تحميل رواية «اسد مشكي» PDF
بقلم رحمه نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فصل ١ من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!! فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب؟ بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه.. الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل. كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره. عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، وأشباح بشر ي...
رواية اسد مشكي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم رحمه نبيل
مع بداية مغرب اليوم السادس عشر من محرم، كانت جيوش أصلان تتجمع أمام الجحر. كان يقف مراقبًا الجميع بأعين تلتمع بالخبث والفخر. ما كان ليقبل يومًا أن يوضع اسمه في كتب التاريخ في الهامش بجوار أسمائهم، ويشار له بأحدهم. هو أصلان الجعفري، ما كان ليسمح أن يُهمش دوره بهذا الشكل. لذا إن لم يُذكر في التاريخ... سيحرقه.
جمع جيوشه وحدد وجهته التي سينطلق لها مع بداية فجر اليوم الجديد. سفيد العزيزة.
فسقوط سفيد، المصدر الأول للأسلحة وثاني أقوى الجيوش مع جيش مشكى، يسهل عمله في دخول باقي الممالك. حتى وإن لم يستطع دخول مملكة أخرى بعد سفيد، فيكفيه أن يكون ملكًا لسفيد.
كانت عيونه تسبح في بحار بعيدة وأحلام أضحت قاب قوسين أو أدنى منه. حتى أن يده كانت ترتجف من شدة الحماس. نظر لحدود سبز التي تلوح في الأفق، والتي كان يدرك أن الخروج منها أسهل من شربة ماء في هذه اللحظة تحديدًا بعدما دمر العاصمة وآثار الذعر بينهم. فسحبوا كل جندي لتدارك ما يحدث داخل الممالك.
رفع يده في السماء وقد شعر في هذه اللحظة بقلبه ينتفض من الحماس وغروره يتغذى على ما فعله بالجميع. مد كفه وكأنه على وشك الإمساك بالشمس التي أوشكت على الغروب. لكن صبرًا، غدًا لن يمسك فقط بالنجم، بل سيسطع اسمه مثلها وينافسها إشراقة.
"ها نحن ذا يا رجال، على بعد خطوات من التحكم بهذا العالم القذر وتحطيم قوانين الممالك المتعنتة أسفل أقدامنا. انتهت عصور الأسلاف وها نحن نخط عصورًا جديدة بأيدينا نحن."
تهليلات انطلقت بقوة بعد كلماته، وقد بدأ الجميع يصرخ ويهتف باسمه في حماس كبير، وقد وصلوا لنقطة أبعد مما كانوا يتخيلون.
"الآن خطوات قليلة فقط نخطوها وحرب أخيرة نخوضها ومن ثم... يأتينا النصر زاحفًا على عقبيه."
اللمعت أعين الجميع بحماس شديد، وقد لاقت كلمات أصلان صداها المرجو داخل الصدور وحركت البحار الراكدة في صدورهم. فهؤلاء المنبوذون والذين نجوا من حروب كثيرة قديمًا، وحملات أرسلان التطهيرية لعرقهم النجس، ظنوا أن عصرهم انتهى بموت بافل قديمًا. ليعود أنمار ويحيي بهم أملًا خافتًا أشعل داخل صدورهم رغبة بالعيش والعودة لممالك سبق ونُبذوا منها. نصفهم منبوذين والنص الآخر مرتدين خائنين ملوا حياة الشرف وأحبوا حياة الخسة والضعة. وبعدما خرجوا مجبرين من وطنهم بعدما نبذت نفوسهم الخير والالتزام، فأنتُبذوا بالمقابل. ما كانوا ليضيعوا فرصة تحيي داخلهم شعلة التمرد والانتقام الذي برد منذ خرجوا صاغرين من بلادهم. وأصلان كان فرصتهم.
"الآن... ودعوا حياتكـــــــم القذرة هذه ورحبوا بحياة أخرى أشد بهاءً."
***
"أنتِ زوجة الملك، كيف حدث هذا؟!"
توقفت سلمى في منتصف الغرفة بعدما كانت تلتفت حولها تستكشفها باهتمام، مبتسمة للزهور التي كانت منتشرة بشكل مبهج. لكت فجأة اخترقت مسماعها كلمات الفتاة لتستدير صوب الفتاة ببطء. تنظر لها بعدم فهم. لتتحدث الأخيرة بصوت خرج بذبات لم ترتح لها سلمى البتة:
"أتعلمين ما كان يقال عن الملك أرسلان هنا؟!"
هزت لها سلمى رأسها بهدوء، وقد رأت أن تتجنب الحديث معها. فهي أدركت من نبرتها وكلماتها ونظراتها ما تريد الوصول له. تحرك عيونها في المكان وهي تخلع معطف أرسلان، تظهر فستانها الذي اختاره الأخير لها بنفسه.
تبتسم بسمة صغيرة وهي تبعد الغطاء عن وجهها والحجاب عن شعرها، مظهرة خصلاتها التي تخطت كتفها بعض الشيء، تهتف بصوت خافت:
"لا أهتم بالثرثرات، وبالطبع لن أحصل على معلومات زوجي من الثرثرلات، لذا لا أريد أن أعلم. أشكرك عزيزتي."
ختمت حديثها تستدير صوبها ببسمة صغيرة تشكرها بلباقة ورقي:
"وصحيح، أشكرك لمساعدتي في الوصول لغرفتنا أنا والملك."
كانت تضغط على حروفها بقوة وهي تنظر في عيون الفتاة التي اتسعت عيونها وهي تبصر سلمى، والتي كان جمالها... مختلفًا عنهم. لون بشرتها المميز والذي كان كمن لفحته الشمس فنال لونًا ذهبيًا مقاربًا لأشعتها، وعيونها الخضراء التي تحيطها رموش كثيفة وشعرها الأسود المسترسل خلفها رغم قصره. و... لحظة اعتراف أن الفتاة أمامها جميلة نعم، لكن في الممالك هناك من هن أجمل منها. توبة جميلة للغاية وتصنف من أجمل نساء الممالك.
فلماذا هي بالتحديد من تزوج بها أرسلان؟
"من أي مملكة أنتِ؟!"
كانت فضولية، وكان هذا أكثر ما تكرهه سلمى. لكنها قررت أن تكون لطيفة مع الفتاة لآخر لحظات صبرها:
"من مشكى."
"لا أتحدث عن مملكة زوجك، بل عنكِ، من أي مملكة أنتِ؟!"
هزت لها سلمى كتفها تجيب ببسمة باردة لا توحي بأي شيء يدور داخلها:
"مملكة أرسلان بيجان."
رمشت الفتاة بعدم فهم لما قالت سلمى في هذه اللحظة، بينما الأخيرة تحركت تخلع عنها فستانها وقد اكتفت بالثياب التي ترتديها أسفل ثوبها الطويل.
"أنا أنتمي حيث ينتمي زوجي، بالإضافة إلى أنني ابنة مشكى. والدي من مشكى، لذا نعم أنا من مشكى."
شردت بها الفتاة وهي تفكر في شيء جعل سلمى ترفع لها حاجبها وكأنها تتعجب مكوثها كل ذلك الوقت ولم تكد تفتح فمها تتحدث بكلمة تتسائل بها عن سبب وقوفها بهذا الشكل. حتى قاطعتها الفتاة بشك كبير:
"لكن لون بشرتك غريب، لا يشبه لون بشرة الأشخاص بمشكى. يبدو كما لو أن شمسًا تركت أثرها عليك، أو أنكِ مكثتي سنين في أسفل أشعة الشمس لتنالي هذا اللون. النساء هنا ببشرة بيضاء ناصعة وقليلات هن من يمتلكن بشرة سمراء، لكن لون بشرتك مريب."
رفعت سلمى يدها تتحسس بشرتها بهدوء، وقد ارتفعت السخرية داخل صدرها. لا تدري أكانت كلمات الفتاة سخرية منها أم انبهارًا من لون بشرتها المميز الذي ورثته من والدتها.
"آه، هذه نتاج التعرض لفترة طويلة من نيران عشق زوجي. لفحتني شمس أرسلان فاكتسبت لوني هذا منها."
على الغباء وجه الفتاة، لتقلب سلمى عيونها. ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى همست الفتاة بشرود وكأنها تفكر بصوت مرتفع:
"كان الملك أرسلان من أكثر الرجال الذين تحوم النساء حوله ولم يلتفت يومًا لأحداهن. إحدى الأميرات من على استعداد لفعل أي شيء وتنال منه نظرة. ما السبب ليفعل ذلك بالذات معكِ؟ هذا محير كثيرًا."
اتسعت عيون سلمى بصدمة من كلمات الفتاة، والتي تقابلها للمرة الأولى. لكن يبدو أن الأخيرة لم تدرك بعد أن أفكارها الداخلية تمثلت في كلمات مسموعة لسلمى، التي شعرت بكم الوقاحة المتسربة من الفتاة. ودون شعور أبصرت نظرات الفتاة التي تحركت عليها وكأنها تقيمها، حتى توقفت عيونها فجأة على حرق صغير يظهر من طرف بنطالها.
ولثوانٍ اهتزت حدقة سلمى التي لم تتأقلم بعد مع حروقها. ولم تكد تتحدث بكلمة تخرج بها تلك الفتاة من الغرفة حتى سمعت صوت طرقات خفيفة على باب الجناح يتبعها صوت رقيق.
"جلالة الملكة."
ابتسمت سلمى وهي تتحرك صوب الباب، وقد أدركت صاحبة الصوت تشعر بوصول حبل نجاتها من الفتاة التي تحدق بها بعداوة غريبة، وهي لم تقابلها سوى منذ دقائق فقط.
فتحت الباب بسرعة تستقبل الواردة بترحيب حار:
"توبة."
نظرت لها توبة ببسمة صغيرة تستقبل بها ترحيب سلمى بسعادة شديدة، وقد شعرت بالراحة من تعامل سلمى معها دون أي توتر بينهما:
"اعتذر لعدم وجودي في استقبالك و... نغمة؟ هذه أنتِ هنا؟!"
كانت كلمات متعجبة من وجود نغمة في جناح الملك أرسلان وزوجته وهي تقف بهذه الراحة. لكن تعجب توبة لم يكن شيئًا أمام صدمة نغمة التي أبصرت الاريحية في التعامل بين الاثنتين. كيف وهي تدرك أن توبة تهيم بزوج الفتاة. لقد كانت مهووسة به لدرجة أنها تزوجت لأجل فقط أن تعف نفسها عن التفكير به.
"توبة هذه... هذه تعرفينها؟!"
تعجبت منها توبة وهي تحرك عيونها بين الفتاتين في اللحظة التي دخلت بها كهرمان، ومن ثم تبارك اللواتي لحقن بتوبة لمعرفتهن بوجود سلمى في المكان.
"هذه؟!"
كانت كلمة مستنكرة خرجت من فم سلمى التي ضمت يديها لصدرها، وقد وصلت أخيرًا لحافة صبرها مع هذه الفتاة الغريبة. تتحدث بنبرة هادئة لا توحي بغضبها الكامن داخلها.
"لا أحبذ استخدام مثل هذه الإشارات النكرة التي لا توفي من يقف أمامك حقه."
توترت نغمة وهي تبصر نظرات الجميع لها، وقد شعرت فجأة برغبة في البكاء من الخجل. لكن سلمى لم تهتم وهي تتحدث معها بأكثر نبراتها سقيعًا:
"أشكرك لمساعدتي في معرفة غرفة زوجي. أستطيع المواصلة من هنا وحدي."
وكان هذا آخر ما قالته على مسامع نغمة التي هبطت دموعها بقوة ورحلت خجلة بعدما اعتذرت من الجميع تحت أعين توبة المصدومة ونظرات كهرمان المتعجبة من تصرفات سلمى.
وكان أول من خرج من صمته هي توبة التي تحدثت بهدوء واحترام شديد:
"سلمى، أقدر مكانتك صدقيني، لكن ما كان عليكِ التحدث معها بهذه الطريقة."
ابتسمت لها سلمى بهدوء وهي تتحرك في المكان ببساطة ولم تتحدث لثوانٍ، بشكل أثار تعجب الجميع منها. حتى جلست على أحد المقاعد وقد بدأت حروق قدمها تثير وجعًا مرعبًا بجسدها بعدما تلاشى تأثير الأعشاب المخدرة التي وضعتها لأجل الطريق.
"معاملتي لأحدهم ما هو إلا انعكاس لمعاملته عزيزتي."
شعرت كهرمان بأن هناك ما فاتهم قبل المجيء هنا. لذا على عكس المتوقع منها، تحركت صوب سلمى تتحدث بجدية ونبرة خطرة:
"هل أزعجتك الفتاة سلمى؟!"
"فقط لم أرتح لكلماتها وطريقتها في الحديث معي. بالطبع لن أكون سعيدة وهي تسخر من اختيار أخيكِ لي رغم أن الجميلات يحفونه من جميع الاتجاهات."
كان ردًا غاضبًا عبرت به سلمى بشكل متوارٍ عما حدث. لذا تنهدت توبة بصوت منخفض وهي ترحب بسلمى للمرة الثانية، ومن ثم استأذنت الرحيل لتنتهي من بعض الأمور العالقة.
وقد خرجت مباشرة صوب غرفة نغمة مصممة على معرفة ما حدث معها ومع سلمى قبل مجيئهم. فهي تدرك أن سلمى ليس من ذلك النوع العدائي الذي يجلد بلسانه من يقابله.
وبمجرد أن خرجت توبة، تحدثت كهرمان بهدوء:
"أدرك أن هناك سبب دفعك لـ..... يا ويلي سلمى، ما هذه الحروق؟!"
كادت سلمى تتحدث لها خاصة حينما أبصرت اندفاع تبارك لها بسرعة وهي تبادلها نظرات القلق. لكن قطع كل ذلك صوت طرق على باب الجناح وصوت أحد الجنود يخبرهم بوصول الطعام.
***
كانت ساعات طويلة قضاها الجميع داخل غرفة نزار بعدما خرج سالار لدقائق قليلة، ومن ثم عاد وأُغلق الباب من بعدها ولم يخرج أحدهم إلا على مشارف الفجر. ساعات طويلة ولا يدرك أحدهم فيما قضوها في الداخل. لكنهم يدركون أن ما سيحدث حينما يخرجون لن يعجب أحدهم.
وقد كان. كان أول الخارجين من المكان هو أرسلان الذي تحرك بسرعة مرعبة في الممرات وعيونه تطلق شرارات ونظرات مخيفة غامضة تنطلق من عيونه.
ابتسم بسمة غريبة وهو يتحرك صوب رجاله يتحدث بجدية كبيرة وهو يشير لقائد الموكب الذي تبعه:
"تجهز، فسوف أرسل معكم الملكة صوب المملكة. ستذهبون أنتم ومعكم الملكة وتحمونها بأرواحكم إن اضطررتم لذلك، فهمتم؟!"
هز الجميع رؤوسهم بطاعة كبيرة، ومن ثم تحرك هو من أمامهم صوب جناحه ليتحدث مع زوجته قبل رحيلها لمشكى. يبعدها عن كل ما سيحدث في الساعات القادمة. يبعد زوجته عن الحرب قدر استطاعته. هو لن يتحمل أن يمسها سوءًا. كل ذلك كان يحدث على مرأى ومسمع من أنمار الذي كان يجلس جانبًا يتلاشى أي احتكاك مع أي جندي من رجال أرسلان كي لا يسرع من هلاكه.
لكن بمجرد أن سمع كلماته، ابتسم بسمة غريبة.
***
"ماذا تقصدين أنتِ، لقد تزوجت الرجل الذي كنتِ تتمنينه كل ثانية و..."
قاطعت توبة نغمة بحدة وغضب من كلماتها، وكأنها تخشى حتى أن تخون نزار بذكر مشاعر هشة تجاه رجل آخر. مشاعر أخرى حمقاء طفولية ظنتها يومًا حبًا.
"نغمة، انتهينا، لقد انتهى كل هذا. صدقيني، كانت حماقة لا أحب تذكرها. الملك أرسلان لا يعني لي أكثر من كونه الملك أرسلان الذي احترمه كأخ أكبر."
"ماذا؟! هل تهزين أنتِ؟ منذ متى كل هذا؟!"
"منذ اللحظة التي أدركت بها أنني لم أحبه يومًا، نغمة. لم أحب أرسلان يومًا. وبكامل الأسف أنني أضعت أيامًا طوال أبكي انبهارًا برجل أبصرت منه ما لم أبصر في غيره. لكن الحمد لله أن عادت لي بصيرتي لأدرك أن... 'هناك من استطاع احتلال قلبي بالكامل كما لم يفعل غيره حتى أرسلان'."
جملة كتمتها توبة داخل صدرها، لأول مرة تخفي مشاعرها عن رفيقتها.
تنهدت بتعب:
"نغمة، أنتِ أخطأتي في حق الملكة، وأقسم بالله أي امرأة أخرى لم تكن لتكتفي بصرفك بهذه الطريقة. لو كنت مكانها لأمرت بفصل رأسك عن جسدك."
اتسعت عيون نغمة:
"ماذا؟!"
"ماذا، أنتِ تقللين من قيمتها وتسخرين من لون بشرتها وتتعجبين تزوج الملك بها، ولم تدركِ مع من تتحدثين أنتِ."
صمت تصرخ بضيق من رفيقتها:
"نغمة، هذه... ملكة مشكى. استوعبي ما فعلتي وانصحك بالاعتذار لها."
ختمت حديثها وهي تتحرك خارج الغرفة. لكن ما كادت تخرج حتى توقفت مجددًا لتتكلم بصوت منخفض:
"وكذلك انصحك بنسيان ما كنتِ تهزين به في غمرة سكري بمشاعر كاذبة قديمًا، ولا تذكري الأمر مجددًا. وهذا رجاء مني، نغمة، فأنا لا أحب تذكر غبائي القديم."
خرجت من الغرفة بمجرد أن انتهت من كلماتها، تاركة نغمة تقف في المكان تحدق بالباب المغلق بصدمة كبيرة. بينما توبة تحركت في الممرات صوب غرفتها تفكر في الحصول على بعض الوقت مع نفسها كي تتماسك قبل التحرك والذهاب للأطمئنان على نزار.
***
ومن بعد تلك الساعات تبعها ساعات أخرى طويلة مرت عجيبة مريبة على الجميع.
حركات غريبة وتصرفات غريبة كانت تصدر من الملوك في الساعات التي سبقت مساء اليوم.
مواكب الأميرات كلها بدأت تخرج من قصر آبى، وقد شرع كلٌ يخرج زوجته ومن يخصه من النساء من سبز، وقد كانت بؤرة الخطر الأكبر تتمثل بها باعتبارها مركز تجمعهم، وكذلك سفيد هدفهم الأول.
موكب تلو الآخر يخرج من قصر سبز والأعين تتابع ما يحدث. وقد أعلن الملك بارق حالة استنفار في البلاد وانطلقت أبواق الحرب تعلو في سبز.
في الوقت ذاته كانت أبواق الحرب تدوي في بقاع الممالك أجمع، وقد أدرك الجميع أنها النهاية.
فالحرب لم تنتهي بعد، والفوز لهم مصيرًا حتميًا.
وفي الجحر.
كان أصلان يتابع استعدادات رجاله يستقبل بداية اليوم الجديد ببسمة وأكل كبير.
ومع أذان فجر يوم جديد... كانت الحرب الأخيرة تعلن عن نفسها بقوة بين ربوع الممالك الأربع.
تحرك أصلان بجيوش وأعداد غفيرة صوب سفيد وهم يدكون الأرض أسفلهم وكأنهم يعلمون القاصي والداني بقربهم.
أصلان يتقدم الجيوش على حصانه، وقد كانت بسمته تزداد اتساعًا كلما أبصر سفيد تلوح في الأفق. كلما اقترب خطوة واحدة من سفيد اقترب حلمه منه أشواطًا. يدرك يقينًا أن إيفان وسالار في هذه اللحظة ما يزالان بسبز، وكذلك أرسلان. أما عن نسائهم فهن في أمانته لبقية اليوم حتى ينتهي كل هذا، أو حتى تنتهي حياتهن.
اتسعت بسمته بقوة وهو يتذكر الأخبار التي وصلت له قبل ساعات قليلة حينما بشره أحد رجاله أن جميع الملوك أبعدوا نسائهم عن سبز وسلموهم للجنود. جنوده الأحباء، وربما هن الآن يتلقين ضيافة مشرفة مع بعض رجاله في الجحر. وستكون هذه بطاقته الأخيرة التي يستخدمها أمامهم.
وهذا ما حدث. ففي اللحظة ذاتها التي كان أصلان يزحف بجيوشه صوب سفيد، كان رجاله يتحركون مع النساء بعدما تعدوا على المواكب الخاصة بالملكات في الطريق وقتلوا من قاومهم وأخذوهم صوب الجحر.
والآن على مشارف سفيد توقف هو ورجاله يحدقون بأسوارها في طمع وجشع. غامت عيون أصلان بمشاعر عدة قبل أن ترتسم بسمة واسعة غير مبررة على فمه وهو يهتف بصوت مسموع:
"وصفوكم بالذل ونبذوكم من ديار أنتم أحق منهم بها، والآن يا رجال حانت ساعتهم واتتكم لحظة انتقامكم على طبق من ذهب. أتضيعونها؟!"
فجأة رجت الأرجاء صيحات وتهليلات قوية كادت تسقط أسوار سفيد لحدتها. الجميع يهلل ويهتف بالنصر وقد اشتعل الحماس في الصدور. لا يبصرون أبعد من نصرهم الوشيك.
أما عن أصلان فقد ابتسم بسمة أخيرة قبل أن تتلاشى ويهتف بجدية وصوت صاخب رن في الأجواء حوله بقوة:
"إذن دكــــــــــــوا حصون سفيد.... لا تزروا منهم فردًا، اغسلوا سفيد بدمائهم."
وبمجرد أن نطق تلك الكلمة اندفعت جيوش أصلان صوب الجدار الذي يحيط سفيد من الخارج يندفعون للبوابات يحطمونها تحت وطأة دفعهم في دقائق معدودة.
ومن بعدها فُتح الجحيم على كل من بسفيد.
اندفع أصلان بجيوشه للبلاد يعيث الخراب بكل خطوة يخطوها داخل البلاد، يحطمون كل ما يقابلهم ويدمرون كل ما يقف في طريقهم.
اندفعت النشوة والحماس داخل الصدور وهم يبصرون تقدمهم السلس صوب القلعة الخاصة بسفيد. كانت الصدمة من يسر ما يحدث تعمي العيون عن غرابة وسهولة دخولهم البلاد.
وطوال طريقهم في العاصمة لم يبصروا مقاومة من شخص واحد حتى. لم يوقفهم أحد ولم يعترض طريقهم أحد. وهذا ما لم يدركوه في غمرة نصرهم التي تحيط بهم وتغشي عيونهم.
أصلان فقط الوحيد الذي كان متحفزًا بشكل غريب، يراقب المكان حوله يترقب مريب ينتظر حركة غريبة لينتفض برجاله. هو متيقن أن لا أحد يدرك خطته بالتوجه لسفيد بعدما أشاع أنه سيتوجه لسبز أولًا. إذن ما هذا السكون الغريب؟
فجأة ومن بين أفكاره التي كانت تدور برأسه وحينما وصل لمنطقة قريبة من سفح الجبل الذي يقبع على قمته قصر سفيد، توقف بجيوشه حينما سمع صوتًا مريبًا.
رفع كفه في الهواء يوقف تقدم رجاله وقد بدأت عيونه تدور في المكان على جميع الاتجاهات بحثًا عن مصدر الصوت.
وقبل أن يتحدث بكلمة واحدة اتسعت عيونه حينما أبصر سهمًا يخترق صدر الرجل الذي يقف تحديدًا بجواره. تصلب جسد أصلان وهو يرفع عيونه ببطء صوب الطريق أمامه. لكن فجأة تراجع بقوة للخلف حينما أبصر سهمًا آخر يتوجه صوب الرجل من الجهة الأخرى بجواره.
لتعم فجأة فوضى عارمة في المكان حينما أبصر الجميع راميين سهام سفيد يملئون الجبل أمامهم وخلفهم تعلو أعلام سفيد يتقدمهم دانيار الذي ابتسم بشكل مرعب وجواره يقف تميم الذي مد يده بشيء صغير، يلوح به في الأفق وفجأة القاه في الهواء بقوة لتتحرك عيون الجميع بترقب صوب ذلك الشيء الذي ألقاه تميم. وقبل محاولة فهم ما يحدث.
كان دانيار يحمل يضع خمس سهام في قوسه، ومن ثم أمسك شعلة يشعل بها السهام، وفي ثوانٍ أطلقهم صوب الكرة التي ألقاها تميم في الهواء. وما هي إلا غمضة عين وكانت سماء سفيد تسقط أمطارًا كالنيران على الجميع أسفل الجبل لتعلو صرخات الرجال برعب مما يحدث.
ابتسم دانيار بسمة واسعة:
"كان الأمر يستحق تفجير قصر سفيد مئات المرات يا تميم."
راقب تميم نتيجة قنبلته العزيزة التي كلفته سنوات طويلة وتفجيرات أكثر ليصل لهذه النتيجة، يردد ببسمة جامدة:
"جميلة ها؟!"
كان أصلان يراقب ما يحدث وهو يختبأ خلف درعه، وقد بدأ جميع رجاله يحتمون بالدروع يتجنبون النيران التي بدأت تسقط عليهم من السماء. وحينما هدأ الأمر رفع أصلان عيونه لهم وقد بدأ صدره يرتفع بشكل مرعب يبتسم لهم بسمة صغيرة.
وقبل أن يتحدث بكلمة يأمر جنوده بالتراجع للخلف حتى ينفذ هجمته المخطط لها، وقد كان يعلم ما سيلاقيه منهم واستعد لكل خطوة.
رفع يده في إشارة معروفة وهو يشير لهم بالتراجع لتنفيذ خطته بالمراوغة.
أبصر فجأة أعلام سوداء تلوح في الأفق وأعداد غفيرة تتقدم صوبهم يحملون أعلام مشكى، يتقدمهم المعتصم الذي كان يتشح بالسواد ولا يظهر منه سوى عيونه.
تراجع أصلان بجيشه للشرق وهو يمرر عيونه على جيوش مشكى التي تتقدم صوبهم بشكل مخيف وكأنهم أشباح، جميعهم يتشحون بالأسود.
وفي ثوانٍ كانت أعلام آبى تلوح في الأفق وجيوش آبى تسد مخرجهم الثالث من الشرق، لكن الصدمة الأكبر كانت أن من تقدم جيوش آبى هو سالار و... نزار.
نزار الذي كان في هذه اللحظة قد تناسى سوء حالته الصحية وكل جروحه. فنيرانه أشد من وجعه، ونيرانه لن تنطفأ إلا حينما يبصر جسد أصلان يتقطع أمامه. يراقبه وعيونه لا تبصر في المكان سوى أصلان فقط، وجواره يقف الوليد وهو يبتسم له.
كان يراه، يرى جسد أخيه وهو يلوح له بيده مبتسمًا. اشتدت ملامح نزار بشكل مفزع وقد غامت عيونه بدموع مقهورة يضغط على سيفه بقوة، يتنفس بصوت مرتفع وقد أقسم بربه ألا ينتهي هذا اليوم إلا حينما يقتص لأخيه.
وعلى عكس المتوقع اتسعت بسمة أصلان بقوة:
"أوه، ما زلت حيًا؟! أنت عنيد حتى أكثر من أخيك."
صمت وهو يبصر عيون نزار التي كانت حمراء بشكل مرعب، وهو ينظر له بهدوء قاتل. أما عن أصلان فلم تسمح له نفسه أن ينحني حتى أو يظهر خوفًا على مرأى منهم، لذا إن كان محتمًا عليه أن يموت، فليحطمهم قبل أن يفعل.
"كان الوليد عنيدًا حتى وقت موته، ظل يتشبث بالحياة بعناد غريب."
انتفض صدر نزار بقوة وقد اهتزت عيونه ليدرك أصلان أنه أصاب وترًا داخله:
"نعم، كان ما يزال حيًا حينما رحلت. ظل يتنفس بعناد. كان ليعيش بعد تلك الطعنة، فهي لم تكن بهذا السوء على أية حال، كانت فقط مؤلمة. وأنا... لم يهن عليّ تركه يتعذب بهذا الوجع طويلًا يا نزار، فقدمت له خدمة لا أقدمها للكثيرين... الموت الرحيم. فصلت رأسه عن جسده بالكامل لأتأكد أنه لن يتألم بعدها أبدًا."
سقطت دمعة من عيون نزار دون شعور رغم ملامحه المنقبضة. اندفع القهر في صدره وملأ قلبه. ورغم كل ما يدور في داخله إلا أن لا شيء انعكس على ملامحه سوى غضب. غضب مرعب كان ينبئ بعاصفة قادمة.
"والآن اعزائي، لا تعتقدوا أنكم انتصرتم، فحتى لو فزتم في معركة، فالحرب لم تنتهي. يكفي أنني إن غادرت سأترك لكم أثرًا مني. كل منزل احترق وكل جثة سقطت وكل حجر انهار من المنازل وكل عزيز فقدتم..."
قال الكلمة الأخيرة وهو ينظر صوب نزار ومن ثم أكمل:
"كل هذه انتصارات لن تُمحى ولن يُمحى أثرها ولو عشتم أعوامًا فوق أعوامكم."
ختم حديثه وهو يبصر بطرف عيونه وصول الملوك جميعهم عدا آزار. وقد تقدم كلٌ جيشه. والصمت حل على الجميع، وقد تحول سفح جبل سفيد لساحة حرب ستكون الأخيرة.
أخرج أرسلان سيفه بهدوء من غمده وهو يلوح به في الأفق في إشارة منه بالاستعداد. وبالفعل بمجرد أن أخرجه سمع الجميع أصوات استلال السيوف تعلو في المكان.
أما عن سالار فقد ابتسم بسمة صغيرة وهو يخرج سيفيه يحركهم في الهواء وكأنه يجهز مطحنة ستقطع كل من يقترب منه.
يجواره إيفان الذي شدد قبضته على سيفه وهو يتابع المكان بأعين باردة كالصقيع مخيفة.
وبارق جوارهم يحمل بين يديه سهامه وفي غمده استكان سيفه براحة.
بينما أصلان فقد أخرج سيفه وهو يحرك عيونه في أوجه الجميع يهتف بصوت غريب:
"هذه الحرب إن انتهت بخسارتي، فلن تكون خسارة لي وحدي أقسم لكم بذلك. وفي هذه اللحظة التي تحيطونني بها، يحيط رجالي بنسائكم وممالككم."
صدر صوت ساخر من حنجرة أرسلان الذي تحدث بصوت حاد وصل لمسامع الجميع:
"في هذه اللحظة التي نحيطك بها يكون الملك آزار قد أحاط بالحجر وقطع أطراف رجالك الذين كانوا ينتوون التحرك للممالك. ونفسها هذه اللحظة التي نحيطك بها تتجهز النساء لأجل زفافي الذي سنستخدم به دمائك لكتابة دعواته."
صمت أرسلان ثوانٍ وهو يبصر نظرات الاستنكار التي هربت من عيون أصلان، ليهتف له بسخرية:
"هل ظننت بكل حمق أننا سنسمح للنساء بالسفر مع الجنود؟! المواكب التي أخذها رجالك للاستمتاع بمن فيهن لم يكن بهم أي من نسائنا بل كان بها..."
صمت قبل أن يلقي كلمته ببسمة واسعة:
"والدتك يا قلب والدتك."
اتسعت عيون أصلان وقد سحب وجهه بعدم ينظر في وجه أرسلان الذي ازدادت بسمته اتساعًا:
"وهذه ليست سبة معتادة مني، بل كانت والدتك بكل ما للكلمة من معنى."
***
قبل ساعات طويلة من كل ذلك...
تحرك سالار في المكان وهو يستمع لكلمات أرسلان الذي بدأ يرسم الخطة وهو فقط يستمع بهدوء شديد قبل أن تتسع بسمته بشكل غريب، وهو يتحدث بصوت خافت:
"يبدو هذا جيدًا لي، لكن دعني أضف بعض لمساتي السحرية."
ابتسم له أرسلان بمزاح:
"أحب لمساتك حينما تعلو تلك النظرة المختلة عيونك، على الأقل هناك من يفكر بشكل صحيح في سفيد بعيدًا عن حياة الحكماء."
قلب إيفان عيونه بسخرية وملل، بينما سالار بدأ يعرض وجهة نظره ويضيف بعض النقاط على حديث أرسلان لتعلو نظرات الجميع الانبهار.
ويتحدث بارق بموافقة:
"يبدو هذا... أكثر من مناسب لي، إذن سأتحرك بجيوشي صوب الجحر و..."
تحدث آزار والذي كان صامتًا بروح منطفأة وثأر مشتعل:
"أنا من... سيذهب للجحر، لا أحد سيذهب هناك سواي، سوف اذهب لأنتشل جثمان ولدي لأكرم مثواه."
نظر له بارق ثوانٍ بحزن شديد عليه ولأول مرة يبصر انكسارًا في عيون آزار وقد بدا أنه فقد جزءًا من روحه لن يستعيده بسهولة. أو ربما أبدًا.
تنهد سالار بوجع لأجل خاله، وهو ما يزال لا يصدق ما سمعه منذ ثوانٍ ونيران صدره مشتعلة بقوة:
"إذن تقود جيوش سبز وتذهب أنت خالي، لا نريد أن نثير الشكوك لخروجك من هنا وإحضارك جيوش آبى، ونزار..."
صمت وهو ينظر صوب نزار:
"أنت ستظل هنا و..."
"لن يحدث، أنا من سأقود جيوش آبى، لن أنسحب من حرب تطفئ نيران صدري."
تعجب الجميع من كلماته ليتحدث أرسلان بصوت يحاول جعله هادئ قدر الإمكان:
"نزار، أنت ما تزال خائنًا في عيون الجميع، كيف تقود رجالًا لا يرونك سوى خائنًا؟"
نظر له نزار وهو يدرك أن أرسلان محقًا، فهو لم يبرأ ساحته أمام الجميع بعد، ما يزال حقيرًا في أعينهم، لكنه ورغم كل ذلك لن يتخلى عن حربه ولو اضطر ليذهب وحده ويقود جيشًا لا يتكون سوى منه.
أبصر سالار أفكار نزار التي كانت واضحة بشكل كبير على ملامحه ليشفق عليه، ورغم أنه لم يكن بهذا القرب من نزار إلا أنه يومًا لم يتوقف عن اعتباره شقيقًا له، لذا تحرك صوبه يضغط على كتفه بمؤازرة.
"سأذهب معك."
رفع له نزار عيونه بصدمة ليبتسم له سالار وهو يسربت على كتفه:
"سأذهب معك لسحب جيوش أبى وأخبر الجميع أن لا قائد لهم سواك أخي."
هز إيفان رأسه بموافقة، وقد كان هذا هو الحل الأسلم، فجنود أبى لو كانوا يثقون ويطيعون أحدهم غير الملك آزار وسابقًا نزار، فهو سالار. ابتسم له نزار بامتنان، ليهز له سالار رأسه بدعم قبل أن يعلو صوت أرسلان الهادئ والقلق في باطنه:
"الآن الجزء الأهم... ماذا عن النساء؟!"
نظر له الجميع بهدوء ليتحدث سالار باقتراح:
"أقترح أخذهن لآبى، فسبز الآن خطرة وكذلك سفيد، وربما مشكى أو آبى. لكن آبى سيكون أفضل لوجودي ووجود نزار معهن في الطريق، وكذلك هي الأقرب لنا هنا."
"خروج المواكب سيثير الشكوك وقد يخمنون معرفتنا نيتهم، وربما يتسبب هذا في تعرضهم للخطر."
كان هذا صوت إيفان الذي خرج عن صمته يوضح لهم الصورة. لكن صمته لم يطل إلا وخرج لهم بالحل الفوري وهو يبتسم بسمة خبيثة غريبة:
"ربما يمكننا استخدام المواكب كتضليل جيد لخروج نزار وسالار مع النساء."
نظر له الجميع بعدم فهم ليبدأ هو بشرح فكرته بإرسال المواكب فارغة معهم، في الوقت الذاتي الذي يتحرك به سالار ونزار مع النساء من الطريق الخلفي للقلعة.
لكن أرسلان ما كان ليمرر خطة كهذه دون وضع لمسته:
"إذن ألا... هذا الوسخ أصلان عزيزًا."
نظر له الجميع بعدم فهم، لكن بارق تحدث بهدوء وهو يفكر:
"بلى، والدته تقطن في أحد الأحياء في سبز هنا، هذا ما علمته مؤخرًا بعد بحث طويل خلفه، كان الحقير يخفيها عن الأعين."
اتسعت بسمة أرسلان بخبث شديد ليشعر الجميع بريبة من أفكاره المريبة والغريبة التي يخرج بها في كل ثانية.
وقد كان فلم يبخل عليهم أرسلان بخطته وهو يسمعهم ما فكر به. وبعد دراسة الأمر من جميع النواحي، وتأمين المرأة لضمان أن سوءًا لن يمسها وفقط ستكون بطاقة لتحطيم أصلان.
اتفق الجميع على ما سيحدث وخرج سالار لينفذ أول خطوة وهي أنه أرسل رسالته لسفيد مع بعض الجنود الذين يثق بهم، يعلم بها دانيار وتميم أن يفرغوا العاصمة ويأمنوا على شعبها ويزيلوا الجنود عن الحدود ويتجهزوا للحرب.
وكذلك أرسل بعض رجاله بالمثل للمعتصم في مشكى والقائد في أبى. كما أرسل البعض لإحضار والدة العزيز أصلان ووضعها في قصر سبز لحين ينتهي كل هذا. وحينما تأكد أن كل شيء تم كيفما يريد عاد لهم ليكمل الخطة التي وضعوها، لكن بمجرد دخوله سمع صوت بارق يهتف بجنون:
"نزار، لا تثر جنوني، أي زواج هذا الآن؟! هل ستتزوج ابنتي والحرب على الأبواب؟!"
رفع سالار حاجبه وهو يغلق الباب خلفه بهدوء يتابع ما يحدث ببسمة غريبة. ونزار كان الإصرار يملئ عيونه وهو يردد كلماته:
"لن أخطو خطوة واحدة خارج هذه الغرفة إلا حينما يسبق اسمي اسم ابنتك ملك بارق."
اشتعلت عيون بارق بقوة وهو يحدق بآزار:
"أيها الحقير، ما بك صامتًا، تحدث لولدك آزار، لقد جن و..."
"هو محق بارق، زوجه لابنتك، هل ترى أن بني لا يليق بها أو ما الذي يدفعك للرفض؟"
حرك بارق عيونه بينهم بعجز وكأنه يحاول الحديث بواقعية بسبب رفضه لهذا الزواج لهذه الطريقة. يتنفس وهو يحاول إخراج كلماته:
"هي... ابنتي لم تتعافى بعد مما حدث لها آزار، كيف... أزوجها بهذه الطريقة وبهذا الشكل وقد أنهت عدتها بالكاد... لا يمكنني أن أجبرها على هذا و..."
"عم بارق، اسمعني، أنا... أنا نلت ما يكفيني حتى الآن، ولن... لن أرحل من هنا إلا حينما تكون توبة زوجتي أمام الله والجميع. وبعدما ينتهي هذا كله أقسم أقيم لها زفافًا تتحدث عنه الممالك وأحضر لها مهرًا لم يقدم لغيرها من قبل."
التوى ثغر أرسلان بسخرية وهو يضم يديه لصدره بضيق عيونه بهدوء عليهم:
"نعم، وافق أيها العجوز وسنقيم زفافه في مشكى قبلي حتى."
رفع إيفان حاجبه بعدم تصديق:
"لهذه الدرجة؟! تدعه يتزوج قبلك وأنت عقدت القرآن قبله. لقد ظننت أنك لن تنتظر لتتزوج بها."
زفر أرسلان بضيق يشير صوب نزار بغضب:
"ماذا أفعل وهذا الحقير لم يتذكر أنه يريد التزوج سوى الآن؟! سأتركه ليتزوج قبلي حتى أرى ما سيقدمه لزوجته، لأتأكد أن لا أحد سيقدم أفضل مني."
ختم حديثه وهو يبعد عيونه بحنق عن الجميع وقد بدا في هذه اللحظة كشخص عنيد يبحث بين أعمال الآخرين ليقيمهم ويصنع الأفضل.
ضحك سالار بصوت مرتفع على ما يحدث وقد أدرك مقصد أرسلان، بينما نزار لم يهتم بكل ذلك:
"إذن ما رأيك عم بارق، ستزوجني ابنتك؟!"
"هي الآن ليست..."
"اسألها، ارجوك اسألها هي... فقط خذ رأيها."
نظر لهم بارق ثوانٍ بضيق قبل أن يندفع من الغرفة بسرعة تاركًا الجميع خلفه يحدق في ظهره بعدم فهم. نظر أرسلان صوب نزار بضيق:
"انظر كيف أغضبت العجوز ونحن بحاجة لجنوده الآن؟! هل انتهت الحياة أم وصلنا للقيامة أيها النذل لتصر بهذا الشكل على الزواج وكأن لا غد."
رماه نزار بغضب لينفخ أرسلان وهو يتحرك خارج الغرفة ينتوي الذهاب لإخبار رجاله بالتجهز لنقل الملكة.
أما عن آزار نظر لولده بحنان يتقدم منه يجذبه لأحضانه بحب وكأنه يبحث بين أحضانه عن مسكن لأوجاعه في هذه اللحظة.
وسالار يتابع ما يحدث مع إيفان الذي تنهد يستأذن منهم لإخبار زوجته بما سيحدث تاركًا الثلاثة خلفه وحدهم يحاولون أن يلملموا جروحهم. اقترب سالار من نزار يجلس جواره من الجهة الأخرى وهو ينظر أرضًا بصمت تاركًا نزار شاردًا في اللاشيء، قبل أن يقرر التحدث وأخيرًا بصوت مختنق:
"ربما لم تأتني الفرصة لقول ذلك يومًا، لكنك... أخي نزار. منذ يوم كنتَ رضيعًا صغيرًا هشًا أبكي لحمله بين يدي حتى وأنا لا أمتلك القدرة على ذلك مدعيًا بين الجميع أنك أخي وأنا من أحق بحمله فقط. لم... لم أفكر يومًا في هذه الحياة أن..."
اقترب من مكانتك لدى خالي، من الأساس أنا لا أستطيع ذلك حتى إن أردت. أنت..."
صمت وهو يرفع رأسه بعد ثوانٍ:
"أنت أخي نزار، وربما كان الأمر منذ البداية خطأي أنني ومنذ نبذتَ صحبتي ترفعتُ عن الاقتراب منك بكبر أحمق ونسيت أنك في النهاية أخي. أعماني الشيطان بكبرياء غبي عن رؤية ما يحدث معك ووحدتك طوال تلك الأيام و..."
"لم أكن وحيدًا، كان أخي معي طوال الوقت."
كانت جملة اعتراضية خرجت من نزار دون شعور وهو يدافع عن وجود الوليد طوال الوقت معه. الوليد ومنذ طفولته كان الصديق الأول والأوفى له، كان على استعداد للتضحية بحياته لأجله وقد فعل بالفعل.
نظر سالار صوب أصابعه شاردًا بندم وقد لمعت عيونه بشكل غريب يهتف بصوت مختنق يدرك أن الطريق بينه وبين نزار ليس بهذا اليسر:
"نعم، كان... كان معك الوليد، رحمه الله عليه. عسى أن يتغمده الله برحمته ويتقبل توبته."
رفع له نزار عيونه دامعة وقد شعر لوهلة بأمل يتساءل بصوت مختنق بغصته:
"هل... يتقبل الله توبة لم تتم يا سالار؟!"
نظر سالار لعيونه ثوانٍ يبصر معاناة وألم وقد كان أشبه بسكين يبحث له عن منفذ هواء صغير.
"لقد قلت أنه انتوى توبته قبل الموت صحيح؟!"
هز نزار رأسه بلهفة وهو يهتف باكيًا:
"نعم، لقد... انتوى، أقسم بالله فعل، لقد... كان سيسلم نفسه لأبي ويُحاكم على كل ما فعل، كان ينتوي التوبة، لكنه... أدركه الموت قبل كل ذلك."
ابتسم له سالار بحنان وهو يربت عليه بلطف:
"الوليد لم يكن مشركًا بالله ولم يكن كافرًا، كان يعلم أن الله موجود ويقر بوجوده. هو ضل وذل وزين له الشيطان أعماله وحاد عن طريق الحق وارتكب في نفسه وغيره الكثير، لكنه في النهاية ندم وانتوى توبة لم يبلغها، لذا حكم الدين في الأمر أن أمره كله لله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فقط أكثر له من الدعاء."
بمجرد انتهاء كلمات سالار رنت جملة الوليد في أذن نزار وهو يهتف له بوجع: "لا تنساني يا أخي، ادعو لي الله أن يغفر لي، فقط تذكرني يا نزار."
سقطت دموع نزار عند هذه الذكرى وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة بسبب بكائه. وقد أدرك سالار أنه يدعو لأخيه، اقترب منه أكثر وهو يفتح أحضانه له بتردد، يمد يده له للمرة الأولى، خطوة تأخرت كثيرًا، لكنه لن يتردد لحظة أخرى.
نظر نزار لذراعيه ثوانٍ بأعين باكية قبل أن يلقي نفسه بها وهو ينفجر في بكاء حاد، وسالار يضمه له بحب يربت عليه ويقبل رأسه بحنان وقد أخذ يقرأ عليه بعض آيات القرآن عن الصبر يربت بها على قلبه. كل ذلك تحت أعين آزار الذي كان يجلس جوارهم يراقب ما يحدث بأعين غائمة بالحزن والقهر. ورغم كل ما يحدث ابتسم دون شعور حينما رأى وأخيرًا تقرب ولده من سالار.
لم يكونا الإثنان أعداء من قبل، لكن العلاقة بينهما كانت فاترة بشكل غريب، فعلاقة نزار بأرسلان كانت أعمق من علاقته بسالار وهو لا يبتأس لقرب ولده من أرسلان، بل على العكس يسعد لوجود من يعتبره ولده صديقًا مقربًا له، وكذلك علاقة سالار بإيفان كانت أقرب من علاقته بنزار، والآن وبعد كل تلك السنوات يبصر وأخيرًا بذرة أمل بدأت تطرح في أرض علاقتهما. تنفس بصوت منخفض وهو يتمتم بكلمات شبه مسموعة:
"ليبعد الله عنكما كل سوء، وليغفر الله لك يا الوليد، عسى الله يغفر لك بني، ويسامح والدتك على ما فعلت بنا، لأنني لن أسامحها يومًا."
***
كانت في طريقها للخروج من الجناح الخاص بها قبل أن يوقفها طرق الباب. ثوانٍ أذنت للطارق فابصرت والدها يتحرك الداخل ببسمة صغيرة وهو يهتف بحنان يفتح لها ذراعيه:
"حبيبتي."
تحركت توبة صوب أحضان والدها وهي تلقي نفسها بينها ترتشف من حنانه ما يعينها على الثبات في ظل ما يحدث من حولها.
ظلت دقائق طويلة داخل أحضانه دون التحدث بكلمة واحدة، وهو فقط يضمها بحب شديد، يربت على ظهرها بلطف وحنان قبل أن يقرر قطع تلك اللحظات الصامتة ويهتف بصوت خافت:
"ذلك اليوم الذي جاءني به أنمار طالبًا يدك ابنتي لم أشعر للحظة واحدة بالراحة، لكنني ارتأيت أن آخذ رأيك وحينما أبصرت منك موافقة لم أجد بدًا من القبول."
غشى عيون توبة ندم قاتل وهي تحاول تجاوز ذلك الجزء من حياتها ليكمل بارق، والذي انتبه بنظراتها:
"شعرت أن ذلك الرجل ليس الزوج الذي تخيلت نفسي أزفك إليه، ليس مبهرًا كفاية ليفوز بجوهرتي الغالية، لطالما حلمت أن أسلمك لرجل تحسدك النساء عليه ويعاملك معاملة تليق بأميرتي."
ابتسم بحنان وهي تبكي دون صوت ولم تبصر أمام عيونها في هذه اللحظة سوى نزار وهو يبتسم لها ويستفزها، يحميها ويحيطها بوجوده طوال الوقت. صوته وهو ينطق "سمو الأميرة" كما لو أنه يدللها لا ينطق لقبها. أغمضت عيونها بقوة وهي تحاول الخروج من حالتها والتركيز مع والدها الذي أبصر شرودها ليبتسم وهو يبعدها عنه بلطف يمسك ذقنها بحب:
"سبق وسألتك إن جاءك رجل مناسب فما رأيك وأخبرتني أنكِ يومًا لن تقبلي بتكرار التجربة مجددًا، ماذا إن كان ذلك الرجل هو نفسه الرجل الذي تمنيته لكِ، رجل دمث الأخلاق سيعتني بكِ كما يعتني بجوهرة هشة، الرجل جاءني يجدد عرضه ويرغب بكِ زوجة له اليوم والآن فما رأيكِ."
شعرت توبة بالوجع وهي ترى سعادة والدها بذلك الرجل، لكن ماذا عن قلقها هي، هل تلقي بنفسها مرة ثانية بين أحضان رجل آخر غير ذلك الذي أحبته؟
"أبي أنا فقط لا يمكنني أن..."
"حسنًا، الأمر بيدك يا ابنتي، لكن أنتِ لا تريدين أحزان آزار صحيح؟!"
نظرت له توبة بعدم فهم:
"العم آزار وما علاقة العمل آزار بـ..."
صمتت وشعرت وكأن قلبها هوى أرضًا والمكان يدور بها وقد صعب عليها أخذ أنفاسها بشكل طبيعي:
"كيف لا علاقة له؟! أوليس نزار ولده؟! بالطبع سيحزن إن رفضتي ولده للمرة الثانية."
شعرت توبة في هذه اللحظة أن قدمها لم تعد تحملها وكادت تهوى أرضًا لولا يده والدها الذي أمسكها بفزع يضمها له بخوف:
"بسم الله، ما بكِ يا ابنتي، جسدك يرتجف."
رفعت عيونها لوالدها وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي تهمس اسمه بصوت خافت مرتجف وكأن قلبها هو من ينطقه وليس لسانها:
"نزار... نزار تقدم لـ... للزواج مني؟!"
"مرتين، الرجل جن يا ابنتي وأقسم بالله ألا يتحرك خطوة ولن يذهب للحرب إلا حينما تصبحين زوجته، فماذا تريدين أنتِ؟! أتشفقين على المسكين وتقبلي، أم نرفضه للمرة الثانية؟!"
نظرت له توبة ثوانٍ بأعين متسعة ووجه شاحب وقد بدأ جسدها يرتجف، وفجأة انفجرت في بكاء حار لا تصدق ما تسمع. وقد منحت توبة والدها للتو أغرب رد لعروس حين أخذ رأيها في زواج، انفجرت في بكاء وهي تهتف من بين دموعها:
"هل... هل أنت صادق يا أبي، بالله عليك أخبرني أنني لا أحلم؟!"
ارتجف صدر بارق وهو يجذب ابنته بين أحضانه، وإن كان يعارض عقد القرآن في هذا الوقت ولو بنسبة صغيرة فهو الآن يقسم أن الحقير نزار لن يخطو خارج غرفته إلا حينما يزوجه ابنته حتى لو كان يرفض الأمر من الأساس، الحقير سرق قلب صغيرته لتهيم به لدرجة البكاء بعدم تصديق حينما علمت أنه تقدم للزواج منها.
"نعم يا قلب أبيكِ، الرجل يكاد يهيم على وجهه بين الممالك لأجل أن توافقي عليه، وقد طلب عقد القرآن الآن."
حاولت توبة التنفس بشكل طبيعي من بين شهقاتها وهي تبتسم بسمة غير مصدقة:
"أنا... أنا... موافقة أبي."
ضحك بارق بحنان وحب:
"نعم يا قلب أبيكِ، هذا واضح حبيبتي، ماذا فعل بكِ ابن آزار هذا؟! الآن يأتي ليسلبك مني؟! أين كان كل تلك السنوات؟!"
نظرت توبة أرضًا بخجل وهي تعض شفتيها ليبتسم لها بارق بحنان وقد تنفس واخيرًا براحة، فهو ليس بالأعمى ليغفل عن عشق ابنته لنزار، لقد كادت تفقد وعيها من شدة البكاء حينما أبصرت حالته، توسلته وكانت على استعداد لتتوسل العالم بأكمله ليُسامحه.
تنفس بصوت مرتفع وهو يبتعد عنها يمسح دموعها بحنان ومن ثم أنزل غطاء الوجه يمد يده لها بحنان:
"جاهزة لنعطف على ابن آزار ونمنحه هدية العمر، توبتي الحبيبة؟!"
نظرت توبة ليد والدها ومدت له يدها المرتعشة وهي تمسك بكفه تخفض وجهها بخجل قبل أن تومأ بنعم.
ولم تشعر بما حدث سوى أنها ظلت مخفضة لرأسها طوال طريقها صوب الغرفة التي يقبع بها نزار تدخلها بصفة وستخرج منها بصفة أخرى، لم تكن تمتلك الجرأة لترفع عيونها لأحد حتى لو من وراء حجاب، فقط تسمع صوت الشيخ وهو يعقد القرآن ونزار يردد خلفه الكلمات بصوت جعل صدرها يرتجف ويقيم احتفالات في الداخل.
وطوال فترة تواجدها في الغرفة لم تنطق بكلمة واحدة سوى كلمة غردت بها لتصيب منتصف صدر نزار وهي تقول بصوت خافت:
"أقبل."
ومن بعدها أعلنهما الشيخ رسميًا زوج وزوجة ليسمع الجميع زفرة راحة خرجت من صدر نزار الذي هوى على المقعد وقد كان متحفزًا طوال الوقت. ظل ينظر لها دون أن يتمكن من رفع عيونه عنها حتى. يبتسم دون تصديق ولشدة شروده بها لم ينتبه حتى لخروج الجميع من المكان ليتجهزوا للقادم تاركين له لحظات خاصة مع زوجته.
انتفض جسد توبة على صوت غلق الباب، رفعت عيونها بتعجب وهي تبحث عن الجميع لتبصر الغرفة فارغة إلا منها ونزار. فتحت فمها ولم تكد تنطق بكلمة حتى تلاشت جميع كلماتها واندثرت بمجرد أن شعرت بيده تمتد لجذبها صوب صدره بقوة يدفن رأسه في رقبتها وهو يطلق آهٍ طويلة وكأنه يتنفس واخيرًا بعد سنوات من الغرق.
"قلبي... سيتوقف، هل يمكن أن يموت المرء فرحًا يا توبة."
رفعت توبة يدها تزيح الغطاء عن وجهها، ومن ثم رفعتها بسرعة تجذب رأسه لها أكثر بحب وهي تهتف بلوعة:
"لا أراني الله بك سوء يا نزار، دامك الله لي."
سقطت دموع نزار وكأنه لا يصدق أن الحياة من بين كل أحزانه أشْفَقَت عليه ومنحته فرحة أخيرًا:
"يا ويلي توبة، يا ويلي سيتوقف قلبي، أقسم بالله أشعر... أنه سيتوقف، لا أصدق... لا أصدق لقد... كدت أموت شوقًا لضمة صغيرة منكِ."
سقطت دموع توبة على كلمته وهي تلف يد حول ظهره والثانية تضم بها رأسه، وقد ظنت أنها ستذوب من الخجل أمامه ولن تنطق بكلمة، لكن الآن بين أحضانه ذابت جميع الحدود التي وضعت لهما.
"نزار..."
همهم نزار بصوت خافت، لتبتسم له بحب وهي تميل مقبلة رأسه تشعر بدموعه ووجه وقد جاءتها الفرصة أخيرًا لتواسيه:
"انتهى كل شيء عزيزي، انتهى كل شيء."
"لم يعد يعنيني من الحياة شيئًا، سوى أحضانك يا توبة."
صمتت وصمت وكأن كل منهما يرتشف إكسير حياته من الآخر. نزار أخيرًا يتنفس بعد أيام من التخبط، وهي أخيرًا تشعر بأنها وجدت شاطئها ومرساها بعد سنوات من محاربة الأمواج.
"وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ {البقرة:216}."
ظنت توبة حينما اختطفها أنمار وأبعدها عن بلادها أنها ستكون نهايتها، ونهاية حياة اعتادت عليها، ولم تدرك أن العسر يتبعه يسر، وأن بلائها كان يخفي بين طياته عوضها. نزار الذي ظهر لها من العدم في الجحر ينتشلها من بين أياديهم يدافع عنها بضراوة، يخفيها عن أعينهم جميعًا، يحبسها داخل كوخ صغير وجلس عليه حارسًا، يمرر كلماتها اللاذعة ويتجاهل مزاجها العكر، ويتغاضى عن حديثها اللاذع ببسمة صغيرة.
نزار الذي كان ظلها في ذلك الجحر، الرجل الذي كان رفيق الطفولة، وتلاشى بعدها من حياتها ببساطة ليصبح ضبابًا كما لو كان حلمًا طفوليًا جميلًا، لتضل في مراهقتها وشبابها بعده، الرجل الذي كانت تبصره في زياراته مع والده ولا يصدر منها سوى هزة رأس باردة وانحناءة احترام صغيرة وبسمة مرحبة وكلمات مقتضبة كـ "مرحبًا بك سمو الأمير".
ذلك الرجل القريب الغريب يسكن الآن أحضانها يتنفس وكأنه إن ابتعد سيفقد حياته، ذلك الرجل الذي كانت تحييه بالأمس ببرود، الآن تضمه بحرارة بعدما أضحى زوجها.
"كم كنت أحمقًا حينما لم أبصرك قديمًا، والله ما كنت تركتك يومًا أسفل سقف قصر سبز، لكنت اختطفتك من والدك وأسكنتك قلبي ولو حاربت العالم أجمع."
ابتسمت توبة على كلماته وهي تردد بصوت خافت:
"الله يؤخر كل شيء لوقته المناسب، فمن يدري ربما تزوجتك زواجًا مدبرًا باردًا، وما كان استمر أو تأقلمنا على بعضنا البعض."
"لا أعتقد أنني سأكون من الغباء الذي يجعلني أتنازل عن أحضانك بعدما سكنتها."
"كل شيء يأتي بوقته، ما مررنا به سويًا هو ما جمعنا يا نزار."
ابتسم لها نزار بسمة صغيرة يتنفس براحة:
"أشعر بالحقارة لقول ذلك، لكن لكم أنا ممتن لذلك الوسخ الذي ألقى بكِ في ذلك الجحر لأبصرك هناك!!!"
تنهدت براحة وهي تحاول التنفس واخيرًا ومازالت لا تفهم كيف ومتى ولماذا، لكنها لم تكن لتضيع لحظاتها المحدودة معه في التساؤل لذا قررت الاستماع، ومن ثم يأتي الوقت لمعرفة كل هذا.
"حينما ينتهي كل هذا... سأقيم لكِ زفافًا يليق بكِ سمو الأميرة، سيكون بمثابة فرحتي الأولى في هذه الحياة."
نظرت له بتعجب ولم تكد تتساءل عن زواجه الأول ليقاطعها وهو يقبل باطن كفها:
"لا يُحتسب، كل ما مر قبلك لا يحتسب."
صمت وهو ينظر لها بأعين ظهرت لمعة حب رغم نزرات الوجع التي تسكن عيونه. مدت كفها تربت على وجنته بهدوء وكأنها تواسيه بصمت، ليغمض عيونه بوجع:
"دعيني فقط أطفئ نيران قلبي كي يصبح مسكنًا مناسبًا لكِ يا أميرتي."
ختم حديثه يتنفس بصوت منخفض ومن ثم همس لها بحب شديد:
"تجهزي يا توبة، سوف آخذك لزيارة مملكتك عزيزتي."
وقبل أن تتساءل عن مقصده سمع الإثنان طرقًا على الباب يتبعه صوت بارق الذي هتف بهدوء:
"هيا يا نزار، الجميع ينتظركما في الخارج للتحرك صوب آبى."
***
في الوقت الحالي في سبز وتحديدًا على حدود الجحر:
كان يقود جيوش سبز صوب الجحر واصوات خطواتهم تقذف الرعب في القلوب، واعلام سبز ترفرف في المكان.
هذه المرة لم يكن بارق هو من يقودهم أو حتى قائد الجيوش، بل كان الرجل الذي عُرف قديمًا بين أقدم الملوك بشراسته ودمويته في التعامل مع أعدائه، لم تكن تأخذه رأفة في عدوه حتى لو أظهر استسلامًا أمامه.
توقف آزار أمام الجحر يحدق فيه بأعين مرعبة وهو يبصر الجنود يحتشدون أمامه على وشك التحرك في رحلة صوب الممالك الأخرى.
ابتسم آزار وهو يحرك سيفه:
"ذاهبون لمكان ما؟!"
توقف قائد الكتيبة وهو ينظر خلفه للرجال بريبة من وجود جيوش سبز في هذا المكان وهذا الوقت تحديدًا ومن المفترض أن يكون الجميع مشغولًا بلملمة ما حدث بعد الانفجارات.
وقبل أن يصدر من قائدهم أي حركة أبصر الجميع سهمًا يستقر في صدره مسقطًا إياه أرضًا.
اتسعت الأعين بصدمة، وآزار فقط هبط عن حصانه يخرج سهامه يلقي بها صوبهم دون تفكير ودون أن يبصر أين يصيب ومن يصيب، وحينما انتهى من مخزون السهام الخاصة به سحب سيفه وهو يتحرك صوبهم يقتلهم دون أن يرف له جفن، وقد كان هجومه عليهم بمثابة إشارة لرجال سبز للهجوم فالتحم الجيشين بشكل شرس وكانت الغلبة لهم إذ كانت أعداد جيوش سبز تفوق من تبقى من رجال أصلان عددًا وقوة.
آزار كان في هذه اللحظة لا يبصر أمامه سوى ولده الذي حُرم منه قبل أن يعلم حتى بوجوده، يمسك أحد الرجال من رقبته يهمس له بأنفاس حارة:
"أين هو... أين ولدي؟ أين الوليد؟!"
ارتجف الرجل وهو يحاول النجاة من بين يدي آزار، لكن الأخير كان قد جن جنونه وهو يدفع سيفه في معدة الرجل بجنون:
"تــحـــــدث، أين هو ولدي؟! أين هو تحدث؟!"
هتف الرجل ببكاء ورعب:
"لقد... لقد قُتل و..."
"أعلم أنه قتل أيها الوسخ، أين هو جثمان ولدي، أين هو جثمـــــــان ولــــــدي؟!"
ارتجف الرجل وهو يحاول التحدث بكلمة يشير بإصبع مرتجف صوب إحدى الجهات:
"خلف... في الغابة خلف المنازل بالقرب من مجرى المياه لقد الـ...."
لكن لم يُقدر لكلماته أن تكتمل فقد اغتالها آزار وهو يثقب معدته بسيفه ملقيًا إياه أرضًا دون اهتمام ثم هرول في طريقه صوب الجهة التي أشار لها الرجل، وهو يقتل كل من يعترض طريقه.
حتى وصل لمجرى المياه الذي تحدث عنه ذلك الرجل، يبحث بعيونه عن جثمان ولده، يدور بعيونه في المكان يرتجف قلبه من هول الموقف، ما تخيل يومًا في أحلك أحلامه أن يفتش بلهفة فقط عن جثمان ولده.
فجأة تجمدت عيونه كما تجمد جسده وكل خلية به وهو يبصر جسدًا ملقى جانبًا كما لو كان خرقة بالية، سقط سيف آزار وقد امتلئت عيونه دموعًا وهو يجر قدمه بصعوبة صوب الجثة التي كانت ملقاة بشكل أوجع قلبه.
يهتف بحرقة وصوت مذبوح باكٍ:
"بني."
خرّ آزار أرضًا جوار جثمان الوليد وهو يمرر عيونه عليه بأعين ممتلئة بالدموع قبل أن تتساقط وهو يميل عليه يجذبه بين أحضانه يصرخ باكيًا باسمه:
"لماذا؟ لماذا يا الوليد لماذا؟؟؟؟؟!"
***
كانت صدمة أصلان كبيرة وهو يسمع كلمات أرسلان لترتجف يده يحاول أن يدرك ما يحدث حوله، لكن كلمات أرسلان حول والدته شلت تفكيره وقبل أن يخرج من دوامة صدمته... كانت جيوش الممالك بالكامل تطبق على جيوشه لينتفض منتزعًا سيفه من الغمد يلوح به في الهواء يجز عنق كل من يقترب منه.
هنا وبدأت الحرب الأخيرة.
كان الأمر أشبه بالجحيم، الدماء تتناثر والاشلاء تتطاير والأجساد تتساقط أرضًا واحدًا تلو الآخر.
كلٌ يحارب بكل ذرة غضب وقهر داخله، الكل جاء يحمل غصته في صدره، الكل يمتلك ثأرًا لم يبرد بعد.
حرب لأجل الشرف، حرب لأجل كل شهيد سقط، ولأجل كل حجر تدمر.
سالار الذي هبط عن حصانه يتحرك بين الأجساد يحمل سيفيه وهو يسقط يمينًا ويسارًا كل ثانية جسدين، يضرب هذا يقدمه ويفصل رأس هذا، كان أشبه بآلة جز العشب، كل من يقترب منه يفقد رأسه.
بينما إيفان يحرك سيفه بحركات مدروسة يسقط هذا ويستدير ليسقط ذلك وقد كان البعض يستغل عدم انتباهه لاغتياله من الخلف، لكن إيفان كان يستدير في اللحظة الأخيرة لتكون الضربة من نصيبه.
أما عن أرسلان فقد كان في هذه اللحظة يقاتل كما لو أنها المرة الأخيرة التي ستتاح له فرصة حمل سيف، يتحرك بأعين ملتمعة بالغضب صوب أصلان الذي كان يسقط أعدادًا غفيرة من جيوشهم.
ونزار الذي كان يقاتل بجنون لم يبصره أحدهم عليه من قبل وقد كان طوال الوقت الحكيم الهادئ، لكنه فقط كان يقاتل وهدفه واحد معروف... أصلان.
وأخيرًا وصل له ليرفع سيفه وهو ينوي الهبوط عليه بضربة قاسمة، لكن قبل أن يفعل شعر بضربة قوية تصيب ظهره ليطلق نزار صرخة مرتفعة ساقطًا أرضًا يحاول التحامل على نفسه.
في اللحظة التي استدار بها أصلان يبصره ساقطًا أرضًا ليبتسم بسمة واسعة:
"ضعيف وضيع شأنك شأن أخيك، أتساءل إن كانت تلك سمة مشتركة بين أبناء الملك آزار؟!"
رفع له نزار عيونه وقد كان جسده ضعيفًا عن المعتاد وهذا ما أثر على قوته، ينهض بصعوبة وهو يمسك السيف بين قبضته يحرك مبتسمًا بسمة ميتة:
"الوضاعة؟! سيد الوضاعة يتحدث عن الوضاعة، عجبًا، لكن ردًا على سؤالك..."
ختم كلماته وقد اخترق سيفه معدة أصلان بشكل غير متوقع جعل أعين أصلان تتسع بقوة، تمامًا كما حدث مع الوليد، نفس النظرة ونفس الصدمة ونفس الوجع الذي على نظرات أخيه، نفس النظرات التي بردت نيرانه وهو يميل عليه هامسًا بصوت خافت في اللحظة التي يسحب بها سيفه بتمهل وكأنه يمنح أصلان فرصته للشعور بنصل السيف يمر بكل جزء في جسده:
"الضعف والوضاعة صفة لا تناسب سوى سلالتك، وأبناء الملك آزار هم أسيادك وأسياد آبائك أيها الوسخ."
ختم كلماته يسحب السيف تاركًا جسد أصلان يهوى أرضًا يراقبه يصطدم بعنف في الأرض دون حركة واحدة وقد فقد أنفاسه في ثوانٍ. ونزار تنفس أخيرًا براحة وقد اقتص لأخيه.
رماه بنظرات قصيرة قبل أن يشعر بمن يقترب منه من الخلف ليستدير يدافع عن نفسه بسرعة يندمج في قتال كانت شديدًا عليه خاصة في حالته السيئة هذه.
تاركًا جثة أصلان خلفه شاخصة الأبصار شاحب الوجه متجمد الجسد، وقد لفظ لتوه أنفاسه الأخيرة، أو ربما لا.
رواية اسد مشكي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم رحمه نبيل
كانت النظرات تحلق حول رأسها وهي فقط تقف أمام نافذة القصر تدعي الهم والقلق، كي لا يتوجه لها أحد بكلمة بعد ما أبصروه منذ ساعات قليلة.
تبتلع ريقها تتذكر حينما وصلوا لقصر سبز مع سالار ونزار وتحرك كلاهما لقيادة الجيش.
وقبل الرحيل مع الجيش أبصروا سالار الذي هرول بسرعة ليودع زوجته بحضن حنون وكلمات رقيقة هامسة، ومن ثم ابتعد عنها مبتسمًا برقة. لو أبصرها أعداؤه لماتوا دون لمسة سيف.
لكن الصدمة الكبرى في هذه اللحظة كانت حينما أبصر الجميع بأعين متسعة اقتراب نزار منهم يرتدي زي الحرب الذي يتميز باللون البني، يضع كامل أسلحته في ثيابه رغم جروحه وإرهاقه الواضح على ملامحه. يخطو جهتهم بهدوء شديد، يقترب منهم وعيونه تدور عليها هي وحدها.
وتوبة المسكينة التي لم تجد فرصة أثناء طريقهم لتخرج من خجلها وتخبرهم أنها تزوجت نزار. كانت تقف في هذه اللحظة تنظر أرضًا، وكأنها إن لم تنظر لنزار سيتلاشى وينتهي الموقف.
لكن فجأة اتسعت عيونها وعيون من حولها، وسمعت صوت شهقة خافتة وهي تشعر بيد نزار تجذبها صوبه ببطء قبل أن تستقر بين أحضانه. وهي تفتح عيونها بقوة ترى تشنج سلمى خلفها وصدمة تبارك، وابتسامة كهرمان المتعجبة والخبيثة.
ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تتحدث بكلمة، لكن عجزت عن الأمر وهي بين يدي الرجل الوحيد الذي تمنت منه نظرة واحدة.
همس لها نزار بحب وهو يطبع قبلة على رأسها بحنان مودعًا:
"ألقاكِ بخير حال أميرتي."
ختم حديثه وهو يمنحها غمزة صغيرة، يبتعد مع سالار تاركًا قنبلته التي ألقاها بينهن. والأعين كلها تحلق حول توبة التي تنفست بصعوبة بالغة، ترى النظرات كلها تحوم حولها لتهرول بسرعة صوب الغرفة تدعي الإرهاق من السفر.
وها هي تقف أمام الشرفة تدعي الخوف كي لا يسألها أحد عن شيء.
أما عن سلمى، كانت تضع قدم فوق الأخرى وهي تراقب ظهرها المواجه لهم، تبتسم وهي تطلق كلمات ممازحة بصوت مرتفع لتبارك وكهرمان:
"أدام الله لي شقيقك كهرمان، غازلني المرة الأولى حينما أبصر روحي على وشك الخروج من جسدي وبعد شهور من عقد القران."
ختمت حديثها تتنهد بصوت مرتفع:
"الحياة غير عادلة ها؟! تتزوج في الصباح ويُتغزل بك في الظهيرة، أين أرسلان ليدرك أن وقت التغزل لا يحتاج أكثر من مجرد دقائق؟!"
أطلقت كهرمان ضحكة صاخبة وهي تنكز خصر سلمى بعدما أبصرت اهتزاز جسد توبة بشكل غير مستقر:
"أنتِ ناكرة للجميل، أخي هذا لا رجل مثله، هو فقط ثقيل بعض الشيء."
"أخوكِ، ثقيل ثقل الجبال كهرمان، لكن حتى الجبال تخر وتلين."
ختمت حديثها بغمزة عابثة لتبتسم كهرمان وهي تقلب الحوار لها وقد امتلأت عيونها فضولًا حول أخيها العاشق:
"إذن اخبريني كيف هو الجبل حين يلين عزيزتي، لطالما اعتراني فضول كيف سيكون أخي وهو عاشق وكيف سيتحدث؟!"
ابتسمت لها سلمى بسمة جانبية وهي تحرك عيونها صوب ظهر توبة تزيح خصلاتها الشبه قصيرة للخلف تتحدث بكلمات ممازحة:
"إذن موتي بفضولك، فهذا أرسلان العاشق ملكية حصرية لي، لا أحد سيعلم عن هذا الجانب من زوجي عداي، الله اصطفاني من بين نساء الأرض لأحظي بجوهرة كأرسلان، وأنا لست على استعداد لمشاركة ذلك مع أحد، حتى لو كان ذلك الأحد هو شقيقته التي تمتلك جزءًا كبيرًا في قلبه."
نفخت كهرمان بضيق وهي تتمتم بحنق شديد:
"حقيرة للغاية، أصبحتِ تتحدثين كأخي."
"نعم، واحمدي ربك أنني لم أتخلص منكِ لاحتفظ بقلب شقيقك بالكامل لأجلي، فقط رأفة بالعزيز آرس فهو سيحزن إن قتلت له شقيقته لأنني أغار عليه."
ختمت حديثها تتحرك صوب النافذة حيث تقف توبة تاركة كهرمان تراقب ظهرها مبتسمة بصدمة كبيرة، قبل أن تنظر صوب تبارك التي كانت تتابع كل ذلك بهدوء:
"هل سمعتي ما قالت؟! الفتاة تهددني بالقتل لتتفرد بقلب أخي العزيز."
صمتت بغيظ شديد وهي تتذكر نفس الكلمات التي كانت ترددها منذ أسابيع قليلة على مسامع زمرد بمزاح وهي تهدد بالتخلص منها للتفرد بقلب إيفان. ابتسمت بحسرة وهي تهز رأسها بيأس:
"آه منها الحياة، اليوم لك والغد عليك، هل تصدقين هذا تبارك، الأمس أهدد زمرد واليوم أُهدد."
نظرت لها تبارك ثواني قبل أن تقرر التحدث وهي تحرك أصابعها في الهواء مضيفة عيونها بتفكير تحرك شفتيها وكأنها تتذوق شيئًا ما:
"عايزة فول بالزيت الحار."
أمام النافذة وعند سلمى وتوبة، توقفت سلمى تستند بظهرها على إطار النافذة تنظر بخبث لتوبة:
"إذن قصي عليّ ما حدث يا ابنتي؟! أنا أجيد الاستماع."
حركت لها توبة عيونها وهي تحاول ادعاء الضيق:
"لم يحدث شيء، لقد تزوجني قبل سفرنا بساعة تقريبًا، ومن ثم لا شيء."
"تزوجك هكذا بلا سبب؟! كنتِ تعرفينه من قبل صحيح؟!"
"لا أعتقد أن الملك أرسلان كان يعرفك قبل الزواج ورغم ذلك تزوجك صحيح؟!"
رفعت لها سلمى حاجبها لينهض كهرمان من الأريكة وهي تتحرك صوبهما تستغل انقلاب الحال على سلمى:
"لا تقولي هذا عزيزتي، أخي تزوجها لهذه المرأة فقط ليؤدبها."
حركت سلمى عيونها صوب كهرمان بسخرية وهي تردد:
"يؤدبني؟! حقًا؟!"
"نعم أمثالك يا امرأة يحتاجون للتأديب، صاحبة لسان سليط، لا أتخيل في الواقع أول لقاء لكِ مع أخي، صحيح اخبريني كيف كان؟! هل تزوجك بمجرد الوصول للبلاد أم ماذا؟!"
أضافت توبة بفضول ورغبة في دفع الحديث بعيدًا عنها في الحقيقة:
"سمعت إشاعات تقول إنه كان متزوجًا بها من قبل وقت طفولتها، وغادرت البلاد بعدما تم الزواج ومن ثم حينما حان الوقت عادت للبلاد لتلتقي بأخيكِ."
تشنجت ملامح سلمى من الكلمات التي سمعتها، وهي تفكر هل حقًا يظن الجميع أنها تزوجت أرسلان في طفولتهما؟! والله لو أن الأمر حقيقيًا لكان تخلص منها في لقائهما الخاص بعد كل هذه السنوات.
وقبل التحدث بكلمة تذكرت أول لقاء لهما سويًا، حينما سمعت شهقة أرسلان ترتفع وهو يصرخ بصامد وصمود يلقي المعطف في وجهها بحدة، ومن ثم يصرخ في وجهها ويتركها تعود وحدها، كل هذا لأنها جاءته بثوب يتكون من بنطال وسترة. ماذا لو أطاعت شيطانها وخالد وارتدت ثيابًا قصيرة وجاءته بها، وكل هذا وهو غريب عنها، ماذا لو كانت زوجته كما تردد توبة؟!
تتخيل أنه كان سيقتلها ويوزع لحومها صدقة على روحها ومن ثم ينثر الورود على قبرها.
أو ربما أسوأ.
القاعة هادئة لا صوت يعلو دون أذنه وقد أمر الجميع بالصمت في انتظار أن تطل عليهم الواردة الحديدة. صوت الأنفاس المتسارعة يعلو في الأرجاء والترقب مشتعل. لا أحد يدرك القادم، لكن عودة جلال بعد كل تلك الأعوام لعالمهم لا ينبئ بالخير، وهو فقط يتوسط العرش ينتظر أن يصلوا ليوضح لهم ما سيحدث.
ثوانٍ ورأى الجميع أحد الحراس يدخل شاحب الوجه يخفض رأسه أرضًا وهو يتحدث بصوت متردد:
"مولاي، لقد... لقد جاءت... جاء هو والفتاة و..."
صمت لا يعلم ما الذي يجب قوله، لقد لجمت الصدمة لسانه في الخارج. ابتلع ريقه يشعر بأنه سينصهر من هول ما رأى.
وهو فقط يعتلي عرشه ينتظر أن ينطق أو تطل هي عليهم. ويا ليته ما انتظر، لم يتحقق، إذ فجأة دُفع الباب بقوة ليطل عليهم جسد امرأة تتشح بالأسود بالكامل مبتسمة بسمة واسعة. لكن الفرق بين السواد الذي تتشح به والسواد المعروف لديهم أنها لم تحسن انتقاء ثيابها.
إذ طلت عليهم مرتدية بنطال قماشي واسع بعض الشيء مع سترة قصيرة لا تتجاوز نصف معدتها، يعلوها معطف أسود جلدي. وخصلاتها متحررة خلفها بقوة وهي تبتسم له هو تحديدًا تقول بكل برود تميل برأسها، قبل أن تمسك طرف معطفها بحركة تشبه الأميرات. تميل نصف ميلة كما أمرها، أمرها أن تتعامل برقي وها هي تفعل. مالت ترفع عيونها له تقول بصوت متحدٍ جعل أعينه تشتعل بغضب مخيف وهي فقط قالت ببساطة:
"مساء الخير مولاي، طلبتني؟!"
كل ذلك تحت نظراته بعدما أخفض جميع الرجال في المكان نظراتهم بفزع من رؤيتهم لها بهذه الهيئة. وهو فقط نظر لها بشر، وهناك بسمة مختلة ارتسمت على فمه وهو يهتف بصوت جهوري في المكان هز جدران القاعة وقد أدرك الجميع أنها نهايتها لا محالة:
"للخـــــــارج جميـــــعًــا، دعوني معها، فلدي حوار شيق أناقشه مع امرأتي."
تحرك الجميع للخارج في لحظات تاركين القاعة فارغة إلا منهما. وهو فقط لم يحرك عيونه عنها. وهي فقط تراقبه ببسمة باردة. تراه يتحرك عن عرشه يشمر عن أكمامه حتى وصل لها يتوقف أمامها مبتسمًا بسمة لا معنى بها:
"أنرتي مشكى جلالة الملكة."
حركت عيونها عليه بهدوء شديد دون أن تتحدث بكلمة واحدة. وهو فقط يراقب مظهرها بملامح مشدودة:
"لم يذكر والدك في رسالته شيء عن أنه سيرسلك لي راقصة."
اتسعت عيون سلمى بصدمة ولم تكد تتحدث كلمة واحدة حتى قاطعها وهو يتوقف أمامها:
"لكن لا بأس، أنا سأنفذ وصيته وأعتني بكِ وأحفظك من الأعين جميعها."
ابتسمت له سلمى بسمة صغيرة ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى شعرت به يغرز خنجره بها ويهمس بكلمات أخيرة قبل أن يتخلص منها ويستر جثتها بمعطفه الأسود:
"داخل قبرك."
انتفض جسد سلمى على لمسة يد كهرمان وهي تشهق بفزع من تلك الأفكار التي قفزت لعقلها في لحظة حينما تخيلت ما كان من الممكن حدوثه لو طاوعت شياطينها. تقسم أنه كان ليتخلص منها في التو واللحظة حتى بإلقائها في مجرى المياه عساه يسحبها لعالمها وينتهي.
"ما بكِ شاحبة الوجه كما لو أنكِ شبحًا للتو؟!"
ابتلعت سلمى ريقها من تلك الفكرة السخيفة، تبتسم بسمة مهتزة وهي تتمتم بصوت منخفض:
"أخوكِ أشد سوءًا في غضبه من الأشباح كهرمان."
"ماذا؟!"
"لا شيء، ثم لقائي الأول مع شقيقك كان عاديًا يسوده الود والاحترام الشديد، ولا لم يكن زوجي حينها حمدًا لله على ذلك."
ابتسمت لها كهرمان بشك وقبل أن يتحدث أحد بكلمة سمعوا صوت تبارك في الخلف تردد:
"هو الغدا هنا الساعة كام بالضبط؟؟"
كانت الحرب مشتعلة بعدما انقلبت الموازين في ثوانٍ، وغرتهم ثقة أصلان في الفوز بعدما بذل كل ما يملك في سبيل أن ينتهي الأمر بجلوسه على العرش وفنى ما يملك وخطط لكل شيء.
إلا أن الشيء الوحيد الذي لم يحسب له حسابًا، كان تعاونهم. تكاتفهم وتعاونهم كان الضربة الكبرى له في هذه اللحظة، فاجتماع أربعة جيوش على جيشه كان ضربة في مقتل وهو من استعد لدخول سفيد ليبصرها تحاول استعادة أنفاسها والنهوض بعد الانفجارات. ظن أنه يستطيع استغلال تشتتهم والتغلب على جيش سفيد وحدهم. ظن أن الشر آن له أن يكتب كلمته، لكن كلمة الله تعلو أي كلمة.
زحف وهو يحاول الخروج من بين الأقدام والدماء المتناثرة، يتنفس بصعوبة، يجر جسده خارج هذه الحرب يجاهد للهروب، ليس بعد، هذه ليست النهاية التي سيستلم لها.
أغمض عيونه بوجع وهو يتذكر جثة الوليد الذي كان في نفس وضعه منذ أيام قليلة، يزحف يحاول النجاة بآخر أنفاسه قبل أن يوقفه، وهو يبتسم بسمة قذرة:
"إلى أين عزيزي الوليد؟! انتهت صفحاتك في هذه القصة فلا تحاول التطاول وسلب كلمات إضافية لك."
رفع الوليد نظره بصعوبة يمنحه بسمة واسعة وقد أبى أن يرحل بهذه البساطة:
"بلى ستجدني في كل صفحة، ستجد اسمي يرافق اسم أخي، أخي الذي أثق أنه لن يدعك تحيا طويلًا."
مال عليه أصلان يراقبه بسخرية لاذعة يخفي صدمته:
"أخوك؟! نزار؟!"
"نهايتك."
ابتسم له أصلان بسمة مخيفة قبل أن يخرج خنجرًا يحركه بين أنامله بهدوء أمام أعين الوليد الذي لم يهتز لثانية واحدة، بل كان يبتسم يردد بجمود:
"لا تخطأ الهدف هذه المرة فصدقني إن عشت سأريك ميتة لا يتمناها أي عاقل، وحتى إن قُتلت فسوف تموت ميتة ما سبقك بها أحد، خائف مرتجف جبان وحقير، لأن هذا ما أنت عليه بالفعل يا سليل الأوساخ."
ومن بعد كلماته لم يُسمع له كلمة ثانية بعدما حرك أصلان خنجره بسرعة يقطع آخر أنفاس الوليد من الحياة ويسرع ميتته راحمًا إياه من الموت البطئ، بعدما ذبحه دون أن يرف جفنه. لكنه لم يقطع رأسه كما سبق وذكر لنزار.
تنفس أصلان بصعوبة وهو يشعر بمعدته المصابة تحتك بالصخور أسفله، تفادى بعض الضربات، ونالته بعضها لتزيد من وجعه أوجاعًا، وأخيرًا ابتعد بشكل كافٍ عن الحرب. نهض بصعوبة يستند على الجبل جواره يجر أقدامه بصعوبة يهرب من المكان وهو يتنفس بصعوبة وقد وصلت أوجاعه عنان السماء.
ابتعد بشكل كافٍ يلقي بجسده بصعوبة فوق صهوة أحد الأحصنة وهو يتأوه بصوت مرتفع وقد سقطت دموعه من شدة الألم، يتنفس بصوت مرتفع يتحرك بالحصان بعيدًا عن الضوضاء وبعيدًا عن جميع الأعين مستغلًا حالة الفوضى في المكان.
أو ربما لا.
"يا حبيب قلب أبيك."
سقطت دموع آزار وهو يلتقط جسد الوليد البارد الفاقد للحياة بين أحضانه، يضمه بحب شديد يقبل رأسه، وقد ارتجف قلبه كما ارتجفت كل خلية من جسده.
"كنت سأ... والله كنت لأحبك بني، أنا أحببتك لأنك تحب ولدي فما بالك لأنك ولدي؟! لماذا... لماذا فعلت هذا؟!"
صمت يبتلع ريقه وهو يدفن وجهه بأحضان ولده يضم رأسه لصدره بحب شديد:
"فقط أتمنى... أتمنى ألا تكون قد رحلت وأنت تحمل في صدرك أي غضب لي، أقسم بالله لم أكن أعلم أي شيء عنك، لو علمت... ما تركتك لحظة واحدة."
قبل عيونه وهو يهمس بالكثير من الكلمات وقد تصدع قلبه من مظهر ولده يزيد من ضمه منفطر القلب وكلماته غير واضحة بسبب بكائه:
"لا بأس يا بني، لا بأس، عسى الله أن يجمعنا سويًا، سأفني حياتي القادمة أدعو لك الله ولدي، وحينما نلتقي أمام الله، خذ حقك يا حبيبي لو كنت تمتلك مظلمة عندي، فقط... ارقد في سلام يا الوليد، غفر الله لك يا بني، غفرك الله لك يا بني."
ختم حديثه يقبل جبين ولده، وهو يحاول التحرك وحمل جثمان ولده، لكن حدث وخانته قوته ولم يكد يتحرك حتى سقط من شدة ضعفه وقد أكل الحزن كامل قوته، ليسقط أرضًا وهو يحمل جسد الوليد بين أحضانه ينفجر في بكاء حار وهو يصرخ باسم ولده وقد انهار كل تماسكه، يتنفس بصعوبة من بين بكائه. فقد حتى قوته في تحريك ولده يهتف بصوت عاجز للجنود حوله بصوت مقهور:
"أعينوني على حمل ولدي... أعينوني لحمل ولدي."
ركض له بعض الجنود وقد ارتجفت صدورهم من هول المشهد، يحمل أحدهم الوليد بين يديه بسرعة والآخر يساعد آزار للنهوض والتحرك خلف جثمان ولده.
آزار الذي لم تنكسر له هامة وعُرف ببأسه الشديد وشدته وجبروته، يتكأ بضعف على أحد الرجال بعدما استنزف كامل قواه في البقاء على قيد الحياة حين سماعه ما حدث.
تحرك بصعوبة خلف الجندي وهو يحدق في جسد الوليد بأعين ضبابية يهمس بكلمات متتابعة دون أن يتوقف ثانية:
"رحمك الله بني... رحمك الله بني... جمعني الله بك في الآخرة حبيبي... رحمك الله بني."
تحرك مع الرجال ووضع جسد الوليد في صندوق إحدى العربات التي أحضرها خصيصًا لنقل جثمانه، ورفض الصعود على حصانه وهو يصعد للعربة يهتف بصوت خافت:
"سأستكين جوار ولدي."
صعد وجلس جوار الوليد وهو ينظر لها ثوانٍ يتنفس بصوت مرتفع يمسك بكفه وقد قرر أن تكون رحلته صوب آبى تعارف صغير له بولده ولو كان ذلك التعارف متأخرًا.
يتذكر حديث نزار حول توبته المتأخرة والتي لم تكتمل.
"والدك فخور بك يا الوليد، مت بطلًا رجلًا تدافع عن أخيك، ميتة يُرفع لها الرأس، لم تمت ميتة خسيسة كالبعض، بل مت رجلًا، رجلًا لن يُذكر اسمه في الممالك أجمع سوى بالخير وسأعمل على ذلك ولو كلفني قطع كل لسان يذكرك بالسوء، وهذا أقل ما أقدمه لكِ بني."
ختم كلماته وهو يقبل كف الوليد مبتسمًا:
"ما... ما رأيك بسماع قصة والدك العجوز ريثما نصل لمنزلك الجديد بني؟! لنعتبره تعارفًا متأخرًا بعض الشيء."
كانت الحرب على أشدها وقد ارتفع صوت سالار الجهوري يصيح في الجميع بصوت هز الأبدان من موضعها:
"حرمــــــــة بلادكــــم، ونسائـــــــكم، ودينــــــــكم، كانت حلًا لهم، فلا تأخذكم بهم شفقة ولا تدعوا منهم وغدًا إلا واقتصصتم منه."
وكأنه ألقى الوقود على النيران ففي ثوانٍ زادت الفوضى أكثر وقد أصبحت جيوش الممالك مجردة من كل معاني الرحمة والإنسانية، وقد أعمى الغضب أعينهم بالكامل.
الجميع يقاتل في الأسفل ودانيار يسقط مع جيوشه كل من يقترب من القلعة والجبل وقد كان خط الدفاع لهم حسب الخطة التي وضعت.
بينما تميم كان يحمل سلاسله الحديدية يجز بها الأعناق جوار المعتصم الذي كان سيفه قد تحول للون الأحمر لشدة الدماء التي تسيل منه.
وإيفان لم يكن نفسه إيفان المتعقل، بل أصبح وحشًا وتناسى كلماته بالرحمة والدعوة للتسامح بعدما أبصر دمار بلاده على أيديهم.
أما عن بارق فقد كان أكثرهم وعيًا وتعقلًا بما يحدث حوله، وربما أشدهم رحمة في هذه اللحظة، يقاتل ويصيب بضربات غير قاتلة مكتفيًا فقط بإسقاطهم أرضًا ربما يحتاجون أحدهم.
في قلعة سفيد كانت تقف على باب القصر الداخلي وهي تحمل سيفها تحركه في الهواء وكأنها تنتظر فقط أن يمر من أمامها أحدهم لتخرج روحه بين يديها، ولا تدري أن جلستها بهذا الشكل المتحفز كانت أحد أهم الأسباب التي جعلت زوجها يخرج روح كل من يفكر في الاقتراب من القصر صوبها، فقط ليتفادى انخراطها في قتال لا طائلة منه.
زفرت زمرد بصوت مرتفع وهي تسمع أصوات الانفجارات وترى النيران والدخان يعلو السماء:
"ماذا الآن؟! أين القتال؟! أين الحرب؟! أين الأوغاد؟!"
ابتسمت برلنت والتي كانت لا تستمتع لها وهي تراقب السماء فوقهم وكأنها في عالم آخر غير ذلك العالم:
"بسم الله عليك تميم، كل هذه المتفجرات من صنع يديه لزوجي، الحمد لله الذي أفلح له ضرباته."
نظرت لها زمرد بضيق وهي تمسح وجهها:
"لو كنت أعلم أن الأمر سيكون بهذا الملل والله لذهبت معهم لآبى، أنا من تمنعت وأصررت على البقاء هنا بحثًا عن الانتقام."
"انتقام من من؟! ألم تنتهي من قومك بعد؟!"
ضيقت زمرد عيونها:
"لا أعلم، أشعر فقط أن هناك البعض منهم ما يزال بينهم، فأمثال قومي من الحشرات سريعة العدوى والانتشار، لذا احتمالية الانتهاء منهم في حرب واحدة لم تكن واردة لدي، بالطبع هرب منهم حشرة أو اثنتين وانتشروا في الباقيين."
نظرت لها برلنت بأعين مرتابة وهي تهمس بصوت منخفض:
"أحيانًا أشعر بالريبة منك، كيف نجوتي من قومك وقذارتهم ولم تخرجي بشيء من إجرامهم."
على نظرات زمرد صقيع غريب قبل أن تتحدث ببساطة شديدة:
"من أخبرك أنني لم أتأثر بوجودي معهم؟! من الصعب الخروج من الوحل دون أن يلوثك البعض منه برلنت."
"لا أفهم، أنتِ جيدة معنا و... نعم تغضبين بسرعة ولا تفكرين سوى بيدك لكن هذا للخير."
"نعم هذا ما أتحدث عنه، أنا لا أتحكم بنشأتي الخشنة وتصرفاتي القذرة وتطلعي الدائم للقتل، ولولا أن الله رزقني برجل كدانيار يتحكم بي ويتقبل تصرفاتي، لما تحملني رجل في هذه الحياة، ماذا تتوقعين من فتاة وحيدة نشأت بين أكثر من عشرة صبية خشنين قذرين؟!"
اتسعت عيون برلنت بصدمة وقد كانت هذه أول مرة تدرك الأمر تقريبًا تهتف بانشداه:
"عشرة؟!"
"توقفت عن العد من بعد العشرة في الواقع ربما أكثر."
"يا الله وكيف تعاملتي معهم ونجوتي بينهم كلهم."
ابتسمت زمرد بسمة واسعة وهي تهتف ببساطة:
"لم أضطر للتعامل معهم جميعًا، فقط بافل وهذا كنت أغلبه بلساني فيتلظى من الغضب ويستشيط حتى ينفجر في النهاية، والصغير أخوه الشقيق وهذا كنت أدهسه بحذائي، والأخ الخامس لنا وهذا الوسخ كنت أتجنبه قبل أن يقتله بافل، وأخيرًا الأخ السادس وهذا الحقير كانت أمي تبعدني عنه لأنه كان مختل بعض الشيء."
"هذه حياة غريبة لا أتمنى أن أحياها."
نظرت زمرد للسماء تراقب الدخان مبتسمة بسمة سوداء:
"ولا أنا تمنيتها، عزائي الوحيد أنني كنت أستمتع وأنا أراقبهم يقتلون بعضهم كالحيوانات وأنا أراقبهم."
ربتت برلنت على كتفها بحب قبل أن تجذبها لأحضانها بحنان شديد تهمس:
"أنتِ أقوى امرأة في هذه الحياة صدقيني."
ابتسمت لها زمرد وهي تنظر صوب السماء تشرد بها وكل أملها أن ينتهي هذا الكابوس ويعود السلام للممالك، سلام ما قبل عصور المنبوذين.
كان يتحرك بين الطرقات وهو يتنفس بصعوبة بعدما صعب على الحصان المواصلة بين طرقات سفيد الوعرة حول القلعة.
تنفس بصعوبة وهو يضع يده على جروحه وقد بدأت خطواته تصبح أبطأ وأصعب وكلمات الوليد حول ميتته الشنيعة تتردد في أذنه، سقطت دموعه بعجز وهو يزيد من ضغطه على شفتيه، قبل أن يبدأ الضحك بشكل غريب وسط دموعه.
"حتى لو كانت يا الوليد، يكفي أنني كنت أسوأ من مر على خيالهم، سيتذكرونني ويستعيذون من وجودي."
ضحك ضحكة صغيرة بصعوبة، يتنفس مرة أخرى وقد بدأ يفقد الكثير من الدماء، يصبر نفسه بأنه أوشك على الابتعاد، ربما يهرب ويختبأ لأيام حتى تنتهي كل تلك الحروب، ومن ثم يرى ما سيحدث وما سيفعل.
أبصر من بعيد بداية غابات سفيد الشرقية ليبتسم بسمة صغيرة وهو يحدد نقطة اختفاءه.
زفر أنفاس راحة خرجت بصعوبة من صدره وهو يخطو صوب الغابة والتي بمجرد أن وطأ بها سمع صوت خطوات يلحق به، ولم يكد يستدير حتى سمع صوتًا يهتف بالقرب من أذنه في الخلف:
"اشتقت للعم أرسلان؟!"
اتسعت عيون أصلان بقوة وهو يحاول التنفس بشكل طبيعي، لكن كل ذلك توقف، سواء كان تنفسه أو حتى ضربات قلبه وهو يبصر أرسلان يتحرك بهدوء وهو يدور حوله يبتسم له بسمة ظهرت له في هذه اللحظة مريضة وهو يميل بجسده يهمس بصوت خافت:
"تغادر الحرب هكذا دون رؤيتي؟! وأنا كنت رفيقك الوحيد بينهم أصلان؟!"
تأتأ بصوت مقهور وهو يعتدل في وقفته:
"حسنًا لا بأس، لم أتوقع الكثير من وسخ مثلك، ثم تريد الرحيل بهذه البساطة؟! ماذا عن رسالتي لك، ووعد امرأتي كذلك؟! أنت لا تريد أن أعود لزوجتي دون شيء بيدي أو حتى هدية زفاف؟! عيبٌ والله."
نظر له أصلان وقد كان في حالة لا تسمح له بتحريك إصبع حتى، يشعر بكامل قواه على وشك خيانته، ومن العدم ابتسم يتذكر كلمات نزار حينما أخبره أن قوى الجسد تفنى وتخون، ذلك الحقير كان يعلم الكثير هو وأخيه.
ابتعد أرسلان عن الطريق من أمام أصلان يظهر له طريق الهروب وهو يتذكر حديث سلمى وكل كلمة نطقت بها باكية بين أحضانه.
"لقد... لقد كنت أركض منه في الغابة وهو يركض خلفي حتى شعرت أن ضربات قلبي ستتوقف في أي لحظة."
تحدث أرسلان ببسمة غريبة:
"أمامك الغابة ستركض بها وإن هربت مني فقد نجوت بروحك، وإن لم تفعل..."
ترك كلماته معلقة وهو يدفعه ليعيش كل لحظة رعب ووجع مرت بها سلمى وكلماتها ما تزال ترن بأذنه.
نظر له أصلان بعدم فهم ليحرك له أرسلان رأسه ببسمة صغيرة مشيرًا للطريق، تنفس أصلان بصعوبة وهو يشعر بأن استسلامه سيكون أسهل من الهرب في هذه اللحظة، والذي سيكون بلا فائدة، لكن غريزة البقاء حركت كل ذرة بجسده دون أن يشعر حتى وجد نفسه يهرول بشكل غريب على رجل مصاب بمثل إصابته.
يركض بجنون وهو يحاول أن يتمالك صرخاته المتوجعة.
وأرسلان يتابعه بعيونه وهو يركض قبل أن يبتسم يشعر بالراحة وهو يراه يركض ركض الوحوش في البرية بنفس الخوف الذي زرعه في زوجته سابقًا.
وفي ثوانٍ كان يركض خلفه وهو يتنفس بغضب شديد يتوعد له بميتة شنيعة.
زادت هرولة أصلان بشكل يائس وقد بدأت دموعه تهبط من شدة الوجع يحاول المقاومة، لكن فجأة شعر بجسده يصطدم بقوة في الأرضية أسفله والصخور تحتك بجرجه ليصرخ صرخة رن صداها في المكان بأكمله.
وكلمات سلمى الباكية ترن في أذن أرسلان.
"وحينما... ظننت أنني هربت فجأة سمعت صوتًا في الخلف وقبل أن أستوعب شعرت بجسد يصطدم بي مسقطًا إياي أرضًا بشكل مرعب لأشعر بجسدي يتحطم بالكامل."
سحب أرسلان جسد أصلان الذي بكى من الوجع الجحيمي الذي ملئ جسده في هذه اللحظة، وفي ثوانٍ شعر بصفعة كانت أشبه بمطرقة تهوي على صدغه.
"و..لقد....صفعني أرسلان...لقد صفعني بشكل....صفعني لدرجة شعرت بوجهي قد تخدر."
كانت يد أرسلان تهوي على وجه أصلان بلا توقف، قبل أن يمسك رأسه ويضربها بقوة في الشجرة خلفه ليسقط على إثرها أرضًا يحاول التمسك بآخر أنفاسه، يرفع عيونه بصعوبة صوب أرسلان الذي ابتسم له بسمة مرعبة.
يقترب منه خطوات جعلت أصلان يحرك يده بوجع شديد يبحث عن شيء كالمحموم داخل ثيابه قبل أن يجده.
وجد يد أرسلان ترفعه من مقدمة ثوبه مقربًا إياه له، ليبتسم بسمة معلنًا بها نهاية اللعبة بينهما.
"والآن عزيزي أصلان، أمنية أخيرة لك قبل موتك؟!"
نظر له أصلان ثوانٍ قبل أن يبتسم بسمة لا معنى لها يهمس بصوت خرج بصعوبة مصحوبًا بدماء تتناثر من فمه بشكل مزري:
"ما تطمح له لن يحدث، لن أسمح أن تكون نهايتي... لن أسمح أن يذكر التاريخ أن نهايتي بعد كل هذه السنوات وكل ما فعلته على يدك أرسلان."
"صدقني هذا شرف لا ارتضيه لأمثالك، أن يذكر التاريخ أنك مت على يدي لهو شرف لك أصلان."
ابتسم أصلان بسمة مختلة وهو يهمس من أسفل أسنانه التي يزيد من الضغط عليها بسبب وجعه الجحيمي في هذه اللحظة.
"تبتغي تخليدًا في كتب التاريخ أنك أنت من قتلت أصلان الجعفري؟! أنك أنت الملك القوي الذي تخلص من الشرير الحقير؟!"
كان أرسلان يقترب منه خطوات قذفت الرعب في صدر أصلان يهمس بصوت منخفض مخيف:
"لا يهم كيف تموت، ففي النهاية الرابح هو من يكتب التاريخ عزيزي، حتى إن كتبت أنك مت دهسًا تحت أقدام خنزير فمن أي لك بلسان لتنفي الأمر."
مال بجسده وهو يستل خنجره من ثوبه يحركه أمام أصلان الذي كان يتحرك للخلف بجسده يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي يكبت تأوهاته التي بدأت تفلت من فمه دون شعور وارسلان فقط يتابعه مستمتعًا بهذه اللحظات:
"رؤيتك تحارب للنجاة تستحق أن أترك حروبًا لأجلها وليس فقط حرب واحدة، تخيل ما سأفعله بك عزيزي أصلان الآن؟! سوف اجعلك تتمنى الموت ولن تطاله."
ارتجف جسد أصلان وهو يتخيل كل طرق التعذيب التي قد يفعلها به أرسلان، وقد بدأ جسده يتراجع أكثر زاحفًا للخلف وأرسلان يتقدم منه كلما ابتعد خطوة واحدة فقط.
وقبل أن ينحني أرسلان على أصلان، أخرج الأخير أخيرًا خنجره المسموم والذي كان يحمله داخل ثوبه طوال الوقت، يلوح به في وجه أرسلان الذي ابتسم له بسخرية يسمع حديثه:
"التاريخ سيذكرني، رغم أنوفكم سيذكر التاريخ أنه في وقتٍ ما جاء رجل يدعى أصلان، حرق قلوب الممالك أجمع وترك أثرًا لا يمحى في كل منزل في الممالك، أثر سيتذكره كل رجل منكم حينما يراقب قبور من رحلوا من أسرته، سيذكر التاريخ أنني....ورغم كل ما فعلته بكم، لم....ابتلع ريقه بصعوبة وقد بدأت يده ترتجف: "لم ينل أحدكم شرف التخلص مني، لن أمنحكم شرف ذكر اسمائكم جوار اسمي يا أوساخ."
ومن بعد هذه الكلمات اتسعت أعين أرسلان بصدمة وهو يرى أصلان يرفع خنجره، وقبل التراجع والدفاع عن نفسه وجد الخنجر يسلك طريقه صوب قلب أصلان نفسه، لينتشر السم بسرعة مرعبة في جسد الأخير، وتخرج روحه في اللحظة ذاتها.
تنفس أرسلان بصدمة مما رأى، ذلك المختل قتل نفسه فقط كي لا يقال أن هناك من نال شرف قتله؟!
نال أصلان ميتة يستحقها وعلى يده، ميتة متوقعة من نرجسي مختل مثله لم يطمح لانتصارًا بقدر ما طمح لسماع صدى اسمه في الأرجاء ولو كان بالسوء.
كان يراقبه من الأعلى وهو يبصر وجهه الذي شحب بشكل مخيف وقد بدأ اللون الأزرق يزحف على ملامحه، وعيونه شاخصة بشكل مرعب وبسمة واسعة مختلة مرتسمة على فمه.
ابتسم أرسلان بسمة جانبية وهو يميل عليه يهمس بصوت منخفض وكأن أحدًا سيستمع إليه:
"أحسنت أصلان، لو قضيتُ المتبقي من حياتي أفكر لك في ميتة قذرة، ما وجدت أقذر وأخس من ميتتك هذه."
وفي ساحة الحرب كان سالار يبدو مرعبًا وهو يحطم كل من يقف أمامه، يدور بعيونه بين الجميع قبل أن تقع عيونه على أحد الرجال يتحرك صوب نزار بسيفه ليطلق صرخة مرتفعة محذرة، تبعها إخراج خنجره وهو يلقيه بقوة وبسرعة مرعبة في الهواء لتستقر في ظهر الرجل تزامنًا مع استدارة نزار يغرز سيفه في معدة الرجل جوار خنجر سالار وقد صدم من صرخة سالار.
ثوانٍ وسقط الرجل أرضًا ليرفع هو عيونه صوب سالار الذي ابتسم له بسمة صغيرة، ليرفع له نزار يده يلقي له تحية الجنود لقائدهم احترامهم.
اتسعت بسمة سالار وهو ينظر حوله يراقب كفة الحرب تميل لهم، وإيفان ينتهي من آخر رجال بهم مع المعتصم وبارق وباقي الرجال.
ضيق عيونه بإدراك يبحث عن أرسلان في الأرجاء متعجبًا اختفاءه عن ساحة حرب وقد كانت له كالمنزل لا يفارقها إلا حينما يتأكد أنه حفر قبر آخر واحد فيهم.
شعر بالريبة والخوف وهو يدفع الأجساد بحثًا عنه، يدور بعيونه في المكان، لينتبه له إيفان الذي نظر له بعدم فهم.
ابتلع سالار ريقه يهمس بكلمة واحدة فقط مرتعبة:
"أرسلان؟!"
وكانت الكلمة كافية لتقذف رعبًا في صدر إيفان كذلك ليحرك عيونه في المكان يبحث عنه بين الجميع وقد سقط قلبه أرضًا خوفًا أن يكون أحدهم قد غدر به في الحرب دون أن ينتبه له أحدهم.
ودون إرادة حرك عيونه على الجثث المتناثرة أرضًا وقد بدأ جنود الممالك يمسكون آخر من تبقى مستسلمًا، وإيفان شعر فجأة بالحرارة تنبعث داخل جسده بالكامل وقد توقف قلبه للحظات وهو يركض كالمجنون يدفع الجنود جانبًا يصرخ بصوت مرتجف:
"أرسلان... أرسلان... يا ويلي أرسلان... ابتعد من وجهي أين أرسلان؟!"
كان يدفع الجميع دون شعور وسالار يبحث معه بشكل محموم ويحرك عيونه على الجثث مرتعبًا أن يجد جسد أرسلان بينهم، يدع ترتجف وهو يدفع الجثث جانبًا يكشف عن وجوههم ليتبين هويته.
"أرســـــــــــــلان يا أخــــي."
انتشر الرعب بين الجميع فجأة وشعر المعتصم لثوانٍ بقلبه يتوقف عن النبض وهو يلقي سيفه بوجه شاحب:
"لا... لا... لا، ليس أنت... ليس أنت."
ارتجفت شفتيه وهو يهرول معهم للبحث عن أرسلان، ونزار يراقبهم بصدمة كبيرة وقد شعر في هذه اللحظة بقلبه يتوقف ليسقط أرضًا من شدة الوجع الذي أصابه يشعر بنفس المشاعر يوم فقد الوليد، لن يحتمل فقدان آخر، ليس أرسلان.
أخذ يحرك أنظاره بصعوبة وقد شعر بوجع قلبه يزداد ليضغط عليه بكفه وقد أوشك قلبه على التوقف يطلق صرخة مرتفعة ركض على إثرها بارق وهو يصرخ باسمه فزعًا:
"نـــــــــزار."
استدار سالار برعب صوب نزار مع صرخة بارق ليبصر الأخير ساقطًا أرضًا يضغط على قلبه بوجع، يهرول صوب ابن خاله يلتقط جسده بسرعة وهو يصرخ بأعين دامعة مرتجفًا صوب خيمة مهيار:
"مهيـــــــار ساعـــــدني... مهيــــــــــــار."
وإيفان أخذ ينظر حوله بصدمة وقد ارتجفت يده يشعر بالمكان يُظلم حوله، أرسلان ليس هنا ونزار سقط أرضًا ينازع للحياة، هل خسروا رغم فوزهم؟!
سقطت دمعة مرتعبة منه.
وقبل أن يتسلل الوجع لقلبه ويسقط أرضًا سمع صوتًا خلفه يتحدث بعدم فهم:
"ما الذي يحدث هنا؟! هل انتهيتم بهذه السرعة؟!"
استدار إيفان بسرعة صوب الصوت ليبصر أرسلان يحمل فوق كتفه جثمانًا لا يدري لمن لكنه لم يهتم وهو يركض صوب أرسلان في اللحظة التي ألقى بها الأخير جثة أصلان أرضًا، كان يستقبل لكمة إيفان على فكه وهو يصرخ بجنون:
"أيها الحقير هل تنتوي قتلي رعبًا؟! أين كنت أيها الوسخ؟! تفعلها مجددًا أرسلان، تفعلها مجددًا أيها الحقير."
اتسعت عيون أرسلان بصدمة مما يحدث:
"كثرة جلستك مع سالار أثرت عليك كثيرًا إيفان."
جن جنون إيفان وهو يصرخ بصوت مرتفع:
"لقد... أصبتني بحالة من الجنون، اختفيت دون أي تنبيه وصرنا نبحث عنك بين الجثث كالمجانين، ونزار سقط أرضًا من فكرة أن سوءًا أصابك وأنت..."
قاطع أرسلان كلماته وهو يهمس بعدم فهم وقد شحب وجهه:
"ماذا؟! نزار سقط؟! ما الذي تقصده بسقط إيفـــــان؟؟؟؟"
نظر جواره يتأفف بضيق وهو يحرك السهم أرضًا يرسم به خطوطًا وهمية يردد كلمات حانقة:
"هذا ليس عدلًا هل خافوا أن يغطي نوري عليهم في الحرب؟! هذه أنانية."
حرك تيم عيونه بهدوء صوب خالد الذي لم يتوقف عن التذمر منذ عرف أن الجيوش خرجت لحرب دونه، والعجيب أنه كان يرفض قبلًا القتال أو تلويث يده بالدماء كما يردد طوال الوقت، والآن حانق لأنه لم يذهب معهم؟!
"فقط مرر يومي ولا تقسم رأسي نصفين من نحيبك خالد، أنا بالفعل أعاني بما يكفي، ثم هل تراني ذهبت؟! ها أنا أقود المتبقي من الجيش لحماية العاصمة والقصر، إذن لا تفسد مزاجي أكثر من هذا و..."
لكن كلماته توقفت في منتصف طريقها صوب الخارج حينما أبصر انتفاض جسد خالد وقد اتسعت بسمته بشكل غريب ينهض فجأة من مقعده في ساحة القصر وهو يتحرك ملتمع الأعين صوب إحدى الجهات.
ضيق تيم عيونه وهو يميل بجسده للأمام كي يبصر ما ينظر له خالد، لكن تراجع للخلف بسرعة حينما شعر بيده خالد تدفعه والأخير يردد بجدية:
"ما الذي تفعله أنت؟! تنظر لزوجة أخيك تيم؟!"
اتسعت عيون تيم بصدمة ولم يستوعب من الأساس ما يحدث يحاول الحديث ليوضح أنه حتى لا يعلم عمن يتحدث أو ما يحدث هنا.
لكن خالد رفع إصبعه في وجه تيم وهو يهتف بجدية واعين مشتعلة:
"اسمع يا أخي، منذ اللحظة التي اتخذتك بها رفيقي حرمت على نفسي كل امرأة تنظر لها، فافعل المثل مع من يخصني من النساء ولا تمدن عيونك لهن."
كان يتحدث وهو يحرك إصبعه بجدية أمام وجه تيم الذي ينظر لإصبعه بعدم فهم متشنجًا، ومن ثم أبصر انصرافه دون كلمة إضافية.
ابتسم تيم بسمة صغيرة متشنجة وهو يميل برأسه محاولًا فهم ما يحدث في هذه اللحظة.
لكن لا شيء. هز رأسه بتعجب وهو يعود بعيونه صوب البوابة الرئيسية للقلعة يراقبها بهدوء وقد استطاع ذلك الخالد أن يقلب يومه.
فجأة أبصر البوابة الصغيرة الجانبية للقلعة تُفتح ويدخل منها جسد يتشح بالسواد ولم يظهر منه شيء لبعد المسافة بينهما.
نهض تيم وهو يتحرك بهدوء صوب ذلك الجسد يهتف بصوت جهوري قوي:
"من أنت يا هذا اظهر نفسك."
فجأة توقف الجسد وكأنه تجمد على كلمات تيم، والأخير تقدم خطوات قليلة صوب الجسد يتحسس سيفه على استعداد لجز عنقه في أي لحظة وبمجرد أن أصبح على مقربة من ذلك الجسد وفي منطقة تسمح له بالرؤية الواضحة أبصر جسد أنثوي يلتحف بالسواد ولا يظهر منها سوى أعين محاطة بالكحل الأسود.
ضيق عيونه وهو يقترب أكثر يهتف بترقب:
"من أنتِ سيدتي؟! عرفي عن نفسك."
وهي فقط كانت متجمدة في موضعها لا تحسن تحريك يدها حتى لتعدل من وضعية لثامها، وضربات قلبها تعلو وبقوة تشعر بأنها على وشك السقوط أرضًا وهي تبصره. نفس الرجل الذي أبصرته منذ شهور طويلة ولم يفارق خيالها منذ تلك اللحظة.
فارسها الشهم.
كانت تسير في الأسواق وهي تحمل الكثير من الحقائب وتركض بخطوات متعجلة كي تلحق بوقت الطعام والدواء لشقيقها، لكن السوق والازدحام في هذه اللحظة لم يساعدونها على الإطلاق لتنتهي من هذا بسرعة.
فجأة وأثناء هرولتها تعرقلت أقدامها بصخرة أسفلها لتسقط كل ما كانت تحمله في يدها أرضًا وتتناثر الخضروات في الأرجاء. لكن من سوء حظها أو من حسنه أثناء مرور إحدى قوافل الجيش التي تراقب حركة الأسواق سقطت بعض الخضروات على البعض منهم ومن بينهم قائد القافلة.
تراجع تيم للخلف بسرعة وهو يشهق بصوت مرتفع ينظر لنفسه بصدمة وقد تدمرت ثيابه، رفع بعيونه لفهم ما يحدث ولم يكد يصرخ ظنًا أن أحد الأطفال يثير شغبًا، حتى أبصر امرأة ساقطة أرضًا ليتحرك بسرعة وهو يهتف:
"بسم الله، هل أنتِ بخير آنستي؟!"
تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول أن تتمالك نفسها وألا تنهار، تراقب من أسفل رموشها كل ما عملت على شرائه وقد تدمر أسفل الأقدام، ضغطت بيدها على الأرضية أسفلها ترفع عيونًا حادة للمتحدث وكأنه هو من دمر كل شيء.
"نعم، إن كان ضياع كل ما عملت عليه يعد خيرًا في نظرك، فأنا بخير حال يا سيد."
رمش تيم بصدمة من هجومها يحاول التحدث، لكنها لم تعطيه فرصة وهي تنهض تنفض ثوبها الأسود، ومن ثم رفعت عيونها له تزيح غطاء الوجه لتمسح وجهها ليتصنم جسد تيم أمامها دون ردة فعل، قبل أن يبعد عيونه عنها، ويميل أرضًا بسرعة يحاول جمع كل ما لم يفسد منها في الحقيبة يمسح الطعام بثوبه، ومن ثم يضعه بالحقيبة تحت أعينها المصدومة من فعلته.
فعلى حسب زعمها أن جميع من ينتمي للجيش متكبر متغطرس، لكن يبدو أن صاحب العيون السوداء هذا يختلف عن الجميع.
انتهى تيم من جمع الطعام وهو ينهض بسرعة يعطيها الأكياس، ومن ثم تحرك دون كلمة يختفي من أمامها ثوانٍ تاركًا إياها عاجزة للمرة الأولى أمام أحدهم، تستشعر رقيًا لأول مرة، ضمت أكياس الطعام دون شعور وهي تنظر حولها تتحرك بسرعة بعيدًا عن المكان وهي ترفع لثامها مجددًا تخفي به ملامحها تتحرك بعيدًا عن الازدحام صوب منزلها، وبمجرد أن خطت لشارع جانبي سمعت صوتًا خلفها يهتف:
"آنستي لحظة من فضلك."
توقفت أقدامها وقد تسببت نبرته الهادئة والرخيمة في زيادة ضربات قلبها، تستدير ببطء تراقبه يهرول صوبها يحمل كيسًا من نفس ما تدمر أثناء سقوطها يمده لها ببسمة رجولية لطيفة:
"تفضلي."
حركت عيونها صوب الكيس وقد تجمد جسدها بالكامل، ومن ثم رفعتها له ليتوتر تميم من نظرته يهتف بصوت منخفض:
"تفضلي."
تبع كلمته وهو يضع الكيس في يدها دون انتظار أن تأخذه هي يهتف بحرج وهو يفرك رقبته:
"هذا فقط... ربما... هذا كي لا يفسد يومك لأجل بعض الخضروات و... وكوني فقط بخير آنستي."
ومن بعد هذه الكلمات هز رأسه له بتحية واحترام وكأنه يحيي أميرة ورحل ببساطة تاركًا إياها تواجه لأول مرة إعجابًا بتصرفات رجل، وليس أي رجل. رجل راقٍ لطيف قوي وبشوش، لا تعلم حتى اسمه.
استفاقت من شرودها به وهي تسمع صوته يردد بجدية:
"آنستي هل أنتِ بخير؟!"
ارتجف قلبها في موضعه وهي ترفع عيونها له ليهتز ثبات تيم لثوانٍ يشعر أنه قد أبصر هذه العين من قبل يسمع صوتها يردد:
"الملك."
"ماذا؟!"
"جئت للتحدث مع الملك في أمر هام."
هز لها تيم رأسه وهو يتحدث بهدوء:
"حسنًا آنستي اعتذر منكِ، لكن الملك ليس في البلاد في هذا الوقت تعلمين أن الحرب قائمة و..."
"إذن ربما يمكنك أنت أن تتلقى رسالتي نيابة عنه سيدي."
توقف تيم عن الحديث بتعجب من كلماتها وتصرفاتها يهز رأسه وهو يشير لها لنقطة مضيئة في منتصف الساحة بعيدًا عن هذا الظلام كي لا يثير الأقاويل والتأويل.
"لا بأس بالطبع إن كان هنا ما يمكنني تقديمه لكِ فسأفعل."
سارت خلفه تسمع صوته يردد بهدوء شديد:
"بالمناسبة أنا تيم قائد الجيش الثاني في القصر وسيسرني خدمتك سيدتي."
ابتسمت وهي تردد بصوت منخفض هادئ عكس طبيعتها ترفع يدها تزيح لثامها لشيء في نفسها:
"دلارا... اسمي هو دلارا."
ركض بجنون صوب الخيمة التي ينصبونها عادة في المعارك لنقل المصابين وتدارك حالتهم بسرعة.
يدفع الجميع من أمامه بجنون، وهو يهتف باسم نزار بصوت مرتجف، يبحث بينهم عنه، وفكرة أن يخرج من هذه الحرب بفقيد آخر تقتله:
"نــزار... أخي."
تقدم بسرعة صوب فراش يقبع أرضًا عليه جسد نزار الذي كان يتنفس بصعوبة ومهيار يحاول تدارك حالته، وسالار يقف جوارهم، لكن ما إن سمع صوت أرسلان حتى استدار له يمرر عيونه على جسده ليتأكد أنه بخير، واخيرًا تنفس براحة يتحرك صوبه يجذبه صوب أحضانه يردد بصوت مرتجف:
"أخي أنت بخير."
تأوه أرسلان وهو يضم له سالار بقوة يربت على ظهره ربتات خفيفة حنونة:
"أنا بخير... بخير سالار لا تخف أخي، أنا بخير."
رفع عيونه صوب وجه نزار الشاحب وهو يتحدث بصوت مرتجف خائف:
"نزار... هل هو بخير؟!"
ابتعد عنه سالار ببطء وهو ينظر صوب نزار الذي كان في هذه اللحظة ما بين اليقظة والحلم يهتف بأسماء عدة منها الوليد ووالده وتوبة واخيرًا أرسلان.
ابتسم أرسلان وهو ينحني أرضًا راكعًا على ركبتيه يمسك كف نزار بين يديه، يربت عليها بحب:
"أنا هنا أخي، أنا بخير أنا بخير."
حرك نزار عيونه في المكان يتنفس بصعوبة وقد ساعده مهيار منذ ثوانٍ لتخطي جلطة قلبية كادت تودي بحياته:
"لقد... لقد وعدته أن أقتله بيدي... آخذ بثأره بنفسي، لم... هل... مات؟ أصلان... مات."
ابتسم له أرسلان وهو يتحدث بهدوء بعدما تنهد بصوت مرتفع:
"لقد فعلت يا أخي، لقد فعلت وأخذت بثأر شقيقك، لم... لم ينهض أصلان بعد ضربتك نزار، لقد اقتصصت لشقيقك عزيزي، انهض وارفع رأسك وسر بين الجميع مفتخرًا، مات أصلان وأنت من نال شرف تخليص العالم منه."
كذب ولا يندم على الأمر، يبصر عيون نزار الموجوعة، وإن كانت حقيقة موت أصلان على يده تطفئ نيران صدره فليكن إذن.
"الآن انهض لتأخذ بنفسك عزاء أخيك بعدما انتقمت له من الجميع، الآن انهض نزار وارفع رأسك، أخطأت من قبل، والآن محوت خطأك كأنه لم يكن أخي."
سقطت دموع نزار بقوة وهو يجذبه له أرسلان يهمس بصوت موجوع:
"أنت... أرسلان هل... هل سامحتني؟!"
ربت أرسلان على كتفه بحنان وحب:
"لم أغضب يومًا منك ولم أحملك يومًا ذنبًا لا يد لك به، لأسامحك، لقد... فقط بحثت روحي عن شخص تصب عليه جام غضبه وعجزه وكنت أنت أحد هؤلاء الذين اختارتهم نزار، انهض يا أخي واستقم بهامتك فلن يحمل كفن أخيك غيرك، هو لم يحب في هذه الحياة شخصًا مثلك."
سقطت دموع نزار وهو يتنفس وأخيرًا براحة وكأن صخورًا صلبة كانت مستقرة على صدره واخيرًا تم إزالتها، ابتسم دون شعور مغمضًا عيونه هامسًا كلمات قليلة قبل السقوط في غفوة من شدة الإرهاق:
"الحمد لله."
رفع أرسلان عيونه برعب صوب مهيار وقد تجمدت يده وشحب وجهه، ليبادر مهيار بالتحدث مبتسمًا بسمة صغيرة يضع بعض الأعشاب أسفل لسان نزار:
"لا تقلق، هذا متوقع، تم إرهاق جسده بشكل كبير، وجروحه بليغة، والآن فقط منح جسده رفاهية الراحة."
هز أرسلان رأسه وهو يرفعها ببطء صوب سالار وإيفان يتحدث بهدوء:
"سنتحرك لآبى علينا أن نكون جوار الملك آزار ونزار في هذه اللحظة."
وايضًا لأجل الاطمئنان على سلمى، لكنه سرها في نفسه يشرد بوجه نزار، بينما إيفان هز رأسه يتحرك بهدوء صوب الخارج يهتف بصوت جهوري:
"أفرغــــوا الساحة من جثثهم، وأجمعوا شهدائنا سنصلي عليهم، قبل التحرك لآبى."
نظر جواره يبحث عن أحدهم قبل أن يهتف بجدية ولهفة:
"يا المعتصم."
انتبه له المعتصم يتحرك صوبه بهدوء:
"مولاي..."
فجأة تجمد حينما جذبه إيفان لصدره بحنان شديد وهو يتنهد بصوت مرتفع يهتف له بحب أخوي:
"إيفان فقط يا المعتصم... أنت بخير يا أخي؟!"
أبصرت أحدهم يصيبك بجرحٍ أثناء القتال، هيا تعال ليفحصك مهيار.
ابتسم المعتصم يحاول الاعتراض:
"أنا بخير إيفان لا تقلق و..."
"هيا يا المعتصم لا تعاند يا أخي، سيفحصك مهيار قبل التوجه لآبى دعني أطمئن عليك أرجوك."
ابتسم له المعتصم وهو يسير خلفه، بينما إيفان يتمسك بيده بقوة وحنان وقد كان المعتصم آخر من تبقى له من رائحة والدته بعد أخته، لذا احتمالية حدوث خدش لأيٍ منهما كان مرفوضًا.
بينما المعتصم يسير مع إيفان بهدوء وقد اعتاد طوال فترة بقائه في سفيد سابقًا بعدما علم حقيقة قرابته لإيفان، أن يلعب إيفان دور الأخ الكبير له ولو كان خفية في البداية.
"أعان الله أخيكِ عليها لتلك المرأة كهرمان."
كانت هذه كلمات توبة وهي تجلس على أريكة بعيدة أسفل نافذة غرفتها وهي تراقب الفراش حيث تجلس سلمى تحمل بين كفيها كتابًا وهي تضع قدم فوق الأخرى تقرأ منه بسلام نفسي كبير بعدما أفسدت سلام الجميع حولها عدا تبارك النائمة بسلام جوارها.
"لا تقلقي عزيزتي، أخي ليس بالمسكين كذلك، يليقان ببعضهما البعض، لا أعلم في الحقيقة لمن يجب أن أدعو الله أن يعينه على الآخر."
هزت توبة رأسها وهي تزن كلمات كهرمان في رأسها لتدرك في لحظات مقدار حماقتها لو سارت خلف إعجاب طفولي بأرسلان، ربما كان انتهى الأمر بينهما للطلاق، فلا تستطيع احتواء رجل بمثل عنفوانه وتجبره، ولا هو سيتمكن من تفهم لحظات غضبها ويستوعب إذاعة لسانها حين السخط.
الله دائمًا يخفي لنا ما نستحق.
وربما الذي بكيت في الأمس لأجله، لو عرض عليك اليوم لرفضته بملء فيك.
"أنتِ محقة، لا أحد يليق بشقيقك مثلها ولا أحد يليق بها كشقيقك، الله أرسلها من عالمها آخر خصيصًا كي تكون له."
كانت تتحدث بشرود وهي تبتسم بسمة غير مرئية وعقلها يدور في نقطة شبه بعيدة، الله أرسل سلمى من عالم آخر لأجل أن ترافق أرسلان حياته، وأرسلها هي للجحر كي تكتشف أنها طوال الوقت كانت أمام نصفها الثاني ولم تستوعب.
نظرت صوب سلمى وهي تبتسم تهتف بفضول:
"إذن ما الذي تقرأه سلمى الآن؟!"
هزت كهرمان كتفها بعدم فهم تحرك عيونها صوب سلمى التي كانت مندمجة بشكل كبير فيما تقرأ مبتسمة بحنان شديد.
وهي تقرأ كتاب والدها للمرة الثانية والتي كان يقص به كامل حياة وطفولة أرسلان، للمرة الثانية تقرأه وكأنها تفعله لمرتها الأولى.
هذه المرأة لا تقرأه بفضول من ذلك البطل الوهمي في الكتاب الذي تركه لها والدها، بل تقرأه عشقًا في بطل الكتاب الذي أصبح واقعًا لأجلها، واقعًا ملموسًا قريبًا من الروح. بطل روايتها ذلك المسكين الذي كانت تتعجب أن يمر بكل ذلك وحده، ليحضره الله من عالمها لعالمه فقط كي تربت عليه وتكون أقرب له من نفسه، تكون زوجته.
ابتسمت وهي تتلمس حروف اسمه بشوق وحب شديد، وقد أضناها عشق لذلك الرجل الغريب ورأسها يعيد عليها أول لقاء بينهما وكل كلمة نطق بها ذلك اليوم.
"كيف تقبل بإحضارها بهذا المظهر صامد؟! ما الذي دهاك أنت وشقيقك، هل أفسدتك كثرة اختلاطك بهم؟! أجننتم أين حجاب المرأة؟!"
"مــــــــــــاذا؟!"
ومجددًا تجاهل أرسلان صيحة سول:
"أقسم أنني لن أمرر لكما هذا، سرتما بالمرأة كل هذا الطريق وجعلتومها عرضة لأعين الرجال بهذه الهيئة الـ... الرجولية؟!"
ابتسمت بسمة واسعة وهي تمسح وجهها ونظراته المستنكرة ما تزال تدور بعقلها.
"ارتدي المعطف يا امرأة كي أستطيع التحدث معكِ، وأرى شعرك خلف القلنسوة."
فجأة انفجرت سلمى في الضحك وهي تتذكر ما فعله بها في أول لقاء لهما.
"أنتِ لا تنتظرين أن أساعدك للصعود صحيح؟!"
نظرت له ثوانٍ قبل أن تهتف بسخرية:
"أوه لا بالطبع، فأنا بارعة في هذا كما ترى، لقد ولدتني أمي على ظهر حصان، أخبرك شيئًا، يمكنك الرحيل وأنا سألحق بك فأنا أحفظ الطرقات هنا كراحة يدي."
رمقها أرسلان بإعجاب مصطنع، ثم ابتسم يردد بهدوء وانبهار:
"هذا جميل، إذن ألقاكِ على بوابة القصر، السلام عليكم."
كانت ضحكاتها تعلو بقوة وهي تتذكر كل ذلك وكأنه بالأمس، يرحل وهي تحدق لظهره بصدمة كبيرة، يا الله ما أقرب الأمس، وما أبعد ذلك الأرسلان عن خاصتها.
كانت توبة تتابع ما يحدث بعدم فهم:
"كهرمان جُنت زوجة أخيكِ."
"أوه جاء هذا متأخرًا حقًا."
وقبل التحدث بكلمة سمع الجميع صوت الجنود في الأسفل يعلنون وصول الملك آزار مع رجاله.
تحركت توبة قبل الجميع وهي ترفع جسدها للنافذة التي تعلو الأريكة تراقب منها موكب آزار تبحث به عن نزار، لكن خاب أملها وهي تعود بوجه حزين لتجلس، لكن فجأة تجمدت وهي تبصر آزار يهبط من عربة صغيرة والجنود يتحركون ليخرجوا جثة مغطاة الوجه لا يظهر منها شيء، وقد اصطف الجنود على جانبي الطريق يخفضون السيوف والرؤوس في مشهد حداد وصمت معروف حينما يرحل أفراد الجيش أو الأسرة الحاكمة.
لتشعر توبة في هذه اللحظة بتوقف ضربات قلبها وهي تهمس بصوت مرتجف:
"لا... لا يمكن أن يكون... لا يمكن أن يكون."
ومن بعد هذه الكلمات هرولت كالمجنونة خارج المكان لتتسع عيون كهرمان بصدمة وعدم فهم، وهي تتحرك خلفها بسرعة وسلمى ألقت الكتاب تلتقط حجابها وتلحق بهما في الممرات وقد شحب وجهها.
"رحمتك يا الله."
هبط من العربة وهو ينظر للجنود حوله يتحركون صوبه بسرعة وقد أشار لهم بصوت قوي لا يدري من أين له به:
"اخرجوا... سمو الأمير من العربة وقفوا احترامًا لجثمان ولدي."
اتسعت أعين الجنود بصدمة مما سمعوا وتجمدت الأجساد وقد شحب الوجوه وامتلئت العيون دموعًا مما سمعوا.
الأمير نزار؟!
ركض جنديان بسرعة يخرجان الجسد بسرعة ليحملانه فوق الأكتاف وهم يتحركون به بين صفين من الجنود وقد أنزل الجميع سيوفهم والرؤوس احترامًا.
بينما ابتلع آزار غصته وهو يهتف بصوت مرتفع بنبرة بكاء واضحة:
"اليـــــــوم فقــــــــدت آبـــــــــى أميرهــــا الو..."
قبل إكمال جملته سمع صرخة تشق الأجواء وصوت توبة تصرخ بصدمة وقد هوى قلبها قبل جسدها أرضًا:
"نـــــــــــزار؟؟؟ لا لا."
اتسعت عيون آزار وهو يركض صوب توبة بسرعة كبيرة يساعدها لتنهض وكهرمان التي مالت بسرعة تسندها، والأخيرة فقدت الإحساس بكل ما حولها تشعر بارتجافة أطرافها وهي تحدق في الجسد المحمول فوق الأكتاف بأعين دامعة تحاول النطق وقد شعرت فجأة بأنها فقدت القدرة على ذلك ودموعها تسير بلا توقف.
بينما آزار يحاول إجبارها على سماعه:
"لا... ليس نزار... توبة هذا ليس نزار هذا ولدي الآخر، توبة اسمعيني."
بينما توبة فقط لا تنزع عيونها عن الجثة أمامها وعيونها شاخصة بشكل مرعب.
بينما آزار استقام وهو يهتف بصوت جهوري:
"اليوم استشهد الأمير الوليد آزار وهو يدافع بشرف عن أخيه الأمير نزار، أكرموا أميركم يا رجال."
ختم حديثه وهو يشير للجنود بالتحرك وقد علت الصدمة أوجه الجميع، ورغم ذلك لم يتحدث أحدهم بكلمة وهم يتحركون به صوب الغرفة المجاورة للمسجد لتجهيز دفنه.
بينما آزار نظر لتوبة يهتف بصوت قوي:
"توبة اسمعيني هذا ليس نزار... نزار حي يا ابنتي... نزار بخير لا تقلقي هو... بخير... ولدي الأصغر بخير."
رفعت له توبة عيونها الدامعة وهي تهتف بصوت مرتجف:
"نزار؟!"
"لا هذا ليس نزار، هذا... الوليد، هيا انهضي عزيزتي لا يجوز لملكة آبى المستقبلية أن تكون بمثل هذه الهشاشة يا ابنتي، تماسكي."
سقطت دموع توبة قبل أن تنفجر في موجة بكاء متأخرة بسبب صدمتها تتحدث بصوت مرتجف:
"نزار.... يا ويلي قلبي سيتوقف.. هو بخير يا عم، أقسم بالله لي أنه بخير، بالله عليك أن تخبرني أنه بخير."
امسكها آزار من أكتافها وهو يساعدها لتنهض ينفض ثيابها وقد ارتجفت أنفاسه حتى:
"أقسم بالله أنه بخير لقد... وصلتني أخبار نصرهم... لقد انتصروا والحمد لله لم يمس أحدهم سوءًا القليل من الجروح المعتادة، والجميع في الطريق لهنا، ساعات ويصل الجميع."
رفع عيونه صوب كهرمان وسلمى يتحدث بتعب وقد شعر أن طاقته قد نفذت:
"رجاءً ساعدنها للراحة."
أومأت كهرمان بحسنًا وهي تمسك توبة تضمها بحنان متحركة صوب القصر وسلمى خلفهم، لكنها توقفت ثوانٍ تنظر لوجه آزار الذي كان كمن يحمل الجبال فوق كتفه، بوجه صلب غريب، لتهمس له بصوت منخفض:
"لا يضير الجبال أن تجري الأنهار بها أحيانًا، كما لا يضير الرجال البكاء أحيانًا يا عم، افرغ أثقال قلبك بالبكاء ولا تكبت أوجاعك طويلًا فتنفجر داخليًا، فاليوم تبكي وغدًا تمسح دموعًا."
ختمت كلماتها تلحق بالجميع تاركة آزار خلفها وقد شعر أن قلبه مثقل لدرجة أن حتى التنفس كان صعبًا.
تحرك بأقدام مرهقة يبحث لنفسه عن ملجأ بعيدًا عن أعين الجميع، يسير بضعف محني الظهر حتى دخل غرفته يغلق الباب خلفه ينهار أرضًا يتنفس بصوت مرتفع قبل أن ينتهي به الأمر منفجرًا في بكاء حار يرثي به ولده، بكاء لم يبكه يومًا منذ وفاة شقيقته الصغرى.
"يا الوليد... آه يا ولدي."
كانت ساعات طويلة.
حتى أبصرت جميع النساء ساحة قصر آبى تمتلئ بالرجال من كل حدب وصوب لأجل عزاء الأمير الوليد الذي رحل قبل أن يدركوا حتى وجوده كأمير.
الجميع يرتص والكفن أمامهم يراقبونه بأعين غائمة مما يحدث، ولا يُسمع في المكان سوى صوت الشيخ الذي نطق بصوت جهوري:
"اليوم نودع أحد رجال آبى، الأمير الوليد، الذي رحل عن عالمنا وهو يدافع حتى آخر قطرة من دمائه عن الأمير نزار أخيه، الأمير وليد والذي علمه البعض منكم خائنًا، انتوى التوبة قبل وفاته وليكتبها الله في أعماله، الوليد لم يشرك بالله ولم يرتد وشهد أن لا إله إلا الله، أقام الصلاة رغم عصيانه، إذن في الإسلام هو مسلم ذلت أقدامه وهوى، وليس مشرك بالله، لذا ما علينا من حسابه شيئًا وهو بين يدي الله أمره برحمته وحده، ما علينا سوى الدعاء له."
ختم كلماته وقد بدأ يدعو له والجميع يردد خلفه عدا نزار الذي كان ينظر لهم بأعين دامعة لا يبصر شيء من بين دموعه، قبل أن يبصر الجميع يحملون كفن أخيه فتحرك سريعًا يلتقطه معهم وهو يجاهد نفسه ليتمالك ويتحرك به صوب قبور عائلته.
وخلفه الملك آزار والذي استعاد رباطة جأشه ونفسه بعدما خرج من حجرة، يسير مع الجميع خلف كفن ولده بوجه جامد وجسد مستقيم.
وأرسلان يحمل مع سالار والمعتصم الكفن، الجميع يتحرك صوب القبور، ينظرون بشفقة صوب نزار الذي كان يسير بلا شعور بمن حوله. ومن الأعلى تراقبه توبة باكية على حالته وما يحدث، الآن فهمت حالته حينما كان يستيقظ صارخًا باسم الوليد باكيًا قبل أن يسقط في غيبوبته التي اختارها لن
رواية اسد مشكي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم رحمه نبيل
كنت مجرد طفل في العاشرة، ما يزال يستكشف ما حوله، لا يدرك حتى كيف يحرك أقدامه لفترة طويلة دون أن يزل في منتصف الطريق. لطالما احتجت لمن يقف في ظهري لدعمي ومساعدتي، شخص يتلقفني إن سقطت، ويدفعني إن توقفت. وبشكل ما ظننت أن أبي قد يكون ذلك الشخص، وقد كان بالفعل، لكن ليس لي، بل لأخي الأصغر.
تلمس نزار أحرف الوليد، يستشعر مقدار القهر في كلماته، وقد توجع قلبه لما عاناه منذ طفولته. سقطت دمعة منه دون أن يشعر، وهو يكمل الكلمات بلهفة يبحث فيها عن طيف أخيه.
وربما اشفقت أمي على صغيرها الوحيد المنبوذ، وقررت ذات ليلة أن تصارحني بحقيقة أن الرجل الذي ظننته أبي طوال عشر سنوات، لم يكن، لم يكن أبي، بل كان زوجها. وهذا يفسر الكثير لي. وفي الحقيقة، رغم بشاعة الواقع آنذاك، إلا أنني لأول مرة ابتسم باكيًا براحة. راحة أن أبي لم يكن يكرهني أو يخجل من وجودي كما ظننت بطفولية. هو كان ينبذني لأنني لست ولده. كان سببًا أفضل من الاعتقاد أنني مكروه من أبي.
لكن ما تبع تلك الحقيقة من حقائق صدمني. أبي لم يكن رجلًا عاديًا، غدر بوالدتي لأجل الفقر مثلًا، أو تخلى عنها لأجل الضعف. بل كان أبي أكثر رجال مملكة آبى قوة وثراءً. كان أبي... الملك آزار.
كانت حقيقة مرعبة ومفرحة بعض الشيء. أنا ابن الملك إذن، يمكنني الذهاب والعيش بعيدًا عن كل تلك المعاناة معه في القصر والتنعم بحياة طبيعية في أحضان والدي، صحيح؟ وللأسف لم يكن صحيحًا. إذ أن أمي، بعدما ألقت حقيقة أبي في وجهي، ألقت الحقيقة الثانية والتي كانت أنها لا ترغب في علاقة تربطني به، ولا ترغب أن أظهر من ماضيه لأفسد حاضره.
وأنا؟ ماذا عن حاضري ومستقبلي؟ ماذا عني؟ ولماذا سيفسد وجودي حاضر أبي؟ هل يكرهني؟ ألهذا ابتعد عن أمي؟ هل كان حتى يعلم بوجودي وتجاهله؟ أسئلة كثيرة نطقت بها عيني وأبصرتها أمي، وتجاهلتها مرغمة. ويا ليتها لم تفعل.
تنفس نزار بصوت مرتفع، وهو يلتقط كوب ماء مجاور له. يرتشفه دون تمهل، يحاول أن يهدأ من ضربات قلبه، فالوليد الذي عرفه طوال حياته كان ذا قشرة صلبة لا توحي بمقدار هشاشته الداخلية.
أراد الفرار من الكتاب والمغادرة، أراد الرحيل بعيدًا عن الحقائق التي يعلم أنها ستقتله. لكنه يتذكر فجأة كلمات توبة التي تركته ينعزل بنفسه للمرة الأخيرة في غرفته ليخرج لهم بكامل قوته وتماسكه.
"فقط افعلها ولو للمرة الأخيرة نزار، خذ الحقيقة رشفة واحدة، وتحمل مرارتها لمرة واحدة، كي تستطيع تذوق الحلو مرة أخرى. انتهي مما يؤلمك وتأقلم مع حقيقة أن أخوك رحل من العالم، لكنه ما يزال هنا في قلبك. وانظر إليه، كان يحبك لدرجة أنه ترك لك أثرًا تتذكره به."
نظر نزار مرة أخرى صوب الكتاب بتردد، يمسكه ويقلب بين صفحاته يبحث عن الكلمة التي توقف عندها، ومن ثم شرع يقرأ بعيونه ما خطت أنامل أخيه بحروف منسقة.
"وكانت العاشرة لحظة انقلاب لحياتي. أصبحت منعزلًا عن الجميع، أرى أنني لا أستحق حب أحد، ولا أحد مهتم ليمنحني احتواءً حتى. زوج والدتي، ومنذ علم بمعرفتي حقيقة زواج أمي الأول، أخذ يعاملني ببرود تام. كان يحب أمي كثيرًا ويدللها، لكن يبدو أن حبه لها لم يكن كافيًا ليتقبل ولدها من غيره. وفي الواقع، حينما كبرت ربما أكون قد عذرته مرات، فمن ذا الذي يتقبل رؤية ابن لمعشوقته من رجل آخر؟ لذلك لم أحزن منه يومًا. على الأقل لم يكن يضربني أو يصرخ بي أو يعاملني بشكل سيء، فقط برود، ونظرات يخبرني بها أنه لا يتقبلني. وصدقني إن أخبرتك أنني نفسي لم أكن أتقبل نفسي.
أما عن أخي العزيز، فقد كان لطيفًا وحنونًا، حتى بدأ يكبر ويجد الغل لقلبه سبيلًا. لم يتوقف عن ترديد كلمات والده أنني لست ولده، ولم يتوقف عن اختلاق القصص حول أن أبي لم يتحمل وجودي أنا وأمي ونبذنا. وللحق، كان وجود ذلك الشيطان الصغير في حياتي عاملًا كبيرًا لكرهي لأبي أكثر. كان يبث بي سمومًا، ويثير بي جنونًا قادرًا على دفعي لقتل أبي. وربما هذا ما فكرت به حينما تركت تلك القرية وتحركت مع الجنود طواعية للذهاب إلى قلعة أبي بحثًا عن التدريب هناك. ذهبت لأرى كيف هو أبي، وكيف هو أخي العزيز الصغير الذي فضله عليّ أبي. ذلك الحقير الذي نال ما بحثت عنه طوال طفولتي."
سقطت دمعة نزار وهو يبتسم دون شعور، يقرأ كلمات الوليد بأعين ضبابية من الدموع، وقد بدأ قلبه يتضخم بحب أكبر للوليد.
"وبعد أيام من وصولي للقصر وبحثي عنه بين الجميع بأعين حاقدة كارهة، وجدته أخيرًا. ذلك الحقير الوسخ الذي يضرب أخي الصغير. ولا تخف، لم أكن لأسب طفلًا بمثل لطافتك نزار. تلك اللحظة التي رأيت بها طفلًا صغيرًا يسقطك أرضًا بعنف، كانت لحظة فارقة في حياتي. ففي حين أنني تخيلت نفسي مكان هذا الطفل أوسعك ضربًا، لم أتحمل رؤيتك ساقطًا أرضًا بأعين دامعة، لأندفع كالثور الهائج أضرب ذلك الصغير بقدمي في خصره ضربة لا أعتقد أن أثرها زال حتى هذه اللحظة. ومن ثم اندفعت لك، ودون شعور وجدت نفسي أطمئن عليك وأناديك بأخي. وفي هذه اللحظة انهارت تلك الجبال الوهمية من الحقد التي غذيت بها نفسي. انهار كل شيء وأنا أراك تبتسم لي بامتنان وتنهض لتعانقني رغم فرق الطول بيننا آنذاك."
ابتسم نزار من بين دموعه، وقد كانت ذكرياته لتلك الفترة مشوشة بعض الشيء، لكن لقاء الوليد لم يكن. ارتجفت يده وهي تقلب الصفحات يقرأ كلماته.
"أتذكر حينها جذبك لي لأقابل والدك، وأبي كذلك. حينها نظرت لعيونه، حاولت أن أبحث بها عن أي شر يغذي كرهي له، لكنني لم أجد سوى نظرات حنونة ويد تربت عليّ وهو يناديني بني. ولولا رباطة جأشي حينها لرميت نفسي بين أحضانه وبكيت أنني ولده فعلًا. ومرات كثيرة تمنيت لو أنني فعلت. لكن رؤيتي لعائلته الصغيرة السعيدة مكتملة دون دخولي للصورة حال دون ذلك. وشيئًا فشيئًا خفتت رغبتي لأخباره الحقيقة وتحولت رغبتي لأن أكون ولد آزار، إلى رغبة ملحة لأن أكون أخ نزار. فأخذت أتقرب منك وأتلقى منك اهتمامًا واحتواءً لم أتحقاه طوال حياتي. كنت الوحيد نزار، كنت الوحيد الذي اهتم بي في هذه الحياة، الوحيد الذي ابتسم لي وساعدني كلما أسقطت نفسي في المشاكل. لا أزال أتذكر توسلك مرات ومرات لوالدك كي يعفو عن ذلاتي، ركضك خلفي في لحظات غضبي، وبقائك جواري في لحظات مرضي. وتتعجب أنني التصق بك وأفعل أي شيء لحمايتك؟! أنت إن وجدت شيئًا يتمثل به حياتك ستحميه بكل ما تمتلك. وأنت يا أخي لم تتمثل بك حياتي، بل كنت حياتي والخيط الأخير الذي يربطني بأنسانيتي. لقد.... كنت أول من علمني الصلاة نزار، أول من تبعته في الركوع، أول من أطعمني بيده في مرضي. وحينما أصابني ذلك الوباء اللعين في شبابي، حينما كان الجميع ينفر من المصابين، كنت أنت الوحيد الذي رفض تركي وحدي لأنك تعلم أنني لا أمتلك سواك. وحينما أصاب أمي الوباء ذاته، لم توفر جهدًا للسفر لها بالعلاج."
"كنتَ ملاكًا لي، وكنتُ شيطانًا لأعدائك. نحن متعادلان أخي."
تلمس نزار الكلمات وهو يقبل الكتاب بحب شديد:
لم تكن يا أخي والله لم تكن شيطانًا، كنت... ملاكًا يا الوليد، ملاكي الحارس يا أخي.
سقطت دمعة على الكتاب، ليمسحها بسرعة قبل أن تفسد حروف أخيه، يكمل قراءة بلهفة.
"ومع بداية شبابي بدأت أضل وأحيد عن الحق. تعرفت على أصدقاء السوء وتشعب الفساد لدمي. جاء أخي وانضم للجيش وجرني معه للوحل، وكان شيطاني أقوى مني نزار... لكنك... حاولت واشهد لك بذلك. لقد حاولت مساعدتي وأنا كنت مستعدًا للتخلي عن فسادي، لكن يبدو أن الفساد لم يكن مستعدًا لتركي. ظننت أنني أصبحت بخير، لكن... تلك الأقاويل التي بدأ يتناقلها الجميع عن استحقاق القائد سالار للمُلك عن الطبيب نزار، ليجن جنوني وأتعهد ألا يحدث ذلك ولو وصل الأمر لقتل الجميع. أنا لم أتخلى عن مكانتي طواعية لأجل أن يسلبها أحدهم من أخي. كنت مستعدًا لسلك كافة الطرق لتضمن حقي وحقك أخي. وللأسف اخترت الطريق الخطأ وكدت أغرسك به معي، لكن حمدًا لله أنك لم تفعل. ولو كنت امتلك عقلًا لعرفت أن سالار الذي تخلى عن مُلك بلاده وبلاد أبيه لأنه لا يصلح للحكم، ما كان ليحكم بلادًا ليست بلاده. أخطأت وكان خطأي قاتل. والحمدلله أنك لم تفعل ولم تغرس معي أكثر. ذلك اليوم في هجوم مشكى، لم أكن أعلم بالأمر أنا كذلك، أقسم بالله لم أعلم سوى قبلها بساعات قليلة، ولم أستطع أخبارك. خشيت أن أزج بك في أمر ستخرج منه بلا روح، خشيت أن أؤذيك، فأذيت شعبًا كامل بصمتي."
تحسس نزار الورق تحت أنامله، يبصر آثار دموع جافة تسببت في انكماش أجزاء من صفحات الكتاب، يقرأ باقي كلمات أخيه.
"لقد كان الملك أرسلان رفيقًا مقربًا لك، لذا إن كنت تقرأ هذه الكلمات وجسدي يواريه التراب فأطلب لي منه غفرانًا يخفف من ميزان ذنوبي أمام الله نزار. لقد... نويت التوبة بعدما ينتهي كل هذا. حينما أخرجك مما أقحمتك به سوف... أترك كل ذلك وانعزل بحياتي عن كل ذلك الوحل. سأفعل يا أخي، لكن في البداية سأكمل دوري حتى النهاية، وأحميك حتى آخر أنفاسي. وصدقني ما ارتضيت لنفسي ميتة أكرم من موتي وأنا أدافع عن الشخص الوحيد الذي جعل لحياتي معنى. فلو حدث وكانت نهاية قصتي موت، فليكن للأجلك أخي، وحينها سأكون سعيدًا، سعيد مرتاح لا ينقصني في قبري سوى دعواتك لي فلا تنساني أخي. وإن مت لا توقف حياتك لأجلي وتأكد أنني سأكون مرتاحًا من كل ذلك، فقط كن سعيدًا ولا تضع تضحيتي هباءً أخي، كن سعيدًا فهذا ما سعيت لأجله حياتي، واعتبر أن سعادتك هي وصيتي الأخيرة، وتذكر أنه في يوم من الأيام كان هناك رجل يدعى الوليد يراك العالم يا أخي...."
أغلق نزار الكتاب قبل صفحاته الأخيرة، يرفض أن ينتهي منه اليوم ويفتقد وجوده الأيام القادمة، رغم أنه لا يعتقد أنه سيمل من قراءته كل ثانية. يقبل صفحاته بحب مبتسمًا بسمة صغيرة لا معنى لها. ينظر للكتاب نظرة المنقذ، وقد وجده رجال سبز في الجحر وقت الهجوم.
رحمك الله يا أخي، رحمك الله يا حبيب قلب أخيك، عسى الله يتغمدك برحمته يا أخي. أديت رسالتك ونفذت ما أردت، ووصيتك لن تسقط يا اخي، لن يحدث طالما بي أنفاس......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ارسلان عزيزي، ما الذي تفعله؟!"
لم يقطعها أرسلان وهو يشير لها بالصمت، يمسك بين أنامله أطراف الحجاب الخاص بها وهو يلف حول رأسها بشكل مرتب، وهي تتابعه بأعين شغوفة. تبتسم على شدة تركيزه على الأمر كما لو أنه يقوم بعملية جراحية.
وبعد ثوانٍ وحينما انتهى، جذب طرف الحجاب بشكل معين ولفه للخلف، يرفعه فوق رأسها ينزله على رأسها كي تستخدمه كغطاء كما يفعل الجميع هنا. يحرك لها حاجبه مبتسمًا بفخر يجعلها تستدير صوب المرآة.
"أخبرتك أنني أستطيع فعل ذلك بسهولة، لا حاجة لتنادي أحدهم لمساعدتك وأنا هنا، أنا ماهر في هذا، لم أفني سنوات مراهقتي وشبابي هباءً."
نظرت له سلمى، ترفع الغطاء عن رأسها مبتسمة على ملامحه الفخورة.
"يبدو أن فترة تقربك من كهرمان أكسبتك الكثير، وهذه مزايا أن تكون أخًا لفتاة."
ابتسم لها بحب، وقد كان ذلك حقيقة، ففي الفترة التي مرض بها والده اضطر هو لتولي مسؤولية كهرمان بالكامل ليخفف أعباء والدته، فتعلم لأجلها طريقة ربط الحجاب وعقد خصلات الشعر، تعلم كل شيء لأجلها. ومن داخله كان يفعل لأجل زوجته، يتخيل نفسه يدلل زوجته كما كان يدلل شقيقته.
أبصرت سلمى نظراته الشريدة لتبتسم وهي تفرقع أصابعها أمام عيونه، لينتبه هو لها مبتسمًا.
"هل كانت والدتكِ تشبهك سلمى؟!"
ضيقت سلمى ما بين حاجبها بعدم فهم للسؤال المطروح فجأة بدون مقدمات، لكنها هزت رأسها بنعم تتحدث وهي تتذكر ملامح والدتها فاتنة البرازيل كما اعتاد والدها والجميع مناداتها، فقد كانت والدته نسخة أشد جمالًا وأنوثة ودلالًا منها. ورغم أن والدتها كانت تنحدر من عائلة بالسلك الدبلوماسي، نصفهم يعمل في وظائف كبيرة شديدة الخطورة، إلا أنها كانت مثالًا يحتذى به في الدلال والأنوثة، وبجسد يشبه العارضات.
"نعم كانت، يقولون أنني نسخة صغيرة منها، عدا لون العيون، فهذا ما فازت به جينات أبي. أمي كانت تمتلك عيونًا بلون العسل الصافي."
ابتسم لها أرسلان يهز رأسه وهو يتخيل الأمر. يتحرك في المكان، يخلع عنه سترته يتنهد بصوت مرتفع.
"لا عجب إذن أن والدك هرب لأقاصي الأرض لأجلها. لا ألومه في الحقيقة. تعجبت في الماضي أن يفعل والدك ذلك ويهرب من خدمته لبلاده، ويتخلى عن الجميع، لكن بالنظر لكِ، ولحالتي البائسة في حبي لكِ...."
ترك جملته معلقة وهو يقترب منها، يميل بجسده أمامها وهي تراقبه بأعين منبهرة من التصاق ثوبه في عضلاته وملامحه الرجولية الخشنة التي ما تزال تحمل أثر معركته الأخيرة.
"لو طُلب مني ترك حياتي خلفي لأجل الوصول لكِ، والله لدهستها أسفل أقدامي ولا التفت لها، وجئت لكِ ولو زحفًا على أعقابي."
شعرت سلمى بالاكسجين ينسحب فجأة من الغرفة وأن التنفس في هذه اللحظة أصبح صعبًا عليها. تبتلع ريقها بصعوبة. هذا الرجل والذي لا يمتلك نصف عبث رجال البرازيل كان يستطيع سلب أنفاسها بكلمة واحدة. الشيء الذي لم يستطع رجل فعله سابقًا وقد كان تغزلهم الرخيص يصيبها بالاشمئزاز.
رفعت عيونها تنظر لعيونه نظرة رقيقة جعلته يمد يده وهو يجذب رأسها له، ينطحها برأسه.
"نعم.. هذه هي النظرة التي يمكنني احتلال عالمك بأكمله لأجلها."
ختم كلماته وهو يطبع قبلة سريعة على وجنتها هامسًا.
"افسونگر زیبایی ها (ساحرة الجمال)."
تنفست بصعوبة وهي تهمس له بنفس الصوت والنبرة.
"ملامح وجهك الآن لا تليق البتة مع كلماتك، سبحان من جعل قلبك بهذه الرقة والحنان أرسلان."
ابتعد أرسلان عنها قليلًا وقد انكمشت ملامحه برفض.
"أنا لست حنونًا أو رقيقًا سلمى، أنا هكذا فقط لأنني مع سليمى، ببساطة...."
ختم حديثه يتحرك من أمامها يخلع عنه سترته يتحرك صوب المرحاض، وهي تتابعه بعيون منبهرة من مقدار الخشونة والرقة التي يمتلكها في نفس الوقت. الرجل كان الشيء ونقيضه. والله لو قضت حياتها تكتب مواصفات فتى أحلامها، ما أخرجته بهذه المثالية.
وفي هذه اللحظة تذكرت كلمات نغمة التي كانت ترددها حول عدد النساء اللواتي تمنين منه نظرة. ورغم غضبها من تلك الفكرة إلا أنها في الحقيقة تعذرهن، فمن هذه التي تتمالك نفسها أمام أرسلان. ولا تعلم هل كان بهذا الجمال والرجولة التي تراها، أم فقط عشقها الشديد له جعلها تبصر أوسم رجال عالمها وعالمه، والجميع جواره خاسر.
"سأنتهي من حمامي ونذهب لتناول الطعام لأجل أدويتك ها؟!"
هزت رأسها بنعم وكأنه يبصرها من خلف باب المرحاض. تتحرك صوب المرآة تراقب طريقة لفه للحجاب لتبتسم دون شعور.
"أيوجد شيء لا يستطيع هذا الارسلان فعله؟؟"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن ثم أيام تبعتها أيام حتى اكتمل الشهر وتبعه شهر ثانٍ وثالث، ليحل شهر جديد وينتصف، وجاء فجر اليوم الخامس عشر من ربيع آخر جالبًا معه حياة جديدة للبعض وسعادة جديدة للبعض الآخر.
وكان من هؤلاء البعض.. قائد جيوش مشكى وزوجته الصغيرة التي تتحضر في هذه اللحظة مع الجميع لأجل زفافها بعد سنوات طويلة من الوحدة. وبعد معاناة ربما لم تنتهي بقدر ما تجاهلتها، أخيرًا منحها الله مكافأة صبرها.
كانت تنظر للمرآة أمامها لا تصدق تلك الفتاة صاحبة البشرة النظيفة والشعر المصفف بعناية. هذه لا تشبه بأي شكل من الأشكال فاطمة الأخرى التي كانت تحمل من الأوساخ ما يثقل وزنها.
ابتسمت بسمة مهتزة تستشعر خليطًا عجيبًا من المشاعر تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها، لتشعر فجأة بيد سلمى تربت على كتفها. ومن ثم رددت بأعين ملتمعة من شدة سعادتها.
"تبارك الله، ماشاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذا الجمال عزيزتي، من أين لكِ بهذا الحسن تبارك الله."
اللمعت عيون فاطمة أكثر بدموع أشد كثافة وهي تسمع جملة سلمى. سلمى العزيزة التي لم تتركها الأيام السابقة بعدما عادت من سفرها مع الملك وأبصرتها، لتبكي فاطمة في أحضانها وتقص عليها ما لاقته أثناء غيابها، وسلمى فقط تسمعها وتربت عليها بحنان. وقد أصدرت أن تقضي معها فاطمة جميع الأيام قبل زواجها بحجة أنها ستجهزها نفسيًا لحياة جديدة.
والمعتصم، ذلك المسكين لم يجد سوى أن يقبل متلهفًا، لأجل صغيرته. تركها مع الملكة بنفسٍ راضية وهو مطمئن أنها ستكون بخير. وسلمى لم تقصر مع فاطمة أو إحدى النساء المنكوبات، إذ كانت تجمعهن يوميًا في إحدى حدائق القصر وتتحدث لهن ساعات طويلة محاولة تخفيف الأمر عنهن. وهذا جعلها تتقرب من الجميع خاصة زوجة زيان، نازين صاحبة القلب الطيب والضحكة المرحة رغم أنها لا تظهر الأمر.
كانت أيام اقتربت بها سلمى من الجميع تساعد هذه وتلك. ورغم كل ذلك لم تكن تهمل وجود أرسلان البتة. وهو لم يكن يشتكي إن فعلت، يكفيه أنها تحيي معه بلاده وشعبه، وهو انشغل في أعمار البلاد مع الجنود وكان يختفي بالساعات الطويلة خلال اليوم.
وأخيرًا بعد أيام طوال من التحضيرات.
أتت لحظة زفاف الصغيرة فاطمة وقد أصر أرسلان أن يزوج المعتصم أولًا ويطمئن عليه ومن ثم يتفرغ لذاته. ولأنه حسب زعمه لم ينتهي بعد من أعمار بلاده ليطمئن بالشكل الكافي الذي يجعله يعتزل الجميع ويتزوج.
فجأة علت أصوات غريبة في المكان جعلت أعين سلمى تتسع ببسمة كبيرة وقد شعرت بتلك الأصوات مألوفة لها. أصوات من ماضي بعيد وطفولة بريئة كانت تقضيها مع والدها أمام التلفاز تتابع مع برامج عربية وأفلام عربية لتتعلم اللغة. أصوات معروفة بين العرب خاصة في الزفاف. زغاريد، أو كما كانت تسميها "أصوات السعادة".
وهكذا صوت لم يكن ليخرج من إحداهن غيرها، زوجة القائد. تبارك التي اقتحمت الغرفة مع باقي فتيات الممالك أجمعهن. كهرمان وزمرد وبرلنت وتبارك وأخيرًا توبة التي تحركت داخل المكان وهي تحمل بين يديها باقة زهور كبيرة قطفتها من حديقة والدها قبل الحضور حسب طلب سلمى.
تحدثت كهرمان بسعادة كبيرة.
"يا ويلي، الله أكبر من كل عين حسود، تبارك الله فاطمة تبدين....."
"مبهرة حبيبتي."
وكانت تلك زمرد التي وجدت وأخيرًا لقبًا يتماشى مع هيئة فاطمة في هذه اللحظة. والتي كانت ترتدي ثوب مشكى التقليدي في الزفاف والذي كان يتميز بكثرة اللون الأخضر مع بعض المشغولات الذهبية به.
مسحت تبارك عيونها وأخذت تطلق أصوات زغاريد متتابعة نشرت بها بهجة في المكان بأكمله. تتحرك صوب فاطمة تضمها بأعين دامعة.
"حبيبة قلبي مبارك يا عيوني، زي القمر تبارك الله."
ابتسمت فاطمة بخجل كبيرة وبرلنت تتحرك صوبها تمنحها هدية مغلفة صغيرة. رغم أنها لا تعرفها بشكل مقرب إلا أن هيئة فاطمة البريئة كانت تجبر كل من يلتقيها بالتقرب منها وأن يحنو عليها.
"هذه فقط هدية بسيطة أتمنى أن تعجبك، صنعتها مع زوجي خصيصًا لكما، مبارك."
نظرت فاطمة صوب العلبة بين أناملها بتعجب وهي تبصر جرى فخار جميلة بألوان مبهجة بها رسومات ورود رائعة ومخطوط عليها اسم فاطمة والمعتصم بشكل متداخل وبخطوط عربية بديعة جعلت فاطمة تشهق منبهرة. لتبتسم برلنت وهي ترى أن هديتها أعجبتها.
"أحضرتها لتضعي بها زهور الزفاف التي سيحضرها لكِ زوجك لتحتفظي أبد الدهر بإذن الله."
"هذا... هذا رائع... أنا... شكرًا لكِ."
ابتسمت لها برلنت بحنان وقد أقبلت كل فتاة تترك لها هدية خاصة بها وفاطمة تتابع ما يحدث حولها بأعين دامعة وكلمات سلمى لها في إحدى الليالي تتكرر في أذنها.
"فاطمة صغيرتي، الحياة لن تتوقف على أحزانك، لا يمكنك أن تتجاهلي كل تلك الأبواب التي تُفتح أمامك فقط لأنكِ لم تبصرينها بسبب دموعك ووقوفك أمام بابك المغلق، انظري حولك عزيزتي، في هذه الحياة ما يستحق بسمتك وسعادتك، وإن لم تتمكني من تجاوز ماضيكِ، تجاهليه..."
أفاقت من شرودها على صوت توبة وهي تتحرك صوب سلمى تضع أمامها الزهور.
"لماذا طلبتي كل هذه الزهور سلمى؟?"
ابتسمت سلمى وهي تتلقف منها الزهور وقد أخذت تحرك بين يديها تحمل بين يديها آلة حادة تقطع هذه وتقلم هذه، وهي تتحدث ببساطة.
"نوع الزهور هذه تذكرني بفاطمة، وقد فكرت أن أميرة كفاطمة لا يجوز أن تُزف بلا تاج، لذا سأستغل خبرة سنوات طويلة في تشكيل الزهور لأجلها."
لم يفهم البعض ما تقصده سلمى وهن يتابعن مهاراتها في التعامل مع الزهور وتشكيلها وكأنها عجينة بين أناملها. وبعد دقائق طويلة ابتسمت سلمى بسمة واسعة وهي ترفع أمام عيونهن تاج كبير مصمم بالكامل من الزهور يتوسطه زهرة "الفريسيا" نفسها الزهرة التي شبهت بها فاطمة سابقًا.
ترفع عيون ملتمعة صوب فاطمة التي كانت تتابعها بصدمة واعين دامعة متسعة تبصر سلمى تقترب منها وتضع التاج أعلى رأسها بحب.
"تبدين في غاية الجمال."
فجأة انفجرت فاطمة في بكاء حار وهي تلقي نفسها بين أحضان سلمى التي تلقتها بحب دامعة العيون وهي تربت على ظهرها بحنان وحب كبير.
"حبيبتي عساها تكون بداية سعادتك الخاصة فاطمة، الله عوضك بالمعتصم فكوني عوض له حبيبتي."
مسحت كهرمان دموعها متأثرة وكذلك تبارك التي كانت تبكي مع الجميع وبرلنت وتوبة، جميعهن عدا زمرد التي ضمت ذراعيها لصدرها تبعد عيونها عنهم بعناد ترفض البكاء أمام أحدهم عدا زوجها.
"لا تحاولن والله لن أبكي."
ضحكت كهرمان من بين دموعها، وهي تضرب زمرد على كتفها بحنق، بينما الجميع حلق حول فاطمة حينما سمعوا أصوات الصلاة تقام في الخارج، وهذا يعني قرب بدء مراسم الزواج بعد الصلاة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك سريعًا خارج غرفته مهرولًا كي يلحق بالجميع لأجل زفاف المعتصم. يصفف خصلاته مستخدمًا أصابعه بعدما غافله الوقت وتأخر عن الجميع. لكن أثناء تحركه لمكان الزفاف حيث يجتمع الرجال توقفت أقدامه وهو يلمحها تتهادى بين الجميع وهي تبتسم بعيونها والتي لأول مرة تبتسم. ليتذكر ما حدث قبل أيام حينما جاءته لتخبره ما أرادت اخبار الملك به.
"إذن؟!"
رفعت عيونها له وقد علا التوتر وجهها، قبل أن تبتلع ريقها وهي تخرج ورقة له تمد بها يدها له.
"هذه... أحضرتها للملك ربما يكون مهتمًا بمعرفة أن هناك من ينوي له سوءًا."
نظر لها تيم بعدم فهم يختطف الورقة من يدها، ومن ثم فتحها بصعوبة وقد كانت شبه مهترئة يراقب ما خط بها بأحرف غير منتظمة وبعض كلماتها بالدماء. كانت تبدو كما لو أنها قائمة تحمل العديد من الأسماء، بعضهم محذوف والبعض الآخر مازال في قائمة الانتظار، والمحذوف كان... الراحلين بالفعل.
رفع عيونه لها بعدم فهم لتشرع تقص عليه الأمر.
"هذه الورقة وجدتها أثناء تنظيف غرفة الضيف الذي كان يسكن منزلنا، بعد اختفائه بشكل مريب. كان رجلًا أحضره أبي بعدما وجده مصابًا في طريقه لسفيد، و... لم يكن يبدو شخصًا طبيعيًا على أية حال والورقة هذه تثبت الأمر. رأيت بها اسم الملك و... الملكة لذا جئت لأخبره كي يحذر."
"رجل؟! هل تعرفين ما اسم هذا الرجل آنستي؟?"
رفعت عيونها له وقد ابتسمت عيونها دون شعور لملكية لقبها، وإن كانت عادية في نظره فهي تعني الكثير لفتاة بائسة قضت أيام طويلة تحلم بفارسها المتمثل به.
"نعم لقد أخبرنا أن اسمه هو... أنمار."
اتسعت عيون تيم بسرعة وبفزع كبير من ذكر اسم أنمار، وقد بدا الأمر واضحًا على وجهه، لتتعجب هي وتتحدث بصوت خافت.
"هل تعرفه؟?"
هز رأسه ولم يجيب سؤالها، بل ردها لها بسؤال آخر.
"هل سبق وتعرض لكِ أو لأحد أفراد أسرتك بالسوء؟?"
نفت برأسها وقد لمسها اهتمامه.
"لا لم يفعل، هو بالأساس لم... لم يكن يجلس معنا كثيرًا، بل كان يشرد طوال الوقت."
هز رأسه يضغط على الورقة مقررًا إعطاءها للملك بمجرد عودته، ومن ثم رفع عيونه لها يبتسم لها بامتنان.
"أشكرك للطفك آنستي، الملك لن ينسى لكِ هذا المعروف."
نفت برأسها بخفة وهي تبتعد خطوات للخلف.
"لا بأس فعلت ما أملأه عليّ ضميري، والآن اسمح لي بالذهاب."
وبالفعل تحركت من أمام تيم الذي أخذ يراقبها دون شعور، حتى قرر اللحاق بها، ونفذ دون تفكير. تحرك بسرعة خلفها كي يتأكد من عودتها سالمة بعد كل هذا الوقت لمنزلها، ولأجل رغبة في نفسه لمعرفة أين تسكن تلك الفتاة البهية صاحبة الأخلاق، ربما يفكر في المستقبل بكسر عزلته.
أفاق من شروده على يد تجذب مرفقه وصوت خالد يتردد بلهفة.
"ما بك تيم الحقنا سيبدأ الزفاف."
فزع منه تيم وركض معه وهو يراقب ما يرتدي خالد بعدم فهم، فقد كان يرتدي بنطال أسود قماشي وقميص أبيض مع سترة سوداء تشابه البنطال وحذاء أسود لامع مع ساعة يد سوداء. رفع عيونه لخالد يحاول معرفة ما هذه الثياب التي يرتديها.
أما عن خالد فشكر نفسه، بل وقبلها في المرآة على إحضاره لبذلته الثمينة معه تحسبًا لحاجته إليها وها قد كان، مع أنه كان يوفرها لزفافه بالجميلة حور، لكن لا بأس يتزوجها فقط ولو كان مرتديًا شوال.
وصل وأخيرًا صوب ساحة القصر حيث أقام الملك زفاف قائد جيوشه ودعى له جميع ملوك وكبار الممالك، وقد كان ذلك بعدما أذن له الملك آزار احترامًا لمصابه، يخبره أن يكمل زفاف المعتصم، فتأخيره لن يعيد له ولده، وحياتهم لن تتوقف معتبرًا الوليد حيًا بينهم بالفعل.
ونزار يراقب ما يحدث مبتسم الفم بهدوء شديد، رغم عيونه الذابلة، يتابع الجميع سعيدًا لسعادتهم، ومرتاحًا بحياته الجديدة بعدما أعاد له والده سمعته بين الممالك واكتسب احترام الجميع بعدما كانوا يحتقرونه. ومن ثم لم يفوت يومًا إلا وأخرج صدقات لأجل أخيه يشعر بالراحة كل يوم وهو يضع رأسه على وسادته وقد أدى صدقة أخيه لليوم وذكره في كل دعاء.
وهناك في منتصف الساحة كان المعتصم يرتدي ثوبًا أسود وهو يرقص مع إيفان الذي كان في قمة سعادته بزواج ابن خالته. يحرك يديه في الهواء وهو يراقب سعادة المعتصم الذي تبقى فقط أن يخرج له جناحين ويحلق في سماء مشكى.
وارسلان يحمل له الدف ويضربه بقوة، وهو يطلق كلمات أغنية تراثية قديمة تعلو في المكان، قبل أن يلقي بالدف صوب نزار الذي تلقفه بفزع ينظر لأرسلان بعدم فهم بينما الأخير غمز له وهو يحرك يديه في الهواء راقصًا ليضحك عليه نزار يهز رأسه بيأس من أرسلان الذي لم ييأس طوال الشهور السابقة في إفساد عزلته هو وسالار وتوبة العزيزة والتي كانت لا تفوت فرصة لتحضره من آبى خصيصًا لسبز لأجل أسباب تافهة كرؤية لون فستانها الجديد مثلًا.
خرج من شروده على أرسلان ينتزع منه الدف بعنف.
"اعطني هذا أنت فاشل في قرع الدفوف، خذ أيها العجوز آزار اضرب أنت الدف لنا."
ومن ثم جذب نزار من كفه لمنتصف الساحة ليتلف حوله الجميع يشجعونه، حتى سالار الذي كان يرفض في البداية الرقص أو الغناء حتى، هبط للساحة يشاركهم الرقص وأصوات الرجال تعلو بصخب. وآزار يراقب ما يحدث مع بارق ببسمة واسعة سعيدة، يدعو الله أن يعود له ولده بكامل روحه.
أما عند النساء فقد كانت جميع الأعين متسعة مما يبصرونه. فسلمى التي تميزت بثوب تقليدي باللون الوردي مع بعض النقوش البيضاء، كانت ترقص رقصات غريبة، لكنها رائعة. تحرك خصرها بشكل غريب مثير للحق، وتحرك يديها في الهواء وتميل بخصرها تارة وتحرك نصفها العلوي تارة أخرى جاعلة الجميع يرمقها بصدمة.
وتبارك فقط تتابع بفم مفتوح ما يحدث لم يصدر منها سوى كلمة واحدة منبهرة.
"شاكيرا؟?"
نظرت لها برلنت بعدم فهم.
"ماذا قلتي؟!"
استغفرت تبارك ربها وهي تجيب مبتسمة بصدمة وهي ما تزال تراقب جسد سلمى التي كانت تجذب أنظار الجميع لها بفضول.
"لا... لا شيء فقط تذكرت أحدهم."
"صديقة قديمة؟!"
"ها؟ آه فعلا صديقة قديمة كانت معايا في مدرسة صفط اللبن الثانوية بنات."
أما عن سلمى فبعد فشل دروس الرقص وعدم اكتمالها مع كهرمان، قررت أن تستخدم دروس الرقص التي تلقتها في مدرسة مجاورة لمنزلها تقضي بها لحظات الفراغ إن امتلكت. وقد كانت تتخلف عن نصف الدروس حتى تم طردها لعدم التزامها.
وبعد لحظات طويلة توقفت وهي تلتقط أنفاسها تردد بصوت منخفض.
"هذا وأنا لم أكمل دروسي، ماذا إن حضرت كامل الدروس؟!"
تمتمت كهرمان بصوت خبيث وهي تبصر سلمى تقترب منها.
"عوض الله أخي عن صبر ثلاثة عقود، سوف أخبره أن يرقيكِ بعد انتهاء كل هذا فأعين النساء تكاد تأكلك."
نظرت لها سلمى ثواني قبل أن تسمع صوت امرأة تهتف لهم أن الملك يستدعيهم للساحة لأجل إكمال مراسم الزواج.
وفي ثواني بدأت النساء يغطين وجوههن بالحجاب، ويتحركن صوب الخارج تتوسطهن فاطمة التي كانت تخفض رأسها وهي تشعر بكامل جسدها يرتجف تتمسك بيد سلمى. والتي كانت تشعر بها وهي لا تتخيل نفسها تسير بنفس الطريق صوب أرسلان والجميع حولها، تقسم أنها كانت لتنهار أرضًا، ليس من هول الموقف، بل من بهاء زوجها الذي يقف جوار المعتصم في هذه اللحظة يرتدي ثوب أبيض مع بنطال أسود.
ابتسمت على أفكارها الغبية وهي تحمد الله أن لا أحد يسمع أفكارها.
لكن فجأة ضحكت بصوت شبه مسموع كبتته بسرعة وهي تبصر ذلك المشهد العبثي أمامها، جميع الرجال يرتدون ثيابًا تقليدية وفي المنتصف يقف خالد يرتدي بذلة عصرية ليحطم بها الصورة المثالية للجميع.
"سامحك الله خالد أفسدت المشهد بالكامل بغبائك."
وصلت فاطمة للمعتصم الذي تحرك صوبها بلهفة كبيرة يلتقط كفها بين يديه، وهو يجذبها صوبه. وتراجعت النساء بعيدًا عن منطقة الرجال مجددًا. وقد بدأ الجميع من النساء يتقدمن لتقديم الهدايا أولًا للعروس. لتراقب سلمى ما يحدث بعدم فهم. كانت المرة الأولى التي تراقب بها الضيوف يقدمون مجوهرات وأموالًا للعروس.
لماذا لم يخبرها أحدهم؟!
وتبارك في هذه اللحظة التي أبصرت حركات سلمى المتوترة، أدركت أن المسكينة وقعت بنفس ما وقعت هي به سابقًا. نظرت صوب كهرمان تتحدث بصوت منخفض.
"كهرمان ألم يخبر أحدكم سلمى بالعادات هنا؟!"
نظرت لها كهرمان بعدم فهم لثواني قبل أن تتحرك برأسها صوب سلمى، لتهتف بصدمة.
"ماذا، لم يخبرها أخي؟! لقد... أنتِ رأيتي أننا وصلنا اليوم مباشرة على الزفاف لم يكن هناك وقت ولم يخطر ببالي أنها لا تعرف الأمر."
أخرجت كهرمان بسرعة قطعة من الحلي التي تحملها وقد تمثلت في أسورة جميلة الشكل وهي تلفها في قماشة حريرية تتحرك بسرعة صوب سلمى كي تمنحها لها لتقدمها إلى فاطمة.
لكن ما كادت تقترب منها حتى، حتى وجدت أخيها يميل على سلمى وهو يدس بيدها شيئًا. ابتسمت براحة وهي تعود بعيونها صوب تبارك تهز رأسها باطمئنان.
"الحمد لله كان أخي على الأقل واعيًا للأمر."
أما عند سلمى فقد شعرت فجأة بالخجل وهي ترى الجميع يقدم الحلى لفاطمة وهي... لم تكن حتى تدرك الأمر. مدت يدها بسرعة تنزع إحدى أساور يدها، لكن فجأة شعرت بكف تمسك يدها، ومن ثم صوت هامس جوار أذنها.
"تبدين بغاية البهاء حلوتي، محظوظ أنا."
رفعت سلمى عيونها لأرسلان الذي ابتسم لها غامزًا، يفتح يدها واضعًا بها سُرة حريرية ومن ثم أغلق كفها، يتحرك بعيدًا وهو يهمس لها كلمات أخيرة ممازحة رغم نبرته الجادة.
"احرصي على ألا يبصر أحدهم طرفك دون غطاء سلمى ولو كانت امرأة، فلم أركِ اليوم وقد انشغلت بالزفاف."
ختم حديثه بضحكة صغيرة وهو يتحرك صوب الرجال تاركًا سلمى تتابعه ببسمة غير ظاهرة بسبب غطاء وجهها، وهو يتحرك للرجال بهيبة تليق به. عادت تنظر ليدها ثواني قبل أن تضحك ضحكة خافتة وتسارع صوب فاطمة تقدم لها هديتها.
وقد اندمج الجميع في الأمر حتى تقدم كل من أرسلان وايفان وسالار ونزار يحملون بين أياديهم صندوقين صغير يحمل أرسلان واحدًا، وايفان آخر. تقدم إيفان يضعه على الطاولة أمام الجميع وهو يردد ببسمة صغيرة.
"هذه الهدية من إخوة العريس."
ومن ثم وضع أرسلان ما بيده.
"وهذه من عائلة العروس..."
رفع لهم المعتصم عيونه بصدمة ليغمز له إيفان وهو يربت على ظهره بحنان، بينما فاطمة سقطت دموعها دون شعور وهي تراقب الجميع حولها سعداء لأجلها.
وقبل سقوط الجميع في حالة من الشجن والبكاء تأثرًا بما يحدث، أنقذ أرسلان الموقف وهو يدفع صندوق إيفان جانبًا يعطي لصندوقه مساحة أوسع، يستقيم في وقفته.
"دعك من هراء إيفان وسالار والعجوز آزار، هؤلاء لا ذوق لهم، بضعة حمقى لا تنتظر منهم شيئًا مميزًا، انظر لهديتي أنا ونزار والعجوز بارق بالله فن تبارك الله، لدي ذوق عالٍ كما تعلم يا المعتصم بالطبع."
كبت نزار ضحكته وهو يتذكر كلمات أرسلان حينما ذهبوا لإحضار الهدية بعدما قسموا بينهم هدايا عائلة العروسين.
"اسمع أيها العجوز وأنت الآخر نزار، لا يهمني ما تشترون فقط أحضروا شيئًا ملونًا لامعًا تحبه النساء ولنرحل من هنا."
تحدث نزار بصعوبة من بين ضحكاته وهو يهز رأسه.
"آه صحيح، هذه حقيقة."
ضحك بارق بصوت مرتفع وهو يسعل بقوة من بين ضحكاته، لينظر له أرسلان بتحذير.
"علام يضحك هذا العجوز؟?"
"على ذوقك العالي."
وكانت تلك كلمات إيفان قبل أن ينفجر في الضحك، لتنكمش ملامح أرسلان بغضب يتجاهلهم.
"لن أتناقش معكم حقًا."
"منذ متى هذا التعقل؟!"
"منذ اليوم الذي أدركت فيه أن النقاش مع بعض الأوغاد مثلكم لن يعود عليّ سوى بتلويث لساني الطاهر."
أطلق سالار ضحكة صاخبة على ما يحدث، بينما المعتصم هز رأسه بيأس ينهض ليشكرهم جميعًا، على لطفهم معه ومع فاطمة.
وحينما انتهى الجميع أتى وقت تقديم مهر العريس الذي تحدث بصوت هادئ عاشق وهو يمسك يد فاطمة.
"مهر زوجتي لا أقدمه هنا فهو شيء لم أستطع حمله، لذا اعذروني جميعًا سأصطحب زوجتي لترى مهرها بنفسها، استمتعوا بالزفاف."
ختم حديثه وهو يأخذ من أرسلان شيئًا خفي، ومن ثم غمز له يمسك يده فاطمة ويتحرك بها بعيدًا عن الجميع تاركًا أرسلان يراقبه بحنان وبسمة قبل أن يستدير للجميع يردد بسعادة كبيرة.
"وحتى يعود العروسان، تفضلوا جميعًا امنحوني شرف إكرامكم وتوجهوا مع الجنود صوب الصالات الجنوبية لتناول الطعام، ولن أتقبل من أحدكم اعتراضات."
ختم حديثه يشير للجنود الذين تحركوا صوب الرجال ببسمات واسعة يقودوهم للصالات، والنساء تحركن مع العاملات. وارسلان نظر صوب أصدقائه ولم يكد يتحدث حتى وجد بارق يقترب من آزار يمسك يده وهو يجره معه.
"ها هي فقرتنا المفضلة أيها العجوز لنتحرك صوب القاعة."
ضحك آزار وهو يهتف بمزاح افتقده منه بارق طوال الشهور السابقة.
"لقد قمت بتجويع نفسي اليومين السابقين."
اتسعت أعين نزار وهو يراقب والده يهرول مع بارق صوب قاعة الطعام، وتحركت عيونه صوب الجميع بخجل ليضحك أرسلان وهو يربت على كتفه بهدوء أن هذا معتاد منهم. وبطرف عيونه أبصرها تتحرك أمامه مع النساء ليشير لها بيده ورأسه صوب جهة معينة، لتتوقف توبة في سيرها وهي تبتسم بخبث من أسفل غطاء وجهها تستأذن من الفتيات وتتحرك بسرعة صوب الجهة التي أشار لها نزار. والجميع يراقبه بعدم فهم.
"إذن ما الذي تنتظرونه أنتم؟! هيا توجهوا لتناول الطعام."
نظرت له إيفان بحنق وسالار فقط هز رأسه بكسل وهو يتحرك بعيدًا عنهم.
"اشكرك لست جائعــ..."
لكن لم يكمل كلمته بسبب يد أرسلان التي قبضت على مرفقه هو وايفان يسحبهم بالاجبار صوب قاعة الطعام.
"قلت هيا للطعام، هل تريدون أن يقال في حقي أنني لا أكرم ضيوفي لأجل وغدين مثلكما؟! خسئتم أنتم وأشباهكم الأربعون، ستتناولون الطعام ولو كان بالاجبار."
كان يدفعهم وإيفان يضحك بصخب.
"وما ذنبي أنا؟! كنت سأذهب على أية حال فأنا أحب الطعام هنا."
دفعهم أرسلان للقاعة التي يجلس بها باقي الملوك.
"هيا قبل أن ينتهي العجائز من الطعام، سأرسل لكم المزيد."
أبصره سالار يرحل.
"إلى أين أنت الطعام كثير والحمد لله، تعال لتأكل معنا أين إكرام الضيف يا هذا، تترك ضيوفك وترحل."
نظر له أرسلان بسخرية.
"أي ضيوف هؤلاء يا عزيزي؟! لم أرك يومًا تتصرف كضيف، بل أراك طوال الوقت تتصرف كما لو أنها بلاد والدك التي أورثها لك. على كلٍ دقائق قليلة أطمئن على شيء وأعود لن أتأخر."
ختم حديثه وهو يغلق الباب خلفه يتحدث بصوت مرتفع وصل لهم في الداخل وهو يشير صوب الباب للجندي.
"لا تسمح لأحدهم بالخروج حتى آتي أنا حسنًا؟!"
ومن ثم رحل تاركًا سالار يراقب الباب بصدمة كبيرة وهو يهمس بعدم تصديق.
"هل سجننا الآن هنا؟!"
ضحك إيفان بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب طاولة الطعام.
"حسنًا هذا سجن أحب قضاء الباقي من حياتي به......"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إذن ما الذي ذكرك بي بعد كل هذه الغيبة سمو الأمير؟؟ أراك عدت مشتاقًا؟?"
كانت تلك كلمات توبة التي استقبلت بها نزار في إحدى شرف مشكى تضم يديها لصدرها بحنق. اقترب منها نزار بعدم فهم وهو يرفع غطاء وجهها كي يبصر تعابير وجهها ويعلم إن كانت جادة في كلماتها أو ماذا.
لكن للأسف بالنظر لملامحها فنعم كانت جادة للغاية.
"ماذا؟! هل تمزحين معي يا امرأة؟! أي غيبة هذه؟! لقد كنت معكِ في سبز ليوم كامل قبل يومين."
"قبل يومين، وتقولها ببساطة وكأنك تمن عليّ بزيارة كل أسبوع."
اتسعت عيون نزار من كلماتها يقترب منها مبتسمًا بسمة صغيرة وهو يمسك وجنتيها بين يديه.
"لينعم الله عليكِ بنعمة العقل حبيبتي..."
ضربت توبة يده تبعدها عن وجهها مبتسمة بسخرية.
"والله أنت تسلمتني بكامل عقلي، وما تراه الآن هو سوء استخدام وتخزين سمو الأمير."
"آه هكذا إذن؟! إذا لا بد لي من تغيير بيئة التخزين، فالجو الربيعي في سبز يفسد الأعشاب سمو الأميرة."
اتسعت عيون توبة من كلماته وهي تراه يتحرك يجلس على النافذة مشيرًا لها جواره وهو يبتسم لها بحنان، بينما هي ما تزال تحدق فيه بأعين متسعة.
"أعشاب؟؟ أعشاب نزار؟! هل تعاملني معاملة أعشابك؟! هذا بدلًا أن تصفني بالورد؟!"
"بالله أسألك صدقًا أن تخبريني إن كنتِ ترين نفسك وردة؟! حبيبتي أنتِ عشبة سامة وهذا والله ليس ذمًا بقدر ما هو مدحًا، فما أجمل من عشبة نادرة تكون سامة حين تريد وتكون علاجًا حينما تبتغي. أنتِ عشبة نادرة لا يجيد التعامل معها سوى خبير، وأنا حبيبتي خير من يعلم كيف يتعامل مع الأعشاب السامة مثلك تمامًا."
كانت ملامح توبة تتغير كل ثانية مع كلماته، أحيانًا ابتسم وأحيان تلوي فمها باعتراض وأحيان أخرى ترفع حاجبها بشر. وحينما انتهى نزار من كلماته هزت رأسها له.
"انتهيت؟! إذن سأدعك سيدي الطبيب مع أعشابك، فغزلك هذا لم يؤثر بس مقدار شعرة حتى، والآن سأرحل ولا تأتيني لأسبوعين."
ومن بعد كلماتها أوشكت على التحرك بعيدًا عنها، لولا يد نزار التي أسرعت وامسكت بخاصتها، وفي ثواني جذبها لأحضانه وهو يستند على الشرفة.
"ترحلين لأين سمو الأميرة!؟ والمسكين الذي يموت شوقًا لهمسة منك؟!"
"دعه يتناول عشبة تسكن آلامه عزيزي."
ضحك وهو يزيد من ضمها وهي تحاول الإفلات منه، لكنه لم يسمح لها.
"والله لا عشبة في هذه الحياة توازي تأثيرك عليّ توبة، يا امرأة حالتي أضحت خطيرة، أنا صرت أسير هائمًا على وجهي أبحث عنك بين الجميع."
رمشت وهي تحاول أن تفلت من بين يديه وقد كانت ضربات قلبها تعلو بقوة.
"نزار هذا لا... لا يمكنك أن تحتضني بهذه الطريقة هكذا و..."
قاطع كلماتها وهو يتركها بهدوء.
"نعم عندك حق لا يجوز احتضانك بهذه الطريقة هنا."
نظر حوله يتأكد أن المكان فارغًا، ثم مال فجأة على وجنتها يلتقط قبلة سريعة مبتسمًا بكل براءة.
"تقبلي اعتذاراتي وقبلاتي سموك."
اتسعت أعين توبة وقد مال نزار عليها يهمس لها بحب.
"إذن عشبتي الجميلة ما رأيك لو رحمتي هذا المسكين وقبلتي ترك والدك العجوز وحده وجو سبز الربيعي، وأتيتي لزوجك الحبيب حيث جو آبى الشتوي الذي يناسب الأعشاب النادرة مثلك، وصدقيني سأعتني بكِ داخل قلبي."
رفعت توبة عيونها له وقد أحمر وجهها بقوة من كلماته.
"ماذا... ماذا تقصد؟!"
"لقد أخرنا الأمر طويلًا سمو الأميرة، وقد ذابت أقدام حصاني من السفر بين آبى وسبز، كما ذاب قلبي شوقًا، فما رأيك لو أتممنا الزواج بعد أيام؟!"
رفعت له توبة عيونها مصدومة من كلماته.
"أيام؟! هل تمزح؟!"
"أيام هذه كرم مني، والله لولا أنني لا أرتضي لكِ إلا زفافًا يليق بكِ لأخبرتك أن كل شيء في الخارج والجميع حاضر وسنتزوج الآن ونرحل لمنزلي."
شعرت توبة بالصدمة من كلمات نزار وهي تتنفس بصعوبة ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى وجدته يضمها له مجددًا يستند برأسه على كتفها متنهدًا بصوت مرتفع.
"توبة أرجوكِ..."
كانت كلمتين أخرج بهما كل تعبه وإرهاق روحه طوال الشهور المنصرمة. عانى الكثير حتى يتقبل حقيقة موت أخيه ويتأقلم أنه ليس جواره. ورغم أنه لم يعتد بعد الأمر، إلا أنه سلّم بالأمر ولم يتوقف لسانه عن الدعاء طوال الوقت السابق للوليد، ولا ينكر أن توبة كانت أحد الأسباب الذي تجاوز لأجلهم محنته. كانت تأتيه أيام طويلة تدعمه وتطعمه بالإجبار وتبتسم له بسمة كافية لتسقط الكثير من همومه عن كتفه.
ومن ثم حينما أصبح بخير بعض الشيء بدأ هو يذهب لها كل أسبوع لينال منها ما يكفيه لمواصلة أيام دونها. والآن فاض به الكيل وأصبح لا يطيق بعدًا.
ابتسمت توبة بحنان وهي تضم رأسه بلطف وحنان، ثم مالت تقبلها وهي تهمس.
"تحدث مع أبي نزار، طالب أبي بحقك فيّ عزيزي....."
ــــــــــــــــــــــــــــ
"يا امرأة لا تثيري جنوني عليكِ، أقسم بالله سلمى أنكِ إن كررتي ما فعلتي اليوم لأ...."
صمت ثم نظر لها وهو يراها تحمل بين ذراعها موزي تفرك فروته بهدوء تبتعد عنه أكبر قدر ممكن، ليتحرك صوبها بسرعة يصرخ بها وهو ينتزع موزي من بين أناملها يضعه على الفراش.
"توقفي بالله عليكِ عن تدليل ذلك القرد بهذا الشكل."
اتسعت عيون سلمى بصدمة من كلماته تنظر صوب موزي، ثم عادت تنظر له ببسمة غير مصدقة.
"هل جننت أرسلان؟!"
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يعيد خصلاته للخلف، ومن ثم تحرك لينتهي مما جاء لأجله ينتزع صندوق الأعشاب عن الطاولة يتحرك لها مجددًا دون كلمة واحدة وقد بدا على ملامحه الغضب، يجلس أرضًا جوارها وهو يرفع أقدامها يبعد أطراف الفستان عنه، ومن ثم أخذ يضع لها الأعشاب كما جرت عادته طوال الشهور السابقة ولم ينس يومًا موعده أو يتجاهله مهما بلغت حجم التزاماته. كان يعود من العاصمة ركضًا يضع لها الأعشاب ويتأكد من تناولها الأدوية والطعام ومن ثم يهرول لينتهي مما يفعل، حتى أصبحت هي تعلم المواعيد وتأتي غرفتها تنتظره كل مرة.
راقبت غضبه وحزنه وهي تمد يدها تداعب خصلاته الكثيفة بحب.
"ما بك أرسلان، كل ذلك لأنني رقصت؟؟ كن نساء عزيزي."
تحدث أرسلان بصوت هادئ وهو ما يزال يبعد عيونه عنها.
"النساء يمتلكن رجالًا سلمى، ولا ندري ربما تحدثت امرأة منهن بغير وعي أمام محارمها عن الزفاف وأشارت في حديثها بالصدفة عن الملكة التي كانت ترقص و...."
صمت بغضب كبير من الفكرة يرفع لها عيونه معترضًا على أمر لم يحدث.
"سلمى أنا لست من ذلك النوع الغبي الذي قد تعميه غيرته، أنا أغار عليكِ من الجميع، أريدك بالكامل لي، لكنني رغم ذلك لا أدع غيرتي تتحكم بتعقلي، فوالله لو تركت لها القيادة لمنعتك خالد وقردك والنساء والأطفال الذين تساعدينهم، لكن هذا جنون وسجن وتخلف لا أرتضيه لأمرأتي."
تنفس بصوت مرتفع وهو يشرح لها الأمر.
"أغار عليك بحدود، ولا أتناسى حدود الله في خضم غيرتي، فلن أحرمك التحدث لأخيك بحرية وقد حلل الله لكِ ذلك، ومساعدتك لنساء مملكتي وأطفالها دين في رقبتي ليوم الدين، وسأكون حقيرًا إن أخبرتك ألا تساعديهم، لكن الرقص بين نساء الله أعلم بما في داخل كل واحدة منهن، شيء لا أقبله، لا أصيب إحداهن بجهالة معاذ الله، لكن نتقي الشبهات عزيزتي."
ابتسمت له بسمة هادئة وهي تهز رأسها بحسنًا.
"لك ذلك جلالتك."
ارتفع حاجب أرسلان وهو ما يزال يدهن بها الأعشاب على أقدامها بتعجب من هذه الوداعة.
"حقًا بهذه البساطة؟!"
"نعم بهذه البساطة، فحينما تتحدث أنت بهذا الهدوء تجد ردي بهذه البساطة حبيبي."
ابتسم أرسلان دون شعور وهو يتنهد بصوت مرتفع، يجفف يده في قطعة قماشية جواره، ثم نهض يقترب منها وهو يميل بجسده.
"إن كان الهدوء يؤتي ثماره معكِ، إذن لا ضير من أتباع تلك الطريقة في كل ما أريده منكِ."
ابتسمت له تهز رأسها مشجعة على الأمر، وقد تخطت بأرسلان الكثير والكثير حتى وصلت معه لهذه النقطة التي تدفعه فيها لنقاشها بهدوء ولطف.
وارسلان حبيبها كان في غاية البراءة ليتعامل معها كيفما تحب هي.
"هيا قبليني."
"أو ربما لا...."
رفعت له عينها بصدمة ليبتسم ببراءة كبيرة ويتحدث بهدوء أكثر وكأنه يمتلك الوقت بأكمله.
"ها أنا طلبتها بهدوء، ألم تعديني بمنحي كل ما أطلبه بهدوء؟!"
رمشت وهي لا تستوعب كيف استخدم كلماتها ضدها، ابتعدت للخلف بريبة منه.
"أرسلان أنت لست هذا النوع المتلاعب من الرجال؟!"
تشنجت ملامح أرسلان وهو يجذب يدها له.
"نوع متلاعب؟! أنتِ زوجتي، هل تمازحينني؟!"
"لا... أنت فقط... تحرف كلماتي... لقد هو..."
كانت تتحدث بتوتر ليبتسم لها أرسلان بلطف وهو يقترب منها يقبل وجنتيها بحنان تباعًا، ثم ابتعد، وبدأ يرتب لها ثوبها.
"هيا انهضي لتناول الطعام مع الجميع، وابتعدي عن الأطعمة الحارة رجاءً."
هزت رأسها له بتخدر وهو ابتسم لها بحب كبير، ثم ساعدها لتنهض يعدل من وضعية حجابها، ومن ثم أنزل الغطاء على وجهها يميل لها هامسًا بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يستمع لهما موزي ويفسد ما يخطط هو له.
"اليوم في شرفتنا حلوتي، انتظرك لتخطيط حفل زفافك ملكتي العزيزة."
ومن بعد هذه الكلمات مال قليلًا يضع يده على جهة صدره وهو يمد لها يده الأخرى برقي، جعلها تبتسم له وهي تمسك طرف فستانها تميل له بالمقابل ومن ثم وضعت كفها بين كفه وتحركت معه للخارج تستشعر قوة قبضه على يدها وكأنه يخشى أن تتلاشى من بين يديه.
وفي هذه اللحظة كانت سلمى تشعر أنها تمتلك العالم بأكمله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى غرار سلمى، كان هو يبحث عن امتلاك العالم كذلك، لكن كيف وهو خسر جميع معاركه حتى هذه اللحظة وخسر كل شيء في الحياة، جنوده، مملكته وقوته، كل شيء سعى له في هذه الحياة خسره، خسارة لن يدعها تمر خاصة بعد كل ما ضحى به لأجل النصر ولم يصل له في النهاية.
ضحى بكل شيء في سبيل الملك والتسيد، كل شيء وأولهم العائلة التي احتضنته.
كان فتى صغير ضائع بين الغابات، ضعيف البنية، مبعثر الهيئة، عثرت عليه عائلة تتكون من رجل وامرأة وطفلة صغيرة على حدود سبز يبحث له عن مستقر، ملئ بالجراح ملقى جوار الطريق كالخرقة البالية ليسارع الرجل ويلتقطه من غياهب الجب ويأخذه معه صوب منزله ويعالجه ويهتم به كما لو كان ولدًا له.
استيقظ لينظر حوله وهو يحاول أن يفهم مكانه، لكن كل ما أبصره كانت وجوه قلقة وامرأة تتحسس جبينه بحنان.
"يا صغيري هل أنت بخير؟?"
نظر لها دون أن يتحدث بكلمة واحدة يتعجب تصرفات تلك المرأة والتي كانت تتصرف كـ.....والدة زمرد. كانت تبدو كأم، أم لم يمتلك يومًا مثلها.
حاول الجميع وقتها دفعه للحديث، لكنه لم يكن ينطق بكلمة واحدة، ولم يكن يتجاوب معهم بشيء، وحينما يسألونه عن عائلته لا يجيب، حتى قرر الرجل وبعد شهور طويلة من البحث عمن يفتقد ولدًا في المملكة أن يتكفل بتربيته وسط منزله ويعتبره ربيبه، فاختار له غرفة ملحقة بالمنزل لأجل الفصل بينه وبين ابنته، وقد كان أخذ يعتاد الحياة الهادئة مع هذه العائلة، وقد اندمج معهم جميعًا.
عداها هي.. الصغيرة الحقيرة والتي كانت تذكره بأسوأ أعدائه، زمرد أخته، كانت تشبهها رغم لطافة هذه الفتاة، لكن ذنبها أنها كانت تشبه زمرد وتثير داخله غضبًا وكرهًا كبيرًا يجعله يتمنى لو نهض وخنقها بقبضتيه.
ومع مرور الأشهر والسنون أخذ الرجل الصالح يصطحب معه أنمار لمجالسه مع كبار رجال المملكة ليكتشف أنمار أنه وضع يده على كنز كبير وأن هذا الرجل الغبي كان سلم الصعود للمُلك، وقد قدم له فرصة التقرب من الملك على طبق من ذهب وقد عرفه على الجميع أنه ولده.
وسنوات تتبعها سنوات كان أنمار يألف كل أخبار البلاد ويتقرب من كبار الرجال، ويقدم مقترحات ترفع رأسه ورأس والده بينهم، حتى وجاء ذلك اليوم الذي جن جنون أنمار به. يوم عاد من عمله بالقصر ووجد المنزل فارغًا، تحرك به وهو يتنهد بصوت مرتفع، يتحرك صوب الباب المؤدي لغرفته الملحقة بالمنزل، ليستحم وينتظر الجميع، لكن فجأة وبمجرد أن فتح الباب أبصرها أمامه بملامح شاحبة واعين متسعة من الصدمة.
رفع حاجبه بعدم فهم.
"ما الذي تفعلينه في غرفتي؟?"
توترت الفتاة وهي تحاول أن تخفي شيئًا خلفها وقد جذبت يدها المرتجفة وفمها المتوتر انتباه أنمار وهو يسمعها تردد كلماتها بصعوبة.
"لا... لا شيء أمي طلبت مني أن.... لقد أخبرتني أن أنظف غرفتك و..."
قاطعها وهو يتحرك صوبها بغضب كبير وقد كان يكتب شياطينه عنها بصعوبة.
"وماذا؟! ما الذي تخفينه خلف ظهرك أنتِ؟?"
حاول أن يلتقط يدها لتدفعه بقوة وهي تطلق صرخة مرتفعة تهرول بين طرقات المنزل باكية.
"لا تلمسني أيها الوسخ، سأخبر أبي بحقيقتك يا حقير، سأخبره لما تخطط فعله."
فجأة أصبحت ملامح أنمار هادئة بشكل مريب وهو يدرك الآن ما يحدث خاصة حينما لمح غلاف مذكراته الأسود. حسنًا كانت كتابة مذكراته فكرة سيئة لن تتكرر.
"أوه هكذا إذن؟! ومن أين لكِ بلسان لتخبريهم بما علمتي؟!"
نظرت له بعدم فهم وقبل الاستفسار عما يقصد، كان هو يخرج خنجره ويهرول لها بسرعة مرعبة يكمم فمها ومن ثم قتلها في ثانية ولم يرف له جفن حتى وهي هوى الدفتر من بين أناملها وشعرت بروحها تُسحب من جسدها وقد أدمعت عيونها وهي تنظر له بصدمة كبيرة.
كانت مراهقة لم ترد سوى إبعاده عن حياتهم، وهو أبعدها عن الحياة بأكملها، وكانت هذه أول مرة يقتل بها أنمار، لكنها لم تكن الأخيرة.
استفاق من شروده على أصوات بعض النساء المتحركات صوب قاعة النساء إذ كان يقف في الطريق ينتظر مرورها. أخته العزيزة واحدى ضحايا قائمته السوداء.
ابتسم وهو يراها تتهادى مع النساء بخطوات قوية يبصرها وأخيرًا، شابة جميلة قوية كما والدتها، أخته والتي صدم بوجودها من بعض الأحاديث المتناقلة بين الجنود حول زوجة قائد رماة سفيد وأنها كانت ابنة زعيم المنبوذين.
زمرد العزيزة ها نحن نلتقي مجددًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يضمها على حصانه والسعادة تكاد تقفز خارج حدقتيه، لا يسمع ولا يبصر في هذا العالم وتحديدًا في هذه اللحظة سواها. لا يدرك سوى أن فاطمة العزيزة أضحت وأخيرًا زوجته.
كانت فاطمة تتمسك بيده التي تضم خصرها وهي تستند على صدره تستمع بالهواء الذي يحرك حجابها بحرية، قلبها يتراقص فرحًا بما يحدث.
"هل أحلم يا المعتصم؟! هل... أنا بحلم جميل سأستيقظ منه لأجد نفسي ممدة على أرضية منزلي الباردة وحدي أناجي وهمًا؟?"
قبل المعتصم رأسها بحب شديد وهو يهمس لها بكامل اللطف داخله.
"حتى وإن كان حلمًا عزيزتي، سأجعله حقيقة لأجل عينيك فاطمة."
استدارت له فاطمة نصف استدارة وهي تهمس بصوت مرتجف.
"كان كابوسي الأكبر طوال الفترة السابقة أن يكون كل ذلك ما هو إلا وهم من عقلي، والله يا المعتصم لم أكن سأبتأس، لن أقنط إن كان كل ما يحدث لي وهمًا، أقبل أن يكون كل من حولي وهمًا، إلاك يا المعتصم."
ابتسم لها بحنان كبيرة وهو يميل مقبلًا جبينها بحنان يمسح دموعها برقة شديدة.
"وإن كان العالم بأكمله وهمًا، فسأكون أنا الحقيقة الوحيدة عزيزتي."
تنفست وأخيرًا براحة وهي تستند على صدره لا تنتبه أين يتحرك هو أو إلى المستقر، كل ما تعي به أنها باحضانه ومعه.
فجأة وجدته يمد لها شريطة ملونة يضعها على عيونها هامسًا حينما شعر بانتفاضتها.
"فقط استكيني عزيزتي."
وقد كان، استكانت وتركت نفسها له يحركها كيفما يشاء، تشعر بحركة الحصان تبطئ شيئًا فشيء، وأخيرًا حتى توقف، هبط بهدوء وساعدها لتفعل المثل، ومن ثم أمسك كفها يساعدها للسير، حتى توقفت بها في مكان تجهل هويته، ومن ثم أمسك كفها يضع به شيئًا معدنيًا شعرت بملمسه.
رفعت عيونها له بعدم فهم ولم تكد تتحدث حتى شعرت بأنفاس دافئة جوار أذنها وهو يهمس.
"والآن أم بوبي حان وقت تسلم مهرك صغيرتي."
ختم حديثه وهو يبتعد عنها يساعدها لنزع عصابة العين وهي ابتسمت تضحك بخفوت تتذكر لقبها الأول الذي حصلت عليه.
"مازلت تتذكر ذ....."
فجأة ماتت الكلمات على طرف لسانها وهي تبصر أمامها منزلًا جميلًا هادئًا وبسيطًا، منزل... منزلها القديم لقد... كان يبدو كما لو أن يدًا لم تدنسه يومًا، كان منزلها كما كان في طفولتها، لقد أعاده كما كان سابقًا.
بدأت الدموع تتجمع في عيون فاطمة وهي تراقب المنزل بأعين متسعة تقترب منه تحاول التنفس بشكل منتظم، وهو يراقبها مبتسمًا بحنان شديد، وهي فقط تنظر له، ومن ثم للمنزل بعجز وكأنها فقدت قدرتها على التحرك أو التفكير.
"هيا عزيزتي افتحي منزلك."
ارتجفت يد فاطمة وكادت تهوى أرضًا لولا يده التي أمسكت بها وهو يدفعها بلطف صوب المنزل يحرك يدها لتفتح الباب، وقد كانت يدها ترتجف بين كفه، وحينما فتح المنزل استقبلها منزل طفولتها، مرتب بنفس ألوان الحائط، ونفس المفارش التي كانت والدتها تفضلها، نفس النظام الذي اعتمدته والدته طوال سنوات حياتها، كانت تبصر طفولتها وحلمها وشبابها يُعاد للحياة بعدما تحول لرماد.
شهقت وهي تضع يدها على فمها ليبتسم لها المعتصم بحنان شديد.
"هذا... لقد عملت عليه الشهور السابقة وقد ساعدتني العمة الطاف في انتقاء أثاث مشابه وستائر وكل شيء، عساني أعيد لكِ بعض الدفء القديم، و... سيكون هذا منزلك حينما ترغبين بالعودة له تعودين، لكن معي فاطمة."
نظرت فاطمة حولها وهي تتلمس الجدران والأرائك، وهو يسير خلفها يراقبها تحدق بكل شيء بأعين ملتمعة وجسد مرتجف، وفجأة وقبل حتى أن يتوقع ما يحدث وجدها تهرول تلقي نفسها بين أحضانه تنفجر في بكاء قوي وهي تتحدث كلمات غير مفهومة.
"يا المعتصم.... يا
رواية اسد مشكي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم رحمه نبيل
كانت صرخة هي ما سمعت زمرد قبل أن يندفع الأدرينالين في جسدها بشكل مرعب جعلها دون أن تدرك ما يحدث ترفع قدمها بسرعة تضرب الملثم في معدته بشكل كاد يتسبب في جعله يبصق أمعائه.
أما عن سلمى فشعرت بيدها تنقسم نصفين وهي تترك الخنجر يسقط أرضًا وقد أصابت الضربة يدها ولا تدرك حتى كيف، فقبل دفع زمرد للخلف، شعرت بالضربة تصيب يدها هي.
و زمرد لم تتوقف حتى لتفكر بما يحدث، إذ مالت بسرعة تلتقط خنجره وهي تندفع صوبه صارخة بجنونه تنقض عليه بضربة لولا تدحرجه بعيدًا لأصابت قلبه بدلًا من ذراعه.
أطلق أنمار تأوهًا مرتفعًا وهو يبتعد بسرعة عن زمرد يبصر بعيونها توحشًا مرعبًا، توحشًا كان يبصره طوال الوقت في طفولتهم، لكن أقل حدة، الآن وقد نضجت نضج معها توحشها وأصبحت مرعبة بحق.
ابتسمت له زمرد بسمة مرعبة وهي تحدق في ملامحه التي ظهرت بعدما تحرك اللثام جانبًا:
لماذا لا أشعر أنك غريب يا هذا؟ هذه الملامح القذرة تشبه وبشدة أحدهم، من يا ترى؟
ابتسم أنمار بسمة واسعة مقززة، وهو يجذب ثوبها بقوة صوبه حتى كادت تسقط لولا سلمى التي ركضت تسحب لها زمرد وتضربه في معدته ضربة أقوى جعلت صرخاته تعلو أشد وأشد.
بينما زمرد ظلت تنظر له نظرات غامضة وهي تشعر بأن ملامحه مألوفة وبشدة، تحدق به بأعين مرتابة، بينما الأخير ابتسم وهو يهمس كلمات بلغة فارسية كانت مجهولة لسلمى معلومة لزمرد التي اتسعت عيونها بصدمة كبيرة وشحب وجهها وهي تتراجع للخلف بسرعة، لكن وقبل أن تدرك ما يحدث كان هو ينتفض بسرعة يضربها في الجدار جوارها بشكل جعل صرخات سلمى ترتفع وهي تندفع صوبه تضرب رأسه في نفس الجدار بقوة وهي تحاول التحامل على وجع يدها.
تضربه بقدمها وهي تصرخ بصوت مرتفع تنادي الجنود عل أحدهم ينقذهما بعدما أبصرت وجهه حينما سقط اللثام عنه، هو نفسه ذلك الحقير الذي اختطفها سابقًا.
أنمار الوسخ؟! لم يمت بعد؟ كم روحًا يمتلك هذا الخسيس؟
أما عن أنمار فقد شعر فجأة برأسه تدور وجبهته تتهشم بنفس اليد للمرة الثانية، بينما سلمى تراجعت تمسك كفها تكتم صرخة كادت تفلت منها بعدما اصطدمت يدها المصابة بالجدار أثناء ضربه به.
سقط جسد أنمار أرضًا وهو يحاول أن يتماسك وينهض، لكن الدوار كاد يغلبه وهو يشعر بالمكان حوله يدور بقوة، لم يكد يتمالك نفسه حتى شعر فجأة بخنجر يوجه على رقبته وصوت أخته العزيزة تردد.
يبدو أنك أبيت الموت إلا على يدي... أخي الوسخ.
اتسعت عيون سلمى وهي تحدق بوجه أنمار ومن ثم وجه زمرد تهمس بعدم فهم لما سمعت:
أخوكِ؟
في اللحظة ذاتها أرتفع صوت جهوري في المكان يأتي من الجهة الشرقية لرجل يصرخ بنبرة مرعبة:
ما الذي يحدث هنــــــــــا؟
انتويتها؟ الحمدلله ظننت أن روحي ستخرج ولن تنتهي وتتزوج.
رفع نزار عيونه صوب أرسلان يتحدث بعدم فهم وهو يبصر إصراره على تزويجه:
مازلت لا أفهم سبب تمسكك بتزويجي، أنت تتحدث كما لم يتحدث أبي؟ ما سبب ذلك يا ترى؟
تحدث أرسلان ببساطة وهو يحرك كتفيه:
أخبرتك سابقًا لأنني لن أتزوج حتى يتزوج الجميع ويتبقى أنا للنهاية.
ضحك عليه نزار وهو يحرك رأسه بيأس ظنًا منه أنه يمزح:
أنت حقًا لن تتغير، طوال الوقت تمزح بهذا الشكل أرسلان.
لكن أرسلان والذي كان يتهمه بالمزاح كانت ملامحه في غاية الجدية وهو يرفع له حاجبه بسخرية شديدة، ليتحدث نزار بعدم فهم:
أنت لا تمزح؟
نظر صوب سالار وايفان:
هو لا يمزح؟
ابتسم له إيفان ينفي برأسه وهو يرتشف مشروبه الدافئ:
لا يا عزيزي، هو جاد أكثر مما كان أي وقت.
اتسعت عيون نزار بقوة وهو ينتفض من جلسته يهمس بعدم فهم:
لا تمزح؟ هل أنت جاد أرسلان؟ أخرت زواجك كل هذا لترى ما سأقدم مهرًا لزوجتي كي تحضر أكثر منه؟ لماذا لم تسألني ببساطة لأخبرتك وانتهينا من هذا؟
تشنجت ملامح أرسلان وهو يرفع كفه يضرب رأس نزار الذي تأوه بصوت مرتفع وهو يجلس مجددًا ينظر له بحنق:
ماذا؟
أي مهر هذا أيها الأحمق؟ كيف أقيم زواجي على أطلال أحزانك؟ وكيف أتخطى حرمة فقيد الملك آزار أيها الاحمق؟ هل تراني بلا مروءة لهذه الدرجة؟
نظر له نزار بصدمة لكلماته وهو يستوعب الأمر متأخرًا، ينظر صوب سالار الذي يراقب ما يحدث ببسمة ساخرة صغيرة، وايفان يكبت ضحكاته، يدرك القادم، فأرسلان ليس من ذلك النوع الذي يعبر أمام الجميع عن مشاعره الحقيقية، الآن سيخرج بأي شيء يغطي به على اعترافه السابق، وها هو لم يخيب ظنه.
وأيضًا لأنني أريد للجميع أن يتفرغ لزفافي لذا ستتزوج أولًا وتأتي لتحضر زفافي فأنا لن أعد زفافًا حقيرًا كما ستفعل أنت، فأنت لا تتوقع أن أقيم زفافًا مثلك عزيزي صحيح؟
نظر صوب آزار يردد بجدية:
لا إهانة أيها العجوز صدقني.
رفع له آزار حاجبه وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة وجدوا باب القاعة يُفتح بشكل مريب دون استئذان وأحد الجنود يردد بصوت لاهث:
مولاي.... قتال... في الجزء الـ.... قتال في الجزء المخصص لقاعة النساء.
ابتلع ريقه يحاول تمالك نفسه في اللحظة الذي نهض بها أرسلان يرهف السمع ينتظر لسماع القادم بينما أرسلان اقترب من الجندي الذي ألقى في وجهه القنبلة وهو يكمل جملته المعلقة:
يبدو أن أحدهم تهجم على الملكة في طريقها لل....
فجأة صمت الرجل برعب وهو يشعر بجسد يصطدم في الباب مرة أخرى وأرسلان ينطلق بشكل مرعب يحطم الأرض أسفله يصرخ بصوت مرتفع:
أيــــــــــــــن هـــــم الجنود المكلفين بحراسة تلك المنطقة؟
نظر إيفان لأثر أرسلان وهو يتنفس بصوت مرتفع ينظر صوب سالار يرفع يديه في الهواء:
هذا دورك أنت، اذهب وتدارك ما سيفعل في ذلك الرجل لربما كان الأمر سوء تفاهم، وأرسلان لن يتفاهم مع الرجل وهو يبدو كالثور، اذهب سالار وحاول أن تتحكم بـ....
قاطعه الجندي وهو يحاول التحدث مرتعبًا من موته هذه المرة بعدما نجى من دفعة أرسلان:
هو مولاي... في الحقيقة الأمر كان مع... الملكة و... أعتقد أنني سمعت أن... سمو الأميرة زمرد في الأمر كذلك.
اتسعت أعين إيفان وهو يهتف بصدمة دون شعور:
تبًا.
وفي ثواني كان يركض بجنون في الممرات وهو يسحب مع الجندي بعنف:
امامـي وارشدني صوب المكان، هيــــا.
راقب الجميع رحيلهم لينظر آزار صوب سالار الذي كان يتابع ما يحدث ببرود ليتنهد بصوت مرتفع يمسح وجهه بضيق:
يا الله يا مغيث، لعنة الله على الكافرين، الآن بدلًا من أرسلان، سأكون في حاجة للتعامل مع أرسلان وايفان، وسيكتمل يومي إن علم دانيار بالأمر، هذا رائع.
والآن أنا أعمل على قنبلة جديدة أكثر روعة من الأخيرة.
كان تميم يتحدث بجدية وهو يتناول بعض الفاكهة في طرقات قصر مشكى في طريقه مع دانيار صوب القاعة مجددًا.
لكن دانيار علق بهدوء:
لماذا تصنع الأسلحة تميم، انتهينا يا أخي منهم.
أمثال هؤلاء يا أخي يتكاثرون بالهواء، لكن لا بأس اصنعها لنفسي، أو ربما يقرر الملك أرسلان في يوم أن يعلنها حربًا علينا بعد كل تهديداته تلك فنحتاجها.
كان يتحدث بمزاح وسخرية، في اللحظة التي أبصر بها أرسلان يركض صوبه بملامح مرعبة ليشحب وجهه وهو يتوقف يتحدث بريبة:
هل سمعني؟ جلالة الملك أنا فقط كنت....
لكن أرسلان تجاوزه دون كلمة واحدة ليتنفس تميم الصعداء ينظر صوب دانيار مبتسمًا:
كان هذا وشيكًا ظننته سمعني، على كلٍ كنت أخبرك أنه إن قرر الملك إيفان أن يرد على تهديــ...
ومجددًا يقطع كلماته بسبب هرولة الملك إيفان في نفس الاتجاه الذي هرول له الملك أرسلان منذ ثواني اتسعت عيون دانيار وهو يشعر بالريبة تزداد.
وتميم راقبهم بعدم فهم:
حسنًا كان هذا مزاحًا، هل تحقق؟
تحدث دانيار وهو يراقب الأجواء:
أشعر بأن شيئًا سيئًا يحدث هنا و....
صدق حدسه وصدقه حينما أبصر سالار يتحرك بخطوات سريعة لنفس الجهة ليزداد الشك في صدره ويتحرك خلفه بسرعة:
هذا ليس جيدًا، ليس جيدًا البتة.
نظر تميم لأثر الجميع ثواني قبل أن يهرول خلفهم وهو ينادي دانيار أن ينتظره ليبصر ما يحدث في هذه اللحظة والذي استدعى أن يهرول الجميع بهذا الشكل مرعب.
في اللحظة التي سمع بها أنمار صوت الجندي خلفه دفع سلمى بقوة مسقطًا إياها أرضًا وهو يرفع حنجره ولم يكد يهبط به على زمرد حتى أبصر أحد الجنود يصرخ به بجنون وهو يهرول صوبه، ليجذب بسرعة زمرد يضع خنجره على رقبتها يبتسم لهم بسمة مريعة:
صدقني أنتم لا تريدون أن اتهور وانحر لكم رأس سمو الأميرة صحيح؟
نظر له الجنود بريبة وهو ابتسم بسمة جانبية يواري بها ارتجاف جسده ويده وقد شعر بفداحة تصرفه، يشير لهم بالتراجع بالخلف وهو ما يزال يحمل خنجره على رقبة زمرد، وبالفعل بدأ الجنود بالتراجع.
بينما سلمى مازلت ساقطة أرضًا تعاني من وجع جسدها بالإضافة لوجع يدها، ترفع عيونها صوب زمرد تبصرها مقيدة بين يدي أنمار، حالة عاشتها سلمى مئات المرات مع الكثير من المختلين الذين كانوا يتخذونها درعًا. بشريًا، الأمر نفسه لكن الضحية ليست هي هذه المرة، بل زمرد.
تأوهت وهي تحاول الزحف بعيدًا تدعي الاستسلام، وهي تنظر صوب قدمه، وزمرد على عكس المتوقع كانت هادئة بشكل غريب، تدرك أن تهورها في هذه اللحظة لن ينالها منه سوى تدحرج رأسها أرضًا.
صدقني إن ظننت أنك ستنجو من هذا فأنت غبي.
ربما لن أنجو عزيزتي، لكنني لم أكون الوحيد الهالك هنا ها.
رفعت عيونها تنظر له:
أتسال كيف نجوت من عملية الإبادة التي شنها العزيز بافل ها؟
تمامًا كما سأنجو اليوم عزيزتي.
ابتسمت له زمرد بسمة خبيثة وهي تحرك يدها دون أن يشعر صوب مرفقه، وقبل القبض على يده سمعت صوت هز اركان المكان بأكمله.
أيـــــــــهــــــا الوســــــــخ.
في اللحظة التي رفع بها أنمار عيونه لينظر صوب أرسلان، استغلت سلمى الأمر وضربت قدمه بقوة تسقطه ارضًا، ومالت زمرد تنتزع منه الخنجر، لكن أنمار تمالك نفسه في ثواني وهو يدفع زمرد بعنف صوب الجدار ويركض بسرعة هاربًا من المكان، لكن ليس قبل أن يدفع سلمى بغضب وحقد في الجدار.
وصل إيفان في هذه اللحظة يهرول صوب جسد أخته ليتأكد أنها بخير، يصرخ بالحراس أن يلحقوا به.
لكن فجأة أبصر أرسلان يهرول خلفه بشكل مخيف بعدما أبصر ما فعل بزوجته يصرخ بلهجة مرعبة:
أيها الخسيس الحقيـــــــر.
نظر له إيفان بصدمة وهو يناديه:
أرسلان دعه للحراس... أرســـــلان.
لكن أرسلان لم يكن يبصر في هذه اللحظة سوى هذا الحقير وهو يدفع زوجته بعنف صوب الجدار، هذا ولم يدرك أنه كاد يقطع كفها.
أخرج أرسلان حنجره وهو يحرك بين أصابعه يهرول خلف أنمار بشكل مرعب، وسرعة مخيفة، بينما الأخير يكاد قلبه يتوقف رعبًا وهو يهرول صوب السور الخاص بالقصر يناور الجنود ولم يكد يقفز على السور حتى شعر بخنجر يصيب قدمه مسقطًا إياه أرضًا.
أطلق صرخة رنّ صداها في المكان يسقط ارضًا في اللحظة التي وصل لها أرسلان يجذبه من ثوبه بشكل محموم قبل أن يُصدم من هويته بعدما انقشعت غيمة الغضب يهتف بعدم فهم:
الكائن أنمار؟
مهلًا هل كان الأمر متعلق بزوجتي؟
كانت تلك أول ردة فعل صدرت من دانيار حينما وصل ووجد إيفان يطمئن على زمرد وهو يضمها له بحنان يحدثها بصوت منخفض، والأخيرة تبدو وكأنها كانت في حرب لتوها.
وهو فقط يقف يراقب الجميع بملامح محتارة ينتظر أن يسمع نفيًا، لكن كل ما أبصره هو نظرة زمرد التي رفعت له عيونها تنظر له بنظرة ذبحت قلبه ليطلق سبة وهو يتحرك صوبها ينتزعها من بين ذراعي إيفان يتحدث بصوت حاد وهو يتفحصها بعيونه بحرص:
من الذي فعل هذا زمرد وماذا فعل؟ تحدثي حبيبتي من أحزنك اقسم بالله أطعمه كامل سهامي في فمه.
نظرت له زمرد تهمس بنبرة شبه باكية وهي لا تصدق ما حدث منذ ثواني:
كان.... أخي.
رفع دانيار عيونه بسرعة صوب إيفان، لكن الأخير تحرك مع سالار بسرعة ليلحق بأرسلان وقد اطمئن على شقيقته مع زوجها.
أما عن زمرد رددت بصوت خافت:
ليس إيفان دانيار، ليس أخي بل.... بقايا شعبي الوسخ.
نظر لها بأعين متسع، يحاول أن يستوعب ما يحدث لتردد هي بصدمة:
أخي السادس... الوسخ أنمار.
اتسعت عيون دانيار بعدم فهم، لكن زمرد لم تكن تمتلك الوقت لتشرح وهي تتحرك صوب سلمى التي كانت تجلس ارضًا تحاول مقاومة الوجع الذي أصابها.
سلمى أنتِ بخير حبيبتي؟
رفعت لها سلمى عيونها مبتسمة تحاول أن تتمالك وجعها، تهز رأسها بنعم وهي تضغط على كفها بقوة تكتم دمائهما عن النزيف.
ولم تكد زمرد تتحدث بكلمة حتى سمع الجميع صرخة أرسلان باسمها وهو يهرول صوبها بلهفة وخوف شديد يلتقط جسدها بسرعة كبيرة بين أحضانه يهتف بلوعة:
سليمى، ما الذي فعله بكِ، هل أنتِ بخير؟ لقد دفعك ذلك الحقير للجدار، هل أصبتي عزيزتي؟
رفعت سلمى عيونها له مبتسمة، ذهب ليقتل الرجل، ومن ثم عاد يسألها ماذا فعل.
فتحت فمها لتطمئنه، لكن يبدو أن زمرد لم تستطع الصمت أكثر وهي تسكب وقودًا على نيران زوجها تردد بجدية:
ربما عليك الخوف على يدها أكثر من خوفك من أمر اصطدامها بالجدار.
نظر لها أرسلان بعدم فهم ثواني، ومن ثم حرك نظراته صوب كف سلمى:
ماذا بــــه... يا الله، بسم الله عليكِ سلمى ما الذي حدث ليدك؟ ما هذا؟ يا ويلي هذا.... هذا جرح.... خنجر لقد....
اشتعلت عيونه وهو ينظر لها يهتف بصوت لاهث من شدة غضبه:
هو من فعل هذا؟
ولم تكد حتى تنفي أو تؤكد سؤاله، حتى انتفض جسد أرسلان مقررًا العودة ليكمل عليه بعدما انتشله سالار من بين يديه بصعوبة، لكن سلمى أمسكت فجأة يده وهي تلقي رأسها على كتفه بسرعة تدعي التعب:
أرسلان ساعدني ارجوك أشعر بدوار مرعب، لقد... ربما لأنني فقدت الكثير من الدماء يا الله.
اتسعت عيون أرسلان برعب وهو يمد يديه يحملها بسرعة كبيرة بين يديه يركض بها في القصر صوب المشفى تحت أعين زمرد التي كانت تتابع ما يحدث بصدمة، وجوارها دانيار وتميم لا يقلان صدمة عما يبصران في هذه اللحظة.
تجلس بين أحضانه في الساحة الخلفية للمنزل والتي أعاد زوجها أعمارها وزرع بها بعض الأشجار التي ما تزال في طور النمو، ووضع بها أريكة يضمها عليها وهو يتنفس براحة شديدة وكأنه انعزل عن العالم.
يستمتع بكل لحظة يقضيها وهي بين أحضانه.
وفجأة وفي وسط ذلك الهدوء تساءلت فاطمة بصوت مرتفع قليلًا وكأنها تترجم أفكارها لصوت:
أنت..... لم تخبرني الكثير عنك يا المعتصم؟ كيف كنت وعائلتك؟ حياتك؟ قص لي عنك قليلًا.
كتم المعتصم ضحكة كادت تفلت منه، لكن فجأة وبمجرد أن أبصر نظراتها المرتقبة له ضحك بملء فاهه عليها، وهي فقط تتابعه بعدم فهم:
ماذا؟
حسنًا، يبدو أن هذا سؤال متأخر بعض الشيء؟ أن تسألي عن حياتي وعني يوم زفافنا، الأمر مضحك بعض الشيء.
رمشت وهي تشعر بمنطقية حديثه، لكنها فقط لم تفكر يومًا في سؤاله عن حياته، لم تهتم سوى به هو فقط ولم تفكر في معرفة حياته أو أسرته أو أي شيء يتعلق به، كانت فقط تكتفي بوجوده.
ويبدو أنه أبصر شرودها ليجذب وجهها بين كفيه بحنان يقبل خدها بحب:
كانت حياة عادية قبل أن تملئها فاطمة بكل ما هو جميل.
إذن قص لي عن حياتك قليلًا.
تنهد المعتصم وهو يضمها لصدره يداعب خصلاتها الشقراء الحبيبة والتي انبهر بها منذ ابصرها أول مرة، يشرد بها وهو يتحدث ببساطة:
حسنًا كان أبي يعمل تاجرًا في مشكى، هو من الأساس من شعب مشكى، وفي إحدى رحلات التجارة له لسفيد ليبيع بعض بضائعه هناك أبصر والدتي، ومنذ الوهلة الأولى أعجب بها، وأخذ يستغل كل فرصة تدفعه صوب سفيد حتى أدرك في لحظة أنه لا يستطيع المواصلة في هذه الحياة دونها.
تنهد وهو يحرك إصبعه بحنان على باطن كفها يراقب بسمتها الرقيقة وكأنها تشاهد مشهدًا رومانسيًا.
كانت والدتي الفتاة الصغيرة لوالدين عجوزين تعتني بهما، بسبب انشغال خالتي والتي كانت الأخت الكبرى بعملها في القصر لتعيل الجميع، لذلك عندما تقدم أبي للزواج منها قرر الاستقرار في سفيد لأجلها ولأجل أن تكون جوار جدي وجدتي، وبعد سنوات قليلة من زواجهما توفى جدي وتبعته جدتي وفي ذلك الوقت كانت خالتي قد تزوجت من الملك وانجبت إيفان، وبعدها بسنوات جئت أنا لأصبح رفيقهما الوحيد في هذه الحياة.
اتسعت عيون فاطمة بصدمة:
الملك إيفان؟ يكون ابن خالتك؟
يا ويلي فاطمة أنتِ حتى لا تعلمين أبسط الأمور عني، نعم، ابن خالتي الأكبر، هذا ما اكتشفناه لاحقًا وقد ظننا أن خالتي فقدت طفلها بعد الولادة.
لا أفهم شيئًا.
حسنًا هذه قصة طويلة، لكن اختصارًا لقصتي، خافت والدتي من أن يمسني أحدهم بسوء فابعدتني عن الجميع وعن العاصمة، لكن حينما بلغت سن المراهقة تطوعت دون علمها في الجيش، لأذهب هناك وأتعرف على الجميع وتبدأ حكايتي في قصر سفيد، وتمر السنوات وأفقد والدي واحدًا تلو الآخر، حتى استقر بي الأمر أحيا في القصر وحيدًا.
تنهد بصوت مرتفع وكأنه وأخيرًا وصل للحظة المفضلة له في الحكاية، اللحظة التي غيرت مسار حياته:
حتى اختارني القائد سالار أن أكون قائد المقاومة هنا في مشكى للتحرر من المنبوذين، فدخلت البلاد متنكرًا وأخذت أجمع الشعب حولي وقدتهم في المعركة التي حررنا بها مشكى، ومن بعدها رشحني إيفان لأكون قائد جيوش مشكى وأكون برفقة الملك أرسلان، وكذلك القائد سالار هو من زكاني لدى الملك أرسلان، و... ها أنا ذا.
كان يتحدث وهو شارد، قبل أن يحرك عيونه صوب فاطمة التي كانت ترفع رأسها وهي تحدق في وجهه ببسمة منبهرة واسعة:
أنت رائع حقًا.
أوه وأنتِ لطيفة وجميلة وكل الصفات الجيدة في هذا العالم فاطمي الحبيبة.
كان يتحدث وهو يميل عليها يداعب وجنتيها بحب شديد، وهي تضحك ضحكات صاخبة حينما بدأت يده تتحرك لمعدتها.
وفي ثواني. المنزل الذي كان يضم على مدار الشهور الطويلة السابقة، صرخات وآنات وشهقات فاطمة، المنزل الذي ضم كوابيسها وأوهامها، المنزل الذي أبت جدرانه ضمها فيدفئها في برد الشتاء، المنزل الذي كان قبرًا لسعادتها وسجنًا لأحلامها، أضحى فجأة في وجوده فردوسًا.
استطاع المعتصم أن يحول كل كوابيس فاطمة لسراب، ورغم أنه لم ينتصر على مرضها بشكل كامل، إلا أن التعايش معه لا يضيره ولا يحزنه، بل يتقبله لأجلها.
وفي هذه اللحظات كان صدى ضحكات فاطمة هو ما يسمع بين الجدران، بعدما كانت أصوات بكائها وحيدة كل ليلة هي ما يرن صداه في المكان. دارت الأيام واتاها عوض الله متمثلًا برجل يبكي العالم لأجل ضحكة منها.
وكأن الله جاء به من سفيد خصيصًا ليكون يدًا تربت عليها، حضنًا يضم أحزانها.
كان المعتصم بالله وكانت هي فاطمته.
أنا بخير. لكن لا ردة فعل منه، فقط يجلس أمامها يراقب يد زوجة سالار وهي تضمد جراحها بأعين حريصة وكأنه يحفظ كل حركة تصدر من تبارك، بينما الأخيرة والتي تفاجئت بسالار يستدعيها للمساعدة في تضميد يد سلمى.
حسنًا... هو....
رفعت عيونها بخوف صوب أرسلان الذي كان ينتظر منها أي كلمة ويتابع باهتمام وكأنه ينتظر منها كلمة لا تعجبه حتى ينقض عليها.
نظرت لسلمى وهي تحاول التحدث بما اكتشفته، قبل أن ينتفض جسدها على صوت أرسلان الذي نفذ صبره وازداد خوفه:
ماذا؟ ما بها زوجتي سمو الأميرة، هل الأمر بهذا السوء؟
ابتلعت تبارك ريقها وهي تتحدث بصوت منخفض من شدة الرهبة لوجود ذلك الرجل أمامها ولا تدري لماذا لكن في هذه اللحظة رأت أرسلان وحشًا مخيفًا سينقض عليها رغم أنه لم يرفع صوته أو ينظر لها حتى:
مش هتكلم غير في وجود سالار.
انكمشت ملامح أرسلان بعدم فهم وهو يحرك عيونه ما بين تبارك وسلمى التي بدأ القلق يتسرب لها رغم علمها أن الأمر لن يتعدى مجرد تقطيب للجروح، لكن قلق تبارك انتقل لها وهي ترى ارتعاش المسكينة تقسم أن زوجها إن أبصر خوفها هذا من أرسلان لن ينتهي الأمر إلا بقتال بين الاثنين.
ربتت سلمى على كتف تبارك بهدوء وهي تحاول طمئنتها:
تبارك عزيزتي ما بكِ خائفة هكذا؟ الأمر بسيط وأرسلان ليس بهــ....
فجأة انتفضت سلمى برعب وهي تتمسك بأحضان تبارك التي انكمشت بين ذراعيها على صوت أرسلان الذي وصل قلقه منتهاه:
يا ويلي هل الأمر بهذا السوء؟ ما بــــهــــا زوجـــــتــــي؟
ابتلعت سلمى عيونها وهي تبصر مظهر أرسلان لتهمس بنبرة مرتجفة لتبارك:
نادي زوجك لينقذ كلينا تبارك، نادي أحدهم لينقذنا من هذا الوحش.
ارتجفت تبارك وهي تنظر بخوف حقيقي لأرسلان، تحاول الحديث بكلمات متماسكة، وقد قررت أن تتبع نصيحة سلمى وهي تتحرك ببطء عن الفراش تحاول الخروج من المكان لإحضار سالار وما كادت تخطو خطوتين حتى سمعت هتاف أرسلان المذهول من هروبها دون قول أو فعل شيء لزوجته الجريحة:
أنـــــتِ... توقفي وعودي لمعالجــ....
لكن قبل إكمال جملته هرولت تبارك للخارج تصرخ ببكاء باسم سالار بشكل جعل عيون أرسلان تتسع وكذلك سلمى التي صُدمت من كل الخوف الذي تنظر به تبارك صوب أرسلان تتحدث بعدم فهم:
أرسلان بالله عليك ما الذي فعلته للفتاة؟
نظر له أرسلان بصدمة ولم يستوعب بعد ما حدث، هل هو مرعب بهذه الدرجة؟ ومن يرتعب منه؟ امرأة تحيا مع سالار تحت سقف واحد؟ وكأن زوجها قط وديع؟
استغفر الله هذه المرأة هل هي مجنونة؟ ركضت دون معالجتك حتى؟ سأذهب لإحضار زيان ذلك الحقير الذي يختفي كلما غفلت عنه.
تحرك بسرعة خارج الجناح وهو يشير لسلمى التي كانت تبارك قد ضمدت لها الجرح بشكل مبدئي:
فقط لا تتحركي سوف أحضر طبيبة القصر أو زيان ليــ....
توقفت كلماته في منتصف الطريق وهو يبصر بمجرد أن فتح الباب تبارك تقف أمام الباب وهي تتحدث بصوت مرتجف وعلى جانب الباب يقف سالار الذي لم يتصدر المشهد تحسبًا أن يظهر جسد زوجة أرسلان من الباب وحفاظًا على حرمة امرأة صديقه.
انكمشت ملامح أرسلان بعدم فهم، يبعد عيونه عن تبارك بسرعة، بينما هي تحدثت بهمس لسالار:
يمكنك الظهور.
وأخيرًا أخذ سالار تصريحه بعدما تأكدت تبارك له أن سلمى ليست ظاهرة من مكانها، ليخرج سالار يقف خلف تبارك كالجدار يضم يديه لصدره ينظر لأرسلان بشر:
هل ابكيت زوجتي للتو أرسلان؟
أبعد أرسلان عيونه عن تبارك ولم يفكر حتى بالنظر لها، وقد تشنجت ملامحه بعدم فهم يشير صوب نفسه بصدمة:
أنا؟ مالي وزوجتك يا هذا؟
نعم هذا ما اسألك عنه بالتحديد، مالك وزوجتي يا حقير؟ تبكيها ابكيك دمًا أرسلان.
أيها الــتوقف قبل أن يخرج سبته وهو مايزال ينظر صوب سالار الذي سحب تبارك خلفه يتصدر المشهد لأرسلان، والاخير ضغط على شفتيه بقوة:
احمد ربك أن زوجتك هنا ولولا أنني أخشى خدش حياء امرأتك لاسمعتك ما لا يسرك، ابتعد عن وجهي دعني أحضر مساعدة لزوجتي.
ولم يكد يتحرك حتى جذبه سالار جانبًا يشير لتبارك بعيونه للداخل لتهرول الأخيرة بسرعة تاركة سالار يتحدث بهدوء:
زوجتك ستحتاج لتقطيب جروحها فالجرح عميق للغاية، هذا ما أخبرتني به زوجتي، وهي ستساعدها لتقطيب الجروح، فقط اخرج من الغرفة ودعها مع زوجتك فأنت تخيفها.
ابتسم أرسلان بعدم تصديق وهو ينظر للخلف حيث تجلس زوجته وقد صدمه سالار بكلماته:
اخفيها؟ أنا اخيف امرأة تحيا معك؟ حقًا؟
جذب سالار أرسلان من ثوبه بغضب شديد وهو يهمس جوار أذنه:
أنت إن كنت تبتغي موتك، اريني دمعة من عيون زوجتي مجددًا.
وفي ثواني كانت لكمة تهبط فوق وجه سالار و أرسلان ينظر له ببسمة مرعبة:
هذه لتتذكر أنني لست ذلك الوسخ الذي يبكي النساء، أنا لا أتعامل مع النساء حتى، مالي بالنساء سوى شقيقتي وزوجتي أيها الحقير.
كان سالار يدرك كلماته جيدًا، لكن أن تأتيه زوجته دامعة بخوف من أرسلان تطلب منه الحضور معها كان كثيرًا للغضب، تنهد بصوت مرتفع يزيح الشيطان من بينهم وهو يربت عليه بحنان:
أدرك أرسلان ولا تظن لحظة أنني أخشى على زوجتي بوجودك أو وجود إيفان بالجوار، والله أأمنكم على زوجتي وأدرك أن أحدكما لن يمد لها عينه بنظرة ولا إصبعًا بالسوء، لكن يا أخي لقد... أخفتها لزوجتي وجاءت تبكي.
تنهد أرسلان يعتذر بخفوت:
مازلت لا أصدق أن زوجتك تخافني، لكنني آسف إن فعلت ما اخافها وابكاها، فأنا لو جاءتني زوجتي تبكي من أحدهم لقتلته؛ لذلك اعذرك.
نظر للخلف وهو يحدق بالباب بخوف ليجذبه سالار صوبه:
تبدو متوترًا يا أخي، ما بك؟ إن شاء الله لا شيء خطير تعرضنا لجروح أخطر من هذه ومرت بكرم وستر الله أرسلان.
طعنة بصدري ولا خدش بأصبعها سالار.
كانت كلمات قليلة أجاب بها سالار وهو يستند على الباب ينتظر أي كلمة قد تهدأ ضربات صدره، بينما سالار يراقبه ببسمة ولم يعلق أو يستفزه بشيء، فهو لو كانت تبارك بدل زوجته لفعل المثل، لا يلومه، بل يلوم ما يدور داخل صدورهم. ياالله قبل سنوات قليلة كان الجميع صخور لا تهتز، لكن الزمان لا يترك شيء على حالته.
ما رأيك بعدما تطمئن على زوجتك تأتي لقتال سريع معي ربما يخفف هذا من غضبك وتوترك؟
استدار أرسلان صوب سالار يرمقه بتعجب لثواني قبل أن ينفي برأسه رغبته في الأمر مصيبًا سالار بصدمة كبيرة وهو يبصر للمرة الأولى رفض أرسلان لقتال.
لا أعتقد أنني أستطيع ذلك سالار قد أتهور وأؤذيك في القتال.
اتسعت بسمة سالار بقوة يبصر وأخيرًا تحسن حالة سالار وعدم توجهه للقتال حين احتدام مشاعره، وقبل أن يعبر عن سعادته تلك أكمل أرسلان جملته السابقة بهدوء:
سأذهب لأنمار أفضل فلن أضطر للتحكم بنفسي حين ضربه.
ضحك سالار بصوت صاخب على كلمات أرسلان يهز رأسه بيأس:
وأنا من ظننت أن الله قد من عليك بالعقل وسترفض القتال لأنك أصبحت مسالمًا ولا تريد استخدام القتال لتخفيف غضبك.
ابتسم له أرسلان بملامح متشنجة لما يقال، ليهمس سالار بسخرية:
يبدو أن زوجتك فاتها القليل من الخصال أثناء رحلة تحويلك لإنسان طبيعي أرسلان، إذن انتهي من أنمار واحضره للقاعة فالحكيم العزيز إيفان يود التأكد أنه سيتوزع بعدل على الجميع.
بعد ساعات قليلة وفي قاعة عرش مشكى.
لكل إنسان حق في تلقي محاكمة عادلة قبل الحكم النهائي عليه، ونحن هنا في هذه اللحظة للحكم على المدعو أنمار.
كان يجلس على مقعده وهو يتابع الهراء الذي يحدث أمام عيونه، يدور بنظراته بين الجميع دون قول كلمة واحدة، فقط يتابع حتى ينتهي حكيم الممالك من كلماته قبل أن ينطق هو حكمه، ينفخ بعدم اهتمام وهو ينظر لأنمار بشر وكأنه يتوعده بجوله ثانية من تحطيم عظامه حينما ينتهي كل هذا.
ابتسم سالار وهو يهمس له بصوت منخفض وهو يرى حالة أنمار أمامه:
جيد أنك رفضت قتالي في حالتك هذه.
ابتسم أرسلان بسمة جانبية وهو يهتف بصوت هامس مماثل:
سالار أخبر ذاك الحكيم أن ينتهي من كل هذا، الأمر لا يحتاج لكل ذلك، هي كلمة واحدة وتنتهي المحاكمة، هو يضيع وقتنا جميعًا.
وبالحديث عن الحكيم، كان إيفان ينظر لجسد أنمار الذي أصبح كالخرقة البالية في منتصف القاعة بعدما طلب له محاكمة عادلة كما الجميع.
جرائمك الكثيرة تخطت الحدود، انقلاب وتحريض على الخراب، قتل ودمار وخطف نساء، وتختمها بمحاولة حقيرة في قتل أختي و....
وخطفت زوجتي، وحاولت أذيتها كذلك وجرحت يدها جرحًا غائرًا أيها الوغد.
وكان هذا التدخل من أرسلان الذي تجاهل كل ما قيل منذ ثواني وكأنه يعرض أكثر جرائم أنمار بشاعة، وقد كان الأمر كذلك بالنسبة له في الواقع، فكل ما سبق وذكره إيفان كان في جانب، وأقترابه من زوجه في جانب آخر، ما يزال جرح كفها يصيبه بالجنون.
تخدع أحد رجال مملكتي وتدخلها وتقيم بأحد منازلها وتظن أنني لا أدري بالأمر؟ تندس بين جنودي وتعتقد أنني لا أعلم؟ عزيزي أنا فقط كنت أنتظر انتهاء الزفاف لأتفرغ لك، وأرى ما تطمح له، لكن يبدو أنك تسرع من نهايتك.
ختم حديثه وهو يتذكر تحدث تيم له بخصوص ما علمه من إحدى نساء المملكة حول إقامة أنمار لديهم لفترة بحجة أنه رجل ضل طريقه في الغابة قبل أن يختفي تاركًا خلفه ورقة تحمل قائمة من يود التخلص منه، وحسنًا كان الأمر ليكون مضحكًا أن يجد اسمه في قوائم أعداء الخراف، لكن أن يجد اسم زوجته كذلك من بين الأسماء هذا ما أثار جنونه وجعله يرسل جنوده في المملكة بأكمله بحثًا عن الحقير أنمار، ليكتشف من يومين في النهاية أنه يتخفى أسفل سقف قصره.
تنهد إيفان وهو ينظر صوب زمرد التي كانت ما تزال تحدق فيما يحدث دون القدرة على الحديث حتى ومازالت لا تصدق ما تبصره، بعد كل هذه السنوات يعود الحقير أنمار من الموت لينتقم منها على... اللاشيء.
حسنًا المظلمة لم تطالك فقط أرسلان، فأختي أحق الناس بثأرها من ذلك الرجل، ودانيار له كامل الحق في أخذ قصاص زوجته كما حقي أنا في أخذ قصاص أختي.
رفع أرسلان يده في الهواء بكل هدوء:
لا أمنعكم حقكم والعياذ بالله إيفان، لم آكل يومًا حق أحدهم ولو كان في جيفة عفنة كأنمار، لذا سأصبر حينما ينتهي الجميع وآخذ ما يتبقى منه لي.
نظر له إيفان ثواني وهو يهمس بصوت منخفض جوار أذنه:
أرسلان حبًا بالله حاول ألا تظهر بمظهر المختل الآن هناك نساء في المكان.
نظر له أرسلان بعدم فهم، في ماذا أخطأ الآن، بينما إيفان أعتدل في وقفته وهو يهتف بجدية:
معاذ الله أن نظلم أحدهم، لكن ردًا على كل الجرائم التي ارتكبها ذلك الحقير أنمار، فلا حكم له لدينا سوى القصاص العادل، والقصاص العادل لا يتــــ....
الموت.
كانت كلمة خرجت من فم أرسلان الذي مال على أذن إيفان يهمس له بنفس الطريقة:
حبًا بالله إيفان حاول ألا تظهر بمظهر العادل الآن، هناك مختل قليل الصبر في المكان.
كان يشير في كلماته لنفسه، وهو ينهض يبتسم ببساطة يشير لجنوده لسحب أنمار من القاعة كي يسلمه أولًا لدانيار كي يأخذ قصاصه:
إذن وبما أننا انتهينا من هذه المحاكمة على خير وحققنا ما نطمح له جميعًا، أو ما يطمح له إيفان، اسمحوا لي يا سادة بالذهاب ريثما تنتهون من أنمار.
ومن بعد هذه الكلمات تحرك مبتسمًا للجميع يخرج من القاعة صوب غرفة سلمى كي يطمئن عليها بعدما سحبه إيفان بالقوة لأجل المحاكمة.
ونعم يشهد أرسلان أن شخصية إيفان لا يليق بها سوى الملك، عادل قوي وذو عقلية مرعبة، يدير سفيد بيد من حديد، أو عقل من حديد، ربما لهذا لم تسقط سفيد يومًا، بالإضافة لوجود قائد جيوش مخلص شديد البأس كسالار، الشيء الذي افتقده هو في فترة من الفترات وكان سببًا رئيسيًا في سقوط مشكى بعدما باعها كل قادتها للمنبوذين، لكن الآن انعم الله عليه بالمعتصم بالله وكذلك تيم.
آه حياة الملوك صعبة خاصة لو كانوا بعدل وحكمة وصبر إيفان، أعانه الله على حياته.
إذن تريد إقامة زواجك من ابنتي خلال أسبوع واحد من اليوم؟
حسنًا أنا فكرت في ثلاثة أيام لكنني لم أرد استغلال كرمك كثيرًا كي لا أضغط عليك فترفض الأمر برمته جلالة الملك.
حرك بارق رأسه صوب توبة التي كانت تجلس جواره تنظر أرضًا تدعي الخجل كي لا يوجه لها أحدهم كلمة، لكن والدها لم يقتنع بما تفعل وهو يردد بعدم فهم:
هل... هل أنتِ متأكدة يا ابنتي أنكِ تريدين إكمال باقي حياتك مع هذا الرجل؟
رفعت له توبة عيونها بسرعة ورعب حينما سمعت نبرة استنكار ورفض في صوت والدها، بينما آزار اعتدل في جلسته بعدما كان مسترخيًا في الشرفة الفسيحة يسمع الحوار بانتباه.
مهلًا وما به هذا الرجل بارق؟ هل ينقص ولدي شيئًا؟ ملك أبى وطبيبها وقائد جيوشها، أخبرني بالله عليك من أين لك بزوج ابنة كولدي؟
وقف بارق في وجه آزار وهو يبتسم ببرود وقد بدأت عيونه تلتمع بتحدي وكأنه يأبى أن يخسر ابنته لصالح رجل آخر، فانمار سابقًا كان مجرد رجل تقدم ورآه مناسبًا ولم يره يومًا خصمًا له، كما أنها كانت جواره طوال الوقت ولم تبتعد عنه.
هذه مميزات قد تغري أي أحد، وليس أميرة سبز عزيزي، أفق... فولدك لم يتزوج بأي امرأة، فهذه ابنتي أميرة سبز مبارزة بارعة مثقفة وجميلة، أجمل فتيات الممالك أجمع.
ابتسم نزار وهو ينظر لتوبة غامزًا لها:
أشهد بذلك مولاي.
استدار له بارق بغضب وهو يبعد وجهه عن ابنته:
أبعد عيونك عنها يا هذا.
ماذا؟ هذه زوجتي.
أعاد بارق عيونه صوب آزار الذي تحدث بجدية بعدما أدار ولده صوب توبة مجددًا بعناد:
أنت يا بارق ستكون والد زوجة حقير، ما بك هل سيأكل الولد ابنتك؟
اتسعت ابتسامة نزار ببراءة وهو ينظر صوب توبة بهيام، لتبعد الأخيرة عيونها بصدمة من تصرفاته، فبينما يكاد والداهما يفقدا علاقة الصداقة التي استمرت لعقود بسببهما يجلس هو ويتغزل بها بعيونه ودون نطق كلمة واحدة حتى.
حاولت أن تتحدث بكلمة لتوقف الحرب الناشبة حولهما، لتتفاجئ بجسد نزار الذي استغل حالة النقاش الحادة بين والده وبارق، ينتقل من مكانه لمكانها:
إذن سمو الأميرة أخبريني حول أفكارك لزفافنا؟
نظرت له توبة بصدمة من كلماتها، نزار جن بالكامل، الرجل كان أكثر الرجال جدًا هادئين ومتعقلين، هل حصلت على نسخة فاسدة منه؟
هل تمزح معي؟ أي زفاف هذا والحرب بين سبز وآبى على الأبواب؟
سمعت ما يقال خلفها من فم الملك آزار، لتهتف بصدمة وهي تصرخ بوجه نزار:
والدك يهدد بإحضار جيوشه للقتال نزار، هل تمازحني؟
حبيبتي هذا مزاح خشن فقط، أبي لن يقود جيوشه لسبز، سوف أحضرهم أنا لكِ بمهرك، والآن انتبهي لي وأخبريني حول لون الفستان الخاص به، أتخيلك بالذهبي ستكونين في غاية الروعة.
ارتفعت أصوات صرخات بارق وهو يصيح بجنون:
أنت وولدك لن تخطوا لسبز إلا على جثتي آزار، ومن الآن وحتى تعلم من ناسبت لن ينال ولدك نظرة واحدة من ابنتي حتى.
وفي الأسفل على الأريكة خلفه كان نزار يمسك يد توبة يقبلها بحنان شديد:
لا أصدق أنه بعد كل ما مررنا به أصبحت ملكي توبة، هذا حلم يتحقق أميرتي.
نظرت توبة خلفها بأعين متسعة، ومن ثم عادت بعيونها لنزار الذي كان يبدو وكأنه انعزل عن العالم حولهم، وصوت والد نزار يصدح في المكان بصرخات.
وهل ستُحرم على ولدي زوجته؟ والله لن يحدث إلا على جثتي بارق.
معاذ الله أن أحرم ما أحل الله، لكن شعرة من ابنتي لن يمسها حتى أرضى عن هذا الزواج وتدرك أنت وولدك قيمة ابنتي.
ضم نزار يديّ توبة بين كفيه وهو يستند عليهم بذقنه بحب كبير يهمس بصوت عاشق:
صدقيني لن تندمي لحظة واحدة على موافقتك هذه توبة.
مسح آزار وجهه بعنف وهو يزفر بغضب شديد:
أنت أيها العجوز الخرف ومتى أنكر أحدنا مكانة الأميرة توبة، والله مكانتها تعلو فوق مكانة ابنتي في البلاد، هذه أميرة سبز وملكة آبى ومن يحط من قيمتها أدفنه أرضًا، أنت من تبدو كغر تغار على ابنتك من ولدي، وهو ما أظهر لك يومًا نية بحرمانك منها.
ونزار كان يثبت حديث والده في هذه اللحظة وهو يهمس لتوبة بعشق:
فقط نتزوج ولن أجعلِك تبتعدين عني خطوة واحدة ولو للذهاب إلى سبز حتى.
استغفر بارق ربه وهو يشعر أنه بالغ في ردة فعله:
استغفر الله، لم أقصد ذلك آزار، لكن... أنت تمتلك فتاة وصدقني ستشعر بما أشعر أنا به حينما تدرك أنها ستبتعد عنك و....
توقف عن الحديث وهو يبصر نزار الذي كان يحتضن كف ابنته ويتحدث معها بصوت هامس ليصرخ بغضب شديد:
أنت أيها الحقير ابتعد عن ابنتي، أبعد ولدك عن ابنتي آزار.
جذب آزار ولده بغضب من ثيابه صوبه هامسًا:
أيها الحقير ما الذي تفعله؟ تتغزل بالفتاة أمام والدها؟ ألا عقل في رأسك؟
كان يتحدث وهو يضرب على جانب رأسه بغيظ، بينما نزار غمز له بمزاح، ومن ثم حرك عيونه صوب بارق الذي جذب له توبة بغيظ:
تريد الحصول على ابنتي، إذن ابذل المزيد من الجهد لأجلها، أمامك أسبوع واحد فقط لتقنعني أنني لن أندم بزواجها منك.
وبهذا أعلن بارق موافقته غير المباشرة وهو يسحب توبة ويخرج من المكان، وتوبة قبل الرحيل استدارت للمرة الأخيرة تنظر صوب نزار الذي غمز لها ببسمة لتخجل وهي تبعد عيونها بسرعة عنه تحت أعين آزار الذي كان يراقب ما يحدث وهو يضم يديه لصدره:
سيرهقنا هذا العجوز يا ولدي.
يبدو هذا يا أبي، ما الذي سنفعله؟
نجاريه حتى ننتزع منه ملكة آبى، ومن ثم نردها له أضعافًا.
نظر له نزار ثواني قبل أن يبتسم بسعادة كبيرة وكأن الفكرة أعجبته.
والآن ماذا؟
الآن سنعود لآبى كي تجهز موكب زفافك يا ولدي.
أصوات أبواق الاحتفال يرن في كامل أنحاء المملكة وقد أعلن الملك بارق عن زواج ابنته من ابنة الملك آزار، اتحاد مملكتين بحجم آبى وسبز كان شيئًا متوقعًا منذ زمن طويل، وقد ظن الجميع أنه بمجرد أن يشتد عود الأميرة توبة سيسارع الملك آزار ويزوجها لابنه الأمير نزار.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئًا، إذ يبدو أن الله كتب لكلٍ منهما نصيبًا مع آخر، لكن تمر الأيام وتعلو إرادة الله كل شيء، وتجتمع قلوب ما ظن أصحابها أن يتآلفوا يومًا.
فتحت سبز أبوابها أمام قوافل آبى التي بدأت تتدفق كالسيل منذ الصباح الباكر، قوافل يتقدمها نزار والذي قد جلب النفيس والغالي وبذل كل ما جمع طوال سنوات حياته من عمله بالجيش والمشفى وكل قرش اكتسبه يومًا ليحضر أثمن المهور للأميرة توبة.
يتحرك الموكب بين طرقات سبز والجميع يرحب بسعادة كبيرة، ونزار فقط يحرك رأسه له ببسمة واسعة وهو يضع يده جهة صدره بتقدير لترحيبهم.
وخلفه تتحرك مواكب ما جمع لأجل توبة، يرفع رأسه صوب قصر سبز وهو يتطلع له بأمل واعين ملتمعة، ذلك القصر الذي يخفي خلفه مكافأة العمر.
سمع كلماته والده جوار أذنه وهو يهمس له بصوت شبه مسموع بسبب أصوات الشعب حوله:
حاول ألا يقتلك بارق اليوم بني، تحكم بنظراتك فنحن لا نريد أن يطعمنا ما أحضرنا ويطردنا شر طردة من بلاده، والله لن ألومه، فلو نظر أحدهم لشقيقتك نفس نظرتك لابنته أمامي لاطعمته سيفي.
ابتسم له نزار بسمة صغيرة وهو يهمس:
سأحاول.
صمت ثواني ثم تساءل بجدية:
بالحديث عن صغيرتي، أين موكبها لا أبصره؟
أشار آزار بعيونه للخلف صوب الموكب الذي كان يتبعهم وقد أخرجت منه ابنته رأسها وهي تراقب ما يحدث حولها بسعادة كبيرة، ابتسم عليها نزار وهو يعود بنظراته للأمام يراقب أبواب القصر التي فُتحت أمامهم يستقبلهم الكثير من الرجال والذي يتقدمهم الملك بارق الذي فتح لهم ذراعيه يردد ببسمة:
أنرتم سبز يا رجال.
هبط نزار عن حصانه سريعًا يتحرك صوبه يستقبله بالاحضان وهو يقبل رأسه باحترام:
السلام عليكم عم بارق، عساك بأفضل حال.
ضحك بارق وهو يبادل نزار الاحتضان يربت على ظهره بحب، فنزار كان الولد الذي لم يحصل عليه منذ طفولته وقد كان أقرب الرجال له بسبب كثرة زيارات آزار له معه، الرجل الذي تمناه سرًا لابنته ذات يوم، لكن حينما علم خبر زواجه تمنى له التوفيق وعلم أن الله سيحضر لابنته نصيبها ولو كان في أقاصي البلاد، وها هو يأتي به الله، الرجل نفسه الذي تمناه لابنته، يأتيه بالغالي والنفيس طالبًا ودها.
تقدم آزار من بارق وهو يفتح له ذراعيه بسعادة كبيرة ليتلقفه الأخير بسعادة تفوق سعادته:
من يصدق بارق، بعد هذه السنوات يربطنا الله بعلاقة أشد وأقوى، لا أتخيل أن يأتي وقتٍ نتشارك به الحفيد ذاته يا أخي.
اتسعت بسمة بارق بشدة من التخيل، أن يمن الله عليه بحفيد ثاني بعدما فقد محمد، كان أمنية غالية يدعو بها الله بكل صلاة.
ترحم على حفيده وهو يرفع عيونه صوب آزار:
إن شاء الله يا أخي، هيا تعالوا لترتاحوا من السفر.
ختم حديثه ليشير آزار صوب رجاله بحمل الصناديق للداخل، وهو نظر صوب نزار الذي يتحرك بعيونه في كل مكان بحثًا عنها:
هيا نزار.
تحرك نزار خلفه وضربات قلبه تضرب صدره بقوة في انتظار نظرة تروي شوقًا مضنيًا وقد حُرم منها طوال الأسبوع، تحديدًا حينما عادوا جميعًا من مشكى.
في الأعلى في إحدى نوافذ القصر المختفية بين الأشجار، كانت تقف هي تراقب ما يحدث وضربات قلبها تقرع بقوة، تشعر برغبة قوية في البكاء بسعادة، تنفست بصعوبة وهي تسمع صوت نغمة جوارها:
مازلت لا أصدق ما يحدث، الأمير نزار؟ أنتِ حتى لم تنظري له مجرد نظرة فضول سابقًا، كيف.... هل أنتِ مجبرة على الزواج؟
ابتسمت توبة دون شعور وهي تراقب نزار الذي كان يرتدي ثوب يتكون من سترة بيضاء وبنطال بني اللون يبتسم للجميع بسمة ساحرة وهو يصافح ويرحب بالجميع وضحكاته تصدح في المكان لتزيد من وسامته.
نعم.
اتسعت عيون نغمة بصدمة من اعتراف توبة:
من... هل والدك هو من أجبرك؟
إذن من؟
في اللحظة ذاتها أرتفع رأس نزار الذي لم يوفر فرصة للبحث عنها بين الشرفات، حتى التقط نظراتها لتتسع بسمة أكثر مظهرة غمزة صغيرة في باطن خده الأيسر، بسمة أطاحت بكل تماسك توبة:
قلبي.
رمشت نغمة دون فهم وقد كانت تشتغل بالفضول ولأول مرة لا تشبع توبة فضولها، فجأة أبصرت توبة نزار يتحرك للداخل لتتحرك بسرعة راكضة من أمام نغمة دون كلمة، ونزار ما يزال يتابعها عبر النوافذ على طول الممر حتى استقرت في نافذة تطل على مدخل القصر تقف هناك وهي تتنفس بصوت شبه مسموع، قبل أن تشهق متراجعة للخلف بسرعة حينما رفع نزار كفه يطبع عليه قبلة، ومن ثم يرفع لها وكأنه يرحب بها، وأخيرًا وضعه جهة صدره غامزًا لها.
وهي فقط تراجعت للخلف تضع يدها على فمها تنظر حولها خوفًا أن يكون قد أبصرها أحدهم، ومن ثم هرولت بوجنة حمراء صوب غرفتها تختبئ بها عن الأعين.
ولم تدري أن تلك الأعين كانت تتابعها بصدمة واضحة وهي مجمدة أرضها بعدما أبصرت هذا المشهد تردد بعدم فهم:
هل كانت توبة... هل هي تحبه حقًا؟
ساعات قليلة وبدأت سبز تستقبل جميع الأفواج من أنحاء الممالك وقد كان أول الحضور موكب سفيد الذي كان به جميع رجال ونساء قصر سفيد.
وكانت توبة تقف في الاستقبال مع شقيقة نزار، ترحب بالجميع بسعادة وقد كان وجهها مشرقًا بشكل غير مسبوق، السعادة تملئ صدرها وهي تعانق هذه وترحب بهذه. تقودهم صوب مجلس النساء، بينما بدأ الملك بارق يستقبل إيفان وسالار وباقي الرجال ببسمة واسعة:
شرفتموني بحضوركم زفاف ابنتي يا رجال.
ابتسم له سالار وهو يعانقه بحب:
بل الشرف لمن يحضر مولاي.
ابتعد يتحرك صوب الملك آزار يعانقه بحب وسعادة كبيرة لأجله وقد كان قلبه يتراقص للسعادة التي تتلألأ في أعينه بعد شهور طويلة من الانطفاء.
مبارك يا عزيزي، عساه لنزار يملئ عليك قصر آبى بالاحفاد الذين تُقر بهم عينك.
آمين عزيزي، وعسى الله يسعدني بولدك القادم بني.
ابتعد سالار عنه ببسمة قبل أن يتحرك صوب نزار الذي احتضنه بحب شديد وقد ساهمت الشهور السابقة في تقرب سالار منه بقوة، إذ لم يتركه سالار لأحزانه، بل ظل ملتصقًا به وكأنه يحاول ملء فراغ تركه الوليد بقلبه سابقًا.
مبارك يا أخي، عساها فرحة عمرك.
بارك الله بكِ وبأسرتك سالار، شكرًا لوجودك اليوم جواري أخي.
ابتعد سالار سربت على كتفه بحب:
طوال الوقت حتى يسترد الله أمانته.
أطال الله بعمرك يا قائد.
ومن بين الترحيب بالجميع أعلن حارس البوابة وصول موكب مشكى لبوابة القصر.
انتبه الجميع للبوابة ليبصروا أرسلان يتقدم الموكب يجاوره المعتصم مع تيم وخالد وفي الخلف موكب النساء، وموكب آخر كبير وصناديق كثيرة وكأن أرسلان جاء بالمهر لطلب عروس.
ضيق نزار ما بين حاجبيه بعدم فهم، يتابع توقف الموكب وترجل أرسلان من أعلى صهوة حصانه يتحدث ببسمة واسعة وهو يفتح ذراعيه للجميع وقد تألق بثوب أبيض اللون مع بنطال أسود بسيط دون أن يرتدي زيه الملكي.
اشتقتم للعم ارسلان.
وشتان ما بين لهجته في هذه اللحظة ولهجته التي ينطق بها نفس الجملة في حروبه.
كان بارق أول من تحرك ليستقبله مرحبًا به، وقد أخذ يتنقل بين أحضان الجميع، حتى وصل للترحيب بنزار يضمه بقوة وهو يصيح بسعادة:
مبــــــــــارك لك يا اخي أن منّ الله عليك بالسعادة.
ضحك نزار وهو يستقبل عناقه بالمثل، بينما تحدث إيفان وهو يشير للرجال الذين بدأوا يحملون صناديق مشكى يتحركون بها للداخل:
ما هذا أرسلان، هل تشارك نزار بالمهر أم ماذا؟
نظر أرسلان خلفه يراقب رجال كثيرون يتحركون داخل القصر مع الصناديق، ثم عاد لهم بابتسامته يردد بهدوء:
هؤلاء طباخي قصر مشكى وهذه صناديق المكونات التي سيستخدمونها في تحضير مائدة الزفاف عزيزي.
اتسعت أعين الجميع بصدمة وتحدث نزار وهو يراقب ما يحدث بصدمة وقد شعر أنه لا يفهم شيئًا:
ماذا... هذا.... أرسلان هذا....
لقد وعدتك.
كنت... أمزح اقسم بالله كنت أمزح.
غمز له ارسلان وهو يضم يديه لصدره:
وأنا لم أكن أمزح نزار، لا أحيد عن كلمة نطقها فمي يومًا، مائدة زفافك لن يعدها سوى طباخي مشكى، لقد سحبت لك نصف طباخي القصر وتركتهم جياعًا هناك لتدرك مقدار تضحيتي.
أطلق إيفان ضحكات مرتفعة يضرب كتف أرسلان بمزاح:
أحيانًا تكون.... إنسانًا أرسلان.
ضرب أرسلان كفه بضيق ممازح:
مع من يستحق يا عزيزي.
وقبل التحدث بكلمة تحرك بسرعة صوب الموكب الخاص بالنساء، يمد يده يلتقط خصر سلمى وهو يساعدها في الهبوط، ثم مال عليها يهمس بهدوء ولطف:
بخير سليمى؟ عساه الطريق لم يكن صعبًا.
ابتسمت له بسمة واسعة تنفي برأسها وهي تتمسك بكفه تربت عليها بحب:
كان سلسلًا أرس وقد هونت رفقة فاطمة الأمر كثيرًا.
هز رأسه يهمس بصوت منخفض:
تعلمين غرفتي صحيح؟ سوف أرسل لكِ طعامك وآتي لأجل أدويتك حسنًا؟
أنا بخير أرسلان.
وأنا سأكون بخير حينما أطمئن أنكِ تناولي أدويتك سلمى.
هزت رأسها وهو مال قليلًا يرفع لها طرف فستانها، ومن ثم اعتدل يقودها مع فاطمة التي هبطت بمساعدة المعتصم، يشير لهم بالتحرك صوب عاملات القصر، يراقبها حتى غابت عن عيونه تحت أعين الجميع المصدومة ليكون تميم أول من يتحدث:
حسنًا لا أعتقد أنني قد أتأقلم مع هذا بسهولة.
وايفان ما كان ليفوت فرصته أبدًا في إثارته غضب أرسلان:
يا ويلي من حب أرسلان يا ويلي.
صدقني سيعجبك جنون أرسلان أكثر إن لم تصمت إيفان، ومن ثم أين هي جوهرتي أيها الحقير، هل تظن نفسك امتلكتها فقط لأنها زوجتك؟
نظر له إيفان ثواني قبل أن يهز رأسه بنعم مبتسمًا، ليرفع أرسلان إصبعه في وجهه:
خسئت أنت وأشباهك الأربعون.
ختم كلماته ليرى أنه أصاب وترًا لدى إيفان وقبل التحدث بكلمة واحدة من إيفان وجد سالار يسحب أرسلان بين أحضانه صوب الداخل وهو يشير للجميع:
دعونا لا نضيع الوقت يا رجال ولنتحرك للاحتفال جميعًا، هيــــا.
أشار لرجالهم صوب موكب مشكى:
ساعدوا في انزال الموكب وقدموا يد المساعدة في الترتيبات يارجال فهذا زفاف الأمير نزار.
انتهى من كلماته لتعلو صيحات الاحتفال بين الجميع وقد بادر الكل بتقديم يد المساعدة في كل ما يحدث حولهم.
تحركت سلمى مع فاطمة داخل قاعة الاحتفالات الخاصة بالنساء لتبصر الجميع يتزين ويحتفلون وأصوات الدفوف تعلو في الأرجاء وأصوات الغناء كذلك. وفاطمة تنظر حولها بانبهار وكأنها لأول مرة تتعرف على هذا العالم تراقب الجميع بأعين مبتسمة واسعة، بينما سلمى تبحث عن الفتيات من بين الجميع، ترفع الغطاء عن وجهها وهي تتقدم صوب من تعرف من النساء واللواتي كن نساء سفيد بالإضافة لتوبة بالطبع.
في اللحظة التي خطت بها سلمى للمكان حتى بدأت الهمسات تعلو وهن يحدقن بها، وقد بدأت نغمة تشير عليها خفية للنساء وهي تعرفهن على المرأة التي فازت في النهاية بالرجل الذي كان محور أحاديث البعض لفترة من الزمن.
وفي الحقيقة كان أرسلان تحديدًا محور أحاديثهم دونًا عن الباقيين لما أبصروا منه من تجبر وقوة مرعبة، وحنان منافي لتجبره مع الملكة كهرمان، الشيء الذي كان يحفز فضول البعض ليعرفن إن كانت زوجته ستنال نفس المكانة المميزة وتعامل بشكل استثنائي أم لا؟
وسلمى التي شعرت بتغير الأجواء حولها حركت عيونها بين الجميع ثواني قبل أن ترتسم بسمة جانبية وهي تبصر عيون نغمة تتحرك عليها.
هذه الفتاة لن تتوقف عما تفعل حتى أحطم عظامها.
نظرت لها فاطمة بعدم فهم:
تتحدثين معي؟
لا صغيرتي ليس أنتِ فاطمة، بل فتاة أخرى.
نظرت فاطمة حولها وهي تبحث عمن تقصد سلمى في اللحظة التي نهضت كهرمان وهي تتحرك صوب سلمى ببسمة واسعة:
زوجة أخي الحبيبة أتت، هذا يعني أن أخي في الخارج صحيح؟
ابتسمت لها سلمى وهي تستقبلها بالاحضان ترحب بها ممازحة:
اشتقت لكِ عزيزتي، ونعم أخوكِ في الخارج يسأل عنكِ، لكني لا تكثري من الاحضان فأنا أغار عليه حسنًا؟
أطلقت كهرمان ضحكة مرتفعة وهي تبتعد عنها مفسحة الطريق أمام تبارك التي اقتربت منها تعانقها بسعادة.
أوه تبارك الحبيبة اشتقت لكِ، كيف حالكِ عزيزتي؟
بخير الحمدلله حبيبتي، كيف حالكِ أنتِ؟
بخير لم يأكلني أرسلان بعد.
ختمت حديثها لتنطلق ضحكة كهرمان وهي تنظر لتبارك بعدم تصديق حتى هذه اللحظة أنها تخشى أخاها، ولم تصدق حينما أخبرتها أنها بكت بسبب نظراته فقط:
حسنًا الأمر مضحك آسفة.
مضحك لكِ، لقد أعمى الله عيونكِ أنتِ وزوجته عن قسوة ذلك الرجل، لم تبصرا كيف كان ينظر حتى.
ابتسمت سلمى وهي ترفع عيونها صوب نغمة التي كانت ما تزال تحدق بها بنظرات غريبة جعلتها تشعر أن الفتاة تخفي مشاعر لزوجها وقد خاب ظنها حينما علمت بزواجه منها:
هكذا هو أرسلان وحشي من الخارج لمن لا يعلمه حنون من الداخل لمن يخصه.
هزت تبارك رأسها باقتناع ولم تنتبه لنظرات سلمى، لكن كهرمان فعلت، وهي ترى نظرات نغمة تسود بشكل غريب تنتفض من مكانها وتتحرك للخارج.
في اللحظة التي سمع الجميع صوت الاحتفالات يزداد بدخول توبة من باب جانبي بعدما ارتدت فستان قصير ومعها زمرد التي كانت تساعدها في التزين لأجل حفلة النساء وكذلك برلنت.
اندفعت لغرفتها وهي تغلق الباب بقوة خلفها تتنفس بصوت مرتفع، تحاول أن تتمالك نفسها، قبل أن تسقط أرضًا تبكي غيظًا وحقدًا، هي والتي لم تهتم يومًا لرجل أو تفكر في أحدهم خوفًا أن تصبح يائسة كما توبة، أبصرت بعيونها توبة كم كانت غبية لتسلم مشاعرها دون مقابل لرجل لا يعلم عنها شيئًا حتى.
تأثرت توبة لا ريب بحديث النسوة عن أرسلان قديمًا، ومن بعدها ظنت أنها تحبه واقنعت نفسها أنها كذلك وليس مجرد انبهار، انبهار بحديث النسوة المعجبات بشخصية كشخصية الملك أرسلان كما غير من الملوك والرجال.
النسوة واللواتي كانت هي واحدة منهن، أحبته قبل الجميع، قبل توبة حتى، ولم تجرأ يومًا على التصريح بحبها، بل فقط كانت تعبر عن إعجابها السطحي به كما لو كان عاديًا، لتثير بكلماتها التي ظنتها عادية مشاعر توبة وتعترف لها أنها أحبت الرجل الذي تحب هي، فانسحبت دون كلمة تدرك أن لا فرصة لها أمام توبة، أميرة، جميلة ومثقفة، أين لها بفرصة أمامها.
كما أن توبة رفيقتها ولم تستطع أن تجرحها.
لكن حتى توبة بكل صفاتها هذه لم تجبر أرسلان على التوقف والالتفات لها، لم تفعل امرأة ذلك يومًا فما المميز فيها، ضحت به لأجل صديقتها، فلا هي طالته ولا صديقتها فعلت.
على الأقل أدركت توبة بعد هذه السنوات تفاهة مشاعرها الهشة تجاه أرسلان ووجدت من تحب حقًا وتمنحه كامل مشاعرها، عثرت على من تعطيه مشاعرها الحقيقة تاركة إياها على قارعة الطريق تحارب اللاشيء وتحصل على اللاشيء.
سقطت دموعها تتمنى للحظة لو أن مشاعرها كانت بهشاشة مشاعر توبة لأرسلان، تتمنى لو أنها كانت مثلها مجرد منبهرة بأحد الملوك.
تتمنى لو امتلكت نزار كتوبة ينسيها ما يوجعها.
مسحت دموعها بقوة ودون إرادة كانت تردد سؤالًا واحدًا لا ينفك يدور برأسها:
لماذا... لماذا هي من بين الجميع؟ ما الذي... بها وليس بي، هي ليست أميرة وليست....
فجأة صمتت وهي تنفجر في بكاء حار بعجز تدفن رأسها بين أقدامها وقد أدركت خسارتها بالفعل، خسرت الرجل الوحيد الذي تخلت عنه قديمًا مئات المرات، والآن للمرة التي لا تعلم عددها عليها التخلي عن حلمها مجبرة.
انسحبت قديمًا لأجل صديقتها، ولأنها كانت تعلم أن لا منافسة بينها وبين أميرة كتوبة، الآن ماذا عن تلك الفتاة لم تكن أميرة حتى؟
ما الذي أبصره بها وافتقدته أنا؟
تشعر أنك بخير أرسلان؟
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يرفع عيونه لها يجلس ارضًا يساعدها في وضع الأعشاب على قدمها وقد بدأت الحروق تترك أثرها الشبه ملموس، يبتسم بسمة صغيرة:
بخير حلوتي، لماذا تقولين عكس ذلك؟
لأنني أرى حزنًا تحاول مداراته خلف نظرات هذه أرسلان.
كانت تتحدث وهي تتلمس وجنته بحنان، ليبتسم هو لها بسمة صغيرة يقبل كفها ومن ثم تحدث بصوت مختنق:
كل... شيء بخير.
هل سنعود لهذه الدائرة المغلقة أرسلان؟ أرجوك لا تفعل هذا مجددًا.
مسح أرسلان كفه في قماشة نظيفة جواره ومن ثم تحرك يجلس على الفراش بجانبها ينظر ارضًا وكأنه يحارب نفسه للحديث، وهي فقط تعطيه كامل الوقت، قبل أن تربت على قدمها ليفهم ما تريد ويضع رأسه هناك يضم نفسه لها يهمس بصوت منخفض:
فقط... غدًا.
صمت يبتلع غصته وهي لم تتحدث بكلمة تمنحه كامل وقته ويدها تداعب خصلاته بحنان، تميل تطبع قبلة صغيرة على رأسه بحب، وهو همس بصوت مختنق بغصة بكاء:
غدًا... ذكرى نكبة مشكى و.... استشهاد والدتي.
ختم كلماته وهو يدفن رأسه بمعدتها وكأنه يخفي عنها قهرته وحسرته، الذكرى تجلده كل عام وتصيب جزءًا أسودًا في ذاكرته، جزء يتمنى لو يتخطاه، لكن كل عام في نفس الموعد تتجدد جروحه مجددًا وكأنه يتلقى الضربة للمرة الأولى.
وسلمى لم تتحدث لثواني وقد تجمدت يدها تدرك أنه حتى وإن أظهر العكس فهو لم يتخطى بعد ما حدث له، مالت تهمس بأذنه:
إذن ننتهي من الزفاف غدًا ونذهب لزيارت
رواية اسد مشكي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم رحمه نبيل
تجمدت سلمى لثواني وهي تبصر مظهر نغمة التي تقف أمامها بهيئة لا توحي بالخير. ولثوانٍ تخيلتها تمد يدها تنتزع خنجرًا وتطعنها به. وحسنًا، بعد كل ما مرت به في هذا العالم، ستكون تلك نهاية مخيبة للآمال. فهي بعد كل ما تعرضت له، تخيلت أن تكون نهايتها على يد تنين أسطوري، أو ربما رميًا بالسهام. أي شيء سوى الموت بخنجر امرأة تصرفت معها بلؤم.
"حسنًا، هذا ليس لأنني عاملتك بشكل سيء في لقائنا الأخير، صحيح؟!"
ابتسمت لها نغمة بسمة جانبية وهي تبكي دون شعور. دموع جعلت سلمى تشفق عليها وهي تهز رأسها تقول بنبرة حاولت جعلها هادئة: "حسنًا، أنا في العادة لا أتعامل مع أحدهم بهذه الطريقة، لكنكِ أنتِ من بـ..."
"لماذا أنتِ؟!"
كانت كلمة خرجت من نغمة تبعها انفجار في البكاء وهي تشعر بقلبها يتصدع من الوجع. هي أحبته قبلها، هي من تلظت بنيران عشقه ليالٍ، تخلت عنه مرة واثنتين ظنًا أنها لا تليق به. فهي ليست أميرة وليست من عائلة حاكمة تليق به. وفي النهاية... يتزوج امرأة تساويها في المكانة وربما أقل. فهي شقيقة لقائد جيوش سبز وتمتلك مكانة في القصر بعد مكانة الأميرات. وهي... لقد علمت أنها من عالم المفسدين. لا تنتمي لهم بأي شكل من الأشكال. حتى والدها تخلى عنهم ونبذهم. لماذا جاءت هي بعد كل تلك السنوات؟ لماذا؟
ولا تدري أن سؤالها ذلك نطقته بصوت مرتفع على مسامع سلمى التي لم تفهم ما يحدث. لكن هي لم تكن مغفلة لدرجة ألا تدرك أن المعركة هذه تدور حول زوجها.
استنكار نغمة لها كزوجة للملك والتقليل منها في كل مرة تبصرها، لا يوحي سوى أن الفتاة أمامها إحدى ضحايا زوجها الذي لم يكن يدري حتى أنه مرغوب. وكان يرى نفسه مرعبًا يخيف النساء. وحمدًا لله أنه لم يكن يدرك الأمر حتى...
"ولماذا لا؟"
سقطت دموع نغمة أكثر وهي تهتف بصوت مرتفع. وقد شعرت أن كل أسوار اللامبالاة التي كانت تضعها أمام قلبها لتخفي خلفها حبها الميئوس منه لملك لن تصل له لو زحفت له: "لأنني أنا من أحبه قبلك. أنا من... أنا الحمقاء نفسها التي كانت تهواه كما الأنفاس وتتحدث عنه طوال الوقت بلا هوادة حتى جعلت صديقتها المقربة تحبه بسبب حديثي عنه. أنا هي تلك الحمقاء التي قضت ليالٍ طويلة تبكي استحالة الوصول له. أنا نفسها المرأة الغبية التي أحبت رجلًا لا يدرك حتى أنها تحيا معه في هذا العالم."
كانت سلمى تسمع ما يقال وهي تنظر لها نظرات باردة رغم اشتعالها الداخلي. تشعر بالنيران تلتهم كل خلية بها. وبشكل أو بآخر أدركت تلك الصديقة التي تتحدث عنها. رغم ذلك ابتسمت بسمة باردة وهي تردد بهدوء: "خسارة رجل كأرسلان سيئة. نعم، أنا أعلم ذلك. لكن ماذا قدمتي له لتناليه من الأساس؟ غير النظرات المنبهرة به، والإعجاب الغبي بشخصيته كملك؟ أنتِ فقط أحببتِ الجزء الظاهر من أرسلان. وأنا أحببت الجزء الخفي منه. وهذا الفرق بيننا."
صمتت وهي تراقبها بهدوء. تبصر اشتعال عيون نغمة بشدة. لكنها لم تهتم وهي تكمل بجدية: "أما عن لماذا أنا تحديدًا؟ لا أعلم. ربما هي دعوات والدي الصالحة بأن يرزقني الله برجل ليس كأي من الرجال. فرزقني الله بأرسلان."
ابتلعت نغمة ريقها. بينما سلمى اقتربت منها تهمس بصوت منخفض. تقترب أكثر منها حتى أصبحت على بعد قليل. وصوتها خرج كما لو أنها ترغب في تنويمها مغناطيسيًا: "كيف علمتِ أنكِ حتى أحببتِ أرسلان؟ ربما مثّل لكِ أرسلان شيئًا غير تقليدي عن الرجال حولك فانجذبتي له ببساطة. أخبريني نغمة، إن جاءكِ رجل قوي ذو بأس وسيم ينحني له الرجال قبل النساء. رجل يكون أرسلان لا شيء جواره. هل ستفضلين أرسلان عليه؟"
صمتت نغمة وشردت وهي تفكر في سؤال سلمى الذي طرحته. تتخيل أن يأتي رجل يغطي نجمه نجم أرسلان. رجل يفوق أرسلان في كل شيء. هل تفضل أرسلان عليه حتى في هذه الحالة؟
"أرأيتِ؟! أنتِ تفكرين؟ إذن هناك احتمالية لذلك؟ حبيبتي إن أحببتِ رجلًا فلا يمكنكِ حتى أن تأخذي لحظة واحدة للتفكير في شيء كهذا."
انتفضت نغمة على جملة سلمى. والتي ابتعدت عنها تضم ذراعيها لصدرها بهدوء. وبأعين جامدة قالت: "كان يمكنني التعاطف مع حالتك نغمة. امرأة بائسة فقدت حب حياتها الذي بكته ليالي. كان يمكنني التعاطف معكِ لو كان ما بكيتيه هو حبًا لرجل. وليس لما يمكن أن يمنحه الرجل لكِ. أنتِ لم تحبي أرسلان. بل أحببتِ ما يمكن أن يمنحه لكِ أرسلان. وأشك أن مشاعر كتلك لم تراودك تجاه الملك إيفان مثلًا. أو ربما القائد سالار..."
ارتجفت نغمة ثوانٍ. وأبعدت عيونها عن سلمى. التي ابتسمت لها وهي تكمل: "وردًا على سؤالي السابق الذي طرحته عليكِ. إذا جاء رجل ينافس أرسلان بأسًا وقوة، هل سأختار أرسلان كذلك؟"
صمتت وهي ترى انتباه نغمة لها. لتضحك سلمى ضحكة صغيرة وهي تجيب إجابة لم تتوقعها نغمة: "حبيبتي لا يوجد رجل ينافس أرسلان بأسًا في عيوني من الأساس."
أشارت صوب الباب بهدوء: "والآن إن كنا انتهينا من هذا النقاش، تفضلي للخارج. وادعي ربك أن يرزقك بمن يستطيع أن ينسيكِ رجال العالم."
نظرت نغمة بيدها. ومن ثم رفعت عيونها صوب سلمى. ولم تكن تدري المشاعر التي تمتلكها في هذه اللحظة لها. إن كانت حقدًا، أم خجلًا، أم حتى حيرة.
كادت نغمة تتحرك قبل أن توقفها سلمى بكلمات قليلة: "ونعم، إن أردتي نصيحتي نغمة. توقفي عن كونكِ مثيرة للشفقة. توقفي عن النظر لنفسك على أنكِ أقل من التقرب لشخصٍ بعينه. امنحي نفسك قدرها عزيزتي. حينها سيمنحكِ الآخرون قدركِ."
ضغطت نغمة على يدها بقوة. وهي تنظر أرضًا تشعر أنها تعرت أمام سلمى. تندفع بسرعة صوب الباب تفتحه بقوة وهي تركض للخارج. لكن فجأة وجدت جسدًا صلبًا أمامها. كادت تصطدم به لولا انحراف الجسد بسرعة من أمام الباب.
رفعت عيونها بسرعة لتبصر أرسلان يحيد بعيونه عنها. وهو يرفع يديه في الهواء يتجنب أي ملامسة معها. لتسقط دمعة من عيونها وهي تشعر بنيران داخلها. وكلمات سلمى حول أنها لم تحب أرسلان حقًا تدور داخل عقلها وتجلدها.
هل فعلت؟
ابتعدت من أمام أرسلان باكية. تاركة إياه ينظر لباب غرفة سلمى. ويتحرك داخلها بسرعة وهو يهتف بعدم فهم: "سليمى؟!"
رفعت سلمى عيونها له وهي تراه يتحرك أمام عيونها بملامح قلقة محبة. لتفكر في ثوانٍ. ماذا لو كانت إحدى المنكوبات في عشق أرسلان ولم تطاله؟ هل كانت لتتجاوز الأمر وتدرك أنها لم تحبه ذلك الحب يومًا. وتهوى غيره كـ "توبة"؟ أو تصل لحائط سد ترتكب كل ما هو خاطئ فقط لتصل له كـ "سراي"؟ أم تحارب بيأس لأجله. وتبكيه ليالٍ كـ "نغمة"؟
والإجابة كانت أنها لو بعد كل تلك المشاعر التي تكنها له ولم تصل له. تقسم أنها كانت لتموت حسرة قهرًا. ولم تكن ستمتلك وقتًا لتتجاوز. أو تمتلك عقلًا لتفكر في مكائد. أو حتى تمتلك روحًا لتحارب.
"سليمى..."
أغمضت سلمى عيونها وهي تشعر بكف أرسلان يضم وجنتها بحنان. مبتسمًا بقلق لأجلها: "أنتِ بخير؟"
رفعت عيونها له تهمس له بصوت مرتجف: "أخبرني أنك تحبني أرسلان."
رمش أرسلان بعدم فهم. وهو يبتسم لها بسمة صغيرة: "حقًا؟!"
"فقط أخبرني. أنك من بين الجميع تحبني أنا."
تنفس أرسلان بصوت مرتفع. وهو يجذب رأسها صوبه ينطحها. وهو يبتسم لها بحب: "من الجميع؟ سليمى حبيبتي لا أرى في الحياة من النساء سواكِ. ولو أردتِ اعترافًا فوالله ما عاد قلبي يميز من المشاعر سوى حبكِ."
شعر بها تتنفس براحة. ولا يدرك السبب. لكنه فقط همس لها بصوت منخفض: "سليمى بعد ثلاثة عقود من اليأس وجدتكِ. فلا تحسبين أن القلب يفرط بكِ بسهولة. والله لو اضطررت لمحاربة عوالم لأجلك لفعلتها. ولا أستسلم حتى أنالكِ."
ضحكت سلمى ضحكة صغيرة وهي تضمه بحب: "حسنًا، كان هذا أكثر مما طلبت."
"اطلبي قطرة، أمنحكِ غيثًا سليمى."
مع بداية اليوم التالي بدأت تجهيزات زفاف الأمير نزار والأميرة توبة. والجميع يتحرك بقصر الملك بارق كخلية نحل لتجهيز ساحة القصر للزفاف.
وفي غرفة الأميرة توبة كانت جميع النساء مجتمعات. الكل يتحرك ليساعد في تجهيز العروس. وخاصة سلمى التي كانت تمسك أحمر الشفاه الخاص بها وهي تضع منه لتوبة. التي حينما أبصرت نفسها في المرآة اتسعت عيونها.
"ما هذا؟!"
ولا يبدو الأمر كما لو أنهن في الممالك لا يعلمن عن التزين شيئًا. لكن توقفت حدود معرفتهن على بعض الزينة الطبيعية المستخلصة من الزهور والأعشاب. وهذا اللون الأحمر الصناعي الذي وضعته سلمى على شفاه توبة لم يكن يشبه بأي شكل من الأشكال اللون الطبيعي المستخلص من بعض الزهور. والذي كان يعطي الشفاه رونقًا لطيفًا. ليس كهذا.
كانت توبة تحاول معرفة ما يحدث: "ما هذا؟ هل... يا ويلي هذا..."
صمتت لا تجد وصفًا ملائمًا لما ترى. بينما تبارك ضحكت ضحكة صغيرة وهي ترى انبهار توبة مما وضعت سلمى: "الفساد على حق الله. عشان يتأكدوا أننا مفسدين بكل ما للكلمة من معنى."
غمزتها سلمى غمزة صغيرة وهي تشير على حقيبة اليد الصغيرة التي أحضرتها سابقًا معها من البرازيل: "هذا وهي لم تبصر باقي أدوات الزينة."
رفعت توبة يدها في وجه سلمى وهي تحاول الحديث: "لا أرجوكِ. يكفي هذا الشيء. نزار قد يرتكب بي جريمة إن أبصر المزيد من الزينة على وجهي."
هزت لها سلمى رأسها بحسنًا. ثم أمسكت حقيبتها تلقيها جانبًا. وهي ترفع يدها: "حسنًا، لا بأس. يكفي أحمر الشفاه. والآن دعونا ننتهي من تسريحة الشعر و..."
"أنا سأقوم بها."
كانت تلك كلمات نغمة التي تدخلت بلا مقدمات. مع ملامح لم تكن ودودة بالمرة. لكن سلمى لم تهتم أو تمحي حتى بسمتها. تقول بنبرة هادئة عادية: "أوه، نعم. شكرًا لكِ نغمة. أنا لن أستطيع المساعدة في ذلك على أية حال. فيدي مصابة كما ترين."
ختمت حديثها تلوح بيدها في الهواء. وهي تتراجع تمنح لنغمة الفرصة لتبدأ في ترتيب خصلات شعر توبة تحت أعين الجميع.
وزمرد تقف جوار سلمى تتحدث بصوت منخفض. وهي تضم يديها لصدرها: "هذه الفتاة أشعر بشيء مريب متعلق بها."
نظرت لها سلمى ثوانٍ. قبل أن تعود بعيونها صوب توبة ونغمة التي كانت تساعدها في تسريحة شعرها ببسمة واسعة سعيدة: "لا تقلقي زمرد. نغمة ألطف من أن تحملي همها."
تحدثت بنبرة غريبة جعلت زمرد تنظر لها بشك. لكن سلمى لم تضف شيئًا على حديثها. وهي تتحرك صوب فاطمة تساعدها في ترتيب حجابها. تاركة زمرد تراقبها بأعين ضيقة وشك.
"هذه الفتاة ليست بريئة أبدًا."
كما جرت العادة كان جميع الرجال مجتمعين بساحة سبز على ضربات الدف وأصوات الغناء. وقد تألق سالار في الغناء بصوت جهوري قوي. فقط لأجل زفاف ابن الخال.
والملك آزار لأول مرة منذ فترة طويلة يشارك بالرقص. وهو يحرك يديه وكتفيه في الهواء مع الملك بارق. والذي كان يحيا زفاف ابنته وكأنه الأول. سعيد للغاية أن أكرم الله ابنته برجل كنزار. رجل لم يتمنى سواه زوجًا لأبنته. فهو من بين الجميع كان الهادئ والحنون والمتفهم. فأين سيجد رجلًا لابنته مثله. وها هو الله وبعد سنوات منحه ما يريد بأغرب الطرق. فقد جاءه نزار يتوسله الوصال. ويبذل الغالي والنفيس فقط لأجل نظرة من ابنته.
أما عن نزار نفسه. ففي هذا اليوم لم يكن هناك إنسان على هذه الأرض يماثله سعادة وبهجة. كان قلبه يتراقص سعادة وجسده يرقص فرحة مع سالار وايفان. وعقله كلما وصل لفكرة أنه وبعد ساعات سيرحل من سبز يمسك بين يديه توبة يشعر أنه سيبكي من الفرحة.
فجأة ومن بين رقصاته أبصر بطرف عيونه أرسلان الذي كان يقف جانبًا يصفق. لتتلاشى بسمته وهو يعلم ما يحدث. ينظر صوب والده الذي هز رأسه بخفوت. يتحرك صوبه يناظره بتفهم وبسمة حنونة: "أرسلان لم نكن مضطرين لإقامة الزفاف اليوم. لقد..."
نظر له أرسلان بهدوء. وهو يبتسم بسمة صغيرة يكبت بها وجعه. وهو يربت على كتف الملك آزار يدرك ما يقصد. لكن هو من أصر على إقامة الزفاف في موعده.
فبعد تحديد الموعد أدرك الجميع ما يمثله هذا اليوم. وتوجه آزار صوب أرسلان هذه المرة يعتذر منه. وقد قرر مع بارق تغيير الموعد.
"لا عم آزار أرجوك. رحم الله من رحل من أهل مشكى. غدًا نوزع صدقاتهم. لكن اليوم ساعدني لأتجاوز نكبته."
وما بين اعتراض من بارق وآزار والجميع. وإصرار من أرسلان تم الزواج في اليوم المخطط له. وكلمات أرسلان ترن بهدوء: "قبلت بإقامة زواج المعتصم بعد أشهر قليلة من رحيل ولدك. فمن أنا لارفض فرحة أخي بعد سنوات من رحيل أمي ومن معها. افرح يا عم وأقم الأفراح. فالبكاء على رحيلهم لن يعيدهم."
استفاق آزار على صوت أرسلان الذي كان يبتسم بسمة صغيرة: "ماذا؟! أنا فقط أستريح قليلًا ومن ثم سأ..."
وقبل إكمال كلماته كان نزار يجذبه لمنتصف الساحة. وهو يجبره على الرقص والاحتفال معهم. وأرسلان المسكين لم يكن يمتلك سوى الرقص والابتسام للجميع. ليمرر يومه يمني نفسه بجلسة هادئة بعد كل هذا بين أحضان زوجته يشكي لها همومه لتربت على رأسه بحنان وتخبره أنه لا بأس.
ومن بين الجميع كان إيفان أول من لاحظ ملامح أرسلان. الذي كان كمن يجبر نفسه على الابتسام. لكنه لم يتحدث. وهو ينتظر حتى ينتهي كل هذا وينفرد به.
في النهاية. الحياة تستمر. وكل مر يمر.
"لن ترقصي قليلًا؟!"
كانت تلك جملة كهرمان التي أبصرت سلمى تكتفي بالتصفيق والتشجيع. عكس زفاف فاطمة. والتي لم توفر فرصة لتظهر فرحتها.
"حسنًا. كنت أتمنى في الحقيقة. لكن أخوكِ سيقتلني إن فعلت."
"ومن سيخبره بذلك؟! لا تقلقي. لا أحد هنا سيـ..."
قاطعتها وهي تتحدث بهدوء وبساطة. وببسمة واسعة: "أنا سأفعل."
نظرت لها كهرمان بحنق. وهي تعض على شفتيها بضيق. لتبتسم لها سلمى بسمة صغيرة. وهي تهز كتفيها بيأس: "أعتذر عزيزتي. لا أخفي شيئًا عن آرسي."
قالت ما قالت وتحركت صوب فاطمة والجميع. وهي تطلق صافرات تشجيع وتصفق. تاركة كهرمان تراقب أثرها بصدمة كبيرة مبتسمة بعدم تصديق: "ماذا نادت أخي للتو؟ آرسي؟! أرسلان؟!"
نهضت توبة وقد قررت الرقص بعض الوقت. توسطت القاعة. وهي ترقص رقصات تقليدية بسعادة كبيرة. بينما الجميع يصفق لها. وما هي إلا ثوانٍ حتى تحركت لها كهرمان وبرلنت وكذلك زمرد. وبدأت الفتيات يشاركنها الرقصة بحماس شديد. والجميع يشجع بقوة.
وسلمى تراقب ما يحدث بانبهار شديد. وعيونها ملتمعة. أسمع صوت تبارك جوارها. وهي تردد ببسمة: "جميل ها؟ كانت هذه ردة فعلي الأولى حينما أبصرت الرقصة للمرة الأولى. أخبرتني برلنت أن هذه رقصة تقليدية في الممالك. اعتادت النساء تأديتها في مناسبات مختلفة."
نظرت لها سلمى. وهي تحرك رأسها بانبهار: "رائعة. نعم. بل مبهرة."
نظرت صوب فاطمة. وهي تهمس بحماس: "هل تستطيعين رقص هذه الرقصة فاطمة؟"
نظرت لها فاطمة ثوانٍ. قبل أن تومئ برأسها. ولم تكد تتحدث بكلمة حتى عاجلتها سلمى. وهي تردد بحماس شديد: "جيد. إذن تعلميني؟!"
ابتسمت لها فاطمة. وقد كانت هذه المرة الأولى التي تشعر بها أنها تتقن شيئًا ما. لدرجة أن يطالبها أحدهم بأن تعلمه هذا الشيء. ولشدة حماسها هزت رأسها بسرعة: "نعم. يمكنني."
"إذن اتفقنا."
وبمجرد أن انتهت النساء من الرقصة. سمع الجميع صوت إحدى النساء تدعوهن للتوجه صوب الساحة لتقديم هدايا العرس.
توقف قلب توبة لثوانٍ. وشعرت بقدمها تتجمد أرضًا. ولثوانٍ فقط أرادت رفع طرف فستانها والركض بعيدًا تختبئ بغرفتها بعيدًا عن الأعين.
ابتلع ريقها. وهي تتراجع خطوات للخلف. ويبدو أن كهرمان أدركت نيتها. إذ أمسكت مرفقها بسرعة تبتسم بسمة واسعة تهمس لها: "إلى أين يا عروس؟! ماذا عن زوجك؟!"
نظرت لها توبة. وهي تحاول التحدث وتبرير ما تريده. لكن كهرمان مدت كفها تنزل الغطاء الخاص بتوبة أعلى وجهها. ومن ثم تتحدث بصوت شبه مرتفع: "افتحوا الطريق للعروس يا نساء."
وفي ثوانٍ تحركن النساء للجانب. تاركين طريقًا ممهدًا لتوبة لتتحرك به. والأخيرة تشعر بضربات قلبها تكاد تتوقف. وهي تنظر أرضًا تخشى رفع عيونها فتتجمد بالخطأ من نظرات أحدهم.
والنساء يتحركن معها بهدوء. حتى وصلوا وأخيرًا لمنتصف الساحة. حيث الجميع ينتظر العروس.
ونزار يقف ينتظرها أن تقترب. وبمجرد أن أصبحت على بعد خطوات صغيرة منه. ابتسم بسمة واسعة يتحرك صوبها بسرعة. وهو يلتقط كفها بين أنامله يقربها منه هامسًا بصوت منخفض: "ها نحن ذا سمو الأميرة."
رفعت توبة عيونها له. ليبتسم بسمة واسعة غامزًا لها. ومن ثم سحبها بهدوء صوب المقاعد يجلسها بهدوء ولطف. ثم بدأ الجميع يتوافدون لتقديم الهدايا.
ونزار فقط يجلس جوارها. لا ينزع عيونه عنها. وكأنه للتو فقط أبصر ملامحها عن قرب. وتوبة فقط تحاول تلاشى النظر به. تنشغل مع النساء اللواتي بدأن يقدمن الهدايا لها.
فبدأت واحدة تلو الأخرى تتقدم مع هديتها. حتى وصل الدور للملك آزار. الذي اقترب يمد يده بصندوق خشبي صغير مبتسمًا: "هذا نصف الذهب الخاص بزوجتي. قسمته عليكِ وعلى ابنتي الأخرى قسمة العدل يا ابنتي. عسى الله أن يمنحك السعادة."
ختم حديثه وهو يربت على كفها بحب. ثم همس لها بصوت منخفض وصل واضحًا لنزار. الذي التوت تعابير وجهه بضيق. وهو يسمع صوت والده يهمس بحنان لزوجته: "إن أغضبك نزار يومًا أخبريني. فاجعله شريدًا لا يجد له مملكة تستقبله. حسنًا؟"
ابتسمت له توبة بسمة واسعة. ليزفر نزار بصوت مرتفع. وهو يجذبها جواره يضم يدها بحب بين كفه يهز رأسه لوالده بضيق مصطنع: "أدامك الله لي مولاي. لا أعلم كيف كانت ستتفاقم مصائبي مع زوجتي دونك."
ضحك آزار وهو يضرب كتفه بمزاح خشن: "فكر في مضايقتها فقط. وأقسم أن أرسلها لوالدها ولن تبصر لها طرفًا."
"أنا ولدك مولاي."
"وهي كذلك ابنتي."
ابتسمت له توبة بحب. وهي تمسك كفه تقبله باحترام وتقدير: "أدامك الله لي مولاي."
ابتسم لها آزار بحب. وهو يربت عليها بحنان. ومن ثم تحرك. وقد شرع الباقون يقدمون لها الهدايا. وبارق الذي اقترب من ابنته دامعة العيون. يمسك بين يديه صندوق ذهب عائلته بأكملها. وقد كانت ابنته الوحيدة التي لها حق أخذهم: "لا أصدق أنني أقول هذا. لكن... ستشتاق سبز وجدرانها وملكها لأميرتهم توبة. فلا تطول الغيبة ابنتي."
بكت توبة وهي تلقي نفسها بين أحضان والدها. الذي ضمها يقبل رأسها بحب. يده ترتعش. وقد جرفته مشاعره. لتميل توبة تقبل يده بحب. وهي تهمس بحب شديد: "فوق رأسي جلالة الملك. والله لا أنساكم ولو بخروج روحي. وكيف أنسى رفيقي الأول والوحيد أبي."
ابتسم لها بارق بحب. وهو يضمها له بحنان.
بينما آزار يراقب ما يحدث. وهو يهمس لولده بصوت مسموع للجميع وبمزاح: "ذلك العجوز يبكي زوجة ابني. يبتغي إفساد الزفاف كي لا تذهب معك يا بني."
رفع نزار حاجبه. وهو يجاريه في الحديث: "لا تقلق مولاي. دعهم يفرغون مشاعرهم. فهي لن تبصر رفيقك لوقت طويل."
رفعت توبة عيونها له بصدمة. ليغمز لها بحب. وضحكات بارق رنت في المكان: "لا بأس. آتيكم أنا بجيوشي أحطم المملكة فوق رؤوسكم. إذ يبدو أن أمثالك ووالدك لا ينفعكم سوى أسلوب أرسلان."
وأرسلان الذي كان يقف جانبًا يراقب ما يحدث باستمتاع. توتت ملامحه بسخرية: "أوليس هذا أرسلان الذي كنتم تسخرون منه طوال الوقت. الآن أصبح له مدرسة تتبعونها جميعًا؟"
ضحك إيفان. وهو يجذب أرسلان بين أحضانه من كتفه بحب يربت عليه: "لا غنى لنا عنك يا أخي. أخبرني بالله عليك. ما معنى الممالك دون أرسلان؟"
"لا شيء."
ضحك سالار بصخب على رد أرسلان. الذي لم يتواضع حتى أو يتظاهر بذلك.
أكمل الجميع تقديم الهدايا. حتى انتهوا. وحان أخيرًا لحظة تقديم هدية الزوج.
انتبه الجميع لنزار. الذي نظر حوله ثوانٍ. وهو يتحدث ببساطة: "حسنًا. فكرت كثيرًا في أكثر من مهر. وكدت أقدم لكِ بعض المصوغات الذهبية المميزة. لكنكِ بالفعل ستحصلين على الكثير اليوم. لذا قررت أن أخرج عن المألوف قليلًا."
ختم حديثه يشير بكفه صوب إحدى الجهات. لتتحرك أعين الجميع صوب الجهة. لتتسع الأعين تباعًا. فابتسم نزار يكمل حديثه السابق: "أو ربما كثيرًا."
فتحت توبة فمها بصدمة. وهي تبصر ما أحضر لها نزار. وشعرت برغبة عارمة في البكاء. وهي تتذكر ذلك اليوم الذي جاءها يزورها في قصر والدها وأخذها في جولة على حصانه.
"حقًا خيول الجليد؟! هل تمزحين معي؟!"
"لا لا أفعل. لطالما تمنيت منذ طفولتي أن أحصل على واحد من أحصنة الجليد هذه. لكن أنت تعلم أنها نادرة. ولا يوجد منها سوى أعداد قليلة في اسطبل مشكى."
نظر لها وهو يبتسم بعدم تصديق: "خمسة فقط يمتلكها أرسلان. وقد ورثها من والده. وصدقيني أرسلان يمكنه قتلي ببساطة. ولا يمنحني واحدًا. فهي إرث تمتاز به مشكى."
ضحكت توبة بصوت مرتفع. وهي تدرك هذه الحقيقة. فلطالما اشتهرت مشكى بخيول الجليد. والتي سُميت بهذا الاسم لتشابه لونها شديد البياض مع خصلات زرقاء بالثلوج. وقد كانت فصيلة مهجنة نادرة امتلكها الملك بيجان سابقًا. وورثها منه أرسلان.
"أعلم ذلك. أنت فقط سألت إن حلمت يومًا بشيء ولم أحصل عليه. وأخبرتك. حسنًا، أنا أحببت الخيول منذ طفولتي. وكانت هذه إحدى أحلامي المستحيلة."
استدارت توبة بسرعة صوب نزار. وهي تراقبه بأعين دامعة غير مصدقة. لا تظهر من خلف غطاء وجهها. تشعر بقلبها يكاد يتوقف من الصدمة. لقد... أحضر لها الحصان الذي عاشت حياتها تحلم فقط برؤيته عن قرب.
وربما كان شيئًا غبيًا للبعض. لكنه كان شغفًا لها.
اقترب منها نزار. وهو يبتسم لها بحنان يضم كفها بين كفه يهمس بحب شديد: "أحدهم أحضر قصر لزوجته. والآخر منزل. والآخر ساق لها نص ذهب مملكته. وأنا أحضر حصانًا. أبدو مثيرًا للضحك ها؟"
همست توبة بصوت باكي غير مصدق: "هذا... يا ويلي نزار هذا... كيف... لقد..."
ابتسم لها بعشق: "أحضرت لكِ ما تتمنين. ولو كان من بين أنياب أسد... أو أنياب أرسلان بمعنى أدق."
سقطت دموع توبة أكثر. وهي تسمعه يردد: "لقد كلفني الأمر الكثير. أرسلان لم يكن ليتخلى عن أحد الأحصنة بسهولة."
استدارت توبة بعدم تصديق تحدق بالحصان بأعين ملتمعة. والجميع حولها يراقب بانبهار. وأرسلان يربت على الحصان بلطف. وهو يتحدث لنزار بجدية: "اعتني به جيدًا. ولا تنسى ما وعدتني به في المقابل."
قلب نزار عيونه. ثم تنهد بصوت مرتفع: "حسنًا. لم أنس. ما زلت عند وعدي."
نظرت له توبة بعدم فهم. وهي تسأله بعيونه عما وعد به أرسلان مقابل التخلي عن جزء لا يتجزأ منه. لكن نزار فقط ابتسم بامتنان لأرسلان. وهو يشير لتوبة بحماس على الحصان. يساعدها للصعود على ظهره. ومن ثم صعد خلفها. وهو يشير بتحية الجنود لسالار. ومن ثم نغز الحصان يتحرك به بسرعة وسعادة كبيرة.
بينما أرسلان نظر صوب سالار بحنق شديد. ليطلق سالار ضحكات صاخبة. وهو يرى نظرات أرسلان المغتاظة: "ما بك. كان هذا عمل لوجه الله."
"لوجه الله؟ لقد منحته حصانًا نادرًا لا يقدر بثمن. وتخبرني لوجه الله. يمكنني منحه صدقة لوجه الله. لكن أقسم إن لم يفعل ما وعدني به لانتزعنه منه. ولن يهمني أي شيء آخر."
ارتفعت ضحكات إيفان. الذي تحرك مع الجميع صوب قاعات الاحتفال: "أنت يارجل لا تفعل خيرًا أبدًا."
"الخير أفعله مع المساكين. وليس مع أمثالكم."
ختم حديثه. وهو يدفع إيفان في كتفه بحنق. وهو يتحرك بحثًا عن زوجته بعيونه كي يتأكد أنها تناولت أدويتها قبل تناول الطعام. يسمع صوت إيفان خلفه يردد بضيق: "متى تتوقف عن كلماتك السامة هذه. لا أعلم كيف تحكم بلادًا بمثل تصرفاتك هذه أرسلان؟ والغريب أنك تحكمها بشكل جيد."
استدار أرسلان أثناء تحركه. وهو يبتسم بسخرية. يغمز له قبل أن يستمر في سيره. وهو يحرك يديه في الهواء: "دعك من مشكى يا عزيزي. بلادي أحكمها كيفما أشاء. ولا أظن أن شعبي يعترض على وجود ملك مثلي. في الحقيقة اعتادوا وتأقلموا. لدرجة أن ملك مثلك لن يصلح مع شعبي. احتفظ بأنفك في سفيد إيفان."
ختم حديثه. وهو يلقي له ببسمة مستفزة. جعلت أعين إيفان تتسع. وسالار يضحك بصوت مرتفع.
زفر إيفان بضيق. وهو يضرب كفيه ببعضهما البعض متعجبًا: "لا أصدق حقًا أنني يومًا ما بكيت ليالٍ حينما ظننته رحل عن هذه الحياة."
"نعم. وستبكي سنوات أخرى إن رحل حقًا إيفان."
همس إيفان بفزع. وهو ينظر لظهر أرسلان: "أطال الله بعمره."
تحدث سالار ببساطة. وهو يربت على كتفه بهدوء: "أنت لا تشبه أرسلان. وهو لا يشبهك. وربما هذا سبب تجمعكما. اختلاف كل منكما عن الآخر ربما يكون سبب ترابطكما. ثم هذا أرسلان منذ كان طفلًا. ولم يتغير مقدار شعرة."
ختم حديثه. وهو يتحرك بعيدًا عن إيفان: "سأذهب لأطمئن على زوجتي وألقاكما في قاعة الاحتفال."
رجلًا تاركًا إيفان يبتسم بسمة واسعة بهدوء. يهز رأسه باقتناع. ومن ثم تحرك هو الآخر يبحث عن زوجته بين الجموع. وقد اشتاق لرؤيتها.
وبالفعل أبصرها تتحرك مع بعض النساء صوب قاعة النساء. ليتحرك جانبًا يبتعد عن طريق النساء. ويبعد عيونه عنهم حينما أبصر نظراتها له.
أشار لها بيده. لتتحرك كهرمان صوبه سريعًا. وهي تبتسم بسمة لم تظهر بسبب غطاء الوجه. وفي الحقيقة كان من الوارد ألا يتعرف عليها أحدهم بسبب غطاء الوجه. لكن إيفان ما كان ليغفل يومًا عن زوجته. وكل قطعة ترتديها.
بمجرد أن وصلت له كهرمان. ابتسمت بلطف. وهي ترفع طرف فستانها: "جلالة الملك ناديتني."
اتسعت بسمة إيفان. وهو يلتقط كفها الذي رفعت به طرف ثوبها يقبل باطنه بهدوء وحنون: "اشتقتك كهرمان. ألم تفعلي؟!"
نظرت كهرمان حولها. وهي تطمئن أن لا أحد حولها. ومن ثم رفعت غطاء الوجه تنظر له بأعين عاشقة: "اشتقت وفاض الشوق إيفان."
مال إيفان مرة ثانية على كفها يقبله بحب وهدوء شديد: "يا رحيم. سُحبت كل الكلمات المعسولة من شقيقك. وتفردتي بها أنتِ."
أطلقت كهرمان ضحكة منخفضة. وهي تميل عليه هامسة: "ليس لأن أخي لا يتحدث معك بكلمات معسولة. فهذا يعني أنه لا يستطيع قولها جلالتك."
نظر لها بعدم فهم. لتغمز له تهمس بهدوء: "أخي يحتفظ بكل كلماته المعسولة لأحدهم جلالتك. ولا أعتقد أنك هذا الأحدهم."
"مالي وكلمات أخيكِ كهرمان. من بين كل الكلمات والله ما ابتغيت يومًا سوى سماعك أنتِ جلالتكِ."
نظرت له كهرمان مطولًا بأعين ملتمعة. ومن ثم ابتسمت بسمة واسعة. وهي تردد بحب شديد: "حسنًا. هذا نقاش أحب مناقشته بين أحضانك أسفل ضوء القمر مولاي. لا أعتقد أن هذه الوقفة تليق بمثل كلماتك إيفان."
هز لها إيفان رأسه بحب شديد. وهو يضغط على كفها بحنان: "إذن اليوم مساءً في شرفة غرفتنا؟"
أنزلت كهرمان غطاء وجهها تردد بصوت منخفض. وهي تسحب طرف ثوبها تميل بلطف: "أنتظرك من الآن إيفان."
ومن بعد هذه الكلمات تلاشت. ساحبة معها كل أنفاس إيفان وانتباهه. يبتسم دون وعي. لا يتخيل أنه بعد كل سنوات اعتزاله النساء وبحثه عن زوجته وشريكة حياته. كانت في النهاية تقبع أمام عيونه دون أن يبصرها حتى.
"كانت طوال الوقت أمام عيوني. يخفيها أرسلان عن الجميع خوفًا من سرقة جوهرته. أو جوهرتي."
"مهجتي الحبيبة انظري ما الذي أحضرته لكِ."
كانت تلك كلمات سالار. الذي ما إن اقتحم غرفته أخذ يبحث عن تبارك بأعين متلهفة. ليبصرها تخرج من المرحاض بسرعة بخصلات شبه مدمرة. وهي تنظر له بلهفة رغم هيئتها الرثة تبتسم بلطف: "ماذا أحضرت لي؟!"
ترك سالار ما كان يحمل بين كفيه على الطاولة. وهو يتحرك صوب تبارك بأقدام متلهفة يتنفس بحنق: "يا ويلي تبارك ما الذي حدث لكِ؟! يبدو الأمر كما لو أنكِ نجوتي للتو من معركة. وخصلاتك لم تفعل."
كان يتحدث وهو يلملم خصلاتها بحنان شديد يربت عليهم بحب. وقد كانت جميع الخصلات متناثرة بشكل غير مرتب تمامًا. والبعض يصيب عيونها حتى.
ابتسمت له تبارك بحب: "مجرد حالة قيء مؤقتة. وتعاملت معها."
نظر لها بقلق. وقد كان القيء المستمر لتبارك يوميًا شيء يؤرق مضجعه: "هذا لا يطمئنني تبارك. الأمر يتكرر يوميًا. وهذا... أنا قلق. هل نحتاج لاستشارة طبيب؟"
"ماذا؟! لا... سالار حبيبي أنا حامل مش عندي مغص. فالموضوع طبيعي يا عيوني مالك كده. هل هذه مرك الأولى في التعامل مع امرأة حامل؟"
كانت تتحدث وهي تحرك يديها أمام وجهه بجدية. وهو يتابعها بعدم فهم. حتى أنهت جملتها بسؤالها ذلك. فابتسم بسخرية: "حبيبتي هذه أول مرة أتعامل مع امرأة في المطلق. أنا أختبر بكِ كل شعور لأول مرة تبارك عزيزتي."
اتسعت بسمة تبارك بقوة. وقد أثرت بها هذه الكلمات. تتحرك صوبه تفتح ذراعيها له بتأثر وحب. ليميل هو يلتقطها بين أحضانه بحب شديد يرتب خصلاتها. يميل عليها يقبل رأسها بحب شديد.
"إذن هذا ليس خطرًا صحيح؟!"
وكانت تبارك في هذه اللحظة لا تعي حتى ما يحدث. تقضي أفضل لحظات حياتها بين أحضان زوجها الدافئة ترتشف من دفئه وحنانه ما يعينها على قضاء بعض الساعات بعيدًا عنه.
"ماذا؟!"
"هذا القيء الصباحي المستمر ليس شيئًا يستدعي قلقي؟! إن كان ذلك الأحمق مهيار لا يستطيع مساعدتك بالأمر. يمكننا استشارة زيان طبيب مشكى. هو جيد. فقد كان معلم مهيار في فترة من الفترات. أو ربما يساعدنا نزار في بعض الأعشاب التي قد تـ..."
ابتعدت عنه تبارك وهي تضم يديه تربت عليهما. وكأنها تعامل طفلًا: "سالار حبيبي، أنا بخير حال. هذا شيء طبيعي في الحمل حبيبي. ثم أنا كذلك كنت أعمل ممرضة. وأدرك كل هذه الأمور وأتعامل معها. لا حاجة لاستشارة أطباء الممالك أجمع. فقط لأنني أعاني من غثيان صباحي أثناء حملي."
"حسنًا. أنا لا أحب رؤيتك تعانين كل صباح من هذا الأمر. أعتقد أن نزار قد يستطيع صنع شيء يساعدك في الأمر. هو يجيد اللعب بالأعشاب."
ضحكت تبارك وهي تهز رأسها بموافقة. فإن كان نزار يستطيع تخليصها من هذا الشعور المؤرق كل صباح. ستكون شاكرة له.
"حسنًا. لا بأس."
"إذن سأذهب للبحث عنه لاخباره."
وقبل التحرك أمسكت تبارك يده بسرعة. وبأعين متسعة رددت: "استنى رايح فين. هو مش نزار ده هو نفسه العريس اللي كان فرحه انهاردة؟! هتروح تسحبه من فرحه وعروسته عشان يعملي شوية اعشاب؟!"
نظر لها بعدم فهم. وكأنها تتحدث بلغة غير مفهومة. رغم عدم إدراكه لبعض الألفاظ. إلا أنه كان يفهم عرض الجملة بشكل عام: "ماذا في ذلك!!"
"ماذا في ذلك؟ بالله عليك سالار هل تمزح معي. اليوم زفاف الرجل. دعه مع زوجته. ومن ثم يمكنك أن تجبره على صنع أعشاب لي."
نظر لها باعتراض. ولم يكد يتحدث لتسارع: "إذن ربما يستطيع ار..."
صمت. وهي تجذبه بعيدًا عن هذا الحوار. تبتسم بحماس ادعته: "إذن أخبرتني أنك أحضرت لي شيئًا. ما الذي أحضرته؟!"
نظر لها ثوانٍ بغير رضا. ورغم ذلك ابتسم بسمة واسعة. وهو يميل يلتقط بعض الفواكه التي تتميز بها سبز. يمد يده بها لها: "هذه بعض الفواكه الغريبة واللذيذة التي تتميز بها سبز. أحضرت لكِ البعض."
نظرت تبارك بانبهار لشكل الفواكه. ومن ثم نظرت لسالار مبتسمة: "هذا رائع. هل أحضرتها خصيصًا لي سالار؟!"
ابتسم سالار. وهو يتحدث بجدية. وهو يفصصها: "لا. لقد أخذت البعض من أرسلان. بعدما تركته هو يذهب لإحضارها لزوجته. ومن ثم أخذت منه البعض لكِ ولصغيري."
رمشت تبارك تحاول فهم هذا الجانب من زوجها. فهذه المرة الأولى التي يتحدث بها سالار بهذه الطريقة عن شيء أخذه من أحدهم. وفي الحقيقة كانت شخصية سالار مع أصدقائه شيء لن تفهمه تبارك أبدًا. فالرجل في الحروب شيء. ومعها شيء. ومع رفاقه شيء آخر.
"أخذتها منه؟!"
"نعم. هو منحها لي بطيب نفس."
"هل تكذب سالار؟!"
"معاذ الله أن أفعل. أنا لا أكذب. هو منحها لي بطيب نفس. بعدما أجبرته في البداية على منحي البعض. لأنني لا يمكنني الذهاب وإحضار البعض بنفسي لأجل الاعتناء بكِ."
صمت ثوانٍ. ثم ابتسم بسمة صغيرة. وهو يكمل: "ولأن الملك بارق سيغضب إن علم أنني وأرسلان أفسدنا له أشجار فاكهته هذه. لذا هو بالفعل أفسدها. إذن ليشارك معي البعض ونقلل من الأضرار على أشجار الملك بارق."
"خربتوا جنينة الراجل وماشيين تقطفوا في الفاكهة بتاعته؟!"
"ماذا؟!"
"ماذا إيه. أنتم جايين بخسارة على الملك بارق والله."
"لا تقلقي. هو لن يغضب مني. بل من أرسلان. فهو من قطف الفاكهة. في الواقع هو يفعل الأمر ذاته منذ كان طفلًا. ويأتي مع والده. كان يذهب لقطف بعض الفواكه لنا جميعًا. ومن ثم يُوبخ لوحده."
"حقًا؟! هل تلقون برفيقكم في المشاكل؟!"
"لا. هو كان يحب لعب دور الشرير منذ طفولته. وكان يردد أنه طالما هناك من سيعاقب. فليكن هو. في النهاية جميعنا سنتناول الفاكهة. ثم هو يليق به دور الشرير. وسيصدق الجميع الأمر. ولن يصدقوا إن كان إيفان الهادئ أو سالار العاقل."
"عاقل طبعًا يا حبيبي."
ابتسم لها سالار بسمة واسعة ظنًا أنها تمدحه. لتهز تبارك رأسها بيأس. وهي تلتقط الفاكهة منه تراقبها بعدم فهم: "هل أتناولها مباشرة أم أحتاج لتقشيرها أو ماذا؟!"
ابتسم ينتزع منها الفاكهة. وهو يجهزها لها لتناولها. وقد كانت تتميز باللون البنفسجي اللامع. تراقبها بأعين ملتمعة. وبمجرد أن مد سالار يده لها بقطعة لتتناول. مالت تتناولها مباشرة من يده. لتتسع بسمته بحب. وهو يبصر عيونها تلتمع بشكل مريب. وقد بدا كما لو أنها تتناول فاكهة من الجنة.
"هذه... هذه... ألذ فاكهة أتناولها في حياتي بأكملها."
"أخبرتك أنها رائعة."
هزت رأسها بنعم. وبدأت تتناول من يده كل الفاكهة التي أحضرها. وهو يتابعها بحب. وحينما انتهى نظرت له تردد بصوت هادئ: "هل هناك المزيد؟"
نفى برأسه. وهو يفكر بجدية: "لا. هذه فقط. إن أردتي المزيد يمكنني الذهاب وإحضار البعض لكِ؟!"
"ستفعل بنفسك؟! أخبرتني أنك يومًا لم تحضرها بنفسك."
غمز لها بحب: "أفعلها للمرة الأولى لأجلك. في الواقع أنا أجرب كل شيء للمرة الأولى معكِ عزيزتي."
نظرت له تبارك بأعين عاشقة. قبل أن تلقي بنفسها بين أحضانه. وهو يضمها حريصًا ألا تمس يده ثوبها فيفسده ببقايا الفاكهة على أصابعه.
وهي فقط تنفست تردد بحب: "نفس الشيء معك سالار. أجرب معك الكثير لأول مرة. وأولهم عشقي لك."
مال سالار برأسه على خاصتها يستريح هنا مبتسمًا بحب: "هذا الشيء الوحيد الذي لم أكن لأقبل أن تجربيه مع غيري مهجتي."
"لا أفهم ما تقولينه سليمى. تحدثي بلغة أفهمها."
رفعت سلمى حاجبها. وقد تلقت للتو ردة الفعل التي كانت تتوقعها منه. تبتسم بسمة صغيرة وهي تتناول بعض الفاكهة التي أحضرها لها.
"حسنًا. لقد تحدثت بالعربية للتو. إن لم تفهمني يمكنني أن أحدثك بالبرتغالية. لكن لا أعتقد أنك تتقنها على أية حال."
تنفس أرسلان. وهو يحاول أن يتمالك نفسه: "تريدين العيش خارج القصر حتى زفافنا؟ اعلميني إن فهمت بشكل خاطئ رجاءً."
"لا حبيبي ماشاء الله عليك. فهمتها بشكل صحيح."
هز رأسه بهدوء. ومن ثم وضع باقي الفاكهة أمامها يبتسم بلطف: "في أحلامك عزيزتي."
"وما الأحلام سوى واقع مؤجل عزيزي."
ابتعد عنها أرسلان بضيق وغضب شديد. يفتح فمه استعدادًا للصراخ. لكن صوت بعيد همس له أن الصراخ مع هذه المرأة في شيء تريده لن يؤتي ثماره. لذا استعمل خطته البديلة. يزفر بصوت مرتفع. ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة: "سليمى حبيبتي أمر خروجك من القصر لمكان آخر بعيدًا عن عيني سيكون بموتك أو موتي. لذا عزيزتي انسي ذلك تمامًا."
"حقًا أرسلان. هل تستعمل معي طريقة الهدوء باستخدام نفس الكلمات التي كنت ستستخدمها وأنت تصرخ. أنت حتى لم تحاول انتقاء كلمات أكثر رقة مثلًا."
"لكنني لم أصرخ."
"لكن نفس الكلمات استخدمتها للتو."
فجأة انتفض جسدها. وهي ترى الطاولة تتطاير بعدما صدمها أرسلان بقدمه صارخًا بغضب وضيق: "سليمى أنت لن تتركيني وتغادري. لن أسمح لكِ بالرحيل."
"ألم تكن أنت من أخذت تردد أنك لن تكون من هذا النوع الذي يخنق زوجته بغيرته و..."
وقبل إكمال كلماتها اقترب منها أرسلان يمسك بذراعيها بحنان رغم غضبه الكبير في هذه اللحظة من فكرة ابتعادها عنه لوقت ما: "سليمى أنتِ لن تبتعدي عني. وأنا لست مستعدًا لقضاء أيامي وحيدًا مجددًا بعدما اعتدت رفقتك. حسنًا. ضعي هذا في رأسك حبيبتي."
نظرت له بأعين حزينة. وهي تهمس بصوت منخفض حاولت به مس الجزء الحنون داخل قلب أرسلان: "أريد الشعور بشعور الفتيات هنا أرسلان. أن تأتي لمنزلي على حصانك. وتطلب ودي وتزفني من منزلي للقصر. هل هذا كثير عليّ أرسلان."
تنهد أرسلان بصوت مرتفع. وهو يقبل عيونها بلطف كما تحب هي أن تفعل معه: "والله ليس كثيرًا حلوتي. وإن كان كثيرًا يصبح قليلًا لأجلك."
ابتسمت بسمة واسعة. ولم تكد تتحدث بكلمة إضافية حتى قاطعها بلطف: "لكن هذا أكثر من قدرتي. إن أردتي أن آتيكِ وأطلب ودك. فدعيني أخرج أنا من القصر وأنتِ ابقي به. حسنًا؟ اخرج أنا وابقي أنتِ وآتيك بخيول مشكى كلها إن أردتي. لكن لا تخرجي من قصرك سليمى."
تنهدت سلمى. وهي تمد يدها بلطف تربت على وجنته بحب. تتذكر كلمات ديلارا لها. تحاول أن تخبره بلطف ما تريده: "أرسلان أنت لا تفهم ما أريد. هذا حق عائلتي عليّ. أن تأتيني هناك وتطلب ودي. لذا أرجوك."
تنهد أرسلان بصوت مرتفع: "نحن لن نصل لحل هنا صحيح؟"
"فقط أنت من..."
نهض أرسلان يقطع كلماتها. وهو يردد بصوت حاد صارم وقوي: "سليمى عزيزتي. أطلبي المستحيل. اجعله ممكنًا لأجلك. لكن ابتعادك عني أو مغادرة القصر. هذا ما لم أقبله. ولو كان السيف على رقبتي. هنا. وانتهى النقاش."
ختم حديثه يتحرك بقوة خارج الغرفة. تاركًا إياها تراقب أثره بغيظ شديد وضيق أشد. ولم تكد تنفخ أو تصرخ. حتى فتح الباب مجددًا. وطل هو برأسه: "وتناولي كامل طعام وأدويتك."
ومن ثم أغلق الباب بعنف كبير. جعلها تنتفض. وهي تنظر للباب بخوف كما لو أنه سينقض عليها منه.
تنفس بصوت مرتفع. وهي تهز رأسها: "حسنًا. طالما أنك اخترت الطريقة الصعبة."
ابتسم يراقبها تتحرك بسعادة في الحديقة أمامه. وقد كان أحب شيء على قلبه هو مراقبتها تغدو كالفراشة في المكان. تنفس بصوت هادئ يحاول أن يسحب نفسه من شروده بها. والانتباه لما يحيطهم. مخافة أن يقترب رجل من هذه المنطقة. ويبصر ما يحب مشاركته مع غيره في زوجته.
"حسنًا فاطمة يكفي. هيا سنعود الغرفة لترتاحي. فامامنا سفر بعد ساعات قليلة."
"لكن يا المعتصم. الأزهار هنا جميلة للغاية. دعنا نستمتع قليلًا قبل الرحيل رجاءً."
"لقد استمتعنا بما يكفي فاطمة. هيا فالشمس تزداد حدة. وهذا ليس جيدًا عليكِ."
توقفت فاطمة عن الدوران. وهي تتحرك صوبه بهدوء شديد تهز رأسها بطاعة. ومن ثم أمسكت يده. وهي تردد بصوت منخفض مشيرة لما يحيط بها: "ما رأيك يا المعتصم. حديقة كهذه تحيط بمنزلنا؟! يمكنني مساعدتك في زراعتها إن أردت. وتكون لنا فقط. سيكون هذا رائعًا و..."
توقفت فجأة عن الحديث. وهي تبصر بعض النساء يتحركن بالقرب من الحديقة يتحدثن بصوت خفيض. واحدًاهن تحمل طفلًا صغيرًا بحنان بين ذراعيها تداعبه بحب وتضحك له.
صمتت فاطمة فجأة. وهي تحدق بالنساء بشكل جعل المعتصم يستدير باحثًا عما سلب جل اهتمامها بهذا الشكل. ضيق عيونه يحاول فهم ما تدور حوله أفكار فاطمة.
"ماذا؟!"
"هذه... المرأة هناك. أنها..."
صمتت ثوانٍ. وكأنها تفكر في الأمر. قبل أن تتحدث بصوت منخفض هامس بعض الشيء: "المرأة تشبه أمي كثيرًا."
نظر لها المعتصم بسرعة. ليبصر كافة ملامحه المشرقة تنطفئ فجأة. وقد تحولت ملامحها بشكل غريب للحزن: "هيا لنرحل من هنا."
نظر لها المعتصم دون فهم. فبعدما كانت تقفز في كل مكان بنشاط. وتلمع كنجمة في ليلة مظلمة. فجأة أضحت تنافس ظلام الليلة. وخفت نورها.
خفت نور فراشته. وتقوقعت حول نفسها لتعود لبدايتها كيرقة مجددًا. نعم. لم يتوقع أن تعالج بسهولة ويسر. وفرقعة إصبع. لكنه يرفض العودة خطوات للخلف. بعدما تقدم خطوة واحدة.
"حقًا. يبدو أن جمالك هذا متوارث عزيزتي."
نظرت له فاطمة بأعين ضبابية من الدموع. لا تعي حتى ما يتحدث بشأنه. بينما المعتصم أمسك يدها. وهو يتحرك صوب النساء. وهو ينادي بصوت منخفض: "عفوًا سيداتي. إن أزعجتكم."
توقفت النساء بعدم فهم. ينظر صوب الصوت. وقد بدأت أعين الجميع تتساءل عما يريد المعتصم. مدركين أنه من غير سكان سبز. بسبب اختلاف نظام الملابس الخاصة به عن خاصتهم.
"نعم؟! تفضل؟!"
ابتسم لهم المعتصم باحترام. يحاول تلاشي النظر مباشرة لأعينهن. مشيرًا صوب فاطمة ببسمة صغيرة: "هذه زوجتي اللطيفة. لقد أبصرتك للتو. و... هي ترى أنكِ تشبهين والدتها الراحلة كثيرًا. لذا أحبت إلقاء التحية عليكِ."
حركت السيدة عيونها صوب فاطمة. وهي تنظر لها بلطف وحنان شديد. تضم بين ذراعيها صغيرها تهمس ببسمة واسعة: "حبيبتي ليرحمها الله."
نظرت فاطمة بتوتر صوب المعتصم. وهي ترتجف جواره. لا تدرك ما يجب فعله. تحاول أن تختفي خلفه حتى تتلاشى النظرات حولها. وقد بلغ التوتر منها مبلغه. لكن المعتصم جذبها بهدوء جواره يبتسم للسيدة بلطف: "أعلم أنه سيكون طلبًا غريبًا بعض الشيء عليكِ. لكن... هي ستحب معانقتك. فهذا سيذكرها بوالدتها."
وبالفعل كان طلبًا مريبًا للمعتصم. حتى أن فاطمة تجمدت. وهي تحدق به بأعين متسعة. والسيدة نظرت له بتوتر. لكن المعتصم. والذي يتذكر بكاء فاطمة له كل ليلة له. أنها حتى لم تودع عائلتها. ولم تعانقهم للمرة الأخيرة. خاصة والدتها. والتي لم يُعثر على جثتها بين الرماد. فقدت فاطمة حتى فرصتها الأخيرة في الوداع معها.
ارتجفت يد فاطمة. وهي تنظر للمعتصم بأعين دامعة. بينما الأخير سارع يجذب الطفل من بين كفي السيدة يتحدث بلطف: "هاته. أنا سأحمل هذا الصغير اللطيف."
نظرت له السيدة بتوتر. ولم تعلم ما يجب فعله. وهو فقط نظر لها برجاء. لتلين نظراتها. وهي تنظر بحب وحنان صوب فاطمة. نظرات سحبتها لسنوات بعيدة. حينما كانت ترميها والدتها بنفس النظرات.
ودون كلمة سحبتها السيدة لأحضانها بحب شديد. وهي تربت على كتفها تهمس لها بحنان: "حبيبتي ليرحم الله والدتك صغيرتي. هي ستحب أن تكوني سعيدة في حياتك. صدقيني. لذا حاولي أن تحققي لها آخر أمنياتها صغيرتي."
وفاطمة فقط ترتجف بين ذراعي المرأة. لا تدرك ما يجب فعله. نظرت صوب المعتصم. والذي كان يحمل الطفل يهدهده بحب. وهو يبتسم لها بلطف شديد يشير لها بعيونه أن تغتنم فرصتها. حتى وإن لم تكن والدتها حقًا. لكنها الحياة منحتها فرصة عناق طيف والدتها متمثلًا بامرأة تشبهها.
وفاطمة في هذه اللحظة مدت يديها ببطء تضم السيدة. وهي تستكين بين أحضانها بهدوء غريب. وفقط دموع بلا صوت هي ما يبصر الجميع.
أخذت السيدة تربت على ظهرها بحب. وهي تردد كلمات حنونة لها. لم تصل حتى لفاطمة. فقد كانت الأخيرة في هذه اللحظة تودع والدتها. التي لم تمنحها الحياة فرصة وداعها. بعدما تلاشى جسدها بالحريق.
تودعها باكية مرتجفة. قبل أن تبتعد بهدوء عنها تتنفس بصوت مرتفع. تهمس بصوت منخفض: "شكرًا لكِ. ليديمك الله ويطيل عمرك لتبصري صغارك كبارًا."
ابتسمت لها السيدة. وهي تلتقط طفلها من بين أحضان المعتصم. تودعها بكلمات لطيفة. بعدما تعرفت عليها.
وبمجرد أن رحلت. كانت فاطمة تراقب أثرها بأعين منتبه. وهي تمنح ظهرها للمعتصم. ومن ثم فجأة استدارت بسرعة تلقي نفسها بين أحضانه. وهي تبكي بصوت مرتفع: "لقد... عانقتها... عانقتها يا المعتصم بعد... شهور طويلة من مناجاة طيفها... لم... لا أصدق."
ابتسم المعتصم. ولا يدري هل كان تصرفه المريب ذاك صحيحًا أو لا. لكنه أسعد فاطمة. إذن ليكون كيفما كان.
"هل تشعرين أنكِ أفضل صغيرتي؟"
"أشعر بنفسي... حرة... أشعر بنفسي أخف. هذا... رغبتي المدفونة داخلي لعناق والدتي. أشعر بها. وقد خففت ثقلًا عن صدري. هذا شعور رائع."
ختمت كلماتها بسعادة كبيرة. جعلت بسمة المعتصم تتسع أكثر: "هذا رائع. إذن نكمل جولتنا في الحديقة لساعة إضافية؟"
نظرت له بأعين ملتمعة. قبل أن تمسك كفه. وهي تشده خلفها للحديقة تردد بصوت سعيد مبتهج بشكل مريب: "حسنًا. سيكون هذا رائعًا."
وفي النهاية علم المعتصم طريقة التعامل مع فاطمة. العلاج لا يكمن في الخوف من مرضها. بل يكمن في التصالح معه. وتجاهله أحيانًا.
توقف بحصانه أمام شلال في أطراف المملكة. يضمها له بحنان. وهو يهمس بسعادة كبيرة: "إذن ها نحن ذا سمو الأميرة."
هبط يساعدها للترجل عن صهوة الحصان. يضم خصرها بحنان. حتى شعر بها استقرت. ومن ثم جذبها بهدوء صوب إحدى الأشجار التي تقع على حافة البحيرة التي يصب بها الشلال. يستظل بها معها. وهو يجلسها أمامه. ومن ثم رفع غطاء وجهها بحب: "الآن سمو الأميرة... دعني أحيا أجمل لحظات حياتي."
ابتسمت له توبة. وهي تنظر بعيونه تحاول أن تستوعب ما يحدث أمامها. هذه هي. وهذا نزار... زوجها.
وكم كانت الكلمة غريبة عليها. خاصة بعد كل ما مرت به طوال الفترة السابقة معه. اتسعت بسمتها تتذكر كل ما عاشته في الشهور السابقة معه.
حادثة خطفها لتجد نفسها في اليوم التالي تُباع لبعض الفاسقين والسكارى. وأحدهم يتهجم عليها بالضرب. قبل أن يتدخل رجل ذو مروءة بشكل عجيب على رواد المكان. يجذبها لتحتمي به. وهو يصرخ بالجميع مدافعًا عنها. حتى انتهى الأمر بأنها أصبحت مُباعة لذلك الرجل الحقير الذي يدعي الفضيلة.
وللعجب لم يحاول ذلك الحقير أن يضايقها لحظة. بل ساعدها وعمل حارسًا لها طوال الوقت. وأوقع نفسه في مصائبها. ليسحبها منها. وتحمل لذاعة لسانها. رغم أنه لم يكن لحظة. ذلك الحقير الذي تخيلته. كان ومنذ اللحظة الأولى... الأمير نزار. صاحب الأخلاق العالية والمتعقل الهادئ.
ونعم. لحظة كشف حقيقة خطتهم لها جعلتها تنهار أمام نزار. وهي تصرخ في وجهه بجنون لا تصدق أنه خدعها كل تلك الشهور تحت غطاء العاصي الباحث عن التوبة.
"لا مهلًا. أنا لا أفهمك. أنت بالطبع لا تقصد ما وصل لي في هذه اللحظة. صحيح؟!"
صمتت ثوانٍ. ثم اقتربت منه. وهي تنظر داخل عيونه. وهو يحاول أن يحيد بعيونه عنها. بينما هي تجبره على النظر لها: "لقد شعرت أنك تخفي شيئًا عني. وظننت بحمقٍ أن... أنك تفعل كل ذلك فقط لتطلب غفرانًا عما حدث وقت نكبة مشكى. لأكتشف الآن أنك لم تشارك حتى في نكبة مشكى. وأن تعاونك معهم من قبلها حتى؟ حقًا نزار؟!"
رفع نزار عيونه لها. يحاول أن يجبرها على سماعه. لكنها أصمته. وهي ترفع إصبعها في وجهه تصرخ بشكل جعله يتراجع للخلف خوفًا من ته
رواية اسد مشكي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم رحمه نبيل
ما قبل الأخير
كانت ثواني تنفست بها الصعداء قبل أن تزل قدمها وتشعر بجسدها يتهاوى أرضًا. تحضر كل خلية منها لاستقبال أحضان الأرض الصخرية الصلبة أسفلها، تعد نفسها للمزيد والمزيد من الجراح التي ستغطي مناطق أخرى لم تصل لها مصائب الفترة السابقة.
لكن قبل أن يحدث أي من هذا، سمعت همسة بجوار أذنها ويد قوية تضمها.
"بسم الله عليكِ حبيبتي، إلى أين الرحال حلوتي؟ أيهون عليكِ العم أرسلان؟"
ونعم، قد تخطأ قبضة يده القوية وكلماته، لكنها لا تخطأ أبدًا نبرته تلك. ابتلعت ريقها وهي تستدير صوب أرسلان ببطء، تبصر نظراته له التي يشوبها الغيظ والغضب.
"إلى أين يا سلمى؟"
نظرت له سلمى ثواني وهي تقلب الأفكار داخل رأسها، تدرس ردات فعلها وردة المتوقع على كل رد لها. فأرسلان العزيز بهذه الملامح أمامها، إن لم تعطِه ردًا ينتظره منك، فتقسم أنها ستُسحب للسجن الآن. وهذه المرة لن يخرجها إلا بعد يومين على أقل تقدير.
"إلى اللامكان عزيزي آرس."
رفع أرسلان حاجبه بسخرية وهو يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي. ثم نظر لها ببسمة واسعة، يدفعها بخفة لنفس البوابة التي خرجت منها للتو، يردد ببساطة تفوق بساطتها السابقة:
"أوليس قلبي أولى بوجودكِ من اللامكان يا سلمى؟!"
نظرت سلمى لدفعته لها، وملامحه الحادة ونبرته الجادة، ونظراته الحارقة. لتشعر أن الكلمات لا تليق مع هذا الموقف. لتبتسم بسخرية وهي تنقاد لدفعاته وكأنها أسير حرب يقاد صوب محبسه:
"حسنًا، كانت هذه كلمات في غاية الرومانسية. سأحب سماعها بين أحضانك في الشرفة يا أرسلان، وليس في هذه الوضع. لذا ربما اليوم مساءً، إن رضيت عنك سريعًا، يمكنك ترديدها مجددًا بنبرة أشد حنانًا ودفئًا، وستلمع عيناي كما لو أنني أول مرة أسمعها."
ابتسم أرسلان بسمة واسعة وهو يدفعها أمامه:
"ترضين عليّ؟ عساني أنا أرضى عنكِ. إلى أين تحسبين نفسكِ ذاهبة؟ هذه المرة الثالثة التي أمسك بكِ على بوابة مختلفة. هل تريدين أن أحضر صخور بناء وأغلق كامل مداخل القصر بأكمله يا سلمى؟!"
"أو أبسط، دعني أفعل ما أريد يا أرسلان."
"لا."
تنفست بصوت مرتفع وهي تتوقف فجأة، ليتوقف هو بسرعة وهو يبتعد للخلف بسرعة بعدما كاد يصدمها بقوة. ينظر لها بأعين متسعة بالخوف عليها من صدمة منه قد تؤذيها. وهي نظرت له بحاجب مرفوع، تردد بصوت غاضب:
"صدقني، هذا العالم لا يسير على أهوائك يا جلالة الملك. أحيانًا سيكون من الجيد أن تخالفك الحياة مرات عديدة."
ابتسم لها بسخرية ولم يكد يتحدث كلمة واحدة حتى رفعت إصبعها في وجهه دون شعور:
"أنا هنا لست طوع أوامر جلالتك عزيزي. أنا امرأة مستقلة. في أي زمن نحن؟ زمن الاستعباد والسبايا؟! هذا زمن الحرية والآراء يا جلالة الملك، وأحمد ربك أنك لست في عالمي، وإلا أقسم أنني كنت سأقلب عليكِ منظمات حقوق المرأة أجمعها."
رمش أرسلان وهو ينظر لها بعدم فهم، ومن ثم حرك عيونه صوب إصبعها يراقبه بضيق، يتحدث بنبرة شبه جادة يحاول أن يكون لينًا:
"تقلبين عليّ ماذا يا امرأة؟"
"منظمات حقوق المرأة."
"وما هذه الأشياء؟"
رمشت وهي لا تفهم كلماته. وهو يراقبها بجدية ينتظر إجابتها ليحدد إن كان انقلاب ذلك الشيء عليه سيزعجه أم سيكون خفيف الوزن مثلًا فيتحمله دون تأفف.
"هذه منظمات لحفظ حقوق المرأة والمطالبة بها في عالمي."
"وهل تحتاج المرأة في عالمك للمطالبة بحقوقها؟ ألا يعلم الأشخاص هناك معنى كلمة حقوق؟ منذ متى يطالب الناس بحقوقهم؟ لماذا تحتاج المرأة لتقيم تلك الأشياء لأخذ حقوقها؟ هل رجال قومك عديمي مروءة؟"
نعم، هم كذلك. ربما ليس الجميع، لكن الأغلبية الساحقة كذلك. وعلى الجانب الآخر، هناك نساء متجبرات يسلبن الرجال حقوقهم. في الحقيقة، كانت حقوق المرأة في عالمها هي أصغر الصغائر التي قد تؤرقها مقارنة بكل الفساد هناك. لكنها بالطبع لن تخبره، فلا تريد أن يجن زوجها ويسحب جيوشه ويتحرك ليحرر عالمها من أفكارهم الغبية. رغم أن هذه فكرة جيدة في الحقيقة.
هل لو كان أرسلان من عالمها ليكون بمثل تلك التصرفات والأخلاق؟
كلمات رددتها في رأسها بنبرة تائهة، وكأنها تحاول إدراك أنه ليس من عالمها. ليس من عالمها؟! وكأنها للتو استوعبت أنها أحبت وتزوجت رجلًا ليس من عالمها.
ويلي، هل تحققت أحلام الطفولة الحمقاء التي كانت توافيها كل ليلة عن الارتباط بمصاص دماء أو مستذئب قوي متجبر يقيم حربًا لأجلها؟!
لكن أرسلان لم يكن... لم يكن مستذئبًا أو مصاص دماء حتى، لكنها تقسم أنه أشد بطشًا ورعبًا منهم حينما يتحول في الحروب.
"هل يمكنك أن تقيم حربًا لأجلي يا أرسلان؟"
تعجب أرسلان من تحول دفة الحديث فجأة، لا يستوعب ما خرجت به من العدم في هذه اللحظة. وسؤالها كان مفاجئًا، لكنه أجاب وهو يهز كتفه بكل بساطة:
"لا أظن أن أي من أسباب حروبي السابقة ينافس زوجتي أهمية. لذا نعم، أقيم حروبًا لأجلكِ وأحتل بلادًا لعيونكِ يا سلمى."
اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تنظر حولها بسرعة تطمئن لعدم وجود أحدهم في المكان، قبل أن تقترب منه تقبل وجنته بسعادة. ومن ثم ابتعدت عنه تضم يديها لصدرها بسعادة كبيرة:
"أحلامي تتحقق بك يابني. نعم، لا تستطيع التحول لذئب أو يمكنك إخراج أنياب كمصاص دماء، لكن ملامحك هذه أشد رعبًا من كل ذلك. لذا اكتفيت بك حلمًا يا آرس."
وأرسلان المسكين يقف أمامها يتابعها، لا يدري هل يتجاوز عن قبلتها على الملأ، أم يحاول فك طلاسم كلماتها حول الذئاب ومصاصي الدماء وما هذه الأشياء. هو سمع عن المستذئين من كتب الأساطير التي كان يراها مقززة، لكن ما هذا مصاص الدماء؟
"ما معنى مصاص الدماء؟"
اللمعت عيون سلمى وهي تتذكر كل أفلام مصاصي الدماء التي شاهدتها سابقًا وكل الكتب التي غرقت بها عنهم في فترة إدمانها لكل الخوارق قديمًا. تتحدث بصوت هائم شارد في أحلام خيالية قديمة لبطلها المغوار:
"أوه، هذا شخص له أنياب كبيرة يشرب بها الدماء وله قدرات خارقة، سرعة عالية وبشرة شاحبة بعض الشيء وعيون ثاقبة وشخصية قوية و..."
"شرب الدماء حرام يا سلمى."
وكانت كلمات نطق بها أرسلان فجأة لتهوي سلمى من غيمة أحلامها الطفولية القديمة إلى الأسفل السافلين. ترفع عيونها له بعدم إدراك:
"ها؟ ماذا؟"
"كيف يشرب الدماء؟ هذا حرام. 'حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ'."
رمشت سلمى بعيونها تحاول أن تفهم ما يقال. ونعم، هي كانت تعلم الآية بالفعل، لكن هذه كتب وشخصيات أحبتها و... شعرت بالتشوش في أفكارها وهي تراه يتحدث بجدية أمامها، ليس وكأنه يتناقش معها في شخصيات خيالية طفولية ابتدعها بعض الأشخاص في القرن التاسع عشر.
"ثم شرب الدماء هذا شيء مقزز. سبحانه الله لا يحرم شيئًا إلا وكان به مفسدة للجسد. تناول الدم بكميات كبيرة يؤدي إلى خطر زيادة نسبة الحديد في الجسد، وبالتالي يؤدي إلى التسمم."
ونعم، هذا أرسلان زوجها الذي عاش وترعرع بين السيوف يقف الآن يحلل شغفها بشكل علمي، ليس وكأنه عالم كبير في الأحياء.
وهذا يؤدي بها لسؤال دار فجأة في عقلها.
"ما هي دراستك يا أرسلان؟"
نظر لها أرسلان بعدم فهم:
"ماذا؟"
"دراستك، ما الذي درسته؟ لكل إنسان شغف يدرسه، ما هو شغفك؟"
فتح أرسلان فمه وكاد ينطق بكلمة القتال والحروب، لكنها سبقته تقطع عليه طريقه:
"عدا القتال والحروب."
نظر لها ثواني وقد فاجأته بالسؤال. فعندما كان يسأله أحدهم عن وظيفته أو هوايته أو حياته، كان يحصرهم في الكلمتين اللتين استثنتهما هي. لم يهتم أحدهم لمعرفة ما يقبع خلف درع حروبه.
نظر لها ثواني وهو يتذكر دراسته القديمة، يبتسم بحنين وكأنه لم يتخيل يومًا أن يعود لتلك النقطة من شخصيته:
"الطب وصناعة الأدوية."
شهقت سلمى بعدم تصديق، ليبتسم هو لها يردد بهدوء:
"نحن لا ندفع بالأطفال طوال الوقت للقتال يا سلمى. بعض النظر عن طفولتي والتي كانت استثناءً على كل ذلك، لكننا نكون حريصين على حصول الصبي قبل انضمامه للجيش على دراسة ينتفع وينفع بها."
صمت يشرد في حياته:
"رغم أنني قضيت نصف عمري في القتال والحروب، إلا أنني لم أترك شغفي يبهت ودرست الطب وكنت أسهر ليالي طويلة على كتب الأعشاب والطب بالأعشاب وغيرها، ودرست الطب لفترة طويلة من حياتي، وقد كان هذا السبب الرئيسي لقربي من نزار قديمًا، وكان يشاركني نفس الشغف ونستشير بعضنا البعض في أمور كثيرة، قبل أن... تنحصر حياتي في أمور المملكة وغيرها من الشؤون فأضطررت للتخلي عن شيء لأفسح المجال لشعبي في حياتي. بالطبع لن أتخلى عن القتال، وبالتالي تخليت عن الطب."
كانت سلمى تراقبه وهي متسعة الأعين، تشعر أنها لا تعلم عن أرسلان شيئًا. تهمس دون وعي:
"أنت طبيب؟"
"كنت."
"لكنك... لكنك لم... حينما أُصبت كان يمكنك... كان يمكنك علاجي ورغم ذلك تلجأ لطبيب آخر و... هل تمزح يا أرسلان؟!"
نظر لها أرسلان بملامح غير مفهومة وأبى إخبارها أنه لا يحب معالجة من يخصه خوفًا من ارتجاف يده وإيذيتها. وأنه طوال الوقت كان يساعد في تطبيب جراح الجيش ويقف جنبًا إلى جنب مع زيان يعالج هذا وذاك، لكنه يومًا لم يفكر في التجرؤ والاقتراب من جروح من يخصه، فهو لا يتحمل أن يدخل مشاعره في العلاج فيضعف. وقد سبق وتلقى ضربة حين فشل في علاج والده قديمًا، ويعلم أنها إرادة الله فوق كل شيء، لكنه لم يتخطى بعد.
لذا اختار الكذب للمرة هذه، المرة وهو يجيب ببساطة يخفيها أسفل نظرات توتره من تعري حقيقته التي دفنها أمام زوجته.
"هذا لأنني نسيت هذه الأمور تقريبًا."
ابتسمت له بسمة تخبره أنها لم تصدقه، تجذب وجهه بين كفيها وهي تهمس بإصرار:
"قد ينسى الإنسان من يحب، وقد ينسى نفسه حتى، لكنه لا ينسى شغفه يا أرسلان. حتى وإن نسي..."
حركت كفها تلتقط كفه تتحسسها بحب:
"يدك لن تنسى ما تعلمته يومًا."
نظر لها أرسلان ثواني قبل أن يبعد عيونه عنها:
"دعينا من هذا الأمر و..."
"لا يا أرسلان، ليس دعينا. أنت لا يمكنك ترك حلمك بهذه البساطة. يمكنك... يمكنك الدراسة لفترة واسترجاع ما تعلمته وتمارس شغفك في أوقات كثيرة. لا تدفن ما تحب فتبهت يا أرسلان، أرجوك. هل يمكنك أن تحقق لي هذا الطلب الصغير؟"
نظر لها ولعيونها وللرجاء القابع في عيونها، لكنه تنفس بصوت مرتفع يحاول الابتعاد عن هذا الحديث. ولا يعلم السبب، لكنه لم يكن مرتاحًا للتحدث في شيء توجع لإغلاقه قديمًا.
"هيا لترتاحي عزيزتي، فلدينا الكثير لنجهزه لزفافنا يا سلمى."
ختم حديثه يجذب كفها خلفه وهي تسير، تدرك أن زوجها يحتاج للكثير والكثير من المحاولات ليتجاوز ما تخلى عنه، ليعود لصورته الكاملة في طفولته. وهي تقسم أنها لن يهنأ لها بال إلا حينما تعيده لما كان عليه يومًا قبل أن تجرفه تيارات الحياة بعيدًا عن مراسيه.
***
"أين كنتِ يا نازين؟"
شهقت نازين بصوت مرتفع وهي تضع يدها على صدرها برعب بعدما سمعت صوتًا مفاجئًا في الغرفة التي دخلتها للتو. استدارت صوب الصوت لتبصر زيان يقف في منتصف الغرفة يحمل بين يديه كعكة كبيرة مغطاة بالفواكه التي كانت تلطخ وجهه وثوبه، وحوله بعض الزهور والشموع. وقد كانت هذه فكرة الملكة لمساعدته في خلق جو رومانسي يحتفل به مع زوجته بذكرى زواجهما.
"ما الذي... ما الذي تفعله في الظلام أنت؟ لقد كدت توقف قلبي يا زيان، ما بك؟"
رمش زيان بعدم فهم وهو يتحرك صوبها يتحدث بضيق بعض الشيء:
"لقد كنت انتظرك لأجل مفاجئتك."
"مفاجئتي؟ لقد كدت توقف ضربات قلبي منذ ثواني و... ثم ما هذا الذي تحمله أنت وما الذي فعلته بنفسك؟ زيان، لقد لطخت ثوبك بشكل صعب."
نظر زيان صوب ثوبه:
"حسنًا، هذا كان بسبب العنب، لقد أكثرت منه."
نظرت له نازين ومازالت لا تفهم. وللتو فقط انتبهت للشموع والزهور حولها:
"ما هذا؟ زيان، هذا..."
صمتت وهي تحاول أن تستوعب ما يحدث في المكان، قبل أن تسمع صوت زيان يردد بسعادة وهو يشير حوله بحماس شديد:
"هذه ذكرى زواجنا عزيزتي، لقد أعددت كل شيء بنفسي حتى قالب الحلوى."
حركت نازين عيونها صوب الحلوى لتبصر شكلها المزري، وكأن زيان صنعها باستخدام قدمه. ومن ثم حركت عيونها على هيئته المزرية التي توحي بمقدار ما مر به في سبيل إعداد شيء ليسعدها. وهي لم تحرمه من بسمة واسعة تهتف بصوت سعيد وعيون لامعة:
"يا ويلي يا زيان، ما هذا الجمال عزيزي، سلمت يمناك يا قلبي."
اقتربت منه تنتزع منه الحلوى تضعها جانبًا، تدعو الله أن ينساها في خضم الأجواء الشاعرية هذه. تقترب منه تضم وجهه بين يديها تمسح لطخات العنب عن وجهه:
"زيان، هل كنت تصنع الحلوى بوجهك؟"
ابتسم زيان لها وهو يتحدث بحماس شديد:
"تذوقت البعض، هيا تعالي لتبصري هديتي."
سحبها بسرعة صوب الخزانة الخاصة بملابسها، وهو يقربها له بحنان يدفعها أمامه يتحدث بسعادة كبيرة:
"افتحيها."
نظرت له بعدم فهم قبل أن تفتح الخزانة تحاول فهم ما يحدث. وقبل أن تعبر عن حيرتها بأي كلمات، كانت شهقتها تسبقها وهي تتراجع للخلف بصدمة كبيرة تنظر صوب زيان لا تصدق ما تبصره، تحدق فيه بعدم فهم.
"هذا... زيان، هذا... هذا..."
صمتت وقد كانت الكلمات صعبة عليها. وزيان ابتسم يراقب باستمتاع نظراتها الملتمعة وصوتها قديمًا قبل زفافهم يرن في أذنه حتى الآن. "فستان الزفاف ليس سيئًا، لكنني تخيلت فستانًا أشد روعة من هذا يا زيان، مثلًا فستان أبيض مطرز بالزهور كالآميرات والأساطير. تخيل أن أفعلها وأكون الأولى التي تزف بالورود وترتدي الورود؟!"
سقطت دموع نازين وهي تركض للفستان بسرعة تضمه لها تراقب الزهور التي تملؤه بشكل بديع. تتحرك يدها عليها بأعين ملتمعة لا تصدق ما تبصره. فستان زفاف كما... تخيلت. بعد كل تلك السنوات من زفافها تنال حلمها.
استدارت صوب زيان الذي كان يتمتع بذلك المشهد. وقبل أن يعي ما يحدث، سمع صرخة سعيدة منها وهي تندفع صوبه بشكل جنوني، أدى لسقوطه بقوة أرضًا لتعلو صرخات أخرى في المكان مختلفة تمامًا عن صرختها السعيدة.
ونازين تلك المسكينة التي كانت تحيا حلمًا متأخرًا، كانت تصرخ سعادة وهي تنكب على زيان تقبل وجهه بفرحة كبيرة تضمه بحب:
"لقد فعلتها يا زيان، فعلتها. كيف... كيف فعلت هذا؟"
أغمض عيونه بقوة وهو يكتم تأوهه بصعوبة. وقبل حتى فتح عينيه والتحدث، سمع همستها التقريرية:
"هل هي الملكة؟ لا بد أنها هي، فهي من تستطيع صنع مشغولات بالزهور. لقد رأيتها تصنع تاجًا لفاطمة وكذلك باقة زهور لبعض النساء. ذكرني أن أشكرها."
"يا ابنتي، أنتِ إن لم ترحمي فقرات ظهري وتنهضي من فوقي الآن، سأكون أنا ذاتي ذكرى لكِ. ابتعدي يا نازين، سأموت."
انتفضت نازين من فوقه حينما استوعب ما حدث فجأة، تعدل من ثوبها وهي تراقبه ينهض يتمسك بظهره. تنتظر أن يستقر ويهدأ، تضم يديها لصدرها بحماس شديد. وحينما أبصرت أنه أخيرًا نهض وأصبح بخير (حسب ما ترى هي):
"إذن سأذهب لأرتديه وأعود للمكان، وأنت تخلص من قالب الحلوى هذا ريثما أعود."
ختمت حديثها تنطلق صوب الخزانة تحمل الفستان لأحضانها تركض صوب المرحاض، تاركة إياه يراقبها باستنكار ويده ما تزال تمسك ظهره وكأنه يخشى سقوطه أرضًا:
"مهلًا، هذا كان جارحًا. لقد هربت من العمل لساعتين مبكرًا فقط لعمل هذا القالب الذي تريدين التخلص منه."
"لو أنك قضيت الساعتين في الاستغفار لكان خير لك عزيزي."
نظر زيان صوب باب المرحاض المغلق بحنق شديد وغضب أكبر، قبل أن يتلاشى كل هذا وهو يضحك بخفوت سعيد، بل يكاد يطير من السعادة أن روح زوجته قد عادت وأخيرًا.
تنفس بصوت وهو يدرك أن كل ذلك لم يحدث إلا حينما شفت صدرها من ذلك الوسخ قبل تسليمه للملك بارق.
"زيان، توقف عن هذا. تمالك نفسك، ما بك؟ منذ متى وأنت بهذا التهور؟ دع التهور للمعتصم واحتفظ بتعقلك."
اتسعت عيون المعتصم والذي كان يمسك يد زيان يمنعه من الاندفاع صوب السجن لقتل أنمار. وأرسلان يقف أمامه يلقنه دروسًا في كيفية التحكم بغضبه، وهو غاب عن هذه الدروس من الأساس.
زفر أرسلان وهو يمسح وجهه، ينظر صوب طريق السجن وقد انتهى الجميع مما يريد من أنمار، يفكر في زيان والذي جاءه يومًا يخبره أن قصاصه من أنمار سيأخذه ولو على جثته.
"ما الذي تريده أنت يا زيان؟ تريد قتل الرجل لتصغرني أمام الملك بارق بعدما تعهدت له أن يتسلمه قطعة واحدة ها؟"
وزيان الذي لم يذكر شيئًا عن تقطيع أنمار، كان يراقب ما يقول أرسلان بملامح بلهاء وكأن أرسلان يعبر عن رغبته التي يرغب برؤيتها.
"اسمعني جيدًا لأنني لا أحب هذه التصرفات الغبية المتهورة في مملكتي. أنت ستدخل هذا السجن تفعل به ما تشاء على أن تحتفظ به قطعة واحدة."
نظر له المعتصم بصدمة وهو يفلت زيان بعدم وعي. وصدمة زيان لم تكن تقل عن صدمة المعتصم، لكن المعتصم تجاوز سريعًا وهو يدرك أن أرسلان ليس ذلك الرجل الذي تتوقع منه تهدئة أو تعقل أو حكم قد يساعد في إطفاء نيران غضبك. وقد جرب ذلك بنفسه حين حرضه على إلياس العزيز الذي يقبع الآن في سجن طويل لن ينتهي قريبًا داخل أسوأ سجون مشكى.
أرسلان كان من ذلك النوع الذي يحب مساعدة من حوله في إطفاء نيرانهم وهو في الأساس بركان ثائر.
تنفس زيان بصوت مرتفع وهو ينظر صوب أرسلان ثواني قبل أن يسحب أرسلان المعتصم بعيدًا عن طريق زيان يتحدث بجدية:
"تعالى هنا يا بني، دع الولد يعتمد على نفسه. دعه يستعيد ذكريات الجيش وقد تيبست عضلات جسده من طحن الأعشاب. هيا يا زيان، هي فرصة واحدة لتشفي صدرك وصدر زوجتك. خذ قصاصك يا أخي واذهب لتسعد قلب زوجتك."
نظر له زيان ثواني قبل أن ينطلق بالمدفعية لا يبصر أمامه سوى ضباب، سوى دمار منزله، جثث أبنائه، قبورهم، تعذيب زوجته لكل هذا الوقت. لا يبصر سوى قصاصًا له.
راقبه أرسلان ببسمة صغيرة وهو يشفي صدور من حوله واحدًا تلو الآخر. الآن زيان، ومن ثم جميع النساء اللواتي نجين من الجحر. والله ليجعلهن يبصرن إذلالًا لأنمار لا يتبعه إذلال.
"كيف أبدو؟"
رفع زيان عينيه ببطء وقد خرج من شروده على أجمل المناظر التي يقسم أنه يستطيع أن يقضي حياته بالكامل يتأملها.
تنفس بصعوبة وهو يراقب مظهر نازين أمامه مبتسمًا بسمة صغيرة لا تعبر عن نصف مشاعره. يتحرك صوبها ببطء وشفتيه ترتجف وكأنه لا يجد أي كلمة تعبر عما يكتم لها من مشاعر.
تأوه وهو يهمس باسمها:
"نازين، يا ويلي. تبدين... ساحرة حبيبتي. كنتِ ومازلتِ، والله يشهد عليّ أن عيني هذه لم تبصر من النساء من ينافسك بهاءً، هذا إن أبصرت نساء غيرك في هذا العالم."
سقطت دموع نازين وهي تتحرك صوبه راكضة. وهذه المرة تعلم زيان من خطأ المرة السابقة، وقد استعد ولم يكن الأمر على حين غفلة. يتلقفها بين أحضانه يدور بها بسعادة وهي تضم رقبته بحب تهمس جوار أذنه:
"ألا أن الحياة خارج أحضانك جحيم يا زيان."
"والحياة بين أحضانك فردوس يا نازين."
***
"أطلق المعتصم صرخة مرتفعة تداركها فورًا وهو يضع يده على فمه بسرعة قبل أن تصل صرخته للجنود بالقرب منهم. يحرك عيونه برعب وصدمة يحدق بالسيف المستقر في الجدار جواره على بعد شعرة واحدة بعدما ألقته فاطمة عليه بغرض عرض مهارتها في تقطيعه دون ترك أي أثر لجرمها."
ابتلع ريقه وهو يبعد عيونه عن السيف بصعوبة يحدق بعيون فاطمة التي لم تكن تناسب ما تفعله. تلك النظرات البريئة المستكينة، كيف... كيف كادت تقطع رأسه للتو؟ كيف فعلتها؟
"هل نجحت؟ هل كنت جيدة؟"
"في التخلص مني؟ نعم، كنت أكثر من جيدة. فاطمة، كدتي تقطعين أذني للتو."
نظرت له بعدم فهم وهي تقترب منه تدقق النظر بأذنه:
"ما تزال في مكانها."
"هذا بفضل الله ورضاكِ علينا عزيزتي."
ابتسمت له ولم تلتقط سخريته، وهي تجذب السيف مرة ثانية بحماس شديد تتحرك لمنتصف الساحة التي كان يعلمها بها القتال منذ أيام، موفيًا بوعده الذي قطعه عليها.
"إذن، هل نكمل؟"
"نكمل ماذا؟"
"قتال."
"فاطمة، هل تستغلين أنني أخشى أذيتك لتقطعيني؟"
"لا أريد تقطيعك يا المعتصم، أريد فقط أن أصبح ماهرة."
"أنتِ بهذه الطريقة ستصبحين جزارة حبيبتي وليس ماهرة."
نظرت له بحزن ليتنهد بصوت مرتفع وهو يرفع سيفه بهدوء، يحرك في الهواء، يحاول أن يذكر نفسه أنه سبق وعلم الكثيرين غيرها. لماذا الأمر صعب هذه المرة بهذا الشكل؟
ونعم، الإجابة كانت لأنه الآن يعامل زوجته وعالمه الذي مجرد خدش به سيحيل سنوات عمره لجحيم، وليس رجلًا خشنًا يريد أن يجعله جامدًا يتحمل الحروب والقتال، ومجرد خدش لن يعني له الكثير.
"ارفعي سيفك هيا."
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وهي ترفع سيفها تقلده بمهارة شديدة. وهو يراقبها ببسمة يراها وقد كانت طالبة نجيبة. تحرك صوبها يوجه ضربة جانبية لتصدها بمهارة، فتتسع بسمة المعتصم.
يضربها ضربة لليمين وأخرى لليسار بحركات بطيئة، وقد كان اليوم يعلمها كيفية تحديد من أين تأتيها الضربة حسب نظرتها ليد العدو.
وبمجرد أن تأكد أنها تلتقط الحركات بسرعة، ابتسم يخبرها بهدوء يتجهز بجدية وقد علت نظراته شيء من التحفز وكأنه يراقب عدوًا يتمختر أمامه:
"إذن بما أننا أنهينا الجزء التعليمي، لنبدأ بالجزء التطبيقي."
وقبل أن تعي فاطمة ما يقصد، كان المعتصم يرفع سيفه بقوة يهبط به صوبها في ضربة ارتجفت فاطمة وهي تصدها بسرعة، وقد كانت صدتها تلك ردة فعل من جسدها في الأساس لا تعي هي بها.
حركت عيونها بعيدًا عن السيفين وهي تنظر في وجه المعتصم بأعين متسعة قبل أن تلقي السيف أرضًا وقد امتلأت عيونها دموعًا. وهو يراقبها بعدم فهم، لتنظر له بلوم وعتاب غير مفهوم تتحرك بعيدًا عنه بسرعة بعدما ألقت في وجهه كلماتها الأخيرة:
"كدت تقتلني يا المعتصم."
نظر المعتصم السيف بين كفه بصدمة وهو يحدق في أثرها. يقتلها؟ لقد كان حريصًا ألا يقترب منها السيف بشكل كبير حتى. وهي كادت تجز عنقه منذ ثواني والآن هي من تركض باكية؟
تحرك بسرعة بعدها وهو يبحث عنها يزفر بضيق وقد تأكد من سوء الفكرة. تأكد من أن فكرة تدريب زوجته كان أسوأ الأفكار التي خرج بها عقله على الإطلاق. ليته ما تحدث ولا نطق بهذه الكلمات يومًا.
وصل للغرفة الخاصة به يفتحها بسرعة بحثًا عنها، لكن فجأة وجد نفسه عاجزًا عن ذلك بعدما اكتشفت أنها مغلقة من الداخل.
"ماذا؟ فاطمة؟ افتحي الباب."
"غادر من هنا يا المعتصم، لا أرغب في الجلوس معك الآن، ليس بعدما حاولت التخلص مني منذ قليل."
تشنجت ملامح المعتصم بقوة وهو يشعر بالبلاهة. ينظر حوله بحثًا عن أحد يراقب ما يحدث له، ليطمئن أن لا أحد.
يقترب من الباب يهمس بصوت متيقن أنه وصل لها خلف الباب مباشرة حيث تجلس.
"افتحي هذا الباب يا فاطمة وتوقفي عن كل ما تفعلينه هذا يا امرأة..."
نظرت فاطمة للباب من الجانب الآخر، تجلس على الفراش بهدوء وهي تراقب الباب بتجبر غريب عليها. وقد بدا أن القطة الصغيرة خرج لها أظافر.
فجأة انتفضت عن الفراش وهي تسمع صوت ضربة قوية على الباب والمعتصم يردد بغضب:
"حسنًا، لا تفتحي الباب. ابقي طوال الوقت وحدك بالداخل."
اتسعت عيون فاطمة بصدمة وخوفه، وهي تنتفض عن الفراش تفتح الباب بسرعة قبل رحيله تتحدث بلطف وهي تنظر له بأعين حزينة:
"ستتركني وحدي هنا يا المعتصم؟"
توقفت أقدام المعتصم وهو ينظر لها بتعب. ومن ثم تحرك صوبها يجذبها من ثوبها كما لو أنه أمسك بلص يدخلها الغرفة. ومن ثم أغلق خلفها يتحرك صوب الخزانة وهو ما يزال يجذبها بنفس الطريقة، وهي تسير معه تتابعه دون كلمة.
والمعتصم يخرج لها ثوبًا مريحًا يخلع عنها الحجاب، ومن ثم يفك لها فستانها ويساعدها في ارتداء ثوب النوم. يتحرك هو للأنتهاء كذلك من ثوبه ومن ثم عاد وجذبها من ثوبها بنفس الطريقة يلقي بها على الفراش وتبع جسده بها. يجذبها لأحضانه ومن ثم رفع الغطاء فوقهما يربت عليها مقبلًا رأسها بحنان:
"هيا نامي عزيزتي، انتهى اليوم..."
نظرت له فاطمة لا تفهم ما يحدث، لكنها رغم ذلك كانت تشعر بالإرهاق والنعاس وأحضان المعتصم كانت أكثر من محفز لذلك، لذا سقطت في النوم مبتسمة براحة. والمعتصم يراقبها بحب وقد أبصر على مدار الأيام السابقة تحسنًا واضحًا في حالتها.
تنفس بعمق وهو يغمض عيونه بسعادة وراحة:
"وأخيرًا..."
***
"كيف حال عشبتي؟ عسى أجواء أبي تليق بكِ ومناسبة لنموك."
أبعدت توبة عيونها عن النافذة تستدير مبتسمة بسمة واسعة تستقبل بها نزار بعدما استدعاه الملك في أمر خاص بالمملكة. تتحرك صوبه تردد ببسمة واسعة:
"المكان جميل كثيرًا يا نزار، لقد أبصرت للتو بحيرة لامعة في الأسفل، هل يمكننا الذهاب للجلوس عندها بعض الوقت؟"
نظر لها بحنان وهو يهز رأسه موافقًا:
"طالما أنكِ طلبتِ بهذا اللطف..."
فرد كفه أمامه بكل رقي وهدوء داعيًا إياها لتسبقه. وهي راقبته ببسمة ترفع طرف ثوبها تميل له بلطف، ومن ثم تحركت صوبه ليتمسك بكفها وهو يصحبها معه في جولة مسائية بعدما خلت الطرقات من قاطني القصر.
وهي تسير معه تستمتع بالهدوء والليل.
وحينما وصلوا بعد دقائق للبحيرة جلست توبة على أطرافها تحدق بالمياه بأعين غائمة وهي تبتسم بسمة غريبة. يتباعها هو دون أن يقاطع شرودها. ودقائق تلتها أخرى، ونزار اكتفى بها حياة في هذه اللحظة وفي كل لحظة.
وبعد صمت طويل أفاقت توبة وهي تبصر نظراته لها تبتسم بسمة صغيرة:
"ماذا؟"
"هل نسيتني؟ أراكِ وقد شردتِ بالبحيرة عني."
"بل ناجيتها عنك."
نظر لها بعدم فهم لتمسك كفه تجذبها لحضنها وهي تميل عليه تشير صوب البحيرة بهدوء مبتسمة:
"في الجزء الخلفي لقصر سبز كانت هناك بحيرة صغيرة اعتدت الجلوس بجوارها لكتابة مذكراتي في مجلد صغير، مجلد سجلت به كيف أريد أن يكون زوجي في المستقبل."
ابتسمت وهي تنظر له:
"غريب أنني كنت بهذا الغباء ولم أبصرك من قبل يا نزار."
نظر في عمق عيونها يطيل النظر حتى شعر أن ثانية أخرى للنظر في عيونها تفصله عن النجاة أو الغرق في تأملها. لذا ابتسم بسمة صغيرة يتحدث بجدية:
"وهل تراكِ ذكرتي اسمي في كتابك؟"
"تريد الحقيقة؟ لم أفعل سوى مرات معدودة حينما كنت أذكر ذلك الطفل الذي أراد أن يتزوجني فقط لأجل خصلات شعري اللامعة."
نظر لها نزار ثواني وكأن ما قيل محي من رأسه ليبتسم فجأة حينما ضربت ذكرى شبه بعيدة عقله.
"وقد حققت رغبتي عزيزتي وها أنتِ ذا بشعرك اللامع زوجتي وبين أحضاني، لكنني ما زلت حانقًا على ذلك الكتاب الذي ضم اسمك ولم يفعل باسمي."
"لا تحنق عزيزي، فإن لم يكن اسمك ضمن محتويات كتابي فتأكد أنه عنوان الكتاب الآن."
اتسعت بسمة نزار بقوة وهو يشعر بالراحة يضمها صوبه يهتف لها بصوت رقيق حنون:
"منذ تلك اللحظة التي نبض بها قلبي لكِ للمرة الأولى، علمت أنني ظفرت من الحياة بكِ يا توبة. ما دونك دون عزيزتي..."
اللمعت عيون توبة وهي تردد بكل ذرة صدق وعشق داخلها وقد أدركت منذ فترة طويلة تلك الحقيقة:
"أنت نزار كنت الأول في كل شيء. كل شيء أعنيها. وطأت داخل صدري أماكن لم يصل لها غيرك و..."
"لن أسمح أن يحدث على أية حال."
ضمها بلطف يجذبها وهو يشرد معها بنجوم الليل التي تنعكس بالبحيرة أمام عيونهم. وقد انتهى كل ما يؤرقهم في هذه الحياة.
"أخبرتني أنك ستذهب غدًا لزيارة الوليد."
هز رأسه يقبلها بلطف:
"نعم، قصرت معه ولم أزره لثلاثة أيام بسبب انشغالي في الوقت الأخير، لكن لا بأس غدًا أراضيه."
"هل يمكنك المجيء معك؟"
"إذا أردتِ، فلا بأس."
"نعم أريد..."
صمتت وصمت هو حتى تحدث بصوت منخفض وهو لا يود سحبها من هذه الأجواء الهادئة صوب تلك النقطة من الحديث، لكنه مجبر.
"قبل قليل أخبرني والدي أن... حكم الإعدام في حق أنمار سيُنفذ فجر الغد. تريدين الذهاب لسبز لرؤ..."
"لا، لا أريد أن أفعل."
قاطعته دون أن تبعد عيونها عن البحيرة أمامها وهي تبصر آخر لقاء معه حين جاء من مشكى لسبز مكبلًا يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يعالجونه للحكم عليه.
"لقد تخطيت هذا الجزء من حياتي ووعدتك المرة السابقة أنها ستكون المرة الأخيرة التي أسمح لنفسي فيها بالتفكير في هذا الخسيس وكل ما يتعلق به. لم أعد أهتم بأي شيء يخصه حتى لو كان انتقامًا. نلت انتقامي بما حدث له، ونلت مكافأتي بزواجي منك."
وعم صمت آخر من بعد كلماتها وهي تضم نفسها لنزار رافضة حتى تذكر تلك اللحظات التي تحولت بها وكادت تقطع وجه أنمار بأظافرها وهي تصرخ بأنه قتل طفلها. ولولا وجود نزار في ذلك الوقت لكانت قطعته أشلاء بلا مبالغة، أو انهارت أرضًا كالجثة.
جملتها ما تزال ترن بعقل نزار وهي تصرخ بروح مذبوحة: "ما الذي فعله لك، كان صغيرًا... كان طفلًا، كان ولدك أيها الخسيس، لا سامحك الله، لعنة الله عليكم أيها الشيطان، والله لأخذن حقه منك أمام الله يا وسخ."
ومن بعد انهيارها طلبت من الجميع ألا يتحدث أحدهم عنه أمامها.
كان لها ما تريد، وكان لنزار ما يريد.
نزار الذي أبى مغادرة سبز مع زوجته قبل أن يأخذ من أنمار ما يرغب به.
"إذن أين هو؟"
رفع له أنمار عيونه وهو لا يرى بها بشكل جيد بسبب تضخم مرعب بها يحاول التنفس بشكل طبيعي، لكن يبدو أن الكسور التي أصابت ضلوعه حالت ما دون ذلك.
"لا أعلم من تقصد، وحتى إن علمت تعتقد أنني قد أبوح لك بشيء تريده؟"
ابتسم له نزار بسمة صغيرة وهو يتحرك يجلس أمامه بهدوء يراقبه بأعين ضيقة جعلت أنمار يدرك أنه جاء ليكمل وصل التعذيب التي يتلقاها على يد كل من يبصره.
"لا تحاول صدقني، فضرباتك لن تكون أسوأ مما نلت بالفعل."
وبسمة نزار لم تتزحزح أو تختفي أو حتى تتلاشى لثانية واحدة، بل ظل ينظر له بهدوء شديد وهو يدس يده داخل جيوبه:
"أنا لا أستخدم قوى الجسد يا أنمار، فقوى العقل يؤلم أكثر عزيزي."
ختم حديثه وهو يتساءل بجدية وعيون أنمار تتحرك على يده بريبة وحذر، لكن نزار لم يهتم وهو يكمل كلماته بنبرة مخيفة:
"أين هو جثمان محمد؟"
رفع له أنمار عيونه بعدم إدراك وكأنه لا يفقه عمن يتحدث. وقد بدا أن كثرة عدد ضحاياه أنسته من يتحدث عنه أنمار، لذا تحدث وهو لا يفهم ما يريد:
"عزيزي، قتلت الكثيرين بهذا الاسم، أي واحد تقصد؟..."
قطع كلماته صرخة جنونية هزت جدران السجن، بل وربما القصر بأكمله حينما شعر أن قطعة جمر مشتعلة التصقت جلده المصاب. ولم يكن ذلك سوى الأعشاب المطحونة التي أخرجها نزار وسكبها على قدمه بغضب صارخًا:
"محـــــــمـــــد ولـــــــــدك أيها الوســــخ، أين جثمان الفتى؟"
بكى أنمار بوجع وقد شعر في هذه اللحظة أن كل لحظات ألمه السابقة لا تساوي لحظة واحدة من ذلك الوجع الجحيمي الذي يشعر به يحاول فرك قدمه لإبعاد الأعشاب عنه:
"هذا... أوقفه... أوقفه هذا..."
"نعم، هذا... هذا ما سيملئ جسدك خلال ثواني يأكله، حتى عظامك ستذوب إن لم تتحدث بمكان جثمانه."
عض أنمار شفتيه بوجع مريع وقد شعر أنه سيفقد أنفاسه خلال ثواني بسبب الوجع. لم يكن يعترض على الموت وهو سيناله على أية حال، لكن بهذه الطريقة التي سمع عنها كثيرًا ولم يجربها، كانت أسوأ موتة قد يحظى بها سجين يومًا.
"ميتة مشكى" كما أطلق عليها البعض. بعض الأعشاب التي يطحنها أرسلان ولا يعلم بها غيره، توضع على الجرح كفيلة بإعطاء السجين أبشع وجع قد يحظى به رجل يومًا. وأرسلان لم يكن يمنح أحدهم سر هذا المسحوق خوفًا أن يستخدم بشكل خاطئ. وهو لم يكن يستخدمه إلا في حالات نادرة لاستخراج الاعترافات من مجرمين خطيرين حول خطط المنبوذين قديمًا. وربما لهذا كان يفلح طوال الوقت في دك كل حصن اختبئوا به، حتى أصبح كابوسًا قديمًا لهم. وأول هدف في قائمتهم.
"أنا أنتظر..."
"أوقفه... فقط أوقفه."
"سيتوقف حين تتحدث بما أريد."
تساقطت دموع أنمار بقوة وهو يرفض الحديث يشعر بروحه ستخرج. لن يريحهم، سيتركهم بقلوب محترقة بهذا الشكل ولن يريح أحد بموته. لكن وقبل أن يعاند فيما يريد صرخ صرخة شقت صدره وكاد يلفظ بها روحه خارج جسده حينما نثر نزار المزيد من الأعشاب على باقي جروح يده ليصرخ دون قدرة على التنفس:
"بحيرة... بحيرة سبز الجنوبية... جوار البحيرة الجنوبية عند الشجرة العملاقة، أسفلها... دفنته أسفلها."
كان يصرخ وهو يبكي ويصرخ بصوت مرتفع:
"والآن أوقفه... أوقفه أرجوك."
نهض نزار ينظر له بهدوء. ومن ثم نظر للأعشاب بيده يتحدث بهدوء:
"تعلم أن أرسلان لا يمنح هذه الأعشاب لأيٍ كان؟ يبدو أنك غالٍ عند الرجل كثيرًا."
توقف عن الحديث ومن ثم ابتسم بسمة واسعة:
"واستغلالًا لكرمه واستخسارًا لباقي الأعشاب، أنا مضطر لهذا..."
ختم حديثه وقبل أن يتجرأ أنمار على التساؤل عما يتحدث عنه، كانت باقي الأعشاب تتناثر على أجزاء جسده بالكامل ونزار يبتسم له بسمة سوداء يتذكر كل ما فعله بتوبة وولدها وما فعله ببارق. يراقبه يتلوى من الألم لينفض ثيابه بهدوء ويخرج من المكان يشير للحارس أمام الباب:
"دعه هكذا عشر دقائق ومن ثم أوقف الأمر."
ومن بعدها تحرك في طريقه للبحيرة الجنوبية لانتشار باقي رفات محمد ودفنه وتكريمه جوار ملوك وأمراء سبز.
"بالمناسبة، لم تأتني الفرصة لشكرك بالشكل اللازم."
أنزل نزار عينيه صوب توبة التي كانت تحدق فيه ببسمة صغيرة وحب، ليبتسم هو لها بسمة مشابهة:
"هذا لأنك لا تحتاجين لشكري على أي شيء، فكل ما أفعله معكِ، أقل من واجبي نحوكِ عزيزتي."
تنفست توبة بصوت مرتفع وهي تضمه بقوة تهمس بعشق:
"لماذا لا يكون كل العالم نزار؟"
"لأنه ليس كل العالم يا توبة..."
***
"حسنًا، زوجك مجنون وأنا لا أصدق أنه رضي عني مؤخرًا ولم يعد يطالبهم بتعذيبي في التدريبات، لذا لا."
"هذا يعني أنك تتخلى عني لود صحيح؟"
فكر خالد ثواني ودارت أفكار عدة داخل رأسه وكأنه يبحث عن تعريف آخر أو كلمة أخرى يصف بها ما سيفعل. صفة لا تظهره بهذه القذارة، شيء يحسن من موقفه أمام أخته. وفي النهاية تنهد يقول ببساطة:
"نعم، أتخلى عنكِ عزيزتي. إذا أردتي الرحيل من هنا افعليها وحدكِ. يمكنك أخذ موزي معكِ إن أردتِ، فهو لا يحب زوجك على أية حال."
ختم حديثه يشير صوب موزي الذي كان يجلس على حافة الفراش يتناول الكثير من الفاكهة باستمتاع، قبل أن يبصر إصبع خالد موجه له وكذلك الأنظار ليعتقد أن الهدف من هذا الانتباه هو سلب فاكهته، لذا أصدر صرخة معترضة حانقة يتحرك صوب النافذة وهو يضم بين أحضانه الفاكهة بكل حب.
وخالد ابتسم يهز رأسه ببساطة:
"أو ربما لا، هذا يوصلنا لنتيجة نهائية. أما أن تتوقفي عن حماقتك وتنزعي فكرة ترك القصر هذا قبل الزواج، أو تذهبي وحدكِ. وفي كل الحالات لا تتأخري، فالزفاف بعد يومين وأبي سيصل قبل الزفاف بيوم."
هزت رأسها وهي تشعر بنيران داخل صدرها مما يحدث. طلبها كان بسيطًا ولم تبالغ فيما تريد. تريد أن يزفها أرسلان من منزل عمها. وهو يرفض خروجها من القصر وابتعادها عن عينيه.
"حسنًا، إذن أنت من اختار."
تحركت عن الفراش وهي تحمل حقيبتها تتحرك للخارج، لكن فجأة توقفت وهي تحمل بعض الفاكهة المتناثرة في المكان تضرب بها موزي الذي أطلق صرخة فزعة. ومن ثم تحركت صوب خالد تلقيه بقطعة تفاح شبه ممضوغة بواسطة موزي سابقًا.
"تبًا لكما سويًا."
خرجت من الغرفة غاضبة وهي تأكل الأرض أسفلها تتوعد لمن يقف في وجهها هذه المرة. الأمر في البداية كان مجرد فكرة، لكنها تحولت من بعدها لإصرار بسبب عناد أرسلان. تحداها وتقسم أن تجعله يندم.
"إلى أين يا جلالة الملكة بهذه الحقيبة؟"
توقفت أقدامها وهي تبتسم ببرود مستديرة صوب أرسلان الذي كان يتحرك مع بعض رجاله في الممرات تتحدث ببساطة:
"سأرحل عن هنا مولاي حتى وقت الزفاف. سأذهب لمنزل عمي كما اتفقنا."
اقترب منها أرسلان وهو ينظر لعيونها الظاهرة من اللثام:
"أوه نعم اتفقنا؟ أحب رؤيتك تفعلين بالمناسبة."
"هل تتحداني؟"
"لا أفعل."
ابتسمت بتكبر وهي تتراجع برأسها تنظر له من علياها ولم تكد تنبث بكلمة واحدة تخبره أنه لن يستطيع حتى وإن أراد، فليست هي من ترضخ لأوامر من أحدهم.
لكن فجأة وهي تحلق في السماء بكل تكبر أطلق عليها هو سهمًا أطاح بها أرضًا وهو يبتسم ببساطة موضحًا:
"أن أتحدكِ هذا يعني اعترافًا صريحًا مني أنكِ ترتقين للمستوى الذي يؤهلك لتجابهيني، وأنا لن أمنحك مثل هذا الشرف يا امرأة."
اتسعت عيون سلمى تهتف ببسمة مصدومة من طريقته وقد شعرت فجأة أنها تكلم النسخة التي قابلتها أول مرة لتنطق دون شعور:
"هل تمزح معي؟"
"في العادة لا أمزح مع النساء إلا من يخصني منهن، وبما أنكِ كذلك، فلا لا أفعل في الحقيقة الآن."
ختم حديثه يتحرك من أمامها بكل بساطة وببسمة مستفزة يشير للجنود كي يلحقوا به وهو يكمل حديثه كما لو لم تكن موجودة:
"إذن كما قلت سابقًا، سوف ننتشر في..."
قاطعته هي مجددًا تتحدث في منتصف الممر وهي تقف بكل قوة وغضب من تجاهله لها:
"شاكرة للطفك على موافقتك مولاي، عمي سيقدر هذا اللطف حقًا."
توقف عن سيره قبل أن يزفر بضيق وملل يشير لها بعدما مسح وجهه بغيظ:
"اذهبي لغرفتك سيدتي ودعيني أنتهي من عملي."
"لن أذهب لغرفتي، بل سأرحل من هنا."
هز رأسه دون اهتمام وهو يعود للحديث مع الجنود:
"حسنًا، لكن لا تتأخري، فلن نؤخر موعد العشاء لأجلك مرة أخرى."
ختم حديثه يتحرك بهدوء تحت أعين الجنود المصدومين منه، وقد علا صوت أحدهم بتردد شديد لتدخله:
"مولاي، لقد... لقد تحركت الملكة بالفعل صوب بوابة القصر، ماذا إن رحلت؟"
توقف في سيره ينظر له ببسمة صوب ذلك الجندي يجيب ببساطة كبيرة كسابق حديثه:
"ستكون المحاولة الرابعة والعشرين التي تفشل فيها لهذا الأسبوع، دعها تتمهم خمسة وعشرين."
أنهى حديثه يكمل عمله، بينما هي تحركت بالفعل صوب البوابة الخاصة بالقصر تتمسك بالحقيبة تردد كلمات عديدة غاضبة ولم تكد تبلغ البوابة حتى سمعت صوتًا في الخلف يناديها.
"جلالة الملكة."
توقفت خطوات سلمى وهي تستدير ببطء صوب المتحدث والتي كانت إحدى الفتيات اللواتي يقطن أسفل قصر مشكى لمساعدتهن في تخطي ما حدث.
تقدمت منها الفتاة تمسك بين يديها طفلها الصغير والذي تحرك صوب سلمى ببسمة واسعة يحمل زهرة جميلة اللون يهديها لها بحب شديد:
"هذه لكِ مولاتي."
اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تنظر للصغير ومن ثم نظرة صوب حور وهي تداعب خصلات العزيز "عابد" تجلس أمامه تتلقف منه الزهرة وهي تبتسم له بحب شديد:
"العزيز عابد، لو كان جميع الرجال بمثل لطفك ورقيك هذا لما عانت امرأة يومًا، محظوظة زوجتك عزيزي."
اتسعت بسمة عابد بقوة يخفي وجهه بخجل في قدم حور التي ضحكت وهي تضم رأسه لها بحب:
"لا أعتقد أن عابد سيفعل ويخونك جلالة الملكة، فهو وفي لكِ. أخبرني أن أطلب منكِ انتظاره لحين يكبر وهو سيتزوجك."
تشنجت ملامح أرسلان الذي كان يتحرك صوبهما يتأكد أنها لم تغادر بجدية هذه المرة، ليتجمد مكانه مما سمع. الفتى الصغير يتغزل بزوجته ويقدم لها زهورًا ويطالبها أن تنتظره لتصبح زوجته؟!
"حقًا الآن سينافسني طفل على زوجتي؟"
تحرك صوبهم وهو يهتف بجدية ونبرة هادئة يبعد عيونه عن حور بعدما ألقى السلام عليهم:
"هل أقاطع شيئًا هامًا؟"
ابتسمت حور تجيب باحترام شديد وهي تخفض عيونها أرضًا تحدق بعابد الذي ما يزال يناظر سلمى بإعجاب بعدما تعلق بها طوال فترة علاجه.
"لا، فقط عابد أراد إهداء الملكة زهرة وإلقاء التحية عليها."
ابتسم أرسلان بلطف وهو يراقب عابد بلطف ظاهري يمد كفه ليداعب خصلاته. ودون أن ينتبه أحدهم دفعه بخفة للخلف وهو يردد ببسمة:
"لطيف هذا العابد."
انحنى على ركبتيه أمام عابد يتحدث ببسمة مريبة:
"شكرًا لإسعادك زوجتي يا عابد، أقدر لك هذا، وعرفانًا بجميلك هذا، سأخصص لك مكانًا بالصفوف الأولى يوم زفافي بالملكة عزيزي."
كان يتحدث بنبرة جهلت حور ما يقبع خلفها وظنتها لطيفة مهتمة. لكن سلمى والتي تعلم زوجها جيدًا اتسعت عيونها تبتسم بعدم تصديق وهي تمد يدها بسرعة تجذب أرسلان لينهض ويبتعد عن الفتى وهي تردد:
"اه صحيح، هذا عابد العزيز بالطبع سيكون أول الحاضرين..."
"لزفافنا... نعم، سيكون أول الحضور بالطبع."
نظر له عابد وهو يخفي وجهه في قدم حور التي ابتسمت تستأذن بالرحيل وهي تجذبه بعيدًا عن الجميع. وأرسلان ما يزال يوجه نظرات محذرة له جعلته يهرول أمام حور.
"يا ويلي يا أرسلان، ألا يوجد كائن حي ترحمه من نظراتك تلك، لقد أخفت الصغير للتو."
"هذا الصغير قدم لكِ زهورًا منذ ثواني يطالبك بانتظاره ليتزوجك."
تحدثت سلمى وهي لا تصدق ما يتحدث به:
"هذا طفل يا أرسلان."
"ذكر، طفل ذكر أي رجل مستقبلًا."
"لا، حالتك هذه خطيرة أقسم بالله أن عقلك هذا ليس طبيعيًا."
تحدثت وهي تتحرك بعيدًا عنه وقبل أن تخطو خطوة واحدة في المكان أمسك بها بسرعة يبتسم وقد علم أنه وصل بها لحافة صبرها يضحك بملء فاهه:
"إذن ما لكِ لا تشفقين عليّ جلالتك وتعالجيني؟ اعتبريني أحد مرضاكِ عزيزتي."
نظرت له بعدم فهم ليهمس لها بحب:
"سلمى، اشفقي عليّ وتوقفي عن اللعب على أوتار صبري فأنا لست من ذلك النوع، وأجاهد لأكون لأجلك."
تنهدت سلمى بصوت مرتفع:
"هذا كثير يا أرسلان، موزي والطفل."
"تعلمين أنني أمزح صحيح؟"
"لقد أخفت الطفل."
"أقسم أنني سأراضيه، لا أريد أن يخافني الأطفال. فقط ترفقي أنتِ بي."
تنهدت بصوت مرتفع وهي تنظر له تتحدث بقلة حيلة تهز رأسها له:
"ما المطلوب مني يا جلالة الملك..."
"أن تنسي كل شيء وتستعدي لزفافنا بعد يومين عزيزتي. يومين يا سلمى، يومين فقط ويدرك كل إنسان وطفل وقرد في هذه المملكة أنك ملكية خاصة لرجلٍ واحد فقط، وهذا الرجل هو 'أرسلان بيجان'....."
***
"موكــــــــب سفــــــيـــد افتحــــوا الابــــــــــواب"
فُتحت أبواب مشكى بسرعة ليتحرك للداخل موكب كبير يضم جميع رجال ونساء سفيد بلا استثناء. فبعيدًا عن علاقة النسب التي تربط المملكتين، إلا أن علاقة أرسلان لرجال سفيد كانت أعمق من مجرد صداقة، كانت علاقة إخوة نشأت منذ الطفولة.
والآن، ذلك الطفل الذي أحب أن يلعب دور الشرير في جميع القصص ويتحمل كل اللوم عن الجميع، فقط كي لا يحزن أحد. الطفل الذي كان يجذبك دون إرادتك حتى لتصبح رفيقًا له طالما أنه أحبك. اليوم، هذا الطفل والذي نضج وأصبح رجل حرب ذو بأس وتجبر. اليوم يتزوج هذا الرجل.
اليوم يتزوج أرسلان بيجان.
الخبر الذي جعل مشكى أشبه بساحة احتفال ضخمة. طوال الطريق صوب القصر أبصر الجميع موائد تُفرش في الطرقات وزينة معلقة على الأبواب وأنوار تُنشر في الأجواء. اليوم كان كما لو أنه احتفال وطني لجميع قاطني مشكى.
ابتسم إيفان يهبط عن حصانه ليكون أول من يستقبل أرسلان بالأحضان والسعادة كادت تتسبب في خروج أجنحة له. يجذب أرسلان بقوة لأحضانه بسعادة كبيرة يردد بنبرة مبتهجة:
"مبــــــــارك يا أخي، عسى الله يرزقك بسعادة العالم أجمع. والله لا أصدق ما أبصره، اليوم وزعت على سكان سفيد بأكملهم هدايا احتفالًا بهذا الحدث العظيم النادر."
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يضم له إيفان بحب شديد يربت على ظهره:
"لا حرمني الله هذه اليد ولا وجودك يا إيفان، لا أراني بك سوءًا."
ابتسم إيفان براحة وهو يبتعد عنه تاركًا إياه يرحب بالباقيين. لينظر أرسلان صوب سالار الذي كان يقف جانبًا يراقبهم ببسمة سعيدة يرقيهم من كل عين أبصرتهم. أبصر أرسلان وهو يفتح له ذراعيه مرددًا بحب:
"ألن تبارك لي يا قائد؟"
تحرك سالار صوبه وهو يجذبه بقوة صوب أحضانه يربت عليه بسعادة غامرة، مطمئنًا وأخيرًا أن أرسلان لم يعد وحيدًا. أرسلان وجد له عائلة، عادت حياة أرسلان أفضل مما سبق.
"مبارك عزيزي، الممالك أجمع تحتفل لأجلك. أخبرني الملك آزار أن نزار يوزع الحلوى في آبى على الجميع احتفالًا بزفافك. يرد لك وليمة زفافه."
أطلق أرسلان ضحكات صاخبة وهو يهتف بجدية:
"أقترح جعل يوم زفافي عيدًا وطنيًا في جميع الممالك، لا أظن أن هناك مناسبة تفوق زفافي أهمية لتكون عيدًا للجميع."
حرك إيفان كتفه بهدوء مبتسمًا:
"والله لا تُرد لك كلمة يا أخي، فقط أرسل لي كل عام بعض الأموال وأقيم لك احتفالات لذكرى زفافك في ربوع سفيد."
"حقير مادي."
ضحك إيفان بقوة ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت من الخلف يردد:
"هل سأبقى في الأعلى كثيرًا يا جلالة الملك؟"
اللمعت عيون أرسلان يتجاوز الجميع بسرعة كبيرة صوب كهرمان التي أخرجت رأسها من العربة وهي تهمس:
"كيف حال عريسنا؟"
"يموت شوقًا لكِ حبيبتي."
ختم حديثه وهو يمد يده بسرعة يمسكها من خصرها وهو يساعدها لتهبط بحنان شديد. وبمجرد أن مست الأرض مالت برأسها تمسك طرف فستانها ولم تكد تمنحه تحية، حتى أمسك أرسلان يدها بسرعة يمنعها من الأمر يضمها لصدره:
"لا تفعلي حبيبتي، العالم هو من ينحني لأجلك جوهرتي. اشتقت لكِ منذ آخر مرة أخذك ذلك اللص إيفان من هنا."
ابتسمت له كهرمان وهي تستمع بأحضان أخيها وقد شعرت بقلبها يرفرف من السعادة لدرجة كادت تبكي كالأم التي تبصر بعيونها زفاف ولدها الحبيب.
"رحلنا اثنين وعدنا ثلاثة، أتمنى ألا تمانع في وجود ضيف إضافي في حفلك أخي."
وأرسلان لثواني لم يفهم وقد ظن أنها تتحدث عن إحضار ضيف معهم:
"ما الذي تتحدثين عنه يا كهرمان، هذا منزلك تحضرين من تشائين اخرج منه وتبقين وضيوفك عزيزتي، سأرسل لتجهيز غرفة له و..."
قطعت كهرمان كلماته وهي تتحدث ببسمة تتوسط وجهها الباكي تمسك يده وهي تتحدث بصوت ضعيف من بين ضحكتها:
"لا أخي لا تتعب نفسك، هو لا يحتاج لغرفة إضافية. ربما في المستقبل نعم، سيحب صغيري أن يحصل على غرفة لطيفة جوار غرفة خاله."
"حسنًا، لا بأس إن كان هــــ..."
فجأة تجمد أرسلان وهو يراقب كهرمان أمامه بصدمة لا يبصر وجهها بسبب الغطاء فلم يتبين إن كان ما تتحدث به حقيقة. هل فهم بشكل صحيح؟ نظر صوب إيفان بوجه شاحب ليهز له إيفان رأسه رغم أنه لم يسمع الحوار بسبب تحدث كهرمان بصوت منخفض، لكنه فهم من ملامح أرسلان.
أما عن أرسلان فأطلق صوتًا مصدومًا تبعه صرخة وهو يهتف بعدم تصديق وقد لمعت عيونه بدموع لا يصدق ما يسمع:
"هل... هل... يا ويلي... هل... كهرمان سأكون خالًا؟"
كان قلب أرسلان يرتجف بقوة وهو يراقب شقيقته التي بكت بسعادة وهي تضم وجهه بين يديه ليجذبها أرسلان بقوة صوب صدره وهو يحمد ربه وقد كان جسده بأكمله يرتجف بسعادة، يشعر أنه امتلك العالم في هذه اللحظة وكأن طفله هو القادم. وفي الواقع لا يعتقد أن طفل صغيرته سيختلف عن طفله.
أبعدها عنه بسعادة وهو يهتف بصوت مرتجف:
"سأذهب... سأذهب لأخبر سلمى بهذا، سوف... تسعد كثيرًا."
ختم كلماته وهو يهرول بسرعة يشير لجنوده بوجه باسم سعيد:
"تيم، أرشد الرجال صوب الغرف وتأكد أن لا شيء ينقصهم. سوف أعود بسرعة، سوف أعود..."
هرول بين الممرات بسعادة كبيرة ولا يستوعب ما يحدث. هو حتى لا يدرك ما يفعل، فهو بمجرد أن علم أول شخص فكر أن يشاركه سعادته كان سلمى.
وصل لغرفتها وفتحها بسرعة ولهفة شديدة وهو يصرخ باسمها:
"سليمى... سليمى."
انتفضت سلمى والتي كانت تراقب الملابس أمامها تضع يدها على قلبها وهي تنظر له بعدم فهم:
"أرسلان، ما الذي..."
فجأة اتسعت عيونها وصرخت برعب وهي تراه يرفعها عن الأرض يدور بها بسعادة ويصرخ بعدم تصديق:
"سأصبح خالًا يا سلمى... سأصبح خالًا. كهرمان... هي حامل... لقد أخبرتني للتو يا ويلي، جسدي يرتجف سعادة."
أشرق وجه سلمى ببسمة واسعة وهي تضم وجهه بين يديها تميل عليه تقبله:
"مبارك لك حبيبي، ستكون أجمل وأروع وألطف خال في هذه الحياة. سعيدة كثيرًا لأجل كهرمان."
***
"وصلت قوافل آبى وسبز للساحة ليكون أرسلان في استقبال الجميع. يرحب بهم بالأحضان. وقد كان أول من يهرول له هو نزار الذي عانقه بقوة."
"لا حق لأحد أن يقيم زفاف بعد زفافك يا أرسلان."
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة:
"أنرت مشكى أخي، أقدر ترك عش زوجيتك بعد أسبوع لحضور زفافي."
"ماذا أفعل وحقير هنا رفض أن يتحلى ببعض الصبر ريثما تنتهي أيام زفافي."
"فقط احمد ربك أن ترتيبات ما أفعله استغرقت أسبوعًا وإلا كنت أقمت زفافي بعدك بساعة."
تحرك صوب بارق وآزار يفتح أحضانه وهو يردد بسعادة:
"عجائز الممالك المقربين لقلبي، ألا حلت البركة على مشكى بوجودكم."
انكمشت ملامح بارق وآزار بغيظ خاصة بارق الذي كان ينظر له كما لو أنه عدو في هذه اللحظة ليطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يجذب بارق لاحضانه:
"انسى أيها العجوز ولا تدع سواد القلب يحيل بيني وبينك."
ابتسم له بارق وهو يبارك له وكذلك آزار الذي ربت عليه وهو يهمس:
"مبارك لك زواجك بني، استعد لتعلم أن كلمة امرأة أشد حدة من السيف."
ختم كلماته وهو يبتعد عنه يغمز له ببسمة، ليضيق له أرسلان عيونه وقبل التحدث بكلمة وجد المعتصم يقترب منه ببسمة واسعة وهو يردد بحماس شديد واضح على وجهه:
"جلالة الملك، عليك رؤية هذا."
نظر له أرسلان بعدم فهم وقبل أن يتحدث بكلمة كان المعتصم يهتف بصوت جهوري مرتفع ملئ بالحماس:
"افتحـــــــوا الابــــــــــواب"
في اللحظة نفسها خرج الجميع للساحة يبصرون ما يحدث بعدما أرسل لهم المعتصم.
وكذلك جميع النساء وقفن في الشرفات يراقبن ما يحدث بعدم فهم.
رددت تبارك وهي تراقب ما يحدث في الأسفل:
"هل هذا مهر سلمى؟"
نظرت لها سلمى بعدم معرفة وهي تحرك كتفها بجهل.
راقب الجميع البوابات التي بدأت تُفتح لتكشف خلفها عن جمع غفير من شعب مشكى يحملون الزهور والكثير من الصناديق المغلفة بأوراق ملونة، يقفون بأكثر ثيابهم تألقًا وأفواه مبتسمة. وبمجرد أن فُتح الباب أخذ الجميع يهتف باسم الملك أرسلان ويدعون له بالكثير من الدعوات.
وأرسلان الذي لم يكن يفهم ما يحدث نظر حوله للمعتصم الذي ابتسم بسمة واسعة:
"أصر شعب مشكى على أن يباركوا لك بأنفسهم. الشعب بأكمله كبار وأطفال وشباب، نساء ورجال، الجميع هنا. فرصة رائعة ليحتل أحدهم مشكى..."
ختم حديثه بمزاح وأرسلان لا يعي ما يحدث فقط نطق بأنشدة:
"لماذا؟"
"لماذا هذا ما سيخبرونك به هم. أنا فقط ساعدتهم لترتيب وصولهم حتى بوابة القصر."
رفع أرسلان عينيه صوب شعبه وهو يراقبهم وذكرى بعيدة ترن بأذنه "ارحل". نفس الموقف ونفس المكان، مع وجوه مختلة وبسمات متناثرة وكلمات أخرى رنانة جعلت صدر أرسلان يرتجف وهو يسمع أحدهم يهتف بصوت جهوري:
"أطــــــال الله بعمـــــــر الملك أرسلان، الملك الأعظم في تاريخ مشكى بأكملها."
ومن بعد كلمته ضجت "آمين" بينهم، وأرسلان يراقبهم بعدم تصديق وعيونه امتلئت دموعًا وقد شعر أن... حياته لم تكن عبثًا، أنه حتى وإن قصر يومًا فهو أدى أمانته أمام الله وأمام الجميع.
نظر صوب المعتصم بأعين ملتمعة من الدموع التي أبى أن تهبط أمام الجميع، ثم عاد بنظراته للجميع وهو يبصرهم كلٌ يحمل ما استطاع من هدايا، وأرسلان فقط يراقبهم ببسمة ممتنة.
وفجأة من بين الجمع تحدث شيخ مشكى، ذلك الرجل ذو النبرة الهادئة، الرجل الذي لم يتراخى يومًا ولم يسقط بعدما فقد عائلته واحدًا تلو الآخر، وآخرهم حفيده وعكازه في هذه الحياة.
"أنا يا مولاي عشت في مشكى سنوات وعقود طويلة، عاصرت بها الكثيرين من الملوك، وأبي عاصر أجدادك وكان يقص لي حكايات عن الأسرة الحاكمة. عاصرت جدك ووالدك وأخيرًا أنت، وأقسم بالله وليشهد الله على كل كلمة أنطقها، ما رزق الله مشكى خيرًا منك ليحكمنا. الله يا مولاي أرسلك رحمة لنا وبنا. الحياة ضاقت علينا والله برحمته أرسلك سببًا للفرج. أنا شيخ ولم يتبقى لي في هذه الحياة الكثير لأقلق بشأنه، والله أراد لي الموت مرتاحًا أن شعب مشكى في مأمن من غدر الحياة طالما أنك تحكمنا."
مال أرسلان يمسك كف الشيخ يقبله باحترام:
"أطال الله بعمرك يا عم."
ربت الشيخ على رأس أرسلان الذي استقام يسمع صوت الشيخ يردد بهدوء:
"لذا نحن قررنا جميعًا ألا يذكر تاريخ ولا كتاب اسمك إلا ورافقه 'أعظم ملوك مشكى' ليمنحك الأمر جزءًا من حقك يا ولدي..."
ارتجف أرسلان من الكلمة وهو يرفع عيونه للشعب الذي أخذ يهتف باسمه بصوت مرتفع، وهو فقط يقف بينهم لا يصدق ما يبصر، يقف بينهم ولم يكن حتى يرتدي معطفه الملكي أو غيره، كان بثوب من اللون الأبيض عادي، بدا وكأنه جزء من الشعب.
وهكذا كان طوال الوقت، أرسلان الذي سلب الحكم من والده بالقوة لأجل شعب مشكى، ها هو اليوم يحصد ما زرع قديمًا. حب شعبه وتقديره.
رواية اسد مشكي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم رحمه نبيل
فقط امنحيني قلبكِ، أو خذي روحي.
صمت كبير لف المكان حولهما وكلمات أرسلان يرن صداها في المكان وفي صدرها، ارتجفت يدها التي امسكها أرسلان وهو مايزال ينظر في عيونها مبتسمًا، لترد له البسمة بأخرى أشد رقة وهي تبعد الخنجر عن صدره ببطء تهمس بصوت منخفض:
_ كيف امنحك ما تملك بالفعل مولاي؟!
التمعت عيون أرسلان بشكل قوي وقد شعر في هذه اللحظة أنه ينال مكافأة صبره طوال تلك العقود، والله لو كان يعلم طوال تلك السنوات أن مكافأة كفاحه وصبره ستكون "سلمى" لقابل مصائبه ببسمة واسعة، وصدر رحب.
سحب يده يدس خنجره في ثوبه، ومن ثم مال بنصفه العلوي نصف ميلة وهو يخفض رأسه ببطء يضع يده اليمنى جهة قلبه يردد بصوت حاني:
_ مرحبًا بكِ زهرة في حياتي القاحلة المقفرة سليمى.
اتسعت بسمة سلمى وكادت أن ترفع طرف ثوبها لتنحني بالمثل، لولا يد أرسلان التي امسكتها بسرعة يضم كفها بحنان:
_ لا تفعلي رجاءً.
ختم كلماته وهو يلتقط كفها يضغط عليه بحنان شديد، وهي تنظر له بأعين ملتمعة، تتحرك معه بهدوء، بينما اصطف جنوده على الجانبية باحترام والنساء في الخلف.
وبمجرد أن خطى الإثنين خارج بوابة القصر صوب ساحة الاحتفال، فجأة انتفضت سلمى وهي تبصر الكثير والكثير من وريقات الزهور تهطل عليها كما السيل من الاعلى.
وأرسلان يتحرك معها ببسمة واسعة وهي تراقب ما يحدث حولها بأنفاس مخطوفة، وصوت قديم من ذاكرتها يرن بأذنها.
"أوتعلم لود، أنا لا أحب هذه الأشياء التقليدية التي تبدو في ظاهرها سخيفة، لكن حتى تلك السخافة تستهويني أحيانًا، أن يمطرني زوجي بالزهور يوم زفافي سيكون لهو شيء تقليدي... رائع."
رفعت سلمى عيونها بسرعة صوب خالد متأكدة أنه هو من أخبر أرسلان بذلك لتبصر التماع الدموع بعيونه وبسمة واسعة ترتسم على فمه، لتبتسم بحنان وحب وهي ترفع كفها تلوح له بامتنان.
وهو هز رأسه يراقبها وقد فشل في كبت دموعه، لا يصدق أنها تُزف الآن لشخص يحبها وتحبه، أخته الحبيبة التي كان قد بدأ ييأس أن تميل لرجل في عالمهم، والغريب أنها لم تفعل، بل سافرت عبر العوالم لتحصل على رجلها الخاص.
حركت سلمى عيونها تراقب العم جلال وعمها وديلارا وعثمان وجميع من تعلم تبتسم لهم بحب. وعلى عكس المتوقع لم تكن وحيدة يوم زفافها، الجميع حولها ينقصها فقط والديها.
ارتجفت يدها بخفة، ليميل عليها أرسلان هامسًا بحنان:
_ بخير سليمى؟!
_ أكثر مما كنت في أي وقت ارسلان، لقد... أنت حققت لي حلمًا.
ابتسم لها بحنان هامسًا بصوت منخفض:
_ ليطيل الله بعمري وافعل دائمًا.
توقف في المنتصف، حيث تتحرك هي صوب قاعة النساء مع الباقية، ينظر لها بحب:
_ إذن حلوتي ألقاكِ بعدما ينتهي الاحتفال، وحتى ذلك الوقت احتفظي بروحي واحسني الاهتمام بها.
ختم كلماته وهو يمسك كفها يميل عليه يقبل باطنه، ومن ثم ترك يدها بهدوء تسحبها كهرمان التي كادت تطير في هذه اللحظة من شدة سعادتها لسعادة شقيقها.
وأرسلان نظر لها بحب يغمز لها لتبتسم كهرمان وهي ترفع يدها له بقبلة، ومن ثم غادرت وهي تشير للنساء كي يتبعنها.
بينما إيفان يقف جوار أرسلان يضم يديه لصدره:
_ حقًا؟! حتى يوم زفافك أيها الوغد؟! ألن تترك زوجتي وشأنها؟!
_ أترك زوجتك؟! أترك الحياة ولا أترك شقيقتي أيها الحقير.
ختم حديثه وهو يتحرك صوب منتصف الساحة، يرفع يديه يستعد للرقص حيث يتجمع الرجال للأحتفال، ولم يكد يتحدث بكلمة أو ينضم لهم، حتى أبصر أمامه جسد يقف جانبًا يراقب الجميع بأعين حريصة وكأنه يخشى أن يُسحب في دوامة الرقص دون أن يشعر.
وفجأة صدح هتاف أرسلان وهو ينطلق صوب ذلك الجسد يهجم عليه دون مقدمات:
_ العجوز شهــــــــدان؟!
وفي ثواني قبل أن يستوعب العريف ما يحدث كان جسده يسقط ارضًا بقوة وفوقه أرسلان الذي احتضنه بقوة ولم ينجو من العريف شيء سوى بومته التي طارت بسرعة قبل السقوط.
والعريف كاد قلبه يتوقف مما حدث وهو يصرخ بصوت مرتفع يحاول دفع أرسلان عنه:
_ أيها الحقير ابتعد عني، اقسم بالله لم أكن أرغب بالحضور، لكنني أُجبرت على ذلك، ابتعد عني تبًا للجميع، أحضروا حصان سأعود لسفيد ولو سيرًا على الأقدام.
أطلق أرسلان ضحكة مرتفعة وهو يضمه بقوة لا يصدق وقد كان العدو الأول للعريف بعدهم هو الزفاف وأي تجمع بشري يزيد عن خمسة أشخاص، لذا كان يعتزل في مكتبته حينما يحين زفاف أحدهم قبل أن يجبره سالار أو إيفان على الخروج ومشاركتهم الاحتفال بالاجبار.
نهض أرسلان وهو يضحك بصوت صاخب يساعده في النهوض:
_ اعذرني لم اصدق حين ابصرتك.
نفض العريف يده، ومن ثم حدق في وجهه بضيق شديد في الوقت الذي استقرت به البومة مجددًا على كتفه ليضربها بعنف:
_ تهربين مجددًا بمجرد أن اقترب مني، هذا بدلًا من مهاجمته ايتها الحقيرة؟! والله ليتك لم تعودي أيتها الحقيرة.
تشنجت ملامح أرسلان وهو ينظر صوب البومة وكأنه يتحداها مشيرة لها:
_ تهاجمني؟! هذه؟!
تراجعت البومة وهي تتحرك من الكتف المواجه لأرسلان صوب الكتف الآخر، والعريف يراقبها بضيق يضربها بقوة لتطير خوفًا منه:
_ لا فائدة ترجى منكِ لو أنني أحضرت لي دجاجة انتفع ببيضها لكان خيرًا لي.
أطلق أرسلان ضحكات مرتفعة قبل أن يشعر بيد المعتصم تجذبه لمنتصف الساحة ليشارك الرجال الرقص، وفي هذه اللحظة لو كان هناك أحدهم ينافس أرسلان سعادة فقد كان حتمًا إيفان الذي انطلق صوبه يجذبه لأحضانه بقوة، يرفع يده وهو يطلق صيحات سعيدة وسالار يراقبهم ببهجة، قبل أن يجذبه إيفان لهم ويجذب نزار والمعتصم وتيم وخالد والجميع.
حتى أن آزار وبارق أخذوا يرقصون بجنون مع ضربات الدف خلفهم والجنود ورجال الشعب تقريبًا الجميع في ساحة قلعة مشكى يشاركون في الحدث العجيب الذي حدث في هذه اللحظة.
الجميع يراقب الملوك وقادة الجيوش وقد اختلفت صورتهم في هذه اللحظة عن صورتهم في الحروب وهم ملطخين بالدماء، ليتضح للبعض في النهاية أن هناك جزء آخر في حياتهم لم يعلموا عنه شيء.
هناك جانب آخر للصورة غير واضحًا لهم.
وأرسلان ولأول مرة يرفع صوته بالغناء بصوت قوي جهوري، الصوت نفسه الذي لطالما نادى بالحرب وبث كلمات قوية في جيشه وقت القتال، ها هو يشدو بقوة كلمات تراثية فارسية لأنشودة تتردد طوال الوقت في الزفاف.
في هذه اللحظة كان أرسلان يرقص بكل خلية من جسده، لا يصدق أنه وصل لهذه اللحظة من حياته، وفي الواقع هو طوال الوقت كان على يقين أنه سيأتي يومًا ويكرمه الله بزوجة يحبها ولو كان لأنه تعهد بحب زوجته، لكن كرم الله فاض وغطى كامل توقعاته ولم يرزقه فقط بامرأة يحبها لأنها زوجته.
بل رزقه بامرأة يحبها لأنها سليمى...
والأمر لم يختلف كثيرًا عند النساء، حيث فاطمة قد تجمعت النساء في منتصف الساحة يؤدون رقصة الأغصان ومعهن فاطمة، التي كانت تتحرك بسعادة بالغة وكأن شقيقتها هي من تزف اليوم.
وسلمى فقط تقف جانبًا تصفق لهن بحماس شديد، حماس ازداد مع زيادة حدة الرقصة لدرجة أن سلمى رفعت إصبعًا واطلقت صفير حاد قوي مرتفع جعل الجميع ينظر صوبها بتعجب، وتبارك أبت إلا أن تشاركها الإحراج، فاطلقت ضحكة مرتفعة وهي تضم شفتيها بين اصبعيها تطلق صفيرًا مشابهًا، وقد نفعتها مهارة استيقاف الحافلة أو السيارات.
نظرت لها سلمى وهي تضحك قبل أن تشعر بفاطمة تجذبها لتشاركهن الرقص، ورغم أنها لم تحفظ سوى حركات محدودة من تلك الرقصة إلا أن ذلك لم يمنعها من مشاركتهن وقد تحولت القاعة الخاصة بالنساء لساحة احتفال تنافس ساحة الرجال في الخارج.
ابتسمت كهرمان وهي ترتكن على الجدار تتنفس بسرعة كي ترتاح من المجهود الذي بذلته، تتذكر تحذيرات إيفان لها ألا ترهق نفسها لأجل حالتها.
لكن كيف لا تفعل وهذا زفاف أرسلان والدها وشقيقها ورفيقها وحبيبها الاول، الشخص الذي ضحى بنصف حياته لأجلها، الشخص الذي لولاه بعد لطف الله عليها لما صمدت في هذا العالم ثانية واحدة، هي كانت تحيا وتقاوم لأنها تعلم أنها إن سقطت فسيكون هناك أرسلان ليتلقفها ومن ثم يقيم جحيمًا على الجميع انتقامًا لسقوطها.
"اتعلم الرقص فقط لاجلك اخي، انتظر زفافك وسأرقص لك واغني حتى تفنى انفاسي أخي."
"لا أراني الله بكِ سوءًا حبيبتي، ثم الأمر ليس بهذه البساطة، في الحقيقة اتخيل في بعض الأحيان أنني لن أبصر هذا اليوم قريبًا أو ربما أبدًا، أخشى أنني سأكمل حياتي وحيدًا كهرمان."
"لا تقل هذا أخي، بالله أن نصف نساء الممالك يتمنين رجل مثلك و..."
"يخافونني كهرمان، نصف النساء يخافونني حبيبتي."
"هذا ما تظنه أنت أخي، ألا تبصر هيئتك في المرآة أخي، أنت رائع من الداخل والخارج اخي، والكمال لله وحده بالطبع، انتظر ليأتي ذلك اليوم وتجد زوجتك صدقني اقسم أنني سأقيم احتفالًا يفوق احتفالي بيوم زفافي."
ابتسم لها أرسلان بحب وهو يجذبها لأحضانه:
_ لا تحملي هم زفافك اتركي هذا عليّ أنا.
_ سترقص لأجلي أخي؟!
_ بل سأبكي فراقكِ حبيبتي.
ضحكت كهرمان وهي تضرب كتفه ظنًا أنه يمزح، ولم يكن في الواقع.
والآن ها هي تقف في قاعة نساء مشكى الخاصة بالاحتفالات والتي شهدت زواجات واحتفالات كثيرة، الآن جاء الوقت لتشهد زفاف ملكها.
وبعد ساعات قليلة ارتفع صوت امرأة من الخارج وهي تردد بصوت مرتفع كي يسمعه الجميع من بين الضجيج:
_ وقت تقديم الهدايا يا نساء، تجهزوا فالملك ينتظر عروسه.
شعرت سلمى فجأة بالمكان حولها يدور وبأن صوت أنفاسها المرتفع مسموع لها وللجميع حولها، ولثواني ارتجف جسدها حينما شعرت بيد كهرمان تضم مرفقها بحب وهي تنزل غطاء الوجه لها:
_ هيا عزيزتي أخي لن يصبر طويلًا، يكفيه ثلاثة عقود في انتظارك سلمى.
ختمت حديثها ليضحك البعض حولها، وتتحرك معهم سلمى وهي تشعر بأن كل خطوة تخطوها تقربها من حياة جديدة، لا تدري إن كانت ستستطيع التأقلم عليها أم لا، لكن كل ما تعلمه أنها لا يمكنها التأقلم مع حياة تخلو منه هو.
ذلك الرجل الذي يتوسط الرجال في الساحة وهو يراقبها ببسمة واسعة وملامح هادئة وسيمة يمد يده لها بحب شديد، ينتظر أن تصل له، وحينما شعرت بتلامس كفيهما جذبها أرسلان له بهدوء كبير وهو يتنفس براحة شديدة وكأن حياته توقفت عند هذه اللحظة، لحظة تمنى أن تستمر أبد الدهر، ها هو وعلى مرأى ومسمع من الجميع يعلن سليمى رفقة عمر وانيسة الدهر.
مال لها يهمس بصوت منخفض:
_ اليوم أُصنف نفسي أكثر رجال الأرض حظًا لأمتلاكي سليمى.
رمشت سلمى من أسفل الغطاء ولم تكد تبدي أي ردة فعل حتى شعرت بقبلة تهبط على جبينها لتبتسم وتتنهد براحة كبيرة وهي تشعر بصدرها يرتفع بوتيرة سريعة تهمس بصوت منخفض:
_ فاق حبي لك الحدود أرسلان، أنا الآن شاكرة لوصية أبي التي ألقت بي بين أحضانك هنا.
اتسعت بسمة أرسلان وهو يميل على أذنها يهمس بصوت خافت:
_ ليست وصية عزيزتي، بل قلبي هو من ارادك واتخذ الوصية حجة، فوالدك أوصاني فقط بالاعتناء بكِ ومساعدتك لتتأقلمي على المكان، ثم تركك لتتولي مسؤولية نفسك.
صمت يراقب تحرك رأسها بحركة توشي بصدمتها ليكمل همس:
_ لكنني كنت أكثر الاوغاد أنانية لأحتفظ بكِ لنفسي، رافضًا أن يتولى غيري مسؤولية مساعدتك أو اسعادك.
رفعت وجهها له ليبتسم بسمة واسعة وهو يبتعد عنها يسحبها بهدوء صوب المقاعد التي تتوسط الساحة لتبدأ مراسم الزفاف.
وقد كان أول من تقدم ليقدم الهدايا هو خالد والذي كان يراقبها بأعين دامعة وبسمة واسعة، يحمل بين يديه صندوق هدايا ملون مع شرائط ملونة تلقفتها سلمى وهي تبتسم تشكره بحب دون حتى أن تعلم ما تحتويه الهدية، وخالد فقط تحدث بصوت به غصة بكاء:
_ هذه... هذه مزهرية تشبه تلك التي حطمها موزي من قبل والتي كانت ترجع لوالدك، لقد احضرتها لكِ منذ أشهر قبل مجيئي هنا ونسيت جلبها معي، واحضرها أبي وهو قادم، فقط اتمنى أن... تعجبك.
نظرت له سلمى ثواني وهي تضع الهدية جانبًا، ثم نهضت تضمه بسرعة باكية بسعادة ليبادلها خالد العناق وهو يبكي بتأثر.
خالد الذي رغم كل أفعاله كان أقرب لها من نفسها منذ طفولتهما، شاركها حياة لا تعلم من كان ليفعل إن لم يكن هو موجودًا، أخوها، وصديقها، ورفيق طفولتها وشبابها، العزيز خالد.
وأرسلان يراقب ما يحدث بهدوء يقدر تلك اللحظة، وقد جربها سابقًا، لا يزال يتذكر ارتكانه للجدار ذات يوم يبكي رحيل صغيرته، ابتسم بحنان وهو ينهض يربت على كتف سلمى:
_ لِمَ البكاء سليمى، أين سيذهب هو، سيظل معكِ هنا ولن يبتعد وسترينه كل ثانية ليكدر حياتي وحياتك حبيبتي.
رفعت له سلمى وجهها وهي تردد بصوت باكي:
_ حقًا لقد قال إنه سيعود مع العم جلال أرسلان.
ضمها أرسلان بحب وهو يقبل رأسها بحنان:
_ سأحب رؤيته يحاول ذلك عزيزتي، والله يقيمن في سجون مشكى ولا يخطو خطوة تبكيكِ.
اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تنظر صوب خالد الذي تشنج بصدمة، وفي الواقع هو كان مترددًا بشأن الرحيل وقد وجد ذاته بين الجميع هنا ولأول مرة يكون صداقات دون غرض من وراء ذلك، بل ووجد المرأة التي يبتغيها رفيقة لحياته.
وحين ذكرها تحركت رأسه بين الجميع صوب الموقع الذي كانت تتوسط والذي يتابعه منذ جاءت مع النساء، يبتسم لها بحب ليبصرها تخفض رأسها بخجل شديد، ونعم ربما كل الايام السابقة وكل مرة قفز فيها أمام عيونها دون مقدمات ساهمت لبناء مكانة له داخل صدر حور والتي تتلقى الاهتمام هي والصغير لاول مرة، تختبر صدق المشاعر لأول مرة.
وخالد في هذه اللحظة قرر أنه اكتفى من محاولة التقرب هذه، ليقسم بينه وبين نفسه أنه لن يقترب منها مرة أخرى إلا حينما يتأكد أنها ستكون له وحلاله....
ومن بعد خالد جاء جلال يقدم هديته، والعم انورين الذي لم يتقبل الأمر مائة بالمائة، ما يزال حانقًا على كل ما يحدث، لكنه قرر مجاراة النهر.
وديلارا التي رغم كل ما حدث وكل ما جرى بينهما، بدأت تتقرب منها في الآونة الأخيرة.
في الحقيقة ديلارا كانت تتخذ معرفتها وقرابتها بالملكة ذريعة لتكون جوار تيم وتراه أكثر الوقت، لتقترب وبدون شعور من سلمى وتعلم أنها خسرت الكثير ببعدها عنها.
ضمتها وهي تهمس بصوت خافت حنون:
_ مبارك حبيبتي عساها فرحة العمر.
ابتسمت سلمى بحب شديد وهي تربت على كتفها تحرك عيونها صوب تيم الذي كان ينظر لديلارا بطرف عيونه ومن ثم همست:
_ العقبى لكِ عزيزتي.
خجلت ديلارا وهي تبتعد عنها تنحني جانبًا تاركة الباقيين يقدمون هداياهم، وعيونها لا تتحرك عن تيم تحاول ألا تطيل النظر به كي لا تلفت الإنتباه.
لكن أثناء محاولتها لعدم لفت انتباه أحدهم، لفتت انتباهه هو، ليبعد عيونه عن محدثه ينظر صوبها بهدوء وهي ورغم وجود غطاء يخفي وجهها شعرت بالتوتر الشديد وهي تلف رأسها في الاتجاه المعاكس بسرعة تحاول أن تتمالك نفسها.
_ يا ويلي لقد ابصرني، ما هذه المصيبة؟
أما عن تيم فقد ابتسم بسمة واسعة وهو يراقبها ورغم غطاء وجهها إلا أنه تعرف عليها من حركاتها المتوترة ووقفتها، يحرك عيونه بعيدًا عنها يدور بها بين الجميع حتى توقفت عند أحدهم يقترب منه بخطوات بطيئة وهو يجاور ذلك الرجل.
أما عن ديلارا فقد أخذت ترفع عيونها شيئًا فشيء تبحث عنه بين الجميع، ليشحب وجهها فجأة حينما أبصرته يجاور عثمان ووالدها يتحدث لهم بهدوء.
شعرت بأن نهايتها اقتربت وأن أقدامها فقدت قدرتها على حملها وستسقط ارضًا من هول الموقف، وفي خضم أفكارها وهي تبحث لنفسها عن مخرج مما يحدث أبصرت عيون عثمان تُثبت عليها وهو يرمقها بنظرات غامضة جعلتها تبعد وجهها، بل وتبتعد هي ذاتها عن المكان بأكمله..
ومن بين كل تلك الأحداث حان وقت تقديم إيفان مع كهرمان هداياهم، ليتقدم الاثنان يضعون ما بأيديهم على الطاولة وتبعهم سالار وكذلك تبارك ومن ثم الباقيين واحدًا تلو الآخر، حتى فاطمة التي اقتربت تضع مغلفًا بالون الازرق تردد ببسمة واسعة:
_ أتمنى أن يعجبك.
بادلتها سلمى البسمة بأخرى:
_ طالما أنه منك فاضمن لكِ أنه اعجبني منذ هذه اللحظة.
اتسعت بسمة فاطمة بقوة وهي تنظر بسعادة صوب المعتصم الذي ابتسم لها بحب.
أبصرت سلمى من بين الجميع رجل يقترب منهم بوجه يبدو مريحًا للنظر مع لحية بيضاء وهيبة تناسب عمره، وملامح تظهر عليها الحكمة، كان يتحرك صوبهم يحمل بين يديه حقيبة هدايا كما الجميع، لتبتسم بلطف وهي تنظر صوب أرسلان بتعجب من هوية هذا الرجل وقد شبهته في نفسها بحكماء العصور القديمة.
لكن كل تلك الصور الفلكلورية الملائكية التي رسمتها في ذهنها تلاشت حين فتح الرجل فمه يلقي ما بيده على الطاولة حانقًا وكأنه حزينًا لا أنه لا يستطيع أن يلقيها في وجه أرسلان.
_ خذ، زواج ميمون، عسى أن يأخذك الزواج منا ولا نبصر وجهك البهي في سفيد.
اتسعت عيون سلمى بقوة وهي تنظر له بصدمة من كلماته، ومن ثم تحركت بعيونها صوب أرسلان بغية مواساته على فظاظة العجوز، لكن بسمة أرسلان الواسعة الجمتها، ومن ثم انفجر في الضحك كما الجميع حولها وهي لا تفهم، هل أصبحت الوقاحة تضحك.
بينما أرسلان حاول أن يظهر بمظهر جدي يتنحنح بصوت هادئ، وأشار للرجل يعرفها عليه بكل جدية:
_ هذا يا عزيزتي عريف سفيد، كبير عجائز الممالك الاربع، يقود حزب الملك آزار وبارق، مؤسس نظرية فناء البشرية، ومؤلف كتاب الفوائد العشر للأنعزال عن البشر.
كانت سلمى تنظر له بعدم فهم، ونبرة الجدية في حديث أرسلان أخبرتها أنه لا يمزح، بينما هي تشنجت تحرك نظراتها بين العريف وارسلان الذي أكمل بجدية سرعان ما تلاشت وهو ينفجر في الضحك دون قدرة على إمساك ضحكاته:
_ ولقد خصص لي فصلًا كاملًا في كتابه تحت عنوان ( صحة الأبدان في الابتعاد عن أرسلان).
ختم حديثه ليطلق إيفان ضحكة مرتفعة يتذكر ذلك الكتاب الذي كان للجميع نصيب منه، حتى سالار لم ينجو من الأمر، لكن الفرق أن العريف خصص له فقط صفحتين مخبرًا إياه أنه يوفر صفحاته لباقية البشر.
يتعجب أن يمتلك ذلك العجوز وقتًا لتأليف كتاب يهجيهم به.
كبت سالار ضحكته بصعوبة يحاول ألا يظهر للعريف تأثره بكلمات أرسلان، وهو يربت على كتف العريف:
_ أرسلان عيب عليك تتحدث عن العم شهدان بهذا الشكــ...
وللأسف خنقته ضحكاته وقطعت كلماته، لينفجر وهو يبصر وجه العريف، يميل على إيفان يدفن وجهه في كتفه ضاحكًا، بينما العريف فقط رمقهم بضيق وغضب:
_ والله كتاب واحد لا يكفيكم، فقط تنتهي عصوركم واحرق كل كتب التاريخ التي ذكرت اسمائكم، حتى لا يتبقى لسلالتكم سوى كتبي الخاصة.
والضحكات كانت الرد الوحيد عليه وهو فقط لوى ثغره بضيق ينظر حوله بحثًا عن البومة:
_ أنا المخطئ لأنني جئت زفاف هذا الوقح.
ولم يكد يتحرك حتى انقض عليه أرسلان يضمه بحب:
_ والله لا تفعل أيها العريف، تبقى أنت ونرحل، نمزح معك.
والعريف فقط يدعي الحنق والضيق، بينما سالار اقترب يقبل رأسه بحنان وايفان يحاول أن يستسمحه.
في حين أن البومة التي كان يبحث عنها منذ ثواني كانت تقبع أسفل موزي الذي جلس على جناحها بغضب بعدما أفسدت عليه جلسته، وهي تحاول الإفلات منه مصدرة صوتًا تلاشى في صخب الزفاف.
لكن موزي فقط ظل جالسًا لا ينتوي الحراك في الواقع، يتناول طعامه بكل هدوء ليس وكأن طير مسكين يكاد يفقد جناحه أسفله الآن.
أقبل الباقيين لتقديم الهدايا حتى حانت اللحظة التي ينتظرها الجميع، اللحظة التي سيبصر بها الجميع مهر أرسلان لزوجته، المهر الذي أخذ يتغنى أمام الجميع أنه لم ولن يأتي أحدهم بمثله.
_ إذن عزيزي نحن ننتظر؟!
حرك أرسلان عيونه صوب سالار وهو يبتسم بسمة صغيرة مستفزة يحاول بها تلاشي الأمر، فهو نعم كان يستفزهم فقط لمجرد الاستفزاز، لكنه لم يكن ينتوي مشاركة مهره لزوجته مع أحد:
_ تنتظر ماذا سالار، على حسب ما أعلم هذا المهر لزوجتي عزيزي.
اتسعت بسمة إيفان وهو يتدخل في الحديث:
_ الأمر مسألة شخصية الآن أرسلان وقد اصبت الجميع بصداع حول المهر الذي ستقدمه لزوجتك، والآن نحن جميعًا ننتظر.
زفر أرسلان بضيق شديد:
_ أنتم حقًا لا تطاقون، ثم أنا مهري ليس هنا، وانا لا أريد أن ارهقكم و...
_ لا بأس عزيزي نمتلك أحصنة تنقلنا حيث نشاء لا تحمل أنت همًا لنا.
نفخ أرسلان بقوة وقد كان يأبى أن يشاركه أحدهم هذه اللحظة، فهو في وجود الرجال سيكون من الصعب أن يستقبل سعادة امرأته أو حتى يبصر لمعة عيونها ويستمتع بكل لحظة وهو يشاهد ردة فعلها.
لذا قرر أن يشاركهم جزء صغير من هديته ويحتفظ بجزئه الخاص لهما فقط، زفر بصوت مرتفع وهو يخرج من جيب سترته ورقة يمدها صوب إيفان بملامح حانقة غاضبة، ليتعجب إيفان الأمر وهو ينتزع منه الورقة بريبة يقرأها يحاول فهم ما يحدث.
وسالار الذي لأول مرة يأكله فضوله اقترب يكاد يدخل وجهه في الورقة يقرأ ما خُطّ به، قبل أن تتشنج ملامحه، يحرك عيونه صوب أرسلان الذي كان يضم يديه لصدره:
_ هذا....هذا....ما هذا؟! ما معنى هذا؟! زهرة سلمى؟!
ماذا تقصد؟!
حركت سلمى رأسها بعدم فهم لجملة سالار، لينتزع أرسلان الورقة بقوة من بين أنامل إيفان وهو يهتف بجدية يتحسس الورقة بحنان وكأن قبضة إيفان افسدتها:
_ هذا إقرار رسمي من الملك بارق أن يتم تغيير اسم الزهرة التي اعجبت زوجتي لتحمل اسمها، ومن الآن وصاعدًا سيتم ذكرها في كتب النباتات باسم زوجتي، وسيتم تغييرها في الكتب القديمة لتحمل اسم زوجتي.
اتسعت عيون سلمى وهي تنظر بصدمة كبيرة صوب أرسلان وقد شعرت أنها تهزي، هل كان أرسلان من الجنون ليفعل ذلك؟! هل هذا ممكنًا حتى؟! يغير اسم نبتة في الكتب؟!
هراء.. وكأن إيفان سمع أفكارها لينطق بنفس السؤال وهو ينظر صوب بارق:
_ ماذا؟! تغير اسم الزهرة؟ هل هذا ممكن؟!
هز أرسلان كتفه بهدوء وبسمة واسعة باردة:
_ لا أعلم ولا اهتم، اردته وأخذته، وبالطبع لا ننسى جهود العزيز نزار ليقنع حماه العزيز، وكذلك الملك بارق الذي قبل برغبتي بطيب نفس و...
_ لم أفعل لقد أجبرتني على ذلك.
_ شكرًا لك على كل حال، شكرًا لكم جميعًا لمساهمكتم في جعل حفل زفافي افضل بوجودكم ومساعدتكم لي في هذا اليوم واخص بالشكر رفاقي الاحباء، والملك بارق مجددًا.
ختم حديثه وهو يتحرك صوب بارق يضمه بقوة والاخير يقاوم بحنق شديد لا يصدق أن أرسلان أجبره على الأمر حقًا.
_ أنت تمزح معي صحيح؟!
_ لا لا أفعل، أنا بالفعل أريد تغيير اسم هذه الزهرة ليصبح باسم زوجتي.
_ هذا ليس منزل أرسلان و ليس حصان أو غيره لتغير اسمه، ومن ثم هناك الكثير من الكتب التي تدون بها هذه الزهور والنباتات و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته صوب مملكة سبز لأجل رغبة مجنونة في نفسه، ووالله لن يغادر دونها.
_ نعم جيد أنك ذكرت هذا سنغير اسمها في الكتب كذلك.
_ أرسلان أنت تطلب مستحيلًا، جد شيئًا آخر، إن أردت يمكنني اعطائك بعض الزهور لزراعتها لها أو أيًا كان.
_ حسنًا أنت بالفعل ستعطيني الكثير منها، لكن بعدما تغير اسمها، وتذكر أنك فقط تتخلى عن اسم زهرة، في حين أنني تخليت عن إرث ابي واهديته لزوج ابنتك الحقير ليسعد ابنتك به وهذا أيضًا كان مستحيلًا، وقبلته.
ونعم كان يدرك أرسلان أنه حقيرًا، لكن لا بأس الجميع حقير في بعض الأوقات فلا بأس أن يكون لأجلها.
تنهد بارق بضيق يحاول التحدث للجزء المتعقل داخل أرسلان:
_ اسمعني يا بني هذا جنون، ليس ممكنًا أن تغير اسم زهرة، كما أنه سيأخذ وقتًا لتغيير الوثائق و...
هز أرسلان رأسه بهدوء واقتناع وقد قطع مسافة من مملكته