تحميل رواية «اسرت قلبه» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خالتو نوال أنا رايحة الكلية. قالتها مياس وهي تأخذ حقيبة الظهر الخاصة بها ثم ارتدتها مسرعة. وضعت النظارة الشمسية على حجابها الوردي بينما كانت ترتدي قميص احمر طويل وبنطال ازرق من الجينز. تضع كحل اسود على عينيها مبرزا جمال اتساع عينيها الزرقاء وأحمر شفاه باهت. يا مياس يا بنتي طب افطري الأول! قالتها نوال وهي تخرج من المطبخ وبيدها تحمل صينية بها بضع شطائر وعصير جوافة المفضل لديها. ولكن مياس هزت رأسها وقالت: هأكل في الكلية سلام يا خالتو. ثم قبلت خالتها وخرجت من الشقة السكنية مسرعة. أخرجت هاتفها واتصلت...
رواية اسرت قلبه الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سوليية نصار
زال سحرك لم أعد أشعر بشئ نحوك.
ماريانا لجورج:
- يالا يا بطل، هساعدك عشان نجهز هدومك.
قالها يوسف وهو يحمل محمد معه لغرفته. لقد قررا السفر اليوم لقضاء شهر العسل بشرم الشيخ. أسبوع كامل وهم بعيد عن كل شئ.
ابتسمت ماجدة وهي تلملم الأطباق. كان قلبها يخفق تأثراً من اهتمامه بطفلها. يوسف لم يأخذ وقته بالتعرف على الطفل بل عامله كأنه ابنه منذ البداية. دموع التأثر أحرق عينيها وذهبت مسرعة للمطبخ لكي تغسل الأطباق. بينها انسابت دموعها دون أن تستطيع منعها.
يوسف:
- ماجدة أنا...
قالها يوسف وهو يلج للمطبخ ولكنه توقف فجأة وهو يراها تمسح دموعها مسرعة. عبس واقترب منها وهو يقول:
- فيه إيه؟ ليه بتبكي ليه؟
هزت رأسها مبتسمة وهي تقول:
- مفيش، دي دموع السعادة.
اقترب وأمسك كفها وهو يقبله بلطف ويقول:
- مش عايزك تبكي حتى من السعادة يا ماجدة. عايزك مبتسمة دايماً.
ماجدة:
- أنا خايفة. خايفة السعادة دي تنتهي.
عبس وقال:
- ليه تنتهي؟ أنا مش هبطل أحبك، متخافيش.
تنفست بعمق وهي تحاول منع دموعها من الانفجار وتقول:
- خايفة حاجة تحصل تفرقنا. خايفة من لطيف. هو الحمدلله على كل حال، بس مفيش فرحة بتتم ليا أبداً. خايفة منه أوي.
وضع كفه على فمها وقال:
- عيب تقولي الكلام ده. عيب تقولي خايفة من لطيف وأنا معاكي. أنا موجود وهحميكي منه. مش هيقدر يمس منك شعرة طول ما أنا عايش. متقلقيش. سيبي موضوع لطيف عليا. لو كان هو مجنون فأنا أجن منه. جوزك جامد أوي على فكرة.
كلامه لم ينجح في محو القلق من وجهها. ظلت ترمقه بقلق وقلبها يصرخ داخل صدرها من الخوف. الخوف من خسارته. لطيف لن يرحمه.
لمس وجنتها وقال:
- أنا ممكن أموت عشان أحميكم. ثقي فيا. لطيف مش هيقدر يأذيكي إلا على جثتي. اعتبري ده وعد مني.
غطت شفتيه بكفها وهي تقول بهلع بينما الدمع تثقل عينيها:
- بعيد الشر، متقولش كده.
قبل باطن كفها وابعده عنها وقال:
- يبقى متفكريش كتير وعيشي اللحظة.
ماجدة:
- طيب عايزة أعرف عملت إيه مع لطيف. قول لي وريح قلبي. عشان خاطري.
كان القلق يكسو نظراتها. فرد بلطف:
- هقولك. والله هقولك بس بعد شهر العسل بتاعنا. أنا مش هخبي عليكي، وعد.
لم تطمئنها كلماته كما تأمل وأراد بشدة. بل ظلت تنظر إليه بقلق. ابتسم وهو يقبل رأسها ويخرج مسرعاً لكي يكمل حزم أشياء الصغير. نظرت إلى أثره وهي تعترف أن الغموض الذي يسيطر على تصرفاته أصبح يخيفها. تتمنى فقط ألا يكون قد فعل شئ مع لطيف سوف يندم عليه لاحقاً. هي لن تستطيع أن تفقده. لا تقدر على هذا.
ولج يوسف إلى غرفة محمد وهو يتنهد براحة. إنها تضغط عليه لكي تعرف الحقيقة. هو سوف يخبرها ولكن ليس الآن. يريدها مرتاحة. يريد أن يراها سعيدة لا أن تقلق بسبب هذا الرجل المجنون. ابتسم يوسف وهو يتذكر ما فعله لكي يمنع لطيف من الزواج منها. يتذكر أن أخبارها له بهوية صديقتها وزوجها ساعده كثيراً.
يوسف:
- شكله راجل بتاع مزاج.
قالها منير وهو ينظر إلى الحانة التي بها حماد زوج سمرا.
يوسف:
- راجل زي ده هنعرف نجر رجليه كويس أووي. يالا يا منير.
هز منير رأسه وهو يلج للحانة مع يوسف.
ضيق يوسف عينيه بتركيز وهو يراه حماد. لقد ظل يراقب منزله مطولاً لكي يعرفه جيداً. هذا الرجل نقاط ضعفه هي المال والنساء. تنهد يوسف وهو يقترب منه. يجلس بجواره على البار. ثم ينظر إليه. بينما كان يمسك في يده كوب الخمر وبجواره فتاة يافعة ترتدي فستان يظهر أكثر مما ينبغي.
يوسف:
- إيه رأيك تكسب معايا خمسين ألف؟
رفع حماد رأسه بقوة. رغم حالة السكر التي كان بها إلا أنه أصبح واعياً للرقم الذي قاله هذا الغريب. دفع الفتاة بعيداً وهو يقول بنبرة ثقيلة:
- إنت مين يا بيه؟
يوسف:
- إيه رأيك تكسب خمسين ألف معايا؟
حماد:
- أكيد يا بيه. بس إيه المقابل؟
ابتسم يوسف وقال هامساً:
- الأدلة اللي معاك ضد لطيف. أنا عارف إنك معاك كذا نسخة منها.
ارتبك قليلاً وقال بصوت مشدود:
- مش فاهم بتتكلم عن إيه؟
ثم نهض ليذهب ولكن يوسف طوق ذراعه وقال بخفة:
- اقعد يا راجل. الكلام آخد وعطا. الله ده أنا بعرض عليك خمسين ألف.
حماد:
- قصاد حياتي. شايف خمسين ألف كفاية إني أسلمك حياتي؟
ابتسم يوسف وقال:
- متقلقش مش هيحصلك حاجة.
حماد:
- وأنا إيه اللي يضمنلي ده؟
يوسف:
- مفيش ضمانات بس خمسين ألف مبلغ كويس عشان تختفي شوية عن عيون لطيف. هو مش هيكون فاضيلك أصلاً الأيام اللي جاية.
حماد:
- خمسين ألف مبلغ قليل جداً على أدلة مهمة زي دي.
يوسف:
- مية ألف. وده آخر كلام.
خرج من شروده وهو يتنهد. لقد أخذ وقتاً لإقناع حماد ولكن الأمر يستحق.
لقد تزوج المرأة التي يحبها والذي مستعد أن يقيم حرباً من أجلها. هو ليس ذلك الرجل الجبان الذي يستسلم ويترك حبيبته لغيره. هو يحارب. أما أن يموت أو يفوز بحب حياته. ليس هناك خيار ثالث. الخسارة ليست خيار في حربه. الاستسلام ليس خيار. ابتسم وهو يقترب من الصغير ويفكر. يشعر بعسله مع عائلته الجديدة والرائعة. تلك العائلة التي سوف يحميها مهما كلفه الأمر.
فتح عينيه بتعب وهو يحاول تذكر أين هو. فجأة تدارك الأمر عندما رأى ذراعي سيلا تحيطه. نهض قليلاً وهو يشعر بالتشويش بينما يرى شعر سيلا الأحمر الناري وقد غطا الوسادة بينما ترتدي قميص نوم. رمش وهو ينظر إلى نفسه. رباه ماذا حدث ولكنه تنهد براحة وهو يرى أنه بكامل ملابسه. نهض عنها وهو يبعد ذراعها برفق كي لا يوقظها ثم وقف بقرب الفراش. كان يشعر كأن صدره يضيق. إنه يخطئ. نومه هنا جعله يشعر بالإشمئزاز من نفسه. ماذا يفعل؟ حقاً ماذا يفعل؟ هو ينام في منزل حبيبته السابقة تاركاً زوجته الحامل في المنزل.
أخرجه من شروده أزيز هاتفه. نظر إليه بحيرة وهو يفكر من جعل الهاتف على الوضع الصامت. أمسك هاتفه ليجد والده يتصل به. ابتلع ريقه وهو يفكر متى عاد والده من اليونان. وضع الهاتف على أذنه ليرعبه هدير والده وهو يقول:
- إنت فين يا بيه؟ مراتك في المستشفى بين الحياة والموت. إنت فين!
رمش جورج بارتباك وهو يستوعب الكلمات التي تدخل عقله وقال بصوت ضعيف:
- ماريانا... ماريانا مالها؟
صرخ به والده:
- إنت لسه هتتصدم. اتنيل تعالى بسرعة وحسابك معايا بعدين. تعالى على مستشفى***** بسرعة!
أغلق جورج الهاتف بينما بدأت الدموع تتجمع بعينيه. والده لم يخبره أي شيء عن حالة ماريانا. ولكن قلبه يخبره أن الأمر كبير للغاية. ارتدى حذاءه وسترته وهو غير مبالٍ بالدموع التي أصبحت تنهمر على وجنتيه. خرج مسرعاً من المنزل وهو يخرج من البناية بسرعة ويستقل سيارته ثم ينطلق بها وهو لا يرى جيداً بفعل الدموع.
وصل للمشفى في وقت قياسي للغاية. لم يهتم حتى بإغلاق باب السيارة وهو يركض مثل المجنون للداخل. بلهث اتجه للاستقبال وهو يقول:
- مدام ماريانا إسحاق.
نظرت إليه الموظفة الشابة وهي تقول بتهذيب:
- في أوضة ٢٠٥.
ركض مسرعاً وهو يستقل المصعد بينما قلبه يقصف داخل صدره برعب. يشعر بالدوران. أخذ يدعو داخله أن تكون بخير. رباه يجب أن تكون بخير وإلا سوف يموت.
خرج من المصعد وهو يركض في رواق المشفى بلهث بينما المارة ينظرون لهذا الرجل غير المهندم الدموع تغرق عينيه ووجهه بصدمة.
جورج:
- بابا.
قالها جورج بلهفة وهو يرى والده يخرج من غرفتها. كان يبدو كالغريق الذي وجد القشة التي كانت ستنقذه. اقترب منه والده ثم امسكه بقوة من قميصه وهو يهدر به:
- كنت فين يا أستاذ ومراتك بتواجه الموت؟ مش هتبطل عك!
ارتبك وتردد قبل أن يقول:
- صديق ليا كان معاه مشكلة عشان كده كنت معاه. مقدرتش أسيبه. وأنا بعت رسالة لماريانا. بس... بس إيه اللي حصل؟ ماريانا حصلها إيه؟
كان منهاراً وهو ينتظر أي كلمة من والده تطمئنه. نظر إليه والده بغضب ثم دفعه وهو يقول:
- فيه حرامية اتهجموا على بيتك وأذوا ماريانا.
انسحب اللون من وجهه وأصبح كالأموات تماماً ليكمل والده بقسوة:
- ماريانا خسرت الجنين. ابنك مات. خلي صاحبك ده ينفعك.
ولج للغرفة وهو ناكس الرأس لا يستطيع مواجهتها. رفع عينيه ببطء وجد والدته بجوار والدة ماريانا بينما ماريانا جالسة على الفراش. نظراتها جامدة بلا مشاعر تماماً. لا يبدو عليها الإنهيار أو الألم. فقط تلمس بطنها دون إرادة منها على ما يبدو. اقترب منها بإنهيار ثم قبل رأسها ودموعه تنساب من عينيه. لم تأتِ بأي رد فعل.
جورج:
- ماريانا؟
قالها بقلق وهو ينظر لوالدته بحيرة. كانت تبدو منفصلة تماماً عن الواقع.
طرقة على الباب جعلته ينتبه ثم ولوج رجال الشرطة وخلفهم والده. ابتسم المحقق عدي بلطف وقال:
- ألف سلامة عليكي يا مدام ماريانا. حضرتك جاهزة؟
هزت ماريانا رأسها بهدوء.
بعد دقيقتين تقريباً. جلس المحقق وهو يأخذ أقوالها.
المحقق عدي:
- حضرتك شوفتي أشكالهم؟
هزت ماريانا رأسها وقالت بصوت هادئ:
- للأسف لا يا فندم. كانوا مغطيين وشهم بقناع. لي واحد منهم اسمه حاتم.
هز المحقق رأسه وقال:
- ممكن تقولي إيه اللي حصل بالضبط؟
هزت رأسها ثم بدأت تقص له منذ البداية.
ماريانا:
- أنا صحيت من النوم على صوت باب بيتفتح. افتكرت جوزي هو اللي جه. قمت وقفت بس فجأة حسيت بحاجة غلط لأن الصوت كان صوت أكتر من واحد. كنت حاسة زي ما يكون فيه اتنين برا من واحد. وقتها عرفت إن ده مش جوزي. روحت مسكت موبايلي بسرعة عشان أتصل بجورج. بس اللي ردت عليا سيلا. قالت لي إنه نايم. قولتلها تصحيه عشان فيه حرامية برا بس رفضت وقالت إنه تعبان لأنه بذل مجهود كبير ومش هتقدر تصحيه. وقفلِت في وشي السكة.
أطلق والد جورج نظراته نحو جورج الذي شحب وجهه كالأموات. شعر أنه بكابوس. لا يصدق أن سيلا تفعل هذا به.
المحقق عدي:
- مين سيلا؟
قالها المحقق عدي بحيرة لترد هي بصوت ميت:
- الأكس بتاعة جوزي.
كانت نظرات الجميع مصوبة عليه. وللمرة الأولى يشعر بالخجل من نفسه. هو كان معها. مع تلك الكاذبة المخادعة بينما زوجته تقاوم الموت.
المحقق عدي:
- كملي يا فندم.
لتكمل هي:
- بعد ما قفلت حاولت أتصل بالبوليس بس هما دخلوا عليا. مقدرتش أعمل حاجة. واحد فيهم اللي اسمه حاتم طلع سكينة وهددني لو عملت صوت. هو كمان ضربني ووقعني على الأرض بعدين. بعدين...
تكسر صوتها قليلاً وهي تقول بصعوبة:
- أتحرش بي!
شهقة قوية خرجت من فم جورج. بينما نظرت والدتها إليها بصدمة لتردد ماريانا:
- لمسني بطريقة وحشة. كنت أتمنى وقتها إني أموت من كتر القرف اللي أنا حاسة بيه.
انسابت الدموع من عيني جورج وخرج وهو لا يتحمل أن يسمع أكثر من هذا. جلس على الأرض وهو يبكي بقوة. لا يتخيل أن ماريانا تعرضت لهذا كله. يرغب برؤية من فعل هذا بها ليقتله. يقسم أنه سوف يقتله.
جورج:
- يارب... يارب...
تمتم بألم والدموع لا تتوقف عن الإنهمار.
خرج والده من الغرفة. نهض جورج وهو ينظر إليه بقلق. جذبه من قميصه وهو يقول من بين أسنانه:
- غبي، إنت غبي. سلمت نفسك ليها لحد ما دمرتك. بس أنا اللي غلطان. كان لازم أكشف وشها الحقيقي ليك قبل ما أسافر اليونان. أنا اللي غبي.
نظر إليه جورج دون فهم ليقول هو:
- قولي يا حبيبي بررتلك إيه أنها سابتك فجأة؟ قالتلك إيه هي حجتها؟
جورج:
- قالت أنها اكتشفت أنها مبتخلفش.
ضحك بسخرية وابتعد عنه وقال:
- فعلاً حمار وغبي. حتة بنت زي دي ضحكت عليك.
جذبه والده إليه وقال بعنف:
- اسمع يا حبيبي السبب الحقيقي. اسمع عشان تعرف قد إيه إنت واحد مغفل. السنيورة سابتك عشان أنا هددتها.
شحب هو ليكمل:
- تعرف هددتها ليه؟ عشان اكتشفت أن الهانم قربت منك ووقعتك في حبها عشان فلوسك. كانت بتستغلك يا مغفل.
ثم دفعه حتى اصطدم بالحائط.
جورج:
- ده مستحيل!
قالها والدموع تحرق عينيه مجدداً. ابتسم والده بسخرية وقال:
- تعرف إنك تستاهل عقابك دلوقتي. عقاب أن ماريانا هتسيبك. تستحق العقاب ده.
ثم تركه وذهب.
أدهم:
- إحنا متفقناش نعمل كده يا حاتم؟
قالها أدهم بغلظة لحاتم الذي متسطح على الأريكة المهترئة في غرفتهم على السطح. نظر إليه حاتم وقال:
- البنت كانت جامدة بصراحة. لولا خوفت من سين وجيم وإني أتجبت كنت عملت أكتر من كده. يا بخت جوزها.
اقترب أدهم وشده من قميصه القطني وقال:
- إنت إيه. بجد معندكش دم. حرام عليك الست كانت حامل. إزاي تعمل كده!
حاتم:
- يووه ما خلاص يا عم. مش هعمل كده تاني. هي عجبتني واتمتعت شوية. بعدين يا حبيبي هو إحنا شيوخ جامع؟ فوق يا ننوس عين ماما إحنا حرامية. بعدين واحدة حلوة اتبسطت معاها ليه خربت الدنيا يعني؟
هز أدهم رأسه وقال:
- ماشي يا حاتم.
ثم تركه وذهب.
خرج أدهم من المنطقة التي يسكن بها ثم استقل سيارة النقل العام.
بعد قليل. وقف أمام مركز الشرطة وهو يبتلع ريقه. هل ما يفعله هو الصواب؟ أن ينهي كل شيء ويورط نفسه؟ هو منذ الأمس وهو في عذاب لا ينتهي. وجه تلك المرأة لا يفارق عقله. لقد كانت حامل. توسلت من أجل ابنها ولكن حاتم لم يهتم. ذلك الوحش استباح جسد امرأة حامل. صحيح لم يصل الأمر للاغتصاب ولكنه تحرش بها. لمسها بطريقة مقززة. وهو كان واقف مكانه لم يفعل أي شيء ليسامحه. ربما تلك هي الطريقة الوحيدة ليكفر بها عن ذنبه.
ولج إلى قسم الشرطة بأعصاب مشدودة. وخلال دقائق معدودة كان أمام ضابط الشرطة. رفع حسام نصار حاجبيه وقال:
- بتعمل إيه يا هنا يا أدهم؟
فرك أدهم كفيه وقال:
- أنا جاي أبلغ عن سرقة يا باشا.
حسام نصار:
- مين اللي سرق؟
أدهم:
- أنا وصاحبي حاتم. سرقنا شقة الدكتور جورج الحكيم.
ماريانا:
- أنا عايزة أخرج من هنا.
قالتها ماريانا بهدوء. اقتربت والدتها منها وهي تقول:
- يا بنتي أنتِ تعبانة والدكتور قال هيكتبلك خروج بكرة.
ماريانا:
- معلش يا ماما أنا عايزة أخرج. مش طايقة أقعد هنا.
ولج جورج إلى الغرفة بعد أن غاب لساعتين كاملتين. كانت عينيه حمراء. وجهه ذابل. اليأس يكسو وجهه. نظرت إليه ماريانا بنظرة عابرة ثم أشاحت وجهها وهي تنظر إلى وجهها وتقول:
- أنا عايزة أروح.
اقترب عزمي منها وقال:
- اهدي يا بنتي. هنروحك حاضر. هنعملك اللي إنتِ عايزاه. حقك عليا أنا. سامحيني.
بتردد نظرت إليه وقالت:
- أنا عايزة أروح بيت ماما.
قصف قلبه برعب ولهث وهو يسمع طلبه وصدمه رد والده البسيط وهو يقول:
- حاضر. هوديكي بيت والدتك. وهجيب ممرضة تهتم بيكي. المهم متزعليش. واللي عملوا معاكي كده هيتعاقبوا.
ثم نظر إلى جورج وقال وهو يطحن أسنانه:
- كلهم هيتعاقبوا واحد واحد!
كان يريد جورج التحدث. أن يتوسل إليها ألا تذهب ولكنه كان أجبن من أن يفعل هذا. أغمض عينيه وهو يتذكر لقاءه مع سيلا.
سيلا:
- جورج...
قالتها بإرتباك وهي تفتح الباب له. كان يبدو عليه الإنهيار. كان يبدو في حالة تعيسة بحق. ابتلعت ريقها وهي تقول بنبرة متقطعة بفعل التوتر:
- إنت كويس يا جورج؟
ولج للمنزل دون أي كلمة. عضت شفتيها وهي تفكر أنه ربما لم تخبره ماريانا بشأن أي شيء. جلس على الأريكة وهو يرفع رأسه للأعلى. الدموع تنهمر من عينيه. اقتربت منه وجلست بجواره وهي تقول بلطف وهي تتلمس كتفه:
- مالك يا جورج؟
جورج:
- ماريانا سقطت. دخلوا عليها حرامية امبارح البيت. ضربوها. واحد فيهم أتحرش فيها وخسرت الطفل.
بهتت للحظات وهي تشعر بتأنيب الضمير. حاولت دفع هذا الشعور بعيداً. هذا ليس ذنبها هي. هي كانت تظن أن ماريانا تتوهم. نظر إليها جورج بعينين منكسرة وقال:
- أنا حبيتك يا سيلا. حبيتك وجرحت ماريانا بسببك كتير. وقفت في وش أبويا بسببك. وده اللي نولته في الآخر.
ثم نهض وقال:
- أكتشفت في النهاية إني سبت الألماس وكنت بدور على التراب.
نهضت وهي تقترب منه وتقول بتوجس:
- جورج إيه؟ أنا مش فاهمة بتقول إيه؟
استدار وقد تصاعد اللهب بعينيه وأصبحت عينيه أكثر زرقة. مد كفه ثم جذبها من شعرها إليه. توسعت عينيها بصدمة ليقول من بين أسنانه:
- ليه... ليه يا سيلا؟
سيلا:
- إيه يا جورج؟
قالتها برعب ليصرخ وهو يهز رأسها بقوة ألمتها حتى طفرت الدموع من عينيها:
- عملتي كده ليه؟ انطقي. لما ماريانا اتصلت ليه عملتي كده؟ سبتيها تواجه الموت. أنا خسرت ابني بسبب... خسرت حياتي. خسرت ماريانا!
سيلا:
- صدقني يا جورج... آه...
صرخت بينما يخنقها بقوة وقال:
- كدبتي عليا في كل حاجة. خدعتيني. خليتيني مغفل! قولتي أنك سبتيني عشان اكتشفتي أنك مش هتقدري تخلفي. وإنتِ في الحقيقة هربتي عشان أبويا هددك يقولي حقيقتك.
شحب وجهها بقوة ليدفعها حتى وقعت على الأرض. كانت الدموع تطرف من عينيها كما تطرف من عينيه هو. وكان دموعه كانت محملة بالألم. ماريانا لن تسامحه أبداً.
جورج:
- أبويا قالي حقيقتك البشعة. للأسف قالي بعد فوات الأوان. أنا مش عايز أشوف وشك هنا تاني. لو شوفتك هقتلك. اطلعي من البيت ده!
ثم تركها وذهب.
خرج من شروده وهو يدرك بألم أنه يخسر. وخسارته تلك المرة ستكون كبيرة. لقد خسر حبه الحقيقي. لم تكن سيلا ولن تكون. هي فقط ماريانا.
في اليوم التالي. خرجت ماريانا من المشفى بعد توسل عزمي لها أن تبقى ليلة فقط لكي يطمئن عليها وهي تراجعت تلك المرة. وكمان وعدها هو بنفسه إلى منزلها هي جورج لكي تحضر حقيبتها وتعود لمنزل والدتها. والدتها كانت تساعدها بينما تخبرها أن ترتاح ولكن ماريانا أصرت أن تحزم ملابسها معها.
ولج جورج إلى المنزل مسرعاً وهو يلهث. كان والده يجلس بصالة المنزل. نظر إليه دون مبالاة ليندف لغرفة النوم. تجمد فجأة وهو يراها قد حزمت حقيبتها وتمسك كف والدتها وهي تستعد للذهاب.
اقترب منها ثم ضمها إليه وهو يبكي بشدة ويقول:
- عشان خاطري متسبنيش. أنا والله هموت!
لم تأتِ بأي رد فعل. لم يتجمد جسدها حتى. بدأ وكأنها منفصلة تماماً عن الواقع. فجأة شعر بأحد يبعده عنها. نظر وواجه والده الذي قال بقسوة:
- روحي يا بنتي.
هزت رأسها وهي تذهب.
جورج:
- ماريانا!
صرخ بفزع وهو يراها تنسحب من حياته. شعر بالاختناق بينما تسير ممسكة حقيبتها. بكفها الآخر تمسك يد والدتها. الموت ما شعر به في تلك اللحظة. كانت خسارته عظيمة.
عزمي:
- جورج كفاية!
أمسكه والده بعنف وهو يجذبه نحوه وقال:
- إنت اللي عملت كده. إنت اللي خسرتها بإيديك.
الدموع انفجرت من عينيه وهو يحاول أن يتحرر من قبضة والده. لقد أخطأ. نعم ارتكب الكوارث ولكن أن تغادر حياته! هذا ما لا يستطيع تحمله إطلاقاً. سوف يموت هو يعرف. تحرر من والدها بغتة ثم خرج من الغرفة ووقف أمام الباب وهو يمنعها من الخروج. عينيه أضحت حمراء بفعل الدموع وقال:
- متعمليش فيا كده يا ماريانا. أبوس إيديكي متسبش البيت. عاقبيني بأي طريقة بس متبعديش عني.
كانت نظراتها ميتة وهي تنظر إليه بدون مشاعر لا حب لا كره لا ألم فقط نظراتها فارغة. قالت بنبرة خافتة باردة:
- ابعد لو سمحت.
جثا على ركبتيه دون تفكير. دون أي اهتمام بكبريائه.
- متسبنيش. صدقيني هموت.
جذبه والده بقوة عنهما وهو يقول:
- روحي يا بنتي.
جورج:
- بابا لا!
هدر وهو يحاول الفكاك منه بينما يراها تخرج. نظر إلى والده وصرخ:
- ليه كده!
ولكن والده اخرسه وهو يصفعه بعنف ثم قال:
- القلم ده كان لازم تاخده من بدري. أنا المرة دي اللي هقفلك وخليك عارف ومتأكد إني بنفسي هتأكد أن ماريانا مش هترجعلك!
بعد أسبوع. ابتسم بانتصار وهو يراها تخرج. تلك المرة أتم جميع الإجراءات. اليوم ستكون زوجته بكل تأكيد. كانت جيلان ترتعش وهي تمسك كف رحيق. تشعر بغصة في حلقها. تريد البكاء بشدة ولا تستطيع. رفعت نظراتها إلى الذي سيكون زوجها. وجدته يبعد وجهه عنها. ويبدو أنه يقاوم عدم النظر إليها. أطرقت بوجهها مرة أخرى وهي تشعر باليأس. اليوم ستكون له ورغم أنه كان حب حياتها إلا أنها لا تشعر بالسعادة. حتى بعدما أتت أريام إلى جامعتها واعتذرت لها أمام الجميع لا تشعر بأي راحة أبداً. فالناس لن تتوقف عن الحديث وهي لن تنسى أبداً أنه جرحها مراراً وتكراراً. لم يهتم بها بل أعلن بتمرد أنه سيتزوجها. وكأن رأيها غير مهم. وكأنها خاضعة له. برقت عينيها وهي تفكر أن أمجد مخطئ للغاية. إن كانت خضعت هذة المرة فهي خضعت لأن ليس لها أي اختيار آخر. هي مجبورة والسبب أنها تحبه ولا تتخيل أن تكون ملكاً لأحد آخر. ولكنها سوف يُعاقب على ما فعله بها. جلست على المقعد وهي تطرق برأسها أرضاً بينما بدأ الشيخ بإجراءات عقد القرآن.
بعد قليل أعلن الشيخ كونهما زوج وزوجة. مضت جيلان بقلب مثقل بالألم. تمنت أن تكون والدتها معها في تلك اللحظة. مهما كانت سعيدة فإن سعادتها منقوصة دون والدتها. اليوم تتزوج الرجل الذي أحبته وسعادتها منقوصة لأسباب عديدة أهمها غياب والدتها. بعد أن تم الأمر نهض وهو ينظر إليها يلتهمها بنظراته. عينيه العسلية كانت مركزة عليها. الآن لديه الحق لينظر إليها بالطريقة التي يريدها. لن يمنعه أحد. مرت عينيه على فستانها الكريمي وحجابها الذي بنفس اللون. جل ما يريده أن ينفرد بها ليرى شعرها. يفعل بها ما حلم به منذ زمن.
يعد قليل. انفرد بها كما يريد. في غرفته. كانت جالسة وهي تفرك كفيها بتوتر. لا تفهم لماذا أتى بها إلى هنا. نظرات دلال وهي تدخل الغرفة لا تفارقها أبداً. تشعر بالخجل عندما تتذكر نظراتها المحملة بمعرفة. كان قلبها ينتفض داخل صدرها. فجأة انتفضت هي نفسها عندما أمسك كفها. نظر إليها بإبتسامة رائعة. مرتاحة ومحبة وقال:
- أنا حلمت باليوم ده كتير يا جيلان. حلمت باليوم اللي أبص ليكي براحتي من غير ما أحس بالذنب. إنتِ الوحيدة اللي خليتي عيني وقلبي يعصوا أوامر عقلي. الوحيدة اللي مكنتش مسيطر على نفسي وأنا جنبها. أنا بحمد ربنا إن اتجوزتك وبقيتي ملكي. أنا بحبك. بحبك يا جيلان.
أبعدت كفها ليعبس بشدة بينما تلتمع بريق الدموع بعينيها.
- ليه محبتنيش من البداية؟ ليه خلينا نمر بده كله؟
قالتها جيلان والدموع تتصاعد بعينيها. لقد تم عقد قرآنهما بالفعل. تم الأمر سريعاً. دون إرادتها. دون أن يكون لها الحق أن ترفض. فهي بالنهاية المذنبة التي أغوت خطيب امرأة أخرى. تنهد أمجد وهو ينظر إليها. كانت تنظر إليه بإنكسار. شعر بالندم يتآكله. هو من تسبب في هذا. بسبب عدم اعترافه وتصميمه على المضي في خطبة هو لا يريدها.
أمجد:
- جيلان أنا...
قالها وهو يحاول إمساك كفها ولكنها أبعدت كفها وهي تقول:
- لا يا أمجد. إنت السبب في ده كله. أنا عمري ما هسامحك أبداً. إنت خطبت واحدة تانية واختارت تقهرني. حتى مخلتنيش أشوف حياتي مع غيرك.
أمجد:
- لأن مكنش ينفع تروحي لغيري يا جيلان. لآني هتجنن لو حصل كده.
ابتسمت بألم وقالت:
- ولا كان ينفع أكون معاك. في كل الأحوال أنا مع الشخص الغلط.
شحب وجهه بقوة وقال:
- متقوليش كده. إنتِ بتحبيني؟
هزت رأسها وهي تقول بحزن:
- الحب مش كفاية يا أمجد.
ثم كادت أن تنهض إلا أنه أمسك كفها وهو يقول بعناد:
- لا الحب كفاية.
ثم جذبها أكثر وهو يكتم اعتراضها بشفتيه. يقتل أي مقاومة لها. أي شك بحبهما. ولم تجد هي مفر من الاستسلام.
في اليوم التالي.
مياس:
- أنا فاكرة اليوم ده كويس أووي. مش قادرة أنساه. ده اليوم الوحيد اللي بيتعاد في أحلامي كل يوم يا دكتورة. اليوم اللي نفسي أنساه ومبقدرش. أحياناً بدعي إني أفقد الذاكرة بس مبحصلش.
أقالتها مياس وقد انهمرت الدموع من عينيها. كانت ميرا مختار الطبيبة النفسية تنظر إليها. عينيها الرمادية تركز على مياس وتحلل كل حرف تقوله. لقد أخذت وقتاً طويلاً لتتكلم. جلسا معاً مرتين تقريباً ولم تكن مياس مستعدة أن تتكلم بعد ولكن في تلك المرة أظهرت شجاعة وقررت التحدث عن الماضي.
مسحت مياس دموعها واكملت:
- كنت خارجة من بيتي. رايحة الكلية وبتصل بعمر عشان أقوله إنه معزوم عندنا. كنت حاسة بفرحة في اليوم ده مش طبيعية. حاسة إن الدنيا بتضحكلي. مخطوبة للي بحبه. حياتي مفيش أحسن منها. بس بتيجي لحظة. لحظة واحدة تدمر ده كله. وتلاقي نفسك لوحدك. واللحظة دي عشتها.
نشيج حار هرب من بين شفتيها. النقاب كان يخنقها. أرادت أن تخلعه في تلك اللحظة. ولكن لم تستطع. أكملت وهي تتنفس بعنف:
- كان غريب. معرفش مين هو. عينيه كانت مليانة شر. شر لحد إذاه. بس أنا عمري ما أذيت أي حد. كان بيقرب مني. خوفت منه وكنت هجري لبيتنا بس طلع إزازة غريبة وبعدين... بعدين...
شهقت وهي غير قادرة على الحديث. شعرت أن العالم يضيق بها. نهضت ميرا واقتربت منها وهي تربت على كتفها برفق. أغمضت مياس عينيها بينما تشعر وكأن الماضي يعود مرة أخرى. وكأن الأمان المزيف الذي شعرت به الأيام السابقة اختفى فجأة وكل محله الرعب والخوف. جلست الطبيبة وهي تتحدث معها بصوته المنخفض اللطيف. تحاول أن تصفي ذهنها قبل أن تذهب.
خرجت مياس من غرفة الطبيبة وهي تشعر بالراحة نوعاً ما. باقي الجلسة تكلمت الطبيبة عن أشياء مختلفة. أشعرتها بالراحة. كلامها كان كالسحر. نظرت لتجد سيف يجلس منتظراً إياها. نهض ما إن رآها وقال بلطف:
- إيه الأخبار؟
تنهدت وهي تقترب منه وتعانقه. ابتسم وعانقها بدوره. وهو يربت على ظهرها.
- متخافيش. أنا معاكي.
في سيارة سيف. كان يقود السيارة بشكل طبيعي نوعاً ما فهو قد أزال الجبيرة أخيراً. كانت هي جالسة وهي تنظر من النافذة. تشعر براحة نوعاً ما. تنهدت وهي تقول:
- سيف.
سيف:
- عيون سيف.
ابتسمت وقالت:
- عايزة أشرب عصير قصب بالبرتقال.
سيف:
- عيوني حاضر.
في أحد محلات عصير القصب كان قد أحضر لها عصير القصب بالبرتقال الذي تحبه وأحضر له هو العادي. كانت ترتشف العصير بتلذذ. كان واضح من عينيها التي تبرق من تحت النقاب. نظر إليها وخفق قلبه. كيف احتلت قلبه. كيف أحبها. لن ينكر الأمر بعد الآن. هو يحبها. يحب مياس. يحبها بكل رقتها. عفويتها. تعقيداتها. يحب قوتها وضعفها. يحب تصاعد اللهيب الأزرق في عينيها ويعشق عناقها. تقبيلها. يعشق أن يكون الحامي لها. يحب أن يتخذ دور الشخص الذي سوف يحقق كل أحلامها الذي سيكون معها إلى الأبد. تلك هي طبيعته إن أحب فهو يعطي كل شيء لشريك حياته. ابتسم وهو يشعر بالسحر نحوها وقال:
- مياس أنا بحبك!
شهقت وهي تسعل بقوة فابتسم وقال:
- على مهلك.
نظرت إليه بإرتباك وقالت:
- م... متقولش كده.
سيف:
- أنا بحبك.
مياس:
- سيف لو سمحت.
قالتها بحزن وقد لمعت العيون بعينيها.
سيف:
- أنا بحبك.
كررها للمرة الثالثة لتقول بمرارة:
- بس أنا لا. أنا مش بحبك.
ابتسم وقال:
- هتحبيني.
مياس:
- هتستنى كتير.
ابتسم وهو ينظر إليها بعمق وقال:
- مستعد أستنى طول العمر.
ماريانا... ماريانا!
كان يصرخ بها بقهر وهو يحاول أن يلج للمنزل لكي يراها ولكن والدتها كانت تقف أمامه وهي تصرخ به:
- بطل جنان بقا وروح. بنتي مبقتش عايزاك.
أثقلت الدموع عينيه وقال:
- أبوس إيديكي خليني بس أشوفها. أنا بقالي أسبوع هجنن بس واشوفها. هموت والله.
عزمي:
- يبقى اتعود لأنك من النهاردة مش هتشوف شعرة منها حتى.
ثم بقسوة أغلقت الباب بوجهه.
كانت تبتسم بسعادة وهي تمسك كفه. لقد عاشت أجمل أسبوع معه. لقد دللها يوسف حتى شعرت أنها عادت صبية صغيرة. لن تنسى تلك الأيام أبداً. فجأة توقفت وهي ترى سمرا أمام منزلها. متشحة بالسواد بينما الغضب يعمي عينيها.
ماجدة:
- سمرا.
قالتها ماجدة بدهشة لتقترب سمرا من يوسف وتمسكه من قميصه وهو تصرخ به:
- جوزي حماد مات. أتقتل. قتله لطيف وانت السبب يا يوسف!
رواية اسرت قلبه الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سوليية نصار
الفصل الثاني والثلاثون (ضياع )
(نحن لا ندرك قيمة الأشياء حتى نخسرها )لقد قرأ تلك العبارة عدة مرات ولكنه تجاهلها. .كما تجاهل الحب في عينيها ...كما تجاهل عطفها وحنانها ....اللهفة التي تخبره انه كل شئ في حياتها ...تألق عينيها من اجله...تلك اشياء ظنها بسيطة ...أخذها كأمر مسلم به والنتيجة انه حُرم منها ...هو الآن يبحث عن الحب في
عينيها ..اللهفة وتألق عينيها من أجله بضراوة فبختنق وهو لا يجده....والآن قلبه يصرخ بها سامحيني ...عودي وأحبيني ..امنحيني فرصة آخرى للحياة ولكنها لا تستجيب!
)جورج الحكيم لماريانا إسحاق)
............
رمش يوسف للحظات وهو يستوعب ما تقوله سمرا بينما تجمدت ماجدة كليا وهي تمسك كف ابنها بقوة .....
-سمرا خلينا ندخل ونتكلم جوا...
ثالتها ماجدة وقد خرجت من جمودها سريعاً هي الى الآن لم تستوعب الأمر ....الكلمات تدور داخل عقلها بقوة ولا تستوعبها...لطيف قتل حماد ويوسف هو السبب ...كيف هذا ...شعرت بالدوران قليلا لدرجة انها تمسكت بيوسف وهو تردد بصوت مبحوح ؛
-خلينا ندخل جوا...خلينا ندخل جوا يا سمرا...
ولكن سمرا شدت على قميص يوسف وهي تهدر بعنف بينما الدموع تغرق وجهها ...فبدت انها لم تسمع كلام ماجدة ولم تلاحظها من الاساس ....
-انت حقير ...حقير ...جوزي مات بسببك ...اتقتل بسببك ....كل ده عشان تتجوزها ...ضحيت بيه ....
أمسك يوسف كفها وقال بهمس :
-خلينا ندخل أنا بجد مش مستوعب اللي بتقوليه ...
بعد محاولات عديدة من يوسف ولجت سمرا الى المنزل معه ومع ماجدة ..كانت في حالة إنهيار تام قلبها يؤلمها كلما تتذكر الحالة التي وجدت بها زوجها .....
جلست على الأريكة وهي تتذكر ما حدث من يومين.....
.......
خرجت من المطبخ سريعاً وهي تتجه الى الهاتف الذي يرن بقلب خافق...لقد اختفى زوجها منذ يومين ...لقد ظنت انه ينام عند احدى عشيقاته...نعم تعرف من البداية ما يفعله ..تعرف انها قام علاقات لا عدد لها مع فتيات الليل ...حتى أنه توقف عن لمسها تماماً مكتفيا بفتيات اكثر اثارة من وجهه نظره...وهي تقبلت هذا ما دام يعود اليها كل مرة ..حتى لو لم يكن يلمسها ..يكفي انه يأتي...يمكث معها وتراه ...يكفي انه الحامي لها !! ....وغيابه لمدة يومين دون ان تسمع منه أي شئ قد اقلقها ...لقد كان يتصل بها على الأقل ...لذلك قد ابلغت الشرطة واخذت تدعو الله ان يكون بخير ...لا يهم ان كان يخونها مع احدى عشيقاته...حقا لا يهم...المهم أن يكون بخير ....
رفعت هاتفها وفتحته وقد استطاعت ان تسمع دقات قلبها بفعل التوتر والخوف والترقب ....اخذت تستمتع للصوت على الجهة الآخرى ...فجأة سقط قلبها برعب وقد انفجرت الدموع من عينيها حتى اغرقت وجهها...سقط الهاتف من يدها وسقطت هي على الأرض وقد ارتفع نحيبها
بعد قليل ....
كانت تسير على قدمين كعيدان المعكرونة تشعر انها سوف تسقط في أي وقت ...لقد اتصل بها الشرطي واخبرها انه يظن انهم وجدوا جثة زوجها ملقيه في النهر .....وطلب منها ان تأتي وتتعرف على جثته واجراء بعض التحاليل للتأكيد من هويته ...حيث ان الماء شوه ملامح وجهه بالكامل ...........
........
بعد قليل وقفت أمام الجثة وقلبها يرتجف داخلها...الدموع تغرق وجهها ...تتمنى ان يكون هذا مجرد كابوس...تتمنى ان يكون زوجها حي يرزق ..وان يكون هذا شخص آخر ...تعلم ان هذا مستحيل ....ولكنها تتمنى هذا...
كشف الطبيب عن وجه الجثة لتتراجع سمرا وهي تشهق بقوة ...فملامح هذا الرجل كانت مشوهة للغاية ....ولكن عينيها توسعت بصدمة وهي تنظر إلى كف هذا الرجل...كان ابهامه في يده اليمنى مقطوع ...انه هو ...هو زوجها حماد فكرت وهي تترنح وفجأة سقطت على الأرض وقد فقدت تماسكها ثم اخذت تصرخ بقوة .....
-لا لا حماااد
.......
خرجت من شرودها وهي تبكي بعنف ...كان يوسف ينظر إليها وضميره يؤنبه....هو من فعل هذا ...لقد عرض حماد للخطر ...
بينما ماجدة خرجت من الغرفة بعد ان ادخلت محمد لكي لا يسمع ما سيحدث ....
اقتربت ماجدة من صديقتها التي تبكي ....جلست بجوارها لتنظر إليها سمرا وهي تقول بإختناق:
-جوزي مات يا ماجدة ...حماد مات ....مات وسابني يا ماجدة ...أنا بموت!!
ضمتها ماجدة بآسى والدموع تثقل عينيها.. شعرت الآن انها لعنة على الجميع ...لقد اذت صديقتها ..تسببت في موت زوجها ...جعلت يوسف يتورط في هذا الأمر ... فجأة تبددت سعادتها الوهمية وأدركت ان امثالها لم يُكتب لهم السعادة ....انهمرت دموع ماجدة وهي تمسك كف رفيقتها وتهمس :
:-انا اسفة ...اسفة .....
-جوزي مات بسبب جوزك وطليقك...انتوا خربتوا بيتي ....
كانت تقولها بآسى ....وجهها قد اصبح احمر البكاء...شعرت ماجدة ان معدتها تتلوى من الألم ...لا تعرف ماذا تقول او كيف تواسيها ...نظرت الى يوسف بإستجداء والدموع تنهمر من عينيها ...كانت عيني يوسف تبرق بغضب ...هو من حفر قبره بيده ...اقترب يوسف من سمرا وقال :
-أوعدك اني هجيب حق حماد يا سمرا..
..........
بعد شهرين .....
-أنا خايفة ؟!
قالتها نوران وهي تحاول الا تبكي كي لا تفسد مساحيق التجميل البسيطة التي تزين شكلها ....كانت بالمركز التجميلي الخاص بالعرائس تجلس على الأريكة وترتدي فستانها الكريمي الواسع الذي يزين بطبقة من التل رقيقة...وترتدي عليه خمار طويل من نفس اللون ...أما رحيق كانت تجلس بجوارها ترتدي فستان يشبهها لكن الاختلاف انها ترتدي نقاب ابيض عليه اليوم هو زفافهما قد قررت دلال ان زفاف الفتاتان سيكون واحد ...ستخرج عروسين في نفس الليلة ...والامر كان سهل لان نوران انهت امتحاناتها وكانت تلك السنة الأخيرة لها ....كما ان أمجد اراد ان يتم زفافه هو وجيلان معهما ولكن جيلان رفضت بشدة وطلبت تأجيل الأمر مما جعل امجد يكاد يفقد عقله ...كان يرغب حقاً في قتلها تلك القطة المشاكسة هي تصر على تعذيبه .... .تنهدت امسكت رحيق كفها وهي تقول :
-اهدي...كل حاجة هتتحل ....ربنا هيحلها من عنده يا نوران ...
نظرت نوران إليها وقالت بأمل:
-تفتكري يا رحيق ان كل حاجة هتمر ولا هتفضح ...جاسم مش هيرحمني
.....صمتت قليلا وأكملت :
-تفتكري هتمر ...تفتكري مش هيعرف ...طيب لو عرف يا رحيق أنا هعمل ايه ...أنا مستعدة والله ابقى خدامة ليه بس ميفضحنيش....
قالتها بآسى وهي تشعر بالعالم بضيق بها ....رمشت رحيق وهي تشعر بالألم....تشعر حقا بشقيقتها وتتألم من اجلها ترغب ان تساعدها فلا تستطيع ....تشعر بالإرتباك ...ماذا تفعل من اجلها...وكيف تساعدها ....تشعر انها عاجزة تماما ولكنها ظلت تدعو لأيام ان يغفر الله نوران وان يسترها امام زوجها ....
ضمت رحيق نوران برفق وهي تقول :
-كل حاجة هتتحل ربنا هيسرها يا نوران ...
......
كان الزفاف اسلامي بسيط كان القرار مشترك ما بين رحيق ونوران ...جاسم اعجبته الفكرة اما عاصي فلم يبالي ابداً......فهو لا يمتلك أي اهتمام بعروسه .....
....
مرت لحظات الزفاف ثقيلة على نفس نوران تشعر بالفزع كلما لمس جاسم كفها....كان جاسم محتار وهو يرى خوفها غير المبرر وتذكر المرة التي مرضت بها عندما قبلها ....
......
انا آسف لو جرحتك يومها ...أنا كنت بقاوم حبك يا نوران ولما استسلمت قررت اكون نفسي واتقدملك ...عشان انتِ أغلى من اني اربطك معايا من غير ما اكون جاهز....أنا بحبك والله
عانق وجهها ثم اقترب وهو يقبلها بلطف شديد ...فجاة دفعته بقوة وهي تشعر بالغثيان ثم خرجت من الغرفة بسرعة وهي متجهه للحمام وهي تتقئ
شعر بالإرتباك وهو يخرج خلفها من حسن لاحظ ان الحمام قريب من غرفتها والجميع مشغول الآن ....
ذهب خلفها الى الحمام وجلس بجوارها وهو يربت على ظهرها ويهمس :
-حبيبتي انتِ كويسة ...أنا اسف مكانش لازم استعجل...
كانت الدموع تطفر من عينيها...مسح دموعها بحنان شديد ثم حملها خارجا من الحمام وولج بها للغرفة مسرعا وهو يشكر الله ان احد لم يراه حيث ان الجميع في الصالة خارجا يحتفل بعقد القرآن ....
اجلسها على الفراش وهو يربت على شعرها وقال بلطف :
-انا اسف...انتِ لسه مش متعودة عليا أكيد .. متقلقيش قدامنا شهرين نتعود على بعض ....
ارتجف جسدها ليقبل رأسها ويمسك كفها ويقول :
-أنا بجد.بحبك أووي يا نوران .......
أغمضت عينيها وهي تشيح بوجهها ...ابتسم وهو يقول :
-يظهر أن مشواري معاكي طويل ...
....
عاد من شروده وهو ينظر إليها بينما يفكر أنه لم يسعه الوقت ليقترب منها خاصة مع اقتراب امتحاناتها وتوترها الملحوظ ولكن لا بأس هو تزوجها ...سيكون اليوم معها تحت سقف واحد وسيفعل بها ما يريد !!
....
انتهى الزفاف ....
وقفت هي في غرفة الفندق التي حجزها جاسم لليلتين وكان متفق أن تُسافر معه إلى الغردقة حيث مقر سكنه وعمله وتعيش هناك خاصة أن ليس هناك اي عوائق تمنعها ...فقد أنهت دراستها ...كانت ما زالت بفستان الزفاف تشعر بالرعب ....دقائق وسوف ينكشف كل شئ ....تمنت أن يحدث أي شئ يؤجل المحتوم ....ولكن الى متى ستظل تعيش في الرعب .......ربما لو عرف سيستر عليها ...هو لا يحبها فحسب بل هي ابنة خالته لن يرضى لها الفضيحة ابدا...كانت تتمنى هذا داخلها ...ولكن جاسم رجل ...رجل يريد أن يكون الاول في حياة المرأة التي يحب ....رجل غير مقبول لديه ابدا ان تكون قد مست من قبل ...رجل بالتأكيد لن يغفر لها زلتها حتى لو كانت مظلومة ...حتى لو كان ابن خالتها ...حتى لو كان يعشقها ...هو بالنهاية رجل ....ارتعشت قليلا وهو يلج إلى الغرفة ...شحب وجهها قليلا وهو ينظر إليها ...عينيه كانت تفيض حباً وهو يقترب منها ويقول :
-ده كأنه حلم واتحقق يا نوران ...
ثم اقترب منها وحملها وهو يعانقها ...ثم أزاح الخمار بلطف عنها وهمس ؛
-انا هنسيكي كل لحظة بكيتي فيها بسببي ...هعتذرلك بطريقتي ....
ثم اتجه بها إلى الفراش....
............
كعادتها اخر شهرين جلست على الفراش بجوار الصغير وهي تستعد للنوم...كان قد نام أخيراً فهو قد حصل على عطلته وبالتالي هي في عطلة ....تنهدت وهي تتذكر كم أنها أصبحت تتجاهل امير في الأسابيع التي مضت وبسبب انشغاله في مشروعه الجديد كان متوتر للغاية ولكن بعد نجاحه الباهر يبدو أنه قد هدأ قليلا.....
انفتح الباب فجأة لتعبس وهي تجده يقف أمام الغرفة ...
-نعم عايز ايه ؟!
قالتها ببرود وهي تستعد لتنام ثم أكملت بإستفزاز :
-اقفل الباب لو سمحت عايزة انام. ..
ولكنه لم يستمع لها بل اقترب منها ثم انحني وحملها فجأة لتشهق وهي تضربه على صدره:
-انت بتعمل ايه يا بني ادم انت سيبني ...بقولك سيبني ...
ولكنه لم يهتم وهو يسير بها نحو غرفتهما ....
-امير ...انت اتجننت صح ...
حاصر عينيها وابتسم قائلا:
-دي الطريقة الوحيدة اللي تليق بيكي ...أنا استنيت شهرين كفاية ...وانا عايزك دلوقتي ....
ثم وضعها على الفراش ...حاولت الاعتراض والنهوض ولكنه امسك ذراعيها وثبتها على الفراش وهو يقول بصدق :
-انا بحبك ...بحبك ..ارتاحتي دلوقتي !!!!
نظرت إليه مشدوهة وقد شحب وجهها قليلاً ليستغل هو صدمتها ويقترب منها بينما ينال منها حقه كامل ...ياخذ حق تلك الأيام التي منعت عنه حقه فيها !!!
..............
-مش كنا اتجوزنا زيهم النهاردة ..كان زمانك طالعة معايا دلوقتي الشقة....
قالها أمجد بضيق ....كان يشعر بالغيظ من والدتها والتي تساند جيلان في كل قرار تتخذه....
ابتسمت دلال بخبث وهي تغمز لجيلان وتقول :
-تصبحي على خير يا حبيبتي ..أنا رايحة انام تعبت اووي النهاردة ....
ثم نظرت إلى أمجد وقالت:
-متقعدش هنا كتير لو سمحت....تطلع شقتك علطول ...البنت عايزة تنام...تعبت النهاردة اوووي ....
هز أمجد رأسه وقال:
-تمام يا أمي روحي أنتِ تصبحي على خير ....
استدارت دلال وهي تضحك ضحكة صغيرة ...جيلان بالفعل تأخذ بنصيحتها ...لقد عذبت أمجد كثيرا وهي لا تعطيه أي اهتمام ...بينما المسكين يفعل المستحيل ليرضيها ...ولكنها لا ترضى ابدا ...تعذبه ...تخبره أنها لن تستسلم ...يخرج أحيانا عن طوره بسببها ولكنه يعود ويحاول السيطرة على أعصابه فهو لا يريد خسارتها .....هذا ما إرادته دلال ...أرادت أن يدرك ابنها الاحمق ما خسره عندما أصر أن جيلان صغيرة عليه وأنه لا يريدها...تريد أن تتأكد أنه لن يكرر خطأ احمق كهذا مجدداً.
ما أن ذهبت والدته حتى استغل الفرصة وجذب جيلان نحوه ...صرخت بفزع وهي ترمش بينما تجد نفسها ملتصقة به بينما كفيه على خصرها يمنعها من التحرك ...رفعت نظراتها الفزعة وهي تنظر إليه ثم رفعت كفيها وهي تضعها على صدره لكي تدفعه بينما تقول بوجه احمر من الخجل والغضب :
-ابعد .. ابعد يا أمجد ...انت اتجننت...والله انادي مرات عمي واقولها على عمايلك ...
-ناديها ...انا مبعملش حاجة غلط ولا حرام ...أنتِ مراتي ...من حقي اعمل كده ...
حاولت أن تفك يديه عن خصرها ولكنها فشلت تماما وهي تهمس بفزع :.
-بقولك سيبني ...انت بتعمل ايه ؟!
اخذ ينظر إليها لحظات والحيرة ترتفع داخله ...يريد أن يفهم لماذا هي تبعده عنها بتلك الطريقة .....لقد ظل يطاردها لشهرين كاملين ...شهرين وهو يعتذر ...يخبرها أنه يحبها ...أراد أن يتزوجها اليوم لتكون معه للابد ولكنها رفضت وهو قد احترم قرارها...كيف يمكنه أن يقنعها أنه يحتاجها بشدة ...يريدها بجواره ..ليست زوجة فحسب بل لتكون رفيقة عمره...الا يمكنها أن تغفر وتعطيه فرصة؟!هو يعترف أنه أخطأ كثيرا ولكنه يريد أن يصلح هذا الخطأ ...يريد أن يداوي جراح قلبها ولكنها لا تعطيه أي فرصة ...تقسو عليه وهو الذي أدرك كم يحبها ..ولا يمكنه أن يتحمل معاملتها تلك ...يشعر أن الآية انقلبت الآن ...فهو ما كان من البداية يعاملها بجفاء ولا يهتم بنظرات الحب الصارخة بعينيها ...لم يهتم بمحاولتها للتغيير من اجله وذهب بكل برود ليخطب أخرى .....لم يهتم يجرحها ...هل شعرت بهذا الألم الذي يشعر به الآن وهو يحاول الاقتراب منه ولكنها لا تقبل ...ولكن لا بد أن الألم كان أسوا ...فقد كان ألمها مصاحب لألم الغيرة
بالطبع شعرت بالغيرة وهو يخطب غيرها ويجهز لحياته معها. . هو يعرف هذا الشعور. ..ألم يجربه عندما طلب فادي يد جيلان ...لقد شعر أن عالمه يُهدم ورغم أن فادي قد أعلن سروره بعقد قرآن ابن خالته على جيلان ولم يُكسر قلبه لحسن الحظ ولكنه أراد اليوم في زفاف نوران ورحيق أن يكسر رأسه لانه رأه يكلم جيلان ....وما أن اقترب منهما بغضب اكتشف أنه يحييها فقط بلطف ...ولكنه رغم ذلك لم يستطع أن يسيطر على شعور الغيرة .. ...
خرج من شروده بينما يراها ما زالت التحرر منه ...
-أمجد بقولك ابعد !!
قالتها وقد لون الغضب نبرتها كما لون وجهها
لم يستمع لها بل قربها أكثر حتى اصطدمت أنفاسه بجبهتها...كتمت أنفاسها وهي تقول بإختناق:
-لو سمحت سيبني. . قولت سيبني.
-فيه ايه يا جيلان...هو عقابك ليه مش هيخلص...
رفعت عينيها وهي تنظر إليه وتقول :
-انا مش بعاقبك ولا حاجة ...لو سمحت سيبني ...بقولك سيبني ...عايزة اروح انام ...
-جيلان أنا اتحملت كتير ...بحاول اعدي واصبر وادادي واصالح عشان عارف اني غلطت في حقك ...بس تعبت من التصرفات الطفولية دي !!!
تخشب جسدها بين يديه ونظرت إليه ببرود اربكه...رباه لقد أخطأ مجددا...أرجعت رأسها للخلف قليلا وقالت ببرود:
-مادام شايف تصرفاتي طفولية كده ممكن تسيبني وتروح تتجوز واحدة غيري ...أنا مش اجبرتك تتجوزني ....
عض لسانه بغضب وهو يفكر أنه يجب أن ينتبه إلى كلامه كي لا يزعجها ...ابتسم وقال بلطف :
-مقدرتش احب غيرك ....
التمع بريق الدموع في عينيها وقالت :
-لا يا أمجد عادي انت روحت خطبت وحبيت غيري ...ولما جيت اعمل أنا كده قلبت الدنيا ....
زفر بضيق وهو ما زال ممسكاً بها وقال:
-هو أنا مفروض اتعاقب لحد امتى ....
اشاحت بوجهها عنه ليقبل خدها ويقول :
-أنا بحبك ...بحبك ماشي . .بحبك أنتِ أنا عرفت ده متأخر صحيح ...غلطت عارف والله بس انا بحاول اصلح غلطي ...بحاول اصلح عشان باقي عليكي وبحبك يا جيلان فساعديني شوية ....
شهقت بخفوت والدموع تنساب من عينيها ليضمها إليه ويقول :
-أتأكدي اني محبتش غيرك ...قاومت كتير بس فشلت في النهاية ....هحبك دايما يا جيلان
ابعدها قليلا ثم قبل رأسها وقال:
-روحي ارتاحي دلوقتي ...مش عايز امي تطلع وتبهدلني ...
هزت رأسها وهي تتحرر منه وتذهب بينما يتنهد هو يفكر ...الى متى سوف يتعذب ببعدها عنه
.......
في احدى الحانات ....
كان يجلس على المقعد أمام الساقي وهو يشرب كأس الخمر....قميصه مفتوح حتى الصدر وسترته ملقاه على جنب ....كان يعرف ما يفعله ...وهذا الذي كان يفعله من شهر تقريباً...يأتي هنا ويشرب حتى يفقد الوعي من السكر ثم يأتي كريم صديقه يعيده لمنزله ويبقى معه حتى الصباح ...ويتكلم معه لكي يعود إلى رشده ولكنه لا يهتم لكلامه ويعود هنا مرة أخرى ...تلك أصبح الروتين الخاص به منذ أن رفضت العودة إليه ...منذ أن أخبرته ببساطة أن يتركها وشأنها.....
صيحة منخفضة خرجت من بين شفتيه ...صيحا غضب ...يأس ...يتذكر عينيها ..رباه عينيها أصبحت باردة ...ما زالت نظراتها تلاحقه حتى بعد شهر ...ثلاثين يوماً كاملين !!! ...أغمض عينيه ودموعه تنساب بقوة وتذكر في أحد المرات عندما ذهب إلى منزلها وأحدث فضيحة هناك أنه يريد أن يراها ...كان هذا بعد محاكمة السارقين الذين سرقوا منزله واعتدوا عليها ....لقد تم الحكم عليهم بسرعة ولكن ادهم كان حكمه أخف من حاتم ...يومها ذهب إليها وطلب من والدتها أن يراها واخبرها بكل صراحة أنه لن يذهب حتى يرى ماريانا
..........
-انت بجد مجنون ...هو فيه ايه يا بني ...انت مش ناوي تسببها في حالها ...حرام عليك كفاية اووي اللي حصلها بسببك ...سيب بنتي في حالها بقا !!
صرخت والدة ماريانا به ...كانت عينيه حمراء من أثر البكاء ...كان يبدو في حالة مذرية للغاية ...يشعر بالضياع ....
-ممكن بس تخليني اشوفها ...اشوفها مرة واحدة بس عشان خاطري يا طنط ....أنا عايز اكلمها ...أنا هتجنن واشوفها ومش عارف ...مر شهر من اخر مرة شوفتها ....
-انت دمرت بنتي ...عايز ايه تاني ...حرام عليك سيبها تتعافى بعيد عنك ..روح اعمل اللي بتعمله ...روح لسيلا دي ...روح لحبيبتك وعك معاها براحتك وسيب بنتي في حالها ....
-حرام عليكي خليني اشوفها ...أنا مش عايز غيرها ...صدقيني هموت ...أنتِ مش عارفة باللي فيا....
-مش عايزة اعرف !!!
قالتها بقسوة شديدة ثم أكملت :
-مش عايزة اعرف اللي فيك ولا مهتمة اصلا ...كفاية يا ابني اللي عملته في ماريانا ...البنت لحد دلوقتي بتعاني ... بحاول أخرجها من اللي هي فيه ومش عارفة
-مش قادر ...والله ما قادر انساها ...
قالها بتعب ...بيأس ....كانت الدموع تنهمر من عينيه دون كبرياء ... ألمه كان عظيم ...كان مستعد للتوسل...بالإضافة لإنهياره لأنها غادرت حياته ولأنه أدرك كم يحبها ...فهو يشعر بتأنيب الضمير بسبب خسارته ..هي لم تخسر طفلها فحسب بل خسرت حياتها. ..بهجتها وسعادتها والسبب هو ...لا يصدق أنه أذى أكثر شخص أحبه في تلك الحياة....لقد أحبته ماريانا كثيرا .. اعطته كل شئ ...الحب ..الاحترام ...الاهتمام ...وهو ..هو بيده ألقاها إلى النيران ....لقد اخذها كشئ مسلم به في حياته. ..ضمن حبها ...ضمن بقاءها ...ظنها أنها لن تذهب ابدا ...لن تتركه ابدا !!ولكنها فعلت وتركته وهو الآن يموت فقط ليراها ....مستعد أن يموت ويضمها للمرة الأخيرة ...لقد أخذت كل ما يخصها من المنزل لم يجد أي شئ يذكره بها ولكن ذكرياتهما سويا كانت تقتله !!...
-انا متأكدة أن سيلا هتخليك تنساها ...خلاص روحلها وسيب بنتي في حالها ...ابوس ايديك يا بني كفاية حرام عليك ...عايز ايه منها تاني ...دي خسرت ابنها واتحرشوا بيها واتذلت لحبيبتك ...عايز تموتها كمان
-خلاص يا ماما دخليه ...
قالتها ماريانا بهدوء وهي تخرج ....
صوب جورج نظراته نحوها .. كانت عينيه تلتهمانها .... آه ..شوقه لها في تلك اللحظة كان كبير للغاية ...شهر. . ثلاثين يوما وهو يتوسل لكي يراها فقط وها هي تخرج من غرفتها ...شعرها الأسود الطويل يعانق وجهها ...ترتدي منامة من القطن محتشمة ...تبدو جميلة ...ضعيفة ..هشة ...ونظراتها فارغة من الحياة تماماً!؛!....
ولج جورج وهو يقول بشوق :
-ماريانا...ماريانا ..
كان لا يصدق عينيه وهو يراها بتلك البساطة ...هل اشفقوا عليه اخيرا ....زفرت والدتها بضيق وأغلقت الباب وهي تقول :
-انا رايحة اعملكم حاجة تشربوها ....
وما أن تركتهم حتى اندفع نحوها ...جلس على الأرض بجوارها ثم أمسك كفها وأخذ يقبل باطنه كالمجنون ....
-يا حبيبتي ...يا حبيبتي !!
قالها ودموعه الساخنة تنهمر على كفها ...
سحبت كفها بلطف وهي تقول :
-جورج ...
نظر إليه بعينين حمراء وقال:
-مش قادر اعيش يا ماريانا والله ما قادر اعيش من غيرك ...انا بموت والله ...
-جورج ...
قالتها بهدوء إلا أنه امسك كفها بقوة وهو يقول :
-ارجعي معايا البيت ...ارجعي يا ماريانا ...والله ما هزعلك تاني ...والله هعمل اللي أنتِ عايزاه بس ارجعي ...أنا والله بحبك ...مش قادر اتخيل انك سيبتيني ...انا بموت يا ماريانا ...بموت والله ...
-جورج كفاية ...
قالتها بهدوء ...عينيها فارغة تماماً من المشاعر ...كان يبحث عن الحب ...عن اللهفة التي كانت تظلل عينيها دوما فأختنق وهو يبحث دون جدوى ...لا لا...هذا مستحيل ...ماريانا ما زالت تحبه ...ماريانا لن تتوقف عن حبه...لا يجب أن تفعل والا سوف يموت ...
-كفاية أنتِ يا ماريانا . .تلاتين يوم وانا زي المجنون باجي كل يوم عشان اشوفك بس مش قادر .....أنا غلطت بس والله ندمان على كل لحظة كنت بعيد عنك ... سامحيني وارجعيلي ....
ثم أمسك كفها وبدأ يقبله مجددا كالمجنون ...
-أنت بتحبني يا جورج ؟!
قالتها وهي تنظر إليه ...نظر إلى عينيها الخالية من المشاعر وقال :
-بموت فيكي مش بحبك بس ....مش واضح من حالتي ...أنا مفيش حد مترجتهوش أن يحاول يصلح بيننا ....
سحبت كفها وقالت وهي تبتسم بشفقة على حاله :
-لو بتحبني صحيح سيبني. ..ارجع لحياتك يا جورج ...لو عايز تروح لسيلا روح ...وارجع لشغلك ...متجيش هنا تاني ...أنا مبقتش اخصك خلاص ...
ثم تركته ونهضت ....
..
خرج من شروده ونحيبه قد تعالى ...هز الساقي رأسه فهو يفعل ما يفعله كل يوم ...يشرب ثم ينفجر بالبكاء ويفقد الوعي ثم يأتي صديقه ليأخذه
........
-انا مبسوطة اووي انك اخيرا جيتي بيتنا ...
قالتها أملاك وهي تقترب من رحيق وتحرك الكرسي المتحرك الخاص بها نحوها. .
ابتسمت رحيق بحنان وهي تقترب من الفتاة وتضمها وهي غير مهتمة بتجعد فستان الزفاف الخاص بها ....
ابتسمت أملاك وهي تضمها بقوة مستشعرة لأول مرة حنان امرأة.....كان عاصي يقف وهو يشعر بالرضا ..هذا ما يريده من هذا الزواج ...هذا فقط ....ليس مهتم بعلاقة زوجية أو حب ...هو يريد ام لإبنته ....
ابتعدت أملاك عن رحيق وأمسكت كفها وقالت وهي تنظر لوالدها :
-بابا هو ينفع ماما رحيق تنام معايا النهاردة ؟!
هز عاصي رأسه وقال:
-لا يا بابا مينفعش ...النهاردة ليلة دخلتنا ولازم تبقى معايا انا ....
شهقة خفيفة هربت منها وهي تنظر إليه ...كيف يقول هذا على الملأ ...فيما سيفكر الخدم ...احمر وجهها تحت غطاء الوجه بإرتباك ...لتقول أملاك مرة آخرى :
-طيب مينفعش انام معاكم في الاوضة ...
-املاك فيه ايه ...قولتلك مينفعش يا بابا ...رحيق هتبقى معاكي طول النهار . ايه مش كفاية....لازم تدي بابا شوية وقت ...أنا جوزها في النهاية ....
مش صح يا مراتي ...
قالها وهو يجذبها إليه برقة حتى التصقت به بينما وضع ذراعه على خصرها....
انتفض جسدها بشكل مبالغ فيه لدرجة أنه عبس بشدة ...لا يصدق ...هل تخجل لتلك الدرجة ؟!!كانت ترتعش فعلا بين يديه ...شعر بإضطراب دقات قلبها ...أنه المرة الأولى الذي يرى امرأة تخجل بتلك الطريقة ...فجأة ابتسم بسخرية وهو يفكر انها لا بد أنها تمثل هذا ...فلا يوجد أمراة في هذا الزمن تخجل لتلك الدرجة ....
-نهلة ودي أملاك اوضتها وخليكي معاها لحد ما تنام ...هي النهاردة سهرت زيادة عن اللزوم ..
قالها عاصي بجدية موجهاً كلامه لنهلة المربية الخاصة بأملاك ...
نظرت نهلة بحزن إليه ثم إلى زوجته وتمتمت:
-أمرك يا عاصي بيه ....
ثم دفعت الكرسي المتحرك نحو الغرفة التي بالدور الأرضي والتي تكون لأملاك ...
-يالا نطلع احنا.
قالها بنبرة جامدة وهو ما زال مبقيا على يده على خصرها ...كانت ما زالت ترتعش وقد احمر وجهها بالكامل بسبب خجلها منه ....ولكنه لم يرحمها بل ظل يسير بها حتى صعدا للأعلى إلى غرفتهما....
....
فتح الباب لتلج هي بتوتر وتنظر إلى الغرفة ذات الاثاث الراقي ...الحادة قليلا والمنظمة بشدة ....
ابتلعت ريقها وهي تنظر إلى الفراش الواسع وهي تفكر أن ربما الله يحبها لأن عاصي لا يرغب بها ولم يجعلها زوجته....فلمسه بسيطة منه جعلتها ترتجف بتلك الطريقة الغريبة .....
-تقدري تغيري براحتك هنا ...أنا هطلع الجنينة أدخن شوية تكوني خلصتي يا عروسة ....
ثم تركها وذهب ....
وضعت كفها على قلبها وهي تحاول أن تهدأ من دقات قلبها ...هذا الرجل متقلب المزاج سوف يرهقها معه....يجب أن تتجنبه بإصرار ...هي هنا من أجل أملاك...أملاك فقد يجب ألا تنسى هذا ....
اتجهت نحو الخزانة وأخرجت لها قميص اوصتها دلال بإرتداءه بعد جدال واسع حيث أن هذا القميص هو أكثر قميص محتشم من بين ما أتت به والدتها ...بدون اكمام و قصير قليلا ....
-الله يسامحك يا ماما دلال ده قميص البسه برضه ....ده قصير خالص يقول عليا ايه ...الحق عليا اني وعدتك يعني ...كان ينقطع لساني ...اكيد هيفهمني غلط ....
هزت رأسها ثم سحبت الاسدال وهي تلج للحمام لكي تتوضأ وتصلي ركعتين وتدعو الله أن تمر ليلة نوران على خير
بعد أن أتمت صلاتها نهضت وهي تخلع الاسدال عنها في تلك اللحظة ولج عاصي ...شعرت بقدومه وارتبكت قليلا بينما ما زال رأسها عالقه بالإسدال فلم تراه...توقف للحظات وهو يراها بتلك الحالة...وقعت عينيه على بشرة ساقيها السمراء الظاهرة من القميص ...وثبتت عينيه هناك ......خلعت الاسدال سريعا وهي تنظر إليه بإرتباك لتجد نظراته مشتعلة على غير عادته ...نظرت إلى حيث ينظر لتشهق وهي تجد قميصها قد ارتفع قليلا وأصبح أعلى ركبتها ...وهو ينظر إليها دون أن يرمش حتى ....شدت قميصها للاسفل وقد احمر وجهها بالكامل وشعرت بوجهها ساخن بفعل الخجل .....
نظر اخيرا إلى وجهها وقد اختفت نظراته المشتعلة وقال :
-تقبل الله ...
ثم ولج إلى الحمام لكي يستحم ويصلي قبل أن ينام ....
....
خرج بعد قليل وكان شعره الطويل قليلا رطب بفعل المياه ...كان يرتدي بنطال اسود من القماش وقميص قطني بنص كم ....
فرش سجادة الصلاة وبدأ في الصلاة بينما جلست رحيق على الفراش بإرتباك وهي تفكر كيف ستنام جواره ...لا بد أنها سوف تموت من الخجل. ....
أنهى صلاته ووضع السجادة في مكانها في الخزانة التي كانت منظمة للغاية ...تعترف أنه حقاً منظم للغاية ....
ثم خلع قميصه القطني فجأة لتبهت وهي تنظر إليه.....
-انت ...انت بتعمل ايه ؟!
قالتها فزعة ...بينما عينيها متسعتان ووجهها اصبح احمر بالكامل ....توقف مكانه لحظة وهو يرفع حاجبيه ويقول :
-هنام!
-هتنام هنا ...بالمنظر ده ....
قالتها وهي تشير بعصبية الى جذعه العاري...
التقطت عينيها رغماً عنها شكل صدره العضلي العريض...اشاحت بوجهها مرتبكة وهي تهمس :
-استغفر الله العظيم يارب .....
نظر إليها بسخرية ...كان لا يصدق انها تخجل لتلك الدرجة ...لا بد انها تدعي هذا . ..
-ايوة هنام هنا ...دي اوضتي وده سريري ....
-بس انت قولت مش هيحصل بيننا حاجة ...
نظر إليها بنفاذ صبر وقال :
-اظن سنوات عمرك اللي اكتر من التلاتين كفيلة تعرفك ان اللي بيحصل بين اتنين متجوزين في الليلة دي هي اكتر من النوم جنب بعض ...أنا مجرد هنام.جنبك....
شعرت بالإحراج ثم رأته برعب ينام على الفراش ....
نهضت وقالت بإرتباك :
-انا رايحة انام عند أملاك ...
ثم استدارت لتذهب ولكنه أمسك ذراعها وشدها نحوه حتى سقطت برعب على صدره ...توسعت عينيها بصدمة وقد تجمد جسدها بالكامل وهي تدرك وضعها المخزي ...كان اللهب الأزرق يتصاعد بعينيه وقال؛
-بصي أنا تعبان محتاج انام ..مش فاضي لتصرفات الاطفال دي ...فيه خدم في البيت وهيتكلموا لو شافوا العروسة اللي ليلة دخلتها النهاردة راحت تنام عند بنت جوزها ...هقولها تاني يمكن تستوعبيها ...أنا مش هلمسك ...عشان ببساطة انتِ مش بتجذبيني ولا بأي طريقة ...وغير كده انتِ مش نوعي المفضل ....كلامي مفهوم !!!
هزت رأسها وهي تمنع دموعها من الانفجار ثم ذهبت بهدوء ونامت على جانبها ....ابتسم هو برضا وأغمض عينيه لكي ينام ....
...........
في اليوم التالي ....
تنفست عدة مرات وهي تحارب التوتر ....لا تعرف كيف اطاعته وخلعت غطاء الوجه لكي يتناولا الإفطار بالأسفل ثم سوف يذهبان إلى منزل رفيقه لحفل نهاري ...كانت تقف أمام المرآة تنظر إلى انعاكسها وبريق الدموع بعينيها ....لقد بدأت بتقبل نفسها ببطء طوال الشهرين الفائتين ....وسيف كان معها في كل خطوة لم يتركها ابدا ....أخبرها مرارا أنه يحبها كما هي ...أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما وهي تتذكر اعترافه بالحب للمرة الثانية .....
.......
توقفت السيارة أمام إحدى المطاعم الشهيرة ...خرجت هي منها وهي تنظر حولها بحيرة بينما أخبرها سائق عمها أن سيف ينتظرها بداخل المطعم ...هزت رأسها وهي تلج للمطعم الراقي الذي لا يناسب ملابسها ابدا ..فهي كانت ترتدي فستان باللون الاسود عليه غطاء الوجه وحذاء رياضي ابيض ....
عبست وهي ترى الإضاءة الخفيفة للمطعم
-سيف ...
قالتها بخفوت وهي تنظر حولها ...فجأة رمشت بدأت الانوار تفتح حتى ظهر الشكل الرائع للمطعم الفارغ ...كانت قد اُزيحت الطاولات وبقت طاولة فقط في المنتصف عليها كعكة عليها اسمها ..بينما كان يقف بجوار المقعد الأنيق وهو يمسك الجيتار ...كان مرتدي قميص ابيض تعلوه ستره زرقاء وبنطال ازرق من الجينز ....
..
..
تجمدت للحظات وهي تنظر إليه بينما بدأ هو في الغناء اغنية لعبد الحليم بينما يعزف بجيتاره
هيا دى هيا فرحة الدنيا
دق يا قلبى غنى يا عينيا
ابتسامتها ويا رقتها ورده بتفتح يا حلاوتها
و انتا يا قلبى ياللى حبيتها أدى نظرتها لسه فى عينيا
هى دى هى فرحة الدنيا دق يا قلبى غنى يا عينيا
بالى كان خالى و انشغل بالى
نظره و التانيه غيرو حالى
و ابتدا عمرى بالهوا الغالى
و ابتدا قلبى يعرف الدنيا
هيا دى هيا فرحة الدنيا رد يا قلبى غنى يا عينيا
ترك الجيتار واقترب منها وهو يجذبها إليه ثم يبدأ يرقص معها وعينيه تحاصر عينيها الزرقاء بينما يكمل ؛
العيون ديا هى احلامى
هى يا عينيا حبى و غرامى
نورها حواليا مالى ايامى
و الهنا كله فى العيون ديا
و المنا كله العيون ديا
هيا دى هيا فرحة الدنيا
دق يا قلبى غنى يا عينيا
.....
انتهى من الأغنية وهو يبتسم لها ....ابتسمت بتوتر وهي تقول بينما تبتعد عنه :
-صوتك حلو على فكرة...
-أنا بحبك يا مياس
-متقولش كده ...
قالت بإختناق ودموعها تنهمر من عينيها ...فعبس وقال :
-ليه مش قادرة تصدقيني ...أنا بحبك....
ابعد غطاء الوجه عنها ليجد ملامحها يائسة ...مسح دموعها وقال:
-بصي في عيوني يا مياس ...شايفة اي حاجة فيها غير الحب ...
ابتلعت ريقها وهي تبحث عن الإشمئزاز أو الشفقة فلم تجد ...أغمضت عينيها وهي تقول :
-ممكن لو عملت العملية ونجحت اقبل حبك ده ...انت تستحق واحدة حلوة..مش مشوهة ....
شدد على وجهها وهو يقول بعنف عاطفي :
-اسمعي اللي هقوله عشان هقوله علطول وهقولهولك كل يوم ...أنا بحبك ..بحبك زي ما أنتِ سواء عملتي العملية ولا لا سواء نجحت ولا لأ انا بحبك....قلبي بيحبك يا مياس وأنا بصدق قلبي...حبيني يا مياس زي ما بحبك ....
بكت وهي لا تستطيع أن ترد عليه ...
مسح دموعها برفق وهو يقول :
-أسف ...اسف مكنتش معاكي ..اسف اني مقدرتش أحميكي...
ثم عانقها بعاطفة وأكمل :
-وعد أن عمري ما هسيب ايدك يا مياس ...حتى لو أنتِ طلبتي ده ...
،خرجت من شرودها على قبلته اللطيفة التي سقطت على وجنتها ...نظرت إليه بخجل ليمسح دموعها بصمت دون أن يعلق ....ابتلعت ريقها وقالت:
-انا خايفة ...
-أنا معاكي...معاكي دايما ...
ثم قبل كفها وقال :
-يالا يا مراتي يا اغلى من حياتي ....
ابتسمت له بعيون لامعة وهي تضع كفها في كفه وتسير معه ...تمنحه ثقتها كما منحها قلبه ....
خرجا من الغرفة وأطرقت هي رأسها بخوف وهي تتمسك به وكأنه أمانها... ماذا ستكون رد فعل الخدم على شكلها ...فلم يرى أحد وجهها غير سيف وعمها ....ضمها إليه وهو يهمس بلطف :
-اهدي يا حياتي ...
ثم قبل رأسها ...وقال :
-بالمناسبة فستانك حلو اووي ...
نظرت لفستانها الأزرق الذي يماثل لون عينيها الرائع ...وحجابها من اللون الأبيض ....
نظر إليه وعينيه تفيض بالعشق وقال:
-يا بختي بيكي ....
.................
خرجت من الحمام وشعرها رطب بفعل الماء ...لم يتحدث منذ الأمس ....تذكر أن أثناء إتمام زواجه عليها تجمد للحظات وهو ينظر إليها بشك ولكنه أزاح تلك النظرات سريعاً وهو يقبلها بلطف ...كانت تشعر بالفزغ ...لماذا لم يتكلم ...لماذا لم يعلق .....
وجدته يقف أمام النافذة ثم اقتربت منه بهدوء وهي تقول :
-جاسم ....
نظر إليها فورا ...كان يبدو عليه الشرود قليلا ....
-جاسم امبارح ...امبارح ....
وضع كفه على فمها وقال:
-بس ..بس متكمليش ...أنتِ فاكرة اني جاهل ولا ايه ...أنا عارف ان فيه حالات معينة للستات بتكون مختلفة ...أنا واثق فيكي يا نوران ...مستحيل تكوني عملتي حاجة غلط ...
أغمضت عينيها بآسى وهي تفكر أنه يثق بها...هو أعتقد أن ما زالت عذراء وان ما حدث نتيجة لأختلاف لديها ....كانت لا تريد أن تخدعه أكثر من هذا ...لا يمكنها ان تتحمل هذا الذنب لتقول فجأة وهي تبكي :
-لا يا جاسم ...ده مش بسبب حالة عندي ولا سبب طبي...أنا فعلا مكنتش بنت ...انت مش اول واحدفي حياتي !!!!
رواية اسرت قلبه الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سوليية نصار
يؤلمني أن أراك تخاف لتلك الدرجة وأنت المجنون الذي لا يهاب الموت.
ماجدة ليوسف.
كانت تعد الإفطار بشرود، تتذكر ما حدث بينهما. تتذكر اعترافه بالحب. الحقيقة هي لم تصدقه، ولكن رغم ذلك استسلمت له. كم تشعر بالخزي من نفسها. لأكثر من شهرين قاومته بكل ما تملك، لم تعطيه أي أهمية، لم تدعه يلمسها. كانت تراه يحترق ليحظى لو باهتمام بسيط منها. ولكنها شعرت بالنصر وهي تراه يعاني بتلك الطريقة. ولكن الغبية قد أضاعت كل شيء وهي تستسلم له بالأمس بكل بساطة.
ضربت على رخامة المطبخ بغضب، ليتوجس أمير الذي كان قد ولج للمطبخ. ابتلع ريقه وهو يراها بتلك الحالة. فهي منذ أن استيقظت اليوم وهي في حالة غريبة. لم تبتسم له وبدت أنها غاضبة. يا رب هل ارتكب شيئًا خاطئًا؟ لقد اعترف لها بحبها، أظهر لها كم يحبها، دللها، أعطاها روحه بالأمس. فلماذا هذا الغضب من ناحيتها؟ أراد أن يتحدث معها، يجب أن يتحدثا سويًا، أن يصلحا الوضع بينهما. ولكن سما بدت وكأنها غير مستعدة لهذا تمامًا. إنه يشعر بغضبها الشديد، وليعترف أنه يخاف منها حقًا في تلك اللحظة.
تنهد وهو يقرر التحدث معها. لن يسمح لها أن تنغلق عن نفسها. صحيح أنها غاضبة، ولكنه سوف يهدئها. اقترب منها بينما كانت هي تضع كفيها على رخام المطبخ وتشعر بنيران داخلها. وضع كفيه على كتفها. أغمضت عينيها بإنفعال وأرادت الصراخ به، ولكن بدا أن صوتها لا يخرج من فمها.
مسد كتفها ثم قبّل كتفها بلطف وقال:
حبيبتي.
مش فاضية، عايزة أحضر الفطار.
جعلها تستدير وأمسك كفها ثم قبّله وقال:
يستنى الفطار. أنا عايز أعرف مالك.
نظرت إليه ببرود وقالت:
مالي يعني، ما أنا كويسة أهو. شايفني بشد في شعري؟ كل الحكاية إني مش فاضية وأنت معطلني. أنا عايزة أحضر الفطار.
نظر إليها وهو يتنهد بتعب. لماذا تصر على هذا البرود؟ لماذا تبعده بتلك الطريقة؟ ألا يعني حبه لها أي شيء؟ ألم تعنِ كلماته بالأمس أي شيء؟ هل حبه لا يهم بالنسبة لها؟ كان يشعر بالغضب، بالحيرة، واليأس. كلما حاول الاقتراب منها تبتعد هي. تقترب منه أحيانًا، تضطرم نيران العشق بقلبه، ثم تعود هي لبرودها. شعر حقًا بالغضب الشديد منها.
فيه إيه يا سما؟ هو كل اللي قولته امبارح ملوش أي قيمة ولا لازمة عندك؟ أنا قولتلك إني بحبك، بحبك. ده ملوش لازمة؟ من الصبح بتعامليني ببرود. أنا معرفش بتعاقبيني على إيه؟ أنا بقرب منك وأنتِ مصممة تبعديني. مصممة تخلينا نخسر بعض.
قالها بيأس وهو ينظر إليها. كان البرود يكسو ملامحها. لم تظهر أي انفعال. قالت بإستفزاز:
خلصت كلامك؟ ممكن بقى تطلع عشان أكمل باقي الفطار. صدقني أنا مش فاضيالك.
امسك ذراعها بعنف وصرخ بها:
أنا بجد مشوفتش أبرد منك. هو فيه إيه يا سما؟ إيه البرود ده؟ أنا عملت إيه لده كله؟ ده أنا بقولك بحبك. عايزاني أعملك إيه تاني؟ أراضيكي إزاي تاني؟ شهرين وأنا بحاول أراضيكي. شهرين وأنتِ بعيدة عني بتعامليني ببرود وجفا وأنا متحمل. بتعاقبيني معرفش على إيه؟ جيتلك امبارح وقولتلك إني بحبك. بحبك. ورغم كده بتعامليني برضه ببرود؟ قولili يا سما عايزة إيه؟ إيه اللي يرضيكي عشان أنا بجد مبقتش عارف أراضيكي!
لو سمحت سيبني!
قالتها وهي تحاول التحرر منه. كانت تحاول التمسك بقناع البرود ولكنها كانت تفقده. كان ينقشع عنها البرود ليظهر كم هي امرأة حزينة يائسة. كم هي محطمة ومتألمة بسببه!
هز أمير رأسه وقال وقد فقد صوابه:
لا مش هسيبك. قوليلي إيه مشكلتك. قولتلك امبارح إني بحبك. خرجت كل اللي في قلبي. حسستك إنك أهم واحدة في حياتي. فإيه المشكلة؟ فهميني يمكن أنا غلطت وأنا مش فاهم!
خلاص قولتلك سيبني.
قالتها بإنفعال وقد بدت الدموع تطفر من عينيها ونشيج حار يفلت من بين شفتيها. ظهر وجهها الحقيقي، وجهها الحزين واليائس. نظر إليها مصدومًا وهو يقول:
فيه إيه يا سما؟ ثم مسح دموعها وهمس: أنا عملت إيه لده كله؟ أذيتك في إيه؟
أنت.. أنت عملت اللي عايزه. فدلوقتي بتمثل لي ليه؟
بمثل؟
قالها بصدمة لترد:
أيوه بتمثل. أنت امبارح قولتلي بحبك عشان تقدر تلمسني وتاخد حقوقك. المسرحية خلصت وأخدت اللي انت عايزه. عايز إيه تاني؟ عايز حقوقك مرة تانية النهاردة كمان. يالا انطق متتكسفش!
انت بتخرفي بتقولي إيه؟
كان يقولها بصدمة وقد ظهر الغضب في نبرته. ثم أكمل:
انتِ مجنونة. بجد مجنونة! انتِ سامعة نفسك بتقولي إيه؟
زعق بها لترتجف هي. وأكمل هو بنفس الإنفعال:
بجد فاهمة اللي بتقوليه؟ أنتِ شايفة إني إنسان واطي؟ بيكذب عشان ياخد حقوقه منك؟ لا يا سما.. أنا عمري ما كذبت عليكي. أنا لما كنت مبحبكيش قولتها ومخوفتش، ولما حبيتك جيتلك برجلي وأنا بقولك بحبك. مش عشان حقوقي والكلام الفاضي ده. أنا اعترفت لإن فعلاً بحبك. لإن عايز حياتي معاكي ومش متخيل غيرك. بس خلاص يا ستي من النهاردة مش هضايقك أبدا ولا هلمسك. إن شاء الله تكوني راضية!
ثم تركها وذهب بينما الدموع تنهمر من عينيها بشكل أكثر كثافة!
ابتسمت في حلمها. كانت في عقلها مازالت تنام في غرفتها بمنزلها، تحتضن وسادتها الناعمة للغاية، تحتضنها بقوة.
رفع عاصي حاجبيه بعد أن فتح عينيه ووجد رحيق تضمه بتلك القوة. ابتسم ساخرًا وهو يفكر أنه كان محقًا. خجلها كان مجرد كذب. ارتفع صوته قليلاً وقال:
طيب ليه التقل؟
عبست رحيق وهي تفتح عينيها وقد أخرجها صوته من حلمها ليتخضب وجهها بحمرة الخجل وهي تكتشف الوضع المريب الذي هي به. كانت تحتضنه بقوة بينما هو عاري الصدر. نظرت إليه برعب ليبتسم بسخرية وقال:
والله أنا معنديش أي مانع بس ممكن نأجل الموضوع ده بالليل. أنا ورايا شغل.
شهقت بقوة وهي تنهض. قفزت قفزة من الفراش وهي تحاول أن تهرب ولكنها صرخت بألم عندما اصطدم إصبع قدمها الصغير بمسند السرير. ولكنها تحاملت على نفسها وهي تركض نحو الحمام.
ابتسم ساخرًا وهو ينهض. استل هاتفه واتصل بسكرتيرته بالمكتب ليخبرها أنه لن يأتي اليوم. ثم تسطح مرة أخرى لينام.
في الحمام كانت هي تجلس على حافة المغطس وهي تشعر بالحرارة تهب بجسدها. يا رب ماذا فعلت؟ ماذا سيفكر بها هو؟ بالطبع ماذا سيفكر. هو بالتأكيد الآن يظن أنها تقترب منه عمدًا. وضعت كفيها على وجهها وهي تتذكر كيف ضمته بتلك الطريقة بدون أي خجل. فركت كفيها وهي تفكر ماذا تفعل. هل تخرج الآن؟ ماذا لو سخر منها؟ هو يتعمد جرحها بكلماته رغم أنها لم تفعل أي شيء خاطئ. أن تنسى البارحة كيف سخر منها. أغمضت عينيها بتعب وهي تفكر أنها يجب أن تحاول بقدر الإمكان أن تتجنبه. أنها تريد النوم بالغرفة مع أملاك ولكنها لا يسمح لها. هل حقًا يعطي أهمية لكلام الخدم الذين في المنزل أو أنه يتعمد أن يضايقها؟ يعجبه أن يشعرها بالخجل الشديد. أنه رجل معقد للغاية. تشعر أنه سوف ينهكها ويؤلمها. تشعر أنها لن ترتاح معه. ولكن ليس لديها أي خيار آخر. هي تزوجته وانتهى الأمر. هي من قبلت أن تكون مربية تحت مسمى زوجة. ولكن هل ستكون أيضًا شخصًا ينفس فيه غضبه؟
بعد كثير من الدقائق قضتها بالحمام خرجت من الحمام وعينيها تنظر إليه بقلق. كانت تخاف أن يكون ما زال مستيقظًا. ولكنها زفرت براحة عندما وجدته نائمًا. وضعت كفها على قلبها ثم بدأت بالتحرك براحة إلى الخزانة ثم أخذت فستانًا بنيًا فضفاضًا ونقابًا من نفس اللون. ثم اتجهت إلى الحمام مرة أخرى لكي تغتسل وتتوضأ وتلبس ملابسها.
انتهت تمامًا ثم ارتدت الفستان بعد أن توضأت. أمسكت النقاب بيدها ثم خرجت. شهقت بخفوت عندما وجدت أنه جالس على الفراش مربع يديه وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة. كان قد ارتدى قميصًا قطنيًا. احمرت وجنتيها ثم اتجهت إلى الخزانة وأخرجت سجادة الصلاة. ارتدت حجابًا لتصلي. لقد فاتتها صلاة الفجر. وكم بدت حزينة. ورغم أنها قبل نومها وضعت المنبه لكي يوقظها، ولكنها غرقت في النوم دون أن تدري.
كان يراقبها بينما تصلي هي وهو يشعر بالحيرة. لا يفهم تلك الفتاة. هي عجيبة. تبدو حقًا محترمة. تخجل بشدة. ولكنها عانقته. هذا تصرف مريب قليلاً بعد خجلها الواضح. هل يمكن أن تكون بريئة أم تكن تلك مجرد تمثيلية منها؟ حك جبينه بحيرة وهو يفكر أن زوجته السابقة قضت عليه بالمعنى الحرفي. هو أصبح متشككًا من كل شيء!
انتهت من الصلاة وهي تضع السجادة على طاولة الزينة. عبس عاصي ونهض وهو يمسك السجادة ويطويها ثم يقول:
لو سمحتي أي حاجة تطلعيها تحطيها مكانها تاني. حافظي على نظام المكان اللي أنتِ فيه.
ارتبكت وهي تنظر إلى صرامته المفاجئة وقالت بتلعثم:
أنا آسفة. أنا كنت هحطها لما ألبس النقاب. وبعدين قولت أنت كمان هتصلي و...
قاطعها وهو يقول:
لما أتوضى هخرج وأطلعها من الدولاب عادي. بس لما أخلص أكيد مش هرميها بالشكل ده.
أطرقت برأسها وهي تشعر بالإحراج. شعرت أنها طفلة تتعرض للتأنيب من قبل والدها.
مش هعمل كده تاني.
همست بخفوت شديد وهي تمنع دموعها من الإنهمار. شعر أنه قد قسى عليها قليلاً فقال ليلطف الجو قليلاً.
تقدري تطلعي من غير نقاب. ملوش داعي الفيلا كلها ستات. الطباخة والمربية واللي بتدير شؤون البيت. متخنقيش نفسك.
حاضر.
قالتها بصوت مخنوق ثم أكملت:
أي أوامر تانية؟
مط شفتيه وقال بإستفزاز:
لحد دلوقتي.. لا. تقدري تروحي ومتنسيش مهمتك اللي أنا جايبك ليها. اهتمي ببنتي أوي. أملاك محتاجة رعاية خاصة فلو سمحتي ده طلب من أب. خليكي أم ليها وعامليها بحنان.
هزت رأسها وهي تقول بإختناق:
هعمل كده من غير ما تقول. دي أمانة مفيش داعي تقلق. أنا هروح أقعد معاها.
ابتسم برضا وقال:
جميل. خلاص تقدري تمشي دلوقتي وتشوفي شغلك.
رفعت حاجبيها وهي تنظر إليه وقالت:
لو سمحت لما تيجي تتكلم معايا تقولي لو سمحت. كلمني بأدب زي ما بكلمك.
ابتسم بسخرية وقال:
تمام يا رحيق هانم. ممكن لو سمحتي تروحي لأملاك.
ابتسمت ببرود وقالت:
طيب. كده أحسن. إنك تكون شخص راقي ومؤدب مش صعب.
ثم تركته مصدومًا وذهبت. لا يصدق هل اتهمته للتو أنه غير راقي!
رمش عدة مرات وهو ينظر إليها. بدأ كأنه لم يسمعها، أو سمع كلامها ولكنه لم يستوعبه.
انتِ بتقولي إيه يا نوران!
قالها وابتسم. أمسك كفها وقال:
أنا مش بشك فيكي. فمتهزريش في الحاجات دي. عشان عارف إنك مستحيل تعملي كده. أنا عمري ما أصدق عليكي حاجة زي كده أبدًا. مستحيل!
انهمرت الدموع من عينيها كانت تشعر بالإختناق وهي تراه يعطيها ثقته بالكامل. يخبرها أنه يثق بها. وضعت كفها على عنقها وهي تشعر أنها تختنق. الثقة في عينيه تقتلها. أنها تخدعه. لا يمكنها تحمل هذا. أطرقت برأسها وهي تقول بينما تشهق بقوة:
أنا آسفة. آسفة!
آسفة يعني إيه معلش؟ أنتِ بتقولي إيه؟
كان يشعر أنه سوف يفقد صوابه. كان يشعر كأنه على صفيح من النار وهو ينتظر أن تتكلم.
ما تتكلمي وتقولي فيه إيه!
زعق بها بنفاذ صبر لتنتفض بقوة وهي تنظر إليه. الدموع تنفجر من عينيها وهي تقول بألم:
أنا... أنا مش بنت. أنا غلطت بس والله برضه مظلومة!
تراجع بقوة وكأن أحدهما لكمه. كان ينظر إليها بصدمة. يتمنى من داخله أن تكون تمزح.
انتِ كدابة. مستحيل تكوني عملتي كده. مستحيل يا نوران. أنا عارفك كويس. ده مستحيل.
أنا آسفة. آسفة.
قالتها بإنهمار وهي تكمل:
سامحني يا جاسم واستر عليا.
انسحب اللون من وجهه. وشعر أنه في كابوس بشع.
استر عليكي!
كرر وهو لا يستطيع استيعاب الأمر. ثم أمسك ذراعيها واعتصرهما وصرخ:
استر عليكي إزاي؟ انطقي إزاي أنا مش أول واحد. قوليلي إزاي.
بكت وهي تقول بإنهمار:
كان فيه واحد بحبه قبلك.
صفعها بقوة حتى احمرت وجنتها. ارتفع نحيبها وهي تنتظر عقابها منه. بالفعل قد كان! قبض على شعرها بقوة. يقربها منه بينما النيران تتصاعد بعينيه البنية.
رخيصة. أنتِ واحدة رخيصة.
والله يا جاسم مش ذنب... آه.
أخرسها بصفعة قوية مرة أخرى حتى سقطت أرضًا. نظرت إليه بصدمة وهي تستخدم كفيها لكي تبتعد عن مرمى يده ولكنه قبض على فكها وصرخ:
بتلعبي بيا يا روح أمك! بتستغفليني أنا! عاملة فيها شريفة وأنتِ واحدة و****.
شهقت وهي تبكي. كان يشعر أنه يموت من القهر. حبيبته. تلك الفتاة التي كان يتقى الله بها لم يسمح لنفسه حتى للنظر إليها كما يحلو له. خاف أن يمسك يدها دون رباط شرعي. تلك الفتاة التي وضعها في أفضل مكانة بحياته خدعته. كانت بفراش رجل آخر غيره. انسابت دموعه وهو يشعر أن كل خلية بداخله تنتفض. وشياطينه تخبره أن يقتلها.
جاسم.. جاسم.
قالتها وهي تنتحب بينما تنظر إليه. تترقب ما سيفعله.
أنتِ لازم تموتي! هو ده الكفارة الوحيدة على غلطك!
قالها بنبرة جامدة ثم أكمل:
بس أنا مش هلوث إيدي بدمك النجس. أنا هخلي أخوكي هو اللي يغسل عاره.
ثم استدار لتتمسك بساقه وهي تبكي بعنف:
لا أبوس إيديك لا. متقولش لأخويا يا جاسم أبوس إيديك. موتني أنت معنديش مانع لو عايز تتجوز عليا برضه مش هتكلم. والله هعيش خدامة تحت رجليك أنت واللي هتتجوزها. بس أبوس إيديك أمجد بلاش. متكسرش أخويا يا جاسم!
امسك ذراعها ثم جعلها تنهض. قربها منه والدموع تنهمر من عينيه. كان يتألم. يشعر أنه سوف يموت. لا يصدق أن من أحبها تفعل هذا.
مفكرتيش ليه في أخوكي قبل عملتك المهببة! وقبل كده مخوفتيش من عقاب ربنا ليه يا رخيصة!
دفعها عنه وهو يضحك بصدمة ويقول:
وقال أنا كنت مانع نفسي عنك. بتقي ربنا فيكي طلعتي متستاهليش. تعرفي اللي زيك ميستحقش الجواز والستر. اللي زيك زي بنات الليل. نقضي معاهم ليلة وبعدين نرميلهم الفلوس في وشهم.
وضعت كفها على فاها وهي تبكي بعنف. استدار هو متجهًا إلى الخزانة ليرتدي ملابسه ويخرج. لو ظل هنا سوف يقتلها بكل تأكيد. جلست نوران على الأرض وهي تبكي بعنف. لقد انقلبت حياتها لكارثة والآن يجب أن تنتظر قرار جاسم فيما سيفعله بها.
خرج جاسم بسرعة من الغرفة بعد أن ارتدى ثيابه. وخرج من الفندق بأكمله. سار في الطريق دون هدى. الدموع تطفر من عينيه. يشعر أنه سوف يموت. يا رب إنه يموت بالفعل. كيف تفعل به هذا؟ كيف تقتله بتلك الطريقة؟ كان متألمًا. وقف أمام حاجز حديدي بوسط الشارع ثم بدأ بالصراخ وهو يضرب الحاجز الحديدي بكفيه حتى انسابت الدماء من يديه. بدأ الناس ينظرون بتوجس لهذا الغريب الذي يضرب كفيه بالحديد ويبكي. ولكن جاسم لم يهتم. الألم كان كبيرًا. كان يشعر أنه يحتضر!
كانت ترتعش وهي تقف أمام منزل صديقه. كان عبارة عن فيلا صغيرة وقد فتح الحارس الباب بسرعة عندما رأى سيف. كان سيف يمسك كفها بينما ينظر إليها. لقد أظهرت شجاعة نادرة وهي تتناول الفطور بدون غطاء الوجه. وقبلت أن تركب السيارة معه وتخرج. والآن هو متحمس ليجعلها ترى العالم كله. رفع كفها وقبّله وهو يقول:
متخافيش يا فراشة. أنا معاكي.
نظرت إليه وهي تبتسم بتوتر. أنه هو من يجعلها تستطيع أن تواجه هذا. هو يشجعها دون ملل. يخبرها دائمًا أنه يحبها. يريدها أن تثق به. ولكنها ما زالت تخاف.
شدت على كفه وهمست بتوتر:
خلينا ندخل.
هز رأسه وهو يسحبها خلفه.
بجد مش عارف إمتى اتجوز ده. أنا اتصدمت لقيته اختفى فترة طويلة ومنعرفش اللي حصل معاه.
قالها أيمن بصدمة لأحمد وهما جالسان بحديقة الفيلا. كان الحفل لم يبدأ بعد. نظر إليه أحمد بحيرة أيضًا، وهو يتذكر انقطاع سيف عن التواصل بهم فجأة وهما انشغلوا بعملهم حيث أيمن وأحمد يعملان معًا بمجال العقارات.
إحنا بصراحة قصرنا معاه. ده أقرب صاحب لينا إزاي منعرفش عنه حاجة. وإزاي يتجوز من غير ما يقولنا.
قالها أحمد وشعور خفيف بالذنب يلسعه.
بجد مش فاهم. عمومًا هنشوف. هو جاي هو ومراته دلوقتي.
السلام عليكم يا شباب.
قالها سيف بإبتسامة وهو يمسك كف مياس. توقفا صديقيه عن الكلام وهم ينظران إلى مياس بعيون متسعة. ابتلعت مياس ريقها وهي تشعر بالسخونة تجتاح جسدها بسبب نظراتهما. شعرت أنها ترتجف وكأن شجاعتها المؤقتة اهتزت قليلاً.
اقترب سيف معها وهو يقول:
إيه يا شباب؟ أومال لسه الناس مجوش ليه؟
كان أحمد هو أول من تخلى عن صدمته وقال:
انت جيت بدري شوية. لسه الحفلة.
ابتسم سيف ثم وضع كفه على كتف مياس وهو يقول بحب:
دي مراتي مياس.
إزاي حضرتك عاملة إيه؟
قالها أحمد وهو يحاول أن يحافظ على تعابير وجهه لطيفة. بينما أيمن هو من كان ما زال شاحب الوجه. شعرت مياس بالإرتباك وقالت بهمس لسيف:
أنا عايزة أروح التواليت.
أكيد يا روحي.
ثم رأى مدبرة المنزل تقترب وقال:
طنط نجاة ممكن تودي مياس التواليت.
ابتسمت مدبرة المنزل لها بلطف. كانت أول نظرة ترحيب حقيقية تراها في هذا المنزل.
تعالي يا حبيبتي.
سارت خلفها مياس بتهذيب. اقترب سيف وجلس على المقعد الذي أمام المسبح وقال:
ها يا شباب هنعمل إيه النهاردة؟
إيه العبط اللي انت بتعمله ده يا سطا.
قالها إيمن بإستنكار. ليعبس سيف ويقول:
عبط إيه مش فاهم.
أقصد إيه اللي اتجوزتها دي؟
تصاعد الغضب داخل سيف وقال:
أنا بحبها. وراضي بيها. وشايفها جميلة.
بتحب مشوهة. انت اتجننت. أنا لو أعرف إنك هتوقع نفسك في الهطل ده كنت منعتك. حب إيه يا عم سيف. دي شكلها يخوف. فين الجمال اللي انت شايفه فيها!
قالها أيمن بصدمة وضيق. ارتفع اللهيب الأزرق بعينيه ثم نهض لكي يضربه. إلا أن أحمد صديقه الآخر قد أوقفه وهو يهمس:
اهدء يا سيف.
ابعد. أنا هعرفه إزاي يتكلم عنها بالطريقة دي.
هتمد إيدك عليا عشانها!
قالها أيمن بصدمة إذ أنه صديق عمره ليرد سيف عليه:
واقتلك كمان!
لا انت شكلك اتجننت. فعلا اتجننت.
ثم تركهم وذهب بغضب.
أنا معرفش إزاي سكتله. كان لازم أقتله عشان بيتكلم عنها بالطريقة دي!
قالها سيف بنبرة مشتعلة ما إن خرج أيمن إلا أن أحمد قال:
سيف واجه نفسك. أنت مبتحبهاش.
انت هتعرف. مشاعري أكتر مني أنت التاني.
سيف اللي بتحسه ناحيتها هي الشفقة أو تأنيب الضمير. لكن مش حب. مستحيل يكون حب.
رفع سيف وجهه وهو يقول بثقة:
لا حب. أنا بحبها.
سيف الشكل مهم جدًا. مش لازم تكون ملكة جمال بس على الأقل مقبولة شكليًا. متدمرش نفسك بالطريقة دي لأنك في الآخر هتكتشف إن حبك ليها سراب. وهتبقى أنت اللي بإيدك بتكسرها!
كانت مياس تقف قريبًا منهما ولكن لم يلاحظاها بينما الدموع تغطي وجهها. وقبل أن يراها أحد كانت قد ولجت مجددًا للمنزل. قابلتها مدبرة المنزل لتقول مياس مجددًا وهي تطرق برأسها:
ممكن أروح التواليت تاني.
نظرت إليها المرأة بشفقة وقالت:
أكيد يا حبيبتي.
أنا غلطان إني جيت هنا. بجد من النهاردة مش عايز أعرفك لا أنت ولا هو. مش طايقكم ومش عايز أشوفكم.
ثم كاد أن يذهب واستدار بالفعل ليذهب ويأخذ زوجته إلا أنه صُدم بوجود نوال أمامه.
آه هو ده اللي كان ناقص!
قالها سيف بضيق. ثم نظر إلى أحمد الذي قال بخجل:
أيمن عزمها. هي عايزة تتكلم معاك.
ثم انسحب أحمد بهدوء تاركًا إياه مع نوال.
اقتربت نوال منه. الدموع تحرق عينيها بينما تنظر إلى خاتم الزواج بكفه.
انت اتجوزت!
قالتها نوال بوجه يكسوه الألم. كان سيف ينظر إليها بملامح تخلو من المشاعر. وقال:
هو الخاتم اللي في إيدي مش موضح ده كفاية.
ثم كاد أن يذهب إلا أنها وقفت أمامه وهي تقول بنبرة مخنوقة:
أنا مش مصدقة يا سيف. أنت اتجوزت بسرعة.
نظر إليها بدهشة وقال:
أكيد مش هبكي على الأطلال يا نوال. أنا خلاص لقيت حياتي مع مراتي وأنتِ ربنا يوفقك مع صالح.
بتحبها يا سيف؟
قالتها بنبرة مخنوقة بفعل الدموع. كان مذهولًا وهو ينظر إليها وقال بجمود:
دي حاجة متخصكيش يا نوال.
طيب بطلت تحبني يا سيف. نسيتني يا سيف!
ابتلع ريقه وذكرياتهما تغزو بقوة. الإشتياق كان يهاجمه ولكنه قال:
لو سمحتي مراتي مستنياني.
ثم كاد أن يذهب مجددًا ولكنها ضمته وهي تبكي وتقول:
سيف أبوس إيديك رد عليا.
أنتِ بتهببي إيه!
صرخ بها وهو يبعدها عنه ولكنه فجأة بهت وهو يراها تقف أمامه.
مياس!
ردد بصدمة لتنظر هي إلى تلك المرأة وتتراجع برعب قائلة:
دي... دي مشوهة. شكلها وحش أوي. إزاي تدمر حياتك بالشكل ده و...
ولكنها صرخت بصدمة عندما صفعها هو! نظرت إليه نوال بصدمة بينما ركضت مياس بكل قوتها خارج الفيلا.
مياس!
قالها سيف وهو يتخلى عن صدمته وهو يراها تركض منهارة. كاد أن يركض خلفها ولكن نوال أمسكت كفه وهي تبكي وتقول:
سيف ممكن تسمعني بس.
ولكن سيف دفعها حتى وقعت أرضًا وركض خلف مياس.
وقف في الشارع الممتد أمام الفيلا السكنية وهو ينظر حوله بصدمة. لقد اختفت مياس!
في المساء.
كان جالس في الحانة كالعادة وهو يبكي. ويتكلم دون وعي. شعر الساقي بالشفقة عليه وقال:
يا عم والله تولع الست اللي توصل راجل للحالة دي. فيه غيرها كتير يا باشا.
اسكت. اسكت.
قالها جورج وهو يترنح. كان صوته ثقيلًا بينما لا يستطيع أن يفتح عينيه من شدة السكر. نهض وهو يحاول أن يصل إليه لكي يضربه ولكنه جلس مجددًا وهو يشعر بالدوار فقال بنبرة ثقيلة:
متتكلمش على مراتي بالشكل ده وإلا هضربك. اسكت أنت متعرفش حاجة. هي كانت بتحبني وأنا... أنا اللي ضيعتها بإيدي. أنا اللي دمرت حياتي بإيدي. شوفت غباء أكتر من كده. هي حبتني. حبتني أوي. بس أنا.. أنا كنت بجري ورا سراب. أنا بس نفسي ترجع وأنا والله ما هعمل كده تاني. مش هعمل كده تاني! لو بس تديني فرصة. فرصة واحدة بس وأنا مش هخذلها تاني أبدًا!
امسك الكأس وتجرعه مرة واحدة والدموع تطفر من عينيه بينما يضحك بسخرية ويقول:
الإنسان كائن غبي. بتكون الحاجة في إيده مبيحسش بقيمتها غير لما تروح منه.
ولج كريم إلى الحانة بتعب. لقد اتصلت به والدة جورج مرة أخرى وهي تترجاه أن يذهب ويحضره. كان غاضبًا جدًا منه. مشفقًا على حالته للغاية. جورج خسر من يحبها واكتشف هذا بعد فوات الأوان. اقترب كريم من رفيقه الذي يبكي أمام الساقي. هز كريم رأسه بيأس وهو يقترب منه. وضع كفه على كتفه وهو يهمس:
يالا يا جورج يا حبيبي نروح!
نظر جورج إلى صديقه وقال:
كريم حبيبي والله تعبتك معايا يا سطا.
آه والله يا عم كانت معرفة نيلة.
ضحك جورج وقال:
حقك عليا يا سطا.
تنهد كريم وقال:
لحد إمتى يا جورج. كفاية.
مش قادر يا كريم. مش قادر أخرجها من قلبي. نفسي تديني فرصة. هو أنا مستحقش آخد فرصة واحدة بس. أنا عارف إنها مجروحة. عارف إنها عاشت الرعب لوحدها. عارف إنها كانت محتاجة بس وجودي جنبها وأنا خذلتها. عارف إني إنسان حقير وغبي. بس أكيد فيه حاجة حلوة عملتها. أكيد فيه ميزة فيا تخليها تسامحني.
فرك كريم وجهه وقال:
طيب ممكن نروح بقى. خلاص كفاية يا حبيبي تعالى.
ثم أمسك ذراعه وهو يساعده كي يخرج من الحانة. أدخله سيارته ليجلس على المقعد الخاص بالسيارة ثم فتح جورج الراديو الخاص بالسيارة وهو يقول:
إيه ده أم كلثوم؟ يا مزاجك يا كريم.
استقل كريم السيارة بجواره وانطلق بها بينما جورج يغني بصوت ثقيل مع أم كلثوم.
كنت باشتاق لك و أنا و انت هنا بيني و بينك خطوتين
شوف بقينا إزاي أنا فين يا حبيبي و انت فين
العمل إيه العمل.. ما تقول لي أعمل إيه
و الأمل انت الأمل.. تحرمني منك ليه
أكمل بصوت منكسر:
تحرمني منك ليه.. ليه..
نظر إليه صديقه بشفقة بينما يكمل هو:
و العمل إيه العمل.. إيه العمل.. ما تقولي أعمل إيه.. و الأمل.. أنت الأمل.. تحرمني منك ليه.
صمت وقد احترقت عيناه بفعل الدموع وقال بتوسل:
وديني لبيت ماريانا.
دلوقتي!
صرخ كريم بصدمة ليهز رأسه ويقول:
هموت لو مشوفتهاش!
وقف كريم بسيارته أمام منزل ماريانا وقال بتوتر:
ده بيتها. خلاص بقى خلينا نروح يا جورج.
ولكن جورج لم يستمع إليه وخرج من السيارة وهو يقف أمام المنزل. ينظر إلى تراس غرفتها.
حبيبتي ماريانا.
همس بحزن.
ربنا يستر والله.
قالها كريم بتوجس وهو يشعر أن صديقه المجنون سوف يفعل شيئًا. وبالفعل انتفض مكانه ما إن بدأ جورج يغني بصوت مرتفع وثقيل:
ياللي نسيت الغرام ارجع هنا وقليمين زقك على الخصام
دة انت اللي فاضلي
أول ما عرفت إنك عاوزني جيت قوام ما أقدرش أستغنى عنك يا معلمني الغرام
و هقولك برده عينه يا وحشني ألف عيني
و هقولك بردة عيني يلي في بعدك كاويني
أمرني هتلاقيني سجادة بين إيديك
كله كوم وزعلك انت كوم أنا عندي الدنيا تزعل ولا تزعل انت يوم
لسة كنت بحلم وعد النجوم يلي في بعدك باسي ولا أرتاحش يوم
و هقولك بردة عيني يلي في بعدك كاويني
أمرني هتلاقيني سجادة بين إيديك.
أخذ كريم يضرب على وجهه وهو يقول:
يالهوي اتفضحنا. اتفضحنا أنا اللي جبته لنفسي!
انفتح التراس وخرجت ماريانا بصدمة ليصفر جورج ما إن رآها وصرخ بابتهاج:
ماريانا حبيبتي.. يا حب عمري أنتِ.
بعد دقيقة بالضبط. كانت ماريانا قد نزلت. ما إن رآها جورج حتى ركض نحوها وهو يعانقها بالقوة ويقول:
وحشتيني يا ماريانا.
ثم ابتعد قليلاً وكاد أن يتكلم إلا أنه فقد وعيه!
كان جالس على الأريكة بمنزله. لقد أصر على ماجدة أن ينتقلوا لمنزله ويعيشوا به. لطيف اختفى من محيط حياتهم ويظن أنه سوف يفعل شيئًا. هو لن يستسلم. هذا الشخص قتل زوج سمرا منذ شهرين. وهو قد وعدها أنه سوف ينتقم منه.
أوعدك إني هجيب حق حماد يا سمرا.
رمشت سمرا وهي تنظر إليه بينما الدموع تنفجر من عينيها. كانت أيضًا ماجدة مصدومة وهو يتكلم بتلك الطريقة وقد شعرت بالرعب الشديد. أكمل يوسف وقال:
أنا هرميه في السجن ده وعدي ليكي.
انهمرت دموع سمرا وقد ارتفع نحيبها.
بعد قليل كانت قد ذهبت سمرا بقلب مكسور بينما اقتربت ماجدة من يوسف وقالت:
إيه اللي قولته ده يا يوسف. لطيف إيه اللي أنت هتجيب حق سمرا منه؟ هتحبسه إزاي؟
نظر إليها. كانت مرعبة. نهض وأمسك كفها ثم قبّله وقال:
واثقة فيا يا ماجدة.
واثقة فيك طبعًا. بثق فيك أكتر من نفسي. بس بخاف عليك. لطيف واحد معندوش قلب. أنا معرفش ممكن يعمل إيه. أنا أنا...
ششش.
قالها وهو يلمس وجنتها. ولكن هذا لم يقلل من رعبها. انهمرت الدموع من عينيها وهي تطرق برأسها وتقول بإختناق:
حماد مات بسببي.
شحب وجه يوسف. إنها تحمل نفسها المسؤولية. ثم أكملت:
وأنت اتورطت بسببي. أنا مدخلتش حياة أي حد إلا ودمرتها. أنا بكره نفسي. أنا ورطتك معايا وورطت صاحبتي وانتوا ملكوش ذنب.
متقوليش كده.
قالها برفق وهو يمسح دموعها التي انسابت من عينيها لتقول بإختناق:
دي الحقيقة يا يوسف. مهما عملنا مش هيسيبنا في حالنا أبدًا. هو هيحاول بأي طريقة إنه يدمرك.
بتقللي مني على فكرة يا ماجدة.
ما عاش ولا كان اللي يعمل كده. أنا خايفة عليك يا يوسف. أحيانًا.. أحيانًا بشوف إن انفصالنا هيكون أحسن و.... و....
وضع إصبعه على شفتيها وعينيه العسلية تفيض غضبًا وقال:
متنطقيش الكلمة دي تاني. أنا مش هسيبك. لا لطيف ولا عشرة غيره هيبعدوكي عني. استوعبي ده. أنا مش خايف منه ومش لازم تخافي أنتِ كمان. أنا وأنتِ هنواجهه وهنرميه جوه السجن.
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه وهمست:
أنا خايفة.
وأنا معاكي فمتخافيش.
أخرجت أنفاسًا متوترة ثم قالت:
هتعمل إيه؟ هتحاسبه بالأدلة اللي معاك؟
صمت وقد توقف عقله قليلاً. وقال دون أن يدرك:
أنا خايف أعمل كده. افتكرت لما توقع ليا إيدي الأدلة والفيديوهات هسلمها للبوليس وأنا مرتاح إنه اتخلص منه. بس الناس اللي مدانة في الفيديو أسماء كبيرة. ناس بتقتل بدم بارد. خايف أعمل كده أعرضكم للخطر.
طيب والحل.
همست وهي ترفع وجهها إليه ليعانقها ويقول:
الحل خليكي معايا. جنبي يا ماجدة وأنا أوعدك محدش هيقدر يمس منك شعرة واحدة.
تنهدت وهي تضمه بدورها وكانت عاجزة عن التفكير تمامًا. ولكنها شعرت بالأمان بين ذراعيه. مادام هي معه لا تهتم. ستحل الأمور. هي تثق بيوسف. خرج من شروده وهو يهز قدمه بتوتر. كانت أمامه كل الأوراق التي تدين لطيف. فيديوهات تدينه بقوة. ولكن ليس هو فقط ولكن رجال لديهم مركز قوي. رجال قد يؤذوا ماجدة. يعرف أنه عندما يسلم تلك الأدلة للشرطة سوف يُفتح عليه أبواب الجحيم. للمرة الأولى يشعر بهذا الرعب. لم يتوقع أبدًا أنه سيعترف بهذا لماجدة وقد اعترف لها قبل شهرين. وبعد كثير من التفكير تحدثت معه ماجدة بالأمس لكي يخرجوا تلك الأدلة.
خرجت ماجدة من الغرفة وهي تمسك كتابها. فامتحاناتها النهائية قد اقتربت. وجدته شاردًا. يبدو عليه التفكير والقلق. اقتربت منه وجلست بجواره امسكت كفه ثم رفعته وقبلت كفه وهي تقول:
كل حاجة هتبقى كويسة. اتكل على الله.
نظر إليها بيأس أوجع قلبها. يؤلمها أن ترى يوسف حبيبها المجنون يخاف بتلك الطريقة. هي لا تتخيل أبدًا هذا الرجل يخاف. ولكن من أجلها فعل. هو لا يخاف على نفسه على العكس تمامًا. هو يخاف عليها. يخاف على ابنها أيضًا. يوسف رجل مثالي. هو يحمي من يخصه. وهي وابنه من الأفراد التي تخصه لذلك سيفعل المستحيل لكي يحميهم.
هذا جنان اللي هعمله ده يا ماجدة!
قالها لهم لترد:
وأنت مجنون وتعملها يا يوسف. اعملها وخلينا نخلص منه وأي كان اللي هيحصل هنواجهه سوا.
هز يوسف رأسه وقال:
أنا هتصل بمراد. صاحبي ضابط في مكافحة المخدرات وهسلمه كل الأدلة دي!
كانت جالسة على الأرض تضم ساقيها إلى جسدها. لقد حل الليل وهو لم يظهر بعد. تخاف أن يتهور ويؤذي نفسه. ليتها لم تخبره. ليتها. ليتها احتفظت بهذا السر وشكرت ربها على الستر.
فجأة انتفضت عندما رأته يدخل الغرفة. ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه ليقول وهو يطرق برأسه:
ألبسي يلا عشان أوصلك عند أهلك.
أهلي!
أيوه أنا هطلقك! مش هقدر أعيش مع واحدة زانية!
رواية اسرت قلبه الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سوليية نصار
الفصل الرابع والثلاثون (مُدمرة)
ما أعيشه الآن انفصال عن الواقع تماماً...اراقب نفسي من بعيد ولا اشعر بشئ ...وكأن تلك المأساة ليست لي ...كأن تلك المرأة المحطمة ليست أنا ...لقد نجحت في قتل كل المشاعر داخلي ...تهانينا لن اضايقك بعد الآن بحبي غير المرغوب به
(ماريانا🫶لجورج)....
.... ......
طلاق !!
تكررت الجملة في عقلها وهي لا تستوعبها. ....شعرت أن العالم يميد بها ...رمشت عدة مرات وهي تفرغ الدموع من عينيها ولكن هذا الدوار العنيف اجتاحها مرة آخرى ...تشوشت رؤيتها ثم ترنحت ...اتسعت عيني جاسم وهو يشعر أنها سوف تفقد الوعي لذلك ركض نحوها وقبل أن تسقط كانت بين ذراعيه ....حملها جاسم بسهولة ...كانت تبدو كالميتة لا تأتي بأي حركة ...اتجه بها إلى الفراش ثم وضعها برفق ....جلس بجوارها وهو يضع كفه على رأسها ...وقد تصدع بروده ليظهر لهفته عليه .. عشقه الملعون الذي لا يستطيع التخلص منه ...يرغب بالبكاء ...يرغب بالصراخ ....قلبه محطم ...هل أحبت هذا الشخص للدرجة تسلمه جسدها ....انسابت الدموع من عينيه ولكنها مسحها سريعاً...لن يسمح لنفسه ان يظهر ضعفه امامها ....هو يجب ان يظهر لها انها لا تعني أي شئ له بعد خيانتها
اتجه الى الخزانة ثم اخرج عبوة العطر واقترب منها وهو يحاول افاقتها ....
بعد قليل ...فتحت عينيها وهي تراه يشرف فوقها ...كان وجهه جامد خالي من المشاعر تماماً...نهضت جالسة بضعف على الفراش وهي تطرق برأسها بخجل...
....
-متفتكريش أنك بالشوية اللي عملتيهم هتخليني اغير قراري او اشفق عليكي واسامحك....أنا مستحيل اعيش معاكي...هقرف ما ألمسك تاني وانتِ قبلي كنتي مقضياها !!
قالها بقسوة ...كانت قسوته تخفى ألمه ...انهياره ....
شهقت بألم وهي تقول :
-والله العظيم اللي حصل مكنتش راضيه بيه ...والله حصل غصب عني ...مش هنكر اني غلطت بس أنا مكنتش معاه بمزاجي ولا بنسبة واحد في المية حتى .....
نظر إليها بسخرية وقال :
-لا يا شيخة ...فاكرة دموع التماسيح دي هتخليني اصدقك ؟!..لا خلاص انسي ...دور البنت الشريفة المتدينة اللي مبتكدبش مبقتش اصدقه ..عرفت حقيقتك خلاص ....أنا مستحيل اصدقك بعد النهاردة !!!
انهمرت دموعها اكثر وقالت :
-بعد ليلة امبارح انت مشكيتش فيا ...قولتلي أنك واثق من تربيتي صح ؟!...كنت قادرة اسكت وارتاح أنك معرفتش حاجة بس أنا مقدرتش اكدب يا جاسم...مقدرتش اخدعك اكتر من كده انت متستحقش مني ده ابدا ...
ابتسم ساخرا لتقول بقهر:-
-والله العظيم اللي حصل غصب عني ...ابوس ايديك اسمعني ...ابوس ايديك متتسرعش وتقتلني بالشكل ده
.-يعني ايه اللي يجبرك تسلمي نفسك لواحد تاني قبلي ....ايه اللي يخليكي تعملي كده ..تحطي شرفك في الطين...تجيبي العار لأهلك !!
قالها بغضب ...كان يريد أي تفسير..... أي تبرير لكي يسامحها ...يرغب بشدة أن يعرف ان ما حدث كان رغماً عنها ...ربما اغتصاب وهي خافت ان تتكلم ...يرغب بشدة أن تكون بريئة ...يرغب في تبرئتها داخل عينيه....
أانفلت نشيج حار من بين شفتيها وقالت :
-انا هحكيلك كل حاجة ...كل حاجة !!....
ربع ذراعيه وهو يرتدي قناع الجمود بينما من داخله يتلهف لسماع الحقيقة ...يتمنى ان تكون حقاً مظلومة ....
اابتلعت هي ريقها وقالت بخفوت؛
-إسمه عادل ..كان زميلي في الكلية ...حبيته من أول مرة شوفته تقريبا....
مز على اسنانه وهو يشعر انه لن يستطيع تحمل الباقي ...ولكنه صبر ...أمسك نفسه كي لا يتهور وصبر....انهمرت الدموع من عينيها اكثر وقالت :
-افتكرت انه كمان حبني لانه من أول ما شافني وكان بيلاحقني عايز يرتبط بيا بس أنا كنت برفض لحد ما ضعفت ووافقت وده كان أول تنازل اقدمته.بس مكانش الأخير ....لما وافقت ارتبط بيه ..وافقت اتكلم معاه ... اطلع معاه ...وهو كان مبين انه بيحبني اووي ...صبر اووي عليا بجد ...بس بعدين بدأ يبان وشه الحقيقي واللي للأسف بعد ما ظهر مبعدتش ...كان بيطلب مني صور بشعري...رفضت مرة واتنين وعشرة ...لدرجة انه انفصل عنه ولما لقى اني قررت ابعد وهضيع راح قرب وحاول تاني والمرة دي استسلمت ..بعتله صور بشعري...وبعدها بدأت اتنازل اكتر ..بعتله صور بهدومي اللي في البيت ....كنت بكلمه فيديو كول بعد ما كل أهلي يناموا...بعدها ...بعدها ...
قالتها وهي تشهق بقوة كان الذكريات تخنقها ..تشعرها بالقرف من نفسها ...أكملت وهي تضغط على نفسها وتقول :
-وبعدها طلب صور ليا من غير هدوم !!
همست في كلمتها الأخيرة وهي تشعر بالخزي والعار...بينما توسعت عينيه بصدمة وقد التوت معدته بإشمئزاز ....أكملت وهي تنتحب :
-رفضت وهو اصر...فضل يحاصرني لحد ما استسلمت وبعتله...وساعتها كنت بحط.روحي تحت رجله ...بعدها ابتزني اني لو مجيتش البيت هيبعت الصور لأخويا ...خوفت يا جاسم خوفت وروحت ...وهناك اعتدى عليا ...اقسم بالله مكنتش راضية عن أي حاجة بتحصل بيننا ...أنا لحد دلوقتي معتبرة اللي حصل اغتصاب !!
فغر فاه قليلا ...اراد ان يتكلم ولكن الحروف أبت ان تتشكل على لسانه ....
دار حول نفسه ثم وقق امام طاولة الزينة وهو يضرب مجددا كفه المصابة ويصرخ بألم بينما هي كانت تنتحب بصمت ....
نظر إليه وقد احمرت عينيه البنية ...اقترب منها وهو يمد كفه ويعتصر فكها ويقول :
-لا برضه مش بريئة ...اللي قولتيه خلاني اشوفك أرخص بكتير !!!....
ترك وجهها وهو يدور على نفسه ثم نظر إليه وقال بنبرة انتقامية :
-انا مش هطلقك...أنا اللي هعاقبك بنفسي يا نوران ...هخليكي تتمنى الموت كل ليلة زشم هتطوليه...جهزي نفسك بكرة هنسافر الغردقة !!!
......
نيران ...تلك هي الكلمة المناسبة لما تشعر به الآن وهي تراه يقف مع ابنة خالته سهيلة ويضحك معها ...كانت قد اضطرت ان تأتي لحضور عيد ميلاد شقيقته الصغيرة وبالطبع سهيلة ووالدتها قد اتوا ...ومنذ ان اتت هي وامير يلازمها وهو يضحك معها ويمازحها تاركاً اياها بمفردها كأنها تتعرض للعقاب من قبله!!
كان امير يقف بجوار يشعر بالملل ...يمثل انه يستمتع بصحبتها والعكس تماما هو ما يحدث ...هو بالأساس لا يطيقها ويعترف انه يفعل هذا لكي يشعل غيرة سما عليه ...
نظر الى سما بطرف عينيه ليجد وجهها متجهم ...ابتسم بإنتصار ...انه تستحق هذا بعد ما قالته له في الصباح ....
-بجد يا أمير عمري ما ضحكت كده انت دمك خفيف اووي ....وجنتل كمان ...
قالتها سهيلة وهي تتلمس كفه...ابعد كفه بإرتباك وهو ينظر الى سما التي اشتعلت النيران بعينيها ولكنها اشاحت بوجهها عنهما ولكنها لم تستطع السيطرة على الدموع التي لمعت بعينيها ...
-يالا عشان هيجيبوا التورتة دلوقتي ...
قالها أمير لتبتسم له سهيلة بسحر ثم تسير يجواره نحو الأريكة حيث تتجمع العائلة ...ابتسمت سهيلة لسما وقالت بنبرة مستفزة :
-سوري يا حبيبتي سرقت منك جوزك طول الوقت النهاردة بس أعمل ايه أمير دمه خفيف اووي وجنتل ...
اعطتها سما ابتسامة صفراء وهي تقول ؛
-ولا يهمك يا روحي لو عايزة تاخديه كله ميغلاش عليكي ...هو كده كده عايز يتجوز فأنا رشحتك ليه متقلقيش قولت يمكن تبطلي رخص وتتجوزي وتتستري احسن ما تلفي على باقي الرجالة المتجوزة!!!
صمت رهيب حل بعد كلام سما وقد بدا أمير في أسوأ لحظات غضبه !!
..........
-طيب دلوقتي احنا هنروح على اوضتك واحكيلك حدوتة وهنام جنبك كمان ...
قالتها رحيق بلطف لأملاك بعد ان انتهيا من تناول العشاء ...كان عاصي قد خرج وهذا أراح رحيق تماما ...فهي لن تواجه سخافته وسوف تنام قبل ان يأتي مع أملاك ...
هزت أملاك رأسها بسعادة وقالت:
-انا مبسوطة اووي أنك هتنامي جنبي النهاردة ...نهلة مش بترضى تنام جنبي ...
-وده ليه؟!
عبست رحيق بحيرة لتهز أملاك كتفها وتقول:
-عشان بتقول ان بابا عايزني اتعود انام لوحدي في الاوضة ...
ثم همست الفتاة وقالت :
-اقولك على سر بس متقوليش لبابا ؟!
ابتسمت رحيق وهمست هي الآخرى :
-قولي ..قولي سرك في بير
-انا بصراحة بخاف ما انام لوحدي ...بس بابا مصر اني اتعود ..بيقول اني كبرت ومينفعش اخاف ...بس أنا بخاف أعمل ايه ؟!
ابتسمت رحيق بلطف وهي تقرص وجنتها وقالت ؛
-طيب يا ستي ولا تزعلي روحك...أنا هنام جنبك النهاردة بس هروح اخد شاور بسرعة وبعدين اغير هدومي واجي ماشي ؟!
-تمام .
قالتها أملاك مبتسمة لتطلب رحيق من نهلة ان تأخذ أملاك لغرفتها
....
في غرفتها هي وعاصي ...
كانت قد تحممت بسرعة وهي تتجنب ان تغسل شعرهاثم جففت نفسها جيدا وهي تنظر إلى ثياب النوم التي كانت عبارة فستان بربع كم...طوله جيد فهو أسفل ركبتها بقليل ...ارتدته بسرعة ثم خرجت من الحمام وهي تنشط شعرها وتضع به مشبك للشعر...سوف تنزل هكذا لغرفة أملاك ..فعاصي لم يأتي بعد وجميع الخدم في المنزل سيدات ....
نزلت الدرج ببطء وهي تنظر إلى الحذاء ذو الكعب العالي الذي ترتديه والتي احضرته لها والدتها دلال ....لقد أعجبها حقاً...عندما ارتدته شعرت بالفعل انها انثى أنيقة ....
ولجت لغرفة أملاك التي بالطابق السفلي واخذت قصة اطفال وهي تبدأ في القراءة
.....
ولج عاصي الى منزله بعد ساعات طويلة قضاها في العمل ..فبعد ان أخبر سكرتيرته انه لن يأتي اتصلت به واخبرته ان هناك أمور مهمة جدت في اخر قضية لهما والتي يعملان عليها حالياً....فرك جبهته بتعب وهو يفكر بأخذ حمام منعش ثم ينام براحة ....توقف قليلا وهو يرى نهلة أمامه تنظر إليه بحزنها المعتاد:
-أملاك نامت يا نهلة ؟!
قالها بحزم لترد:
-لا يا عاصي بيه...مدام رحيق معاها...قالت هتنام جنبها النهاردة ...
تجمد وجه عاصي بينما تصاعد اللهب الأزرق بعينيه وقال:
-خلاص روحي انتِ ...
ثم تجاوزها وهو يذهب لغرفة أملاك ....
.....
وقف امام غرفة أملاك المفتوحة وهو ينظر للمنظر الماثل أمامه ...كانت رحيق تتسطح على الفراش٫ وهي تضم أملاك بينما تقرأ لها قصة ما...تعلقت عينيه بفستان النوم الخاص بها والذي ارتفع قليلا مظهرا ساقيها الى ركبتها ...شعر ان عينيه لا تتبع اوامر عقله في تلك اللحظة فلم يشيح عينيه عنها ....كان سيستمر في النظر لولا ان تم افتضاح امره من قبل طفلته التي قالت:
-بابا انت هنا ...تعالى ماما رحيق بتقرالي قصة ....
ولج للغرفة ونظر الى رحيق التي ارتبكت قليلا ثم عاد بعينيه مرة آخرى لساقها ...رأت الى ماذا كان ينظر فقامت بشد الفستان لكي يغطي باقي ساقها ولكنها فشلت لذلك احمرت وجنتها بقوة ....
رفع عاصي نظراته بصعوبة عنها وهو ينظر لأملاك ويقول :
-كفاية كده يا بابا عشان تنامي الوقت اتأخر ...
-حاضر يا بابا بس طتط رحيق قالتلي هتنام جنبي النهاردة ...
ابتسم عاصي بلطف وقال:
-وده كمان مينفعش يا بابا...يالا يا رحيق عشان ننام ...
نظرت إليه بصدمة ليبتسم :
-يالا يا حبيبتي ولا مستنياني اشيلك !!
....
بعد ان اطمأنت على أملاك خرجت من الغرفة وعاصي خلفها نظرت إليه بضيق وقالت:
-ليه بتعمل كده عايزة افهم ؟!البنت بتخاف ما تنام لوحدها ....
-لازم تتعود....الانسان اللي ميحاربش خوفه وهو وصغير مش هيقدر يحاربه ابدا...بعدين قولت كلمة وانتهت مراتي مش هتبات برا اوضتنا أبداً...
-بجد انت انسان غريب...
قالتها بإنفعال ثم استدارت لتذهب ولكنها صرخت عندما زلقت قدمها بسبب الحذاء ذو الكعب ووقعت ...
-رحيق ..
قالها بقلق وهو يجلس بجوارها...
-رجلي ..رجلي !!
قالتها بألم وهي تضع كفها على ركبتها ..
-طيب وريني كده ..
قالها وهو يزيح فستانها قليلاً وينظر الى ركبتها المكدومة ...تلمسها يلطف وهو ينظر إليها ...حاول ان يزيح الفستان اكثر ولكن ضربه قويه على كفه اوقفته ..
-أنت ...أنت مش محترم !!
قالتها بغضب شديد وهي تدفع يده بعيدا عن ساقها رفع حاجبه بسخرية وقال:
-صحيح خيراً تعمل شراً تلقى أنا كنت بساعدك عشان رجلك تخف ....
احمر وجهها بالكامل وقالت:
-مظنش أنك كنت بتعمل كده ....خلاص سيبني في حالي ...
-براحتك ...
قالها بالامبالاة وهو ينهض ليجدها تحاول النهوض ولكنها لا تستطيع ....
-تحبي اساعدك
قالها بسخرية بالغة لترد بعنف وهي تتذكر وقاحته منذ قليل:
-مش عايزة حاجة سيبني في حالي ...
-تمام براحتك ...
أخيرا استطاعت النهوض ولكن ساقها خذلتها وكادت ان تنهض الا ان عاصي بسرعة حملها بخفة بين ذراعيه ...شعرت بالذعر وهي تقول بينما تدفع كتفه :
-ابعد أنا هعرف امشي لوحدي ...
-هتمشي ازاي برجلك دي ...خليني اساعدك مش كفاية شايلك وحاسس ان ضهري هيتكسر ...حكي لسانك جوا بدل ما أرميكي من البلكونة ...بعدين متخافيش ..قولتلك انتِ مش نوعي المفضل ...
.............
-انا عايز اعرف انت بتفكر ازاي ...ازاي توديها لاصحابك وتصدمهم بالشكل ده !!
قالها جبال بعصبية ثم أكمل:
-انا افتكرت أنك لما اخدتها اخدتها عشان تفسحها مش توديها لاصحابك المختلين عقلياً دوول ...سبحان الله أنا عمري ما حبيتهم طلع عندي وجهة نظر في الناس مش زيك غبي !!...ارتحت دلوقتي البنت اختفت واحنا مش عارفين هي فين ...دي غير السنيورة اللي عزموها تيجي واهي خربت الدنيا ...سبحان الله من أول ما شوفتها قولت عليها شيطانة..معرفتك كلها غريبة بحسك بتحط ايديك في الزبالة تطلع ناس عشان تعرفها او تحبها ..اووف
كان سيف يذرع صالة المنزل ذهاباً وإيابا بقلق ...يشعر انه سوف يفقد عقله ؟!!رباه أين ذهبت ...لقد ابلغ الشرطة وقالوا انهم لا يمكنهم فعل شئ الا بعد مرور أربعة وعشرين ساعة ...استقل سيارته وقادها منذ اختفت وهو يبحث عنها كالمجنون ..لقد اتى منذ عشر دقائق تقريبا ..هو السبب هو من عرضها لهذا كله ....
رن هاتفه ليمسكه بلهفة ولكنه وجده احد.اصدقاؤه فأغلقه بضيق ...هو لن يتكلم معهم مرة أخرى ...فمن لا يحترم مياس ليس له وجود في حياته ...
-أنا خايف...
همس سيف ثم أكمل :
-انا هنا متكتف ومش عارف هي فين ...حتى موبايلها مقفول ....مش هسامح نفسي لو حصلها حاجة
شد شعره بقهر وقال:
-انا حاسس بالعجز ...مش عارف أعمل ايه يا بابا ...ابوس ايديك ساعدني ...
هز والده رأسه بيأس ليصرخ :.
-ايوة أنا عارف اني غلطان يا بابا ...بالله عليك خلاص دلوقتي المهم آني الاقيها والا هتجنن ....أنا هروح ألف تاني وادور عليها...
ثم بالفعل اتجه إلى باب الفيلا وفتحه ليتراجع وهو يراها تقف امام المنزل تطرق برأسها أرضاً
-مياس !!!
قالها بصدمة ثم سرعان ما شدها اليه وهو يضمها بقوة :
-موتيني من الخوف عليكي يا مياس ...والله موتيني ....
قالها وهو يضمها بقوة حتى اوجعها ...
-سيف هتخنق !
قالتها مياس بهمس ولكن يبدو ان سيف لم يسمع بل ظلت يضمها وهو يشعر بالراحة والسكينة قليلاً غيابها لتلك الساعات الطويلة جعله يدرك بفزع كم أحبها ...وكأنه لم يحب غيرها من قبل ...هو ابدا لن يسمح لأي احد ان يقلل منها مجددا...سوف يبتعد عن كل من يأذيها ...لن يتكلم مع أي من اصدقائه الذين احزنوها...لن يتكلم مع أي احد منهم مرة آخرى !!!
-خلاص يا سيف كفاية ...خليها تدخل !
قالها جلال ليفسح لها سيف المجال ولجت مياس وهو يبدو عليها التعب ...ترنحت قليلاً ليحملها سيف بلطف ويقربها منه حتى دفنت وجهها في صدره بينما تهمس:
-سيف عمو قاعد
ولكن سيف لم يهتم وهو يتجه بها الى الاعلى...
....
في الغرفة انزلها سيف وقال :
-روحتي فين ؟!...قلقتيني عليكي. ..أنا كنت هتجنن وانا بدور عليكي من الصبح يا مياس !!
-لو سمحت أنا تعبانة وعايزة انام !!
قالتها بضيق وهي تتجه للفراش ولكنه أمسك ذراعها وقال:
-لا يا مياس هنتكلم ...قوليلي كنتي فين ؟!ليه اختفيتي بالشكل ده ....
نظرت إليه وقالت وهي تحاول جعل نبرتها باردة ولكنها خرجت مرتعشة رغما عنها وقالت:
-سيف أنا عايزة اتطلق !!
توسعت نظراته بصدمة وهو ينظر إليها ...شعر ان احدهما قد ضربه على رأسه...
-بتقولي ايه ؟؛...
-بقول عايزة اتطلق !!!
-انا عملت حاجة يا مياس. جرحتك ...زعلتك !!
ابتعدت عن محيطه وقالت بقهر :
-عايزة اتطلق عشان تقدر تتجوز اللي بتحبها واللي هي اجمل مني ..حبيبتك نوال !!!
-انا مبحبش حد غيرك .لا نوال ولا غيره استوعبي ده !!!
صرخ بها بقوة لتصرخ هي به :
-انت كداب ..انت بس بتشفق عليا زي ما قال صاحبك ...بكرة هتكتشف أنك مش بتحبني ...بكرة هتكتشف انها هي حبك الحقيقي وانا هكون مجرد واحدة انت بتشفق عليها ....
-ايه العبط اللي بتقوليه ده ...
اامسكها وهو يرفعها نحوه فيقربها منه ...حاولت ان تتحرر منه وهي تقول بإختناق :
-سيبني يا سيف ...سيبني ..دي الحقيقة ...انت مستحيل تحبني ...انت بس بتشفق عليا ..أنت هتقرف مني في يوم من الايام زي الباقي و....
أخرسها بقبلة عنيفة وهو يعانق وجهها ويشدد عليه ...حاولت مقاومته ودفعه بعيده ولكنه لم يسمح لها بل أمسك كفيها بيد وهو يثبت وجهها باليد الآخرى ....ظل يقبلها مطولاً حتى سقطت مقاومتها أرضاً...ابتعد عنها وهو يتنفس بصعوبة ثم عانق وجهها وهو يقبلها على جميع اجزاءه ....
-سيف ..
قالتها مرتعبة بينما تشعر به يضع ذراعه حول خصرها و يحملها نحو الفراش وما ان وضعها عليه شعرت بالرعب وهو يقترب منها بتلك الطريقة وعرفت ما يريده لذلك دون تفكير قامت بضربه في عينه اليمنى ...
-آه عيني !!
قالها بصدمة وهو يضع كفه على عينه بينما نهضت وهي تركض نحو الحمام بينما تقول بفزع :
-أنا اسفة يا سيف والله ...
..............
في منزل يوسف .....
كان مراد مصدوما وهو يرى تلك الأدلة أمامه ...كان يشعر بالصدمة ....تلك هي اكبر مافيا لتجارة المخدرات بالبلد ...ليست المخدرات فقط ولكن أيضاً الاعضاء !!....
-من فين جيبت الأدلة دي يا يوسف ؟!
قالها مراد بصدمة وهو ينظر إلى رفيقه تنهد يوسف وقد بدأ يقص عليه كل شئ...بدءا من لقاؤه بماجدة إلى اليوم الذي عرف به حقيقة طليقها ....
بعد أن قص عليه يوسف كل شئ ..ابتسم بسعادة وقال:
-انت تعرف انا من امتى بطارد لطيف ..ده انا شعري شاب بسببه يا راجل ....ده انت كده بتسلمه ليا تسليم أهالي !!.
-مش بسلمه هو بس شوف مين كمان معاه ...
قالها يوسف بقلق ليتنهد مراد ويقول ؛
-الادلة دي هتقلب الدنيا ....
-مراد ...
قالها يوسف ليجذب انتباهه لينظر إليه مراد وقد عبس قليلا وهو يرى الخوف بعينيه ...
-يوسف .!
قالها متسائلا ليتكلم يوسف ويقول :
-انا بخاطر بحياة عيلتي ...مراتي والولد اللي بعتبره ابني ...فأنا بجد خايف ...لازم توعدني أن مفيش حاجة هتحصلهم...
-مش هتحصل حاجة لا ليك ولا لعيلتك ...
تكلم يوسف مسرعاً:
-صدقني أنا مش مهم ...أنا مش خايف على نفسي...أنا مش مهم ...أنا خايف على ماجدة ....خايف على محمد ...اوعدني يا مراد ميحصلهمش حاجة ...تحميهم دايما لو حصلي حاجة ...
-بطل عبط يا عم محدش هيقدر يأذيك....كل الناس دي انا هقبض عليهم بنفسي متقلقش ...محدش هيقدر يمسك أو يمس عيلتك متقلقش !!
حاول أن يثق في كلامه ولكن الخوف مازال يسيطر على قلبه ....هو خائف ولن يستطيع إنكار الأمر ...والخوف لم يكن على حياته ...الخوف كان على ماجدة ومحمد ....هو لا يمكنه أن يرى عائلته في خطر ....لقد وجد الحب الحقيقي اخيرا ...وجد العائلة ....لقد أدفأت ماجدة قلبه البارد ...لا يمكنه أن يعرضها لأي خطر...سيحمي زوجته وإبنها مهما كلف الأمر !!!حتى لو قدم حياته لذلك ....
.....
بعد ذهاب مراد ولج يوسف لغرفته ليجد ماجدة تمسك كتابها وتذاكر ...اقترب منها وجلس بجوارها ...أولت اهتمامها له وتلمس كفه وتهمس :
-اديتله كل حاجة ....
هز رأسه وهو ينظر إليها محاولا يخفي قلقه ..
-ربنا هيسترها إن شاء الله ...
قالتها وهي تضع رأسها على كتفه ليرد :
-مش هسامح نفسي ابدا لو عرضتك أنتِ ومحمد للخطر ....
-متخافش احنا واثقيين انك هتحمينا ...
قالتها وهي تجذبه ليتسطح على الفراش ثم تتسطح بجواره وتضمه بعد أن وضعت الكتاب جانباً ...
اخذ يربت على شعرها وهو شارد...
تنهدت وهي تضمه اقرب وتقول :
-انا اول مرة اشوفك كده ....بتخاف بالشكل ده يا يوسف ...اتعودت انك يوسف المجنون اللي مبتخافش من حاجة ...بتعمل اللي في دماغك ....
نظر إليها مبتسماً وقال:
-ده قبل ما يبقى ليا نقطة ضعف يا ماجدة ..أنا كنت بايع الحياة مش هاممني اي حاجة ...بس بعد ما اتجوزتك اكتشفت اني عايز اعيش معاكي...أنتِ عارفة ايه اللي هيزعلني لو حصلي حاجة ...اني هتحرم منك ...
وضعت كفها على فمه وهي تقول :
-متقولش كده ...انت هتفضل معانا ....
تنهد وهو يقول :
-بفكر نسافر برا مصر ...نسيب كل حاجة ونهرب ....
-للاسف يا يوسف مش كل حاجة هيحلها الهروب ......
نظر إليها وابتسم وقال:
-شكلك مبقتيش تخافي خالص ...
هز رأسها وهي تقول مبتسمة :
-متبقتش اخاف من اول ما حبيت راجل زيك ...راجل عمل المستحيل عشان يبقى معايا ... راجل أنا عارفة أنه هيحميني ...أنا مش خايفة يا يوسف ..عشان عارفة أن بعد ربنا سبحانه وتعالى انت معايا دايما ....
قبل يوسف عينيها بالتتابع وقال :
-انا محظوظ بوجودك في حياتي ...
ابتسمت مغمضة عينيها وقالت:
-انا والله اللي محظوظة انك معايا يا يوسف ...أنا بجد بحبك اووي ....
ابتسم ..ابتسامته كانت ساحرة ...عينيه العسلية كانت تفيض بالحب لها ...فقط لها ...وكأن قدومها في حياته نفى وجود أي امرأة أخرى ..وكأنه لم يعشق من قبل ....
اقترب بشفتيه منها ليقبلها وهي أغمضت عينيها مبتسمة ...ولكنه فجأة انتفض وهو يسمع صوت محمد قادم للغرفة ...فهمس يوسف:
-هنومه وأجيلك ..
........
-أنتِ جايبة البني أدم ده ليه هنا يا ماريانا ؟!مش كفاية اللي عمله فيكي ؟!!.
قالتها والدتها بغضب شديد وهي تنظر إلى جورج الذي فاقد الوعي بصالة المنزل.....
نظرت ماريانا إليه وهمست:
-يعني أرميه في الشارع كريم سابه ومشي ...خلاص يا ماما بكرة هنتصل بوالده يجي ياخده بس خليه يقعد هنا النهاردة ...
توسعت عيني والدتها وهي تقول :
-بنت انتِ... انتِ مش عاجباني ...فيه ايه لتكوني حنيتي ليه بعد اللي عمله ...شكلك يا ماريانا نسيتي اللي هببه فيكي وهترجعي ليه تاني ..بس ساعتها أنا مش هقف جنبك في أي حاجة ....
-ماما أنا مبقتش احب جورج بجد.....مفيش حاجة تخليني ارجعله ...الحب اللي جوايا اختفى....
جلست والدتها على الأريكة المجاورة للأريكة التي ينام عليها جورج وقالت :
-يعني ايه الكلام ده ...بجد مبقتيش تحبيه؟!مش قادرة اصدق. .معقول ماريانا اللي كانت بتموت في التراب اللي بيمشي فيه جورج تبطل تحبه...أنا بجد مش مصدقة...
جلست ماريانا وابتسمت بحزن لتكمل والدتها بتساؤل ؛
-معقولة تكوني كرهتيه يا ماريانا بعد اللي عمله ؟!
هزت ماريانا رأسها وهي تقول بشرود :
-ولا كرهته كمان ...الموضوع اني مبقتش حاسة بأي حاجة يا ماما ...حاسة ببرود من ناحية كل حاجة حتى جورج ...حاسه اني عمري ما حبيته ...ببص عليه وانا بدور على اللهفة جوايا ناحيته بس مش لاقياها ..أنا حزينة بسبب اللي بيعمله يا ماما مش عايزاه يحاول لان خلاص أنا كل مشاعري ماتت...هو بيتعب نفسه على الفاضي ...أنا متأكدة آني مش هرجع زي الأول ابدا واتمنى جورج يتقبل ده !!
-هو عنده آمل أنك ترجعيله على فكرة ...
-ودي هي المشكلة ..أنا عايزاه يفقد الأمل ...لاني بجد مبقتش احبه ...
-اتغيرتي يا ماريانا اووي كمان ...حاسة أنك مش متأثرة باللي حصلك ...أنا خايفة عليكي يا بنتي ....
تنهدت ماريانا وهي تقول :
-انا حاسة اني منفصلة عن الواقع يا ماما ...حاسة وكأن اللي حصل ده حصل لواحدة تاني غيري ...واحدة أنا معرفهاش....واحدة متهمنيش ...مش عارفة ايه المشكلة بالضبط وليه حاسة بكده ... مشاعري كلها واقفه مش حاسة بأي حاجة ...الحاجة الوحيدة اللي حاسة بيها هي الشفقة ناحية جورج وناحيتي
صمتت وهي تنظر إليه ثم أكملت ؛
-انا شفقانة على جورج يا ماما ...تخيلي رغم كل اللي عمله شفقانة عليه اووي...وشفقانة على نفسي ...كان فيه حاجة حلوة بيننا ...كان فيه حب ...أنا عارفة انه حبني ...يمكن محبنيش قدها بس عارفة ان جورج حبني والا مكانتش دي هتبقى حالته ...بس الحب من طرف واحد مبينجحش ...للأسف طلع مبينجحش ...حاولت انجحه مع جورج وفشلت وانا اللي طلعت خسرانة في الآخر ...جورج لازم يشوف حياته مع واحدة غيري ...
-يشوف ميشوفش ...أنا عن نفسي مش مهتمة بيه ...ده واحد معتوه دمر الكل بسبب غباؤه ...أكيد مش هننسى لما انتِ كنتي بتواجهي الموت كان هو في حضن السنيورة ...واحد خاين ....
ابتلعت ماريانا ريقها وهي تتذكر تلك الليلة وكل ما حدث بها ...الرعب الذي عاشته كان فظيع ....
نهضت ماريانا وهي تربت على كتف والدتها وتقول بهدوء:
-روحي ارتاحي ونامي يا ماما ..متقلقيش جورج مش هيقدر يعمل حاجة ...معلش ازعجتك ...
هزت هي رأسها وهي تقول :
-اتمنى انه يبطل يزعجك ....
ثم نهضت والدتها لتلج لغرفتها ..كادت ان تدخل ماريانا أيضا لغرفتها الا ان صوت جورج الثقيل اوقفها وقال؛
-كله كوم وزعلك كوم ...والله ايوة ...
نظرت إليه وهي تجده يفتح عينيه...ينظر إليها دون تركيز ويهمس :
-ماريانا ممكن تيجي هنا ...لو سمحتي تعالي !!
نظرت إليه بتوجس ثم اقتربت من الأريكة وهي تنظر إليه ...أمسك كفها ثم قبل باطنه بعمق وهو يقول :
-حبيبتي وحشتيني ....
سحبت كفها بلطف وقالت:
-ايه اللي انت بتعمله ده يا جورج ...كفاية بقا ...ده ميليقش بيك !
ابتلع ريقه وقال:
-أنا ضايع من غيرك...الحياة فاضية يا ماريانا. ...أنا غلطت بس العقاب كبير اووي ...اني اتحرم منك ...اتحرم من حبك ده عقاب كبير....
-هتقدر تنساني صدقني مفيش حاجة مستحيلة ...
-اني اعيش من غيرك هو المستحيل نفسه...
ابتسمت بحزن وهي تربت على وجهه وتقول :
-هتتعود صدقني ...
.......
في اليوم التالي ...
-صباح الخير...
قالها أمجد بإبتسامة وهو يلج للمنزل كان قد تجهز للعمل ..كانت جيلان ووالدته بتناولان الإفطار ....اقترب امجد من والدته وهو يقبل رأسها ثم اقترب من جيلان وهو يقبل رأسها هي الآخرى ... تجمدت جيلان وهي تشعر انها الطعام قد توقف في حلقها ...المجنون ماذا يفعل ؟!كانت متعجبة من أمجد...هو ليس الشخص الذي يظهر مشاعره على الملأ ابدا ...فماذا حدث له؟!نظرت دلال الى ابنها وقالت:
-سبحان مغير الأحوال والله ....
جلس أمجد وهو يبدأ بتناول طعام الإفطار بهدوء ..كان يبدو رائق المزاج اليوم ...حالته جيدة ...صحيح ان جيلان ما زالت تعاند ولكنه قرر ان يتقبل بكل حب ما تفعله حتى تسامح ...وهو يعرف جيدا ان جيلان لن تأخذ وقت كي تسامحه ...يعرف انها تحبه ..هي حتى تحبه اكثر ما هو يحبها .. تلك الفكرة راقت له كثيرا ...راقت ان تكون جيلان هي الطرف الأكثر حباً
نظرت جيلان الى دلال بتوسل لكي تتحدث بينما هزت دلال رأسها وهي تحاول فتح الكلام مع ابنها الذي يبدو في مزاج جيد للغاية اليوم ...
--أمجد حبيبي ...
قالتها والدته ليرد بحب ويقول :
-نعم يا روح قلبي ...
ابتسمت وهي ترفع حاجبها وتقول :
-ربنا يسترك يا بني والله ..كنا عايزين نكلمك في موضوع بخصوص جيلان ...
نظر مبتسما الى جيلان التي اطرقت برأسها وهي تنظر إلى الطبق فقال مبتسماً:
-ايه أخيراً قررت جيلان ترحمني شوية وتقدم ميعاد الفرح أصل السنة اللي جاية بعيد ...
-لا يا ابني الموضوع مش كده خالص ...
-اومال ايه ؟!
قالها بجدية وهو ينظر اليهما...توترت والدته قليلاً وقالت :
-جيلان عايزة تشتغل !
توقف وهو ينقل بصره بينهما ويقول:
-لا معلش عيدي كده ...مالها جيلان ؟!
-عايزة تشتغل يا ابني !.
نظر امجد الى جيلان وقال:
-انتِ خلصتي دراستك اصلا عشان تشتغلي..وبعدين انا مش موافق مراتي تشتغل....
نظرت إليه بغيظ وقالت:
؛انا لسه مبقتش مراتك !!!
ببرود رد :
-لا انتِ مراتي كتبنا الكتاب ولولا اني احترمت قرارك كنا عملنا الفرح مع نوران ورحيق ....وانا لحد دلوقتي بحترم قراراتك بس فيه حاجات مفيهاش نقاش ...مش هتشتغلي لا بشهادتك ولا من غيرها ...كلامي منتهي ...
ثم نهض وهو يقول :
-الحمدلله ...يالا السلام عليكم ...
ثم تركهم وذهب...
-شايفة يا مرات عمي ابنك...ده حتى مقعدش واتناقش معايا. ..أنا عايزة اشتغل...بعدين المكان البس هشتغل فيه كله ستات هو معترض على ايه
ابتسمت دلال وقالت؛
-هيوافق...كلميه تاني ...يا بنتي والله أمجد بكلمه واحدة تقدري تجيبيه...خليكي ذكية ...
زفرت جيلان وقالت:
-انا تعبت منه ...
ضحكت دلال وغمزت لها ؛
-بكرة تصلحيه ...
ثم رن هاتفها وقطع كلامها امسكت الهاتف لترى نوران تتصل بها ..عبست وهي تفكر انها كانت اليوم مساء ستذهب إليها حيث الفندق التي تسكن به ولكنها تتصل الآن :
-نعم يا حبيبتي ..
قالتها دلال بإبتسامة سرعان ما انمحت وقالت:
-يعني ايه انتوا في الطريق للغردقة حاليا ...يعني سافرتوا!!
.............
-ايه اللي بيحصل ؟!ايه الدوشة دي ؟
قالها لطيف وهو ينزل الدرج بينما يجد رجال الشرطة تنتشر في منزله ....ولكنه توقف وهو يجد مراد عدوه اللدود يقف وبيده الأصفاد وقال:
-جايين نقبض عليك يا باشا !!
رواية اسرت قلبه الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سوليية نصار
الفصل الخامس والثلاثون (عقاب)
سأحطم قلبك كما حطمتي قلبي ...سأجعلك تتمني الموت كل ليلة ولكن الموت سيكون بعيداً كبعد النجوم ....
(جاسم لنوران)
........
-آه ...
صرخ جورج بقوة عندما انسكبت عليه مياة باردة للغاية ...نهض بعنف ليجد والده يشرف على رأسه ...
-بابا....
قالها بتلعثم ليمسكه والده من قميصه ويقول :
-قوم قامت قيامتك يا اخي فضحتني ....بتسكر وتيجي تعمل فضايح لمراتك ووالدتها ....
رمش جورج وهو ينظر حوله ليجد والدة زوجته تنظر إليه بقرف ...
-فين ماريانا أنا عايز اكلمها ....
-لو سمحت روح بنتي مش عايزة تشوفك ...هي شفقت عليك عشان كده دخلتك البيت فمتسوقش فيها واحترم نفسك وامشي من هنا !!
هز رأسه وقال:
-لا مش همشي ...أنا عايز اشوف ماريانا وهشوفها....
ثم كاد ان يتجاوز والده الا ان والده أمسك ذراعه وقال؛
-اعقل يا جورج وخلينا نمشي ...
الا ان جورج لم يستمع لكلامه بل ازاح.يده وهو يتجه لباب غرفة ماريانا المغلق ثم يطرقه بعنف ....
كانت ماريانا تجلس على فراشها تقرأ ...تنتظر أن يذهب جورج مع والده كي تخرج ولكنها انتفضت فجأة والباب يدق بعنف وصوت جورج القوي يخترق اذنها....
نهضت من الفراش واتجهت لتقف امام الباب وهي تنظر إليه بوجوم....
..
كان جورج يطرق الباب من الخارج وهو يقول بصوت مختنق ؛
-ماريانا أنا عارف أنك سامعاني...ماريانا الكل عايز يبعدك عني...بس أنا مقدرش اعيش من غيرك ...ارجعي وانا والله ما هعمل حاجة تاني ...عمري ما هزعلك ...والله في اليوم ده محصلش حاجة بيني وبين سيلا...أنا مخنتكيش..ايوة غلطت اني روحت وغلطت اني سيبتك ومكونتش معاكي بس والله عمري ما خنتك ابدا ...لو سمحتي ارجعي ...أنا ضايع من غيرك ...متخليهمش يبعدوني عنك...
كان يكلمها وهو يطرق الباب بإصرار يتمنى ان تفتحه وتريحه ولكنها لم تفتحه ...لم ترد عليه حتى ...شعر بيأس شديد لم يشعر به من قبل ..قلبه كان يتآكل بفعل الحزن ...
جذبه والده بقوة وهو يقول من بين اسنانه؛
-خلاص كفاية كده فضحتنا !!!
ثم سحبه خلفه ...
كان جورج يسير خلفه وهو يشعر وكأنه ميت...انها لا تعود مهما توسل...
خرج من المنزل وكادا ان ينزلا الجورج الا أن اللهيب الأزرق تصاعد وهو يرى ابرام ...ابتسم ابرام بلطف وهو يراه وقال:
-ازيك. يا جورج ايه اخبارك ...؟!
-فرحان انت صح.
قالها جورج بسخرية ليعبس ابرام بدون فهم ليصرخ به جورج بغيرة :
-فرحان عشان هتاخد مراتي يا واطي....
ثم لكمه بعنف ليمسكه والده وهو يصرخ به :
-كفاية بقا ...كفاية ...
ثم نظر الى ابرام معتذرا ليهز ابرام رأسه متفهماً حالته ...سحب عزمي ابنه لخارج البناية بينما جورج يصرخ ؛
-سيبني ...سيبني الواطي عايز ياخد مراتي مني !!!
دفعه والده الى السيارة وقال:
-بطل تخلف فضحتنا يا اخي منك لله!!...
-بابا ...
-خلاص اخرس يا جورج خلينا نمشي من هنا بدل ما أزعلك فعلا !!
ثم قاد السيارة وانطلق بها
..................
-اخبار عينيك دلوقتي ؟!
قالتها مياس وهي تجلس على الفراش بعد ما استيقظ سيف ....نظر إليها سيف بضيق لتقول مسرعة :
-يا سيف أنا اعتذرت منك كذا مرة ...سامحني بقا والله ما كان قصدي.!!
-كنتي هتروحي عيني يا مياس ....كنت هبقى أعمي بسببك ...
-بعد الشر عليك يا حبيبي متقولش كده...
هتفت بعفوية ليرفع نظراته نحوها ويقول :
-قولتي ايه ؟!
احمرت وجنتها وقالت :
-قولت بعيد الشر عليك ....
-لا اللي بعد بعيد الشر ...قولتي ايه ...
قالها بمشاكسة لتفرك.كفيها وتقول بخجل ؛
-مقولتش حاجة ...
ضحك بمرح وهو يجذبها نحوه حتى اصبحت بين ذراعيه...انتفضت وهي تقول بفزع ؛
-سيف لا سيبني ...
-ششش بطلي صياح بقا...
ثم قبل عينيها وضمها اليه وهو يقول ؛
-أعمل ايه في قلبي اللي بيحبك يا مياس ...
ابتلعت ريقها ليبعدها وهو يربت على شعرها ويقول:
-ما تقولي أنك بتحبيني ...
-لا مش هقول!
قالتها بإندفاع فابتسم وهو يقبل أرنبة انفها ويقول :
-مش مهم هتقوليها في يوم من الأيام ....
صمت قليلا وهو يحاول ترتيب كلماته بينما هي تنظر إليه تنتظر أن يتحدث ....نعم هي مستعدة الآن للتحدث معه ...سوف تخبره انها سمعت اصدقاؤه يسخرون منها وكم شعرت بالإهانة بسببهم...شعرت أنها قليلة وكأن الثقة التي حاولت طبيبتها النفسية وسيف ان يبثاها داخلها قد نُسفت تماماً....لقد باتت تشك في حب سيف لها ...ايمكنه انه يفعل هذا بفعل الشفقة لا الحب ...هل يمكن أنه يخبرها انه يحبها لكي تستعيد ثقتها وما ان تتعالج سوف يتركها ويذهب الى نوال ...الفتاة جميلة للغاية ..لقد رأتها ...ماذا حدث بينهما ليتركها ويتزوج من مياس ...ولكن يالتأكيد بعودتها تلك فهي وضعت يدها عليه ولن تتركه ....
تلك الفكرة ازعجتها كثيرا!!!
-أموت واعرف الدماغ دي بتفكر في ايه ؟!
قالها سيف ثم أكمل:
-يا بنتي والله بخاف من غموضك بحس أنك فجأة كده هتصدميني ...
تنهدت وهي تنظر إليه وتقول :
-سيف انت ليه عايز تكمل معايا ؟!
-ياربي ...هو أنا هعيده تاني يا حبيبتي ولا ايه ؟!بقولك بحبك ...بحبك ...ايه كلمتي دي مش كفاية ؟!
هزت راسها وهي تقول :
-لا مش مصدقة ...
عبس وهو ينظر إليها لتكمل هي :
-ممكن يكون حبك ليا شفقة ...ممكن تكون فاكر أنك بتحبني بس الحقيقة أنك بتشفق عليا بسبب اللي حصلي ..يمكن حاسس بالذنب بسبب اللي حصلي ...ممكن حاجات كتير ...مش شرط يكون حب ....
كان ينظر إليها بضيق ويقول.:
-أنتِ هتعرفي مشاعري اكتر مني يا مياس ؟!أنا بحبك ...استوعبي ده ...
هزت رأسها وبدأت الدموع تنساب من عينيها ليمسحها بشفتيه فتقول هي بإختناق ؛
-انا سمعت اللي بيقولوه اصحابك عليا يا سيف ...سمعتهم وهما ييقولولك ان ده شفقة ...
-اللي كانوا اصحابي قصدك ...ودول شوية اغبية ...أنا قطعت علاقاتي معاهم ...زي ما قطعت علاقتي بنوال....أنا عارف مشاعري كويس يا مياس أنا مش عيل ولا مراهق ....أنا بحبك قولتلها وبقولها وهفضل اقولها وانا مستني فرصة منك بس وهستغلها...للأسف يا مياس مش هتقدري تتخلصي مني ابدا ...هفضل ملاحقك طول العمر....هفضل احبك طول العمر ....
انهمرت دموعها مجددا ليمسحها بلطف ويقول:
-متبكيش طول ما أنا جنبك ...صدقيني آخر مرة هسمح.لحد يقلل منك يا مياس...انتِ كل اللي محتاجه حاليا ...أنا مكتفي بيكي ....
-سيف ...
قالتها بإختناق ليضع كفها على شفتيها ويقول :
-ششش خلاص متتكلميش . يالا
البسي عشان خارجين أنا وانتِ...
...........
منذ الامس وهو لم يأتي ...قد مكث لدى والدته وكأنه يعاقبها على ما قالته...حقا من يظن نفسه ...هل يظن انها سوف تنهار بسبب هذا ...حسنا هو لا يعرفها جيدا ...هي لا تهتم حتى ان قضى كل ايام حياته عند والدته ...فبعد ما فعله بالأمس لا يحق له ان يغضب ...اغمضت عينيها وهي تتذكر ما حدث ....
........
كلماتها جعلت الجميع يلتزم الصمت تماماً...كان صمت ثقيل يحيط بهما بينما أمير ينظر لسما بصدمة وغضب ....ولكنها رفعت رأسها دون ان تهتم ...هي لا تخاف منه فليذهب الى الجحيم ....ما قطع هذا الصمت الثقيل هي سهيلة التي قالت بإختناق:
-سامعين بتقول ايه ...سامعين قلة ادبها...عشان تعرفي يا خالتي أنك جوزتي ابنك لواحدة شرشوحة ....
-هما سمعوا كلامي ليكي ...بس برضه شافوا مياصتك على جوزي ...بس الحق مش عليكي الحق على المحترم اللي انا متجوزاه واداكي وش لو كان بيحترم نفسه مكانش ده حصل ....
-
-سما خلاص احترمي نفسك !!!
قالها أمير بغضب ثم اقترب منها وأمسك ذراعها وهو يقول من بين اسنانه :
-يالا هنمشي من هنا!!
ولكنها دفعت يده بعصبية وهي تصرخ به وتقول :
-لا مش هنمشي...أنا اللي همشي ومش عايزة اشوف وشك تاني اشبع يا حبيبي ببنت خالتك وطلقني وخليها هي اللي تربي ابنك ...
سوف دفعته وذهبت وهي تخرج من المنزل مسرعة بينما الجميع ينظر إليها مشدوهاً......
....
خرجت من شرودها وهي تقضم اظافرها بغضب وتفكر انها ليست مخطئة ...هو لم يحترم وجودها...لذلك يستحق ما قالته ....
حتى لو أتى واخبرها انه سوف يطلقها لن تهتم ابدا ولن تخاف ....زيجتهم فاشلة من الاساس لا أمل لهم ...ولكن رغم ذلك قلبها يؤلمها...لقد احبت هذا الغبي...رغم خداعه لها قد احبته كثيرا...تمنت ان يحبها كم تحبه ولكنه خدعها ....هي لا تظن ابدا انه يحبها فمن يحب لا يفعل هذا ...لا يقلل من شريك حياته بتلك الطريقة السيئة...لقد شعرت أنها ستنهار وهي تجده يمازح ابنة خالته تاركاً اياها تجلس على الأريكة ...لم يهتم بالنظر إليها حتى ....
قضمت شفتيها وهي تمنع نفسها من البكاء او الإنهيار ...فجأة انتفضت عندما فُتح الباب ...وجدته يدخل المنزل والغموض يكسو وجهه...
-فين عمر؟!
قالها بهدوء لترد وقد توجست اكثر :
-نايم ...
-طيب كويس اووي ...
ثم اقترب منها وفي عينيه نظرة غريبة ...ابتعدت وهي ترجع بظهرها وقالت بإرتعاش :
-والله لو مديت ايديك لأحبسك يا أمير ....هلففك في المحاكم و ...
ولكنه قطع كلامها وهو يقترب خطوة واسعة مؤنها ثم يعانق وجهها ويقبلها ...توسعت عينيها بصدمة وتخشبت بين يديه ليبتعد عنها ثم يقبل رأسها وهو يهمس :
-أنتِ بتغيري عليا....
نظرت إليه بحيرة ليبتسم وهو يقول :
-بتغيري عليا يا سما ...أنا عارف..وده اللي كنت عايز اعمله ...كنت عايزك تغيري عليا ونجحت ...بس طبعا هعاقبك على الهبل اللي قولتيه ...
-كنت قاصد ...
قالتها بذهول ليرد دون خجل ويقول :
-ايوة كنت قاصد اخليكي تغيري ...عملت كده عشان اوصلك للمرحلة اللي هتبقي هتتجنني من الغيرة واهو نجحت...
فجأة دفعته والدموع تطفر من عينيها وقالت:
-انا بجد مش مصدقة اللي انت بتعمله فيا...بتكون مبسوط وانت بتهينني ؟!!
شحب وهو يحاول أن يبرر الا انها قاطعته بصراخ وقالت:
-أنا بجد بكرهك.!!!
ثم كاد ان تذهب الا انه امسكها وهو يحملها بسهولة ويجلس بها على الأريكة وهدر بها :
-أعمل ايه ...قوليلي اتنيل أعمل ايه ؟!حضرتك مش مدياني أي فرصة ...علطول بتفهميني غلط ...بتكدبيني ...جتلك وقولتلك بحبك بس رغم ده كلامي مأثرش فيكي. ..فقوليلي أعمل ايه تاني أنا مش فاهم ....ملقتش حل غير اني اخليكي تغيري يمكن تحسي بيا بس لا حياة لمن تنادي
اشاحت بوجهها عنه وقالت ببرود :
-سيبني لو سمحت ...
-لا ...
-قولتلك لا أنا بحبك ...هتستوعبي ده ولا لا يا شيخة حسي شوية بيا ...بحاول ارضيكي بكل الطرق يا سما ...امبارح عملتي فضيحة كبيرة وانا اللي جاي اصالحك...أنا غلطت في ايه عشان تعملي كده ...
أطرقت برأسها وهي تقول بنبرة مختنقة :
-ممكن توديني لبيت بابا. محتاجة ارتاح هناك شوية ؟!
لم يرد عليها وقد كسا اليأس نظراته !!!
............................
كانت تتابع الاخبار وهي ترتجف قليلا ..تعترف ان ما فعلوه قد ارعبها....فالعالم قد انقلب في الساعات الأخيرة بسبب ما الادلة التي ظهرت لطيف ومن معه قد تم اعتقالهم...يجب أن تهدأ ..يجب ان ترتاح ولكن رغم هذا تشعر بالقلق ....تخاف ان يجد طريقة ويخرج بها ثم يؤذيها هي وعائلته ...قلبها تآكل بسبب الرعب ....
انتفضت قليلا عندما وضع يوسف كفه على ظهرها ثم اقترب منها وهو يقبل رأسها وقال:
-شوف دلوقتي مين اللي خايف ؟!....
نظرت إليه وهي تبتسم بقلق ليضمها اليه وهو يقول :
-هقول كلمتك ربنا ان شاء الله هيسترها ......
هزت رأسها وهي تضع رأسها على صدره ....
ولكن الحقيقة ان الخوف كان يتملك كلاهما !!
........
بعد قليل ....
كان قد اتى منير وماجدة قد جهزت لهم طعام الغداء والتزمت بغرفتها مع طفلها ....
...
كان يجلس يوسف بجوار رفيقه الذي يتناول ورق العنب بشراهة ويقول :
-ما تاكل يا عم فيه ايه...الورق عنب يجنن بصراحة ؟!...
هز يوسف رأسه وقال:
-كل انت بالهنا والشفا أنا مش جعان
-مالك يا يوسف؟!
قالها رفيقه وهو يعبس ليرد يوسف ويقول :
-خايف يا منير ...بجد خايف خالص ده الدنيا اتقلبت واكيد هيتعرف مين اللي سلم الأدلة دي للبوليس...وقتها ممكن يأذوا ماجدة ومحمد ....
عبس منير وقال:
-يا ساتر عليك يا اخي ليه التشاؤم ...ان شاء الله مش هيحصل اي حاجة وهتشوف ...خلاص اتقبض عليهم ...كل اللي اسمهم جه في المستندات اتقبض عليهم ...يعني محدش فيهم هيقدر يأذي مراتك ....
-بس رجالتهم برا وممكن ينتقموا ...
قالها وهو ينظر الى منير يرغب ان يطمئنه ...
-متقلقش يا يوسف مش هيحصل حاجة ....
صمت قليلا وقال:
-مالك يا عم ...اول مرة اشوفك بتخاف للدرجة دي ؟!...معقول انت يوسف !!
ابتسم بحزن وقال :
-اول مرة افرح يا منير ...أول مرة اعيش السعادة دي وخايف تروح مني ...أنا أخيرا لقيت الإنسانة المناسبة ليا ...أخيرا حسيت بالحب ...اخيراً عشت المشاعر الحلوة ...أخيرا عشت مشاعر الحب الابوة ...السعادة ...صعب اخسر ده كله ...خايف اخسره يا منير ...هيكون صعب عليا . ..
هز منير رأسه وقال بلطف :
-متبقاش بومة كده ان شاء الله مش هتخسر ولا حاجة يا راجل وربنا هيباركلك في عيلتك الجديدة
تنهد يوسف وهو يتمتم:
-يسمع من بوقك ربنا يا منير ...يارب تدوم السعادة دي يارب ...
-ان شاء الله ...
قالها منير وهو يلتهم ورق العنب ويقول :
-كل ورق العنب والله جامد ...
ابتسم يوسف وقال:
-لا يا حبيبي كل انت ....
.....
انتهى منير من الأكل وشرب القهوة الخاصة به ثم غادر ....
....
ولج يوسف لغرفته ونظر الى ماجدة التي تدرس وبجوارها محمد يلعب في المكعبات التي احضرها له ....
-اكلتوا ...
قالها بإهتمام لترفع رأسها له وتقول مبتسمة :
-لسه عشان عارفة أنك مش هتاكل مع منير ...صحيح انت عزمته عشان هو كان نفسه في ورق عنب ..بس كنت عارفة أنك مش هتاكل معاه فقولت ناكل سوا ....
ابتسم وهو يستند على الباب ويربع ذراعيه :
-طيب وده ينفع برضه يا حبيبي...على الأقل كنتي اكلتي محمد ...
ابتسمت وقالت:
-هو كمان كان عايز ياكل معاك ....
اقترب منها ثم شدها من ذراعها وقال :
-طيب يالا نحضر الاكل عشان ناكل سوا....
....
بعد قليل كانا على الطاولة بتناولان طعامهما بكل سعادة ...كان يوسف يطعم زوجته محمد بيده وماجدة تفعل بالمثل...بدت الحياة في تلك اللحظة مثالية للغاية ...الحياة التي ارادها يوسف ...السعادة التي بحث عنها طويلا بعد ان انكسر مرتين ....نظر لعائلته بسعادة ...كان سعيد لدرجة ان دموع السعادة أحرقت عينيه ...لا يرغب ان يكون جبان بعد اليوم ....منير لديه حق هو سوف يحافظ على سلامة عائلته لن يسمح بأي احد ان يؤذيهم ....نظراته ثبتت على ماجدة التي تبتسم بينما تطعمه...تناول الطعام من يدها ثم قبل كفها ليفعل محمد المثل وهو يتناول إصبع ورق العنب ويضعه في فم يوسف ....
ابتسم يوسف وهو يمسك كفه ويقبله هو الآخر....ثم ضحكوا جميعاً وسط جو عائلي رائع ...
.............
يُقال ان الانسان يحصد ما يرزعه ..وهذا صحيح ...طريق الخطيئة سهل ..ممتع وجذاب ولكن عواقبه بشعة....هي فتاة احبت ...تركت لجام العقل وتمسكت بلجام الهوى كسرت القيود التي تربت عليها ...اتخذت من وضع عائلتها مبرر لكي تكون فتاة بلا أخلاق ..ظنت بهذا تعاقب عائلتها التي اهتمت برحيق مثلها ولكن للغباء لم.تعاقب الا نفسها هي ...لقد ادركت الآن انها السبب في هذا كله ...هي المخطئة...هي الجانية...لم تكن يوما ضحية احد الأ نفسها وغباءها ....والآن تحصد ماؤ زرعته ...وربما هذا هو عقابها على تنمرها المستمر على رحيق......
وقفت نوران وهي تنظر إلى البناية السكنية التي بها شقتها التي ستقطن بها....ماذا ستواجه الآن ....هي معه بمفردها...ماذا سيفعل بها ؟!
تنهدت وهي تفكر ان كل ما سوف يفعله بها سوف يكون من حقه ...هي من اخطأت ويجب أن اتحمل نتيجة خطأها...نظرت إليه لتجده ينظر بشرود إلى البناية بينما يمسك الحقيبة بشدة ...عينيه مزيج من القسوة والإنكسار ...مزيج غريب هي من صنعته....كم ترغب في ان تمسكه ثم تقبل رأسه وهي تعتذر منه تكرارا ...تخبره انها لم تقصد ابدا ان تكسره بتلك الطريقة....
.....
نظر إليه بوجه قاسي وهو يقول :
-يالا عشان نطلع ....
هزت نوران رأسها وهي تمسك حقيبتها وتتبعه بصمت ....
......
دخلا للشقة السكنية الخاصة بهما ...ارتجفت نوارن من الداخل وهي تفكر هذا هو سيكون منزلها ..او سجنها الجديد....هنا سوف تقضي فترة عقوبتها معه....ذلك ما اخبرها به ...تعرف ان جاسم سوف يعذبها هنا ...سوف يجعلها تعاني ...الم يعدها هو بهذا. .ألم يخبرها انه سيجعلها تعاني ....وهي تصدقه انه سوف يفعل هذا بكل تأكيد ...ولكن لا يهم سوف تتحمل أي شئ منه ...لن تغضب او تحزن...لن تحقد عليه...يكفي انه سوف يستر عليها هي لن تنسى هذا ابدا ...سوف تحمل جميله هذا الى أن تموت.....اغمضت عينيها وهي تشعر بالدموع تنساب منهما ......ياليتها لم تفعل هذا ...يا ليتها استمتعت بكل تلك المشاعر التي بدأت بالتأجج مجدداً نحو جاسم ....هي أحبته من قبل والان مشاعرها نحوه اصبحت أقوى ...والان اصبحت هي تعشق من يكرهها...تعشق من يمقتها ويشمئز منها ....
تمعنت في النظر فيه ..كان يخطف القلب بطلته الجديدة ...ذقنه التي نمت من قبل زواجهما وقد هذبها لتعطيه حاذبية ووقار ....عينيه البنية الجامدة ...خصلات شعره الناعم التي تسقط على جبينه ....هو رجل رائع لن تنكر هذا ....وهذا الرجل الرائع هي خسرته بسبب افعالها ...بسبب اخطائها الآن هو اصبح يكرهها ...يشمئز منها ...لا يطيقها وهي السبب ...هل سوف يأتي يوماً ويسامحها ..هل يمكن أن يغفر ويعيش معها. ..يحبها ....
كادت ان تبتسم بسخرية وهو تفكر ان هذا مستحيل تماما!!هو لن يغفر ابدا ...فكل ما يشعر به نحوها الآن هو الكره والإشمئزاز ...لقد قتلت الحب داخله ...نجحت في فعل هذا !!
قكرت بمرارة !!
كان يحاول أن يحافظ على تماسكه والا ينهار وهو ينظر الى الشقة الخاصة بهما...قلبه كان يعتصر بفعل الألم وهو يتذكر حماسه في تجهيز كل جزء لي الشقة ....لم يتخيل امرأة غيرها تطأ هذا المنزل ....كان يخبر نفسه دوما ان نوران فقط ستكون مالكة هذا البيت كما هي مالكة قلبه ...ولكن مالكه قلبه حطمت منزلها. حطمت قلبه...قهرته عندما اخبرته انها اصبحت ملك لشخص آخر غيره ....وهو الذي احبها اكثر من الجميع ....خاف ان ينظر إليها نظرة غير بريئة لكي لا يحرمه الله منها ..رفض حبها وقرر ان يدرس ويجتهد كي يليق بها ...لم يفكر في التواصل معها كي لا يرتكب أي خطأ يهدم حياته معها ...وعندما نالها ...اصبحت له شعر انه يمتلك العالم بأكمله ولكنها قتلته...نعم قتلته بكل برود وهي تخبره بتلك الحقيقة ...احيانا يتمنى لو كانت تصمت ...لو كانت تخفي تلك الحقيقة فأن يعيش نعيم الجهل اسوأ من قسوة الحقيقة...فحقيقتها قد قتلته ....تنهد بإحباط وهو ينظر إليها ليجدها هي أيضا تنظر إليه ..عبس بشدة ....اراد الصراخ بها في تلك اللحظة ولكن بدلا من ذلك قال :
-ده هيكون سجنك الجديد ...
ارتعشت بقوة وهي تنظر إليه بخوف بينما يكمل وهو يقترب منها :
-متفتكريش اني عشان قبلت استر عليكي يبقى خلاص كده مش هيكون ليكي. عقاب بالعكس يا نوران عقابك معايا هيكون اشد...أنا هخليكي تعيشي اسوأ ايامك معايا ....
ابتلعت ريقها للنيران التي تشتعل بعينيه كان يبدو صادق في كل كلمة وكأنه سوف يفعل هذا بالفعل
-حقك !
قالتها بإنكسار وهي تطرق برأسها أرضاً ليبتسم بسخرية ويقول :
-طبعا حقي ...كفاية اني سترتك ومقولتش لأخوكي اللي هببتيه...مع ان الحاجة الطبيعية اللي مفروض اعملها دلوقتي اني اقتلك بسبب اللي عملتيه....انتِ زانية عارفة يعني ايه يعني عقوبتك الر.جم....
-متقولش كده أنا مش زانية اللي حصل. .
ولكنه قاطعها وهو يصرخ بها :
-اخرسي خالص متتكلميش ...لا انتِ زانية اللي قولتيه وحكتيه منفاش غلطك ابدا ومغيرش وجهة نظري فيكي أنك رخيصة ....
أطرقت برأسها وهي تنتحب ..لينظر إليها بقسوة ...كان قلبه يؤلمه ولكنه تجاهل ألمه كليا ....سيطر عليه فلم يظهره...فقلبه هو سبب تعاسته.....قلبه من أحبها ..وقلبه ما زال يحبها رغم خطأها الجسيم !!
-هاتي تليفونك !!
قالها بغلظة لترفع نظرها إليه فكرر بنفاذ صبر:
-انا قولت هاتي التليفون ...ايه مبتفهميش !!
ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها ثم اخرجت الهاتف من حقيبتها ...كانت قد انتهى شحن البطارية منذ ليلة زواجها لذلك لم يستطع احد التواصل معها حتى رحيق .....
أمسك الهاتف ونظر إليه ..وهو يفكر ان هذا هو الهاتف الذي اخطأت عن طريقه....احبت شخص غيره عليه ...بعثت له صورها ...ثم بقوة قد ألقاه أرضاً حتى تحطم بقوة ...صرخت نوران وهي تنظر إلى الهاتف المهشم بصدمة
صرخت بغتة عندما شعرت به يمسك ذراعها وهو يقول بقسوة :
-اسمعيني عشان مش هكرر أم كلامي تاني !!....
ارتعبت وهي ترى الغضب قد فاض من عينيه...ثم أكمل وهو يعتصر ذراعها بقوة ألمتها ...شعرت انه سوف يكسر ذراعها....
- أولا ...أنتِ هنا خدامة وبس ...دورك هيكون خدمتي...هتنضفي البيت وتكنسيه كل يوم ...تغسلي السجاد كل يوم ...حتى لو مش محتاج هتغسليه ...حتى لو هيبوظ هتغسليه ...
ثانياً..ممنوع تخرجي من البيت ...ممنوع تفتحي البلكونة حتى لو غسلتي هدوم وعايزة تنشريها أنا هنشرها ...
ثالثاً.مش هتستخدمي تليفون خالص ...عايزة تكلمي أهلك هخليكي تكلميهم من تليفوني أنا ...لكن ان يكون معاكي تليفون مش هسمح بده ابدا. . انتِ واحدة رخيصة معرفش ممكن تعملي ايه تاني وتجيبيلي العار ....وآخر حاجة ....
قالها ثم اتجه للتلفاز وهو يمسك المقص ويقطع السلك وهو يقول :
-حتى التلفزيون ممنوع تسمعيه ...هتعيشي هنا في سجن ...لا لا . السجن ارحم بكتير من اللي هتعيشيه هنا ...
اقترب منها لترتعب ..فجأة شهقت وهو يدفعها حتى سقطت على الأرض ونظر إليها وهو يرفع رأسه بإشمئزاز وقال:
-هتعيشي معايا ست شهور وبعدين اطلقك وأغورك وبكده اكون عملت معاكي الصح ....
انحنى وقرب وجهه منها وهو يهمس بخطورة :
-ست شهور ...يعني تقريباً 180 يوم ...صدقيني في كل يوم هخليكي تتمني الموت ميت مرة !!
........
في المساء
على طاولة العشاء ...
كان هو جالس يمسك هاتفه ويتصفحه متابعاً الأخبار...رفع حاجبيه بدهشة وهو يرى خبر القبض على رجل ذا شأن في قضية الإتجار بالمخدرات ...
-اووه انت طلعت منهم ....
قالها عاصي بتسلية .....رفع نظراته فجأة وهو ينظر الى رحيق التي اتت وهي تدفع بكرسي أملاك امامها...مرت عينيه على فستانها حتى الاسفل وعبس بشده وهو يراه محتشم اكثر من المعتاد...فقد كان يصل حتى نهاية قدمها ...لا يظهر أي شئ ....
-على فكرة مفيش داعي تلبسي كده في البيت ...يعني مفيش رجالة هنا غيري ...متكتفيش نفسك ....
قالها بضيق شديد هو حتى لم يفهم سبب ضيقه ...
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت:
-انا مش مكتفة نفسي ...بس افتكرت ان ليا الحرية البس ايه ....ثم حضرتك مالك ومال لبسي
مط شفتيه بدون مبالاه يخفى اشتعاله من كلامها وقال:
-والله عندك حق أنا مالي ...يالا اقعدوا عشان تتعشوا والبنت تنام ....
هزت هي رأسها وهي تضع كرسى أملاك امام طاولة الطعام وتجلس هي بجوارها ثم تبدأ تأكل وهي تطعم أملاك أيضا بينما يضحكان سوياً ...كانت رحيق تضحك مع الصغيرة ولكن عقلها مع نوران التي سافرت مع زوجها للغردقة ...هل يمكن ان جاسم لم يكتشف الأمر ...تتمنى هذا فعلا .....كان يتظاهر انه يتناول طعامه ولكنه في الحقيقة كان ينظر اليهما وهو راضي من الداخل بسبب انسجام ابنته مع رحيق....نظر الى ملامح رحيق البسيطة وهو يشعر بإنجذاب غريب ....ليس ذلك الانجذاب الجسدي الذي شعر به من قبل ...ولكن انجذاب غريب هو لا يفهمه حتى ....تلك المرأة تثير شيئا داخله ...تزوجها أول أمس وقلبت حياته قليلاً......
.....
بعد انتهاء العشاء ...
اخذ عاصي ابنته لغرفتها وجعلها تتسطح عليها ثم قبل رأسها وهو يتمنى لها ليلة سعيدة ...
-برضه مش هتخلي ماما رحيق تنام جنبي يا بابا النهاردة ...
قالتها أملاك بحزن ليرد عاصي ويقول بنبرة عادية:
-املاك حبيبتي اظن قولت لا قبل كده ...ماما رحيق هتنام في اوضتنا مينفعش تنام في اوضتك وبعدين أنتِ خايفة من ايه ...معقول بنتي أنا تخاف ...
-يا بابا أنا ...
ولكن عاصي قاطعها وهو يقبلها على رأسها ويقول :
-خلاص يا روحي نامي بقا تصبحي على خير ....
ابتسمت رحيق وهي تقترب أيضا من أملاك وقبلتها على رأسها ثم خرجت هي وعاصي ....
....
-حرام عليك بجد البنت شكلها خايفة...
قالتها رحيق بعد ان خرجا من غرفة أملاك وانتظرت بصبر ان يسخر منها او يعاملها بقسوة كعادته ولكن للصدمة ابتسم لها وقال:
-فاهمك يا رحيق بس لازم تتعود تنام لوحدها أملاك مش صغيرة ...فيه حاجات لازم تتعملها ...انتِ يعني هتنامي جنبها لحد امتى ....
رمشت وهي تنظر إليه فابتسم وقال:
-بتبصيلي كده ليه؟!
-مستغربة بصراحة ...انت بتتكلم بلطف لأول مرة افتكرتك هتتريق عليا ....
ضحك بقوة وقال:
-تقدري تقولي اني شوفت اهتمامك ببنتي وحسيت أنك.تستاهلي اللطف ده ...
رفعت حاجبيها وقالت بسخرية :
-الحمدلله أننا نلنا الرضا أخيرا ...
-تؤ تؤ بتتريقي على جوزك يا رحيق. ..ميصحش والله ...
صمتت وهي تهز رأسها فقال :
-تعالي نقعد على التراس شوية ...ندردش شوية ونتعرف على بعض ايه رايك ....
هذا جيد... فكرت فها هو للمرة الأول يتعامل ككائن راقي...
تنهدت وهي تقول :
-تمام ...
-جميل ...تحبي تشربي ايه ...
-هشرب شاي بلبن ...
هز رأسه مبتسماً وهو يأمر مدبرة المنزل ان تعد ما تريده....
....
بعد قليل ...
كانا بالتراس ...كان هو يشرب قهوته اما هي تشرب الشاي باللبن الخاص بها ....
كانت تنظر إلى الشجرة التى تغطي نصف التراس تقريباً بإعجاب ثم انتبهت عندما بدأ عاصي الكلام :
-على فكرة أنا حاسس الفستان ده محررك والدنيا حر ...ممكن تلبسي أي فستان بيتي من فساتينك ...زي الفستان اللي كنتي لابساه امبارح متقلقيش الشجرة مغطية التراس محدش هيشوفك ....
-لا شكرا أنا مرتاحة كده ...
-براحتك انا بس حسيتك مش مرتاحة ...
-عاصي أنا مرتاحة اووي في لبسي ...انت ليه شاغل نفسك بيا ...
هز كتفه وقال :
-لا مهتم ولا حاجة كان مجرد اقتراح ...أنا بس مستغرب ليه مكتفة نفسك كده ...ده بس قصدي ..
-عشان لما بلبس كده انت بتكون مش محترم وبتفضل تبص عليا ....
-انا يا بنتي ....محصلش ...
-لا حصل ..
-لا محصلش متهيألك...يمكن انتِ نفسك ابص عليكي عشان كده متهيألك كده ...انت صدقيني مش ...
-نوعك المفضل خلاص فهمنا ...
قالتها بملل وهي تقاطعه....
ابتسم وقال:
-طيب كويس أنك عارفة أنك مش نوعي المفضل فمتخليش فكرك يسافر لبعيد ...
رفعت رأسها وقالت بإستفزاز :
-وعلى فكرة انت كمان مش من نوعي المفضل ...
توسعت عينيه وقال:
-متقوليش كده تاني ...أنا النوع المفضل بتاع أي ست ....أي واحدة هترتبط.بيا او تتجوزني هتكون محظوظة...زيك كده ...
-بالعكس ده الله يكون في عونها !
قالتها بضيق لينهض هو ويقول :
-هرميكي من البلكونة بجد....
نظرت إليه بقلق وهي تجد نظراته جادة لا اثر فيها للمزاح ...
-افندم بتقول ايه ؟!
-بقولك هرميكي من البلكونة ...
نهضت وشعرت بالألم في قدمها نتيجة انزلاق قدمها أمس وقالت بقلق :
-انت أكيد بتهزر صح.؟!
أمال رأسه وبدت نظراته مختله :
-ايه رايك نجرب....
ثم اتجه إليها بسرعة غريبة وهو يحملها ...
صرخت برعب بينما يتجه بها الى الحاجز الحديدي للتراس ويحرك يديه بها ....
•يتبع الفصل التالي اضغط على ( رواية اسرت قلبه ) اسم الرواية
رواية اسرت قلبه الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سوليية نصار
لن أدعك تأخذينه مني.
لا ... لا ...
صرخت وهي تتمسك به بقوة. كانت تمسك قميصه وهي تقرب نفسها منه وهي تنظر للاسفل. المجنون يريد بالفعل أن يلقيها من هنا. كان عاصي يضحك وهو يتظاهر أنه سوف يفلتها، ولكنه في آخر لحظة يتمسك بها. أخذ يلعب معها بتلك الطريقة حتى أهلك أعصابها، لتستخدم آخر سلاح لها وهو دموعها.
فجأة انفجرت في البكاء وهي تتمسك بقميصه القطني. عبس وهو ينظر إليها وقد ارتبك، ثم جعلها تقف على قدمها وقال:
أنا آسف. بجد يا رحيق، أنا كنت بهزر معاكي.
ولكنها لم تعطيه اهتمام وهي تبكي. ليقترب أكثر وهو يربت على كتفها وقال:
خلاص متعيطيش. مكنتش أعرف إنك جبانة. خلاص يا بنتي كفاية، اسكتي. مش هقدر أقرب وأحضنك وأطبطب عليكي عشان أنتِ دماغك بتحدف شمال وبتفكري إني واحد مش محترم، وأنا مش كده.
لم تستطع كتم ضحكتها. ليبتسم هو ويقول:
أيوه كده، اضحكي وخلاص. متزعليش، مش هرخم عليكي تاني.
هزت رأسها. ثم قال:
يالا اقعدي نكمل كلامنا.
أنا بجد تعبانة، خلينا ننام دلوقتي وبعدين نكمله. ممكن؟
هز رأسه وقال:
طيب يا ستي، مش هضغط عليكي.
ثم ولج قبلها ونظر إليها ثم قال:
هتنامي بفستانك الطويل ده؟
انت مهووس بهدومي ليه؟ حابة أعرف.
مش مهووس ولا حاجة، متفهميش غلط. بس الجو حر وأنا بس شايل همك.
ابتسمت بسخافة وقالت:
لا متشيلش همي ولا حاجة، أنا كويسة ومش حرانة وهنام كده.
هز كتفه وقال:
زي ما تحبي عادي. أنا عن نفسي حران.
ثم خلع قميصه القطني بحركة واحدة. لتتراجع وهي تبتلع ريقها، ثم تشيح بوجهها وهي تقول:
انت... انت... ما هو مش كل يوم... البس أي حاجة لو سمحت.
ابتسم بإستفزاز وقال:
أنا بحب أنام كده. أنا حر يا ستي. الجو حر. يالا عشان ننام.
قضمت شفتيها بضيق وهي تتجه إلى الفراش وتنام على جانبها وهي تبتعد عنه بقدر الإمكان. لينخفض بجسده قربها وهو ينظر إلى ظهرها المتوتر وابتسم بخبث. ثم وضع كفه على ذراعها لتشهق بقوة وتقول:
انت... انت بتحط إيدك ليه عليا؟! شيل إيديك عني.
ضحك بعمق وقال:
الله، ما تهدي شوية. ليه الخوف ده يا رحيق؟ أنا بهديكي عشان حاسة إنك متوترة.
أبعدت كفه بيدها وهي تقول بعنف:
أنا كويسة. ابعد انت إيديك لو سمحت عني. لو سمحت.
ضحك بعمق وقال:
أهو يا ستي، بعدت إيدي. وأهو هنام على جنبي. بس على فكرة، مش أنا اللي كل يوم بروح أنام على طرفك أو أحضنك وأنتِ نايمة. دي حاجات بتحصل منك انتِ.
احمر وجهها بشدة. ليبتسم ويغمض عينيه وهو متأكد أنه استطاع أن يخجلها.
عاصي.
قالتها بتردد بعد فترة. ليستدير نحوها ويقول بهمس:
نعم.
استدارت هي أيضا ونظرت إليه بتوتر شديد وهي تقول:
ممكن أطلب منك طلب؟
أطلبي.
أنا عايزة أروح الغردقة أزور أختي. وحشتني أوي. ممكن؟
كانت تنظر إليه بتوسل. ليقول:
تمام. كده كده كنت ناوي أطلع مصيف للإسكندرية، بس خلاص نخليها الغردقة.
ابتسمت بسعادة. ليقول بجدية:
بس طبعاً في شرط.
نظرت إليه بقلق وهي تقول:
إيه هو الشرط؟
نظر اليها بطريقة جعلتها تخجل وقال:
لما نرجع من الغردقة هقولك. تصبحي على خير.
ثم استدار مرة أخرى لينام.
دي آخرة الحب يا لطيف. آخرة إنك تسلم قلبك وروحك لواحدة. أهو بسببك رجلنا اتجابت كمان. الباشا الكبير متضايق أوي يا لطيف. ولو جات رجله هنزعل كلنا.
قالها حسان وهو يقف أمام لطيف القابع على أرضية السجن برعب. لقد انقلب عالمه في الساعات الأخيرة. حدث كل شيء بسرعة مرعبة لدرجة أنه عجز عن التصرف. تم القبض عليه هو وكل من كان له علاقة بتجارة المخدرات. فعلها يوسف وانتقم منه. الغبي لا يدرك أبداً العواقب. لا يعرف أن ماجدة هي من ستدفع الثمن. ألم يخبروه بهذا سابقاً؟ يخبروه أن في حالة الخيانة سيرى حب حياته يموت أمام عينيه. الغبي، فيما كان يفكر؟
كان حسان يقف وهو يبتسم بسخرية وقال:
هو كده كده أنا هطلع يا لطيف. الباشا الكبير مش هيقدر يستغنى عني. بس انت... أنت هتفضل هنا لحد ما تاخد عقابك المناسب.
ارتعش لطيف وهو ينظر إليه بعينين متسعتين وهو يعرف ما العقاب الذي يتكلم عنه.
أو...
قالها حسان وهو يصمت بخبث. نظر إليه لطيف وقال بتوجس:
أو إيه؟
أو نخرجك من هنا معانا بكل سهولة ونرجع لحالنا وأعمالنا. بس بشرط.
شرط إيه؟
احتشدت حبات العرق على جبينه وهو ينتظر أن يكمل كلماته، بينما قلبه يهدر داخل صدره.
أو بنفسك تقتل ماجدة وابنها وجوزها!
تراجع بظهره مصدوماً وهو يلقي عليه كلماته تلك. شعر أن العالم يضيق به وهو ينظر بصدمة إلى حسان الذي ابتسم بسخرية وقال:
هو كده كده بيك من غيرك هنقتلها. بس اختار تفضل في السجن ونقتلها برا، ولا نطلعك إحنا وتقتلها بإيديك. يعني هي مبقتش خلاص مراتك؟ واحد تاني بقى في حياتها. وأهو تاخد تارك من الراجل اللي لمس الست بتاعتك، وتارك منها لأنها سمحت بكده.
زاغت عيني لطيف وهو يشعر بالرعب. أن يقتل أكثر امرأة أحبها في حياته هو الموت ذات نفسه. ولكن إن لم يفعل، سوف يفعلون هم وقد يعذبوها حتى تموت. ربما هو يمكنه أن يعطيها موت سريع وسهل. ولكن برقت عينيه بخطورة وهو يفكر أنه سوف يعطي أسوأ موت ليوسف. سوف يعذبه بطريقة لم يعذب بها أحد من قبل. سوف يجعله يتوسل إليه ألف مرة ليقتله. سوف يفعل هذا ببطء. ببطء شديد!
موافق.
قالها لطيف ببطء وبلهجة جافة.
كفاية مذاكرة. يالا أنا عملتلك ساندويتشات مربى عشان تاكليها وبعدين تنامي. امتحانك بعد بكرة، عايزك تصحي بكرة مصحصحة وتبدأي اليوم من الأول.
قالها يوسف وهو يلج بصينية الساندويتشات ويقترب منها. ابتسمت هي له بحب. بينما يقترب هو ويجعل الصينية على المنضدة المجاورة للفراش. ابتسم وهو يأخذ منها الكتاب ويقول:
خلاص، كفاية مذاكرة بقى.
ثم أمسك أحد الساندويتشات وهو يطعمها برفق. تقبلت منه أن تأكل وهي تبتسم له. تعشق اهتمامه بها. هو يعاملها بحنان كبير. كل يوم تغرق في هذا الرجل أكثر. أمسكت منه الساندويتش وهي تقول:
طيب يالا كل انت. هاكل لوحدي.
ابتسم وهو يمسك الساندويتش الخاص به، ثم يتناوله، بينما يتحدث معها وهو يضحك.
خايفة أوي من الامتحان بجد. حاسة المعلومات مش بتثبت في دماغي. أعمل إيه يا يوسف؟
ابتسم لها بلطف وهو يمسح بقعة من المربى بجانب شفتيها وقال:
أومال أنا روحت فين؟ صحيح، مش أنا اللي هحط الامتحان، بس أنا حافظ المنهج. متقلقيش، مراتي أكيد هتطلع بتقدير حلو.
ضمته وهي تقبله وتقول:
يعني هتذاكرلي؟
إحنا عيوننا للهانم. أنا اللي هذاكرلك.
ابتسمت وقالت بمشاكسة:
يعني هتكون المدرس الخصوصي بتاعي؟
بالظبط كده.
قالها مبتسماً وهو يقبل أرنبة أنفها. ضمته ماجدة إليها وهي تبتسم بسعادة. تلك السعادة التي تريدها بقوة أن تستمر.
في فجر اليوم التالي. وقف أمامها بينما تنام على الفراش وآثار الدموع على عينيها. كانت ترتدي منامة قطنية خفيفة، بينما تضم يديها إليها. وقف يراقبها لعدة دقائق وقلبه يخفق بقوة. يفكر بغضب أنه ما زال يحبها. ما زال قلبه يخفق بحبها هي. لم يستطع أن ينزعها من قبلها. يكرهها، يمقتها، ولكنها ما زالت تسيطر عليه. أحيانا يفكر أن الأمر ربما يكون حلم سيء وسوف يفيق منه ليجد أن حبيبته... من وهبها روحه ما زالت بريئة لم تندس من قبل رجل آخر. ولكنه لا يفيق أبداً من هذا الكابوس مهما فعل.
أغمض عينيه التي تحرقه بفعل الدموع وهو يحاول شحذ قوته. لا يريد أن يجعلها ترى ضعفه نحوها. يجب أن يعاقبها إلى أن يحررها من سجنه، ثم وقتها سوف يبحث عن فتاة أخرى تكون لديها شرف. فتاة يتأكد أنها ليست لها أي علاقات سابقة. أمسك كوب الماء ثم سكبه عليها لتنهض وهي تصرخ ثم تهدر:
إيه الغباء ده؟
ولكن عينيها اتسعت فجأة برعب وهي تراه أمامها ينظر إليها وهو مبتسم بسخرية:
قومي يا هانم، الفجر أذن. ولا حضرتك مبتصليش؟
أطرقت برأسها وهمست:
لا بصلي.
يبقى تقومي يا حبيبتي عشان تتوضي وتصلي وتقرأ قرآن، يمكن ربنا يغفر لك اللي عملتيه. ومن هنا ورايح مواعيد نومك وصحيانك هتكون محددة. تنامي الساعة عشرة وتصحي الفجر عشان تصلي. مفهوم؟
هزت رأسها وهي تشعر أنها تختنق وقالت:
مفهوم يا جاسم.
ثم نهضت بتعب وهي تتجه إلى الخزانة لتخرج لها ملابس جديدة. ثم أمام عينيه اتجهت إلى الحمام لتغتسل وتتوضأ لكي تصلي.
خرجت من الحمام. ورغم أنها توضأت، إلا أن النعاس ما زال يسيطر عليها. وجدته قد تجهز ليصلي بالجامع.
تصلي وتستني. أوعي تنامي.
ثم فتح الباب وخرج. لتبدأ هي في صلاتها.
بعد قليل. قد انتهت وجلست على سجادة الصلاة وهي تنظر للأعلى وتتكلم لتناجي ربها:
يارب خلي الأيام دي تمر على خير. يارب أنا غلطت غلط كبير في حقك وفي حق نفسي وأهلي وجوزي. يارب سامحني يارب. يارب اغفر لي ذنوبي يارب. يارب متاخدنيش إلا وانت راضي عني. يارب أنا عصيتك يارب بس انت الكريم يارب. يارب سامحني يارب. يارب طبطب على قلب جاسم، هو تعبان، مخنوق بسببي ومكسور. يارب عوضه خير عنه وارزقه واحدة أحسن مني مليون مرة.
أطرقت برأسها وهي تبكي. كان صعب عليها أن تدعو أن يتزوج زوجها من امرأة أخرى. فهي بتلك تكتب نهايتها. ولكن جاسم يستحق امرأة شريفة بدون ماضي. هي لا تستحق أبداً أن تكون معه. هو رجل شريف. رجل تقي. مثل شقيقها تماماً ويستحق امرأة أفضل منها بكثير.
رفعت رأسها وهي تكمل دعاءها وتقول:
يارب اجبر بخاطره يارب. يارب داوي جرح قلبه يارب. أسعده يارب. وأديله الزوجة الصالحة. واحدة أحسن مني. واحدة أصلح مني. واحدة تليق تكون أم أولاده. يارب لو كان موتي يريحه خدني لعندك يارب. يارب.
ثم وضعت كفها على وجهها بينما هي تنفجر بالبكاء. كان هو يقف خلفها وهو ينظر إليها. كان قد أتى من المسجد وبقى ينظر إليها مشدوهاً يسمع دعاءها الصادق. كانت نبرتها محملة بالأسى. كانت صادقة، ولكن هذا لم يخفف عن غضبه.
قومي. كفاية.
هدر بها. لتنتفض بقوة وتنهض وهي تمسح دموعها. رفع رأسه وقال:
اقري وردك يالا هنا جنبي.
هزت رأسها وهي تحضر المصحف من على المكتب الموضوع في الصالة. ثم جلست بجواره وهي تقرأ قرآن بصوت خافت. بدأت بقراءة سورة النور وما أتت عند الآية الخاصة بأحكام الزنا انفجرت بالبكاء وهي تقرأ تلك الآية:
بسم الله الرحمن الرحيم. الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
أخذت ترددها بصوت مرتفع وهي تبكي بقوة. صوتها ارتفع وألم قلبها كبير. كيف قللت يوماً مما فعلته. كان جاسم يراقبها وقد شعر بالقلق. ثم اقترب منها وهو يسحب المصحف بلطف ويقول:
روحي اغسلي وشك.
ولكنها لم تبدو أنها سمعته، بينما تبكي بهذا العنف. زفر بضيق وهو يمسكها ويجرها خلفه. ثم أخذ يقول من بين أسنانه:
خلاص، كفاية. كفاية.
ولكنها لم تسكت. ليصرخ بها:
خلاص، قلت لك اسكتي. اسكتي!
انكمشت على نفسها. ليدخلها هو الحمام متجهاً إلى حوض الغسل. فتح الماء. ثم أخذ يغسل وجهها جيداً. بينما هي دموعها لا تتوقف عن الانهمار. أخرجها من الحمام. ثم تركها لتسقط على الأرض وهي تبكي مجدداً. بينما العالم يضيق بها. ما ارتكبته إثم عظيم. كيف فعلت هذا!
أنا إزاي عملت كده؟ إزاي!
قالتها والدموع تنفجر من عينيها. ثم أخذت تضرب صدرها وتقول:
إزاي غلطت الغلطة الكبيرة دي؟ إزاي عملت كده في نفسي؟ إزاي... إزاي مخوفتش من ربنا؟
نوران، كفاية. كفاية!
قالها وهو يشعر بالاختناق. ولكنها لم تتوقف. وهي تضرب على وجهها بقوة والألم يندلع داخلها كنيران لم تستطع السيطرة عليها.
يارب أموت. يارب أموت. يارب أنا مش عايزة أعيش. يارب خدني. يارب خدني.
كانت تصرخ بها. كانت في حالة انهيار نادرة. وكأنها أدركت جيداً ما فعلته. شعر بالغضب منها وهو يسحبها ليجعلها تنهض ويواجه وجهها ويقول:
خلاص، كفاية. كفاية بقى!
أنا بموت يا جاسم. حاسة إن ضميري مش مرتاح. أعمل إيه يا جاسم؟ قول لي أعمل إيه؟
تجهم وهو يعجز عن الرد. لتقول بألم:
سامحني يا جاسم. سامحني أبوس إيديك يمكن أرتاح. سامحني!
سامحني... سامحني. هو أنتِ فاكرة الموضوع بسيط للدرجة دي؟
قالها جاسم وهو يمسكها من ذراعيها ويهزها بقوة. بينما الدموع تحرق عينيه. كان يشعر بحريق داخله. حريق لا يخمد.
أنتِ عارفة أنتِ عملتي فيا إيه؟ أنتِ كسرتي قلبي. أنتِ قتلتيني يا نوران. قتلتِ راجل ما حبش غيرك. اتقهرت وأنا بسمع إن البنت اللي بحبها... اللي كنت حاططها في أسمى مكانة عندي سلمت نفسها لراجل قبلي. يا بت ده أنا مكنتش عايز حتى أبص عليكي. كنت بصونك. افتكرتك غالية. بترخصي نفسك بالشكل ده ليه؟
أطرقت برأسها وهي تنتحب بقوة. بينما يهزها بعنف ويقول لاهثاً:
أنا عايز أقهرك زي ما قهرتيني. عايز أحرق قلبك زي ما حرقتي قلبي. تأكدي يا نوران إني هعمل كده. هحولك لأسوأ نسخة منك زي ما عملتي فيا. أنتِ حولتيني لأسوأ نسخة مني!
هزت رأسها بلهفة وهي تقول:
اعمل اللي انت عايزه. اضربني. اقتلني. عذبني زي ما انت عايز بس سامحني في الآخر. أنا عايزة ضميري يرتاح يا جاسم وإلا هموت.
نظر إليها بسخرية وقال:
أتأكدي إن ده مش هيحصل يا نوران. مش هريح ضميرك أبداً. اتأكدي إني هعمل المستحيل عشان أشوفك بتتعذبي كل يوم من الذنب ومش هرحمك وقتها لحد ما أقرر أسيبك.
ممكن أدخل؟
قالتها أريام بهدوء. رفع أمجد عينيه واتسعت عينيه بدهشة. ثم أطرق بوجهه مرة أخرى وهو يقول بهدوء:
اتفضلي.
ولجت للداخل وهي تدع باب المكتب مفتوح. كان مصدوماً. لقد قدمت استقالتها واختفت. لما أتت فجأة؟ هل يمكن أنها أتت كي تخرب حياته مع جيلان بعد أن استقر معها؟ هز رأسه وهو يطرد تلك الأفكار من عقله. فالفتاة بالفعل قد ابتعدت عن طريقه ولم تحاول أن تفعل أي شيء. على العكس تماماً هي من جعلت من ارتباطه بجيلان ممكناً بعد أن اعترفت بخطأها أمام الجميع. ولكن السؤال الذي كان يؤرقه... لماذا أتت وما الذي تريده الآن؟
كانت الأسئلة تدور بعقله. بينما هي تنظر إليه دون أن تتكلم. تعرف فيما يفكر.
خير يا آنسة أريام.
قالها وهو مطرق برأسه. بدت نبرته أقرب للبرود. ولكنها لم تنزعج وهي تقول بنبرة لطيفة:
متقلقش يا باشمهندس. مش جاية أضايقك. أنا جاية أشوفك لآخر مرة.
آخر مرة؟
ردد بحيرة. لتهز رأسها وتقول:
أيوه. أنا خلاص ماشية. بعد ما قدمت استقالتي قررت أروح أعيش عند عمتي في الإسكندرية. شوفت إن ده أحسن ليا بكتير وقررت استقر هناك وهشتغل هناك كمان.
هز رأسه بإستحسان وقال:
كده أفضل.
هزت رأسها موافقة وقالت:
أيوه فعلاً عندك حق. كده أحسن بكتير. بصراحة دي خطوة أنا اتأخرت فيها. أنا عايزة أغير المكان اللي أنا عايشة فيه. أظن ده هيخلي نفسيتي أحسن.
وأنا كمان شايف كده.
قالها وهو يشعر براحة كبيرة. لتعطيه أريام ابتسامة حقيقية وهي تقول:
أنا بعتذر لك مرة تانية على كل مرة آذيتك أو آذيت جيلان. أنا عايزك تسامحني قبل ما أمشي. سامحني على كل حاجة.
هز رأسه وقال بصدق:
مسامحك.
هزت رأسها وكسا الارتياح وجهها. وكادت أن تذهب. إلا أنه أوقفها وهو يقول متردداً:
آنسة أريام.
نظرت إليه يتساءل. ليكمل:
أنا كمان عايزك تسامحيني. سامحيني على اللي عملته. إني دخلتك حياتي وفيه غيرك. إني كسرت قلبك. سامحيني.
هزت رأسها وقالت:
مسامحاك من قلبي يا أمجد.
ثم تركت المكتب وغادرت.
بعد قليل. كانت تضم سلوى بقوة والدموع تحرق عينيها. بينما سلوى لم تستطع التحمل بل أخذت دموعها في الإنهمار.
هتوحشيني والله.
قالتها سلوى بإختناق.
وأنتِ كمان والله.
قالتها أريام بصوت مهتز وهي تحاول السيطرة على دموعها. ولكن دموعها غلبتها وهي تجري على وجهها بقوة. ابتعدت سلوى قليلاً وأخذت تمسح دموعها وهي تقول:
لا لا مش هنبكي خلاص. إحنا هنبدأ حياة جديدة حياة أجمل بكتير من دي. بعيد عن أي ضغط.
هزت أريام رأسها وهي تمسح دموع سلوى وقالت:
وأنتِ كمان متبكيش. أنا مش هبعد عنك. أصلاً مش هتقدري تتخلصي مني يا سلوى. هفضل أتصل بيكي وأقرفك بمشاكلي. وأنتِ اقرفيني بمشاكلك عادي ماشي. هنتحمم كل اليوم في التليفون. كمان هنراسل بعض على الواتس. وهنتكلم فيديو كول. وعارفة إني هاجي أحياناً هنا عشان بابا. صحيح أمي بعد ما عصيت أوامرها وقررت أروح لعمتي بعد ما أبويا وقف في وشها لأول مرة فمعرفش هيقدر بابا يدخلني البيت ولا لا. بس لو مدخلتنيش اتأكدي إني هاجي وأقعد معاكي.
ابتسمت سلوى وقالت:
تنوري والله.
ثم ضمتها وقد انفجرا في البكاء مجدداً.
طيب ما تستني لبكرة نروح سوا. أنا النهاردة للأسف عندي شغل.
قالها سيف وهو يقبل رأسها ويتلمس وجنتها. تنهدت مياس وهي تقول:
معلش يا سيف عايزة أروح أشتري النهاردة. بعدين أنا هروح محل معين أجيب اللي أنا عايزاه وخلاص. محتاجة بس كام فستان على بيجامة صيفي.
طيب، عم بكر هيوصلك. وهخليه جنبك ماشي.
ابتسمت وقالت بمشاكسة:
هو أنا عيلة صغيرة يا سيف؟
قبل وجنتها وهو يقول:
بخاف عليكي يا حبيبي. إيه مش حقي؟
ربت على شعرها وقال:
إيه رأيك ألغي اجتماع النهاردة وأروح معاكي؟ بصراحة مش عايز أسيبك لوحدك.
أوف يا سيف، هو أنا هتخطف؟ لازم يعني رجلك تكون على رجلي.
يا ست الكل، ياريت والله أفضل معاكي دايماً وأروح معاكي كل مكان وأحميكي. هو أنا أطول.
ابتسمت هي حتى تألقت عينيها بشدة، فأصبحت في غاية السحر. قال بتنهيدة عميقة:
أنا بحب عينيكي. بحبها أوي. زي ما بحبك يا مياس.
احمر وجهها بقوة واشاحت وجهها عنها بخجل. ليمسك ذقنها ويعيد وجهها إليه وهو يهمس:
وفي حاجة تاني بموت فيها.
ثم اقترب من شفتيه ليقبله. إلا أنها وضعت كفها على شفتيه وهي تقول بخجل:
يووه يا سيف، خلاص بقى. روح يالا لشغلك. أنا مش فاضية، عايزة أروح أخلص مشواري. يالا.
بتطرديني يا فراشة؟ ماشي.
قالها مبتسماً. ثم لمس وجنتها وهو يقول:
بحبك يا مياس.
اختفت ابتسامتها وقد تعالت ضربات قلبها. ولكنها لم ترد. ليعبس هو ويقول:
إمتى هتقولي لي بحبك؟
يووه يا سيف، خلاص روح.
قالتها بإنفعال وخجل. ليمسك كفها ويقبله وهو يهمس:
أنا مستني اليوم اللي هتقولي لي فيه بحبك بفارغ الصبر.
ارتبكت وهي تسحب كفها. ليبتسم ويقول غامزاً:
واليوم ده هيجي قريب إن شاء الله. أنا حاسس.
ثم تركها وهو يصفر ويخرج من الغرفة. بينما تضع كفها على قلبها وهي تبتسم بخجل. مشاعر قوية تقتحمها. مشاعر لم تختبرها من قبل.
بعد قليل. كانت قد ارتدت ثيابها المكونة من فستان صيفي من اللون الأصفر بأكمام واسعة بتصميم بسيط وطرحة من اللون الأبيض السادة. أمسكت حقيبتها وهي تخرج بعد أن نظرت مرة أخيرة على نفسها في المرآة. صحيح أنها حتى الآن تجفل عندما ترى انعكاسها في المرآة، ولكنها ببطء بدأت تتقبل نفسها. وهذا بعد فضل الله بفضل سيف. الذي لا يتوقف عن دعمها. عن إغراقه بحبه. لقد صدقت فعلاً أنه يحبها. فلا يمكنه أن يزيف كل هذا. نظراته. اهتمامه. لهفته. الحب الذي يفيض من عينيه لا يمكن أن يكون تمثيل. لا يمكن أن يكون شفقة. بالتأكيد هو يحبها.
فكرت بسعادة وهي تخرج من الفيلا وتقترب من السيارة وتحيي عم بكر.
السلام عليكم.
وعليكم السلام يا بنتي، يالا اتفضلي.
استقلت السيارة وهي تنظر من النافذة. اتتها رسالة على تطبيق الواتس آب. ابتسمت وهي تجد رسالة من سيف:
في بحر عينيكِ هامت كل أشواقي يا ربّة الحُسـنِ هل تنوينَ إغراقي؟
في بحرِ عينيكِ هامت كُلُّ أشواقي يا ربّة الحُســـنِ، هل تنوينَ إغراقي
مــا كنت أؤمن بالعيون وفعلها حتـــى دهتني بالهوى عينـاكِ
عيناكِ بحرٌ تاهت به سفني وتزعزت به نبضاتُ قلبي وأنفاسي
أنا الذي لا يهزني برقٌ ولا رعدٌ أعينين متلألأةٌ تهزمُ ثباتي؟
لقائلها.
ابتسمت مياس وقلبها يخفق بقوة. بينما نظر إليها عم بكر من المرآة وهو يبتسم بطيبته المعتادة.
في المتجر الراقي والضخم نوعاً ما. وقفت وهي تهتز بقوة. تخاف من الدخول أن يخاف من بالداخل منها. ولكنها تمالكت نفسها وهي تدخل المتجر لتجد صاحبته في استقبالها بإبتسامة رائعة وتقول:
أهلاً بيكي يا ست مياس، نورتينا.
ابتسمت مياس بخجل وقد أدركت أن سيف قد تحدث معها مسبقاً.
أهلاً بحضرتك.
ابتسمت شهد صاحبة المتجر وهي تقول:
سيف بيه كلمنا وقالنا على الحاجات اللي حضرتك عايزاها وأنا جهزت ليكي تشكيلة حلوة أوي تقدري تقيسيها كلها وتشوفي اللي يعجبك.
هزت مياس رأسها وهي تتجه للملابس الموضوع بعناية. أمسكت فستان باللون الأرجواني قد لفت نظرها وأخذته لكي تجربه.
بعد قليل. خرجت وهي تقف أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها بسعادة. كان الفستان يليق بها للغاية. كان طويل محتشم. بسيط التصميم بحزام لامع من الخصر. دارت حول نفسها وهي تبتسم وقد أحبت الفستان حقاً.
كانت من بعيد قليلاً تقف نوال وهي تنظر إليها بحقد. تلك الفتاة المشوهة قد سرقت حب حياتها منها. لقد لاحقتها حتى هنا وهي تشعر بالغضب الشديد منها. تشعر بالقهر أن تلك الفتاة متواضعة الجمال أخذت سيف. سيف أصبح يتجاهلها من أجل تلك. سيف الذي كان مستعد لتقديم حياته من أجلها. كان سيترك والده وثروته الطائلة من أجلها. الآن هو يتركها من أجل تلك؟ لا بد أن تلك مزحة. مزحة سيئة للغاية. فكرت بحقد وهي تنظر إلى تلك المرأة التي تدور حول نفسها بسعادة وهي ترتدي فستان رائع الجمال. اقتربت منها وهي ترفع رأسها فجأة. توقفت مياس وهي ترى انعكاس نوال في المرآة. استدارت سريعاً لتجد نوال تنظر إليها وتبتسم قائلة:
الفستان الصح على الشخص الغلط تماماً.
بدأ اللون ينسحب من وجه مياس وهي ترى الحقد بعيني غريمتها. ابتلعت ريقها وهي تشعر بالرعب. لا يمكنها أن تتحمل سخرية أخرى أو تنمراً من أي شخص. خاصة حبيبة زوجها السابقة. اقتربت نوال أكثر وهي تشملها بنظراتها الساخرة. ثم توقفت عينيها على الحروق المنتشرة على وجه مياس وقد بدا شكلها بشع للغاية وقالت:
بجد أنتِ إزاي مستحملة نفسك بالشكل ده. إزاي مستحملة شفقة كل اللي حواليكي.
أمسكت مياس ملابسها التي وضعتها على الطاولة المعدنية التي بجانب المرآة وقالت بصوت وهي تحاول أن تتجاوزها:
لو سمحتي عديني.
ولكن نوال وقفت في طريقها وهي تقول بحقد:
مش حرام عليكي تدمري حياة سيف بسبب أنانيتك؟ مش مكسوفة من نفسك؟
ارتجفت وهي تقول:
أنا معملتش حاجة!
لا والله مش عارفة أنتِ عملتي إيه؟ مش شايفة حياة المسكين اللي بتنهيها.
نظرت إليها بقسوة وهي تنوي أن تبخ سمها كاملاً.
أنتِ ليه مش قادرة تستوعبي إن جواز سيف منك مجرد شفقة. قال أهو يتجوز بنت عمه المشوهة اللي محدش طبيعي هيقبل بيها. أنا عرفت بالمناسبة إن حتى خطيبك اللي كنتِ واخداه على حب سابك. بس عشان سيف طيب مش عايز يبين لك أنه مجبور.
قالتها نوال بنبرة سوداء. كانت غاضبة. هي ليست من النوع سليط اللسان وتؤذي من حولها. ولكن اختيار سيف لها أشعرها بالإهانة وكأن يخبرها أن تلك المشوهة أفضل منها. رمشت مياس وهي تحاول منع دموعها من الانهمار. أرادت أن تكون قوية وترد. ولكن يمكن أن يكون كلامها صحيح. قد تكون تصرفات سيف ناتجة عن الشفقة.
أمسكتها نوال وجعلتها تستدير حتى سقطت الملابس من يدها. لترى انعكاسها في المرآه وهي تقول بقسوة:
بصي على نفسك. شكلك. قولي لي إزاي سيف يحبك؟ إزاي مقتنعة بالكلام اللي بيقولهولك إنك جميلة وإن شكلك مفهوش عيب؟
هزيمتها دموعها وانهمرت بقوة. ثم هربت شهقة من شفتيها عندما قالت:
أنتِ بجد أنانية جداً إنك ربطاه معاكي. وهتكوني أنانية أكتر لو خلفتي أطفال يتقال على أمهم مشوهة!
هزت رأسها وهي تصرخ بقهر:
سيف مش عايز يزعلك. بس أنا عارفة إنه جابر نفسك عليكي. أنا حتى واثقة إنه لحد دلوقتي مقدرش يقرب منك. عارفة ليه؟ عشان بيقرف منك يا مياس!
كفاية. كفاية!
صرخت مياس بها وهي تدفعها بقوة. ثم تركت خارجة من المتجر ولم تهتم بصفير الإنذار التي ارتفع بسبب ارتداءها فستان لم يتم شراؤه بعد!
رواية اسرت قلبه الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سوليية نصار
بابا أنا عايزة انزل البحر …
قالتها أملاك وهو تمسك كف والدها الذي يتناول الطعام …
فبعد ساعات قضوها في السفر وصلوا أخيرا للغردقة ….
وقد كان لعاصي منزل صيفي بشاطئ خاص …
تدخلت رحيق وهي تقول بلطف ؛
طيب ما ترتاحي الأول يا أملاك لسه احنا حابين والشمس هتغيب انزلي بكرة احسن …
ووعد هنفضل من أول اليوم لآخره ايه رايك ….
عبست أملاك ليقول والدها وهو يطعمها بفمها ،
ماما رحيق عندها حق يا لوزة …
خلينا بكرة عشان بابا تعبان من السفر وبكرة طول اليوم هنقضيه في البحر ايه رايك ؟!
هزت أملاك رأسها مبتسمة ليقبلها عاصي على رأسها ويقول :-
بنتي اللي بتسمع الكلام ……..
بعد قليل …
كانا يشاهدان التلفاز بينما أملاك قد غفت على الأريكة بجوار والدها …
ابتسمت رحيق همست :-
نامت يا عاصي …
انتبه عاصي لها وقال:-
تمام أنا هدخلها السرير بتاعها …
هي شكلها تعبت اووي من السفر ….
دي كمان كانت عايزة تروح البحر …
أنا مش عارف البنت دي كانت هتقاوم ازاي …
قالها مبتسماً وهو يقترب من أملاك ويحملها بين ذراعيه ثم يتجه بها للفراش الذي بغرفتها …
تنهدت رحيق وهي تربع ذراعيها بينما عقلها يكاد ينفجر من التفكير…
لقد اتت هنا من اجل شقيقتها …
تعرف أن هناك خطب ما …
فهاتف نوران اصبح دوماً مغلق …
وهي لا تستطيع التواصل معها بأي طريقة لكي تعرف ماذا حدث ….
ولن تنسى الذي اخبرته به امها عندما سألتها…
فما اخبرتها به دلال جعلها تشك ان جاسم قد عرف شيئا ….
كانت تقف في غرفتها وهي تمسك هاتفها …
تخاف ان تتصل بدلال فتشك ان هناك شيئاً ما …
او ربما سوف تقلق على نوران …
هي لم ترد ان تثير ريبة أي أحد …
هي ارادت فقط ان تطمئن على شقيقتها…
نوران التي اختفت كليا بعد زواجها …
تكاد تجن لتصل إليها ولكنها تفشل في كل مرة …
رباه هل عرف جاسم كل الحقيقة …
ولو كان عرف ماذا فعل معها؟!
هل يعاقبها الآن عما فعلته …
ام هل أشفق عليها وسوف يتركها وشأنها …
كل تلك الأسئلة كانت تدور بعقلها دون اي إجابة محددة …
لذلك لم تنتظر وهي تتصل بدلال لكي تعرف الحقيقة ……..
انتظرت رحيق بصبر ان ترد عليها دلال
رحيق حبيبتي وحشتيني والله …
قالتها دلال بود ثم أكملت ؛
ده أنا نفسي اجيلك بس امجد اللي مصمم نسيبكم الى راحتكم شوية…
ابتسمت رحيق بود وقالت :-
وانتِ كمان وحشتيني يا ماما دلال…
وحشتيني اووي …
ايه اخبار امجد وجيلان …
كويسين ..
بحاول اتاكد كل فترة ان محدش فيهم هيقتل التاني …
ضحكت رحيق وقالت :-
ربنا يهديهم بجد …
المهم يا ماما أنا كنت حابة اطمن على نوران وتليفونها مغلق …
عرفت من أمجد ان جوزها وهي سافروا الغردقة …
أنا افتكرت انهم هيقضوا اسبوع الأول وبعدين يسافروا ….
هزت دلال رأسها وقالت:-
والله مش عارفة يا بنتي …
احنا فجأة لقينا جاسم بيتصل بينا وبيقول انه سافر الغردقة …
أنا حقيقي معرفش ليه اخد القرار ده فجأة …
أنا كان نفسي اشوفها قبل ما تسافر…
ابتلعت رحيق ريقها بتوتر وقد تحققت أسوأ كوابيسها …
لقد عرف جاسم كل شئ …
وضعت كفها على فمها وهي تمنع نفسها من البكاء …
لم تكن تريد أن تفهم والدتها أي شئ ….
لذلك قالت بصوت حاولت اخراجه طبيعي :-
طيب وتليفونها ليه مغلق …
مش فاهمة برضه ….
جاسم بيقول انه وقع في الميا وباظ وقال هيجيلها واحد جديد ولحد ما يجيبلها هنتكلم معاه هو عشان نطمن عليها …
أنا لسه قافلة معاها من شوية من تليفونه وبتقولي انها مبسوطة اووي….
شعرت رحيق بالإختناق …
بالتأكيد تلك كذبة …
جاسم اكتشف كل شئ …
عرف الحقيقة كاملة …
لذلك قد قام بأخذ هاتفها لكي لا تتحدث مع أي أحد حتى لو كانوا عائلتها …
يريد أن تتحدث مع عائلتها امام عينيه…
اذن هو عرف والان يعاقبها على ما فعلته ..
وضعت كفها على فاها وهي تشعر بالرعب ….
ثم قالت بصوت حافظت لجعله ثابتاً ..
تمام يا ماما الحمدلله أنا أطمنت عليها ….
سلام يا ماما …
ثم اغلقت الهاتف والدموع تحرق عينيها بينما تردد برعب …
نوران !!
خرجت رحيق من شرودها عندما شعرت بأحد يضع كفه على كتفها وقد انتفضت بقوة ….
استدارت ورأت انه عاصي …
عينيه الزرقاء تنظران إليها بتساؤل
خوفتني …
قالنها بضيق ليرفع حاجبيه ويقول :-
بقالي ساعة بنادي عليكي وانتِ في وادي تاني …
فلما قربت منك اتخضيتي …
خير كنتي مسافرة فين …
ولا لأي مكان …
قالتها بتجهم وهي تستعد للذهاب ولكنه أمسك ذراعها وقال
رايحة فين ؟!
عبست وهي تنظر إلى يده التي تمسك ذراعها وقالت:-
ايه رايحة فين ؟!
رايحة انام …
لا لا كده مينفعش …
أنا محتاج اتكلم معاكي شوية ….
رفعت حاجبيها وقالت :-
تتكلم في ايه ؟؛
نتعرف على بعض …
ربعت ذراعيها وقالت:-
ونتعرف على بعض ليه؟!…
عشان أنا عايز كده …
يالا نعمل قهوة ونشربها في التراس …
مفيش داعي تلبسي نقاب …
الشاليه خاص محدش يقدر يدخل …..
زفرت بضيق ما ان اختفى وقالت:-
هي كانت ناقصاك انت كمان
ثم هزت رأسها وهي تتجه للمطبخ لإعداد قهوة ………
بعد قليل
كانا يجلسان على التراس …
يجلس هو على المقعد بينما هي بجانبه لانه اراد هذا…
كانت تستمتع بهواء البحر الرائع الذي قد خفف من حدة توترها بسبب شقيقتها …
نظرت الى عاصي وقالت:-
عايزين بكرة بعد ما نودي أملاك البحر نروح لنوران …
هز رأسه موافقاً….
صمتت وهي عاجزة عن الكلام مرة أخرى فقد وجدته ينظر إليها بطريقة غريبة فقالت بعصبية :-
بتبصلي كده ليه ؟!
حابب اعرف حاجة …
حبيتي قبل كده ؟!
احمر وجهها بالكامل وقالت :-
لا طبعا ….
أنا مفكرتش ابدا في الموضوع ده …
كنت دايما بقول أن مشاعري هديها للإنسان اللي هتجوزه …
يعني انتِ من حزب جواز الصالونات صح.؟!
هزت رأسها بتأكيد وقالت:-
بشوف جواز الصالونات افضل بكتير من اي جواز تاني…
الراجل اللي يحب ست بجد بيخبط على باب بيتها …
ده رأيي…
طيب بالنسبة للي اتقدمولك ؟!
ضحكت بتوتر وقالت:-
دوول اتنين بس والاتنين هربوا …
آخر واحد كان اصغر مني وكان مصر عليا بس والدته لما شافتني غيرت رأيها…
غيرت رأيها ليه ؟!
قالها حائرا لتهز كتفيها وتقول:-
شكلي معجبتهاش …
يمكن معنديش المواصفات الجمالية اللي بيبحثوا عنها
سمعت ده قبل كده من اللي رشحك ليا…
بس لما شوفتك استغربت …
انتِ جميلة فعلا …
ليكي جمال خاص بيجذب الناس ….
اختنقت بالقهوة التي تشربها ثم نظرت إليه بصدمة ليقول :-
أنتِ بجد جميلة …
تزين وجهها بحمرة الخجل ولم تستطع منع ابتسامتها من الظهور…
وشعرك حلو اووي …
قالها بنبرة غريبة وهو يسحب مشبك الشعر من شعرها لينفرد على ظهرها ثم اخذ يمرر يده على شعرها وظهرها وهو يردد :-
حلو…
حلو اووي …
شعرت رحيق انه يوجد شئ خاطئ وتأكد حدثها عندما وجدته يضع يده الأخرى على ساقها وهو يقترب منها ….
نهضت وهي تصرخ به ؛-
شوفت أنك مش محترم !!!
ثم تركته وذهبت ليرمش بصدمة ويقول:-
انا عملت ايه ؟!………
انجزي أنا جعان …
هفضل طول اليوم مستني حضرتك تجهزي الاكل !!!
هو أنا مش ورأيا غيرك ولا ايه ؟!!!
قالها جاسم بضيق لنوران التي بالمطبخ ….
ارتعشت وهي تنظر إلى المكرونة بالصوص الاحمر التي كانت تصنعها والتي قد تعجنت قليلا …
ثم نظرت الى صدور الدجاج المتبلة التي قلتها لتجدها محروقة قليلا …
يالاااا..
هتقعدي اليوم كله تعملي مكرونة وبانية ؟!
ارتعشت اكثر وهي تقول بخفوت :-
حاضر اهو جاية ….
ثم امسكت طبق وهي تتجه نحو قدر المكرونة وبدون ان تنتبه قربت ذراعها لتصرخ بألم وهي تشعر بالحرارة الرهيبة …
عبس جاسم وقال:-
أنتِ بتعملي ايه بالضبط ؟!؛!
سيطرت على دموعها وهي تقول بصوت مختنق :-
مفيش حاجة هجيب الاكل دلوقتي ….
ثم همست :-
ربنا يستر يارب. ..
ثم خرجت بطبق المكرونة ووضعته على الطاولة ….
عبس جاسم وهو ينظر الى المكرونة المعجنة وقال بذهول :-
ايه ده ؟!
دي مكرونة …
دي مكرونة ازاي يعني ؟!
ده تحديث جديد منها ولا ايه ؟!
فركت كفيها بتوتر وقالت:-
فيه بانية كمان رايحة اجيبه …
ثم اسرعت للمطبخ ليقول هو :-
ربنا يستر هاكل بانية وخلاص ..
ولكن ما ان أتت ووضعت الطبق على الطاولة حتى بهتت ملامحه وهو ينظر الى الاكل المحترق الذي امامه…
بالإضافة لطريقة وضعها للطعام تفتقر للذوق نهائيا …
ايه ده معلش ؟!
ابتلعت ريقها ليضرب على الطاولة بغضب ويقول :-
هو انا هاكل الاكل ده …
هاكل اكل محروق ومعجن …
هو حضرتك مبتعرفيش تطبخي ؟!!
كانت تفرك يديها بتوتر شديد بينما الرعب يسيطر على كل إنش بجسدها…
انا اسفة …
آسفة ايه وزفت ايه ؟!
انتِ غبية …
آكلة بسيطة من عارفة تعمليها ….
انتِ انسانة ضايعة …
ملكيش فايدة في الحياة …
وجودك مقرف …
مبتجبيش الا المصايب لكل اللي حواليكي….
بجد انسانة فاشلة !!!
شهقت والدموع تنهمر من عينيها دون توقف …
أنا اسفة …
اسفة والله هتعلم …
يعني أنا جايبك عشان تتعلمي فيا…
هطلب اكل من برا وامري لله…
يارب الست شهور دوول يخلصوا بسرعة احسن الواحد قرف من شكلك !!
ثم نهض وأمسك هاتفه وهو يطلب الطعام ….
انسحبت هي الى غرفتها وهي تمسح الدموع التي اغرقت وجهها …
امسكت مصحفها وهي تبدأ بقراءة القرآن …
بدأت تقرأ سورة الزمر…
وتوقفت عند تلك الآية ثم بدأت بقرأتها بصوت متهدج من البكاء
۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
أطرقت برأسها وهي تنفجر بالبكاء …
كيف يغفر لها الله …
كيف يغفر ما فعلته ….
هذا الذنب الكبير ….
تلك الذنوب التي ارتكبتها من قبل …
معايرتها لشقيقتها …
ان ترتبط بشخص دون رباط شرعي …
تتجاوز كل الحدود …
تكذب وتخدع …
كيف يغفر الله لها كل هذا …
هي لا تستحق هذا ابدا …
لا تستحق المغفرة …
هي أثمة اخطأت بحق الجميع …
كسرت قلب جاسم الذي قبل ان يخفي سرها …
حتى لو عاملها بسوء فسوف تظل مدينة له طوال حياتها …
بدأت مرة آخرى بقراءة القرآن ودموعها تتساقط مع كل آية ولكن يكون غريب اجتاح غريب….
رغم نشأتها الدينية الا ان نوران لم تشعر ابدا بالقرب من ربها كما شعرت في تلك اللحظة …
لقد اذنبت…
اغضبته ولكنها لجأت إليه لتنال السكينة وقد وجدتها ….
بعد قليل …
تسلم جاسم الطعام من عامل التوصيل وهو يعطيه امواله شاكرا إليه بخفوت ….
وكان قد نظم الطاولة فقد وضع الأطباق وكوب المياه بطريقة منظمة …
اخرج الطعام الذي كان عبارة عن طبق مشكل من المشاوي التي تجعل لعابه يسيل ثم بدأ بوضعها في الاطباق…
ثم جلس يتناول طعامه فهو يشعر بالجوع الشديد ولكنه فجأة توقف وهو ينظر الى غرفتها …
هي أيضا لم تأكل….
نهض وذهب الى غرفتها ووجدها نائمة على الفراش وتحتضن القرآن …
اقترب منها وهو يسحب المصحف منها ثم يهزها بخشونة نوعاً ما :-
اصحي عشان تاكلي…
شعرت بالفزع نوعا ما وهي تفتح عينيها …
كان ينظر إليها بإحتقار كعادته وقال:-
الاكل جه…
يالا عشان تاكلي…
مليش نفس ..
قالتها بتعب ليشدها من ذراعها ويقول :-
الموضوع مش اختياري …
يالا عشان تتطفحي !!………
تنهدت وهي تلف خمارها بيد مرتعشة …
سوف تذهب اليه وتتكلم معه …
ربما يوافق ان يسمعها …
ربما يتخلى عن تعصبه للحظات …
هي لاتفهم لماذا يخبرها ان ممنوع عليها ان تعمل في الوقت الذي كانت اريام تعمل به وكما انه كان يخبر الجميع انه لن يدعها تترك عملها من اجله…
لماذا لا يفعل هذا معها …
هل سيظل يفضل ايام في كل شئ ….
اهتزت بشدة وهي تطحن اسنانها….
كانت تشعر بالغضب الشديد منه …
لا بأس ستتكلم معه لتعرف ما وجهة نظره في الأمر ….
خرجت من غرفتها ثم فتحت باب المنزل لتصعد للشقة التي يقطن بها …
رغم انهما عقدوا القرآن الا انه يرفض تماماً ان يمكث معها ومع والدته بنفس المنزل …
ما زال يعيش في البيت الذي يعلوهم ….
استقلت الدرج وقلبها يخفق داخل صدرها وهي تبتلع ريقها….
وقفت أمام الباب وهو تهتز بقوة …
خائفة من رد فعلها على ما ستقوله ولكن يجب أن تتكلم …
ان يكون لها رأي …
يجب أن يحترمها أمجد قليلا ولا يأخذها كشئ مسلم به في حياته…
طرقت الباب وانتظرت بصبر الى ان يفتح …
خفق قلبها بقوة أكبر وهي تسمع وقع اقدامه …
فُتح الباب لتجد نفسها تواجهه…
عينيه العسلية اتسعتا بدهشة…
وابتسامة رائعة ناوشت شفتيه …
جيلان اهلا وسهلا …
نورتيني …
قالها بلطف وهو يفسح لها المجال كي تدخل ….
هزت رأسها مبتسمة وهي تلج للمنزل بينما تفرك يديها بتوتر …
اغلق هو الباب لتنظر إليه وتقول مسرعة :-
لا سيب الباب قفلته ليه ؟!
فيه ايه يا جيلان …
انتِ خايفة مني؟!
انتِ مراتي ؟!
نبرته المتملكة اشعرتها بالخجل فهزت رأسها دون ان تتكلم واتجهت الى الأريكة وجلست عليها بطل هدوء…
ابتسم وهو يطالعها …
وحتى الان لا يصدق حظه انها لم تضيع منه …
لا يصدق انها اصبحت له !!!.
اقترب منها ثم جلس بجوارها لتخجل بشدة وهي تبتعد عنه …
ضحك وقال:-
خلاص خلاص هروح اقعد في مكان تاني ….
وبالفعل نهض متجهاّ الى الأريكة الأخرى وقال مبتسماً.؛-
ها احكي …
رفعت نظراتها إليه وقالت :-
انا حابه اعرف ايه مشكلتك مع الشغل …
انت مش عايز تشغلني ليه؟!
انمحت الابتسامة من وجهه وقال:-
جيلان اتكلمنا عن الموضوع ده وانا قولت لا ؟!
ليه هنفتحه تاني ؟
انا مش عايز مراتي تشتغل أنا حر !!
قضمت شفتيها وهي تنظر إليه وقالت:-
يا سلام؟!
ما أريام كانت يتشتغل وكنت ناوي تخليها تشتغل بعد الجواز …
غيرت ليه رأيك دلوقتي ؟!
نظر إليها بلوم وقال:-
مليش دعوة بأريام يا جيلان…
انتِ اللي مراتي دلوقتي مش هي …
نهضت وقالت بغضب.:-
بس أنت خطبتها وكنت ناوي تديها اسمك …
وموافق على شغلها و الموضوع كان عادي بالنسبالك ….
ليه لما أنا قولت عايزة اشتغل وقفلتي فيها ؟!
تنهد وقال بصبر:-
مليش دعوة باللي حصل في الماضي يا جيلان …
أنا مراتي مش هتشتغل وانتهى الموضوع ..
متقارنيش نفسك بأريام لاننا اصلا مش كملنا سوا …
أنا كملت معاكي واتجوزتك…
بس شغل لا …
ترطبت عينيها بفعل الدموع وقالت بصوت مختنق:-
أنت عمرك ما حبتني يا أمجد ..
أنا بالنسبالك العروسة اللعبة بتاعتك اللي هتسمع كلامك…
حبيت أنك تتجوز واحدة معتبراك كل حياتها …
لمكن اللي انت حاسه من جواك ليا ده مش حب …
ده فرحة تملك
ثم تركته وغادرت مسرعة وهي تحاول ان تمسك دموعها كي لا تنهار…………
كفاية كده يا ماجدة سيبي الكتاب …
قالها يوسف بجدية وهو يحاول سحب الكتاب منها إلا أنها تمسكت به وهي تقول :-
يوسف هذاكر ساعة كمان حاسة أن المعلومات لسه مثبتتش في دماغي …
عشان خاطري …
لا يالا يا حبيبتي كفاية كده …
يالا عشان تأكلي وبعدين تنامي …
صدقيني أنتِ ذاكرتي كويس …
متخليش الخوف يسيطر عليكي …
خليكي واثقة من نفسك …
متخافيش يالا عشان تأكلي ….
قالها وهو يسحب الكتاب منها ثم يشدها نحوه وهو يسحبها نحو صالة المنزل ….
وقفت قليلا أمام طاولة العشاء التي جهزها …
ابتسمت وهي تقول :-
ساندويتشات جبنة رومي …
قالتها بلهفة ليقول :؛
وسيحتها كمان في الميكروويف….
احنا تحت امر الهانم…
ابتسمت بسعادة وهي تجلس على مقعد الطاولة …
وأمسكت الشطائر وهي تشرع في الاكل…
لا تنكر انه يهتم بها طوال تلك الايام بسبب امتحاناتها …
هو من تكفل بتحضير الغداء …
هو من تكفل بالعناية بطفلها ….
تكفل أيضا بمساعدتها في دراستها ….
يوسف هيأ لها الجو لتكون سعيدة مرتاحة لا تحمل هم شئ بينما تدرس…
ايه رايك اعملك كوباية شاي تشربيها من الجبنة الرومي السايحة….
هتكون خطيرة …
ثم كاد ان ينهض الا انها امسكت كفه وهي تقول بحنان :-
اقعد وارتاح أنا هعمل الشاي …
لا أنا …
ولكنها قاطعته وهي تقول :-
معلش حابة أنا اللي أعمل الشاي …
ارتاح انت كفاية تعبتك معايا…
يا ستي لو مكنتش هتعب عشانك هتعب عشان مين ….
ضحكة رقيقة افلتت منها وهي تذهب للمطبخ كي تضع الشاي على الموقد…
كانت سعيدة ولكن تلك السعادة ليست كاملة …
ما زال يشوبها الرعب …
الخوف من الفقدان …
تشعر ان شئ سئ سوف يحدث …
شئ سوف يعكر صفو سعادتها …
تنهدت وهي تتمني ان لا يحدث شئ يقضي على سعادتها تلك …
انتفضت قليل على صفير الأبريق وقامت بتجهيز كوبين من الشاي وخرجت لزوجها ….
جلست بجواره وهي تبتسم.وتمد له كوب الشاي …
بدا كل شئ بخير …
ولكن الشعور داخل كليهما ان تلك السعادة مؤقتة …
ان شئ سئ سوف يحدث كان يعكر صفوهما…..
بعد الإنتهاء من تناول العشاء غسلا الأطباق سوياً فقالت ماجدة :-
أيه رايك اذاكر شوية أنا حاسة المعلومات اللي في دماغي طارت خالص ……
ثم كادت ان تمسك الكتاب الا انه أمسك كفها وهو يقول :-
خلاص كفاية وروحي ارتاحي ….
مفيش حاجة طارت ولا حاجة انتِ متهيألك …
بس يا يوسف …
قالتها بتوتر ليسحبها خلفه ويقول :-
لا …
أنتِ بتذاكري من الصبح …
كفاية كده يالا عشان ترتاحي …
ثم جعلها تتسطح على الفراش وقال:-
غمضي عينيك يالا ومتفكريش في حاجة …
هزت رأسها وقالت:-
وانت هتعمل ايه ؟!
مش هتنام ؟!
هز رأسه وقال:-
لا أنا هقعد شوية كده وبعدين هنام…
هروح اعملي قهوة …
ثم قبل رأسها وخرج من الغرفة وهو يغلق الإضاءة …
ما ان خرج حتى انمحت الابتسامة من شفتيه وهو يتذكر المكالمة التي أتته من مراد عند خروجه من المسجد عُقب أداء صلاة العشاء ….
عبس بحيرة وهو يجد مراد يتصل به …
لقد اتصل به عشر مرات !!!
رباه ماذا حدث ليتصل بهذا الإصرار …
فتح الهاتف بسرعة ليأتيه صوت مراد القوي ويقول:-
مبتردش ليه يا عم …
فيه ايه يا مراد….
ايه اللي حصل؟!-
كان كلامك صح يا يوسف ….
مش هنقدر نقف قصادهم…
قالها مراد بنبرة منكسرة وخائفة جعلت الهلع يسيطر على قلب يوسف …
يعرف ان رجلا كمراد لا يخاف بتلك السهولة …
لابد ان هناك امر جلل…
مراد قصدك ايه فيه ايه….
اتكلم !!!
كان قلبه يخفق داخل صدره …
ينتظر ما سيقوله مراد بفارغ الصبر بينما الخوف ينهش قلبه وهو يدعو داخله الا يكون الموضوع يخص لطيف…
رباه هل فشل مراد في ابقاؤهم في السجن ……
مراد نشفت دمي اتكلم بقا …
قول ايه اللي حصل !!!…
نقلوني لقنا ….
طلب نقلي اتوقع يا يوسف …..
بتعاقب عشان أنا اللي قبضت عليهم يا يوسف …
هيخرجوهم يا يوسف …
هيخرجوهم ومش هعرف أعمل حاجة ….
شحب وجه يوسف كالأموات وهو يستمع إليه …
رباه عائلته في خطر …
ماذا يفعل !!
عاد يوسف من شروده وهو يشعر بالكآبة …
هو لم يرد ان يخبر ماجدة وتصرف وكأن كل شئ طبيعي …
كان تمثيله رائع للغاية …
ولكن يجب أن يفعل شئ ليحمي عائلته …
لذلك يظن أن قرار السفر خارج البلاد هي أفضل طريقة…………
أنا مش مصدقة أنك هتروحي المكان ده بسبب اللي ميتسماش !!
قالتها والدة ماريانا لها لتتنهد ماريانا وهي ترتدي حذاءها الرياضي وتقول :-
امي لو سمحتي …
لو سمحتي ايه يا ماريانا …
هو احنا كل ما نبعد عن الهم.ده تروحيله انتِ برجليكي …
هتموتيني ناقصة عمر …
نهضت ماريانا وتنهدت وهي ترتب كلماتها…
قررت ان تذهب مع كريم للحانة التي يبقى بها جورج وهذا بعد توسل والدته لها عبر الهاتف …
لا يمكنها ان ترد طلب تلك السيدة اللطيفة لذلك قالت بهدوء:-
جورج لازم يفوق يا ماما …
اللي بيعمله ده غلط…
هو محتاج مساعدة وانا مش هسيبه كده…
كادت والدتها ان تشد شعرها وهي تقول :-
انتِ ناوية تجننيني يا بنت …
ناوية تموتيني ناقصة عمر…
مش ده جورج نفسه اللي كسرك وقهرك…
ليه بتروحيله تاني …
ما يتفلق ولا يعمل اللي يعمله….
صمتت ماريانا لتقترب منها والدتها وهي تقول :-
يا بنتي كفاية انه اذاكي…
خلاكي واحدة مكسورة….
ابعدي عنه بقا….
ربتت على كتف والدتها وهي تقول :-
صدقيني هبعد عنه …
بس مش المرة دي …
لازم يفوق …
لازم يرجع لحياته يا ماما…
هو بيدمر نفسه بالطريقة دي …
هو السبب في ده.كله…
هو اللي عمل كده في نفسه يا ماريانا …
احنا ملناش دعوة …
خلينا نبعد عنهم يا بنتي …
أنا مش عايزة اخسرك…
ابوس ايديك يا ماريانا متقلقنيش عليكي ….
أمسكت ماريانا كف والدتها وقبلته برفق وهي تقول :-
انا بحبك اووي يا ماما …
ربنا يخليكي ليا…
أنا عارفة قد ايه انتِ خايفة…
بس متقلقيش أنا اتعلمت درسي كويس اووي …
مش هخليه يأثر عليا تاني ….
كانت والدتها تتمعن فيها بقلق فقبلت ماريانا رأسها وغادرت ….
كانت تقف امام الحانة وهي تزدرد ريقها بينما تنظر إلى كريم …
هز كريم رأسه وقال:–
انا هدخل.معاكي متقلقيش ….
هزت رأسها موافقة وهي تلج معه للحانة ..
بحثت بعينيها عن جورج لتجده يجلس على المقعد وهو يشرب الخمر …
هزت رأسها بيأس وهي تقترب منه …
جورج…
جورج ايه اللي بتعمله.؟!!
نظر إليها وقد توسعت عينيه وقال بلهفة:-
ماريانا حبيبتي ..
ده مش حلم صح….
انتِ هنا …
هنا معايا صح …
ليه بتعمل كده يا جورج ؟!
عشان أنا موجوع …
ضايع من غيرك …
بموت يا ماريانا …
ارجعيلي …
امشي يا جورج …
شوف حياتك بعيد عني …
لو سمحت كفاية تعذب نفسك …
قالتها ماريانا بهدوء …
ثم نظرت حولها بضيق وقالت:-
هي دي الحياة اللي عايز تعيشها يا جورج…
تيجي البار وتسكر وتعمل فضايح وتقلل من نفسك …
لا بتروح عيادتك ولا مهتم بشغلك ولا أي حاجة …
ايه الحياة دي يا جورج …
دي.حياتي وانتِ مش موجودة فيها …
ما أنا كنت موجودة في حياتك واستحملت كتير عشان تبصلي حتى بس أنت اختارت تعيش في الماضي ….
كنت بتكسر قلبي كل يوم …
وللاسف بتكرر نفس الغلط…
بتعيش في الماضي مرة تانية…
متعملش كده في نفسك يا جورج .
ارجع لحياتك …
انتِ حياتي …
ارجعيلي ..
هزت رأسها بإصرار وقالت:-
انا صفحة واتحرقت من حياتك وانت لازم تتخطاني زي ما أنا اتخطيتك.
أنتِ مستحيل تكوني اتخطتيني !!
قالها بعناد ثم جذبها اليه وهو يقبلها رغماً عنها …
لحظات وابعدته بينما بريق الدموع التمع بعينيها ثم خرجت راكضة من الحانة…
ماريانا!!!
قالها وهو يركض خلفها بترنح …
كانت قد عبرت الشارع ليعبر هو خلفها ولكنه لم يرى تلك السيارة التي كانت قادمة نحو….
وكل ما سمعه جورج في تلك اللحظة صراخ كريم الذي اتبعه بصدمة قوية لجسده حتى وقع أرضاً…………..
أنا حقيقي محبتش اخد أي اكشن او ابلغ البوليس بسببك يا مستر سيف بس اللي عملته مش مقبول ابدا …
أنا بس عملت ليك خاطر لكن انها تاخد الفستان بالشكل ده ….
أنا كان من حقي ابلغ البوليس انت تعرف كده…
ثم اني من الصبح بتصل بيك توك اللي رديت وانا دلوقتي هقفل الاتيليه
كانت صاحبة المتجر غاضبة جدا …
وحاول سيف بكل الطرق ان يهدئها …
مدام زيزي فاهم قصدك والله وانا بعتذر جدا …
بس أكيد فيه حاجة ضايقت مياس ..
قوليلي حصل ايه؟!
مطت السيدة شفتيها دون فهم وقالت:-
انا بجد مش عارفة يا استاذ سيف….
هي كانت بتقيس عادي بس لاحظت ان فيه واحدة قربت منها وقعدت تتكلم معاها وهي وقتها عملت كده…
عبس سيف وهو ينظر إليها ويقول :-
واحدة …
واحدة مين …
تعرفي اسمها ايه ؟!
هي شكلها مش غريب عليا …
بس مش قادرة افتكر بصراحة …
انتابه الشك ان تكون تلك المرأة هي نوال لذلك قال بهدوء:-
طيب يا مدام زيزي ممكن اشوف تسجيل الكاميرات…
هزت رأسها موافقة …
بعد قليل كان اللهب الأزرق يتصاعد بعينيه …
اخذ يطحن أسنانه بعنف …
لقد تأكد حدسه …
نوال هي من تكلمت معاها …
بالتأكيد هي من اوصلت مياس لتلك الحالة….
قبض على كفه بغضب وقال :-
شكرا يا مدام زيزي …
بالنسبة للفستان هجيبه بكرة عشان نضربه على السيستم وهناخده …
عشان خاطرك بس يا سيف بيه …
هز سيف رأسه شاكرا ثم خرج من المتجر…
لقد استغرق عمله ساعات طويلة وعندما أمسك هاتفه الذي فعله على الوضع الصامت وجد العديد من المكالمات …
الكثير منها لزيزي صاحبة المتجر الذي جعل مياس تذهب اليه …
فرك عينيه وهو يخاف من المواجهة…
كلما حاول ان يزرع الثقة داخلها يأتي شخصاً ما ويدمر تلك الثقة …
يحاول دوما ان يجعلها ترى انه يحبها ولكنها لا تصدقه …
بالتأكيد الآن لن تصدقه أبدا …
استقل سيارته وهو ينطلق نحو المنزل ….
وصل للفيلا الخاصة به وهو يركض نحو المنزل ….
والده مسافر بسبب عمله …
يتمنى ان تكون مياس في المنزل ولا تكون قد فعلت شئ متهور….
كانت جالسة على الأرض وهي ترتجف …
مازالت ترتدي ذلك الفستان الذي خرجت به من المتجر بينما ترتعش وهي تبكي بعنف …
الى متى سوف تتحمل الإهانة …
الى متي سوف تُكسر ….
لماذا الجميع يستكثر عليها حب سيف لها …
وكأن ليس لها الحق أن تُحب …
وكأن السعادة ليست من نصيبها …
اغمضت عينيها ودموعها تنهمر اكثر وهي تتذكر كيف اهانتها نوال …
كيف اخبرتها أن سيف يشفق عليها ولا يحبها …
ولتكن صادقة هي صدقتها …
نعم صدقت ان سيف يشعر بالشفقة لا الحب …
فلا احد لديه عقل سوف يحب امرأة مثلها …
امرأة مشوهة …
وبالتالي سيف لن يفعل …
رجل وسيم مثله لن ينظر إليها …
ان يحبها …
ربما الأمر فعلا شفقة او شعور بالذنب بسبب تشوهها ……
ارتعشت وهي تشعر بخطوات اقدام تقترب من الغرفة ثم انفتح الباب فجأة وقال سيف :-
مياس…..
توقف وتألم قلبه وهو يراها في تلك الحالة …
ضعيفة للغاية …
هشة وحزينة…
منكسرة بطريقة لم يتحملها قلبه …
انا اسف…
آسف يا مياس …
قالها بحزن بالغ وهو يقترب منها ثم جلس بجوارها وهو يضمها إليه …
فجأة انتفضت وابتعدت عنه …
كانت الدموع لا تتوقف عن الإنهمار …
حقك عليا انا يا مياس …
قالها بآسى …
ثم مد يده ليعانقها …
ولكنها نهضت وقالت بصوت مخنوق ؛-
طلقني ….
عبس وقال بضيق :-
ايه اللي انتِ بتقوليه ده يا مياس …
هي كلمة طلاق لبانة في بوقك علطول بتقوليها …
أنا عايزة اتطلق يا سيف …
قالتها بعناد….
نهض واقترب منها ثم أمسك.ذراعها وقال:-
مياس ممكن تسمعيني؟!
ولكنه دفعته وهي تصرخ وقالت-
مش عايزة اسمع حاجة …
ممكن بس تبعد عني ؟!!
ابعد عني يا سيف …
أنا عايزة اتطلق خلاص كفاية كدب لحد كده ..
أنا عارفة أنك مش بتحبني…
مفيش داعي تفضل تكدب …
دي مجرد شفقة …
ارجع لحبيبتك وطلقني …
أنا هرجع بيتنا …
مش عايزة منكم حاجة …
مياس !!!
هدر بها وهو يمسك ذراعيها ويهزها حتى ارجع رأسها للخلف وجعلها تنظر إليه وقال:-
انتِ شايفة حبي ليكي شفقة ؟!!
شايفة اني مبحبكيش.؟!!…
بصي لعيني وقولي ان حبي مش حقيقي !!!…
كانت تنظر إليه تبحث عن أي اثر للشفقة ولكن الحب الصافي بعينيه كان يصدمها كل مرة وكأنه يهدم كل اكاذيبها …
كل ما تحاول اقناع نفسها به كي تهرب منه …
كي تتركه ….
ولكن هل يمكنها ان تكون انانية …
هو ربما يقنع نفسه الآن انه يحبها ولكنه في النهاية سيدرك إنها مجرد شفقة …
وهي لا يمكنها ان تتحمل هذا …
هي تتحمل كل شئ الا الشفقة !!
انت بتقنع نفسك أنك بتحبني بس الحقيقة لا يا سيف ….
بكرة هيروح الحب ده وتفوق وتشوف الحقيقة كويس ..
هتشوف انت عايش مع انهي وش …
مش هتقدر تبصلي من غير ما تقرف ….
هتقارن بيني وبين التانيين وانا مش هتحمل ده …
تنهد بيأس وقال:-
هو احنا ليه بنرجع للنقطة نفسها ؟!…
ثم أشار الى قلبه وقال:-
دي مشاعري أنا …
أنا وبس …
أنا عارف اني بحبك وحده كفاية
صمت قليلا ثم قرب كفه من وجنتها وهو يتلمسها برقة :-
انا مبحبش غيرك يا مياس …
مهما حاولتي تكدبي ده الحقيقة اني بحبك…
يحبك ومستعد اقولها لباقي حياتي ومستنيكي بفارغ الصبر تعترفي أنك بتحبيني….
أنا عارف أنك بتحبيني …
وانك هتعترفي قريب وانا مستني اعترافك ليا بفارغ الصبر يا مياس
انهمرت الدموع من عينيها وهي تقول بإختناق:-
لو سمحت بطل تكدب على نفسك الحقيقة قالتها حبيبتك النهاردة ليا …
أنا مش هتحمل ان كل شوية يظهر حد في حياتك يقلل مني …
روح طلقني واتجوز اللي بتحبها…
وكويس ان محصلش بيننا أي حاجة عشان متحسش بالذنب لما تسيبني
محصلش فعلا بس دلوقتي هيحصل …
قالها بنبرة غريبة ..
لتعبس وتقول:-
قصدك ايه ؟!
ولكنها صمتت مدركة وهي تنظر لعينيه التي تشرح كل شئ…
تراجعت للخلف وهي تقول :-
سيف لا ….
ضحك وقال:-
مياس ايوة …
وقبل ان تبتعد عن نطاقه وجدته يسحبها ثم يرفعها نحوه حتى اصبحت قدميها لا تلامس الأرض ثم قبلها وهو يضع كفه على رأسها ليثبتها ويدفعها نحوه …
شعرت مياس وقتها انها فقدت القدرة عن التنفس …
الشعور …
انغلقت عينيها لا اراديا فلم تشعر به وهو يتجه بها نحو الفراش ووضعها عليه برفق….
فتحت عينيها فجأة وهي تدرك ما ستفعله ..
لذلك دون تردد رفعت كفها لتلكمه ولكنه أمسك كفها وقال:-
لا مش هقع في الخدعة مرتين…
سيف …
سيف ابوس ايديك ابعد …
قالتها وهي تغمض عينيها بشدة…
لتختفي الابتسامة من وجهه وهو يقول بجدية وهو يتأملها:-
مياس بصيلي كويس …
شوفي نظراتي ليكي …
دي شفقة …
انتِ مصدقة اني محبتكيش ؟!
ارادت ان تجاوبه ان تلك هي شفقة ولكن العيون لا تكذب وعيونها كان تنطق عشقاً..
نظرت إليه بيأس وهي عاجزة عن الكلام ليبتسم لها وهو يقترب منها ليجعلها زوجة له …
يحقق حلم أراده بشدة منذ ان تزوجها !!.
في اليوم التالي ….
دعكت نوال عينيها وهي تتجه لباب المنزل لتعرف من يدق الباب عليها في الساعة العاشرة صباحاً…
نظرت من العين المثبتة على الباب لتتسع عينيها وتفتح الباب ثم تقول بلهفة:-
سيف حبيبي انت جيت !!………
يارب استر يارب …
يارب …
قالتها ماجدة وهي تمسك كتابها بينما جالسة على طاولة الافطار …
من المفترض ان يبدأ امتحانها الضهر…
كان يوسف يبتسم لها وكاد ان يتكلم الا رنين هاتف ماجدة اوقفه…
عبست ماجدة وهي تحمل الهاتف لتجده رقم غريب ….
نظرت ليوسف بحيرة ولكنها ردت غلى الهاتف لتنهض فجأة وهي تقول :-
ايه!!!!
عبس يوسف وهو ينهض هو الآخر ونظر إليها بحيرة…
اغلقت الهاتف وهي ترمش بصدمة ليقول هو :-
فيه ايه يا ماجدة ؟!-
بيقولوا…
بيقولوا ان لطيف مات!!!
يتبع….
رواية اسرت قلبه الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سوليية نصار
انظري لعيناي واعرفي كم أحبك …
اسمعي قلبي وهو يصرخ بإسمك.
سيف لمياس
بابا أنا عايزة انزل البحر …
قالتها أملاك وهو تمسك كف والدها الذي يتناول الطعام…فبعد ساعات قضوها في السفر وصلوا أخيرا للغردقة ….وقد كان لعاصي منزل صيفي بشاطئ خاص …
تدخلت رحيق وهي تقول بلطف ؛
طيب ما ترتاحي الأول يا أملاك لسه احنا حابين والشمس هتغيب انزلي بكرة احسن …ووعد هنفضل من أول اليوم لآخره ايه رايك ….
عبست أملاك ليقول والدها وهو يطعمها بفمها ،
ماما رحيق عندها حق يا لوزة …خلينا بكرة عشان بابا تعبان من السفر وبكرة طول اليوم هنقضيه في البحر ايه رايك ؟!
هزت أملاك رأسها مبتسمة ليقبلها عاصي على رأسها ويقول :-
بنتي اللي بتسمع الكلام ……..
بعد قليل …كانا يشاهدان التلفاز بينما أملاك قد غفت على الأريكة بجوار والدها …ابتسمت رحيق همست :-
نامت يا عاصي …
انتبه عاصي لها وقال:-
تمام أنا هدخلها السرير بتاعها …هي شكلها تعبت اووي من السفر ….دي كمان كانت عايزة تروح البحر …أنا مش عارف البنت دي كانت هتقاوم ازاي …
قالها مبتسماً وهو يقترب من أملاك ويحملها بين ذراعيه ثم يتجه بها للفراش الذي بغرفتها …
تنهدت رحيق وهي تربع ذراعيها بينما عقلها يكاد ينفجر من التفكير…لقد اتت هنا من اجل شقيقتها …تعرف أن هناك خطب ما …فهاتف نوران اصبح دوماً مغلق …وهي لا تستطيع التواصل معها بأي طريقة لكي تعرف ماذا حدث ….ولن تنسى الذي اخبرته به امها عندما سألتها…فما اخبرتها به دلال جعلها تشك ان جاسم قد عرف شيئا ….
كانت تقف في غرفتها وهي تمسك هاتفها …تخاف ان تتصل بدلال فتشك ان هناك شيئاً ما …او ربما سوف تقلق على نوران …هي لم ترد ان تثير ريبة أي أحد …هي ارادت فقط ان تطمئن على شقيقتها…نوران التي اختفت كليا بعد زواجها …تكاد تجن لتصل إليها ولكنها تفشل في كل مرة …رباه هل عرف جاسم كل الحقيقة …ولو كان عرف ماذا فعل معها؟!هل يعاقبها الآن عما فعلته …ام هل أشفق عليها وسوف يتركها وشأنها …كل تلك الأسئلة كانت تدور بعقلها دون اي إجابة محددة …لذلك لم تنتظر وهي تتصل بدلال لكي تعرف الحقيقة……..
انتظرت رحيق بصبر ان ترد عليها دلال
رحيق حبيبتي وحشتيني والله …
قالتها دلال بود ثم أكملت ؛
ده أنا نفسي اجيلك بس امجد اللي مصمم نسيبكم الى راحتكم شوية…
ابتسمت رحيق بود وقالت :-
وانتِ كمان وحشتيني يا ماما دلال…وحشتيني اووي …ايه اخبار امجد وجيلان …
كويسين ..بحاول اتاكد كل فترة ان محدش فيهم هيقتل التاني …
ضحكت رحيق وقالت :-
ربنا يهديهم بجد …المهم يا ماما أنا كنت حابة اطمن على نوران وتليفونها مغلق …عرفت من أمجد ان جوزها وهي سافروا الغردقة …أنا افتكرت انهم هيقضوا اسبوع الأول وبعدين يسافروا ….
هزت دلال رأسها وقالت:-
والله مش عارفة يا بنتي …احنا فجأة لقينا جاسم بيتصل بينا وبيقول انه سافر الغردقة …أنا حقيقي معرفش ليه اخد القرار ده فجأة …أنا كان نفسي اشوفها قبل ما تسافر…
ابتلعت رحيق ريقها بتوتر وقد تحققت أسوأ كوابيسها …لقد عرف جاسم كل شئ …وضعت كفها على فمها وهي تمنع نفسها من البكاء …لم تكن تريد أن تفهم والدتها أي شئ ….لذلك قالت بصوت حاولت اخراجه طبيعي :-
طيب وتليفونها ليه مغلق …مش فاهمة برضه ….
جاسم بيقول انه وقع في الميا وباظ وقال هيجيلها واحد جديد ولحد ما يجيبلها هنتكلم معاه هو عشان نطمن عليها …أنا لسه قافلة معاها من شوية من تليفونه وبتقولي انها مبسوطة اووي….
شعرت رحيق بالإختناق …بالتأكيد تلك كذبة …جاسم اكتشف كل شئ …عرف الحقيقة كاملة …لذلك قد قام بأخذ هاتفها لكي لا تتحدث مع أي أحد حتى لو كانوا عائلتها …يريد أن تتحدث مع عائلتها امام عينيه…اذن هو عرف والان يعاقبها على ما فعلته .. وضعت كفها على فاها وهي تشعر بالرعب ….ثم قالت بصوت حافظت لجعله ثابتاً ..:-
تمام يا ماما الحمدلله أنا أطمنت عليها ….سلام يا ماما …
ثم اغلقت الهاتف والدموع تحرق عينيها بينما تردد برعب …
نوران !!
خرجت رحيق من شرودها عندما شعرت بأحد يضع كفه على كتفها وقد انتفضت بقوة ….استدارت ورأت انه عاصي …عينيه الزرقاء تنظران إليها بتساؤل :-
خوفتني …
قالنها بضيق ليرفع حاجبيه ويقول :-
بقالي ساعة بنادي عليكي وانتِ في وادي تاني …فلما قربت منك اتخضيتي …خير كنتي مسافرة فين …
ولا لأي مكان …
قالتها بتجهم وهي تستعد للذهاب ولكنه أمسك ذراعها وقال :-
رايحة فين ؟!
عبست وهي تنظر إلى يده التي تمسك ذراعها وقالت :-
ايه رايحة فين ؟!رايحة انام …
لا لا كده مينفعش …أنا محتاج اتكلم معاكي شوية ….
رفعت حاجبيها وقالت :-
تتكلم في ايه ؟؛
نتعرف على بعض …
ربعت ذراعيها وقالت :-
ونتعرف على بعض ليه؟!…
عشان أنا عايز كده …يالا نعمل قهوة ونشربها في التراس …مفيش داعي تلبسي نقاب …الشاليه خاص محدش يقدر يدخل …..
زفرت بضيق ما ان اختفى وقالت:-
هي كانت ناقصاك انت كمان
ثم هزت رأسها وهي تتجه للمطبخ لإعداد قهوة ………
بعد قليل
كانا يجلسان على التراس …يجلس هو على المقعد بينما هي بجانبه لانه اراد هذا…كانت تستمتع بهواء البحر الرائع الذي قد خفف من حدة توترها بسبب شقيقتها …نظرت الى عاصي وقالت:-
عايزين بكرة بعد ما نودي أملاك البحر نروح لنوران …
هز رأسه موافقاً….صمتت وهي عاجزة عن الكلام مرة أخرى فقد وجدته ينظر إليها بطريقة غريبة فقالت بعصبية :-
بتبصلي كده ليه ؟!
حابب اعرف حاجة …حبيتي قبل كده ؟!
احمر وجهها بالكامل وقالت :-
لا طبعا ….أنا مفكرتش ابدا في الموضوع ده …كنت دايما بقول أن مشاعري هديها للإنسان اللي هتجوزه …
يعني انتِ من حزب جواز الصالونات صح.؟!
هزت رأسها بتأكيد وقالت:-
بشوف جواز الصالونات افضل بكتير من اي جواز تاني… الراجل اللي يحب ست بجد بيخبط على باب بيتها …ده رأيي…
طيب بالنسبة للي اتقدمولك ؟!
ضحكت بتوتر وقالت:-
دوول اتنين بس والاتنين هربوا …آخر واحد كان اصغر مني وكان مصر عليا بس والدته لما شافتني غيرت رأيها…
غيرت رأيها ليه ؟!
قالها حائرا لتهز كتفيها وتقول:-
شكلي معجبتهاش …يمكن معنديش المواصفات الجمالية اللي بيبحثوا عنها
سمعت ده قبل كده من اللي رشحك ليا…بس لما شوفتك استغربت …انتِ جميلة فعلا …ليكي جمال خاص بيجذب الناس ….
اختنقت بالقهوة التي تشربها ثم نظرت إليه بصدمة ليقول :-
أنتِ بجد جميلة …تزين وجهها بحمرة الخجل ولم تستطع منع ابتسامتها من الظهور….-وشعرك حلو اووي …قالها بنبرة غريبة وهو يسحب مشبك الشعر من شعرها لينفرد على ظهرها ثم اخذ يمرر يده على شعرها وظهرها وهو يردد :-حلو…حلو اووي …شعرت رحيق انه يوجد شئ خاطئ وتأكد حدثها عندما وجدته يضع يده الأخرى على ساقها وهو يقترب منها ….نهضت وهي تصرخ به ؛
شوفت أنك مش محترم !!!
ثم تركته وذهبت ليرمش بصدمة ويقول:-
انا عملت ايه ؟!………
انجزي أنا جعان …هفضل طول اليوم مستني حضرتك تجهزي الاكل !!!هو أنا مش ورأيا غيرك ولا ايه ؟!!!
قالها جاسم بضيق لنوران التي بالمطبخ ….ارتعشت وهي تنظر إلى المكرونة بالصوص الاحمر التي كانت تصنعها والتي قد تعجنت قليلا …ثم نظرت الى صدور الدجاج المتبلة التي قلتها لتجدها محروقة قليلا …
يالاااا..هتقعدي اليوم كله تعملي مكرونة وبانية ؟!
ارتعشت اكثر وهي تقول بخفوت :-
حاضر اهو جاية ….
ثم امسكت طبق وهي تتجه نحو قدر المكرونة وبدون ان تنتبه قربت ذراعها لتصرخ بألم وهي تشعر بالحرارة الرهيبة …عبس جاسم وقال:-
أنتِ بتعملي ايه بالضبط ؟!؛!
سيطرت على دموعها وهي تقول بصوت مختنق :-
مفيش حاجة هجيب الاكل دلوقتي ….
ثم همست :-
ربنا يستر يارب. ..ثم خرجت بطبق المكرونة ووضعته على الطاولة ….عبس جاسم وهو ينظر الى المكرونة المعجنة وقال بذهول :-
ايه ده ؟!
دي مكرونة …
دي مكرونة ازاي يعني ؟!ده تحديث جديد منها ولا ايه ؟!
فركت كفيها بتوتر وقالت؛-
فيه بانية كمان رايحة اجيبه …
ثم اسرعت للمطبخ ليقول هو :-
ربنا يستر هاكل بانية وخلاص ..ولكن ما ان أتت ووضعت الطبق على الطاولة حتى بهتت ملامحه وهو ينظر الى الاكل المحترق الذي امامه…بالإضافة لطريقة وضعها للطعام تفتقر للذوق نهائيا …
ايه ده معلش ؟!
ابتلعت ريقها ليضرب على الطاولة بغضب ويقول :-
هو انا هاكل الاكل ده …هاكل اكل محروق ومعجن …هو حضرتك مبتعرفيش تطبخي ؟!!
كانت تفرك يديها بتوتر شديد بينما الرعب يسيطر على كل إنش بجسدها…
انا اسفة …
آسفة ايه وزفت ايه ؟!انتِ غبية …آكلة بسيطة من عارفة تعمليها ….انتِ انسانة ضايعة …ملكيش فايدة في الحياة …وجودك مقرف …مبتجبيش الا المصايب لكل اللي حواليكي….بجد انسانة فاشلة !!!
شهقت والدموع تنهمر من عينيها دون توقف …
انا اسفة …اسفة والله هتعلم …
يعني أنا جايبك عشان تتعلمي فيا…هطلب اكل من برا وامري لله…يارب الست شهور دوول يخلصوا بسرعة احسن الواحد قرف من شكلك !!
ثم نهض وأمسك هاتفه وهو يطلب الطعام ….انسحبت هي الى غرفتها وهي تمسح الدموع التي اغرقت وجهها …امسكت مصحفها وهي تبدأ بقراءة القرآن …بدأت تقرأ سورة الزمر…وتوقفت عند تلك الآية ثم بدأت بقرأتها بصوت متهدج من البكاء
۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
أطرقت برأسها وهي تنفجر بالبكاء …كيف يغفر لها الله …كيف يغفر ما فعلته ….هذا الذنب الكبير …تلك الذنوب التي ارتكبتها من قبل …معايرتها لشقيقتها …ان ترتبط بشخص دون رباط شرعي …تتجاوز كل الحدود …تكذب وتخدع …كيف يغفر الله لها كل هذا …هي لا تستحق هذا ابدا …لا تستحق المغفرة …هي أثمة اخطأت بحق الجميع …كسرت قلب جاسم الذي قبل ان يخفي سرها …حتى لو عاملها بسوء فسوف تظل مدينة له طوال حياتها …بدأت مرة آخرى بقراءة القرآن ودموعها تتساقط مع كل آية ولكن يكون غريب اجتاح غريب….رغم نشأتها الدينية الا ان نوران لم تشعر ابدا بالقرب من ربها كما شعرت في تلك اللحظة …لقد اذنبت…اغضبته ولكنها لجأت إليه لتنال السكينة وقد وجدتها …
بعد قليل …تسلم جاسم الطعام من عامل التوصيل وهو يعطيه امواله شاكرا إليه بخفوت ….وكان قد نظم الطاولة فقد وضع الأطباق وكوب المياه بطريقة منظمة …اخرج الطعام الذي كان عبارة عن طبق مشكل من المشاوي التي تجعل لعابه يسيل ثم بدأ بوضعها في الاطباق…ثم جلس يتناول طعامه فهو يشعر بالجوع الشديد ولكنه فجأة توقف وهو ينظر الى غرفتها …هي أيضا لم تأكل….نهض وذهب الى غرفتها ووجدها نائمة على الفراش وتحتضن القرآن …اقترب منها وهو يسحب المصحف منها ثم يهزها بخشونة نوعاً ما :-
اصحي عشان تاكلي…
شعرت بالفزع نوعا ما وهي تفتح عينيها …كان ينظر إليها بإحتقار كعادته وقال:-
الاكل جه…يالا عشان تاكلي…
مليش نفس …
قالتها بتعب ليشدها من ذراعها ويقول :-
الموضوع مش اختياري …يالا عشان تتطفحي !!
تنهدت وهي تلف خمارها بيد مرتعشة …سوف تذهب اليه وتتكلم معه …ربما يوافق ان يسمعها …ربما يتخلى عن تعصبه للحظات …هي لاتفهم لماذا يخبرها ان ممنوع عليها ان تعمل في الوقت الذي كانت اريام تعمل به وكما انه كان يخبر الجميع انه لن يدعها تترك عملها من اجله…لماذا لا يفعل هذا معها …هل سيظل يفضل ايام في كل شئ ….اهتزت بشدة وهي تطحن اسنانها….كانت تشعر بالغضب الشديد منه …لا بأس ستتكلم معه لتعرف ما وجهة نظره في الأمر ….خرجت من غرفتها ثم فتحت باب المنزل لتصعد للشقة التي يقطن بها …رغم انهما عقدوا القرآن الا انه يرفض تماماً ان يمكث معها ومع والدته بنفس المنزل …ما زال يعيش في البيت الذي يعلوهم ….استقلت الدرج وقلبها يخفق داخل صدرها وهي تبتلع ريقها….وقفت أمام الباب وهو تهتز بقوة …خائفة من رد فعلها على ما ستقوله ولكن يجب أن تتكلم …ان يكون لها رأي …يجب أن يحترمها أمجد قليلا ولا يأخذها كشئ مسلم به في حياته…طرقت الباب وانتظرت بصبر الى ان يفتح …خفق قلبها بقوة أكبر وهي تسمع وقع اقدامه …فُتح الباب لتجد نفسها تواجهه…عينيه العسلية اتسعتا بدهشة…وابتسامة رائعة ناوشت شفتيه …
جيلان اهلا وسهلا …نورتيني …
قالها بلطف وهو يفسح لها المجال كي تدخل ….هزت رأسها مبتسمة وهي تلج للمنزل بينما تفرك يديها بتوتر …اغلق هو الباب لتنظر إليه وتقول مسرعة :-
لا سيب الباب قفلته ليه ؟!
فيه ايه يا جيلان …انتِ خايفة مني؟!انتِ مراتي ؟!
نبرته المتملكة اشعرتها بالخجل فهزت رأسها دون ان تتكلم واتجهت الى الأريكة وجلست عليها بطل هدوء…ابتسم وهو يطالعها …وحتى الان لا يصدق حظه انها لم تضيع منه …لا يصدق انها اصبحت له !!!.اقترب منها ثم جلس بجوارها لتخجل بشدة وهي تبتعد عنه …ضحك وقال:-
خلاص خلاص هروح اقعد في مكان تاني ….وبالفعل نهض متجهاّ الى الأريكة الأخرى وقال مبتسماً.؛-ها احكي …رفعت نظراتها إليه وقالت :-
انا حابه اعرف ايه مشكلتك مع الشغل …انت مش عايز تشغلني ليه؟!
انمحت الابتسامة من وجهه وقال:-
جيلان اتكلمنا عن الموضوع ده وانا قولت لا ؟!ليه هنفتحه تاني ؟انا مش عايز مراتي تشتغل أنا حر !!
قضمت شفتيها وهي تنظر إليه وقالت:-
يا سلام؟!ما أريام كانت يتشتغل وكنت ناوي تخليها تشتغل بعد الجواز …غيرت ليه رأيك دلوقتي ؟!
نظر إليها بلوم وقال:-
مليش دعوة بأريام يا جيلان…انتِ اللي مراتي دلوقتي مش هي …
نهضت وقالت بغضب.:-
بس أنت خطبتها وكنت ناوي تديها اسمك …وموافق على شغلها و الموضوع كان عادي بالنسبالك ….ليه لما أنا قولت عايزة اشتغل وقفلتي فيها ؟!
تنهد وقال بصبر:-
مليش دعوة باللي حصل في الماضي يا جيلان …أنا مراتي مش هتشتغل وانتهى الموضوع ..متقارنيش نفسك بأريام لاننا اصلا مش كملنا سوا …أنا كملت معاكي واتجوزتك…بس شغل لا …
ترطبت عينيها بفعل الدموع وقالت بصوت مختنق:-
أنت عمرك ما حبتني يا أمجد ..أنا بالنسبالك العروسة اللعبة بتاعتك اللي هتسمع كلامك…حبيت أنك تتجوز واحدة معتبراك كل حياتها …لمكن اللي انت حاسه من جواك ليا ده مش حب …ده فرحة تملك
ثم تركته وغادرت مسرعة وهي تحاول ان تمسك دموعها كي لا تنهار…………
كفاية كده يا ماجدة سيبي الكتاب …
قالها يوسف بجدية وهو يحاول سحب الكتاب منها إلا أنها تمسكت به وهي تقول :-
يوسف هذاكر ساعة كمان حاسة أن المعلومات لسه مثبتتش في دماغي …عشان خاطري …
لا يالا يا حبيبتي كفاية كده …يالا عشان تأكلي وبعدين تنامي …صدقيني أنتِ ذاكرتي كويس …متخليش الخوف يسيطر عليكي …خليكي واثقة من نفسك …متخافيش يالا عشان تأكلي ….
قالها وهو يسحب الكتاب منها ثم يشدها نحوه وهو يسحبها نحو صالة المنزل ….وقفت قليلا أمام طاولة العشاء التي جهزها …ابتسمت وهي تقول :-
ساندويتشات جبنة رومي …
قالتها بلهفة ليقول :-
وسيحتها كمان في الميكروويف ….احنا تحت امر الهانم…ابتسمت بسعادة وهي تجلس على مقعد الطاولة …وأمسكت الشطائر وهي تشرع في الاكل…لا تنكر انه يهتم بها طوال تلك الايام بسبب امتحاناتها …هو من تكفل بتحضير الغداء …هو من تكفل بالعناية بطفلها …تكفل أيضا بمساعدتها في دراستها …يوسف هيأ لها الجو لتكون سعيدة مرتاحة لا تحمل هم شئ بينما تدرس…
ايه رايك اعملك كوباية شاي تشربيها من الجبنة الرومي السايحة….هتكون خطيرة …
ثم كاد ان ينهض الا انها امسكت كفه وهي تقول بحنان :-
اقعد وارتاح أنا هعمل الشاي …
لا أنا …
ولكنها قاطعته وهي تقول :-
معلش حابة أنا اللي أعمل الشاي …ارتاح انت كفاية تعبتك معايا…
يا ستي لو مكنتش هتعب عشانك هتعب عشان مين ….
ضحكة رقيقة افلتت منها وهي تذهب للمطبخ كي تضع الشاي على الموقد…كانت سعيدة ولكن تلك السعادة ليست كاملة …ما زال يشوبها الرعب …الخوف من الفقدان …تشعر ان شئ سئ سوف يحدث …شئ سوف يعكر صفو سعادتها …تنهدت وهي تتمني ان لا يحدث شئ يقضي على سعادتها تلك …انتفضت قليل على صفير الأبريق وقامت بتجهيز كوبين من الشاي وخرجت لزوجها ….جلست بجواره وهي تبتسم.وتمد له كوب الشاي …بدا كل شئ بخير …ولكن الشعور داخل كليهما ان تلك السعادة مؤقتة …ان شئ سئ سوف يحدث كان يعكر صفوهما…..
بعد الإنتهاء من تناول العشاء غسلا الأطباق سوياً فقالت ماجدة :-
أيه رايك اذاكر شوية أنا حاسة المعلومات اللي في دماغي طارت خالص ……ثم كادت ان تمسك الكتاب الا انه أمسك كفها وهو يقول :-
خلاص كفاية وروحي ارتاحي ….مفيش حاجة طارت ولا حاجة انتِ متهيألك …
بس يا يوسف …
قالتها بتوتر ليسحبها خلفه ويقول :-
لا …أنتِ بتذاكري من الصبح …كفاية كده يالا عشان ترتاحي …ثم جعلها تتسطح على الفراش وقال:-
غمضي عينيك يالا ومتفكريش في حاجة …هزت رأسها وقالت:-
وانت هتعمل ايه ؟!مش هتنام ؟!
هز رأسه وقال:-
لا أنا هقعد شوية كده وبعدين هنام…هروح اعملي قهوة …ثم قبل رأسها وخرج من الغرفة وهو يغلق الإضاءة …ما ان خرج حتى انمحت الابتسامة من شفتيه وهو يتذكر المكالمة التي أتته من مراد عند خروجه من المسجد عُقب أداء صلاة العشاء ….
عبس بحيرة وهو يجد مراد يتصل به …لقد اتصل به عشر مرات !!!رباه ماذا حدث ليتصل بهذا الإصرار …فتح الهاتف بسرعة ليأتيه صوت مراد القوي ويقول:-
مبتردش ليه يا عم …
فيه ايه يا مراد….ايه اللي حصل؟!-
كان كلامك صح يا يوسف ….مش هنقدر نقف قصادهم…
قالها مراد بنبرة منكسرة وخائفة جعلت الهلع يسيطر على قلب يوسف …يعرف ان رجلا كمراد لا يخاف بتلك السهولة …لابد ان هناك امر جلل…
مراد قصدك ايه فيه ايه….اتكلم !!!
كان قلبه يخفق داخل صدره …ينتظر ما سيقوله مراد بفارغ الصبر بينما الخوف ينهش قلبه وهو يدعو داخله الا يكون الموضوع يخص لطيف…رباه هل فشل مراد في ابقاؤهم في السجن ……
مراد نشفت دمي اتكلم بقا …قول ايه اللي حصل !!!
نقلوني لقنا ….طلب نقلي اتوقع يا يوسف …..بتعاقب عشان أنا اللي قبضت عليهم يا يوسف …هيخرجوهم يا يوسف …هيخرجوهم ومش هعرف أعمل حاجة ….
شحب وجه يوسف كالأموات وهو يستمع إليه …رباه عائلته في خطر …ماذا يفعل !!عاد يوسف من شروده وهو يشعر بالكآبة …هو لم يرد ان يخبر ماجدة وتصرف وكأن كل شئ طبيعي …كان تمثيله رائع للغاية …ولكن يجب أن يفعل شئ ليحمي عائلته …لذلك يظن أن قرار السفر خارج البلاد هي أفضل طريقة…………
انا مش مصدقة أنك هتروحي المكان ده بسبب اللي ميتسماش !!
قالتها والدة ماريانا لها لتتنهد ماريانا وهي ترتدي حذاءها الرياضي وتقول :-
امي لو سمحتي …
لو سمحتي ايه يا ماريانا …هو احنا كل ما نبعد عن الهم.ده تروحيله انتِ برجليكي …هتموتيني ناقصة عمر …
نهضت ماريانا وتنهدت وهي ترتب كلماتها…قررت ان تذهب مع كريم للحانة التي يبقى بها جورج وهذا بعد توسل والدته لها عبر الهاتف …لا يمكنها ان ترد طلب تلك السيدة اللطيفة لذلك قالت بهدوء:-
جورج لازم يفوق يا ماما …اللي بيعمله ده غلط…هو محتاج مساعدة وانا مش هسيبه كده…
كادت والدتها ان تشد شعرها وهي تقول :-
انتِ ناوية تجننيني يا بنت …ناوية تموتيني ناقصة عمر…مش ده جورج نفسه اللي كسرك وقهرك…ليه بتروحيله تاني …ما يتفلق ولا يعمل اللي يعمله….
صمتت ماريانا لتقترب منها والدتها وهي تقول :-
يا بنتي كفاية انه اذاكي…خلاكي واحدة مكسورة….ابعدي عنه بقا….
ربتت على كتف والدتها وهي تقول :-
صدقيني هبعد عنه …بس مش المرة دي …لازم يفوق …لازم يرجع لحياته يا ماما…هو بيدمر نفسه بالطريقة دي …
هو السبب في ده.كله…هو اللي عمل كده في نفسه يا ماريانا …احنا ملناش دعوة …خلينا نبعد عنهم يا بنتي …أنا مش عايزة اخسرك…ابوس ايديك يا ماريانا متقلقنيش عليكي ….
أمسكت ماريانا كف والدتها وقبلته برفق وهي تقول :-
انا بحبك اووي يا ماما …ربنا يخليكي ليا…أنا عارفة قد ايه انتِ خايفة…بس متقلقيش أنا اتعلمت درسي كويس اووي …مش هخليه يأثر عليا تاني ….كانت والدتها تتمعن فيها بقلق فقبلت ماريانا رأسها وغادرت ….
كانت تقف امام الحانة وهي تزدرد ريقها بينما تنظر إلى كريم …هز كريم رأسه وقال:–
انا هدخل.معاكي متقلقيش ….هزت رأسها موافقة وهي تلج معه للحانة …بحثت بعينيها عن جورج لتجده يجلس على المقعد وهو يشرب الخمر …هزت رأسها بيأس وهي تقترب منه …
جورج…جورج ايه اللي بتعمله.؟!!
نظر إليها وقد توسعت عينيه وقال بلهفة:-
ماريانا حبيبتي ..ده مش حلم صح….انتِ هنا …هنا معايا صح …
ليه بتعمل كده يا جورج ؟!
عشان أنا موجوع …ضايع من غيرك …بموت يا ماريانا …ارجعيلي …
امشي يا جورج …شوف حياتك بعيد عني …لو سمحت كفاية تعذب نفسك …
قالتها ماريانا بهدوء …ثم نظرت حولها بضيق وقالت:-
هي دي الحياة اللي عايز تعيشها يا جورج…تيجي البار وتسكر وتعمل فضايح وتقلل من نفسك …لا بتروح عيادتك ولا مهتم بشغلك ولا أي حاجة …ايه الحياة دي يا جورج …
دي.حياتي وانتِ مش موجودة فيها …
ما أنا كنت موجودة في حياتك واستحملت كتير عشان تبصلي حتى بس أنت اختارت تعيش في الماضي ….كنت بتكسر قلبي كل يوم …وللاسف بتكرر نفس الغلط…بتعيش في الماضي مرة تانية…متعملش كده في نفسك يا جورج .ارجع لحياتك …
انتِ حياتي …ارجعيلي ..
هزت رأسها بإصرار وقالت:-
انا صفحة واتحرقت من حياتك وانت لازم تتخطاني زي ما أنا اتخطيتك.
أنتِ مستحيل تكوني اتخطتيني !!
قالها بعناد ثم جذبها اليه وهو يقبلها رغماً عنها …لحظات وابعدته بينما بريق الدموع التمع بعينيها ثم خرجت راكضة من الحانة…
ماريانا!!!
قالها وهو يركض خلفها بترنح …كانت قد عبرت الشارع ليعبر هو خلفها ولكنه لم يرى تلك السيارة التي كانت قادمة نحو….وكل ما سمعه جورج في تلك اللحظة صراخ كريم الذي اتبعه بصدمة قوية لجسده حتى وقع أرضاً!
أنا حقيقي محبتش اخد أي اكشن او ابلغ البوليس بسببك يا مستر سيف بس اللي عملته مش مقبول ابدا …أنا بس عملت ليك خاطر لكن انها تاخد الفستان بالشكل ده ….أنا كان من حقي ابلغ البوليس انت تعرف كده…ثم اني من الصبح بتصل بيك توك اللي رديت وانا دلوقتي هقفل الاتيلية
كانت صاحبة المتجر غاضبة جدا …وحاول سيف بكل الطرق ان يهدئها …
مدام زيزي فاهم قصدك والله وانا بعتذر جدا …بس أكيد فيه حاجة ضايقت مياس ..قوليلي حصل ايه؟!
مطت السيدة شفتيها دون فهم وقالت:-
انا بجد مش عارفة يا استاذ سيف….هي كانت بتقيس عادي بس لاحظت ان فيه واحدة قربت منها وقعدت تتكلم معاها وهي وقتها عملت كده…
عبس سيف وهو ينظر إليها ويقول :-
واحدة …واحدة مين …تعرفي اسمها ايه ؟!
هي شكلها مش غريب عليا …بس مش قادرة افتكر بصراحة ….انتابه الشك ان تكون تلك المرأة هي نوال لذلك قال بهدوء:-
طيب يا مدام زيزي ممكن اشوف تسجيل الكاميرات…هزت رأسها موافقة …
بعد قليل كان اللهب الأزرق يتصاعد بعينيه …اخذ يطحن أسنانه بعنف …لقد تأكد حدسه …نوال هي من تكلمت معاها …بالتأكيد هي من اوصلت مياس لتلك الحالة….قبض على كفه بغضب وقال :-
شكرا يا مدام زيزي …بالنسبة للفستان هجيبه بكرة عشان نضربه على السيستم وهناخده …
عشان خاطرك بس يا سيف بيه …هز سيف رأسه شاكرا ثم خرج من المتجر…لقد استغرق عمله ساعات طويلة وعندما أمسك هاتفه الذي فعله على الوضع الصامت وجد العديد من المكالمات …الكثير منها لزيزي صاحبة المتجر الذي جعل مياس تذهب اليه …فرك عينيه وهو يخاف من المواجهة…كلما حاول ان يزرع الثقة داخلها يأتي شخصاً ما ويدمر تلك الثقة …يحاول دوما ان يجعلها ترى انه يحبها ولكنها لا تصدقه …بالتأكيد الآن لن تصدقه أبدا …استقل سيارته وهو ينطلق نحو المنزل ….
وصل للفيلا الخاصة به وهو يركض نحو المنزل ….والده مسافر بسبب عمله …يتمنى ان تكون مياس في المنزل ولا تكون قد فعلت شئ متهور….كانت جالسة على الأرض وهي ترتجف …مازالت ترتدي ذلك الفستان الذي خرجت به من المتجر بينما ترتعش وهي تبكي بعنف …الى متى سوف تتحمل الإهانة …الى متي سوف تُكسر ….لماذا الجميع يستكثر عليها حب سيف لها …وكأن ليس لها الحق أن تُحب …وكأن السعادة ليست من نصيبها …اغمضت عينيها ودموعها تنهمر اكثر وهي تتذكر كيف اهانتها نوال …كيف اخبرتها أن سيف يشفق عليها ولا يحبها …ولتكن صادقة هي صدقتها …نعم صدقت ان سيف يشعر بالشفقة لا الحب …فلا احد لديه عقل سوف يحب امرأة مثلها …امرأة مشوهة …وبالتالي سيف لن يفعل …رجل وسيم مثله لن ينظر إليها …ان يحبها …ربما الأمر فعلا شفقة او شعور بالذنب بسبب تشوهها ……ارتعشت وهي تشعر بخطوات اقدام تقترب من الغرفة ثم انفتح الباب فجأة وقال سيف :-
مياس…..
توقف وتألم قلبه وهو يراها في تلك الحالة …ضعيفة للغاية …هشة وحزينة…منكسرة بطريقة لم يتحملها قلبه …
انا اسف…آسف يا مياس …
قالها بحزن بالغ وهو يقترب منها ثم جلس بجوارها وهو يضمها إليه …فجأة انتفضت وابتعدت عنه …كانت الدموع لا تتوقف عن الإنهمار …
حقك عليا انا يا مياس …
قالها بآسى …ثم مد يده ليعانقها …ولكنها نهضت وقالت بصوت مخنوق ؛
طلقني ….
عبس وقال بضيق :-
ايه اللي انتِ بتقوليه ده يا مياس …هي كلمة طلاق لبانة في بوقك علطول بتقوليها …
انا عايزة اتطلق يا سيف …
قالتها بعناد….نهض واقترب منها ثم أمسك.ذراعها وقال:-
مياس ممكن تسمعيني؟!
ولكنه دفعته وهي تصرخ وقالت:-
مش عايزة اسمع حاجة …ممكن بس تبعد عني ؟!!ابعد عني يا سيف …أنا عايزة اتطلق خلاص كفاية كدب لحد كده ..أنا عارفة أنك مش بتحبني…مفيش داعي تفضل تكدب …دي مجرد شفقة …ارجع لحبيبتك وطلقني …أنا هرجع بيتنا …مش عايزة منكم حاجة …
مياس !!!
هدر بها وهو يمسك ذراعيها ويهزها حتى ارجع رأسها للخلف وجعلها تنظر إليه وقال:-
انتِ شايفة حبي ليكي شفقة ؟!!شايفة اني مبحبكيش.؟!!..بصي لعيني وقولي ان حبي مش حقيقي !!!…
كانت تنظر إليه تبحث عن أي اثر للشفقة ولكن الحب الصافي بعينيه كان يصدمها كل مرة وكأنه يهدم كل اكاذيبها …كل ما تحاول اقناع نفسها به كي تهرب منه …كي تتركه ….ولكن هل يمكنها ان تكون انانية …هو ربما يقنع نفسه الآن انه يحبها ولكنه في النهاية سيدرك إنها مجرد شفقة …وهي لا يمكنها ان تتحمل هذا …هي تتحمل كل شئ الا الشفقة !!
انت بتقنع نفسك أنك بتحبني بس الحقيقة لا يا سيف ….بكرة هيروح الحب ده وتفوق وتشوف الحقيقة كويس ..هتشوف انت عايش مع انهي وش …مش هتقدر تبصلي من غير ما تقرف ….هتقارن بيني وبين التانيين وانا مش هتحمل ده …
تنهد بيأس وقال:-
هو احنا ليه بنرجع للنقطة نفسها ؟!…ثم أشار الى قلبه وقال:-
دي مشاعري أنا …أنا وبس …أنا عارف اني بحبك وحده كفاية
صمت قليلا ثم قرب كفه من وجنتها وهو يتلمسها برقة :-
انا مبحبش غيرك يا مياس ….مهما حاولتي تكدبي ده الحقيقة اني بحبك…يحبك ومستعد اقولها لباقي حياتي ومستنيكي بفارغ الصبر تعترفي أنك بتحبيني….أنا عارف أنك بتحبيني …وانك هتعترفي قريب وانا مستني اعترافك ليا بفارغ الصبر يا مياس
انهمرت الدموع من عينيها وهي تقول بإختناق:-
لو سمحت بطل تكدب على نفسك الحقيقة قالتها حبيبتك النهاردة ليا …أنا مش هتحمل ان كل شوية يظهر حد في حياتك يقلل مني …روح طلقني واتجوز اللي بتحبها…وكويس ان محصلش بيننا أي حاجة عشان متحسش بالذنب لما تسيبني
محصلش فعلا بس دلوقتي هيحصل …
قالها بنبرة غريبة ..لتعبس وتقول:-
قصدك ايه ؟!
ولكنها صمتت مدركة وهي تنظر لعينيه التي تشرح كل شئ…تراجعت للخلف وهي تقول :-
سيف لا ….ضحك وقال:-
مياس ايوة …وقبل ان تبتعد عن نطاقه وجدته يسحبها ثم يرفعها نحوه حتى اصبحت قدميها لا تلامس الأرض ثم قبلها وهو يضع كفه على رأسها ليثبتها ويدفعها نحوه …شعرت مياس وقتها انها فقدت القدرة عن التنفس …الشعور …انغلقت عينيها لا اراديا فلم تشعر به وهو يتجه بها نحو الفراش ووضعها عليه برفق….فتحت عينيها فجأة وهي تدرك ما ستفعله ..لذلك دون تردد رفعت كفها لتلكمه ولكنه أمسك كفها وقال:-
لا مش هقع في الخدعة مرتين…
سيف …سيف ابوس ايديك ابعد …
قالتها وهي تغمض عينيها بشدة…لتختفي الابتسامة من وجهه وهو يقول بجدية وهو يتأملها:-
مياس بصيلي كويس …شوفي نظراتي ليكي …دي شفقة …انتِ مصدقة اني محبتكيش ؟!
ارادت ان تجاوبه ان تلك هي شفقة ولكن العيون لا تكذب وعيونها كان تنطق عشقاً..نظرت إليه بيأس وهي عاجزة عن الكلام ليبتسم لها وهو يقترب منها ليجعلها زوجة له …يحقق حلم أراده بشدة منذ ان تزوجها !!
في اليوم التالي ….
دعكت نوال عينيها وهي تتجه لباب المنزل لتعرف من يدق الباب عليها في الساعة العاشرة صباحاً…نظرت من العين المثبتة على الباب لتتسع عينيها وتفتح الباب ثم تقول بلهفة:-
سيف حبيبي انت جيت !!
يارب استر يارب …يارب …
قالتها ماجدة وهي تمسك كتابها بينما جالسة على طاولة الافطار …من المفترض ان يبدأ امتحانها الضهر…كان يوسف يبتسم لها وكاد ان يتكلم الا رنين هاتف ماجدة اوقفه…عبست ماجدة وهي تحمل الهاتف لتجده رقم غريب ….نظرت ليوسف بحيرة ولكنها ردت غلى الهاتف لتنهض فجأة وهي تقول :-
ايه!!!!
عبس يوسف وهو ينهض هو الآخر ونظر إليها بحيرة…اغلقت الهاتف وهي ترمش بصدمة ليقول هو :-
فيه ايه يا ماجدة ؟!
بيقولوا…بيقولوا ان لطيف مات!!!
رواية اسرت قلبه الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سوليية نصار
تخشّب جسد نوران بالكامل وهي تنظر لزوجها بعينين متسّعتين. شعرت أن العالم يدور بها وتمسّكت بشقيقتها.
رحيق كانت تشعر بالإرتباك وهي تنظر إليه، ثم أطرقت برأسها أرضاً. خافت أن يرتفع صوته ويسمع عاصي هذا، خافت أن يتم فضح شقيقتها. فهمست:
"ممكن تهدّي جوزي بره؟"
ابتسم بسخرية وقال:
"خايفة على مشاعر جوزك إنه يكتشف إن مراته بتشجع مراتي على الفجور؟"
رفعت عينيها وهي تنظر إليه وقالت بغضب:
"فجور؟! هو الستر بقى فجور؟ ربنا أمر بالستر يا أستاذ جاسم. وعشان ربنا أمر بالستر، أنت سترتها بس مينفعش كل شوية تمن عليها أو تهينها عشان سترتها. مفروض تعمل كده لوجه الله."
"متتكلميش عليا وأنتِ مش في مكاني. عمرك ما هتحسي بشعور الراجل في الموقف ده!"
هزت رأسها موافقة وقالت:
"أكيد مش هحس بشعورك، بس اللي بتعمله مهما كان غلط. أنت اخترت متتكلمش ومتسامحش، وقلت هطلقها. ومشكور قلت هتسترها ومش هتتكلم. كمل جميلك للآخر. إنك تعذبها عشان ذنبها ده مش صح. إنك تعايرها كل شوية بذنب أنت ذات نفسك ممكن تقع فيه يبقى مش صح."
"أنا عمري ما أعمل كده!" قالها بعنف محاولاً إبقاء صوته منخفضاً.
هزت رحيق رأسها وقالت:
"بس كمان (من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله). فمتبقاش واثق من نفسك كتير. لما تلاقي حد عمل ذنب متعايرهوش، ادعي بس ربنا إنك متوقعش في نفس الذنب."
ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه ويقول:
"أنا أصلاً بضيع وقتي معاكي. والله أنا عامل حساب لأمجد المسكين. بدل المصيبة عنده اتنين، أخته الأولى زانية والتانية بتبرر الزنا. لولا إني إنسان كويس كنت فضحتك قدام جوزك يا رحيق وخربت بيتك وخليتك ترجعي مطلقة لبيت أهلك."
صمت قليلاً وهو يتكلم مجدداً. يرغب بقول أي شيء يجرحها فأكمل:
"بس حرام أهلك ما صدقوا إنك تتجوزي أصلاً!"
ثم تركها وغادر.
ما أن ذهب تنهدت نوران بقوة وهي تستند على رحيق، بينما الدموع تجري على وجهها. ضمّتها رحيق وهي تقول:
"اهدي خلاص. أنا واثقة إنه هيراجع نفسه بعد الكلمتين اللي قولتهاله دول. مش من حقه يعاملك بالطريقة دي أبدًا. حقه إنه ميكملش أو يطلقك، بس مش من حقه."
قاطعتها نوران وهي تبتعد عنها. كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف:
"لا حقه."
عبست رحيق لتكمل نوران وهي تجفف دموعها:
"إنسان زيه رسم أحلام كتير معايا. كان مستعد يعمل المستحيل عشان نتجوز. مفكرش يرتبط بيا أو يغضب ربنا فيا عشان ميتحرمش مني. طبيعي بعد ما يكتشف الكارثة اللي عملتها يغضب. تعرفي يا رحيق أنا مهما يعمل مش زعلانة منه. أنا تبت لربنا بس حاسة توبتي ناقصة. أنا محتاجة إن جاسم يسامحني. مش مهم يهـ نني أو يضر.بني. يقتـ..لني برضه المهم يسامحني في الآخر. لو مو.تي هيخليني جاسم يسامحني أنا مستعدة. يمكن وقتها أحس إن توبتي لربنا كاملة. أنا أذ.يت جاسم مهما حاولت أنكر الموضوع فأنا أذيته ومستحيل أسامح نفسي إلا لما هو يسامحني."
احتر.قت عيني رحيق بفعل الدموع وأمسكت كفها لتكمل نوران بصوت مهتز:
"وأنتِ يا رحيق أنا أذ.يتك كتير بكلامي. أنا عمري ما هسامح نفسي أبدًا إلا لما تسامحيني."
"أنا عمري ما زعلت منك أو حـ.قدت عليكي يا نوران. أنا كان نفسي إنك تحبيني. تعامليني كأخت. دي الحاجة الوحيدة اللي كان نفسي فيها منك. لكن يعلم الله عمري ما حـ.قدت عليكي أبدًا ولا أقدر."
ثم أمسكت رأسها وقبّلته وهي تقول:
"ربنا هيسامحك يا نوران مادام توبتك صادقة. افتكري دايما إن ربنا غفور رحيم. أوعي في مرة تيأسي من رحمة ربنا. افتكري دايما الحديث ده."
شدّت على كفها وقالت:
"أوعي أي حد مهما كان يقنعك إن توبتك ناقصة. توبتك شرط القبول لها تكون صادقة. وتعهدي ربنا مترجعيش للذ.نب ده تاني. مش مضطرة تتحملي الإهـ.انة أو العذ.اب عشان ضميرك يرتاح. متظلميش نفسك أكتر."
تنهدت نوران وقد صمتت لم تعقب. هي لا تفهم. هي تعطي الحق لجاسم للغـ.ضب. لن ترتاح حتى يسامحها. ربما لو سامحها سيستطيع المضي قدمًا. ربما حينها سوف يتزوج من امرأة أخرى. امرأة لم يلو.ثها شخص آخر. امرأة شريفة!!
***
كانت تقف أمام النافذة وهي ترتعش بقوّة. الدموع ملء عينيها لكنها لا تبكي. ما زالت تتذكر جثما.ن طليقها بالمشرحة. كان متـ.فحّم للغاية لم تتعرف عليه من الأساس. تم إخبارها أنه حدث حري.ق ضخم بالسجن الذي به وما.ت الجميع بما فيهم هو. كانت مأساة حقيقية. لم تتخيل أبدًا أن الرجل الذي بث الر.عب داخلها يم.وت بتلك الطريقة. يم.وت ولا تستطيع أن تتعرف عليه حتى لولا التحاليل التي أثبتت أنه هو.
لطيف.
تنهدت وهي تشعر بثقل بقلبها. تعلم جيدًا أن الأمر ليس مجرد حا.د.ث. تعلم أنه قد انفتحت عليه أبواب الجحـ..يم. والجحـ..يم سوف يطالها هي وعائلتها. ألم يخبرها هذا بوضوح؟ ما زالت تتذكر كل شيء.
***
"طلقني." قالتها بنبرة مـ.يتة. في منزله الكبير كانت تجلس على الأريكة بالصالة الواسعة، متشحة بالسواد. لقد مر على وفاة ابنها شهر تقريبًا. شهر وهي منفصلة عن الواقع تمامًا. دموعها لم تجف والألم يمز.ق قلبها. وسياط الذ.نب لا ترحمها. طفلها الذي ما.ت بسبب عمل والده غير القانوني لا يفارق عقلها. وضعت كفها على قلبها وهي تكتم آهة ممزقة من داخلها. يديها مخضبتان بد.ماء ابنها. لقد شاركت في قـ.تله هي تعرف. شاركت عندما لم تبتعد عن زوجها وعمله. كانت تعرف أن عقاب الله سوف يطالها بسبب عمل زوجها. فها هو ابنها قد ما.ت بسببهم. بسبب عمل والده. فوالده قد تورط مع عصابة صغيرة. جعلهم يقوموا بإستيراد مخدر معين له ووعدهم بثمن معين ولكنه لم يعطيهم أموالهم. وكان الثمن هو حياة ابنه. صحيح أنه انتقم جيدًا خاصة بعد عمله لدى رجل صاحب شأن متورط أيضًا، ولكن ذلك لم يبرد نارها. لا يمكنها أن تعيش بالظلام أكثر من هذا. لا يمكنها أن تخسر طفلها الآخر. لذلك قالتها بكل قوتها وهي تراه. وظلت ترددها بقوة.
"طلقني... طلقني!"
توقف مكانه وهو ينظر إليها بصدمة وقال:
"ماجدة حبيبتي فيه إيه؟"
ثم اقترب منها ليمسك كفها إلا أنها أزاحت كفه وهي تنهض. عينيها السوداء تبرقان بغضب وحقد. حق.د لا يليق بامرأة مثلها. امرأة طيبة مثلها.
"ماجدة فيه إيه؟"
وضعت كفيها على شعرها وهي تشعر بالذهول منه. صرخت:
"فيه إيه؟ أنت مش عارف فيه إيه؟ ابنك ما.ت. ما.ت بسببك. تك.سر صوتها قليلاً وأكملت بعذ.اب: "لا بسببنا. ابنك ما.ت بسببنا احنا الاتنين. آه يا معتز ياريتني كنت أنا يا حبيبي!!!"
"ماجدة..." قالها وهو يمسك ذراعها. كان اليأس يكسو ملامحه. الحزن في نبرته لا يمكن إنكا.ره. ولكنها لم تهتم. النا.ر في قلبها جعلتها لا تلتفت لأي شيء آخر.
"أنا عارف وحاسس بيكي."
"حاسس بإيه؟ عمرك ما هتحس بقلبي المحر.وق. أنا أم..."
"وأنا أب... وحاسس بيكي يا ماجدة. قلبي محر.وق زيك بس أنا أخدت حق معتز. والله اللي قتـ.لوه كانوا بيبوسوا إيدي عشان أقتلهم وأريحهم. أنا اديتهم أبش.ع موتة في التاريخ. خلي قلبك يرتاح. أنا انتق.مت منهم!!"
"قلبي مش هيرتاح طول ما أنا معاك يا لطيف. مش هرتاح أبدًا. أنا عايزة أتطلق. خليني أتطلق وأبعد. أنا خسرت ابن مش عايزة أخسر التاني."
"مش هتخسري التاني. مش هسمح بكده. مش هسمح إنك تخسري ابننا التاني."
دفعته وهي تصرخ به:
"لا هخسره. هخسره يا لطيف. طول ما أنت بتقـ.تل أولاد الناس بالزفت اللي بتشتغل فيه هنخسره. طول ما فلوسك حرام هنخسره. طول ما بتد.مر عيال الناس هنخسره. أبوس إيديك سيبني أمشي. عايزة أعيش نضيفة."
"نضيفة؟" رددها بصدمة لترد وهي تشهق وتبكي:
"أيوه عايزة أعيش نضيفة. أنا حاسة إن إيديا مليانة د.م. د.م ابني ودم الناس اللي أنت د.مرت حياتهم. أنا عايز أبعد عن ده كله. عايز آخد ابني وأبعد عنك ومش عايزة منك حاجة. مش عايزة فلوس."
"مش هطلقك يا ماجدة." قالها لطيف بحد.ة ثم أكمل:
"لو عايزة تتطلقي، سيبي ابنك هنا وامشي."
نظرت إليه بصدمة. كانت ملامحه باردة للغاية. كان يلعب بد.ناوة. يعرف أن ماجدة تعشق محمد وأنها لن تتمكن من التخلي عنه. كانت تقف جامدة أمامه. مسحت دموعها وأطلقت القسو.ة من عينيها. قسوة لا تعرف متى امتلكتها ولا كيف. قالت:
"لا هتطلقني يا لطيف لأن روحك في إيدي."
عبس وهو ينظر إليها لتقول:
"تعرف المستندات اللي كنت شايلها ضد اللي معاك. القلم بتاعك اللي كان فيه كاميرا عشان تسجل أي فيديو لاجتماع ليك معاهم. وآخر اجتماع مع رجل الأعمال المشهور اللي لو طلعت الدنيا هتتقلب وصدقني هو مش هيسمي عليك ويقتـ.لك."
شحب وجهه بقوة وهو ينظر إليها لتكمل:
"حاجات مهمة زي كده مينفعش تشيلها في خزنة في بيتك. أنا أقدر أوصلها يا لطيف."
اقترب منها وقبض على ذراعها وهو يهدر بها:
"ماجدة الحاجات دي فين؟"
نظرت إليه دون أن تتكلم ليدفعها عنه ويركض للداخل وهو يفتح خزانة الملابس الكبيرة الخاصة به. كان يوجد بداخلها خزانة أخرى للأموال والمستندات المهمة. فتحها ليشحب وهو يجد أن جميع المستندات والأوراق قد اختفوا. حتى مقاطع الفيديو التي سجلها لهم.
نهض دون شعور منه واتجه إليها. ثم قبض على عنقها بقسوة شديدة وهو يصرخ:
"فين الحاجات؟ والله هقتـ.لك يا ماجدة."
حاربت لكي تتنفس وقالت بصعوبة:
"اقتلني. الموت أهون ليا بدل ما أعيش طول عمري إيدي مليانة بد.م ناس ملهاش ذ.نب. كانوا ضحا.يا شيا.طين زيك. اقتـ.لني يا لطيف. هتبقى عملت معروف كبير فيا وأنا ابني بستودعه عند الله. هو هيحميه منك!!"
أبعد يده وصرخ بها:
"متبقاش غـ.بية. الحاجة دي لو طلعت مش أنا بس اللي هم.وت. أنتِ وابنك كمان هتم.وتوا. دوول ناس مبتهزرش. مش هيسموا عليكي. هيخلوكي تبوسي إيديهم عشان يقتـ.لوكي."
"قولتلك ميهمنيش يا لطيف. أنا مش خايفة من الموت. أنا بم.وت كل يوم من أول ما مات معتز. اللي هيحصل فيا على إيديهم مش هيفرق معايا. بس أنت قادر توقف ده كله."
نظر إليها بيأس لتقول بصوت مرتجف:
"طلقني وخليني أبعد عنك. خليني أربي ابني بعيد عنك. بعيد عن فلوسك الحرام. خليني أعيش."
تنهد وهو ينظر إليها. خسارته كانت كبيرة ولكنه يعرف أن خرجت تلك الأدلة سوف ينتهي لا محالة!!!
***
خرجت من شرودها وهي تتنهد وتفكر أن الأمر بدأ بلطيف ولكنه لن ينتهي إلا بم.وتهم. ارتجفت قليلاً وهي تشعر بيوسف يقترب منها ويضمها إليه. تركت نفسه تستند عليه بينما تضع رأسها على صدره وتغمض عينيها والدموع تنهمر منها بشدة.
"طلعوا شيا.طين يا يوسف. قتلوا لطيف بالشكل البشع ده. مش هيوقفوا. إحنا لعبنا مع الناس الغلط."
تنهد وهو يمسح على ظهرها ليهدأها. هي محقة تمامًا. لقد عبث مع الأشخاص الخطأ تمامًا. ولكنه أيضًا متأكد أن لطيف لم يمت. لقد كان يشك قبل أن يروا جثمانه، ولكن الآن بدأ متأكدًا. هذا المحقق يوجد به شيء مثير للريبة. إنهى كل شيء بشكل سريع. لقد أراهم التحليل وبدا أنه مصر على جعلهم يقتنعون أن تلك الجثة المتفحمة هي للطيف. هل أبعدوا مراد بسبب هذا الأمر ليستطيعوا أن يزوروا مو.ت لطيف ويخرجوا المتو.رطون في تجارة المخدرات من السجن؟ الآن هو يواجه معركة أكبر ولكنه يعرف أنه قادر عليها. وجودها هي من يدفعه للمحاربة ويوسف لا يترك الساحة دون قتا.ل. أما النصر أو الم.وت.
***
"بقولك إيه؟ بتعرفي تسوقي ولا هتسوحينا؟" قالها سيف ضاحكاً وهو ينظر للدراجة الهوائية.
"ده تقليل مني مقبلهوش أبدًا." قالتها مياس ضاحكة، وهي تعطيه الخوذة.
"أما عاش ولا كان اللي يقلل منك يا فراشة. مقدرش أعمل كده خالص. بس خير. ليه الخوذة؟ أنا بدأت أتخوّش."
نظرت إليه بلوم مصطنع وهي تمط شفتيها كالأطفال:
"شوفت بتقلل مني إزاي؟"
هز رأسه وهو يضحك ثم جذبها إليه ليقبلها بقوة على وجنتها ويقول:
"يا خبر! مقدرش طبعًا."
احمرّت وجنتها بخجل وهي تضربه على كتفه وتقول:
"بس عيب! إحنا في الجنينة. حد هيشوفنا."
غمز لها وقال:
"متخافيش. كل اللي شغالين في الفيلا عارفين إننا متجوزين."
ثم ارتدى الخوذة وقال:
"يالا بسم الله توكلنا على الله."
ابتسمت وهي ترتدي الخوذة الخاصة بها وتجلس على الدراجة الهوائية. جلس هو خلفها لتقول بجدية:
"امسك فيا كويس."
كتم ضحكته وقال:
"يا سلام. ده إحنا عنينا."
ثم جذبها من خصرها لتلتصق به إلا أنها ابتعدت عنه قليلاً وقالت بحزم:
"لو مبطلتش قلة أدب أنا مش هركبك معايا وهنلغي المشوار."
"لا خلاص هبقى مؤدب." قالها ضاحكًا ثم تمسك بها برفق لتبدأ هي في القيادة.
بعد عشر دقائق كان يتمسك بها ويقول بقلق:
"براحة يا مياس. هدي السرعة يا مياس. حاسبي العربية دي."
نفخت بضيق وقالت:
"هو فيه إيه يا سيف؟ بتعاملني كإني طفلة. بعدين مش شايف قد إيه أنا محترفة في السواقة."
"بصراحة أنا بخاف من الستات اللي بتسوق."
رفعت حاجبيها وقالت:
"على فكرة ده يدل إنك ذكوري. مش بتعترف بقدرات الستات في المجالات المختلفة."
"لا والله. أنا بعترف بقدرات الست في كل المجالات إلا السواقة. سيبني أنا عارف بقولك إيه."
ضحكا سوياً وقللت مياس من سرعتها قليلاً.
***
بعد قليل.
كانت مياس بالحديقة العامة ترفع رأسها لأعلى. رغم اقتحام الصيف إلا أن الجو كانت به نسمات لطيفة. أغمضت عينيها وهي تفكر كم هي سعيدة حاليًا. وكم تخاف أيضًا. تخاف ألا تستمر تلك السعادة. هي لم تعتد أن تستمر سعادتها أبدًا. فحياتها في لحظة واحدة انقلبت. قد يحدث هذا مع سيف. قد ينقلب عليها فجأة. ربما يختفي حبه يومًا ما وحينها سوف يكرهها. لن يتحمل أن يعيش مع هذا الوجه.
"عصير القصب بالبرتقال للهانم." قالها سيف وهو ينظر إليها مبتسمًا بينما يمد لها الكوب الكبير الملئ بعصيرها المفضل. ثم جلس بجوارها وهو يشرب عصير القصب الخاص به.
امسكت العصير وشربته وهي ما زالت شاردة.
"حاسس إنك سرحانة من وقت ما جينا الحديقة. إيه اللي شاغل بالك؟" قالها بهدوء لتنظر إليه بدهشة. فابتسم ابتسامة المدرك بأفكار الآخر وقال:
"مياس أنا بحبك. وأنا لما بحب شخص أصغر تفصيلة فيه بتهمني. أنا من وجهة نظري إن الحب عطاء. عطاء كبير. وأنا نفسي أديكي حياتي كلها لو طلبتيها هديهالك. بس أنا برضه حاسس إنك بعيدة عني يا مياس. بعيدة أوي."
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. ثم أطرقت برأسها وتنهد ليكمل:
"أنتِ حتى مقولتيش لحد دلوقتي إنك بتحبيني. وأنا نفسي... نفسي بجد أسمعها منك. عايز قلبي يطمن. خايف تضيعي مني."
رمشت قليلاً وهمست وهي ما زالت مطرقة برأسها:
"هي الكلمة دي مهمة عندك جدًا. هي مجرد كلمة؟"
هز رأسه وقال بجدية:
"لما تطلع منك مش هتكون مجرد كلمة. هو.ك حاجة أنا مستنيها. كلمة تطمني إنك هتبقي معايا. كلمة تديني الأمل أحارب عشان تبقي معايا. فلا دي مش مجرد كلمة."
رفعت عينيها وهي تنظر إليه. بريق الدموع المحبوسة بعينيها حيرة. لماذا هي خائفة لتلك الدرجة؟ هو متأكد أنها تحبه. فإذا ما الذي يجعلها تخاف لتلك الدرجة؟
"مياس إيه اللي مخوفك؟ أنا والله بحبك. مش هتخلى عنك. والله ما هكون زيه." مستعد أروح معاكي لآخر الدنيا. كان يشير لوجعها الأول. عمر.
تنهدت وهي تقول بهدوء:
"سيف أنا..."
ظهرت اللهفة على وجهه وأمسك كفها وهو يقول:
"ها. قوليها. أنا سامعك."
ابتلعت ريقها وقالت:
"أنا عايزة أعمل عملية تجميل في وشي."
ظهرت خيبة الأمل على وجهه وترك كفها وهو ينظر للجهة الأخرى. حاول السيطرة على ملامح وجهه التي يسكوها خيبة الأمل وابتسم وهو ينظر إليها مجددًا وقال:
"كملي يا حبيبتي. كنتي بتقولي إيه؟"
"عايزة أعمل عملية تجميل يا سيف."
لم يتخلى عن ابتسامته وهو ينظر إليها. حاول ألا يظهر أي رد فعل يضايقها وقال:
"هو طيب ده هيفرق معاكي؟"
هزت رأسها بتأكيد. فرد:
"أيوه. بس أنتِ قولتي إنك حاولتي كذا مرة والموضوع فشل."
انهمرت الدموع من عينيها دون توقف ليقترب منها وهو يمسح دموعها ويقول بآسف:
"أنا آسف يا فراشة. مش قصدي أزعلك والله بس أنا خايف عليكي. خايف إنك تزعلي. وأنا والله مش عايزك تزعلي أبدًا. أنا خايف لو قدر الله عملتيها وفشلت تاني وانتِ نفسيتك تتعب."
"ومين قالك إن نفسيتي مش تعبانة وأنا كده يا سيف. أنا عايزة أكون جميلة. نفسي أكون جميلة."
"حبيبتي أنتِ جميلة من غير أي حاجة والله. أنتِ ج..."
"بس اسكت. متكدبش عليا. كدبك بيخلي الموضوع أسوأ." قالتها وهي تشيح بوجهها عنه ثم أكملت:
"عارفة إنك صادق في حبك يا سيف. متأكدة إنك بتحبني. بحاول أتقبل نفسي وانت بتساعدني. بس أنا نفسي أعمل العملية. عايزة أرجع زي الأول."
نظرت إليه برجاء خالص وهي تتمسك بكفه كأنه ملاذها الآمن:
"أنا عايزة أعمل العملية يا سيف. أنت قولت قبل كده إنك هتحقق كل أحلامي صح؟ صح. ده حلم من أحلامي. حلم إني أبقى جميلة. ساعدني أحققه يا سيف."
"مياس أنا خايف عليكي." قالها بيأس فهزت رأسها بلهفة وقالت:
"متخافش عليا. مهما كانت النتيجة مش هزعل مادام حاولت. لكن هفضل طول عمري ندمانة لو خوفت ومجربتش. أنا عايزة أجرب يا سيف. متحرمشنيش من الفرصة دي. سمعت إن فيه دكتور شاطر هنا للحالات دي. ممكن يساعدني."
كان ينظر إليها بتوتر. كان الحماس يكسو وجهها. هو يريد أن يراها سعيدة ولكن ماذا سيحدث لو فشلت العملية مجددًا وساءت حالتها؟ هو بالكاد يرمم نفسيتها السيئة. بشق الأنفس يفعل المستحيل ليجعلها تتقبل ذاتها. لو بدأت في وضع أمل في علاج وجهها وفشلت سوف يعودا لنقطة البداية. ولكن كيف يمكنه أن يرفض طلبها؟ هي تظهر هذا الحماس للمرة الأولى. ابتسامة صغيرة ظهرت على شفتيه وهو يراها متأملة بشدة. تعبيرات الأمل تليق بها كثيرًا. هو يحبها وضعيف أمام مطالبها فلم يجد إلا أن يقول:
"ماشي يا مياس هنشوف الدكتور ده. بس لازم تتقبلي أي حاجة لا قدر الله لو منجحناش. مش عايزك تيأسي. واعرفي دايما إن حبيت مياس اللي قدامي وهفضل أحبها لحد ما أموت."
ابتسمت له بسعادة كبيرة وقلبها يخفق بقوة. وهي أيضًا تحبه. وسوف تعترف له عندما تجري الجراحة ويعود لها جمالها. هو يستحق هذا. لأول مرة تقرر أن تجري تلك الجراحة لأجل شخص آخر. هي تريد أن تفعلها لأجله. أن أكون جميلة لأجله. لكنها لم تدرك أن سيف بالفعل يجدها أجمل امرأة في العالم لأنه يراها بقلبه. قلبه الذي هي تمتلكه. فأصبحت هي المالكة الوحيدة.
***
بعد أن عادا من منزل شقيقتها، شعر عاصي أنها ليست بخير. لذلك هو من أدخل ابنته ليجعلها تنام. كانت رحيق تجلس على الأريكة تضم ساقيها إلى جسدها وتضع رأسها على قدمها وهي شاردة. تفكر بشقيقتها. تتذكر دموعها ويأسها. نوران في حالة استسلام غريبة. هي ترحب بالألم إن كان هذا سوف يخفف عنها الشعور بالذنب. أغمضت عينيها وهي تدعو ربها أن تكون بخير. أن يتقبل الله توبتها. أن يغفر جاسم ويقبل أن يكمل حياته معها. نعم تعرف أن هذا صعب على أي رجل تقبله. ولكن جاسم يحب نوران ونوران أيضًا تحبه. ربما يتمكن يومًا ما من الغفران. ربما.
شهقت فجأة بقوة وهي تجد نفسها تُحمل بين ذراعي عاصي. وضعت ذراعيها خلف عنقه بذهول وهي تقول بأنفاس مخطوفة:
"إيه اللي بتعمله ده؟"
"هنقعد نتكلم مع بعض شوية. حاسة إنك متضايقة."
لم تعقب على كلمته بينما يخرج بها للتراس الخاص بالمنزل البحري ويجلس على المقعد ثم يجعلها تجلس على ساقه. حاولت التحرر منه إلا أنه تمسك بها جيدا وقال بجدية:
"فيه حاجة حصلت في بيت اختك؟"
شحب وجهها قليلاً. خافت أن يكون قد سمع شيئًا فقالت بارتباك:
"إيه اللي هيكون حصل يعني؟ محصلش حاجة."
هز كتفيه وهو يتمسك بها ويقول:
"معرفش بجد. من أول ما جيتي وانتِ في عالم تاني. فيه حد زعلك."
"مشكلة بسيطة بيني وبين نوران." قالتها وهي تحاول تجنب النظر لعينيه.
"مشكلة إيه؟" حاولت التملص منه وقالت:
"معلش يا عاصي مش حابة أتكلم."
ثم حاولت أن تغير دفة الحديث وأكملت:
"خلينا نتكلم عنك أنت."
رفع حاجبيه وقال:
"عني أنا."
هزت رأسها ببساطة وقالت:
"حابة أعرف عنك أكتر. يعني أنت تبان شخص مش راقي بس أنت بجد أحسن أب شفته في حياتي. يعني بجد أملاك محظوظة جدًا."
ابتسم لها وقال:
"طلعتي بتقولي حاجة غير الدبش."
رمشت بصدمة وقالت:
"أنا بقول دبش؟ يا عم شكرا."
ضحك هو وقال بكل صراحة:
"دي الحقيقة يا رحيق. أنا مش هكدب عليكي."
ابتسمت له ثم خفتت ابتسامتها قليلاً وقالت:
"هو ممكن أسأل سؤال؟ إيه سبب حالة أملاك؟ أنا آسفة إني بسأل. لو مش عايز تجاوب خلاص."
اختفى أي أثر للمرح من وجهه ثم قال وهو يبعد يديه عنها:
"قومي لو سمحتي."
رمشت عدة مرات وهي تشعر بالذهول من ردة فعله. نهضت بسرعة. كانت مرتبكة بالبرود الذي كسا ملامحه. ثم بصدمة رأته وهو ينهض ويذهب إلى الداخل دون أي كلمة. ظلت واقفة وهي تشعر بالغباء. ماذا فعلت لينقلب حاله بتلك الطريقة؟ هل أخطأت بالسؤال؟
رواية اسرت قلبه الفصل الأربعون 40 - بقلم سوليية نصار
مياس لسيف.
"ازاي؟ أكيد فيه أمل... يا دكتور، أكيد فيه حل؟ يعني إزاي تقضي على كل آمالي بكلمة واحدة كده؟" قالتها بصوت مختنق وبسرعة وهي تشعر أنها تختنق. كان نفسها يضيق وهي تتكلم.
شعر سيف بالخوف عليها وهو يراها بتلك الحالة. اقترب منها وهو يحاول تهدئتها، ولكنها بدت في حالة ميئوس منها.
"مياس... مياس، ممكن تهدي؟" قالها وهو يمسك وجهها، إلا أن الدموع كانت تغرق وجهها وهي تقول:
"إزاي... إزاي يقولي مفيش أمل يا سيف؟ حرام! أنا كان عندي أمل كبير. كنت جاية وأنا مبسوطة، إزاي تكسر فرحتي بالشكل ده؟ أكيد فيه أمل... اكشف تاني لو سمحت. أنا مستعدة أمشي على الخطوات اللي هتقولها... أنا..."
ثم انفجرت بالبكاء. لتلمع الدموع في عيني سيف وهو يجذبها إليه أمام الطبيب دون إحراج ويضمها إليه ويهمس:
"مياس، إحنا قولنا إيه؟ قولي الحمد لله."
اختنقت وهي تهمس:
"الحمد لله."
ثم ابتعد عنها وهو يمسك كفها، بينما نظرت إلى الطبيب بعينين حمراوين من شدة البكاء. كان الطبيب ينظر إليها بشفقة ويقول:
"حروقك صعبة يا مدام مياس... أنا للأسف مقدرش أساعدك، بس يمكن في يوم دكتور أشطر مني يقدر يساعدك. أنا آسف."
انهمرت الدموع أكثر من عينيها وهي تهز رأسها بيأس.
في السيارة.
كان يقود سيف سيارته بكل هدوء، بينما مياس تسند رأسها على النافذة والدموع تجري على وجهها. كل آمالها تم القضاء عليها. كيف يمكن لكلمة واحدة أن تقلب حياتها لتلك الدرجة؟ كيف يمكن أن تنهار فجأة وهي التي ظنت أن الأمور كلها سوف تكون على ما يرام؟
شهقة مختنقة أفلتت من بين شفتيها، ليوقف سيف السيارة بهدوء ثم ينظر إليها وهو يسحبها إليه ويعانقها. تمسكت به وهي تنفجر بالبكاء. شعرت أنها سوف تفقد عقلها في أي وقت.
"يا حبيبي، إحنا قولنا أي حاجة هنتقبلها ونقول الحمد لله. عشان خاطري يا مياس، متعيطيش. والله قلبي بيوجعني عليكي."
"أنا كان عندي أمل يا سيف... أمل كبير."
تنهد وهو يشدد من احتضانها ويقول:
"عارف يا حبيبي، بس أمر ربنا. مفروض نقول إيه..."
ابتعدت عنه وهي تهمس:
"الحمد لله."
ابتسم لها وهو يمسح دموعها ويقول:
"برافو عليكي."
"أنا كان نفسي أكون جميلة عشانك." همست بها بإختناق.
ليعبس ويقول:
"عشاني إزاي يعني؟"
رفعت عينيها وهي تقول بتوتر:
"أنت من حقك تكون مع واحدة جميلة... من حقك..."
وضع كفه على فمها وقال:
"بطلي عناد. قولتلك ميت مرة أنا مش عايز غيرك. أعمل إيه تاني عشان تثبتلك إني فعلاً بحبك يا مياس؟ أنا بجد تعبت."
ثم ابتعد عنها وهو ينظر للجهة الأخرى غاضباً. أمسكت ذراعه وهي تقول بلهفة:
"حقك عليا يا سيف، بس أنا والله مخنوقة. أنت مش حاسس بيا."
نظر إليها وقال:
"لا حاسس يا مياس، وعشان كده أنا مش بعلق على اللي بتعمليه. بس أنا بدأت أتعب. مش عارف أعمل إيه عشان تقتنعي إني متقبلك بكل أحوالك. أنا روحت عشان أنتِ اللي أصرتي على الفكرة، لكن الموضوع آخر همي."
تنهدت وهي تقول:
"عارفة يا حبيبي."
رمش وهو ينظر إليها وقال:
"أنتِ قولتي إيه؟"
احمر وجهها وهي تقول:
"مقولتش حاجة."
ابتسم بسعادة وقال:
"لا قولتي... بس مش مهم. هتقوليها كتير الأيام اللي جاية يا فراشة."
ثم أمسك كفها وقبله وهو يقول:
"من النهاردة مش عايزة أشوفك بتبكي. عايزين نجهز نفسنا عشان هننقل ورقك من الكلية اللي في إسكندرية عشان هتدرسي هنا من السنة اللي جاية."
هزت رأسها ليمسح بقايا دموعها وهو يقول:
"متعيطيش تاني، ماشي؟"
هزت رأسها وهي تحاول ألا تبكي، ولكن الدموع كانت تنهمر دون إرادة منها. أخرج محرمة ورقية ثم أخذ يمسح دموعها بلطف وقال:
"هنروح دلوقتي نرتاح عشان فيه مفاجأة ليكي أنا محضرها. ومش هقولك هي إيه عشان متقعديش تترجيني كتير، عشان أنا ضعيف قصادك وممكن أقول عادي."
ابتسمت إبتسامة حقيقية ليقول براحة:
"أيوه كده خلي الدنيا تبقى حلوة."
ثم غمز لها وانطلق بالسيارة.
في المنزل.
كان جلال يجلس وهو يتكلم مع شخص ما:
"يعني إيه هرب؟ إزاي يهرب من السجن؟ إزاي قدر يعمل كده؟"
وضع جلال كفه على رأسه وهو يشعر بإرتفاع ضغط دمه. جلس على المقعد وهو يضع كفه على صدره بينما يشعر بصعوبة في التنفس. لقد فعل المستحيل ليزج به للسجن، وقد استطاع أن يحرر زوجته عهد منه. تلك المسكينة التي عذبها ولم يرحم ضعفها. والآن بكل بساطة يخبروه أنه هرب؟ يا رب.
"تمام... تمام... اقفل دلوقتي." قالها وهو يتنفس بصعوبة.
أغمض عينيه للحظات وهو يحاول أن يهدأ نفسه. سوف يجدوه. سوف يجدوه.
فتح عينيه عندما شعر بأحدهم يفتح الباب. كان هذا سيف ومياس. نهض جلال من مكانه وهو يبتسم لهم ويقول بلطف:
"ها، إيه الأخبار؟"
اختفت الابتسامة من وجه مياس ثم تجمعت الدموع في عينيها، وفجأة انفجرت بالبكاء.
"آه يا ربي." قالها سيف بتعب وهو يمسح على وجهه، بينما اقترب جلال بفزع من مياس وهو يقول بلهفة:
"مياس، حبيبتي مالك؟"
لم ترد عليه بل عانقته بقوة وهي تبكي. ربت على ظهرها وقال:
"خلاص يا حبيبتي، خلاص."
ولكنها لم تتوقف عن البكاء وهي تتمسك به.
"قالي مفيش أمل."
تنهد جلال وهو يقول:
"الأمل في ربنا وحده يا بنتي."
"ونعم بالله." قالتها مياس بصوت مختنق وهي تمسح دموعها. ليقترب منها سيف وهو يعانق خصرها بكفه ويقول:
"عن إذنك يا بابا."
ثم نظر إلى مياس وقال:
"اطلعي يلا عشان ترتاحي."
ثم سار بها وهو يضمها إليه. كان جلال ينظر إليها بشفقة. تلك المسكينة عانت بما فيه الكفاية. لقد ظن أنه سوف ينتقم من معاذ، ولكن هذا الرجل حقير للغاية. بالطبع لم يترك مياس وشأنها. تنهد وهو يفكر أنه يجب أن يتحرك. لا يجب أن يعرف سيف أو مياس بما حدث.
في غرفة سيف ومياس.
ساعدها لكي تلج للغرفة ثم أجلسها وجلس بجوارها وهو يمسح دموعها ويقول بلوم:
"مياس، إحنا قولنا إيه؟"
هزت رأسها وقالت:
"مش بإيدي والله... أنا بتعذب يا سيف."
"عارف يا حبيبي والله عارف." قالها وهو يضمها إليه ثم أكمل:
"بس ده قدر وهنتقبله."
ثم أبعدها وهو يمسح دموعها وقال بحماس:
"يالا بقا يا كسلانة، مفيش راحة. حضري شنطة صغيرة وخدي فيها لبس ليكي وليا."
عبست وهي تنظر إليه وتقول:
"وده ليه؟"
نقر على أنفها بإصبعه وقال:
"هتعرفي بعدين. يلا جهزي الشنطة عقبال ما أطلب منهم يعملوا لينا أكل عشان أنا هموت من الجوع."
هزت رأسها وهي تتجه للخزانة لتفعل ما يريد، بينما خرج هو.
"شوفت الدكتورة الجديدة اللي جات المستشفى؟ بنت قمر. قمر." قالها مروان صديقه بغرفة الملابس.
رفع جاسم عينيه وتأفف وقال:
"يا أخي اتقى الله، أنت متعرفش تغض بصرك أبداً؟ وبعدين أنت ترضى حد يتغزل في أختك أو مراتك؟ عيب يا مروان."
حك مروان رأسه وقال:
"نفسي أكون والله زيك يا جاسم. أنت إنسان محترم ومتدين. يا بخت مراتك بيك. أنا مراتي والله كويسة بس أنا مطلع عينيها."
غامت عيني جاسم للحظات وشعر وكأن أحدهما لكمه بقوة في معدته. هو الرجل المحترم التقي الذي لم يطلق نظره على فتاة لا تحل له. ظل يتقي الله منتظراً مكافأته في حب حياته، ليُخذل بتلك الطريقة ويكتشف أن من أحبها وأعطاها حياته كلها ليست فتاة شريفة. بل فتاة أعطت جسدها لرجل آخر قبله. ومراد من يفعل ما يحلو له حصل على امرأة شريفة كزوجته!!!
كان يشعر بالقهر والغضب، ولكن فجأة أغمض عينيه وهو يستغفر الله في سره ويقول:
"اللهم لا اعتراض. اللهم لا اعتراض. سامحني يارب عشان اعترضت حتى في تفكيري. سامحني إني خليت الشيطان يسيطر عليا للحظات. يارب ده ابتلاء وأنا راضي بيه ومش زعلان عشان عارف إنك هتعوضني عن اللي عشته. عارف إنك هتطبطب على قلبي. يارب اديني القوة عشان أقدر أعدي المحنة دي على خير. خلي الشهور دي تعدي على خير لحد ما أطلقها وتمشي. يارب ريح قلبي."
فتح عينيه مجدداً ووجد مروان ينظر إليه بحيرة. تنهد جاسم وهو يشيح بعينيه عنه فقال مروان:
"هو أنا ليه حاسس إنك مش مبسوط؟ يا عم ده أنت عريس جديد حتى."
"عريس؟" قالها بنبرة فيها سخرية. ليرفع مروان حاجبيه ويقول:
"فيه حاجة يا جاسم؟"
سحب جاسم المعطف الأبيض الطبي وهو يرتديه بينما يقول بهدوء:
"مفيش حاجة."
ثم خرج من الغرفة. لج لغرفة الطوارئ وهو يمسك السماعة الطبية. فجأة وقف وهو يرى فتاة غريبة. ملامحها للوهلة الأولى بدت مألوفة. عينيها بنية وشعرها أسود طويل. ترتدي قميص أبيض اللون أسفله بنطال جينز أسود يعلوه المعطف الطبي. على نحرها يستقر سلسال ذهبي مكتوب عليه "حورية".
أجفل قليلاً عندما نظرت إليه فأطرق برأسه وهو يشعر بالخجل من نفسه. كيف ينظر لفتاة غريبة بتلك الطريقة؟ ألم يوبخ مروان من أجل هذا؟
"جاسم." قالتها الغريبة وابتسامة تتشكل على شفتيها المصبوغة بلون شفاه أحمر. ثم اقتربت منه وهي تمد كفها وتقول:
"بقالي كتير مشوفتكش."
رفع عينيه بحيرة وقال:
"أنتِ تعرفيني؟"
كست خيبة الأمل وجهها وقالت بلوم:
"طيب سلم الأول."
"أنا آسف، مبسلمش على ستات."
سحبت كفها بإحراج وهي تنظر حولها وحمدت ربنا أن الأطباء مشغولون بالحالات.
"عن إذنك، أنا ورايا شغل." قالها وهو يهرب نحو العمل وهو يحاول تذكر هذه الفتاة. بينما هي وقفت مكانها وهي تهضم إهانته، توبخ نفسها وتهمس:
"إيه الغباء اللي أنتِ فيه ده يا حورية؟ ما طبيعي مش هيفتكرك. هو أصلاً مكانش بيبص عليكي. وبعدين عارفة إنه متدين أوي، كان لازم تمدي إيديك وتحرجي نفسك. بجد غبية... غبية."
خرجت من غرفة الطوارئ وهي تحرك كفها يمين ويسار. رؤيته بعد كل تلك السنوات أحضرت مشاعر عنيفة لقلبها. مشاعر ظنت أنها نسيتها، ولكن الآن اكتشفت أنها لم تنساه أبداً. لقد رفضت كل من تقدموا لها وكانت تنتظره هو. هو فقط جاسم!!
أغمضت عينيها وهي تتنهد لتنتفض قليلاً، وشاب وسيم نوعاً ما يقف أمامها ويقول:
"نورتينا."
رمشت وهي تنظر لذلك الذي ينظر إليها بابتسامة مهذبة. هزت رأسها وهي تقول بصوتها الناعم:
"ميرسي."
مد كفه وقال:
"أنا مروان، اتشرفت بحضرتك يا دكتورة."
ولكنها قاطعته بإبتسامة وهي تقول:
"سوري، بس مبسلمش. عن إذنك يا دكتور مروان."
ثم ذهبت وتركته. نظر إليها بحيرة وقال:
"مع أن مش باين عليك التدين ده يعني."
"تمام، أنا كده كتبت كل الخطوات بتاعة طبخة الغدا. والله الحمد لله إن جاسم سابلي الموبايل عشان أكلمك على الأقل يا رحيق."
من الجهة الأخرى زفرت رحيق بضيق وقالت:
"هو مش مفروض يعاملك بالطريقة دي؟ شايل منك التليفون؟ بتكلمينا بالقطارة؟ حابسك في البيت؟ ده موت مش حياة!!"
أغمضت نوران عينيها بأسى وقالت:
"كفاية يا رحيق لو سمحتي... أنا راضية بكل اللي بيعمله."
"نوران دي..."
"مش حياة، أنا عارفة بس أنا أستحق ده. أنا غلطت في حقه. مهما حاولنا ننكر ده، بس ده إنسان دخل البيت من بابه. حافظ عليا من النظرة الحرام حتى. لما اتخطبتله مفكرش حتى يمسك إيدي. كان بيعاملني كأني جوهرة. غصب عنه اتصدم يا رحيق."
تنهدت رحيق وهي لا تدري ماذا تقول. هي تشفق على شقيقتها بسبب ما تعيشه. تشعر أنها أخطأت التقدير عندما طلبت منها الصمت وعدم الاعتراف له. ولكن بدا أن هذا هو الصواب. كان الأولى أن تستر على نفسها. حكت جبينها بتعب وقالت:
"أنا مش عارفة أقولك إيه تاني."
ابتسمت نوران وقالت:
"متقوليش ومتقلقيش، أنا كويسة. أنا قولتلك اللي قاله هو خلاص مش هيأذيني. خلينا نقفل على السيرة دي. أنا راضية بكل حاجة. أهم حاجة إني اتسترت وأنا عمري ما هنسى ليه المعروف ده أبداً! المهم اهتمي بنفسك أنتِ وسيبك مني. أخبار عاصي معاكي إيه؟"
كسا الحزن وجه رحيق وهي تتذكر معاملته الباردة لها. معاملة أوجعت قلبها. لقد ظنت أنهما انسجما أخيراً، ولكن البرود أصبح مسيطراً على علاقتهما بشكل أنهكها وأوجع قلبها. ولكنها بالطبع لن تخبر شقيقتها بالأمر، فالجميع يظن أن هذا هو زواج حقيقي. ولن تخبر نوران بالأخص، فيكفي ما تعانيه! لذلك ابتسمت وهي تظهر السعادة بصوتها وقالت:
"زي الفل، أنا مبسوطة أوي."
ابتسمت نوران وقالت:
"عشان أنتِ واحدة طيبة يا رحيق تستاهلي ده كله. سلام يا حبيبتي."
"سلام يا نوران، هتصل بيكي تاني."
ثم أغلقت معها. ما أن أغلقت معها حتى تنهدت نوران بحزن وهي تتجه للحمام. قررت أن تصلي وتقرأ وردها، ثم تبدأ في إعداد الطعام.
بعد قليل.
كانت تقرأ القرآن بصوت متهدج بينما الدموع تنساب من عينيها.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)
صدق الله العظيم.
أغمضت عينيها والدموع تفيض منهما. كل كلمة تقرأها في المصحف الشريف تعطيها أمل. تجعل جروحها تلتئم، تطمئن قلبها الخائف. كلما خافت أو جزعت تهرع للقرآن. كان دوماً المصحف الشريف في منزلها هو كتاب تقرأ منه وردها بشكل متعجل أو تقرأ فيه سورة الكهف كل يوم جمعة. لم تتأمل كلماته من قبل. لم تشعر بها. ولكن اليوم هي تتأمل كل كلمة فيه. كل كلمة فيه تهدئ من روعها. ضمت المصحف إليها وهي تفكر أن يوماً بعد يوم تكتشف أشياء رائعة في دينها. دينها الذي انحرفت عنه واتبعت الشيطان.
كان يقف في مقهى المشفى يعد له قهوة بسبب الصداع الذي يشعر به. يتذكر في الصباح عندما خرج لم يرها. بل وجد الفطور معد بشكل جيد على الطاولة. كانت لأول مرة تعد فطور رائع وبشكل منظم. وملابسه جاهزة وقد تم كيها. الجوارب بجانب الحذاء الأسود الذي تم تلميعه جيداً والملابس التي يرتديها بالمشفى وضعتها بحقيبة الظهر الخاصة به مع المصحف الخاص به وقد وضعت زجاجة العطر على المنضدة أمام الباب كي لا ينسى. أنها تهتم بأدق تفاصيله الآن. ورغم أنها فعلت هذا كله إلا أنها لم تريه وجهها. لقد التزمت بجزءها من الصفقة فأصبحت تعد له كل شيء. وقبل أن يأتي كانت تلوذ بغرفتها. وهذا أراحه وأحزنه. أراحه لأنه لن يضطر لإهانتها مرة أخرى، وأحزنه لأنه رغب في رؤيتها بشدة. هز رأسه وهو يقرب القهوة من فمه ويغرق أكثر بالتفكير.
"جاسم." صوت رقيق ناعم قطع تفكيره تماماً. نظر جاسم إلى مصدر الصوت ليجد أنه لنفس الفتاة ذات الملامح المألوفة. كانت تنظر إليه بلوم غريب. هز رأسه وقال بهدوء:
"هو فيه حاجة؟ هو أنا أعرفك يا آنسة؟"
ضمت شفتيها بخيبة أمل وقالت بصوت خافت تشرب من الحزن ما أدهشه:
"أنا حورية عز الدين يا جاسم. كنت معاك في طب أسيوط نفس الدفعة. كنت أبقى صاحبة خطيبة صاحبك طارق، بس أنت للأسف مكنتش بتاخد بالك من أي واحدة في الدفعة. دايمًا كنت منغلق على نفسك."
كلامها ذكرها بكيف كانت في الجامعة. كان شاب ملتزم للغاية. لم يحب أبداً الاختلاط المبالغ بين الشباب والفتيات وكان يبتعد عن أي تجمع كهذا. صحيح أن كان هذا شبه مستحيل في الجامعة التي بها، إلا أنه قاوم. أطرق برأسه وقال:
"لا مؤاخذة يا دكتورة."
ابتسمت وهي تهز رأسها وتقول:
"ولا يهمك. المهم إني مبسوطة أوي عشان شوفتك يا جاسم."
هز رأسه دون معنى ثم غادر من أمامها، لتتنهد هي بحب وتضع كفها على قلبها بينما تشعر بالفراشات تتحرك بمعدتها وقالت:
"شكلي هطفح الفراشات قريب ولا إيه؟"
بعد انتهاء ساعات العمل الخاصة بجاسم، قرر الذهاب إلى المنزل كي يرتاح قليلاً ويذهب إلى عيادته الخاصة كطبيب أطفال. أدار المفتاح في الباب ليلج إليه. توقفت ورائحة طيبة تصطدم أنفه. سار بخطوات بطيئة نحو الصالة ليجد أنه لا أثر لها كالعادة. لابد أنها اختفت بغرفتها. بينما على طاولة الطعام كان هناك طعامه المفضل. دجاجة مشوية مع صينية بطاطس مع رز أصفر مبهر وأنواع جديدة من السلطات. رفع حاجبيه بإعجاب وهو يفكر أنها حقاً تتعلم بسرعة. جلس على المقعد وهو لا يستطيع مقاومة الطعام، ولكنه أمسك نفسه في آخر لحظة ونهض متجهاً إلى غرفته لكي يأخذ به ملابس كي يغتسل ويغير ملابسه. بعد قليل خرج من الحمام وهو يرتدي بيجامة قطنية رمادية اللون. ثم جلس على الطاولة لكي يتناول طعامه، ولكنه توقف فجأة وهو يتساءل: هل تناولت طعامها يا تُرى أم لا؟ يبدو أنها لم تتناوله بعد. لذلك نهض واقترب من غرفتها وهو يطرق بابها برفق وقال:
"أكلتي يا نوران؟"
خفق قلبها بشدة بينما كانت هي بالفعل تقف خلف الباب. حتى وهو غاضب يهتم بها. ابتسمت بحنان وهمست:
"كل أنت بالهنا والشفا. أنا صايمة النهارده تطوع."
هز رأسه وهو ينسحب إلى الطاولة ويكمل تناول طعامه.
كان جلال يجلس على مقعده وهو يضع كفه على وجنته بينما يتنهد بعمق:
"إيه اللي شاغل بالك؟ حاسس بيك متضايق. بس مرضتش أتكلم قدام مياس."
انتفض جلال قليلاً على صوت ابنه القوي. رفع رأسه وهو ينظر إلى سيف الذي اتخذ مقعد أمامه وهو ينظر إلى والده ينتظر الإجابات. استطاع جلال رسم ابتسامة على شفتيه وقال:
"مفيش حاجة شاغلة بالي يا سيف. أنا بس متضايق على مياس."
تنهد سيف بتعب وهو يهز رأسه موافقاً وقال:
"ومين سمعك، أنا برضه متضايق. مشوفتش انهيارها عند الدكتور هناك. وجعت قلبي فعلاً يا بابا. رغم كل حاجة الموضوع واجعها."
هز جلال رأسه موافقاً وقال:
"صعب برضه عليها يا ابني. دي كان عندها أمل كبير وراح. أكيد لازم تكون زعلانة. هي حالياً موجوعة، فخليك معاها."
ابتسم سيف وقال بتأكيد:
"أنا عمري ما هسيبها يا بابا، متقلقش. بالمناسبة، أنا وهي هنبات برا النهاردة."
عقد جلال حاجبيه. فرد سيف:
"هنروح الشاليه بتاعنا، قولت نغير جو شوية يومين كده."
ابتسم جلال وهز رأسه بإستحسان وقال:
"ده جميل يا ابني. يعني أنا شايف كده برضه. روحوا وقضوا يومين تلاتة انبسطوا."
هز سيف رأسه وابتسم قائلاً:
"ده هيساعدها كتير يا بابا. وأنا هعمل المستحيل عشان أفرحها في اليومين دول."
نظر جلال إلى ابنه مبتسماً. كل يوم يشعر بالراحة لأن قراره بتزويج مياس لسيف كان صحيح تماماً. نهض سيف فجأة وقال:
"تمام، أنا هروح دلوقتي أخليهم يجهزوا الأكل لينا عشان ناكل وهنمشي."
بعد قليل.
كانا قد تناولا الطعام وجهزت مياس حقيبة لهما ثم انطلقا بسيارة سيف بعد أن أخبر والده أنه العمل بخير ولن يتأثر بغيابه.
"مش هتقولي برضه رايحين فين يا سيف؟" قالتها مياس وهي تنظر إليه. ليرد ويقول:
"تؤ تؤ، قولت مفاجأة."
"أنا حاسس إنك خاطفني."
"أيوه فعلاً، أنا خاطفك."
ابتسمت له وقالت:
"يا ريت تخطفني على طول. أنا محتاجة بجد أرتاح شوية."
شد كفه وقبله وقال:
"أوعدك يا فراشة إنك هتبسطي في المشوار ده."
"يارب بجد يا سيف." قالتها بتعب. ليمد يده نحو الراديو ويقول:
"بتحبي أمير عيد؟"
لمعت عينيها وهزت رأسها مبتسمة وقالت:
"جداً بجد."
ضحك وهو يفعل المسجل لتنطلق أغنية أمير عيد ويبدآن سوياً بالغناء مع صوت أمير عيد:
"اتقابلنا مرة وحدة وكل مرة بستنى
صدفة حلوة تجمعنا
يمكن تثير الوحدة
مواضيع كتير حضرتها
سيناريوهات من غير عد
ازاي أقرب منها
وتشوفني يوم ظهر وسند
شفنا بعض هي مرة ومن بعدها بستنى
صدفة وحدة تجمعنا
يمكن يكون الضحكة
هقوله إيه أنا لو شفتهمش بفكر إلا فيه
وأنا كده من وقتها
يكون لي يوم ظهر وسند
هكون لها طبعاً أمير (هيبقى ليا أمير)
راجل خطير في الجدعنة (واكون بلجأله للحِمى)
تهرب في حضني بالساعات (نفضل نتكلم بالساعات)
ذكرياتها المحزنة
أشوفها تاني ولا الوقت فات؟
خايف أحلامي تموت من سُكات
(أشوفها تاني ولا الوقت فات؟)
(خايف أحلامي تموت من سُكات)
ولا هكون بتاع بنات
عندي حكايات كتير أوي
حبيب لعيب لكن تقيل
واسيبها لما تستوي
أفكار كتير مرت وأنا مستني صدفة تجمعنا
شفته قاعد من بعيد
فرحتي كملت ونورته
هكون لها طبعاً أمير (هيبقى ليا أمير)
راجل خطير في الجدعنة (واكون بلجأله للحِمى)
تهرب في حضني بالساعات (نفضل نتكلم بالساعات)
ذكرياتها المحزنة
أشوفها تاني ولا الوقت فات؟
خايف أحلامي تموت من سُكات
(أشوفها تاني ولا الوقت فات؟)
(خايف أحلامي تموت من سُكات)"
وصلا أخيراً للمنزل الصيفي. ابتسمت بسعادة وهي تنظر إلى المنظر الماثل أمامها. منزل صيفي صغير يطل على البحر.
"سيف... بجد مش مصدقة."
"أنت لسه بتقرأ النوتة اللي اشتريتهالي؟"
ضمها إليه وهو يقبل شعرها ويقول:
"عيب عليكي... كل يوم بقرأها. وكل ما أشوف حلم جديد ليكي هحققه. بحر صافي قدامه بيت صغير تهربي فيه ليومين مع أكتر شخص بتحبيه. ادي البيت وأدي البحر."
ثم صمت وأشار على نفسه مبتسماً وقال:
"وادي أكتر شخص بتحبيه."
"إيه النرجسية دي؟ متثقش في نفسك أوي." قالتها وهي تضحك وتدخل. ليضحك وهو يسير خلفها ويقول:
"مصيرك تعترفي ليا يا جميل بحبك وساعتها والله ما هحلك."
فترت شفتيها عن ابتسامة خجلة وهي تقف أمام البيت. ليفتحه هو بصمت ويسمح لها بالدخول.
"اتفضلي يا أميرتي."
ولجت للمنزل وهي تبتسم بسعادة. أخذت الحقيبة ثم أدخلتها لغرفة النوم. كان قد أمر بتنظيف المنزل جيداً ووضع الشراشف على الفراش.
كانت تسير في المنزل وهي تبتسم. ثم اقتربت من سيف وهي تقول:
"سيف، عشان خاطري عايزة أنزل البحر."
ابتسم لها وقال:
"هتلاقي في الشنطة التانية اللي أنا جهزتها. بوركيني. جهزي وننزل. أنا تحت أمرك اليومين دول."
بعد قليل.
كان هو عاري الجذع بينما ترتدي هي ملابس البحر الإسلامية. تمسك كفه وهي تركض للبحر بحماس. تلقفته أمواجه. ثم أخذوا يسبحون لفترة طويلة.
بعد قليل.
كانا ينامان على الشاطئ بتعب. مياس تنام على صدره وهي تغلق عينيها تشعر بصفاء الذهن لأول مرة. هي الآن معه. مع الشخص الذي تغرق بحبه يوماً بعد يوم. الشخص الذي أرادت أن تكون جميلة من أجله. اختفت علامات الراحة من وجهها ليتجعد وجهها بحزن وهي تقول كأنها تكلم نفسها:
"كان نفسي أكون جميلة عشانك يا سيف."
كان هو يدفن أصابعه في خصلاتها المبتلة. ولكن ما أن قالت هذا حتى توقف عما يفعل وقال بلوم:
"تاني يا مياس."
ثم نهض قليلاً لتنهض هي أيضاً. أصبحا الاثنان نصفا جالسين وهما ينظران إلى بعضهما البعض.
"ليه مش قادرة تصدقي إني بحبك كده؟"
تنهدت بتعب وهي تقول:
"مش بإيدي يا سيف... أنا كان نفسي..."
لمس بكفه وجنتها وهو يقول:
"ششش، خلاص. متتكلميش. افتكري إنك عاجباني كده. بعدين ده أمر الله يا حبيبي. منعرفش إيه اللي متخبي لينا. يمكن يكون فيه أمل ويمكن لا. واحنا هنتقبل قدر ربنا بنفس راضية ونقول الحمد لله على كل شيء. لأننا مؤمنين بالله. مؤمنين إن كل اللي يقدره ربنا كويس. وهنقول الحمد لله لأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه. وعشان كمان ربنا زي ما بياخد حاجة مننا بيعوضنا أضعاف. وربنا هيعوضك على صبرك."
رمشت مياس وهي تنظر إلى سيف. كلامه أراحها بشكل غريب وجعلها تفكر لأول مرة. أنها صحيح خسرت القليل، ولكنها تزوجت رجل رائع كسيف. أحبها رجل مثل سيف. إن كان هذا هو عوض ربنا عن وجهها المشوه، هي سوف تتقبل نفسها كما هي. سيف هو العوض المثالي لما حدث لها. لم تشعر مياس بنفسها وهي تعانقه بحب. ترغب في الصراخ وتخبره أنها تحبه، ولكنها قررت أن تؤجل الأمر. لن يكون اعترافها عادياً، بل سيكون اعترافاً أسطورياً منها. سوف تخبره بكل مشاعرها.
"يوسف، أنا مش فاهمة أنت ليه عايزنا نسيب البلد ونمشي. أنت خايف من اللي قتلوا لطيف صح؟" قالتها ماجدة بتوتر وهي تجلس معه. تنظر إلى ابنها الذي نام على الأريكة مرهقاً بسبب اللعب. ثم أعادت تركيزها ليوسف تنتظر منه تفسيراً.
"ماشي، ده سبب من الأسباب. بس أنا بحد مش عايز أقعد هنا يا ماجدة."
نظرت إليه بيأس وهي تقول:
"أنا مقدرش أسيب مصر يا يوسف. دي بلدي!"
مد كفه واحتوى كفها وهو يقول:
"وبلدي وبيتي كمان. بس تعملي إيه لما متلاقيش الأمان في بيتك هتضطري تروحي بيت تاني."
هزت رأسها وهمست:
"صدقني مش مضطرين ولا حاجة. نقدر نحمي نفسنا هنا. مفيش حاجة ممكن تأذيك بإذن الله."
شد على كفها وهو يقول:
"هو أنتِ فاكرة إني خايف على نفسي؟ لا يا ماجدة. أنا عمري ما أخاف من الموت. بس خايف عليكم. أنا دخلت حرب أنا مش قدها. وحاسس بريحة الخسارة. لو الهروب بيكم هو الحل، أنا ههرب بيكم. المهم مخسركمش. مخسرش عيلتي اللي أنا لقيتها بعد مدة طويلة."
مد كفه ثم لمس وجنتها بحب. نظرت إليه والقلق يسكن عينيها. الدموع كانت محبوسة بعينيها. ازدادت وتيرة أنفاسها وهي تحاول أن تسيطر على نفسها كي لا تنفجر بالبكاء. ابتسم بلطف وأكمل:
"هنرجع تاني، أوعدك."
أمسكت كفه وقبلتها وهي تقول:
"لو ده هيريحك يبقى أنا هعمل اللي يريحك يا يوسف. هنسيب البلد."
اقترب منها معانقاً وجهها ثم قبل جبهتها وقال:
"ربنا يخليكي ليا."
ثم جلس على مقعده وهو يغرق بشروده مجدداً. كانت تنظر إليه وهي تشعر بالخوف بداخله. تمنت لو تستطيع أن تزيل ذلك الخوف منه، ولكنها أيضاً خائفة. كم تمنت أن تعيش حياة طبيعية. حياة ليس بها تهديد. ولكن الماضي يلاحقها لا يتركها وشأنها. ليتها ابتعدت عن لطيف في الوقت الذي اكتشفت به حقيقته! قد تكون معاناتها الآن بسبب أنها سكتت عن الحق. ظلت ترى معاناة الأهالي وصمتت تماماً. إن كان هذا عقابها... إن كان سيكون عقابها على سكوتها عن الحق هو عدم الأمان والهروب، فهي تقبله. فربما حينها ترتاح!
بعد قليل.
كان يقف أمام الفراش يراقب زوجته التي تحتضن ابنها وتنام بهدوء. كان عقله لا يكف عن التفكير حينها. سوف يسافر بعد أسبوع. ثم يترك كل شيء ويهرب بعائلته. لكن هل يضمن أن لطيف لم يفعل أي شيء في تلك الفترة؟ ربما بالفعل بدأ يخطط ليقتلهم. هو يعرف أمثال لطيف، وأن من معه قد هددوه لينتقموا من ماجدة ومنه بسبب تسريب الأدلة. لن يتوانى عن قتلهم بأبشع الطرق. لذلك يجب أن يتصرف بسرعة. يجب أن يختفي تلك الفترة. صحيح، سوف يضحي بآخر امتحان لزوجته. لكنه لا يهتم. سحب هاتفه وهو يخرج للتراس بخطوات خفيفة كي لا يوقظ زوجته. أسند رأسه على السور وهو يتصل بمنير.
في الجهة الأخرى كان منير يغط بنوم عميق عندما شعر برنين هاتفه. شد الهاتف بتعب وهو يفتح عينيه بصعوبة شديدة ليرى من يتصل به الآن. توسعت عينيه وهو يرى اسم يوسف. فتح الهاتف ووضعه على أذنه بسرعة وهو يقول:
"يوسف."
"منير، أنا عايز أختفي."
عقد منير حاجبيه والكلمات لا تدخل لعقله وقال:
"نعم؟ بتقول إيه؟"
"بقول عايز أختفي. أنا وعيلتي لحد ما أسافر."
زفر منير وقال:
"يوسف، أنت ليه كل شوية تطلعلي بحاجة غريبة؟ تختفي ليه يا ابني؟"
"عشان لطيف مش هيسكت الفترة دي كلها. أكيد بيدبر حاجة. لطيف، البيت بتاعك اللي في إسكندرية فاضي صح؟"
"أيوه فاضي. بكرة هديك المفتاح وروح هنا واختفي يا يوسف وربنا يهديك ويصلح الحال."
ابتسم يوسف وقال:
"شكراً يا لطيف. أنا مش عارف أقولك إيه. ربنا يخليك ليا. أنت مش صاحب بس أنت أخ كمان."
"خلصت يالا بقا اقفل عايز أنام. من أول ما صاحبتك وانت جايبلي الرعب."
ضحك يوسف وقال:
"من عشمي فيك يا صاحبي."
هز منير رأسه وأغلق الهاتف مجدداً ثم نام. بينما يوسف تنفس بهدوء وهو يشعر بالراحة قليلاً.
في اليوم التالي.
كانت ماجدة وهي تجهز ملابسها داخل حقيبة صغيرة. ما زالت لا تفهم لماذا طلب منها يوسف هذا. رغم امتحاناتها، إلا أنه أخبرها أنهم سيسافرون حالياً. وهي لم تعلق أو تمانع. فعلت ما أراد دون نقاش. إن كان هذا سيريحه فلا بأس. لن تناقشه. انتهت من تحضير كل شيء ثم وضعت الحقيبة جانباً. وجدته يلج للغرفة وهو ينظر إلى الحقائب.
"خلصتي؟"
هزت رأسها بالإيجاب وقالت:
"جهزنا كل حاجة. هلبس وألبس الولد ونمشي."
ثم نظرت إلى قميصه الأبيض وبنطال الجينز الأزرق الفاتح ثم أكملت:
"أنا شايف إنك لبست."
هز رأسه بالإيجاب وهو ينظر إليها. كان يريد أن يقول شيئاً ولكنه بدا أنه يتراجع. وزوجته التي فهمت نظراته قالت بهدوء:
"اتكلم يا يوسف، عايز تقول إيه؟"
"مش عايزة تسألي أي حاجة؟ مش عندك فضول أنا بعمل كده ليه؟"
ابتسمت بلطف وهي تربت على وجنته وقالت:
"لا خالص. معنديش أي فضول. ومش عايزة أسأل."
"تعرف ليه؟" قالها بفضول. لترد مبتسمة:
"عشان أنا واثقة فيك يا يوسف. عارفة إنك بتعمل اللي تعمله عشان تحمينا."
اقترب منها وقبل رأسها بقوة وقال بعاطفة:
"وهعمل المستحيل عشان أحميكم!"
ثم ابتسم لها وهو يستمد قوته منها. فحبها من يجعله يحارب بتلك القوة.
أسفل البناية.
أمسك يوسف الحقائب ثم وضعها في حقيبة سيارته وأدخل ماجدة وابنها للسيارة ثم استقلها وأنطلق بها. لتسير بعد فترة سيارة رانجر روفر سوداء. كان لطيف يسير خلفهم وهو يشعر بالدهشة. أين يذهبون؟ كان يشعر بالحيرة الشديدة.
كان يقود السيارة وعينيه على انعكاس السيارة الرانجر روفر التي خلفه. لقد أخبرته من قبل أن هذا النوع ما يقوده لطيف. إذن كان لديه حق. لطيف يراقب خطواتهم. هو ينوي الشر بكل تأكيد. وتلك الحركة توقعها من لطيف. قام بفتح هاتفه وأرسل رسالة ثم بدأ بزيادة السرعة. نظرت إليه ماجدة بتوتر وهي تقول:
"يوسف، ماشي بسرعة ليه؟"
"اسكتي دلوقتي يا ماجدة!" قالها بإنفعال وهو يشعر بضغط عصبي. صمتت ماجدة وهي تضم طفلها إليها بينما تشعر بالرعب. يوسف تصرفاته أصبحت غريبة للغاية!
فجأة وصلت ليوسف رسالة وفتح هاتفه ليبتسم بنصر وهو يزيد من سرعته أكثر. شعر لطيف، وكأن يوسف اكتشف أمره. إذن ليكون الموضوع مكشوف. زاد لطيف من سرعته ووجد يوسف ينحرف لطريق شبه فارغ بسرعة رهيبة. كاد أن يذهب خلفه إلا أنه أوقف السيارة فجأة عندما قطعت السيارة طريقه وهي تسير أمامه ببطء. ضرب البوق الخاص بسيارته بغضب لكي تسير السيارة أمامه بسرعة، وعندما مرت انطلق هو بسيارته مسرعة وهو يدعو ألا يكون يوسف قد هرب. توقف فجأة وهو يرى سيارة يوسف متوقفة على الطريق. بتوجس نزل من سيارته ثم اتجه إلى السيارة. فتح الباب مسرعاً ليصرخ منير الذي كان جالساً يتناول المثلجات مع فتاة شابة ويقول:
"هو أنت من الآداب ولا إيه يا باشا؟ والله العظيم دي تبقى بنت اختي!"
في اليوم التالي.
كان جالس على الأرض وهو ينتظر عقابه. لقد هرب يوسف وماجدة وابنه. هربوا بذكاء. عرف الآن أنه وقع ضحية للعبة يوسف. هذا الرجل كيف استهان به يوماً؟ ألم يكن هو من هدده؟ ألم يمنعه من العودة لماجدة؟ ألم يكن هو من سرب الأدلة وفتح أبواب الجحيم عليهم! كيف استهان بعقلية رجل مثله؟ كيف ظن أن بسهولة سوف يتخلص منه؟ هذا خطأه هو من قلل من شأن يوسف.
"يعني فشلت في أنك تقتلهم؟" قالها خالد وهو ينهض. عينيه السوداء تبرق بغضب شديد. غضب أدخل الفزع لقلب لطيف. لم يشعر لطيف بهذا الخوف من قبل. كانت دقات قلبه تصم أذنيه.
"أنت عارف إيه هو عقابك صح؟" قالها خالد بهدوء وببطء شديد. كان كل حرف يخرج من شفتيه يضرب لطيف بعنف. ورغم ذلك قال لطيف بلهجة مرتجفة:
"أيوة عارف... الموت!"
ابتسم خالد وقال بسخرية:
"ومهربتش ليه يا أذكى أخواتك؟"
هز كتفيه وقال:
"يعني لو هربت مش هتجبوني؟ أنا عارف إن لو روحت آخر بلاد المسلمين هتقدروا تجيبوني. فمفيش فايدة. فجيتلكم بنفسي، وأهو منضيعش وقت كتير بما إن كده كده مصيري معروف."
"قد إيه أنا معجب بذكائك يا صديقي." تلك الكلمات خرجت بصوت غريب وثقيل وبحروف بطيئة للغاية كأن المتحدث لا يتقن العربية جيداً. رفع لطيف رأسه ليرى شخص ينزل من درج الفيلا المهجورة الذي هو بها. يمسك بـ "هر" من اللون الأسود لديه عينين رماديتين مخيفتين. كان هذا الشخص يرتدي قناع لمصاص دماء لا يظهر إلا عينيه الرماديتين الباردتين وشفتيه التي تفتر عن ابتسامة ساخرة. ابتلع لطيف ريقه وهو ينظر لخالد بفزع. فهو أبداً لم يرى هذا الشخص بحياته. لم يتكلم خالد بل أحنى رأسه بإحترام وهو يقول:
"هقتله دلوقتي يا دارك."
"تؤ تؤ، يا خالد." قالها الآن بلهجة واضحة سليمة. فبدا لطيف مضطرباً. هذا الرجل تكلم من قبل وأظهر أنه لا يتقن العربية جيداً، ولكن الآن مخارجه كانت سليمة تماماً كأنه ابن البلد. ذهب دارك وجلس على مقعده وهو يقول:
"لطيف صديقنا برضه. فيها إيه لما يغلط؟ الإنسان بيغلط برضه، ولا إيه يا لطيف؟"
اهتزت حدقتاه برعب. فبدت الهالة لهذا الشخص مرعبة. بدا كأنه شخص لا يرحم. ابتلع لطيف ريقه وقال بسرعة بنبرة مرعبة مهزوزة:
"أيوه أكيد. الإنسان بيغلط. أيوه بيغلط."
اتسعت ابتسامة دارك وقال:
"وأنا بحب الإنسان اللي بيعترف بغلطه يا لطيف. بس هي مش غلطتك لوحدك. غلطة شوية الحمقى اللي أدولك فرصة تاخد عليهم أدلة."
رمش خالد وهو يشعر بشيء مريب، بينما أصاب الرعب لطيف أكثر فأكمل دارك:
"هما أغبيا لأنهم وقعوا في فخك. بس أنت أغبى منهم. تعرف ليه؟"
صمت لطيف وهو ينازع ليتنفس. رباه يشعر بالخطر يحدق به. كان يتضرع أن يقتله هذا الرجل برحمة على الأقل.
"قولي يا لطيف، ليه؟"
ارتجف لطيف بشكل مبالغ فيه وقال:
"ليه؟"
اشتعل الرماد بعينيه ونهض وهو يقترب منه بسرعة البرق، بينما أخرج سلاحه وأمسكه من شعره ورفع رأسه نحوه وهو يهدر به:
"عشان هما على الأقل اللي وقعهم راجل زيهم. أنما أنت اللي وقعك ست... مرا!! كائن أقل منك في كل حاجة منهم الذكاء. إزاي كنت بالغباء ده مع كائن ترتيب تاني؟!"
ارتجف بقوة وهو يرى الغضب بعينيه. غضب كبير.
"اديني فرصة تانية وهقتلها."
"هي المشكلة تقتلها ولا لأ. المشكلة إنك حطيت صباعك تحت ضرسها. بإيديك سلمتها حكم إعدامك. بإيدك أنت!!!"
ثم ابتعد بغتة وسحب يده ثم وضع السلاح على كفه وأطلق النار عليه. صرخ لطيف بقوة وهو يسقط أرضاً بينما يده تنزف بغزارة. تجمعت الدموع بعينيه وسقطت حتى أغرقت وجهه. وقف دارك أمامه وقال:
"متزعلش مني. أنا بس بشد ودن الناس اللي بحبهم عشان يتربوا ويبطلوا غباء. وأنا بجد بحبك يا لطيف أوي عشان كده أنا لحد دلوقتي مقتلتكش."
ثم انحنى وجذبه من كفه المصابة ليصرخ بألم. فقال دارك موبخاً:
"يا راجل متبقاش خرع أومال..."
ثم أوقفه على قدمه وأخذ يجذبه خلفه وقام بدفعه نحو المقعد الخاص به حتى سقط عليه.
"تؤ تؤ... ده مكان دارك." قالها ساخراً. ثم جذب لطيف بقسوة وأجلسه أرضاً بجوار المقعد وجلس هو على المقعد وهو يضع ساق على ساق. نظر لـ "هرته" الجالسة بتهذيب على الأرض وقال:
"كاتيا تعالي هنا."
هبت الـ "هر" ثم أسرعت نحوه لتجلس على قدميه. ملس دارك عليها بلطف وقال:
"أهي دي الأنثى الوحيدة اللي أسمحلها تقرب مني. اتعلم مني يا لطيف."
قالها دارك مبتسماً ثم أكمل وهو يضرب على كتف لطيف الذي يئن بجانبه. وقد خلع سترته ليوقف نزيف يده وقال:
"أنا هفرجك على عرض هايل أوي يا لطيف. عرض يوضحلك قد إيه أنا بحبك."
صفق بيده ليقع ستار أخضر كبير عن حوض زجاجي عملاق يصل للدور الثاني. توسعت عينا كلا خالد ولطيف بشدة وهما يشاهدان أفعى كبيرة عملاقة خضراء تظهر بالحوض. نظر خالد إلى دارك بصدمة وقد فغر فاه. ابتسم دارك وهو يشد لطيف نحوه ويقول:
"الأنكوندا الخضراء... حيواني الأليف المفضل. أنا اللي ربيته وصنعت له الحوض دخل مخصوص."
ابتلع لطيف ريقه وهو يفكر أن هذا الرجل مجنون للغاية. أغمض عينيه وقد عاوده الألم بقوة، ولكن فجأة شهق بقوة وقد نسي الألم ونسي كل شيء وهو ينظر إلى ما يوجد في الحوض الزجاجي. أليس هذا هو... رئيسه الذي يعمل لديه؟ ذلك الرجل الذي صوره؟ ظن أنه رئيس العصابة ولكنه لا يبدو أنه هو. اهتز خالد بعنف وهو يرى رئيسه الأول في حوض الأفعى. ابتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر إلى دارك الذي تألقت عيناه بانتشاء غريبين.
"بدأت المعركة." قالها وهو يملس بقوة على "هرته" ويقول:
"شوفي يا كاتيا، ده هيعجبك أوي."
صرخ لطيف برعب وهو يجد الرجل يصرخ وهو يضرب على الزجاج بقوة بينما جسده مغرق بدماء مجهولة المصدر. ثم رأى الأفعى تقترب ببطء ثم أخذت تلتف حوله بقوة حتى سمعوا بوضوح انكسار عظامه. ثم بدأت الأفعى بابتلاعه حرفياً.
أغمض لطيف عينيه. لقد رأى ناس تُقتل ببشاعة. وشارك هو أيضاً في هذا. ولكن بشاعة كهذه لم يراها من قبل. بعد لحظات بدت طويلة نهض دارك وهو يصفق وقال بمرح:
"برافو ماتيلدا. برافو. عرضك كان حلو أوي."
ثم جلس بجوار لطيف أرضاً وهمس:
"ده هيبقى جزاء أي حد يرتكب غلط يؤذينا يا لطيف. عشان حبيتك هديك فرصة تاني. أسبوع واحد تجيب رأس طليقتك وابنك وجوز طليقتك، وإلا أنت هتكون الوجبة التانية لماتيلدا!"
كلامي واضح يا لطيف ولا... هز لطيف رأسه وقال بصوت مخنوق:
"حاضر... حاضر..."
"شاطر أوي. شكلي هحبك زي خالد."
نهض وهو يمسك "هرته" ويقول:
"داوي جرحه يا خالد. وأهتم بيه أوي."
ثم صعد الدرج.
بعد أسبوع.
لم تكن يوماً شخصية باردة أو متجاهلة. لقد اعتادت على سماع الإهانات بهدوء وكانت تصمت تتحمل. والأمر ليس لضعفها، ولكن من كانوا يهينوها أما أشخاص هي لا تهتم بهم، لذلك الرد عليهم سيكون بلا معنى، أو أشخاص تحبهم بشدة لا يمكنها أن تغضبهم. وهما دلال ونوران. ولكن مع هذا الشخص الذي من المفترض أن يكون زوجها، هي أصبحت باردة كالجليد، متجاهلة له بشكل أثار ضيقه وغضبه. أسبوع كامل وقد انقلب الأمر عليه. فهي من كانت منذ أسبوع تحاول التحدث معه أصبحت الآن لا تكلمه إلا نادراً رغم محاولاته الخفية. ترى نظراته جيداً وهو يفحصها بشكل وقح، ولكي تزيد من حنقه أصبحت كل ملابسها واسعة للغاية. تخلت عن الفساتين وارتدت تلك السراويل الواسعة والبلوزات أيضاً.
بالإضافة إلى تجاهلها المقيت له. هي حتى لا تنظر إليه. تتعامل معه كأنه غير مرئي. تفعل ما أتت لأجله بالضبط. تهتم بأملاك كأنها ابنتها. وفي الليل تشاركه الغرفة دون أن تتكلم معه.
في تلك الليلة كانت قد قرأت لأملاك القصة وساعدتها على النوم. قبلتها بهدوء وهي تنسحب من الغرفة. كانت قد صلت وقرأت وردها. إذن الآن كل ما تفعله هو الاستحمام ثم الخلود للنوم مباشرة دون الاحتكاك مع عاصي. وهذا كان مريحاً للغاية. فصدى كلماته الجارحة لم يترك عقلها بعد. اتجهت إلى الغرفة وهي تفرك عنقها بتعب. فتحت الباب لتتنهد براحة وهي ترى أن زوجها لم يأت بعد.
"الحمد لله." همست بها. وهي تتجه للخزانة وتخرج ملابسها المعتادة. بنطال واسع من القماش باللون الأزرق. وبلوزة واسعة أيضاً بيضاء بأكمام واسعة. ثم اتجهت إلى الحمام. أخذت وقتها تلك المرة في الحمام. وقفت تحت صنبور المياه الباردة وهي تغمض عينيها تصفي ذهنها من أي شيء. كانت لا تريد التفكير بأي شيء يخص عاصي. لا سخريته الباردة. ولا كلامه الجارح. ولا عينيه الزرقاء الرائعة. سوف تنسى كل هذا وتركز على أملاك. فقط أملاك.
بعد وقت ليس بقليل.
خرجت من الحمام بعد أن جففت نفسها وارتدت ملابسها. ولكنها فجأة شهقت وهي تراه يجلس على الفراش. يرتدي قميصه الأزرق التي يبرز عضلات جسده بينما سترته ملقية بإهمال على الفراش. فترت شفتيه عن ابتسامة ساخرة وقال:
"إيه؟ شوفتي عفريت؟"
تنهدت وهي لا ترد عليه واتجهت لطاولة الزينة وهي تمشط شعرها. نهض وهو يقترب منها لتبتلع ريقها بتوتر وهي تشعر بتسارع دقات قلبها التي قد صمت أذنها! وقف خلفها مباشرة وعينيه تمر عليها بنظرة غريبة. عابثة. رغم جدية ملامحه. لم تتحمل أكثر واستدارت وهي تقول بهجوم:
"أنت... أنت بتبص على إيه؟"
رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة وقال:
"هبص على إيه؟ على الشوال اللي أنتِ لابساه؟ بعدين أنا عايز أتكلم معاكِ في موضوع."
نظرت إليه بنفاذ صبر وهي تنتظر ما يريد قوله. ليكمل هو ببراءة:
"هو أنتِ ليه بتتجاهليني؟"
رمشت عدة مرات بصدمة. ثم أرخيت رأسها وهي تشعر أنه مجنون. ألم تكن تلك هي رغبته؟ تنفست عدة مرات وهي تحاول السيطرة على نفسها وقالت من بين أسنانها:
"مجنونة بقا تعمل إيه؟ ربنا يصبرك على ما بلاك."
ثم كادت أن تذهب إلا أنه أمسك ذراعها وهو يجذبها نحوه حتى أوقفه على مسافة قريبة منه. ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. كانت ملامحه باردة الآن. باردة للغاية. باردة كأول يوم رأته فيه. ابتلعت ريقها وهي تشعر أنه سوف يقول شيئاً لن يعجبها. وقد كان!
"أنا عايز أتمم جوازنا!"
قالها فجأة بصراحة ليست غريبة عليه. فهو رجل لا يعرف أن يجمل كلامه. هو يقول ما يريده هكذا دون ترتيب. ابتلعت رحيق ريقها وقد وصلتها معنى كلماته. كانت تشعر بالسخونة تجتاح جسدها خاصة مع اقترابه بهذا الشكل حيث أنه يقف أمامها يكاد رأسها يلامس صدره. رفعت عينيها بإرتباك لتجد نظراته جامدة كعادته. خالية من المشاعر.
"مش فاهمة!" قالتها بإرتباك. ليبتسم ساخراً ويقول:
"يعني كلامي مش واضح يا مدام؟ معقول. طيب نقولها بطريقة تاني. أنا عايز حقوقي الشرعية. كده فهمتِ."
تحركت عن نطاقه وهي تشعر أنها سوف تفقد الوعي من الصدمة. كان اللون الأحمر ينتشر على وجهها بشكل محبب وقالت:
"بس... بس أنت قولت إني هبقى دادة لأملاك بس. قولت إنك مش معتبرني مراتك."
هز كتفيه بلا مبالاة وقال:
"عادي، غيرت رأيي."
"طيب... طيب ممكن تديني فرصة أفكر؟ هرد عليك بعد أسبوع."
نظر على ساعته وقال:
"أنا هروح أعمل التمارين المعتادة بتاعي ودي تقريباً بتاخد ساعتين. هاجي بعد ساعتين وآخد قرارك. أما الموضوع يتم برضاكي أو.... غصب عنك."
تراجعت بصدمة ليبتسم لها ببراءة وقال:
"ممكن تجهزي نفسك في الساعتين دول عشان مناخدش وقت كتير."
ثم تركها وذهب. جلست بصدمة على الفراش وهي تحرك كفيها يميناً ويساراً لكي تبرد وجهها الذي أصبح ساخن فجأة.
في غرفة الرياضة.
كان قد اتجه إلى خزانته وأخرج منها ملابسه الرياضية. هو في مزاج رائق اليوم ليمارس الرياضة. فهو بعد وقت طويل سوف ينال حقوقه اليوم. لقد أنهكته بتجاهلها له. صحيح أنه هو من رغب في هذا، ولكنها أخذت الموضوع على محمل شخصي. لقد عاملته كأنه ليس موجود. ولكن كل هذا سوف يتغير اليوم.
كانت ما زالت جالسة على الفراش. تقرض أظافرها برعب. ماذا قال؟ هل حقاً يريد أن يتمم زواجه منها؟ تسارعت دقات قلبها وهي تهز رأسها بعنف. رباه هي لا يمكنها فعل هذا اليوم. سوف تموت من الخجل لو لمسها. يجب أن تهرب. ولكن إلى أين؟ وجدتها. سوف تبقى بجوار أملاك. لن تتحرك من جانبها مهما فعل. ثم نهضت وخرجت من غرفتها. نزلت الدرج واتجهت لغرفة أملاك وتسطحت بجوارها وهي تغمض عينيها وتدعو الله أن تمر تلك الليلة على خير.
بعد ساعتين.
قد انتهى بالفعل من تمارينه. اتجه للحمام بغرفة الرياضة وتحمم به ثم ربط شعره الطويل برباط أسود وارتدى بنطال كالعادة وترك الجزء العلوي عاري. ثم اتجه لغرفته. فتحها وهو يتوقع زوجته بها ولكنه عبس وهو يجد أن الغرفة فارغة. ابتسم بخبث وهو يعرف أين هي.
بعد قليل.
تخشب جسدها وهي تشعر بباب غرفة أملاك يُفتح. بلعت ريقها بصعوبة شديدة وهي تتمسك بأملاك كأنها تحتمي بها من والدها. فجأة كتمت شهقتها وهي تشعر بنفسها تُرفع من على الفراش. توسعت عينيها بهلع في الظلام وهي ترى نفسها قريبة منه. من جذعه العاري. همست برعب وقالت:
"عاصي... سيبني لو سمحت... خلاص نزلني هاجي معاك."
"في كل مرة تروحي تشغلي عقلك وتنامي عند أملاك هشيلك بالطريقة دي وأخليكي فرجة للخدم اللي في البيت."
ثم بالفعل خرج بها من الغرفة. شهقت فجأة نهلة وهي ترى عاصي عاري الجذع بينما يحمل رحيق التي تضع كفيها على وجهها من الإحراج. لم يهتم عاصي بنهلة وهو يصعد لغرفتهما. كسا الحزن عيني نهلة وهي تقول بإختناق:
"شكله بيحبها."
في الغرفة.
وضعها برفق على الفراش لتفتح عينيها وهي تنظر إليه بفزع وقد أشرف عليها. يديه مثبتتان على الفراش يحاصرها بينما هي تنظر إليه بعجز. لم تعد نظراته باردة بعد الآن. كانت مشتعلة وهو ينظر إليها.
"عاصي، ابعد لو سمحت."
"تعرفي إيه عقاب الست اللي تحرم جوزها من حقوقه الشرعية من غير سبب قهري يا رحيق؟"
ابتلعت ريقها وقلبها يدوي بعنف وقالت:
"أنت... أنت اللي قولت جوازنا هيكون بالشكل ده مش أنا. وبعدين زي ما حرام عليا أمنعك من حقوقي، حرام عليك أنت كمان تمنعني من حقوقي."
كلماتها الأخيرة خرجت بتهور. ثم عضت لسانها وهي تلعن غباءها. ابتسم هو بخبث وقال:
"ما هو أنا بصلح غلطي أهو. أنتِ اللي مانعاني."
"أنا مكنتش أقصد أقول كده." قالتها بخجل وهي تتحاشى النظر إلى عينيه. ليبتسم قائلاً بفكاهة:
"بس أنا بتكلم جد جداً. أنا عايز حقوقي."
"هتمنعيني عنها يا رحيق؟"
أغمضت عينيها وهي تهز رأسها وتقول بصوت مختنق:
"لا يا عاصي... اتفضل أنا قدامك أعمل اللي عايزه."
توسعت ابتسامته وهو يقترب منها بينما هي تنتفض بعنف وما زالت مغمضة عينيها. فجأة شعرت به يبتعد ويتسطح على الفراش ثم يجذبها بقوة حتى ضمها إليه. شعرت بالفزع... وهي تنتظر حركته الثانية إلا أنه قال:
"اهدي، مش هعمل حاجة النهاردة."
"بس أنت مش في مأمن مني."
ابتلعت ريقها وجزء منها يشعر بالراحة. ولكنها ما زالت تشعر بالإحراج الشديد لأنه يعانقها بهذا الشكل. كانت تنتفض قليلاً لتتجه شفتيه إلى رأسها ويقبله وهو يقول:
"اهدي، مش هعمل حاجة النهاردة."
حاولت أن تهدأ من نفسها ولكنها تجمدت تماماً عندما قال:
"رحيق، أنا آسف على تعاملي معاك الأيام اللي فاتت، بس فيه حاجات مبحبش حد يسأل عنها. ومنهم موضوع أملاك. أتمنى إنك تحترمي ده."
"حاضر." قالتها بهمس ثم أغلقت عينيها وهي تحاول النوم.
في اليوم التالي. مساءاً.
لقد عادت إلى حياته ولكنه يشعر أنها لم تعد بعد. لم تعد ماريانا التي يعرفها. تلك المرأة التي كانت تعشقه بشدة. أصبحت امرأة أخرى تماماً. باردة تماماً. يبحث بضراوة عن الحب بعينيها فلا يجده. فيختنق وهو يبحث ولكن لا أمل. أن كل ما يخيفه الآن هو أن تكون توقفت عن حبه. هذا الأمر يرعبه. وقف وهو يجدها تجلس على الأريكة تعبث بهاتفها. هذا ما تفعله طوال اليوم. تجلس وتعبث بهاتفها. أحياناً تقرأ روايات إلكترونية وأحياناً تتابع أحد أفلامها المفضلة. صحيح أنها من تعد الطعام وترتب المنزل، ولكن غير ذلك لا تفعل. لا تستقبله عندما يأتي ولا تلمع عينيها من أجله. وهذا يقهره حقاً.
اقترب منها بهدوء وهو يقول:
"ماريانا."
رفعت عينيها إليه. عينيها باردة كالعادة بشكل أغاظه. ولكن سوف يتحمل. إن كان هذا عقابه سوف يتحمل. رمشت وهي تنظر إليه وقالت بنبرة جوفاء:
"الأكل هتلاقيه متغطي. هتلاقيه قاعد على رخامة المطبخ. متقلقش سخن. أنا لسه واكلة. لو سمحت حط الهدوم اللي عايزة تتغسل في الغسيل. أنا مش هدور وراك."
ثم أولت اهتمامها لهاتفها. ليعض شفتيه بغيظ وهو يسحب الهاتف منها.
"أنت بتعمل إيه؟" قالتها ببلادة. دون غضب فقط تنظر إليه وكأنه فقد عقله. لم يمهلها فرصة وهو يسحبها ليجعلها تقف على قدميها ثم يجذبها إليه ليعانقها بقوة!!
كانت متخشبة بين يديه. لم تقاوم. لم تستسلم له أن تبادله عاطفته. فقط ظلت ساكنة تنتظر ببرود أن ينتهي من احتضانه لها. بعد قليل ابتعد عنها وهو مصدوم. لا يصدق أن احتضانه لها لم يؤثر بها. بدت وكأنها لا تملك أي اهتمام له. أخذ يبحث بضراوة عن أي رد فعل منها فلم يجد. وكأن تلك ليست ماريانا المرأة العاطفية التي أحبها.
"ماريانا." قالها مصدوماً. لترد ببساطة:
"نعم."
رمش وهو عاجز عن قول ما يريد. أغمض عينيه وهو يجمع كلماته وقال برجاء:
"قولي إنك بتحبيني. عشان خاطري قوليها."
نظرت إليه بجمود. وكأن توسله لم يؤثر بها وقالت:
"جورج، بلاش شغل عيال."
ثم أخذت الهاتف منه وجلست مجدداً على الأريكة. اقترب منها بلهفة وهو يجثو على ركبتيه. يمسك كفها وهو يقول بلهفة:
"ماريانا، خلينا نبدأ من جديد. قولي إنك بتحبيني. وصدقيني أنا عمري ما هزعلك تاني."
"جورج، لو سمحت كفاية." قالتها بإنفعال وهي تبعد كفها عنه. نظر إليه بحزن كطفل خذلته والدته. تأفف أمام عينيه وقالت بتعب:
"جورج، أنا رجعت وده اللي قدرت أعمله. لو سمحت متضغطش عليا، لأما والله أروح لماما تاني."
"بتهدديني يا ماريانا؟" قالها بصدمة. لتهز رأسها وتقول:
"لا يا جورج، ده مش تهديد. ده اللي هيحصل فعلاً. لو سمحت ابعد عني."
نهض بتعب وهو ينظر إليها. كان الجرح ظاهر بعينيه. ولكنها لم تهتم وهي تتصفح هاتفها. هو يحلم لو يظن أنها سوف تعود كما كانت. شئ بها قد قُتل ولن يعود. والقاتل جورج. هو من قتل حبها له. فلما يتذمر الآن؟
في شركة الحسيني.
كان يجلس على مكتبه ينهي عمله سريعاً كي يعود. لقد اشتاق لها. لقد أخبرته في الصباح أنه قد أعدت له مفاجأة. ومنذ خمس دقائق أرسلت له رسالة لكي يأتي مسرعاً.
في فيلا الحسيني.
في غرفة مياس وسيف.
كانت تقف أمام المرآة وهي تبتسم بسعادة. كانت قد ارتدت فستان زفاف لطيف. كان عاري الذراعين يضيق من الخصر ثم يتسع لأسفل مع زركشة رائعة. رفعت شعرها لأعلى بتسريحة رائعة ثم ثبتت طرحة الفستان بشعرها. اليوم قررت أن تبدأ معه من جديد. قررت أن تخبره أنها تحبه. هي قبلت نفسها. لن تحاول إجراء أي جراحة. يكفي أنه يحبها. هذا هو عوض الله لها. حبيبها سيف هو دواء لكل جرح داخلها.
كان قد أنهى عمله واستقل سيارته مسرعاً وهو ينطلق بها. قلبه يخفق بإثارة. هو يشك أن مفاجأتها له هي اعترافها بحبها له. هذا الاعتراف الذي انتظره طويلاً.
وقف بالطريق فجأة وهو يخرج عندما رأى بائعة ورود في الطريق. أخذ منها باقة حمراء رائعة واستقل سيارته مجدداً.
كان يسير في الطريق مبتسماً. عندما رأى شخص يشير له كي يتوقف. رمش وهو يتعرف عليه وتوقف بالفعل. وهو يترجل من سيارته وفتح فمه لكي يتكلم. ولكن فجأة هذا الشخص أخرج سكيناً كبيراً ثم طعنه بقوة في بطنه. توسعت عينا سيف بصدمة ليطعنه مرة أخرى ثم يدفعه حتى سقط أرضاً وهرب عندما شعر بأن أحد ما رآه.
"أنت... أنت بتعمل إيه؟ استنى..." قالها رجل وهو يخرج من سيارته. هرب الغريب بسرعة. بينما الرجل اقترب من سيف الجاحظ عينيه بقوة يرفع كفه وهو ينظر إلى طوق زواجه ويهمس والدموع تنساب من عينيه:
"مياس."
ربما تلك هي نهاية عذابه. خوفه. فها هو يقف أمام المطار مع أسرته يستعد للسفر. طائرته سوف تقلع عما قريب. هو فقط ينتظر منير كي يودعه. لن ينسى أبداً كيف وقف منير بجواره. استل هاتفه من جيبه وهو يتصل بمنير. عبس وهو ينتظر لكي يرد صديقه. ولكن منير لم يرد. ظهر التوتر على ملامحه. فنظرت إليه ماجدة وقالت والقلق يغزو نبرتها:
"فيه إيه يا يوسف؟"
"منير مبيردش عليا."
"إن شاء الله خير. جرب تاني كده."
هز يوسف رأسه وهو يعيد الاتصال مجدداً ثم تنهد براحة والهاتف يُفتح ليقول:
"منير، فينك يا راجل."
"منير معايا يا يوسف." قالها لطيف بنبرة شامتة ثم أكمل:
"يا ترى هتنقذ صاحبك عمرك ولا هتسافر مع مراتك وتسيبني أقتله!!! لو مهتم أوي بحياة منير هتيجي أنت وماجدة وابني المكان اللي هبعتلك اللوكيشن بتاعه."
أغلق لطيف الهاتف وابتسم وهو ينظر لمنير الواقع على الأرض غارق بدماؤه!!!
يتبع،