تحميل رواية «اسد مشكي» PDF
بقلم رحمه نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فصل ١ من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!! فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب؟ بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه.. الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل. كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره. عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، وأشباح بشر ي...
رواية اسد مشكي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رحمه نبيل
يقف في الشرفة الخاصة به وهو يضم يديه خلف ظهره يراقب بلاده من الشرفة بعدما ترك سالار ليرتاح بعض الوقت.
ينظر للبلاد بأعين تلتمع بنظرة غريبة، ومن ثم ابتسم بسمة جانبية يهمس بصوت خافت:
"يومًا ما مشكى، كما نهضتي سابقًا سيحدث مجددًا..."
فجأة سمع صوت خطوات خلفه وصوت أحد رجاله يتحدث بصوت محترم جاد ببضع كلمات مقتضبة:
"مولاي، لقد... الملكة الآن في سجن المملكة. ذهبت لزيارة ذلك الرجل الذي أودعته بنفسك البارحة ولم نستطع عصيان أوامرها."
ولم يستدر له أرسلان وهو مايزال يحدق بالمكان أمامه في هدوء شديد وعقله يدور في نقطة بعيدة عما يتحدث بها الحارس:
"ذلك الرجل هو أخوها، وتنفيذ طلباتها هو افضل ما تفعلونه يا بني فهي الملكة، لها ما تريد طالما نستطيع فعله."
صمت الرجل ولم يتحدث بكلمة، ثم هز رأسه على الرغم أن أرسلان لم يكن يبصره من الأساس.
يهمس بصوت منخفض:
"أنا أردت فقط إعلامك مولاي فهذا واجبي أن اجعلك على علم بكل ما يدور في القصر، وأيضًا لأن السجون خطيرة على جلالة الملكة لذا جئت أخبرك فقط، سوف ارحل ائذن لي."
ابتسم أرسلان بسمة ساخرة وهو يسمع جملته حول خطورة السجون على زوجته العزيزة التي كانت تقضي يومها كله بين طرقات السجون مع اخطر المساجين، حسب ما علم من جلال. المرأة كانت تجلس وجهًا لوجه مع أعتى المجرمين وأكثرهم اختلالًا، تجلس معهم وتكون محظوظة إن خرجت ببضع كدمات، بعدما تترك جثة المسجون خلفها يجاهد لالتقاط أنفاسه.
"سلمى كانت حنونة عاطفية تمامًا كوالدها، لكنها ورثت من عائلة والدتها العمل وباقي الخصال التي تمتلكها. لم يكن رائف راضٍ البتة عن عملها، لكنه اضطر للموافقة رضوخًا لزوجته التي كان يحبها. وكذلك سلمى لم تعترض في الحقيقة الفتاة كانت تمتلك طرقها السحرية في إقناع المجرمين بما تريد، طرق سحرية تتركهم خلفها ممددين ارضًا في بركة من الدماء بعدما تطحن رؤوسهم بالجدران."
ولم يتعجب أرسلان حديث جلال، ربما كان سيتعجب ويُصدم لو لم يبصر بعيونه ما تفعله زوجته حين الغضب.
ابتسم بسمة واسعة وهو يتحرك من أمام النافذة صوب السجون يشمر اكمامه بهدوء:
"نعم السجون خطيرة كثيرًا، على الجميع عدا هذه المرأة..."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"قتل الأسد والده ليتسلم حكم الغابة... قتل أرسلان والده... قتل والده؟"
جملة الرجل والتي كان يرددها بشكل هستيري اخذت تتكرر في عقلها وهي تحاول استيعاب ما قيل منذ ثواني.
بينما اتسعت أعين خالد بقوة ينظر صوب سلمى يهتف بصوت خافت مرتعب:
"سول اخرجيني من هذا المكان وأقسم بالله الواحد الأحد أن أحسن التصرف، والله سأفعل، فقط اخرجوني من هنا وابعدوني عن هذا المختل، هذا اسوء ممن كنتِ تعالجيهم."
كان يتحدث بكلمات كثيرة متراصة وهو يلتصق بالقضبان ينظر بأعين فضولية صوب المتحدث، بينما سلمى فقط تحدق بالرجل بصدمة كبيرة والاخير لم يتوقف:
"لا أحد نجى منه، فالاسد إن جاع أكل رفيقه يا فتاة فاحذري منه."
اتسعت أعين خالد بقوة وهو يستمع لكلماته، فمد يده يجذب طرف ثوب سلمى يهمس لها بصوت خافت:
"دعينا نرحل من هنا سلمى، اخرجينا من هذا المكان المخيف، لقد... تعلمت الدرس اقسم بربي لن افعل شيء ولن المسك يومًا مجددًا..."
كان يتحدث بينما سلمى في عالم آخر لا تعي ما يحدث.
لهذا لم يكن يحب الخوض في أحاديث تخص حياته السابقة؟ لكن والده؟ هو حتى حينما ذكرته نهرها عن ذكره بالسوء ولم يتحدث بكلمة واحدة عنه بل أخذ يشكر به.
ابتسمت بعدم تصديق تحاول تجاهل جذب خالد لطرف ثوبها وهي تتنفس بشكل سليم تقنع عقلها أنه ربما محض تراهات ينطق بها ذلك الرجل والذي يبدو أن فترة سجنه في هذا المكان تغذت على عقله تقريبًا.
فجأة انتفض جسدها وانتفض خالد صارخًا برعب حين سمع صوت أرسلان يجذب يبده بعيدًا عن ثوبها ملتصقًا بجدران السجن بعيدًا عنه وهو يمسح يده في ثوبه وكأنه يبعد عنه لمسات سلمى، تحت أعين أرسلان الذي لم ينطق سوى بكلمة واحدة فقط:
"مولاتي"
كلمة واحدة أوقفت قلب خالد وجمدت سلمى بارضها وجعلت الرجل الذي كان يتحدث منذ ثواني يصمت بسرعة متراجعًا لركن السجن بصمت.
نظر أرسلان بتعجب لتصرفات خالد، لكنه لم يعلق وهو يتحرك صوب سلمى التي ظلت واقفة مكانها دون أن تستدير له يهمس بعدم فهم:
"جلالة الملكة؟ هل من خطب؟"
أغمضت سلمى عيونها ولم تتحدث بكلمة أو حتى تستدير له ولم يمنحها أو يمنح عقلها فرصة التفكير حتى في أخذ ردة فعل أو تحديد رد لما يحدث.
تنفست بصوت مرتفع ولم تكد تستدر له حتى سمعت خالد يتحدث بريبة وصوت شبه منخفض:
"ابتعدي عنه سلمى..."
نظر له أرسلان بشر ليبتلع الاخير لسانه وهو يشير له أنه صمت، بينما أرسلان حدق به في ضيق شديد، يعود بنظراته صوب سلمى التي لم تنظر له منذ دخل ليتعجب ما يحدث:
"سلمى؟!"
أغمضت سلمى عيونها وهي تتنفس بصوت مرتفع تحاول رسم ملامح طبيعية على وجهها، في الوقت الذي تحدث فيه هو بعدم فهم:
"سلمى؟ ما بكِ؟"
اقترب خالد من القضبان يتحدث بشجاعة لحظية سرعان ما تتلاشى حينما يرمقه أرسلان بنظرة حادة:
"ما بها هي؟ بل ما بك أنت أيها المختل؟! قتلت والدك وتدعي الفضيلة عليّ وتعاقبني لأنني عانقت أختي؟! أوف من البشر أوف، أي نوع من البشر أنت؟"
توقفت أنفاس أرسلان فجأة عن الخروج وهو يشعر بضربات قلبه تتسارع وملامحه شحبت بقوة وهو يرى سلمى تستدير تنظر له بترقب لرد، لكن أي رد قد تنتظر وهي تبصر شحوب بشرته واتساع عيونه؟ أي رد وقد وشت نظراته بكل شيء؟
اتسعت عيون سلمى حينما أبصرت الحقيقة تلوح بين نظراته، بينما هو فقط كان يشعر بالصدمة، ما الذي أخرج تلك الأحاديث من بئرها الذي دفنها به منذ سنوات.
اقتربت سلمى خطوة من أرسلان حين أبصرت شحوب وجهه وارتجاف جسده بشكل مريب وقد بدأت عروقه تنفر وهو ينظر لها بنظرات سوداء ليس وكأنها هي من أطلقت تلك الكلمات عنه.
اقتربت منه خطوات قليلة تمد يدها له تتمسك بمرفقه وهي تهمس له:
"أرسلان..."
رفع أرسلان عيونه لها ينظر لها بأعين حمراء لتبصر بها وجعًا جعلها تشهق وقد علت ابتسامة مرعبة وجهه، ينظر حوله ثواني قبل أن يجذب يده من بين أناملها بهدوء شديد متحركًا صوب الخارج دون كلمة واحدة تاركًا خلفه سلمى تشعر بقلبها يكاد يتوقف من مقدار الوجع الذي تسرب من أرسلان لها.
راقبته يرحل تاركًا إياها بقلب يرتجف من الوجع والرعب عليه، بينما صوت خالد يتردد حولها من بعيد وهو يلتصق بوجهه بالقضبان يردد ببسمة واسعة وراحة كبيرة:
"هل رحل؟ هل يمكنك اخراجي من هنا سول؟ اخرجيني قبل أن يعود ذلك الرجل الـ... أوه مهلًا سول إلى أين؟ سول... سول إلى أين؟"
كان يصرخ بصدمة وهو يراقبها تركض بسرعة مرعبة صوب خارج السجن تاركة إياها مكانه دون كلمة وصرخاته تتبعها وهو يناديها:
"سول؟ ماذا عني يا فتاة؟ تبًـــــــــــــــا لكم اخرجوني من هذا المكان العفن كادت الحشرات تنتهي من استعمار شعر قدمي، أوف منكم ......"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت من تجهيز نفسها للتحرك، ولم تحتج الكثير من الوقت لذلك، إذ لم تكن تمتلك من الثياب سوى ما ترتدي، لكن كل ذلك لم يكن سببًا في حزنها أو تعاستها خاصة في مثل هذه اللحظات التي تستعد فيها للعودة إلى بلادها.
اتسعت بسمتها تراقب هيئتها والتي رغم شحوبها إلا أنها احبتها، تمني نفسها بلقاء قريب من والدها.
استدارت صوب نازين التي كانت تراقبها بهدوء شديد دون أي ملامح.
"إذن نازين هل أنتِ جاهزة؟"
"لماذا؟"
رمشت توبة بعدم فهم:
"للعودة للبلاد نازين."
هزت نازين رأسها بهدوء شديد وهي تقول بكل بساطة:
"أنا بالفعل في البلاد سمو الأميرة، ألا تتذكرين؟ هذه بلادي."
"لكن... لكن نازين، هنا... لا أحد لكِ هنا، لذا تعالي معي سنسكن سويًا في قصر ابي و..."
نفت نازين برأسها ترفض بكل جوارحها أن تبتعد عن بلادها بعدما عادت لها بعد كل هذه المدة، ورغم ذلك تحدثت بصوت خافت:
"لا يمكنني أنا آسفة، ثم أنا لست..."
صمتت ولم تتحدث بما يدور بعقلها والذي كان نية واضحة منها في العودة للجحر وانهاء انتقامها، ويبدو أن توبة أبصرت بكل سهولة نيتها المبيتة بالعودة لتتحرك صوبها متحدثة بقلق:
"نازين أنتِ لن تفعلي ما يدور بعقلك الآن صحيح؟"
رفعت نازين عيونها لتوبة التي امسكت ذراعيها وهي تنظر بعيونها تتحدث بجدية وقوة رافضة أن تلقي نازين بنفسها في هذه الهوة السحيقة ولا تصدق أنها اخرجتها منها بالفعل:
"لا يمكنك فعل ذلك نازين، تخطي الأمر، تخطي ما حدث لقد أخبرت أرسلان وسالار عن الجحر وهم سيبحثون ويجدونه، وما هي إلا أيام ونتخلص من كل ذلك، أيام فقط ونتخلص من أنمار، لذا أنسي رجاءً أنسي وتعالي للعيش معي وتخطي كل ذلك؟!"
ابتسمت لها نازين بسمة لا معنى لها:
"أتخطى؟ أوه حقًا؟ اتخطى قتلهم أبنائي أمام عيوني وقتل زوجي؟ اتخطى هدم منزلي وحياتي وتحويلي من امرأة لم يبصرها رجل لغانية تتنقل من بين ذراعي هذا لذاك؟ اتخطى أنني أصبحت أخشى الاصطدام بامرأة عادية مخافة أن الوثها بقذارتي؟ أنا..."
صمتت تتحدث ببسمة مقهورة من بين دموعها تشير لنفسها بعجز شديد:
"أنا... أنا أخشى حتى مصافحتك، أخاف أن الوثك أنا..... أنا لم أعد صالحة للعيش، أصبحت..."
صمتت تتحدث بوجع من بين دموعها:
"أصبحت أُوصف بكلمة كنت أخجل من سماعها صدفة حتى، أصبحت وصف تستحي النساء من ذكره ويشمئز الرجال من نطقه، أنا لم أعد تلك الفتاة البريئة أو المرأة الصالحة التي كنت عليها."
بُهتت توبة وسقطت دموعها دون شعور وهي تحاول التحدث بكلمة تهون بها عليها، تفتح فمها للتحدث بكلمة فيعود العجز يعلو ملامحها وتغلق فمها مجددًا.
"لكن أنتِ لم..... أنتِ لم تكوني مع رجل و.... لقد اخبرتيني أن...."
صمتت ولم تدري ما يجب قوله في حين أن نازين أبعدت عيونها عن توبة تهمس بصوت منخفض:
"سوف اعود لمنزلي، سأعود لأجلس هناك على اطلال عائلتي وحياة مضت، على عمر ضاع هباءً منثورًا."
ختمت حديثها تتحرك مبتعدة عن توبة التي كانت تراقبها بأعين باكية لا تستطيع التحدث بكلمة وقد أصمتتها نظرات نازين.
أما عن نازين فتحركت بين طرقات القصر شاردة لا تبصر سوى ذكرياتها ولا تسمع سوى اصوات ماضيها البعيد، ماضيها السعيد.
ماضيها الذي سُحبت منه وأُلقيت بين غياهب حياة أخرى، حياة اضطرت أن تتأقلم عليها بصعوبة كي تنجو من بين أيديهم، تتساءل إن كان سيأتي يوم وتبصر انتقامها مشهدًا حيًا أمام عيونها؟
أغمضت عيونها وقد أعادت لها حدائق مشكى التي شاهدتها في طريقها، ذكريات قديمة بمثل الدمار، ذكريات جعلت القلب يرتجف.
صوت حبيب الطفولة ينحني على ركبتيه أمامها يحمل بين يديه اسورة ذهبية ينظر في عيونها بكل الحب:
"إذن صاحبة المقام العالي، هل تقبلين بي زوجًا لكِ؟"
رفعت نازين حاجبها بسخرية:
"أولست بالفعل؟ أنا حامل بطفلك الاول أيها الحالم."
نهض عن ركبتيه ينفضهما بضيق وقد أفسدت هي اللحظة التي يخطط لها منذ أيام طوال، يرفع يده يضرب جانب رأسها بمزاح وخفة:
"تبًا لعقلك نازين افسدتي لحظتي المميزة للأحتفال بذكرى زواجنا، هيا لنعد للمنزل."
ختم حديثه ولم يكد يتحرك حتى سمع صوت ضحكاتها تنطلق في المكان وهي تمسك يده بسرعة تنتزع منه الاسورة ترتديها، تهمس له بالاعتذار وهو وكأنها فرصته التي انتظرها منذ سنوات إذ بدأ يتدلل عليها، وهي تقبلت دلاله بكامل الرضا والحب.
ومن بعد تلك النظرات المحبة والعاشقة منها، لم تبصر نازين سوى دمار وركام وجثث، ولم تسمع سوى اصوات صارخة وبكاء وعويل مرتفع، تبصر مشهد وقوفها أمام حطام منزلها وهي تراقب ما حدث لعائلتها، قبل أن تُسحب قسرًا مع العديد من النساء لتكون سبية توارثها أنمار من المنبوذين فأصبحت راقصته المفضلة، ولم تكن فخورة بالأمر، لكنها كانت فخورة بما وصلت له، مكانة تؤهلها للأنتقام منه وتحطيمه أشلاء، فقط تنتظر تلك الفرصة التي ستمنحها لها الحياة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"نزار سامحني ارجوك، أنا آسف، أنا السبب بكل هذا، رددت لك دينك عليّ بدمارك."
"ما الذي سنفعله الآن سيدي؟ أين سنذهب؟ جنود سفيد وآبى منتشرين بكل مكان في المملكة لا يمكننا العودة ولا يمكننا التعمق أكثر."
"فقط اذهب حيث ارشدتك، دعنا نختفي به قبل أن يهجم علينا جنود آبى ويتعرفون عليه."
كانت جمل مترامية تمر جوار أذن نزار وهو يشعر بجسده يتأرجح ويتحرك حركات غير منتظمة تزامنًا مع حركة العربة التي كان جسده ملقى بها.
حاول تحريك أصابعه ولم يستطع، الوجع الساكن بكل خلية داخل جسده جعله عاجزًا حتى على التعبير عن وجعه، سقطت دمعة من جانب عيونه وقد بدأت أصوات ذلك اليوم تعود لرأسه، اصوات صرخات وأصوات بكاء واستنجاد، شعب بأكمله كان يُباد عن بكرة أبيه ولم يساعد أو يتحرك خطوة واحدة لأجلهم، كله كان بسببه هو أولًا وأخيرًا، المُلام الوحيد في كل ذلك.
فجأة شعر بتوقف العربة دون مقدمات، ومن ثم سمع صوتًا يعلو في المكان أصوات تهليل، وأصوات تحية وأصوات سعيدة.
حاول فتح عيونه بصعوبة، لكن لم يستطع.
فجأة توقفت كل الحركة حوله وتوقفت ضربات قلبه بالتزامن، وجسده بأكمله ينتفض محاولًا التغلب على اوجاعه وعجزه وقد زادت دموعه بقوة وهو يسمع صوته يعلو في المكان والذي شعر من الضوضاء حوله أنه كان في السوق، صوته الذي اشتاق له وهو يحدثه، اشتاق لكل شيء به... والده الحبيب...
في نفس الوقت الذي كانت تعبر به عربة نزار السوق وهو ممدد داخل الصندوق الخلفي بينما الوليد يجاور السائق في الأمام ملتحفًا بلثامه، أبصر توقف الحركة حوله حين سمع صوت التهليل من شعب سبز يبصر مرور خيول كثير ومن بينهم خيل للملك إيفان والملك آزار.
"شعب سبز العزيز، كم يعز عليّ أن دخلت بلادكم مدخل المعتدي، ووالله لولا الظلم الواقع بكم، ما تعديت حرمات بلادكم، ولا وطأتها قاصدًا إرهابكم، سبز كانت وما ستزال مصدرًا لسلام وخير الممالك، وحتى يعود لنا الملك بارق بخير ستكون البلاد تحت حكمي وبإشراف مباشر من قِبل القائد زُبير."
ختم حديثه يشير صوب أحد الرجال جواره والذي كان هو نفسه القائد الثاني لجيوش سبز بعد أصلان، هز زبير رأسه يحيي الجميع بهدوء شديد، ثم أكمل آزار حديثه:
"كل شيء سيعود لما كان عليه وسيتم تأمين الحدود وتمشيط البلاد، لذا تفائلوا بالله خيرًا، غدًا تعود سبز كما كانت وأفضل."
ختم حديثه ليبدأ شعب سبز بالتهليل، وايفان يراقب الجميع بهدوء شديد، لم يتحدث ولم يتدخل بكلمة واحدة ويتعدى وجود الملك آزار.
وحينما انتهى أومأ آزار للجميع مودعًا، ثم تحرك بسرعة كبيرة مع الجميع صوب القصر الخاص بسبز، وخلفه الكثير من الحراس.
كل ذلك كان أسفل أعين نزار الذي استفاق واخيرًا يبصر بصعوبة من بين الضباب الذي يحيط بعقله وعيونه خيال والده يرحل من النافذة الصغيرة، يرفع يده بصعوبة وهو يحاول مناداته، لكن انتصر الوجع وسقط جسده مجددًا في العربة دون حركة مستسلمًا لغيبوبته التي اتضح أنها ستطول وكان آخر ما سمعه هو صوت الوليد وهو يتحدث للسائق:
"هيا تحرك......."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حركة السيف العنيفة كادت تدحرج رأسه أسفل أقدامه لتتسع أعين سالار بقوة وصدمة مما حدث، فأرسلان كاد يقطع رأسه للتو، ابتسم بعدم تصديق:
"هل تمزح معي؟ كدت تقطع رأسي للتو أرسلان؟"
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وقد بدأ العرق يظهر على وجهه يهمس بصوت حانق من تذمر سالار:
"أنت لست مبتدئًا لتقتلك ضربة كهذه سالار، وأنا لست احمقًا لأصيبك بضربة قاتلة، ثم ها أنت حي تُرزق، إذن لا داعي لكل تلك التذمرات."
اتسعت عيون سالار أكثر بعدم تصديق، ثم وفي ثواني كان يرد الضربة لأرسلان باعنف منها وبشكل جعل الأخير يتراجع بسرعة قبل أن يسقط ميتًا على يد سالار، بينما الأخير نظر له بشر:
"نحن لسنا بحرب لترفع سيفك في وجهي بهذه الطريقة أرسلان، حين طلبت قتالي أدركت أن هناك ما يزعجك، لكن ليس لدرجة التعامل معي بهذه الطريقة حتى كدت تقتلع رأسي."
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يزيد من قبضته على السيف الخاص به، ثم رفع عيونه لسالار الذي ابتسم له بهدوء واستفزاز جعل الأخير يرفع سيفه وقد بدأت شياطينه تستغل الوضع لتخرج، وقد كان سالار خير اختيار لامتصاص كل شر أرسلان في هذه اللحظة.
افضل شخص يمكنه الخروج حي بعد مواجهته، شخص يجيد الصمود أمامه.
بدأت المعركة بينهما تزداد شراسة وقد تجمع بعض الجنود يشاهدون بفضول شديد، إذ كانت تلك واحدة من اشرس القتالات التي تنشأ بين اثنين.
الملك أرسلان والقائد سالار، اثنين من اشرس محاربي الممالك في قتال مباشر مشتعل، مشهد لن يحب أحد تفويته.
وقد كانت هي من بين المتفرجين، تقف على بُعد صغير متسعة الأعين فاغرة الفاه مصدومة الملامح مما ترى، كان هذا القتال والذي يسميه البعض من حولها بالتدريب ظلمًا، أعنف من الحروب التي ابصرتها في هذا المكان، إذ كادت تنتهي بعض الضربات بقطع أحد أجزاء أحدهما.
ونعم أدركت في هذه اللحظة أن ما حدث قبل ثواني كان بمثابة تخطي منطقة شائكة في حياة أرسلان.
بدأت تراقبه بأعين مرتعبة وهي تدعو الله أن يتوقف عن جنونه لمرة واحدة حتى.
الرجل لم يبرأ بعد من جروح الليلة الماضية والتي كانت شنيعة.
بينما الأخير كان يقاتل سالار وكأنه يود الخروج من هذا القتال تاركًا إياه أشلاء، وسالار لم يحرمه لذة القتال إذ أخذ يرد له الضربة بعشرة.
وفجأة ومن بين الضربات المتقاذفة التي كان أرسلان يتبادلها مع سالار ابصرها تقف وتراقبه من بعيد بأعين متسعة مرتعبة، نظر لها طويلًا بملامح غير مفسرة وقد استطاع شيء وللمرة الأولى صرف أنظاره عن قاتل يخوضه، الشيء الذي جعل بسمة سالار تتسع أكثر وأكثر خاصة حين أبصر اتساع نظرات أرسلان وهو يرمي سلمى بنظرات مشتعلة محذرة لم تلتقط منها رسالته، حتى قرر وللمرة الأولى أن يتخلى عن قتال وينسحب وأمام سالار.
فاتسعت أعين سالار بشدة مبتسمًا بعدم تصديق وهو يبصر أرسلان يرفع كفه في الهواء ملقيًا سيفه ارضًا يردد بهدوء قبل التحرك:
"أنت تفوز."
وكانت هذه الكلمات أكثر كلمات مرعبة قد يسمعها سالار في حياته إذ أخذ ثواني طويلة امتدت لدقائق حتى استوعب ما قيل:
"ماذا؟! أنا افوز؟!"
راقب بعيونه أرسلان الذي تحرك صوب سلمى وهو يمسك يدها بحنان يميل قليلًا يرفع لها طرف فستانها، وهو يساعدها على التحرك بسهولة هامسًا لها بكلمات لم تصل لسالار الذي ابتسم بسعادة كبيرة وهو يردد:
"عساها تكون فرحة عمرك يا أخي."
أما عند أرسلان والذي بمجرد أن ابصرها تقف بين الجنود دون إدراك، حتى هرول صوبها، وحين وصل ابصرها تبتسم له بتردد وهي تميل قليلًا كي ترفع طرف ثوبها وتتحرك صوبه براحة، لكنه منعها بسرعة يميل قليلًا بنصف جسده يرفعه له، ثم أمسك يدها يسحبها بهدوء شديد ونبرته خرجت جامدة بعض الشيء:
"لا تفعلي، هيا تعالي معي."
نظرت له بعيون متوسلة تحاول التحدث، لكنه لم يتحدث بكلمة، بل فقط تحرك معها يساعدها في الحركة بهدوء وهو يهمس لها بنظرات جادة حنونة:
"سوف أرسل لكِ امرأة تساعدك في تقصير ثوبك بعض الشيء، فلا يجوز أن تتخطى كاحلك بهذا الشكل، ولا تميلي يومًا سلمى حتى لو كان بتحية لأحدهم."
نظرت له بتعجب، ولم تدرك سوى وهي تهز رأسها موافقة حديثه وهو تحرك معها بهدوء تحت أعين الجميع ونظرات سالار المبتسمة تراقب أرسلان وهو يدعو الله داخل صدره أن تكون زوجته عوضًا لكل حزن أبصره في حياته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى واخيرًا من تمشيط الأسواق وقد امسك خمسة رجال كانوا مندسين بين الشعب، ابتسم براحة واخيرًا حين أبصر الجنود يتحركوا مع الخائنين، يشعر بالراحة الشديدة لأنتهاء مهمته، تبقى فقط العودة لمتابعة التدريبات الخاصة بالرماية والاطمئنان على تيم، ومن ثم التحرك صوب مخدع زوجته العزيزة يطمئن قلبه عليها.
يشتاقها ويشتاق رؤيتها مبتسمة تتحرك بكل براءة بوجه بشوش مشرق كعادتها، تحمل بين يديها قطة صغيرة تتحرك بها بين الاسواق و....
فجأة توقف عقله عن الأفكار حينما استوعب فجأة أن تلك الأفكار التي تدور داخل عقله لم تكن مجرد خيالات وآماني، بكل كانت واقعًا يبصره أمامه في تلك اللحظة.
فاطمة الآن تتحرك في السوق تحمل بين يديها قط صغير وهي تدور بين الجميع تنظر لهذا وذاك، شعر بأنه سيسقط في أي لحظة من شدة صدمته، ما الذي تفعله تلك المرأة هنا؟ كلما غفل عنها وجدها تصول وتجول في ملكوت الله.
هل يربطها بخصره جوار سيفه فيضمن بذلك عدم تحركها دون علمه؟
وفجأة ومن حيث لا يعلم انتفض من صدمته على صوت صراخ أحد الرجال بوجه فاطمة التي كانت تضم القطة لصدرها بخوف وكأن الرجل على وشك التحول وتناولهما سويًا.
تغمض عيونها بقوة وخوف:
"أنا آسفة لم أقصد، سوف... سوف اعوضك اقسم لك، لقد... أنا لم انتبه."
اشتعل غضب الرجل والذي كان نابعًا من قلة حيلته، وقد أسقطت الفتاة الطعام الذي اشتراه بصعوبة لأجل عائلته ارضًا، صرخ بضيق وحنق منها:
"وماذا أفعل باعتذارك؟ أطعم صغاري أسفك؟ املئ بطونهم بكلماتك؟!"
نزلت دموع فاطمة بخوف منه وهي تنظر حولها وقد بدأ بعض الأشخاص يتدخلون يحاولون المساعدة وتهدئة الرجل وتهدئتها هي نفسها، حتى بدأ التوتر يعلو داخلها من تجمع الكل حولها، ومالت بسرعة محاولة استدراك خطئها ودموعها تهبط بقوة برعب مما يحدث، تجمع الطعام بيد واليد الأخرى تضم لها الهرة بقوة بسبب توترها، حتى كادت الأخيرة تختنق فقاومت ضمة فاطمة ونتج عن تلك المقاومة بعض الجروح التي نتجت بسبب أظافرها لتصرخ فاطمة وهي تلقي القطة بعيدًا عنها وقد بدأ الخوف والتوتر والرعب يعلو داخل صدرها والاختناق يملئ صدرها وبشدة، حتى شعرت بالمكان حولها يضيق والجميع ينظر لها فازداد بكائها وهي تهتف باسم امها.
"أمي... اريد العودة لأمي... اريد أمي."
وقد يبدو ذلك المشهد مريبًا للبعض، فتاة بالغة تجلس ارضًا تبكي وتنادي والدتها، لكن فاطمة في هذه اللحظة كانت تشعر بالرعب والوحدة فترجم عقلها خوفها لحاجة إلى والدتها أو مساند.
لم يكن طلبها طفوليًا بقدر ما كان احتياجًا للشخص الوحيد الذي يتذكره عقلها في لحظات ضعفه.
وفجأة من بين جميع الأجساد أبصرت جسده يدفع الجميع جانبًا وقد صدح صوته مرتعبًا وهو يتحرك لها ركضًا:
"فاطم، فاطم عزيزتي ما بكِ؟ ما الذي.... ما الذي حدث؟!"
وكغريق عثر على قشته التي ستكون سببًا لنجاته تعلقت به فاطمة وهي تهتف من بين دموعها تتمسك به بسرعة منهارة بالبكاء:
"يا المعتصم...."
ضم المعتصم رأسها بسرعة له وهو ينظر لها بفزع يربت عليها بسرعة يحاول تدارك انهيارها وبكائها:
"تنفسي... تنفسي عزيزتي، تنفسي فاطمة."
حاولت فاطمة التحدث، وهو ما يزال يحاول تهدئتها:
"فقط اهدئي لا تتحدثي، لا بأس أنا هنا."
كان الجميع يتابع ما يحدث بعدم فهم وقد تعرف البعض على هوية المعتصم لتبدأ الهمسات تعلو بينهم عن هويته وهوية تلك الفتاة، ضم المعتصم رأس فاطمة له أكثر يرفع عيونه للجميع:
"اعتذر إن تسببت زوجتي بالخطأ في أي ضرر لأحدكم، وأنا على كامل استعداد لدفع أي تعويض."
بدأت الهمسات تعلو أكثر حين أوضح هو هوية فاطمة، ثم نهض يساعدها لتنهض يجذبها جواره:
"هي لم تقصد أي أذى هي فقط كانت تحاول المساعدة."
ختم حديثه، ثم دس يده في جيبه وهو يبحث عن بعض العملات الذهبية، ومن ثم مدها للرجل يحاول أن يبتسم له بسمة صغيرة:
"تفضل يا عم اتمنى أن يعوضك هذا المبلغ عما حدث."
نظر الرجل للقطع الذهبية بين أنامله ومن ثم نظر لفاطمة، وقبل أن يتحدث بكلمة، أبصر المعتصم يمنحه ظهره دون اهتمام، وقد منح كامل اهتمامه لها هي فقط يبتسم لها بلطف شديد:
"مرحبًا فاطم، تستطيعين التحرك أم اساعدك يا صغيرة؟"
ختم حديثه يمنع نفسه بصعوبة من تدليلها أكثر وحملها بين ذراعيه على مرأى الجميع، وحينما رفعت له عيونها، ابتسم لها بسمة أكثر اتساعًا.
"إذن؟!"
نظرت فاطمة حولها بتردد:
"أريد العودة للمنزل."
مد لها يده يساعدها للتحرك، ثم تحرك بها بين الجميع، حتى وصل صوب الحصان الخاص به، يساعدها لتصعد عليه، ومن ثم صعد خلفها يعطي حصانه الأمر بالتحرك عن طريق نغزة صغيرة في خصره، ومن ثم ضم جسد فاطمة له بقوة كي لا تسقط عن الحصان، والأخير تجلس متسعة الأعين مصدومة مما يفعل المعتصم.
"إلى أين؟!"
"المنزل..."
"لكن هذا ليس طريق منزلي؟!"
تنهد المعتصم يدرك أنها كانت في طريقها للعودة لمنزلها، عقلها عنيد لا يستسلم ولا يقتنع البتة بالأمر، عليه التحدث مع الملكة ليستكملا علاجها.
"منزلك حيث أكون فاطم..."
حركت فاطمة عيونها ببطء حتى ثبتتها عليه تشرد في ملامحه، وهو أكمل طريقه بكل هدوء وبساطة وهو يزيد من ضمها مخافة أن تسقط من بين يديه يتحرك بحصانه بسرعة كبيرة قاصدًا القصر وتحديدًا جلالة الملكة...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"جلالة الملكة."
كانت أول كلمة ينطق بها أرسلان بعدما وصل للشرفة يتوقف أمامها وهو يضم كفيه خلفه وكأنه يمنع نفسه من العودة ركضًا صوب سالار ويستكمل قتاله.
أما عنها فابتسمت بكل هدوء تدرك حالة الغضب والصراع الظاهرة بوضوح على وجهه:
"مولاي."
زفر أرسلان بصوت مرتفع وهو يرفع عيونه محدقًا بها متحدثًا بجدية:
"لم يكن عليكِ الوقوف بهذا الشكل في الخارج بين الرجال، خروجك بهذا الشكل واقترابك من ساحة القتال والتي هي منطقة رجال من الأساس، وقوفك بين الرجال، كل ذلك اشياء تغضبني فعلتيها بوقت واحد، بسبب ما حدث اضطررت للمرة الأولى أن انسحب من معركة أمام سالار و....."
وفجأة توقف عن الحديث حين ابصرها تقترب منه بشكل جعل عيونه تتسع بشكل مريب وهو يراها تقف أمامه مباشرة تبدد أي مسافة بينهما:
"المعذرة منك جلالة الملك لكنني قلقت عليك وقد سمعت الجميع يتحدث فجأة عن نشوب معركة في الخارج، فخفت أن تؤذي نفسك، ثم مولاي أنا لم أكن أقف جوار الرجال بهذا الشكل الذي تصفه، وإن فعلت فبلا قصد، اعتذر منك.."
نظر لها أرسلان ثواني، ثم هز رأسه بهدوء ومن ثم زفر يحاول أن يهدأ، ينظر ارضًا، ومن ثم رفع عيونه لها:
"اسمعيني سلمى، أنا لست متحكمًا ولست متجبرًا، وأدرك جيدًا كيف يجب أن أتعامل مع من يخصني من النساء، لستُ احمقًا أو لا أفقه شيئًا فيما يتعلق بالنساء، أنا من ربيت كهرمان، لذا أعلم جيدًا أي نوع من التعامل عليّ إظهاره مع النساء، لكنني ورغم كل ذلك التفهم الذي قد أظهره ستأتي لحظات يتسيد بها رجل الكهف داخلي."
نظر داخل عيونها بينما هي تسمعه مبتسمة دون رد، ليعتبر صمتها موافقة منها على حديثه:
"لذا احذري ما يغضبني سلمى، لا أحب بأي شكل من الأشكال أن يقترب أحدهم من نسائي، ولولا أن إيفان صديقي المقرب والله ما سمحت له بسرقة جوهرتي الغالية."
صمتت ثواني تستمع له باهتمام شديد، تظهر له انصاتًا، وربما يكون الوقت مناسبًا لعناد من طرفها وفرض لرأيها ووجهة نظرها، إلا أنها لم تفعل، بل كل ما صدر منها، هو ابتسامة صغيرة، ومن ثم أمسكت طرف ثوبها وهي تنتوي الانحناء برقي، لكنه كالعادة أمسكها من كتفها يتحدث بهدوء:
"لا تفعلي رجاءً."
رفعت عيونها له بعدم فهم، ولم تكد تستفسر منه عن سبب أفعاله تلك، حتى وجدت يده ترتفع بهدوء تمسك طرف الحجاب الخاص بها، يعيد ترتيبه بهدوء شديد وإتقان ادهشها، ليبتسم هو بسمة صغيرة.
بينما هي تراقبه وتراقب تصرفاته وتقسم داخل صدرها، أن هذا الرجل الذي يشع لطفًا وحنانًا ما كان أن يرتكب جرمًا ببشاعة قتل والده، تلك الحقيقة التي لا تدرك صدقها من عدمه والتي تؤرق مضجعها.
الأمر يرعبها، هل يعقل أنه قد فعلها؟؟ هل يعاني من خللًا قد يكون سببًا لدفعه صوب هذه الحقيقة؟
بللت شفتيها وهي تحاول إيجاد مدخلًا لذلك الأمر، وهو وكأنه أبصر ما تود قوله واضحًا على ملامحه، إذ اختفى فجأة كل تعبير كان يعلو وجهه، وهمس بكلمة واحدة وضعت سورًا فاصلًا لكل ما تفكر به داخل عقلها:
"لا."
فتحت عيونها له وقد ازدادت ضربات صدرها تهمس خلفه بريبة:
"لا؟"
وقبل نطق سؤالها التالي قاطعهم أحد الجنود وهو يتحدث بجدية:
"مولاي آسف للمقاطعة لكن موكب الأميرة توبة سيتحرك.."
نظرت سلمى صوب الجندي الذي وحينما انتهى من كلماته تحرك بهدوء شديد وكأنه أبلغ رسالته وانتهى دوره، عادت بنظراتها صوب أرسلان الذي رفع عيونه لها يتحدث بصوت منخفض:
"سأتحرك صوب سبز لأجل تأمين موكب الأميرة وكذلك لحضور اجتماع الملوك هناك، وتفقد الأوضاع الحالية للممالك و...."
ولم تمنحه فرصة حتى لإكمال حديثه مقاطعة إياه بسرعة كبيرة:
"خذني معك.."
رمش أرسلان بعدم فهم:
"ماذا؟"
"ماذا ماذا؟ خذني معك اود الخروج قليلًا منذ جئت لك أخرج سوى مرات قليلة وهذا شيء عظيم على امرأة لم تكن تمكث في منزلها سوى مرات قليلة وتقضي باقي وقتها متنقلة هنا وهناك."
رفع حاجبه وهو ينظر لها باستنكار، لا يتقبل أن يتحرك مع زوجته بين الممالك في مثل هذه الظروف والتي ستجعله يتحرك بعدم راحة وتحفز دائم، وهذا ما لا يحبه، ويبدو أن سلمى أدركت ما يدور داخل عقله، لكن لا ليس هذه المرة، لن تتركه يسافر لحراسة امرأة أخرى ولو كانت تشعر داخلها أن هذه المرأة لا تشكل خطرًا عليها، لكنها فطرة وضيق لا تستطيع التخلي عنهم.
لتعلو ملامح الرقة وجهها سريعًا تتحدث ببسمة هادئة:
"جلالة الملك."
"تدللي."
اتسعت بسمتها تكمل بهدوء:
"رجاءً سيكون هذا أول طلب أطلبه منك، ألم تخبرني في رسالة الشيخ قبل عقد القرآن أن القادم سيكون بمشيئتي؟ فلا ترد لي طلبًا وأنت سيد الكرم مولاي."
اغمض أرسلان عيونه بقوة وهو يمسح وجهه، ثم فتحها يراقب نظراتها الرقيقة و... نعم نفسها الشخصية التي تستخدمها معظم الوقت.
"تجهزي سآمرهم بتجهيز موكب لكِ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رفع القوس في الهواء وهو يحركه صوب الهدف الخاص به، يراقبه بأعين متفحصة والجميع حوله، ومن ثم ما هي إلا ثواني حتى كان السهم يصيب الهدف.
أنهى المعتصم ضربته بهدوء، ثم ألقى بالسهم للرجل خلفه دون كلمة يشير له بعيونه أن يصيب الهدف كما فعل، وقد زاد حمل التدريب على أكتافه منذ أُصيب تيم بضربة قاسمة.
"هيا أرني قدرتك."
تحرك الرجل وتوسط الساحة أمامه كما فعل وارتص العديد من الرجال جواره، رفعوا السهام أمام أعين المعتصم، وحينما سمعوا كلمته انطلقت السهام كالسيل ليصيب بعضها الأهداف ويخطأ البعض، لكن نسبة النجاح هذه المرة كانت مبهرة لتتسع بسمة المعتصم وبشدة، يحرك عيونه بينهم بفخر شديد:
"هذا ما أحب رؤيته كل يوم، احسنتم يا رجال، عبدالملك تولى أمر الاشراف عليهم ريثما انتهي من تفقد الجيش."
ختم كلماته وهو يراقب أحد الرجال يتحرك ليتولى أمر الاشراف على الرماة، بينما هو تحرك صوب الجيش الأول يتفقد أحواله، وفي طريقه عادت له ذكرياته القديمة مع فاطمة وهي توقفه في كل مكان صارخة باسمه "يا المعتصم".
تنهد بصوت مرتفع وهو يشعر بوجع داخل صدره، الأمس كانت مجرد فتاة صغيرة تلتصق باذياله، فتاة تهرب من والدتها لتأتي وتزعجه بحمل مسؤوليتها والسير خلفها في كل مكان لحمايتها، واليوم أضحت زوجته الصغيرة التي فقدت سائر أفراد أسرتها بشكل مرعب، والتي يحمل مسؤوليتها بطيب خاطر ولا يؤرقه لو ظل يحملها المتبقي من عمره، على أن تكون بخير حال.
وجع كبير لأجلها، يقتله رؤيتها تعاني، يؤلمه رؤيتها تكافح للأحتفاظ بذكرى قريبة دون التألم من ذكريات بعيدة، يؤلمه مراقبة معاناتها.
وصل صوب منطقة القتال يراقب الرجال يتدربون بقوة وخشونة كما اعتادوا وهو يقف جانبًا يرتدي ثيابه التي اعتاد التدرب بها يراقب بأعين حريصة كل شيء حتى انتبه لشيء جعل عيونه تضيق وهو يميل برأسه يراقب ذلك الرجل والذي كان يندمج مع الجنود في التدريبات والقتال.
غامت عيونه بشكل مريب وهو يبتسم بسمة صغيرة يتحرك بين الرجال، حتى توقف خلف ذلك الرجل تحديدًا يضم يديه لصدره يراقبه بهدوء ودقة جعلت الرجل نفسه يتوتر وهو ينظر للمعتصم الذي هز رأسه له:
"لا تهتم بوقوفي أكمل تدريبك أنا فقط أحببت هذه البقعة لأجل الشمس المتسلطة عليها."
ابتلع الرجل ريقه مبتسمًا بسمة صغيرة وهو يكمل تدريبه بيد مرتعشة يحاول أن يشغل نفسه بما يفعل، لكن التوتر كان قد زاد ليمنعه استكمال تدريبه، لذا استقام وتحرك بعيدًا عن ذلك المكان يقف في مكان آخر، والمعتصم توقف ثواني يراقبه بعيونه وحينما استقر الرجل على رقعة ما تحرك هو بهدوء وذهب للوقوف خلفه كما فعل سابقًا، يتحدث بهدوء شديد حين أبصر نظرات الرجل المتعحبة:
"الشمس ازعجتني قليلًا، أكمل كما أنت ولا تهتم رجاءً."
وهكذا بدأت اجراس القلق والريبة تعلو وتعلو داخل عقل الرجل وقد بدأ فمه يجف والعرق يتصبب منه وبشدة، وكل ذلك تحت انظار المعتصم والذي ابتسم بسمة زادت توتره.
حتى ترك ما يفعل وهو ينظر حوله ثواني قبل أن يقرر التحرك خارج الساحة بالكامل وكل ذلك تحت انظار المعتصم والذي اشتدت ملامحه يهتف بصوت جهوري:
"لا اعتقد أنني سمحت لأحد بالتوقف عن التدريبات والرحيل."
توقفت أقدام الرجل وقد بدأ الارتجاف يظهر على جسده بالكامل، والجميع نظر بتعجب صوب المعتصم والذي يتحدث بطريقة غير معتادة منه وقد كان هو اليد اللينة في التدريبات والملك هو الشديد في العادة.
ابتلع الرجل بقايا ريقٍ جف لشدة توتره وهو يستدير ببطء يبصر الجميع يحدقون فيه بترقب:
"أنا كنت... كنت سأ... سأذهب لارتشاف بعض قطرات المياه واعود."
رفع له المعتصم حاجبه وهو يشير بطرف عيونه على قارورات المياه المرتصة أسفل إحدى الأشجار:
"يمكنك ارتشاف ما تريد من المياه هناك."
نظر الرجل صوب المياه، ثم هز رأسه بتوتر شديد وهو يتحرك صوبها، تحت نظرات الجميع الغير مدركة لما يفعل المعتصم، بينما الأخير يراقب الرجل يبتلع المياه بيد مرتعشة متوترة ومرتعبة، ليتحرك بهدوء صوب جدار السيوف يجذب منه سيفًا يردد بصوت اظهره عاديًا:
"عندما تنتهي من ارتشاف المياه لاقني في منتصف الساحة للقتال، اود أن أرى إلى أي درجة وصلت في تدريباتك."
فجأة غص الرجل بقوة وهو يسعل بشكل ملحوظ وقد أحمر وجهه بقوة، يراقب المعتصم وقد أخذ ينفذ حديثه متحركًا صوب الساحة يحرك السيف بين قبضته والجميع يتابع.
بينما الرجل ترك زجاجة المياه وهو يبصر أحد رفاقه في التدريب يتحرك صوبه مبتسمًا يمنحه سيفًا وهو يردد:
"هيا يا رجل ارفع رؤوسنا أمام القائد، لقد كنت رائعًا في تدريباتك هيا أره ما وصلت له سيكون قتالًا ممتعًا."
ارتجفت يده وهو يلتقط السيف يحدق به في رعب جلي وكأنه سيتحول لوحش ويلتهمه، وفي الواقع الوحش الحقيقي في هذه اللحظة لم يكن سوى المعتصم والذي كان ينتظر بشغف وشر في منتصف الساحة.
وحينما أبصر منه ترددًا هتف بصوت مسموع حاد:
"هيا اقترب ما بك؟!"
اقترب منه الرجل مرتجفًا، يجفف عرقه وحينما توسط الساحة حتى أبصر المعتصم يستعد بشكل مبالغ به على القتال المعتاد مع المتدربين.
"هيا أرفع سيفك."
رفع الرجل سيفه وهو يتخذ وضعية استعداد مدركًا أن المعتصم لن يتهاون معه في القتال وهذا ما يظهر جليًا على ملامحه في هذه اللحظة.
"هل أنت جاهز؟"
ولو استطاع الرجل النطق في هذه اللحظة لصرخ بملء فاهه بكلمة "لا" مدوية، لكن العجز والتوتر منعوه من ذلك ولم يبدي ردة فعل سوى هزة صغيرة من رأسه أعطت للمعتصم شارة البدء، وما هي إلا ثواني وكان الجحيم.
لم يعي الرجل سوى بضربة قوية أصابت ذراعه بجرح، وبجسده ممدًا ارضًا وسيف المعتصم يكاد يقسم رقبته نصفين والجميع حوله يحدقون بصدمة كبيرة مما يفعل المعتصم فلم يكن الاخير يومًا بهذه القسوة أو التجبر ذلك.
المعتصم أُستبدلت روحه بأرسلان، فها هو ألقى سيفه، ثم انقض على الرجل يسحبه من ثيابه بعنف شديد وقد انكب عليه بالضرب دون أن يستوعب أحدهم جرمه أو ما ارتكبت يديه، فهذا الشاب لم يفعل شيء منذ وطأت اقدام المعتصم المكان ليعاقبه بهذا الشكل.
اشتعلت الأجواء وشعروا جميعًا بالقلق الشديد مما يفعل المعتصم لدرجة أن أحدهم هرول بعيدًا عن الساحة يستنجد بالملك قبل أن يقتل المعتصم الرجل، وقد التف حوله الباقيين يحاولون الإحالة بينهم، لكن المعتصم كان شرسًا يدفع الجميع ويكمل قتاله.
عند أرسلان:
كان يقف أمام سالار في الساحة الأمامية للقصر يستعدون للتحرك:
"لا أود التأخر في سبز، سأنتهي من الاجتماع واعود، سأترك المعتصم هنا كي لا أترك البلاد دون مشرف لحين عودتي."
ابتسم له سالار يردد بهدوء ومازالت نظرته ممتلئة خبث مما حدث قبل ساعات قليلة، يتحدث بهدوء شديد:
"نعم لا تقلق على البلاد في يد المعتصم فهو تلميذي في النهاية، خُلق للقيادة، وسيكون أكثر يد أمينة تترك لها البلاد في غيابك."
تشنجت ملامح أرسلان:
"ربما كان تلميذك، لكنه جاء لبلادي وتشرب من خبراتي ومهاراتي."
ضحك سالار بسخرية لاذعة وكاد يستنكر حديث أرسلان ويعترض بجمل عديدة، لولا اقتراب أحد الجنود المهرولين له وهو يصرخ برعب:
"مولاي... القائد في ساحة التدريب يكاد يقتل أحد المتدربين ضربًا."
اتسعت أعين سالار بقوة، بينما تشنجت ملامح أرسلان وهو يهرول بسرعة كبيرة مرتعبًا مما يمكن أن يكون أذهب تعقل المعتصم لدرجة أن يتهجم على أحد المتدربين؟؟
بينما سالار يراقبه يهتف بصدمة:
"نعم تشرب مهاراتك وخبراتك حتى شبع وأصبح مثلك أرسلان."
ختم حديثه يتحرك بخطوات سريعة خلف أرسلان.
وبمجرد أن اقترب من ساحة القتال حتى سمع صوت صرخات جنونية، لكن المشهد الذي ابصره كان أشد جنونًا.
المعتصم منكب على أحد الرجال بالضرب حتى كاد يخرج روحه بين يديه، وارسلان يجذبه بعيدًا يحاول إبعاده بصعوبة.
"يا المعتصم اكظم غيظك يا أخي ما بك؟! توقف يا المعتصم."
لكن المعتصم في هذه اللحظة لم يكن يرى سوى الدمار والخراب والدماء... ودموع فاطمة، حياتها التي تدمرت بسببه وبسبب جماعته.
دمروا صغيرته وخربوا حياتها بالكامل، والآن يحيون دون أي شعور أو سوء، يصرخ بكل الوجع داخله:
"تحيا بيننا وتأكل معنا وتعيش آمنًا أيها القذر، وتطعننا في الظهور يا خسيس، تخفي حقيقتك ونسيت أن القذارة تعلن عن نفسها، منذ متى ونحن نرسم وشوم كهذه على أجسادنا ونرتعش لذكر القتال؟?"
نظر له أرسلان بعدم فهم ليجذب المعتصم الرجل والذي كان مدمى الملامح، رفع الرجل أمام الجميع يزيح أطراف اكمامه مظهرًا أمام الجميع الوشم الكبير والذي كان يملئ ذراعه وقد ابصره أثناء ادعاءه التدريب.
وحينما ابصره أرسلان نزع يده بهدوء عن المعتصم وكأنه يمنحه اذنًا بإكمال ما بدأه، وفي لحظة انقلبت الأمور رأسًا على عقب، أبتعد الجميع عن المعتصم والذي كان في هذه اللحظة ينتقم لزوجته فيه.
نظر سالار صوب أرسلان وكأنه يخبره بالتدخل، لكن أرسلان هز كتفه بهدوء يحرك حاجبيه، ثم أشار صوب المعتصم يتحدث بهدوء شديد:
"نعم المعتصم هو أكثر يد أمينة اترك بها البلاد."
ختم حديثه ببسمة جانبية، أما عن المعتصم فعندما انتهى ابتعد عن الرجل وهو يجذبه يلقي به صوب الرجال يأمرهم بنظراته أن يأسروه ويتحركوا به نحو السجن.
كل ذلك يراقبه أرسلان وهو يعقد ذراعيه لصدره يراقب ما يحدث ببسمة صغيرة، تحت أعين سالار الذي مسح وجهه يتنهد بصوت مرتفع:
"أحسنت الإختيار بالفعل بأن أرسلت لك المعتصم."
رفع المعتصم عيونه صوب الجميع وقد بدأ عقله يستوعب ما يحدث يتنفس بصوت مرتفع، قبل أن يبتسم بسمة صغيرة يهتف بصوت هادئ لا يوحي البتة بأنه هو نفسه الشخص الذي كاد يقتل أحدهم ضربًا منذ ثواني.
"السلام عليكم يا قائد، عسى أن يكون نهارك سعيدًا."
ابتسم له سالار بسمة متسعة وهو يربت على كتفه مرحبًا:
"هو كذلك لرؤيتك يا المعتصم، سعيد لرؤيتك بخير حال وأنك ما زلت تحتفظ ببعض تعقلك بعد كل هذه الفترة التي قضيتها مع أرسلان هنا."
نظر له أرسلان بطرف عيونه قبل أن يتحرك ليتفقد زوجته وجاهزيتها:
"أوه نعم، يبدو أن المعتصم نجح فيما فشلت أنت به سالار."
وبهذه الكلمات أنهى أرسلان وجوده في الإرجاء، تاركًا سالار يستوعب معنى كلماته مبتسمًا بعدم تصديق يردد دون أن يتمكن من كبت كلمته:
"لعنة الله على الكافرين ....."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات وداخل مملكة سبز...
ارتص الشعب على جانبي الطريق حينما وصلت لهم اخبار عودة الأميرة الغائبة منذ مدة طويلة، الجميع يتهامس عن غيابها وعودتها.
توبة والتي كانت دائمًا أكثر النساء تواضعًا مع شعبها، تشاركهم الاحتفالات وتتنقل بينهم دون حراسة في أغلب الوقت، اختفت دون خبر واحد عنها والآن وصلت لهم اخبار لا يعلمون من نشرها أولًا، أنها كانت مُختطفة واليوم تحررت.
وعندما داخل الموكب الذي كانت تشاركه زوجة أرسلان، تلك الفتاة الهادئة الغامضة والتي كانت تشعر بها وكأنها تخترق ما تخفيه، شعرت بهدوء مخيف وهي ترفع عيونها صوب سلمى تهمس:
"انرتي سبز."
ابتسمت لها سلمى بسمة محايدة ولم تحدد بعد مشاعرها تجاه تلك المرأة، مرات تشعر نحوها بالخطر ومرات تشعر بالأطمئنان.
"تُنار البلاد بأهلها سمو الأميرة، حمدًا لله على سلامتك."
ابتسمت لها توبة تهز رأسها بهدوء، ثم حركت رأسها بهدوء تبصر حدود سبز وقد اقتربت، لكن وأثناء ذلك أبصرت طرف أرسلان والذي على عكس عادته كان قد تخلف عن مقدمة الموكب يسير بالقرب منهم وكأنه يأبى أن يبتعد خطوة واحدة فيستغل أحدهم ذلك ويقترب من موكبها.
"يبدو أن الملك يحبك كثيرًا."
رفعت سلمى عيونها صوب توبة تنظر لها بعدم فهم، لتحرك الأخيرة عيونها صوب أرسلان الذي يلاحقهم بحصانه، تهمس ببسمة واسعة:
"لم أر يومًا الملك مهتمًا بشخصٍ ما بهذا القدر عدا كهرمان، حسنًا حتى كهرمان كان يترأس موكبها، لا أدرك مقدار قلقه هذا، لكن هذه المرة المرة الأولى التي يتخلف بها عن قيادة الموكب مع القائد سالار."
عادت سلمى بنظراتها صوب أرسلان تشرد به مبتسمة تتذكر صباح اليوم حينما خرجت من المبنى الخاص بالغرف وتوجهت له حيث كان يتفقد الموكب، وتوقفت أمامه بثوب من اللون الاخضر مع غطاء وجه ولأول مرة تضعه، كان ثوبًا تقليديًا بامتياز تختص بها نساء سبز.
تتحرك متهادية به صوب جسد أرسلان والذي كان يعيطها ظهره، وحينما توقفت خلفه رفعت كفها بتردد تضعه على كتفه ليتسدير أرسلان بسرعة يبصر أمامه امرأة ترتدي ثياب مشكى التقليدية وتضع غطاء وجه، لا يبصر لها ملامح، بل وقد تجرأت لتحرك يدها تتمسك بمرفقه وهو فقط ينظر لها بتشنج قبل أن يبعد يدها عنه يهتف بصوت مصدوم:
"ما بكِ يا امرأة؟?"
رفعت سلمى حاجبها بصدمة من كلماته، بينما الأخير عاد للخلف ينظر للمرأة مستنكرًا يرفض أن تلمسه، لتتسع بسمة سلمى أسفل الغطاء وهي تتحرك صوبه تمسك يده تهمس بصوت خافت:
"لا تخبرني أن مجرد غطاء صغير جعلك تجهل هويتي جلالة الملك."
اتسعت أعين أرسلان وقد تعرف على صوتها، يحرك عيونه على جسدها بعدم تصديق، قبل أن يرفع عيونه لها يهمس بصوت غير مصدق:
"سُليمى؟?"
اتسعت بسمة سلمى تهمس:
"هل اعجبك ثوبي؟?"
تنفس أرسلان بصوت شبه مسموع يبتسم بسمة واسعة سعيدًا بما يرى، غطت ملامحها وكل شيء بها، مد يده يرفع كفها بهدوء يضعها على مرفقه حيث انتزعها منذ ثواني يضغط عليها بصوت سعيد:
"محظوظ الثوب بكِ سليمى."
ختم كلماته وهو يهتف بصوت قوي وما تزال عيونه معلقة بها رغم أنه لا يبصر وجهها:
"أقيموا الهودج فقد وصلت الملكة ...."
مال عليها يهمس بصوت منخفض:
"سأكون على مقربة منكِ طوال الرحلة إذا ما احتجتي لشيء فقط أخبريني، حسنًا حُلوتي؟?"
"جلالة الملكة هل أنتِ بخير؟?"
انتفض جسد سلمى والتي كانت ما تزال عالقة في تلك اللحظة التي نطق بها ذلك اللفظ التحببي، نطقه لتلك الكلمة "حُلوتي" جعلها تشهق وهي تنظر له بصدمة، لا تكاد تخرج من صدمتها حتى الآن.
وفى بوعده ولم يتركها لحظة واحدة طوال الرحلة.
ابتسمت وهي تنظر صوب توبة تهتف بصوت خافت:
"آسفة فقط شردت بعض الشيء."
"كنت فقط أخبرك أننا وصلنا، هيا سنهبط هنا."
ومن بعد تلك الكلمة ابصرتها سلمى تهبط عن العربة، وحينما كادت تلحقها هي تفاجئت بأرسلان يهبط عن حصانه ويتحرك صوبها يمد لها يده وهو يبتسم بهدوء بعدما انحنى لها نصف انحناءة:
"دعيني أساعدك سليمى."
مدت سلمى كفها تضعها بكفه وهي تهبط بهدوء، ثم جذبها أرسلان تسير جواره وهي تعبر من بوابة سبز التي كان يقف خلفها إيفان وآزار. اتسعت ابتسامة سلمى وهي تشعر بأرسلان يهيمن عليها في رسالة واضحة للجميع، ولم تكد تصدر أي انحناءة لترحب بالجميع، حتى وجدت يد أرسلان تمنعها بحركة خفية وهو ينظر أمامه مبتسمًا للجميع بهدوء، يحرك رأسه مرحبًا بهم.
وفي هذه اللحظة لم تتذكر سوى جملة واحدة نطقتها قبل أيام طويلة، جملة ما يزال صداها مسموعًا في رأسها وكأنه قد آن أوان تحقيق أكثر أحلامها استحالة.
كلماتها والتي ظنتها يومًا حلمًا ورديًا حتى أن موزي سحر منها، أضحت اليوم حقيقة وواقعًا، وهي تبصر تتجسد في أرسلان.
"يحق لي الحصول على رجلٍ وسيم راقٍ حنون وشاعري، يحبني وكأن لا نساء غيري، ويدللني وكأن الدلال لم يُخلق لسواي، رجل ينحني له العالم، وينحني هو لي."
رفعت عيونها صوب أرسلان تحدق به من أسفل الغطاء وهي تشعر بضربات قلبها تزداد بقوة كبيرة، تبعد عيونها بسرعة كبيرة حين ابصرته يستدير لها، ليبتسم الاخير بهدوء:
"دعينا نحصل لكِ على غرفة لترتاحي."
في اللحظة التي كان يتكلم بها كان الترحيب بتوبة على أشده.
فبمجرد أن خرجت من العربة حتى ارتفع صوت أحد رجال والدها ذوي المكانة المرتفعة وهو يهتف بنبرة جهورية:
"سمو الأميرة توبة، أميرة سبز تدخل للقصر، أظهروا الاحترام لأميرتكم يا رجال..."
ارتجف جسد توبة وهي تشعر بالدموع تنهمر من عيونها دون شعور، كادت تفقد الامل في عودة بلادها، وكادت تشعر أن لا عودة لها ولا نهضة لشعبها، لكن إرادة الله فوق الجميع، لولا كرم الله عليها وعلى والدها، والملوك ما عادت سبز من قبضة ذلك الوسخ الذي كانت تتخذه زوجًا سابقًا.
تنفست وهي تبعد الدموع عن عيونها ترفع وجهها صوب الجميع لتبصره يتوسطهم جميعًا "الملك آزار" النسخة الكبيرة من نزار، وعند هذه النقطة ارتجف صدرها وهي تبصر بسمته، ليقارن عقلها بسمته تلقائيًا ببسمة ولده، يشبهه بكل شيء عدا أن نظرات نزار ربما تتسم ببعض الهدوء والحنان، أما نظرات آزار تتسم بالحدة والبطش أحيانًا.
أما عن آزار فتعجب شرودها به، ورغم ذلك ابتسم لها بسمة واسعة حنونة، يتحرك صوبها ليستقبلها:
"سمو الأميرة، مرحبًا بعودتك."
مالت له توبة نصف ميلة تهتف بصوت منخفض هادئ ونبرة مختنقة بالكثير من المشاعر:
"جلالة الملك آزار...."
"منذ متى تناديني بجلالة الملك توبة؟"
رفعت له توبة عيونها دامعة بقوة وهي تهمس:
"كيف أبي يا عم؟"
ابتسم لها آزار بسمئة مطمئنة يشير بعيونه صوب الجميع يحاول صرف نظرها عن الأمر في الوقت الحالي:
"بخير، فقط رحبي بالباقيين، ومن ثم ننشغل بأخبار العجوز بارق."
ضحكت من بين دموعها وهي تستدير صوب إيفان الذي كان يتابع حالتها بدقة وهدوء وكأنه يبحث بها عن أي خدش قد يدفعه للتحرك وإعلان حرب مبكرة.
"جلالة الملك إيفان، مرحبًا بك في سبز."
وكان رد إيفان تحية صغيرة وبسمة صغيرة كعادته، ثم استقام يردد بصوت ذو نبرة هادئة:
"مرحبًا بكِ سمو الأميرة انرتي البلاد بعودتك."
هزت رأسها تهمس بصوت منخفض مختنق بالدموع:
"اشكركم، لن انسى صنيعكم ما حييت."
ختمت كلماتها ثم نظرت صوب آزار بلهفة:
"أبي، هل... هل يمكنني رؤيته عم آزار؟!"
"بالطبع عزيزتي، هيا تعالي معي نلقي التحية على العجوز بارق ريثما يستقر الجميع، ومن ثم نرى ما سنفعل."
نظرت توبة للجميع حولها، ثم تحركت مع آزار بهدوء شديد في حين أن نظرات إيفان تحركت صوب أرسلان، وقبل أن ينطق أحدهم بكلمة تحرك صوبه بهدوء ولهفة شديدة، ليبتعد أرسلان عن سلمى وهو يتلقى ترحيب رفيقه بمشاعر دافئة يربت على ظهره بهدوء وسعادة:
"مرحبًا بك إيفان."
ربت إيفان بقوة على ظهر أرسلان وهو يتذكر خطاب أرسلان له والذي أخبره به أن هناك ما يؤرق رفيقهم، حرك يده بحنان على ظهره يهتف مبتسمًا:
"مرحبًا بك كذلك يا أخي، إنها لمدة منذ رأيتك آخر مرة، لم تعتد غيبتك الطويلة أرسلان."
ابتسم له أرسلان وهو يبادله العناق، ثم ابتعد عنه يراقبه بهدوء ومن ثم همس بصوت خافت وهو يبحث حوله عن شقيقته:
"لم تحضر معك جوهرتي؟"
رفع له حاجبه، ثم ردد لاستفزاز:
"أي جوهرة تلك يا فتى لا جواهر لك عندي عزيزي، ولا امتلك من المجوهرات شيئًا.."
مال عليه يهمس بصوت منخفض لم يصل لغيره:
"فقط كهرمانتي الغالية هي ما امتلك من الجواهر، ولا أعتقد أنها تخصك بأي شكل من الأشكال."
اشتعلت أعين أرسلان بشدة وقد شعر بنيران تزداد داخل صدره شيئًا فشيء يرفع قبضته ليحطم بها فك إيفان الذي يتفنن في إشعال غيرته على صغيرته ويلعب على أوتار تلك الحقيقة المؤلمة والتي تفيد بأن جوهرته أصبحت مع شخص آخر.
لكن وقبل رفع قبضته استطاع سالار اللحاق بها وهو يمسك بسرعة مبتسمًا:
"لا عزيزي ليس هنا وليس وأنا موجود، قسمًا برافع السموات بلا عمد، إن أبصرت من أحدكم أي تصرف اهوج لاحطمن عظامه ولا فدية له عندي بأي شكلٍ."
ختم حديثه وهو ينظر لهما بتحذير شديد اللهجة ليتراجع إيفان للخلف يرفع يده في الهواء مبتسمًا بسمة صغيرة:
"أنا لم اتحدث بكلمة، هو من ثار فجأة بلا سبب."
نظر له سالار بسخرية وهو يبعد أرسلان للخلف:
"أشك في هذه الحقيقة إيفان، هيا أرسلان تحرك لزوجتك وخذها لترتح، ومن ثم عد لنرى ما يمكن أن نفعله."
نظر أرسلان بشر لايفان ولولا وجود زوجته في المحيط، لاراه كيف يتحداه ويستفزه بهذه الطريقة المزعجة، لكن صبرًا هناك قاعة اجتماعات ستجمعهم هذا المساء ويقسم حينها أنه لن يمرر له أي كلمة لا تعجبه.
استدار صوب سلمى والتي كانت تقف جانبًا تراقب المحيط بانبهار وسعادة، ربما لانتشار زهور كثيرة في المكان وقد تميزت سبز بذاك لتربتها المثالية في الزراعة.
اقترب منها يهمس بهدوء شديد وحنان جعل أعين إيفان تتسع وملامحه تتشنج وهو لم يستوعب بعد كلمة سالار التي نطق بها منذ ثواني (زوجته؟!) نعم علم من سالار وخطابه ما حدث، لكن عقله لم يألف بعد الأمر، وإن كانت كلمة زوجته تلك أثارت تعجبه فتصرفات أرسلان تلك أثارت صدمته وهو يراه يتحرك مع زوجته بكل هدوء وحنان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقدمت بخطوات مرتعشة داخل الغرفة تشعر أن قلبها سبقها ورفرف صوب جسده المسطح، ارتجفت بأعين التمعت بالدموع، دموع لطالما سقطت في غيابه شوقًا له وقد استبد بها اليأس مصورًا لها حياة خالية من ظل والدها الحبيب.
وصلت للفراش ولم تشعر بأحد معها داخل الغرفة، لم تدرك وجود آزار معها حتى، والذي بمجرد أن شعر بحاجتها للأنفراد بوالدها حتى انسحب بهدوء للجميع تاركًا إياها تروي ظمأ شوقها.
أما عنها فبمجرد أن وصلت له أمسكت طرف ثوبها وهي تميل جزئيًا كما كانت تفعل طوال حياتها، تردد بصوت مرتعش باكٍ:
"السلام عليكم جلالة الملك، عسى يومك سعيدًا أبي."
ولم يصل لها رد للمرة الأولى، لتترك طرف ثوبها تميل عليه تمسك كف يده والتي تجعدت لعمره ولمرضه، تقبلها بقوة وقد بللتها ذرات دموعها وهي تستند عليها هامسة بصوت موجوع:
"أبي..."
ومن بعد تلك الكلمة لم تمتلك المزيد من القوة لتكمل جملة، إذ انفجرت في البكاء بقوة وهي تجلس ارضًا جوار فراشه تبكي على يده؛ بكاء حكى له بشاعة ما أبصرته بعده، وسوء ما واجهته بدونه، مشاعر وحزن كبير تزاحموا داخل صدرها حتى شعرت للحظات أن الشهقات تخنقها ولم تعد تستطيع التنفس بشكل طبيعي.
ارتفع صوت شهقاتها وانفاسها وهي تهتف من بين بكائها بكلمة واحدة لم يمتلك الفؤاد سواها:
"أبي... أبي... ارجوك ..."
واستمر الأمر دقائق طويلة لم تعرف عددها وقد أخذت دموعها تقص لبارق سوء ما رأت في الأيام السابقة وبشاعة المشاعر التي اضطرت أن تتعامل معها، لياليها المظلمة في ذلك المنزل الصغير وهي تتضرع لله، لحظات الرعب أن يقتحم أحدهم المنزل عليها ينتزعها من مكانها الآمن الوحيد، واخيرًا مشاعر الأمن والطمأنينة القليلة التي كانت تحياها بوجوده، قبل أن ينبذه كبريائها ونفورها المصطنع ليرحل آخذًا معه كل ما أحضر من الأمن والسلام اللحظي.
استكانت على صدر والدها تهتف كلمات مرتجفة:
"أرجوك عد لي، والله لم أعد اتحمل، فضت وفاض كيلي أبي، عد واخرجني من كل ذلك الألم، انقذني من نفسي، ارجوك لا أريد أن أواجه العالم دونك، لا أريد أن......"
صمتت تهمس بصوت موجوع وقد آلمتها الحقيقة وبشدة:
"لا أريد أن تجرفني تيارات حبٍ آخر ميؤوس به، وأخشى أن يكون هذه المرة أعنف من المرة السابقة، ساعدني أبي لا أريد.... لا أريد أن أحبه................."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى مما يفعل وهو يخرج من السجن وداخلة شعور كبير بالراحة، ولأول مرة يشعر أن راحته تتمثل في إيذاء الآخرين، لكن ذلك الرجل تحديدًا جاءه في لحظة يأس ووجع أخرج به كل ما يكمن في صدره.
ابعد خصلات شعره عن وجهه وهو يخرج من المبنى بأكمله يتحرك صوب الساحة مجددًا ليكمل تدريبات الجيش، يحاول أن يب
رواية اسد مشكي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رحمه نبيل
واقفة تتأمل الحدائق المحيطة بالغرفة التي أُختيرت لها، تحاول أن تشغل عقلها بالتفكير في ذلك السحر حولها عن التفكير به وبكل ما يخصه، لكن يبدو أن كل شيء كان ضدها في هذه اللحظة، إذ وبينما كانت تحاول الإندماج، وصل لها صوته هادئًا ينساب كنغمات موسيقية، أو ربما هذا ما رسمه لها عقلها المفتون بكل ما يتعلق بهذا الرجل.
الأمر كان مريبًا مرعبًا، أن تتعلق بالرجل بهذه السرعة، ودعونا نقل تتعلق إذ يبدو أنها تجاوزت هذه النقطة منذ زمنٍ طويل، لكنها تواري الحقيقة خلف كلمات مجازية لا تسمن ولا تغني من جوع.
"هذه هي غرفتك أتمنى أن تعجبك."
استدارت سلمى صوبه وهي تمنحه بسمة صغيرة معبرة عن امتنانها لأجل اهتمامه بها، ورغم ذلك لا تستطيع أن تتجاهل نظراته المتوارية خلف تلك النظرات التي كان يمطرها بها.
"نعم جميلة، سبز جميلة، وأجمل ما بها تلك الزهور الغريبة، لأول مرة أبصرها في حياتي."
تنهد أرسلان وهو يتحرك يجاورها الشرفة مبتسمًا بسمة صغيرة وعقله يفكر في دور الشرفة داخل هذه العلاقة، نظر صوب سبز يردد بهدوء:
"سبز لطالما كانت موطنًا لأي نبتة تبحثين عنها في هذا العالم، كانت بمثابة سلة الغذاء لنا، كما كانت مصر في السبع العجاف، لكن الأيادي الفاسدة كادت تطالها لولا رحمة الله بشعب سبز."
صمت ثواني ثم قال بهدوء وبسمة:
"تلمست اهتمامك بالزهور منذ مجيئك، هل تحبين الزهور؟!"
رفعت عيونها له وقد لمعت بشكل آثار تعجبه، ومن ثم ابتسمت بسمة مريبة بالنسبة له وهي تهتف بخبث جعل عيونه تتسع شيئًا فشيء مدركًا ما تلفظ به منذ لحظات:
"تلمست اهتمامي بالزهور؟! يبدو أنك كنت تتابع اهتماماتي باهتمام جلي جلالتك."
يا ويلي من تلك المرأة اللعوب، ليست سهلة بالمرة، لكن في الحقيقة هي بشكلٍ ما تناسبه وبشدة، فما حاجته بامرأة صامتة خجول طوال الوقت لا تجاريه في الحديث وتتخذ ركنًا لها وحدها، كما لا يفضلها وقحة بشكل كامل، بل يفضلها... سلمى وببساطة.
لذا ردًا على سؤالها السابق أجاب بكلمته التي احتفظ بها ردًا لكل ما تطرحه عليه:
"شايد..."
ابتسمت له تميل برأسها:
"شايد؟!"
هز كتفه مبتسمًا بسمة صغيرة:
"شايد."
أضاف وهو يصرف تفكيرها عن حديثه السابق:
"لم تخبريني سبب اهتمامك بالزهور؟!"
"ربما لأنني كنت بائعة زهور في عالمي، لذلك لها بقلبي مكانة كبيرة."
اتسعت بسمته بزهول من كلماتها يتخيلها تقف بين الزهور متفتحة، والآن وجد تفسيرًا على امتلاء ثيابها برسومات الزهور، ربما لتندمج معهم.
"يليق بكِ الأمر، لكن أولستِ طبيبة؟!"
هزت رأسها وهي تنظر صوبه بشرود:
"نعم، كنت طبيبة وبائعة زهور، طبيبة لأرضي والدتي، وبائعة زهور لأرضي أبي، وما بين هذه وتلك عشت حياتي بسول الطبيبة النفسية والمؤهلة، وسول بائعة الزهور."
"ليحمنا الله من الأولى ولترضى عنا الثانية جلالة الملكة."
اتسعت بسمتها وهي تردد بصوت منخفض:
"لا تقلق فالاولى لا تؤذي من تهتم بهم، والثانية لا تهمل من تحب."
"وهل أنا من النوعين؟"
نظرت له بعدم فهم فأوضح لها بهدوء شديد:
"من تهتمين بهم ومن تحبينهم؟"
اتسعت بسمتها ونظرت صوب عيونه تردد بصوت غامض:
"شايد."
ضحك أرسلان بصوت مرتفع على ردها وهو يهز رأسه:
"عادل بما يكفي."
وهي كانت في حالة من اللاوعي تراقب ضحكاته، متعجبة من قدرة ذلك الرجل على تجاهل كل الأوجاع التي تحيط به ويضحك ويحيا حياته بهذه السهولة، رجل نشأ نشأة خشنة، وعانى من القسوة على كل لون، ومر بالكثير في حياته، كان ليكون مشروع مريض نفسي بامتياز، لولا أنه كان... أرسلان.
"أراكِ تتأملين بهائي وحُسني، عساه خيرًا؟!"
ابتسمت له، ثم أبعدت عيونها بخجل عن وجهه تحاول شغل عقلها بتأمل المحيط، وهي تردد بصوت خرج بصعوبة منها، بسبب نظراته التي لم يتوانى عن توجيهها لها.
"أراك تزداد غرورًا كل يوم مولاي، وهذا سييء لو سألتني، أنت في طريقك لتكون أكبر نرجسي في التاريخ."
اتسعت بسمة أرسلان بشكل جذب انظارها لتتعجب بسمته، فهي لم تنطق شيء يستحق هذه البسمة، بينما أرسلان مال عليها يهمس باستمتاع:
"هذه المرة سأتقبلها منكِ راضيًا مولاتي."
نظرت له سلمى بعدم فهم ولم تكد تستفسر منه عن معنى كلماته، حتى اعتدل الأخير يتنهد بصوت منخفض:
"على كلٍ كنت هنا فقط لاطمئن عليكِ، قبل الانشغال في اجتماعي مع الجميع هنا، لذا رجاءً إن احتجتي شيئًا لا تطلبيه من غيري، اطلبي من أحد الرجال في الخارج أن يخبرني بالحضور وسأكون لديكِ سعيدًا بتلبية ما تريدين، اتفقنا سُليمى؟"
"هذا دلال لن يسرك أن اعتاده جلالة الملك."
"تدللي جلالة الملكة."
ختم حديثه ببسمة وهو ينحني لها نصف انحناءة، ثم تحرك بهدوء صوب الخارج ليلتقي الباقيين في قاعة العرش، لكن وقبل أن يخطو خارجًا سمع صوتها يهتف بتردد خوفًا من تحوله من نسمة لعاصفة:
"ذلك الحديث في السجن حول والدك، أنت حتى لم تهتم بتوضيح ما حدث أرسلان ولم تهتم بالدفاع عن نفسك أمامي، لم تنفي ما حدث، وأنا في الحقيقة لا أحب الضغط عليك لكن لن يكون جيدًا أن تتركني لأفكاري و..."
"هل تصدقين أنني افعلها؟"
نطق جملته دون حتى أن يستدير لها، وهي نظرت لظهره طويلًا، تفكر في سؤاله، هل هذا اختبار ثقة أم مجرد سؤال؟ وفي الحالتين كانت إجابتها واضحة.
"أرسلان الذي عرفته طوال فترة بقائي هنا لا يمكنه أن يأذي أحدهم دون مبرر، فما بالك لو كان ذلك الاحدهم هو والده؟!"
ابتسم أرسلان بسمة صغيرة يستدير لها نصف استدارة ينظر من فوق كتفه لعمق عيونها:
"لكنه بشكلٍ أو بآخر فعل."
ختم كلماته يتحرك من المكان تحت نظراتها المصدومة وهي تحاول أن تدرك ما قيل منذ ثواني تتنفس بصعوبة تراقبه يتحرك خارج الغرفة الخاصة بها بعدما ألقى قنبلته عليها، أما عنها ابتسمت بعدم تصديق تهرول صوبه تمسك مرفقه بسرعة قبل الخروج تهتف بسرعة وصدمة كبيرة:
"لم تفعل صحيح؟ أنت لم تفعلها أرسلان؟"
نظر أرسلان لعيونها ثواني قليلة كانت كافية لتدرك الحرب التي تدور داخله في اللحظة، لتترك مرفقه بصدمة وهو فقط ردد بصوت منخفض:
"لست بهذه المثالية، و... الأمر يطول شرحه، وفي الحقيقة أنا لست مستعدًا بأي شكل من الأشكال لخوض مثل هذه النقاشات جلالة الملكة، لست مستعدًا للتحدث حول ماضٍ سبق ودفنته أسفل الأرض السابعة، ليس الآن على الأقل."
ختم حديثه يتحرك من أمامها تاركًا إياها تتجرع كاسات الصدمة بتأني تحاول أن تدرك تلك الحقيقة التي ألقاها في وجهها بكل بساطة وكأنها حالة الطقس أو ما شابه.
أرسلان قتل والده حقًا؟ والده الذي رفض أن يتم ذكره بالسوء على لسانها؟؟ والده نفسه والذي اعترف به التاريخ كأحد المتجبرين رفض هو سماع كلمة واحدة ضده، يقتله؟؟
هناك شيء خاطئ يدور حولها، تنفست تحاول أن تفكر في كل ما قيل وقد شردت عيونها في الباب الذي أُغلق في وجهها للتو..
"وماذا أيضًا أرسلان؟ كم من الأسرار تحمل داخل جعبتك جلالة الملك؟?"
"أنت حقًا أكثر إنسان عنيد في هذه الحياة، نزار أخبرتك أن الأمر خطر عليّ وعليك، تدخل لقصر سبز بهذه البساطة في وسط وجود جيوش من جميع الممالك تقريبًا، هذا انتحار."
لم يهتم نزار وهو يضم لثامه أعلى وجهه يتحرك مع جموع البشر الذين يملئون الطرقات، وشيء واحد يدور بعقله، والده هنا وكذلك توبة، إذن هذه فرصته ليصلح بعضًا مما أفسده.
"فقط إن توقفت عن الحديث يا الوليد سيكون كل شيء بخير."
زفر الوليد بصوت مرتفع وهو يبصر قصر سبز يقترب منهم وضربات قلبه تزداد ريبة وقلق، وحينما أصبحوا على مشارفه ابصروا العديد من الرجال يقفون على بوابته يتحركون للداخل وهم يحملون اسبته مليئة بالفواكه والخضروات تعبيرًا عن الإمتنان للملوك.
اتسعت بسمته بشدة وهو يهتف:
"انظر يا الوليد الطريق ممهد يا صديقي، الله ييسر لك طرق العودة للصواب، والغبي هو من يتجاهلها."
نظر له الوليد ثواني دون ردة فعل وهو شارد في بوابة القلعة، وقد تحرك صوبها نزار بسرعة يندمج بين جموع الشعب، قبل أن يعود ويجذب الوليد معه متمنيًا من الله التيسير له في الدخول.
وبالفعل ما هي إلا دقائق قليلة استغرقها، حتى أصبح في منتصف ساحة القلعة، ابتسم بعدم تصديق وهو ينظر صوب الوليد الذي ما يزال بدلا يصدق سهولة الأمر.
"يومًا ما سيؤدي تواضع هؤلاء الملوك مع عامة الشعب لهلاكهم."
وكانت هذه هي الجملة الوحيدة التي نطق بها الوليد منذ دخل متعجبًا، سماح ملوك بمثل مكانتهم لبعض العامة بالمرور هكذا بكل بساطة، بينما صعلوك لا قيمة له كأنمار يعين على غرفته حراس وجيوش.
ونسي أن الأمن والسلام نابع من عدلهم، فلا هم اذوا شعوبهم ليخشون غدرهم، ولا هم ظلموهم ليخافوا تقلبهم.
تحرك نزار بسرعة بين الطرقات بسرعة ولهفة وهو يبحث عنه بعيونه، يتمنى من أعماق قلبه أن يبصره ولو قبيل الصدفة، وخلفه الوليد متعجب نظراته تلك:
"لا اعتقد أن الأميرة قد تسير بين الطرقات في هذه اللحظة، لا بد أنها الآن مع والدها في غرفته."
ونزار في هذه اللحظة لم يكن حاضرًا لا بعقله أو بجسده حتى مع حديث الوليد، بل كان كله يسير جواره ويسمع صوته الذي اشتاق له بقوة.
خرجت همسته مذبوحة موجوعة وقد سقطت دموعه دون شعور:
"أبـــي....."
ضيق الوليد ما بين حاجبيه بعدم فهم، يحرك عيونه بهدوء شديد صوب الجهة التي ينظر لها، ليبصر الملك آزار يتحدث مع سالار ببسمة واسعة وهو يربت على كتفه بحنان شديد.
آزار والذي كان نسخة كبيرة من نزار...
"أنت تشبه والدك بشدة."
ابتسم نزار بوجع:
"ليتني كنت مثله، ليتني..."
كان يراقبه بشوق مضني وقد شعر في هذه اللحظة أنه على استعداد للتضحية بنفسه وتسليم ذاته لوالده يحكم ما يشاء عليه، لكن قبلها يضمه مرة أخيرة، مرة واحدة فقط يتمتع بدفء أحضانه، ومن ثم يترك له حرية تحديد مصيره.
زادت دموعه وهو يتحرك دون وعي صوب والده وقد بدأ ينفذ أفكاره، يراقبه يحتضن سالار بحب شديد، ليشعر قلبه بغيرة كبيرة ووجع مطالبًا بحضن مثله.
ومن شدة شوقه لم يشعر سوى بنفسه يهتف بحرقه وقهر:
"أبــــــي."
لكن ما كاد يتحرك خطوة واحدة حتى شعر بيد تجذبه بسرعة كبيرة وصوت الوليد يهتف بصدمة وهو يتوارى به خوفًا خلف إحدى الأشجار:
"هل جننت نزار؟ يا ويلي هل تلقي بنفسك للتهلكة؟"
"تنهي حياتك بنفسك يا غبي؟"
نظر له نزار موجوعًا يحاول جذب مرفقه من بين أنامله هامسًا بصوت باكٍ:
"دعني وليد، أي حياة تلك؟ لا حياة أحياها؟ هل تسمي ما أحياه الآن حياة!؟ تراهات، دعني اذهب لأبي، لقد اكتفيت، دعه ينفذ بي ما يراه مناسبًا من الأحكام على الأقل سأقضي المتبقي من عمري جواره بدلًا من قضائه هاربًا جبانًا."
نظر له الوليد بصدمة، يشعر بالعجز يلوح في نظرات نزار، وقد بدأ الخطر يدق ناقوسه داخل عقله ليستعمل البطاقة الأخيرة:
"وماذا عنها؟ ألم تعد الأميرة توبة أن تنتقم لها من أنمار؟ هل تخذلها؟"
همس نزار بلا شعور وهو يحدق به حزينًا:
"توبة؟"
ويبدو أن مجرد نطق اسمها أعطى قلبه بطاقة خضراء ليبدأ بالخفقان، وقد استغل الوليد هذا الشرود وهو يجذبه بعيدًا يهمس بصوت منخفض:
"دعنا نذهب من هنا بحثًا عنها نزار.."
وبالفعل تحرك معه نزار بحثًا عن توبة، تاركًا جسده وروحه تطوف جوار والده.
أما عن آزار فبمجرد أن سمع تلك الكلمة التي رنت في المكان حتى انتفض بعيدًا عن أحضان سالار بقوة يهمس بصوت ملتاع وهو يتلفت حوله بجنون:
"هل...هل سمعت هذا الصوت؟"
نظرت له سالار يدعي عدم الفهم وقد تيقظت حواسه بأكملها ينظر حوله بأعين مدققة:
"صوت؟ أي صوت جلالتك؟"
"هذا الصوت سالار، لقد كان...."
فجأة توقف عن الحديث مدركًا أنه ربما تخيل لشدة شوقه لولده، لذا نظر حوله ثواني، ثم ربت على كتف سالار ببسمة باهتة:
"لا شيء يا بني، فقط دعنا نلحق بالجميع في الداخل لننتهي من هذا."
هز له سالار رأسه يراقبه يتحرك أمامه، ثم نظر حوله نظرة أخيرة ومن ثم تحرك بعدها بهدوء، يفكر في الصوت الذي سمعه.
"يا ابنتي فقط عودي لغرفتك ولا ترهقي نفسك، لا يجوز ما تفعلينه، فأنتِ الآن اصبحتي زوجة القائد ولستِ عاملة هنا."
تركت فاطمة ما تفعل وهي تنظر صوب ألطاف بعدم فهم:
"وماذا في ذلك يا خالة؟ وهل حُرم العمل على زوجة القائد؟"
"لم يكن هذا ما قصدته، لكن يا ابنتي لا يجوز هذا، أنتِ فقط عليكِ الجلوس وأخذ قسط من الراحة فما يزال جسدك مرهق مما مر به."
أمسكت فاطمة الخضار أمامها تقطعه بهدوء وهي تركز على القطع الصغيرة التي ينتجها تلاحم السكين مع الخضار:
"لهذا بالتحديد أود العمل يا خالة، لا أريد تذكر ما حدث، لعل العمل ينسيني ما حدث."
هزت ألطاف رأسها بشفقة، وهي تراقب فاطمة تقطع الخضروات بشرود كبير، قبل أن تهتف فجأة وبلا مقدمات:
"هل تدركين ما يحب المعتصم يا خالة؟"
نظرت لها ألطاف ببسمة حنونة:
"وهل تنتوين طبخ ما يحبه؟"
"أوليس هذا ما يفعله الأزواج يا خالة؟"
ختمت حديثها وهي تحدق بعيون ألطاف بخجل، بينما الأخيرة ابتسمت بسمة واسعة تهز رأسها بنعم:
"نعم عزيزتي، لكن اعتذر منكِ لا أعرف بالتحديد ما يحب زوجك، لذا لِمَ لا تسألينه بنفسك؟"
نظرت لها فاطمة ثواني وكأنها تفكر في الأمر، قبل أن تتحرك بسرعة صوب ساحة القتال حيث يجب أن تجد المعتصم تحت نظرات ألطاف المبتسمة.
وفاطمة فقط سارت في الممرات تحاول ترتيب ثوبها وحجابها بسرعة كبيرة، ثم تحركت صوب الساحة الخلفية الخاصة بالقتال والتدريبات والتي يشرف عليها المعتصم بنفسه.
"سيدي المعتصم.."
ولا لم تكن هي المنادي هذه المرة، بل امرأة أخرى، تنادي زوجها، على الأقل امرأة أشد احترامًا منها تضع لقبه قبل إستخدام اسمه، وهذا ما تقدره لها فاطمة وبشدة، لكنها وحتمًا لا تقدر لها إيقاف زوجها في منتصف أحد الممرات وهي تحمل سلة خضراوات وفاكهة تنظر أرضًا تهتف بصوت منخفض بضعة كلمات لم تصل لفاطمة، لكنها تكاد تخمن محتوى كلماتها خاصة مع احمرار وجنتيها.
الفتاة كانت مفتونة بالمعتصم وكيف لا تكون وهو... المعتصم؟
ابتسمت فاطمة بسمة موجوعة وهي تراقب الفتاة تحاول أن تخفي نظراتها الهائمة بزوجها أثناء الحديث معه، في حين أن المعتصم كان ينأى بنظراته عنها يحاول الإفلات منها.
وفي هذه اللحظة لم يأتي في عقلها سوى أن المعتصم يليق به أن يتزوج بفتاة كتلك الفتاة، مشرقة بلا شوائب، جميلة ومثالية تصلح زوجة للقائد.
ويبدو أن ذلك الرأي لم يكن رأيها وحدها، إذ سمعت صوت بعض الفتيات على مقربة منها يتحدثن عن كم تليق رفيقتهم أن تكون زوجة القائد. "يا الله تبدو جميلة رفقته، عسى الله أن يوفقها ويكتب لهما الخير سويًا."
نظرت لها فاطمة بحسرة، ولولا قلبها الذي كان يطالبها بالأنتفاضة والذهاب للمطالبة بحقها في زوجها، لكانت أمنت على حديثها.
ثواني حتى أبصرت المعتصم يبتعد عن الفتاة بسرعة يكمل طريقه بهدوء شديد وتبدو ملامحه جامدة بشكل غريب.
بينما الفتاة ظلت واقفة تراقبه بانبهار وسعادة، قبل أن تستدير صوب رفيقاتها ببسمة واسعة وكأنها أحرزت نصرًا مستحيلًا للتو، تركض صوبهن تعانقهن بسعادة كبيرة وهي تردد بصوت متلهف:
"يا الله لقد تحدثت معه، قلبي يكاد يتوقف من السعادة لقد كان... كان مبهرًا ذلك الرجل سيقتلني يومًا ما."
ابتسمت لها رفيقتها وهي تتحدث بسعادة لأجلها:
"حبيبتي عسى أن يكتب الله لكِ السعادة برفقته."
"اللهم آمين، هذه دعوتي كل صلاة، لا استطيع وصف كم أن هذا الرجل هو رجل أحلامي."
غمزت لها الثالثة تشاكسها:
"حبيبتي هو رجل أحلام الجميع هنا، والذكية هي من تظفر به لنفسها، لذا احرصي أن تكوني أنتِ هي الفتاة تلك و..."
"لا لن تكون."
وقد كانت تلك هي الكلمة الوحيدة التي نطقت بها فاطمة دون إرادتها، وكأن عقلها انتفض يثور غاضبًا على صمتها وهن يتغزلن بزوجها أمام عيونها وعلى مسامعها.
إذ كادت تفر باكية، لكن فجأة توقفت تهتف باندفاع تلك الجملة وبملامح غاضبة.
كلمة قالتها وشُلّ لسانها من بعدها وهي ترى نظرات الثلاث فتيات المصدومات لها، لتشعر بالعجز عن الرد تحت نظراتهم وقد بدأ جسدها يرتعش وهي تعود للخلف تحاول إيجاد أي تبرير على كلمتها، لكن كل ما فعلته هو أنها رفعت رأسها لهن بكبرياء لا تدري من أين احضرته، وفجأة دون مقدمات ركضت بسرعة بعيدًا عنهم تحت أعين الفتيات المصدومات بها.
"من هذه الفتاة الغريبة؟"
"لا أدري، ربما كانت إحدى المنافسات على قلب القائد فاحذري عزيزتي ...."
أما عن فاطمة فأخذت تركض وهي ترتعش من هول ما حدث وبمجرد أن وصلت لمكان منعزل عن الجميع حتى أخذت تتنفس بعنف وعي تنظر خلفها خشية أن يكون أحد يتبعها، لكن وفي ثواني أطلقت صرخة رن صداها في المكان بأكمله وانقطعت داخل صدر المعتصم الذي بمجرد توقفها عن الركض حتى اقترب منها يضمها بسرعة مرتعبًا أن يكون قد حدث مكروهًا لها، يربت عليها بحنان:
"اهدئي فاطمة، هذا أنا المعتصم حبيبتي، ما بكِ؟ ناديتكِ كثيرًا ولم تتوقفي، هل حدث لكِ شيئًا؟"
نظرت له فاطمة بوجه شاحب وانفاس سريعة، وهو فقط يتحدث لها بحنان ويده تجفف عرقها بقلق وصوته خرج قلقًا أكثر حينما رأى نظراتها الزائغة في وجهه:
"فاطمة صغيرتي ما بكِ؟ رجاءً لا تقلقيني عليكِ أنا لسـ..."
وقبل حتى أن يتم جملته قطعت فاطمة كلمته وهي تلقي نفسها بين أحضانه بسرعة كبيرة تضمه لها بقوة وكأنها تخشى أن يتسرب من بين أحضانها لأحضان أخرى أحق منها به.
أما عن المعتصم فقد كان في هذه اللحظة في عالم آخر بعيد وردي، فاطمة الصغيرة والتي كانت تصرخ موبخة إياه كلما امسك يدها حتى، اقتربت منه وعانقته دون مقدمات، ابتسم بعدم تصديق وهو مفتوح الأعين يحاول أن يستوعب ما يحدث، وحينما شعر أن السحر زال عن زوجته وكادت تبتعد عن أحضانه، حتى رفع يده بسرعة يضمها أكثر يبقيها داخل أحضانه مبتسمًا منتشيًا:
"لا اعلم ما حدث لكنني اشكر أيًا كان الذي تسبب في هذا لأصل للحظة النعيم هذه."
وفاطمة ذابت من الخجل داخل أحضانه ولم تكد تقاومه حتى تذكرت كلمات الفتاة ورفيقاتها، لتشدد من احتضانه وهي تقول بصوت خافت:
"متى تعلن للجميع أنك زوجي يا المعتصم؟"
عقد المعتصم حاجبيه بعدم وهو يبتعد عنها قليلًا ينظر في وجهها يحاول معرفة ما حدث لتفكر في تلك النقطة:
"هل هناك ما حدث واجهله؟"
"لا...لا...لا لم يحدث شيء، لكن ألا تنتوي إعلام الجميع أنني زوجتك وأنك زوجي أنا فقط؟"
رفع حاجبه ثواني قبل أن ينبث بصوت منخفض وكأنه يفكر بصوت:
"هل رأيتي ما حدث منذ دقائق؟"
"وما الذي حدث يا ترى يا المعتصم؟"
اتسعت بسمة المعتصم وبقوة حينما سمع كلماتها وقد أخذ قلبه يرفرف حينما التقط ذبذبات الغيرة في حديثها، يسعده أن يعرف أن زوجته تغار عليه يقترب منها مضيقًا عيونه بتفكير:
"لا شيء عزيزتي، واليوم إن أردتي سأشهر زواجنا في المسجد كي يعلم الجميع أن هناك امرأة واحدة فقط في حياة المعتصم وهذه المرأة تُسمى فاطمة، وقد اكتفى بها عن النساء أجمعين........."
ضجت القاعة بضحكات إيفان الذي كاد يسقط عن مقعده لشدة ضحكاته، وارسلان فقط يراقبه بأعين جامدة وهو يستند بظهره على المقعد يضم يديه لصدره ينتظر أن يفرغ من ضحكاته، بينما آزار يراقب ما يحدث مبتسمًا بسمة واسعة وسالار يتابع الحديث بحماس.
وبعد دقائق طويلة قضاها إيفان في الضحك، واخيرًا توقف يردد من بين أنفاسه بصعوبة:
"سجنت أخ زوجتك فقط لأنه عانقها، إذن من المفترض أن أأمر بإعدامك رميًا بالحجارة على ما تفعله معي أيها النذل."
ابتسم أرسلان بسمة جانبية وهو يردد بصوت جامد:
"أولًا لم أكن أدرك أنه أخوها، ثانيًا لا أنت ولا جيش من امثالك تستطيعون رفع إصبعًا في وجهي إيفان، لا أحد يستطيع وأنت تدرك."
غامت عيون إيفان بخبث وهو يرفع كوب الماء أمام وجهه يتحدث بهدوء شديد:
"على حد علمي أن سالار فعل في مواجهته الأخيرة معك، أليس كذلك سالار؟"
ابتسم سالار أكثر وهو ينظر صوب أرسلان الذي اشتعل وجهه بالغضب وهو يضرب الطاولة صارخًا بغيظ شديد:
"كان هذا بإرادتي أيها الوغد."
ألتفت صوب سالار بسرعة وهو ينتفض عن مقعده متحركًا صوب سالار بسرعة يجذبه عن مقعده بإصرار شديد:
"هيا انهض أيها الواشي، سنعيد القتال الآن ولنر لمن النصر؟! هيا انهض معي."
لم يستطع سالار التحدث كلمة واحدة بسبب ضحكاته، يحاول إبعاد يده بصعوبة عنه، وقد فشل في إخراج كلمة لشدة ضحكاته على مظهر أرسلان.
وايفان يشاركه الضحك وقد نهض يحاول إبعاده عن سالار:
"توقف أيها المختل، دعنا نتحدث فيما جئنا لأجله، ومن ثم حقق النصر كما تريد."
نظر له أرسلان بشر:
"في البداية انتصر على ذلك الواشي ذو الشعر الأحمر كثير الحديث، ومن ثم لنا حديث آخر."
زفر آزار وهو يضرب على الطاولة بضيق:
"توقفوا عن هذا وانتبهوا لننتهي مما يحدث، لم نأت هنا لتحصد انتصاراتك الضائعة أرسلان، كانت مرة وخسرتها وانتهينا، اعترف بخسارتك مرة واحدة على الأقل."
نظر له أرسلان بشر مشيرًا على عيونه بتحفز متوعدًا:
"تم وضعك على القائمة أيها العجوز."
نهض آزار وقد اشتعلت عيونه مرددًا بصوت مرتفع غاضب:
"هذا العجوز هو والدك، هل تود أن ترى ما يمكنه ذلك العجوز أن يفعل؟ هيا تعال وجرب."
وسريعًا انتقل القتال من سالار وأرسلان إلى أرسلان وآزار، وذلك كان أشد وطأة، فقد كان الأمر كما لو أنك تتقاتل مع نسخة تشبهك بالعناد والجنون.
"أخشى أن أخبرك نعم أود أن أرى فاسمع صوت طقطقات عظامك البالية جد آزار."
وقبل أن يجن جنون آزار، نهض سالار سريعًا يمسك رأسه يقبلها وهو يردد مبعدًا إياه عن وجه أرسلان:
"تجاهله يا خال هذا أرسلان، بالله عليك أي عاقل يجادل أرسلان؟"
ابتسم أرسلان لآزار مستفزًا، لينتفض آزار بين يدي سالار يود الهجوم عليه لولا صوت إيفان هو يقف في المنتصف:
"فقط توقفوا رجاءً ولنتحدث فيما اجتمعنا لأجله، وأنت أرسلان توقف عن تصرفاتك تلك وانضج، لقد أصبحت زوجًا وغدًا تكون أب، أنت لا ترضى لأبنائك أن يكونوا مثلك صحيح؟"
تشنجت ملامح أرسلان بغيظ شديد قبل أن يهدأ ويبتسم بسمة واسعة:
"في الحقيقة أنا أقبل على صغاري أي شيء عدا أن يكونوا مثلك إيفان."
نظر له إيفان بشر ليزفر سالار وهو يفصل بينهما يشير على المقعد:
"هيا كلٌ لمقعده رجاءً، دعونا نتحدث بجدية فالوضع لا يحتمل مزاحًا أو لهوًا."
وبالفعل تحرك كلٌ لمقعده بهدوء شديد ودون نقاش، لكن بالطبع لم يكن ذلك بسبب كلمات سالار والتي يتجاهلونها في العادة، بل كان لأجل إعلان الحارس قدوم الأميرة توبة للقاعة.
في ثواني انمحت المشاكسة والعبث والاستفزاز عن الأوجه وارتسم على ملامحهم الجدية والهدوء الشديد.
والتفتت جميع الأوجه صوب باب الدخول يبصرون تقدم الأميرة توبة بهدوء شديد وبخطوات متمهلة رقيقة، وقد تُرك باب القاعة مفتوحًا مع بقاء الحرس في الخارج على مسافة مناسبة.
وحينما توقفت أمام الجميع أمسكت طرف ثوبها في تحية معهودة منها، تبتسم بسمة شاحبة وبصوت خافت لشدة بكائها سابقًا رحبت:
"السلام عليكم جميعًا.."
ردد الجميع السلام محركين رؤوسهم بتحية منهم، وقد نهض الجميع باحترام شديد يشير لها الملك آزار على المقعد المجاور له:
"اجلسي يا ابنتي لنتحدث."
هزت له رأسها وهي تتهادى صوب المقعد بهدوء معهود منها تحت أعين أرسلان الذي استحضر في هذه اللحظات مشية سلمى القوية وهي تقتحم القاعة وكأنها تتجهز لشن حرب على من بها، ولا يدري السبب لكن تذكرها بهذه الهيئة الشرسة جلبت بسمة على فمه.
"معذرة إن كنت قد تأخرت عليكم."
نفى الجميع برأسه ردًا على اعتذارها الهادئ، ليهتف آزار بجدية كبيرة:
"لا بأس يا ابنتي، اتمنى أن جميع امورك هنا بخير."
هزت رأسها وهي ما تزال تمتلك مشكلة في النظر لوجهه دون أن تبصر ملامح أخرى شبيهة أكثر شبابية منه بعض الشيء:
"الحمدلله يا عم كل شيء بخير."
تنهد أرسلان وهو يتدخل في الحديث يعرض مقدمة لما سيحدث معهم خلال الفترة المقبلة:
"لا يخفى عنكِ سمو الأميرة أن جميع شؤون سبز قد آلت وبشكل كامل إلى الملك آزار لحين عودة الملك بارق لنا بخير وعافية."
هزت رأسها وهي تخفضها بهدوء متجنبة النظر في وجهه، تكبت دموعها وحسرتها قدر الإمكان، بينما أرسلان استرسل في كلماته الهادئة يدرك ما تمر به في هذه اللحظة، لكنه في الحقيقة لا يمتلك وسيلة يخفف بها عنها سوى بضعة عهود بمستقبل أفضل لربما تساعدها في القادم.
"لكن ولأن الملك آزار من الأساس يتولى بالفعل حكم آبى، لذا فإن حكم سبز سيؤول بشكل غير مباشر لأحد مستشاري والدك وبإشراف مباشر من الملك آزار."
رفعت عيونها وأخيرًا له تنظر له باعتراض على ما نطق به وقد خرجت نبرتها حادة دون أن تشعر وكأنها تصرخ في وجهه تضرب الطاولة بغضب شديد:
"لكن... سبق وحدث ذلك والنتيجة كما ترى أنت، دمار وخراب ومصائب لا نهاية لها، من يضمن لي أن هذا الرجل لا يطمع كذلك في الحكم."
رفع أرسلان حاجبه وقد بدأ الضيق يرتسم واضحًا على ملامحه، إذ كان اسوء ما يفعله أحدهم أن يصرخ في وجهه ويتحدث له بطريقة سيئة، لكن في النهاية هو ليس غبيًا ليتجاهل ما مرت به وما عاشته والذي نتج عنه قلة ثقة بمن يحيطها، لذا رسم ابتسامة مقتضبة وهو يضم قبضته أمامه:
"المرة الأولى لم يكن الأمر باختيارنا كما تعلمين، بل زوجك هو من..."
"لقد طلقني... لم يعد زوجي ولا يسرني أن تربطني معه في الحديث جلالة الملك."
ضغط أرسلان على كلماته بقوة وكأنه يرسل لها تحذيرات خفية ألا تتجاوز حدودها معه مرة أخرى:
"المرة السابقة ذلك الانمار عديم الرجولة هو من نصب نفسه ملكًا، ولم أرى اعتراضًا من جهتك، أو حتى توجهتي لاحدنا بشكوى كي نتدخل، وأعتقد أن مكانتك كأميرة تجعلك على دراية واسعة بشأن عقوبة تدخل ملك في شؤون دولة ثانية دون إذن أو طلب رسمي، لذا لا تأتي الآن وتوجهي لي الاتهامات وكأنني كنت المسؤول عن الدمار هنا... سمو الأميرة."
شحبت ملامح توبة وشعرت فجأة أن حسرتها ولهفتها أعموها عن رؤية ما يحدث أمامها ومع من تتحدث، بُهتت وهي تتراجع تحاول إيجاد مبرر عن الهجوم الذي شنته على أرسلان منذ ثواني، ليأتي لها طوق النجاة من طرف إيفان والذي تدخل فورًا يرمم ما قيل وقد أخطأ منذ البداية حين ترك الحديث بيد أرسلان، فلا أرسلان أو سالار يمتلكون أي وسيلة للحديث الراقي مع امرأة.
"معذرة منك أرسلان، لكن دعني أوضح الأمر أكثر لسمو الأميرة."
نظر له أرسلان يهز كتفه بهدوء دون اهتمام يعود المقعد بظهره يضم ذراعيه لصدره بهدوء، وهو يراقب الجميع بعيونه، بينما سالار كان يشاهد ما يحدث بهدوء مماثل لهدوء أرسلان.
"سمو الأميرة الآن سبز ستكون تحت قيادة الملك آزار، لكن ولأن الملك يمتلك مسؤوليات كثيرة بالفعل في آبى فقد عيّن أحد القادة لينوب عنه في حكم سبز حتى عودة الملك بارق، وذلك القائد هو أحد مستشاري والدك الذين كان يأمن لهم بكل شيء، وحتى إن لم يكن فهو سيكون تحت أعين الملك آزار، وبالطبع هذا لا يلغي دورك كأميرة في القصر هنا، فأمور القصر والاهتمام بشؤون العاملات، ستكون بين يديكِ كما كانت سابقًا، لكن المملكة ستكون بيد الملك آزار ومن بعده المستشار الخاص بوالدك، اعتقد أن الأمور واضحة الآن."
ختم حديثه وهو ينظر صوب توبة التي هزت رأسها بهدوء وقد كانت ملامحها ما تزال شاحبة، ما رأته لم يكن هينًا البتة، تهمس بصوت منخفض:
"وأبي هل سنتركه هكذا جلالة الملك، لا اعتقد أن أنمار كان يعالجه أو يهتم بالأمر سابقًا."
"لا تقلقي سوف أعين افضل أطباء الممالك ليتولوا أمر علاجه من مرضه و...."
قاطع حديث آزار صوت توبة وهي تهمس بنبرة متقطعة موجوعة:
"ليس مرضًا أبي لم يكن يعاني من شيء خطير، كل ذلك بسبب ذلك الحقير أنمار، لقد سمم أبي، وضع له في طعامه سمًا هو من تسبب له في كل ذلك."
فجأة وبمجرد أن ختمت كلماتها انتفض جسدها برعب وهي تسمع صوت ضربة عنيفة على الطاولة وصوت صرخات آزار يرتفع بجنون:
"والله كنت أعلم، ذلك الخسيس له يد بالأمر، كنت أعلم."
نظر سالار صوب الجميع وهو يهتف بجدية:
"نحتاج لمعرفة نوع السم الذي وضعه للملك كي نعالجه."
صمت الجميع وقد على العجز ملامح البعض منهم، فتحديد نوع السم وعلاجه يحتاج لوقت طويل وأطباء ماهرين.
ضغط آزار على كفه بقوة وهو يهتف بكلمة واحدة بقهر وحرقة:
"نزار..."
توقف قلبها عن الخفقان ثواني تستدير صوب آزار بسرعة ولهفة تبحث حولها عن وجهه ظنًا أن الملك أبصر في الجوار، لكن خاب رجائها وهي تسمع صوته يكمل:
"ذلك الوغد نزار هو من يستطيع المساعدة، لقد...."
ختم حديثه وهو يضرب الكوب أمامه بعنف وغضب، ومن ثم دفن وجهه بين يديه يصيح بصوت مرتفع وضيق وقد شعر بالاختناق، كل شيء يتجمع حوله، كل شيء يتآمر ضده.
بلل شفتيه يكمل بصوت خافت لكنه كان واضحًا للجميع:
"نزار هو افضل من يمكنه المساعدة في أي أمر متعلق بعلم السموم وعلاجها، لقد كان يدرس كل ذلك، وأكاد أجزم أن ذلك السم من صنعه فلا سم في هذه المملكة إلا وكان هو من صنعه أو بدأه اولًا، ربما هو من صنعه وبطريقة ما وصل ليد ذلك الحقير."
أغلقت توبة عيونها وهي تضغط باظافرها تناجيه داخلها، والحسرة تملئ صدرها، علاج والدها كان أمام عيونها طوال الوقت ولم تعلم.
تأوهت تتحدث بصوت خافت:
"أين أنت نزار؟؟"
"دعنا نرحل نزار لقد تأخر الوقت ولم نعثر عليها وما هي إلا دقائق وسنقع بين أيديهم، ارجوك دعنا نرحل قبل أن يمسك أحدهم بنا."
أبعد نزار عيونه عن الطريق ينتظر أن يلمحها بالخطأ حتى، لكن لا شيء منذ جاء، لم يلمح حتى إشارة واحدة على وجودها، وسؤال داخله يلح عليه، لكنه يرفض الإجابة عليه. "وما يعنيك برؤيتها نزار؟! لِمَ تصر على الأمر بهذا الشكل؟!"
جذب طرف ثوبه بجسده يرجو منه دفئًا إضافيًا، ثم أردف بيأس:
"هل أنت متأكد من وجودها في المملكة حتى؟"
زفر الوليد بضيق وقد شعر أن مركزه كمقاتل تغير وأصبح مرافق للعشاق:
"نعم هذا ما سمعته في الأسواق أن الأميرة توبة في البلاد وقد عادت للمملكة."
"إذن لماذا لم تظهر حتى الآن؟؟ هل يعقل أنها معتكفة في جناحها؟!"
"ربما تحتاج بعض الوقت لترمم جروحها أنت أكثر من يدري ما قابلته في ذلك المكان."
نعم ومن غيره يفعل، تنهد بحنق وقد سأم ونفذ صبره:
"حسنًا لقد مللت الانتظار هنا."
"نعم جيد أنك أدركت أن ما يحدث مضيعة للوقت، دعنا نرحل بعيدًا عن المكان و....."
قاطعه نزار ببسمة صغيرة:
"سأذهب للأنتظار جوار غرفتها أفضل."
ختم حديثه يتحرك بسرعة وبخطوات مدروسة صوب الجهة الخاصة بغرف العائلة الحاكمة، يشكر ولأول مرة مكانته كولي عهد سابق، وكابن الملك المقرب للملك بارق، والذي سمح له بمعرفة كل بلاطة داخل قلعة سبز أكثر من أي مكان آخر وقد كثرت زياراته مع والده لهم.
"العجب كل العجب أنني يومًا لم امنح لنفسي فرصة التفكير فيها ولو من باب الفضول، الحياة غريبة بكل ما فيها، البارحة كانت أمام عيوني دون أن اهتم حتى بالقاء نظرة عليها، واليوم احترق لأجل أن ألمح طيفها فقط، آهٍ من الحياة وما تفعله بنا."
"أنت لن تملي عليّ حديثك إيفان، ملكٌ على شعبك ومملكتك وليس عليّ يا رفيق، بلادي اسيرها كيفما أحدد أنا، وجيشي يتحرك حيثما آمره."
نفخ إيفان بضيق وهو يرمق أرسلان بضيق، بينما الأخير ابتسم له بسمة صغيرة يتحدث بهدوء:
"ذلك الجحر ومن به يخصونني أكثر من الجميع، لذا من سيكون له شرف دكه هو أنا ورجالي إيفان وأنت تدرك الأمر جيدًا، لا أحد هنا تضرر منهم بقدري وبقدر شعبي."
تحدث إيفان بنبرة هادئة كعادته:
"ومن اعترض أرسلان؟ اعتراضي الوحيد هنا هو على طريقتك والتي تعتمد على العنف دون أي نقاش معهم أو حتى محاولة لفهم ما يدور حولك."
وكانت إجابة أرسلان سلسلة بسيطة ومحددة:
"لا اناقش البغال _ اعاذكم الله _، والله لن تجمعني طاولة نقاش مع ذلك الخنزير لطالما هناك أنفاس بصدري إيفان، نناقش من ونتحدث مع من؟"
"ومن أخبرك أنني اقصد أنمار بحديثي، ذلك الوسخ لن يخاطب لساني لسانه ما حييت، ما عنيته هو الرجال الذين أنضموا له، هؤلاء نفوسهم ما تزال مذبذبة ومن السهل أن يميلوا لنا مرة أخرى."
ضرب أرسلان على الطاولة بقوة وهو يصيح بكل غضب يمتلكه:
"من أختار الضلال طريقًا فلا رجعة له عنه إيفان، أنت تحاول مع أشخاص سبق وباعوا حياتهم للشيطان، لا حاجة لبلادنا ولا للإسلام بأمثال هؤلاء الخونة."
يدرك إيفان أنه محق، لكنه يود وحتى اللحظة الأخيرة أن يحاول اصلاحًا، لربما يهتدي أحدهم، ورغم استحالة الأمر، إلا أنه كان يسير مع الأمل حتى نهاية الطريق.
"لكن أرسلان سبق وحدث يا أخي الكثير من الصحابة كان قبل إسلامهم عونًا للكفار قبل أن يهديهم الله، وايضًا لا تنسى أن بعض رجال سفيد الأشداء كانوا سابقًا في ضلال قبل أن يهديهم الله."
شعر سالار في هذه اللحظة أن النقاش بين الإثنين بدأ يحتدم، لذا تدخل بهدوء وهو يقطع الحديث بينهم:
"كلاكما محق، إيفان محق في قوله أن البعض ربما يكونون على استعداد للعودة، لكنهم مرتابين من الرجوع خطوة، وكذلك أرسلان محق فالبعض الآخر بيعت أرواحهم الشيطان بلا رجعة، والحل في ذلك بسيط، نمنحهم حرية الاختيار إما الاستسلام أو القتال، وإن اختاروا الاستسلام حينها يمكن لإيفان تولي أمر اختبار نفوسهم ولا أعتقد أن هناك من هو افضل منه في ذلك."
ختم حديثه يشير صوب إيفان الذي هدأ يهز رأسه موافقًا، ومن ثم أشار صوب أرسلان يكمل حديثه:
"وإن اختاروا الحرب وسيلة حينها لا أرى عقابًا افضل من تسليمهم لأرسلان."
اتسعت بسمة أرسلان بقوة وقد أعجبته هذه الفكرة والنيران داخل صدره مشتعلة، قصاصه لم يؤخذ بعد، ليس قبل أن يطهر الأرض من آخر شخصٍ منهم.
كل ذلك كان يحدث أسفل عيون توبة التي تتابع ولأول مرة عن قرب اجتماع لهم تلاحظ تباين الآراء والشخصيات، فقد كان إيفان يمثل صوت العقل والرزانة، وارسلان يمثل وبكل وضوح صوت المنطق والقوة، وسالار كان كالميزان يحايد الأمور وينسقها، أما عن آزار فقد كان يتابع بهدوء دون تدخل إلا إذا احتدم الأمر وبشدة، لكنها تستطيع الرؤية أنه يميل وبكل صراحة صوب رأي أرسلان.
واخيرًا انتهى ذلك الاجتماع وتحررت توبة من تلك الجلسة التي شعرتها خانقة قاتلة لها، لم تعتد يومًا على الجلوس بين جماعة من الرجال والتحدث عن القتل والحروب بكل بساطة وكأنهم يتناقشون في نوع الوجبات المفضلة.
حركت يديها أمام وجهها وهي تتوجه دون كلمة واحدة صوب غرفتها وقد نفذ كل مخزون صبرها وتحملها، حياة الرجال عن قرب اتضح أنها مقيتة لنفسها بعض الشيء، كان الله في عونهم لتحمل مثل هذه الحياة.
ولا تدري توبة أن البعض كأرسلان وآزار يستمتعون بمثل هذه الأمور.
وعلى نقيض آخر.
خرج أرسلان يتحرك مع الجميع في الممرات وهو يتحدث لهم بجدية حول ما سيحدث:
"اعتقد أن جميع الأمور فيما يخص سبز قد تم توضيحها بالفعل، لذا سأغادر اليوم لمشكى إن لم يكن هناك ما يحتاج تواجدي."
تنهد إيفان وهو يفرك خصلات شعره بتعب شديد:
"لا اعتقد أن بقاء أيٍ منا أضحى ضروريًا فقط الملك آزار سيبقى لتفقد الأوضاع عن قرب والتأكد من استحقاقية المستشار للتصرف في أمور البلاد بشكل أفضل."
هز له آزار رأسه، لا يسوءه أن يقضي وقتًا أطول في محاولة منه لتصحيح مسار حياة شعب رفيقه.
أما عن سالار فقد كان يسير هادئًا لا يبدي ردة فعل أو رأي طالما لم يحتج الأمر لتدخله، هو فقط ينتظر أن يعلن إيفان رحيلهم كي يعود لزوجته يطمئن بوجودها بعد كل تلك الأيام بعيدًا عنها.
ومن بين افكار الجميع المتقاذفة ظهرت هي، الجزء اللين الوحيد في حياة أرسلان القاسية، والذي كان في هذا الوقت يسير بملامح مشتدة ووجه جامد وكل أفكاره تدور حول ما حدث وما سيحدث.
وفي ثواني...
كانت ثواني فقط تبدلت ملامح أرسلان للهدوء وأخفى كل معالم الغضب وخفتت نيران عيونه وزاد من خطواته صوبها يراها تقف على جانب الممر تراقب الحدائق بملامح منبهرة وعيون ملتمعة جعلت عيونه تلتمع بالمثل وهو يهتف بصوت منخفض:
"جلالة الملكة.."
استدارت سلمى بسرعة صوب الصوت مبتسمة بسمة واسعة تلتقي بها أرسلان، ثم أشارت صوب الحدائق:
"تعال وشاهد هذه الزهرة تبدو... تبدو مذهلة أرسلان."
اقترب أرسلان يراقب ويشاهد ويتأمل مثلها، لكن الفرق الوحيد أنه كان يتأملها هي لا الزهرة، وحينما أدرك بعد ثواني وضعه، أبعد عيونه يتحدث بصوت هادئ:
"تعالي لأعرفك بالجميع واقدمك لهم."
نظرت له ثواني قبل أن تهتف بتفكير وهي تميل برأسها تبصر من يتحدث عنهم:
"أوه بالطبع أنه لشرف لي، لكن أولم اتقابل معهم من قبل حسب اعتقادي!؟"
امسك كفها يقودنا بهدوء صوبها وهو يغطيها تقريبًا يتأكد من حجابها وكل ما يخصها:
"وقتَها كانوا قد قابلوكِ وأنتِ ضيفتي وابنة رائف، الآن سأقدم لهم زوجتي وملكة مشكى سُليمى."
كل ذلك كان تحت نظرات إيفان المصدومة وسالار المستمتع بنظرات إيفان الذي كان يحاول البحث عن رفيق الطفولة وصديقه في ذلك الرجل الحنون الذي يقف هناك.
اتسعت بسمة سلمى وهي تتحرك معه بخجل من كلماته، لكن لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى شعرت بجسدها يكاد يسقط ارضًا لولا يد أرسلان الذي اسندها بسرعة ينظر لها بعدم فهم:
"هل أنتِ بخير؟"
"نعم... لكنك خطوت على رباط حذائي، لذا كدت اسقط."
نظر لها بعدم فهم، لتشير هي للأسفل صوب حذائها العصري ذو اللون الابيض ذو الأربطة السوداء، بينما أرسلان حرك نظراته بين حذائها، ثم إليها مجددًا لتهتف بصوت منخفض:
"فُكت أربطة الحذاء، ثواني سأعيدها و..."
ولم تكد تجلس القرفصاء لتربط رباطها، حتى منعها من ذلك وهو ينزع السيف الخاص به يناوله إياها حتى يُحسن جلوس القرفصاء بشكل جيد، فتسلمته منه متسعة الأعين لا تفهم شيئًا، بينما هو انحنى أمامها يمسك الرباط بين أنامله يحدق فيه بعدم فهم يرفع عيونه لها وقد اشتد احمرار وجه سلمى تنظر له بصدمة، وهو فقط يحدق بها ينتظر أن تخبره ما يفعل:
"كيف افعلها؟"
توترت سلمى وهي تضم سيفه لها تحاول أن تجعله ينهض، تتلمس كتفه بتردد:
"أرسلان لا يمكنك فعل ذلك، رجاءً انهض أنا....."
قاطعها دون الاستماع لها يتحدث بجدية وهو ينظر للرباط بتحدي وكأنه بنظراته تلك سيجبره على الانعقاد دون الحاجة لمجهود من طرفه:
"فقط أخبريني كيف افعلها سلمى، لا افهم شيئًا بهذا."
كل ذلك كان يحدث تحت أعين إيفان الذي كان ما يزال يقف مكانه يحدق فيما يحدث بصدمة كبيرة، وبسمة غير مصدقة مرتسمة على فمه، يحرك عيونه من سالار إلى أرسلان نفسه والذي تحول من إعصار لنسمة ربيع هادئة في لحظات معدودة.
تشنج ملامح إيفان كان واضحًا بشكل مخيف، وسالار يراقبه مبتسمًا بسمة واسعة يستمتع بتلك المشاهد، في حين أن إيفان نظر له بصدمة وهو يشير على أرسلان يحاول الموازنه بين هذه الصورة وبين أرسلان في الداخل والذي كاد يتناولهم جميعًا في غمرة غضبه.
الرجل كان يرفض حتى أن يتنازل في خياله لشخصٍ ما أيا كان هذا الشخص، الأن يجلس منحنيًا أمام زوجته يربت لها الحذاء.
أخذ يهز سالار من كتفه مشيرًا صوب أرسلان بصدمة كبيرة:
"أنه....لقد ....لقد تحول، هذا ليس ....."
صمت ثواني ثم أضاف بتسائل:
"ذكرني... ذكرني سالار ما الذي أخبرك به أرسلان سابقًا حينما أعلمك بعقد قرانه؟"
اتسعت بسمة سالار يتحدث وهو يضم يديه لصدره:
"أخبرني أنه يحترم زوجته ويودها فقط وأن الأمر ليس كما خمنت أنت سابقًا."
أطلق إيفان صوتًا ساخرًا وهو يحرك عيونه صوب أرسلان مجددًا والذي كان ما يزال جالسًا على ركبته يحاول فك معضلة الرباط.
"يودها فقط؟ إذا كان هذا ودّ فقط، فـ ياويلي من حب أرسلان."
أطلق آزار ضحكات خافتة وهو يراقب ما يحدث:
"على قدر الخشونة يكون اللين يا فتى، دع الشاب يعبر عن حبه ... أوه معذرة عن وده لزوجته دون مضايقة منكم."
ابتسم له سالار وهو يراقب أرسلان وما يفعل:
"في الحقيقة لا أتعجب تصرفات أرسلان تجاه زوجته فهو كان يدلل شقيقته وبشدة، ما اتعجبه هو التحول القياسي في شخصيته في وقت أقل من ثواني."
كان إيفان ما يزال يراقب أرسلان متشجنًا لا يهضم ما يحدث وما يراه.
أما عن أرسلان فقد زفر بضيق وقد فشل بشكل مريع في عقد الرباط كما تصف هي، لذا تنهد بصوت مرتفع يرفع رأسه لها مرددًا:
"إذن ما غرض الرباط؟ يمكنني قطعه إن أردتي، معي خنجرًا، أو ربما بيدي أستطيع."
اتسعت عيونها تردد:
"لا هو فقط يعمل على مناسبة الحذاء لقدمي وبدونه قد يخرج الحذاء من قدمي."
هز أرسلان رأسه وقد فهم ما تريده، ومن ثم باشر العمل وفي ثواني كان يلف الرباط ويعقده حول قدمها، ثم نهض مبتسمًا وقد أنجز المطلوب منه وهي فقط تنظر له بعدم فهم، فسر هو ما فعل ببساطة:
"هكذا يؤدي غرضه المرجو منه ولن ينحل مجددًا لا تقلقي، ثم ذكريني لاحقًا أن ابتاع لكِ أحذية على مقاس قدمك دون هذه الأربطة الحمقاء."
ختم حديثه بملامح منكمشة بضيق وكأنه وجد لنفسه عدو آخر للتو، مد يده يمسك يدها بهدوء متحركًا صوب الجميع وهي فقط سارت معه تكبت ضحكة كادت تخرج على ملامحه تهمس له بصوت منخفض:
"وجدت طريقتك الخاصة في عقد الرباط، أظن أنني سأعتمدها لفترة طويلة."
نظر لها يغمز غمزة صغيرة، ثم توقف بها أمام الجميع يعرفها عليهم من جديد وبشكل يناسبه ويناسب مكانتها:
"إذن هذا هو العجوز آزار ملك آبى، وهذا إيفان اللص الوغد الذي أخبرتك عنه سابقًا ملك سفيد وزوج شقيقتي للأسف، وهذا سالار قائد جيوش سفيد."
ختم حديثه تحت نظرات إيفان المبتسم بخبث يهمس له بصوت وصل له واضحًا:
"ستظل خسارتك جوهرتك لصالحي عائقًا لك في حياتك أرسلان."
نظر له الاخير بشر ليبتسم له إيفان باستفزاز، بينما أرسلان تجاهله ثواني قبل أن يعود ويكمل تعريفها على الجميع:
"جميعكم تعرفونها لزوجتي، الملكة سلمى ملكة مشكى."
"هل يمكنك أن تتركني لوجه الله سبحانه وتعالى، والله لقد فعلت ما فشل به الكثيرون وهو اخراج شياطيني التي لم أعلم عن وجودها سوى حينما لمحت وجهك."
توقف خالد في سيره وهو ينظر لزيان من أعلى لاسفل بضيق، ثم أطلق زفرة مرتفعة:
"أنا لا اطالبك بالكثير فقط أخبرني طريق الخروج من هذا المكان وسأتركك، من الأساس أنا لا أحب رفقتك، أنت شخص كئيب."
ابتسم زيان بعدم تصديق:
"أنا شخص كئيب؟ إذن ربما عليك مرافقة الملك أو معتصم لتعلم كيف يكون الشخص كئيبًا، يا فتى أنت الآن تسير مع فاكهة مشكى بأكملها، عليك بحمد ربك أن المسؤول عن تعريفك على القصر هو أنا وللاسف الشديد."
ختم حديثه يكمل طريقه بين الطرقات وقد أوكل له الملك مهمة مساعدة الوافد الجديد في التأقلم على القصر قبل أن يعود هو ويتولى تدريبه وتأهيله بنفسه.
"إذن أنت لن تخبرني كيف اخرج من هنا زين؟"
توقفت أقدام زيان عن السير وهو ينفجر في وجه خالد بجنون:
"من زين هذا؟ أُدعى زيان، هناك حرف ألف بعد الحرف الثاني لذا لا تخرجني عن طور هدوئي، استغفر الله."
سار وهو يتمتم بضيق شديد:
"والله هذا ذنب المعتصم وما فعلته به وباسمه، الله يقتص له مني."
زفر خالد بضيق وهو يلحق بزيان يتحدث بلا توقف وهو يصف له كل ما يريده، بينما زيان يكمل حياته بشكل طبيعي ليس وكأن هناك رجل يلحقه بلا توقف ويتحدث بلا تعب.
دخل المشفى يمر على الحالات التي يتولى أمر رعايتها واخيرًا وصل صوب غرفة عثمان ولم يكد يطرق باب الغرفة حتى سمع صرخة تصدر من الداخل، ليفتح الباب بفزع وهو يتحدث برعب:
"ما الذي يحدث هنا؟"
رفع عثمان عيونه صوب زيان بخجل من تصرفات ديلارا:
"اعتذر منك أيها الطبيب، لكن شقيقتي غاضبة قليلًا ليس إلا."
"ومنذ متى لم تكن؟"
ختم حديثه يتحرك صوب الفراش الخاص بعثمان يفحصه باهتمام، بينما خالد دخل ينظر حوله بفضول وهو يتفحص الغرفة قبل أن تقع عيونه على ديلارا التي اتخذت لنفسها ركنًا بعيدًا عن الجميع، ففتح فمه منبهرًا يردد بصوت خافت:
"من صاحبة الثوب الاسود هذه؟ هذا الكحل الذي تضعه يذكرني بنجوم الروك آند رول."
اقترب منها مبتسمًا تحت أعين زيان المصدومة من وقاحته وصدمة عثمان من تصرفاته، بينما خالد لم يهتم، بل ذهب وتوقف جوار ديلارا التي نظرت له نظرات نارية وهو فقط قال ببساطة:
"هل أنتِ من محبي الروك؟ أي من الفرق هي فرقتك المفضلة، أنا أفضل الـ Prince & The Revolution، موسيقاهم تأخذك لعالم آخر، ماذا عنكِ يا كحيلة الأعين أنتِ؟"
ختم جملته وسؤاله بغمزة وهو ينظر لها نظرات ناعسة كانت تفعل الأفاعيل بالفتيات في عالمه، وبالطبع لن تخيب ظنه في هذا العالم...
الصفعة رنّ صداها في المكان كان كل ما ردت به ديلارا عليه، لتتسع أعين خالد بصدمة وهو يتحسس وجنته المشتعلة جراء الصفعة، بينما زيان يراقبه مبتسمًا بتشفي وعثمان بغضب ولم يكد الأخير يصرخ في ذلك الوقح الذي يغازل شقيقته بلا خجل على مسامعه حتى سمع صوت صرخات ديلارا وهي تنفجر في وجهه:
"رجل بلا اخلاق أو حياء، ألا تخجل من نفسك أيها الوقح، أقسم أنني إن أبصرت طرفك بالقرب مني لأحطمن عظامك واحدة تلو الأخرى.."
ختمت حديثها تلقيه بنظرة مرعبة جعلت خالد يبتعد عن طريقها بصدمة كبيرة وخوف من هيئتها، بينما هي نظرت لأخيها تقول بصوت خافت والضيق بدا واضحًا:
"سوف أذهب لاجهز غرفتك في المنزل ومن ثم أعود لأخذك، تكون وقتها قد تخلصت من كل ذلك الإزعاج هنا."
ختمت حديثها وهي تلقي بنظرات حانقة على خالد، ومن ثم زيان الذي نظر لها بصدمة:
"ماذا فعلت أنا أيتها الساحرة؟!"
لكن تلك الساحرة لم تجيبه وهي ترحل وخالد ما ي يزال ينظر لأثرها دون كلمة واحدة، لكن بمجرد أن أغلقت الباب حتى تحدث بحرية وكأنه كان يخشى التنفس على مسامعها:
"يا رجل ما بال النساء هنا؟! هذه المرأة مخيفة بحق، هذا حقًا مزعج لم ينجح سحري عليها."
ختم حديثه وهو يجلس على طرف فراش عثمان الذي كان ينظر له بشر ولولا قدمه المصابة لكان نهض وتخلص منه، لكن خالد لم يتوقف عن الحديث يكمل كلماته:
"هي حقًا تشبه الساحرات كما قلت أنت، لكن بشكل ما هي ساحرة جميلة."
فجأة انتبه لجسد عثمان المتخشب والمخيف وهو يحدق به بشر يحاول النهوض وقد اشتعلت الدماء داخل أوردته، ليشير له خالد بعدم فهم:
"ما به هذا الشاب يبدو أي حالة سيئة."
حاول زيان منع عثمان عن التحرك وهو يهتف من أسفل أسنانه:
"هذا شقيق الساحرة التي تغزلت بها على مسامعه منذ ثواني أيها الوقح."
استدار صوب عثمان وهو يحاول تهدئته، بينما خالد وقف خلفه وهو ينظر لعثمان بريبة مخافة أن يفلت من بين قبضة زيان يردد بصوت خافت:
"لا تفلته زين، انظر إليه يرمقني بشر وكأنه على وشك تناولي حيًا."
نظر له زيان بشر وهو يصرخ في وجهه بجنون:
"أرحل من أمامه وأمامي، لا تريني وجهك فأنا لا امتلك الكثير من الصبر وقد نفذ بعضه بالفعل، ارحل من هنا."
زم خالد شفتيه يعدل من وضعية ثيابه وهو يتحرك للخارج:
"حسنًا سأرحل من الأساس أنا لا اطيق الانتظار حتى اخرج من هذا المكان المريب."
وبمجرد أن خرج حاول زيان تهدئة عثمان وهو يهتف داخله:
"أعان الله الملك عليك وعلى تقويمك، سيستلزم منه ذلك كل ذرة صبر والتي لا يمتلك منها الكثير، أكاد اقسم أن هذا التقويم سينتهي بشيء من الإثنين، إما استقامة ذلك الرجل أو مقتله...."
وصلت لغرفتها أخيرًا تتنفس براحة لحصولها على لحظات راحة لجسدها وعقلها، مدت يدها تفتح الباب، لكن لم تكد تفعل حتى سمعت صوتًا خافتًا يناديها من ممر مجاور لغرفتها.
تركت مقبض الباب وهي تتحرك صوب ذلك الممر دون حتى لحظة تردد واحدة، إذ أدركت بمجرد سماعها الصوت صاحبه.
ابتسمت دون وعي وهي تهمس بصوت خافت بمجرد أن وصل لبداية الممر:
"نزار؟"
اتسعت بسمة نزار والذي خرج بهدوء من الممر وقد ظهر لها جسده، ينظر لها بهدوء، ومن ثم كعادته حينما يلقاها مال برأسه بهدوء يهتف بنبرة جعلت توبة تبتسم له:
"سمو الأميرة مرحبًا بكِ."
"هل...هل أنت هنا حقًا؟ لا... أصدق."
اتسعت بسمة نزار وهو يتقدم اكثر من بداية الممر مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة منها:
"نعم أنا هنا، كيف حالك؟"
"الحمدلله بخير... وأنت؟ هل أنت بخير و...."
فجأة وأثناء الاطمئنان عليه وهي تحرك نظراتها على وجهه سقطت عيونها على ملامح وجهه والتي كانت آثار الضرب واضحة عليها، رمشت بعدم فهم تقترب منه دون وعي:
"ما الذي... ما الذي حدث لك؟ هل أنت بخير؟ ما الذي حدث نزار؟"
خفق قلب نزار بقوة لذلك القلق الواضح على وجهها يبتلع ريقه يحاول اخراج كلماته بنبرة عادية لا تفشي شيئًا مما يدور داخله لها، لكن يبدو أن الأمر كان اصعب مما ظن:
"يبدو أنني أثقلت من مزاحي مع أنمار، تدركين أن أمثاله لا يحبون المزحات الثقيلة خاصة تلك التي تتعلق بمقدار فشلهم وقذارتهم."
كانت توبة تسمع كلماته لا تفهم ما ينطق به، لكنها قالت ببساطة:
"انتظرني هنا لحظات واعود لك."
ومن بعد تلك الكلمات وقبل أن يستفسر عما يحدث تركته متحركة سريعًا صوب غرفتها وغابت بها دقائق معدودة، ثم عادت له تحمل صندوق به بعض الأعشاب والأدوية:
"خذ هذه عالج بها جراحك ولا تهملها بهذا الشكل نزار."
امسك نزار منها الصندوق وقد عجز عن الرد للحظات، يرفع عيونه لها بتردد يحاول صبغ كلماته بالمزاح رغم نبرته التي خرجت مهتزة لشدة مشاعره في هذه اللحظة:
"أوه سيكون من السييء أن اعتاد هذا الاهتمام منكِ سمو الأميرة، لتعودي لاحقًا وتحطمينه بلسانك اللاذع."
فجأة وكأنها أدركت ما فعلت منذ ثواني فتوترت وهي تفرك يديها تحاول إيجاد مبرر لما فعلت منذ ثواني وربما يكون كافيًا ذكر مساعدته لها طوال تلك الفترة السابقة...
وهو أدرك ما تفكر به لذا أشفق عليها يضم له صندوق الادوية لصدره مبتسمًا:
"أشكرك سمو الأميرة على كرمك معي."
رفعت يدها وهي تعدل من وضعية حجابها بتوتر شديد تحاول نطق كلمات تخفي بها خجلها:
"هل تدرك كيفية استخدامهم، يمكنني أن اساعدك في ذلك."
اتسعت بسمته وهو يجيب بصوت ممازح:
"هل ستُحسب لي كذبة إن أخبرتك لا أستطيع فقط لتساعديني؟ الآن كرهت كوني طبيبًا أفقه كل ذلك."
اشتد توتر توبة وهي تعود خطوات للخلف وقد تذكرت فجأة حقيقة كونه طبيبًا يفقه كل ذلك و.....
فجأة توقفت جميع أفكارها عند تلك النقطة وهي تتذكر حديث آزار لهم عن مهارته في علم السموم وأنه ربما يكون أكثر من يستطيع مساعدة والدها.
لذا رفعت وجهها بسرعة ولهفة كبيرة له:
"نزار احتاج مساعدتك."
ابتسم لها نزار يتجاهل طريقة نطقها اسمه، ثم مال برأسه لها يهتف بصوت منخفض ودود:
"أنا في الخدمة طوال الوقت سمو الأميرة، فقط اشيري..."
بللت شفتيها بتوتر شديد وهي تنظر لعيونه ثواني قبل أن تبعد عيونها عنه بخجل شديد:
"أبي احتاج لمساعدتك في علاج أبي."
نظر لها بعدم فهم لتشرح هي بلهفة شديدة وقد بدأت ضربات قلبها تقرع بحماس شديد، تفكر أن الله رحيم بعباده إذ لم تمر ساعة منذ ذكر آزار أن العلاج ربما يكون مع نزار، ليظهر لها نزار على باب غرفتها وكأنه لبى ندائها الصامت له.
"تعرض أبي لتسمم أدى لغيبوبة طويلة لا نعلم لها من نهاية، وأعتقد أنه يمكنك المساعدة إذ أنك تدرك بعلم السموم أكثر من الجميع، أوليس؟"
نطقت كلمتها الأخيرة برجاء أجبره على هز رأسه بنعم دون وعي، ووالله حتى وإن لم يكن على دراية بذلك العالم كان مستعد أن يفني المتبقي من عمره في تعلمه لأجل رؤيتة نظرتها السعيدة تلك وهي تقترب منه هاتفة بسعادة بالغة:
"ستساعد أبي؟"
"نعم، اعتقد أنني يمكنني، لكن هذا سيأخذ بعض الوقت لــ"
قاطعته بسرعة ولهفة:
"خذ كامل وقتك نزار، لكن فقط اعطني الأمل أن أبي سيكون بخير."
رمش يحاول أن يهدأ يبعد عيونه عنها صوب صندوق الاعشاب يشغل نفسه عنها به:
"نعم لا بأس احتاج لمعاينة الملك أولًا لعلي استشف نوع السم أو حتى الاعشاب المستخدمة به لاحدد وسيلة العلاج وكيفية أخذ جرعات المصل و...."
قاطعته بسرعة ولهفة وهي تشير للممر المجاور:
"لا بأس الآن يمكنك رؤيته، ثم ... هل ستعود مجددًا للحجر؟ لا تفعل نزار هذه المرة لن يرحمك ذلك الخسيس و..."
"لن افعل لقد هربت من الجحر."
نظرت له بعدم فهم ليصرف هو انتباهها عن الأمر يردد بصوت خافت:
"قصة يطول شرحها، لكن اختصارًا لها، أنا الآن أقيم بمملكة سبز في أحد المنازل الصغيرة في السوق الغربي و...."
"سآمر بتنظيف غرفة لك و..."
قاطعته في البداية ليقاطعها هو بصدمة مبتسمًا بعدم تصديق من كلماتها:
"سمو الأميرة ... أنا هارب من العدالة وهارب من أنمار، ببساطة أنا مطلوب من الجميع، لذا قطعًا لا يمكنني أن أحل ضيفًا على سبز، ولا يمكنك أن تخبري أحدهم بوجودي بأي شكل من الأشكال."
ابتلعت ريقها وقد غفلت لشدة لهفتها عن حقيقته، ليشحب وجهها وهي تنظر حولها بتوتر:
"يمكنني... يمكنني تدبير غرفة لك بعيدًا عن الأعين هنا، وتدعي أنك أحد الجنود، ولا أعتقد أن أحدهم قد يتعرف عليك طالما أنك تتجنب جنود آبى، لكن لا تبتعد رجاءً...."
ولا تدري أي من الوقاحة أو الجرأة تمتلك لتنطق الجملة الأخيرة لكنها فعلت، ابتلعت ريقها وهو ينظر لها بتفكير متجاهلًا جملتها الأخيرة كي لا يزيد خجلها، ثم قال بتردد:
"و... معي شخص آخر...
رواية اسد مشكي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رحمه نبيل
كان الجنود يحملون جسد أرسلان على الأحصنة وهم يتحركون به بسرعة مرعبة صوب مشكى وقد بدأ بعضهم يبكي برعب حينما أبصروا شحوب وجهه بهذا الشكل المرعب.
أرسلان، الذي لم تقتله طعنات عدة ولم تسقطه ضربات قاتلة، الآن يرقد بلا حول ولا قوة بسبب سهم واحد تلقاه بالقرب من القلب، وكأن الرامي كان يدرك أين هدفه تحديدًا.
تحدث أحد الجنود بصوت مرتعب:
_ جسد الملك أنه يرتجف بشكل مرعب... لقد... هو... هذا سم، أكاد أقسم بالله أن هذه أعراض سم.
اتسعت الأعين حوله وبدأ الخوف يسكن القلوب. موت الملك أو تضرره، خاصة في هذه اللحظات، كان القشة التي ستقصم ظهر شعب مشكى. لا أحد، ويقسمون أن لا أحد، قد يتولى حكم البلاد بعده ويتمكن من إدارتها كما فعل هو. موت أرسلان يعني تشتت الصفوف وخراب مضاعف للبلاد، وحسرة في القلوب لفقدان رجل مثله. وهذا ما لا يتمنون حدوثه.
كل ذلك كان يحدث ولا يصل له شيء، بل كان فقط يشعر ببرودة مرعبة بجسده، برودة وشلل أصاب جميع أجزاء جسده.
والماضي لم يكن ليجد أنسب من لحظات ضعفه تلك ليتحكم به ويعرض له ما حاول دفنه قديمًا.
"لو كان الأمر بيدي لتمنيت ولدًا غيرك يا أرسلان، أنت لست الولد الذي أفخر به لو تعلم."
ابتسم أرسلان بسمة ميتة وهو يرفع عينيه صوب والده الذي كان يعتلي عرشه بكل كبرياء ينظر له بدونية، ويدرك داخله أن والده يتخذه مجرد أداة فخر يسير بها بين الملوك: "ولدي الأقوى، ولدي الأكثر تجبرًا، ولدي الأذكى، ولدي... ولدي..." وأمامه يتفنن في تحطيمه أشلاء ظنًا أن تلك الأشلاء ستكون حادة لأعدائه، ولا يدرك أن حطامه يتحول فتاتًا.
"وأنا لو كان الأمر بيدي لتمنيت حياة غير تلك الحياة، هذه ليست الحياة التي أتمناها، ولو أنني أخشى أن أصنف عاقًا لك، لأخبرتك أنك لست الأب الذي أتمناه أبي."
ختم كلماته وهو ينظر بأعين والده يمنع دموعه من الهبوط، ليس خوفًا من وصف والده له بالضعيف كما كان يفعل في طفولته، بل عهدًا أخذه على نفسه ألا يبكي شيئًا في حياته سوى ما يستحق.
ختم كلماته يهز رأسه بتحية لوالده وهو يتحرك من القاعة بهدوء، ووالده ينظر له بشر صارخًا بجنون:
_ أنت يا ولد انتظر هنا، لم أسمح لك بالرحيل، هذا ليس اختيارك أن ترحل كلما أردت و...
توقفت أقدام أرسلان وهو يصرخ بجنون وقد وصل لحافة صبره. كان في ذلك الوقت قد بلغ الثامنة عشر وهو ما يزال يعاني ظلمًا وحياة يشفق الحجر عليه من عيشها.
_ صدقني لا شيء، لا شيء كان من اختياري أبي، أنا أُجبرت على كل ذلك، ولو كان الاختيار بيدي لاخترت العيش فقيرًا لكن مرتاحًا.
تراجع بيجان بصدمة من كلماته وشعر أنه أثقل الحمل على ولده. لم يكن يومًا حنونًا على أرسلان ولم يضمه يومًا، لكنه ظن أنه بهذه الطريقة ينشأ رجلًا خشنًا.
شحوب وجهه وارتجاف يده كانا واضحين. أبصر أرسلان صدمة والده ودون إرادة منه أشفق عليه من صدمته، لذا ابتسم بسمة صغيرة يردد بهدوء وهو يعود له حتى توقف أمامه، ثم مال على رأسه يقبلها بهدوء هامسًا بصوت منخفض:
_ رغم كل شيء أنا أشكرك أبي، لن أنسى لك صنيعك ما حييت، ساعدتني كثيرًا في حياتي.
ختم كلماته يمسك يدها مقبلًا إياها، ثم تحرك بهدوء مبتعدًا عن والده يردد بهدوء شديد وجسده كله يرتجف من الغضب الاختناق:
_ اسمح لي مولاي بالرحيل للحصول على الراحة قبل معاودة التدريب غدًا.
ارتجفت يد بيجان وهو يبصر ولده بهذا الشكل أمامه، ثم رفع يده يهتف بصوت منخفض:
_ يمكنك الذهاب يا أرسلان.
وكأنه كان حكمًا بالإفراج، إذ انطلق أرسلان سريعًا يخرج من القاعة وهو يشعر بالاختناق والضغط يكاد يفجر قلبه. لكن ما كاد يتحرك صوب غرفته حتى أبصرها تتهادى أمامه بكل رقة وهي تحمل بعض الزهور، جوهرته الصغيرة التي كان يتحمل التقطيع حيًا ولا يشكو بكلمة لأجلها، كان يتحمل كل شيء طالما كان بعيدًا عنها.
_ أرسلان تعال لمساعدتي في عقد حجابي.
اتسعت بسمة أرسلان وشعر بتلك القبضة التي تحيط قلبه تنفرج شيئًا فشيئًا وهو يميل لها مبتسمًا:
_ طلباتك أوامر يا جوهرتي، اسبقيني لغرفتك وسألحق بكِ.
ابتسمت له كهرمان وهي تركض أمامه تضم الأزهار لصدرها، ثم فجأة وقفت واستدارت له ببسمة تردد بنبرة رقيقة:
_ لا تنساني يا أرسلان، أنا انتظرك ها...
ابتسم لها أرسلان وكاد يجيبها أنه لن يفعل، حتى وجد صورة كهرمان تتلاشى ويحل محلها سلمى تضم لها الزهور التي أهداها لها قبل الرحيل من سبز وهي تهتف بنبرة رقيقة وبسمة واسعة:
_ انتظرك ها...
شعر أرسلان بجسده يرتجف وهو ينتفض ليبصر الظلام قد بدأ يحيط به والمكان أصبح غريبًا عليه. القصر اختفى وسلمى اختفت ولم يعد هناك شيء حوله سوى... تلك الغابة التي كان يُسحب فيها يوم أرادوا حرقه حيًا.
أبصرهم أمامه وهم يجذبون جسده على الصخور المدببة والتي كانت تترك أثرها على جسده وهو عاجز لا يستطيع الحديث. حاول الصراخ، حاول الانتفاض، لكن لا شيء، كان مكبلًا بجروحه.
وأخيرًا وبعد لحظات كاد يموت بها اختناقًا، وجد المكان حوله يدور به وهو في وسط الموكب مدمى وبعض الرجال يسحبون زوجته بعيدًا عن عينيه.
ومجددًا نفس شعور العجز. انتفض جسده بقوة وهو يحاول النهوض ليلحق بها، لكن فشل في الأمر ليعود له الألم ذاته والعجز ذاته. تداخلت صورة سلب زوجته بصورة سلب عرشه أمام عينيه وهو ممدد أرضًا عاجزًا عن الحركة.
ركض المعتصم صوب بوابة القصر بجنون حينما وصل له بعض الجنود يخبرونه أن الملك عاد لهم مصابًا إصابة بليغة. يركض بجنون وهو يصرخ بهم:
_ نادوا زيان... نادوا زيان...
وصل صوب البوابة يأمرهم أن يفتحوها، وبمجرد أن تقدمت الخيول بسرعة مخيفة منه تحمل على صهوتها جسد أرسلان الغائب عن الواقع، حتى اقترب منهم المعتصم بلهفة وهو ينظر له مرتجفًا:
_ جلالة الملك... مولاي... يا ويلي... يا الله، ساعدوني ساعدوني لحمله.
تقدم منه بعض الرجال ليساعدوه في حمله، لكنه رفض يحمله فوق ظهره وحده:
_ لا أنا سأحمله، استدعوا زيان، نادوا زيان.
حمله فوق ظهره وهو يهرول به بين طرقات القصر، وقد دب الرعب والخوف على الملك في القلوب والكل يدعو الله أن ينهض بخير.
أما عن زيان، فانتفض عن فراشه حينما وصل له صوت أحد الجنود يصرخ أن الملك أصيب. ركض بسرعة كبيرة لا يبصر أمامه سوى طريق المشفى، وبمجرد أن خطى للمشفى حتى أبصر الجميع أمامه محتشدين هناك والمعتصم داخل إحدى الغرف يصرخ بكلمات كادت تصيبه بانهيار وهو يحدق بجسد أرسلان قد بدأ يشحب بشكل مرعب.
وصرخة المعتصم هي ما أيقظته من صدمته وهو يصيح برعب شديد:
_ زيان ساعده، لقد تسمم، هناك من ألقاه بسهم مسمم، يقولون كان هناك هجوم على الموكب و...
صمت فجأة قبل أن يشحب وجهه شحوبًا يوازي شحوب أرسلان نفسه وهو يهمس برعب جلي:
_ جلالة الملكة...
***
_ أين هي؟
حرك الجميع عيونهم بتوتر وهم يبصرون نظرات أنمار المترقبة. يجلس على جمر ينتظر وصول غنيمته الأكبر، لكن وجوه رجاله لا تبشر بالخير.
_ ما بكم؟ أين هي المرأة؟ تحد...
وقبل أن يكمل كلمته، أبصر المتبقي من رجاله يتحركون داخل مجلسه، بعضهم مشوهي الوجوه تتقدمهم امرأة وكأنهم يعملون لحراستها. تسير بكل هدوء داخل المكان، بعدما نال بعضهم الجحيم على يديها حينما استفاقت في طريقهم.
ولم يستطع أحدهم رد ضربة واحدة لها، ليس لأنها خارقة للطبيعة وتستطيع التغلب على العديد من الرجال وحدها، بل لأن أنمار وعدهم بالجحيم إن لمسها أحدهم خدش.
اتسعت أعين أنمار وهو يبصرها تتحرك بهدوء حتى توسطت المجلس أمام الجميع تنظر لهم بعيون جامدة قبل أن تبتسم له بسمة صغيرة وهي تحدق في وجهه ثواني:
_ والله شعرت أن هذه القذارة لا تصدر سوى من خنزير أصيل.
رفعت يدها تشير بها له مبتسمة:
_ مثلك تمامًا.
انطلقت ضحكة أصلان في المكان ليكبتها بسرعة حين أبصر نظرة أنمار المحذرة له، بينما سلمى نظرت له وهي تحاول تذكر أين رأته، لكن لم تتذكر. ورغم ذلك لم تصمت وهي تتحدث بهدوء شديد:
_ لا تضحك كثيرًا فأنت لست أكثر نظافة منه، كونه خنزيرًا أكبر منك لا يعني كونك خنزيرًا صغيرًا في النهاية.
اشتعلت أعين أصلان بقوة قبل أن يكبت غضبه بصعوبة يحاول الظهور بمظهر الحليم وهو ينظر لها باستهانة:
_ لاذعة اللسان كأرسلان.
_ الملك أرسلان.
ضحك أنمار وهو يتحرك صوبها ينظر لها بسخرية:
_ الملك أرسلان؟ ويا ترى أين هو ملكك الآن يا جلالة الملكة؟
نظرت له سلمى تجيب ببسمة هادئة جامدة تخفي خوفها، تُذكر ذاتها أن ذلك الحقير ربما يكون أهون المختلين الذين وقعت في قبضتهم. ولم يكن الأسر شيئًا غريبًا عليها، فهي لطالما وقعت أسيرة لأيام في يد أحد المساجين وهربت منه بأعجوبة بعدما سجنته الشرطة، لذا إن اكتسبت شيئًا من عملها فهو كيفية التعامل مع أمثال هذا المختل وأن تسايره ولا تهلع حتى تأتيها الشرطة، والشرطة هنا هي أرسلان.
ارتجف قلبها تخفي رعبها عليه حين تذكرت شحوبه بعدما سقط أرضًا، تذكرت نفسها أنه بخير، أرسلان بخير، ما كان لضربة كهذه أن تهزمه، لذا سينهض ويأتيها. وحتى هذه اللحظة عليها التعامل بكل بساطة معهم.
_ لا بد أن يحفر لكم قبورًا في هذه اللحظة.
اقترب منها أنمار بقوة وهو يهمس لها بصوت منخفض:
_ بل له يا عزيزتي، فذلك السهم الذي تلقاه زوجك العزيز كان مسممًا بأكثر سموم المملكة ضررًا.
اتسعت عيون سلمى وارتجف جسدها بقوة. ورغم ذلك حافظت وبصعوبة كبيرة على رباطة جأشها، وهي ترفع عيونها له تهمس له بنفس نبرته:
_ صدقني لا قبر سيُحفر هنا لسواك إن لم تبتعد عني مقدارًا يسمح لي بالتنفس بحرية بعيدًا عن رائحتك الكريهة هذه.
ابتعد عنها أنمار بسرعة ونظراته قد ازدادت اشتعالًا، وقد استطاعت هذه المرأة أن تشعل غضبه بلسانها فقط، شيء لم ينجح به أحد عداها وزوجها.
ابتسم بسمة مريبة وهو يصرخ بصوت جهوري يظهر به قوة وبأس:
_ خذوا هذه المرأة وضعوها في منزل النساء حتى أخبركم ما سنفعله بها، الملوك سيبذلون الكثير في سبيل استعادة ملكة مشكى.
قلبت سلمى عيونها بسخرية:
_ آهٍ من الحمار حينما يظن نهيقه زئيرًا.
اشتد جنون أنمار وهو يندفع لها، وعلى حين غرة سقط بيده على وجهها في صفعة رن صداها في المكان بأكمله وهو يهتف بنبرة مرعبة:
_ هذا الحمار سيحيل حياتك وحياة زوجك لجحيم أيتها الـ...
أغمضت سلمى عيونها بقوة تجبر نفسها على عدم البكاء. لم تكن هذه المرة الأولى التي تتلقى بها ضربة، ولن تكن الأولى التي ترد بها الضربة؛ لذا وقبل أن يستوعب أحدهم ما حدث، كانت تنتفض وترد له الصفعة بضربة من قدمها مسقطة إياه أرضًا، ومن ثم انحنت سريعًا تجذب جسده ضاربة إياه في الجدار خلفه وهي تهمس بنبرة حادة:
_ أيها الوسخ القذر، أوامرك هذه تخبرها لصغار الخنازير الذين يعملون تحت أمرتك وليس أنا، ويدك هذه تبقى جوارك طالما أقف أمامك.
ختمت حديثها ولم تكد تزيد كلمة حتى شعرت بالرجال خلفها يجذبونها عنه بعنف وهي ابتسمت له بسمة واسعة تهتف بكل هدوء:
_ ولا تحسبن أن تسيدك اللعبة سيدوم يا قذر، فالأسد يمرض ولا يموت.
نظر لعيونها بشر مبتسمًا بسمة خبيثة:
_ نعم، الأسد نفسه الذي قتل والده...
_ تخيل ما سيفعله بك إذن؟
وكانت تلك الإجابة بمثابة رد لضربته التي ظن أنها ستصيبها في مقتل. أما عنها فابتعدت أيدي الرجال عنها بقوة وهي تنظر لهم بتحذير، ثم رفعت عيونها لأنمار تردد بهدوء شديد:
_ أخبر حيواناتك الأليفة أن ترشدني لغرفتي بهدوء، وإياك أن يخطوها وسخ منكم، وإلا أقسم بالله أن أحطم عظامه، وحتى يأتي أرسلان ليأخذي لا أود أن أبصر وجهك.
ختمت حديثها تتحرك خارج الغرفة مع الرجال الذين تبعوها وكأنهم يعملون لديها، وليس خاطفينها. كل ذلك كان يحدث أسفل أنظار الجميع المصدومة منها، وبسمة أنمار غير المصَدقة لما يحدث. هذه المرأة تعجبه وبشدة، تعجبه وتليق به...
أفاق من أفكاره على صوت أصلان الذي كان يراقب ما يحدث بعيون مدققة وملامح جامدة:
_ لم أعتقد أن هناك امرأة قد تكون ملائمة لأرسلان بهذا الشكل المرعب، لا يليق بها أن تكون امرأة سواه في الحقيقة...
_ بل يا عزيزي... لا تليق سوى أن تكون امرأتي أنا.
***
_ المعتصم، أهدأ أرجوك، فقط أهدأ وكل شيء سيكون بخير...
تنفس المعتصم وهو يشعر بالجنون يسيطر عليه يصرخ في الجميع:
_ كل شيء؟ أي شيء زيان، أي شيء والملكة أسيرة، أخذوا الملكة سبية، هل تدرك ما نتحدث عنه الآن؟ هل تدرك ما يفعلونه بالنساء، وهذه... هذه الملكة و... الملك تسمم و...
صمت وهو يشعر بالعجز يرفع عينيه لزيان يهتف برجاء:
_ هل... هل تستطيع مساعدته زيان؟ هل يمكنك؟
تحدث زيان وهو يراقب جسد أرسلان الذي غطى جروحه ببعض الأعشاب المخدرة وأخرى معالجة:
_ لو صمت لأخبرتك، هذا ليس سمًا خطيرًا، هذا مجرد سم سهل العلاج لكن قوي التأثير.
رفع له المعتصم عينيه بلهفة شديدة ليشرح له زيان ما يحدث:
_ لا أدري حقيقة ما هوية ذلك السم، لكنه قوي المفعول بشكل مرعب، ولو لم يتعالج الشخص منه بسرعة سيموت خلال ساعات كما الأمراض التي تترك دون علاج. مجرد أعشاب يمكنها علاجه، من صنع هذا السم لا أدري ما كان هدفه، لكنه لم يكن القتل بأي شكل من الأشكال. من صنعه كان عبقريًا ليجمع تأثيرًا قويًا مع علاج سهل، يمكن أن نصفه بأنه مجرد مرض وليس سمًا...
***
_ لكنني لم أترك لهم سمًا يا الوليد، ما تركته لهم كان مجرد سائل يتسبب بأعراض السم.
اتسعت أعين الوليد بصدمة وهو يقترب من فراش نزار الذي يقبع في إحدى الغرف التي توجد في الممرات الخاصة بمخازن قصر سبز حيث أتاحت لهم الأميرة توبة النوم هناك.
_ ما الذي... ما الذي تتحدث عنه؟
_ ما سمعته، أنا لست أحمقًا لترك سم قوي المفعول بين يدي ذلك الرجل ليتسبب في إبادة ثانية.
نظر له الوليد طويلًا قبل أن يبعد عينيه عنه وهو ينظر من النافذة يفكر في القادم، يشعر أنه يقف على الحافة، لا هو استقر على اليابسة أو حتى سقط.
_ ماذا عن القادم؟
وكأنه أعرب عن مخاوف نزار بصوت مرتفع، السؤال الذي لم يسأله لنفسه مخافة البحث عن سؤال لأنه يعلم جيدًا أنه وأثناء رحلة البحث عن تلك الإجابة قد يكتشف ما ينغص عليه المتبقي من حياته.
_ لا أعلم.
_ لا تعلم؟ هل سنقضي المتبقي من حياتنا في هروب دون أن نستقر على شاطئ؟
رفع له نزار عينيه يهمس بسخرية خرجت منه دون وعي:
_ أوه، تتحدث الآن وكأنك كنت مستقرًا في حياتك السابقة، حياتك الآن لا تقل سوءًا عن سابقتها، على الأقل الآن تحيا بكرامة عيشة شريفة يا الوليد، لا ينقصك سوى التوبة.
نظر له الوليد طويلًا حتى شعر نزار أنه ليس مهتمًا بالإجابة حتى عن سؤاله، لذا أبعد عينيه عنه، يعطيه ظهره يضم نفسه للجدار جواره، يغرق في أحزانه وشوقه لوالده.
ولم يكد يغفل في نومة سريعة حتى سمع صوت الوليد يهتف خلفه بصوت ميت:
_ وأنت هل تبت عن جميع ما اقترفته سابقًا؟
تجمدت ملامح نزار لثواني قبل أن يستدير له بهدوء يهمس بملامح ميتة والوجع يسكن داخل عينيه:
_ الشيء الوحيد الذي يستحق سعيي لأجل التوبة منه هو وصمة العار التي لحقتها بنفسي وأبي ونتج عنها دمار شعب كامل، شيء سأقضي المتبقي من حياتي أستغفر له.
هز له الوليد رأسه ولم يتحدث بكلمة وهو ينظر صوب النافذة يسرح في حياته وما تبقى منها، يتمنى فقط، يتمنى لو يعود به الزمن، ولا يدري السبب، هل يتمنى العودة ليمنع نفسه من اقتراف أول خيانة، أم يحسن استغلال فرصة تعاونه مع أنمار، أم يترك نزار وشأنه ولا يقحمه في هذه اللعبة القذرة؟ ما يدريه هو أنه في هذه اللحظة يشعر باختناق يكاد يقتله.
لذا استدار ينتوي الخروج لولا يد نزار التي أمسكت خاصته وهو ينظر له يتساءل بعدم فهم:
_ إلى أين يا الوليد؟
_ أشعر بالاختناق، سأخرج للسير قليلًا في الهواء الطلق في الخارج.
أطلق نزار صوتًا ساخرًا على كلماته، ينظر له بغيظ شديد:
_ تسير في الهواء الطلق؟ هل تمزح معي؟ لا تتحدث وكأننا في نزهة داخل بركة الوحل التي كنت تسكن بها يا وليد.
تنفس الوليد وهو يدرك أنه محق، لكن رغم ذلك تحدث بصوت منخفض ورجاء:
_ فقط دعني أرجوك أنا أشعر بالاختناق ولن أشعر براحة إلا حينما أستنشق بعض الهواء النقي يا نزار.
ترك نزار يده بتردد ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت طرق على الباب. نظر للوليد بتردد وقد بدأت ضربات قلبه تعلو وهو يشير له بالصمت، يتحرك صوب الباب يحاول أن يرهف السمع لمن بالخارج، لكن لم يصل له صوت؛ لذا ابتعد ببطء شديد ولم يكد يصل للوليد حتى سمع صوتها يمليء المكان حوله وهي تردد بنبرة منخفضة خجلة:
_ هذا أنا يا نزار، توبة.
لمعت عينا نزار بقوة حتى رفع الوليد حاجبه بسخرية لاذعة، بينما نزار هرول صوب الباب مجددًا يفتحه بسرعة لتستقبله هي بغطاء وجه يخفي كامل ملامحها تحمل بين كفيها صينية طعام متوسطة الحجم:
_ السلام عليكم، أحضرت لك بعض الطعام، و...
وحينما تنتهي رجاءً الحقني للأعلى كي تبدأ في فحص أبي.
ختمت كلماتها وهي تستغل وجود غطاء على وجهها يخفي نظراتها المتفحصة القلقة، تراقب جروحه المنتشرة على وجهه، لكن نزار كل ما فعله هو أنه استدار بسرعة يلقي بالصينية بين كفي الوليد، ثم استقام ينظر لها ببسمة واسعة:
_ أنا جاهز الآن.
_ ألن تتناول الطعام على الأقل، أنت تحتاج للغذاء لأجل جروحك و...
صمتت حين شعرت أنها بدأت تبالغ في الاهتمام بأمر جراحه، لذا أخفضت رأسها تهمس بصوت منخفض:
_ أقصد أليس عليك تناول بعض الطعام لتستطع القيام بعملك بشكل جيد.
_ لا تقلق عليّ أنا بخير حال.
رفعت رأسها له بحدة لا تدري أكانت له أم لنفسها:
_ لستُ.
رفع حاجبه من ردها الحاد، لكنه رغم ذلك ابتسم لها يهز رأسه بهدوء وهو يجيبها بهدوء:
_ نعم بالطبع أدرك أنكِ لستِ، حشاكِ أن تكوني سمو الأميرة، فأين لعبدٍ مسكين كالعاصي نزار أن ينال قلق سمو الأميرة توبة أميرة سبز وابنة الملك بارق.
ختم كلماته ببسمة جانبية خبيثة جعلت ترفع عينيها له، تهز رأسها بقوة وسخرية لاذعة:
_ نعم حشاك أن تفعل... سمو الأمير، والآن رجاءً إن لم تكن ستتناول طعامًا اتبعني.
ختمت حديثها وهي تتحرك أمامه تمسك أطراف ثوبها بكل رقة، ولم تكد تخطو بعيدًا عنه حتى تحدثت دون أن تستدير بالكامل، فقط نصف استدارة:
_ الخزانة في تلك الغرفة تحتوي ثيابًا للعاملين بالقصر سيكون أفضل لك أن ترتديها كي لا تثير الشكوك حول هويتك.
_ أوامر سموك سمو الأميرة.
هزت له رأسها وهي تتحرك أمامه وهو ابتسم بسمة صغيرة، ولم ينتبه لصوت الوليد خلفه والذي بدأ يتناول الطعام بشهية كبيرة إذ مرت أيام طوال ولم يتناول بها طعامًا جيدًا كهذا.
_ نعم بالطبع لا تحبها البتة.
استدار له نزار بعنف ليبتسم له الوليد بسخرية:
_ ماذا؟ أنا أنفي كونك غارقًا في عشق سمو الأميرة حتى أذنيك كالآبلة لدرجة أن تتجاهل طعامًا لم تبصر مثله منذ أيام طوال.
اشتد غضب نزار ليبتسم له الوليد وهو يتناول طعامه بهدوء:
_ توقف عن التحديق بوجهي وتحرك لترتدي ثوب العمال وتلحق بالأميرة لا تود أن تنتظر صحيح؟
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك بعيدًا عنه بسرعة كبيرة يفتح الخزانة يخرج منها أول ما قابله، ثم تحرك بسرعة ليرتديه ويلحق بها.
أما عنها فبمجرد أن اختفت عن عيونه حتى استندت على أحد الأعمدة تشعر بضربات قلبها تكاد تحطم صدرها:
_ لا ليس ممكنًا، لا يمكنك أن تتجاهلي الأمر ببساطة، لن تفعلي، دهستِ قلبك قبلًا وتستطعين فعلها مجددًا...
ختمت حديثها وهي تدفن وجهها بين يديها تخرج تنهيدة مرتفعة وهي تهمس بصوت مرهق متعب:
_ يا الله يا ولي الصابرين...
***
_ إلى أين؟
_ سأذهب لتمشيط الغابة الواقعة بيننا وبين سبز، لا بد من وجود أي دليل على ما حدث، آثار أقدام، بقايا قاذورات، أي شيء قد يدلني على هؤلاء الخنازير.
ختم المعتصم كلمته وهو يدس سيفه في غمده، ثم تحرك خارج الغرفة الخاصة بالأسلحة وخلفه نزار يراقبه بعدم رضا:
_ فقط انتظر حتى الصباح.
أخذ المعتصم يجهز حصانه للتحرك وهو يردد بصوت منخفض:
_ نعم حتى تُطمس الآثار، فقط اعتني بالملك حتى أعود.
تنفس نزار بضيق وهو يراقب المعتصم وقد حشد جزءًا كبيرًا من الجيش أمامه وكأنه ذاهبًا في حرب، يردد بضيق وغضب كبير:
_ سيكون من حسن حظي أن أمسك بواحد منهم، قسمًا بالحي الذي لا يموت لاجعلنه غير صالح للحياة.
ختم كلماته وهو يستعد ليلقي بجسده فوق الحصان لولا ارتفاع صوت رنين في الأجواء يهتف بالنبرة المعهودة:
_ يا المعتصم...
_ أوه ليس الآن يا الله.
استدار ببطء صوب الصوت ليراها تقف على بعد صغير منه تنظر له بتردد وهي تشعر بأنها لا يجب أن تكون هنا، ورغم ذلك هتفت بصوت منخفض:
_ يا المعتصم، إلى أين؟
تنهد المعتصم بصوت منخفض وهو يترك لجام الحصان، ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك صوبها بهدوء، وحينما وصل أمامها امسك كفها وسحبها بعيدًا عن الأنظار بهدوء شديد:
_ مرحبًا فاطم، كيف حالك يا صغيرة؟
ولم تجبه، بل ردت عليه بسؤال قلق وصوتها خرج مرتجفًا بعض الشيء:
_ إلى أين؟
_ ما بكِ يا فاطمة؟
_ ستتركني؟ أنا... أنا لا أريد أن أكون وحيدة، أرجوك.
تعجب المعتصم بشدة من كلماتها، يمسك يدها التي بدأت ترتجف ليشعر بالصدمة مما يحدث:
_ ما بكِ يا فاطمة؟ أنتِ ترتعشين؟ ما بكِ؟
نظرت له بخوف شديد وهي تحاول التحدث، لكن كلماتها خرجت مهتزة بشكل أصابه بالفزع وهو يبصر جسدها على وشك الانهيار:
_ لا تتركني وحدي أرجوك.
نظر المعتصم حوله بعجز قبل أن يجذبها بعيدًا عن الأعين وهو يضمها له بقوة يحاول تهدئة ضربات قلبها التي يشعر بصداها في صدره، يضمها وهو يحرك كفه صعودًا وهبوطًا على كتفها عله يبث بعض الدفء داخل أطرافها:
_ من أخبرك أنني سأتركك؟ من أخبرك أنني سأفعل ذ...
وقبل إكمال جملته انهارت فاطمة في بكاء حاد وهي تهتف من بين بكائها بصوت خافت ورعب جلي واضح على ملامحها:
_ لا تتركني يا المعتصم، لا تذهب إليهم ارجوك أبق هنا معي، لقد أبصرتهم جاءوا لأخذك.
ضمها المعتصم لا يدرك ما يحدث، يحاول أن يهدأها، لكن الأمر ازداد وبدأ الارتجاف يزداد بشكل مثير للرعب، حتى توقفت عن الاهتزاز فجأة وهي تبتعد عنه بهدوء شديد تمسح دموعها تنظر أرضًا:
_ أنا آسفة، لم أقصد أن أشغلك عن عملك، يمكنك... يمكنك الرحيل لا بأس.
شحب وجه المعتصم وهو يبصر عيونها الزائغة تنظر بعيدًا عنه، نظر خلفه يبحث عمن تنظر له، ليبصر فراغًا. بلل شفتيه يشعر بالريبة:
_ أنتِ بخير؟ هل هناك ما يزعجك؟ هل... هل تـ... هل...
توقف وعجز عن إكمال الجملة، أراد أن يسألها إن كانت ما تزال تبصر والدتها، لكنه خاف أن يجرحها أو يذكرها إن كانت نست بالفعل. لذا هز رأسه يهتف بعدم راحة:
_ فاطمة اصدقيني القول، أنتِ الآن بخير صحيح؟
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تهز رأسها بهدوء شديد:
_ أوه نعم أنا كذلك لا تقلق عليّ، لقد... أنا فقط أبصرت كابوسًا لذا خفت وجئت للبحث عنك، ارجوك اذهب ولا تشغل عقلك بي، أنا بخير وأكثر يا المعتصم، تصحبك السلامة.
ورغم أن بسمتها وكلماتها توحيان بأن كل شيء على ما يرام، إلا أن قلبه كان يخبره عكس ذلك، لكن رغم كل تلك الإشارات، إلا أنه وثق بنظراتها الحنونة المهتمة التي ترمقه بها، لذا اقترب يقبل رأسها بحنان شديد، ثم همس لها بصوت خافت:
_ اعتني بنفسك يا صغيرتي لحين أعود، سأشتاق لكِ يا فاطمة.
ابتسمت فاطمة وهي تهز رأسها وما كاد يتحرك حتى أمسكت كفه تهمس بتردد وخجل:
_ هل يمكنك... يمكنك معانقتي لمرة قبل رحيلك.
ابتسم لها بسمة مترددة وهو يعود لها يضمها له بحنان شديد، لتدهشه هي بمقدار تطلبها لذلك العناق، تضم نفسها له بقوة مبتسمة، ثم ابتعدت عنه بصعوبة تهمس بصوت منخفض:
_ أستودعك الله.
تحرك المعتصم بعيدًا عنها بتردد وهو يشعر برعب مجهول المصدر، ينظر لها بخوف لأول مرة، ولم يكد يبتعد عنها خطوة حتى اقترب منها يضمها له بقوة يهمس بحب جوار أذنها:
_ حين أعود سوف... أعلن زواجنا حينما أعود حسنًا؟
هزت رأسها ببسمة واسعة وهو فقط تحرك بعيدًا عنها بتردد شديد يلوح لها بالوداع، وهي تراقبه بهدوء وبمجرد أن اختفى عن عيونها تلاشت بسمتها وسقطت دموعها وهي تهمس:
_ حسنًا...
***
توقفت الأحصنة في ساحة القصر وقبل حتى أن يأخذ الحصان وضعه ويتوقف بشكل كامل كان جسد إيفان يقفز عنه بشكل جنوني وهو يهرول بين طرقات القصر بوجه شاحب. وصله الخبر قبل الخروج من سبز فتحرك من فورِه لمشكى، قلبه يكاد يتوقف رعبًا يهمس بصوت مرتجف:
_ ليس مجددًا يا أرسلان، لن تفعلها مجددًا وتقتلني رعبًا عليك أيها الحقير، ليس عدلًا أن أنال أنا كل هذا الخوف كل مرة.
ركض بين ممرات قصر يتبعه سالار وهو يردد الدعاء في نفسه أن يكون أرسلان بخير، وبمجرد أن وصلوا للمشفى، حتى توقفت أقدام إيفان بتردد وكأنه يخشى مواجهة تلك اللحظة، يقترب من الباب بتردد لولا يد سالار التي دفعته وهو يهمس له:
_ استغفر الله وأكثر من إنا لله وإنا إليه راجعون.
أخذ لسان إيفان يردد الدعاء دون شعور وحينما توقف أمام باب الغرفة وابصر جسد أرسلان تراجع بصدمة لولا يد سالار الذي سانده وهو يهتف بهدوء:
_ عساه خيرًا، عساه خيرًا...
همس إيفان برعب وقلبه يكاد يتوقف من مظهر أرسلان وقد وصله خبر تسممه أثناء هجوم مباغت:
_ أرسلان يا أخي.
رفع زيان عينيه صوب إيفان يبتسم له بسمة مرهقة:
_ جلالة الملك مرحبًا بك.
نظر له إيفان بلهفة يهتف وهو يشير صوب أرسلان:
_ هو... هو بخير؟ لقد وصل لي خبر تسممه.
_ لا تقلق هو بخير، مجرد سم سهل العلاج لكن قوي التأثير، سيكون بخير بإذن الله.
تحرك إيفان بتردد صوب أرسلان حتى وصل للفراش الخاص به يجلس جواره يمسك كفه يهتف بصوت منخفض:
_ شلت يد من أراد بك سوء يا أرسلان.
رفع كفه يربت على رأسه، لكن فجأة توقفت يده في الهواء وهو يبصر دمعة تهبط جانب عيون أرسلان، دمعة جعلت قلب إيفان يرتجف وجعًا، وهو يمسحها بسرعة، يميل عليه هامسًا بكلمات خافتة لم تصل لأحد.
بينما سالار يراقب ما يحدث بأعين حزينة والنيران داخل تصدره تدفعه لقتل كل من يبصر من جماعة أنمار أمامه، القصاص يشتعل أمام عينيه.
أما عن أرسلان... فكان ما يزال مسطحًا على الفراش في مواجهة عنيفة مع ماضيه وكوابيسه، وكل ذلك وهو منهك الروح. أصوات كثيرة تتردد في عقله وهو يشعر أن عروق جسده تكاد تنفجر من قوة اشتدادها، نيران تسير بين أوردته وهو يبصر مشهد سلب زوجته يُعاد مرات ومرات.
ارتجف جسده لينتبه له إيفان الذي نظر صوب زيان وكأنه ينتظر منه مساعدة غير منطوقة، ليتحدث الأخير بهدوء وهو يحاول بث أكثر قدر من الطمأنينة بصدره:
_ لا تقلق كل تلك مجرد أعراض للسم، أخبرتك مولاي أنه قوي المفعول ليس إلا، كل شيء سيكون بخير إن شاء الله...
هز إيفان رأسه وهو ينظر صوب أرسلان يربت على خصلاته بحنان قبل أن تتجمد يده ويشتد جسد سالار وتسود عيونه وهو يسمع صوت زيان يكمل جملته:
_ لكن... الشيء الوحيد المقلق هو... جلالة الملكة، لقد أسروها...
***
بعد ساعات...
تحرك بخطوات شبه مهرولة وهو يشعر بدمائه بأكملها تفور داخل عروقه حتى كادت تنفجر وتغرق محيطه بنجاستها. وصل أمام باب المنزل الذي كان بالأمس مقرًا لزوجته السابقة، واليوم أصبح سجنًا لزوجته المستقبلية، تلك المرأة التي تسببت له مشاكل وأرق أكثر مما سببت توبة وقت وجودها، على الأقل توبة لم تكن تحطم عظام رجاله إن اقتربوا من منزلها، بل كانت تكتفي بتهديدات مرعبة بالبتر أو القتل، لكن هذه... "زوجة أرسلان" أكبر وصف لمقدار الشر الكامن داخلها.
وصل لباب الغرفة يبصر رجاله يقفون عليه مرتعبين من الدخول وإحضارها له بعدما طلبها، تنفس بشكل مرعب وهو يهمس بجنون:
_ ما الذي تفعلونه هنا؟ ألم آمركم بإحضار المرأة أيها الحمقى.
تحدث أحدهم بتردد:
_ سيدي لقد... لقد رفضت المجيء وقد أخبرتنا أنها لا تود رؤية وجهك القميء.
اتسعت أعين أنمار بصدمة مما سمع، فشحب وجه الشاب سريعًا وقد أدرك ما نطق به للتو، يحاول التحدث وتعديل ما خرج منه دون أن ينتبه وقد بدأت حروفه تتعثر في طريقها خارج فمه:
_ أقصد... لم... لا أعني هذا، لكن هذا ما أخبرتنا هي به...
اشتعلت أعين أنمار وهو يبعدهم عن وجهه بجنون صارخًا:
_ ابتعدوا عن وجهي، أقسم أنني سأريكم الويل أيها الجبناء، مجرد امرأة وترعبكم وتأمركم، ماذا أنتم فاعلون إن قابلتم رجال الممالك؟
صمت الجميع ولم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة، بينما هو اقتحم الغرفة دون حتى طرق أو تنبيه، فقط اقتحمها دون مقدمات يصيح بجنون:
_ أنتِ أيتها الـ...
فجأة صمت حين أبصرها تجلس على الفراش مقابل الباب شاردة في النافذة المجاورة، ومن ثم رفعت عيونها له بهدوء تراقبه دون ردة فعل، بينما هو اقترب منها يهتف بضيق وغضب قاصدًا إهانة قد تهدأ نيرانه:
_ ما الذي أخبرتيهم به ليتبعوا أوامرك بهذا الشكل؟ وعدتيهم بليلة أم ماذا؟
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تجيب ببساطة ترتشف بعض الماء جوارها ببرود كاد يحرق أعصاب أنمار:
_ فقط ذكرت لهم نفس السبب الذي يدفعك للموت رعبًا.
رفع حاجبه وقد ارتسمت بسمة جانبية ساخرة على فمه، يضم يديه صوب صدره:
_ أوه هكذا إذن، وهذا اعتقادك الخاطئ؟ أنني أخشى ذلك الحقير أرسلان؟ حقًا؟
ختم كلماته وقد أصبح أمامها مباشرة لتنزل قدمها وهي تهبط تقف مواجهة له مبتسمة بسمة هادئة موترة رغم الإرهاق والرعب الذي يتراقص داخل قلبها وقد كان جزء من هذا الرعب موجهًا لزوجها، لا تدرك ما حدث معه، والخوف كل الخوف أن يكون قد تأذى جراء مؤامرة هذا النجس أنمار.
ورغم كل أفكارها السوداء التي تدور داخلها، فقد علمها عملها ألا تظهر للمجرم تفوقه عليها وتلعب على كامل أوتاره لتدفعه دون شعور منه للحافة، لذا وبهمس خاطبت عقله الباطن:
_ أولست؟
_ لا، أنا لا أخشى ذلك الرجل ولو بمقدار شعرة، ولن أفعل، أرسلان سيكون آخر رجل قد يؤرقني مواجهته.
ابتسمت له بسمة مريبة وهي تنظر لعيونه بتركيز جعله يتعجب قبل أن تتحدث بصوت خافت:
_ عيونك...
رفع حاجبه بسخرية وهو يميل برأسه مغازلًا بشكل قذر:
_ جميلة ها؟
_ ترتجف لذكر اسم أرسلان.
ختمت كلماتها وهي تبتعد عنه ببطء تاركة إياه يقف مبهوتًا أمامها، وقد وجدت مدخلها له، تكمل بكل بساطة:
_ أرسلان سيكون آخر رجل يؤرقك مواجهته صحيح، لأنه سيكون محطتك الأخيرة صوب جهنم.
رفع لها عينيه وقد اشتعل بها الشر مخفيًا خلفه خوف من فكرة هزيمة على أيديهم، وهي اتسعت بسمتها تراقب حركة جسده المتململة، وقد اكتشفت شيئًا صغيرًا لطيفًا، هذا الرجل أفشل من تعاملت معهم فيما يخص كبت الانفعالات.
_ هل تعتقد أن مجرد سهم مسموم سيقتل أرسلان؟ أتدري عدد الجروح التي رأيتها بجسده؟ كم ضربة كانت من المفترض أن تكون قاتلة ونجى منها برحمة من الله، فهل تعتقد أنك ستصيبه بسوء لم يكتبه الله عليه؟
صمتت ثواني تراقب صمته وهو ينظر لها دون ردة فعل فقط أعين شاردة في حديثها، لتلقي كلماتها الأخيرة:
_ من يدري ربما يكون الآن يعد لك العدة ليباغتك في عقر دارك ويدكه أعلى رؤوسك ومن معك من الفاسقين.
رفع أنمار رأسه بسرعة مرعبة صوبها يحدق فيها دون كلمة واحدة قبل أن تشتد ملامحه بشكل مرعب وهو يندفع للخارج دون كلمة يصرخ بالجنود:
_ لا أحد يدخل لهذه المرأة ولا تخرج هي وإلا لن أجد أمامي سواكم لقتله.
ختم كلماته يتبعه بصرخة آمرة تحمل خلفها الوعيد:
_ تجمعوا، الجميع بلا استثناء أريدكم في المقر الآن.
اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تراقبه تهتف بانتصار وهي ترى الباب ينغلق شيئًا فشيئًا وكان آخر ما أبصرته هو وجه أنمار المشتعل وهو يتحرك بعيدًا.
_ وهذا ما يسمى الاحتراق البطيء واستنزاف العدو نفسيًا...
***
توقفت أمام الجناح الخاصة بوالدها وهي تعلم أنه يلحق بها مخفضًا رأسه كي لا يبصره أحد في المكان، استدارت له ببطء وهي تراقبه، ثم فتحت باب الجناح:
_ رجاءً حاول جهدك لمساعدته، سأ... سأكون في جناحي وسأوصي بعض الحرس هنا بمساعدتك في حالة احتجت لشيء، و... سأخبرهم أنك أحد الحكماء من الشمال.
كادت تتحرك بعيدًا عنه لكنها توقفت في نفس اللحظة التي كاد يفتح فمه بها يوقفها بأي حجة تخطر على عقله، فمبجرد استدارتها رفع يده وفتح فمه للحديث ولا يعلم ما عليه قوله لكنها مجرد حجج واهية يزيد بها الوقت رفقتها.
ولم يكد يتحدث كلمة حتى استدارت له ليخفض هو يده بسرعة وهو يبعد عينيه عنها يدعي أنه على وشك دخول الجناح، لترفع هي حاجبه بسخرية من أفعاله.
_ ماذا؟
توقف ينظر لها بعدم فهم:
_ ماذا؟
_ كنت تريد قول شيئًا؟
_ لا وأنتِ؟
ابتسمت بسخرية وهي تنظر ليده التي كان يرفعها عاليًا، ليحركها هو يضعها على خصلات شعره يرتبها وكأن ذلك كان مبتغاه منذ البداية بتضحك ضحكة مكتومة أشعرته بالحمق من أفعاله التي تخرج دون تفكير أمام عيونها.
أما عنه فقد أبعد عينيه عنها يحاول الحديث بأي كلمة تزيح غيمة الغباء التي أحاطته في وجودها، وهي فقط تنظر أرضًا تحاول إخفاء ضحكاتها المكتومة، ثم رفعت عينيها له بسرعة جعلت يتوتر لثواني قبل أن يتماسك لتتساءل فجأة ودون مقدمات:
_ كنت قائد جيوش أبي الثاني صحيح؟
رمش دون فهم لغرض السؤال لكنه هز رأسه بهدوء لتكمل هي حديثها ساخرة:
_ الغريب أنك تنتفض كل ثانية بشكل غير متوقع، لا أعرف لماذا لكنني لا أراك تلائم دور قائد الجيوش، لا أتخيلك ترتدي درعًا وتحمل سيفًا وتقود جيشًا.
ابتسم لها بسمة صغيرة ولم يتحدث كلمة واحدة يجيبها بها، سيدعها تتخيل ما تريد فهو لن يبدأ بالتفاخر الآن بمهاراته في القتال وقدرته على قيادة جيش أبيه في كثير من المعارك.
نزار، الذي كان التلميذ الثاني لوالده بعد سالار، تشرب من الملك آزار كل أساليب القتال ووظفها بطريقته الخاصة، فكان له أسلوبه الخاص في القتال. ورغم كل مسؤولياته في قيادة الجيش إلا أنه لم يتخل عن حلمه في دراسة الطب وعلم السموم وأصبح محاربًا برتبة طبيب وعالم، فشكل هدوئه وصمته رعبًا أكبر من تحدثه، كان أشبه بالموت الصامت والخبيث الذي يتسحب بين أوردتك دون شعور منك.
هز رأسه لها بهدوء:
_ سأفحص في البداية الملك بشكل دقيق وحينما أحدد ما أحتاجه سأخبرك بما ينقصني، لا أريد إزعاجًا من أيًا كان إذا سمحتي.
ختم كلماته يميل جزئيًا لها، ثم تركها تنظر له بصدمة متحركًا صوب باب الجناح الخاص بالملك بارق وأغلقه بهدوء بعدما استأذن منها باحترام.
وهي فقط تحدق بالباب مصدومة من كلماته:
_ إزعاجًا؟ يقصدني أنا بالإزعاج؟
أما في الداخل فبمجرد أن خطى للجناح حتى ابتسم بسمة صغيرة وهو يستقبل الملك بارق يخفض رأسه ملقيًا تحية صامتة، ثم اقترب منه بهدوء شديد وخطوات معدودة حتى توقف أمامه يميل هامسًا:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عساك تكون بخير إن شاء الله جلالة الملك.
صمت ثواني، ثم مال يمسك كف يده مقبلًا إياه كما اعتاد قديمًا، يرفع كفه يضعه على خصلات شعره يربت عليها مبتسمًا يتذكر حركة بارق له قديمًا وهو يداعب خصلاته ليستفزه، لكنه كان يستقبل الأمر ببسمة هادئة ولا يتحدث بكلمة ليكون رد بارق في كل مرة هو ضحكة صاخبة وهو يضمه له متحركًا مرددًا بصوت حانق مصطنع: "أنت يا فتى هادئ ومطيع بشكل مستفز".
اتسعت بسمة نزار وهو يجلس على ركبتيه جوار الفراش الخاص به يهمس بهدوء وهو يحدق بوجهه:
_ وابنتك جلالة الملك مستفزة وعنيدة بشكل جنوني، و... مثالية، للأسف أدركت ذلك متأخرًا جدًا رغم أنني كنت آتيك أكثر مما أزور أية مملكة، عجيبة هي الحياة ها؟
ختم كلماته مبتسمًا، ثم فتح الحقيبة التي أحضرتها له توبة وبدأ يفرغ ما فيها بسرعة ودقة. ومن ثم نزع لثامه يتحرر من كل قيوده، قبل أن يقترب من بارق ومن ثم أمسك بعض الأجهزة التي يستعملها عادة في الفحص وشرع يفحص كل علامات التسمم التي قد تدله على السم المستخدم ليدرك المصل المعالج.
_ بسم الله...
***
يقف في منتصف الغابة يراقب بقع الدماء التي نتجت عن الهجوم الغادر على موكب الملك، ومن ثم رفع عينيه بهدوء يحركها في الأجواء الهادئة حوله. وقد كانت عيونه هي كل ما يمكنهم أن يبصروا من وجه المعتصم وقد أعادت هيئته الخشنة هذه في أذهان بعض الرجال، صورة المعتصم الأولى له في المملكة حينما تنكر واختلط بينهم وعلمهم القتال.
تحرك في المكان وهو ينحني يدقق النظر في الآثار التي تقبع أسفل أقدامه، وقد كانت ترشده للجهة التي تحركوا لها.
_ سيدي لقد فحصنا المكان ولم نجد شيئًا صوب بقايا سهام وبعض الثياب الغريبة.
رفع لهم المعتصم نظره وهو يلتقط الثياب من بين يدي الجندي يدقق النظر بها قبل تجذب نظرة علامة مميزة جعلت عينيه تضيق بتفكير يزيد من قبضته على الثوب، ثم نظر للجهة التي تحرك لها الجميع ثواني ومن ثم ابتسم وهو يتحرك صوب حصانه يتحدث بكل بساطة:
_ لنعد إلى القصر.
تعجب الجميع قراره المفاجئ، ورغم ذلك لم يتناقش به أحدهم معه، أما عن المعتصم فقد كان يرسم في عقله ما سيفعله بمجرد العودة، وقد أدرك نصف اللعبة التي أحيكت ضد أرسلان.
كان يتحرك يقود جيشه صوب القصر عائدًا والشر هو كل ما يلمع بعينيه، يتوعد للجميع.
_ يبدو أنهم لن ينتهوا أبدًا، الخائنين سيظلون بيننا حتى يأذن الله بفنائهم...
***
_ سالار فقط توقف عن الدوران ودعني أفكر بشكل صحيح أرجوك، لا تزدها عليّ.
توقفت أقدام سالار عن التحرك وهو ينظر صوب إيفان الذي كان يحدق في الفراغ يحاول التفكير فيما سيفعل بشأن زوجة أرسلان.
_ فعلها ذلك الخسيس، ألا لعنة الله عليه وعلى ذكوريته المزعومة لذلك المخنث.
ختم كلماته يبصق في الهواء جواره بصقة وهمية ممزجة، يتذكر كلمات الأميرة توبة عن ذلك المكان الذي أجبرت على البقاء به والمعاملة التي كانت تفرض عليها ليشتعل دمه غضبًا وهو يشعر بالجنون يكاد يصيبه.
وايفان يراقبه بغضب يكبته قدر الإمكان، يبدو أن الحياة لم تقرر بعد الابتسام لرفيقه، أن تُأسر زوجته على يد أحد الكفار لكرب عظيم قد يصيب أي أحد فما بالكم بأرسلان الذي كان يأبى عليها نظرة عابرة غير مقصودة حتى.
نظر صوب أرسلان وهو يضم كفيه مفكرًا، لم يكن من مصلحتهم الهجوم الآن، ليس حسب خطتهم الأخيرة على الأقل، لكن أسر ملكة مشكى يغير كامل القواعد.
أما عن سالار فقد كانت عيونه حمراء وبشدة يتخيل لو أن ما حدث لتوبة ولسلمى قد يمتد ليشمل نساءهم جميعهن ومنهن زوجته.
انتفض جسد إيفان على صوت المزهرية التي حطمها سالار بقوة لينظر له بصدمة من فعلته، فسالار ورغم بأسه في الحروب لم يظهر يومًا غضبًا وتحفزًا بهذا الشكل.
أما عن سالار فقد كانت أعصابه تحترق، أكثر ما يكره في حياته أن يُقحم أي خسيس النساء بالحروب.
_ سالار ما بك؟ لقد...
ولم يكد يكمل جملته حتى سمع صوت الباب يُفتح بسرعة كبيرة وجسد آخر شخص توقعه يندفع بجنون وهو يصرخ برعب ووجع:
_ أخـــــــــــــــــــــي...
اخفض سالار رأسه بمجرد أن اقتحمت كهرمان غرفة أرسلان يبعد عينيه للخارج ليبصر زوجته تقف وهي تنظر لما يحدث بأعين دامعة تجاورها تبارك وفي الخلف يقبع دانيار والذي أبى أن يأتوا وحدهم من سفيد لمشكى بمجرد تسلمهم الخبر من الجنود الذين عادوا دون الملك أو القائد.
تحرك سالار بسرعة صوب تبارك بلهفة شديدة يشكر الله على وجودها في هذه اللحظة تحديدًا والتي كان في أمس الحاجة لها بها، مر بها وقبل أن تتحدث كلمة كانت يد سالار يجذبها بسرعة مستأذنًا من الباقيين بكلمات مقتضبة ينأى بها عن الجميع لغرفته التي تقبع في أقاصي المكان وتبارك تتحرك خلفه بسرعة ورعب وهي تهتف بعدم فهم:
_ سالار؟؟؟
***
أما عن كهرمان والتي بمجرد أن سمعت الخبر حتى وضعت حجابها تتحرك مهرولة من القصر تصر على السفر ولو كان سيرًا رافضة كل محاولات تميم أو دانيار في قمع رغبتها، تصرخ في الجميع أنها لن تهدأ حتى تبصر أخاها أمام عينيها بخير حال.
سقطت جوار فراشه وهي تهتف بلوعة ورعب تتمسك بكفه باكية بقوة:
_ أخي ما بك؟
سقطت دموعها أكثر تبكي بحرقة كبيرة وهي تهتف والوجع رفيق صوتها ونبرتها خرجت مذبوحة:
_ لا تفعل هذا بي ثانية، أتوسل إليك، والله لن أحتمل حياة لست بها يا أرسلان، ارجوك ارجوك كن بخير لأجلي على الأقل، أتوسل إليك يا أرسلان لا تفعل هذا بي، لا تجبرني على العيش يتيمة مرة ثانية بعدك.
ختمت حديثها تستند برأسها على يده باكية بكل حرقة وقد عادت لها نفس مشاعر البؤس واليتم التي جربتها ذلك اليوم وهي تخرج من القصر هاربة بعدما وصل لها خبر قتله، ارتجف صدرها وهي تهمس بحرقة وقهر:
_ يا أخي أرجوك... أرجوك... أنا أرجوك.
ويبدو أن لسانها قد عجز في هذه اللحظة عن الخروج بأي كلمة أخرى، إذ اخذت تتوسله دون توقف، لا تقدر على إيجاد كلمات أخرى.
أما عن إيفان فاقترب منها يجلس أرضًا جوارها يربت على كتفها، يحاول أن يشد أزرها وهو من يحتاج لمن يشد أزره، ولد وحيدًا ولم يبأس لأنه ومنذ وعى لهذه الحياة وجد أرسلان جواره يخبره أنه أخوه، بل ووصل به الأمر على إجباره أن يتخذه أخًا، فقد كان إيفان في طفولته يفضل الوحدة وينطوي بنفسه عن الجميع متخذًا من الكتب رفقاء، قبل أن يقتحم أرسلان حياته يجذبه من ثيابه بقوة مجبرًا إياه على الخروج معه للحديقة وهو يتحدث بلا اهتمام كعادته: "يا فتى سينبت لك كتاب بدلًا من رأسك هذه، توقف عن القراءة لثواني واستمتع بالحياة."
"لكنني أستمتع بها وأنا أقرأ يا أرسلان لذا لمَ تستمر في إزعاجي، دعني أفعل ما أريد وتوقف عن همجيتك هذه."
توقفت أقدام أرسلان الصغير وهو ينظر له من أعلى لأسفل باستنكار وبسمة ساخرة: "الكتب لن تقف في ظهرك يومًا إن غُدر بك، ولن تربت عليك إن بكيت ولن تؤنس وحدتك يا أخي، تحتاج للبشر في حياتك كذلك، اكتسب منهم ما استطعت فيكونون لك عونًا في حياتك، وأحسن انتقاء من تصاحب، هكذا تخبرني أمي، ولم أجد أفضل منك لتصاحبني حتى إذا بكيت أنت يومًا أصفعك لأن الرجال لا يبكون، ومن ثم أضمك لأنك أخي، أولست؟!"
ابتسم إيفان وهو يراقب جسد أرسلان المسطح على الفراش بتعب واضح وشحوب مخيف، وجسد يرتجف كل ثانية بشكل مرعب:
_ وأكثر يا أخي.
تنهد يضم له كهرمان بقوة وهو يهمس لها بكلمات خافتة حنونة:
_ سيكون بخير يا عزيزتي لقد أخبرني زيان طبيبه أن الأمر سهل إن شاء الله خاصة أن أخيك عنيد كالثور لن يهزمه سم ضعيف كهذا صحيح؟
رفعت كهرمان عينيها له تهمس بوجع:
_ أنا خائفة يا إيفان، كثرة الضربات تفتت الصخر.
_ وشقيقك ليس صخرة يا كهرمان، بل صوان عزيزتي، لو كان صخرة لتفتت منذ سنوات طويلة، حمدًا لله أنه ما يزال بعقله بعد كل ما مر به، سيكون بخير يا عزيزتي.
صمت يربت عليها ولم يشعر أنهما أصبحا وحدهما في المكان بعدما خرج الجميع تاركين إياهما دون إزعاج، بينما كهرمان شردت في أرسلان تهمس بصوت منخفض مرتعب:
_ أخي نضج على الوجه أخشى أن يعتاده فلل يشعر بعدها بشيء ويصبح بلا روح.
ابتسم إيفان بسمة صغيرة حزينة على صديقه:
_ لا أعتقد، فأخيكِ وجد روحه يا كهرمانتي، وجد روحه قبل أن... "يسرقوها عليه ويسلبوه إياها".
كلمات كبتها بصعوبة داخله وهو يضغط على يده بغضب شديد يتوعد لهم بالويل، أرادوا إخراج أسوأ ما فيه لذا ليتحملوا...
نظرت له كهرمان بعدم فهم:
_ ماذا لم أفهم، هل حدث شيء أجهله؟
_ كنت سأخبرك بمجرد عودتي، لكن أمر الله نفذ قبل ذلك.
اعتدلت كهرمان في جلستها وهي تنظر له بعدم فهم تحاول أن تلتقط مقصده من نظراته، لكن منذ متى استطاع أحدهم اختراق عقل إيفان؟
_ إيفان تحدث بما تعلم فأنا لا أمتلك عقلًا الآن يمكنه التفكير بشيء ما الذي حدث لأخي ولا أعلمه؟
ابتسم لها يضمها مربتًا عليها بحنان كبير:
_ لقد... تزوج أخوك.
اتسعت أعين كهرمان بقوة وهي ترتجف للحظات بين يدي إيفان الذي ضمها له أكثر يربت عليها هامسًا بصوت حنون:
_ لقد جاء الأمر دون تخطيط منه، ولن يخبر أحدًا لضيق الوقت وقد نوى أن يخبرنا ويدعونا لإشهار العقد، لكن حدث ما حدث، و...
قاطعته بهمسة واحدة:
_ سلمى؟
_ نعم.
اتسعت بسمة كهرمان وهي تنظر لوجه إيفان بسعادة طاغية وقد بدأت دموعها تتجمع مجددًا داخل عينيها:
_ هل... هل أنت جاد؟ أخي تزوج سلمى؟ وكيف... رأيته معها؟ كيف كان؟ سعيدًا؟
سقطت دمعتها مع كلمتها الأخيرة وهي تأمل بأن يجيب بنعم، تتمنى وتدعو الله أن يعثر أخوها على سعادته المنتظرة.
أما عن إيفان والذي توقع حزنًا من جهتها لأن أرسلان لم يخبر أحدًا ونسي أن زوجته تتغاضى عن كل شيء طالما أن النهاية ستكون بسمة ترتسم على شفتي شقيقها، أرسلان الذي كان والدها الفعلي منذ طفولتها، يدرك أكثر من الجميع أن أرسلان كان حائط الصد أمام شقيقته يتلقى كل الضربات على أن تكون كهرمان سعيدة ومبتسمة.
_ يكفيكِ معرفة أنني لم أبصر أرسلان يبتسم من قلبه منذ سنوات سوى معها، لقد رأيت منه جانبًا ظننت أن الله سيأخذ روحي قبل أن أبصره بأخيكِ.
انتفضت كهرمان تمسك يده برعب:
_ يا ويلي لا تتحدث بهذه الطريقة يا إيفان، عسى أن يديم الله وجودك جواري.
ختمت كلماتها تستدير صوب أرسلان ببسمة واسعة تهمس بسعادة وقد تساقطت دموعها تقترب منه تميل على جبهته تقبلها بحنان:
_ عساها تكون سعادة العمر ورفيقة الحياة يا أخي، مبارك لك رفقتك يا عزيزي.
نظرت لإيفان الذي كان يطالعها بحنان وحب لتخجل هامسة:
_ و... أين هي... أين هي سلمى؟ هل هي بخير؟
السؤال الذي تمنى ألا تطرحه زوجته ليس في الوقت الحالي وهو لا يمتلك إجابة قد تريح صدرها، نظر أرضًا وهو يضغط على يده بقوة وغضب يفكر فيما يحدث مع رفيقه.
_ كهرمان لقد كانت جلالة الملكة مع... مع أرسلان في الوقت الذي هاجم به.
انطلقت شهقة مرتفعة من فم كهرمان وهي تتحرك ببطء صوب زوجها تنظر له بتردد تحاول أن تدرك ما يقصده من ذلك الصمت المرعب:
_ و؟؟؟ هل هي... هل أصيبت كأخي؟
رفع عينيه لها عاجزًا وغاضبًا يحاول كبته، غضب جعل كهرمان تتوقع الأسوأ فغضب رجل كإيفان ليس من السهل أن يغضب، رجل لا تستفزه الحروب ولا الاتهامات ولا يحركه شيء، ما أسوأ ما يمكن أن يحدث ليصدر هذا الغضب منه؟
ولكن إن توقعت كهرمان السيء، فما حدث كان الأسوأ إذ نطق إيفان بصوت منخفض وهو يتنفس بصوت شبه مسموع:
_ كانت معه في الموكب نفسه وقت الهجوم و... أصابوا شقيقك بسهم مسموم غدرًا من بين الأشجار حينما كان في قتال مع اثنين بالسيوف و... أسروا زوجته...
رواية اسد مشكي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رحمه نبيل
لم يدرك أحد الخطوة القادمة، ولأول مرة ينجح ذلك المدعي للرجولة أنمار في تشتيت الصفوف والنفوس لوقت ما.
نجح في تشتيت العقول وبكل سهولة، لم يكلفه الأمر سوى سهم وبضع قطرات من السم، واختطاف امرأة. وربما ذلك الجزء كان أسهلهم، فهو سبق وفعل الأمر مئات المرات وما يزال يفعل وسيفعل.
كانت النساء هو الجزء الذي يمنحه سيطرة ذكورية مؤقتة وجرعة انتصار فعالة، لذا حتى وبعد كل ما حدث له لم يتراجع عن أفعاله بحقهن.
لكنه لم يحسب حسابًا لوجود تلك الدخيلة في حجره.
كانت تجلس في تلك الغرفة بكل هدوء، لا تصرخ ولا تقاوم ولا تصدر أصواتًا تخبرهم حتى إن كانت ما تزال حية، ولا تسمح لأحدهم بدخول غرفتها.
فقط تجلس هناك في ركن الغرفة تضم جسدها وهي شاردة الأعين، صامتة وكأنها تحلق في عالم آخر، روحها تطوف بعيدًا عن كل هذه القذارة، وعقلها كان معه.
سقطت دمعة دون شعور وهي تغمض عيونها، تستند على ذراعها بهدوء شديد، ولا تدري حقًا متى كانت آخر مرة بكت. ربما كانت قبل شهور من مجيئها هنا بسبب تذكرها والدها وشعورها بالوحدة، لكن كل ذلك تلاشى حينما أبصرته، والآن هو كذلك على وشك التلاشي.
زادت دموعها انهمارًا وهي تهمس بكلمات غير مسموعة، تخاف وترتعب من أي ضرر قد يكون مسه وهي ليست بجواره، تدعي أن يكون السهم أخطأ قلبه.
القلق يملء جسدها، رغم ادعاءها قوة أمام الجميع، إلا أنها ترتجف داخليًا من ألا تأتيها النجدة هذه المرة كما كان يحدث معها سابقًا.
تخشى ألا تأتيها النجدة في المرة الوحيدة التي تمنت بها الخروج من كل ذلك حية، المرة الوحيدة التي كان لديها ما تعافر لأجله، المرة الوحيدة التي امتلكت من ينتظرها.
فجأة انتفض جسدها بعنف وهي تسمع صوت صرخات مرتفعة تأتي من الخارج. نظرت صوب الباب بأعين شاردة غير مهتمة، لا تهتم بشيء بقدر الخروج من هنا أو حتى الاطمئنان على أرسلان ولو بكلمة.
لكن أصوات الصرخات ازدادت، والتي اتضح بعد ثوانٍ أنها صرخات... فتاة صغيرة؟
نهضت سلمى من مكانها تتحرك صوب الباب بتحفز، لا تفهم ما يحدث وتخشى أن تكون هذه مجرد وسيلة لجذبها خارج وكرها الذي تتخذه درعًا.
لكن أصوات استنجاد الفتاة خلع قلبها من صدرها وهي تفتح الباب بسرعة، تتقدم بخطوات سريعة صوب التجمع الذي لاحظته جوار أحد المنازل وصوت الصراخ يرتفع وأصوات الرجال تصدح بشكل مرعب.
لتزداد خطواتها بقوة وهي تصرخ:
"ماذا تفعل بهن، ماذا تفعل أنت؟!"
توقفت يد الرجل والذي كان في طريقه لجذب الفتاة من أحضان والدتها، واستدار سلمى يرمقها بنظرات تقييمية قبل أن ينأى عنها بنظره صوب الفتاة الصغيرة والتي كانت بالكاد تتم الحادية عشر أو ربما أكبر قليلًا، يجذبها من أحضان والدتها صارخًا بضيق وقد استنفذت المرأة صبره:
"هيا دعيها، اتركي الفتاة أخبرتك أنكِ ستحتفظين بها لحين تنضج ومن ثم تكون لي."
كلمات كثير نطق بها ذلك الرجل تحت مسامع سلمى التي لم تفهم مقصده ولم تدرك غرضه. نظرت للجميع ترتجي توضيحًا ولو كان بنظرة، لكن الجميع كان يحاول مساعدة المرأة ومنع الرجل من أخذ ابنتها منها وهم يدركون أن مصيرها سيكون بضاعة مزجاة لأحد الرجال هنا وعلى يد والدها الذي كان مغتصب والدتها في المقام الأول.
عالم آخر من القذارة كان يختبأ بعيدًا عن جدران الممالك الآمنة، نساء سُلبوا من عوائلهم لسنوات حتى ظن الجميع بهم الموت، وأقاموا لهن سرادق العزاء، وفي الحقيقة كانت تلك السرادق تُقام على أرواحهن.
فمنذ اللحظة التي تُسلب بها المرأة من عائلتها لا تعود امرأة مجددًا، بل مجرد أدوات للتكاثر ولزيادة أعدادهم، فإن أحضرت صبيًا كان جنديًا وعونًا للكفار، وإن رُزقت بفتاة أصبحت مرتعًا للرجال.
حياة بشعة تختبأ في الجزء المظلم من الممالك بعيدًا عن متناول التطهير الذي شنته الممالك مرات عديدة.
اقتربت سلمى بتردد من الجميع، لا تدرك ما يحدث كي تتدخل وتساعد، لذا تحدثت بصوت هادئ:
"الفتاة لا تريد الذهاب معك، لذا دعها فأنت لن تجبر أحدهم على شيء لا يريده."
وكم كانت تلك الجملة مضحكة، ولولا صعوبة الموقف الذي هن به، لكانت النساء حولها انفجرن في موجة من الضحك، فما الذي يحدث معهن وكان بإرادتهن؟
سقطت دمعة الأم وهي تنظر لسلمى، والتي كانت تدرك من ثوبها ومظهرها غير المألوف أنها ملكة مشكى التي جاءت كوافدة جديدة وتناقل الجميع أخبار تحديها لأنمار دون خوف.
"ارجوكِ ساعديني، يريد سلب ابنتي مني و..."
"توقفي عن الخرف يا امرأة، فهي ابنتي كذلك، هيا تعالي يا ابنتي لأحضان أبيكِ."
انكمشت الفتاة في أحضان والدتها وهي تصرخ باكية مرتعبة من مصير أُلقيت له فتيات غيرها، مصيرًا تدرك أن نهايته هلاك لها.
"ارجوك لا، ارجوك لا أريد، لا أريد."
نظرت لها سلمى وهي لا تفهم ما يحدث وإلى أين سيأخذ الرجل ابنته، ولمَ هذه الممانعة والبكاء. لا يعقل أن كل هذا لأنه فقط يريد أن يحتفظ بابنته.
علقت بعدم فهم والشك يلوح أمامها:
"ما الذي يحدث هنا؟؟ هلا وضح أحدكم، أين يريد ذلك الأصلع أخذ الفتاة ولماذا يصر على الأمر؟"
بكت الأم وهي تضم ابنتها برعب وهي تهمس ناظرة لزوجها أو... الرجل الذي نصب نفسه زوجها، دون حتى عقد شرعي أو غيره، هو فقط اختارها من بين النساء وأخبر الجميع أنها له، وبهذا تصبح في عرفهم زوجته، وفي أعرافها مغتصبة.
"يريد... يريد بيعها للرجال... يريد التجارة بها وبيعها لبعض الـ... بعض القذرين أمثاله ليتخذوها..."
صمتت ولم تكمل ما كادت تنطق به، وقد خانتها قوتها وشُلّ لسانها، ولم تستطع إكمال كلماتها وهي تهتف بصوت خرج بصعوبة من بين شهقاتها:
"يسعى لتحويلها لنسخة مكررة منا..."
ختمت كلماتها تشير للكثير من الفتيات حولها، وقد رُسمت المعاناة على الوجوه واضحة بشكل مرعب، وكأنها تبصر نسخًا مكررة من نفس المرأة بملامح مختلفة.
أطلق الرجل صوتًا قذرًا وهو يتحرك صوبها يصرخ بنبرة مهددة:
"أيتها الـ..."
وقبل إكمال جملته شعر بفكه يتحطم بعد تلقيه ضربة قوية، ليتراجع للخلف بصدمة وهو ينظر لسلمى التي كانت في هذه اللحظة تبصر جحيمًا للنساء على هذه الأرض.
جحيم انعكس في نظراتها للرجل وهي تهتف بكلمات محذرة وصوت مرعب:
"أسدي معروفًا لذاتك واخفي وجهك من أمامي وإلا جعلتك عبرة للباقية هنا."
اتسعت أعين الرجل أكثر وهو يعتدل في وقفته يتحرك لها بعنف والشر ظاهرًا في عيونه، لكن لم يكد يقترب منها خطوة واحدة حتى مالت سلمى في ثوانٍ معدودة تلتقط صخرة من الأرض، وفي ثوانٍ كانت دماء الرجال تتأثر على الوجوه حولها وصوتها يصدح في الجحر بأكمله وهي تصرخ بجنون:
"لا تقــــــتــــــــــــــرب..."
والرجل في هذه اللحظة كان شبه جثة هامدة في الأرض، بينما هي نظرت للنساء خلفها وقد كن بوجه شاحب، ثم نظرت أمامها تبصر المزيد والمزيد من النساء والكثير من الرجال الذين بدأوا يتجمعون على صوتها لتصرخ وهي تلوح بالصخرة الملئية بدماء الرجل في الوجوه:
"ليتجرأ ويقترب أحدكم خطوة واحدة، فقط تجرأوا واقتربوا..."
بدأت نظرات السخرية ترتسم على ملامح الرجال، فالمنطق والواقع يقود لأن تصبح كفتهم هي الراجحة، هم رجال وهي امرأة، هم كثر وهي واحدة.
لكن يبدو أن غضب وجنون سلمى في هذه اللحظة لم يجعلها تبصر ما توقع به نفسها، ربما في غمرة جنونها نست أنها ليست داخل السجن وهؤلاء ليسوا مقيدين كالسجناء ولا حراس في الخارج للتدخل في حالة تفاقم الأمور.
كل ما كانت تبصره هو الكثير والكثير من هؤلاء النساء الذين كانت تقرأ عنهم في الصحف يوميًا، نساء مقهورات على أيدي ذكور بلا ضمير.
فجأة انقسم التجمع وظهر أحد الرجال الذي وقف أمامها وجهًا لوجه دون أن تهتز له شعرة واحدة حتى يراقبها باستهزاء شديد:
"دعي الصخرة وعودي لغرفتك جلالة الملكة ولا تتدخلي فيما لا يعنيكِ."
ابتسمت له سلمى بسمة ساخرة أكثر من بسمته حتى:
"الشيء نفسه لك، ارحل عن وجهي ولا تتدخل فيما لا يعنيك، أنت لا تريد أن ينالك ما نال غيرك."
نظر الرجل صوب ضحية سلمى الأولى وهو يبتسم بسخرية يضرب الرجل في معدته دون اهتمام:
"تقصدين ذلك الضعيف الجبان؟! هو حتى لم يستطع رد ضربتك، أما أنا فيمكنني تحطيم عظامك كلها بضربة واحدة."
اقتربت منه سلمى وهي تنظر له بدقة تراقبه وتسأل بلا مقدمات:
"أنا أعرفك، رأيتك سابقًا صحيح؟!"
اتسعت بسمة الرجل أكثر باستهانة:
"نعم ذلك اليوم مساءً حينما كنت في اجتماعًا مع زوجك في القصر، دعيني أعرفك بنفسي بشكل لائق أكثر، أنا أرسلان قائد جيوش سبز الأول."
صمتت سلمى ثوانٍ تحاول إدراك ما نطق به لتهتف فجأة بصدمة:
"أوه حقير خائن آخر؟!"
نظرت له من أعلى وأسفل ثم هتفت وهي تتأتأ بشفقة قبل أن تبصق بصقة وهمية جواره، وقد رأى أرسلان في هذه اللحظة أرسلان متمثلًا بها وبتصرفاتها، كان يقف أمام أرسلان بنسخته الأنثوية.
أما عنها تحدثت وهي تنظر له باشمئزاز:
"سبحان الله يعز رجال اختاروا الذل لأنفسهم، الله فضلك بالعقل والعزة ومنحك منزلة يتمنى الجميع الوصول إليها لتنبذها وتلهث خلف مكانة ينأى عنها البعير، يا حقير."
ختمت حديثها تبعد عيونها عنه دون اهتمام، ثم أشارت للنساء واللواتي كن خمسة وفتاتين، تشير صوب غرفتها:
"الحقن بي لا قبل لي بتنفس المزيد من الهواء المشترك مع هؤلاء القذرين، ومن تريد الانضمام لنا فلتلحق بي."
ختمت حديثها ولم تكد تتحرك حتى سمعت صوت أرسلان يردد:
"هل تنصبين نفسك حامية لهن؟! اذهبي لغرفتك وتصرفي كأي ملكة تنتظر الطعام ومن يخدمها، دور البطولة لا يليق بكِ جلالة الملكة."
توقفت تنظر له نظرة جانبية:
"الشيء ذاته لك، الرجولة لا تليق بك، فلا تدعي قوة لا تمتلكها."
نظرت للنساء ثم عادت تجذب أياديهن، وتحركت بهن أمام الجميع تحت أعينهم المصدومة، وأرسلان يراقبها بأعين هادئة دون أي ردة فعل، قبل أن ينظر للجميع ومن ثم تحرك بعيدًا تاركًا الكل في صدمته والحراس يقفون محتارين، لا يدرون أيجب عليهم التدخل أم الرجوع لأنمار؟!
وبعد تفكير ثوانٍ اختاروا الرجوع لأنمار والذي كان قد أمرهم بعدم التعرض لها بأي شكل من الأشكال.
عاد أخيرًا بعد رحلة صغيرة مع والده في البلاد وقضاء ليلته في منزل والده، وقد كانت هذه لحظات توديع والده والذي وعده بالعودة له حينما ينتهي من تصفية حياته في العالم الآخر.
"أبي أرجوك لا تدعني مع هؤلاء الأشخاص، لا أحد منهم طبيعي أشعر أنني في عالم غريب، هذا ليس عالمي لا تجبرني على حياة لم أعتدها ولن أفعل."
تقدم جلال بين طرقات القصر بملامح واجمة من إصرار ولده على نفس الحديث منذ عرف منه أنه سيعود للبرازيل فجر الغد.
"كان هذا خطأ أحاول إصلاحه الآن خالد."
توقف خالد يهتف بضيق شديد:
"هذا ليس عدلًا، لا تدفعني لعيش حياة ما، ومن ثم تنتزعني منها بالإجبار لتجبرني مجددًا على عيش حياة لم أعتدها، بل وتحزن لأنني لا أتقبلها أبي."
كانت كلمات خالد مستاءة وقد ضاق به صبره بعد كل ما واجهه من والده والجميع حوله، وكأن الاختيار كان بيده، نعم يدرك أن جزءًا من حياته كان باختياره وللأسف الجزء السيء هو ما كان، لكن لا أحد منعه أثناء حدوث ذلك، الآن يأتون لمنعه بعد حدوثه.
نظر له جلال بعجز يدرك أن جزءًا من الخطأ يقع على عاتقه، لكنه لا يود التأخر في إصلاح ما أفسده سابقًا.
تنفس بصوت مرتفع ولم يكد يفتح فمه للحديث بكلمة حتى أبصر جسد خالد ينتفض حينما رأى العديد من الجنود المصابين يمرون وهم يتحدثون عن... هجوم على موكب الملك.
ضيق خالد ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يراقبهم يحاول إدراك ما سمع منذ ثوانٍ قبل أن يتحرك خلفهم صوب المشفى ليستفسر أكثر عما سمع.
أقدامه تتحرك بسرعة وقد بدأ ناقوس الخطر يطرق داخل عقله.
وبمجرد أن خطى للمشفى أبصر الكثير من الجرحى بشكل مرعب والعديد من الكلمات تتطاير حوله ولم يهتم بشيء منها سوى جملة واحدة (الملك سيُحيل المملكة لجحيم حينما يستيقظ ويكتشف أمر أسر الملكة).
اقترب خالد من الجمع ببطء وهو ينفي ما وصل لعقله وأدركه منذ ثوانٍ يتحدث بصوت مرتجف وهو يحاول أن يصف ما يفكر به علّ أحدهم يرحم رعبه الذي بدأ يسيطر عليه، يشير بيده مرتجفة صوب الخارج:
"لقد... هل أنتم من كنتم رفقة موكب أختي؟ هل كانت معكم في نفس الـ... الرحلة؟! لقد... ذهبت لرحلة ولم تعد بعد أين هي أختي؟!"
نظر له الجميع دون فهم حول مقصده، ليتحدث أحد الرجال بشفقة على شحوبه:
"أختك من يا أخي، نحن لا نعلم من تقصد بحديثك؟!"
"أختي... زوجة الملك هي... سلمى."
ظهرت علامات الإدراك على وجوه الجميع وكذلك الحسرة والخزي ونظر بعضهم أرضًا يحمل نفسه مرارة الخزي لفقدهم الملكة، بينما الرجل ابتلع ريقه يهتف بصوت منخفض بعض الشيء:
"هي... جلالة الملكة كانت... لقد تعرضنا لهجوم أثناء عودتنا من سبز وتسبب هذا في خطفها."
شهق خالد برعب وهو ينظر حوله يحاول أن يستوعب ما قيل:
"أختي؟؟ خُطفت؟!"
نظر صوب والده المرتعب وهو ينبس برعب:
"سلمى يا أبي، يا ويلي أين هي؟! ما الذي فعلتموه بها؟! لقد... لقد كانت بخير و....."
فجأة ثار بجنون وهو يصرخ بصوت مرتفع في الجميع وقد وصل لأقصى مراحل تحمله:
"لقد كانت معكم ومع ملككم، ما الذي فعلتموه بها؟! أين كنتم وأين كان هو؟! أين أختي، ماذا فعلتم بصغيرتي يا قوم؟!"
اقترب جلال وهو يحاول أن يهدأ ولده وقد بلغ توتره أشده:
"خالد أهدأ دعنا نـ..."
"أهدأ؟! يخبرونك أن سلمى تم أسرها؟! هذه اختي، لقد خطفوها من بين أيديهم بسهولة وهم ماذا فعلوا؟! ماذا فعلوا لها يا أبي؟!"
انتبه سالار لصوت الصراخ الصادر من أمام غرفة أرسلان لذا نهض عن مقعده يتقدم صوب الصوت متعجبًا:
"خير يا أخي ما سبب صراخك هذا؟!"
استدار له خالد وهو ينظر له بأعين موجوعة مرتعبة مما يحصل مع سلمى:
"ومن أنت لتسألني، بل من أنتم جميعًا، وماذا تفعلون في حياتي أنا واختي ما الذي يحدث هنا؟! أين كنتم أثناء اختطافها؟!"
نظر له سالار بعدم فهم ليدرك في ثوانٍ وبعد تفكير من يقصد بحديثه، لذا تحرك صوب خالد يجذب مرفقه بهدوء وهو يتنحى به جانبًا:
"تعالى معي لنتحدث يا أخي و..."
ولم يكد يكمل كلماته حتى شعر بمقاومة من خالد وقد بدأ صبره وجنونه يزدادون:
"لا أريد التحدث بل أريد اختي وسنرحل من هنا و..."
قاطعه هذه المرة سالار وهن يسحبه جانبًا بقوة بأعين حادة يردد بهدوء لكن مخيف:
"أهدأ وتحرك معي يا أخي ولا تستفز بقايا ذرات صبري."
"ومن أنت لأفعل يا هذا؟!"
جذبه سالار جانبًا بقوة يتجاهل كلماته مدركًا حالته، وهو يشير للرجال أن يتحرك كلٌ لعمله، يتحدث ببسمة صغيرة:
"عبدٌ فقير إلى الله."
ارتجفت كل ذرة من ذرات جسدها وهي تسمع صوته، نفس الصوت الذي كان يهتف باسمها كلما عاد من عمله في المشفى، نفس المشفى التي أجبرها بعض رجال ذلك القذر على رؤيتها تنفجر بمن فيها ليقنعها أنه تخلص من زوجها ولم يذر من عائلتها فردًا، معتقدًا أنه بهذا الشكل يحطم هامتها ويكسر عزيمتها ولم يدرك أنه بهذا الشكل كسر بالفعل نازين المرأة المسالمة والمسكينة، وصنع وحشًا لن يتوقف حتى ينال قصاصًا مستحقًا.
صنع امرأة داست كل شيء أسفل أقدامها لأجل انتقامها.
الآن وبعد كل تلك السنوات تبصره أمامها كما تركته، الفرق أن الأحزان رسمت خطوطها على وجهه بمهارة عالية.
شعرت أن الهواء ينسحب من حولها لدرجة أنها ربتت على منطقة صدرها وهي تفتح فمها بقوة تحاول أخذ أنفاسها تمد يدها لتستند على شيء ولم تجد غير السقوط أرضًا مستندة على قبر؛ قبرها...
ارتجف جسدها من تلك الفكرة، ترفع عيونها المفزوعة صوب زيان الذي كان ما يزال يحمل مصباحه يحدق أمامه بأعين مصدومة مليئة بالدموع يهتف بكلمات غير مسموعة.
الصدمة شلت كليهما، ما وجد أحدهما كلمة واحدة لنطقها.
ازداد بكاء نازين بخوف وهي تدفن وجهها بين يديها تهتف بوجع وصوت مرتفع:
"أنت لست حقيقة، أنت لست كذلك، أنت لست حقيقة، أنت لست كذلك، لست كذلك، لست كذلك زيان، لست كذلك..."
أما عن زيان فقد بدأ يدرك ما يحدث حولها ينخفض بجسده في تردد شديد وما يزال حاملًا للمصباح، يحاول التنفس بشكل طبيعي، يراقب وجهها عن قرب، ثم وبكل الوجع داخله مد يد مرتجفة صوبها لتغمض هي عيونها ومازال هزيانها يتردد وهي تكرر كلمتها نفسها (لست حقيقة...).
أما عنه فحينما لمست أطراف أصابعه الباردة وجنتها شعر وكأنه لمس جمرًا ملتهبًا ليتراجع للخلف مرتعبًا ومازال المشهد رحيلها يتكرر أمامه.
مشهد لن ينساه طالما كان حيًا.
كان يبكي جوار جثة أبنائه وهو يصرخ بوجع، ومن ثم وبعد دقائق انتقض جسده برعب يهتف باسمها بين الجميع كالمجنون:
"نازين... زوجتي... أين هي لقد كانت معهم في المنزل، نازين... نازين أين هي... زوجتي... زوجتي كانت مع ابنائي."
كان يركض بين المشفى كالمجنون يتمسك بالجميع وهو يشير على أبنائه يحاول الوصول لمعلومة عن زوجته، لن يفقدهم جميعًا، لن يفقد روحه بالكامل.
وفجأة سمع صوتًا يهتف بوجع لامرأة مسنة يعلمها تمام العلم تمسك يديه وهي تهتف بوجع وقد كانت هي منة جاءت مع أبنائه:
"لقد... حاولنا البحث عنها بين حطام المنزل ولم... لم نجد سوى...."
توقفت عن الحديث وكأنها أشْفقت عليه من نطق الكلمة، أشْفقت من قول تلك الكلمة التي سمعها من أحد الرجال الذين يجاورونه في نفس المنطقة.
"لم نعثر سوى على بقايا أشلاء زوجتك."
بقايا أشلاء حملها في كفنٍ صغير بحجم حقيبة طفل في الروضة، حملها بين يديه وهو يرتجف من هول ما أصاب حياته بين فنية والأخرى، حملها وكاد ينهار أرضًا لولا أيدي البعض وهم يدفعونه صوب الأكفان يحملونها للقبور، وهو يبكي بوجع عليهم يردد أسماء الجميع علّ أحدهم يجيبه، علّ صرخة أحدهم تخرجه من ذلك الكابوس.
سقطت دموع زيان بقوة وهو يحدق بوجه نازين الذي يجاور قبرها، ذلك القبر الذي ظل يبكي جواره أسبوعًا بأكمله حتى كاد يفقد عينيه لولا عودة الملك بعد أسابيع طويلة وبحث عنه خصيصًا ينتشله من ضياعه مجبرًا إياه على تحمل مسؤولية القصر ليبعده عن أحزانه التي يغرق بها نفسه.
أرسلان والذي كان رفيقًا له منذ كان جنديًا بجيش والده، لم يكن مقربًا لكنه كان على علاقة طيبة معه، وحينما علم ما حدث جاء واجبره على العمل بمشفى القلعة، خاصة وأن المشفى التي كان يعمل بها انفجرت ذات يوم، ولولا رحمة الله به وجلوسه جوار قبور عائلته يرثيهم، لكان ممن ضاعوا خلال انفجار المشفى.
ازدادت دموع زيان بالتزامن مع ارتفاع صوت شهقاته وهو يشعر بأنه على وشك الجنون، يهذي باسمها مرتعبًا من تلك الفكرة:
"أنتِ... أنتِ حية؟!"
نظرت له بوجع تهمس من بين بكائها باسمه وبصوت مرتجف:
"زيان..."
ألقى زيان المصباح بسرعة مرعبة وهو يسحبها لاحتضانه بقوة مخيفة يطلق صرخة ملتاعة وهو يردد اسمها دون شعور مرتعبًا أن تكون مجرد خيال، يخشى إخراجها فتتبخر من بين ذراعيه.
"نازين... نازين أنتِ هنا... أنتِ هنا... أنا... أنا... أنا... نازين أنتِ... أنا لقد بحثت عنكِ، لم أصدق... لم أصدق لم... أنتِ حية؟!"
توقف عن الحديث وقد ضربه العجز عن نطق كلمة بينما نازين انهارت في موجة بكاء حارة وقد شعرت فجأة وبعد أيام طويلة أنها بالفعل حية... وبعد أسابيع من المعاناة وشهور من الوجع تشعر أخيرًا أنها حية.
"زيان..."
بكى زيان بصوت مرتفع وهو يضمها بقوة يتحدث من بين شهقاته:
"بالله عليكِ أخبريني أنك حقيقة، استحلفك بالله ألا تتلاشي من بين أحضاني، وإن كنتِ حلمًا فليقبض الله روحي قبل الاستيقاظ منه، ظلي هنا جواري نازين، أرجوكِ... أنا أرجوك نازين، أتوسل إليكِ."
ختم كلماته وهو ينخرط في بكاء حار، بينما نازين لم تستطع نطق كلمة واحدة بسبب بكائها وهي تضم نفسها له وهو فقط يحاول التنفس بشكل طبيعي، بينما هي تضم نفسها له وقد عجزت عن نطق كلمة واحدة تأبى التصديق، ما تزال في حالة عجز بسبب ما تشعر به، تود الصراخ بعقلها أن يستفيق من غفلته، لكن قلبها أبى الاستيقاظ من ذلك الحلم الجميل.
سقطت دموعها أكثر ولم يعلم أيًا منهما ما يحدث لفترة طويلة، حتى شعر زيان بارتخاء شديد بجسد نازين، حرك عيونه بهدوء لها ليبصر رأسها وقد ارتخت أعلى كتفه بهدوء شديد وهو ينظر لها يتحسس وجهها يحاول التصديق أنه يبصرها، نظر حوله بعجز يبحث عمن يخبره أنها حقيقة، يخاف حملها والذهاب بها، فيكتشف أنه كان يحمل سرابًا، يخشى التحرك فتتلاشى.
كان على استعداد للبقاء ما تبقى من عمره هنا جالسًا بهذا الشكل طالما أنها ستظل بين أحضانه.
وبعد ساعة تقريبًا بدأ الإدراك يسيطر على عقل زيان الذي نظر حوله وكأنه كان في غفلة، ثم عاد بنظراته صوب نازين يتنفس بصعوبة يردد بخوف:
"نازين أنتِ هنا حقًا؟!"
ولم يصل له رد وقد بدا أن نازين تنال أخيرًا نومة هادئة بعد أعوام من السهد، تنال راحة بعد شهور من التعب.
لذا ابتلع ريقه يمد يده أسفل جسدها يحملها بخفة وببطء شديد ينهض بها من المكان لا يفهم ما يحدث ولا يدرك ما يفعل، كل ما يعلمه أنه الآن يحمل بين يديه حياته، ولم يكن ذلك تعبيرًا مجازيًا أو ما شابه، بل كان يحمل بين كفيه حياته بكل ما للكلمة من معنى.
ضمها لصدره بخوف أن تتلاشى يتحرك بها بسرعة صوب القصر ينتوي أن يخبئها في غرفته دون حتى التفكير في كيف ومتى ولماذا وأين، كل ما كان يفكر به في هذه اللحظة أنه سيخفي زوجته من الجميع لئلا تطالها يد الغدر مجددًا وتسلبها الحياة من بين أنامله بعدما وجدها، وسيؤجل كل أسئلة عقله لحين يستوعب القلب وجودها جواره.
"عزيزتي ها أنتِ ذا، بحثت عنك في كل مكان لتوديعك قبل الرحيل."
توقفت أقدام توبة في منتصف الممر وهي تتابع اقتراب آزار منها مبتسمة بسمة رقيقة وحينما أصبح أمامها مباشرة مالت له في تحية صامتة وبكل رقي رفعت رأسها:
"يعز علينا توديعك جلالة الملك، لكنني أدرك أن هناك الكثير من المسؤوليات التي تنتظرك في أبى لذا تصحبك السلامة ولا تتأخر علينا."
ابتسم لها آزار وهو يتنهد بصوت مرتفع، ثم قال بعد صمت قصير:
"حسنًا توبة أردت فقط أن أطمئنك، لن يهدأ لي بال حتى يعود لنا بارق العجوز، سوف أعود لآبى وأبحث عن كل من يمكنه المساعدة بأي شكل من الأشكال، جميع من درس على يد نزار سأجمعهم، وبإذن الله نجد من يساعدنا في الأمر."
ابتسمت له بتوتر وهي تود الحديث وقول أنها وجدت نزار نفسه، لكنها أسرتها في نفسها، فهي تدرك جيدًا وضع نزار الحالي.
الرجل مطارد من الجميع دون مبالغة.
هزت رأسها باحترام وامتنان صادق:
"أقدر لك الأمر مولاي، أشكرك لا توفيك حقك عم آزار."
ابتسم لها بحنان وهو ينظر خلفها صوب الممر المؤدي لغرفة والدها ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع صوت أحد الرجال يناديه فاستدار له وهو يتحدث لها:
"لا داعي يا ابنتي هذا واجبي وأكثر، سوف أرى ما يريدونه مني وأذهب لتوديع بارق قبل الرحيل."
وبالفعل استدار صوب الرجل الذي أقبل عليه، فيما ودعته هي بهدوء وقد قررت التحرك صوب مطبخ القصر لتشرف على...
وفجأة أدركت ما قيل من ثوانٍ على مسامعها، يذهب لتوديع والدها؟! والدها؟! نزار؟!
التفت بسرعة كبيرة لتبصر آزار ما يزال منشغلًا مع الرجل فعادت أدراجها بسرعة كبيرة صوب غرفة والدها، وبمجرد وصولها فتحت الباب وهي تقتحم الغرفة بشكل مفاجئ جعل نزار ينتفض بعدم فهم وهو يستدير لها، كاد يفتح فمه متعجبًا من هيئتها لتشير هي بسرعة للباب الذي كانت تمسكه بين قبضتها:
"بسرعة أخرج من هنا، هيا أخرج بسرعة."
نظر لها نزار بعدم فهم:
"ماذا؟! لكن أنا لم..."
"لا وقت للحديث الملك آزار في طريقه لهنا، هيا بسرعة دعنا نخرجك من هنا."
اتسعت أعين نزار وهو يضع اللثام بسرعة كبيرة على وجهه يخفيه بالكامل عدا عينيه يتحرك صوب الباب بسرعة حيث كانت تقف هي لتراقب له الطريق، ولم يكد يخطو خطوة واحدة للخارج حتى وجد توبة تدفع جسده بسرعة للداخل وهي تغلق الباب بعنف صارخة:
"للداخل... ادخل بسرعة."
تماسك نزار بصعوبة وقد كاد يسقط منكبًا على وجهه، حتى تماسك بصعوبة ينظر لها بصدمة بينما هي أغلقت الباب بعنف وهي تنظر حولها برعب:
"الملك آزار في الممر، هو قادم لهنا."
اتسعت أعين نزار برعب وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف، ليس الآن ليس مستعدًا بأي شكل من الأشكال لمواجهة والده.
أخذ ينظر حوله محاولًا إيجاد مخرجًا له، حتى وجدها تركض صوب الشرفة تفتحها وهي تشير له، ليندفع للداخل بسرعة وتغلق هي الشرفة بسرعة كبيرة تضع عليها الستائر السميكة في اللحظة التي دخل بها آزار للمكان.
توقف آزار بصدمة وهو يبصرها تستند بظهرها على الشرفة تتنفس بصوت مرتفع مبتسمة له بسمة واسعة مريبة:
"أوه، عم أنت هنا؟!"
"نعم أنا هنا، أولم أخبرك ذلك بالفعل قبل دقائق قليلة؟!"
"حقًا، يبدو أنني نسيت الأمر."
ضربت رأسها وهي تضحك ضحكة صغيرة:
"يبدو أن عقلي به مشكلة ما هذه الأيام، أنت تعلم مقدار ما أمر به."
"لا بأس يا ابنتي أعانك الله، لكن ما بكِ تبدين... متوترة؟!"
لوحت توبة بيدها أمام وجهها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي:
"أوه لا أنا فقط أشعر بالحر الشديد ليس إلا."
ارتفع حاجب آزار بسخرية شديدة:
"الحر الشديد في ذروة الشتاء؟!"
عضت توبة شفتيها تبتسم بسمة غبية بعض الشيء:
"أوه نعم، يبدو أنني مرضت لذلك لم أعد أميز بين الأجواء بشكل جيد، لكنني الآن أشعر بالحر الشديد."
في نفس اللحظة كان نزار في الشرفة من الخارج يكاد يتجمد من البرودة وهو يضم جسده بين يديه يسمعها تردد بوقاحة أنها تشعر بالحر الشديد ليهمس بصوت مرتعش:
"أوه نعم الحرارة مريعة هنا..."
ضيق آزار حاجبيه وهو يبصر خيالًا يتحرك في الشرفة ليضيق ما بين حاجبيه وهو يقترب من الشرفة بخطوات هادئة ينظر لها بشك، بينما توبة تراقبه بأعين تكاد تخرج من بين محجريهما.
توقف آزار أمام الشرفة ينظر لها بتفكير:
"هل هناك شيء في الشرفة؟!"
نفت توبة برأسها سريعًا وهي تقول بلهفة:
"هذا... هذا كان... كان هناك غراب... أه نعم غراب كبير أسود في الغرفة حينما أتيت فأخرجته من الشرفة بصعوبة. واغلقتها بسرعة لئلا يدخل الجناح مجددًا ويزعج أبي."
ابتسم لها آزار بهدوء وهو يحرك رأسه بهدوء يتحرك صوب الفراش:
"تكثر الغربان هنا بسبب الأراضي الزراعية الكثيرة في سبز، خيرًا فعلتي يا ابنتي."
كان نزار في الخارج يلتصق بجدار الشرفة وهو يشعر بالدماء تكاد تتجمد بين عروقه يهمس مرتجفًا:
"غراب أيتها البومة، دارت بك الأيام وأصبحت تتسلل للشرفات كلصوص يا نزار، آه منه الزمان، وكله لأجل... توبة."
ختم اسمها بهمس مبتسمًا بسمة صغيرة.
أما عن آزار في الداخل فقد اقترب من بارق ببسمة حنونة يربت على خصلات شعره بحنان:
"مرحبًا أيها العجوز، أنظر من هنا؟! هذه توبة صغيرتك عادت وأخيرًا."
ابتسمت توبة بتوتر وهي ترفع يدها تلوح بها في الهواء بشكل غريب لشدة توترها وكأنها ترحب بوالدها، لتستوعب فجأة ما تفعل وهي تخفض يدها بسرعة، بينما آزار لم يفهم ما بها وشعر بوجود شيء خاطئ:
"هل أنتِ بخير توبة؟!"
كانت توبة شاردة بالشرفة بقلق قبل أن تنتفض:
"ماذا؟! أه نعم أنا بخير أنا فقط قلقة علــ... من الغراب، نعم قلقة من ذلك الغراب من أن يدخل مجددًا ويتسبب بإزعاج أبي."
ابتسم لها آزار بحنان يقترب منها ومن الشرفة بهدوء:
"لا بأس دعني أنا سوف أبعده عن هنا للأبد."
وصل للشرفة يحاول فتحها بقوة بينما توبة تراقبه بأعين متسعة وقلب يكاد يتوقف من الخوف تراه فتح النافذة وهي تحاول الحديث لتوقفه، لكن الأوان كان قد فات.
أغلق نزار عيونه بقوة وهو يلتصق بجدار الشرفة يبتهل بالدعاء يكاد يسقط أرضًا من هول الموقف.
وحدث الأمر سريعًا فبمجرد أن فتح آزار النافذة انتفض جسده وجسد نزار بقوة على وقع قوي في الغرفة.
ولم يكن ذلك الصوت سوى صوت اصطدام جسد توبة بالأرض والتي لم تجد أفضل من ادعاء الموت في هذه اللحظة لتنقذ نفسها وتنقه مما يحدث.
إذ فجأة أغلقت عيونها تلقي بجسدها بقوة أرضًا تحت أعين آزار المصدومة الذي صرخ باسمها ونظرات نزار الذي تحرك بسرعة لباب الشرفة وبلا تفكير حتى في عواقب فعلته...
ظل جالسًا دون حراك لفترة لا يدري حتى كم كانت، ساعات أم دقائق، لا يدرك شيئًا سوى أنه الآن يحيا كابوسًا كان يراوده في الفترة الأخيرة، كابوس الوحدة الذي هرب منه لأحضان فاطمة لتنبذه الأخيرة دون وعي مجددًا.
"كان عناق وداع إذن؟! كانت كلمات وداع فاطمة؟!"
صمت قبل أن يبتسم بوجع يحدق بالظلام حوله والوحشة التي تسكن المنزل الخاص بها والذي كانت تحيا هي به يومًا ما:
"من أين لكِ بتلك القسوة فاطم؟!"
صمت يراقب المكان وهو يبحث عن طيفها بين جدرانه، ينظر له بوجع على أمل أن يشفق المنزل عليه ويعترف بمكانها، وحينما طال الوقت ولم يصل لشيء ابتسم مجددًا بسخرية وهو ينهض من مستقره ينفض ثيابه يتحرك بتعب نفسي أكثر منه جسدي صوب باب المنزل، يتحرك بأقدام متعبة مثقلة، وحينما وصل للباب توقف يستدير خلفه مرة أخيرة على أمل أن تخرج من اللاشيء تصرخ باسمه وتهرول صوبه.
ابتسم بسمة صغيرة حينما خابت آماله، ثم جذب الباب الخاص بالمنزل يتحرك صوب حصانه بوجه منقبض وملامح مظلمة وكأن هموم الكون كلها تجمعت فوق صدره، قابل في طريقه ألطاف وهي تهتف بلهفة:
"هل وجدتها سيدي؟!"
رفع المعتصم عيونه لها ثوانٍ يقاوم إظهار وجعه لها، ثم نفى يستأذن بكلمات مقتضبة غير مسموعة تقريبًا متحركًا صوب حصانه بخطوات سريعة يود الاختفاء عن أعين الجميع، لكن ما كاد ينفذ أفكاره في الانعزال، حتى تذكر فجأة ما يقع على عاتقه في هذه اللحظة خاصة مع حالة الملك.
شدد قبضته على اللجام ينظر لألطاف مرة أخيرة يهتف بصوت موجوع:
"ألا تدرين لها من مكان يا خالة؟! أين يمكن أن تكون؟!"
سقطت دموع ألطاف بضعف وخوف تنفي برأسها، ليهز رأسه وهو يتحرك بهدوء بعدما ألقى بها بكلمات معدودة:
"رجاءً أخبريني إن فعلتي وتذكرتي مكانًا محتملًا لوجودها، و... عسى أن تكون بخير."
ومن بعد هذه الكلمات انطلق بسرعة كبيرة وقد بدأت ضربات قلبه تزداد والوجع في صدره يتوغل، شعر بصعوبة التنفس وهو يحاول تجاوز تلك النقطة والتفكير في المصائب التي تنتظر في القصر، لكن... هذه نقطة لا يستطيع تجاوزها، هذه فاطمة، فاطمة والتي يعتبرها شيء أصغر من هذا العالم وأكثر براءة من العيش بين هؤلاء البشر.
"لن أسامحك على هذا فاطمة، والله لن أسامحك إن أصبتي نفسك بضرر."
وبعد دقائق طويلة من منزلها وصل أخيرًا صوب القلعة ليفتح الباب أمامه ويتحرك بسرعة للداخل ولم يكد يهبط عن حصانه حتى أبصر ما جعل عيونه تتسع تعجبًا، زيان يحمل بين يديه امرأة ويتحرك بها بسرعة كبيرة في المكان.
لم يكد المعتصم يلحق به حتى اختفى زيان من أمام عيونه صوب غرفته حسب ما خمن هو.
"ما الذي يحدث هنا بالتحديد؟!"
وفي الحقيقة كان المعتصم يمتلك ما يكفيه من المشاكل ليفكر بها بعيدًا عن زيان، تحرك بسرعة داخل القصر يشعر باختناق شديد، يفكر في مئات الأفكار التي تتعلق بفاطمة والملك والمملكة.
ولم يكد يخطو صوب غرفته حتى سمع صوت ينادي بهدوء:
"أيها المعتصم..."
توقفت أقدامه وهو يستدير بهدوء شديد وبملامح جامدة بعض الشيء رغم كل ما يعتري دواخله:
"سيدي."
"ألحق بي رجاءً."
"ليس الآن أرجوك، ليس الآن أرجوك..." كلمات سرها في نفسه وهو يرسم بسمة صغيرة موجوعة:
"بالطبع يا قائد."
تحرك سالار بهدوء ليتبعه المعتصم وهو يشعر أنه على وشك الانهيار في أية لحظة، والله لا يقنط ولا يشكو ولا يتأفف، قادر هو على تحمل أي شيء والله كان ليفعل لولا أن نصف عقله وقلبه الآن شاردان في مهمة مستحيلة للبحث عن زوجته التي قررت أنه لا وقت أفضل من هذا الوقت لتختفي به بعيدًا عن عيونه، لا وقت أفضل لتثير فزعه.
تماسك بصعوبة وهو يخطو خلف سالار للقاعة، ليبصر إيفان يجلس بملامح حادة وبجانبه خالد أخ الملكة سلمى يجلس بوجه غير مفسر.
نظر له المعتصم بعدم فهم ليتحدث سالار بعد تنهيدة قصيرة:
"يصر على الحضور."
ضرب خالد الطاولة بضيق شديد وهو يهتف من بين أنفاسه الغاضبة:
"هذه اختي..."
نظر له إيفان بتحذير، ليتراجع خالد بضيق للخلف وهو يضم ذراعيه لصدره يتحدث بعدم اهتمام:
"والله لن تكون نظراتك أسوأ من نظرات ذلك المتجبر الذي تزوجته سلمى، لذا لا تحاول، أنا لا أعلم ما الذي ألقى بنا بين هذه المصائب وقد كانت أكبر مشاكلنا هو كسر سلمى عظام أحد الرجال ومطالبتها بتحقيق عاجل."
نظر له الجميع بعدم فهم ليعتدل دون اهتمام، وهو يستند على الطاولة أمامه يضم قبضتيه أمامه يرسم الجدية على ملامحه يردد بصوت هادئ لا يدري من أي له به:
"والآن أخبروني أين هي أختي وكيف سنخرجها؟"
فرك سالار ذقنه وهو ينظر ليده، ثم رفع عيونه له ثوانٍ، ومن بعدها تجاهل كل ما قيل ينظر صوب المعتصم يتحدث بنبرة جادة:
"ما الذي توصلت له يا المعتصم؟! أخبرني الرجال أنك توصلت لشيء أثناء البحث في منطقة الهجوم."
"نعم أخبرنا ما الذي وصلت له؟! أين هي اختي؟!"
مسح سالار وجهه يحاول تجاهل صدى الصوت الذي يصدر من جهة خالد كل ثانية.
"هل الأمر متعلق بالفاعل؟! علمت المكان؟!"
"نعم هل علمت المكان؟!"
نظر سالار بحدة صوب خالد ليتعمد الأخير التظاهر بعدم الاهتمام، وهو ينظر بحاجبين معقودين صوب المعتصم الذي كان يتابعهم ينتظر أن ينتهي كل ذلك ليتحدث.
تنفس سالار بعنف وهو يفتح فمه:
"ثـ..."
ولم يكد يتحدث كلمة حتى وجد خالد يتجهز لترديد جملته وكأنه يرفض الخروج من هذا الاجتماع بحوار جانبي أو وكأنه يرفض أن يكون شخصية ثانوية في المكان.
ضرب سالار الطاولة بقوة حتى شعر خالد أنها تشققت أسفل قبضته وسالار يصرخ بجنون:
"ماذا بك أنت؟! هل تعمل كصدى صوت؟! توقف عن الترديد خلفي وإلا أقسم بالله أن أريك وجهًا أسوأ من وجه أرسلان حين الغضب."
ونعم كان هذا الرجل أحمر الشعر مرعبًا وبشكل خاص، وربما ساهمت خصلاته الحمراء في زيادة هالة الغضب حوله، وهذا ما استرعى انتباه خالد الذي ردد بتركيز في خصلاته:
"هل هذه خصلات مصبوغة؟! أم أن الدراسة التي تحدثت عن أن أصحاب الشعر الأحمر سريعي الغضب كانت صحيحة."
انتفض سالار في هذه اللحظة وقد فاض كيله من ذلك الرجل وهو من الأساس لا يتحمل همسة جواره، يضرب الطاولة بغضب جعل جسد خالد ينتفض وهو يبتعد قدر الإمكان عن وجه سالار الذي همس بصوت منخفض لكنه كان وللعجب مخيفًا أكثر من الصراخ يستخرج سيفه واضعًا إياه على الطاولة أمامه:
"أنت حقًا لا تريد اختبار حد سيف ذلك الرجل أحمر الشعر والذي سيكون مرعبًا أكثر من غضبه صحيح؟!"
نفى خالد برأسه بسرعة كبيرة ليبتسم له سالار يشير بعيونه أن يجلس:
"اسمعني صوت صمتك ولا تزد من غضبي لأن هذا ليس في صالحك أو صالح أحد حسنًا؟!"
أومأ خالد بالإيجاب بسرعة كبيرة، بينما إيفان يتابع ما يحدث بصمت مبتسمًا بسخرية على سالار، ولم يتحدث بكلمة إلا عندما هدأ المكان:
"إذن يا المعتصم؟!"
نظر له المعتصم باحترام شديد، ثم قال بهدوء شديد:
"هناك مندسون بين جيشنا وهم من وشوا بموعد المغادرة وتوقيت مرور الموكب بتلك البقعة تحديدًا."
اعتدل جسد إيفان بهدوء وهو يستمع للمعتصم الذي أخذ يشرح لهم ما وجده في تلك الغاية أثناء التنقيب عن أثره:
"وجدت ثياب تحمل شعار مشكى إلى جانب بقايا حافظة سهام، ذلك الرجل الذي ضرب الملك بالسهام كان مندسًا بين الجيش والموكب وانقلب عليه في غمضة عين."
أغمض سالار عينيه بغضب شديد وهو يضغط على قبضته يهمس بصوت خافت لكن وصل للجميع:
"متى... متى ننتهي منهم؟؟ متى تتطهر البلاد منهم، ألا من خلاص منهم؟! حولنا في كل مكان مندسون في كل ركن، ينتظرون الوقت المناسب لتوجيه الضربة التالية لهم."
كانت عيون إيفان تحدق أمامه بشرود كبير وهو يفكر في الكثير من الأفكار التي تدور داخل عقله في هذه اللحظة، قبل أن يضم قبضتيه أمامه يميل بعض الشيء على الطاولة:
"لا بأس سالار، لكل خائن نهاية، نهاية توازي حياته بشاعة، ودورنا نحن أن نسرع هذه النهاية، الحقير أنمار ضرب ضربته وللأسف هذه المرة كانت الضربة لصالحه، ونحن لا نستطيع رد الضربة في الوقت الحالي، ليس والملكة بين يديه بالفعل، فقط نتأكد أنها بخير ومن ثم نأخذ الخطوة التالية."
ابتسم سالار بسخرية لاذعة:
"هذا إن ترك لنا أرسلان فرصة للتفكير في الخطوة التالية، فهو إن استيقظ قبل عودة زوجته سيحيل البلاد لرماد، وأنا لن أوقفه أو ألومه، أو حتى أنصحه بالتريث، بل سأمدده بجيشي إن أراد."
ابتسم له إيفان يدرك ما يقصد سالار، فالنساء وعلى مدار التاريخ كن نقطة لا يجوز تجاوزها في الحروب والعداوات وإن حدث وأدخل أحدهم النساء للساحة، حينها يتناسون كل الأخلاقيات التي يتبعونها عادة في مثل تلك الأمور...
"فقط لنأمل أنها بخير حتى نصل لمكانها، لقد أمرت بالبحث في المناطق المحتملة والتي أخبرتك بها الأميرة توبة سابقًا..."
واخيرًا صدر له صوتًا في هذه الجلسة، إذ تحدث خالد ببسمة صغيرة:
"اه من هذه الجهة فاطمئن لا أعتقد أن سول ستواجه مشاكل مع هذا النوع من المصائب فهي شبه معتادة على الأسر وتستطيع التصرف في مثل هذه المواقف، وإن لم تخونني سنوات عمري التي قضيتها معها، فهي الآن بخير حال والخاطف هو من في مأزق حتى تنفذ قوتها، ولنأمل ألا يكون هذا قريبًا......"
كاد يظهر من خلف الشرفة صارخًا باسمها، لكن توقفت صرخته قبل خروجها من حلقه، يبصر يدها تتحرك بشكل متوارٍ عن والده وهي تشير له.
ليتراجع بسرعة كبيرة مدركًا ما فعلت، شاحب وما زالت ضربات قلبه تزداد أكثر وأكثر، وقف داخل الشرفة مجددًا متسع الأعين يحاول تهدئة نفسه، صوت اصطدامها بالأرض ومظهرها في الخارج كاد يصيبه بجلطة دماغية لحظية.
ابتلع ريقه وهو يسمع صوت والده الذي تحرك بسرعة شديدة وهو ينادي بعض العاملات في الخارج لمساعدته في نقل توبة صوب غرفتها يصرخ بإحضار طبيبة لها.
ابتلع ريقه وهو ينظر بطرف عيونه صوب توبة التي كانت ما تزال ملقية أرضًا بينما والده خرج ينادي الطبيبة والعاملات.
أما عن توبة استغلت خروج الملك آزار لتطلق تأوهًا منخفض تفرك رأسها بوجع شديد تغمض عيونها بقوة متغلبة على الدوار الذي أصابها حقًا بسبب السقطة.
وبمجرد أن فتحت عيونها أبصرت نظرات نزار المرتعبة وهو ينظر لها بدقة يشير لها بعيونه إن كانت بخير.
لتبتسم هي له بسمة صغيرة تهز رأسها بنعم، ليشير هو صوب رأسها وهو يسألها إن كان كل شيء على ما يرام، فهزت رأسها بنعم وهي تبصر تحفزه حتى أنه كاد يكشف نفسه أمام والده بكل حمق، لذا تحدثت بصوت منخفض وهي تحرك شفتيها:
"بخير نزار لا تقلق."
لكن القلق الذي استقر بعيونه لم يخفت وهو يبصر بوادر الدوار عليها، وفي ثوانٍ قرر الخروج لفحصها وهو ينظر صوب الباب الخاص بغرفة والدها، ولم يكد يتجرأ ويفعلها حتى أبصرها تصطنع بسرعة الإغماء وقد دخل والده للمكان مع العاملات واللواتي ساعدن توبة في النهوض والأخيرة تدعي التعب، ثم تحركت معهم للخارج وخلفها آزار الذي تحدث بصوت قلق:
"أرسلت لإحضار الطبيبة يا ابنتي، سأنتظر حتى أطمئن عليكِ في الخارج."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى صوته تدريجيًا حتى أصبح بعيدًا عن مسامع نزار الذي تنفس الصعداء أخيرًا يخرج من مخبئه، يتحرك صوب الملك بارق ينظر له وهو يضع يده في خصره يزفر بصوت مرتفع.
"إلى متى ستتحكم ابنتك بي ملك بارق؟! الأمر بدأ يخرج عن السيطرة."
نظر له ثوانٍ قبل أن يقترب منه يكمل ما بدأه وعيونه معلقة بالباب تحسبًا لدخول أحدهم:
"لا أعلم كيف لكن لتحمد ربك أنني لم أنتبه لها منذ سنوات وإلا لكنت حرمتك رفقتها مبكرًا مولاي."
ابتسم بسمة جانبية يهمس وهو يكمل ما يفعل:
"ابنتك مجنونة مولاي....."
انطلقت ضحكاته ترن داخل المكان والجميع حوله يحدقون به في تعجب شديد، بينما الأخير لم يتوقف عن الضحك حتى كادت أنفاسه تنقطع عن رئته.
ومن ثم وبعد دقائق طويلة توقف وهو ينظر للجميع بسخرية:
"امرأة واحدة تسير كلمتها على رجال أشداء مثلكم؟!"
ختم كلماته يبصق أرضًا باستهزاء:
"مثيري الشفقة."
اشتدت ملامح أصلان ينظر له بشر وملامح مرعبة:
"لا أراك وقد سارت كلمتك عليها أنمار، المرأة جعلتك صاغرًا أمام كلمتها، حتى أنك تخشى الذهاب للحديث معها نصف كلمة والله وحده يعلم ما قالته لك آخر مرة خرجت من عندها وقد جن جنونك وكثفت الحرس على منزلك وبدأت تتحرك تحركات غبية غير محسوبة."
"أصــــــــــلان."
"مــــــاذا؟؟ ماذا ستقول؟! أفسدت كل شيء وأضعت كل شيء أيها الوضيع، لا تليق بك قيادة بعض الحمقى أمثالك وتطمح بقيادة ممالك أكبر من حجمك أيها الحشرة، وتسخر منا كذلك، أي وقاحة تمتلكها يارجل."
ختم حديثه في اللحظة التي تحرك له أنمار وهو يهجم عليه في ثوانٍ وقد استفز أصلان كل ذرة صبر داخله، وما كاد يقترب خطوة له حتى استقطته ضربة من أصلان الذي ردد بصوت قوي مرعب:
"أيها الوسخ من تحسبن نفسك؟! صعلوك ضعيف مثلك مثل من سبقك من المنبوذين من عقلك تحسبن أنك ستترأس عليًا وتسير كلمتك عليّ؟! فاشل لا شيء ينجح لك، حتى خطوتك الأخيرة في الهجوم على الموكب كانت من تخطيطي."
نظر له أنمار ولم يكد يتحدث بكلمة حتى فجأة أبصر الجميع في ثوانٍ ينقلبون ضده لصف أصلان ليشعر بقلبه على وشك التوقف وقد اصفر وجهه وفقد النطق يبصر وجوه الجميع حوله ينظر له بحقد وغضب.
واصلان يراقبه ببسمة خبيثة وهو يجلس القرفصاء أمام جسده الساقط أرضًا:
"من كل عقلك تحسب أنني سأجلس هنا جوارك أنتظر أوامر صعلوك مثلك؟؟ وما أدراك بالحروب أنت أنمار؟!"
ختم حديثه في اللحظة التي تحرك بها بعض الرجال يقيدون أنمار والذي فقد النطق بكل ما للكلمة من معنى، يجبرونه على النهوض بالقوة تحت أعين أصلان المبتسم بتشفٍ وحينما أصبح أمامه اقترب منه وهو يهمس كلمات أخيرة قبل أن يشعر أنمار بالظلام يحيط به:
"فقط أجلس وشاهد يا عزيزي....."
"كهرمان عزيزتي لا يمكنك الجلوس طوال الوقت بهذا الشكل تحتاجين للراحة وتناول الطعام ومن ثم يمكنك العودة للجلوس مجددًا إن أردتي."
رفعت كهرمان عيونها الحزينة صوب إيفان الذي ما إن اقترب منها حتى ألقت نفسها بين أحضانه تهمس بصوت متحشرج ملئ بالوجع:
"أخبرتني أنه لم يتضرر كثيرًا بذلك السم، إذن لماذا ما يزال في تلك الغفوة المقيتة؟!"
نظر لها إيفان يربت على رأسها بحنان قبل أن يميل مقبلًا رأسها بلطف:
"ما سبق لي خداعكِ أو حتى الكذب عليكِ كهرمان، ولن أفعل، لقد أخبرني الطبيب أنه بخير فقط يحتاج لبعض العلاج المكثف لوقت ما وسوف ينهض ويكون بخير بمشيئة الله، ليحطم القصر أعلى رؤوس الجميع."
سقطت دمعة من عيونها وهي تهمس بصوت منخفض:
"فقط أتمنى أن... تكون سلمى بخير، أخشى أن يؤذيها أحدهم."
ابتسم إيفان بسمة صغيرة وهو يتذكر كلمات خالد عن زوجة أرسلان وعن حياتها قبل المجيء هنا وعن طبيعة عملها التي كانت تمتهنه ليهتف بصوت منخفض:
"فقط لندعو الله أن يثبت أقدامها لحين نعثر على ذلك الجحر.."
نظرت له كهرمان بعدم فهم ليربت على رأسها بحنان وحب:
"فقط لا ترهقي نفسك كهرمان أرجوكِ، دعي كل شيء عليّ عزيزتي، أحمل عنكِ كل أثقالك دون تذمر."
تنفست براحة وهي تميل عليه تهمس له بصوت منخفض:
"شكرًا لوجودك دائمًا جواري إيفان، لا حرمني الله صوتك ودفئك....."
ضمه له إيفان وهو ينظر صوب أرسلان بحزن شديد يكتمه عن أعين زوجته، صديقه والذي يتمنى من الله عز وجل أن يصل هو لزوجته قبل إفاقته إذ يعلم جيدًا ما ستكون عليه ردة فعله، وليتولاهما الله برحمته..
كانت أصابعها تتحرك بين خصلاته بحنان شديد بينما الأخير فقط يغمض عيونه بهدوء شديد وعقله يسبح بعيدًا عما يحدث حوله، وقد كانت هذه عادته في الآونة الأخيرة، كلما حاول أن يندمج في تفكير ويصفي عقله، أتى لها يستقر بين أحضانها ومن ثم يفكر فيما يريد.
وآهٍ لو تدري تبارك أن سالار يتخذ من حضنها مقرًا لوضع خطط حروبه القادمة ونقطة انطلاق أفكاره التي يخرج بها للجميع.
"متأكد أنك أفضل الآن؟!"
"سأكون عزيزتي، فقط كوني بخير وسأكون تبارك."
ابتسمت له تبارك بحب، أما عنه فقد كان في هذه اللحظة يحاول معرفة موقع ذلك الجحر الذي تحدثت عنه توبة سابقًا يثق أن أنمار يخفي الملكة هناك، لكن حتى توبة وحسب ما قالت لا تدرك له من موقع.
تنفس بصوت مرتفع لتنتبه تبارك وهي تميل عليه تهمس بصوت حنون:
"ما بك يا قائد؟!"
فتح سالار عيونه ينظر لخاصتها بحب:
"أفكر في عمل زيارة سريعة لسبز."
"سبز؟!"
هز رأسه بنعم وهو يفكر في الذهاب لتوبة وسماع قصتها مجددًا عله يتحصل على أي معلومة قد أغفلها وربما تفيده في الوصول لذلك الجحر.
"نعم أريد التأكد من شيء ما."
نظرت له بتردد ليتحدث ببسمة وهو يرفع يده يربت على وجنتها بحنان:
"سأكون بخير لا تقلقي."
"فقط.... فقط أريدك أن...."
"سالار ما يحدث في هذه الآونة مخيف، أشعر أن هناك شيء سيء سيحدث وأقسم بالله ستكون القاسمة إن كان ذلك الشيء معك أنت سالار فلا تفعلها بي، فما لي من حياة عداك."
ابتسم لها بلطف يحاول أن يهون عليها خوفها لتهمس هي بصوت خائف:
"أنا أحيا في هذا العالم لأجلك، أنت عالمي سالار فما لي من بعدك حياة ولا عالم، سأظل معلقة بين عالمك هنا ومكاني هناك ولن أصل لشيء.."
ربت على رأسها بحنان شديد وما زالت كلماتها تلك تثير فزعه، فكرة أن يتمحور عالم تبارك كله حوله يخيفه بقدر ما يسعده، يخشى عليها أن تحيا بلا روح إن حدث له شيء، هو لا يضمن عمره ولا يدري بأي أرض يموت، لربما اليوم أو غدًا حياته ليست مستقرة.
تنهد لتبتسم له تبارك تدري ما يفكر به في هذه اللحظة، فلا يتوقف سالار عن الخوف عليها طوال الوقت بسبب أو بدون.
"لا تحمل همًا سالار، أنا سأكون بخير، فقط كن وسأكون."
ابتسم لها بحنان:
"عسى أن تكوني دائمًا غاليتي، لا أقلق عليك، فالله معنا دائمًا."
هزت رأسها تميل قليلًا عليه وهي تقترب بوجهها منه مبتسمة لتتسع بسمته بالمثل وحينما أصبحت على بعد إنشات منه رفع نفسه قليلًا يقبل عيونها:
"كيف حالك عزيزتي؟!"
ضحكت بخفة وهي تنظر له بعدم فهم قليلًا قبل أن تردد بصوت منخفض وهي تراقب عيونه بحب:
"ماذا تقصد؟!"
"كنتِ مريضة لذا أتساءل إن كنتِ بخير الآن عزيزتي؟ تأخذين أدويتك بانتظام؟!"
هزت رأسها تعتدل في جلستها:
"نعم وهل تمنحني فرصة الإهمال سالار؟! مش عاطيني حتة فرصة أتدلع عليك؟!"
نظر لها بعدم فهم معتدلًا، ثم هتف بجدية:
"تريدين مني دلالًا تبارك؟!"
ثوانٍ قبل أن تنفجر في ضحكة عالية ولولا أنه ينعزل بغرفته في قصر مشكى عن الجميع، لكان سارع لكبت ضحكاتها قبل أن يتنعم بها غيره، لكن هذا سالار الوحش الذي يتحول بعد منتصف الليل؛ لذا بالطبع هو منعزل عن الجميع.
توقفت عن الضحك بعد ثوانٍ تبتسم له ثم هزت رأسها تربت على كتفه بحب:
"منحرمش يا حبيبي."
"إذن أخذتي دوائك؟!"
"نعم لا تقلق أنا بخير، سالار أنت تحمل همي كثيرًا."
نظر لها مطولًا وقد بدا أنه يبحث عن ردًا لها رغم أنه في الأوقات العادية كان ليكون رده حاضرًا، لكن يبدو أن سالار في هذه اللحظة لم يكن يعي بشيء وما كان طرحه تلك الأسئلة سوى مجرد إلهاء لعقله عن أمر يفكر به.
"هل أنت بخير؟! ما بك؟!"
نظر لها نظرات هادئة في ظاهرها غامضة مرعبة في باطنها، ورغم ذلك هز رأسه ببطء يهمس بصوت خافت:
"أنا بخير تبارك، بخير عزيزتي، السؤال هو هل سيكونون هم بخير؟؟"
"هم من؟!"
ابتسم لها بسمة غريبة:
"هم أشخاص لا أحب أن يتلوث لسان امرأتي بذكرهم لذا لا ترهقي عقلك عزيزتي واهتمي بشيئين فقط صحتك وبي..."
يجلس جوارها ملتصقًا بالفراش يحدق بوجهها ينتظر أن يحدث شيء وينتهي هذا الحلم الجميل، لا يصدق أنه يجلس الآن أمامها يراقبها بهذا السكون.
مد يده يتلمس وجنتها وحينما استشعر بشرتها أسفل أنامله، أغمض عيونه وهو يبتسم بسمة صغيرة مسحورة يهمس اسمها.
وقد سحبته ذاكرته صوب المرة الأولى التي تجرأ بها على لمسها بعد عقد قرانه عليها...
تجلس في ركن الغرفة خجلة تنتظر دخوله بعد تلقي المباركات من الأهل، لكن طال انتظاره حتى انمحى الخجل وارتسم الحنق على وجهها تنهض عن الأريكة وهي تبعد الغطاء عن وجهها تهتف بصوت حانق:
"أين هذا الرجل؟! ماذا الآن؟!"
في نفس اللحظة انفتح الباب وابصرت جسد زيان يُدفع بقوة للداخل ومن ثم جذب أحدهم الباب بقوة تاركًا زيان يقف في منتصف الغرفة مصدومًا مما حدث فقبل أن يستوعب حتى وجد أحد رفاقه يسحبه من بين الناس ومن ثم ألقى به صوب الغرفة.
اعتدل يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، ولم يرفع عيونه لها حتى سمع صرختها التي انطلقت وهي تستدير بسرعة تخفي وجهها خلف الغطاء:
"انتظر لا تنظر.."
ولشدة توتره في هذه اللحظة لم يدرك زيان بعد أن هذه المرأة التي تقف أمامه هي زوجته، ليغطي عيونه بسرعة مغمضًا وقد بدأ لسانه يلهج بالاعتذار.
أما عنها فقد استدارت بسرعة تخفي ملامحها تتأكد أن كل شيء بخير، ثم التفت له تخفض رأسها بخجل ربما كان متأخرًا بعض الشيء في هذا الموقف.
تهمس بصوت خافت:
"أوه هذا أنت زيان؟!"
ختمت حديثها تخفي وجهها المغطى أسفل كفيها بخجل يليق بها، تنتظر تعليقه على جملتها، لكن زيان المسكين كان فقط يقف يخفي عيونه أسفل يده ينتظر أن تنتهي.
ليكون الموقف في هذه اللحظة مضحكًا، كلاهما يخفي وجهه خلف يديه ينتظر أن يتخذ الآخر خطوة.
وحينما طال الصمت ولم تنل رده المرتقب منه، ثوانٍ حتى شعرت بالملل ترفع يدها ببطء، ثم نظرت صوبه تراه ما يزال يخفي وجهه، لتشتعل بغضب طفيف.
ترفع صوتها أكثر:
"أوه هــــــذا أنــــــت زيــــــان؟!"
انتفض زيان يرفع يده بسرعة عن وجهه يهتف ببسمة:
"انتهيتِ؟!"
"انتهيت من ماذا؟!"
"لا أعلم أنتِ طلبتي مني عدم النظر، ظننت أن هناك ما تفعلينه ولا يجوز لي النظر له."
ابتسمت له نازين وهي تتحرك صوبه:
"زيان أنت لطيف حقًا ومراعي، وهذا لا يجوز اليوم، أنا زوجتك يا رجل ما بك."
وزيان فقط كان ينظر لها ببسمة شاردة يتأمل تلك الكلمة، صديقة الطفولة أضحت زوجته أخيرًا بعد سنوات كفاح لإثبات استحقاقه لها.
ظل شاردًا بها سعيدًا، حتى زفرت هي تتحدث بضيق:
"هيا زيان ارفع الغطاء عن وجهها وانظر لي."
انتبه زيان أنه كل ذلك لم يكن قد رفع الغطاء عنها ليبتسم بسرعة وهو يخطو خطوة إضافية تقربه منه، ثم رفع كفه يمسك طرف غطاء وجهها وهي ورغم كل جدالها معه منذ ثوانٍ شعرت أن قلبها يكاد يتوقف من شدة الخجل فتتحدث من خلف الغطاء كان سهلًا عكس المواجهة المباشرة.
وبمجرد أن رفع زيان الغطاء أغمضت عيونها تسمع همسته:
"هنيئًا لي بكِ نازين."
ختم حديثه يرفع أصابعه بتوق محسوس يتلمس بشرتها مبتسمًا بحب، ثم مال يطبع قبلته على رأسها بحنان شديد:
"مبارك صاحبة المقام العالي...."
انتفض جسد زيان بعيدًا عنها حينما سمع الطرق على باب غرفته وصوت المعتصم يصدر من الخارج:
"زيان هل أنت بالداخل؟!"
نظر زيان صوب نازين ثوانٍ يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، قبل أن يتحرك بخطوات مترددة صوب الباب يخشى إبعاد عيونه فتختفي من أمامه.
ورغم ذلك توجه صوب بوابة غرفته يفتح جزء صغير منها وهو يشد مدخلها بشكل غريزي رغم معرفته أن المعتصم لن يمد عينيه لما لا يخصه.
وبمجرد أن خرج لم يكد يتحدث حتى هاله مظهر المعتصم والذي كان مزريًا بحق:
"المعتصم؟! ما بك؟! هل حدث شيئًا؟!"
كتم المعتصم صرخته الداخلية وهو مقطع لأشلاء جزء لواجبه تجاه البلاد والملك وجزء واجبه تجاه زوجته التي لا يعلم أين هي.
"زيان أرجوك اذهب لتكون جوار الملك وتعتني به لا أثق بسواك من الأطباء والله وحده يعلم إن كان أحد الأطباء هنا متعاون معهم أم لا."
"أنا لا أفهمك، ماذا حدث يا المعتصم، مظهرك غريب و...."
قاطعه المعتصم بكلمات متقطعة يحاول وصف ما يحدث معه بشكل لا يستدعي شفقة أحدهم، ولم يدري أن مظهره الآن دون فعل شيء هو الشفقة بحد ذاتها.
"بخير فقط... فقط... فقط..."
توقف عن الحديث وهو يبعد عيونه عن زيان صوب الممر وكأنه يحاول شغل عقله عن أحزانه ينطق كلماته بصوت مقهور موجوع وهو يسعل بخفة يحاول أن يخفي نبرته:
"فاطمة اختفت ولا أستطيع العثور عليها."
اتسعت أعين نزار بصدمة وهو يتحرك بعيدًا عن باب غرفته، يدور حول المعتصم حتى أصبح مواجهًا له، ينظر له بوجع:
"كيف؟! ما الذي تقصده باختفت؟! كيف تختفي لا أفهمك؟!"
نظر له المعتصم بوجع شديد يهمس بنبرة مكسورة:
"لقد رحلت... تركتني ورحلت زيان."
تأوه زيان من نبرة المعتصم وهو يجذبه لاحتضانه بسرعة يحاول أن يخفف عنه ما يحدث:
"لا تقلق يا أخي، لا بد أنها ذهبت لمكان ما وستعود، أين ستذهب؟! لا تخف ستكون بخير لا تقلق."
كان يتحدث وهو يربت على كتفه بينما المعتصم استغل ذلك وهو يغمض عيونه بوجع، يدعو ويبتهل الله أن تعود، يشعر بصوت خبيث داخل عقله يخبره أنها لن تعود، أنها رحلت ورحيلها أبديًا...
"فقط أريدك أن تذهب لتفحص الملك وتعتني به لحين أذهب للبحث عنها مجددًا ربما... ربما تكون عادت لمنزلها أو ربما هناك من أبصرها، سأذهب للبحث عنها ولو اضطررت لسؤال جميع من بالمملكة لن أعود بدونها......."
كانت جميع النساء يجلسن داخل الغرفة الصغيرة التي حصلت عليها سلمى منذ مجيئها، تجلس أمامها الجميع وهي مستندة بمرفقيها على قدمها شاردة والجميع هادئ
رواية اسد مشكي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رحمه نبيل
وقع الصفعة عليها كان أقوى مما تخيلت يومًا. مقدار القسوة والغضب الذي وضعه ذلك الرجل في قبضته كان أشبه بتوجيه صخرة لوجهها. شعرت سلمى ولأول مرة برغبة عارمة بالبكاء والصراخ. دون إرادتها، طافت الأنثى داخلها على السطح، تلك الأنثى التي ترفض أن تُعامل بشكل لا يليق بها.
الله وحده يعلم كيف قاومت تلك الرغبة في البكاء وهي ترفع وجهها له بصعوبة ونبضات الألم تتردد على طول وجهها. تنظر لوجه أصلان والذي كان يرمقها بضيق وغضب وتحذير أن تعترض على ضربته كما فعلت مع أنمار.
لكن كل ما صدر من سلمى هو بسمة لا معنى لها. لا تدرك حتى كيف أخرجتها من بين كل ذلك الألم الذي تشعر به. تعتدل في وقفتها وهي تنظر لعيونه تحاول البحث بها عن مدخل لنفسه، لكن الرجل كان صلبًا مخيفًا بحق. ورغم ذلك قالت بكل هدوء:
"يمكنني ردها لك كما فعلت سابقًا مئات المرات مع غيرك، لكنني لن أفعل. ليس لأنني لا أستطيع، بل لأنني سأترك أخذ حقي منك بيد زوجي، لذا تلك الصفعة سأجعله هو يردها لك. فلا أعتقد أن صفعة من يدي قد ترد لك ما فعلته معي، لذا حقي مردود حين يأتي زوجي."
ابتسم لها أصلان بسمة واسعة وهو يحرك عيونه عليها من أعلى وأسفل، قبل أن يشير بعيونه صوب بعض الرجال خلفه:
"نعم سنتحدث بهذا الشأن حينما يأتي زوجك أو يستيقظ من غفوته. والآن تحركي مع الرجال خارج هذا المكان فقد انتهى دور الحامية والمنقذة وحان الوقت لينال كلٌ مكانته المستحقة، وعصر الدلال الذي كان يغرقك به أنمار انتهى."
ولم يكد أحد يصدر ردة فعل حتى أبصرت هي العديد من الرجال يندفعون داخل المنزل يحيطون بهم. لتعود هي للخلف وهي تفرد ذراعيه مرتعبة مما يمكن أن يحدث، تحاول الثبات وهي تبتلع ريقها مرددة بصوت بدأ يهتز، تبصر ذلك الرجل الذي كادت تقتله في الخارج يبتسم لها بسمة شيطانية وهو يتحرك صوب الفتاة الصغيرة يحاول جذبها بقوة.
"لا يقتربن أحدكم منهن، اقسم أنني...."
ولم تكد تكمل تهديدها أو حتى تتخذ الخطوة لتحمي النساء خلفها، حتى وجدت رجل يكبلها بقوة وهو يجذبها بعيدًا عن الجميع. وقد بدأ الجميع يخرج النساء من الغرفة ويجذبون الفتيات بعيدًا عن أمهاتهن وأصوات الصرخات تعلو. اتسعت عيونها وهي تحاول الإفلات من يد ذلك الرجل، لكن قبضته بدأت تشتد ويده بدأت تتحرك على جسدها بشكل جعلها ترتجف. تسمع همسه من خلفها بصوت منخفض:
"وفري صرخاتك هذه لحين يأتي دورك... جلالة الملكة."
ولأول مرة تشعر سلمى بالرعب. الرعب وهي تبصر النساء يُسحبن للخارج والفتيات يُجبرن على السير بطرق سبق وسارت بها أمهاتهن مجبرات. الزمن يُعاد والخوف كل الخوف أن يكون دورها هو التالي.
***
يقف الجميع داخل غرفته يراقبونه بأعين صامتة متعجبة، أو بالاصح مصدومة مما يفعل. يراقبون أفعاله العجيبة وغير المتوقعة منذ أن استيقظ.
فأرسلان فتح عيونه بهدوء شديد، ثم نظر صوب كهرمان يطمئنها ببسمة صغيرة لا علاقة لها بأي شكل من الأشكال بالابتسامات. كان الأمر مجرد حركة قام بها فقط ليمحو خوف كهرمان. ومن ثم سأل عنها ينتظر ردًا بفارغ الصبر.
"أين هي؟ أين زوجتي؟"
نظر له إيفان بأسف وغضب من نفسه قبل أي شيء، فحتى هذه اللحظة وما يزال رجاله في الطريق للتفتيش عن تلك البقعة التي يقبع بها أنمار ورجاله.
لكن حتى الآن، لا شيء.
ونظراته كانت خير إجابة لأرسلان، إجابة توقع سماعها حينما يفيق، لكنه فقط كان يأمل أن يخيب ظنه.
"مازال البحث عنها جاريًا، لا تقلق سنجدها."
وعلى عكس المتوقع من أرسلان، تحرك بهدوء شديد وحرص كبير يخشى أن يتأزم الوضع الخاص به. تحت نظرات كهرمان المرتعبة والتي انتفضت تساعده:
"أخي فقط استرخي رجاءً، كل شيء سيكون بخير لا تقلق، اقسم أنني...."
ابتسم لها يمسك يدها يقبلها قبلة حنونة، ثم ربت على رأسها بلطف شديد يهمس لها بصوت هادئ:
"جوهرتي الحبيبة أنا بخير لا تقلقي عليّ، لكنني... جائع، اشتاق لطعامٍ من بين أناملك، فهل تفعلين لأجلي؟"
نظرت له كهرمان بصدمة كبيرة من كلماته، وكذلك إيفان الذي حاول فهم ما يحدث في المكان. وكهرمان لم يكن في يدها سوى التحرك بالفعل بعدما أبصرت نظراته التي تطالبها بتنفيذ ما يريد. نظرت صوب إيفان بتردد ولم يصدر من الأخير سوى نظرات تدعوها لتنفيذ ما يريد أرسلان.
وبمجرد أن خرجت من الغرفة حتى تحرك أرسلان عن الفراش الخاص به ينهض دون اهتمام لجرحه، تحت أعين إيفان الذي كان يراقب ما يحدث دون كلمة واحدة، يعلم جيدًا أن أرسلان لن يقبل منه حرفًا واحدًا إن حاول الاعتراض على ما يفعل.
ولم يصدر من أرسلان بعد ذلك سوى جملة واحدة:
"استدعي الجميع رجاءً إيفان، لحين انتهي من أخذ حمام دافئ."
ومن بعد هذه الكلمات اختفى أرسلان داخل المرحاض لوقت طويل بينما الجميع ينتظرون في الخارج بترقب وقد بدأ القلق ينتشر في الأرجاء.
انتفض جسد سالار وقد شعر بالريبة:
"سأذهب للطرق عليه لربما حدث شيء له في الداخل."
نظر المعتصم بقلق صوب باب المرحاض وهو يحاول أن يمنع نفسه من النهوض والتحرك لتحطيم الباب والتأكد أنه بخير.
أما عن زيان فقد ألتزم الصمت يراقب الجميع بملامح هادئة عكس إيفان الذي كان لأول مرة يجلس بين الجميع بملامح حادة لا تفسير لها ولا توحي شيئًا مما يخفي داخل صدره.
دقائق قليلة وانفتح باب المرحاض مظهرًا جسد أرسلان الذي خرج منه بكامل ثيابه وكأنه يتحضر لقيادة جيشه. خرج يسير بهدوء حتى توقف أمام الجميع ينظر لهم بهدوء:
"سوف نتحرك لسبز الآن..."
نهض إيفان بينما اتسعت أعين المعتصم بعدم فهم، في حين أن أرسلان نظر صوب سالار يهتف بجدية وهو يدرك أن سالار قد التقط ما يريد:
"سنتحرك الليلة."
نظر له إيفان ثواني قبل أن يتنهد بصوت مرتفع:
"أدرك مقدار عنادك أرسلان، لذا لن أناقشك كثيرًا في قراراتك لكن على الأقل انتظر حتى نصل لمكان أ...."
قاطعه أرسلان وهو يتحرك صوب خزانته يستخرج منها سيفه يضعه في الغمد الخاص به، ثم تحرك صوب الباب يهتف بقوة:
"تخيل أنك تدرك عنادي فيما يتعلق بمجرد أشياء عادية يمكنني التخلي عن عنادي بها، لكنني أرفض فقط لأجل كبريائي، أتتخيل أن أفعل وهذا عِرضي وامرأتي؟!"
بلل إيفان شفتيه يدرك ما يقصده، لكن الرجل تلقى سهمًا مسمومًا منذ أيام قليلة وهو ليس بكامل صحته ليقود جيشًا:
"أرسلان صدقني أنا لا أوفر أي طريقة لإيجاد زوجتك و...."
قاطعه أرسلان مجددًا وهو يتحرك صوب الباب الخاص بغرفته يفتح بعنف يقاوم جميع أوجاعه وملامح وجهه كانت جامدة بشكل غريب على دماء أرسلان الحارة الذي كان لا ينتظر هجومًا ليشحذ قواته ويهب ثائرًا في الجميع:
"اشكرك إيفان، أنا سأتسلم الأمر من هنا وأعيد زوجتي."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى عن الأنظار يتحرك بين ممرات قصره بشكل مرعب وخطواته معلومة الاتجاه. وصل صوب غرفتها يقف أمامها ثواني، قبل أن يفتحها بسرعة يبصر قردها يجلس على النافذة بحزن وهو يراقب المارة وكأنه يبحث عنها. نظر له ثواني قبل أن يتحرك للخارج يشير للحارس بهدوء:
"أخبر أحد أن يحضر بعض الفاكهة رجاءً..."
ختم كلماته يعود مجددًا صوب النافذة الخاصة بها يراقب موزي والذي لم يتحرك عن النافذة حتى بعدما أبصره، بل ظل يتابع الجميع عله يلمحها تسير بينهم.
"أنا أيضًا أشتاق لها."
لكن موزي بالطبع لم يكن يدرك ما يقال أو حتى يعلم أن كلمات أرسلان موجهة له، فهو لم يبصر من ذلك الرجل سوى الغضب منذ جاء.
"ستكون بخير لأجلي ولأجلك و......"
صمت ثواني فقط ينظر من النافذة وهو يراقب المارة مع موزي عله يبصر ما لا تبصر عيون موزي، عله يدركها بين الجميع ويرى ما يغفل عنه ذلك القرد.
ابتسم بسمة صغيرة يكمل جملته التي قطعها وهو ينظر لموزي بوجه بدأ يشتد وغضب بدأ يلتمع في عيونه وكأنه وجد وأخيرًا متنفسًا لعجزه وغضبه بعيدًا عن الجميع:
"بل لأجلي أنا فقط، فهي كل ما أملك، هي كل ما تبقى لي في حياتي المقفرة هذه. الجميع لديه من يحب، وأنا ليس لدي سوى سلمى، ولن أدعهم يسلبوني إياها..."
ختم كلماته وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد بدأت عروقه تنفر من فكرة أنها قد تكون تأذت أو حتى مُست بسوء ولو كان ذلك السوء مجرد نظرة لا تعجبها وُجهت لها.
همس يوجه محتقن من الغضب وملامح غير مفسرة إن كانت حزن أم قهر:
"يستكثرونها عليّ، فوالله لأستكثرن عليهم أنفاسهم."
ضرب أول شيء قابله مسقطًا إياه أرضًا بغضب:
"فقط يمسونها بسوء، ولن أجد خير من إبادتهم هدفًا أحيا لأجله المتبقي من حياتي."
انتهى من جملته بقهر ووجع شديد وقد شعر برغبة عارمة في الصراخ بصوت مرتفع، يشعر بالضيق والاختناق. تسامح مع كل ما حدث له رضي بقضاء الله وما يزال يرضى وسيرضى دون نقم أو تأفف والعياذ بالله، لكن الحمل كان أثقل من الجبال على صدره.
"ظننت أنني...."
"ظننت أنني أخيرًا سأحيا كما الجميع براحة وسعادة و...."
"ظننت أنني سأحيا."
كان يتحدث بصوت موجع متقطع قبل أن يسمع طرق الباب ليبعد عيونه صوب النافذة يسمح للطارق بالدخول وقد كان الجندي الذي وضع الفواكه لموزي وخرج بعدما أذن لها أرسلان، بينما الأخير راقبه ببسمة صغيرة وهو يهمس بصوت منخفض:
"هذا لا يعني أنني أطيق وجودك، أنا فقط أكرمك لأنني أعلم أنها ستحزن إن أصابك سوءًا في غيابها و......"
قاطعه صوت خالد خلفه يتحدث بعدم فهم:
"أنت ما تزال حيًا؟!"
اغمض أرسلان عيونه وهو يكمل همسه بضيق:
"وكذلك هو، كلكم تُكرمون فقط لأجلها."
استدار ببطء صوب خالد الذي كانت ملامحه ذابلة ووجهه غير مفسر، يتقدم صوب موزي يربت على ظهره بحنان يراقبه وهو يتناول طعامه، قبل أن يرفع عيونه لأرسلان يقول بصوت مترقب:
"هل علمت شيئًا عنها؟ هل وصلت لأختي؟"
نظر له أرسلان ثواني قبل أن ينهض بهدوء شديد وهو ينفض ثيابه وقد شعر بعدم رغبته في النقاش أو الحديث، فقط اكتفى بكلمات قليلة:
"سأفعل."
ولم يكد يتحرك حتى توقفت أقدامه عن الحركة حين سمع صوت خالد الذي هتف بصوت منخفض وحزن شديد:
"أرجوك افعل، هي لا تستحق أن تتأذى لشيء لا علاقة لها به، هي لم تكن ترغب من البداية بالتواجد هنا وحاربت كثيرًا لتهرب من قدرها بالتواجد هنا، لكن فشلت في ذلك، وفي النهاية جاءت لهذا المكان والذي صدقني لم يكن ليرضيها ولا تقبل أبدًا بالعيش به، ولا يلائم سول التي أعلمها بأي شكل من الأشكال."
ضغط أرسلان على قبضته بغضب شديد وقد أصابته تلك الحقيقة في مقتل، وكأنه لم يكن يبصر مقتها لهذا المكان ورغبتها الواضحة بالهرب منه.
ولم يكد يكمل طريقه حتى أوقفته جملة خالد الذي حمل موزي بين أحضانه يربت عليه بحنان يهمس بصوت شارد:
"لكنه يلائم وبشدة سلمى التي لم تكن تسمح لها بالظهور لأحدهم، تلائم المرأة التي رفضت الرحيل عن هنا حينما طلبت منها ذلك ورفضت متحججة أنها لا تستطيع الرحيل وترك زوجها، سلمى والتي لم تكن تعترف بأي علاقات أو تسمح لأحدهم بتجاوز دائرتها المغلقة، كانت تتحدث متفاخرة عن زوجها، لقد... سلمى كانت تتحدث عنك بأعين ملتمعة وكأنها وجدت واخيرًا عالمها الذي يلائمها، لذا لا تخذلها... لا تخذلها بعدما تعلقت بك."
اغمض أرسلان عيونه بقوة يقاوم صرخة تخنق صدره، قبل أن يستدير له نصف استدارة يتحدث بصوت موجوع:
"لا أستطيع أن أفعل حتى وإن أردت، إن كانت سلمى قد وجدت عالمها فيّ كما تقول، فهي عالمي بأكمله، زوجتي وامرأتي وحدودي التي لا أسمح لأحدهم أن يقترب منها مقدار لا أسمح أنا به، وبهذا المقدار أقصد بُعد المشرق والمغرب."
ختم حديثه يتحرك بقوة كبيرة خارج المكان وقد كادت خطواته تحطم الأرض أسفله وهو يوصي حارسه في الخارج على خالد وموزي يدرك أنهم لا يفقهون شيئًا عن المكان، لذا لا يريد أن يتأذى أحدهم في غيابه، ولاجلها فقط.
لأجلها فقط يُكرم الجميع.
تحرك في الممرات وهو ينظر أمامه بأعين ضبابية لا يسمع سوى صوتها ولا يشعر سوى بها وهي بين أحضانه ولا يبصر سوى بسمتها.
لن يتركها لهم، ولو عني ذلك إحالة حياة الجميع لرماد، سيفعل.
***
"لا لم تعد حتى الآن، أنا كل ثانية أذهب للمنزل كي أتفقدها وأرى لربما عادت، لكنني لا أجدها، أخشى أن تكون قد تأذت وحدها دون أن يكون أحدنا معها، الفتاة بريئة لا تدرك شيئًا عن هذه الحياة."
كلمات ألطاف كانت تتردد داخل آذان المعتصم وهو يتحرك بين طرقات المدينة تائهًا وكأنه لا يعلم الطرق. يحرك عيونه في المكان يبحث عنها لربما أبصر لها طيفًا بين المنازل، وكلمات الجميع التي تنفي رؤيتهم لها تزيد من ألمه.
وصل أخيرًا صوب حصانه يصعد على ظهره وقد بدأ يشعر أن جسده بثقل الجبال، يشعر بالعجز عن التنفس بشكل طبيعي، وكل شيء توقف أمام عيونه. يحاول أن يجدها ويطمئن قلبه، كي لا ينشغل بها عن واجبه.
مقسم بين هذا وذاك.
تحرك بحصانه وهو ينظر لمنزلها مرة ثانية وثالثة عله يلمحها تعود له فيهرول لها يلومها على تركه، ثم يستأنس باحضانها.
ودون إرادته ابتسم وهو يتذكر انكماش جسدها بخجل بين أحضانه وهي تهمس بكلمات غير مسموعة يكبتها هو بضمته.
أخذته ذاكرته لذلك العناق الذي طالبته به قبل رحيله آخر مرة، وكأنها كانت تطالب بحقها في أحضانه قبل اختفائها.
"كان الأخير فاطم، كان الأخير واستكثرتي عليّ أن يدوم للأبد، والله لو علمت أنه سيكون الأخير ما تركتك ترحلين عنه."
شعر أن هناك خطب بها ذلك اليوم، لكنه للحظة واحدة لم يشك في أنها قد... قد تتركه.
كانت الكلمة ثقيلة على قلب المعتصم وبشدة. كيف تفعل هذا به، كيف هان عليها، كيف... كيف هي الآن؟
أكمل طريقه وهو يناجيها بقلبه يتوسلها بعيونه أن تظهر أمامه ويقسم أنه لن يعاتب ولن يلوم، بل فقط سيأخذها في أحضانه يربت عليها ويخبرها كم يحتاج لها. فاطمة لم تكن الطرف المحتاج في هذه العلاقة، بل كان هو أكثر من يحتاج لوجودها جواره.
وصل واخيرًا بعد وقت طويل للقصر وقد انهكه البحث حتى بدأ يشعر باليأس من إيجادها، وحينما وصل أبصر أرسلان الذي كان يتجهز للرحيل ومعه سالار وايفان.
أبصره أرسلان وشعر بوجود خطبٍ به، لذا ترك الجميع وتحرك صوبه ينظر له بهدوء، ثم رفع يده يربت عليه يتساءل:
"بخير؟"
رفع له المعتصم عيونه يحاول رسم بسمة صغيرة على وجهه، قبل أن يهز رأسه بهدوء بنعم، لكن لسانه لم يستطع الكذب وادعاء ما لا يشعر به القلب، فبدا في هذه اللحظة كغريق يستنجد بقشة تنتشله من أمواج الحزن:
"لستُ كذلك، لستُ كذلك مولاي."
خفق قلب أرسلان بصدمة من مقدار الوجع الذي ظهر بكلمات المعتصم ولم يكد يستفسر عما يحدث، حتى بادر المعتصم وفاض له بما يكتمه في نفسه وكأنه لا يصدق أن أحدهم يسأله حالته:
"لا... لا أجدها، بحثت عنها في كل مكان ولا أجدها، أنا أخاف عليها، هي ليست... ليست.... لا قبل لها بمواجهة هذا العالم، لا يمكنها العيش وحدها دون رعاية."
كان أرسلان لا يدرك ما يتحدث عنه المعتصم والذي تحدث بعد شهقة خرجت منه دون شعور:
"لا أجد فاطمة لقد اختفت من القصر بأكمله ومن حياتي."
اتسعت عيون أرسلان بعدم تصديق، قبل أن يقص عليه المعتصم ماحدث، فشعر أرسلان بالألم لأجله، وهو أكثر من يفهمه في هذه اللحظة وكيف لا وهو يحيا نفس الجحيم في هذه اللحظة.
"يبدو أن سوء حظي طالك يا المعتصم..."
صمت قبل أن يستغفر ربه وهو يمسح وجهه:
"استغفر الله أن اعترض على إرادته، اختبار لك يا أخي وستكون على قدره أثق بك، خذ ما تريد من الرجال وأبحث عنها في كل مكان في المملكة، ووالله لولا ما أمر به من الظروف لخرجت بنفسي معك بحثًا عنها."
ابتسم له المعتصم بتقدير واحترام شديد:
"أشكرك مولاي أقدر لك كلماتك."
ربت عليه أرسلان يحاول أن يؤازره وهو يحتاج من يؤازره، يواسيه ويحتاج من يربت عليه يخبره أن كل شيء سيكون بخير.
ورغم أن أرسلان كان يتكلم بنبرة هادئة قد تبدو للبعض حنونة مهتمة، إلا أنها كانت باردة مخيفة مرعبة متحفزة. وبعد كلماته تلك ربت للمرة الأخيرة على كتف المعتصم يتحرك صوب الجيش الذي سيصحبه معه لسبز وقد قرر أن يبحث عن ذلك الجحر بنفسه وأن يذهب للأميرة توبة علها تعلم أكثر قد يوصله لزوجته.
كان يجهز حصانه وهو شارد بملامح جامدة لا يصدر أي ردة فعل تحت أعين إيفان الذي كان يتجهز للتحرك صوب سفيد وقد غاب عنها وقت طويل واضطر للعودة لها لينهي بعض أموره الخاصة بالحكم.
لذا تحرك بهدوء يضع يده على كتفه بهدوء:
"عدني أنك ستكون بخير ولن تلقي بنفسك للتهلكة أرسلان، عدني أنك ستعتني بنفسك يا أخي، والله لولا أنني غبت عن المملكة طويلًا ما تركتك، لكنني سأنتهي والحق بكم، سأترك معك سالار و..."
"سأكون بخير إيفان لا تقلق، خذ معك سالار و..."
قاطعه سالار هذه المرة وهو يبتسم بسخرية، يلقي بالسرج أعلى ظهر حصانه، ثم بدأ يعقده بشكل سريع:
"سالار ليس طفلًا صغيرًا ستحمل همه أثناء رحلتك أرسلان، الحمدلله يمكنني إطعام نفسي وأستطيع التحرك دون الحاجة لتسندني."
ختم كلماته ومن ثم نظر صوب إيفان يحرك رأسه له بهدوء وقد التقط إيفان رسالته ليبتسم له بامتنان، ومن ثم نظر صوب أرسلان الذي لأول مرة لا يجيب حديث سالار بكلمات لاذعة أو سخرية أو حتى يستفزه، بل فقط وضع جل اهتمامه بتجهيز حصانه، وهذا ما جعل إيفان يقلق أكثر.
هذا الرجل أمامه لم يكن أرسلان بأي شكل من الأشكال، فحتى في أكثر لحظاته غضبًا وجنونًا لم يكن يصمت، بل كان يشتعل ويشعل الجميع حوله.
"أرسلان بالله عليك، هونها على نفسك، صمتك هذا يخيفني، هذا ليس أنت أرسلان، هذا ليس أرسلان الذي أعلمه، هذا الهدوء لا يلائمك بأي شكل من الأشكال أين أرسلان المشتعل والثائر، هل تحاول أخذ دوري في هذه الحكاية يا أخي؟"
ختم جملته بمزحة صغيرة عل كلماته هذه تخفف من جمود أرسلان، والذي استمر في التأكد من عقدة الحصان قبل أن يبدأ في وضع أسلحته داخل السرج في الأماكن المجهزة لها يهتف بصوت هادئ:
"لن أتعامل مع اختفاء زوجتي كما أتعامل في العادة إيفان مع المشاكل، لن أفعل ذلك بالطبع."
لم يفهم إيفان ما يقصد لينظر له أرسلان يضغط على كل كلمة ينطق بها:
"أنا وإن كنت أثور وأنتفض في كل شيء يحدث فلن أفعل المثل إن تعلق الأمر بزوجتي، لن أتعامل مع حياة زوجتي بتهور إيفان."
صمت ثم أضاف بهدوء شديد:
"لن أغامر بحياتها بأي شكل من الأشكال، ولن أسمح لثوراني أن يقودني صوبها إن كانت النتيجة إيذائها أو خدش يمسها."
ختم حديثه يلقي بجسده فوق الحصان، ثم نظر صوب جيشه يلقي عليهم تعليماته تحت أعين إيفان المتسعة وسالار المصدومة، فأرسلان حتى في أسوأ المواقف كان أكثرهم اشتعالًا وثوارانًا.
"يبدو أن أرسلان وجد أخيرًا ما يستحق الحياة لأجله."
وكانت هذه جملة سالار الذي ابتسم بسمة صغيرة يراقب أرسلان الذي بدأ يروض شياطينه لأجل أحدهم والعجب كل العجب أن هذا الأحدهم كان امرأة... زوجته.
***
انتفض جسده عن الفراش حينما سمع صوت الطرقات التي بدأت تعلو على الباب لتتسع بسمته بقوة وهو يعلم هوية الزائر، فمن غيرها يعلم بوجوده في المكان ويأتيه كل يوم بالطعام.
تحرك بسرعة صوب الباب يفتحه مرحبًا:
"السلام عليكم سمو الأميرة."
رمشت توبة بسرعة من أسفل غطاء الوجه والذي كان يخفي كافة ملامحها متعمدة، كي لا يتطلع على تأثيره عليها.
تراجعت للخلف كردة فعل طبيعية حينما أبصرت اندفاعه هذا، ليشعر نزار بالحمق مما فعل وهو يبتلع ريقه بسرعة:
"اعتذر لقد... كنت فقط أترقب حضورك لأن... لأن الوليد يتضور جوعًا منذ ساعات حتى كاد يتناول ذراعي، المسكين."
ختم حديثها وهو يغلق الباب أكثر يخفي الجزء الظاهر من الغرفة بجسده كي لا تبصر جسد الوليد الذي كان مسطحًا على الفراش كالقتيل في أحد الحروب بعد وجبة الغداء الدسمة التي تناولها منذ ساعات قليلة.
أما عن توبة فقد عقدت حاجبيها بعدم فهم، لكن رغم ذلك مدت يدها بصينية الطعام وهي تهتف بصوت منخفض:
"أوه نعم، آسفة للتأخر، تفضل هذا الطعام رأيت أن أحضره لك قبل انشغالي في أمور القصر مع القائد و...."
"قائد من هذا؟"
ونعم لم يكن سؤالًا تتوقعه هي أو حتى هو، هو فقط مجرد سؤال أحمق خرج منه دون أن يكبت غضبه الذي بدأ ينتشر بشكل واضح على ملامحه، أما عنها فقد شعرت بالريبة من كلماته.
"ماذا؟"
"ماذا ماذا؟ قائد من هذا؟ هل نصبوكِ مسؤولة عن الجيش حتى تجتمعي بقادة رجال؟ على حد علمي هذا ليس مسموحًا حتى؟ منذ متى وتختلط النساء بالرجال حتى ولو كان هذا لدواعي الحكم، أوليست هذه إحدى أسباب منع المرأة في الإسلام من تولي حكم بلاد سمو الأميرة؟"
صدمت توبة وتعجبت من هجومه ذلك، وكان كل ما فعلته هو أنها دفعت الصينية صوبه بقوة ليتلقاها بسرعة قبل أن تسقط أرضًا، ثم هتفت بصوت بدا كما لو أنه خرج من أسفل أسنانها:
"بالهناء والشفاء سمو الأمير، أنصحك براحة جسدك وعقلك بعد تناول الطعام."
ختمت كلماتها ثم ودعته بهدوء دون قول كلمة واحدة تدافع بها عما تفعل، بل فقط عمدت لتركه يحترق في نيران فضوله وسخطه، إذ تحرك بسرعة يلقي الصينية على الطاولة المجاورة للفراش الذي ينام عليه الوليد والذي انتفض يفرك عيونه بعدم فهم:
"ماذا... ماذا حدث هنا؟"
فجأة صمت حينما أبصر الطعام جواره يجذب الصينية له بهدوء وكأنه نسي ما حدث أو ما كان على وشك قوله، يرتشف بعض المياه وكأنه يحضر معدته لهجوم الطعام عليها، ومن ثم شرع في تناول الطعام يراقب بعيونه نزار الذي بدأ يتحرك في المكان بسرعة وهو يرتدي ثياب الجنود التي يرتديها عادة للتنكر وقت معالجة الملك.
"ماذا تفعل؟ إلى أين تذهب الآن؟ هذا ليس وقت علاج الملك."
اجابه بسرعة وهو يضع لثامه:
"نعم لكنه وقت تحطيم القائد."
نظر له الوليد ثواني يحاول أن يفهم ما قيل لكن حتى ذلك لم يمنحه نزار وقتًا لفعله إذ اندفع خارج الغرفة لا يبصر أي شيء أمامه سوى ذلك الاجتماع المزعوم الذي تعقده سمو الأميرة مع المستشار الخاص بالبلاد.
أخذ يردد كلمات غاضبة أثناء طريقه لا يعي أنه خلع عنه رداء الحرص وتسلح بالتهور وقد يُكشف في أية لحظة.
توقف أمام المبنى الخاص بشؤون الحكم وهو ينظر له بترقب وكأنه يستجوب كل حجر أُستخدم في بنائه ليقر بمكانها وما تفعله، لكن يبدو أنه لم يكن في حاجة لعقد جلسة اعترافات، إذ أنه أبصرها تتهادى أمامه مع بعض العاملات صوب إحدى الغرف.
توقفت وهي تنظر للحارس بهدوء:
"أخبر القائد أنني انتظره في الخارج إذا سمحت."
اخفض الحارس رأسه باحترام يفتح باب القاعة يشير لها بالتحرك تاركًا الباب مفتوحًا وهي تسير مع العاملات وفي الداخل أبصرت بعض معاوني والدها، هزت رأسها باحترام للجميع، ومن ثم نظرت صوب القائد تهمس بصوت خافت:
"سيدي القائد السلام عليكم."
نظر لها زبير مبتسمًا بسمة صغيرة يشير صوب مقعدها والذي كانت تتوسطه في العادة جوار والدها، تاركًا مقعد الملك بارق فارغًا ينتظر عودته:
"سمو الأميرة أنرتي المكان."
احتفظت توبة بملامحها مخفية خلف غطائها كما كانت جميع العاملات معها، بينما الجميع انتبه لكلمات زبير وهو يهتف بصوت قوي هادئ في الوقت ذاته.
"أشكركم لتلبية الدعوة، واعتذر إن تسببت في تعطيلكم عن أشغالكم، لكن كان لا بد من عقد هذا الاجتماع للتشاور بيننا في أمور البلاد."
وبدأ زبير يهتف بالعديد والعديد من التعليمات والكلمات وغيرها من الأمور التي كانت لا تعني نزار بشيء، بل فقط تقدم للداخل يتحرك صوب صف الجنود الذي يصطف على جانب القاعة، لينظر له أحدهم بعدم فهم:
"لماذا ترتدي لثامًا يا أخي نحن لسنا في غارة."
لم ينزع نزار عيونه عنها وهو يراقبها باهتمام شديد دون أن تنتبه هي له:
"فقط أشعر بالتوعك فخفت أن أتسبب في إصابة أحدهم بمرضي فهو معدي."
نظر له الشاب نظرة جانبية، ثم أبتعد عنه مقدار خطوتين بحذر وهو ينظر أمامه بخوف يمسح ثيابه وكأنها ينفض عنه أي ذرات مرض قد يكون التقطها بالخطأ من ذاك الموبوء.
أما عن نزار فابتسم وهو يراقبها لا يعي ما يفعل ذلك الحارس أو غيره ولا يعنيه ما يقال في هذا الاجتماع، في الحقيقة أدرك في هذه اللحظة أن لا شيء يعنيه في الوقت الحالي... عداها.
تحدثت وأخيرًا لتسلب بسمة أخرى ظهرت في عيون نزار منه وهي تهتف بصوت خافت:
"لا بأس أمور القصر المتعلقة بالعاملات وما يخص توزيع المزروعات أنا أتولى أمرها، لا تحمل همًا."
هز زبير رأسه بهدوء وهو ينظر صوب الرجال:
"لا أحمل همًا لشيء سمو الأميرة أدرك أنكِ دون غيرك تستطيعين فعل ذلك دون أي مشاكل، أثق في قدراتك على إدارة هذا الجزء."
ابتسمت وهي تهز رأسها بامتنان، بسمة لم تظهر لأحد لأنها كانت تغطي كافة ملامحها، بل وتخفض رأسها، لكن نزار والذي عاصر منها ما لم يعاصر غيره، يدرك بل يكاد يقسم أنها في هذه اللحظة تبتسم امتنانًا وخجلًا وهذا ما جعل ملامحه تنكمش ضيقًا وغيظًا وهو يوجه نظرات قاتلة صوب زبيرة وكأنه يلومه لجعل الفتاة تبتسم خارج غرفتها حتى وإن لم تكن بسمتها واضحة لكن يكفي أنها كانت ظاهرة في صوتها وهي تنهض بهدوء شديد تردد بصوت جاد:
"إذا كنا انتهينا مما يعنيني فاسمح لي بالرحيل يا قائد."
هز زبير رأسه باحترام ينهض لها وهو يشير صوب الباب وقد ناقش أمامها كل ما سيحدث في المملكة لتكون على معرفة بكافة الأمور.
"شاكر لوجودك سمو الأميرة، أتمنى لكِ يومًا سعيدًا."
انكمشت ملامح نزار أكثر وأكثر حتى تجعدت المنطقة حول عينه بشكل ملحوظ جعل الحارس جواره يهتف بخوف وهو يبتعد أكثر:
"ما بك يا أخي هل أنت بخير؟"
"نعم هذه أعراض المرض فقط يبدو أنه يزداد داخلي حتى كدت انفجر."
ومن بعد تلك الكلمات والتي أخذها الحارس بمعنى حرفي تمامًا تحرك ليقف في نهاية الصف حتى إذا انفجر نزار لا يطوله أي سوء.
بينما الأخير نظر نظرة قاتلة صوب زبير وهو يلحق بتوبة التي خرجت من المكان بسرعة ليبدأ الرجال في مناقشة أمور الجيش، وبمجرد خروجها أُغلقت الأبواب واخيرًا على الرجال.
أما عنها فشكرت العاملات بلطف:
"أشكركن، رجاءً اذهبن صوب المطبخ وسألحق بكن لفحص الأعمال اليومية."
ابتسمت لها العاملات وتحركن بهدوء في طريقهن.
وبمجرد أن اختفى الجميع عن انتظارها حتى سارت في الممرات صوب الحدائق الخاصة بسبز تود أن تستنشق عبير الزهور والذي يذكرها بطفولتها.
وعلى ذكر طفولتها اتسعت بسمتها وهي تتذكر زيارة الملك آزار لهم يومًا يصطحب معه ولده العزيز نزار والذي ما إن أبصرها تقف بين الزهور حتى هرول لها، يقف بعيدًا عنها خطوات يهندم هيئته، ثم ضم كفيه خلف ظهره في تقليد لوالده وتوقف على بعد خطوات منها وهي تلعب بالزهور يهتف بصوت حاول إخراجه خشنًا قويًا:
"سمو الأميرة مرحبًا."
استدارت توبة صوب نزار وهي تحمل الكثير من الزهور بين أحضانها تهتف ببسمة واسعة:
"نزار مرحبًا بك، هل جئت مع العم آزار؟"
نظر نزار حوله نظرات حاول جعلها غامضة قوية:
"أوه نعم، جئنا للتو وقد أخبرني أبي أن آخذ جولة في المكان حتى ينتهي من الحديث مع والدك و...."
صمت يحدق بها وهو يبصر خصلاتها التي تلتمع أسفل الشمس قبل أن تتسع عيونه يهتف بانبهار:
"شعرك يلمع؟ هذا جميل أريد أن يكون لدي مثل شعرك و...."
صمت ثواني يفكر في الأمر وكأنه استوعب واخيرًا:
"أوه لا أعتقد أن هذه الخصلات تليق بالرجال."
نظرت توبة الصغيرة صوب خصلاتها بعدم فهم ليقاطع نزار تأملاتها وقد وصل أخيرًا لحل يمكنه من امتلاك خصلات مثل تلك:
"ربما أحصل على شقيقة بمثل خصلاتك أو ربما حينما أكبر أتزوج امرأة تمتلك خصلاتك اللامعة تلك، ما رأيك تتزوجيني أنتِ؟"
اشتعلت وجنة توبة في الواقع بعيدًا عن كل تلك الذكريات وهي لا تدري كيف تذكرت هذه الذكرى والتي لم تخطر يومًا على عقلها، ربما اختلطت رؤية الحدائق بأفكارها الأخيرة هذه الأيام فانتجت لها ذكرى قديمة كادت تندثر بين صناديق عقلها المخزنة.
ودون إرادتها تمنت لو أنه فعل، لو أنه قديمًا جاءها يطالب بها، لكن هل كانت ستقبل حينها؟ كانت ستقبل برجلٍ وهي من كانت مفتونة بغيره؟ وهو كان يحب زوجته؟
ربما لو جاءها سابقًا لرفضت، ولكل شيء أوانه.
"سمو الأميرة مرحبًا."
نفس الجملة خرجت من عقلها، لكن هذه المرة كانت خشونة الصوت ليست تظاهرًا، بل كانت حقيقية نابعة من رجل يقف خلفها وهذا الرجل لم يكن سواه... استدارت ببطء صوبه وهي تنظر له من خلف الغطاء تنظر له مطولًا دون أي ردة فعل بينما هو اقترب منها وتوقف على بعد مناسب ينظر لها ثواني ثم قال بهدوء:
"مرحبًا."
وفقط صمتت وهو صمت لا يعلم ما يجب قوله، فهو لم يتحضر لهذه الوقفة كان كل غرضه هو فقط اللحاق بها والتأكد أن أيًا من الكائنات الذكورية ذوي اللحى لا يحومون حولها، لكن رؤيتها بتلك الصورة بين الزهور جعلته يخرج عن هدوئه ويتحرك صوبها وينطق بما نطق ومن ثم لا شيء، هو لم يتحضر لشيء حتى. نظر حوله وكأنه يبحث عن كلماته بين الحقول، بينما هي تقف تتابعه بهدوء وصبر قبل أن ينفذ وتتحدث بصوت بدت به بعض السخرية:
"إذن؟ هل لي أن أساعدك؟"
نظر لها ثواني قبل أن يهتف دون تفكير وباندفاع غريب على مثل شخصه والذي كان يتأنى في الحديث حتى عن أتفه الأمور، الآن يندفع كما الثور حينما يتعلق الأمر بها:
"نعم أسدي لي معروفًا لو سمحتي وتوقفي عن الحديث مع الرجال......"
***
كان يجلس على أحد المقاعد في الحديقة وهو يضم له موزي يراقب السماء ويدعو الله أن يعيد له أخته بخير حال، وكل ما يدور في عقله أن الحياة تعيد نفسها.
"ها نحن مجددًا يا صاح نجلس على قارعة الطريق ننتظر عودة أميرتنا، وهذه المرة نراقب بعجز كامل في مكان لا ندري عنه شيئًا."
ضم له موزي بحزن شديد وهو يشعر بالوجع لأجل شقيقته يكبت دموعه:
"ألن تجد سلمى سلواها يومًا، لقد ظننت أنها سترتاح حينما تأتي هنا، لكن يبدو أن مصيرها الوجع، تلك المسكينة."
ختم حديثه يضم موزي أكثر وأكثر وهو يكبت دموعه بصعوبة، ولم يكد يفضي بباقي شكواه حتى شعر بضربة موزي في معدته مما جعله يبتعد بسرعة مفلتًا إياه صارخًا بصوت مرتفع حانقًا مما فعل ذلك القرد، وانتقل بسرعة مرعبة من الشجن والحزن إلى حالة من النقم والغضب:
"أيها الأجرب اللعين، حتى أنت يا أجرب تضربني؟ أولم أكن أنا من يمنحك الفاكهة من خلف ظهر سول كل يوم لتضرب بها الجيران في الطرقات؟! أوف منك ومن غدرك."
ختم حديثه ولم يكد يكمل صرخاته حتى ضربه موزي على رأسه بموزة كان يحملها، ثم أصدر صوتًا منزعجًا وقد كاد خالد يخنقه من شدة ضمه، يركض بين الطرقات مبتعدًا عن خالد الذي صرخ بجنون:
"تبًا لك يا أجرب اقسم أنني إن أبصرتك يومًا سوف انتف لك شعيراتك القذرة تلك."
ختم حديثه يتنفس بصوت مرتفع وصدره يعلو ويهبط، يمسح خصلات شعره وهو يحاول تهدئه نفسه ينطق بكلمات لاتينية غير مفهومة لمن يسمعها:
"أهدأ لود لن تفسد مزاجك الفاسد بالفعل لأجل قرد أجرب، يكفيك ما تمر به الآن لتشغل عقلك الجميل بمثل هذا الأجرب."
"هل تحاول إلقاء تعويذة أو ما شابه؟"
انتفض جسد خالد على ذلك الصوت واستدار ببطء صوب صاحبته والتي لم تكن سوى تلك الساحرة صاحبة الملامح المنقبضة.
نظر لها ثواني وابتسم باغراء وقد ظن أنه جذبها بلغته المختلفة، لكن فجأة انكمشت بسمته يهتف بضيق حينما تذكر ما فعلت به آخر مرة:
"هذه أنتِ أيتها الساحرة الشريرة؟"
نظرت له ديلارا من أعلى لاسفل، ثم ابتسمت بسخرية من خلف لثامها تتحرك تاركة إياه يقف مكانه لا يفهم ما حدث منذ ثواني فقط ألقت له بكلمات قليلة ورحلت ببساطة.
نظر لاثرها بغيظ شديد يهتف:
"تلك الساحرة."
توقفت ديلارا فجأة واستدارت له فعلم أنها سمعته، فعاد للخلف خطوة تحسبًا لرفع كفها في وجهه مجددًا، لكنها فقط نظرت له بسخرية مشيرًا صوبه:
"انضج قليلًا وتصرف كما الرجال."
ختمت كلماتها تتحرك بعيدًا عنه صوب المشفى وهي تحمل سبتًا من القش ويبدو أنها جاءت بالطعام لشقيقها، بينما هو راقبها بتشنج واضح حتى اختفت عن عيونه ومن ثم تحدث بحرية:
"أتصرف كما الرجال؟!"
أطلق صوتًا ساخرًا يكمل بحنق:
"معذورة لم تبصري من هو لود الحقيقي ورأيتي مني فقط لود متواضع لا يشبه بأي شكل من الأشكال حقيقتي."
"هل جننت يا بني تتحدث مع نفسك؟"
انتفض جسد خالد ينظر صوب والده الذي اقترب منه وهو ينظر له بعدم فهم، بينما خالد نظر صوب الجهة التي صارت بها ديلارا:
"لا يا أبي، بل مع الساحرات..."
***
انتهى من عمله واطمئن على الملك ومن ثم هرول صوب جناحه وهو يتنفس بصوت مرتفع يحاول أن يهدأ يدعو الله أن تكون قد استيقظت من غفوتها والتي لا يعلم كيف سُحبت لها في مثل تلك الحالة التي كانوا عليها وبين كل تلك الضوضاء التي كانت تحيطهم.
تنفس بصوت مرتفع وهو يضع يده على مقبض الباب يشجع نفسه بكلمات قليلة، ومن ثم واخيرًا فتح باب غرفته ببطء شديد مخافة أن يتسبب في إزعاجها إن كانت ما تزال نائمة.
لكن لم يكد يخطو خطوة واحدة داخل الغرفة حتى شعر بسكين يوضع على رقبته، الصدمة جمته واتسعت عيونه بعدم فهم وكأنه يحاول إدراك ما يحدث.
فتح فمه للحديث أكثر من مرة، لكن فشل في ذلك وفي النهاية استسلم يستدير برأسه صوبها ينظر بتعجب لما تفعل.
زوجته والتي ظنها ميتة تقف الآن أمامه تحمل سكينًا تحاول نحره، تنظر له بشر سرعان ما اختفى حينما أبصرت ملامحه مجددًا.
تهمس بانشداه وشحوب غزا وجهها:
"أنت لست... أنت لست حلمًا، أنت.... أنا أستطيع... لمسك و...."
فجأة عند هذه الحقيقة انتفضت للخلف بقوة مسقطة السكين أرضًا ترتجف بصدمة وهي تهمس بشفاة مرتجفة:
"ز... زيان؟ زيان هذا... أنت كنت... لقد... القبر هناك... أنت أمام عيوني قُتلت و... لقد...."
فجأة توقفت عن الحديث وهي تضع يدها على فمها بصدمة تتراجع للخلف أكثر وقد بدأ جسدها يرتعش وهي تبتهل أن يكون ما ظلت تدعو به ليالٍ حلم، لا يمكن أن تكون ما تبصره الآن حقيقة، تتمنى وللأسف أن يكون حلمًا ورديًا.
أما عن زيان فلم يبصر كل ذلك القهر الذي على عيونها يحاول أن يتجاوز صدمته لأجلها فقط يبتسم بسمة صغيرة خرجت بصعوبة من بين ملامحه التي ما تزال تحتفظ بصدمتها.
"هذا... هذا أنا زيان نازين، لا يعقل أنك نسيتني بهذه السرعة صحيح؟ لا أعلم كيف لكنني حقيقة... أنا هنا نازين وأنتِ كذلك و...."
قاطعته نازين تهتف من بين دموعها بصوت متقطع وقد بدأت تهز بكلمات غير مفهومة:
"ليتك لم تكن، ليتك لم تكن حقيقة زيان، ليتك لم تكن."
توقفت يد زيان في طريقها لها وتجمد جسده بالكامل وهو يشعر وكأن أحدهم أمسك صخرة والقاها فوق رأسه بقوة يتراجع للخلف بوجه شاحب لا يفهم ما قالته منذ ثواني:
"مــ...ماذا تقصدين نازين أنا....لا أدري كيف لكن... أنا.... أنا زيان نازين زوجك، أنا.....زوجك نازين."
أخذ يردد الكلمات وقد شعر للحظة أنه ربما أخطأ في المرأة وأن هذه ليست زوجته، ربما كانت امرأة أخرى تشبهها أو... لكنها كانت تجلس باكية عند قبر صغاره وعرفته حين أبصرته.
أما عن نازين فقد كانت تحيا في هذه اللحظة جحيمًا، وكأنها لم تكن مستعدة لمواجهة نتائج دعائها، دعت الله يوميًا أن يكون كل ذلك حلم وأن تعود لها عائلتها، لكن ليس وهي... راقصة وملوثة، ليس بعد كل هذا، ليس بعدما ظنت أنها خسرت كل شيء وتعاملت في حياتها أن لا شيء آخر تخسره الآن يعود.
عند تلك الفكرة انهارت أرضًا وهي تضم جسدها لصدرها تنزوي بنفسها في ركن الغرفة جوار الباب منهارة بشكل هستيري باكية بصوت مرتفع:
"لا أرجوك... ليس بعد كل هذا زيان، أرجوك قل أن هذا حلم أرجوك زيان لا تفعل بي هذا."
نظر لها زيان برعب من انهيارها وقد ظن أنها تتحدث عنه وأنه تخلى عنها ليقترب منها بلهفة وهو يحاول رفع رأسها لتنظر له وتعلم أنه لم يتخلى عنها، لكن أفكار نازين كانت أبعد مما يظن هو.
"لا لا نازين أنا لم أبتعد ولم أتخلى عنكِ أقسم بالله الواحد الأحد لم أفعل نازين لقد....لقد كنت أموت كل يوم شوقًا لكِ، أقسم بالله أن دعوتي كل يوم كانت أن ألحق بكِ وبالصغار، لقد عانيت في بعدك والله يشهد، لقد... أبصرت بقايا جسدك و....أخرجوا بقايا..."
تهدجت كلماته وشعر بجسده ينتفض كلما تذكر البقايا التي خرجوا بها من أسفل الركام وقالوا أنها زوجته، فمن غيرها وأطفاله يسكن المنزل:
"حملت كفنك فوق أكتافي... ودفنتك.... دفـ... دفنتك بيديّ."
ختم حديثه بصوت ملئته غصات البكاء وغطته أصوات الشهقات التي خرجت، يرفع وجهها وهو يمسكه بين كفيه وهو ينظر لها بحب:
"أقسم بالله أنني لم أتخلى عنكِ نازين أنا...."
قاطعته وهي تبكي بقهر ووجع:
"لكنني فعلت زيان، أنا فعلت."
نظر لها زيان بصدمة كبيرة لا يفهم ما تقصد قبل أن تهتف هي من بين شهقاتها وبكامل الأسف والوجع الذي تحمله داخل صدرها:
"لقد... لقد تخليت أنا عن نفسي زيان، أصبحت... أصبحت مجرد امرأة ملوثة... امرأة عـ"
أوقفها زيان عن الحديث بفزع وهو يجذب جسدها لاحضانه بقوة مرتعدًا من تلك الكلمات يمنعها حتى من إكمالها:
"لا لا لا أرجوكِ لا تفعلي، لا... لا تقولي مثل هذا عن نفسك، نازين لا تفعلي لقد.... أنا أقسم أنني لم... لم أتخلى عنكِ، أنتِ لستِ... لستِ كما تقولين ما كان لكِ أن تكوني وأنتِ أطهر نساء الأرض حبيبتي."
انفجرت نازين أكثر وكأن زيان بكلماته تلك رش ملح على جروح لم تُشفى بعد، بل كان القيح يسكنها، انفجرت وهي تهتف من بين شهقاتها:
"لم أعد زيان، لم أعد وقد شاركك الكثير من الرجال في رؤيتي دون ساتر و...."
جذبها زيان له أكثر بقوة يضع رأسها في كتفه وكأنه يحاول كتمان كلماتها يهذي بصوت مرتفع:
"لا لم يفعلوا... لم يفعلوا نازين لم يفعلوا ارجوكِ لا تعاقبيني هكذا والله لم أكن أعلم بوجودك والله دفنتك بيدي لم أكن أعلم نازين."
كان يهذي بكلمات كثيرة لا يعي منها شيء ولا تدركها هي، كل ما تدركه نازين في هذه اللحظة أنها عادت لزوجها لكن بعد فوات الأوان، عادت ملوثة لا تليق لأن تكون زوجة له، ليس بعد كل هذا.
لكن حالة زيان في هذه اللحظة والذي كان أشبه بمن فقد عقله، جعلها تصمت وهي تراه يشدد على احتضانها رافضًا أن يسمح لها بالتنفس بعيدًا عنه:
"لن ترحلي مجددًا، أرجوكِ لا تفعلي، لا أصدق كيف وجدتك، الله كان أرحم بي من نفسي وأعادك لي، لا يهمني أين كنتِ وماذا فعلتِ، لا يهمني شيء، والله لا يهمني سواكِ، لا يهمني كيف ومتى ولماذا، فقط أنتِ هنا بيت أحضاني هذا ما يهمني."
بكت نازين بقوة وهي تضمه لها تهتف بكلمات غير مفهومة له، وهو فقط يضمها يحاول أن يستوعب حقيقة وجودها بين أحضانه واخيرًا وما زال يهذي بنفس كلماته السابقة:
"لا يهمني سواكِ نازين، لا يهمني."
***
تجلس في الغرفة وحدها وهي تحدق في الظلام أمامها بهدوء شديد، تجلس تحاول أن تدرك ما يحدث حولها. جميع النساء أُخذن من الغرفة دون أي مقاومة من طرفهم أو حتى طرفها، وكيف تقاوم وهي كانت مكبلة بأيديهم بشكل مزري.
سقطت مقاومتها وسقطت قوتها، لكن رغم ذلك لم تهتم وهي تنظر لأصلان بتوعد مرعب وقد كانت عيونها تتلو عليه عهود نهايته.
سقطت دموعها تدفن رأسها بين قدميها بقوة تحاول أبعاد أصوات الصرخات في الخارج عن أذنها، تشعر بالعجز عن المساعدة وقد سُجنت في تلك الغرفة وحاولت الخروج مرات ومرات حتى يأست.
ارتفعت أصوات البكاء في الخارج وصرخات أم مقهورة وهي تندب وتبكي ابنتها التي سلبت من بين أحضانها لأحضان رجال بعمر والدها.
فجأة انتفض جسدها وقد شعرت أنها لا تستطيع الصمت أكثر تتحرك صوب الباب تطرقه بقوة صارخة:
"هييييه أنتم اخرجوني من هنا، دعوا الصغار وشأنهم، فقط اخرجوني، ستندمون، اقسم أنكم ستندمون، سوف أخبر أرسلان بكل ما فعلتموه معي وهو لن يرحمكم، والله لن يفعل."
كانت تصرخ بقهر وهي تتمسك بآخر خيوط الأمل والضحكات في الخارج تصل لأذنها مستهينة مما جعل دموعها تسقط تعي تضرب الباب بغضب، قبل أن تتحرك بسرعة صوب أحد المقاعد تحمله متقدمة للباب تضرب حتة كادت تحطمه وهي تصرخ:
"اخرجــــــوني لعنة الله عليكم اخروجني من هنا."
بدأت ضرباتها تزداد أكثر وأكثر حتى بدأ الجميع في الخارج يرتاب وقد بدأ الباب يهتز على وشك التحطم، تراجع أحد الحراس للخلف بريبة وقد أبصر بعيونه ما هي قادرة على فعله.
"ليتحرك أحدكم ويخبر القائد بما تفعله، المرأة جُنت."
فجأة هدأ صوت التحطيم وقد بدأ بعضهم يبتلع ريقه يتنفس الصعداء:
"لقد... لقد... استسلمت واخيرًا و.."
قبل إكمال جملته وجد المقعد المعدني يطير من النافذة بعدما تحطمت لأشلاء، ثواني من الهدوء المريب وهم يحدقون بالزجاج المتناثر بصدمة كبيرة، وفجأة أبصروا جسدها يخرج من النافذة ترفع أطراف فستانها وفي ثواني كانت تهرول، تركض بشكل مرعب جعل الرجال يتصنمون لثواني دون قدرة على استيعاب ما حدث.
ثواني حتى انطلقت صرخة أحدهم يضرب أجهزة الإنذار لديهم جميعًا وهو يهرول خلفها صارخًا:
"أمسكوا بها، أمسكوا المرأة."
أما عن سلمى كانت ترفع فستانها وهي تركض بشكل مخيف، تركض وتركض وهي لا تبصر أمامها أحد لا تبصر سوى أمل خافت للهروب من المكان وإحضار المساعدة لأجل النساء، تركض وتركض حتى كادت أنفاسها تتوقف والإصرار يعلو وجهها، والشر بدأ يسيطر عليها.
ركضت وركضت حتى شعرت أن أقدامها أصابها الخدر فلم تعد تشعر بها.
وحينما وجدت نفسها وصلت لحائط سد توقفت مرتعبة وهي تتنفس بسرعة تنظر حولها تبحث عن شيء تدافع به عن نفسها، وفجأة وجدت يد تجذبها بسرعة لأحد الأبواب الجانبية ويد تكتم صرختها وصوت امرأة تهمس لها:
"اهدأي، ارجوكِ لا تصرخي أنا هنا لأساعدك."
كبتت سلمى أنفاسها بصعوبة وهي تسمع صوت الخطوات حولها وأصوات الصرخات والسبات التي تخرج من الرجال حولها، وبعد دقائق سحبتها المرأة بسرعة صوب إحدى الغرف تلقي لها بفستان خاص بها:
"ارتديه بسرعة."
نظرت سلمى للفستان بين يديها بقلق لتهتف الأخرى:
"ألا تريدين الخروج من هنا؟ سأساعدك، لكن عديني أن تعودي لأجلنا، أنتِ أملنا الأخير في النجاة من هذا الجحيم، سنساعدك فلا تتخلي عنا جلالة الملكة."
نظرت لها سلمى بعدم فهم وهي تنظر للملابس بين يديها لتبصر امرأة أخرى تخرج من الغرفة تقف جوار المرأة الأولى تهتف بصوت منخفض وهي تنظر لها بوجع وأمل:
"ارتدي الفستان الخاص باختي، سنخرجك اليوم من هنا، فقط عودي لأجلنا ارجوكِ."
***
"ماذا؟"
نطقت الكلمة دون فهم لما يتحدث بشأنه، بينما نزار توتر مما نطق منذ ثواني وكأنه لم يستوعب بعد ما فعل، لذا اختار أفضل وسيلة للتهرب من حمقه (ادعاء حمق أكبر).
رفع حاجبه وهو يردد بعظم فهم مصطنع:
"ماذا؟"
"ماذا أنت؟ ما الذي قصدته بحديثك السابق؟"
"أي حديث سابق وضحي؟"
ازداد حنقها وهي تنظر له بغيظ ولم تكد تتحدث بكلمة تخبره ما تقصد، حتى سبقها هو يتحدث بهدوء وهو ينظر حوله:
"جميلة هذه الحديقة، تجعلني أشعر بالاسترخاء، هل هذه زهرة الأوركيد؟"
استدارت توبة نصف استدارة وهي تنظر خلفها، ثم عادت بنظراتها له تبتسم بسخرية بسمة لم يبصرها وهي ترفع حاجبها:
"لا يعقل أنك لم تفرق بين زهرة دوار الشمس والاوركيد؟ كيف بالله تختص بصنع السموم والمصل وأنت لا تميز بين النباتات."
"هذه زهور وليست نباتات."
"ولا تستطيع التفريق بينهم؟"
ابتسم بسمة صغيرة وقد وجد ردًا مناسبًا لولا أنه لا يجوز نطق ما يدور بخلده لكان أبهرها برده وهو يلقي في وجهها ردًا سيلجمها المتبقي من عمرها (لا أعرف من الزهور عدا زهرة واحدة فقط).
ويبدو أن رده كان واضحًا في عيونه إذ أبعدت توبة عيونها عنه تتحرك خارج الحديقة بأكملها وهي تهتف:
"حسنًا اسمح لي بالاستئذان فلدي الكثير من الأعمال لأنتهي منها سمو الأمير."
شعر نزار برغبة عارمة في إيقافها وقت أطول، لكن بأي حجة وهو يفقد قدرته على النطق والتفكير بشكل صحيح أمامها، لكن وقبل أن تبتعد وجد نفسه يقول بسرعة كبيرة:
"صحيح هناك بعض الأعشاب التي أحتاج لها لأجل علاج جلالة الملك."
توقفت هي ونظرت له ثواني قبل أن تهز رأسها بحسنًا:
"لا بأس أي شيء تحتاجه أخبرني به رجاءً وسوف أرسل لإحضاره و...."
فجأة توقفت عن الحديث حينما سمعت صوت المنادي يعلو في الأرجاء وهو يهتف بجملة جعلتها تعقد حاجبيها بعدم فهم:
"جلالة الملك أرسلان ملك مشكى يدخل للقصر."
رددت توبة دون إرادة وبتعجب شديد:
"أرسلان هنا؟"
نظر لها نزار بضيق من نزعها الألقاب ولم يكد يعترض على ما قالت حتى أبصر إحدى العاملات تتحرك صوبهم مخفضة رأسها وهي تردد بجدية:
"سمو الأميرة وصل الملك أرسلان ويرغب في رؤيتك لأمر هام."
ابتسمت توبة بعدم تصديق:
"طلب رؤيتي؟ للتو أعلن الحارس عن وجوده، هو حتى لم يكد يهبط عن حصانه ليطلب رؤيتي بهذه السرعة، ماذا يحدث هنا؟"
اخفضت العاملة رأسها ولم تتحدث بكلمة أو تخبرها أن الملك أرسلان الآن كان أشبه بقنبلة تسير بين الجميع وبملامح مرعبة جعلتها تهرول حينما أخبرها أن تستدعي الأميرة لأجل حوار هام.
نظرت توبة خلفها لنزار الذي رفع حاجبه بعدم فهم، لتنظر مجددًا صوب العاملة:
"حسنًا أخبريه أنني آتية و...."
"لا يمكنني."
نظرت لها توبة مبتسمة بعدم فهم:
"عفوًا لا أفهم ما تقصدينه بلا يمكنك؟"
"لقد... لقد أمرني الملك ألا أعود سواكِ، أرجوكِ."
ختمت جملتها بتوسل، ثم أكملت بصوت منخفض:
"هو مخيف للغاية والآن هو... يبدو غاضبًا بشكل جنوني."
اتسعت أعين توبة واشتعل صدرها بالضيق وهي تتحدث بعدم فهم:
"أخبرتك أنني سألحق بكِ، هل ستسير أوامر أرسلان عليّ في مملكتي؟"
ختمت حديثها تبصر خوف العاملة لتتحرك صوبها وهي تشير لها متقدمة المسير:
"الحقي بي لنرى ما يريده."
وحينما ختمت جملتها تحركت خلفها العاملة مهرولة وهي تبتلع ريقها، بينما توبة تسير مرفوعة الرأس متحفزة لما يريد أرسلان والذي لا يتحمل تأخيرًا.
تحرك خلفها نزار بسرعة كبيرة بشكل متوارٍ كي لا يُكشف.
يراقبها تتحرك بين الممرات وفي المقابل أبصر جسد أرسلان يتحرك صوبها بقوة وكأنه يتقدم جيشه في حربٍ ضروس.
وحينما التقيا في منتصف الممر ابتسم أرسلان بسمة ميتة وهو يهتف بصوت حاول إخراجه هادئًا:
"اعتذر عن المجيء دون رسالة مسبقة أو احضارك بهذا الشكل العاجل، لكنني احتاج مساعدتك سمو الأميرة."
نظرت له توبة بعدم فهم:
"مساعدتي أنا!! في ماذا؟"
نظر أرسلان حوله قبل أن يهتف بهدوء شديد وقد كان صوته يصل لنزار الذي يختفي بجسده في أحد الممرات القريبة منهما:
"الجحر، أين هو بالتحديد؟"
نظرت له بعدم فهم:
"وكيف أعلم، أخبرتك كل ما أعرفه مولاي، أنا لا أتذكر المكان تحديدًا وإن كنت أفعل فلن أخفي عنك الأمر وأنا أكثر من يتطلع لحرقه."
"صدقيني سمو الأميرة الأمر لا يحتمل جهلك بتلك المعلومة، أخبريني أي شيء قد يوصلني له حتى ولو كانت به شجرة تختلف عن غيرها أي إشارة توصلني له."
كانت توبة تسمعه دون فهم وهي تبصر سالار يقترب منهم يقف خلف أرسلان، كل ذلك وهم ما يزالون يقفون في منتصف الممر.
"لا أفهم ما تريد، لكنني لا أدرك تحديدًا فقد كنت فاقدة للوعي أثناء خروجي ودخولي له و...."
"من أخرجك منه؟"
شحب وجه توبة فجأة وقد شكرت ربها أنها تخفي وجهها خلف غطاء الوجه، وأرسلان يبدو أنه جاء ليحصل على إجابة لن يرحل دونها.
بينما نزار اتسعت عيونه وقد شعر بالصدمة من سؤال أرسلان، أما عن أرسلان نفسه فقد كان يتعلق بكل قشة قد توصله لزوجته، يردد بجدية وهو يحدق فيها وجسده ينتفض بغضب غير موجه لها بقدر ما هو موجه لنفسه قيل الجميع:
"لا يعقل أنك أغمضتي عيونك لتفتحيها وقد خرجتي من الجحر، هناك من ساعدك صحيح؟ وهذا الشخص بالطبع يعرفك وتعرفينه، فلا ينبت الخير في مستنقعات السوء سمو الأميرة، هذا حتمًا شخصًا يعلمك تمام العلم وتفعلين أنتِ المثل."
كان سالار يتابع ما يحدث بهدوء وهو يدرك أن أرسلان لن يصمت حتى يصل لها، وهو في الحقيقة يشجعه على فعل كل ما قد يوصله لزوجته.
أكمل أرسلان بصوت مذبوح:
"أخبرتيني عن كم تعرضتي للسوء في ذلك المكان وما اصابك هناك، لذا ساعديني لأُجنب زوجتي المرور بمثل ما مررتي به، ساعديني لإخراجها قبل أن يتعرض لها أحدهم وقبل أن تفلت شياطيني من عقالها."
اتسعت عيون توبة بصدمة وهي تهمس بعدم تصديق:
"زوجتك؟"
لكن أرسلان لم يهتم ولم يسمع ما قالت يهتف بجدية وقوة مصرًا على استخراج الإجابة التي يطمح لها:
"السؤال الآن من هو الشخص الذي أخرجك من الجحر سمو الأميرة ويعلم طريق الذهاب هناك؟"
***
كان يجلس وهو ينظر أمامه دون كلمة واحدة فقط يراقب الطريق المؤدي لبوابة القصر بشرود واعين لا تعي شيئًا حوله عدا سواد الليل الذي ينافس سواد قلبه في هذه اللحظة وسكون الليل الذي يشبه سكون ضربات قلبه.
جواره يجلس خالد الذي كان شاردًا في البوابة كذلك وكأنه ينتظر أن تُفتح وتدخل منها شقيقته مبتسمة تسير بكل قوة كعادتها:
"هل تعتقد أنها ستكون بخير؟"
وكان خالد يتحدث عن سلمى وقلبه يبكي خوفًا، لكن يبدو أن كلًا يبكي ليلاه، إذ أجابه المعتصم وهو يشعر بالخوف يزداد داخل صدره وقد جن عليهم الليل ولم يصل بعد لزوجته:
"ستكون إن شاء الله، عليها أن تكون بخير وإلا سأنتهي أنا."
نظر له خالد بعدم فهم:
"تنتهي أنت؟ ما الذي تقصده أنت؟ ما علاقتك بأختي؟"
لكن المعتصم لم يكن يدرك ما يقول خالد أو يهتم به حتى، بل فقط كان يجلس يشعر بجسده بأكمله وكأنه فقد كل ذرة طاقة أو رغبة في الحياة، يتساءل يتعجب كيف كان يحيا قبل فاطمة؟ إن كان هذا ما يسببه غيابها فكيف عاش سنوات عمره قبلها؟ أم أنه لم يكن يدرك سابقًا أنها تنقصه؟
دفن وجهه بين يديه وهو يحاول أن يتماسك، بدأ يشعر باليأس والرعب، فقط لو ترسل له أي إشارة أنها بخير، أي إشارة أنها بخير وسيتخلى عنها إن كان هذا ما تريده.
أبصر خالد صراعه الظاهر ليشعر بالشفقة فرفع كفه يربت على كتف المعتصم مرددًا بحزن:
"لا تقلق ستعود هي قوية وقد مرت بأسوأ من هذا من قبل أنا أعلمها جيدًا وصدقني إن كنت تحبها بهذا القدر سأقف معك لتكون لك أفضل من ذلك المتجبر، حتى وإن تضررت لأخرج شياطيني من قبورها."
يتحدث عن سلمى ظنًا أنها سبب أرق المعتصم، بينما الأخير فقط يجلس ينعي حياته وقلبه، يعيد كل كلماتها داخل عقله، صوتها ونبرتها وهي تناديه (يا المعتصم) يقسم أنه يكاد يسمع صوتها في أذنه الآن.
مسح وجهه وهو يقاوم رغبة عارمة في البكاء و... فجأة توقفت يده عن التحرك على وجهه وهو ينظر أمامه بأعين واسعة مصدومة مما وصل له، يردد كلمات لم تصل لخالد الذي كان يردد كلمات لا علاقة لها بما يحدث:
"لا أدري ما يحدث هنا، حتى زين مختفي، هذا المكان يصيبني بالاكتئاب أشعر أن الكوارث توزع مع الوجبات هنا ورغم حلاوة الطعام إلا أنني لا أريد أن...."
وقبل أن يكمل كلماته انتفض يطلق صرخة مرتفعة بسبب اندفاع جسد المعتصم بشكل مرعب وهو يركض في المكان بشكل مخيف صوب حصانه يصعد على ظهره وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف من اللهفة.
بينما خالد يضم يده التي كان يربت بها على كتف المعتصم، بريئة من انتفاضة الأخير، ولم يكد يتساءل عما يحدث حتى أبصر جسد المعتصم يختفي مع حصانه من أمامه.
ردد بلغته البرتغالية وهو ينفخ يضيق:
"ليخرجني الله بعقلي من هنا."
انطلق المعتصم بحصانه صوب جهة وهو يدعو الله أن يصدق إحساسه ويجدها هناك، كيف لم يبحث عنها هناك؟ كيف أهمل هذا المكان؟ ظل ينغز حصانه بقوة حتى وصل واخيرًا لمكانه المنشود يهبط عن حصانه بسرعة كبيرة يتحرك صوب البوابة الحديدية يدفعها بيد مرتجفة وهو يهمس باسمها يتمنى أن تكون هنا وفي ذات الوقت لا يتمنى لها قضاء كل ذلك الوقت هنا.
دخل المكان بخطوات مترددة وقد كان الظلام مخيفًا يكاد لا يبصر يديه، يمر بجانب لافتة كبيرة مكتوب عليها بخط واضح (المقابر الغربية).
تحرك بين المقابر وصوت فاطمة يرن داخل عقله، صورتها وهي تجلس معه مبتسمة بسمة صغيرة لطيفة تخبره بكل هدوء: "لم أزر قبر أبي أو أحمد كثيرًا، هذا كان يحزن أمي لذلك لم أكن أذهب هناك، لا أنا أو هي، لقد... كنت أشعر بهم معي طوال الوقت أراهم في كل مكان، لولا أمي لفقدت عقلي."
ابتلع ريقه يبحث عنها بين القبور وقلبه يكاد يتوقف من الرعب عليها، يتمنى ألا تكون اضطرت لعيش كل ذلك الوقت هنا وحدها بين القبور.
"ربما يومًا ما أذهب لزيارة قبورهم مع أمي، حينما تصبح بخير سأذهب، و.... أخبرك سرًا يا المعتصم، أحيان كثيرة كنت أذهب هناك أجلس مع أبي وأحمد دون علم أمي، كنت أشتاق لهم كثيرًا."
كان يبحث بعيونه عن القبور الخاصة بعائلتها، وقد كانت المقابر الغربية والتي تقع جوار الحي الذي كانت تقطن هي به كبيرة لا يدرك أين قد يجدها، نظر حوله وقد شعر بالعجز، يدور في مكانه يحاول إيجاد أي قبس نور قد يرشده لها وحينما شعر أنه لن يصل لها بهذه الطريقة ناداها بصوت مرتفع:
"فـــــــــــــاطــــــــمة هل أنتِ هنا؟ فاطمة؟!"
لكن لم يصل له أي رد ليشعر بالرعب وهو يتحرك بين القبور وقد شعر أنه ربما بنى آمالٍ على أعمدة من التراب، أخذ ينظر حوله وهو يكاد يصاب بالجنون.
وفجأة من بين أمواج اليأس الخاصة به وأصوات الغضب التي تدوي داخله، تسللت أصوات خافتة له، أصوات جعلت قلبه يكاد يتوقف وهو يسمع همسات غير مفهومة لم يصل له منها سوى همسة (أمي).
تحرك خلف الصوت بقدم مرتجفة يهمس بصوت أشد ارتجافًا:
"فاطمة؟؟"
***
تحركت بين طرقات الجحر وهي تخفي نصف ملامح وجهها باللثام الذي حصلت عليه من الفتاة، وجوارها تسير إحدى الشقيقتين واللواتي علمت أنهن من سكان مشكى تم أسرهن وقت نكبة مشكى الأخيرة بعدما قُتل جميع أفراد أسرتهما.
كانت الفتاة تسير بتوتر جوار سلمى وهي تتحرك مع
رواية اسد مشكي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رحمه نبيل
شعرت توبة بالمكان يدور من حولها حينما فرغ أرسلان من طرح سؤاله عليها ينتظر بكامل الصبر أن تجيبه.
أما عنها فلم تكن بالحمق الذي يجعلها تعترف لأرسلان بهوية من ساعدها، لأنه وإن كان أرسلان في هذه الثانية يمقت شخصًا بجنون، فهو الشخص الذي تسبب في نكبة شعبه والذي كان، وبكامل الأسف والحزن...
نزار.
"لا أعلم، شخص أثرت شفقته ربما."
ارتسمت بسمة جانبية على وجه أرسلان ساخرًا مما سمع:
"وهل يا ترى لم يُصادف أن أبصرتي وجه صاحب المروءة هذا؟ لا تعلمين من هو وإن كان يمكنه مساعدتي في الوصول لمستنقعهم؟!"
ابتلعت ريقها وهي تود أن تتنفس بعيدًا عن نظرات أرسلان أو حتى تفكر بشكل طبيعي. تريد أخذ أنفاسها وسؤال نزار إن كان يدرك المكان.
لذا نطقت بتردد:
"لا لم أفعل، لقد... لقد كنت ساقطة في غيبوبة قصيرة حين أخرجني ولم أعي بنفسي سوى على حدود مشكى و... فقط ارجوك دعني افكر في الأمر لربما أصل لـ..."
قاطعها بملامح جامدة ووجه لا يُفسر:
"لا أعتقد أنني أمتلك صبرًا يكفيني لأنتظارك سمو الأميرة، زوجتي لن تمكث يومًا إضافيًا في قبضتهم."
ختم كلامه يتحرك بقوة من أمامها وبشكل جعلها تنظر لاثره متسعة الأعين مصدومة. ونزار يراقبها من بعيد بترقب وضيق شديد من تصرف أرسلان الخشن معها.
استدارت له توبة تنظر له بطرف عيونها وكأنها تسأله سؤالًا صامتًا عما يريده أرسلان ليكون جوابه هزة رأس صغيرة لم تفهم منها شيئًا. ولم تكد تستفسر حتى اختفى جسد نزار بسرعة من المكان.
بينما هي ابتلعت ريقها تنظر أمامها وهي تفكر في زوجة أرسلان التي تعاني في هذه اللحظة ما عانته هي. تتمنى، فقط تتمنى لو أن هناك من يساعدها هناك كما فعل لها نزار. تتمنى أن يكون لها درع تختبأ خلفه.
***
ودرع سلمى الوحيد كان... نفسها.
كانت مرمية أرضًا بقوة وفوقها أحد الرجال يقيد يديها بقوة دافعًا بوجهها للأرض حتى شعرت ببعض الأغصان الصغيرة تكاد تخترق وجهها، وهي تحاول المقاومة.
بينما صوت الرجل يعلو من خلفها وهو يدفع برأسها أكثر وصوت سبابه لم يتوقف. وقد بدا أنه على وشك تفجير رأسها أسفل ضغطات يده.
وسلمى فقط تحاول تحريك يدها لتمسك شيء تدافع به عن نفسها، لكن لطالما كانت كفة القوة هي الراجحة وليست الشجاعة.
بدأت تتحرك بشكل محموم تحاول الإفلات منه، وهو فقط ابتسم بسخرية يتحرك عنها ببطء كي يوقفها ليعود بها صوب الجحر. وما كاد يقف حتى وجد حفنة من الرمال تسقط على عيونه، فتراجع للخلف صارخًا بوجع. وقبل أن يتحرك أحدهم خطوة واحدة كانت سلمى تحمل أحد الفروع المحطمة أسفل قدمها تضرب ذلك الرجل بعنف شعرت أن ذراعها تحطمت على إثرها.
ومن ثم نظرت صوب الجميع الذين هرولوا لها، لتبدأ بالتراجع للخلف بظهرها، قبل أن تستدير وتهرول بسرعة مرعبة وهي ما تزال تحمل العصا بين كفها. وقد كان وجهها مدمرًا من الجروح وجسدها ممتلئ بالكدمات، ورغم ذلك لم تتوقف.
كلما شعرت أن قوتها على وشك أن تخونها، تذكرت مظهر النساء والفتيات، فتزيد من سرعتها وهي تتنفس بصوت مرتفع لا تنظر خلفها وهي تدفع الفروع من أمامها. وقد بدأت قدمها تصرخ طلبًا للراحة، لكنها ورغم ذلك لم تتوقف لثانية واحدة حتى ظهر جسده أمامها فجأة فتوقفت بسرعة وقد كان العرق قد انتشر على وجهها. تنظر لوجه أرسلان الذي ابتسم لها بسمة مخيفة وهو يتقدم منها:
"إلى أين جلالة الملكة؟ لم ننتهي بعد من ضيافتك."
ختم حديثه ينظر خلفها صوب الرجال الذي كانوا قد وصلوا لها، لتبتلع هي ريقها ترى نفسها وقد أُحيطت بها. ترفع العصا تتخذ وضعية الدفاع تنظر لهم بتحذير:
"صدقوني عاقبة ما تفعلونه لن تكون جيدة، زوجي لن يصمت على كل هذا."
أطلق أصلان ضحكة مرتفعة وهو ينظر لها بخبث:
"نعم أنتظر منه رده، لكن وقبل أن يفكر في الرد سيجد ضربتي الأولى له."
تراجعت للخلف وهي تبصر اقترابه منها تحذره بعيونها:
"لا تقترب وإلا لن أتوانى عن تحطيم وجهك."
لكن أصلان لم يهتم بتهديدها والذي كان بالنسبة له بالون منتفخ بالهواء لا تقدر على تنفيذ شيء مما تنطق به مثلها مثل باقي النسا...
وقبل إكمال أفكاره شعر بضربة عنيفة تصيب فكه حتى كادت أسنانه تسقط من وجهه وصوت سلمى يصرخ بنبرة مرتفعة:
"أخبرتك ألا تقترب."
رفع عيونه لها وقد اشتد غضبه بشكل عاصف، حتى شعرت سلمى ولأول مرة برغبة عارمة في البكاء خوفًا، لتنطق دون وعي اسمه وهي تناجيه برعب:
"أرسلان."
وهو كان قد سمع مناجاتها له فاقترب ببسمته الشيطانية يهمس لها آخر كلمات سمعتها قبل أن يهوى عليها بضربة كادت تحطم رأسها:
"لا تقلقي ربما لم يقتله السم، لكن ما سأفعله به سيجعله يتمنى لو أنه لم يحيا يومًا بعد تلك الضربة..."
***
"فاطمة؟!"
تحرك بخطوات مترددة صوب الضوء الخافت الصادر من أحد الجهات، حيث قبور بعض الضحايا في الحوادث الأخيرة، وهي تجلس جوار أحد القبور تضم جسدها لركن الجدار وكأنها تحتمي به من الجميع.
تقدم أكثر منها وقد كانت ضربات قلبه تزداد برعب مما يبصر، يفكر في احتمالية قضاء فاطمة لتلك الساعات الطويلة هنا وحدها بين القبور.
توقف على بعد خطوة واحدة منها ولم يكد يناديها مجددًا حتى سمع صوتها تهمس بنبرة شاردة وهي تحدق في بعض القبور أمامها:
"إذن متى نعود للمنزل أمي، أشتاق للنوم بين أحضانك في فراشي."
نظر لها المعتصم بعدم فهم، يبصرها تنظر لإحدى الجهات صوب الجدار الذي تستند عليه وهي تناديه بأمي.
تأوه بوجع وهو يتحرك صوبها يهمس بصوت أبى الخروج منه:
"فاطمة... ما الذي تفعلينه هنا... أنتِ... مع من تتحدثين؟!"
فجأة انتفض جسد فاطمة وهي تنظر صوب الجهة التي يقف بها المعتصم، تحدق به ببسمة شاحبة متعبة، لطيفة وهي تشير له:
"انظري أمي هذا المعتصم، أخبرتك عنه سابقًا..."
صمتت ثواني وكأنها تستمع لشيء ما ثم أكملت:
"هو لطيف أمي وليس سيئًا، أرجوك أنا أحب رفقته."
تحرك لها المعتصم بتردد وقد شعر بالخوف عليها:
"فاطمة... عزيزتي مع من تتحدثين الآن؟"
نظرت له فاطمة بعدم فهم، ثم نظر لوالدتها تشير لها:
"هذه أمي، ألم تقابلها مسبقًا؟"
نظر المعتصم حيث تشير وقد شعر أن قلبه توقف وقد علم أن حالة فاطمة بدأت تتدهور أكثر وأكثر.
"فـ... فاطمة هل... لماذا رحلتي عن القصر؟ لقد بحثت عنكِ بكل مكان."
نظرت له ثواني بحزن ومن ثم نظرت صوب ركن الجدار تقول بصوت متوتر خافت بعض الشيء:
"هذه... هذه أمي يا المعتصم، غضبت حينما رأتني اجلس معك طوال الوقت وقد أهملتها هي وعائلتي، لذا طلبت مني المجئ معها صوب قبر أبي وأخي لزيارتهم، وترفض رحيلي منذ جئت و..."
صمتت ثواني ثم رفعت عيونها صوب المعتصم تبتسم من بين دموع هبطت دون إرادتها وكأن عيونها تدرك اللعبة النفسية التي يمارسها العقل عليها:
"هي... لا أحب أن أحزن أمي، لكنني أشعر بالتعب هنا يا المعتصم أخبرها أن تسمح لي بالرحيل للمنزل، لقد شعرت بالبرد في هذا المكان."
والمعتصم فقط ينظر لها دون ردة فعل يراقبها بأعين دامعة وقد شعر بقلبه يتفتت لما يحدث حوله معها. أخذ يراقبها وهي تشير صوب الفراغ جوارها تتحدث عنه وكأنه والدتها، وتصف له معاناتها هنا في اليوم السابق وكل هذه الساعات في هذا المكان وحدها وفي مثل هذه البرودة دون طعام.. تتحدث وتتحدث وهو فقط يراقبها وقد عجز عن تحريك إصبعًا حتى ليتأكد أنها بخير، عجز عن الاقتراب منها خطوة واحدة يراقبها تتحدث بجدية وبسمة صغيرة وقد أصبحت رؤيته ضبابية وبشدة لكثرة الدموع التي تجمعت داخل عيونه في هذه اللحظة.
بينما فاطمة وحينما انتهت من حديثها تعجبت من صمته لترفع عيونها له وصُدمت حينما أبصرت دموع المعتصم، ترمش بعدم تصديق تهمس بصوت متعجب:
"يا المعتصم؟ هل... هل تبكي؟"
بينما المعتصم وبمجرد أن سمع كلمتها حتى انهار أرضًا يدفن وجهه بين يديه وهو يبكي بعجز كبير وقد بدأت شهقاته وصرخاته تعلو وتعلو. خوفه على حالة فاطمة أضحى يأكل جسده بالكامل.
اليوم هربت منه لأجل أوهام في عقلها والله وحده يعلم المرة القادمة ما يمكن أن تفعل.
أما عن فاطمة فحينما أبصرت بكاءه حتى تحركت له ببطء وقلق وهي تربت على كتفه بتردد:
"يا المعتصم ما بك؟"
ختمت جملتها بنبرة توشك على البكاء لأجله، وحينها ازداد بكاء المعتصم والذي شعر أن كل الهموم وخوفه الساعات السابقة يتجمع فوق كاهله في هذه اللحظة، يشعر بقهر يقتله، وآهٍ من قهر الرجال.
ازداد بكاؤه لتميل هي عليه تضمه من كتفه وهي تبكي معه وعليه بصوت خافت تهمس من بين شهقاتها بخوف تربت على ظهره:
"يا المعتصم لا تخيفني عليك أرجوك، هل تتألم؟"
"بل أموت فاطمة، أموت كمدًا والله."
ختم كلماته بصعوبة بسبب بكائه لتزداد دموع فاطمة، تضمه لها بقوة وهو يدفن رأسه في صدرها وهي تربت عليه وقد بدا في هذه اللحظة أن المعتصم هو من يواجه وقتًا عصيبًا وهي تواسيه، ودون شعور أخذت تربت على ظهره وكتفه وهي تردد بعض الآيات التي كانت تحفظها وكأنها تحصنه.
والمعتصم من شدة وجعه لم يستطع التوقف عن البكاء مرتعبًا أن يحدث لها شيئًا بسبب سجنها نفسها في ذلك الماضي. يخشى أن تصل للحظة لا رجعة لها منها ويخسر هو الشخص الوحيد الذي أحبه في هذه الحياة.
وبعد دقائق طويلة أخيرًا هدأ جسد المعتصم عن الانتفاض، وشعرت بذلك فاطمة التي مالت برأسها صوب رأسه تهمس بصوت منخفض حنون:
"هل أصبحت بخير؟"
ابتسم المعتصم بسمة صغيرة على لطفها، يرفع كفه يربت على وجنتها بحنان، لكنه صُدم من شدة البرودة المنتشرة في جسدها، لينظر لها بخوف وقد بدأ يتلمس يدها والتي كانت أشبه بقطعة ثلج، وهي تراقب بتعجب.
أما عنه اعتدل بسرعة يجذبها هذه المرة لتكون هي بأحضانه يخفيها حتى ينشر بعض الدفء لها، بينما هي خجلت وبشدة ليست وكأنها كانت بين أحضانه منذ ثواني تنظر صوب والدتها لتجد أن الركن الذي كانت تجلس به منذ ثواني أضحى فارغًا فتعجب تردد:
"أين هي؟"
نظر لها المعتصم يردد بصوت خافت:
"من؟"
"أمي، كانت تجلس هناك منذ ثواني واختفت."
نظر لها المعتصم ثواني قبل أن يميل عليها يحملها بين ذراعيه بشكل مفاجئ:
"دعينا نرحل من هنا فاطم."
قاومت فاطمة دون فائدة وهي تحاول أن تهبط عن يديه:
"لا... يا المعتصم لا استطيع، امي أخبرتني أنها لا تحبني أن اتركها، وأنني أهملتها وحيدة وفضلتك عنها."
لكن المعتصم لم يتجادل معها بشيء مدركًا أن عقل زوجته الباطن بدأ يرسم لها قصصًا أكثر من مجرد اوهام، وهذا يرعبه.
"لا يمكنك أخذي بهذا الشكل وترك أمي وحيدة هنا يا المعتصم، ارجوك انزلني، سوف أخبرها أن نعود سويًا صوب منزلنا، انزلني أرجوك..."
لكن المعتصم رفض وهي أخذت تنظر لذلك الركن الفارغ ترى والدتها وقد اختفت فجأة تهمس بعدم تصديق:
"أين ذهبت أمي؟ كانت تجلس هنا منذ ثواني."
نظرت له دون حديث ومن ثم قالت دون شعور وبشرود وكأنها استنتجت فجأة ما يحدث حولها:
"يبدو أن أمي لا تحب رفقتك يا المعتصم فهي لا تأتيني في وجودك."
نظر لها المعتصم بجمود يدرك ما نطقت به، ليهتف بعدها وهو يخرج من البوابة الحديدية الخاصة بالمقابر وقد خرجت نبرته حادة بعض الشيء، يقرر أن يتعامل بصرامة مع مرضها حتى تعود الملكة لتكمل علاجها وقد ظن أنها كادت تطيب من مرضها وأخيرًا.
"إذن لن أترككِ لحظة واحدة فاطمة..."
***
يمشط جميع المملكة وقد كاد جسده ينهار من الإرهاق خاصة أنه لم يُشفى بعد، ورغم كل نصائح المحيطين به لم يستمع له وهو يدور بحصانه يردد كلما سمع اعتراضًا:
"لن أجلس للراحة سالار وأنا أعلم أن زوجتي بين أيديهم والله وحده يعلم..."
صمت ويبدو أن مجرد تخيل ما يمكن أن يفعلوا بها جعل جنونه يشتد وهو ينظر أمامه بأعين لا تبصر سوى سواد قاتم:
"هذا لن يصبح مجرد انتقام، هم لا يسهّلون موتهم."
"أرسلان ارجوك أنت تكاد تنهار أرضًا، عنادك لن ينفعنا إن سقطت مجددًا، هذا لن ينفع زوجتك ولن ينفع أحدهم، رجاءً عدم لقصر سبز ارتح وأنا سأكمل البحث و..."
قاطعه أرسلان وهو يمسك اللجام بقوة يراقب الاحراش على مد البصر يبحث عن شيء غريب وقد كان كل ما علمه من توبة أن ذلك الجحر كان مجاور لإحدى غابات سبز الكثيرة وهذا يصعب الأمر، لكنه اقسم حتى لو بحث في سبز بأكملها ركن ركن سيجد زوجته.
"سالار أرجوك هذه زوجتي، لا تخبرني أن أذهب لارتاح تاركًا امرأتي وشرفي بين أيديهم يعبثون به كما يشاؤون، أي راحة تلك تطالبني بها، لتفنى روحي ويتهالك جسدي حتى أجدها، وحتى ذلك الحين لن أرتاح، والله الذي لا إله إلا هو لن يهنأ لي بال حتى أذيقهم من الجحيم نيرانًا..."
ختم حديثها يتحرك بسرعة بين الغابات، بينما سالار يلحق به وهو يوجه رجاله في المناطق المحيطة ولم يصر عليه لأنه يعلم عناد أرسلان فيما يتعلق باشياء عادية، فما بالكم لو كان ذاك الشيء هو اختطاف زوجته.
***
"لا تعلم؟"
"اقسم أنني لا أفعل أنا لا أعلم الطريق و..."
ذلك التوقف نزار عن التحدث وهو يجذب خصلاته بغضب شديد يزفر بصوت مرتفع، ثم أكمل وهو ينظر لعيون توبة التي ركضت له بمجرد أن اختفى أرسلان من أمامها، تحركت صوب الدور السفلي تصر عليه أن يخبرها بمكان الجحر.
"نزار هذا الحقير أنمار اختطف زوجة أرسلان والله وحده يعلم ما يفعله بها، وأنت تعلم أكثر من الجميع ما يمكن أن يمس امرأة بهذا المكان."
صرخ نزار وقد وصل لحافة صبره وقد توترت جميع أعصابه وهو يحاول تذكر الطريق مرتعبًا أن يمس تلك المرأة ضرر ما:
"اقسم أنني لا أتذكر جيدًا وقت ذهابي هناك كان في ليلة مظلمة وسرت خلف الوليد وحينما خرجت من هناك معكِ لم أنتبه للطريق بل كان السائق خاصة أن جميع غابات سبز متشابهه، وفي المرة الثانية كنت مصابًا لا أشعر بشيء والوليد مختفي منذ الصباح لا أعلم أين و..."
فجأة صمت وهو يتحدث بكلمات غير مفهومة بصوت منخفض جعل توبة تقترب منه أكثر وهي تنطق بعدم فهم:
"ما الذي تقوله؟ لا أفهمك."
نظر لها بأعين متسعة يهتف دون وعي وكأنه أدرك في هذه اللحظات شيئًا ما:
"أشجار السنط..."
اقتربت منه توبة أكثر وهي تحاول فهم ما يقصد:
"ماذا؟ ما الذي تحاول قوله نزار أرجوك إن كنت تعلم شيئًا ساعدنا لربما كان هذا جزءًا تمحو به بعضًا من ذنبك في حق أرسلان وشعبه، ارجوك ساعده نزار الرجل يكاد يجن على زوجته."
نظر لها نزار وهو يراقب رعبها الظاهر وخوفها وهي تتحدث عن حالة أرسلان، وقد أثار هذا تساؤلات وضيق عميق في صدره، كبته لحين يأتي وقته يهتف بصوت شارد مفكر:
"المكان الذي عبرنا به أثناء احضاري لكِ هنا كان ممتلئ بأشجار السنط وعلى حسب علمي فأشجار السنط تنمو في جزء واحد فقط من سبز وهو..."
"الغابة الجنوبية، يجب أن أخبر ارسلان بهذا."
قاطعته توبة بتلك الكلمات والتي بمجرد أن أدركتها حتى هرولت بسرعة كبيرة من أمام نزار الذي نظر لاثرها بملامح غير مفسرة يراقب هرولتها في المكان وكأنها اكتشفت للتو سر الحياة.
"أرجوكِ لا تكوني توبة، لا تفعلي ذلك بي، أرجو أن أكون قد أخطأت تفسير نظرتك، أرجو ذلك..."
***
خلع قفازات يده وهو يتحرك خارج إحدى غرف المشفى يتحدث مع أحد المساعدين له بجدية:
"الحمدلله القطع كان بعيدًا عن أوتار يده، فقط واظب على وضع له الاعشاب التي وصفتها لك بشكل دوري وتجنب أن تصل المياه لذلك الجزء المجروح و..."
"زين جيد أنني وجدتك هنا، أرجوك أخبرني طريق سزب أريد الذهاب هناك."
توقف زيان عن التحدث مع مساعده وهو يسمع تلك الجملة التي كانت مليئة بالكثير من الكلمات الغريبة على مسامعه، من هذا زين ومن هذه سزب؟
استدار ببطء صوب خالد والذي كان يرتدي ثوبًا غريبًا بالنسبة له قميص باللون الأبيض بأزرار بلاستيكية سوداء مع بنطال به بعض الخدوش والقطع بمنطقة الركبة، يرتدي عليه حذاء رجالي أسود اللون ذو كعب مرتفع بعض الشيء ويضع فوق رأسه قبعة عريضة وعلى ظهره حقيبة كبيرة بعض الشيء والقرد يقبع فوق رأسه وقد ارتدى قبعة مماثلة لقبعة خالد.
وقد كان خالد في الواقع يرتدي تلك الثياب التي كان يرتديها في العادة أثناء رحلاته الاستكشافية في غابات الامازون المخيفة.
أشار زيان صوب المساعد ليتحرك وهو يراقب هيئة خالد:
"ما هذا؟"
تحدث خالد بجدية وهو يشير صوب موزي:
"سوف أذهب مع موزي للبحث بأنفسنا عن سول إذ يبدو أن لا أحد هنا يُعتمد عليه صحيح موزي؟"
نزع موزي القبعة التي كانت تعلو رأسه وهو يلقيها أرضًا بضيق، بينما خالد رماه بنظرة غاضبة محذرة:
"هل تعلم المبلغ الذي أتلفه لاحصل على قبعات مماثلة لي ولك ولسول؟ قرد أحمق أرتدي قبعتك هيا ولا تفسد رحلة بحثنا عن سول، لا يمكنك السير معي دون القبعة."
أبعد عيونه عن موزي وهو ينظر صوب زيان الذي كان يراقبه وهو يتحدث بلغة لا يفهمها، ومن ثم ردد بلغة عربية ليست صحيحة مائة بالمائة:
"لا تهتم بموزي فهو يعاني حساسية من الأشياء الثمينة، ذلك الحقير صاحب الذوق القمئ، والآن أخبرني كيف أصل لذلك المكان الذي ذكره صاحب الشعر الأحمر في الاجتماع؟"
كان زيان يراقبه يتحدث ويتحدث دون إدراك لما ينطق به، حتى انتهى خالد من حديثه فقال زيان بعدم فهم:
"ما الذي تريده أنت أنا لا أفهمك؟"
"أين يوجد المكان الذي اختطفوا به أختي؟"
تشنجت ملامح زيان بسخرية:
"وهل تظن أنني وإن كنت أعلم أو كان أحدنا يعلم لكانت أختك ما تزال أسيرة؟"
"ماذا تعني صاحب الشعر الأحمر قال إنها في ذلك المكان الذي نسيت اسمه مجددًا."
"من هذا صاحب الشعر الأحمر أنا لا أفهم ما تريد ولست في مزاج يسمح لي حتى بالتفكير فيما تريد أنت، لذا رجاءً ابحث لك عن غيري لتزعجه."
ولم يكد يتحرك حتى أوقفه خالد الذي أمسك مرفقه يتحدث بجدية:
"إذن أنت لا تود الحديث عن مكانها؟"
نظر زيان لمرفقه ومن ثم سمع كلمات خالد والذي كان يبدو كما لو أنه يحقق مع المجرم:
"هل أنت أحمق؟"
رفع خالد حاجبه وهو يهتف بضيق:
"بل أنتم المجانين، ذلك الرجل ذو الشعر الأحمر والآخر البارد ذو الملامح الثلجية وآخرهم ذلك الشاب الذي كان يتحدث بملامح واجمة، والآن لديك دقائق لتنطق بما لديك."
صمت ثم كرر جملته وهو يضغط على كل حرف من كلماته:
"أين... هي... أختي؟"
بلل زيان شفتيه وهو ينظر في عيونه ثم همس له بعدما اقترب بعض إنشات من وجهه:
"في مكانٍ حيث سأرسلك إن لم تبتعد عن وجهي في هذه اللحظة أنت وهذا القرد."
ختم حديثه يتحرك من أمامه بسرعة مقررًا الذهاب لغرفته حيث ترك زوجته نائمة، وخالد ينظر في أثره وهو يضيق عيونه بتفكير:
"إذن أنت تعرف أين هي."
ولم يكد يلحق به حتى أبصرها تتهادى أمامه بخطوات بطيئة هادئة، وهي تتجاهله بكل بساطة تتحرك من أمامه تحديدًا لتمر صوب غرفة شقيقها فاليوم نعود خروجه من المشفى.
لكن خالد لم يكن ليمرر وجودها هكذا دون أن يلقي بكلمة تكون سببًا في فقدان إحدى عينيه:
"استغفر الله يا موزي بعض البشر يحسبون أنفسهم محور الكون ويسيرون مرفوعي الرأس وكأن لا مثيل لهم في هذه الحياة، وهم في الحقيقة لا أهمية لهم في هذه الحياة."
لكن ديلارا والتي كانت قد أصبحت مباشرة جواره هتفت دون أن تنظر له حتى وهي تكمل طريقها بكل بساطة صوب غرفة شقيقها:
"أنصحك بإيجاد مكانٍ آخر تشكو به حالك ومشاكلك مع حياتك لقريبك."
ختمت حديثها تدخل غرفة عثمان تغلق الباب بقوة في وجه خالد الذي نظر صوب الباب ثواني وكأنه ليس موجودًا، أما عنه ظل ينظر للباب طويلًا يحاول إدراك ما حدث منذ ثواني ومن ثم نظر صوب موزي يهتف بعدم إدراك:
"هل قصدتني بكلامها أم أنها كانت تتحدث عنك؟"
أخرج موزي بعض الأصوات الحانقة ردًا على تساؤلات خالد والتي لم تكن تعنيه في الحقيقة، لينظر خالد مجددًا صوب باب غرفتها يهتف وهو يضيق عيونه بشر:
"تلك الساحرة صاحبة الأعين الملونة بالاسود..."
***
تجلس في تلك الغرفة مرة أخرى بعدما عادت لها خائبة الأمل وقد احبط أصلان فرصة هروبها، ذلك الرجل والذي استهانت به كثيرًا.
كان مرعبًا مخيفًا في الغابة، أغمضت عيونها وهي تتذكر ما حدث معها هناك وقد بدأت عيونها تسقط دموعها بلا توقف.
صفعة وثانية سقطت على وجهها ومن ثم سحبها من خصلاتها وهو يقربها منه ينظر لها باستهانة وجمود:
"لولا أنني احتاجك فيما أريد تنفيذه لتخلصت منك في الحال، لكنكِ ومع كامل الأسف مهمة لذلك المتغطرس المتجبر أرسلان."
وبمجرد أن ختم كلماته حتى كبت تأوهًا قويًا كاد يفلت من بين شفتيه حين مدت هي قدمها تضرب أسفل معدته بعنف ومن ثم هتفت بصوت حانق غاضب:
"أمثالك لا ينالون شرف نطق اسم الملك أرسلان، ولولا أن أرسلان يسبب لكم رعبًا كبيرًا ما تكبدتم عناء اختطافي ولواجهتموه في الساحة كما الرجال، لكن أين لحمار بمجابهة أسد؟"
ختمت حديثها وهي تنظر له بقوة تمارس عليه لعبتها تستفز كل ذرات صبره، لتأتيها النتيجة العكسية في اللحظة نفسها حينما ضرب أصلان رأسها بقوة في إحدى الأشجار خلفها فانطلقت صرختها ترن في المكان وهي تسقط بقوة أرضًا تحاول أن تقاوم الدوار الذي أصابها وقد شعرت بالوجع والضعف يتملكان جسدها وينهشان كل ذرة أمل وقوة كانت تختزنهما داخل صدرها، ورغم ذلك ابت أن تمنحه لذة انتصارًا عليها.
ترفع وجهها الدامي له تهتف من بين الدماء التي بدأت تسيل على وجهها:
"أرأيت، هذا ما أقصى ما تستطيع فعله، ضرب امرأة، أما الرجال فلا قِبل لك بهم."
وإن كانت تطمح لاستخراج غضب أصلان فقد نجحت كما لو يسبق وفعل غيرها إذ ثار أصلان وهو يصرخ بها بصوت مرتفع ولم يكد يهجم عليها يستخرج منها روحها حتى امسكه بعض الرجال وتحدث أحدهم:
"تمالك نفسك سيدي هي تحاول استفزازك، تمالك نفسك وتذكر ما نريده أرجوك."
نظر لها أصلان بشر وقد استطاعت سلمى أن تشعل به نيران لم تشعلها به الحروب.
ليهتف بغضب جحيمي:
"مثلك مثل زوجك."
ابتسمت له وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها تبحث عن شيء تغطيها به وقد شعرت لاول مرة أنها عارية أمامهم، رغم أنها كانت تسير طوال الوقت بشعرها قبل المجئ:
"أشكرك على تلك المجاملة اللطيفة، لكنها لن تخفف عما سيفعل بك زوجي."
دفع أصلان الرجل للخلف وهو يميل يمسكها من مرفقها بقوة يرفعها مجبرًا إياها على الوقوف يهمس بالقرب من أذنها بشر:
"زوجك هذا سأقتله حيًا ومن ثم أخرج روحه بيدي."
نظرت له ثواني قبل أن تهمس له بقوة:
"صدقني لن تكون الأول الذي يحاول، كما لن تكون الأول الذي يفشل."
ومن بعد تلك اللحظة لم تعي سوى بأحدهم يسحبها من بين يديه بعيدًا عن عيونه وهي فقط قاومت تبعد يده عنها بكبرياء تسير معهم وكأنها لم تجر خائبة الأمل مجددًا صوب نفس الغرفة.
وها هي تجلس منذ ذلك الحين تنتظر حكم أصلان عليها.
***
اتسعت الأعين بصدمة مما نطق أصلان منذ ثواني وقد بدأ البعض يعتقد أنه جُن، لكن خشوا النطق بما يكنون داخل صدورهم، لكن أصلان لم يكن بالاحمق ليتجاهل كل تلك الأسئلة التي تدور بعقولهم لذا ابتسم يوضح ما نطق به منذ ثواني.
"يبدو أن أنمار استطاع وخلال تلك الفترة زرع فكرة قتال الأيدي داخل عقولكم وغفل عن حرب العقول، حرب استنزاف لطاقة العدو قبل مقابلته داخل ساحة الحرب."
نظر الجميع ثم ابتسم بسمة غامضة مخيفة تخفي خلفها خبثًا ودهاءً يوازي الشيطان بمكره:
"اختطاف زوجة أرسلان والاحتفاظ بها معنا طوال الوقت لن ينفعنا بشيء بل سيعطلنا ونحن نحرس جلالتها ليل نهار، لكنني انتوي الاستفادة منها حتى آخر لحظة، ولا طريقة افضل مما اخبرتكم بها."
عبر أحدهم عما يدور برأسه من اعتراضات:
"ترجعها له؟ بعد كل ما تكبدناه من خسائر لنختطفها ونعيدها لهنا بعد هروبها تخبرنا أن نعيدها له؟ لماذا اختطفناها من الأساس؟"
نظر لهم أصلان نظرات غريبة وهو يمنحهم بسمة أغرب:
"ما هي نقطة ضعف أرسلان؟"
نظر له الجميع دون إجابة ليتطوع هو ويجيب سؤاله بنفسه:
"كبرياؤه وزوجته، وأنا سأحطم الإثنين بضربة واحدة......"
***
دخل القصر بعدما اشتد ظلام الليل عليهم وأصبح البحث صعبًا رغم أن سالار بالكاد أجبره ليعود معهم وقد كان مصرًا على استكمال البحث وحده.
بمجرد أن دخل الجميع لسبز حتى أبصرتهم توبة من شرفتها لتتحرك بسرعة كبيرة صوب الأسفل لتخبرهم ما وصلت له من نزار.
بينما سالار كان ينظر لأرسلان بحزن يدرك ما يمر به، فهو لا يستطيع حتى تخيل وضع نفسه في محله، لا يتخيل أن يختطف أحدهم زوجته ويعلم أن هذا الأحدهم لن يضيره فعل الأسوأ بها.
انتفض جسده لهذا التخيل وهو يقترب من أرسلان يربت على كتفه بينما الأخير يسير جامد الملامح هادئ بشكل مخيف، كان هذا أكثر ما يرعب سالار عليه ومنه، هدوء وصمت أرسلان وعدم ثورانه حتى الآن ليس مبشرًا البتة.
"أرسلان أنت بخير؟"
أجاب أرسلان وهو يتحرك في طريقه صوب الغرفة التي سينعزل بها ليفكر في خطوته القادمة:
"لستُ ولن أكون حتى أطمئن عليها."
"دعني أساعدك لتغيير ضمادة جرحك و..."
قاطع كلام سالار صوت توبة التي خرجت بسرعة من القصر وهي تهتف باسم أرسلان بلهفة شديد:
"ملك أرسلان، حمدًا لله أنك عدت لهنا، لقد... علمت.. علمت أين يمكن أن يكون الجحر، تذكرت شيئًا يمكنه المساعدة."
واخيرًا أصدر وجه أرسلان ردة فعل عدا الجمود وهو ينتفض ناظرًا لها بكل لهفة وترقب:
"تذكرتي مكان الجحر؟"
"ليس تمامًا، لكنني تذكرت أين يمكن أن يكون."
صمتت ثواني تبتلع ريقها ثم قالت وهي تنظر له من خلف غطاء وجهها تقول بصوت جاد:
"غابات الجنوب، أعتقد أن الجحر هناك......."
***
نظرت أمامها للطعام الذي أخذ هو يرصه لها، ومن ثم جلس أمامها وهو ينظر لها بأعين مراقبة وكأنه لا يصدق أنها تجلس أخيرًا معه.
أما عنها فقد حدثت في الطعام ثواني قبل أن تعود بانظارها له:
"أنا لست جائعة يا المعتصم."
اغمض المعتصم عيونه بقوة وكأنه لا يصدق أنه يسمعها منها مجددًا يبتلع ريقه، ثم نظر لها مبتسمًا بسمة صغيرة:
"فاطم عزيزتي كيف لا تكونين؟ أنتِ لم تتناولي طعامك منذ أيام، هيا عزيزتي تناولي الطعام فانتِ تبدين مرهقة وشاحبة و..."
نظرت له بعدم فهم وهي تقاطع حديثه:
"أمي كانت تصنع لي طعامًا يا المعتصم ما الذي تتحدث أنت عنه."
ابتسم لها بسمة مهتزة:
"حسنًا لا بأس عزيزتي تناولي هذا كوجبة إضافية لأجلي رجاءً ارجوكِ."
كانت فاطمة تبصر حزنه الذي يظهر واضحًا في عيونه، فمدت يدها دون وعي تضعها على وجنته تحركها بحنان:
"مابك يالمعتصم تبدو حزينًا شاحبًا."
سقطت دمعة من المعتصم وهو يشعر أنه يخسرها، يخسرها وهو يراقبها عاجزًا دون أي شيء يستطيع تقديمه لها، عاجز هو عن مساعدتها، وكيف يفعل إن كان عدوها هو عقلها.
"بل أموت حزنًا فاطمة."
تألمت فاطمة لأجله وهي تبعد الطعام تتحرك صوب المقعد الخاص به تقف جواره وهي تجذب رأسه لصدرها بحنان تهمس بصوت مخنوق بغصة تدرك سبب حزنه لكنها لا تعلم كيف تساعد بالأمر:
"هل للأمر علاقة برحيلي مع أمي؟"
كانت تتحدث وهي تحرك يدها في خصلات شعره دون وعي، ليضم المعتصم خصرها بقوة يدفن به وجهه يهتف باختناق:
"بل للأمر علاقة بوجعك الذي يقبع داخلك فاطمة."
شعر بيدها التي ابتعدت عنه فجأة وهي تهمس بصوت موجوع:
"لم يكن بإمكاني تجاهلها يا المعتصم وقد كانت تبكي اهمالي لها، أمي ومنذ زواجي بك وأنا لم أزرها أو..."
توقفت عن الحديث حينما ابتعد عنها المعتصم يقاطع حديثها في هذا الأمر وقد وصل لحافة صبره ينهض عن المقعد الخاص به، يمسك وجهها بين يديها وهو يجهل ما عليه فعله:
"أنتِ لم تهملي والدتك عزيزتي، بل أنتِ أفضل ابنة قد يحظى بها المرء يومًا، كل تلك مجرد أفكار من عقلك فقط، لكنكِ يومًا لم تقصر في حق والدتك."
"إذن لماذا كانت حزينة حينما زارتني هنا؟"
عجز عن الرد عليها وقد خاف أن يؤثر رده أيًا كان عليها بالسلب، لذا ابتلع ريقه وهو يهمس لها بحنان:
"ربما لأننا لم نتعرف جيدًا أنا وهي، ما رأيك إن زارتك مجددًا أن تناديني سريعًا للتعرف عليها، ولا... لا تذهبي معها لأي مكان دون إخباري سوف آتي معك حسنًا."
نظرت له بحب وهو يتحدث بهذا الحنان:
"تأتي معي لأي مكان؟"
"طالما أنتِ به فاطم، أفعل."
نظرت بعيدًا بخجل وهي تتحدث بصوت خافت:
"أنا آسفة، أدرك أنني أخفتك."
ابتسم بسخرية لاذعة على تعبيرها الفقير الذي لم يصف حتى نصف ما شعر به هو، يتنهد بصوت شبه مرتفع، قبل أن ينظر لها يكبت داخله صرخات وجع ووجع الفراق الذي شعر به في غيابها:
"أوه لا عليكِ، مر الأمر بسلام على الجميع الحمدلله."
"إلا قلبي" كلمة كتبها شفقة عليها أن يثقل عليها بوجعه، فإن كاد هو ينهار من ذلك الوجع الذي داهمه في بعدها، فكيف لمن بمثل هشاشتها أن تحتمل الأمر.
"حقًا لا بأس فقط كوني جواري أرجوكِ فاطمة."
ويقسم أنه كان يحضر لأيام من اللوم والعتاب والفراق عقابًا لنا على فعلتها، لكن نظرة واحدة من تلك العيون أخبرته كم هو شخص حقير ليفكر في مثل هذا الأمر ويعرض فاطمة الصغيرة لمثل هذا الحزن.
أما عن فاطمة فقد كانت تحدق به بلطف شديد تهمس بكل الحب الذي نما ومازال ينمو لذلك الرجل:
"أنت يا المعتصم... رجل صالح ذو مروءة."
اتسعت بسمة المعتصم حتى تحولت لضحكة صغيرة وهو يهز رأسها:
"أوه نعم هذا أخبرتيني به بالفعل مرات عديدة منذ أبصرتك تطعمين بوبي وصغارها، ألا جديد لديكِ أم بوبي؟ أي ثناء جديد، أي ألفاظ تحبيبة أكثر من مجرد رجل صالح ذو مروءة، ألا تتطلعين لأن تفسد أخلاقك وتتجاوزين هذه النقطة من الثناء؟"
اتسعت بسمتها بخجل شديد من كلماته، وقد بدأت دقات قلبها تعلو، تنظر أرضًا ثم تنظر له وهكذا لمدة ثواني، أما عنه فقد كان يراقبها باستمتاع لما تفعل.
يبتسم لها بسمة صغيرة يخفي خلفها قلقه وخوفه من القادم وقد بدا أن عقل فاطمة وذكرياتها أشد شراسة منه، كان يشعر بالرعب من كل ما قد يواجهه معها، لكن فجأة توقفت يده عن التربيت عليها حينما سمع صوتها يهمس بنبرة تكاد تكون مسموعة:
"أنت حقًا... لطيف ووسيم يا المعتصم."
رفع المعتصم حاجبه مبتسمًا بسمة واسعة ممازحة:
"أوه هذه نقلة كبيرة و..."
قاطعته تلقي الكلمات في وجهه دون أي مقدمات:
"وأنا... أنا أحبك........"
***
"إلى أين نازين؟"
توقفت أقدام نازين والتي كانت على وشك الخروج من المبنى الخاص بالغرف بالكامل هربًا من مواجهة لن تجلب سوى الألم لكليهما.
استدارت ببطء صوب زيان والذي كان يحمل بعض الطعام بين يديه يراقبها بعدم فهم:
"هل أنتِ ذاهبة لمكانٍ ما؟"
ابتلعت ريقها وهي تبعد عيونها عنه تحاول الحديث تفطر في حجة تخرج بها له، بينما هو راقبها بعدم فهم وهي تفرك كفيها بتوتر شديد تتهرب من النظر داخل عيونه، ليدرك هو فجأة ما يحدث هنا يقترب منها وقد اشتدت نظرات عيونه:
"نازين؟ هل أنتِ... هل كنتِ على وشك الهرب؟"
رفعت عيونها له وقد اشتد الحزن بهما، ليشعر بضربة توجه له في صدره وهو يحمل صينية الطعام بيد وأمسك مرفقها باليد الأخرى، يجذبها صوبه يحدق داخل عيونها بشكل مخيف، ومن ثم جذبها خلفه عائدًا صوب غرفتهما، بينما هي تقاوم باكية:
"لا ارجوك اتركني لأرحل، ارجوك اتركني زيان لا يمكنني العودة، لا يمكنني فعل ذلك ارجوك."
كان يجرها صوب غرفته وجسده ينتفض بغضب من كلماتها، لا يفهم ما تقصد من حديثها ولولا وجودهما داخل الممر في مبنى الغرف لكان انفجر فيها.
واخيرًا وصل بها صوب الغرفة يدخل جاذبًا اياها بقوة يغلق الباب ومن ثم وضع الصينية على أقرب طاولة ينظر لها بشر:
"أعيدي ما قلتي في الخارج!؟ لا يمكنك ماذا؟ تريدين تركي نازين؟ تريدين تركي بعد كل ما حدث؟!"
نزلت دموع نازين تحاول الحديث متجاهلة خوفها من نظراته فما كان لزيان أن يؤذيها يومًا:
"ولأجل ما حدث اريد تركك زيان."
نظر لها بعدم فهم:
"وما الذي حدث؟ ما الذي حدث ليدفعك إلى الهرب مني نازين، الهـــــــرب منــــــــي نازيــــن."
نطق جملته الأخيرة بصراخ وكأنه لا يصدق ما يحدث معه الآن، نازين تحاول تركه، تحاول الهرب منها بعد كل هذه الأيام من الفراق والضنى؟
عضت نادين شفتيها تحاول كتم صرختها التي كادت تخرج منها، بينما هو ينظر لها بجنون يحاول التفكير فيما يمكن أن يدفع المرأة التي كانت لا تحتمل بعده عنه لثانية وكانت تقفز له كل ثانية في العمل معللة ذلك بشوقها الكبير له، ما الذي قد يدفعها للفراق؟
"أنتِ... أنتِ لستِ نازين؟"
كان ذلك سؤالًا يائسًا حائرًا وقد وجد أن هذا ربما يكون أكثر سبب مقنع لما يحدث أمامه، أما عنها فقد رفعت عيونها له بصدمة كبيرة وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي ليكمل هو بنبرة مصدومة أكثر منها:
"هذا هو... التفسير الوحيد لما... يحدث معكِ، ما كان لنازين خاصتي أن تفعل كل هذا وتعافر للرحيل عني، ما كان لها أن تحارب للهرب مني، من أنتِ وكيف... كيف... كيف بالله عليكِ تشبهينها لهذه الدرجة؟"
أخذت هي تهز رأسها بنفي وقد كرهت نظرة الغرابة التي علت عيونه تبكي بصمت وهي تحاول فتح فمها:
"أنت... أنا لست... أنا هي نازين يا زيان أنا هي زوجتك."
"إذن لماذا؟ لماذا تفعلين هذا بنا نازين؟ لماذا تحاولين تركي بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذه السنين لماذا؟ ما الذي يدفعك لفعل ذلك؟"
"ببساطة لم اعد أليق بك، ربما أكون زوجتك لكنني لست نفسها نازين التي تعهدها، صدقني لم أعد هي، أنت لا... لا أقبل لك البقاء معي بعد الآن زيان."
شعر زيان بقلبه يهوى ارضًا وقد جعلته تلك الكلمات يرتجف بخوف مما قد يسمع بعد ذلك، ما الذي تقصده؟ اقترب منها يحاول التحدث وقد عجز عن اخراج كلماته، كان يخاف سؤالها، يخشى سماع إجابتها.
ليس وكأنها أخبرته ضمنيًا بالأمر لكنه لم يدركه في ذلك الوقت بسبب انهياره... أما عنها فقد أبصرت تردده لتبتسم بسمة صغيرة وهي تهمس بصوت منخفض:
"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" صدقني أنت لا تود ما عرفة ما يقبع خلف كلماتي، لا تريد معرفة ما تخفي في جعبتي و..."
وهو كان فقط صامتًا بشكل مرعب وكأنه يفكر في التحدث، يحاول أن يعلم إن كان عليه سؤالها أم تجاوز الأمر ببساطة و...
فجأة لم يشعر بنفسه إلا وهو يسأل:
"ما الذي حدث لكِ؟"
"أنت لا تريد هذا صدقني لا تفعل هذا بنفسك."
"ما الذي حدث لكِ؟"
سقطت دموعها تحاول تجنب هذه المواجهة وهي تنفي برأسها متوسلة:
"لا ارجوك أنا فقط اريد الرحيل دون أن..."
توقفت عن الحديث بسبب صرخة زيان التي هزت أرجاء المكان وهو يصيح بجنون لاول مرة تبصره على وجهه:
"نــــــــــازيــــن مـــــا الــــــذي حــــدث؟!"
"لا أرجوك زيـ..."
"ما الذي حدث نازين لا تثيري جنوني وتحدثي وإلا...."
قاطعته وهي تصرخ بصوت مرتفع وقد بدا أنها جنت فجأة وكأنها حصلت اخيرًا على فرصتها في التعبير عما يدور بخلدها:
"كنت اعمل راقصة لهم زيان، كنت اسهر ليالٍ اتفنن في عرض جسدي لهم والرقص أمام الجميع فقط كي لا أصل أبعد من ذلك، زوجتك والتي لم يبصر أحدهم طرفها يومًا كانت مر..."
وقبل أن تكمل كلماتها أبصرت شحوب وجه زيان وهو يتراجع بعيدًا عنها بصدمة بينما هي صمتت ولم تعد قادرة على الحديث بكلمة إضافية وقد كاد قلبها يتوقف وهي تخشى أن يرفع عيونه لها في أي لحظة وترى نظرات هربت منها طوال الوقت في أعين غيره فما بالكم برجل مثل لها العالم؟
أما عن زيان شعر وكأن العالم من حوله يدور، وصدى كلماتها يدوي داخل عقله، وعيونه فقط تحركت ببطء صوب جسدها وكأنه يبحث عن آثار النظرات عليها، يبحث عنها بشكل محموم، كان الحديث ورغم إرادته ضربة قوية على رجل مثل أو على أي رجل، رجل لم يكن يقبل أن يلمح أحدهم طرف زوجته، لتأتي هي وتخبره بكل بساطة أنهم رأوا ما هو أبعد من طرفها.
نظر لها ثواني وهي أبعدت عيونها في نفس اللحظة تتحدث بصوت منخفض تحاول أن تبرر له ما فعلت رغم أنها منذ ثواني كانت تود الهرب منه ولن تجد افضل من هكذا فرصة، لكنها لن تقبل البتة أن أكون هذه هي صورتها في أعين الرجل الوحيد الذي تهتم بصورتها لديه:
"لقد... كان هذا..... أُجبرت على هذا زيان اقسم بالله لم يكن لدي من طريق عدا هذا الطريق، إما هذا أو الـ..."
صمتت وهي تتنفس بصوت مرتفع بسبب نظراته التي أخذت تتسع، يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي بعد ما سمع منها وقد وصل تحمله لحافته.
"فقط اصمتي نازين اصمتي رجاءً."
نظرت له باكية تحاول الحديث بأي كلمة وقد انقلبت الأدوار فأصبح هو من يبعد في هذه اللحظة وهي تتوسل القرب:
"فقط صدقني أنا لست... لم أسمح لأحدهم بالأقتراب مني وقد ظننت أنك مت، كنت أبغي انتقامًا و..."
صرخ بها وقد جن جنونه:
"من؟ من الذي فعل هذا؟ من نازين اذكري لي اسمًا."
تراجعت نازين للخلف مرتعبة وهي تحاول التنفس بشكل صحيح، أما عنه فقد اندفع لها يهمس بصوت مرعب:
"هل هو أنمار؟"
نظرت له بأعين متسعة ثم ودون إرادة اومأت بنعم وهو ابتسم بسمة مريبة يبتعد عنها ببطء ومن ثم نظر لها نظرة أخيرة غير مفهومة:
"لن تتحركي خارج هذه الغرفة حتى آمركِ بعكس هذا نازين، هل ما قلته واضح لكِ؟"
نظرت له برعب وقد كانت تلك المرة الأولى التي يتحدث معها بهذه النبرة، ولم تعي سوى بانتفاضتها بسبب صرخته:
"مفهوم نازين؟"
هزت رأسها بنعم مرات عديدة وهي تبتعد عن الباب وقد أبصرت اندفاعه المخيف، بينما هو خرج دون حتى أن ينظر لها نظرة واحدة يتحدث بصوت خافت:
"تناولي طعامكِ ونامي..."
ومن بعد هذه الكلمات لم تسمع سوى صوت قرع الباب بعنف مخيف وخروجه كالعاصفة من المكان.
***
كان يتحرك بحصانه بسرعة مرعبة صوب الغابات الجنوبية وخلفه عدد لا بأس به من جيشه ومعه سالار الذي أبى تركه في هذه المعركة وحده خاصة وهو لم يبرأ بعد من إصابته.
"أرسلان أرفق بنفسك يا أخي، خفف من حدة ركضك."
نظر له أرسلان ثواني وهو يفكر في شيء وقد بدا شاردًا ثم عبر عما يخشاه:
"تعتقد أن ضُرًا مسّها؟"
نظر له يحاول طمئنته وهو لا يدري ما قد يكون قد حدث لزوجته وهي بين أيدي من لا يتقي الله.
"نعم لا تقلق لا أظن أنهم قد يلحقوا بها السوء وهم يعلمون هويتها، بالإضافة أن وجودها سالمة معهم يضمن لهم بطاقة رابحة أمامك في الحرب لذا لن يمسوها بضر بإذن الله."
نظر أرسلان أمامه وقد كان الجحيم هو ما يمكن أن تبصره داخل نظراته يهمس بصوت وصل واضحًا لسالار:
"ادعو ربك أن يكون ما تحدثت به صحيح، وإلا قسمًا بالواحد الأحد سأفني ما تبقى من حياتي في مطاردة كل شرذمة منهم، والله لن أذر منهم فردًا على هذه الأرض حيًا إلا واذقته مني أهوال سيتمنى لو أن أمه ثكلته قبل أن يبصرها مني."
وأرسلان في هذه اللحظة كان مرعبًا وبحق، تحرك بحصانه يحمل شعلة بيت أنامله وهو يدور بعيونه بين الطرقات لا يدرك حتى كيف هو ذلك الجحر الذي تحدثت عن توبة، هل هو كهف مثلًا، أم مستنقع يليق بمثل خنزرتهم، أم ربما يختفون خلف مجموعة من الأشجار، أفكار كثيرة كانت تدور داخل عقل أرسلان نتيجتها واحدة، لن يغادر المكان حتى يصل لزوجته...
***
تحرك صوب الباب الخاص بغرفتها وهو يتجهز لتنفيذ خطته التي وضعها، رفع يده يشير للحارس أن يفتح لها الغرفة، وبمجرد أن خطى داخلها خطوة واحدة شعر بشيء صلب يسقط أعلى رأسه ولم يكد يستوعب ما حدث حتى باغتته سلمى بالضربة الثانية بكل جنون وهي تركض بسرعة خارج الغرفة تهرول بجنون للمرة الثانية.
بينما أصلان كتم صرخة الألم وهو ينظر لرجاله الذي لحقوا بها وهو يسحبها بصوت مرتفع:
"تلك الحقيرة لن تستسلم حتى أتخلص منها، اقسم أن موتها سيكون على يدي، هذه الـ..."
توقف وهو يضرب الباب بقدمه غاضبًا بجنون مما يحدث، يتنفس بصوت مرتفع وهو يعيد شعره للخلف يحاول التنفس بشكل طبيعي وعيونه تحلق صوب الجهة التي ركضت لها يبتسم بسمة غريبة.
أما عن سلمى والتي اقسمت ألا تستسلم ولو حطموا عظامها وأخرجوا روحها بأيديهم، ستظل تقاوم حتى آخر نفس ولن ترضخ لهم، نظرت خلفها أبصرت حراس كثيرين يلحقون بها لتزيد من ركضها ولم تكد تخرج من تلك الساحة حتى أبصرت الكثير من الرجال يحيطون بها والبعض يقترب منها، فما كان منها إلا أن رفعت يدها بقوة تضرب أحدهم في وجهه لكمة عنيفة وآخر ضربته بقدمها تحاول الخروج من بين براثنهم سالمة، لكن الكثرة لطالما هزمت الشجاعة شر هزيمة، وهذه المعركة بينهما لم تكن استثناءً.
إذ هجم أحدهم عليها يقيدها بقوة وهي تقاوم بكل عنف قبل أن تتلقى من أحدهم لكمة توازي لكمتها قوة، ومن بعدها ارتفعت صرختها حينما امتدت يد الرجل صوب ثوبها يجذب مقدمته يهمس لها بنبرة مختلة:
"يبدو أن العنف والضرب لا يؤتي ثماره معكِ، وأنا أعلم ما قد يكسر النساء أمثالك، بدأت يده تتحرك على جسدها بشكل قذر ولم يكد يتمادى تحت صرخاتها وضرباتها التي كادت تحطم وجه ذلك الذي يقيدها، حتى سمعوا صرخة أصلان:
"توقف... ما الذي تفعله أنت؟"
حرك الرجال عيونه صوب أصلان الذي حذرهم الايتان بخطوة إضافية، ثم نظر صوب سلمى يقترب منها يراقبها بسخرية وهو يتأتأ بصوت حانق:
"أنتِ يا امرأة لن تتوقفي حتى تجبريني على أذيتك، صدقيني أنا أمنع الرجال هنا عنكِ بصعوبة، فلا تدرين أنتِ كم تستويهم النساء الجميلات الوحشيات أمثالك."
نظرت له سلمى ثواني وهو قريب منها وقد انخفض لها يتحدث ببسمة ساخرة، وفجأة تراجع للخلف يسب ويصرخ بصوت مرتفع وهو يضع يده على أنفه التي بدأت الدماء تسيل منها بعدما نطحته سلمى بقوة في رأسه تهمس له بالمثل:
"ألا خسئت أنت وقومك ومن يتبعك، ما كان لوسخٍ أن يمسني إلا وأنا جثة هامدة."
رفع لها أصلان عيونه وقد شعر بالغضب يشتد داخله، وقد احس للحظة بالعجز عن اخافتها، ضربها وصفعها وهددها وحتى إن أحدهم كاد ينتهكها منذ ثواني وفي النهاية تقف بتجبر أمامه تردد على مسامعه كلمات أرسلان.
أما عن سلمى فقد ابتسمت له بسمة مستفزة وقد وصلت لنهاية اللعبة واستسلمت للأمر الواقع، لن تستطيع النجاة، إذن لتموت بشرف.
فجأة انتفض جسدها على صوت أصلان وهو يشير لرجاله بهدوء:
"احضروها هيا دعونا ننتهي منها."
ونعم خافت وبشدة في هذه اللحظة، بدأت أطرافها ترتعش برعب، فإن كانت منذ لحظات فقط تستقبل الموت بصدر رحب، فهذا لا ينفي رعبها الذي تخفيه خلف نظراتها المستفزة الباردة.
شعرت بأحد الرجال يسحبها بقوة خلفه حتى كادت تسقط على وجهها بشعر مدمر يخرج أطرافه عن قطعة القماش التي تخفيه به، وثياب ممزقة وهي تحاول أن تبعد يده عنها لكن فشلت في ذلك لتقرر أن تتبعهم بهدوء حتى تحين لحظة ضعف لهم وتشتت تستغلها هي لصالحها.
***
"السلام عليكم."
انتفض جسد توبة بفزع وهي تستدير بسرعة كبيرة صوب ذلك الصوت والذي رغم معرفتها بصاحبه إلا أنها ودون شعور فزعت من وجوده في هذه اللحظة.
رمشت وهي تحاول إدراك سبب وجوده في هذه اللحظة من المساء خارج الغرفة الخاصة به:
"وعليكم السلام سمو الأمير."
ابتسم لها بسمة صغيرة لم تظهر سوى في عيونه التي نظرت خلفها صوب السماء التي كانت مليئة بالنجوم في هذه اللحظة:
"يبدو أن القمر قرر ترك القيادة بيد النجوم اليوم وترك لهم السماء."
نظرت له بعدم فهم، بينما هو اقترب من الشرفة يهتف بهدوء شديد وشرود:
"ما كان للنجوم أن تلتمع في وجود القمر، وما كان القمر ليضئ السماء إلا بسبب انعكاس الشمس عليه، هكذا هي الحياة البعض منا نجوم ينتظر فرصته ليلتمع، والبعض قمر يدعي سيطرة وهمية على محيطه، والبعض شمس ينشر ضوءه طوال الوقت."
كان يتحدث وهو ينظر لها بطرف عيونه خاصة في جملته الأخيرة، لتشعر هي بالتعجب أما عنه ابتسم بسمة صغيرة يقول ببساطة:
"فقط معلومات أردت مراجعتها معكِ."
رفعت حاجبها وهي تعود بانظارها صوب الشرفة تحاول استكشاف الطريق بحثًا عن طرف أرسلان ومن معه، قبل أن تسمع صوته يردد:
"قلقه عليه؟"
نظرت له بعدم فهم:
"عفوًا؟"
"أرسلان؟"
اتسعت عيون توبة بشدة وهي تشعر بضربات قلبها يكاد صخبها يخرج له فيدرك ما يدور بخلدها، ورغم أنها لم تكن في هذه اللحظة تحمل لأرسلان سوى بقايا ود، واحترام تام لما يفعله مع الجميع، إلا أنها نظرت له بخجل وقد احمرت وجنتها دون شعور وتوترت بقوة:
"ما... ما الذي تتحدث عنه أنت؟ قلقه على من؟! هل تمزح معي؟!"
رفع حاجبه يتحدث ببسمة جانبية وقد غامت عيونه بنظرات مخيفة:
"نعم، امزح بالطبع."
رمشت وهي تحاول السيطرة على ضربات قلبها تبتلع ريقها، ثم هزت رأسها بنعم:
"لا افهم ما تقوله نزار، لكنني لا أحب هذا النوع من المزاح."
"صدقيني ولا أنا أحب هذا البتة."
تنهد نزار، ومن ثم نظر أمامه صوب السماء، ومن بعدها نظر لها مجددًا وقد شعر أنه لم يعد قادرًا على الصمت أكثر وإلا انفجر:
"اليوم حينما كنتِ تسألين عن معلومات التي أعلمها عن الجحر كان الأمر لأجله صحيح؟"
"ماذا؟"
"أرسلان."
نظرت له مجددًا وقد ازداد غيظها وبشدة، وهو فقط نظر لها بقوة وكأنه يتأكد من مشاعرها اثناء التحدث معه، يود قراءة عيونها حينما تنطق اسمه.
"ما مشكلتك مع جلالة الملك أرسلان يا نزار؟"
ونعم تلك اللمعة التي مرت سريعًا على عيونها زادت جنونه، ولم يدرك أنها نطقت اسمه في الجملة ذاتها معه، وربما كانت تلك اللمعة من نصيبه، لكنها الغيرة والتي لعبت على اوتاره ببراعة.
"مشكلتي هو اهتمامك بما يخصه توبة؟!"
نظرت له دون إدراك لما يعنيه:
"عفوًا."
"عفوًا أنتِ سمو الأميرة، أنا لم أبصر نفس اللهفة والاهتمام تلك بعيونك نحوي إلا حينما كدت أُقتل على يد ذلك العملاق داخل الجحر، هل يجب أن تخرج روحي لابصر اهتمامك توبة؟!"
اتسعت عيون توبة لا تفهم ما مشكلته أو ربما لم يترجم عقلها بعد أن هناك من يهتم لهذه الدرجة بكل شاردة أو واردة تصدر منها.
"عفوًا؟"
نفخ نزار بصوت مرتفع وهو يصرخ بصوته كله دون أن يتحكم به:
"عفوًا عفوًا عفوًا، لا عفو لكِ عندي توبة فيما يخص هذا الأمر، صدقيني أنا لستُ مستعدًا لإخراج الجزء السييء والذي دفنته منذ أشهر طويلة، فلا تجبريني على إخراجه لأجل ما تفعلينه معي."
وهي فقط كانت تشعر بصدمة ولا تستطيع أن ترد عليه بكلمة واحدة أو تفهم حتى ما يريده منها فكانت الإجابة منها دون وعي وكأن لسانها تم برمجته على نفس الكلمة:
"عفوًا؟"
وفجأة تلاشت نظرات الغضب عن عيون نزار وهو يبصر نظراتها المصدومة تلك يبتسم دون وعي، يميل بعض الشيء إليها:
"ما بكِ وقد ضربتك البلاهة فجأة سمو الأميرة، الآن اكتشفي عفوًا بقاموس اللغة؟"
"نزار ما الذي..."
"نعم هذه كلمات أحب سماعها في الحقيقة."
نظرت له بعدم فهم ليبتسم هو لها:
"اسمي سمو الأميرة."
وفي ثواني اشتد احمرار وجهها وهي تتراجع بسرعة كبيرة للخلف رغم المسافة الكبيرة التي كانت بينهما بالفعل وهي تنزل الغطاء بسرعة على وجهها وكأنها تحاول اخفاء جرمها عن عيونه.
أما عنه فاستقام يردد بهدوء شديد وهو يضع يديه في جيوب بنطاله:
"خيرًا فعلتي سمو الأميرة، سيكون هذا أفضل لو سرتي بين طرقات القصر تخفين ملامحك طوال الوقت."
رفعت رأسها له ولم يظهر له تعابيرها التي تخفيها أسفل الغطاء، أما عنه ابتسم يدرك أنها لابد وتنظر له نظرات حادة، ورغم كل ذلك ابتسم:
"صدقيني أنا أفعل هذا باعتباري المسؤول عن امنك وسلامتك هذه الأيام."
رفعت حاجبها ساخرة من كلماته:
"حقًا ومن يا ترى نصبك مسؤولًا عليّ سمو الأمير."
أشار نزار لقلبه وهو يهتف بجدية:
"نفسي، وأنا أثق بآراء نفسي وبشدة وأدرك أنها لطالما كانت تختار الافضل لي وللجميع، وهي من أخبرتني أنك تحتاجين لعناية مني وأنا لا أُكذبها البتة، لذا أنا اعتبرك مسؤولة مني وحتى يعود لنا الملك بارق فيتسلمك مني ليسلمك لي."
كانت تبتسم دون شعور بسبب كلماته وقد خمدت ربها أنها تخفي ملامحها خلف الغطاء، لكن فجأة توقف عقلها ثواني عند كلماته الأخيرة، ما الذي يقصده هذا، فجأة رفعت رأسها بحدة صوبه لتتسع بسمته وقد أدرك أنها وأخيرًا استوعبت ما قال، وقبل أن تستفسر عما يقصد وضع يده صوب صدره وهو يميل ميلة صغيرة مبتسمًا:
"إذن اسمحي لي بالرحيل سمو الأميرة و....احترسي فستبقى عيوني عليكِ طوال الوقت."
ختم حديثه وهو يرفع لثامه يخفي خلفه وجهه ومازالت بسمته منعكسة في عيونه يشير باصبعيه صوب عيونه وكأنه يخبرها أنه يراقبها، وهي تراقبه بصدمة وبسمة متعجبة لم تظهر له، أما عنه ابتسم يمنحها انحناءة أخرى، ثم استدار ليرحل لكن فجأة توقف وقد تلاشت بسمته مجددًا يستدير لها مرة أخرى.
"هل ستظلين واقفة بهذا الشكل حتى يعود الملك أرسلان؟"
لم تفهم حديثه ورغم ذلك هزت كتفها بهدوء تحاول أخباره أنها لا تنتظر أرسلان بقدر ما تنتظر نتيجة ما يحدث:
"نعم ربما، أريد فقط الاطمئنـ"
قبل إكمال جملتها تحرك عائدًا صوب الشرفة مجددًا يقف بعيدًا عنها وهو يضع يديه خلف ظهره يراقب الفضاء أمامه وكأنه يشاركها الانتظار، وهي فقط تراقبه بعدم فهم.
أما عنه فظل يراقب الطريق وهو يتحدث لها دون النظر لها:
"انظري أمامك رجاءً."
اتسعت عيونها وهي تبتسم بعدم تصديق:
"ماذا؟ ماذا؟ هل تمزح معي؟"
"- لا أفعل سأقف معكِ هنا حتى تعودين لغرفتك وتنتهي هذه الليلة على خير معكِ."
"أنت حقًا لست مضطرًا لـ"
"- بل أنا كذلك، والآن فقط انظري أمامك ودعي هذه الليلة تمر، إما هذا أو تعودي لغرفتك فلن أتركك تقفين هنا تنتظرين بهذه اللهفة و.....لن أتركك تنتظرين وحدك هنا."
توقف في منتصف حديثه حينما شعر أنه سيكشف غيرته وضيقه بكل بساطة لها، بينما هي أبعدت عيونها عنه بصدمة تحاول فهم ما يفعل ذلك الرجل والذي كان يتصرف بغرابة عن المعتاد منه.
"أنت لست... نزار ما الذي تفعله لا يمكنك الوقوف معي بهذه البساطة كل هذا الوقت، أرجوك عد لغرفتك كي لا..."
وقبل إكتمال كلماتها قاطعهم صوت خلفهم يتحدث بجدية:
"سمو الأميرة هل من خطب معكِ؟"
توقفت توبة عن الحديث بصدمة وهي تسمع صوتًا حاد بعض الشيء خلفها تستدير ببطء بينما نزار ما يزال يراقب المكان أمامه ببرود وكأنه لا ينوي الاستدارة من الأساس وهي فقط ابتلعت ريقها تواجه نظرات القادم والتي كانت تحدق بظهر نزار بكل تحفز:
"قائد زبير مساء الخير......."
***
لا تشعر شيء سوى قبضة قوية تسحبها في المكان وهي فقط تنتظر الفرصة لتفلت منها، الرجل يسحبها ويصير معه رجلين آخرين وأمامهم يسير أصلان وهو يحدق بالمكان جيدًا وصوت ضربات قلبها هو كل ما تستطيع سماعه.
أخبرها أنه سيعيدها له، لكن هل تثق بها؟ والله تثق أن الحمار لن ينطحها في حالة هيجانه ولا تثق أن الخنزير الذي أمامها سيصدق كلمته.
كانت متحفزة وهي تبحث بعيونها عن مخرج تنتظر اللحظة المناسبة لتفتت رؤوس من يمسكون بها، تنتظر اللحظة التي تخف قبضتهم على يدها حتى تنال فرصتها.
بينما أصلان يراقب الطريق ببسمة غريبة وعقل ذلك الرجل كان ينافس الشيطان دهاءً، جاء أصلان بما لم يسبقه أحدهم، فكر في شيء ما كان ليخطر على عقول الآخرين البسيطة.
أصلان والذي كان عقلًا مثقلًا بالخبث والدهاء، رجل عاصر من الحروب الكثير، رجل كان يضع خطط حروب وخطط هجوم وأخرى للدفاع، ما كان يعجز عن وضع مجرد خطة صغيرة ليكسر عدوه خاصة إن كان يدرك نقطة ضعف هذا العدو.
توقف فجأة وهو يحدق بنقطة شبه بعيدة عنهم، ثم رفع يده في الهواء في إشارة منه لرجاله بالتوقف.
نفس اللحظة التي كانت سلمى تتجهز بها لتنال منهم، هي نفسها اللحظة التي تحدث بها أصلان وهو يشير لها:
"دعوها."
وفجأة وجدت نفسها حرة تقف بينهم، واصلان يستدير لها يمنحها بسمة مريبة يشير صوب الطريق أمامه صوب بقعة منيرة أمامهم:
"هذا زوجك العزيز هناك، هيا عودي له."
نظرت له بشك وعدم تصديق وقد بدأت كل خلايا عقلها تنتفض متحفزة لما يتحدث ويدها تتحرك تستعد لتحطيم الرؤوس التي تقابلها، بينما أصلان اتسعت بسمته أكثر من نظراتها:
"ربما أكون سيئًا لكنني لا أحنث وعدًا قطعته، أخبرتك سأعيدك لزوجك، وها أنا أفعل؛ لذا تحركي قبل أن أغير رأيي واحتفظ بكِ للأبد، هيا اختاري..."
ترك لها الطريق مفتوح وهي لا تثق بكلمة واحدة نطقها، ربما ينتظر أن تمنحه ظهرها ليصيبها بضربة غادرة، لكن إن كان يريد بها شرًا ما الذي يمنعه من قتلها الآن.
أخذت تتنفس بصوت مرتفع وهي تنظر وهو يراقبها ببسمة:
"لن أنتظر طويلًا."
وغريزة البقاء داخلها بدأت تعمل وتنتفض بقوة، إذ تحركت بسرعة مخيفة ركضًا صوب الذي يشير له، لكن بمجرد أن مرت به رفعت يدها تضربه لكمة قوية جعلت تأوهاته تعلو بوجع وصدمة، وقبل استيعابه ما حدث كان هي تهرول بسرعة مخيفة بعيدًا عنه.
ولا تدري عدد المرات التي ركضت بها منذ تم اختطافها، تركض دون توقف وهي تشعر بصوت أنفاسها يعلو ويعلو تبصر أجساد الرجال تبتعد عنها والضوء الذي أشار له أصلان يقترب.
تتنفس بصوت مرتفع وهي تركض بجنون بنفس الهيئة المدمرة التي كانت عليها، ثياب شبه ممزقة، قماشة رثة تكاد لا تخفي نصف خصلات شعرها، جروح وكدمات في جسدها ووجهها، هيئة لو نظرت لها في المرآة ما تعرفت على نفسها.
أخذت تنظر خلفها وهي تبصر اختفاء الأجساد التي كانت تأسرها، أعادت انظارها أمامها تركض وتركض دون أن تفكر حتى في التوقف والتفكير حول المصير الذي تهرول صوبه.
أما عن أصلان فقد كان يراقب ابتعاد جسدها عنه وهو يشير لأحد رجاله بالتقدم منه يشير له بالتأه
رواية اسد مشكي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رحمه نبيل
شعرت بأن أنفاسها بدأت تخرج بشكل طبيعي حينما أبصرته. رغم أن الضوء المتسلل من المشاعل كان قليلًا وضعيفًا، خاصة مع المسافة بينهما، إلا أنها ما كانت لتخطئ يومًا هيئته، هيئة زوجها، الرجل الوحيد الذي سكن قلبها وحفظه قبل العين.
زادت من ركضها بجنون وهي تصرخ باسمه مرتعبة أن يتلاشى كما السراب قبل أن تصل له. لم تصدق حينما أخبرها أصلان أنه سيتركها لأجل الذهاب لأرسلان. كانت أقدامها تهرول بشكل مخيف وهي تنادي باسمه دون توقف، تبعد ما يقابلها من أفرع الأشجار بهستيرية:
"أرســـــــــلان... أرســـــــــلان.... أرســـــــــلان."
أما عنه، فكان يبحث بعيونه في كل مكان عنها، وقد أقسم بالله ألا يغادر المكان حتى يصل لها، ولو عني ذلك قضاء المتبقي من حياته يهيم بين الغابات في سبز ليجدها.
"أرسلان أنت تنزف، جرحك... لقد فُتح من جديد."
كان ذلك صوت سالار، والذي كان صوت العقل الوحيد لأرسلان في هذه الرحلة. ولولا وجوده لكان أرسلان أهلك نفسه أثناء البحث عن زوجته. أما عن أرسلان، فلم يهتم وهو يتحرك بين الأشجار يحمل الشعلة بين أنامله يبحث عن أي دليل قد يوصله لهم.
"لا تقلق سيلتئم قريبًا، فقط دعنا..."
ولم يكد يكمل جملته حتى سمع صوت صرخة بنبرة يحفظها عن ظهر قلب، اسمه يخرج من فيها كما اعتاد في الآونة الأخيرة. تجمد جسده وشعر أن قلبه يقرع بقوة وهو يستدير بسرعة مرعبة، ينظر حوله كالمجنون، يتحرك في المكان وهو يبعد الأشجار من أمامه، يتحدث بلهفة وعدم تصديق:
"هل سمعت... سمعت هذا الصوت سالار؟ سمعته صحيح!؟"
كان يتحدث وهو يتحرك بلهفة في المكان، يركض صوب الصوت الذي كان يقترب أكثر وأكثر، وخلفه سالار يركض بسرعة:
"نعم سمعت، الصوت يأتي من الغرب."
لكن وقبل حتى أن يكمل كلماته، سمع صوت تحطم المصباح أسفل أقدام أرسلان، الذي تجمد جسده وشحب وجهه فجأة وهو يهمس بصوت وصل واضحًا لسالار:
"يا رحــمٰــن."
تحركت عيون سالار بعدم فهم صوب الجهة التي ينظر لها أرسلان، لينتفض جسده بسرعة كبيرة وهو يبعد عيونه عن جسد سلمى الذي كان في حالة رثة ودون حجاب. يبتعد بسرعة عن المكان وهو يهتف بصوت مرتفع كي يسمعه جميع الحراس المرافقين لهم:
"الجميع أعينكم للاسفل."
أما عن أرسلان، فحينما أبصرها، شعر فجأة بأن جسده كاد يلحق بالمصباح ويتهاوى أرضًا وهو يرى زوجته بهذه الهيئة المدمرة أمامه. أبصرها تتوقف على بُعد قليل منه وهي تنظر له بملامح موجوعة، تتنفس بصوت مرتفع وعيونها مثبتة عليه. بينما هو فقد الإحساس وفقد كل شعور يدل على أنه حي. يقترب منها بخطوات بطيئة. أما عنها، فقد انتظرته حتى يصل لها.
وفي ثوانٍ، انتفض جسد أرسلان يهرول بشكل مخيف صوبها، وهو يلتقطها بين أحضانه يخفيها عن أعين الجميع. يرفع ذراعه يجذب رأسها لصدره وهو يهمس بصوت ملتاع:
"يا الله، يا رحيم يا الله، يا رحيم يا الله."
هنا وانهارت سلمى بين أحضانه، تنفجر أخيرًا في بكاء حار بصوت مرتفع. ليترجف جسد أرسلان بقوة وهو يزيد من ضمها، ومازال يردد نفسه كلماته بهزيان وارتجاف مرعب في جسده. وهي فقط تضغط بقبضتها على ثيابه وصوت بكائها يعلو بانكسار بين الجميع، وأرسلان يخفيها بجسده، يضمها له بقوة دون أن يتوقف عن كلماته. وكل ما يخرج منها هو اسمه، وكأنها تناجيه أن يحميها من الجميع.
فجأة، أبعدها عنه وهو يخلع معطفه يلفها به بسرعة، يرفع القلنسوة أعلى رأسها يخفي كامل خصلاتها بها. يمسك وجهها بين كفيه يتأملها ثوانٍ ويتأمل الجروح التي تملئ وجهها بملامح مصدومة سوداوية. ولا تدري سلمى أأوهام كانت أم أنها لمحت التماع دموع مجاورًا لغضب أرسلان داخل عيونه. لكن سرعان ما وأد أرسلان كل ذلك أسفل أعاصير غضبه، ومن ثم مال بسرعة يحملها متحركًا بخطوات سريعة صوب حصانه دون أن يتحدث بكلمة واحدة تعبر عما يجيش صدره من غضب.
فجأة، وقبل أن يدرك حصانه، سمع صرخة سالار وشعر به يدفعه بسرعة جانبًا، حتى كاد يسقط أرضًا مع زوجته، لولا تماسكه وتمسك سلمى به برعب شديد. وقد عبر سهم بسرعة كبيرة من فوق أرسلان ليستقر بالشجرة خلفه.
وبدون وعي وبردة فعل تلقائية من أرسلان، كان يخرج خنجرًا من ثوبه يلقي به بسرعة مرعبة في اتجاه خروج السهم دون حتى أن يبصر شيئًا. هو فقط ألقى خنجره بقوة مرعبة، وليسقط من يسقط فلا يهتم بجثة من سينغرز خنجره. وبدقة تصويبه بنفس الجهة التي خرج منها السهم، أصاب خنجره أحد رجال أصلان الذي ابتعد بسرعة، كي لا يكون هو ضحية خنجر أرسلان.
أما عند أرسلان والجميع: رفع أرسلان عيونه صوب سالار بغضب كبير ليبصر الأخير يحدق صوب جهة ما وهو يصرخ بصوت جهوري:
"تحركوا بسرعة وامسكوا برامي هذا السهم، تحركوا بسرعة."
نظر له أرسلان دون إدراك لما يحدث، وكأن حالة زوجته بين يديه جعلته في حالة من اللاوعي. لولا جسده الذي كان يتحرك دون إرادة منه وكأنه مبرمج على كل ذلك. حرك عيونه ببطء صوب السهم الذي أصاب الشجرة خلفه، يطيل النظر به قبل أن يتحرك صوبه وما يزال يحمل بين يديه سلمى. وحينما وصل له، أنزل سلمى بهدوء، ثم مال يعدل وضعية فستانها من الأسفل يتأكد أن كل شيء بخير. وبعدها جذبها من كتفها صوب جسده بحنان.
بينما سالار أبعد عيونه قدر الإمكان عن سلمى وهو ينظر لأرسلان الذي تحرك صوب السهم يتحدث بجدية:
"أنت بخير يا أخي؟?"
لكن أرسلان لم يجبه وهو يصل للسهم يراقبه بأعين سوداء، يرفع كفه يجذبه بقوة عن الشجرة يلتقط الرسالة التي كانت معلقة به. يهمس بصوت منخفض:
"مستوى السهم أعلى من مستوى رأسي، لم يكن السهم ليصيبني، لم أكن هدفه، بل كان هذا هو هدفه."
ختم حديثه وهو يرفع الرسالة التي كانت معلقة بالسهم، يحرك عيونه على الكلمات التي خُطت بأحرف فارسية دقيقة.
"ولأجل السنوات التي قضيتها معك، ولأنني أعلم أن لا حول لك ولا قوة، ويعز عليّ حيرتك يا أخي، أعدت لك زوجتك رأفة مني بك ورأفة بحالك المثير للشفقة، فأنا ذو قلبٍ كبير كما تدرك وأمثالك من عديمي النفع يثيرون شفقتي، وبما أن لا حاجة لي بزوجتك، وبعدما استمتع بها الرجال لبعض الوقت، أبصرت الملل يلوح بعيونهم واصابهم الفتور منها رأيت أن أعيدها لك، فلست أنا من يختبئ خلف النساء كمن سبقني من الجبناء، بل أواجه في ساحة في الحرب، والحرب موعدنا أرسلان... مع تحياتي: أصلان."
كان أرسلان يقرأ الكلمات بأعين جامدة لا تعابير ظاهرة على وجهه ولا حياة في عيونه. يراقب ببرود ويقرأ بهدوء، قبل أن يسمع صوت سالار الذي اقترب منه وقد كان على وشك سحب الرسالة منه ظنًا أنها رسالة تحذير أو تهديد كما يحدث سابقًا:
"أرسلان ما الذي يحدث؟ دعني أ..."
وقبل أن يمس الرسالة، سحبها أرسلان بسرعة كبيرة يديها داخل جيبه رفضًا أن تبصر عين أحدهم ما كُتب عن زوجته من كلمات دنيئة وحقيرة. وقد بدا أن لا روح في جسد أرسلان في هذه اللحظة. فقط مال بكل هدوء وهو يرفع جسد سلمى مجددًا بين ذراعيه بحذر، ثم تحدث وهو يتحرك صوب حصانه:
"دعنا نعود سالار فقد انتهينا هنا."
نظر له سالار بصدمة كبيرة فأرسلان الذي يعلمه لن يأخذ ما يريد ويرحل بهذه الطريقة وبهذه البساطة، ولا يدرك أن كثرة الغضب الذي كان يغلي داخل أوردة أرسلان في هذه اللحظة قادرة على إحالة الغابة حوله لرماد. تنهد سالار ولم يزد الأمر على أرسلان ولم يعترض على شيء، فلا أحد هنا يدري بحالته.
تحرك صوب حصانه ولم يكد يصعد حتى سمع صوت أرسلان يردد بهدوء:
"سوف نعود لمشكى."
نظر له بصمت ولم يجبه سوى بهزة رأسه يهتف في الرجال بالتحرك وقد قام هو الجيش يتحركون أمام أرسلان الذي فقط ضم له جسد سلمى الساكنة بهدوء مريب بين أحضانه بعد موجة البكاء التي هاجمته. لم يتحدث بكلمة ولم يسألها سؤالًا واحدًا عما قرأت وقد أشفق عليها أن يعرضها لمثل هذا بعد عودتها مباشرة. فقط اكتفى بضمها وهمس لها بصوت حنون أجش وقد شعر أنه وأخيرًا يتنفس بعد أيام من الاختناق، أخيرًا يحيا بعد أيام من العيش بلا روح. جذب رأسها لكتفه يربت عليها بحنان ويده الأخرى تمسك بلجام حصانه يشعر بأنفاسها المنتظمة تضرب رقبته ليبتسم واخيرًا متخليًا عن جموده لأجلها... ولأجلها فقط:
"لا حرمني الله أنفاسك سُليمىٰ......"
***
يجلس أمامها يراقبها بهدوء شديد حتى أبصرها تغلق عيونها كل ثانية، ومن ثم تفتحها بسرعة وكأنها تخشى أن تتلقى ضربة غادرة إن أغمضت عيونها بشكل غير متوقع. تفرك وجهها وتفتح عيونها بشكل غريب وهي تحدق في المكان حولها، تدير نظراتها في كل مكان عدا... عيونه التي كانت تتابعها بترقب.
لا يزال غير مصدقًا لما سمع منذ ثوانٍ قبل أن تتقوقع أسفل غطاء فراشها:
"ماذا قلتِ للتو فاطمة؟!"
أبعدت عيونها عن خاصته بصعوبة:
"أريد أن أنام قليلًا إذا سمحت."
ابتسم المعتصم بلا تصديق من بساطة هروبها وبلاهتها تخفي وجهها اسفل الغطاء:
"هل يمكنني النوم؟?"
أنزل رأسه ببطء صوبها حتى جعل وجهه بالقرب من خاصته أسفل الغطاء ينادي بصوت منخفض:
"فاطم."
لكن فاطمة أغلقت عيونها بقوة جعلت ضحكات المعتصم تعلو وهو يميل عليها يجذب الغطاء بعيدًا عنها يتحدث بهمس حنون:
"ألا تريدين سماع ردي فاطم؟!"
"لا..."
"أوه، هذا جارح حقًا."
فتحت فاطمة عيونها تنظر صوبه وهي تشعر بفداحة ما فعلت وأنها بالفعل جرحته دون أن تقصد. نظرت له بحزن تهمس باسمه:
"آسفة لم اقصد أن احزنك يا المعتصم."
ابتسم على لطفها وهو ينظر لها بحنان يرفع يده ليربت عليها بحنان وحب يخبرها أنه لم يحزن، يكفيه تلك الكلمة التي نطقتها منذ ثوانٍ ليسعد المتبقي من عمره. لكن فجأة توقفت يده في منتصف الطريق وهو يسمعها تهمس بنبرة غير مفهومة وكأنها تتحدث دون وعي:
"هل.... يمكنك إحضار أمي لي هنا يا المعتصم؟?"
ضغط المعتصم على قبضته بقوة وقد شعرت أنه اكتفى من كل ذلك. لكن رغمًا عن يأسه واحباطه الذي بدأ ينتشر داخل صدره نهض يساعدها لتتسطح على الفراش، ومن ثم غطاها بهدوء يقبل رأسها بلطف:
"هيا نامي فاطمة."
نظرت له بعدم فهم ولم تكد تعترض حتى نظر لها بقوة يجبرها بنظراته على تنفيذ ما يقول، وهي فقط كانت تفكر في السبب الذي جعل ملامحه تنكمش بضيق حينما ذكرت والدتها. وبدأ عقلها يغذي تلك الفكرة المريضة التي زرعها داخلها وهي أن المعتصم لا يحب والدتها. فكرة رسمها العقل وأبدع في تزيينها بمهارة ليبعد المعتصم بكل واقعيه عن حياتها الوهمية الوردية التي خططها لأجلها.
أما عنه، فقد جذب أحد المقاعد ووضعها أمام الفراش الخاص بها يضم يديه لصدره يراقبها بحرص شديد ينتظر أن تتوقف عن عنادها وتترك العنان لنعسها وتنام.
"ألا.... ألا تمتلك شيئًا لتفعله يا المعتصم؟!"
"لا تشغلي عقلك بي عزيزتي أنا بخير، فقط نامي ولا تفكري في شيء."
"أنا لا يمكنني... لا يمكنني النوم هنا و..."
صمتت ولم تتحدث بكلمة واحدة، بينما هو ظل يراقبها في انتظار باقي جملتها، لكنها فقط أبعدت وجهها صوب النافذة وقد بدأ الحزن يُخط على وجهها ببراعة منقطعة النظير، حتى ظن أنها تعيش نفس حزنها الماضي. لكنها فاجئته حينما وجهت له سؤالًا غريبًا.
"هل... هل تكره أمي يا المعتصم كما أخبرتني؟!"
اتسعت عيون المعتصم شيئًا فشيئًا وقد صدمه سؤالها يحاول أن يدرك ما تقصد هي. ودون إرادته وبسبب ما يعاني في هذه الفترة خرج صوته حادًا قويًا:
"مــــــــــــــــــاذا؟?"
نظرت له بقلق شديد لأول مرة تنظر به إليه ويبدو أنها أفاقت لتوها على حقيقة كانت تحاول نكرانها منذ أخبرتها بها والدتها، أو بالأحرى صنعها عقلها لها وزينها شيطانها:
"لقد.. لقد أخبرتني أنك لا تحبني وانك فقط تخدعــ... أنت لست .... أنت لا تحبها كذلك يا المعتصم ولا تحبني أنت فقط ...."
صمتت وكأنها عجزت عن نطق ما يدور داخل عقلها بصوت مرتفع وقد بدأت ترتعش خوفًا من نظرات المعتصم والتي صورها لها عقلها أنها نظرات حادة مخيفة في حين أنها كانت مجرد نظرات مصدومة وبشدة.
"فاطمة هل ...هل تحاولين دفعي للجنون؟?"
سقطت دموع فاطمة وقد شعرت بالحيرة وهي تنظر له تبصر صدمته وحزنه الواضح في عيونه، لكن كلمات والدتها ما تزال تتردد في عقلها، ساعات طويلة قضتها في القبور تستمع فقط من والدتها حول كم هو سييء يريد التفريق بينهما وجعلها تنساها، كما حذرتها أن جنونه بها قد يتمادى ليخبرها أنها ميتة وهي ما تزال حية ترزق، سيقنعها أن لا وجود لوالدتها بينما هي تجلس جوارها في ذلك الركن تضمها لأحضانها وتربت عليها بحنان.
أفكار أبدع عقل فاطمة المريض والذي ما يزال يرفض واقعه، أجاد كتابة حبكة قصة محكمة التفاصيل ليغلق جميع طرق المعتصم لها، يمنعه من إخراجها من تلك الفقاعة الوردية مع والدتها وسحبها صوب الواقع حيث لا أحد جوارها وحيث حقيقة بشعة لن تتحملها. فاطمة والتي كانت تأتيها بعض الأوقات لحظات تقبل ومن ثم لحظات إنكار، كانت في صراع مع عقلها، صراع شرس لا تعتقد أنها قد تخرج منه سالمة.
سقطت دموعها وهي تراقب المعتصم ينظر لها بعدم فهم وصدمة ومن ثم أخذ يردد دون فهم بنبرة حاول جعلها حنونة:
"من أخبرك أنني أكره والدتك؟؟ وما الذي يدفعني لكرهها، أنا وإن كنت أفعل فوالله لأحرقن كرهي لأي شخص طالما كان يعنيكِ، فما بالك بوالدتك فاطمة؟!"
نظرت له تحاول كبتها دموعها بصعوبة:
"لكن هي أخبرتني بـ"
"هــــــــي مـــــــــن؟؟ هــــــي مـــــــــــــن فاطمة؟!"
نطقت فاطمة بكلمة متقطعة تتخللها شهقات بكاء حادة:
"أ...أمــ...أمــــ..... أمي."
نهض المعتصم عن مقعده يبتعد عنها في الحال وقد شعر أن غضبه سيخرج الان ليثير فزعها أكثر منه. غضبه سيدفعه لفعل شيء أحمق يجعلها تبتعد عنه للأبد. لذا زفر بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب باب غرفته يتحدث بجدية وقد فضل الخروج والاختفاء من أمامها قبل أن يخيفها منه أكثر؟!
"نامي فاطمة سوف أذهب لأنتهي من عملي واعود سريعًا."
نظرت في أثره وهي تغلق قبضتها بوجع على الفراش الذي يحيط جسدها تحاول التحدث بكلمة واحدة توقفه وقد شعرت بمدى حزنه:
"لكن يا المعتصم أ....."
فجأة انتفض جسدها حين سمعت صرخة منه وقد بدا أن شياطين ذلك الرجل والذي كان أقصى ما يفعله هو نظرة غضب، قد خرجت من سجونها أخيرًا:
"نـــــــامي فـــــاطمـــة..."
ومن بعد هذه الكلمات سمعت صوت اغلاق الباب بعنف جعلها تنتفض وهي تبكي بصوت مكتوم تضم لها الغطاء وتحدق في المكان حولها بأعين زائغة تهمس بصوت مرتجف وقد بدأت تشعر بالوحدة والخوف للمرة الأولى وبدأ عقلها يتسلم فرصته ليفرض نفسه واخيرًا عليها:
"يا المعتصم لا تتركني ... وحدي."
لكن الشخص الوحيد الذي أجابها في هذه اللحظة كان عقلها وهو يتخذ مما حدث مدخلًا له ليبدأ في رسم صورة شيطان تليق بالمعتصم الظالم الذي يسجنها وحدها في تلك الغرفة مانعًا إياها من رؤية والدتها. تركها وحدها لعقلها، وما اسوء أن يُترك الإنسان في مواجهة عقله، خاصة لو كان ذلك العقل مريض.
أما عن المعتصم، فغادر مع عجزه يبحث عن شيء ينقذها به، يفكر في وسيلة ليساعدها، غافلًا عن أن أكثر شيء كانت تحتاجه في هذه اللحظة كان وجوده فقط......
***
توقفت توبة عن الحديث بصدمة حينما سمعت صوت زبير خلفها. ابتلعت ريقها ورفعت عيونها لنزار وهي تشير له بالتحرك متوقعة منه هرولة وهو يهرب من أمام زبير والذي لم يكن أحمقًا كي يجهل هوية نزار الحقيقية.
"قائد زبير مساء الخير."
حرك زبير نظراته صوب ذلك الجندي الذي يقف على مقربة من الأمير، دون حتى أن يحاول اظهار بعض الاحترام لها، بينما توبة ابتلعت ريقها بهدوء وهي تستدير ببطء شديد صوبه، ومن ثم هزت رأسها بنعم تقول بصوت خافت:
"هل من شيء؟?"
"لا فقط أبصرتك في طريقي للغرفة تقفين هنا وتتحدثين مع الجندي فظننت أن خطبًا أصابك."
ابتسم نزار بسخرية ولم يهتم حتى أن يستدير له فهو لن يضمن أن تظل نظراته هادئة إن نظر لذلك الرجل الذي يهتم بمن لا يعنيه و.... مهلًا وما شأنه هو؟ هي لا تعنيه كذلك. نظر صوب توبة بطرف عيونه لتبتسم الأخيرة بسمة صغيرة وهي تجيبه برقي شديد تحاول ابعاد أفكاره وعيونه عن نزار:
"اشكرك حقًا يا قائد، لا بأس أنا اتولى اموري هنا، كنت فقط أخبر الجندي ببعض الأوامر التي سيُعلم بها الباقيين في الغد حول موسم الحصاد القادم بمشيئة الله."
رفع نزار حاجبه وهو يهمس بصوت وصل لها واضحًا ساخرًا:
"ليمُد الله بعمري حتى أسمع منكِ يومًا حجة مقنعة توبة."
استدارت له توبة ترمقه بشر، ليبتسم الأخير وهو يتجاهلها دون اهتمام حتى بنظراتها، وهي فقط تزفر بضيق تسمعه يردد:
"مرة غراب أسود كبيرة في الشرفة ومرة تتحجج بموسم الحصاد والذي لا علاقة لجنود الجيش به، يبدو أن ذكائك لا يشمل الكذب."
اشتعل وجه توبة لكنها حاولت تدارك الأمر كي لا يظهر عليها واضحًا، وهي تنظر صوب زبير والذي شعر بوجود خطب ما، فالجندي لم يستدر له حتى أو يتحدث بكلمة منذ جاء لذا كرر سؤاله:
"متأكدة أنكِ بخير؟!"
ابتلعت توبة ريقها ولم تكد تجيبه حتى ابصرته يتحرك صوب نزار وقد اتسعت عيونها بقوة وفكرت في حل أكثر فعالية من ادعاء الموت في هذه اللحظة لتنطق بسرعة:
"أوه لقد نسيت، صحيح قائد زبير اردتك أن تتفحص الأراضي الزراعية لتقرر مع كاتبي المملكة قيمة الخرج وما التقسيمة التي يجب أن نتبعها هذا العام."
نظر لها الزبير بعدم فهم:
"أنا؟ الآن؟?"
"نعم رجاءً هذا افضل وقت لذا ارجوك فقط أذهب لتفحص الـ"
فجأة توقفت حينما استدار نزار وهو يضع لثامه يخفي به جزء كبير من وجهه، ينظر لزبير الذي نظر لها بدقة وكأنه يألف ملامحه، يحاول الوصول للمكان الذي أبصر به هذه العيون. وهذا ما لاحظته توبة التي ابتلعت ريقها تقول بصوت هادئ وقد كان مهتزًا بخوف وهي تلعن تهور ذلك الرجل المسمى بنزار.
"هل سمعتني يا قائد؟?"
نظر لها زبير ثوانٍ قبل أن يهز رأسه:
"نعم سمو الأميرة سمعتك، لا تقلقي سأفعل، فقط أذهب للأطمئنان على زوجتي فهي مريضة بعض الشيء، ومن ثم اتحرك صوب الحقول."
شعرت توبة بالضيق لأجل إبعاد الرجل عن زوجته المريضة فقط لأجل ذلك العنيد جوارها، لتتنهد بصوت خافت وقد رأت أن افكار زبير ابتعدت بالفعل عن نزار:
"شفاها الله وعفاها، لا بأس إذن، دع الأمر للصباح لا أريد أن اشغلك عن زوجتك."
ابتسم لها بسمة صغيرة وهو ينفي ما تقول:
"هذا واجبي سمو الأميرة."
"لا رجاءً أنا أصر، يمكنك العودة لزوجتك وفي الصباح يمكنك تفقد المحاصيل."
نظر لها بتردد لتبتسم له بسمة صغيرة:
"رجاءً."
ابتسم لها بالمثل وهو يهز رأسه لها باحترام شديد، ثم انحنى لها نصف انحناءة:
"إذا لم يكن هناك شيء تحتاجيني به، اسمحي لي بالرحيل."
سارعت بلهفة وهي تشير بيدها بهدوء صوب جهة الغرف:
"نعم بالطبع، تصبح على خير بإذن الله يا قائد."
هز لها زبير رأسه وهو يبعد عيونه عنها ولم يكد يتحرك خطوة بعيدًا عنها حتى أبصر ذلك الجندي ما يزال يقف مكانه دون أن يتحرك خطوة أو يبدي أي ردة فعل تدل على أنه ينتوي الرحيل:
"ماذا بك يا بني تقف هنا؟! ألا عمل لديك اليوم؟?"
"بني؟؟"
كانت كلمة ساخرة مغتاظة أخرجها نزار من فمه وقبل التعليق بكلمة واحدة على كلمة زبير كانت توبة تتدخل للمرة الألف لتنقذه وتنقذ نفسها من تهوره الغريب:
"نعم بالطبع سيرحل فأنا بالفعل أخبرته ما أريده منه."
نظرت صوب نزار بنظرة حادة وكأنها تخبره أن يتجرأ ويعاندها في ذلك، وتقسم أنها ستسلمه لزبير يفعل به ما تشاء حتى يتعلم كيفية التفكير قبل التصرف مجددًا. ولا تدرك توبة أن نزار لا يفقد تعقله إلا أمام عيونها هي، لذا ابتسم لها وهو يراقب غضبها وقد ظهرت بسمته واضحة في عيونه:
"أوه نعم صحيح لقد كنت على وشك فعل ذلك والرحيل الآن، اسمحي لي سمو الأميرة بالرحيل."
ختم كلماته وهو ينحني لها باحترام وحب شديد يكنه لها داخل صدره، ولم يكد يستقيم في وقفته حتى سمعها تخبره بهدوء شديد:
"يمكنك الرحيل يا أخي."
تشنجت ملامح نزار وهو يرفع رأسه لها بسرعة كبيرة وصدمة وقد اشتدت نظراته يميل برأسه لها وكأنه يرفض بأي شكل من الأشكال أن تلقبه بذلك اللقب المقيت له. لكن وجود الزبير في المحيط جعله يضغط على أسنانه بتوعد وغضب شديد أن تكون هذه هي نظرتها بالفعل له:
"السلام عليكم، استأذنكم."
ختم كلماته يتحرك بسرعة كبيرة بعيدًا عنها وقد وجد عقله واخيرًا هم جديد ينشغل به ولا ينام ليلته لأجله. أما عن توبة، فلو أنه أبصر نظراتها المتشفية وبسمتها التي جاهدت لتخفيها عن الأعين، لعلم أنه يمكنه أن يكون أي شيء في حياتها عدا أن يكون أخًا لها...
***
مع ساعات الصباح الأولى... أعلن حارس القلعة وصول موكب الملك أرسلان لأبواب القلعة، لينتفض جسد المعتصم والذي قضى ليلته كلها بالخارج يراقب بنفسه الجميع ويأمن على حدود القلعة.
تحرك بخطوات مهرولة ولشدة لهفته لم ينتظر أن يفتح الجنود البوابة، بل ركض يساعدهم في فتحها وهو يراقب بأعين متلهفة يدعو الله أن يدخل الملك من البوابة مجبور الخاطر.
وفي ثوانٍ أبصر حصان سالار يتحرك بقوة للداخل خلفه بعض الجنود، ومن ثم حصان الملك وبعده باقية الجنود. تحرك بأقدام مهرولة صوبه وهو يشير للحراس أن يغلقوا البوابات بسرعة يتحرك صوب حصان أرسلان بلهفة متراجعًا بعض الخطوات للخلف تاركًا له الحرية كي يهبط ويساعد زوجته في النزول.
بينما أرسلان مال على سلمى يهمس لها بحنان شديد:
"هيا سلمى لقد وصلنا."
فتحت سلمى عيونها بفزع شديد وقد أخذت تنظر حولها بسرعة تتفحص المكان خوفًا أن يكون كل ما حدث وما عاشته مجرد حلم بعيد. استدارت برأسها صوب أرسلان تنظر لعيونه بخوف شديد، نظرات قتلته واججت نيران صدره أكثر، لكن كل ذلك لم يظهر على عيونه يمنحها كامل الوقت لتستوعب ما يحدث، حتى بدأ الاطمئنان ينتشر على وجهها وهي تحاول الاعتدال لتتخذ وضعية تتيح لها النزول تتجنب أن تضغط على أقدامها والتي تدمرت بالكامل بسبب ركضها.
"تريدين مني أن احملك؟!"
رفعت عيونها له تبتسم بسمة صغيرة وهي تحاول الحديث بشكل طبيعي للخروج من حالتها تلك:
"هل يمكنك حملي فقط حتى الغرفة؟!"
"احملك المتبقي من عمري ولا ابتأس سليمى."
ختم كلماته ثم حرك عيونه صوب المعتصم يهتف بصوت منخفض بعض الشيء:
"تأكد أن الطريق لغرفتي خالٍ من الرجال يا المعتصم رجاءً."
هز المعتصم رأسه وهو يتحرك بسرعة لينفذ ما طلبه منه أرسلان دون حتى التعجب أو الاستفسار عما يحدث.
أما عن أرسلان، فقد هبط عن حصانه يقف في الأسفل ينتظر عودة المعتصم له بأن كل شيء تم. بينما سالار يراقبه ينتظر اللحظة التي ينفجر بها أرسلان والتي يعلم أنها ليست بعيدة، فمن مثل أرسلان لن يهدأ ولن يستقر إلا حينما يخرج حريقه الداخلي ليشعل كل من حوله. لكن رغم ذلك ابتسم بسمة صغيرة لأرسلان وهو يتحرك بهدوء شديد صوب الداخل يشمل نفسه من ضمن الرجال الذين طلب أرسلان تفريغ الممرات منهم.
"سأنتظرك في غرفتي حينما تقرر أنك بحاجة للتحدث معي أرسلان."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى، في ذات اللحظة التي عاد بها المعتصم يهز رأسه لأرسلان بإشارة أن طلبه نُفذ، ومن ثم تحرك هو كذلك بعيدًا صوب ساحة التدريب حتى يأتيه استدعاء من أرسلان يتنفس بصوت مرتفع وراحة واخيرًا أن الملكة عادت.
بينما أرسلان ابتسم بحنان وهو يرفع عيونه صوب سلمى، ثم مد يديه يحملها من خصرها ينزلها من الحصان، وقبل أن تستوعب أنها تقف على الأرض أسفلها، كان يحملها بين يديه يتحرك بها بسرعة صوب غرفته الخاصة.
أما عنها، فلم تنزع عيونها عنه لا تصدق أنه بخير و... فجأة اتسعت عيونها وهي تتذكر إصابته التي تلقاها ذلك اليوم تحرك يدها بتلقائية صوب صدره حيث الإصابة تهمس بفزع وهي تحاول النزول:
"أرسلان جرحك؟!"
"طاب جوارك سليمى لا تحملي همًا له حلوتي."
اتسعت عيونها وقد صُدمت من رده المعسول ترفع عيونها له تملك الكثير والكثير من الكلمات، لكن كل ذلك توقف في منتصف حلقها وهي تشعر به يضعها على فراشه الفسيح، ومن ثم تحرك لها ينزع عنها معطفه بهدوء ودون كلمة واحدة يراقبها بأعين متفحصة، يحرك عيونه على جروحها جرح تلو الآخر، ثوبها الممزق من منطقة الصدر جعل عيونه تتجمد للحظات، قبل أن يرفع عيونه لها، بينما هي حاولت أن تلتقط منه المعطف مرة أخرى تخفي به جسدها وقد بدأت البرودة تزحف لجسدها تستوعب وأخيرًا ما حدث. تحاول التحدث وتبرير ما حدث لها وما يراه، لكن عجزت كلماتها عن الخروج، فصمتت وكم كان صمتها قاتلًا.
أما عنه، فقد اكتفى بالجلوس أمامها بهدوء وتأملها ينتظر أن تشبع عيونه من رؤياها حتى يستطيع أن يعود للحياة مرة جديدة، زوجته والتي كانت قريبة من القلب سابقًا، أدرك بعدما كاد يفقدها أنها هي القلب ذاته.
أما عن سلمى، فأخذت تنظر له بعدم فهم تترقب كلماته، تترقب أسئلته عما حدث معها، تترقب منه أي شيء يشعرها أنه يعي ويدرك ما يحدث حوله. وبعد عشر دقائق تقريبًا أبصرت تحركه من أمامها صوب المرحاض تاركًا إياها تنظر لأثره بصدمة وحزن خوفًا أن يكون هناك ما جعله ينفرها. غاب دقائق في المرحاض، ثم عاد لها ينظر لها ثوانٍ قبل أن يناديها:
"سلمى تريدين أخذ حمام دافئ؟!"
رفعت سلمى عيونها وقد انتفضت من شرودها تنظر له بأعين زائغة وكأنها لا تدرك ما يقول، وهو فقط ابتسم لها بسمة صغيرة يتحرك صوبها، يساعدها لتنهض، ثم أسندها صوب المرحاض:
"خذي كامل وقتك بالداخل سأكون في انتظارك هنا."
نظرت له بعدم فهم وقد كانت ملامحها مصدومة مما يفعل، لم يتوجه لها بسؤال واحد منذ رآها ولو من باب الفضول، لم يحقق معها عما رأته، وما حدث هناك.
"أنت... غاضب؟!"
وقد كان تقريرًا أكثر منه سؤال، وقد أجاب أرسلان ببسمة صغيرة وهو ينظر لعيونها بنظرات غريبة مخيفة بعض الشيء.
"ماذا تعتقدين أنت؟?"
نظرت له ثوانٍ تحاول أن تستشف ما يقصد من كلماته، ورغم ذلك لم تستطع لتتحدث بصوت خافت تحاول به تبرير ما حدث وما أبصر منها:
"أرسلان لقد ... لقد حاولت أن.... اقسم أنني لم أنزع حجابي سوى أثناء الهرب أحدهم جذبني منه وانتزعه من رأسي وهذا ...."
توقفت حينما أبصرت أرسلان يتحرك بعيدًا عن باب المرحاض يشير للداخل:
"أنا أثق بزوجتي سلمى، لذا أرجوكِ أنتِ لستِ مضطرة لتبرير شيء أمامي، فوالله أنني متأكدًا أن نصف الرجال هناك يعانون إصابات بليغة بسبب الاقتراب منكِ."
سقطت دموع سلمى وهي تبتسم بصعوبة من بين دموعها تحاول الحديث دون أن تفضح شهقاتها المكبوتة ما تعانيه، تضحك بصوت متقطع لا يشي بالسعادة أبدًا:
"نعم... فيما يخص هذا الأمر... لا تقلق أرسلان لقد ... لقد توليت أمرهم تمامًا و..."
فجأة توقفت عن الحديث وهي تتذكر ما رأته وعانته هناك على أيديهم، ورغم كل ما فعلته بهم، ورغم كل الجروح وكل الرجال الذين أسقطتهم هناك، إلا أن ما تلقته بعدها جعلها تنفجر باكية وجعًا وقهرًا وهي تخفي وجهها بين يديها.
"ما تزال ... ما تزال نبضات الألم في جسدي من بعد ضرباته أرسلان، لقد صفعني وضربني رجاله حينما حاولت الهروب مرات عديدة و..."
تقطعت شهقاتها وقد أصبح التنفس صعبًا بسبب عنف بكائها، كادت تنهار أرضًا لولا يد أرسلان الذي سبقها والتقط جسدها بين ذراعيه وهو يضمها له بقوة يربت عليها بحنان شديد وجسده بأكمله ينتفض بقوة. كان على استعداد لأن يُقطع أشلاء ولا أن تمس امرأة تخصه بأذى، ويبدو أن الأذى الذي أصاب زوجته أعمق مما تخيل.
الآن يدرك أرسلان أن أصلان نجح في إصابته بضربة قاتلة، إذاقه وجعًا فشلت به أعتى الحروب. اشتعلت عيونه وهو يكبت صرخاته، يبتسم ويقبل رأسها وهو يهمس بنبرة خرجت غريبة لكبته صرخاته داخل صدره:
"لكِ قصاصًا لا أخلفه ولو بموتي جلالة الملكة، لكِ قصاصًا مضاعفًا لأجل وجعك واحد، ولأجل بكائك آخر، لكِ قصاصًا لا يتخلله رحمة أو رأفة حبيبتي."
بكت سلمى بين أحضانه وهي تردد بصوت متقطع:
"لقد صفعني عدة مرات و.... لم أردها له ... لم أفعل لأنني كنت أخشى أن يؤذي النساء هناك، الكثير منهن هناك أرسلان، الكثير من نساء مشكى وباقي الممالك يتم معاملتهن بشكل حقير للغاية."
ربت عليها يهدئها وهو يحتاج لمن يربت عليه ويهدأ نيرانه، ولن تهدأ.
"سأسمع كل ما تريدين قوله، لكن قبلًا دعينا نغسل كل ذلك العناء عن جسدك ومعالجة جروحك سليمى، ومن ثم سأكون مهتمًا لأعلم تفاصيل ما حدث معكِ دون إغفال تفصيلة صغيرة حلوتي...."
***
"زيان..."
توقفت يد زيان عما يفعل وهو يرفع عيونه صوب بوابة عيادته التي تتوسط مشفى القصر يبصر زوجته تقف هناك على بابه تنتظر منه قبولًا بدخولها. أما عنه، فظل يحدق بها دون رد وكلما نظر بوجهها تذكر صرخاتها التي أطلقتها في وجهه منذ ساعات قليلة.
"نعم؟?"
ابتلعت ريقها وهي تشعر بأنها تبتلع أشواكًا.
"هل... يمكنني العودة لمنزلنا؟!"
رفع عيونه لها بعدم فهم، قبل أن يبتسم بسخرية لاذعة:
"أي منزل نازين؟؟ منزلنا أصبح رماد وحياتنا أضحت سرابًا."
منعت دموعها من النزول وهي تحاول التحدث:
"أنا قصدت أنني... سأذهب للجلوس هناك و..."
صرخ زيان بجنون وهو يرى إصرارها على الرحيل:
"ما قصتك مع الرحيل نازين؟؟ لِمَ تصرين على اجتذاب شياطيني من وكرها؟؟ رجاءً توقفي عن ذكر الرحيل كلما واتتك الفرصة، فهذا لن يحدث البتة، هل تدركين ما أقول؟!"
نظرت له بصدمة وعدم فهم، أوليس ابتعاده عنها مجرد تلميح منه أنه لم يعد يطيق البقاء معها؟! ولم تكد تصرح عن مخاوفها حتى سمعت صوت رجل خلفها يقترب منهم بلهفة وهو ينطق باسم زوجها:
"زيان عاد الملك ومعه الملكة و...."
فجأة توقف حينما انتبه لوجود نازين ليعتذر وهو يعود للخلف مخفضًا بصره:
"أعتذر لم أنتبه لوجودك هنا سيدتي."
نظر زيان صوب المعتصم وهو يتنهد بصوت منخفض يمسح وجهه وقد شعر بأن عقله يكاد ينفجر من التفكير، لكن كلمات المعتصم الأخيرة جعلته يندفع صوبه بلهفة شديدة وقد اشتعل الشر بعيونه وهو يتساءل:
"أحقًا ما تقول يا المعتصم؟! الملك عاد مع الملكة؟! هل وجدوا مكان ذلك الوغد أنمار؟"
"نعم عادت ولله الحمد، لكن الأمور لا تبشر بالخير، لا أدرك كيف وجدها لكنني علمت أنه لم يعثر على ذلك الجحر، الجنود يقولون إنهم طافوا غابات سبز ولم يعثروا على ذلك الجحر بعد، لكن لن يدوم الأمر فملامح الملك تشي أنه سيقلبها رأسًا على عقب حتى يعثر عليهم فما حدث لزوجته ليس بالهين و....."
"الجحر؟?"
استدار الإثنان صوب الصوت والذي لم يكن سوى لنازين التي ابتسمت بسمة مخيفة وهي تنظر لزيان الذي لم يفهم ما تفكر به وتعجب بسمتها هذه، أما عن المعتصم فلم يفهم ما الذي يحدث في المكان، لولا صوت المرأة الذي صدر مجددًا وهي تهتف بنبرة باردة وقد عادت نفسها نازين التي كانت في الجحر:
"أنا أدلكم عليه على أن يكون لي حق القصاص من أنمار قبل الجميع، استطيع أن أصف لكم طريق الذهاب للجحر."
اتسعت أعين المعتصم وهو ينظر لتلك المرأة يحاول معرفة هويتها وكيفية علمها بمكان الجحر، بينما زيان اتسعت عيونه بصدمة وقد غفل عن تلك الحقيقة، زوجته كانت هناك لأشهر أي أنها تدرك وأكثر من الجميع مكان الجحر وتعلم عنهم كل شيء، وتلك كانت حقيقة لا تسعده البتة.
وقبل أن يتحدث زيان بكلمة يمنعها بها أن تتحدث عن شيء تعلمه كي لا يثير الأسئلة حولها من الجميع، يفكر أن يأخذ هو منها كل للمعلومات ويوصلها للملك دون أن يزج بزوجته في الأمر. لكن وقبل فعل كل ذلك سمع صوتًا يصدح في المكان من خلف الجميع ونبرة مرعبة تصدر من فم أرسلان والذي جاء ليأخذ أعشاب يعالج بها زوجته:
"سأكون ممتنًا إذا وصفتي لي ذلك بنفسك سيدتي ولكِ مني عهدًا بما طلبتي ....."
***
"فاطمة هل نمتي؟!"
أغلقت فاطمة عيونها بقوة ترفض أن تستدر له أو حتى تفتح عيونها وتنظر لوجهه، بينما هو مال على الفراش حيث تنام يهمس لها بصوت موجوع:
"لم اقصد أن احزنك فاطمة، والله ما قصدت ذلك .."
ولم تجب عليه فاطمة تعطيه ظهرها وهي تكتم صوت شهقاتها التي كادت تخرج، بينما هو مال عليها يربت على خصلاتها بحنان شديد يهمس لها بصوت منخفض:
"أنا لست قاسيًا ولستُ سيئًا فاطمة فلا تدعي شيطانك يرسم لكِ صورًا سيئة عني، أنا المعتصم ... الرجل الصالح ذو المروءة أتتذكرين؟?"
هبطت دموع فاطمة أكثر من كلماته وقد بدأ جسدها يتحرك حركات خفيفة بسبب بكائها، أما عن المعتصم يراقبها وهو يدرك من البداية أنها مستيقظة وتأبى النظر له وكم آلمه هذا. همس بصوت به غصة بكاء ووجع لأجلها ولأجل ما وصل له معها وهو لا يعلم القادم في هذه العلاقة وما يجب فعله ليتخطى ذلك المنحدر الذي يتحرك صوبه بسرعة كبيرة:
"لم اتغير ولن أفعل، فلا تنظري لي بنظرة تقتلني حيًا، لا تنظري لي نظرة خوف أو قلق فاطمة."
ختم حديثه وهو يميل مقبلًا كتفها يهمس بجوار أذنها:
"أنا لا أكره والدتك صغيرتي، بل أنا ممتن لها كامل الامتنان أن احضرتك لي خصيصًا كي تؤنسي وحدتي، فلا تتركيني كما فعل الجميع أرجوكِ، لا تزيديها عليّ فاطمة وقد وصلت للحافة."
ازداد صوت بكاء فاطمة ليتحرك وهو يجبرها على الاستدارة، ثم مال يجذبها لاحضانه بحب شديد، بينما هي استكانت دون كلمة واحدة. وهو فقط يضمها مربتًا عليها بهدوء لتبدأ في البكاء بين أحضانه وكأنها لا تصدق أنها حازت مسكنًا واخيرًا. وهو فقط يحاول التفكير في حل لكل ذلك، كان يعتمد على الملكة لتساعده في إخراج فاطمة من بئرها، لكن أعان الله الملكة على ما مرت به مؤخرًا. ضمها بخوف وهو يشعر أنه وحيدًا في مواجهة مرضها النفسي، نزلت دموعه بخوف وهو يتحرك بها بهدوء وكأنه يهدهد جسدها يردد عليها بعض الآيات القرآنية كي تنام بهدوء.
"لن أتركك ولن اتخلى عنك فاطمة ولو فعل العالم بأكمله، سأظل أنا، فما لي سواكِ فاطمة، فلا .... لا تتخلي عني أرجوكِ، حتى وإن اضطررت لمحاربة الجميع وحدي سأفعل على أن تكوني بخير."
نطق كلمته الأخيرة بصعوبة بسبب غصته التي استحكمت حلقه وهو يقبل رأسها وقد بدأت دموعه تهبط يفكر في طريقة ليساعدها، أما عن فاطمة فقد أغلقت عيونها تنام وأخيرًا بعد أيام طويلة من السهاد والخوف والقلق، واخيرًا تنال راحتها بين أحضانه.....
***
كانت تقف جوار الباب المغلق الخاص بغرفته وهي تراقب ظهره لا تدري ما يجب قوله، فقط تنظر له تحاول التحدث بأي كلمة قد تجعله يدرك وجودها في المكان.
"زيان."
توقف زيان عما كان يفعل يستدير لها بهدوء، أما عنها فقد تقدمت منه خطوات صغيرة وكادت تقترب أكثر، لكن شيء حال بينها وبينه، تنظر له بوجع وقد أشفت عليه أن تمسه امرأة مثلها، شعور الاستحقار لذاتها أصبح ملازمًا لها بشكل مرعب.
أما عن زيان، فقد نظر للمسافة بينهما بعدم فهم وهي فقط ابتلعت ريقها تحاول الحديث بصوت منخفض:
"لقد .... هل .... هل أنت مصر على الاحتفاظ بي، صدقني أنا لن أحزن إن...."
قاطعها زيان الذي ألقى قطعة الثياب التي كان يحملها بين أنامله أرضًا يندفع لها مبددًا كل المسافة بينهما يتحدث بصوت مرتفع:
"الاحتفاظ بماذا يا امرأة؟؟ هل تتحدث عن قطعة أثاث هنا؟؟ أنتِ زوجتي نازين ألا تستوعبين مقدار هذه الكلمة؟?"
"لكنني لم أعد كما كنت و...."
صرخ في وجهها بجنون وقد فاض كيله من تلك الكلمات التي تستمر بتردديها طوال الوقت:
"أخبرتك أنني لا اهتم نازين ..."
صرخت بالمثل في وجهه وهي تبكي بوجع:
"لكنني أفعل زيان، أنا اهتم بما حدث أنا مازلت أتألم، جرحي لم يبرأ بعد لأتصالح مع حياتي، إن كان ما حدث لا يعنيك فهو يعنيني وأكثر مما تتخيل .."
صمتت تهمس من بين أنفاسها الباكية:
"يعنيني زيان، يعنيني كل تلك الأيام التي كنت اتنقل بها بين ...."
صرخ زيان وهو يضرب الطاولة بقدمه وقد شعر بالغضب يسيطر عليه كما لم يحدث في حياته:
"توقفي فقط توقفي عن ذكر ما حدث كل ثانية، توقفي عن جلدي بكلماتك، توقفي عن قتلي كل ثانية نازين توقفي ... فقط توقفي عن معاقبتي بهذه الكلمات."
اقترب منها يمسكها من كتفها بقوة وهو يهتف من أسفل أسنانه:
"هل يسعدك رؤيتي بهذه الحالة؟؟ هل يرضيكِ معرفة أنني أتمنى لو قُتلت بتلك الحادثة في المشفى قبل معرفة ما حدث؟! هل يسعدك إدراك حقيقة أنني الآن أعض أناملي ندمًا لذهابي ذلك اليوم للمقابر ورؤيتك هناك؟! هل يسعدك هذا نازين؟؟ ها يسعدك معرفة مقدار الجحيم الذي يشتغل داخلي، يسعدك؟"
نظرت له بصدمة من كلماته وقد بدأت دموعها تتساقط بقوة لينظر لها هو بشر قبل أن يصرخ بصوت مرتفع أكثر وهو يتركها دون اهتمام:
"يسعدك معرفة أنني الآن فقط أتمنى لو أنني لم أحيا لحظة واحدة بعد ذلك اليوم الذي تلقيت به خبر موتكم، هل تعتقدين أن الأمر بهذه البساطة؟! تظنين أن الأمر لا يقتلني فتستمرين بذكره على مسامعي مرات ومرات وكأنكِ تنتظري انهياري بفارغ الصبر."
تركها ينظر لها بضيق واختناق يتنفس بسرعة كبيرة وقد بدا أنه يعاني في التنفس بشكل طبيعي، وهي فقط تقف مكانها تراقبه بصدمة ولم تكن قادرة على تحريك قضة حتى. أما عنه، استدار يعطيها ظهره وهو يهرول صوب المرحاض تاركًا إياها تقف مصدومة دون أن تقدر على تحريك قضة حتى. كاد يدخل المرحاض، لكنه توقف فجأة يستدير لها مجددًا ينظر لوجهها الشاحب وقد بدا أنها تصارع روحها:
"و..... نازين."
رفعت عيونها له بصدمة ليتحدث بجدية يراقب عيونها يدرك جيدًا ما يدور داخلها في هذه اللحظة وكيف لا يفعل وهو يدركها كخطوط يده:
"ما قيل منذ ثواني لم يكن اتهامًا لكِ أو لومًا بقدر ما كان ضيقًا من حالتي، فلا تسمحي لشيطانك أن يتفرد بعقلك الغبي هذا ويخبرك أنني ألومك على ما حصل، إن كنت ألوم أحدهم في هذه اللحظة فهو نفسي."
ختم كلماته يتحرك للمرحاض يغلقه بقوة تاركًا إياها خلفه تتهاوى أرضًا ببطء وهي تنظر صوب المرحاض بأعين ضبابية تماثل ضبابية مستقبلها.
"ماذا يعني بهذا الحديث؟!"
رفعت عيونها صوب الباب الخاص بالمرحاض وظلته تتأمله لدقائق طويلة شاردة لا تشعر بشيء حتى شعرت أن عقلها على وشك الانفجار من التفكير، فقررت ونفذت مباشرة تنهض متحركة صوب المرحاض. تنفست بصوت مرتفع ثم رفعت يدها تشعر بالتوتر يملئ صدرها، لكن القلق لم يكن كبيرًا بقدر حاجتها لإيجاد إجابة عن تساؤلاتها ومعرفة القادم في حياتها وكيف ستسير أمورها في هذا المكان معه. ولشدة الإصرار الذي ملئ صدرها في هذه اللحظة رفعت يدها بقوة شديدة، ومن ثم وبكل عنف ضربت الباب ضربات متتالية وكأنها تلغي بتلك القوة أي فرصة تراجع قد تصدر من جبنها، فجأة وحينما حطت كفها على الباب حتى انطلقت صرخات مرتفعة.
اتسعت عيونها بصدمة وهي تراقب زيان يتراجع للخلف يضع يده على عيونه متأوهًا بصوت مرتفعًا، وقد فتح الباب في اللحظة التي قررت هي وضع كل قوتها في الطرقات على الباب. أطلق صرخة وهو يتراجع للخلف تحت عيونها المصدومة ولم تكد تتحدث لتعتذر حتى أبصرته يتراجع بتلقائية للخلف يفرك عيونه بوجع.
"اه عيوني لقد فقأتيها نازين."
فتحت نازين فمها لتعتذر، لكن كل شيء حدث سريعًا فقبل التحدث بكلمة واحدة أبصرت جسد زيان ينزلق على الأرضية الصلبة ساقًا بعنف كبير لتنصدم رأسه في الرخام أسفله لتنطلق منه صرخة رنّ صداها في القصر بأكمله......
***
تجلس على فراشه وهي تشعر أنها تحلم، لا تصدق أن كل ما تمنته حدث، هي في منزلها مع زوجها وهو بخير دون أن يتأذى بسم أو سهم. تنهدت واخيرًا براحة وقد سقطت دموعها مبتسمة دون شعور، لم تفهم بعد ما حدث وسبب ترك ذلك الحقير لها، لكنها في جميع الأحوال شاكرة كرم الله لها، ولم تدرك أن عودتها كانت جزءًا كبيرًا من خطة تحطيم أرسلان لشظايا صغيرة.
سمعت صوت طرقات على باب الغرفة تبعه صوت أرسلان وهو يتحدث بصوت خافت:
"سليمىٰ انتهيتِ؟?"
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تجيبه بصوت هادئ:
"نعم انتهيت."
ثوانٍ وابصرت الباب يُفتح وأرسلان يتحرك داخل الغرفة الخاصة به والتي كانت جزء صغير من جناح أكبر، يحمل بين يديه صينية طعام متوسطة الحجم مبتسم الثغر هادئ الملامح بشكل غريب عنه وكأنه فقد جزءًا من روحه التي تعرفها. اقترب منها يضع الطعام أمامها، ثم تحرك صوب النافذة يغلقها بسرعة ومن ثم سحب منشفة من خزانته يتحرك صوبها يضعها على شعرها وهو يجففه بهدوء:
"تشعرين أنكِ أفضل الآن؟!"
رفعت عيونها له تطيل النظر في عيونه مبتسمة:
"السؤال هو، هل تشعر أنت أنك افضل؟!"
نظر لها بعدم فهم لتسحب هي المنشفة من يده تهتف بجدية وهي تنظر لعمق عيونه وكأنها تحلل مشاعره ودواخله:
"هذه مجرد خدوش وجروح جسدية سهلة الشفاء أرسلان، الأهم هو تلك الجروح النفسية."
رفع حاجبه يشاكسها كعادته حينما يشعر أنها اقتربت أكثر من اللازم من جروحه التي يغطيها بتصرفاته الغريبة:
"وما رأي طبيبتي في جروحي النفسية سليمى؟!"
ابتسمت له وهي تتحرك عن الفراش تستدير له حيث كان يقف خلفها، تستقر على ركبتها ومن ثم مدت يدها لوجهه تصنع تقطيبة ضيق بين حاجبيه، ومن ثم محت بسمته الكاذبة، تحرك شفتيه لترسم بسمة ساخرة، وهو يتابعها بعدم فهم يرفع حاجبه منتظرًا أن تنتهي، وحينما انتهت ابتسم له:
"الآن تبدو أرسلان الذي اعرفه، ذلك المبتسم الهادئ لا اعرفه، فلا تجبرني على التعامل مع غريب أرسلان."
صمت تطيل النظر به ثم استرسلت في حديثها:
"أما عن جروحك النفسية فـ .... أنت قوي أرسلان أكثر مما تتوقع، لهذا كنت أثق أنك ستجدني."
نظر لها طويلًا، ومن ثم همس لها بصوت حاول جعله متماسكًا تكسره الكلمات التي قرأها، ويكره أن يسألها عنها، يكسره أن تعاني امرأته في حياته كل ما عانته هي، تلك الجروح على وجهها تقتله. مد يده لوجهها يتحسس جروحها بهدوء شديد:
"لكنني لم أجدك سلمى، بل أنتِ من وجدتيني."
"هذا يعتمد على زاوية نظرك للأمر أرسلان، فوجودك في الغابة في هذا المكان وهذا الوقت هو ما جعلني أجد طريق العودة، فتخيل أن اهرب ولا أجد من يدلني عن الطريق؟! سأهيم المتبقي من عمري في غابات لا اعلم عنها شيئًا."
ظل ينظر لها طويلًا وافكار كثيرة تدور في عقله، لكنه فقط ابتعد عنها فجأة يتحرك صوب الشرفة يقف أمامها وكأنه يبعد نفسه عن سحرها يتحدث بصوت منخفض:
"إذن أخبريني ما حدث معكِ سلمى ولا تغفلي عن شيء مهما كان ذلك الشيء صغيرًا رجاءً."
نظرت له سلمى بصدمة كبيرة وهي تتعجب ابتعاده بهذه الطريقة، بينما هو شعر بأنه إن ظل ثانية جوارها فسيخر أرضًا معترفًا بكل شيء يكتمه داخل صدره يرتجي منها راحة لا حق له فيها. أما عن سلمى، فأخذت تحدق في وجهه دون كلمات تراقب هروبه الواضح منها، تراقب غضبه الظاهر على حركات يده ونظرات عيونه. لكنها ورغم ما فعل تأتأت بصوت منخفض وقد قررت أن تخرج من ذلك الكئيب زوجها تتحرك عن الفراش صوب النافذة تقف أمامه:
"لم أعهدك جبانًا مولاي."
تشنجت ملامح أرسلان وهو يفتح فمه ليجيبها لتسبقه هي وهي تردد ببسمة واسعة:
"نعم نعم خسئت أنا واشباهي الاربعين، أعلم اعلم..."
اتسعت ابتسامة أرسلان بقوة قبل أن ينفجر في الضحك بصوت مرتفع عليها وقد كانت تحاول تضخيم صوتها وتقليده، تنطق جملته بنفس نظراته ونفس تعبيرات وجهه الساخرة المستنكرة. أما عنها، فراقبته ببسمة واسعة تشعر أن جزء من روحه عاد وكم عز عليها أن تبصر انكسارًا وحزنًا في عيونه وإن كان لأجلها. خرجت كلماتها دون وعي من فمها بلغتها التي تربت عليها وبلهجة لاتينية بامتياز:
"ضحكتك جميلة جدًا."
رفع حاجبه وهو لا يفهم ما قالت:
"هل كان هذا غزلًا بي؟?"
وبنفس اللغة الخاصة بها أجابت وهي تلملم خصلاتها التي بدأت تتطاير بشكل مزعج في المكان بسبب وقوفها أمام النافذة والتي سبق هو واغلقها جزيئًا:
"نعم هو كذلك أحسنت."
اقترب منها يتحدث بصوت منخفض وهو يحدق في عيونها عن قرب:
"ألا يمكنك امتلاك الشجاعة ولو لمرة واحدة والتغزل بي بصوت مرتفع وبلغة افهمها؟?"
رفعت حاجبها ساخرة وهي تجمع خصلات شعرها في ربطة في الخلف:
"حينما تمتلك أنت هذه الشجاعة وتعترف أنك أكثر الرجال حظًا في هذا العالم لامتلاكك امرأة مثلي."
"أنا بالفعل افعل."
توقفت يد سلمى عما تفعل وهي ترفع عيونها له بتعجب لتتسع ابتسامته وهو يكرر كلماته بتأكيد يميل أمام وجهها هامسًا؟!
"أنا أفعل واعترف واقسم بذلك إن أردتي."
اتسعت عيون سلمى شيئًا فشيئًا وقد فغرت فاهها وهي تراقبه بصدمة:
"هل اعتبر هذا اعترافًا مباشرًا بالاعجاب بي جلالة الملك؟!"
وانتظرت منه كلمة السر الخاصة به والتي ينطقها كلما حصرته في الزاوية، أن يتحدث ويخبرها " شايد " و....
"نعم هو كذلك وأكثر."
ولم يكن من سلمى سوى أن همست بملامح بلهاء مصدومة:
"أوه...."
اتسعت بسمته وهو يميل عليها يتحدث بخبث:
"والآن دورك لتتحدثي عن كم أنا شخص مبهر وسيم قوي و..."
"نرجسي."
"نعم وهذا أيضًا، إذن هل تعرفين أنني رجل لا أُعوض؟?"
تلألأت عيون سلمى وهي تنظر له وكم كانت تتمنى القول أنه أكثر مما ذكر في عيونها، لكنها لن تجود عليه بأكثر مما قال هو.
"نعم أنت كذلك بالفعل جلالة الملك."
تنفس أرسلان بصوت مرتفع يستقيم في وقفته، ثم اقترب منها خطوة واحدة يجذبها لأحضانه بقوة وهو يغمض عيونه وأخيرًا براحة شديدة وقد شعر للحظة أو خُيل له أن قربها سكن كل جروحه، أخذ يزفر براحة.
"كنت على استعداد لأهيم المتبقي من عمري بحثًا عنك سلمى، كنت مستعدًا لأفني سائر أيامي لأجلك سلمى، والله لأقتص لكِ منهم واحدًا تلو الآخر، لكِ مني عهدًا بحياتي وقسمًا بالله أن اجعلهم يتمنون تقبيل الرمال التي تسيرين عليها طلبًا للصفح منكِ."
همسات سلمى وهي تدفن وجهها في صدره كتبت دموعها تهمس بصوت خافت:
"ولن أفعل."
"لن أسمح لكِ حتى إن أردتي، فإن سامحتي بحقك، فلن اسامح بحق زوجتي سلمى."
بكت سلمى بصوت منخفض:
"لقد رأيت ما لم أتخيل أن أرى في حياتي أرسلان النساء هناك."
صمتت وهي تحاول التنفس من بين شهقاتها ليضمها بقوة يتنهد بعصبية كلما تخيل أن هناك المزيد والمزيد من النساء أسفل أيديهم النجسة:
"سأخرجهم، اقسم لكِ سأفعل حلوتي...."
***
ثلاث ساعات مروا وخرج من جناحه بعدما تأكد من نوم زوجته بهدوء ودون أي مشاكل وعالج جروحها وسمع لها بكل صبر حول كل ما حدث معها. يسير في ممرات قصره وهو يشمر أكمام ثيابه وعيونه ترسل رسالات تحذير لكل من تسول له نفسه في هذه اللحظة ويقاطع طريقه. عقله يرسم في ثواني خطته التي سيقتص بها لزوجته، ورغم رغبته العميقة في تنفيذها الآن ليهدأ الضجيج داخل صدره وتنطفأ نيران قلبه المشتعلة، إلا أنه لن يحطم التقاليد وسينتظر ليتناول طبق انتقامه باردًا مثلجًا، سيتناوله ويستمتع بكل قطمة منه.
اقتحم غرفة الاجتماعات والتي دعى لها الجميع وايقظهم من نومهم دون اهتمام بأي اعتبارات وكل ما يدور برأسه أنه واليوم سيضع النقاط الأخيرة في حياة المرتدين ومن يقودهم.
انتفض جسد خالد عن المقعد بعدما كاد يسقط في النوم وهو جالسًا، ينظر حوله بعدم فهم يحاول إدراك كيف وصل لهذا المكان، قبل أن يتذكر فجأة أنه كان نائمًا بسلام في غرفته قبل أن يجد رجل يسحبه مرددًا على مسامعه أن الملك طلب إحضاره لاجتماع عاجل.
أخذ يتمتم كلمات حانقة وهو يفرك عيونه بضيق:
"ألم يكن من الممكن تأجيل هذا الهراء حتى الصباح؟!"
نظر له أرسلان نظرات اصمتته، ومن ثم حرك عيونه بين الجميع ليبصر الملامح جميعها متحفزة، وأولهم سالار الذي كان يجلس على المقعد المقابل له في الطاولة يضم يديه لصدره في انتظار ما يريد قوله.
"اشكركم لتلبية الدعوة جميعًا، لكن الأمر لم يكن يتحمل الانتظار حتى الصباح."
قلب خالد عيونه بسخرية وهو يتمتم بكلمات شبه مسموعة يسخر فيها مما يقال، لكن فجأة انتفض جسده يطلق صرخة مرتفعة حينما ضرب أرسلان الطاولة بعنف جعل الكاسات عليها تهتز وأحدهم يسقط متحطمًا أسفل أقدامه.
بينما هو نظر لأرسلان بعيون مفزوعة هامسًا:
"يا لطيف."
أما أرسلان، فركز عيونه عليه ليبدأ خالد ينظر حوله بتوتر وكأنه يبحث عما ينظر له أرسلان قبل أن يدرك أنه ينظر له، لذا ابتلع ريقه ينظر له:
"ماذا؟! اقسم أنني لن اااا"
اقاطعه صرخة من أرسلان وهو يقول بصوت جهوري جعل جسد خالد يلتفت حوله بهلع.
"تيّــــــــــــــم."
نظر له تيم باحترام شديد:
"مولاي؟!"
"خالد، أخ زوجتي العزيز منذ اليوم في عهدتك، أريد أن اتسلمه منك مقاتلًا بارعًا، فهو سيشاركنا الحرب القادمة، ومن يدري لربما أوكلت له قيادة أحد جبهات الجيش."
ختم حديثه ببسمة جانبية جعلت ملامح خالد تتشنج وهو يشير لنفسه بعدم إدراك لما قيل:
"هذا أنا؟?"
ابتسم له أرسلان بسخرية:
"نعم أنت يا عزيزي أي اعتراض؟?"
ضرب خالد على الطاولة بقوة وهو ينهض عن مقعده لكن فجأة شعر بتنميل ووجع كبير في كفه ليرفعه صوب فمه ينفخ به، قبل أن ينتبه لنظرات الجميع، فاعتدل يعدل من وضعية قميصه الاسود والذي كان يلائم جسده وبامتياز:
"اسمح لي يا سيادة الملك أنا لست جنديًا من جنودك لتتحكم بي، أنا مهندس و....."
قاطعه أرسلان وهو ينظر له متحدثًا بجدية وجمود شديد:
"سمعت ما قلت تيم؟؟ مسموح لك بفعل كل ما تريده ولا اهتم بوسيلة تدريبك له طالما أنني سأبصر نتيجة ترضيني."
هز له تيم رأسه يجيب باحترام:
"لك ما تريد مولاي."
تشنجت ملامح خالد مما يحدث ولم يكد يعترض حتى أبعد عنه أرسلان عيونه، ينظر صوب المعتصم يبتسم بسمة صغيرة مريبة يهمس بصوت غامض:
"إذن يالمعتصم هل تتذكر العنوان الخاص بالجحر؟?"
هز له المعتصم رأسه بنعم وهو ينتظر القادم من حديثه، بينما يبدو أن سالار استشف ما سيقال قادمًا، وقد اتسعت بسمته ينظر صوب أرسلان الذي أخرج رسالة من جيبه يلقي بها على الطاولة أمام المعتصم وهو يردد بصوت مرعب:
"إذن ارتدي ثياب ثقيلة يا بني فالأجواء في سبز باردة هذه الأيام خاصة أطرافها الجنوبية، تحديدًا منطقة الجحر."
***
بداية الحرب ومن يعلم كم من الأسرار ستنكشف....
دمتم سالمين.
رحمة نبيل.
رواية اسد مشكي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رحمه نبيل
"افتحوا الأبواب....ملك سفيد"
صيحات انطلقت منذ الصباح تنبأ بوصول إيفان والذي وصل للمملكة منذ بداية اليوم وقد قضي ليلته كلها في الطريق لمشكى بعدما انتهى من أموره العالقة داخل سفيد.
وخلفه يتبعه دانيار بحصانه الخاص ومعهم موكب الملكة كهرمان وكذلك رفيقتها المقربة والتي أبت جعلها تأتي وحدها "زمرد".
توقفت الأحصنة في منتصف الساحة وهبط إيفان بسرعة كبيرة يتحرك صوب الموكب الخاص بكهرمان يساعدها على النزول بهدوء، ومن ثم نظر لها وهو يهمس بصوت منخفض:
"سوف أذهب لاتفقد الأمور مع أخيكِ المجنون كهرمان ارتاحي ريثما أعود رجاءً."
"لكن إيفان، أي راحة تلك التي تتحدث عنها؟ أنا جئت اطمئن على أخي وزوجته و..."
قاطعها إيفان وقد كانت الأمور في هذه اللحظة غير مستقرة تمامًا:
"كهرمان رجاءً اسمعي ما أقول وحينما انتهي من بعض الأمور العالقة هنا مع أخيكِ سأستدعيكِ لتفعلي ما تريدين، لكن الأمور في هذه اللحظة غير مستقرة، لذا رجاءً اسمعي لما اقول."
نظرت له دون فهم لما يحدث ورغم ذلك هزت رأسها بحسنًا وهي تنظر خلفها صوب زمرد التي هبطت بمساعدة دانيار وقد اندمجت معه في حديث قصير ومن ثم تحركت لها:
"إذن ماذا سنفعل؟"
نظرت كهرمان لإيفان دون فهم ومن ثم نظرت لها تقول:
"سوف نذهب لغرفتي الآن زمرد حتى تستقر الأمور ومن ثم نذهب لزوجة أخي، هيا تعالي معي."
ختمت حديثها تودع زوجها بهزة رأس تسحب معها زمرد بعيدًا عن الجميع، بينما دانيار اقترب من إيفان يراقب الأجواء مرددًا ببسمة صغيرة وهو يضيق عيونه:
"اشتم رائحة غريبة في الأجواء."
ابتسم له إيفان بسمة جانبية ساخرة وهو يتحرك صوب غرفة الإجتماعات كي يلحق بالجميع يشير لأحد الحراس بإشارة يعلمها الاخير تمام العلم، مجيبًا سؤال دانيار:
"نعم، أرسلان يحضر لحفلة شواء، الجميع مدعو عليها، فالوليمة ستكون طازجة..."
***
استيقظت تنظر حولها وهي تحاول معرفة مكانها الحالي وكأنها كانت في غفوة طويلة لم تعي ما حدث بها، لتبصر أول ما تبصر جسد المعتصم الذي كان يقف بالقرب من الفراش يراقبه بأعين ملتمعة.
رفعت عيونها بعدم فهم:
"يا المعتصم أين أنا؟"
"في غرفتي."
نظرت له ثواني قبل أن تنتفض بصدمة كبيرة وهي تنظر حولها بفزع، تتحرك عن الفراش هلعة وهي تنظر له بصدمة تنفض ثيابها تحت عيونه وقد تشنجت ملامحه بعدم فهم، وهي فقط نظرت للفراش قبل أن تعدل من وضعية الغطاء، ومن ثم نظرت له بتوتر وهو فقط يتابع حتى يبصر ما تفعل، وحينما ابصرها وقد انتهت ردد بعدم فهم:
"ماذا؟"
نظرت له بتوتر ومن ثم للفراش، قبل أن ترفع عيونها له مجددًا:
"لقد نمت في فراشك؟"
"و؟"
"فراشك يا المعتصم."
هز رأسه بعدم فهم:
"ومن ثم؟ لقد نظفته بالفعل قبل نومك عليه."
رمشت بخجل وهي تحاول أن تتحدث بكلمات مفهومة صغيرة تجنبها موجة الخجل التي تكاد تغمرها كلما تخيلت أنها قضت ليلتها بين أحضان فراشه الشخصي، لذا ابتلعت ريقها تهمس بصوت منخفض:
"هذا... فراشك الشخصي يا المعتصم لا يجوز أن أنام بفراش رجل غريب هذا...عيب و..."
أوقفها المعتصم وهو يدور حول الفراش يحاول معرفة ما تقوله إذ أن صوتها كان منخفضًا بشكل كبير، يتوقف أمامها:
"ماذا قلتي فاطمة، رجاءً ارفعي صوتك إذ يبدو لي أن سمعي أصبح ضعيفًا هذه الأيام.."
رفعت عيونها له بخجل زاد بعد رؤيتها لقربه منها:
"لا يجــ...يجوز."
"فاطمة عزيزتي..."
رفعت عيونها له ببسمة ليميل هو عليها:
"هل نسيتي مجددًا؟"
"نسيت ماذا؟"
"من أنا يا فاطمة؟"
"أنت المعتصم."
"نعم وهذا المعتصم، العبد الفقير إلى الله ما مكانته في حياتك؟"
نظرت له بخجل وقد بدا أنها نست كلماتها في الأمس والتي كانت ترددها بخوف منه وحزن وضيق، تقول بصوت منخفض مسموع بصعوبة ولولا شدة قربه لها ما كان سمع منها كلمة واحدة، رفعت يدها وهي تشير له ليبتعد قليلًا بخجل:
"يا المعتصم هذا لا يجوز و..."
حرك المعتصم يده وهو يمسك خاصتها يصيح بصدمة:
"والله كلامك هو الذي لا يجوز، ما الذي تهزين به يا امرأة؟ ما الذي لا يجوز بالتحديد؟"
نظرت ليده التي امسك بها بيدها لتتسع عيونها وتحمر وجنتيها ترمش وهي ترفع عيونها له:
"يا المعتصم أنت...هذا...هذا لا...."
وقبل التحدث بكلمة قاطعها هو ببسمة جانبية:
"لا يجوز؟"
هزت رأسها بنعم ليبتسم هو لها:
"حسنًا فاطمة معكِ حق، هذا لا يجوز، أعتذر منكِ لأنني تخطيت حدودي مع آنسة بمثل اخلاقك البريئة، لذا دعيني أعتذر لكِ بشكل لائق رجاءً آنستي."
اومأت له ببراءة شديدة تردد بصوت لطيف وهي تحرك كفها أمامها برفض:
"لا بأس يا المعتصم صدقني، أنا لست غا..."
"لا والله، وجب عليّ الاعتذار بشكل لائق آنستي."
"لا بأس أن..."
وقبل إكمال كلماتها كان هو يميل عليها يقبل وجنتيها بحنان شديد، اتبعهم بتقبيل جبينها بعدما أسر رأسها بين كفيه، من ثم اعتدل ينظر لها ببسمة واسعة يضم كفيه أمامه وهو يردد بصوت هادئ كتلميذ جاد مخطئ:
"أرجوكِ اقبلي اعتذاري وقبلاتي آنستي."
أما عن فاطمة فاتسعت عيونها بصدمة كبيرة وهي تتحسس وجنتيها تراقبه بعدم فهم، بينما هو قال ببراءة:
"أتمنى ألا تحملي في قلبك تجاهي شيئًا سوى الحب آنستي."
ختم حديثه يراقبها تقف أمامه وهي تذوب من قبلاته الصغيرة وكأنها المرة الأولى التي يفعلها، ومن يدري فربما تظنها بالفعل الأولى.
تركها تتجرع صدمتها وهو يتحرك صوب الخزانة الخاصة به يخرج حقيبة صغيرة يضع بها بعض الثياب أمام عيونها والتي كانت لا تدرك ما يحدث حولها إلا حينما سمعت صوته يردد بهدوء:
"إذن فاطمة هل يمكنك أن تعديني أنني سأعود لأجدك هنا في انتظاري داخل القصر؟ صدقيني لولا أن ذهابي الآن ضروري ما تركتك وحدك هنا، لذا أرجوكِ لا تخرجي وحدك أو تخرجي من الأساس، المرة القادمة لن تمر على قلبي بخير."
رفعت عيونها له تتحدث ببراءة وكأنها لم تكد تصيبه بجلطة دماغية منذ يوم تقريبًا بسبب اختفائها المفاجئ، تستنكر حديثه الغريب:
"وأين سأذهب يا المعتصم؟ أنا لا اتحرك من هنا."
تشنجت ملامحه المعتصم:
"أوه نعم صحيح، ربما اتخيل تدركين أن صحتي العقلية مؤخرًا أصبحت سيئة للغاية."
نظرت له بقلق شديد من كلماته:
"ربما تحتاج لاستشارة طبيب، ألا تمتلك صديقًا يعمل طبيبًا؟"
ترك المعتصم الاغراض من يده وهو ينظر لها بصدمة متشنجًا:
"حقًا أصبحت أنا الذي يحتاج لعلاج الآن؟"
"أولست أنت من قال ذلك؟"
"أوه نعم صحيح، يبدو أنني أنسى كثيرًا."
"نعم وهذا شيء آخر تحتاج لعلاجه، صدقني أنا لا أقصد شيئًا أنا فقط قلقة عليك يا المعتصم وعلى حالتك العقلية."
ابتسم لها المعتصم بحب على لطفها ذاك يقترب منها بحب شديد يضمها له دون الاهتمام بأي شيء يقبل رأسها بحنان:
"لا بأس حبيبتي فقط اعتقيني لوجه الله وتوقفي عن ارعابي كل ثانية عليكِ وستكون صحتي النفسية على خير ما يرام."
رفعت عيونها له بعدم فهم، ليبتسم هو ويربت عليها:
"عديني أن تعتني بنفسك فاطمة لحين عودتي."
"هل ستتأخر؟"
"لنأمل أنه لا."
"ستكون بخير؟"
"قلقة عليّ؟"
نظرت له بحب شديد وهي تهمس:
"بل أموت قلقًا عليك فما لي سواك يا المعتصم، أرجوك عد لي لا تحرمني رؤياك."
تنهد المعتصم هائمًا بكلماتها يزيد من ضمها بحب شديد وهو يهمس لها بصوت خافت عاشق:
"فقط ننتهي من هذا فاطمة، ننتهي من هذا كله حبيبتي ومن بعدها صدقيني سأمنحك حياتي إن طلبتها."
رفعت عيونها له تهمس بصوت منخفض وحب يشوبه بعض القلق:
"أريدك أنت يا المعتصم."
"كلي لكِ عزيزتي..."
***
"ومن ثم نادتني بأخي، هل تراني ولدك مولاي لتناديني ابنتك بأخي؟ اخي حقًا؟"
كان يتحدث وهو يطحن بعض الأعشاب أمامه، بغضب شديد يحاول أن يضع كل غضبه داخل ضرباته للأعشاب:
"أرجوك لا تفهمني بشكل بخاطئ، أنا لا اقلل منك مولاي، يشرفني أن تعتبرني ابنك إن قبلت بالفعل، لكنني بالطبع لا أقبل أن تتخذني ابنتك اخًا، بالله عليك أي أخ هذا؟ ابنتك هذه ينقصها عقل مولاي لتفكر."
"هل تشكوني لأبي الآن؟"
انتفض جسد نزار والذي لم يعي بدخولها في غمرة ضيقه وحنقه، يستدير لها بسرعة ولم يكد يتحدث حتى اتسعت عيونه بشدة يراقبها ترتدي فستان واسع من اللون الأسود الذي يشبه الليل في صفائه، تخفي جميع ملامحها بلثام متدلي من حجابها تاركة عيونها فقط لتصيب من تصيب من الرجال بسحرها.
اتسعت عيونه من هيئتها وهو يبتلع ريقه وقد فقد النطق لثواني يستوعب الآن أنه لم يبصرها منذ البارحة حينما وصفته بأخي.
وعند هذه الفكرة أبعد عيونه عنها بسرعة يستفيق لحالته، أما عنها فشعرت بوجهها بالكامل يشتعل وهي تتحرك صوب النوافذ الخاصة بوالدها وقد تفاجئت من وجوده منذ الصباح لدى والدها.
فتحت النافذة تسمح بأشعة الشمس القليلة والتي هربت من بين أسر السحاب بصعوبة بالدخول لتبتسم مرحبة بنسمات الهواء العليلة، ومن ثم استدارت صوب نزار الذي كان يراقبها ببسمة بلهاء لتفرع هي حاجبها له، فانتفض هو حينما أمسكت به متلبسًا يعود لطحن الاعشاب يتظاهر بانشغاله بها، لكن يبدو أن بقايا سحرها ما يزال يسيطر على عقله فأصاب إصبعه بضربة قوية أثناء طحن الاعشاب.
أطلق صرخة فزعة أكثر منها متألمة، فتحركت هي بسرعة صوبه متسعة الأعين تتحدث بعدم فهم:
"نزار؟ ما بك؟"
شعر نزار بأن أعصابه قاب قوسين من الانهيار ليصرخ بقلة حيلة:
"سأكون بخير فقط إن تركتيني وشأني سمو الأميرة؟"
اتسعت عيون توبة وهي تتراجع بعدما اقتربت خطوات بلهفة خائفة، ترفع له حاجبها بضيق:
"ماذا؟ هل تهزي أنت؟ ماذا فعلت أنا لك؟"
رفع عيونه لها بضيق وغضب ولم يتجرأ على الإجابة، فجديًا هي لم تفعل شيء سوى أنها فتنته وأصابته بالجنون حتى أصبح يهيم ليلًا نهارًا يبحث عن طيفها بين الجميع، وقد ازداد الأمر حتى أضحى يخاف أن ينام يومًا ليستيقظ ويراها تجلس أمامه بدلًا من الوليد.
"لا شيء فقط دعني وشأني لأعمل ولا تقفزي لي كل ثانية هنا."
"حقًا؟ تتحدث وكأنني مغرمة بالنظر لوجهك البهي وعيونك الساحرة، أنا هنا لأجل ابي."
نظر لها بملامح جادة جامدة وهو يعود للعمل دون أن يحييها بكلمة واحدة، يتمتم بصوت منخفض:
"لكنني كنت اتمنى أن تأتي هنا لأجل وجهي البهي وعيوني الساحرة."
نظرت له توبة بضيق:
"ماذا قلت أنت؟"
امسك نزار فك الملك بارق بعدما ارتدى قفازه، يمسك حفنة من الاعشاب التي كان يطحنها منذ ثواني يديها أسفل لسانه:
"استغفر الله."
"نعم سيكون هذا جيدًا لك، أكثر من الاستغفار، فأنت تحتاج للأستغفار أكثر من غيرك."
ارتفع صوت نزار بالاستغفار والضيق واضح في صوته:
"استغفرك ربي و اتوب إليك."
ابتسمت عليه وقد سعدت أن أوصلته لحافة الغضب، ولا تدري السبب، لكن الأمر كان ممتعًا لها، تتحرك صوبه وهي تجلس على طرف الفراش الفسيح من الجهة الأخرى:
"إذن كيف حال أبي؟"
"سيكون بخير إن شاء الله."
وكأنها نست أنها كانت لتوها تشاكسة وتسعد لإغضابه، فكررت وهي تردد برجاء:
"حقًا نزار؟"
رفع نزار عيونه لها يطيل بها النظر، ثم ابتسم لها بسمة لطيفة حنونة:
"إن شاء الله سيكون بخير حال قريبًا، مؤشراته كلها تشي بذلك."
نظرت له بامتنان شديد:
"لا يسعني سوى شكرك ليل نهار لمساعدتك لي نزار، صدقني أدين لك بحياتي، فقط اخبرني كيف أرد لك جميلك وسأفعل."
خلع نزار قفازه وهو ينظر للملك بارق طويلًا، قبل أن يزفر بصوت مسموع، يرفع عيونه لها مرددًا بصوت مرهق وكأنه قضى ليالي طويلة يناجي راحة لا يصل لها:
"فقط...... ارحميني توبة..."
***
استيقظت على صوت طرق باب غرفتها لينتفض جسدها بفزع وهي تنظر حولها ثواني بأعين زائغة وكأنها ما تزال سجينة ذلك المنزل الغريب.
تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول أن تتحكم بردات فعلها تلقي الغطاء جانبًا تدور بعيونها في المكان لتدرك أنها باتت ليلتها في فراش أرسلان وبلمحة سريعة لذكرياتها تذكرت أنها باتتها كذلك بين أحضانه.
فجأة ارتسمت بسمة واسعة على فمها وهي تعيد خصلاتها للخلف تتنهد نصف تنهيدة لم تكتمل بسبب شدة الطرق على الباب، نظرت صوب الباب بتعجب وهي تعتقد أن أرسلان هو من بالخارج ويخجل من الدخول لها دون طرق.
يخجل من الدخول دون طرق ويضمها بين أحضانه طوال الليل، عجيب هذا الأرسلان.
تحركت صوب باب الغرفة الخاصة بالجناح وبمجرد أن فتحتها، فتحت فمها كذلك للتحدث، لكن اندفاع جسد خالد للداخل بقوة جعلها تتوقف بفزع عن نطق أيًا مما كانت على وشك نطقه.
اندفع صوبها يضمها لصدره بقوة وهو يردد برعب وحب شديد وبلغته التي اعتادها منذ كان طفلًا:
"يا ويلي سول عزيزتي، ما الذي حدث لكِ، أين ملامحك الجميلة التي كنت اتغزل بها كل يوم، أين هي فاتنة سجون البرازيل، اصبحتِ أقرب لمجرمي سجون البرازيل."
اتسعت عيون سلمى وهي تحاول دفعه للخلف قليلًا، لكنه كان كالصخرة لا يتزحزح خطوة واحدة وهو يضمها بقوة، وفوق كتفها يجلس موزي الذي دخل معه ليقفز فوق رأسها يضمها له.
فكان الوضع كالتالي، خالد يلتصق بجسدها وهو يعانقها حتى كاد يخنقها، وموزي يضم رأسها بحب وبقوة حتى كاد يخلعها عن جسدها.
وهي تحاول أن تخرج حية من بينهما.
صوت موزي وهو يطلق كلمات وصرخات مرتفعة وصوت خالد وهو يتحدث بكلمات متتالية دون توقف، كل ذلك كان كافٍ لتتمنى لو أنها لم تنجو من بين يدي ذلك الوسخ.
تحدثت بصوت منخفض:
"اللعنة لود، تكاد عيوني تخرج من شدة ضغطك أنت وذلك الاجرب، دعني اتنفس بشكل طبيعي."
بكى خالد بخوف حقيقي وهو يضمها بحب وبشكل أشد:
"كنت أموت رعبًا والله، قلت أن هذه المرة لن تنجي منها، خفت ألا أراكِ مجددًا سول."
ربتت سلمة على كتفه وهي تتحدث بصعوبة بسبب ضغطه على صدرها، ورغم أنه هو من كان يكبرها بشهور قليلة، إلا أنها طوال حياتها كانت الأخت الكبيرة والمرشدة له، وخالد كان الفرع الطائش في عائلتها.
"أنا بخير عزيزي لا تقلق، ليست المرة الأولى التي يحدث لي هذا."
مسح خالد دموعه وهو يضمها وموزي ما يزال مصرًا على الاحتفاظ برأسها بين قبضتيه لنفسه:
"نعم لكن هذه المرة مختلفة، هؤلاء ليسوا مرضاكِ لتتعاملي معهم، مسكينة يبدو أنكِ ضُربتي حتى كادت عظامك تتحطم تحت أيديهم ولم تقدري على رفع إصبع في وجوههم حتى."
ابتسمت بسمة ساخرة وهي تجيبه بصوت خافت:
"نعم صحيح، لقد كنت مسكينة للغاية يا أخي...."
فجأة تجلت رحمة الله عليها على هيئة يد جذبت جسد خالد بعنف شديد عنها وألقته بعيدًا دون اهتمام، لتلتقط وأخيرًا أنفاسها وهي ترفع عيونها صوب صاحب اليد والذي لم يكن سوى أرسلان الذي رمى خالد بنظرة باردة، ومن ثم تحرك يمسك موزي من شعيراته الخلفية بأطراف أصابعه ينتزعه عن رأس زوجته ثم ألقاه على الفراش دون اهتمام ينفض ثياب سلمى، ومن ثم رتب خصلات شعرها بهدوء شديد وحنان.
ثم استدار صوب خالد وموزي اللذين علت نظرات الحنق وجهيهما والضيق بدأ يُخط على نظراتهما.
لكن هل يهتم أرسلان؟ لا لا يفعل.
"هيا خذ ذلك الاجرب وخارج غرفتي، أخبرتك أنه يمكنك الإطمئنان عليها لدقائق معدودة وبشكل لطيف وليس أن تتسبب في ضيق تنفس لها."
رفع خالد حاجبه باستنكار لكلمات أرسلان:
"مهلًا، هل تمنعني عن أختي؟"
"لا، لا أفعل والدليل أنني سمحت لك أن تدخل غرفتي مع ذلك الاجرب الذي يتناول فاكهتي هناك دون اهتمام بشيء، وتعانقها وترحب بها، والآن انتهينا، هيا للخارج ويمكنك العودة لاحقًا، وخذ معك ذلك القرد كذلك."
اعترض خالد وقد تشنجت ملامحه يتحرك صوب سلمة بسرعة يضمها بين يديه:
"هذا لن يحدث فلم اطمئن بالكامل عنها بعد، أنت بهذا الشكل تمنعني أختي وأنا لن اسمح، وكذلك موزي لن يسمح."
حرك أرسلان يده بحركات عصبية تشي أنه يكبت غضبه عن خالد، لذا تحدث بصوت مرتفع وهو ينادي الحراس من الخارج:
"أحضروا لي تيّـــم..."
اتسعت عيون خالد برعب وهو يستدير حوله بخوف:
"لا لا أرجوك أنا لم أفعل شيئًا، لقد...كنت فقط أرحب بها اقسم لقد خفت عليها فهي أختي كذلك و....لا تحضر تيم سوف أرحل من هنا، وإن أردت سأخرج موزي معي."
ختم حديثه يبتسم لأرسلان بسمة واسعة متملقة وهو يتحرك صوب فراشه ينتزع عنه موزي الذي كان قد بدأ يلوثه بالفعل بسبب الفاكهة التي يتناولها بشكل مبعثر، يمسكه خالد بين يديه، ثم نظر لسلمى يبتسم لها بسمة واسعة:
"حمدً لله على سلامتك حبيبتي سوف أعود لكِ حينما يرحل ذلك الطاغية."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى عن أنظار سلمى التي كانت تراقب ما يحدث دون فهم، تستدير صوب أرسلان الذي تحرك خلف خالد يغلق باب الجناح بالكامل خلفه ومن ثم دخل غرفة النوم يتحرك صوبها مبتسمًا بسمة لطيفة يرتب خصلاتها بحنان يميل عليها مقبلًا رأسها بلطف:
"صباح الخير حُلوتي، عسى ليلتك كانت هانئة."
أغمضت سلمى عيونها تستمتع بتلك اللحظات بقربه ليبتعد عنها هو بهدوء يراقب مبتسمًا بمشاعر عديدة، ثم رفع كفه يربت على وجنتها والتي كانت الجروح تملئها.
يتحرك صوب العلبة الخاصة بالاعشاب يجذب يد سلمى معه يجلسها أمامه، ثم بدأ يغمس أصابعه في الاعشاب يمررها بهدوء على وجهها مبتسمًا بسمة لطيفًا يتذكر ذكريات قديمة وهو يعالج جروح كهرمان التي كانت تنتج عن تدريباته لها.
ويبدو أنه سيقضي حياته يعالج جروح كل من يقترب منه، وجروحه يتركها علّ الزمان يشفق به ويحنو عليه ويعالجها بنفسه.
يمرر أصابعه على جروحها العديدة والتي كانت تخفي ملامحها بالكامل، حتى وصل لآثار الصفعات التي كانت تزين وجهها فتوقف واسودت عيونه بشكل مرعب وهو يتخيل في عقله ما سيفعله، افكار سوداوية لو أدركت سلمى قطرة واحدة منها، لركضت بعيدًا عنه لآخر الأرض، لكنه والله لن يتراجع عما خطط له ولو أحضروا له العالم بأكمله يعيق طريقه.
"من ذلك تيم الذي تخيف به خالد؟"
رفع عيونه لها وقد بدا أنه أفاق فجأة من أفكاره الغريبة التي كانت تدور داخل عقله:
"هذا أحد قادة الجيش بعد المعتصم، اوكلته البارحة بأن يتولى بنفسه تدريب أخيكِ، ويبدو أن تيّم ورغم إصابته أتقن ما طلبته منه على أكمل وجه."
نظرت له بعدم فهم وهي تبتسم بسمة صغيرة:
"البارحة مساءً تقصد؟ ومتى بدأ التدريب ليصيب خالد بكل هذا الرعب؟"
"فجر اليوم بدأ معه."
اتسعت عيونها بصدمة وهي تمسك يد أرسلان توقفه عما يفعل:
"فجر اليوم؟ خالد استيقظ فجرًا؟ كيف حدث هذا؟"
اتسعت بسمة أرسلان:
"نحن لا نستأذن جنودنا للاستيقاظ، بل نوقظهم رغم كل الاعتراضات، حان الوقت ليخشوشن أخوكِ قليلًا."
ابتسمت هي بسعادة لكنها صمتت تفكر ثواني:
"يبدو هذا جيدًا لكن أرجو ألا تقسو عليه كثيرًا فخالد طيب القلب ولديه قابلية ليصبح رجل جيد رغم كل مساوئه التي كان يفعلها قديمًا، إلا أنني أدرك أنه رغم كل شيء ما يزال يحمل بذرة صالحة في صدره."
جذب كفه بهدوء من بين يديها والذي كانت قد نسته في غمرة حديثها، ثم رفع يده النظيفة يربت على خصلاتها يردد بحنان:
"يُكرم لأجلك سليمى، ثم لا تقلقي لن نقسو عليه كثيرًا، نحن نتعامل معه معاملة المراهقين الذين انضموا حديثًا للجيش، أو ربما اقسى قليلًا..."
ختم حديثه ينهض عن مكانه وهو يتحدث بجدية:
"لقد وصل إيفان مع كهرمان وزوجة دانيار، سوف اطمئن عليكِ واذهب لأرحب بجوهرتي ومن ثم سيأتون للاطمئنان عليكِ، أم تريدين تأجيل الأمر؟"
تجاهلت هي كل ما ينطق به تقول بشرود:
"جوهرتك؟ كهرمان تقصد؟"
ذهب هو لغسل كفه من الاعشاب، ثم خرج يجففه يهز رأسه بنعم وهو يبتسم بحب شديد متحدثًا عن كهرمان:
"نعم، كهرمان جوهرتي الحبيبة."
"وأنا؟"
كانت كلمة خرجت منها تلقائيًا دون شعور، لم تبتغي من خلفها مقارنة بينها وبين كهرمان، تدرك قرب العلاقة بين أرسلان وكهرمان بالفعل، لكنها فقط رغبة عميقة في صدرها لمعرفة أين وصلت مكانتها لدى أرسلان، أين هي في حياته، هل يمنحها مكانة كتلك التي تمنحه هي إياها؟
ويبدو أن أرسلان أدرك ما يدور داخل رأسها، إذ اقترب منها بهدوء مبتسمًا يجلس أمامها على ركبتيه يتحدث بهدوء وهو يمسك كفيها:
"هي كهرمان أختي وصغيرتي والجزء الوحيد الذي كان يدفعني لإكمال حياتي، ربيبة يدي وابنتي التي تركت جزءًا فارغًا في صدري حينما رحلت، وأنتِ..."
رفع كفها يقبله بحنان شديد وقد كانت سلمى ما تزال مصدومة من انحناءه أمامها وجلوسه بهذا الشكل، شيء لم تكن تتخيل أن أرسلان بكل كبرياءه كان قادرًا على فعله.
"أنتِ هي سليمى، زوجتي وضلعي الذي عشت حياتي أبحث عنه ليؤنس قلبي داخل صدري، المرأة التي على استعداد لأحارب العالم لأجل بسمة منها، وسأفعل، أنتِ حلوتي الوحيدة في حياتي البائسة الآن سلمى آنيستي وسكني الجزء الذي مهما رأيت من مآسي خلال يومي ابتسم لأن يومي سينتهي بنظرة منكِ."
مد كفه يربت خصلاتها بحنان شديد وسلمى تراقبه بأعين ملتمعة وبشدة تدرك الآن يقينًا أن ذلك الرجل يخفي فيضانات من الحنان خلف سد قسوته، ويبدو أن قربه لكهرمان في طفولتها علمه كيف يتعامل جيدًا مع من يخصه من النساء كما كان يردد.
"هي شقيقتي وأنتِ زوجتي، من يخصني من نساء هذه الأرض حاليًا، لا امرأة ثالثة اهتم بها عداكما، ولكلٍ مكانتها التي لا ينالها غيرها سُليمى فلا يمكنني وضعك بمكانة كهرمان كشقيقة وابنة لي، ولا يمكنني وضع كهرمان بمكانتك كزوجة وشريكة، ربما تشاركك في جزء أنني اعتبر كلاكما ابنتيّ، ووالله لن تشاركما امرأة هذا القلب عدا ابنتي الحبيبة في المستقبل إن شاء الله."
صمت يتنفس بحب، ثم نهض يساعدها لتغتسل:
"هيا توضئي وتعالي لتصلي حتى أحضر لكِ الفطور سلمى."
تحركت سلمى بخدر صوب المرحاض ولم تكد تتحرك له، حتى توقفت فجأة تنظر له ثواني ومن ثم تحركت له بسرعة تضم خصره وهي تهمس بحب شديد:
"أنت أكثر رجال الأرض حنانًا أرسلان، شكرًا لأنك من بين الجميع اخترتني."
ضمها أرسلان بحب شديد وهو يتنفس رائحتها لا يصدق أنها بين يديه يزيد من ضمها كلما تذكر ما تعرضت له:
"بل شكرًا لأنكِ من بين كل الرجال قبلتي بي سُليمى......"
***
هبط عن حصانه يتحرك بين ممرات القصر بوجه متجهم وهو يبعد طرف معطفه الملكي عن طريقه يمسك حافة السيف الخاص به وكأنه على وشك خوض حرب ما يرفع يده في وجه الجميع أثناء الحركة نحو قاعة الاجتماعات.
وبمجرد أن وصل حتى فتحها بقوة جعلت الجميع في الداخل يُصدم منه، لكنه لم يمنح لهم فرصة التعليق حتى على ما يفعل:
"والله جيد أنكم أصبحتم تخفون عني ما يحدث هنا، هل غرتكم خصلات الشيب هذه؟ أصبح العجوز آزار لا قيمة له ليحدث كل هذا من خلف ظهري ولا اعلم سوى برسالة بعدما ينتهي كل شيء سالار؟"
نهض سالار بسرعة وهو يتحرك ليستقبل خاله:
"العفو يا خالي والله لا يحدث شيء سوى ويصلك الخبر قبل حتى أن يحدث فأنت كبيرنا هنا، لكن ما حدث لم نستوعبه بعد، كل شيء حدث بسرعة كبيرة."
ختم حديثه وهو يتقرب من آزار يمسك كفه مقبلًا إياه ومن ثم قبل رأسه يسترضيه، بينما الأخير لان في ثواني وكيف لا وهذا ابن عائش الحبيبة ونقطة ضعفه في هذه الحياة، رفع كفه يربت على كتفه، ثم نظر صوب إيفان الذي كان يجلس جوار دانيار يرحب به برأسه، لينهض له إيفان وهو يتحرك صوبه يميل عليه مقبلًا رأسه باحترام:
"لا عاش من يغضب الملك آزار، مقامك كبير لدينا مولاي، لكن كما أخبرك سالار حدث كل شيء في ثواني ولم نعي إلا منذ ساعات قليلة حينما عادت زوجة أرسلان."
ابتسم له آزار وهو يربت على كتفه ينظر صوب دانيار والذي كان يراقبهم من بعيد:
"إلى ماذا تنظر أنت اقترب يا فتى لأرحب بك."
ابتسم له دانيار وهو يقترب منه بسرعة كبيرة يعانقه ليضحك آزار بصوت منخفض يربت على كتفه بحنان:
"كيف حالك دانيار؟"
"الحمدلله بخير حال دامك كذلك جلالة الملك."
تنهد آزار وهو يتحرك مع الجميع صوب طاولة الاجتماعات يتحدث بجدية بعدما خلع معطفه واكتفي بزية المتكون من بنطال بني اللون قماشي وسترة بيضاء يرفع اكمامه:
"إذن أخبروني ما حدث بالضبط وما فعل أرسلان، أخشى أن يكون قد قتل أحدهم اثناء بحثه عن زوجته."
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد صعب عليهم وصف ما حدث فحتى هم لم يصدق أحدهم ما حدث حتى الآن..
لكن كان إيفان هو أول من تحدث وهو يضم كفيه على الطاولة متحدثًا بهدوء شديد:
"في الحقيقة ردة فعل أرسلان هي المخيف في الأمر، فهو حتى الآن لم يصرخ ولم يغضب ولم يحطم عظام أحدهم ولم يسحب جيشه ويذهب ليحارب من يقف في طريقه كما كان يفعل في العادة حينما يجن جنونه."
هز سالار رأسه مبتسمًا بعدم تصديق:
"يبدو أن زوجته روضته بشكل لم نتوقعه حتى."
كان آزار يتابع ما يقال بعدم فهم، ومن ثم حينما انتهى الاثنان من أخباره ما حدث قال بعدم استيعاب:
"لا افهم ما قيل، أرسلان لم يغضب لخطف زوجته؟"
هز سالار رأسه، لينفخ آزار وهو يمسح وجهه:
"هذا مرعب هدوء شياطينه مخيف أكثر من جنونها."
تحدث إيفان بغموض وهو يتذكر ما قصه له سالار منذ ثواني حول خطة أرسلان في الانتقام منهم:
"سيخيفك أكثر ما يخطط له أرسلان، لقد خرج أرسلان وعقله عن سيطرة المنطق وازال أي عوائق أو تعقل قد يمنعه عن تحقيق انتقامه منهم كما يريد ويتخيل."
نظر له آزار بتفكير وقبل أن يضيف أحدهم كلمة فُتح الباب ليطل عليهم صاحب الرداء الاسود يلحقه المعتصم وهو يحمل حقيبة ظهر ويسير معه.
تحرك أرسلان للداخل وهو يبتسم بسمة غريبة غامضة يفتح ذراعيه لآزار:
"العجوز آزار هنا في قصري، يالسعادتي."
نهض آزار وهو يتحرك صوب أرسلان يعانقه مرحبًا به، ومن ثم ربت على ظهره متحدثًا باحترام شديد:
"أنرت القصر بأكمله جلالة الملك."
بادله آزار العناق بمواساة وهو يدري ما يقبع داخل صدره في هذه اللحظة فأرسلان لطالما ذكره بنفسه في كل شيء.
"بأهله أرسلان، عساك بخير وكذلك زوجتك بني."
"بخير لا تقلق."
ختم حديثه يتحرك صوب إيفان الذي ابتسم له بحنان وهو يفتح له أحضانه يستقبله بها يضمه بحب اخوي شديد:
"حمدًا لله على سلامتك يا عزيزي، سعيد لرؤيتك مشرق الوجه هكذا، الله وحده يعلم كم كنت أخشى أن ينالك سوء أثناء رحلة بحثك عن زوجتك."
ضحك أرسلان بخفة ضحكة صغيرة:
"لا تقلق فالعم سالار لم يكن يدعني أفعل شيئًا سيئًا، كنت أحسن التصرف، صحيح عم سالار؟"
ختم حديثه بسخرية لاذعة مشيرًا لتصرفات سالار الحادة معه وهو يراقبه حتى لا يؤذي نفسه، بينما سالار هز رأسه وهو يقترب منه يمد يده يداعب خصلاته بمزاح وكأنه يلاعب صغير:
"نعم إيفان كان أرسلان فتى جيد، أعتقد أنه يستحق حلوة كمكافأة له."
رفع أرسلان عيونه ببطء صوب خصلات شعره السوداء حيث تقبع يده سالار، ومن ثم نظر لسالار بشر ليطلق الأخير ضحكات مرتفعة وهو يبصر أرسلان يبعد يده بقوة ضاربًا إياها، ومن ثم مد يده صوب خصلاته الحمراء يبعثرها بضيق:
"لا تمزح معي مثل هذا المزاح السخيف، لم تكن سنوات قليلة تلك التي تجعلك تنصب نفسك كبيرًا عليّ يا هذا."
"أكبر منك بيوم يعلم عنك بدهر أرسلان يا صغيري."
رفع أرسلان حاجبه ولم يكد يتحرك صوب سالار ليهجم عليه، حتى توقف إيفان بينهما بسرعة يمنع قتال وشيك رغم بسمته الواسعة التي كانت مرتسمة على فمه وهو يبصر روح أرسلان وقد رُدت إليه بعدما كان فاقدًا للحياة تقريبًا.
ليتأكد في هذه الحياة، أن روح أرسلان أضحت وبلا شك مرتبطة بها، فإن كانت هي كان هو، وإن غابت هي ضاع هو.
"وقت مستقطع رجاءً ودعونا نتحدث فيما جئنا لأجله."
نظر أرسلان نظرة شر أخيرة صوب سالار الذي ابتسم له بهدوء وجمود بعض الشيء، ثم تحرك ليجلس جوار الملك آزار وكذلك جلس الجميع كلٌ في مقعده.
لتحدث إيفان وهو يشير لدانيار:
"طلبت أن أحضر دانيار معي."
رفعت أرسلان عيونه لدانيار ليدرك أنه لم يبصره من جاء، لذا نهض يرحب به مبتسمًا:
"اعذرني دانيار، لم ابصرك منذ جئت."
عانقه وبادله دانيار العناق مبتسمًا:
"حمدالله على سلامة جلالة الملك مولاي."
"اشكرك دانيار للطفك، وشكرًا لتلبيتك الدعوة."
جلس مجددًا يشير لدانيار أن يجلس ثم تحدث بجدية:
"تعلم دانيار أن لا أحد في الأربعة ممالك يضاهي مهارتك في رمي السهام صحيح؟"
نظر له دانيار بعدم فهم ورغم ذلك ابتسم له بهدوء:
"لي الشرف بكلماتك مولاي."
أشار أرسلان صوب المعتصم والذى كان يجلس بهدوء شديد جانبه:
"احتاجك في رحلة سريعة لسبز رفقة المعتصم، ستؤمن ظهره أثناء إيصال رسالة لأصلان."
نظر له دانيار ثواني بعدم فهم ورغم ذلك هز رأسه بهدوء:
"بالطبع مولاي، لي الشرف لأفعل، طالما يمكنني المساعدة فلن اتأخر."
ابتسم له أرسلان بامتنان ثم نظر صوب المعتصم وهو يتحدث بجدية:
"وأنت يا المعتصم ستكون رسولي لأصلان توصله رسالتي وترحل بهدوء وبسلام دون فعل شيء له."
لم يفهم المعتصم كثيرًا ورغم ذلك هز رأسه:
"طالما أننا نعلم مكانه لماذا لا نهجم عليه؟"
"ليس بهذه السهولة، دعنا نلاعبه قليلًا، فانتظار الموت يا المعتصم اسوء وأشد وطئًا من الموت نفسه."
تحدث إيفان وهو يحاول معرفة ما يدور داخل رأس أرسلان:
"أي رسالة هذه؟"
اخرج أرسلان رسالة يحملها في جيب سترته يلقيها صوب المعتصم وهو يخبره أن يسلمها إلى اصلان.
بينما آزار تحدث بفضول شديد:
"ما الذي كتبته في هذه الرسالة؟"
عاد أرسلان بظهره على المقعد خلفه وهو يرفع كوب الماء يرتشف منه بهدوء شديد وبرود، قبل أن ترتسم بسمة على جانب شفتيه يهتف بنبرة سوداء وعيون غامضة:
"لا استطيع اخبارك كي لا اخدش حياء الجالسين......."
***
نظرت لنفسها في المرأة تتحسس الحجاب الذي وضعه أعلى رأسها مبتسمة، ليس لأجل الحجاب بل لأجل من ساعدها في ارتدائه.
فجأة سمعت صوت الحارس من خارج الجناح يستأذن لدخول الملكة كهرمان ورفيقتها.
خرجت سلمى من غرفة النوم الخاصة بها بسرعة كبيرة تتحرك صوب الجناح من الخارج حيث البهو تستقبل كهرمان بالاحضان، وقد هرولت لها كهرمان تستقبلها بين احضانها:
"سلمى عزيزتي، حمدًا لله على سلامتك، هل أنتِ بخير؟"
تحدثت زمرد والتي كانت تقف خلفها تراقب ملامح سلمى جيدًا مشيرة لها بسخرية:
"بخير ماذا يا ابنتي، انظري للفتاة، لا يوجد في وجهها موضع صفعة إضافية."
اقتربت من سلمى التي عقدت حاجبيها من تلك الغريبة، والتي لم تهتم بشيء وهي تمسك وجه سلمى بين يديها تديره يمينًا ويسارًا وهي تتأتأ بشفقة:
"يا الله هذا سييء حقًا، تحتاج هذه الجروح لثلاث أسابيع على أقل تقدير لتُشفى."
ضربت سلمى كف زمرد مبعدة إياه عن وجهها وهي تحاول فهم من تلك الفتاة التي تتحدث بهذه الطريقة، تنظر لكهرمان تنتظر منها تفسيرًا عما يحدث لتبتسم لها الأخيرة وهي تشير صوب زمرد التي رمت سلمى بنظرات مخيفة:
"اعذريها سلمى فزمرد لطالما كانت هكذا، على كلٍ هذه زمرد صديقتي وزوجة قائد الرماة في جيش سفيد."
حركت سلمى عيونها صوب زمرد التي كانت تضم يديها لصدرها بينما تولت كهرمان باقية التعريف:
"وهذه هي سلمى زوجة أخي وملكة مشكى."
نظرت لها زمرد من أعلى لاسفل لترفع لها سلمى حاجبيها بسخرية وهي تضم ذراعيها لصدرها متحدثة بهدوء:
"عساه خيرًا، ما سبب نظراتك تلك؟"
نظرت زمرد صوب كهرمان وهي تتحدث بجدية مستفزة سلمى:
"أخوكِ هذا المرعب لم يجد سوى هذه الفتاة ليتزوج بها؟! نعم لم يكن هناك من سيتحمله، لكن ما كان عليه أن يلقي بنفسه بين أحضان هذه الـفتاة، هي لا تروق لي."
قلبت كهرمان عيونها بضيق من أفعال زمرد والتي تبدأ جميع صديقاتها بعداوة:
"زمرد نصف اصدقائنا لم يروقوا لكِ في البداية، المسكينة برلنت اصبتيها بالمرض حتى قبلتي الاعتراف بها صديقة، وتبارك كدتي تصيبيها بمرض نفسي وتؤدي بها للتوحد حتى تقبلتيها."
هزت لها زمرد رأسها:
"نعم لكن هذه مختلفة، هذه لا تروقني."
أشارت عليها سلمى وهي ترفع حاجبها باستهانة تردد بلاتينية متقنة ساخرة:
"أخبريني مجددًا من هذه الحمقاء وما سبب وجودها هنا على أية حال؟"
تشنجت ملامح زمرد وهي تنظر صوب كهرمان بشر تهمس لها بضيق:
"ما الذي قالته تلك المرأة للتو؟"
هزت كهرمان كتفها بعدم فهم:
"وما ادراني أنا؟"
نظرت زمرد صوب سلمى ثواني، ومن ثم اقتربت منها تراقبها من أعلى وأسفل، تميل عليها تهمس بشر وغضب وقد بدأ اللون الأسود يلوح أمامها بوضوح:
"هل تريدين قتالًا يا امرأة؟"
تحركت كهرمان تجذب زمرد للخلف بسرعة فبمجرد أن يسير عقلها في طريق القتال لا تبصر أمامها حتى تحقق غايتها، وسلمى لا تبدو أكثر براءة منها وقد علمت الكثير عنها من أخيها، الفتاة تنظر لزمرد بتعابير أشبه بالمجرمين.
"ما بكما يا ويلي، وأنا من ظننت أنكما ستكونان مقربتان ونسيت أن الاشباه تتنافر."
تشنجت ملامح سلمى وهي تنظر لزمرد التي تبذلها كهرمان لبعيد بصعوبة، بينما الأخيرة تحاول الإفلات منها والهجوم على سلمى التي كانت تضم ذراعيها لصدرها ببرود شديد تراقبها بكل استفزاز تمتلكه وكأنها تعامل أحد مرضها:
"بالله عليك لا تشبهيني بهذه المريضة هنا، هي تشبه أكثر المجرمين الذين اعالجهم."
تحدثت زمرد وهي تصرخ بجنون تحاول الإفلات من بين قبضتي كهرمان:
"والله لن تجدي طبيبًا يعالج ما سأتركه على وجهكِ فقط إن تركتني كهرمان."
جذبتها كهرمان وهي تهمس في أذنها:
"زمرد بالله عليكِ توقفي أخي لن يرحمنا إن مس الفتاة خدشًا واحدًا والله سيُسقط القصر أعلى رؤوس من به."
أشارت زمرد صوب سلمى صارخة باستنكار:
"أي خدش يا ابنتي الفتاة لم يعد في وجهها مكانٍ لخدشٍ واحد، لذا لا تقلقي لن ينتبه لخدوشي بين كل هذه الخدوش."
ختمت حديثها تحت أنظار سلمى التي كانت تتابع ذلك كله بهدوء:
"دعيها كهرمان فامثال هذه الفتاة مسدسات صوت لا أكثر."
نظرت كلٌ من كهرمان وزمرد لبعضهما البعض بعدم فهم، قبل أن تهمس لها زمرد:
"أشعر بأنها اهانتني للتو، ليتنا احضرنا تلك الغبية تبارك على الأقل كانت ترجمت لنا لغة المفسدة هذه."
"سمعتك."
"اسمعيني وهل تظنيني خائفة؟"
نفخت سلمى بضيق وهي تخلع حجابها وقد بدأت تشعر بالضيق تفرد خصلاتها تتحرك في المكان تجلس على الأريكة بهدوء وهي تشير لكهرمان بالقدوم:
"دعيها كهرمان وتعالي هنا."
نظرت لها زمرد بسخرية وهي تدفع كهرمان جانبًا تتحرك صوبها بكل استفزاز، ثم جلست في المكان الذي أشارت به سلمى لكهرمان تضع قدم على الأخرى تحت أعين سلمى التي قلبتها بسخرية:
"حمقاء."
"سمعتك."
"اسمعيني وهل تظنيني خائفة؟"
مسحت كهرمان وجهها وقد شعرت حقًا بفظاعة ما ارتكبت حينما أحضرت معها زمرد.
"هيا يا فتيات دعونا نجلس جلسة نسائية ودية لطيفة، وزمرد أنا احضرتك لنخفف عن الفتاة وليس لنزيدها عليها و...."
كانت تتحدث وهي تتحرك صوب سلمى مبتسمة تحاول إقناع زمرد بأن تخفف من وطأة ما تفعل على سلمى، لكن فجأة انتفضت سلمى بعدما تذكرت شيء مفاجئ حينما سمعت حديث كهرمان:
"يا ويلي لقد نسيت."
نظرت لها كهرمان بعدم فهم لتتحرك سلمى بسرعة تلتقط حجابها وهي تردد:
"رجاءً انتظروني لحين أعود، لن اتأخر سأحضر أحدهم واعود..."
ختمت حديثها تتحرك بسرعة صوب باب الجناح تحت أعين الاثنتين المتعجبتين لما تفعل.
أما عن سلمى فقد تحركت بسرعة صوب جهة محددة وهي تدعو الله أن تكون الصغيرة بخير.
***
ثواني من الاستيعاب لم تكن كافية لتوبة كي تدرك ما يقصد هو، وهو لم يكن بالكريم ليمنحها أكثر من ثواني، إذ سارع ونهض من مكانه يخلع قفازاته يلقي بها جانبًا في سلة المهملات، يتحدث ببسمة صغيرة:
"انتهينا لليوم سمو الأميرة."
ختم حديثه يتحرك بهدوء صوب الباب لتوققه هي دون أن تعلم ما يجب قوله حقًا:
"مهلًا..."
توقفت أقدامه واستدار لها ببطء شديد يطالعها بترقب وعدم فهم رغم سعادته الداخلية بطول لقائهما، وهي فقط ظلت تحدق به محاولة معرفة ما كانت تود قوله، لكن هي ثواني قبل أن تفقد كل ما كان من المقرر قوله.
"نعم!؟"
وقد كانت كلمته بمثابة دفعة صغيرة منه لها صوب ما تريد قوله، ولا يبدو أن تلك الدفعة كانت كافية إذ أنها ظلت صامتة مترددة فيما يجب قوله، ولم تجد بدًا من الحديث حينما شعرت بطول صمتها:
"هل....هل عاد....الوليد؟"
نظر لها بعدم فهم وهي رمقته بنفس النظرة وقد شعرت بالغباء وهي تحاول معرفة سبب ذلك السؤال وكيف خطر على بالها، إلا أنها أكملت جملتها وقد أبت التراجع:
"لقد كان مختفيًا، فهل عاد؟"
"عفوًا؟"
ويبدو أن الأدوار انقلبت إذ أن البلاهة أضحت من نصيب نزار الذي رمقها بعدم فهم متتظرًا أن تخبره ما تريد من الوليد وسبب اهتمامها به.
أما عنها فلم تدرك ما يقصد أو ما يدور برأسه وفقط أكملت ببساطة:
"هل علمت أين كان الوليد؟"
"عفوًا وما سبب اهتمامك الشديد بمكان وليد سمو الأميرة؟"
"ما الذي تقصده بكلمة اهتمامي!! أنا لست مهتمة به بالطبع بقدر ما أود التأكد أنه لا يضمر السوء فما تفسيرك باختفائه الغريب هذا؟"
ضيق عيونه عليها وهي تتحدث بينما توبة شعرت بالتوتر، لكنها اسكتت توترها حينما وجدت أنها تحسن صنيعًا في حجتها تلك.
أما عن نزار فقط نظر لها ثواني ثم قال ببساطة:
"كان الوليد يستطلع بعض الأخبار في الجحر ليعلم ما آلت إليه الأمور."
"وما الذي حدث؟"
نظر لها ثواني ثم همس بهدوء شديد وهو يتحرك خارج المكان:
"افضل الاحتفاظ بما حدث لنفسي."
ابتسمت بعدم تصديق وهي تتحرك صوبه بسرعة تحرك يديها في الهواء بسخرية:
"تحتفظ بماذا لنفسك؟ هل تمزح معي؟ نحن لا نلعب هنا نزار و...."
صمتتت ثواني قبل أن تضيق عيونها وهي تنظر له بشك غريب جعله يتحدث بتخمين:
"نعم أدرك هذه النظرة التي ستخرجين بعدها كلمات كالسهام."
وقد صدق تخمينه واقتربت هي منه ترفع يديها في الهواء تقول ببسمة غير مصدقة:
"هل....هل تخدعني نزار؟ لا تقل أنك تلعب من خلف ظهري وتحضر لمكيدة مع ذلك الوليد؟ لا تقل أنك كل ذلك تخدعني وكان اختفاء الوليد مجرد غطاء لتصل لمبتغاك والذي ساعدتك أنا به كالحمقاء ويسرت لك بقائك داخل سبز دون أي مجهود منك حتى."
نظر لها نزار ثواني قبل أن يضرب كف بكف صارخًا بجنون وضيق من أفكارها المريبة:
"ما بكِ يا امرأة صنعتي في ثواني مكيدة وقصة ذات حبكة متقنة فقط لأنني أخبرتك ألا تدخلي نفسك في هذه الأمور، كي اجنبك أي مشاكل؟ ما بال عقلك أنتِ؟"
رفع يده وقد كاد يضرب رأسها من الجانب، لولا أنها عادت برأسها للخلف بصدمة، وهو أوقف يده في آخر ثانية وقد أدرك في ثواني ما كاد يفعل يضغط على قبضه:
"اذهبي للنوم رجاءً وتجبني السهر لساعات طويلة وتناولي بعض الخضروات التي تحتوي على العناصر الهامة لأجل سلامة عقلك سمو الأميرة."
ختم حديثه يتحرك تاركًا إياها تقف وحدها مصدومة في المكان فاغرة الفاه تحاول أن تدرك ما قاله منذ ثواني، وقبل خروجه بالكامل أوقفته تردد بصدمة:
"هل اهنتني للتو نزار؟"
توقفت أقدام نزار واستدار لها ببطء يزفر بضيق ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى، اقتربت منه تحرك يديها في الهواء تصيح بجنون:
"إن كنت نسيت نفسك ونسيت مع من تتحدث فدعني اذكرك أنك تتحدث الآن مع ...."
قاطعها نظرا وهو يحرك يديه في الهواء بجنون منها:
"سمو الأميرة توبة ابنة الملك بارق وأميرة سبز، المرأة الحديدية والسيدة التي لا تُقهر وملكة جمال الممالك الأربعة، وماذا أيضًا هل هناك صفات أخرى تريدين إضافتها لقاموس صفاتك الذي احفظه عن ظهر قلب توبة؟"
اتسعت عيون توبة وهي تفتح عيونها بصدمة من هجومه عليها تضم يديها التي كانت تشيح بها في وجهه منذ ثواني، تضمها لصدرها وهي تنظر له بحذر.
بينما هو ابتسم لها بسمة واسعة يقترب منها خطوات يتحدث بغيم:
"أنتِ يا امرأة تحتاجين لمن يؤدبك من جديد، وكم أتوق لأكون هذا الشخص، من يدري لربما امنحك لقبًا اضافيًا تتفاخرين به أثناء رحلة تأديبك."
رمشت بعدم فهم وهي ما تزال تضم يديها لصدرها تراقبه بأعين مصدومة فابتسم غامزًا لها:
"زوجتي ما رأيك؟"
شهقت توبة بصوت مرتفع وقد شعرت بقلبها يكاد يتوقف ولم تكد تتحدث كلمة واحدة حتى انتفض جسدها وكذلك جسد نزار حين ارتفع صوت تمتمات في الخلف جعلت الأجساد تتصنم بصدمة.
تنفست توبة بصعوبة وهي تهمس بصوت منخفض:
"أبــــــــــــــي؟؟؟"
***
تحركت صوب باب الجناح الخاص بزوجها وهي ترهف السمع للطرق الذي بدأ يعلو منذ ثواني تحاول معرفة صاحب الطرق تهمس بصوت شبه مسموع:
"هذا أنت يا المعتصم؟"
لكن لم يصل لها أي إجابة من الطارق، لتشعر بالريبة وهي تتراجع وقد قررت ألا تجيب على الطارق، ولم تكد تبتعد خطوة واحدة عن الباب الخاص بالغرفة حتى سمعت صوت يعلو في المكان:
"هذه أنا سلمى يا فاطمة، بحثت عنكِ واخبروني أنكِ هنا جميلتي، هل أنتِ بخير؟"
ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها تحاول أن تدرك هوية تلك السلمى، فقط كانت ثواني أخذتها ليضربها الإدراك سريعًا، ذكرى قريبة صغيرة ضربت عقلها لفتاة جميلة تضع لها زهرة في حجابها وتطرب سمعها بكلمات لطيفة، ومن ثم رفيقة لها داخل المشفى تعتني بها، ذكريات سريعة مرت على عقل فاطمة والتي فتحت الباب بسرعة مبتسمة تردد بسعادة:
"سلمى؟"
اتسعت بسمة سلمى وهي تفتح ذراعيها تردد بحب وحنان:
"حبيبتي الغالية اشتقت لكِ."
ألقت فاطمة نفسها بسرعة بين أحضان سلمى التي ضمتها بقوة وهي تربت عليها بحنان شديد تشكر ربها أنها بخير:
"الحمدلله أنكِ بخير خفت أن أعود فاجدك تعانين من شيء."
ابتعدت عنها فاطمة وهي تنظر لها بحب شديد وقد كانت سلمى في هذه اللحظة تمثل الجزء الصغير الحنون في حياة فاطمة، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى شهقت بصوت منخفض تراقب وجه سلمى المدمر:
"ماذا هذا؟ من الذي فعل هذا بكِ؟"
رفعت سلمى يدها تتحسس وجهها تتنهد بصوت منخفض متعب:
"مجرد حادثة صغيرة عزيزتي لا تهتمي، سعيدة أنكِ بخير عزيزتي، إذن هل تريدين المجئ ومشاركتي والفتيات جلستنا؟"
نظرت لها فاطمة بعدم فهم لتجذب سلمى يدها بهدوء شديد صوب جناحها وهي تردد بلطف:
"تعالي سأعرفك بالجميع، أعتقد أنكِ ستحبين كهرمان كثيرًا، فهي في غاية اللطف مثلك تمامًا."
"أنا لطيفة؟"
"بل أنتِ اللطف فاطمة."
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وقد سارت خلف سلمى دون نقاش أو اعتراض، بينما سلمى تحمد ربها أنها الآن بخير حال، وقد أصابها الرعب حينما تذكرتها وتذكرت الفترة التي تركتها بها خوفًا أن تكون حالتها قد تدهورت، ولم تدري ما يخفي سكون فاطمة الآن.
وصلت بفاطمة صوب غرفتها وبمجرد أن دخلتها حتى رفعت يدها تعرفها على الجميع:
"انظري فاطمة هذه هي صديقتي كهرمان."
كانت تتحدث متجاهلة زمرد تجاهل تام وكأنها ليست موجودة، لكن الغريب أن ردًا لم يصدر من جهة زمرد أو حتى كهرمان التي كانت تقف جوار زمرد في شرفة سلمى ينظرن صوب مشهد أمامهن متسعتان الأعين بصدمة كبيرة مما يحدث أمامهما.
لم تفهم سلمى ما يحدث تنادي كهرمان، لكن فجأة توقفت كلمتها على باب شفتيها حين سمعت صوت سيوف عنيف يصدر من الاسفل، وكأن هناك حرب نشبت في الاسفل.
تحركت بسرعة صوب النافذة تكاد تقسم أن أحد أطراف تلك المعركة التي تدور في الاسفل هو زوجها بغض النظر عمن يحارب، فأرسلان لن يتخلى عن كونه طرفًا ثابتًا في جميع المعارك.
تحركت خلفها فاطمة والتي كانت تسير معها دون فهم لتتوسط النساء الأربعة الشرفة الكبيرة يراقبن ما يحدث، بينما سلمى تفتح عيونها بصدمة مما يفعل أرسلان، تتحدث بصوت منخفض:
"هل هذا زوجك في الاسفل كهرمان والذي يكاد أرسلان يقطعه لجزيئات صغيرة؟"
"للسف الشديد نعم، هذا زوجي والآخر أخي..."
***
يحرك سيفه بقوة في الهواء وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث كان جسده يندفع بقوة صوب إيفان يعطيه ضربة أدت لتراجع الأخير للخلف بقوة وهو يضغط على شفتيه يرفع عيونه صوب أرسلان الذي رفع يده بسرعة يلملم خصلاته السوداء في ربطة صغيرة في الخلف، ثم ابتسم بسمة واسعة مخيفة:
"دورك إيف..."
ابتسم له إيفان بسمة صغيرة وقبل أن يتخذ أرسلان ردة فعل ثانية كان سيف إيفان يكاد يقسمه نصفين لولا أنه انحنى بسرعة كبيرة يراقب السيف يمر من أعلاه، يرفع حاجبه لإيفان:
"حقًا؟"
"نعم، حقًا."
وفي الاعلى كانت سلمى تتمسك بالشرفة برعب شديد وهي تكاد تقفز منها تشهق شهقات متتالية مرتعبة، كلما وجه إيفان ضربة صوب أرسلان، تضع يديها على فمها بخوف شديد:
"يا لطيف زوجك يكاد يقتله كهرمان، هذا ليس تدريبًا، بل حرب."
استدار لها الجميع بصدمة كبيرة وقد تشنجت الملامح بعدم فهم لكلمات سلمى والتي لم تنتبه حتى لنظرات الفتيات اللواتي ينظرن لها بصدمة كبيرة، بينما فاطمة ولشدة الخوف الواضح على ملامح سلمى على زوجها، ظنت أن زوجها هو إيفان إذ كان إيفان هو الشخص الذي يدافع فقط وارسلان هو من يكاد يقطع رأسه لشدة ضرباته:
"هذا مخيف، كيف يسمح لذلك الرجل أن يتعامل معه بهذه الطريقة أوليس زوجك هو نفسه ملك مشكى؟ لماذا يسمع لذلك الرجل اللئيم بتوجيه كل تلك الضربات له دون أن يتكلم؟ أين المعتصم ليساعد الملك؟"
صمتت ثم نظرت لسلمى التي كانت تراقب بصدمة متسعة الأعين:
"هل أذهب وأخبر الحراس أن ذلك المتجبر الذي يعقد خصلاته للخلف يحاول قتل زوجك؟"
استدار الجميع صوب فاطمة التي كانت تدافع في هذه اللحظة عن الطرف المظلوم في هذه الحرب _من وجهة نظرها_ والذي كان هو نفسه إيفان.
ابتسمت زمرد بسخرية وهي تربت على فاطمة:
"عزيزتي زوجها هو نفسه المتجبر الذي يعقد خصلاته للخلف، الملك إيفان هو من يحتاج للمساعدة في هذه اللحظة، أين هو القائد سالار على أية حال ليتدخل قبل أن يقتل أحدهما الآخر؟"
وعند سالار في هذه اللحظة كان يجلس أسفل شجرة بالقرب من ساحة التدريب يستظل بفروعها، وهو يحمل قطعة قماش ينظف بها سيفه بهدوء شديد دون أن يهم بالدماء التي تكاد تتناثر بعد ثواني، ولم يعطي اهتمامًا لأصوات السيوف التي تعلو جواره، وهو ينظف سيفه باهتمام شديد يتحدث للملك آزار الذي كان يناقشه في بعض الأمور الخاصة بالبلاد.
تحدث آزار بهدوء شديد وهو يتناول بعض الفاكهة بهدوء شديد:
"إذن هذا رأيك، زراعة القطن افضل من القمح في هذه الآونة؟"
هز له سالار رأسه يحمل ما يفعل باهتمام:
"نعم هذا رأيي الشخصي وفي النهاية الرأي الأخير لك مولاي وللمختصين في هذه الأمور."
"أنت تدرك أنني أثق بك أكثر من نفسي سالار."
ابتسم له سالار بحب، ورفع عيونه صوب القتال الذي كان يلعب به أرسلان دور المهاجم، بينما إيفان وبكل هدوءه يدافع فقط ويمنح أرسلان كامل الوقت ليخرج كل ما يعتمر صدره من غضب، إذ كان أكثر الناس معرفة به وبأنه يحترق في هذه اللحظة وبأن صبره على انتقامه، ما هو إلا مقدمات لجحيم سيجعلهم يتمنون لو أنه انتقم منهم بوقتها.
أما عن أرسلان فقد كانت اعينه مشتعلة بالغضب لا يبصر أمامه سوى خطته التي ستعيد حق زوجته، وقد شعر بالكسر داخله لم يبرأ بعد، ما تزال الكلمات التي كتبها في خطابه ترن داخل أذنه، رغم أن سلمى قصت عليه كل شيء إلا أن نيران رجولته تأبى الانطفاء قبل إحراق الجميع بلهيبها.
بدأ العرق يتصبب من الإثنين بعد وقت طويل في القتال دون توقف أو استسلام أحدهم، وقد شعر إيفان أن أرسلان لن يتوقف عن القتال إن لم يوقفه هو، لذا رفع سيفه بحركة سريعة يضرب سيف أرسلان مستغلًا حالة الغضب التي اعمته، يسقط سيفه ارضًا، ثم أسقط سيفه بجواره يردد بهدوء:
"يكفي قتالًا لليوم فأنا لا أود قضاء المتبقي من حياتي اقاتلك."
نظر له أرسلان ثواني وقد بدا أنه يحارب نفسه في هذه اللحظة، ينظر لسيفه دون كلمة واحدة، قبل أن يهز رأسه بشكل غريب ويتحرك بعيدًا عن الساحة تاركًا إيفان يراقبه بعدم فهم وسالار ينظر له بعين ضيقة، أما عن آزار فقد ردد بجدية شديدة:
"دعوه يتخبط قليلًا، فهو لن يهدأ الآن بأي شكل من الأشكال حتى وإن أدعى عكس ذلك."
أبصر الجميع من الاعلى ما حدث لتشعر كهرمان بالوجع على أخيها، تدرك أن مايمر به في هذه اللحظة سببه الاول والأخير هو المرأة التي تقف جوارها تراقبه بحزن، والتي هي علاجه كذلك، لذا استدارت صوب الجميع تبتسم لهم بهدوء:
"يبدو أن أخي سيأتي للراحة قليلًا، دعونا نخرج لتركه يرتاح."
ومن بعد هذه الكلمات أمسكت يد فاطمة والتي كانت لا تفهم شيء مما يحدث، تجذبها معها بلطف وكذلك زمرد تاركة سلمى ما تزال تثقف بالشرفة لا تعي ما يحدث سوى ما أبصرت من أرسلان في الاسفل.
ولم تعي إلا على صوت غلق الباب، نظرت صوب باب الجناح وهي تنظر له بتعجب تحاول إدراك ما حدث، ولم تكد تتحرك لتبحث عن الفتيات، حتى أبصرت أرسلان يدخل المكان بهيئة مدمرة وكأنه خرج من معركة حقيقة وليس مجرد تدريب، ولم تستوعب أنه بالفعل خرج لتوه من معركة مع ذاته قبل أن تكون مع إيفان.
نظر لها ثواني وهو يتنفس بصوت مرتفع، يغلق الباب بهدوء، ثم تقدم منها بتردد تحت عيونها وقد كانت لا تفهم شيئًا مما يحدث، اقترب منها أكثر حتى توقف أمامها يرفع كفه يتحسس جروحها التي كانت تملئ وجهها وكأنه بذلك يحافظ على شعلة غضبه موقدة.
يتحسسها بلطف يهمس لها بصوت منخفض:
"تؤلمك؟"
شعرت بكل الوجع الذي يدور داخله في هذه اللحظة وقد أبصرت كل ذلك واضحًا داخل عيونه، لتشفق عليه هذا الحمل، تميل على كفه تجيبه بحنان:
"لا أرسلان، لا تؤلمني."
ابتسم لها بسمة موجوعة وقد أبصرت ألمًا عميقًا داخل عيونه وهو يهمس بنبرة مذبوحة مكسورة:
"لكنه يؤلمني أنا سلمى."
تأوهت سلمى من كلماته، تبتلع ريقها تحاول الحديث بكلمة تخفف عن مقدار العذاب الذي تبصره في عيونه، وهو فقط يراقبها بعجز يريد أن يريح صدره أنهم لم يؤذوها للدرجة التي تقتله حيًا، لم يتمادوا لهذه الدرجة، يشفق أن يثقل عليها بهكذا سؤال لن يقبل أن يُوجه لزوجته ولو كان منه.
أما عنها كانت تبصر مقدار العذاب الذي يلتمع في عيونه لا تقدر على التحدث بكلمة، ولا تدرك ما يوجعه بهذا الشكل، غير مدركة أن أرسلان في هذه اللحظة كان في أشد حالاته انكسارًا ليهمس لها برجاء:
"عانقيني سليمى...."
وكان له ما أراد إذ جذبته سلمى بلهفة وحنان شديد تضمه بقوة لها، وكأنها أم تستقبل ولدها بعد يوم دراسي شاق، تضم رأسه لها بحب شديد، بينما هو أخفض نصف جسده لها يضمها له يحاول التنفس بشكل طبيعي، وقد عجز عن نطق السؤال الذي يؤرقه مكتفيًا بهمسة متوعدة:
"قسمًا برافع السموات سأذيقهم ضعف ما أذاقوكِ ولن اكتفي بالموت لهم سبيلًا للراحة سليمى."
***
بعد ساعات:
كان يراقب الجيوش تستعد لخطوته التالية، البسمة تشق وجهه، خطوته الاولى ورغم بساطتها يدري يقينًا أنها كانت مدوية وبقوة لأرسلان، انتصار بسيط وخطوة كبيرة صوب انتصار فشل به من سبقه.
لكن الآن ومع رجاله الأشداء وعقله الحربي والذي يدرك يقينًا كيف يفكر هؤلاء الملوك كان النصر بين قبضته، يحتاج فقط لأن يغلق أصابعه ويزيد من الضغط كي يحكم عليه ويضمنه بشكل كامل.
ومن بين أفكار أصلان المتلاطمة، سمع صوتًا خلفه لأحد الرجال يردد بنبرة قوية متعجبة ومصدومة:
"سيدي أبصر الرجال على حدود الغابة بعض الرجال يتحركون صوب الجحر ويبدو أنهم من مشكى."
استدار أصلان بتعجب صوب المتحدث ينظر له مطولًا وكأنه يسأله توضيحًا أكثر عما قال، لكن من أين له ذلك التوضيع وهو لا يدرك حتى ما يحدث وكيف وصل هؤلاء الأشخاص لهذه المسافة من الجحر.
تحرك أصلان مع الرجل بعيدًا عن الجيش الخاص به، يردد بعدم فهم وهو يتأكد من وضعية سيفه:
"رجال من مشكى يتحركون صوب المكان هنا؟؟ وكيف بالتحديد علموا المكان؟! هل هم بضعة رجال أم جيش كامل؟"
سار خلفه الرجل خلفه بخطوات مسرعة وهو يتحدث بنبرة ثابتة رغم اهتزاز صدره من القلق فما يحدث يبدو كمكيدة واضحة:
"أربعة رجال تحديدًا، وهذا ما يجعلني أشعر بوجود ريب ما، ولا أعلم كيف وصلوا لنا، وحسب آخر ما وصل لي فلا بد أنهم الآن على حدود الجحر، هل نتخلص منهم."
ضاقت عيون أصلان وقد ارتسمت بسمة غريبة لا تلائم الموقف بأي شكل من الأشكال على الموقف يتحدث بصوت غريب:
"كما هو متوقع من أرسلان، لن ينتظر كثيرًا حتى يعود لي بردٍ، لا تفعل لهم شيئًا دعهم يمرون لننظر بما جاءوا."
تعجب الرجل من ردة فعله، لكن ما يدور بعقل أصلان صعب الوصول له، وما هي إلا ثواني وقد حشد الكثير من رجاله على بداية الجحر ينتظر وصول رجال أرسلان الذين اقتربوا بالفعل منه بثياب سوداء وكأنهم يقيمون حداد، وفي الحقيقة كان اللون الاسود هو الزي الرسمي لجيش مشكى واللون الأكثر شهرة في المملكة ومن هنا اكتسبت مشكى اسمها مشكى (الاسود) لتميز شعبها باللون الاسود في الملابس والأعلام.
رواية اسد مشكي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رحمه نبيل
كلمات خطاب أرسلان ما تزال تدوي وبقوة على مسامع الجميع بصوت المعتصم، وخطته كانت تأخذ حيذ التنفيذ في اللحظة ذاتها.
إذ تحرك دانيار وهو يحمل أعلى ظهره حاملة السهام مع بعض رجال أرسلان يتحرك في الخفاء في نفس الطرقات التي وصفتها لهم نازين، يتذكر كلماتها بدقة ويتبع تعليماتها، يشير للرجال بالهدوء أثناء التحرك وقد استغل انشغال الجميع بمجئ رسول من مملكة مشكلة وصدمتهم من معرفة أرسلان مكان جحرهم.
وصل صوب النقطة التي أخبرته عنها نازين ونظر لذلك العملاق الذي يحرس هذا الجزء من الحدود الخاصة بالحجر، وتقدم منه بهدوء شديد، ولم يكد يصدر من ذلك العملاق ردة فعل حتى وجد سهمًا يخترق صدره مرديًا إياه قتيلًا، ومن ثم عبر دانيار مع الرجال جثته وركضوا بخطوات شبه محسوسة صوب المنزل الذي وصفته لهم نازين وصوتها يتردد في رأسه والقهر يملئ نبرتها: "إن لم يتغير شيء منذ تركتهم فكل مساء تتجمع النساء في المنزل المخصص لهن في جنوب الجحر، لذا يفضل الذهاب مساءً كي تضمن وجود الجميع في مكان واحد هذا إن لم يكن هؤلاء الانجاس يقيمون حفلة على شرفهن".
تحرك دانيار بسرعة وهو يصارع الوقت وقد بدأت ضربات قلبه تعلو بقوة، ليس خوفًا والعياذ بالله فقد قابل ما هو اسوء، لكن رعبًا مما قد يرى خلف الأبواب المغلقة، يخشى رؤية مشهد سيؤرق مضجعه لأيام.
وأثناء طريقه أبصر بعض الرجال فاختبئ بسرعة خلف أحد المنازل وهو يشير بالصمت لرجاله، ومن ثم بعد ثواني أكملوا طريقهم بخطوات أسرع للمنزل الخاص بالنساء وكل ما يدور برأس دانيار أنه لن يخرج اليوم من هذا المستنقع إلا ومعه جميع النساء هنا، ليس لأن أرسلان أمره بذلك فقط، بل لأن رجولته تأبى ترك امرأة مسلمة لحظة أخرى بين هؤلاء البشر، يشعر بالرعب أن يُسئلوا عن تركهن كل هذه الأيام دون مساعدة، وهم حتى لم يدركوا بوجودهن.
وصل وأخيرًا صوب المنزل، وكاد وفي وهلة اندفاعه أن يقتحمه ويجتذبهن معه للخارج، لولا بقايا تعقله التي جعلته ينظر حوله بتردد يشير لأحد الرجال بالمراقبة، ومن ثم هرع يطرق الباب طرقات متزامنة مع طرقات قلبه داخل الصدر.
دقائق مرت ليُفتح الباب وأخيرًا فاتحًا معه جحيم على دانيار وهو يبصر عدد كبير من النساء وأطفال وغيرهم، ليخفض وجهه بسرعة وقد بدأ الغضب يرسم خطوط واضحة على ملامحه ويده ترتجف بقوة، يحاول التحدث بأي كلمة قد تكون المنقذ له أمام عين امرأة اكلها التعجب وكادت الصدمة مما ترى ترديها قتيلة.
طرقات على الباب دون اقتحام؟
رجل يخفض وجهه حينما ابصرها؟
أحلم كانت، أم أن الله صب غضبه على الجحر فأرتقت أرواح الجميع وعفى عنها برحمته وذهبت للجنة؟
خرجت الفتاة من أفكارها المتشعبة حول هوية ذلك الرجل، وكم كانت كلمة رجل غريبة لتخطر على رأسها بعد كل هذه الأشهر من رؤيتها للذكور فقط.
خرجت من كل أفكارها على صوت دانيار الذي تحدث بهدوء رغم ارتجاف نبرته من الغضب:
"كم دقيقة تحتاجون لتتجهزن للرحيل؟"
نظرت له المرأة بعدم فهم ليرفع نظره لها في نظرة واحدة وقد ارتسم الغضب والشر واضحًا على عيونه يبتسم بسمة غريبة على نظرات تلك المرأة:
"وفت جلالة الملكة بوعدها وارسلنا ملك مشكى لإخراجكن من هنا، فتجهزوا."
اشتعلت الأعين المراقبة للمعتصم والذي كان يقرأ ما بين يديه بهدوء شديد وبسمة وكأن ما يحدث في المكان لا يعنيه، هو جاء فقط ليرسل رسالة الملك ويشتت الإنتباه، ويبدو أنه نجح نجاحًا ساحقًا في الاثنين إذ أبصر انتفاض أجساد البعض وصراخ الآخر بصوت جهوري وهو يتقدم صوبه:
"هل جننت أنت وملكك هذا يا صغير أوتعلم مع من تتحدث الآن؟ نحن لسنا مجموعة من هؤلاء الجبناء الذين كانوا يصمتون على مثل تلك الأفعال الحمقاء الصادرة منكم."
صمت وهو يقف أمام المعتصم الذي لم يهتم بشيء بل نظر للرجل بسخرية شديد وهو يخفض رأسه في إهانة لفرق الأجساد بينهم، إذ كان المعتصم يفوقه طولًا وجسدًا بعض الشيء.
بينما الرجل التقط استهانته تلك وتحدث بصوت محذر:
"ما الذي يضمن لك خروجك سليمًا من هذا المكان بعد ما قلته؟!"
ابتسم له المعتصم بسمة ثابته كانت أشبه بمسمار يدق في نعش صبر الرجل أمامه، يهتف بكل هدوء وسلام نفسي يملكه في هذه اللحظة بعدما سكب في وجوههم كلمات ملكه والتي بردت من جزء من نيرانه خاصة حينما أبصر اهتزاز أصلان بغضب يوشك على الانفجار فيمن يحطيه.
"سأفعل."
كان يشير في كلمته لخروجه سالمًا من المكان، لكن الرجل كان قد وصل لأقصى مراحل جنونه وهو يستل سيفه من غمده يرفعه في وجه المعتصم الذي لم تهتز به شعرة واحدة يراقب ما يحدث بهدوء شديد وبسمة في غاية الاستفزاز ينتظر أن ينتهي العرض أمامه ليصفق ويلقي بعض المكسرات للقردة أمامه.
وهذه النظرة التي كانت تشي بكل الأفكار التي تدور داخل عقله جعلت آخر ذرات التعقل والصبر تتبخر داخل رأس الرجل ليرفع سيفه بقوة قاصدًا ضربة تردي المعتصم ارضًا، لكن وقبل أن يفعل....
حدث كل شيء بسرعة، انخفضت يد الرجل الممسكة بالسيف وانخفض جسده وتهاوى ارضًا تحت أعين الجميع المنصدمين بما حدث ولا أحد يستوعب سرعة الأحداث فمنذ ثانية فقط كان سيف الرجل على وشك فصل رأس المعتصم عن جسده، ليسقط هو ارضًا فاقدًا للحياة، ولولا خنجر المعتصم الذي غرزه في معدة الرجل بخفة، لظن الجميع أن سبب موته هو أنه نظر بعمق في عيون المعتصم وقد سحره الأخير.
اتسعت بسمة المعتصم الجانبية وهو يرفع يديه يحرك رأسه:
"كانت هذه ميزة كبيرة امتلكتها منذ طفولتي، خفة اليد."
ختم كلماته وهو يحرك يديه أمام الجميع يستعرض قدراته كأي ساحر فذ انتهى لتوه من تنفيذ فقرته التي سلبت العقول وخدعت الأعين، وتبع حديثه بغمزة وهو يخرج خنجر اخر يحتفظ به في جيوب غير ظاهرة وقد بدت تلك خدعة أخرى يخرج بها خناجر من كل مكان وأي مكان.
"من يريد التجربة أيضًا؟"
لم يُحرك أحدهم ساكنًا، واعين أصلان كانت جامدة بشكل مخيف ووجه فارغ من أي تعابير قد تخبر من حوله بما يفكر أو بما يشعر، فقط صمت ووجه صخري يواجه به ما يحدث وهو يحدق في وجهه المعتصم الذي ابتسم له باستفزاز وسماجة وهو يحرك رأسه بقلة حيلة واستهزاء:
"ليس أنت يا أصلان للأسف الشديد جعلني الملك أقسم ألا امسّك بسوء، فهو يحتفظ بجثتك لنفسه."
صمت ثم أدار رأسه للجميع يتحدث بجدية وبسمة مودعة:
"إذن هناك شيء آخر تريدونه مني؟"
ولم يتحدث أحدهم بكلمة وقد اكفهرت ملامحهم ولولا نظرات أصلان التحذيرية لهم، لهجموا جميعهم على المعتصم فهو بالنهاية ليس ساحرًا حقيقيًا ليهزم الجميع هنا، لكن تهديدات أرسلان بوجود جيش على حدودهم كان يعيق كل أفكارهم في قتله وإرساله قطع لأرسلان.
حرك المعتصم يديه في الهواء بحركة مودعة كما لو كان قد انتهى للتو بعرض، وكاد يعطيهم ظهره ليرحل، لولا أنه توقف فجأة يستدير صوب أصلان يبتسم له:
"أوه كدت أنسى رسالة أخيرة."
تقدم من أصلان وقد أبصر تحفز الجميع، لكنه لم يهتم وهو يفتح كفه يضع بها رسالة أرسلان مبتسمًا بسماجة شديدة:
"جلالة الملك ينصحك بقراءتها يوميًا قبل النوم وبعد الاستيقاظ، يخبرك أن كلماته كالبلسم قد تشفيك من قذارتك يا وسخ، هذه ليست كلماتي بل كلمات الملك أوصاني بقولها كما هي دون تحسين أو تخفيف."
ختم كلماته ثم لوح بكفه في الهواء وهو يعطيهم ظهره بكل هدوء ويرحل كما جاء تاركًا الجميع يرمق أثره بمشاعر كثيرة اختلط بها الغضب والضيق والتوعد، وقد بدا في أعينهم أنهم في هذه اللحظة على وشك تقطيع جسد المعتصم وتناوله حيًا، وقد نجح المعتصم ومن قبله أرسلان في حرب النفوس هذه المرة.
راقبه أصلان يبتعد وهو يبتسم بسمة لا معنى لها يضغط على الرسالة بقوة وقد شحن ما حدث صدره بشر أكثر سوادًا مما كان يهتف بصوت مرتفع:
"أوصل سلامي لمولاك يا المعتصم."
اشاح المعتصم بيده دون اهتمام وهو يردد دون أن يستدير له:
"لا أحمل القاذورات يا عزيزي."
اتسعت بسمة أصلان أكثر وأكثر حتى بدأت ضحكاته ترن في أعقاب المعتصم والذي لم يهتم حتى بالاستدارة وتحرك بخطوات سريعة صوب حصانه يمتطيه وهو يضع حقيبته على ظهره مرة أخرى.
يخرج من غمده سهمًا وهو يشير بيده صوب أحد الرجال معه يستلم منه شعلة يحملونها معهم لتنير الطريق، يشعل السهم الذي كان قد سبق وغطسه في مادة قابلة للأشتعال، ومن ثم رفع السهم مشتعلًا في الهواء وهو يصوبه دون أن تهتز له شعرة واحدة فقط صوب منزل قشي في مرمى البصر يدرك أنه سيكون هدفًا جيدًا لبداية الحريق الذي سيطفأ نيران صدره.
وفي ثواني كانت أصابعه تتخلى عن أحضان سهمه الذي انطلق بسرعة مرعبة صوب البيوت يشعل بها حريقًا يدرك أنه سيأخذ منهم وقتًا حتى يتداركوه، يراقب فزعهم وقد بدأت النيران تتحرك بشكل سريع بين البيوت مستغلة كل ما يساعدها على الاشتعال أكثر، وقد رسم الفزع خطوطه على وجوههم وهم يراقبون بيوتهم تشتعل ليهرع بعضهم ليطفئ ما حدث، أما عن المعتصم فقط ابتسم لهم بسوداوية:
"ذوقوا ما اذقتموه لها يا قذرين، وللحكاية بقية."
كل ذلك وعضلة واحدة لم تتحرك من وجه أصلان وهو يراقب رحيل المعتصم من المكان وأصوات صرخات رجالة والحريق يشتعلون من حوله وهو فقط يراقب كل ذلك مبتسمًا دون أن يهتم بشيء، لا شيء سوى جحيم لن يتخلى عن اشعاله في الجميع ولو عني ذلك موته بعدها فسيموت سعيدًا بالأمر.
أما عن المعتصم تحرك مع الرجال وهو يزيد من سرعة حصانه صوب نقطة الالتقاء التي اتفق بها مع دانيار وهو يدعو الله أن يكون قد انتهى كل شيء وقد تلقى رسالته والتي تمثلت في صوت اصطدام قوي في المكان لم يهتموا هم له ظنًا أنه صوت عادي من الباقيين في الجحر، لكن كان بمثابة إشارة للمعتصم.
وصل المعتصم صوب النقطة الخاصة به وبدانيار ليتنفس الصعداء وهو يبصره يقف هناك ومعه الكثير والكثير من النساء، عدد جعل قلبه يهوى بصدمة مما يمكن أن يكون كل هؤلاء النساء قد تعرضن له خلال هذه الأشهر، ابتلع ريقه وهو يراقب ملامح دانيار الذي هز رأسه وهو يدرك ما يدور داخل صدر المعتصم في هذه اللحظة، وقد كان هو نفسه ما يدور في نفسه حينما أبصرهم.
تحدث دانيار بصوت هادئ:
"لن تكفي الأحصنة معنا، أرسلت أحد الرجال ليوافينا على الحدود بعربات لنقل النساء والاطفال."
هبط المعتصم عن حصانه وهو يشير لرجاله بالمثل، ومن ثم قال بهدوء شديد:
"لا بأس يمكننا تدبر الأمر حتى حدود مشكى، سنمشى وليصعد الصغار، والمرضى والكبار في العمر، وإن تبقت أماكن يتناوبن عليها خلال الطريق."
مسح دانيار وجهه وهو يشعر بالحيرة، لكن كان الحل الذي اقترحه المعتصم في هذه اللحظة هو اسلم الحلول، لذا هز رأسه يردد بهدوء:
"إذن دعنا ننتهي من هذا."
شعرت بالدنيا تدور حولها وهي تبصر عيون والدها والذي فتحها على اتساع يراقب المكان حوله بتشوش، وفي ثواني وقبل حتى أن يعي الملك بارق بما يحدث حوله كان نزار يرفع غطاء الوجه يخفي به ملامحه بسرعة كبيرة يتحرك صوب الملك بارق تحت نظرات توبة التي صنمتها الصدمة، تنظر لوالدها الذي كان يحرك كفه يحاول أن ينهض دون أن يعي حتى ما يحدث، يتخبط دون القدرة على رؤية ما يحيط وكأن عيونه لم تدرك بعد أنها تبصر بعد كل هذه الأيام الطويلة من الظلام.
عضت شفتيها تمنع انفجارها في البكاء وهي تبصر حالة الضعف وقلة الحيلة التي تلبست والدها، وهو يحرك يده في الهواء يحاول التمسك بشيء حوله، هرولت صوبه بسرعة كبيرة تمسك بيده في نفس اللحظة الذي امسك بها نزار يده الثانية.
مالت توبة بسرعة تقبل يده ودموعها تملئ كفه وهي تردد بانهيار وشيك وصوت مرتجف:
"أبي... أبي... أنا... أنا هنا يا أبي... أنا هنا حبيبي."
نظر لها نزار بحزن ووجع كبير لأجل انهيارها ذاك، لا يستطيع حتى التحدث بكلمة واحدة كي يساندها مخافة أن يتعرف الملك على صوته، أشار لها بعيونه أن تترك بارق كي يفحصه، لكن توبة في هذه اللحظة لم تكن تعي بشيء حولها سوى أن والدها يجلس الآن ويتحدث.
"توبة؟!"
انهارت توبة مع كلماته وهي تلقي نفسها بين أحضانه تشهق بصوت مرتفع، تضمه لها بقوة:
"يا روح توبة أنت، مر وقت طويل لم أنعم بصوتك وأنت تناديني أبي."
مدّ بارق يده يعجز يحاول احتواء جسد ابنته بين ذراعيه، ليتحرك نزار بسرعه وهو يساعده ويوجه يده صوبها، فضمها بارق بحب شديد وهو لا يفهم ما حدث ورغم ذلك كان مستكينًا، بين أحضانه صغيرته يهمس باسمها وكأنه يعوضها شوق الأيام السابقة.
وتوبة نست نفسها بين أحضان والدها وانهارت في البكاء تشكو له بصمت ما عانته في غيابه، شهقاتها تحكي معاناة تهد رجال، وتمتماتها تصف وجع عجزت عنه الكلمات.
كل ذلك وبارق يشعر بالعجز عن رؤية وجهها لمسح دموعها، يحرك يده بعجز عليها:
"ما بكِ حبيبتي من ذا الذي أبكى قرة عيني؟!"
بكت توبة أكثر بسبب كلماته والدها المدلله لها، تتحدث دون وعي بما يحدث حولها وبصوت متقطع تصف ما حدث معها ومع صغيرها الحبيب:
"لماذا تركتني لهم أبي، لا تتركني لهم مجددًا لا تتركني لهم مجددًا، لقد قتله قتله وقتلني وكاد يقتلك و...."
وقبل أن تسترسل في لحظات رثاء نفسها قاطعها نزار بعيونه وهو يحذرها من المضي قدمًا فيما تفعل، بينما هي توقفت دون وعي وقد أدركت ما كانت تفعل في خضم لحظات انهيار غير محسوبة، ابتعدت عن بارق ببطء بينما الأخير كان يحدق في الفراغ بعدم فهم:
"ما الذي حدث ومن... من فعل هذا... وأنا كيف لا... لا أراكِ؟ توبة أنا لا أرى شيئًا ما الذي حدث لي؟!"
انتفضت توبة عن مطرحها وقد استوعبت للتو ما يحدث تنظر بفزع صوب نزار الذي أشار لها بعيونه صوب والدها، لتبتلع ريقها وهي تحاول التماسك تهتف بصوت ما يزال يحمل أثر ارتجاف وبكاء:
"سأخبرك كل شيء أبي فقط... دعني اساعدك للراحة ريثما يفحصك الطبيب."
استدار بارق حول نفسه وهو يبحث عن ذلك الطبيب:
"طبيب؟ أي طبيب هذا؟ لماذا لا اسمع صوتًا؟"
"إنه... إنه موجود هنا معنا لكنه.... ابــ...كم... أنه أبكم أبي."
رفع لها نزار حاجبه بضيق، بينما هي ابتلعت ريقها تبعد عيونها عنه وقد أدركت أن نزار ما قال سوى الحق حينما أخبرها أنها أكثر إنسانة فاشلة قد تخرج يومًا بحجة مقنعة.
قلب عيونه بضيق بينما هي نظرت له بشر وهي تساعد والدها ليتسطح، وهو تحرك لها كي يساعدها ليتمسك بارق بيده:
"أخبرني ما الذي يحدث معي، لماذا لا أتذكر شيئًا، وما الذي يحدث معي هنا و... لماذا لا أرى؟!"
حرك نزار فمه بكلمات صامتة لها، لتهتف هي بتوتر:
"ماذا لا اسمعك."
ضرب نزار رأسه بضيق منها، معترفًا بنفسه أن غباء توبة في مثل هذه اللحظات يكون قاتلًا في بعض الأحيان.
بينما هي عضت لسانها تلعن توترها تحت نظراتها وتحت وطأة الموفق، بينما والدها استدار للجهة التي يصدر منها صوتها:
"تسمعين من؟ أوليس ابكمًا أم أنكِ تحدثيني؟ أنا لا افهم شيئًا."
نظرت صوب نزار الذي رماها بنظرة غاضبة وتقسم أنها سمعت في هذه اللحظة صوته يصدح داخل عقلها وهو يتحدث بسخرية حول كلماتها السخيفة في مثل هذه المواقف، لكن هل تنحني له وتعترف بهزيمة مؤقتة حتى؟
في أحلامه...
رفعت ذقنها بكل كبرياء ترميه بنظرة ثقة تخبره بها أن الريح لا تحرك من الجبال الرواسخ شيئًا، ليكتم نزار ضحكة كادت تفلت منه عليها.
أما عنها تجاهلته وهي تساعد والدها:
"أتحدث لك أبي، والآن ساعدني ليفحصك الطبيب."
وبالفعل تحرك نزار صوب الملك بارق يفحصه بسرعة يتأكد أن كل شيء معه بخير تحت نظرات توبة المرتقبة وهي تحرك عيونها مع كل شيء يفعله نزار في هذه اللحظة، بينما الأخير فتح عيون الملك بارق يحرك يده أمامه، لكن لم تتحرك عيونه مع يده بشكل طبيعي.
استدار صوب توبة التي كانت ترتجف بخوف وأشار لها أن يتحدث معها بعيدًا عن والدها، لتبتلع ريقها وهي تتحرك صوب والدها تميل عليه لتقبل رأسه:
"أبي استرح سوف آمر الجميع بإحضار الطعام لك، واعود سريعًا لأكون جوارك."
نظر بارق صوب جهتها وهو يهز رأسه لا يفهم ما يحدث حوله لكنه سيعلم عاجلًا أو آجلًا، لذا تجاوز عن الأمر وهو يتحدث بحنين شديد:
"أين حفيدي الحبيب اشتقت له، أشعر أنني لم اضمه منذ سنوات طويلة."
استحكمت غصة قوية حلق توبة وهي تكتم بكاءها وقد صعب عليها التحدث في هذا الأمر والذي لم تتجاوزه بعد، ولم تساعدها كل الذكريات التي تنام وسطها كل ليلة على فراش صغيرها وهي تضم ثيابه تبكي بقهر عليه.
أما عن نزار أخذ يراقبها بعجز تام وقد عجز حتى عن مواستها بكلمة أمام والدها أو حتى التحدث بجملة قد تخرجها من هذا الوضع.
بينما هي رفعت عيونها الباكية صوب والدها تحاول التحدث بكلمة واحدة، لتعجز وكل ما صدر منها هو تربيته على يده اتبعتها بقبلة، ومن ثم تحركت بهدوء خارج الغرفة وخلفها نزار الذي اطمئن على والدها، يلحق بها لبهو الجناح الخاص بالملك، وبمجرد أن شعرت بنفسها قد ابتعدت بالقدر الكافي عن مسامع والدها انهارت ارضًا بقوة وهي تبكي دون توقف لتكون يد نزار أقرب لها من الأرض وهو يمسكها بسرعة يهمس برعب:
"توبة..."
"لطالما ظلمني الجميع وحشرني الجميع بدور الخبيث في هذه القصة، فقط لو يطلع الجميع على ما يخفيه وجهك الـ..."
صمت إيفان وهو ينظر لوجه أرسلان الذي كان يجلس براحة شديدة في غرفة الإجتماعات مع الجميع، يتحدث له بعدما اطلع الجميع على خطته، ليكمل أرسلان باقي جملته المعلقة وهو يحرك حاجبه يميل بوجهه على الطاولة مبتسمًا:
"برئ؟!"
ختم كلماته يطلق ضحكة مرتفعة على ملامح إيفان المتشنجة وهو يغمز له بهدوء، بينما سالار ابتسم وهو يرتشف بعض العصير في كأسه يراقب الجميع من خلف زجاج الكأس بعدم اهتمام، بينما آزار كان فقط يتابع الحديث وهو يقلب عيونه بسخرية:
"الآن سيبدأ الشجار."
نهض أرسلان عن مقعده يرفع يديه في الهواء بكل براءة يدعي اللطف والذي لم يكن يلائم ملامح وجهه الخشنة يشير صوب إيفان:
"لا بالطبع لا انتوي أن احزن إيف اليوم تحديدًا، صحيح ايفو؟!"
"نعم صحيح آرسي."
حرك أرسلان رأسه وهو يدعي التأثر من كلمات إيفان يضع يده جهة صدره يغلق عيونه:
"أوف على دلال إيفان."
"أوف على مزاج أرسلان."
كان سالار يتابع ما يحدث والكأس أمام فمه بسنتي واحد، متشنج الملامح وهو يراقب ما يحدث أمامه بصدمة كبيرة، بينما آزار يتابع ما يحدث باشمئزاز شديد وملامح تشبه ملامح سالار الذي نطق وهو يبعد عيونه عنهما:
"بل أوف منكما سويًا."
نهض آزار وهو يردد بهدوء شديد يبلغ الجميع بنية واضحة رغبته في الخروج من المكان وكأنه لا يطيق صبرًا ليبتعد عن جميع الوجوه خاصة وجه أرسلان الذي كان يتابعه ببسمة واسعة:
"حينما يعود أرسلان لطبيعته الخشنة الوقحة بعيدًا عن هذا البرئ المبتسم نادوني، فأنا لا اعلم هذا الرجل ولن اتناقش في أمور البلاد مع رجل غريب."
وقبل التحرك خطوة امسك أرسلان بيده وهو يضحك بصوت مرتفع رن في أرجاء المكان يمنعه التحرك:
"أعتذر، حسنًا سأكون حقيرًا الآن اجلس وسأسمعك من الألفاظ اعذبها."
رفع له آزار حاجبه بشك ليغمز له أرسلان، بينما سالار جذب يد آزار وهو يدعوه للجلوس بهدوء:
"اجلس يا خال دعنا ننتهي من الأمر أود العودة للبلاد."
ولولا حياءه ورفضه للتعبير عن مشاعره تجاه زوجته امام الجميع لصرح للجميع دون تردد وبكل جراءة أنه يريد العودة لأحضان زوجته.
ابتسم لهم أرسلان وهو يستند بيديه على الطاولة أمامه بهدوء يراقب الوجوه حوله، وكأنه يستعد ليلقي بقنبلته التي ستحدث دوي مفزع للجميع:
"أردتم معرفة ما كُتب في الخطاب الذي ارسلته لأصلان؟!"
نظر له الجميع والفضول يحوم فوق الرؤوس واضحًا الحاجة لينطق أحدهم كلمة واحدة حتى، وارسلان اهداهم بسمة صغيرة وهو يتنهد بصوت مرتفع:
"حسنًا لا استطيع ذكر كل ما كتبته حرصًا على حياء العزيز إيفان."
ختم حديثه وهو يربت على كتف إيفان الذي اتسعت بسمته أكثر وأكثر، ومن ثم استرسل أرسلان في حديثه يخبرهم باختصار الحرب التي دعى لها أصلان وكل ما ذكره في الخطاب.
"- أردت أن أفرغ المكان من النساء قبل اتخاذ أي خطوة في تحطيمه أعلى رؤوسهم."
نظر إيفان لعيون والتي كان ينأى بها عن عيون الجميع بشكل واضح، ليرفع حاجبه متحدثًا بهدوء:
"هذا فقط؟"
"- هذا فقط ماذا؟"
"- هذا السبب فقط؟!"
"تعتقد أن هذا ليس سببًا كافيًا؟!"
ابتسم إيفان بسمة واسعة استفزت كل خلية داخل جسد أرسلان وقد نجح ذلك الرجل في تحريك كل غضب أرسلان الساكن خلف بسمته وإخراج ذلك الوقح الذي كان يطمح آزار في مقابلته منذ ثواني.
"لا هو كافي لي في الحقيقة، المهم أن يكون كافيًا لك يا أخي..."
اشتعلت عيون أرسلان وقد أدرك إيفان أنه أصاب ما يدور حوله أرسلان وقد علم أن الأمر بطريقة أو بأخرى يدور حول زوجته، ولا يدرك علاقة الأمر بها، ولا يهتم بالبحث خلف ما يتعلق بارسلان وزوجته، هو فقط يريد مضايقته ليس إلا، ويبدو أنه نجح وحاز العلامة الكاملة في الأمر.
قلب سالار عيونه بضيق وهو يدفن وجهه بين قبضتيه يهمس بصوت مسموع للجميع:
"يا الله يا مغيث، فقط ليمر اجتماع واحد دون أن تثيروا غضبي أنتما الإثنان، فقط تعاملا كما لو أنكما ملوك ممالك كبيرة."
رفع عيونه لهما ليبصر الجدية وقد علت ملامح الجميع حينما باشر آزار في مساعدة ابن أخته للخروج بأعصاب صحيحة من ذلك الاجتماع وهو يباغتهم بسؤاله الذي سيخرجهم من ذلك النقاش:
"والآن لنتحدث عما سيحدث، ما القادم؟!"
ابتسم له أرسلان بسمة خبيثة، ثم نهض وتحرك صوب خزانة صغيرة يخرج منها شيء، ومن ثم فرشه أمام الجميع بسرعة وهو يخرج قلم اسود اللون يشير به صوب نقطة في الخريطة التي رسمها بنفسه لمنطقة الجحر.
"- هذا هو الجحر..."
ومن ثم شرع يضع دائرة حول نقطة في منتصف اللوحة البيضاء والتي كان يحيط بها خطوط غير مفهومة، وهناك بعض الورود الصغيرة وشجرة تقبع في نهاية الرسمة جوارها كُتب ( غابة سبز الجنوبية ).
تحركت عيون إيفان صوبه يحاول فهم ما تخبرهم به هذه الخطوط المجهولة:
"أي جحر؟ ما هذا؟ أنا لا أرى سوى خطوط لا معنى لها؟! ثم ما هذه الزهور ما مناسبتها في الخريطة من الأساس؟!"
ختم حديثه يشير صوب جزء من اللوحة حيث وُجدت زهور صغيرة رقيقة لا تناسب تلك الخطوط الغريبة التي خدع بها أرسلان نفسه وسمّاها خريطة للجحر.
حرك أرسلان عيونه صوب الزهور التي أشار عليها إيفان ليتحرك وهو ينفض يد إيفان بضيق عن الزهور يرفض أن يلمسها مرددًا بحدة:
"هذه لتعبر عن الغابة يا أحمق، ثم لا علاقة لك بالزهور ولا تلمسها مجددًا وانتبه للخارطة امامك."
رمش إيفان بعدم فهم وهو ينظر ليده التي دفعها أرسلان بفزع، يحاول فهم ما يحدث، بينما أرسلان يحدق في الزهور برقة يبتسم دون وعي متذكرًا كيف خرجت تلك الزهور الجميلة من بسمات زوجته للورقة.
.......
تحرك بعدما انتهى من حديثه معها يتركها تتجهز للنوم قبل التحرك صوب غرفة الإجتماعات، يحاول رسم بعض الخطوط العشوائية على ورقة كبيرة أمامه، خطوط غير مفهومة للبعض لكنها مفهومة له فقط كي تذكره فقط إن غفل عن شيء.
"ماذا ترسم؟"
كان ذلك صوتها بعدما تحركت صوبه ولم يشعر بها لشروده في الخطوط أمامه، رفع رأسه لها ولم يكد يجيبها بكلمة حتى تفاجئ من مقدار قربها له، ابتسم لها بسمة صغيرة:
"أحاول رسم خريطة."
"- هذه خريطة؟"
"على حسب ما أرى.. نعم، فقط مجرد شيء بسيط لأذكر نفسي ليست خارطة بالمعنى الحرفي."
تحركت سلمى ببساطة وعفوية وهي تجلس ارضًا بينه وبين الطاولة التي كان يستند عليها، تحشر جسدها في تلك المنطقه لتصبح بين أحضانه بالتحديد، ومن ثم رفعت عيونها له تقول:
"ربما اساعدك في الأمر أنا أحب الرسم أيضًا."
ابتلع ريقه يحاول ألا يضعف أمام عيونها تلك والتي ترسل له رسالات كثير لم يلتقط منها سوى ما يقوده صوب طريق الذوبان في عشق هذه المرأة، ولحظة اعتراف ولو بينه وبين نفسه أنه غارق في تفاصيل هذه المرأة حتى أذنيه، ويكاد يقسم أن عمرًا غير كافي لأجل التأمل بها فقط، فما بالك بحبها؟
"ما هذه الخطوط الغريبة؟"
أبعد عيونه عنها بصعوبة وهو ينظر صوب ما تشير هي له يتحدث بصوت خافت ومازال في حالة من اللاوعي بها:
"هذه... هذه غابة."
تشنجت ملامح سلمى وهي تتأتأ بضيق ترى هذه الخطوط الغير مفهومة:
"هذه غابة؟! بالله لا علاقة لها بالغابة بأي شكل من الأشكال، اعطني هذا القلم."
ختمت حديثها وهي تتوجه صوب البقعة التي وصفها ظلمًا بالغابة بسبب بعض الخطوط الطولية المتشابكة، وأخذت ترسم ورود وأشجار فيها مبتسمة بسعادة غير واعية لعيون أرسلان الذي كان يتابعها مبتسمًا بعدم تصديق وهي تجلس بين أحضانه ترسم له أكثر شيء عبثي ابصره.
"خريطة حرب مزينة بالورود."
لكن هل يخبرها أرسلان بذلك؟ والله لن يفعل، بل سيخبرها أنه لولا زهورها التي زينت الخريطة لضلوا الطريق وخسروا الحرب.
"- إذن؟!"
انتفض أرسلان من أفكاره على صوت سالار الذي أخرجه من شروده، ليتنحنح بصوت شبه مسموع وهو يجذب الخريطة ويبدأ كتابة اسم كل منطقة فوق الجزء الذي وضعه وهو يشير لها:
"هذه خريطة الجحر."
ارتفعت تعابير التشنج على ملامح الجميع ليتحدث أرسلان من أسفل أسنانه:
"فقط لنتخيل ذلك رجاءً."
صمت وهو يتنفس بصوت مرتفع:
"كل الاستعدادات انتهت وحان وقت وضع النقطة الأخيرة في قصتهم جميعًا."
مع ساعات الصباح الأولى شعرت بهزة خفيفة تدفعها للنهوض من دفء فراشها، لترفع يدها تحاول دفع تلك اليد بعيدًا بنعاس شديد وقد قضت كامل ليلتها تتخيل حياتها معه، حتى غلبها النعاس.
ابتسم أرسلان وهو يبصر الشروق من النافذة ومازال بعض الظلام يفرض سطوته على الأجزاء رافضًا سحب جميع جيوشه بهذه السهولة، ثم عاد بعيونه صوب سلمى يجذبها بهدوء شديد لصدره، ثم تحرك بها صوب المرحاض وهو يهمس لها بصوت خافت:
"سليمى استيقظي هناك ما يجب أن تبصريه."
حاولت سلمى جذب نفسها من دنيا الاحلام صوب واقع يمتلك نفس بطل احلامها، لكن كان الأمر صعبًا عليها، ليجذبها أرسلان له يسند رأسها على صدره وهو يمد يده بهدوء يبللها بعض المياه، ومن ثم أخذ يمررها على وجه سلمى التي بدأت تتململ في نومتها، وأخيرًا فتحت عيونها لتبصر ابتسامة أرسلان الذي همس لها بحنان وحماس شديد:
"هيا الحقي بي بعدما تنتهي."
خرج يغلق باب المرحاض خلفه وأخذ يجهز لها ثوب رقيق من اللون الأصفر ومعه حجاب من اللون الابيض، ومن ثم ظل واقفًا يراقب النافذة بهدوء يفكر في ردة فعلها حينما تعلم ما فعل، وفي خضم شروده أبصر من النافذة جسد خالد الذي أخذ يركض في أنحاء الساحة وخلفه تيم الذي صرخ عليه بجنون:
"أنت...توقف هنا...نحن لا نلعب هنا لتجعلني أركض خلفك، عد وأكمل تدريبك وإلا اقسم بالله لأزيدن ساعاتك ساعة إضافية."
فجأة توقفت أقدام خالد وهو ينظر خلفه لتيم بضيق ثم رفع إصبعه يردد بهدوء واستفزاز:
"لا تتحدث معي بهذا الشكل، أنا لست عبدًا لديك وإن لم ارد التدرب فلن تجبرني، أنا مهندس لي شأن و..."
فجأة أبصر نظرات تيم التي اشتدت بشكل مرعب لينفخ بضيق وهو يدفعه من كتفه بحدة وخشونة يتحدث بصوت مرتفع:
"أوف منكم جميعًا اخبرتكم أنني اجيد فنون القتال والدفاع عن النفس ما فائدة كل هذه الأسلحة، هل سنحارب؟"
اجابه تيم بسخرية:
"نعم سنفعل."
"- حسنًا كان هذا سؤالًا استنكاريًا لم انتظر منه ردًا."
ابتسم له تيم بسخرية وهو يلقي له السهام والقوس مجددًا، ليزفر خالد وهو يتحرك صوب لوحة التصويب يضع السهم بالقوس، ومن ثم قلب عيونه بضيق وفي ثواني كان السهم يصيب منتصف الهدف ليعلو التعجب عيون تيم، لكن كلمات خالد وضحت كل شيء وهو يبتسم بسخرية:
"أخذت بطولة النشان لخمس أعوام متتالية يا فتى، حينما ارفض القتال فهذا لأنني لا أحب أن يأمرني أحدهم وليس لأنني لا استطيع."
ختم حديثه وهو يلقي السهام ارضًا:
"والآن أعتقد أن تدريب اليوم تم على أكمل وجه، استأذنك للاستحمام والنوم."
وتحرك بعيدًا عن أعين تيم الذي كان ما يزال يحدق بالسهم قبل أن ينتبه لتحرك خالد ليركض خلفه صارخًا، وحينما ابصره خالد صرخ وهرول بعيدًا عنه بضيق.
كل ذلك تحت أعين أرسلان الذي هز رأسه بيأس:
"كان الله في عونك تيم."
فجأة سمع صوت باب المرحاض خلفه ليستدير صوب سلمى والتي كانت قد ارتدت ثيابها بالفعل فابتسم يتحرك لها يساعدها في تجفيف خصلات شعرها، ومن ثم قام بجمعه بمهارة شديدة تصلح لارتداء الحجاب براحة دون أن تحمل هم خصلاتها الكثيفة، تراقبه وهو يحرك أنامله بمهارة عالية في وضع الحجاب بشكل صحيح.
"تبدو خبيرًا في هذا."
ابتسم أرسلان وهو يعطي جل اهتمامه للحجاب:
"تعلمت كل هذا منذ طفولتي، أي شيء يخص الفتيات أعلمه."
نظرت له بتعجب وقد بدأت نظراتها تحتد، ليمد هو أصابعه يربت على وجنتيها بلطف يبرر لها بهدوء شديد:
"لم أكن لادع شقيقتي تحتاج ليد غريبة كي تساعدها، خاصة خلال فترة مرض والدتي."
رقت نظراتها وهي تهمس بصوت حنون:
"ستكون أبًا حنونًا."
اهتزت حدقة أرسلان لثواني، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة، يجذب يدها معه صوب الاسفل:
"هيا علينا أن نكون في استقبالهم."
نظرت له سلمى بعدم فهم، لكنها سارت معه تستكين لجذبه لها، ووالله تقسم باغلظ الإيمان أنه لو كان يسحبها لهلاكها وتعلم لتبعته بكل نفس راضية، ترتضي بالهلاك إن كان لأجله، وبالعذاب إن كان لعيونه، استدار لها أرسلان وهو يسير بها صوب الساحة الخارجية يلقيها بنظرة متعجبة نظراتها، لكنها فقط ابتسمت له بسمة صغيرة لطيفة جعلت بسمته ترتسم بالمثل على فمه.
توقف بها في منتصف الساحة وهو يحدق في بوابة القلعة في انتظار وصولهم، وهي تقف جواره تحاول معرفة ما يحدث، وهو يكبت فضولها بنظراته يضغط على يدها بهدوء شديد.
دقائق مرت دون أن يصدر شيء حولها غريب حتى، وبدا وكأنها تنتظر اللاشيء، لكن فجأة صدر صوت أحد الجنود وهو يصيح بصوت جهوري:
"القائد المعتصم والقائد دانيار... افتحوا الأبواب."
نظرت له سلمى بعدم فهم وهو ابتسم لها يهمس بصوت منخفض:
"الصبر سُليمى."
أبعدت عيونها عنه ببطء صوب البوابة التي بدأت تنفرج عن أحصنة عديدة تحمل جسد المعتصم وبعض الرجال، ومن ثم دخلت عربات مغطاة كثيرة ومن بعد العربات دخلت المزيد من الاحصنة، كل ذلك وهي تتابع بلا فهم وبفضول كاد ينتهي من اخر ذرات صبرها.
تنفست بهدوء وهي تبصر المعتصم يهبط عن الحصان الخاص به يتحرك مع الرجال في تثبيت السلم الخاص بالعربة التي تقل النساء، ومن ثم دون مقدمات بدأت النساء تهبط عن العربة واحدة تلو الأخرى كلٌ يضم طفله لصدره والبعض يمسك بأيدي مراهقات ينظرن حولهن بصدمة كبيرة واعين شاخصة وكأن خيار الحرية لم يكن ضمن مخطط أيٍ منهن يومًا، رفعت امرأة رأسها وهي تتنفس أنفاس مرتجفة قبل أن تنهار أرضًا تبكي بصوت مرتفع وقد تبعها بعض النساء بانهيار لا أحد يفهم ما يحدث لهن، لم يسبق وبكت احداهن وكأن العذاب الذي عايشته هؤلاء النساء خدر جميع احساسيهن واوقف جميع مشاعرهن، والآن حينما طافت الحرية على السطح بدأ مفعول ذلك الخدر يزول وبدأ العقل يعي أنه كان عليه الإنهيار من قبل.
ارتجفت يد أرسلان بغضب يبعد عيونه عن النساء، ومن ثم رفع يده بإشارة لجميع الرجال الذي يرمقون ما يحدث بخزي وغضب مماثل، ليخفض الجميع أبصاره ارضًا.
بينما سلمى كانت تبصرهن أنفسهن النساء اللواتي جئن خلفها في الجحر للأحتماء بها، بل ويزيد عليهن نساء أخريات لم يمتلكن الشجاعة وقتها للانضمام لها.
سقطت دموعها بصدمة كبيرة وهي تبصر النساء يبكين ويضحكن في الوقت ذاته، قبل أن تهتف امرأة بصوت غير مصدق وهي تهلل:
"كتب الله لنا الحياة بعد سنوات من الموت."
ومن بعد كلماتها بدأ العقل يستوعب أن اللحظة لم تكن لحظة انهيار متأخر، بل كانت لحظة احتفال مترقب، فبدأ التكبير والتهليل، وسلمى تتابع كل ذلك بعيون دامعة وبسمة واسعة تحرك نظراتها بينهن، قبل أن تنظر لأرسلان بامتنان تهمس بصوت مرتجف باكي:
"أنا... أنا... أرسلان أنا اشكرك."
ابتسم أرسلان وهو ينظر لها بحنان لولا نظرات الشر التي استوطنت عيونه بشكل غريب يربت على كتفها بحنان:
"اخرجتهم من سجنهم كما وعدتك، والآن دورك لتخرجيهم من ظلامهم سليمى، ولا أعتقد أن هناك من يبرع في ذلك بقدرك."
حركت سلمى عيونها صوب الجميع وهي تراقب النساء تدرك أن رحلتها معهن ستكون طويلة كي تهيئهن لحياة طبيعية، بالإضافة لفاطمة والتي توقفت في منتصف الطريق معها، كان الأمر تحديًا لكنها أقسمت أنها لن تنام يومًا قريرة العين إلا حينما تعيد كل امرأة لحياتها الطبيعية وتؤهلهم لما هو قادم.
ابتلعت ريقها وهي تنظر حولها حتى أبصرت فتاة تعلمها جيدًا تتحرك صوبها، اتسعت بسمتها بقوة تبصر الفتاة تمسك بين يديها يد صبي في الخامسة تقريبًا او أقل ربما.
اقتربت منها الفتاة تبتسم لها بسعادة وقد كانت هي نفسها من ساعدتها في الهرب اول مرة مع اختها:
"كنتِ على قدر وعدك جلالة الملكة، كانت ثقتي وأختي في محلها، ليسعدك الله ولا ترين شرًا يومًا."
ابتسمت لها سلمى بسعادة وهي تراقب الصغير والذي كان يشبه ياقوت وبقوة لتهمس بصوت متساءل وهي تنظر حولها:
"أين هي ياقوت؟!"
امتلئت أعين الفتاة بدموع وهي تشدد من امساكها ليد الصغير والذي كانت ملامحه جامدة بشكل مرعب، وهي تهمس بصوت مرتجف:
"اوصتني أن أشكرك، كانت لتكون سعيدة... بالخروج من هناك و... كانت لتكون في غاية امتنانها، لكن أمر الله نفذ."
ختمت كلمتها وقد تسابقت دموعها على وجهها وهي تتذكر ما حدث لياقوت حينما اكتشف أصلان مساعدتها لسلمى، وحينها هجم على منزلهم.
وقتها أخذت شقيقتها تصرخ بهستيرية وتقسم أن لا أحد ساعد سلمى سواها فقط لتنقذها وولدها.
وسلمى لم تكن غبية أو جاهلة في قراءة الأعين لتجهل نظرة الفتاة لها والتي أوضحت أن موت اختها لم يكن مجرد صدفة البتة، وضعت يدها على فمها كتبت صرخة وكادت تنهار أرضًا من الصدمة، لولا يد أرسلان الذي امسكها برعب وهو يضمها له هامسًا بارتجاف وخوف:
"بسم الله عليكِ."
انهارت سلمى في أحضانه باكية وهي تهمس كلمات غير مفهومة، وارسلان يربت على كتفها يحاول مواساتها، لكن أي مواساة وهو يبصر كل ذلك أمامه، نساء وأطفال تربوا ونشأوا لشهور طويلة وربما لسنين بين القاذورات، كل هؤلاء الأطفال والمراهقين لا يوحون أن الفترة كانت مجرد شهور، وكل شيء سيعلمه لكن ليس الآن.
نظر صوب المعتصم وهو يشير بعيونه على الجميع ليهز المعتصم رأسه، ومن ثم بدأ يدعو النساء ليلحقن به صوب مبنى الضيوف مع أطفالهن.
بينما أرسلان أشار لأحد جنوده بالتحرك لتحضير الطعام للجميع، يسحب سلمى للداخل تحت انهيارها وهي تهتف بكل الوجع:
"بسببي، قُتلت بسببي، تيتم طفلها بسببي."
ضمه له أرسلان أكثر وهو يتحرك بها صوب جناحه وفي طريقه قابل خالد الذي اتسعت عيونه برعب على انهيار شقيقته يهرول صوبها:
"سول ما بكِ حبيبتي، هل أنتِ بخير؟ ما بها؟"
تحدث أرسلان وهو يتحرك بها بسرعة صوب غرفتهم يتجنب الجميع أن يبصر انهيار زوجته:
"بخير خالد عد لما كنت تفعل رجاءً."
"- بخير ماذا اختي منهارة و..."
توقف أرسلان وهو ينظر له بهدوء:
"رجاءً ليس الآن دعني اهدأها، ومن ثم سأناديك لتكون جوارها، هي ستحتاج لتكون رفقة أحدهم الساعات القادمة، وسواء كنت أنت أو قردها لا اهتم، فقط لا تتركونها وحدها."
ختم حديثه يجذبها معه صوب الغرفة تاركًا خالد ينظر في أثره بعدم فهم، ومن ثم تحرك بتردد صوب غرفته كي يستحم من تدريب اليوم ومن ثم يتحرك ليرى ما حدث له.
لكن في طريقه أبصر الكثير من النساء يتحركن مع الجنود لمبنى مجاور، لتتسع عيونه بعدم فهم لما يرى إذ كانت هيئة النساء مريبة غريبة والاوجه تحكي حكايات أخرى.
وفي لحظة كانت لحظة فقط رفعت واحدة من النساء رأسها صوبه في نظرة سريعة بسيطة، لكن لم تكن كذلك على قلبه ليشعر بقلبه يخفق بشدة من نظراتها، قبل أن تبعد عيونها عنه وتتحرك خلف الجميع تاركة خالد يبتلع ريقه يحاول تحليل ما رأى في نظرتها وكل ما صدره منه هو همسة صغيرة مسحورة:
"Como anjos."
تقف في النافذة تراقب ما يحدث بعدم فهم وعيون متسعة بفضول شديد وكأنها تستوجب الأجساد المتحركة في الاسفل عما يحدث، انتظرت أي حركة أو فعل يخبرها ما يحدث مع الجميع هنا، لكن لا شيء، فجأة اختفى الجميل وعم سكون وهدوء مريح للنفس في المكان لتبتعد عن النافذة وقد قررت أخذ استراحة نوم قصيرة.
لكن وقبل التحرك صوب الفراش أبصرت الباب يفتح وهو يطل منه بهدوء ورغم كل التعب الواضح على عيونه ابتسم لها بسمة حنونة وهو يفتح لها أحضانه، لتتحرك بسرعة كبيرة ولهفة أكبر تلقي بنفسها بين أحضانه وهي تستنشق رائحته براحة كبيرة وأخيرًا همست:
"اشتقت لك يا المعتصم؟"
"والمعتصم اشتاق لكِ كثيرًا حبيبتي."
رفعت عيونها له مبتسمة بسعادة كبيرة وهي تستشعر تلك الكلمة مرة وأخرى:
"هل أنا كذلك؟"
مد أنامله يتحسس وجهها بلطف شديد:
"أنتِ ماذا فاطم؟"
خجلت فاطمة من ترديد الكلمة مجددًا لتخفض فقط وجهها ارضًا وهي تهمس بصوت خافت:
"كما ذكرت أنت منذ ثواني."
"وما الذي ذكرته حبيبتي؟"
"نفسها الكلمة التي ختمت بها جملتك الآن يا المعتصم."
أطلق المعتصم ضحكة مرتفعة وهو يتحرك بعيدًا كي يغير ثيابه قبل التحرك للملك وأخذ التعليمات الجديدة، وهي فقط تتابعه بترقب وخجل.
"هل الأمر صعب لهذه الدرجة فاطم؟"
مررت فاطمة يدها على جبهتها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي من نظراته المصوبة ناحيتها، تخفض رأسها للاسفل خجلة من رفعها له، وحينما قررت فعل ذلك رفعت رأسها بهدوء ولم تكد تبرر له حديثها حتى أطلقت صرخة صداها في المكان بأكمله.
صرخة جعلت جسد المعتصم ينتفض بسرعة كبيرة بعيدة عن خزانته وهو يسارع لحمل سيفه الذي لم يضعه إلا منذ ثواني فقط، ينظر حوله بحثًا عن مصدر التهديد الذي سبب صرخات زوجته.
وبتتبع جهة نظراتها اكتشف أن ذلك المصدر هو... هو؟
نظر لعيونها التي تحدق فيه بفزع شديد وهو يقترب منها بعدم فهم وقد بدا كما لو أن فاطمة في هذه اللحظات تبصر اروع كوابيسها، وهي تناظرة بأعين شاخصة وحينما اقترب منها خطوة واحدة تراجعت للخلف بسرعة مخيفة تشير له محذرة ألا يقترب وهو لا يفهم ما تفعل.
وأخيرًا أدرك من عيونها التي كانت موجهه لصدره العاري أن جزعه العلوي الذي لا يغطيه شيء، هو الوحش الذي تخشاه زوجته في هذه اللحظات.
توقف في منتصف الغرفة وهي تقف في ركنها تراقبه بوجه أحمر واعين شاخصة جعلته يتراجع بسرعة يحمل ثوبه يلقيه على نفسه، ومن ثم رفع يده في الهواء يعلن استسلامًا أمامها:
"ها نحن ذا فاطم، لا صدر عاري ولا أذرع ظاهرة اكرمني الله بالستر."
كان يتحدث وهو يقترب منها وهي تراقبه بأعين متسعة تحاول أن تتحدث بكلمات مفهومة:
"هذا... لا يجوز... يا المعتصم هذا عيب لقد..."
"نعم حبيبتي هذا عيب بالطبع أنا حقير غير مهذب ستكون المرة الأخيرة التي افعلها أمامك، هيا اقتربي لا تخافي."
نظرت له بتردد وهو فكر أن يفعل لها ما تريد في هذه اللحظة ومن ثم مع الوقت يعلمها كيف تتقبله كما يريد، ابتلع ريقه وهو يشير لها بيده وهي فقط نظرت له باعتراض شديد:
"أنت قليل الأدب، لم تكن كذلك حينما عرفتك في البداية."
"- نعم أنتِ محقة، أنا قليل الأدب، كنت اخفي حقيقتي أسفل وجه طيب ولم أخبرك أنني اخلع ثيابي قبل الاستحمام."
رفعت عيونها له وهي تردد جملتها والخجل قد بلغ مبلغه وقد كانت هذه المرة الأولى التي تبصر بها رجل عاري الجذع، ربما مرت بالجيش مرة أو مرتين حينما كانت تقفز له في كل مرة، لكن حينها لم تهتم بالنظر لأحد أو تنتبه لشيء سوى حركاتهم القتالية بوجه عام.
"هداكِ الله يا ابنتي اقتربي دعينا اربت عليكِ تربيته بريئة."
ابتلعت ريقها وهي تقترب منه بتردد تناظره بشك وكأنها تنتظر منه حركة غدر، بينما هو ابتسم لها وهي تقول بصوت منخفض:
"لم تكن هكذا في البداية ظننتك لا تفعل مثل هذا."
"- يا ابنتي لا تزيديها عليّ أنا اجاريكِ في غبائك بصعوبة الآن، ثم أكن ماذا؟! هل تتوقعين أن أسير بين ممرات القصر بلا ثياب؟ بالطبع اخلعها في غرفتي و... دعيني أخبرك سرًا فاطمة، أنتِ زوجتي ولا بأس أن تريني هكذا."
هزت رأسها وهي تقترب منه تهمس بصوت منخفض بكلمات مبهمة له، وهو فقط جذبها لصدره يدعوها للأقتراب أكثر:
"ماذا قلتي؟"
"_ اقول لك أنني اعلم ذلك، وأنه لا بأس من ذلك أمامي، لست حمقاء أو طفلة يا المعتصم ولكن أنا فقط... خجلت ولم أتوقع أن تتجرأ عليّ هذا بهذ السرعة."
رفع حاجبه بصدمة من كلماتها ولم يجد ردًا يخبرها به، سوى أنه جذب رأسها له بقوة حانقًا:
"اتجرأ عليكِ بهذه السرعة؟! انظري فاطمة انظري هذه خصلات كادت تشيب في رأسي انتظارًا لاحسانك عليّ."
نظرت له بضيق من كلماته ليبتسم مكملًا:
"حظك يا ابنتي أن رزقك الله برجل وقح مثلي، أعانك الله عليّ."
كبتت فاطمة بسمتها بصعوبة على حديثه وهي ترتكن برأسها أكثر على صدره، وهو يراقبها بحنق شديد يود لو يعاقبها ويسير المتبقي من عمره بلا ثياب علوية، وهي فقط تكتم ضحكتها في صدره.
وقبل أن يتحدث بكلمة لها سمع صوت طرق على باب غرفته وصوت ألطاف يصدح بنبرة خافتة محترمة:
"سيدي القائد أنت بالداخل؟"
تعجب المعتصم من أمر ألطاف، يبعد فاطمة عنه قليلًا وهو يتحرك صوب الباب ولم يكد يبتعد خطوة حتى امسكته فاطمة بسرعة من ثيابه تغلق الزر العلوي في سترته بشكل جعله يرفع حاجبه مبتسمًا بسخرية:
"ألا جزاك الله خيرًا يا ابنتي كدت اخدش حياء الخالة ألطاف بمقدمة رقبتي الظاهرة."
ابتسمت له بلطف وهي تضم يديها أمامه تنطق بنبرة تدرك أنها تشعل غضبه أكثر:
"جزانا وإياكم يا المعتصم، أنت زوجي في النهاية وسمعتي من سمعتك فاحرص عليها ولا تلوثها بطيشك."
رفع المعتصم يده يدفعها للخلف بضيق لتنطلق ضحكات فاطمة بقوة في المكان وقد بدا أن قلبها تحرر من قيود العقل في وجود المعتصم، ولم تكذب حين أخبرته أنها في وجوده لا تبصر والدتها ولا تشعر بالثقل على قلبها.
تحرك المعتصم صوب الباب يفتحه بهدوء ولم يكد يتحدث متسائلًا عن سبب وجود ألطاف في هذا الصباح الباكر، لتسارع الأخيرة بالتحدث بجدية:
"آسفة لازعاجك منذ الصباح سيدي، لكن هناك ضيف جاء للسؤال عن فاطمة في منزلها وحينما لم يجدها طلب مني أن اقوده لهنا."
تعجب المعتصم كلماتها، فأي ضيف هذا الذي سيذهب للسؤال عن زوجته بعدما فقدت سائر أفراد عائلتها؟
ولم يكد يصرح بحيرته حتى أبصر السيدة الطاف تنحني للجانب ويحل محلها شاب يافع يماثله العمر أو ربما يكبره ببعض السنوات يرتدي ثياب جيش يعلمه جيدًا.. سفيد.
يبتسم له بهدوء وهو يمد يده للمعتصم يتحدث بكل جدية جعلت المعتصم يُصدم من جرأته فبالتأكيد أخبرته ألطاف عن هويته، إذا ما معنى كلماته التي نطقها بلا اهتمام.
"مرحبّا سيدي، أنا إلياس ابن خالتها لفاطمة وخطيبها."
"توبة ما بكِ؟"
"تماسكي ولاتدعي والدك يشعر بشيء الآن، قد تؤثر أي أخبار سيئة بالسلب عليه."
رفعت عيونها وهي تشعر بالانهيار، ادعت أنها بخير حال في الفترة الأخيرة، لكنها لم تكن والله لم تكن.
ما مرت ليلة واحدة نامتها دون أن تبكي ولدها، لم تمر يومًا بركنٍ في القصر إلا واعاد لها صوت ضحكاته ومشاكسته، ولدها الحبيب والذي رغم كرهها ومقتها لوالده، ما كرهته لحظة واحدة، بل نظرت له نظرة العوض وبنت حياتها القادمة على وجوده، صغيرها الحنون والذي ما كان ليهون عليه دمعة واحدة منها.
سقطت دموعها بقوة وقد ازدادت شهقاتها وهي تبعد يد نزار عنها دون وعي وذكرى انهيار قديمة تضيء في عقلها، وشعور يد أخرى تضمها يعود لها، وصوت حنون هامس يردد في أذنها بحنان:
"لا تبكي أمي، لا عاش من يحزنك وأنتِ الأميرة توبة، أخبريني ما يحزنك وأقسم بالله لأقتص لكِ منه، فقط أخبريني وأنا سأفعل لكِ ما يسعدك أمي."
"أنا بخير صغيري."
"لستِ كذلك أمي، أنتِ حزينة... هل السبب أبي؟"
"لا، أنا بخير و..."
"أنا أكرهه، أنا أكره هذا الرجل وبشدة، أكرهه وامقته من اعماق قلبي، أكرهه لأنه كان طوال الوقت سببًا لبكائك أمي."
"توبة ارجوكِ لا تخيفيني، هل أنتِ بخير؟!"
رفعت توبة عيونها صوب نزار الذي كان يراقبها بقلق يضع مسافة بينهما، محدقًا فيها بعجز وقد شعر أن المسافة بينهما تتخطى بُعد المشرق والمغرب.
العجز كان كحبال غليظة يقيد نزار، حبال تلتف حوله تمنعه من نطق كلمة واحدة يريح بها قلبه قبلها، ونظراتها كانت كسوط يستغل عجزه ويجلده دون أن يمتلك حق الاعتراض، دون أن يمتلك حق المقاومة حتى.
وإلى متى الصمت والجبن، إلى متى سيظل خاضعًا لخوفه من الرفض، إما أن يتقدم وينتهي أو ينسحب وينسى، واختار نزار الاختيار الأول وقد شعر برغبة عميقة في التحدث وأخيرًا بما يدور داخل صدره، وقد خنقته الكلمات حتى أصبح التنفس صعبًا.
ابتلع ريقه يمحو أي اسوار تعيق تقدمه، ينظر لعيونها التي اخفضتها بسرعة هربًا منه، لكن ورغم ذلك لم يتراجع وهو يتحدث بصوت خافت وقد قرر أن لا تراجع في هذه اللحظة، إن خسر جميع المعارك فستكون توبة حربه الأخيرة التي سيقودها نحو النصر:
"توبة."
كلمة واحدة خرجت بعجز كبير من فمه، كلمة أدركت توبة كم الكلمات التي تتواري خلفها، لذا انخفضت عيونها تغمضها بقوة وهي تضغط قبضتها على ثوبها، ترفع عيونها له بتردد تبصر كلماته منعكسة في عيونه قبل حتى التحدث بها.
فتح فمه يتحدث بكلمات مترددة ونية واضحة في التقدم دون تراجع للحظة:
"توبة أنا ا...."
"لا."
طعنة اخترقت صدره، وضربة أعادت جيوشه صوب الخلف متقهقرين، وقد وأدت توبة أمل مازال بالمهد، وأدته دون حتى أن تسمح لذلك الامل أن يبصر النور.
شحب وجه نزار بقوة وشعر بتلك الضربة اقوى من تحمله، يهمس بارتجاف وبسمة صغيرة مقهورة:
"لا؟"
رفعت توبة عيونها تنظر له بقوة وتجبر وعقلها هو من تسلم ضفة الحوار، وقاد جيوشها في هذه اللحظات، قتلت قلبها وهي تتحدث بهدوء وجدية كبيرة:
"لا يمكنك نزار، غير مسموح لك حتى بأن تحلم مجرد حلم بما يدور داخل عقلك الآن."
كانت ضربة قوية شعر بها تقسمه نصفين، تراجع للخلف بهدوء وقد شعر برغبة قوية في الانهيار ارضيًا والصراخ بكل عنف.
ورغم كل الأمواج المتلاطمة داخل صدره، وكل تلك الفوضى التي انبثقت في ثواني داخله، إلا أنه نظر لها ببسمة واسعة مرتجفة يهمس بصوت هادئ:
"نعم، أنتِ محقة توبة."
شعرت توبة برغبة قوية في الانفجار أمامه باكية بكل الحسرة التي نشبت داخل صدرها في هذه اللحظة، رغبة قوية في ضمه والتربيت عليه وهي تخبره أنها كاذبة، وأنها لا تمتلك سوى "لا" مقيدة بالواقع المحيط بهم، وأنها لو استطاعت لصرخت بنعم.
ورغم كل ذلك همست بصوت خرج خافت بشكل غريب بسبب كبتها دموعها:
"أبي... هل سيكون بخير؟"
رفع عيونه لها ثواني قبل أن يبتسم لها بسمة جامدة وكأنها تحول في هذه اللحظة لنسخة أخرى أشد بهوتًا منه:
"نعم لا تقلقي كل ما يحدث له مجرد آثار جانبية للسم ستأخذ وقت قصير وتتلاشى مع الاستمرار على المصل، لا تخافي سيكون الملك بارق بخير."
ختم حديثه وهو ينهض من جوارها يتحرك بعيدًا عنها ملقيًا كلمته الأخيرة والتي كانت أشد وطئًا عليها من كلمتها له:
"سيكون بخير، ولن أكون."
خرج تاركًا توبة تراقبه بملامح موجوعة، وقد كان صوت غلق الباب بمثابة إشارة لها لتنهار وأخيرًا، وقد شعرت أن الحياة تعاندها، ترسل لها الزهور في حديقة من الأشواك، تعطيها الفاكهة في سلة مليئة بالصبار.
أما عن نزار فتحرك بصعوبة بعيدًا عن غرفتها وقد شعر بثقل كبير في صدره وصعوبة كبيرة في التنفس، ابتلع ريقه وهو يتحرك صوب الغرفة يدعو ربه أن يكون الوليد قد خرج منها ليعطيه فرصة رثاء نفسه.
تحرك صوب الغرفة دون أن ينتبه لتلك الأعين التي كانت تتبعه في كل مكان منذ أيام طويلة وكأنها تسجل كامل تحركاته.
بعد دقائق من الانهيار بين أحضانه استكانت سلمى وأخيرًا وقد شعرت بالهدوء يسود المكان، أما عن أرسلان فلم يقطع بكائها أو يطالبها بالكف عنه، بل ترك لها حرية التعبير عما يجيش صدرها دون أن يمنعها.
وحينما شعر منها هدوءًا، تحدث بصوت خافت وهو يربت عليها بحنان:
"في هذه الحياة سلمى ستفقدين الكثير وفي المقابل ستكتسبين الكثير، فلا تقفي عند الفقد ولا تتجاهلي المكسب، تأقلمي مع أحزانك وتقبلي سعادتك حبيبتي."
كانت سلمى هادئة بين أحضانه، وهو فقط يتحدث بكلمات لا يعلم إن كانت تعي منها شيء أو لا، لكنه استمر في كلماته ببسمة صغيرة:
"أعلم أنكِ اقوى مما يبدو عليكِ، لذا لا تسمحي لنفسك بالأنهيار، أنتِ الملكة ولديكِ الكثير لتمري به، فلا تنهزمي من أول تحدي تخوضيه."
"- لم.. ظننت أنني سأستطيع المساعدة."
"- وقد فعلتي حلوتي، فأين تقصيرك؟ هذا قدرها وقد انتهى أجلها حتى تلك اللحظة، الآن كل ما عليكِ هو الدعاء لها، والاهتمام بصغيرها كي تكون هي مرتاحة حسنًا؟"
هزت رأسها بنعم، ليبتسم لها بهدوء وهو يقبل رأسها، ومن ثم أبعدها بهدوء يردد بصوت خافت حنون:
"لولا أنني امتلك الكثير لأفعله ما رحلت وتركتك وحدك، لكن لا تقلقي سأرسل لكِ من يؤنس وحدتك حتى تصبحين بخير وقادرة على مقابلة الجميع."
ختم حديثه يتحرك بهدوء بعدما أخذ منها موافقة بهزة رأس صغيرة منها ولم يكد يخرج من الجناح حتى أبصر أمامه كهرمان وزمرد، لتتسع بسمته وهو يهز رأسه هزة صغيرة مرحبًا بزمر ومن ثم ربت على كهرمان:
"حمدًا لله أنكِ هنا كهرمان، رجاءً ابقي مع سلمى فهي لا تشعر أنها بخير الآن، لدي عمل انتهي منه واعود حسنًا؟"
هزت له كهرمان رأسها ولم تكد تستفسر عما يحدث في القصر وكل هذه الفوضى التي تبصرها، حتى رحل أرسلان بسرعة تاركًا إياهم لتضرب زمرد الباب بقدمها تقتحم المكان بضوضاء:
"أخوكِ هذا شخص مريب والله."
ختمت حديثها تبصر بكاء سلمى وهي تمسح دموعها في اللحظة التي دخلن بها، لتشير لها زمرد وهي تقول بحنق:
"ها انظري أبكى الفتاة والله وحده يعلم ما فعل بها."
تحركت صوب سلمى وهي تجذبها بين احضانها بقوة ليس وكأنها تواسيها، تربت عليها بحنان غريب على مثل شخصها الذي عرفته سلمى:
"لا بأس يا ابنتي، ادعي عليه، فلندع عليه جميعًا فالله وحده القادر على امثال زوجك."
ابتعدت عنها سلمى بسرعة بصدمة ولم تكد كهرمان توبخها للحديث بالسوء عن أخيها، حتى وجدت كلمات سلمى تنبثق خارج فمها كالسيول في ليلة ممطرة:
"ليأخذ الله أعداءه اجمعين، زوجي لا رجل مثله في هذه الحياة."
تشنجت ملامح زمرد وهي تنظر صوب كهرمان التي كانت تراقب سلمى بفخر شديد وصل عناء السماء وكأنها لا تصدق أن أخاها الحبيب وأخيرًا عثر له على ركن دافئ ومستقر في هذه الحياة، سلمى والتي منذ اللحظة الأولى أقسمت بالله أن لا امرأة في هذه الحياة تليق باخيها سواها، الآن تتأكد من الأمر.
"ماذا قلت أنا؟ والله هذا خطئي أن احطت من قيمتي وتعاملت معكِ، امثالك لا يستحق سوى النظرات الجانبية وضرب السيوف و....."
فجأة صمتت وتحولت عيونها بشكل غريب والخبث بدأ يرتسم على ملامحها بشكل مريب جعل كهرمان تتقين أن القادم لن يعجبها بأي شكل من الأشكال:
"أنتِ ملكة ها؟ إذن تعلمين كل ما يتعلق بالمبارزة، ما رأيك بمبارزتي؟؟؟؟؟"
"مولاي انتهيت من فحص الاطفال منذ قليل وسيكون كل شيء بخير مع الاعتناء بهم، والآن تولت طبيبة القصر رفقة زوجتي أمر الاعتناء بالنساء."
استدار أرسلان صوب زيان وهو يبتسم له بلطف شديد يربت على كتفه بهدوء وامتنان كبير ولم يكد يتحدث حتى انتبه لما يعلو رأسه ليضيق عيونه بعدم فهم:
"زيان... ما هذا الذي يعلو رأسك؟"
تعجب زيان من كلماته وهو يرفع يده يتحسس رأسه بعدم فهم، قبل أن يستشعر ملمس الضمادة أسفل أنامله، قبل يعض شفتيه بغضب شديد، ورغم ذلك رسم بسمة مقتضبة:
"هذه؟ هذه مجرد توثيق للحظاتي السعيدة."
ختم حديثه وهو يتذكر ما حدث معه في المرحاض منذ يوم كامل حينما كادت زوجته تحطم جمجمته على أرضية المرحاض وكأنها تنتقم من رأسه لأجل ما حدث معها.
صدحت صرخاته في المكان حتى كادت توقظ الاموات من قبورهم، يتأوه بقوة وقد شعر أن جمجمته تحطمت بكل ما للكلمة من معنى، بعيدًا عن أي تعبيرات مجازية.
تمدد ارضًا وهو يشعر بالوجع والدوار قد بدئا يتمكنان منه، والمكان حوله يتحرك بسرعة مرهقة، ومن ثم ظهر وجهها في المشهد وهي تميل عليه تهمس بصوت منخفض وخوف:
"زيان؟ أنت بخير؟"
شعر زيان بالدماء تسيل على رأسه وهي تراقبه بأعين متسعة مرتعبة تميل بقوة تكتم سيلان الدماء بثوبها باكية بصوت مرتفع:
"يا ويلي زيان، أنت تنزف بقوة، يا ويلي."
رفعت عيونها لها يحاول الحديث كي يطمئنها، لكن توقفت الكلمات على طرف فمه حينما سمعها تحدثه بلوم لاذع:
"كل هذا بسببك، ما كان عليك الوقوف خلف الباب مباشرة، أنظر إلى ما فعلت بنفسك."
ردد متشنجًا متوجعًا:
"فعلت بنفسي أيتها الــ..."
"زيان ما بك؟ أنا احدثك؟!"
انتفض زيان من أفكاره وهو ينظر صوب أرسلان يبتسم له بسمة صغيرة ومن ثم هز رأسه بهدوء:
"لا تهتم مولاي هذه نتائج ما جنت يدي."
فتح أرسلان عيونه بعدم استيعاب لما يحدث، وقبل التحدث بكلمة أبصر الملك آزار يتحرك بشكل غريب في الممرات جعله يخشى ما يحدث معه ليلحق به وهو يستأذن بسرعة من زيان وهو يلحق بازار الذي كان يتحرك في الممرات بشكل غريب.
"مولاي؟ جلالة الملك كل أمورك بخير؟"
توقفت أقدام آزار وهو ينظر صوب أرسلان ثواني دون رد ومن ثم هز رأسه بهدوء يتحدث بجدية:
"نعم أرسلان لا تقلق، أحدهم أخبرني أن هناك أحد رجالي ينتظرني لأجل إيصال رسالة في غاية الأهمية."
هز له أرسلان رأسه وهو يبتسم يربت على كتفه مشيرًا صوب القاعة
رواية اسد مشكي الفصل الثلاثون 30 - بقلم رحمه نبيل
أصوات الهواء هي كل ما يمكن سماعه في المكان، إذ يبدو أن أجواء مشكى في هذا الوقت من العام بدأت تشارك الجميع عواصفهم الداخلية وتجسدها على أرض الواقع.
وعلى عكس المتوقع، ارتسمت بسمة واسعة على فم أرسلان، بسمة كبيرة لا تليق لتسميتها بسمة في الواقع، لولا أن المسمى الوحيد لحركة فمه تلك في اللغة كان ابتسامة، لذا كان يمكن تسميتها بسمة ويُضاف لها ما يخفف من لطفها كـ "مرعبة".
"يبدو أن الأميرة توبة غفلت عن تفصيلة صغيرة في قصتها وهي ترويها علينا."
سالار نظر صوب آزار، والذي كان في هذه اللحظة يراقب ما يحدث بوجه شاحب بعض الشيء، يحاول الحديث بأي كلمة من شأنها أن تخفف من الوضع:
"ربما نحتاج للتفكير أولًا في الأمر قبل التحرك أرسلان، نحتاج لعقد اجتماع لتقرير الخطوة القادمة و..."
نظر له أرسلان ببسمة صغيرة، ثم حرك كتفه بهدوء شديد، يهتف بصوت هادئ لا يدري سالار من أين جاء به أرسلان، والذي كان عنوانًا للعنفوان والغضب:
"دعنا نتجاوز الحديث في هذا الأمر جلالة الملك، فأنت تعلم أنني لن أكون لطيفًا فيما يتعلق بهذه النقطة تحديدًا."
"أرسلان، لا يمكنك التصرف في هذه الأمور وحدك، خاصة وأن المعني هو أحد أفراد مملكتي و..."
"وهذا الفرد ماذا فعل مولاي؟ خالف أوامرك وحكمك وهرب منك صحيح؟ إذن دع الأمر لي وأنا أتولى من هنا، إذ يبدو لي أنك لم تحسن تربية ولدك جلالة الملك، لذا دعني أنا أتعامل معه و..."
ازداد غضب آزار من سخرية أرسلان اللاذعة، وشعر أن النيران نشبت في صدره وقد أحاطت به شياطينه، وهو يهتف دون تحكم بغضبه، وقد كان هذا أسوأ ما يمتلكه آزار، فإن كان أرسلان متهورًا درجة، فأزار كذلك مائة درجة:
"لكل هفوته أرسلان، كان نزار هفوتي كما كنت أنت هفوة كبيرة بالنسبة لوالدك، فكلنا نعلم أن نهاية والدك لم تكن الأفضل بسببك و..."
فجأة توقف حديث آزار، والذي كان صادرًا من أب معذب مكلوم يقف على حبل رفيع بين واجبه وبين مشاعره كأب مجروح من ولده. توقف عن الحديث بسبب صرخة سالار، الذي هتف بصوت مرتفع هز جدران المكان، ولأول مرة يتجرأ ويصرخ في وجه آزار:
"خـــــــــــالـــــي."
انتفض جسد آزار ليس رعبًا من صرخة سالار، بل صدمة بما نطق به لا وعيه، وكأنه لم يتحكم بكلماته التي خرجت منه وخرجت من جزء اللاوعي دون سيطرة من عقله. اتسعت عيونه برعب وهو يرفعها بتردد صوب وجه أرسلان، الذي كان كالصخرة لا يشي بشيء بداخله ولا يعبر عن نيران صدره.
ارتجفت يد آزار بلا شعور وهو يهمس بصوت خافت:
"أرسلان، والله الذي لا إله إلا هو كان شيطاني هو من يتحدث و..."
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم حرك رأسه بهدوء، يهتف له بنبرة لا توحي أيًا مما يكمن داخل صدره:
"لا بأس جلالة الملك، نتحدث إذن حينما ينصرف شيطانك."
ختم حديثه، يربت على كتف آزار، ومن ثم نظر صوب سالار بنظرة سريعة، ومن بعدها هز رأسه مودعًا، يرحل من أمام الجميع، تاركًا آزار يراقب ظهره بعجز وصدمة واحتقار لذاته.
"هل تعتقد أنه قد... قد... يحمل في نفسه شيء مني و...؟"
والله لا أعلم كيف نطقت تلك الكلمات.
صمت بعجز وقلة حيلة، بينما نظر سالار صوبه بلوم سرعان ما أخفاه، وقد أشفق على خاله من مقدار الوجع الظاهر في عيونه. حرك عيونه صوب الطريق الذي سلكه أرسلان قبل ثوانٍ، ثم تحدث بوجع لأجله:
"لا تقلق خالي، حتى وإن فعل، فأنت تعلم أن أرسلان لا يطول غضبه، وخاصة منك، وهو يعلم مكانته لديك، وأنك تعتبره ولدًا لك."
كانت كلمات سالار أشبه بجلدات وعتاب خفي لآزار، الذي شعر بالقهر الشديد وهو يهمس بصوت موجوع:
"والله لم أقصد، الله وحده يعلم مكانتكم جميعًا في قلبي، وأنني لم أحصل على ولد واحد فقط، بل كنتم جميعكم بمثابة أولاد لي وعوضًا عما حدث."
صمت، ثم همس بصوت مذبوح:
"هل يجب أن نخبر إيفان، لعله يساعدنا في أمر أرسلان؟"
"دع في البداية أرسلان يشفي جروحه ويعود، ومن ثم نرى ما يمكننا فعله له."
***
"مولاي، لقد..."
توقفت كلمات تيم قبل أن يخرجها من فمه، وهو يبصر وجه أرسلان الذي كان مسودًا بشكل مرعب، يتحرك بعيدًا عنه صوب المنطقة الخلفية للقلعة، وكأنه يختفي بنفسه عن الأعين بحثًا عن ركن هادئ لينهار، ركن هادئ ليرثي نفسه ووالده وطفولته وشبابه وحياته وبلاده، يرثي عمره.
وأثناء تحركه صوب تلك البقعة التي لطالما جعلها ملجأ له من كل أحزانه، أبصرها تتهادى مع شقيقته وزوجة دانيار بعيدًا عن أبصاره. وفي لحظة تهور، كاد يتحرك صوبها يجذبها من بين الجميع، معلنًا أحقيته فيها وأنه الآن الأشد احتياجًا لها من الجميع، لكن ليته استطاع كسر كبريائه والتحرك لها وأخبارها أنه يحتاجها.
ليته، وليت الأماني تتحقق...
***
"مرحبًا سيدي، أنا إلياس ابن خالتها لفاطمة وخطيبها..."
جملة كانت بمثابة قماشة حمراء لثور في أوج حالات غضبه، إذ كان المعتصم في هذه اللحظة لا يفهم ما يقول هذا الرجل. فقط مد يده يبادله المصافحة، وهو يبتسم بسمة غريبة بعض الشيء تحت أعين فاطمة المتعجبة وألطاف المصدومة.
"المعتصم بالله زوج فاطمة."
ختم كلماته، وهو يوسع بسمته الغريبة، يضغط على يد إلياس، الذي دار برأسه بين الجميع بعدم فهم، قبل أن تتوقف عيونه على فاطمة خلف المعتصم، والتي كانت تنظر له بريبة.
"ماذا؟ هل تمزح معي يا سيد؟ زوجة من؟"
"زوجتي."
"هل أنت مجنون؟ كيف تتزوج مخطوبتي؟"
"أمر الله يا بني. استيقظت في يوم وجدت نفسي متفرغًا، فقلت: لم لا تقضي وقت فراغك هذا يا المعتصم في شيء مفيد كالزواج من فاطمة مثلًا؟ وهكذا ذهبت لها وعرضت عليها الأمر، وهي وافقت، وأحضرنا الشيخ وعقد قرانا، وهكذا أصبحت زوجتي. والآن أنا متشوق لسماع قصتك وكيف كانت زوجتي مخطوبتك يا سيد؟"
كان إلياس يتابع كلمات المعتصم الساخرة، والتي تخفي خلفها غضبه، حتى انتهى. وحينما فعل، رفع عيونه صوب فاطمة يسألها بصدمة:
"فاطمة، هل هذا الرجل جاد؟"
وفجأة شعر بيد المعتصم تعيد نظراته له، وكأنه على وشك خلع رقبته، وهو يتحدث بتحذير:
"حديثك معي يا هذا، لا توجه كلماتك لزوجتي."
نظر صوب فاطمة وأشار لها بعيونه أن تتحرك للداخل، لكن فاطمة كانت تقف مصدومة لا تفهم شيئًا مما يحدث، ليصرخ بها المعتصم:
"فاطمة، تحركي للداخل رجاءً."
تدخل إلياس بغضب، وهو يجذب رأس المعتصم له بضيق:
"لا تصرخ بها هكذا، فاطمة ادخلي واحضري أغراضك، دعينا نرحل من هنا."
نظر له المعتصم بشر، ولم يكد يتحرك حتى يجز عنقه لتجاوزه بهذا الشكل وتحدثه لزوجته أمامه بهذه الطريقة.
لكن سبقته كلمات فاطمة، والتي نظرت للشاب بأعين ضيقة، وكأنها تفكر في شيء ما، قبل أن تتحدث بكل جدية وبراءة:
"من أنت؟"
اتسعت أعين الجميع في المكان، وفاطمة نظرت صوب المعتصم بأعين هادئة، وهي تردد بصوت خافت وصل للجميع:
"هذا الرجل هناك يشبه رجلًا آخر زارنا منذ سنوات وتشاجر مع أمي، ومن ثم رحل بعدما كسر الكوب الخزفي الأحمر الخاص بأمي، والذي اشترته في يوم ميلادي التاسع."
كانت تتحدث والمعتصم يراقبها بأعين مصدومة من كلماتها، حتى انتهت من سرد قصتها القصيرة، والتي وصلت لمسامع الجميع لتثير حالة من التعجب في المكان.
أما عن المعتصم، فلم يقاوم نفسه، وهو يهمس بصوت خافت:
"تتذكرين كل هذا وتنسين أنني زوجكِ، حقًا؟"
رمشت فاطمة وهي تنظر له بتوتر، وقد عجزت عن التفكير في رد على كلماته. وهو شعر بذلك، فقط ابتسم لها بلطف شديد، وهو يدفعها بعيدًا عن الباب، ومن ثم نظر لألطاف، وهو يقول بهدوء:
"سيدة ألطاف، رجاءً كوني معها لحين أعود وأنهي حديثي مع هذا الرجل."
ومن بعد هذه الكلمات، لم يعطِ أحدهم فرصة كي يستوعب أو يفكر في رد، بل فقط جذب الشاب بعيدًا عن الباب، وهو يغلقه بهدوء كي لا يفزع فاطمة، يسحبه معه بعيدًا منعًا لوصول الصوت المرتفع لفاطمة. ومن ثم، وحين ابتعد به لأحد الأركان، ابتسم له بهدوء شديد:
"والآن، رجاءً أخبرني بالتفصيل ما كنت تقوله في الداخل وأمام زوجتي عن كونك خطيبًا لها..."
***
جلس على فراشه وهو ينظر أمامه بصدمة مما حدث، لا يصدق أنه كاد ينطق بما ضمر القلب، لا يتخيل أن لسانه تسلح بكل تلك القوة لنطق كلمات كبتها بجبن قديمًا. لكن يبدو أن شجاعة قلبه وتهوره أوهمته أن أحلامه ممكنة، أنساه أنها في النهاية مجرد أحلام.
غفل عن أن ما من امرأة واحدة تقبل أن يرتبط اسمها باسم رجل وصفه الجميع بالخيانة والغدر وأوصاف لا تليق أن تلتصق بتوبة لمجرد أنها قبلت بعاصٍ مثله.
أين لنزار العاصي بتوبة مثلها؟
سقطت دموعه دون شعور لأول مرة منذ زمن طويل، وهو يشعر بتفتت قلبه. وآه لو يسمح له الزمان لأخبرها بكل ما يدور داخل صدره، يخبرها أنه ليس بهذا السوء، أنه والله ندم على كل ما فعل، ليس هذا الشيطان الذي يتحدث عنه الجميع، هو نزار... نزار الرجل الذي عثر على ذاته بين أحضان توبتها.
لكن هل تسمح له ويسمح له الزمان؟
ابتسم بسخرية وهو يضم قدمه لصدره، ينظر أمامه دون أن يحيد بنظراته عن الجدار، وكأنه يبصرها متمثلة هنا، ودموعه عالقة بين رموشه. يشعر أن السعادة لم تقرر بعد زيارة أرضه المقفرة، لن تُروى أرضه البور بقطرات الفرحة هذا العام، وقد بدا أن سنوات العجاف لم تنتهِ بعد، لم يأتِ عامه الذي يُغاث به.
دخل الوليد في هذه اللحظة، وهو يتحدث بكلمات متلهفة، وقد عاد بالأخبار كما تعهد لنزار، والذي رغم أنه خرج من الجحر إلا أنه لم ينسَ قسمه بالانتقام من الجميع:
"نزار، اسمع آخر الأخبار. لن تصدق، لقد... اشتعل الجحر بكل من فيه و..."
توقف فجأة الوليد عن التحدث، وهو يبصر وضع نزار، الذي لم يكن يسمع ما قيل، وكأن الوليد لم يتحدث حتى جواره، فقط ينظر أمامه بلا رد.
جلس جواره الوليد وهو يهزه بهدوء:
"نزار، هل تسمعني؟ لقد أحضرت لك أخبارًا قد تسعدك و..."
"نزار، هل تبكي؟"
تنفس نزار بصوت مرتفع، وهو يخفض وجهه، يغرسه بين أقدامه، يمسح دموعه، ومن ثم زفر بصوت مرتفع، ينزع رأسه عن أقدامه، ينظر للوليد بهدوء شديد، جعل الوليد يتعجب مما يرى، لا يفهم ما يحدث.
"ما الذي حدث يا الوليد؟"
"هل أنت بخير؟"
ابتسم له بسمة مذبوحة، والجزار كان معروفًا، لكن من يلوم الجزار على ذبح الذئب الضار؟
"نعم، بخير حال. دعك مني وأخبرني ما الأخبار التي أحضرتها؟"
***
ويا ليت كان عذابها له مجرد دلال تمارسه عليه، ليته كان دلالًا تسوقه له، لكنه كان... كان... الأسوأ أنها لا تجد وصفًا لما بينهما، لا تجد وصفًا لما حدث. أخطأت، وكان خطأ أكبر من أن يمر دون عقاب، وما من عقاب أكبر من الاحتراق بنيران شوقها وحبها لرجل لا مرسى لأشرعتها على شواطئه.
مسحت دموعها حينما سمعت صوت استيقاظ والدها وهو يناديها، انتفضت عن مكانها، تتحرك بسرعة صوبه، ترسم بسمة باهتة على فمها:
"أنا هنا يا أبي، هل أنت بخير الآن؟ أخبرني الطبيب أنك ستكون بخير حال، وهذه الغشاوة على عيونك ستزول بعد أيام قليلة وربما ساعات."
مد بارق يده وهو يحاول الوصول ليدها، لتمسك هي كفه وتقبله بحب شديد، وهي تكبت صرخة قهر داخل صدرها، ترسم بسمة بصعوبة رغم علمها أن والدها لا يبصرها.
ولم تكد ترفع عيونها له حتى سقطت دموعها على كفه، تكشف له ما حاولت مواراته خلف كلماتها منذ ثوانٍ.
"توبة يا ابنتي، ما بكِ؟"
حاولت توبة أن تبتلع غصتها كي تتحدث بصوت طبيعي لا يثير الفزع بقلب والدها، حاولت وحاولت حتى فشلت، وهي تقول بصوت خافت باكي:
"لا شيء أبي، أنا فقط..."
وفجأة انهارت قوى تحملها، وهي تنفجر في بكاء مرير، تسقط أرضًا جوار فراش والدها، تدفن رأسها في الأغطية جواره، تهمس بصوت باكي كلمات غير مفهومة.
أما عن بارق، فقد انتفض بفزع، يتحسس الفراش من الجهة التي يصله منها بكاء ابنته، يهتف بلهفة:
"توبة يا ابنتي، ما بكِ؟ ما سبب بكائك يا ابنتي؟ هل كل شيء بخير؟ أنمار وطفلك بخير؟"
ازداد بكاء توبة، وقد شعرت أن الحياة تلقي بكل ثقلها فوق اكتفاها، ولم تعد تتحمل كل هذه الأوجاع، لتصرخ بصوت باكي:
"ليس بخير... ليس بخير يا أبي، طفلي ليس بخير... هز لقد قتله... لقد رحل... لقد..."
فجأة صمتت حينما استوعبت ما نطقت به في لحظة قهر ويأس مما يحدث معها، ووالدها توقفت يده في الهواء بعدما كان يبحث عنها بشكل محموم، وقد اتسعت عيونه وشحب وجهه فجأة، يهتف بعدم فهم:
"ماذا؟ لا أفهم. من الذي قتل من؟ من مات؟"
ابتلعت توبة ريقها، وقد لعنت نفسها في هذه اللحظة، وشعرت بقرب توقف قلبها، وهي تنظر لوجه والدها ثوانٍ، وفي ثوانٍ اسودت الحياة أمامها، وعاد الظلام يجتاح حياتها بعد ساعات قليلة من النور... دقائق مرت قبل أن تندفع من جناح والدها، تركض بشكل هستيري بين طرقات القصر، وهي تبكي بصوت مرتفع ورعب، وكامل جسدها يرتجف بشكل مجنون، والجميع ينظر لها بخوف وعدم فهم.
تصطدم بهذا وذاك دون أن تتوقف للاعتذار أو التبرير، والجميع يتابعها بخوف، حتى أن بعض الحراس لحقوا بها بسرعة ليطمئنوا أن كل شيء بخير.
وهي لا تعي ما يحدث، تركض بين الطرقات حتى وصلت للدرج، تهرول عليه وهي تكاد تسقط بسبب ثوبها وعدم رؤيتها للدرج أسفل أقدامها.
وحينما وصلت لغرفته، أخذت تطرق عليها بعنف وشكل مخيف، جعل من بالداخل ينتفض بخوف، وقد أشار نزار للوليد أن يختبأ، وهو أخفى وجهه خلف اللثام، يخفي خنجرًا في ثوبه.
ولم يكد يفتح الباب حتى وجد يد توبة تمتد له، وهي تتعلق بثوبه صارخة ببكاء ورعب وتوسل:
"نـــــزار أغثنـــــي، أبي لا يتنفـــــــــس."
***
"حقًا زمرد؟ بالله عليكِ توقفي عن هذه الأفعال، ألم تنضجي يا امرأة؟"
حركت زمرد السيف بين يديها، وهي تمنح سلمى بسمة واسعة، بينما الأخيرة تقف تضم يديها لصدرها دون أن تحمل سلاحها، وقد قررت أنها يمكنها محاربة امرأة مسلحة بسيف دون سلاح.
"كهرمان، هوني الأمر على نفسك عزيزتي، انظري لزوجة أخيكِ، أخذتها قطعة وسأعيدها قطعة كذلك، لكنني لا أعدك ما قد يحدث بتلك القطعة."
ختمت حديثها، وهي تتحرك صوب سلمى، التي ظلت واقفة تنتظر اقترابها. وبمجرد أن رفعت سيفها، هتفت كهرمان بغيظ وغضب شديد:
"زمرد، هل جننتِ؟ تحاربين امرأة بلا سيف؟"
"أوليست هي من اختارت؟"
وما كادت تنهي كلمتها حتى رفعت سيفها، تحركه بالقرب من جسد سلمى بحركة عادية لم تكن تقصد منه حتى هجوم، بل فقط كانت تمازحها، لكن يبدو أن سلمى لم تكن في مزاج للمزاح، وهي تتحرك بسرعة كبيرة تتجنب اتجاه السيف، وقبل أن تستوعب زمرد ما يحدث، كانت سلمى تمسك السيف، وهي تنظر لها ببسمة واسعة، ومن ثم تبعت البسمة بتحريك قدمها بكل بساطة، مسقطة زمرد أرضًا، ومن ثم انتزعت منها السيف، وهي ترفعه في وجهها:
"الأمر ليس بمن يحمل السيف، بل بمن يمتلك عقلًا عزيزتي."
نظرت لها زمرد ثواني طويلة، قبل أن ترتسم بسمة واسعة على فمها، وهي تنظر لكهرمان خلفها، التي كانت تتابع ما يحدث باستمتاع شديد وعدم تصديق، تهتف بجدية:
"حسنًا، أنا أحببت هذه المرأة، سنقضي اليوم في القتال."
انتهت من كلمتها، وهي تنهض بسرعة تحمل السيف، تتخذ وضعية هجوم، بينما سلمى نظرت لها، وهي تتخيل مجرد مجرم يحمل سكينًا، وعلى هذا الأساس تعاملت معها.
شرعت زمرد تلقي بضربات ضعيفة متوقعة صوب سلمى، خوفًا أن تمسها بسوء، والأخيرة لا تحمل سيفًا، وكم كان ذلك الرفق في القتال أمرًا مرهقًا وبشدة، لدرجة أنها ألقت السيف أرضًا، تنفخ بضيق شديد.
"حسنًا، هذا ليس ممتعًا. أنصحك بتعلم القتال بالسيف حتى أستمتع بالقتال دون أخذ الحيطة، هذا مزعج، وأنتِ تدربين طفلًا."
ارتسمت بسمة جانبية ساخرة على فم سلمى:
"نعم، هذا باعتبار أنكِ تتفوقين عليّ."
"أنا أفعل يا فتاة و..."
وقبل إكمال كلماتها، كانت سلمى تمد يدها تعرقلها، لتسقط زمرد أرضًا، وهي تطلق تأوهًا غاضبًا، ترفع عيونها صوب سلمى، التي ابتسمت لها بلطف وبراءة.
ضحكت كهرمان عليها، وهي تتحرك كي تساعدها في اللحظة التي كانت زمرد تستعد لبدء قتال آخر. ومن ثم مدت كهرمان يدها، تساعدها على النهوض، مبتسمة:
"هيا انهضي."
أمسكت زمرد بيدها، وهي تنهض، تنظر لها قائلة بهدوء وعيون تطلق نيرانًا:
"لا بأس بكِ يا فتاة."
"لا بأس بي؟ يا امرأة، لقد طرحتك أرضًا منذ ثوانٍ مرتين، وقبل أن تدركي ما يحدث حولك، وتقولين: لا بأس بي؟"
"هذا لأنني سمحت لكِ بهذا، لم أكن أتخذك خصمًا جادًا لي، فأنتِ أولًا عزلاء، وثانيًا زوجك متجبر، لذا أنا لا أحب المشاكل مع زوجك ولا زوج تبارك، فلا تفاهم لي معهم."
أطلقت كهرمان ضحكة مرتفعة، وهي تهز رأسها موافقة:
"نعم، هي محقة. زمرد، وقبل أن تكون زوجة دانيار، كانت مجرمة بالمعنى الحرفي وليس مجرد تعبير مجازي."
نظرت سلمى بصدمة لزمرد، التي أخذت السيف تنظفه، وهي تبتسم بسمة ساخرة:
"آه منها الأيام، لقد كنت أستيقظ على جثة وأنام على كفن، لم أكن أنام هانئة البال إلا بعد إصابة خمس رجال بإعاقة دائمة وعشرة بفقدان حياتهم، ذكريات لا تُنسى والله."
اتسعت أعين سلمى أكثر:
"حسنًا، أنتِ مرعبة حقًا. ما رأيك بتلقي علاج مجاني معي؟"
نظرت لها كهرمان، ومن ثم زمرد، التي اقتربت منها تربت على كتفها:
"عالجي نفسك في البداية يا ابنتي، فمن تحب وتتزوج رجلًا كزوجك تحتاج لعلاج فوري، بالله، ماذا وجدتِ بالرجل غير الغضب والصراخ والوجه الصخري؟"
"هذا أخي زمرد."
"وهذه الحقيقة كهرمان."
ابتسمت سلمى على كلماتها، ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة، حتى أبصرت جسدًا من بعيد يعبر صوب جهة تقبع في نهاية القلعة، وذلك الجسد تعلمه جيدًا، والذي لم يكن سوى لزوجها العزيز.
ضيقت عيونها، وهي تسير مبتعدة عن الجميع، تقول بلا انتباه لما تفعل:
"حسنًا يا فتيات، لحظات وأعود لكما، سأرى شيئًا وأعود."
ومن بعد تلك الكلمات، اختفت في ذلك الاتجاه الذي سلكه أرسلان منذ ثوانٍ، تحت أعين زمرد المتعجبة، وأعين كهرمان المصدومة، إذ كانت سلمى تهرول في هذه اللحظة للجزء الذي كان محرمًا على الجميع أن يطأه، حتى مذ كان أرسلان مجرد مراهق يذهب هناك ليختلي بنفسه بعد كل شجار مع والده، أو كلما ضاقت به الحياة.
تحدثت زمرد، وهي ترى نظرات كهرمان المتيقظة، والشحوب الذي بدأ ينتشر على ملامحها:
"كهرمان؟ ما الذي يحدث؟"
"لا أدري، لكن عساه خير زمرد..."
***
تحركت في أعقابه، وهي تتعجب الطريقة التي يتحرك بها، وكأنه مخدر، وكأنه لا يبصر ما يحدث حوله، يسير دون حتى أن ينظر حوله، وكأن أقدامه تحفظ الطريق. وهي تتحرك خلفه بهدوء، ولم تكد تناديه تستفسر منه عما يحدث، حتى وجدته يتوقف أمام مبنى صغير، يدخل له بهدوء، ومن ثم أغلق الباب خلفه ببساطة.
اقتربت سلمى من المبنى، والذي كان بدائيًا بشكل غريب، لا يلائم القلعة ولا بنائها الفخم، بناء كما لو أن من بناه لم يكن يهتم لأن يحيا به إنسان.
توقفت أمامه، وهي تنادي بصوت خافت مرتاب:
"أرسلان... أرسلان، أنت بخير."
لكن كل ما وصل لها هو الهدوء فقط، هدوء حتى كادت تظن أن من أحضرها هنا هو مجرد سراب، ولم يكن أرسلان.
ابتلعت ريقها، تخطو للخلف بنية التراجع، وهي تنظر حولها، تشعر بالغباء والتسرع، لم يكن عليها اللحاق به على أية حال، لربما أراد أن...
ومن بين أفكارها تلك، انبثقت همهمات وأصوات خافتة، جعلتها تتعجب، وهي تقترب مجددًا ببطء شديد، تحاول أن تهدأ ضربات قلبها التي بدأت تعلو بشكل غريب، تقترب أكثر من الباب، وهي تفتح فمها تناديه مجددًا:
"ارسلـ..."
"أنا لم أرد أن أكون السبب في موتك، لم أقصد أن أكون كذلك، لم أرد ذلك، لم أبتغِ حكمًا ولم أسألك ملكًا، لكنني... كنت مضطرًا، أنا آسف أبي."
شهقت سلمى بصوت منخفض، وهي تفتح الباب بريبة وخوف مما سمعت، ورغم أن أرسلان من قبل كان قد أكد لها بشكل غير مباشر أن كل ما سبق وسمعته كان صدقًا، إلا أن كلماته في هذه اللحظة كانت صدمة لها، وهي تخطو لذلك المنزل الصغير، تحاول رؤية أرسلان من بين ظلامه.
لتتوقف فجأة، وقد هالها ما رأت، أرسلان يجلس في أحد الأركان، وهو يمسك بين يديه معطفًا، ويحدثه بصوت هامس.
ابتلعت ريقها، تحاول أن تسيطر على صوتها الذي خرج مرتجفًا مرتابًا دون إرادة منها:
"أرسلان... أرسلان، هل أنت بخير؟"
رفع أرسلان عيونه ببطء لها، وفجأة من بين ظلام ملامحه التي كانت سائدة، أطال النظر لها، وابتسم فجأة، وهو ينظر لها ثوانٍ، قبل أن تتساقط دموعه بلا شعور منه، حتى وهو ما يزال ينظر لها بنفس البسمة، قبل أن تتلاشى، وهو يهمس بصوت موجوع:
"لست سيئًا يا سلمى..."
انتفض جسد سلمى، تهرول له بفزع، وهي تجلس على ركبتيها أمامه، تجذب رأسه لها، وهي تميل عليه تقبلها بخوف وصدمة من بكائه، وقد كانت المرة الأولى التي تبصر بها أرسلان يدمع، حتى ولو بدون صوت. تجذب رأسه بفزع، وهي تهمس بصوت خافت ملتاع:
"لست سيئًا، والله لست سيئًا، بل أنت الأفضل أرسلان، أنت أفضل إنسان في هذه الحياة، أعمى من لا يبصر ذلك."
سقطت دموع أرسلان، وقد شعر أنه ولأول مرة في هذه الحياة يبتغي أن يسمعه أحدهم، لأول مرة لا يخجل أن يظهر جروحه لأحدهم، لأول مرة ينهار بين ذراعي أحدهم...
وقد كان ذلك الأحدهم، وبعد هذا الزمن الطويل من الكتمان، هي زوجته.
ومن بين دموعه القليلة الصامتة، تحدث بكلمات غير مترابطة، وكأنه لا يصدق أنه يتحدث أخيرًا بما يدور بداخله، لا يصدق أن وقت الإفراج عن أحزانه قد حان.
"لقد كنت دائمًا الولد السيء، الذي لو وقع الاختيار بيده ما كان ليختاره. فعلت كل شيء لأجل أن يفتخر بي بين الجميع، عذبت نفسي بالقتال منذ كنت طفلًا لا يدرك حتى كيف يشكل كلمات صحيحة، أجبرت نفسي على تحمل الأوجاع والضربات التي كنت أتلقاها حين تدربي مع جنود يفوقونني حجمًا، كنت أبيت ليلتي وأنا أضمد جراحي بنفسي كي لا يبصرها ويغضب لإصابتي بها."
ازداد الوجع في صوته، وهو يهمس لها بكلمات جعلت يدها تتجمد في الهواء بصدمة مما تسمع. قرأت يومًا عن ذلك الطفل المسكين الذي جُرّ من طفولته نحو نضج مبكر، لكن في أحلك خيالاتها لم تفكر في كل ذلك.
"والله لم أشتكِ يومًا طالما كنت أرى الرضى في عيونه، ولم أفعل، لم أرَ يومًا الرضى في عيونه يا سلمى، كان... والد إيفان ووالد سالار جميعهم يفخرون بأولادهم وأنا..."
توقف، وقد بدا أن وجع الماضي قد عاد له نفسه، ورغم ذلك لم ينهار في بكاء متوقع منه، وكأنه يرفض أن ينهار لأجل ماضٍ أقسم ألا يهزمه، لكن الألم على وجهه كان قاتلًا، يبدو أن جميع أحزانه تكالبت عليه في هذه اللحظة، وأمام الشخص الوحيد الذي لم يتمنى يومًا أن يظهر ضعفه أمامه، الشخص الوحيد الذي أبى أن يظهر أمامه أوجاعه بهذا الشكل، لكن يبدو أن سد صبره انهار وفيضان أوجاعه انطلق.
"كان يجهزني للحكم كما يدعي، ووالله لم أطلب حكمًا، طلبت أبًا، لم أطلب شيئًا كثيرًا، لكن... حينما كنت شابًا وبدأت أنضج، وقد كان من المفترض أن يبدأ بإعدادي لتسلمي الحكم، وجدته ذات ليلة يأتيني غرفتي ليلقي بأوامره كالعادة في وجهي. 'أتدري كم كنت أنتظر لحظة تنصيبك ملكًا لمشكى؟'"
رفع أرسلان عيونه لوالده، يمنحه بسمة صغيرة، ولم يتحدث بكلمة، بل فقط استمع له بصمت. ووالده اقترب منه، ينظر له نظرة غريبة:
"عمرًا بأكمله يا أرسلان، تمنيت أن تكون ملكًا يخلفني ويحكم البلاد بيد من حديد، لكن..."
صمت ثوانٍ، ينظر في عمق عيون ولده، الذي كان يناظره بقوة وبأس شديد، قبل أن يلقي في وجهه قنبلته:
"لكن المُلك لا يناسب ذوي القلوب الطيبة والخائنين، يحتاج لمن يحكم البلاد ببأس يا بني، لذا للأسف اكتشفت متأخرًا أنك لا تصلح بأي شكل من الأشكال لهذا المنصب."
رفع أرسلان حاجبه، ولم ينتفض أو يثور معترضًا كما كان متوقعًا منه، بل فقط ابتسم، يهز رأسه، وهو يقف أمام والده ينافسه طولًا، ينظر له بهدوء مبتسمًا:
"وكيف يا ترى اكتشفت هذا الاكتشاف، ومن ساعدك في الأمر؟"
"هل تسخر مني يا ولد؟"
"لم أعد أبي، لم أعد ولدك الصغير. على كلٍ، أخبرتك مئات المرات أنني لا يعنيني حكمًا، أطال الله لنا في عمرك لتحكم البلاد سنوات عديدة، وأنا أكتفي بقيادة الجيش كما أنا و..."
"ليس أنا."
"عفوًا."
كانت كلمة متعجبة منه، ليلقي له والده بالخبر الذي قلب حياته رأسًا على عقب:
"لن أكون أنا الملك، للأسف، لقد اضطررتني لهذا يا أرسلان. سننقل الحكم من عائلتنا لعائلة عمك، ومن سيمسك الحكم بعدي سيكون ابن عمك، وبعد شهرين في احتفال الممالك سيتم تنصيبه ملكًا لمشكى."
اتسعت أعين سلمى، وهي تسمع كلمات أرسلان، الذي كان قد توقف عن بكائه، وعاد الجمود يحتل ملامحه، وكأنه لم ينهار لحظة واحدة. كانت هي تجلس أرضًا، وهو يضع رأسه على قدمها، شاردًا بالسقف، يكمل حديثه:
"بعد سنوات طويلة، أفنى بها طفولتي ومراهقتي وشبابي، وأضاع أحلامي، وجعلني أعاني بها كل أنواع العذاب، قرر أبي أنني لا أصلح لأن أكون الملك. وبالطبع، كان السبب في إيصال هذه الأفكار له هو عمي العزيز، والذي استغل مرض أبي في نهاية حياته ليؤثر عليه، دبر لي مصائب عديدة ليثبت لأبي أنني لست مناسبًا، وأن الأصلح هو ولده، والذي يشبه أبي كثيرًا."
سلمى كانت فقط تستمتع بهدوء شديد، وهي تداعب خصلاته، وكأنها تساعده على الصفاء، قبل أن تقرر التحدث بصوت خافت، تتوقع إجابة، ونالت في المقابل صدمة جمدتها:
"وهل اعترضت على ما فعلوا؟"
"لا، لم أفعل."
نظرت له بتعجب، وهو ابتسم لها بسمة واسعة غريبة، ينظر في عيونها بقوة، قبل أن يهمس بصوت منخفض، وهو يمد أصابعه يداعب وجنتها:
"بل قتلتهم..."
***
كانت تقف تراقب النساء جميعهن في غرفة واحدة، يجلس كلٌ يضم طفله، والأعين هي فقط من تنطق بالمعاناة. ثوانٍ فقط، وقررت أن تقتحم الغرفة عليهن، وهي تبتسم بسمة صغيرة:
"السلام عليكم جميعًا."
اتسعت الأعين بصدمة، حينما أبصرن الوافدة، والتي لم تكن سوى نازين، المتجبرة التي كانت تقف أمام بطش الرجال في الجحر، وتغرز أصابعها في عيون من يمد عينه لها بوقاحة، وتقتلع لسان من يتحدث بكلمة لا تعجبها على مسامعها.
"نازين، هذه أنتِ؟ لقد ظننا أن... أن أنمار قد تخلص منكِ."
ابتسمت لهن بسخرية لاذعة:
"هذا الأحمق، جل ما يفعله هو الصراخ والاختباء خلف رجاله."
تعجب الجميع ثوبها، وقد تحدثت إحداهن بصوت خافت:
"كيف جئتِ هنا و... منذ متى وأنتِ هنا؟"
تحركت صوبهن نازين، تجلس وهي تراقب الجميع، قبل أن تقص عليهن ما حصل باختصار شديد:
"أنا من أرشدت الملك للجحر، وأبلغته بمكان تجمعكن كل ليلة ليخرجكن من ذاك المستنقع وينقذكن من يد أنمار الحقير. الملكة أخبرته عنكن، وأنا أرشدته للمكان."
ابتسمت إحداهن بامتنان شديد، وقد كانت نازين هي أولى النساء اللواتي ينقذهن من بطش أنمار وأمثاله، لكن فجأة تحدثت إحداهن، وهي تنظر صوب نادين بجدية:
"ألم تعلمي ما حدث؟ لم يعد الجحر بيد ذلك الأحمق أنمار، لقد انقلب عليه ذلك الرجل المسمى أصلان وسجنه في سجونه الخاصة، وأصبح هو الآمر الناهي هناك. وصدقيني حينما أخبرك أن أنمار كان ودودًا لطيفًا مقارنة بذلك الوسخ المسخ."
اتسعت أعين نازين، وهي تسمع من النساء والجميع يقص عليها ما حدث هنا، وهي فقط ترهف السمع، ومن ثم بدأ البعض يخبرها عن الملكة وما فعلته هناك لأجلهن، ومحاولاتها العديدة لتساعد النساء.
"رغم أنني لم أقابلها بعد، لكنني أدين بالشكر لهذه المرأة لمساعدتكن على الخروج بسلامة."
ابتسم البعض، والبعض الآخر كان ما يزال يتخذ لنفسه ركنًا بعيدًا عن التجمع، وقد شرد في حياته ومستقبله، وكأنه لا يصدق أنهم خرجوا وأخيرًا من ذلك المستنقع.
شعرت نازين بالحيرة الواقعة على البعض، وهي تفكر في طريقة لتساعدهن على التأقلم مجددًا مع الجميع، وكأنها هي تأقلمت حتى. لكن، وقبل التحدث بكلمة، سمعت صوت الطرق على الباب يعلو، وصوت زيان ينطلق بهدوء:
"لتخفض كلٌ حجابها رجاءً، نود أخذ الأطفال المتبقين للعلاج."
تمسكت كلٌ بطفلها في خوف شديد، وقد شعرت نازين بترددهن، في اللحظة التي اخفضت كل واحدة حجابها، يضمون الأطفال بخوف شديد.
بينما نهضت نازين تفتح الباب، في اللحظة التي كاد زيان يطرق مجددًا، ليوقف يده في الهواء، وهو يبتسم لها بلطف شديد، وقد لمعت عيونه لها، وهو يهمس بصوت خافت:
"مرحبًا نازين."
نظرت له نازين بعدم فهم لهذا التحول، يبتسم في وجهها بصفاء، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الزمان عاد بهما، وهي في استقباله بعد عودته من المشفى، تلتقط منه حقائب الطعام، وهو يبتسم لها بحب يرحب بها. المختلف أنه في تلك الذكرى كان يتبع كلماته بقبلة حنون، ومن ثم يتحرك لمساعدتها فيما تريد.
شعرت بالتشوش، وهي تحاول فهم سبب تغير مزاج زوجها، الذي كان مكدرًا في الآونة الأخيرة. العجب أنه أصبح صافيًا الآن؟
"مرحبًا... مرحبًا زيان."
ابتسم لها بحنان، وهو يلمس كفها بحنان، قبل أن يرفع عيونه صوب النساء في الخلف، يتحدث بهدوء:
"أحضرت بعض العاملات لمساعدة النساء في أخذ أطفالهن صوب المشفى، أريد التأكد أن الجميع بخير."
ابتلعت ريقها، وقد وترتها لمسته الرقيقة البسيطة، وتشوش عقلها بتصرفه الغريب ذلك، لكنها حاولت تجاوز كل ذلك، وهي تستدير صوب النساء، تهمس بدون وعي وبصوت حاولت جعله متماسكًا:
"لا تقلقن، سوف يعتنين بالصغار هنا، لا أحد هنا سيؤذي طفلًا، وهذا... هذا زيان... هذا..."
صمتت، وهي تشير صوب زيان، الذي كان يقف على أحد جوانب الباب في الخارج، يغض ببصره عن الجميع، وهي فقط حاولت إخراج الكلمة، لتتسع بسمته أكثر، وهو يسمع ترددها، ليتحدث بهدوء من الخارج:
"هذا زيان زوجها."
اتسعت الأعين بصدمة، وتحركت صوب نازين، التي احمرت وجنتيها بقوة، تحاول ألا تنظر في أعين أحدهم، وترى كل الأسئلة التي انطلقت في هذه اللحظة صوبها.
"نعم، هذا زوجي صحيح."
كبت زيان ضحكته، وهو يشير للعاملات بمساعدة النساء في إخراج الأطفال، تحت نظرات الصدمة مما يحدث. فمتى خرج لنازين زوج، ومتى أصبحت نازين بكل هذه الوداعة والملامح البريئة، بعدما كانت طوال الوقت شرسة تفتك بمن يقترب منها.
أما عن زيان، فمال يجذب يد نازين بعيدًا عن الجميع بخطوات، ثم مال يهمس لها بلطف:
"هل تناولتِ طعامكِ يا نازي؟"
رمشت نازين دون استيعاب لما يقول، وقد كان ذلك اللقب هو دلالها منذ كانت طفلة، وقد ابتكره هو خصيصًا لها:
"نازي؟"
"نعم، هل تناولتِ طعامك؟"
"زيان، ما بك؟"
ابتسم لها بحب:
"ما بي؟"
"هذا... هذه البسمة وهذا، ما هذا؟ أنا لا... ما الذي يحدث هنا."
ضحك زيان ضحكة صغيرة، ونظر حوله يتأكد من أن المكان فارغ، قبل أن يميل بسرعة كبيرة، يقتنص قبلة من وجنتها، ومن ثم همس لها بصوت خافت مملوء بالمشاعر:
"لا يحدث سوى أنني أهتم بزوجتي نازين."
ختم حديثه في اللحظة التي سمع بها صوت الجميع، وقد أخرجوا الصغار، ليتحرك هو بعيدًا بعدما همس لها جملة أخيرة:
"أراكِ حينما أنتهي مما أفعل، حسنًا؟"
ومن بعد هذه الكلمات، اختفى من المكان، يتحرك صوب الصغار، يحمل طفلًا صغيرًا منهم، يداعب خصلاته بحنان وحب، ذكرها بأفعاله مع صغارهم، ومن ثم رحل بعدما التفت لها مرة أخيرة، يلقيها بنظرة حنونة، تاركًا ضربات قلبها تدوي في المكان حولها...
***
كانت منهارة جواره، وهو يحاول تدارك ما يحدث، والجميع في الغرفة الخاصة بالملك مصدومين مما يحدث. الأميرة توبة تتمسك بمرفق الطبيب، وهي تتوسله وتردد بكلمات غير مفهومة، ولا أحد يدرك ما يحدث.
توبة تصرخ وتبكي أنها السبب، ونزار يحاول أن يبعد يدها عنه دون أن يتسبب في إحراجها أو التقليل من شأنها أمام الجميع، والضوضاء تكاد تتسبب له في انهيار مماثل لانهيار توبة.
فجأة عم صمت تام في المكان بسبب صرخة الزبير، الذي اقتحم الجناح، يصرخ في الجميع بصرامة كبيرة:
"ما الذي تفعلونه هنا؟ ما هذا التجمع، للخــــــارج جميعــــًا، للخــــــارج..."
انتفضت جميع الأجساد وهروبوا للخارج بسرعة كبيرة بسبب نظرات الزبير، الذي لولا تدخله لكان نزار فقد أعصابه من كل تلك الأعين التي كانت ترمق توبة بشفقة وفضول وصدمة، والله كانت لتكون ثوانٍ فقط حتى ينفجر فيهم جميعًا بلا مقدمات.
بدأ الزبير يدفع الجميع للخارج بحدة، وهو يفرغ المكان بأكمله إلا من الأميرة والطبيب، ونزار استغل انشغاله بإخراج الجميع ليهمس بصوت خافت، وهو يمسك طرف ثوب توبة، يبعد يدها عنه بهدوء شديد، وعيونه كانت جامدة بعض الشيء، يخفي خلفها لهفة وشوقًا مضنيًا:
"سمو الأميرة، رجاءً تمالكي نفسكِ، الملك سيكون بخير."
بكت توبة دون شعور، وهي تهتف من بين شهقاتها:
"أنا السبب في كل هذا يا نزار، لقد انتكس بسببي، أخبرته ما حدث مع طفلي ولم يتحمل، وفجأة سقط دون أن ينطق بكلمة واحدة و..."
توقفت عن الحديث، وهي ترى يد نزار تبعد يدها عنه، ومن ثم رماها بنظرة جامدة بعض الشيء، قبل أن يخفض عيونه، ينظر صوب الملك، يهمس بكلمات أخيرة هادئة باردة بعض الشيء:
"سيكون بخير إن شاء الله، أنصحك بالخروج، فوجودك هنا لن يفيده على أية حال."
اتسعت أعين توبة بصدمة من كلماته، وهي تنظر ليدها التي كانت تتمسك به دون شعور منها حتى، تحاول أن تستوعب ما حدث منذ ثوانٍ، وقد اصفر وجهها حتى أصبحت كالطيف الباهت بلا حياة ولا روح.
في اللحظة التي عاد بها الزبير، وهو يتحرك ليساعد نزار، يهتف بكلمات متلهفة مرتعبة على الملك:
"هل كل شيء بخير؟ تحتاج لشيء أساعدك به طبيب؟"
نفى نزار برأسه في هدوء، وهو يكمل عمله في طحن الأعشاب التي كان يحتفظ بها جوار فراش الملك:
"كل شيء بخير، لم يحدث شيء هنا، فقط يحتاج لبعض الراحة وسيكون من الأفضل لو جنبتموه أي أخبار سيئة، وتلك الأعشاب يجب إعطاؤها له ثلاث مرات يوميًا، وسيكون بخير حال."
هز الزبير رأسه، ثم شرع يساعد نزار ليرفع جسد الملك حتى يمكنه من وضع الأعشاب بشكل سليم في فمه، بينما توبة تقف جوار الفراش تراقب ما يحدث أمامها بجسد متجمد، وأعين شاخصة، وقد كانت يدها ترتجف ارتجاف الروح في ليلة باردة، وكأنها تستعد للفراق.
سقطت دمعة أخيرة، وهي تمسحها بسرعة، تحاول التماسك، وقد بدأت تلوم نفسها لهذا الانهيار السخيف الذي عاشته منذ ثوانٍ على مرأى ومسمع من الجميع، لكن صدمتها فيما حدث، وشيطانها الذي وسوس لها أن والدها رحل مجددًا، وهذه المرة للأبد، وبسببها جعلوا الجنون يتلبسها.
وقد يصفها البعض بالمجنونة، أو الغريبة، لكن تعامل نزار معها في هذه اللحظة وكأنها كل تلك الأيام بينهما لم تكن، تعامله معها وهو يتحاشى حتى رفع نظراته لها، ولو بالخطأ، حطم قلبها بقوة.
بللت شفتيها، وهي تحاول التحدث، ليخرج صوتها خافتًا، تراقب زبير الذي ابتعد كي يغلق الستائر ليساعد والدها في:
"نزار...."
"لا."
اتسعت عيونها بصدمة، بينما هو رفع عيونه لها أخيرًا، ويا ليته لم يفعل، على الأقل لم تكن لتبصر جمود وبرود نظراته نحوها، بعدما كان ينظر لها وكأنها الحياة له.
"سمو الأمير، أو الأمير الخائن، أو الحقير، ألقاب كثيرة يمكنك إطلاقها عليّ بدلًا من اسمي المجرد، لم يعد الأمر ممكنًا بعد الآن يا سمو الأميرة، والآن اعذريني عليّ الرحيل، إن احتجتم لشيء آخر رجاءً أخبروني."
ختم حديثه، وهو يخفض نظراته، يحرك رأسه لها، ومن ثم رحل ببساطة، تاركًا إياها مع والدها والزبير، حتى أنها لم تشعر برحيل الزبير وخروجه من المكان.
لتنظر حولها، وهي تشعر أنها وللمرة التي لا تدري عددها خسرت حياتها، وأصبحت الدنيا باهتة أمام عيونها. تساقطت الدموع دون شعور، وهي تتحرك لتجلس على مقعد جوار فراش والدها، تراقبه بأعين دامعة، ورغم الصمت، كان الصمت أبلغ من مائة صرخة.
أما عن نزار، فبمجرد خروجه، ظل واقفًا أمام الباب في أحد الأركان، ينتظر اللحظة التي يخرج بها الزبير حتى يرحل، وحينما أبصر خروجه، تنهد بصوت شبه مرتفع، ونظر للباب ثوانٍ بأعين ضبابية، ومن ثم همس بصوت منخفض موجوع:
"ربما ليس في هذه الحياة توبة، لو كانت الحياة غير الحياة والزمن غير الزمن، ربما حينها، ربما كنت جعلتك حياة أتمسك بها حتى لحظة الموت يا توبتي..."
***
"أنت مجنون، كيف تتزوج بامرأة ارتبطت بالفعل بي؟ أتخطب على خطبة أخيك؟"
ازداد المعتصم شراسة وجنونًا، وهو يضرب ظهر الشاب في الجدار خلفه، وقد أشعلته تلك الفكرة. هذا الرجل أمامه كان من الممكن في أي لحظة أن يختطف منه زوجته ومؤنسه الوحيد في هذه الحياة.
"يخطب ماذا؟ هذه امرأتي زوجتي، وإياك أن تخطر على رأسك أو تمر في خاطرك ولو بشكل عرضي حتى، وإلا طالبتك بحقي وعرضي الذي تفكر به بلا مروءة، وأنت تدرك عقوبة الأمر هنا."
اشتعلت أعين الشاب بقوة، ورغم كل شيء، إلا أنه لم يتحدث بكلمة، فالفتاة أصبحت الآن بموجب الشرع زوجة رجل غيره، وكم تحرقه هذه الحقيقة. فاطمة الصغيرة الرقيقة التي كان يخشى عليها الخدش حتى، وأحبها أكثر من ذاته، ومنى نفسه بها كمكافأة يحصل عليها في نهاية الطريق، الآن أصبحت امرأة رجل آخر...
"هي كانت مخطوبتي في البداية، وهذا الاتفاق كان بين والدي ووالدها، و..."
"وماذا؟"
صمت إلياس، ولم يتحدث بكلمة، وقد علا القهر داخل صدره، وملأت الحسرة عيونه، وهو ينظر للمعتصم نظرة من سُرقت منه أنفاسه، وسُلب حقه في الحياة.
"كانت حلمي الوحيد في هذه الحيا..."
وقبل إكمال جملته، كانت صرخته تعلو في المكان بشكل مرعب، بعدما ضرب المعتصم رأسه في الجدار خلفه، وقد بدأت صرخاته تعلو بجنون:
"قسمًا برافع السماوات، إن سمحت لنفسك أن يمر طيفها فقط على خاطرك، لأحرقتك حيًا. إلا زوجتي، ولا تتجاوز حدودك معي، وإلا أحلت جميع أحلامك لكوابيس."
فجأة توقف عن الحديث والصراخ، حينما سمع همسها خلفه، وهي تقول بصوت مرتجف مرتعب:
"يا المعتصم، ما الذي تفعله أنت؟"
أغمض المعتصم عيونه بقوة، وهو يضغط على قبضته، ولم يكد يتحدث، حتى سارع الشاب، وهو يهتف بغضب وحقد شديد:
"يحاول قتلي، زوجك يهددني بالقتل، فاطمة، أي نوع من المجرمين تزوجتي أنتِ؟ الرجل كاد يحطم رأسي في الجدار خلفي."
حركت فاطمة عيونها بين المعتصم وإلياس، وقد شعر المعتصم بالغضب يندفع بداخله بقوة مرعبة، عالمًا أن فاطمة قد تخشاه إذا رأت به شخصًا قاسيًا كما يحاول ذلك الرجل أن يخبرها عنه، لذا عض شفتيه بغضب كبير، وهو يتحرك صوب الرجل بسرعة، وهو يجهز نفسه للصراخ، قبل أن تمسك فاطمة يده بسرعة، وهي تنظر له بخوف:
"ليس مجددًا، ليس مجددًا."
يدور بدائرة مفرغة، كلما ظن نفسه وصل، وجد أنه لم يتخطى نقطة البداية حتى. ابتلع ريقه، وهو يجهز نفسه ليبرر لها ما يحدث.
لكن فاطمة قاطعته، وهي تميل عليه، تتمسك بمرفقه، تهمس بصوت منخفض مرتجف، وصل واضحًا للاثنين:
"لا تقترب منه يا المعتصم، هذا الرجل يبدو خطيرًا، هو ينظر لك بشر، أخشى أن يؤذيك، يبدو شريرًا، انظر له كيف يحدق بك."
اتسعت عيون إلياس بقوة، بينما المعتصم نظر لها بصدمة، سرعان ما ارتسمت بسمة غير مصدقة على فمه، وهو يحرك عيونه بينها وبين إلياس، يخفض غطاء الوجه الخاص بها، ومن ثم أمسك كفها بحنان شديد، ومن ثم نظر صوب إلياس:
"لا تقلقي يا فاطمة، فالرجل الشرير سيرحل الآن، حتى لا يأكله الوحش."
"أي وحش هذا؟"
هكذا همست له فاطمة بصوت منخفض، ليبتسم المعتصم بسخرية، وهو ينظر لإلياس، وهو يخفي فاطمة خلفه:
"الوحش الذي يتناول الأشرار الذين يحاولون الاقتراب من الأميرة."
"ومن الأميرة؟"
"دعينا نرحل من هنا، ومن ثم يمكنني إخبارك من هؤلاء حبيبتي."
ختم حديثه، وهو يلقي إلياس بنظرة أخيرة، يسحب زوجته بعيدًا عنه بهدوء، وحينما تأكد أنها دخلت لغرفتهم، حتى عاد بسرعة، يرفع إصبعه بتحذير في وجهه، يهتف بشر:
"فقط دعني ألمحك بجوارها، والله لولا أنني لا أريد أن أحمل ذنب إيذاء شخص، لحطمت عظامك، لكن المرة القادمة سأحيلك لرماد..."
ابتسم له إلياس بسخرية، ليرد له المعتصم البسمة بالمثل، يميل عليه هامسًا:
"لا تغرنك ملامح الرجل الهادئ، فأنا أكثر الرجال حقارة، وكان الله بالسر عليم، فلا تدفعني لإخراج ذلك الشاب الفاسد الذي دفنته أسفل تلال التقوى، ها؟"
أنهى حديثه، وهو يربت على كتفه، ومن ثم ابتسم له بسمة صغيرة، ورحل خلف زوجته، يلقي له بنظرات تحذير قاتلة، والياس فقط يراقبه بضيق شديد.
***
توقفت يد سلمى بصدمة عن مداعبة خصلاته، وقد شعرت بتجمد الدماء داخل أوردتها، وانقطعت أنفاسها لجزء من الثانية، قبل أن تشعر بيد أرسلان يجذب يدها مجددًا، يضعها على شعره بهدوء، ينظر لعيونها بكل براءة، يهتف بصوت منخفض:
"أُجبرت على قتلهم يا سلمى، لم أكن أريد أن تتلوث يدي بدمائهم، معاذ الله أن تتلوث يدي بدماء مسلم، لكنهم لم يكونوا..."
ارتجفت يد سلمى، وهي تحركها بهدوء في شعره، وقد شعرت أنها للحظة نست كيف تتعامل مع مرضاها، وكيف تظهر لهم تفهمًا، لكن هذا ليس مريضها، هذا زوجها الذي تكالبت عليه الحياة بكل ثقلها.
ابتسمت له بلطف، وهي تداعب خصلاته:
"أعلم أن هناك سببًا قويًا لما فعلت يا أرسلان، لم أشك بك للحظة واحدة."
تنفس أرسلان براحة شديدة، وهو ينظر في عيونها، وقد بدا أنه وأخيرًا وجد من يتفهمه:
"لقد... كان عمي خائنًا، أراد بيع البلاد للمنبوذين، وقد كان أحدهم، لذا في البداية ابتغى الحكم لولده، وقد كانت هذه خطوته الأولى. زرعوا في رأس والدي عدم استحقاقي للمُلك، ومن ثم بدأوا بزرع الكثير من أعوانهم في الحكم والجيش، وقد بدأت البلاد تتدهور والاقتصاد ينهار والحياة أصبحت بين الشعب لا تطاق، كل هذا ووالدي لم يسلم لهم الحكم بشكل رسمي بعد، كنت فقط أشاهد من بعيد نتائج اختيارات والدي وأتابع ما يحدث، حتى كانت الطامة الكبرى."
"ما الذي تريده مني؟"
ظل أرسلان ينظر لوالده بترقب، وكأن جملة والده السابقة لم تكن مكتملة. وحينما رأى علامات الهدوء على وجه والده، تحرك صوبه يتحدث بذهول:
"ما الذي أريده منك؟ أخبرك أن هناك منبوذين بين الجيوش وبين الشعب وداخل القلعة، لقد زرعوهم بين أعوانك ومستشاريك حتى. اليوم أمسكت اثنين واعترفوا أن عمي هو من دسهم بين الجيش و..."
"عمك كان محقًا حينما أخبرني أنك لن تصمت على أمر تنصيب ولده كملك، وأنك ستخرج بالكثير من القذارة فقط لتمنع ما سيحدث."
"أخرج بكثير من القذارة؟ يبدو أن السن أصبح أكبر أعدائك يا أبي، إذ أنك لم تعد تزن الأمور بذكاء كما اعتدت منك، إما هذا أو أن شقيقك قد غسل عقلك بأكاذيبه."
"هل تتهمني بالخرف يا أرسلان؟"
"بل أتهمك بالتواطئ معهم يا أبي، تصديقك لهم أكبر داعم لما يفعلون و... أنت لا تساعدني، أبي، أنت لم تكن هكذا، لقد كنت أشد الرجال على الأعداء، ما الذي حدث لك؟"
"ما حدث أنني اكتشفت ما تخطط له يا أرسلان، لقد صدمتني، تود الانقلاب عليّ وتستغل مكانتك بالجيش؟"
اتسعت عيون أرسلان بصدمة، وهو يقترب من والده يهتف بعدم تصديق:
"انقلب على من يا أبي؟ هل... أنا لم أفعل، أقسم بالله لم أفعل، من أخبرك بهذا؟ شقيقك الحقير الذي تعاون مع أعداء الله ليخرب البلاد و..."
وقبل إكمال جملته، قاطعته صفعة والده، التي تركته متجمدًا، عيناه شاخصتان إلى الفراغ، وكأنه فقد القدرة على الحركة أو الكلام. وجهه الشاحب يكسوه تعبير من الذهول والصدمة، جسده يرتجف، والهواء يبدو كأنه قد فرغ من رئتيه، فبات صامتًا لا يصدر عنه سوى أنفاس متقطعة.
"لقد أراني عمك كل شيء، واعترف عليك الكلاب الذي حرضتهم على خيانتي يا أرسلان، اتضح أنني ربيت طوال حياتي أفعى، أول من بخ به سمه هو والده، كسرت هامتي وكسرت ظهري الذي كنت أستند عليه يا أرسلان، لم يا بني؟"
رفع أرسلان عيونه لوالده، وهو ينظر له ثوانٍ، قبل أن يهتف بصوت ميت، وأعين حمراء غاضبة مقهورة:
"لم أفكر يومًا في الانقلاب عليك يا أبي، ولأجل ماذا؟ حكم لا أطلبه ومُلك لا أرجوه؟ تحملت طوال حياتي ما تشيب له الرؤوس وتنحني له الجبال، ولم أبتئس طالما كان ذلك يرضيه، ويا ليته فعل، تحملت وصمت طالما توقف الأذى عندي."
صمت ثوانٍ، قبل أن يصرخ بكل صوته في وجه والده:
"لكن أن يتمادى الأمر لشعب لا ذنب له، فوالله هذا ما لن أسمح له، ولو كان المتسبب أنت أو عمي أو المخنث ولده، الأفعى التي ربيتها ستبخ سمها يا أبي، لكن ليس بك فقط."
ارتفعت صرخاته تهز الأرجاء بشكل مخيف:
"بل بك وبجميع عائلتك وسلالتك، والله لن أذر منهم فردًا واحدًا."
شعر بيجان بالصدمة من كلمات ولده، وقد بدا أن أرسلان وصل لحافة صبره، وقد تفتت أسوار تحمله وفاضت أنهار غضبه:
"ماذا تقول أنت و..."
"ربما فشلت في الماضي أن أكون الولد الذي تتمناه رغم كل ما فعلته، إذن دعني أحقق كلماتك الآن، والله لن أسقط لك كلمة."
"ماذا تقصد؟"
ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، يتحدث بشر وعنف:
"إن كان وجودك على العرش بوابة لهم ليندسوا بين الشعب ويخربوا البلاد، إذن سأحطم هذه البوابة، أيام حكمك انتهت يا أبي..."
خرج من أفكاره، وهو يهمس بصوت معذب، ونبرة يكتم بها غصته، وما زالت أنامل سلمى تداعب خصلاته بحنان، تشعر بمقدار وفظاعة ما حدث له ذلك الوقت.
"كنت مجبرًا على الأمر، لو تركت له الحكم يومًا آخر لتحولت البلاد لرماد. جمعت رجالي في الجيش ومن أثق بهم، وأخبرتهم بالأمر، ومن ثم بدأت الانقلاب على حكم أبي، وأسرت جميع أعوان عمي وكل من أراد بالبلاد سوءًا، وأثبت خيانته وولده و... قتلتهم في ساحة القصر، بيديّ قتلتهم دون أن يرف لي جفن. أما أبي، فقد ألزمته جناحه، ووضعت له من يهتم به من أطباء، وأمي كذلك كانت تظل جواره طوال الوقت."
صمت، ثم سقطت دمعة منه دون شعور:
"من بعد ما حدث، لقبني الجميع بالأسد الذي انتزع والده من الحكم وطرده من العشيرة ليتفرد بقيادتها، وصفني البعض بالجسور والآخر بالحقير، ولم أهتم بما يقال، بل تركت ما أفعله يجيبهم. وبالفعل مرت أيام، بدأت البلاد تتطهر منهم، وبدأت تعود لسابق عهدها، وبدأت الأقاويل تندثر، حتى يوم وفاة أبي..."
صمت وتساقطت دموعه أكثر، وهو يتذكر ذلك اليوم الذي استدعاه به والده، ولأول مرة يمد له يده، وهو يدعوه لحضن. ظل أرسلان حينها ينظر له وليده بصدمة، وأعين دامعة. ووالده لأول مرة في حياة أرسلان يبكي، وهو يهمس بصوت خافت:
"اقترب يا بني، دعني أضمك لمرة قبل رحيلي."
في هذه اللحظة انهار أرسلان، وهو يهرول صوب والده، يندس بين أحضانه، وهو يعتذر له ما فعل ويطلب غفرانه:
"والله ما فعلت ذلك إلا مجبرًا لأجل بلادي يا أبي، سامحني أرجوك، سامحني أرجوك يا أبي، أقسم بالله لم أكرهك لحظة أو أفكر يومًا في الانقلاب عليك، لا يليق العرش سوى بك مولاي."
رفع بيجان يدًا مرتعشة، يربت على خصلات ولده الكثيفة، وهو يهمس بصوت مهتز ونبرة باكية:
"بلى يا حبيب أبيك، يليق الملك بك وفقط. سامحني لأنني لم أكن الأب الذي ترجوه، سامحني لأنني أدركت متأخرًا حينما أكل المرض جسدي أنك كنت أكثر مما أتمنى يا أرسلان، أنك كنت الابن الأروع بين الجميع والأقوى وصاحب القلب الأنقى، رغم كل ما مررت به كنت وما زلت بقلب نقي، سامحني قبل أن أنتقل جوار ربي، أعلم أن ما فعلته في حقك كثير، لكن سامحني."
كانت آخر كلمات نطقها بيجان قبل أن يسلم روحه لبارئه. عاش عمرًا طويلًا من التجبر، حتى أكل المرض جسده وتركه طريح الفراش لا يقدر على شيء.
مالت سلمى على أرسلان، وهي تقبل وجنته بحب شديد، تهمس له بصوت باكي:
"أنت الأفضل يا أرسلان، الأقوى والأحن، لا عجب أنني لم أقاومك كثيرًا يا ابن بيجان."
رفع لها أرسلان عيونه، وهو يهمس لها:
"من بعد موته، أطلق الجميع إشاعة أنه مات بحسرته بسبب ما فعلته، وتحدث الجميع أنني قتلت والدي، و... لأيام كنت أصدق أنني فعلت يا سلمى، لكنني..."
"لم تفعل، أنت لم تفعل، انظر لعيوني يا أرسلان."
رفع عيونه لها، وهي أطالت النظر له، تبتسم له بسمة رقيقة حنونة، قبل أن تهمس بكلمات صغيرة، وكأنها تجبره على الاستيعاب:
"أنت لم تغضب والدك ولم تعصِ والدك رغم كل ما حدث، أخبرني حينما أخذت منه العرش، هل سجنته ومنعت عنه الحياة؟"
نفى برأسه، لتكمل بهدوء:
"هل قاطعته وعاملته بسوء؟"
ومجددًا نفى برأسه، لتمنحه بسمة أخيرة:
"إذن ما تعريف البر في عيونك إن لم يكن ما فعلته يا أرسلان؟ والدك ورغم كل معاملته لك سامحته قبل موته، وقد كانت طلبه الغفران منك أكبر دليل أنك لم تخطئ يومًا في حقه، فالمخطئ هو من يطلب الغفران، وليس غيره يا أرسلان."
ابتسمت وهي تميل عليه أكثر، تطبع قبلات صغيرة على جبهته، وهو يبتسم دون وعي لها:
"والدك كان يحبك كثيرًا، أكثر من الجميع، بدليل أنه لم يطلب لقاء أحدهم قبل موته سواك، ولم يتمنى أن يرحل بين أحضان أحدهم غيرك، يا رجل، لقد فضّل أحضانك على أحضان والدتك."
ختمت جملتها بمزاح، ليضحك أرسلان دون وعي، وهو يشعر بنفسه أشد خفة من السابق، بعدما أخرج كل ما يعتمر بقلبه، وقد كانت كلماتها بلسمًا له.
"أنتِ طبيبة ماهرة يا سلمى، أشعر بالتحسن حقًا، ليتني استمعت لكِ منذ أول يوم حينما عرضتِ عليّ علاجًا مجانيًا."
شاركته سلمى الضحك بصوت مرتفع، وهي تفسد خصلاته بمزاح:
"هذا دليل فقط لكل من يشكك في قدرات الطبيبة سول، يا رجل، مجرمي البرازيل اجمعين كانوا يركضون خلفي."
"طلبًا للعلاج؟"
"بل طلبًا لروحي، فأنا كنت طبيبة حقيرة."
انطلقت ضحكات أرسلان أكثر وأكثر.
ولأول مرة تحتوي جدران هذا المبنى ضحكات أرسلان، بعدما كانت تضم ذكرياته السوداء وأحزانه، وأناته... ظلت سلمى تتابع ضحكاته بسعادة كبيرة، وكأنها ترى أجمل مشهد في الكون في وجهه الباسم، وكفى بضحكته بلسمًا لروحها.
"إذن لم تخبرني ما هذا المبنى الغريب وهذه الأرض؟"
"هذا المنزل أنا من بنيته بيدي، أخذ مني بناؤه سنوات طويلة، كنت أحقق هنا حلمي بالحصول على منزل عادي وأكون شخصًا عاديًا بعيدًا عن القصر والملك."
نفخت سلمى بسخرية مصطنعة:
"آه يا رجل، أنت حقًا محب للفقر، من يترك القصر ليبقى هنا في هذا المنزل."
نهض أرسلان ينزع رأسه عن قدمها، وهو ينظر لها بحاجب مرفوع، يقترب منها برأسه:
"لم يعجبك المنزل الخاص بي؟"
ابتسمت وهي تقترب منه برأسها، حتى أصبحت على بعد صغير منه، تهمس بصوت خافت أمام وجهه:
"يعجبني صاحب المنزل، وكل ما تصنعه يداه يا أرسلان."
اقترب أرسلان منها بشدة، حتى بدأت تتراجع غريزيًا بخجل شديد، وقد انسحبت جرأتها، تاركة إياها عزلاء أمام عيونه، وهو فقط استند بذقنه على كتفها جوار أذنها، هامسًا بصوت أجش خافت:
"من بیش از یک طرفدار هستم، عشق من."
ختم كلماته، يبتعد عنها قليلًا، ثم مال يطبع قبلة صغيرة، ومن بعدها نهض بهدوء، يساعدها لترتيب حجابها، وهي فقط جامدة، لا تفهم ما قال، لكن نبرته أخبرتها أنه شيء ستموت إن لم تدرك معناه...
***
خرج من المبنى بعد ساعات قضاها في الداخل، يفضي بكل ما في صدره لزوجته، يضم كفها بين كفه، وقد قرر أنه حان الوقت لينهي عزلته التي كانت في البداية مع نفسه، لتتحول مع نفسه كذلك، لكن مع الجزء اللين من نفسه... زوجته.
وبمجرد أن خطى خارج المكان، حتى تفاجأ بجسد إيفان ينتفض عن مقعد أمام المنزل، ينظر له بلهفة وخوف، بعدما أبلغه سالار ما حدث، وجاء ليعسكر جوار المبنى، ينتظر كعادته أن ينتهي أرسلان من رثاء نفسه، والذي لم يكن يحب أن يشاركه به أحدهم، حتى يتلقفه هو بين أحضانه.
ولشدة لهفة إيفان، لم ينتبه لجسد سلمى التي تقف خلفه في هذه اللحظة، يتحرك صوبه بلهفة شديدة:
"أرسلان، أنت بخير؟"
ابتسم أرسلان، وهو يترك يد سلمى، يعيدها خلف ظهره، متقدمًا عليها، يتلقى أحضان إيفان، وهو يربت عليه بحب شديد، بينما إيفان يهمس له