تحميل رواية «اسد مشكي» PDF
بقلم رحمه نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فصل ١ من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!! فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب؟ بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه.. الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل. كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره. عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، وأشباح بشر ي...
رواية اسد مشكي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمه نبيل
توقفت أنفاس سلمى لثوانٍ معدودة، ثوانٍ كانت كافية ليعمل عقلها بسرعة كبيرة وتدرك ما وقعت به دون شعور منها أو علم حتى. هزت رأسها بكل بساطة وهي تتحرك طبقًا لأوامر الرجل الذي يهددها بسلاحه، وفكرة واحدة تدور في عقلها.
أرسلان على بُعد خطوات منها، لذا فرصة نجاتها أكبر مما تتخيل، لكن عليها فقط التصرف بحكمة.
ولم تدري أن كل شيء كان مرتبًا له منذ البداية، ومثل هؤلاء الأشخاص لن يغفلوا عن أي نجدة لها في الجوار، وبالطبع لن يتركوا أرسلان دون إبعاده عنها.
لذا، وفي الساحة، وحينما كان أرسلان يتحرك لوضع سيفه على جدار السيوف مجددًا، أبصر من الجانب الآخر لساحة التدريب حركات غريبة وظلال تسير بشكل مريب جعله يضيق عيونه ببطء. ثم، وفي ثوانٍ قليلة فقط، اندلعت حريق بالقرب من الساحة لتعلو صرخة أحد الرجال في الأجواء:
"حريــــــــق فــــي مخزن الأسلحـــة الشرقي."
اندفع أرسلان بسرعة كبيرة دون تفكير وهو يسابق الريح صوب المخزن، فنشوب حريق داخل مكان عامر بالأسلحة يزيد من احتمالية حدوث انفجار مدوي قد يودي بحياة الكثيرين.
ركض وهو يصرخ بصوت رنّ صداه في المكان:
"ابعدوا الجميع عن المخزن، ابتعدوا جميعًا واحضروا ما نطفئ به الحريق، اسرعوا..."
كان يصرخ وهو يتلفت حوله يراقب الجميع، وهو معهم يسارع بخطواته. وحينما وصل للمخزن دخله دون تفكير ينتزع وبسرعة الأسلحة بعيدًا عن الجزء المحترق وهو يوجه جنوده بالكلمات.
ثوانٍ حتى اقتحم المعتصم المكان وبدأ يساعده في نقل ما لم يتضرر من الأسلحة. وخلال صراخ وتحركات أرسلان المحمومة، توقفت يده فجأة حينما اصطدمت بشيء جعله يضيق عيونه وهو يلتقطه بسرعة، يرفعه أمام عيونه يحاول فهم ما يرى.
وفجأة ضربت فكرة عقله وهو يهتف:
"يا المعتصم.."
كان المعتصم يدفع الأسلحة للخارج بسرعة مع الجنود ولم ينتبه لصوت أرسلان الذي صاح بصوت شبه مرتفع:
"يا المعتصـــــــم اقترب."
توقف المعتصم واستدار صوب أرسلان الذي نظر في عيونه يردد بصوت جاد وملامح مظلمة:
"اغلق مخارج القلعة بأكملها لا تسمح لأي أحد بالخروج أو الدخول."
نظر له المعتصم بعدم فهم ليصيح أرسلان بصوت مرتفع وهو يندفع من المخزن بعدما أبصر الجميع قد أوشكوا على تدارك الحريق:
"الآن....أغلقوا مخارج القلعة بأكملها، لا تسمحوا لأحد بالخروج من هنا."
كان يركض بين الطرقات وهو يحمل بين يديه ذلك الشيء الذي أثار جنونه، بينما المعتصم نظر للجميع ثوانٍ قبل أن ينطلق كالقذيفة:
"سمعتم ما قال الملك، أغلقوا المداخل والمخارج وتأكدوا من أن الحريق انطفأ بالكامل."
ختم حديثه يركض بسرعة وهو يشير لبعض الرجال أن يتحركوا صوب مداخل ومخارج القصر.
بينما أرسلان كان يتحرك في المكان بمظهر مرعب، ثيابه السوداء التي تتألف من بنطال قماشي وسترة ذات أزرار خشبية على شكل مثلث، مع ملامح وجه بها بعض غبار الحريق وخصلات ثائرة وعروق نافرة.
كان يتحرك في القصر بشكل أوصل للجميع رسالة تلاشي واضحة من طرفه.
وصل لساحة القتال مجددًا ينتزع أول سيف قابله، ثم تحرك بخطوات مرعبة:
"في بلادي وقصري أيها الخنازير البرية، ألا الويل لكم ولأسلافكم الذين تذوقوا الجحيم على يديّ...."
حرك نظراته في المكان يصيح بصوت جهوري رنّ صداه في المكان:
"هنــــــاك مقتحمــــين فــــي القصـــــر، مــــــن يبصر منكم وسخــــــًا منهم، فهو له ......."
وتلك الجملة التي نطق بها تردد صداها في المكان، لكن لم يصل صوب النقطة التي كان المتسللين قد وصلوا لها بالفعل، إذ كانوا على بُعد شعرة واحدة من الخروج من تلك القلعة والهرب صوب الجحر الذي سيحتفظون فيه بالمرأة الهادئة بشكل مخيف.
لكن فجأة توقفت أقدامهم حين سمعوا صوت خيل يتحرك بسرعة كبيرة صوبهم. جذبوا جسد سلمى بسرعة يختبئون بها خلف أحد الجدران يراقبون ما يحدث ليبصروا العديد من الرجال الذي هبطوا عن الأحصنة واحاطوا المخرج الخلفي للقصر.
اتسعت أعين الرجال وهمس أحدهم بعدم فهم:
"ما الذي يحدث هنا ؟؟"
"يبدو أن ذلك اللعين اكتشف وجودنا."
ابتلع أحدهم ريقه يحاول التحدث بصوت خافت كي لا يصل لأحد الجنود:
"وما الذي سنفعله الآن، الرجال ينتظرون خارج هذه البوابة."
"ربما يمكننا البحث عن مخرج آخر، ومن ثم نذهب لهم من خارج الأسوار."
كانت سلمى تتابع ما يحدث وهي تراقب ردات فعلهم وارتجاف أجسادهم، وحسنًا هي يعجبها ما ترى.
خائفة؟
نعم قليلًا، فهي معتادة على أن تكون رهينة مطيعة إلى حين تتأكد أن تمردها لن يتسبب في قتلها ومن ثم تنتقم.
متحمسة؟!
ربما، لأول مرة يكون هناك بطل في حكايتها غيرها، هل حان لها أن تلعب دور الأميرة ويأتي الفارس لينقذها.
فجأة انتفض جسدها حين شعرت بالرجل يسحبها بقوة صوب أحد الجهات وهي فقط سارت معه تدعو الله في صدرها أن يصل لها أرسلان قبل فوات الأوان.
"في العادة أنا لست ذو صبر عظيم نزار العزيز، ويمكنك سؤال زوجتي الحبيبة فهي أكثر من يعلم الأمر."
أدار أنمار عيونه صوب توبة التي كانت ساقطة أرضًا جاثية على قدميها شبه منهارة، لا تعي ما يحدث ولا تشعر سوى بنيران تشتعل داخل صدرها، عيونها مثبتة على الذكر الذي كان من سوء حظها أنه زوجها.
ومن ثم تحركت عيونها صوب نزار الذي كان جسده متحفزًا بشكل مرعب، يحدق في ملامحها المدمرة وجسدها الهامد ويده تنقبض بشكل مريع.
صوت تنفسه بدأ يعلو أكثر وأكثر وأنمار يتابع ما يحدث ببسمة واسعة:
"طلبت بعض الوقت للتفكير في عرضي، لكنني لحظك السيء لا امتلك الكثير مما طلبت، لا وقت لي كي اتوسلك، لذا بدأت أفكر في محفز لك يساعدك على إتخاذ قرار في اسرع وقت وخمن ماذا وجدت..."
ختم حديثه يشير صوب توبة التي كانت تحدق فيه بشر وكره وتقزز، اقترب منها يجلس أمامها القرفصاء يهمس لها بصوت شبه مسموع:
"طليقتي الحبيبة.."
سقطت دموع توبة دون شعور منها، دموع الراحة وكأن قيد زواجها منه كان يخنقها.
مد يده ليمسح دموعه، فابتعدت وجهها عنه بكره واشمئزاز، فابتسم أنمار ساخرًا يبعد الشريط عن فمها يتمنى أن يُطرب بأصوات شهقاتها:
"لا لا تبكي عزيزتي، اعلم أن فراقي أصعب مما تتخيلين لكن لم امتلك خيارًا آخر، فأنا رجل لا أقبل أن تكون امرأتي وزوجتي بين هؤلاء القوم الفاسدين وهي تحمل اسمي؛ لذا ومنذ أرسلتك هنا قمت بتطليقك."
وقبل أن ينطق كلمته الأخيرة بصقت توبة في وجهه وهي ترمقه بنظرات سعيدة منتشية وكأنه للتو أخبرها بنبأ تحررها من سجن أبدي:
"كم أنت ديوث صالح أيها الوسخ القذر، لأول مرة سأكون شاكرة لصنيع فعلته لأجلي أنمار."
اغمض أنمار عيونه بقوة بغضب، وفي ثوانٍ كانت قبضته تهبط على وجهها بعنف مسقطة إياها أرضًا، ليندفع في نفس اللحظة نزار وهو يرد له اللكمة بأخرى أشد قوة في الثانية ذاتها وصوته رنّ في المكان بأكمله.
"يدك عنها أيها القذر."
سقط أنمار أرضًا وعكس المتوقع ابتسم لهما يردد بصوت ملتوي:
"انظر إليك نزار لقد سحرتك أنت الآخر ها؟! لطالما كانت تمتلك هذه المرأة تأثيرًا مدويًا على ....."
وصفعة هي ما قاطع حديثه عن الاكتمال، وقد كانت توبة تدرك جيدًا إلى أين سيصل هو بحديثه هذا، لتكون صفعتها هي الفيصل بينه وبين باقي كلماته.
"طلقتني وانتهينا الحمدلله، إذن حذاري أن تلوث اسمي بذكره على لسانك القذر."
وضع أنمار يده على وجنته وهو ينظر في وجهها مطولًا نظرة جعلتها تدرك أن ردته على هذه الصفعة لن تعجبها البتة، لكنه صمت مؤقتًا يردد بهدوء وهو ما يزال ينظر إليها:
"إذن نزار العزيز ما رأيك في اقتراحي السابق عليك، أنت معنا أم تهوى مشاهدتي أعذب المرأة التي احببتها؟?"
اتسعت عيون توبة بقوة من كلماته، بينما نزار رمقه باستنكار يهتف في وجهه:
"هل تظن الجميع بمثل قذارتك؟?"
"بل أدرك ما يخفي الجميع خلف نفوسهم التي تدعي الطهارة، إذن أنت معنا أم نودع جثمان زوجتي الحبيبة وتلتحق بولدها الصغير في قبره."
عند هذه الكلمة ارتجف جسد توبة بقوة وهي تحاول أن تتمالك نفسها، ولم تكد تحرك إصبعًا لتدافع عن ذكرى ولدها حتى وجدت سيف أنمار يتوسط رقبتها وصوته يهدر في المكان:
"ثواني معدودة، انضمامك لنا مقابله رقبة توبة العزيزة...."
استطاع الرجال أن يغيروا خطتهم في ثوانٍ معدودة وتحركوا بسرعة كبيرة مع سلمى صوب مخرج آخر بعيدًا عن البوابات بأكملها، نفس المخرج الذي يختبئ بين الأشجار والذي لا يعلم عنه سوى القليل، لكن يبدو أن هؤلاء الأشخاص يعلمون القصر بشكل مكنهم من معرفة ذلك المخرج.
وصلوا صوب المخرج وتحرك رجلان منهما يزيحون الصخرة بسرعة كبيرة عن بداية النفق، ثم أشار أحدهم لمن يمسك بسلمى أن يتقدم:
"هيا تحرك بسرعة قبل أن يكشفنا أحدهم."
دفع الرجل سلمى وهو ما يزال يحمل سيفه على رقبتها وسلمى تقترب من النفق تفكر أن عيش دور الأميرة المسكينة والتي تنتظر فارسها سيتسبب في ضياعها إن استمر أكثر، لذا كانت تنظر حولها تبحث عن مخرج لها، لكن ضيق النفق وظلامه لم يساعدها، لذا قررت أن تفعل بمجرد الخروج.
خرج أول شخص منهم وهو يتلمس طريقه بصعوبة في المكان حوله، يتمنى لو كان يمسك معه أي شعلة تنير له الأجواء، شعر بالأرض رطبة أسفل أقدامه، حتى أن قدمه انزلقت فجأة وكاد يسقط لولا تلك اليد التي استند عليها وامسكته ومنعته من السقوط.
تنفس الصعداء وهو يعتدل في وقفته:
"كان هذا وشيكًا، أشكرك..."
"العفو يا عزيزي."
ضيق الرجل حاجبيه بتعجب من ذلك الصوت وتلك النبرة، رفع عيونه ببطء وهو يبحث عن مصدره، لكن الظلام لم يساعد، فجأة أضاء صاحب الصوت شعلة يقربها من وجهه ملقيًا عليه بظلها يهمس بنبرة مازحة مرعبة:
"مرحبًا..."
اتسعت أعين الرجل بصدمة كبيرة وقد توقف قلبه لثوانٍ يتراجع بسرعة صوب النفق وهو ما يزال ينظر صوب جسد أرسلان الذي يتشح بالسواد كعادته ومعه بعض الرجال خلفه.
ظل يتراجع حتى اصطدم في جسد زميله خلفه والذي نطق بضيق:
"ياااه ما بك أنت، توقف كدت تسقطني.."
حاول الرجل أن ينطق ويخبرهم بالعودة للقصر، ربما يمكنهم الركض صوب سجون مشكى وسجن أنفسهم بها أكرم لهم من تلك النهاية السوداوية.
بينما أرسلان يراقب تخبطهم ببسمة واسعة، وقد أبصر سابقًا أحدهم وهو يتحرك صوب النفق الخاص به، ليكون هو أسرع منهم ويخرج من البوابة القريبة من النفق وينتظرهم في الخارج.
جاءوا بلاده ليحرقوا مخازن أسلحته ويتخلصوا من جنوده ويرحلوا بكل بساطة، ليس وهو حي يرزق.
ظل يراقبهم ببسمة جانبية ساخرة ينتظر أن يتمالكوا أنفسهم كي ينقض عليهم، لكن فجأة اتسعت عيونه بصدمة وهو يبصر آخر جسد توقع أن يخرج من النفق.
اتسعت عيونه أكثر وأكثر وهو يبصر ما يحدث أمامه يهمس بعدم تصديق:
"ماذا؟؟ ماذا؟?"
أما عن سلمى والتي بمجرد أن تنفست الهواء خارج النفق حتى استدارت ودون تفكير تنتزع السيف عن رقبتها مستغلة انتباه الرجل على خطواته أكثر من اهتمامه بتهديدها.
وفي ثوانٍ كانت قبضتها تصطدم في وجهه، ومن ثم أمسكت رأسه تضربها بالجدار خلفها بقوة وهي تكرر الضربة أكثر من مرة، حتى تركته ليسقط جسده أرضًا وحينما استدارت بتحفز صوب المتبقين، وجدت أجسادهم متيبسة بشكل مرعب وهم يعطونها ظهورهم وكأن صرخات رفيقهم الذي فجر رأسه منذ ثوانٍ لم تحرك بهم شيئًا.
كل هذا تحت أعين أرسلان الذي كان يراقب مع رجاله ما يحدث، والرجال خلفه متسعي الأعين مصدومين مما يرون، والنظرات تتحرك بينهم يتبادلونها ولا أحد يستطيع التصريح بما يدور في عقله.
وعلى عكس صدمتهم كان أرسلان يراقبها بفخر شديد وسعادة طاغية وهو يبصرها تتخلص من الرجل بغمضة عين، وهذا أعجبه وبشدة.
"هذا .......مشهد أحب مشاهدته ما تبقي من عمري."
رفعت سلمى حاجبها بتعجب مما سمعت وهي ترفع عيونها صوب الصوت وقبل النطق بكلمة واحدة سمعت الصوت نفسه يهتف:
"انقذوا المتبقي منهم من يد الملكة قبل أن تقتلهم يا رجال."
تحركت عيون سلمى بسرعة صوب أرسلان والذي كان يحمل الشعلة ينظر لها ببسمة واسعة لم تفهم سببها، لكنها فورًا تنفست الصعداء وهي تتحرك صوبه تهتف بلوعة ولهفة ونبرة في غاية الرقة تناقض ما فعلته منذ ثواني:
"جلالة الملك حمدًا لله أنك جئت تنقذني منهم، لقد ...لقد أرادوا خطفي، اشكرك للمجئ ومساعدتي."
راقب أرسلان رجاله وهو يمسكون المختطفين يردد بهدوء شديد:
"حسنًا أنا فقط جئت امسك بهم ظنًا أنهم جاءوا لإحراق مخازن الأسلحة، ولم أدرك أنهم أرادوا اختطافك حتى تلك اللحظة التي رأيتك تفجرين بها رأس أحدهم."
اتسعت عين سلمى بصدمة وهي تهتف:
"أنت لم تأتي لتنقذني؟?"
تشنجت ملامح أرسلان وهو يسير لجسد الرجل الذي انتهت منه للتو والذي كان أحد جنوده يجره صوب الأحصنة:
"أنقذ من؟؟ الرجل لا يستطيع التحرك بعدما خرج من تحت يدك."
تنفست سلمى بصوت مرتفع وقد شعرت وللحق بخيبة، خيبة كبيرة بعدما ظنت أنها ربما تعني له شيئًا ليأتي ويبحث عنها وينقذها.
بينما أرسلان فقط كان يراقب بعيونه هؤلاء الرجال وعقله يعمل في نقطة بعيدة عنها، هؤلاء الرجال جاءوا لأجل سلمى؟!
جاءوا لأجلها خصيصًا وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها أحدهم لها، وهذا يثير ريبته وبشدة.
استدار ينظر لها ولعيونها وقد كانت الشعلة التي يحملها تنعكس عليها يهمس بصوت خافت:
"لو علمت أن مكيدتهم كانت تستقصدكِ منذ البداية، ما جاريتهم في لعبتهم وتركتك بين أيديهم ثانية واحدة، لكنت نزعت رؤوسهم فورما لمحتهم داخل القلعة."
ختم حديثها، ثم استدار بنصف جسده، ثم أطلق صفير مرتفع يحضر حصانه والذي توقف جواره، نظر لها ثوانٍ ثم أشار للحصان يهتف:
"اصعدي ليأخذك إلى غرفتك ترتاحين بعد هذا اليوم الشاق."
نظرت له سلمى طويلًا وهو فقط ينتظر أن تتحرك صوب الحصان وهكذا فعلت بالفعل وهي تتحرك ببطء تحاول الصعود على ظهره وهو فقط أبعد عيونه عنها يتأكد أن لا أحد يحدق صوبها، وحينما سمع صوتها تهتف بصوت منخفض:
"لقد ...لقد صعدت."
هز رأسه، ثم استدار صوب الحصان يربت على رأسه ومن بعدها همس له همسة لم تصل لسلمى، ثم رفع عيونه لها يراقبها ترتدي معطفه كالعادة:
"سوف يأخذك حتى مبنى غرفتك، اعتني بنفسك ولا تخافي الحراس منتشرين على طول طريقك حتى تصلي بأمان."
ولم تتحدث سلمى بكلمة واحدة فقط هزت رأسها تتحرك مع الحصان، حتى ابتعدت عن عيونه، وحينما تأكد من دخولها القلعة، أبعد عيونه ببطء صوب الخاطفين يهمس بصوت مشحون بالغضب وهو يتخيل أنهم كادوا ينجحون في محاولتهم لاختطاف المرأة من أسفل سقف قصره، بل ولمسوها وسحبوها وجروها خلفهم طوال ذلك الوقت دون حتى معرفة منه:
"احضروهم للسجون وانتظروني......."
تحركت عيون نزار صوب توبة التي كانت تنظر له بعدم فهم لجملة أنمار تتساءل بعيونها عما يريده منه أنمار، بينما أنمار قاطع كل تلك النظرات يقول ببساطة شديدة وهو يجلس على الأريكة خلفه:
"أرى أنك بدأت تقتنع بعرضي، ولزيادة الإغراء سأمنحك المرأة ليس فقط حياتها، بل حريتها، سأمنحها لك هدية إن أردت."
ارتسمت بسمة ساخرة على جانب فم توبة تهمس بصوت خافت مختنق:
"وهل تراني جارية من الجواري اللواتي يحلقن حولك؟! أنت الآن تتحدث عن الأميرة التوبة التي ما كان لك الوصول لها سوى في أحلامك، لكن وبسبب سوء اختيار وغباء مني، قللت من شأني وسمحت لك بالاقتراب."
نهضت وهي تعدل من وضعية ثيابها تتحرك صوبه:
"أنا الآن ورغم كل ما أمر به أبعد لك من النجوم، مصيري بيد رب العباد، وأنت يا قذر ما كان لك أن تتحكم به."
ختمت حديثها تستدير صوب نزار ترمقه بنظرات غريبة:
"أيًا كان ما يريده ذلك الخنزير منك فلا أعتقد أنه خيرًا، لذا لا تنفذ له ما يريد والله خير حافظ، أقصى ما يمكنه فعله هو تنفيذ إرادة الله بي."
ختمت حديثه تتحرك بحركات عرجاء صوب نزار تقف أمامه تهتف بقوة خشية أن يتبع حديث أنمار لأجلها كما تعهد لها:
"حكّم عقلك وضميرك وكل خلية إنسانية بك وستجد أنها تأمرك الابتعاد عن ذلك الوباء المسمى أنمار، لذا لا تستمع له ولا تنفذ له حديثًا واتبع فطرتك، أنت...."
وقبل أن تكمل جملتها سمعت صوت أنمار في الخلف يردد بصوت ساخر مرتفع وقد أدرك للتو شيء جعل أعينه تلتمع بالسعادة:
"أوه مهلًا مهلًا مهلًا هل قالت للتو ضمير وإنسانية وفطرة؟! أطلق ضحكة صاخبة وهو يهتف بصوت مرتفع: يا ويلي لا تخبرني أنك لم تخبر المرأة كل ذلك الوقت ما فعلته أنت؟?"
نظر صوب توبة التي كانت تحدق فيه بغضب لا تود حتى النظر لوجهه بينما هو أكمل من بين ضحكاته:
"ألم تخبر توبة الحقيقة نزار العزيز، ألم تخبرها حقيقتك كل ذلك الوقت؟!"
تنفس نزار بصوت مرتفع وهو ينظر أرضًا يضغط على كفه بقوة يحاول أن يتماسك وألا يقتل أنمار في هذه اللحظة، وكم راودته نفسه تلك الفكرة كثيرًا.
رفع عيونه ببطء صوبه يرميه بنظرات مخيفة وكأنه يحذره أن ينبش في ماضيه خاصة أمامها.
بينما توبة كانت تشعر بوجود خطب ما، والآن فقط انتبهت للاسم الذي نطقه أنمار منذ ثوانٍ، نزار؟؟
نزار؟؟ سمو الأمير ونزار؟؟
رفعت عيونها في وجه نزار والذي كان شاحبًا بقوة يتنفس بصوت مرتفع بينما أنمار ابتسم يشير صوبه يقول بفخر شديد وهو يعرف عنه بشكل أوضح لزوجته الحبيبة:
"إذن دعيني اعرفك به بشكل أفضل عزيزتي، هذا الشخص الذي يقف أمامنا الآن هو نفسه العظيم نزار ولده للملك آزار وأمير آبى المتمرد، والسبب الرئيسي في نكبة مشكى..."
بهتت ملامح توبة فجأة وهي تتحرك بعيونها بينهما حتى ثبتتها على وجه نزار الذي اشتد احمرار وجهه وهو يبعد عيونه ووجه عنها، بينما هي ظلت تراقبه ثوانٍ بأعين دامعة، حتى الشخص الوحيد الذي وثقت به بهذا المكان وظنته أنقاهم اتضح أنه يماثلهم قذارة.
رمش نزار وهو يحاول التحدث:
"سمو الأميرة أنا....."
لكنها فقط رفعت يدها في وجهه، ثم استدارت صوب أنمار تتجاهل نزار بالكامل:
"لا تسعد كثيرًا بذلك الخبر الذي انبأتني به للتو، فأنا في الحقيقة لا أهتم لحقيقة الرجل، لا أهتم سوى للتخلص منك والخروج من بئر المعاصي هذا، وهذا سيحدث ولو كان آخر شيء أفعله في حياتي، أما عنه...."
استدارت صوب نزار تمنحه أكثر نظرة قاتلة تلقاها منذ القبض عليه بعد الخيانة، ثاني أقسى نظرة تلقاها بعد نظرات والده، أطالت النظر في عيونه ليشعر بتماسكه على وشك التلاشي.
ابتلع ريقه يسمع صوتها تهمس بنبرة كأنها خرجت من بئر سحيق:
"كل نفس على أعمالها رقيبة، وكل سيجني حصاد ما زرع، زهورًا كان أو شوكًا."
ختمت حديثها تستدير صوب أنمار تتحدث بهدوء شديد وهي تحاول التماسك كي لا تسقط لشدة جروح جسدها:
"إذن هل يمكنك إعادتي لغرفتي فرئتي فقدت قدرتها على استنشاق ذرة إضافية من هواء ملوث بوجودك."
ابتسم لها أنمار بسمة جعلت جسدها ينتفض غضبًا وحقدها يزداد يهتف بصوت مرتفع بأحد الحراس على منزله:
"خذ الأميرة صوب مخدعها قبل أن تختنق..."
نظر صوب نزار الذي كان ينظر أرضًا دون كلمة واحدة أو حتى نظرة لأحدهم، وحينما فرغ المكان ضم أنمار ذراعيه يبتسم بسمة واسعة:
"إذن هل أرى قبولًا منك لعرضي؟?"
رفع نزار عيونه صوب أنمار الذي رفع حاجبه ينتظر منه ردًا، ونزار فقط يتنفس بصوت مرتفع يحاول أن يفكر بشكل متعقل، يغمض عيونه ثوانٍ قبل أن يقول:
"وما الذي يضمن لي أن تصدق قولك معي وأنت لا ذمة لك؟!"
اتسعت بسمة أنمار الخبيثة أكثر وأكثر حتى ملئت نصف وجهه:
"سأعتبر هذه موافقة منك سمو الأمير.........."
دخل القصر بعد ساعتين قضاهما في السجون مع الحراس، وقد ظن الجميع أن ذلك سيقلل من غضبه بعض الشيء، لكن اتضح أنه لا، بل اشتعل غضبه أكثر وأكثر حتى كاد يخرج ويغرق من حوله.
قابله المعتصم في أحد الممرات وهو يساير خطواته بسرعة كبيرة:
"لقد صدق ظنك مولاي، الحريق كان بفعل فعل، وتلك المشاعل التي وجدتها داخل مخزن الأسلحة لا تعود لمملكتنا والختم عليها يعود لسبز، لقد جاءوا لتخريب مخزن الأسلحة و...."
اشتدت أعين أرسلان احمرارًا وهو يتنفس بصوت مرتفع:
"لم يكن هذا غرضهم من المجيء.."
نظر له المعتصم بعدم فهم وهو يدخل خلفه للجناح الخاص به بعدما أشار له أرسلان، أغلق الباب خلفه بسرعة وجسد أرسلان ينتفض بغضب:
"غرضهم الأول لم يكن حرق مخازن الأسلحة، كان هذا مجرد تمويه غبي فقط كي يفلتوا بما جاءوا لأجله في المقام الأول."
نظر له المعتصم بعدم فهم، بينما أرسلان فقط جلس على طرف فراشه يضم كفيه أمامه شاردًا بأعين حمراء، وصوت الاعترافات التي استخرجها من الخاطفين يرن في أذنه.
"إذن... إذن ماذا كان غرضهم الأساسي؟?"
رفع أرسلان عيونه صوب المعتصم، يهتف بصوت خافت هامس وكأنه جاء من بئر سحيق بينما عقله يدور بسرعة في دوائر وكأنه يبحث عن حل ما:
"خطف سلـ..."
توقف عن نطق اسمها بعدما شعر بثقله على لسانه في هذه اللحظة:
"خطف ابنة رائف."
نظر له المعتصم بصدمة يهتف بعدم فهم:
"مــــــاذا؟؟ ما الذي تقصده؟؟ خطف ابنة رائف؟?"
هز أرسلان رأسه ليتحرك صوبه المعتصم يتساءل بجدية:
"وما سبب ذلك؟! ما دخلها في مثل هذه الأمور وما الذي...."
قاطعه أرسلان بقوله الذي أصمته وجعله يفهم ما يحدث:
"يعتقدون أنها زوجتي وأنها ...تعني لي أكثر من مجرد امرأة في ضيافتي."
رفع المعتصم حاجبه يجلس جوار أرسلان وصمت، وقد شعر أن الصمت في هذا الوقت واجب، يمنح أرسلان كامل الوقت ليفكر فيما يحدث ويقرر إذا ما كان يجب أن يتحدث، أعطاه كامل الوقت بكل كرم، ومن ثم تحدث بكل هدوء:
"وما رأيك أنت مولاي؟?"
نظر له أرسلان ثوانٍ قبل أن يشرد بعيونه بعيدًا عن المعتصم يفكر مجددًا ومجددًا في حياته التي تتعقد كل ثانية أكثر من التي سبقتها:
"المرأة تعني لي، لكن ليس بهذا الشكل البتة، أنا فقط أشعر بالمسؤولية تجاهها، شعور لا أستطيع تفسيره، ليس ...."
صمت وكاد ينطق "حبًا" لكنه توقف، شعر أنه لا يستطيع التحدث عنها مع رجل آخر أو التعبير عن مشاعره مع أحد، مشاعره تجاه سلمى، منذ اللحظة الأولى التي أبصرها بها كان انبهار لحظي، ومن ثم شعور قوي وملح بالاهتمام بها والاعتناء بأمرها رغم أنها لا تحتاج لمن يعتني بها في الواقع، ومن ثم رغبة عارمة بكسر عنادها وتأديبها ولذا عرض عليها الزواج، ربما لشعوره أنه يستطيع المساعدة أفضل إن كان أقرب، أو ربما رغبة داخلية في صدره تدعوه ليستكشف ما تخفيه دون أن يغضب ربه، لكن الأمر ليس حبًا حتمًا كما يزعم إيفان في نظراته.
"حسنًا صدقني أنا أكثر شخص لست بحاجة للتفسير له فأنا أعاني الأمر ذاته هنا."
استدار له أرسلان بعدم فهم، ليدفن المعتصم وجهه في يده ويدرك أرسلان ما يحدث هامسًا:
"فاطمة؟?"
رفع المعتصم عيونه صوب أرسلان يضم شفتيه بقوة، ثم فجأة انفجر وكأنه فقط كان ينتظر أن يتوجه له أحدهم بسؤال صامت عن فاطمة:
"هذه الفتاة تستفز كل ذرة مسؤولية وقلق اختزنتهم داخل صدري طوال حياتي، كل ثانية وكل لحظة أفكر فيها ترى هل هي بخير أم أسقطت نفسها في كارثة ما؟؟ لا أستطيع، لا أستطيع أن أتخيل أن تصاب بسوء بسبب طريقة تفكيرها البريئة والتي لا تتلائم بأي شكل من الأشكال مع هذه الحياة."
ابتسم أرسلان بصدمة من قدرة المعتصم عن التعبير عما يدور داخل صدره، لكن هذا المعتصم حجته موجودة، الفتاة صغيرة بريئة وتعاني من اضطرابات تجعل أيًا كان يقلق عليها، حتى هو والذي لم يبصرها يومًا بدأ يحمل همها.
لكن هو ما حجته للشعور بالمسؤولية الدائمة تجاه سلمى؟! فلا هي بريئة بقدر فاطمة أو تعاني من شيء، لكن رغم ذلك يغضب حين يراها تعاني شيئًا، ربما لأنه بشكل غير مباشر أجبرها على البقاء في عالم لا يليق بها.
ابتلع ريقه ينظر صوب المعتصم والذي استدار ينظر صوبه، قبل أن ينفجر الأخير في الضحك وهو يخفي وجهه بين يديه وارسلان يتحدث بضيق:
"فقط توقف عن الضحك، هل ترى هذا وقت مناسب للضحك؟?"
ازدادت ضحكات المعتصم وهو يمسح وجهه بقوة يهتف من بين ضحكاته:
"شر البلية ما يضحك مولاي، يبدو أنها لعنة أصابت رجال القصر."
سمع الاثنان صوت طرق على الباب اتبعه دخول زيان بعدما أذن له أرسلان.
تحدث زيان بصوت جاد وهو يشير للخارج:
"أوه معتصم هنا أيضًا، بحثت عنك في الخارج كثيرًا كي تأتي وتشاركني شرب العصير في الشرفة الخارجية، لكن لم أجدك، حسنًا أنا فقط أشعر بالخيانة لتجمعكما هنا وتركي وحدي بين طرقات القصر، على كلٍ جئت أخبرك مولاي أن المرور على النصف الشمالي انتهى اليوم وغدًا نكمل مع النصف الجنوبي لكن تنقصنا بعض الأغراض وهذه الورقة ذكرت بها كل شيء."
مد يده يعطي الورقة لأرسلان الذي نظر لها باهتمام شديد:
"غدًا إن شاء الله آتيك بكل ما ينقصك زيان."
استغل المعتصم الحديث وهو يشير لزيان:
"زيان هناك في ضاحية النور الثالثة عند تقاطع السوق الجنوبي منزل شبه محترق تسكنه امرأة كبيرة بالعمر، فقط أردتك أن تمر عليها وتتأكد أنها بخير لأنني سمعت أنها مريضة وبشدة، حسنًا؟?"
نظر له زيان ثوانٍ قبل أن يهز رأسه:
"حسنًا غدًا أمر عليها لا تقلق، سوف أمر على الجميع لكنني قد أبدأ بها تحسبًا لأي شيء.."
ابتسم أرسلان وهو يشير لزيان بهدوء ولطف شديد:
"هيا اسحب مقعدًا وشاركنا الجلسة زيان، سوف أرسل وأحضر لنا بعض الفاكهة، من يدري متى تتاح لنا الفرصة لنجتمع سويًا."
خجل زيان من اقتحام جلسة الملك والمعتصم وهو يدرك مقدار تقربهما من بعضهما البعض لذا نفى ولم يكد يرفض حتى سمع صوت أرسلان يصر عليه:
"هيا زيان اجذب مقعدًا واقترب، هل ستقضي ليلتك وحدك؟?"
"لا كنت سأذهب لأطمئن على الصغار في السكن الخاص بهم، ومن ثم أخلد للنوم."
ابتسم له أرسلان بلطف يرفع عنه الحرج يجبره على الاندماج معهم ويخرجه من وحدته التي يعلم أنه يدفن ذاته بها بعدما فقد كامل عائلته في هجوم المنبوذين الأول.
"تعال زيان اقترب وشاركنا الجلسة."
جذب زيان مقعده يجلس عليه أمامهم مبتسمًا بسمة صغيرة ليبادر أرسلان يتساءل باهتمام شديد:
"إذن زيان هل هناك ما ينقصك؟?"
"لا فقط الأعشاب التي.."
"لا أقصد عملك زيان، أقصد في حياتك، هل هناك ما ينقصك؟"
رفع له زيان عيونه يهتف بصوت هادئ وبسمة صغيرة:
"الحمدلله أنا بخير مولاي."
ابتسم له أرسلان ثم حدثه بغرض تشتيت عقل زيان عن الأفكار الليلة التي يعلم جيدًا أنها لا ترحمه كل ليلة كما تفعل معه هو، فهو لا يكاد يضع رأسه على الوسادة لتعود له ذكرى ذلك اليوم وهو يقاتل، ومشاهد له وهو يُطعن من الخلف ومن الإمام، كلمات التشفي التي أصابته، رعبه على عائلته وشعبه وهو يحتضر، شعوره بجسده وهو يُجر في الغابة بهدف إحراقه في أحد الأركان ظنًا أنه مات بالفعل، ترقبه لميتة شنيعة كالاحتراق، شعوره بجسده يحتك بالأشواك والأرضية أسفله، كل تلك كوابيس تركت ندوبًا داخل روحه.
وزيان كان واحدًا من شعبه الذين عانوا الكثير، فقد زوجته وفقد توأمه بعمر أشهر، وصغيرته ذات العامين، ولم يكتشف الأمر إلا حينما وجدهم بين الضحايا الذين كانوا يعالجهم في إحدى الليالي.
"زيـــان."
نظر زيان صوب أرسلان ببسمة ليبتسم له أرسلان يربت على قدمه بقوة وهو يدعمه بعيونه:
"أنا ممتن لوجودك في القصر ومساعدتي، ما كان لي أن أتدارك كل ما يحدث مع الجميع من الناحية الطبية، وما كان أحدهم ليستطيع مساعدتي بقدرك، لذا أنا أشكرك زيان."
اتسعت بسمة زيان يتحدث براحة شديدة:
"هذا عملي مولاي وأنا أحبه، لذا لا أعتقد أنك بحاجة لشكري عليه، بل أنا أشكرك لهذه المكانة التي ما تخيلت يومًا أن أحوزها."
"تستحقها يا رجل وأكثر، رغم سنوات عمرك الثلاثين فأنت أفضل الأطباء هنا ومشكى محظوظة بك."
تدخل المعتصم في الحديث يدرك ما يحاول أرسلان فعله، فهو أبصر بعيونه موجة الذكريات التي كادت تسحب زيان بعيدًا عنهم ليتدخل أرسلان سريعًا ويجذبه هو.
"لا تبالغ في الثناء عليه مولاي هكذا ستجعله يعتقد نفسه ذو مكانة أعلى مني ويأتيني في الغد يتكبر عليّ."
رفع له زيان عيونه بتكبر مصطنع:
"من الأساس أنا أعلوك مكانة، فامثالك يا فتى نكتالهم في السوق لكثرتهم، أما أمثالي فهم كالعملات النادرة..."
ضم المعتصم شفتيه يسخر مما سمع:
"أوه انظروا من يتحدث؟!"
أجابه زيان ببسمة واسعة يضع قدمًا على قدم متفاخرًا:
"زيان بن محمد يا صغير.."
انطلقت ضحكات أرسلان على ملامح المعتصم التي تغضنت لينهض الأخير وهو يتحرك صوب زيان وينشأ بينهما شجار كان أرسلان به موضع سالار في شجاراته مع إيفان وقد بدأت أصوات الضحكات والصرخات تعلو من الغرفة الخاصة بأرسلان وبقوة.
حتى وصلت لسلمى التي كانت تقف داخل شرفتها تضم نفسها تحاول تدفئة جسدها، تبتسم بسمة صغيرة وهي تحرك عيونها للسماء تسمع صوت ضحكات أرسلان التي بدأت ترتفع تزامنًا مع ارتفاع صرخات رجولية.
لتهتف بصوت خافت:
"الطفل المسكين كبر ليصبح ملكًا عظيمًا يا موزي، ملك ما يزال يخفي طفله المسكين داخله......."
تحرك السيف في الهواء بقوة مرعبة وهو يتحرك صوب رقبة أحد الرجال الذي مال بسرعة في آخر لحظة يرفع سيفه يصد ضربة أرسلان، بينما أرسلان سحب سيفه مبتسمًا من ردة الفعل التي وصلته من الجندي.
دار أرسلان حول الرجل يمينًا ويسارًا بهدف تشتيته أكثر وأكثر، ثم ابتسم ليبادله الرجل البسمة، رفع سيفه في الهواء يحركه صوبه بحركة جانبية انتبه لها الرجل بسرعة، لكن وقبل أن يتخذ ردة فعل عليها، غير أرسلان ضربته في آخر ثانية فأصابه بضربة أسقطته أرضًا.
أشرف أرسلان على الرجل الساقط، يبتسم له بسمة واسعة وهو يمد يده يجذبه مساعدًا إياه لينهض:
"لا تأمن يومًا لأحدٍ في الحرب يا فتى."
ابتسم له الشاب يمسك يد أرسلان ينهض وهو يتنفس بصوت شبه مرتفع:
"سأحرص على ذاك في المرة القادمة مولاي، كل مرة أخرج منك بدرسٍ للمرة اللاحقة."
ربت أرسلان على كتفه، ثم أشار بعيونه صوب المعتصم يتحرك معه بعيدًا عن المكان:
"هل ارسلت خطابًا لسفيد يا المعتصم؟?"
هز المعتصم رأسه يتذكر تعليمات أرسلان بإرسال رسالة لسفيد كي يحذرهم من خطط المتمردين بخصوص النساء وهذا ما خرج به في الأمس بعد ضغط على الخاطفين.
"جيد، أين وصلت في تأمين الحدود؟ كل شيء على ما يرام؟?"
"نعم، لا تقلق مولاي لقد توليت الأمور، نحن نسير بوتيرة جيدة، أعداد الجيش تزداد، ومهارات القدامى تتطور، وفي القريب العاجل بإذن الله نعلن قيام جيش مشكى مجددًا وبشكل رسمي."
تنهد أرسلان يتمنى أن يصل لهذه اللحظة:
"إن شاء الله نفعل يا المعتصم، الآن يمكنك العودة للجيش وإكمال التدريبات وأنا سأمر على مخازن الأسلحة لأقدر أضرار الأمس التي طالت المخزن."
ابتسم له المعتصم يحرك رأسه بطاعة، ثم تحرك في طريقه صوب الجيش مجددًا ليقابل أثناء ذلك زيان الذي تحرك مع بعض الأطباء يلوح له، ومن ثم خرج من القصر لبدء جولته الطبية.
وارسلان فقط تحرك ليتفقد أمور القصر وعقله شارد في القادم من حياته، لا شيء مستقر حتى الآن في حياته، لا عائلة ولا وطن ولا حتى أفكار، لكنه لا ييأس، ينتظر اليسر بعد العسر.
"جلالة الملك...."
توقفت أقدام أرسلان فجأة عن التحرك صوب المخزن حين سمع صوتها، توقف يتنفس بصوت مرتفع، ثم استدار ببطء شديد صوبها يبصرها تتهادى صوبه بنفس الطلة التي يعلمها بها، فستان طويل مليء بالورود يعلوه معطفه الذي يناقض سواده وحدته رقة فستانها.
تحركت حتى توقفت أمامه تبتسم له بسمة صغيرة مشرقة، ثم هتفت برقة جعلته يحدق فيها بحثًا عن تلك المرأة التي كادت تقتل الرجال في الأمس:
"صباح الخير جلالة الملك."
ضم أرسلان يديه خلفه يجيب بهدوء شديد وهو يبعد عيونه عنها:
"السلام عليكم آنستي."
رفعت له سلمى حاجبها بهدوء، ثم ابتسمت مجددًا تتحدث بكل هدوء:
"بخصوص البارحة.."
رفع حاجبه لها ينتظر منها ما تريد قوله:
"ماذا بخصوص البارحة؟!"
ابتسمت له تضم يديها أمامه ثم أردفت بكل لطف تمتلكه:
"أود التحدث مع الخاطفين إذا سمحت."
ثوانٍ من الصمت ملئت الأجواء بينهما دون أن يمتلك أرسلان أو حتى هي جرأة التحدث وقطع حرمة الصمت تلك، وارسلان فقط يحدق فيها بعدم فهم لطلبها.
أما عنها فقد اشتاقت لعملها ورأت أن ممارسته هنا يمكن أن تساعد هذه المملكة في اكتساب المزيد من الأشخاص الذين تابوا عن جرمهم.
"هل طلبي بهذه الصعوبة؟?"
التوى ثغر أرسلان بهدوء يحاول الحفاظ على ما تبقى له من حلم:
"عفوًا يبدو أنني كنت شاردًا بعض الشيء، ما هو طلبك؟!"
"أخبرتك أنني أود مقابلة الخاطفين والتحدث معهم رجاءً، يمكنني مساندتهم لتخطي تلك الفترة العصيبة في حياتهم والعبور صوب الضوء."
مسح أرسلان وجهه بقوة يهتف بصوت خرج متحسرًا مما يعيشه الآن:
"والله لا يمر بفترة عصيبة في هذا القصر سواي، تتحدثين وكأنهم نساء في فترة النفاس، أي فترة عصيبة تلك يا امرأة هم مجرمين.."
سمعته سلمى، تتجاهل كلماته المعترضة، لتعرض نفس عرضها الدائم عليه:
"فقط إن تركتني أساعدك سوف تــ"
قاطعها أرسلان سريعًا وهو يهز رأسه بلهفة:
"نعم رجاءً ساعديني، هذه ستكون المرة الأولى في حياتي التي أترجى أحدهم لفعل شيء، لكن لا بأس الأمر يستحق صحيح؟?"
ابتسمت له بسمة لطيفة واسعة:
"لا داعي للرجاء مولاي العفو منك، فقط أخبرني ما تريده مني لأساعِدك؟?"
مال أرسلان قليلًا صوبها ثم هتف بجدية شديدة:
"دعيني وشأني وابتعدي عني في هذه اللحظة تحديدًا..."
اتسعت عيون سلمى بقوة من طلبه وشعرت بالضيق يملئ صدرها، وهي ترفع عيونها له تثبتها في خاصته واستمر التحديق به ثوانٍ قبل أن تهتف بكل بساطة وبسمة واسعة لطيفة:
"إن أخبرتني أين أجد الرجال سأنفذ ما تريده."
اشتد جنون أرسلان ليهتف وهو ينتقض بعيدًا عنها يحرك يده في الهواء صارخًا:
"رجــــ..... مـــــا الـــــذي تهزين به يا امرأة؟! تودين مني إرشادك لمجموعة من الرجال الكافرين الذين قتلوا واغتصبوا ودمروا شعوب وبالمناسبة حاولوا خطفك البارحة؟!"
رمشت سلمى بصدمة وهي تتراجع بعيدًا عنه تحاول الحديث:
"فقط أريد التحدث معهم و..."
"يا امرأة توقفي عن إثارة جنوني كي لا يطالك مني ما لا يحمد عقباه، أنا ومنذ الصباح لا أطيق التحدث مع أحدهم لخوض مثل تلك الأحاديث معك."
"صدقني جلالة الملك أنت تحتاج لخوض حديث طويل معي علّي أساعدك في الصفاء والهدوء والتحلي ببعض الصبر."
تنفس أرسلان بصوت مرتفع، ثم بدأ يتحرك في مكانه بشكل محموم وكأنه يمنع نفسه من استلال سيفه وقطع رأسها، يذكر نفسه أنها امرأة لا تفقه شيئًا في عالمهم، يذكر ويذكر نفسه، وهي تراقبه بصبر تشجعه على أخذ لحظات هدوء مع النفس ليجيبها إجابة عاقلة منطقية تقبل بها ردًا.
وبالفعل أخذ أرسلان كامل وقته، قبل أن ينظر لها بهدوء مبتسمًا يمنحها أخيرًا إجابته التي انتظرتها بصبر:
"اغربي عن وجهي..."
اتسعت أعين سلمى بقوة وهي تراه يبتعد عنها بعد تلك الجملة وكأنه يقطع عليها أي فرصة للاعتراض، لتهتف في أعقابه بضيق لتلك المعاملة التي تتلقاها منه:
"أنت وإن كنت لا تقدر وجودي في قصرك فأطلق سراحي ودعني أرحل من هنا."
صاح أرسلان بصوت مرتفع وهو يتحرك في الممر دون حتى أن يستدير لها:
"يمكنك المحاولة طالما تستطيعين."
وكانت كلماته الأخيرة هي القشة التي قسمت ظهر البعير لتهز رأسها وهي تتحرك صوب غرفتها وكل ما يدور داخل عقلها هو أنها اكتفت من التعامل مع هذا الرجل بأساليب آدمية، إن كان لا يفهم سوى لغة العناد فهي بليغة بها وستريه.
كان ينظر لها من بعيد يتردد في الاقتراب والتحدث معها، فكر ثوانٍ، ثم وحينما ارتفع صوت العقل قرر العودة عن قراره وتحرك يكمل طريقه تاركًا إياها تجلس في تلك الحديقة تنتظر وصول سلمى لتبدأ جلستها الثانية معها.
لكن وقبل أن يتحرك خطوة في طريقه التقطه أعين فاطمة التي هتفت كعادتها بانطلاق وسعادة:
"أيها المعتصم...."
توقفت أقدام المعتصم فجأة وهو يستدير ببطء صوبها يذكر نفسه أنه سيتحدث معها برسمية شديدة ويعلم كيف تسير أمورها مع سلمى ويرحل في طريقه بكل هدوء.
"مرحبًا يا المعتصم كيف حالك اليوم؟!"
المزيد من التبسط مع الغرباء وهذا ما لا يحبذه بالصغيرة، عليها وضع المزيد من الحدود بينها وبين الجميع، وفي الحقيقة خاف المعتصم أن يصرح لها بهذه الجملة فتردها له بجملة أقوى "لكنك لست كالجميع".
مرحى أصبح يخشى قول كلماته الناصحة كي لا تصيبه بجملها الموترة.
"الحمدلله بخير كيف تسير أمورك؟?"
"كل شيء جميل، لقد تعرفت على الكثير من الفتيات هنا وقد أصبحن صديقات لي وكلهن جميلات ولطيفات و....."
توقفت فجأة عن الحديث، ثم قالت بهدوء وكأنها تتذكر في أمر ما، وقد بدا أن عقل فاطمة الصغير يحتفظ جيدًا بكل اللطف والذكريات الجميلة التي تتلقاها من الآخرين:
"لقد تعرفت على فتاة جميلة البارحة، كانت جميلة جدًا يا المعتصم و...."
هي منحتني وردة جميلة واخبرتني أنني أشبهها للوردة.
ختمت حديثها تشير لوردة صغيرة مستقرة داخل حجابها ليبتسم المعتصم على حديثها، لكن فجأة تغضنت ملامحه حين سمع فاطمة تردد:
"لكن ...لقد أخبروني أنها ساحرة و.... هي سيئة، أوليست؟?"
شعر المعتصم بصدمة كبيرة مما نطقت به فاطمة يقترب منها يهتف بعدم فهم:
"ماذا؟؟ ما الذي ترددينه فاطمة هل أنتِ واعية لما تقولين؟?"
رمشت فاطمة وهي تعود للخلف بخوف من صراخه ليتنهد المعتصم بصوت مرتفع وهو يشير لها بكفه معتذرًا بعدما أبصر ملامحها المرتعبة منه وقد كانت هذه أول مرة يصرخ في وجه الفتاة:
"لا أقصد فاطمة أنا لست ...."
نظرت له فاطمة بضيق وخوف وهي تبتعد عنه أكثر:
"لماذا تصرخ بي بهذا الشكل؟؟ أنا لم أفعل شيء خاطئ هم من قالوا ذلك ولست أنا لقد أخبروني ذلك البارحة حينما وجدوني أجلس معها."
صمتت وهو يحاول فهم ما تقول لكن الأمر معها كان صعب للغاية:
"حسنًا فاطمة اسمعيني، أنا آسف لم أقصد الصراخ عليكِ أو إخافتك، أنا فقط لا يروقني أن تعطي أذنك للجميع، هل وجدتي شيئًا سيئًا منها لتقولي هذا؟؟ أوليست هي من أعطتك وردة؟?"
هزت فاطمة رأسها بنعم، ليكمل المعتصم بهدوء:
"إذن لا تستمعي لحديث بعض النسوة، فهن لا يتوقفن عن الحديث على أية حال، فقط تجنبي أي حديث سييء عن أي أحد حسنًا؟"
هزت له فاطمة رأسها وهي تنظر أرضًا تشعر بالذنب:
"لم أصدقهم على أية حال، هي كانت لطيفة معي."
ابتسم لها المعتصم، ثم هتف بهدوء شديد يغير دفة الحديث بعيدًا عن تلك النقطة:
"كيف حال والدتك؟?"
رفعت عيونها له وقد لمعت بقوة بنظرة تعجب لها المعتصم، فلم يدرك سبب لمعان عيونها بهذا الشكل، إلا حينما سمع صوتها تردد ببسمة وامتنان:
"أنت تهتم لأمي؟!"
نظر لها بعدم فهم لثوانٍ لتضيف هي:
"أقدر كل من يهتم لأمي، شكرًا لك."
تأوه المعتصم من شدة لطف الفتاة، يمنحها بسمة صغيرة أنارت وجهه، ثم مال برأسه ينظر أرضًا يحاول أن يتحدث بنبرة جادة ليست باللينة كثيرًا:
"فقط أردت الاطمئنان أنها بخير، لقد أوصيت الطبيب عليها واليوم يزورها ليعلم كيف أصبحت."
هزت له فاطمة رأسها بقوة، ثم قالت بهدوء وبسمة:
"أنت حقًا ذو مروءة يا المعتصم، ذكرني أن أصنع لك طبق حلوى كبير."
ابتسم لها المعتصم ولم يكد يتحدث حتى تحدثت هي:
"صحيح كيف هو حال برفى؟?"
"بخير، في الحقيقة هي الآن تسكن غرفة زيان بعدما اعتنى بها لأيام وأضحت تلتصق به لأنه يطعمها."
"وأنت لا تطعمها؟?"
نظر لها ثوانٍ بخجل، ثم مد يده يفرك رقبته يردد بهدوء:
"لنقل فقط أنني لا أحسن الاعتناء بكل ما هو صغير.."
رفع عيونه لها ثوانٍ وقد تماسك بصعوبة عن نطق جملة كادت تفلت من لجام لسانه، ابتلع ريقه، ثم تحدث بصوت منخفض يكمل جملته السابقة:
"أنا سيئ في هذا."
"لكنك تعتني بي بالفعل."
وهذه الجملة كانت كسهم أصاب الهدف الذي غطاه هو بضباب الإنكار، كان يدور حول الهدف يدعي عدم رؤيته، لتأتي هي وتحمل عنه القوس تدفعه جانبًا وتلقي به في منتصف الهدف، ومن ثم استدارت له تمنحه بسمة واسعة منتصرة.
نعم نفس البسمة التي تبتسمها الآن في الواقع، تنحنح يحاول إجلاء حلقه، ولسان حاله يردد "وهذه هي المشكلة". كان يعتني بها بلا شعور منه، أو ربما يشعر وينكر.
"إذن فاطمة، سوف أتحرك لأكمل عملي وأنتِ يمكنك انتظار صديقتك لحين تأتي."
ولم يكد ينتهي من جملته حتى وجد سلمى تقتحم المكان وهي تحمل حقيبة فوق ظهرها وقردها فوق كتفها وهو يضم له العديد من الفاكهة لصدره وكأنه يستعد للانعزال بكهف ما.
أمسكت يد فاطمة وهي تجرها معها بعدما ألقت بتحية سريعة على المعتصم الذي يراقب ما يحدث بعدم فهم:
"هيا فاطمة لدينا يوم طويل في الخارج."
ومن بعد هذه الكلمات اختفت فاطمة وسلمى وموزي كذلك، تاركين المعتصم يقف داخل الحديقة يحاول ترجمة ما سمع، هل تقصد بالخارج، خارج الحديقة؟؟
في سبز:
"الجميع الآن يقف في صفه وقد انقلب الشعب تقريبًا على الجنود المتبقين في الجيش مولاي."
كانت تلك الكلمات تخرج من فم أحد جنود أنمار الذي يتابع كل ما يحدث أمامه بهدوء شديد، أصلان أعلن الحرب عليهم واتخذ الشعب صفه، والآن يود الانفصال بالجيش عن البلاد.
ابتسم أنمار بسمة واسعة وهو يردد:
"حقًا؟! يعتقد أنه سيستطيع السيطرة على البلاد بهذا العدد الضئيل تحت امرته؟?"
تنفس وهو يتحرك عن مقعده يفكر في الأمر:
"خسارة أن يضيع رجل قوي كأصلان، يعز عليّ التخلص منه، لكنني لا أحب الضوضاء أثناء العمل وهو سيتسبب بالكثير منها لذا..."
صمت يستدير صوب جنوده يكمل جملته بهدوء شديد:
"تخلصوا منه هو ومن يتبعه، ومن بعدها أظهروا للشعب عاقبة التخلي عن صفي والتمرد على أوامري."
طرق الباب ثلاث طرقات كما اعتادت منه، أبعدت وجهها عن الباب تشرد في النافذة وقد غرقت الغرفة في الظلام بعدما أغلقت جميع النوافذ وكأنها تعزل نفسها عن الجميع في الخارج.
سمعت صوت خطواته يقترب منها، ومن ثم توقف على بعد صغير يهتف بصوت شبه مسموع:
"سمو الأميرة..."
ابتسمت بسخرية لاذعة:
"نعم سمو الأمير اطربني بما تريد."
اغمض عيونه يتنفس بصوت مرتفع، يشعر بالعجز عن التنفس بشكل طبيعي ولا يدري السبب لكنها كانت آخر شخص يود أن تعلم حقيقته خاصة بعدما دفنها هو قبل أن يخطو لهذا المكان.
"أنا لست ...لم أكن.... أنا فقط."
تنفس بصوت مرتفع وهو يضع يده على وجهه يهتف بصوت شبه مسموع وصل لها بسهولة، الأمر صعب عليه وهي لا تسهل ذلك بنظراتها تلك، لا شيء سهل في هذه اللحظة أكثر من الهرب، لكنه لا يستطيع اختيار الهرب مرة ثانية وقد جرب نتائجه مرة.
"لماذا الأمر بهذه الصعوبة معكِ؟!"
تشنجت ملامح توبة وهي تبعد وجهها عنه مجددًا:
"أنت لست مجبرًا على التحدث معي أو تبرير شيء، فقط حاول تجاهلي وسأقدر لك صنيعك."
"سمو الأميرة لا تصعبي الأمر علينا لقد تعهدت لك بمساعدتك للخلاص من....."
قاطعته توبة بسرعة وقد اكتفت من كل ذلك لليوم، حياتها تتعقد كل ثانية أكثر، ها هو نزار الذي وصلت أخباره وأخبار ما فعل لها حتى مخدعها، يقف أمامها بعد كل تلك السنوات.
لا تزال تتذكر ذلك اليوم الذي سمعت فيه أنمار يتحدث بشأن ما فعل، نزار؟؟
الشاب الهادئ المسالم؟؟ الطبيب الذي كان العم أزار يتفاخر به في المجالس وبعلمه وحكمته.
نزار الصغير الحنون الذي كان يخشى على الجميع أثناء اللعب ويراقبهم عن كسب ليحميهم من الإصابات وهي من بينهم، كان يركض لها كلما سقطت ينفض ثيابها ويربت عليها ويمنحها بسمة واسعة وهو يهتف لها بحنان:
"هل أنتِ بخير توبة؟؟ تريدين مني إحضار مياه لكِ؟!"
رفعت توبة عيونها صوب نزار الذي كان يقف على بُعد صغير منها يراقبها من بعيد وكأنه يخشى الاقتراب منها، يخشى أن يبصر اشمئزازًا في نظراتها تمامًا كما الجميع.
لكن على عكس ما توقع أبصر في عيونها شفقة عليه، وهذا أوجعه أضعاف مضاعفة.
"لماذا نزار؟?"
تأوه نزار وهو ينهار أرضًا يدفن وجهه بين يديه يحاول أن يتنفس بصوت مرتفع لا يدري كيف يتحدث أو يبرر لها ما حدث:
"أنا لست ....لا أستطيع الشرح، لا أدري كيف فعلت هذا و.... الأمر أنني فقط...."
صمت وهو يبتلع ريقه بصعوبة وقد شعر بجسده يرتجف من هول الأفكار التي بدأت تغزو عقله في هذه اللحظة، يهتف بحسرة وصوت يقطر وجعًا:
"لقد ...عوقبت بما يكفي، ندمت وعوقبت وتبت عما فعلت و.... خسرت كل شيء، بلادي ومكانتي وأبي و... زوجتي."
اتسعت عيونها تهتف بصدمة:
"زهور؟!"
هز رأسه بحسرة يبتسم بوجع:
"رفضت أن تقضي المتبقي من عمرها تحمل اسم وغد حقير مثلي و...."
ابتلع ريقه بصعوبة وكأنه يبتلع سكاكين تقطع دواخله:
"لا لوم عليها ولا عتاب، أي امرأة كانت مكانها كانت لتفعل الشيء مثله."
ولم تنفِ توبة كلماته فهي تدرك صدقها، ما كان لامرأة أن تتحمل وصمة عار كهذه أو أن تحمل اسم رجل خان دينه ووطنه، كما حدث معها، الفرق أنها لم تمتلك رفاهية التحرر بالقوة من أنمار.
صمتت تبعد عيونها عنه تشرد بعيدًا وهو ظل جالسًا نفس جلسته يضم رأسه بين يديه يرثي حياته، لا يدري ما عليه فعله، هل كان عليه الاستسلام لمصيره والموت بشرف؟؟ أم أن الله دبر مجيئه هنا لأجلها خصيصًا؟؟
رفع عيونه لها وقد تعهد في اللحظة التي التقت عيونه بخاصتها أنه لن يهدأ له بال إلا حينما يتأكد أنها عادت لقصرها بأمان وسلام، وهذا لن يحدث إلا بموت الآفة التي تسكن قصرها.
أنمار....
أما عنها فقط أبعدت عيونها عنه بشفقة وكره، كانت بدأت تصدق أنه شخص جيد جرفته المعاصي صوب هذا المكان القذر بالخطأ، لكن الآن وبعد معرفتها حقيقته أدركت أنه انحرف بكامل إرادته ليزداد كرهها له وللجميع هنا.
"أنتِ تريدينني أن آتي للمبيت معكِ بنفس السجن؟! أجننتي يا سراي؟?"
اشتعلت أعين سراي بغضب شديد وهي تمسك القضبان والتي لم تبرحها منذ أحضرها الملك هنا وطلب الاحتفاظ بها لحين الحكم عليها في قضية التحدث بالسوء عن الملكة المستقبلية لمشكى.
"اسمعي ما أخبرك به ونفذيه وإلا أقسم بالله أن يعلم الجميع أن اللص الذي يسرق الغلال ويبيعها للتجار الجشعين هو أنتِ."
اتسعت عين الفتاة بصدمة وهي تستدير حولها بسرعة وكأنها تتأكد أن لا أحد استمع لكلمات تلك الحية التي تسكن الزنزانة، أشارت لها بالصمت:
"فقط اصمتي سراي، ما الذي تريدينه مني خلصيني من كل هذا."
ابتسمت لها سراي بسمة واسعة وهي تدس يدها داخل ثيابها تخرج قارورة صغيرة تمدها لها عبر القضبان لتنتشلها منها الفتاة بسرعة وهي تخفيها بخوف:
"ما ...ما هذه؟؟ هل ......"
شهقت بعنف تضع يدها على فمها مرتجفة:
"سم؟?"
"لا عزيزتي ليس سم، لا تقلقي أنا لست مجرمة بهذا القدر، هذا فقط دواء بسيط يسبب بعض الآلام في المعدة لكنها الآلام لا تزول بسهولة."
نظرت لها الفتاة بعدم فهم لتهتف سراي وهي تقرب وجهها من القضبان تهمس بصوت منخفض ونبرة تقطر كرهًا وحقدًا:
"جلالة الملكة....."
"إلى أين نحن ذاهبتان؟! أمي لن تحب أن أذهب لمكان لا أعلمه."
نظرت سلمى جوارها صوب فاطمة التي كانت تسير معها بكل براءة لا تعترض على شيء وتثق أنها لو اختطفتها الآن لن تعترض، هي فقط سترفض أن تُختطف بعيدًا عن المنزل دون إذن والدتها، عدا ذلك لا بأس.
"لا أدري أنا فقط شعرت بالغضب الشديد فحملت حقيبتي وخرجت من القصر لحين أهدأ قليلًا، إذن أخبريني أنتِ فاطمة حين تغضب الفتيات هنا ويثرن ويتركن المنزل أين يذهبن؟! هل هناك فندق مثلًا أو سكن للإيجار؟?"
رمشت فاطمة بعدم فهم، ثم قالت بعد ثوانٍ من الصمت:
"ماذا تقصدين بالفندق؟!"
"مكان به غرف عديدة للإيجار، هل هناك شيء كهذا هنا يمكنني الحصول به على غرفة أو ما شابه؟?"
نظرت لها فاطمة ثوانٍ قبل أن تبتسم بسمة واسعة تهتف بكامل العفوية التي تمتلكها:
"هل أنتِ مشردة؟?"
رمشت سلمى بتفاجئ من صراحة فاطمة:
"أوه نعم فاطمة أنا مشردة."
"إذن رافقيني لمنزلي، أمي ستحبك كثيرًا لقد أخبرتها عنكِ."
نظرت لها سلمى بخجل تهز رأسها بنفي وقبل أن تعترض سحبتها فاطمة وهي تتحرك في الطرقات بهدوء شديد مرددة بسعادة كبيرة:
"هيا سأعرفك على الجميع، أمي وأبي وأحمد."
"أحمد؟!"
"شقيقي الأكبر، هو وسيم للغاية يمتلك خصلات صفراء وعيون خضراء ووجه دائري، ستحبينه."
فجأة توقفت فاطمة وهي تستدير صوب سلمى تنظر لها بإعجاب:
"ربما يمكنك الزواج من شقيقي إن أحببته والمكث معنا دون مشكلة."
اتسعت أعين سلمى بشدة وقد احمرت وجنتيها من كلمات فاطمة وخجلت من الذهاب معها للمنزل واقتحام أسرتها دون مقدمات، وحينما أصبحت على بداية الشارع الخاص بفاطمة توقفت شاحبة مما ترى الشارع كانت معظم المنازل به شبه محترقة، وهناك مسجد مدمر يقع في المنتصف، ولم يكن هذا ما صدمها، بل صوت فاطمة وهي تتحدث بكل هدوء تعبر بها صوب المنزل:
"لا بد أن أبي وأحمد خرجا الآن لصلاة الظهر ولن يعودا قبل ساعات، وأمي الآن تزور جارتنا الخالة إحسان لأنها مريضة، لذا يمكنك أخذ راحتك، هيا تعالي معي."
اقتربت معها سلمى من المنزل وقد كان هدفها الأول هو دراسة البيئة التي تجلس بها الصغيرة فقط كي تستطيع فهمها أكثر ومعالجتها، لكن وبمجرد أن اقتربت من المنزل توقفت مع فاطمة وهي تتحدث بهدوء:
"أنا سأنتظرك هنا لحين التأكد من عائلتك واعلامهم بوجودي."
نظرت لها فاطمة برفض وقبل إصرارها على الدخول معها أشارت لها سلمى بالدخول للتأكد من الأمر وهي ظلت باقية في الخارج تراقب المكان بأعين ضبابية، المكان كان شاهدًا على حرب وهذا ما لاحظته.
تنهدت بصوت مرتفع تبحث بعيونها في المكان عمن يساعدها في الإجابة عن بعض الأسئلة، لتبصر بعض الصغار يلعبون في المكان.
أشارت لأحدهم ليقترب منها، مالت تجلس القرفصاء أمامه وهي تردد ببسمة:
"مرحبًا يا صغير، كيف حالك؟?"
نظر لها الصبي بريبة لتتنحنح تشير صوب موزي تلتقط منه قطعة فاكهة بصعوبة:
"أعطني هذه أيها الأجرب الجشع يكفيك ما تناولته في طريقنا لهنا."
مدتها للطفل مبتسمة بسمة تناقض نظراتها لموزي:
"خذ هذه الموزة لك، أخبرني يا صغيري منزل من هذا؟?"
التقط منها الصغير الموزة بشهية كبيرة وسعادة جعلت عيونها تلتمع بحزن وحسرة على لهفته، تسمع صوته يردد بلطف:
"هذا منزل الخالة أم أحمد."
هزت رأسها وهي تنظر صوب المنزل وقد تأكدت أنه بالفعل منزل فاطمة فقد كانت تشك أنه ربما أخطأت فاطمة أو هُيئ لها بسبب حالتها أنه منزلها.
لكن فجأة وهي تحدق في المنزل تجمدت يدها وتجمد جسدها بأكمله وشحب وجهها وهي تسمع جملة الصغير يردد من بين مضغاته وكأنه أراد استعراض المزيد من المعلومات عليها لقاء قطعة الفاكهة الشهية:
"تخبرني أمي أن هناك أرواح طيبة تحرس هذا المنزل منذ احترق به العم أبو أحمد وأحمد.........."
في هذا العالم ما من إنسان خالي البال مرتاح القلب هانئ، لكل شائبة تؤرق مضجعه، ولكل ذكرى تعكر صفو بحيرته الهادئة.
ولكلٍ ليل يبكي عليه.
ارتكن للجدار يتنفس بصوت مرتفع ومتعب بعد التحرك داخل أركان المملكة طوال اليوم تقريبًا لأجل معالجة من ينتظر العلاج.
ابتسم يراقب الصغار بسعادة كبيرة يتلاعبون حوله وكأن لا هموم لهم، وكم يأمل أن يظلوا طوال الوقت بهذا الانطلاق، أغمض عيونه يمسح بعض ذرات العرق، يتنهد بتعب شديد وقد قرر الراحة قبل العودة لعمله.
ويبدو أن الذكريات استغلت الظلام الذي حلّ على عقله بمجرد إغماض عيونه لتتدفق كالسيول في رأسه وبسرعة خيالية، ليشعر زيان في هذه اللحظة أن تلك الليلة تُعاد بكل ما فيها، حتى أنه بدأ يشعر بنفس الحرارة التي تصاعدت يومها بسبب الحرائق والانفجارات، ويسمع صوت الصرخات وأصوات البكاء نفسها، يرى نفسه يركض في ممرات المشفى التي تتوسط أحد المناطق في العاصمة.
يركض وهو يحمل طفل صغير مصاب على ذراعه يشير لمن حوله بسرعة التحرك:
"عبدالله ساعدني، هناك الكثيرون في الخارج مصابين، لعنة الله عليهم أسقطوا القنابل على منطقة بأكملها."
وضع الصغير على فراش وأخذ يعالجه وهو يربت عليه بحنان ويبتسم له والصغير يبكي ويهتف بصوت لاهث:
"أمي، احضر لي أمي..."
"لا تبكي يا صغيري والدتك هنا، سوف أذهب للبحث عنها بنفسي، فقط توقف عن البكاء كي لا تتوجع حسنًا؟?"
صمت الصغير باذعان وقد شرع زيان يعالجه بسرعة، وحينما انتهى أشار لأحد الرجال بالاعتناء به، ثم تحرك بسرعة كبيرة كي يتدارك الوضع مع زملائه، اقترب من أحد الأسرة وهو ينادي على أحد الرجال ليساعده ولم يكد يقترب حتى سمع صوت الرجل يهتف:
"لا تحاول سيدي لقد ماتوا بالفعل."
توقف قلب زيان ثوانٍ يبتلع ريقه بصعوبة يتنفس بصوت مضطرب وهو يتلمس الغطاء الذي يغطي وجه المرضى:
"إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله."
ولم يكد يبتعد ليساعد من يحتاج مساعدة حتى أبصرت عيونه يد ذلك الطفل المتدلية من الغطاء والتي كانت تحمل خاتمًا ذهبيًا صغيرًا مألوفًا له وبشدة، توقف قلب زيان في هذه اللحظة لثوانٍ قبل أن يعود للفراش بسرعة مرعبة وقد شحب وجهه وأصبح يتنفس بصعوبة وهو يقترب مجددًا من الفراش، يقترب ويقترب وكأن المسافة كانت أميالًا بينهما، وحينما وصل للفراش مد يده المرتعشة يرفع الغطاء ببطء ليبصر وجه ابنته الصغرى والتي كانت تضم
رواية اسد مشكي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمه نبيل
تحرك على درج البناية وهو ينظر كل ثانية لساعة يده. يحمل بين يديه هاتفه ويتحدث مع أحدهم بسرعة كبيرة وتوتر أكبر.
"فقط خمس دقائق وأعود، أقسم أنني حتى لا أدرك كيف نسيت أمر هذه الملفات. فقط انتظر خمس دقائق و..."
وقبل أن ينتهي من كلماته، تفاجأ بالباب الخاص بشقته يُفتح ووالدته تقف أمامه وهي تستند عليه. رفعت الملف في وجهه ترددت بغضب وهي تضربه به على رأسه.
"إلى متى سأظل أركض خلفك بما يخصك يا راجيش؟ لقد سئمت منك ومن مسؤوليتك يا فتى. فقط لو أنك سمعت لي وتزوجت تلك البرازيلية وأحضرت لي أحفادًا برازيليين أربيهم لأجلك، وهي اهتمت بك وبما يخصك لأرحتني وأرحت ذاتك. لكن لا، تركت الفتاة تفر منك."
زفر راجيش بضيق شديد وشعر بالحنق من كلمات والدته التي لا تنفك ترددها على مسامعه كلما أبصرت وجهه وتذكرت أنهم استيقظوا ذات يوم ليبصروا منزل سول فارغًا.
أمسك الملف من يد والدته.
"حسنًا أمي، شكرًا لتحملك مشاكلي وصبرك عليّ بعدما أضعت زوجة برازيلية جميلة كـ سول. الآن سأرحل و..."
وقبل تحركه خطوة واحدة، أمسكت أمه بثيابه وهي تجذبه لها تهتف من أسفل أسنانها.
"اسمع أيها المعتوه يا رأس الحاسوب أنت، إن لم تعد لي محملًا بزوجة برازيلية ذهبية البشرة تحضر لي أحفادًا مثلها، أقسم أن أعيدك للهند سيرًا على الأقدام."
اتسعت عيون راجيش وقد شعر أن الأمر بدأ يشكل هاجسًا عند والدته وبدأ يتطور بشكل مرعب.
"حسنًا، حسنًا لا بأس سأفعل. سوف أذهب الآن للعمل وحين عودتي سأحضر لكِ معي برازيلية ذهبية البشرة كـ سول."
ضيقت والدته عيونها ولم تكد تتحدث بكلمة، حتى أبصرت جسدًا يتحرك من أمامهما صوب الباب المقابل لمنزلها، ومن ثم توقف ينظر له ثواني، ثم فتح الباب ودخل بكل بساطة وأغلق الباب في وجهها.
رمشت أم راجيش بصدمة كبيرة تهمس.
"هل رأيت ما رأيت للتو يا ولد؟ هذا الرجل الذي كان يأتي طوال الوقت لسول دخل الشقة منذ ثواني و..."
شهقت فجأة بسعادة كبيرة.
"أيعقل أن سول ستعود؟"
نظر لها راجيش بحنق وقد سأم كل هذا. عدل ثيابه، ثم استقام يهتف بجدية وهو يتحرك صوب الدرج يهرول للأسفل.
"يمكنك سؤاله، سوف أرحل فقد تأخرت بما يكفي."
ختم حديثه يهرول على الدرج حتى كاد يصطدم بالشخص الذي كان يصعد في نفس اللحظة. اعتذر سريعًا دون أن ينتبه للشخص والذي لم يكن سوى جلال وأكمل طريقه خارج البناية بسرعة.
تحرك جلال على الدرج بسرعة كبيرة وهو ينتوي أن يؤدب ولده الذي يهوي تدمير حياته بيديه. شعر بنيران الغضب تملأ صدره وهو يندفع صوب الممر الذي يقع أمام منزل سلمى.
في الوقت ذاته الذي تحركت به أم راجيش صوب باب منزل سلمى بفضول كبير تسير على أطراف أصابعها وهي تنظر حولها في كل مكان قبل أن تتوقف أمام الباب ثواني، ثم مالت نصف ميلة كي ترهف السمع لمن بالداخل.
لكن فجأة انتفض جسدها حين سمعت صوت خطوات قادمة في الممر، لتبعد جسدها بسرعة وهي تعدل من ثوبها التقليدي ترفع رأسها للسقف وكأنها تتلو صلاة صامتة. في حين أن جلال لم يكن مهتمًا بكل ذلك وهو يطرق الباب بعنف شديد مغتاظًا من تصرفات ولده.
"افتح هذا الباب يا خالد، لقد أبصرت سيارتك بالأسفل، هيا افتح هذا الباب."
وضعت والدة راجيش يدها أعلى فمها تراقب ما يحدث بفضول شديد، تسمع صوت الرجل يعلو أكثر وأكثر.
"لن أسمح لك بتدمير حياتك بهذه الطريقة أيها الغبي. كان الأمر كله خطأي من البداية أن تركت لك حرية العيش في مثل هذه البلاد، لكن الأمر لن يستمر خالد، هل سمعت؟!"
فجأة فتح خالد الباب لينظر صوب والده بملامح معترضة غاضبة، ليس من والده بل من كل ما يحدث حوله.
"أبي فقط دعني اااا..."
"أدعك؟ لا يا عزيزي، يكفي الأيام التي تركت لك حرية اختيار طريقة عيشك وفي الحقيقة أذهلتني بذوقك المقرف في حياتك. الآن حان الوقت ليتغير كل هذا."
شهقت أم راجيش شهقة صامتة وهي تتابع ما يحدث باهتمام شديد أكبر حتى من الاهتمام الذي كانت توليه لمسلسلاتها الدرامية. ترى ملامح خالد تتحول للاحمر وهو يتنفس بصوت مرتفع.
"أبي رجاءً، لقد أخذت قراري، أنا سوف أسافر للمنحة التي..."
"لا يا عزيزي، بل أنا من أخذت قراري. أنت بالفعل ستسافر، ولكن ليس لأجل منحتك في بلاد الفجور التي تنوي الذهاب لها لتكمل فساد روحك، بل سأرسلك في رحلة تستعيد بها نفسك وروحك. سوف أرسلك لمشكى وهذا قرار نهائي."
***
كانت كلمات الصبي التي نطقها بكل تلقائية تتردد في أذن سلمى التي شعرت بقلبها يتصدع حين علمت ما يحدث. الفتاة ما تزال سجينة تلك اللحظات السعيدة التي كانت تمتلك بها والد وشقيق، لا تستوعب بعد ما يحدث في حياتها.
أقسمت في اللحظة التي سمعت بها كلماته أنها لن يهدأ لها بال، إلا حينما تعالجها وتخرجها من تلك الفجوة التي سجنت بها روحها دون شعور.
تنهدت بصوت مرتفع وقد كادت شهقاتها تتسبب في اختناقها. رأت في حياتها ما يشيب الرأس، لكن مثل معاناة فاطمة وهشاشتها لم تبصر.
كل ذلك وارسلان فقط يراقبها بصدمة وخوف من فكرة أن أحدهم آذاها لدرجة البكاء. همس دون شعور منه.
"ما بكِ.... أنتِ .... هل ... هل تسبب أحدهم في بكائكِ؟"
ترك سؤاله معلقًا ثواني قبل أن يتبعه بجملة حادة.
"أخبريني، فأبكيه المتبقي من عمره."
ابتسمت سلمى دون شعور منها وهي تمسح دموعها ولم تكد تتحدث حتى ضربتها ذكرى فاطمة التي خرجت من المنزل تخبرها بكل براءة "هيا تعالي أمي في الداخل، لكن أخي وأبي ما يزالا في المسجد."
في هذه اللحظة، بكت أكثر وأكثر في أحضان أرسلان الذي كان يشعر بالريبة وهو ينظر حوله وكأنه يبحث عمن يساعده في تهدئتها عن البكاء داخل أحضانها.
وفجأة حين ضرب الاستيعاب عقله ابتعد بسرعة كبيرة يسحب جسده منها لتشعر سلمى بأنها على وشك السقوط أرضًا لولا تماسكها في الجدار خلفها بسرعة.
اتسعت عيونها بصدمة مما حدث حتى أنها توقفت عن البكاء ثواني، بينما أرسلان ابتعد أكثر وأكثر وهو يهمس لها بصوت مصدوم خافت يمسح ثيابه بسرعة وكأنه يزيح لمساتها عنه.
"أنتِ يا امرأة وقحة."
اتسعت أعين سلمى أكثر وهي ترفع عيونها له وقد كانت ما تزال الدموع ملتصقة بها تهمس بعدم تصديق لما سمعت.
"ماذا؟"
وظن هو أن سؤالها كان لأنها لم تسمع ما قاله وليس استنكارًا، لذا أعاده بكل صراحة دون مماطلة أو تحسين حتى لكلماته.
"أخبرتك أنكِ وقحة."
ابتسمت بعدم تصديق مما يحدث معها في هذه اللحظة.
"وتعيدها مجددًا؟"
"أنتِ من سألني أن أفعل، قلتِ ماذا فظننت أن الصمم أصابك لذا أعدت كلمتي."
اتسعت بسمة سلمى أكثر وأكثر تراقب ذلك الإنسان العجيب.
"وأنت.... أنت.... حقًا لا أجد في عقلي صفة تليق بمثل شخصك."
وما كان من أرسلان سوى أن حرك رأسه موافقًا.
"سعيد لاعترافك بهذه الحقيقة، لم يُعثر في قواميس اللغة بعد على ما يمكنه أن يصفني ويمنحني قدري."
ومن بين دموعها لم تشعر سلمى بنفسها سوى وهي تضحك ضحكة خافتة، تمسح دموعها بسرعة، وصوت ضحكاتها ما يزال يرن في المكان وارسلان يراقبها مضيقًا عيونه.
بينما هي فقط لا تصدق أي نوعية من الأشخاص هذا الارسلان.
"شكرًا على لطفك مولاي، أقدر لك لحظات تفهمك حزني حقًا ومحاولتك التخفيف عني، كان هذا لطفًا منك."
ويبدو أنها ظنت صراحته مزاحًا.
رمش هو دون فهم، قبل أن يردد بشك.
"هل تسخرين مني؟"
اتسعت بسمتها له تكتم ضحكة ثانية كادت تفلت من أسر شفتيها، تميل برأسها تنظر أرضًا وهي تمسح دموعها تحاول لملمة شتاتها الذي تبعثر على عتبات منزل فاطمة، وقلبها الذي ما يزال يجلس جواره حتى الآن ينوح على تلك الصغيرة.
"العفو مولاي، ما كنت لأفعل أنا أتحدث بالصدق."
وفي الحقيقة كان أرسلان في هذه اللحظة يتمنى من أعماقه أن تكون نبرتها في نطق الجملة الأخيرة ساخرة كي يستطيع إيجاد رد مناسب لها، لكن أن تتحدث بهذه النبرة الجادة هذا ما ألجم لسانه الحاد والذي لم يستطع أعتى الرجال لجمه يومًا وهكذا تعلن هذه المرأة انتصارًا جديدًا عليه، ليس بقوتها، بل برقتها.
رفع عيونه صوبها يحاول البحث عن رد عليها وقد شعر بعجزه عن الرد على تلك الجملة التي تمتدحه وقد كان هذا مريبًا عليه خاصة من فم امرأة.
كل هذا كان أمام أعين سلمى والتي لا أسهل عليها في هذه الحياة من قراءة أعين الغير، ورغم غموض نظراته وشخصيته في العادة، إلا أن أعين أرسلان كانت في غاية الشفافية في هذه اللحظة.
كان أشبه بالطفل المشاغب الذي يفتعل المشاكل طوال ويتلقى التقريع من الجميع بكل برود، لا يهتم طالما أنه يدرك أن ما يفعله ليس خاطئًا، ليتفاجأ في مرة بأحدهم يربت على رأسه ويمتدح تصرفاته.
اتسعت بسمة سلمى أكثر وهي تردد بصوت خافت.
"لماذا تعتقد أن شكري لك سخرية مولاي، أنت لم تفعل معي ما يستحق السخرية."
رفع عيونه لها بتعجب لتكمل هي بجدية.
"كون أبي ألقى بحملي عليك ورغم ذلك تلقيته برحابة صدر وساعدتني واقتنصت حقي من فم كل من سلبه وساعدتني، هذا شيء أقدره لك، ورغم كل التصرفات اللئيمة واللسان اللاذع، أدرك جيدًا أي نوع من الأشخاص أنت."
ختمت حديثها، ثم هزت رأسها في تحية صامتة، قبل أن تنهض ببطء تنفض ثيابها وقد شعرت بالراحة للحديث معه، رغم أنها لم تبح له حتى بما يؤرقها ويحزنها، لكن الرجل ونظراته أذاب حزنها.
عدلت القلنسوة تبتسم بسمة صغيرة، ثم هتفت بصوت هامس.
"آسفة لازعاجك هذا المساء، لكنني شعرت بالاختناق الشديد ولم أشعر سوى بنفسي أمام غرفتك، والآن سوف أرحل للنوم."
ختمت حديثها ولم تكد تتحرك حتى استدار لها برأسها وما يزال يجلس القرفصاء أرضًا حيث كانت.
"لم تخبريني سبب بكائك ومجيئك هنا؟"
توقفت سلمى وخبتت نيتها للتحدث، وشعرت بالدموع تتجمع في عيونها مجددًا تهمس بصوت منخفض.
"إنها فاطمة."
نظر لها أرسلان بفضول ينتظر أن تكمل حديثها، لكن ما كادت تفعل حتى اقتحم المعتصم الممر ظنًا أن الملك وحده به ليتفاجئ من وجود سلمى هناك.
رمش بسرعة وتراجع خطوة صغيرة وهو يردد بصوت منخفض.
"معذرة ظننت أن الملك وحده."
رفع أرسلان عيونه صوب المعتصم وهو ينهض عن جلسته يستقيم بجسده بالكامل، يهز رأسه للمعتصم، قبل أن يمنح سلمى نظرة صغيرة فهمتها سريعًا لتتوقف عما كادت تخبره به، تصبر حتى يحين الوقت وتعلمهم جميعًا.
أما عن أرسلان ففضل عدم إخبار المعتصم في هذه اللحظة بشيء، قبل أن يدرك هو الوضع ويقدره جيدًا، ثم يعلمه الأمر بهدوء وبشكل بسيط إذ يبدو أن تلك الفتاة تعني الكثير للمعتصم.
"لا بأس تحدث بما جئت لأجله يا المعتصم."
تنحنح المعتصم وهو يرفع عيونه صوب سلمى بلمحة سريعة، ثم وجهها صوب أرسلان يقول بصوت هادئ.
"لقد وصلت لنا رسالة من مجهول مكتوب على ظاهرها أن الملك وحده من يتسلمها."
ضيقت سلمى عيونها بعدم فهم، بينما لمعت أعين أرسلان بوميض غريب، قبل أن يتحرك صوب المعتصم وهو يردد بجدية.
"المعذرة منكِ، أتمنى لكِ ليلة سعيدة هانئة."
ختم حديثه يشير المعتصم باللحاق به تاركًا سلمى تقف في مكانها تراقب ظهره وهي تشعر بمشاعر عدة تحتشد في صدرها وهي تراقبه.
***
تلك الأعين الحادة التي يحيط بها كحل أسود يظهر من خلف اللثام، كحل يلائم لون عيونها المماثل ويناقض لون بشرتها التي يظهر جزء صغير منها خفية من خلف اللثام.
أبعد زيان عيونه عن المرأة يتجاهل حديثها ونبرنها الحادة التي تزين كلماتها يهتف بصوت محايد هادئ.
"هل هناك مريض في هذا المنزل؟"
"وما شأنك أنت؟ ارحل من هنا وغادر المكان."
حرك زيان عيونه صوب المرأة وقد اشتعلت صدره بالضيق من وقاحتها ولذاعتها، ورغم ذلك احتفظ بنبرته الهادئة.
"هذا واجبي أن أمر على جميع المنازل ومعرفة إن كان هناك من يحتاج مساعدتي لـ..."
"وأنا أعفيك من واجبك علينا يا سيد، اذهب وابحث عن غيرنا لتعرض عليه كرمك الطائي."
أنهت جملتها وهي تغلق الباب بعنف في وجهه، لكن قبل أن تفعل قاطعتها يد زيان الذي منعها من فعل ما تنتوي حينما أدرك نيتها وسمع صوت التأوهات والسعال يزداد. فتحت الباب بصدمة من وقاحة الرجل وقبل التحدث بكلمة واحدة دفع زيان الباب بغضب شديد وقد ارتسمت على فمه بسمة غير مفسرة.
"للأسف الشديد أنتِ مجبرة على تقبل كرمي الطائي، سواء كان بإرادتك أو دونها آنسة، هذه أوامر الملك."
ختم حديثه يتحرك داخل المنزل صوب صوت التأوهات والتوجع وهو يبحث عن صاحب هذه الأصوات حتى اهتدى لغرفة واسعة نظيفة مرتبة يتوسطها فراش يحتله جسد رجولي قوي أنهكه الزمان.
اتسعت أعين زيان من الحالة التي أبصر عليها الشاب يتحرك بسرعة كبيرة صوب وهو يحمل حقيبته الطبية يهتف بلهفة.
"ما هذه الحالة؟ كيف تتركين الشاب بهذه الطريقة وجسده ملئ بالجراح؟ ما كل هذا؟"
كان يتحدث بصدمة مما يرى فقد كانت قدم الرجل غير صالحة للاستخدام لكثرة الجروح والكدمات التي تملئها، وصدره العاري والذي كان يحتاج للتقطيب، كل ذلك جعل عيونه تتسع بتفكير عن مقدار القوة التي يمتلكها الرجل كي يحيا حتى هذه اللحظة بكل هذه الجراح.
"أي نوع من النساء أنتِ، كل هذه الجراح وترفضين السماح لي بمعالجته؟"
نظرت له بأعين رافضة لكلماته.
"نحن لا نقبل شفقة من أحد يا هذا وخاصة ملكك الموقر."
اتسعت أعين زيان بصدمة من كلماتها وتهكمها الواضح وهي تذكر أرسلان.
"ما الذي تهذيت به أنتِ، ما الذي فعله الملك لتتحدثي بهذا التهكم عنه؟"
رفعت عيونها بسخرية له وقد بدا أن صدرها مشحون بالاكاذيب التي كان البعض من أعوان أنمار يطلقها في الأسواق، وقد وجدت لنفسها أخيرًا شماعة تعلق عليها عجزها، وجدت حجة تخفي خلفها قلة حيلتها، وجدت في الأخبار المندسة بين الشعب عن عدم استحقاقيته أرسلان للملك عزاءً لضعفها.
وزيان فقط مصدوم أن هناك أعين قد يظهر بها كل هذا الكره، ولمن؟ أرسلان؟ الرجل الذي رأى الموت بأم عينيه مئات المرات وعاش جحيمًا، وتنازل عن كبريائه المعروف فقط ليوفر لهم حياة هانئة.
التوى ثغره وهو يتجاهلها متحركًا صوب الشاب المريض يعاينه.
"لا أناقش متحجري العقول وخاصة النساء منهم."
ختم حديثه ينكب على الشاب والذي لم يعلم بعد صلة قرابته بالفتاة، يحاول فحصه ومعالجة ما يمكن معالجته، وقد منحه عشبة مخدرة تهدأ من أوجاعه، ثم استقام يردد بجدية.
"هذا لن يفي بالغرض لمدى طويل، علينا نقل المريض لمشفى القلعة."
***
"حين يستعين القرصان بقبطان سابق، فاحذر على بحارك فلا البحار ستعود بحارك ولا السفن ستظل جوارك."
تشنجت ملامح المعتصم مما سمع للتو، كان ذلك صوت أرسلان الذي قرأ على مسامعه كلمات الرسالة التي وصلت له، بينما أرسلان يناظر الرسالة بأعين شاردة بعض الشيء وكأنه يفكر فيما قرأ.
"لا أشعر بأنني فهمت بالكامل ما قيل."
ابتسم أرسلان بسمة صغيرة يرفع عيونه صوب المعتصم يتحدث بجدية.
"ما الذي فهمته من الرسالة؟"
حدق به المعتصم فترة من الزمن تكفي لتجميع أفكاره المتعثرة وبلورتها وتجميعها في نقطة معينة، ثم رفع عيونه صوب أرسلان يهتف بجدية وبصوت شارد بعض الشيء.
"هناك تعاون غير محمود العواقب سيحدث."
اتسعت بسمة أرسلان له، يهز رأسه بنعم، ثم تنهد بصوت مرتفع يهتف بجدية.
"غدًا أتحرك لسفيد فهناك ما أحتاج لمناقشته مع إيفان وسالار."
***
ابتلع ريقه وهو يرى نظراتها نحوه وكأنها ترفض حتى أن تنظر له مجرد نظرة عادية كانت تلقيه بها وقد اصبغت المزيد من الكره على نظراتها السابقة له.
"لا أريد مساعدتك في شيء."
ابتلع نزار ريقه يشعر أن الأمور تتأزم.
"فقط ساعديني لأساعدك رجاءً لا أطالبك بأكثر من مجرد اتباع لتعليماتي."
توقفت توبة عن التحرك واستدارت له وهو يقف على باب المنزل الذي تسكن فيه منذ جاءت لهذا المكان، تبتسم له بسمة باردة وقد بدا له أنها عادت هي نفسها توبة الساخرة والمحتقرة التي كانت في بداية لقائه بها هنا.
"لو كنت تمتلك المساعدة لساعدت شعبك أولى لك ولهم، أنا لا أرتجي المساعدة ممن يطعن بالظهر سيد نزار."
اتسعت أعين نزار من كلماتها التي أصابته بالتصميم، ابتلع ريقه يحاول النطق بكلمة، لكنها قاطعته وهي تتحرك تمسك سجادة الصلاة الخاصة بها تنفضها كي لا تتلوث مما يحيط بها، ثم تحركت تضعها برقة على الفراش، ومن ثم نطقت دون مقدمات بكلمات أصابت آخر ما تبقى من تماسك نزار.
"أصدقني القول، هل تستطيع النوم ليلاً مع كل الأصوات الصارخة التي تصل لمسامعك؟ أعني كم من بريء ضاع غدرًا بسببك؟ هل فكرت في عددهم حتى؟"
شحب وجه نزار وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي.
"أنا لست... الأمر ليس كما تتخيلين، لم أشارك في الهجوم و..."
"وهذا لا يعفيك من ذنبهم، ولا يمحو الدماء العالقة بين أناملك سمو الأمير. والله حتى الآن لا أصدق أن المتسبب في نكبة مشكى كان أنت والتابعين لك من أبى، كيف هان عليك؟ كيف فعلتها؟"
تنفس نزار بصوت مرتفع ينظر أرضًا بصمت وكأنه يشكو الرمال همومه، يطيل الصمت ويستحسنه، يشرد ويطول الشرود، حتى شعر أنه اكتفى من الصمت ردًا، ورفع عيونه ببساطة يتجاوز حديثها السابق ويتجاوز كل ما قالته منذ ثواني يردد بكل جدية وهدوء.
"أنا سأغادر من هنا بطريقتي الخاصة، وسواء وافقتي أم لا فصدقيني رأيك لن يغير ما عزمت عليه، سوف تغادرين معي ولن أتركك بهذا المكان بينهم."
صمت يتنفس بصوت شبه مسموع ثم أكمل بنبرة نادمة.
"ارتضيت بكِ سبيلي للتوبة، لذا لا تأتي الآن وتنبذيني لأحضان المعصية من جديد سمو الأميرة."
تأثرت توبة من كلماته وشعرت برجفة مرت على طول جسدها تبعد عيونها عنه بنفور شديد، تحاول أن تتجاهل كل ما يجذبها لمساندته.
"وكيف سيتم هذا؟ بتنفيذك لشرط أنمار؟"
صمت نزار طويلًا وكأنه يفكر في كلماته قبل النطق بها، ثم همس بصوت وكأنه خرج من الجحيم.
"إن لم يكن أمامي سوى التحالف مع الشيطان للخروج من هذا الجحر، فسأفعل."
***
تنفست عبق الصباح وهي تتمطأ مغلقة العين تقريبًا بعد ليلة طويلة قضتها في التقلب يمينًا ويسارًا تفكر فيما يحدث وما ستفعل.
سمعت صوت نهنهات في الخلف جعلتها تفتح عين واحدة بصعوبة ترى موزي يسير متبخترًا يمينًا ويسارًا وكأنه سكير ثمل، قبل أن يصعد على إحدى الطاولات في منتصف الغرفة ينتزع بعض الموز ثم جلس يأكله بعيون شبه مغلقة وكأنه يسير نائمًا.
ضحكت سلمى ضحكة صغيرة عليه وهي تفرك عيونها تتحرك صوب المرحاض كي تتجهز ليوم جديد وتؤدي صلاتها، لكن وقبل التحرك خطوة سمعت صوت طرق على الباب.
رفعت عيونها تتساءل بصوت خافت.
"من؟"
"هذه أنا جلالة الملكة أحضرت لكِ الفطور."
تشنجت ملامح سلمى لكلمة جلالة الملكة التي خرجت من الفتاة ورغم ذلك، تحركت صوب الباب تفتحه ببطء شديد وهي تخفي سائر جسدها خلفه تحدق في الفتاة الصغيرة التي تحمل صينية الطعام أمامها والتي لم تكن سوى فاطمة.
اتسعت بسمتها بقوة وهي تفتح الباب على مصراعيه أمامها ترحب بها في المكان جاذبة إياها للداخل.
"فاطمة هيا ادخلي."
ابتسمت لها فاطمة بسمة صغيرة وهي تردد.
"أخبروني أن أحضر لك الطعام هنا."
"هذا لطف كبير منكِ عزيزتي، لكن لماذا تناديني جلالة الملكة؟"
"هم أخبروني ذلك، أخبروني أنكِ ستكونين زوجة الملك إذن أنتِ الملكة."
وقفت سلمى حائرة مما سمعت، لكنها تجاوزت الأمر تردد بجدية.
"حسنًا فقط ناديني سلمى، ألسنا أصدقاء؟"
هزت لها فاطمة رأسها ببسمة واسعة وهي تردد سعيدة بالحصول على صديقة.
"آه نعم نحن كذلك، لقد أخبرت أمي عنكِ وهي متشوقة للتعرف عليكِ واخبرتني أن أحضر كِ يومًا لزيارتنا في منزلنا، هو ليس بعيدًا يقع بالقرب من الأسواق."
هزت لها سلمى رأسها وهي تردد بصوت منخفض ومبتسمة بسمة مرتعشة تتذكر ما أبصرته البارحة.
"أوه نعم، رأيته البارحة."
عقدت فاطمة حاجبيها بتعجب شديد وهي تضع الطعام على أول طاولة قابلتها ليتحرك موزي نحوه وهو ما يزال في غمرة نعاسه يراقبه بعيون مشتهية.
وفاطمة فقط ابتسمت تردد بعدم فهم.
"حقًا فعلتي؟ جئتي لمنزلي بالأمس؟ كيف لم أقابلك إذن وكيف عرفتي عنوان منزلي؟"
اتسعت عيون سلمى بصدمة من كلماتها، لكن فجأة تذكرت الأعراض التي كان يقصها عليها المعتصم، لذا ابتسمت بسمة صغيرة تردد بصوت منخفض وهي تبعد عيونها عن عيون فاطمة.
"سألت البعض حين ذهبت للسوق وهم أشاروا لي عليه."
"لماذا لم تأتي إذن؟ الجميع كان متشوقًا لمقابلة رفيقتي الجديدة."
همست سلمى ببسمة مهتزة.
"الجميع؟"
"نعم أبي وأمي وأحمد، لقد أخبرتهم جميعًا عنكِ."
ارتجف صدر سلمى وهي تخفض وجهها أرضًا تردد بصوت ضعيف كاد يفضح غصتها التي استحكمت حلقها.
"أوه سيكون هذا من دواعي سروري بالفعل، أنا فقط كنت مستعجلة وعدت سريعًا هنا و..."
صمتت تريد تجاوز هذا الحديث كي لا تضمها باكية وتفسد كل شيء قبل أن يبدأ، رفعت عيونها صوب فاطمة تردد ببسمة.
"ما رأيك بمشاركتي الطعام؟"
نظرت لها فاطمة بخجل وهي تفرك أصابعها ببعضهما البعض تنظر حولها قبل أن تتراجع رافضة تهز رأسها ترفض أن تشاركها الطعام وتتخطى دورها في المكان، لكن سلمى لم تعتمد ردها وهي تجذب يدها تجلسها على الطاولة تبتسم لها بحنان.
"هيا شاركيني الطعام."
رفعت فاطمة عيونها لها بخجل.
"لا أعتقد أن هذا ملائم."
"ملائم ماذا؟ فاطمة شاركيني الطعام ما بكِ؟"
نظرت فاطمة للطعام بجوع وقد خرجت صباح اليوم دون تناول شيء خوفًا أن ترهق والدتها وتوقظها مبكرًا لصنع إفطار لها.
ابتسمت فاطمة وهي تراقب ملامحها البريئة تدفع الطعام أمامها تدعوها بحنان لتشاركها الطعام، لتقبل فاطمة بخجل وتبدأ في تناول بعض اللقيمات بتردد، بينما سلمى وكعادتها بدأت صباحها بكوب الحليب الخاص بها مبتسمة للصغيرة.
وفاطمة بدأت تندمج في تناول الطعام وتتناسى خجلها مع سلمى، حتى أصبحت تتعامل معها نفس تعاملها مع والدتها، وفي الحقيقة سلمى لم تقصر في هذا الجانب إذ بدأت تدفع جميع أنواع الطعام صوبها واكتفت بكوب الحليب إفطارًا تشرد في ملامح فاطمة التي كانت تواريها خلف بعض الغباء الذي يلوث وجهها لتبتسم بحنان مرددة.
"ما سبب تلك الأتربة في وجهك فاطمة؟ هل كنتِ تلعبين في الرمال؟"
رفعت لها فاطمة وجهها لها وقد كان ملطخًا بالطعام إلى جانب الأتربة، تحاول معرفة ما تقصد قبل أن تقول بلا اهتمام.
"لا أدري وجهي يكون ملوثًا هكذا طوال الوقت ولا أدري السبب."
رفعت لها سلمى حاجبها قبل أن تبتسم بحنان لها وقد أدركت أنها ربما لوثت نفسها دون أن تتذكر، هزت رأسها بهدوء وهي تراقبها بأعين ضيقة، ثم هتفت فجأة.
"ما رأيك بأن نعيد ترتيبك فاطمة؟"
نظرت لها فاطمة بعدم فهم، لتبتسم لها سلمى بسمة واسعة غريبة جعلت الأخيرة تضيق عيونها مفكرة فيما تنتوي عليه.
***
وجع شديد نخر معدته وهو يتلقى بها طعنة تلو الأخرى، ورغم كل ما ناله لم ترتخي يده عن السيف وهو يدافع به عن نفسه، يواجه الجميع بوجه مرعب وملامح مخيفة، حتى وهو في أضعف حالاته كان مخيفًا. بدأ القتال يشتد و الوجع يزداد أكثر وأكثر داخل جسده، لكنه لم يكن يهتم طالما قد اطمئن على والدته وشقيقته أنهما بأمان، والخوف كل الخوف ألا ينجو ويطالهم أذى على يد خسيس.
فجأة أبصر وجه قائد جيوشه الذي أمنه على شقيقته وهو يتحرك أمامه يطلق ضحكات صاخبة، ومن ثم أخرج سيفه وسدد له طعنة الغدر مسقطًا إياه أرضًا وقبل انغلاق عيونه ابصرها تقف أمامه باكية تمد يدها له علّها تنتشله، تناضل لتصل له، وهو فقط لا يبصر سوى صورة ضبابية من بين الدماء التي بدأت تسيل فوق وجهه، صورتها وهي تتحرك صوبه باكية تجلس أمامه القرفصاء تمسح الدماء عن وجهه تتحسس وجنته بحنان.
لمسات كالنعيم في لحظات الجحيم، رفرفات فراشات لحظة خروج روحه، ابتسم أرسلان دون شعور وهو يحدق في وجهها بأعين تصارع لحفظ أكبر قدر ممكن من الصور لها داخل عقله، وكأنه يأبى الرحيل دون أن تبصرها عينه.
مد يده وكأنه يدعوها للتمسك بكفه، لكن وقبل الاقتراب منه أبصر جسدًا يخيم بظله عليها يرفع سيفه عاليًا بشكل جعل عيونه تتسع برعب، وبينما كان مرحبًا بالموت منذ ثواني، الآن فقط شعر بالرعب وهو يرى ذلك الجسد يرفع سيفه يوجهه لها، وفي ثواني أسقطه بأعنف ضربة على ظهرها لتتناثر دمائها على وجهه وتختلط بدمائه التي أغرقت وجهه.
رنت صرخة أرسلان في المكان بشكل مرعب وهو ينادي باسمها وقد كادت عروق رقبته تنفجر وهو يراقب وجهها الذي شحب والألم الذي انتشر على وجهها في هذه اللحظة.
"ســــــــــــلــــمى ......."
انتفض جسده عن الفراش بقوة وقد كان متعرقًا بشكل مرعب ينظر حوله بأعين زائغة ووجه شاحب وقد اشتدت قبضته على الفراش أسفله يتنفس بصوت مرتفع مسموع في المكان، استدار لليسار وقد كان جسده يرتجف من هول ما رأى، تفل ثلاث مرات مرددًا بنبرة خافتة.
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."
مد يده يمسح وجهه المتعرق وهو ينفض عنه الغطاء يتحرك منتويًا الصلاة قبل التحرك لسفيد، وذلك الحلم الذي اختلط بماضيه ما يزال يعاد أمام عيونه بشكل جعل ملامحه تشتد، يسأل من الله أن يرد الشر عنهم.
وقد شعر بالحيرة ليحلم بمثل هذا الحلم، لماذا هي بالتحديد من أبصرها في هذا الحلم؟
انتهى من صلاته بعد دقائق طويلة، ثم تحرك يرتدي ثيابه والتي اختار أن تكون هذه المرة عبارة عن بنطال أسود وثوب علوي بني اللون، ومن ثم حمل معطفه الاسود المعروف يرتديه يرفع القلنسوة أمام المرآة وقبل أن يتحرك أطال التأمل بملامحه، ومن ثم تعلقت عيونه على المعطف قليلًا يبتسم بسمة جانبية يهتف بصوت خافت لنفسه.
"ربما حان الوقت لأوصي بحياكة المزيد منك."
تحرك يحمل سيوفه وأسلحته، ثم خطى بهدوء خارج الغرفة يتحرك في الممرات بقوة والمعطف يتطاير خلفه حتى سقطت القلنسوة عن رأسه مبرزة خصلات شعره الكثيفة التي جمعها للخلف، يخرج من المكان متحركًا صوب البوابة الأمامية حيث ينتظره البعض مع المعتصم.
وحينما وصل ابتسم بسمة صغيرة.
"السلام عليكم يا المعتصم."
هز له المعتصم رأسه بهدوء واحترام شديد.
"عليكم السلام مولاي."
"هل جهزت كل شيء؟"
"نعم لا تقلق، تصحبك السلامة بإذن الله."
هز له أرسلان رأسه، ثم مد يده يرفع القلنسوة على رأسه يهتف بصوت خافت هادئ.
"لن أتأخر، اعتنِ بالجميع هنا و..."
صمت ثواني وكأنه يفكر في إمكانية قول ما يدور بعقله، هل يمكنه التصريح عن قلقه عليها بهذه البساطة؟ ابتلع ريقه يحرك عيونه صوب المعتصم الذي نظر له بفضول، ففتح أرسلان فمه يتحدث بهدوء.
"اسمع يا المعتصم، أنت تعلم ما يحدث هذه الأيام في الجوار، لذا فقط اهتم بـ"
فجأة توقفت الكلمات على طرف شفتيه حين أبصر من كان على وشك ذكرها منذ ثواني تتهادى أمامه بهدوء شديد، ترتدي فستان بلون السماء مع حذاء أبيض اللون، بينما معطفه الأسود كالعادة مستكين على رأسها بهدوء تتحرك في الطرقات مبتسمة بسمة واسعة بينما قردها يستريح على كتفها بكل هدوء كعادته.
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يبعد عيونه عنها يستغفر الله بصوت وصل واضحًا للمعتصم الذي حرك عيونه بعدم فهم خلفه حيث كان ينظر أرسلان، لكن يد أرسلان أمسكت كتفه بسرعة يهتف.
"فقط انتبه لها ولا تدعها تغيب عن نظراتك يا المعتصم فأنت تدرك نية هؤلاء الذكور بشأنها."
ورغم أنه كان يتحدث عنها بنبرة الغائب إلا أن المعتصم أدرك أنه يتحدث عن سلمى، فمن تلك التي قد يهتم الملك بشأنها في هذا القصر بعد رحيل شقيقته عدا ابنة رائف التي كان يصرخ منذ أسابيع حين علم بشأنها.
هز رأسه بهدوء يطمئنه.
"لا تقلق مولاي سوف أهتم بكل شيء حتى تعود لنا سالمًا، فقط عد بسلام."
هز له أرسلان رأسه وهو ما يزال يتجنب النظر لنفس النقطة التي تقف بها مع فاطمة، وكأنه إن نظر لها ستحترق عيونه برؤيتها، يرفض أن يحشر نفسه في تلك النقطة، المرأة سبق ورفضت وصاله وعرضه بالزواج وهو لن يعود ويتذلل لها مجددًا بالوصال إلا حينما يتأكد من موافقتها.
رفع عيونه لها في لمحة خاطفة قبل التحرك ليبصرها تقطف بعض الزهور مبتسمة دون اهتمام لما يحيط بها، وهذا أغضبه وبشدة، هتف دون مناقشة طويلة مع المعتصم.
"اخبرهما أن يتحركا للحديقة الجانبية بعيدًا عن أعين الرجال وامنع الحراس من دخول تلك الحديقة."
ختم حديثه يصعد على ظهر حصانه، ثم تحرك به بسرعة يقود من معه من الجنود صوب سفيد وقد بدا جسده متحفزًا لقتال، لذا ابتهل أن يلتقي في طريقه بأي من هؤلاء القذرين علهم يساعدونه في التنفيس عن غضبه بشكل أقل ضررًا لمن حوله.
ارتفع صوته وهو يهتف في الجميع.
"لنتحرك يا رجال."
وعلى صوت هتافه انتبهت سلمى التي رفعت رأسها سريعًا صوبه تحدق فيه يخرج من القصر بسرعة كبيرة والجميع يلحق به، تساءلت بصمت عن مكان رحيله في هذا الصباح الباكر.
فجأة أفاقت من شرودها على صوت فاطمة جوارها وهي تهتف بنبرة مبتهجة سعيدة.
"أيها المعتصم..."
حركت عيونها ببطء لتبصر المعتصم يقترب منهم بهدوء شديد وبملامح شبه جامدة وحين توقف أمامهم رفع عيونه لهما يردد بصوت خافت.
"السلام عليكم و...."
وقبل إكمال تحيته حتى توقفت الكلمات على طرف لسانه حين أبصر فاطمة في أول نظرة لها منذ وصلت للمكان، فتح عيونه باتساع مصدومًا مما يرى، كانت الصغيرة ترتدي فستانًا من اللون الأصفر الرقيق به زهور بيضاء صغيرة، نفس نوع الفساتين الذي ترتديه ابنة رائف عادة، مع حجاب أبيض اللون وبوجه مشرق على عكس عادتها.
هتف مشدوهًا بصدمة.
"فاطمة؟"
ابتسمت له فاطمة وهي تشير لفستانها بخجل شديد.
"سلمى منحتني إياه هدية، هل هو جميل؟"
تنفس المعتصم بصعوبة ينتزع عيونه عنها بعد صراع قصير مع عقله، يحركها بعيدًا وهو يتنحنح يخرج كلمات بنبرة شبه جامدة.
"يفضل أن تذهبا للحديقة الجانبية حيث لا رجال ولا حراس."
عقدت سلمى حاجبيها بتفكير قبل أن تضيق عيونها تقول ببسمة جانبية.
"هذه كلماتك أنت يا المعتصم؟"
ضم المعتصم يديه خلف ظهره.
"لا يهم كلمات من هي آنسة، المهم أنها صحيحة، وجودكما في الخارج هكذا بهذه الثياب الـ"
صمت ثواني ينتقي لفظه، ثم حرك عيونه صوب فاطمة التي كانت تحدق فيه بعدم فهم.
"الملفتة."
ابتسمت له سلمى تردد كلمته وهي تضم يدها لصدرها.
"ملفتة إذن؟ هذه كلمات الملك صحيح؟"
أجابها المعتصم بنفس الجمود الذي يدعيه بصعوبة تحت نظرات فاطمة التي تنتظر منه أن ينظر لها ويبتسم ويطمئن عليها، لكنه لم يفعل بل فقط أجاب سلمى بكل هدوء.
"لا أعتقد أن هذا سيفرق طالما كانت صحيحة."
اقتربت سلمى خطوة صغيرة من المعتصم وما تزال تحتفظ بالمسافة الآمنة بينهما تهتف بصوت واثق هادئ.
"الصحيح والخطأ مقاييس غير ثابتة يا المعتصم فالصحيح لك قد يكون خطأ لغيرك، والخطأ لملكك قد يكون صحيحًا لي، ورغم ذلك سنتحرك للحديقة، ليس لأن ملكك أمر بذلك، بل لأنني أبتغي ذلك وكنت على وشك فعله على أية حال."
ختمت حديثها ثم نظر لفاطمة التي انكمشت ملامحها بحزن.
"هيا عزيزتي فاطمة لنتحرك."
ختمت حديثها تسبقها دون كلمة مانحة لها الفرصة لقول ما تريد قوله منذ مجيء المعتصم دون أن تتسبب لها في إحراج، تخطو بخطوات واثقة صوب الحديقة دون اهتمام لشيء، نفس الخطوات التي كانت تخطوها في ممرات السجون لتعالج المساجين سابقًا.
بينما المعتصم يتابعها بعيونه يتساءل في عقله، أي نوع من النساء رُزق الملك، بالله لم تفكر ثانية واحدة قبل أن تخرج له برد هادئ بسيط، تمامًا كأرسلان لكن نسخة أشد لطفًا وأقل لذاعة.
"هل تتجنبني يا المعتصم؟"
انتبه المعتصم من أفكاره على صوت فاطمة، استدار لها ببطء يبعد عيونه أرضًا بهدوء.
"لا أفعل فاطمة، أنا فقط أضع حدودًا بيننا كما اتفقنا سابقًا، ألم نفعل؟"
نظرت لها ثواني قبل أن تبتسم وتتذكر ما قاله لها سابقًا، ثم هزت رأسها بنعم تقول.
"اه نعم صحيح، أنا بالفعل ألتزم باتفاقنا لا تقلق."
وكم ود أن يسألها في هذه اللحظة حول حدود معرفتها بما يسمى حدود، كارثة أن تكون هذه هي نفسها الحدود التي تفرضها بينها وبين الجميع.
اتسعت عيونه عند تلك الفكرة يقترب منها بحذر مرددًا.
"فاطمة هل الحدود التي تضعينها بيني وبينك الآن هي نفسها ما تضعينها مع الجميع؟"
نظرت له ثواني تحاول تحليل سؤاله الذي لم يكن مفهومًا بالكامل لها، لكنها ابتسمت فجأة حين قالت بكل بساطة.
"أنا لا أعلم من تقصد بالجميع، أنا لا أعلم سواك وعائلتي وسلمى والسيدة ألطاف."
ختمت حديثها بكل هدوء ليتنفس الصعداء، ثم مسح وجهه ورفع عيونها لها ببطء يهمس بعد تردد قصير.
"فاطمة أين غطاء وجهكِ، لم تنتزعيه سابقًا؟"
نظرت له ثواني بعدم فهم، قبل أن تتسع عيونها شيئًا فشيء، ومن ثم رفعت كفها بسرعة كبيرة صوب وجهها تتحسسه بسرعة شاهقة بصوت مرتفع وكأنها للتو أدركت أنها خرجت دون غطاء الوجه.
"غطاء الوجه؟ أين هو لقد... لقد كنت أرتديه صباحًا؟ أين ذهب؟ هل سرقه أحدهم؟"
نظر لها بعدم فهم.
"سرقه من على وجهك دون أن تشعري؟"
"لا أعلم، أنا لا أتذكر أن أحدهم أخذه مني و...."
فجأة صمتت وكأنها تذكرت شيئًا ما تبتسم بسرعة متنفسة الصعداء.
"اه نعم تذكرت، لقد تركته في غرفة سلمى، سوف أعود لاخذه."
هز رأسه بيأس وقد رأى أنه لا يستطيع أن يطيل الوقوف بهذا الشكل أمامها وإلا فقد المتبقي من عقله الذي يحتفظ به.
"حسنًا فقط... فقط اذهبي حيث الآنسة سلمى واجلسي معها ولا تتحركي في المكان وحدك."
"حسنًا حسنًا لا تخف عليّ يا المعتصم أنا لست صغيرة."
نظر لها ثواني دون رد من طرفه وقد كانت الكلمات تتصارع الخروج من فمه، لكنه ألجمها يمنحها بسمة صغيرة.
"لا أعتقد ذلك فاطمة."
هزت رأسها وهي تردد ببسمة واسعة.
"إذن سأذهب أنا كي لا أتأخر على صديقتي وأنت عد لعملك لا أريد أن أشغلك عنه، وداعًا يا المعتصم."
ختمت حديثها ثم ركضت صوب الحديقة بسرعة تاركة إياه يقف مكانه يراقب أثرها بأنفاس مسلوبة، هذا التغيير الذي أحدثته بها سلمى وبهيئتها...يكرهه وبشدة.
***
انتهى أخيرًا من فحص الشاب، ثم ابتعد عنه يدون بعض التعليمات التي تخص صحته، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة، يرفع عيونه صوبه يردد.
"لا بأس يا بطل غدًا تصبح بخير بمشيئة الرحمن."
ابتسم له الشاب بسمة صغيرة باهتة تتوسط وجهه الشاحب.
"أنا أشكرك، البارحة كانت الليلة الأولى التي أتمكن فيها من النوم دون وجع."
امتقع وجه الفتاة التي جاءت معه وهي تشيح بوجهها جانبًا حين استدار لها زيان يؤمقها بنظرة ذات معنى، جعلتها تتنفس بصوت مرتفع مغتاظة مما يحدث ونظرة الانتصار التي غطت عيونه. بالطبع سيشعر بالانتصار بعدما نفذ حديثه وأحضر توأمها العزيز للمشفى دون إرادتها، ليس لأنها لا تتمنى شفائه، ولكنها لا تثق بالغرباء.
فجأة اقتحم المكان رجل في منتصف العمر يهتف بصوت مرتفع وخوف.
"عثمان، هل أنت بخير؟"
رفعت الفتاة عيونها صوب ذلك الرجل لتتغضن ملامحها بضيق أكبر جعل زيان يعقد حاجبيه بعدم فهم.
"هل أنت قريب للمريض؟"
نظر له الرجل بتشنج وضيق، ثم تقدم من فراش المريض يردد بجدية وهو يتجاهل الجميع في الغرفة عدا ولده يردد بحنان.
"هل أنت بخير يا بني؟"
هز عثمان رأسه بارهاق شديد.
"بخير أبي لا تقلق."
زفرت الفتاة بصوت مرتفع، لكن الرجل لم يلتفت لها أو يهتم حتى بها، ليس وكأنها ابنته التي لم يبصرها منذ شهر بسبب سفره للتجارة في سبز وعودته اليوم ليعلم من جيرانه ما حدث.
"بخير؟ أي خير هذا وأنت تبدو كالجسد بلا روح؟ لماذا أهملت ذاتك بهذا الشكل يا بني، هذا خطأي ما كان عليّ السفر وتركك مع تلك الـ..."
صمت فجأة ينظر لابنته بضيق لتبادله هي النظرة بأخرى حادة أكثر وكأنها توجه له سهامًا وليس نظرات، ليدرك زيان أن ما طاله منها كان أكثر نظراتها رقة.
امسك عثمان يد والده يمنعه من توجيه كلمة قد تجرح شقيقته رافضًا أن تنال من لسان والدها لذعة اليوم كذلك.
"أبي أنا بخير، دلارا كانت تعتني بي جيدًا لا تقلق."
تجاهل الرجل أحاديث ولده وهو يربت على خصلاته بحنان.
"أنا سأبقى معك هنا لحين شفائك، وهي لتعد إلى المنزل لا حاجة لها هنا بعد الآن."
رفعت دلارا حاجبها وقد ارتسمت بسمة ساخرة على فمها، تتنهد بصوت مرتفع وهي تمسح وجهها، ثم تحركت بكل بساطة صوب المقعد المجاور للفراش تجذبه بعيدًا عنه، ثم نفضته بكل هدوء ومن ثم جلست عليه بهدوء شديد، تضم يديها أمام صدرها تنظر صوب عثمان بهدوء دون أن تجهد نفسها وتدير نظراتها صوب والدها حتى لو لمحة خاطفة.
"إن احتجت تناول طعام أخبرني عثمان فأذهب لأحضر لك كل ما تحب."
اشتعلت أعين والدها وهو يرمقها بمقت وكره شديد وكأنها عدو لدود له وليس ابنته من لحمه ودمه.
كل ذلك كان يحدث أمام زيان الذي لم يفهم ما يحدث، يمسح وجهه وهو يردد بصوت متعب.
"حسنًا لقد اطمئننت على المريض، سوف أذهب لتفقد باقي المرضى وإن احتجتم مني شيئًا فقط اعلموني."
ختم حديثه يلقي نظرة أخيرة صوب كحيلة الأعين ذات الرداء الأسود، ومن ثم هز رأسه هزة صغيرة مودعة ورحل ببساطة دون كلمة.
رحل تاركًا حربًا مشتعلة في المكان ولم يكن ليطفأها سوى سيلان دماء أحدهما.
***
كان يجلس في غرفة بعيدة عن الجحرة في منطقة تقع على أطراف الغابة التي تحد سبز، حوله بعض الأشخاص الذين يحيطون به بغرض المساعدة ظاهريًا، والمراقبة باطنيًا، لكن هل يهتم؟ لا لم يفعل، فقط كان يود الانتهاء مما يفعل حتى يخرج من هذا المستنقع و....
توقف صخب أفكاره فجأة حين وصل لهذه النقطة، و ماذا؟ ماذا سيفعل حين يخرج من المكان؟ ما الذي يمتلكه في الخارج ليهرب له؟
لا وطن، لا عائلة، لا زوجة، لا حياة.... ما الذي يعافر لأجله الآن؟
ارتفعت أصوات تنهيداته ولم يكد اليأس يتمكن منه حتى استدعى عقله صورتها لتكون طوق نجاته من الغرق في بحيرة الحيرة والاستسلام، صورتها وهي تبكي وتأخذ منه عهدًا أن يساعدها في الخروج، ولأجلها تنفس بصوت مرتفع وقد عاد التصميم يعلو عيونه لينتهي منهم ويهرب بها من ذلك المكان.
"هل ينقصك شيئًا؟"
ابتسم له نزار يرفع عيونه صوبه مرددًا بصوت حانق مغتاظ.
"ينقصني أن تختفوا من أمام وجهي وتتركوني وشأني."
هز الوليد رأسه وهو يبتعد عنه بضيق من تعامله معهم كما لو أنهم يعملون لديه، وفي الحقيقة كان نزار لا يطيق قرب أحدهم شاعرًا بالاختناق لأجل تنفس نفس الهواء الذي يتنفسونه.
تنفس بصوت مرتفع وهو يعيد أنظاره صوب الاعشاب أمامه وقد بدأت يده تشتد بضيق شديد من فكرة أنه للمرة الثانية سيشارك في إبادات للشعوب التي ينحدر منها.
"لعنة الله عليكم أجمعين، ليعطني الله الصبر والصحة لأضع ذلك السم في أفواهكم."
سمع صوت الوليد يتساءل بعدم فهم.
"هل تقول شيئًا نزار؟"
"أقول لعنة الله عليكم أجمعين يا الوليد."
اتسعت عيون الوليد بصدمة، بينما نزار أكمل عمله دون أن ينظر له أو يفكر في شيء، فقط أكمل بكل هدوء وبساطة يمني نفسه بالرحيل من ذلك المكان ليطمئن عليها ويستأنس بهواء نقي جوارها بعيدًا عن فتن المعاصي التي تحيط به في الخارج.
عجبًا يختبئ من الفتن، في مسكن كبيرهم.
***
وفي المسكن حيث أكبر الفتن، أنتهت من قراءة بعض الآيات التي تحفظها في رأسها، ثم حركت أنظارها صوب النافذة تأخذ شهيقًا لصدرها، وقبل خروج زفيرها، سمعت صوت الباب يُفتح والمرأة صاحبة المكان بأكمله تقف على بابها تبتسم بسمة مريعة بوجه غريب تستند بكسل على الباب وهي تشير صوبها.
"هيا يا فتيات جهزوا ضيفة الليلة."
نظرت لها توبة بعدم فهم وهي ترى العديد من الفتيات يتحركون داخل الغرفة محملين بثياب لامعة وزينة كثيرة يشكلون حلقة حولها.
رفعت عيونها لهم وهي تشير ببرود لما يحدث حولها.
"ما الذي تفعلونه هنا؟"
ابتسمت لها المرأة بتشفي وقد شعرت أنها تقتص لكل ما نالها على يد نزار بسببها لتلك العفيفة التي يخشى مقارنتها بهم.
"نجهز عروس المحفل للرجال في الخارج، هم ينتظرون على أحر من الجمر."
حركت توبة عيونها في المكان على الثياب الحمراء التي كانت تلتمع بشكل مقزز ومعها العديد من المصوغات الذهبية اللامعة كذلك، كانت عيونها تتحرك على الأشياء بعدم فهم قبل أن ترفعها ببطء صوب المرأة التي تتحدث وهي تقول بتشنج.
"ماذا؟"
"ماذا ألم تسمعي ما قلت؟ هيا تجهزي فقد مللنا من جلستك دون فائدة هكذا، تتناولين الطعام وتنامين ونحن نقوم بخدمتك، وأخيرًا منحنا السيد إذنًا بفعل ما نريده بكِ."
ختمت حديثها تشير للنساء بالتحرك صوبها.
"هيا افعلوا ما أخبرتكم به."
نهضت توبة بسرعة من مكانها مناقضة بحدة صارخة وهي تشير لهم بتحذير أن يقتربوا منها، لكن وقبل أن تتخذ أي حركة للدفاع عن نفسها شعرت ببعض النساء ينقضون عليها بسرعة مقيدين ذراعيها للخلف وأخرى تقدمت منها تمسك عشبة غريبة الشكل تدسها في فمها بالقوة تجبرها على ابتلاعها وصوت المرأة في الخلف يصدح في المكان.
"لا تخافي فقط دقائق وتستمتعين بكل ما يحدث حولك، أعدك بذلك."
***
"لا أعتقد أن هذا الحل مناسب أرسلان."
اعترض أرسلان على كلمات إيفان بضيق وهو ينهض عن مقعده يدور في المكان محركًا يده في الهواء باستنكار.
"لماذا؟ ما به الحل الذي اقترحته أنا؟"
"هذا ليس حلًا حتى، الهجوم عليه وقتله في غرفته؟ جديًا؟"
هز أرسلان كتفه ببساطة وكأنه يخبره أنه جاد فيما قال، لكنه أضاف سريعًا يحسن من تلك الفكرة التي وصلت لهم.
"حسنًا أنا لم أقل ذلك إيفان."
ابتسم له إيفان بسخرية لاذعة وهو يستند بكفيه على الطاولة أمامه، يحرك له حاجبيه وكأنه يتساءل عن صدق حديثه، لتتسع بسمة أرسلان يحرك كتفه بهدوء.
"حسنًا قتله جزء من الخطة، لكنه ليس أساس الخطة كما أوضحت."
ابتسم له سالار وهو يحرك أصابعه على الطاولة أمامه بشرود، ثم رفع عيونه صوب أرسلان يردد بهدوء.
"ألا يصيبك الفضول لمعرفة إلاما سيصل القرصان مع القبطان السابق؟"
"لا يهمني قبطان أو قرصان في النهاية غرضي وهدفي واحد.....تحطيم السفينة أعلى رؤوس المبحرين عليها."
صمت ثواني ثم هتف وهو يشرح لهم ما يدور بعقله.
"الرسالة لا توحي بالخير أبدًا، هناك ما يدبر له أنمار والذي لن يكون خيرًا البتة، ويبدو أن هناك من يساعده على ذلك، والتأخر في اتخاذ خطوة جدية قد يقودنا لندمٍ نحن في غنى عنه، يكفي ما سبق وحدث."
نبرته التي خرجت في نهاية جملته، خرجت محملة بعبق ماضي قريب مؤلم ما يزال يترك أثره على جدران صدر أرسلان، ذلك الماضي الذي لم يكن مستعدًا لتكراره بأي شكل من الأشكال.
"نحن لن ننتظر حتى تنعكس نظرات شعب مشكى بأعين باقي الممالك سالار، ترقبنا القادم ما هو إلا فرص نمنحها لهم كي يحسنوا التدبير."
تبع حديثه صمت ثقيل على الأنفس حوله قبل أن يقطعه همسات أرسلان التي استرسلت في الأجواء كالأسواط تجلد العقول مستدعية ذكريات سيئة لهم.
"سبز في طريقها لتسلك مسلك مشكى وشعبها وهذا ما لا أتمنى أن نصل له."
ارتفعت أصوات التنهيدات والزفرات في المكان وقد مست كلمات أرسلان المذبوحة أوتار الجميع واشعلت أحطاب غضبهم ليهتف سالار وهو ينهض من مكانه يشمر أكمامه يدور حول الطاولة ثواني قبل أن يحمل خنجرًا يغرزه بقوة في منطقة ما على الخارطة يهتف بصوت غامض وبسمة سوداء.
"غدًا في 'سبز'، مستنقع الوحل المحبب لقلوبهم."
***
في المساء وبعد ساعات طويلة.
"زيان فقط توقف عن استفزازي قبل أن أتجاهل فرق العمر بيننا وأجعلك تحزن على المتبقي من شبابك."
رفع زيان حاجبه يصاحب تعجبه بهمسة مستنكرة.
"أنت حقًا شخص ذو صبر قليل."
"صبر قليل؟ والله لو كان صبري قليل ما كنت وجدتني بعقلي بعد كل ما نالني داخل هذا القصر و..."
توقف عن الحديث وعلقت نصف كلماته في الهواء حين أبصر شيئًا يتحرك في الظلام، ضيق حاجبيه بعدم فهم وهو يحرك عيونه مع الظل الذي كان يتحرك بهدوء شديد وكأنه يمتلك كامل الوقت.
بينما زيان تعجب صمته المفاجئ واستدار نصف استدارة يتبين ما ينظر إليه، لكن كل ما أبصره هو فراغ فقط، عاد بنظراته صوب وجه المعتصم الذي كان غير مفسر.
"معتصم... ما الذي تنظر إليه أنت؟ معتصم؟"
انتفض المعتصم بسبب هزة يد زيان، يحرك عيونه له ببطء مريب وكأنه على وشك الانقضاض عليه واستخراج سائر أعضائه من جسده.
وزيان يراقبه بعدم فهم يرفع حاجبه يتناول بعض المسليات التي أخذها من المطبخ في طريقه للمكان، يتساءل بعدم فهم وهو ينظر حوله.
"ماذا؟ هل هناك شيء خلفي؟"
كانت جملة أخيرة نطقها زيان قبل أن يشعر بجسده يسقط عن المقعد بعنف مرتطمًا بالارضية الصلبة أسفله يطلق تأوهات مرتفعة، وجسد المعتصم فوقه يحركه بغضب شديد وضيق.
"كم مرة عليّ القول أن اسمي هو المعتصم بالله، أو المعتصم؟"
ارتفعت تأوهات زيان بقوة وهو يحاول دفع جسد المعتصم عنه يطلق سبة منخفضة ولأول مرة تخرج منه، وها هي لعنة مشكى تصيب حتى أكثر الرجال هدوءًا.
"ابتعد عني ستحطم عظام ظهري لأنني انتزعت منك التعريف؟ ماذا لو انتزعت مقلتيّك أيها الحقير؟"
ابتسم له المعتصم بشر وقبل أن يمنحه ردًا منه سمع الاثنان صوتًا في الخلق يهتف بشك وعدم فهم.
"ما الذي يحدث هنا؟"
رفع الاثنان عيونهما بسرعة صوب الصوت، ليتضح أن صاحبه كان أرسلان الذي عاد لتوه من سفيد بعد ساعات قضاها هناك منذ الصباح وحتى هذه الساعة المتأخرة من الليل.
رفع حاجبه وكأنه ينتظر ردًا منهما، بينما المعتصم صوب زيان الذي كان ما يزال يحدق في أرسلان قبل أن ترتسم بسمة واسعة على فم زيان وهو يردد بصوت خافت.
"أوه جلالة الملك، لقد عدت مبكرًا ظننت أنك لن تعود قبل أيام على الأقل، هذا صادم حقًا."
"تتحدث وكأنني أمسكت بزوجتي تخونني مع صديقي العزيز زيان، ما الذي تفعلانه أرضًا بهذا الشكل المريب على مرأى ومسمع من الجميع؟"
انتفض جسد المعتصم بقوة صارخًا.
"ماذا!! لا أنا كنت سأضربه أقسم لك."
نفخ زيان بسخرية لاذعة وهو ينفض ثيابه بقوة، ثم عدل من وضعية خصلات شعره، يستقيم في وقفته بهدوء شديد ينفخ صدره بقوة يضع نفسه في مكانته التي من المفترض أن يكون، يحاول صبغ لهجته بنبرة جادة.
"كنا فقط نتحدث حديث ودي منذ ثواني، حمدًا لله على سلامتك."
نظر له المعتصم بسخرية وضيق ولم يكد يعلق على كلماته، حتى قاطعهم أرسلان يتنهد بصوت مرتفع.
"حسنًا أنا فقط أشعر بالتعب الشديد ربما غدًا نتناقش في ذلك الأمر وما كنتما تفعلان منذ قليل."
صاح المعتصم بسرعة مدافعًا عن نفسه.
"ماذا كنا نفعل؟ كنت اضربه."
هز له أرسلان رأسها يتثائب بارهاق شديد، ثم تحرك بعيدًا عنهما تاركًا إياهما يقفان في منتصف المنطقة التي تتوسط ساحة القصر، يشير لها بيده.
"حسنًا أراكما غدًا، أكملا ما كنتما تفعلان."
ارتفع صياح المعتصم بقوة وهو يصرخ في أثر أرسلان.
"والله كنت سأضربه."
"مالك تتفاخر بالأمر معتصم؟ ليس لأنني طبيب في القصر تعتقد أنني لقمة سائغة سهلة المضغ، لا يا عزيزي بل أنا أسوأ من مضغ الصخور الصلبة، جرب أن تقترب مني وسأريك ماذا يعني أن تتهجم على طبيب يدرك كيف ينهي حياتك في ثواني."
ختم حديثه وهو يشير له بعيونه يتحرك بعيدًا عنه بظهره وعيونه ما تزال معلقة بوجه المعتصم المتشنج يشير بأصبعيه صوب عيونه، ومن ثم يشير بها صوب المعتصم في إشارة واضحة أنه يراقبه.
وفجأة شعر زيان بظهره يصطدم بقوة في إحدى الأشجار ليعلو تأوهه وهو يستدير بسرعة يركلها بغضب، ثم أخذ يفرك ظهره يتحرك للداخل وهو يتمتم بكلمات غاضبة ساخطة.
بينما المعتصم ابتسم بسخرية لاذعة قبل أن تعلو ضحكاته أكثر وأكثر، لكنه كبتها بسرعة حينما أبصر نفس الظل يتحرك مجددًا في الظلام، ضيق ما بين حاجبيه بشك وهو يقترب من المنطقة التي يتحرك بها الظل ليبصر جسد رشيق يرتدي معطف متطاير خلفه يتحرك بهدوء في المكان، ولم يكد يقترب أكثر حتى أبصر جسد آخر يقترب من الجسد الأول يضمه له ضمة قوية، ثم جذبه معه بعيدًا تحت أعين المعتصم الذي لم يفهم شيئًا.
رمش وهو ينظر حوله وكأنه يحاول فهم ما يجري، تحرك في الاتجاه الذي تحرك به الاثنان، وقد قاده الفضول والشك مما يحدث، وقبل الاقتراب خطوة من الجهة التي أبصرهما يتحركان لها سمع صوت أحد الجنود يصيح بصوت قوي.
"من هنا؟ أظهر نفسك."
وبسبب تلك الكلمات انتقض الجسدان واللذان كانا متقاربين بشكل مريب وركضا بعيدًا تحت أعين المعتصم المصدومة.
"ما الذي يحدث هنا؟"
***
في أحد ممرات القصر.
كانت تسير شاحبة في المكان وهي تحاول الانتهاء من عملها سريعًا وقد بدأت طاقتها القليلة تفنى من جسدها، سمعت صوتًا بعيدًا يناديها كي تحضر لتتولى بعض الأعمال، لكن وقبل أن تتحرك خطوة سمعت صوت خلفها يتحدث بقلق.
"فاطمة عزيزتي أنتِ بخير؟ ما رأيك في العودة للمنزل؟ لقد انتهينا من العمل بالفعل."
رفعت فاطمة عيونها صوب السيدة ألطاف تبتسم لها بشكر.
"لا بأس خالة ألطاف أنا بخير، فقط أشعر ببعض التوعك، ربما بسبب برودة الطقس."
ختمت حديثها تتحرك بهدوء في المكان تنهي عملها، كي تعود للمنزل، لكن أثناء ذلك سمعت صوتًا يهتف بصوت ملهوف جوارها.
"فاطمة ما بكِ؟"
ارتفعت أعين فاطمة ببطء صوب الصوت وكأنها تبحث بين ضباث أفكارها عن صاحب الصوت، تضيق عيونها وهي تركزها على صورة من يقف أمامها، لكنها لثواني فقط شعرت بالجهل وهي تهمس بصوت منخفض.
"من؟"
اتسعت أعين المعتصم بقوة وشعر بقلب يتوقف لثواني، هي كانت تنسى كل شيء، لكن لم يسبق وأن نسته، أم هل فعلت؟
ولم يكن قلبه فقط من توقف، بل العالم بأكمله حوله توقف، حتى أنفاسه تحالفت مع كل شيء ورفعت رايات المؤازرة تتوقف عن الخروج من رئته.
وبعد ثواني أخذها عقله يحاول تحليل تلك الكلمة الصغيرة المريبة التي خرجت من فمها، همس هو ببسمة غير مصدقة.
"مــ...ماذا؟ من ماذا فاطمة؟ هل... هل تمزحين معي؟ ألا تتذكرين من أنا؟"
أطالت فاطمة النظر بوجهه طويلًا قبل أن تفتح فمها بصعوبة تحاول الحديث، لكن ذلك الوجع المتزايد داخل حنجرتها جعلها تشعر أن خروج كلمة بمثابة خروج روح.
نظرت له بعجز ووجع شديد واعين شبه مغلقة، وهو فقط ينتظر منها كلمة تريح قلبه، كلمة أو حتى إشارة منها تخبره أنها ما تزال تتذكره، ليس بهذه السهولة، لا يمكنها أن تنساه في غمرة نيسان عابرة.
أوليس هو المعتصم الذي تتغنى كلما أبصرته أنه ليس كالجميع؟
"فاطمة؟ أنتِ حقًا لا تتذكرين من أنا؟ هذا أنا... الـ...المعتصم.....الرجل الصالح ذو المروءة؟"
كان يتحدث مبتسمًا بسمة شبه يائسة وكأنه يحاول استحضار كل حجة أو برهان قد يساهم في توضيح صورته داخل عقلها مرة أخرى، وهي فقط شعرت بجسدها يتحرك حركة غير مستقرة والعالم يدور حولها ليكون آخر ما وصل لمسامعها قبل اصطدامها العنيف بالأرض هو صرخة باسمها من المعتصم.
***
كان يتحرك بالممرات وهو يتنفس بصوت مسموع في المكان يشعر بالاختناق مما يحدث حوله يتساءل من تُكتب له الراحة؟
وفي الحقيقة كان فقط يشعر كما لو أن الراحة ستزور قلبه داخل القبر فقط، فهو ومنذ كبر وأدرك الحياة حوله، وقد كُتب عليه الشقاء بكافة أشكاله، حتى في طفولته لم يحظى بطفولة سعيدة هادئة طبيعية، لكن أمله الوحيد أن ينال بعد كل هذا راحة في الآخرة.
تنفس يبتسم وهو يستودع الله نفسه وقلبه وبلاده وشعبه، يدخل غرفته وهو يلقي معطفه على الفراش، ثم اتبعه ثيابه بالكامل وهو يلقيها على الفراش ومن ثم تحرك المرحاض يستحم براحة واخيرًا يتجهز لرحلة الغد مع الجميع.
بعد دقائق خرج من المرحاض يتحرك في المكان يرتدي ثياب النوم الخاصة به والتي كانت تتكون من بنطال قماشي مريح وثوب علوي قطني ذو أكمام قصيرة.
نظر لنفسه في المرآة يراقب ملامحه عن قرب قبل أن يبتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك صوب الفراش الخاص به يجذب الغطاء فوق جسده يتسطح عليه براحة، وقد بدأ يغرق في نوم شبه عميق بعد يوم شاق وطويل.
ارتفعت صوت تنهيدة له وهو يغوص بين أغطية الفراش الناعمة يسقط في النوم شيئًا فشيئًا، قبل أن يُسحب بالكامل لغيمة الأحلام.
***
أما عنها ففي غرفتها الخاصة كانت تقف في منتصفها وهي ترتدي ثيابًا قصيرة لا تكاد تغطي معدتها مع بنطال يتعدى ركبتها بسنتيمترات معدودة وهي تقوم ببعض التدريبات البدنية التي كانت قد أهملتها منذ مجيئها للمكان.
وموزي حولها يدور في المكان، لا يتوقف في نقطة معينة، يا يدور ويدور حول نفسه ويقفز هنا وهناك مستمتعًا بالمغريات التي تحيط به، وهي فقط تراقبه بطرف عيونها حريصة ألا يدمر شيء على حين غرة وفي غفلة منها.
وهكذا استمر تدريبها لساعة تقريبًا قبل أن تنتهي وتقرر أخذ حمام بارد يهدأ من حرارة جسدها، تحركت صوب المرحاض الذي يستقر في أحد أركان غرفتها تغلق الباب بعد إلقاء كلمات مهددة له.
"أنا أرهف السمع يا موزي، لذا إياك أن تظن أنك ستفسد شيئًا
رواية اسد مشكي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحمه نبيل
توقفت أقدامها كما توقف قلبها وكل شيء حولها، تشعر أن برودة غريبة بدأت تتسرب لجدران القصر في ثواني، ورغم كل التهديدات والغضب الذي كان ينبثق كل ثانية من أرسلان صوبها، لأول مرة تسمع سلمى تلك النبرة الغاضبة منه، نفس النبرة التي سمعته يتحدث بها يوم الهجوم حين أتت هنا في يومها الأول.
استدارت ببطء صوبه وهي ما تزال على بُعد خطوات صغيرة من عتبة غرفتها، وليتها لم تفعل وتستدير، فبمجرد أن فعلت أبصرت نظرات غضب وملامح مرعبة تعلو وجه الرجل الذي ترفع حتى عن النظر صوبها.
تنفست بصوت مرتفع تحاول الحديث بكلمة وهي تشير للجهة التي ركض بها الرجل، تفتح فمها وهي تحاول وتحاول الحديث، لكن نظراته جعلت جسدها يرتعش والدموع تملأ عيونها.
"لقد قتـ.."
وغضب أرسلان في هذه اللحظة وهو يراها تقف شبه عارية أمامه تتناقش معه دون أن تركض وتستر جسدها جعلته يصرخ بجنون دون شعور.
"أنتِ أكثر امرأة مثيرة للغضب رأيتها في حياتي، كيف هانت عليكِ نفسك لتذليها بعريكِ هذا؟?"
جملة نطق بها أصابت سلمى في مقتل وهي تنظر له بأعين متسعة وقد بدأت دموعها تتساقط دون شعور من صراحة كلماته، ارتعش جسدها وهي تتراجع ليهتف أرسلان وهو ينظر حوله وجسده ينتفض على غرار جسدها لكن انتفاضته كانت غضبًا وهو يحاول تمالك نفسه.
"تموت الشريفة ولا تسمح لرجلٍ أن يبصر طرفها دون أن تستره بقماش يقيها شر الأعين ولو عني ذلك روحها، وأنتِ ...."
ترك كلمته الأخيرة معلقة ولم يكمل، لكن سلمى ودون أن يكمل هو حديثه أدركت مكانتها وقدرها في تلك المقارنة التي أجراها للتو على مسامعها.
سقطت دموعها أكثر وهي تشعر بكامل أعضاء جسدها شُلت وقد كانت تلك المرة الأولى التي تُهان بها بهذا الشكل، بللت شفتيها ترفع عيونها له بعدما تمالكت نفسها تردد بصوت حاولت صبغه بالتماسك.
"العفو منك مولاي، أعتذر لتخطي حدودي وتصرفي بشكل لا يليق بك ولا بقصرك، ستكون هذه المرة الأخيرة التي تعاني من مشاكلي."
شعر أرسلان بالتوتر ولأول مرة من نبرتها، يدرك الآن قسوة الكلمات التي نطقها على مسامعها، يشعر أنه بالغ في ردة فعله، بينما هي كانت تبصر كل تلك الصراعات على وجهه تبتسم بهدوء شديد.
"أنا ومنذ يومي الأول هنا تعهدت لك ولنفسي قبلك أنني سألتزم قوانين المكان الذي أحيا به و...."
"هذه ليست قوانين، هذه تشريعات، هذا دينك وهذه حدوده، فما لك تتخطينها دون أن يهتز قلبك؟?"
امتلئت عيون سلمى بالدموع أكثر من كلماته لكن رغم ذلك ابتسمت له تجيب بهدوء شديد لا تلومه، فالخطأ في البداية خطأها، أن تركت عالمها وحاولت التأقلم على مكان يرفضها بكل ركن فيها، وكأن مشكى ما استصاغت مذاقها وحاولت لفظها مرات ومرات، وهي كالعلكة التصقت بالحلق رافضة التحرك.
وخطأ أن تأقلمت على وضع لا يليق بها كفتاة ولدت لأب مسلم، هو محق هي لن ترتقي يوما لتلك النساء.
ابتلعت ريقها وهي تدرك أن طريقها صوب الاستقامة الكاملة سيكون طويلًا، هي مهما حاولت ومهما فعلت لن تكون مثلهم ولا يمكنها حتى أن تكون مثل نسائهم اللواتي يمجدون بهن البتة، هي مجرد غريبة وستظل غريبة.
"يمكنني أن أذكر لك مئات الأسباب حول سبب عدم اهتزاز قلبي كما تدعي، يمكنني أن ابهرك بحججي حول الأسباب التي اوصلتني لهذه النقطة، لكن هذا لن يفيدك طالما أنك لا تهتم من الأساس، وأنا كذلك لست مهتمة في الحقيقة لشرح أسباب وصولي لحياة الفسوق هذه _كما وصفت _على مسامع رجل لا يهتم بسماع أسبابي بقدر اهتمامه بإلقاء الأوامر، تصبح على خير."
ختمت حديثها تهز رأسها وهي تتحرك بعيدًا عنه بسرعة كبيرة صوب الغرفة الخاصة بها تغلقها بقوة في وجهه دون كلمة إضافية أو توضيح لسبب خروجها بهذا الشكل، هو خمن وصدق أنها قد تفعل مثل هذا دون سبب، إذن لا حاجة لمبرر.
بينما أرسلان ما يزال يقف في مكانه وعيونه تطالع نفس النقطة التي كان ينظر بها وقد اشتد احمرار وجهه لتتحرك يده بسرعة كبيرة تضرب المزهرية التي تتوسط الطاولة جواره يطلق صرخة مرتفعة.
تهوره، والله لو كان رجلًا لقتله، يشعر بالدماء تغلي في عقله، هي محقة، هي محقة وهو حقير، لم يهتم حتى لمعرفة أسباب خروجها بهذا الشكل ليسارع ويلقي الكلمات السامة في وجهها دون تفكير.
أطلق صرخة مرتفعة في المكان وهو يتنفس بصوت مرتفع، نظر حوله ثواني يحاول أن يفكر فيما يجب فعله، ينظر يمينًا ويسارًا يبحث عن شيء قبل أن تتعلق أنظاره بباب غرفتها ويبتلع ريقه بترقب شديد، ثم تحرك ببطء صوب الباب يتوقف أمامه ثواني وهو ينظر حوله كطفل مذنب يبحث عن عذرٍ يجره لوالدته كي تسامحه على ما اقترفه.
وفي الحقيقة أرسلان لم يكن مخطئًا في حديثه، بقدر خطأه في التعبير عنه.
وهذا ما جعله يرفع يده بتردد واضح ولاول مرة، ليدرك في اللحظة أن هذه المرأة خلف هذه الأبواب جعلته يجرب الكثير لأول مرة معها.
تنفس يطرق الباب وهو يحاول الحديث يناديها ليعتذر منها ويطمئن أن كل شيء يسير بخير معها.
"آنـــــ"
فجأة توقفت كلماته حين سمع صوت بكائها خلف الأبواب يزداد ليشعر بالقلق يدب بصدره وهو يطرق أكثر مناديًا بصوت ملتاع.
"سلمى؟?"
الرؤية شبه ضبابية والأصوات مكتومة، المشاهد غير واضحة والروائح تكاد تصيبها بالقئ.
أخذ جسد توبة يتمايل دون شعور بين أيدي الفتيات اللواتي يجذبنها صوب ساحة الاحتفال العامرة بالمجون والفسوق، والتي تقام بها أكبر احتفالات النخاسة كل مساء، وقد كانت تحتمي منهم توبة بغرفتها في البداية، الآن لا حامي لها منهم سوى الله، وقطعة القماش الصغيرة التي تستر بعض الأجزاء من جسدها، حتى حجابها انتزعوه منها وجردوها من سترها.
وصلت صوب الساحة لتدفع بها الفتاة لأحد الجهات حيث ترتص الكثير من النساء في انتظار دورهن لعرض بضاعتهن على الجميع، منهن من جاءت مجبرة باكية، ومنهن من اعتاد قلبها وألف ما يحدث، ومنهن من جاءت بملء إرادتها.
حاولت توبة الحديث بكلمات غير مفهومة وهي تبعد الأيدي عنها، بينما كلمات البعض تتقاذف حولها.
"ابعدي يدكِ عني، اعديني لغرفتي أشعر بالبرد."
كانت كلمات أشبه بالهزيان، تلك العشبة التي أخذتها جعلت جسدها يتحرك دون إرادة منها وكأنها منتشية بفعل مشروب ما، رأت بعض الأعين تتحرك صوبها لتشعر برغبة عارمة في دفن نفسها ارضًا، تتحرك بين أيدي الجميع بما تمتلك من قوة تحاول الفرار من بينهن، لكن لا أحد سمح لها بالفرار.
وبكل ذرة عجز وذل تسير في دمائها أخذت تبكي وهي تترجاهن بصوت خافت خرج بصعوبة من بين تلك الغيمة التي تحيط بها.
"دعوني أرجوكم، لا تدفعوني لتلويث جسدي، لا تفعلوا أرجوكم، لا تجبروني على كره ذاتي."
سقطت دموعها أكثر وهي تشعر بأحد الرجال يجذب جسدها لمنتصف الساحة وكأنه يدعوها للرقص والجميع حولها متأهبين.
المكان حولها يدور وهي بالتالي تدور دون شعور معه، الموسيقى تعلو والحماس بين الجميع يزداد وقد بدأت الأجساد حولها تتلاحم، وهي لا تشعر بشيء، سوى أن هذا يحاول جذبها ودفعها للرقص وهذا يجذبها رغبة أن تشاركه رقصة، وما بين هذا وذاك كان صوت نسائي يصدح بنبرة مثيرة وهي تغني بعض الأغاني بلغتهم الام " الفارسية " تزيح الجميع عن الساحة وهي تتراقص بقوة كبيرة.
وفي ثواني وبشكل لم تدركه وجدت نفسها تبتعد واخيرًا عن هذا التلاحم في الساحة صوب ركن هادئ لتحين فرصتها وأخيرًا تتقيأ دون شعور كل ما تناولته سابقًا. دقائق مرت قبل أن تجد امرأة تأتي وهي تجذبها من ذراعها تلقي بها بين ذراع رجل لم تتبين ملامحه يضمها له بقوة عجزت عن مجابهتها خاصة في حالة الخدر التي أصابتها.
تحرك بها الرجل في طرقات لا تدركها تحاول ألا تسقط بسبب جذبه العنيف لها وحينما توقفت أقدامها بسبب توقفه أبصرت باب منزل يفتح، ثم تُدفع هي للداخل، حاولت المقاومة، لكن أي مقاومة تمتلك وقد سلبوها حتى هذا الحق؟
تنفست بصوت مرتفع وصوت الرجل يصدح خلفها بكلمات غير مفهومة لها، أخذت تحاول الصمود دون السقوط ارضًا، وفجأة شعرت بيد تمسك بكتفها تجبرها على الاستدارة ودون شعور استكانت لتلك اليد، وهي تنظر في وجه الرجل الذي أخذ يقترب، وكل دواخلها تحترق تصرخ بها أن تثور، أن تقاوم، لكن وكأن سائر جسدها ... شُل.
سقطت دموعها دون أن تأتي بحركة واحدة تحاول التنفس وهي تمد يدها بارتجاف تريد دفعه بعيدًا، لكن الرجل كان كالصخرة لا يتحرك.
تضرعت وبكت بعجز وقهر لن تنساه ما حييت، أقترب واحل لنفسه أفتراسها بعيونه قبل يده التي بدأت تستبيح جسدها، وهي فقط تراقب انتهاكها بصمت موحش ودموع جارية وعجز قاتل، وحينما كانت قاب قوسين أو أدنى من الاختناق قهرًا سمعت صوت الباب يُفتح وجسد يندفع منه يجذب الرجل عنها بعنف مخيف لترتد هي إلى الجدار بقوة وقد شعرت بجسدها يكاد يتحطم تحت وطأة الضربة التي تلقتها دون قصد من المقتحم والذي حطم المنزل في هذه اللحظة على رأس الرجل.
مسحت وجهها في محاولة يائسة لإبعاد غبار اللاوعي عن عيونها، تحاول إبصار ما يحدث، لترى وجه واحد تعرفت عليه بين كل هذا.
وجه نزار الذي كان متوحشًا بشكل اخافها منه وبشدة تتراجع للخلف دون شعور بشيء سوى تجمد في أطرافها وارتعاش في جسدها، فجأة شعرت بيده تجذبها بسرعة وصوت غير مألوف لها يردد.
"تحركي معي، دعينا نخرج من هنا بسرعة."
تحركت عيون توبة دون وعي صوب ذلك الوجه لتبصر ضباب أمامها لا يمكنها تمييز ملامح المتحدث، وكل ما تدرك أنها امرأة فقط من صوتها.
تحسست الطريق أمامها بصعوبة شديدة وهي تهرول بخطوات غير مستقرة خارج المنزل تتخبط هنا وهناك تحاول التنفس بصعوبة بسبب الاختناق المفاجئ الذي أصاب جسدها وصوت الموسيقى يعلو من بعيد وقد شعرت بجسدها بدأ يزداد حرارة وكأن أحدهم أشعل النيران بها، تتحرك بسرعة مع المرأة وهي لا تدرك ما يحدث ولا أين تأخذها ولا من هذه، كل ما تدركه أن المرة تحررها من ذلك المنزل الذي تفوح منه رائحة الفسوق.
اقتحم المشفى بسرعة يحملها بين ذراعيه وهو يصرخ مرتعبًا وقد بدأت عيونه تجحظ ووجه يشحب بالتدريج، الصغيرة سقطت أمام عيونه بشكل جعله يركض مرتعبًا يحملها دون وعي وهو يصرخ باسم زيان.
"زيان ساعدني، زيان أين أنت ساعدني..."
وفجأة أبصر أحد الأبواب تُفتح وزيان يخرج متعجبًا وهو ينظر حوله دون فهم من ذلك الصراخ ظنًا أن أحد الجنود سقط أو ما شابه، لكن كل ما ابصره هو جسد المعتصم وهو يحمل بين ذراعيه فتاة شاحبة الملامح، شحوب ينافس شحوب المعتصم نفسه.
تحرك صوبه بسرعة دون تساءل طويل او غيره يفتح له أحد الابواب بسرعة يشير على الفراش بسرعة.
"ادخلها هنا، سأنادي لطبيبة النساء هي بالداخل في عيادتها."
وبالفعل ما هي إلا ثواني حتى أبصر المعتصم امرأة تغطي كامل وجهها عدا عيونها تتحرك بسرعة صوب غرفة فاطمة تغلق الباب خلفها بسرعة تاركة المعتصم في الخارج يراقب الباب بأعين شاخصة وجسد متحفز وملامح مرتعبة.
فجأة انتفض على يد زيان الذي همس له.
"هل أنت بخير؟! تبدو شاحبًا للغاية، تعال دعني افحصك."
استدار له المعتصم ينظر له ثواني قبل أن يهتف بصوت متقطع خافت.
"هل ستكون بخير؟ لا أدري السبب، لكنها سقطت دون مقدمات ارضًا و..... زيان أصدقني القول هل ستكون بخير؟!"
تعجب زيان حالته، لينطق دون شعور.
"هل... هل الفتاة بالداخل قريبة لك؟"
"مخطوبتك؟"
اتسعت أعين المعتصم بصدمة من تخمين زيان الذي أكمل حديثه ببساطة وعدم فهم.
"لا أذكر أنني سمعت قبلًا عن ارتباطك بامرأة، من هذه؟ من هذه؟?"
حتى هو لا يعلم ردًا على هذا السؤال، لا يدرك إجابة لسؤال طالما تساءل عنه، ولم يرهق نفسه سابقًا بالبحث عن إجابة، لكن الآن سماع السؤال من شخص ومن فم شخص آخر غير عقله الباطن له صدى اقوى وأشد عليه.
ابتلع ريقه يحاول الخروج بإجابة محايدة تعطيه ردًا يبعد نظراته الغريبة تلك عنه، لكن وقبل تحدثه بكلمة فُتح باب الغرفة لتخرج الطبيبة تتحدث بصوت خافت عملي وهي تمد يدها بورقة لزيان تردد بهدوء.
"نحتاج بعض الأعشاب بشكل ضروري رجاءً."
تقدم منها المعتصم بسرعة يتساءل بقلب يقرع خوفًا.
"هي بخير؟ ما بها؟ ما سبب اغمائها بهذا الشكل؟?"
رفعت الطبيبة عيونها به تتساءل بجدية.
"هل تعرفها سيدي؟!"
صمت المعتصم ثواني قبل أن يهز رأسه بنعم وعيونه تشتعل بالقلق، لتتنهد الطبيبة بصوت مرتفع تردد بهدوء وقلق.
"إذًا رجاءً تحدث مع اهلها وذويها عنها، الفتاة تعاني من سوء تغذية حاد، جسدها وهن وكأنها تقتات على فتات الطعام، كما أنها تعاني من زيادة في حرارة جسدها، لكن لا تقلق بعض الأعشاب الطبية وتكون بخير، فقط تهتم بطعامها."
ختمت حديثها تتحرك لداخل الغرفة مجددًا تاركة المعتصم مكانه يحدق في الباب بصدمة كبيرة، بينما زيان جواره يتحدث بكلمات لا تصل له، وحينما يأس من إجابته تحرك ببطء صوب المخزن الخاص بالأعشاب يحضر للطبيبة ما سألت تاركًا المعتصم ما يزال يحدق بباب الغرفة بوجه شاحب مما سمع.
لا يدري ما يحدث حوله، كل ما استطاع فعله هو التحرك ببطء يذهب صوب باب الغرفة يرتكن للجدار جانبه وكأنه ينتظر أن تخرج له فاطمة باسمة تناديه باسمه كما اعتاد تحمل بين يديها هرة صغيرة أو طبق حلوى تهديه له لأنه "رجل صالح ذو مروءة".
تحرك بعيونه صوب الباب جواره ينتظر أي همسة من الداخل تخبره أنها بخير.
طرق الباب بقوة ورعب وهو يهتف باسمها وقد شعر بالرغبة الشديدة في تحطيم الباب عليها ورؤية ما يحدث بالداخل وتسبب في بكائها بهذا الشكل.
ازداد طرقه أكثر وأكثر حتى نفذ صبره يهتف بصوت زلزل المكان.
"سلمى افتحي هذا الباب لئلا احطمه، افتحيه رجاءً، اخبريني ما يحدث معك و...."
فجأة توقفت كلماته وتوقف العالم معها احترامًا وإجلالًا لما يرى أمامه في هذه اللحظة، كانت تقف أمامه بوجه أحمر لشدة البكاء، ترتدي ثوبًا يغطي كامل جسدها وشعرها، ثوب فضفاض وحجاب بنفس الشكل "إسدال".
أشارت للداخل بصوت باكي وكأنها لا تستوعب أن من يقف أمامها في هذه اللحظة هو نفسه الرجل الذي ابت أن تبكي أمامه وأغلقت الباب في وجهه منذ ثواني، تهتف من بين شهقاتها.
"موزي... ساعده."
عقد أرسلان حاجبيه يحاول أن يبعد عيونه عنها وهو ينظر للجهة التي تشير لها لتتسع عيونه بصدمة يرى القرد ساقطًا ارضًا ودمائه تسيل بقوة، ليركض له وهو يهتف بصدمة.
"ما هذا؟ ما الذي ...."
"ساعده ارجوك هو آخر من تبقى لي، أتوسل إليك لا تحرمني من آخر شيء يربطني بأبي وحياتي السابقة."
اشتدت ضربات قلب أرسلان بحزن من نبرتها المفطورة ليحمل القرد وهو يتحرك بسرعة، لا يعلم إلى أين، لكنه لم يستطع يقسم أنه ما استطاع تجاهل بكائها ونبرتها وملامحها المجروحة.
دخل المشفى سريعًا وهي تتحرك خلفه بسرعة كبيرة، وربما يبدو المشهد مضحكًا للبعض، الملك يحمل قردًا مصابًا ويركض به ليسعفه، لكن ذلك القرد كان روحًا في النهاية مهما اشتد غيظ أرسلان منه يرفض تركه يُعذب حتى الموت.
كما أن هذا القرد كان بمثابة فرد من عائلتها، شاركها كل لحظات فرحها وتعاستها لذا. لأجلها يُكرم.
تحرك بين الممرات صوب العيادة الخاصة بنزار، لكن فجأة توقفت أقدامه حين أبصر زيان أمام إحدى العيادات الأخرى يقف جوار المعتصم والذي كان يبدو في حال يُرثى لها.
تحرك أولًا صوب زيان يضع القرد بين ذراعيه متجاهلًا صدمته.
"عالجه زيان هناك قطع بذراعه، حاول تدارك الأمر سريعًا قبل أن يموت."
اشتد بكاء سلمى أكثر وأكثر وهي تنظر لموزي الذي كان ممددًا بين يدي زيان الذي لا يفهم ما يحدث.
"لكنني لا أفهم أية أمور عن تطبيب الحيوانات و...."
"فقط ساعده ارجوك دكتور، اوقف هذا النزيف، يمكنك أن تخيط له الجرح صحيح؟?"
رفع زيان عيونه صوب سلمى التي كانت منهارة في هذه اللحظة وارسلان يقف جوارها يراها تكاد تسقط ارضًا لشدة البكاء ليشتد غضبه وهو يهتف من بين أنفاسه الملتهبة وصدره لم يهدأ بعد من غضبه.
"زيان افعل ما أخبرتك به، ما الصعب في تقطيب جرح ما قرد كان أو قطة؟?"
نظر له زيان ثواني قبل أن يهز رأسه بطاعة ويتحرك سريعًا صوب إحدى الغرف وخلفه سلمى التي أبت ترك قردها وحده تتوقف أمام العيادة بترقب، بينما أرسلان نظر بأعين غاضبة صوب الجهة التي سلكها الإثنان وقبل التحرك أبصر مجددًا المعتصم ليتحرك له يهتف بعدم فهم لوجوده هكذا.
"ما الذي يحدث هنا؟! المعتصم أنت بخير؟!"
رفع له المعتصم عيونه ليُصدم أرسلان من مقدار الوجع الساكن بمقلتيه، شهق وهو يتحرك صوب يهتف بصوت مرتعب.
"يا المعتصم ...."
اقترب منه يمسك كتفه يتحدث بصوت قلق.
"ما بك يا أخي؟ هل حدث لك شيء؟ ما بك؟!"
نبث المعتصم بكلمة واحدة فقط، كانت جُلّ ما استطاع نطقه في هذه اللحظة وقد خرجت الكلمة بصعوبة من بين تراكمات الوجع في صدره.
"فاطمة ....."
شهقت توبة بصوت مرتفع وهي تشعر بمياه باردة كالثلج تصطدم بوجهها لتتراجع للخلف تحاول التنفس بشكل طبيعي، بينما الفتاة التي احضرتها للمكان منحتها فقط ثواني كي تتنفس قبل أن ترفع يدها مرة ثانية تسكب عليها المتبقي من المياه الباردة لتعلو شهقات توبة أكثر وأكثر، والفتاة فقط اقتربت منها وهي تجفف لها وجهها تعتذر بصوت خافت.
"آسفة، آسفة كانت هذه الطريقة الوحيد كي افيقك من نشوة الأعشاب التي أخذتها."
حاولت توبة التنفس بشكل طبيعي وهي ترفع عيونها بعدما بدأت الرؤية تتضح أمامها، تبحث عمن ساعدها في الخروج من ذلك المنزل لتُصدم حين أبصرت أمامها الراقصة الرئيسية في المكان والمرأة نفسها التي كانت تتراقص أمام زوجها ذلك اليوم، وهي نفسها من سحبته من منزلها حين كاد يقتلها لضربه.
اشتدت أعين توبة وهي تبعد يد الفتاة عنها بقوة ترفض أن تلمسها والكره يشع من كل ذرة في جسدها، بينما الفتاة تراجعت للخلف بملامح جامدة تردد بهدوء.
"حمدًا لله على سلامتك وخروجك دون ضرر."
نظرت لها توبة بعدم فهم وهي تحاول معرفة ما يحدث حولها، بينما الفتاة فقط ظلت تنظر لها ثواني قبل أن تتراجع للخلف حين سمعت طرق سريع على باب الغرفة ومن ثمّ اقتحام نزار المكان يهتف باسمها ملتاعًا.
"تــــوبة ..."
اقترب بسرعة يتفحصها بعيونه يبحث عن أي ضرر بها، حتى ضربت عقله الصورة التي تقف بها أمامها دون حجاب وبثوب كاشف ليتراجع بسرعة ووجه محمر وهو يتحدث بكلمات غير ثابتة.
"أنا فقط... اعتذر لم... لم اقصد لقد كنت قلقًا و..."
تحركت توبة بسرعة تلتقط حجابها الذي انتزعوه منها بالقوة تلقيه على رأسها واكتافها تسمع صوت الفتاة تردد بهدوء.
"إذن اعتقد أن دوري هنا انتهي، سوف أرحل قبل أن يفتقدني أحدهم ويعلم ما حدث، وداعًا ...."
ختمت حديثها ولم تكد ترحل حتى سمعت صوت نزار يتحدث بهدوء دون أن ينظر لها نظرة واحدة حتى.
"شكرًا لكِ."
توقفت ثواني وهي تنظر لظهره مبتسمة بسمة صغيرة.
"لا شكر، هذا واجبي سمو الأمير."
ختمت حديثها تتحرك للخارج تاركة توبة تنظر له بعدم فهم ليرفع هو عيونه لها يبصر حيرتها فابتسم يوضح بصوت خافت وهو يخفض عيونه ارضًا.
"كانت هي من ارسل لي فتى صغير يخبرني أن أعود بسرعة قبل وقوع كارثة فعلمت أن الأمر متعلق بكِ وحين جئت وجدتها تنتظرني لتدلني على المنزل وهي من ساعدتني."
اتسعت أعين توبة بقوة وعدم تصديق تشعر بالريبة تجاه تلك المرأة، هي لا تشعر بالراحة أبدًا لما هو آتٍ، صدرها كان منقبضًا بقوة تتحين الكارثة التالية لتهمس دون وعي.
"أنت.... هل... هل ستنفذ لهم ما يريدون؟?"
رفع لها نزار رأسه بسرعة ينظر لها ثواني دون رد وهي فقط منتظرة رده قبل أن تستشف رده دون حتى أن ينطق به تردد مصدومة مما ترى على وجهه.
"ستفعل؟ تخون الله ووطنك مرة ثانية؟ ألم تته بعد نزار؟?"
أبعد نزار وجهه عنها لتشعر بالغضب يملئ صدرها، كانت تشعر بثوران داخلها فقط لتفكيرها أنه قد يفكر حتى في فعلها مجددًا تتحرك صوبه تصرخ بجنون وهي تقف أمامه تجبره على النظر لها.
"ستفـــعـلها مجــددًا نـــزار؟!"
ازداد صوت تنفس نزار وهو يبعد عيونه عنها بقوة بينما هي ابتسمت بعدم تصديق تصرخ في وجهه وقد شعرت بالكره له يزداد أكثر وأكثر.
"أيــهــا المـخــادع تتبجح برغبتك في التوبة وأنت تقف أمامي الآن تخجل حتى من النظر في وجهي لمعرفتك أنك مجرد جبان متبجح حقير، أنت حقير نزار."
كانت تتحدث وهي تدفعه للخلف بغيظ وغضب شديد وكأنها تود لو تضرب رأسه في الجدار فقط كي يستيقظ من غمرة المعاصي التي دخل لها بإرادته، وهو فقط تنفس بصوت مرتفع يتحدث بصوت خافت.
"فات الأوان على ذلك سمو الأميرة."
امتلئت عيون توبة بالدموع وشعرت بالحسرة لأجله تنفي برأسها، ظنت أنه ربما تاب، استبشرت بالله خيرًا أن ينظف الدماء التي تلوثت بها يده سابقًا.
"لقد... أخبرتني أنك تريد اتخاذي توبة، هل... هل نسيت؟?"
نظر لها نزار ثواني قبل أن ينبث بصوت خافت.
"لا تستحقين أن تُلوثي بعاصي مثلي توبة."
تراجعت توبة للخلف بصدمة وقد شعرت برغبة قوية في البكاء، عالمها وكل شيء حولها ينهار، تنفست بصعوبة وهو فقط اقترب خطوات يردد بصوت منخفض.
"سوف... سوف اخرجك من هنا بعد أيام قليلة فتجهزي للعودة سمو الأميرة ........ "
ظلت واقفة لساعات حتى خرج لها زيان يغلق الباب خلفه وهي فقط تتابعه بأعين متلهفة تنتظر أن يريح قلبها بكلمات تطمئنها على قردها العزيز.
وزيان فقط أغلق الباب بهدوء ولم يكد يلتفت حتى صرخ صرخة صغيرة، ينتفض بسرعة ملتصقًا في الباب مجددًا مرتعبًا، لكن ليس من سلمى التي كانت تناظره بقلق وخوف وهي تقترب منه بلهفة شديدة، بل من ذلك الوحش الذي يشرف عليها من الخلف بأعين جامدة مترقبة وهو يضم يديه لصدره يتابع ما يحدث بهدوء.
ابتلع زيان ريقه وهو يبصر نظرات أرسلان المريبة له، يسمع صوت سلمى التي لم تنتبه لما يحدث خلفها وهي تهتف بصوت موجوع.
"دكتور هل... موزي بخير صحيح؟?"
ابتلع زيان ريقه وعيونه ما زالت معلقة على أرسلان يردد بصوت منخفض.
"ما...ماذا؟?"
"موزي بخير؟?"
"من؟!"
"القرد بالداخل دكتور، هل... هو بخير صحيح؟ ارجوك أخبرني أنك استطعت إنقاذه."
رفع زيان عيونه صوب أرسلان الذي رفع له حاجبه ينتظر إجابته فقال بهدوء وروية.
"هو... بخير... اعتقد هذا فأنا لا أفقه الكثير بما يخص الحيوانات، فقط قطبت له الجرح وقد كان سطحيًا، لذا اعتقد أنه بخير، فقط يحتاج للراحة."
واخيرًا تنفست الصعداء وهي تبتسم براحة تستدير ببطء تفكر في العودة صوب غرفتها تحضر غطاء وتأتي للمبيت جوار موزي.
"حمدًا لله سـ....."
ولم تكد تكمل كلماتها حتى انتفضت للخلف تطلق صرخة مرتفعة وهي تراقب وجه أرسلان الذي يقف يراقبها بهدوء شديد، ثم ودون مقدمات ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيه وكأنه يدعي البراءة أو ما شابه.
"حمدًا لله على سلامة موزك، شفاه الله وعفاه."
كانت سلمى ما تزال تضع يدها على صدرها بصدمة، قبل أن ترتخي ملامحها بشكل بسيط ترسم بسمة صغيرة على فمها، بسمة صغيرة جامدة بعض الشيء باردة قليلًا، تهز رأسها بكل بساطة.
"شكرًا لك، لا أراك الله مكروهًا في عزيز."
ختمت حديثها تتجاهله وهي تتحرك بعيدًا عنهم صوب الخارج؛ كي تحضر أغراض النوم الخاصة بها وهي تسير بكل كبرياء ترفع رأسها دون اهتمام بأحدهم، نفس المشية التي كانت تسيرها داخل السجون بكل هيبة، لكن الآن ليست في السجون ولا ترتدي ثيابها الرسمية وحذائها العالي، بل هي في مشفى ترتدي ثوب الصلاة الواسع والطويل الخاص بها، ونعل بلاستيكي كانت اشترته أثناء تخفيضات الصيف الماضي من أحد المحلات.
ورغم عدم ملائمة الظروف والثياب والهيئة لما تفعل، إلا أنها استمرت بنفس المشية بكل كبرياء تُحسد عليه.
ولم تكد تخطو خارج المشفى حتى تعرقلت في طرف الثوب الخاص بها لولا تمسكها في الجدار، ثم اعتدلت بسرعة تعدل من ثوبها دون حتى أن تستدير للخلف تكمل سيرها بكل كبرياء تحت نظرات أرسلان المصدومة والمتشنجة مما حدث، لقد تجاهلته للتو وعاملته كما لو أنه لا شيء هنا.
كل ذلك كان تحت نظرات زيان الذي كان ينظر لما يحدث بأعين متسعة وبسمة غير مصدقة، قبل أن يلجم بسمته وهو ينظر حوله يدعي أنه لم ينتبه لما حدث منذ ثواني، يتحرك في الممر وهو يتسحب صوب غرفة الشاب الذي أحضره سابقًا ليطمئن عليه ولم يكد يتحرك حتى سمع صوت أرسلان يهتف بحدة.
"زيــــــــــــان ...."
توقفت أقدام زيان بسرعة يبتلع ريقه.
"مولاي؟?"
"إن أتت المرأة للمبيت إياك والسماح لأحدهم بالاقتراب من غرفة ذلك القرد أثناء تواجدها."
رمش زيان ثم هز رأسه بسرعة بينما أرسلان تحرك بسرعة كبيرة للخارج وهو ينفخ نيرانًا وكأنه على وشك إحراق المكان حوله بمن به.
ولم يكد يتوجه صوب غرفته ليحظى بنومة هادئة واخيرًا حتى ابصرها تتحرك في الممر بهدوء شديد وبنفس الخطوات الجادة لتشتد عيونه وهو يهتف موقفًا إياها.
"آنسة سلمى....."
"هل ستكون بخير؟?"
تنفست الطبيبة بصوت منخفض وهي تهز رأسها، ثم استدارت تغلق الباب الذي تقبع فاطمة خلفه نظرة صغيرة وكأنها تطمئن أن كل شيء بخير.
ثم استدارت صوب ذلك الذي يكاد يفقد صوابه من التوتر في هذه اللحظة.
"لا تقلق سيدي القائد هي بخير، كما سبق واخبرتك مجرد إرهاق وسوء تغذية."
هز لها رأسه ثم نظر ارضًا وهو يفكر في شيء وكأنه مترددًا في النطق بما يدور داخل رأسه، رفع رأسه للطبيبة التي حركت رأسها في إشارة لرحيلها، لكن وقبل أن تتحرك خطوة واحدة أوقفها بسرعة وكأنه أتخذ قراره بالتحدث.
"هي... هي، هل ستتذكرني؟?"
توقفت الطبيبة تنظر له بعدم فهم، نظرات لم يبصرها هو من خلف الغطاء الخاص بها، لكنه خمنها وإن لم يبصرها.
"لا افهم مقصدك سيدي القائد، هلّا وضحت لي ما تريده؟!"
ابتلع ريقه يحرك نظراته صوب الباب الخاص بها وكأنه يأمل أن يبصرها من بين جزئيات الخشب التي تعيقه عن الاطمئنان عليها.
"قبل... قبل السقوط لقد... لم تكن... هي...."
كان يتحدث كلمة ويتوقف ثواني يحاول تجميع جملة تفهمها أو يوصل لها بها ما يدور بخلده، لكن عجز عقله عن بلورة الكلمات بشكل مفهوم، لذا أشار لها بهدوء يردد بصوت منخفض.
"لا تهتمي رجاءً، يمكنك الذهاب إن أردتِ."
ابتسمت له بسمة غير مرئية، ثم تحركت بهدوء شديد صوب الحجرة الخاصة بها تجمع اشيائها للرحيل صوب غرفتها والتي تقبع بها مع زوجها "أحد جنود القصر" تاركة خلفها المعتصم يحدق في الباب برعب شديد ينمو داخل صدره، وهواجس تكاد تقتله، هل نسته؟ فاطمة نسته؟ لم تتذكره ونست اسمه.
اسمه الذي ما كانت تنفك تردده كلما أبصرته، اسمه الذي كان يتمتع خفية بصداه من صوتها.
اقترب من الغرفة التي تقبع بها يستند على بابها يهمس بصوت منخفض.
"هل فعلتيها فاطمة؟ نسيتيني؟!"
تحسس الباب بهدوء يهمس بصوت منخفض موجوع.
"بالأمس كنتِ تعدينني بالحلوى، واليوم تطعميني العلقم، ليس عدلًا فاطمة."
ابتلع ريقه بهدوء وهو يستند على الباب يجلس ارضًا جواره مقررًا الاحتجاج أمام بابها حتى تخرج له، فقط سينتظر على أمل أن تستيقظ وتنظر له نفس نظراتها البريئة، وتبتسم له نفس بسماتها اللطيف، سينتظر لا بأس يمكنه الإنتظار.
"آنستي ...."
توقفت أقدام سلمى قبل بلوغ الغرفة على صوت تدركه جيدًا، تأبى الاستدارة وقد على الجمود وجهها تتوعد له بالويل، يتعلمه كيف يتريث في ردات فعله، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تستدير له ببطء شديد، تهمس له بالمثل وبصوت شبه خافت.
"مولاي."
توقفت أقدام أرسلان أمامها يضع مسافة مناسبة بينهما يتأملها بنظرة سريعة لتلك الهيئة التي سلبته دون غيرها.
أبعد عيونه عنها سريعًا وهو يتنحنح بصوت منخفض، ثم اعتدل في وقفته يردد بصوت هادئ.
"اعتذر منكِ."
اتسعت أعين سلمة ببطء قبل أن تطيل النظر له.
"عفوًا منك؟?"
"حين... حين صرخت بوجهك منذ قليل ظننتك... لم أعلم ما حدث لذا اعتذر منك."
ابتسمت له سلمى بعدم تصديق، يتحدث بكل هدوء وملامح عادية وكأنه لم يتسبب في إهانة لا تُمحى لها منذ ثواني، ذلك النرجسي المتكبر من يحسب نفسه؟
"ملكًا للبلاد التي تقفين بها." وكان هذا رد عقلها التلقائي، لكن رغم ذلك هذا لا يمنحه حق التحدث لها بهذا الشكل الشنيع.
كان أرسلان يراقبها باهتمام شديد ينتظر ردها، يدعي عدم الاهتمام بملامح شبه جامدة في حين أنه داخله يتحرق لسماع ردها، ينتظر أن تخبره أنها سامحته، تشعره أن ما فعله لم يكن كبيرًا ليستحق اعتذارًا منه، يحاول فقط أن يقلل من حجم الندم الذي يأكله فوق أنه لأول مرة يتحدث لامرأة بمثل هذه الوقاحة ويتعدي حدوده مع شخص لا يخصه، كان من الوقاحة أن يشعرها بالسوء تجاه نفسها.
أرسلان لم يكن معتادًا على التواقح مع النساء، لأنه من الأساس لم يكن يتعامل معهن، فقد كانت والدته وشقيقته هم بوابته الوحيدة ليلقي نظرات محدودة على العالم الآخر الوردي الخاص بالنساء، لتأتي هذه المرأة تجره دون إرادة منه صوب العالم تعلمه أن عالمهم ليس ورديًا فقط، بل احيانًا يكون اسودًا كعيونها في هذه اللحظات.
ثواني وعادت عيونها صافية وهي ترسم بسمة رقيقة هادئة على شفتيها، جعلته ينظر لها بلهفة للحصول على تصريح الصفح.
لكن كل ما خرج من سلمى بعد صمت طويل.
"غير مقبول."
رمش أرسلان بعدم فهم لثواني وهو يحاول إدراك ما سمعه.
"عفوًا؟?"
"اعتذارك جلالة الملك.... غير مقبول."
اتسعت عيونه شيئًا فشيء من كلماتها، بينما هي اقتربت منه خطوات قليلة ترفع رأسها له بتحدي اذهله وهي تبتسم بسمة جانبية وقد اتخذت وقفتها وضعًا هجوميًا.
"استمر حديثك المهين لشخصي أكثر من خمس دقائق، لتأتي أنت وتعتقد بكل عقلك أن كلمة تنطقها في ثانية قد تمحي ما تسببت به كلماتك السابقة؟؟ يمكنك المحاولة أكثر مولاي، واحرص أن تكون المرة القادمة التي تعتذر فيها لي نابعة من صميم ندمك."
ختمت حديثها تنظر بقوة في عيونها، نفس النظرات التي كانت توجهها صوب مرضاها وهي تهددهم بعدما تضرب رؤوسهم في الجدار مرات ومرات، لكن الفرق هنا أنها لم تضرب رأسه، لأنه ليس مجرمًا، ولأنها لا تأمن ردة فعل ذلك المتوحش إن فعلت.
"أنتِ تمزحين معي؟?"
"في العادة لا امزح مع رجال غرباء عني، لكن من يدري ربما في المستقبل تنال شرف مزاحي معك مولاي."
ابتعدت خطوات للخلف لتشتعل أعين أرسلان وهو يسمعها تردد نفس جملته السابقة، الفتاة تستخدم أسلحته ضده، أبصر بسمتها اللئيمة تتسع ليدرك أي الشخصيات تلبستها في هذه اللحظة.
"أنتِ تخوضين سباقات لا قبل لكِ بها."
"لا بأس أحب المغامرات، سبق وخضت الكثير قبلك، ولن يستعصي عليّ المزيد معك."
أنهت جملتها تستدير عنه، ثم تحركت في طريقها بكل هدوء تاركة إياه ينظر لظهرها بصدمة من كلماتها، ماذا تعني بقولها خاضت الكثير قبله؟ هل سبق وتعاملت مع رجال كما تتعامل معه و....
فجأة توقف عقله عن التفكير حين أدرك للتو حقيقة كان غافلًا عنها، المرأة كانت تعالج المختلين والمجرمين.... رجال؟
وكأنها لحظة إدراك ....... فجأة انطلق دون شعور يلحق بها بخطوات شبه مهرولة يهتف دون تفكير.
"ما نوع المجرمين الذين كنتِ تتعاملين معهم !!"
توقفت قدم سلمى فجأة عن التحرك حين سمعت جملته تستدير له نصف استدارة، ترفع حاجبها بسخرية على ذلك السؤال.
"بعضهم كان رخوًا والبعض الآخر كان مقرمشًا."
اشتعلت أعين أرسلان يقترب منها بغضب مصرحًا عما يدور بعقله من أفكار سوداء.
"وهذان النوعان كانا من الرجال؟؟"
رمشت سلمى فجأة تحاول فهم سؤاله الذي نطقه للتو لا تفهم له من سبب، تنظر حولها ثواني وكأنها تبحث عن إجابة طائرة أو ما شابه.
"ماذا؟?"
"هل كنتِ تعالجين رجال وتحتكين بهم طوال العمل معهم؟!"
فكرت سلمى ثواني في أبعاد ذلك السؤال قبل أن تحرك رأسها ببطء بالإيجاب. لتبصر وجه أرسلان الذي اشتد بقوة وبشكل مخيف.
"تبًا لعالمك الذي سمح لامرأة مثلك بالتعرض يوميًا لبعض الرجال المختلين والمجرمين."
اتسعت أعين سلمى بقوة من كلماته وشعرت بقلبها يكاد يتوقف من قوة نبضاته وهي تراه يتنفس بصوت مرتفع، يتحرك بعيدًا عنها بغضب دون قول كلمة إضافية، لكن فجأة توقف يستدير لها متسائلًا.
"هل تعرض لكِ أحدهم قبلًا بشيء؟?"
وفي الحقيقة السؤال كان مضحكًا بعض الشيء، إذ وجب أن يكون السؤال الصحيح "هل سبق ولم يتعرض لكِ أحدهم بشيء؟!"
ورغم أن الأمر كان مضحكًا بالنسبة لها، إذ سبق وتعرضت للكثير والكثير من هؤلاء المختلين، إلا أن هذه المرة الأولى التي يتساءل بها أحدهم عنها وعما لاقته في حياتها، ربما تعتبره اهتمامًا طفيفًا من شخصٍ .....
توقفت عن التفكير وهي تبتلع ريقها تجيب إجابة دبلوماسية قصيرة.
"كنت اتدبر أمري، لا تقلق."
نظر لها مطولًا وهو يتنفس بهدوء شديد، وعيونه تغيم بنظرات غامضة، ثم تحرك بكل هدوء خارج الممر يهمس لها وقبل الرحيل كلمات بسيطة.
"تصبحين على خير آنستي ..."
راقبته سلمى بأعين شبه زائغة تجيبه بصوت خافت.
"تصبح على خير .."
مع مشارف يوم جديد. ترجل عن حصانه حين وصل واخيرًا وبعد رحلة طويلة للقصر، ولأول مرة لا تُفتح له أبواب سبز، رفع بصره صوب الابواب يرميها بنظرة طويلة يتحرك صوبها مرددًا بصوت قوي.
"مالي أرى الأبواب وقد أُغلقت، عساه خيرًا يا رجال ..."
تحدث أحد رجال القلعة في الاعلى، وقد كان واحدًا من أعوان أنمار الذين احتلوا الجيش بعد رحيل أصلان بمن معه لحماية الأسواق والشعب من بطشهم.
"الابواب تُفتح لمن يستحق وتغلق في وجه من لا يستحق."
رفع آزار حاجبه وقد ارتسمت السخرية على وجهه.
"عجبًا اتدرك أن هذا مبدأي في الحياة كذلك؟! السيف ينحني في وجه من يستحق، ويحشر في حنجرة من لا يستحق، والآن أخبرني إلى النوعين تحب أن تنتمي أنت وقائد الحمقى الذي يقودكم؟!"
وكانت تلك رسالة مبطنة نطق بها آزار بأعين موقدة، والرجل فقط له باستهانة لتتسع عيونه ببطء حين أبصر جيشًا ضخمًا يقف على بعد صغير وكأنه ينتظر إشارة آزار، وبالطبع لا حاجة للسؤال عن هوية الشخص الذي ساعدهم لدخول البلاد.
رسالة مبطنة تلقاها الرجل بسهولة وهو ينظر خلفه لبعض الرجال يأمرهم بالتحرك وإعلام الملك بقدوم ملك آبى قبل أن يجن جنون آزار.
دقائق هي انتظرها آزار حتى أبصر الابواب تُفتح أمامه ليبتسم باستهانة وهو يصعد على حصانه مجددًا يتحرك به داخل حدود القلعة بكل هدوء، بينما الجميع ينظر له بتحفز. استمرت رحلته داخل القلعة دقائق معدودة حتى وصل لمبنى الحكم الذي يستقر به قاعة العرش وغيرها من القاعات الخاصة بالاجتماعات.
دخل بهدوء شديد وكما توقع وجد، أنمار القذر يلوث عرش رفيقه بجسده.
انتفض أنمار يرحب به بود وسعادة وتهليل.
"الملك آزار بنفسه يزورنا، أنرت سبز مولاي."
نظر له آزار ثواني، قبل أن يبعد عيونه عنه يديرها في المكان حوله وكأنه يبحث عن شيء ما قبل أن يعود بعينه صوب أنمار الذي كان يتابعه بفضول.
ثواني ونطق آزار بما جاء لأجله.
"أين هي؟?"
نظر له أنمار بعدم فهم يتحرك في المكان يقترب من آزار وكأنه يمنحه فرصة مناسبة لاستلال سيفه وغرزه داخل أحشائه.
"من هي؟!"
ابتسم له آزار بسمة مخيفة وكأنه جاء يعلن حربًا.
"الأميرة توبة، ألم تخبرني أنها في رحلة للبحث عن علاج لبارق؟؟ خير لم تنتهي رحلتها لليوم؟!"
شحب وجه أنمار لثواني وهو ينظر لآزار الذي اشتعل وجهه يكرر سؤاله بنبرة رن صداها في المكان.
"أيــــن هــــي الاميــــــرة تـــــــوبــــــــة ؟؟؟؟"
"سمو الأميرة ..."
رفعت توبة عيونها ببطء صوب ذلك الصوت الذي اقتحم صمتها المعهود، صوت رجولي غريب بعض الشيء على مسامعها، لكنه وحين نطق لقبها لم يكن بمثل السخرية المعهودة من أهل هذا الجحر.
أبصرت رجل ضخم الجسد حاد الملامح يقف على باب الغرفة التي تسكنها وكأنه يخشى أن يتقدم خطوة أكثر، وقد كانت هذه حقيقة في الواقع فهو يدري مصير كل رجل فكر وتحرك خطوة إضافية بعد باب الغرفة صوب هذه المرأة المُحرمة "كما أصبح الجميع يطلق عليها".
"من أنت؟!"
ابتسم بسمة جانبية يتساءل بنبرة عادية.
"إن كنتِ تسألين عن هويتي المتعارف عليها بين الممالك فأنا قائد رماة جيش سبز السابق والقائد الثالث في الجيش بعد الملك وسمو الأمير نزار، وإن كنتِ تسألين عن هويتي المتعارف عليها هنا فأنا...."
"أحد حيوانات أنمار الأليفة؟!"
خرجت كلمتها الأخيرة بتقزز وكأنها تبصقها في وجهه، لينكمش وجهه بقوة وهو يحاول الابتسام في وجهها، ثم هتف بعد صمت قصير.
"نعم كما خمنتي، أنا أحد رجال أنمار هنا."
هزت توبة رأسها بسخرية وهي تتحرك تطوي سجادتها الخاصة بالصلاة تنفضها برقة، تهمس دون حتى أن تعطيه نظرة واحدة.
"اختار لك الله العز واستبدلته بالذل؟ عقل لا تمتلكه حتى الانعام."
اشتعل وجه الرجل ليكمل دون أن يهتم لجملتها.
"أُدعى الوليد، جئت لأجل التحدث معك في ..."
"لست مهتمة في الحقيقة لمعرفة ما جئت لأجله، فقط ارحل رجاءً فلا حديث لي معك أو مع غيرك في هذا المكان، أنا فقط اتحملكم لحين يأذن الله لي بالرحيل عن مستنقعكم."
تنفس بصوت مرتفع وهو يتمتم بينه وبين نفسه بصوت خفيف لم يصل لها.
"عجبًا كيف تحمل أنمار الحقير العيش مع هذه المرأة بلسانها هذا، لا عجب أن أول شيء فعله بعد التخلص من والدها هو إبعادها عن وجهه، فمن يتحمل سماع حديثها اللاذع هذا يوميًا."
رفعت توبة حاجبها بسخرية وهي تسمع حديثه لنفسه لتتجاهله، بينما هو أفاق يتحدث سريعًا فيما جاء لأجله.
"نزار."
توقفت يد توبة عما تفعل وهي تستدير له ببطء مهتم وقد بدا أن هناك شيء أخيرًا جذب انتباهها، ليكمل سريعًا.
"أنا هنا لأجل نزار .."
"- وهل أخبرك أحدهم أنني والدته؟!"
"_ لا، لكنكِ شخص يهتم لأجله ويمكنه إلقاء نفسه في التهلكة لأجله، فقط أردت التحدث معكِ بخصوصه، نزار خسر كل شيء في حياته ولم يتبقى له أحد، احضرته هنا عسى أن يجد له من حليف، لكن وجودك معه يصعب عليه الأمور ويـ..."
توقف عن الحديث تحت أعين توبة المتعجبة مما يحدث، هل جاء هذا الرجل يمزح أم ماذا؟ ما علاقتها هي بنزار أو بحياته حتى؟!
"_ فقط ابتعدي عنه فهو يلقي نفسه في الهلاك لأجلك وهذا سيضره أكثر وأنمار لن يرحمه طالما كان يقف في صفك ويعانده لأجلك و...."
"تجاهل الوليد كل ما نطقت به وهو يكمل حديثه: "الآن أنمار لا ينتوي خيرًا لنزار لا أدري ما الذي يخطط له، لكنه ليس خيرًا أبدًا هو فقط ينتظر أن ينتهي نزار من صناعة ذلك السم لينفذ ما يطمح له وأنا فقط أريد مساعدته و...."
قاطعته هي وقد التقطت أذنها ما جعلها تفتح عيونها بصدمة كبيرة تترك ما بيدها ليسقط ارضًا.
"سُم؟ هل قلت لتوك سمًا؟ نزار يصنع سمًا؟ لماذا؟ بالطبع ليس لقتل الآفات الزراعية."
رفع لها الوليد حاجبه بسخرية.
"لماذا برأيك؟!"
وقبل أن تفكر في الإجابة عليه اقتحم المكان نزار وهو يردد بعدم فهم وريبة في وجود الوليد هنا وتحدثه بهذا الهدوء معها دون أن تنفجر في وجهه وتطرده خارجًا.
"ما الذي يحدث هنا؟?"
صمت وهدوء يصاحب سواد الليل واستيقاظ الكائنات الليلة والتي كانت الصوت الحي الوحيد في هذا المكان.
وفي منطقة واسعة تتوسط الممالك حيث بعض الأشجار المتداخلة وبحيرة صغيرة كان يستخدمها التجار والجنود في الارتواء أثناء الرحلات الطويلة، توقف حصان بقوة يتبعه آخر وآخر وآخر حتى أصبح العدد أربعة أحصنة.
"_ خمس دقائق إن لم يأتي نرحل دونه."
كان هذا الصوت خارجًا من إيفان الذي حرك عيونه حوله يبحث عن جسد أرسلان الذي اتفق معه أن يلاقيهم في المكان المتفق عليه سابقًا.
ارتفع صوت سالار يتحدث بهدوء.
"لا تقلق لن يتأخر فهو لا يفوت قتالًا دون دس أنفه به."
وقبل أن يضيف أحدهم كلمة واحدة، ابصروا من جهة مشكى بعض الأحصنة تقترب منهم يتقدمهم حصان يعلوه فارس ذو معطف اسود لا حاجة لذكر هويته والتي كانت معروفة للجميع، خلفه ثلاث رجال تعرفوا منهم على المعتصم فقط.
وبمجرد توقف أرسلان ابتسم بسمة واسعة ظهرت واضحة إذ لم يكن يرتدي لثام كالجميع، بل اكتفى بانزال القلنسوة على رأسه.
"مرحبًا اعزائي اشتقتم للعم أرسلان؟?"
رفع إيفان حاجبه بسخرية وهو ينظر خلف أرسلان يهز رأسه مرحبًا بالجميع والذي لم يكتشف منهم سوى المعتصم فقط والذي اقترب منه يرحب به بود.
"ابن الخالة الغائب كيف حالك عزيزي."
ابتسم له المعتصم يهز رأسه بهدوء.
"بخير مولاي شكرًا لك."
قلب إيفان عيونه بضيق وهو يهمس له.
"عزيزي أي مولاي هذه، أنا لست ملكك الآن، أنت ابن خالتي أيها المعتصم، عاملني على هذا الأساس."
ابتسم له المعتصم ليربت إيفان على كتفه بود شديد، مرتاح أنه يتلقى المعاملة الطيبة التي يستحقها ودون تدخل منه، يشق طريقه دون أن يكون له يد في ذلك، المعتصم صنع لنفسه اسمًا بعيدًا عن كونه ابن خالته لملك سفيد.
كان الجهل يسيطر على الباقيين تجاه الشخصين الآخرين مع أرسلان، ليتولى الاخير مهمة تعريفهم على فريقه.
"هذا تيّم أحد جنودي المخلصين، وهذا زيان طبيب القصر وأحد جنودي السابقين قبل اعتزال القتال وتفرغه للمعالجة، ومن حسن حظنا أنه قرر لعب دور القاتل هذا اليوم وينضم لنا، وبالطبع تعرفون المعتصم، والآن لنتحرك فلا أريد أن ينام أنمار قبل أن يشهد ما سيحدث ..."
ضحك سالار ضحكة صغيرة وهو يتأكد من لثامه ينغز حصانه بهدوء كي يتحرك.
"لا تقلق الملك آزار الآن يحرص على بقائه مستيقظًا .."
ابتسم أرسلان وهو يتحرك بحصانه.
"لا تقل أنه يقص عليه قصص ما قبل النوم."
اتسعت بسمة سالار الجانبية بقوة وهو يحدق في الطريق أمامه يردد قبل الانطلاق بسرعة مخيفة مع الجميع.
"شيء من هذا القبيل ...."
"ملك آزار لا تدفعني لاذيتك وأنت بعمر والدي."
وقبل إضافة كلمة ثانية كانت يد آزار ترتفع ضاربة إياه بمعدته بقوة مرعبة وهو يصرخ في وجهه بعدما سقط أنمار ارضًا.
"أذية من أيها الانمار؟! هيا قف كما الرجال في البداية ثم ألقي تهديدات وتبجح."
ختم حديثه ينتزع السيف من الغمد وهو يوجهه على رقبة أنمار الذي كان ساقطًا ارضًا يحدق في السيف بصدمة كبيرة.
"أنت... أنت تتجاوز حدودك بـضغط آزار بسيفه على رقبة أنمار ليتأوه الاخير وهو يسمع صوت آزار يردد."
"أي حدود هذه عزيزي؟؟ لا حدود تقف أمامي وأسأل والدك في قبره فلا بد أنه عاصر أيام شبابي ليخبرك الكثير عن الحدود التي احطمها أسفل أقدامي."
ختم حديثه يضغط بسيفه أكثر على رقبة أنمار يهتف بصوت كله وعيد وكأنه فحيح يتردد داخل أذن أنمار.
"زمن الصبر على قذارتك ... انتهى."
في قصر مشكى.
كانت تجلس على المقعد جوار فراش الصغيرة كما اوصاها المعتصم قبل رحيله، لا تعلم ما الذي حدث، أو إلى أين سيذهب في هذا الوقت، لكن ملامحه وهو يوصيها على فاطمة كانت تشي بالكثير والكثير.
ما يزال صوته يرن في الإرجاء.
"فقط... اعتني بها رجاءً و...."
صمت ثواني بتردد وكأنه يخشى نطق ما يدور في صدره، لكن وبعد ثواني من الصمت واخيرًا تجرأ ونطق ما يفكر به.
"حين تستيقظ هل يمكنك... يمكنك سؤالها عني وإن كانت تتذكرني؟؟ تتــ... تتذكر من هو المعتصم؟؟ فقط اسأليها وحين أعود أخبريني إن كانت تفعل."
انتبهت سلمى على تحرك يد فاطمة وهي تفكر في سبب حديث المعتصم، هل يعقل أن مرحلة النسيان الذي كان عقلها يفرضه عليها لأجل تخطي ماضي أليم امتدت لتشمل شخص يمثل الكثير لها كالمعتصم؟
تأوهت فاطمة بصوت منخفض وهي تحاول فتح عيونها وقد شعرت بوجع غريب يتمكن من مقدمة رأسها بأكملها، كما أن هناك ضعف أصاب أطرافها لدرجة أنها لم تستطع تحريكها بشكل طبيعي.
حاولت فتح عيونها وهي تردد اسماء أسرتها بصوت موجوع، لتغيم عيون فاطمة بوجع لأجلها، تربت على رأسها بهدوء وحين أبصرت الوجع الواضح على ملامح فاطمة، أخذت تفرك باصابعها في دوائر صغير على جبينها، تحركها حركات مدروسة جعلت ملامح فاطمة المنقبضة ترتخي بهدوء وترتسم الراحة واضحة على وجهها، وما هي إلا ثواني حتى فتحت عيونها.
"حمدًا لله على سلامتك فاطمة."
حركت فاطمة عيونها ببطء في المكان تحاول تبين أين هي، وفي النهاية ثبتت عيونها على سلمى المبتسمة، تردد بصوت خافت.
"أين... أين أنا؟?"
"في المشفى، أنت بخير؟?"
"مشفى؟ لماذا؟?"
ربتت سلمى على خصلاتها الشقراء بحنان شديد ورغم أن الفرق بينهما لم يكن كبيرًا، إلا أنها تشعر بالمسؤولية تجاه فاطمة، تلك الفتاة التي تجبر الجميع على التعامل بحرص معها وتنفيذ كل ما تطلب دون حتى أن تفعل.
"ربما هي عين حسودة أبصرتك بذلك الفستان الجميل الذي ارتديتيه سابقًا."
ضيقت فاطمة ما بين حاجبيها وهي تفكر في شيء، لتشعر سلمى أنها حتى لا تتذكر ما تتحدث هي عنه وقبل التحدث بكلمة لتذكرها عن الفستان وعنها لربما نست من هي كذلك.
بادرت فاطمة في الحديث سريعًا.
"لم يبصرني أحدهم بالفستان هذا سوى المعتصم، هل كان هو ذلك الحسود؟!"
اتسعت عيون سلمى بقوة، ثم انفجرت بالضحك دون أن تتمكن من تمالك نفسها، وفاطمة تحدق بها بترقب وكأنها تنتظر أن تجيب سؤالها والذي تفكر به بجدية، هل حسدها المعتصم بالفعل؟
بينما سلمى تفكر في ذلك المسكين الذي كان يرتجف من فكرة أن تنساه لتستيقظ الأخرى وهي تفكر أنه السبب في مكوثها في المشفى.
"لا لا تقلقي ليس المعتصم و...."
صمتت ثواني ثم نظرت لها بجدية تميل عليها تتحدث ببسمة صغيرة.
"أنتِ تتذكرين المعتصم صحيح؟!"
ونظرات فاطمة لها اشعرتها أن هناك قرون نبتت لها، إذ أنها نظرت لها نظرة العاقل للمجنون، وكأن ما قالته أبعد لها من نجوم السماء.
تنسى المعتصم؟ الثابت الوحيد في حياة فاطمة الغريبة، والرجل الوحيد الذي تأمن له بعد والدها وأحمد، كيف يمكن أن تنساه؟
"أتذكر المعتصم؟ ومتى نسيت المعتصم لاتذكره؟?"
ليأتي المعتصم ويسمع تلك الكلمات، تقسم أنه قد يتلاشى من الخجل والصدمة، فهذه الفتاة لا تنفك تردد عليه عبارات تجعله قليلًا للذوبان في أية لحظة.
ابتسمت لها سلمى وهي تحرك رأسها بهدوء وكأنها تخبرها أن تنسى ما قالت، ثم مالت تطمئن أنها بخير وقررت أن تستغل هدوء فاطمة وهذه الليلة والتي تبدو لها طويلة وهي تبتسم لها بحنان.
"إذن فاطمة أنتِ لم تخبريني الكثير عن عائلتك، ما رأيك أن تقصي لي حكايتك، أنا متشوقة لمعرفة المزيد عنكِ وعنهم."
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وكأنها أحبت الأمر، أحبت فكرة أن تتحدث عن عائلتها وتصف لأحدهم كم هم افضل الأشخاص الذين قد تصادفهم في حياتك.
وهكذا شرعت فاطمة في اخبار سلمى كل ما تتذكره في عقلها وكل ما تحفظه ذاكرتها عن أسرتها.
ذكريات تمثلت لفاطمة كما لو أنها واقع، ذكريات قديمة تراها مشاهد حديثة بخدعة من عقلها، وكل ذلك تدونه سلمى في عقلها وهي تحلله ببطء، تبحث عن مدخلًا لتساعد فاطمة في تقبل واقعها.
توقف الجميع على مشارف سبز يراقب إيفان المكان أمامه بحسرة، سبز والتي كانت مفخرًا لشعبها لشدة جمالها، في طريقها للذبول.
"حسرتي على سبز ومن بها ...."
غامت عيون أرسلان وهو يراقب المملكة أمامه بأعين مقهورة يخشى أن تصل سبز لمشكى، أن يتشابه حاضرها مع ماضيهم، وأن تتشابه ملامح الشعوب في البؤس والحسرة.
"لا بأس يا أخي إنما هو الله يمهلهم، فسادهم أيامه معدودة ...."
ثواني وسمع الجميع صوت حصان يقترب منهم، كان الظلام يكاد يخفي جسد الفارس لولا اقترابه من حدودهم حيث يحمل البعض منهم مشاعل لتتضح ملامحه للجميع وتتسع بسمته وهو يهتف بصوت هادئ.
"السلام عليكم آمل أنني لم أتأخر.."
هز له أرسلان رأسه ليتعجب ايفان ما يحدث ينظر صوب أرسلان بتفكير ليبتسم لهم الاخير معرفّا القادم.
"أصلان، قائد جيوش سبز ومساعد الملك بارق."
حرك أصلان رأسه بهدوء شديد واحترام أشد مبتسمًا لهم، ليرحب به إيفان وقد تذكر الآن أنه يعلمه لكن لم يسبق له وأن احتك به كثيرًا، عكس أرسلان الذي كان يحتك بالجميع في طريقه منهم من يصادقه ومنهم من يعاديه ويجعل حياته جحيمًا.
تحرك الجميع في طريقهم صوب سبز خلف أصلان الذي مهد لهم طريق الدخول مع بعض جنوده ليساعد الجميع في إنهاء عصر ذلك الطاغية الذي أخذ العرش بالقوة ودون أن يفكر ثانية حتى في توابع ما يفعل.
وصل الجميع لبوابة القصر ليبهبط أصلان عن حصانه يتحرك صوب البوابة الخلفية وهو يطرق عليها طرقة صغيرة، صمت بعدها لثواني قبل أن يُفتح الباب سريعًا ويبصرون رجلًا يطل برأسه عليهم متحدثًا بصوت خافت.
"أمنت الطريق لكم صوب الداخل، ليحفظكم الله يا رجال."
ابتسم سالار باندهاش وهو ينظر لأرسلان الذي هز رأسه يقول بهدوء.
"أصلان له أيادي خفية في كل مكان بالقصر."
ضحك سالار ضحكة صغيرة.
"حسنًا هذا محبط بعض الشيء، لقد منيت نفسي بغنيمة كبيرة من الحثالة بالداخل."
"وتصفني بالدموي، بالله أنت تفوقني."
اتسعت له بسمة سالار وهو يتحرك بهدوء شديد للداخل وقد كان أولهم.
"هذا ليس مفاجئًا فأنا بالفعل افوقك في كل شيء أرسلان، لكنك لا تتقبل الواقع."
ارتفع حاجب أرسلان لترتفع ضحكات إيفان عليه وهو يتحرك مع الجميع خلف أصلان وسالار الذي تقدمهم وكأنه يحفظ كل شبر بهذه القلعة.
التوت ملامح أرسلان بحنق يسير خلقهم بضيق.
"كل مرة أذهب معكم في مكان ما يكون الندم صديقي في هذه الرحلة فقط ليعينني الله على مصاحبتكم."
نظر له الاثنان بتشنج ليهمس سالار وهو يعدل من وضعية سيوفه.
"والله لا أحد هنا احمل همًا بشأن مصاحبته في أي رحلة بقدرك أرسلان."
ولم يكد أرسلان يتحدث بكلمة حتى توقفوا فجأة حين وقف أصلان يشير صوب مبنى يقبع في أحد أركان الساحة الخاصة بالقلعة يهتف بصوت ونبرة متقدة بالغضب.
"هذا سكن رجاله هنا، لا بد أن بعضهم نائمين والبعض الآخر يحرس المكان..."
نظر سالار للمبنى، ثم حرك عيونه حوله يدرس الأوضاع سريعًا فقد اقتضت خطتهم أن يأتوا للمكان ويتخلصوا من أكبر عدد من رجاله ويفرغوا مخازن أسلحة سبز ويسلموها لجيش أصلان، استعدادًا لسلب سبز منهم وتسليمها لأصلان لحين عودة بارق.
وتلك هي الخطوة الأولى في رحلتهم.
اتسعت بسمة الجميع ليهتق إيفان بصوت قاسٍ.
"إذن أمستعدون أنتم؟!"
سحب أرسلان نفسًا عميقًا يجذب القلنسوة الخاصة به على وجهه أكثر، ثم سحب سيفه وهو يشير للمعتصم ورجاله.
"نحن ستتولى أمر الرجال الذين يدورون داخل القصر للحراسة وانتم تولوا من بداخل السكن."
أخرج دانيار ثلاث سهام يضعهم في القوس الخاص به يستعد وهو يغمز لتميم الذي بدأ يحرك السلسلة الحديد الخاصة به.
"ما رأيك بمنافسة سريعة دانيار؟!"
"يمكنك البدء في العد من الآن يا عزيزي ...."
ومن بعد تلك الكلمات أشار لهم سالار أن يتبعونه وهو يخرج السيفين وكذلك إيفان اخرج سيفه يتحرك خلفه صوب المسكن الخاص بالجنود وقد أشار سالار لأصلان.
"اغلق الباب خلفك يا عزيزي كي لا تخرج الاصوات للخارج وترعب الصغار ...."
"ما نوع العمل الذي يحتاجك به أنمار سمو الأمير؟!"
تحركت أعين نزار لها بتعجب، ثم نظر للوليد بشك شديد.
"ما الذي أخبرتها إياه؟?"
تحركت له توبة وهي تصرخ بجنون من بروده الظاهري.
"هذا كل ما تهتم به؟ ما أخبرني إياه!؟ وليس ما تفعله؟! مما خُلقت أنت يا رجل؟ ألا تمتلك ذرة إنسانية ورجولة واحدة؟؟ أخطأت ومنحك الله فرصة ثانية للتوبة فاخترت الضلال وساء سبيلك .."
أبعد نزار عيونه عنها وكأنه يتعمد تجاهلها، لكنه في الحقيقة لم يكن يمتلك لها ردًا في هذه اللحظة خاصة وهو لم يتوقع مواجهة سريعة كهذه، وايضًا بوجود الوليد الأمر كان اصعب.
ابتسمت توبة بسمة لا معنى لها، بسمة واسعة جعلته يرتاب من نظراتها قبل أن تتحرك صوبه تصرخ بصوت مرتفع وبحنون تام تشير صوب الخارج وهي تصيح في وجهه.
"تحرك من هنا، أخرج من هنا ولا تطأن قدمك هذا المكان إلا بعدما تتطهر من اثامك أيها الـ"
توقفت عن الحديث وهي تحاول إيجاد صفة له توفيه حقه وحينما فشلت أشارت للخارج تصرخ.
"فقط أخرج... أخرج من هنا نزار ولا تدعني أبصر وجهك، أخرج من هنا."
ختمت حديثها بصرخة جعلته يغمض عيونه بقوة وهو يتمالك غضبه، كان آتيًا يخبرها خطته للهرب من المكان قبل تسليمه ذلك السم لهم، لكن ذلك الوليد الحقير أفشل كل مخططاته بوجوده والحديث الذي ذكره لها ليجن جنونها بهذا الشكل.
استدار صوب الوليد الذي كان يراقب ما يحدث بملامح ثابته، يمسك مرفقه، ثم سحبه يخرج به من المكان وملامح الغضب تنتشر على وجهه وصوت توبة الصارخ يرن في أعقابه.
"الشيء الوحيد الصحيح الذي ذكرته نزار كان تخليك عن فكرة اتخاذي توبة لك، اشكرك لأجل هذا، ما كان لي أن أكون توبة لعاصي، وخاصة لو كان ذلك العاصي معينًا للشيطان."
تحرك نزار بعيدًا مع الوليد وهو يفكر فيما سيفعل، اكتفى من كل ما يحدث هنا، واكتفى من كل ما يسمع، انتهى الأمر، يومين ويخرج من هذا المكان بها، سواء كان بإرادة منها أو بدون.
"أخبرتك أنني أضعه لها في الفطور كل يوم وما تريدينه أنفذه دون مناقشتك، لذا توقفي عن ازعاجي كل ثانية بإرسالك لمقابلتي سراي."
ابتسمت لها سراي وهي تقترب من الحديد تردد بهدوء.
"عزيزتي صدقيني أنا لست مشتاقة لمقابلتك كل يوم، لكنني فقط أحب الإطمئنان بنفسي، حينما تنتهين مما يحدث اختفي عن الأنظار واحرصي ألا يُذكر اسمي في الأمر."
"أتعجب مقدرة الشياطين على الحب، تتبجحين أنكِ تفعلين كل هذا لأجل حبك الميؤوس منه للملك، وأنا أتعجب أن امرأة مثلك تستطيع الحب من الأساس."
اشتعل
رواية اسد مشكي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رحمه نبيل
الهدوء الذي يسود هذا الليل كان عاملًا إضافيًا يضفي المزيد من الغموض والرعب على الأحداث التي نشأت بساحة قلعة سبز، تلك المملكة التي لم تعلم للصراعات من طريق طوال فترة وجودها، الآن أضحت تمثل ساحة حرب للعديد من المعارك.
وتلك المعركة لم تكن استثناءً.
في منتصف الساحة وحيث كان من المفترض أن تكون مكيدة لأنمار ورجاله، انقلبت اللعبة على مصممها وابتلعتهم المصيدة التي عكفوا على بنائها أيامًا، وذلك لم يكن تقصيرًا منهم، بل مجرد اجتهاد إضافي من الشيطان والذي تسلل وبنجاح لنفوس البعض وزين لهم العصيان والغدر.
"الصبر ليس من شيمي."
اتسعت بسمة أرسلان بما لا يلائم الموقف البتة، لكن هل يمنحه لذة الاستمتاع بصدمته التي هزته من الداخل؟ والله يموت ويُقطع أربًا ولا يمنحه لذة إبصار صدمته؛ إن كان رفض أن يظهر خضوعًا أمام بافل وهو يُطعن، هل يفعل الآن؟
التوى ثغره بضجر وكأنه توقع ما حدث وكان ينتظر حدوثه، يجيب أصلان بهدوء:
"ولا الرجولة صدقني."
وهنا كانت الصدمة من نصيب أصلان الذي تراجع خطوة للخلف وكأنه أراد بذلك تفادي كلمات أرسلان التي اصطدمت في وجهه، بينما الأخير فقط تنهد بصوت مرتفع:
"والآن ماذا ستظل تنظر لنا بهذا الشكل وكأننا جئنا من عالمٍ آخر؟ فقط تحرك وانتهي مما تريد فعله لأنتهي أنا كذلك مما أريد، فقد تأخرت عن العودة للمنزل."
اقترب منه أصلان وهو يقف مقابله، ينظر له نظرات ساخرة:
"لا بأس، سننتهي سريعًا وستصبح سجون سبز منزلًا لك ولرفاقك."
"لا أريد أن أكون بنفس السجن مع إيفان وسالار، فضلًا، لا تساويني بهما، أريد سجنًا مميزًا عنهما."
ختم حديثه يبتسم بسمة واسعة جعلت شياطين أصلان تجن جنونها، وهو يتنفس بصوت مرتفع:
"كلما سارعت في تقبل حقيقة سقوطكم أجمعين كلما كان هذا أفضل لك ولمن معك مولاي."
نظر أرسلان لمن حوله يردد بجدية وإعجاب شديد، متجاهلًا ملامح الصدمة التي تعلو جميع الوجوه في المكان:
"على الأقل هو أكثر احترامًا من ذلك الوغد أنمار، يناديني بمولاي، لذا سامحته على خيانتي."
نظر لأصلان ثواني طويلة دون كلمة، وفي ثواني كان ينقض عليه يكيل له لكمات غير معدودة، جعلت أصلان يقاومه بسرعة وهو يحاول صد تلك الضربات والهجمات التي لم يتوقعها، وبصعوبة شديدة سحبه جنود أصلان بعيدًا عن قائدهم، ليتنفس أرسلان وهو يرسم بسمة واسعة مستمتعة على وجهه يراقب العلامات التي تركها على وجهه.
"هيا أصلان، أنت لا تعتقد أنني سأسمح لك بالافلات من فعلتك هذه صحيح؟!"
مسح أصلان الدماء عن وجهه، وقد تراقصت الشياطين أمام وجهه في هذه اللحظة وزين له الشيطان قتل أرسلان وطحنه أسفل أقدامه، ومن ثم إحراق جثته وتحقيق ما فشل به رجال بافل سابقًا.
"لو كنت محلك - معاذ الله - لفعلت ما تفكر به في هذه اللحظة، لأن تركي حيًا بعد هذا لن يضمن لك البقاء حيًا لوقت نمو شعيرات لحيتك القادم عزيزي أصلان."
كانت تلك كلمات أرسلان الذي قرأ وبكل بساطة ما يدور داخل عقل أصلان في هذه اللحظة، ثم أكمل بكل هدوء وهو يفتح ذراعيه يلوح بسيفه في الهواء:
"لنتحدث بجدية عزيزي، أتظن أن خيانتك لي ستكون أقسى من خيانة جميع رجالي وقادتي سابقًا؟"
نفخ باستهزاء وسخرية، ثم حرك كفه في الهواء دون اهتمام:
"لعنة الله عليكم أجمعين، أنا لا أهتم."
وفي اللحظة التي انتهى من حديثه، نظر خلفه صوب رجاله الثلاثة، بنظرة فهمها الجميع قبل أن يبتسم وهو يعود بنظراته صوب أصلان:
"وإن ظننت أننا سنتحرك معك صوب سجون سبز بلا مقاومة من طرفنا، فخسئت، لم يولد بعد من يكسر شوكتي ويحطم هامتي ويجبرني على الاستسلام."
اشتدت نظرات عيونه سوادًا:
"وإن كنت أنت قائد جيوش سبز، فأنا ملك مشكى الذي يستطيع تحطيم سبز وإحالتها لرماد فوق رؤوسك أنت ومن معك لولا الصالحين بها."
وبمجرد نطق تلك الكلمات، لم يدرك أصلان ما يحدث سوى أنه أبصر ذراع أحد رجاله يطير في الهواء مرتطمًا بالأرض، تبعه صوت أرسلان الذي ألغى كل سخرية وكل استهانة كانت تصبغ حديثه، يردد بنبرة سوداوية وقد أعاد له ما يحدث ذكرى قديمة سوداء دفنها داخل عقله:
"حاول قبلك الكثيرون والآن مسكنهم القبور."
***
توقفت أقدام سالار فجأة عن التحرك حين شعر بحركة غريبة جواره بعدما انتهوا تقريبًا من نصف رجال أنمار، وكانوا في طريقهم ليجيروا على المتبقي منهم، ومن استسلم أعطوه الأمان، لكن تلك الأصوات حوله أثارت ريبته، توقف فجأة يشير للجميع بالهدوء.
توقفت الأقدام بحركة من سالار والذي كان يقود الهجوم على مبنى الجنود، وبسبب حركته تلك تحفزت جميع الأجساد حوله، إذ أخرج دانيار العديد من السهام واشتدت قبضة إيفان على سيفه، وضاقت عيون تميم وهو يتحسس حقيبة ظهره يتأكد من جاهزية القنابل التي يحملها.
وفي ثوانٍ كان العديد من الرجال يحيطون بهم داخل المسكن، لتتسع أعينهم ويرسم سالار تعبيرًا ساخطًا على وجهه، يحرك سيفيه في الهواء يهمس:
"أوه، يبدو أن القبطان أحسن قيادة السفينة وحشرنا في الزاوية يا رجال."
نظر له إيفان ثواني نظرات غامضة، وما كاد تميم أو دانيار يتسائلان عن هذه النظرات حتى وجدا الحرب نشبت في ثوانٍ بينهما وبين رجال أنمار.
حرك سالار سيفيه في الهواء وهو يتحرك بهدوء بين الأجساد، وكأنه ينفذ من أجسادهم، لا يمر من أحدهم إلا وسقط جسده أرضًا هامدًا بعد ضربة من أحد سيوفه، وعيونه ما تزال تتحرك في الأرجاء وكأنه يبحث عن مخرج لهم.
وكل فكره يدور في نقطة واحدة، لقد سقطوا في مكيدة أُحيكت بذكاء يتعجبه في مثل هؤلاء الخنازير.
***
داخل قاعة سبز...
كان جسده مسطحًا أرضًا يتأوه بصوت مكتوم وهو ينظر بشر صوب آزار الذي كان يراقبه من عليائه ببسمة سرعان ما تلاشت وحل محلها وجه أسود من الغضب، يحرك سيفه في الهواء:
"لم أكن يومًا بذلك الرجل الحليم، بل لطالما تأفف الجميع من قلة صبري، لذا لا تعتمد على كرمي الذي سمح لك بالعيش حتى هذه اللحظة وتحدث وأخبرني مكان الأميرة توبة."
امسك أنمار خصره، يوجعه شديد، يتمالك تأوهاته، وقد سمع أصوات مرتفعة تصدر من الخارج، إذن نجح أصلان في تنفيذ ما اتفق معه عليه، والآن اللعبة أضحت تُلعب بوضوح على مرأى ومسمع من الجميع.
نظر أنمار في أعين آزار ثواني قبل أن يهتف بنبرة هادئة:
"صدقني ملك آزار أنا..."
ولم يكد يكمل كلماته حتى كان سيف آزار يثقب رقبته ويقسمها نصفين، وهو يهمس له بصوت كالفحيح:
"الحقيقة عزيزي، فقط أخبرني الحقيقة ولنتجاوز جزء المبررات السخيفة التي تجهز لها منذ أيام."
قست عيون أنمار لثوانٍ قبل أن تهدأ فجأة وهو يبتسم بسمة واسعة لا معنى لها:
"حسنًا، بما أن اللعب أصبح مكشوفًا فحسنًا، لا مبررات لك عندي ولا حاجة لك كذلك، وإن كنت تتساءل عن زوجتي العزيزة أو..."
وفى بضيق يمسح وجهه:
"يا ويلي، دائمًا ما أنسى أنني طلقتها بالفعل، فيما يخص طليقتي العزيزة فلا تقلق عليها، لا بد أنها الآن تحظى برعاية جيدة واهتمام مكثف بين أحضان ولدك العزيز نزار."
اتسعت أعين آزار شيئًا فشيئًا حتى شعر أن المكان يدور حوله، وصوت أنمار ما يزال يصدح وهو يردد بتشفٍ في نظراته المصدومة تلك:
"صدق أو لا تصدق، يبدو أن ولدك لم يستطع مقاومة سحر ابنة بارق والآن يقضي لياليه بين أحضانها، لقد هربت معه، أعتقد أن الأمر كان باتفاق مسبق بينهما."
كان يتحدث وهو يدور حول آزار الذي شعر أن العالم هو من يدور حوله وليس فقط أنمار، الأمر كان كما لو أن مطرقة هبطت فوق رأسه بقوة حطمتها لفتات.
وأنمار يمتع عيونه بما يشاهد، اقترب من آزار يقف أمامه مرددًا:
"لا تدعي الشرف وأنت كنت تأوي أكثر الرجال قذارة أسفل سقف قصرك جلالة الملك، ولن أستبعد أن تكون أنت كذلك بمثل قذارة ولدك، فلا يعقل أن كل تلك القذارة كانت اجتهادًا شخصيًا منه و..."
وقبل إكمال جملته، كانت يد آزار تصطدم في وجه أنمار بقوة حتى أنه شعر بعظامه تتحطم أسفل قبضته، يهمس له بشر:
"لا تحسبن الجميع كوالدك أيها الوسخ."
ختم حديثه يراقب أنمار ينازع وجعه أرضًا وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي، لكن الألم كان يمنعه من الأمر، بينما آزار لم يهتم به، يسمع أصوات صرخات في الخارج ليدرك اشتعال الموقف، تحرك صوب الخارج بسرعة وقد كانت أقدامه تكاد تحطم الأرضية أسفله، يشعر بالغضب يكاد يشعل المكان حوله، وبمجرد أن خطى خارج المبنى أبصر المعركة التي تدور بين الجميع، ليستل سيفه سريعًا يتحرك صوبهم بشر كبير وقد علت أنفاسه الغاضبة.
***
كان الرجل يتنفس بصعوبة وهو يشعر بعظامه تكاد تترك أثرها على الجدار خلفه لشدة التصاقه بها، عيون المرأة أمامه مشتعلة بشكل مخيف وهي تحدق بأعماق عيونه وكأنها تحاول النفاذ لروحه.
"ترفع سلاحًا على امرأة، وابنتك أيضًا؟ أيها الـ..."
صمتت بعدما بصقت كلماتها في وجهه، تأبى أن تلوث لسانها بسباب لأجله، نظرت صوب الفتاة والتي لم يكن يبدو عليها الخوف البتة وكأنها اعتادت أن يلوح ذلك الرجل العجيب بالسكين في وجهها.
انتزعت منه سلمى السكين وهي تتركه بعنف، ثم حركت السكين أمام عيونه تهتف بغضب:
"أعزك الله بعقل لتفكر ولسان لتتناقش، وأنت مصر على البطش كالأبل."
ختمت حديثها تلقى السكين في حاوية القمامة التي كانت تجاور الفراش، ثم نظرت للرجل بتهديد:
"المرة المقبلة التي ترفع بها سلاحك على امرأة، سأخبر الحراس عنك."
استدارت صوب دلارا وهي تنظر لها نظرة شاملة تحاول الاطمئنان أنها بخير، لكن نظراتها لم تكن تكفيها، إذ نطقت بهدوء وهي تقترب منها:
"أنتِ بخير صحيح؟"
أبعدت دلارا عيونها عن والدها بصعوبة، ثم حدقت في وجه تلك الفتاة تهز رأسها دون اهتمام، ومن ثم تحركت صوب شقيقها تطمئن أنه بخير بعد ما عاشه في هذه اللحظة وقد كاد الشاب ينهار من الرعب وهو يناظر والده يهدد شقيقته بالقتل على مرأى ومسمع منه دون أن يتمكن حتى من تحريك إصبع للمساعدة ونجدتها.
هزت سلمى رأسها بهدوء، ثم ابتسمت بسمة صغيرة لا محل لها في مثل هذه الجلسة المريبة:
"إذن بما أن كل شيء بخير فأستأذنكم الرحيل، واعذروا تدخلي الخشن."
ولم تكد تتحرك حتى تقدمت وحملت السكين من الحاوية وكأنها قلقة أن يعود الشيطان ويتراقص بين الجميع مجددًا.
تنظر صوب المريض بشفقة وهدوء:
"أتمنى لك الشفاء العاجل، السلام عليكم."
وهكذا خرجت كالنسيم عكس دخولها العاصف، تاركة الغرفة ما يزال دخان الشجار يفوح من أركانها وكأن الجمر اختبأ أسفل الرماد ينتظر نسمة هواء أخرى تشعله.
***
فرغت من الصلاة وهي ترفع كفيها في الهواء تدعو الله يخرجها من هذه المحنة، اكتفت وشعرت بأنها لم تعد قادرة على المواصلة في هذه الحياة، ذُلت ودُنست ونالها ما لم تتوقع أن يطولها تحت سقف قصرها، كانت تظن – بكل غباء – أنها في مأمن من غدر الحياة وتقلبات الأقدار.
سقطت دموعها بقوة وهي تهبط بجبينها أرضًا وهي تكثف دعائها لولدها الصغير، وصدى صوته الحنون يتردد في أذنها، لمسات كفه الصغيرة وهو يقفز حولها سعيدًا بهدوء حولها يريها ما أحضر له جده. فالآن لا هو هنا ولا جده، سقطت دموعها أكثر وأكثر وهي تهتف من بين شهقاتها:
"إنا لله وإنا إليه راجعون."
تنهدت بصوت مرتفع تحاول أن تتماسك وهي ترفع رأسها عن الأرض أسفلها، وبمجرد أن فعلت سمعت صوت الباب يُفتح ببطء شديد وصوت خطوات أقدام تقترب منها، لم تحد بعيونها عن موضع سجودها تنتظر أن تتبين هوية الداخل، وأخيرًا شعرت بالجسد يستقر على بُعد صغير منها، وران صمت طويل بينهما وكأن القادم لم ينتوي الحديث، بل جاء فقط يراقبها ويتمتع بالنظر لها.
وفي الحقيقة كان الداخل في حيرة لكيفية التحدث بعد آخر نقاش حاد بينهما، وكأنه يبحث عن مدخل له معها، صوت أنفاسه يوشي بتردده وحيرته الكبيرة، فتح فمه مرات ومرات وفشل في الحديث، حتى استكان وخضع للصمت الذي أحاط بهما.
أغمض عيونه ولم يعتقد أنه قد يوضع بمثل هذا الموقف يومًا، لم يتخيل في حياته أن يجلس أمام امرأة يبحث عن كلماته، فآخر عهده بالحديث مع النساء، كانت كلماته المحببة لزوجته التي هجرته وفرت بنفسها من أسره.
ابتسم بسخرية، ربما كانت زهور أكثر النساء حظًا، إذ كتب لها الله خلاصًا منه.
ابتلع ريقه وهو ينظر لأصابعه بشرود، نفس الأصابع التي صنعت لتوها ما يرنو إليه أنمار، رفع عيونه ببطء يتنفس بعمق ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سقطت عيونه على عيونها التي أمسكت به لتتسع خاصته شيئًا فشيئًا، وأعلن الصمت نفسه سيد الموقف مجددًا.
وهكذا استمر الصمت لدقائق طويلة لم يقطعها سوى صوت توبة التي همست حينما ملت صمته الخانق ومشاركته أنفاسها في المكان:
"لا أعتقد أنك تركت مهمتك في التحضير لإبادة جديدة لأجل المجيء ومراقبتي هكذا سمو الأمير."
ونعم كانت آخر كلماتها ساخرة قاتلة له، رمش لحظات، قبل أن يفتح فمه وينطق بما جاء لأجله في هذه اللحظة:
"لقد... سوف نرحل من هنا."
رفعت حاجبها، ليهز رأسه بسرعة:
"يجب أن أخرجك من هنا، لن أطمئن لترككِ في هذه الحجرة بعد اليوم، لا أضمن مغادرتي وعودتي لأجدهم قد تسببوا لكِ بأذى آخر، الله وحده يعلم ما كان سيصيبك إن تأخرت نازين في مساعدتك."
همست بعدم فهم وهي تردد ذلك الاسم الغريب على مسامعها تحاول تذكر صاحبته:
"نازين؟"
"المرأة التي ساعدتك."
ضربها الإدراك، تبعد عيونها عنه بنفور، وقد اعترفت لنفسها وفي لحظات صراحة، أن تلك الفتاة أنقذت حياتها، فهي كانت تدرك أنه وإن حدث ما أراده هؤلاء القوم بها وأخذ الرجل منها وطأه، لكانت انتهت حياتها في اللحظة ذاتها.
"إذن ستأتين معي؟!"
ضيقت توبة ما بين حاجبيها وهي تنظر له مجددًا:
"إلى أين؟"
"سوف أساعدك للخروج من هنا، ونازين سوف تخرجك للطريق حيث يمكنك العودة للمملكة."
اتسعت أعين توبة وقد شعرت بضربات قلبها تزداد بقوة وهي تتنفس بصوت مرتفع:
"أنت... تتحدث بجدية؟ ثم كيف تأمن لتلك الفتاة، لربما ساعدتنا لأجل غرض خاص بها و..."
توقفت تفكر في حديثها قبل أن تهتف بجدية:
"وأنت؟ كيف أثق بك من الأساس؟"
أوجعته الكلمة وبقوة وشعر بها تصيب منتصف قلبه، يبصر النفور والشك يعلو نظراتها، يهمس لها بكل الصدق المختزن داخل صدره:
"لن أخذلك أقسم لكِ."
"وكيف أتأكد وقد خذلت أمة كاملة؟ كيف أثق بك وقد كسرت ثقة والدك وشعبك ومن قبلهم عصيت خالقك، لا أمان لك نزار."
اشتعل وجه نزار وهو ينظر لها وقد ضغط على شفتيه بقوة وكأنه يكتم عنها انفجارًا سيزيحها بالكامل، أغمض عيونه يبعد وجهه عنها كي لا تبصر ما يعلو وجهه في هذه اللحظة، وصوت أنفاسه بدأ يزداد لتبتسم هي بسخرية، ومن ثم عادت تنظر أمامها تردد بمرارة أبت ألا تصاحب أحرفها:
"بالإضافة لنتخيل فقط أنني وثقت بك للحظة وخرجت من هنا وتحررت، إلى أين الرحيل؟"
نظرت له بأعين دامعة وجسد مرتجف:
"أبي الذي لا أدرك مصيره؟ ولدي الذي ضاع ضحية لأب حقير، أم بلاد يحكمها ذلك الحقير وأكون تحت رحمته مجددًا؟"
رمش ثوانٍ ثم قال بهدوء وكأنه كان يعلم ما ستقوله:
"إلى سفيد أو مشكى أو حتى آبى."
"وأترك بلادي له يعيث فيها فسادًا كما يحلو له؟"
هز رأسه بسرعة وكأنه يحاول أن يقنعها بشيء وقد شعر بصبره على وشك النفاذ، الوقت يداهمه لذا وجب عليه التحرك سريعًا قبل عودة أنمار في زيارته اللاحقة.
"ماذا تريدين أنتِ؟ تقضين المتبقي من عمرك في هذا المكان القذر؟ ألا... ألا تريدين الرحيل؟ ما بكِ؟"
"- فقط لا أثق بك نزار."
اشتد غضب نزار منها وهو يتنفس بصوت مرتفع ينتفض عن مكانه متحركًا للخارج ورأسه يدور في نقطة واحدة، سيخرجها من هنا في الوقت الذي حدده ولو تسبب هذا في قتله على أيديهم.
انتفض جسد توبة بقوة بسبب غلقه للباب بقوة شديدة، لكن وبمجرد أن أغلق الباب ابتسمت بسمة لا معنى لها من الأساس، لكنها كانت تدرك في هذه اللحظة ورغم أنها رفضت الأمر إلا أنه إن يتوقف عن مساعدتها وربما هذا ما يبث بعض الطمأنينة بصدرها.
***
هجم أرسلان على أصلان بقوة وقد كاد سيفه يشق الأخير نصفين، لكن أصلان لم يكن بالهاوي، ولم ينل تلك المكانة داخل سبز من فراغ.
ابتسم وهو ينظر لوجه أرسلان يهمس له:
"كبرياؤك سيكون يومًا سبب دمارك مولاي."
"- هذا ما يعتقده عديمي الكبرياء والشرف أمثالك، فكلٌ يخشى ما لا يعلمه أصلان."
ختم كلماته في اللحظة التي أبصر لها جسد قوي يتحرك صوبه بسرعة كبيرة يرفع سيوفه في الهواء، ولم يكن ذلك الجسد سوى سالار الذي يبدو أنه انتهى من قتاله في الداخل وجاء هنا ليكمل، فمن غير سالار يحارب بسيفين؟
انتفضت الأجساد بقوة حين انقض عليهم سالار يؤازر رفيقه لتكون الغلبة في هذه اللحظة لصالح أرسلان وسالار ورجالهما.
ثوانٍ حتى أبصر الجميع إيفان يتحرك خارج مسكن الجنود يتبعه دانيار وتميم، ومن ثم توقف الثلاثة يشيرون بإشارة صغيرة صوب سالار الذي أدرك ما يقصدونه، يرفع سيفه منتهيًا من الرجل الذي كان يقاتله، ثم أشار لأرسلان ومن معه.
ليرفع أرسلان سيفه يسقط أصلان أرضًا بضربة قوية لم ينهض بعدها، ومن ثم تحرك منسحبًا مع الجميع دون مقدمات خارج القصر ونحو الأحصنة الخاصة بهم، لكن وقبل تحركهم دوى صوت انفجار قوي في أحد المباني والذي تبين أنه مخزن أسلحة رجال أنمار بعدما زرع تميم قنابله هناك.
ولا أحد يدري علام جاءوا ولمَ رحلوا بكل بساطة، لكن هم فقط من كانوا يدركون السر وراء قدومهم اليوم.
توقف أرسلان ثوانٍ يلقي بنظراته صوب القلعة قبل أن يردد بجدية:
"لنا عودة سبز، وحينها ندخلك منتصرين، لن أسمح أن يعيد الزمان نفسه، ليس وهناك أنفاس في صدري."
***
بعد ساعات ومع فجر يوم جديد.
تقف أمام المشفى تتنفس واخيرًا، اطمئنت أن موزي بخير وكذلك فاطمة التي لم تتوقف عن الحديث عن أسرتها حتى غلبها النوم كالأطفال، ومن كلماتها أدركت أن عقل فاطمة توقف عند نقطة واحدة في ماضيها، خروج والدها مع شقيقها للصلاة وتحرك والدتها لإعداد الطعام.
"- لا بأس فاطمة، القادم سيكون أفضل صغيرتي."
وقد كانت هذه حقيقة مضحكة بعض الشيء، سلمى والتي تكبر فاطمة بسنوات قليلة تنظر لها نظرة الأم لطفلتها، ابتسمت بحنان وهي تتذكر كلمات فاطمة لها:
"أنتِ أجمل امرأة رأيتها في حياتي، لا عجب أن الملك أحبك وسيتزوجك سلمى، أتمنى لكِ السعادة فأنتِ تستحقين كل اللطف والسعادة لكِ."
يحبها؟ هل يستطيع أرسلان الحب حقًا؟ وهل إن أحب سيحبها هي؟ فتاة تختلف عنه لا تناسب معاييره بشيء؟ تثق أنه بنى لزوجته المستقبلية صورة تنافي صورتها بالكامل، لكن رغم ذلك وفي نقطة بعيدة داخل أعماقها تشعر أنها تميل لذلك الرجل كما لم تفعل طوال سنوات عمرها.
مرت سنون الجامعة والعمل ولم تلتقي يومًا برجلٍ يجبرها على التفكير به كما تفعل مع أرسلان.
الكثير رغب بمواعدتها، ولن تنكر أنها في بعض الأحيان كانت تميل لعيش قصة حب كغيرها من الفتيات، لكنها لم تكن تستطيع تجاوز حدودها في تلك النقطة، كما أنها لم تقابل من الرجال من يجبرها على التخلي عن عزوبيتها.
ابتسمت تتحدث لنفسها بصوت هامس:
"وأي رجالٍ يقارنون به يا ترى؟"
ختمت كلماتها في اللحظة التي سمعت بها صوت أحد رجال الأسوار يتحدث بصوت مرتفع رن صداه في المكان بأكمله معلنًا فتح الأبواب لوصول الرجال.
تحركت أقدامها دون شعور تبتعد عن بوابة المشفى وهي تقترب من الجزء الأمامي للقصر بغرض رؤيته، وبمجرد أن توقفت حلقت نظراتها بسرعة تلتهم تفاصيل القادمين والذي كان يقودهم هو، يتقدمهم بهيئته الغامضة السوداوية.
الرجل كان غريبًا، من يبصره من بعيد يبصر شخصًا غامضًا مرعبًا سوداويًا خشن الطباع. وحين يقترب قليلًا يبصر جانبًا ساخرًا مراعيًا مسؤولًا.
وبالاقتراب أكثر تدرك جانبًا حنونًا محبًا.
وهي تتساءل متى تصل لدرجة القرب الثالثة وقد وصلت لتوها للمرتبة الثانية، والسؤال الأهم هل هي تطمح حقًا لتلك المكانة؟ ألم تكن تنوي الرحيل من هنا؟
فجأة وجدته يتحرك عن حصانه يقفز مسلمًا إياه لأحد الجنود، يتبعه المعتصم الذي تحرك دون تفكير صوب المشفى لسبب تعلمه، بل يعلمه الجميع، الرجل غارق حتى أذنيه في بحار فاطمة.
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تهز رأسها في تحية صامتة له وهو يعبر جوارها، تضم نفسها تقيها برودة الليل، ولم تكد تعود بنظراتها صوب أرسلان لتُصدم بصوت جوارها يردد بهدوء:
"السلام عليكم."
ابتلعت ريقها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي ترسم ملامح جادة محايدة على وجهها، قبل أن تعود بالنظر له تقول ببسمة صغيرة:
"عليكم السلام مولاي، حمدًا لله على سلامتكم."
شعر أرسلان بردها الجاف الذي صاحب كلماتها، نظر لها طويلًا:
"أرى أنكِ ما زلتِ مستيقظة؟"
ونعم كان يفتعل أي حديث يجرها للتحدث معه، ولا يدرك متى أحب هو ثرثرة النساء، وهي فقط نظرت بعيدًا عنه تدعي انشغالًا ببقايا الليل الهادئ والنسمات العابرة:
"لا أشعر بالنعاس."
حركت عيونها بينه وبين الفراغ جواره وكأنها تدعي عدم اهتمام واضح، لكن وقبل ابتعاد عيونها بالكامل عن جسده، اتسعت بصدمة وهي تمد يدها دون شعور تلتمس ثيابه مرددة برعب:
"دماء؟"
وعلى لمستها انتفض جسد أرسلان للخلف بسرعة وكأنها ألقته بجمر، اتسعت أعين سلمى بصدمة تنافس صدمته من تلك الحركة المفاجئة التي اتخذها على حين غرة.
لكنها لم تهتم وهي تحاول معرفة مصدر الدماء وهو فقط يبتعد عن يدها يتحدث بجدية:
"لا تلمسيها، هذه ليست دمائي من الأساس."
رفعت حاجبها بعدم فهم، ثم رفعت رأسها له تتحدث بصوت متسائل:
"ليست دمائك؟ أين كنت بالتحديد أنت؟ هل كنت في حرب أو ما شابه؟"
"- وماذا إن فعلت؟"
تنفست بضيق وهي تمسح وجهها:
"هذا ليس جيدًا، ليس جيدًا أن تتخذ الحرب وسيلة للتعبير عن استيائك، ألم تفكر في السلام؟"
نظر لها ثوانٍ بعدم فهم:
"لا، لكن إيفان يفعل طوال الوقت."
"- حكيم هذا الإيفان، لمَ لا تحاول أن تحذو حذوه؟"
نفخ أرسلان بسخرية شديدة:
"هراء، هذا آخر إنسان قد أتخذه قدوة، فقط لندعو ألا يشبهه أبناء أختي."
"- بل ما تفعله هو الهراء، منذ جئت لهنا وهذه ثاني حرب تخوضها بعد حرب الساحة ذلك اليوم، مما يعني حربين في فترة قصيرة، هذا ليس جيدًا البتة وتأثيره سيكون في غاية السوء على عقلك الباطن، تخيل أنك تحفز لاوعيك للعنف المستمر؟"
كانت تتحدث بكلمات كثيرة وهي تحرك يديها أمامه تشرح له أنها تخشى على عقله لكثرة العنف الذي يسبح به، وأرسلان فقط يحرك عيونه مع يديها فاتحًا فمه بعدم فهم، ينتظر أن تفرغ من تلك الكلمات الغريبة الأعجمية التي تنطقها على مسامعه ليخبرها أن خاض الحربين الذين تتحدث عنهم حينما كان مراهقًا، وأنه تجاوز رقم اثنين منذ كان يلعب في الوحل.
يفكر بجدية أنها لو علمت عدد الحروب التي خاضها في حياته ربما تصيبها صدمة.
أما عن سلمى فأخذت تكمل شرح ما تريده:
"الطب النفسي أثبت وبأدلة قاطعة أن كثرة العنف قد يضر بصحتك النفسية على المدى البعيد، العنف يؤدي لعنف، فها أنت خضت حربين في فترة قصيرة وهذا قد يحفز جسدك للبحث عن حرب أخرى وإن لم تجد تفتعل بنفسك حربًا."
رفع عيونه عن يدها ينطق بعدم فهم لما تتحدث به:
"أنا لم أخض أية حروب منذ جئتي، لقد كانت مجرد قتالات، هذه لا تسمى حروبًا حتى."
تشنجت ملامح وجهها بقوة وهي تردد:
"هل تمزح معي؟"
قلب عيونه بملل وهو يتنهد بصوت مرتفع:
"أخبرتك أنني لا أمزح مع النساء في العادة، لكن لا، أنا لا أمزح، ما حدث يُسمى قتالًا، الحرب تكون في الساحة بين جيشين، إن كنتِ متشوقة ربما اصطحبك الحرب القادمة معي."
ختم حديثه ببسمة واسعة جادة، وهي فقط تراقبه متسعة الأعين تهمس بصدمة لبساطة حديثه، الرجل يعرض اصطحابها في حرب كما لو كان يدعوها لموعد رومانسي في أحد المطاعم المشهورة في الحي.
"- أنت... أنا لا... لا أصدق أنك تتحدث بكل بساطة عن الحرب."
"- ماذا؟ هل أتحدث عن النساء؟ ما به الحديث عن الحرب؟"
"- هذه حرب، دمار وموت وضحايا وأرواح تضيع بين ويلات الحروب."
نظر لها ثوانٍ قبل أن يهتف بجدية:
"هل تعلمين عدد الحروب التي خضتها طوال سنوات حياتي هذه؟"
نظرت له بفضول تنفي برأسها معرفتها لمثل هذا الشيء، ليهز هو الآخر كتفه مبتسمًا لها يردد ببساطة:
"حتى أنا لا أعلم، توقفت عن العد منذ كنت في الخامسة عشر."
تراجعت سلمى للخلف بصدمة من كلماته، أبصرت مجرمين خطيرين ورجال أشداء ومرضى نفسيين مريعين خلال سنوات عملها كمعالجة نفسية ومؤهلة، لكن في حياتها لم تبصر رجلًا بمثل جبروت وشدة أرسلان، الرجل كان تركيبة غريبة، فالرجال الذين يتصفون بالعنف لا يتصفون باللين والحنان، بل يكونون مختلين.
ومعاملة أرسلان لكهرمان ولها في بعض الأحيان تنفي كونه مختلًا عنيفًا.
ولم تدرك سلمى بعد أن الرجال هنا كانوا يستطيعون الفصل بين جبروتهم في ساحات الحرب، وحنانهم مع ذويهم.
تنحنح أرسلان يخرجها من شرودها به والذي جعله يتململ في وقفته، بينما هي كانت شاردة في شخصيته العجيبة، تشعر بالفضول الشديد للغوص داخل جوانبه العديدة ودراستها، الرجل كان بيئة خصبة لإجراء بحوث ودراسات عليه.
أفاقت سلمى من شرودها على صوته الذي حاول إخراجه هادئًا:
"حسنًا، بخصوص ما حدث البارحة لقد... نحن نحتاج لوضع بعض الحدود بخصوص الأمر كما نحتاج للتحدث بخصوص فاطمة."
ضمت سلمى يديها لصدرها تنظر له بعناد:
"أراك تتحدث وكأنني سأقضي المتبقي من عمري بين جدران قصرك."
"- ألن تفعلي؟"
اتسعت بسمتها له ليشعر بالريبة الشديدة وهي تتحرك تاركة إياه دون إجابة على سؤاله، وهذا أغضبه وبشدة، أن تتجاهله وكأنه لا شيء وتتصرف على هذا الأساس، شيء أثار غضبه ليلحق بها بسرعة كبيرة يهتف بصوت منخفض بعض الشيء:
"ســـلمى."
توقفت أقدام سلمى بصدمة من نطقه اسمها مجردًا بهذا الشكل، ولم تعِ بعد أنه سبق ونطقه وقت الكارثة.
توقفت تستدير له بتعجب ليقترب منها بأقدام تلتهم الأرضية أسفله بشكل أرعبها لتتراجع بسرعة وهو فقط رفع إصبعه في وجهها يهتف بغيظ وغضب شديد:
"إياكِ وأن تتجاهليني بهذا الشكل أثناء الحديث، تحلي ببعض الأخلاق ولا تتركي محدثك حتى ينتهي من حديثه، تعاملي مرة واحدة كآنسة راقية وليس كامرأة وقحة."
أبعدت سلمى عيونها عن إصبعه بصدمة من ذلك الهجوم، لينزل هو إصبعه ينظر حوله يتنفس بصوت مرتفع، يفكر في سبب غضبه، هل هو تركها له والرحيل، أم غضبها الذي لا ينضب؟
فجأة ابتسمت دون مقدمات بسمة أرّبكت أرسلان وهو ينظر لها بفضول يحاول معرفة سبب بسمتها، لتتسع بسمتها أكثر، وهي ترفع حاجبها تقول:
"تكره أن يرفع أحدهم إصبعه في وجهك وترفعه أنت بدورك دون اهتمام، أنت حقًا نرجسي."
تحركت تاركة إياه يراقبها وهي تتركه دون اهتمام بشيء ليشعر بالضيق الشديد وهو يراقب ظهرها الذي يبتعد، حتى وجدها تتوقف في سيرها فجأة واستدارت له بشكل جعله يبعد عيونه عنها يتظاهر أنه كان على وشك الرحيل من الأساس لتوقفه هي:
"تصبح على خير جلالة الملك."
***
تحرك في ظلام الغرفة بخطوات هادئة، وكأنه يخشى أن تزعجها أصوات خطواته أو توقظها، ابتسم بسمة صغيرة وهو يجذب أحد المقاعد من الداخل يترك الباب مفتوحًا، ثم وضع المقعد أمام الباب مباشرة يتوسطه براحة شديدة، ولم يقترب خطوة إضافية كي لا تقع أنظاره على جسدها المتسطح على الفراش ويسترق النظر لما لا يحق له.
يكفيه فقط أن يشاركها المكان ويتأكد أنها بخير حال بعدما كاد يفقد عقله لأجل ما حدث لها.
ظل ينظر لها ويتأملها دون كلل أو ملل، ليسمع فجأة صوت أنفاسها يزداد وهي تتحرك حركات عنيفة بعض الشيء على الفراش تهمس ببعض الأسماء.
انمحت بسمته يدرك أن الوقت قد حان لتتغذى عليها كوابيسها، نظر حوله وهو يبحث عن أحدهم يساعدها، لكن الممر كان فارغًا إلا منهما.
تحرك خطوات بطيئة يهمس بصوت منخفض مخافة أن يفزعها أثناء نومها، وقد حمد ربه أن الظلام أخفى عنه جسدها النائم.
"فاطمة... فاطمة أنتِ بخير؟"
فجأة انتفض جسد فاطمة عن الفراش وهي تشهق بصوت مرتفع وكأنها كانت تغوص لساعات طويلة في أعماق المحيط دون حصولها على ذرة هواء واحدة.
أخذ جسدها ينتفض دون هوادة والعرق بدأ يسيل منها بقوة، كل ذلك على مرأى ومسمع من المعتصم الذي كان يقف على بُعد صغير من الفراش لا ضوء يبصره في المكان سوى ذلك المتسلل من الخارج.
حركت فاطمة عيونها في المكان تبتلع ريقها بصعوبة بسبب جفاف حلقها، تشعر بحرارة شديدة في جسدها وكأنها كانت وسط النيران التي أبصرتها في أحلامها.
أخذت تدور بعيونها في المكان بأكمله حتى اصطدمت في جسد يقف في الظلام، توتر المعتصم، حتى أنه أوشك على التحدث ليعلمها هويته قبل أن تخافه، لكن فجأة ودون مقدمات انفجرت في بكاء وهي تهتف من بين بكائها:
"أيــها المعتــصم."
نبض قلب المعتصم بقوة وهو يهرول صوب الفراش يجلس أرضًا على ركبتيه يهتف بخوف عليها ولم يدرك كيف تعرفت على هويته حتى:
"- أنا هنا فاطمة، كان هذا كابوسًا لا تخافي."
ازداد بكاء فاطمة أكثر وهي تحاول الحديث من بين شهقاتها:
"لم يكن، لم يكن كابوسًا، ليته كان، ليته كان يا المعتصم."
اشتد ارتجاف يد المعتصم وهو يقبضها على الغطاء الذي نفضته عنها أثناء كابوسها يهتف بصوت حنون وهو ينظر لها نظرات موجوعة مقهورة لأجلها، لم تبصرها هي بسبب الظلام:
"نامي فاطمة نامي يا صغيرة، كان مجرد كابوس وانتهى، أنتِ هنا وأنا جوارك لا تخافي شيئًا."
نظرت له بأعين باكية أبصرها على الضوء المتسلل من الخارج وهي تهتف بصوت موجوع:
"لا ترحل، ابق جواري أرجوك."
هز رأسه لها يهمس بحنان:
"- سأكون دائمًا فاطمة، سأظل طوال الوقت جوارك يا صغيرة."
مالت فاطمة برأسها على الوسادة وهي توليه وجهها، تعطي ظهرها للظلام والمجهول، وكأنها تأبى أن تواجه شيئًا بعيدًا عن أعين المعتصم، ابتسم لها الأخير بسمة صغيرة يميل يبتعد بعض الشيء عن الفراش يستند بظهره على الفراش:
"- سأكون طوال الوقت جوارك فاطمة حتى لو اضطررت لأن أعتزل الحياة وأكتفي بكِ حياة، سأفعل طوال الوقت فاطمة."
اتسعت بسمة فاطمة التي كانت تسمع همسًا لا تعي منه الكثير، لكنها رغم ذلك ابتسمت بسمة صغيرة وهي تهمس بأعين شبه مغلقة:
"أنت رجل صالح ذو مروءة يا المعتصم."
اتسعت بسمة المعتصم وهو يضم قدمه لصدره، ثم مال يستند عليها بذراعه يشرد بعيدًا عنها يعطيها الراحة لتنام دون أن تكون مراقبة منه بغير حق:
"- وأنتِ فتاة بريئة وجميلة... فاطم."
كانت الكلمة الأخيرة بصوت خافت منه وقد أبى أن ينطق تدليل وتصغير اسمها بصوت مرتفع وكأنه يخشى أن يصل لصوت ضميره الذي يجلده على أفعاله الصبيانية تلك، لكنه رغم كل شيء ابتسم، هو هنا وفاطمة كذلك هنا وبخير.
وبعد الساعات السابقة التي شعر فيها بقرب رحيله ورعبه الذي اختبره بسبب خوفه لتركها وحيدة إن لم يعد حيًا، بالإضافة للهلع الذي تلبسه حين أبصر جسدها يهوى أمامه، قرر المعتصم أن ينفذ ما سبق وقرر بالفعل.
***
أغلقت باب غرفتها بقوة تتحرك بهدوء شديد خارج الممر في صباح يوم جديد، ترفع قبعة ثوبها تخفي خصلاتها وقد كانت ترتدي قميصًا أبيضًا تدخل أطرافه داخل تنورة ترتدي فوقهم معطفًا طويلًا من نفس لون التنورة، تتحرك بكل هدوء لزيارة فاطمة تطمئن عليها.
لكن وحين خطت خارج الممر وجدت إحدى النساء تتحرك صوبها وهي تبتسم بسمة صغيرة مرددة:
"جلالة الملكة صباح الخير."
رفعت سلمى حاجبها بعدم فهم، وما كادت تفتح فمها توضح سوء التفاهم الذي يجعل الجميع يناديها جلالة الملكة وهي ما تزال كما هي لا علاقة لها بالملك أو غيره.
ورغم تحفظها على مناداتها بجلالة الملكة إلا أنها تجاوزت عن الأمر مؤقتًا لحين تتحدث مع الملك بخصوص الأمر، منحت الفتاة بسمة هادئة:
"- صباح الخير لكِ أيضًا."
"- طلب الملك مني إخبارك أن الجميع ينتظرك داخل قاعة العرش."
لم تفهم سلمى ما تتحدث به، الجميع من وقاعة عرش ماذا؟ ضيقت ما بين حاجبيها ولم تكد تتساءل عن السبب، حتى وجدت الفتاة تتنحى جانبًا مشيرة بيدها للممر أمامها:
"- من هنا رجاءً."
وهكذا ختمت حديثها تقطع على سلمى أي فرصة حتى للحديث أو الاستفسار عما يحدث في الجوار، ضيقت ما بين حاجبيها تخطو خلف الفتاة وعقلها يعمل سريعًا وكأنه يستدعي آخر ساعات مرت عليها في هذا المكان إن كانت تسببت في كارثة أو ما شابه قد تستدعي حضورها لقاعة العرش في حضور "الجميع" كما تفضلت الفتاة وقالت منذ ثوانٍ.
***
داخل القاعة كان هو يتوسط المقعد وهو يحرك عيونه في وجوه الجميع حوله بملامح جامدة واجمة، وفي أحد الأركان تقف سراي يحيط بها الحراس وقد حان الوقت لينفذ بها الحد.
كانت أقدامها ترتعش برعب شديد وهي تتمنى لو ينظر لها أرسلان نظرة واحدة فتترجاه وتتوسل، بل وتقبل أقدامه ليعفو عنها، لكن أرسلان لم يفعل ولم ينظر لها نظرة واحدة، عيونه معلقة فقط على الباب ينتظر حضورها ليعلن الحكم النهائي.
وما هي إلا ثوانٍ حتى وجد العاملة التي أرسلها تتحرك داخل القاعة بهدوء وهي تخفض عيونها أرضًا، تتحرك جانبًا صوب الجميع تراقب ما يحدث.
في الوقت ذاته الذي تحفز جسد أرسلان وهو يبصرها تدخل بكل هيبة وخطوات قوية ترفع رأسها للجميع تحدق بهم في تعجب شديد، قبل أن تثبت عيونها عليه، تمنحه نظرة متسائلة تتقدم صوب العرش الخاص به وصوت طرق حذائها على الأرض أسفلها هو ما يمكن سماعه في المكان بأكمله، إلى جانب شهقات سراي.
رفعت رأسها صوبه وهي تتحدث بهدوء شديد ونبرة متزنة مترقبة:
"طلبت رؤيتي... مولاي."
ظل أرسلان ينظر لها ثوانٍ دون رد حتى شعرت هي بالتعجب وهي تنظر حولها تبحث عن رد على سؤالها المعلق من أحدهم، لكن لا شيء.
عادت له تتحدث بصوت منخفض:
"مولاي، أخبروني أنك تريد رؤيتي؟"
ابتسم لها بسمة أرّبكتها، ثم حاد بعيونه عنها يلقي يأوامر صامتة صوب الجنود الذي دفعوا سراي صوب منتصف القاعة حيث تقف سلمى والتي كانت تتعجب ما يحدث في المكان، فجأة وجدت ومن حيث لا تدري جسد امرأة تميل على يديها تحاول تقبيلها لتنتفض سلمى مبتعدة تجذب يدها منها بهلع وهي تدور بعيون مصدومة في الوجوه:
"مــا...ماذا؟ ما الذي تفعلينه أنت؟"
مالت الفتاة أرضًا تبكي بصوت مرتفع وهي تتوسل كل ذرة رحمة داخل صدر سلمى، تبكي وتنوح وتندب وتتوسل المرأة التي كانت تخطط للإيقاع بها منذ ساعات قليلة فقط تحت أعين رفيقتها التي رمقتها بإشمئزاز وغضب تتمنى من أعماقها لو تصرخ في الجميع ألا يصدقون ما تفعله تلك الممثلة البارعة.
بينما الفتاة استمرت في البكاء بشكل هستيري أثار شفقة سلمى ثاني مالت تجلس القرفصاء أمامها تجذبها للوقوف:
"ما بكِ؟ ما الذي تفعلينه؟"
رفعت سراي عيونها والتي كانت قد تحولت للأحمر لشدة بكائها تهتف بنبرة ممزقة:
"أتوسلك أن تغفري لي، أقسم أنني لم أقصد، لم أقصد ما حدث لقد... لقد ظننت واخطأت بظني."
والجهل ما يزال يسود ملامح سلمى التي تحركت بنظراتها صوب أرسلان تحاول أن تنتزع من نظراته أي معلومة أو شيء يفهمها ما يحدث.
وارسلان التقط نظراتها يردد بهدوء ونظرات هادئة تصاحبها نبرة جادة، وملامح وجه جامد، إذ كان يبدو في هذه اللحظة كما الصخر:
"هذه هي نفسها الفتاة التي قذفتك بالباطل، واشاعت بين الجميع سوء خلقك دون وجه حق."
ولم يوضح حديثه أكثر حين أبصر الإدراك وقد بدأ يلمع على وجه سلمى التي انتزعت كفها ببطء عن كتف الفتاة، شحب وجهها تنظر في جميع الوجوه حولها، تستقيم بوقفتها مجددًا، بينما سراي شعرت بقلبها يهوى داخل صدرها حين شعرت نفور من سلمى.
تعود للصياح:
"أقسم لم أقصد أنا فقط... أنا فقط كنت... لم أقصد أقسم لكِ أرجوكِ اغفري لي، فقط اغفري لي وسوف أرحل من هنا ولن يبصرني أحدكم."
التوى ثغر نجوم بازدراء وقد علا الغضب ملامحها مما ترى، ممثلة بارعة:
"عسى أن تُجلدي حتى الموت أيتها اللعينة."
أبعدت سلمى عيونها عنها تتذكر نظرات الجميع صوبها ذلك اليوم وتلك الكلمات التي أخذت تتردد في أذنها في ذلك الحين.
رفعت عيونها صوب أرسلان الذي كان يترقب ردة فعلها بفارغ الصبر وقد بدأ الفضول يأكله لمعرفة ما تريده.
"- إذن ما سبب إحضاري هنا؟"
رفع أرسلان حاجبه وقد بدا أن ردة فعلها المحايدة هذه لم تعجبه، وكأنه كان يرتقب منها ردة أكثر عنفًا تعيد لها حقها، ورغم ذلك زفر بغضب يهتف بهدوء شديد يحاول أن يكون حياديًا.
"- شرع الله في حالة قذف المحصنات معروف، وأنتِ هنا فقط لتمنحيها رحمة أو تُعاقب، والخيار يعود لكِ فأنتِ صاحبة الحق هنا."
كان يضغط على جميع كلماته بقوة وكأنه يحذرها أن ترفض عقاب الفتاة، تلك المسرحية السخيفة التي كانت تدعيها منذ ثوانٍ لم تؤثر به مقدار شعرة، ويرجو لو أنها لم تفعل المثل بسلمى، فنيران صدره المشتعلة لن يطفئها سوى تنفيذ حد الله بها، نظرات سلمى الباكية، وصوتها المرتجف وخوفها الملتمع بعيونها ذلك اليوم ونبرتها وهي تخبره "لست امرأة سيئة مولاي"، ذلك المشهد يجعله يود لو يهبط ويحمل سوطًا ويأخذ قصاصها بيده.
لكنه لم يستطع تجاوزها ولم يتمكن من تنفيذ حكمه قبل معرفة صاحبة الشأن واعطائها الرأي الأخير.
أما عن سلمى فقد حركت نظراتها بين الجميع والذين كانوا ينتظرون حكمها، والفتاة التي سقطت أرضًا باكية، تطيل النظر لها، ضميرها يرفض أن تتعرض امرأة لمثل تلك العقوبة، وعقلها يسخر من سخافتها آمرًا إياها بعدم التنازل عن حقها.
أبعدت سلمى عيونها عن الفتاة بهدوء تعود بنظراتها صوب أرسلان والذي كان يدعوها بكل ذرة في جسده للموافقة على حكمه.
تنفست بصوت مرتفع وهي تهتف بعد ثوانٍ من الصمت وقد شعرت بالخسة حينما فكرت لثوانٍ في عقابها، وهي التي كانت تؤمن طوال حياتها بأن كل إنسان يستحق فرصة ثانية، أولم يكن هذا عملها من الأساس؟ خلق فرصة ثانية تمنح كل مخطئ حياة جديدة؟
"- أتنازل عن حقي مولاي."
عض أرسلان شفتيه بقوة وغضب اشتغل بعيونه وهو يطيل النظر بوجهها يهتف من بين أسنانه:
"- هذا قرارك الأخير؟"
"- نعم."
أومأ برأسه يشير صوب الحراس بعيونه:
"- فكوا وثاقها واخرجوها من القصر لا عمل لها عندي بعد اليوم، فلترحلي من هنا."
تنفست سراي الصعداء وهي تبتسم بسعادة كبيرة وقد أخذت تردد كلمات الشكر والامتنان على مسامع الجميع، تحت استنكار البعض وشفقة البعض الآخر، وغضب البعض كنجوم التي شعرت بدمائها تغلي وهي تتحرك خارج المكان بغضب شديد.
كل ذلك حدث وما زالت أعين أرسلان معلقة بأعين سلمى وكأن هناك حرب نشأت بين الاثنين.
هبط أرسلان عن عرشه يتحرك بخطوات صغيرة صوبها وحينما وقف أمامها ابتسم بسمة صغيرة ساخرة:
"- جيد أن تكوني رحيمة، سيئ أن تكوني غبية."
استدارت له سلمى بسرعة كبيرة ترمقه بشر كبير جعله يمنحها بسمة تحمل من السخرية الكثير:
"- كان يمكنكِ بكل سهولة أن تنتقمي منها وتجعليها عبرة لكل من تسول له نفسه الاقتراب منكِ، وعوضًا عن ذلك صدقتي مسرحيتها السخيفة، ظننتك أذكى مما يبدو عليكِ آنستي."
اشتعلت أعين سلمى بقوة ولم تكد تتحدث بكلمة، حتى استقام أرسلان بقوة يهتف لها بجدية:
"- الحقي بي لساحة التدريب يا صاحبة القلب الرحيم والعقل الغبي."
وبهذه الكلمات ختم وجوده تحت نظرات سلمى المصدومة مما قال، لا تعي هل هذا الرجل بهذه القسوة، أم هي بهذا الغباء؟
***
لأول مرة منذ وطئت المكان تخرج بنفسها خارج الغرفة التي كانت تحتمي بها من كل شيء حولها، لكن وبمجرد أن فعلت انتفضت للخلف وهي تطلق شهقة مرتفعة وقد اصطدمت عيونها بوجه تبغضه، تراجعت للخلف بهدوء شديد للخلف تضيق عيونها بكره، قبل أن تنفر النظر له من الأساس وتبتعد عنه بهدوء تاركة إياه يقف دون حتى أن تمنحه نظرة واحدة ولو على سبيل الفضول.
أما عنه فقد احترق بالغضب والضيق حين أبصر منها تجاهلًا يتنفس بصوت مرتفع يستدير صوبها:
"- صباح الخير سمو الأميرة."
ابتسمت توبة بسخرية على ذلك الحقير الذي حاول التهجم عليها يومًا وضربها واليوم يأتي يلقي عليها تحية الصباح، وقد كان هو نفسه الرجل الذي فشى سر ما يحدث لأنمار ليستغله أسوأ استغلال ضده.
توقفت توبة بسمة صغيرة تنظر له نظرات محتقرة:
"- وأي خير لي في اليوم بعدما أبصرت وجهك القميء."
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه قبل أن تنبش بأظافرها آثارًا لا تزول في وجهه، لكن ما كادت تتحرك خطوة واحدة حتى سمعت صوته يردد بجدية:
"- فقد أخبريني ما الذي يجذبك به ولا أمتلكه أنا؟ الشيء الوحيد الذي يمتلكه هو ولا أفعل هو كونه أميرًا وقد فقد هذا الحق منذ أشهر، لذا لا فرق بيننا."
توقفت توبة ثوانٍ تنظر له مطولًا قبل أن تهمس له:
"- كيف ذلك؟ هو رجل وأنت ذكر والفرق كبير لو تدرك."
ختمت حديثها ثم تحركت دون اهتمام وقد قررت أن تستغل ساعات اليوم الطويلة في الدوران حول المكان علها تعثر على مخرجًا لها، لكن فجأة توقفت وهذه المرة بسبب ملاحظتها لنزار الذي كان يتابع ما يحدث بهدوء شديد ويبدو أنه سمع كلماتها الأخيرة إذ لاحظت هي التماع عيونه بشكل غريب.
ابتسمت له بسخرية وهي تتحرك في طريقها وحين مرت بجواره همست بصوت منخفض:
"- لا تفرح كثيرًا، تلك كانت مجرد كلمات لإثارة غضبه فقط وليس بالضرورة أن أعنيها بالكامل."
ومع نهاية كلماتها كانت تتحرك تاركة له بوجه أحمر من الغضب يضغط على يده بقوة وهو لا يزال يتذكر توسله لها البارحة كي تساعده في الخطة التي وضعها للهرب من المكان، لكنها رفضت حتى أن تفتح له الباب بعدما وضعت كافة الأثاث خلفه.
نظر لظهرها وقد شعر بالغضب يتملك منه بسبب هذه المرأة، في حياته كلها لم تتحدث له امرأة بهذه الطريقة أو توجه له هذا الكم من الإهانات.
تنفس بصوت مرتفع يتحرك بسرعة خلفها وقد قرر أنه لن يتركها تتحرك في هذا المكان وحدها، لن يأمن عليها بين هؤلاء القذرين وحدها.
لذا أسرع بخطواته يلحق بها.
وهي كانت تشعر بخطوات تلحق بها، لكن لم تهتم إذ أخذت تدور في المكان بفضول شديد تتحرك هنا وهناك تحت الأعين المراقبة والفضولية، وأثناء سيرها ابتعدت عن الأسواق بهدوء شديد وقد بدأت تقترب بخطواتها من حدود المكان حتى شعرت بأن الأمر أبسط مما تخيلت.
ولم تكد تبلع الجدار المصنوع من الأسلاك الشائكة حتى تراجعت صارخة صرخة شقت هدوء الأجواء المحيطة، وخطواتها التي سبق وحطتها صوب السياج تلاشت وهي تلتهما عائدة بسرعة متسعة الأعين للخلف حتى اصطدمت بجسد نزار الذي ركض لها سريعًا ليبصر تكاد تسقطه على الأرض.
وهي لم تهتم بأي شيء بقدر ما كان اهتمامها ينصب على الاختباء من أعين ذلك الرجل جاحظ الأعين أسود الوجه خشن الملامح ضخم الجسد.
كان الرجل كالمارد مرعبًا، ينظر صوب وجه توبة بشكل جعل الأخيرة تختبئ خلف نزار تهمس بصوت مرتجف:
"ما...ما هذا؟ أنا فقط كنت... كنت أريد التقاط زهرة."
رفع نزار حاجبيه بسخرية وهو ينظر لها من أسفل رموشه الكثيفة وملامح الاستنكار والسخرية التي تعلو وجهه جعلت وجه توبة ينقبض بضيق شديد وهي تردد من أسفل أسنانها:
"لا تنظر لي بهذا الشكل."
"- أي شكل؟"
تنفست بصوت مرتفع تبعد عيونها عن العملاق أمامها بصعوبة وكأنها تخشى أن تغفل عنه فيستغل الفرصة ويهجم عليها يقطعها أربًا بأسنانه.
"- هذا الشكل الذي تنظر إليّ به وكأنك محق في كل شيء."
"- أنا كذلك بالفعل سبق وأخبرتك الكثير لأجل مساعدتك وأنتِ رفضتي."
أغمضت عيونها وكأنها تستعد لإخراج نيران من حدقتيها، ثم فتحتها تتراجع للخلف بسرعة مبتعدة عنه نافرة:
"- لا تتذاكى وتتعامل معي كما لو أنك تجهل سبب رفضي لمساعدتك سمو الأمير."
ونزار لم يكن قادرًا في تلك اللحظة على جدالها هذا الجدال، ولم يبرأ بعد من آثار حديثها السابق الذي جلدته به، حتى شعر بالدماء تنبثق من أجزاء جسده دون هوادة.
أشار لها لتبتعد عن المكان:
"- إذن ارحلي رجاءً فأنا لست بقادر على هذا الجدال مرة أخرى وقد نفذ حديثي بالكامل."
نظرت له بغضب من طريقته في الحديث معها وكأنها هي المخطئة في حقه أو ما شابه.
لكن على كلٍ قررت التحرك بعيدًا تتجنب نظراته التي تحرقها في هذه اللحظة، لكن يبدو أن العملاق كان له رأي آخر في الأمر إذ تحدث بصوت مرتفع وهو يوقفها:
"- إلى أين؟ هل تظنون المجيء هنا كالرحيل؟"
توقفت أقدام توبة ترتعش من نبرته الأجشة المرعبة، لكنها ورغم ذلك تماسكت وهي تبتلع ريقها تنظر صوب الرجل بكل قوة ترفع رأسها أبيّة متحدة، ولم تكد تتحدث كلمة حتى أبصرت المشهد يختفي خلف جسد نزار الذي وقف أمامها يتحدث بنبرة متشنجة:
"- عساه خير، ما الذي تريده منها يا هذا؟"
تحركت أعين العملاق من توبة ببطء شديد صوب نزار وكأن نظراته تمتلك نفس الجسد الضخم الثقيل الذي يعوق حركتها الخفيفة، واخيرًا استقر على جسد نزار الذي كان ينتظر أن يجيبه الرجل بكلمة يحمي توبة خلف ظهره، والتي شعرت في هذه اللحظة براحة أبت التعبير عنها ولو باسترخاء ملامحها.
ارتسمت بسمة جانبية على قم الرجل وهو يحرك نظراته بينهما دون توقف حتى تحدث:
"- تريدون الهرب من هنا؟"
ولم يكد نزار يتحدث بكلمة حتى سارعت توبة تهتف بضيق وسخرية:
"- وهل ترى هذا المستنقع مكانًا صالحًا للعيش؟ بالطبع أي إنسان عاقل سيفكر بالهرب من هنا، وأستثنيكم من الأمر."
اشتعلت أعين الرجل ليستدير نزار يرمقها بصدمة وملامح متشنجة بعدم فهم وكأنه يخبرها بنظراته "حقًا؟"
وهي فقط منحته بسمة مستفزة ليتنفس بصوت مرتفع:
"- فقط اصمتي رجاءً."
"- لا تأمرني أنت."
"- ولا تثيري غضبي أنتِ، ليس الآن على الأقل، دعنا نخرج من أسفل يد العملاق أحياء."
"- من أخبرك أنني أريد مساعدتك من الأساس؟ أنا أستطيع تدبر أمري و..."
توقفت عن الحديث حين أبصرت نزار يبتعد من أمام جسدها مفسحًا الطريق لها أمام العملاق يشير لها ببسمة سخيفة باردة:
"- تفضلي سمو الأميرة، يمكنك نيل شرف الطحن أولًا على يد العملاق."
اتسعت أعين توبة حيت وجدت نفسها مكشوفة أمام العملاق، حركت عيونها على الرجل، ثم لنزار الذي كان يضم ذراعيه لصدره يشير لها بعيونه مبتسمًا:
"- هيا تقدمي لا تخجلي."
تنفست بصوت مرتفع، ثم نظرت صوب العملاق بكل ذرة قوة امتلكتها يومًا خلال سنوات عمرها:
"- ماذا تريد أنت؟ نحن جئنا بالخطأ هنا و... حسنًا على الأقل أنا جئت بالخطأ هنا لا أدري عنه، يمكنك سؤاله أو قتله لا أهتم، أما عني فسوف أرحل وإن استطعت أوقفني."
ختمت حديثها تبتسم بثقة كبيرة وهي تستدير بعيدًا عنهما، خطت خطوة واحدة ولم تكد تتمها بثانية حتى وجدت يد تمتد صوبها تمسك كتفها بقوة كادت تحطم عظام ترقوتها، ولم تتخذ ردة فعل بعد حتى شعرت بيد أخرى تنتزع ذلك الحمل الثقيل عن كتفها ولم تكن اليد الأولى سوى يد العملاق والتي انتزعتها اليد الثانية والتي تعود بالطبع لنزار.
ولم يكد الرجل يستوعب ما يحدث أو كيف استطاع ذلك الرجل انتزاع قبضته عن الفتاة الحسناء والتي أثارت إعجابه منذ أبصرها تقترب من الحدود، حتى وجد جسده يندفع للخلف بقوة غريبة، ومن ثم قبضة تسقط على وجهه بقوة مرعبة.
كل ذلك تحت أعين توبة المصدومة مما تبصر، كيف استطاع نزار منافسة الرجل وكيف استطاع أن يدفعه للخلف ويتحكم به، وربما نسيت توبة لثوانٍ أن نزار لم يكن ولي عهد آبى وطبيب المملكة فقط، بل كان قائد جيوشها من بعد والده.
فجأة أبصرت العملاق يتدارك نفسه وهو يدفع نزار عنه بسرعة وبقوة جعلت الأخير يسقط أرضًا بقوة سلبت تأوهًا من بين شفتيه.
اتسعت أعين توبة وهي ترفع عيونها عن نزار صوب الرجل، تبتلع ريقها وهي تراه يتقرب منها مبتسمًا بسمة مقززة، لتصرخ في وجهه:
"الويل لك ولسلالتك إن تجرأت واقتربت مني أيها الحقير اقسم بالله لاحولن المتبقي من حياتك لجحيم."
اتسعت بسمة الرجل وكأنها تمازحه أو تلقي بعض النكات على مسامعه، تراجعت أكثر وهو يتقدم كل خطوة تراجعتها حتى شعرت توبة أن لا مفر لها من الأمر، وإن كانت تمتلك شجاعة فلها حدود ستتحطم جميعها أسفل أقدام ذلك العملاق، في هذه اللحظة لم تشعر بنفسها سوى وهي تنادي بصوت مرعب تبحث بعيونها عن حارسها الذي يحوم حولها يحيطها بعنايته منذ وطئت المكان:
"نزار... نزار ساعدني أرجوك."
***
"- أنتِ حقًا أكثر النساء لطفًا، أتعجب أن البعض يصفك بالساحرة."
تركت سلمى الملعقة الخاصة بها وهي ترفع حاجبها بعدم فهم:
"- ماذا؟ ساحرة؟"
هزت فاطمة رأسها تبتلع الطعام الذي دسّته سلمى منذ ثوانٍ داخل فمها تقول بجدية وهي تبتسم بلطف لسلمى تحاول صرف انتباهها عن ذلة لسانها التي أباحت بما لا يفترض قوله:
"- مجرد هراء تتناقله النسوة فلا داعي للاهتمام."
رفعت سلمى حاجبها بريبة:
"- متأكدة؟"
"- أوه نعم، لا تقلقي بالطبع أنا لا أصدق كل ما يقال لست حمقاء."
ابتسمت لها فاطمة تربت على خصلاتها بحنان:
"- بالطبع لستِ كذلك، بل أنتِ بريئة لطيفة فاطمة."
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وهي تغمض عيونها براحة لتربيتات سلمى على خصلاتها، بينما الأخيرة لاحظت نظرات الراحة والاسترخاء التي علت نظرات فاطمة لتهتف:
"- أنتِ الآن بخير فاطمة صحيح؟"
"- أوه نعم، لقد تذكرت تربيتات أمي و..."
فجأة انتفض جسدها بصدمة كبيرة تهتف بصوت مرتفع ولهفة تحاول التحرك عن الفراش لولا يد سلمى التي كانت تمنعها من الأمر:
"- كيف نسيت الأمر، أمي، لا بد أنها ستموت قلقًا، يا ويلي كيف لم أخبرها و..."
فجأة توقفت عن الحديث وهي تنفجر في البكاء بخوف على والدتها، لا بد أنها الآن تموت رعبًا عليها دون القدرة على الحركة والسؤال عنها بسبب مرضها، فقط تتمنى لو أن ألطاف طمأنتها عليها.
في الوقت ذاته سمع الاثنان طرق الباب لتساعدها سلمى في ارتداء حجابها، ومن ثم سمحت للطارق بالدخول، والذي لم يكن سوى المعتصم نفسه والذي منذ دخل لم يمنحهم سوى نظرة واحدة قبل أن يخفض نظره يقول بجدية:
"- طلب الملك مني أن أخبرك أن وقت تدريباتك قد حـ"
رغم أنها كانت نظرة واحدة، إلا أنها كانت أكثر من كافية ليبصر دموع فاطمة العالقة بين رموشها وكأنها تتمسك بهم خشية السقوط في الهاوية، شحب وجهه يهتف برعب:
"- فاطمة؟ ما الذي حدث؟ لِمَ البكاء؟"
رفعت فاطمة عيونها سريعًا بمجرد سماعها صوته تهتف بصوت متلهف وكأنها غريق تعلق بطوق نجاته وسط أمواج عاتية:
"- يا المعتصم."
تحرك المعتصم دون تفكير يدنو من الفراش بسرعة كبيرة يقف جوار رأسها مرددًا بخوف عليها:
"- نعم؟ أنتِ بخير؟"
سقطت دموع فاطمة أكثر تهتف من بين شهقاتها بصوت مرتعش:
"- أمي... لقد نسيت أن أخبرها ما حدث معي."
"- ماذا؟ فاطمة كيف ستخبرينها وأنتِ كنتِ متعبة؟"
تنفست من بين شهقاتها بصوت يهتز وعلى وقعه يهتز قلق المعتصم الذي كان يراقبها بأعين مهتمة يتتبع كل حركة منها بريبة واهتمام شديد، حتى رفعت عيونها تقول واخيرًا بعدما هدأت بعض الشيء:
"- أريد الذهاب لها يا المعتصم، أمي وحدها وسوف تقلق عليّ و... لا بد أن أحمد الآن يدور في الطرقات بحثًا عني، ارجوك ساعدني للعودة لها سريعًا."
كانت تتحدث وهو يستمع بكل جوارحه، يهز رأسه بهدوء شديد يوليها كامل الاهتمام تحت أعين سلمى التي ابتسمت بسمة واسعة تراقب ما يحدث بأعين مدركة لكل ما يدور.
ابتسمت بسمة جانبية ترى اهتمام المعتصم بكل حركة تقوم بها فاطمة لدرجة أنه كان يحرك عيونه مع حركة يدها.
وكأن فاطمة كانت "المايسترو" الذي يتحرك على إشارته الفرقة الموسيقية، وبالطبع لا حاجة لذكر أن المعتصم كان هو الفرقة الموسيقية بكل أفرادها، والآلات العزف إن أرادت فاطمة.
اتسعت بسمتها بسعادة تراقبهم بأعين ملتمعة تتحرك صوب الخارج تترك الباب مفتوحًا تقف جواره، ابتعدت مع البقاء في الجوار، تمنح لهما حرية شبه مقيدة. أما عنهما في الداخل.
جلس المعتصم دون شعور على ركبتيه يتحدث بهدوء شديد وكأنه يخاطب فتاة صغيرة، وكعادته معها لم يكن يعي بتصرفاته مؤجلًا التفكير فيها لحين يتفرد بنفسه ليجلدها بسياط الضمير والذنب على تجاوزه حدوده معها، وتعهده على الابتعاد واتخاذ ساترًا منها، ليعود في اليوم التالي ويحطم الساتر أسفل أقدام لهفته، ويسير في طريق ممهد لها.
"- لا تبكي فاطمة، سوف أذهب لها بنفسي وأحضرها لتبقى جوارك، فقط ابقي هنا، فقد أخبرتني الطبيبة أنكِ تحتاجين للعناية."
مسحت دموعها تردد بصوت خافت:
"- وأمي تعتني بي يا المعتصم هي لا تدعني أشكو من شيء، سأكون بخير إن عدت لها لا تقلق."
"وأنا لن أكون إن فعلتي فاطمة."
كانت كلمات كبتها المعتصم بصعوبة يطيل النظر لها ببسمة صغيرة جعلتها تخجل وهي تشعر بالمكان يضيق عليها تهمس بصوت منخفض:
"- يا المعتصم."
"- نعم؟"
"- هل ستعيدني لأمي؟"
"- بل سأحضرها لكِ هنا فاطمة."
رمشت وهي تبعد عيونها عنه، ليبتسم هو لها بلطف يكرر سؤال سبق ونطقه، لكن المرة هذه أراد التأكد أكثر:
"- إذن كم هو عمرك فاطمة؟"
رفعت له فاطمة عيونها بتعجب، ثم هتفت وكأنها تسخر من ذاكرته:
"- متأكد أنك لا تعاني مشكلة في الذاكرة يا المعتصم؟"
ابتسم بسمة واسعة سرعان ما تحولت إلى ضحكة صغيرة، يراها وقد خجلت من نظراته لها، فابعد عيونه، وقد أصبح متيقنًا لما يفكر به:
"- نعم أعاني من مشكلة صعبة في التذكر، أصبحت لا أتذكر شيء خلال
رواية اسد مشكي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمه نبيل
#الخامس_عشر | بئر الذكريات |
قبل القراءة متنسوش التصويت على الفصل والتعليق برأيكم بعد القراءة.....
صلوا على نبي الرحمة .
---------------------------------------
توقفت أقدامها عن الحركة حين سمعت تلك الصرخة التي شقت الأجواء حولها، صرخة من أحد الجنود شقت سكون الأجواء، ويبدو أنها نجحت في شق صدر ذلك الصخرة الذي يقف خلفها خاصة حينما نطق الجندي بتقطع وكأنه لا يمكنه الموازنة بين تنفسه والكلمات التي تخرج منه، فكانت كل منهما يصارع للخروج اولًا .
فخرجت كلماته مع صوت انفاس مرتفع وحسرة وتمزق عميق تعجبت أن يخرج من رجل مثله :
_ هناك في سكن الاطفال و....
وإن تعجبت منذ ثواني أن يكون الجندي بهذا التمزق، فالعجب الحقيقي هو الذي أبصرته حين شحب وجه أرسلان بقوة وهو يقطع حديث الجندي دون أن يصبر على باقية كلماته يركض كالمجنون في الممر صوب المبنى الخاص بالصغار، وجسده كان ينتفض بشكل مرعب .
لم تضع سلمى المزيد من الوقت في تأمل المحيط بها وهي تركض لاحقة بارسلان تشعر بالاختناق ينتشر بالاجواء فجأة منددًا بعاصفة قريبة لا تدري من ستقتلع الأشجار أم القلوب ؟!
زادت خطواتها أكثر وأكثر حتى أصبحت خلف أرسلان بخطوة واحدة فقط وحينما خطى للمبنى كانت هي في عقبيه تراقب حالة الاستنفار المريبة .
حالة استنفار من العاملين هناك وأصوات بكاء وصراخ بعض الاطفال تعلو بشكل مريع وكأن ذكرى انهيار حياتهم تعاد أمام عيونهم، وارسلان يحدق بما يحدث باحثًا عمن يخبره ما يحدث، وحينما فشل ركض في الممرات بين الغرف يصرخ بهم بجنون :
_ توقفوا عن الصراخ والبكاء وليخبرني أحدكم ما يحدث هنا، توقفوا ..
توقفت بعض العاملات عن البكاء وتجرأت احداهن في الاقتراب منه والتحدث بصوت خافت تقطعه شهقات مكبوتة :
_ أنه سيف ...سيف الدين، هو ...هو يحتضر مولاي، الطبيب في الداخل والجميع يحاولون المساعدة لكن لا أحد يستطيع .
تجمد جسد أرسلان وشحب وجهه بقوة وسلمى تتابع ما يحدث تحاول فهم ذلك الاسم، رغم انقباضة صدرها لسماعها كلمة الموت والتي جاءت تحمل روائح غير محمودة في المكان .
وفي حين أن أرسلان كان يهرول منذ ثواني، أضحت الآن خطواته بطيئة بشكل مخيف وكأنه لا يستطيع نزع قدمه عن الأرض، وكأن جسده زاد اطنانًا مفاجئة تعرقل حركته بسهولة .
توجهت أنظار سلمى صوب أحد الأبواب والذي كان صوت صراخ زيان يخرج منه بشكل جعل صدرها ينقبض، ابتلعت ريقها ولم تكد تتكلم كلمة واحدة، حتى وجدت أرسلان يتحرك صوب الغرفة بتثاقل مريع .
وحينما وصل بابها كانت هي في أعقابه، لتبصر مشهدًا جعل صدرها يرتجف، ترى طفل بالكاد يُقدر في الثانية عشر، يتوسط فراشه شاحب الوجه مبتسم الثغر يردد كلمات لا تصل لأحد، وزيان جواره يجلس ارضًا يدفن وجهه بين أقدامه يخفي اهتزاز خفيف في جسده .
تحرك أرسلان ببطء صوب الفراش الخاص بالصغير والذي كان فقد أسرته بأكملها في انهيار لمنزله وفقد معهم ذراعه ليصاب باعياء شديد كان يتحامل عليه بجسارة لأيام طوال.
توقفت أقدام أرسلان جوار الفراش يجلس على ركبتيه جانبه يبتسم بسمة صغيرة وهو يربت على خصلات الصغير بحنان شديد :
_ السلام عليكم يا بطل، مالي أرى وجهك شاحبًا سيف الدين ؟؟
استدارت رأس سيف الدين صوب أرسلان يهمس بصوت منخفض لم يصل سوى له :
_ لم استطع مواصلة الحرب مثلك، أخبرتني أنك استطعت العيش بعد طعنات وإصابات كثيرة وأنك حاربت الآلام، لكنني لم استطع، لقد خسرت الحرب، لست بطلًا.
سقطت دمعة من عيون أرسلان لم يبصرها سوى الصغير، وشعر بجسده يرتجف استعدادًا لموجة بكاء، يبصر في الصغير استسلامًا يقتله .
امسك يده الباردة يحاول أن يتنفس ويتحدث بنبرة لا تظهر غصته التي استحكمت حلقة :
_ أحيانًا يكون الاستسلام قمة الانتصار سيف الدين، والتراجع قمة الشجاعة يا صغيري، احيانًا....
توقف عن الحديث يبتلع غصته ليشعر بيد الصغير ترتفع لتمسح دمعته وهو يردد بصوت خافت وكأنه ينازع الاحتفاظ بروحه للحظات إضافية :
_ سوف أذهب لوالديّ فلا تحزن أرسلان، غدًا نلتقي في جنات النعيم مولاي .
ومن بعد تلك الكلمات لم يسمع أرسلان سوى صوت الصغير ينطق الشهادة ويسلم روحه لبارئه، ليتجمد جسد أرسلان لحظات طويلة وعم هدوء المكان حوله، فقدان شخص آخر كان قشة قسمت ظهره، احتاج ثواني ليتنفس مجددًا بشكل طبيعي .
حرك عيونه في المكان يبصر جسد زيان المنهار في ركن الغرفة يدرك أنه الآن يحيا داخل ذكرى رحيل أبنائه وقد أعاد موت سيف الدين بين يديه دون أن يملك شيئًا يساعده به، ذكرى أليمة له، زيان الآن يسبح بين اوجاعه وقد وشت هزة جسده الصغيرة عن حربٍ ضروسٍ يخوضها في هذه اللحظة .
واخيرًا وصلت عيونه صوب الباب حيث كانت تقف سلمى تستند عليه بأعين شاخصة وجسد مرتجف وهي تبصر في حياتها وللمرة الثالثة موتًا بعد موت والديها، لكن تلك المرة كانت اقسى .
نظرت له سلمى نظرة مرتعبة ليبعد عيونه عنها بهدوء يهتف بصوت منخفض خرج مصحوبًا بغصة واضحة :
_ هل يمكنك مساعدتي فزيان الآن ليس واعيًا بما يحدث ..
تحدثت سلمى بدموع بدأت تجري على وجنتيها تحاول أن تعي ما يحدث حولها :
_ أنا ....هل هو ...هل رحل ؟!
وبمجرد نطق تلك الكلمات احتقن وجه أرسلان واشتد احمرار عيونه وهو ينهض عن مكانه يحمل معه الصغير بين أحضانه يهمس بصوت منخفض :
_ فقط اعتني بباقي الصغار رجاءً لا اعتقد أن أحدهم ينقصه رؤية رفيق لهم كجثة هامدة، افرغي لي الممر لأمر به .
سقطت دموع سلمى أكثر وهي تهز رأسها بسرعة كبيرة، ثم تحركت بسرعة للخارج تبصر الصغار متجمعين مرتعبين في المكان يبكون والبعض يواجه ما يحدث بأعين شاخصة مصدومة لتهتف بصوت ظهر به صوت البكاء واضح :
_ سوف أفعل، ثق بي .
ارتسمت بسمة باهتة على فمه وكم مقتت سلمى تلك البسمة، هي الآن تفضل بسمته المستفزة والساخرة وأي بسمة أخرى عدا هذه الباهتة الحزينة .
_ أنا أفعل .
وكانت هذه آخر الكلمات التي سمعتها من أرسلان وهي تخرج من المكان تمسح دموعها تبتسم بسمة واسعة تهتف في الصغار بما ظنت أنه قد يصرف انتباههم عما يحدث :
_ مرحبًا يا صغاري ألم تفتقدوا موزي الصغير ؟!
نظر لها البعض بفضول والبعض الآخر لم ينتبه حتى لما تتحدث به، لذا عمدت على التحدث مرة أخرى بصوت مرتفع اكثر وهي تردد :
_ هو مريض في المشفى مسكين لا أحد معه، ما رأيكم أن نزوره جميعًا ؟!
بدأ الإهتمام يتجلى على ملامح الجميع وقد اختارت سلمى موضوعًا مشوقًا يجذبهم، تبصر أنها أصابت هدفها بنجاح ولم تستغرق دقائق إلا وهي تتحرك بالجميع خارج المسكن الخاص بهم صوب غرفتها حيث تحتفظ بموزي بها تعتني بجروحه.
وحينما اطمئن أرسلان أن المكان أضحى خاليًا من الأطفال تحدث بصوت قوي وهو يبصر لجسد زيان الذي يتخذ من ركن الغرفة مأوى له ولذكرياته:
_ زيان هيا انهض، سندفن جسد الصغير الآن .
ختم حديثه يتحرك بجسد الصغير بين أحضانه شارد الأعين وهو يتذكر صوته المتحمس :
" وهل سيتقبلني جيش البلاد بذراع واحدة ؟!"
ابتسم له أرسلان وهو يضع سيفه الخاص بين قبضته :
" فقط انهض وكن بخير يا صغيري وإن أردت جعلتك قائدًا للجيوش بأكملها بدلًا من المعتصم "
اتسعت أعين الصغير بانبهار رغم نبرة أرسلان الممازحة، يتحسس السيف بيده منبهرًا به، وقد سمع سابقًا عن سيف الملك أرسلان والذي يحمل ختم الأسد الخاص به :
" هل ....هل سيكون لي سيف كهذا ؟! حين أصبح جنديًا في جيشك ستعطيني سيف كسيفك هذا ؟!"
سقطت دمعة أرسلان وهو يتحرك به خارج السكن بالكامل وصوت الصغير ما يزال يتردد في أذنه، فقد كان الصغير سيف الدين هو أول الواردين من الأطفال لهذا السكن وقد
عثر عليه أرسلان جريحًا مشردًا في طرقات المملكة ليقرر حينها أن يخصص مبنى كامل من مباني القلعة لأجل الاطفال الذين فقدوا ذويهم.
كان أولهم للسكن وسيكون أولهم للجنة .......
ضمه لصدره خائفًا من فكرة أن يكون قد خان عهده أمام الله بالاعتناء بهم، اهتز جسده وهو يخشى أن يقف أمام الله ويسأله عن تقصيره بحق أرواحهم .
ورث عن والده حِملًا وليس مُلكًا ...
خرج بالكامل من السكن يهتف بصوت ميت لأحد الجنود :
_ أيقظ الجميع وأعلمهم أن يتجهزوا لصلاة الجنازة .
نظر صوب وجه الصغير المبتسم يردد ببسمة صغيرة :
_ فقدت مشكى اليوم أحد أبطالها، لنكرمه إلى مثواه الأخير.........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخلت الغرفة التي تقبع بها بملامح وجه مكفهرة لا تتحدث بكلمة واحدة بينما حارسها الشخصي والذي خرج بوجه مدمر جراء قتاله العنيف مع ذلك العملاق، في اعقابها يحدق فيها بوجه محتقن بالغضب.
ولم تكد تستدير له للتحدث بكلمة واحدة حتى وجدته يصرخ بجنون :
_ فقط ألا يمكنك أن تظلي بمكانك دون افتعال مصائب ؟!
نظرت له توبة برفض لصراخه هذا، ليس لأنه حماها من ميتة وشيكة على يد العملاق المخيف وخرج بجروح غائرة بعدما أسقطه ارضًا، يكون له حق الصراخ بها بهذا الشكل .
رفعت إصبعها في وجهه تردد بصوت محذر :
- أحذرك أن تتخطى حدودك معي سمو الأمير، لا تنس الآن أنك لا تتحدث مع إحدى العاملات في قصر والدك الذي نبذته بكل حمق، أنا الأميرة ...
_ توبة ابنة الملك بارق وأميرة سبز، نعم حفظتها لهذه الكلمات وخمني ماذا؟! جسدي لا يرتعش خوفًا لذكر كل تلك الكلمات على مسامعي في كل مرة تتشاجرين بها معي، وإن كانت مكانتك كابنة للملك بارق وأميرة لسبز تقيكِ شر الفواجع وتحميكِ مكر الشياطين لما كنتِ هنا تتحدثين معي بعدما كدتي تقتلين على يد مختل .
ختم حديثه وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد وصل لحافة صبره منها، لكن يبدو أنه لم يكتفي بعد من تلك الكلمات التي شحبت على أثرها توبة وهي تخفض اصبعها ببهوت، بل أكمل كلماته بغيظ شديد :
_ ترفضين الثقة بي لإخراجك من هنا، وتثقين بعقلك المتهور ؟؟ أنتِ امرأة غريبة ..
نظرت له بشر تعض شفتيها وهي تبحث عن رد يلجمه عن محاولات تذكيرها بحقيقة تهرب منها، لكن كل ما وجدته في عقلها هو كلمة مغتاظة غاضبة :
_ أنت أكثر الرجال لُئمًا وخبثًا وإثارة للغضب نزار، أنا اكرهك، واشكر كل الظروف التي أدت لعدم تقاطع طرقنا مسبقًا .
ابتسم لها نزار وقد علم أنها حُشرت لتوها في الزاوية فاتسعت بسمته أكثر يستفزها أكثر وأكثر وكأنه لا يصدق أن الحياة اهدته لتوها فرصة أن يكون الكفة الراجحة في هذه العلاقة المعقدة :
_ من يدري ربما كان كل ذلك تجهيزًا للقاء اكبر لا يليه فراق سمو الأميرة .
رفعت توبة عيونها له بشر ليبتسم لها بسمة واسعة، جعلتها تبعد عيونها عنه تهتف بجدية وضيق من كلماته تلك :
_ ليس هناك لقاء سيستمر للنهاية، مصيره أن ينتهي ولو كان بموت أحدنا..
_ أنت أكثر امرأة متفائلة علمتها في حياتي، لكن لا بأس ربما تنتهي بموتي أنا ..
وللعجب ارتجف صدرها لهذه الفكرة، يموت على معصيته؟! ورغم كل القيم التي يحتفظ بها لا يزال ملوثًا بدماء العديد من الأبرياء الذين شارك بشكل أو بآخر في ابادتهم.
أبعدت عيونها عنه تسأل ولاول مرة بصوت خافت متردد :
_ هل يمكنك اخباري سبب فعلتك تلك ؟!
نظر لها نزار ثواني قبل أن يبعد عيونه عنها، لتقترب هي منه خطوات مترددة قربتها منه جسديًا لكنها في هذه اللحظة كانت بعيدة عنه كثيرًا إذ غادرت روح نزار جسده صوب ذكريات لا يفضل تذكرها، أما عنها فلم تتوقف عن التساؤل :
_ امير وطبيب وقائد جيوش دولة وولي العهد والملك المقبل لآبى بعد الملك آزار، غني وتمتلك زوجة وحياة هانئة، ما الذي كان ينقصك لتجلس يومًا وتفكر في الغدر بدينك ووطنك وشعبك !؟
نظر لها نزار نظرات الشخص المقيد والمعذب، ثم ابتسم بسمة صغيرة يهتف بصوت خافت وصل لها مجروح :
_ الشيطان لا يحتاج مبررات ليوسوس للإنسان، هو فقط سيستغل لحظات ضعفك ويدخل لك من ثغرات ما كنت تتوقع يومًا أنك تمتلكها، يدخل لك من نقاط ضعف ما ظننت يومًا أنك تحتويها داخل جسدك .
صمت ثم ابتسم بسمة مقهورة ينظر داخل عيونها هاتفًا :
_ أما عن سؤال المعلق السابق عما إذا كنت أعلم عدد الضحايا الذين ضاعوا بسبب غبائي أو كيف أنام ليلًا فأخبرك أنني لا أفعل، ليس الآن على الأقل، لن أنام مرتاح البال يومًا حتى أحقق ما أرنو إليه.
حدقت به ثواني قبل أن تتساءل :
_ وما هو يا ترى ؟! المزيد من الضحايا ؟؟
ابتسم نزار بسمة صغيرة سرعان ما انقلبت لضحكة صغيرة وهو يبعد عيونه عنها يمسح وجهه يهتف بصوت مقهورة :
- لا، يكفيني عدد الضحايا الذي نلته، لا أطمع بالمزيد في الواقع ..
_ ومن أخبرك أنه ليس هناك المزيد من ضحاياك ؟؟
نظر لها بعدم فهم وكأن جملتها لم تصل لخلايا عقله، وهي فقط ابتسمت بسمة مقتولة تهتف بصوت كان كالسياط يهبط عليه يجلده مرات ومرات :
_ هناك من رحلوا ودُفنوا بأجسادهم تاركين خلفهم المزيد يعاني بأرواحهم، ما يزال هناك أرواح عالقة في هذه الحياة بسبب ما حدث لهم على أيدي المنبوذين، منهم من يناضل لأجل روحه ومنهم من استسلمت روحه، هناك المئات يُقتلون يوميًا وهم على قيد الحياة نزار ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الجميع مصطف أمام النعش يصلون صلاة الجنازة على الصغير الذي لم يبصر من الحياة سوى لمامًا، ثم ذاق من العذاب كؤوسًا حتى اختار الاستسلام للموت .
كان جميع رجال القلعة مجتمعين يصلون على الصغير وبعدما انتهوا، حمل أرسلان النعش من جهة والمعتصم من جهة وفي الخلف رجلين من قادة الجيش، في حين أن زيان كان يتبعهم بنظرات شاخصة وكأن قوته لم تساعده في حمل النعش، يشعر بنفس الوجع، ذات الوجع يوم حمل نعش ابنائه وزوجته، حينها كانت جميع أطرافه ترتعش وهو يقودهم صوب القبر .
ما يزال يتذكر ذلك اليوم وكأنه اليوم، ارتعشت يده وهو يسمع الجميع يدعو للصغير، وذكرى الدعوات لصغاره وزوجته ذلك اليوم يتردد، ما يزال يرى أمامه جسده الجالس أمام القبور بعجز بعد رحيل الجميع يفكر كيف سيحيا وحيدًا .
لكن الله حشاه أن يلقي له بحمل يعلم أن لن يتحمله، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ...
كل ذلك كانت تراقبه سلمى من نافذتها في الأعلى بأعين ممتلئة بالدموع، تودع الصغير الذي ربما لم تتصادف معه سابقًا إلا مرات قليلة لم تعلم حتى بها اسمه، لكنها تشعر بالوجع والانقباض بصدرها، فما بالك من عاشره وعلمه وتحدث معه سابقًا ولو مقدار نصف كلمة .
وصل الجميع لجزء المقابر الخاص بالقلعة، وتحديدًا رقعة القبور المخصصة للجنود و الشهداء، يشير أرسلان لهم أنهم سيدفنونه معهم ..
شرع الجميع يدفنون الصغير وأصوات الدعاء يرن صداها في المكان، وبالنسبة لرجال حرب اعتادوا أن يبصروا رؤية القبور والاجساد التي خلت من أرواح أصحابها، لكن القلب يومًا لم يألف الفقد أو الموت .
انتهى الجميع مما يفعل وقد كان أرسلان هو من دفنه، ثم استقام يراقب القبر وقد بدأ الجميع يتحرك ليقفون أمام القبر بهدوء شديد ليردد أرسلان قوي :
_ لا تنسوا أخيكم من الدعاء بأن يثبته الله فإنه يُسأل، وليلحقنا الله به في الجنات بإذنه...
ختم حديثه وشرع الجميع يدعون له بالثبات وارسلان يراقبه لمدة دقائق حتى بدأ الجمع ينتفض كل يتحرك صوب مسكنه بقلب مزخم بالاحزان، ليرحلوا واحدًا تلو الآخر تاركين أرسلان ما يزال يراقب القبر بأعين شاردة.
والمعتصم في الخلف يتابعه بقلق يهمس له :
_ مولاي أنت بخير ؟!
هز أرسلان رأسه بنعم :
_ بخير يا المعتصم، بخير ...
انتهى من حديثه يتحرك صوب القبر ينتزع سيفه من ثيابه، ثم غرزه جوار القبر، واستقام يطالع القبر بنظرة حنونه وكأنه ينظر لوجه سيف الدين نفسه وليس قبره :
_ لن تحصل على مثل سيفي، بل ستناله نفسه سيف الدين، والله لا يستحق سيفي غيرك أيها البطل، ليتغمدك الله برحمته ويثبتك عند السؤال والحقنا بك وبالشهداء في جنات الفردوس.
أمن المعتصم وزيان خلفه على الدعاء:
_ آمين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس في منزلها تراقب الجدار أمامها بأعين زائغة لا تشعر بشيء حولها لشدة شرودها وكأنها انفصلت عن عالمنا واستبدلته بعالم آخر.
فجأة انتفض جسدها بسبب طرق عنيف على الباب، نظرت حولها برعب وهي تنادي والدتها :
_ أمي هل تنتظرين أحد ؟؟
لكن لم يصل لها صوت والدتها لتستوعب فجأة أنها خرجت منذ ساعات تاركة إياها وحدها، ابتلعت ريقها تتحرك صوب الباب بريبة تخشى أن يكون الملك قد غير رأيه وأرسل لها جنوده ليسحبونها صوب السجن مجددًا أو ليجلدها.
لكن ما إن فتحت الباب وتفاجئت بوجه الزائر حتى ارتخت ملامحها شيئًا فشيء وهي تراه يبعد قلنسوة عن وجهه مرددًا :
_ مرحبًا سراي، كيف حالك خارج أسوار سجون مشكى ؟!
ابتسمت سراي بسمة واسعة وهي ترحب بذلك الشخص، لكن دون أن تتزحزح من أمام الباب :
_ مرحبًا بك، كيف ...كيف علمت اين أسكن ؟!
_ أنا أعلم كل شيء سراي، والآن دعينا من هذا الحديث، هل نفذتي ما اتفقنا عليه سابقًا !!
هزت سراي رأسها سريعًا وهي تردد بصوت منخفض :
_ أنا احرص على وضع الاعشاب في فطورها كل صباح، كما أنني حصلت على كل ما طلبته مني، لكنني لا أفهم حتى سبب كل ما تفعله الآن ؟!
_ ليس شرطًا أن تفهمي كل شيء بقدر أن تعلمي أنني أفعل هذا لمصلحة مشتركة لنا .
_ حتى هذا أنا لا أعلمه، ما مصلتحك في خروج تلك الفتاة من مشكى أو حتى اذيتها ؟!
_ وهذا أيضًا ليس ضروريًا أن تعلميه، فقط نفذي ما أخبرك به، وحينما تنتهين يمكنك العثور عليّ محل اللحام الذي يقبع في السوق الجنوبي، هذا إن احتجتي لشيء .
نظرت له بجهل تحاول فهم ما يريده، لكن فقط تحدث بهدوء وهو يمد لها مخطوطة صغيرة بها خطوتها التالية:
_ أكملي ما أخبرتك له، وصدقيني إن اعجبت النتيجة سيدي فسوف تنالين ما لم تتخيلينه يومًا .
_ سيدك ؟! ومن سيدك يا ترى ؟!
نظر لها نظرة غامضة قبل أن يهز رأسه هزة لا معنى لها ويتحرك بعيدًا عنها تاركًا إياها تراقبه بأعين مترددة وهي تشعر بانقباضة في صدرها، أشخاص لا تعلم هويتهم ولا غرضهم ولا حتى خطتهم، الأمر مرعب أن تتعامل مع أشخاص لا تعلم عنهم سوى القليل .
نظرت للأوراق بيدها والتي يذكرون بها خطوتهم التالية، ورغم قلقها المستمر إلا أن الشيطان استغل ترددها ما بين التراجع والاستمرار ليدفعها دفعًا صوب الهاوية .
قبضت على الأوراق تدخل المنزل مجددًا وهي تفكر في القادم والذي كان يستدعي زيارة قصيرة لمنزل نجوم والتي أضحت حاليًا عيونها داخل القصر ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ساعدت العاملات في إعادة الاطفال صوب أسرتهم متلاشين التحدث عما حدث وكم كان ذلك سهلًا فالصغار لعبوا حتى تعبوا مع موزي والآن انتهت من مساعدتهم وتحركات للنوم ساعات قليلة قبل الشروق ..
تحركت وما كادت تدخل غرفتها حتى توقفت أقدامها فجأة تتذكر ملامح أرسلان التي شطرت قلبها نصفين، ابتلعت ريقها تتحرك متراجعة تود الاطمئنان عليه قبل الخلود للنوم .
لم تعلم أين تبحث، لكنها وجدت نفسها تتحرك تلقائيًا صوب الشرفة التي اعتاد أن يقف بها، وكم سعدت حينما ابصرته يقف هناك شاردًا بأعين لا تبصر سوى الفراغ والظلام حوله.
ترددت في الاقتراب منه، لكنها في النهاية فعلت وهي تبتسم بسمة صغيرة لا تعلم أتخدع بها نفسها أم توهمه هو :
_ مولاي ...
اغمض أرسلان عيونه لثواني حين سمع صوتها يعلو خلفه، ولم يستدر لها ربما لشعوره أنه يرفض في عرض لحظات حزنه هذه أمام أحدهم، وخاصة إذا كانت هي ذلك الاحدهم .
اقتربت منه خطوات مترددة خوفًا أن تكون متطفلة، ولم تدري أنه في هذه اللحظة كان في أشد الحاجة لرفقة، لكنه لم يكن يأمل أن تكون هي هذه الرفقة وتشهد انهياره المختبأ خلف نظرات الثبات .
استدار لها ببطء يمنحها نظرة صغيرة، قبل أن يبتسم بسمة لا معنى لها يبعدها عن الأمر الذي تنطق به عيونها، فهو لا يود التحدث والافاضة بما يشعر به مع أحدهم في هذه اللحظة، وكما اعتاد كتم وجعه داخله يهتف :
_ هل وجودك هنا في هذه اللحظة يعني أنكِ سامحتني ؟!
اطالت سلمى النظر بعيونه ثواني قبل أن تبتسم بسمة صغيرة، ثم هزت رأسها هزة صغيرة تقترب من سور الشرفة أكثر تهمس له :
- الآن فقط فعلت حين أبصرت تلك النظرات التي تبدو كما لو أنك أنك تتوسلني لاسامحك .
رفع أرسلان حاجبه وقد بدا أنه انفصل عن حالة الشجن التي دخل لها لثواني، وقد على التشنج ملامحه مستنكرًا حديثها :
_ ماذا ؟! أتوسل ؟؟ أتوسل ماذا ؟؟ لم ولن أتوسل لأجل شيء في هذه الحياة، فلن آتي اليوم واتوسلك ولو بنظراتي حتى .
ارتسمت بسمة صغيرة على وجه سلمى والتي علمت يقينًا كيف تخرجه من الحالة التي كاد يسجن بها نفسه، تتنفس بعمق وهي مغمضة العيون تستقبل هواء المساء البديع بعد هذه اللحظات الثقيلة على الروح .
_ لا بأس جلالة الملك، لكل قاعدة شواذ ولكل حالة نهاية، وحالة الكبرياء التي تغرق بها الآن لابد لها من نهاية، وسيأتي اليوم الذي تتوسل به لأجل شيء ترغبه من اعماق اعماق اعماق قلبك .
كانت تتحدث وهي ما تزال بنفس وضعيتها، وهو فقط يراقبها بأعين متأملة شاردًا دون أن يجيب جملتها، ليس لأنه لا يجد ردًا كعادته، فهو يمتلك من الردود الكثير، لكن كل ذلك الكثير تلاشى في حضرتها ...
_ لم أرغب يومًا في شيء ولم أحصل عليه، يمكنني الحصول على ما أريد دون التوسل لأجله.
فتحت سلمى عيونها تبتسم بسمة صغيرة تناقشه بكل جدية :
- بالقوة إذن ؟؟
_ بل باللين آنستي .
نظرت له بعدم فهم ليوضح لها بهدوء شديد وببساطة :
_ ربما يعتقد الجميع أنني أنال ما أريد بالقوة ولربما تساعدهم نظراتي وهيئتي الخشنة في الأمر، لكنني لا استعمل القوة ابدًا مع ما أريد آنستي، فما أريده لا أحب أن يتحطم تحت وطأة قبضتي إن استعملت معه القوة وسيلة .
نظرت له سلمى بصدمة من كلماته التي أثارت داخلها مشاعر مجهولة لا تفهمها البتة، لكنها ابتسمت دون شعور وهي تهمس بصوت منخفض تنظر له :
_ من أخبرك أن هيئتك توحي بالشراسة التي تصفها جلالة الملك ؟؟
ضمت قبضتيه خلف ظهره يحرك كتفه هامسًا بكل هدوء :
_ الجميع آنستي ..
ابتسمت بسمة صغيرة تبعد عيونها صوب السماء هامسة بصوت وصل له واضحّا وقد ارتعش قلبها للمرة التي لا تعلم عددها بعد سماعها ياء الملكية التي اضافها في حديثه :
_ إذن اسمح لي بالقول أن الجميع يمتلك مشكلة بنظره مولاي .
نظر لها ببسمة لم يشعر كيف نبتت حتى على فمه، وهي هزت رأسها له تكمل حديثها الذي جعله يشعر أنه كان شفافًا أمام عيونها إذ لم يأخذ الأمر منها بضعة أسابيع لتكتشف ما يخفي داخل صدره، والبعض استمر معه سنوات دون حتى أن ينتبه لما يعتمر قلبه.
_ أنت لا تظهر لي شرسًا، ولا تظهر لي متجبرًا كما يصفك البعض أو حتى متوحشًا حقيرًا كما كان يصفك كلٌ من صامد وصمود .
انكمشت ملامح أرسلان بتحفز يتوعد داخل صدره لهذين الاثنين بالويل إن ابصرهما، لتكمل هي بضحكة حين رأت انكماش ملامحه :
- أنت أكثر براءة ولين من كل تلك الصفات جلالة الملك.
رفع حاجبه بضيق من تلك الأوصاف التي لم يستسيغها البتة لتكمل هي :
_ تعاملك مع الصغار ومع شقيقتك ومع شعبك لا ينبع من شخص خشن الطباع أو غيره، إن أردت الحق فوالدك هو من يحق وصفه بكل تلك الصفات .
تعجب أرسلان ما تقول يهمس بعدم فهم وصدمة :
_ والدي ؟! وما أدراكِ بوالدي ؟!
نظرت له سلمى نظرة خطرة تهمس بصوت منخفض :
_ أوه الكثير مولاي، أنا أعلم عنك الكثير فاحذرني فأنا اخطر مما أظهر في العادة لو كنت تعلمني تمام العلم لاتخذت ساترًا بعيدًا عني .
ختمت جملتها تضحك بخفوت وهي تعود للشرود بالسماء تحت نظراته المحدقة في وجهها وعلى طرف لسانه تقبع كلمات كبتها داخل صدره .
" وكأن تحذيرك تأخر بعض الشيء سلمى "
كلمات لم يفضي بها، يبعد عيونه عنها بصعوبة ينظر صوب المكان حوله بشرود .
أخرجه من شروده صوتها وهي تهمس :
_ أنت بخير صحيح ؟!
ولم تسمع منه ردًا فقط أخذ ينظر للمكان حوله بأعين ضبابية تأبى التحرك صوب عيونها وكأنه يهرب من الإجابة، ولخبرتها الطويلة في هذه الأمور علمت أنه يتلاشي التحدث عما حدث وهي ستفعل المثل تعود بنظراتها للسماء وهو تحرك بعيونه نحوها حينما شعرت بأنها فكت حصار نظراتها عنه .
_ إذن لم تخبرني ماذا تفعل هنا عادة، أراك طوال الوقت تقف في هذه الشرفة .
ابتسم بسمة صغيرة يردد دون وعي وهو يراقب ملامحها :
_ اتأمل صنع الله ...
تعجبت سلمى كلماته وهي تستدير له ليبعد هو عيونه عنها بسرعة يدعي انشغاله بتأمل المحيط، وهي فقط رددت بصوت خافت :
_ يبدو هذا ....جميلًا .
نظر لها بتردد لتهمس هي بصوت خافت وهي تشرد في ملامحه :
_ أنت ألطف من الشخص الذي تحاول جاهدًا إظهاره جلالة الملك .
نظر لها ولأول مرة منذ بداية السهرة ينظران مباشرة بأعين بعضهما البعض، ولحظات هي لا يدركون عددها اطالوا التحديق في الأعين وكأن كل منهما يبحث عما فقده خلال حياتهما داخل عين الآخر..
وكان أول من أبعد عيونه هو أرسلان الذي شعر بفداحة ما يفعل يهمس كي يكسر حالمية هذه اللحظة مخافة أن يستغلها الشيطان ويحتسب نفسه ثالثًا في جلستهما.
_ إذن أنتِ سامحتني على خطأي صحيح ؟!
_ نعم سامحتك ولم اغفر لك .
رمش أرسلان دون وعي لكلماتها :
- عفوًا وما الفرق ؟؟
_ سامحتك على كلماتك ولم اغفر لك فعلتك، هذا هو الفرق جلالة الملك.
_ أنتِ يا امرأة ....
_ ها لا تثقل ميزانك لدي مولاي، فأنا غاضبة أكثر مما تتخيل وكلما فكرت بالتهاون معك تذكرت كلماتك التي كانت حادة كالسيف .
عض أرسلان شفتيه بضيق ينفخ بصوت مرتفع وهو يحرك نظراته للأمام بعيدًا عنها يبحث عن كلمات، حتى خرجت كلمات مغتاظة منه ساخرة من أحلامها الوردية بأن يسعى ويبحث عن طريقة لنيل غفرانها وكأنه يموت لأجل ذلك :
_ وكيف أنال غفرانك جلالة الملكة سلمى ؟!
وكم استشعرت بحلاوة اسمها من فمه، لكنها رغم ذلك تجاوزت عن ذلك اللقب واسمها الذي خرج منه دون شعور تقول :
- لا تطلب من شخص معرفة كيف تنال غفرانه عليك أن تنال ذلك بنفسك، يمكنك بذل بعض الجهد لأجل الأمر جلالة الملك لتعلم بما اهتم أنا لتحصل على ما ترنو له، يمكنك إرهاق عقلك بالتفكير لبعض الوقت، كما أرهقت لسانك بإهانتي
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه تحت عينه التي لاحقتها حتى اختفت عنه ليتنفس بضيق شديد وهو ينظر صوب السماء يدعي عدم الاهتمام رافضًا إضاعة وقته في التفكير لطلب الغفران منها .
في نفس الوقت الذي سمع صوت المعتصم يقتحم المكان وهو يهتف بجديًا :
_ مولاي ...
استدار له ارسلان يبتسم له بسمة صغيرة تعجبها المعتصم إذ ظن أنه سيأتي ليراه يرثي ذاته وينهار، وفي الحقيقة هو كان هكذا قبل أن تقتحم هي صحراءه القاحلة تنشر زهورها وتوزع عبيرها في الإرجاء مخلفة خلفها حديثه مزهرة بدلًا من تلك القاحلة .
_ اقترب يا المعتصم .
تحرك له المعتصم بهدوء وهو يهتف بصوت منخفض :
- عساك بخير حال !!
_ الحمدلله ..
_ هل ...طلبتني ؟؟
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يهز رأسه، ثم قال بصوت خافت :
- نعم، كنت أريد منك أن تساعدني .
_ بروحي مولاي .
_ حفظ الله روحك يا المعتصم، أنا فقط أود أن.... أود بعض الأفكار لتعويض الصغار، هل تساعدني؟؟ أعني أريد أن أوفر لهم الكثير من الأشياء كالتعليم وغيرهم من الأشياء الواجبة .
نظر له المعتصم بعدم فهم ليبعد أرسلان عيونه يهتف بغضة استحكمت حلقه دون شعور :
_ فقط لا ...لا أريد أن أقف بين يديّ الله وأُسأل عن تقصيري في حقهم يا المعتصم .
هتف المعتصم بلهفة وكأنه يحاول نفض غبار الذنب الذي يتهيأ لأرسلان أنه يلوث ثوبه :
_ لكنك بالفعل لا تقصر مولاي، لم تقصر يومًا مع أحد هنا، وإن فعلت وقصرت فالشخص الوحيد الذي قصرت بحقه كان أنت نفسك .
ابتسم له أرسلان بسمة موجوعة :
_ سيكون هذا اهون عليّ من التقصير في حق غيري وخاصة لو كان هذا الآخر هو طفل لا ذنب له في الحياة بشيء، ساعدني لعلي اعوض الصغار عن القليل مما فقدوه .
ابتسم له المعتصم وهو يهز رأسه ليبتسم له أرسلان ثم هتف بعدما تذكر فجأة شيئًا ما :
_ صحيح لم تخبرني كيف هو حال فاطمة ؟؟
ابتسم المعتصم بسمة واسعة وكأن مجرد استحضار اسمها في جلسة يجلب له سعادة الدنيا وما فيها، وقد اشرق وجهه فجأة بشكل غير طبيعي جعل أرسلان يرفع حاجبه بعدم فهم .
لكن الصدمة كانت حين سمع صوت المعتصم يردد بلهفة :
_ أوه فيما يخص فاطمة فأنا كنت ...كنت أريدك أن تساعدني في .... أنا أريد الزواج بها .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ساجدة تدعو ربها بكل ما يعتمر صدرها، وحينما فرغت من صلاتها أغمضت عيونها على وشك أن تحظى بنومة سريعة قبل أن تتكالب عليها اوجاعها أو تستيقظ همومها من نومها الخفيف .
لكن لم تكد تفعل الأمر، حتى سمعت صوت طرق على باب الغرفة الخاصة بها، رفعت عيونها تزفر بضيق تتعجب مقدرة ذلك الرجل على تحمل سُمية كلماتها، فهي منذ ساعة تقريبًا اسمعته من الكلمات أكثرها لذاعة، والآن يأتي بكل بساطة يطرق بابها .
_ ارحل نزار فلا قِبل لي بالتحدث معك في هذه اللحظة وقد اكتفيت لهذا اليوم .
فجأة وعلى عكس المتوقع وجدت الباب يُفتح ووجه شبه مألوف يطل عليها ببسمة غريبة استنكرتها توبة تهمس بضيق :
_ هذه أنتِ ؟؟
_ هل يمكنني الدخول ؟؟
رمقتها توبة طويلًا دون رد ولم تعلم ما الذي يجب فعله، فالمرأة أمامها ساعدتها أكثر مما تتوقع وهي تدين لها بالكثير، لكن مكانتها وما تفعله هنا يجعلها تحذرها، ما ادراها أن تكون مساعدة لأنمار ومعينًا له في أمر هي لا تدركه ؟!
ويبدو أن لطمات الحياة تركت أثرًا لا يُمحى داخل روح توبة والتي لم تكن تمنح ثقتها لأيٍ كان بسهولة :
_ هل هناك ما تحتاجينه مني ؟؟
حاولت صبغ صوتها بنبرة محايدة لا تظهر نفورها منها، وايضًا لا تظهر لينًا وهي لم تدرك بعد ما تسعى إليه تلك الفتاة الغريبة .
ابتسمت الفتاة وهي تقترب منها بتردد وقد شعرت براحة نسبية لسماع سؤال توبة :
- جئت اطمئن أنكِ بخير ؟! هل تحتاجين لشيء ؟؟
وحسنًا الأمر يزداد غرابة وهي لا تستطيع أن تأمن طرف المرأة، وظهر ذلك على ملامح وجهها وهي تحدق في وجه نازين بنظرات مرتابة، تراجعت خطوات قليلة للخلف جعلت بسمة نازين تتسع أكثر وهي تهمس :
– لا تخافي فأنا لن أضرك .
_ حتى إن اردتي ما استطعتي .
اتسعت بسمة نازين بشكل مريب جعل توبة تخشى أي غدر منها أكثر من ذي قبل، ونازين بمجرد أن أبصرت نظراتها حتى انطلقت ضحكاتها بشكل مريب تهتف من بينهم:
- هذا الكبرياء وهذه الشراسة تذكرني بأحدهم، حسنًا سمو الأميرة اطمئني فأنا لا انتوي كل هذا وإلا ما ساعدتك من الأساس.
نظرت لها توبة بشك لتنظر لها نازين نظرة باردة وهي تستعيد كل ما حدث داخل عقلها، فمنذ وطأت المكان وهي تحرص على ألا يطال توبة أذى من أنمار.
تنهدت بصوت مرتفع :
- فقط أردت الأطمئنان واخبارك أن اليوم ستخرجين من هنا ولا تعاندي رجاءً، إن علمتي ما يحضر لكِ ذلك الحقير أنمار لهربتي إلى ما بعد القطبين منه .
صمتت ثواني ثم أكملت :
_ اطيعي سمو الأمير نزار فهو يتكلف الكثير هنا فقط كي يساعدك .
همست توبة بغضب ساخر بعض الشيء :
- يبدو أن الأمير نزار يعني لكِ الكثير لتشفقي عليه من امرأة مثلي .
اتسعت أعين نادين بصدمة من كلماتها، قبل أن تبتسم بسمة صغيرة لا معنى لها تهز رأسها رافضة :
- أوه نعم الكثير، لكن ليس بهذه الطريقة التي تفكرين بها، هو مجرد شخص ذو مروءة اساعده كما أساعدك.
_ اعذريني، لكنني لا أرى أحد هنا يحتاج مساعدة بقدرك، أنتِ تغرقين بالوحل يا ابنتي .
اتسعت بسمة نازين بقوة وقد التمعت عيونها بشكل مثير للرعب هاتفة بتصميم مريب :
_ أنا غرقت بالفعل، وتبقى فقط أن اسحب الباقيين معي للقاع.
ختمت حديثها تتحرك صوب باب الغرفة لتوقفها توبة سريعًا وهي تردد بجدية :
- مهلًا ما الذي تقصدينه وما غرضك من كل تلك المساعدة التي تعرضينها بسخاء ؟!
تحدثت نازين دون أن تتوقف حتى وهي تخطو للخارج بملامح مظلمة وبسمة لا معنى لها وصوت وكأنه خرج من اعماق سحيقة :
_ لنقل أنه حساب قديم يتم تصفيته مع ذكر الخنزير أنمار وسلالته أجمعين.
توقفت أقدامها فجأة حين سمعت صوت توبة تردد دون شعور منها :
_ هل ...اذاكِ أنت الأخرى ؟!
تنفست نازين وقد أصبحت عيونها حمراء بشكل مخيف تشعر يصدرها يشتعل :
_ بل قتلني، وقتل كل من يعني بي في هذه الحياة ...
ومن بعد تلك الكلمات تبخر طيف نازين وكأنها لم تكن موجودة حتى في المكان بأكمله، تاركة توبة تراقب أثرها وقد شعرت بقلبها يرتعش تحت وطأة الكلمات التي نطقت بها للتو نازين، تفكر في كلماتها .
إلى أي مدى وصل أنمار بحقارته معها ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ المعتصم هل أنت جاد ؟! تريد الزواج منها الآن ؟!
رمش المعتصم ويبدو أنه لم يفهم ما يقصد أرسلان واجاب بكل بساطة وهدوء وسطحية إذ لم يصل له المعنى المقصود من السؤال لشدة توتره وخجله من النظر حتى صوب أرسلان:
_ بالطبع ليس الآن اخطط للذهاب غدًا لوالدتها والتحدث معها فيما يخص مرضها، وايضًا التلميح لها بالأمر ورؤية ما ستكون عليه ردة فعلها ايزاء الأمر.
- المعتصم يا عزيزي، ليس هذا ما قصدته بسؤالي، بل أنا قصدت الآن وقبل أن تنتهي فاطمة من علاجها ؟!
صمت ثواني ثم هز رأسه يفكر في الأمر:
_ اعتقد انه عليك التحدث مع ابنة رائف وسؤالها عن الأمر، ومعرفة إن كان يمكنك الزواج بها وهي بهذه الحالة .
تعجب منه المعتصم ولم يتقبل تلك الكلمات يجيب بتحفز واستنكار شديد :
_ أي حالة تقصد ؟! فاطمة بخير، هي لا تعاني شيئًا مريبًا هي فقط تعاني ذكريات مريرة و....
وقبل إكمال جملته المتحفزة قاطعه أرسلان وهو يرفع كفه في وجهه يهتف بجدية :
_ حسنًا حسنًا أنا لم أقصد كل ذلك، فقط يمكنك التحدث مع ابنة رائف ومعرفته ما وصلت له مع فاطمة والتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام .
تراجع المعتصم فورًا عن تحفزة وكأن الإدراك ضربه فجأة لينتبه فجأة مع من يتحدث، اشتد إحراجه، يتراجع للخلف بهدوء وهو يهز رأسه متنحنحًا بصوت منخفض :
_ أنا لم أقصد ....لم اقصد ما قلته للتو وتلك الطريقة التي تحدثت بها لم اقصد أنا فقط لا أحب أن يتحدث أحدهم عنها بـ..... أنا أعتذر منك مولاي لم اقصد .
نبتت بسمة واسعة على فم أرسلان يطالع المعتصم بدقة، يربت على كتفه بهدوء وقد غامت عيونه بمشاعر لا يفهمها أو ربما يدركها لكنه يتجاهلها :
_ لا بأس يا المعتصم، إذن أخبرني هل زواجك منها نابع من مشاعر تجاه الفتاة أم هي مجرد شفقة ؟!
على الاستنكار ملامح المعتصم يردد الكلمة بنظرات غريبة وكأنه يبصقها بعدم استساغة، وقد أثارت تلك الكلمة استياءه ولولا ذرات عقله التي يحتفظ بها في ركن يعيد داخل رأسه، تحديدًا بعيدًا عن متناول أرسلان وفاطمة، لكان أجابه بإجابة لا تمت لأخلاقه بشيء.
يصف كل عذابه وارقه ليالٍ طوال بكلمة شفقة ؟!
أيا ليته صدق وتوقف الأمر عند حدود الشفقة لكان أهون عليه من فورة مشاعره التي تتحرك بجنون جوار فاطمة، كلما اهدته طبق حلوى، أو كلما منحته بسمة منها، أو كلما كافئته بنطقها اسمه بلهجة خاصة بها هي .
_ شفقة ؟!
كانت نبرته مستنكرة بشكل جلب البسمة لوجه أرسلان الذي أبعد عيونه يحركها في المكان يدعي أنه يفكر في الأمر :
_ نعم ربما تكون شفقة على فتاة صغيرة تعرضت لـ...
فجأة توقف عن الحديث دون أن يستطيع إكمال ما علق داخل حلقه من كلمات وقد سافرت عيونه لإحدى الجهات بشكل مريب يضيقها يحاول فهم ما يراه، في حين أن المعتصم تعجب توقفه عن الحديث يتقدم منه صوب الشرفة :
_ تعرضت لماذا ؟! أنت تتحدث عن الفتاة وكأنها تـ ..
فجأة توقفت الكلمات الخارجة من فمه حين أبصر كف أرسلان يرتفع في وجهه وعيونه معلقة على شيء في الحدائق أسفلهم .
تغيرت مسار نظرات المعتصم وهو يحرك نظراته صوب الاسفل يبصر نفس المشهد الغريب يُعاد أمامهم، نفس الشخصين اللذين يقفان في معزل عن أعين الجميع وكأنهما لم يجدا أفضل من الحديقة لممارسة تلك الأفعال المقززة .
شخص يرتدي معطفًا وآخر يتضح من بنيته الجسدية أن رجل، يضم له الجسد الأول يرتكن به للجدار في عناق طويل وكأنه عاشق التقى معشوقه بعد طول انتظار .
وهناك في الأعلى كان يقف يراقب ما يحدث بأنفاس مسلوبة ووجه شاحب وقلب مضطرب، ابتلع ريقه بصعوبة يبصر شعاره الذهبي الخاص يتحرك بانسيابية مع حركة الجسد الذي يقبع بين احضان الشخص الآخر.
وقبل أن يأخذ عقله فرصته لرسم أفكاره الخاصة وكتابة وصف أسفل المشهد الذي يُعرض أمامه، سمع صوت المعتصم يخرج بضيق وغضب وقد نفر بعيونه عما يرى :
_ هذان مجددًا ؟!
ودون شعور خرجت كلمات أرسلان مصدومة وهو يشعر بالصورة تتحول لضباب أمامه:
_ مجددًا ؟!
نظر له المعتصم يقص عليه ما أبصره في المرة الأخيرة، بينما ملامح أرسلان تحتد شيئًا فشيء، ولم يكد ينتهي مما يخبر به أرسلان حتى تحرك الأخيرة بخطوات شبه مهرولة صوب الأسفل وهو يرى جحيمًا يشتعل أمام أعينه في هذه اللحظة، يتحرك بخطوات متعجلة صوب ذلك الركن الذي أبصر به الاثنين، يحاول إقناع عقله أن كل ذلك ما هو إلا محض تراهات .
لكن وحين وصل للمكان لم يبصر سوى طرف أحدهم يركض بشكل مرعب وكأن موته يلحق به، اشتدت نظرات أرسلان وهو يركض خلفه وقد على التصميم عيونه .
وحينما خرج من ظلام الحديقة لضوء الساحة توقفت أقدامه وهو يدور حول نفسه متنفسًا بصوت صاخب وقد تبخر الظل الذي كان يطارده منذ ثواني وكأن صاحبه قد أمتلك غبارًا سحريًا يساعده في الاختفاء أو ما شابه .
ودون ثانية تفكير تحرك بسرعة كبيرة صوب مبنى الغرفة وهو يشعر بصدره يشتغل :
_ هذا ليس صحيحًا، هذا ليس صحيحًا .
ولا يدري السبب أو ربما يدري وينكر، لكنه في هذه اللحظة كان جحيمًا يتحرك على قدمين وهو يرى كل المكان حوله باللون الأحمر ينتظر همسة ليجز عنق ناطقها .
وصل واخيرًا لغايته، يتوقف أمام باب غرفتها يطرقه بقوة مرعبة ينتظر أن تطل عليه سلمى ويطمئن قلبه قبل عقله، أن ما أبصر لا يمت لها بصلة وأنه ربما يكون شخصًا آخر.
لكن ما إن فُتح الباب حتى أبصرها تقف أمامه بوجه شبه متعرق وانفاس مرتفعة كما لو كانت تركض لساعات، امال رأسه ببطء وريبة وهو يهمس :
_ ما بكِ ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل عليها الغرفة بعد طرقات قليلة وهو يستغل الظلام الذي حل على الإرجاء وانشغال كافة سكان الجحر بالحفلة التي أعدتها نازين على شرف فسوقهم، وكأنها اتخذت فجورهم ذريعة لتقيم حفلة دون مناسبة تحييها هي بنفسها .
انتفض جسد توبة وهي تسمع صوت همسات في المكان دون أن تبصر من صاحبها سوى ظل خمنت هي أنها تعرفه وتعرف لمن يعود .
_ هيا توبة، سنرحل من هنا ..
نظرت له توبة بصدمة وهي تهمس بعدم فهم وقد بدأت شفاهها ترتجف :
_ ماذا ؟؟ هل....هل تتحدث بجدية ؟؟
_ لم أكن جادًا بحياتي بقدر ما أنا الآن، دعيني اخرجك من هنا قبل أن يشعر بنا أحدهم .
التمعت أعين توبة بالدموع وهي تنهض عن سجادة الصلاة وقد تناست عنادها وتناست نفورها منه وكرهها لما يفعل، نست كل شيء ولم تتذكر سوى أنها على وشك مغادرة هذا المستنقع .
مسحت دموعها تضم حجابها لها تخفي وجهها وهي تتحرك معه دون نقاش وقلبها ينتفض بقوة، تزامنًا مع ارتعاش جسدها تهمس بالدعاء وتتضرع لربها أن يخرجها من القرية الظالم أهلها .
خرجت من الكوخ الذي اتخذته مسكنًا طويلًا وهي تشعر بخلايها تنتفض فرحًا، تسير خلف نزار الذي كان يسبقها ويجذبها صوب طرقات لاول مرة تطئها في هذا المكان .
فجأة انتبهت لصوت غناء مرتفع يصدر من الجهة المعاكسة لتدرك صاحبة تلك الكلمات تهمس بصوت ملتاع :
_ نازين ؟!
_ نعم هي من أمنت لنا الطريق للخروج، علينا اخراجك من هنا بسرعة .
كان يتحدث وهو يتحرك أمامها يؤمن لها طريق الخروج وسيعود لهم لينتهي منهم، وإن أبى تلويث توبة سابقًا لغسل ذنوبه، فسوف يحيل حياتهم لجحيمًا، عسى ذلك أن يخفف من اثقال ذنوبه .
كان يتحرك وهو يرهف السمع حوله، لكن فجأة لم يشعر بأي خطوات خلفه ليتوقف مستديرًا صوب توبة التي توقفت تهمس برفض:
_ لا يمكننا تركها هنا ؟؟
نظر لها نزار بعدم فهم لتهمس توبة بخوف لم تعتقد أنها قد تملكه يومًا خاصة لتلك الراقصة التي كانت تشمئز منها منذ ساعات قليلة فقط .
_ نازين، لا يمكننا تركها، إن فعلنا فسوف يعلم أنمار ما فعلته ولن يرحمها، لا يمكننا تركها هنا نزار .
اتسعت أعين نزار وهو يقترب منها يصرخ بجنون وصوت غناء نازين المرتفع والقوي بصوتها المميز يصل لهم، وقد شعرت توبة بالوجع الساكن في صوتها .
_ لا يمكننا تركها، دعنا نعود لأجلها نزار .
_ هل تمزحين معي ؟؟ نعود لأجل من ؟! توبة دعيني اخرجك من هنا أرجوكِ، هناك من ينتظرك في الخارج وسوف يصطحبك صوب مشكى هي أقرب مملكة لنا، يمكنك أن تلجأي للملك أرسلان أو حتى لسفيد لدى الملك إيفان أو أبي حتى يمكنك اللجوء لأي مكان، لكن حذاري والاقتراب من سبز .
نفت توبة بإصرار مخيف وهي تتراجع للخلف تهمس بنبرة جادة :
_ لا يمكنني تركها له، لقد ...لا يمكنني أشعر أنني إن فعلت لن اسامح نفسي ما حييت، ارجوك نزار دعنا نعود لأجلها .
تنفس نزار بصوت مرتفع وهو يشعر بأعصابه بالكامل تحترق لشدة توتره هو من الأساس يخرجها من هنا بصعوبة، والآن تزيد من استحالة خروجهما وقد كانت نازين هي نفسها الشخص الذي سيشغل الجميع عنهم .
_ الأن ومنذ ساعات فقط كنتِ تنفرين الحديث عنها حتى؟! حقــــــــــًا؟!
نظر لوجه توبة والذي كان يعلوه الجدية والإصرار، ليسأل سيفه يهتف بشراسة ونبرة مرعبة :
_ ابقي هنا ولا تتبعيني، سمعتي ؟؟ إن تأخرت أكملي طريقك خارج هذه الحدود وستجدين من يساعدك في الوصول إلي مملكة تلجئين بها .
وبعد هذه الكلمات عاد بسرعة صوب الساحة التي تتوسط القرية والتي ترك بها نازين تؤدي فقرتها التي كانت تسلب أنفاس الجميع بعيدًا عنهم .
وصدره يشتعل بما يحدث، من الأساس هو يرفض ما تفعله نازين، يرفض أن ينجو بالمتاجرة بجسد امرأة، لكن نازين نفسها أخبرته أنها بوجوده أو لا ستفعل ما تريد، إذن فليستفد بما ستفعل ..
وصل للساحة يخفي ملامحه يحاول الاندساس بينهم يراقب نازين يتحين الفرصة المناسبة ليعلن لها عن وجودة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لم تستطع تنفيذ أمر واحد حتى، أنت بلا فائدة أصلان.
تحركت عيون أصلان صوب أنمار الذي كان يجلس على أحد المقاعد يمسك قطعة من القماش يجفف بها دماء وجهه المتخثرة والتي خلفها ورائه الملك آزار.
_ حقًا ؟! أنا من لم استطع أم رجالك الحمقى ؟! هل تتوقع مني الايقاع بجميع رجال الممالك وحدي ؟؟
صمت ثواني ثم أكمل بسخرية :
_ أنت وكنت مقابل الملك آزار وحده والذي هو مقارنة بك رجل طاعن بالعمر وقد جعل ملامح وجهك تختفي خلف الجروح، تطالبني بمقاتلة أرسلان وسالار وايفان ورجالهم وحدي ؟!
أطلق صوتًا ساخرًا :
_ في أحلام يقظتك أنمار.
رمقه أنمار بشر شديد، قبل أن تشتعل عيونه، ثم ابتسم بدون مقدمات يهتف بهدوء :
_ الاحلام خُلقت لتتحقق عزيزي أصلان، وهؤلاء الحمقى سيكونون تحت رحمتي، تمامًا كبارق العزيز .
حرك أصلان رأسه بسخرية وكأنه لا يتخيل ان يصل أنمار لهذه النقطة، وفي الحقيقة هو لا يهتم بأحلام وطموحات أنمار المبالغ بها، كل ما يهتم به هو الوصول للعرش وهذا ما سيعمل عليه .
_ إذن ما الخطوة التالية ؟؟
تحركت أعين أنمار في المكان، حتى هو لا يدرك ما التالي ؟! لقد ذرع أعوانه بكل مكان بالفعل وبنى خطته للإيقاع بهم، وتبقى له فقط التنفيذ، لكن حتى هذه الخطوة يشعر أن موعدها لم يحن بعد، ليس وهم بأوج قوتهم، ليس الآن على الاطلاق .
_ حين أقرر سأخبركم، والآن يمكنك الرحيل أصلان .
نظر له أصلان بكره شديد، لولا غايته ما تعاون مع ذلك النكرة الذي لم يكن يفقه في الحكم ولا الجيش سوى لمامًا، الأبله الذي كان يسخر منه كلما شاركهم أي جلسة الأن يأمره، لكن صبرًا حتى يصل لهدفه، ومن ثم سيعلقه على بوابة سبز أو يلف بشريط وردي ويرسله لأرسلان، لا عقاب اسوء من ذلك على حد علمه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان ما يزال في النافذة يراقب ما يحدث متسع الأعين، ركض الملك خلف الأشخاص مجهولي الهوية، والاستنفار الذي حدث في الاسفل، كل ذلك وهو لا يحرك ساكنًا، لكن فجأة انتفض جسده حين سمع صوتًا خلفه يهتف .
_ يا المعتصم ..
رمش بعد استيعاب يستدير ببطء شديد يحاول التأكد أن ما وصل لمسامعه منذ ثواني ليس محض اوهام من عقله المسكين الذي يرتجي منها كلمة تطفئ نيران صدره .
استدار ببطء شديد يحاول التنفس بشكل طبيعي يبصر ملامحها قريبة منه وهي ترتدي ثيابها كاملة وكأنها على وشك الخروج أو ما شابه .
وذلك لم يكن فقط مجرد تخمين منه إذ فجأة فتحت فاطمة فمها تهتف بجدية :
_ جيد أنني أبصرتك قبل الرحيل يا المعتصم كنت أبحث عنك، أردت فقط اخبارك أنني سأعود للمنزل كي لا تخاف أمي، لذا بحثت عنك لاخبارك كي لا تقلق حينما لا تجدني في المشفى .
كانت تتحدث بكل هدوء ونبرتها خرجت هادئة جادة بسيطة، حتى شعر المعتصم أنه ربما كان يحلم بها، فهو متأكد أنه تركها في غرفتها، لا يعقل أنها تقف أمامه الآن بعد منتصف الليل تطالبة بالعودة للمنزل .
لكن فاطمة كانت مصرة على أن تصدم المعتصم في كل مقابلة وتنهيها بشكل مريب، إذ تبعت جملتها الاولى بسمة واسعة ثم رفعت كفها تلوح له :
_ إلى اللقاء، سوف اعود غدًا من أجل العمل .
تحركت بعد كلماتها هذه بكل هدوء وهي تدندن بعض الكلمات تحت أعين المعتصم المصدومة والذي كان متسع الفاه يراقبها تتحرك بتؤدة أمامه.
لكن فجأة توقفت فاطمة ليعتقد هو بكل براءة وحسن نية أنها واخيرًا أدركت ما يحدث حولها، لكنها فقط توقفت تستدير له تتساءل بصوت مرتفع بعض الشيء :
- هل تعتقد أنني يمكنني طلب إجازة غدًا ؟؟ أم تظن أن رئيسة العاملات ستعارض الأمر ؟؟ يمكنني أن أعمل اليوم الذي يليه وقتًا اضافيًا لتغطية مكاني هنا .
وحين ختمت حديثها أجابت نفسها ببسمة واسعة :
- يمكنني صحيح ؟! أنت حقًا رجل ذو مروءة، شكرًا لك .
ومن بعد هذه الكلمات اختفى طيف فاطمة من المكان بأكمله والمعتصم ما يزال واقفًا يرتشف كؤوس الصدمة التي القتها له منذ ثواني، وحينما أدرك عقله ما حدث منذ ثواني نظر حول نفسه بتعجب :
_ أيعقل أن كل هذا كان حلمًا ؟!
صمت ثواني وكأنه يبحث في عقله عن إجابة، ليجد أن لا إجابة منطقية سوى نعم، لذا تنهد وهو يتحرك صوب النافذة يكمل المراقبة التي كانت ....
وقبل أن يستكمل افكاره اتسعت عيونه يدرك أن ما حدث منذ ثواني لم يكن سوى واقعًا غريبًا يرى أمامه فاطمة تتحرك صوب بوابة الخروج بكل هدوء ورقة .
فرك المعتصم عيونه بصدمة كبيرة وهو يحاول إدراك ما يحدث قبل أن ينتفض جسده ويركض بسرعة كبيرة صوب البوابة يردد بصدمة :
_ لم يكن حلمًا ؟؟ لم يكن حلمًا ؟؟
وبعد ثواني استغرقها هرولة على الدرج وصل واخيرًا للساحة الأمامية ينادي بصوت مرتفع صاخب :
_ فاطمــــــــة توقفـــــــــي .
توقفت فاطمة بصدمة كبيرة ورعب حين سمعت تلك الصرخة تضم حقيبتها لها تخشى الاستدارة، وحينما وصل لها المعتصم توقف أمامها يهتف بأعين مشتعلة :
_ إلى أين تحسبين نفسك ذاهبة ؟؟
_ إلى المنزل .
_ الآن ؟! هل جننتي ؟؟
_ وما المشكلة في ذلك؟! يمكنني العودة وحدي لا تقلق .
ولم تكد تتحرك خطوة حتى وجدته يوقفها بسرعة وهو يتحرك بسرعة يقطع طريقها :
_ فاطمة توقفي عن جنونك، لا يمكنك المغادرة الآن في هذا الوقت والشوارع شبه خالية .
كان يتحدث بقلق شديد ابصرته فاطمة لتبعد وجهها عنه يخجل حين أبصرت نظراته لها، وهو فقط يطيل التحديق بها دون شعور ولم ينتبه على نفسه إلا حينما أبصر احمرار وجهها بشدة ليبعد عيونه عنها بسرعة :
_ أنا ...غدًا سأذهب لاحضر والدتك بنفسك، لقد وعدتك .
حركت فاطمة نظراتها له مجددًا تقع في أسر نظراته بعدما فرت منها بصعوبة منذ ثواني :
_ لا يمكنني الانتظار أكثر لا استطيع النوم خارج أحضان أمي، بالتأكيد ستموت رعبًا عليّ رغم أنني اطمئننت عليها من العمة ألطاف حين زارتني، لكنني أدرك أنها الآن تجلس على جمر لعدم رؤيتي أمامها، لذا اعذرني لن استطيع الانتظار .
ختمت حديثها تتجاوزه بكل بساطة وهو ما يزال يقف مكانه يضغط على قبضته بقوة وغضب شديد يحاول تمالك نفسه قبل أن يبتسم بسمة المغلوب على أمره، قبل أن يستدير لها متسائلًا بجدية :
- تستطيعين ركوب الخيل ؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتفع حاجب سلمى بريبة دون فهم ما يعنيه سؤاله في هذه اللحظة او ما يعنيه حتى وقوفه بهذا الشكل على عتبات غرفتها بهذا الوقت .
_ عفوًا منك ؟!
_ ما بكِ ؟؟
ابتسمت بعدم تصديق لسؤاله ذلك والذي لم يكن يقصد به أرسلان سوى معرفة سبب تنفسها السريع هذا في هذه اللحظة تحديدًا بعدما كان يركض خلف الظل الذي يرتدي معطفه .
_ هل تمزح معي ؟! تقف على عتبات غرفتي لتتساءل ما بي ؟! لا تقل أنك أصبحت مراعيًا فجأة، فجئت تطمئن على صحتي قبل النوم؟! أنت لست بهذه الرقة صحيح ؟!
ختمت حديثها تضيق عيونها بشك من هذا الرجل المريب، ليصدمها هو باندفاعه في الحديث دون تفكير :
_ هل خرجتي من غرفتك الليلة ؟!
أجاب سؤالها بسؤال آخر واعصابه تحترق على نيران متأججة في انتظار اجابتها التي يشعر أنها ستحييه أو تقتله ..
وهي ورغم أنها لم تدرك ما يريد إلا أنها أجابت بكل بساطة وهي تمد شفتيها بتفكير :
_ نعم خرجت من غرفتي .
شعر أرسلان بتوقف ضربات قلبه وصوت قوي يرن داخل أذنه بشكل مريع، لولا كلماتها التالية التي أعادت له روحه التي كادت تغادره منذ لحظات :
_ألم أكن معك بالشرفة منذ دقائق، هل نسيت بهذه السرعة؟!
منع نفسه بصعوبة عن تنفس الصعداء على مرأى منها يكمل كي يتأكد مائة بالمائة:
_ عدا ذلك ؟؟ هل خرجتي من غرفتك لمكانٍ ما هذه الليلة ؟؟
نفت سلمى برأسها بكل بساطة ولم تكد تتحدث بأي كلمة حتى بادر سريعًا يقترب منها خطوة ينظر لعيونها وكأنه يحاول اختراق أعماقها أو ما شابه، بينما هي تراجعت بريبة للخلف تنظر له بعدم فهم تحاول التحدث بكلمة واحدة فقط توقف تقدمه منها .
ليتوقف أرسلان بالفعل حين أصبح على بعد شعرة واحدة من كسر المسافة الآمنة والمناسبة بينهما، يمنحها بسمة غريبة يحاول قراءة عيونها ومعرفة مقدار صدققها، نظراته جعلت سلمى ترفع حاجبها وهي تردد :
_ حقًا؟؟ تمارس عليّ ضغطًا نفسيًا الأن ؟! هل تمزح معي ؟؟ هذه النظرات لن تؤتي ثمارها معي وقد طبقتها بالفعل على نصف مجرمي البرازيل .
اتسعت بسمة الساخرة تهمس له وهي تميل صوبه :
_ لا تنافس محترفًا في لعبته المفضلة مولاي .
اتسعت بسمة أرسلان أكثر، وهو يحرك عيونه يدعي الهدوء والحكمة والتي مان أبعد ما يكون عنها في هذه اللحظة في الواقع :
_ حينما خرجتِ لي منذ ثواني قليلة، كان تنفسك مرتفع، هل يمكنك تفسير الأمر لي ؟!
_ انصحك بقول ما تريده مباشرة دون عرض مهاراتك في التحقيق .
رفع حاجبه وكأنه ما يزال ينتظر اجابه وهي زفرت بضيق شديد، ورغم عدم فهما لسبب سؤاله هذا إلا أنها هزت رأسها ببساطة تردد :
_ نعم كنت أمارس بعض الرياضية المسائية فأنا بدأت أشعر أنني اكتسبت بضع الكيلو جرامات في الآونة الأخيرة بسبب الطعام هنا على ما اعتقد .
ختمت حديثها تنظر صوب جسدها تلقائيًا بعد كلماتها، وكأنها تقيم ما وصلت له بالفعل خلال فترة إقامتها هنا، لتتحرك عيون أرسلان معها دون وعي وبعدم فهم وكأن حديثها تحكم بها لكن قبل أن يبصر حتى طرفها انتفض للخلف بشكل مرعب حين استوعب ما كاد يفعل منذ ثواني، انتفاضة جعلت جسد سلمى ينتفض بالمقابل بشكل مفزع وهي تتحدث بصوت مصدوم من انتفاضته القوية :
_ ماذا ؟!
أبعد أرسلان عيونه عنها بصدمة من حاله كيف لم يستوعب ما كاد يفعل، لترتفع صوت استغفاراته وهو يتحرك بعيدًا عنها بسرعة كبيرة وقوة يتمتم ببعض الكلمات التي لم تصل لها، وهي ما تزال تقف مكانها لا تفهم ما يحدث .
بينما أرسلان كان لا يدرك ما يحدث حوله، من ذلك الشخص الذي كان يرتدي معطفه ومن الذي كان معه ومن أين أحضر معطفه من الأساس، مئات الأسئلة ترن داخل عقله محاولًا البحث عن حل لها، ومن بين تلك الأفكار أبصر حلًا مؤقتًا يتحرك أمامه بكل سلام وهدوء لتلتمع عيونه بقوة وهو يهمس بنبرة خطيرة :
_ زيان العزيز مرحبًا ....
توقفت أقدام زيان والذي كان خارجًا من أحد المباني يحمل كوبًا من الحليب الدافئ يردد انشودة قديمة بهدوء شديد وشرود ..
_ مولاي، مساء الخير .
اتسعت بسمة أرسلان بشكل مريب جعل زيان ينظر حوله بعدم فهم وكأنه يبحث عن سبب تلك البسمة الشريرة التي ارتسمت على فمه .
_ ماذا؟! لماذا تنظر لي بهذا الشكل ؟!
اقترب منه أرسلان يضمه من كتفه بهدوء يتحرك به دون أن يعلم نزار إلى أين يتحرك، هو فقط وجد أقدامه تتحرك وفق تحركات أرسلان.
_ سوف نقضي وقتًا ممتعًا سويًا، فأنا لا أشعر بالنعاس .
نظر زيان صوب كوب الحليب الخاص به يرمش بعدم فهم وحينما أبصر ساحة القتال تلوح له حتى توقف يحاول الفرار من بين يد أرسلان :
_ لكن أنا... أنا أشعر بالنعاس لقد كنت على وشك النوم وأنا اسير حتى .
_ توقف عن الكذب زيان، إن كنت تشعر بالنعاس حقًا ما ذهبت لتحضر بعض اللبن لنفسك .
_ هذا ليس لي، بل ....بل لقطتي نعم هذا لبرفى القطة الصغيرة التي تجلس معي في غرفتي، أتيت لاحضره لها .
نظر له أرسلان بحدة وغضب :
_ الحق بي للساحة زيان .
نظر له زيان وهو يقاوم التحرك معه، يتشبث بكوب اللبن الخاص به بقوة :
_ لكنني أود النوم بعظام صحيحة مولاي .
جذبه أرسلان معه بشر وهو يتحرك صوب الساحة بأعين تضئ بشكل خطير .
في حين أنه وفي الأعلى كانت سلمى تراقب ما يحدث مع أرسلان تبصر تحركه بعنف صوب الساحة لتدرك أنه ذاهب لتفريغ غضبه بأحد المساكين، لذلك ارتدت الاسدال الخاص بها بهدوء شديد :
_ ذلك الرجل لن يتوقف عن أفعاله هذه حتى اعرضه لجلسات كهرباء مكثفة .
زفرت بضيق تتحرك بسرعة صوب الباب ولم تكد تفتحه حتى وجدته فُتح بواسطة شخص مجهول وجسد يدفعها للداخل بعنف جعلها تتراجع دون أن تتحكم في حركة جسدها لتسقط ارضًا ترفع رأسها وهي تهتف بصوت مرتفع :
_ مـــــــن أنـــــــــــــــــت ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ترقص بقوة وهي تدور في المكان تشعر بجسدها يطوف في الهواء الوجوه تتحرك حولها بشكل سريع حتى بدأت تشعر بهم يندمجون مكونين صورة غير مفهومة، وهي تؤدي رقصتها بسرعة كبيرة وعلى أطراف عيونها تقبع دمعة تقاوم للنزول وهي تشعر بالروح تطوف داخل منزل محطم بالكامل والجسد ينازع للنجاة وأصوات الصرخات تحيط بها .
صور من ماضي نازين بدأت تتلاحق أمام عيونها، صور جعلت جسدها يزداد في حدة حركاته وكأنها تحارب وليست ترقص، والأصوات حولها تزداد حماسًا لأجلها، وهي تكمل رغبة في تشتيت الإنتباه عن الهاربين .
تغني بصوت قوي وهي تحرك كتفيها ومن ثم خصرها بانسيابية عجيبة، وتلك ربما كانت الموهبة التي جعلتها تنجو من مصير اسود في المكان، فالفتاة هنا إما أن تكون ضعيفة وتصبح ممسحة للأقدام ومرتعًا للرجال، أو تكون قوية موهوبة وتصبح راقصة وفاسقة، وهي لم تكن فقط راقصة، بل كانت راقصة وحقيرة لتجعل الرجال هنا ممسحة لقدمها هي .
اتسعت بسمتها وهي تبصر وجوههم القذرة يكاد اللعاب يسيل من أفواههم، ومن بين حركاتها تلك توقفت عيونها على جسد يتخفى بين الجمهور يشير لها إشارات ادركتها في ثواني، وهي تتوقف عن الحركة فجأة بشكل أثار الإنتباه لتردد ببسمة صغيرة .
_ استراحة صغيرة ونكمل حفلتنا.
أشارت من بعدها لفتاة أخرى لتتقدم من المكان وهي تتولى أمر الرقصات وتحركت هي بعدها صوب غرفتها تشير بعيونها صوب نزار ليلحق بها، وبمجرد أن شعرت باختفاء جسدها عن الأعين حتى توقفت تنظر ظهور نزار والذي بمجرد أن لمحته تحدثت بلهفة :
_ هل ...هل اوصلتها ؟؟
توقف نزار وهو ينفي برأسه تخمينها ليتوقف قلب نازين تردد بصوت خافت :
_ لا تقل أن هناك من اعترض طريقكم لقد امنت للطريق جيدًا ؟!
_ لا، لكنها ترفض الرحيل إلا بشرط واحد .
نظرت له نازين بعدم فهم، شرط ماذا ؟! الآن تضع شروطًا لتخرج من مستنقع كانت تصرخ يوميًا أنها تود الرحيل عنه ؟! اي نوع من النساء هذه المرأة ؟!
وعلمت نازين أي نوع هي توبة حين سمعت باقية جملته المعلقة وهو ينظر لعيونها يقول بجدية :
_ هي تنتظرك وترفض الرحيل وتركك هنا، لذا عدت لأخذك معنا .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان صدى ضحكتها يتردد في المكان وهي تحتضن رقبة ما الحصان بقوة خشية السقوط، في حين أن المعتصم كان يمسك اللجام لها كي يتحكم في الحصان الخاص بها بعدما رفض أن ترحل سيرًا كل هذه المسافة وهي ما تزال مريضة بالفعل .
وحين اوشك على بلوغ المنزل الخاص بها سمع صوتها يهتف بسعادة كبيرة :
_ الأمر ممتع كثيرًا، لطالما كنت أتساءل عن شعور الجميع حين يمتطون حصانًا، ربما يومًا ما احصل على حصان ابيض بشعر ابيض كثيف .
ابتسم لها المعتصم وهو يكمل طريقه بهدوء شديد يستمتع باحلامها البريئة وكأن عالمها وحياتها بنقاء الثلوج، وكأنها لم تواجه صعوبات يومًا، وهذا جعل بسمته تتسع وهو يدون كل كلمة تنطقها في عقله، ينتظر فقط وقتًا تسمح له الحياة بتحقيق أحلامها .
تنفس يوصت مرتفع يردد بصوت خافت هادئ :
_ ربما يومًا تحصلين على مثل هذا الحصان الذي تحلمين به، من يدري ؟؟
رفعت عيونها له وهي ما تزال ممسكة بالحصانة في قوة شديدة والغريب أنه لن يغضب أو يتصرف بعدوانية، حتى الحصان استكان لسحر فاطمة.
أي سحر تمتلك تلك المرأة ؟!
كان شاردًا في ملامحها مبتسمًا حتى انتقض فجأة على صوتها وهي تهمس بصوت مصدوم :
_ حريق ...حريق في منزلي .
تغضنت ملامح المعتصم وهو يرى ملامحها قد شحبت فجأة وبشكل مريب، ليعلم أن نفس الكابوس الذي يظهر يوميًا على وشك الظهور:
_ فاطمة ليس هناك حريق لا ....
وقبل إكمال جملته اتسعت عيونه برعب وهو يبصر الحريق يخرج من عقل فاطمة ليتمثل واقعًا أمام عيونه في هذه اللحظة .
حريق هائل يأتي من الشارع الذي يقبع به منزل فاطمة وصوت فاطمة جواره يصرخ بشكل مرعب :
_ عائلتي....عائلتي.
وكأن عقلها في هذه اللحظات أدرك واقعًا تهرب منه، لذا من بين جميع أفراد عائلتها والذين تتعامل معهم على أنهم واقعًا، لم يتعرف عقلها ولم يستغيث سوى باسم الشخص الوحيد الذي يعلم يقينًا أنه حي .
_ أمــــــــــــــي، أمـــــــــــــــي بالداخـــــــــــل ........
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكريات تحترق ورماد يتناثر، مؤامرات تُصنع ومكائد تُحضر.
حب وحرب والغلبة لمن ؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية اسد مشكي الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمه نبيل
حركت عيونها بسرعة وتحفز صوب ذلك الجسد الذي اقتحم غرفتها.
تطيل التحديق به دون فهم، جسد يتشح بالاسود وقد بدا من الهيئة الخارجية ذكوري.
تنفست سلمى ببطء وهي تنهض بهدوء وكأنها تبدي له ردة فعل طبيعية، تظهر له أنها تأمن لوجود غريب داخل غرفتها وإن كان العكس يدور داخلها.
"من أنت؟ وماذا تفعل داخل غرفتي؟"
اطال الرجل، والذي لم يظهر من وجهه سوى عيون سوداء فقط، النظر لها دون ردة فعل محددة.
هي فقط مالت برأسها بريبة، بينما الأخير ينتظر فقط أن يقضي غرضه ويرحل من هنا كما كان يفعل لأيام، متعجبًا أنها مستيقظة اليوم على العكس المتوقع.
وكذلك يتعجب صمتها المريب، في حين أنه كان يستعد لصراخ ورعب جلي يصمته هو بحقنة اعشاب يحملها بين طيات ثيابه.
ومن بين أفكاره المتقاذفة حول غرابة تلك المرأة، فجأة ودون مقدمات وجد قدمها تصطدم بعنف مريع بعظام وجهه حتى شعر بها تتفتت تحت وقع ضربتها.
وكان الأمر مفاجئًا من جهة سلمى، والتي بمجرد أن ابصرته لم يتبادر بزهنها سوى نفس الحقير الذي جرح موزي وسرق معطفها.
ومن بعد الضربة الأولى، لم يشعر الرجل سوى بجسده يحتضن الجدار خلفه بقوة بعد لكمة أخرى، يشعر برأسه سيسقط عن جسده لشدة الارتطام الذي صابه منذ ثواني.
يتنفس بصعوبة وقد شعر بالدماء تسير على وجهه، يرفض اخراج صرخة واحدة قد تفسد الخطة الخاصة بهم.
ولم يكد يتنفس نفس إضافي حتى شعر بباقي عظام جسده تُطحن داخل الجدار وصوت خلفه يردد:
"هل تظنني لطيفة يا هذا؟"
حاول الرجل إدارة رأسه لينظر لها وهو يتنفس بصعوبة، ليبصر وجهها القريب.
ويقسم أنه لو كان في موقف آخر وبكامل صحته لأسمعها أشعارًا عن مدى اللطف الذي تظهر به.
فجأة أبصر بسمة مرعبة ترتسم على فمها وهي تردد بفحيح:
"نعم، هذه هي نفسها النظرة التي كان يرمقني بها الجميع قبل أن يواري التراب أجسادهم."
ختمت جملتها تثني ذراعه بقوة حتى شعر أنها فصلته بالكامل، يعض شفتيه كاتمًا تأوهه بصعوبة، وصوتها ما يزال يصدح:
"كان يمكنني أن أحسن الظن بك بأنك أخطأت الغرفة على سبيل المثال، لكن اقتحامك لغرفة امرأة وتأملك الوقح لها، يلغي أي حسن نية قد أظنه بك. والآن بكل هدوء ستتحدث وتخبرني ما الذي تريده؟"
نظر لها الرجل بصمت حتى بدأت تصدق هي أنه أبكم، فمنذ دخل لم ينبث ببنت شفة أو حتى يخرج صرخة رغم كل ما تلقاه على يديها.
ولم يكن منه سوى أن همس بصوت خافت:
"نهايتك في هذا القصر جلالة الملكة."
ومن بعد تلك الكلمة وقبل أن تستفسر حتى عن مقصده، شعرت بوخزة قوية تبعها شعور غريب جعلها تنظر له بصدمة وهي تفتح فمها للتحدث.
لكن دفعة منه منعت ذلك وهي تسقط أرضًا وقد شعرت بجسدها بالكامل يُشل.
وهي تراه يتحرك بصعوبة بسبب إصابات جسده يستخدم يد واحدة بسبب تلك التي كُسرت، يقترب منها بهدوء يميل عليها هامسًا:
"لا تقلقي، حينما ننتهي من هذا القصر وصاحبه، ستكونين سيدة القصر كذلك، لكن لرجل آخر غير أرسلان..."
ومن بعد تلك الكلمات لم تسمع شيء وقد شعرت بالظلام يتسيد المشهد أمامهما.
كل ذلك كان تحت أنظار موزي الذي لم يستطع التحرك وهو يصدر صوتًا مرتفعًا مزعجًا جعل ملامح الرجل تنكمش بضيق.
تحرك بصعوبة شديدة صوب المرحاض يلقي نظرة سريعة على موزي هامسًا بسخرية:
"يبدو أنني أخطأت حينما تركتك حيًا آخر مرة أيها القرد الحقير، اصمت وإلا قطعت لك لسانك."
ختم حديثه يقتحم المرحاض، يغتسل من دمائه، يهندم من ثيابه كي لا تظهر أثر المعركة التي خاضها منذ ثواني.
ثم خرج يجذب جسد سلمى يلقي به على الفراش بصعوبة بالغة، ثم خلع عنها الحجاب يلقي الغطاء عليها وكأنها تنعم بنومة عميقة بعد سهرتهما.
يلقي نظرة أخيرة عليها يهمس بصوت ساخر:
"إلى لقاء آخر حبيبتي."
فتح جزء من الباب ينظر حوله يتأكد من وجود الحراس في الممرات بعدما دخل متخفيًا عن أعينهم.
وحينما شعر أن الوقت مناسب ليشهدوا خروجه متسللًا من غرفته، خرج بسرعة يدعي التسلل وهو متأكد أنهم أبصروا خروجه من غرفة المرأة.
يراقبون ما يحدث متسعي الأعين، قبل أن يركض خلفه أحدهم بسرعة مرعبة ليمسك به ويعلم سبب خروجه من غرفة المرأة التي لا يسمعون بها سوى صوت صراخ القرد.
ركض خلف الحارس في حين تقدم آخر من الغرفة بسرعة يقتحمها دون تفكير ظنًا أن سلمى بخطر.
لكن تجمدت أقدامه حين دخل ليجدها تتوسط الفراش نائمة بكل استكانة وراحة.
فخرج بسرعة محمر الوجه مصدوم يبتلع ريقه لا يفهم ما يحدث هنا.
يبصر رفيقه العائد من نهاية الممر وهو يصيح بجنون:
"فقدت أثره، لم أستطع إمساكه، ليستدعي أحدكم الملك ويخبره أن أحدهم اقتحم غرفة جلالة الملكة وربما آذاها و..."
"هي... هي بخير، لم يؤذها."
هكذا قاطعه رفيقه الذي خرج منذ ثواني يردد بصوت جامد يخفي خلفه ملامح الشك والنفور مما يدور بعقله، يستعيذ من الشيطان أن يكون ممن يلقي الاتهامات.
"هي... نائمة، لقد تفقدت الأمر، يبدو أن وجود الرجل بالداخل كان بعلمها و... هذه لم تكن المرة الأولى كما أرى."
نظر الجميع لبعضهم البعض دون معرفة ما يحدث ليقترح أحدهم بهدوء:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفروا الله ولا تخوضوا في شرف امرأة، نحن لم نر شيئًا ولم نسمع شيئًا سمعتم؟ هذه امرأة ولا قبل لنا بتحمل ذنب قذفها بالباطل، أحسنوا الظن، ولن يذكر أحدكم كلمة، أنا سأخبر الملك وهو سيتصرف ومن بعدها لن نفكر في الأمر حتى سمعتم؟"
هز الجميع رؤوسهم يتحرك كلٌ لمكانه وقد تلاشوا التحدث فيما يحدث مدركين عاقبة التحدث في أعراض النساء، تاركين الأمر لقائدهم والذي قرر أن يفضي بما حدث للملك، ومن ثم يتناسى الأمر.
نظر نظرة أخيرة صوب الغرفة وهو يتحرك بعيدًا بهدوء.
"كلماته تردد صداها مع صدى الموسيقى الصاخبة في الخلف لكن كل ذلك الصخب لم يلقي صداه لديها كما حدث مع ضربات قلبها والتي أشعرتها أنها ستصاب بالصمم.
ابتلعت ريقها تنظر بعيدًا وكأنها تطمئن أن أحدهم لم يتبعها:
"لا... لا يمكنني ذلك سمو الأمير، لا يمكنني الرحيل، ليس الآن على الإطلاق أنا..."
قاطعها نزار وهو يشعر بأعصابه تحترق قلقًا على تلك العنيدة التي تركها وحدها خوفًا أن يمسها أحدهم بأي شيء خلال تواجدها وحدها.
"آنسة نازين..."
"سيدة، أنا لست آنسة سمو الأمير، أنا سيدة."
اتسعت أعين نزار وهو يبتلع ريقه بحرج لم يكن يعلم أنها متزوجة، وربما هي متزوجة أحد رجال هذا المكان.
ويبدو أن تعجبه هذا وأفكاره ظهرت واضحة وهو ينظر لها بفضول كبير واستنكار إن كانت بالفعل مرتبطة بأحد رجال أنمار هنا لذا لا تستطيع الرحيل.
خرج صوتها حادًا محذرًا قويًا وهي تقرأ أفكاره بسهولة:
"إياك أن تفكر بذلك حتى، زوجي أطهر وأنقى من ذلك المستنقع القذر، زوجتي رحمة الله عليه كان أكثر رجال الأرض نقاءً وشرفًا."
هز نزار رأسه وهو يبعد عيونه عنها معتذرًا:
"لم أقصد أي إهانة له صدقيني، رحمة الله عليه، لكن لا يمكننا تركك هنا، عاجلًا أو آجلًا سيعلمون أنك سبب هروبنا، لذا ستتضررين، لنخرج من هنا ونخرجك."
نظرت له برفض:
"ليس قبل أن أخرج بروح أنمار وأقتص لعائلتي منه."
نظر لها بصدمة لتبتلع غصتها وهي تبعد عيونها صوب المكان أمامها تقول بصوت خافت:
"لن أترك الرجل الذي قتلني وقتل عائلتي حيًا وأهرب، ليس بعد كل هذا."
"لن يكون."
نظرت له بعدم فهم ليهتف بلهفة شديدة:
"صدقيني لن يكون حيًا حتى لتذكر عدد الذين آذاهم، سوف يرى العذاب ألوانًا قبل حتى موته، أقسم أنه سيفعل، لكن فقط دعيني أطمئن وأخرجك من هنا قبل أن تتلوثي بما..."
"أتلوث بماذا سمو الأمير؟ أنا أصبحت القذارة بحد ذاتها."
اتسعت أعين نزار بصدمة من قوة كلماتها التي هزته:
"لستِ كذلك صدقيني، أنتِ امرأة قوية وطاهرة، لذا حافظي على ذلك ودعينا نخرجك من هنا وأقسم لكِ بالله أنني لن أذر أنمار يتمتع بحياته دون أن أقتص للجميع منه، لكِ ولـ... توبة، فقط دعيني أساعدك وأخرجك من هنا يكفيكِ ذلًا كل يوم وتعريض نفسك للرجال لأجل انتقام سيأتيكِ وحتى أقدامك، ألا تريدين النوم بهدوء وبراحة دون الشعور بكل تلك القذارة تفوح من حولك!؟"
نظرت له وقد بدأت دموعها تسقط دون شعور ومشاهد عديدة تمر أمام عيونها، صوت أولادها وهم يتضاحكون حولها، همسات زوجها وهو يتغزل بها بحنان، ومن ثم النقيض...
صوت صرخات أبنائها وصوت صيحات زوجها، كل ذلك جعلها تنهار أرضًا تخفي وجهها بين كفيها تهمس بقهر:
"لا يمكنني، لا يمكنني التخلي عن انتقامي منهم بهذه السهولة، لا يمكنني تركه حيًا بهذه السهولة، لا يمكنني..."
نظر نزار حوله بسرعة يشعر أن الوقت يداهمه وإقناع هذه المرأة بالتخلي عن انتقام استمر معها شهور طوال كان أصعب من إقناع توبة بالتخلي عن عنادها.
وحينما شعر أن الأمر لن ينجح بهذه الطريقة جلس القرفصاء أمامها ينظر لها ثواني هامسًا:
"اعتذر منكِ، لكن صدقيني هذا لمصلحتك ولرغبتي في مساعدتك ورد جزء من خدماتك لي."
رفعت له نازين عيونها بعدم فهم، ولم تكد تتحدث، حتى وجدت كف نزار تمتد بسرعة كبيرة صوب رقبتها يضغط مطولًا على نقطة هناك وفي ثواني كان جسدها يتساقط بين ذراعيه ليحملها بسرعة وهو يتخذ نفس الطريق الذي سبق وأمنته هي.
ينظر لها بين أحضانه يهمس بصوت منخفض:
"لا بأس، كلٌ سينال قصاصه سيدة نازين..."
اتسعت حدقة الأعين وشعر المعتصم بالرعب وهو يراقب المنزل أمامه.
صوت صرخات فاطمة في هذه اللحظة مع مظهر النيران التي تلتهم كل شيء أمامها جعل جسده ينتفض بقوة وهو يقفز عن الحصان دون تفكير يركض بجنون بين الطرقات يصرخ بصوت جهوري:
"أحضروا دلاء المياه، أحضروا المياه، أحضروا المياه."
كان يصرخ وهو يركض بجنون صوب المنزل وصوت صرخات فاطمة باسم والدتها خلفه جعله يكاد يجن وهو يرى السيدة ألطاف تخرج من منزلها مرتعبة على صوت الصرخات ويبدو أنها الآن فقط انتبهت على الحريق.
اتسعت عيونها برعب وهي تعود صوب المنزل توقظ زوجها بصرخات ملتاعة تأمره أن يساعدها في حمل المياه، ثم ركضت صوب المنازل المجاورة تطرق أبوابها بخوف وهي تبكي وتصرخ باسم فاطمة وقد نست أنها تقيم في هذا الوقت في القصر:
"انجدونا أحضروا المياه وساعدونا لنطفئ الحريق، المنزل يحترق بالفتاة."
كانت تصرخ ليخرج على صوتها الجميع وما هي إلا ثواني حتى استوعب الجميع ما يحدث يركضون بسرعة كبيرة للمساعدة في إطفائه وقد كان المعتصم في هذه اللحظة لا يستوعب ما يحدث وهو يقفز بين ألسنة اللهب يبحث بعيونه عن والدتها وقلبه ينبض بعنف ورعب أن تكون قد تضررت.
يسمع صرخات فاطمة من الخارج وهي تصرخ بصوت يكاد ينقطع لشدة ضغطها على أوتار حنجرتها وقد بدأ الحريق يسحبها من ذكريات قديمة صوب أرض الواقع:
"عائلتـــــي، انقذوهم، أبي وأخي بالداخل، الجميع بالداخل انقذوهم، ارجوكم، ارجوكم انقذوا أمي... انقذوا أمي هي وحدها بالداخل، لا تدعوها تحترق مثلهم."
وما كاد أحدهم يقف ليستوعب صرخاتها حتى ألقت نفسها داخل النيران وهي تصرخ باكية باسمها، هذه المرة لم تكتف بالمشاهدة كما السابقة، بل قررت تحطيم أسوار رعبها وهي تلقي نفسها بين كوابيسها، وجمر ذكرياتها المحترقة الذي كان يختبأ أسفل ذكريات الزمان.
بينما في الداخل كان المعتصم يبحث بعيونه عن والدة فاطمة ليسمع فجأة صوت الأخيرة يصرخ بقهر:
"أمي... أمي أين أنتِ؟! لا تتركيني مثلهم، أمي لا تتركيني."
توقف قلب المعتصم ثواني يراقبها تتحرك بين النيران صوب إحدى الغرفة والتي كانت ألسنة النيران تخرج منها بشكل مرعب، ليركض لها يجذبها بجنون صوب أحضانه صارخًا:
"فاطمة ما الذي تفعلينه، الغرفة محترقة بالكامل..."
"هذه... غرفتها، هذه غرفة أمي، كانت تستلقي بتعب على الفراش بسبب مرضها، كل هذا بسببي لأنني تركتها، دعني أرجوك أساعدها في الخروج دعني أخرجها من هناك قبل أن أفقدها كما الجميع معتصم."
كانت تتحدث بصراخ باكية وهي تحاول الفرار من أسر ذراعيه وهو يزيد من ضمها بجنون يوازي جنونها وصوت صرخاتها يعلو، ورفضه لتركها يزداد:
"لن أدعك، ليحترق جسدي وتذوب عظامي، ولن أفلتك فاطمة، لا تفعلي بي هذا، أنا أرجوكِ لا تتركيني وحدي مجددًا."
سقطت دموع فاطمة وهي تنهار صارخة باسم والدتها وهو يسحبها بالقوة صوب الخارج وهي تصرخ به بجنون:
"لا تتركني، لن أدع أمي وحدها بالداخل، لن أدعها بالداخل، اتركني، اتركني، امـــــــــــــي....."
خرج بها وأخيرًا لتلتقطها السيدة ألطاف بين أحضانها، تضمها بحنان ورعب وهي تبكي عليها وعلى حالها.
"أمي بالداخل يا خالة ألطاف، أمي بالداخل ساعدوها، لقد احترقت مع المنزل."
بكت ألطاف أكثر وهي تزيد من ضمها تنظر صوب المنزل الذي كان على شفا جرف من الانهيار:
"ادعي لها بالرحمة يا عزيزتي، ادعي لها بالرحمة...."
"هيا زيان ما بها الهزيمة على يدي لا أدري، هل هي المرة الأولى لتغضب بهذا الشكل؟"
ختم أرسلان كلماته وهو يدس سيفه داخل موضعه في جدار السيوف، ثم أعاد خصلاته للخلف يبتسم ببراءة شديدة لزيان الذي كان أمله الوحيد هو الحصول على كوب لبن دافئ والخلود لنومة هانئة على صوت مواء القطط التي يحتفظ بها في غرفته.
فرك خصلاته وهو يتحرك صوب كوب اللبن المسكين والذي تركه جانبًا حتى تجمد من البرد:
"نعم لم تكن المرة الأولى، لكن على الأقل لا تأخذني على حين غرة للمحاربة، أنا رجل كنت أجهز عقلي وجسدي لأخذ راحة دافئة أسفل الغطاء، لأفاجئه دون مقدمات ببرد الساحة وملمس السيوف وكمية الأدرينالين التي اندفعت داخل أوردتي، هل تحسب أن هذا بسيط على مثل هذا الجسد."
أنهى حديثه يشير لجسده بحنق شديد، ثم نظر لكوب اللبن بحسرة:
"حتى كوب اللبن الذي منيت به نفسي برد ولم يعد صالحًا للشرب و......"
ابتسم له أرسلان وهو يتابعه وقبل أن يكمل زيان كلماته وجدوا أحد الحراس يقترب منهم مبتسمًا بهدوء ونظراته توحي بأنه يكتم الكثير يتوقف أمام أرسلان:
"مولاي، آسف لإزعاجك في هذا المساء، لكن هناك ما يجب أن تعلمه."
ضيق أرسلان عيونه بتحفز في حين انسحب زيان بكل هدوء تاركًا لهم الساحة ليتحدثوا كما شاءوا، وهو تحرك صوب المطبخ مجددًا ليحصل على كوبه الدافئ مصرًا عليه إصرارًا منقطع النظير:
"إذن أستأذنكم أنا مولاي، سوف أذهب للحصول على كوب لبن دافئ لي."
بهذا ختم زيان وجوده في المكان بكلمات بسيطة هادئة، تاركًا أرسلان يقف أمام الجندي بترقب وفضول، يوليه كامل اهتمامه:
"تفضل أخبرتني أنك تحتاجني لأمر هام؟ هل كل شيء يسير معك على ما يرام؟"
ابتسم له الجندي بسمة احترام وتقدير يعلن في قرارة نفسه أنه اتخذ القرار الصحيح باسكات الجميع والمجيء بنفسه للتحدث إلى الملك:
"كل شيء بخير مولاي أشكرك، لكن الأمر ليس متعلقًا بي، بل هو متعلق بشخص آخر."
ضيق أرسلان ما بين حاجبيه ينتظر أن يكمل الرجل باقي كلماته لتصيبه الصدمة حين سمعه يكمل بحذر وكأنه يحاول انتقاء كلماته، كما لو كان يسير على الشوك:
"الأمر متعلق بجلالة الملكة مولاي."
انتفض صدر أرسلان بقوة وقد تحفزت كل خلية داخل جسده وهو يضيق عيونه بشراسة هاتفًا:
"ما بها جلالة الملكة؟"
ابتلع الرجل ريقه وهو يرى تحفز ملامح أرسلان الخطيرة وكأنه بنطقه اسمها دخل بأقدامه كهف ظلامه يخطو على جمر أسفله.
توحشت ملامح أرسلان أكثر وأكثر حتى شعر الرجل بتردد وفكر لثواني بالتراجع، لكن تلك الملامح الخطيرة التي علت وجهه أوقفته عن الأمر وهو يهتف بصوت مخيف:
"تحدث ما بها جلالة الملكة؟ هل تعرض لها أحد؟"
كان يتحدث وكأنه يتجهز لاستلال سيفه والهجوم على أيًا كان من عبر جوارها ولم يغض طرفه، ليشعر الجندي بأنه أخطأ في المجيء هنا، لكن حتى اختيار التراجع لم يعد متاحًا الآن.
تراجع خطوات وكأنه يحتمي بالمسافة بينهما، بينما عيون أرسلان تراقب تراجعه بريبة يعلم أن هناك ما حدث ولن يعجبه بأي شكل من الأشكال:
"تحدث قبل أن ينفذ صبري يا بني."
"هو مولاي... ما حدث أنه منذ دقائق أبصرنا جسدًا يتسحب خارج جناح الملكة بشكل مريب وكأنه يتجنب أن يبصره أحد، لحقنا به لكنه تبخر، كان... رجلًا يرتدي معطفًا من اللون الأزرق وقد خرج من غرفتها دون حتى أن يصدر أي صوت لها."
شعر أرسلان بقلبه يكاد يتوقف في هذه اللحظة وهو يسمع ما يحدث من فم الجندي والذي أخذ يكمل له ما حدث ويصف له هيئة الرجل والتي كانت تتطابق بشكل مرعب مع الرجل الذي كان يعانق المرأة المرتدية لمعطفه داخل الحديقة منذ وقت ليس بالكبير.
ازدادت خفقاته وهو يسمع صوت الرجل يكمل:
"ظننا... ظننا أنه آذاها أو ما شابه و..."
"ظننتم؟"
هز الرجل رأسه بنعم ثم أكمل بعدما بلل شفتيه:
"دخل أحد الجنود للجناح بسرعة خوفًا أن يكون مكروهًا قد أصابها، لكنه وجدها... نائمة على فراشها براحة و... لا شيء غريب داخل الجناح."
اشتعلت أعين أرسلان وهو يلتقط الإشارات المخفية داخل حديثه يبتسم بسمة لا علاقة لها بما يحدث يشعر بالدماء تغلي داخل عروقه.
يرفع عيونه للرجل نظرة شلته لثواني:
"ما قلته منذ ثواني، لن يخرج من بيننا سمعت؟"
حرك الرجل رأسه يومأ بالإيجاب، ثم استأذن وتحرك مبتعدًا يكمل عمله، تاركًا أرسلان يقف على جمر مشتعل، وصوت أنفاسه هو ما يمكن سماعه في هذه اللحظة مع أصوات الريح.
تحرك خطوات قليلة قبل أن يتوقف ينظر حوله بجنون، يتمنى فقط أن نزار لم يرحل، أو أن المعتصم كان هنا ليخفف عنه ويوقف تلك الطواحين التي تدور بعقله.
وبالحديث عن المعتصم أين هو وقد اختفى منذ وقت طويل؟
تحرك في المكان يبحث عنه بعيونه وكأنه يرتجي لمحة من وجه رفيقه هنا، لكن وأثناء حركته أبصر حركة غريبة في المكان تبعها ظهور زيان وهو يحمل حقيبته يتحرك بسرعة كبيرة مع عدد من مساعديه وبعض الجنود صوب الخارج ليتوجه لهم بعدم فهم:
"زيان ما الذي حدث هنا؟ إلى أين في هذا الوقت؟"
توقفت أقدام زيان ينظر صوب الملك ثواني قبل أن يهتف:
"هناك حريق كبير في المدينة وهناك إصابات، تحرك بعض الجنود للمساعدة في إطفائه وفكرت بالذهاب للمساعدة، خوفًا أن يكون هناك أية إصابات."
اتسعت عيون أرسلان وهو يشير بيده صوب أحد الجنود:
"أحضر لي حصانًا يا بني."
تحرك بسرعة:
"صبرًا يا زيان سوف آتي معك لتفقد الوضع."
ورغم أن الأمر كان لمسؤولية بحتة خوفًا من أرسلان أن يتكرر ما حدث قديمًا من مآسي، إلا أنه بالنسبة لعقل أرسلان كان وسيلة إلهاء كبيرة ورائعة...
تحرك بسرعة بمجرد أن أبصر الحصان الخاص به يشير لزيان أن يصعد لحصانه ويلحقه قائلًا بصوت آمر:
"ارشدني صوب الحريق زيان..."
مرت ساعة، بل ويزيد عن ساعة منذ تركها نزار ورحل ليحضر المرأة، ولا تدري السبب حتى الآن لكن كلما تذكرت الوجع الكامن بعيون نازين وهي تتحدث معها، شعرت بانقباضة صدر قوية تهتف بها ألا تترك المرأة كبش فداء لحريتها، لا يمكنها أن تضع امرأة في موضعها فقط لتنجو بروحها.
نظرت حولها للظلام والذي وعلى عكس العادة لم يكن يخفيها بقدر قذارة شياطين الإنس، ربما كان الظلام أرحم بها من نفوس بعض البشر، على الأقل هو يسترها عن أعينهم.
ضمت نفسها تهتف داخل صدرها بريبة:
"لا تخذلني نزار أرجوك."
وكأنه سمع ندائها إذ فجأة أبصرت جسد رجولي يقبل عليها، جسد نزار الذي تعرفت عليه من نظرة واحدة، لكن الغريب أنه كان وحده في هذه اللحظة.
فتحت عيونها بعدم فهم ولم تكد تلومه على العودة وحده حتى تجمدت الحروف على طرف لسانها تبصره يحمل جسد أنثوي على ظهره، ولم تكن بحاجة للتخمين حول هوية هذه المرأة.
ورغم عنها ولسبب تأبى حتى التفكير به شحب وجهها وهي تراه يحملها بهذا الشكل الحريص وكأنه يخشى أن تُخدش المرأة، ابتلعت ريقها تحاول الحديث، لكن علقت الكلمات داخل حلقها.
وحينما وصل لها نزار تحدث بهدوء ولهفة:
"أنتِ بخير صحيح؟"
أبعدت عيونها عن جسد نازين بصعوبة تبتلع ريقها والذي كان علقمًا في هذه اللحظة، تنظر بعيدًا عنه صوب الطريق:
"نعم أنا بخير."
نظرت مجددًا صوب جسد نازين بتساؤل التقطه هو بسهولة:
"أبت المجئ فما ملكت من طريقة غير إجبارها، دعينا نخرجك من هنا."
هزت رأسها دون كلمة، وأي كلمات تمتلك هي حتى؟ لا شيء، فقط صمت ولا حق لها في الاعتراض على ما تبصره.
ولمَ الاعتراض من الأساس؟
تحركت معه بهدوء شديد بعيدًا عن تلك المنطقة وهي تسير بصعوبة بين الحشائش التي كانت تملئ ذلك الجزء بشكل عشوائي، وهذا طبيعي فلا أحد يهتم بذلك هنا.
وبعقل امرأة قارنت بين وضعها المزري هذا ووضع نازين التي لم تكن مضطرة للسير بهذا الشكل المثير للشفقة لأنه ببساطة يحملها و....
انتفضت انتفاضة غير محسوسة بسبب أفكارها تستغفر ربها وهي تحاول نفض كل ما يدور داخل عقلها، فقط يخرجها من هنا ولا تود أن تبصره مجددًا، نعم هذا ما تريده.
استمر سيرهم ساعة أو أكثر لم يشعر وقد تخدرت ذراعيه بسبب حمل المرأة على ظهره، وكل ثواني يتوقف لالتقاط أنفاسه، قبل أن يسمع صوتها يهتف:
"إذن إلى أين سنذهب؟"
نظر لها ثواني وهو شارد في ملامحها التي أبدع الخالق في رسمها وانعكس عليها ضوء القمر في تلك الليلة المظلمة، هز رأسه بهدوء يردد بصوت العقل الذي بدأ يعمل داخل رأسه:
"أي مملكة، لكن أنا أرجح مشكى فهي الأقرب لنا من بين جميع الممالك ومن ثم آبى وأبعدهم سفيد، إذن أعتقد أن مشكى هي الحل الأمثل، ولا أظن أن الملك أرسلان قد يمانع على الإطلاق استضافتك سمو الأميرة."
وعلى عكس المتوقع لم ينبض قلبها نبضة خارج الإيقاع حين سمعت اسمه الذي كانت تتلمسه سابقًا في جميع الأحاديث وكأنها تبحث عن أخباره بين الكلمات.
الآن تسمع اسمه واضحًا واحتمالية أن تحيا أسفل قصره لا تبهرها ولا تسعدها، بل كل ما كان يشغل فكرها في هذه اللحظة شيء واحد فقط عبرت عنه بكلمات مقتضبة دون أن تشعر:
"وأنت؟"
رفع عيونه لها بصدمة من سؤالها الذي جعل قلبه يتراقص سعادة، هل تهتم بمصيره حقًا؟
ابتسم بسمة صغيرة جعلتها تبتلع ريقها وهي تبعد عيونها عنه تحاول تبرير ما قالته كي لا تظهر بمظهر القلقة عليه أو المتلهفة لحياته:
"أنا فقط... لا أريد أن... أحمل ذنب تضررّك بسبب مساعدتي أو ما شابه، أنت تعلم ما أقصد، حتى أعدائي لا أقبل لهم الضرر بسببي."
نعم ها هي سمو الأميرة توبة تعود للساحة بعد غياب دقائق طويلة كادت تصيبه بالخوف عليها، تدعه يحلق في أعالي السماء، ثم وقبل أن يستوعب ما يحدث ترفع سهمها وتضربه مباشرة في جناحه مصيبة إياه بضربة قاتلة تسقطه أرضًا دون أن ينهض بعدها.
هز رأسه مبتسمًا:
"آه نعم أعلم، ذات نخوة أنتِ."
"إذن لم تخبرني، ما الذي ستفعله؟ ستأتي معنا لمشكى؟"
نظر لها ثواني، قبل أن تغيم عيونه يهز رأسه ببطء وهو يسمع صوت داخلي يهتف في رأسه بسخرية:
"نعم أذهب لمشكى وأشهد بنفسي معاناة شعبها بعد ما حدث لها بسببك."
لاحظت توبة شحوب وجهه ولم تفهم ما حدث له أو ربما ادعت عدم الفهم، تبعد عيونها عنه تبصر من بعيد عربة تلوح في الأفق، لتصمت وهي تتنهد بصوت منخفض.
"هل تعتقدين أنه بعد كل ما يحدث، هل هناك من باب توبة قد يقبلني ويُفتح أمامي؟"
نظرت له ثواني وشعرت بحاجتها لتطمئنه رغم أنها هي نفسها من كانت تجلده بسياط لسانها طوال الوقت، لكن في هذا الوقت لم تستطع إخراج كلمة واحدة تلومه بها، رغم أنها هي وهو يعلمون جيدًا أن حتى وإن لم تتحدث فهذا لا ينفي ذنبه العالق برقبته.
"هذه حقوق عباد، أعد الحقوق لأصحابها وربما حينها تُفتح لك جميع أبواب التوبة نزار وليس باب واحد."
ختمت حديثها تحث خطاها قبل وهو فقط توقف ينظر لها نظرة صغيرة يهتف بصوت خافت لا يبتغي أن يصل لها حتى:
"لكنني من بين كل أبواب التوبة لا أبتغي غير بابك بابًا توبة..."
زاد من سرعة أقدامه خلفها وهو يتمسك بنازين التي يبدو أن غيبوبتها ستطول.
وصلوا صوب العربة يضع جسدها بهدوء في الصندوق الخلفي جوار توبة، وهو تحرك يجلس جوار السائق على المقعد الخارجي يتحدث بهدوء شديد وأعين غامضة:
"إلى مشكى..."
حرك عيونه بين الجميع يبصر انهيار فاطمة بين ذراعي ألطاف والجميع حوله يحاولون إطفاء الحريق، وهو عيونه فقط معلقة بها يسمعها تنادي والدتها بحرقة ورعب وقلق شديد.
تنفس نفسًا عميقًا يبعد عيونه صوب النيران، ثم قرر أن يقتحمها ويبحث داخل تلك الغرفة المحترقة، لربما نجت المرأة بنفسها في أحد الأركان رغم استحالة هذا الاحتمال، لكنه لم يكن ليكون قادرًا على النظر في عيون فاطمة إن لم يحاول حتى لأجلها.
ولم يكد يتحرك حتى سمع صرخة أحد الرجال الذين أمسكوا به بسرعة وكأنهم يخشون انتحاره داخل هذا الحريق.
"إلى أين سيدي، لا يمكنك أن تلقي بنفسك بين النيران بهذه الطريقة، لن تخرج منها حيًا."
نظر لهم المعتصم يحاول جذب ذراعه من بين أيديهم بقوة حتى تحرر يهتف بقوة وهو ينطلق صوب المنزل:
"دعوني سوف أذهب لأخرج والدتها، لربما تكون حية في الداخل تنتظر من يساعدها و..."
وقبل إكمال جملته شعر بأقدامه تتجمد بالكامل وهو يسمع صوت الرجل يمسكه من يده يصرخ بعدم فهم والنيران بدأت تزداد وتهتاج على الجميع وكأنها تعلن تعاطفها مع تلك المسكينة التي تراقب المنزل بحسرة واعين دامعة ووجه صارخ بالوجع.
"أي امرأة يا بني؟ لا نساء بهذا المنزل، المنزل فارغ..."
نظر له المعتصم بعدم فهم يشير صوب المنزل وهو يهتف بصوت منخفض مشدوه وقد شحب وجهه دون معرفة السبب:
"أم فاطمة بالداخل و......."
وكلمات كانت كسهم اخترق مسامع المعتصم:
"لقد احترقت المرأة منذ شهور طويلة مع جميع أفراد العائلة ولم ينجو من الحريق سوى الفتاة."
شعر المعتصم في هذه اللحظة بقلبه يُعتصر وهو يحرك نظراته في المكان الذي بدأ يدور حوله وقد أوشك جسده على الانهيار من هول ما سمع منذ ثواني ولم يشعر سوى بجسد يلتقط جسده وصوت يعلمه تمام العلم يهتف بهلع:
"المعتصم ما بك يا أخي ما بك؟"
لكن المعتصم كان فقط لا يبصر ولا يسمع سوى فاطمة التي كانت تبكي بين أحضان ألطاف تناجي والدتها، وصوتها وهي تخبره أن والدتها مريضة، والدتها أعدت لها الحلوى التي تحبها، والدتها تهتم بها، والدتها تضمها وقت النوم، والدتها قلقة عليها، والدتها ستحزن إن تأخرت.
والدتها... والدتها... والدتها...
وأين والدتها؟
أسفل ركام ورماد منزل لا يصلح حتى للعيش، كانت تحيا بين جدرانه وحدها ظنًا أنها تحيا بين أحضان والدتها، وحدها؟
شعر المعتصم بجسده يرتخي بصدمة وقدمه لم تعد تحمله وهو يسقط أرضًا بقوة ليصرخ أرسلان برعب وهو يلتقطه بسرعة يضمه له بخوف:
"لا إله إلا الله، يا المعتصم ما بك، ماذا حدث لك؟"
رفع المعتصم عيونه صوب فاطمة يهتف بصوت مصدوم ودموعه تتجمع في عيونه دون أن يستطيع التماسك:
"كانت كل ذلك الوقت... وحيدة في هذا المكان؟ كانت وحيدة طوال الوقت؟؟"
لم يفهم أرسلان ما يحدث، يرفع عيونه يراقب جنوده والذين بدأوا يتداركون الوضع ويطفئون الحريق، يضم له المعتصم بخوف وهو يهتف له أن يتماسك دون أن يعلم حتى ما يحدث.
فجأة سمع صوت فاطمة جواره تبكي وهي تنادي والدتها ليهتف بصدمة ورعب:
"والدتها؟ والدتها بالداخل؟"
نظر صوب الحراس بهلع وهو يصرخ:
"هناك امرأة بالــ"
"لا."
توقفت كلمات أرسلان فجأة على صوت المعتصم الذي هتف بصوت منخفض ونبرة مذبوحة:
"لا امرأة بالداخل لا أحد هناك، لم يكن هناك أحد طوال الوقت عداها، كانت... كانت وحيدة طوال الوقت، كانت وحيدة طوال الوقت."
نظر له أرسلان ولم يفهم ما يحدث، ولم يدرك ما يدور حوله، لكن فجأة انتفض جسد المعتصم من بين يديه وهو يركض صوب فاطمة يهتف باسمها مرتعبًا يلتقط جسدها الذي انهار بين أحضان ألطاف يضمها له بقوة ورعب لاغيًا كل تفكير عقلاني داخل رأسه، لا يهتم بالجميع يهتف برعب:
"فاطمة، يا ويلي فاطمة، فاطمة."
وحينما لم تجب عليه، رفع عيونه مرتعبًا لأرسلان الذي لم يفهم ما يحدث، لكنه فقط قال بهدوء يحاول أن يساعد المعتصم:
"خذها للقصر لنفحصها والجنود سيتولون الباقي هنا..."
ومع هذه الكلمات انطلق يحملها صوب الحصان الخاص به، يضعها أمامه يمسكها بقوة، ثم تحرك بسرعة صوب القصر وارسلان يراقبه مبتعدًا، ثم عاد بنظراته صوب المنزل المحترق، يغمض عيونه بوجع يجلس أمامه وقد بدأ الجمع ينفض كلٌ لمنزله بعدم.
طمأنهم هو على فاطمة وأنها الآن ستكون بأمان في قصره.
جلس هناك في أحد الأركان يراقب بقايا ديار محترق في وطن يعافر للنجاة، يراقب بأعين ضبابية وكأنه يرتجي نورًا لبلاد أشبعتها الحياة ظلامًا.
بدأ المكان يفرغ إلا منه وبعض الجنود الذي تأكدوا من أن كل شيء بخير يهتف زيان جواره:
"يبدو أن ساكني المنزل نسوا إحدى المشاعل مشتعلة وهذا ما تسبب في الحريق."
هز أرسلان رأسه بهدوء ثم هتف بصوت خافت:
"اطمئن أن الجميع بخير، ومن ثم عودوا للقصر زيان."
"وأنت مولاي؟"
رفع أرسلان عيونه صوب المكان حوله يبصر الدمار الذي يعم هذا الجزء مبتسمًا بحسرة:
"دعني أرثي بلادي للحظات زيان."
"مولاي لا..."
"ارجوك زيان دعني وحدي الآن فقط."
نظر له زيان بتردد وشعر بالشفقة عليه، لكنه في النهاية احترم رغبته وتحرك مبتعدًا تاركًا أرسلان ينظر أمامه لما يحدث وهو يتنفس بشكل بطيء سرعان ما زاد وصوت والده يرن في أذنه تزامنًا مع صوت الصفعة التي تلقاها من كفه لتسقطه أرضًا يرتجف من الرعب ولم يكن قد أتم حتى التاسعة يتوسله الرحمة.
"ضعيف وستظل ضعيف، لا ترقى لأن تخلفني في عرشي أرسلان، اسميتك أرسلان وتمنيت لو أخذت من اسمك معناه، لكن أي أسد أنت وصفعة واحدة تسقطك أرضًا؟! تركت الفتى يهزمك ببساطة في المبارزة؟!"
سقطت دمعة أرسلان يهتف بصوت مرتجف ضعيف:
"كان يفوقني طولــ"
"لا تبحث عن مبررات لضعفك وتختبأ خلفها، هذه حيلة الضعفاء، وابني ليس ضعيفًا سمعت؟!"
هز رأسه بسرعة يمنع دموعه من الهبوط، ليشعر بجذبة والده التي كادت تخلع ذراعه وهو يجره معه صوب الساحة يردد بقوة وتجبر:
"ستقضي ليلتك تتدرب عقابًا لك، حتى تدرك في المستقبل ما ينتظرك إن فكرت يومًا بالخسارة، الحرب لا تناسب الضعفاء والعرش لا يلائم الجبناء، البلاد لن تليق بملك غبي ضعيف سمعت"
ختم حديثه يلقي بجسده وسط الساحة الباردة يشعر باحتكاك الأرضية بجسده، ثم ألقى له السيف يهتف بقوة وتجبر:
"لن تتحرك من هنا حتى الصباح، احمل سيفك وانهض لتتدرب، لن أقبل بولي عهد ضعيف جبان مثلك أرسلان..."
غامت عيون أرسلان وهو ينظر لبقايا الدخان الذي خلفه حريق منزل فاطمة بأعين غامضة ومشاعر قوية وكلمات والده تتردد في أذنه مرات ومرات "الحرب لا تناسب الضعفاء والعرش لا يلائم الجبناء، البلاد لن تليق بملك غبي ضعيف"
تنفس بصوت مرتفع وهو ينهض يراقب مشكى بأعين قد بدأت تتلون بنظرات متوحشة، ينظر صوب السماء يبتسم سوداء، ثم تحرك صوب حصانه يردد بنبرة ممازحة في ظاهرها ساخرة في باطنها:
"ها أنت يا أبي كنت قويًا متجبرًا، وانظر أين أنت؟ بماذا أفادك تجبرك وأنت بين يديّ الله، بما نفعك ظلمك وقد كنت تأوي تحت سقف قصرك ثعابين تنتظر سقوطك لتبث سمها بأوردتك، لكنك كنت محظوظًا إذ قبض الله روحك قبل تكوين سمهم، فلم يجدوا أمامهم سواي، لكن والله لأخلعن ناب كل من يفكر في الاقتراب مني ومن بلادي، وهذا الفرق بيننا أبي العزيز، هذا أنت وهذا أنا، ولدك الضعيف......."
ختم حديثه يتحرك صوب حصانه، ثم حركه بسرعة كبيرة صوب قصره يتنفس بصوت مرتفع يحاول أن يبعد عنه ذكرياته القديمة، ذكريات ربما يراها البعض سوداء، لكنه شاكرًا لسوادها فلولاه ما أدرك أنه يمتلك جانبًا أبيضًا لن يسمح بأي سواد أن يمسه.....
"تريدين تناول شيء؟"
رفعت توبة عيونها صوب نزار الذي كان يمد يده بشطيرة من الفتحة التي تطل على الصندوق الخلفي، ولا تعلم من أين أحضرها، يعطيها بسمة واسعة جعلت ملامحها تتشنج بضيق وهي تبعد عيونها عنه دون أن تمنحه ردًا منها، ليرفع هو حاجبه بغيظ يكمل تناول شطيرته دون اهتمام:
"لا عليكِ بعد قليل نصل مشكى وحينها بدل شطيرة تتناولين وليمة تليق بأميرة سبز الوحيدة وابنة الملك بارق الأميرة توبة."
كان يردد آخر جملة بصوت شبه ساخر يحرك شفتيه حركات مستفزة وكأنه يبتغي جذبها لساحة القتال معه وقد مل صمتها الخانق هذا، وكان له ما يريد ويبتغي، إذ اعتدلت في جلستها تنظر له من تلك الفتحة الصغيرة تبتسم بسمة لم تكن بالسعيدة أبدًا:
"أنت لا تطيب أوقاتك سوى بسماع كلمات سامة مني؟ أحاول أن أبتعد عن طريقك كي لا أظهر في قصتك بمظهر الشريرة، لكنك مصر على الزج بي داخل حكايتك."
رفع حاجبه يبتسم بسمة غريبة:
"نعم أحاول أن أضيف بعض المصائب لحياتي المملة عسى أن تزيد من حماسها."
ختم كلماته وهو ينظر أمامه يتناول شطيرته بتلذذ، بينما هي نظرت له بشر تهمس من تحت أسنانها، ترسم بسمة واسعة تبعد عيونها عنه تحدق بالطريق الذي يركض أسفل عجلات العربة:
"تصفني بالمصائب، يا رجل ألا تستحي؟ يا ويلي من الرجال الوقحين."
استدار لها نزار والطعام محشور في فمه وقد منعه من الرد عليها بكلمات لاذعة، بينما هي، نظرت صوب الطريق تتجاهل حتى النظر إليه ولو على سبيل الفضول لمعرفة ردة فعله تحرك طرف حجابها بتكبر:
"إنسان يحيا حياته فقط ليتسبب بمصائب لغيره، يأتي ويصفني أنا أميرة سبز وأذكى نساء الممالك بالمصيبة، عجبًا لوقاحة البعض."
ابتسم لها نزار وهو يطيل النظر بها، بينما هي تدعي انشغالها بمراقبة الطريق تأبى النظر له ومواجهة عيونه التي تعلم يقينًا أنها تنظر لها الآن، بينما هو اتسعت بسمته يهتف بصوت منخفض:
"العفو سمو الأميرة، ذلة لسان لا تؤاخذيني بها، أنتِ لستِ بمصيبة بأي شكل من الأشكال، بل المصيبة هي أنا."
"نعم هذا ما قلته أنا، لم تأت بجديد أنت."
أطلق نزار ضحكة مرتفعة، ينظر أمامه للطريق يترك جملتها الأخيرة دون رد من طرفه، وما هي إلا دقائق قضوها بالصمت حتى بدأ صوت صفيره يعلو بلحن مميز، جعل أعين توبة تتسع بقوة وهي تنظر له من خلال الفتحة التي تجاور مقعده.
صوت الصفير هذا والذي كان مربيها قديمًا يطلقه طوال الوقت أثناء اللعب معها والذي كان يعود للنشودة قديمة ابتكرها المهاجرين قديمًا قبل تكوين الممالك تعبر عن الشوق للوطن.
نظرت للفتحة وهي تحدق بوجه نزار الذي شرد في السماء أمامه، ثم أخذ يحرك فمه بكلمات شبه مسموعة، نفسها الأنشودة القديمة.
بدأ صوت نزار يرتفع شيئًا فشيئًا لتبعد هي عيونها عنه ببطء شديد وهي تحدق أمامها تستند بذقنها على ركبتها تحدق بالطريق أسفل العجلات شاردة تتساءل متى يحين اللقاء مع أحبتها ووطنها.
ويبدو أن صوت أنشودة نزار لم تخترق مسامع توبة فقط، بل كذلك اخترقت مسامع تلك التي كانت غارقة في نومة طويلة تسبح بين ذكريات شبه محترقة، أحضان رقيقة طفولية وقبلات تحط على وجنتيها بشفاه صغيرة ناعمة حنونة.
يد محبة تلتف حول خصرها وصوت هامس يردد داخل أذنها:
"ذات الحسن والجمال، اشتقت لمحياكِ نازين."
سقطت دمعة من عيونها وهي تشعر ببرودة مفاجئة تضرب جسدها، فلا تدري أبرودة الجو كانت، أم برودة قلبها الذي شعر بانسحاب الدفء عنه حين انسحبت اليد التي كانت تعانقها منذ ثواني؟
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تهمس بكلمات غير مسموعة، تتلوى جانبًا تضم جسدها لجدار العربة، ترفض فتح عيونها وكأنها تأمل بالمزيد من اللحظات المسروقة مع عزيز القلب وصغارها.
أما عن توبة فقد شعرت بالحنين يشتعل داخل قلبها، تكاد تشعر بيد والدها تداعب خصلاتها بحنان شديد وهو يهمس لها بكلماته المحبة:
"لا بأس صغيرتي كل شيء بخير فقط توكلي على الله وأرمي أثقالك عليّ، أتحملها لأجلك ابنتي."
ازدادت الدموع بعيون توبة لتدفن رأسها داخل أقدامها وهي تحاول كبت أصوات بكائها:
"ما لي سوى الله حسبي ووكيلي يا أبي، فاللهم خفف أثقالي فلا قبل لي بتحمل المزيد من الأوجاع."
كل ذلك كان تحت عيون نزار الذي كان يراقبها بجانب عيونه وهو يكمل انشودته وكأنها كانت سوطًا يجلد بها نفسه ويجلدهم معهم بذكرياتهم، كلٌ كان يمتلك وجعه وذكرياته التي احترقت وتحولت رماد، رماد إذا ما اقتربت منه نسمة هواء تطاير ليعمي الأعين.
استمرت الرحلة ساعات حتى بدأ الليل يتجلى وبوادر شروق الشمس تعل عليهم تحمل معها أمل في يوم جديد للجميع، وصوت الطيور حولهم بدأ يرتفع ليسمع الجميع صوت السائق والذي كان صامتًا طوال الرحلة يعلن بهدوء:
"نحن الآن على حدود مشكى سنتعرض لتفتيش من رجال الحدود ومن ثم نعبر للمملكة."
رفعت توبة رأسها بسرعة بصدمة من تلك الكلمات تنظر صوب نزار بريبة من اكتشافه وتعرضه للأذية، ليرفع الأخير لثامًا يغطي نصف وجهه يهمس بصوت منخفض:
"لا تقلقي لا يعلم الجميع ملامحي، فلستِ مشهورًا لهذه الدرجة."
أبعدت عيونها عنه تردد بعناد ورفض لكلماته التي أصابتها بالضيق من حيث لا تدري:
"ومن أخبرك من الأساس أنني أقلق؟ لا يهمني ما يصيبك."
رفع حاجبه بسخرية يبصر أحد رجال الحدود يقتربون منهم وصوت الرجل يصدح بنبرة قوية:
"من أنتم ومن أي مملكة أتيتم؟"
نظر له السائق ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت هادئ يصدر من جهة نزار يردد بجدية:
"جئنا من سبز نطلب لقاء ملك مشكى لأجل أمر هام."
نظر له الرجل بعدم فهم ليهتف نزار دون مقدمات بكلمات أصابت توبة بالصدمة إذ ظنت أنه سيدخل المملكة ويتخفى عن أعين الجميع قدر الإمكان لا أن يبحث بنفسه عن الملك:
"أخبره أن أميرة سبز تطلب لجوءًا في مملكته......"
يجلس أرضًا لا يستطيع تحرك قدمه أو حتى رفع إصبعًا وكل ذرة منه عاجزة عن فهم ما يحدث حوله، حرك عيونه في المكان وقد كان الظلام ما يزال يغشى الأفق، فجأة ثبت عيونه على جسد فاطمة المتسطح على نفس الفراش تغرق بين طيات غطائها متخذة من الظلام غطاءً إضافيًا لها، غادرت المشفى منذ ساعات وعادت لها، لكن هذه المرة عادت لها محطمة أكثر من المرة السابقة، وليس هي فقط بل كذلك المعتصم الذي كان ما يزال يجلس أمامها يحدق بها بأعين متسعة مصدومة ممتلئة بالدموع التي تأبى النزول، لم يبك يومًا من بعد وفاة والده، والآن جاءت فاطمة لتبكيه مجددًا، بعدما عاهد نفسه ألا يفعل.
نظر لها ثواني قبل أن تسقط دموعه واخيرًا تعلن انتصارًا ساحقًا على إرادته، وهو فقط يجلس أمام الفراش يراقبها جالسًا أرضًا وقد بدأت أصوات شهقاته تعلو دون شعور منه وكل ما مرت به يعود أمام عيونه لا يتخيل ما قد عاشته.
دفن وجهه بين يديه يحاول أن يتوقف عن البكاء ولم يشعر سوى بشخص يجذبه لأحضانه صوب الخارج يربت عليه بحنان وقوة:
"لا أفجع الله لك قلبًا يا المعتصم، ما الذي حدث لك؟ لِمَ البكاء؟ هل فاطمة بخير؟"
تحدث المعتصم بين أحضان أرسلان بصوت متقطع وكأنه لم يصدق أن أحزانه وجدت ملجأً لها:
"ليست... ليست بخير البتة، هي ليست بخير مولاي."
لم يفهم أرسلان ما يحدث، إلا أنه ربت على كتف المعتصم يجذبه للخارج بهدوء شديد، ثم تحرك به بعيدًا عن الجميع والاخير ما تزال روحه تجاور الصغيرة في نومها.
"ما بك يا أخي؟ ما الذي حدث في ذلك الحريق هل تأذت فاطمة به؟"
رفع المعتصم عيونه لأرسلان يهمس بصوت منخفض ونبرة مذبوحة:
"كانت وحيدة..."
لم يفهم أرسلان ما يقصد، يميل قليلًا عليه هامسًا بترقب، وقد شعر أن تلك النبرة الجريحة التي تصاحب كلمات المعتصم تخفي خلفها تلالًا من الصدمات والمصائب، نطق وهو يشعر أن ما حدث متعلق بحقيقة ما تسبب سابقًا بانهيار سلمى، إذ يبدو أن كل من يقترب من دائرة فاطمة تبتلعه دائرة حزن.
"ما الذي تقصده بـ 'كانت وحيدة'؟ وضح لي ما حدث يا المعتصم رجاءً؟"
نظر له المعتصم ثواني وهو يهمس بصوت خافت خرج منه بصعوبة:
"عائلة فاطمة، هي... أخبرتني أنها تعيش مع والدتها ووالدها وشقيقها، ورغم ذلك لم تكن تذكر أي شيء عن والدها وشقيقها سوى أنهما ذهبا للصلاة، وفي إحدى المرات كانت تهذي بذكريات قديمة ذكرت خلالها أنهما احترقا."
هز أرسلان رأسه ببطء شديد وقد كان على علم بتلك النقطة التي ذكرها له المعتصم سابقًا حين طلب مساعدة سلمى، إلا أن ما أضافه المعتصم في هذه اللحظة جعل أعينه تتسع بصدمة كبيرة وهو يردد وقد بدأ صوته يرتجف:
"كانت فقط تخبرني عن يومها مع والدتها وأنها تبيت بين أحضانها كل يوم وتعد لها الطعام وتعتني بها، و.... فجأة توقف يهتف من بين دموعها وهو ينظر في عيون أرسلان ملقيًا بما يحمل داخل صدره:
"هي... هي ميتة، والدتها ماتت بنفس الحريق الذي راح به والدها وشقيقها، كل ذلك الوقت كانت وحيدة في منزل أشبه بالقبور تبيت وتستيقظ وتحيا وحدها ظنًا أن والدتها تحيا معها، لقد كانت وحيدة طوال الوقت مولاي، كانت تسأنس بوهم صنعه لها عقلها عن والدتها."
ختم حديثه ينهار جوار أرسلان وقد تشقق صدره قهرًا على تلك الفكرة، فكرة أن يحيا إنسان شهور طويلة في وهم الأنس، بينما الوحدة تحلق فوق رأسه.
كل ذلك وأرسلان يتابع ما يقصه عليه المعتصم بوجه شاحب، أي وجع كُتب على شعبه؟
تنفس بصوت مرتفع وهو يصمت ولم يجد ما يتحدث به سوى أن ردد بصوت منخفض وهو يمسح وجهه:
"إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون......."
وأخيرًا تجلى الليل ورحل الظلام عن السماء مفسحًا المجال لشمس النهار بمنح إشراقها لكل ما يحيطها، تستقر بأشعتها على وجه تلك النائمة التي مر عليها الليل دون أن تشعر بشيء، تجلس على الفراش وهي تنظر حولها تحاول تذكر ما حدث معها.
دارت عيونها في المكان مرة أخرى لتتثبت أخيرًا على موزي الذي كان ينام بارهاق وكأن صراخ الأمس أتعبته حتى خلد للنوم بعدما يأس من حضور أحدهم للمساعدة أو استيقاظ سلمى لمساعدة نفسها.
أخذ الأمر منها ثواني أو دقائق لا تدري، فالصداع الذي أصاب رأسها والغثيان الذي أصابها منذ الصباح جعلها لا تدرك ما حولها حتى ضرب الاستيعاب عقلها وتذكرت ما حدث البارحة.
نهضت بسرعة بصدمة عن الفراش تتفقد نفسها لتجد أنها ما تزال ترتدي إسدال الأمس لكن بلا حجاب وهناك جزء سقط عن كتفها وحالتها كانت غريبة، تحركت بسرعة في المكان وكأنها تبحث عن شيء يثبت لها أن ذلك لم يكن أضغاث أحلام.
حتى يأست وهي تشعر بالصداع يزداد خصوصًا حين ارتفعت الطرقات على باب الغرفة لتصرخ دون وعي بصوت ناقم:
"من؟"
صمت جاءها من الجهة الأخرى، صمت شبه طويل حتى ظنت أن صرختها أخافت من بالخارج، ولم تكد تتحرك صوب المرحاض لتتوضأ، حتى سمعت صوتًا يأتيها من الخارج:
"هذا أنا أرسلان..."
توقفت أقدامها وهي تنظر صوب الباب ثواني، ثم رفعت يدها تتحسس خصلاتها بهدوء، تمسك غطاء الرأس تخفي خلفه شعرها، ثم ابتلعت ريقها تتحرك صوب الباب بتؤدة:
"حــ.... حسنًا ثواني فقط رجاءً."
هرولت صوب المرحاض تغسل وجهها بسرعة تبعد عنها آثار النعاس، ثم فتحت عيونها بقوة تحاول أن تجبر نفسها على الاستيقاظ، ثم خرجت بسرعة تمسك أول شيء قابلها تجفف به وجهها، ومن ثم تحركت صوب الباب تفتح بسرعة وهي تتنفس بصوت مرتفع تتحدث ببسمة حاولت رسمها بصعوبة رغم كل الآلام التي تطرق رأسها في هذه اللحظة:
"صباح الخير."
رفع أرسلان عيونه لها ببطء ليشرد بها ثواني معدودة، ثم ابتسم بسمة صغيرة لم يكن يحضر لها، في الحقيقة هو لم يكن يحضر للمجيء إليها منذ الصباح بهذا الشكل، وبالنظر سريعًا لكل ما مر به معها، هو لم يحضر يوم لفعل شيء أمامها، بل كل شيء يخرج منه معها كان وليد اللحظة.
هذه المرأة كانت الشيء الوحيد في حياته الذي عجز عن دراسته، الشيء الوحيد الذي كان يخوضه عن جهل، هي وحملات التطهير التي كان يشنها على المنبوذين قديمًا، كانا الشيء الوحيد الذي لم يفكر به بتمهل وتركيز.
"صباح الخير."
صمت ثواني وكأنه يفكر في كلمات يبرر بها وجوده منذ الصباح هنا، لديه الكثير يتحدث به معها، لكن في لحظات تناسى كل ذلك، وشعر لأول مرة في حياته برغبة عميقة في الهرب من شيء وهذا الشعور كان أكثر شعور مقيت مر عليه، ولأجل هذا انقلبت ملامحه وهو يقول بوجه حامد بعض الشيء يبعد عيونه عنها:
"لقد حدث الكثير البارحة احتاج للتحدث به معك، لكن قبل كل ذلك جئت أطلب منكِ البقاء جوار فاــ......"
صمت فجأة حين أبصر ملامح وجهها المنكمشة وشحوب بشرتها المريب، رفع حاجبه بعدم فهم:
"هل أنتِ مريضة أو ما شابه؟"
أما عنها ففجأة شعرت برغبة مفاجئة بالتقيء لتركض بسرعة بعيدًا عنه صوب المرحاض الخاص بها، تحت عيونه المفزوعة، يقف على باب غرفتها لا هو يستطيع اقتحام غرفتها ومعرفة ما يحدث معها، أو حتى الرحيل وتجاهل ما حدث.
ابتلع ريقه ينادي بصوت قلق دون إرادة منه:
"آنسة ما بكِ؟"
وصله صوت توجع من المرحاض وصوت أنفاسها التي بدأت تعلو بشكل غريب ليقبض على الباب بخوف يهتف:
"سلمـــى؟ أنتِ بخير؟"
ولم يصل له صوت من الداخل ليشتعل رعبه وهو ينظر حوله يبحث عمن يساعده من بين النساء هنا، فجأة ظهرت امرأة له من العدم تتحرك أمامه وهي تحمل صينية مليئة بالطعام وكوب من الحليب لسلمى.
نظر لها بلهفة يردد بصوت مرتعب:
"إذا سمحتي هل يمكنك الدخول والاطمئنان إذا ما كانت سلمى بخير!؟"
نظرت له الفتاة بعدم فهم ليهتف وهو ينظر لغرفتها وكأنه ينتظر أن تطل عليه بخير:
"فقط ساعديها رجاءً يبدو أنها تعاني من وعكة صحية منذ الصباح، اذهبي واطمئني إن كانت بخير، لقد دخلت المرحاض منذ دقائق ولم تخرج بعد."
نظرت له الفتاة ثواني وكأنها تحاول إدراك ما يقوله، ثم وحين استوعبت حديثه تحركت بسرعة داخل الغرفة تترك الطعام على أول طاولة قابلتها وهي تتحرك في الغرفة صوب المرحاض تردد بصوت شبه مسموع:
"جلالة الملكة، أنتِ بخير؟"
وحين لم يصدر صوت من المرحاض اقتربت منه بخطوات بطيئة تطرق الباب قبل أن تدفعه ببطء تردد بصوت خافت:
"مولاتي، هل أنتِ بخير؟"
وفجأة اتسعت عيونها تتراجع للخلف مرتعبة قبل أن تطلق صرخة عالية وهي تهتف برعب من مشهد سقوط سلمى على أرضية المرحاض شاحبة الوجه تحاكي الموتى، لتكون صرختها هي القشة التي قسمت ظهر البعير وقد حركت أرسلان عن عتبات غرفتها يحطم كل الأعراف والتقاليد أسفل أقدامه لهفته وقلقه وهو يدخل كالقذيفة مرتعبًا يسمع صوت الخادمة تردد:
"يا ويلي، مولاتــــــــــي......."
"أشعر أنك أخطأت بتحالفك مع ذلك الحقير أنمار سيدي، أنت تحط من شأنك بهذا الشكل بالتعاون مع ضعيف مثل ذلك الرجل."
تحركت عيون أصلان بهدوء حتى ثبتها على أحد رجاله ينظر له ثواني دون رد حتى شعر الرجل أنه لا يبصره من الأساس، لكن لحظات حتى سمع صوت أصلان يردد بهدوء وهو يحمل خنجره يحركه بين أصابعه:
"أحيانًا تحتاج لمصاحبة الكلاب حتى تمهد لك طريق السير وحينما تصل لمحطتك يمكنك التخلص منها بطعنة أو ربما بعض السم سيكون كافيًا."
نظر له الرجل بصدمة من كلماته ليبتسم له أصلان، يشرد أمامه يفكر في القادم ويضع خطته، هو لن يرتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه الكثير من قبله وكان مصيرهم خسارة شنعاء أمام الممالك ومن بها.
"أنت... هل يمكنني سؤالك شيء يثير فضولي؟"
رفع أصلان عيونه صوب الرجل ليتحدث الأخير مبتلعًا ريقه:
"ما سبب انقلابك بهذا الشكل على المملكة بعدما كنت أكثر الرجال إخلاصًا للملك."
أبعد عنه أصلان عيونه ولم يتحدث بكلمة إلا بعد صمت ثواني، حين قال بضيق وهو يشير له صوب الباب:
"دعني وحدي."
رمش الرجل لا يستوعب هذا الرد، لكن أصلان فقط تجاهله حتى خرج الأخير واخيرًا من المكان تاركًا أصلان يسرح في أفكاره وهو يبصر شيطانه يحتفل أمام عيونه بذلك الانتصار الذي حققه عليه ليبتسم بسمة صغيرة يتحدث وكأنه يوجه كلماته صوب شياطينه:
"لا تفرح بهذا الشكل، فأنا لن أكون عونًا لك في آثامك، أنا فقط آخذ حقي من بين فك الحقير أنمار، حقي بسبز وحكمها، لكنني لم أساهم في خططه القذرة، فقط آخذ حقي ببلادي وحينها لا حاجة لي به وبمن معه، أما عن الملك بارق وباقي الملوك، فلا يعنيني ما يحدث لهم، لا فائدة لي بموتهم أو حياتهم، فقط أصل لما أريده ولا حاجة لي بأحد."
وبهذا أقنع أصلان نفسه أنه لم يبع روحه للآثام ولم يقع ضحية للشيطان، هو ما كان له أن يؤذي أحدهم هو فقط استغل فرصة إزاحة الجميع من طريقه ولم يتبق سوى الحقير أنمار فتعاهد معه حتى يصل لما يريد، العرش الذي ما كان له أن يبصره حتى بعد موت بارق.
هو كان من الذكاء الذي يجعله يضمن جانب الشعب حين دافع عنهم هو وبعض الرجال الصالحين والذين حتى هذه اللحظة لا يعلمون ما يفعل هو أو يعلمون حتى بالمعاهدة التي أبرمها مع أنمار، وفي نفس اللحظة يضمن جانب أنمار وشروره، كان يفكر بعقله بعيدًا عن أي مشاعر أو عواطف، يأمل أن يصل في النهاية لما يريد دون أن تُلوث يده بشيء.
ما سعيت لتحقيقه سنوات طوال في حياتك، بل وحلمت به سنوات طويلة، هل يُعقل أن تمر بلحظة يُضحكك تذكره؟
هذه الممرات التي تؤدي لقاعة عرش مشكى، هؤلاء الجنود الذين يبعدون عيونهم عن طريقها متلاشين النظر فيها ولو من باب الفضول كما قضت القوانين في كامل الممالك، كل ذلك كان يومًا ما حلمها، أن تسير بهذه الممرات بين جنوده تتأبط يد والدها ليسلمها له كي يعلنها هو زوجة له وملكة لمشكى.
لكن لا والدها هنا ولا الحلم تحقق، ولا هي عادت ترغب بذلك الحلم حتى وأصبح مجرد صورة باهتة.
ربما لم تمحو اسم أرسلان بالكامل من قلبها، فكيف لحب سنوات الطفولة والمراهقة والشباب أن ينمحي بسهولة في أسابيع، لكن الشغف به وبما يخصه خف شيئًا فشيئًا.
تحركت عيونها ببطء صوب نازين التي كانت تتحرك في الممرات بملامح جامدة ترتدي ثوبًا ساترًا أحضره لها نزار من حيث لا تدري، وعلى ذكر نزار انقبض قلبها وهي تتذكر رحيله ببطء شديد حينما تأكد أن الحراس استلموها منه، وادعى أنه مرافق للسائق ورحل ببساطة تاركًا إياها هنا.
ولولا نضج غبي تدعيه وعدم إمكانية فعل ما تفكر به، لتمسكت به باكية تترجاه ألا يتركها هنا وحدها.
ما تزال تتذكر نظراته لها وهو يمنحها بسمة واسعة يميل نصف ميل، ثم استقام ينظر لعيونها نظرة غريبة هامسًا:
"لنا لقاء آخر عما قريب سمو الأميرة اعتني بنفسك، ولا تتسببي في مشاكل لنفسك بسبب لسانك."
صمت ثم نظر لها بعيدًا يبتسم بسمة سحرتها وللعجب ومن ثم نظر لها مرة أخرى:
"حين تفتعلين المصائب ستجدينني أمامك أساعدك للخروج منها قبل أن تلقيني بكلماتك السامة."
ختم حديثه يمنحها غمزة صغيرة وبسمة حنونة، ثم همس لها بصوت وصل لها وهي تتحرك مع الجنود:
"أتمنى أن أكون قد وفيت بنصف عهدي الأول، والنصف الثاني سيكون هديتك الأخيرة من نزار العاصي قبل رحيله الأبدي سمو الأميرة."
ومن بعد هذه الكلمات تلاشى وجوده في المكان تاركًا إياها تنظر في أثره بصدمة كبيرة ورعب جلي، ماذا قصد برحيله الأبدي؟
أفاقت من شرودها حين وصلت للمبنى بقاعة العرش، ولم تكد تخطوه مع نازين التي التزمت الصمت منذ أفاقت بشكل مريب، حتى أبصرت بعيونها مشهدًا لم تتوقع أن تبصره يومًا في حياتها كلها.
أرسلان يحمل امرأة بين أحضانه شاحبة الوجه وهو يهرول بشكل مرعب وعيونه خائفة وكأنه يحمل حياته بين كفوفه، اتسعت عيونها تراقبه وهو يهمس بكلمات للمرأة، كلمات لم تصل لها.
راقبته حتى اختفى جسده في مبنى مجاور لمبنى القاعة وهي تلاحقه بعيونها مصدومة مما ترى، واتضح في النهاية أن هناك ما يمكن أن يرعب أرسلان.
تحدثت وهي تنظر للطريق الذي سلكه أرسلان تهمس بصوت منخفض للحارس الذي يقودهم صوب القاعة مخفضًا رأسه أرضًا بهدوء واحترام:
"من هذه المرأة مع الملك؟"
رفع الحارس رأسه ببطء قبل أن يخفضه مجددًا بسرعة كبيرة وهو يهتف بشيء عجيب لا تدري أهي الفترة التي غابتها، أم أن كل ذلك حصل قبلًا دون أن تدري.
"هذه جلالة الملكة، زوجة الملك المستقبلية."
ابتسمت توبة بصدمة كبيرة ولم تشعر سوى بنفسها وهي تهز رأسها بهدوء تتحرك صوب القاعة دون كلمة واحدة وما يزال قلبها يعلن حدادًا في الداخل، تكره نفسها وتكره كل ذرة بها أحبت الرجل سابقًا، تستغفر الله وتستعيذ أن تخون دينها لأجل رجل دق له قلبها سابقًا، تدعو أن يوفقه الله في حياته وينزع بقايا عشق بائس من صدرها.
أصبحت لا تعلم ما تريده ولا تدري ما يريحها، لكن كل ما تدركه في هذه اللحظة أنها ومنذ هذه اللحظة تفتقد وجود شخص آخر لم تعتقد يومًا أن وجوده كان يعني لها الكثير.
"تصحبك السلامة نزار......"
"كيف حالك اليوم؟ عسى أن تكون بخير."
ابتسم الشاب له وهو يتحدث بهدوء يراقب شقيقته التي تجلس جواره تراقب ما يحدث بوجه عابس كعادتها وقد غاب والدهم في هذه اللحظة:
"أفضل بكثير سيدي، أشكرك لمعروفك لا أدري ما كان سيحدث لي لو لم تساعدني."
ربت زيان على كتفه بهدوء مبتسمًا:
"كله بفضل الله ثم جلالة الملك الذي أمر بالمرور على منازل الجميع للتأكد أن الجميع بخير وأنهم يتلقون الرعاية اللازمة، جلالة الملك يفعل ما بوسعه لمساعدة الجميع، عسى أن يقدر الجميع صنيعه."
ختم كلماته وهو ينظر صوبها تحديدًا وكأنه يقصدها هي بكلماته الأخيرة لتحتد ملامح دلارا وهي تنظر له بشر وتحذير أن يتحداها، لتنطلق ضحكة صغيرة من فم زيان وهو يبعد عيونه عن تلك المجنونة ينظر صوب شقيقها.
ثم ردد كلماته الأخيرة في الغرفة:
"إن شاء الله هي أيام ويمكنك العودة للمنزل إن أردت."
"بالطبع سيود العودة للمنزل أفضل من البقاء هنا في هذا المكان."
ولم تكن تلك كلمات الشاب، بل كانت كلمات الساحرة الشريرة كما أسماها زيان في عقله حين أبصرها للمرة الأولى.
رفع عيونه لها يزفر بضيق هامسًا بصوت وصل لشقيقها:
"يا
رواية اسد مشكي الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحمه نبيل
كان يجلس كعادته في الغرفة المجاورة للمسجد يقرأ بعض الآيات بصوت شجي خاشع، وعيونه تتحرك على الكلمات أمامه بهدوء شديد، يستشعر حالة السلام النفسي التي تحيط به في هذه اللحظة.
سمع صوت الباب يُفتح وصوت خطوات تتقدم منه، كل ذلك دون حتى أن يرفع عيونه عن المصحف أمامه، يعطي كامل انتباهه للآيات أمامه، حتى توقف وانتهى من الصفحة التي كان يتلو آياتها.
رفع عيونه ببطء شديد يبصر وجه أحد الرجال يرتدي ثوب الحراس في القصر وهو ينظر له بتردد وكأنه جاء يعترف عن ذنب اقترفه.
"تقدم يا بني، مالي أراك مترددًا؟!"
رفع الشاب عيونه ببطء صوب المتحدث والذي لم يكن سوى أمام المسجد الخاص بالقلعة وشيخ مشكى الأول.
ابتسم له بسمة يبصر التردد يزداد على ملامح الشاب وكأنه لا يعلم كيف يتحدث.
"أخبرني كيف اساعدك يا بني؟!"
تقدم منه الشاب وجلس أمامه على ركبتيه يهتف بصوت منخفض ونبرة خافتة وكأنه يخشى أن ترهف الجدران أذنها للحديث وتسمع ما هو على وشك نطقه.
"أنا فقط... امنحني الأمان سيدي كي أتحدث."
رمش الشيخ بعدم فهم وهو يعقد حاجبيه بجهل، أي أمان هذا الذي يتحدث عنه الشاب؟ كانت كلماته مريبة على مسامع الشيخ الذي كان أخطر شيء سمعه هو أن أحدهم جاء يطلب منه أن يخبره كفارة السرقة، والآن الرعب الجلي على ملامح الش`شاب يوحي أنه يكتم الكثير.
"لم أعتد أن أنقل الأحاديث يا بني."
شحب وجه الشاب يهتف بسرعة:
"لا، لم يكن هذا ما قصدته البتة، أنا فقط... فقط أريد أن... أخشى أن يعلم الملك أنني أنا من جاء ليخبرك بما حدث، فأتأذى."
"الملك؟! وما علاقة الملك بما تريد اخباري له؟ تحدث دون مواراة أو أرحل."
ابتلع الشاب ريقه بتوتر شديد، ثم رفع عيونه له يهتف بصوت خافت:
"الملك لا يريد أن يعلم أحدهم بما يحدث أسفل سقف قصره، فهو يخشى عليها من العقاب."
تغضنت ملامح الشيخ بضيق شديد حتى كاد الغضب يحل محل الضيق ويتسيد تعابير وجهه، لكن الشاب تحدث بسرعة كبيرة وكأنه أدرك عاقبة المراوغة أكثر يهتف بصوت هامس أكثر:
"المرأة التي أعلنها الملك بأنها الملكة المستقبلية، لقد... الملك يحاول أن يخفي أفعالها ليحميها من العقاب، لكنني لم أستطع الصمت وأنا أرى الفسق والرذيلة تُمارس علنًا أمام عيوننا دون التحرك وإخبارك لتجد حلًا لما يحدث قبل أن ينزل الله غضبه علينا."
حرك الشيخ حبات سبحته بين أصابعه ينظر للشاب بنظرة حادة:
"هل تعي أنك الآن تخوض بشرف امرأة، وتدرك عقوبة ما أنت مقبل على فعله إن ثبت أنه كذب وافتراء؟"
"سبق وسُجنت امرأة هنا بسبب الأمر ذاته، لكن هذه المرة أنا امتلك أدلة على ما أقول، هذه المرة أبصرت بعيوني أنا وباقي الحراس رجلًا يخرج من غرفتها بعد منتصف الليل، ولم تكن هذه المرة الأولى، كما أبصرها أحد الرجال يومًا تتحرك بالحديقة الخلفية مع الرجل ذاته و..."
صمت ينظر أرضًا بخجل لتتسع أعين الشيخ وقد أحمر وجهه بغضب:
"هل تدرك ما تتحدث به أنت؟! تأتي وتتحدث عن شرف امرأة بهذه الطريقة القذرة؟! ألا تخجل من نفسك؟!"
"أنا لا أتحدث دون دليل يا شيخ ويمكنك التأكد بنفسك، الملك يحاول أن يواري سوءها، لكن الجميع بدأ يلاحظ ما يفعل، سبق واتهمتها امرأة بالشيء ذاته، لا يعقل أن الجميع مخطأ و..."
"المرأة بنفسها اعترفت أنها أخطأت ولم تبصر منها سوءًا وكان الأمر محض ظنون، وأنت الآن تأتي لتكمل حديثها من حيث توقفت؟! اتقي الله في أعراض النساء."
اتسعت عين الشاب بصدمة يهتف وقد شحب وجهه مرتعبًا أن يرتد الأمر عليه ويتسبب في أذيته على يد الملك، ابتلع ريقه بهدوء يحاول الحديث:
"أنا لم... ليس أنا بل الجميع يرى الأمر بنفسه ويمكنك التأكد من ذلك بنفسك، الآن الملك معها في المشفى وقد سقطت صباح اليوم مغشى عليها والله وحده يعلم السبب بعد خروج الرجل من غرفتها بالأمس، الملك نسي كل قيمه لأجل امرأة فلا تعينه على اثمه يا شيخ."
شحب وجه الشيخ من الكلمات التي سمعها، وهو ينتفض عن جلسته ينظر للشاب بتحذير شديد، ثم خرج من الغرفة الخاصة به يتحرك صوب المشفى يفكر أن يذهب بنفسه ليتحدث مع الملك ومعرفة ما يحدث حولهم.
بينما الشاب كان يراقب الباب الذي خرج منه بملامح حزينة مرتبكة ومرتعبة، سرعان ما تلاشت وارتسمت بسمة واسعة خبيثة وهو ينهض عن جلسته ينفض ثيابه بهدوء.
"هنا تنتهي مهمتي."
ومن بعد تلك الكلمات تحرك بسرعة كبيرة خارج الغرفة ومنها لحصانه يتحرك به خارج أسوار القصر يدعي أنه ذاهب في مهمة ما، وفي الحقيقة هو فقط انتهى من دوره في هذه اللعبة يعود من حيث أتى.
***
"مبدئيًا؟!"
كانت كلمة صغيرة نطق بها أرسلان وهو ينظر لوجه الطبيبة التي توترت بسبب نظرات أرسلان وقد كان الأخير على وشك إحراق الجميع بنظراته في المكان.
ابتلعت ريقها تهتف بصوت منخفض:
"نعم فأنا لم افحصها بشكل... بشكل صحيح، كانت هذه مجرد علامات فقط ظهرت عليها جعلتني اخمن الأمر و..."
اتسعت بسمة أرسلان المرعبة وهو يهمس بنبرة جعلت دموع الطبيبة تكاد تتساقط برعب مما تسمع وترى في هذه اللحظة، كان الملك أكثر رعبًا حتى مما سمعت.
تراجعت خطوة للخلف وهي تسمع فحيحًا خرج من فمه:
"تخمنين؟!"
هزت رأسها وهي تبكي بخوف تحاول الحديث، لكن أرسلان قاطع كل فرصة لديها في إنقاذ ما قيل بكلمات أخرى:
"هل ترين أن الأمر يستحق تخمين سيدتي؟! هل ترين أنني بمزاج يسمح لي بتقبل تخمينات غبية لا أساس لها؟!"
سقطت دموع الطبيبة دون أن تستطيع التحدث بكلمة لتسمع صوت في الخلف يردد:
"مولاي ما بك، المرأة ترتعش رعبًا."
تجاهل أرسلان كلمات المعتصم ويده التي بدأت تشده للخلف يكره أن تتعامل مع الأمر بهذا التهاون، ورغم غضبه كبته مذكرًا نفسه أنه أمام امرأة.
يهتف بجدية كبيرة وقد وصل ما حدث لمسامع الجميع ليجمدهم بأرضهم، وهو فقط هتف بنبرة حاول جعلها هادئة:
"الآن سيدتي ستتحركين للداخل وتفحصين المرأة بشكل دقيق، ثم تعودين وتخبرينني ما بها وما سبب تعبها الواضح هذا وتعالجينه، لا تجبريني على أن أظهر حقيرًا أكثر من هذا مع امرأة مثلك سيدتي."
هزت الطبيبة رأسها بسرعة وهي تشعر بجسدها يرتجف بقوة من الرعب، ليتراجع أرسلان للخلف فجأة حين أبصر ما فعلته بها نظراته، يمسح وجهه بضيق من نفسه:
"فقط اذهبي رجاءً و..."
لكن وقبل التحدث بكلمة واحدة سمع صوتًا مستنكرًا في الخلف يهتف بعدم فهم:
"ليفهميني أحدكم ما يحدث، هل الفتاة بالداخل هي ابنة أخي بالفعل؟! وهل هي... حامل؟! من هو زوجها؟!"
في نفس اللحظة التي نطق بها أنورين تلك الكلمات كان الشيخ يخطو للمشفى ليتجمد في أرضه بعدما رأى الجميع أمامه بملامح شاحبة مصدومة وكلمات ذلك الرجل تتردد أمامه، ليشعر في لحظة أن ما قيل منذ ثواني كان حقيقة وليس مجرد شك أو اتهام.
توقفت أقدامه وهو يسمع صوت أرسلان يهتف بجدية ونبرة خشنة:
"الجميع للخارج لا أريد أن أبصر أحد هنا."
نظر له الجميع باستنكار لتعلو ابتسامة لا معنى لها فمه وهو يهتف بنبرة جعلها أكثر احترامًا لأجل وجود الشيخ والذي كان ذو مكانة رفيعة لديه:
"إذا سمحتم..."
نظر المعتصم صوب زيان الذي هز له رأسه يتحركان بعيدًا عن الغرفة، تاركين أرسلان ما يزال يقف مواجهًا للشيخ وكأنه ينتظر ابتعاده.
لكن الأخير بوقفته تلك كان يبدو كما لو أنه لا ينتوي الرحيل البتة إلا بعدما يحصل على إجابات، يقف متحفزًا أمام أرسلان والذي وقف بكل هدوء يراقبه بملامح باردة وكأنه ينتظر منه كلمة ليثور، يشير بعيونه للطبيبة أن تتحرك لتركض الأخيرة بهلع وكأنها حازت للتو تصريح براءة من حكم إعدام.
"ما الذي يحدث هنا جلالة الملك؟!"
نظر أرسلان حوله بهدوء شديد، ثم عاد بعيونه للشيخ:
"لا شيء، المكان هادئ ولا شيء يحدث، هل ترى شيء يحدث هنا؟!"
اقترب منه الشيخ خطوات هادئة يهتف بصوت منخفض:
"هل تتلاعب معي أرسلان؟! تسخر مني؟!"
اتسعت أعين أرسلان بقوة يهتف بصوت حاول أن يخرجه هادئ طبيعي لا يظهر به تهكمًا أو نبرة قد تبدو للشيخ ساخرة:
"استغفر الله يا عم، منذ متى فعلت؟! أنا فقط لا أفهم تحفزك هذا و..."
هتف الشيخ وقد جن جنونه من تصرفاته الغريبة وقد كان أرسلان أول شخص يقف في وجه الباطل هنا، ما له يصفق له في هذه اللحظة؟!
"لا تتحدث وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن لا معصية تُمارس أسفل سقف قصرك، أرسلان هل أعماك الحب لهذه الدرجة لتتغافل عن تصرفات المرأة فقط لأن قلبك يميل لها؟!"
وفي هذه اللحظة انتفض قلب أرسلان لأجل الكلمة التي خرجت من الشيخ دون أن يجملها أو يزينها أو يخفيها خلف كلمات أقل حدة، اتسعت عيونه لأجل لهجة الحدة وصوته الذي بدأ يظهر به بعض النفور.
"أفق مولاي، وأخرج من غيمة المشاعر تلك، لا تسمح لمجرد امرأة أن تتحكم بك وتحيد بك عن الحق..."
اشتدت حدة عيون أرسلان الذي نظر في عيون الشيخ بشر وقد تناسى لثواني أمام من يقف في هذه اللحظة:
"جلالة الملكة."
نظر له الشيخ بعدم فهم ليكرر أرسلان كلماته وهو يضغط على حروفه بقوة:
"هذه المرأة هي جلالة الملكة وسبق أن وضحت الأمر، احترمك وأقدرك، لكن كرامة امرأتي وزوجتي المستقبلية من كرامتي، وما تلمح له بكلماتك ويلتمع بعيونك لا تفكر به بينك وبين نفسك حتى يا عم وتذكر أن بعض الظن إثم."
اشتعلت أعين الرجل أكثر بسبب دفاع أرسلان عنها وتحدثه معه بهذه الطريقة لأجلها، ليستغل الشيطان غضبه ويتراقص أمامه مزينًا له أفكارًا خبيثة.
"إذن إن كنت واثقًا بها بهذا الشكل وتعتقد أنها امرأة شريفة و..."
"هــــــي كـــــــذلـــــك، وليتجرأ أحدهم ويقول عكس ذلك، ووالله لن يجيبه غير سيفي، هذا ما ينقصني أن يخوض أحدهم بعرضي وشرفي على مسامعي يا عم."
تنفس الشيخ من حدة أرسلان يحاول أن يتحدث بحيادية:
"إذا كنت واثقًا بها لهذه الدرجة فعليك تبرئة ساحتها أمام الجميع."
"أمام الجميع؟!"
ابتسم الشيخ بسخرية وهو يربت على كتفه مشفقًا على نظراته تلك:
"من أين تعتقد أنني علمت إذن؟! الجميع يتحدث بالأمر يا بني، وإن كانوا يفعلون ذلك الآن بالسر فغدًا لن تستطيع أن تصمت الألسنة، لذا الحل الوحيد أن ترد لها كرامتها على مرأى ومسمع من الجميع."
نظر له أرسلان بملامح جامدة وقد بدأت الدماء تغلي بين أوردته، يشعر بصعوبة شديدة في التنفس بشكل سليم، وهو يشعر أن الأمور تتفاقم حوله في وقت لا يتحمل به أي حِمل إضافي، نظر صوب الشيخ الذي ردد بهدوء يعلن قراره الأخير وكأنه يجبر عليه أرسلان:
"عليها الوقوف أمام المحاكمة وإثبات براءتها وإلا نُفذ بها الحد..."
***
تحرك بعيدًا عن الغرفة التي يشعر أنها ستحترق بعد ثواني بسبب النيران المنبعثة من جسد أرسلان في هذه اللحظة وقد قرر التحرك صوب غرفة فاطمة يعسكر أمامها كما اعتاد حتى ينال منها نظرة تطمئن قلبه أنها بخير حال.
لكن وبمجرد أن وصل الغرفة تعجب حين أبصر الباب مفتوحًا بعض الشيء والفراش فارغ.
اتسعت عيونه وتوقف قلبه لثواني وهو يندفع بسرعة صوب الغرفة دون التفكير في طرق باب أو حتى الاستئذان، هو فقط اقتحم المكان بسرعة وهو يهتف ملتاعًا مرتعبًا باسمها:
"فاطمــــــــة."
لكن لم يبصر طرفها في المكان لترتعش يده الممسكة بمقبض الباب وهو يشعر بأنه على وشك الانهيار متذكرًا حالتها، كيف خرجت بهذه الحالة وحدها وإلى أين وهي... لا أحد لها في هذه الحياة.
عند هذه الفكرة اندفع بسرعة خارج المكان وهو يركض صوب الإسطبل يقرر الخروج للبحث عنها، هي لم تبتعد كثيرًا ربما، فالطريق طويل صوب منزلها.
كان يهرول دون أن يبصر أحدهم أمامه، لولا صوت البكاء الذي وصل له ينبع من أحد الأركان في الحديقة.
توقفت أقدامه يتحرك صوب ذلك الصوت والذي ميزه بسرعة كبيرة يهتف بصوت منخفض متسائلًا يحاول معرفة إن كان ما يراه صحيحًا أم عقله المسكين صنع له صورة لفاطمة رأفة بقلبه الذي يكاد يتوقف رعبًا.
تجلس هناك في ركن مظلم لا تصله شمس، ولولا صوت الشهقات الصادرة منها لكان ظنه محض خيالات.
"فاطمة؟!"
تساءل بصوت منخفض مستنكرًا ما يرى، ما سبب خروجها من الغرفة الخاصة بها وقدومها هنا وجلوسها بهذا الشكل.
رمش وهو يتحرك صوبها يراها تضم قدمها لجسدها وهي تبكي بصوت متقطع فعل بقلبه ما فشلت به حروب ضارية.
تقدم بهدوء وهو يجلس على ركبتيه أمامها دون الاهتمام بالوحل أسفله يهتف مجددًا اسمها:
"فاطمة؟!"
ولثواني لم تتحرك وكأنها لم تسمع ما نطق به وهو ما يزال ينظر لها منتظرًا أن تشفق على حالته وتنظر له:
"فاطمة صغيرتي ما بكِ؟!"
اشتد اهتزاز جسد فاطمة وكأن كلماته أن تساهم سوى في زيادة حالتها سوءًا تهتف من بين شهقاتها:
"لقد... رحلوا جميعهم رحلوا وتركوني وحدي."
ابتلع المعتصم ريقه عليها وهو يحاول أن يتجاوز نبرتها المجروحة:
"أنا هنا."
هدأ جسد فاطمة فجأة عن الاهتزاز وهي ترفع رأسها بهدوء شديد عن قدمها تحدق في وجه المعتصم وكأنها تود أن تتأكد أنه لا يكذب عليها، بينما الأخير ابتسم لها بسمة صغيرة يحاول بث بعض الطمأنينة لقلبها:
"أنا هنا يا صغيرة، هنا جوارك ومعك."
نظرت له فاطمة ثواني قبل أن تبتسم له بسمة كسيرة تهتف بصوت خافت وصل له رغم أصوات الرياح حوله:
"هل أنت كذلك بالفعل؟!"
نظر لها المعتصم بعدم فهم يحاول إدراك ما تود قوله لتهتف هي بصوت ميت لا تشعر بما يدور حولها، فقط صوت صراخ وشعور بنيران تحرق جسدها ورائحة الجلود المحترقة هي كل ما يمكنها الشعور به:
"هل أنت كذلك هنا؟! هم كذلك كانوا هنا معي، هم كذلك كانوا جواري، والآن أين هم؟!"
نظر لها المعتصم بوجع لتبتسم له بسمة واسعة مذبوحة:
"ما أدراني إن كنت ستبقى معي أنت كذلك، أم سترحل كما فعل الجميع؟!"
صمتت ثواني ثم ألقت بالجملة التي تسبب في تدمير المتبقى من ثبات المعتصم:
"سيأتي يوم وتتركني كما الجميع، لذا ربما يمكنني اعتياد الوحدة منذ الآن."
ختمت جملتها تتحرك من مكانها بهدوء شديد تنفض ثيابها مبتعدة عنه تحت نظرات الأخير والذي كان ما يزال ينظر لمكانها بصدمة وكأنه ما يزال يتلمس أثرها به، أما عن فاطمة فتحركت بعيدًا عنه توجه أبصارها ونيتها صوب باب القصر وهي تردد بصوت منخفض:
"أنا سأعود للمنزل لأنام بأحضان أمي ككل ليلة، ربما نلتقى في الغد يا المعتصم."
سقطت دمعة من المعتصم وهو يشعر بقلبه يتحول لفتات بسبب كلماتها، ينهض عن مكانه متحركًا صوبها وهو يتحدث بسرعة ولهفة:
"فاطمة توقفي إلى أين؟! لا يمكنك... لا يمكنك الرحيل و..."
لكن فاطمة لم تتوقف حتى لتسمع كلماته، تتحرك دون أن تعطي اهتمام لما يحدث حولها وعقلها يحثها على إكمال طريقها صوب والدتها تنام بين أحضانها طوال الليل وهي تقرأ عليها بعض الآيات.
كانت تتحرك وهي تبتسم بسمة صغيرة لتلك الأفكار، بينما الدموع تهبط من عيونها بقوة وكأن قلبها ما يزال يعيش بوردية وهم رسمه قديمًا ليتجاوز كل ما ناله من أوجاع، بينما العقل ما يزال سجين جحيم الوعي، تبتسم لذكريات يطرحها قلبها، ويدرك حقيقتها عقلها.
كل ذلك تحت عيون المعتصم والذي راقبها متسع الأعين مصدومًا مما يحدث، يتحرك صوبها بسرعة كبيرة وهو يتوقف أمامها يقطع طريقها:
"توقفي، لا يمكنك الرحيل بهذا الشكل، أنتِ.... ألا... ألا تريدين رؤية صديقتك؟! سلمى... نعم هي مريضة للغاية وتحتاجك معها."
نظرت له فاطمة ثواني دون وعي وكأن الكلمات لم تكن تصل لعقلها بسهولة، أما عن المعتصم فكان التصميم يعلو عيونه وهو مقررًا ألا يدعها ترحل بهذا الشكل.
والأخيرة كان الاصرار داخل صدرها ينافس إصرار المعتصم، ترفض البقاء ثانية وحيدة وترك والدتها وحيدة في المنزل، خاصة مع تلك الرغبة الملحة من جسدها بضمها.
"ابتعد يا المعتصم دعني أعود للمنزل، لا يمكنك فعل ذلك."
نظر لها المعتصم بإصرار مرعب يهتف بقوة:
"بلى يمكنني فعل أكثر من هذا فاطمة، فقط حاولي تجاوزي والخروج من هنا."
نظرت له فاطمة بملامح غير مفسرة لا تفهم ما يفعل:
"أنت... ألم... ألم تخبرني أن نضع حدودًا بيننا؟! إذن دعني وشأني فلا أعتقد أن بقائي أو رحيلي من ضمن حدودك التي فرضتها يا المعتصم."
التمعت أعين المعتصم بقوة يقترب منها خطوة هامسًا بصوت حاد:
"لعنة الله على حدود قد تكون عائقًا بيني وبينك، والله إن مثلت تلك الحدود سدًا بيننا لحطمتها أسفل أقدامي وتجاوزتها صوبك فاطمة، فلا تبعديني وأنا أطالبك بالوصال."
نظرت له بعدم فهم ليهتف بلوعة وكل مشاعره من حب وخوف وقلق عليها تجمعوا داخل صدره في هذه اللحظة:
"تزوجيني... تزوجيني فاطمة وارفقي بي..."
***
"أيها الحمقى، حفنة من الأغبياء تبًا لكم أجمعين، أين اختفت المرأة؟! أين اختفت تركتها بينكم لتهرب بهذه السهولة؟! أين حراس الحدود، أين الرجال الذين تركتهم لمراقبتها؟!"
وكانت تلك هي الأسئلة التي نطق بها أنمار بعدما حطم تقريبًا نصف الغرفة التي يقف بها، وقد وصله منذ الصباح خبر اختفاء الثلاثي توبة ونزار ونازين الغريب ليتعجب علاقة نازين بهما.
فجأة اشتد احمرار وجهه وهو يسمع صوت أحد الرجال يردد بجدية:
"سيدي لقد جئنا بالطبيب."
استدار أنمار بسرعة مرعبة صوب الباب ينظر له بلهفة تكاد تتسبب في خروج عيونه عن وجهه يراقب الباب الذي دخل منه نزار مبتل الخصلات مشرق الوجه وقد انتهى لتوه من حمام سريع.
كان الرجل يمسك مرفقه وهو يقوده للداخل لينتزع منه نزار يده وهو ينفض مكان كفه بضيق:
"يا بني للتو استحممت، الآن سأضطر للاستحمام مجددًا."
فجأة وقبل أن يضيف كلمة على كلماته وجد جسده يصطدم بالجدار خلفه وابصر أمامه أنمار وهو يصرخ بجنون:
"أين هي؟! تحدث وإلا تخلصت منك، ولا تفكر في الكذب لأنني سأ..."
وقبل أن يكمل جملته أبعده نزار عنه بضيق يهتف بسخرية:
"الآن سأضطر لحرق ثيابي بالكامل فلا حاجة لي بها بعدما لوثتها أنت، ثم عمن تتحدث؟! هل أضعت شيئًا وجئت تسألني عنه؟!"
رفع أنمار حاجبه بغضب شديد:
"هل تتلاعب بي نزار؟!"
"لا تقلق أنمار حالتي لم تفسد لدرجة أن ألعب وسخًا مثلك وألوث نفسي بالتعامل معه."
"نــــــــــــــــــــــــــزار."
توقف نزار عن التحدث بعدما شعر أنه وصل بأعصاب أنمار صوب الحافة بالفعل ولم يستطع التقدم خطوة إضافية في الوقت الحالي على الأقل.
"أين هي تلك الحقيرة توبة؟! أعلم جيدًا أنك أنت من ساعدها لتهرب من هنا، لذا لتوفر الأمر عليّ وعلي نفسك وعليها لأنني سأجدها وحينها صدقني الأمر لن يعجب أحدهم، أين هي؟!"
"في مشكى."
وبهذه الكلمات أوقف نزار سيل كلمات أنمار والذي اتسعت عيونه بقوة، ليكمل الأخير ببسمة هادئة مستفزة:
"هي في مشكى، يمكنك الذهاب لها ومحاولة إخراجها، أعتقد أن مشكى قريبة للغاية من المكان هنا، لذا اذهب وحاول إخراجها من هناك."
تنفس أنمار بصوت مرتفع بينما نزار ردد بهدوء مستفز:
"في الوقت الذي تقف به أمامى الآن تصرخ وتبكي وتتذمر، أصبحت هي داخل سلطة أرسلان وبين جدران مشكى، لذا إن أردت يمكنك الذهاب هناك وإخراجها بنفسك."
أغمض أنمار عيونه بقوة وهو يتنفس بصوت مسموع للجميع، قبل أن يفتحها بالقوة وهو ينظر لرجاله بأخذه بعيدًا عنه وعالمه بالكامل أصبح أسودًا بينما نزار تحرك بكل هدوء مبتسمًا وقد نال النظرة التي كان ينتظرها منذ أيام طوال، نظر صوب أنمار نظرة أخيرة قبل خروجه من الغرفة:
"هذه كانت البداية عزيزي أنمار....."
***
تجلس بهدوء شديد على أحد المقاعد تدور بعيونها في المكان وكأنها تتلمس طيف حلم قديم، تتلمس نفسها التواقة قديمًا، تتلمس المرأة التي كانت عليها حينما كانت تشتاق للحظة تتويجها ملكة لمشكى، ليس لمنصبًا تناله بقدر مكانة تشتاقها داخل قلب ملك مشكى.
ابتسمت تشعر بأن ذلك الحلم أصبح باهتًا للغاية، ما عاشت عمرًا تحلم به، أضحت الآن لا يمثل لها سوى رماد ذكريات لا قيمة له مقابل ما تعرضت له.
"هل أنتِ بخير؟!"
حركت توبة عيونها صوب نازين والتي كانت تجلس جوارها تراقب ردات فعلها عن قرب وكأنها تدرسها بتركيز طالب على وشك خوض امتحانه النهائي.
"أنا من يحق له سؤالك هذا السؤال، هل أنتِ بخير!! منذ جئتي وأنتِ هادئة بشكل مريب، ليس وكأنكِ جئتي كارهة محملة على الأكتاف هنا."
ابتسمت لها بسمة لا معنى تهمس بصوت منخفض:
"لا أحد يكره العودة لوطنه بعد غياب شهور عديدة سمو الأميرة."
حدقت بها توبة بعدم فهم ثواني قبل أن تهتف:
"أنتِ من سكان مشكى؟!"
هزت لها نازين رأسها وقد غامت عيونها بذكريات عديدة لم تبح بها لتوبة التي تقلبت على نيران فضولها في هذه اللحظة تنتظر أن تفيض لها نازين بالمزيد، لكن الأخيرة فقط صمتت ترفض أن تطأ ذلك الجزء من ذكرياتها، ليس الآن وهي في العراء بعيدة عن أربع جدران تواري بهم حزنها.
صمتت واحترمت توبة صمتها ولم تبح بكلمة واحدة، بل فقط انتظرت حتى تأتيها أي إشارة من الملك توحي بقدومه، شاردة في ذلك البعيد الذي أنقذها وعاد بأقدامه لهلاكه، تنفست بصوت منزعج وهي تمسح وجهها وكأنها بذلك تحاول إزالة كل نظرة قلق تنطق بها عيونها تجاه هذا الرجل وما سيلاقيه.
"لو أنه فقط بقي هنا معي لكان..."
صمتت وتوقفت أفكارها الهامسة تستنكر مسار تفكيرها الغريب عليها، رافضة أن تتحرك بأفكارها صوب ذلك الجزء الخاص به.
غافلة عن تلك المرأة التي كانت جوارها تغوص داخل ذكريات بعيدة بعد المشرق والمغرب، زوج حنون هادئ وبسيط، منزل صغير دافئ صغار أشقياء ومن ثم... لا شيء، صوت صفير قوي دمر كل شيء وهي تبصر كامل عائلتها يُقتلون أمام عيونها قبل أن تُختطف هي كسبية لا قيمة لها.
ولم تدري تلك التي تحيا بين ذكرياتها أن دموعها بدأت تهبط دون شعور، حبست حزنها داخل صدرها ولم تبكي يومًا منذ أبصرت دمار عائلتها وجثثهم أمامها، لم تبكي يومًا ولن تفعل قبل أن تنال قصاصًا عادلًا في الدنيا ومن ثم يمكنها اللحاق بهم لتناله في الآخرة كذلك.
"نازين أنتِ بخير؟?"
استدارت لها نازين بهدوء شديد، تهز رأسها هزة صغيرة، ثم نظرت أمامها بهدوء أكبر دون أن تنطق بكلمة وقد أثار تصرفها هذا ريبة توبة والتي كانت تشعر بالقلق مما ترى على ملامح تلك المرأة جوارها، ترى ظلمات وشر يلتمع بشكل مرعب.
نهضت عن مكانها تتحرك بهدوء شديد بعيدًا عنها تهتف بصوت منخفض:
"سوف أذهب لأعلم سبب تأخر الملك."
ولم تكد تتحرك حتى أبصرت بعض الجنود يدخلون المكان مخفضين رؤوسهم باحترام شديد:
"سمو الأميرة نعتذر عن تأخر الملك، لقد أرسلنا أحدهم يعلمه بوجودك إذ أنه حتى الآن لم يعلم بوجودك، وإلا لكان جاء على وجه السرعة، هو فقط يواجه بعض المشاكل الآن، لذا وحتى ينتهي مما يحدث، أقترح أن تذهبوا للراحة في الغرف التي خصصتها لكم، وبمجرد أن يعلم الملك بوجودك هو بنفسه سيأتي ليرحب بسموك الترحيب الذي يليق بكِ داخل مشكى."
نظرت له توبة بتعجب، فقد كان الرجل متحدثًا بارعًا، على عكس الجنود المعروفين والذين كانوا يتحدثون بالأسلحة فقط، لكنها لم تتناقش بكلمة واحدة، بل فقط تحركت بنظراتها صوب نازين والتي كانت في أشد الحاجة لأخذ راحة بالفعل لذا وافقت دون تفكير:
"نعم ارجوك..."
ابتسم لها الجندي والذي كان نفسه تيّم، كان يعلم جيدًا كيف يتصرف بحكمة ويحرك الأمور بذكاء، فحينما أخبره بعض الجنود بوجود أميرة سبز هنا لم يصدق واصابته صاعقة فهو على دراية بالفعل باختفائها بشكل غامض، وحينما ذهب لإعلام الملك وجد الأمور محتدمة بينه وبين الشيخ في المشفى، فابتعد بكل هدوء وجاء بنفسه يؤجل ذلك اللقاء بقدر استطاعته حتى يتفرغ الملك.
أشار ببسمة ودية صوب بوابة يتابعها تتحرك، قبل أن يبصر امرأة أخرى تسير خلفها بملامح جميلة رغم نظرات الجمود التي تعلو وجهها، نظر لها شاردًا ثواني قبل أن يبعد عيونه بسرعة متحدثًا بهدوء:
"إحدى العاملات تنتظركما على باب القاعة لتدلكما على الغرفة، أنرتم مشكى سمو الأميرة."
هزت له توبة رأسها باحترام وبسمة صغيرة تتحرك خطوات صغيرة صوب الخارج، في حين أن تتزين تبعتها بخطوات شبه واسعة تحت أعين تيّم.
***
بدأ الخبر ينتشر بين الجميع، حتى أضحى أغلبية سكان القصر يدركون جيدًا ما يحدث مع ضيفتهم الجديدة من عالم المفسدين، لكن الأغلبية منهم لم يهتم وأوقف الخبر عنده ولم يتحدث بما يمس شرف امرأة، إلا بعض المندسين وسطهم والذين كانت هذه هي وظيفتهم.
أخذ الخبر يتحرك بين الجميع حتى وصل لها، وصل لنجوم التي انتفضت برعب مما سمعت.
شعرت بالمكان يدور حولها وهي لا تدرك ما يحدث، هل كان الدواء الذي تضعه في المشروب لها السبب بأي شكل من الأشكال فيما تسمعه الآن!!
والإجابة كانت واضحة لها.
"لقد شاركتي بكل بساطة في تلويث شرف امرأة نجوم فاستعدي لعقاب ربك."
انتفض جسد الأخيرة وهي تخرج من المطبخ بسرعة دون كلمة واحدة تتحرك بين الطرقات وقد لمعت عيونها بشر، هي كانت تدرك أن ذلك ليس دواءً يسبب بعض الأوجاع، لكن ماذا كانت تمتلك لتفعل وهي مقيدة بتهديدات سراي؟! كانت تدرك أن ذلك أكبر من مجرد دواء يسبب أوجاع، لذا توقفت عن وضعه لها منذ البارحة، لتستيقظ وتبصر أن صحوة ضميرها كانت متأخرة فقد سقطت المرأة في فخ أعدته سراي بذكاء تتعجبه منها.
خرجت من القصر تشد الوشاح حول وجهها بغضب الكون مجتمع داخلها، تتحرك صوب منزل سراي وقد علا التصميم عيونها لتدرك ما خططت له تلك الحرباء وكشفه، حتى لو عني ذلك قطع يديها، بل ورأسها...
***
بسمته التي ارتسمت في تلك اللحظة كانت نفسها البسمة التي ترتسم على فمه قبل اقتلاع رأس أحدهم وكأنه يرفض أن يقتل عدوه دون أن تكون بسمته آخر ما يبصر من الحياة، والآن هذا الشيخ المسكين والذي أبصر بسمته تراجع خطوات للخلف خوفًا أن تكون رأسه هي التالية.
لكن أرسلان محى بسمته بسرعة كبيرة يردد بهدوء:
"لن تتلوث يدي بدماء مسلم، فما بالك بشيخ كبير يمثل والدًا لي يا عم، هذه النظرة لا يجب أن تعلو وجهك وأنت تتحدث معي."
صمت ثواني ثم رفع عيونه ودون إرادته غطت نظرة سوداء عيونه وهو يتحدث وقد عاد لحديثهم الأساسي:
"تود أن أجعل المرأة بالداخل تقف بين الجميع موضع المذنبة في مثل هكذا تهمة؟! هل تمزح معي يا عم؟! ثم منذ متى كانت قضايا الزنا يُحكم بها على مسامع الجميع في المحاكمة؟!"
"منذ بدأ الجميع يتكلم عنها وقد انتشر الأمر كالنار في الهشيم، يا بني أنا لست ضدك، أنا فقط أحاول إنقاذ سمعة المرأة التي تلوكها السنة البعض عديمي الشرف."
تبع حديث الشيخ صوت همسات وصلت مرتعبة مصدومة من الخلف:
"سمعة من؟! ما الذي تتحدثون عنه؟! هل هذا الحديث عني؟!"
تحدث الشيخ وكأنه لم يسمع همساتها:
"كما أن الطبيبة تشك بحملها لطفل وهذا لا يحسن الوضع البتة."
رمشت سلمى تتحسس معدتها بصدمة تهتف بصوت ارتفع بجنون يرن في المكان:
"أحمل ماذا؟!"
أغمض أرسلان عيونه بغضب وهو يسمع صوتها وقد صدح من الخلف بعدما استيقظت فجأة تبصر مكانًا غريبًا عليها، وحينما قررت الخروج منه شعرت بدوار عنيف يضرب رأسها، لكنها تحاملت على نفسها حتى خرجت لتسمع كلمات الشيخ التي اصطدمت بأذنها واصابتها بالتعجب.
حركت عيونها صوب أرسلان والذي أبعد عيونه عنها دون كلمة واحدة يرفض حتى النظر لها، بينما الشيخ نظر لأرسلان ثواني والاخير يقف محمر الوجه مشتعل الغضب دون أي كلمة من طرفه، لكن ما يحدث في الخارج لا يمكنه احتوائه هذه المرة بصمت وتمريره.
رفع عيونه ينظر لها حين نطق الشيخ بكل حذر:
"كل ليلة كان هناك رجل غريب يخرج من غرفتك، هل يمكنك إخبارنا سبب تواجده هناك؟!"
اتسعت عيون سلمى بصدمة كبيرة، تهمس دون وعي:
"كل ليلة؟! هل تمزح أنت؟! هل تحاول أن تتهمني بما لم أفعل؟! أنا يومًا لم أستقبل رجلًا غريبًا في غرفتي و..."
فجأة توقفت عن الحديث وهي تشعر بذاكرتها تنتعش فجأة وقد عادت لها ذكرى الأمس لذلك الرجل المريب:
"البارحة، نعم البارحة كان هناك رجل و..."
صمتت ولم يكن صمتها الآن يساعد أرسلان على التفكير بعقلانية إذ بدأ جسده ينتفض ويشتعل والجحيم يفتح أبوابه أمام عيونه يهتف من أسفل أسنانه:
"كان هناك رجل؟! ماذا تقصدين بهناك هذه آنستي؟!"
كانت سلمى تنظر أمامها بأعين شاردة تحاول تذكر تفاصيل تلك المقابلة التي تبدو لها في هذه اللحظة ضبابية، لا تدرك كيف بدأت وكيف انتهت لكنها تدرك ما حدث بها:
"في غرفتي..."
وتلك الكلمة الشاردة التي خرجت منها كانت سببًا في خروج لعنة من فم أرسلان وهو يزيح خصلاته بعنف يشعر برغبة عارمة في تحطيم عظام أحدهم وقد كان ذلك الرجل الذي تتحدث عنه أفضل خيار متاح في الوقت الحالي.
"في غرفتك؟! يفعل ماذا في غرفتك؟! كيف تجرأ ودخل غرفتك، كيف سمح له هؤلاء الـ..."
صمت يكبت سبة كادت تخرج منه، يحاول أن يجاهد نفسه ويصبر حتى لا يخفيها، بينما هي تراجعت للخلف تهتف بسرعة وقد علمت أنها الآن في موضع اتهام في أعين الجميع أمامها، غافلة عن أن سبب غضب أرسلان من الأساس ليس شكه بأنها قد فعلت شيئًا خاطئ، بل لشدة غيظه من دخول رجل غرفتها والتي حرمها على جميع الرجال بمن فيهم نفسه.
"لقد... لا أعلم ما الذي كان يريده، لقد اقتحمها فجأة دون مقدمات دون أن يقدم على أذيتي، حاولت إخراجه و... لقد.... حاولت أن أضربه لكن فجأة لم أشعر بشيء بعدها و.... لا أتذكر ما حدث."
اشتعلت عيون أرسلان أكثر وهو يشعر بالدماء تكاد تفور داخل أوردته وفد على الغضب أكثر وجهه.
ليرتفع صوت الشيخ ويزيد من الطين بلة وهو يهتف بهدوء شديد يراعي غضب أرسلان الواضح في هذه اللحظة:
"يجب عليكِ المحاولة والتذكر فربما يكون ذلك سبب نجاتك."
رددت بكل بلاهة كلماته دون أن تفهم أبعادها، وجوال سنوات عمرها لم تكن تتخيل أن تتعرض لمثل تلك الأحداث كلها:
"سبب نجاتي؟! لا أفهم مقصدك يا شيخ."
نظر الشيخ صوب أرسلان ثواني والاخير يقف محمر الوجه مشتعل الغضب دون أي كلمة من طرفه:
"أنتِ مطالبة بالوقوف أمام المحاكمة والدفاع عن نفسك أمام الجميع وإثبات براءتك من التهم التي تُكال لكِ."
صمت وهو يرى ردة فعلها على كلماته وقد علت نظرة عدم تصديق عيونها وابتسمت بسمة مصدومة:
"تهم تُكال لي؟! هل تمزح معي؟! ثم أي محاكمة هذه؟! قوانين مملكتك لا تسري عليّ، أنا لم آت هنا لأعيش مثل هذه الصراعات ومثل هذه التراهات، بل وأُجبر على الوقوف أمام الجموع أدافع عن نفسي وأمحو عنها تهم لا أعلم ما هي حتى؟! أي حياة تطالبوني بعيشها الآن؟!"
كانت كلماتها حادة وقد طفح كيلها مما يحدث حولها، ملت ويأست من محاولات عديدة للتأقلم، كلما ظنت أنها وصلت لشاطئ الأمان، شعرت بموجة هادرة تجذبها تعيدها صوب العمق مجددًا.
تحركت بعيونها صوب أرسلان تنظر له وهي تتحدث وقد كان هو أملها الأخير في هذه اللحظة، وداخل أعماقها تدرك أن أرسلان هو سبب رئيسي لبقائها هنا، لتمسكها بحياة لم ترغبها يومًا ولا تعتقد أنها ستتأقلم عليها.
الرجل الوحيد الذي استطاع أن يصنع له مكانة لا تجد لها تصنيفًا داخلها:
"أرسلان..."
وكانت هذه حافة صبره إذ جعل نطقها باسمه جسده يهتز بقوة وهو يرفض حتى النظر لها، ليس في هذه اللحظة وهو في أوج غضبه وفورة مشاعره تجاهها، ليس وهو يدرك أن هناك من استحل لنفسه أن يبصر المرأة التي كان يجلد ذاته للنظر لها نظرات صغيرة.
وسلمى لأول مرة تفشل في قراءة تعابيره وهي تنظر له لحزن شديد تهمس بصوت مجروح:
"هل تصدق أنني قد ارتكبت شيئًا كهذا قد يضر بسمعتي؟! أستضيف رجلًا في غرفتي ليلًا واختلي به..."
كانت مجرد كلمات وافتراضات لكنها تسببت في ازدياد جنون أرسلان وهو يهمس بنبرة سوداوية:
"صفي لي شكله."
نظرت له بصدمة تحسبه قد صدق ما قيل عنها:
"ما الذي...."
"فقط أخبريني كيف يبدو ذلك الـ..."
صمت وقد رفض أن يظهر جانبه القذر السوداوي أمامها، يجاهد نفسه للمرة الثانية، يحاول أن يتحلى ببعض الصبر الذي لا يمتلك حتى ذرة منه.
بينما هي ابتسمت بعدم تصديق، تنظر له دون رد، والشيخ جوارهما يراقب ما يحدث:
"هذا لمصلحتك يا ابنتي، نحن هنا لا نتهمك بشيء، نحن هنا فقط نحاول تبرئة ساحتك، الجميع أضحى يتحدث عما يحدث، لذا وجب علينا إنهاء الأمر على مرأى ومسمع منهم ليعلم كلٌ أنكِ ما كان لكِ أن ترتكبي يومًا شيئًا كهذا."
كان يتحدث بشفقة وهو يبصر ملامح الفتاة والتي شعر من نظراتها الصدق وأنها ليست من ذلك النوع الذي قد يبيع شرفه يومًا.
أما عن سلمى فقد استحكمت غصة حلقها وهي تكتم بصعوبة كبيرة كلماتها التي كادت تغادر فمها، كلمات ابتلعتها ليتردد صداها داخل عقلها هي "وما نفع أن يعلم الجميع ببرائتي وقد أنكرها الشخص الوحيد الذي اهتم بأن يعلم".
أبعدت عيونها عنه وهي تهتف بصوت منخفض:
"أفعل ما تراه صحيحًا فما عاد لي مكانًا هنا يا عم..."
ختمت حديثها تبتعد عن المكان بأكمله، وكم كان أرسلان شاكرًا لها صنيعها ذلك، فقد بلغ ذروة صبره وهو يتحرك بخطوات هادئة لا توحي بما يضمر يتحدث بنبرة جامدة محايدة لا تعبر عما يخفي:
"اجمع الكل يا عم في القاعة، كل إنسان يعلم بما يحدث أو تحدث بكلمة واحدة اجمعهم، أحضر الجميع ريثما أحضر أنا ذلك الرجل."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى جسد أرسلان من مرأى الرجل تاركًا الشيخ يقف في مكانه مصدومًا من ردة فعله الهادئة، ورغم ذلك هز رأسه بكل بساطة يتحرك خارج المشفى ليتدبر الأمر بأكمله وهو يدعو بالصلاح للاثنين وقد أبصر داخل أعماقهم مشاعر مكبوتة تنتظر فرصتها للخروج.
ومن نظرات أرسلان أدرك، بل أيقن أن تلك المرأة تعني له أكثر مما يعلم أرسلان نفسه.
الملك يهيم عشقًا بالغريبة...
***
"إذن ما الذي ستفعله لنزار؟!"
لم يتحرك أنمار مقدار خطوة حتى أو يحرك إصبعه، يتجاهل سؤال الوليد وهو يقفز لنقطة أخرى:
"هل نفذت ما طلبته منك يا الوليد؟!"
استاء الوليد من تغيير أنمار للحوار كيفما شاء كل ثانية، يشعر أنه لا ينوي الخير أبدًا لنزار، وهذا ما لا يريد أن يصل له، هو وحين أحضر نزار هنا كان لحمايته من هلاك وإعطائه فرصة إيجاد أعوان جدد له، لكن نزار بعناده وقيمه القديمة تسبب في هلاك آخر وشيك له.
"نعم لقد انتهينا من الأمر واليوم ستُعرض الفتاة على المحاكمة بتهمة الزنا مع الرجل الذي زرعناه هناك، لكنني حتى الآن لم ألتقط غرضك من كل ما تفعله الآن."
ابتسم له أنمار بسمة صغيرة يجيب بكل هدوء:
"وهذا هو الفرق بيننا عزيزي الوليد، أنك لا تبصر مصلحتك المختبأة في بعض الفرص، تلك الفتاة بالإضافة لكونها جميلة ستصلح للجحر خاصة بعد اختفاء الحقيرة نازين، إلا أنها نقطة ضعف واضحة لأرسلان ستشتته بما يحدث معها ريثما ننتهي مما نريد."
اشتعلت عيون الوليد والتمعت بقوة وهو يهمس:
"حدود مشكى؟!"
"نعم يا عزيزي، الجزء الأول من خارطة مملكتنا الجديدة بدأ يُنفذ على أرض الواقع، والكل آتٍ دوره، البارحة سبز والأن مشكى وغدًا آبى، وفي النهاية ستكون سفيد."
***
"أعتقد أن حديثي واضح، أحضروا لي ذلك الـصمت بغضب وهو يضرب المقعد بقدمه صارخًا بجنون:
"أحضروا لي نزار ولو كان تحت الأرض السابعة."
هز قائد الجيوش رأسه وهو يخفضها باحترام:
"كلماتك أوامر جلالة الملك، نحن سنكثف البحث ونحاول إيجاد..."
"ليس نحاول بل ستفعلون، ستجدون ولدي العزيز أيًا كان مكانه، سمعتني؟!"
نظر له الرجل بعجز فأين سيبحث عن الأمير الهارب من العقاب؟! وفي أي مكان سيجده بعدما فلت بحياته من ميتة وشيكة؟!
لكن رغم كل أفكاره والمنطقية التي تدور بعقله إلا أنه أومأ بإيجاب يقول بهدوء وطاعة كبيرة:
"سنقلب الأربعة ممالك رأسًا على عقب ونجده مولاي."
ومن بعد تلك الكلمات تلاشى الرجل من أمام أعين آزار قبل أن يوكل له مهمة أخرى أشد صعوبة أو ما شابه، تاركًا الأخير ينظر أمامه بنظرات شبه محترقة:
"والله إن صدق حديث ذلك الوسخ عديم الرجولة أنمار وفعلت ما أخبرني به نزار ليكون مقتلك هو أقصى ما تتمناه في هذه الحياة."
***
دخل ممرات مبنى الغرف وهو يبحث بعيونه عمن يمكن أن يساعده حتى أبصر الرجل الذي أخبره ما يحدث نساء البارحة ليتحرك صوبه بسرعة كبيرة وتصميم يلتمع في عيونه يهتف له بهدوء شديد:
"أحضر لي جميع الرجال الذين يحرسون المكان ليلًا."
نظر له الرجل بعدم فهم، ليتحرك أرسلان دون كلمة إضافية وهو يخطو صوب غرفته يكرر حديثه السابق:
"الجميع ولا استثني منكم أحدًا، الجميع يأتي لغرفتي من شاهد ومن لم يفعل سيأتي."
وقبل أن يخطو خطوة إضافية قاطعه طريقه أحد المستشارين الذي ظهر له من العدم يكرر بسرعة:
"مولاي جيد أنني وجدتك، بحثت عنك منذ الصباح لأجل ما يحدث و..."
"إن كان الأمر يستحق الانتظار فلتفعل رجاءً لحين انتهى مما أفعل الآن و..."
"الأمر متعلق بالأخبار الخاصة بجلالة الملكة، يجب وضع حد لما يحدث مولاي، الجميع يتحدث و..."
فجأة توقف عن الحديث حين أبصر نظرات أرسلان الذي فاض به الكيل وهو يصرخ بصوت مرتفع هز جدران المكان حتى كاد قاطني المبنى يخشون سقوطها أعلى رؤوسهم:
"البلاد في حالة حرب والدمار يعم الطرقات، والخراب قاب قوسين أو أدنى منا، والحياة تلقي بمصائبها تباعًا لنا، ورغم ذلك أرى الجميع متفرغين للقيل والقال؟!"
صمت يتنفس بعنف وقد تعجب تصرفات العاملين بالقصر مما يحدث ويدور حوله:
"ما بالكم منذ متى ونحن نتصرف بهذه الطريقة، متى أصبحتم عونًا للشيطان؟!"
صمت وقد شعر بصدق تخمينه القديم الآن، من يحدث هذه البلبلة لا يعقل أنهم من أفراد شعبه، الخطة مدروسة بدقة لا متناهية، الإيقاع بسلمى ومن ثم نشر الأخبار بسرعة مريبة وقد كان من المفترض ألا تخرج الأخبار عن رجال الحراسة كما علم من قائدهم بالأمس، إذن ماذا حدث؟!
نظر صوب مستشاره وهو يهتف بقوة يتحرك بين الطرقات صوب غرفته:
"إذن احضر الجميع الذين يتحدثون بشرف المرأة، ولنرى من يمتلك الجرأة ليردد تلك الكلمات بصوت مرتفع."
تحرك صوب الغرفة وهو يشتعل وبمجرد أن دخل لها أردف يحدث الحارس في الممر على مقربة من غرفته:
"أحضر لي قائد الجيوش."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى جسده داخل الغرفة يزيح عنه معطفه الملكي والذي كان يشعر أنه يخنقه، يتحرك في المكان بلا توقف يحاول إيجاد حل لما يحدث حوله، هذه مكيدة لا ريب في ذلك، شعوره لن يكذب عليه، لكن هذه المرة كان الأمر محبوكًا لدرجة لم يتخيلها، ألا لعنة الله عليهم كيف استطاعوا حبكها بهذه الدقة؟!
أفاق من أفكاره على صوت طرق يتبعه دخول المعتصم بعدما أذن له وخلفه جميع حراس الممر الذي تقطن به سلمى، وهو يراقبهم بنظرات هادئة، قبل أن يتحرك بعيونه صوب المعتصم يهتف بجدية:
"كثف الجنود على الحدود فلا أعتقد أن تكبدهم العناء لصنع مثل تلك الخطة فقط لأجل اختبار مقدار صبري النافذ، ومن ثم تحرك وأحضر لي العاملة التي تُسمى سراي ولو عادت لرحم والدتها."
تعجب المعتصم كل تلك الأوامر ورغم ذلك، هز رأسه بنعم وهو يتحرك خارج الغرفة تاركًا أرسلان يجلس بين الجميع بهدوء شديد مبتسمًا بسمة لا معنى لها:
"إذن أخبروني ما حدث ببطء شديدة ولا تغفلوا عن نقطة واحدة حتى وإن كانت تافهة لا معنى لها."
ومن بعد كلماته تلك شرع الجميع يصف ويتحدث عن كل ما أبصروه خلال الأيام المنصرمة وما حدث من سلمى وذلك الرجل الذي كان دخل الغرفة ومن ثم تبخر ببساطة وكأنه لم يكن، وأرسلان فقط يتابع ما يحدث ببسمة صغيرة ينتظر أن يفرغوا مما يخبرونه به، يحسن الاستماع دون قول كلمة تقاطعهم.
***
"سالار هل تسمعني؟!"
رفع سالار عيونه بهدوء صوبها يبتسم بسمة صغيرة ثم رفع كفه يشير لها أن تقترب وقد فعلت، تحمل بين يديها كوب عصير صغير له:
"هل أنت بخير، تبدو شاردًا بشكل غريب منذ الصباح."
نظر لها بهدوء قبل أن يومأ برأسه:
"بخير حال تبارك، فقط بعض الأمور التي تحتاج لتدخلي في المملكة، لا تشغلي بالك، واخبريني كيف حالك في دروس اللغة مع العريف."
ابتسمت تبارك وهي تضع الكأس بين أنامله تجيب بهدوء شديد وسخرية:
"دروس؟! ألا ترى أنك تبالغ سالار؟! أنا حتى هذا اليوم لم أتلقى منه سوى نصف درس ومن بعدها غضب بسبب كلمات زمرد عن الكتب والقراءة، لينتهي بنا الأمر مطرودات خارج المكتبة، وكلما ذهبت له أجلسني جواره وأعطاني كتابًا يعلمني الكثير عن اللغة الفارسية باللغة الفارسية."
أطلق سالار ضحكات صاخبة وهو يمد يده يجذب رأسها له مقبلًا إياها بحب شديد:
"لا بأس عزيزتي غدًا أتفرغ لكِ ونذهب لتلك الإجازة التي وعدتك بها في القصر الخاص بنا وأعلمك كل ما تريدين معرفته."
رفعت عيونها له تمنحه حبًا غير محدود وقد بنى ذلك الرجل لنفسه مدينة بأكملها داخل قلبها لا يسكنها سواه، ولن تقبل في أي حال من الأحوال أن يطأها غيره.
"ومتى تنتهي سالار؟! ثم ما الذي يحدث هنا؟! أشعر باستنفار غريب منذ أيام في المكان، هل كل شيء بخير؟!"
نظر لها سالار يداعب وجنتها بحب يربت عليها بحنان:
"شيء لا داعي لشغل عقلك به عزيزتي، فقط اهتمي بصحتك وبي وسيكون هذا كافيًا."
ختم حديثه وهي تنظر له بريبة شديدة:
"لا أشعر بالاطمئنان لما يحدث في المكان، البارحة أبصرت الملك يصرخ بجنون وهو يلقي أوامر على الجنود، وهذا مريب فالملك إيفان لا يغضب في العادة ويكون أكثر هدوءًا مهما حدث."
تذكر أرسلان الرسالة التي وقعت لا لهم البارحة والتي كانت تحمل شفرة أخرى توحي أن القادم لن يعجب أحدهم، وأن أنمار في طريقه للممالك يخفي في جعبته الكثير، وأن حياة الأميرة توبة بين يديه.
"الله خير حافظًا مهجتي، ليست هذه أول مشكلة تقابلنا وليست أول صعوبة تقف في طريقنا، لذا كما مر السابق بفضل الله سيمر هذا، الأهم أنه عندما يمر كل هذا سأجدك في نهاية الطريق."
ختم حديثه يقبل عيونها بحنان شديد:
"في البداية كنت أذهب للحرب مستودعًا الله نفسي إن عدت فقد كُتبت لي أيام إضافية لأحياها بروتينية، وإن لم أعد فقد اصطفاني الله شهيدًا، أم يكن الأمر يعني لي الكثير، لكن ومنذ علمت أنني سأعود لأجدك تستقبليني ببسمتك، كان انتصاري أكثر ما أطمح له لأعود وألقي بكل شيء داخل أحضانك عزيزتي."
ابتسمت له تبارك تضمه بقوة وهي تقبل موضع صدره:
"لا أراك الله هزيمة يومًا يا قائد."
"فعلتها ورأيتها على يدكِ مهجتي ووالله لن ينال آخر شرف أن يهزمني بعدك، ليذكر التاريخ أن جميع المعارك التي خسرتها كانت أمام شخص واحد... تبارك."
***
كانت تنظر لها بأعين غائمة حزينة تربت على رأسها بحنان وهي تهمس لها بصوت منخفض حنون:
"لا بأس حبيبتي، لا بأس صغيرتي غدًا أفضل لكِ فاطمة."
نظرت لها فاطمة بأعين ناعسة وقد شعرت أن جسدها لشدة تعبه بدأ يعلن استسلامه، تهزي بكلمات غير مفهومة، كلمات وصلت لسلمى لتشعر بالوجع لأجلها وهي تتذكر كلمات المعتصم لها.
"أمي، أريدها."
قبلت سلمى رأسها وهي تجذب الغطاء عليها تتحدث بصوت خافت وكأنها تخاطب عقلها الباطن:
"فقط استريحي حبيبتي وكل ما تريدينه سيحدث فاطمة، فقط استرخي وكل شيء سيكون بخير."
وكأن كلماتها عهدًا اتخذته على نفسها، وصدقته فاطمة، لتستكين براحة لصوت همسات سلمى، تنفست سلمى بهدوء وأخيرًا وهي تبتعد خطوة للخلف، ثم اطمأنت عليها تطيل النظر لها دون ردة فعل من جهتها، قبل أن تتحرك للخارج والكثير يدور داخل عقلها، هل تترك لهم المكان وتعود من حيث جاءت؟؟
لكن ألا يُعد ذلك هروبًا؟؟ جبنًا؟؟ وإن فعلت واستطاعت الخروج من هنا، هل ستترك فاطمة واحدة لتسوق حالتها؟؟
تحركت في حديقة القصر شاردة وما تزال ترتدي ثوبها الساتر الطويل، تهيم على وجهها دون معرفة حل لما تواجهه، ولم تكد تخطو للمبنى الخاص بغرفتها، حتى أبصرت أحد الجنود يقف أمامها مخفضًا رأسه باحترام مرددًا:
"جلالة الملكة، مولاي يخبرك أنه وبعد صلاة العصر سيجتمع الجميع في قاعة العرش، ويطالبك بالحضور."
ابتسمت له بسمة ساخرة:
"أخبر مولاك أنني سأكون في موعدي المحدد، وكيف أفوت اجتماعيًا أُقيم على شرفي؟!"
تحركت بعد كلماتها دون اهتمام به تسير بكل جمود وهدوء وقد غشى عيونها نظرة باردة، نصبوا لها اجتماعًا ليحكموا من مصيدتهم حول رقبتها، ألا لعنة الله عليهم جميعًا إن ظنوا للحظة واحدة أنها ستقع في مصيدتهم أو تنحني لرياحهم.
دخلت غرفتها تتحرك صوب المرحاض كي تغسل وجهها وتتوضأ، ثم خرجت تخرج ثوبها الذي ستحضر به تلك المحاكمة، والذي كان مكونًا من تنورة سوداء وقميص أبيض اللون مع حذاء أسود اللون، نظرت حولها تبحث بعيونها عن شيء تخفي به خصلاتها قبل أن تتذكر المعطف الخاص بأرسلان، لكنها نبذته وابت أن تخرج به فتحركت تخرج معطفًا طويلًا، ذا قبعة واسعة.
نظرت لثوبها ثواني قليلة قبل أن تجلس أمامه على المقعد وهي تحدق به بلا ذرة فعل من طرفها فقط شروق وكأنها لأول مرة تجهل خطوتها القادمة، دار بها الزمان وأصبحت من معالجة مجرمين، إلى متهمة تقف نفس الوقفة التي كانت تراقبها من بعيد.
"أشفق أبي على وحدتي وحياتي المملة فعثر لي على شيء أكثر تشويقًا لقضاء المتبقي من عمري به.... السجن."
ختمت حديثها تجلس طويلًا دون ردة فعل ولا تعلم من زلت جالسة، ومن ثم نهضت تصلي متيقنة أن الصلاة سبيلها للراحة، وما كادت تفرغ من الصلاة حتى سمعت صوت الطرق على الباب وكأنهم يتعجلون نهايتها.
***
بمجرد أن فتحت باب المنزل حتى وجدت جسدها يتراجع للخلف بقوة أدت لسقوطها بحدة أرضًا، شهقت سراي بقوة وهي ترفع عيونها صوب المقتحم، حتى أن والدتها خرجت على صوت صرختها وهي تهتف:
"سراي ما بكِ يا ابنتي."
لكن وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة أو يتكلم كلمة واحدة وجدوا نجوم تصرخ بصوت مرتفع وهي تهبط بصفعة على وجه سراي تهتف بجنون وعدم تصديق:
"ما الذي فعلتيه أيتها الحقيرة، بل ما الذي أجبرتيني على فعله؟! كيف تفعلين ذلك؟! أجبرتيني على الإيقاع بامرأة أخرى تحت مسمى دواء يسبب بعض الآلام ورغم شكي بنيتك القذرة إلا أن خوفي أوقفني عن التحدث أيتها الـ..."
كانت تصرخ بجنون وهي تنظر حولها وكأنها تبحث عن شيء تضرب به رأس سراي التي نظرت لها بسخرية كبيرة، وحينما فشلت نجوم في إيجاد ما يساعدها على تحطيم رأس سراي، انقضت بيديها العاريتين وهي تمسكها من حجابها تنتزعه بعنف:
"ماذا تظنين أنتِ سأصمت على ما فعلتي؟!"
حاولت والدة سراي التدخل، لكن نجوم دفعتها وهي تصرخ وتجذب سراي بقوة حتى شعرت بجسدها يُطبع على الأرض أسفلها، ووالدتها تحاول الدفاع عن ابنتها، لكن نجوم لن تتوقف وهي تصرخ بقهر:
"تسببتي في كارثة للمرأة وهي من سامحتك وغفرت لكِ أيتها الفاسقة، قسمًا برب العباد لأفضحنك أمام الجميع وأخبرهم أنكِ أنتِ من وضع لها ذلك الدواء الذي تسبب في ظهور أعراض الحمل عليها، لتثبتي عليها تلك التهمة البشعة."
اتسعت عيون سراي والتي كانت قد صرخت حتى بحت حنجرتها، تدافع عن نفسها بصدمة مما سمعت:
"ماذا؟! لا أقسم أنني لم أفعل ذلك، ذلك كان مجرد مخدر، ربما كثرته هو ما تسبب لها في تلك الأعراض، لكني أقسم أنه فقط مخدر كي لا تشعر بشيء."
تيبست يد والدتها والتي كانت تدافع عنها في هذه اللحظة وهي تشعر بالصدمة من كلمات ابنتها التي اعترفت لتوها بتورطها في مصيبة أخرى بعدما نجت من الأولى بأعجوبة:
"ألن تخمد شياطينك سراي؟! ما الذي فعلتيه بنفسك يا ابنتي؟! لم أصدق أن الله نجاكِ من الكارثة الأولى على خير لتلقي نفسك بحمق في ثانية؟!"
بكت سراي وهي تتحدث برعب مما قد يحدث لها إذ يبدو أن نجوم لم تعيد تخفيفها تهديداتها:
"أقسم أنهم هم من أخبروني و..."
ولم تكد تكمل كلماتها حتى سمعت صوت جهوري يهتف من الخارج وصوت الطرقات يعود في الأرجاء متسببًا في اتساع العيون بصدمة كبيرة:
"جنـــــــــود الملــــــــك افتحوا الباب وتستروا إن لم تكونوا..."
***
تحركت من غرفتها حينما شعرت بالملل، لتقرر الخروج والتنفس قليلًا علها تتغلب على ذلك الثقل الذي تشعر به داخل صدرها، لكن وقبل أن تخطو خطوة داخل الحديقة أبصرت العديد من الأشخاص يتحركون صوب نفس المبنى الذي كانت تنتظر به أرسلان قبل التحرك صوب غرفة النوم الخاصة بالضيوف.
تعجبت من الأمر هامسة بعدم فهم:
"هل هذا احتفال أو ما شابه؟!"
تحركت معهم بفضول شديد، ثم توقفت خطوات حين شعرت بأن الأمر لا يعنيها البتة، لتعود أدراجها صوب الحديقة تفكر بالجلوس هناك وترتيب ما ستكون عليه حياتها القادمة، وقبل أن تفعل أبصرت مجددًا امرأة تتحرك بهدوء وثوب غريب مريب صوب القاعة، خطواتها كانت قوية وكأنها ذاهبة لخوض حرب أو ما شابه وهذا ما جعل توبة تتناسى أمر دحض الفضول وتلحق بهم، سارت خلفهم حتى خطت لقاعة العرش تبصرها ممتلئة حتى كادت تلفظ نصف الأجساد بها.
تحركت بين الأجساد تراقب بفضول ما يحدث، إذ حينما اقتربت تلك المرأة ذات الثوب الغريب أفسح لها الجميع الطريق، لتدرك أن المرأة ذات مكانة عالية هنا، لكن هي ثواني حتى أبصرتها تتوسط الساحة أمام الجميع لتعلم يقينًا أنها كانت محور هذا الاجتماع.
وعند سلمى توسطت الجميع ببسمة واسعة دون اهتمام وهي تضم يديها لصدرها تنتظر أن تبدأ جلسة محاكمتها على ذنب لم تدرك حتى متى ارتكبته.
ثواني حتى أعلن أحد الحراس بصوت جهوري وصول الملك، وبمجرد أن تحرك أرسلان للداخل نظر له الجميع باحترام شديد، ليهز لهم رأسه وهو يتحرك ليتوسط مقعده، وبمجرد أن جلس تعلقت عيونه بها لتمنحه هي بسمة تخفي خلفها الكثير والكثير، وهو فقط أطال النظر لوجهها دون كلمة واحدة وكلمات جنوده تتردد في أذنه، لينظر صوب الجميع يتحدث بصوت رخيم هادئ:
"أعتقد أن الجميع هنا يعلم سبب وجودنا، لذا لنختصر المقدمات الطويلة وندخل بصلب الموضوع."
وقف أحد المستشارين من مكانه يتحدث بهدوء:
"لا يخفى عنك مولاي ما تردد من أحاديث في القصر و..."
قاطعه أرسلان بهدوء شديد:
"عفوًا منك ولكنني ذكرت للتو أننا جميعًا نعلم ما حدث، لذا لنختصر كل تلك الأحاديث وأخبرني ما تريد قوله إن كنت تمتلك، أو اصمت ودع غيرك يتحدث."
أحمر وجه الرجل بقوة وقد شعر بدمائه تفور داخل أوردته، ورغم ذلك صمت يردد بهدوء:
"هذه المرة الثانية التي يوجه لنفس المرأة الاتهام ذاته، ألا يشير ذلك لشيء؟! لا دخان بلا نار مولاي."
صمت الرجل ينظر صوب سلمى التي كانت تتوقف في منتصف القاعة لا تؤتي بردة فعل واحدة فقط تحدق في أرسلان وهو يطيل النظر بها، بينما المستشار بدأ يدافع عن صوت الحق والفضيلة داخل جدران القصر وهو يردد بنبرة جادة وكلمات مختارة بدقة:
"سابقًا سقط حد الزنا عنها لعدم وجود شهود، والآن هناك شهود وأدلة تدين المرأة التي اقتحمت عالمنا دون أن تراعي حرمة جسدها أو تلتزم بدينها أو حتى تحترم قوانين المملكة، وراودت الرجل عن نفسه حتى وقعا في الخطيئة، والآن نطالب بتنفيذ حد الزنا عليها هي ومن معها."
كلمات انبثقت بسلاسة كبيرة من فم أحد مستشاري أرسلان وكأنه كان يحضر لها لأيام طوال، كلمات رن صداها بين جدران القاعة لترتد صوب ذلك الذي يتوسط عرشه دون ملامح تُفسر، فقط وجه جامد وملامح واجمة، ينظر أمامه صوبها دون أن يحيد بنظراته عنها..
وهي فقط كانت تتلقى مصيرًا "أُلقيت في جوفه ظلمًا وبهتانًا" برأس مرفوعة ووجه يشي بالكثير، فقط تحدق في الجميع بتحدي وكأنها تتحداهم أن يقترب منها أحدهم.
نظرت في عيون أرسلان وكأنها تسأله إن كان يصدق ما قيل عنها، والرد منه كان مجرد جمود لم تخرج منه بإجابة قد تشفي صدرها.
ارتسمت بسمة ساخرة على وجهها وهي تنظر بعيونها على الجميع وقد كان البعض منهم مشفق والبعض جامد والبعض الآخر لا ردة فعل له.
ابتلعت ريقها ولم تكد تنطق بكلمة حتى صدح صوتًا مجهول المصدر في المكان يهتف بقوة:
"أنا أستر عليها وأزوجها ولدي، هو أحق بها من الجميع هنا مولاي، فهو في النهاية ابن عمها للفتاة وهو أحق بستر عرضه من الجميع."
تحركت جميع الأعين ببطء صوب المتحدث والذي لم يكن سوى نفسه أنورين الذي اقتحم المكان وقد وجدها فرصة مناسبة ليعلن عن وجوده، في اللحظة ذاتها التي علت الصدمة ملامح سلمى وهي تنظر بعيونها للرجل نفسه الذي كاد يقتل ابنته سابقًا يقف في المكان ويردد كلمات غير مفهومة لها.
هي؟! ابنة أخيه؟!
تشنجت ملامحها بصدمة تحاول أن تستوعب ما يحدث ولم تكد تهضم الصدمة الأولى حتى ارتفع صوت أرسلان في المكان يجيبه بهدوء وبسمة رسمها بصعوبة على ملامح وجهه الغاضبة:
"شاكر لكرم أخلاقك سيد أنورين، لكن زوجتي لم تخطأ لتنتظر أن يتستر عليها أحدهم، ولو كان ذلك الأحدهم هو ولدك العزيز..."
***
هي الحياة إما أن تنجو من ألاعيبها أو تصبح أنت لعبتها...
رواية اسد مشكي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمه نبيل
الثامن عشر | زوجتــــــي |
قبل القراءة رجاءً تفاعلوا على الفصل بتعليق وتصويت ...
صلوا على نبي الرحمة ........
قراءة ممتعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبمجرد أن نطق أرسلان بكلماته تلك حتى اتسعت الأعين في المكان بعدم فهم، ولم يتجرأ أحدهم على التحدث بكلمة، بينما ارتسمت بسمة صغيرة على فم سلمى وهي ترفع رأسها صوبه، ليشير لها أرسلان أن تتحرك صوبه بصرامة، بينما هي سارت مرفوعة الرأس حتى وصلت صوب عرشه ليبتسم وهو يمسك كفها أمام الجميع، يقف عن العرش يجذبها جواره .
نظر الجميع لبعضهم البعض بصدمة، بينما ملامح انورين اشتدت بغضب كبير ورفض داخلي لما يحدث، ولم يكد يبدي اعتراضًا على ما يحدث أمامه حتى انتفض أحد المستشارين عن مقعده يهتف بصوت شبه مرتفع :
_ وهل تعتقد أن هذا عدلًا مولاي ؟؟ الحد يُطبق على الجميع، ملكة كانت أو حتى جارية، لذا كونها زوجتك أو لا هذا لا يغير شيئًا مما جئنا لأجله اليوم واجتمعنا عليه .
_ هم وكفار لا يدركون عن الإسلام شيئًا، وأنت يا عزيزي كيف نسيت حكم رمي المحصنات؟! ثم من أخبرك أنني ملك عادل :
صمت يحرك عيونه بين الجميع، قبل أن يعود ويصدح في المكان حينما منحهم هدنة صغيرة يستوعبوا بها كلماته، يهبط عن عرشه بكل هدوء يتحرك صوب سلمى التي شعرت بضربات قلبها تزداد وهو يهتف بصوت وصل واضحًا للجميع :
_ فيما يتعلق بتدبير المكائد للإيقاع بزوجتي أو الاقتراب منها مقدار لا اسمح أنا به، فأنا أكثر ملوك العالم تجبرًا وظلمًا، بل إنني افوق والدي وملك سفيد الاول تجبرًا، فلا تختبروا صبري في زوجتي أو بلادي .
بهت الرجل وقد أحمر وجهه بصدمة كبيرة وتمنى للحظة أن تنشق الأرض وتبتلعه، وارسلان ابتسم بسمة صغيرة، وهو يبعد عيونه عنه يجيب سؤال الرجل الذي لم يسمح له حتى بإكماله :
_ وردًا على جملتك السابقة فيما يتعلق بجمعكم هذا الجمع السعيد، من أخبرك أنني جمعت الكل هنا الآن لأجل هذا السبب الذي تتحدث عنه ؟؟ هل تعتقد من كامل عقلك أنني جمعت كل هؤلاء لأجل أن أجبر زوجتي على الوقوف بينهم للمدافعة عن شرفي وعرضي ؟؟ بل جمعتكم لأجل أن تدافعوت أنتم عن أنفسكم أمامي وتأتوني بشهدائكم قبل أن أُنفذ بكم الحد .
لمح الاستنكار يعلو ملامح الجميع، بينما الشيخ يحرك حبات مسبحته بين أنامله بهدوء مريب وبسمة غامضة، يراقب ما يحدث وقد أكمل أرسلان كلماته بكل بساطة وهو يطيل النظر في عيون ذلك المستشار الذي لم يتحدث غيره منذ بداية الاجتماع :
_ بالإضافة أنني جمعتكم اليوم كي تشهدوا عقد قرآني على الملكة، لقد عقدنا القرآن منذ ساعة تقريبًا وجمعتكم لأجل إشهار العقد.
ختم كلماته وهو يمد كفه يضم بها كف سلمى التي قاومت وبصعوبة تلك الرعشة التي مرت على سائر جسدها وهي تشعر به يقربها منه أكثر ينظر في عيون الجميع بتحدي وقد على الظلام عيونه وهو يردد بصوت أجش قوي:
_ باركوا للملكة سلمى فاليوم تسلمت عرش مشكى رسميًا ....
تبادل الجميع في القاعة النظرات بصدمة كبيرة وقد على التعجب والدهشة أعين البعض والفرحة أعين الآخرين، والاستنكار أعين القليل منهم، في حين أن توبة كانت تقف في ركن القاعة تحدق بما يحدث بذهول شديد وهي تبصر التماع عيون أرسلان وهو يتحدث عن تلك الفتاة واشتداد فكه وهو يحدق بالجميع وكأنه يتحضر لينقض عليهم .
لتتسع بسمتها بعدم تصديق تردد بصوت متعجب ملئ بالتقدير والإعجاب بشخصيته التي كانت تجذبها قديمًا كما النيران :
_ واخيرًا هناك من نال اهتمام واعجاب أسد مشكى، ظننت أن لا امرأة في هذا العالم قادرة على جذب انتباهك لها حتى.
قطع أرسلان كل تلك الهمسات المترامية حوله وهو يهتف بصوت هادئ بعض الشيء :
_ والآن انتهت الاخبار السعيدة، دعونا نكمل ما بدأناه معلقًا، كي لا يبتأس مستشاري العزيز الذي منّى نفسه بعرض ممتع وأنا احكم على زوجتي بحد الزنا ويبدو أنه سهر ليلته يتحضر لذلك المشهد، إذن دعونا نمنحه شيئًا أشد متعة من كل ذلك.
أنهى كلماته وهو يجذب سلمى له يجلسها على عرشه، ثم خلع عنه معطفه الملكي يلقيه على أكتافها تحت اصوات الشهقات والهمسات التي خرجت من الجميع وهي لا تفهم السبب، لكنها فقط استكانت لما يفعل أرسلان معها دون أن تعترض بكلمة حسب أوامره لها قبل الاجتماع .
حدق أرسلان في عيونها ثواني قبل أن يعتدل في وقفته يفرد هامته وقد تجرد من معطفه وبقي بثيابه التي كانت تتكون من بنطال وسترة سوداء كعادته، يهتف بصوت جهوري :
_ أغلـــقوا ابـــواب القـــاعة ..
وفي ثواني تحرك الجنود بسرعة مرعبة يغلقون الأبواب وكأنهم يحكمون المصيدة على جميع من بالقاعة، وقد علت الهمهمات بصدمة ورعب مما يحدث، وارسلان يراقب دون كلمة واحدة، ثواني حتى أبصر الجميع بعض الجنود يدخلون من الباب الجانبي للقاعة يلقون بجسد رجل يبدو أنه تعرض لوصلة ضرب متواصلة .
حلقت حوله الأبصار بعدم فهم، وعيون أرسلان تنظر له بشر وهدوء يخفي خلفه أعاصير تكاد تقتلع جذور صبره غير مكتملة النمو .
بينما سلمى تجلس على العرش الخاص بأرسلان تراقب بهدوء وتعجب، حتى رفع الرجل رأسه بهدوء لتبصره، نفس الأعين والنظرات، نفسه الرجل الذي هجم عليها في غرفتها .
تنفست بصوت مرتفع وهي تراقبه بأعين متسعة ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى، ابصروا ثلاث رجال آخرين يُسحبون صوب الساحة وارسلان يراقب حتى استقر الجميع في منتصف الساحة ليعلن واخيرًا .
_ اكتملنا الآن، فهل نبدأ العرض ؟؟
تحركت الأنظار صوب أرسلان الذي توقف عن الحديث وهو يدير عيونه في المكان ببطء شديد، يفكر في شيء قبل أن يتحدث بجدية :
- أو ربما لم نفعل ؟؟
حرك عيونه بهدوء صوب المستشار نفسه الذي كان يتحدث منذ بداية الجلسة يبتسم له بسمة جعلت الاخير يرتعش وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي دون أن يثير الشك، لكن فجأة انتفض جسده وهو يرى رجل آخر يُسحب لمنتصف الساحة، ليشعر بقلبه على وشك التوقف ..
نفس الرجل الذي كان يعمل مستشارًا لأرسلان سابقًا قبل أن يصرفه أرسلان عن العمل لأجل تذمره لزيادة رواتبهم .
هنا وقد شعر المستشار أن اللعبة أطبقت على أنفاسه وقد بدأ العد التنازلي لهلاكه، نظر حوله يبحث عن مخرج له من المكان، ليجد أن لا منفذ له من أرسلان الذي كان يراقب تخبطه باستمتاع شديد.
أبصر المستشار رجلين يقتربان منه يستعدون لجذبه صوب منتصف القاعة، ليكون اول ما يبدر لذهنه هو اخراج سيفه وهو يصرخ :
_ لا تقربوني وإلا استعملت سلاحي عليكم .
رفع أرسلان حاجبه بسخرية يراقب الرجل يتحرك للخلف مهددًا الجميع بسيفه صارخًا بكلمات غير مفهومة حتى بدأ من اليأس يتحدث بآخر شيء يمتلكه للدفاع عن نفسه :
_ هل تحسبون أن اذيتي ستمر بهذه السهولة ؟؟ صدقوني سوف تندمون إن مسستموني بسوء هناك الكثيرون ينتظر عودتي سالمًا وإن لم أفعل، قُلبت الممالك أعلى رؤوس من بــ...
وقبل إكمال جملته كان سيفه يُنتزع منه وصفعة أرسلان تهبط على وجهه بقوة لدرجة اسقطته ارضًا أسفل أقدامه، يهتف بشر :
_ أوتحسبن أن هناك من سيعرض نفسه للخطر لأجلك يا سيد ؟؟ احلام المغفلين، أنت مجرد حجر عفن في لعبة، وإن تحطمت فهناك المئات من الاغبياء امثالك يزرعون بهم نفس الأفكار بالقيادة والسلطة كي يستعملونهم ضدنا، وفي النهاية كلكم تلقون نفس المصير .
جذب الرجال المستشار صوب منتصف القاعة، ليصبح العدد شبه مكتمل، راقبهم أرسلان دقائق طالت دون كلمة واحدة حتى بدأ البعض يتململ بقلق شديد، منتظرين الخطوة القادمة والتي سرعان ما حدثت حين ابصروا باب القاعة يُفتح ويدخل منه المعتصم ومعه العديد من الجنود يجرون امرأتين للغرفة .
دفعوا المرأتين لمنتصف القاعة ليكتمل العدد واخيرًا، وبهذا الشكل أصبح هناك عدد خمس رجال؛ المقنع الذي كان يقتحم غرفة سلمى ومعه الحارسين اللذين ساعدوه على ذلك كل يوم، بل وبدأوا يشيعون الأخبار بين الجميع عن سلمى، والمستشار الذي سبق وصرفه أرسلان من العمل، والمستشار الآخر الذي كان يمسك قسم الهجوم منذ بداية المحكمة، وامرأتين، سراي ونجوم .
اتسعت بسمة أرسلان يفرد ذراعيه يردد بهدوء شديد وحماس مصطنع :
_ هكذا واكتمل العدد، إذن لنبدأ اللعبة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لطالما آمن الجميع بقدرتك نزار، ولم أكن اصدق ما اسمع عنك ظنًا أنك مجرد احمق مسكين يقود جيوش والده .
ابتسم نزار بسمة جانبية يراقب أنمار يحمل بين أنامله قنينة السم التي يعمل عليها يتأملها بإعجاب وكأنه لا يصدق أن الحلم يقترب .
_ نعم جميع الحمقى كانوا يعتقدون المثل .
انطلقت ضحكات أنمار وهو يحرك القنينة بين أصابعه يردد بصوت شبه مسموع :
_ ترى هل انتهى السم ويمكننا اختبار مفعولة ؟!
_ لِمَ لا تجربه ؟؟ إن مت فقد نجح وإن لم يحدث فهذا من سوء حظ البشرية اجمع ويمكننا المحاولة مجددًا، حتى يوفقنا الله لنفع البشرية وصلاحها والتخلص منك .
ازدادت ضحكات أنمار بشكل مريب قبل أن يميل على الطاولة التي تقع بينه وبين نزار يهمس بصوت خافت وبسمته لا تزال تزين شفتيه :
_ أنا اعلم جيدًا بأنك أنت الشخص الذي ساعد زوجتي العزيزة وراقصتي المفضلة في الهرب فلا أحد هنا ذو مروءة ليفعل ذلك عداك .
اتسعت بسمة نزار وبشدة وهو يهتف بصوت شبه هامس مثله وكأنه يحدثه بنفس طريقته :
_ جيد أنك تعرف قدرك أنت ورجالك أيها الوسخ .
_ كون أنني أتركك دون عقاب فهذا لأنني فقط احتاجك في الوقت الحالي وحينما انتهي مما أريده منك ...
صمت وهو يترك لخيال نزار العنان ليرسم له ما يمكن أن يفعله به أنمار حينما ينتهي هو من صنع السم والترياق بالكامل .
بينما نزار ابتسم له بسمة واسعة ليس وكأنه تلقى لتوه وبشكل غير مباشر تهديدًا مبطنًا أو ربما كان واضحًا بعض الشيء .
_ ليمنحني الله طول العمر كي أبصر نهايتك بعيوني أنمار..
_ للأسف سيكون جسدك قد وارته الرمال حينها .
ابتعد عنه نزار وهو يمنحه نظرة غامضة جعلت الاخير يشعر بالريبة، وقد زرعت تلك النظرة وتلك البسمة التي ارتسمت فجأة على وجه نزار رعبًا غريبًا داخل صدر أنمار .
لكنه فقط تجاهلها وهو ينتفض عن مكانه يتحرك خارج المنزل الذي كان نزار مستقرًا به لأجل صنع السم، وبمجرد أن خرج أنمار من المكان أمر جنوده الذين يحرسون نزار على بوابة المنزل :
_ حينما ينتهي من صنع السم، تأكدوا من تجربته بأنفسكم.....اجعلوه فأر تجربته .
وبهذه الكلمات نهى أنمار وجوده في الجوار وهو يتحرك بعيدًا عن المنزل تاركًا أعين الوليد الذي كان يقف قريبًا من المكان تتسع بقوة وخوف وهو يشعر بالرعب على نزار..
نظر صوب الباب الخاص بمنزل نزار وهو يهتف :
_ أخرجته من الجحيم لجهنم ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس على العرش وهي تراقب ما يحدث بعيونها وعقلها يعرض لها أحداث الساعة الماضية حينما أصبحت وبشكل رسمي زوجة الملك وبشكل لم تتوقعه يومًا ..
تحدق بالملابس التي ستخرج لتواجه بها مصير لا تدري له من نهاية، تسير بنفق لا تعلم له من مخرج، فقط تسير وهي تحاول تلمس أي شعاع ضوء قد يخرجها من كل ذلك الظلام .
فجأة سمعت صوتًا يصدح من الخارج لبعض الحراس تبعه صوت طرقات على باب غرفتها، وقبل نزع ثوب الصلاة خاصتها نظرت صوب الباب تعتقد أنهم جاءوا يصطحبونها صوب القاعة :
_ لِمَ العجلة ؟؟ أنا لن اهرب، على الأقل الآن.
ختمت حديثها تحمل الثياب وهي تتحرك صوب المرحاض، لكن فجأة توقفت في منتصف الطريق وهي تسمع صوتًا يأتيها من الخارج :
_ هذا أنا أرسلان.
توقفت أقدامها وتوقفت ضربات قلبها وشعرت بدمائها تتحرك بسرعة مخيفة داخل أوردتها، استدارت ببطء صوب الباب وهي تنظر له بترقب وكأنها تفكر إن كان يجب عليها أن تفتح له أم تتركه في الخارج دون إجابة من طرفها .
لكن أرسلان يبدو أنه كان يدري كل تلك الحيرة التي كانت واقعة بها، ليقطعها وهو يقترب من الباب يتحدث بصوت حاول صبغه بالهدوء رغم السواد الذي يدور داخل عقله في هذه اللحظة :
_ افتحي الباب رجاءً، أنا..... أنا لم اصدق ما قيل في حقك، اقسم لم أفعل ولن افعل ما حييت، لست غرًا لأصدق بضعة ادعاءات لا أساس لها، وأكذب نفسي التي تعلمك أكثر مما يفعلون هم .
وإن كان يظن أنه بمثل تلك الكلمات الصادقة الحنونة قد يؤثر بها لأجل أن تفتح له الباب وتسمح له بالمرور بهذه البساطة، فقد صدق ظنه، إذ تحركت بهدوء وتردد وهي تقترب من الباب تفتحه ببطء حتى أبصرت وجهه يطل عليها .
وقفت أمامه بتردد تنظر في وجهه بترقب تنتظر أن يتحدث بما جاء به، وهو كان قد جهز لما جاء لأجله وحضر العديد من الجمل الشبه منمقة لأجل أن يظهر بها صدق نيته لها.
خطبة طويلة حضرها أثناء طريقة من غرفته وحتى غرفتها، خطبة مليئة بالعديد من الجمل المؤثرة، يختمها بكلمة حاسمة، ومن بين كل ذلك لم يستحضر عقله في هذه اللحظة سوى الكلمة الحاسمة لينطقها دون مقدمات :
_ تزوجيني ..
شعرت سلمى لوهلة أن هناك إنفجارًا تصاعد داخل عقلها، يزيد من حرارة جسدها وقد شعرت باحمرار يعلو وجهها وجسدها ينتفض بموجة مشاعر عديدة لا تعلم لها من تصنيف، فقط تحدق به ببلاهة واعين متسعة رغم التماعها .
بينما هو ورغم معرفته بتسرعه وتجاوزه لكل ما حضر به إلا أنه لم يتراجع وهو يكمل بهدوء بعد نفس آخر أخذه سريعًا :
_ أخبرتك مرة واعيدها ثانية، ورغم أنني لم أعتد الإلحاح لأجل شيء اريده، لكنك لستِ بمجرد شيء أريده، ورغم أنني امتلك طرقًا عديدة لاجبرك بها على الخضوع لرغبتي، إلا أنني أخبرتك أنني لا آخذ ما أريده بالقوة، بل باللين، فهل لمطلبي من إستجابة.
أخذ صدر سلمى يعلو ويهبط بقوة وهي تشعر بأن قوتها وكل تعقلها تلاشى بمجرد أن أكمل جملته، حاولت أن تتحدث، لكن كل الكلمات علقت بحلقها، ليعتبر هو سكوتها ترددًا ويكمل بهدوء :
_ أعلم أن الأمر مفاجئ لكِ كما هو لي، لكن امنحيني فرصة أخذ حقك منهم بحرية، امنحيني صفة تمنحني بدورها حق الدفاع عن امرأتي، فهلا تكوني ؟؟؟؟
وستكذب إن قالت أن كلماته تلك لم تخترق صدرها، وستكذب كذلك إن قالت أنها تتذكر ما حدث بعد ذلك، فما تتذكره هو أنها ومن بعد أن اسكرها بكلماته، لم تشعر سوى بنفسها تقف مع الشيخ وزيان واحد الجنود داخل غرفتها يسمعون موافقتها، بينما هو يجلس في جناحه مع الباقيين ينتظر إشارة منها بالرضا .
تحركت صوب الشيخ وما زالت ترتدي ثوب صلاتها، وقفت أمامهم وهي تشعر بارتجاف صدرها ولم تعتقد أنه يومًا قد تتزوج بهذه الطريقة وكأنها تفعل لتواري سوءتها، ابتلعت ريقها وكادت تتحدث بتوتر عن موافقتها لا تشعر أنها تمتلك اختيارًا بما يحدث، ومن وسط نيران صدرها شعرت بدلو من المياه الباردة يطفئ كل ترددها، حينما انسابت كلمات الشيخ يقول بهدوء وبسمة صغيرة :
_ هذا سيكون فقط عقد قرآن، وغدًا إن شاء الله يكون الاشهار في مسجد القصر والمملكة بأكملها، ومن ثم كلٌ سيسير برغبتك أنتِ، سواء كان موعد الزفاف او ترتيباته أو كيف تريدينه أن يكون، كل شيء سيكون برغبتك أنتِ وكلمتكِ أنتِ عدا شيء واحد فقط هو ما سيكون برغبتي أنا، ولا تعتقدي أن الزواج بهذه الطريقة تقليل من شأنكِ فوالله أن شأنك يعلو شأن نساء الارض أجمعين في عيوني، وليواجهني من يقول عكس ذلك.
رفعت سلمى عيونها صوب الشيخ بعدم فهم لتلك الكلمات، وضربات قلبها قد ازداد صخبها بشكل غير مسبوق، ليمنحها الأخير بسمة واسعة يضيف في نهاية جملته السابقة :
_ هذه كانت رسالة الملك لكِ أوصاني باخبارك إياها وكأنه يشعر أن ذلك التردد هو ما سيعلو وجهك في هذه اللحظة، لذا رأيت أن أخبرك بها كما نطقها هو ودون تحريف .
صمت ثم همس بصوت ممازح خافت :
_ حتى أن جملة التهديد الأخيرة نطقها بهمس وصوت منخفض غاضب ظنًا أنني لم اسمعها، لكنني فعلت واضفتها لرسالته لأنني أعتقد أنها ستضفي بعض الحماس عليها .
فركت سلمى يديها بقوة وقد بدأ خفقان قلبها يزداد، تواري بسمتها بصعوبة، ثم همست بصوت منخفض :
_ لكن ...أوليس ...يلزمني وكيل و...
_ لا تقلقي، الملك تدبر أمر كل ذلك فهو لا يخطو خطوة غير محسوبة، هذا إذا استثنينا هجماته الغير مخطط لها قديمًا على المنبوذين وحملات التطهير التي كان يخوضها كلما شعر بالملل .
اتسعت عيون سلمى بقوة وهي تراقب ما يخرج من فم الشيخ الذي ضحك عقب كلماته وهو يشير بيده :
_ لا تهتمي فأرسلان لديه عقل غريب بعض الشيء لكن ....
صمت يهمس لها بصوت منخفض ونظرات غامضة حكيمة :
_ المتعة كلها تقبع في الغرابة، فالاشياء الطبيعية لا تثير الإنتباه في الغالب، ربما لهذا لم يستطع ولدي المسكين المقاومة كثيرًا .
لم تفهم سلمى كلماته لثانية قبل أن تبتسم بسمة صغيرة وهي تسمعه يكمل بهدوء :
_ ما حدث في المشفى يا ابنتي كان مقصودًا حدوثه، كل ما قيل كان مقصودًا، فالفأر حين يطمئن يخرج من جحره، لذا علينا ادعاء أننا لا ننتبه له ونحقق غايته حتى يخرج .
ولم تفهم هي كلمة واحدة، أما عنه فتذكر زيارة أرسلان له منذ ايام طويلة يخبره بقلقه من شيء يُدبر للإطاحة بسلمى، وقد صدق ظنه حين أبصر الجندي يقتحم خلوته ليلقي المرأة بالباطل، خرج من شروده يهتف بهدوء :
- والآن نحن هنا ننتظر موافقتك، فهل توافقين سلمى ابنة رائف، بالزواج من الملك أرسلان بن بيجان .
ورجفة صدرها تلك ونبضات قلبها في هذه اللحظة كانت تصرخ بالقبول، بل وبدأت تقيم احتفالات داخلها، وعم الصخب أرجاء جسدها، لكن عكس كل ذلك نطقت بكلمة واحدة هادئة، كلمة كانت الختم الذي يزين نهاية عقد جديد في حياتها :
_ موافقة ..
ومن بعد تلك الكلمة لم تبصر ظل أرسلان، إلا حينما جاءوا يخبرونها بأمر الاجتماع في قاعة العرش .
وها هي بدل الوقوف موضع المذنبة أمام العرش، اعتلته موضع الملك ..
ارتجف صدرها وهي تبصر أرسلان يقف بين الجميع يهتف بصوت جهوري محذرًا :
_ سبق وحذرت مرة واثنتين أن تلك المرأة هنا هي زوجتي وأن شرفها من شرفي، فإن كان شرفي هين بهذا الشكل لديكم، فكذلك دمائكم لي .
صمت والجميع حوله ينظرون له بموافقة، فالاغلبية الساحقة في المكان كانت رافضة لما يُقال ويتردد، والبعض أصحاب النفوس الضعيفة كانت احادتهم عن الحق اسهل من شربة ماء للشيطان .
هدأ ثواني ثم أكمل :
_ هذه البلاد للأشراف فقط وليس لاصحاب النفوس الخبيثة، كون أنني ادعيت الجهل والغباء، لا يعني أنني كذلك، كون أنني سمحت لكم بإرادتي أن تندسوا داخل قصري وقت ذلك الهجوم القديم عليه، فهذا لا يعني أنني احمق ولا ادري ما يُحاك ضدي، فلا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، كل ما يحدث أسفل هذا القصر يصل لي .
صمت ينظر ببسمة للجميع وقد تعجب بعضهم حين سمعوا كلماته تلك وكيف كشفهم وكشف لعبتهم، لكن الحقيقة هو أن أرسلان لم يغفل عن لعبتهم ليكشفها من الأساس، يوم ذلك الهجوم على القصر أبصر بعض جنودهم يتخفون بين جدران قصره ليندمجوا بين الجنود مستغلين أن هناك كل يوم فوج جديد ينضم للجيش فلا يعرف بعضهم بعضًا بشكل وثيق، ومن هنا بدأوا يتلاعبون ويخططون بمساعدة بعض مستشاريه الذين كانوا تابعين لولاده سابقًا ينتظرون فرصتهم للقيادة المطلقة، وهو احتفظ بهم أسفل عيونه افضل من إبعادهم عنه ويجهل خطواتهم، لكن أن يصل الأمر لزوجته فهذا ما لن يسمح به .
تنفس بصوت مرتفع وهو ينظر صوب نجوم التي ارتعشت برعب وكذلك سراي التي حاولت أن تتمالك نفسها وقد انهارت في موجة بكاء منذ سحبوها من منزلها وحتى وصلت لهنا .
_ والآن من أفسد شيء عليه إصلاحه، شرف زوجتي الذي تلوث منذ وطأ ألسنتكم، الآن سيرد لها، تحدثي آنسة سراي وأخبري الجميع عن محتوى الزيارات التي كانت تأتيكِ داخل سجوني .
رفعت سراي عيونها بصدمة كبير وهي تتحدث بكلمات غير مترابطة :
_ أنه مولاي ... أنا لم أفعل شيئًا اقسم....
_ إياكِ أن تقسمي بالله كذبًا سراي، فلا يكفيكِ ذنوبًا لن تستطيعي حملها يوم الحشر .
أنهارت سراي وهي تهتف من بين شهقاتها وقد ارتجف صدرها في صحوة متأخرة، صحوة من أدرك الهلاك، وقد انسحب عنها شيطانها متبرئًا من فعلتها يردد ( إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ) .
_ لقد ...لقد أخبرني أنه.... أنا آسفة اقسم أنني آسفة مولاي، اغراني الانتقام و....
_ ممن ؟؟ الانتقام ممن ؟؟ من امرأة منحتك الرحمة وتخلت عن حقها لأنها اشفقت عليكِ .
كانت سلمى تتابع ما يحدث وهي تتذكر كلمات أرسلان لها حينما غضب لأنها رحمتها، ربما لو كانت رفضت مسامحتها ذلك اليوم لما وصلت لهذه اللحظة حتى، وفي النهاية كان أرسلان يمتلك نظرة أكثر وضوحًا على نفوس البشر منها حتى .
خرجت من شرودها ذلك على كلمة رنت في أرجاء صدرها قبل أن ترن في المكان ورغم خفوتها، إذ نطقت بها سراي بصوت منخفض وهي ترفع رأسها بتردد :
_ لأنني احببـــ...
لكن وقبل اكتمال كلمتها والتي اكملها عقل سلمى بالفعل دون الحاجة لتنطق بها سراي مشعلًا بذلك نيرانًا داخل عيونها وقد بدأ صدرها يرتجف بغضب وهي ترمق سراي بنظرة مميتة، قاطع أرسلان كلماتها تلك رافضًا أن تلقي مثل تلك الكلمات على مسامع الجميع احترامًا لامرأة أضحت زوجته .
_ لا تخوضي نقاشات لم ادفعك لها سراي، لم أسألك عن سبب ما فعلتيه، فالشر لا ينتظر مبررات، أنا أسألك عما حدث، المكيدة التي دبرتيها مع ذلك الوسخ لأجل تلويث عرضي بزوجتي .
ختم حديثه يضرب الشاب الذي كان يقتحم غرفة سلمى في معدته بقدمه ليسقط الأرض وهو يطلق تأوهًا، وجراح جسده التي نالته من يد سلمى لم تندمل بعد.
نظرت سراي برعب للشاب وهي تهتف بصوت مرتجف :
_ سأخبرك ...سأخبرك كل شيء اقسم، لقد ...جائني يومًا رجلًا للسجون بعدما سمح له بعض أتباعه من الدخول واعطاني قنينة دواء .
صمتت ثم هتفت بصوت خافت جعل أرسلان يصرخ فيها :
- ارفعي صوتك واسمعي الجميع مصائبك، كما جعلتيهم يبصرونها .
ارتجفت وهي تبكي بصوت مرتفع :
_ كانت قنينة مخدر نضعها لها في الطعام لكي تنام ليلًا دون شعور ويدخل الرجل لديها دون أن تصدر أي مقاومة منها تحت أعين بعض الحراس والذين كان بعضهم من ضمن الخطة، وايضًا كي نضمن عدم خروجها أثناء تجوله مع امرأة ترتدي معطفها في الإرجاء كي تثير الريبة في صدور الجميع .
صمتت ثواني ثم هتفت تكمل ما تعلمه :
_ نفسه المعطف الذي منحته إياها سابقًا، وقد ذهب الرجل سابقًا وسرقه من غرفتها....هذا ...هذا ما أعلمه فقط اقسم ولا أدري مما حدث سوى أنني كنت منحت نجوم القنينة لتضعها في طعامها كل يوم .
تحركت الأعين صوب نجوم التي كانت تحدق أمامها دون كلمة أو مقاومة حتى، تستمع لما يحدث كما لو أنه لا يعنيها .
فجأة انتفض جسدها حين سمعت صوت الملك يتحدث بهدوء رغم نبرته المرعبة :
_ وأنتِ آنسة نجوم، أليس لديكِ ما تخبربيني به ؟؟
رفعت عيونها له دامعة تهمس بصوت منخفض تعيد نفس الحديث الذي أخبرته به قبل تحركها لمنزل سراي :
_ لن ادافع عن نفسي، لكن اقسم بالله أنني لم اعلم ما يدور خلف كل ذلك، لقد أخبرتني أن ذلك المشروب لم يكن سوى مجرد مشروب يسبب بعض الاوجاع فقط لتنتقم منها، والله ما علمت ما يدور حولي، إلا حينما سمعت ما يقال عن جلالة الملكة فذهبت لها لأعلم صدق ما وصل لي، هذا ما حدث وليشهد الله على كلماتي .
أبعد أرسلان عيونه عنها وهو يحركها صوب الشاب الذي كان ما يزال يتأوه، تحرك له يجلس القرفصاء أمامه، يرمقه ثواني قبل أن يتركه دون أن يجبره على قول كلمة، وكأنه يرفض أن يتحدث بحرف أمام الجميع كي لا يجن جنونه هو ويحطم عظامه، يحتفظ به لوقت لاحق يظهر به تجبره بعيدًا عن أنظار امرأته.
_ مستشار والدي العزيز، والله أنني ظننت وقد أخطأ ظني أنك الوحيد الذي نجوت من موجة الخيانة التي ضربت الجميع، خيبت ظني بك .
رفع الرجل عيونه صوب أرسلان وهو يحاول أن يستسمحه :
_ جلالة الملك أنا لست ...
_ لا لا يا عمر هذا ليس وقت التوسل أو غيره، هذا وقت المحاكمة التي كنت أول المطالبين بعقدها، تتذكر ؟؟
صمت ثم حرك عيونه صوب المستشار السابق له والذي طرده شر طردة.
_ أحضرت ابن شقيقك للعمل لدي، واخبرتك أنني لا اقبل التوسط ورغم ذلك عينته مستشارًا لما أبصرت به من مهارة، ومن ثم حينما صرفته عن العمل ظننتك تفهمت حكمي، لكن يبدو أنني أخطأت الظن وللمرة الثانية، لكن أوتعلم هذا ليس خطأك، فأنا وعدا نفسي وزوجتي والقليل فقط لن اثق بأحد .
ورغم أن الموقف لا يتحمل ما فعلته إلا أنها لم تستطع أن تكبت بسمتها بعد كلماته تلك، تنظر له بتقدير، تراه يتحرك أمام الجميع وبكل بساطة دون أن يخوض في أحاديث _قد تتسبب لها في الخجل من وضع عينها في عين أحدهم لاحقًا _ أعاد لها حقها مكتملًا.
انتهى من كلماته وهو ينظر للجميع قبل أن يردد بهدوء :
_ اعتقد أن الجميع الآن يبصر الحق واضحًا ويبصر الباطل كذلك، لذا انتهينا من الأمر ولن يُذكر بعد اليوم ولو بينكم وبين أنفسكم خفية، اسم زوجتي لن أسمح أن يتناقل على الألسنة سوى بالخير .
فرد ذراعيه يبتسم للجميع وقد كانوا كلهم ينظرون له بتقدير واحترام :
_ انتهينا والآن حان وقت الحكم، وبعد تنفيذ حد قذف المحصنات بالطبع، سيكون الحكم عليكم كالآتي ......
صمت ثواني يمرر نظراته صوب الجميع ثواني قبل أن يقول بهدوء شديد وكأنه لا يلقي حكمًا على بعض المجرمين :
_ مستشاري الاعزاء يتم تجريدهم من كامل السلطات الممنوحة لهم، ويتم دفع مبلغ قدره عشرة الآلاف قطعة ذهبية من اموالهما الخاصة كمساهمة وكرم منهما في مساعدة المحتاجين، ولعل ما أفعله يكون العمل الصالح الوحيد في كتابهم، ومن ثم يتم سجن كلًا منهما عشر سنوات دون أن يبصر شمسًا حتى أقول عكس ذلك .
حرك رأسه صوب الجنود الذين ساعدوا الشاب في الدخول للغرفة زوجته ومن ثم قال :
_ الجنود الاعزاء الذين اندسوا بين جيشي، لا فدية لهم عندي، يُعدموا مع شروق الشمس القادم .
كانت كلماته قاسية، ونظراته متجبرة لا يبصر ولا يظهر أي رحمة في كلماته، يحرك عيونه صوب سراي ونجوم:
_ سبق وأن رحمتك زوجتي لكن نفسك المريضة اعادتك حيث كنتِ منذ أيام فقط، واثق أنني إن رحمتك هذه المرة ستعودين للانتقام مني المرة القادمة، فامثالك لا اتعاظ لهم ولا عودة عن الباطل، ورأفة بوالدتك التي رُزقت بنبتة خبيثة مثلك، سأكتفي بتنفيذ حد الله عليكِ والذي سبق أن سقط عنكِ .
أنهارت سراي ارضًا تبكي وتنوح وتتوسل، لكن لم يلتفت لها أرسلان حتى وهو ينظر لنجوم التي كانت تبكي بصوت منخفض تنتظر عقابها بصمت :
_ أنتِ وبما أنه خطأك الاول ولم تنكري ما فعلتيه، بل وجئتي لي تعترفين، سأسقط عنك العقاب على أن تتركي العمل في القصر وتغادري دون رجعة .
سقطت دموع نجوم أكثر دون كلمة واحدة تهز رأسها بينما يدها كانت ترتجف بين أحضانها .
وارسلان يراقب دون أن تأخذه بهم شفقة، يحرك عيونه صوب الأخير والذي كان نفسه الرجل الذي استحل لنفسه امرأته واقتحام غرفتها وتلويث سمعتها، نظر له بهدوء ولم يتحدث بحكم في حقه يشير بعيونه صوب المعتصم الذي علم ما يريده ليتحرك له بنفسه يسحبه من منتصف الساحة، ومن ثم بدأ الحراس يسحبون الجميع واحدًا تلو الآخر لتنفيذ ما قاله أرسلان تحت أعين الجميع والذين ابصروا في هذه اللحظة بيجان آخر، لكن على الاقل أرسلان كان قاسيًا مع من يستحق عكس والده الذي لم يكن يفرق بين عدو أو حبيب .
_ والآن يا سادة انتهت المحاكمة ...افتحوا الابواب .
تحرك الحراس وفتحوا الابواب ليتنفس الجميع الصعداء وكأنهم كانوا يخشون أن يتم سحبهم لمنتصف الساحة ويجدون نفسهم موضع اتهام دون معرفة السبب، وقبل أن يتحرك أحدهم خطوة تحدث أرسلان بصوت مرتفع :
_ بعد يومين يتم إشهار زواجي من جلالة الملكة، والجميع مدعو ليشرفني في زفافي ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمجرد أن انتهى مما يفعل وأودع الشاب داخل السجن الذي لا يعلمه الكثيرون تحرك مهرولًا خارج المكان، وقد قادته لهفته صوبها، وكم اشتاق، ويؤسفه أن يقول اشتاق لصوتها الذي كان يقاطع تقدمه كل مرة وهي تهتف بنبرتها المبتهجة _ وكأنها تنطق كلمات أنشودة العيد وليس اسمه _ يا المعتصم ..
وأين المعتصم الآن فاطمة ؟؟
روحٌ جوارك وجسدٌ هائم يبحث عن طيفك .
توقف في طريقه حينما وصل واخيرًا حيث تقبع هي، ابتسم بسمة صغيرة وهو يطرق باب الغرفة ينتظر منها ردًا يروى قلبًا اشتاق لصوتها، لكن لم يحدث .
تعجب يعيد الطرق حتى تخيل أنها ربما نائمة، لذا ابتعد عن الباب يحضر مقعدًا يضعه أمام الباب وقد قرر أن يعسكر بالقرب منها تحسبًا لاستيقاظها في أي وقت، جلس واللهفة رفيقته، ينتظر أن تستيقظ ويبصر عيونها أو يسمع صوتها حتى وقد وصل لمرحلة صعبة في حب تلك المرأة، وربما إن تأخرت عليه بالرد فيما يخص زواجهما قد يجبرها، ومن ثم يطلب غفرانها.
ظل جالسًا لدقائق طويلة لم يحسبها إلا حينما أبصر الطبيبة تتحرك صوب غرفة مجاورة بملامح جامدة، لكن حينما ابصرته نظرت له بتعجب :
_ سيدي القائد، هل هناك ما تنتظره في مشفى النساء هنا ؟!
خجل المعتصم من جملتها يدرك أن تواجده غير صحيح او خاى مرغوب لكنه تجاوز الكثير في حبها سابقًا والآن لا يمكنه التراجع :
_ أنا فقط انتظر أن تستيقظ فاطمة لاطمئن عليها .
ونظرة التعجب التي خرجت منها ومن ثم كلماتها المصدومة أوقفت قلبه لثواني معدودة وهي تنبث بكلمات أثارت جنونه :
_ فاطمة ؟؟ لكن الغرفة لا تحتوي أحدًا لقد رحلت و...ظننت أنك أخذتها إذ أخبرتني البارحة أنها ستتزوجك .
شعر المعتصم بصدره يتفتت من الرعب في هذه اللحظة وهو يهمس بصوت متردد وبسمة مصدومة مما سمع :
- أنا...لا افهمك، ليست هنا ؟؟ ما الذي تعنينه و....لقد ...تركتها هنا البارحة مع وعد بالعودة نعم، لكنني لم آخذها وكيف افعل ونحن لم نتزوج بعد ؟! ما الذي تتحدثين به دكتورة ؟!
شحب وجه الطبيبة تهتف بصوت منخفض :
_ أنا لا اعلم، لقد جئت منذ دقائق اتفقدها ولم اجدها فخلت أنها ذهبت معك و....
وقبل أن تنتهي من كلماتها اندفع جسد المعتصم كالمجنون خارج المشفى وهو يهتف برعب وقلق :
_ لا لا فاطمة لا تفعلي بي هذا، ارجوكِ لا تفعلي بي هذا فاطمة .
كان يهذي بكلمات مرتعبة وهو يهرول في الحديقة يبحث عن حصانه، يفكر أنها ربما عادت لمنزلها أو ذهب لوالدتها، هذا ما جاء بعقله، لكن فجأة توقفت أقدامه وهو يسمع صوتًا خلفه يهتف بنبرة مبتهجة :
_ يا المعتصم ..
وفي ثواني شعر المعتصم بأن أعصابه لم تعد قادرة على الحفاظ على رباطة جأشه، فانهار وهو يدفن وجهه بين كفيه يتحدث بكلمات منخفض وجسده يرتجف .
وفاطمة والتي عادت كما كانت وكأن لا شيء حدث معها تقترب منه بوجه شاحب رغم بسمتها الصغيرة المرسومة أعلى فمها والتي تناقض حالتها الجسدية المتعبة، وكأن عقلها أشفق عليها بعد كل تلك الأحداث ليمارس معها لعبته المفضلة ويحذف كل ما تسبب في وجعها.
_ كيف حالك يا المعتصم ؟!
حرك المعتصم عيونه عليها وكأنه يسألها ( بل كيف حالك أنتِ فاطمة ؟!)
_ فاطمة أين كنتِ بحثت عنك كثيرًا و...
توقف عن الحديث وهي تقاطعه ببسمة واسعة :
_ شعرت بالملل في فراش المشفى وقررت العودة لأمي فلا بد أنها تنتظرني الآن في المنزل، لكن الخالة ألطاف ابصرتني قبل الرحيل وأصرت أن ابقي لتناول الفطور، وللتو انتهيت، والآن سأعود ويكفيني بقائي كل هذه الفترة هنا و... أنت يا المعتصم أخبرتني أنك ستأتي بأمي لي ولم تفعل .
_ ليتني كنت استطيع، والله ما تأخرت ثانية عنكِ .
ابتسمت له بعدم فهم :
_ لا بأس أنا سأذهب لها على أية حال، وقد أخبرتني الخالة ألطاف أنني يمكنني أخذ اليوم إجازة، هل تعتقد أنني يمكنني أخذ غدًا كذلك إجازة ولن تغضب رئيسة العاملات هنا ؟!
صمتت ثواني ثم قالت بنفس ذات البسمة التي منحتها له ذلك اليوم قبل الرحيل صوب المنزل :
_ يمكنني صحيح ؟؟ أنت حقًا ذو مروءة يا المعتصم.
غامت عيون المعتصم بحزن كبير وهو يسمعها تردد نفس الكلام قبل رحيلها ذلك اليوم، قلبه تحطم قطع صغيرة يشعر بالعجز الشديد عن مساعدتها، وكيف يفعل .
_ فاطمة أنتِ لا ...لا تتذكرين ما حدث صحيح ؟؟
_ وماذا حدث ؟؟
_ الحريق ..
لم يستطع أن يتحدث بكلمة إضافية مخافة أن يزيد من ضغطه عليها ويؤدي ذلك لأذيتها، لذا صمت يراقب انكماش ملامحها بوجع وحزن ثم هتفت بصوت خافت مكسور :
_ أي حريق تقصد ؟؟ لا أتذكر سوى الحريق الذي خسرت به أبي وأخي ..
سقطت دمعة من عيونها وهي تهتف بصوت موجوع أكثر:
- كان حريقًا مريعًا، أخذ ابي وأخي ومنزلي ولم يبقى لي سوى امي فقط ادامها الله لي ...
ارتجف صدر المعتصم وغامت عيونه بدموع أبى أن تهبط أمامها وهو ينظر لها بوجع وداخل عقله تتردد جملة رفض النطق بها ( حتى هذه لم يتركها لكِ فاطمة، حتى هذه أخذها منكِ ولم يترك لكِ سوى ذكريات محترقة ) .
_ المعتصم لِمَ ذلك الحزن الذي يعلو وجهكِ، هل أنت حزين عليّ ؟؟
ابتسم المعتصم بسمة صغيرة يحاول أن يمحو وجعه البارز على ملامحه :
_ أنا فقط أتعجب من قوتك يا صغيرة، الله زرع بكِ صبرًا لا يمتلكه أعتى الرجال .
اتسعت بسمة فاطمة وهي تقول بصوت خجل بعض الشيء تنظر ارضًا :
_ أنت لطيف يا المعتصم، شكرًا لك .
ابتسم لها بسمة أكبر وهو يتحدث بصوت هامس وصل لها هي فقط :
_ إذن فاطمة هل ...هل تتذكرين ما أخبرتك به ؟؟
نظرت له بعدم فهم، ليقترب منها خطوة :
- زواجنا فاطمة، هل فكرتي بالأمر ؟!
اتسعت عيون فاطمة وزادت ضربات قلبها وشعرت بالخجل يطيح بعقلها وقد صدمها ذلك العرض المفاجئ منه :
_ تتزوجني ؟؟ أنت... أنت تريد الزواج بي أنا أيها المعتصم ؟!
_ سيكون هذا من دواعي سروري .
ابتلعت ريقها وهي تنظر ارضًا :
_ لا يمكنني أن اجيبك الآن، عليك التحدث مع والدتي حول هذا الأمر.
ابتسم المعتصم بحزن وهو يهز رأسه يشعر كل ثانية بالعجز يأكله وينخر عظامه، يبحث في عقله عن مخرج لها من سوادها وظلام ماضيها، يشعر بالجوع كلما أبصرها تنبذ حاضرًا وتتخذ من ماضيها حياة، توهم نفسها بحياة وتقنع عقلها بها مستنكرة واقعها.
_ لا بأس فاطم سأفعل يا صغيرة، يمكنني التحدث مع والدتك والجميع وأخبارهم أنني اطلب ودك.
زادت ضربات قلب فاطمة وهي تشعر أنها تحلق في السماء في هذه اللحظة، المعتصم والذي كانت تحلم به، رجل أحلامها وبطل واقعها يطلب ودها ويتوسلها الزواج .
نظرت له ثواني، قبل أن تتحرك بعيدًا عنه بخجل صوب بوابة القصر :
_ إذن سأعلم أمي بقدومك و...
وقبل خروجها توقف أمامها المعتصم بسرعة وهو يهتف بنبرة متلهفة :
_ إلى أين ؟!
نظرت له بعدم فهم :
_ ما بك يا المعتصم ؟؟ أنا سأعود للمنزل .
- أي منزل ذلك ؟؟ فاطمة هذا منزلك .
_ لا هذا ليس منزلي، منزلي هناك حيث أمي، وانا سأذهب لاطمئن أنها بخير .
ولم تكد تتحرك حتى توقف أمامها المعتصم يحاول إقناعها :
_ لا يوجد هناك فاطمة، منزلك هنا وأنتِ لن تخرجي من هنا، هيا تعالي معي سأقودك لغرفتك الجديدة، سوف أعد لكِ واحدة جميلة، هيا تعالي معي ارجوكِ.
تعجبت فاطمة ما يفعل تحاول أن تهرب من بين يديه التي يحيل بها بينها وبين منزلها ووالدتها :
_ المعتصم أنت تتصرف بغرابة، دعني أمر لأجل العودة لأمي و....
فجأة جن جنون المعتصم وهو يصرخ وقد فاض به من رؤيته لها بهذه الحالة :
_ أمك رحلت فاطمة، لم يتبق لكِ في هذه الحياة أحد الجميع رحل فاطمة، الجميع رحل، الحريق أخذ والدتك كذلك .
اتسعت عيون فاطمة وشعرت بانفاسها تجاهد للخروج من صدرها، بينما المعتصم استوعب فجأة ما قاله أمامها ليشحب وجهه وهو يقترب منها بسرعة ورعب :
- لا لا فاطمة انا اسف لم أقصد أنا... أنا....هذا ليس صحيحًا فقط أنا شعرت بالــ ...
وقبل إكمال جملته أبصر دموعها تهبط كالسيول على وجهها وهي تتراجع بعيدًا عنه، وقد بدأت تبصر الارض أسفلها كما لو كانت تتحرك أثناء وقوفها، شعرت بدوار عنيف يضرب رأسها وقبل تحركها حركة واحدة كان جسدها يرتطم بقوة في الارض أسفلها تحت صرخات المعتصم الذي شقت الأجواء الهادئة حوله ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأت القاعة تفرغ من الجميع عداها وقد استقرت على العرش دون أن تتحدث كلمة واحدة منذ وجودها في المكان، هادئة بشكل غريب عليهؤ مؤلف على شخصيتها، فالطالما صمتت سلمى حينما وجدت أنه لا حاجة للحديث، وهذا ما تعلمته خلال حياتها.
راقب أرسلان الجميع يرحل، ومن ثم استدار ببطء صوبها لتتوتر وللوهلة الأولى أسفل أنظاره وقد كانت هذه أولى نظراته الطويلة لها بعد عقد القرآن.
طالت النظرة ولم يقطعها سوى صوت تيّم والذي اتضح أنه لم يخرج بعد، بل خرج لتوه من الغرفة الجانبية للقاعة وهو يتحدث بهدوء واحترام شديد :
_ مولاي عذرًا للمقاطعة، لكن هناك ما حصل أثناء انشغالك ويجب أن تعلمه .
أبعد أرسلان عيونه عنها بهدوء وهو يوجه أنظاره صوب تيّم يهتف بهدوء :
_ ما الذي حدث تيّم؟؟
أشار تيّم لإحدى الجهات حيث كانت توبة تنعزل بنفسها عن الجميع، بل وكادت تنسحب من المكان حين أبصرت انشغاله بزوجته الجديدة، لكن تدخل تيم حال ما دون ذلك، لذا تابعت ما يحدث وهي تسمع صوت تيم يهتف بهدوء شديد :
_ الأميرة توبة مولاي، أميرة سبز في ضيافتنا ..
ربما كان اسمًا عاديًا على مسامع سلمى والتي طافت عيونها بفضول لتبصر تلك المرأة التي يتحدث عنها تيم، فابصرت حسناء بملامح وجه مليح جعلت عيونها تنبهر للحظات قبل أن يخفت انبهارها شيئًا فشيء ويحول مكانه صدمة وهي تبصر انتفاضة جسد أرسلان بعنف وهو يهتف بعدم تصديق يهرول صوب المرأة أمام عيونها متلهفًا بشكل مرعب :
_ تـــــــوبــــة ؟؟ يا الله توبــــــة أنتِ بخير ؟؟
ارتفع حاجب سلمى وهي تردد بصوت منخفض ونبرة شبه غاضبة :
_ أوه، توبة ؟؟ حقًا ؟!
تحركت عن العرش تهبط عنه تتحرك صوب الساحة حيث هرول زوجها منذ ثواني صوب فتاة حسناء تقف بكل رقي في أحد الأركان، وبمجرد أن وصل لها أرسلان حتى أمسكت توبة طرف ثوبها بهدوء ورقي وهي تنحني نصف انحناءة ببسمة صغيرة راقية :
_ جلالة الملك .
تأوهت سلمى تشعر بمشاعر لا معنى لها تدور داخل صدرها :
_ حسنًا له كامل العذر في لهفته .
تقدمت خطوات تبصر لهفة زوجها على تلك المرأة وهو يمر بعيونه عليها يهتف بصدمة كبيرة وملامح غير مفسرة لها :
_ هل أنتِ بخير ؟؟ أين كنتِ ذلك الوقت لقد ...لقد ارسلت العديد من الجنود للبحث عنك في شمال البلاد كما ادعى ذلك الخسيس زوجك.
ابتسمت توبة بسخرية كبيرة وهي ترى أن زوجها العزيز قد تدبر حججه لأجل غيابها :
_ أنا بخير لا تقلق جلالة الملك، الأمر طويل لأحكيه لك الآن.
ختمت حديثها بنبرة هادئة راقية، وارسلان ما يزال عقله يدور في دوائر فارغة يأمل أن يطمئن عليها مخافة أن يكون أحدهم قد تعرض لها .
_ تيم أرسل خطابًا لسفيد وآبى أعلمهم به أن الأميرة توبة في ضيافتي وقد أعادها الله لنا بخير .
كل ذلك كانت تتابعه سلمى بأعين متفحصة وملامح هادئة لا توحي أيًا مما تكتمه، فقط تراقب تلك المرأة الغريبة والتي ظهرت من العدم والتي يبدو من حديث أرسلان أنها ذو شأن عظيم، وهذه الجميلة ذات الشأن العظيم من بين جميع الأيام اختارت يوم زواجها من أرسلان لتظهر و....
ومهلًا هل ما تشعر به في هذه اللحظة غيرة ؟!
ونعم ربما كانت، خاصة بعدما أبصرت إعجابًا واضحًا في أعين المرأة ايزاء زوجها العزيز والذي كان على ما يبدو مغناطيسًا للنساء، كل هذا وهو لا يُحتمل التعامل معه، ماذا إن كان معسول الكلام ؟؟
_ لا ينقصه سوى حرملك ويملئه بالجواري وملك اليمين لتكتمل صورة الملك الذي يذيب القلوب .
ويبدو أن همستها كانت شبه مسموعة إذ انتبه لها أرسلان من بين صدمته بوجود توبة، استدار ببطء صوبها يهمس بعدم فهم :
_ ماذا قلتي للتو ؟؟
ابتسمت له سلمى تجيب بكل بساطة وعناد :
_ سمعتني فلا حاجة لأعيد كلماتي مجددًا جلالة الملك كي لا اضيع وقتك الثمين بسماع كلماتي التي لن يسعدك أن أرددها واشغلك بها عن ...سمو الأميرة .
اتسعت عيون أرسلان بقوة مما سمع وشعر بالدهشة من كلماتها وتصرفاتها التي كانت غريبة عليها في هذه اللحظة، لكن رغم ذلك لم يجبها أو يجادلها بكلمة واحدة يعود بنظره صوب توبة التي نظر لها بحرص ودقة :
_ أنتِ بخير صحيح ؟؟ هل مسّك أحدهم بسوء؟؟ فقط أخبريني .
ضمت سلمى ذراعيها لصدرها بهدوء تستمع للهفة زوجها العزيز على امرأة أخرى لا تعلم من أين ظهرت وما الذي جمع بينها وبين زوجها، كان يمكنها ادعاء الغضب والحنق ومغادرة بأكمله لعل هذا ينبهه إلى وجودها، لكن كل ذلك لم يكن من شيم سلمى التي تقدمت منهم تقف جوار أرسلان كتفًا بكتف وهي تراقب توبة عن كثب .
لتتفهم الأخيرة ما يدور بعقل سلمى فتقرر الانسحاب في هذه اللحظة تاركة لهما حرية الحديث :
- كما أخبرتك مولاي الأمر يطول شرحه، لذا أفضل أن تنتهي مما لديك، ومن ثم نتحدث فيما حدث، ولا تقلق أنا بخير حال الحمدلله، كتب الله لي عمرًا ونجاة بفضل مساعدة البعض و....
صمتت حين مر طيفه على خيالها لتشعر بارتجافة شوق تصيب قلبها، ومجرد تذكره تحيي داخلها مشاعر ما ظنت يومًا أن تمتلكها لرجل، ولو تخيلت أن تفعل فكان من الأولى أن تفعل ذلك للرجل الذي يهيمن عليها في هذه اللحظة، لكن وعلى عكس المتوقع مشاعرها الآن توجهت دون شعور منها صوب من لا يجوز لها أن تفكر به حتى، لكن دون إرادتها رددت بصوت خافت ومشاعر عميقة انعسكت في عيونها :
_ ساعدني أحدهم لأصل هنا بسلام وخاطر بحياته لأجلي، لذا لا تقلق ما كان ليسمح بأحدهم أن يمسني بسوء ولو بروحه .
وبهذه الكلمات مرت على رأسها كل ذكرى لهما سويًا وهو يدافع عنها من أهل الجحر تارة ونساءه تارة، والعملاق تارة أخرى، نظراته وكلماته وبسماته لها.
وفي هذه اللحظة تعلن وبكامل الأسف وبخالص التعازي، أن نزار امتلك بقلبها ما لم يمتلكه غيره ....وكم تؤسفها تلك الحقيقة .
شعرت برغبة عميقة في الهرب من أمام الجميع والاختلاء بنفسها كي تناقش معها تلك الحقيقة المرعبة التي ادركتها للتو .
_ آسفة لو ازعجتك بقدومي هنا ولجوئي لحمايتك و....
قاطعها أرسلان بقوة ونبرة جادة :
_ توبة، مشكى لا ترد سائلًا لجأ لها ولو كان عدوًا، فما بالك بكِ وأنتِ منها، اسمحي لي باستضافتك ورد جَميل والدك بإكرامك، ولو أنني لا اعتقد أنني يومًا قد اوفيه حقه ولو اكرمتك أمد الدهر .
وها هو طرأ للنقطة التي كانت تهرب منها منذ جاءت، شعرت بصدرها يرتجف ونبرتها تخرج مهتزة، وعيونها تمتلئ دموعًا وهي تنظر ارضًا بهدوء :
_ أبـــ....أبي ...كيف ...كيف هو ؟؟ اصدقني القول، هل هو ...ما يزال حـــ
قاطعها أرسلان وقد أدرك ما تود قوله :
- مايزال، الملك بارق ما يزال حيًا يرزق بفضل الله ورحمته به ..
_ وبي .
سقطت دموعها وقد كان هذا جل ما تريد سماعه، تهمس بصوت منخفض :
- الحمدلله، يكفيني هذا لأتنفس براحة، شكرًا لك جلالة الملك .
هزت رأسها باحترام، بينما أرسلان كانت لديه الكثير والكثير من الأسئلة التي تدور داخل عقله ليطرحها عليها، لكن في هذه اللحظة شعر أنها لا يمكنه الأمر بالنظر لحالتها.
لذا تحدث لتيم بهدوء :
_ تيم أرشد سمو الأميرة لغرفتها واوصي لها بالطعام واكرموها فهي صاحبة أرض .
سقطت دمعة توبة تهز رأسها بشكر :
- اشكرك مولاي و... أنا معي ضيفة إن لم يكن هذا يزعجك .
_ للتو أخبرتك أنكِ صاحبة أرض، فتصرفي على هذا الأساس سمو الأميرة .
ابتسمت له بسمة صغيرة ترفع طرف ثوبها وهي تحييه، ومن ثم نظرت صوب سلمى ترمي لها بتحية سريعًا ثم تحركت بهدوء مع تيم تحت نظرات سلمى التي شعرت بالحزن عليها حين تحدثت عن والدها رغم أنها لم تدرك بعد ما حدث معها، لكن لم تستطع سوى أن تشفق عليها وتشعر بالاسف لأجلها .
_ هذه الأميرة توبة أميرة سبز .
كان هذا صوت أرسلان الذي خرج بمجرد المكان إلا منهما، استدارت له ببطء وهي تنظر له بسخرية :
_ نعم هذا واضح فأنت لم تتوقف عن ترديد اسمها منذ أبصرتها، وأنا لا تنطق اسمي إلا حينما تكون كارثة قد حلت عليّ .
رمش أرسلان بعدم فهم :
_ ما الذي تتحدثين به، أنا كنت فقط ....
_ لا انتظر منك مبررات جلالة الملك، انتهت المحاكمة وانتهى السبب الذي تزوجتني لأجله، لذا تصرف كما لو أن شيئًا لم يحدث .
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه بهدوء والنيران ما تزال تشتعل داخل صدرها دون إرادة منها، وما كادت تخطو خطوة واحدة بعيدًا عنه، حتى شعرت بيده تحكم القبض على ذراعها وهو يجذبها بقوة معيدًا إياها أمامه وقد التمعت عيونه بشكل مخيف يهمس بصوت منخفض :
_ ما الذي لم يحدث يا امرأة ؟! هل تظنين زواجي منكِ لعبة؟؟
_ لم أقل أنه لعبة، لكن أنا وأنت نعلم جيدًا مولاي أنه مجرد حل مؤقت خرجت به لــ
ابتسم بسمة لا معنى لها يردد نفس كلمتها بنبرة ساخرة مستنكرا :
_ مؤقت ؟! خسئتي أنت واشباهك الاربعون، والله ليكونن أبد الدهر وحتى الفظ آخر انفاسي، وطالما كتب الله لي عمرًا لاحياه فلن يجاور اسمك اسم رجل غيري ولن تبصري من الذكور عدايا سلمى، أصبحتِ زوجتي وحقي وأنا لا أشارك حقي مع أحدهم ولو كان ذلك الاحدهم قردك الاجرب.
شعرت سلمى بمعدتها تتلوى بوقع كلماته وعيونها تتسع شيئًا فشيء، ورغم أنها يومًا لم تتقبل الكلمات الحادة من أحدهم، إلا أن كلماته ورغم حدتها ابهجتها، لكن هي لن تجعله يسعد بذلك إذ قالت بهدوء :
_ لا يمكنك أن تتحكم بي، قوتك لن تفرضها عليّ جلالة الملك
جذبها أرسلان صوبه بهدوء حتى أصبحت بين أحضانه بكل ما للكلمة من معنى وقد بدأ جسدها ينتفض بسبب قربها ذاك منه :
_ أخبرتك وسأعيدها جلالة الملكة، لم اعامل يومًا شيئًا أريده بالقوة خوفًا من أن يتحطم أسفل قبضتي وأنتِ ....
صمت ثواني ينظر لعيونها التي كانت أسيرة نظراته في هذه اللحظة :
_ أنتِ لستِ شيئًا سلمى، أنتِ زوجتي وعليكِ العلم أن ما يسير على الجميع مني لا يشملك، وما اخصك به لا يشمل الجميع، ما كان لامرأتي وما يخصها أن يتساوى مع الجميع .
ختم كلماته يحرر ذراعها ببطء، يبتسم لها بسمة حنونة تبصرها بعيونه للمرة الثانية بعدما ابصرته يوجهها سابقًا لكهرمان، ومن بين شرودها في نظراته استغل هو الوضع يميل عليها ببطء يقبل رأسها بحنان شديد، ثم أبتعد عنها هامسًا وكأن يرحب بها وأخيرًا داخل حياته التي ظن أنها ستغرقه بوحدته :
_ ثلاثة عقود ويزيد، طال انتظارك لتؤنسي وحدتي، فمرحبًا بكِ زوجة وانيسة للعمر سُليمىٰ.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ الوليد ما الذي تفعله هنا ؟!
صُدم نزار حينما فرغ من صلاته وابصر الوليد يجلس جواره ينتظر أن ينتهي ليسارع ويمسك ذراعه بلهفة :
_ تعال معي علينا اخراجك من هنا .
لوهلة شعر نزار أن الزمن يعيد نفسه، نظر حوله بتشوش يتأكد أنه ليس في سجن والده ينتظر تنفيذ حكم الإعدام به، ثم عاد بنظره صوب الوليد يتحدث بعدم فهم :
_ ما الذي يحدث هنا وما الذي تفعله في هذه اللحظة يا الوليد ؟! ثم تخرجني من هنا ؟! أولست أنت من احضرني سابقًا ؟!
_ أخطأت والآن أصلح ما أخطأت به، هيا دعني اخرجك قبل عودة أي من الرجال في الخارج فقد صرفتهم بصعوبة .
جذب نزار مرفقه من يد الوليد بهدوء :
_ من أخبرك أنني أود أن أصلح هذا الخطأ، ومن أخبرك أنه خطأ من الأساس، هذا التصرف الوحيد الذي اشكرك عليه يا الوليد، لولا أنك احضرتني هنا ما استطعت إيجاد توبتي .
نطق كلمته الأخيرة يخفي خلفها مشاعر كثيرة، ثم ابتسم وهو يبعد عيونه عن الوليد :
_ أنت رجل صالح يا الوليد خسارة أنك على الجانب السييء، خسارة أن الخير فقد رجل مثلك، أعد ترتيب حساباتك وعد لربك يا الوليد .
شحب وجه الوليد من كلماته وهو يتراجع ببطء وكأن كلمات نزار كانت صفعة عنيفة على وجهه، بينما الأخير يرى بالوليد بذرة صالحة، رجل ذو بأس قوي الشكيمة، ذو عقل حربي ممتاز، يستكثره على أنمار وجيشه، يستخسره في الكفر .
_ عد فباب توبتك ما يزال مفتوحًا يا الوليد .
ارتجف جسد الوليد يتجاوز عن تلك الكلمات وهو يهمس بصوت مرتعش مهتز من شدة المشاعر داخل صدره :
_ عليّ إخراجك من هنا فأنمار لا ينتوي لك خيرًا .
_ ولا أنا أفعل، لذا دعه يفعل ما يريده والغلبة في النهاية للاقوى.
_ دعني اساعدك ارجوك نزار لا تعاند بحياتك لقد ...
قاطعه نزار وهو ينظر له يتساءل بهدوء وبسمة :
_ أخبرني يا الوليد، ما سبب مساعدتك لي ؟! تمسسك بنجاتي ما سببه ؟!
نظر له الوليد ببهوت وهو يهمس بتردد وصوت خفيض :
_ أنت تعلم أنني أدين لكِ بحياتي منذ انقذتني قديمًا وساعدت والدتي لتتخطى مرضها ووجعها، و....
قاطعه وقد وصل أخيرًا لما يريد :
_ تشفق على والدتك من وجع ولم تشفق عليها من صدمتها بولدها حين تلتقي بها يوم القيامة وتسألك سبب ما فعلته ؟! لا تخشى من وقفتك أمام رب العباد حين يسألك ما اجرمت به يداك؟!
صمت وهو يترك الكلمات تتردد بعقل الوليد الذي لم يجب بكلمة وقد بدأ صدره يتحرك بقوة، ليتركه نزار في هذه اللحظة ولم يزد عليه كلمة، يغير الأمر سريعًا :
_ أخبرتني أنك صرفت الجنود صحيح ؟؟ حسنًا أنا اطالبك بمساعدة صغيرة يا الوليد فهل تفعلها لأجلي ؟!
نظر له الوليد بتسائل ليبتسم نزار بسمة صغيرة وهو يهمس بتردد :
_ أريد الذهاب في زيارة قصيرة لمشكى، أدرك أنك تمتلك طرقًا لدخولها وتمتلك رجالًا داخلها يساعدونك، أود التأكد من سلامتها، ليطمئن قلبي، فهل تفعل لأجلي ؟؟
نظر له الوليد طويلًا قبل أن يحرك رأسه حركات صغيرة مترددة :
_ نعم يمكنني بالطبع نزار، تجهز حتى أعطيكِ إشارة مني للتحرك صوب مشكى والعودة قبل أن ينتبه أحدهم.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزمن يُعاد والجروح تتجدد، نفس المشهد يتكرر، يركض حاملًا إياها بين يديه فاقدة لكل معاني الحياة، نفس الرعب ونفس الرجفة التي تملكته كلما خطى للمشفى حاملًا إياها بهذا الشكل، يتساءل والوجع يأكل صدره، متى تحين لحظات سعادته معها، متى يحملها بين يديه وهي زوجته وبكامل صحتها ؟!
دخل بها إحدى الغرفة يضعها على الفراش سريعًا، ثم أنهار جوارها وهو يتمسك بالفراش يهتف بصوت متقطع ونبرة تجاهك للخروج متماسكة :
_ ارحميني فاطم ارحميني، كوني بخير لأجلي، أتوسل إليكِ أن تكوني، لا تجعلني أحيا حياتي كلها مبصرًا إياكِ بهذا الضعف وهذا الشحوب .
دفن وجهه بالفراش يحاول أن يتماسك وهو يردد كلمات مكتومة لم تصل لأحد، ظل يردد كلمات كتمها بالفراش، ولم ينتبه لفاطمة التي كانت قد استيقظت تحدق بالسقف فوقها ودموعها تسيل دون توقف وهي تهتف بكلمات هامسة سرعان ما ارتفعت في المكان لتصل إلى المعتصم :
_ أمي...احتاج أمي... أريد أمي جواري، أريد أمي .
سقطت دمعة المعتصم يمسحها سريعًا في الفراش أسفل رأسه قبل أن يرفعها ببطء شديد ينظر لها وهي تحدق به بأعين باكية متوسلة تهمس بصوت منخفض :
_ أريد أمي يا المعتصم، أخبرتني أنك ستذهب وتحضرها لأجلي، فلا تخلف وعدك معي أرجوك.
شعر المعتصم بغصة تخنقه حتى شعر بعدم قدرته على التنفس بشكل منتظم، يحاول الحديث لتقاطعه هي بصوت باكي وقد كانت تحاول أن تهدأ قلبها وتخدر عقلها عن تلك الحقيقة :
_ أنت أخبرتني أنك تريد الزواج بي صحيح ؟! أعد لي أمي وخذ الإذن منها وانا سأوافق.
سقطت دموعها أكثر تردد من بين شهقاتها بصوت مرتفع :
_ أعدها لي وسأوافق، اقسم أنني سأفعل، لكن أعدها لي أرجوك....
شحب وجه المعتصم أكثر وفاطمة تراقبه تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي تحرك يدها حتى أصبحت قريبة من رأسه، لكن فجأة توقفت قبل أن تلمسه وهي تهمس من بين دموعها :
_ هل هي حية يا المعتصم ؟! أخبرني أن أمي حية، أخبرني أن من كانت تعد لي الطعام هي أمي، من تحتضنني ليلًا كل يوم وتتلو الآيات على رأسي هي أمي، من تربت على ظهري حين البكاء ليلًا كل يوم هي أمي، من تستقبلني كل يوم هي أمي، أخبرني أن كل ذلك لم يكن من صنع عقلي، ارجوك أخبرني أنني لست مجنونة وأنني لا اتوهم، أخبرني إن كل هذا كابوس يا المعتصم .
ختمت حديثها بكلمة متقطعة وهي تحاول التنفس من بين بكائها والمعتصم يستمع كلماتها يشعر بالوجع يتحكم به يحاول التحكم في دموعه يتخيل مقدار المعاناة التي أجبرتها على صنع وهم يخفف من قسوة الواقع عليها، كيف عاشت كل يوم وهي تظن أنها بين أحضان والدتها، وتلك المرأة التي ابصرها ذلك اليوم تستقبلها من العمل حين أوصلها ؟!
خرج من أفكاره على صوتها وهي تهمس :
_ أنا خائفة يا المعتصم، أشعر بالرعب، لا تتركني لعقلي وحدي، لا تتركني وحدي ارجوك يا المعتصم .
شعر المعتصم بالحقارة وهو يستغل وضعها في هذه الحالة، لكن العجز الذي كان يشعره وهو يود ضمها له دون أن يستطيع فعل ذلك، وجسده الذي يرتجف بحثًا عن دفئها أجبره على أن يكون مستغلًا لحالة الحاجة التي تشعر بها في هذه اللحظة :
_ فاطمة ...هل ترغبين بتواجدي معكِ ؟؟
هزت فاطمة رأسها باكية وهي تنظر لوجهه وكل ذرة منها تردد رغبتها به بالفعل، ليبتلع ريقه وهو يهمس لها بجدية يبعد عيونه عنها كي لا يشعر بالحقارة واستصغار ذاته، لكنه ويشهد الله لا يفعل ذلك إلا ليكون جوارها دون أن يعصي الله بها :
_ إذن تزوجيني، الآن فاطمة .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس على الأريكة جوار باب غرفتها تحاول أن تستوعب ما حدث منذ ثواني فبمجرد أن ترك أرسلان قبلته أعلى رأسها، حتى منحها بسمة واسعة، ثم تحرك بهدوء خارج القاعة مستئذنًا منها للذهاب إلى بعض الأعمال ولتفقد بعض الأمور الهامة مع وعد بالمرور عليها مساءً .
وقد كان هذا أكثر مشهد رومانسي حنون ابصرته من أرسلان، الرجل نفسه الذي كانت تتعجب منذ يومين وتستنكر أن يمتلك مشاعر قد تؤهله للتعامل مع البشر بشكل طبيعي .
ابتسمت ودون وعي منها وقد خرجت كلماتها بلغتها البرتغالية دون شعور :
_ كل لحظة تثبت لي أن نظرتي الأولى لك لم تكن خاطئة جلالة الملك .
لا تدري متى وصلت غرفتها، فهي وبعد رحيله تحركت منومة بين الطرقات حتى وجدت نفسها تجلس أمام موزي الذي كانت حياة الدلال تعجبه وبشدة، فمنذ إصابته والطعام يأتيه حتى فراشه وهو يأمر ويتذمر فقط .
_ إذن موزي متى تنوي أن تنهض من مرضك اللامتناهي هذا ؟!
رفع لها موزي وجهه وقد كان فمه محشوًا بالكثير من الطعام، ينظر لها ثواني قبل أن يبعد عيونها عنها بكل بساطة دون اهتمام يكمل مضغ وجبته الشهية، وهي فقط تنظر له بضيق :
_ أفسدك الدلال سيد موزي، وكأنه ينقصك، قرد قليل الأدب.
ويبدو أن كلماتها قد جرحت شعور موزي الذي لم يصدر منه أي ردة فعل قد تدفعها لوصفه بهذا الوصف، فقرر أن يفعل ما يستحق عليه هذا الوصف، لذا دون تردد أو تفكير رفع يده يلقي ما يمسك من فاكهة في وجه سلمى التي تأوهت وهي تصرخ بنفس لغتها :
_ أيها القرد الاجرب الحقير، اقسم أنني لن ارحمك هذه المرة .
ومن بعد تلك الكلمات انتفضت عن مجلسها راكضة صوبه بجنون وهي تهتف بالعديد من الكلمات البرتغالية والتي كان نصفها سبات لموزي وقد شعرت بالحرية وهي تسبه بلغة تدرك جميع مداخلها وسباتها وأكثر.
في الخارج .
كان أرسلان يقف مع جنوده أمام باب غرفتها متشنج الملامح لا يفهم ما تصرخ به ينظر لهم وكأنه ينتظر منهم ترجمة للموقف، وحينما اشتدت الصرخات وصوت التحطيم، حتى انتفض أرسلان من جوارهم يفتح الباب بعنف شديد ظنًا أن أحدهم تسلل لها لينتقم مما حدث .
لكن وبمجرد أن فتح الباب والذي لم يكن مغلقًا من الداخل، استقبلته قشور فاكهة طائرة طائشة كادت تصطدم في وجهه، لولا ردة فعله السريعة الذي امسكها بسرعة يرفع عيونه بشر صوب صاحب هذه الفاكهة ليبصر الفوضى تعم المكان وثياب سلمى ملوثة ببقايا فاكهة، حرك عيونه في المكان يبصر القشور في كل مكان بملامح جامدة حتى وقعت واخيرًا على مصدر كل هذه الفوضى ...موزي .
ذلك القرد والذي بمجرد أن أبصر جسد أرسلان حتى بدا كما لو أنه أبصر كابوسه يتحرك أمام عيونه، ليصدر صوتًا مرتفعًا مرتعبًا يقفز عن الخزانة صوب كتف سلمى يضم نفسه برأسها محتميًا بها من أرسلان الذي ارتسمت بسمة مرعبة على فمه جعلت بقايا ثبات القرد تتبخر .
_ أنت لن تتوقف عن أفعالك هذه حتى اجعلك كالممسحة للاقدام صحيح ؟!
نظر له موزي والذي لم يكن يفهم بالطبع ما يقال، لكنه كان يشعر بشرارات الغضب تنطلق من جهة أرسلان، ما يزال يتمسك برأس سلمى التي حاولت إبعاده، لكن وأثناء محاولتها شعرت بشيء زلق أسفل أقدامها، وحينما كادت تسقط مدت يدها في الهواء تحاول التمسك بشيء صلب، حتى شعرت بكف تمسك كفها ويد أرسلان تجذبها له من خصرها يساعدها على الثبات .
فكانت هي بين أحضانه تقريبًا متسعة الأعين وعلى رأسها موزي يمسك بها وقد كان يتحضر للسقوط منذ ثواني معها سقطة مدوية، ولم يكد يستوعب أنه أضحى بأمان من السقوط حتى انتزعه أرسلان بيده الحرة عن رأس سلمى ينظر له بشر، ثم ألقاه على الأريكة دون اهتمام، كل ذلك ويده الثانية ما تزال تضم خصر سلمى والتي كانت في هذه اللحظة متسعة الأعين مصدومة وخدودها مشتعلة من الخجل .
رفعت عيونها صوبه تهتف ببرتغالية دون شعور :
_ ما أشعر به ليس جيدًا البتة، قلبي يكاد يتوقف .
ابتسم أرسلان بسمة جانبية وهو يلقي بقايا الفاكهة التي قُذف بها لتسقط على وجه موزي الذي أطلق صرخة مغتاظة ، ثم رفع يده مبتسمًا بلطف يبعد بقايا القشور عن خصلاتها بحنان بجيبها بلغته الفارسية وكأنه يرد لها تحدثها بلغة لا يفهمها :
_ من وانمود می کنم که فقط با من معاشقه کردی، زیرا در واقع دلم برای آن تنگ شده است، اگر فقط می دانستی .
" سأدعي أنكِ تغزلتي بي للتو فأنا في الحقيقة مشتاق لذلك لو تعلمين "
وهي فقط حدقت به بأعين متسعة وقلب خافق لا تفهم من حديثه سوى القليل والذي لم يساعدها على فهم ما يرد هو، ابتسم لها بسمة صغيرة يبعدها عنه ببطء وحنان :
_ أتتذكرين ذلك الثوب الجميل الذي أبصرتك به سابقًا !؟
لم تدرك ما ينطق به وهي ما تزال سجينة تلك اللحظة السابقة، ليبتسم لها أرسلان يمد يده يداعب خصلاتها سريعًا :
_ ذلك الثوب الذي كان بحجاب مشابه له، هل يمكنكِ ارتدائه مجددًا فهناك من أريدك أن تقابليه .
حاولت التنفس بشكل طبيعي وهي تنظر ليده التي تلاعب خصلاتها وقد اشعرها ذلك التغيير في شخصيته بالرعب، الرجل تحول بشكل مخيف :
_ ثوب الصلاة ؟؟
_ نعم هو، ارتديه رجاءً...
هزت رأسها بنعم، ثم ابتعدت عنه ببطء حتى أصبحت خارج حصاره وتأثيره، ومن ثم تحركت صوب الخزانة تخرج ثوب الصلاة الخاص به تحت عيونها وبمجرد أن دخلت المرحاض، حتى عاد الجمود ملامح وجهه وهو يتحرك صوب الباب الخاص بالجناح يتحدث بهدوء :
_ اطلب من بعض العاملات المجئ وتنظيف المكان من الفوضى .
هز الحارس رأسه في اللحظة التي كانت المفاجأة قد وصلت، حرك أرسلان رأسه للقادمين يسمح بأحدهم بالمرور ولم يكد الثاني يمر حتى أوقفته يد أرسلان وهو يهمس بنبرة مرعبة :
_ إلى أين تحسبن نفسك ذاهبًا يا هذا ؟؟
رفع الشاب عيونه لأرسلان وهو يرمش بعدم فهم يحاول أن يتحدث، لكن هيئة أرسلان لم تساعد في تكوين جملة عادية في هذه اللحظة :
_ سأقابـــ...سأقابل سول و....
قطع كلماته وهو ينتفض على نبرة أرسلان المرعبة :
_ تجرأ ونادي زوجتي بذلك الدلال مجددًا ولن أعدك أن تحتفظ بلسانك بعدها لثانية إضافية .
اتسعت أعين الشاب وهو ينظر صوب الرجل والذي خطى بالفعل داخل الجناح يتحدث ببرتغالية وهو يشعر بالريبة :
_ ما الذي فعلته بسول أبي ؟؟ كيف تركتها في عهدة ذلك الوحش و....
وقبل إكمال جملته شعر بجسده يصطدم بباب الجناح وصوت أرسلان يهتف بغضب :
_ ليس معنى أنني لا أفقه مصطلحات لغتك عديمة اللون والطعم تلك أنني سأمرر لك نطقك لاسم زوجتي مصغرًا، اقسم أنني اقتلك وادفنك أسفل أقدامك..
تدخل جلال بسرعة ينقذ ولده من بين يدي أرسلان يتوسله برعب من مقتله على يد أرسلان وقد كان يدرك يقينًا أن أرسلان لا يمزح بأي شكل من الأشكال:
_ مولاي ارجوك سامحه هو لم يقصد، هو فقط اعتاد على مناداتها بهذا الاسم، ثم هذا ليس دلال أقسم لك هذا اسم الشهرة الخاص بها والجميع كان يناديها بهذا الاسم .
تحولت عيون أرسلان صوب جلال يبعد يد عن خالد الذي أخذ يسعل محاولًا التماسك وقد بدأ عقله يعرض له صورًا مريعة عن مستقبله مع هذا الرجل يهمس بنفسه :
_ ما الذي فعلته بي وبسول يا أبي ؟!
تحدث أرسلان بهدوء وتعقل يدعيه أمام الرجل يحترمه لأجل عمره ومكانته السابقة :
_ فقط حذر ولدك يا عم، امرأتي خطوط حمراء لا أحبذ أن يتجاوزها أو أن ينطق اسمها مصغرًا و...
_ ســــــــــــول .
وكانت تلك الصرخة خارجة من فم خالد الذي نسي ما حدث منذ ثواني حينما أبصر جسد سلمى يظهر وهي تنظر لهم بعدم فهم لتلك الاصوات، ركض لها دون تفكير وهو يفتح ذراعيه وقبل أن تدرك سلمى ما يحدث وتستوعب وجود خالد وجلال في المكان كان خالد يسحبها لأحضانه بشوق كبير وشوق يردد اسمها بلهفة وقد كانت هذه من المرات القليلة التي يضمها بها لكن شوقه عماه عن إدراك محيطه :
_ سول اشتقت لكِ عزيزتي.
رمشت سول وهي تشعر بالصدمة منا يحدث تنظر حولها تحاول أن تستوعب من فتح العوالم على بعضها البعض، لكن وأثناء رحلة الاستيعاب وقعت عيونها على عيون أرسلان وليتها لم تفعل ..............
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية حرب ؟! ربما من يدري .
بداية حب ؟! ربما من ينكر .
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية اسد مشكي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمه نبيل
تجمد جسد سلمى دون أن تتمكن من تحريك إصبع واحد، في حين أن عقلها بدأ يعمل بسرعة خارقة محاولًا تحليل كل الأحداث حولها في هذه اللحظة. العم جلال هنا وخالد كذلك و... أرسلان.
ابتلعت ريقها وقد نست فجأة وجود الجميع عدا الأخير، والذي كان في هذه اللحظة لا يبصرها حتى ولا يعي وجودها في المكان، ولا يهتم بشيء حوله. كل ما يبصره في هذه اللحظة ذراع خالد التي التفت حول جسد زوجته هو، زوجته التي وحتى هذه اللحظة كان أقصى فعل تواضع به معها هو أنه امسك يدها ونظر بعيونها طويلًا دون أن يحيد بعينيه عنها.
ابتسم بعدم تصديق وهو يراقب ما يفعل خالد، والذي نسى ما حدث له منذ ثوانٍ وتجاوز جميع الخطوط التي كان أرسلان يرسمها له منذ ثوانٍ.
ابتعد خالد عن سلمى وهو يمسكها من كتفها، ينظر لها بشوق كبير يشعر أن روحه قد ردت له مرة أخرى. سلمى العزيزة، والتي كانت شقيقته وصديقته الوحيدة ورفيقة العمر منذ كانوا صغارًا وحتى بعدما نضجوا وأصبح هو مديرًا لأعمالها. رغم تخصصه في مجال الهندسة "الديكور"، إلا أنه كان يحب أن يرتب لها أعمالها ليقضي أكبر وقت معها.
نظر لوجهها بعيون ملتمعة:
_ لا... لا أصدق أنني أبصرك في هذه اللحظة أمامي، اشتقت لكِ كثيرًا سول.
كانت عيون سلمى مثبتة على أرسلان خلفها، والذي اشتد احمرار وجهه بجنون وهو يحرك يده صوب مقبض سيفه. فتحت فمها بسرعة لتبرر له الأمر وتشرح علاقة خالد بها.
_ مولاي هو لـ...
لكن سبق السيف العزل. وتوسط السيف رقبة خالد، الذي شعر بظهره يتحطم لشدة ارتطامه بالجدار خلفه. ضربة كادت تقسم ظهره، لكن ربما كان وجع ظهره في هذه اللحظة هو آخر ما يخيفه، فنظرات أرسلان له كانت تذيب عظامه وهو يشعر بنصل سيفه يكاد يخترق رقبته.
_ حذرتك فقط من مجرد أن تخطو غرفتها، وحرمتها عليك، حذرتك وتجاوزت تحذيري، استحللت حرمة امرأتي، فلا تلومني إن استحللت حرمة دمائك.
كان يتحدث وغضب العالم كله أمام عينيه وعقله يزين له قتل رجل استحل لمس امرأته ومعاملتها بودية مرفوضة، رجل استحل حرمة زوجته واقترب منها بشكل مرفوض له.
كل ذلك وسلمى تراقب بأعين متسعة وجلال لا يفهم ما يحدث وهو يحاول إبعاد وجذب أرسلان بعيدًا عن ولده، لكن أرسلان كان كالصخرة لا يتحرك خطوة واحدة وعيونه تكاد تحرك جسد خالد الذي شعر بالدماء تهرب من جسده وقد شحب وجهه وبدأ يرتجف وهو يبصر نهاية وشيكة.
وكأن والده أحضره هنا خصيصًا فقط كي يموت ميتة مختلفة عما توقع هو.
_ أنت مجنون.
كانت تلك الكلمات الوحيدة التي استطاع خالد نطقها قبل أن يشعر بقطرات دماء قليلة تسير على رقبته في طريقها لثيابه بعدما ضغط أرسلان بسيفه أكثر على رقبته. وخالد بدأ يصرخ بجنون:
_ أنقذوني، ما الذي تفعلونه أنتما؟؟ تتركان هذا المجنون يكاد يقتلني؟؟ أبي ما بك؟؟ سول أنقذيني هذا أنا لود، هل تتركين هذا المتوحش يفعل هذا بي؟؟ أخبريه من أنا، أنا لست غريبًا....
ومن بعد تلك الكلمة وجد لكمة قوية تسقط على وجهه جعلته يخفض نصف جسده العلوي وهو يصرخ صرخة هزت أرجاء المكان. ثم فجأة بدأ يقفز في الغرفة وهو يضم فكه الذي شعر به يتفتت.
_ يا ويلي، عظام فكي المثالي، يا ويلي عظام فكي، يا ويلي يا ويلي، النجدة يا أبي لا أكاد أشعر بوجهي.
رفع أرسلان حاجبه بسخرية شديدة وهو يراقبه يقفز في المكان بشكل مضحك، مضحك لدرجة سلبت ضحكات صاخبة من فم زوجته التي انفجرت بلا مقدمات في الضحك على مظهر خالد.
ولحظات فقط اقتطعها أرسلان بعيدًا عن هذا العالم، لحظات فقط لم تتجاوز الثواني يتأمل بها تلك الكلمة الغريبة على عقله ولسانه "زوجته". يا لها من كلمة كان سيحب أن يتذوق حروفها في مناسبة أخرى لا تتضمن رجلًا غريبًا احتضن زوجته بحميمية. ربما حينما ينتهي من قتله يذهب للشرفة ويرتشف مشروبًا دافئًا ويسجنها جواره يجعلها تكرر تلك الضحكات في وقت يسمح له بتأملها.
ونعم كانت ثوانٍ تحولت دقائق في تأملها، دقائق عم بها صمت طويل إلا من صوت صرخات خالد، وصيحات موزي الذي كان يقفز مع خالد دون فهم ما يحدث مصدرًا أصواتًا عالية مزعجة، وضحكات زوجته وأصوات قلبه الذي بدأ يتأمل صنع الله بها ويردد "سبحان الله".
دقائق قطعها أرسلان ينتفض من تلك الحالة من التنويم المغناطيسي الذي مارسته تلك المشعوذة عليه وهو يبعد عينيه عنها يتذكر ما حدث، ومن ثم تحرك صوب خالد الذي كان ما يزال يتألم، يجذبه من ثيابه بعنف شديد متحركًا به صوب الباب دون كلمة إضافية، وهو يحدد وجهته المرجوة (السجون السفلية).
لكن وقبل تحركه خارج باب الغرفة توقفت أقدامه فجأة وهو يشعر بيد رقيقة تتمسك بمرفقه وصوت سلمى يهتف بلهفة ورعب ملحوظ:
_ إلى أين أرسلان؟!
نظر أرسلان ليدها، ثم عاد بنظراته صوب وجهها يردد بهدوء شديد:
_ للسجن.
اتسعت عيون سلمى بقوة وهي تبصر شحوب وجه خالد الذي كان يتعرض لمرته الأولى في هذه الحياة لمثل تلك الأمور. يحاول الإفلات من بين يد أرسلان:
_ سجن؟! سجن ماذا أيها للمختل أنت؟! أبتعد عني أيها الـ...
توقفت كلماته حين أبصر نظرات أرسلان له، والذي أعاد نظراته لسلمى بهدوء شديد:
_ عودي لغرفتك جلالة الملكة ولا ترهقي عقلك بالأمر.
ولم يكد يتحرك خطوة إضافية حتى تحرك جلال أخيرًا وكأنه استوعب ما يحدث في المكان، يركض صوب أرسلان يهتف برعب جلي:
_ مولاي ولدي لم يقصد تجاوز أوامرك صدقني و...
_ سيد جلال احترمك وأقدرك، وصدقني احترامي لك ازداد حينما علمت أنك أنت من اعتنیت بزوجتي في وحدتها، لكن ولدك لا فدية له عندي، والآن اعذروني.
ومن بعد كلماته تلك ارتفعت صيحة خالد الغاضبة وهو يحاول الإفلات منه:
_ ابتعد عني أيها المتجبر، هل تحسبن تظن نفسك ملكًا تمتلك الجميع هنا؟!
رفع أرسلان حاجبه مبتسمًا بسمة جانبية:
_ نعم أنا كذلك بالفعل يا عزيزي، أنا الملك هنا.
ونعم كانت مجرد جملة مجازية يطلقها أحيانًا حين اختلافه مع أحدهم. تنفس خالد بصوت مرتفع وهو يجذب يده عن كف أرسلان يمسح وجهه بضيق:
_ فقط دعني، ثم ما الذي فعلته لأجل كل هذا؟؟ أنا فقط احتضنتها و....
واللكمة الثانية أصابت أنفه ليشعر بها وقد كسرت، وتناثرت دماؤه في المكان ليطلق هذه المرة صرخة أشد وجعًا وهو يسقط أرضًا ممسكًا بأنفه. ولم يكد أرسلان ينكب عليه منغمسًا في ضربه حتى وجد سلمى تتوقف أمامه بسرعة وهي تمسك ذراعيه تنظر له برعب:
_ هو أخي... أخي... اقسم بالله هو أخي.
نظر لها أرسلان بعدم فهم لثوانٍ قبل أن توضح هي بسرعة وهي تحرك يديها دون شعور صعودًا وهبوطًا على ذراعيه وكأنها تربت عليه:
_ خالد هو أخي بالرضاعة، لقد أرضعتني والدته، هو أخي أرسلان.
وأين أرسلان في هذه اللحظة؟ في نفس ذات الهوة السحيقة التي تبتلعه كلما نطقت اسمه بهذه الطريقة. كبت تأوهًا كاد يخرج منها وهو ينظر ليدها ثوانٍ، ومن ثم لعيونها، قبل أن ينتفض بعيدًا عن تأثيرها بشكل ملحوظ جعلها تنظر له بعدم فهم وهو يردد بدون تفكير:
_ لا...
رمشت دون فهم:
_ لا؟!
هز رأسه لها مبتسمًا يتحرك صوب خالد الذي رفع يديه في الهواء يتحدث بخشونة:
_ أنا أستطيع لعب الفنون القتالية المختلفة و....
وقبل إكمال جملته شعر بجسده يُجذب بواسطة يد أرسلان الذي جذبه خارج المكان يتحدث بكل بساطة وود لجلال:
_ يمكنك الاطمئنان عليها سيد جلال، ومن ثم تتوجه لغرفتك حيث سيرشدك الحارس لترتاح، ليلة سعيدة.
وهكذا ببساطة تحرك مع خالد الذي كان يتمسك بالباب رافضًا الخروج منه يحاول التمسك بحياته التي تتلاشى أمام عينيه بعدما أحكم ذلك الرجل قبضته عليه.
وسلمى تراقبه بصدمة تهتف بعدم إدراك لما يفعله أرسلان:
_ أرسلان ما الذي تفعله؟! ألا يغفر له أنه أخي؟!
توقف أرسلان ثوانٍ، ثم استدار لها يهتف ببسمة صغيرة:
_ نعم يغفر له، ولكنني لم أسامحه بعد على ما فعل، ثم لا تقلقي على نسيبي، يُكرم لأجلك جلالة الملكة.
وهذه كانت آخر كلماته قبل أن يختفي من المكان بأكمله مصطحبًا خالد الذي سار معه مرتعبًا مما يحدث، بينما جلال لم يتحرك خطوة ولم يدرك ما يجب فعله، استدار صوب سلمى يسألها بعدم فهم:
_ ما الذي سيفعله الآن بولدي؟ نعم أتيت به ليتأدب، لكن ليس بهذه السرعة. الصبي لم يستوعب بعد ما يحدث بحياته ليُلقى في النيران دون مقدمات.
هزت سلمى رأسها دون شعور وهي تفكر فيما سيحدث أو سيفعله أرسلان لا تستوعب كل تصرفاته الغريبة عليه تلك، ورغم ذلك ابتسمت دون وعي:
_ لا أدري، لكن لا تقلق. أرسلان أكثر لطفًا من أذية أحدهم، قد يرتكب أكثر الأفعال جنونًا، لكنه يومًا لم يؤذِ بريئًا لا ذنب له.
***
_ أنت ما الذي تفعله؟! أخرجني من هذا السجن، أخرجني من المكان، أيها... أيها المجنون لا تتركني هنا في هذا المكان المريب.
كانت تلك صيحات خالد وهو يحاول استعطاف أرسلان، بينما الأخير وقف يراقبه من خلف القضبان، يردد بهدوء شديد وهو يضم يديه لصدره:
_ ليلة واحدة فقط، ولتحمد ربك أنني اكتفيت بسجنك فقط ولم أطع شياطيني بما كان يدور داخل عقلي.
اتسعت عيون خالد وهو يلتصق بالقضبان يهمس بعدم تصديق:
_ أنت أيها المجنون؟! كل هذا لأنني عانقت سول؟! يا ويلي لقد كنت أحملها أعلى ظهري والعبها في طفولتها واحيانًا كثيرة كانت تنام بين أحضاني و...
وقبل إكمال جملته كان أرسلان يقتحم السجن وهو يطلق صرخة غاضبة:
_ أنا لم أستوعب بعد أنك أخوها، لذا لا تتحدث مثل هذه الأحاديث أمامي حتى يدرك عقلي تلك الحقيقة، ومن ثم أفعل ما تشاء.
ومع نهاية جملته كانت قبضته تهبط على وجه خالد الذي تلقى اللكمة وقد ازداد داخل صدره وابتسم بسمة واسعة:
_ حقًا هل يغضبك معرفتك كم الدلال الذي كنت أغرق به زوجتك؟! تغار عليها من أخيها؟! أنت يا رجل مجنون.
جذب أرسلان ثيابه بين كفيه يصرخ بجنون:
_ لست مجنونًا لأغار من محارم زوجتي، لكنك يا عديم الفهم لا تدرك أنك تتحدث عن امرأتي أمامي بينما ما تزال في عيوني غريبًا، لذا وحتى أدرك هذه الحقيقة، اعفني من سماع تفاصيل علاقتك بزوجتي أمامي إلا بحدود، سمعت؟!
نظر له خالد بعدم فهم ليتركه أرسلان بقوة يسقطه أرضًا:
_ كما أنني حين ضربتك لم أكن أعلم أنك أخوها لذلك تستحق القتل على تلك اللحظات التي كنت أجهل بها هويتك، لكن رأفة بزوجتي التي لا يهون عليّ أن أحزنها على أخيها، وردًا لجميل العم جلال، وعملًا بديني الذي يحرم عليّ قتل نفس بريئة دون ذنب، سأكتفي بسجنك هنا يومين أو ثلاثة أو حتى تخمد نيران صدري، من يدري ربما يكسبك السجن صلابة لا تمتلك الكثير منها، اخشوشن يا رجل.
ومن بعد تلك الكلمات تحرك خارج السجن يغلق الباب خلفه على خالد الذي أخذ يصرخ ويصيح بصوت مرتفع يحاول الاستنجاد بالجميع في الخارج ليخرجوه.
في حين أن أرسلان تحرك في الممرات يرتب خصلات شعره وهو يتنفس بصوت مرتفع يهدأ نيران صدره، يطمئن نفسه أنه ليس غريبًا، كان أخاها، وكم كان هذا مريحًا.
ومن بين أفكاره تجسدت سيدة أفكاره أمامه حقيقة وهي ترتدي ثوب الصلاة الخاص بها تبتسم له بسمة مشرقة رقيقة وكأنها حورية تطوف في أحلامه، تتحدث بهدوء عجيب:
_ ما رأيك بجلسة هادئة داخل الشرفة مولاي؟! احتاج لمعرفة بعض الأمور الضرورية منك رجاءً.
***
بعد ساعات طويلة وحينما بدأ الظلام يشتد كان هو على حدود القصر مع الوليد، والذي أدرك اليوم خصيصًا أنه يمتلك نفوذًا قوية داخل مشكى، فمن ذا الذي يستطيع أن يخترق حدود المملكة ويصل صوب القصر الملكي، بل ويخترقه بكل سهولة مما حدث معه منذ ثوانٍ.
_ يبدو أن لديك الكثير من الرجال هنا يا الوليد، متى حدث كل هذا؟!
ابتسم الوليد بسمة صغيرة فخورة وهو يتحرك مع نزار بخطوات غير محسوسة داخل الحدائق الخلفية لقلعة أرسلان:
_ يوم الهجوم الأخير على مشكى، كان فرصتنا لدس رجالنا في مشكى، وليس فقط مشكى، ففي اليوم ذاته شنينا هجومًا على جميع الممالك وفعلنا الشيء ذاته لديهم، لدينا رجال في كل بلاطة داخل الممالك يا نزار.
همهم نزار بصوت خافت لم يصل للوليد وهو ينظر لظهره حزينًا على ذلك الرجل الذي يضيع عمره وعقله وقوته في السوء والشر:
_ أوه، خسارة تلك العقول في للكفر.
توقف جانبًا مع الوليد وهو ينظر له بتردد:
_ الآن كيف سنصل لها و... كيف سنعرف أين هي من الأساس؟!
نظر له الوليد بجهل:
_ لا أدري، أنا أوصلتك هنا والباقي لك أنت، ولكن أسرع نزار فلا ينقصنا أن يشعر أحدهم بغيابنا في الجحر أو يشعروا بوجودنا هنا، نحن وحدنا ولن نقدر على مواجهة لا هؤلاء ولا هؤلاء.
نظر له نزار ثوانٍ، ثم هز رأسه وهو يتحرك تاركًا إياه في الجزء الخلفي من الحدائق، يتحرك في المكان يحاول البحث عن طرف خيط يوصله لها، لكن لا شيء. الكثير من الحراس يتحركون في كل مكان. نظر يمينًا ويسارًا قبل أن تقع عيونه على مبنى جعله يبتسم بسمة صغيرة وهو يخفي ملامحه باللثام يتحرك بهدوء شديد صوب المبنى الخاص بالحراس يقتحمه بهدوء شديد يندمج بينهم وهو يخفي ملامحه، وغاب دقائق طويلة بالداخل، طويلة حتى كاد يشك الوليد بحدوث مشكلة له وهو يراقبه من بعيد.
ظل يراقب المبنى ولم يخرج منه نزار، وهذا جعل القلق يعلو ملامحه أكثر وأكثر:
_ أين أنت نزار؟! أشعر أنني ندمت لموافقتي إياك على فعل هذا الفعل الجنوني.
في حين أن نزار كان بالفعل يتحرك بالفعل صوب المبنى الذي يعلم أنه يحتوي غرف الضيوف حيث كان يبيت وقت مجيئه مع والده لحضور مناسبة في مشكى، يسير مرتديًا ثوب أحد الجنود يخفي ملامحه خلف لثام أسود، يتحرك في الممرات بحثًا بعيونه عن شيء يرشده لها، وما هي إلا ثوانٍ ولاحت له إحدى العاملات تتحرك بخفة في المكان... نظر لها يوقفها بهدوء:
_ عذرًا آنسة، لقد أخبرني الملك أن أخبرك بإعلام أميرة سبز إن كانت تحتاج... تحتاج لـ... إن كانت تحتاج لتناول بعض الطعام قبل النوم أو لا.
ضيقت المرأة ما بين حاجبيها بعدم فهم، بينما نزار شعر بالغباء يتحكم به، موبخًا نفسه بضيق أن لم يجد حجة أشد غباءً من تلك.
لكن ورغم نظرات السيدة المتعجبة إلا أنها ما كان لها أن تناقش أوامر الملك فتحركت بهدوء في الممر تحت عيون نزار المتلهفة والذي كان يشعر بقلبه يرفرف خلف المرأة ليطمئن عليه قبل عيونه.
وحينما توقفت المرأة أمام الغرفة وطرقت الباب انتظر ثوانٍ وهو تحرك بهدوء صوبها دون شعور يختفي خلف جدار مقابل لباب غرفتها، وعيونه معلقة على الباب ينتظر أن تطل عليه بهيئتها، الأمر كان مرعبًا ومقلقًا، يشتاق لها بهذه السرعة.
تهليلة كادت تخرج من فمه حين أبصرها تطل على العاملة مبتسمة بسمة صغيرة لطيفة كعادتها مع الجميع (عداه)، تتحدث لها بهمس رقيق:
_ تفضلي؟!
_ الملك أرسلان ليطمئن إن كنتِ تحتاجين لتناول الطعام سمو الأميرة!!
ضيقت توبة ما بين حاجبيها بعدم فهم، وقد أرسل لها أرسلان الطعام سابقًا بالفعل، هل نسي أم أنه كان شديد الكرم لهذه الدرجة؟
رغم كل الأسئلة التي تدور في عقلها إلا أنها نفت بلطف:
_ أشكرك من أعماق قلبي، لقد تناولت الطعام بالفعل، اشكري الملك بالنيابة عني رجاءً.
هزت لها العاملة رأسها ببسمة وهي تتحرك بعيدًا عن الباب، بينما هي كادت تغلق الباب لولا خروج نزار من مخبئه بسرعة وهو ينتزع اللثام الخاص به لتتسع عيون توبة وهي تهتف بلوعة:
_ نـــــزار؟!
اتسعت بسمة نزار أكثر وأكثر وهو يهمس لها بعدما انحنى لها نصف انحناءة يهمس لها وهو ينظر لها من أسفل رموشه الكثيفة:
_ سمو الأميرة مساء الخير لكِ...
نظرت توبة حولها ومن ثم تقدمت منه بلهفة لم تشعر بها، ولم تتحكم بها، وأدركها هو ينظر لها ببسمة صغيرة.
_ كيف... كيف؟ نزار هل أنت بخير؟ هل فعل بك أنمار شيئًا؟
_ قلقة عليّ؟!
نظرت له ولعيونه التي تلونت بخبث في قمة البراءة، وقد كان ذلك مزيجًا لاول مرة تبصره، أن يجتمع الشيء وعكسه في نفس العيون وفي الوقت ذاته، كانت تحدق به مصدومة وضربات قلبها أضحت غير مستقرة بشكل مزعج، وهو فقط يبتسم لها بحنان ينتظر أن تقذفه بكلماتها يستعد لصدها بمهارة اكتسبها لطول معرفته بها، لكن الضربة جاءت عكسية تلك المرة ليقف أمامها متسع الأعين مذهول الملامح وهو يسمعها تجيب بنبرة شبه قلقة:
_ بالطبع سأقلق عليك نزار، أنمار ما كان ليتركك حيًا بعدما يكتشف مساعدتك لي.
تزوج وأحب زوجته والله يشهد على المشاعر التي ما يزال يكنها لها حتى هذه اللحظة ولو كان مجرد احترامًا، لكن يومًا لم يشعر بضربات قلبه بهذا الصخب جوار زهور وقد كان حبه لزهور حبًا بريئًا هادئًا رقيقًا بعيدًا عن أي صخب أو ضوضاء، بينما مشاعره الآن التي لا يعلم لها تصنيفًا تصيبه بشلل لحظي حين يبصر منها نظرة لطيفة أو يسمع كلمة رقيقة.
أما عنها فقد كانت تتفقده سريعًا تتأكد أن أنمار لم يصيبه بسوء:
_ أنت بخير صحيح؟!
ابتسم يجيبها وهو يحرك رأسه دون وعي:
_ أصبحت الآن.
تراجعت هي بعد نطقه لتلك الكلمة وكأنه ألقاها بقنبلة تبعد عيونها عنه، وهو فجأة شحب وجهه حين استوعب ما خرج منه دون شعور يتنحنح يحاول أن يزيح حالة التوتر التي انتشرت بينهما:
_ فقط أردت أن أطمئن أن كل شيء بخير هنا..
تحدثت بنبرة شبه متوترة وهي تحاول إبعاد عيونها عنه صوب أي ركن تراقب الطرقات الشبه خالية في مثل هذا الوقت:
_ لا تقلق لن يصيبني سوء هنا.
_ أنا لست قلقًا عليكِ سمو الأميرة أنا قلق على من يحيط بكِ، هؤلاء المساكين سيضطرون للتعامل مع امرأة بمثل لسانك اللاذع ونظراتك النارية.
وعلى ذكر النظرات النارية ها هي تلقيه بواحدة وهي تهتف من أسفل أسنانها بغضب شديد لرؤيته التي أخذها عنها:
_ هل تستمتع حين أسمعك من الكلمات أسوأها يا رجل؟! ما بك أنت؟!
اتسعت بسمة نزار أكثر وأكثر:
_ أستمتع لمعرفة أن روحك لم تنكسر سمو الأميرة، كان عهدًا أخذته على نفسي حين أبصرتك للمرة الأولى في ذلك المكان، لم ولن أسمح للحياة أن تكسر هامتك يومًا، ولو عني ذلك قتلي توبة.
نظرت له توبة متأثرة من كلماته لتنظر أرضًا ثوانٍ تفكير فيما ستقدم عليه، قبل أن ترفع عيونها ببطء له تهتف بصوت متردد وبشدة:
_ ربما لم أخبرك ذلك سابقًا، لكن نزار، وجودك في هذه الفترة في حياتي كان سببًا في خروجي منها بخير، ورغم كل صرخاتي بك ورغم كل ما حدث، إلا أنني لم أكن لأتمنى رفيقًا لهذه الفترة أفضل منك.
سقطت دمعة صغيرة من عيونها وهي تعترف بصوت خافت وبنبرة اخترقت قلبه:
_ لك مني جزيل الشكر والعرفان والامتنان نزار، دينك هذا سيكون في رقبتي ليوم ترحل روحي، لك مني مطلبًا لن يُرد نزار.
ختمت كلماتها وهي تنظر في عيونه ليبتسم لها نزار وهو يرفع اللثام الخاص به على نصف وجهه مجددًا، يخفي ملامحه عدا عينيه وقد بدأت تلتمع بقوة يهمس بصوت حنون:
_ فقط كوني بخير سمو الأميرة، ولنؤجل مطلبي ذلك لحين نلتقي مجددًا... إن كتب الله عمرًا لي سأرى ما يمكنني أن أطلبه منكِ.
كان يتحدث وهو يعود بظهره للخلف يودعها ببساطة وهي فقط تشعر بالرعب من عودته مجددًا لأنمار:
_ ألا يمكنك البقاء هنا؟! نزار لا تعود أرجوك...
وكانت جملتها الأخيرة وهي تترجاه أكبر من قدرته على التحمل لينفي بسرعة وهو يبتلع ريقه يتحرك بعيدًا وبسرعة كبيرة قبل أن ينفذ لها ما تريد:
_ ليس بعد، ليس الآن سمو الأميرة، لم أنتهِ بعد مما أريد، حينما أنتهي سأعود إن شاء الله وربما حينها أكون قد فكرت في مطلبي، استودعك الله سمو الأميرة، حاولي عدم الوقوع في كوارث..
ومن بعد تلك الكلمات اختفى عن أنظار توبة التي مدت يدها بسرعة وقد كانت على وشك إيقافه تشعر بشعور سييء للغاية، شعور بالخواء والوحدة، لكن ما أمسكت كفها سوى بالهواء حولها لتجذبها لصدرها مجددًا وهي تنظر حولها تقاوم ارتجاف جسدها الذي كانت تتمنى لو أنه بسبب برودة الأجواء في هذه اللحظة.
تحركت ببطء صوب الغرفة الخاصة بها ولم تكد تخطو لها حتى وقعت عيونها على النافذة التي تقع في نهاية الممر والتي كانت تطل على الجزء الآخر من المبنى حيث غرف الملك وقادة الجيش، وهناك في الشرفة المقابلة كانت ترى ظل يقف أمام ظل آخر، وفي ثوانٍ وجدت ذلك الظل يتحرك صوب الثاني بسرعة يجذبه لأحضانه بقوة لتبتسم وهي تبعد عيونها ببطء وقد علت مرارة حسرة مقيتة داخل حلقها، ربما لم يكتب لها الله أن تنال حبًا مخلصًا في هذه الحياة، وهي في الحقيقة راضية عن تلك الحقيقة رغم قسوتها، فقط تدعو الله أن يعود لها والدها وستكون أكثر من راضية.
وعند هذه الفكرة اشتد اهتزاز جسدها بوجع وقد بدأت دموعها تنهمر وبشدة تدعو لوالدها بالنجاة، متخذة قرارها بالتحدث مع الملك أرسلان غدًا عن طريقة لإخراجه من ذلك الجحيم.
***
كلماته تبعها صمت طويل من فاطمة والتي كانت دموعها ما تزال عالقة على رموشها، تنظر له بعيون مذهولة تحاول أن تهضم كلماته التي نطق بها منذ ثوانٍ لا تستوعب ما يريد:
_ تريد الزواج بي الآن؟!
اتسعت بسمة المعتصم وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف من الحماس لتلك الفكرة، اللهفة هي كل ما يظهر على وجهه:
_ حلم سأكون ممتنًا لكِ الباقي من عمري إن جعلتيه واقعًا فاطم.
فتحت فمها تحاول التحدث، لكن فجأة أغلقت فمها مجددًا ولم تدري ما يجب قوله، حتى الرد لا تمتلكه، ابتلعت ريقها بهدوء ترفع يدها صوب وجهها وقد بدأ عقلها يتشوش:
_ أنا أريدك جواري يا المعتصم، أنا أشعر بالراحة جوارك.
_ إذن تزوجيني فلا أنا أستطيع البقاء جوارك دون أن يربطني بكِ رابط شرعي، ولا أنا أقبل أن أعصي الله بكِ فاطم، أشفق عليكِ من حمل ذنب لا ذنب لكِ بحمله، سبق أن تجاوزت حدود كثيرة لأجلك ولست فخورًا بذلك، لذا تزوجيني.
نظرت له بتفكير، وهي تشعر بمشاعر كثيرة تموج داخلها مشاعر غير مفهومة، الرجل الذي كانت تضعه في إطار الحامي والمنقذ والرفيق الأحنى عليها من أي شخص، هل تستطيع وضعه في إطار الزوج والحبيب كما كان والديها؟
وعند هذه الفكرة اشتد احمرار وجهها وهي تبعد عيونها عنه، ليشعر المعتصم بقرب فقدانه للأمل، يحاول أن يصبر نفسه بأنها في نهاية المطاف ستكون له، لكن نظراتها تلك تشعره بالقلق.
أما عن فاطمة فعندما وضعته في إطار الحبيب لم يرتجف جسدها رفضًا، بل والله كانت رجفة شوق لا معنى لها ولا تدري متى انبعثت داخل أوردتها.
_ إذن فاطمة؟! هل تقبلين؟!
يدرك أنه يضغط عليها، لكن ضميره كذلك يضغط عليه ويرفض البقاء أكثر جوارها دون أن يربطه بها ما يحلل بقاءه معها.
_ إن لم توافقي، أعدك وعد بروحي أنني لن أترككِ يومًا وحيدة فاطمة، سأكون حولك طوال الوقت أطمئن أن كل حياتك تسير على ما يرام، لكنني لن أكون جوارك.
رفعت فاطمة عيونها له مرتعبة من تلك الفكرة، يكون حولها ولا تبصره، لا تبصر نظراته التي تطمئنها في حياتها، نفت رأسها وهي تهمس بصوت خافت:
_ لكنني أخاف البقاء وحيدة يا المعتصم إن ابتعدت.
ارتسمت بسمة حزينة على فمه وقد شعر بالرفض يلوح له في الأفق، الصغيرة لا تقبله زوجًا، وهو لن يقبل لها أن تُجبر على الزواج منه فقط لأنها تطمئن بوجوده، لن يمنعها شيئًا تطمئن له لأنها ترفضه، لذا تحدث بنبرة حنونة مطمئنة وهو يستعد للنهوض والرحيل:
_ لن تكوني، سأكون حولك طوال الوقت آنستي، إن احتجتي لي ستجدينني حولك أعتني بكل ما يخصك وأطمئن أنكِ لن تحتاجي لشيء.
راقبت فاطمة نهوضه وهي تهمس بصوت ملتاع مرعوب من فكرة اختفائه من حياتها حتى وإن بقي في الظل كما يردد:
_ أنا أحتاجك أنت يا المعتصم، لا أريدك أن تعتني بما يخصني، أريدك أن تعتني بي، لا أريد أن تكون حولي، بل أريدك جواري يا المعتصم، أنا أشعر بالفراغ دونك، أشعر بالضياع في غيابك يا المعتصم، وحينما ألمس طيفك في الأرجاء أركض صوبك منادية فقط لأن نطقي لاسمك يشعرني بالراحة التي افتقدتها في غيابك.
اتسعت عيون المعتصم بقوة من كلماتها وهو يحاول أن يحلل المعاني التي سمعها منذ ثوانٍ، كل تلك الكلمات إن لم تكن حبًا فما هو الحب يا ترى؟ ربما هي تحبه لكن لا تعلم وهو؟ هل يحبها؟ يحب فاطمة الصغيرة أم فقط متعلق بها، والإجابة كانت جلوسه على ركبته أمامها مبتسمًا بسمة حنونة يردد بإصرار:
_ آسف فاطمة، إن كنت أدعي تفهمًا منذ ثوانٍ فقط كي لا أشعرك بشيء، فأنا لا أستطيع أن أدعي المزيد من ذلك التفهم، أنا سأخرج من هنا في هذه اللحظة وسأعود مع الشيخ والملك وبعض الرجال ليشهدوا زواجنا وحينما تكونين بخير نشهر الزواج ومن بعدها أقيم لكِ زفافًا.
ختم حديثه ينهض وهو يمنحها نظرة أخيرة مبتسمة:
_ صدقيني إن كان زواجي منكِ بهذه الطريقة حقارة، فلا بأس أن أكون حقيرًا لمرة واحدة في حياتي إن كانت النتيجة هي أن يتبع اسمي اسمك.
وكانت بسمة هي آخر ما أبصرته فاطمة في هذه اللحظة قبل أن يختفي من المكان بأكمله تاركًا فاطمة تبتسم بعدم تصديق، وقلبها ينتفض بسعادة لم تكن تتخيل أن تحياها، تتنفس بعدم انتظام، ولأول مرة منذ سنوات تضع رأسها على الوسادة خلفها مبتسمة الثغر وليس باكية العينين.
أما عن المعتصم فبمجرد خروجه قابل ألطاف تتحرك في ممرات المشفى تحمل بين يديها بعض الطعام، ليوقفها سريعًا وهو يردد بلهفة وقد تعرف عليها يشعر بها طوق نجاة ينجده من جهله لما مرت به الصغيرة.
_ سيدة ألطاف حمدًا لله أنني أبصرتك قبل الرحيل، احتاجك لتكوني جوار فاطمة الآن تحديدًا أرجوكِ.
نظرت له ألطاف بعدم فهم وتوتر:
_ سيدي...
_ لا حاجة لهذه الألقاب يا خالة رجاءً، أنا ذاهب لإحضار الشيخ ليعقد قرآني على فاطمة لذا احتاجك لتكوني جوارها لكن قبل ذلك احتاج للتحدث معكِ في شيء هام.
كانت المعلومات التي نطق بها دفعة واحدة كثيرة على عقل ألطاف والتي لم تستوعب بعد ما يحدث، لكن فجأة سمعته يسأل بصوت منخفض وعيون جل تركيزها عليها:
_ أخبريني يا خالة ما الذي حدث مع فاطمة بالضبط؟!
***
على حدود مشكى الواقعة بينها وبين سبز:
كانت الخطة التي وضعها أنمار قيد التنفيذ وقد بدأ الجنود ينتشرون على الحدود بشكل مدروس يركزون على اقتحام الحدود، ومن ثم دخول البلاد مستغلين حالة الهرج التي أحدثوها في القصر لتشغل أرسلان عنهم.
ومن بين كل ذلك الهدوء الذي كان منتشرًا في المكان، وصوت الكائنات الليلية هي ما يمكن سماعه في الأجواء المحيطة، أبصر حراس الحدود ظلال سوداء تهجم عليهم من العدم ولم يمنحونهم حتى فرصة استلال السيوف حتى كانت دماء الكثير منهم تسيل أسفل أقدامهم، ليبتسم قائد رجال أنمار والذي كان نفسه "زهير" ينظر حوله بهدوء يمسح الدماء عن سيفه ببرود شديد:
_ أحسنتم يا رجال، والآن دعونا نتحرك لنكمل ما جئنا لأجله.
في نفس اللحظة كانت القوات الإضافية والتي أرسلها المعتصم على وشك الوصول للحدود.
كانت حدود مشكى في هذه اللحظة أقرب لساحة حرب وشيكة، وكأن تربتها تتجهز لامتصاص الكثير من الدماء.
تحرك زهير مع رجاله بهدوء شديد مبتعدين عن منطقة الحدود بخطوات، لكن ما كادوا يخطون خطوة واحدة داخل حدود مشكى حتى أبصروا جيشًا ضخمًا أمامهم يقطع طريقهم ويسد عنهم مشهد العاصمة التي كانت تلوح في الأفق بأضوائها الكثيفة ومصابيحها الزيتية.
ثوانٍ فقط، ثوانٍ أخذها زهير يستوعب ما يحدث حوله وكيف اكتشفوا الأمر بهذه السرعة، حتى وجد جثة أحد الرجال تسقط جواره.
اتسعت بسمة قائد جيش مشكى وهو يخرج سيفه من غمده، بعدما أصاب سهمه الرجل، يتنهد بصوت مرتفع ثم مسح الدماء عن سيفه بنفس الطريقة التي كان يفعلها زهير، لكن مع ملامح ممزجة يهتف بهدوء شديد وهو ينظر لعيون زهير:
_ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، أجهزوا عليهم يا رجال......
ومن بعد تلك الكلمات حدث التحام بين الجيشين بشكل مرعب وكأن الجحيم فتح أبوابه على الجميع، فصعد أحد رجال مشكى على حصانه يتحرك به بسرعة مرعبة صوب القصر ليخبر الملك أن تخمينه صدق والحدود تُدك.
***
في اللحظة ذاتها وحينما كان أنمار يشاهد من نافذة قصر سبز الجيوش الخاصة بأتباعه تُضخ صوب مشكى لأحكام السيطرة على الحدود، معهم من خان من رجال أصلان والذي قادهم بنفسه في تلك المعركة يتحرك على رأسهم بملامح واجمة.
لحظات من السعادة يحياها أنمار وهو يرى خطته تتحقق وهذه أولى خطواتها.
وما هي إلا ستون دقيقة منذ خرجت جيوشه صوب مشكى حتى أبصر زحفًا نحو قصر سبز، اعتدل في وقفته بعدم فهم، وهو يدير عيونه على تلك الجيوش التي تُضخ صوب قصر سبز، جيوش تحمل أعلام آبى السوداء والتي يزينها سيف أحمر.
فعلها المختل آزار، فعلها وجاء ليحتل سبز.
شعر أنمار بأطرافه تتجمد في تلك اللحظة وهو يبصر الجيوش تقترب أكثر وأكثر ولم يستطع أن يحرك حتى إصبع واحد، يبصر الزحف الكثيف ويبدو أن آزار حشد كل من يمكنه رفع سيف في مملكته لأجل هذه المهمة.
تراجع للخلف ببطء وعيونه ما زالت معلقة على النافذة وفي ثوانٍ، كان يركض كالمجنون بين الطرقات وهو يصرخ في أحد الجنود بصوت مرعب ويده ترتجف دون وعي:
_ تحرك بسرعة وأخبر أصلان أن يعود بالجيش، أخبره أن يعود بهم صوب الجحر لا تدعهم يعودون لهنا.
وهذا ربما كان أذكى ما فكر به أنمار في هذه اللحظة. جيش منظم مُدرب كجيش أبى وبهذا العدد لن يهزمه بعض الجنود المرتزقة من جنوده وقد سجن هو الأقوياء منهم لرفضهم التعاون معه، كفته ستكون الخاسرة بعدما ضخ أغلبية جنوده لمشكى، لذا لن يعيدهم لسبز وقد سقطت في يد آزار بالفعل، لذا لينجو بما استطاع من رجاله ويقسم أنه وإن فشل ما يرنو إليه فلن ينجح لهم حلمًا أو يدعهم يهنئون بحياة.
ومن بعد أوامره لذلك الجندي بعودة الجيوش صوب الجحر، أمر البعض منهم بالانسحاب صوب الجحر والهروب هناك، وكان هو على رأسهم، إذ صعد لحصانه يتحرك به بسرعة مخيفة من البوابة الخلفية لسبز وهو ينظر لقصر سبز يبتعد شيئًا فشيئًا، منذ ثوانٍ كان يقف به يراقب حلمه يتحقق، والآن يتركه خلفه.
اشتدت عيونه سوادًا:
_ لا بأس لا أريد حكمًا، لكن أقسم أنني لن أدع لكم من ذرية على هذه الأرض ولن يهنأ لي بالٍ إلا بفناء سلالتكم.
وهناك في الجزء الأمامي لسبز كان آزار يقود جيوشًا بملامح مرعبة تخفي خوذته جزء كبير منها وهو يهتف بصوت مرتفع يبصر مقاومة ضعيفة من الرجال أمامه:
_ حذرتكم وتجاهلتم تحذيري، أخبرتكم لا تعبثوا معي ولا تغرنكم خصلاتي البيضاء فهي ليست نتاج الحكمة كما تعتقدون.
ختم حديثه مبتسمًا وهو يقتحم قلعة سبز بعنف صارخًا بالجميع:
_ الأن أعلن سبــــــز تحــــــت حــــــكم آبــــــــى رســــــميًا.
ومن بعد تلك الكلمات أسقط رجاله المتبقي من رجال أنمار تحت عيون آزار والذي كان يراقب مبتسمًا بسمة واسعة قبل أن يبصر قائد جيوشه يتحرك نحوه:
_ سيدي لقد هرب أنمار...
_ لا بأس يا بني ساعته لم تأتِ بعد، لن ينال شرف الموت كالرجال في ساحات الحرب، بل ستكون موتته مذلة، انشر الجنود في ربوع سبز، نظف لي سبز من قذارتهم، واعد جنود المقاومة لحكمهم.
هز القائد رأسه باحترام، أما عن آزار فهبط عن حصانه يتحرك بهدوء يرتدي ثوب الحروب ودرعه، خطواته كانت قوية وهو يتحرك ببطء داخل القصر يبصر بعينيه جنوده يحكمون السيطرة على سبز، حتى وصل لقاعة العرش يبصر العرش بعيون غامضة قبل أن يتحدث بهدوء:
_ نظف ذلك العرش من بقايا قاذورات ذلك القذر ولا يمسنه أحد حتى يعود الملك بارق.
ومن بعد تلك الكلمات تحرك بقوة في الممرات حتى وصل صوب غرفة بارق يغلق الباب بهدوء خلفه يترك سيفه أرضًا، ثم اقترب من الفراش بهدوء يهتف بنبرة حزينة:
_ والله لولا ما حدث ما تجرأت ودخلت بلادك مدخل المعتدي يا أخي، لكنها حقوق أعيدها لك بارق، سامحني إن روعت شعبك، لكنني والله يشهد ما دخلتها لشر، طفح كيل شعبك وما هان عليّ رؤيتهم يعانون، وحينما حانت الفرصة يا أخي تدخلت، سبز ستكون تحت حكمي لحين تعود أنت وتتسلمها مني، نعم لن تكون بمثل الرغد الذي كانوا يحيونه في عهدك، لكن سيكون أفضل من جحيم الوسخ زوج ابنتك.
ختم حديثه يميل بنصف جسده العلوي يطبع قبلة على رأس بارق يتلمس خصلاته بخوف شديد ألا يستيقظ وقد طالت غيبوبته:
_ فقط عد لنا وتسلم بلادك يا أخي.....
***
_ فاطمة حينما اشتعل الحريق بمنزلها كانت بالخارج وكان والدها ذاهبًا للمسجد مع أخيها، وحينما عادوا وتجمعوا لأجل الطعام كانت هي تحضر بعض الأغراض للمنزل ولأن المنزل كان يجاور المسجد فقد اشتعل معه هو ومنازل أخرى، تسبب الحريق بمقتل جميع أفراد عائلتها بالكامل وهي أبصرتهم يصرخون ويستنجدون، وقتها لم تؤتِ حركة واحدة ولم تتحرك خطوة فقط ظلت واقفة بأعين متسعة مرتعبة وجسد متخشب وملامح شاحبة، وحينما استطعنا وبصعوبة السيطرة على النيران كان... كان الجميع قد مات بالفعل. أخرجنا جثة والدها وشقيقها متفحمين لتنظر لهما فاطمة دون ردة فعل، وحينما علمت أننا لم نعثر على جثة والدتها كانت أول مرة تبتسم وتتحدث بسعادة لا تليق بما يحدث وهي تخبرنا "إذن هي ما تزال حية". لذلك حتى هذه اللحظة لم تقتنع بعد بموت والدتها فهي لم تبصر جثتها، مقتنعة أنها ما تزال داخل المطبخ تطهو لها الطعام ووالدها في المسجد مع أحمد، لا تزال حياتها واقفة عند تلك النقطة من عمرها.
كانت كلمات وكلمات كثيرة تتكرر داخل المعتصم وهو يقف في منتصف الغرفة مع الجميع والشيخ الذي كان يخطب لأجل زواجه من فاطمة بحضور أرسلان وسلمى التي جاءت وسحبت فاطمة من المكان بأكمله دون الإفصاح عن سبب.
فقط يسمع كلمات الشيخ والتي تداخلت في هذه اللحظة مع كلمات السيدة ألطاف وهي تصف له ما عاشته فاطمة.
تنفس بصعوبة وهو يحرك عيونه في المكان يبحث عن فاطمة، كان في هذه اللحظة في أشد الحاجة لمساعدتها يتمنى أن تأتي فيضمها ويجعلها تبكي بكاءً بخلت به على قلبها ذلك اليوم.
شعر بيد أرسلان تضغط على كتفه وصوت الأخير يهمس له بسعادة:
_ ما بك يا المعتصم هل أنت بخير؟ أراك وقد غرت من زواجي وأردت اللحاق بي، العقبى لزيان.
ختم حديثه ينظر صوب زيان الذي رفع حاجبه بضيق ورفض لتلك الفكرة بالكامل.
وهناك المعتصم كان يسمع صوت الشيخ وهو يوجه له حديثًا غير مشعور، قبل أن يشعر بضغط أرسلان يزداد على كتفه بقلق:
_ المعتصم ما بك؟! الشيخ يسألك؟!
رفع المعتصم عيونه صوب الشيخ والذي كان جلال جواره وكيلًا للعروس بعدما تطوع بكل طيب خاطر ليكون، حاول المعتصم أن يسحب جسده من تلك الهوة التي سُحب لها يهمس بصوت بالكاد وصل للجميع في المكان:
_ نعم، أقبل.
ابتسم له الشيخ وهو يرفع بعض الأوراق والتي كانت تسجل بها عقود الزواج ويحفظ بها بغرفة العائلات والعلاقات الخاصة به، والتي تحفظ للمواليد والأزواج حقوقهم في الممالك، نظام وضعه أرسلان حينما تولى الحكم بعد والده.
نهض أرسلان مع زيان بهدوء متحركين صوب الغرفة الخاصة بسلمى والتي أصرت أن تحضر بها فاطمة للزفاف.
توقف أمام الغرفة، ثم رفع يده يطرق طرقة واحدة يهتف بصوت شبه هادئ:
_ جلالة الملكة...
ثوانٍ مرت قبل أن يسمع صوت الباب يُفتح ومن ثم أطلت سلمى باسمة الثغر مشرقة الملامح وقد ارتدت فستانًا بلون السماء به زهور صغيرة وهناك حجاب بنفس اللون يزين خصلات شعرها ليشعر أرسلان بصدمة كبيرة متأملًا إياها دون أن يستطيع إزاحة عينيه عنها يهمس دون وعي:
_ تبارك الله أحسن الخالقين......
اتسعت عيون سلمى بخجل وهي ترفع عيونها صوب زيان الذي كان يضع بينه وبينهم مسافة يترك لهم مساحة التحدث يرتكن لجانب الباب بعيدًا.
عادت سلمى مجددًا بعيونها صوب أرسلان الذي لم يفق بعد من حالته ولم يهتم بأن يفعل حتى، بل فقط مال برأسه لها ميلة صغيرة، ثم رفع عينيه لها لتبصر لمعة تعلو نظراته وبسمة حنونة وهو يتحدث بنبرة أجشة:
_ السلام عليكِ جلالة الملكة.
اشتد خجل سلمى وهي تمسك أطراف ثوبها بتوتر وانامل مرتجفة، تحاول أن تصدر ردة فعل راقية له ردًا على حركته تلك والتي أخجلتها وبشدة. أمسكت طرف الثوب ولم تكد تميل للاسفل، حتى وجدت أرسلان يستقيم يمسك يدها بحنان:
_ لا تفعلي رجاءً...
نظرت له بعدم فهم أوليس هذا ما تفعله الأميرات هنا، ولم يوضح لها أرسلان ما يحدث وقد كانت عيونه تشي بالكثير من المشاعر التي لم يخرجها بعد للنور وكلما عادت له مشاهد ولحظات الشرفة منذ ساعة تقريبًا ارتجف جسده رجفة مشاعر قوية، تلك اللحظات كانت نعيمًا وسط جحيم أيامه.
ابتسم لها بحنان:
_ هل الآنسة فاطمة جاهزة لتدلي موافقتها على الزواج؟!
هزت لها سلمى رأسها بهدوء وهي تتنحى عن الباب ليتحرك أرسلان مع زيان للداخل يبصرون فاطمة التي كانت ترتدي فستانًا أبيضًا وحجابًا من نفس اللون وغطاء وجه أبيض تخفي خلفه ملامح وجهها المزين ببعض أدوات سلمى، ثوب منحها هيئة ملائكية كانت ستفعل الأعاجيب بالمعتصم إن أبصرها بها.
دخل كلٌ من أرسلان وزيان مخفضي الرؤوس وبدأ أرسلان يتحدث بصوت منخفض:
_ آنسة فاطمة جئنا نأخذ موافقتك للزواج بالمعتصم، فهل أنتِ موافقة؟!
رفعت فاطمة عيونها بتردد صوب الصوت وقد بدأ التوتر يعلو ملامحها تهتف بصوت منخفض لم يصل سوى لسلمى التي كانت قريبة منها جدًا:
_ أين أمي؟ لماذا ليست هنا معي؟
تحركت لها سلمى تضمها بحنان وهي تهتف بكلمات منخفضة مهدئة وكأنها تخدر عقلها الباطن:
_ هييه فاطمة عزيزتي هذا الملك جاء يعلم إن كنتِ توافقين بالقائد المعتصم زوجًا أو لا، هل أنتِ موافقة لمشاركة المعتصم حياته القادمة فاطمة؟!
رفعت فاطمة عيونها صوب سلمى بتوتر:
_ أمي، وأبي وأحمد، لا أحد هنا؟!
_ أنا هنا وكذلك المعتصم عزيزتي ينتظرك في الخارج، أخبريني فاطمة أنتِ لا تريدين الزواج بالمعتصم؟! ألم نتحدث بالأمر سابقًا وأخبرتيني أنكِ تريدين المعتصم؟!
خجلت فاطمة تهز رأسها هزات صغيرة لتبتسم لها سلمى وهي ترفع عيونها لأرسلان الذي كان يتابعها باهتمام شديد، ولم تبعد عيونها عنه إلا حينما سمعت همسة فاطمة:
_ نعم أريد.
اتسعت بسمتها تربت عليها بحنان:
_ إذًا اسمعي الجميع أنكِ توافقين فاطمة.
رفعت فاطمة عيونها بتردد، ثم هزت رأسها تهمس بصوت خافت وبشدة:
_ أوافق.
ومن بعد كلماتها هز لهم أرسلان رأسه مودعًا مع زيان الذي بارك لها بهدوء وهو يتحرك مع الملك للخارج.
خرجوا تاركين سلمى تضم لها فاطمة بحنان شديد وحب لصدرها وهي تتحدث معها كلمات كثيرة تحاول بها شغل عقلها عن كل أفكار سوداوية قد تراودها في هذه اللحظة، وبعد دقائق طويلة سمعت طرقًا على الباب يتبعه صوت أرسلان:
_ جلالة الملكة، المعتصم يود مقابلة فاطمة.
أبعدت سلمى فاطمة عنها وقد أخذت تعيد ترتيب زينتها، ثم انخفضت الغطاء مرة أخرى، تنظر لها بفرحة ناصحة بصوت خافت:
_ اسمعي فاطمة الآن أصبح المعتصم زوجكِ حبيبتي، فلا تخجلي منه أو تضعي بينكما أسوارًا، تصرفي على راحتك معه.
كانت تنصحها بكلمات بسيطة جعلت فاطمة تنظر لها وهي تتنفس بصوت مرتفع ولم تكد تتحدث بكلمة تخبر بها سلمى أنها غير مستعدة في هذه اللحظة، حتى وجدت الأخيرة تتحرك صوب الباب تفتحه بسرعة وبسمة واسعة:
_ مساء الخير، فاطمة في الداخل تنتظرك، ومبارك الزواج.
كانت جملة سريعة رددتها وهي تتحرك بعيدًا عن الباب سامحة للمعتصم بالمرور، وهي خرجت من غرفتها تنظر لأرسلان الذي مد يده لها يهتف بحنان:
_ هل نكمل حديثنا السابق؟!
نظرت ليده تستعيد ذكريات قريبة جعلت جسدها يرتجف وهي تشعر بدفء أحضانه ما يزال مستقرًا بين أحضانها، مدت يدها تضعها بين يديه ولم يكد يتحرك بها خطوة حتى سمع أرسلان صوت أحد الجنود يهرول صوبهم وهو يصرخ بصوت هلع:
_ مولاي الحدود تُدك والاعداء على وشك اقتحام مشكى.........
***
_ كرامتك كمسلم تتحدد بدورك في هذا المجتمع الذي تحيا به، فلا يمكنك أن تكون ذا كرامة وأنت تدرك أن أخاك يتعرض لهجوم على بعد كيلومترات من هنا، ولم تحرك ساكنًا، سيكون عارً تحمله وتورثه لأبناك إن فعلت، فماذا أنتم فاعلون يا رجال؟!
ختم سالار كلماته في الجيش وهو يراقب بعينيه الجميع يتأهبون بعيون تقدح شرارًا قبل أن تنطلق صيحات من أفواههم:
_ نحن معك يا قائد.
في هذه اللحظة كان إيفان يتحرك صوبهم وهو يدس سيفه داخل الغمد ينطق بصوت مرتفع يلقي بتعليماته على الجيش:
_ النصف الأول سيتحرك معي صوب سبز لدعم جيوش الملك آزار والنصف الآخر سيتحرك مع القائد سالار صوب مشكى لتأمينها ومنع أي متسلل من الدخول، ننتهي ونعود لبلادنا مرفوعي الرؤوس إن شاء الله، فإما أن نعود محملين بالنصر أو بالاكفان.
ختم حديثه وهو يشير بعينيه صوب سالار الذي رفع يده يشير صوب الجبهة التي يتوسطها دانيار يحركها معه، والجبهة الثانية تحركت وتحفزت لتسير مع إيفان صوب سبز وقد كانت تبعد عنهم أكثر مما تبعد مشكى.
نظر إيفان خلفه صوب النافذة وهو يبصر كهرمان تتوسط النافذة بعيون قلقة مرتعبة وكلماتها ترن في أذنه: "أخي يا إيفان، احمه من نفسه قبل أعدائه، أخشى أن يترك نفسه لهذه الحياة ولا يناله سوى الوجع، احمه من شياطينه أرجوك".
سقطت دموعها وهي تقترب منه تتمسك بثوبه تهمس بصوت موجوع: "أخي لا يستحق أن يعيش حياة لا تتضمن سوى صراعات، أنقذه من نفسه أرجوك".
هز إيفان رأسه بهدوء لكهرمان التي كانت تقف في النافذة، ثم رفع يده يشير للجيش وهو يصعد بسرعة كبيرة فوق صهوة خيله:
_ شدوا الرحال صوب سبز يا رجال.
كل ذلك كانت تراقبه هي من النافذة تجاورها كالعادة زمرد وبرلنت وليلا وبالطبع تبارك التي كانت تودع سالار بعينيها تدعو الله أن يعود لها سالمًا.
ضمتها زمرد وهي تهتف بصوت هادئ:
_ ليست المرة الأولى التي تتعرض البلاد لنكسات كهرمان، فلا تخافي على أخيكِ، ذلك الرجل متجبر، يمكنك الخوف على من يقف في طريقه، ثم زوج تبارك متجبر آخر وسيساعده، قسمًا بالله أنني أشفق على من وقع في طريقه.
سقطت دمعة كهرمان وهي تهتف بخوف:
_ أخي وإن كان صخرة كما يعتقد الجميع، فكثرة الطرق على الصخرة يفتتها زمرد، أخشى أن يصبح مجرد آلة قتل لا مشاعر له، أخشى أن تميل عليه الحياة بكل ثقلها.
_ لكن... سلمى هناك وستكون جواره أعتقد أن وجودها سيخفف الكثير عنه، وهو سيتزوجها حسب ما قيل آخر زيارة لنا هناك صحيح؟!
نظرت كهرمان ثوب تبارك تهمس بتمني:
_ أتمنى تبارك، أتمنى.....
***
الجحيم على حدود مشكى والموت قاب قوسين أو أدنى من شعب ذاق الويل على كل لون، وكلما ظن أنه حاز أمنًا وجد الحرب تدق أجراسها جوار أذنه.
كان تيم يقود جيوش أرسلان وهو يحاول منعهم من دخول البلاد، لكن أعدادهم الكبيرة وتمرسهم الواضح عكس المنبوذين كان يرجح كفتهم، وما كان جيش أرسلان يفوقهم في هذه اللحظة سوى بشيء واحد فقط "الإيمان في القلوب".
كان جسد تيم ملئ بالجروح يبصر الجنود يتساقطون من حوله واحدًا تلو الآخر والهزيمة تلوح لهم، لكنه لم يترك سيفه ولم يرضخ للاستسلام، فوالله إن قدر لهم الموت فسيموتون رجالًا في ساحة الحرب وما أشرفها من ميتة يسعى لها كل مسلم. رفع سيفه وهو يحارب بكل ذرة قوة متبقية داخل صدره يمني نفسه بنصر قريبًا وما ذلك على الله بعزيز. (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
استمرت المعركة ساعتين إضافيتين، والجميع يتساقط حول تيم الذي بدأ يفقد قوته ويفقد رجاله، وحينما ظن أن الخسارة وشيكة، أمده الله بالعون على هيئة جيش يقوده أرسلان بمظهر مرعب وقد اشتعل صدر الأخير يبصر رجاله ملقيين أرضًا مقتولين بطرق بشعة.
عيونه تدور على الأجساد ببطء قبل أن تتوقف على أجساد رجال أنمار وشعر أن ذلك اليوم يُعاد مرة ثانية، نفس الجثث المقطعة والمتناثرة في الأرجاء، ذلك اليوم ومهما هرب منه سيعود له على هيئة أيام مماثلة.
أخرج سيفه من الغمد بهدوء وقد كان سيفه الجديد يتميز بحدته وضخامته مقارنة بحجم السيوف العادية:
_ لا تذروا منهم فردًا واحدًا.
وقد كانت كلماته تلك إشارة لينطلق الرجال معه يؤازرون من نجا من باقي الجيش الأول يقوده أرسلان والذي هبط عن حصانه يسير بينهم بملامح مرعبة يقتل كل من يراقبه وقد كان في أغلبية معاركه يتعمد الإصابة فقط ليترك ناجين منهم قد يجبرهم على الاعتراف بكل ما يعلمونه، لكن الآن شياطينه كانت حاضرة وبقوة ولم يستطع لجمها وهو يضربهم ضربات قاتلة لا ينهضون بعدها.
ظل يقتل فيهم حتى وصل أمام زهير والذي كان يقتل من رجاله من يستطيع وحينما أبصر اقتراب أرسلان منه شعر فجأة بشعور خانق يصيبه وقد بدأت ضربات صدره تزداد دون شعور، قذف الله الرعب في صدره وهو يبصر السواد يعلو نظرات أرسلان، الموت يلوح في عينيه، جسده الذي كان يحمل لطخات دماء رجاله كان وكأنه ازداد ضخامة.
رفع سيفه يتحضر لتلقي أولى ضربات أرسلان ويصدها، وارسلان حينما توقف أمامه لم تصدر منه حركة واحدة فقط يحمل سيفه الذي يقطر دماء نجسة من أجسادهم، يراقب زهير بهدوء شديد جعل الأخير يتراجع خطوات قبل أن يفكر في الهجوم عليه متعبًا "الهجوم خير وسيلة للدفاع".
لكن فشلت وسيلته وفشلت أهدافه، إذ بمجرد أن رفع سيفه ليضرب أرسلان صدّ الأخير ضربته بسرعة كبيرة وقبل أن يشحذ زهير قوته لأجل ضربة ثانية، كانت يده التي تحمل السيف أسفل أقدام أرسلان.
ولشدة ذهوله لم يشعر بالوجع لثوانٍ قبل أن يتراجع بسرعة مخيفة صوب الخلف وقد ساعده الأدرينالين في تخدير أوجاعه بشكل سحري، يتراجع بأعين متسعة مرتعبة يبحث عن سيف آخر لينتشل سيفًا كان يقبع بين أحضان أحد الجثث يحمله بيده المتبقية يحاول بها الهجوم على أرسلان، لكنه لم يستطع التحكم في حركات يده الثانية، لتتسع بسمة أرسلان وهو يهمس من أسفل أسنانه:
_ أرسلك قائدك مضحيًا بك، وجلس هو ينتظر النتائج بفارغ الصبر ها؟! إذن دعنا نمنحه نتائج ستخطف أنفاسه بكل ما للكلمة من معنى.
جاهد زهير لرفع السيف والتحكم به بيده الثانية حتى فشل ليشعر أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت، وأصبح موته قاب قوسين أو أدنى، وأرسلان فقط يراقب الرعب الساكن في عينيه مبتسمًا بسمة مخيفة:
_ نعم هذا هو نفسه الرعب الذي أبصرته في أعين كل من سبقوك قبل أن يواري أجسادهم التراب.
ومن بعد تلك كلماته لم يشعر زهير بشيء سوى بالدماء تنسحب من جسده والوجع ينخر عظامه وهو يشعر بنصل السيف يخترق معدته محتكًا بجزئه المعدني في أعضائه الداخلية حتى خرج من ظهره، ولم يكد يعتاد ذلك الوجع حتى سحب أرسلان سيفه بسرعة كبيرة.
لحظات حتى شخصت أبصاره وتهاوى جسده ببطء واستقرت جثته أسفل أقدام أرسلان الذي رمقه بجمود غريب وهو يدير عيونه بين الجميع قبل أن يعود للقتال مع رجاله وقد بدأت كفتهم يكون لها الغلبة بعدما جاء أرسلان بالدعم الذي قلب موازين الحرب.
انشغل بالقتال ودعم رجاله، وهو يلقي لهم بأوامر أثناء الحرب بصوت جهوري يبصر الأرضية حولهم قد تحولت لبركة دماء مشهد يحب أن يبصره كل يوم لو كانت تلك الدماء دماء من كفروا وأشركوا بالله وأرادوا بالجميع ضررًا، كانت دعوته الدائمة بأن يمنحه الله القوة ليكون خلاصهم على يده، يطهر البلاد من نجاستهم.
وخلال المعركة لم ينتبه أرسلان لمن يضمر له الشر، إذ أخذ يتسحب على أطراف أصابعه وهو ينظر له بشر كبير ويده تقبض على خنجره، وحينما أصبح خلف أرسلان مباشرة رفع يده وبلا مقدمات... كان الخنجر يصنع له طريقًا طويلًا من الوجع على طول ظهر أرسلان الذي استدار بمجرد أن شعر ببرودة النصل على ظهره، وفي ثوانٍ كان سيفه يشق طريقه صوب الرجل مسقطًا إياه أرضًا متجاهلًا الشعور الحارق بالوجع والذي توسط ظهره، يقاوم انهيارًا وشكيًا.
تنفس بعنف وهو يهتف بصوت مرتفع يكبت تأوهًا:
_ انتهوا منهم، لا أريد خنزيرًا واحدًا حيًا.
ولم يكد يفرغ من كلماته حتى وجد تيم يسقط أرضًا بقوة، بعدما اطمئن أن أرسلان تسلم القيادة منه، لتعلو صرخة أحد الجنود وهو يهتف:
_ أُصيب القائد تيم.
***
_ السلام عليكم فاطم.
_ فاطمة.
نظر لها ببسمة لا يستوعب ما تقول لتكمل هي بكل براءة:
_ اسمي فاطمة، وليس فاطم.
اقترب منها خطوات جعلت التوتر يعلو على ملامحها أكثر وهي تفكر بالتراجع، لكنه منع كل محاولة كانت تنوي أخذها، وهو يلتقط كفها بحنان:
_ أيزعجك تدليلي لاسمك؟!
هتفت بتوتر شديد وهي ترفع عيونها له تنظر له ببسمة صغيرة:
_ تدللني؟!
_ أفعل.
_ هذه... أول مرة يدللني أحدهم عدا عائلتي.
_ ولن أسمح أن يُضاف لنا غريبًا في القائمة التي تضم من دَلّلوكِ صغيرتي.
ابتسمت فاطمة تضع يدها على فمها تخفي ببسمة الخجل، لتخطف حركتها دقات قلب المعتصم، يراقبها مبتسمًا دون وعي، يراقب هيئتها التي تسبب في قتله للحظات، وهي فقط نظرت أرضًا تردد بصوت خافت:
_ إذن أنت الآن أصبحت... زوجي.
_ نعم، الآن فقط تحققت أحلامي كلها.
رفعت عيونها وقد لمعت بشكل غريب تهتف ببسمة صغيرة غير مصدقة لما سمعت منذ ثوانٍ:
_ أوتتمثل أحد أحلامك بالزواج مني؟!
_ أكبر أحلامي والوحيد لو تعلمين.
اشتد احمرار خدها وهي تحاول إيجاد كلمة تصف بها ما يدور داخل صدرها، لا تدري تصنيفًا لمشاعرها التي تتمحور حول المعتصم، لكنها تدرك يقينًا أن ذلك الرجل احتل مكانة لم يطأها غيره داخل قلبها.
ومن بين أفكارها الخجلة شعرت فجأة بيده تلمس ذراعيها بهدوء، اتسعت عيونها بعدم فهم ولم تكد تسأله عن سبب لمسها بهذه الطريقة، حتى اتسعت عيونها أكثر وكادت تخرج من محجريهما، وهي تشعر به يجذب جسدها بأكمله لصدره يمنحها من دفء أحضانه دون حتى أن تستوعب حاجتها للأمر.
تنفست بصعوبة وهي تشعر بيده ترتفع لتمسد على رأسها، ولم يرأف لها المعتصم وهو يميل برأسه بهدوء يمنحها قبلة أعلى رأسها هامسًا بحب:
_ مبارك لي دخولك حياتي زوجتي الحبيبة.
حاولت التحدث بكلمة لعلها تكون بها رحيمة وتبعده عنها في هذه اللحظة، لكن لم يكن حتى بمقدورها النطق بخمسة واحدة وكل ما خرج منها زاد الأمر سوءًا:
_ يا المعتصم...
وكانت إجابته همهمة صغيرة يميل برأسه دافنًا إياها بكتفها:
_ نعم؟!
_ سوف يتوقف قلبي.
وكانت جملتها تلك في منتهى العفوية، محاولة وبكل يأس التعبير عما يدور داخل، ليبتسم المعتصم بسمة صغيرة يهمس لها:
_ لا أراني الله بكِ سوءًا فاطم، أنتِ بخير عزيزتي هذه فقط أعراض جانبية لما يحدث الآن، سوف تتلاشى مع العلاج المنتظم.
تحدثت بصوت متقطع:
_ علاج منتظم؟!
_ نعم، عناق صباحًا وآخر مساءً سيساهمان في معالجة تلك الأعراض.
ختم كلماته وهو يهتف بصوت منخفض:
_ إذن أخبريني ما الذي تشعرين به في هذه اللحظة فاطمة؟!
لم تتحدث فاطمة بكلمة واحدة وهي تدفن رأسها بصدره ليبتسم وهو يضمها أكثر يتنفس أخيرًا براحة شديدة، الآن فقط يمكنه النوم مطمئنًا أنه يستطيع أن يسندها إن سقطت، ويضمها إن بكت، الآن يمكنه العيش مع حقيقة أن فاطمة أضحت زوجته، أصبحت زوجته وانتهى الأمر.
***
كان هائمًا على وجهه طوال الطريق يستعيد لقائه بها مبتسمًا دون وعي، جواره الوليد يراقبه بنظرات جانبية، قبل أن يلقي بالقنبلة المدوية تحت مسامع نزار:
_ أتحبها؟!
اتسعت عيون نزار يستدير ببطء صوب الوليد يرمقه باستنكار شديد ينفي ما وصل لعقله:
_ عفوًا ما الذي تتحدث أنت عنه؟!
_ سمو الأميرة، أنت تحبها.
_ لِمَ أشعر أنك لا تطرح سؤالًا بل كان تقريرًا لحقيقة مجردة؟!
_ لأنها هكذا بالفعل، أنت تحب الأميرة توبة وهذا واضح للأعمى.
تشنجت كل ملامح نزار برفض تلك الحقيقة بكل ذرة عقل ووعي داخل عقله:
_ رجاءً لا تهذي يا الوليد، أنا لم أحب سوى زوجتي فقط.
اتسعت بسمة الوليد بخبث شديد يتحدث بهدوء شديد مستفزًا كل ذرة صبر داخل جسد نزار:
_ قلت لم تحب، لكنك لم تنفِ مقدرتك على ذلك في المستقبل، إذن لربما يحدث، أو ربما حدث بالفعل من يدري؟!
_ الوليد، توقف عن...
_ حسنًا حسنًا سأتوقف.
نطق كلماته بهدوء يتلاشى أي تصادم مع نزار والذي كان الآن في مرحلة النكران، لكن لا بأس سينتظره حتى يصل بسلام لمحطة الإدراك ويلقي تلك الحقيقة في وجهه مرة ثانية.
ساعات طويلة مرت حتى بدأ الجحر يلوح للاثنين، ولم يكد نزار يتوقف بالحصان الخاص به بعيدًا كي لا يُكشفا لهم، حتى أبصروا عدد رجال ضخم يظهر أمامهم وصوت صراخ وتحطيم يصدر من المكان وقد كان الجميع مستيقظًا، وكأن الجحيم قد استوطن الجحر، أو هو كذلك بالفعل.
نظر الوليد صوب نزار الذي ضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم:
_ ما الذي يحدث هنا؟!
_ يبدو أن شياطين أنمار بدأت تعلن وجودها وبقوة.
***
تقف داخل الشرفة تتلمس طيفه وهي تضم معطفها لصدرها تنتظر عودته بفارغ الصبر قلقة، تضم كفها موضع يده قبل الرحيل تتذكر همسته لها بصوت خافت جنون لم تعهده منه:
_ لن أتأخر عليكِ، دعي المعتصم يأخذ فرصته بالتحدث مع زوجته، ومن ثم اعلميه أن يتولى تأمين القلعة.
ومن بعد هذه الكلمات فاجأها بقبلة حنونة على جبينها ورحل بخطوات قوية مرعبة تنافى بالكامل ذلك الحنان الذي صدر منه قبل الرحيل.
تنهدت سلمى بصوت مرتفع وهي تسمع صوت موزي خلفها يطلق أصواتًا مزعجة وكأنه يتذمر على البقاء في هذه البرودة، لتنفخ هي بضيق شديد:
_ لم أجبرك على البقاء موزي لذا ارحل ودعني أمارس دوري كزوجة صالحة بهدوء رجاءً.
أصدر أصواتًا أخرى وكأنه يجيبها، لتهز هي رأسها دون اهتمام تراقب بوابة القلعة بلهفة وشوق:
_ فقط احرص على عدم
رواية اسد مشكي الفصل العشرون 20 - بقلم رحمه نبيل
كان يجلس جواره وهو يضم ذراعيه يقي نفسه برد الشتاء. يحدق بالسماء يتنفس نفسًا عميقًا، قبل أن يخرج أنفاسه ببطء مبتسمًا بسمة صغيرة. يحرر ذراعيه، يفردهما في المكان حوله بتأثر من تلك الأجواء الساحرة وذلك الصفاء الذي يحيط بهم. يتمتم تمتمات خافتة:
_ سبحان الله.
وكان هذا زيان الذي يحيا بعالمه منفردًا، محلقًا بعيدًا عن السرب. يقف أمام المعتصم والذي كان يجلس بملامح متغضنة سوداء جامدة. خلفه يضم كفيه مستندًا بهما على قدمه وهو يراقبه بوجوم قابض للنفس. وزيان ما يزال في عالمه يحلق ويتأمل، يشعر بروحه تطوف بخفة غير طبيعية.
وأخيرًا انتهى زيان من تأمله المسائي، يفتح عينيه ببطء مستديرًا صوب المقاعد بنفس بسمته الصافية، قبل أن ينتفض للخلف حين أبصر نظرات وتعابير وجه المعتصم. يهتف بفزع:
_ أوف يا لطيــــــــف.
رفع له المعتصم حاجبه بضيق شديد وقد أسودت ملامحه أكثر وأكثر. حتى بدأ زيان يشعر بالريبة ليتراجع للخلف مرددًا بقلق:
_ والله فانية يا أخي.
رفع المعتصم عينيه بشر له ليكمل زيان:
_ لا يستحق الأمر منك هذا الغضب، هل أنت غاضب لأنك سُحبت من غرفتك يوم عقد قرآنك؟
نظر له المعتصم دون كلمة بوجه جامد. ليتحرك زيان يجلس جواره بهدوء وهو يربت على كتفه مواسيًا:
_ هونها عليك يا معتصم، أنظر للملك لم يكد يعقد قرآنه، حتى وجد نفسه في محاكمة ومن ثم حرب. ولا ينقصه سوى خروج والده من قبره ليعكر عليه المتبقي من عمره.
وفر المعتصم بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه:
_ أُدعى المعتصم، ثم كان من المفترض أن أقود أنا الجيوش وليس الملك، هذا عملي وواجبي أنا.
تشنجت ملامح زيان دون فهم، يحاول أن يدرك ما يقصده المعتصم:
_ أنت حزين لأن الملك لم يرد إفساد عقد قرآنك وإزعاجك وذهب هو للحرب؟
ختم حديثه يبتعد بضع أنشات عن المعتصم وكأنه يخشى أن تمسه عدوى ما. ينظر له من فوق لاسفل دون كلمة. بينما نظر له المعتصم بحاجب مرفوع:
_ أنا قائد الجيوش وهذا واجبي زيان، ألا تستوعب. أشعر أنني أهملت كثيرًا فيما يجب أن أفعل مؤخرًا.
ختم حديثه وهو يمسح وجهه يرفض الاعتراف داخله أنها السبب، وجزء منه يوبخه دون اهتمام أو حتى تردد "وماذا إن كانت السبب؟". والإجابة كانت لا شيء. حقًا لا شيء. حتى وإن كانت فلا شيء يفعله سوى أن يتوضأ ويصلي لله ركعتين قبل النوم حمدًا وشكرًا على ما انتهى به يومه وأخيرًا.
_ أنا أشعر بالغرابة في هذا المكان، أخشى كثيرًا على صحتي النفسية، مرافقتي لك وللملك قد تفسد عقلي، انظر إليك أصبحت تبحث عن القتال والحروب مثل الملك.
نظر له المعتصم بضيق يردد من أسفل أنفاسه الغاضبة:
_ زيان، هل ترى أنني في حال تسمح لي بــ_
عـــــــادت الجيــــــــوش بقيــــــادة المــــــــلك...
وكانت تلك كلمات المنادي التي صدحت في المكان وجعلت جسد المعتصم ينتفض من مكانه بسرعة كبيرة. يتحرك صوب البوابات وهو يهتف بصوت قوي:
_ افتحوا الابواب.
لحق به زيان وهو يقف خلفه يستقبلون الجيوش. زيان يقف متلهفًا لمعالجة المصابين، والمعتصم يقف متوترًا لمقابلة الملك يشعر بالخجل والخزي من تقاعسه، رغم أن أرسلان هو من رفض إخباره بالأمر وتركه ورحل.
فجأة أبصر أرسلان يتحرك داخل المكان بهدوء وخلفه القليل من الرجال بعدما ترك بعضهم على الحدود لحمايتها ريثما يرسل لهم الإمدادات. وبمجرد أن ابصر زيان المصابين حتى أشار للجنود بسرعة:
_ أحضروا المصابين للمشفى بسرعة.
تحرك بسرعة يسبقهم تاركًا المعتصم يراقب أرسلان وملامحه الغير مقروءة. والاخير فقط نظر له نظرة صغيرة يربت على كتفه بهدوء:
_ تولى أمر ارسال إمدادات للحدود يا المعتصم.
وهكذا ببساطة نهى جملته وهو يتحرك صوب القصر بأقدام مرهقة وجسد يصرخ بالوجع. لم يلتفت يمينًا أو يسارًا، بل توجه مباشرة لغرفته دون أن يعطي لعقله حتى حق التفكير في مكانها الآن وما تفعله. ليس الآن، ليس وهو بهذه الحالة أبدًا.
كان يجر أقدامه جرًا صوب غرفته وهو يشعر بروحه تصرخ طلبًا للخلاص. يختنق كانت أقل كلمة قد تعبر عن حالته في هذه اللحظة.
ولم يدرك أرسلان أن ما يهرب منه كان ينتظره من الأساس. فها هي تقف في الشرفة التي كان يفضل هو الوقوف فيها طوال الوقت تبصر بأعين متسعة الدماء تغطيه بالكامل وطريقة سيره توحي بالتعب الشديد.
ولم يخطر بعقلها سوى فكرة واحدة فقط: "أرسلان أُصيب بالحرب؟".
تحركت في ممرات القصر بسرعة تتحرك صوب الطابق الذي يحوي غرفتهما. وهي تقف أمام بوابة جناحه تفكر ثواني قبل أن تنظر للحراس على الباب بهدوء تهتف بصوت شبه منخفض:
_ رجاءً أخبر الملك أنني أطلب إذنًا بالدخول.
ارهف لها الحارس سمعه ثواني بعدم فهم وكأنها تتحدث لغة لا يتحدثها، قبل أن يمد يده ويفتح الباب بهدوء شديد دون حتى أن ينظر لوجهها يردد ببساطة شديدة:
_ أعطى الملك سابقًا أوامره بعدم أخذ الإذن لكِ بالدخول، بل تدخلين دون أي إذن مسبق.
ابتسمت دون شعور وهي تخطو داخل الجناح وقد أثارت تلك الكلمات وتلك الأوامر التي أعطاها أرسلان لهم شعورًا بالسعادة والانتشاء داخل صدرها. ولم تكد تخطو خطوة لغرفته الخاصة حتى أبصرت ما جعل عيونها تتسع بصدمة.
أرسلان ملقى بجسد مدمى على الفراش لا يحرك إصبعًا واحدًا. ظهره بالكامل مزخم بالدماء والتي تكاد تقسم أنها دماؤه هو وليس غيره كما المرات السابقة.
تحركت بخطوات غير محسوسة حتى وصلت جوار فراشه تجلس القرفصاء جوار رأسه تنظر لوجهه الهادئ. رفعت عيونها لجروح ظهره البالغة، كما لو أن أحدهم حاول قتله وفشل في آخر لحظة.
وما لم تدركه هي أن هذا ما حدث بالفعل، وأن أنفاس أرسلان كادت على وشك الانقطاع منذ ساعات قليلة عن هذا العالم لولا رحمة الله به.
اطالت التحديق بملامحه مرتعبة، تتذكر يوم كانت تقرأ بذلك الكتاب قبل مجيئها هنا، تتساءل عن أحوال ذلك الطفل المسكين، وكيف أصبح. انظروا إليها الآن، تجلس أمام ذلك المسكين والذي لحكمة لا يعلمها إلا الله ورحمة بها أصبحت هي زوجة لذلك المسكين.
تألمت لرؤية كل تلك الدماء تغطي ثوبه وملامح وجهه. ورغم ذلك لم تستطع منع كلمات خرجت دون إرادتها:
_ مسكين وسيم.
_ سأدعي أنني لم أسمع كلمتك الأولى واكتفي بالكلمة الثانية والتي كانت حقيقة تأخرتي في إدراكها سيدتي.
ابتسمت سلمى بسمة صغيرة وهي تراه يتكلم معها بأعين مغلقة. لم تفزع ولم تُصدم، فصوت أنفاسه منذ أصبحت قربه كان واضحًا لها.
اقتربت منه دون شعور، تضع رأسها جوار رأسه على نفس الوسادة وما يزال جسدها أرضًا، تنظر في وجهه تهتف بصوت منخفض:
_ لا بأس إن تأخرت مولاي، المهم أنني أدركتها في النهاية، وأنت هل يا ترى اكتشفت كم أنت محظوظ لامتلاكك امرأة مثلي، أم أن إدراكك بطيء مولاي؟
فتح أرسلان عينيه بتعجب من ردها وقُرب صوتها، ليتفاجئ من شدة اقترابها. يتراجع للخلف برأسه بصدمة، يبصر نظراتها الهادئة له. كل ذلك وما زال جسده ملقى على الفراش. ينظر لها بعدم فهم وملامح متشنجة وقد أصابته ردة فعل هذه المرأة بصدمة للمرة التي لا يعلم عددها، متسائلًا متى تتوقف عن ابهاره بردات فعلها؟
وقبل أن يتحرك خطوة واحدة للخلف امسكته هي بسرعة تثبته بنفس الوضعية تتحدث بهدوء وجدية وقد اختفت بسمتها بشكل مريب وكأنها لم تكن:
_ لحظة من فضلك دعني أتفقد جرحك.
رفع لها أرسلان حاجبه وعاد لنفس وضعيته السابقة مذهولًا يحاول أن يتدارك صدمته بما يحدث حوله وقد كانت هذه مرته الأولى التي يتعامل بها بهذا القرب مع امرأة. وسيكذب إن قال أن الأمر لا يروقه.
أما عنها فقد كانت تغرق بموجة خجل تواريها خلف نظراتها الجادة، تحاول التعامل معه بعملية كي لا ترتعش يديها وهي تعالجه. وكم كان الأمر صعبًا.
نظرت حولها تهتف بصوت منخفض:
_ هل هناك أي صندوق إسعافات أولية؟
وارسلان لم يكن يدري من حديثها سوى أنها تحرك شفتيها في كلمات لم تصل له حتى. ابتلع ريقه يرفع عينيه لها:
_ ماذا؟
_ أعشاب أو أي أدوية لمعالجة جروحك؟
_ نعم في الخزانة الصغيرة التي تقبع جوار باب الغرفة في ذلك الركن.
ختم حديثه يشير لأحد الأركان لتحرك هي عيونها صوبها، ثم تحركت تاركة إياه يراقبها بهدوء يعتدل في جلسته يراقبها تتحرك بخطوات متوترة تكاد تتعرقل في كل خطوة لولا تمسكها بالأثاث حولها بيد مرتجفة، ليدرك الضغط الذي تمارسه على نفسها للظهور بهذا الثبات معه.
ارتسمت بسمة صغيرة على فمه:
_ لا ترهقي نفسك سُليمى، حينما ينتهي زيان سأرسل له.
ونعم ها هي "سُليمى" عادت لتبعثر ما سبقت ولملمته هي بصعوبة في الساعات السابقة. تنفست بصوت مرتفع تحاول تخطي الأمر على الأقل الآن.
مدت يدها تخرج الاعشاب تحاول معرفة وظيفة كلٍ منهم ولم تنجح. فحملت كل ما يقابلها وهي تستدير له ترسم الجمود على ملامحها تردد داخل عقلها أن تتعامل معه كأي شخص جريح داوته يومًا في حالات الطوارئ. لذا رفعت عيونها له تتحدث بهدوء ودون قصد منها وبكل عفوية رددت:
_ هيا اخلع ثيابك لو سمحت.
اتسعت عيون أرسلان بصدمة كبيرة. بينما توقفت هي في منتصف الغرفة حينما استوعبت ما قالت تردد بسرعة كبيرة تحاول تبرير ما قالت:
_ اقصد أنني لا يمكنني أن... لا يمكنني التعامل معك وأنت بثيابك بهذا الشكل، لذا... اخلع... ثيا... ثيابك إذا سمحت.
نطقت آخر كلماتها بتقطع وتوتر شديد وقد بدأت تشعر برغبة عارمة في التراجع.
رفع أرسلان حاجبه يحاول ألا يضحك كي لا يزيد من خجلها الذي يكاد يغرقها حتى أذنها. نظراتها الزائغة وفركها لكفها وكل ذلك يثبت أن المرأة تكاد تدفن نفسها خجلة. وهذا كان يعجبه وبشدة. ورغم ذلك ابتسم يقول بخبث:
_ تدركين أن كلماتك لا تزيد الوضع إلا سوءًا صحيح؟
حاولت إبعاد نظرات الاستمتاع عن عيونه لتخرج كلماتها باندفاع غريب لم تكن تمتلكه سابقًا، لكن يبدو أن تأثير وجوده أخرج منها ما لم تعتد إظهاره.
_ بالتأكيد لن أعالجك بثيابك، لا يمكنني رؤية الجروح التي تتوسط ظهرك، ثم أنت لن تكون اول شخص اعالجه لقد فعلتها مرات عديدة سابقًا، وهذه ليست استثناءً...
ونعم أحيانًا يكون تهورك وبكل بساطة أولى خطواتك للهاوية. فبمجرد أن نطقت كلماتها حتى وجدت أرسلان والذي كان منذ ثواني يحيا لحظات انهيار خاصة، يقفز عن الفراش يتحرك صوبها بشكل مرعب جعلها تتراجع مسرعة تلتصق بالباب خلفها وهي تضم لها علب الاعشاب. وهو توقف أمامها متشنجًا:
_ ليست استثناءً؟؟ خسئتِ أنتِ واشباهك الأربعين...
ردد ينفي برأسه وهو يجذب رأسها صوبه وكأنه سيناطحها. بينما هي وجدت جبهتها تلامس جبهته وهو يمسك برأسها من الخلف تشعر أن سيضرب رأسه بخاصتها في أي لحظة ويحطم جمجمتها المسكينة. أما عنه فنظر لها يكمل بنبرة محذرة:
_ لم تخمني سُليمىٰ، فأنا وإن كان بحياتك استثناءً فلن يكون سواي، يحق لي بكِ ما لا يحق لغيري، ولكِ فيّ ما ليس لغيرك، فلا تقارنيني بغيري، كما لا اسمح لأحدهم أن يجاور مكانتك لديّ.
توترت سلمى من كلماته، وهي تشعر بارتجاف جسدها. لم تقصد كل ذلك هي فقط توترت وأخرجت كلمات لا تعنيها. ثم لِمَ على ذلك الرجل أن يكون بمثل تلك اللباقة بالحديث وانتقاء الألفاظ؟ هذا سيصعب عملها ويصعب عليها الرد. أين ذهب ذلك الجلف، وأين كان يخفي كل ذلك؟
وحينما تأكد أن كلماته وصلت لها تركها وحررها على مضض، رغم الصوت الداخلي الذي كان يدعوه لإبقائها بقربه أكثر وقت ممكن:
_ والآن أخبريني بالتحديد كم شخص؟
أجابت دون فهم وهي تشعر أنها ما تزال أسيرة يديه:
_ كم شخص؟
_ منذ ثواني كنتِ ترددين أنني لست أول شخص تعالجينه، أخبريني كم واحد؟
ابتسمت بصعوبة بسبب نظراته:
_ بالطبع لا يمكنني التذكر، أنا طبيبة أتتذكر؟
_ على حد علمي أنكِ لست متخصصة بجراح الجسد سيدتي الطبيبة، أم أنكِ غيرتي تخصصك الآن؟
ختم حديثه وهو يتوقف أمامها مباشرة لتشعر أن المكان أضحى ضيقًا فجأة، تتنفس بصعوبة بسبب قربه:
_ وما الروح إلا جسد شفاف مولاي.
ضحك أرسلان ضحكة لا معنى لها يجذب من بين أناملها الاعشاب والتي تمسكت بها بقوة وكأنها درعًا تحميها منه. ثم ألقى بها جانبًا يجذبها بهدوء من ثيابها صوبه حتى أصبحت على بعد شعرة واحدة منه يهمس بصوت منخفض:
_ هذه الأقوال المأثورة والتي تقبع في نهاية كتب الحكماء، لن تفيدك يا ابنتي حينما يجن جنوني، أخبريني وبهدوء شديد ما الذي عنيتيه بكلماتك، هل رأيتي رجال عراة من قبل؟ كم واحدًا؟
نظرت له ثواني ثم قالت متسائلة:
_ هل تمزح معي؟
_ لا أمزح مع النساء عادة، لكن بما أنكِ اصبحتي زوجتي فلا بأس أن امزح معكِ، لكن حتمًا ليس بهذه الأمور، ولا انصحك كذلك بالمزاح بها، لذا لا، أنا لا أمزح بأي شكل من الأشكال، كم رجل ابصرتي في حياتك هذه؟
ضحكت ضحكة صغيرة وهي تحاول التحرر من بين قبضته، لكنه شددها عليها رافضًا تحريرها قبل الاعتراف يتعامل معها وكأنه يتعامل مع أحد الجواسيس حينما يود انتزاع اعتراف منهم. لكن على الأقل كان يتعامل معها بشكل آدمي أكثر.
أما هي حاولت إبعاد قبضته وحينما فشلت نظرت له ببسمة غير مصدقة:
_ جديًا؟؟ تريد عددًا؟
ضيق أرسلان عيونه بشدة يهتف بنبرة مرعبة:
_ هل الأمر صعب لهذه الدرجة؟
رفعت له سلمى عيونها بهدوء تتنهد بصوت مرتفع وضيق. ثم رفعت كف يدها تعد عليها، ومن ثم رفعت كفها الثانية تكمل العد تحت نظرات أرسلان المتسعة وقد بدأ وجهه يحمر بشدة، حينما انتهت من جميع أصابع يدها، امسكت كفه تكمل عدًا عليها، وهو فقط يحرك عيونها مع أصابعها. وبعد دقائق قليلة توقفت عن العد تقول بجدية:
_ لا أعلم حقًا، الأمر صعب، سيحتاج الأمر للكثير من الأيدي، لِمَ لا تتركني يومين انتهي من الاحصاء بشكل صحيح ومن ثم امنحك أرقامًا تفصيلية؟
اتسعت عيون أرسلان يهتف بصدمة وذهول:
_ أنت وقحة يا امرأة.
ابتسمت له سلمى وهي تهز كتفها دون اهتمام، وهي تستفزه بكل بساطة بمجرد كلمات قليلة. لكن حينما أبصرت احمرار وجهه، شعرت أنها زادت الأمر الأمر لتتنهد بصوت مرتفع تهمس:
_ الكثير أرسلان، الكثير.
نظر لها بعدم فهم فأكملت بهدوء وصدق:
_ تريد الصدق ها؟ إذن الكثير من الرجال، أنا كنت احيا بمجتمع يبيح كل ما تستنكره أنت، لذا دون إرادتي كنت اصطدم بالكثير والكثير من الرجال، لكن أيرضيك معرفة أنني لا أتذكر ملامح رجل واحد منهم في حياتي ولم أهتم بالنظر لهم ولو بشكل عفوي، يومًا لم أطيل النظر بوجه رجل، وعدا وجه أبي وملامحك لا أحفظ أرسلان.
_ يا المعتصم.
اتسعت بسمته وهو يغلق عينيه بهدوء يتمتع بهدوء المساء حوله حينما استقرت الأمور من حوله واطمئن على الجنود وأرسل الدعم للحدود. والآن وبمجرد أن جلس سرعان ما استدعى عقله صوتها له.
_ آهٍ من المعتصم وما تفعلينه به فاطمة.
_ وماذا افعل أنا؟ للتو جئت.
ضيق المعتصم ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يحرك رأسه للجانب بعدما فتح عينيه يبصرها جالسة جواره مبتسمة بسمة واسعة تحمل بين أحضانها قطته أو قطتها التي منحتها له سابقًا. رفع عينيه عن القطة ينظر لوجهها بعدم فهم ولا يصدق أنها تجلس أمامه بالفعل. يمد إصبعًا يغرزه بذراعها وهي حركت عيونها لاصبعه بعدم فهم:
_ ماذا تفعل يا المعتصم؟
_ أنتِ حقيقة؟
ابتسمت له بسمة صغيرة صافية جعلته يبتسم دون وعي تميل برأسها في هدوء تهمس بصوت رقيق هامس:
_ هل تظنني شبحًا؟
_ الاشباح وصف لا أحب أن يصفك، ربما طيف جميل يمنحك قدرك أكثر.
وضعت فاطمة يدها أمام فمها تضحك ضحكة صغيرة، ثم نظرت صوب القطة تحاول أن تشغل نفسها بها عما يحدث حولها. وهو يراقبها بانبهار، كل مرة نفس الانبهار، كل لحظة يقع في حبها وكأنها المرة الأولى.
ابتسم لها بحب ثم قال دون شعور:
_ أخبرك شيئًا؟
نظرت له بهدوء ولهفة ظاهرة ليميل هو برأسه حتى أصبح أمام رأسها يردد بصوت منخفض:
_ لم اعتقد يومًا أن الفتاة التي كانت تقفز لي بكل مكان اخطوه وتناديني بأعلى صوت تمتلكه دون اهتمام بأي حدود او أي قيود، تحطم كل اسواري الواهية التي أحطت بها قلبي، ستكون زوجتي ذات يوم.
رفعت عيونها بعد ثواني من الصمت تهمس بصوت منخفض وهي تقترب منه قليلًا تخفض صوتها أكثر وأكثر وكأنها تخشى أن يسمعها أحدهم وقد ارتسمت بسمة صغيرة حزينة أعلى فمها:
_ أخبرك سرًا؟
نظر لها بلهفة لتهتف بصوت منخفض وبسمة مهتزة وكأنها تخشى الاعتراف بتلك الكلمات، وكأنها تخشى تعرية اسوء مخاوفها وأكثر كوابيسها رعبًا لها.
تهمس دون وعي بدموعها التي هبطت منها رغم بسمتها الصغيرة التي تزين ثغرها:
_ كنت أفعل هذا فقط لاطمئن أنك معي، كلما أبصرتك ركضت لك اناديك وانا ادعو داخل صدري ألا تتلاشى وتتبخر، أو تتركني وترحل بعيدًا كما يفعل أبي وأحمد معي بأحلامي، كنت اركض لك واتحدث معك فقط لاثبت لنفسي أنك هنا، أن هناك في هذه الحياة شخصًا يُدعى المعتصم.
هتفت بصوت خافت موجوع:
_ خفت أن تكون سرابًا كالجميع يا المعتصم.
كانت ترتجف وهي تنطق تلك الكلمات وكأنها تخشى أن تتحقق إن نطقتها بصوت مرتفع. والمعتصم نظر حوله ثواني قبل أن يعود لها يهمس بصوت منخفض لطيف:
_ تريدين مني أن أقرأ لك بعض الآيات قبل النوم؟
اتسعت عيونها بعدم فهم لحظي قبل أن يهمس هو بصوت منخفض:
_ أشعر أنكِ مرهقة، لذا يمكنني مرافقتك لغرفتك وتلاوة بعض الآيات جوارك حتى تنامين، ربما لا امتلك صوتًا شجيًا في قراءة القرآن، لكنني اتقنه مجودًا.
يتحدث ويتحدث دون أن يتوقف وكأنه لا يريد أن يعطي لعقلها أي فرصة للشرود بعيدًا عنه. يتذكر كلمات ألطاف له وقت انهيارها حين سألها عمن كان يعتني بها، لتخبره أنها كانت هي من تفعل أحيانًا إن عادت من العمل مبكرًا تعد لها الطعام وتضعه في المنزل وأحيانًا تستقبلها بعد العمل، لتستيقظ فاطمة في اليوم التالي وتخبر ألطاف كم كان طعام والدتها جميلًا على الرغم أن ألطاف هي من كانت تعد.
واحيانًا كان تذهب لها ألطاف صباحًا لتطمئن لتجد أنها تنام أرضًا بين الرماد والرمال وتستيقظ معتقدة أنها نامت طوال الليل بين أحضان والدتها تتلو عليها آيات من القرآن.
تماسك يبتسم وقد كانت قصة فاطمة أقصى من قدرته على التحمل، قصة لا يمكنك إنهائها في جلسة واحدة أو حتى الانتهاء منها دون أن تتعالج بعد كل كلمة مما نالك.
يريد أن يشغل عقلها ويراوغه ويدفعه دفعًا لنسيان ما يبحث عنه في جميع الوجوه، نسيان أن والدتها ستأتي لتقرأ عليها القرآن ليلًا وتجاهل اوهامها.
_ إذن ما رأيك فاطمة؟
نظرت له فاطمة وهي تشعر بالخجل من عرضه ذاك:
_ أنا؟ هل يمكنك؟
_ جربيني.
استكانت نظراتها له واستكانت دقات قلبه بالتزامن مع الأمر وهي تقول بصوت منخفض:
_ موافقة.
كانت الأجواء مشتعلة داخل الجحر والجميع مستنفر بشكل مرعب. أنمار يكاد يحيل المكان لرماد ويحرق من به بنيران غضبه، يصرخ ويحطم ويسب ويضرب ورغم كل ذلك لم تهدأ نيرانه ولم يخمد جنونه.
تنفس بصوت مرتفع وهو يحرك عينيه بين الجميع صارخًا بجنون:
_ من؟ من الخائن بينكم، كيف عرفوا أنني أرسلت جيشي لمشكى؟ من فعلها منكم؟
تحركت الأعين وتوترت الأجساد ولم يتجرأ أحدهم على التنفس بصوت مرتفع كي لا يجن جنونه أكثر. بينما نزار يتابع كل ما يحدث من بعيد يراقب ويبتسم بسمة صغيرة منتظر ما سيحدث وقد كان قلبه يرقص فرحًا يردد بصوت مبتهج:
_ أيًا كان من فعل ذلك فأنا أدين له بواحدة، اقسم أنني إن علمت من هو لامنحنه ما لم امنحه لزوجتي مهرًا لها يوم الزفاف.
نظر له الوليد بصدمة من كلماته ورغم ذلك نظر أمامه ونزار يتحدث بسعادة طاغية:
_ هل هذا يوم حظي؟ ختمته بلقياها وهذا المشهد البديع الذي يحرك قلبي من مكانه.
_ توقف عن الحديث فأنمار في هذه اللحظة يبدو أنه على أتم الاستعداد لقتل أحدهم.
اتسعت بسمة نزار وهو يحرك رأسه بطريقة مستفزة:
_ لا تفسد المتعة يالوليد، الرجل في محنة، إذ يبدو عليه المعاناة في هذه اللحظة، لذا وجب عليّ أن أقف معه بمحنته تلك وازيدها.
ومن بعد تلك الكلمات لم يبصر الوليد سوى أذيال نزار الذي سارع ليضع كلماته حيز التنفيذ ويزيد من محنة أنمار الذي كان في هذه اللحظة يصرخ بجنون وهو يتلفت حوله يصيح في وجوه الجميع بكلمات غير مترابطة:
_ سأعلمه لذلك الحقير الذي سرب ما خططت له، سأريه الجحيم ألوانًا، أنا سأ...
وقبل أن يتم حديثه وجد فجأة يد تُمد أمام وجهه ممسكة عشبة غريبة الشكل حمراء الأطراف. حرك عيونه مع اليد حتى وصل لصاحبها والذي لم يكن سوى نزار الذي ابتسم بسمة واسعة وهو يرفع يده الثانية يربت بها على كتف أنمار الذي حرك عيونه بين يده ووجهه متشنج الملامح لا يفهم ما يحدث، بينما نزار قال ببسمة صغيرة:
_ هذه العشبة مخدرة ومهدئة يمكنك أخذ جزء منها بمقدار عقلة إصبع ستساعد على تهدئة اعصابك الثائرة هذه، لكن فقط انتبه ألا تكثر منها فالاكثار منها قد يتسبب في قتلك فهي سامة في الوقت ذاته.
اشتعلت أعين أنمار وهو ينظر لوجه نزار الذي تحولت ابتسامته الصغيرة من البراءة للشر المطلق وكأنه كان يتحضر لقتل أحدهم وقد كان هذا حقيقة إذ نطق بصوت خافت:
_ وبالاكثار منها أقصد هنا مقدار عقلة إصبع.
تنفس أنمار بصوت مرتفع وقد بدأ جنونه بأكمله يتجمع أمام عيونه متمثلًا في دماء نزار التي ستيسيل على كفه بعدما يتخلص منه.
ازدادت بسمة نزار اتساعًا وهو يرى هدفه قد تحقق، ليرفع يده يربت بها مرة ثانية على كتف أنمار:
_ هونها عليك يا وسخ فما هي إلا أيام قليلة تقضيها على هذه الأرض قبل أن تخرج روحك من جسدك و...
ومن بعد هذه الكلمة لم يبصر أحدهم سوى جسد نزار ساقطًا ارضًا وفوقه أنمار يمسك برقبته وهو يكاد يخرج روحه صارخًا بجنون:
_ اقسم أن ما سيخرج في هذه اللحظة هي روحك.
وقبل أن يستوعب أنمار أن الغلبة له كان جسده يتدحرج ارضًا يسقط بعنف شديد على ظهره ارضًا وقد أصبح نزار يعلوه وهو يوجه له ضربة مريعة جعلت رأسه تصطدم بقوة في الارض أسفله، ولم يدع له الفرصة ليتنفس حتى، بل منح شياطينه القيادة اخيرًا وهو ينكب عليه بضربات متتابعة كاد تحطم جمجمة أنمار وتفتتها، لولا تجمع أعوانه وسحبهم لنزار الذي كان يبتسم وهو يراقب أنمار ينازع للتنفس:
_ خسيس وسخ حقير، لا يمكنك حتى الدفاع عن نفسك وتنتظر الانتصار؟
بصق ارضًا بسخرية:
_ ألا بُعدًا لك ولأمثالك.
ولم يكمل جملته حتى شعر بضربة توجه بقوة لمعدته ولم يستطع الدفاع عن نفسه أو رد الضربة بسبب إمساك البعض ليده وتقييده. أخذ يتلوى تحت ضربتهم المتتابعة ولم تتغير أو تتلاشى بسمته التي استفزت كل ذرة صبر بجسد أنمار.
نهض الاخير عن الأرض وهو يتحرك صوبه، ومن ثم رفع يده ليكلم نزار بقوة جعلت بسمة الأخير تتسع وهو يهمس:
_ تأخذ الضربة من الممالك، ومن ثم تأتي تدعي قوة أمام كلابك، مثير للشفقة.
كاد يخرج أنمار سيفه ويدك عنقه، لولا أن تدخل الوليد بسرعة وهو يتحدث مدافعًا عن نزار الذي كان مايزال يبتسم بشكل مستفز:
_ لا، نحن... نحن لم نأخذ منه ما نريد بعد، لم ينتهي من السم، دعه كي لا تخسر ما سعيت له بعد كل هذا، يكفينا خسارة حتى هذه اللحظة أنمار.
نظر له أنمار بغضب وهو يبعد قبضته عن السيف الخاص به ثم منحه بسمة ساخرة يقترب منه هامسًا:
_ تعتقدني احمقًا لا ادري مقدار اخلاصك لذلك الرجل خلفك يا الوليد؟ بل لا بأس أنت محق سأدعه حي فقط حتى ينتهي مما اريد ومن بعدها صدقني لن تبصر له من جسد يا الوليد.
رفع عيونه صوب رجاله وهو يهتف بقوة:
_ خذوه صوب معمله ولا يخرجن منه إلا بعدما ينتهي من صنع السم وحينها تخرجون جثته.
ختم كلماته، ثم نظر للجميع، ولم يكد يتحدث كلمة إضافية حتى أبصر بقايا الجيش بقيادة أصلان يقبل عليهم وملامح الأخير شاحبة وهو يشعر أن كل شيء تسرب من بين أصابعه. تنفس بصوت مرتفع يهتف بجنون لما وصل له أثناء تحركه صوب مشكى:
_ ما الذي يحدث هنا أنمار؟ لم يكن هذا ما اتفقنا عليه؟ اضعت البلاد واضعتنا معك.
نظر له أنمار بضيق، ولم يكد يتحدث حتى صرخ به أصلان بجنون:
_ تبًا لك ولمن يتبعك أيها الحقير، انظر إلى ما حدث؟ أخبرتك أن هذه الخطة لن تنطلي عليهم، هم ليسوا بالحمقى، انظر الينا الأن؟
ابتسم أنمار بسمة غير مفهومة وهو يشير له أن يتحرك خلفه:
_ توقف عن الندب كالنساء أصلان واتبعني، الأمر لم ينتهي بعد، والحظ لا يمكنه أن يكون حليفًا مخلصًا بهذا الشكل، لا بد وأن تأتيهم لحظة خذلان، وحينها يكون دوري للتدخل.
_ إن لم تستطيعي يمكنكِ التراجع الآن.
حاولت أن تبتلع ريقها وهي تراه جالسًا على الفراش أمامها دون سترته العلوية يراقبها باستمتاع، وقد بدأت تتراجع وكأنها أدركت للتو مقدار الحمق الذي فعلته حين امرته أن يخلع سترته لتعالجه.
_ أنا بخير فقط... استدر رجاءً.
ابتسم لها أرسلان ولم يرد أن يزيدها عليها، يعطيها ظهره لتقترب منه ببطء ويد مرتجفة تحمل أعشاب أخبرها هو أنها معالجة يحتفظ بها لأجل جروح معاركه.
وحينما جلست خلفه أبصرت جروح جسده والتي كانت تغطي كامل ظهره دون مبالغة، جروح مرعبة وأخرى قاتلة لا تدري كيف نجى منها، لتتسع عيونه وهي تمد يدها بتردد، تتلمسها ببطء تهمس بصوت منخفض:
_ أرسلان.
ابتسم أرسلان وقد زادت ضربات من مجرد نطقها لاسمه مجردًا، ماذا إن تغزلت به؟ الأمر جعل بسمته تتسع وهو يهتف بصوت منخفض كلمته دون وعي:
_ تدللي.
ضيقت هي ما بين حاجبيها بعدم فهم، ليبتسم وهو ينظر لها من فوق كتفه:
_ تدللي سلمى، أي قولي ما تشائين وسيكون مجابًا.
تنفست سلمى بصوت مرتفع وهي تنظر لعيونه بعدم تصديق لخروج مثل تلك الكلمات منه، تهمس بدون وعي وهي تحاول أن تتلاشى الخجل الذي ملئ صدرها في هذه اللحظة:
_ أنت... أنت تخيفني.
نظر لها أرسلان بعدم فهم، لتهمس بصوت منخفض أكثر والريبة تعلو ملامحها:
_ ردودك وتعاملك معي تحولك بشكل مخيف أرسلان، هذا... هذا ليس أنت، من قبل كنت تتعامل معي.
_ لا أتذكر أنكِ كنتِ امرأتي من قبل سلمى كي اعاملك بطريقة مختلفة عن معاملتي لأي امرأة أخرى؟ والآن أنتِ زوجتي فلا تتوقعي مني معاملة عادية كما اعامل الجميع، أنا لا اساوي بين نسائي وغيرهن عزيزتي.
وتلك الكلمة جعلت جميع حواس سلمى تعمل بشكل مكثف متحدثة بنبرة شعر بها أرسلان متشنجة:
_ نساؤك؟
_ أمي، وكهرمان، وأنتِ.
واتضح في النهاية أن الرجل برئ وهي السيئة صاحبة التفكير السييء. ابتسمت بسمة صغيرة تحاول أن تخفي ردة فعلها السابقة تحافظ على ماء الوجه، لكن يبدو أن الأمر كان قد تأخر بالفعل إذ أدرك أرسلان ما حدث، لكنه لم يعلق وهو يهتف:
_ أمي أُستشهدت غدرًا رحمها الله، وشقيقتي خطفها مني لص وغد، لذا لم يتبقى لي في حياتي الجافة امرأة عداكِ سُليمى، الحلوى الوحيدة المتبقية في حياتي المالحة.
ختم حديثه بنبرة مازحة، لكن لم تصل لعقل سلمى بمثل ذلك المزاح أبدًا، بل كانت أعمق مما حاول إظهاره. تنفست بصعوبة:
_ هل تغزلت بي للتو؟
_ نعم فعلت في الحقيقة، تمنيت أن أحظى بامرأة طويلًا لأفعل، كنت انتظرك سُليمى.
تأوهت سلمى وقد بدأت يدها تجفف الدماء باستخدام قطعة قماشية حصلت عليها من خزانته، تحاول ألا تتأثر بهذا القدر، وهي تصرخ بشكوكها التي ملئت عقلها الفترة السابقة تتحدث بنبرة ممازحة تخفي خلفها خوفًا من إجابة قد تصيبها في مقتل:
_ بالطبع لم أكن تلك المرأة التي طال انتظارك لها، لا يمكنني أن أكون بأي شكل من الأشكال حتى.
اتسعت بسمة أرسلان وهو يشعر بها تحرك يدها على ظهره تجفف الدماء:
_ بالطبع لم تفعلي، فعلقي لم يستوعب أن هناك امرأة مثلك في هذه الحياة، لذا لم يخطر عليه أن يتخيلك كزوجة لي، وإن علم أن في هذه الحياة من هو مثلك سُليمى، والله ما وردت امرأة على خاطره تكون شريكة لي عداكِ، لم يكن ليتخيل سواكِ.
توقفت يد سلمى عن العمل تتحدث بصوت خافت خجل:
_ هل تحاول أن تظهر زوجًا محبًا متفهمًا الآن؟
_ لا أنا فقط أقول الحق فلم يسبق أن تحملت امرأة قشرتي الصلبة عن قرب مثلك، ولم تكن هناك امرأة تفهمتني بهذا الشكل مثلك، ربما لم اتعامل مع الكثير من النساء عن قرب، لكنني أكاد أجزم أنني لم اقابل يومًا امرأة جعلتني اتمنى قربها لأدرك دواخلها مثلك سليمى.
ومن بعد كل تلك الجمل القاتلة التي وجهها لها دون رحمة، كان ردها واحدًا:
_ لماذا سُليمى؟
_ ألا يعجبك تدليلي لكِ؟ الرسول كان ينادي السيدة عائشة بعائش وأحببت أن أنادي زوجتي باسمها مصغر مقتديًا به في الأمر، ولم أجد افضل من سليمى.
تجاهلت ضربات قلبها التي ارتفعت في هذه اللحظة وهي تحاول أن تقفز للحديث الذي كانت تريد قوله حينما نادت اسمه منذ دقائق قبل أن يسحبها معه لموجة لا رجعة منها:
_ إذن... هل هذه الجروح كلها هي نتاج الحروب الخاصة بك؟
_ ما الذي تتوقعينه أنتِ؟ هل يزعجك مظهر جسدي بهذه الجروح؟
ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تخترق فقاعته التي يحيط بها ذاته، تحاول مساعدته للخروج مما يسجن به نفسه:
_ بالطبع لا، لا يمكن أن تزعجني هذه الجروح أرسلان، بل يزعجني ما نتجت عنه الجروح، وإن توقف الأمر على جروح الجسد فهي ستُعالج وننتهي، حتى وإن تركت أثرًا على جسدك فلا يزعجني ذلك، فقط اتمنى ألا تكون قد تركت أثرها على روحك.
ختمت حديثها تفرك الاعشاب على ظهره وقد بدأ جسد أرسلان يتخشب شيئًا فشيء يتحدث بصوت هادئ غريب:
_ ما الذي تقصدينه سلمى؟
نطقت بصوت منخفض:
_ هل... هل كانت الحروب هي السبب الوحيد لجروحك، أم كان والدك سببًا لأحد الجروح هذه أرسلان؟
استدار لها أرسلان بسرعة كبيرة يمسك يدها التي كانت تضع بها الاعشاب ينظر في عيونها بقوة وقد شعر أنها اخترقت منطقة لا يحب أن يخطوها أحدهم:
_ وماذا تعرفين أنتِ عن والدي؟
_ الكثير أرسلان، والدك لم يكن بالشخص الودود على حسب معرفتي.
نظر لها ثواني قبل أن ينظر لعيونها بقوة هامسًا بصوت ثابت وهو يضغط على كل حرف يخرج من فمه:
_ والدي كان رجلًا قويًا محاربًا ولم يقصر يومًا معي، ووجودي أمامك في هذه اللحظة بهذه الصلابة بفضل الله اولًا، ومن ثم والدي الذي عمل على جعلي رجلًا صلبًا، وأنا لن أسمح أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة قد تسيء لوالدي رحمة الله عليه.
ختم حديثه رافضًا أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة عن والده أو يلوث ذكراه، حتى لو كان ما ينطق به الآخرون هو الحقيقة المجردة، لكن ذلك الرجل هو والده في النهاية، والده الذي أنشأه منذ طفولته.
_ لم أقصد أن اسييء له، أرسلان أنا أريد مساعدتك.
_ أنا بخير و...
_ لست كذلك، صدقني لست.
نظر في عيونها بقوة يبتلع ريقه، ثم نطق بصوت خافت وهو ما يزال يمسك يدها يتحدث بصوت منخفض:
_ لم اشتكي من ذلك سلمى، حينما آتيك اشكوكِ حياتي وارتجي مساعدتك، حينها وحينها فقط يمكنك التدخل في شؤوني التي لم ولن أسمح أن يتخطاها أحدهم.
تنفست سلمى تجذب كفها من بين يده، ثم ابتسمت له بسمة صغيرة تهز رأسها بهدوء شديد:
_ إن شاء الله، والآن استدر لنكمل قبل أن تلتهب جروحك.
نظر لها بعدم فهم، هل قبلت كلماته ببساطة دون تحدي أو نقاش أو غيره، وقد كانت سلمى تدرك متى تهجم ومتى تنسحب.
استغلت تعجبه منها وهي ترفع يدها التي كانت ملوثة ببعض الاعشاب، تضع ما علق بين أناملها على جزء من جبهته كان مجروحًا، ثم قالت ببساطة وبسمة صغيرة:
_ سأقدر لك استدارتك لأكمل مولاي.
نظر أرسلان ليدها بتردد، وهو يستدير دون كلمة واحدة وقد بدأت هي تكمل عملها بهدوء دون كلمة واحدة منها وعيونها قد اشتعلت بالتصميم.
_ فاطمة هل تمزحين معي؟
كانت فاطمة تقف خلف باب غرفتها تنظر له برفض تحاول التحدث، لكن الخجل كنت يمنعها. ورغم ذلك قالت بصوت منخفض وهي تمنعه أن يخطو خطوة واحدة داخل الغرفة:
_ لا يمكنك ذلك يا المعتصم ارجوك افهمني.
_ افهم ماذا يا امرأة؟ ألم توافقي على أن آتي معكِ وأقرأ لكِ بعض الآيات قبل نومكِ؟
هزت رأسها توافق كلماته، ورغم ذلك اعترضت:
_ نعم فعلت، لكن ذلك لا يعني أنني اسمح لك بدخول غرفتي، هذا خطأ.
_ والله لا خطأ هنا عدا تركيبة عقلك فاطمة.
اتسعت عيون فاطمة بصدمة، بينما هو اكمل بضيق وهو يضرب كفه بالآخر نزقًا من كل ما يحدث في المكان:
_ عزيزتي كيف اقرأ لكِ دون أن أدخل للغرفة؟ هل اجلس متسولًا على باب غرفتك وافعل؟ أي عقل هذا؟
نظرت فاطمة لغرفتها نظرة صغيرة قبل أن تعود له وقد بلغ الخجل منها مبلغه، تشعر بالغرابة للسماح برجل أن يشاركها غرفة نومها، بل ورؤيتها تنام ويجلس جوارها.
_ يا المعتصم أنا لا أستطيع ارجوك تفهم ما أعني، حسنًا أنا لا أريد ذلك، يمكنك الرحيل سأكون بخير و...
وقبل أن تكمل كلماتها دفع المعتصم باب الغرفة يدفعها للداخل دون تفكير وهو يمسك بيدها، يضعها على الفراش، ثم خلع حذائه، وصعد على طرف الفراش يجلس عليه بهدوء تحت أعين فاطمة المتسعة وضربات قلبها التي ازدادت بشكل مريب. يضع يده على رأسها يأمرها بهدوء:
_ اغلقي عيونك هيا.
اغلقتها بسرعة بقوة كبيرة، ليبتسم بسمة صغيرة:
_ استرخي فاطمة لا تنامي بهذا الشكل كما لو أنني ارفع عليكِ سيفي مجبرًا إياكِ على النوم، فقط استرخي.
وكيف تفعل وهو جوارها في هذه اللحظة، الرجل كان كما لو أنه خرج من أحلامها. ابتسم بسمة صغيرة يميل عليها وقد أصبحت أنفاسه قريبة منها بشكل جعل قلبها يتوقف لحظة، قبل أن يعود ويخفق بشكل جنوني حين شعرت بملمس شفاهه على وجنتها يقبلها بخفة، ومن ثم همس لها بصوت خافت:
_ فاطمة، هل نمتي؟
هزت فاطمة رأسها ليبتسم بسمة صغيرة، ثم اعتدل في جلسته يضع يده ينزع حجابها عنها كي تنام براحة. لكن وقبل أن يفعل انتفض جسد فاطمة للخلف وهي تصرخ متمسكة بالحجاب:
_ يا المعتصم.
_ ماذا؟ ماذا حدث الآن؟
احمر وجهها بشكل ملحوظ وهي تتنفس باضطراب:
_ ما الذي تفعله لا يمكنك، لا يمكنك فعل ما... تفعله الآن هذا مرفوض.
تنهد المعتصم وهو يدفن وجهه بين يده يستغفر ربه، قبل أن ينهض من مكانه يدور حول الفراش حتى وصل لها ودون كلمة واحدة انتزع منها الحجاب تحت نظراتها المصدومة:
_ فاطمة أنا زوجكِ يحق لي بكِ ما لا يحق لغيري واولهم أنني يمكنني رؤيتك دون حجاب بالطبع.
نظرت له بأعين متسعة مفزوعة. هي ليست حمقاء لتدرك ذلك بالفعل، لكن الأمر مفزع لها، مرعب لكل ما عاشت حياتها معتادة عليه، أن يكون لرجل كان منذ اسابيع غريبًا عنها، حق رؤيتها كما لم يفعل رجل عدا والدها وشقيقها، أمر مخيف للغاية خاصة على فتاة كفاطمة.
والمعتصم كان يدرك أن معها كامل الحق فهي لم تعتد الأمر بعد، لكنه وإن ترك لها حرية اختيار الوقت الذي تعتاده، لن تفعل قبل أن تسقط أسنانه.
مال المعتصم يجلس أمامها أرضًا على ركبتيه ارضًا يمسك كفوفها بحنان شديد:
_ فاطمة حبيبتي اسمعيني، أنا الآن زوجك، يحق لي ما لا يحق لغيري كما تفعلين أنتِ معي، أعلم أنني تزوجتك دون مقدمات أو حتى فرصة لتستوعبي ما يحدث حولك، وسأترك لك الفرصة لتعتادي، لكن عليكِ في المقابل مساعدتي لنتخطى مرحلة الاستيعاب هذه ونصل للادراك بسلام وبكامل قواي العقلية.
ابتسمت فاطمة دون شعور ليبتسم هو يرفع أصابعه، يربت على وجهها بحنان شديد:
_ وبسمتك هذه ستكون بداية جيدة لحياتنا سويًا لذا آنستي الجميلة، هل لكِ أن تمني على عبدٍ مسكين بفرصة صغيرة عله يجد مدخلًا لحياتك؟
نظرت له بتوتر من كلماته مبتسمة بسمة صغيرة، قبل أن تهز رأسها بحسنًا تعطيه إشارة الموافقة ليبتسم لها بسمة صغيرة وهو يساعدها للتمدد والاستراحة على الفراش. ومن ثم جلس جوارها وأخذ يقرأ بعض الآيات بصوت خافت، وهي فقط أغمضت عيونها تترك لروحها فرصة الراحة تهمس بصوت منخفض:
_ يا المعتصم.
همس المعتصم بصوت منخفض:
_ نعم فاطمة؟
_ أمي، هي بخير صحيح؟
اغمض عيونه بتعب يتحدث بصوت خافت يحاول أن يتجاوز تلك النقطة معها، ولا يدرك كيف يقنعها بالأمر، ولا يفهم عقلها أو ما يفكر به، فمرة تبكي مدركة واقعها ومرة تستنكره.
_ بخير فاطمة، بخير حال، فقط كوني بخير وهي ستكون يا صغيرة.
هبطت دمعة فاطمة وهي تقترب منه تدفن رأسها به تهتف بصوت منخفض باكٍ:
_ أنا مشتاقة لهم، أشعر بالوحدة دونهم، أمي لم تعتد الابتعاد عني كل هذا الوقت يا المعتصم، أشعر أنها حزينة مني لذا لم تأتي لرؤيتي.
سقطت دموعها أكثر وهو فقط مال يستند برأسه على كتفها يربت على ظهرها بهدوء متنفسًا بصوت منخفض:
_ لم تفعل فاطمة، لا يمكن أن يحزن أحدهم منك يومًا، لذا اطمئني هي تحبك وتشتاقك.
_ وأنا اموت شوقًا لرؤيتها.
_ لا أراني الله بكِ سوءًا عزيزتي، نامي فاطمة، نامي صغيرتي وغدًا نتحدث.
ومن بعد تلك الكلمات وكأن فاطمة أخذت منه الاذن لتمنح نفسها الراحة المرجوة واغمضت عيونها بسلام لا تمتلك منه ذرة واحدة، وأمان منتقص.
هل يمكن أن تكون الحياة بمثل هذه السخرية؟! هرب من موته لموت آخر، والدائرة اكثر وتدور وهو يدور معها دون أن يدرك له من مخرج.
البارحة كان يجلس هذه الجلسة ينتظر لحظة إعدامه، واليوم يجلسها ينتظر لحظة قتله، ما بين الأمس واليوم رحلة توبة لم تكتمل.
ابتسم نزار بسخرية، وهو يبتلع ريقه:
_ لا مفر من الموت.
_ صدقني يمكنك الفرار منه إن استمعت لحديثي وانتهيت مما يريده سيدي.
رفع نزار عيونه للرجل الذي اقتحم جلسته، يرفع حاجبه بسخرية ولم يتحدث بكلمة ليقترب منه الاخير يجلس جواره يحاول إقناعه بالتعاون معهم:
_ فكر في الأمر، سيدي تعهد بمنحك آبى حينما يتملك الممالك الأربعة.
ارتسمت بسمة ساخرة على جانب فم نزار وهو يرفع حاجبه، ثم هتف بصوت خافت:
_ هذا الصعلوك الذي لم يتمكن حتى من تحمل مسؤولية حكم سبز فقط يطمح لحكم الأربعة ممالك؟! الأمر مضحك، لكن أتدري ما الذي يضحك أكثر، أنكم ما تزالون تتبعونه رغم كل ذلك الفشل الذريع الذي كبدكم إياه، أنتم تحيون الأمل داخل صدر ابليس كلما ظن أنكم ستتعظون خيبتم ظنه واسعدتم قلبه، وافتعلتم شرورًا أشد غباءّ، لا بأس إن افقتم من غفوتكم فقد كنت في اقوى أشد قتامة منكم واستفقت.
تنهد الرجل بضيق شديد وهو ينهض من جواره وقد شعر بالغضب يتلبس جميع خلاياه يصرخ، يدفع نزار بقدمه:
_ إذن انهض وانتهي مما أمرك به سيدك، هيا انهض.
رفع نزار له عيونه وقد اشتد سوادها وقبل أن يرفع الرجل قدمه مرة ثانية ليضربه بها كان قد سقط ارضًا بعدما جذب نزار قدمه مسقطًا إياه بغضب وهو ينكب عليه بالضرب وقد بدأ المكان وأصوات الصرخات تعلو حوله، ولا يدري أكانت اصوات رفاقه يحاولون نزعه من فوقه، أم كانت أصوات صرخات قادمة من اعماق اعماق عقله.
لم يكن يشعر بشيء حتى وجد جسده يُنتزع من فوق الرجل بعنف وقبل إدراك ما يحدث وجد رأسه تُضرب في الجدار بقوة جعلته يشعر بالمكان حوله يهتز ويدور وكان آخر شيء يبصره هو قدم الرجل نفسه وهي تصطدم بوجهه صارخًا بجنون:
_ أيها الوسخ سأريك الويل.
ومن ثم ظلام لم يعي متى وكيف ابتلعه، لكنه رحب به وببساطة وتمنى من أعماق قلبه أن يكون ابديًا.
توقف برجاله أمام بوابة القصر وهو يبصر البوابة تُفتح بقوة وبسرعة كبيرة حين أبصره جنوده مشكى يقترب بجنوده من حدود القصر.
وبمجرد أن فُتح الباب كاشفًا عن انتظار أرسلان له، حتى انطلق سالار برجاله بسرعة كبيرة للداخل والجميع خلفه ينتظرون منه اوامرهم.
وبمجرد أن وصل سالار حتى هبط عن حضانه بسرعة قبل أن يتوقف بشكل كامل يندفع صوب أرسلان الذي استقبله بالاحضان يبتسم بسمة شبه متعبة:
_ أنرت المملكة سالار.
نظر له سالار بهدوء يحاول الإطمئنان عليه، يدور بعيونه على كل نقطة من جسد الاخير، بينما أرسلان يراقبه بهدوء مخيف لا يليق بإرسلان الذي يعرفه.
_ ما بك؟ هل كل شيء بخير؟
تغضنت ملامح أرسلان بقوة وبشكل جعل سالار يثق أن هناك ما يكنه أرسلان داخل صدره، لكن سرعان ما أخفى أرسلان كل ذلك وهو يبتسم بسمة صغيرة يهز رأسه بنعم:
_ بخير، كل شيء بخير لا تقلق.
اطال سالار النظر بعيونه طويلًا قبل أن يهمس بصوت منخفض وهو يقترب منه خطوات صغيرة:
_ نظراتك هذه ونبرتك الميتة هذه تشي بعكس ذلك أرسلان، ما الذي حدث لك يا أخي؟
رفع أرسلان عينيه صوب سالار ولم يتحدث بكلمة فقط ابتسم له بسمة مجروحة جعلت سالار يقترب منه وهو يضمه بسرعة يربت على ظهره في عناق ظهر للجميع مرحبًا كالمعتاد، لكن بالنسبة لسالار كان مساندًا، يشعر بكف أرسلان تتمسك بثوبه من الخلف قبل أن يربت على ظهره يهمس بصوت خافت:
_ كله سيمر يا أخي، كله سيمر بمشيئة الرحمن، لعل الخير يكمن في الشر.
اغمض سالار عيونه بقوة وهو يشعر بالوجع الشديد لأجل أرسلان، يحزنه أن يكون وحيدًا يكبت أحزانه في صدره دون أن يسمح لأحدهم باختراق فقاعته التي صنعها حول روحه.
_ هيا تعالي لترتح قليلًا فطريق السفر كان طويلًا وغدًا نتحدث بكل شيء فهناك ما يجب أن تعلمه.
نظر له سالار بعدم فهم ليهتف أرسلان بكلمة واحدة ارشدت الأخير لما يحدث:
_ الأميرة توبة.
كان الجميع يقف في طرقات المملكة وهم يبصرون ما يحدث أمامهم بأعين متسعة. رجال الممالك تجمعوا داخل سبز وكأنها أصبحت ساحة حرب لهم بعدما كانت شعار السلام بينهم. كانت وكم يحزنهم قول كانت. كانت سبز.
انتشر جنود سفيد في الطرقات بسرعة كبيرة بمجرد أن خطى إيفان مع الجيش للمملكة وهو ينظر للجميع بأعين هادئة. يتحرك بين رجاله بملامح جامدة وسرعة مرعبة صوب القصر تحت أعين الجميع المرحبة به وقد أدركوا أن خلاصهم أضحى وشيكًا.
بدأ الجميع يهلل ويحتفل بسعادة وهم يرحبون بجيش سفيد ومن قبلهم رجال آبى. الجميع خرجوا من منازلهم يشهدون خلاصهم من ذلك الطاغية الذي اذاقهم في أيام قليلة عجاف سبع سنوات.
وأصوات التكبير تعلو الطرقات.
تلاشى جمود إيفان يبتسم لهم بسمة ودودة صغيرة وهو يحييهم برأسه باحترام شديد يبصر أمامه الكثير من الرجال يرتدون ثياب جيش سبز يتقدمهم رجل ذو ملامح بشوشة مبتسمًا يخفض له رأسه محترمًا، ليدرك أنهم بقايا جيش سبز الاشراف، وقادة المقاومة ضد أنمار بعد انقلاب أصلان، لذا توقف بحصانه يلقي له بتحية محركًا لهم يده وهو يهتف بقوة:
_ السلام عليكم، استعدوا فقد حان وقت عودتكم يا رجال، عودوا لتتسلموا سبز من جديد.
ختم حديثه يكمل طريقه صوب القصر وهو يبصر جنود آبى وقد بدأوا ينتشرون بشكل مرعب في الإرجاء ليهمس ببسمة مصدومة لا يصدق ما يفعله آزار:
_ يا ويلي من ذلك الارسلان العجوز الذي لا يفهم سوى لغة القوة، الرجل حشد جنوده جميعهم فقط لأن أنمار وصفه بالعجوز.
ختم حديثه بنبرة ممازحة ساخرة يكمل طريقه صوب قصر سبز وهو يراقب الجميع ويفكر في القادم. أنمار أخذ خطوته الأولى وهم اكملوها، والقادم ستكون الخطوة الأولى من نصيبهم هم.
تحرك في ممرات القصر بهدوء شديد حتى وصل لقاعة الاجتماعات وبمجرد دخوله حتى هز رأسه بهدوء شديد وجدية وهو يهتف:
_ مولاي سأتحرك لتمشيط طرقات المملكة جيدًا والتأكد أن لا أحد اقتحمها على حين غفلة منا.
رفع أرسلان رأسه صوب المعتصم والذي دخل القاعة منذ ثواني وقد ارتدى ثوبه مستعدًا للخروج على رأس الجيش لتمشيط البلاد من أي دخيل.
هز له أرسلان رأسه يبتسم بهدوء وهو يشير صوب سالار والذي يبدو أن المعتصم لم يبصر في غمرة انشغاله بالتخطيط لما سيفعل:
_ ألن ترحب بسالار أولًا؟
ضيق المعتصم ما بين حاجبيه بعدم فهم قبل أن يستدير ببطء صوب الجهة التي أشار لها أرسلان ليبتسم له سالار ينهض عن مقعده يهتف بهدوء:
_ مرحبًا بك يا المعتصم.
اتسعت أعين المعتصم وهو يهرول صوب سالار يهتف بلهفة:
_ سيدي القائد مرحبًا بك، اعتذر اقسم أنني لن ابصرك حين وطأت المكان.
عانقه سالار مرحبًا يربت على كتفه:
_ لا بأس أعانك الله يا أخي، ستجد نصف جيشي في الخارج تحت أمرتك وليوفقك الله، ونعم علمت أنك تزوجت مبارك لك والعقبى لحفل الزفاف لا تنس دعوتي.
سارع المعتصم يبرر بلهفة ظنًا أن سالار يلومه:
_ لا يا قائد بالطبع ستكون أول المدعوين اقسم أن الأمر جاء دون مقدمات و...
قاطعه أرسلان بمزاح خشن ينظر لعيون المعتصم يشاكسه كي يخرجه من حالة الجمود تلك يدرك أن الأخير لا ينفك يلوم نفسه منذ تخلف عن قيادة الجيش في الهجوم رغم أنه لم يكن يعلم ما يحدث من الأساس:
_ اعذره سالار فالحب اعماه عن رؤية ما حوله وجعله يسارع ليسجن الفتاة جواره دون أن يمتلك لحظة واحدة ليفكر في إعلام أحد.
كان يتحدث وهو ينظر للمعتصم ببسمة خبيثة سرعان ما خفتت شيئًا فشيء حين رُدت له جملته من جهة سالار وهو يردف بهدوء وسخرية مماثلة:
_ تمامًا كما حدث معك، نعم أعلم عزيزي.
كبت المعتصم ضحكته بصعوبة وهو ينظر ارضًا يحاول الحديث من بين اصوات الضحكات المكبوتة:
_ أنا... اعتذر... أنا عليّ الرحيل الآن لـ... أنت تعلم مولاي، اعذرني.
ومن بعد تلك الكلمات اختفى من المكان بسرعة كبيرة ليعلو صدى ضحكاته خلفه، تاركًا أرسلان ينظر في أثره بغضب شديد، وسالار جواره مبتسمًا بخبث قبل أن يقترب منه مرددًا:
_ إذن عقدت قرآنك وتزوجت دون حتى أن تُعلم أيًا منا، وزوجتي تأتيني كل ليلة تشكو حزن جلالة الملكة على أخيها المسكين الذي لم تبتسم له الحياة يومًا، ولم تدرك أن أخيها كان يزغزغ الحياة لتضحك له بالقوة.
استدار له أرسلان يبتسم بسماجة وضيق من كلماته والتي كانت حقيقة في الواقع:
_ لكم أنت مضحك سالار، حمدًا لله أن مهارتك في ساحة الحرب لا تشبه مهاراتك في إلقاء النكات.
أطلق سالار ضحكات صاخبة رن صداها في المكانيلقي بغمزة صوب أرسلان:
_ لا بأس يكفينا نكاتك أنت عزيزي.
_ نعم نكاتي مضحكة على الأقل، أنا خفيف الظل كما تعلم.
رفع له سالار حاجبه، يقلب عيونه بملل:
_ إذن لم تخبرني ما الذي كان يحزنك منذ جئت؟
نظر له أرسلان يهز كتفه بهدوء:
_ لا شيء فقط الحمل يصبح أثقل كل يوم.
_ وهل يضعفك حمل أرسلان؟ لا أصدق الأمر.
رفع عيونه له يهتف بصوت منخفض:
_ صدق او لا تصدق، أحيانًا تأتيني لحظات ضعفٍ لن أنكرها سالار، في النهاية أنا لست متجبرًا أو طاغية أو وحشًا، وربما هذا ما جعل والدي يقسو عليّ، يبدو أنه أبصر بي ما لم يبصره غيره.
_ أو ربما كان الوحيد الذي لم يبصر داخلك ما يجب أن يبصر أرسلان، كلنا ندرك جيدًا أي نوع من الأشخاص كان والدك.
ختم حديثه يربت على كتفه، بينما أرسلان غامت عيونه بقوة وقد أعاد له حديث سلمى وسؤالها عن والده ذكريات لا يحب استعادتها.
_ دعنا من ذلك الحديث سالار، ولنتحدث فيما جئت لأجله، غدًا نقابل الأميرة توبة لنرى إن كانت على استعداد للتحدث بما حدث معها طوال تلك الفترة.
أدرك سالار أن أرسلان في هذه اللحظة يأبى أن يقتحم هو خصوصيات حياته، وكان هذا هو أرسلان الذي يعرفه تمام المعرفة يرفض أن تتعرى روحه أمام أي أحد، لكنه ينتظر أن يحصل على استثناءً يستثنيه عن كل هذا لعله يرتاح واخيرًا حين يفيض بكل ما يؤرق مضجعه.
صباح اليوم التالي.
استيقظت من نومتها تتحرك بنشاط صوب الخزانة الخاصة بها تنتزع اول ثوب وقعت عليه يدها لتبصر أثناء ذلك الفستان نفسه والذي اشترته يوم كانت بالسوق مع كهرمان تتذكر كلماتها، أنه سيكون فستان زفافها.
ابتسمت تتلمسه بشرود، قبل أن تحمل فستان خاص بها، من اللون الزهري ترتدي معه حجاب من اللون الأبيض إذ كان الوحيد الذي تمتلكه في هذه اللحظة وقد عزمت على شراء المزيد، سعيدة بتلك الخطوة التي اتخذتها.
تنهدت براحة تتحرك صوب المرحاض الخاص بها، تبصر جسد موزي الذي كان ينام رأسًا على عقب فوق الخزانة غير مهتم بما حوله.
غابت دقائق طويلة داخل المرحاض قبل أن تخرج منتعشة ومن ثمّ تحركت لخارج الغرفة بأكملها حينما تأكدت من هيئتها تتحرك صوب المطبخ تحضر بعض الفواكه والفطور، ومن ثم أخذت تسأل كل من تقابله عن طريق السجون حتى وصلت واخيرًا.
توقفت تراقب البوابة لتبصر العديد من الرجال يقفون هناك يسدون المدخل وكأنهم يقطعون عنها جميع السبل للدخول، ورغم ذلك تحركت دون أن تهتز لها شعرة، تخطو خطواتها المعهودة حين كانت تتحرك داخل السجون لأجل إحدى الجلسات، ولا تدري السبب، لكن تلك الذكريات وذلك الشعور ولّد داخلها حماسًا كبيرًا، لتدرك أنها ورغم كل ما تعرضت له بسبب عملها، إلا أنها تشتاق له.
تنفست ترفع رأسها بكل كبرياء تعتمد على مكانتها في المكان كملكة، وشخصيتها التي كانت تتبعها مع الجميع سابقًا، تهتف بقوة دون أن ترمش لمرة واحدة وهناك بسمة مقتضبة مرتسمة على فمها تردد كلمات شبه مألوفة لها، لكن يومًا لم تتخيل أن تقولها على أخيها العزيز:
_ أريد الدخول ومقابلة السجين الذي جاء به الملك البارحة رجاءً.
نظر لها الرجال بعدم فهم وريبة وقد اخفضوا رؤوسهم:
_ جلالة الملكة، نعتذر لكن لا يمكن.
قاطعتهم هي دون أن تمنحهم حتى فرصة النقاش معها:
_ هذا أخي واحضرت له طعامًا، كما على حد علمي هو ليس سجينًا خطيرًا الملك فقط يحتفظ به في الداخل لأجل غرضٍ ما صحيح؟
نظر الجميع لبعضهم البعض قليلًا أن يهز أحدهم رأسه للاخرين ليتحركوا عن الباب مفسحين لها الطريق لتبتسم لهم بهدوء نفس البسمة التي كانت تحيي بها الحراس سابقًا ومن ثم خطت للسجن وهي تمنح نفسها العلامة الكاملة لأجل ما فعلت.
_ ها هي سول تعود للساحة يا اوغاد.
هيئة تليق بها كأميرة، ولا تليق بسواها.
تحركت بهدوء بين ممرات القصر وبملامح تخفيها خلف لثام اسود اللون، تحركت صوب الخارج، للحديقة الجانبية للقصر حيث أمر الملك أن يقابلها. تهادت في خطواتها حتى وصلت لهم لتبصر من مكانها رجلين أحدهما أرسلان والآخر حاولت تبين ملامح ولم تدرك إلا حينما أصبحت على بعد خطوات صغيرة تسمع صوته يردد بهدوء شديد ونبرة شبه ودودة:
_ سمو الأميرة توبة... السلام عليكم.
اومأت له توبة في تحية صامتة وهي تمسك أطراف ثوبها ترفعه ببطء تميل نصف ميلة تحييه بصوت خافت:
_ سيدي القائد، وعليكم السلام.
نظر سالار لحركتها ليبتسم دون إرادة منه وهو يبعد عيونه عنها بهدوء، بينما استدارت هي صوب أرسلان الذي هز رأسه لها في تحية صغيرة:
_ عسى أن تكون ليلتك في مشكى جيدة سمة الأميرة، رجاءً أعلميني إن احتجتي شيئًا.
نفت توبة بهدوء شديد تشكره بخفوت:
_ أشكرك مولاي كل شيء بخير، لا ينقصني سوى الاطمئنان على أبي فقط.
نظر سالار صوب أرسلان ثم أشار لها لتجلس، ومن ثم استقر الاثنان أمامها على بعد مناسب بعدما اقترح أرسلان أن يجلسوا جميعًا في الحديقة بعيدًا عن الأماكن المغلقة.
_ نعم بخصوص هذا الأمر، كان سيسعدني لو استضفتك العمر بأكمله في قصري لكن اعتقد أن سبز تحتاجك ووالدك يحتاجونك أكثر سمو الأميرة.
نظرت توبة بعدم فهم صوب أرسلان ليوضح لها سالار بهدوء شديد وكأنه يحرص على إيصال الكلمات لعقلها بشكل مبسط بعيدًا عن كلمات أرسلان التي قد يلقيها دون مقدمات أو اهتمام حتى:
_ لقد تحررت سبز من قبضة أنمار والآن أصبحت تحت حماية آبى بقيادة الملك آزار.
اتسعت أعين توبة وهي تنتفض عن مقعدها تهتف بنبرة مرتعشة وقد بدأ جسدها يرتجف بسعادة لوقع الخبر على مسامعها لا تصدق ما تسمعه:
_ حررتم سبز من أنمار؟ هل... هل تتحدث بالصدق؟
_ ومنذ متى أكذب سمو الأميرة؟
كانت تلك كلمات سالار الجامدة بعض الشيء لتتغضن ملامح توبة وهي تعتذر عن ذلة لسانها بهدوء وقد شعرت أنها تصرفت شكل غير لائق لشدة سعادتها:
_ لقد... لم أقصد أنا أعتذر منك، لقد تحكمت في لهفتي ولم أشعر بما اقول.
هز لها سالار رأسه بهدوء شديد يشعر أنه كان صلبًا كثيرًا معها، بينما أرسلان يتابع ما يحدث دون كلمة واحدة فهو كذلك لم يكن ليصلح بنقل هكذا خبر لها وليس افضل من سالار في الرد.
ورغم ذلك أضاف بهدوء:
_ اليوم بعد صلاة الظهر سنرافقك حتى سبز وهناك سيستقبلك الملك آزار ولن يتركك حتى تستقر الأمور، والاجتماع القادم سنجلس لنحدد إلى من سيؤول حكم سبز حتى عودة الملك بارق.
سقطت دمعة من عيون توبة تشعر لصدرها يرتعش من تلك الفكرة:
_ وما ادراني أن من سيحكمها لن يطمع بها كغيره؟
_ لا تقلقي سنحسن الاختيار.
هزت رأسها هزة صغيرة تهمس بصوت مبتهج تتناسى كل الامور الآن عدا أنها ستبصر والدها قريبًا وجدًا.
_ إذن اخبرتموني أنني سأذهب بعد صلاة الظهر؟ أي بعد خمس ساعات فقط.
_ نعم صحيح، لكن قبل ذلك نحتاج لمعرفة بعض الأمور التي حدثت في غيابك سمو الأميرة، دعينا نبدأ بأين كنتِ؟
_ نزار... نزار هل تسمعني؟ ارجوك فقط اعطني إشارة أنك بخير.
كان يسمع نعم، ويشعر كذلك، لكن كلمة واحدة لم يستطع النطق، يشعر وكأن هناك أحدهم أمسك مطرقة وأخذ يضرب بكل مكان تقع عليها يده، حاول تحريك أصابعه والعجز يشل جسده بأكمله.
شعور جعل ملامحه تتغضن وهو يحاول فتح عيونه والرد على ذلك الصوت الذي يناديه، لكن فشل ليظل سجين ذلك الوجع دون حتى أن يستطيع التعبير عنه بصرخة أو حتى تأوه.
نظر الوليد حوله برعب شديد وهو يهمس بصوت منخفض يميل عليه يحمله بسرعة:
_ سأخرجك من هنا، فقط تحمل يا أخي، سأخرجك كما ادخلتك.
ومن بعد تلك الكلمات لم يشعر نزار سوى بجسده يطير في الهواء وصوت الوليد يتحدث بكلمات شبه مسموعة له