرسلان أرسل جيشه ولا يعلمون أين اختفى مع زوجته وقد أخبر جنوده أنه سيلحق بهم، أما عن آزار فهو ...
صمت ولم يدري ما يخبرهم به، أن آزار بلا روحه في الداخل ينازع ليستقيم وينهض، لكن كُسرت هامته بعد ما علم كل ما حدث مع ولده البكر، كما أن حالة نزار لم تكن تساعده البتة.
وصمت بارق كان ثقيلًا على النفوس، مثيرًا للريبة في النفوس، إذ بدأت اجراس الانذار تنطلق في عقول الاثنين خلفه يفكر كلٌ منهما فيما يملء الفراغ الذي تركه بارق بعد ذكر اسم آزار، فراغ لا يشعران أن خيرًا يملئه.
ماذا عن خالي ملك بارق؟
كانت جملة سالار الذي تململ في وقفته بضيق وقد شعر برباطة جأشه تنحل، يحدق بظهر بارق الذي يقودهم بين الممرات حيث لا يعلمون وجهة محددة لهم، ولم ينتبهوا حتى لموضع أقدامهم.
فجأة توقف بارق في المكان يشير لأحد الأبواب المغلقة، قبل أن يفتحها مظهرًا لهم مشهدًا لو أخذ أحدهم يقسم لهم أيام وليالي أنهم سيبصرونه، لرموه بالباطل والكذب.
شحب وجه سالار وهو يردد بذهول وقد ارتجفت كلماته.
خــ.... خالي ؟؟
كانت كلمة سالار متعجبة مذهولة وقد تجمد ارضًا كما تجمدت الدماء بعروقه حينما أبصر مظهر كلٍ من آزار ونزار.
استدار صوب الملك بارق وكأنه يتوسله توضيحًا لما يرى، فأن يبصر الملك آزار الذي اعتاد من طفولته أن يدعمه منهارًا، ويشاهد يده التي اعتادت أن تسنده مرتجفة، والأعين التي اعتادت تشجيعه منكسرة، لهو الموت بحد ذاته.
ابتلع ريقه يحرك بنظراته بين الجميع يسألهم تفسيرًا لما يحدث.
لكن كل ما صدر عن بارق هو تنهيدة غريبة أثارت ريبة سالار أكثر.
هو ... سيخبرك حينما يستفيق، فقط .... أردت أن.... أردت منك أن تساعده، فآزار الآن يمر بوقت عصيب هو ونزار.
ضغط سالار على شفتيه بقوة وقد بدا كما لو أنه يقاوم بعض الكلمات، يتحرك بهدوء داخل المكان يراقب أعين خاله الشاخصة وكأنه رأى لتوه موته، وجسد نزار المدمر وكأن نجى لتوه من ميتة وشيكة.
وصل حتى الفراش حيث يضم آزار ولده بقوة مرتعبًا أن يتلاشى هو الآخر من بين أحضانه، رفع سالار بده وربت بهدوء على كتف آزار وبصوت هادئ ردد.
خالي أنت... بخير ؟!
ثواني لم يحصل فيها سالار على ردة فعل تذكر حتى شعر باليأس أن يصدر عن خاله أي رد يوحي بادراكه لما يحيط به، وقبل أن يتخذ أي خطوة أخرى، ابصر عيون آزار ترتفع له يردد بنبرة باكية لأول مرة يسمعها منه، وقد بدا أن هامة ذلك الرجل الذي اعتاده شامخًا قد تحطمت بالكامل.
ولدي .... لقد ... لقد قتلوا ابني سالار.
فجأة انفجر في بكاء حاد وهو يضم له نزار أكثر.
قتلوا ابني سالار.
اتسعت أعين سالار وتوقف قلبه فجأة وتحركت عيونه صوب نزار وقد بدا أن الروح سُحبت منه، يدور بعيونه على جسد نزار بنظرات مرتجفة وكأنه يبحث عن تأكيد على كلمات آزار، لكن ما كاد يتحدث بكلمة حينما شعر بأنفاس نزار الرتيبة ..ليقاطع آزار أفكاره وهو يردد بصوت مرتجف.
ابني البكر، قتلوه قبل.... أن أعلم حتى، قتلوا ولدي سالار .... قتلوا الوليد .......
---
كان الطريق نحو مشكى سلسلًا عكس ما توقع، وكيف لا يكون وهي قضته في النوم ولا يدري أكان هربًا من واقعًا ثَقُل عليها، أم اطمئنانًا لعودتها اخيرًا.
وسواء أكان هذا أو ذاك، فلم يكن المعتصم يهتم سوى بالنتيجة الملموسة، ألا وهي وجود فاطمة بين ذراعيه تتنفس أنفاسه وتستكين بأحصانه، ووجود إلياس في صندوق صغير في الخلف محاط ببعض رجال مشكى وسفيد الذين جاءوا معه لتأمين السجين حسب أوامر إيفان.
فاطم حبيبتي ... هل ستظلين نائمة طوال الوقت.
تململت فاطمة بين ذراعيه تردد كلمات غير مفهومة ختمتها باسمه ورسمت بسمة صغيرة على فمها وهي تحاول أن تستكين مجددًا، تتمتم بكلمات غريبة غير مفهوم منها سوى اسم المعتصم، ليبتسم الاخير وهو يسمع لها تشدو اسمه بين احلامها.
لا بأس إذن بالنوم طوال الوقت، إن كنتِ سترددين اسمي بين احلامك.
ختم حديثه يقبل رأسها بحنان لتبتسم هي من بين حلمها، وهو ابتسم لها يكمل الطريق بهدوء شديد.
لتستمر الرحلة ساعات قليلة أخرى قضاها المعتصم في تأمل فاطمة وشكر الله لعودتها قبل أن يفقد عقله وروحه تباعًا.
أما عن فاطمة فقد انفصلت عن واقعها بحلم جميل بعيد عن هذا العالم، حلم حيث جاءها المعتصم وانقذها من ذلك الكابوس ومن ثم حملها بين يديه وأخذها بعيدًا عن الجميع.
ولم تدرك أن كل أحلامها تلك كانت واقعًا بالفعل، فبمجرد وصولهما لمشكى هبط المعتصم يحملها بين كفيه يتحرك بها غرفته، ومن ثم مددها بكل لطف على الفراش، وجلس أمامها ببساطة يراقبها ببسمة واسعة وكأنه اكتفى بها حياة.
فاطم حبيبتي هل تسمعيني ؟؟ إذا كنتِ فاعلمي غاليتي أنني ويشهد الله لم اتنفس بشكل طبيعي سوى في وجودك، فاطمة لقد .... أنا كنت قاب قوسين من الجنون، جبت طرقات مشكى أسأل عنكِ كالاجذب، لقد ... كدت أصاب بالجنون وأنا ابحث عنك في جميع الوجوه التي تقابلني.
تنفس بصوت عالي ومن ثم مال يلتقط كفها يتلاعب فيه بأنامله يهمس بصوت شارد مرتعب من القادم ومن تأثير ما حدث عليها، يدرك أنها حتى الآن ما تزال تحت تخدير عقلها لها، كي لا تدرك بشاعة ما مرت به.
أنا فقط لست ... لست على استعداد للعودة إلى نقطة الصفر، لا أدري إن كنت حتى تخطيتها معكِ أم مازلنا عندها، لكنني فقط أتمنى لو ...
سقطت منه دمعة دون شعور وهو يهمس بصوت منخفض.
فقط اتمنى لو يحنو عليّ الزمان ويشفق على اوجاعي و... يتركني انعم بحياتي معك، والله العظيم لا أطلب الكثير فاطمة، فقط حياة عادية، حياة عادية تتمثل ببسمتك، والله لا اطلب الكثير فاطمة.
ختم كلماته وهو يمسك كفيها بين يديه يبكي بصوت خافت وقد بدأ عقله يتنفس اخيرًا ويزيح ركام أحزانه ويفرغ كل طاقته السلبية التي كان يسير بها الأيام السابقة، يفرغ شحنات خوفه وغضبه دون شعور.
أما عن فاطمة ففي هذه اللحظة كانت المعركة المعتادة مع عقلها كما الآونة الأخيرة على أشدها، صور كثيرة تمر على عقلها، صور لطفولتها، شبابها، حياتها مع عائلتها، صور كثيرة متلاحقة ...
تركض هنا وهناك تضحك مع أحمد شقيقها، صرخات والدها على أحمد ألا يرد لها الضربة ولا يمس مدللته، تذمر والدتها من تدليل والدها لها، طاولة طعام تجمع بينهم جميعًا واحاديث كثيرة تدور، ضحكات ومشاكسات، حياة مثالية كانت تحياها بين جنبات عائلتها... ضحكات... مشاكسات... أحاديث دافئة.
كل ذلك تلاشى مع ارتفاع أصوات الصرخات، كل الامان الذي كانت تحيا به تسرب بمجرد أن حطم الموت أبواب أمنهم، كل ذلك اختفى مع اختفاء منزلها وتحوله لرماد، كل ذلك دُفن مع عائلتها أسفل التراب.
ولم يتبقى من حياتها القديمة سوى أطلال وبقايا فاطمة .... شابة لم تفقه في حياتها سوى عائلتها، لتجد نفسها فجأة وحيدة بلا عائلة بلا معيل، وقد أشفق عليها عقلها من كل تلك المعاناة، فحبسها داخل جدران زجاجية تعكس حياة قديمة سعيدة، سجنها داخل ماضيها وصنع لها وهمًا تتمسك به، نسج لها واقعًا بخيوط الماضي، شيء تتمسك به لتحيا بعدما كادت تفقد عقلها من هول ما حدث لعائلتها أجمعين في يوم واحد.
كان يوم واحد ... بل لحظة واحدة فقدت بها الجميع أمام عيونها، والذنب ؟؟
حتى الآن لا تدرك ما ذنبهم حتى ليستحقوا ميتة كهذه فقط لأن أحدهم استحل لنفسه دماء قومها ...
كان كل شيء يسير على ما يرام وهي تحيا في عالم اسود مع طبقة رقيقة من اللون الوردي الذي دهن بها عقلها محيطها.. قبل أن يأتي هو ليمثل لها واقعًا سعيدًا ورديًا، ينتشلها من غياهب الوهم لطرقات الواقع، من ماضيها لحاضره .. استبدل الوهم بنفسه، واصبح هو واقعًا تتمسك به للنجاة.
وكأن معاناتها السابقة كانت أشد وطئًا من معاناة تهرب منها، عقلها حينما اصطدم بما حدث له اضطر للخروج من اوهامه والتمسك بواقع قد ينقذه من ظلماته الحالية، يخرج من وهم لن ينفعه، والاستغاثة بواقع يدرك أنه سينقذه.
المعتصم ..
مال المعتصم عليها بلهفة يتمسك بكفيها بين يديه بحب وحنان شديد مبتسمًا بحب كبير.
حياته يا فاطمة، هل أنتِ بخير حبيبتي ؟!
نظرت فاطمة حولها وكأنها تبحث لها عن اشارة تعلمها أنها خرجت من ذلك الكهف المعتم واخيرًا.
أنت هنا ؟! أنت حقيقة ؟؟
استند المعتصم على جبينها بحب شديد هامسًا.
حتى وإن كان كل ما يحيطك وهمًا، تأكدي بأنني سأكون الحقيقة الوحيدة بين كل تلك الأوهام حبيبتي.
نظرت له ثواني قبل أن تهبط دموعها وتهمس بصوت موجوع.
كنت ... مرعبة ألا أراك مجددًا.
ما كنت لاسمح بذلك حبيبتي والله لولا ما حدث بمشكى لكنت قلبت سفيد رأسًا على عقب حتى وجدتك، لم أكن سأنام يومًا هانئًا سوى معكِ فاطم.
تنفس بصوت مرتفع يهمس بحب لها.
حبيبتي تأكدي أنني يومًا لن أسمح لشيء أن يعترض طريقًا يوصلني لكِ ....
المعتصم.
نعم ؟؟
مدت يدها وهي تمسك خده بحب شديد وقد كانت مرة من المرات النادرة التي تتخذ فيها فاطمة الخطوة الأولى تجذب وجهه لها تقبل خده بحب شديد هامسة.
فقط كن جواري، وضمني لك، لا تدعني ابتعد عنك أبدًا، لا تسمح لي بالابتعاد، ولا تسمح لأحدهم أن يقصيني عن حياتك حتى لو كان ذلك الاحدهم اوهامًا من عقلي، أو عقلي نفسه ...
ابتسم لها المعتصم بحب شديد يداعب خصلاتها التي تسحره كلما أبصرها، ومن ثم رفع عيونه يضعها في عيونه.
لن يحدث طالما رزقني الله بأنفاس تتحرك داخل صدري عزيزتي.
صمت ثواني يطيل النظر بها.
وأنتِ صغيرتي عليكِ مساعدتي في حمايتك.
نظرت له بعدم فهم لتتسع بسمته أكثر.
هل تتذكرين أول مرة جئتي بها للقصر ؟؟
هزت رأسها بنعم ليكمل وهو يميل أمام وجهها ينظر داخل عمق عيونها.
ذلك اليوم أبصرت بكِ تلميذة نجيبة ستتقن دروس القتال بسرعة كبيرة، فما رأيك ؟؟
اتسعت عيون فاطمة بعدم تصديق.
تعلمني أنا... القتال ؟!
أوليس هذا واجبًا على الأميرات ؟؟
شعرت فاطمة بصعوبة في تنفسها وهي تتحدث بصوت متقطع.
أ ميرات ؟؟
اجملهن فاطمة، فهل تكونين تلميذتي ؟!
التمعت عيون فاطمة بقوة وقد كانت لمعة عيونها وتلك السعادة الطاغية التي ملئت وجهها أكبر وأصدق من كلمة " نعم"، معلنة بذلك طريقًا آخر للعلاج.
فإن لم تستطع الهروب من ماضيك، تجاهله ....
---
كان الجميع يتحرك في القصر يساعدون بكل ما يستطيعون وخاصة النساء اللواتي بدأن إعداد الطعام ليستوعب الوافدين للقصر بعد ما حصل في الساعات الاخيرة من الليلة السابقة.
وقد كانت توبة على رأس هؤلاء النسوة تساعد في تقسيم الأعمال والاشراف، وتشاركهن إن احتجن لذلك، رغم كل الجراح التي تسكن قلبها منذ شهدت ما حدث مع نزار ووالده.
كانت ساعات قليلة قبل يستدعيها والدها لتستقبل كهرمان وتبارك وترشدهن لغرفهن في القصر، وتركت باقي النساء يعملن بهدوء.
على رأسهن رفيقتها الوحيدة منذ الطفولة والتي كانت الأقرب لتوبة وكاتمة اسرارها " نغمة" الأخت الصغرى للقائد زبير، والتي ترعرعت مع توبة بنفس القصر وتدرك كل شيء عنها، أولهم عشقها الميؤوس منه الملك أرسلان.
فجأة توقفت أقدام نغمة في منتصف الساحة بعدما كانت في طريقها للمطبخ تحمل سلة الخضراوات، تبصر حصان يتحرك لداخل القصر يحمل فوق ظهره عشق صديقتها المستحيل و... امرأة اخرى بين أحضانه ؟؟
اتسعت عيون نغمة بعدم فهم وهي ترى أرسلان يهبط عن الحصان بسرعة كبيرة، ومن ثم مد يده ينزل المرأة التي لم تبصر حتى وجهها برقة شديد، يرفع قلنسوة معطفه الخاص فوق رأسها رغم تغطية وجهها بالغطاء.
تنفست نغمة بصدمة وهي تحاول فهم ما يحدث، تبصر إمساك أرسلان بالمرأة وكأنه يخشى أن تتسرب من بين أنامله، يتحرك ببطء وهو ينظر لقدمها كل ثانية وكأنه يخشى أن تخطو فوق شوكة بالخطأ.
شعرت نغمة بالقهر على رفيقتها التي شهدت على معاناتها قديمًا، وقد كانت تسمع منها كم احبته لأرسلان، وكانت كل ليلة تتفنن في ذكر محاسنه وحنانه وقوته، ابتلعت ريقها تراقبه بعدم فهم، تهمس بصدمة كبيرة.
هل ... تزوج ؟!
فجأة أبصرت شقيقها يندفع بسرعة صوب الملك أرسلان يرحب به ببسمة واسعة واحترام شديد.
جلالة الملك أنرت سبز.
ابتسم له أرسلان يهز رأسه بهدوء.
اشكرك زبير، كيف حالك.
الحمدلله بخير مولاي، أرسلني الملك لاستقبالك يعتذر منك لانشغاله ببعض الامور في الداخل ووالله ما كان ليتخلف يومًا عن الترحيب بك لولا ما يشغله.
شعر أرسلان بريبة من كلماته.
عساه خير زبير، ثم لست بضيفًا او غريبًا لتبرر لي الأمر، لكن ما الذي يحدث هنا ؟؟
انقلبت ملامح الزبير بشكل غريب جعل أرسلان يتأكد من حدوث ريب، فنظر حوله بهدوء ثم قال.
هل يمكنك إحضار إحدى النساء لترشد زوجتي لغرفتها رجاءً ؟؟ سوف أذهب لمعرفة ما يحدث هنا.
ما كاد الزبير يعترض مطالبًا إياه بالراحة اولًا، حتى اعترض أرسلان على كلماته.
اسرع زبير فزوجتي مريضة لا تتحمل الوقوف طويلًا.
كانت كلمات جادة آمرة ليتنهد زبير وهو يتحرك لينادي إحدى العاملات، لكن فجأة وقعت عيونه على شقيقته التي كانت تقف على مقربة منهم تتابع ما يحدث بفضول سيقتلها يومًا.
نغمة اقتربي.
انتفض جسد نغمة وهي تنظر حولها برعب وكأنه تم الامساك بها بالجرم المشهود تتحرك بقدم مرتجفة صوب زبير.
نعم اخي..
رجاءً ساعدي جلالة الملكة وارشديها لغرفة الملك في الجناح الشرقي.
رمشت نغمة وهي تنظر صوب سلمى التي لم تصدر كلمة واحدة منذ وطأت القصر، تحترم وجود أرسلان ليتدبر اموره.
ظلت تحدق فيها ثواني قبل أن يلكزها زبير بضيق من تصرفاتها هامسًا.
تحركي يا فتاة ما بكِ.
آ... آسفة شردت بعض الشيء، تفضلي معي.
هزت سلمى رأسها ونظرت صوب أرسلان تشير له لينحني صوبها يسمعها تهمس له ببعض الكلمات الصغيرة، لتبصر نغمة في هذه اللحظة معجزة تتجسد في حياتها لأول مرة وهي ترى ذلك الجلف المتجبر يبتسم ابتسامة صافية رقيقة على كلمات المرأة الهامسة.
ومن ثم اعتدل ينظر لها بحب شديد لم يحاول حتى أن يخفيه.
أوامرك جلالتك ...
ابتسمت سلمى بسمة واسعة لم تظهر من خلف الغطاء، لكن أرسلان شعر كما لو أنه رآها، يربت على كفها بحنان، ومن ثم همس لها.
لن اتأخر حبيبتي، سأرسل لكِ طعامًا تناوليه وارتاحي ريثما انتهي أنا حسنًا ؟!
هزت له سلمى رأسها ومن ثم حركت رأسها صوب زبير بتحية راقية، وتحركت صوب نغمة تهتف بصوت هادئ رقيق.
هيا.
رمشت نغمة وهي تنظر لها بفضول شديد كاد يدفعها لرفع الغطاء عن وجهها لتبصر وجه المرأة التي اوقعت الصخرة خلفها.
لكن صوت الزبير والذي كان قد وصل لقمة حنقه من تصرفات شقيقته جعلها تنتفض وهي تتحرك مع سلمى ترشدها لجناح أرسلان المعروف داخل حدود القصر، كيف لا وهي كانت تجلس أمامه ساعات طوال مع توبة في مراهقتهما ينتظران لحظة واحدة فقط يطل عليهما لتروي الاخيرة شوقها له.
سارت وهي تنظر كل ثانية صوب سلمى وكأنها تحاول اختراق الغطاء لتبصر وجهها، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه....
---
من الذي فعل هذا به ؟؟ كيف ... ما الذي حدث ليتحدث أحدكم ؟! وما الذي يهذي به خالي، الوليد من هذا ؟؟ الوليد نفسه رفيق نزار ؟! كيف ... ابنه ؟؟؟ هل ... ما الذي يحدث هنا ؟؟
رفع آزار رأسها وهو ينظر لسالار الذي بدأ يفقد صبره ولأول مرة بعد ما أبصر من انهيار الجميع، أفكار كثيرة سوداء خطرت بعقله، نزار مصاب بشكل مريع وازار منهار بشكل مخيف، والمكان مشتعل والممالك شبه متدمرة .. هل فعلها اصلان ونجح في اصابتهم بضربة قاضية؟
نظر صوب إيفان وقد انعكس سؤاله واضحًا في عيونه، ليدرك إيفان ما يفكر به ويربت على كتفه بهدوء وكأنه يبعد كل ذلك السواد عن عقله يتحدث بصوت هادئ رغد ما يموج داخله من براكين، لكن في وسط هذا الانهيار كان عليه هو أن يكون أشدهم تماسكًا.
ملك آزار ما قلته لا يحتمل التأويل، لذا رجاءً وضح لنا ما حدث لنعلم الخطوة القادمة، دعنا نقف على أرض صلبة فالحرب وشيكة ونحن مشتتون وهذا ليس في صالحنا أبدًا، أخبرنا رجاءً ما يحدث.
نعم هذا بالتحديد ما أريد معرفته، ما الذي يحدث هنا ؟؟؟
وكانت الجملة الأخيرة صادرة من أرسلان بعدما اقتحم الغرفة الخاصة بنزار والتي ارشده لها زبير.
نفخ إيفان وهو يمسح وجهه وقد زاد وجود أرسلان في المكان الحريق اشتعالًا، فالأن عليه أن يتدارك غضب الجميع بمن فيهم أرسلان..
هذا ما ينقصني يا الله.
لم يهتم أرسلان الذي سمعه يبعده بضيق يقترب من الفراش.
ابتعد أنت عن وجهي، دعني أنا سأفهم ما يحدث هنا و......
فجأة توقفت كلماته على طرف لسانه وهو يبصر جسد نزار الذي كان متسطحًا على الفراش بشكل مزري وكأنه جثة هامدة، فقد أرسلان النطق يحدق في الجميع حوله وكأنه يسألهم عما يفعل نزار هنا في هذه الحالة.
تحرك صوب نزار بعدم فهم يجلس ارضًا جوار الفراش يهمس بصوت منخفض مرتجف وقد اوجعه وصدمه مظهره.
نزار ؟؟ أنت.... هنا ؟؟ ما الذي.... من ...
نظر حوله للجميع وكأنه قد عجز عن إخراج جملة واحدة سليمة، لكن لم يبصر الأجوبة التي ينتظرها في عيونهم، بل وجد عجزًا وجهلًا جعله يعود لنزار بعيونه يتحدث بهمس.
نزار يا أخي ما الذي ... ما الذي حدث لك، هل ... أصلان من فعل هذا بك ؟!
ولاول مرة يتفاعل نزار مع محيطه وهو يدور برأسه صوب أرسلان ينظر له ثواني بأعين جامدة، قبل أن تبدأ دموعه بالتساقط من عيونه يهمس بصوت متحشرج من الوجع.
لقد .... أنتــقــم الله لــك مــنــي فــي والــدتــكِ، فــقــدتــهــا بــســبــبــي، فــفــقــدت أخــي أرســلان، اقــتــص الله لــك مــنــي ولــكــل مــن رحــل بــســبــبــي، اقــتــص الله لــك مــنــي.
ختم حديثه ينهار في بكاء مرير لينتفض أرسلان يجذبه لاحضانه بسرعة وهو يهتف بكلمات متتابعة وقد بدا كما لو أنه يصرخ في وجهه.
صه... أصمت