تحميل رواية «اسرت قلبه» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خالتو نوال أنا رايحة الكلية. قالتها مياس وهي تأخذ حقيبة الظهر الخاصة بها ثم ارتدتها مسرعة. وضعت النظارة الشمسية على حجابها الوردي بينما كانت ترتدي قميص احمر طويل وبنطال ازرق من الجينز. تضع كحل اسود على عينيها مبرزا جمال اتساع عينيها الزرقاء وأحمر شفاه باهت. يا مياس يا بنتي طب افطري الأول! قالتها نوال وهي تخرج من المطبخ وبيدها تحمل صينية بها بضع شطائر وعصير جوافة المفضل لديها. ولكن مياس هزت رأسها وقالت: هأكل في الكلية سلام يا خالتو. ثم قبلت خالتها وخرجت من الشقة السكنية مسرعة. أخرجت هاتفها واتصلت...
رواية اسرت قلبه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سوليية نصار
رأت بريق الدموع الشفاف في عينيه وازدردت ريقها وهي تشعر بالألم يعصف بها.
رباه، لقد رأى كل شيء. سمع كل شيء. عرف ما كانت تحاول تهرب منه. أنها تحب صالح. وأنها طوال الوقت حاولت أن تحبه، ولكنها فشلت. لقد طعنته هي أيضاً.
لم تتخيل أبداً أن تكون المرأة التي ستؤذي سيف مرة أخرى.
كان سيف ينظر إليها بصدمة. لقد أذته آخر امرأة، ومن أنها قد تفعل هذا. لقد أعطاها قلبه وهو مطمئن أنها ستحافظ عليه، ولكنها خانته.
اقترب منها، ينظر إلى وجهها. دموعها كانت تهطل بغزارة. تنظر إليه، تطالب بالغفران.
تجعدت ملامحه بإشمئزاز. قتلها. أرادت أن تنفي عنها كل الاتهامات، ولكن هل تُكذب الحقائق؟ هل تنكر أنها خائنة؟ هل تتجرأ من الأساس على تكذيب الحقائق؟
والإجابة كانت واضحة. لا بكل تأكيد. هي مذنبة. أخطأت بحقه.
ابتلعت ريقها وهي تحاول تشكيل الكلمات على شفتيها، ولكن لسانها كان يخذلها في كل مرة تحاول فيها الدفاع عن نفسها.
بدأ هو بالكلام وقال:
"توقعت من الكل الخيانة إلا أنتِ يا نوال! للأسف أنتِ زيهم كلهم، ما تفرقيش عنهم."
هزت رأسها ودموعها تنهمر بقوة، ولكنه لم يشفق عليها وقال:
"أكيد لما شوفتي المشاكل بيني وبين بابا قولتي أكيد هيحرمني من ثروته وتروحي لضحية تانية يكون مغفل زيي. يظهر إنك نسيتي أنا اللي لميتك من الزريبة اللي كنتِ عايشة فيها. بس فعلاً الرخيص بيفضل طول عمره رخيص."
هنا لم يتحمل صالح أكثر من هذا وأمسكه من قميصه القطني وهو يصرخ به:
"إنت إزاي تتكلم معاها بالطريقة دي؟!"
كاد أن ينخرطا في عراك، إلا أن نوال أبعدت صالح عنه وهي تصرخ به بقوة:
"خلاص ابعد عنه سيبه. امشي من هنا واطلع برا حياتي!"
بهت صالح وهو ينظر إليها. ظل متصنماً مكانه وهي تصرخ به بتلك الطريقة. ازدرد ريقه وهو ينظر إليها. كم كان مصدوماً متألماً.
"ابعد انت السبب في كل حاجة. امشي!"
قالتها بغضب والدموع تطرف من عينيها. نظر إليه بجمود ثم انسحب بالفعل.
نظرت إلى سيف الذي كان ينظر إليها بقرف وقال:
"فعلاً رخيصة."
شهقت وقالت بصوت مختنق:
"سيف متقولش كده. أبوس إيديك متقولش عليا كده. أنت بالذات مش هتحملها منك."
ابتسم بسخرية وقال:
"دي حقيقتك يا نوال. اللي تخون الراجل اللي حبها وكان مستعد يعمل أي حاجة عشان يبقى معاها يبقى رخيص. وأنتِ رخيصة. رخيصة أوووي. وللأسف دلوقتي أنا بضيع وقتي مع واحدة زيك. بس هنساكي يا نوال. انتِ متستحقيش حتى إني أكرهك!"
ثم تركها وذهب ليعلو صوتها بالبكاء وسط الشارع دون أن تهتم بالنظرات الفضولية من حولها.
شعرت حينها أن قلبها يُنتزع من مكانه. لقد خسرت سيف. سيف رغم أنها اكتشفت أن حبها له لم يكن حقيقي، ولكنه كان أغلى شخص على قلبها. كان الشخص الذي وقف بجوارها عندما تخلى الكل عنها. وكانت هي أغلى ما يملك. كيف فعلت هذا؟ كيف دمرت شيئاً بهذا الجمال!
كان يقود سيارته بسرعة والدموع تنهمر من عينيه. كان يشعر وكأن أحد طعنه في قلبه. والتي فعلت هذا هي أغلى إنسانة بحياته. تلك المرأة التي كان مستعد للتخلي عن كل شيء من أجلها. كم هو سئ الحظ. كل ما يحبه يتركه. كل من يتعلق به يخونه. هل كُتب عليه أن يكون تعيساً طوال حياته!
فاضت الدموع من عينيه ثم أوقف السيارة فجأة وهو ينهت بقوة. ثم أخذ يضرب المقود بقوة وهو يبكي ويصرخ.
"إنت... إنت جايبني هنا ليه؟"
قالتها بصوت مرتجف والدموع تلسع عينيها بينما تنظر إلى غريمتها. أليس لديه أي قلب ليفعل هذا بها. يؤتي بها حتى منزل حبيبته. أليس لديه مشاعر.
كانت تتنفس بعنف وهي تشعر بأنها مهددة أن تبكي في أي لحظة. كادت أن تذهب. أن تهرب. لا يمكنها أن تواجه الأمر. لا يمكنها أن ترى نظرات العشق في عينيه وتصمت.
ولكنه أمسك كفها قبل أن تذهب وقال:
"استني لازم أقول اللي عايزه وبعدين قرري."
كان وجه سيلا مكسواً بالحيرة. كانت حقاً لا تفهم ماذا يفعل.
نظر إليها جورج فجأة. عينيه أسرت عينيها للحظة. الذكريات في قصتهما كانت الأقسى. أحياناً تكون الذكريات الجميلة نيران تشب في القلب. وهذا ما كان يشعر به في تلك اللحظة. ذكرياتهما الجميلة كانت تحرقه.
أخذ يتساءل لماذا لم تكن له. لماذا انفصلا. لقد عشقا بعضهما، ولكنها ظلمته. وهو بدوره ظلم ماريانا. ولكن، هو الآن إنسان ناضج متزوج. وهو ليس برجل خائن. رغم أنه لا يحب ماريانا، ولكنه لن يخونها. لن ينجرف بمشاعره نحو سيلا. لن يُخطئ.
تنهد وقال:
"أنا جاي عشان أحط النقاط على الحروف. جاي عشان أريح الكل من التشتت."
كلاهما كانا ينظران إليه بحيرة. دموع ماريانا هزمتها وانسابت على وجنتيها. لن تتحمل ما سيقوله. بالطبع سيخبرها أنه يحب سيلا. بالطبع سوف يتركها! هذا ما فكرت به. رغم تأكدها من الأمر، إلا أن يحدث هذا أمامها فهو عذاب من نوع آخر.
"أنا عايزة أمشي."
قالتها بهياج وهي تحاول أن تفلت من بين يديه، ولكنه كان يقبض على كفها بقوة ويقول:
"مش هتمشي إلا لما أقول اللي عايزه. الموضوع انتهى يا ماريانا. لازم تسمعي الكلام اللي أنا هقوله. لأني هقوله لآخر مرة. فاهماني."
تحولت نظراته إلى سيلا. عينيها الزرقاء كانت ترمقانه بذهول بينما تشعر وكأن ما سيقوله لن يعجبها. تشعر أنه سيحطم قلبها الآن.
ابتلعت ريقها وهي تنتظر بخوف ما سيقوله.
"أنا متجوز يا سيلا. وأنتِ عارفة كويس إن شخص زيي مستحيل يعمل حاجة غلط أو يخون اللي متجوزها."
لسعت الدموع عينيها ونظرت إليه بصدمة وقالت:
"إنت بتحبني أنا."
ضغطت ماريانا على أسنانها بقوة. تلك الحقيقة تقتلها. تمنت أن تكون في تلك اللحظة مكان سيلا. تمنت أن يحبها جورج. وأن ينظر إليها بنفس الطريقة التي ينظر بها إلى سيلا.
"مهما كانت حقيقة مشاعري ده مينفيش حقيقة واضحة يا سيلا. إني راجل متجوز. وماريانا هي الست اللي هكمل معاها وأجيب منها عيال كمان. هي اللي هعجز معاها وهموت معاها. ماريانا وبس."
سالت الدموع من عينيها وقالت بصوت مختنق:
"وأنا؟"
"أنتِ ملكيش تعريف في حياتي. أنا مراتي هي ماريانا. دي الإنسانة اللي حلفت إني مخونش ثقتها أبداً واهتم بيها. ودي الإنسانة اللي وقفت جنبي."
وضعت كفها على قلبها. كانت تشعر أنها ستموت وهو يتكلم بتلك الطريقة.
"وقلبي... قلبي اللي اتكسر بسببك."
"افتكري إنك اللي في البداية قررتي تكسري قلبك وقلبي. رجوعك مش هيغير حاجة يا سيلا. أنا حبيت بس أقول الكلمتين دول عشان متحاوليش تاني. محاولاتك كلها هتفشل وأنتِ اللي هتزعلي في الآخر."
قال كلمته الأخيرة واستطاع إخفاء انفعالاته خلف نظراته الجليدية. ثم سرعان ما سحب ماريانا خلفه وهو يذهب، بينما هي في حالة ذهول غريبة.
"ها يا رحيق قولتي إيه يا بنتي؟ مش مش شرط الجمال خالص."
قالتها وفاء بارتباك وهي تنظر إلى رحيق بعد أن انفردت بها في استراحة الغداء.
نظرت رحيق إليها وهي تخفي دموعها. صحيح أنها تعرف وفاء جيداً وأنها لا تقصد هذا، ولكن كلمتها تلك ضربتها في الصميم. بسبب كلام الجميع عن شكلها أصبحت ترى نفسها حقاً قبيحة. تدمّرت ثقتها بنفسها.
فركت كفيها لتمسك وفاء كفها وقد استوعبت آخر جملة قالتها. ثم استرسلت بلطف:
"على فكرة أنتِ حلوة أوي. بجد مش كل الناس بتشوف كويس عشان تعرف قد إيه أنتِ جميلة. وعاصي بيه أكيد في يوم من الأيام هيحبك لما تعاملي بنته كويس يا رحيق يا بنتي. أنتِ هتتجوزي واحد ملياردير. يمكن يكون ده العوض ليكي. فكري كويس."
هزت رحيق رأسها وقالت باختناق:
"حاضر هفكر."
ابتسمت وفاء وربتت على كفها وقالت:
"ربنا يوفقك يا بنتي. وأنا هبعتلك صورته على الواتس. فكري عليا وردي بكرة. الراجل مستعجل."
ابتسمت أسفل نقابها بإنكسار. أنها تشعر بالذل. وكأن ليس لها قيمة. كي تتزوج وتتخلص من لقب العنوسة، لابد أن تتنازل.
عينيها وقفت برهة على مؤيد الذي كان يتكلم ببساطة مع إحدى المعلمات الجديدة. حتى الشخص الوحيد الذي ظنت أنه رأى شيئاً مختلفاً فيها، رفضها بسبب والدته والآن يتقرب من امرأة أخرى. هي صحيح لم تكن أي مشاعر له، ولكن هذا الأمر أحزنها. تمنت أن يحبها أحد. أن ينظر إليها بحب. يخبرها فقط أنه يحبها، وهي تقسم أنها كانت ستعطيه حياتها ليس قلبها فحسب. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
فكرت ببؤس. ربما لن تحصل على الحب أبداً. ربما تلك السعادة ليست من نصيبها.
في قاعة المحاضرات، كانت تدون بنشاط كل ما كان يقوله. صغيرها مع جارتها ترعاه. أنها تدعو لها دوماً لأنها تساعدها. فحينما تذهب للجامعة، هي تجالسه مع أطفالها. العالم ما زال بخير. فكرت وهي تشعر براحة البال.
فجأة توترت عندما وقعت أنظار الدكتور يوسف عليها. شعرت بأن دقات قلبها أخذت في الازدياد. لا تعرف لماذا ينظر إليها بتلك الطريقة. هو يكرهها بطريقة لا تفهمها حقاً.
ابتلعت ريقها هي تضع رأسها أرضاً ليكمل هو كلامه وعينيه لا تتركها. لا يحب تلك المرأة. لا يعرف لماذا، ولكن وجودها يستفزه. تثير أعصابه بشدة. هذا شيء لم يختبره من قبل، خاصة وأنها لم تفعل شيئاً خاطئاً لكي يعاملها بتلك الطريقة.
شعرت ماجدة باهتزاز الهاتف الصغير في جيب بنطالها. توترت أكثر ونظرت إلى يوسف لتجده ينظر إليها. لما نظراته مثبتة عليها، لماذا! أرادت أن ترد على الهاتف. لابد أن تلك هي جارتها. رباه، يجب أن ترد. لكنها حتى لا تمتلك الجرأة لتطلب منه أن تخرج وترد على الهاتف لمدة دقائق. الجميع يفعل هذا. ولكن لا تعرف لماذا يخيفها هو.
رفعت كفها بتردد وقالت:
"بعتذر يا دكتور ممكن أرد على التليفون."
نظر إليها دون رضا للحظات، لدرجة أنها ارتعدت بقوة، ولكنه قال أخيراً بفظاظة:
"اطلعي برا وردي. هي دقيقتين وتيجي تاني، فاهمة."
هزت رأسها وخرجت من قاعة المحاضرات وردت على جارتها. لحظات ودخلت قاعة المحاضرات مرة أخرى وهي تهرول مثل المجنونة.
"إيه اللي بتعمليه؟!"
هدر يوسف بغضب وهو يراها تلملم أشياءها وتكاد تخرج. وقف أمامها فجأة وهذا التصرف منه صدمه أكثر مما صدمها.
"خير رايحة فين؟ لو طلعتي متحضريش محاضراتي تاني."
"مش عايزة أحضرها."
قالتها وهي تتجاوزه وتخرج بينما الدموع تغرق وجهها!
"كانت بتقولك إيه الست دي؟"
قالتها مادونا وهي تجلس بجوار رحيق بعد أن ذهبت وفاء.
هزت رحيق رأسها وهي تقول ببهوت:
"مكناش بنقول حاجة؟"
نظرت إليها مادونا بدون تصديق ولوم لتتنهد رحيق وتقول:
"جايبالي عريس."
"تاني! مش كفاية آخر مرة. والعريس المرة دي عنده كام سنة؟ سبعين؟!"
قالتها مادونا بغضب لتتمتم رحيق:
"عنده ستة وتلاتين سنة!"
توسعت عيني مادونا وقالت:
"قولي والله. هزت رحيق رأسها لتقول مادونا بدون تصديق:
"مستحيل. أكيد فيه حاجة غلط. الست دي كل اللي بتجيبهم. أكيد فيه مشكلة في شكله أو جسمه. شوفتيه يا بت قبل ما تتدبسي."
ضحكت رحيق رغماً عنها وقالت:
"إنتِ مصيبة. عارفة كده ولا لأ."
"عارفة. عارفة. المهم شوفتيه."
كادت أن ترد إلا أن صوت قدوم رسالة على تطبيق الواتس أب جعلها تتوقف. نظرت إلى الهاتف وابتسمت وهي تقول:
"أهي الست وفاء بعتت صورته."
"عايزة أشوفه. عايزة أشوفه."
قالتها مادونا بحماس لتضحك رحيق بتعب وتفتح لها الهاتف لكي تنظر إلى الصورة دون أن تكلف نفسها وترى.
توسعت عيني مادونا بإعجاب وأفلتت منها صرخة صغيرة وهي تقول:
"اتجوزيه. بجد اتجوزيه. إيه العيون الحلوة دي!"
عبست رحيق وهي تدير شاشة الهاتف لتريه. توسعت عينيها وهي تنظر إلى أوسم رجل رأت في حياتها. شهقت بالفعل بخفوت وهي تنظر إلى عينيه الزرقاء الحادة. شعره الأسود الطويل قليلاً وملامحه القوية.
غضت الطرف عنه وهي تغلق هاتفها بينما أمسكت مادونا كفها وهي تصرخ بها:
"وافقي بجد وافقي يا رحيق!"
قالتها مادونا بحماس لتبتسم رحيق بحزن. لو فقط تعرف الحقيقة بالطبع لن تكون متحمسة لتلك الدرجة. بل ستبخها على الطريقة التي تريد إلقاء نفسها بها إلى أي رجل. والمبرر التخلص من لقب كريه بات يلاحقها. ولكنها هل تجرؤ على إخبارها الحقيقة؟ بالطبع لا. هي لن تستطيع فعل هذا. لا تريد أن ترى نظرات الشفقة بعينيها. هي لن تتحمل هذا. لن تتحمل التوبيخ أو كلمات المواساة منها. أنها جميلة. أنها تستحق الأفضل. لقد اقتنعت أنها لم تحظى بالجمال. وهذا لا يضايقها بعد الآن. هي تقبلت نصيبها. ولكن ما لا تستطيع تقبله هو كلام الناس. أقرب ما لها يقتلونها بنظراتهم قبل كلماتهم. وهي لن تنسى أبداً ما قالته لها نوران منذ يومين!
"نوران كنتِ بتكلمي مين؟"
قالتها رحيق بشك بعد أن ولجت لغرفة نوران وسمعتها وهي تقول لأحدهم أنها تحبه.
احمر وجه نوران وصرخت بها:
"إنتِ إزاي تدخلي أوضتي من غير ما تخبطي على الباب؟ مش هتبطلي عادتك الزفت دي ولا إيه؟ ولا خلاص عشان أمي بدأت تعاملك حلو هتتفرعني؟!"
"أنا سألتك سؤال يا نوران وعايزة إجابة لو سمحتي. كنتِ بتكلمي مين؟"
نظرت إليها بصدمة لوقاحتها ثم ضحكت وقالت:
"بجد مش مصدقة كمية الوقاحة بتاعتك. مين أنتِ عشان تهدديني؟ ملكيش دعوة. مليكيش فيه. بطلي برود بقا وتحشري مناخيرك في اللي مليكيش فيه."
كلماتها أوجعتها ولكنها لن تستسلم. نوران ترتكب خطأ ما وهي لا يمكنها أن تسكت.
"نوران متخلنيش ألجأ لأمجد لو سمحتي قوليلي مين اللي كنتي بتقوليله الكلام ده."
انفجرت فجأة بها وهي تصرخ:
"إنت إنسانة غلاوية وحقودة صح؟ عايزة تقولي لأمجد قولي بس مش هيصدقك. عارفة ليه؟ لآني أنا مش من نوع البنات دي وهيعرف إنك بتتبلي عليا عشان غيرانة مني أنا."
"أنا غيرانة منك؟ أنا خايفة عليكي."
قالتها رحيق بصدمة لتبتسم هي بسخرية وتقول:
"أيوه غيرانة مني. لآني كذا عريس اتقدم لي لكن أنتِ مفيش حد أصلاً بيبصلك ولا هيبصلك. آخرك أما هتقعدي وتخلي أكتر ما أنتِ مخللة أو هتلفي على راجل متجوز زي أمك!"
عادت من شرودها وهي تتنهد. لقد أذتها كثيراً نوران ولكن رغم هذا رحيق قلقة جداً عليها. هل يمكن أن ترتكب نوران خطأ بحق نفسها؟ وهل أخطأت عندما لم تخبر شقيقها؟ للأسف أمجد الآن يواجه مشاكل مع عائلة خطيبته وهي لا تريد أن تزيد المشاكل عليه ولكنها خائفة. الطريقة الوحيدة هي أن تتقرب من نوران لكي ترشدها للطريق الصحيح.
"إنت بقالك فترة بعيد. بطلت تسأل إن تيجي البيت من ساعة ما ماما اتكلمت معاك في الموضوع بتاع الشقة."
قالتها أريام لأمجد الذي يدفع رأسه في الملف الذي أمامه. هو لم ينظر إليها حتى وهذا حطم قلبها بالفعل. لم يرد عليها وبقي متجهمًا.
لسعت الدموع عينيها وهي تقول بصوت مختنق:
"أنا آسفة إن ماما اتكلمت معاك بالشكل ده. بس الحقيقة دي كانت رغبتي أنا. لما روحت بيتكم محبتش المنطقة هناك. فكر فيا ومستقبلنا وأولادنا إن شاء الله إزاي هيتربوا في المكان ده."
نظر إليها فجأة. عينيه العسلية كانت مشبعة بالبرود. زم شفتيه وهو يحاول تمالك نفسه. ثم قال أخيراً:
"أفندم. مالها المنطقة بتاعتنا؟ لا فيها مجرمين ولا حاجة وكلنا جيران وقرايب هناك. أنا معرفش ليه تدخل والدتك لما كنتي قادرة توضحي وجهة نظرك ليا ونوصل لحل. لكن كون تدخلي والدتك في شيء بسيط زي ده. يبقى إزاي أديكي الأمان تحافظي على سر بيتي."
بهتت وهي تنظر إليه وقالت بارتباك:
"أنا بس... أنا..."
"أنتِ افتكرتي لما والدتك تقول أما تجيب شقة أو تفسخ الخطوبة كده بتلوي دراعي. بس للأسف أنا مش من النوع اللي بيتهدد. لو كنت اتكلمتي بهدوء معايا كنت هحترمك. لكن أنتِ بتنهي اللي بيننا بسرعة."
شحب وجهها بشكل أكبر وقال:
"ت... تقصد إيه؟"
"أقصد إني مضطر أفكر مرة تانية في موضوع جوازنا ده!"
"اتفضلي."
قالها بهدوء وهو يفتح الباب. ولجت للمنزل وما زالت علامات الدهشة على وجهها. اتجهت بآلية إلى غرفتها ولكنه أوقفها بصوته الجامد وهو يقول:
"استني لو سمحتي محتاج أتكلم معاكي شوية."
توقفت واستدارت ونظرت إليه. ثم ضربها الإدراك. هو لم يفعل ما فعله من أجلها. بل من أجله. نعم، هو اتخذها درع ليحمي نفسه من تأثير سيلا. التفكير في هذا جعلها تشعر بالغثيان. حقيقة أنه تم استغلالها من قبل الإنسان التي أحبته كانت تقتلها. كان الغضب يتصاعد داخلها كبركان خطير على وشك تدمير كل شيء.
وجدت نفسها تمسك سكين صغيرة كانت على الطاولة ملقية بإهمال ثم رمتها نحوه. تدارك الأمر في آخر لحظة وابتعد. ثم اتسعت عينيه الزرقاء بصدمة وبريق مخيف ثم هدر بها:
"إنتِ مجنونة! كنتِ هتموتيني!"
"وأنت لسه شوفت حاجة يا عديم الشرف!"
صرخت به ليبهت ويقول بصدمة:
"عديم الشرف..."
ثم تراجع بصدمة وهي تتقدم نحوه تنوي خدشه بوجهه. أمسك كفها وصرخ بها:
"بس خلاص كفاية يا ماريانا إيه اللي أنتِ بتعمليه ده!"
"إنت لسه شوفت حاجة. أنا هقتلك. أنا هموتك وأخلص منك."
كانت تصارعه باهتياج. كان الغضب يعمي عينيها. لا يهم حتى لو قتلته طالما سوف تفرغ غضبها. هذا الحقير يفقدها صوابها!
كان يحاول هو أن يمسكها. يهدئها كي لا تتأذى. كان حقاً خائف عليها وهي بتلك الحالة. أخيراً استطاع السيطرة عليها وقام بإدارتها ثم جذبها نحوه حتى اصطدم ظهرها بصدره ثم حاوط خصرها وهو يقول بلطف:
"أهدي يا ماريانا. خافي على صحتك. لو مش عشان نفسك يبقى عشان اللي في بطنك."
توسعت عينيها بصدمة بالغة. ولسعت الدموع عينيها. هو يعرف. يعرف أنها حامل. لهذا أتى. لهذا فعل كل هذا. هي لم تكن أبداً في حساباته. هو حقاً لا يهتم بها.
سكنت بين ذراعيه بينما دموعها أخذت تنساب من عينيها. وشهقاتها الخافتة تخرج من بين شفتيها.
"إنت عرفت!"
أغمض عينيه وهو يدفن وجهه في شعرها ويقول:
"أيوه. الدكتورة اللي روحتي كشفتي عندها تبقى زميلة ليا. وهي اللي قالتلي. كنتي عارفة أن الموضوع مش هيبقى سر. خبّيتيه عليا ليه."
لم ترد بل أخذت تبكي بشكل أقوى.
أدارها بلطف وهو يمسح دموعها. كان يشعر بالشفقة عليها. لقد عانت الكثير وهو السبب. لن ينكر الأمر. عانق وجهها وهو ينظر إلى عينيها. يعد ما يقوله جيداً. سيطبق ما قاله لسيلا. ماريانا هي زوجته وكفى. وكما أنها والدة ابنه القادم. لن يدمر حياته بسبب مشاعره تلك أبداً.
"مش هقول إني بحبك لأن دي هتكون كذبة وأنتِ متستحقيش إلا إنك تعرفي الحقيقة. بس كلامي قدام سيلا إنك مراتي ومش هخونك صح مية في المية. أنا عايز أبني حياتي معاكي ومع ابني. مش عايز ابني يتحرم مني ولا أنا أتحرم منه."
"هتعيش معايا وأنت مش طايقني ولا بتحبني؟ كل اللي فشلت أعمله الفترة اللي فاتت فشلت فيه. بس كون إني حامل أخيراً قررت سيادتك تدينا فرصة عشان جوازنا. ومفروض أنا أفرح وأسكت."
ابتلع ريقه وقال:
"أنا عايزك!"
توسعت عينيها بصدمة ليجذبها نحوه وهو يدفن يديه في شعرها:
"عايزك فاهماني."
كانت ترتجف بين ذراعيه بصدمة. زادت صدمتها وهو يهبط بشفتيه ليقبل خدها ثم تحرك نحو عنقها ليقبلها برفق. ارتجفت ودموعها تتساقط بعنف. ثم فجأة ابتعدت.
ابتسمت بسخرية وهي تنظر إليه وقالت:
"بس أنا اللي مش عايزالك دلوقتي."
ثم تركته مصدوماً وذهبت لغرفتها. كان يفكر كيف تقاومه الآن.
في اليوم التالي.
"مش عايزة اتجوز. قولتلك مش عايزة اتجوز."
قالتها جيلان وهي تبكي. وجهها الأبيض احمر من الانفعال وتلهث بقوة بينما الدموع تلطخ وجهها.
"يا بنتي اسمعي بس."
قالتها والدتها بتعب ولكن جيلان هزت رأسها:
"يا ماما قولتلك مش عايزة اتجوز."
"مين اتكلم على جواز يا بت المجانين؟ أنا بقول بس تقعدي مع العريس اللي جالك. مش بتكلم على جواز خالص."
"مش عايزة أقعد معاه ومش عايزة اتجوز. ومش هتجوز."
أمسكت شربات ذراعها وهي تقول:
"يعني إيه الكلام ده يا بت؟ أنتِ هتفضلي طول عمرك تبكي عليه؟ هو خلاص خطب وهيتجوز وأنتِ هتعنسي يعني؟ فاكرة لما تعملي كده هيبصلك ولا هيهتم أصلاً. فوقي. أنتِ بالنسبة لأمجد مش أكتر من أخت. عمره ما هيشوفك غير كده. أمجد شايفك لسه عيلة صغيرة. وبعدين هو أكبر منك بكتير يا بني. اتجوزي واحد قدك."
"كفاية يا ماما. كفاية."
قالتها بنحيب ثم أكملت:
"حرام عليكي أنا بموت هنا وأنتِ بتقتليني بكلامك. أنا عارفة إنه مش هيبصلي دي مش حاجة جديدة. ومش مستنية حاجة. بس أنا مش عايزة اتجوز. قلبي مش متقبل حد دلوقتي. استني بس شوية. أكيد مش هقعد كده وأتجوز. بس مش دلوقتي يا ماما. خليني أخلص تعليمي الأول وبعدين نشوف الموضوع ده."
نظرت إليها والدتها بدون رضا. كانت حقاً غاضبة من تفكير ابنتها بهذا الشكل. لو فقط تعلم متى تعلقت به. وكيف!
"مش عارفة أقولك إيه يا جيلان. خايفة تضيعي حياتك وأنتِ بتجري ورا سراب. أنا فاهمك يا بنت بطني. أنتِ لسه عندك أمل فيه. الراجل خطب وأنتِ لسه عندك أمل."
كادت أن تنفي ولكن الكلمات تجمدت على شفتيها. ما الذي ستنفيه؟ هل تجرؤ من الأساس أن تنفي ما تقوله؟ هل هذا كذب؟ بل هي الحقيقة بعينيها. أنها ما زالت تأمل، ما زالت ترسم أحلام لهما سوياً في مخيلتها. الأمر يسعدها ويجعلها تعيسة في ذات الوقت. هي تعيسة وتشعر بالذنب لأنها تنظر إلى من ليس لها.
أمسكتها والدتها وأخذت تهزها بقوة وتقول:
"انطقي يا بت اللي بقوله صحيح. أنتِ بتفكري بجد لسه فيه؟ لسه عندك أمل؟"
انهمرت الدموع بغزارة من عينيها وقالت بصوت مختنق:
"بحبه. بحبه."
سقط كف شربات على وجه ابنتها. انتحبت جيلان وهي تنظر أرضاً. كانت لا تستطيع أن تنظر إلى والدتها. كانت تشعر بالخجل حقاً.
"أنا مش مصدقة إنك بنتي. مش مصدقة إنك بتفكري بالشكل ده. الرجل خطب يا جيلان. خطب. إيه اللي بتفكري فيه ده؟ عقلك فين؟ أنتِ اتهبلتي. إزاي عندك أمل؟"
نظرت إلى والدتها وزعقت:
"معنديش أمل يا ماما. بس أنا بحبه. دي حاجة مش بإيدي."
أمسكت والدتها فكها وهي تصرخ بها وتقول:
"بس... بس اخرسي. اخرسي يا قليلة الحيا. اسكتي متتكلميش. هتقابلي العريس يا جيلان غصب عنك وإلا أقسم بالله لا أنتِ بنتي ولا أعرفك."
ثم دفعتها عنها وذهبت بغضب لتجلس جيلان على الأريكة وتنفجر بالبكاء. قلبها يؤلمها. لا يفهمها أحد. لا يريد أحد أن يفهمها. ليتها لم تحبه. ليتها! إنها تتألم بسبب هذا العشق وهو لا يشعر بها أصلاً. لا يراها. تشك أنها غير مرئية بالنسبة له. لماذا لم يحبها هي؟ لماذا لم يراها؟ تلك الأسئلة كانت تدور بعقلها وتؤلمها أكثر! ما يؤلمها أكثر أنها ما زالت تأمل. أحياناً تتخيل أنه سوف ينفصل عن خطيبته ويرتبط بها هي. وتلك الأفكار تجعلها تشعر أنها بشعة!
منذ أيام وهي لم تخرج لتناول الطعام معه. حبست نفسها في غرفتها بعد ما حدث مع ابن خالتها. لقد ظنت أنه سوف ينقذها ولكنه يريد الزواج منها وهي لا يمكنها أن تفعل هذا. لا يمكنها أن تكسر قلب أخرى. بالإضافة إلى أنها لا تحب معاذ. ولن تحبه أبداً. هي تتعافى مما فعله عمر بها. لقد أهملت أهدافها ما أن أتت إلى هنا. لم تكمل دراستها ولم تفعل أي شيء لكي تستقل بحياتها عن عمها. يجب أن تكون قوية لكي تستقل بشكل كامل عنه دون أن تخاف على نفسها.
نظر إليها جلال وابتسم وهو يقول:
"أخيراً رضيتي عني وقررتي تشاركيني الأكل. أنا مبسوط جداً."
نظرت إليه ببرود من تحت نقابها. لم يرى وجهها. ولكن عينيها كانت باردة للغاية. جلست على طاولة الطعام وهي تتناول طعامها بصمت وتقول:
"أنا عايزة أكمل تعليمي. أنا كنت بدرس في حقوق بس بعد الحادثة اللي حصلتلي مقدرتش أكمل طبعاً."
نظر إليها بأسف وقال:
"سامحيني يا مياس."
أمسكت شوكتها وقالت باللامبالاة:
"معرفش هسامحك على إيه ولا إيه. إنت عملت كتير أوي."
"بس بحاول أصلح غلطتي."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"وغلطتك هتصلحها لما تجوزني ابنك اللي مش عاوزني؟"
"سيف هيحميكي. أنا مش هعيشلك العمر كله."
"الحامي هو ربنا يا جلال بيه. كنتوا بعاد عني لسنين كتير وعشت أهو مموتش ولا حاجة. جوز ابنك للبنت اللي بيحبها. متكسرش قلبه. صدقني هيكرهك طول حياته لو عملت كده."
كاد أن يتكلم ويرد عليها إلا أنه توقف فجأة وهو يرى ابنه يقترب منهما.
"أهلاً بيك يا بيه بقالك كام يوم مش بشوفك إلا قليل. يدوب تخلص شغلك في الشركة وتجري تقفل على نفسك الباب. ورافض حتى تقولي مالك. قررت أخيراً تحن علينا وتاكل معايا أنا ومياس."
رفع عينيه بتعب ونظر إلى والده. ثم إلى مياس. أعاد نظره إلى والده مرة أخرى وقال:
"بابا أنا موافق اتجوز مياس!"
رواية اسرت قلبه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سوليية نصار
ده آخرة إني أسيب ابني معاكي يا هانم.
الواد كان هيموت وحضرتك كنتي بتتسرمحي!
صرخ لطيف بها بينما هي تجلس بجوار ابنها الصغير الراقد بالمشفى. منظره هذا يجعل قلبها يخفق بألم. انسابت الدموع من عينيها وشهقت يخفوت وكلامها ينخر قلبها فيؤلمها أكثر.
قالت بصوت منخفض:
خلاص يا لطيف ابوس ايديك خلاص. أنا كمان بموت من القهر على ابني. بعدين أنا مكنتش بتسرمح، أنا بشتغل وادرس عشان أقدر أعيش ابني كويس. عشان يطلع ميبصش للي زيه، مش عايزة أحرمه من اللي أنا اتحرمت منه.
نظر إليها بقسوة وهدر:
أنا كنت معيش ابني في مستوى كويس ومعيشك انتِ كمان، بس انتِ اتبترتي على النعمة.
- انت عايز أعشّي ابني على فلوس حرام؟ فلوس انت بتاخدها على حساب قهر كل أم على ابنها، على حساب تدمير كل عيلة. فلوس تجارة المخدرات دي أنا لو هموت من الجوع أنا وابني مش هاخدها أبداً.
ابتسم بشر وقال:
تمام، خلي ابنك يموت من الجوع أو من إهمالك. واسمعيني كويس، أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان آخد ابني ووقتها مش هخليكي تشوفيه أبداً.
رفعت رأسها ونظرت إليه وقالت:
أنا عايزاك تعمل كده عشان بالأدلة اللي معايا أرميك في السجن طول حياتك. وإن كنت ناسي أفكرك!
كانت تنظر إليه بقوة. قوتها تلك جعلته يعقد حاجبيه بقوة. لم يتخيل أبداً أن تكون هي بتلك القوة. أن تجرؤ على تهديده هو! كان حقاً مصدوم. ولكنها تلك الأدلة التي معها هي من تجعلها تهدده الآن بثقة. وللأسف الشديد لا يعرف أين وضعتها، ولكنه متأكد أنها أعطتها لشخص ما. وإن حدث وإذاها سوف ينكشف كل شيء وهو لا يريد هذا. هو من الأساس لا يريد أن يؤذيها. هي لا تصدقه، ولكنه حقاً يحبها. هو مغرم بها. لا يمكنه محو ذكرياتهما من عقله. صحيح أن زواجهما كان مدبر، ولكنه أحبها منذ أول لحظة رآها. أحب خجلها المميز، ابتسامتها الرائعة. وقع في غرامها وتزوجها. ثم عاش معها أجمل أيام حياته حتى أنجبت له. ولكن ما حدث بعد ذلك دمر حياتهما. فكر بهذا ثم أغمض عينيه بتعب.
ثم فتح عينيه مرة أخرى وقال بقوة:
أقسم بالله لو أهملتي ابني مرة تانية لأخده منك وتحبسيني، متحبسنيش دي متهمنيش، فاهمة ولا لا!
ثم تركها وغادر لتفرك وجهها بتوتر. كان وجهها متقلص من الألم. الخوف أن ينفذ هو تهديده، لا يمكنها أن تخسر ابنها. هو كل ما تمتلكه. ألا يكفي أنها خسرت من قبله. فكرت ببؤس والدموع تنفجر من عينيها.
طرقة بسيطة على الباب جعلتها تنتفض بخفوت. نظرت لتجد جارتها تتقدم نحوها وهي ناكسة رأسها في الأرض. كانت لا تعرف ماذا ستقول. هي من أهملت في الصغير حتى حدث ما حدث ولن تسامح نفسها أبداً.
- أهلاً بيكي يا أم مصطفى.
انسابت دموعها وهي تقترب من ماجدة وهي تقول:
سامحيني يا ماجدة. أنا آسفة. أنا أهملت ابنك. لولا أني سهيت شوية مكانش هيقع من على السلالم. أبوس إيديكي سامحيني!
ابتسمت ماجدة بسماح وقالت:
محصلش حاجة يا أم مصطفى خلاص، الحمد لله الدكتور طمنا عليه. الحمد لله على كل حال. كتر خيرك.
مسحت والدة مصطفى ميسر دموعها وقالت:
أنا برضه السبب يا ماجدة. ده كان أمانتي وأنا اللي أهملت. أنا عمري ما هسامح نفسي أبداً. أبداً.
ربتت ماجدة على كتفها وصمتت. لم تكن قادرة على مواستها. هي أيضاً كانت حزينة. بسبب كل كل يحدث لها!
...
- تتجوز مين؟ انت أهبل ولا إيه اللي الخرافات اللي بتقولها دي؟ هو أنا لعبة بينك وبين والدك؟ لا أنسى الكلام الفاضي ده. أنا مستحيل أوافق على الهبل اللي بتقولوه ده. والبيت ده مش هقعد فيه ثانية واحدة!
صرخت بها مياس والدموع تلسع عينيها. ماذا يظنان هما؟ ها هي لعبة بين أيديهما. كيف يجرؤان على معاملتها بتلك الطريقة؟ هل أصبحت دمية بيد عائلة الحسيني.
نظر سيف إلى غضبها وهو يشعر بالقهر. لا يعرف كيف خرجت من فمه تلك الكلمة. هو أراد أن يكسر نوال. أراد أن ينتقم بها. أن يحرق قلبها كما هي أحرقت قلبه. وأسكت ضميره الذي أخبره أنه يستغل مياس.
رأي مياس تذهب بغضب إلى غرفتها لينظر إلى والدها فيقول:
إيه حصل اللي قولته ولا إيه؟ ظهرت حقيقة التانية صح؟
نظر سيف إلى والده بجمود وقد أطفأ بريق الدموع غضبه الشديد. نظر جلال إلى ابنه وقد أشفق عليه واقترب منه وهو يقول:
مالك يا سيف؟
- أنت كان عندك حق يا بابا. أنا إنسان فاشل في اختياراتي. من هنا ورايح انت اللي هتمشي حياتي. من ناحيتي أنا موافق على مياس ومستعد أتجوزها من بكرة لو عايز!
...
- والدتك كلمتني إنك بترفض أي حد من غير ما تشوفيه أصلاً يا جيلان، ممكن أعرف إيه المشكلة؟
قالها أمجد وهو ينظر للأرض. لا يعرف لماذا تصر زوجة عمه على إقحامه في هذا الأمر. ماذا تريد من كل هذا؟ الموضوع محرج أن يتكلم معها في تلك النقطة خاصة وأنه يشعر بانجذابها له. نعم هو يعلم ولم ينكر الأمر. يعلم منذ البداية. شجارها معه لم يكن سوى غطاء لتخفي مشاعرها الواضحة أمامه. عينيها التي تلمع له تجعله يختنق. لأنه لا يستطيع أن يبادلها تلك المشاعر. رباه أنها صغيرة للغاية. ما زالت في سنتها الأولى في الجامعة وهو كاد أن يبلغ الثلاثين! بماذا تفكر تلك الفتاة.
رفعت جيلان عينيها وهي تنظر إلى والدتها بلوم وانكسار. لقد فهمت ما تريد والدتها فعله. أنها تريد أن تجعلها ترى بنفسها أن أمجد لا يهتم بها. أنه بسهولة سيدفعها نحو الزواج بسهولة. هي تعلم أنه لا يهتم بها قيد أنملة ولكن ما سيفعله سوف يحطم قلبها. أن يدفعها الشخص الذي تحبه أكثر من أي شيء نحو الزواج بنفسه هذا الأمر يقتلها من الداخل.
لسعت الدموع عينيها وهي ترفع رأسها وتنظر لوالدتها ثم قالت بصوت مرتجف:
دي حياتي أنا يا شيخ أمجد واظن إنك ملكش أي دخل بيها.
- جيلان عيب!
نهرتها والدتها ثم أكملت:
فعلاً مشوفتيش تربية.
نظرت إلى والدتها بقهر وقالت:
ليه بتدخليه في حياتنا ليه؟ أنا حرة أتزوج متزوجش، هو عشان بابا مات يبقى هو ولي أمري!
شعر أمجد بالغضب. أنه لا يشعر بهذا الغضب الشديد أبداً ولكنها حقاً تخرجه عن طوره. لا يرغب أبداً بتحطيم قلبها ولكنها مصرة على التمسك بوهم.
كان غضبه يتفاقم ولكنه سيطر على نفسه وهو ينظر إليها بدون رضا. كانت هي ترفع رأسه تناظره بتحدي. بينما طبقة رقيقة من الدموع تتكون بعينيها كان يشعر بحزنها. بغضبها. يعلم ما تعانيه ولكن يجب أن تعرف حقيقة أنه حتى لو لم يكن خاطب لم يكن لينظر إليها. الموضوع بالنسبة إليه غريب. هو يعتبرها كـ نوران مستحيل أن ينظر إليها بطريقة أخرى. هذا سيكون شاذ للغاية. أنه يراها كشقيقته الصغيرة.
تنهد ليسيطر على غضبه وقال:
لا طبعاً مش ولي أمرك يا جيلان بس انتِ أختي الصغيرة وأمرك يهمني.
رأي الجرح في عينيها. هو قصد أن يخبرها أنها كشقيقته الصغرى كي لا تبني أي أحلام بشأنه. نعم هذا يجرحها ولكن أن ينتهي الأمر الآن هذا أفضل. لا يمكنها أن تبني أحلاماً بشأنه. ليس تلك الزوجة التي يطمح إليها. هو يريد امرأة مسئولة وليس طفلة مدللة كجيلان!
وأدت جيلان الجرح بعينيها ورفعت ذقنها وهي تجيبه بتحدي:
لا متخافش عليا. أنا أكيد هتجوز بس بعد ما أخلص دراستي. مش حابة أنشغل بأي حاجة دلوقتي. دراستي هي أولويتي. أخلص بس كلية وبعدين أول عريس مناسب هوافق عليه يا ابن عمي. أكيد متقلقش.
تنهد براحة وهو يهز رأسه ربما انتهى الأمر بخير. ربما مشاعرها تلك نحوه مشاعر إعجاب سوف تتلاشى وحينها سوف تجد الرجل الذي يستحقها الرجل الذي يحبها لذاتها. وحينها سوف تبقى سعيدة. لن يجد ذلك الحزن في عينيها. هو طالما عهدها مدللة. مرحة لا تعرف الحزن وهذا ما يريده أن تكون دوماً. يريد منها أن تكون مليئة بالسعادة والأمل. هذا ما يليق بجيلان.
نهض مبتسماً وقال:
أنا شايف أن جيلان عندها وجهة نظر وهي عندها طموح يا مرات عمي. سيبيها تحقق كيانها وبعدين العريس جاي جاي. مش كده؟
هزت رأسها تأكيداً على كلامه وهي تناظره بتحدي.
...
في اليوم التالي.
- يا ماما أنا بحبه!
قالتها أريام والدموع بعينيها. كانت تنظر إلى والدتها التي تجلس على الأريكة تناظرها بقوة بينما والدها يجلس بجوارها دون أن يستطيع أن يدافع عن ابنته أو عن حقها. لقد تنازل عن هذا الحق منذ زمن. تنازل عن حق أن يكون رجل المنزل وترك زوجته تقوده والنتيجة هو لا يستطيع حتى أن يعارض قرارات زوجته المجحفة بحق ابنتهما.
كانت والدتها تنظر إليها ببرود. تراها منهارة من أجل رجل. كم هي حمقاء. ابنتها الغبية ورثت جانب والدها العاطفي. وهي أكثر من تعرف أن العاطفة تدمر المرء.
- ممكن تسكتي!
قالتها بصوت قوي ثم أكملت:
بطلي عياط ونواح خلاص عصبتيني. على إيه العياط ده كله؟ وعلى مين أصلاً؟ انتِ إزاي تعيطي على راجل أصلاً وواحد مش شاريكي. لو بينتي إنك منهارة بالشكل ده هيجي عليكي. لازم تفهميه إنه آخر همك. وإنه لو منفذش اللي طلبناه يبقى خلاص كل واحد يروح لحاله!
شهقت أريام بقوة وهي تشعر أن قلبها يكاد ينخلع من مكانها. أن تتخيل أن تنهي كل ما بينهما بعد ما طلبته يومياً من ربها. لقد دعت كثيراً أن يكون من نصيبها والآن تتخلى عنه بكل بساطة. كيف يمكن أن تفعل هذا؟ مجرد التفكير في الأمر يجعلها تشعر بالرعب.
هزت رأسها وقالت:
أمي بتقولي إيه بس. أنا مش عايزة أسيب أمجد.
ابتسمت هي بثقة وقالت:
وأمجد متمسك بيكي. أنا بشوف ده في عينيه. وعشان هو متمسك بيكي هينفذ اللي هنطلبه منه. أنا بنتي متعش في المكان البيئة ده. ولا تعيش مع أمه وأخواته. لازم تعملي لنفسك شخصية من الأول. مش لازم تخلي جوزك هو اللي يقودك. لازم يبقى العكس. لازم الكلمة تكون هي كلمتك أنتِ.
ابتلعت أريام ريقها وهي تنظر إلى والدها الذي وضع عينيه بالأرض وهو لا يستطيع أن يعارضها أو يتكلم.
انسابت الدموع من عيني أريام وهي ترى والدتها تزرع بها الأفكار المسمومة. لقد أحبت والدها وشفقت عليه وكرهته بنفس الوقت. كرهت ضعفه هذا. لم تشعر أبداً أنه سند لها. كانت تراه دوماً شخصية ضعيفة. تستطيع والدتها أن تجعله طوع أمرها. شخص مثل هذا ما كان سيحميها وربما هذا الذي جعلها تنجذب وتحب أمجد لأن ترى بها القوة التي افتقدتها لدى والدها. ترى أنه رجل يعتمد عليه. رجل تشعر بالأمان في ظل وجوده معها. هي لا تريد أن تجعل أمجد نسخة من والدها. لا تريد أن تفرض رأيها عليه. هي تريد أمجد كما هو. تريده أن يكون هو الرجل وليس العكس. تريد أن تشعر بالأمان في ظله. لا تريد تحويله أبداً لنسخة ثانية لوالدها. لا تريد لابنتهما في المستقبل أن تشعر مثله الآن. لا تريدها أن تكره والدها وتشفق عليه في ذات الوقت!
- بس أنا مش عايزة أمجد يكون كده يا ماما. أنا مش عايزة كلمتي هي اللي تمشي عليه. مش عايزة أسيطر عليه. أنا عايزة علاقتنا تمشي بشكل طبيعي. مش عايزاه تكون علاقة مشوهة. مش عايزة حد فينا يكون هو الطرف الضعيف. الطرف اللي بينفذ وبس. أنا عايزة حياتنا تبقى فيها مشاركة. محبة ومودة. مش سيطرة واستغلال. أنا مش كده يا ماما وأنتِ عارفة.
قلبت والدتها شفتيها بسخرية وقالت:
غبية زي أبوكي يا قلب أمك. هتشوفي بكرة أمجد وأمه وأخواته هيخلوكي خدامة. مش هتمسعي كلامي هتغرقي وأنتِ حرة يا أريام أنا حذرتك. اللي زي أمجد عايز اللي تسيطر عليه مش العكس لأنه هيتعبك وهتشوفي كلامي هو اللي هيكون صح يا بنت بطني.
...
- أفندم!
قالها بغضب وهو ينظر إليها. كانت تقف أمام الباب وهي ترتعش بقوة. ازدردت ريقها وهي تقول بصوت باهت:
ممكن أدخل؟
- تدخلي فين؟ أنا وضحتلك إنك مش هتدخلي أي محاضرة ليا تاني. اتفضلي امشي وتعالي قابليني لو نجحتي في مادتي.
توسعت عينيها برعب وهي تنظر إليه. لا تصدق ما يقوله. حاولت أن تتكلم أن تبرر أو تدافع ولكنه اقترب بهدوء وقال:
لو سمحتي روحي دلوقتي عايز أكمل محاضرتي مع الناس اللي بتلتزم. يالا برا.
انسابت الدموع عينيها وكسا الانكسار ملامحها. بسرعة استدارت ثم ذهبت مسرعة وهي تبكي وتشهق.
زفر وهو يشعر بضيق غريب. هو لا يتعامل بتلك الطريقة مع النساء فماذا به؟ لما تلك هي المرأة الوحيدة التي تثير أعصابه؟ هز رأسه لينفض الأفكار عن عقله ثم أكمل شرحه.
...
في مكتبه كان يجلس وهو يشرب كوب الشاي الخاص به بينما بيده بضعة أوراق يطلع عليها. رفع رأسه عندما شعر بأحدهما يدق الباب. ابتسم بلطف وهو يرى ميادة إحدى أفضل طلابه. كانت طالبة حقاً مجتهدة رغم صغر سنها. هي أصغر طالبة تقريباً ولكنها تفوق الجميع.
- إزاي حضرتك يا دكتور؟
- الحمد لله يا ميادة اتفضلي فيه حاجة مفهمتهاش من المحاضرة.
ولجت للمكتب وهي تهز رأسها باسمة وتقول:
لا طبعاً بس أنا جيت أتكلم معاك في موضوع معين تسمحلي؟
عبس بحيرة ونظر إليها. تُرى ما هو الموضوع التي تريد التحدث عنه؟ نفض حيرته جانباً.
- طيب اقعدي واتكلمي.
جلست على المقعد وهي تفرك كفيها بتوتر. تخاف أن تتكلم فيغضب. هي لا تعرف لماذا يعامل ماجدة بتلك الطريقة. لماذا يغضب منها على أبسط الأسباب. يبدو وكأن بينهما ثأر. لولا أنها مقربة قليلاً من ماجدة لشكت أن ماجدة ويوسف يعرفان بعضهما من قبل.
- إيه يا بنتي أنتِ جاية تسرحي هنا ولا إيه؟ مش قولتي هتتكلمي؟
قالها يوسف بمزاح ولكن الفضول كان يلمع بعينيه. فركت ميادة كفيها وهي تحاول تجميع الكلمات لكي تتكلم معه. وكما أنها كانت تجمع شجاعتها. بدأت في الكلام بنبرة مرتبكة خافتة:
هو حضرتك ليه بتتعامل مع ماجدة بشكل سيء؟
نظر إليها بحيرة فعرفت أنه حتى لا يعرف اسمها فابتسمت ببساطة وقالت:
ماجدة اللي هي الست اللي حضرتك طردتها النهاردة من المحاضرة.
كسا وجهه البرود وقال:
وانتِ بقا المحامية بتاعتها وهي بعتاكي عشان تدافعي عنها؟ ليه معندهاش لسان؟
هزت رأسها بسرعة ونفت وقالت:
أبداً والله يا دكتور الموضوع مش كده أبداً. أنا بس عارفة ظروف ماجدة. والله دي إنسانة مكافحة.
- الإنسان المكافح بيحضر محاضراته يا ميادة. ميسرحش أثناء المحاضرات ولا يسيب المحاضرات في النص ويمشي من غير سبب.
هزت رأسها بالنفي للمرة الثانية وقالت:
يا دكتور والله هي مسابتش المحاضرة من غير سبب. ابنها وقع واتكسرت إيده وفضلت معاه. ماجدة والله الحياة جاية عليها أوي. اتطلقت وطليقها رما الحمل عليها بقت تشتغل وتدرس عشان تحسن من دخلها عشان خاطر متحرمش ابنها من حاجة. عاملة زي اللي بيدور في ساقية ومش بترتاح. والله يا دكتور هي مش مهملة هي بس تعيسة. حياتها مش ليها لابنها. بتعمل المستحيل عشان يكون مبسوط. ياريت حضرتك كمان متجيش عليها أو تسقطها. هي بالعافية جمعت فلوس الدبلومة. هي حبت بس تطور من نفسها. لو سمحت يا دكتور أنا مكنتش هقولك كل ده غير وأنا متأكدة إن حضرتك طيب ومش هتيجي عليها أكتر من كده. آسفة طولت عليك.
أنهت كلامها ثم نهضت وذهبت من أمامه لتتركه غارقاً بأفكاره.
...
- اسمها رحيق الراوي من طرف خالتي يا باشا. بت غلبانة كسرت الثلاثين سنة. عايشة مع أخوها ومرات أبوها وبتشتغل مدرسة وإنسانة طيبة مش هيكون ليها طلبات كتير. خالتي وضحت ليها أسباب الجواز إيه وهي موافقة. بس هي منقبة يا باشا عشان كده معرفتش أجيب ليها صورة. ممكن تروح تتقدم وتشوفها هناك. ولو معجبتكش نشوف تاني.
تنهد عاصي وقال:
الشكل مش مشكلة. انت عارف.
تردد هو قليلاً وقال:
بس هي عندها شرط.
رفع عاصي حاجبيه وقال:
خير إيه شرطها؟ عايزة فلوس يعني؟
- لا يا باشا هي مش عايزة أهلها يعرفوا عن السبب الحقيقي للجواز.
...
فتحت الباب ورفعت حاجبيها وهي تراه أمامها. شعرها الأحمر ينسدل على ظهرها وعينيها الزرقاء تبرق بشدة. كانت ماريانا تنظر إلى غريمتها بجمود وقالت:
خير؟
ولجت سيلا لمنزلها دون أي دعوى وقالت بسخرية:
اوعي تكوني فاكرة إنك كسبتي. جورج هيبقى ليا طول العمر!
ابتسمت ماريانا بسخرية وقالت:
أنا مش فاكرة كده. هو بنفسه قالك كده. ودي الحقيقة أنا مراته!
- أنتِ مراته صحيح. بس قلبه ملكي أنا.
قالتها سيلا بفخر وهي ترجع خصلات شعرها الحمراء النارية للخلف وأكملت وهي ترى اهتزاز جسد ماريانا من شدة الانفعال:
جورج لحد دلوقتي مقدرش ينساني رغم اللي أهله عملوه. بس أنا لسه في قلبه. هو فشل ينساني زي ما أنتِ فشلتي تخليه يحبك. بجد بشفق عليكي يا ماريانا أنتِ متستاهليش المعاملة دي.
سيطرت ماريانا على انفعالاتها. رفضت تماماً أن تترك امرأة مثلها تنتصر عليها. لذلك ابتسمت في وجهها بلطف وهي ترفع كفها لها وتقول مشيرة إلى طوق الزفاف الذهبي:
أنا مراته وده المهم اللي بيجمعنا أقوى بكتير من أي حاجة وأنتِ ملكيش مكان في حياة جورج. ولو كان هيكون ليكي مكان هتكوني بس عشيقته وهو ده هيكون تمامك. بس كمان للأسف مش هتكوني حتى عشيقة لأن جورج حبيبي ملوش في العك! يالا يا حلوة أطلعي برا بيتي!
...
في الليل.
- أنا عايزة أعرف إيه مشكلتك بالظبط. بتتجاهلني ليه؟ هو مش انت بنفسك قولت عايزين نبقى أصحاب ومنخليش بيننا أي توتر عشان خاطر عمر.
قالتها سما بإنفعال بعد أن انفجرت أخيراً بعد عدة أيام من التجاهل التي لا تعرف سببه حقاً. هي حقاً محتارة. ماذا فعلت لتنال منه هذا التجاهل. كان قلبها يعتصر ألماً بينما الدموع تلسع عينيها. اللعنة عليه يجعلها ضعيفة مثيرة للشفقة. فكرت بأسى. بينما هي كانت على حافة الانفجار كان ينظر إليها هو ببرود شديد. يحاول أن يسيطر على مشاعره. تلك المرأة خطيرة أنها تتسلل داخله ببطء مخيف. تمنحه الأمان ولكن بغتة منه تريد أن توقعه. أن تسلب قلبه. وقلبه أبداً لن يكون ملكها. قلبه ملك لـ مريم. لا يجب أن ينساها. لا يجب أن تطأ امرأة أخرى قلبه. ولكن هل هو في مأمن؟ هل سما فشلت في الدخول لقلبه؟ كل تلك الأسئلة كانت تدور بعقله وهو يبحث عنها عن إجابة والجواب الواضح مخيف للغاية.
- أمير رد عليا أنا بكلمك.
- أنا جبتك هنا عشان تكوني أم لابني مش عشان أكون صاحبك!
قالها ببرود شديد لتشحب قليلاً ثم أكمل:
كونك تحاولي تسرقي مكان أختك في حياتي ده رخص منك.
احمر وجهها بقوة وصرخت به:
انت بتقول إيه يا حيوان!
ثم رفعت كفها لتضربه ولكنها أمسك كفها وقال:
إياكِ تحاولي تعمليها حتى.
ثم دفعها لتنفجر الدموع من عينيها وتقول بإختناق:
أنا بكرهك. سامعني وعمري ما هسامحك عشان إهانتك دي. انت إزاي تفكر إني كده. عمري ما فكرت في ده أصلاً أنا عمري ما أخد مكان أختي.
- ولا هتاخديه أصلاً. مستحيل تبقي مكانها. حتى لو عملتي إيه مش هتقربي من قلبي.
أخذت تنهت بعنف. دموعها هزمتها. كانت تشعر إنها ضعيفة. هي التي أقسمت إنها لن تظهر ضعفها له. حبها له. الآن كسرت كل وعودها. ودت لو قتلته لأنه عراها أمام نفسها ولكن يجب أن تتمالك نفسها. لن تدعه يربح. لن تدعه يدرك إنه جرحها.
مسحت دموعها بقوة ألمت بشرتها الحساسة وقالت:
متقلقش خالص مش عايزة قلبك ولا مهتمة بيه. أنا جوازي منك كان عشان خاطر عمر. عمر وبس. وفي اليوم اللي هيقدر فيه عمر يعتمد على نفسه أنا هتحرر منك وأشوف حياتي مع إنسان غيرك.
ضغط على أسنانه بقوة. ذكر رجل أخرى أشعل بقلبه النيران. حاول بقوة أن يمحو آثار الغيرة عن وجهه وقال:
أكيد طبعاً حقك.
- بالظبط ده هيكون حقي.
اغتاظ من نبرة الثقة في صوتها وقال:
وكمان حقي إني أشوف حياتي.
ابتسمت ساخرة وقالت:
قولتها وهقولها تاني. البنت اللي حاطط عينيك عليها شاور عليها وأنا هجوزهالك من غير تفكير.
تنهدت وأكملت:
تعاملنا المرة دي هيكون عشان خاطر عمر وبس. متتوقعش مني أي حاجة خالص.
ثم انسحبت من أمامه ليجلس هو على الأريكة ويغمض عينيه. ماذا فعل؟ هو أبعدها عنه. خاف من التأثير الكبير التي تحدثه بحياته. خاف من خفقات قلبه التي باتت تدق لها. عينيه التي بدأت تخونه وتنظر إليها. عينيها. شعرها. كل ما بها يأثره. إنها تمثل خطورة على قلبه!
...
أغلقت الباب على نفسها وهي تلوذ لفراشها ثم تنفجر بالبكاء. تدفن رأسها في الوسادة. لماذا أحبت شخص مثله. ماذا ظنت هل سيحبها. كم هي بشعة. فكرت في أخذ مكان شقيقتها. لقد حلمت بهذا ولن تنكر. حلمت بحياة معه. حلمت أن يحبها. تلك الحقيقة جعلت ضميرها يؤلمها. لقد طمعت فيما ليس لها!
...
في اليوم التالي.
- هو ليه القميص الأسود متغسلش؟
قالها أمير بغضب وهو يمسك قميصه الأسود ويخرج به للصالة حيث تمسح سما فم ابنه الصغير وتبتسم له باتساع وهي تقول:
بالهنا والشفا يا بطل. يالا عشان نمشي.
خانته عيناه وهو ينظر إليها. كانت ترتدي بنطال أسود وسترة ناعمة باللون الكريمي أسفلها قميص أسود يناسبها كثيراً. حجابها ملفوف بطريقة مميزة. لا تضع مساحيق تجميل سوى ماسكارا ومرطب شفاه. كانت بسيطة ولكن جميلة. لم تنظر إليه رغم تحدثه معها. شعر بالغليان وخرج من الغيمة الوردية التي كانت تلفه وقال:
أنا بتكلم ليه القميص الأسود متغسلش؟ ردي يا سما.
نظرت إليه وهي ترفع حاجبيها بدهشة وتقول:
أفندم؟ وأنا هغسله ليه؟ هو أنا خدامتك يعني ولا إيه؟
عبس وهو ينظر إليها وقال:
إيه؟ إزاي يعني؟
- يعني أنا مش خدامتك. عندك إيد واغسل بنفسك. أنا قولتلك متتوقعش مني أي حاجة. أنا مش مراتك!
ألقى القميص أرضاً من الغضب وقال:
أنا جوزك يا هانم!
ابتسمت ساخرة وتمتمت:
مكانش كلامك ده آخر مرة.
ثم لمعت عينيها بألم وهي تتذكر إهانته تلك. لقد قضت اليوم بطولة تبكي. حتى إنها لم تأكل وهو لم يهتم بالسؤال عنها بل أخذ عمر بالخارج وقام بالترفيه عنه جاعلاً إياها تداوي جروحها بنفسها. لن تنسى هذا أبداً.
- هو ده تلاكيك يعني؟ عايزة توصلي لإيه؟
هدر بها لتبتسم بلطف وهي تنظر لعمر وتقول له:
ممكن تروح أوضتك يا حبيبي وتجيب شنطتك.
هز الصغير رأسه بطاعة واتجه إلى غرفته بسلاسة. ربعت ذراعيها واقتربت منه. عينيها تلمع بقوة وهي تنظر إليه وتقول:
أولاً أي خناق بيننا يكون بعيد عن الولد. عشان ميطلعش معقد زي أبوه.
اتسعت عينيه بصدمة وقال:
انتِ!
ولكنها قاطعته وهي تقول:
لو سمحت لسه مخلصتش كلامي. ثانياً ده اتفاقنا. انت مش معتبرني مراتك ولا أنا معتبراك جوزي. أنا هنا قبلت بوضعي مربية لعمر وبس. متتوقعش مني إني أخدم جنابك كمان. ممكن تخدم نفسك أو تجيب خدامة. ميهمنيش.
أمال رأسه وهو يقول بابتسامة متوحشة:
أو ممكن أتجوز تاني!
ابتسمت ببساطة وقالت:
وماله ده هيكون أفضل. أهو على الأقل تغيب عندها يومين ولا تلاتة تهوينا شوية.
- لا أنا هجيبها تعيش معاكي هنا.
اقتربت منه وابتسامتها تتسع وعينيها تلمع بقوة وتقول:
وأنا هوضب أوضتكم بنفسي يا عمري.
ثم ابتعدت عنه وابتسمت بحنان وهي ترى عمر يقبل نحوها. مدت كفها وقالت:
يالا يا روحي. قول باي لبابا.
- أنا ممكن أمنعك مش شغلك تعرفي كده؟
قالها فجأة باندفاع. كلماتها أشعلته. لقد ظن إنه هو الرابح في تلك اللحظة ولكنها قلبت اللعبة عليه. أفلتت منها ضحكة فجأة وقالت:
لا متقدرش. في اليوم اللي هتمنعني فيه هتلاقيني جايبة المأذون وأهلي عشان نتطلق وأبقى ربي ابنك بمعرفته. أنا مفيش حاجة عندي أهم من شغلي.
ثم سحبت عمر وخرجت من المنزل. ليلكم هو الحائط بقوة وهو يتنفس بعنف: إنها تغضبه. تخرجه عن طوره. هو لا يستطيع أن يتحملها أكثر من هذا. لا يعجبه القرب منها ولا البعد عنها. هو ذات نفسه لا يعرف ماذا يريد. أغمض عينيه وهيئته منذ قليل ترفض نفارقة خياله. رباه إنها تتسلل داخله وإن لم يتصرف سوف يلقي كل ذكرياته مع مريم وسوف تحتله سما. ربما ما تفعله هو الأفضل. يجب أن يتجنبها هو أيضاً.
...
في المساء.
- اللي بعمله ده غلط. أبوس إيديك يا عادل متخلينيش أعمل كده تاني؟
قالتها نوران على الهاتف وهي تبكي وتشهق ليزفر بضيق ويقول:
وايه اللي خلاه غلط بس؟ ما قولت خلاص هتجوزك. بس أنا مبحبش البنت اللي هتجوزها تمنع مني حاجة. مصدعة راسي بشوية صور بعتيهم. لا راضية تيجي معايا الشقة ومش واثقة فيا. بقولك عايز أعرفك كويس ومش هعرفك إلا بالطريقة دي فهمتي!
عضت شفتيها وهي تبكي بعنف وقالت:
اللي بنعمله ده غلط.
- يووه غلط. غلط. أنتِ مفيش على بوقك غير الكلمة دي. أنا زهقت منك وقرفت. اسمعيني يا بنت انتِ أما تيجي الشقة عندي بكرة أو صورك الحلوة دي هتروح لأخوكي.
بهتت وهي تسمع كلمته تلك وقالت بإختناق:
أ... أنت بتقول إيه؟
- اللي سمعتيه يا حيلتها. بكرة الاقيكي قدامي في الشقة هنقعد سوا مش هعملك حاجة وعد مني. بس لو مجتيش صورك كلها اللي بعتيها ليا هتوصل لأخوكي. ها قد سقط قناعه. كلام العشق والهيام التي كان يغرقها بها كلها كانت كذبة. العشق في عينيه كان خدعة. حبهما كذبة هي عاشتها وهو حاكها بمهارة.
أعتصرت عينيها بقوة والدموع تنفجر من عينيها وقالت بصوت خرج مذهولاً:
بتقول إيه يا عادل. انت بتقول إيه؟ انت فاهم اللي بتقوله ده. أنا نوران. حبيبتك. مراتك زي ما بتقول. أنت هتعمل فيا كده.
ابتسم ساخراً وهو يضع الهاتف على أذنه الأخرى. يحارب ضحكاته الساخرة التي تكاد تهرب من بين شفتيه ويقول:
إيه مراتي؟ انتِ مجنونة. هو أنا مجنون عشان أتزوج واحدة زيك!
- واحدة زيي؟
قالتها بصدمة ليرد:
أيوه واحدة زيك. راحت تبعت صورها وهي شبه قالعة ليا. يا حبيبتي أنا لولا إني قررت إنهي اللعبة السخيفة دي دلوقتي كنتِ أنتِ اللي هتترجيني عشان تجيلي الشقة. المهم يا قلبي قدامك حلين أما تجيلي الشقة أو صورك هتكون عند أخوكي الشيخ أمجد. مسكين أمجود شيخ واخته بتتصرف زي بنات الليل. دي هتكون صدمة العمر ليه يا حرام. بس أخته عشان ذكية هتيجي بكرة في الميعاد اللي اتفقنا عليه. ها يا عمري هتيجي؟
لم ينتظر ردها وأغلق الهاتف لتنهار على فراشها وهي تبكي بعنف. لا تصدق ما ورطت نفسها بها.
...
في اليوم التالي.
فتح عادل الباب لينظر إليها بخبث ويقول:
أهلاً بيكي يا عمري. ادخلي.
ابتلعت نوران ريقها. تعرف إنها عندما تلج لن تخرج كما هي أبداً. ولكن ربما. ربما عادل يتحلى ببعض الرحمة. هي مستعدة لتقبيل قدمه حتى يتركها وشأنها. فقط ليتركها مستعدة لفعل أي شيء.
- ما تدخلي يا عمري. هنفضل واقفين على الباب كتير كده ولا إيه؟
اهتزت بعنف وهو يكلمها بتلك الطريقة. وكأن طريقته اللطيفة اختفت تماماً ما أن قرر أن يكشف عن نواياه نحوها. لسعت الدموع عينيها وهي تلج لمنزله. أغلق الباب خلفها لترتعش بقوة وهي تنظر إليها. الدموع تنفجر من عينيها وهي تقول:
أنا جاية أبوس إيديك. ورجليك. ارحمني. امسح الصور والله ما هتشوف وشي تاني. عادل عشان خاطري أنا.
- ومين قال إن ليكي عندي خاطر؟ انتِ ولا حاجة بالنسبالي.
أغمضت عينيها وهي تبكي بعنف وتقول:
عارفة إني ولا حاجة وعندك حق. وحياة أغلى حاجة عندك اعتقني لوجه الله.
- حاضر طبعاً يا عمري. هسيبك طبعاً بس بعد ما تعملي اللي أنا عايزه.
ثم أخرج شيئاً من جيبه وقال:
خدي من دي يالا.
أمسكت العبوة بذهول لتجد أنه حبوب مانع الحمل!
رواية اسرت قلبه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سوليية نصار
اتأخرتي ليه يا نوران؟
قالتها والدتها وهي تنظر لوجهها الشاحب.
كانت تتمعن بها وهي قلقة. هي لم ترى هذا الشحوب على وجه ابنتها من قبل.
اقتربت دلال من ابنتها وهي تقول:
مالك يا بت فيه ايه؟
زاغت عيني نوران كي لا تنظر لعيني والدتها.
كانت تشعر بتأنيب الضمير. لا يمكنها أصلاً أن تصدق أنها تصرفت بتلك الطريقة. أنها رمت شرف العائلة.
شعرت وكأن العالم يدور بها. تمنت أن تنشق الأرض وتبلعها أو تموت.
تعبانة شوية يا ماما.
ثم انسحبت وذهبت إلى غرفتها سريعاً.
اغلقت الباب وهي تشعر بشيء بشع يجثم على قلبها.
انهارت نوران على فراشها وهي تبكي بعنف وما حدث يدور في عقلها. يهاجمه بشراسة. لقد خسرت. خسرت كل شيء.
دفنت وجهها في الوسادة وهي تتذكر كل شيء. كيف تم سلب منها براءتها ولكن الخطأ خطأها أيضاً. هي من سمحت له بفعل هذا. هي من فرطت في شرفها لواحد حقير مثله. هي السبب.
بكت أكثر وهي تشعر بالقرف من نفسها. لقد خسرت كل شيء. لقد اعتدي عليها من تحب وهي لا تستطيع الكلام حتى. لا تستطيع أن تلجأ لشقيقها لأن هي من اخطأت بالبداية.
ولكن الخطأ كان خطأ الجميع. لم يهتم بها أحد. الجميع كان يهتم برحيق. حتى والدتها رغم معاملتها الجافة أصبحت تهتم برحيق الآن. لا أحد يحبها. الجميع يقف بصف رحيق تلك. الجميع فقد عقله ونسوا أنها ابنة المرأة التي سرقت ووالدها. نسيت أنها ستكون كوالدتها.
عينيها التي تذرفان دموع كانت تلمعان بحقد. أنها تكره تلك الفتاة. تتمنى لها الموت. هي السبب في الذي هي فيه الآن. ولن تسامح أهلها على الذي وصلت له الآن. لو اهتموا بها. لو فضلوها على رحيق لم يكن لتنزلق إلى هذا الطريق.
الآن هي لن تستطيع الزواج. وبالطبع عادل لن يتزوجها. لقد ألقى الحقيقة بوجهها.
أغمضت عينيها والدموع تنفجر من عينيها أكثر.
رباه. رباه ماذا تفعل الآن. لو علم أمجد بما فعلته سوف يقتلها. ولو تزوجت وانكشفت الحقيقة سوف تكون بوضع صعب.
لولا أنها تخاف الله لأنتحرت في تلك اللحظة. ولكن أين كان خوفها من أهلها وهي تبعث له تلك الصور. تجاريه فيما يطلبه منه مهما كان فاحش وشاذ. كيف فعلت هذا بنفسها يا الله. ليتها تموت. حقاً ليتها تموت.
نهضت بتعب من الفراش وهي تتجه نحو خزانتها ثم أخرجت لها ملابس.
جسدها كان يرتجف وما حصل يهاجم عقلها بضراوة. تريد أن تنسى. تتمنى أن تنسى ولكنها لا تستطيع. كل شيء في عقلها. عقلها ما زال يحتفظ بكل لحظة من تلك المأساة.
ابتعدت عن الخزانة ثم اتجهت إلى الخارج نحو الحمام. فتحت الباب ثم اغلقته.
بعد ثواني فتحت صنبور المياه ثم وقفت تحت صنبور المياه وهي تدعك كل جزء في جسدها بينما تبكي بعنف. واللحظات التي عاشتها معه هاجمت عقلها بشراسة وجعلتها تشعر بالقرف من نفسها. لقد خسرت شرفها. فرطت بنفسها ولكنها لم تستمتع بأي شيء. الأمر كان أشبه بالاغتصاب. لقد انتهكها من عشقته. لقد توسلته. قبلت قدمه أن يرحمها. ولكنها أبداً لم ترحمه بل ظل ينظر إليها بسخرية. يأمرها بكل وقاحة أن تنفذ ما يقوله. كان أسوأ يوم في حياتها.
فكرت أن تهرب ولكن الصور التي كانت معه جعلتها تتراجع عن هذا الأمر لأنها جبانة. خافت أن تقف أمامه. لأنها جبانة خافت أن تقول لا. توقف.
انفجرت الدموع أكثر وهي تشعر أن قلبها سوف ينفجر داخل صدرها. كان الأمر رهيباً. أنها تموت. حقاً تموت الآن. ضاع شرفها.
أغمضت عينيها بقوة وهي تتذكر ما حدث. الذكريات تتسرب إلى عقلها. تشعر بالإشمئزاز من نفسها. شهقت وهي تتذكر كل شيء.
امسكت العبوة بذهول وقد انسابت الدموع من عينيها. نظرت إليه وقد اتسعت عينيها بصدمة وهي تقول بإختناق:
اي. ايه ده؟
مش شايفة ولا ايه يا عينيا. دي حبوب منع الحمل.
انت مجنون. مجنون. بتفكر في ايه؟ اللي في بالك ده مستحيل يحصل. انت مستحيل تلمس مني شعرة وأنا همشي دلوقتي.
ابتسم بشر وقال:
وأنا مش همنعك يا بيبي بس افتكري أنك مسافة ما تخرجي من هنا أنا هبعت الصور دي لأخوكي عشان يتفرج على جمال أخته. إيه رأيك يا قمر.
نظرت إليه والدموع تنفجر من عينيها بقوة.
اقترب منها وهو يقول:
أيوه هو ده اللي أنا عايزه. عايزك كده تكوني مكسورة ملكيش عين تبصي في عيني وتتحديني. عرفتي بقا أنك واحدة شمال. كنتي بتتقلي عليا بس مخدتيش في إيدي غلوة. غبية افتكرتي أني هبصلك أو هحبك. انتِ واحدة عشان تسليني وبس. يالا يا حبيبة قلبي نفذي اللي بقوله من غير كلام أنا مش عايز أزعلك. خلينا نقضي يوم لطيف مع بعض.
عادت من شرودها ودموعها تتسابق بقوة أكبر. لقد سقطت في الهاوية.
لم تصدق أذنيها عندما أخبرتها ميادة بأن الدكتور يوسف سمح لها أخيراً بحضور محاضراته. كانت تظن أنها تمزح ولكنها الآن تقف أمام باب المحاضرة متأخرة كالعادة. ترتجف داخلها وهي تراه سقف بهيبته المعتادة.
نظر إليها فجأة ليتبعثر داخلها بقوة. ظل ينظر إليها بعينيه العسلية لفترة حتى ظنت أنه سيصرخ بها مجدداً. ولكننه قال أخيراً:
اتفضلي ادخلي ولو سمحتي نلتزم بمواعيد المحاضرة.
هزت ماجدة رأسها وولجت للداخل وعلى ثغرها بسمة سعيدة. ثم لوحت لميادة بسعادة وجلست بجوارها وهي تخرج الدفتر الخاص بها وعلى شفتيها ابتسامة سعيدة بينما تدون خلف يوسف ما يقوله.
كان يوسف يشرح وعينيه تعلق بها أحياناً. يتأملها وهو يفكر لماذا ما زالت تثير حنقه. هو حقاً يشفق عليها ولكنه يشعر بالغيظ منها وحقاً لا يعرف السبب. لقد ظن أن إهمالها أو ضعفه هذا ما جعله يغتاظ منها ولكن ميادة استطاعت أن تجعله يفهم. هي ليست بإمرأة ضعيفة. على العكس تماماً. هي قوية. محاربة ومجتهدة أيضاً. ولكن شيئاً ما يثيره بها. ربما ذلك الضعف الفطري بعينيها. الضعف المختبئ خلف قناع القوة التي تبرزه للعالم.
هز رأسه ليبعد أفكارها عنه. كان حانقاً من نفسه. هو لا يفهم ماذا به ولماذا يفكر بها من الأساس. منذ أن أخبرته ميادة عنها وهي أضحت تشغل باله بشكل غير اعتيادي.
انتهت المحاضرة وقد لملمت ماجدة أوراقها سريعاً كي تلحق عملها الجديد. للأسف تركت عملها القديم بسبب رعاية ابنها ووجدت عمل آخر كبائعة في متجر كتب يملكه رجل طيب في الحي الذي تسكن به وهذا العمل مناسب جداً لها. صحيح ليس يدر عليها الكثير من المال ولكن على الأقل تستطيع أن تذاكر هناك ولا تقلق على ابنها. وكما أنه قريب من البيت.
كادت أن تخرج من قاعة المحاضرات مسرعة إلا أن صوت يوسف أوقفها مكانها وهو يقول:
مدام ماجدة ممكن لحظة؟
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. إنها تشعر بالتوتر من نظراته تلك. إنه حقاً يخيفها أكثر من طليقها حتى.
اقتربت بهدوء منه وهي تقول بتوتر بينما عينيها تزوغان بكل مكان حتى لا تتواصل بصرياً معه.
تنهد وهو يدرك توترها منه وقال:
ميادة قالت لي على ظروفك اللي بتمري بيها وقالت لي أنك مش بتقصدي تهملي في المحاضرات قصداً. أنا مقدر طبعاً اللي انتِ فيه بس مادام دخلتي طريق تكمليه للآخر.
حرقت الدموع عينيها وقالت:
أنا ما كنتش ههمل لولا مشاكلي يا دكتور. بعدين متقلقش من اليوم هلتزم بإذن الله لحد ما أكمل الدبلومة على خير. شكراً جداً لحضرتك. عن إذنك.
ثم تركته وخرجت من القاعة.
وجدت ميادة تقف بجوار خطيبها وذهبت إليها وقالت:
ميادة معلش عايزاكي.
ابتسمت ميادة بلطف وهزت رأسها وهي تترك خطيبها وتذهب معها.
توقفت مع ماجدة بعيداً عن خطيبها قليلاً وهي تبتسم لها.
نظرت إليها ماجدة بلوم وقالت:
ليه يا ميادة قولتي للدكتور يوسف عن مشاكلي؟ ليه بتخليه يشفق عليا؟
عبست ميادة قليلاً وقالت:
أنا مقولتلهوش عشان يشفق عليكي يا ماجدة. أنا قولته عشان يعرف أنك مش من النوع اللي بيتدلع أو بيؤثر في دراسته. عايزة يعرف أنك إنسانة مجتهدة بتعملي اللي تقدري عليه عشان تطوري من نفسك. وبالعكس هو مش بيشفق عليكي هو احترمك أكتر عشان كده سمح لك تدخلي محاضراته تاني وده اللي إحنا عايزينه. أنا بعتذر لو جرحتك يا ماجدة بس أنا مكنتش هسمح أني أسيبه وياخد عنك فكرة غلط وأسكت. كان لازم أتكلم وأقول أنك مش كده وأنه فاهمك غلط وهو الراجل أتفهم.
ابتسمت ماجدة ابتسامة منكسرة. رغم أن ميادة حاولت أن تجعلها تشعر بالفخر من نفسها ولكنها تعرف أن ما فعله يوسف بدافع الشفقة وهذا واضح للغاية.
تنهدت وهي تربت على كتف صديقتها وتقول:
شكراً على كل حاجة يا ميادة. بجد.
ثم تركتها وذهبت. لا يهم شعور الشفقة الذي باتت تشعره من الجميع. الأهم من هذا كله أنها لن تواجه صعوبات بعد الآن. يكفي ما يفعله بها زوجها السابق لا تريد أن يتعندها أيضاً يوسف. هي لن تستطيع تحمل هذا كله.
استقلت وسيلة المواصلات العامة وهي تنظر في هاتفها الصغير لتعرف الوقت. جيداً أمامها أكثر من ساعتين تستطيع فيهما أن تعد الطعام لابنها الصغير ثم تذهب للمكتبة لكي تعمل.
ماما.
قالها محمد ابنها الصغير وهو يندفع إلى أحضانها برقة لتبتسم ماجدة بحب وهي تضمه إليها ثم تقبل شعره وهي تقول:
وحشتني يا قرد.
أبعدته برفق حتى لا يتألم بسبب يده التي موضوعة داخل جبيرة ثم نظرت إلى جارتها وهي تقول:
شكراً يا أم مصطفى كتر خيرك.
ابتسمت ميسر وقالت:
متقوليش كده يا ماجدة ده زي ابني. وأنتِ زي أختي وأكتر كمان.
ابتسمت لها ماجدة وهي تشعر وكأن أخيراً كل شيء سوف يكون بخير.
في الليل.
لم يصدق عينيه وهو يراها تمسك حقيبتها وتجرها راغبة في الخروج من القصر. كانت ترتدي عباءة سوداء ونقابها. تجر حقيبتها بعزم. تريد أن تتسلل في الليل وتذهب من هنا. لا يصدق. هل تفعل هذا بسبب ما قاله. فكرة سيف بصدمة ثم ركض نحوه وهو يمسك ذراعها ويقول:
فيه ايه؟ رايحة فين؟
ابعد سيب إيدي!
صرخت به وهي تبعد ذراعه عنها بإحكام ثم صرخت به:
أقسم بالله لو مسكت إيدي تاني لاقطعهالك. انتوا فاكرين نفسكم إيه؟ إني هرضى بالعبث اللي بتفكر فيه انت وابوك. انت لو آخر راجل في العالم مستحيل أتجوزك انت فاهم. أنا مستحيل أربط نفسي أكتر بعيلتكم. أنا بكرهكم كلكم. بكرهكم عشان مكنتوش موجودين في أسوأ أيام حياتي. سيبتوني لوحدي. ودلوقتي عايزين تربطوني بيكم. دلوقتي عايزين تمشوا حياتي على كيفكم. فاكرين نفسكم إيه. هتتحكموا فيا.
مياس احنا عيلتك ويهمنا أمرك.
قالها بصدمة.
لما انتوا مهتمين بيا كده قولي كنتوا فين؟ كنتوا فين لما أهلي ماتوا. دي كانت أكتر لحظة كنت محتاجاكم فيها. كنت مستنياكم تيجوا. تطبطبوا عليا لكن محدش ظهر. محدش وقف معايا إلا خالتي. خالتي وبس. وانت. انت يا سيف كنت صاحبي قبل ما تكون ابن عمي نبذتني بسهولة ودلوقتي جاي تقول هتبقى معايا وتتجوزني. ومين قال أصلاً أني عايزة أتزوجك. مين قال أصلاً أني عايزاك من الأساس. أنا عمري ما فكرت بيك بالشكل ده ولا هفكر وعمري ما هتجوزك!
كانت كلماتها تجلده بقوة. كان الذنب يثقل روحه. تنهد وهو ينظر لعينيها الدامعة. ورغم الدموع كانت قوة كبيرة تشع من تلك العينين. تلك الفتاة أقسمت أن تكون قوية. مصرة على مواجهة مشاكلها بمفردها.
لا يعرف لماذا ولكن تلك اللحظة كان مصراً أكثر على الزواج منها. هي من ستساعده لينسى نوال. يجب أن يقنعها. للحظة أنانيته غلبته. ربما بزواجهما سيكونان سنداً لبعضهما. هو سيعوضها عما عاشته وهي ستنسيه تلك الخائنة.
ارتعش قليلاً وهو ينظر إليها. ثم قال بهدوء رغم ارتجافه الواضح:
أنا عايز أتزوجك.
نظرت إليه بصدمة ليكمل:
عايز أعوضك عن كل اللي عملته معاكِ. عايز أفضل جنبك وأحميكي من أي حاجة. أعوضك عن اللي شوفتيه. اتجوزيني وهكون سندك بعد ربنا. محدش هيقدر يفرض عليكي كلمة وهحترمك طول حياتي. اتجوزيني يا مياس.
ظلت تنظر إليه بصدمة. تشعر وكأن رأسها يغلي. ماذا يقول هذا المجنون وكيف يفكر. هل يظن أنها سوف توافق على هذا العبث. لن توافق أبداً. يكفي أنهم تخلوا عنها.
وهي تعرف لماذا يريد الزواج منها. نعم تعرف جيدا.
ليه عايز تتجوزني يا سيف؟
قالتها بنبرة غريبة. ليزدرد ريقه وهو يقول محاولا ازاحة عينيه عن عينيها:
عايز اعوضك...
انت كداب!
ألقت الكلمة بوجهها ثم أكملت:
انت مش عايز تعوضني ولا حاجة. انت عايز تتجوزني شفقة. قولت المسكينة محدش هيرضى بيها بعد ما اتحرق وشها وانا اتجوزها واهو اكسب ثواب. مش ده اللي بتفكر بيه؟
هز رأسه بقوة نافياً ما تقوله. لم تكن الشفقة هي نيته أبداً. هو لم يراها أبداً كفتاة تثير شفقته. رغم حالتها إلا أنه يراها دوماً قوية.
بطل كدب!
صرخت به وقد طرفت الدموع من عينيها. كانت تلهث بعنف وهي تراه ما زال ينظر إليها بثبات ثم قالت:
انت شفقان عليا عشان كده عايز تتجوزني! فاكر اني محتاجة الشفقة بتاعتك. فاكر اني هموت لاني مش هتجوز! ايه رأيك تشوف البنت اللي انت عايز تتجوزها. تحب تشوفني؟
قالت كلمتها تلك ثم ازاحت النقاب عن وجهها لتظهر الحروق التي مست معظم جلدها. كانت تنظر إليه بثبات. تتنظره أن يشيح عينيه ولكنه ظل ينظر لها. لم ينفر من تلك الحروق. لم يزيح عينيه بل ظل ينظر إليها وهي تقترب منه وتقول وهي تشير إلى وجهها وتقول:
ده هو الوش اللي أنت هتعيش معاه طول حياتك. هتشوفه أربعة وعشرين ساعة. ده اللي أنت هتعيش معاه. انت فاكر الموضوع هيكون سهل! أنا ذات نفسي قرفانة من شكلي. أنا كل يوم بدعي ربنا اني اموت. حتى المرايات بطلت ابص فيها. مبقتش اطيق شكلي حتى بيني وبين نفسي. أنا ذات نفسي مش قادرة ابص لشكلي. انت هتتحمل؟
قالتها له بقهر. الدموع تجرى على جلدها المشوه. تبحث بعينيها عن أي أثر للإشمئزاز في عينيه فلا تجد. كيف لا يشمئز منها؟ هي ذات نفسها تشمئز من نفسها. كادت أن تجن. كيف يفكر هو؟
انا عايز اتجوزك. نقطة من أول السطر. أنا دلوقتي بمد ايدي ليكي وبقولك اتجوزيني.
نظرت إليه بصدمة. كانت حقاً مصدومة. كيف لا يشمئز منها؟ كيف؟
هزت رأسها وقالت:
وانا مش هتجوزك. هو مش عافية وانا همشي من هنا!
ثم كادت أن تتحرك إلا أنه امسك ذراعها وقال:
ليكي الحق ترفضيني بس مش هخليكي تمشي. خليكي هنا وانا اوعدك محدش هيجبرك على حاجة انتِ مش عايزاها. ده وعدي ليكي يا مياس.
بعد أسبوع.
عايزة اعرف مالك. مش طبيعتك أنك تفضلي ساكتة كده. نوران والدتك بدأت تقلق عليكي!
قالتها جيلان وهي تنظر لوجه نوران بقلق. كانت تجلس على فراشها. الهالات السوداء تغزو عينيها. تبدو في حالة يرثى لها حقاً. لقد أشفت بالفعل عليها.
امسكت كفها وقالت:
قوليلي يا نوران ايه اللي حصل؟ الكل قلقان عليكي. فيه ايه احكيلي.
ابتسمت نوران ساخرة وقالت بصوت جاف:
هو مين ده اللي قلقان عليا يا جيلان؟ مين؟ هو فيه حد مهتم بيا اصلا من اهلي. لا امي ولا أمجد شايفيني. الكل مهتم بآنسة رحيق اللي أخيرا حد اتكرم وبص في وشها وهيتجوزها. أنا اصلا لما شوفت صورة الراجل اتصدمت ان واحد زيه جاي يتجوز واحدة زيها. بس أكيد لما يشوف شكلها هيهرب. مفيش حد عاقل هيتدبس فيها!
نظرت جيلان الى نوران بصدمة وقالت بصوت مصدوم:
ايه اللي بتقوليه ده ازاي تتكلمي عن اختك بالطريقة دي. نوران انتِ مش قريبتي وبس. انتِ اختي وانا بحبك اووي. بس كرهك لرحيق غريب. البنت حرفيا معملتش ليكي أي حاجة.
لا عملت. وعملت كتير!
صرخت نوران بعصبية ثم أكملت وهي تطحن أسنانها بعنف وتقول:
دي سرقت مني اهتمام امي واخويا. الاتنين بيحبوها اكتر مني. أمي بعد ما كانت بتعاملها وحش دلوقتي بقت بتعاملها حلو ومبتسمحش لأي حد يضايقها. واهي عشان الهانم أخيرا حد فكر يتقدملها. شغالة في البيت بإيديها وأسنانها وعايزاني اساعدها كمان. عايزاني ابقى خدامة لبنت الست اللي سرقت جوزها. معرفش ماما ازاي بتفكر بجد! تعرفي بتمنى ان الجوازة دي تفشل والعريس اللي جاي ده يهرب بسرعة أول ما يشوف خلقتها!
كانت جيلان تنظر الى ابنة عمها بصدمة. كيف لنوران ان تحمل هذا الكم من الكراهية. هي حقاً لا تفهم.
بجد مش فاهماكي يا نوران. اللي بتتكلمي عنها دي اختك. بجد مش قادرة استوعب كرهك ليها. أنك اللي هي معنية بالأمر مبتكرههاش بالشكل ده. رحيق ملهاش ذنب في مشاكل العيلة واللي حصل. هي بنت يتيمة واختكم وجات تعيش معاكم وطول معرفتي بيها عمري ما شوفت منها حاجة وحشة ابدا. بالعكس كانت بنت طيبة دايما. لسانها حلو.
نظرت نوران إليها بحرقة وقالت:
اه كملي. كملي. وتستاهل تتحب صح. تستاهل ان اهلي يتجاهلوني تماما ويفضلوها عني. أنا بجد بكرهها وبتمنى انها تموت.
عبست جيلان وهي تنظر الى نوران. لم تتخيل ابدا انها تحمل كل هذا الكره لشقيقتها. ولكنها عرفت الآن أن هذا الكره تبع من غيرتها من شقيقتها.
تنهدت جيلان وقالت:
ربنا يهديكي يا نوران مش هقولك اكتر من كده. أنا رايحة اشوفهم برا عايزين حاجة ولا لا.
ثم خرجت من الغرفة تاركة نوران تنظر الى أثرها والدموع تحرق عينيها. بينما صدرها يضيق بقوة. كم تتمنى أن تتكلم مع أي احد. لكي ترتاح من هذا الحمل على الأقل. وضعت كفها على قلبها وهي تبكي. ليتها تمتلك الشجاعة لتنهي حياتها.
توقفت للحظة وهي تجده يقف في صالة المنزل. تسارعت دقات قلبها وهي تتأمله. كان جالس على الأريكة يمسك المصحف ويقرأ بهدوء. لسعت الدموع عينيها. هو قريب للغاية ولكنه في نفس الوقت بعيد جدا. هو ليس ملكها. تعلقها به هذا خطأ. نظراتها خطأ. حتى مشاعرها تلك خاطئة تماما. وكان رغماً عينيها كانت مثبتة عليه. على ملامحه الرائعة. لحيته الخفيفة. كل ما به يأثرها واكثر ما يأثرها هي عيناه. عينيه اجمل عينين رأتهم بحياتها كلها. انها تذوب به. حبها له يجعلها تشعر بالمرض. انها تعيش الجحيم بسبب ضميرها الذي يجلدها باستمرار. كثيرا ما تحلم انه ترك خطيبته تلك واتى إليها. ليعترف انه لم يحب غيرها. تظل تحلم وتحلم وفي النهاية تبكي حتى الصباح. حياتها اصبحت فوضى. ليتها تملك القدرة على نبذه خارج حياتها. كانه لتكون حياتها افضل بكثير.
تنهدت بقوة ليشعر هو بها ويرفع عينيه لينظر إليها. ارتبكت وهي تراه ينظر إليها. بسرعة وضعت عينيها في الأرض.
اغلق هو مصحفه وهو يشعر بالاختناق واراد ان يذهب من هنا على الفور. هو لا يحب وجودها في منزله يذكره هذا بمشاعرها غير المرغوبة نحوه.
نهض وهو يضع المصحف على الطاولة وكاد ان يذهب لتوقفه والدته وهي تخرج من المطبخ وتقول:
أمجد روح جيب جاتوه وفاكهة أنا هبدأ ارتب البيت دلوقتي مش عايزين نتزنق شوية لما الضيوف يجوا.
هز أمجد رأسه لتكمل دلال وهي تنظر الى باب غرفة نوران بيأس:
هي الهانم برضه مصممة انها متساعدش. ولا مرة كده تقف معانا. سايبة الحمل عليا أنا ورحيق. بجد مينفعش كده.
تدخلت جيلان وقالت بصوت ضعيف:
سيبها يا مرات عمي أنا هساعدكم هي تعبانة شوية.
نظر أمجد إليها لثواني بدهشة ولكنه اشاح بصره عنها وهو يخرج من المنزل سريعاً. رائع هو الآن سوف يظل خارج المنزل حتى يأتوا ضيوفه.
في المساء.
اهتزت الصينية في يدها وهي تلج لصالون المنزل. تثبت عينيها للاسفل وهي كاشفة وجهها. تلف الحجاب بطريقة اعتيادية بينما ترتدي ذلك الفستان الأزرق الذي اختارته والدتها دلال لها. كان فستان مميز. لا يبر
لسعت الدموع عينيها وهي تنظر إليه. ملامحه الباردة، نبرته القوية، الحقائق التي يلقيها بوجهه يخبرها أنها لن تكون زوجة. لن يراها كزوجة، بل ستكون مجرد مربية لابنته والمقابل سوف يجعلها تحمل اسمه، ينقذها من لقب العنوسة الذي التصق بها. كانت تعيش الجحيم على أي حال، فأن تعيش جحيم عاصي صفوت لن يكون الأمر أسوأ. هي لا تحبه على كل حال.
هزت رأسها بينما تقول بصوت مختنق:
"موافقة!"
فرك كفيها وقال بصوت مهتز:
"أنا مطلق، معنديش أغلى من بنتي ملاك. هي أغلى حاجة في حياتي، هي كل حياتي يا آنسة رحيق. عامليني كويس وأنا هشيلك فوق راسي، لكن في اليوم اللي تأذي فيه بنتي هتشوفي فيه أسوأ يوم في حياتك. اتفقنا."
قالها بجفاف، النظر إليه بدون أي تعابير، وتقول:
"مفيش داعي تهدد، ده مش أحسن أسلوب نبدأ بيه. بنتِ ههتم بيها مش خوفاً منك بس خوفاً من ربنا. وزي ما حطيت شروطك أنا كمان ليا شروطي اللي أتمنى تنفذها. أولاً جوازنا هيكون طبيعي قدام الناس، مش عايزة أي حد من أهلي يعرف باتفاقنا ده أبداً. تاني حاجة عايزين نمثل قدام الكل إني سعيدة."
تنهدت بشرود وهي تقول:
"أمجد وماما دلال شالوا همي بما فيه الكفاية، مش عايزة أشيلهم همي كمان لما أتجاوز."
تنهدت وهي ترتجف بينما تحاول أن تواجه عينيه التي تتركزان عليها. لا تعرف هل تقول هذا أم لا، ولكنها تخاف أن يفهمها خطأ، أن يظن أنها تغار عليه مثلاً! وهذا غير صحيح.
"عايزة تقولي حاجة تاني؟!"
قالها وهو يلاحظ ترددها. صوته كان ثابتاً بينما سمح لنفسه بتأملها جيداً. عينيها السوداء كانتا لا تنظر إليه، بل تنظران في كل مكان سوى عينيه.
"اتكلمي يا آنسة رحيق، ده حقك زي ما أنا حطيت شروطي."
تشجعت قليلاً وقالت:
"عايزة أقول إني لما يحصل نصيب ما بينا، صحيح هيكون جوازنا مش حقيقي بس مش عايزة أنك تقلل من احترامي ولا تخرج مع ستات تانية."
أمال رأسه وهو ينظر إليه ويقول:
"غيرة دي؟!"
رفعت عينيها وقالت بحزم:
"لأ مش غيرة، بس مبحبش الحال المايل. لو قلبك أو عينيك مالوا لست يبقى تتجوزها، متعملش حاجة حرام."
ابتسم ساخراً وقال:
"من الناحية دي متقلقيش، مبقاش في أي ست تقدر تملى عيني. أنا دلوقتي ميهمنيش إلا بنتي، باب الستات ده قفلته للأبد. كده إحنا اتفقنا."
صحت. تنهدت براحة وهزت رأسها وهي تنهض من على الأريكة. تنظر إلى أمجد الذي كان يجلس معهما في نفس المكان ولكنه بعيد قليلاً كي يسمح لهما بالتحدث بحرية. انسحبت من الصالة واتجهت لغرفتها. لا تعرف لماذا ولكنها مرتاحة للغاية له. نعم هو قد، ولكنه صادق وتشعر أنها لن تواجه مشاكل معه، وهي حقاً لا تريد أن تثير معه أي مشاكل. هي ترغب بجعل حياتهما تسير بسلاسة إذا حدث ووافق عليها. ظل ينظر إلى أثرها وهو يفكر ملياً. هذه هي المرأة المناسبة بكل تأكيد. فكر مبتسماً. تلك من ستتحمل ابنته.
ولج إلى الغرفة فجأة ليجدها قد تجهزت. ترتدي فستان باللون الفيروزي واسع وأنيق وتلف حجابها بطريقته المميزة. تضع كحل يبرز جمال اتساع عينيها ومرطب شفاه. تسمر في مكانه وهو يستوعب كمية الجمال التي يراها الآن. رباه هي جميلة، جميلة بشكل لا يصدق! يحاول إزاحة عينيه عنها فلا يستطيع. رغم أنها منذ نقاشهما الأخير تتجاهله بطريقة تثير أعصابه، ولكنه هو من أراد هذا ولا يستطيع أن يتذمر. شعرت بوجوده في الغرفة ونظرت إليه وهي تقول بجمود:
"أنا جهزت خلاص."
هز رأسه وهو يخرج بها من المنزل ليذهبا لمنزل والديه وقد سبقه ابنه هناك حيث أن والدته أتت صباحاً وأخذته.
في منزل والدي أمير.
"أومال فين عمر؟!"
قالها أمير ما أن ولج لمنزل والديه. لتبتسم والدته وتقول:
"ابنك نام قبل ما تيجي بعشر دقايق. ما شاء الله عليكي يا سما يا بنتي، مواعيد نوم عمر مضبوطة قوي."
ابتسمت سما ابتسامة حقيقية وهي تقترب من حماتها وتعانقها.
"أمير أخيراً جيت."
قالتها سهيلة وهي تخرج من المطبخ تحمل بيدها قطعة كعك صغيرة. ثم اقتربت منه وعانقته بجراءة وهي تقول:
"وحشتني قوي."
توسعت عيني سما وقد شعرت أن رأسها سوف ينفجر. ماذا تفعل تلك المرأة! ولم تكن سما فقط من صدمت بتصرفات سهيلة، بل الجميع أيضاً، حتى أمير الذي أبعدها سريعاً وهو ينظر إليها بغضب.
"إنتِ متربتيش؟!"
"معلمكيش إن مش مفروض تتصرفي بالطريقة دي مع راجل غريب عنك وكمان متجوز؟!"
قالها أمير وهو يصرخ بها. تصاعدت الدموع بعيني سهيلة وقالت:
"لو حاولت تكدبي على الكل بس أنا لأ. أنا عارفة كل حاجة، عارفة حقيقة جوازكم. إنت عمرك ما حبيتها ولا هتحبها. هي واحدة كانت دايماً بتحاول تاخد مكان أختها وفشلت."
ثم نظرت إلى سما وقالت بكره:
"وعمرها ما هتفوز."
لم تتحمل سما أكثر من هذا. أمسكت كوب العصير على الطاولة ثم سكبته على وجهها!
"سيلا إيه اللي جابك تاني؟"
"ودخلتي هنا إزاي أصلاً؟"
قالها بتعب وهو يراها تقف أمامه في عيادته!
"مكانش فيه حد برا، المساعدة بتاعتك مشيت ودخلت عادي."
قالتها بصوت مختنق. عينيها رطبة بفعل الدموع. هو لا يتحمل أن يراها تبكي، حتى الآن.
انسابت دموعها من عينيها وهي تقول بإختناق:
"مش قادرة أصدق إنك بترميي برا حياتك بالسهولة دي، مش قادرة أستوعب. أنا رميت كبريائي وجيتلك برجلي. عايزاك تبص في عيني وتقول إنك مش عايزني."
فرك عينيه بتعب وقال:
"سيلا لو سمحتي خلاص روحي، مبقاش بينا حاجة تتقال."
"لأ فيه."
اقتربت منه لحد غير مسموح به. حاول الابتعاد عنها ولكن سحر عينيها سمره بمكانه. وضعت كفها على وجنته وهي تكمل:
"بص في عيني يا جورج وقول إنك مبتحبنيش. يالا بص في عيني وقولها وأنا هصدقك! قول إنك مبقتش عايزني. تقدر تبص في عيني وتقولها."
"لأ مش هقولها ولا هكدب. أنا لسه بحبك. مبطلتش أحبك ولو للحظة واحدة. ذكرياتنا هي أجمل حاجة في حياتي."
انهمرت الدموع من عينيها وهي تبتسم بسعادة بينما لمعت عينيه بدموع الألم وهو يقول بإختناق:
"بس الحقيقة إن فيه واحدة تاني في حياتي. فيه مراتي اللي أنا عمري ما هجرحها تاني ولا هاجي عليها. قصتنا خلصت واتكتبت كلمة النهاية. أنصحك."
اهتزت نبرته قليلاً وقال بألم:
"أنصحك تشوفي حياتك مع غيري."
شهقت بألم وهي تنظر إليه وتقول:
"وهتتحمل ده؟ هتتحمل إني أكون لغيرك؟ يلمسني راجل غيرك؟ مكونش ملكك؟"
"إنتِ مش ملكي يا سيلا. ماريانا بس اللي ملكي. هي الحاضر بتاعي والمستقبل."
كانت الدموع تنفجر من عينيها وهي تمسك وجهه. تضع جبهتها على جبهته وتقول:
"بس أنا كل حياتك. إنت قولتلي كده. كنت بتقول دايماً مش هحب غيري!"
"إنتِ اللي سبتيني يا سيلا."
شهقت وهي تبكي بنعومة وقالت:
"كان غصب عني، بس أنا لسه بحبك. هموت من غيرك يا جورج. عشان خاطري متسيبنيش. رجعني حياتك."
أغمض عينيه بقوة ثم أبعدها عنه وهو يقول:
"مبقاش ينفع خلاص يا سيلا. قولتلك خلاص قصتنا انتهت للأبد!"
عينيها لمعت بمكر رغم الدموع بهما واقتربت منه وهي تمسك يده ثم تقبل باطن كفه بجراءة وتقول:
"إنت مش هتقدر تقاومني."
هز رأسه وهو ينظر إليها وقال:
"عندك حق مش هقدر أقاوَمك. ودلوقتي حالا هستسلم لو أخدتي أي خطوة. بس صدقيني لو حصل بينا أي حاجة مش هيكون ليكي مسمى في حياتي إلا أنك عشيقة. وده مش لايق عليكي. مش لايق عليكي الرخص يا سيلا. روحي شوفي حياتك بعيد عني. أنا اخترت حياتي!"
وقفت أمام المرأة وهي تنظر إلى نفسها. ابتسامة تتكون على شفتيها وهي تتذكر نبرة الثقة في كلماتها عندما طردت تلك المدعوة سيلا. ثقتها كانت نابعة من الكلام الذي أطلقه زوجها بوجه سيلا. إنها تعرف أن جورج ليس برجل يخون. قد لا يكون يحبها ولكنه أبداً لن يخونها، وتلك هي فرصتها للحصول عليه. سوف تفعل المستحيل لتحصل عليه. سوف تجعله يحبها. لمعت عينيها وهي تنظر إلى نفسها بالمرآة. غلالة سوداء تناقض بياض جسدها يعلوه مئزر من نفس اللون. وجهها ليس به أي أثر لمساحيق التجميل غير لون أحمر الشفاه القاني الذي يزين شفتيها. أغلقت عينيها وهي ترتجف وتتذكر قبلاته لها. ربما تستطيع أن تنجح هذا الزواج. لقد اعترف أنه يريدها، وربما رغبته يوماً ما ستتحول إلى عشق. رغم أن عقلها الآن سخر منها وأخبرها أنها بدون كرامة، ولكن قلبها كان له رأي آخر. قلبها يعشقه، ولا يهمه أي شيء. سوف تنجح هذا الزواج مهما كلفها الأمر.
ولج لمنزله بتعب. مواجهته مع سيلا استنزفته كلياً. كل ما يريده الآن أن يعانق فراشه وينام. ينام ولا يفكر بأي شيء. وجد البيت هادئ قليلاً وظن أن ماريانا قد ذهبت للنوم. تنهد بتعب منها هي الأخرى. إنها تبتعد عنه. لا تريه وجهها أبداً. ليس بينهما أي لغة للحوار. كان في البداية ليفرح بأمر هكذا، ولكن الآن لا. الآن هو حقاً يريد أن يبدأ حياة جديدة مع ماريانا. حياة طبيعية. من أجل طفله الذي لم يولد بعد على الأقل. اتجه إلى غرفته التي ينام بها حالياً وفتحها ثم تسمر مكانه وهو يراها أمامه. كحورية خرجت من كتاب الأساطير. تجلس على الفراش الصغير الذي ينام عليه. ترتدي غلالة سوداء قصيرة تبرز الكثير، بينما تبتسم له بإغواء ونواجزها تبرزان بقوة.
"ماريانا!"
اقتربت منه هي بحركات مدروسة لم تتردد أبداً وهي تعانقه بينما تغمض عينيها بقوة. لقد اشتاقت إليه كثيراً. ابتعل ريقه وهو يعانقها بدوره. ماذا يحدث؟ آخر مرة حاول لمسها كادت أن تقتله. فكر بتوتر.
"ماريانا إنتِ كويسة؟"
قالها بإرتباك وهو يربت على شعرها. ابتعدت عنه وهي تنظر إليه بحب. حب لا يمكنه أن يتجاهله وقالت:
"أنا عايزة أبدأ صفحة جديدة معاك يا جورج. عايزة أنسى كل اللي حصل ونبدأ من جديد!"
رواية اسرت قلبه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سوليية نصار
سيلا اهدي!!! صرخت بها أختها.
وسيلا تحطم كل ما تراه… كانت منهاردة بطريقة لم تراها من قبل.
الدموع تنهمر من عينيها… إنها خسرته.
خسرته للأبد.
فكرت وهي تكاد تفقد عقلها.
كيف تخسره؟ هو حبيبها، ملكها.
كيف يذهب لأخرى؟ هو لها، حبيبها، ملكها هي.
كيف يحدث هذا؟
طفرت الدموع من عينيها أكثر وهي تشعر أنها سوف تموت من فرط الحزن.
سقطت فجأة على الأرض وقد ارتفع نشيجها.
نظرت إليها شقيقتها بخوف ثم جلست بجوارها وهي تضمها وتقول:
اهدي يا روحي… اهدي ابوس ايديكي!!
سابني… اتخلى عني… جورج اتخلى عني.
قالتها والدموع تنهمر من عينيها بدون توقف.
كانت تشعر أن قلبها سوف يتوقف.
كانت تشعر بجمود عقلها تماماً.
ألم يعد يحبها؟ هل ما فعلته سوف ينقلب عليها؟
طفرت الدموع أكثر من عينيها وهي تتمتم بجنون:
هموت… هموت لو سابني.
هموت لو راح لغيري.
أنا رجعت عشانه… اتحديت كل حاجة ورجعت.
رجعت وأنا عارفة ممكن يحصل فيا ليه.
هموت يا بتول.
جورج لازم يرجعلي!!!
سيلا… سيلا.
قالتها بتول بخوف.
ولكن سيلا نظرت إليها وعينيها الزرقاء تبرق بشكل أخافها وقالت:
جورج ليا أنا.
مش هخلي واحدة زي دي تاخده مني يا بتول.
جورج حبيبي… هو بيحبني أنا.
غلطت لما خوفت من والده وروحت على فرنسا.
بس أنا رجعت.
والمرة دي لا بابا ولا باباه هيقدروا يبعدوه عني.
أنا كنت غبية لما خليتهم يأثروا عليا.
بس دلوقتي جورج هيرجعلي.
هعمل اللي محدش هيتخيله عشان يرجعلي.
جورج هيبقى ليا أنا وبس.
جورج بيحبني أنا.
أنا شوفت ده في عينيه يا بتول.
روحه بتصرخ بإسمي.
عينيه بتلمع ليا أنا وبس.
أنا وبس يا بتول.
ازاي بعد ده كله يروح لغيري.
لازم يرجعلي لازم.
جورج متجوز يا سيلا.
مفيش أي فرصة ليكم سوا.
هو ليه حياته دلوقتي.
انسيه وابدأي حياتك من جديد.
أنتِ صغيرة وحلوة والف واحد يتمناكي!!!
قالتها بتول بلطف وهي تحاول أن تجعلها تصرف نظر عن الجنون الذي تتفوه به.
ولكن سيلا هزت رأسها بقوة وهي تقول:
لا جورج ليا زي ما أنا ليه.
هو بيحبني أنا… أنا وبس.
هي مش موجودة أصلاً في قلبه.
ابتسمت بإنتصار وهي تمسح دموعها وتقول:
مشوفتيش بيبصلي إزاي يا بتول.
الحب في عيونه متغيرش.
هو بس متضايق مني عشان هربت.
بس أنا رجعت ومش ههرب منه تاني.
وهنرجع لبعض.
هكون ليه… هنفضل مع بعض طول العمر.
هو مش هيتخلى عني.
هنبقى لحد ما نموت مع بعض!!
لم تتحمل بتول الهراء التي تتفوه به شقيقتها ونهضت ثم قالت بعنف:
أنتِ بجد مجنونة.
بتفكري إزاي يا سيلا.
جورج مين اللي عايزة ترجعيه ده.
بقولك الراجل متجوز.
أنتِ بجد فيه في عقلك حاجة مش طبيعية.
إزاي هتكوني مع واحد متجوز.
ده مستحيل.
جورج متجوز ومش هيسيب مراته.
عايزة أعرف إزاي هتكوني معاه وبأي صفة!!!
ملست على شعرها الأحمر الناري بتوتر وقالت:
بأي طريقة مش مشكلة.
ومش لازم اللي بيننا يكون جواز.
اللي بيني وبين جورج أكبر من كده.
أنتِ بجد اتجننتي يا سيلا وبتدمري حياتك وحياة جورج ومراته المسكينة!
مراته المسكينة!!!
صرخت سيلا وهي تنهض وقد توسعت بؤبؤتها غضباً ثم أكملت:
مين دي اللي مسكينة.
دي خطفته مني!!!
أنا وجورج بنحب بعض وهي اللي دخلت وسطنا!!!
أنا عارفة وأنتِ عارفة إنها مش خطفته منك ولا حاجة يا سيلا.
وبرضه أنتِ عارفة إنك اللي خسرتي جورج بإيديكي لما هربتي.
كان ممكن تقولي الحقيقة وهو يختار يسامحك ولا لأ.
عضت شفتيها وهي تمنع شهقاتها من الخروج وشقيقتها تصفعها بالحقيقة المرة.
نعم هي من خسرته طوعاً.
هي من هربت لأنها خافت أن تخسره.
خافت أن يعرف الحقيقة ويكرهها!!
سيلا والد جورج لو اختار يقوله الحقيقة هيكرهك.
بجد هيكرهك.
مش لأنك استغليته.
عشان هربتي ومقررتيش تقوليله الحقيقة.
ارتعشت سيلا وهي تسمع كلمات شقيقتها وقالت بصوت ضعيف:
لا… جورج هيتفهمني.
جورج هيسامحني.
أنتِ مش عارفة هو بيحبني قد إيه.
هو بيعشقني.
جورج بيحبني.
أنا عملت كده بسبب بابا.
مكانش قصدي أعمل كده ومكانش في نيتي أصلاً.
أنا كنت صغيرة يا بتول ومكنتش عارفة أنا بعمل إيه.
بابا هو اللي كان بيتحكم فيا.
أنا مليش ذنب أنا حبيته.
حبيته اووي.
وعشان أنا مظلومة جورج هيتفهمني.
جورج بيحبني وهيسامح.
هيعرف إن مكانش قصدي أعمل كده.
أيوه حبيبي جورج هيفهمني!!
كانت تتكلم بسرعة وهي تقنع نفسها أن جورج سيغفر لها.
كانت تحاول قصراً أن تقنع نفسها بهذا.
ولكن داخلها كانت مرتعبة فلو تكلم والده وعرف جورج الحقيقة سوف يكرهها بكل تأكيد.
اعتصر قلبها داخل صدرها وهي تتمنى أن يتفهم.
أن يغفر لها وأن يعود.
فهي عرفت بعد فوات الأوان أنها تعشقه.
كانت جالسة على فراشها.
عينيها تلمع بفعل الدموع.
لا تعرف ماذا تفعل.
تشعر أن كل الطرق مسدودة.
هل تستسلم وتوافق على سيف!
هي تعرف أنه لا يحبها.
وهي أيضاً لا تحبه.
وقد أقسمت ألا تحب بعد قصتها مع خطيبها.
ذلك الرجل الذي تركها.
حطم قلبها.
هو من جعلها تكره شكلها أكثر.
ما ذنبها هي.
هي تلعن ذلك الرجل الذي فعل هذا بها.
لقد دمر حياتها.
دفنت رأسها بين ساقيها بينما الدموع تنساب من عينيها.
ليتها تموت هذا سوف يكون أفضل لها!!!
ربما الموت هو الحل الأفضل لها.
بتلك الطريقة هي لن تكون عبئاً على أحد.
لن يتحكم بها أي أحد كما يريد.
سوف تكون حرة.
سوف تكون مع والديها للأبد.
تلك الفكرة كانت تتسلل لعقلها.
فكرة أن تقتل نفسها لترتاح.
ولكن خوفها من غضب ربها كان يمنعها كل مرة.
انتبهت عندما سمعت طرقة خفيفة على الباب.
نهضت مسرعة وهي تأخذ نقابها وقالت بصوت مختنق:
اتفضل.
ولج جلال للغرفة وهو يحمل صينية الطعام.
عينيها الزرقاء لمعت بغضب وقالت بصوت مكتوم:
نعم.
متغدتيش النهاردة.
حتى الأكل اللي حضرتهولك عزيزة ممدتيش ايديكي عليه.
وأنا سيبتك براحتك.
بس أنا جيبتلك العشا بنفسي.
زمت شفتيها وهي تمنع نفسها من قول أي تعليق قد يجرحه.
معاملته اللطيفة تلك تجعلها تشعر بالذنب.
تحاول أن تتمسك بغضبها نحوه.
تتذكر أنه تخلى عنها.
تتمسك بتلك الفكرة كي لا تغفر له هو وابنه.
مش عايز أكل شكراً!!!
قالتها بصوت مكتوم.
ليبتسم بلطف ويقترب أكثر ثم يضع الصينية على الفراش.
شدها برفق وجعلها تجلس على الفراش وقال:
عشان خاطري كلي.
أنا عارف إن ماليش عندك خاطر بس معلش اجبري بخاطري مرة.
تأففت وهي تشيح بوجهها بعيداً.
حاول هو أن يبعد نقابها لكي يطعمها ولكنها انتفضت وهي تبعد يده.
لم تكن تسمح له أن يرى وجهها.
لو سمحت.
قالتها بصوت مختنق.
ثم أكملت وهي تشهق:
خلاص سيب الأكل هنا أنا هاكل لوحدي.
نظر إليها بحزن.
كان ضميره يعذبه بشأنها.
كيف ترك المشاكل التي بينه وبين شقيقه يتخلى عنها هي.
هي من اعتبرها ابنته.
صحيح أنه كان يطمئن عليها عن طريق التواصل مع خالتها.
نعم هو تواصل مع خالتها كثيراً ليعرف أخبارها.
ولكنه لم يكن أبداً بالصورة.
وهذا تسبب أنها قد تأذت.
ولكنه يقسم أنه لن يترك الشخص الذي فعل هذا بها.
سوف يجده وسوف يقتله بيده.
لن يرحم الشخص الذي دمر حياة مياس.
وكما أنه سوف يعوضها عن كل ما حدث لها.
كانت تتابع نظراته وهي تشعر أنها تختنق.
نظرات الشفقة تلك تقتلها.
هي لا تريده أن يشفق عليها.
هذا الشعور يقتلها.
ممكن متشفقش عليا!!!
قالتها بحرقة.
لتتركز عينيه عليها فتكمل:
مش محتاجة شفقة من حد.
أنا كويسة وهقوم على رجلي حتى لو وقعت مرة أو اتنين أو مية حتى.
أنا هقوم ومش هحتاج لأي حد فيكم.
ابتسم جلال وهو يشعر بالفخر وقال:
أنا عارف ده كويس يا مياس.
عارف قد إيه أنتِ قوية.
عارفة أنك هتقومي تاني.
عارفة أنك مش محتاجة أي حد فينا.
أنا واثق فيكي.
أشاحت بوجهه عنه.
أمسك جلال كفها فجأة لتنتفض وهي تنظر إليه.
شعرت بعدم الراحة وهي تجده يمسك كفها.
إذ شعرت بمشاعر الأبوة التي افتقدتها منذ وفاة والدها.
رغم أنها تقنع نفسها أنها تكره جلال ولكنها تشعر نحوه بمشاعر الأبوة التي حرمت منه.
تشعر نحوه بالأمان.
تلك المشاعر التي تغضبها بشدة لأن هذا الرجل تخلى عنها.
لم يكن معها في أكثر لحظاتها ظلاماً.
أنا آسف يا بنتي.
آسف يا مياس.
فغرت فاها وهي تسمع اعتذاره الصادق.
شد على كفها وقال:
أنا غلطت في حقك يا مياس.
سيبت المشاكل اللي بيني وبين أخويا تأثر عليكي.
سامحيني يا بنتي.
أنا هعوضك عن كل حاجة شوفتيها وحشة في حياتك.
ده وعد مني.
ارتعشت وهي تنظر إليه.
اعترافه الصادق زلزال.
شيء داخلها.
اعتذاره هزها بقوة.
شعرت أن غضبها يتسرب شيئاً فشئ.
حاولت أن تتمسك بغضبها نحوه.
ألا تضعف وتغفر.
ولكن الغضب كان فعلياً ينسل من قلبها ولم يبقى إلا الألم.
الألم فقط.
وجدت نفسها دون إرادة منها الدموع تكرف من عينيها بقوة.
ووجدت نشيجها يرتفع.
حاولت أن تكتم بكاءها ولكن الأمر فوق طاقتها.
أحرقت لدموع عيني جلال وهو يراها تبكي بتلك الطريقة.
ليه اتخليت عني يا عمي.
أنا ذنبي إيه!!
أنا كنت محتاجاك.
طول عمري كنت محتاجاك.
كان نفسي تيجي تطبطب عليا لما أهلي ماتوا.
تقولي أنك معايا ومش هتسيني أبداً.
استنيتك كتير.
قالتها بنبرة كسيرة.
ثم نظرت إليه بلوم وقالت:
تعرف إن أنا كمان استنيتك لما حصلتلي الحادثة دي.
كنت خايفة اووي.
كان نفسي أحس بالأمان.
بس أنت مجتش.
ولما جيت جيت بعد ما الأوان فات.
لم يتحمل وجذبها إليه ثم عانقها وقال:
سامحيني أنا هعوضك عن كل اللي شوفتيه في حياتك.
أبعدها قليلاً وهو يمسح دموعها ويقول بتوسل:
بس اقبلي طلبي.
اتجوزي سيف ابني!!
بعد أسبوع.
فتحت عينيها بكسل وهي تجد مكانه فارغ.
نهضت وهي تتثاءب بكسل.
لقد مر أسبوع تقريباً منذ تلك الليلة التي قررت أن تعطيه فرصة.
وهو أثبت فعلاً أنه يستحق.
فهو قد تغير معها لدرجة مبهرة.
أصبحت تحظى باهتمامه.
ولكن ليس حبه.
ولا قلبه.
احتشد الألم في قلبها وهي تتنهد بتعب.
هي لا ترى في عينيه تلك النظرات التي كانت تراها بعينيه عندما نظر إلى سيلا.
صحيح أنه مخلص لها.
مراعي ومهتم.
يعاملها بتهذيب.
ولكنها لم تلج إلى قلبه.
ما زالت تشعر وكأنه يحيط قلبه بالجليد نحوها.
هو لا يسمح لها بالولوج لقلبه.
لا يستسلم لحبها.
مهما حاولت أن تنفذ لأعماقه تفشل.
أنها تحارب.
تحارب جموده وتحارب بقايا مشاعره لسيلا.
ولكن هل هي فعلاً بقايا مشاعر أم أن قلبه بالكامل ملكها.
ذلك الخاطر كان يزعجها للغاية.
هل يمكن أن يفشل في أن ينسى سيلا.
هل يمكن أن تظل هي بينهما للأبد.
هل ستحظى بقلبه يوماً أم سيظل قلبه مع سيلا وستظل كي تكتوي بنيران الغيرة.
تلك الأفكار أزعجتها بشدة لدرجة أن هذا ظهر على صفحة وجهها.
تجهم وجهها وهي جالسة على فراشها بينما تلك الأفكار تتقافز بعقلها.
ماريانا.
قالها جورج وهو يلج للغرفة ليجدها جالسة على الفراش بشرود.
كانت تبدو فاتنة هذا الصباح.
شعرها الأسود الطويل ينسدل على جانبي وجهها.
مشعث قليلاً.
وجهها صافٍ للغاية بعينيها السوداء بريق جذاب.
بدت ببساطتها جميلة للغاية.
ابتسم بلطف وهو يقترب منها ثم جلس بجوارها وقال وهو يتأملها باهتمام:
ماريانا.
ولكن لا رد.
مد كفه نحوها.
سرحانة في إيه.
قالها وهو يلمس كفها.
شهقت بخفوت وانتبهت له.
ثم ابتسمت له باتساع حتى باتت نواجذها وهي تقول:
بفكر فيك وبس يا حبيبي.
بتفكري فيا لدرجة أنك مش سامعاني وأنا بنادي عليكي.
اابتسمت باتساع وقالت:
بالضبط.
نهض بهدوء وقال:
طيب كفاية تفكير فيا ويالا بقا أنا جهزت الفطار.
يالا اغسلي وشك عشان تفطري وبعدين تجهزي عشان أوصلك للبيوتي سنتر.
هزت رأسها بطاعة ثم مدت كفها لكي يساعدها ليهز رأسه مبتسماً ويقول:
بجد متدلعة.
ولكنه ساعدها كي تنهض لتقترب منه ثم تعانقه بحب.
حاوطت بذراعيها الناعمة ظهره وهي تشده إليها.
توتر قليلاً.
هو لا يحب مبادرتها تلك.
يعرف ما تريد أن تفعله.
تريد أن تكسب قلبه.
تريد أن تحتله.
تبقى هي المالكة الوحيدة.
وكل ما تفعله للأسف لن يفيد.
هو حُكم عليه أن يعشق من لن يمتلكها أبداً.
حُكم عليه أن يحب امرأة لن يحصل عليها أبداً!!!
تنهد بتعب وهو يبعدها بلطف ويقول وهو يحاول التهرب من عينيها التي تنظر إليه بحزن:
يالا عشان تفطري.
ثم تركها وذهب.
وقفت أمام المغسل وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة.
تتذكر كيف تملص منها.
وضعت كفها على قلبها وهي تفكر أنها تحبه.
تحبه بجنون ولكنه لا يحبها مهما فعلت.
ما زالت تلك تسيطر عليه.
التهمتها نيران الغيرة من الداخل.
شعرت أنها تموت من فرط الغيرة.
أسئلة كثيرة بدأت تشغل عقلها.
لماذا هي.
لماذا.
لماذا لا تحظى ماريانا بقلبها.
هي تعشقه.
تفعل المستحيل من أجله فلماذا لا تحظى بحبه بكل بساطة.
تلك الأسئلة كانت تنهكها بالفعل.
فتحت صنبور المياه وامسكت غسول الوجه الخاص بها ثم بدأت في إنعاش نفسها استعداداً للفطور.
كان جالس يتناول إفطاره بشرود.
لقد اختفت سيلا من حياته تلك الأيام.
لم تعد تزعجه.
ما زال يتذكر آخر لقاء بينهما.
تذكر انهيارها.
اعترافها المتكرر لحبه.
ثقتها أنه سوف يضعف أمامها.
الثقة التي كانت بمحلها فعلياً.
هي لو حاولت معه سوف يستسلم لها بكل تأكيد.
صحيح أن الندم سوف يأكله من الداخل.
ولكنه يعرف أن أي محاولة لها معه ستجعله يستسلم.
هي تدرك سلطانها عليه جيداً.
وهو لا ينكر سلطانها.
لقد قضى معظم حياته وهو يعشقها هي فقط.
رسم أحلام كثير معها.
رغم أنها حطمت قلبه من قبل إلا أنه عجز عن كرهها.
حبها كان كالمرض رفض هو أن يتعافى منه.
لقد تغلغلت داخل قلبه وحكمته.
فكيف يتوقف عن حب المرأة الوحيدة التي ملكت قلبه.
هذا مستحيل تماماً.
سيلا ستظل داخل قلبه حتى يموت.
هو متأكد من ذلك ولن يقرب أحد مكانها.
ومهما حاولت ماريانا لن تحصل على قلبه.
كل ما تفعله غير مجدي حقاً!!!
كانت تنظر ماريانا إليه بحزن.
تريد النفاذ إلى عقله.
أنه يفكر بها.
تعرف هذا جيداً.
هذا واضح من شروده.
ما زالت تحتله تلك المرأة.
مهما حاولت إزاحتها عن عقله تفشل تماماً.
ولقد سئمت ماريانا من الفشل.
سئمت من أن تكون بالمرتبة الثانية بعدها.
حقاً تعبت!!!
فجأة انساب السؤال بنعومة من فمها وقالت:
جورج أنت بتحبني؟
رفع جورج رأسه وقد لمعت عينيه الزرقاء وهو ينظر إليها بحيرة.
لتكرر سؤالها:
جورج أنت بتحبني.
إيه السؤال ده يا ماريانا.
ماله السؤال.
سؤال عادي.
بأسأل بتحبني ولا لأ.
سؤال بسيط من حقي أعرف إجابته!!!
ابتلع ريقه وهو ينظر إليها و قال بكل صراحة:
للأسف مقدرتش أحبك.
لا يعرف متى بدأت تتعلق نظراته بها.
متى انقلب النفور لألفة بقلبه.
متى بدأت عينيه تتأملانها.
ومتى بدأ بتأنيب نفسه لدرجة أنه يفعل المستحيل كي لا تقع عينيه عليها.
هل فقد عقله.
هل يعقل أن الشفقة التي يشعر بها حيالها هي من تفعل هذا.
لا يمكن أن يكون هناك مبرر آخر.
هو مجنون لو فكر في أمر آخر.
لقد جرب حظه بالحب مرتين وفشل في كل منهما.
لقد انكسر قلبه ولن يسمح لنفسه أن ينكسر مرة أخرى.
يكفي ما حدث له.
يكفي الخيانة التي تعرض لها مرات عديدة.
ركز أكثر على ما سيشرحه ولكن عيناه كانت تخونه أحياناً وتسقط عليها.
على الناحية الأخرى كانت تشعر ماجدة بسخونة وجنتيها كلما تشعر أن عينيه تسقط عليها.
لقد ظنت في البداية أنها تتوهم ولكن لا.
الأمر واضح.
إنه ينظر إليها.
الأمر بقدر ما كان مربكاً إلا أنها كانت غاضبة أيضاً.
لماذا ينظر إليها بتلك الطريقة.
تحاشت النظر إليه قدر الإمكان ولكن كفيها بدأتا في الارتعاش.
شعرت فجأة بالإختناق وأنها تريد مغادرة قاعة المحاضرات.
تريد الهروب.
لا تعرف سبب هذا الضيق ولا تفهمه.
حل ما تعرفه أنه يوترها.
يبث الرعب بقلبها.
والسبب مجهول.
انتهت المحاضرة على خير وتنفست الصعداء ثم قررت أن تهرب الآن.
لملمت أشياءها ثم نهضت مسرعة ترى باب الخروج من القاعة كبوابة إنقاذ لها.
ما إن كادت أن تخطي باب الخروج حتى تجمدت وهي تسمع صوته يهتف باسمها.
ابتلعت ريقها وهي تستدير وتنظر إليه.
أطرقت برأسها وهي تنظر إلى الأرض بينما اخذت تبتلع ريقها بشكل مبالغ به.
كان هو من الأساس مصدوم من نفسه.
لماذا هتف باسمها.
هل هو مجنون.
بما كان يفكر.
كيف يتصرف بتلك الطفولة.
حك جبهته بضيق وهو يراها تقترب منه.
لا تقوى على النظر إليه من الأساس.
كان يفكر بحجة يخبرها إياها كي لا تعتقد أنه مجنون.
وقفت أمامه وهي تنظر إليه عينيها السوداء تحدقان به بحيرة وقالت بصوت مرتبك:
نعم يا دكتور.
حك أنفه وقال:
كنت بس حابة أسألك فيه حاجة واقفة معاكي في الشرح.
أنتِ غيبتي فترة طويلة شوية.
وانا بس كنت حابب أتأكد أنك مفاتكيش كتير.
فركت كفيها بتوتر بينما عض لسانه بغباء.
حقا ما الذي يقوله!!!!
حك جبهته بتوتر وقال:
أنا بعتذر لو عطلتك تقدري تروحي.
هزت رأسها بسرعة ثم خرجت من قاعة المحاضرات ليطحن أسنانه بغضب وكل ما يريده الآن أن يلكم نفسه على غبائه!!!
ماذا يحدث معه.
هل فقد رشده أم ماذا!!!
هز رأسه بعنف نوعاً ما وهو يقرر أن يضع لجنونه حد!!
كانت تسند رأسها على نافذة سيارة التوصيل العامة.
بينما تشعر بقلبها يرتجف كلما تتذكر نظراته إليها.
ابتسمت ساخرة من نفسها.
هل هي مراهقة لتهاجمها تلك المشاعر السخيفة.
كانت تشعر حقاً بالإختناق.
ما الذي تفكر به.
الم تقسم أنها سوف تعيش لأجل ابنها.
ابنها فقط.
لن تدخل أي رجل حياتها أبداً.
لقد اقترفت هذا الخطأ مرتين ولن ترتكبه مرة ثالثة.
أحرقت الدموع عينيها وهي تتذكر أول حب لها.
رأفت.
جارها.
الشخص الذي عاش في نفس حارتهم لسنوات عديدة جداً.
لقد قضت طفولتها ومراهقتها وشبابها وهي معجبة به بالسر.
لم تبح بإعجابها له أبداً.
بل دفنته داخلها.
كانت ناضجة لدرجة أنها عرفت أن مشاعرها تلك لا يجب أن تخرج.
ولو كان هو يبادلها إعجابها سوف يتخذ خطوة رسمية.
مرت السنوات وهي تشعر بعينيه ترقبانها ولكن دون أن يتخذ خطوة رئيسية.
وهي لما تعيره أي انتباه.
كانت تتحكم بنفسها جيداً تعرف حدودها.
لم تسمح لنفسها أن تنزلق خلف المشاعر العاصفة التي تعصف بها.
إلى أن أتى اليوم الذي تقدم لخطبتها الرجل المناسب من وجهة نظر والديها.
كان الرجل المثالي.
وسيم وميسور الحال ومن عائلة محترمة.
ورغم ذلك قالت لا.
ولكن الرد عليها كان صفعة من والدها.
صفعة قوية ما زالت تشعر بألمها حتى الآن.
تلك الصفعة أحدثت ضرراً كبيراً داخلها.
خاصة وأن والدها كان دوماً حنوناً ولم يضربها قط.
ولكن رفضها المفاجئ جعل الجميع يشكون بأمرها.
ولتمحي أي كلام يقال وافقت مضطرة على الزواج منه.
تزوجت لطيف ومحت رأفت من عقلها.
رسمت أحلامها مع لطيف.
وجعلته أهم شخص بحياتها وهو كان رجل رائع للغاية.
كان يعشقها.
لم يجرحها بكلمة قط.
دلها كما لم يدللها أحد من قبل.
حتى أنه وقف بجانبها عندما توفيا والديها.
وهي أحبته.
أحبت حنانه.
تفهمه لها.
شعرت أن تحبه لذاته.
سمحت لقلبها أن يعشقه حتى أصبح ملكه.
كان زوجاً رائعاً.
ووالداً رائعاً.
كان رجلاً مثالياً بمعنى الكلمة.
ولكن.
أغمضت عينيها والدموع الساخنة تتسلل من عينيها.
لقد اكتشفت حقيقته السيئة.
الحقيقة التي أحرقته.
دمرت عالمه.
اكتشفت أن زوجها.
والد أطفالها هو تاجر مخدرات.
رجل بغيض دمر الكثير.
تلك الحقيقة لم تدمرها فحسب بل دمرت أبناءها أيضاً!!!
أنا بجد مش مصدقة.
النهاردة خطوبتك!!
قالتها مادونا وهي تعانق صديقتها بصدق بينما تضحك بكل سعادة.
ابتعدت عن رحيق وامسكت كفها وهي تقول:
اهو ربنا عوضك بواحد وسيم وحالته المادية مرتاحة كمان.
كنت عارفة أن ربنا هيعوضك عن أي حد خذلك.
ثم نظرت بطرف عينيها لمؤيد الذي ولج غرفة المدرسين.
كان ينظر إلى رحيق بحزن.
ما إن سمع أنها سوف ترتبط بشخص آخر واهتز عالمه.
لا يعرف لماذا ولكن هذا ألمه بقوة.
هل يمكن أن يكون أحبها لتلك الدرجة.
ابتلع ريقه عندما شعر بالتوتر في الجو ولكنه ابتسم بكل هدوء وقال بلطف بالغ:
ألف مبروك يا آنسة رحيق.
الله يبارك في حضرتك.
قالتها برسمية شديدة ليخرج هو مسرعاً.
بجد جبان.
قالتها مادونا بتقزز.
نظرت إليها رحيق بلوم لترد بعصبية وتقول:
بقول الحقيقة.
هو إنسان جبان بتاع أمه مش بيعرف ياخد قرار.
عملك البحر طحينة وفي الآخر مقدرش حتى يقف قصاد أمه.
ابتسمت رحيق من تحت نقابها بلطف.
إنها حقاً تحب مادونا.
دوماً تشعرها بالحماية.
تغضب لو أحزنها أحدهم.
تمنت دوماً أن تحبها شقيقتها نوران بتلك الطريقة.
ولكن نوران لم تستطع بعد تجاوز كراهيتها نحوها.
تنهدت مبتسمة ثم قالت:
ده نصيب يا مادونا.
وبعدين يمكن ده الأحسن.
أنا لو ارتبطت بيه ممكن مكنتش هتفق مع والدته ويحصل مشاكل.
فاعرفي أن ربنا مبيقدرش حاجة وحشة وهو ربنا بإذن الله يديله الأحسن.
دي أقدار ومكتوبة وبعدين يا ستي اتقدم وزي أي واحد محصلش نصيب الحمدلله على كل حال وبإذن اللي ربنا يعوضه باللي أحسن مني.
أنا بجد مش عارفة انتِ ليه طيبة بالشكل ده يا رحيق.
ده واحد جبان قرر ياخد خطوة وبعدين اتراجع.
أنا بجد بكره الناس الجبانة اللي زيه.
مش بطيقهم أبداً.
هو جه وقال هتجوزك وبعدين اتراجع عشان خايف على أمه.
اسم الله عليه ابن أمه.
كان مفروض يتفطم الأول قبل ما يروح يخبط على بيوت الناس.
رجالة آخر زمن.
فركت رحيق جبينها وهي تكتم ضحكتها.
ربتت على كتف صديقتها وقالت:
أنا عايزك تنسي الموضوع بجد هو مش مهم.
أنا دلوقتي مرتاحة.
كل حاجة نصيب.
ابتسمت مادونا وقالت وهي تمسك كف رحيق.
كانت نظراتها تشع من السعادة وقالت:
يالا مش مهم مش هنديله أهمية.
المهم إنك مبسوطة يا رحيق.
وانا مبسوطة اووي عشانك.
مش مصدقة إنك هتتجوزي يا قطة أخيراً.
قولتلك يا بنت ربنا هيعوضك بإذن الله.
واهو عوضك بواحد وسيم وغني وبيحبك وبإذن الله تكمل الفرحة ويبقى أبو أولادك في المستقبل.
شحب وجه رحيق وهي تنظر إليها.
شعرت بغصة في قلبها.
لو فقط تعلم بحقيقة هذا الزواج.
لو تعلم أنها سوف تكون مجرد مربية والمسمى زوجة.
بالتأكيد سوف توبخها على ما فعلت بنفسها.
ولكن هل بيدها شيء آخر لكي تفعله.
هي مجبرة على هذا.
مجبرة على أن تمضي في هذا الزواج.
لا تريد لأي أحد أن يعايرها مجدداً.
لا تريد أن ترى نظرات الشماتة والشفقة مرة أخرى.
سوف تتقبل نصيبها بنفس راضية ولن تشتكي أو تحزن.
سوف تذكر ربها على كل شيء.
كان جالس بفناء المدرسة يشعر بالألم يعصف به.
لا يصدق أنها سوف تتزوج.
شعور مقيت بالغضب والحزن يلف قلبه.
لقد أرادها حقاً وظن أنها سوف تكون له.
بغباؤه ظن أنها لن تتزوج وبالأخير سوف تكون من نصيبه عندما يقنع والدته.
ولكن خبر خطبتها من شخص آخر زلزل كيانه.
وأخذت الأسئلة تنهش عقله عن ماهية هذا الشخص وهل أحبها ليتقدم لطلبها.
وأين رآه.
الأسئلة تدور بعقله ولا تنتهي.
وكلما عجز عن إيجاد الإجابة كلما شعر بغضب أكثر.
وكلما نهشته الغيرة أكثر.
تنفس عدة مرات ليسيطر على نفسه.
فجأة تجمد وهو يراها تخرج مسرعة.
بالتأكيد خرجت اليوم مبكراً كي تجهز لخطبتها.
فكر بضيق.
وقف فجأة في طريقها.
كان يعلم أن ما يفعله ضرب من الجنون ولكنه كان غاضب.
غاضب بشكل كبير.
وغضبه كان نحو نفسه لأنه أضاعها.
توترت وهي تراه يقف في طريقها بتلك الطريقة وتصاعد غضبها.
لقد اكتفت من وقاحته.
لا يمكنه أن يفعل هذا وتصمت له.
يجب ألا يتعدى حدوده معها.
ولكنها بمهارة تمسكت بأعصابها التي كادت أن تفلت منها.
ثم كادت أن تتجاوزه إلا أنه وقف في طريقها مرة أخرى.
عينيها السوداء تلمعت بغضب وهي تقول:
سيد مؤيد إيه اللي انت بتعمله ده.
ميصحش كده!!!!
ازدرد ريقه وهو ينظر إليها.
أم يعرف ماذا يقول وكأن الحروف تعسرت على لسانه.
رحيق أنا.
توسعت عينيها بغضب وتراجعت وهي تقول:
لو سمحت متتكلمش معايا بطريقة مش رسمية.
ولو سمحت متقفش في طريقي مرة تانية.
اللي بتعمله ده ميصحش أبداً.
حاولت أفهمك بالذوق قبل كده.
لكن بجد لو اتكرر انت هشتكيك.
ابتعد بإنهزام عن طريقها وقال بيأس:
أنا آسف يا آنسة رحيق!!!
في المساء.
أنتِ لسه ملبستيش.
النهاردة خطوبة اختك يا نوران.
مش معقول!!!
قالتها والدتها بغضب وهي ترى نوران تتسطح بدون مبالاة على الفراش.
نظرت نوران إلى والدتها وقالت ببرود:
مليون مرة قولتلك دي مش اختي.
إن كنتي اتقبلتيها خلاص وبقيتي تعامليها زي بنتك ونسيتي إنها بنت الست اللي خطفت بابا منك براحتك.
لكن أنا مش نسيت ولا عمري هنسى.
فريحي دماغك وسيبيني في حالي.
احمر وجه دلال من الغضب.
غضبها كان موجهاً لنفسها في البداية.
ربما هي السبب في كره ابنتها لرحيق.
تلك الفتاة المسكينة لم يكن لها ذنب في أي شيء.
لقد تزوج زوجها وهي رضت وبقت معه.
بل أنجبت منه أيضاً.
وربت ابنته.
هي اختارت هذا الطريق بملء إرادتها.
لأنها أحبت زوجها.
حبها كان أقوى من أنين كرامتها.
صحيح أن كرامتها ثارت لما يحدث ولكن قلبها كان له السلطة.
قلبها الذي عشقه رفض بشدة أن يتركه وهي اتبعت قلبها ولم تندم.
خطأها الوحيد أنها دون قصد زرعت الكراهية بقلب نوران ابنتها نحو رحيق ووالدتها.
رحيق ليس لها أي ذنب في هذا.
الفتاة المسكينة عانت الكثير.
قومي يا بنتي الله يهديكي البسي عشان خطوبة اختك.
قالتها والدتها وهي تتوسلها تقريباً.
كتفت ذراعيها وقالت:
لا يا ماما قولتلك مش هلبس ومتقوليش اختي.
دي مش اختي.
ولج أمجد للغرفة وهو يقول بينما ينظر لشقيقته:
فيه إيه.
اختك مش عايزة تحضر خطوبة اختها يا أمجد.
نظرت نوران إليها شزراً وقالت:
قولتلك متقوليش إنها اختي.
دي مش اختي.
ومش هحضر حاجة ويارب خطوبتها تتفركش.
نوران إيه اللي بتقوليه ده.
عايزة تكسري فرحة رحيق.
حرام عليكي.
قالها أمجد بضيق وهو ينظر إليها.
احتشدت الدموع بعينيها.
شعرت وكأن نيران تحرقانها.
تنظر إليه بحزن بالغ وهي ترى اهتمامه برحيق.
لماذا يهتم برحيق لتلك الدرجة.
لماذا لا يرى حزنها.
لا يرى انهيارها.
لماذا غفلا عما حدث معها.
عن انتهاكها.
الجميع اهتم برحيق.
وهي لا.
ما أمجد ينظر إليها بثبات.
يرى دموعها تتساقط تباعاً.
تألم قلبه وهو يراها بتلك الحالة.
يجب أن يعرف أن انشغاله بمشاكله مع خطيبته وانشغاله مع رحيق جعله يهمل شقيقته الصغيرة.
هو أبداً لم يلاحظ تلك العلامات القاسية التي تظهر على وجهها.
لقد نسي شقيقته الصغرى.
أهمله ويعترف بهذا.
تنهد وهو يقترب من نوران.
سحبها من ذراعها حتى أوقفها أمامه.
ثم عانقها وهو يربت على شعرها وقال برفق:
أنا عايزك تحضري معانا الخطوبة.
الفرحة من غيرك هتبقى ناقصة يا نوران.
انتحبت بخفوت ودفعته برفق قائلة بنبرة مكسورة:
لا هتكون ناقصة ولا حاجة يا أمجد.
محدش فيكم أصلاً مهتم أنا بيحصل إيه في حياتي.
تقريباً لو متت محدش هياخد باله.
شهقت دلال لينظر إليها أمجد بصدمة فأكملت نوران:
إيه صدمتك يا أمجد.
دي هي الحقيقة.
محدش فيكم مهتم بمشاكلي.
محدش مهتم أنا تعبانة زلت حزينة.
ولا بموت حتى.
إلا أهم عندكم هي رحيق.
والمبرر أصلها حرام يتيمة.
أصلها حرام كبرت ومتجوزتش.
انشغلتوا بمشاكلها وسيبتوني.
فاعملوا فيا معروف وسيبوني للاخر.
أنا مش عايزة أحضر خطوبة حد.
روحي افرحوا وانبسطوا وسيبوني في حالي!!!
بالفعل بعد دقائق كانت جالسة على فراشها وقد تركها شقيقها ووالدتها.
دقة أخرى على الباب جعلتها تزفر بضيق.
لقد أتت والدتها مرة أخرى لتقنعها هذا أكيد!!!
ادخل.
قالتها بضجر وهي متوقعة أنها سوف ترى والدتها.
ولكن من رأته هي رحيق قد ولجت للغرفة بينما ترتدي فستان كريمي فضفاض ونقاب من نفس اللون وقالت:
فينك مش هتحضري خطوبتي.
نظرت إليها بكره وقالت:
لت مش هحضر الخطوبة.
واحضرها بتاع إيه أصلاً!!
أنتِ اختي!!!
قالتها رحيق وقلبها يعتصر ألماً.
هزت نوران رأسها وقالت:
لا أنا مش اختك ولا عمري اعتبرت أنك اختي.
عمري ما حبيتك ولا هحبك.
انتِ زي أمي بالضبط.
مجرد حرامية.
هي سرقت مكان أمي وأنتِ قدرتي تسرقي مكاني.
محدش بقا مهتم بيا بسببك.
دموع رحيق انسابت من عينيها.
إنها حقاً تحب شقيقتها يؤلمها أن تراها بتلك الحالة.
انقبض قلبها من حالة نوران.
هل هكذا تشعر نحوها.
هزت رحيق رأسها وقالت بصوت مختنق:
محدش يقدر يسرق مكانك في قلب أمجد وما دلال يا نوران.
أنا حتى لو كنت عايزة أعمل كده مش هقدر.
إحنا كلنا هنا بنحبك وحقك عليا لو في يوم زعلتك من غير قصد.
لكن أنا والله بحب.
اخرسي!!!
اياكي تتكلمي وبلاش تلعبي الدور الرخيص ده.
انتِ مبتحبيش إلا نفسك.
نفسك وبس.
يالا اتفضلي اطلعي برا.
مش عايزة أشوف وشك.
هزت رحيق رأسها وهي تغالب دموعها ثم خرجت مسرعاً.
ما إن خرجت رحيق حتى انهارت نوران على الفراش.
كان قلبها يتمزق.
تشعر أنها سوف تموت.
الغضب والندم وشعورها بالذنب يتصارعان داخلها.
إنها تشعر وكأن شر كبير يجثم على صدرها.
تريد أن تتحدث.
تصرخ بقوة.
تتحدث عما حدث لها.
عن انتهاكها من قبل شخص لا يعرف الرحمة.
ولكن هي لا تلوم نفسها بس.
عائلتها هي السبب.
نعم هي من تسببت في هذا كله.
وهي لن تغفر لهم ما فعلوه بها.
لقد كانت ضحية الجميع.
دفنت رأسها عميقاً في الوسادة وهي تبكي بعنف.
الألم في قلبها شديد.
تتمنى أن ينتهي يوماً ألمها.
تتمنى أن تعود وتحب الحياة من جديد!!
ولج أمجد لغرفة شقيقته نوران ليجدها تبكي على الفراش بإنهيار.
وقف أمام فراشها وهو يراها تبكي بذلك الشكل.
لقد فتحت عينيه بقوة.
لا يصدق أنه قصر بحق شقيقته الصغيرة.
لقد وعد والده أن يهتم برحيق وبها وهو لم ينفذ وعده له.
هو أهمل صغيرته وعليه أن يصلح الوضع.
اقترب من فراشها وشدها لحضنه.
قاومته بشراسة وهي تبكي بإنهيار:
لا لا ابعد خلاص.
مش قررتوا كلكم تبقوا في صفها.
خلاص سيبوني أنا في حالي.
سيبوني.
نوران اهدي.
لا مش ههدي.
خلاص ابعدوا عني.
رحيق هي الأهم عندكم دلوقتي.
ليه جايين.
نوران اهدي.
اهدي يا حبيبتي.
قالها أمجد وهو يضمها بقوة ثم أكمل بندم:
أنا آسف.
آسف بجد يا حبيبتي أني ماخدش بالي أنك بتعاني.
آسف جداً يا نوران.
بس من النهاردة هاخد بالي كويس منك اووي.
أبعدته عنها وقالت وهي تنظر إليه بعيني حمراء بفعل البكاء:
للاسف يا شيخ أمجد الأوان فات!!
يا عيني عليكي يا بنتي هتعيشي في المكان ده طول حياتك!!
قالتها والدة أريام وهي تنظر لمنزل أمجد حيث أنها أتت لتحضر خطبة شقيقته رحيق.
كانت تنظر للمنزل بإمتعاض.
رغم أن المنزل كان راقياً إلى حد ما ومنظماً إلا أن وجوده وسط تلك الحارة الوضيعة جعلتها تمتعض أكثر.
هي لا تريد لابنتها أن تعيش هنا.
كيف يمكن لابنتها المهندسة أن تعيش بهذا المكان.
لقد حلمت أن تمتلك ابنتها مكاناً بأرقى حي في مصر.
لا تريد لها أن تقطن بحارة وضيعة مثل تلك.
تنهدت أريام بنفاذ صبر وهي تقول:
أمي لو سمحتي خلاص كفاية كده!!
قلبت شفتيها بسخرية وقالت:
بشوقك يا حبيبتي انتِ اللي هتندمي بعدين.
ياريت متجيش تعيطيلي بعدين.
أصل بصراحة ده مش مستوى حد يعيش فيه.
قالت جملتها الأخيرة بإشمئزاز.
كانت جيلان تقف بعيد وهي تنظر إليها تشعر بقلبها يعتصر وهي تنظر إليها.
تنظر إلى تلك المرأة التي أخذت مكانها.
تلك المرأة التي اختارها أمجد.
كتمت حسرة في قلبها وهي تحاول ألا تنهار أو تبكي.
أطرقت بعينيها أرضا وهي تفرك كفيها بتوتر.
ترغب في الذهاب الهروب ولكنها لا تستطيع.
شهقت بخفوت وهي ترى والدتها تقف بجوارها.
تنظر إلى أريام أيضاً وتقول:
عقبال ما ربنا يهديكي يا بنتي.
ونفرح بيكي.
نظرت إليها جيلان وهي تشعر بالإختناق لتكمل:
بصي على الحقيقة ومتبقيش غبية.
جايب خطيبته هنا.
شوفيه متمسك بيها إزاي.
بيحارب عشان ميبصش عليها كتير.
تعرفي أن بعد جواز رحيق هيتجوزها علطول.
دلال هي اللي قالتلي.
يا بنتي فوقي وشوفي مصلحتك.
هو مش شايفك أصلاً!!!
هتفضلي طول عمرك كده تطاردي في وهم.
الراجل بيحب خطيبته افهميها بقا!!!
خلاص يا ماما.
خلاص كفاية ابوس إيديكي.
قالتها بصوت مختنق ثم هربت إلى المطبخ وهي لا تتحمل كلام والدتها.
كان الدموع تطرف من عينيها.
أرادت أن تذهب إلى مكان ما وتبكي كما تريد.
تريد أن تنهار.
الألم في قلبها شديد.
لا تستطيع أن تتحمله.
رباه هي سوف تموت بكل تأكيد.
وقفت بالمطبخ ثم وضعت كفها على قلبها وهي تسقط رأسها للأسفل بينما تنفجر دموعها بشكل بائس.
وجودهما بجوار بعض لا يفارق خيالها.
لقد حلمت هي وحققت أريام ما تريده.
هل هي بتلك البشاعة لكي لا ينظر إليها أمجد.
وضعت كفها على فمها وهي تكتم نشيجها لا تريد لأحد ما أن يسمعها.
رباه تشعر بالدوار.
سوف تفقد وعيها من شدة الحزن.
ولج فجأة أمجد للمطبخ وتجمد وهو يراها بتلك الحالة.
جيلان.
قالها أمجد بتردد وهو ينظر إليها ويحدها بتلك الحالة كان يشعر بالشفقة عليها.
الشفقة لأنه يعرف لماذا هي تبكي.
ويعرف أنه السبب.
شهقت بخوف وهي تنظر إليه وعينيها متسعة بصدمة.
مسحت دموعها بسرعة وهي تهرب بعينيها منها.
تلعن نفسها ألف مرة لأنها انهارت هنا.
ماذا إن شك بمشاعرها نحوه.
ماذا إن اكتشف الكل الحقيقة.
كيف ستواجه الجميع!!!
بالطبع سوف تصير أضحوكة.
يجب أن تخفي مشاعرها تلك.
يجب ألا يعلم أي شخص بها.
جيلان بقولك فيه إيه.
كررها أمجد.
مفيش حاجة.
قالتها بجمود وهي تهرب بعينيها منه.
تمسح دموعها التي تتسلل من عينيها وهي تحاول أن تهرب منه.
إن بقت هنا أكثر من هذا سوف تنهار فعلاً وهي لا تريد هذا.
قد تعترف له بكل غباء عن مشاعرها وقد تتوسل له أن يحبها.
كانت في تلك اللحظة أضعف من أن تفكر بعقلها.
كانت غاضبة.
حزينة ويائسة.
والشيطان يتلاعب بعقلها.
لقد أحبته لسنوات سراً.
تغيرت من أجله.
فعلت المستحيل كي يرضى عنها ولكنه بكل بساطة لم يراها.
لم يفهم لمعة عينيها له.
لم يصنع دقات قلبها العنيفة وهي تصرخ بإسمه.
شكلك معيطة وازاي بتقولي مفيش حاجة.
قالها أمجد بإصرار.
قولتلك مفيش حاجة.
لو سمحت خليني.
اطلع.
قالتها بإرتباك وغضب وهي تتهرب بعينيها منه.
رباه لو بقت دقيقة أخرى سوف تعترف بمشاعرها له.
لماذا يقف في طريقها.
لماذا يهتم!!!
من ناحية أخرى كان هو يصرخ بنفسه كي يبتعد.
ماذا يفعل.
ذلك ليس أسلوبه.
لا تربيته ولا دينه يخبرانه أن يفعل هذا.
فماذا يفعل هو.
شعر بالإختناق والشيطان ظل يتلاعب به.
سيطر عليه للحظات.
فلم يتحرك من مكانه وهو يثبت نظراته عليها.
هو يعرف سبب بكاؤها.
يعرف سبب حزنها.
يعرف أن السبب هو والحل الأمثل في تلك اللحظة أن يبتعد عنها.
ألا ينجرف وراء شيطانه ولكنه بدأ وكأنه تصنم مكانه.
إيه المشكلة يا جيلان ليه بتعيطي.
قالها بهدوء وعقله يصرخ به أن يبتعد.
احمر وجهها وهي تنظر إليه أخيراً.
تظراته تخبرها أنه يعرف.
يعرف بمشاعرها الخفية تلك.
شعرت وقتها وكأن دلو من الماء البارد قد انسكب عليها.
انت عارف مش كده.
عارف.
عارف إيه.
قالها بإرتباك لترد هي:
عارف بمشاعري ناحيتك.
انت عارف ده.
تنهد وقال:
أيوه عارف بحقيقة مشاعرك.
وعارف إن.
أمجد.
صوت مصدوم وقع على أذنه كالصاعقة لينظر نحوه ليجدها خطيبته أريام تنظر إليه!!!
رواية اسرت قلبه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سوليية نصار
اهتزت جيلان بإنفعال وهي تطالع خطيبة أمجد. الدموع أحرقت عينيها وتمنت أن تنشق الأرض وتبلعها. كانت تشعر أنها سوف تموت بالفعل، ليتها لم تتكلم، بل ليتها لم تأتي.
لم يقطع أحد الصمت الثقيل الذي حل على المكان. أخذت دموع جيلان تنساب وهي تشعر بقلبها يتمزق. طرقت برأسها أرضًا وهي تحاول أن تجد مخرج. وأخيرًا خرجت مسرعة من المطبخ متجاوزة أريام، وخرجت من المنزل بأكمله.
كانت أريام تنظر إلى أثرها بصدمة، ثم نظرت إلى أمجد الذي تجهم وجهه وقالت بإنفعال:
"ايه ده؟ قول لي ايه ده يا أمجد، يعني إيه الكلام ده؟"
"مش وقته الكلام ده يا أريام، مش وقته خالص."
ثم كاد أن يخرج لتقف بوجهه وتقول بإنفعال:
"إيه هو اللي مش وقته يا أمجد؟ أنا سمعت بنت عمك بتعترف إنها بتحبك، انت شايف إن ده طبيعي وإن ده حوار لازم يتأجل؟"
"أيوه لازم يتأجل، مش وقته خالص، خصوصًا إن دي خطوبة رحيق أختي وأنا مش هسمح إن أي حاجة تعكر فرحتها."
"ومش مهم أنا أولع صح؟ أقعد أفكر فيك وفي بنت عمك اللي بتحبك دي!!!"
نظر إليها بغضب وقال بحزم:
"أريام، وطي صوتك، خلاص نتكلم بعدين، روحي دلوقتي، وجودنا هنا مش حلو."
"ووجودك مع بنت عمك اللي بتحبك حلو؟ ولا هي المشيخة بتاعتك مش شغالة معاها؟"
أغمض عينيه وقال بغضب:
"أقسم بالله كلمة تاني يا أريام وهعتبر اللي بيننا انتهى، يالا اتفضلي امشي دلوقتي وبعدين نتكلم."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"طيب وعلى إيه؟ أنا دلوقتي بنهي كل حاجة."
ثم بتهور خلعت طوق خطبتها وألقته على الأرض، ثم ذهبت.
تنهد أمجد بتعب وهو ينحني ويمسك الطوق. رباه، ماذا يفعل؟ لقد انهدم كل شيء على رأسه.
***
في بيت جيلان.
ما إن ولجت لغرفتها حتى انهارت على فراشها وأخذت تبكي بعنف. كان قلبها يتمزق، تشعر أنها قد تعرت أمام الجميع. لقد عرف أمجد وخطيبته مشاعرها الحقيقية، عرفوا بأنها تحبه! الجميع عرف أنها تحب أمجد. كيف ستواجه الجميع؟ كيف ستضع عينيها بعيني أمجد وخطيبته مجددًا؟ لابد أنهما يسخران منها. ولكنها هي التي أخطأت بحق نفسها. هي من تركت مشاعرها تتحكم بها. كان ينبغي أن تدوس على قلبها، كان ينبغي ألا تنسج أي أحلام بشأنه.
شهقت بقوة ودموعها تنفجر من عينيها. كان صوت بكاؤها يرتفع شيئًا فشئ حتى أصبح صراخًا يخرج من أعماق قلبها.
"جيلان!!!"
قالتها شربات، والدتها، وهي تلج المنزل بصدمة وخوف. كانت قد رأت ابنتها وهي تغادر منزل أمجد وقد تعجبت من سبب مغادرتها بتلك الطريقة. لذلك ذهبت خلفها، وها هي تأتي لترى ابنتها منهارة بشكل لم تراه من قبل. ضميرها أنبها قليلاً وهي تظن أنها سبب انهيار ابنتها بسبب كلامها الذي قالته.
"جيلان بنتي!"
قالتها شربات وعيناها تلمعان بفعل الدموع. واقتربت من ابنتها ثم ضمتها بقوة وهي تقول بندم:
"سامحيني يا بنتي، سامحيني. ما كانش لازم أقولك الكلام ده. أنا بس كان قصدي أفوقك، كنت عايزة ما تبنيش أحلام على الفاضي. سامحيني يا بنتي، سامحيني!"
هزت هي رأسها بينما تبكي بعنف وتقول:
"لا، أنتِ عندك حق، عندك حق. كان لازم تضربيني كمان، كان لازم تعمليها. أنتِ كنتي صح وأنا اللي كنت غلط يا ماما. يا ريتني كنت سمعت كلامك."
أبتعدت شربات عن ابنتها وعبست دون فهم ثم قالت:
"تقصدي إيه؟"
أطرقت جيلان برأسها وهي تنفجر أكثر بالبكاء. قلبها كان يتمزق. رباه، الآن بداخلها لا يهدأ أبدًا.
"جيلان بنتي، قولي لي فيه إيه؟!"
قالتها شربات وهي تهزها وقد قلقت قليلاً.
مسحت جيلان دموعها بكف يديها ورفعت عينيها بخجل لوالدتها وقالت:
"عرف بمشاعري!"
توسعت عينا شربات بصدمة وهي تنظر لابنتها وقالت بتوتر:
"مين؟ مين اللي عرف بمشاعرك يا بت؟!"
بكت جيلان أكثر وقالت:
"أمجد، أمجد عرف بمشاعري يا ماما. هو كان عارف، ومش هو وبس، كمان خطيبته أريام."
قالت كلمتها تلك ثم انفجرت بالبكاء.
"عرف بمشاعرك إزاي؟ انطقي وقولي!"
رفعت جيلان عينيها وبدأت تحكي لوالدتها كل شيء.
بعد قليل.
نهضت شربات كالملسوعة وقالت:
"بتقولي إيه؟!"
بكت جيلان أكثر وهي تشعر بالخجل أكثر، بينما أخذت والدتها تدور حول نفسها وهي تشعر أنها ستفقد عقلها، تتمتم:
"يا دي الفضيحة، ده اللي كنت خايفة منه. يقولوا عليكي إيه؟"
"هيقولوا إيه يا ماما؟ هو أنا عملت إيه يعني؟ أنا مغلطتش، دي مشاعري مقدرش أتحكم فيها."
"غبية، غبية. مشاعرك تكتميها مش تروحي تعترفي لواحد خاطب. تعرفي هيقولي عليكي إيه؟ تعرفي سمعتك هتكون إيه؟ أمجد خاطب، تعرفي إنك ممكن تعملي مشاكل بينه وبين خطيبته بغبائك."
بكت هي أكثر وقالت بإختناق:
"ط... طب أعمل إيه؟"
"الحاجة الوحيدة اللي تقدري تعمليها إنك توافقي على أول عريس مناسب يتقدملك!"
نظرت جيلان إلى والدتها وهزت رأسها وهي تقول بإستسلام:
"حاضر."
***
في اليوم التالي.
إنه يوم الجمعة، يوم إجازتها من الجامعة والعمل، اليوم الذي ترتاح فيه، تنعزل فيه عن العالم، اليوم الذي تزور به ابنها، اليوم الذي تعتبره أصعب يوم بحياتها كلها، فكل الذكريات تعود إليها في هذا اليوم.
كانت تقف أمام المرآة وهي ترتدي الحجاب الأسود. عدلت حجابها جيدًا ثم أمسكت الحقيبة المصنوعة من القماش ووضعت بها مصحفًا. أمسكت كف ابنها الصغير وقررت أن تودعه لدى جارتها لكي تذهب لزيارة ابنها. تلك الزيارة التي اعتادتها، وعلى الرغم من انهيارها كل مرة إلا أنها لا تقوى على ترك زيارته.
"حاسس إنك بقيت غريب شوية يا يوسف."
قالتها منير ليوسف وهو يراه يجلس بهدوء يرتدي نظاراته الطبية بينما يقرأ كتابًا ما.
عبس يوسف ونظر إليه بدون فهم وقال:
"غريب إزاي يا منير؟ مش فاهم يعني."
هز منير كتفيه وقال:
"يعني بقيت هادي، اللمعة اللي في عينيك اطفت، حتى بطلت تجيب سيرة نسرين كتير."
لمعت عينا يوسف وهو ينظر إليه وقال:
"وأجيب سيرة واحدة متجوزة ليه يا منير؟ الله يسعدها، خلاص اختارت حياتها."
"يعني بجد نسيتها؟ خلاص معدتش تفكر فيها، مبقتش تحبها؟"
قالها منير بلهفة. كان يتمنى حقًا أن يكون نسيها حقًا، يتمنى أن يمضي قدمًا في حياته وأن ينسى تلك المرأة، أن يرتبط بآخرى. هو يعرف كم عانى صديقه، يعرف كيف أنه قد كُسر مرتين.
رفع يوسف عينيه إليه وهو ينظر إلى منير بتفكير. هل نسي فعلاً نسرين؟ هل أخرجها من قلبه وعقله نهائيًا؟ هو لا يعرف إجابة هذا السؤال حقيقة. ولكنه يعرف أنه لم يعد يفكر بها كما اعتاد أن يفكر. تلك النيران في قلبه قد خمدت قليلاً من ناحيتها، بهتت مشاعره المتأججة نحوها كما بهتت مشاعره نحو رقية. لم يعد يؤلمه قلبه عندما يفكر أنها تزوجت آخر، لم يعد يشعر بالغيرة وهو يفكر أنها مع فؤاد الآن. هو حتى لا يعرف متى بهتت مشاعره بتلك الطريقة. هل يمكن للحب الحقيقي أن يُنسى بتلك السهولة؟
"معرفش يا منير إن كنت نسيتها نهائيًا، بس كل اللي أعرفه إنها بتتسرب من جوايا. مشاعري ناحيتها مبقتش قوية زي الأول. أحيانًا بفكر إني كنت مجنون لما بصيت لبنت صاحبي. يمكن لو كنت سيطرت على نفسي مكانش ده حصل."
توقف عن الكلام فجأة وعيناه تلمعان بشجن وأكمل:
"تعرف لما أفكر في نسرين دلوقتي كل اللي بيجي في بالي إني فعلاً أتمنى إنها تكون مبسوطة مع جوزها. بطلت أحس بالغيرة منها ومن فؤاد، بالعكس أتمنى إنه يسعدها. هي عانت كتير بسبب باباها ولازم تفرح. أنا اللي بحسه أحيانًا بالندم بسبب اللي عملته معاها. كتير بشوف نفسي أنا اللي كنت غلطان ومجنون وأنانى عشان أتمسك بيها. مبصتش لسنها الصغير واتصرفت بأنانية. آه صحيح، اتكسرت بس اتعلمت من غلطي."
"ما دام كده يبقى انت فعلاً نسيتها، مشاعرك ناحيتها انتهت. لأنك مبقتش تحس بالغيرة عليها. إيه شكل في واحدة تانية؟ واحدة عقلك ولا إيه؟ فيه حد تاني يا يوسف؟ حاسس إن حد تاني شاغل بالك."
كان صديقه يتكلم بسرعة ولهفة. يتمنى أن يكون هذا صحيحًا، يتمنى أن يجد يوسف حبه الحقيقي.
شحب وجهه وهو ينظر لصديقه. لا يعرف لماذا انحرف تفكيره إلى تلك المرأة التي باتت تشغل عقله كثيرًا في الآونة الأخيرة. تلك التي أصبحت عيناه لا تحيد عنها. ولكنّه ينفي بشدة أن يكون لهذا علاقة بالحب. هو بالتأكيد لم يرتكب تلك الحماقة للمرة الثالثة، خاصة أنه لا يريد الدخول في تعقيدات جديدة. فتلك المرة لديها أبناء، لن تناسبه حتى لو أرادها، كما أنها منفصلة عن زوجها وهو لا يريد الدخول في صراع مع طليقها.
كان منير يراقب تعاقب المشاعر على وجه صديقه وهو يبتسم بخبث. يبدو أن صديقه بالفعل قد هوى إحداهن. ولكن من تكون؟
غمز منير فجأة وقال:
"شكلك وقعت يا باشا ومحدش سمى عليك. يالا قولي اسمها مين سعيدة الحظ اللي وقعت ابننا."
شحب وجه يوسف بشكل مبالغ فيه ليقول منير بذهول:
"إيه يا راجل، انت اتكسفت؟ مفيش داعي تتوتر، سرك في بير. يالا قولي مين الجبارة اللي جابتك على وشك!!! يالا قول، أنا والله هفرحلك."
هو يوسف رأسه بيأس وقال:
"لا في واحدة ولا اتنين حتى يا منير، انت عملت قصة من دماغك وبتمشي فيها. أنا مفيش حد في حياتي، ومفيش ست هتدخل حياتي تاني. كفاية اللي حصلي بسببهم، أنا مش مجنون عشان أدخل ست تاني حياتي. أنا خلاص قررت أعيش حياتي كده، مش عايزة أتجرح مرة تانية. أنا اكتشفت إن الحب مش من نصيبي. وأقفل على السيرة دي يا منير، أنا فرحان كده ومبسوط."
"يعني هتعيش طول عمرك لوحدك يا يوسف؟ معقولة؟ هتعيش حياتك من غير ما تتجوز ويكون عندك عيال؟ معقول؟"
قالها منير بإستنكار ليرد عليه يوسف ويقول وهو يهز كتفيه:
"وفيها إيه يا منير؟ هو الجواز هو نهاية المطاف؟ لو متجوزتش إيه اللي هيحصل يعني؟ مش هيحصل حاجة. أنا جربت حظي مرتين مع الستات وخلاص اكتفيت. أنا اتكسرت مرتين ومش مستعد أنكسر مرة تالتة، كفاية عليا كده."
"إيه التشاؤم اللي انت فيه ده يا عم؟ ما يمكن المرة دي تضبط. ما يمكن تلاقي حبك الحقيقي، تلاقي الست اللي هتداوي قلبك."
"لا هتضبط ولا غيره، اقفل على الموضوع لو سمحت!!!"
"حاضر."
قالها منير بيأس.
***
تدخل المقبرة بصعوبة. تشعر أن ساقيها قد تجمدتا مكانهما. قلبها يخفق برعب، بحزن، والذنب يجلدها. هي من قتلت ابنها، نعم هي من أهلكته ولن تسامح نفسها أبدًا.
طرق الدموع من عينيها وهي تشعر وكأن قلبها سيتمزق بفعل الحزن. بقيت الدموع تنساب من عينيها دون أن تقوى حتى على منعها. وقفت أمام قبره وهي تقول:
"أنا جيت يا معتز، جيتلك يا حبيبي، جيتلك يا عمري."
ثم هوت على الأرض، هي تبكيه، تبكيه كأول يوم افترق عنها فيه. اليوم الذي مات فيه كان أبشع يوم بحياتها. هذا اليوم اتخذت فيه قرارًا أن تنفصل عن زوجها لتنقذ ابنها الآخر من حياة لطيف الملعونة.
***
في اليوم التالي.
تجمدت قدماها وهي تقف أمام الجامعة. منذ ما حدث بينها وبين عادل وهي لم تأتِ إلى هنا. اختلقت مئات الحجج كي لا تذهب. وعلى الرغم من اقتراب اختباراتها إلا أنها لم تكتراث حتى حدثها شقيقها بالأمس. أغمضت عينيها وهي تتذكر كلام شقيقها لها. كلامه الذي جعلها تشعر بالذنب أكثر مما تشعر به. ولكن شيئًا داخلها كان يهون عليها ويخبرها أن عائلتها هي السبب.
***
كانت جالسة كالعادة في غرفتها تحتضن ساقيها. الدموع لا تتوانى عن التوقف. تشعر بالإختناق. رباه، إنها تموت فعليًا. تشعر أنها ستفقد عقلها. تفكر وتفكر، والذنب يقتلها من الداخل. تتذكر كيف فرطت في نفسها، في شرفها. لن تنكر هي لها يدًا في هذا. هي من بعثت له تلك الصور، هي من ألقت بيديها إلى الهلاك ولن تسامح أبدًا نفسها. انفجرت الدموع من عينيها أكثر وهي تشعر بالإختناق.
فجأة انتفضت والباب يدق. مسحت دموعها بسرعة وعدلت من وضع شعرها المشعث، وحاولت ارتداء قناع البرود على وجهها.
"ممكن أدخل؟"
قالها بلطف وهو يلج لغرفتها. عيناه العسلية ترمقانها بلطف بينما يبتسم لها بحنو. لطفه المعتاد لم يسقط قناع البرود التي ارتدته. كانت غاضبة من شقيقها بقدر غضبها من نفسها. غاضبة لأنه ابتعد عنها، لأنه اهتم برحيق ولم يهتم بها. ابتعد عنها حتى انساق لطرق مظلمة وهي الآن تدفع الثمن ولا أحد يشعر بما تعانيه أبدًا.
انكمشت لا إراديًا وابتعدت عنه وهي ترمقه ببرود. ضايقه. حسنًا، متضايق من معاملتها الجافة له. هو يعاني من المشاكل بسبب أريام التي تصر على فسخ الخطبة، بالإضافة لمشاكل العمل. ولكنه يعرف أن ما تعانيه نوران أيضًا صعب. هي لا تذهب إلى كليتها وتلك سنتها الأخيرة يجب أن تجتهد. ولذلك بما أنه اطمئن على رحيق، ليطمئن على نوران أيضًا!
"نوران حبيبتي، ممكن نتكلم."
"مش عايزة أتكلم مع حد."
قالتها ببرود.
"مالك يا نوران؟"
قالها أمجد بنفاد صبر لترد بلامبالاة:
"مالي يعني؟ ما أنا كويسة أهو."
تنهد وهو يقترب ليجلس بجوارها وقال:
"لا مش كويسة وحالك مش عاجبني أبدًا يا نوران. ماشي، بعترف إن بجد جرحتك وأنا آسف جدًا. أنا مكانش قصدي أهملك. نوران، أنتِ أختي حتة مني، ليه بتبعديني عنك بالشكل ده؟ ليه منغلقة على نفسك بالشكل ده ودايمًا حزينة وزعلانة؟ أنا ووالدتك قلقانين عليكي."
"مش أنا اللي بعدت يا أمجد، انتوا اللي بعدتوا عني. انتوا فضلتوا رحيق عليا."
قالتها بقهر ليغمض عينيه بتعب ويقول:
"نوران حبيبتي، رحيق دي تبقى أختك."
"متقوليش أختي، دي مش أختي، مش أختي."
قاطعها بقوة وقال:
"لا، أختك. حتى لو أنكرتي ده ميت مرة يا نوران، رحيق تبقى أختك وبتحبك. حرام تعامليها بالطريقة دي و..."
"قولتلك متقولش أختي. دي بنت الست اللي سرقت بابا من ماما. إزاي انت معتبرها أختك؟ دي بنت الست اللي قهرت ماما. نسيت إن أبوك اتجوزها على أمك لما اتأخرت في الخلفة. نسيت إزاي سرقته!!!"
"نوران، بطلي تفكيرك الطفولي ده، اكبري شوية. محدش سرق أبوكي من أمك ولا حاجة. أبوكي الله يرحمه مكانش عيل عشان يتسرق، هو راجل وهو اللي اختار يتجوزها. وده شرعًا مش حرام. وماما لو كانت عايزة كان ممكن تنفصل عنه بس هي رضيت بالوضع وكملت. فمعرفش ليه بتلومي رحيق على اختيارات أهلنا. هي ملهاش دعوة. هي أختي زي ما أنتِ أختي وأنا بحبكم انتوا الاتنين زي بعض. انتوا الاتنين أخواتي وزي بعض."
نظرت إليه بحزن وقالت:
"لا، مش زي بعض يا أمجد. أنا للأسف مش بغلاوة رحيق عندك، ولا حتى عند ماما."
"يا نوران، والله انتوا الاتنين زي بعض."
قالها بإحباط فردت:
"أنا مش حاسة بكده يا أمجد، مش شايفة كده. التجاهل منكم ده مضايقني، محسسني إني مليش مكان وسطكم."
"أنا آسف. آسف عن كل لحظة حسيتي فيها إني مش مهتم بيكي ولا بحبك. أنا بحبك يا نوران، أنتِ من دمي."
قالها بندم لتكمل هي بشرود:
"أنا لوحدي يا أمجد، مش حاسة إن حد معايا. لا ماما ولا انت. أنا بقالي فترة مروحتش الكلية محدش فكر فيا. محدش فكر يا ترى أنا تعبانة ولا إيه المشكلة اللي معايا. محدش فكر يجي يسألني مالك، الكل مشغول برحيق وجواز رحيق وخطوبة رحيق. طيب أنا فين من ده كله؟ ليه محدش بيفكر فيا أنا؟ حد فكر يجي يسألني مالي؟ محدش فكر يعمل كده. أقولك ليه؟ لأن محدش مهتم أنا فيا إيه؟ أنا بالنسبالكم مش موجودة. ماما ضميرها وجعها عشان رحيق فقررت إنها تهملني وتهتم بيها عشان تعوضها. حتى انت بعيد عني يا أمجد. فليه بتلوموني دلوقتي؟"
شدها إليه وعانقها وهو يقول:
"أنا آسف، آسف. أوعدك من النهاردة مش ههملك تاني. أنا آسف."
خرجت من شرودها وهي تخطي باب الجامعة وقد قررت أن ترمي الماضي خلف ظهرها.
***
في أحد المقاهي المطلة على النهر كانا يجلسان مقابل بعضهما. تحت طلب مياس التي أصرت أن يكون لقاءهما خارج المنزل. كانت أرادت أن تحسم رأيها بخصوص الزواج منه. فكرة مجنونة نعم، فهي لا تحبه، ومتأكدة مليون في المية أنه لا يحبها. لا تعرف لماذا متأكدة، ولكن شعورًا داخلها يخبرها أن سيف يريد الزواج منها لسبب معين في باله ولا تدري ما هو. وهي هنا الآن وسوف تفعل المستحيل لكي تعرف السبب الحقيقي الذي يجبر رجل مثلها من الزواج منها.
ظلت ترمقه من خلف نقابها. عينيها الزرقاء تشع بعشرات الأسئلة وهي مصممة على نيل كل إجابتها اليوم. الآن وفي تلك اللحظة، لن تمنحه موافقتها حتى يمنحها السبب الحقيقي الذي جعله يقبل الزواج منها بل يصر على هذا. وهي كانت متأكدة أن الشفقة ليست جزءًا من أسبابه. هي ليست ساذجة، تعرف أن خلف موافقته المفاجأة سببًا قويًا وهي تريد أن تعرف هذا السبب.
تَمَلَّصَ بضيق تحت تأثير نظراتها التي كانت تصوبها نحوه. هو يشعر بالإرتباك وهي تنظر إليه بتلك الطريقة وكأن عينيها الزرقاء تنفذ داخل أعماقه. تعرف دواخله وتقرأ أفكاره. أنه يشعر أنها تعرف كل شيء. تعرف أن زواجه منها ما هو إلا علاج لجرح من حبه الأول. نوال التي ظن أنها سوف تكون دواء لكل جروحه، ولكنها أصبحت جرحًا جديدًا يُضاف إليه.
توتر أكثر من الصمت الثقيل الذي حل على المكان وقال بتململ:
"اتفضلي يا مياس، حابة تقولي إيه؟"
ظلت صامتة للحظات وهي تدرس توتره حتى كاد أن يعيد سؤاله مرة أخرى، ولكنها فجأة قالت:
"أنت عايز تتجوزني ليه يا سيف؟ ليه فجأة غيرت رأيك وعايز تتجوزني؟ ومتقولش إنك بتحبني أو حابب تتجوزني وتكون سندي والكلام ده، صدقني مش هصدقه."
"صدقيني عشان..."
كاد أن يبرر ولكنها قاطعته وقالت بهدوء:
"لو سمحت يا سيف، خليك صريح معايا للآخر. أنا عارفة إن سبب جوازك مني مش حب. محدش هيحب أبدًا الشكل اللي تحت النقاب، فأنا متقبلة إن محدش هيحبني ومش زعلانة خالص. وكمان عارفة إن الموضوع مش شفقة. فيه سبب تاني ولو سمحت حابة أعرفه."
تنهد بإحباط. لقد حاصرته في زاوية ضيقة. نظر إليها وهو يشعر بالضيق لأنه لا يستطيع أن يرى تعابيرها كما هي ترى تعابيره. أراد أن يعرف فيما تفكر هي، ولكن يبدو أنه لم يعرف هذا.
"ها، ناوي تقول الحقيقة؟"
قالتها بنبرة تشبه نبرة والدته رحمها الله عندما كانت تكتشف أنه كذب بأمر ما.
زفر بإحباط وقد حاول ترتيب الكلمات ليقول لها كل الحقيقة. كانت تنتظر بصبر أن يخبرها الحقيقة بينما هو رأى أن لا فائدة من التملص من الإجابة. كانت ذكية وكان يدرك هذا جيدًا.
"نوال."
قالها بنبرة مرتعشة. شعر بألم حاد في قلبه وهو ينطق اسمها وقد عادت تلك الصورة التي تحرق قلبه، صورتها بين ذراعي آخر.
"دي اللي كنت بتحبها صح؟ اللي رفضتني من قبل عشان خاطرها صح؟"
قالتها بتقرير. لتهبط رأسه أرضًا ويهز رأسه بالإيجاب. ثم قال:
"نوال كانت صاحبتي المقربة، البيست وبعدين علاقتنا اتحولت لحب. حبيتها أكتر ما تتخيلي. كنت مستعد أقف قدام بابا عشان خاطرها. تخيلي حتى إني فكرت أسيب البيت والشركة وكل حاجة عشان خاطرها. كنت مستعد أعمل أي حاجة، بس يظهر إن مكانش كفاية بالنسبة ليها. كل اللي عملته مكانش كفاية."
قالها ثم أطرق برأسه وقد تجهم وجهه وظهر الألم حاليًا عليه. إنها تفهمه. تفهم جيدًا أن تحب شخصًا ما ثم يكسرك هذا الشخص. هذا ما فعله عمر بها. ألم يدمرها كما دمرته نوال؟ نعم، لم يقولها ولكنها عرفت أنها هي أيضًا تخلت عنه. والآن ماذا؟ هل يبحث عن بديل لنوال؟ هل ستكون هي التي تداوي جراحه؟ نعم، تشفق على حالته لأنها عاشت نفس الشعور، ولكنها لا تريد أن تكون بديلًا. سيكون مخطئًا لو ظن أن حالتها سوف تجعلها توافق على هذا العبث.
"وانت هتتجوزني أكون بديل ولا سد خانة؟"
قالت كلماتها بصوت خالٍ من المشاعر. لينظر إليها سريعًا وهو ينفي بقوة ويقول:
"لا والله أبدًا. أنا عايز نداوي جراح بعض."
"نداوي جراح بعض بأننا نتجوز؟ انت صاحي لنفسك يا سيف؟ بجد فاهم بتقول إيه؟ انت عايز تتجوزني عشان تنسى اللي كسرتك، وأنا أتزوجك عشان أنسى خطيبي. لا أنت بتحبني ولا أنا بحبك. جوازنا هيكون كارثة فعليًا وهيفشل فشل ذريع."
"ما خلينا نجرب."
قالها بتوسل لتنظر إليه دون رضا وتقول:
"روح اتجوز واحدة تملى عينيك، تعرف إزاي تنسيك حب حياتك. أنا لا. انت شوفت وشي، عارف هتعيش مع إيه. شوفت شكلي عامل إزاي."
"ميهمنيش."
قالها بسرعة لترد:
"أنت كداب، كلكم بتهتموا بالشكل. هتقدر تتحمل تبص في وشي لحد إمتى؟ يوم؟ شهر؟ سنة؟ في يوم هتيجي ومش هتقدر. ولو كملنا جوازنا وخلفنا، تفتكر أولادنا اللي هنخلفها مش هيخافوا من شكلي؟ أنت ذات نفسك هتتكسف لما أمشي جنبك لو قررت أخلع النقاب ده. فوق يا سيف. إحنا جوازنا محكوم عليه بالفشل. أنا أخدت قراري، هعيش كده طول حياتي وراضية بيها. أنت ملكش مكان فيها."
***
مر أكثر من أسبوع ولم تتحدث معه بشأن ما حدث مع سهيلة، قريبة آخر مرة. لقد سكبت العصير بوجهه لأنها تجرأت واقتربت من أمير. ومنذ ذلك الحين وأمير يرمقها بتسلية تجعلها تفقد أعصابها أكثر.
كانت تجهز الصغير لكي يذهب معها إلى عملها كالمعتاد، حيث أنها سجلت له في روضة الأطفال الملحقة بالمدرسة التي تعمل بها. شعرت أنه يجب أن يختلط بالآخرين.
"وادي الباشا عمر جهز أهو."
قالتها بلطف وهي تقبله على وجنته وتعانقه. ولج أمير إلى الغرفة وهو مبتسم. كان يسعده أن سما اتخذت هذه الخطوة. حمل ابنه وهو يبتسم وقال:
"مبروك يا بطل أول يوم حضانة."
كان صغيره يبتسم له بسعادة. وجه نظراته إلى سما التي تتجنب النظر إليه. قبل ابنه مرة أخرى ثم أنزله وقال:
"يالا روح جيب حاجاتك عشان تمشي مع سما."
"حاضر يا بابا."
قالها وخرج. اتجه انتباه أمير الكامل إلى سما. كان ينظر إليه وعلى وجهه ابتسامة خبيثة. رغم البرود والصراعات التي بينهما إلا أنه لا ينكر أن غيرتها عليه آخر مرة جعلته يسعد. لقد كان تجاهلها مؤلمًا رغم أنه من طلب هذا، ولكن آخر مرة تيقن أنها تدعي. هي لا تتجاهله، هي فقط تحاول أن تحمي نفسها. تنهد مفكرًا أنها على حق. فهو قد جرحها كثيرًا، ولكنّه أيضًا يحمي نفسه. لا يريد أن ينجذب إليها، لا يريد أن يحبها. لكن لا يعرف ما الذي يجذبه إليها. في كل مرة يحاول أن يبتعد عنها، يجرحها بكلماته كي لا تقترب منه ثم يندم لأنه يتأكد أنه لا يريد الابتعاد. أحيانًا يشعر أنه مختل عقليًا ولا يعرف كيف يفكر.
تنبهت سما أنه ينظر إليها وشعرت بالضيق. منذ المشكلة الأخيرة وهو يرميها بنظرات مستفزة وكأنه يعرف أنها تغار منه. لا تعرف كيف لم تسيطر على أعصابها. حسنًا، الجميع قد يقول لأنها تحب زوجها فعلت هذا. ولكن هو سوف يأخذ رد فعلها هذا كدليل إدانة أنها تحبه. نظرت إلى عينيه أخيرًا.
"بتبصلي كده ليه؟ وليه بتبتسم بالشكل ده؟"
قالتها بضيق لتتسع ابتسامته أكثر ويقول:
"ليه متعترفيش إنك بتغيري عليا؟"
قالها فجأة بطريقة أربكتها لتنفجر في وجهه بإرتباك وتقول:
"مين؟ أنا بحبك مين قال كده؟"
ضحك وقال:
"أنا قولت بتغيري مش بتحبيني، عقلك فين؟ عقلك الأيام دي مش معاكي أبدًا."
كانت نبرته استفزازية لدرجة أنه أغضبها بالفعل. احمر وجهها بشكل مبالغ فيه وقالت:
"انت هتكون بتضحك على نفسك لو افتكرت إني بغير عليك ولا حاجة. بس قريبتك دي قللت مني وأنا وقفتها عند حدها. وواثقة إنها مش هتقدر تقلل مني تاني لأن المرة الجاية لو عملتها هتكون ردة فعلي أسوأ. أنا مسمحش لأي حد يقلل مني أو يدوسلي على طرف."
"بس برضه متنكريش إنك بتغيري. اعترفي يالا."
"لا مش بغير. ولو عايز دليل... هي شكلها بتحبك. مستعدة أروح وأطلبها لك بنفسي. وكمان هضحي وأخليها تعيش معانا في البيت. أو ممكن تاخد بيت ليها تاني وتقضي كل أيام الأسبوع عندها. أنا مش مهتمة بجد."
اختفت الابتسامة من وجهه وتجهم وجهه وقد شعر بالضيق. لتبتسم هي بإستفزاز وتقول:
"اديني بس إشارة واحدة وأنا أروح أطلبها من أهلها. بكلمك بجد لو عايزها اتجوزها. معنديش أي مانع. لو ده هيبسطك."
"أنت عارف إنك زي أخويا ويهمني سعادتك."
"بجد؟"
قالها بغموض لترد ببساطة:
"أيوه بجد. كده كده جوازنا مش حقيقي. أنا هنا عشان عمر بس. وانت من حقك تشوف حياتك مع واحدة بتحبك بجد."
"وحياتك أنتِ."
أعطته ابتسامة واثقة وقالت:
"عمر بس يكبر شوية وأخلص من الجواز ده، هشوف حياتي مع اللي هيقدرني. فمتقلقش، أنا مخططة لمستقبلي."
اقترب منها بخطورة وأمسك كفها وقال:
"في اليوم اللي تفكري تتخلصي من الجواز ده وتروحي لحد تاني هقتلك."
أعطته ابتسامة مستفزة وقالت:
"حاسب لافتكر إنك انت اللي بتغير. أصل انت أي حركة بعملها بتحسبها أني بغير عليك. بس أنا مبقولش عليك كده. رغم أن كل حركاتك، نظراتك وغضبك بيقولوا إنك هتموت من الغيرة عليا. فحاسب بقا لافتكر إنك بتحبني واتغر. وصدقني مش عايزك تحبني لأني هزعل أووي عشان هتتجرح أكيد لما أسيبك."
اشتعلت عيناه بنيران الغضب، ولكن قبل أن يعلق كان قد تركته وغادرت الغرفة بسرعة. أغمض عينيه ما أن غادرت وقد شعر بالشياطين تعبث بعقله. تنهد أخيرًا وقال:
"الصبر من عندك يارب."
بينما هي خرجت من الشقة وهي تمسك كف عمر الصغير وعلى ثغرها ابتسامة منتصرة. كلما حاول أن يتذاكى عليها ويخبرها أنها تحبه أو تغار، تجعله هي يدور حول نفسه. هذا ما ستفعله منذ الآن، فهو لا يستحق الرأفة. ربما لا يعلم، ولكن عبث مع المرأة الخاطئة تمامًا. أن كانت السنوات التي قضتها تعشقه في صمت علمتها شيئًا، فقد علمتها أهم شيء، وهو كيف تتحكم في مشاعرها نحوه. كيف لا ترتجف لقربه، كيف لا تلمع عينيها لرؤيتها، كيف لا تتوتر أن نظر إليها. لقد دربت نفسها جيدًا.
***
"اتفضلي."
قالها عاصي وهي يعطيها عبوة مخملية حمراء.
أمسكتها بيد مرتعشة تحت عيني دلال الراضية. فتحتها لتجد بها سوارًا ذهبيًا جميلًا، يتَدَلَّى منه فراشة. كان بسيطًا ولكنه جميل للغاية لدرجة أنه جعل دلال تتنهد بسعادة. فيبدو أن أخيرًا رحيق وجدت من سوف يسعدها.
ارتبكت رحيق وهي تنظر لتلك الهدية وقالت بإرتجاف:
"شكراً ليك."
بينما أمجد كان بعيدًا قليلاً على الأريكة الأخرى يبدو شارداً. فمشكلته مع خطيبته قد كبرت وهي مصرة على فسخ الخطبة. رباه، هو يريدها. صحيح أنهما لا يتفاهمان ولكنه خطط حياته معها. ظل ممسكًا سبحته وهو يتمتم ويدعو أن تعود المياه لمجاريها.
***
غادر عاصي أخيرًا منزل خطيبته المزعومة ثم استقل سيارته الفارهة التي لا تلائم أبدًا الحي الذي يتواجد به حاليًا. كان متضايقًا من ذلك المسلسل السخيف. فخطيبته المصون فرضت عليه أن يزورها وأن يتصرف كأي خطيب طبيعي. هي تظن أنها سوف توقعه بتلك الطريقة. الغبية لا تعرف أن تلك الألعاب لا تنطلي عليه. هو ليس أحمق ليقع في شباكها.
***
"مقدرتش أحبك."
أغمضت عينيها والدموع ما زالت تنهمر من عينيها. ما زالت تلك الكلمة تتردد بعقلها بينما تشعر أن قلبها يكاد ينفجر من الأسى. سؤال غاضب ألح على عقلها: إلى متى؟ إلى متى سوف تظل بديلًا في حياته؟ هو موجود معها لأنه لا يمكن أن يكون مع سيلا. لا يمكن.
"ماريانا يا بنتي، كفاية عياط. ليه الدموع دي كلها؟"
قالتها والدتها وهي تجلس بجوارها. تربت على كتفها برفق. كان قلبها يعتصر ألمًا على ابنتها. كلما ظنت أن حياتها سوف تتصلح مع جورج تنتكس من جديد.
"قالي إنه مقدرش يحبني يا ماما."
"يا بنتي..."
كادت أن تبرر ولكن ماريانا قاطعتها وقالت:
"متبرريش يا ماما، متبرريش ليه عشان خاطري. كفاية. مش كل شوية اسكت وأتنازل. مش كل شوية أتكسر بسببه."
"يا بنتي ما أنتِ عارفة الكلام ده. عارفة إنه محبكيش وإن قلبه لسه مع الملعونة دي."
احمر وجه ماريانا بشدة وارتسمت على تعابيرها الإنكار والنفور لتكمل والدتها وتقول:
"الإنكار مش هيمحي الحقيقة إنه لسه بيحبها. ده صعب عليكي أنا عارفة كويس يا بنتي، بس دي الحقيقة اللي مش مفروض ننكرها. هو بيحبها. بس هو راجل عاقل عارف إن مفيش حاجة ممكن تجمعهم وعايز ينساها. أنتِ ساعديه ينساها مش كل مرة تتقمصي. أي كلمة يقولها تتقمصي وتيجي هنا. مينفعش كده يا حبيبتي. أنتِ كده بتستسلمي بسرعة. الراجل عايزك، حتى لو مش بيحبك. هو عايزك وأنا أتحداكي أنه هيجي النهاردة عشان يصالحك. مش لازم يحبك بسرعة. مرة في مرة هينساها."
"امتى يا ماما؟"
قالتها بإنهزام لتمسك والدتها كفها وتقول:
"قريب جدًا. أنتِ بس هتجيبيلوا العيل اللي نفسه فيه وهيحبك. هتبقى كل حياته."
تنهدت ماريانا والدموع تنهمر من عينيها. في كل مرة حاولت أن تثور لكرامتها كانت والدتها من تجعلها تتراجع لتعود مرة أخرى ناكسة رأسها تقبل بالفتات الذي يقدمه لها جورج. والمبرر أنها تعشقه. سوف تموت من غيره. تشعر بالقهر وهي تتنازل مرة أخرى. تموت وهي ترى زوجها مع أخرى بقلبه.
***
كانت جالسة على فراشها تفكر كيف ستستعيده. هي بالطبع لن تتركه لتلك المرأة. جورج لها. ترطبت عيناها بفعل الدموع وذكرى معينة تلمع بذاكرتها.
"لا، مش هعمل كده تاني. مش هستغل جورج تاني وأطلب فلوس. كفاية!!"
قالتها سيلا وهي تهز رأسها بجنون بينما الدموع تطرف من عينيها. نظر إليها والدها بغضب ثم رفع كفه وصفعها حتى سقطت أرضًا. انحنى بجوارها ثم قبض على خصلاتها النارية وهدر:
"بتقولي إيه يا روح أمك؟ ده انتِ يومك مش فايت. بتقولي لا."
"أيوه لا. مش هستغل جورج تاني مش هعمل اللي أنت بتطلبه ده مستحيل."
شد على شعرها بقوة أكثر حتى صرخت وقال:
"إيه يا بت مالك حبتيه ولا إيه؟ عرف يوقعك. وأنا اللي حطيتك في طريقه عشان توقعيه!!!"
"أيوه أنا بحب جورج. وبقولك مش هطلب فلوس منه تاني. ولو عايز تقتلني اقتلني."
تركها بغتة ونهض بينما عيناه الزرقاء كعينيها تلمعان بقسوة وقال:
"جميل أوي. أنا مش هضربك يا سيلا. أنا هعمل الأسوأ. هقول لحبيب القلب كل الحقيقة. هقوله إنك قربتي منه عشان بس تضحكي عليه وتاخدي فلوسه. هحكيله عن كدبك كله. أنا هموتك... بس بالحيا!!!"
خرجت من شرودها والدموع تنساب من عينيها. لقد أخطأت عندما استغلته وهي ستصلح هذا الخطأ.
***
في المساء.
كان جالسًا على الأريكة يطرق رأسه بصمت بينما تراقبه والدة زوجته. شعر بالتوتر وهي تنظر إليه بهذا الشكل. كان لا يعرف ماذا يقول. لقد غضبت ماريانا من آخر نقاش لهما وتركت له المنزل. كان غاضبًا منها وغاضبًا من نفسه، ولكن غضبه من نفسه أكبر. كان حزينًا لأنه ألمها بتلك الطريقة. لكنه لا يستطيع أن يكذب عليها. لا يستطيع أن يخبرها أنه يحبها وهو لا يفعل. هي لا تستحق كنه هذا أبدًا. ليته يستطيع أن يجعل قلبه يحبها. ليته له سلطان على قلبه. لم يكن ليحب غيرها ولكن للأسف. ولكن لن ينكر أنه يرغبها. يريدها. كزوجة وكأم لأطفاله. هي فقط. لقد عرف أنها المرأة المناسبة له.
"هو انت كل شوية هتزعل بنتي يا جورج؟ مش ملاحظ إنها حامل ولازم تتحملها شوية!"
قالتها والدة زوجته بحزم ليرتبك وهو يفرك كفيه بتوتر. ابتلع ريقه وقال:
"أنا مش قصدي أبدًا أزعلها ولا أجرحها. أنا آسف يا حماتي. والله ما كنت أقصد. أنا بس عايز أكون صريح معاها."
"لو صراحتك معاها هتأذيها يبقى تكدب عليها أحسن."
نظر بصدمة إليها لتهز رأسها وتقول:
"أيوه. أنا بنتي حامل ومش مستعد أخسرها يا جورج. لو سعادتها هتكون في إنك تكدب عليها أحسن لك تكدب عليها. قولها إنك بتحبها. مش مشكلة، اكدب عليها، قولها إنك بتحبها. قول إنك محبتش غيرها ما دام ده هيسعدها. جورج، بنتي لو رجعت زعلانة تاني بيتي مش هتشوف حتى ضفرها. لا هي ولا ابنك، انت فاهم!"
رواية اسرت قلبه الفصل السادس عشر 16 - بقلم سوليية نصار
رواية اسرت قلبه الفصل السابع عشر 17 - بقلم سوليية نصار
وقفت وهي تستمع إلى كلمات والدتها وهي ترمش… غير مستوعبة ما تقوله.
كانت جامدة بالفعل وهي تتمنى أن تكون قد سمعت عن طريق الخطأ.
"بتقولي إيه؟"
قالت كلمتها بنبرة جافة.
نظرت رحيق بتوتر إلى دلال التي ابتسمت وقالت:
"بقول إن فيه عريس متقدم لك يا نوران… عشان كده بوضب البيت."
ارتعشت من الداخل وشعرت أنها سوف تفقد وعيها بينما والدتها تتكلم بتلك البساطة.
كيف… كيف تفعل هذا؟ من أعطاها الحق بفعل هذا؟
فكرت بغضب.
كان كل ما يحدث يخنقها.
ماذا يريدون حقًا منها؟ هل يريدون موتها؟
فكرت بغضب وهي تنظر إلى والدتها التي بادلتها النظر بحيرة.
"إيه فيه عريس متقدم لك دي؟ هو أنا ماليش رأي؟ خلاص قررتوا تجوزوني من غير ما تاخدوا رأي حتى؟ هو أنا حتى في جوازي مش هيكون فيه رأي؟"
قالتها بغضب وقد احتشدت الدموع بعينيها.
نظرت والدتها إليها بحيرة وهي تقول:
"مين اللي قال مالكيش رأي يا نوران؟ مش بقول كده… بالعكس اقعدي معاه ولو مش عاجبك مفيش حد هيجبرك على حاجة. بس أنا واثقة إنه هيعجبك."
"مش هتجوز!"
قالتها بقوة.
لترفع والدتها حاجبيها وتقول:
"يا بنتي أنتِ شفتي العريس عشان ترفضيه؟ إيه بس اللي بتقوليه ده؟"
كانت دلال متكدرة وهي تنظر إليها بينما قالت نوران:
"أنا بقول مش هتجوز… مش عايزة أتجوز خالص… فاهمين؟ محدش يجيب ليا عرسان… أنا مش محتاجة حد يدور ليا على عرسان… أنا مش بايرة زي ناس."
ثم نظرت إلى رحيق الذي احتقن وجهه وقد احتشدت الدموع بعينيها.
ثم قالت بارتجاف:
"أنا… أنا هروح أغسل المواعين."
ثم لاذت بالفرار نحو المطبخ والدموع تنسكب من عينيها.
نظرت دلال بصدمة إلى ابنتها وكل الكلمات القاسية التي خرجت من فم نوران:
"ليه كده يا بنتي؟ جرحتيها أوي، حرام عليكي!"
رفعت نوران وجهها وقالت بنبرة باردة:
"أنا معملتش حاجة بس اللي على رأسه بطحة بيحسس عليها… مش ذنبي إنها بايرة!"
"إنتِ فعلاً متربتيش ولا شوفتي ترباية!"
صرخت دلال في ابنتها التي نظرت إليها بوجه محتقن.
وصرخت:
"مش هتجوز ومش هتجبروني على حاجة، انتوا فاهمين؟ والا وديني أنتحر وأخلص منكم!"
"نوران!"
قالها أمجد وهو يلج إلى المنزل.
كان ينظر لشقيقته بصدمة لا يصدق ما خرج من فمها.
نظرت نوران إلى شقيقها وازدردت ريقها ولكنها رفعت رأسها وهي تنظر لعينيه العسلية التي كانت تشع من الغضب.
اقترب أمجد منها وأمسك ذراعها وصرخ بها:
"مالك انتِ اتجننتي؟!"
سحبت ذراعها:
"أيوه اتجننت… ابعد عني بقا!"
ثم تركته وركضت نحو غرفتها.
ولجت لغرفتها وهي تبكي بينما ولج شقيقها خلفها.
"أنا عايز أعرف إيه اللي بتعمليه ده… إيه اللي بيحصل معاكي يا نوران… ليه بتعاملي اختك بالطريقة دي… وبتعاملي أمك بالطريقة دي… وبتتكلمي عننا بالشكل ده كأننا أعدائك؟"
"أيوه انتوا أعدائي… وأنا بكرهكم كلكم… كلكم! دلوقتي افتكرتوا إن أنا موجودة… دلوقتي بتفكروا في جوازي عشان تخلصوا مني؟!"
رمش بصدمة وقال:
"نخلص منك… إيه اللي بتقوليه ده؟"
"أنا بموت… بموت محدش حاسس بيا… محدش حاسس بيا!"
صرخت بها وهي تبكي وتضرب وجهها بقوة.
هلع أمجد وهو يراها تبكي بتلك الطريقة.
اقترب منها سريعًا ثم ضمها بقوة لصدره وهو يربت على شعرها ويقول:
"اهدي… اهدي يا حبيبتي…"
"لا مش ههدى… يارب أموت… أموت عشان الكل يرتاح… أموت عشان أنا أرحمك وأرحم نفسي… يارب أموت… يارب أموت…"
كان يضمها بشدة.
لا يعرف ماذا يحدث لها.
لماذا هي في تلك الحالة؟
سحبها برفق وأجلسها على الفراش بينما تبكي بعنف.
ثم وضع كفه على رأسها وبدأ يقرأ القرآن.
بعد قليل
تنهد براحة وهو يشعر أنها قد سكنت قليلاً.
ربت على رأسها وأخذ يمسح دموعها التي أخذت تنساب دون توقف وقال:
"عايز أعرف… إيه اللي عملته وزعلك بالشكل ده يا نوران… إيه اللي بيحصل معاكي؟"
"أنا…. أنا مش عايزة أتجوز…."
قالتها وهي تبكي وترتعش.
ليتنهد بتعب ويقول:
"ليه… أنتِ عارفة مين اللي متقدم لك أصلاً عشان ترفضيه؟!"
"أنا مش عايزة أتجوز أصلاً… أنا حرة… مش عايزة!"
نظر إليها بحيرة ثم قال وهو يحاول أن يكتم غضبه:
"هو فيه حد تاني في حياتك؟ فيه حد يا نوران بتحبيه أو بيحبك؟!"
شحب وجهها كالأموات وشعرت أنه يعرف كل شيء.
اهتز جسدها بنفور.
"يا رب لو عرف سوف يقتلني بكل تأكيد… لن يرحمني أبدًا… سيعتبر أن الخطأ خطأها وحدها."
أخيرًا استطاعت جمع بعض من شجاعتها وقد ساعدها غضبها الكبير منه.
ونظرت إليه وقالت:
"مفيش حد… بس أنا مش عايزة أتجوز… مش عايز أتجوز وأعيش حياة ماما… مش عايزة أتجوز واحد ممكن يخوني ويتجوز عليا زي ما بابا… وكمان يجيب بنته تعيش في بيتي… عايزني أعيش نفس المأساة."
عبس وهو ينظر لشقيقته دون تصديق.
لا يصدق أنها تفكر بتلك الطريقة.
ولكنه قرر أن يتعامل مع الأمر بهدوء وقال:
"بصي يا حبيبتي… اللي عمله والدك مش خيانة… اللي عمله والدك ده شرع ربنا… حاجة ربنا شرعها ليه… رخصة وهو استخدمها… وماما لو كانت مش حابة الوضع ده كانت قالت بس هي اتقبلت الوضع رغم أنه صعب جدًا أنا عارف… بس هي اتقبلته… حتى إنها بتحب رحيق… هي تجاوزت اللي حصل واتقبلت بابا يتجوز وعاشت معاه لأنها بتحبه… بس مش شرط اللي حصل مع ماما يحصل معاكي… يعني أنا صحيح بقول حق الراجل واحدة واتنين وتلاتة وأربعة بس أنا عن نفسي لما هتجوز هتجوز واحدة بس… فاهماني؟ مش لازم اللي حصل مع ماما يحصل معاكي… بعدين إحنا مش بنقولك اتجوزي دلوقتي… بنقولك شوفي العريس… لعل وعسى يعجبك… بعدين يا ستي لو عرفتي هو مين أنا واثق إنك هتوافقي على طول."
عبست وهي تنظر إليه وقالت وهي تمسح دموعها:
"يعني هيكون مين؟ أمير؟ ملك؟ ميهمنيش المبدأ برضه مرفوض… أنا مش عايزة أتجوز… محدش هيقدر يجبرني."
ابتسم بحنان وهو يضمها إليه ويقول:
"محدش خالص هيجبرك… أنا متأكد إنك هتوافقي على العريس ده بمزاجك."
احتارت أكثر ونظرت إليه وهي لا تفهم.
وقالت:
"عايزة أعرف مين ده اللي انت متأكد إني هوافق عليه؟ هاااا مين؟!"
"جاسم… ابن خالتك منيرة…"
"……."
شحب وجهه كالأموات وهو ينظر إليه.
كان جلال الحسيني ينظر إليه.
ملامحه متقلصة من الغضب.
كل ما يريده الآن أن يقتل هذا الرجل الذي دمر حياة مياس.
تلك الفتاة المسكينة.
"فاكر إني مكنتش هعرف اللي عملته في مياس؟ فاكر إني غبي؟ ها…. انطق…"
ارتعش بقوة وعينيه تزوغان في كل مكان.
وزوجته المسكينة تقف خلف الحائط وهي تضع كفها على فمها وهي تفكر أنها قد وقعت بيد شيطان.
هذا الرجل مختل عقليًا… لا تصدق أنها وقعت بين يديه.
"أنا… أنا معملتش حاجة…"
كررها وهو يرتعش أمام جلال الحسيني.
كيف حدث وعرف جلال بما فعله؟
لقد ظن أن لن يعرف أحد بما فعله.
توسعت عينيه أكثر وهو يتذكر ما حدث هذا اليوم.
…..
كان يقف بعيدًا عن بنايتها يراقب المارة النادرين.
كان الوقت مبكرًا وباردًا قليلاً.
نظر حوله وهو يغطي وجهه بينما ينتظر خروجها من بنايتها.
عينيه كانت تلمع بغضب وهو يمسك زجاجة الحمض بقوة.
لقد تعب من كثر ما رفضها.
لقد أهانته كثيرًا برفضها كأنه شخص ليس لديه قيمة ولا يمكن أن تنظر إليه.
وفي النهاية فضلت عليه شخص مقيت كالذي يُدعى عمر.
كان غاضبًا للغاية منها.
حاول نسيانها كثيرًا.
حتى أنه تزوج ولكنه لم يستطع أن يمحيها من عقله.
وعندما عرف بخطبتها أقام الدنيا.
وأصر أن يدمر حياتها.
سوف يسلب.
جمالها.
ذلك الجمال الذي تتباهى به.
هذا الجمال الذي جعله يعشقها.
سوف يسلبها منه.
سوف يدمر حياتها.
وسوف يجعل خطيبها يتركها.
كما قتلته سيقتلها.
اهتز وهو يراها تخرج من البناية.
جميلة كالعادة.
رقيقة كالعادة.
تبدو كزهرة نادرة وجميلة.
بينما تمسك الهاتف وتكلم أحدهما وهي تبتسم بهيام.
قضم شفتيه بغضب وهو يشد على زجاجة الحمض.
لا بد أنها تكلم خطيبها هذا.
ذلك الحقير الذي سلبها منه.
اتجه إليها.
بخطوات سريعة وهو يغطي وجهه بالكامل لا يظهر منه إلا عينيه.
اقترب أكثر منها لتتوقف وهي تنظر إليه بخوف.
رق قلبه للحظات.
فهو كان حقًا يعشقها.
ولكنها كسرته.
ولن يغفر.
فكر وهو يلقي زجاجة الحمض على وجهها.
رآها تسقط على الأرض وجمالها الذي سلب عقله يتلاشى تمامًا.
….
خرج من شروده وهو ينظر إلى جلال الحسيني الذي ينظر إليه بغضب.
اقترب جلال الحسيني منه وقال:
"لو فكرت تقرب من مياس تاني هقتلك… لو مش عايز تعرف اللي أنت عملته فيها يبقى تختفي من حياتها… لاني مش هكتفي إن هقولها بس اللي عملته… لا أنا كمان هقتلك يا معاذ… هقتلك فعلاً!"
ثم تركه بينما النيران تشتعل بعيني معاذ.
صرخ فجأة بقوة وهو يحطم كل ما يقابله.
وضعت زوجته كفها برعب على فمها وهي تراه قد كسر المزهرية الكبيرة ثم كسر الطاولة الزجاجية.
كان يبدو كوحش هادر.
طفرت الدموع من عينيها وهي تدعو ربها أن تتخلص من هذا الوحش.
ليتها لم تتزوجه.
ليتها بقت في الفقر طوال حياتها ولم تتزوجه.
ليتها لم تسمع كلام والدتها.
تصرفاته الآن ترعبها.
تراجعت للخلف لكي تلوذ بالهرب للغرفة وتغلقها جيدًا حتى الصباح ولكنه شعر بها.
نظر إليها بعينين حمراء كالدماء.
وضعت كفها على فمها وهي تشعر بالرعب يحتل كل جزء في جسدها.
حاولت أن تسرع للغرفة ولكنه كان أسرع منها وهو يقترب منها ويمسكها من شعرها.
ثم يدفعها نحو الغرفة.
"بترفضيني يا مياس؟!"
هدر بقوة وهو يفتح خزانته ويخرج المقص الكبير الذي يحتفظ به.
حاولت التملص منه بينما هو يمسكها بقوة.
الدموع كانت تنهمر من عينيها بينما يمسك شعرها بكف وباليد الأخرى يمسك المقص.
توسعت عيني عهد بصدمة وهي تبكي وتقول:
"معاذ انت… انت بتعمل إيه؟"
"ده عقاب ليكي عشان متعارضنيش تاني يا مياس… بتعارضيني قدام عمك… وتخلي ابن عمك يطردني كمان رايحة تتجوزي ابن عمك…"
"فوق أنا مش مياس أنا عهد… إيه اللي بتقوله ده."
صرخت به وهي تحاول الهروب منه ولكنها فشلت تمامًا.
كان يبدو كأنه فقد عقله.
كان يهذي بقوة.
راقبته بصدمة وهو يجلسها على الأرض بقوة ثم بدأ بقص شعرها سريعًا وسط صدمتها ودموعها.
أخيرًا انتهى وابتعد عنها وهو ينظر إليها بابتسامة ساخرة وقال وهو ينحني نحوها ثم يمسك رأسها الحليق ويقول بهدوء:
"ده عقابك عشان مسمعتيش كلامي… متزعليش مني… أنا بحبك… بس لازم أدبك… مينفعش تخرجي عن طوع جوزك يا مياس… صح؟ انتِ بتاعتي أنا يا مياس… بتاعتي أنا وبس."
هزت رأسها برعب وهي تبكي.
هذا المجنون.
سوف يقتلها يومًا ما.
ابتسم براحة وهو يجدها توافق على كلامه.
ثم أمسكها من يدها وساعدها على النهوض.
كانت تقف وهي ترتعش.
اتجه بابتسامة سعيدة نحو الخزانة وأخرج منها غزالة زرقاء لا تترك للمخيلة شيئًا وقال:
"بحب اللون الأزرق أوي لأنه بيفكرني بعيونك يا مياس… يلا يا حبيبتي… يلا…"
ثم استدار نحوها ونظر إليها بينما هي تبكي وترتعش وقال وهو يمد الغزالة نحوها ويقول:
"البسي ده يا روحي وابسطي جوزك!!!"
هزت رأسها بالنفي وهي تبكي بقوة.
لتشتعل عينيه مجددًا وهي يشد شعرها ويصرخ بها:
"نعم يا روح أمك… انتِ بتعارضيني يا بت… طيب وديني لاقتلك…"
ثم صفعها بقوة حتى انفجرت الدماء من فمها.
ثم دفعها حتى سقطت على الأرض.
اتجه إلى الخزانة وهو يخرج طوق بنطاله.
ثم اتجه إليها وملامحه تكسوها الإجرام ثم بدأ يضربها بقوة.
…..
بعد قليل.
رمى الحزام وهو يبصق عليها ويقول بينما يلهث:
"ده جزاء اللي بيعارضني… وحقوقي برضه هاخدها يا مياس…"
ثم سحبها من شعرها متجهًا بها للفراش لينتهكها مثل كل مرة.
لتموت هي بين يديه للمرة الألف.
…..
"عزمي بيه؟!"
قالتها بتول بتوتر وهي ترى والد جورج أمامها وينظر إليها بعينين زرقاء حادة.
ابتلعت بتول ريقها بينما اتجهت عيني عزمي لشخص آخر وهي سيلا.
ولج للمنزل بثقة وكأنه يملكه.
مرر عينيه بتقييم سريع للمنزل البسيط ولكن المنظم.
ثم وقعت عينيه على سيلا التي تنظر إليه بصدمة.
كانت تحاول إخفاء توترها خلف قناع البرود الذي ارتدته بسرعة ولكن لم تستطع.
شعرت أن شجاعتها تتهاوى وهو ينظر إليها بتلك الطريقة.
مرر عينيه عليها بينما تقلصت ملامحه من القرف.
شعرت بالإهانة وهو ينظر إليها بتلك الطريقة.
أرادت أن تصرخ به ولكن بدا وكأنها فقدت القدرة على الكلام.
"رجعتي ليه يا سيلا؟ مش اتفقنا تبعدي عن حياة جورج وإلا أنا بنفسي هقول على اللي عرفته عنك… عايزاه يكرهك أكتر ما هو بيكرهك فعليًا…"
نظرت إليه وهي تحاول استجماع شجاعتها وقالت بنبرة مرتعشة:
"أنا جاية عشان جورج وهاخده."
ضحكت هو بقوة.
ضحك حقًا.
لا يصدق كم هي وقحة بلا أخلاق.
"أنا بجد مش عارف أهلك كانوا فين… معقول محدش فيهم فكر يربيكي شوية… يعلمك الأدب… أو الأخلاق… جورج راجل متجوز… افهمي متجوز إزاي عايزاه يبصلك."
طفرت الدموع من عينيها وقالت:
"جورج ملكي أنا وبس يا عزمي بيه… أنت وأبويا حرمتوني منه… خوفت منكم أول مرة بس المرة دي أنا مش خايفة… حبي هيرجع ليا… بأي شكل أنا ميهمنيش."
"بجد وقحة!"
صرخ فيها بغضب ثم أكمل:
"يا ترى جورج هيسامحك لما يعرف حقيقتك… يعرف إن الست اللي بيحبها ضحكت عليه هيكون فرحان!"
ابتلعت ريقها بعسر وقالت:
"جورج بيحبني وهيسامحني…"
"جورج بيحب ماريانا… أم ابنه… ماريانا حامل… وهو مش هيسيب مراته أم ابنه ويجري ورا واحدة كانت معاه عشان فلوسه."
"جورج بتاعي أنا وبس…. بيحبني أنا وبس… سامع… جورج مش هيكون لغيري أبدًا… جورج هيرجعلي وهيسامحني… وهتشوف يا عزمي بيه…."
اقترب منها أكثر ونظر إليها:
"وأنا اللي هقف في وشك يا سيلا… أنا اللي هحمي ابني ومراته منك… وأنا واثق إن ابني مستحيل يتخلى عن جوهرة زي مراته ويجري ورا واحدة رخيصة زيك… واحدة بتاعة فلوس!!"
ثم تركها وذهب.
"سيلا أبوس إيديكي انسي جورج خالص وسافري تاني… مينفعش تقعدي هنا… عزمي بيه مش هيكلم… شوفتي عمل إيه المرة اللي فاتت… أنا مش عايزة مشاكل مع جوزي يا سيلا…"
قالتها بتول بتوتر.
نظرت إليها سيلا بجمود وقالت:
"لا مش هرجع… أنا مش خايفة منه يا بتول… معنديش حاجة أخسرها… أنا عايزة جورج وهاخده…"
ابتلت عيني شقيقتها بالدموع وقالت:
"بس أنا عندي اللي أخسره يا سيلا… أنا مش مستعدة أخسر بيتي وجوزي بسببك… مش ناقصة مشاكل… عشان كده لو سمحتي امشي من بيتي!!!"
كانا بمنزلهما.
تجلس هي على الأريكة وهي تضمه بقوة.
ابتسامة رائعة على شفتيها تظهر نواجزها الجميلة.
كانت سعيدة كما لم تكن من قبل.
كانت أقرب إليه من أي وقت.
قلبه يهدر تحت رأسها.
كانت تغمض عينيها بإستمتاع.
غير مهتمة أبدًا بذلك الفيلم الرومانسي الذي يعرض على التلفاز والذي كان فيلمها المفضل.
والذي أجبرت جورج على مشاهدته معها.
كان يشاهده هو بملل بينما هي تزيد من احتضانه.
شعر بالضيق قليلاً وقال متذمرًا:
"براحة يا ماريانا أنا مش ههرب منك!!!"
"قول إنك بتحبني يا جورج… نفسي أسمعها تاني."
قالتها وهي تضمه أكثر متجاهلة كلامه المستفز.
ليظهر الألم بعينيه.
إنه يخدعها.
هذا غير صحيح.
هو لا يحبها ولو حتى قليلاً.
فكيف يكذب عليها.
ولكنه سلك الطريق بإرادته.
هو اختار ألا يخسرها هي وطفله.
هو اختار حياته معها.
فقصته مع سيلا انتهت.
لهذا يجب أن يتقبل الواقع.
وجد نفسه يميل إليها ويقبل رأسها وهو يقول بلطف:
"بحبك…"
تنفست بقوة وتلك الكلمة البسيطة تهزها بقوة.
كم تمنتها.
حلمت بها لمرات عجزت عن عدها.
حلمت أن يخبرها أنه يحبها ولا يحب سواها.
فتحت عينيها ونظرت إليه بعشق.
عينيها تخبرانه كم تحبه.
تنطق بالعشق الخالص له.
"تعرف إني بحبك كتير… بحب أوي أكتر من حبك ليا… أنت حياتي… حياتي يا جورج… كل اللي عايزاه منك إنك تحبني…"
ابتسم بلطف شديد وقال:
"وأنا بحبك يا ستي… خلاص… بس متخنقنيش يا ماريانا وخلينا نتفرج على الفيلم أنا مش هطير يا حبيبتي…"
ثم أبعدها برفق وهو يوجه انتباهه للتلفاز.
…..
"أنا عمري ما هسامحك… عمري… أنتِ اللي قتلتيني… أنتِ…"
قالها معتز وهو ينظر إليها بكره لا يناسب طفل كان يلقي اللوم عليها.
أكمل بنبرة تقطر حقدًا:
"بتمنالك. الموت… بتمنى أن ربنا ميسامحكيش على أي حاجة عملتيها فيا… أنا بكرهك… بكرهك…"
شهقت بقوة وهي تبكي أمامه وتقول بنبرة مرتعشة:
"لا يا معتز… حرام متظلمنيش… أنا معملتش حاجة… معملتش… معتز… معتز…"
صرخت من جملتها الأخيرة وهي تبكي بعنف.
نهضت من نومها والدموع تنفجر من عينيها.
كانت تشعر أن قلبها سوف ينفجر من الألم.
قلبها يحرقها.
كانت الدموع تغرق وجهها.
نظرت بجوارها ورأت صغيرها قد استيقظ وهو يفرك عينيه بحيرة بينما ينظر إليها ويقول بخوف:
"فيه حاجة يا ماما؟"
ضمته إليها بقوة وهي تهز رأسها وتقول:
"مفيش… مفيش يا حبيب ماما… مفيش…"
كانت تضمه وهي تطمئنه وتستمد منه الأمان أيضًا.
كانت الدموع تفيض من عينيها دون توقف وكابوسها أحضر لها المزيد من الذكريات الشنيعة.
قبلت رأس محمد ثم تسطحت مع طفلها وهي تضمه مرة أخرى لتجعله ينام بينما قلبها ينتفض داخل صدرها والذكريات القاسية تعاود مهاجمتها.
ذكريات حاولت كثيرًا أن تقتلعها ولكنها ظلت متواجدة بعقلها.
أغمضت عينيها والدموع تنسكب أكثر من عينيها دون توقف.
تنهدت وذكرى تلمع بعقلها.
…………
كان عيد ميلاد ابنها معتز.
كان قد أتم السابعة من عمره.
أما هي فكانت في شهرها الأخير في الحمل في محمد.
كانت تضع كفها على بطنها المنتفخ بينما تنظر إلى معتز وهي تبتسم بسعادة وعينيها دامعة.
كان والده قد أحضر له كعكة عيد ميلاد رائعة وهدايا كثيرة له.
كانت ترى سعادة كبيرة بعيني ابنها.
تلك السعادة التي كانت تخفف من شعورها بالذنب بسبب معرفتها بعمل زوجها الحقيقي.
ورغم أنها تعرف فهي لا تتكلم.
تصمت وهي تعرف أن زوجها المسؤول عن تدمير حياة الكثير.
طيلة الوقت هي في صراع بسبب ضميرها.
ضميرها الذي يصرخ بها ألا تصمت.
ولكن سعادة أبنائها كانت كافية لتسكين ضميرها.
لجعله يصمت.
نهضت وتقدمت من طفلها وهي تمسك كفه بينما لطيف أمسك كفه الآخر بينما يغنيان:
سنة حلوة يا جميل
سنة حلوة يا جميل
سنة حلوة يا جميل
سنة حلوة يا جميل
سنة حلوة يا جميل
شفت وردة أحلى وردة فتحت قبل المعاد
قالت لي مبسوطة النهاردة في عيد ميلادي الفرح زاد
شفت وردة أحلى وردة فتحت قبل المعاد
قالت لي مبسوطة النهاردة في عيد ميلادي الفرح زاد
يا جمالك يا طعامتك عمري يطول بابتسامتك
(على الشفايف كل شايف) (العسل زود حلاوتك)
يا أحلى وردة يا، يا بني، كل جميل شفته السنة دي
عشت أنا في حضنك طفولتي، وعيد ميلادك عيد ميلادي
يا جمالك يا طعامتك) عمري يطول بابتسامتك
(على الشفايف كل شايف) (العسل زود حلاوتك)
يا أحلى وردة يا، يا بني، كل جميل شفته السنة دي
عشت أنا في حضنك طفولتي، وعيد ميلادك عيد ميلادي
… كل سنة وأنت طيب يا جميل.
ثم أطفأ الصغير الشمع ليصفق والده ووالدته.
…
ثم اتجه لطيف إلى صندوق كبير للغاية.
كان الصندوق مزين وكانت ماجدة حائرة عما بداخله.
أزاح لطيف الصندوق لينكشف أسفله سيارة ركوب كهربائية تناسب حجم معتز.
ما أن نظر إليها الصغير حتى صرخ بسعادة وهو يلمس السيارة بينما يقول بسعادة:
"دي بتاعتي… دي بتاعتي صح؟"
ابتسم لطيف وهو يلمس شعره ويقول:
"وبكرة لما تكبر يا بطل هجيبلك الحقيقية!!"
"أنا بحبك… بحبك يا بابا أوي…"
قالها معتز ثم عانق والده.
كانت جالسة على الفراش بتعب عينيها شاخصة للأمام بينما طبقة رقيقة من الدموع تغطي عينيها.
ولج لطيف للغرفة ونظر إليها وهي جالسة.
كانت هيئتها وهي تحمل صغيره أجمل ما يكون.
اقترب منها ثم جلس بجوارها وهو يقول بلطف:
"أوعي تفتكري إني جبت هدية لمعتز ونسيتك يا حياتي… أنا كمان افتكرتك النهاردة… شوفتي جبتلك إيه…"
ثم نهض واخرج من الخزانة عبوة مخملية ثم اقترب منها وفتح العبوة ليظهر عقد ماسي رائع.
كان مرصعًا بالماس بينما تتوسطه ماسة زرقاء رائعة.
لو في حالتها العادية لكانت قفزت من السعادة.
وضع العبوة جانباً ثم أمسك العقد وألبسها إياه لتغمض عينيها وهي تشعر أن العقد ثقيل للغاية على قلبها.
تشعر أن هذا العقد ملطخ بدماء الكثير.
"شيل العقد… شيله لو سمحت…"
قالتها بنبرة متقطعة بينما تبكي.
نظر إليها لطيف بحيرة وقال:
"فيه إيه يا ماجدة؟"
نهضت بعنف وهي تشهق بكاءً:
"فيه إن العقد ده ملوث… ملوث بدم اللي انت قتلتهم!!!"
تجهم وجهه وهو ينظر إليها.
كان لا يصدق أنها تعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى.
كلما حاول جعلها تنساه تتذكره وتتهمه.
ماذا يفعل لتنسى.
ماذا يفعل لتتقبل.
"أنا بموت كل يوم بسبب تأنيب الضمير… بموت وأنا حاسة إني شريكتك في الجريمة… مش قادرة أتنفس يا لطيف. والله بموت…"
اقترب منه ثم شدها إليه وقال:
"إيه اللي يرضيكي؟"
انفجرت الدموع من عينيها وقالت باختناق:
"أنا تسيب الشغلانة دي… إننا ناكل بالحلال…"
تجهم وجهه وهو يبتعد عنها وقال باستنكار:
"وهناكل منين يا ماجدة… أولادك هيعيشوا منين… أنا لو سبت الشغل ده هنموت من الجوع… عيالك مش هيعيشوا في نفس المستوى… هنضطر نمد إيدينا للي يسوى واللي ميسواش… أنتِ عايزة كده… قوليلي عايزة كده…"
بكت بعنف وهي تنظر إليه.
كانت نقطة ضعفها هي أبناؤها.
ولم تستطع أبدًا أن ترد عليه.
بدلاً من ذلك وجدت نفسها تصمت وتتقبل الواقع مرة أخرى.
عادت من شرودها والدموع تغرق وجهها.
ليتها لم تتبعه.
ليتها.
في غرفة التدريب.
كان يجري على آلة الركض.
يلهث بقوة بينما العرق يغرق وجهه وصدره.
الذكريات تندفع لعقله بشراسة.
ذكرياته معها.
المرأة التي اختارها ولكنها خذلته.
وخانته.
"أنا عايز أعرف أنتِ إزاي أم…… أنتِ متعرفيش حاجة عن الأمومة… أنتِ زوجة فاشلة وأم فاشلة…"
صرخ عاصي بدارين التي كانت ترتدي حلقها.
نفخت بضيق وقالت وهي تنهض:
"يووه هو كل يوم؟… هو أنا عشان أبقى زوجة كويسة وأم كويسة أتحبس في البيت… أنت ت متجوزني عشان تستعبدني ولا إيه؟ هااا… هو أنا مفروض أقعد أراعيك وأراعي بنتك؟!"
"بنتي؟!"
قالها بصدمة ثم أكمل:
"هي مش بنتك أنتِ كمان ولا إيه يا شيرين؟"
"أووف بقا… أنت بقيت لا تُطاق… هي جت اشتكتلك… ما هي عايشة حياتها أهي…. معاها الدادة بتاعتها… أنا مش عندي دماغ للأطفال… متنساش إنك اللي أجبرتني أخلفها… أنا كنت عايزة أجهض عشان مش مستعدة أكون أم… لما اتجوزتك كان عندي أحلام كتير… بس البركة فيك ضيعت كل أحلامي!!!!"
رمش بصدمة وهو ينظر إليها.
كان لا يصدق أنها تقول هذا.
"أنا ضيعت كل أحلامك؟!"
رفعت رأسها وهي تقول بقوة:
"أيوه ضيعتها…. أنا مكنتش عايزة أخلف… أنا عايزة أعيش حياتي… أطلع وأتفسح… افتكرت إنك بتحبني وهتحققلي كل أحلامي… بس أنت دمرتني…. دمرت حياتي وأحلامي…."
رفع رأسه وقال:
"طيب ما ملحوقة… يالا أطلقك وتروحي من هنا وتسيبي بنتي معايا… أنا كده كده مبقتش عايزك… مبقتش طايقك!!!"
ثم تركها وذهب تاركًا إياها مصدومة.
….
خرج من شروده وهو يلهث بقوة.
لقد اختار خطأ.
واختياره الخاطئ تسبب بتدمير حياة ابنته الصغيرة.
لذلك يجب أن يصحح خطأه الآن.
يجب ألا تكون أي حياة لرحيق غير ابنته.
لا يجب أن يكون لها أي أولويات غير ابنته أملاك.
حتى عملها ستتركه.
رواية اسرت قلبه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سوليية نصار
في الكلية …
كانت تجلس في قاعة المحاضرات … عينيها تزوغان وهي تشعر أنها سوف تفقد وعيها ….. جسدها ساخن للغاية… كما أنها تعاني من ألم بحلقها … تشعر بالدوار… هذا الشعور يلازمها منذ الصباح … ولكنها لم تستسلم له وقررت أن تأتي للجامعة …
كان يوسف يشرح وعينيه لا تفارقها … يشعر أنها متعبة … ليست بحالتها الطبيعية… أراد أن يسألها ولكنه تراجع … لا يريد أن يبدو غريب الأطوار… فيكفيه المشاعر المزعجة التي بات يشعر بها نحوها ….
بعد انتهاء المحاضرة … خرجت مسرعة من القاعة بينما ظلت عينه هو معلقة بها … ماذا يحدث معه… ألم يتعلم من أخطاؤه ويعرف أنه ليس مناسب للحب… ويجب أن ينسى الأمر …. يكفي ما عاناه بسبب نسرين ومن قبلها …
أغمض عينيه وهو لا يريد تذكرها من الأساس… هي السبب في كل تخبطه هذا … لقد قلبت عالمه… ولكن الأمر الجيد أنه توقف عن حبها… كما توقف عن حب نسرين …
خرج من القاعة وهو يمسك حقيبته .. عندما خرج عبس وهو يرى تجمع الطلاب حول شئ ما …. اتجه نحو الطلاب وهو يقول بصوت قوي :-
"هو فيه ايه … ابعدوا قليلاً"
ليرى ماجدة وقد فقدت وعيها … شعر بالخوف وهو يقترب منها متناسياً نفسه…. كان يجثو على ركبتها وهو يهزها ويقول :-
"ماج…"
بتر كلمته سريعاً وهو يقول :-
"مدام ماجدة …"
ثم نظر إلى الطلاب وقال :-
"يالا قوموها عشان نوديها المستشفى ؛!!"
في سيارة يوسف كان يقود مسرعاً وهو ينظر إلى ماجدة التي بجوار ميادة … كانت ميادة تضمها وهي تحاول إفاقتها…. كانت ماجدة تفتح عينيها بين الحين والآخر ثم تغمض عينيها مرة أخرى ….
نظرت ميادة بقلق إلى يوسف وقالت :-
"من الصبح كان باين عليها فعلا أنها تعبانة … حتى قولتلها أنها مكانتش لازم تيجي المحاضرة …"
- "هي عندها مشاكل في الضغط ولا حاجة …" قالها بحيرة لترد ميادة :-
"معرفش بجد يا دكتور… أنا خايفة عليها اووي.. اتخضيت عليها لما وقعت بالشكل ده … ربنا يقومها بالسلامة .. عشان ابنها المسكين ملوش غيرها !!"
- "ضغط نفسي … هي بس كان باين عليها أنها متوترة ومتضايقة وضغطها وطى عشان كده أعمل عليها … الموضوع بسيط … أنا علقتلها محلول ولما يخلص تقدروا تاخدوها …" قالها الدكتور بعملية ليهز يوسف رأسه وهو يقول بلطف :-
"شكرا لحضرتك يا دكتور …"
هز الطبيب رأسه وذهب… بينما دخلت ميادة لغرفة الطوارئ هي ويوسف ووجدا ماجدة تجلس على الفراش بينما المحلول متصل بيدها ويبدو عليها التعب ولكنها تبدو أفضل من السابق …
ابتسمت ميادة براحة قليلاً وقالت :-
"قلقتينا يا ست الكل … ينفع كده …"
ثم اقتربت منها وعانقتها … ابتسمت ماجدة وهي تربت على ظهرها بكفها الحرة وتقول :-
"حقك عليا خضيتك … أنا آسفة …"
ابتعدت ميادة وربتت على كفها وقالت :-
"يا ست فداكِ المهم انتِ تكوني بخير …"
- "بإذن الله هبقى كويسة …"
ثم اتجهت بنظراتها إلى يوسف الذي ينظر إليها ملياً… احمر وجهها بخجل وقالت بإرتباك :-
"شكرا ليك يا دكتور تعبتك معايا …"
كاد أن يرد عليها ولكن دخول أحدهما أوقف الكلام بحلقه. …
- "ماجدة انتِ كويسة !!"
ولج لطيف بتوتر للغرفة وهو يقترب منها. … توسعت عينيها بصدمة وشعرت بالضيق وهي تراه … اقترب منها وحاول أن يمسك كفها الا انها ابعدت كفها وهي تقول بجمود :-
"أنا كويسة شكراً ليك …."
تنهد براحة … فعندما أخبره الرجل الذي يكلفه بمراقبة ماجدة أنها قد فقدت الوعي… فقد عقله وقرر أن يذهب ليراها … ولا يهم أن عرفت أنه يراقبها أم لا ….
نظر إلى يوسف الذي ينظر إليه بحيرة وقال مبتسماً… :-
"شكرا ليك عشان نقلت مراتي المستشفى … شكرا ليك يا دكتور يوسف !"
- "انت تعرف اسمي من فين؟!" قالها بحيرة وضيق ليرد لطيف بثقة :-
"أي حد بيتعامل مع مراتي لازم اعرفه يا دكتور …"
في اليوم التالي… مساءا …
كان قد أنا جاسم ووالدته من المحافظة التي يعيشان بها … محافظة البحر الأحمر ……
كانت جالسة على فراشها تفرك كفيها بتوتر…. لا تصدق أنها وافقت شقيقها … ولكننه عندما أخبرها بهوية العريس …. لم تتكلم … هذا جاسم… جاسم عاد ليطلب يدها …. الشاب الذي أحبته منذ صغرها ولكنه لم يعيرها أي اهتمام …. اهتمامه كان بدراسته فقط … كان أكبر منها بسبع سنوات …. بينما هي كانت ترسم أحلام سويا لهما في مطلع مراهقتها كان هو يهلك نفسه في دراسة الطب للحصول على منحة ويكمل دراسته ويعمل بالخارج …. لذلك عندما اعترفت له لم يعيرها أي اهتمام … بل وبخها بشدة و كسر قلبها الصغير …. وتحطم حلمها بسفره لإحدى الدول الخارجية …. لذلك دفنت الحزن داخل قلبها وقررت نسيانه … ثم التقت بعادل… وبدأت قصتها المأساوية … من كان يظن أنه سيأتي ويتقدم لها…. هل يمكن أنه أحبها ….. ولكن بعد فوات الأوان ….
طرقة خفيفة على الباب أخرجتها من شرودها … ظهرت جيلان وهي تبتسم لها بسعادة ثم ولجت للغرفة وهي تنظر إليها بإعجاب وتصفر قائلة :-
"ايه بس الجمال ده يا نوران … طالعة زي القمر بجد …"
كانت نوران تبدو في غاية الجمال … ترتدي فستان طويل من اللون الأرجواني …. ترتدي حجاب بينما وجهها الجميل يخلو من الزينة ومسحة من الحزن تغطي وجهها. ..
عبست جيلان وهي ترى هذا الحزن … اقتربت منها وجلست بجوارها وهي تمسك كفها وتقول :-
"مالك يا نوران … ايه الحزن اللي أنا شايفاه في عينيكي ده !!! ده النهاردة يومك…. جاسم جه يتقدملك … بعد السنين دي عرف قيمتك وجه يتقدملك …. الإنسان اللي قولتي أنه حبك الأول جه اخيرا ورغم كده أنتِ زعلانة ؟!!"
رفعت نوران عينيها … كان الألم يشع منهما وقالت :-
"الحاجة اللي مبتجيش في وقتها ملهاش فايدة يا جيلان …. الحاجة اللي بنستناها كتير بنفقد الأمل … ولما بتيجي بنكون خلاص فقدنا شغفنا فيها … جاسم مبقاش يهمني !!!"
عبست جيلان وهي تنظر إليها وقالت بذهول … :-
"معقول !!!"
هزت نوران رأسها وهي تقول بألم :-
"ايوة معقول … أنا حبيت جاسم وأنا عيلة… بنيت احلام كتير …. خلقت في عقلي قصة حب خيالية…. خططت لكل خطوة … ازاي هيجي يعترف بحبه ليا … ازاي هيشجعني للدراسة … ازاي هيجي يخطبني … وبعدها الجواز …. والعيلة والسعادة الأبدية … بس دي كلها كانت احلام عيلة … احلام هو دمرها بكلمة واحدة … كلمة أنتِ زي اختي ومستحيل أبصلك بطريقة تانية … فضلت سنين وأنا بحاول اداوي اللي عمله فيا … ودلوقتي ببساطة جاي يتقدم…. كأني روبوت ملوش مشاعر … مفروض اوافق ممتنة أنه قرر أنه يتجوزني !!!…. هو أنا قليلة عشان يفكر أنه بس بإشارة من ايديه هركع تحت رجليه … أنا معنديش كرامة … لو كانوا اهلي عايزين يرموني الرمية دي أنا مش هوافق….. أنا عارفة ان اهلي عايزين يخلصوا مني … بس أنا مش هنولهم ده !!!"
- "ايه كمية المرارة اللي فيكي… كمية الحزن والتشاؤم … أنا مش حاساكي انك فرحانة بأي حاجة يا نوران. … مفيش حاجة بتفرحك …. وماشية تحبطي نفسك وخلاص …. جاسم رجع … وجاي يتقدملك … رفضك من قبل كده عشان هو رجل امين …. عشان أنتِ كنت لسه صغيرة وهو كان بيحافظ. عليكي … ولما عرف حقيقة مشاعره رجع ودخل البيت من بابه… لو كان مش كويس كان قبل حبك واستغلك بس هو معملش كده … ده يدل أنه رجل محترم … بيحبك وعايز يحافظ عليكي …"
كلماتها ضربتها بمقتل … تذكرت أن تم تدنيسها من ذلك الذي ظنت أنه يحبها حقا … لم تستطع أن تقاوم وهي تشهق بالبكاء والدموع تغرق وجهها … احتارت جيلان أكثر وهي تشد على كفها وتقول :-
"نوران مالك … أنتِ ليه دايما حزينة … ليه دايما بتعيطي وبعيدة عن اهلك … بعيدة عني …"
- "أنا تعبانة يا جيلان .. حاسة اني بقيت عبء على الكل … احيانا بتمني اني اموت وارتاح من الهم ده … كل اللي عايزاه الناس تسيبني في حالي … هو ده كتير يعني !!!"
تنهدت جيلان وهي تمسح دموعها وتقول بتعب :-
"ربنا يسعدك دايما يا نوران … رغم أنك بتحاولي تبيني أنك صعبة… بس انتِ مفيش اطيب منك … حاولي تدي لنفسك فرصة تبقى مبسوطة بلاش الخوف اللي جواكي ده… شوفي جاسم … اقعدي معاه … اديله فرصة تانية …"
أطرقت برأسها أرضا وهي تفكر… لو فقط تعرف ما يمنعها عن الزواج منه … ان تزوجت من جاسم سوف تنتهي … سوف تكون فضيحة كُبرى!!!
خرجت وهي تمسك صينية العصير وقطع الكعك … كانت تطرق بوجهها أرضاً… بينما جاسم الذي كان يمازح ابن خالته فجأة توقف وهو ينظر إليها بذهول … كم كبرت .. كبرت وأصبحت امرأة رائعة الجمال … تلك الصغيرة التي هتفت يوما أنها تحبه … أصبحت شابة الان … شابة خجولة ولكن جميلة….. جميلة للغاية … أزاح عينيه عنها بصعوبة وهو يطرق برأسه أرضا بينما وضع كفه على قلبه وهو يحاول أن يهدأ من ضربات قلبه ….
وضعت الصينية وجلست بجوار والدتها وهي تنظر للأرض بينما نظرت إليها صفية وقالت :-
"طيب تعالي سلمي على حماتك المستقبلية يا قردة … ولا خلينا نقول دلوقتي خالتك …. يعني أنا جيت من طريق سفر عشان نتقدملك.. فيه ايه يا بنت … ده انتِ وصغيرة مكنتيش بتفارقيني او بتفارقي جاسم …"
ثم ضحكت وهي تنظر إلى جاسم الذي كان يضحك ويطرق برأسه أرضا بينما عبست وهي ترى ابنها الاخر . .الذي في سنته الثالثة في الجامعة فادي ينظر بذهول لمكان ما .. نظرت الى حيث ينظر ووجدته ينظر الى جيلان … ابنة عم نوران ….
ابتسمت هدى وهي تشك أنها سوف تزوج ابنائها الاثنين وترتاح منهما…. شعرت جيلان بنظرات فادي واطرقت أرضا وقد صبغ اللون الأحمر وجنتيها البيضاء…. وقالت بإرتباك :-
"أنا لازم أمشي دلوقتي يا مرات عمي .. ماما مستنياني …"
ودعت بسرعة هدى وخرجت مسرعة يتبعها نظرات فادي الذي قال :-
"جيلان كبرت وبقت زي القمر …"
رفع أمجد عينيه فجأة وهو ينظر إليه بينما يشعر بغضب غريب بداخله…
- "متعملتش تغض بصرك يا فادي…" قالها أمجد بضيق ليضحك فادي بخجل ويقول :-
"ربنا يسامحني يا أمجد…. ثم نظر الى والدته وقال :-
"مش ناوية تجوزيني أنا كمان يا ست الكل وتخلصي مني …"
ضحكت هدى وهي تضربه على كتفه وتقول :-
"يا واد اختشي … بس عموما نخلص من اخوك الكبير ونشوف موضوعك انت …"
كان الجميع يضحك بقوة بينما أمجد ونوران صامتان بشكل غريب … كان وجه أمجد متجهم بقوة … يشعر بغضب كبير لا يستطيع أن يسيطر عليه … وجد نفسه يقول بصوت مكتوم غاضب :-
"ممكن نشوف الاول موضوع نوران وجاسم… احنا مش فاضيين لجيلان !!!"
عبست رحيق وهي تنظر لشقيقها… ولا تدري سبب غضبه هذا …
- "انت عارف احنا جايين ليه يا أمجد… أنا عايزة نوران لجاسم ابني…. جاسم عنده عيادته في الغردقة وجهز شقته… وجاهز للجواز …"
ابتلعت نوران ريقها برعب بينما قال أمجد :-
"القرار هيكون قرار نوران …"
توترت نوران وهي تشعر بالعيون عليها بينما دخل جاسم وقال :-
"طيب ينفع اقعد معاها….."
بعد قليل …
كانت تجلس امامه بمفردها بينما الباقي يجلس في النص الآخر من الصالة …. كانت تفرك كفيها بتوتر وبدأت الكلام وقالت :-
"أنا مش عايزة اتجوزك …"
تراجع للخلف وكأنها لكمته بقوة ثم أكملت :-
"أنا مش في دماغي حاليا الجواز … حابة افكر في مستقبلي وبس …"
تنهد وهو ينظر إليها وقال :-
"ومين قال اني همنعك من مستقبلك يا جيلان … احنا مش هنتجوز الا بعد التخرج …"
زفرت بضيق وقالت :-
"بس أنا برضه مش عايزة اتجوزك!!! انت مش رفضتني … راجع دلوقتي ليه… فاكر اني بإشارة منك هنسى كل حاجة وهوافق عليك …"
ابتسم بحنان وهو يدرك أنها لم تنسى … نعم هو جرحها … ابتعد عنها كي لا يخطأ بحقها … هي لا تستحق علاقة عابرة… بل تستحق أن يلج للبيت من بابه… يطلبها من شقيقها ويمسك يديها أمام الجميع … ولكنه لن يستسلم … هي حبه الأول والاخير … ولن يسمح لها أن تنسل من بين يديه بعد ان وجدها….
نهض وهو يتجه نحو أمجد وقال بصوت مرتفع قليلاً… :-
"على بركة الله جيلان موافقة … وكمان عايزين الخطوبة الأسبوع اللي جاي!!!"
بعد أسبوع …
- "أنتِ بجد نسيتي نفسك وبتتشرطي ؟! يعني أنا جاي على نفسي وهتجوزك وانتِ بتتشرطي كمان … أنتِ يا حبيبتي مشوفتيش شكلك في المرايا ولا ايه ؟! ده شكلك لوحده عاملي رعب …" قالها سيف ساخراً لتهبط الدموع من عينيها … شدها من يدها ثم أدارها نحو المرآه وقال :-
"بصلي على شكلك في المرايا … قوليلي بالمنظر ده مين اصلا هيرضى بيكي ؟!! ده احنا لو عرضنا فلوس على أي شحات مش هيرضي يتجوزك … أنا عشان صلة القرابة اللي بيننا قررت اتجوزك … مفروض تشكريني…."
ابتعدت عنه ودفعته بقوة وهي تصرخ وتبكي :-
"أنا مطلبتش منك تتجوزني… أنا اصلا مش موافقة على الجواز ده !!!"
أمسكها من فكها وقال وعينيه تبرقان بعنف :-
"أنا مش مستعد اخسر كل حاجة عشان خاطرك … الجواز ده هيتم غصب عنك !!!"
خرجت من شرودها…. وهي تفرك كفيها بتوتر…. كانت تحلم احلام يقظة كعادتها… سيف لم يشعرها ابدا انه يشمئز منه ولكنها دوما تفكر انه سيأتي اليوم الذي سوف يهينها فيه… وهي تنتظر هذا اليوم …. لكي يخلع قناع الخداع الذي ترتديه … مستحيل أن تصدق انه لا يشمئز من شكلها
طرقة على الباب أخرجتها من شرودها… رفعت رأسها لترى عمها ينظر إليها مبتسماً ويقول :-
"يالا يا حبيبتي المأذون جه …"
في قصر الحسيني … وبحديقة المنزل … كان عقد القرآن ….
كانت هناك طاولة دائرية يعلوها مفرش أبيض حريري رائع الجمال وأربع مقاعد… مقعد للشيخ ومقعد لمياس واحد لسيف وايضا لجلال… لقد رغب جلال أن يقيم لها حفل زفاف كبير ولكنها رفضت تماما واخبرته انها لا تريد الا عقد القرآن وسط مجموعة من الاقرباء فقط… وبالفعل .. حضر مجموعة مع الاقارب البعيدة الى حد ما … وتم التجهيز لعقد القرآن … كان بسيط للغاية … كما ارادته مياس ….. حقق جلال جميع رغباتها … ولم يعارضها … واختارت هي الفستان الذي ترتديه… كان فستان حريري من اللون الكريمي… ينسدل على جسدها … واسع قليلا بينما ترتدي نقاب من نفس اللون … تجلس على المقعد بهدوء بينما الشيخ يبدأ اجرءات عقد القرآن ….
كانت الدموع تلمع بعينيها وهي تتذكر انها كانت يجب أن تتزوج عمر .. وانها رسمت احلام كثيرة لهذا ولكنها تدمرت تماماً بسبب شخص مريض دمر حياتها… ليتها تعرف من هو سوف تقتله حينها !!!
انتهى عقد القرآن وأمسك سيف كفها … تجمد جسدها ثم سحبت كفها سريعا وهي تنظر إليه بينما النيران تشتعل بعينيها الزرقاء وتقول :-
"متمسكش ايدي تاني …"
أجفل وهو ينظر إليها بينما ولجت للقصر وتركته … ذهب خلفها مسرعا ليجدها ولجت لغرفتها وهي تغلق الباب …
- "مياس!!!" قالها سيف بحيرة وهو يدق الباب ليأتيه صوتها مخنوق وهي تقول :-
"مش عايزة اشوف حد دلوقتي … أنا هنام…."
نظر للباب بصدمة… اليوم هو يوم زواجه.. وزوجته ترفض ادخاله الغرفة !!!
رواية اسرت قلبه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سوليية نصار
قبل أسبوع …
أصر أن يوصلها للمنزل رغم أنها عارضت بقوة.
كانت متضايقة أنه قريب منها بذلك الحد.
الوقح أخبر الدكتور يوسف أنه زوجها.
ماذا يظن نفسه؟
لا تعرف السبب ولكنها متضايقة حقاً منه!
"خلاص أنا كويسة، سيب إيدي!"
قالتها بضيق وهي تبعده عنها.
لا تطيق لمسته.
نظر إليها لطيف بجمود لتذهب هي وتجلس على الأريكة القديمة بمنزلها، بينما تنظر أمامها بغضب.
تحاول تمالك نفسها.
أرادت استغلال فرصة أن ابنها ليس بالمنزل لتتكلم معه.
رفعت عينيها بينما النيران تشتعل بهما وقالت:
"متقربش مني بالشكل ده، متنساش نفسك!"
نظر إليها بصدمة لتكمل بعنف:
"إزاي تتجرأ إنك تقول إنك جوزي؟!"
"إحنا متطلقين، مبقاش فيه حاجة بيننا."
"بأي حق تقتحم المستشفى وتقول إني مراتك؟!"
"بأي حق؟!"
"ثم إنك إزاي عرفت إني في المستشفى؟"
"إنت لسه بجد بتراقبني؟!"
تجهم وجهه وهو ينظر إليها وقال بصوت جامد:
"إيه اللي بينك وبين الدكتور بتاعك؟"
"شايف إن فيه علاقة بينكم؟"
بهت وجهها وهي تنظر إليه.
ثم تمااكت نفسها وغضبها بتصاعد أقوى من السابق وهي تصرخ به:
"اخرس… اخرس… إيه اللي بتقوله؟ إنت إنسان مش محترم!"
اقترب أكثر وقال بهدوء مخيف:
"إيه اللي بينك وبين الدكتور بتاعك يا ماجدة؟"
نهضت بعنف وهي ترفع كفها لتصفعها.
لم تفكر في فعلتها أو عواقبها.
كان غضبها يعميها.
ولكنه بسرعة أمسك ذراعها ثم بسرعة أدراها وهو يثني ذراعها خلف ظهرها ويقول بنبرة كريهة:
"لو فكرتي بس تعمليها هكسرلك إيديكي."
"متنسيش نفسك يا حبيبتي وقوليلي إيه اللي بينك وبين الدكتور بتاعك."
"إنت حيوان… بجد مش بني آدم طبيعي."
ثني ذراعها أكثر وقال بقسوة:
"عايزك تطلعي كل اللي عندك عشان أكسر دراعك وأنا مرتاح، وبرضه مش هسيبك إلا لما تقولي إيه اللي بينك وبين الدكتور بتاعك."
أغمضت عينيها بألم وقالت:
"إنت مريض… مفيش حاجة خالص بيننا."
"فاكر الناس كلها زيك."
شدها إليه أكثر وهمس في أذنها:
"أنا عينيا عمرها ما بصت على غيرك… أنا عمري ما حبيت غيرك ولا شوفت غيرك… عكسك إنتِ. في الأول جارك… وبعدين الدكتور بتاعك… بس لا يا ماجدة… إنتِ بتاعتي… بتاعتي وبس… حتى لو مش ملكي دلوقتي بس مش هتكوني لحد غيري."
"أنا في الحالة دي ممكن أقتلك وأقتله… إنتِ فاهمة… إنتِ ملكي… بتاعتي… أنا وبس."
"إنت مجنون… إنت مستحيل تكون بني آدم سوي نفسياً."
قالتها وهي تحاول أن تتحرر منه.
ابتسم بشراسة وقال:
"مجنون بيكي إنتِ… إنتِ اللي وصلتينا للحالة دي… كنا مبسوطين مع بعض قررتي تمشي… بس زي ما أنا هعيش وحيد طول حياتي… مفيش ست هتقدر تملى عيني… إنتِ كمان هتفضلي وحيدة طول حياتك… مفيش راجل هيكون في حياتك غيري… فاهمة؟"
"مش عايز أشوف راجل قريب منك يا حبيبتي… أكيد فاكرة آخر مرة كان فيه راجل في حياتك حصل إيه… فاكرة ولا مش فاكرة؟"
أغمضت عينيها بقهر ليكمل:
"الطريقة الوحيدة إنك تبقي مع راجل إنك ترجعيلي، غير كده لا… فهمتي يا حبيبتي."
ثم تركها وذهب لتجلس منهارة على الأريكة وهي تبكي بعنف.
كان يقود سيارته وهو يشعر بضيق غريب في قلبه.
الطريقة التي أخبرهم بها أنها زوجته… تخبره أنه رجل متملك للغاية.
ولكن هي لم تنكر هذا.
صمتت فقط ولم تعقب.
لا يعرف لماذا هذا الموضوع يشغله بتلك الطريقة.
أوقف سيارته فجأة وهو يتنفس بقوة.
هل يكذب على نفسه؟
هل يدعي الجهل الآن؟
هو انزلق بإرادته.
ولج للفخ الذي ولج إليه بإرادته العديد من المرات.
كيف سمح بهذا مجدداً؟
إنه يقع في الفخ للمرة الثالثة.
وكل مرة تكون النتيجة هو ألم لا ينتهي وذكريات تمزقه إرباً.
كيف يقع في الحب مجدداً؟
بحب امرأة في حياتها آخر.
حتى لو طليقها يبدو أنه يحبها وسوف يعيدها.
إنه ارتكب الخطأ مجدداً.
وسوف يتألم مجدداً.
للأسف هو لا يتعلم من أخطائه.
للأسف الشديد ما زال غبي.
فكر وهو يضرب المقود بقوة.
كانت جالسة وهي تضم ابنها بينما الدموع متحجرة بعينيها.
تتذكر تهديده الواضح لها.
هي لا يمكن أن ترتبط بأي رجل.
يخبرها ببساطة أنها حرمته منها.
لذلك هو سيحرمها من الحق في الارتباط من أي شخص آخر.
أخبرها أنه سيختار أن يقتلها على أن ترتبط برجل آخر.
رجل آخر.
وضعت كفها على قلبها وهي لا تفهم.
من أين أتت له الفكرة أن لديها مشاعر للدكتور يوسف؟
هي لم تفكر بهذا من قبل.
ولتكن صريحة هي تجنبت التفكير بالموضوع.
وتجنبت أن تفكر في مشاعرها الغريبة نحوه.
هي من الأساس لا يجب أن تفكر بأي شخص آخر.
يكفي ما حدث آخر مرة.
هي يجب أن تعيش لابنها.
ابنها فقط.
في الوقت الحالي، وقفت أمام المرآة وهي تنظر لنفسها.
فستانها الذي يحتضن جسدها.
النقاب الذي يخفي وجهها.
إنها عروس اليوم.
ولكن ليس العروس التي تمنتها.
"آه…"
صرخت بقهر وهي تزيل النقاب.
ثم بدأت تزيل زجاجات العطر وأدوات الزينة المتواجدة على طاولة زينتها حتى وقعت أرضاً وتهشمت.
بينما الدموع تنفجر من عينيها دون توقف.
كل الذكريات السيئة تهاجم عقلها.
لحظة ترك خطيبها لها.
اشمئزازه منه.
كل تلك الأفكار تهاجمها.
هي ليست عروس الآن.
هي بديل لتلك المرأة التي جرحت سيف.
سيف لن ينظر لها.
سيف لن يحبها.
"مياس… مياس أنتِ كويسة؟"
قالها سيف وهو يطرق على الباب بعنف بينما يشعر بقلق بالغ.
"مياس بتقلقيني عليكي، أنتِ كويسة؟"
"روح… لو سمحت روح."
قالتها بإختناق.
وقف أمام الباب وهو في حيرة من أمره.
لا يعرف ماذا يفعل.
هو يخاف أن تؤذي نفسها لذلك طرق الباب مرة أخرى وقال بتوسل:
"مياس عشان خاطري افتحي الباب، أنا مش همشي إلا لما أتكلم معاكي."
"فيه إيه يا سيف؟"
اقترب جلال منه.
بعد أن ذهبا قد انفض الحفل وذهب الجميع لمنازلهم ولكن جلال شعر بأن هناك أمر ما فمياس قد انسحبت سريعاً.
نظر سيف إلى والده وقال بهدوء:
"مفيش حاجة يا بابا… أنا هتصرف."
"خلاص روح إنت."
عبس جلال وهو ينظر إليه وقال:
"سيف يا بني أنت متأكد؟"
"أيوه يا بابا… مياس بقت مراتي وهي مسؤوليتي من دلوقتي… خلاص أنا هتصرف… تقدر تروح ترتاح."
لم يكن يريد جلال أن يبتعد.
كان يريد أن يطمئن على مياس ولكنه قرر أن يثق بسيف فهو يعرف ابنه.
ويعرف أنه قادر على أن يحل مشاكله بنفسه.
هز جلال رأسه وقال ببسمة:
"حاضر يا بني… أنا هروح أنام… تصبح على خير وألف مبروك يا عريس."
ثم تركه وذهب.
تنهد سيف فأمامه مهمة كبيرة.
طرق الباب برفق وهو يقول:
"مياس افتحي الباب… إنتِ عارفة إني مش همشي إلا لما تطلعي… أنا مستعد أقعد قدام الباب للصبح."
"بقولك روح… روح!!!"
صرخت وهي تبكي بينما تجلس على الفراش وهي تضع رأسها بين كفيها وتستمر بالبكاء.
تبكي وتبكي حتى شعرت أنها سوف تموت.
تنهد سيف وقال:
"لا مش هروح… هفضل هنا لحد ما تفتحي."
رفعت رأسها وهي تكز على أسنانها وتقول:
"إنت مبتفهمش… أنا مش عايزة أتكلم… مش عايزة أشوفك."
"مش بمزاجك… أنا بقيت جوزك دلوقتي… كلكِ تخصني… لازم تشوفي وتتكلمي معايا… افتحي وخلينا نتكلم."
"لا مش هفتح… مش هفتح… وخلِيك بقى للصبح قدام الباب… وحتى لو اتكلمت مش هرد عليك."
ثم تسطحت على الفراش وهي تقرر النوم.
تقرر أن تهرب من كل هذا ولكن سيف قال بعناد:
"افتحي وإلا هكسر الباب."
نهضت منتفضة وهي تصرخ به وقالت:
"قولتلك مش عايزة أتكلم… هو بالعافية يا سيف؟"
"أيوه بالعافية… ودلوقتي هعد لحد تلاتة لو مفتحتش هكسر الباب."
ثم بدأ بالعد بالفعل.
ركضت هي سريعاً نحو الباب وفتحته.
نظر إليها ووجدها قد خلعت النقاب بينما وجهها ملطخ بالدموع.
"إنتِ إيه مشكلتك بالظبط؟"
قالها وهو يدخل.
بينما يمسك ذراعها وبيده الأخرى يغلق الباب بالمفتاح.
"إنت بتعمل إيه؟"
"اطلع برا!!"
صرخت بها وهي تدفعه بقوة.
بينما تحاول البحث عن نقابها لكي تغطي وجهها.
شعر سيف ما تريد فعله لذلك شدها بقوة إليه وقال:
"لا…"
نظرت إليه بصدمة وهي تقول:
"ابعد عني… سيبني… سيبني في حالي."
كانت الدموع تنفجر من عينيها ليهز هو رأسه ويقول:
"لا مش هسيبك… أنا لازم أعرف إيه مشكلتك بالظبط… أنا عملت إيه لكل ده؟"
"النهاردة فرحنا… إيه اللي مضايقك؟"
"مضايقني إني مجرد بديل للي بتحبها!"
صرخت به وهي تدفعه بقوة بينما الدموع تطفر من عينيها.
بينما أكملت بصوت متألم:
"أنا اتمنيت إني لما أتزوج يكون جوزي ميشوفش غيري… وكنت فاكرة إني هحقق ده مع عمر… بس حلمي اتدمر… ودلوقتي عشان ظروفي… قبلت أكون البديل… البديل بدل حبيبتك اللي سابتك… إنت عمرك ما هتحبني… عمرك ما…"
قاطع كلماتها وهو يسحبها إليه ويعانقها بينما يقول بصوت مختنق:
"آسف… آسف على كل اللي حصلك… آسف إني مكنتش موجود عشانك… وآسف لو جرحتك… سامحيني يا مياس…"
"أنا آسف… آسف…"
"أنا طول عمري هبقى بديل… طول عمري!!!"
قالتها بقهر وهي تبكي ليهز رأسه وهو يبتعد عنها ويقول:
"لا غلط… عمري ما فكرت فيكِ بالشكل ده… لو عايزة… لو عايزة نخلي جوازنا حقيقي أنا مستعد… كلمة واحدة وهنفذ."
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"بتقول إيه؟"
ابتلع ريقه وقال:
"لو عايزة يكون جوازنا حقيقي بس قوليها وأنا أنفذ."
وقبل أن تعطي رد فعل وهو صفعه بكل قوة وجدته يجذبها إليه.
ثم يقبلها بقوة.
تجمدت للحظات وهو يقبلها بتلك الطريقة.
شعرت أن رأسها يدور.
وعقلها توقف تماماً عن العمل.
لم تفعل أي شيء.
لم تتجاوب معه.
أو تدفعه حتى بل بقت متجمدة بمكانها بينما تغمض عينيها بقوة.
أخيراً ابتعد عنها وهو يتنفس بقوة بينما ينظر إليها.
عينيه الزرقاء كانت صافية للغاية.
بينما يبتلع ريقه وهو ينتظر رد فعلها.
فجأة تصاعدت النيران بعينيها وهي تدفعه وتصرخ به:
"إزاي تتجرأ تعمل كده؟!"
"إنت حيوان!!!"
"مياس…"
قالها بتوتر بينما أصبحت هي كالمجنونة تدفعه وتضربه بقوة.
"اطلع برا… أنا بكرهك… بكرهك…"
ولكنه لم يخرج بل شدها إليه وضمها بقوة وهو يقول:
"مش بعد النهاردة… أنا مش هغلط وأسيبك مرة تاني… هفضل جنبك بأي صفة."
"غلطت لما بعدت عنك واتأذيتي بسببنا ومش هبعد تاني أبداً!!!"
"دي شفقة… شفقة…"
قالتها وهي تبكي ليهز رأسه ويقول:
"لا مش شفقة… ده دوري كزوج… دوري إني أحميكي حتى من نفسك!!"
لم تجادله كثيراً.
كانت متعبة.
متعبة للغاية.
في اليوم التالي.
"أسيب شغلي؟!"
"ليه أسيب شغلي؟!"
قالتها بهمس وهي تتكلم معه.
طلب أن يقابلها فجأة بمكان عام وقد حضر معها شقيقها أمجد وجلس بأحد الطاولات المجاورة.
كانت تنظر إليه وهي تحاول أن تعرف بما يفكر.
ثم أخفضت رأسها وهي تفرك كفيها بتوتر.
كانت ملامحه متجمدة.
عينيها الزرقاء بدت وكأنها جليد.
"عشان إنتِ مهمتك معروفة… إنتِ هتراعي بنتي مش عايزك تتشتتي…"
"إنت مش هتشتت… بس أنا مش عايزة أسيب شغلي!!"
قالتها بحزن ليرد:
"وإيه فايدة الشغل؟ إنتِ هتتجوزي… وهيبقى لكِ بيت وأنا هصرف عليكي ومش هقصر معاكي في حاجة، يبقى ليه تشتغلي؟"
"مش هتقدري توفقي بين بيتك وشغلك."
"قصدك إني مش هقدر أوفق بين شغلي كمدرسة وشغلي كمربية لبنتك صح؟"
تجهم وجهه.
وتصاعد الغضب بعينيه وقال:
"أنا مخدعتكيش ولا كدبت عليكي… من أول ما دخلت بيتك وأنا قولتلك إني هبقى إيه… فليه دلوقتي بتمثلي دور الضحية."
أنهى كلامه وهو يشعر بالندم فوراً.
لا يعرف لماذا هاجمها بتلك الطريقة.
أما هي فكانت تحبس دموعها كي لا تنفجر بالبكاء أمامه ليحاول تلطيف الجو ويقول:
"مفيش داعي للشغل… أنا متكفل بكل حاجة… حتى لو أهلك محتاجين فلوس أنا مستعد أديلهم."
ولكنه قاطعته وهي تقول بكبرياء:
"لا شكراً أهلي مش محتاجين… أمجد أخويا مهندس… شغال في شركة كبيرة ومرتبه يكفيني ويزيد كمان… أنا مشتغلتش عشان مش لاقية أكل… اشتغلت عشان أنا عايزة أشتغل وعشان كان عندي هدف أطلع أجيال… مش كلنا بنفكر في الفلوس… مش كلنا رجال أعمال."
صمتت قليلاً وهو يشعر بالذنب وقال بجدية:
"أنا آسف… مش قصدي… أنا بس شايف إنك مش هتقدري توفقي ما بين الشغل وأملاك بنتي… أملاك محتاجة معاملة خاصة… أنا طبعاً لازم أكون شاكر ليكي إنك وافقتي على الجنان اللي بقوله… بس أنا نقطة ضعفي أملاك… عايز يبقى ليها أم."
هزت رأسها وقالت:
"بعد الجواز هسيب الشغل."
"شكلك مكشرة ليه… هو عاصي ضايقك ولا حاجة؟"
قالها أمجد بحيرة.
"عايزني أسيب شغلي."
قالتها رحيق بحزن وهي تمشي بجوار شقيقها.
صمت أمجد قليلاً وقال بهدوء:
"إنتِ رأيك إيه؟"
نظرت إليه دامعة وقالت:
"أنا بحب شغلي."
"صحيح… بس الوضع بعد الجواز هيتغير… مش هتبقى حياتك لوحدك… هتبقي مسئولة عن بيت وزوج وبنت صغيرة… يعني هتزيد مسئولياتك… هل هتقدري توازني بين ده وده؟"
تنهد قليلاً وقال:
"شوفي يا رحيق… بصراحة أنا مع عاصي في كلامه… لأني أنا ذات نفسي مش هخلي أريام تشتغل بعد الجواز… أنا عايز مراتي تتفرغ لي أنا وبس… عايزها تبقى مرتاحة وأنا اللي أصرف عليها… دي حاجة هتبسطني… مش عايز حياة نكون فيها إحنا الاتنين بنشتغل… أنا عايز أرجع من الشغل ألاقي مراتي في بيتنا مستنياني مجهزالي لقمة… نقعد نتكلم سوا… دي الحياة اللي بيطمح ليها كل راجل… الصراحة كراجل مبشجعش إن الست تشتغل… عشان كده قبل جوازي من أريام هوضح لها فكرتي… بس مش لازم عشان أنا بقول كده إنتِ تعملي كده… إنتِ ليكي حق الاختيار… لو حاسة إنك مرتاحة ماشي… ولو عايزاني أكلمه معنديش مشكلة."
تنهدت وهي تقول:
"أنا بلّغته قراري… هسيب الشغل بعد الجواز."
في غرفة رحيق بعد أن بدلت ثيابها.
اتصلت بصديقتها وقررت أن تخبرها.
"تسيبي شغلك؟ تسيبيه ليه؟"
قالتها مادونا بغضب عبر الهاتف عندما أخبرتها رحيق بهذا.
أغمضت رحيق عينيها وقالت:
"عشان اللي مفروض هيكون جوزي عايز كده."
تنفست مادونا بغضب وقالت:
"يعني هو اشتراكي يا رحيق؟ ليه تسيبي شغلك؟ التلاميذ كلهم بيحبوكي وهيتأثروا لما تسيبيهم."
شعرت رحيق بغصة في قلبها وهي تتذكر تلاميذها.
هؤلاء التلاميذ التي تحدت نفسها وقررت أن تغيرهم للأفضل.
هؤلاء الذين اعتبرتهم أولادها.
لقد أحبتهم.
مسحت الدموع التي انسابت من عينيها وقالت بصوت مختنق:
"عاصي هيكون جوزي يا مادونا ولازم أسمع كلامه… وهو عنده حق… أنا مش هيكون عندي طاقة إني أشتغل وأراعي البيت في نفس الوقت."
تنهدت مادونا وهي لا تعرف ماذا تقول.
لا تريد أن تخبر رحيق ما تفكر به.
ربما عاصي رجل جيد ولكن لا يريد لزوجته أن تعمل.
وهذا حقه شرعاً.
لذلك ابتلعت باقي كلماتها وقالت بلطف:
"اعملي اللي أنتِ عايزاه يا رحيق… دي حياتك."
تنهدت رحيق بتعب.
للأسف ليس هذا ما تريده.
ولكنها لا يمكنها أن تفسخ الخطبة الآن.
لا يمكنها أن تزعج دلال.
لا يمكنها أن تتحمل كلام الناس أكثر من هذا.
هي اختارت وانتهى الأمر.
أغلقت الهاتف مع مادونا وهي تتسطح على الفراش بتعب.
يجب أن تنهض فاليوم خطبة شقيقتها نوران.
فجأة رن الهاتف لتمسكه ووجدت أن عاصي هو من يتصل بها.
توقفت لثواني ثم ردت عليه بهدوء ليبدأ كلامه:
"أنا آسف… آسف بجد على اللي قولته."
"مفيش مشكلة."
قالتها بهدوء.
ليتنهد براحة ويقول:
"تمام أنا هقفل دلوقتي سلام."
ثم أغلق الهاتف.
لتنظر إلى الهاتف بحيرة وتفكر هل هو مجنون؟
في المساء.
كيف حدث هذا؟
وكيف من الأساس سمحت بحدوث هذا؟
هي حقاً لا تعرف.
وكأنها في كابوس لا تستطيع إيقافه.
سرها على وشك أن ينكشف.
سوف يعرف الجميع الحقيقة التي حاولت جاهدة أن تخفيها.
سوف تنتهي حياتها على يد شقيقها أو جاسم.
شخص منهما سوف يقتلها بكل تأكيد.
كانت في حفل خطبتها متجهمة.
لا تبدو أبداً كعروس سعيدة.
بل ملامحها كانت متجهمة.
عابسة.
الابتسامة لا تجد الطريق لشفتيها أبداً.
وجهها كان خالياً من الهزيمة بينما ترتدي فستان وردي يحتضن جسدها ويتسع من الأسفل بينما ترتدي عليه حجاب من نفس اللون.
رغم أنها رفضت وضع أي شيء وهو الأمر الذي أسعد شقيقها إلا أنها بدت في غاية الجمال.
كان جاسم بين الحين والآخر ينظر إليها بينما قلبه ينبض بقوة.
ستصبح أخيراً له.
حبيبته الصغيرة.
ابتسم بسعادة وهو يتذكر تلك المرة التي أدرك أنها أكثر من مجرد قريبة له.
وأن تلك الصغيرة سوف تحتله بالكامل.
لقد حاول أن يقاوم مشاعره نحوها مخبراً نفسه أنها مجرد طفلة غبية ولكن تلك الطفلة تمكنت منه.
لقد صدمته في اليوم الذي اعترفت له بحبها.
لقد أربكته.
لم تربكه امرأة من قبل ولكن اعتراف فتاة صغيرة أربكه.
هزه من الداخل.
شرد وهو يتذكر ذلك اليوم.
ذلك اليوم الذي سمح لمشاعره بالإنجراف نحوها.
ابتسم وهو يشرد في تلك الذكرى التي حركت قلبه.
كان يوم مولده.
لم يكن يحتفل به أبداً.
ولكن هي من اعتبرته صديقاً مقرباً أصرت على الاحتفال به معه.
حتى وهو لا يريد.
كان في غرفته يذاكر عندما طرق أحدهم الباب.
"ادخلي يا ماما."
قالها وهو مستغرق في الدراسة ليجدها هي.
زفر بضيق فهو ليس متفرغاً لها أبداً.
رسم ابتسامة باردة على محياه وقال:
"نعم يا نوران عايزة إيه؟"
عبست وقالت:
"دي طريقة تقابلني بيها؟"
"يعني عايزاني أفرشلك الأرض ورد ولا إنجزي قولي عايزة إيه؟"
"روحي عند خالتك يالا… أنا عندي مذاكرة مش فاضيلك."
"إنت بجد قليل الذوق."
قالتها عابسة ثم أكملت:
"يعني أنا جاية عشان أقولك كل سنة وإنت طيب وأديك هديتك تعاملني بالشكل ده."
"إنتِ عارفة إني مبحبش أحتفل بعيد ميلادي."
"بس أنا بحب عادي وبجيبلك كل سنة هدية وإنت هتقبل الهدية دي… يالا اتفضل."
ثم مدت يدها بعبوة مغلفة جيداً بها كارت مكتوب به بخط جميل "كل عام وأنت سعيد".
تقدم وأخذ الهدية.
لتقل هي بتوتر وبسرعة:
"وكمان عايزة أقولك حاجة ضروري."
"إنجزي يالا عايزة تقولي إيه؟"
"أنا مش فاضيلك يا نوران ورايا مذاكرة كتير."
"مش أديتيني الهدية يالا اتكلي على الله."
قالها بجفاء وهو يلقي هديتها بإهمال على الفراش.
شعرت بعينيها قد ترطبت بفعل الدموع وهي تنظر إلى لا مبالاته وابتلعت ريقها وهي تحاول أن تتكلم بينما هو ينظر إليها بملل.
"نوران لو مش هتتكلمي اطلعي برا أوضتي وروحي شوفي خالتك أنا مش فاضي."
"جاسم أنا بحبك!!!"
قالتها فجأة وهي تلهث.
كانت تشعر أن قلبها سوف ينفجر داخل صدرها.
كيف حمل قلبها كل تلك المشاعر؟
كيف استطاعت أن تحبه بتلك القوة وتخفي الأمر بمهارة كبيرة!
رمش بصدمة وهو ينظر إليها وقال:
"بتقولي إيه؟!"
ابتلعت ريقها وكررتها مرة أخرى وهي تقول:
"أنا بحبك…"
"خلاص اخرسي…"
"أنا بحبك يا جاسم!!!"
"بس اسكتي… اسكتي إيه اللي بتقوليه ده!!!"
صرخ بها جاسم لتنتفض بقوة وتبدأ الدموع بالتجمع في عينيها.
تلعثمت وهي تحاول أن ترد عليه فقال هو:
"أنا بجد مش مصدق إنك بتفكري بالأسلوب السخيف ده… إيه قلة الاحترام دي؟ إنتِ عارفة لو قولتي لأخوكي ممكن يعمل إيه؟"
"عارفة ولا لا؟ مفكرتيش في نتيجة كلامك ليه؟"
رجعت للخلف وقد بدت أنها على حافة الانهيار.
بدأت دموعها تنهمر من عينيها بغزارة وهي تنظر إلى وجهه المتجهم ليقول هو ناسفاً جميع آلامها:
"اتفضلي اطلعي برا… إنتِ بالنسبالي طفلة وهتفضلي طفلة طول حياتك… أنا مبحبكيش… لا عمري هحبك… فاهمة عمري ما هحبك… يالا برا."
زعق في كلمته الأخيرة لتنتفض هي وتخرج مسرعة من غرفته وهي تمسح الدموع التي كانت تغطي وجهها.
وقتها قررت ألا تكلمه مجدداً.
خرج من شروده وهو يتنهد.
لقد هزته تلك الليلة.
اقتحمت قلبه بالفعل.
لقد حاول كثيراً أن يزيحها عن عقله.
لم يكن يعلم أنه يحبها حتى اعترفت له.
كان من قبل يحاول أن ينكر انجذابه لها.
يعاملها ببرود لعلها تبتعد عنه.
ولكن في اليوم الذي اعترفت به قرر أن يستسلم لحبها.
ابتسم بسعادة وهو يقترب منها ويقول:
"هعوضك عن كل لحظة زعلتي مني فيها."
نظرت إليه بإندهاش لترى بعينيه البنيتين وعداً بالسعادة.
هل سيسعدها حقاً؟
هل سيسعدها بعد ما يعرف أنها فقدت شرفها؟
وأنه لن يكون الأول بحياتها؟
في اليوم التالي.
"بجد مبسوطة أوووي… هو وافق إنه يدي علاقتنا فرصة تانية."
قالتها أريام بسعادة لسلوى وهي تتذكر عندما أتى لمنزلها آخر مرة.
"خير مبقتش تيجي يعني يا أمجد… تقريباً نسيت إنك خاطب ومفروض تيجي عشان نتفق على ترتيبات الفرح… ولا غيرت رأيك."
قالتها والدتها بأسلوبها المعتاد الملتوي ليبتسم أمجد ويقول:
"سامحيني انشغلت الأيام اللي فاتت… أختي نوران هتتخطب بعد يومين وكنا بنجهز… أنا آسف… وطبعاً بعتذر لآنسة أريام."
كانت أريام تقف على باب غرفتها وهي تسمع صوته بينما تغمض عينيها.
لقد عاد إليها.
لقد أتى بعد أيام من الجفاء.
ابتسمت بسعادة وهي تركض إلى خزانتها وتخرج فستانها الأخضر الطويل.
ذلك الفستان الذي ابتاعته مؤخراً لكي ترتديه.
بعد قليل خرجت لهما وهي ترتدي ذلك الفستان الذي ناسبها كثيراً بينما تنظر إليه بابتسامة خجولة.
كانت والدتها تنظر إليها بدون رضا.
لا يعجبها حب ابنتها الشديد لأمجد والذي للأسف يجعلها تتنازل عن أشياء عديدة لأجله.
قالت هي فجأة:
"اقعدي يا حبيبتي وقوليلي رسيتوا على إيه."
قالتها بضيق لابنتها.
جلست أريام بجوار والدتها بخجل.
ابتسم أمجد وقال:
"إحنا على اتفاقنا يا حماتي… الجواز بعد تلات شهور."
"طيب وتجهيزات الفرح."
عبس أمجد وقال:
"تجهيزات إيه يا حماتي… أظن وضحت فكرتي لآنسة أريام… أنا مش هعمل فرح… هو كتب كتاب وهنعمل حاجة زي إطعام وخلاص… أو فرح إسلامي بسيط."
"نعم… إنت عايز تبوظ يوم بنتي… مش عايزة تعملها فرح؟!"
قالتها هي بحدة لترد أريام:
"أيوه يا ماما أنا موافقة على الكلام ده."
نظرت إليها والدتها بدهشة لتكمل:
"أنا موافقة على كتب الكتاب ونطلع فلوس تجهيزات الفرح لله… كده أحسن."
نظرت إليها والدتها بصدمة وقالت:
"أنا مش مصدقة إنك هتتخلي عن حقك في فرح عشانه."
"ماما لو سمحتي أنا مرتاحة كده… أنا موافقة على كلام أمجد."
عادت من شرودها وهي تبتسم.
نظرت إليها سلوى وقالت:
"إنتِ متأكدة من قرارك ده؟"
عبست أريام وقالت:
"هو بصراحة أنا عايزة فرح وهعمل فرح بس مستنية الدنيا تهدى بيننا وبعدين هقنعه."
"أريام أنا سألت لآني عارفاكي كويس… إنتِ مش هتتخلي عن إن يتعملك فرح بس تفتكري أمجد هيقتنع؟"
ابتسمت أريام وقالت:
"أنا خلاص اقتنعت إنه بيحبني يا سلوى وهيقتنع متقلقيش."
"بما إننا فرحنا بنوران وجاسم عايزة كمان أفرح بفادي بالمر… عشان كده إحنا محتاجين نكلم أم جيلان."
قالتها هدى وهي تنظر لفادي بابتسامة.
ابتسمت دلال بسعادة وقالت:
"وماله… وجيلان أدب وأخلاق وجمال… أنا مبسوطة إنك اخترتها… أنا بصراحة كان عيني منها لأمجد رغم فرق السن ما بينهم… بس نصيب أمجد كان مع أريام ربنا يسعده معاها… وفادي ابني التاني… يبقى خلاص البنت مش هتروح بعيد."
"السلام عليكم."
قالها أمجد وهو يلج للمنزل وقد عاد للمنزل.
"كويس إن أمجد جه… أنا هخليه يفاتح أم جيلان في الموضوع."
هوى قلبه داخل صدره وهو ينظر لوالده بحذر ويقول:
"أفاتحها في إيه مش فاهم."
"فادي عايز يتقدم لجيلان."
تجمد تماماً بينما تصاعد الغضب في عينيه وقال بإنفعال:
"جيلان لسه صغيرة!!!"
عبست والدته وهي تنظر إليه:
"جيلان دلوقتي في كلية يا أمجد… مبقتش صغيرة."
"ثم إن فادي مش هيتجوزها أكيد… دلوقتي هتكون فترة خطوبة."
ابتلع ريقه وهو لا يعرف ماذا يقول.
نظر إلى فادي وقال:
"إنت مش شايف إنك صغير شوية على الخطوة دي؟"
"صغير ليه؟ شايفني ماسك ببرونة؟ فيه إيه يا أمجد… أنا أكيد مش هتجوزها دلوقتي… فيه خطوبة الأول."
"يالا كلم والدتها عايز أخلص الموضوع قبل ما أسافر."
شعر بالضغط.
لم يكن يعرف ماذا يقول.
من الأساس لم يفهم لماذا يشعر بهذا الغضب.
ذلك الغيظ.
لماذا من الأساس يهتم بأمرها.
هو رجل خاطب ولا يجب أن يشعر بكل تلك المشاعر.
ذلك ليس هو.
تلك ليست شخصيته.
انعقد حاجبيه بضيق وهو يحاول أن يجد مخرج.
لكي يقنع نفسه أن ما يشعر به مجرد ترهات.
سوف يفعل ما يطلبه فادي.
سوف يكلم زوجة عمه.
وجيلان بالتأكيد سوف ترفضه.
"طيب استني يومين وهكلمها."
قالها بهدوء وهو يكاد يلج إلى غرفته إلا إن فادي وقف أمامه وهو يقول:
"مالك بجد يا أمجد… ما تروح تكلمها النهارده."
"النهاردة…"
صرخ بإستنكار ليكمل:
"إنت مستعجل ليه يا بني؟"
"يا ابن الناس بقولك أنا مسافر عايز أخطبها قبل ما أسافر امتحاناتي قربت يا بني آدم."
"خلاص خلاص… أنا وأمجد هنروح النهارده ونكلمها ولو أمين تروح بكرة وتتقدملها والخطوبة بعدها."
"ويتجوزوا الخميس اللي جاي صح؟ إنتوا مالكم متسربعين على إيه هي هتطير؟"
قالها أمجد بإستنكار.
كانت رحيق تتابع الحوار وهي صامتة.
لقد لاحظت أن أمجد يشتعل غضبه عندما يتكلم فادي عن جيلان.
"مالك يا أمجد يا بني… فيه إيه؟"
"الواد حب البنت وهي بتتحب بصراحة… عشان كده نلحقها قبل ما تتخطف… وأنا عارف إنه بيتقدملها عرسان كتير… إنت عايز البنت تتخطف؟"
قالتها دلال بهدوء.
"بعيد الشر يا خالتو… إنت يا عم ما تروح تكلم مرات عمك عايز أدخل دنيا."
"طيب ممكن آكل الأول عشان نروح للناس ولا أروح على لحم بطني؟"
"لا طبعاً يا حبيبي روح كل وبالمر طلع نوران من أوضتها… جاسم عايز يشوفها عشان هيسافر النهارده."
نظر أمجد لجاسم باهتمام وقال:
"ليه كده مش هتبقى شوية؟"
هز رأسه مبتسماً وقال:
"العيادة مقدرش أسيبها أكتر من كده… المهم قبل ما أمشي عايز أقعد معاك عشان أحدد ميعاد الفرح… أنا مش عايز الخطوبة تكون فترتها كبيرة."
هز أمجد رأسه وقال:
"طيب آكل ونتكلم سوا… عندنا اليوم كله."
"وأم جيلان اللي مفروض نروحلها."
قالتها دلال بإنزعاج ليرد ببرود:
"جيلان تستنى لبكرة. دلوقتي نوران الأهم."
ثم تركهما ولج للداخل وهو يشعر بالراحة لأنه تملص من الأمر.
ولكن شيئاً كان يزعجه لأنه مهتم بها بتلك الطريقة المريبة.
"عن إذنكم."
قالتها بلطف وهي تنسحب نحو غرفة أمجد.
كان أمجد واقفاً مكانه وهو يشعر بالغضب من نفسه.
ما ذلك الغضب لأن جيلان أصبحت تعجب فادي؟
بماذا يفكر؟
هو رجل خاطب فما به؟
وحتى لو لم يكن خاطباً تلك ليست شخصيته.
هو إنسان راشد.
يعرف دينه ويخاف الله ويتقيه بكل أفعاله.
ما بال الآن الشيطان يسيطر على تفكيره ويجعله ينحرف.
"أمجد!"
أخرجه من شروده شقيقته التي ولجت للغرفة بهدوء.
رسم ابتسامة على محياه وقال بلطف:
"نعم يا رحيق فيه حاجة؟"
"كنت بس هسألك هتاكل الأول يعني أجهز الأكل ولا هتروح تكلم مرات عمي على جيلان؟"
شعر بغضبه يتصاعد مرة أخرى وقال بضيق:
"جيلان… جيلان جيلان… هو فيه إيه؟ البيت مبيتكلمش إلا عنها."
"عايزة أعرف مالكم… هتموتوا وتجوزوها ليه؟ هي هتطير… مش لازم آكل الأول."
شعرت بالتوتر وهي تراه بتلك الحالة وقالت:
"أكيد طبعاً يا حبيبتي أنا مقولتش غير كده… أنا بس بسألك."
تنفس بضيق وهو يرى نفسه يفقد السيطرة وقد انفجر بشقيقته المسكينة.
نظر إليها وقال بلطف:
"معلش يا حبيبتي بس عقلي مشغول حبتين… أنا هاكل الأول ونشوف موضوع أختك وجاسم وبعدين جيلان."
ابتلعت ريقها وقالت:
"ممكن أقول حاجة بس متتعصبش… أوعدني تفضل هادي."
ابتسم وقال:
"أوعدك يا ستي."
"بحس إنك بتتضايق لما فادي بيجيب سيرة إنه عايز يتجوز جيلان يا أمجد هو فيه حاجة غلط في فادي؟"
قالتها رحيق مباشرة لشقيقها الذي ارتبك قليلاً وقال بهدوء:
"لا يا رحيق مفيش حاجة… بس حاسس إن جيلان لسه صغيرة."
"ما نوران تعتبر صغيرة واهي اتخطبت… الفرق بينهم مش كبير… هو فيه حاجة تاني يا أمجد؟"
"حاجة تاني زي إيه مثلاً؟"
قالها بهدوء لترد هي وتقول:
"ممكن تكون بتغير مثلاً؟"
اهتز داخله.
ثم ضحك بتوتر وقال:
"إنتِ بتتكلمي جد ولا بتهزري؟ أنا بجد مش قادر أصدق!!!"
ثم أخذ يضحك بقوة لتكمل هي:
"أنا مبهزرش أنا ده اللي شايفاه… بشوفك بتغير."
"واغير ليه هااا؟!"
قالها بإنفعال ثم أكمل:
"وهحبها ليه وأنا راجل خاطب؟"
تراجعت للخلف بتوتر وقالت:
"اهدأ يا أمجد… إنت وعدت إنك مش هتتعصب عليا."
ثم أكملت:
"أنا مش قصدي إنك بتحبها طبعاً… أنا عارفة إن جيلان أختك… بس قولت يمكن دي غيرة إنك بتعتبرها زي أختك… معرفش بس حسيتها غيرة طبعاً بعيدة عن الحب اللي أنا قصدي عليه."
كانت تتكلم بسرعة تحاول امتصاص غضبه ليرد هو:
"مفيش غيرة ولا حاجة… أنا بس آكل وهروح أكلم مرات عمي عشان فادي… خلاص ارتاحي."
"لو سمحتي عايزة أغير هدومي."
قال جملته الأخيرة ببرود جعلها تشعر بالحزن.
إنها المرة الأولى التي تراه منفعلًا بتلك الطريقة.
بينما جلس أمجد على فراشه وهو يشعر أنه سوف يفقد عقله.
ماذا به؟ حقاً ماذا به؟
خرجت رحيق من غرفته وهي تضع كفها على فمها.
لا تصدق الأمر.
شقيقها بالفعل يحب ابنة عمه ولكنه لا يعترف.
ولن يعترف.
هي تعرف أمجد جيداً سوف ينكر الأمر حتى يراها تضيع من بين يديه.
وضعت كفها على رأسها وهي تفكر في شقيقها وتفكيره الغريب أن كان يحبها لماذا ارتبط بأريام؟
في المساء.
كان جالس بمنزل عمه المتوفي.
يشعر بغضب شديد بينما جالسة بجواره والدته وهي تقول:
"فادي شاب مفيش زيه… أدب وأخلاق وعلم… كفاية إنه في كلية صيدلة… ولما يتخرج هيفتح الصيدلية بتاعته ويعيش بنتك في مستوى حلو يا شربات… ها قولتي إيه؟"
ابتسمت شربات وقالت:
"يا ستي أنا عليا موافقة القول قول جيلان… هي اللي تقرر تقعد معاه ولا لا."
"طيب هي فين؟"
"في المطبخ بقالها ساعتين بتعملكم عصير البت دي هتموتني ناقصة عمر."
ثم كادت أن تهتف باسمها إلا أن جيلان خرجت وهي مطرقة برأسها.
بينما تضع صينية العصائر على الطاولة.
بينما تضع رأسها في الأرض وهي تتحاشى النظر إلى أمجد.
ابتسمت شربات وقالت:
"فادي أخو جاسم متقدم لكِ يا جيلان… عايز يجي يشوفك رسمي… إيه رأيك؟"
أغمض أمجد عينيه وهو يقبض على كفه بقوة.
ينتظر أن ترفض هي ولكن صدمته وهي تقول بصوت ضعيف للغاية:
"موافقة يا ماما!!!"
كان قد أنهى عمله بالعيادة وقرر الذهاب لزوجته.
ابتسم وهو يتذكر أن الأيام الفائتة أصبحت حياته أكثر هدوءاً وجمالاً.
فماريانا تفعل المستحيل لكي تسعده وهو لا يستطيع أن ينكر هذا.
فقط كل ما يتمناه أن يحبها.
حقاً يتمنى هذا.
هناك ضيق في صدره بسبب ما حدث منذ أسبوع.
ولكنه لا يريد التفكير في الأمر.
لينساه.
هو لم يخنها.
رغم كل شيء سيطر على نفسه أمام إغراء سيلا.
هو يعترف أنه سجينها.
ما زال سجينها.
نهض بهدوء ولكن فجأة رن هاتفه.
أخرج الهاتف وتجهم وجهه وهو يرى اسمها يسطع على الشاشة.
كان سيتجاهل الاتصال بهدوء ولكنه قرر أن يرد عليها ليرى ماذا تريد.
وقف أمام الشقة السكنية الجديدة ووجهه متجهم.
ماذا يفعل أمام بيتها؟
عندما رد على اتصالها وسمع أنها تبكي ترك ما بيده وأتى سريعاً وهو يشعر بالقلق عليها.
تنهد وهو يتذكر الحالة التي أتت بها منذ أسبوع.
كان قد خرج من العيادة واتجه لسيارته ولكن فجأة وجد سيلا أمامه.
تجمد مكانه وهو يراها تقف بحقيبة ملابسها بينما شعرها مشعث والدموع تنفجر من عينيها.
اقترب منها بصدمة لتتجه نحوه وتعانقه بقوة وهي تبكي.
ظل للحظات لا يستوعب فعلتها تلك ولكنه بسرعة أبعدها عنه وهو يقول بهدوء:
"سيلا إحنا في الشارع… تعالي معايا."
ثم سحبها وأدخلها معه العيادة الخاصة به.
كانت حالتها صعبة.
تبدو منهارة للغاية.
أجلسها على أحد المقاعد وأحضر لها زجاجة ماء.
ثم جلس بجوارها وهو يقول بقلق:
"حصل إيه؟"
أطرقت برأسها وقالت:
"أختي وجوزها طردوني من البيت يا جورج… بعد ما طبعاً أختي ضربتني."
رمش بصدمة وقال:
"ليه ده كله؟"
"عشان جوز أختي جابلي عريس وأنا رفضت… افتكر إني عشان عايشة في بيته هسمع كلامه… واختي وقفت معاه… روحت أخدت شنطتي ومشيت… وأنا مليش حد هنا غيرك يا جورج… مش عارفة هعمل إيه… أنا قررت أسافر تاني وأبني حياتي في فرنسا… كده كده ليه شغلي وعيادتي وكمان بيتي هناك… هسيب مصر بكل اللي فيها… بعد ما إنت اخترت ماريانا… مابقاش مفروض أبقى هنا."
ابتلع ريقه وقال:
"ده قرار سليم."
نظرت إليه بقهر وقالت بخفوت:
"شكلك بجد حبيتها ومابقاش ليا أهمية في حياتك."
"أيوه بحبها… أنا بحب مراتي."
كان يخبر هذا بنفسه أولاً.
أن يقتنع بكذبته أفضل من أن يغرق في الخطيئة.
مسحت دموعها وقالت:
"ربنا يهنيكم… بس ياريت يا جورج تساعدني لحد ما أسافر فرنسا… أنا شهر كده وهسافر… فعايزة في الشهر ده مكان أقعد فيه… وهدفعلك فلوسه متقلقش."
"أنا محبتش أروح فندق… أو ألجأ لحد تاني… بقيت خايفة من كل الناس."
أغمض عينيه وهو يقول:
"متقلقيش أنا هتصرف."
ابتسمت له بإمتنان وقالت:
"شكراً يا جورج."
خرج من شروده وهو يفكر أنه يفسد حياته بقدومه إلى هنا.
بمساعدتها من الأساس.
ابتلع ريقه وهو يطرق الباب لتفتح هي سريعاً ثم تندفع وتضمه إليها وهي تقول:
"كويس إنك جيت كنت خايفة أووي."
أغمض عينيه وهو يحاول أن يسيطر على نفسه ثم دفعها عنه وهو يقول:
"إيه اللي حصل… مالك."
ثم تأمل وجهها المحتقن بالدموع التي تلطخ وجهها لترد وهي مرتعبة:
"خايفة أووي يا جورج… شوفت من الشباك اتنين واقفين وكانوا بيبصوا عليا… خوفت يعملوا فيا حاجة."
ولج للمنزل وهو يتجه إلى النافذة ويقول:
"بس أنا مشوفتش حد تحت أصلاً… وبعدين ما دام قافلة على نفسك تخافي ليه؟ مش مفروض كنتِ عايشة في فرنسا لوحدك… خايفة لما جيتي مصر."
ابتلعت ريقها وهي تشعر أن كذبتها سوف تكشف وقالت:
"معرفش يا جورج بس الأيام دي أنا حاسة بخوف كبير."
ثم جلست على الأريكة وهي تبكي وتقول:
"حاسة إني وحيدة أووي يا جورج… أنا لحد دلوقتي متجوزتش… لسه بجري ورا سراب… بس أنا قررت خلاص… قررت أتزوج… أنا واثقة إن فيه حد هيرضى بظروفي."
"ظروفك؟"
قالها بحيرة لتنهض هي وتقول بهدوء:
"عايزة أوريلك حاجة."
ثم اختفت داخل الغرفة وخرجت سريعاً وهي تمسك ملف وتحاليل كثيرة.
ثم أعطتهم إياه وقالت:
"اتفضل."
عبس وهو يمسك التحاليل ويطالعها ثم اتسعت عينيه بصدمة لتقول هي:
"بعد أقل من شهر أنا هسافر للابد ومش هتشوفني… بس كمان حقي إني أمشي وإنت عارف إني متخليتش عنك بسبب والدك أو إنه عارض جوازنا أو والدي… أنا قبل ما أتزوجك اكتشفت إني مبخلفش… وقتها انهرت… أحلامي كلها ضاعت… مكنتش قادرة أفكر كويس… كنت عارفة إني لو صارحتك إنت مش هتتخلى عني… بس أنا كنت عارفة قد إيه إنت بتحب الأولاد… واتأكدت من ده لما حملت مراتك… إنت حبيتها عشان هي حامل… وكنت هتكرهني عشان مش هقدر أخلف… كنت هتستحمل سنة… سنتين بس بعدها مش هتقدر."
أحرقت الدموع عينيه ونهض وهو يقول بإنفعال:
"إزاي تاخدي قرار زي ده من غير ما ترجعيلي."
نهضت وهي تصرخ به وتقول:
"لأني مكنتش عايزة إك تتجوزني شفقة… مكنتش عايزة إك تكرهني إني حرمتك من نعمة إنك تكون أب… عشان فكرت فيك ومكنتش أنانية وأنا اللي بعاني أهو… أنا لوحدي… بترجاك عشان ترجعلي… وإنت عشت حياتك… اتجوزت ومراتك.. وأنا خلاص مت بالنسبة لك… أنا بحبك يا جورج ولو رجع بيا الزمن هعمل كده… أنا عندي إني اللي بحبه يكون مبسوط ومش مهم أنا… أنا مش طالبة منك غير إنك تكون معايا… تقضي وقتك معايا قبل ما أسافر… أنا هختفي من حياتك للابد."
اقتربت منه وهي تلمس وجنته بينما الدموع تغرق وجهها وتقول:
"أنا مش هقدر أحب غيرك يا جورج… دايماً هيكون قلبي ليك… يمكن ده أحسن… إنت مكانك جنب ماريانا… أم ابنك… الابن اللي أنا مش هقدر أجبهولك… أنا آسفة يا جورج… بس دي الحياة مش كل اللي بنتمناه بناخده."
كان مصدوماً.
هي لم تخنه.
لقد اضطرت أن تفعل هذا.
كان حقاً غارقاً بصدمته عندما اقتربت هي وضغطت شفتيها على شفتيه وقبلته بقوة.
رواية اسرت قلبه الفصل العشرون 20 - بقلم سوليية نصار
ابتعد عنها فجأة وهو يتنفس بعنف. كانت عيناه متسعتان برعب وكأنه ارتكب جريمة. كانت هي على الفراش، شعرها مبعثر بقوة، شفتيها متورمة وتنظر إليه بتشويش.
مدت يدها وهي تبتسم وتقول بعشق:
"قرب يا جورج."
ولكنه أبعد كفها بقوة وهو يقول:
"ابعدي عني."
ثم استدار عنها وهو يزرر قميصه. كيف فعل هذا؟ كاد أن يقع في الخطيئة. كاد أن يخون زوجته، يخون وعده لها. كاد أن يقع في الزنا.
"جورج…" قالتها سيلا برعب وهي تنهض، بينما تمسك كفه وتقول:
"لا يا جورج متسبنيش… متسبنيش. أنا وأنت لسه بنحب بعض. أنا وأنت لسه عايزين بعض."
ولكنه دفعها عنه وهو يصرخ بها بقهر، بينما شعر أن الدموع تحرق عينيه وقال:
"اخرسي… اخرسي."
ولكنها صرخت به بقوة وقالت:
"لا مش هخرس. مش هخرس يا جورج. أنت بتحبني أنا. بتحبني أنا مش هي. واهو انت عرفت أنا هربت ليه منك. حرام عليك متبقاش انت والزمن عليا. أنا مش وحشتك يا جورج. أنت وحشتني اووي."
ثم اقتربت منه وكادت أن تقبله، إلا أنه دفعها حتى سقطت أرضا وهو يلهث بقوة ويقول:
"أنتِ واحدة متربتيش. أنا متجوز. حياتي مع مراتي وبس. مش معاكي. سيلا أنتِ هتفضلي هنا لحد ما أسفرك بس بعدين مليش علاقة بيكي. ولو سمحتي متتصليش بيا تاني لاني مش هرد عليكي."
ثم تركها وذهب وهو يشعر بالإختناق.
كانت تنظر إلى أثره وهي مصدومة. أزرار منامتها ما زالت مفتوحة بسبب هجومه العاصف. فجأة لاحت على شفتيها المتورمة ابتسامة رائعة. لقد قاومها اليوم، ولكن المرة القادمة سوف يستسلم لها كليا. المرة القادمة لن يقاوم. هو على حافة الهاوية.
أغلقت أزرار منامتها وهي تعدل من وضع شعرها، ثم نهضت متجهة إلى المرآه. نظرت إلى انعكاسها في المرآة وابتسامة رائعة تلتصق بشفتيها. كان قلبها يهدر داخل صدرها وهي تتذكر الطريقة التي قبلها بها، الطريقة التي استسلم لها. كل لحظة بينهما انحفرت في عقلها للابد. تمنت منذ سنوات أن يقبلها بتلك الطريقة، والآن وقد جربت الاقتراب منه، لمسه، لن تسمح أن يكون لغيرها. سوف تستغل حبه لها، وسوف تفوز به. فكل شئ متاح في الحب والحرب.
تراجعت وهي تذهب لهاتفها وتقوم بتفعيل أغنيتهما المفضلة:
طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحبو
ظلم الحب لكل اصحابه
طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحبو
ظلم الحب لكل اصحابه
طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحبو
ظلم الحب لكل اصحابه
وأعرف حكايات مليانة آهات
وأعرف حكايات مليانة آهات ودموع وأنين
والعاشقين ذابوا ما تابوا، ذابوا ما تابوا
طول عمري بقول
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
ولا قلبي قد عذابه، عذابه
طول عمري بقول
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
ولا قلبي قد عذابه، عذابه
وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
ما عرفش إزاي حبيتك
ما عرفش إزاي يا حياتي
وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
ما عرفش إزاي حبيتك
ما عرفش إزاي يا حياتي
كانت ترقص على كلمات الأغنية وعينيها الزرقاء تسرح في حياتها الجديدة مع جورج.
كان يقود سيارته وهو يتنفس بعنف. الدموع تتساقط من عينيه دون توقف. أي خطأ ارتكبه؟ كيف يفعل بنفسه وبزوجته هذا؟ أخرج هاتفه ليرى أن زوجته قد اتصلت به كثيرا. ابت لع ريقه ومسح دموعه وهو يعيد التواصل بها مرة أخرى.
"جورج انت فين؟" كان صوت ماريانا قلقاً وهذا ما جعله يكاد يموت من شعوره بالذنب. لم تكن تشك به أو تدينه، هي فقط كانت قلقة عليه. ابت لع ريقه وهو يقول بهدوء:
"معلش يا حبيبتي الشغل في العيادة كان كتير. أنا جاي فورا. سلام."
ثم أنهى المكالمة وهو يكمل قيادة سيارته متجه نحوها. لن يفعل هذا مرة أخرى. لن يخون زوجته مجددا. لن يجرحها مجددا.
وصل اخيرا إلى منزله، وولج وهو يبحث عنها بعينيه. سمع صوت من الحمام ليركض نحوه. وجدها متكئة على قاعدة الحمام وهي تتقيأ بعنف. اقترب منها بفزع وهو يربت على شعرها ويقول:
"ماريانا حبيبتي فيه ايه؟"
رفعت وجهها بإرهاق وهي تسحب محارم ورقية وتمسح فمها وهي تقول:
"جرا ايه يا حبيبي انت حتى دكتور. ده طبيعي أنا حامل."
تنهد وهو يضمها إليه بقوة. كان قلبه يهدر بقوة بسبب ما حدث. يشعر بالقرف من نفسه لأنه كان على وشك خيانتها. يشكر الله أنه فاق في آخر لحظة.
"تعالي هساعدك تقومي."
"مفيش داعي يا حب."
ولكنه قاطعها وهو يحملها متجها بها إلى غرفتهما. وضعها على الفراش برفق شديد وهو يقول بلطف:
"ارتاحي."
"طيب الاكل. انت مأكلتش. معلش مقدرتش استناك أنا هجهزلك الأكل."
وكادت بالفعل أن تنهض ولكنه ثبتها مكانها بلطف وهو يقبل رأسها ويقول:
"مفيش داعي يا حبيبي انا مش جعان."
ثم كاد أن يذهب. أمسكت كفه وهي تقول بتعب:
"رايح فين؟"
"رايح اخد شاور. قرفان من نفسي."
ثم تركها وذهب دون أن تفهم هي كلامه.
نظر إليها مصدوما. لا يصدق ما يسمعه. هل حقا وافقت؟ أطرق برأسه أرضا وهو يحاول أن يخفي مشاعره التي طغت على وجهه. سمع صوت والدته السعيد وقالت:
"على بركة الله يبقى نعمل الخطوبة قبل ما الواد يسافر."
كان أمجد يفرك كفيه بتوتر، وهو يشعر بالاختناق. كان يريد أن يذهب مسرعا. لا يعرف ماذا به. يشعر وكأن الأرض تهتز من تحته ولا يعرف ماذا به. لماذا وافقت؟ لماذا؟ كان الصراع داخله قويا عنيفا. يحاول أن يحافظ على عينيه بعيداً عنها.
"وأنا معنديش اي مانع. ييجي يتقدم رسمي عشان الكلام يبقى رسمي والبنت تتخطب. هي الحمدلله بيقدملها عرسان كتير بس الاقربون اولى وفادي واحد محترم وانا مش هلاقي احسن منه."
كانت تشير لكلامها إلى أمجد الذي رفض ابنتها. داخلها شعور بالغضب نحوه. كانت تريد أن تجعله يرى أن ابنتها مرغوبة وأنها لن تنتظره. تريد أن تسترد كرامة ابنتها. رغم معرفتها جيدا أن ابنتها من اخطأت عندما اعترفت له ولكنها كانت تحمل غضب نحو أمجد رغم أنه فعل الكثير من اجلهما، ولكن حزنها على ابنتها جعلها تحمل تلك المشاعر نحوه. فهي سرا تمنت أن يتزوج أمجد بإبنتها.
في منزل أمجد.
كان يجلس على سجادة الصلاة الخاصة به. بينما يرفع رأسه ويدعو الله أن يهديه. يدعو الله ألا يفعل أي خطأ. ألا يؤذي من يحبوه. أن يتقى الله في خطيبته ولا يجرحها. كان يستعيذ بالله من الشيطان ومن وساوسه. نعم تلك هي وساوس الشيطان. الشيطان يزينه لها لكي يُخطئ ولكنه اقوى منه ولن يسمح لنفسه أن ينجر للخطأ. هو بنفسه سوف يطلب يد جيلان لفادي. هو من سيجمع بينهما. يجب أن يقنع عقله أنها لا يفكر بها بتلك الطريقة وان جيلان هي فقط شقيقته مثل نوران لا اكثر ولا اقل.
مسح على وجهه وهو ينهض وهو يتعوذ مرة أخرى من الشيطان. سوف يخرج ويبلغ فادي لكي يذهب ويتقدم لها. توقف برهة وهو يشعر بشئ يعتصر قلبه بقوة. ماذا به؟ حقا ماذا به؟ تعوذ مرة أخرى من الشيطان وخرج من غرفته. خرج وجد الكل مجتمعين ما عدا نوران التي تحجز نفسها بغرفتها ورحيق التي تعمل في المطبخ. ابتسم وهو يقترب من فادي ويربت على كتفه ويقول ممازحاً:
"والله وكبرت وهتخطب."
نظر إليه فادي ضاحكا وقال:
"ما يلا نروح نتقدم دلوقتي."
ضحك أمجد وقال:
"يا واد اصبر شوية متبقاش مدلوق."
"بصراحة البنت قمر و…"
"بس يا فادي خلاص." قالها أمجد وقد شعر بالغضب فجأة.
توتر فادي وهو ينظر إلى والدته وقال:
"مينفعش تتكلم بالطريقة دي عنها وهي متحلش ليك. وبعدين غض بصرك عنها. متنساش جيلان تبقى ايه بالنسبالي."
ابت لع ريقه بعسر وهو يهمس:
"حقك عليا يا أمجد."
تدخلت خالة امجد وهي تؤنب ابنها:
"عنده حق يا فادي متتكلمش بالطريقة دي. وبعدين احنا كده هنقعد هنا اسبوع وعلى اخر الاسبوع نتقدملها عشان كمان ونعمل الخطوبة قبل ما تسافر."
"ليه اخر الاسبوع. أنا بكرة فاضي يا ماما."
ضحكت دلال وأختها أمل عليه وقالت:
"الواد هيموت ويتجوزها. يا واد اتقل شوية هتتجوزها متقلقش."
كان أمجد يفرك كفيه وهو يشعر بالضيق. لقد ظن أنه سيستطيع السيطرة على نفسه ولكنه فشل تماما. وجد نفسه ينهض ويقول:
"عن اذنكم أنا خارج."
عبست دلال وقالت:
"رايح فين؟"
تنهد وقال:
"لابو ليلى طالبني اقرأ ليها شوية."
هزت دلال رأسها وقالت:
"روح يا بني ربنا يسعدك يارب."
خرج من المنزل وهو يسير في الطرقات. مطرقاً برأسه. الأفكار تعصف بعقله. يشعر أنه عاصي. يشعر أنه إنسان سئ لانه لا يستطيع اخراج جيلان من عقله. ماذا يفعل؟ هذا ليس بصواب ابدا. هو رجل خاطب وهي سوف تُخطب قريباً. أن هذا سوف يدمر كل شئ. كما أن فادي هو ابن خالته وبمثابة شقيقه وجاسم هو الذي سيتزوج شقيقته. هل يفهم حتى ما هو مقدم على فعله؟ سوف يدمر الجميع بسبب أفكاره تلك. تلك الوساوس لا تتركه. وقلبه يغلي فيما يُسمي بالغيرة.
وقف امام بيت والد ليلى قليلا وقال بخفوت:
"يارب ساعدني."
ثم طرق الباب.
في منزل جيلان.
كانت متسطحة على فراشها. تضع كفها على بطنها وهي تنظر للسطح. عينيها لا تكفان عن ذرف الدموع. أنها عاجزة تماماً عن نسيانه. أنها تحبه. تحبه كالمجنونة. ولكن هو اثبت مرارا أنه لا يفكر بها. لقد احضر لها عريس اليوم. يريد تزويجها بفادي. ماذا تنتظر أكثر من هذا؟ يجب أن تقتنع اخيرا أنه لن يفكر بها. يجب أن تهتم بمستقبلها هي. لذلك هي سوف تتزوج من فادي وتمحي أمجد من حياتها للأبد. أغمضت عينيها وبدا أن القرار الذي اتخذته اراحها قليلا.
في اليوم التالي.
"انا بعتذر لحضرتك يا دكتور يوسف." قالتها ماجدة بخجل وهي تقف أمام باب قاعة المحاضرات بينما تضم كتبها إلى جسدها. تبتسم بتعب وهي تنظر إليه وكادت أن تدخل كعادتها إلا أنه قال بنبرة حادة:
"اقفي. أنا مسمحتش انك تدخلي."
تجمدت مكانها وهي ترمش بصدمة. ظنت أنه بلحظات يمزح معها. ظلت تتفرس بملامحه وهي تبحث عن أي أثر للمزاح ولكنها لم تجد. بل كان وجهه متقلص من الغضب وعيناه عاصفتين بالغصب. بلعت ريقها وهي تحاول أن تفهم ماذا فعلت ليغضب منها بتلك الطريقة. فهو عادة يعاملها جيدا ويسمح لها أن تدخل المحاضرة حتى لو تأخرت بعد أن أخبرته ميادة بظروفها الخاصة.
"انا اسفة يا دكتور يوسف بس انا… أنا …"
"مش مسموح لأي حد أنه يدخل بعدي. ومش عشان عديتهالك كام مرة تسوقي فيها. اتفضلي يالا امشي. ولما تحترميني وتحترمي دراستك وتيجي في ميعادك هبقى ادخلك محاضراتي. اتفضلي امشي يالا."
تصاعدت الدموع بعينيها وهي تشعر وكأنه سكب دلو بارد عليها. شعرت للحظات أنها عاجزة عن التنفس. لا تصدق أنه يعاملها بتلك الطريقة مجددا. شعرت وكأن حقا قلبها قد انكسر. لقد رأت لطفه معها.
اهتمامه معها… وصعب عليها أن ترى قسوته تلك. يؤلمها.
"انتِ لسه واقفة… يالا روحي." قالها بغضب. كانت النيران تشتعل بعينيه العسليتين. تلك العينين اللتين حملتا لها الاحترام والتقدير والإعجاب يومًا. نعم، هي رأت الإعجاب بعينيه، حتى وإن حاولت أن تنكر فقد رأته.
استدارت وهي تختفي من أمامه بينما تكتم دموعها بشق الأنفس. بعد أن ذهبت، تنفس بعنف والنيران تنطفئ بعينيه. منذ ذلك اليوم وهو يشعر بالقهر ولا يرغب في الاعتراف بالسبب.
خرجت من الكلية وهي تمسح الدموع التي تتطرف من عينيها. كانت حقًا حزينة. ماذا كانت تتوقع؟ هو بالطبع لن يهتم بها. ربما عاملها بضع مرات جيدًا لأنه أشفق عليها فقط. هو بالطبع لا يكن لها أي مشاعر سوى الشفقة. تلك الفكرة كانت تؤلم قلبها. يؤلمها كم أنها امرأة مثيرة للشفقة.
فجأة توقفت أمامها وهي ترى زوجها السابق لطيف. كان يستند على سيارته الرينج روفر بينما نظارة سوداء تغطي عينيه. ابتسامة قاسية على فمه بينما تشعر أن عيناه مركزة عليها. ابتعلت ريقها وهي تنظر إليه بينما أخذت تمسح الباقي من دموعها وهي تتجاهله تمامًا لتكمل سيرها كي تستقل إحدى المواصلات العامة.
ولكنه اتجه نحوها بسرعة وقال بسخرية:
"ايه الدكتور بتاعك اداكي كلمتين في جنابك عشان جيتي متأخرة كالعادة… هزقك زي ما بيهزقك دايما صح."
نظرت إليه بجمود. رغم أنها منكسرة من الداخل، ولكنها استطاعت ارتداء قناع الجمود على وجهها. أخذت تنظر إليه وهي تفكر. كيف أحبت يومًا رجلاً مثله؟ كيف ربما هي مجنونة لتحب رجلاً حقيرًا مثله؟ ولكن أجمل ما حدث في حياتها أنها استطاعت التخلص من حبه سريعًا.
"عايز ايه مني؟!" قالتها ببرود.
فخلع نظارته وهو ينظر إليها. عيناه تلتهمانها بعشق. هو عاشق حد النخاع. يعشقها حد الموت. يعلم أنه مجنون ولكنه يقسم أنه سيتخلى عن كل شيء فقط لتعود له، حتى عمله. لقد عرف أن الحياة دونه ليس لها أي طعم.
"عايزك… عايزك ترجعيلي!!"
"مستحيل… نجوم السما أقربلك… أنا مستحيل أرجع لك!!"
ابتسم ساخرًا وهو يقول:
"ليه… ليه؟ عشان الدكتور بتاعك… ايه حبتيه؟ بس هو مستحيل يحبك."
شحب وجهها وهي تنظر إليه.
"بجد افتكرتي أنه ممكن يبصلك أو يعجب بيكي؟!" قالها بقسوة.
نظرت إليه بصدمة وهي تقول بهمس غاضب:
"سامع نفسك بتقول ايه؟ انت اتجننت خلاص."
ثم كادت أن تذهب إلا أنه وقف بطريقها وهو يقول بغضب شديد:
"انتِ فاكراني نايم على وداني يا هانم… أنا عارف بمشاعرك ناحيته… أنا عارف كل خطوة من خطواتك… عارف تفكيرك وعارف كل حاجة عنك… بس يا ماجدة قولتها وهقولها دايما… لو مش هترجعيلي يبقى مش هتكوني لغيري أبدا… أنا مستعد أقتلك بس متكونيش لغيري!!"
نظرت إليه بصدمة بينما كانت عيناه مثبتة عليها وهو يكمل:
"لو عايزة تخلصي من الضغط ده ارجعيلي… ارجعي لحياتي أنتِ وابني!!"
تراجعت بعنف وهي تسمع كلماته تلك. كان وقع الكلمة صعب عليها. هل يعود الإنسان لجحيمه؟ كيف تعود للذي دمر حياتها؟ هل هي مجنونة لتلك الدرجة؟ كزت على أسنانها وهي تحاول السيطرة على غضبها وقالت بصوت مرتجف:
"أنا مستحيل أرجع للي قتل ابني… انت قاتل… قاتل!!!"
شحب وجهه كالاموات وتراجع كأنها لكمته بوجهه. شعر أن الأرض تميد به. والذنب يتصاعد بداخله. أطفأت دموع عينيه عبثه وغضبه واطرق برأسه وهو يتراجع عنها. لتكمل وهي تمسح دموعها بقوة وتقول:
"عمري ما هسامحك يا لطيف… عمري!!!"
ثم تركته وذهبت ودموعها لا تنفك عن الانهمار. هي أيضًا لها يد في قتل ابنها ولن تسامح نفسها أبدًا.
***
"أنا بجد مش مصدقة إنك خلاص هتسيبينا يا ميس رحيق." قالتها إحدى الطالبات وهي يبدو عليها التأثر.
حاربت تصاعد تلك الدموع الغبية لعينيها. لا تريد أن تبكي كالاطفال هنا. ولكنها حقًا تعلقت بهم كثيرًا. هي من شجعتهم كي يكونوا الأفضل دائمًا. التدريس بالنسبة لها ليس مجرد وظيفة، بل هي الحياة. هي رسالتها في الحياة. ولكنها يجب أن تتخلى عنه، تتخلى عن عملها لكي تتخلص من لقب "عانس" التي باتت تلحق بها.
حاولت رسم ابتسامة على وجهها وقالت:
"ايه يا بنات فيه ايه… يعني مفيش مدرسة شاطرة غيري… ده فيه كتير… وبعدين انتوا شاطرين وأي مدرسة هتديكم هتحبكم زي ما أنا بحبكم بالضبط."
"بس احنا عايزين حضرتك… بنحب حضرتك."
زادت ابتسامتها بينما لمعت عينيها بالدموع وقالت:
"وأنا بحبكم والله بس ده نصيب… وبعدين لسه مش همشي دلوقتي… أنا هقضي معاكم الشهر ده كامل… يالا بقا خلينا نبدأ في الدرس… بلاش دلع."
***
كان في مكتبه يراجع بعض الملفات الخاصة بالقضايا العالقة. كان يشعر بعدم التركيز وهو يفكر بها. دارين… زوجته الميتة. تلك التي أحبها أكثر من الحياة كلها. كانت أيضًا تعمل هنا. من أول مرة رآها بها وهو وقع أسيرها.
أغمض عينيه وهو يتذكرها. يتذكر عينيها العسلية، شعرها البني الطويل، ابتسامتها الرائعة. لقد وقع أسيرها من اللحظة الأولى. وكان لقاءهم الأول صادمًا له. إذ أنه للمرة الأولى التي يفقد فيها قدرته على التحكم في ذاته.
كان يوم عمل اعتيادي في الشركة. كان يتجه نحو المصعد العام ليستقله كي يذهب إلى مكتبه. ولج للمصعد وكاد أن يضغط على الزر عندما هتفت به فتاة:
"لو سمحت استني."
توقف أمامه وعيناه الزرقاء تتسعان لرؤية فتاة تشبه الحوريات في جمالها. ولجت نادين بسرعة إلى المصعد وهي ترجع تلهث وتضع كفها على قلبها وتقول بلطف شديد:
"شكرا جدا ليك… أنا أصلا متأخرة وشكلي كده مش هتقبل."
شملها عاصي بنظراته. كانت ثيابها عملية من بنطال أسود من الحرير وسترة باللون الكريمي أسفله قميص نسائي أسود أنيق، بينما ترتدي حذاء أسود ذو كعب عالٍ. ببساطتها تلك بدت أجمل امرأة رآها في حياته.
ابتسم لها أخيرًا وقال:
"أنتِ هتقدمي لوظيفة السكرتيرة صح."
هزت رأسها وهي تبتسم له وقالت:
"أيوه… بصراحة دي فرصة حلوة أووي… بس اسمع أن أستاذ عاصي صفوت صعب أووي… بيقولوا عليه مخيف أووي. أنا مرعوبة منه خصوصًا أن هو بنفسه اللي هيعملي الانترفيو… أنا بجد خايفة."
"مين قالك كده؟"
أخرجت زجاجة صغيرة من البلاستيك مرسوم عليها أحد الرسوم الكرتونية (سكيتش) وارتشفت منها وهي تقول بينما غزا الاحمرار وجنتيها بفعل التوتر:
"أصل قريبتي كانت شغالة هنا آمن… بتقول عليه أنه دمه تقيل ودايما مصدرلهم الوش الخشب… وأنه كمان عصبي… ربنا يستر عليا يارب."
ابتسم لها. وقف المصعد ليقول:
"ده دورك صح."
هزت رأسها وهي تبتسم وخرجت ليخرج هو معها فقالت مبتسمة وهي تمد يديها:
"صحيح متعرفناش… أنا دارين السيد وانت."
مد كفه وهو يحتوي كفها ويضغط عليه وقال:
"وأنا عاصي صفوت المدير اللي مصدرلكم الوش الخشب."
فجأة وقع الملف من يدها وهي تنظر إليه بذهول. ليضحك ويحرر كفها ثم انحنى وأخذ الملف من الأرض واعطاها إياه وهو يقول:
"بالتوفيق في المقابلة!!"
***
عاد من شروده وهو يقبض على كفه. من الوهلة الأولى عشقها. حتى أنه وافق دون تردد أن تعمل كمساعدة له. ساعدها في العمل كثيرًا كي تتطور. أحبها كما لم يحب أحد في حياته ولكن هي… هي طعنته بقسوة. اكتشف أن خلف وجهها البريء شيطانًا دمر حياته. لن يسامح دارين أبدًا، حتى لو كانت ميتة.
تنهد ورحيق تمر بعقله. تلك الفتاة المختلفة تمامًا عن زوجته. هل ستكون حياته معها مختلفة؟ هل سترتاح ابنته أخيرًا معها؟ وهل سيفعل الصواب؟ كل تلك أسئلة كانت تدور بعقله.
***
خرجت رحيق من الفصل الدراسي وهي تتنهد بينما داخلها حزن عميق. إنها لا تريد أن تترك المدرسة. لا تريد ترك عملها. ولكن أيضًا لا يمكنها أن تخسر عاصي الآن. لا يمكن أن تعود لتسمع نفس الكلمات السامة سواء من الغريب أو من شقيقتها نوران. هذا يؤلمها ويحطم قلبها. هي أيضًا إنسانة لديها مشاعر. والإنسان يضحي بشيء لكي ينال شيئًا. وهي لكي تنال لقب زوجة، سوف تتنازل عن عملها.
فجأة وقفت وهي ترى مؤيد يقف أمامها. ارتبكت للحظات وهي ترى الحزن العميق يسيطر على ملامح وجهه. رباه، ألن يكف عن هذه التصرفات؟ ماذا يفعل هو؟
"استاذ مؤيد… ابعد لو سمحت."
ولكنه لم يتحرك. لذلك هي من تحركت قليلًا لتذهب من أمامه إلا أنه وقف في طريقها بينما ينظر إليها كأنه مجنون.
"حضرتك بتعمل ايه؟!" قالتها رحيق وقد بدأ غضبها يسيطر عليها ليرد هو:
"أنا بحبك يا رحيق!"
***
تمت خطبتها. لقد أحرقته هذه الكلمة. لقد سمع من أصدقائها أنها تمت خطبتها. الخبر للحظات زلزله. شعر وكأن شيئًا يجثم على قلبه فلا يستطيع التنفس. لماذا يشعر بتلك المشاعر؟ يشعر بالغضب والألم. لقد ظن أنها لن تتزوج أبدًا. اقتنع تمامًا أنها ستعيش في الذنب طوال حياتها ولن تتجرأ من الزواج من آخر. لقد ظن أنها له؟ لماذا ينكر الأمر؟ هي له، له فقط. حتى لو لم يتزوجها لا يمكن لأي أحد أن يلمسها، لاي أحد أن يقترب منها أو يتزوجها. لن يسمح بهذا أبدًا.
مسح على وجهه وهو يشعر بالضيق بينما تقترب منه لمياء، حبيبته الجديدة التي ارتبط بها. ابتسمت له وقالت برقة:
"واقف بعيد كده ليه؟"
تجهم وجهه وهو ينظر إليها. كان يتأمل ملامحها الرائعة. بشرتها السمراء وعينيها السوداء. تلك الرموش الغزيرة والتي تمنح وجهها جمالًا يفوق جمالها. لن ينكر أنه مفتون بها، ولكن أصبح يمل منها في الفترات الأخيرة. هي ليست سهلة المنال وهو.
يضيع وقته معها … هي تجره لطريق الزواج وهو لا يريد هذا.
"لمياء أنتِ شايفة أي نهاية علاقتنا دي؟!" قالها بهدوء.
لتعبس وتقول: "يعني ايه نهاية علاقتنا ايه؟! أكيد هنتجوز … هو ده اللي مفروض يحصل."
هز رأسه وهو يقول: "أنا مش بتاع جواز."
نظرت إليه بصدمة ليكمل: "أنا عمري ما هتجوز يا لمياء. لا أنتِ ولا غيرك … حابة نكمل كده ومتكلمنيش في الموضوع ده … يعني اخرنا ارتباط وانك تنفذي اللي أنا عايزه."
"انت … انت بتقول ايه؟!" قالتها بصدمة والدموع تتجمع بعينيها.
ليقول وهو يهز كتفيه: "اللي سمعتيه. أنا مش بتاع جواز يا لمياء … أنا عمري ما فكرت اتجوزك اصلا … لو حابة نبقى كده أنا معنديش اي مانع."
كانت تنظر إليه وهي مصدومة. لا تصدق ما يقوله. شعرت أن قلبها ينسحق داخل صدرها. لقد شعرت أنه يلعب عليها ولكنها ظنت أنها سوف تستطيع أن توقعه في حبها لكي يتزوجها. ولكنّه الآن ينهي علاقته بها. هذا واضح. هي تفهم ماذا يريد. هو يريد أن ينالها دون زواج. لقد عرفت هذا من البداية ولكن الغبية ظنت أنها سوف توقعه في حبه وتصلحه. ولكن هل يتغير الشيطان؟ لا يمكن للشيطان أن يصبح ملاك!!
أخذت الدموع تنساب من عينيها.
ليقول بإنزعاج: "بصي يا لمياء أنا انصحك انك تشوفي اللي يستاهلك … أنا مش بتاع جواز … ومش عايز اديكي امل وبعدين اخدعك … من دلوقتي افضل ننفصل وربنا يوفقك."
ثم ابتعد عنها وهو يفكر بتلك التي تتحرر من بين يديه. هو لن يتركها. حتى لو اضطر للزواج بها. لن يتركها وشأنها.
في المساء.
"أنا مش عايز الخطوبة تطول يا أمجد. أنا عايز نتجوز في اقرب وقت … أنا شقتي في الغردقة جاهزة من كله … هي بس تجيب هدومها … ولو عايزة تغير اي حاجة في العفش أنا موافق … أنا بعتلها الصور على الواتس اب … كمان لو مش عاجباها الوان الشقة أنا معنديش اي مانع نغيرها." قالها جاسم بجدية.
ليهز أمجد رأسه وقال: "شوفوا انتوا عايزين تعملوا ايه … بس انا عايز الجواز يكون بعد كلية نوران وهي كده كدهي اخر سنة ليها يبقى تستني لما تخلص امتحانات."
كانت تسمع الحديث وهي صامتة. تشعر أنها سوف تفقد الوعي. اي زواج؟ كيف تتزوج؟ رباه سوف تكون فضيحتها كبيرة في العائلة. ماذا تفعل. شعرت أن الدموع تلسع عينيها.
بينما أخرجها فجأة أمجد من شرودها وجعلها تكتم دموعها بقوة وقال: "ها ايه رايك يا حبيبتي."
نظرت إليه بحيرة وقالت بصوت ضعيف: "رأيي في ايه؟!"
عبس أمجد وقال: "رأيك في اللي قولناه يا حبيبتي. هنبدأ من دلوقتي نوضب البيت شوفي عايزة تغيري ايه. عشان عايزين الجواز يكون بعد التخرج. ايه رايك؟"
تنهدت وهي تطرق برأسها أرضا وتقول: "اعملوا اللي انتوا عايزينه."
عبس جاسم وكاد أن يتكلم ولكنها انسحبت بهدوء. رغم أنه حقق حلمه وخطبها الا أنها بعيدة عنه كثيرا. كثيرا!!!
دخلت غرفتها وهي تغلق الباب وتستند بظهرها إلى الباب. أغمضت عينيها والدموع تنهمر من عينيها بقوة. ماذا تفعل؟ إنها تُقاد الي الجحيم بإرادتها. تنظر الى نفسها بينما تذهب بقدميها الي الجحيم. تعلم أن هذا لن يمر على خير.
فجأة اتنفضت بقوة وهي تسمع هاتفها يرن. أمسكت الهاتف وهي تمسح دموعها. تجمدت فجأة وهي ترى اسمه يسطع على شاشة الهاتف. خفق قلبها داخل صدرها وهي تشعر وكأن قلبها سوف يخرج من صدرها. لماذا يتصل بها؟ ماذا يريد؟ رباه. هل سوف يهددها مجددا؟ هل سيدمر حياتها مجددا!! هي لا تصدق اي حجيم وقعت به.
كادت أن تتجاهل اتصاله ولكنها خافت. لا يمكنها أن تفعل هذا. هي أجبن من أن تفعل هذا.
فتحت الهاتف برعب وهي تنتظر ما سيقوله. تكلم هو دون مقدمات وقال: "محتاج اقابلك ضروري. خلينا نتقابل في الكافية بتاعنا بكرة. صدقيني الموضوع لصالحك."
قبل رأس صغيره برفق ودثره جيدا ثم خرج من غرفته لصالة المنزل حيث تجلس. فجأة تجمد مكانه وهو يري فستانها المنزل ذو اللون الازرق قد انحسر عن ساقيها. خانته عيناه وهي تتأملانها بهدوء. رفعت هي عينيها وهي تشعر بوجوده. ثم عبست ونظرت حيث ينظر. احمرت فجأة وهي تجذب الفستان وغطت قدميها جيدا.
"-ليه بتغطيها. سيبيها عادي أنا مش متضايق." قالها ببراءة.
لتزفر بضيق وهي تنظر إليه. ثم نظرت إلى الرواية التي تقرأها واكملت قراءتها في صمت. اقترب هو منها وجلس بجوارها. كانت هي تحاول التركيز بينما هو بجانبها ولكن عبثاً. كانت تشعر بضربات قلبها تزداد. أغمضت عينيها بإنفعال وقالت بإنفعال: "م…ممكن تبطل تبص عليا!!!"
ابتسم وقال: "دي عيني وده بيتي ابص في المكان اللي بحبه."
نظرت إليه بضيق ليتأملها هو بشغف. تبدو حقا جميلة وهي قريبة منه لتلك الدرجة. أنها تتغلغل بروحه حقاً. زفرت بضيق وهي تنظر إليه وقالت: "أنت عايز ايه يا أمير. بجد عايز مني ايه. مش عايز تسيبني في حالي ليه. كل ده عشان المذكرة وعشان عرفت اني كنت بحبك. بتعاقبني عشان كده. متقلقش أنا اتعاقبت بما فيه الكفاية. عايزني امشي ونطلق معنديش اي مانع. عايز ايه بالضبط عشان اعمل وتبعد عني. عايزني اموت طيب."
كانت الابتسامة ما زالت تزين شفتيه وهو يقول: "أنا عايزك ترقصي معايا."
عقدت حاجبيها بدهشة وقالت: "أرقص؟!"
نهض وهو يشدها إليه ويقول: "ايوة ترقصي." امسك هاتفه وفعله على اغنية (وبتحلى الدنيا في عيني) ثم جذبها بين ذراعيه. امسك كفها بكفه بينما هي وضعت كفها الآخر على كتفه ووضع هو كفه الآخر على خصرها. ثم بدأ يرقصان معا بإنسجام. كان يردد كلمات الأغنية وهو يراقصها بينما هي تنظر إليه وقلبها يهدر داخل صدرها. كادت أن تتكلم ولكنه قال بخفوت: "متتكلميش وتبوظي سحر اللحظة خلينا كده. أنا مش عايز افكر في حاجة."
هزت رأسها بخفوت ليجذبها قليلا ثم يضمها إليه وهو ما زال يراقصها. كادت أن تموت من فرط السعادة. لا تصدق. هو يضمها إليه. اغمضت عينيها وهي تضمه بشكل أقوى بينما الدموع تطرف منهما. شعرت أنها تطير. حقا تطير.
قجأة أطلقت صرخة صغيرة وهو يحملها ويدور بها. تمسكت به جيدا وهي تضحك وتبكي بنفس الوقت. اخيرا ابتعد عنها بينما غزا وجهها الاحمرار بسبب الخجل. تأمل وجهها بإفتتان وقال: "أنتِ ازاي جميلة كده." ارجع شعرها للخلف ثم عانق وجهها بكفيه واقترب منها وهو يقبلها. قبلته تلك المرة اختلفت عن قبلتهما الاولى. كان يقبلها برفق لدرجة أن الدموع أخذت تنهمر من عينيها بغزارة.
ابتعد عنها قليلا. مسح دموعها برفق ثم أمسك كفها وهو يجذبها خلفه برفق. إلى غرفتهما. ثم اجلسها على فراشهما. ابتلتع ريقها وقد فهمت ما سيحدث. فركت كفيها وقالت: "لا. لا يا أمير."
ولكنه قاطعها بقبلة أوقعت جميع حصونها. ما أن أبتعد عنها حتي قالت وهي مغمضة عينيها: "أنا بحبك يا أمير."
ابتسم ثم جذبها إليه مجدداً ليجعلها ملكه للمرة الأولى.
انهارت هي واعترفت له بحبها مراراً وتكراراً، وقد سقطت مقاومتها للأبد.
في اليوم التالي.
"حاساه مش معايا… حاساه بعيد أوي عني يا سلوى… أنا حاسة إن عنده مشاعر من ناحية قريبته دي."
قالتها هي بقهر وهي تحاول أن تحبس دموعها.
نظرت إليها سلوى وهمست:
"أنتِ بجد مجنونة صح؟! بتقولي إيه يا أريام… صاحية على نفسك؟ الراجل وضحلك عشرين مرة إنها زي أخته الصغيرة، وبعدين لو كان بيحبها كان اتقدملها… بس هو اتقدملك أنتِ!!"
"هو مكانش بيحبها بس هي يا سلوى اللي فضلت تلف لحد ما وقعته!!"
قالتها أريام بإندفاع.
نظرت إليها سلوى بلوم وقالت:
"إيه اللي بتقوليه ده؟! ميصحش تتكلمي عنها بالطريقة دي."
"لا يصح… أنتِ متعرفيهاش يا سلوى… دي بنت مش سالكة خالص… بنت…"
أغمضت عينيها وهي تحاول أن تسيطر على نفسها وقالت:
"استغفر الله العظيم الواحد مش عايز يغلط في حد."
ثم فتحت عينيها وقد كانت تشتعلان بالنيران وأكملت:
"أنا سمعتها وهي شبه بتعترفله بمشاعرها."
"أيوه بس هو مغلطش صح يا أريام؟"
أطرقت وهي تهز رأسها وتقول:
"هو فعلاً مغلطش مقدرش أنكر… بس هو اتغير من وقت اعترافها… هو…"
صمتت وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع.
تتذكر كيف أصبح متباعداً عنها الفترة الأخيرة. صحيح أنه متباعد دوماً ولكن الأمر زاد بعد ما اعترفت هي.
والأسوأ من هذا أنه منذ أن وافقت على قريبهم هذا وهو في حالة غريبة، دائم الشرود، يشتعل بسرعة بالغضب.
حتى في عمله أصبح شخصاً غريباً تماماً. هذا ليس أمجد الذي تعرفه.
فكرت بأسى.
"أريام…"
قالتها سلوى بقلق وهي تجدها صامتة بشكل مريب.
مسحت أريام دموعها التي انسابت فجأة وقالت:
"أنا ست يا سلوى… بحس إمتى الراجل اللي معايا بيحبني ولا لا… أنا مبقتش أحس بمشاعر أمجد… أمجد فيه حاجة تاني شاغلة باله… أمجد بيحبها… بيحب جيلان."
هزت سلوى رأسها بذهول وقالت:
"أنتِ بجد مش معقولة… إيه اللي بتقوليه ده؟"
انهمرت دموعها مرة أخرى.
لتكمل سلوى:
"كلامك ده خطير… عارفة لو سمعك أمجد مش هيحصل كويس… أريام اعقلي كده… أمجد يبقى خطيبك وهو إنسان محترم ومتدين فمستحيل يكون كده… كلنا عارفين أمجد… هو حتى مش بيبصلك بصة كده ولا كده… محاولش بتجاوز معاكي رغم إنك خطيبته ف أكيد هو مش كده!!"
ابتسمت بمرارة وقالت:
"قلبي مبيكدبش عليا أبداً… أنا حاسة بيه… حاسة بخنقته وغيرته لما هي وافقت على قريبهم لما اتقدملها… أنا حاسة بيه."
"ده كلام فاضي… الشيطان بيلعب بيكي… هتدمري حياتك كده."
"إيه رأيك أنا هثبتلك إنه بيحبها… أنا هثبتلك."
قالها وهي تمسح دموعها بقهر، بينما الغضب يتصاعد داخلها.
هزت سلوى رأسها بيأس وهي تفكر أن أريام ستدمر حياتها!! هي لن تهدأ حتى تخرج أمجد عن طوره وهي التي ستندم للنهاية.
"بجد هتندمي يا أريام… بلاش تفتحي الموضوع ده معاه ممكن يقلب بنتيجة عكسية!! صدقي."
ولكن أريام قاطعتها بفظاظة وقد أعماها غضبها:
"أنتِ بالذات متنصحيش وشوفي خيبتك الأول ممكن… سيبيني في حالي."
انحنت عيني سلوى في انكسار وقالت بصوت مختنق:
"ع… عندك حق… أنا آسفة… آسفة أوي!!"
كسا الذنب وجه أريام وهي تمسك كفها وتقول:
"أبوس إيديكي سامحيني يا سلوى.. أنا آسفة… معرفش إزاي قولت كده… أنا آسفة بجد."
رغم أن الألم بقلب سلوى كان كبيراً، ولكنها ابتسمت ابتسامة منكسرة وهي تقول:
"مفيش مشكلة… ربنا يهدي الحال يا حبيبتي."
***
كان جالساً بمكتبه أمامه ملفات متكدسة، بينما هو ينظر للفراغ، يشعر بشيء يجثم على صدره. لا يعرف لماذا هو مقهور لأنها وافقت على هذا الأمر.
منذ أن أعطت موافقتها وهو يشعر بالاختناق.
استغفر ربه وهو يمسح على وجهه بغضب.
ما به؟! هل فقد عقله؟!
حقا فيما يفكر هو.
لماذا يشعر بكل هذا القهر؟! ما السبب.
نهض من مكتبه وهو يدور في المكتب دون هدف، يمسك رأسه بقوة وهو يشعر بالألم.
"يا رب ماذا يحدث معي."
أن الشيطان يتلاعب به، يوحيه بأشياء ليست صحيحة.
هو ليس من هذا النوع… هو رجل خاطب وسوف يتزوج قريباً.
لا يمكنه أن يميل لأخرى… أخرى يعتبرها شقيقته.
"استغفر الله العظيم… استغفر الله العظيم."
أخذ يتمتم بها وهو يجلس مجدداً على مقعده ثم يدفن رأسه بين يديه.
فُتح الباب فجأة لتلج أريام وهي تنظر إليه.
كان صامتاً وهو ينظر إليها، سرعان ما أشاح عينيه عنها ونظر أرضاً.
ابتلعت ريقها وقالت:
"محتاجة أتكلم معاك ضروري."
"مينفعش نأجل."
قالها وهو يشعر ما ستقوله. فالجميع لاحظ تصرفاته المريبة بعد موافقة جيلان.
لم يكن مستعداً أن يواجه شكوك أريام الآن.
يكفي الشعور بالذنب الذي يسيطر عليه.
"لا مينفعش نأجل يا أمجد مينفعش… الموضوع ده مهم لينا… لحياتنا لو حابب إنها تستمر."
نظر إليها بحيرة بينما شعوره بالقلق يزداد.
ابتلعت ريقها وهي تقول:
"أنا عايزة نكتب الكتاب في أقرب وقت!!"
***
كانت جالسة بغرفته التي أصبح يلازمها بعد الزواج من مياس التي لم تسمح له أن يظل بنفس الغرفة.
كان يمسك جيتاره وهو يعزف موسيقى أغنية "أهواك"، بينما يغني بصوته العذب:
"أهواك
أتمنى لو أنساكم
أنسى روحي وياكم
إن ضاعت يبقى فداك
لو تنساني
وأنسى جفاكم
أتاريني بنسى جفاكم
أشتاق لعذابي معاكم
ألقى دموعي فاكراك
ارجع تاني
لأقاك
الدنيا تجيني معاكم
رضاها يبقى رضاكم
ساعتها يهون في هواك
في هواك
طول حرمان
ولاقي
مشغول وشاغلني بيكم
عينيا تيجي في عينيكو
كلامهم يبقى عليكو
انت تداري
وأراعيكو
أصحى من الليل أناديكو
ابعت روحي تصحيك
قوم يا اللي شاغلني بيك
جرب ناري"
توقف عن العزف ووضع جيتاره جانباً بينما يتلمس شفتيه بشرود.
يتذكر تلك القبلة المجنونة ورد فعلها بعدها.
يتذكر اللحظة التي عانقها فيها. ضمها إليه بقوة لدرجة أنه شعر أنها أصبحت جزء منه.
لم يتركها تلك الليلة. ظل معها. مهما رفضت. هو سيكون أمانها.
وفي اليوم الذي تقرر أنها ستجعل زواجهما حقيقياً، هو سيوافق دون تردد. سيفعل ما تريده.
أغمض عينيه وهو يتذكر اليوم التالي لزواجهما. ورد فعلها عندما اكتشفت أنه نام بجوارها!!!
فتح عينيه بصعوبة ليرى وجهها أمامه. نائمة بسلام دون نقابها.
ظل ينظر إليها وإلى تلك التشوهات الذي تحتل وجهها.
أنه لا يشمئز منها كما تتخيل هي. ولا يراها دميمة.
على العكس تماماً هي تمتلك عينين رائعتين. وملامح رغم تشوهها رائعة للغاية.
مد كفه وتلمس وجهها برفق.
كان قلبه يتألم. يقسم أنه عندما يعرف من فعل هذا بها سوف يقتله دون أي تردد.
لسعت الدموع عينيه وهو يشعر بالاختناق.
لقد ابتعد عنها. لو كان بحياتها لم يكن ليحدث هذا.
اقترب بوجهه منها إلى حد غير مسموح. ثم بدأت شفتيه في تقبيل الحروق على وجهها.
كان ينشر قبلاته على صفحة وجهها بينما الدموع تنساب من عينيه.
وبسبب قبلاته المحمومة تلك فتحت هي عينيها بإنزعاج وصُدمت وهي تراه يقبلها بتلك الطريقة.
فجأة شهقت وهي تحاول أن تبعده عنها برعب ولكنه لم يبتعد عنها.
بدا وكأنه منفصل عن الواقع. لذلك بكل قوتها قامت بدفعه حتى سقط أرضاً.
نظر إليها بصدمة لتصرخ به:
"أنت اتجننت… إزاي تعمل كده… إزاي!!!"
نهض وهو يرفع يديها محاولاً تهدئتها:
"اهدي… اهدي."
طرفَت الدموع من عينيها وهي تركض نحو نقابها وترتديه.
حاول الاقتراب منها وهو يحاول لمس كفها ولكنها ضربته في صدره بقوة وهي تصرخ به:
"ابعد… اطلع برا… برا… وإياك تفكر تلمسني تاني!!"
"مياس محصلش حاجة… انتِ مراتي."
قالها وهو يبتلع ريقه بعسر.
ولكنها صرخت به حتى شعرت أن أحبالها الصوتية سوف تتمزق:
"كان فيه شروط… كان فيه اتفاق بيننا."
أطرق برأسه وقال:
"أنا آسف… آسف."
كان يتمتم بكلمات الاعتذار وهو ينظر إليها.
كانت عينيها رطبة بفعل الدموع ولكن الغضب ما زال يشتعل بعينيها.
لا يعلم كيف فعل هذا. لا يعلم كيف فقد السيطرة بتلك الطريقة.
"اطلع برا لو سمحت… اطلع برا ومش عايزة م تقرب مني تاني ولا تقرب من أوضتي لو سمحت."
اختنق صوتها وطفرت الدموع من عينيها وهي تكمل:
"لو سمحت مقتربش مني بالطريقة دي تاني… لو سمحت."
أهز رأسه وهو يستل سترته ثم يخرج من غرفتها.
اتجه لغرفته ثم جلس على فراشه وهو ينظر إلى الفراغ.
أغمض عينيه بتعب وهو يشعر بشيء غريب في قلبه.
وفجأة أدرك ما فعله.
"يا رب كيف أفعل هذا؟ كيف أفقد سيطرته بتلك الطريقة!!!"
عاد من شروده وهو يتنهد بتعب.
منذ ذلك اليوم وهي تبتعد عنه. ترفض حتى أن تخرج من غرفتها. تأكل في الأعلى.
حتى والده تكلم معه ولكنه طلب بكل هدوء من والده ألا يتدخل في هذا الأمر.
هو يستطيع أن يتعامل معها جيداً.
خرج من غرفته وقرر الاتجاه إلى غرفتها.
يجب أن يتحدث معها.
وقف أمام غرفتها وهو يتنفس بعمق.
كان متوتراً. خائفاً أن تكون رد فعلها عنيفة.
لقد نكث بوعده لها. لمسها رغم أنها وعدها أنه لن يفعل.
هو مدرك تماماً أنه مخطئ بحقها.
طرق على الباب بخفة وانتظر بصبر إلى أن أتى صوتها الناعم وهي تقول:
"ادخلي يا طنط عزيزة."
فتح هو الباب وولج ثم أغلقه جيداً وهو يقول بينما يضع كفه داخل جيب بنطاله:
"أنا سيف."
استدارت بعنف وقد تركت الكتاب الذي تقرأ به وقالت:
"أنت… أنت بتعمل إيه هنا… اطلع بره."
"طيب ممكن تهدي… أنا بعيد أهو مش هقرب منك… أنا جاي بس أقولك حاجة وهمشي علطول… ممكن."
تنفست عدة مرات بعنف. تتذكر ما فعله. كيف استيقظت على قبلاته.
كان يقبلها بكل أريحية. وكأنه لا يشمئز منها أبداً.
لماذا لا يكن عمر مثله.
"اتفضل."
قالت بخفوت.
ليرد هو:
"إحنا من النهاردة هننام في نفس الأوضة!!"