تحميل رواية «اسرت قلبه» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خالتو نوال أنا رايحة الكلية. قالتها مياس وهي تأخذ حقيبة الظهر الخاصة بها ثم ارتدتها مسرعة. وضعت النظارة الشمسية على حجابها الوردي بينما كانت ترتدي قميص احمر طويل وبنطال ازرق من الجينز. تضع كحل اسود على عينيها مبرزا جمال اتساع عينيها الزرقاء وأحمر شفاه باهت. يا مياس يا بنتي طب افطري الأول! قالتها نوال وهي تخرج من المطبخ وبيدها تحمل صينية بها بضع شطائر وعصير جوافة المفضل لديها. ولكن مياس هزت رأسها وقالت: هأكل في الكلية سلام يا خالتو. ثم قبلت خالتها وخرجت من الشقة السكنية مسرعة. أخرجت هاتفها واتصلت...
رواية اسرت قلبه الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سوليية نصار
أدركت أني أحبك كما لم أحب أحد من قبل. هل رأيت أحد يسعد بالهزيمة؟ أنا سعيدة لأن حبك هزمني، هزم خوفي. والآن أنا سعيدة بهزيمتي أمام حبك.
مياس لسيف:
"إزاي؟ أكيد فيه أمل. يا دكتور أكيد فيه حل. يعني إزاي تقضي على كل آمالي بكلمة واحدة كده؟"
قالتها بصوت مختنق وبسرعة وهي تشعر أنها تختنق. كان نفسها يضيق وهي تتكلم.
شعر سيف بالخوف عليها وهو يراها بتلك الحالة. اقترب منها وهو يحاول تهدئتها، ولكنها بدت في حالة ميئوس منها.
"مياس، مياس ممكن تهدي؟"
قالها وهو يمسك وجهها، إلا أن الدموع كانت تغرق وجهها وهي تقول:
"إزاي؟ إزاي يقولي مفيش أمل يا سيف؟ حرام. أنا كان عندي أمل كبير. كنت جاية وأنا مبسوطة، إزاي تكسر فرحتي بالشكل ده؟ أكيد فيه أمل. اكشف تاني لو سمحت. أنا مستعدة أمشي على الخطوات اللي هتقولها. أنا..."
ثم انفجرت بالبكاء. تلألأت الدموع بعيني سيف وهو يجذبها إليه أمام الطبيب دون إحراج ويضمها إليه ويهمس:
"مياس، احنا قولنا إيه؟ قولي الحمدلله."
اختنقت وهي تهمس:
"الحمدلله."
ثم ابتعد عنها وهو يمسك كفها. بينما نظرت إلى الطبيب بعينين حمراء من شدة البكاء. كان الطبيب ينظر إليها بشفقة ويقول:
"حروقك صعبة يا مدام مياس. أنا للأسف مقدرش أساعدك. بس يمكن في يوم دكتور أشطر مني يقدر يساعدك. أنا آسف."
انهمرت الدموع أكثر من عينيها وهي تهز رأسها بيأس.
في السيارة.
كان يقود سيف سيارته بهدوء، بينما مياس تسند رأسها على النافذة والدموع تجري على وجهها. كل آمالها تم القضاء عليها. كيف يمكن أن كلمة واحدة تقلب حياتها لتلك الدرجة؟ كيف يمكن أن تنهار فجأة وهي التي ظنت أن الأمور كلها سوف تكون على ما يرام.
شهقة مختنقة أفلتت من بين شفتيها. ليوقف سيف السيارة بهدوء، ثم ينظر إليها وهو يسحبها إليه ويعانقها. تمسكت به وهي تنفجر بالبكاء. شعرت أنها سوف تفقد عقلها في أي وقت.
"يا حبيبي، احنا قولنا أي حاجة هنتقبلها ونقول الحمدلله. عشان خاطري يا مياس متعيطيش، والله قلبي بيوجعني عليكي."
"أنا كان عندي أمل يا سيف، أمل كبير."
تنهد وهو يشدد من احتضانها ويقول:
"عارف يا حبيبي، بس أمر ربنا مفروض نقول إيه."
ابتعدت عنه وهي تهمس:
"الحمدلله."
ابتسم لها وهو يمسح دموعها ويقول:
"برافو عليكي."
"أنا كان نفسي أكون جميلة عشانك."
همست بها بإختناق. ليعبس ويقول:
"عشاني إزاي يعني؟"
رفعت عينيها وهي تقول بتوتر:
"أنت من حقك تكون مع واحدة جميلة. من حقك."
وضع كفه على فمها وقال:
"بطلي عناد. قولتلك ميت مرة أنا مش عايز غيرك. أعمل إيه تاني عشان تثبتلك إني فعلاً بحبك يا مياس؟ أنا بجد تعبت."
ثم ابتعد عنها وهو ينظر للجهة الأخرى غاضباً.
أمسكت ذراعه وهي تقول بلهفة:
"حقك عليا يا سيف، بس أنا والله مخنوقة. أنت مش حاسس بيا."
نظر إليها وقال:
"لا حاسس يا مياس، وعشان كده أنا مش بعلق على اللي بتعمليه. بس أنا بدأت أتعب. مش عارف أعمل إيه عشان تقتنعي إني متقبلك بكل أحوالك. أنا روحت عشان أنتِ اللي أصرتي على الفكرة، لكن الموضوع آخر همي."
تنهدت وهي تقول:
"عارفة يا حبيبي."
رمش وهو ينظر إليها وقال:
"أنتِ قولتي إيه؟"
احمر وجهها وهي تقول:
"مقولتش حاجة."
ابتسم بسعادة وقال:
"لا قولتي. بس مش مهم، هتقوليها كتير الأيام اللي جاية يا فراشة."
ثم أمسك كفها وقبله وهو يقول:
"من النهاردة مش عايزة أشوفك بتبكي. عايزين نجهز نفسنا عشان هننقل ورقك من الكلية اللي في إسكندرية عشان هتدرسي هنا من السنة الجاية."
هزت رأسها. ليمسح بقايا دموعها وهو يقول:
"متعيطيش تاني، ماشي."
هزت رأسها وهي تحاول ألا تبكي، ولكن الدموع كانت تنهمر دون إرادة منها. أخرج محرمة ورقية ثم أخذ يمسح دموعها بلطف وقال:
"هنروح دلوقتي نرتاح عشان فيه مفاجأة ليكي أنا محضرها. ومش هقولك هي إيه عشان متقعديش تترجيني كتير. عشان أنا ضعيف قصادك وممكن أقول عادي."
ابتسمت ابتسامة حقيقية. ليقول براحة:
"أيوه كده خلي الدنيا تبقى حلوة."
ثم غمز لها وانطلق بالسيارة.
في المنزل.
كان جلال يجلس وهو يتكلم مع شخص ما:
"يعني إيه هرب؟ إزاي يهرب من السجن؟ إزاي قدر يعمل كده؟"
وضع جلال كفه على رأسه وهو يشعر بارتفاع ضغط دمه. جلس على المقعد وهو يضع كفه على صدره بينما يشعر بصعوبة في التنفس. لقد فعل المستحيل ليزج به للسجن، وقد استطاع أن يحرر زوجته عهد منه. تلك المسكينة التي عذبها ولم يرحم ضعفها. والآن بكل بساطة يخبروه أنه هرب. رباه.
"تمام، تمام. اقفل دلوقتي."
قالها وهو يتنفس بصعوبة. أغمض عينيه للحظات وهو يحاول أن يهدأ نفسه. سوف يجدوه، سوف يجدوه.
فتح عينيه عندما شعر بأحدهم يفتح الباب. كان هذا سيف ومياس. نهض جلال من مكانه وهو يبتسم لهم ويقول بلطف:
"ها، إيه الأخبار؟"
اختفت الابتسامة من وجه مياس، ثم تجمعت الدموع بعينيها. وفجأة انفجرت بالبكاء.
"آه يا ربي."
قالها سيف بتعب وهو يمسح على وجهه، بينما اقترب جلال بفزع من مياس وهو يقول بلهفة:
"مياس، حبيبتي مالك؟"
لم ترد عليه، بل عانقته بقوة وهي تبكي. ربّت على ظهرها وقال:
"خلاص يا حبيبتي، خلاص."
ولكنها لم تتوقف عن البكاء وهي تتمسك به.
"قالي مفيش أمل."
تنهد جلال وهو يقول:
"الأمل في ربنا وحده يا بنتي."
"ونعم بالله."
قالتها مياس بصوت مختنق وهي تمسح دموعها. ليقترب منها سيف وهو يعانق خصرها بكفه ويقول:
"عن إذنك يا بابا."
ثم نظر إلى مياس وقال:
"اطلعي يلا عشان ترتاحي."
ثم سار بها وهو يضمها إليه. كان جلال ينظر إليها بشفقة. تلك المسكينة عانت بما فيه الكفاية. لقد ظن أنه سوف ينتقم من معاذ، ولكن هذا الرجل حقير للغاية، بالطبع لم يترك مياس وشأنها. تنهد وهو يفكر أنه يجب أن يتحرك. لا يجب أن يعرف سيف أو مياس بما حدث.
في غرفة سيف ومياس.
ساعدها لكي تلج للغرفة، ثم أجلسها وجلس بجوارها وهو يمسح دموعها ويقول بلوم:
"مياس، احنا قولنا إيه؟"
هزت رأسها وقالت:
"مش بإيدي والله. أنا بتعذب يا سيف."
"عارف يا حبيبي والله عارف."
قالها وهو يضمها إليه، ثم أكمل:
"بس ده قدر وهنتقبله."
ثم أبعدها وهو يمسح دموعها وقال بحماس:
"يلا بقى يا كسلانة، مفيش راحة. حضري شنطة صغيرة وخدي فيها لبس ليكي وليا."
عبست وهي تنظر إليه وتقول:
"وده ليه؟"
نقر على أنفها بإصبعه وقال:
"هتعرفي بعدين. يلا جهزي الشنطة عقبال ما أطلب منهم يعملوا لينا أكل عشان أنا هموت من الجوع."
هزت رأسها وهي تتجه للخزانة لتفعل ما يريد، بينما خرج هو.
"شوفت الدكتورة الجديدة اللي جات المستشفى؟ بنت قمر، قمر."
قالها مروان صديقه بغرفة الملابس. رفع جاسم عينيه وتأفف وقال:
"يا أخي اتقي الله، أنت متعرفش تغض بصرك أبداً؟ وبعدين أنت ترضى حد يتغزل في أختك أو مراتك؟ عيب يا مروان."
حك مروان رأسه وقال:
"نفسي أكون والله زيك يا جاسم. أنت إنسان محترم ومتدين. يا بخت مراتك بيك. أنا مراتي والله كويسة بس أنا مطلع عينيها."
غامت عيني جاسم للحظات وشعر وكأن أحدهم لكمه بقوة في معدته. هو الرجل المحترم التقي الذي لم يطلق نظره على فتاة لا تحل له. ظل متقيًا الله منتظرًا مكافأته في حب حياته، ليُخذل بتلك الطريقة ويكتشف أن من أحبها وأعطاها حياته كلها ليست فتاة شريفة، بل فتاة أعطت جسدها لرجل آخر قبله. ومراد من يفعل ما يحلو له حصل على امرأة شريفة كزوجته!!!
كان يشعر بالقهر والغضب، ولكن فجأة أغمض عينيه وهو يستغفر الله في سره ويقول:
"اللهم لا اعتراض. اللهم لا اعتراض. سامحني يارب عشان اعترضت حتى في تفكيري. سامحني إني خليت الشيطان يسيطر عليا للحظات. يارب ده ابتلاء وأنا راضي بيه ومش زعلان عشان عارف إنك هتعوضني عن اللي عشته. عارف إنك هتطبطب على قلبي. يارب اديني القوة عشان أقدر أعدي المحنة دي على خير. خلي الشهور دي تعدي على خير لحد ما أطلقها وتمشي. يارب ساعدني أنساها. شيل حبها من قلبي. يارب ريح قلبي."
فتح عينيه مجددًا ووجد مروان ينظر إليه بحيرة. تنهد جاسم وهو يشيح بعينيه عنه فقال مروان:
"هو أنا ليه حاسس إنك مش مبسوط؟ يا عم ده أنت عريس جديد حتى."
"عريس؟"
قالها بنبرة فيها سخرية. ليرفع مروان حاجبيه ويقول:
"فيه حاجة يا جاسم؟"
سحب جاسم المعطف الأبيض الطبي وهو يرتديه، بينما يقول بهدوء:
"مفيش حاجة."
ثم خرج من الغرفة.
ولج لغرفة الطوارئ وهو يمسك السماعة الطبية. فجأة وقف وهو يرى فتاة غريبة. ملامحها للوهلة الأولى بدت مألوفة. عينيها بنية وشعرها أسود طويل. ترتدي قميص أبيض اللون أسفله بنطال جينز أسود يعلوه المعطف الطبي. على نحرها يستقر سلسال ذهبي مكتوب عليه "حورية".
أجفل قليلاً عندما نظرت إليه، فأطرق برأسه وهو يشعر بالخجل من نفسه. كيف ينظر لفتاة غريبة بتلك الطريقة؟ ألم يوبخ مروان من أجل هذا؟
"جاسم."
قالتها الغريبة وابتسامة تتشكل على شفتيها المصبوغة بلون شفاه أحمر. ثم اقتربت منه وهي تمد كفها وتقول:
"بقالي كتير مشوفتكش."
رفع عينيه بحيرة وقال:
"أنتِ تعرفيني؟"
كست خيبة الأمل وجهها وقالت بلوم:
"طيب سلم الأول."
"أنا آسف مبسلمش على ستات."
سحبت كفها بإحراج وهي تنظر حولها، وحمدت ربنا أن الأطباء مشغولين بالحالات.
"عن إذنك أنا ورايا شغل."
قالها وهو يهرب نحو العمل وهو يحاول تذكر هذه الفتاة. بينما هي وقفت مكانها وهي تهضم إهانته، توبخ نفسها وتهمس:
"إيه الغباء اللي انتِ فيه ده يا حورية؟ ما طبيعي مش هيفتكرك. هو أصلاً مكانش بيبص عليكي. وبعدين عارفة إنه متدين أوي، كان لازم تمدي إيديك وتحرجي نفسك. بجد غبية، غبية."
خرجت من غرفة الطوارئ وهي تحرك كفها يمين ويسار. رؤيته بعد كل تلك السنوات أحضرت مشاعر عنيفة لقلبها. مشاعر ظنت أنها نستها، ولكن الآن اكتشفت أنها لم تنساه أبدًا. لقد رفضت كل من تقدموا لها وكانت تنتظره هو، هو فقط جاسم!!
أغمضت عينيها وهي تتنهد، لتنتفض قليلاً وشاب وسيم نوعًا ما يقف أمامها ويقول:
"نورتينا."
رمشت وهي تنظر لذلك الذي ينظر إليها بابتسامة مهذبة. هزت رأسها وهي تقول بصوتها الناعم:
"ميرسي."
مد كفه وقال:
"أنا مروان، اتشرفت بحضرتك يا دكتورة."
ولكنها قاطعته بابتسامة وهي تقول:
"سوري بس مبسلمش. عن إذنك يا دكتور مروان."
ثم ذهبت وتركته. نظر إليها بحيرة وقال:
"مع إن مش باين عليك التدين ده يعني."
"تمام، أنا كده كتبت كل الخطوات بتاعة طبخة الغدا. والله الحمدلله إن جاسم سابلي الموبايل عشان أكلمك على الأقل يا رحيق."
من الجهة الأخرى زفرت رحيق بضيق وقالت:
"هو مش مفروض يعاملك بالطريقة دي؟ شايل منك التليفون، بتكلمينا بالقطارة، حابسك في البيت. ده موت مش حياة!"
أغمضت نوران عينيها بأسى وقالت:
"كفاية يا رحيق لو سمحتي. أنا راضية بكل اللي بيعمله."
"نوران دي..."
"مش حياة، أنا عارفة بس أنا أستحق ده. أنا غلطت في حقه. مهما حاولنا ننكر ده، بس ده إنسان دخل البيت من بابه. حافظ عليا من النظرة الحرام حتى. لما اتخطبتله مفكرش حتى يمسك إيدي. كان بيعاملني كأني جوهرة. غصب عنه اتصدم يا رحيق."
تنهدت رحيق وهي لا تدري ماذا تقول. هي تشفق على شقيقتها بسبب ما تعيشه. تشعر أنها أخطأت التقدير عندما طلبت منها الصمت وعدم الاعتراف له، ولكن بدا أن هذا هو الصواب. كان الأولى أن تستر على نفسها. حكت جبينها بتعب وقالت:
"أنا مش عارفة أقولك إيه تاني."
ابتسمت نوران وقالت:
"متقوليش ومتقلقيش، أنا كويسة. أنا قولتلك اللي قاله هو خلاص مش هيأذيني. خلينا نقفل على السيرة دي. أنا راضية بكل حاجة. أهم حاجة إني اتسترت وأنا عمري ما هنسى ليه المعروف ده أبدًا. المهم اهتمي بنفسك أنتِ وسيبك مني. أخبار عاصي معاكي إيه؟"
كسا الحزن وجه رحيق وهي تتذكر معاملته الباردة لها. معاملة أوجعت قلبها. لقد ظنت أنهما انسجما أخيرًا، ولكن البرود أصبح مسيطرًا على علاقتهما بشكل أنهكها وأوجع قلبها، ولكنها بالطبع لن تخبر شقيقتها بالأمر، فالجميع يظن أن هذا هو زواج حقيقي. ولن تخبر نوران بالأخص، فيكفي ما تعانيه! لذلك ابتسمت وهي تظهر السعادة بصوتها وقالت:
"زي الفل، أنا مبسوطة أوي."
ابتسمت نوران وقالت:
"عشان أنتِ واحدة طيبة يا رحيق تستاهلي ده كله. سلام يا حبيبتي."
"سلام يا نوران، هتصل بيكي تاني."
ثم أغلقت معها.
ما أن أغلقت معها حتى تنهدت نوران بحزن وهي تتجه للحمام. قررت أن تصلي وتقرأ وردها ثم تبدأ في إعداد الطعام.
بعد قليل.
كانت تقرأ القرآن بصوت متهدج بينما الدموع تنساب من عينيها.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)
صدق الله العظيم.
أغمضت عينيها والدموع تفيض منهما. كل كلمة تقرأها في المصحف الشريف تعطيها أمل، تجعل جروحها تلتئم، تطمئن قلبها الخائف. كلما خافت أو جزعت تهرع للقرآن. كان دوما المصحف الشريف في منزلها هو كتاب تقرأ منه وردها بشكل متعجل أو تقرأ فيه سورة الكهف كل يوم جمعة. لم تتأمل كلماته من قبل، لم تشعر بها، ولكن اليوم هي تتأمل كل كلمة فيه. كل كلمة فيه تهدئ من روعها. ضمت المصحف إليها وهي تفكر أن يومًا بعد يوم تكتشف أشياء رائعة في دينها. دينها الذي انحرفت عنه واتبعت الشيطان.
كان يقف في مقهى المشفى يعد له قهوة بسبب الصداع الذي يشعر به. يتذكر في الصباح عندما خرج لم يراها، بل وجد الفطور معد بشكل جيد على الطاولة. كانت لأول مرة تعد فطورًا رائعًا وبشكل منظم. وملابسه جاهزة وقد تم كيها. الجوارب بجانب الحذاء الأسود الذي تم تلميعه جيدًا، والملابس التي يرتديها بالمشفى وضعتها بحقيبة الظهر الخاصة به مع المصحف الخاص به، وقد وضعت زجاجة العطر على المنضدة أمام الباب كي لا ينسى.
أنها تهتم بأدق تفاصيله الآن، ورغم أنها فعلت هذا كله إلا أنها لم تريه وجهها. لقد التزمت بجزءها من الصفقة، فأصبحت تعد له كل شيء، وقبل أن يأتي كانت تلوذ بغرفتها. وهذا أراحه وأحزنه. أراحته لأنه لن يضطر لإهانتها مرة أخرى، وأحزنه لأنه رغب في رؤيتها بشدة. هز رأسه وهو يقرب القهوة من فمه ويغرق أكثر بالتفكير.
"جاسم."
صوت رقيق ناعم قطع تفكيره تمامًا. نظر جاسم إلى مصدر الصوت ليجد أنه لنفس الفتاة ذات الملامح المألوفة. كانت تنظر إليه بلوم غريب. هز رأسه وقال بهدوء:
"هو فيه حاجة؟ هو أنا أعرفك يا آنسة؟"
ضمت شفتيها بخيبة أمل وقالت بصوت خافت تشرب من الحزن ما أدهشه:
"أنا حورية عز الدين يا جاسم. كنت معاك في طب أسيوط نفس الدفعة. كنت أبقى صاحبة خطيبة صاحبك طارق، بس أنت للأسف مكنتش بتاخد بالك من أي واحدة في الدفعة. دايما كنت منغلق على نفسك."
كلامها ذكرها بكيف كانت في الجامعة. كان شاب ملتزم للغاية. لم يحب أبدًا الاختلاط المبالغ بين الشباب والفتيات وكان يبتعد عن أي تجمع كهذا. صحيح أن كان هذا شبه مستحيل في الجامعة التي بها، إلا أنه قاوم. أطرق برأسه وقال:
"لا مؤاخذة يا دكتورة."
ابتسمت وهي تهز رأسها وتقول:
"ولا يهمك. المهم إني مبسوطة أوي عشان شوفتك يا جاسم."
هز رأسه دون معنى ثم غادر من أمامها، لتتنهد هي بحب وتضع كفها على قلبها بينما تشعر بالفراشات تتحرك بمعدتها وقالت:
"شكلي هطفح الفراشات قريب ولا إيه؟"
بعد انتهاء ساعات العمل الخاصة بجاسم، قرر الذهاب إلى المنزل كي يرتاح قليلاً ويذهب إلى عيادته الخاصة كطبيب أطفال. أدار المفتاح في الباب ليلج إليه. توقفت ورائحة طيبة تصطدم أنفه. سار بخطوات بطيئة نحو الصالة ليجد أنه لا أثر لها كالعادة. لابد أنها اختفت بغرفتها، بينما على طاولة الطعام كان هناك طعامه المفضل. دجاجة مشوية مع صينية بطاطس مع رز أصفر مبهر وأنواع جديدة من السلطات. رفع حاجبيه بإعجاب وهو يفكر أنها حقًا تتعلم بسرعة. جلس على المقعد وهو لا يستطيع مقاومة الطعام، ولكنه أمسك نفسه في آخر لحظة ونهض متجهًا إلى غرفته لكي يأخذ ملابس كي يغتسل ويغير ملابسه.
بعد قليل خرج من الحمام وهو يرتدي منامة قطنية رمادية اللون. ثم جلس على الطاولة لكي يتناول طعامه، ولكنه توقف فجأة وهو يتساءل هل تناولت طعامها يا تُرى أم لا؟ يبدو أنها لم تتناوله بعد. لذلك نهض واقترب من غرفتها وهو يطرق بابها برفق وقال:
"أكلتي يا نوران؟"
خفق قلبها بشدة، بينما كانت هي بالفعل تقف خلف الباب. حتى وهو غاضب يهتم بها. ابتسمت بحنان وهمست:
"كل أنت بالهنا والشفا. أنا صايمة النهاردة تطوع."
هز رأسه وهو ينسحب إلى الطاولة ويكمل تناول طعامه.
كان جلال يجلس على مقعده وهو يضع كفه على وجنته بينما يتنهد بعمق:
"إيه اللي شاغل بالك؟ حاسس بيك متضايق. بس مرضتش أتكلم قدام مياس."
انتفض جلال قليلاً على صوت ابنه القوي. رفع رأسه وهو ينظر إلى سيف الذي اتخذ مقعدًا أمامه وهو ينظر إلى والده ينتظر الإجابات. استطاع جلال رسم ابتسامة على شفتيه وقال:
"مفيش حاجة شاغلة بالي يا سيف. أنا بس متضايق على مياس."
تنهد سيف بتعب وهو يهز رأسه موافقًا وقال:
"ومين سمعك أنا برضه متضايق. مشوفتش انهيارها عند الدكتور هناك. وجعت قلبي فعلاً يا بابا. رغم كل حاجة الموضوع واجعها."
هز جلال رأسه موافقًا وقال:
"صعب برضه عليها يا ابني. دي كان عندها أمل كبير وراح، أكيد لازم تكون زعلانة. هي حاليًا موجوعة فخليك معاها."
ابتسم سيف وقال بتأكيد:
"أنا عمري ما هسيبها يا بابا متقلقش. بالمناسبة أنا وهي هنبات برا النهاردة."
عقد جلال حاجبيه. فرد سيف:
"هنروح الشالية بتاعنا، قولت نغير جو شوية يومين كده."
ابتسم جلال وهز رأسه بإستحسان وقال:
"ده جميل يا ابني. يعني أنا شايف كده برضه. روحوا وقضوا يومين تلاتة انبسطوا."
هز سيف رأسه وابتسم قائلاً:
"ده هيساعدها كتير يا بابا."
"وأنا هعمل المستحيل عشان أفرحها في اليومين دول."
نظر جلال إلى ابنه مبتسمًا. كل يوم يشعر بالراحة لأن قراره بتزويج مياس لسيف كان صحيحًا تمامًا. نهض سيف فجأة وقال:
"تمام، أنا هروح دلوقتي أخليهم يجهزوا الأكل لينا عشان ناكل وهنمشي."
بعد قليل.
كانا قد تناولا الطعام وجهزت مياس حقيبة لهما، ثم انطلقوا بسيارة سيف بعد أن أخبر والده أنه العمل بخير ولن يتأثر بغيابه.
"مش هتقولي برضه رايحين فين يا سيف؟"
قالتها مياس وهي تنظر إليه. ليرد ويقول:
"تؤ تؤ، قولت مفاجأة."
"أنا حاسس إنك خاطفني."
"أيوه فعلاً أنا خاطفك."
ابتسمت له وقالت:
"ياريت تخطفني طول الوقت. أنا محتاجة بجد أرتاح شوية."
شد كفه وقبله وقال:
"أوعدك يا فراشة إنك هتبسطي في المشوار ده."
"يارب بجد يا سيف."
قالتها بتعب. ليمد يده نحو الراديو ويقول:
"بتحبي أمير عيد؟"
لمعت عينيها وهزت رأسها مبتسمة وقالت:
"جداً بجد."
ضحك وهو يفعل المسجل لتنطلق أغنية أمير عيد ويبدآن سويًا بالغناء مع صوت أمير عيد:
"اتقابلنا مرة وحدة وكل مرة بستنى
صدفة حلوة تجمعنا
يمكن تثير الوحدة
مواضيع كتير حضرتها
سيناريوهات من غير عدد
ازاي أقرب منها
وتشوفني يوم ظهر وسند
شفنا بعض هي مرة ومن بعدها بستنى
صدفة وحدة تجمعنا
يمكن يكون الضحكة
هقوله إيه أنا لو شفتهمش
بفكر إلا فيه
وأنا كده من وقتها
يكون لي يوم ظهر وسند
هكون لها طبعًا أمير (هيبقى ليا أمير)
راجل خطير في الجدعنة (واكون بلجأله للحِمى)
تهرب في حضني بالساعات (نفضل نتكلم بالساعات)
ذكرياتها المحزنة
اشوفها تاني ولا الوقت فات
خايف أحلامي تموت من سُكات
(اشوفها تاني ولا الوقت فات)
(خايف أحلامي تموت من سُكات)
ولا هكون بتاع بنات
عندي حكايات كتير أوي
حبيب لعيب لكن تقيل
واسيبها لما تستوي
أفكار كتير مرت وأنا مستني صدفة تجمعنا
شفته قاعد من بعيد
فرحتي كملت ونورته
هكون لها طبعًا أمير (هيبقى ليا أمير)
راجل خطير في الجدعنة (واكون بلجأله للحِمى)
تهرب في حضني بالساعات (نفضل نتكلم بالساعات)
ذكرياتها المحزنة
اشوفها تاني ولا الوقت فات
خايف أحلامي تموت من سُكات
(اشوفها تاني ولا الوقت فات)
(خايف أحلامي تموت من سُكات)"
وصلا أخيرًا للمنزل الصيفي. ابتسمت بسعادة وهي تنظر إلى المنظر الماثل أمامها. منزل صيفي صغير يطل على البحر.
"سيف، بجد مش مصدقة."
"انت لسه بتقرأ النوتة اللي اشتريتهالي؟"
ضمها إليه وهو يقبل شعرها ويقول:
"عيب عليكي. كل يوم بقرأها. وكل ما أشوف حلم جديد ليكي هحققه. بحر صافي قدامه بيت صغير تهربي فيه ليومين مع أكتر شخص بتحبيه. ادي البيت وأدي البحر."
ثم صمت وأشار على نفسه مبتسمًا وقال:
"وادي أكتر شخص بتحبيه."
"إيه النرجسية دي؟ متثقش في نفسك أوي."
قالتها وهي تضحك وتدخل. ليضحك وهو يسير خلفها ويقول:
"مسيرك تعترفي ليا يا جميل بحبك وساعتها والله ما هحلك."
فترت شفتيها عن ابتسامة خجلة وهي تقف أمام البيت. ليفتحه هو بصمت ويسمح لها بالدخول.
"اتفضلي يا أميرتي."
ولجت للمنزل وهي تبتسم بسعادة. أخذ الحقيبة ثم أدخلها لغرفة النوم. كان قد أمر بتنظيف المنزل جيدًا ووضع الشراشف على الفراش.
كانت تسير في المنزل وهي تبتسم. ثم اقتربت من سيف وهي تقول:
"سيف، عشان خاطري عايزة أنزل البحر."
ابتسم لها وقال:
"هتلاقي في الشنطة التانية اللي أنا جهزتها بوركيني. اجهزي وننزل. أنا تحت أمرك اليومين دول."
بعد قليل.
كان هو عاري الجذع بينما ترتدي هي ملابس البحر الإسلامية. تمسك كفه وهي تركض للبحر بحماس. تلقفته أمواجه. ثم أخذوا يسبحون لفترة طويلة.
بعد قليل.
كانا ينامان على الشاطئ بتعب. مياس تنام على صدره وهي تغلق عينيها، تشعر بصفاء الذهن لأول مرة. هي الآن معه، مع الشخص الذي تغرق بحبه يومًا بعد يوم. الشخص الذي أرادت أن تكون جميلة من أجله. اختفت علامات الراحة من وجهها ليتجعد وجهها بحزن وهي تقول كأنها تكلم نفسها:
"كان نفسي أكون جميلة عشانك يا سيف."
كان هو يدفن أصابعه في خصلاتها المبتلة، ولكن ما أن قالت هذا حتى توقف عما يفعل وقال بلوم:
"تاني يا مياس."
ثم نهض قليلاً لتنهض هي أيضًا. أصبحا الاثنان نصفًا جالسين وهما ينظران إلى بعضهما البعض.
"ليه مش قادرة تصدقي إني بحبك كده؟"
تنهدت بتعب وهي تقول:
"مش بإيدي يا سيف. أنا كان نفسي..."
لمس بكفه وجنتها وهو يقول:
"ششش خلاص متتكلميش. افتكري إنك عاجباني كده. بعدين ده أمر الله يا حبيبي، منعرفش إيه اللي متخبي لينا. يمكن يكون فيه أمل ويمكن لا، واحنا هنتقبل قدر ربنا بنفس راضية ونقول الحمدلله على كل شئ. لأننا مؤمنين بالله، مؤمنين إن كل اللي يقدره ربنا كويس، وهنقول الحمدلله لأن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه. وعشان كمان ربنا زي ما بياخد حاجة مننا بيعوضنا أضعاف، وربنا هيعوضك على صبرك."
رمشت مياس وهي تنظر إلى سيف. كلامه أراحها بشكل غريب وجعلها تفكر لأول مرة. أنها صحيح خسرت القليل، ولكنها تزوجت رجل رائع كسيف. أحبها رجل مثل سيف. إن كان هذا هو عوض ربنا عن وجهها المشوه، هي سوف تتقبل نفسها كما هي. سيف هو العوض المثالي لما حدث لها. لم تشعر مياس بنفسها وهي تعانقه بحب. ترغب في الصراخ وتخبره أنها تحبه، ولكنها قررت أن تؤجل الأمر. لن يكون اعترافها عاديًا، بل سيكون اعترافًا أسطوريًا منها. سوف تخبره بكل مشاعرها.
"يوسف، أنا مش فاهمة أنت ليه عايزنا نسيب البلد ونمشي. أنت خايف من اللي قتلوا لطيف صح؟"
قالتها ماجدة بتوتر وهي تجلس معه. تنظر إلى ابنها الذي نام على الأريكة مرهقًا بسبب اللعب، ثم أعادت تركيزها ليوسف تنتظر منه تفسير.
"ماشي، ده سبب من الأسباب. بس أنا بحد مش عايز أقعد هنا يا ماجدة."
نظرت إليه بيأس وهي تقول:
"أنا مقدرش أسيب مصر يا يوسف. دي بلدي."
مد كفه واحتوى كفها وهو يقول:
"وبلدي وبيتي كمان. بس تعملي إيه لما متلاقيش الأمان في بيتك، هتضطري تروحي بيت تاني."
هزت رأسها وهمست:
"صدقني مش مضطرين ولا حاجة. نقدر نحمي نفسنا هنا. مفيش حاجة ممكن تأذيك بإذن الله."
شد على كفها وهو يقول:
"هو أنتِ فاكرة إني خايف على نفسي؟ لا يا ماجدة. أنا عمري ما أخاف من الموت. بس خايف عليكم. أنا دخلت حرب أنا مش قدها. وحاسس بريحة الخسارة. لو الهروب بيكم هو الحل، أنا ههرب بيكم. المهم مخسركمش. مخسرش عيلتي اللي أنا لقيتها بعد مدة طويلة."
مد كفه ثم لمس وجنتها بحب. نظرت إليه والقلق يسكن عينيها. الدموع كانت محبوسة بعينيها، ازدادت وتيرة أنفاسها وهي تحاول أن تسيطر على نفسها كي لا تنفجر بالبكاء. ابتسم بلطف وأكمل:
"هنرجع تاني، أوعدك."
أمسكت كفه وقبلتها وهي تقول:
"لو ده هيريحك يبقى أنا هعمل اللي يريحك يا يوسف. هنسيب البلد."
اقترب منها معانقًا وجهها ثم قبل جبهتها وقال:
"ربنا يخليكي ليا."
ثم جلس على مقعده وهو يغرق بشروده مجددًا. كانت تنظر إليه وهي تشعر بالخوف بداخله. تمنت لو تستطع أن تزيل ذلك الخوف منه، ولكنها أيضًا خائفة. كم تمنت أن تعيش حياة طبيعية. حياة ليس بها تهديد، ولكن الماضي يلاحقها لا يتركها وشأنها. ليتها ابتعدت عن لطيف في الوقت الذي اكتشفت به حقيقته! قد تكون معاناتها الآن بسبب أنها سكتت عن الحق. ظلت ترى معاناة الأهالي وصمتت تمامًا. إن كان هذا عقابها، إن كان سيكون عقابها على سكوتها عن الحق هو عدم الأمان والهروب، فهي تقبل به. فربما حينها ترتاح!
بعد قليل.
كان يقف أمام الفراش يراقب زوجته التي تحتضن ابنها وتنام بهدوء. كان عقله لا يكف عن التفكير حينها. سوف يسافر بعد أسبوع، ثم يترك كل شيء ويهرب بعائلته. لكن هل يضمن أن لطيف لم يفعل أي شيء في تلك الفترة؟ ربما بالفعل بدأ يخطط ليقتلهم. هو يعرف أمثال لطيف وأن من معه قد هددوه لينتقموا من ماجدة ومنه بسبب تسريب الأدلة. لن يتوانى عن قتلهم بأبشع الطرق. لذلك يجب أن يتصرف بسرعة. يجب أن يختفي تلك الفترة. صحيح سوف يضحي بآخر امتحان لزوجته، لكنه لا يهتم. سحب هاتفه وهو يخرج للتراس بخطوات خفيفة كي لا يوقظ زوجته. أسند رأسه على السور وهو يتصل بمنير.
رواية اسرت قلبه الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سوليية نصار
رواية اسرت قلبه الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سوليية نصار
وكأني كنت أقف على غيمة وردية مرتفعة ووقعت فجأة!
مياس الحسيني ………
ارتجفت يده التي تحمل الهاتف وشعر ببوادر دموع بعينيه …
تملك الفزع من قلبه …
سكنه بالكامل …
شعر بالضياع وكأنه هدفه أصبح غير محدد …
- يوسف …
قالتها ماجدة بتوجس وهي ترى شحوب وجهه بالكامل ….
قربت يدها وامسكت كفه وهي تقول مجدداً؛
- يوسف فيه ايه ؟!
لم يرد عليها وكلمات يوسف تتردد في عقله …
أحرقت الدموع عينيه ونظر إلى ماجدة وهو يهمس بصوت مبحوح مسحوب كأنه أخذ يصرخ لفترات طويلة :
- سافري أنتِ يا ماجدة أنا مش هسافر ….
رمشت عدة مرات وهي تنظر إليه …
بدا وكأنه فقد عقله تماماً…
- ايه اللي انت بتقوله ده يا يوسف … أسافر أنا ازاي … أنا مش هسافر الا معاك …. منير اللي كان بيكلمك صح …..
- سافري أنتِ وابنك يا ماجدة أنا مش هسافر … سافري وانسيني … انسي انك اتجوزتيني …..
- ايه اللي حصل يا يوسف انت بترعبني ؟! هو منير قالك ايه ؟! ايه اللي حصل خلاك تتقلب كده …. يوسف متخوفنيش … ابوس ايديك قول فيه ايه … أنا دماغي شغالة تودي وتجيب ماله منير ؟! …
احمر وجهه بإنفعال وخرجت كلماته بنبرة صارخة غاضبة وهو يقول :
- بقولك روحي … روحي سافري يا ماجدة .. سافري بقولك واسمعي الكلام …
عقدت حاجبيها وقالت بقوة :
- لا يا يوسف … مش هسافر … كلامك مش هيخوفني ولا هيخليني اتراجع… أنا عايزة اعرف فيه ايه …. قررت تسافر قولت ماشي … قولت خلينا نروح اسكندرية قولت ماشي … مسألتش. لاني واثقة فيك بس انا من حقي اعرف ايه اللي بيحصل … فيه ايه بيدور في دماغك يا يوسف … أنا مراتك … شريكتك لازم تقولي ايه اللي بيحصل … أنا من حقي افهم ؟!
نظر إليها بينما يشعر بالضياع …
ماذا يخبرها الآن … لقد وقع صديقه الوحيد … شقيقه الذي طالما وقف بجواره في يد لطيف …. وهو لا يمكنه أن يكون أناني ويخاطر بحياة منير … ولكنـه أيضا لا يمكنه المخاطرة بحياة زوجته وطفلها … لا يمكنه أن يسلمهم له … لكنه مستعد أن يموت من أجل منير ومن أجل زوجته وطفلها … لن يسمح لأي أحد أن يلمسهم …..
- يوسف أنا مستنية رد منك … أنا مش هتنازل انك ترد عليا وتفهمني فيه ايه ؟! …
نظر إليها بعجز … بدأ يائس وهو ينظر إليها … أرادها أن تطيعـه دون أي مشاكل ولكنه يعرف ماجدة جيدا … صحيح أنها أطاعته في كل شيء لأنها كانت تثق به … ولكنـه يتصرف بجنون الآن … ولكنـه حقا لا يعرف ماذا سيفعل ؟! ولكن أن كان موته سينقذ حياة منير سوف يموت بكل سعادة …. ربما لو أخبر ماجدة بالحقيقة ستوافق على الذهاب مع ابنها … فهي تهتم لحياة ابنها كثيرا …
- يوسف رد عليا قولي ماله منير ؟!!!
قالتها بنفاذ صبر وهي تنظر إليه … هالها رؤية الدموع المحبوسة بعينيه تنسكب دون تحفظ … بدأ وكأنه خائف … تائه وقد تألم قلبها لأجله …
- منير وقع في أيديهم …
قالها بخفوت وهو يتماسك كي لا ينهار …
توسعت عينيها بصدمة وهي تقول بنبرة مختنقة … بينما تتضرع ألا يكون يقصد ما تفكر به …
- يعني. ايه … يعني ايه وقع في أيديهم … رد عليا يا يوسف …
- يعني منير في خطر … لطيف هيقتله !
تراجعت بصدمة بينما أصبح وجهها شاحب كالأموات …
- ل… لطيف …
قالتها وهي تتلعثم بقوة … كانت الكلمات لا تصل لعقلها بعد.!
أطرق برأسه ولم يتحدث وهو يمسح الدموع بعينيه عندما وجد أنه جذب انتباه من حوله …
- لطيف مات يا يوسف !
همست وهي تشعر بالجنون … ليهز رأسه ويقول :
- لا مماتش يا ماجدة للأسف لطيف حي يُرزق …. قدروا يهربوه ويقنعونا أنه مات … هو اللي كان بيكلمني وبيساومني على حياة منير … وأنا … أنا مقدرش أسيب منير وأسافر … مقدرش اعمل كده …. مقدرش اعرف انه في خطر وامشي … صدقيني مقدرش… روحي أنتِ يا ماجدة … روحي أنتِ وابنك وابدؤا من جديد… أنا هتعامل مع لطيف …
كلماته أصابتها بالهلع … وجدت نفسها تهز رأسها بقوة وتقول :
- لا مستحيل … رجلي على رجلك …
توسعت عينيه بصدمة وهو يهمس بغضب :
- أنتِ بتقولي ايه ؟! أنتِ عايزة تموتي …
- لو هتموت يبقى اموت معاك …
- بطلي تكوني عاطفية يا ماجدة فكري في ابنك ده هيعمل ايه … روحي واهربي انجي بحياتك يا ماجدة عيشي مع ابنك من اول وجديد … عيشي في أمان بعيد عن القرف اللي هنا الخوف والرعب … انك تبقي متوقعة في أي لحظة الموت ! لا يا ماجدة امشي…
- وأنا قولت رجلي على رجلك يا يوسف … لو هتواجه لطيف يبقى مش هتواجهه لوحدك … أنا هكون معاك … أنا آسفة اني مش هسمع كلامك المرة دي … أنا رجلي على رجلك وربنا إن شاء الله هيحمينا…
نظر إليها بعصبية … كانت حقا عنيدة …
- ماجدة !!!
- لا يا يوسف .. قولت مش هسافر أنا معاك للنهاية …
- أنا خايف عليكم …
قالها بيأس فردت مبتسمة :
- متخافش حاسة أننا هنصمد قدامه…
هز رأسه بيأس وهو يعترف أنها أعند منه !!!
في سيارة يوسف …..
كانت قد وضعت طفلها في المقعد الخلفي وجلست بجوار يوسف …
نظر إليها يوسف وهو يتنهد وقال :
- أنا وافقت انك تبقي في مصر … اتحملت ضغط الأعصاب انك هنا وممكن لطيف يأذيكي بأي طريقة … أنا سمعت كلامك اهو … بس يا ماجدة هتسمعي كلامي المرة دي … هوديكي مكان تقعدي فيه أنتِ وابنك لحد ما اخلص منير وبعدين هنسافر … حتى لو اضطريت أسفر منير معانا مش مهم … أنا مش هسيب حد هنا ممكن لطيف واللي معاه يأذيه …
هزت ماجدة رأسها وهي تمسك كفه وتقول :
- متقلقش يا حبيبي محدش هيقدر يأذينا… هنكون بخير … أنا واثقة انك مش هتسمح لأي حد يأذينا .
نظر إليها مبهوتاً…
الثقة التي تتحدث بها عنه أعطته الثقة … جعلته يشعر أنه يستطيع فعل المستحيل ….
شد على كفها وقال مبتسماً:
- بقيتي شجاعة كده امتى ؟!
ابتسمت بحب وقالت:
- طول عمري كنت جبانة يا يوسف ودي حاجة أنا بعترف بيها … معرفتش الشجاعة اللي لما حبيتك واتجوزتك … أدتني القوة وخلتني مخافش من لطيف … أنا دلوقتي مش خايفة من لطيف يا يوسف …. لانك معايا … فشكرا انك معايا دايماً… شكرا انك ادتني القوة اللي انا محتاجاها .
توسعت ابتسامته والإطمئنان يسكن قلبه بفعل كلماتها الهادئة وقال:
- شكرا ليكي انك معايا …
ابتسمت له مطمئنة … فجأة أعلن هاتفه عن وصول رسالة على الواتس أب …
اخرج هاتفه وهو ينظر إليه بتوتر ليجد رسالة من رقم غريب تأمره أن يأتي إلى عنوان مكان ما غدا ….
نظرت إليه ماجدة بإرتباك وهمست:
- لطيف مش كده ؟!
هز يوسف رأسه وقال:
- عايزني اجيبك أنتِ وابنك ونروحله …
- هتعمل ايه ؟!
قالتها وهي تنظر إليه جيدا … تدرس انفعالاته لتجده يقول بثقة:
- أنا هقولك !……
جالسة على المقعد بالمشفى وهي تهتز بصدمة الدموع تغرق وجهها …
تتذكر لحظة اتصال المشفى بها …
……
كانت ابتسامتها تتسع شيئاً فشئ وهي تدور حول نفسها بينما تضحك بسعادة … تشعر أنها جميلة للغاية تنتظر قدومه بفارغ الصبر … تشتاق أن تضمه بقوة… تخبره أنها ظنت أنها أحبت من قبل ولكن كانت مخطئة … ما قبله كان شيئ باهت لم تشعر نحوه بعمر بتلك المشاعر القوية … لم تشعر من قبل أنها تريد الصراخ في الشارع بأنها تحب شخصا ما … أنها تريد الآن أن تصرخ وتقول أنها تحب سيف الحسيني … تحبه أكثر من أي شخص في العالم ….
رن هاتفها برقم غريب لتعبس وهي تمسك الهاتف وترد عليه …
- مدام مياس …
صوت رجولي غريب نطق اسمها …
- نعم
قالتها بحيرة ليرد هو:
- لقينا رقمك اخر رقم مُتصل بيه سيد سيف …
- سيف … ماله سيف …
- استاذ سيف الحسيني اتعرض لإعتداء وهو حاليا في مستشفى …..
وقع الهاتف من يديها وهي تشعر بالدوار … لا لا هذا لا يحدث …. هذا مُجرد حلم …. مجرد حلم سئ … فكرت بها والدموع تنهمر من عينيها بينما الألم داخل قلبها … شعرت وكأن العالم كله تجمد من حولها … شعرت بنفسها تتجمد بينما أنفاسها تتسارع …. عقلها توقف عن العمل تماما … بدت لا تعرف ماذا تفعل … هل تصرخ … تبكي … أم تفقد الوعي …. ماذا تفعل …..
أخذت تسير وهي تترنح نحو الخزانة…
خلعت فستانها وارتدت فستان آخر … ثم حجابها وخرجت وما زالت الدموع تغطي وجهها ….
اتجهت إلى غرفة عمها وولجت إليها لتجده جالس على فراشه يمسك هاتفه … رفع عينيه ونظر إليه وقد هاله ما رآه على تعابير وجهها من الفزع والضياع … نهض مقتربا منها وهو يقول:
- مياس فيه ايه ؟!
- سيف … سيف …
قالتها بحروف ممزقة بينما تشهق بقوة لينظر برعب إليها ويقول:
- سيف .. ماله سيف قولي …
- سيف في المستشفى … في المستشفى بس هو هيبقى كويس يا عمي … هيبقى كويس صح ….
كان تهذي بطريقة أدخلت الرعب لقلبه …
- مياس !
قالها بصدمة وهو متأكد من أنه يعرف ما الذي حدث بالضبط !!!
- يالا نروحله … يالا نروح لسيف !!
قالتها وهي تبكي بعنف ……
خرجت من شرودها ودموعها تنفجر بقوة أكبر … لم تكترث حتى لمسحها …..
منذ ساعة ونصف تقريباً وهي هنا … لقد أخبروها أنه تعرض للطعن وأنه بغرفة العمليات يجري جراحة ….
من وقتها وهي لم تبرح مكانها … حانت منها نظرة لعمها الذي يجلس على المقعد وهو يلمس صدره يشعر بألم شديد وكأنه غير قادر على التنفس … شعرت مياس بالقلق وهي تقترب منه وتجلس بجواره … تمسك كفه وعينيها تصرخ بالقلق …
- عمي أهدى … سيف هيبقى كويس …..
نظر إليها جلال والدموع تحتشد بعينيه وقال بصوت منكسر:
- أنا … أنا السبب يا مياس … ابني هيروح بسبب غبا.ئي ….
رمشت بصدمة وهي تنظر إليه … تحاول أن تفهم ما يرمي إليه فقالت:
- يعني ايه يا عمي … يعني ايه انت السبب …
صمت جلال وهو يشعر بالألم يعاوده بقوة فقالت مياس بإنفعال:
- رد عليا …
- سيف لو ما.ت أنا مش هسامح نفسي ابدا ….
قالت مياس بعصبية وإنفعال:
- سيف مش هيمو.ت … بعيد الشر عليه … قول لي يا عمي انت تعرف ايه ؟
- اعرف مين اللي ها.جم سيف ….
ارتدت بعنف نوعاً ما وهي تشعر بالدوران ثم قالت:
- مين ؟!
نظر إليها جلال وقال:
- معاذ … ابن خالتك … وهو كمان اللي شوهك!!!
…………
- هو مفيش دكتور غير إبرام ده هو اللي يعالج مراتي ؟! الدكاترة النفسيين خلصوا من البلد !!
قالها جورج بإنفعال … كان قد عرض عليه والده أن يعرض ماريانا على طبيب نفسي فحالتها لا تبشر بأي خير…. وقد أحضره ليخبره أن إبرام هو الشخص المثالي الذي سوف يساعده…. وكأن والده قد ألقاه في النيران بإقتراحه التعيس هذا …
- ايه مشكلتك يا أمجد… إبرام دكتور شاطر وهو قريب ماريانا يعني هيهتم … انت مش عايز مراتك تكون كويسة ؟!
- كمل كلامك … وخطيبها السابق… يا حلاوة أنا اخلي خطيب مراتي السابق يعالجها … دي حاجة حلوة والله …
هز والده رأسه وقال:
- ابرام متجوز يا متخلف وماريانا متجوزة … متبقاش عبيط …
- نقطة من اول السطر ماريانا مش هتتعالج عند إبرام …
- لا هتتعالج عنده… دي رغبة والدة ماريانا ورغبة ماريانا نفسها !!!
توسعت عيني جورج وقال لاهثاً…
- ماريانا وافقت تتعالج نفسياً .. وعنـد إبرام …
هز والده رأسه وقال:
- أيوه يا جورج ماريانا وافقت أنها تتعالج نفسياً عند إبرام … أنا كلمتها … إبرام نفسه كلمها…
- ابرام كلمها … كان يردد كلماته وهو يشعر بالغباء ثم قال:
- كلمها امتى. ..
رد والده بلا مبالاة وقال:
- من كام يوم كده انا كنت موجود أنا ووالدة ماريانا وهو واتكلم معاها .. ثم بدأ يقص عليه ما قاله…..
- ماريانا أنتِ لازم تتخطي المرحلة دي من حياتك .. مش هتفضلي قافلة على نفسك كده ومش عايزة تتخطي اللي حصل في الليلة دي ..
قالها ابرام بلطف وهو ينظر إليها بينما هي كان تجلس وهي تطرق برأسها أرضا وتهمس:
- أنا كويسة يا إبرام …
- أنتِ عارفة يا ماريانا أن الكلام ده مش حقيقي … أنتِ لسه عايشة اليوم ده مقدرتيش تتخطيه .. لازم تساعدي نفسك يا ماريانا …
نظرت إليه وستار رقيق من الدموع يغطي عينيها وقالت بإختناق:
- أنا مش عايزة افكر في حاجة يا إبرام لو سمحت … جيت وقولتلي الكلام ده قبل كده وانا قولتلك لا مش عايزة …
- اسمحيلي يا بنتي أتدخل…
قالها عزمي بهدوء ثم أكمل:
- مينفعش تعيشي بالطريقة دي … لازم تقاومي … كلنا عايزين نساعدك يا بنتي … إبرام هيكون معاكي وأنا ووالدتك وجورج كمان … لازم تتخطي اللي حصل … التجاهل مش حل…
انسابت دموعها لأول مرة منذ فترة طويلة وصمتت وبدت أنها قد اقتنعت …..
……
- ياااه يعني خلاص كلكم قررتوا تخلوها تتعالج عند إبرام !!
قالها جورج بعد ما سمع ما قاله والده … كان يشعر أنه يغلي من الغضب … نهض والده فأكمل جورج:
- كلامي نهائي مراتي مش هتتعالج عند إبرام !
- ده مش قرارك يا جورج.. ده قرار ماريانا … وماريانا مبقتش تحبك زي الاول عشان تسمع كلامك لو قولتلها لا … تقبل أنها مبقتش تحبك !
كانت كلمة والده كالرصاصة في قلبه …..
…………
نظر إلى الفستان الموضوع على الفراش الخاص بهما بإعجاب … كان فستان باللون النبيذي منتشر عليه زهور صغيرة … قصير قليلا … أغمض عينيه وهو يتخيلها وهي ترتدي هذا الفستان … متأكد أنها سوف تكون قمة الروعة … تمنى من كل قلبه أن تقبل أن ترتديه … فبعد أن اعتذر منها يتوقع أن يكون الوضع بينهما أفضل لأن حقا تجاهلها له آخر مرة جعله يشعر بألم غريب لدرجة أنه هو من بادر بالإعتذار لكي تعامله مثل السابق… لم يصدق أن عاصي يفعل هذا … هو شخص عنيد لا يعتذر بتلك السهولة ولكنها عندما ابتعدت عنه شعر وكأن العالم حوله فارغ …. وكأن الراحة التي بدأ يشعر بها بوجودها تسربت فلم ينتظر واعتذر فورا …
في تلك اللحظة ولجت رحيق للغرفة وهي تدعك رقبتها بتعب … كانت تريد أن تنام … لقد اتصلت بنوران واطمأنت أنها بخير الآن …. تنهدت وهي تتمنى أن يكون كل شيء على ما يرام …. توقفت مكانها وهي ترى عاصي يقف أمام الفراش … شعره يبدو رطب وقد ابتل قميصه الرمادي والتصق بجسده العضلي … لم تستطع منع الإعجاب الذي برق بعينيها … لا تنكر أن زوجها يمتلك قدر كبير من الوسامة … كانت مدركة هذا منذ البداية … لقد رأت نظرات الصدمة بعيني جاراتها وخاصة تلك السيدة التي تنمرت عليها ذات يوم … كان يتساءلون لماذا قبل رجل رائع مثله بها. … ما الذي جذبه إليها … خيم الحزن على عينيها وهي تكتم تنهيدة قوية وهي تفكر أن حتى عاصي لن يحبها … هي ليست جذابة لكي ينظر إليها … لقد رأت صورة زوجته القديمة في خزانته صدفة … كانت امرأة حقا جميلة … كيف لشخص كان متزوج من امرأة جميلة مثلها أن ينظر إليها هي … يجب ألا تنسى مهمتها هنا … وان كان أخبرها أنه يريدها أن تكون زوجته قد تكون رغبة أي رجل وليس شيء له علاقة بالحب ….
هزت رأسها وهي تنفض تلك الأفكار من عقلها وقالت بصوت خافت:
- واقف كده ليه ؟!
استدار عاصي ونظر إليها ثم ابتسم بلطف جعل عينيه الزرقاء تلمع بشكل أجمل … شكل خطف أنفاسها …
- تعالي يا رحيق
اقتربت منه وهي تشعر بالحيرة …. وضع ذراعه على كتفها وهو يقول مشيراً إلى الفستان:
- ايه رأيك في الفستان ده ؟!
- ده قصير …
قالتها بإرتباك فرد مسرعاً:
- لا لا متهيألك مش قصير ولا حاجة بالعكس طويل …
نظرت إليه بشك وقالت:
- انت عايز ايه دلوقتي …
ابتسم ونقر بإصبعه على أنفها وقال:
- يالا ألبسي الفستان ده وحصليني على التراس هنقعد شوية ونحكي ..
- مينفعش ألبس الأسدال…
قالتها مرتبكة بينما تحاول ألا تنظر لعينيه ….
تنهد بنفاذ صبر ثم ابتسم وقال:
- لا يا حبيبتي للاسف مينفعش يالا انا مستنيكي ….
ثم أتجه للتراس فنفخت هي بضيق بينما تنظر إلى الفستان وتقول:
- ربنا يستر ….
أمسكت الفستان وهي تفكر أنها يجب أن ترتديه … هي تفهمه … هو يريد أن يجعلها زوجته حقا … الأمر ليس له علاقة بالحب بل له علاقة برغبته أن تكون هي له … وهي سوف تنفذ أوامره تلك …. هو زوجها في النهاية …. اتجهت نحو الحمام وهي تمسك الفستان…
بعد أن تحممت بسرعة وجففت شعرها كانت ارتدت الفستان … لفت شعرها الطويل نسبياً في كعكة وخرجت من الحمام وهي تقف أمام المرآة وتنظر إلى نفسها بإعجاب … كانت قد فقدت قليلا من الوزن وأصبح جسدها متناسقا … كان الفستان يليق بها كثيرا … ولكن أيضا قصير جدا .. أنه يعلو ركبتيها لحد كبير نسبيا … حاولت أن تشده للأسفل ولكنها فشلت لذلك تنهدت وهي تقرر الخروج إليه هذا زوجها في النهاية وهذا حقه أن تطيع أوامره….
……
كان يجلس بالتراس وهو يهز ساقيه بتوتر نوعا ما يفكر … هل سترتدي ما جلبه لها أم ستعاند … هو يريد التقرب منها … يريد أن يزيل تلك الرهبة … لم يعد يتحمل أن يحافظ على يديه بعيداً عنها أنه يفقد السيطرة على يديه كما فقدها على عينيه منذ زمن ….
فجأة رفع عينيه وهو يراها تلج للتراس… شعرها مرفوع لأعلى بكعكة بينما ترتدي الفستان الذي أحضره له … انحبست أنفاسه داخل صدره وهو ينظر إليها بصدمة شديدة كانت تبدو رائعة أكثر مما توقع ….
ابتلعت ريقها بسبب نظراته تلك … أنها ينظر إليها وكأنها جميلة حقا…
- تعالي يا رحيق
اقتربت بطاعة لتجلس بجانبه أمام تلك الشجرة الكبيرة ولكنه فجأة شدها حتى جلست على قدمه …
- عاصي بتعمل ايه ؟!
قالتها بخجل وهي تحاول أن تنهض الا انه قال بهدوء:
- اهدي متقوميش ..
هزت رأسها بطاعة وهي تطرق برأسها أرضا … بينما اتجهت كفه إلى شعرها ليسحب مشبك الشعر منها فينسدل شعرها الرطب الناعم …. لمسه بلطف وهو يقول:
- شعرك حلو …
- شكرا
تمتمت بإرتباك …
- ها اتكلمي …
- اتكلم اقول ايه ؟!
قالتها بحيرة فرد:
- أي حاجة احكيلي عن نفسك … أنا عايزة اعرف عنك كل حاجة يا رحيق … عن كل اللي جواكي … الحاجات اللي مكنتيش قادرة تحكيها لأي حد ….
ابتسمت بحزن وقالت:
- مفيش حاجة مهمة في حياتي … قصتي تقليدية جداً…
- وأنا عايزة اسمعها …
- وأنتِ هتحكيلي عن نفسك ….
هز رأسه وقال وهو يضع كفه على ساقيها:
- أيوه هحكيلك … يالا بقا احكي قصتك …
نظرت إليه بعيون لامعة بفعل الدموع وقالت:
- قصتي بسيطة جدا … بابا اتجوز ماما على ماما دلال عشان يخلف وجابني … وبعدها ماما دلال جابت أمجد … ماما ماتت ولقيت نفسي في بيت ماما دلال … من اللحظة الأولى حسيت اني مكرو.هة من الكل … من ماما دلال وبعد سنين من نوران كمان … ومن جيران ماما دلال وقرايبنا … كنت مكر.وهة من اي حد يشوفني ما عدا أمجد…. بس يعني ماما دلال كان عندها حق … أنا بنت ضرتها عمرها ما كانت هتحبني … بس انا كان نفسي. ..
صمتت قليلا وهي تتنهد بقوة وتكمل:
- أنا كان نفسي ماما دلال تحبني … كان نفسي نوران تحبني … واتحقق حلمي … كان نفسي برضه محدش يتنمر عليا عشان شكلي …
نظرت إليه ودموعها تسقط من عينيها بينما قالت بإختناق:
- أنا اخدت كمية تنمر بسبب شكلي كتيرة جدا … احيانا بفكر أنا ازاي استحملت التنمر ده كله … الناس كلها كانت بتتريق على لوني .. ملامحي… محدش كان مهتم لو ده بيكـ.سرني ولا لا … كانوا برضه بيعايروني عشان اتاخرت في الجواز كأني معايا العريس ومخبياه في جيبي …
ضحكت بألم ودموعها تنهمر أكثر واكملت:
- أنا معرفش أنا ليه اتحملت ده … مكنتش بتكلم ليه … كل ما احاول اعارض اسكت واقول يمكن عندهم حق… أنا عمري ما جذبت أي حد … عمري….
صمتت ودموعها تسيل أكثر … كانت لا تستطيع أن تتكلم بعد … نظرت الى عاصي وقالت بإبتسامة مُنكسرة:
- دي قصتي … قصة تقليدية جدا …
- أنتِ حلوة أووي يا رحيق …
قالها بصدق لتهز رأسها وهي تبتسم وتقول:
- مش مضطر تكد.ب عليا بس ربنا يجبر خاطرك…
لم يتكلم بل قرب وجهه منها ثم اتجهت شفتيه إلى عينيها … يمسح دموعها بشفتيه ويقبل عينيها ثم اتجهت شفتيه لأنفها … وجنتيها …. كان فمه يمر على كل جزء بوجهها بينما هي ترتجف بقوة … رفع يده الموضوعة على ساقها ثم أمسك ذقنها وضغط عليه ليغطي فمه فمها…. ارتجفت بقوة أكبر وهي تشعر بمشاعر كثيفة لم تختبرها من قبل … وكأن العالم حولها تلاشى تماما…. لم تشعر بأي شيء… لم تشعر به بينما يحملها ويلج للغرفة …. انفصلت عن عالمها الوردي عندما انفصل عنها فجأة يُعطيها فرصة لتتنفس ثم وضعها على الفراش …. تنفست بقوة وهي تنظر إليها هلـ.عة بينما غزا الإحمرار وجهها … توسعت عينيها بخوف وهي تجد كفه تتجه إلى ازرار قميصه وقد عرفت نيته جيداً….
فجأة طرقة عنيفة على الباب أوقفته …. زفر بضيق وهو يرغب بقتـ.ل من قاطعه الآن في أهم لحظات حياته ولكنه قال:
- متتحركيش من هنا أنا جايلك ….
أتجه إلى الباب وفتحه ليجد نهلة يظهر القلق على وجهها … عض شفتيه وهو يسيطر على يده كي لا يلكـ.مها على وجهها وقال ببرود:
- خير …
- عاصي بيه … أملاك …
……
بعد قليل …. كان عاصي يضم أملاك التي تبكي وبجواره تقف رحيق …
- حبيبتي ده مجرد حلم ايه اللي يخليكي تبكي كده …
قالها عاصي ولكن أملاك لم تتوقف عن البكاء ليتنهد وهو يضمها ويقبل رأسها وهو يفكر أن ابنته لم تتجاوز ما حدث لها بعد …
- بابي عشان خاطري خلي ماما رحيق تنام جنبي النهاردة …
كاد أن يرفض ولكن رحيق وضعت كفها على كتفه وهي تتوسله بنظراتها فزفر بضيق وهو يفكر أن كل خططه ذهبت هباءاً لذلك قال:
- طيب هتبات معاكي بس بشرط .. أنا كمان هنام جنبكم ..
- موافقة ..
قالتها أملاك بسعادة …….
بعد قليل .. كان قد خلدت أملاك للنوم … كانت هي في المنتصف بين رحيق وعاصي….
مد عاصي كفه نحو رحيق لتهمس بحزم وهي تزيح كفه عن خصرها:
- عاصي احترم نفسك. بنتك.هنا ….
نظر إليها ببراءة وقال:
- أنا بس كنت عايز امسك ايديكي… هاتي ايديك …
زفرت بضيق وهي تمد يدها ليمسك هو كفها ويقبله بلطف ثم يضع كفها تحت رأسه لتبتسم هي وتغمض عينيها بهدوء …. ما زالت قبلاته لها تشعل مشاعرها ………….
فتحت عينيها بصعوبة والمنبه في هاتفها يرن … لقد أعطاها جاسم الهاتف رسميا… لم يطالب به … حتى أنه لم يعد يهينها أبدا… يتناول ما تعده ثم يذهب إلى عمله ويعود ليلجأ لغرفته حتى ينام … تلك هي حياته … حياة رتيبة روتينية للغاية…..
جزء منها قد ارتاح بسبب تصرفه هذا ولكن قلبها لم يكن مرتاح ابدا … لقد اشتاقت إليه كثيرا …. يوما بعد يوم تغرق به …. ولكنها تعرف أن حياتهما معاً مستحيل هو لن يقبل بها وهي لن تقبل برجل آخر يدخل حياتها بعده … بعد طلاقها منه لن تتزوج مرة أخرى … لن تدع رجل آخر يلمسها … ستحتفظ بآخر ذكرى جميلة لهما سوياً حتى تموت … تجمعت الدموع بعينيها وهي تتمنى أن يعود الزمن بها تقسم أنها لم تكن لتفعل هذا أبداً … تقسم أنها سوف تكون فتاة جيدة … ولكن للأسف هي وقعت في ذلك المستنقع … والحل الوحيد هي توبتها لله… وربما حرمانها من حب حياتها الحقيقي جاسم هو العقاب لما فعلته …
نفضت تلك الأفكار من عقلها وهي تقرر أن تُسلم أمرها لله … نهضت وهي تتجه للحمام لتتحمم سريعاً… كان الماء البارد كالسحر على جسدها … أنعشها حقا… خرجت من الحمام وهي تتجه لغرفتها وتمشط شعرها وثم لفته جيدا … حسب العادة زوجها سوف يستيقظ بعد ساعة … سوف تعد له طعام الإفطار قبل استيقاظه وقتها سوف يكون قد حان أذان الفجر … سوف تصليه…. ولكن قبل هذا سوف تقرأ سورة البقرة كما اعتادت الأيام السابقة……
بعد الانتهاء من قراءة القرآن نهضت وهي تُسرع للمطبخ كانت قد أخرجت البيض لتعد عجة سريعة ثم الفول والخبز قد وضعته في الفرن الجبن أيضاً… ثم أخيرا وضعت براد الشاي … في وقت قياسي كان الإفطار موضوع على طاولة ثم اتبعته بكوب من الشاي الساخن …. شعرت بإستيقاظه لتفر بسرعة لغرفتها …..
خرج جاسم من غرفته وهو يدعك عينيه … ما زال النعاس يسيطر عليه … توقف وهو يجد الطاولة جاهزة على المعتاد الشاي ينبعث منه البخار … تنهد وهو يمسك منشفته ويلج للحمام قد يغتسل سريعاً… خرج من الحمام وهو يتجه إلى الطاولة ثم كاد أن يجلس إلا أنه توقف فجأة … بالتأكيد هي لم تأكل … لذلك اتجه إلى غرفتها وطرق الباب … انتفضت قليلا وهي تمسك المصحف …. ابتلت ريقها ووضعت المصحف جانباً ثم اقتربت من الباب وهي تقف مرتجفة القلب:
- أيوه …
صوتها خرج ضعيف ليقول هو بهدوء:
- تعالي يالا عشان تفطري معايا …
- هفطر بعدين مليش نفس …
- مش هكرر كلامي يا نوران …
قالها بحزم لتسلم أمرها لله وتفتح الباب وهي تطرق برأسها أرضا بينما تفرك كفيها بتوتر … نظر إليها وتنهد ثم استدار ليجلس على الطاولة بينما ينظر إليها … كانت تسير ببطء وهي تجلس على المقعد بينما ما زالت عينيها مثبتة للأسفل في خجل … كان شعرها الأسود الطويل نسبياً يغطي وجهها .. تنهد وهو يأكل طعامه بهدوء … تجرأت هي ورفعت عينيه نحوه .. كان تنظر لملامحه الرائعة بحسرة … عينيه البنية رغم البرود التي بهما إلا أنها تحب عيناه حقا…. قاسي هو معها وهي تستحق لكنها رُغم هذا لا تتوقف عن حبه … وكأن مشاعرها التي قتـ لتها.وقت اهانها ذلك اليوم عندما اعترفت له بحبها قد عادت وبشكل أقوى … وربما هذا عقا.ب جديد يُضاف إليها … أن تعشقه بينما بعد شهور قليلة سوف يتركها ويتزوج غيرها … وهذا سيكون حقه الطبيعي … فجأة نظر اليها ليحمر وجهها وتنظر أرضاً… عاد انتباهه لطعامه ….
……
بعد بضع ساعات … كان قد ذهب إلى عمله بينما هي بدأت في تنظيم المنزل ….
وقفت أمام المرآة في غرفتها تنظر لإنعاكسها بإبتسامة سعيدة للغاية ملابسها تلك المرة كانت محتشمة … لا سراويل ولا بلوزات قصيرة … وكل هذا من أجله… أجل جاسم … غامت عينيها بوردية حالمة … كان يبدو وكأن آلاف الفراشات تطير داخل معدتها بينما قلبها يدق بقوة …. منذ أن رأته مجددا وهي تشعر أنها تطير فوق غيمة وردية … لقد كانت مهووسة به أيام الجامعة …. فعلت المستحيل كي تلفت انتباهه…. حتى أنها ارتدت الحجاب من أجله في الجامعة ولكنه لم ينظر إليها صدفة حتى … وحتى أن تلاقت نظراتهما سوياً.. كان يشيح بعينيه … لم يرى ولعها به … لم يرى الحب الذي كان يسكن عينيها لم يشعر بإرتباكها حوله … وكأنها شخص غير مرئي … لقد رفضت أن تتزوج بسببه لم تتخيل أن ترتبط بشخص غيره … والدته سوف تفقد صوابها بسببها هي … تنهدت وهي تضع كفها على قلبها وما زالت مبتسمة وهي تنظر لإنعكاسها …
- بتضحكي ليه يا اخر صبري زي المجنونة …
قالتها هدى والدتها وهي تلج لغرفتها لتنظر إليها حورية بإبتسامة سعيدة وتقول:
- هو ممنوع اكون مبسوطة ولا ايه يا هدهد …
- لا طبعا بس حابة اعرف ايه اللي شقلب حالك من امبارح …
ارتبكت واحمرت خجلا تحت نظرات والدتها الماكرة لتكمل هدى:
- ايه اخيرا هتفرحيني وتتجوزي …
- يووه يا ماما مفيش الا الموضوع ده في دماغك … أنا اتاخرت على الشغل …
قالت جملتها تلك ثم أمسكت حقيبتها وهي تهرب من نظرات والدتها التي أخذت تضحك والأمل ينمو داخلها ….
……
في المشفى …
- صباح الخير …
قالتها بإبتسامة وهي تلج إلى غرفة الطوارئ كان جاسم يجلس على أحد المقاعد بينما مروان يفحص مريضة ما … ابتسم مروان وهي يتمتم:
- صباح الورد يا دكتورة حورية …
نظرت حورية إلى جاسم ليرد عليها التحية ولكنها وجدته ما زال شارداً.. عبست وهي تشعر بالضيق ولكنها ابتسمت مجددا لكي لا يشعر أحد بشيء……
……
بعد قليل … في المقهى الخاص بالمشفى …
كان يجلس على الطاولة وهو يتناول قهوته عابس الوجه …
- ممكن اقعد هنا ؟
قالتها حورية بإبتسامة رائعة كانت لتسلب عقل أي شخص الا هو … رفع عينيه ونظر إليه وهو يقول ببهوت:
- في ترابيزات كتير ….
شعرت بالإحراج من رده ولكنها امتلكت الجراءة لتجلس وقالت بمرح:
- لسه زي ما انت متغيرتش من الكلية ….
لم ينظر إليها وقال:
- يعني ايه ؟!
- يعني لسه انسان منغلق على نفسك مبتكلمش حد .. كلامك قليل … أنا فاكرة أن أيام الجامعة متكلمناش كلمتين سوا …
- هو حقيقي أنا مش فاكر انك كنتِ معايا في الكلية قبل كده …
احمرت بإحراج وقالت:
- اظنك مش فاكر أي بنت كانت معاك في الكلية … انت مكنتش بتبص لاي واحدة …
- ده شئ وحش يعني ؟!
قالها بهدوء لتهز رأسها بسرعة وتقول:
- لا طبعا ده شئ هايل يعني انت انسان محترم … بس مش لازم تبقى منعزل للدرجادي …
نظر إليها لأول مرة … عينيه كانت باردة ثم اطرق برأسه مجددا وهو يقول بإنفعال:
- شوفي يا دكتورة أنا مبحبش اتعامل مع أي ست مهما كانت تشوفني معقد منعزل ميهمنيش ده اسلوبي … حضرتك بتفرضي وجودك عليا … أنا حقيقي مش فاهم بتلاحقيني ليه بالطريقة دي …
بهتت وهي تنظر إليه وتجمع ستار رقيق من الدموع بعينيها وهي تقول بصوت مخنوق:
- أنا آسفة لو بتطفل عليك ……
أطرق برأسه فنهضت بغضب وهي تمسك كوب القهوة الخاص بها ….. ثم ذهبت مُسرعة للحديقة المحيطة بالمشفى … كانت تقف وهي تتنفس بسرعة بينما الدموع تغطي وجهها لن تكلمه ابداً.
- متزعليش من جاسم يا دكتورة حورية..
قالها مروان وهو يقترب منها … نظرت إليه بصدمة ومسحت دموعها وقالت:
- وأنا ازعل منه ليه؟
- أنا شوفت اللي حصل من بعيد يظهر أنه ضايقك فمشيتي … أنا بس حابة اقولك حاجة قبل ما تورطي قلبك …
نظرت إليه بدهشة وهي لا تفهم ليكمل هو:
- جاسم متجوز !……
في العنوان الذي بعثه لطيف ليوسف …
كان يوسف يقف أمامه بشجاعة دون خوف وهو يقول:
- أهو جيت اتعامل معايا انا ….
ثم نظر إلى منير الجالس على الأرض يبدو أنه اُصيب بطلقة فى قدمه لأنها مربوطة بشكل مهمل …
- فين مراتي وابني …
ابتسم يوسف بشراسة:
- تقصد مراتي وابني أنا يا لطيف … لا دوول راحوا بعيد مش هسمحلك. تأذي حد تبعي …. خرج منير من هنا وتتعامل معايا راجل لراجل ولا أنت جبان لدرجة تستخبى ورا رجالتك والسلاح اللي في ايديك !
ابتسم لطيف ونهض وهو يقول:
- اقسم برب العزة أنا هخليك تتمنى الموت دلوقتي يا يوسف … هتتمناه ومش هتطوله!
رواية اسرت قلبه الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سوليية نصار
الفصل الرابع والاربعون(يريدها)
تسلبين أنفاسي ...أي سحر تمتلكين يا سمراء ؟
عاصي لرحيق
.....
-أنا قدامك اهو اعمل فيا اللي انت عايزه ..مش هقاوم بس سيب منير !!
قالها يوسف بدون خوف...كانت عينيه العسلية ترمقانه بقوة كما اعتاد ...طحن لطيف أسنانه وهو ينظر إليه ...ألا يخاف هذا ...كيف يمتلك هذا القدر من الشجاعة ...لطيف من يعمل في المافيا لا يمتلك تلك الشجاعة ابداً...
-مش خايف على حياتك يا يوسف ؟!
-تؤ ...خالص ...هدي الشرف لواحد جبان زيك يقتلني ...اي خدمة يا عم ....
-أنت عارف انا ممكن اعمل فيك ايه ؟!
-ايوة عارف هتعذبني وتقتلني ...بس صدقني يا لطيف عمري ما هديك لحظة السعادة اني اترجاك تقتلني ...هتحمل اللي تعمله لحد ما أموت ....
شده لطيف اليه من قميصه وهو يضع السلاح على جبينه ...يضغط عليه بينما يطحن أسنانه بصرير مزعج ...نظر إليه يوسف وهو يبتسم بإستهانة ويقول :
-أنت ضعيف يا لطيف بجد ....جبان كمان ...أنا مش خايف منك ...
&فين ماجدة ...
قالها لطيف بغضب فابتسم بوجهه وقال:
-ماجدة مش هتقدر تلمس شعرة منها اوعدك لا هي لا ابنها ...ها هتطلع منير ونتواجه راجل لراجل ...اثبتلي انك مش بتستخبى ورا رجالتك !....
-عايزني أطلع منير... واجهني الأول ولو فوزت هطلعه ...
ابتسم يوسف بسخرية وقال:
-بس بس ده احنا عينينا يا فندم ...
ألقى لطيف سلاحه وصرخ في رجاله :
-محدش يتدخل !!!
ثم خلع سترته وقال:
-تعالي يا حيلتها ....
ثم دفع بقبضته السليمة ليلكمه حيث أن الأخرى مصابة بواسطة دارك الا أن يوسف أمسك قبضته داخل كفه ببساطة ولكنه بدلا من هذا بقوة على وجهه...تراجع لطيف وهو يترنح ....ثم اقترب يوسف مرة أخرى وهو يضربه بقوة على وجهه...كان يمسكه من قميصه وهو يضربه بعنف شديد ....يفرغ غضبه به ...هذا الحقير تجرأ وهدد عائلته ...تجرأ وأذى صديقه ....الغضب داخله كان مُدمر...كان يضربه بقسوة دون أي رحمة ...لم يستطع لطيف أن يجاريه ...اللعنة هو حتى لم يسدد له أي ضربه ....
سقط على الارض بوجه مكدوم وأقترب يوسف مرة آخرى ليضربه أنه صرخ في رِجاله :
-اضربوه بالنار في رجله ...بسرعة يا بهايم !!!
وبالفعل قام أحد رجال لطيف بالتصويب على قدم يوسف ليسقط أرضاً وهو يصرخ بفعل الألم ....نهض لطيف بسرعة ثم رفع قدمه وضرب يوسف بعنف ليصرخ مجددا....رفع رأسه وقال:
-شوفت انك تحت رحمتي ....أتاكدت دلوقتي ؟!!
رفع يوسف نظراته له وابتسم ساخراً ثم قال:
-ايوة ...اتأكدت انك فعلا جبان يا لطيف ...بتتحامي في رجالتك ؟!في مسدسك...مقدرتش تواجهني راجل لراجل ....يا خسارة لقب الذكر اللي في بطاقتك ...
ثم.اخذ يضحك عليه ساخرا رغم ما يشعر به من ألم ....احمر وجه لطيف من الغضب ....كان الحقير يسخر منه ...ألا يكفي أنه جعله أضحوكة بين رجالة ....اقترب لطيف بشكل أكثر خطورة ثم قال :
-أنا هربيك دلوقتي ....
ثم نظر إلى رجاله وقال :
-أدبوه ....
ثم اتجه وجلس على المقعد بينما ثلاث رجال أقوياء يقتربون من يوسف ...على وجههم إمارات الشر ...
-ابعدوا عنه ...
صرخ منير برعب وهو يتأ.لم ...شعر بالهلع وهو يتأكد أن نهاية صديقه المقرب سوف تكون اليوم ....
بدأ الرجال يضربون يوسف بقوة وسط صراخ منير ونظرات لطيف الراضية تماماً وكأنه بتلك الطريقة شعر بكرامته تعود إليه !!....
-ابعدوا عنه يا حيوانات!!!
اخذ منير يصرخ والدموع تطفر من عينيه بقوة بينما يوسف يصرخ بألم .......
بعد قليل ابتعدوا الرجال وهو يلهثون ...كان يوسف ساقط على الأرض ...وجهه مكدوم.بشدة ...
نهض لطيف وهو يبتسم يسير بعرج بسيط بسبب ضرب يوسف له ...اقترب بوجهه منه وهو يقول :
-ها أتأدبت يا حيلتها وهتقولي مكان ماجدة فين هي وابنها ...عرفت اني راجل واقدر اطلع المعلومة منك كويس ...
ضحك يوسف بسخرية وهو ينهض قليلا ويبصق الدماء من فمه ويقول :
-مرة بعد مرة بتأكد أن توصيفك كذكر في البطاقة اتكتب غلط ....
اشتعلت عيني لطيف بالنيران وأمسك شعر يوسف وهو يهدر به :
-أنت ايه ...انت ايه ؟؟؟
ثم نهض وهو يتنفس بصعوبة...يحك.شعره بينما يطحن أسنانه بعنف ...لا يصدق أنه لم يستسلم بعد ...رباه يجب أن يستسلم ...دارك لن يرحمه أن لم يأتي بجثثهم ....
مسح وجهه بعنف وهو يصرخ بأحد رجاله ....
-توفيق تعالى....
اقترب توفيق بسرعة من سيده وهو يقع أمامه بينما قال لطيف:
-توفيق تقلب الدنيا على ماجدة وابنها لحد ما تلاقيهم ...مترجعش ألا وهما معاك....
ابتسم يوسف ساخراً بينما هز توفيق رأسه وهو يسحب زميل آخر معه ويخرجان من المنزل المنزل ....
نظر لطيف إلى يوسف وقال:
-أضحك اضحك ...أنا بس عايزك تضحك لما اقتلهالك قدام عينيك ...وديني لأخليها تندم عشان سابتني وراحت لواحد زيك .....
لم تختفى ابتسامة يوسف الساخرة ليهدر لطيف :
-اخفي الابتسامة السمجة دي عن وشك ...أنا لولا اني عايز اقتلها هي قدامك الاول كنت قتلتك وخلصتك ...
ثم كاد أن يذهب الا أنه توقف وهو ينظر إلى باقي رجاله ويقول:
-كتفوهم الأتنين !!
هز الرجال رأسهم بطاعة وهو يتجاهان إلى يوسف ومنير ....
قاما بوضعهم في غرفة فارغة ثم قاما بربطهم سوياً....
كان يوسف يغمض عينيه من الألم وكذلك منير ....تنهد يوسف وهو يحاول أن يُدير رأسه لكي يرى صديقه وقال:
-سامحني يا صاحبي أنا اللي ورطتك في ده كله ...أنا السبب ...انت مكانش لازم تتورط ...أوعدك يا منير اني هخرجك من هنا ولو كان التمن حياتي ....
ابتسم منير وقال:
-بطل عبط ياض انت مفكر العيل اللي فرحان بالسلاح اللي معاه ده مخوفني ...يا صاحبي أنا أموت عشانك....بس انت طلعت وحش والله كسرت مناخيره قدام رجالته الراجل ال****بيتحامى في رجالته منك ...عيب على رجولته والله ....المهم انت حطيت ماجدة ومحمد في مكان آمن ....
-ايوة ...
زفر براحة وقال :
-الحمدلله..مهما حصل متقولش على مكانهم ...حتى لو هددوك بيا ....
-أنا بتقول ايه ؟!
قالها يوسف بحيرة فابتسم منير وقال:
-هيحاولوا يهددوك بيا عشان تقول مكانهم فين...زي ما هددوك.وجابوك هنا ...متتكلمش يا يوسف ...لو كان نصيبي اموت على أيديهم انا مش هعترض ...لكن متقولهومش على مكان مراتك وابنك
هز يوسف رأسه وتمتم قائلاً:
-متخافش يا منير أنا عمري ما اعمل كده ...أنا مش بالغباء ده ابداً...اكيد مش هضحي بيك متقلقش يا صاحبي هنخرج من هنا كويسين ....ء
أغمض يوسف عينيه وقال :
-رجلي وجعاني بتمنى المجنون ده يربطها بأي حاجة على. الأقل ...الألم لا يُطاق...لو مكانش دخل رجالته كنت مسحت بكرامته الأرض ....
ضحك منير وقال:
-طول عمرك مجنون يا يوسف مبتخافش من حد ...فاكر لما خطفت نسرين ....
ضحك منير وقال:
-يا صاحبي الواد ده لسه ميعرفكش أنا واثق انك مخبيله مصيبة ....
ابتسم يوسف بإنتصار وقال:
-مصيبة حلوة أووي يا منير
بعد ساعة تقريباً
شعر يوسف ومنير بحركة خارج الغرفة ...ولج لطيف بغضب وهو يوجه سلاحه نحو منير ويقول :
-اتكلم وقولي فين ماجدة والا هقتلك صاحبك.!
هز يوسف كتفه وقال بالامبالاه :
-اقتله عادي !
.......
-صحيح هتروحي لإبرام عشان يعالجك....
قالها جورج وهو يقف أمامها ....كانت الغيرة تعمي عينيه ....رفعت عينيها عن هاتفها وهي تنظر إليه بتعجب ...قالت ببهوت :
-ايوة ....
-هو مفيش دكاترة نفسيين غيره يعني يا ماريانا ...أنا مش موافق خلينا نشوف دكتور تاني ....
أغمضت عينيها وهي تحاول ألا تفقد أعصابها ثم نهضت وهي تذهب من أمامه ...امسك ذراعها يمنعها من الذهاب الا أنها نفضت يده بقوة وهي تنظر إليه ببرود شديد ......
-مش كفاية يا ماريانا انا تعبت ...
قالها بيأس فردت :
-كفاية انك.بعيدة عني ...كفاية أن الكل عارف عنك كل حاجة الا أنا ...انا زي الغريب اعرف من بابا انك هتتعالجي عند إبرام ....
-أنا مش عايزة اتكلم في الموضوع ده لو سمحت يا جورج ...
قالتها بتعب ثم كادت أن تذهب الا أنه توقف أمامها وهو يقترب منها ثم شدها ورفعها قليلا وعانقها بقوة ...توسعت عينيها وهي تحاول أن تقاومه إلا أنه بدا متمسك بها ....كأنها شئ ثمين يخاف أن تضيع منه ...
-جورج ...جورج سيبني !!!
قالتها بإختناق وهي تحارب تلك المشاعر التي بدأت تنتابها بشكل مفاجئ...رباه لا هي لا تريد أن تشعر بأي مشاعر نحوه ليس بعدما حدث ...
رغم مقاومتها إلا أنه لم يبتعد بل شدها بقوة إليه وهو يغمض عينيه ...رباه لقد أشتاق إليها....أنه يموت كل يوم لانه لا يلمسها ...كيف تكون قاسية لهذا الحد ...كيف تسيطر على مشاعرها ...فجل ما يرغب به الآن أن يسمع منها أنها تحبه ...أنه يحترق ليسمع تلك الكلمة من بين شفتيها يكاد يتوسل لكي تنطقها ولكن يبدو أن هذا حلم بعيد المنال ....
-جورج كفاية ابعد ...
قالتها وهي تضربه على كتفه بقوة ...تحاول أبعاده عنها فجأة دفعته ليرتد عنها ...اقترب منها فجأة وهو يعانق وجهها ليقلبها ولكن فجأة امتدت يدها وصفعته بقوة !!....
وضع كفه على وجنته وهو مصدوم من تصرفها لا يصدق أن زوجته ماريانا الرقيقة التي كانت تحبه وتحترمه تعامله بتلك الطريقة السيئة ...نظر إليها وقال :
-بتضربيني يا ماريانا معقول ؟!أنتِ تعملي فيا كده؟!أهون عليكي ....
ابتسمت وهي لا تصدق ما يقوله ...كم هو وقح ...
-ومتهونش ليه؟ ما أنا هونت عليك ...كنت حامل يإبنك بواجه الموت هنا وانت كنت في حضن الهانم وعادي هونت عادي يعني ايه المشكلة لما تهون يعني ولا انت فاكر هفضل احبك للابد واخاف على مشاعرك واخليك من أولوياتي ؟!
نظر إليها بصدمة لتكمل هي :
-أنا رميتك من حياتي ....أنا مش عايزاك تقرب مني .....أنا هنا عشان والدتك ...رجعت عشانها بس ...لكن متتوقعش اني ارجع معاك زي الاول ...متتوقعش اني اسمحلك تلمسني يا جورج ....اظن بوجود سيلا مش هتكون فيه مشكلة اني مش بديك حقوقك الزوجية
-سيلا مبقتش موجودة في حياتي ...أنا طردتها من اول اللي حصل ...وانا والله ما في اي حاجة حصلت بيننا أنا كنت عندها وقتها لأنها كانت تعبانة ...سخنة ...
ابتسمت ساخرة وقالت:
-صدقني ده مبقاش يهمني ....
التمعت الدموع بعينيه واقترب منها وهو يمسك كفها ويقول :
-ماريانا ما تديني فرصة واحدة ...واحدة بس انا ضايع من غيرك ...أنتِ هنا معايا صحيح بس برضه مش معايا ...مش عارف اركز في شغلي ولا في اي حاجة وأنتِ بعيدة بالشكل ده عني ...أنا بحبك يا ماريانا وبتعذب وأنتِ باللامبالاة دي ....
-الدنيا دوارة يا دكتور هي دي نفس المبالاة اللي كنت بعاني منها معاك...جرب ألم الحب من طرف واحد واحكيلي عنه ...
ثم تركته وذهبت !
.............
أنها عنيدة جداً ..عندما تريد شئ تتمسك به بقوة ولا تتخلى عنه....فكر أمجد وهو يتعامل مع عبوسها الذي أصبح روتين ممل...منذ أن رفض نهائياً عملها ومنعها من الخروج .....
على طاولة الغداء كالعادة تجلس وهي ترتدي خمارها وفستانها وتاكل بهدوء ...لم تنظر إليه حتى بينما على ارتسمت على شفتي دلال ابتسامة ماكرة وهي ترى جيلان ...يجب أن تعترف أن تلك الفتاة قوية ...وهي من ستربي إبنها ....الأمر أن أمجد أصبح متحكم بشكل غريب الايام الفائتة ...كلما عاندته جيلان كلما أصبح أكثر عنادا ...أنها لا تصدق أنه حتى منعها من الخروج من المنزل نهائياً...ولو حتى لِشراء اي طلب....والآن هي تعاقبه بعدم الحديث معه ...تعامله كأنه غير مرئي غير موجود ....
-انا اخدت إجازة كام يوم زي ما أنتوا عارفين عشان كده ايه رأيك يا ماما نروح أنا وأنتِ وجيلان ونتفسح شوية وبعدين نروح لرحيق بقالنا اسبوع مشوفنهاش وبعدها نسافر الغردقة لنوران من اول ما اتجوزت مشوفتهاش وهتكمل شهر ....
-والله أنا شايفة أنها فكرة حلوة
قالتها دلال مبتسمة ثم نظرت إلى جيلان التي تتناول طعامها بصمت وقالت:
-ايه رايك يا جيلان ....
-أنا مليش رأي ...
قالتها ببرود لتعبس دلال بينما يقول أمجد بنفاذ صبر :
-ممكن أفهم قصدك ايه ؟!
لم ترد عليه وهي تتناول طعامها .....
نهض أمجد واقترب منها ثم أمسك ذراعها فجأة يمنعها من أن تأكل ...
نظرت إليه بصدمة. بينما قالت دلال بتوتر :
-أمجد ابني ؟
-امي لو سمحتي ....
جعلها تقف على قدمها وقال :
-تعالي عايزك ....
ثم حاول شدها إلا أنها ثبتت أقدامها مكانها وهي تقول :
-لا أنا عايزة أكل !
شدها إليه وقال من بين أسنانه :
-متختبريش صبري ...تعالي ..
ثم جذبها خلفه لتتنهد دلال بتوتر وتقول :
-ربنا يهديكم يا عيال ...عاملين زي القط والفار !
.....
-أمجد ممكن تسيب ايدي !
قالتها بضيق وهي تحاول أن تشد يدها ولكنه قبض عليها بقوة وهو يقول من بين أسنانه :
-احسنلك تسكتي ....
اخذها للشقة المتواجد فيها بينما هي تحاول أن تفلت يدها منه فلا تستطيع ...
-ممكن تسيبني. ..
قالتها وهي تطحن أسنانها بغضب شديد ولكنه لم يستمع إليها ...ولج للشقة وأغلقه خلفه ....
-أنت فاكر نفسك.مي.....
كانت تصرخ به ولكنه أخرسها بقبلة عنيفة ....ارتج كل شئ داخلها بينما أغمضت عينيها لم تحاول أبعاده بل تمسكت به وهي تضغط على عينيها بق،وة .....
ابتعد عنها بعد لحظات ثم قبل رأسها وقال :
-أسف على تصرفاتي الفترة اللي فاتت ....
كان يشعر بالخجل من تصرفاته الايام السابقة ....لقد اذاها عمدا لأنها عاندته ...أمجد.كان يؤمن دوما ان جيلان يجب أن تطيعه في أي أمر ...لم يتخيل ابدا أنها عنيدة بهذا الشكل وهذا ما جعله يغضب منها ويقرر بطفولة معاقبتها ....
اشاحت بوجهها عنه وما زالت الدموع حبيسة عينيها وقالت:
-تتأسف على ايه ...انت مش شايف نفسك غلطان ...شايف ان حقك تحبسني وتمنعني من اني اطلع انت في النهاية جوزي ومفيش لا اب ولا أم ليا عشان يدافعوا عني ...معنديش أهل ...معنديش أمان ...
امسك ذراعيها وهو يقول بلهفة :
-متقوليش كده انا عيلتك أنا أمانك !
انسابت الدموع من عينيها وهي تنظر إليها الخُذلان كان يشع من عينيها وهزت رأسها وهي تقول بصوت متهدج بفعل البكاء :
-أنت عمرك ما كنت اماني يا أمجد ...قولتلك قبل كده انا العروسة اللي انت عايز تحركها بمزاجك ...بس حابة اقولك اني في اليوم اللي أقرر اتحرر من العلاقة دي مش هرجعلها تاني ...ولو حبي خلاني اصبر عليك النهاردة مش هيخليني اصبر عليك بكرة !
.........
في المساء ....
تشعر وكأن حافلة ما قد صدمتها ...منذ أن اخبرها عمها بالحقيقة وهي تشعر بالضياع ....كانت تجلس بجوار سيف ...الطبيب أخبرها أن عمليته قد نجحت ...وقد تم إخضاعه للمراقبة لأربعة وعشرين ساعة وقد نجا بفضل الله. .والآن هي تجلس بجواره ...حتى يستيقظ ويراها ...كانت غارقة بالتفكير فيما أخبره بها عمها....
.......
لم تتخيل يوما أن من لجأت إليه يوماً...من ظنت أنه سوف ينقذها من عمها ....من اعتبرته يوماً الآمان هو من فعل بها هذا ...هو من دمر حياتها ...ألقاها للجحيم بيديه ...والمبرر عشق !اي عشق هذا الذي يجعله يدمر حياة من أحب ...اي نوع من العشق هذا ...هذا ليس عشق ..هذا هوس ...انهمرت دموعها وعينيها ما زالت متسعتا بقوة وهي تنظر لعمها ...الخذلان كان يشع من عينيها ...عمها كان يعرف ...كان يعرف أن معاذ هو من فعل هذا....من يعرف أيضاً هل. هو سيف ....
تحركت شفتيها بسؤال تخاف أن تسمع إجابته ...ولكن مياس الجديدة التي وُلدت من جديد على يد سيف لا تهرب بل تواجه
-سيف يعرف كمان يا عمي ....
هز جلال رأسه بقوة وهو يمسح دموعه وقال:
-مقدرتش اقول لسيف لاني عارف أنه كان هيقتله ....سيف مبيتسحملش اي حاجة فيكي يا مياس ...لو كان عرف كان قتل معاذ وراح في ستين داهية ....
ابتسمت بحزن ...رغم الجنون الذي حولها ابتسمت ...سيف أحبها أكثر من أي شخص آخر ....أغمضت عينيها وهي تقول :
-وأنا بحبه كمان ...
وضعت كفها على قلبها وهي تربت عليه وتقول :
-سيف هيبقى كويس... هيبقى كويس يا عمي ....
أطرق جلال برأسه وقال بتردد وكأنه يذكرها .:
-مُعاذ هو اللي هاجم سيف ....
فتحت عينيها والكلمة تدخل بعقلها ...نعم لقد أخبرها ولكن حقيقة أنه شوهها جعلت عقلها يتوقف ....
نظرت إليه بصدمة والدموع تتجمع بعينيها مُجددا وقالت ببشرة شاحبة كالأموات :
-بسببي صح ...
هز جلال رأسه وقال ؛
-مُعاذ مهووس بيكي يا مياس ...عمل كده عشانك ....هو كمان السبب في حادثة سيف الاولى...
شعرت بالدوران للحظات والدموع تنساب من عينيها ....الخوف استوطن قلبها ...ذلك المجنون ....المختل !!!
-طيب مفيش حاجة تمنعه. ...
-أنا لبسته قضية نصب ...نصبت ليه فخ مع واحد تبعي خلاه ياخد فلوس من ناس ويكتب عليه شيكات ويشغلها تبع برنامج من برامج القمار الالكتروني لحد ما خسر كل حاجة والناس رفعوا عليه قضية بالشيكات...بس هو قدر يهرب ...ولحد دلوقتي مش عارفين هو فين ....
-يعني وجودي بيمثل خطر على سيف صح؟
قالتها بصوت ميت ..هز عمه رأسه وكاد أن ينفي الا أنها قالت بنبرة متألمة :
-قولتلك أنا لعنة على الكل !ولازم أمشي !!!
نظرت إلى عمها وقالت:
-لو سمحت يا عمي لو عايز تحافظ على حياة ابنك يبقى متمنعنيش لما امشي من هنا...
كاد جلال أن يعترض ولكن حالة ابنه جعلته يتراجع ....هو يحب مياس ولكن لا يوجد لديه من أهم من سيف
.....
خرجت مياس من شرودها وهي تنظر إلى سيف ...تبتسم بحب له ...رباه كم تعشقه !
أمسكت كفه وهي تقبله برفق وتقول:
-سامحني يا روح مياس على اللي هعمله ...لكن دي الطريقة الوحيدة ....أنا لعنة يا سيف على كل اللي حواليا ...أنا بحد اقتنعت اني فقرية في أي مكان اجيب الفقر ...بس عايزاك تعرف أن مياس محبتش قدك يا سيف ....اللي قبلك مكانش حب. ..أنا عرفت الحب الحقيقي على إيديك ...وقلبي وروحي مش هيكونوا لحد غيرك !
...........
تتسطح على فراشها والدموع تجرى على وجهها ...تضع كفها على فمها وهي تكتم شهقاتها...ما زال كلام مروان يدور فى عقلها !!!
....
-جاسم متجوز يا دكتورة حورية ....
ارتد وجهها بقوة. ثم شحبت كألاموات ...شعرت فجأة وكأن الفراشات بمعدتها تحولت لوحوش أخذت تلتهم أحشاءها ...وكأن تلك الفقاعة الوردية التي كانت تعيش بها منذ رأته انفجرت لتسقط هى على الأرض دامية ....حاربت الدموع التي بدأت تتجمع بعينيها وقالت بنبرة مرتجفة :
-ايوة مبروك وأنا أعمل ايه يعني ؟!!
نظر إليها مروان بشفقة وقال:
-أنا مجرد بنصحك يا دكتورة عشان قلبك ما يتورطش !!
احمر وجهها غضباً وهتفت به بإنفعال:
-ايه قلبك ميتورطش دي ؟!انت فاكر نفسك مين عشان تكلمني بالطريقة دي ...وانت مالك اصلا ؟!أنا مفيش حاجة بيني وبين دكتور جاسم ..هو مجرد زميل عمل وكان زميل دراسة ...
أجفل من هجومها ورفع كفيه وهو يتمتم :
-أسف ...اسف بجد...أنا بس كنت ...
-لو سمحت متتكلمش معايا ....ل
التزم بحدودك والا هشتكيك فاهم!!!
ثم تركته غاضبة وذهبت ليهز رأسه وهو يقول :
-ربنا يستر عليك يا جاسم .....
......
خرجت من أفكارها العاصفة وهي تبكي أكثر ...لقد تدمرت كل أحلامها ...حلمت وخططت أن تكون معه ...تتزوج به ولكن كل شىء تدمر ...الحقيقة ظهرت ببشاعة...هو مِلك لإمراة أخرى ....كم رغبت أن ترى تلك المرأة التي سيطرت على رجل مثله ...رجل لم يرفع عينيه لأي امرأة أخرى مهما كانت جميلة ...جاسم ايام الجامعة لم يكن فتى أحلامها هي فقط بل العديد من الفتيات اللاتي أُعجبن به في السر والبعض الذي بالفعل حاولت لقت إنتباهه ولكنه لم يهتم ...ابدا ...وكأنه مُحصن ضد الفتنة ....فضولها ازداد لترى تلك الفتاة ...ترى مقدار جمالها ليختارها جاسم ...الغيرة تملكت من قلبها وهي تضع الوسادة على وجهها ودموعها تنهمر بشكل اقوى ...كم هي محظوظة زوجته تلك ...محظوظ لأنها حصلت عليه ...ليتها كانت هي ...ليته أحبها ...أو رآها ماذا تفعل الآن ...كيف تتخلص من هذا الحب ...كيف !!,
...........
ما تشعر به الآن هو عقاب مضاعف على عقابها ...أنها تغرق به كل يوم ...بتفاصيله ...تحاول أن تزيح عينيها عنه فلا تستطيع....تعلقت عينيها به وهي تراه يخرج من الحمام يجفف شعره المبتل بينما منامته مبتلة قليلا ...كانت تراقبه من خلف الباب ...لا تسمح لنفسها أن تخرج وتقتحم رقعته ...هي تعرف انها لا يريد أن يراها ....
أغمضت عينيها بيأس وهي تفكر أن الأيام تجري سريعا وأنه سوف يتركها ويتزوج غيرها تنهدت بتعب وهي توبخ نفسها على ما تفكر به ...هذا هو حقه ...هل ظنت انها سوف تعيش معه حياة سعيدة بعد كل ما حدث ...هذا مستحيل كلياً!
فجأة توقف وهو يصوب نظراته نحوها وقد رأى نصفها من الباب وقد كانت تنظر إليه ...هز رأسه وهو يقول ببرود.:
-خير ؟!
هزت رأسها وهي تقول بخفوت ؛
-مفيش حاجة ....
-عايزة حاجة ؟!
هزت رأسها وقد دمعت عينيها ...
لم يهتم أكثر من هذا واتجه إلى غرفته تاركاً إياها والدموع تنساب من عينيها ...
ولجت هي لغرفتها واتجهت إلى فراشها وتسطحت عليه ...بتوتر أخرجت القميص الخاص به من تحت الوسادة ...قميص قد أخذته خلسة ...أغمضت عينيها وهي تضم القميص إليها بينما قلبها يرتجف.....رباه هل ينقصها عذاب على عذابها الآن ...أن تحبه هو العقاب الأكبر بالنسبة لها لأنها سوف تتعذب طوال حياتها بسبب هذا الحب ...
.......
يضع ذراعه على عينيه يحاول النوم ...رغم أن الوقت لم يتأخر ولكن أصبحت عادته أن ينام مبكراً كي يستيقظ على آذان الفجر ....تقفز هي لعقله بين الحين والآخر ..مازال يتذكر عينيها اللامعة وهي تنظر إليه ..زفر بضيق وهو يحاول إخراجها من عقله ...يريد إلهاء ..اي إلهاء ...أغمض عينيه بقوة وهو يتذكر تلك الفتاة. .حورية من تقول انها زميلته في الجامعة ...هو حقاً لا يتذكرها وهذا طبيعي لشخص مثله لم ينظر لأي امرأة لا تحل له ...ولكنها تلاحقه بطريقة غريبة ..لا يمكنه أن يقول إنه لا يفهم ما تريده ولكنه ليس ذلك الشخص الذي يتكلم مع فتاة دون أي رباط شرعي ...ليتها نوران كانت تحمل هذا الشغف نحوه ...
فكر بآسي وهو يفرك عينيه بقوة ويفكر بغضب أنه عاد ليفكر بنوران مرة آخرى ...استعاذ من الشيطان الرجيم ...ثم نهض وهو يخرج ليتوضأ ......
بعد قليل كان قد ولج لغرفته وشع سجادة الصلاة الخاصة به ثم بدأ بالصلاة ....صلى ركعتين لله وبعدها قام بقرأءة القرآن ....
بعد أن انتهى رفع يديه للسماء وقال:
&يارب أنا عبدك الضعيف ...لا أملك من امري شئ الا الدعاء. يارب خرجها من قلبي ...يارب أنا عايز ابطل أحبها. ..يارب ساعدني انساها يارب . يارب
..........
-إيدز؟!!
قالها بصدمة وهو يستوعب الآمر ....شعر وكأن هذا كله كابوس للحظات ....هز عادل رأسه وقال :
-دكتور انت بتقول ايه ؟!إيدز ايه ؟!
أطرق الطبيب بوجهه وقال :
-للاسف يا استاذ عادل ده اللي ظاهر في التحاليل ....حضرتك مصاب بمرض نقص المناعة .....
ضحك عادل للحظات بسخرية وقال:
:-لا لا اكيد التحاليل دي فيها حاجة غلط ...أنا عايز أعيدها تاني لو سمحت !
صمت الطبيب وهو ينظر إليه بشفقة ليضرب عادل على المكتب وقال:
-بتبصلي كده ليه يا دكتور ...أنا بقول يالا نعيد التحاليل ...التحاليل دي غلط !!!
-عادل بيه ممكن تهدى؟!
-اهدي ايه ؟!أهدى ازاي شوف انت بتقول ايه ؟!إيدز ايه اللي أنا مُصاب بيه...ده مستحيل يكون صح ....خلينا نعيد التحاليل...ده مستحيل يكون صح ....
كان يهذي برعب ...مستحيل أن تكون نهايته هكذا ...ولكن تلك هي نتيجة تلاعبه وعلاقاته غير الشرعية الكثيرة !
نظر إليه الطبيب بأسف وهو لا يدري ماذا يقول أو كيف يواسيه ...لذلك التزم الصمت بينما أخذ عادل يتكلم دون توقف وهو يشعر بالعالم يضيق من حوله !!!
........
استقل سيارته وهو يقودها بسرعة الدموع تجري على وجهه ...كان يعرف. .يعرف أنه سيُعاقب على فعلته جيدا ولكنه لم يتخيل ابدا ان يكون العقاب قاسي لهذا الحد ....ايدز؟!!موت بالبطئ ...فيروس ليس له علاج ؟!كل أحلامه تدمرت ...والآن هو سينتظر موته ...لم يكون له الحق بالزواج أو أن ينجب اطفال ....أخذ يضرب على المقود بغضب وهو يبكي بعنف. يقول :
-يارب يارب ...ده عقاب صعب أنا مش قده يارب يطلع ده كابوس يارب ...يارب أنا غلطت كتير عارف يارب انت بإيديك كل حاجة يارب تطلع التحاليل غلط.!!!
ظل يبكي وهو يتضرع لربه بينما داخله يقر أن هذا بسبب ما فعله بنوران ...هذا ذنبها هي ...لقد كان حقير معها ونال ما يستحقه ....خدعها بإسم الحب ...هددها ...اعتدى عليها ...دمر حياتها ودنسها والآن هو يدفع الثمن ...كان والده مخطئ تماماً فليس نوران وحدها من ستعاني من نتائج ما حدث ...هو. الآن ينال عقابه ...وعقابه كبير حقا !!
.......
كان جالس بسيارته بعد يوم طويل في العمل ...نظر إلى الصندوق المغلف جيداً وهو يبتسم بسعادة...كان الحماس يجري داخل عروقه كالدماء ...اليوم سوف تكون أول ليلة لهما سوياً ....
خرج وهو يمسك الصندوق ثم أتجه الى الفيلا الخاصة به ....
.......
-عاصي بيه حمدالله على سلامتك ...
قالتها نهلة مبتسمة بينما عينيها تستقر على الصندوق الذي بيده وغيمة من الحزن مرت بعينيها ولكنها وأدتها بقوة وعادت لملامحها البشوشة ...نظر إليها بهدوء وهو يفكر أنه منذ زمن يعرف أن نهلة ترسم أحلام مراهقة بشأنه ...تظن أن رجل مثله سوف ينظر إليها ...أنه في الثلاثينات من عمره وهي في الثامنة عشر ...لابد أنها مجنونة كي تفكر في هذا...ثم أنه متزوج ....وتلك النظرات منها لم تعد تعجبه ...صحيح انها لم تضايق رحيق حتى. الآن ولكنه متأكد أن امرأة ذكية كرحيق عرفت ما يجري ...هي ليست بذلك الغباء ......هز رأسه وهو ينفض تلك الأفكار عنه....هو ليس لديه وقت لهذا حقاً...الليلة سوف تكون لزوجته فقط .....
-فين رحيق يا نهلة ؟!
-مع أملاك يا عاصي بيه ...
هز رأسه وهو يبتسم وقال:
-طيب نصاية كده وقولي لها أن عاصي بيه مستنيها فوق ونامي أنتِ النهاردة مع أملاك ....
-ليه ؟!
قالتها بإندفاع ليتوقف وهو ينظر إليها ....يرفع حاجبه الأيمن ويقول بفظاظة بينما زحف الجليد بنظراته :
-نعم!...
تراجعت بخجل وقالت:
-يعني اقصد ...اقصد ....
-لا تقصدي ولا متقصديش ...نفذي اللي بقولك عليه !
ثم تركها وصعد لغرفته بينما توقفت هي مكانها والدموع تحتشد بعينيها بينما أطرقت برأسها...لقد تمنت أن يحبها دوماً...ولكن دوماً كانت شفافة بالنسبة له...ويبدو أنه حقاً احب زوجته الجديدة بعدما ظنت أنه أغلق قلبه...ولكن على الأقل رحيق امرأة طيبة عكس زوجته الأولى ...فما سمعته عنها من والدتها جعلها تُصاب بالذهول وجعلها تشعر بالشفقة على عاصي ...تحيه أيضاً وهي تحلم بسخافة أنها تداوي جراحه تلك ...تخيلت أن تتحمل كل تصرفاته الفظة وتظل خاضعة له حتى يحبها ...لذلك صممت على العمل عنده ...ولكنه لم.يسئ معاملتها...لم ينظر إليها حتى ...كأنها كانت مرئية!!
تنهدت بتعب وهي تستدير وتذهب ....
.......
بعد نصف ساعة ....
ولجت رحيق إلى الغرفة كما أخبرتها نهلة فقد أخبرتها أن عاصي ينتظرها ...عبست وهي تجد إضاءة الغرفة خافت ...
-عاصي
قالتها بإرتباك ليظهر أمامها عاصي وهو مبتسم ....يرتدي قميص ازرق على بنطال من الجنيز بنفس اللون ...يتبسم لها ابتسامة رائعة ...
-عاصي ايه ده ...
قالتها بذهول وهي تنظر إلى. الغرفة التي قد تم تزينها جيدا من قبله....
امسك ذراعها ثم قربها اليه وهو يضع قبلة قوية على وجنتها جعلتها تذوب خجلا ثم همس بأذنيها :
-أنا عايز اخلي جوازنا حقيقي النهاردة !
يتبع
رواية اسرت قلبه الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سوليية نصار
ارتعش جسدها بقوة. لم تكن خائفة هذه المرة، ولكن ارتعاشها كان بفعل حماسها. الحماس الذي يجعلها تحترق ليقبّلها مرة أخرى. هي ما زالت تتذكر أول قبلة لهم سوياً، تلك القبلة التي ظلت تحلم بها وتتمنى أن يعيدها العديد من المرات.
كان عاصي يقف وهو ينظر إليها، بينما هي شاردة بتلك الطريقة.
"ها روحتي فين؟"
ارتبكت وهي تقول: "ها، لا مفيش حاجة."
ابتسم لها وهو يقترب منها، يمد يده لشعرها ثم يزيل مشبك الشعر لينسدل على كتفها. هو معجب بكيفية عنايتها بشعرها، شعرها من تلك الأشياء التي مهووس هو بها. أمسك خصلة من شعرها ثم قبلها بلطف. ثم اتجهت يديه إلى خصرها ثم جذبها نحوه حتى أصبحت رأسها مقابل تجويف رقبته.
كانت ترتعش بقوة. رفع ذقنها وهو ينظر إليها. عينه الزرقاء كانت تبحر بعينيها، يبحث عن أي أثر للتردد أو النفور فلم يجد. ابتسم بسعادة وهو يطبع قبلة على ذقنها ويهمس: "تعالي."
ثم شدها نحو التراس. توقفت وهي تنظر لتلك الطاولة المزينة. كانت الطاولة عليها مفرش أبيض رائع، بينما يوجد عليها كعكة بالفانيلا يعلوها شوكولاتة بنية مخطوط عليها اسمهما. كتمت أنفاسها من تلك المبادرة اللطيفة.
ارتعشت وهي تجده يهمس بأذنها ويقول: "الاحتفال بأول ليلة لينا سوا."
ابتلع ريقها وقد يبدو عليها الاضطراب. مر كفيه على ذراعها وقال بلطف: "متخافيش، تعالي."
ثم جعلها تجلس على المقعد وهو يجلس في المقعد المجاور. كانت تطرق برأسها وهي تفرك كفيها بتوتر.
"رحيق ارفعي وشك."
ابتلع ريقها ورفعت وجهها وهي تشعر بوجنتيها ساخنة بفعل الخجل. أعطاها ابتسامة مطمئنة وقال: "افتحي بوقك."
أطاعته ليطعمها قطعة الشوكولاتة، ثم اتبعها بإطعامها الكعكة. هكذا استمر لفترة طويلة يدللها ويطعمها بيديه، بينما يمازحها حتى نسيت توترها وبدأت تضحك وقد نسيت خجلها الفظيع منه.
بعد قليل، نهض وقال: "أنا جايبلك هدية، أستني هجيبها." ثم ولج للغرفة لتبتسم وهي تطرق برأسها أرضاً. عليها يخفق بجنون وقد عاد خجلها الفظيع منه. لا تريد لتلك الليلة أن تنتهي.
وجدته يلج مرة أخرى وهو يمسك صندوق مغلف رائع. جلس وهو يضع الصندوق على الطاولة ويقول: "هديتي ليكي."
نظرت للصندوق وهي مبتسمة له وتقول: "ايه ده؟"
هز كتفيه وهو يرد: "افتحيه وشوفي."
هزت رأسها وهي تزيل الغلاف. كان الحماس يتصاعد داخلها وهي ترغب برؤية الهدية الذي ابتاعها لها. بينما هو كان يرمقها بنظرة خاصة للغاية. انتهت من نوع الغلاف لتزيل الشريط الأحمر الذي كان يحيط بالصندوق ثم ازاحت الغطاء.
رمشت قليلاً وهي تسحب ما في الصندوق وترفعه أمام نظراتها. انفجرت الدماء بوجهها بفعل الخجل وشعرت وكأنها سوف تفقد الوعي، فالهدية التي أحضرها لها لم تكن إلا غلالة. لا يمكن أن يطلق عليها غلالة بالمعنى الحرفي، فهي عبارة عن قماش ساتر لمنطقة الصدر فقط، والباقي عبارة عن خيوط متشابكة، شيء لا يستر الجسد أبداً. هو يحلم لو ظن أنها سوف ترتدي هذا الشيء في أول ليلة لهما.
وضعت الغلالة بالصندوق مرة أخرى وهي لا تستطيع رفع عينيها نحوه. كان وجهها مخضب لحمرة الخجل بينما تشعر بالصمت الثقيل بينهما. هزت يدها وهي تجلب الهواء لوجهها الساخن وداخلها تشعر أنها سوف تفقد الوعي. مجرد تخيل أنها سوف ترتدي هذا يجعل اللون الأحمر ينتشر على وجهها. صحيح هي زوجته، ملكه، ولكنها لا يمكنها أن تفعل هذا، لا يمكنها أن ترتدي تلك الغلالة، هذا مستحيل.
ابتسم بتسلية وهو يرى خجلها الواضح، احمرار وجنتيها، ارتعاشها الواضح. كان يظن قبل الزواج منها أنها تدعي، فلا توجد امرأة تخجل بتلك الطريقة، ولكنه علم تماماً أنه مخطئ. رحيق غير أي امرأة رآها بحياته، إنها صادقة، شفافة، ليست من نوع النساء اللاتي يدعين. صدقها هو من جعله ينجذب إليها.
"عاصي..." قالتها بتردد وهي تنظر إليه. نظراته لها كانت غريبة، نظرات جعلتها تحمر أكثر. كانت كفيها ترتعشان بقوة أكبر. مد كفه نحو الطاولة ثم أمسك كفيها وجذبهما وعلى باطنهما قبلها بعمق. حاولت جذب كفيها بخجل، بينما تسارعت أنفاسها ولكنه ظل ممسكاً بهما يقبلهما بعمق.
"عاصي أنا مش عايز ألبس ده، ممكن؟"
رفع وجهه عن كفيها وقال: "بس أنا عايزك تلبسيه لو سمحتي."
لم تكن شخصية مثل رحيق لترفض طلب لزوجها مهما كان صعب، لذلك وجدت نفسها ترضخ له وهي تهز رأسها.
بعد قليل، كانت تجلس على الفراش مرتعشة بينما ترتدي ما أحضره لها. كانت تشعر بالغرابة، هي لم تتوقع يوماً أن ترتدي شيئاً مثل هذا، حتى لزوجها. ازدردت ريقها عدة مرات وهي تنتظر قدومه بينما تشعر أن رأسها يدور. ارتجفت أكثر وهي ترى مقبض الباب يدور ثم يلج هو. وحضوره الطاغي غير جو الغرفة بالكامل. عجزت عن رفع عينيها، ولكن شهقته القوية جعلتها ترفع عينيها لترى الإنبهار يغطي وجهه.
اقترب منها لتطرق بوجهها أرضاً ثم وقف أمامها وهو يرفع ذقنها ويقول: "أوعدك من النهاردة هخليكي تنسي أي تنمر عانيتي منه من ناس معندهمش نظر أو نقص. أوعدك أنك هتشوفي أخيراً جمالك الحقيقي." ثم أبعد يديه عنها واتجهت إلى قميصه.
بعد عدة ساعات، نهض وهو يرتدي ملابسه بينما عينيه تبحث عنها. كانت تجلس في التراس. ارتدت فستاناً طويلاً ومشطت شعرها، تنظر إلى الفراغ وهي شاردة. ما زال الذي حدث في الساعات الأخيرة يدور بعقلها. السعادة تتصاعد داخلها، لم تختبر تلك المشاعر من قبل، ليس الرغبة فحسب بل الحب. هي اقتنعت الآن أنها تحبه، لن تنكر، هو يجعل قلبها يصرخ داخل صدرها من السعادة. للمرة الأولى تشعر أنها أجمل امرأة في العالم. اليوم، اليوم أشعرها بهذا وهو يلمسها بإنبهار كأنها الأجمل فعلاً.
وخرجت من شرودها على كفه الذي حط على كتفها. رفعت نظراتها لتجده يبتسم لها بلطف. جلس بجوارها وهو يقول: "متقوميش من جنبي تاني."
ابتسمت وقالت: "حبيت أطلع وأشم هوا، الجو النهاردة حلو."
"هو بصراحة حلو أوي." قالها وهو يضع كفه على ساقها لتضرب كفه وتقول: "أتلم."
رفع حاجبه وقال: "بتضربي جوزك يا رحيق؟ تؤ تؤ، عيب مينفعش وحرام كمان على فكرة."
ابتسمت وهي تشيح وجهها عنه. كان ينظر إليها مبتسماً.
"شكراً ليكي، كان يوم حلو النهاردة."
احمر وجهها ليكمل وهو يمسك كفها ويقبله: "أنا من زمان مكنتش فرحان بالشكل ده. ممكن تبصيلي؟ عارف والله إنك بتتكسفي بس أنا مش هعمل حاجة تكسفك، هنتكلم وبس. ممكن تسأليني عن أي حاجة؟"
نظرت إليه وهمست: "أنا لما بسألك أنت بتتضايق."
فهم إلى ما ترمي وابتسم وهو يقول: "اسألي بجد مش هتضايق ولا حاجة. حابة تسألي عن أملاك؟"
ترددت وهي تنظر إليه. خافت أن يغضب ويبتعد عنها. ابتسم بشرود وهو يلمس وجنتها وقال: "هقولك بإختصار شديد إيه اللي حصلها بس متسأليش تاني لو سمحتي يا رحيق عشان الموضوع بيوجعني."
كتمت أنفاسها ليقول هو: "إيه اللي حصل لأملاك سببه والدتها، وأنا كمان كان ليا يد في الموضوع."
شحب وجهها ليكمل وقد ظهر بريق الدموع بعينيه وقال: "وصدقيني كل يوم أنا بموت بسبب تأنيب الضمير. كل يوم بتمنى أن بنتي تخف حتى لو هموت مش مشكلة المهم تخف."
انسابت دموعه للمرة الأولى. هو ليس رجل يظهر ضعفه عادة، وأمام امرأة خاصة، ولكن رحيق اقتحمت أسوار قلبه، سكنت خوفه، أصبحت أقرب إليه من أي شخص آخر، أصبحت روحه. وهل يستطيع الإنسان أن يخفي ضعفه عن روحه؟
مسحت دموعه ثم تجرأت وقبلت عينيه كما فعل معها ثم ابتعدت وهي ترتعش وما زالت مغمضة عينيها وقالت: "أنا بحبك يا عاصي."
لم يرد عليها بل جذبها وهو يضمها إليه ثم قال بعد برهة بإختناق: "شكراً، شكراً يا رحيق."
أصابتها خيبة الأمل للحظات. لقد ظنت أنه سوف يخبرها أنه يحبها أيضاً.
في اليوم التالي.
"جورج، نورت عيادتي المتواضعة." قالها أبرام بلطف وهو يرى نظرات جورج العدائية له عندما ولج لمكتبه.
"أنا مش عايزك تقرب من مراتي!" قالها جورج بعدائية وغيرة.
رفع أبرام نظراته وهو ينظر إليه بحيرة وقال: "عفواً؟"
"بقولك مش عايزك تقرب من مراتي، قولهم إنك مش هتعالجها أنا هوديها دكتور تاني."
رمش أبرام بحيرة وقال: "فيه إيه يا جورج بتتكلم بالطريقة دي ليه، أنا عملت حاجة غلط؟"
"أنا مش عايزك تقرب من مراتي يا إبرام، انت فاكرني مش عارف."
"مش عارف إيه؟"
"مش عارف إنكم كنتوا مخطوبين وهي سابتك، فأكيد دلوقتي عايز."
نهض أبرام وقاطعه قائلاً بغضب: "أنت فعلاً إنسان مش متزن نفسياً. صحيح كان فيه مشروع خطوبة مكملش بينا بس دلوقتي الوضع إختلف. ماريانا أختي وبس وأنا راجل متجوز وبحب مراتي وماريانا كمان، متبقاش متخلف وتخلي الشيطان يسيطر عليك."
ولكن جورج لم يهتم وقال ببرود: "قول لماريانا إنك مش هتعالجها يا إبرام وخلي الباقي عليا."
"أسف يا جورج مقدرش أتخلى عن مريضتي، مقدرش أتخلى عن حد طلب مساعدتي. وأنت كمان يا جورج بدل ما تتصارع معايا عشان خاطر أوهام في راسك حط إيديك في إيدي عشان نعالج ماريانا. المسكينة حياتها واقفة عند اليوم اللي اتهاجمت فيه. لازم نساعدها مش نقف في وش علاجها. ماريانا مش عايزة عائق عشان تخف، ماريانا عايزة نزقها بكل قوتنا عشان تنسى، تتخطى اللي حصل وتعيش بشكل طبيعي. واعرف إني راجل متجوز واحدة بحبها واحدة وعدتها إني هحميها وعمري ما هزعلها أو اكسر قلبها. أنا عمري ما اكسر قلب مراتي يا جورج. وحتى لو مش كنت واثق فيا، خليك واثق في ماريانا عشان أنت وأنا متأكدين إنها مستحيل تعمل أي حاجة غلط. وكمان لو حابب تطمن أكتر ممكن أخليك تحضر جلسات العلاج النفسي."
في المساء.
"ورد؟" قالتها دلال وهي ترفع حاجبيها وتكتم ضحكتها.
احمر إذن أمجد وهو يقول بإرتباك: "أيوه، أصل لقيت واحد غلبان وقولت أنفعه."
"غلبان آه، عموماً يا حبيبي جيلان في أوضتها جوا."
ابتسم وقال: "طيب خدي الوردة دي يا ست الكل." ثم أخرج من باقة الورود وردة وأعطاها إياها وقبلها على رأسها ثم ذهب نحو غرفة جيلان.
رفعت والدته كفيها للأعلى وهي تقول: "ربنا يهدي سركم يا ولاد."
كانت جيلان تجلس على فراشها، شعرها منسدل بينما تلعب أحد الألعاب على هاتفها. طرق على بابها جعلها تنتبه ثم اتبعه دخول أمجد. توسعت عينيها وهي تنظر للورود بيده. كانت مذهولة حقاً، فأمجد ليس من النوع الرومانسي أبداً. لم يتودد إليها سابقاً رغم أنها زوجته والآن يحضر ورود. حسناً، هذا تقدم رهيب. تقدم واقترب من فراشها ثم جلس وهو يقدم الورود لها وهو يقول: "ورود لأحلى وردة في حياتي."
"سلامتك انت سخن ولا إيه؟" قالتها بسخرية ليرد: "أنا أسف يا جيلان."
نظرت إليه بقلق وقالت: "شكلك فعلاً تعبان. نروح دكتور ولا إيه؟"
ابتسم لها وهو يمد يده ويمسك كفها ويقول: "أنا بحبك يا جيلان. صحيح الأيام اللي فاتت كنت بتصرف معاكي تصرفات غريبة، بس أنا بحبك لدرجة إني عايزك تكوني معايا للأبد، تحت عيني. عايزك تكوني جنبي في بيتي وبس مش عايز حد يشوفك غيري. بس لو الشغل هيخليكي مبسوطة موافق أشغلك بس شرط يكون مكان فيه ستات وبس."
ابتسمت بذهول وقالت بلهفة: "بجد؟ بجد يا أمجد؟"
"بجد يا عيون أمجد."
صرخت بحماس وهي تضمه بقوة وتقول: "بحبك والله."
ابتسم وهو يشدد من احتضانها. ورد: "بحبك أكتر."
كعادتها نهضت قبله. قرأت سورة البقرة كما اعتادت وبدأت بتجهيز الفطار. ثم انتظرت ليأتي ولكنها عبست وهي تشعر أنه تأخر على غير العادة. الغريب أنها كانت تسمع صوت رنين المنبه الخاص به. شعرت بالقلق للحظات. جاسم ليس من الأشخاص الذين نومهم ثقيل لذلك شعرت بالقلق وهي تتجه نحو غرفته.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تقف أمام غرفته تخاف أن تلج ويكون قد استيقظ ويفرغ غضبه بها. قررت أن تطرق الباب أولاً وبالفعل طرقت الباب ثم وقفت وهي تنتظر أن يرد عليها ولكن لا رد.
ابتلعت ريقها بعسر وهي ترفع يدها وتدق الباب مرة أخرى ولكن كما حدث لا رد. رباه لماذا لا يرد؟ فكرت برعب وهي تضع يديها على المقبض وتفتح الباب. وجدته ما زال مستلقياً على الفراش. اقتربت منه بتوتر لتجده يغمض عينيه وبدأ كأنه يتألم بينما يرتجف جسده بقوة. شعرت بالرعب للحظات وهي تنظر لحالته.
"جاسم..." قالتها بخوف وهي تقترب منه. جلست على الفراش دون رهبة منه لأول مرة، جل خوفها كان عليه. لمست جبينه لتشهق وهي تشعر بحرارته مرتفعة.
"جاسم، انت سخن من إمتى؟" قالتها والدموع تحتشد بعينيها بينما تمسك كفه وتشعر بحرارته القوية تصدمها.
رفع عينيه وهو ينظر إليها وقد بدا أنه متعب لدرجة أنه لا يستطيع التحدث.
"أنا رايحة أتصل بالدكتور." قالتها بهلع وهي تنهض لتذهب لكي تتصل بالطبيب إلا أنه امسك كفها وهو يقول بنبرة خافتة تكاد لا تُسمع: "لا لا خليكي جمبي، عشان خاطري، خليكي معايا."
انسابت الدموع من عينيها وهي تقترب بهلفة منه. تضمه إليها بينما تمسك على جبينه وتقبل رأسه ثم قالت بصوت متهدج بفعل البكاء: "ليه منادتنيش يا جاسم؟ يا ربي جسمك مولع. تعالي خد دوش يهدي السخونية دي."
كان يرتجف بقوة وهي تحاول أن تجعله ينهض. نهض بتعب وهو يتكئ عليها بينما تسير هي معه نحو الحمام.
"خلينا نروح للدكتور يا جاسم." قالتها نوران وهي تبكي ليهز رأسه ويقول: "لا، لا خلينا ناخد شاور ماية ساقعة وبعدين هاخد خافض للحرارة."
"جاسم..."
"خلاص يا نوران قولت مش هروح للدكتور، لو حالتي ساءت وديني خلاص."
"هتسوق إيه أكتر من كده؟" قالتها وهي تبكي ثم ساعدته ليلج للحمام وكادت أن تلج خلفه. وقف بعد اتزان وقال: "خير رايحة فين؟"
"هدخل معاك، انت مش قادر تصلب طولك."
رفع عينيه بصعوبة وقال: "مفيش داعي أنا هعرف."
ولكنها قاطعته وهي تلج الحمام وتقول: "متبقاش عنيد أنا مش هسيبك يا جاسم." ثم أكملت بنبرة جاهدت لإخراجها ثابتة رغم زحف الإحمرار لبشرتها: "اخلع التيشيرت بتاعك."
رمش وهو ينظر إليها ولم يأتي بأي رد فعل لتزفر بضيق وهي تساعده بنفسها لكي يخلع ملابسه وسط ذهوله.
بعد قليل، خرج من الحمام ويلتف حول جسده مئزر الحمام الأبيض بينما هي تضع كفها على خصره لكي لا يفقد اتزانه. كان هو متجهم، لقد أصرت أن تساعده. هذا ضايقه، هو يريد أن يبعدها عنه، لكنه كلما أبعدها كلما اقتربت منه، كلما حاول نزع حبها من قلبه ينغرس حبها بقلبه أقوى كشجرة متينة، عتيقة.
جعلته يلج لغرفته ثم جعلته يجلس على الفراش. اتجهت إلى خزانته وهي تحضر له منامة مريحة. ثم قالت: "يالا عشان أساعدك تلبس."
ولكنه أوقفها بإشارة من كفه وقال: "لا أنا هلبس لوحدي لو سمحتي، هاتي البيجامة!"
مدت إليه المنامة بهدوء ثم قالت: "هصلي الفجر عشان أذن وبعدين هعملك حاجة تاكلها ماشي؟ لو حرارتك منزلتش لحد ما الشمس تطلع نروح الدكتور ماشي؟"
هز رأسه دون معنى لتخرج هي بسرعة.
تنهد وهو يخلع المئزر ويرتدي ملابسه.
بعد وقت ليس بقليل، كانت قد انتهت من صنع حساء الخضار به مع دجاجة قامت بسلقها.
"جاسم عملتلك شورية خضار." قالتها وهي تلج الغرفة ولكنها توقفت فجأة وهي تجده يتسطح على الفراش بالعرض. قلقت عليه ثم وضعت طاولة الطعام على منضدة قريبة من الباب واتجهت نحوه بقلب يخفق بتوتر.
"جاسم..." قالتها وهي تقترب منه لتشعر أن حرارته قد ارتفعت مرة أخرى.
"يادي النيلة!!" قالتها بإنهيار وهي تقبل رأسه عدة مرات وتقول: "جاسم قوم عشان تاكل واديك دواك، عشان خاطري قوم." ثم ساعدته كي ينهض ويجلس جيداً على الفراش ولكنه فجأة جذبها لتتسطح على الفراش ثم قام بإحتضانها. كان يضع رأسه في تجويف عنقها. تخشب جسدها بالكامل وهي تشعر بأنفاسه الساخنة تضرب بشرة عنقها الحساسة. تسارعت دقات قلبها بجنون وهي تشعر بالرعب. تخاف أن يلمسها فتنهار وينهار كل شيء.
"ج... جاسم!!" تلعثمت بكلمتها تلك وهي تحاول إبعاده ولكنه كان يتمسك بها بقوة. يكتمها ولا يمسح لها بالتحرك. وضعهما أشعرها بالرعب، هو ليس في حالته الطبيعية الآن، بالتأكيد أن حدث شيء بينهما سوف يحيل حياتها لجحيم.
"جاسم؟" قالتها بإرتباك وهي تربت على ظهره، ولكنها لم يتحرك. أغمضت عينيها بقوة وهي ترغب في ضمه بقوة، أن تعتذر منه، تطلب منه أن يكون معها. لن تهتم لو تزوج عليها حتى، المهم ألا يبتعد عنها. ولكنها عرفت أن ليس لديها الحق لتطلب هذا منه. بدلاً من هذا بلعت ريقها وهي تقول: "جاسم لو سمحت ابعد، جاسم."
ولكنه بدا وكأنه لم يسمعها. بدلاً من هذا شدد هو احتضانها. حاوطت خصره وهي تربت على ظهرها. تتجمع الدموع بعينيها وتنساب وهي تفكر أنه سوف تُحرم منه قريباً، أنها ستفقد الحق في الاقتراب منه بهذا الشكل، ستفقد الحق في عناقه. أغمضت عينيها ودموعها تنفجر من عينيها بشكل أكبر ولكنها فجأة تجمدت دموعها وهي تسمع صوته الثقيل: "أنا نفسي أنساكي."
رمشت عدة مرات وهي تقنع نفسها أنه لم يقل هذا. ولكنها أبعدت نفسها عن عنقها، ينظر إليها. عينيه حمراء بفعل ارتفاع درجة حرارته، شفتيه ترتجفان.
"جاسم..." قالتها بشحوب فأكمل هو: "إزاي أنساكي يا نوران؟ كل لما بحاول أنساكي بلاقي نفسي بفكر فيكي أكتر. كل لما بحاول أشيلك من قلبي بلاقي بتنغرسي جوايا أكتر. مش قادر أكرهك، مش قادر أبطل أحبك. نفسي أبطل أحبك بس مش قادر."
أشاحت بوجهها عنه، تكتم دموعها وقالت بصوت مختنق: "أنا آسفة."
"مش عايز أسفك، عايز أنساكي، عايز أبطل أحبك. ساعديني، لاقيلي حل."
نظرت إليه بشفقة وهي تردد: "يا ريت أقدر آخد ألمك كله ليا أنا. أنا آسفة يا جاسم، آسفة عشان أنت متألم للدرجة دي بسببي. ربنا يريح قلبك يارب، لو مت هيريح قلبك في يوم فأنا بتمنى أموت و..."
هز رأسه وقال وهو يغرس رأسه بتجويف عنقها مرة أخرى ويقول: "أنا مش عايزك تموتي، أنا عايز أنساكي يا نوران، عايز أنسى حبك اللي عامل زي اللعنة. أنا ملعون بحبك ونفسي أخف."
ثم بعدها صمت وهو يقترب منها و...
في المساء.
"حمدلله على سلامتك يا روحي." والله أنا كنت هموت من الرعب عليك يا سيف." قالها جلال وهو يضم سيف إليه. كان قد أخبره الطبيب أنه قد تجاوز مرحلة الخطر والآن هو سيمكث بضعة أيام بالمشفى ثم سيخرج.
كان سيف مبتسماً وهو يضم والده وعينيه على مياس المتباعدة. عبس قليلاً وهو حائر. لماذا هي عائشة لتلك الدرجة؟ هي حتى ليست متلهفة لنجاته. حاول طرد تلك الأفكار الغريبة من عقله. مياس تحبه، بالطبع هي سعيدة، ولكن ربما ما حدث هو من جعلها تخاف، فهو قد نجا من الموت.
ابتعد جلال عن ابنه وهو يربت على شعره ليبتسم سيف وهو ينظر إلى مياس وقال بتعب: "تعالي يا فراشة وحشتيني." ثم بتعب فتح يديه لكي تقترب منه وتعانقه إلا أنها قالت بهدوء: "أنا رايحة أجيب حاجة أشربها، أجيبلك معايا يا عمي؟"
ابتلع جلال ريقه وهو يهز رأسه ويقول: "تسلميلي يا بنتي مش عايز حاجة."
هزت هي رأسها ثم ذهبت ليعبس سيف بشدة ويقول: "هي مالها مياس يا بابا؟ حد ضايقها؟"
لم يرد عليه جلال بل غير الموضوع بالكامل وقال: "سيف هو أنت فاكر مين اللي هاجمك؟"
"أنا شفت شكله رغم أن الدنيا كانت ضلمة شوية بس صدقني يا بابا بحاول أفتكر شكله أو ملامحه مش قادر."
هز جلال رأسه بيأس.
بينما غرق سيف بتفكيره. كان يفكر بمياس، ماذا أصابها لتظهر كل هذا البرود؟
في المقهى الخاص بالمشفى كانت تقف وهي ترتجف قليلاً. الدموع تتجمع بعينيها. لاحظت نظرات المارة لوجهها المشوه ولكن للمرة الأولى لم تهتم. لقد عاملت سيف ببرود، رأت نظرات الجرح بعينيه ولكنها ادعت أنها لا تهتم بينما من داخلها تتمزق بقوة. طفرت الدموع من عينيها وهي تقف مكانها. لقد قررت تركه. تألم قلبها لتلك الفكرة، الأمر وكأنها تتخلى عن الحياة بإرادتها ولكن أن تتألم هي لديها أهون من أن يمس أحد ما سيف. لا يمكنها أن تكون الشخص الذي سيتسبب في قتله. هي لا تخاف معاذ ولكن تخاف بشدة على سيف منه. جلست على المقعد بينما تشعر بالدوران. مسحت الدموع من على وجهها وهي تقرر، سوف تعود للقاهرة لن تمكث هنا. كانت قد قررت أن تذهب بعد خروجه من المشفى ولكنها لن تنتظر أن تجعله يعتقد أنها تخلت عنه في تلك الفترة مهم جداً لكي لا يلاحقها. هي تعرف سيف، تعرف أنه لن يتخلى عنها بتلك السهولة، لذلك يجب أن تقنعه أنها لا تحبه كي يتركها وشأنها.
في غرفة سيف، كان شارد في تصرفات مياس. يشعر أن شيئاً ما خاطئ، ويشعر أن والده يعرف ما بها مياس ولكنه لا يريد التحدث. سوف يعرف ما الذي يحدث، عليه أن يعرف. تعلقت عينيه حيث ولجت مياس للغرفة وهي تمسك كوب الشاي الخاص بها. ترفع عينيها وتنظر إلى سيف وهي شاردة. أعطاها ابتسامة رائعة ومد كفه وهو يقول: "تعالي يا حبيبي مالك بعيدة كده."
ارتبكت قليلاً وهي تنظر لعمها ثم قالت: "أنا مرتاحة هنا."
"عن إذنكم أنا هطلع." قالها عمها وهو يخرج من الغرفة.
"أنا بجد مش فاهم حاجة، فيه إيه؟ أنتوا مش على بعض لا أنتِ ولا بابا. فيه إيه يا فراشة متقلقنيش. ده أنا لسه حتى راجع من الموت." قال جملته الأخيرة بمزاح ولكنها لم تبتسم. كان قلبها يعتصر من الألم.
"اليومين اللي فاتوا كانوا صعبين علينا يا سيف معلش."
ابتسم وقال: "عارف يا حبيبي وأنا آسف إني قلقلتكم. إيه رأيك نبعت بابا على البيت وتبقي أنتِ معايا هنا." ببطء ابتعد قليلاً وهو يشير إلى الجانب الفارغ من الفراش الطبي وأكمل: "وتنامي هنا جنبي زي المرة اللي فاتت."
ابتلعت ريقها وقال بهدوء أقرب للبرود: "متزعلش يا سيف أنا بس محتاجة أروح. أنا فعلاً مش نايمة كويس، ووجودي مش هيساعدك في حاجة."
"تمام أكيد لازم ترتاحي بس وجودك أكيد هيساعد يا مياس لأني حالياً مش محتاج غيرك. بس مادام تعبانة خلاص." ثم رسم ابتسامة متعبة على شفتيه بينما من الداخل يشعر بالخذلان. كان يتمنى أن تبقى معه. أكمل كلامه وهو يشيح بوجهه عنها: "وخدي كمان بابا، مفيش داعي يبقى هنا!"
توقفت السيارة الخاصة أمام الفيلا. رفض عمها أن يأتي معها وقرر أن يبقى مع سيف الليلة، بينما هي تركت قلبها هناك وأتت. لا تعرف ما تفعله سيأتي بنتيجة مع سيف أم لا، ولكن رؤية الألم بعينيه خاصة بعد ما اختارت أن تتركه في محنته تلك ألمتها بقوة. خرجت من السيارة والدموع المحتشدة بعينيها تبغي التحرر ولكنها لا تستطيع تحريرها كأنها تريد أن تبقى هكذا تعذبها، تؤلمها كما ألمت سيف. اتجهت إلى الفيلا ومباشرة إلى غرفتها هي وسيف. ولجت للغرفة وهناك أعطت نفسها حقاً الإنهيار. جلست على ركبتيها وهي تضع كفيها على وجهها وهي تنفجر بالبكاء. شعرت وكأن العالم يضيق بها. جل ما تتمناه الآن أن تعانق سيف للمرة الأخيرة قبل أن تذهب. هي أقنعت عمها لكي تبتعد عنهم مؤقتاً حتى يتم القبض على معاذ. تعرف أنها لو قالت هذا لسيف لن يقبل بالأمر وهي لا يمكنها أن تضحي به، سوف تموت لو حدث له أي شيء. ضمت ساقيها لجسدها وهي تفكر أنها لن تحب مرة أخرى غير سيف، ولو انتهت تلك المشكلة سوف تعود لتكون معه حتى النهاية، حتى الموت.
في المشفى، كان ما زال متسطح وهو يفكر في رد فعل مياس. يوجد شيء ما يحدث ولن يرتاح حتى يعرفه. نظر إلى والده الذي نام على الأريكة بالغرفة وفكر أن والده يعرف ما بها مياس ولكنه سينتظر حتى تخبره بنفسها.
بعد يومين.
"نورت بيتك يا سيف." قالها جلال مبتسماً وهو يمسك ذراع ابنه ويقوده داخل المنزل. في اليومين السابقين تعرض سيف للضغط بسبب تحقيقات الشرطة بسبب ما تعرض له، لكن سيف للأسف لم يتذكر جيداً ملامح هذا الشخص.
كانت عيني سيف تبحث عنها، عن مياس. مياس التي لم يراها منذ يومين. لم تأت لزيارته وهذا جعله يشعر بالجنون. كان ينوي حقاً أن يتكلم معها بجدية ويطالبها بتفسير لما تفعله.
"أنا هطلع لأوضتي يا بابا."
"هساعدك و..." ولكن سيف ربت على كتفه وقال: "بابا لو سمحت أنا حابب أطلع لوحدي."
ابتعد والده وقال: "براحتك يا بني."
كانت مياس تجلس على الفراش وهي تفرك كفيها بتوتر. تعرف أنه قدم. شعرت بوجوده، وثواني وسوف يدخل الغرفة وستكون هي في مواجهته. عضت شفتيها لكي تسيطر على نفسها فلم تسمح لدموعها أن تنهمر.
فجأة فُتح الباب ليظهر هو، متعب، ملامحه شاحبة واللوم يصرخ بنظراته. نهضت وهي تنظر إليه. أغلق الباب ثم همس: "أنا معرفش عملت إيه وضايقك، بس ممكن تحضنيني الأول على الأقل، أنا محتاجك."
لم تنتظر وكأنها كانت بحاجة لهذا. اندفعت نحوه ثم حاوطت عنقه وهي ترتقع على قدميها. ضمه هو إليها وهو يرفعها ويغمض عينيه ويقول: "متبعديش عني يا مياس عشان بتوحشيني."
بعد لحظات ابتعدت عنه والدموع تغرق وجهها ثم وقفت على أطراف أصابعها وهي تقبله. وللمرة الأولى كانت المبادرة من طرفها وسوف يكون أحمق عديم التمييز لو رفض تلك الفرصة. رغم ألمه، جرحه، مئات التحذيرات التي أطلقها الأطباء ألا يجهد نفسه ولكنه رمى هذا بعرض الحائط وهو يحملها نحو فراشهما الواسع. فعِلته الوحيدة كانت هي وداؤه أيضاً هي، لا أحد غيرها.
بعد ساعتين تقريباً، فتح عينه عندما لم يشعر بوجودها. رمش وهو ينهض ليجدها جالسة على المقعد أمامه مرتدية ملابسها بالكامل ومعها حقيبة.
"مياس فيه إيه؟"
"طلقني يا سيف!!!"
كانت ملقى على الأرض، وجهه مكدوم بشدة بينما حوله باقي رجاله الذين نجوا من اقتحام الشرطة. ورغم إصابة لطيف إلا أنه استطاع الهروب من الشرطة لتسوقه قدميه إلى جحيمه الأبدي، دارك. اكتشف لطيف أنه ليس بمفرده في هذا المكان. كل من عملوا معه في المافيا هنا، رجال أعمال، رجال ذو نفوذ، الكل هنا. الكل هنا ينتظر الرحمة منه.
رفع لطيف عينيه نحو دارك الذي كان يجلس على المقعد يرتدي قناع مصاص الدماء. عينيه الآن بها بريق من الدموع وهو يلمس ساقه. كان يتكلم بإنفعال: "مقدرتش تعملوا حاجة، لازم أنا اللي ألم وراكم! محدش فكر يديني وقت أزعل فيه على قطتي اللي ماتت."
أغمض عينيه وهو يضم كفيه. كان لطيف مصدوم من هذا الشخص قاسي القلب الذي تأثر بسبب هرته التي ماتت. بدأ دارك يحاول الحفاظ على بروده. فتح عينيه مرة أخرى وقد هاله الغضب الذي رآه به. نهض وقال: "ملكومش فرص تانية عندي."
هلع أحد الرجال وقال: "دارك ابوس إيديك ادينا فرصة تاني، صحيح إحنا ماخدناش بالنا من أول تحذير بس صدقني المرة دي."
"واحد زي ده يضحك عليكم يا بهايم!!!" صرخ بهم وهو ينهض ثم اقترب من لطيف. شده إليه ثم لكنه بعنف حتى سقط أرضاً. رفع قدمه ثم صوبها نحو قدم لطيف المصابة. صرخ لطيف بقوة بينما حل الصمت على الجميع برهبة. الجميع كان يعرف أن هذا اليوم ربما سوف يكون الأخير بحياتهما. لقد دمرهم هذا المدعو يوسف، نصب للطيف الفخ وبدوره الغبي جرهم معه. والآن دارك سوف يعاقب الجميع.
"اقتله هو يا دارك. هو السبب في كل اللي إحنا فيه. هو بسبب حبه لمراته دمرنا كلنا."
نظر دارك لكل من حوله وقال بإبتسامة باردة: "كلكم بلا استثناء غلطانين، كلكم هتتعاقبوا." بهت الجميع وهم ينظرون إليه. كان لا يبدو أنه يمزح.
"أنا دلوقتي في أكتر من فكرة لطريقة قتلكم كلكم من غير رحمة! ومحتار أختار أنهي طريقة. اعذروني أصل موت القطة بتاعتي أثر عليا جداً."
فجأة ابتسم وقال: "بس لقيتها، تصدقوا هتلر ده ده مُلهم شوية!!!"
بعد قليل، داخل حفرة عميقة بحديقة الفيلا المهجورة الواسعة كان ينظر دارك ببرود لهم بينما صراخهم يزداد والنيران تلتهمهم.
"الحب لعنة يا خالد بجد. لطيف بسبب حبه ضيع نفسه. دايماً بقول اللي ميقتلوش الرصاص، هيقتله الحب. لطيف اللي قتله هو الحب مش دارك خالص!"
رواية اسرت قلبه الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سوليية نصار
رمش بصدمة وهو ينظر إليها. شعر للحظات أنها تمزح، ولكن البرود في عينيها هزه قليلاً. هز رأسه قليلاً وهو يحاول استجماع أفكاره وقال:
- بتقولي إيه يا مياس؟
- عايزة أتطلق. ردت مرة أخرى وهي ما زالت تنظر إليه بهدوء تام. لم تخنها تعابيرها ولو للحظة.
نهض وهو يسحب ملابسه ويرتديها على عجلة. ثم اقترب منها. اهتزت حدقتاها للحظة والتوتر يغزو جسدها وهي تراه يقترب منها، ولكنها ارتدت قناع برودها وهي تتراجع وتقول بصوت قاسي:
- متقربش.
- مياس. قالها وهو يقترب منها يحاول تهدئتها فقد بدت أعصابها محطمة.
لترد وهي تتراجع:
- قولتلك متقربش مني. ابعد.
- مياس إيه اللي حصل؟ أنا غلطت فيه إيه بس؟ ما كنا كويسين مع بعض.
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. ليستغل هو هدوءها اللحظي ويقترب منها ثم يتلمس وجنتها وهو يقول بحنان:
- فيه إيه يا فراشة؟ أنا ضايقتك في حاجة؟ حد ضايقك تاني؟ قوللي مين ضايقك وأنا أوعدك. هجيب لك حقك. بس متقوليش طلقني تاني. الكلمة بتوجع قلبي. أنا بحبك. ومتأكد إنك بتحبيني.
ثم اقترب بشفتيه منها ليقبلها، ولكنها أبعدته عنها. الدموع محبوسة بعينيها. تعرف ما تقوله سوف يؤذيه، ولكنها لا تمتلك أي حل آخر. لا يمكنها أن تخسره للأبد على يد هذا المختل عقلياً. سوف تموت لو حدث هذا.
- أنا... أنا مقدرتش أحبك. قالتها وهي تحاول تحاشي نظراته المصدومة والمنكسرة.
حاول أن يمسك كفها، ولكنها أبعدته بسرعة وهي تقول بنبرة باردة للغاية:
- لو سمحت يا سيف كفاية. أنا مليت من اللعبة دي. طلقني لو سمحت.
- مياس أنا زعلتك في حاجة؟ شوفي أنا آسف لو ضايقتك من غير ما أقصد.
كتمت دموعها، فاحتضن وجهها وقال بلهفة:
- مياس أنتِ بتكدبي عليا صح؟ أكيد بتحبيني. بس حد ضايقك تاني؟ قوللي نوال ضايقتك؟ قوللي والله أنا هقتلها المرة دي.
أبعدت كفيه عن وجهها ونظرت إليه ببرود. لقد اختفت نظرات الحب بعينيها كأنها لم تكن، وقالت:
- قولت مش بحبك. الحب مش عافية يا سيف. مقدرتش أحبك. مش هتجبرني أفضل معاك. لو سمحت طلقني. لو سمحت. لو عندك كرامة طلقني. ده لو عندك يعني.
ابتعد عنها كالملسوع. شعر بألم كبير في قلبه. أقوى من الألم الذي يشعر به حالياً بسبب الإصابة الخاصة به. لمع بريق الدموع بعينيه. شعر أنه ضعيف للغاية للمرة الأولى. يعرف أن تلك ليست مياس. شيء ما قد حدث وجعلها بتلك الحالة. ولكن كلماتها تؤذيه بقوة.
- أنا عايزة أطلق لو سمحت، وإلا هرفع عليك قضية خلع.
- مفيش داعي. هطلقك يا مياس. قالها بهدوء.
لتفر الدماء من وجهها. لقد طلبت هذا، ولكن قوله هذا جعلها تنهار داخلياً. ولكنها بقوة تمسكت بقناع الجليد الذي ترتديه وابتسمت له وهي تقول:
- حلو كويس. ياريت نخلص الإجراءات دلوقتي عشان أسافر القاهرة.
عبس وهو ينظر إليها ويقول:
- تسافري فين؟
رفعت وجهها وهي تقول:
- القاهرة.
- مياس... بتهزري صح؟ قاهرة إيه اللي عايزة تروحيها؟ عايزة تروحي وتقعدي في بيت خالتك لوحدك وده ينفع؟ اقعدي هنا في بيتك.
- ده مش بيتي.
- لا ده بيتك. بيت عمك. ولو كان وجودي هيضايقك أنا هسيب البيت وأمشي. بس متتمشيش. خطر تقعدي لوحدك مش هسيبك تقعدي لوحدك هناك يا مياس.
رفعت رأسها وقالت:
- ما أنا دايماً كنت لوحدي أنا وخالتي لحد ما اتهاجمت واتشوهت ومفيش حد فيكم كان معايا. لا انت ولا عمي. فبلاش دور البطولة اللي مش لايق عليكم. أنا همشي يعني همشي وأنت هتطلقني؟
نظر إليه بجرح وقال:
- أنا اعتذرت عن ده مليون مرة يا مياس. صحيح قصرنا جامد وإحنا غلطانين وده اللي هيخلينا مش هنكرر غلطنا. أنا مقدرش أسيبك تروحي هناك برجليكي بعد اللي حصلك هناك. اقعدي هنا. ده بيتك. أنا اللي همشي ووعد مش هتشوفي وشي.
تألم قلبها وهي تراه بتلك الحالة. أرادت أن تركض إليه وتعانقه. تعتذر منه، ولكنها لا تستطيع. الرعب الذي داخلها كان أكبر من أي شيء. لو كان الأمر يتعلق بحياتها لماتت دون أن تهتم، ولكن هذا يتعلق بسيف. حياته. وهي لا يمكنها أن تعرض حياته للخطر.
- وأنا قولت إني هروح القاهرة. لا أنت ولا جلال الحسيني هتمنعوني يا سيف.
***
في اليوم التالي. ولجت للغرفة وعبست وهي تجده ما زال نائماً. اقتربت منه بهدوء وهي مبتسمة ثم جلست على الفراش. نظرت لهاتفها لتجد أن الساعة قد تجاوزت الحادية عشر ظهراً. نظرت إليها وهي مبتسمة. كان ينام على ظهره عاري الجذع كعادته. يضع ذراعه أسفل رأسه وذراعه الأخرى يغطي بها عينيه. خفق قلبها داخل صدرها وهي لا تصدق حتى الآن أن هذا الرجل الوسيم يحبها. يحبها هي. وما كان مزيف أصبح حقيقي. هو أصبح لها وهي أصبحت له. كأنها بحلم جميل. لم تظن أبداً أنها ستختبر تلك المشاعر القوية. تلك السعادة. لم تتخيل أبداً أن يكون لها من الحب نصيب. لقد تقبلت بهدوء أنها قبيحة لن ينظر إليها رجل مرتين. ولكن الأمر كان مختلف مع عاصي. نظراته تخبرها أنها جميلة. عندما لمسها أول مرة أشعرها أنها جميلة. لأول مرة ترى جمالها من خلال عينيه. لن تنسى هذا أبداً له.
أمسكت كفه ثم قبلته بلطف ووضعت كفها بتردد على وجنته وهي تهمس:
- عاصي اصحى.
ولكنها لم يفتح عينيه بل أمسك كفها ثم أخذ يقبل باطنه بشغف ويقول:
- ليه قومتي من جنبي؟
- عشان كان لازم أصحى أملاك وأفطرها. يا أستاذ الساعة حداشر دلوقتي. بطل كسل وقوم.
فتح عينيه بصعوبة وهو ينظر إليها. كانت مبتسمة وهي تنظر إليه ترتدي فستان طويل إلى حد ما. شعرها مربوط في ذيل حصان. تبدو أكثر انتعاشاً. ابتسم وهو يضع كفه على ركبتها ويقول:
- حلو الفستان ده عليكي. مخلّيكي زي القمر. بس لو لبستي فستان أقصر شوية هتبقي قمرين.
ضربته على كفه بمزاح وقالت:
- طيب اتلم طيب.
- تؤ تؤ بتضربي جوزك يا رحيق. مينفعش كده.
ضحكت بمرح وقالت:
- طيب قوم يا جوزي عشان تفطر. أملاك مستنياك.
عبس وهو ينظر إليها لتتوسع عينيها بصدمة وتقول:
- مش معقول ناسي؟ ده انت اخدت إجازة مخصوص عشان الحوار ده. أملاك كانت حابة تقضي اليوم النهاردة في النادي وبعدين الملاهي. انت بجد نسيت؟
فرك عينيه بتعب وقال:
- أووه راح عن بالي.
نظرت إليه بلوم ليقرص وجنتها ثم يقبلها ويقول:
- بس كويس إن مراتي فكرتني.
- طيب يلا بقا قوم عشان بنتك متزعلش. أنا رايحة أحضر الفطار. وكمان عايزين بعد اليوم الطويل ده نروح عند ماما دلال وحشتني أوي.
- حاضر يا روقة.
ثم نهضت لتذهب، الا انه شدها إليه فتسطحت على الفراش. تسطح هو جوارها وضمها إليه. كان وجهها مقابل وجهها. احمر وجهها بشكل مبالغ فيه بينما توسعت عينيها وهي تنظران إليه. رفع كفه وأرجع خصلة من شعرها للخلف وهو يقول:
- شكلك حلو أوي لما بتتكسفي. سمارك بيعمل ماتش هايل مع اللون الأحمر بتاع الخجل. بتكوني جميلة بطريقة أنا مش عارف أوصفها.
ارتعشت أنفاسها وقالت:
- متبالغش. أنا عارفة إني مش حلوة للدرادي.
تنهد بعمق وهو ينظر إليها وقال:
سمراء الوجه لكن... لها من شمس المغيب نفحة السحر والغموض
ولها قلب يسع لك كلما ضاقت بك الأرض
تلك التي ضيعتها... لن تسع الشطان دمعك ندماً بعدها!!
(لقائلها)
توسعت عينيها بصدمة وقالت:
- معقول بتعرف تقول شعر؟
- هو مش بتاعي بس أنا حافظ البيت ده.
ابتسمت وقالت:
- مش مصدقة إنك رومانسي وبتقول شعر.
نقر على أنفها وقال:
- اعتبري ده سر ومتقوليهوش لحد.
- لا بتكلم بجد. مش متخيلالك رومانسي خالص.
- اومال متخيلاني إزاي؟ قالها بتسلية.
لتبتسم بخجل وتقول:
- بصراحة ومتزعلش بحسك وقح أوي. يعني اللي يشوفك وانت بتتعامل برسمية ميشوفكش دلوقتي.
- بكون متغير يعني.
- جداً كمان. فرق بين السما والأرض بصراحة. يعني أول مرة قابلتك حسيتك جد أكتر من اللزوم. وحسيتك إنسان محترم كده.
رفع حاجبيه وقال:
- أنا إنسان محترم. متتكلميش كده عن جوزك. عيب.
- آسفة مقصدش. أقصد يعني الجانب منك ده غريب و...
قاطعها وهو يضع أصابعه على شفتيها ويقول:
- المهم الجانب ده عاجبك ولا لا.
ابتلعت ريقها وقد احمر وجهها بقوة ليبتسم بعبث ويقول:
- السكوت علامة الرضا. يعني بتحبي الجانب ده مني.
كادت أن ترد عليه ولكنه بدأ يدغدغها بينما هي تصر وتضحك بقوة.
- عاصي كفاية هيقولوا إيه اللي في الفيلا.
قبلها وما زال يدغدغها ورد:
- عرسان جداد يا ستي.
***
- إنت مجنون بجد يا يوسف؟ لا حرفياً مجنون. أنا مش ببالغ.
قالها منير وهو يضحك بينما متسطح على الفراش. كانا الاثنين بغرفة المشفى بسبب الجروح التي أصابتهم. ظن منير وهو هناك أن تلك سوف تكون نهايته. أنه سوف يموت لا محالة، ولكن يوسف كان له رأي آخر. لم يكن ليسمح لأي أحد أن يؤذي من يخصه. ويعرف كثير جيداً أن يوسف لم يكن ليضحي به. لم يشك للحظة. ولكن ما لم يتوقعه هو ذكاء يوسف المبهر الذي جعل لطيف ومن معه في مواجهة الجحيم. ما حدث كان أشبه بالجنون. وقد تيقن فعلاً أن صديقه يمثل الجنون بحد ذاته.
ابتسم يوسف وهو ينظر لصديقه بينما يمسك كف زوجته وهو ينظر إليها مبتسماً. لقد انتصر. لم يظن أنه قادر على هذا. كان الأمر خطيراً إن لم يصل مراد في الوقت المناسب كانا سيموتان بكل تأكيد. ولكن الحمد لله الله قد نصرهما وعاد هو لزوجته سالماً معافى. صحيح أن لطيف قد هرب هو ومن معه، ولكننه يعرف جيداً أن الآن لا أحد سوف يساعد لطيف ورجاله. فالجميع قد وقع. أدلة قوية ظهرت. وأخبار تسربت في الصحافة. أخبار قوية قضت على الجميع. يعرف أنهم لن ينجوا الآن من القانون. لو كانوا نجوا في المرة الأولى فالمرة الثانية قد قضت عليهم.
ابتسم يوسف وهو يتذكر ما حدث بكل تفصيل.
***
- هتعمل إيه دلوقتي؟
قالتها ماجدة بتوتر. فابتسم وقال:
- هروح للطيف.
- هيقتلك. قالت بإختناق والدموع تلمع بعينيها.
ابتسم وهو يربت على كفها ويقول:
- سيبيها على الله يا ماجدة.
- طيب. طيب عندك خطة معينة؟
هز رأسه وهو يقول:
- مفيش للأسف.
أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما. فتنهد وهو ينظر أمامه. الا ان رنين الهاتف جعله ينتفض قليلاً. أمسك الهاتف وتوسعت عينيه وهو يعني بذهول:
+ مراد!!!
...... بعد قليل ...
- أنا بجد مش مصدق. حاسس إني بحلم. مراد إنت هنا إزاي؟ مش كانوا نقلوك؟
قالها يوسف وهو بمنزل مراد. كان قد أحضر زوجته وطفلها. ما زال لا يصدق أن مراد قد عاد.
ابتسم مراد وقال:
- ورجعوني تاني. أصل الباشا الكبير وقع. ظهرت عليه أدلة أقوى. عايز أقولك إننا بنجهز إذن عشان نقبض عليه.
- كده يبقى لطيف ملوش ضهر.
- عليك نور. كده هيبقى لطيف ملوش ضهر فعلاً.
عبس يوسف وقال:
- لطيف محتجز منير وهيقتله يا مراد وعايزني أروح له أنا ومراتي وابنه. أنا خايف أوي.
ابتسم مراد وقال:
- متقلقش وروح بس لوحدك. هنقبض عليهم كلهم زي الفيران.
- دي مخاطرة يا مراد. ده جنان.
ابتسم مراد وقال:
- وانت مجنون يا صاحبي. أنا عارف.
ابتسم يوسف وهز رأسه وهو يقول:
- عندك حق يا صاحبي.
***
المكان... الفيلا المهجورة التي يقبع بها لطيف.
الحدث.. كان لطيف ممسك السكين موجهه نحو منير يستعد لقتله.
ابتلع كثير ريقه وهو يغمض عينيه بينما يسمع صوت تهيئة السلاح وقال بتماسك يُحسد عليه:
- أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمداً رسول الله.
ولكن فجأة ضوضاء جعلته يفتح عينيه. نظر حولهم لطيف بتوتر بينما ابتسامة شقية احتلت شفتي يوسف وهو ينظر للطيف المرتعب بشماتة ويقول:
- game over ya habiby. أنت انتهيت!
- إنت عملت إيه؟ قالها بهلع وهو يسمع أصوات الأسلحة.
ليرد يوسف:
- أنا فتحت عليك أبواب الجحيم بس!!!
........ وما حدث بعد ذلك كان الجحيم. اقتحمت الشرطة الفيلا وألقت القبض على الكثير. لطيف وبعض رجاله هربوا بعد ما أصاب رجال الشرطة ساق لطيف بطلق ناري. وبهذا تخلص يوسف من كابوس لطيف ومن معه للأبد.
عاد من شروده وهو يبتسم ويفكر أن لطيف ما زال حي. ولكن مراد طمأنه أنهم سوف يقبضون عليه سريعاً. كما أنه وضع حراسة مشددة أمام غرفته هو ومنير. والآن هو يشعر بالراحة بينما يمكث وسط عائلته وصديقه. نظر إلى ماجدة الممسكة كفه وهي تبتسم له فمسح لها:
- بحبك.
ابتسمت بحب له وهي تطرق برأسها أرضاً.
***
في عيادة الدكتور إبرام.
كانت ماريانا تجلس وهي تشعر بالرهبة. قلبها ينبض بعنف. اليوم سوف تكشف نفسها. ستخلع قناع البرود لتريهم كم هي متألمة من الداخل. اليوم سيعرف الجميع أنها لم تتخطى ما حدث لها. سيعرفون أنها ما زالت سجينة تلك الليلة. لم تتحرر بعد. والآن ما تفعله الآن هو أنها تحيط نفسها بالجليد لتحمي ذاتها. تدعي أنها لا تشعر أن تلك مأساتها. فتوهم نفسها أنها بخير. أنها ناجية. وأن تلك الليلة لم تحدث وأن هذا هو محض خيال منها فقط. كان السؤال الذي يؤرقها هل ستنجح؟ هل ستستطيع أن تعود لذاتها؟ أن يصلح أبرام الضرر الذي أصابها أم سيكون الوضع أسوأ خاصة بعد فتح كل جروحها؟
- ماريانا عندك أي مانع إن جورج يحضر معانا حاسة العلاج النفسي. فعلها أبرام بلطف وهو ينظر لماريانا التي بدت في عالم آخر. وكأنها لا تدري ما يحدث حولها. كان جسدها النحيل يرتجف قليلاً ولم ترد على سؤال أبرام. نظر أبرام إلى جورج ثم نظر لماريانا مرة أخرى وقال بنفس اللطف دون أي أثر للضيق بنبرته:
- ماريانا بقولك عندك أي مشكلة إن جورج يحضر جلسة العلاج النفسي معانا.
رفعت عينيها أخيراً وهي تُجيب ببهوت:
- لا معنديش.
أجابتها كانت باهتة. باردة بشكل مغيظ ولكنه سوف يتحمل. سوف يمسك كفها ليخرجها من الظلام. هو لديه يد فيما حدث لها وهو من سوف يساعدها على الخروج. حتى لو تطلب هذا أن يضع كفه في كف أكثر شخص يكرهه حالياً وهو إبرام.
اتخذ أبرام مقعده ثم أخرج المذكرة التي يكتب بها. وقال:
- إبدأي يا ماريانا.
كانت ماريانا تفرك كفيها. بينما انسابت الدموع من عينيها. كانت تشعر بالرعب وكأن كل جروحها سوف تُفتح اليوم مجدداً. شعر جورج بإرتباكه. اقترب وجلس بجوارها ثم مد يده ليحاول إمساك كفها ولكنها أبعدت يدها بحدة نوعاً ما ولم تنظر إليه. شعر بالتوتر وابتعد محرجاّ عنها.
- أنا خايفة أتكلم. قالتها بإختناق.
ليرد أبرام متفهماً:
- مش مشكلة نقدر نتكلم الجلسة اللي جاية مادام مش مستعدة ولا عايزة تتكلمي.
هزت رأسها وهي تقول بإختناق:
- أنا عايزة أتكلم. بس خايفة يا أبرام. أنا عايزة أنسى اللي عيشته. أنا بحاول أقنع نفسي إني جالي تبلد. بقنع نفسي إن اللي حصل ده محصلش ليا أنا وإني كويسة. مش عايزة افتكر أي تفاصيل عن اليوم ده رغم إن كل حاجة بتدور في بالي. أنا لسه سجينة اليوم ده. في اليوم ده أنا خسرت كتير يا أبرام. خسرت ابني. شرفي.
أطرقت برأسها ونشيج حار يهرب من بين شفتيها ثم أكملت ونبرتها مشوبة بالبكاء.
- أسوأ لحظات حياتي لما كان الحيوان ده بينتهك جسمي وأنا مكنتش عارفة أدافع حتى عن نفسي. كان نفسي أصرخ. أموت نفسي. كنت حاسة بالقرف. صحيح مكنش اغتصاب بس هو لمسني بطريقة خلتني أكره نفسي. أكره إني ست. لحد دلوقتي حاسة بإيده القذرة عليا. حاسة إني مش نضيفة. حاسة... حاسة...
ثم انفجرت بالبكاء مرة أخرى. انهمرت الدموع من عيني جورج. كان يشعر بالخجل من نفسه. زوجته تعاني. هي محطمة وهو كل ما يفكر به غيرته الحمقاء. أراد أن يذهب إليها ويعانقها. يعتذر لها. بينما زوجته تعاني من هذا كله هو كان معها. تلك المخادعة. من خدعته ودمرت حياته. هو لن يسامحها أبداً.
- خلاص يا ماريانا. خلاص كفاية. قالها أبرام وهو ينهض يقدم لها محرمة ورقية بينما يضغط على كتفها بمواساة أشعلت غيرة جورج مجدداً.
.... بعد قليل ...
كانت ترتاح على مقعد السيارة. منهكة الجسد والروح عاجزة عن البكاء مرة أخرى. لقد بكت كثيراً في جلسة العلاج النفسي وكأنها قد انفجرت فجأة. وإبرام كان متعاون معها. لم يدفعها أو يحاول أن يجعلها تتكلم دون رغبتها. أغمضت عينيها وهي تشعر بالتعب. فجأة شعرت بأحد يمسك كفها. فتحت عينيها ورفعت وجهها لتجده جورج يبتسم لها بحزن. كانت الدموع بعينيه وهو يهمس بندم شديد:
- ليكي حق متسامحنيش يا ماريانا. اللي عملته ميتغفرش.
سحبت كفها وقالت:
- متقلقش. مش بحقد عليك. خلاص يا جورج أنا خرجتك من حياتي وحساباتي وللأبد كمان.
***
- إحنا اتفقناش على كده يا أمجد. أنا عايزة أشتغل.
قالتها جيلان بضيق. ليرفع حاجبيه ويقول:
- ما هو شغل يا حياتي. شغل أونلاين تقعدي ملكة في بيتك وتشتغلي في مجال الترجمة بما إن الإنجليزي بتاعك حلو أوي.
كان يقولها بلطف بالغ وهو يتمنى أن تتوقف عن عنادها.
وضعت جيلان كفيها على خصرها وهي تقول:
- أمجد إنت مراوغ.
ضحك وقال:
- مبعرفش ألعب كورة والله.
- أمجد!!! قالتها بعصبية.
ليقترب منها وهو يمسك كفها ويقول بحنان:
- فيه إيه بس يا حبيبي. إنتِ مش عايزة تشتغلي. أنا قولت بدل ما تطلعي وتتبهدلي في المواصلات. أنا اهو جبتلك شغل أونلاين. هشتغلي من البيت وهتاخدي فلوس وانتِ مرتاحة. أنا شايف ده أحسن ليكي.
- أمجد إنت وعدتني!!! قالتها غاضبة وهي تربع ذراعيها.
ليتنهد بعمق وهو يقترب منها. جذبها إليه ليقبلها على رأسها ويقول مهدئاً إياها:
- طيب ممكن تهدي؟
هزت رأسها بضيق وقالت:
- لا يا أمجد عشان إنت مش بتحترمني. عايز تحتجزني وبس. رغم إني قولتلك إني محتاجة أشتغل عشان أخرج. عايزة أخرج وأشوف الناس.
نظر إليها بصبر وقال:
- هخرجك معايا كل يوم. مش هحبسك خلاص. بس شغلك يكون من البيت وأنا هخرجك كل يوم. وعد.
- فاكرني عيلة صغيرة هتضحك عليا بكلمتين.
قالتها بضيق وهي تحاول إبعاده عنها. الا انه هو رأسها وقال بسرعة:
- لا والله أنا عمري ما فكرت فيكي بالطريقة دي يا جيلان. أنا فعلاً هخرجك. بس أنا شايف الشغل الأونلاين مناسب ليكي أكتر.
هزت رأسها وقالت:
- مفيش فايدة. إنت مش هتفهمني. إنت بس عايز تحبسني. الموضوع مش غيرة. إنت كنت خاطب أريام وهي كانت بتشتغل عادي. العلة مش في الشغل ولا الخروج. العلة فيا أنا. معرفش إيه اللي في دماغك مخليك مش عايزني اطلع.
صمت ولم يتحدث. لتكمل بقهر:
- لتكون شاكك في أخلاقي.
نظر إليها بصدمة وقال:
- معقول اللي بتقوليه ده؟
- شكلك دي الحقيقة وشكلك شاكك في أخلاقي.
- لا إنتِ اتجننتي فعلاً!!! اسكتي يا جيلان بدل ما أمد إيدي عليكي.
انهمرت الدموع من عينيها ليحتضن وجهها ويقول:
- متقارنيش نفسك بيها لأني محبتهاش. أنا حبيتك إنتِ. ومن كتر حبي ليكي مش عايزك تطلعي إلا رجلي على رجلي. بعدين يقول هخرجك كل يوم يا جيلان. ده مش حبس. بالعكس حب. متخليش كلام السوشيال ميديا الفارغ يأثر على عقلك إنك قوية ومستقلة والكلام ده. إنتِ مراتي. مسؤولة مني أنا. أنا عليا أتعب عشان انتِ ترتاحي. ولو حابة تشتغلي اهو جبتلك شغل. يبقى أي فايدة الروحة والجاية يا جيلان؟ أنا بجد مش فاهمك.
لم تتكلم. ليبتسم وهو يقبل رأسها ثم يضمها إليه. ثم قال وهو يتنهد بعمق:
- أنا بحبك أكتر ما تتخيلي. أنا بس خايف عليكي. إنتِ لسه صغيرة يا جيلان. مقدر حماسك للشغل ومقدر إن فيه فراغ كبير في حياتك. بس أوعدك هعوضك قريب جداً.
ابتعدت قليلاً وقالت:
- حاسة إننا مش هنعمر مع بعض يا أمجد.
رمش بصدمة وقال بذهول:
- كل ده عشان الشغل يا جيلان؟ بقا أهم مني.
هزت رأسها والدموع تطفر من عينيها وقالت:
- الشغل ملوش علاقة. العلة مش فيه. العلة في شكل علاقتنا. إنت مش شايفني شريكة حياتك. إنت لسه شايفني جيلان الصغيرة المتهورة اللي لازم تفرض سيطرتك عليها قبل ما تعملك مشاكل. وصدقني يا أمجد طول ما شايفني بالشكل ده مش هنقدر نكمل مع بعض!!!
ثم تركته وذهبت. ضرب كف على كف وقال:
- الستات روح قلبهم الدراما.
- إنت بتكلم نفسك يا أمجد؟
قالتها دلال من خلفه ليستدير وهو ينظر إليها ويقول:
- عاجبك اللي عاملاه فيا جيلان ده يا ماما؟ كل يوم لازم تسم بدني. بتعمل من الحبة قبة وأنا كل ده صابر وساكت ومش عايز أزعلها.
ربتت على كتفه وقالت:
- معلش يا حبيبي. هي لسه برضه صغيرة. خليك صبور معاها.
- لحد إمتى يا ماما؟ أنا تعبت.
قبلت وجنته وهي تقول:
- جرا إيه يا شيخ أمجد. احتضن البنت شوية. متنساش هي مرت بإيه.
نظر أمجد لوالدته وقال:
- بس لازم تكبر وتعقل عشان فعلاً نكمل مع بعض وإلا كل واحد هيروح لحاله.
***
في المساء.
تجلس بالحمام. على حافة المغطس. تمسك اختبار الحمل وهي تهز قدميها بتوتر بينما الدموع على أعتاب عينيها. تنتظر النتيجة بفارغ الصبر وهي تدعو الله ألا تكون حامل. كانت لا تصدق غباءها كيف لم تتخذ احتياطاتها. لقد أصبح زواجهما حقيقي مئة بالمائة. لماذا استبعدت أن يحدث وأن تكون حامل. رباه. تنفست بتوتر وهي تغطي وجهها وتقول:
- يارب تكون النتيجة سلبية ومطلعش حامل يارب. يارب.
كانت تتضرع لربها وهي تخاف أن تكون حامل رغم كل الإشارات التي تشير إلى أنها بالفعل تحمل طفل من أمير. تنهدت وهي ترفع الاختبار لتتوسع عينيها وتترطب بفعل الدموع. الجواب يأتيها قاسياً. نتيجة إيجابية. طفل قادم في الطريق. منه ومنها.
***
تتقلب بالفراش دون أي أمل في النوم. حالها هكذا منذ يومين. تنام بصعوبة. تفكر كثيراً. وتحلم كثيراً. منذ ما حدث بينهما تلك الليلة وهي تشعر أنها مخدرة تماماً وكأنها ليس بعقلها. هي تحمد الله أنه كان مريض لدرجة أنه لم يتذكر أي شيء مما حدث بينهما. هي لا تريد أن تضيف عذاب فوق عذابه. لا تريده أن يشمئز منها أكثر. وها هي تعاني بمفردها. الدموع تنهمر من عينيها بينما الذكريات تنهش قلبها. دفنت رأسها في الوسادة لتكتم شهقاتها. تحاول أن تخبر نفسها أن كل شيء على ما يرام، ولكن تعرف أن هذا سيكون مستحيل تماماً. لا هي ولا قلبها سوف يكونان بخير. تنهدت وهي تتذكر ما حدث بينهما. فما حدث سوف يظل داخل عقلها ولم تستطيع نسيانه أبداً.
- جاسم. جاسم. قالتها بإرتباك شديد وهي تراه يقرب وجهه الأحمر منها. كان لا يبدو في وعيه وهذا أسوأ. فلو حدث شيء بينهم سوف يكرهها ويكره نفسه. تعرف جيداً أنه يشمئز منها. رفع كفه وأخذ يتلمس وجهه. كان يبدو في أضعف حالاته وهو يهمس لها:
- بحبك.
أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما وقالت بإختناق:
- وأنا كمان. بس أنت هتكرهني لو بعدت دلوقتي. هتقرف مني أكتر. أنا مش هتحمل إنك تكرهني أكتر من كده يا جاسم عشان كده عشان خاطري ابعد.
لم يبدو وكأنه قد سمعها بينما يتلمس وجنتها بإلحاح. بينما فمه قريب لحد غير مسموح به. كانت خائفة وهي تنظر إليه. خائفة أن تستسلم وتعاني الجحيم منه في الصباح. ولكن كان لا مفر. الحقيقة أنها لا تقوى على مقاومتها. ليس لأنها تريد اقترابه بقوة، بل لأن حبها له يضعفها. شهقت بخفوت وهو يقبلها وقد سقطت مقاومتها الواهية أرضاً وهي تتقبل كل ما يفعله بها.
...... بعد قليل ...
تنهدت براحة نوعاً ما عندما سقط في النوم. ابتعدت عنه وهي تتجه للمرآة لتعدل من وضع ملابسها. لم يكتمل ما أراد فعله. لقد سقط في النوم قبل أن يتمادى وهذا أشعرها بنوع من الراحة وهي تتمنى ألا يتذكر ما حدث. وضعت كفها على شفتيها وهي تفكر أنها لن تنسى تلك اللحظات. ستحتفظ بها لتكون عذاب جديد يضاف لعذابها عندما تذهب من هنا. تنهدت واقتربت منه مرة أخرى وهي تلمس جبينه. حرارته ما زالت مرتفعة وهو العنيد لن يذهب للطبيب. لذلك ذهبت للمطبخ. أحضرت ماء مُثلج مع قماش أبيض قطني نظيف وبدأت في عمل كمادات له لكي تخفض الحرارة. بينما من وقت لآخر تقبل رأسه. لن تنسى تلك اللحظات أبداً. سوف تختزنها داخل قلبها. سوف تتألم صحيح ولكنها ستتذكر يوماً أنها كانت قريبة منه لهذا الحد.
خرجت من شرودها وهي تنهض من الفراش. لا تستطيع النوم. أمسكت هاتفها لترى أن الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً. قررت أن تصلي ركعتين لله وتقرأ القرآن لعلها تهدأ. مؤخراً كلما أحست بالجزع تلجأ لربها وكانت دوماً تعود مطمئنة. توضأت ثم أمسكت سجادة الصلاة الخاصة بها وبدأت تصلي. انتهت ثم نهضت وأمسكت مصحفها وبدأت تقرأ.
- ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[ الزمر: 53]
بعد قليل انتهت من القراءة وهي تمسح دموعها. تخاف حقاً ألا يكون الله قد قبل توبتها. تخاف عندما تموت يكون ما زال هذا الذنب برقبتها. الشيطان كان يسيطر على عقلها أحياناً ويقول إنها لا تستحق الغفران وإن الله لن يغفر لها. لكنها كانت دوماً تقاوم الشيطان. تخبر نفسها أنه الله سيتوب عليها. هزت رأسها وهي تخرج تلك الأفكار من رأسها وقررت أن تخلد للنوم قبل أن تستيقظ لتحضير طعام الإفطار لجاسم. ولكن لا تعرف لماذا توقفت أمام غرفته. خفق قلبها بقوة وهي تتذكر ما حدث بينهما آخر مرة. عقلها كان يصرخ بها أن تذهب ولكن القلب عارضه وانتصر. فدارت مقبض الباب وهي تلج للغرفة المظلمة. رائحة عطره في الغرفة قامت بغزوها بقوة. شعرت بقلبها يخفق بقوة شديدة وعينيها تقع عليه. رباه كيف ستتقبل خسارته بعد ما اعترفت أنها تحبه بهذا الشكل. ولكن إن كان هذا عقابها منه فسوف تتحمله. اقتربت من الفراش الذي هو به. وقد وقفت أمامه. كان غارق بالنوم. فمدت هي كفها وأمسكت كفه. ثم طبعت قبلة خفيفة على كف يده وخرجت بسرعة وهي تضع كفها على قلبها الخافق وقد شعرت أن قلبها سوف يخرج من صدرها.
... في الصباح التالي ...
وضعت هي حقيبته على الطاولة وأمسكت المعطف الطبي الخاص به لكي تطويه وتضعه أيضاً على الطاولة. بينما كان يتناول هو قهوته. كان جسدها بأكمله يرتعش بفعل وجوده. لم يخبرها اليوم أن تلزم غرفتها. في الواقع هو توقف عن طلب هذا منها ولم يعد يؤذيها. اختلست نظرة إليه وشبح ابتسامة تشكلت على شفتيها وهي تراقبه جيداً. ولكن فجأة رفع نظراته إليها لترتبك أكثر ويسقط المعطف من كفها. ارتعشت وهي تعتقد أنه سوف يصرخ بها. لذلك انحنت سريعاً لتلتقط المعطف ونهضت لتجده أمامها. كان يتمعن بها في قلق ويقول:
- مالك يا نوران؟ من الصبح بتترعشي. ومش على بعضك. هو أنا عديتك ولا إيه؟ تحبي أوديكي الدكتور.
ثم بعفوية وضع كفه على جبينها. أغمضت عينيها ليقول بهدوء:
- مش سخنة ولا حاجة. بس برضه اشربي حاجة سخنة. ولو حسيتي نفسك تعبانة اتصلي بيا. ماشي.
هزت رأسها بطاعة.
***
في المشفى.
كان بمقهى المشفى يجلس ويتناول قهوته بينما يتفحص هاتفه. رفع عينيه ووجد حورية تلج. ما إن رأته حتى توقفت ثم استدارت وخرجت مسرعة. رباه لقد فعلت المستحيل كي تتجنبه. لماذا يظهر أمامها في كل فرصة؟ كانت تقف في الحديقة المحلقة بالمشفى وهي تفرك كفيها بتوتر.
- أنا آسف. صوت عميق أخرجها من شرودها.
نظرت لتجده جاسم الذي أطرق برأسه وأكمل:
- آسف إني عاملتك بالشكل ده.
- لا أنا اللي آسفة. آسفة إني بلاحقك وآني متطفلة. آسفة إني فاكراك رغم أنك مش عارف أنا مين ولا مهتم عشان تعرف. آسفة إني حطيتك في مكانة إنت متستحقهاش. وآخر حاجة آسفة إني حبيتك!!!
رواية اسرت قلبه الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سوليية نصار
الفصل السابع والأربعون(عناق للمرة الأخيرة )
دعيني أعانقك للمرة الأخيرة كوداع...حققي رغبتي الأخيرة قبل أن أموت بفعل يديكِ
سيف لمياس
.......
رمش بصدمة وهو ينظر إليها...ماذا تقول تلك ...هل فقدت عقلها ؟!!!فتح فمه ليتحدث ولكنه أغلقه مرة أخرى وهو يشعر بالكلمات تهرب من فمه ....من عقله !....
انفجر كل شئ ...وكأن ما أخفته طوال تلك السنين خرج وأنفجر بقوة .....
-تخيل اني اعيش طول حياتي على آمل...أمل اني اكون معاك ...افضل سنين من عمري أحبك ومشوفش غيرك ... وبعد.ده كله انت مش عارف أنا مين أصلا!!بعد ما وقفت حياتي طلعت متجوز !!
قالتها بقهر ...الدموع تحرق عينيها ...تراجع بصدمة وهو ينظر إليها ...
-انا ليه حبيتك ...ليه...
-أخرسي...أخرسي !!!
هدر بها بصدمة ثم أكمل؛
-مش مكسوفة من نفسك ...رايحة تعترفي لراجل غريب أنك بتحبيه ...وراجل متجوز كمان ...طبيعي مش هبصلك أصلا ...واحدة بأخلاقك ملهاش مكان في حياة الناس اللي زيي !!
-بأخلاقي!!
قالتها بصدمة وإنكسار ليرد بعنف:
-ايوة البنت اللي تعترف لشاب متجوز بحبها معندهاش أخلاق ولا دين حتى ...وأنا غلطان اني جيت اعتذر منك...أنتِ تستحقي المعاملة اللي بعاملهالك يا آنسة حورية !!
هرب اللون من وجهها...وانهمرت دموعها بشكل أقوى وهي تنظر إليه ...شعرت أنها اهانت نفسها بطريقة لم تختبرها من قبل ....أطرقت برأسها في خزي ...كانت تشعر بالعار حقاً...نظراته المشمئزة تقتلها ...رغبت في تلك اللحظة ان تنشق الأرض وتبتلعها ....
رمقها والإشمئزاز يتصاعد داخله ...وذكرى اخرى تلمع برأسه ... ذكرى اعتراف نوران بحبها له ...تلك الذكرى مع كلام حورية جعلته ينفجر بشكل غير متوقع .. شعر انه يختنق بالفعل ....
كان ينظر إليها ببرود وهي تنتحب بصمت بينما ما زالت تطرق برأسها أرضا وكأنها غير قادرة على مواجهته وقال:
-احسنلك تبعدي عني..عشان لو فكرتي تقربي تاني ..أنا ههينك فعلياً!!!
ثم استدار وتركها تبكي بمرارة ...ولج الى غرفة تبديل الملابس وهو ينفخ بضيق ...هذا ما كان ينقصه فعلا ..ألا يكفي ما يعيشه مع نوران !!!
جلس على الأريكة بينما يهز رأسه بتعب ...
....
منذ ان تركها وهي تسير في حديقة المشفى بينما الدموع تنهمر من عينيها دون توقف ...النظارات المتعجبة كانت تلاحقها ولكنها لم تكن لتهتم...كان قلبها ممزق بسبب كلماته السامة...جلست على أقرب مقعد وهي تضع كفها على قلبها بينما تحاول تهدئة وتيرة أنفاسها ...حسناً هي المخطئة ...كيف تتجرأ وتذهب لتعترف بحبها لرجل متزوج ...فيما كانت تفكر حقاً مهمًا يقوله ومهما يفكر به هو محق تماماً...لن تلومه لانها هي المخطئة في تلك الحالة !!!
مسحت الدموع التي انهمرت من عينيها وهي تأخذ قرارها ....يكفي حب من طرف واحد...هو لم يحبها يوماً...لم يراها حتى ...واي حركة منها لكي تجذب انتباهه سوف يكون رخص منها وتلك ليست صفاتها ....
.......
-مالك يا معلم قاعد هنا لوحدك ليه ؟!
قالها مروان لجاسم الذي جالس على الأريكة بغرفة تبديل الملابس يبدو عليه الشرود ...انتبه جاسم لصديقه وقال بهدوء :.
-مفيش حاجة ...أنا أهو قايم....
ثم بالفعل كاد ان ينهض الا ان مروان قال:
-خلي بالك من حورية يا جاسم ؟!
اتجهت ندرات جاسم المذهولة الى صديقه الذي أكمل بنفس الهدوء :
-هي باين عليها ان عينيها منك ومن أول يوم على فكرة. .
-ايه اللي أنت بتقوله ده يا مروان ...أنا متجوز ولا نسيت ....
-عارف يا صاحبي وعشان انت متجوز بقولك تاخد بالك ...البنت حلوة والشيطان شاطر...ابعد عنها مراتك متستاهلش منك كده خالص. ..
تجهم وجه جاسم وهو يفكر بكلمات صديقه ولكنه اقتنع ان هذا هو الصواب...
........
بعد يومين ....
-ممكن اعرف مالك بقالك يومين مش على بعضك ؟!
قالها أمير وهو يلمس كفها برفق بينما تضع طعام الإفطار على الطاولة ....أمسكت دموعها بشق الأنفس وهي تقول :
-مفيش حاجة أنا كويسة ...
عبس وهو ينظر إليها ...لم تبدو بخير أبداً....كان وجهها شاحب ....الدموع محبوسة بعينيها ...تبدو في حالة شرود غريب منذ يومين ....يشعر انها بعيدة عنه وهذا أخافه كثيراً ...إذ ان سما متقلبة المزاج بشكل مُرعب حقاً وهو حاول بشق الأنفاس ان يجعلها تشعر بحبه ...كان يريد ان تثق انه الآن غارق بها ....
تأملها وهي تجلس على الطاولة ....تضع يدها على جبينها بينما هي شاردة ...لم تلمس طعامها حتى وهذا أقلقه...لذلك توقف عن الأكل ونهض ثم أتجه نحوها وقال:
-سما حبيبي قوليلي صدقيني أنا قلقان عليكي ....
رفعت نظراتها إليه ثم وجهتها الى عمر الذي يتناول طعامه بكل هدوء وهمست :
-بعدين هقولك ....
ثم شردت مرة آخرى ...هز أمير رأسه وقال :
-لا لا ...أنا لازم أعرف مالك ...تعالي هنا ،
ثم شدها من كفها لتنهض على قدميها وبهدوء جذبها خلفه قبل ان يعطي اوامر لابنه ألا يتحرك ويتناول طعام فطوره ....
....
-أمير بتعمل ايه بس ...روح ارجع كمل فطارك ...
قالتها بضيق ليتجاهلها هو ويعانق وجهها ...عينيه تأسر عينيها وهو يقول بحنو :
-مالك يا حبيبي...أنا ضايقتك في حاجة تاني ...بقالك فترة غريبة شوية ...قوليلي أنا عملت ايه وضايقك ...
نهربت بعينيها من سجن نظراته وهي تهمس بإرتباك :
-مفيش حاجة يا أمير ...لو سمحت سيبني وروح كمل فطارك...
-طيب عيني في عينك كده ...بصيلي وقولي ان فعلا مفيش أي حاجة ....
خرجت انفاسها مرتعشة ليردد بحنان :
-بصيلي يا سمايا.....
رفعت عينيها نحو ...كانت الدموع محبوسة بهما...لا تسمح لدموعها كي تتحرر وترتاح ...
-سما ...مالك ؟!
قالها أمير بتوتر وقلق وهو يتلمس وجهها ...مئات الافكار تدوي بعقله وهو لا يفهم لماذا هي بهذا الإنهيار....
لم ترد عليه بل مطت شفتيها كالأطفال وهي تنفجر بالبكاء ....
عقد حاجبيه بقوة وهو يعانق وجهها ويقول :
-سما ..مالك يا حبيبي ..مالك ...
ثم اخذ يقبل وجنتيها بالتتابع ...ثم اتجهت سفتيه لعينيها وهو يغمغم ؛
-فيه ايه طيب احكيلي ،...كانت عاجزة عن التحدث وهي تتمسك به ....لا تعرف كيف تخبره بهذا ...رغبتها في البكاء تزداد تشعر وكأن حزن العالم داخلها الآن ...لم يتأفف أمير منها ولو لثانية ...بل ظل يمسك دموعها ويقبل وجهها برقة ...ينتظرها لكي تتكلم ....
ثم برفق قربها لكي يعانقها...بادلته عناقه وهي تبكي دون توقف ...ربت على ظهرها وهو يقول :
,قوليلي من زعلك.بس ...أنا زعلتك طيب ولا حاجة ....
تمسكت به وهي تقول :
؛ابداً....
ثم أبعدها عنه عندما سمع جوابها ....
كانت ما زالت تبكي فقال بجدية :
-طسب ايه اللي حصل.
نظرت إليه مرتبكة وقالت :
_انا حامل !!!
ظهرت الصدمة عليه للحظات الا انها لم تظم إذا ان السعادة سيطرت على ملامحه وابتسامة رائعة تشكلت على محياه....
-أنتِ حامل...حامل بجد!!
قالها. وهو سعيد ..لتعبس وتقول :
-هو انت مش زعلان أنك هتخلف مني !!
-وأزعل ليه يا سما ...هو أنا شاقطك يا بابا...أنت مراتي ...بالعكس انا طاير من الفرحة...
ثم ضعها اليه وهو يرفعها برفق ويدور بها بلطف شديد ويقول :
-حبيبتي...حبيبتي ده أحلى خبر في حياتي ..
ثم انزلها وهو يقبل أنفها بالتتابع وقال :
-ممنوع تشتغلي في البيت ...ممنوع تتعبي نفسك .مفهوم ...الراحة الكاملة ماشي !
هزت رأسها وهي تبتسم بسعادة فقال.
-بحبك يا سمايا. ..
-وأنا كمان
............
وقف سيف في الغرفة وهو يرى تحضر ملابسها ...كان وجهها خالي من المشاعر تماماً ...رغم انها تموت من الداخل ولكنها اصرت ان تكتم مشاعرها عنه ...يجب ألا يعرف شئ ....هي غير مستعدة لتخسره هو أيضاً...لقد خسرت الجميع ...والديها وخالتها ...خسارته سوف تحطمها للأبد وسوف تعيش سنوات عمرها الباقية وضميرها يجلدها؛!!!
انتهت أخيراً من اعداد الحقيبة ثم استدارت ووجدته يقف أمامه ...كان الإنكسار ظاهر على ملامحه ...قلبها تألم وهي تراه بهذا الشكل ...رأيت كثيرا في ان تقترب منه وتضمه ...تعتذر منه !!!ولكن هذا افضل ...يجب أن تبتعد ....
-خلاص هتمشي ...
همس بحزن وهو ينظر إليها ...يبحث عن أي اثر للتردد او الحزن فلم يجد ..
-أيوة همشي !
قالتها ببرود يناقض النيران داخلها فاقترب منها وهو يقول بقهر :
-أنتِ ازاي باردة بالشكل ده يا مياس ....ازاي مش مهارة...أنا بموت وأنا شايفك بتبعدي وأنا مش في إيدي حاجة أعملها. ...مياس أنا عايز اعرف ايه المشكلة ...ايه اللي مخليكي تبعدي بالشكل ده ...
ظلت صامتة وهي تنظر إليه ...كان يتوسلها لنظراته أن تُجيب ....لا تعرف ماذا تقول ....هل تخبره ان هذا لمصلحته هو ...فمن سوء حظها أن وقع في غرامها شخص مختل عقلياً تجرأ على تشويها ..قام بإيذاء زوجها ...مرتين !!!...ولن تتحمل أن يحدث شئ آخر ...
-مياس ...
قالها بعذاب فردت :
-أظن كلامي كان واضح ...أنا فشلت أحبك ...ده مش بإيدي يا سيف ...أنت تستاهل ....
اختنقت نبرتها وهي تحاول السيطرة على اعصابها التي بدأت في الأنهيار ...ان تتمنى أن يكون مع امرأة اخرى هو العذاب بحد ذاته !!!
،ارتعشت نبرتها قليلاً ولكنه كان اكثر يأساً من ان ينتبه وأكملت :
-أنت تستاهل احسن مني .....
-انا مش عايز غيرك ....
قالها بعذاب ...لتبتسم بآسف وهي تردد داخلها:
-وأنا كمان مش عايزة غيرك يا سيف بس للأسف ...للأسف .....
ولكن بدلا من هذا رفعت وجهها وهي تقول بقوة. :
-وأنا مش عايزاك....يالا لو سمحت طلقني دلوقتي د-مياس ...
قالها بتردد لتقول بقوة :
:سيف انت وعدتني...لو سمحت ..مش عايزة الموضوع يدخل في حوار المحاكم ...انت مهما كنت قريبي برضه ...
-قريبك ...
قالها مبتسم بألم لترد وتقول بقسوة :
-أيوة قريبي ...بعد الطلاق من هتكون الا قريبي .......يالا عشان عايزة اخلص ...
كانت حمرة الغضب تغطي وجهها وكم بدت جميلة جدا في تلك اللحظة ...وتلك الجميلة كسرت قلبه ...انها مضت على قرار إعدامه ...ماذا حدث لتذهب فجأة ويبدو ان والده موافق علي الأمر ماذا حدث ليوافق بتلك السهولة هو لن يرتاح حتى يكتشف الحقيقة !!
...
-هطلقك بس بشرط ...
قالها سيف بهدوء فتمعنت هي فيه بقلق وهي تقول :
-ايه هو الشرط....
ابتسم بحزن وقال:
-تحضنيني ...لآخر مرة ....
ارتبكت وهي تقول بغضب :
-ايه اللي انت بتقوله ده ...احضنك ازاي يعني أنا مش ....
-لو سمحتي يا مياس ...انتِ هتمشي ...من غير ما تهتمي بيا ...ولا بقلبي المكسور ولا بأي حاجة ....على الأقل حققيلي امنيتي الأخيرة ...اعتبريني سجانك المحكوم عليه بالإعدام وطلب آخر طلب في حياته وانتِ مفروض تنفذيه ..
كانت تنظر إليه بإرتباك شديد ...لتعانقه وتنهي الأمر ...هي تريد أيضا هذا لن تنكر الأمر...اقتربت منه ببطء وهي تقول بهدوء شديد ....
-أتفضل ....
لف ذراعيه حول خصرها ..يرفعها نحوه ليعانقها بينما وضع كفه الآخرى على رأسها ثم اغمض عينيه وهو يشعر ان قلبه عاد للحياة مجددا....عناقها زرع داخله السعادة....
كانت يضمها بقوة. ...وكأنه يريد ان يزرعها داخله ...لا يريدها أن تذهب ....
-متمشيش يا مياس ... صدقيني مش هقدر اتحمل أنك تمشي ...انتِ بالذات ...
فتحت عينيها وقد خرجت من الحالة الوردية التي تعيش بها وشعرت به يبعدها قليلاً....ثم يعانق وحهها ويبدأ في تقبيل كل أنش به ...حاولت ان تعترض ان تقاوم ولكن كل مرة كانت تقاوم
تفشل...كانت عاطفته أقوى من ان تقاومه ...ولكن فجأة شعرت به يتمادى...هو يحاول التأثير بها عن طريق هذا الأمر....انسلت فجأة من احضانه وهي تتنفس بقوة بينما تعيد تعديل ملابسها وتقول بصوت حاولت اخراجه ثابتاً :
-يالا طلقني !
......
بعد قليل ...
كان يجلس على. المكتب وهو يتذكر ما الذي قاله لرجله الذي أوصل مياس للقاهرة...
....
-تفضل هناك طول ما هي هناك يا كرم .......عايزك تتدخل لو حسيت انها لا قدر الله ممكن تتأذي ...كرم أنا معتمد على ربنا ثم عليك ...حافظ على مياس لو سمحت !!
هز كرم رأسه وهو يقول :
-امرك يا سعادة البيه...
.....
خرج سيف من شروده وهو يعترف انهاومهما فعلت هو لن يتخلى عنها ابداّ....لقد ارتكب هذا الخطأ ولن يرتكبه مجددا!!
.......
كانت بالمطبخ الخاص بها تحضر بعض الحلويات بينما السعادة تسيطر على ملامحها...فوالدتها وأمجد وجيلان قد قاموا بزيارتها اليوم كم افتقدتهم ....حقاً افتقدتهم كثيراً....
-نهلة هاتي الصينية معلش أحط عليها الحاجة ..
قالتها رحيق مبتسمة لتهز نهلة رأسها وهي تذهب لإحضار ما طلبته ولكنها توقفت وهي تجد عاصي قد دخل للمطبخ....
-معلش يا نهلة روحي شوفي الضيوف لو عايزين حاجة....
هزت رأسها بحزن وهي تفهم انه يفعل هذا كي ينفرد بزوجته...هو حقاً يحبها ....
ذهبت نهلة مُسرعة لتقول رحيق ...
-عاصي اطلع برا المطبخ أنا عارفة انت هتعمل ايه ...
ابتسم بعبث لا يليق بشخصيته الجدية ثم اقترب منها وهو يجذبها نحوه يجعلها تستدير وتنظر إليه ليقبلها بخفة وهو يقول بنبرة مشتاقة :
-وحشتيني! ...
ولكنها افلتت منه وهي تم تأخذ كعكة من الكعك الذي اعدته ثم حشرته بفمه وقالت بحماس :
-دوق الكاب كيك اللي أنا عملته ...
نظر إليها بضيق بينما الكعك يذوب بفمه ويقول عابساً :
-مش بطال!
-مش بطال ؟!انت عارف سمعت كام فيديو على اليوتيوب عشان تضبط معايا ...وانت بتقول مش بطال....
ابتسم لها وهو يجذبها إليه مرة أخرى ويقول :
-بصراحة الكاب كيك بتاعك آخر اهتماماتي حالياً!...
همست وهي تبعد كفيه عن خصرها وقالت؛
-يا عاصي ماما وأمجد وجيلان برا ...عيب كده ...سيبني واطلع يالا ..انت معطلني ...
رفع حاجبيه وقال :
-بتطرديني يعني ؟!
هزت رأسها ببساطة وقالت :
-ايوة ...
-ماشي بس اللي ميزعلش في الاخر يا مانجا ...
قالها ثم غمز لها وخرج. ..لتبتسم هي بينما تضع الكعك على الطاولة المعدنية وتخرج لعائلتها ...كان ينقص هذا اليوم نوران ...تنهدت داخلها وهي تفكر ...رباه تتمنى ان تكون نوران بخير ...
.....
خرجت بطاولة الكعك المعدنية وعلى شفتيها ابتسامة رائعة ...كان الجميع متجمع بصالة الفيلا ...زوجها ووالدتها وأمجد وجيلان وأملاك...
وضعت الكعك على المنضدة ثم بدأت بإعطاء كل فرد في طبق خاص به وهي تبتسم بحماس وتقول :
-تقريباً سمعت عشر فيديوهات عشان يطلع معايا الكاب كيك بالجمال ده....أنا يعني طباخة ذاكرة بس معرفش.. ده بالذات مكانش راضي يضبط معايا ...
ضحك الجميع ليتدخل عاصي ويقول :
-رحيقي تعالي اقعدي جنبي ...
رفعت حاجبيها بتوجس وهي تنظر إليه ؟!ماذا يريد هذا ولماذا يهتف بإسمها بتلك النبرة وذلك التدليل ...شعرت بالخجل وخاصة مع نظرات الجميع ليكررها مرة أخرى....
فركت كفيها بإرتباك وهي تنظر إليه لتجد نظرات العبث بعينيه...هذا مستحيل. ..هل ينتقم الآن لانها طردته من المطبخ ....
لم تعارضه بل اتجهت بهدوء إليه وهي تجلس على الأريكة بجواره ولكنها شهقت بخفوت وهو يجذبها من خصرها لتلتصق به اكثر ...
-عاصي ابوس ايديك لا ....
همست بتوسل وهي تحاول إبعاد كفه بينما ترى الابتسامات السرية بين جيلان ووالدتها ...زحف اللون الأحمر لوجهها فبدت رائعة الجمال بسبب اختلاط اللون الأحمر بسمارها الجذاب ..
-حد قالك قبل كده أنك بتبقي حلوة اووي لما تتكسفي وبشرتك تبقى حمرا زي الطماطم ...حقيقي طالعة تجنني ....أنا مستعد اكسفك واحرجك كل يوم عشان اشوف الجمال ده...
ارتعشت بين يديه وهي صامتة تماماً لا تعرف بما ترد بينما اخذ الجميع يتكلم حتى عاصي بد أن بالإنخراط بالحديث ...فقط هي صامتة ولكن عليها يصرخ داخل صدرها ...هي كل يوم تقع بغرامه...ولكن ماذا عنه ؟؛هو لم يخبرها انه يحبها بعد .... فجأة وبخت نفسها وهي تقول انها تطلب الكثير حقاً......نفضت تلك الأفكار عنها وبدأت بالحديث معهم
-........
في الجلسة الثانية من العلاج النفسي كان الوضع أفضل قليلاً ..اصبحت ماريانا تتحدث بصراحة عن ما حدث تلك الليلة ولكنها تلك المرة طلبت من ابرام أن يخرج جورج ورغم الغيرة التي تصاعدت داخله لانه سيترك زوجته معه الا انه رضخ وهو يرى نظرات إبرام المُحذرة له ...لذلك نهض بهدوء وخرج من العيادة والغضب يتصاعد داخله ....لو ماريانا تقصد انها تقتله غيره فهي قد نجحت تماماً فجل ما يرغب به هو أن يحطم وجه ذلك المدعو إبرام ....
.....
كانت ماريانا تجلس على الأريكة المريحة...تريع ذراعيها بينما تنظر للسقف بشرود وتقول :
-حاولت اقنع نفسي اني مش حاسة بأي حاجة ....فضلت اكرر آني مش موجوعة وأني كويسة ....بس أنا حتى نسيت ازاي اضحك افرح ...مشاعري كلها متلخبطة احيانا بحس أن مشاعري متجمدة واحيانا بحس اني بنهار واتمنى ان مشاعري تتجمد تاني ....تعرف يا إبرام أنا مش عايزة افكر في البيبي اللي خسرته...كل لما افكر بيه بشغل عقلي وافكر في حاجة تانية ....مش عايزة اتوجع اكتر ...بس احيانا بفكر ان ده احسن ...أنا مش عايزة حاجة تربطني بجورج اكتر من كده ....
رد ابرام بلطف:
-جورج جوزك ولازم يربط بينكم حاجة ...
هزت رأسها بنفي ودموعها لامعة بفعل الدموع وقالت :
-لا مش عايزة حاجة تربط بيننا ...مش عايزة يكون لينا أي فرصة سوا ...
-لو كنتِ فعلا مش عايزة اي حاجة تربطكم سوا ...مكنتيش رجعتي يا ماريانا .
قالها مبتسماً وهو ينظر إليها ...كان يدفعها للإعتراف ...يجعلها تواجه مشاعرها المضطربة نحو جورج ...
هزت رأسها وهي تقول بثقة :
-أنا رجعت عشان خاطر والدة جورج هي اللي أترجتني عشان ارجع لولا كده مكنتش رجعتله يا ابرام .....
-مظنش يا ماريانا ..
قالها مبتسماً بلطف لتتوسع عينيها بغضب فيقول :
-لو مكنتش عايزة ترجعيله مكنتيش هترجعي حتى لو جالك مين ...لكن انت يا ماريانا كنتي عايز ترجعي ..تعرفي ليه...ببساطة لأنك لحد دلوقتي بتحبيه ...
هزت رأسها برعب والدموع تنهمر من عينيها وهي تقول بعذاب.:
-لا لا مش بحبه...أنا خلاص حبه انتهى من قلبي ...أنا ...أنا ...
ثم انفجرت بالبكاء مجدداً ...نهض إبرام واقترب منها ثم جلس بجوارها وهو يمد محرمة إليها ويقول:
-تجاهل مشاعرنا ومشاكلنا مش حل يا ماريانا ...او حل للمشكلة هو الاعتراف بيها ...يمكن لو ادتيله فرصة هترتاحي اكتر خصوصاً انه باين عليه الندم ...
مسحت دموعها ونظرت إليه ...هو لا يفهم ..لا يفهم أبداً...
._انت مش فاهم حاجة يا إبرام !.
قالتها بإختناق ليرد :
-طيب فهميني ...
قالها ببساطة لترد بإنفعال :
-أنا مبقتش فعلاً أحبه...مش حاسة بالمشاعر القوية دي من ناحيته ...وحاسة اني مرتاحة كده ...أنا مش عايزة حد يقنعني بالعكس ...
صمت إبرام وهو ينظر إليها ...بدت ماريانا وكأنها تحاول اقناع عقلها بكذبة لحماية نفسها ...وهو يجب الأ يضغط عليها الآن لذلك ابتسم بوجهها وقال:
-يمكن عندك حق ....
ابتسمت له بدورها بدت مرتاحة لانه قام بتصديقها فقالت :
-يعني انت مصدقني ...
هز رأسه بهدوء لتتسع ابتسامتها وتضع كفها على كفه بعفوية وهي تقول :
-شكرا ...شكرا لك على كل حاجة .....
فجأة فُتح الباب ووقف جورج متصنماً بينما عينيه مستعرة وهو ينظر الى كف زوجته الذي يغطي كل إبرام والابتسامة على شفتيها !
ابعدت ماريانا كفها عن كف ابرام ونظرت الى زوجها الذي يبدو انه فقد اعصابه ...
...
بعد قليل...
كان يقود السيارة وعينيه الزرقاء تشتعلان غضباً...كلما يتذكر ضحكها معه...لمسه لكفه يشعر بنيران تستعر داخله ...الى متى سوف يتحمل هذا العذاب ؟!!...نظر إليها بغيظ ليجدها تنظر للنافذة دون ان تحاول حتى أن تبرر ...طحن أسنانه بغضب وهو يفكر انه يثق بها كثيراً...ولكنه لا يثق بذلك المدعو إبرام ...بالإضافة الى تلك الغيرة التي تشتعل داخله ..تلك الغيرة التي لا يستطيع أن يسيطر عليها ....هل عانت ماريانا يوماً من غيرة مشابهة...هل احترقت كما يحترق هو الآن ....ولد من سرعة السيارة حتى أصبحت السرعة جنونية ....
نظرت ماريانا إليه برعب وهي تقول بحزم:
-ايه اللي بتعمله ده يا جورج خفف السرعة شوية ...
-ايه خايفة على نفسك !!!
قالها بجفاف لترد بنبرة جافة كنبرته:
-خفف السرعة والا هنزل واخد تاكسي !!
نظر إليها بغيظ ...كان لا يصدق انها تتكلم معه بالطريقة دي بعد ما رأه....
-طيب ماشي ...ماشي ...
قالها وهو يتوعد فنظرت إليه دون اهتمام ...
....
وصلا المنزل أخيراً واتجهت هي الى غرفتها ولكنه أمسك ذراعها وقال:
-استني هنتكلم ...
سحبت ذراعها وقالت ببرود :
-مفيش حاجة نتكلم فيها ...
ثم كادت ان تذهب الا انه شدها إليه مرة أخرى حاولت التحرر منه وهي تدفعه عنها وتقول بغضب :
-أنت بتعمل ايه سيبني !!!
-هي حكايتك مع ابرام ...
نظرت اليه بقرف وقالت:
-أنت مجنون بجد !!!
ثم كادت ان تذهب ولكنه دفعها حتى سقطت على الأريكة ...نظرت إليه بصدمة ثم رأت وجهه قد احمر من الغضب....كانت في تلك اللحظة مرتعبة...
-جورج...
قالتها بتوتر ..ولكنه بدا انه لم يسمعها ثم أخذ يحطم كل ما يراه أمامه ....صرخت برعب ..وانكمشت على نفسها بتوتر وهي تراه كثور هائج ...كان يحطم كل ما يقابله بغضب...عينيه الزرقاء تشتعلان بهما النيران ...ابتلعت ماريانا ريقها وهي تجده فاقد للسيطرة لأول مرة في حياتها ...دوما كان جورج مسيطر على نفسه بشكل يثير أعصابها ولكن الآن هو غاضب ...غاضب بطريقة أخافتها ....
-انا عايز اعرف اعمل ايه تاني ...اعمل ايه تاني عشان تسامحيني وتنسي الماضي ...أنا تعبت يا ماريانا...كنت طول الوقت ده صابر عليكي ...بس انك تدخلي طرف تالت في حياتنا ده مش هقبله أبداً....
-انت مجنون ....إبرام الدكتور النفسي بتاعي وقريبنا ....انت ازاي شايفه طرف تالت
-وخطيبك السابق صح ...فكرتيني مش هعرف مش كده ...
-مكانش خطيبي كان مجرد كلام من الأهل وانا اللي رفضت ..اكيد اللي بلغك مقالش القصة كاملة ....
-بس هو بيحبك ...
قالها بحرقة ...
لم ترد ليقترب منها ثم يجذبها نحوه ...يعانق وجهها بينما يهدر بجنون:
-هنروح لدكتور تاني ...لا دكتورة ...اعرف دكتورة كويسة هتساعدك عشان تعدي المرحلة دي ....بس متتعامليش معاه تاني ....أنتِ بتحبيني يا ماريانا صح ؟!
قال جملته الأخيرة بلهفة وهو يبحث عن أثر العشق بعينيها فلا يجده ليختنق اكتر ....ليكمل :
-مبترديش ليه ؟!بتحبيني يا ماريانا صح ...أنا عايزة اسمعها منك واطمن ....أنا خايف ...مبقتش احس بحبك ليا زي الاول ...ريحيني لو سمحتي وقولي انك بتحبيني ...
انحبست الدموع في عينيها ...كانت تشعر بالأسى عليه حقاً....ولكن ما فعله دمر الحب بقلبها ...وجدت الدموع تسيل من عينيها وهي تقول بأسف :
-اسفة...اسفة.. أنا مش بحبك .....
-لا لا انتِ بتحبيني ...بتكدبي يا ماريانا صح ...عايزة تقهريني ...طيب برافو ...قهرتيني بكلمتك دي ...يالا دلوقتي قولي أنك بتحبيني !!!
-جورج بطل جنان ...
قالتها والدموع تنفجر من عينيها ثم أكملت :
-أنا خلاص بطلت أحبك تقبل الموضوع !!
-آه!!!!
صرخ بعنف لتهرول الى غرفتها وتغلق الباب بينما هو يحطم الأثاث المتبقى في المنزل !!
.....
بعد أسبوع....
سار نحوها ...عينيه تشتعلان بالنيران كان قد قرر لن يتوقف ...بعد ما حدث بالأمس لن يتوقف ...وجد نفسه يقف أمامها ...رفعت عينيها وهي تنظر إليه بتوتر ..كانت بحديقة المشفى كعادتها تتجنبه منذ آخر مرة اهانها فيها ...
وقبل ان تنطق بحرف وجدته يقول ما صدمها ...
--حورية تتجوزيني !!!
.......
كانت متجهة الى منزلها وهي تحمل أشياء البقالة وما كادت ان تلج للبناية حتى سمعت صوت مألوف يقول :
-ليكي وحشة يا مياس ...
نظرت لمصدر الصوت واتسعت عينيها بدهشة وهي تردد :
-عمر!
رواية اسرت قلبه الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سوليية نصار
توسعت عينيها بدهشة وهي تنظر إليه.
الصدمة جمدتها تماماً فلم تستطع حتى أن تتكلم.
كان يقف ينتظر أن ترد.
لا يفهم غباءه، أنه يدمر كل شيء بإدخال طرف ثالث، طرف هو لا يحبه، ولن يحبه.
حك جبينه وهو يرى الصدمة مرتسمة على وجهها، ولكنه لم يكرر طلبه بل قال وكأنه انتظر فرصة أن يتراجع:
- أنا آسف يا آنسة.
ثم تركها وغادر من أمامها وهو يشعر بالضيق من نفسه أن مشكلة مع نوران جعلته يفقد عقله بتلك الطريقة.
بعد أن ذهب، وضعت هي كفها على قلبها وهي تلهث بقوة، بينما دقات قلبها تجاوزت الجنون.
ماذا قال؟ هل أخبرها أنه يريد الزواج بها؟ هل أعطاها للتو أمل لها؟
لم تظن حتى في أحلامها هذا.
ما الذي تغير؟ لقد أهانها آخر مرة، حطم قلبها.
ظلت ليومين تبكي دون توقف.
والدتها قلبها أوجعها بسببها وهي تحاول أن تفهم منها ما حدث، ولكنها لم تخبر أحد.
كانت تشعر بالعار لأنها اعترفت له وقللت من نفسها، والنتيجة كانت كلماته التي مزقت قلبها.
ولكن الآن هو من طلب منها هذا، هو من يريد أن يتقرب منها!
ولج لغرفة تبديل الملابس وجلس على الأريكة بوجه متجهم.
لا يعرف كيف فعل هذا.
كيف سيواجهها بعد اليوم؟ كيف سينظر إليها؟
يتمنى أن تنسى السخافات التي قالها وألا تتطرق لهذا الموضوع مرة ثانية.
- آه!
قالها بتعب وهو يضع كفيه على وجهه.
كيف يكون بهذا الغباء؟
ولج مروان للغرفة وهو ينظر إليه بحيرة ويقول:
- مالك شايل طاجن ستك كده يا بني؟ فيه حاجة حصلت؟
هز جاسم رأسه ونهض وهو يتجه نحو عمله، بينما يحاول نسيان الحماقة التي ارتكبها.
كانت جالسة على الأرضية ترتجف بقوة.
الدموع تنهمر من عينيها.
بينما تضم جسدها إليها.
منذ ما حدث بالأمس وهو أحال حياتها جحيم.
وضعت رأسها على ساقيها ودموعها تنهمر بقوة.
ما عاشته بالأمس كان الجحيم رغم جمال بداياته، وكأن كُتب عليها ألا تكتمل أي سعادة لها.
مسحت دموعها وهي تتذكر ما حدث بالأمس.
وضعت طعام العشاء على الطاولة ثم كادت أن تهرب لغرفتها كالمعتاد إلا أنه قال:
- نوران لو سمحتي استني.
توقفت متجمدة مكانها بينما قلبها ينبض بعنف شديد.
هل سيحدثها عما حدث بينهما تلك الليلة؟ هل تذكر؟
هل سوف يلومها يجرحها مرة أخرى؟
كان الخوف والرعب يتصاعدان داخلها.
أطرقت برأسها وهي تستدير نحوه.
رفعت عينيها ولم تستطع النظر إليه لثلاث ثوانٍ، بل أشاحت بوجهها عنه واللون الأحمر يزحف على بشرتها.
فركت كفيها بتوتر وهي تهمس:
- نعم.
عبس وهو لا يفهم نفسه.
لماذا أوقفها؟
كل ما يعرفه أنه أراد رؤيتها، فهي بعد تلك الليلة تتجنبه بإصرار.
هي تظن أنه لا يتذكر، ولكن المعضلة أن ما حدث لا يفارق عقله يومًا.
وكأن غضبه، اشمئزازه منها اختفى، وظلت تلك الذكريات تعذبه.
ذلك الاشتياق يغزوه أكثر فأكثر.
ارتبكت نوران وهي ترى نظراته المثبتة عليها وقالت بصوت مرتجف:
- فيه حاجة يا جاسم؟
- إيه رأيك تشتري هدوم؟
كان أول ما قاله لينقذ ماء وجهه.
رفعت حاجبيها بدهشة ليقول مبررًا:
- أنا شايف إنك مشترتيش ليكي أي حاجة. يعني لا هدوم ولا مستلزمات شخصية. أنا حقيقي معرفش في الحاجات دي كتير. لو حابة نطلع سوا ونجيبلك اللي عايزاه.
كانت دهشتها تزداد وهي تنظر إليه.
لا تصدق.
ولكن عرض كهذا كان أكثر إغراءً من أن ترفضه، لذلك وجدت نفسها تهز رأسها بهدوء وتقول:
- رايحة أغير هدومي.
في أحد متاجر الملابس الراقية.
كانت نوران تقف أمام أحد الفساتين الجميلة للغاية.
كان فستان محتشم واسع باللون الرمادي، ليس مبالغًا في زينته ولكن سره أناقته كان بساطته.
كان جاسم يقف وهو يراقبها بينما تتأمل هذا الفستان بهيام.
اقترب منها وهمس:
- عجبك؟
هزت رأسها دون وعي.
ثم نظرت إليه وقد احمر وجهها قليلاً وهمست:
- لو مش عاجبك مش هنجيبه.
- وأنا مالي أنا اللي هلبسه. لو عاجبك نجيبه مش مشكلة.
ابتسم له ثم نظرت مرة أخرى للفستان.
أمسكت الورقة الملحقة به والتي مدون عليها سعره لتنصدم وهي ترى السعر.
- ده غالي أوووي.
همست بصدمة ليرد ببساطة:
- متقلقيش، أنا اللي هدفع مش انتِ.
نظرت إليه وهي تشعر بثقل على صدرها.
هي لا تستحق تلك المعاملة منه.
لا تستحق أبدًا.
- نوران انتِ هنا؟
قالتها مايسة وهي تعطيها ابتسامة باردة.
ارتجفت نوران وهي ترى مايسة أمامها.
إحدى الفتيات التي كانت تحاول جذب انتباه عادل وقد تشاجرت معها مرة بسببه.
احتشد العرق على جبينها رغم وجودها في المتجر المكيف وشعرت أن العالم يضيق بها.
- مايسة بتعملي إيه هنا؟
- بصيف في الغردقة.
قالتها وهي تبتسم بخبث وقالت:
- سمعت إنك اتجوزتي.
نظرت إلى جاسم ولم تخفى نظرات إعجابها وقالت:
- هو ده جوزك. بقا.
أضافت بخبث وبنبرة انتقامية:
- أحلى من عادل اللي كنتِ ماسكة فيه في الكلية ده وهتموتي عليه.
ارتجف جسدها بقوة وتوسعت عيناها وهي تنظر إلى جاسم الذي تجهم وجهه وهو يرمقها بنظرات نارية.
قبض على ذراعها فجأة وهو يقول:
- يالا هنمشي.
ثم سحبها خلفه إلى السيارة، بينما هي تبكي، ومن السيارة إلى المنزل.
بعد أن وصلا إلى المنزل، دفعها بقوة نحو غرفتها ثم أغلق الباب عليها.
كان في تلك اللحظة مختلف.
ليس بعقله.
يخاف أن يؤذيها.
كانت نوران تقف على الباب وهي تسمعه يصرخ بقهر.
كان يحطم أشياء بالخارج بينما هي تنتفض بالداخل وتضع كفها على فمها وتبكي.
فجأة انتفضت بقوة أكبر عندما اقترب من الباب وضرب الباب بعنف وهو يقول:
- أنا هحرق قلبك زي ما حرقتي قلبي يا نوران!
عادت من شرودها وهي تبكي بعنف.
لقد انتهت.
جاسم لن ينسى أبدًا.
عليها فقط أن تدعو أن تمر تلك الأيام على خير حتى يطلقها!
كالعادة جلس على المقعد بمقهى المشفى يتناول قهوته وهو يفكر بما فعله.
كانت حماقة أن يطلب منها الزواج ليعاقب نوران.
كيف يتصرف بتلك الطريقة؟
ولكنه مقهور.
داخله نيران لا تهدأ.
لقد فكر، فكر بغباء أن يسامحها بعد ما الندم الذي أظهرته، ولكن الماضي يقف بينهما كشبح.
هو عاجز عن الغفران لها، حتى لو أراد هذا!
رفع عينيه فجأة وهو يرى حورية.
من كان يتجنبها بإصرار طوال اليوم.
كانت تنظر إليه بنظرات غريبة لم يفهمها أو يستوعبها.
- أنت عايز تتجوزني؟
قالتها بصدمة.
منذ أخبرها بهذا وهو بدت أنها في عالم آخر وكأن أحد أحلامها يتحقق الآن.
قبض على كفه وكاد أن يصرخ بها، ولكن الانتقام سلاح الشيطان، فقد بدأ مغريًا للغاية أن يحطم قلب من حطمت قلبه.
لذلك هز رأسه بهدوء وقال:
- أيوة.
- طيب. طيب مراتك موافقة؟
نظر إليها بهدوء وقال:
- أنا هطلقها!
- لا لا أنتِ بتعملي إيه؟
قالها أمير وهو يرى سما تنحني لتزيل السجاد.
رمشت وهي تنظر إليه بضيق.
لقد ظنت أنه ذهب لعمله.
منذ أن علم أنها حامل وهو لا يدعها تفعل أي شيء.
حتى الطعام أصبح يجلبه من الخارج من أحد المطاعم المضمونة والتي تصنع طعامًا منزليًا.
حتى عمر لا يجعله يجهدها، بل يجلس معها طوال الوقت حتى اتصل به شريكه ليأتي للعمل.
واليوم كان سيذهب لعمله فشكرت ربها أنها سوف تنهي عمل المنزل دون تدخل منه، ولكنه ها هو موجود أمامها.
ربعت ذراعيها وقالت:
- هكون بعمل إيه يعني؟ بشيل السجاد عشان أنظف البيت.
- لا متعمليش كده!
قالها بضيق فردت:
- يعني عايزنا نعفن يا أمير؟ بطل فورة، أنا كويسة. بس لازم أنظف، مينفعش كده.
اقترب منها وحملها بسهولة إلى غرفتهما.
- أمير نزلني بقولك.
قالتها وهي تحاول التملص منه إلا أنه لم يتركها حتى يصل للفراش ووضعها عليه ثم جعلها تتسطح براحة وقال:
- سيبي شغل البيت عليا.
قرص وجنتها وقال:
- أنا بنفسي هنضف.
ضحكت وقالت:
- وشغلك؟
- هكلم حسان متقلقيش، المهم انتِ ترتاحي مش عايزك تبذلي أي مجهود. النهاردة هودي عمر لبيت أهلي عشان نروح للدكتورة عشان تتابعي معاها.
ابتسمت له وقالت بمشاغبة:
- يعني أنت اللي هترتب البيت النهاردة؟
هز رأسه دون خجل وقال:
- أيوه وأنا كمان اللي هعمل الأكل واهتم بعمر. المهم انتِ ارتاحي ومتتعبيش نفسك خالص.
- أمير أنت مأفور أوووي، أنا والله مش حاسة بتعب.
- يا ستي حد يلاقي راحة وميرتاحش. انتِ بجد بنت بومة.
توسعت عيناها بدهشة وهي تردد بينما تشير لنفسها:
- أنا بومة يا أمير؟
ابتسم وهو يغازلها ويقول:
- أجمل بومة في حياتي كلها.
ثم قبل عينيها وأكمل:
- أنا بحبك يا سما.
ظهر عدم التأكد في عينيها للحظات.
لقد أخبرها بهذا عدة مرات ورغم أنه بدا صادقًا للغاية، فالوساوس لا تتركها وشأنها.
يهمس لها الشيطان بخبث أنه لا يحبها وأن كل هذا تمثيل منه.
يعكر صفو سعادتها فتجد نفسها تختنق بفعل التفكير.
كان أمير ينظر إليها بصبر وهو يقول بينما ينقر على أنفها ويقول:
- بتفكري إيه يا آخر صبري؟ والله بخاف لما تسكتي وتفكري بالشكل ده. بعرف إنك ناوية تنكدي عليا. بقيتي عاملالي رعب يا سما. عملتيلي تروما!
لم تبتسم على مزحته بل قالت بلهفة بينما الدموع على أعتاب عينيها:
- أنت بجد بتحبني يا أمير؟ يعني متقولش كده عشان أنا حامل ومش عايز تزعلني.
رفع حاجبيه وهو ينظر إليها وقال:
- أنا قولتها ألف مرة قبل ما أعرف إنك حامل وقبل ما تحملي أصلاً، فليه بتقولي كده؟ انتِ لسه شاكة في حبي ليكي يا سما؟ معقولة؟
أطرقت برأسها وهي تقول:
- صعب أصدق بالسهولة دي بعد كل اللي حصل. أنا.
وضع كفه على فمها وهو ينظر إليها بضيق شديد.
ماذا يفعل لكي تقتنع؟
حبيبته الغبية التي تختار بنفسها أن تعكر صفو سعادتها.
لا تريد التصديق أنه أخيرًا وقع بحبها.
- قولتلك بحبك. بحبك يا ستي. أطلع وأصرخ في الشارع إني بحبك. والله لو عايزة كده هعملها. حبيتك إمتى مش عارف. الحب غريب بيجي فجأة. لقيت نفسي بفكر فيكي دائمًا. مهما أعمل مش بتطلعي من بالي. لقيت نفسي بغير من أي حد يقرب منك. وأنا متعوّدتَش أقاوِم حرب أنا خسران فيها فاستسلمت. وحبك هو اللي انتصر وكانت أجمل هزيمة أنا عشتها.
ابتسمت أخيرًا له والدموع تنهمر من عينيها ليبتسم لها وهو يمسح دموعها ثم انحنى وقبلها على عينيها وقال:
- إيه رأيك بعد ما أرتب البيت أعملك النجرسكو اللي بتحبيها؟
- أنت بتعرف تعمل نجرسكو؟
قالتها وهي ترفع حاجبيها ليرد:
- عادي هاخد طريقتها من اليوتيوب. وكله عشان خاطر الهانم بتاعتنا. ارتاحي دلوقتي وأنا هخلص وأعملك النجرسكو ماشي.
ابتسمت وهي ترد عليه بينما تلمس خده.
أمسك كفها وقبله ثم تركها وخرج من الغرفة لتبتسم بسعادة وهي تربت على بطنها المسطح.
- يا يوسف لاحظ إن إحنا الاتنين مصابين في رجلينا بسبب لطيف المجنون لما ضربنا بالنار يعني الجري والتنطيط ده غلط. بعدين الحاجات دي متنفعش لواحد في سني.
قالها منير وهو يلعب بالكرة مع يوسف ومحمد ابن ماجدة.
كانا الاثنين يسيران ببطء بسبب قدميهما.
صحيح أنهما تعافيا قليلاً ولكن ما زالا يتألمان.
- يالا يا راجل يا عجوز. العب عدل مش عيل صغير هيُهزمنا.
قالها يوسف وهو يضحك بينما يرى محمد يركض بالكرة وهو يضحك.
كانت ماجدة تجلس بعيدًا قليلاً أسفل الشجرة وهي تضحك عليهما.
كان الآن يبدو كل شيء بخير.
لقد عرفت من الشرطة أن لطيف قد تم قتله هو وجميع أفراد العصابة.
موتهم لغز حتى اليوم.
البعض يشك أن هناك رجل أكبر وراء تلك الجريمة البشعة.
بشعة هي كلمة قليلة تصف طريقة موت لطيف وباقي أفراد المافيا.
لقد تم إحراقهم أحياء؟!
من فعل هذا بالتأكيد هو أكثر شخص مختل في الحياة.
مراد خاف على حياتهم لهذا قام بتعيين حراسة لهما يرافقانهما في كل مكان.
نظرت ماجدة إلى الاثنين الذين يركضان بعيدًا عنهما قليلاً، يبدوان متأهبين لأي حركة قد تصدر.
- رجلي مش قادر منها.
قالها منير وهو يجلس على العشب الأخضر.
كان يتنفس بقوة.
بينما دقات قلبه سريعة بفعل المجهود الذي بذله.
ابتسم يوسف وهو يراه وقال:
- فعلًا راجل عجوز. يا خسارة فلوس الجيم اللي بندفعها.
أشاح منير بكفه وهو يتسطح على العشب بينما يلهث بقوة.
ابتسم يوسف وهز رأسه ثم اقترب من محمد وأمسكه.
رفعه للأعلى وهو يقول:
- أنت يا عفريت تهزمنا.
ثم أخذ يرفع لأعلى ويتلقفه، بينما الصغير يضحك بقوة.
كان يوسف أيضًا يضحك بعمق وهو يشعر بسعادة نادرة.
بعد قليل.
ترك يوسف محمد يلعب مع منير قليلاً واقترب من زوجته وعلى وجهه ابتسامة رائعة.
أمسكت ماجدة الشطيرة وهي تقدمها له وتقول:
- هعمل واحد لمنير كمان.
تناول الشطيرة شاكرًا وهو يقول:
- تسلمي يا حبيبي.
ثم بدأ يأكلها بهدوء وهو ينظر لمحمد ويبتسم.
- مش مصدقة إن كل حاجة اتحلت يا يوسف. حاسة إني بحلم.
قالتها ماجدة وهي تنظر لطفلها الذي يلعب مع منير ليبتسم يوسف ويقول:
- لا صدقي يا ماجدة. كل حاجة الحمد لله بقت بخير. أنتِ كويسة وأنا كمان ابننا معانا وأنقذناه. منير. كل حاجة كويسة متقلقيش.
ابتسمت هي بقلق فقال وهو يلمس وجنتها:
- مالك يا حبيبي قلقانة ليه؟
- الناس اللي قتلت لطيف قلقانة يا يوسف. سمعت من مراد إنه شخص واحد وخطير بس محدش لا عارف اسمه ولا شكله. الشخص ده ممكن يأذينا.
- لو كان عايز كان عمل كده كان عمل من زمان، لكنه معملش حاجة لحد دلوقتي فمفيش داعي تخافي. وحتى لو فكر يقرب مننا أنا مش هحله. مستحيل أخلي أي حد يلمسكم طول ما أنا عايش.
توسعت ابتسامتها وهي تلمس وجنته وتقول بهيام:
- أنا متأكدة من ده. أنت حافظت على وعودك يا يوسف. حميتني أنا وابني. خاطرت بحياتك عشان خاطر صاحبك. أنت مفيش منك يا يوسف.
ابتسم لها وقال:
- انتوا حياتي. إيه فايدة إني أعيش حياة انتوا مش فيها. وهعمل كده دائمًا، مش هسمح لأي حد يقرب منكم اتأكدي من ده. ومتقلقيش. عايزك دائمًا الابتسامة على وشك ماشي.
- بحاول مقلقش والله. بس زي ما تقول كده من اعتاد القلق بقى.
هز رأسه وقال:
- لا متخافيش طول ما أنا معاكي تمام.
ابتسمت له وهي تفكر أن عوض الله مذهل.
من بعيد كان يقف رجل متشح باللون الأسود.
يحمل هرة باللون الأسود.
عينها رمادي، تشبه هرتها الأولى تمامًا.
عينيه الرمادية تبرق وعلى شفتيه ابتسامة واسعة أبرزت الندبة التي بوجهه وقال:
- خسارة يا جو. واحد بذكائك مش مكانه مع ست وطفل. مكانه كان مفروض جنبي. أنا بحب جدًا الرجالة الأذكياء. بس أنت بغباء اخترت الحب ودي الحاجة السلبية الوحيدة اللي فيك. كان مفروض أقتلك بس هسيب ده للحب عشان اللي ميقتلوش الرصاص هيقتله الحب أكيد.
ثم رفع هرتها وهو يقول بلطف:
- صحيح يا ميا مش كده.
أصدرت القطة صوتًا ليقربها منه وهو يقبلها بلطف ويقول:
- أنا دائمًا صح.
ثم أخذ ينظر للعائلة السعيدة بشرود.
اقترب عمر وهو ينظر إليها.
لقد تخلت عن غطاء وجهها وأصبحت تتعامل مع تشوهها بأريحية.
لا يعرف كيف لا تخجل من وجهها وهي تسير هكذا.
ولكن لا بأس.
كل هذا سوف يتغير.
عليه أن ينظر بوجهها ويقول ما يقوله.
لن ينكر أن حتى زوجته لم تستطع بكل هذا الجمال الذي تمتلكه أن تسيطر على تفكيره مثل مياس.
ما يميز مياس ليس جمالها المبهِر الذي لم يرى له مثيل من قبل، بل شخصيتها، رقتها والجاذبية التي تمتلكها فحتى التشوه لم يمكنه محو تلك الجاذبية.
رغم نفوره من شكلها الآن إلا أنه يجب أن ينظر لعينيها ويقول ما أراد قوله.
- خير هتفضل باصصلي كتير.
قالتها مياس بنبرة عادية وهي تفكر بحيرة ماذا يفعل هنا.
يكفيها معاذ وجنونه.
نظر إليها مطولاً.
لقد عرف أنها طلقت من زوجها.
خير قدومها جعل الجميع يتساءل ماذا حدث.
وصديقة مقربة منها أخبرت زوجته أنها طلقت أثناء وجوده.
ابتسم بسخرية وهو يتذكر وجه زوجته وهي تسمع الخبر.
شحبت كالأموات.
فهو منذ زواج مياس من شخص آخر فقد عقله تمامًا لفترة.
ظل غاضب لشهرين.
ولكن في النهاية تقبل الأمر.
ولكن طلاقها أعاد له الأمل بقوة.
- شكلك معندكش حاجة تقولها وأنا مش فاضية. عن إذنك.
ثم كادت أن تذهب إلا أنه قال:
- استني لو سمحتي.
نظرت إليه بحيرة.
- أنا عايز أرجعلك.
قالها بثقة وهو ينظر إليه.
رفعت حاجبيها بدهشة ولم تأتِ بأي رد فعل ليكمل:
- بس طبعًا مش هرجعلك وأنتِ كده. أنا هسيب مراتي عشان خاطرك. بس عشان خاطري كمان أنتِ تعملي عملية تجميل عشان التشوه اللي وشك يختفي. أنا عارف جراح تجميلي كويس جدًا هنا اسمه جورج الحكيم، ليه في العمليات المعقدة دي. بس تعملي العملية و تتعافي ووقتها هتكون عدتك خلصت وبعدها نتجوز بعد ما أسيب مراتي.
كيف عرف أنها طلقت؟ فكرت بحيرة.
كان من المفترض أن يشعرها حديثه بالغضب ولكن على العكس تمامًا.
شعرت بالبرود.
وكأنها لم تحب هذا الشخص يومًا.
- ها يا مياس قولتي إيه؟
قالها بلهفة لترد بجفاء:
- عمر صدقني Iam not interested. عن إذنك.
ثم كادت أن تذهب إلا أنه اعترض طريقها وهو يقول:
- إيه اللي حصلك؟ بقولك هنرجع. مش ده اللي كنتي عايزاه؟
هزت كتفيها ببرود وقالت:
- ودلوقتي مبقتش عايزة. أولويات الإنسان بتتغير.
- وإيه اللي غير أولوياتك؟
قالها وهو يضيق عينيه بينما صبره ينفذ منه.
لقد ظن أنها سترتمي بين ذراعيه عندما يخبرها أنه يريدها ولكن هي حقًا صدمته.
- اللي غيرني إني حبيت راجل حقيقي المرة دي. سيف الحسيني.
- اللي طلقك.
قالها بسخرية فردت:
- بالنسبة للدنيا كلها أنا اتطلقت منه، لكن بالنسبالي أنا هفضل ملك سيف الحسيني لحد ما أموت!
ثم كادت أن تذهب مرة أخرى إلا أنه أمسك ذراعها بوقاحة وكاد أن يتكلم إلا أنها بكل قوتها صفعته حتى كادت أن تؤذي عينيه بفعل قوة الصفعة!
قالت وهي ترفع إصبعها:
- المرة الجاية اللي تحاول تلمسني فيها هقتلك. بجد هقتلك. اتقي الله في مراتك بلاش قرف. الله يكون في عونها عشان لبست في واحد زيك.
كان ينظر إليها بذهول وهو لا يصدق أن تلك هي مياس.
متى تخطته؟ وكيف أحبت شخصًا آخر؟
كان يشعر بالإهانة لأنه من أتى إليها بينما هي رفضته.
كيف تجرؤ؟ تلك المشوهة!
في المساء.
- هي كويسة؟
قالها سيف وهو يكلم كرم بينما ينظر إلى صورتها معه ويبتسم.
صورة قد طبعها من الهاتف واحتفظ بها في حافظة أمواله.
صورة توسل كثيرًا من أجلها.
لم يكن هناك أي صورة تجمعهما سويًا وأراد أن يجعل الأمر رومانسيًا بينهما ويحتفظ بصورتها معه.
ورضخت في النهاية لرغبته.
اتسعت ابتسامته وهو يتذكر ما حدث بينهما.
- صورة واحدة يا مياس عشان خاطري. مفيش أي صورة تجمعنا.
قالها برجاء وهو يمسك هاتفه بينما كانت يجلسان بأحد الحدائق العامة.
تركت مياس العصير الذي كانت تتناوله وقالت بخجل:
- مبحبش التصوير يا سيف. عشان خاطري بلاش. شكلي من قبل الحادثة كان وحش في الصور ما بالك بعد الحادثة.
- أنتِ قمر في كل أحوالك.
ضحكت بمرح وقالت:
- أنت كداب على فكرة.
ابتسم بشغف يعكس ما يحتل قلبه من نحوها وقال:
- والله انتِ قمر. أنا عمري ما أكدب عليكي يا مياس.
تنفست بتوتر وقالت:
- صورة واحدة بس.
- أمرك يا هانم.
قالها مبتسمًا ثم قربها منه وهو يفتح كاميرا الهاتف ويأخذ صورة وهي معه.
وقبل أن يضغط على زر تصوير طبع قبلة سريعة على وجنتها لتتسع عيناها وينفتح فمها قليلاً بصدمة.
ثم التقط الصورة.
نظرت إليه بغضب وقالت:
- سيف عيب، إحنا مش في البيت. الصورة لو مش عجبتني همسحها، أنت فاهم.
- فاهم يا رياسة.
فتح الهاتف لينظران إلى الصورة لتبتسم مياس وتقول:
- الصورة شكلها حلو أوووي.
قبل رأسها بسرعة وقال:
- عشان انتِ فيها بس.
ضربته على كفه وهي تهمس بغضب:
- قولتلك إحنا مش البيت. عيب كده. لما نبقى في البيت أعمل اللي أنت عايزه.
حرك حاجبيه وبحركة مغيظة وقال:
- تمام أووي، افتكري بقا إنك أدتيني الإذن.
ابتسمت واحمر وجهها وهي تنظر إلى الصورة مجددًا.
كيف يمكنها أن تقاوم حب شخص كهذا!
عاد مشردًا وهو يبتسم بينما آخرجه من شروده صوت كرم وهو يقول:
- سيف بيه حضرتك معايا؟
هز سيف رأسه وقال:
- أيوه يا كرم معاك، اتفضل قولي الأخبار.
- هي كويسة يا سيف بيه. مفيش حاجة غريبة. بس.
رفع سيف حاجبيه وقال:
- بس إيه؟
- فيه واحد في النهار جه ووقف معاها وكان باين إنهم بيتجادلوا.
- واحد مين؟
قالها بقلق ثم أكمل:
- قدرت تعرف هو مين؟
- أكيد يا سيف بيه. يبقى عمر. خطيبها السابق.
ضغط بعنف على الهاتف وقال وغيرته وغضبه يتصاعدان داخله:
- عملها حاجة؟
- هي كانت عصبية وكانت بتتخانق معاه وجات تمشي مسك إيديها.
- مسك إيديها؟
- هو اتجرأ ومسك إيديها؟
طيب. طيب هي عملت إيه؟ إيه كان رد فعلها قولي.
قالها بغضب وإنفعال ليرد كرم:
- أيوه يا فندم بس متقلقش خالص. رد فعلها كان قوي. هي ضربته بالقلم لدرجة حسيت إنها صفت عينيه.
توسعت ابتسامته حتى شملت وجهه كله وهو يقول بفخر:
- برافو عليها والله.
ثم تنهد وهو يقول:
- تمام شكرًا يا كرم. المهم خلي عينيك عليها ولو اللي اسمه عمر ده قرب منها تاني ربيه ماشي.
- حاضر يا سيف بيه.
أغلق سيف الهاتف وهو يبتسم بسعادة.
كم اشتاق لها!
كانت قاسية للغاية لأنها أبعدته عنها ولكنه يعرف أن هناك سببًا ما وسوف يعرفه بكل تأكيد!
يقف أمام نافذة عيادته وهو يمسك كوب القهوة الخاص به.
ينظر إلى الفراغ.
لقد عاد ليهتم بعمله من جديد.
بينما ماريانا بدأت الابتسامة تعود إليها.
لن ينكر رغم ضيقه أن أبرام قام بعمل رائع في وقت قصير للغاية.
ولكن بالفعل أكثر ما يضايقه ويقهره أنه يعيش الآن كل ما عاشته ماريانا.
يموت ببطء على يديها.
كما قتلها ببطء على يديه.
فابتسامتها، اهتمامها، حديثه ليس من نصيبه.
فنصيبه فقط هو البرود.
لقد توقفت عن حبه.
شعر بهذا منذ فترة ولكنه حاول أن ينكر الأمر.
لأن جورج لن يكون له قيمة بدون حب ماريانا.
لقد كان محظوظًا أنها أحبته.
لأن ماريانا عندما عشقته أحبته لذاته.
أحبته أكثر من أي شيء آخر.
من حياته.
هو يريد هذا الحب.
يفتقده بقوة.
أغمض عينيه وهو يتذكر ما حدث منذ يومين.
اقترب من الباب ودق عليه برفق وهو يهمس:
- افتحي الباب يا ماريانا. مش هعمل حاجة صدقيني. افتحي لو سمحتي.
صوت دوران المفتاح ثم مقبض الباب ثم فتحت الباب وهي تنظر إليه بخوف نوعًا ما.
شعرها الأسود يغطي جانب وجهها بينما فمها مفتوح قليلاً وهي تلهث بتوتر.
اقترب هو منها لتتراجع عنه وهي تبتلع ريقها بتوتر.
أخذ يقترب منها وهي تتراجع حتى اصطدمت بحافة الفراش لتجلس عليه.
جلس هو على الأرض بجوارها.
أمسك كفها وبريق الدموع يلمع بعينيه وقال:
- ماريانا متسامحنيش دلوقتي. بس متقوليش إنك بطلتي تحبيني. انتِ كده بتقتلي كل أمل جوايا.
حاولت إبعاد كفها عنه ولكنه شد عليه وهو يقول:
- أنا بقاوم كل حاجة عشان بحبك يا ماريانا. بقاوم غيرتي وقهرتي. بشوفك بعيدة عني. الكل قريب منك إلا أنا اللي منبوذ. ماريانا اديني فرصة تانية. حبيني وأنا والله ما هخذلك المرة دي!
سحبت كفها وهي تقول بإختناق:
- أنا آسفة. آسفة!
عاد من شروده وهو يتنهد بألم.
من كان يتخيل أنه يتوسل الحب من ماريانا بعد ما كانت هي تتوسل اهتمامه وحبه.
كيف انقلبت الأدوار!
بعد مدة من الزمن.
ذهبت المساعدة الخاصة به واستعد لإغلاق العيادة.
خرج من غرفته واغلقها ثم كاد أن يتجه لباب العيادة لكنه تجمد فجأة وهو يراها.
كانت مختلفة عن آخر مرة رآها بها.
قد قصت شعرها.
وجهها باهت وقد فقدت كثير من الوزن.
أصبحت كشبح بالفعل.
ضم كفيه وهو ينظر إليها لتنظر إليه وتتحدث بصعوبة:
- أنا عارف إنك بتكرهني يا جورج. وحقك على فكرة. أنا بس عايزة أقابل ماريانا عشان أطلب منها تسامحني و...
لم يدعها تكمل حديثها وهو يقترب منها ثم يصفعها بقوة حتى تراجعت للخلف.
ولكنها لم تحاول حماية نفسها وهو يضربها صفعة أخرى.
ثم أخرى وأخرى حتى سقطت أرضًا.
انسابت الدماء من فمها ولم تهتم حتى بمسحها وقالت:
- عندك حق تعمل أكتر من كده. بس أنا عايزة أقابل ماريانا عشان تسامحني.
- بس اخرسي. اخرسي متجيبيش سيرة ماريانا! إياكي تتكلمي عنها. ابعدي عني وعنها لحسن أزعلك!
- جورج صدقني أنا خلاص بموت فعليًا. عايزها تسامحني قبل ما أموت!
قالتها وهي تنظر إليه لينحني بجوارها ويمسك شعرها ثم يجعلها تنهض ساحبًا إياها نحو الباب وهو يقول من بين أسنانه:
- اطلعي من حياتنا. اطلعي بقا.
ثم دفعها خارجًا وأغلق الباب بعنف وهو يلهث بقوة!
بعد قليل كان قد تأكد أنها ذهبت لذلك عدل من وضع ثيابه وخرج من العيادة وأغلقها.
ثم اتجه لمنزله.
لم يهتم بالتفكير بمعنى كلامها.
لم تكن سيلا آخر اهتماماته بل لم تكن من الأساس في دائرة اهتماماته!
وقف بسيارته أمام منزله وتجمد وهو يرى زوجته ووالدتها يقفان بجوار إبرام ويبدو أنهم يضحكون سويًا.
ماريانا تضحك؟
خرج من السيارة واتجه نحوهما وهو يحاول السيطرة على أعصابه وقال بسخرية:
- ممكن تضحكوني معاكم!
نظر إليه إبرام بتوجس.
بينما كانت نظرات ماريانا باردة كليًا.
ووالدته نفس الشيء!
بعد قليل.
كان يدور حول نفسه وهو يشعر بالجنون بعد ذهاب والدة ماريانا وإبرام.
كانت ماريانا جالسة وهي تشعر بالتوتر يتصاعد داخلها ولكنها حاولت الحفاظ على برود ملامحها.
اقترب منها فجأة وجعلها تنهض بينما يضغط على ذراعها وهو يطحن أسنانه بعنف.
- جورج أنت بتوجعني!
قالتها ماريانا وهي تشهق بألم بينما تحاول التحرر منه ولكن هو يضغط على ذراعها وعينيه عاصفة بالغضب.
كانت الغيرة تعمي عينيه وهو يتذكر ضحكها معه.
أنها تضحك مع الجميع، تتعامل مع الجميع بود إلا هو.
وما أشعله أكبر تعاملها العفوي مع إبرام.
هي لا تفهم.
هذا يقتله.
يخيفه أن تميل مشاعرها لإبرام، خاصة بعد اعترافها الصاعق بإنها لم تعد تحبه.
- أنا صبرت عليكي كتير.
قالها بعنف وهو يشدها نحوه بجنون.
رأسها يصطدم بصدره.
تتنفس برعب وهي تقول:
- أنت بتخوفني يا جورج.
- وأنتِ بتقتليني باللي بتعمليه. أنا حذرتك متتعامليش تاني مع إبرام. قولتلك هنشوف دكتورة تاني.
ابتلعت ريقها وقالت:
- أنا مرتاحة مع إبرام يا جورج. مش عايزة.
- مرتاحة معاه إزاي يعني؟ بتحبيه!
ارتعبت وهي تنظر إليه.
كان يبدو أنه فاقد السيطرة.
لم ترغب بالصراخ به كي لا تسوء الأمور.
- أنت بتقول إيه؟ انت فاكرني ست من غير شرف تكون متزوجة وتحب واحد تاني.
هدأ غضبه قليلاً ثم عانق وجهها وقال بلهفة:
- طيب بتحبيني يا ماريانا؟ قولي إنك بتحبيني!
- جورج. اهدأ.
- ششش. متتكلميش. بس قولي إنك بتحبيني وأنا ههدأ. بتحبيني صح؟ أنا نفسي أشوف في عينيك أي نظرات حب ليا. أنا عارف إن اللي عملته ميتغفرش. بس مش مهم أنا هستنى لحد ما تسامحيني بس عايزة أطمن إنك بتحبيني.
أغمضت عينيها بعذاب وهي تقول بيأس:
- آسفة يا جورج!
تراجع قليلاً عنها.
كان يشعر أنها تتسرب من بين يديه.
- أنا عايزة أروح وأعيش مع ماما يا جورج.
قالتها ودموعها تنهمر.
ها هي تعلن أنها تريد الانفصال عنه.
شعر بالعالم يضيق به.
فجأة لمعت عينيه واقترب منها ثم أمسك كفها وقال:
- أنا هخليكي تحبيني. أنا عارف إزاي أخليكي تحبيني تاني.
ثم جذبها نحو غرفتهما.
- جورج.
قالتها ومعدتها تتلوي من التوتر.
ولكنه دفعها برفق حتى سقطت على الفراش الناعم.
حاولت النهوض ولكنه كان أسرع منها إذ أنه قفز عليها ممسكًا كفيها الاثنين ليكبل حركتها.
- أنا هخليكي تحبيني مرة تاني.
قالها بنظرات مصممة بينما كانت تبكي وهي تتوسل له أن يتوقف.
- جورج صدقني هكرهك لو عملت كده.
ولكنه بدأ كأنه فقد عقله تمامًا وهو يجتاح شفتيها مانعًا إياه من الاعتراض أو التنفس.
ابتسمت واحمر وجهها بينما يلمس وجنتها بشغف ثم اقترب بوجهه منها حتى ضربت أنفاسه وجهها.
فجأة انتفض عندما طُرق الباب.
- أووف.
قالها بضيق وهو يبتعد عنها.
كان وجهه متجهم وهو يرغب في قتل من قطع لحظتهما الثمينة تلك!
احمر وجه رحيق وهي تخفي ابتسامتها المتسلية ليتجه عاصي نحو الباب ويفتح بوجه غاضب الباب.
وجد نهلة أمامه وقال بنبرة جافة:
- نعم.
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه بتوتر وتقول:
- آسفة يا عاصي بيه بس أملاك جالها كابوس تاني وشغالة تعيط.
مسح على وجهه بإنفعال.
أملاك طوال هذا الشهر سوف تعاني من الكوابيس.
كلما ظن أن الأمور أصبحت طيبة وبخير كلما تدهور الوضع مرة ثانية.
ماذا يفعل ليجعلها تنسى؟
لقد كانت طفلة وقت الحادث ولكن قد تسجل بعقلها معظم ما حدث.
- جاي دلوقتي يا نهلة. روحي انتِ اقعدي جمبها.
هزت رأسها سريعًا بطاعة ثم ذهبت ليغلق الباب وهو يتنهد بتعب.
انتفض قليلاً عندما شعر بكفها يحط على كتفه برقة.
ضغطت برفق على كتفه وهي تهمس:
- عاصي.
نظر إليه بوجه يغطي تعابيره الإحباط.
لم تتكلم فقط اقتربت واحتضنته برفق.
عانقها بالمثل وهو يضغط عليها بقوة.
كطفل مرتعب وجد حضن والدته بعد أن ضاع عنها لفترة طويلة.
هذا كان شعور عاصي حاليًا.
شعر أنه طفل ضائع.
لا يعرف ماذا يفعل.
إنه لأمر مؤلم أن تبني شيئًا ثم ينهدم هكذا بكل بساطة.
كلما حاول أن يشفي جروحها تنفتح مجددًا.
كأن جروح ابنته كُتب عليها عدم الشفاء.
- عاصي.
قالتها رحيق بتردد وهي تربت على ظهره.
حاولت إبعاده عنها ولكنه ظل متمسكًا بها لا يتركها.
حاولت حتى أبعدته بلطف عنها ومن بين الحزن بوجهه ظهرت حمرة الخجل على وجنتيها.
نظرت إليه وقد استجمعت شجاعتها وقالت:
- عاصي. أملاك محتاجة مساعدة. أنا معنديش تفاصيل عن اللي اتعرضتله بس أنت لازم تساعدها عشان الكوابيس دي.
- أساعدها إزاي؟
قالها بقلة حيلة لترد:
- وديها دكتور نفسي.
- أنا بنتي مش مجنونة يا رحيق!
عبست بشدة وهي لا تصدق أنه يفكر بتلك الطريقة وقالت:
- مين جاب سيرة إنها مجنونة يا عاصي. هو ده اللي فهمته من كلامي. الدكتور هيساعدها عشان تتخطى الصدمة اللي من الواضح إنها اتعرضتلها.
هز رأسه بعنف وقال:
- لا. لا.
- يا عاصي اسمعني لو سمحت. مترفضش كده وخلاص. بنتك محتاجة.
إلا أنه قاطعها وقد فقد صبره وهو يهدر بها:
- خلاص يا رحيق. قولت لا. متحاوليش. دي بنتي مش بنتك انتِ.
أطرقت برأسها وقد احتشدت الدموع بعينيها ليشتم نفسه في السر ثم شدها نحوه وعانقها وهو يقول:
- أنا آسف. آسف يا رحيق. أنا غبي. علطول لساني فالت مني حقك عليا. متزعليش مني. انت مش هقدر أفتح جروح قديمة. مش عايزها تفتكر إني السبب في اللي حصلها!
انتهت من عملها واغلقت الحاسوب وهي تفرك رقبتها بإرهاق.
بالأمس تخلى عن وعده في أن يجعلها تخرج معه.
ولكن الآن هي لن تتنازل.
هو وعدها ويجب أن ينفذ وعده لها.
نهضت وهي تتجه إلى خزانتها فتحتها وأخرجت فستانًا من اللون الوردي أنيق.
وأخرجت الخمار الخاص بها ثم اتجهت إلى الحمام لتستحم.
بعد قليل خرجت وهي ترتدي رداء الحمام الطويل.
- حمام الهنا يا حبيبتي.
قالتها دلال مبتسمة فردت جيلان:
- تسلمي يا طنط. تخرجي معانا؟
عبست دلال وقالت:
- أخرج فين؟ وأنتوا رايحين فين كده؟ أمجد مقاليش إنكم خارجين.
- هو ذات نفسه لحد دلوقتي ميعرفش.
عبست دلال أكثر لتضحك جيلان وتقول:
- أنا هلبس وأروح له عشان يخرجني. هو وعدني إنه كل يوم هيخرجني. امبارح منفذش وعدها أتمنى النهاردة ينفذ وعده.
نظرت إليه بتوجس وهي ترى التصميم بعينيها.
صحيح أن أمجد مستفز ولكن جيلان عنيدة.
الفتاة لا تتنازل أبدًا.
من ناحية هذا يعجبها ولكن من ناحية أخرى تعرف أن بطريقتها تلك لن تتفق مع أمجد.
هي تعرف ابنها جيدًا، تحفظه عن ظهر قلب.
هو لا يريد امرأة عنيدة.
إنه يؤمن تمامًا أن المرأة عليها أن تطيع زوجها ما لم يكن هذا الشيء يضرها أو مخالفًا لشرع الله كما قال الدين.
تنهدت وهي تتمنى أن تكون الأمور طيبة بينهما.
ابتسمت بوجهها وقالت:
- وماله يا حبيبتي ربما يهنيكم. روحوا اطلعوا انتوا أنا مرهقة شوية النهاردة.
- خير يا ماما دلال فيه حاجة.
قالتها بقلق لتربت دلال على كفها وتقول:
- لا يا حبيبتي مفيش حاجة. شوية إرهاق بسيط. روحوا واتبسطوا.
- لو تعبانة بجد مش هنطلع. خلاص هقعد معاكي. إيه رأيك نسمع المسلسل الهندي بتاعك.
ضحكت دلال وقالت:
- يا بت قولتلك كويسة. روحوا يا حبيبتي اخرجوا واتفسحوا.
بعد قليل.
أنتهى من قراءة ورده وقرر أن يستحم ثم ينزل ليجلس مع زوجته ووالدته ثم يصعد وينام.
صحيح أن جيلان أصبحت الآن زوجته ولا ضرر أن يمكث بالأسفل معهما.
ولكنه يعرف أنه قد لا يستطيع مقاومة وجودهما أسفل سقف واحد.
وبالتالي هذا الوضع مناسب أكثر حتى قدوم موعد زفافهما.
خرج من شروده على صوت طرقات الباب لينهض ويفتحه بحيرة.
تعجب وهو يرى جيلان ترتدي فستانها وخمارها وعلى وجهها ابتسامة بريئة.
- جيلان.
قالها بدهشة لتبتسم وترد:
- أيوة جيلان. اومال عفريتها.
- ما بلاش إفيهاتك الواقعة دي وقوليلي إيه اللي جابك هنا؟
- عشان نخرج.
- نخرج؟
قالها بدهشة وأكمل:
- أنا إمتى قولتلك إننا هنخرج النهاردة؟
وضعت كفيها على خصرها وقالت:
- أنت بلسانك قولت إنك هتخرجني كل يوم وأنا على الأساس ده قعدت واشتغلت من البيت.
- لا غلط. أنتِ عملتي كده عشان لازم تطيعيني. أنا جوزك وطاعة الزوج فرض. ده من الدين يا حبيبي.
ربعت ذراعيها وقالت بجفاف:
- وكمان من الدين لما توعد توفي بوعدك. صح ولا إيه يا شيخ أمجد؟
- أنا لسه مخرجك من كام يوم يا جيلان وروحنا لرحيق. خلاص.
قالها بضيق لترد:
- لا مش خلاص يا أمجد. أنت وعدتني تخرجني كل يوم يعنى تخرجني كل يوم. لإما كده لإما أنا بنفسي هدّور على شغل برة وهشتغل. أنت مش هتحبسني في البيت.
- اللهم طولك يا روح.
قالها بحنق وهو يدخل لصالة المنزل فتدخل خلفه وتقول:
- رد عليا وقول هتخرجني النهاردة ولا والله أطلع لوحدي دلوقتي.
- جيلان كفاية كده. أنا سكتلك كتير. إكبري شوية.
- أنت اللي أكبر يا أمجد ومبقتش عيل. لما توعد وعد تلتزم به و.... آه.
صرخت فجأة عندما شعرت بصفعة قوية على وجهها.
من شدتها سقطت أرضًا وهي تنظر إليه بذهول!
رواية اسرت قلبه الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سوليية نصار
أنا أفقدك يوماً بعد يوم...
ماذا أفعل لتعودين إلي... لتحبيني مجدداً...
جورج لماريانا.
وكأن كل شيء يتكرر...
ما حدث تلك الليلة ينعاد...
ما ذاقته تلك الليلة تذوقه مجدداً على يد زوجها...
والشعور البشع عاودها بقوة...
وتمني الموت الفكرة الوحيدة التي أصبحت مسيطرة عليها.
كانت تبكي بصمت بينما جورج يقبلها بهوس وغيرة.
لا تملك دفعه ولا مقاومته وكأنها مقيدة.
هي ما زالت هناك... ما زالت محبوسة في تلك الليلة.
انهمرت الدموع أكثر من عينيها والذكريات العنيفة تعاودها بقوة.
كانت متسطحة على الأرض... مقيدة بالكامل من قبله بينما يعبث بها بطريقة أشعرتها بالقرف.
تمنت في تلك اللحظة أن تموت.
عرفت أنها لن تستطيع النظر لنفسها في المرآة.. لكنها لم تمت ولم يتوقف هو عن قذاراته.
دقائق قليلة أشبع هو غريزته وتدمرت هي حتى الأبد.
عادت من شرودها ولمساته تزداد جراءة.
انتحبت وهي تحاول أن تتكلم... تصرخ فلا تستطيع إلا أنها قالت بصوت ضعيف:
"ابعد... أبوس إيديك ابعد... مش هقدر أكره نفسي أكتر من كده."
ولكنه صم أذنيه عن أي محاولة لها لاستعطافه وأكمل ما بدأه.
لم يكن بحالته الطبيعية.
الغيرة أعمته.
إنها تعامل الجميع جيداً إلا هو.
تضحك مع الجميع إلا هو.
هو لا يمكنه تحمل هذا التجاهل منها أكثر من هذا.
كان هدفه أن يجعلها تستسلم له ولكنه مهما حاول هي لا تستسلم.
لا تقاوم... فقط تبكي.
أراد أن يتوقف ولا يستمر ولكن شياطينه غلبته وهو يتذكر ضحكها مع إبرام.
بعد قليل.
انتهى منها ونهض وهو لا يشعر بالرضا.
شعر أنه حقير فما ناله لم يكن برضاها ولكنه حاول.
حاول وفشل.
هو يموت بينما يراها بعيدة عنه بتلك الطريقة.
كانت نائمة على الفراش.
عينيها شاخصة لأعلى بينما الدموع تنهمر منهما دون توقف.
اعتصر قلبه داخل صدره وخاف من ردة فعلها تلك.
أما هي شعرت وكأنها عادت تماماً لتلك الغرفة.
شعرت أنه تم نحرها مرتين.
لم تتخطى التحرش الذي تعرضت له ليأتي زوجها ويفعل هذا رغماً عنها.
شهقت طالبة للهواء وأخذ جسدها يتشنج بطريقة غريبة أثارت انتباه جورج الذي ارتدى ملابسه.
هلع جورج وهو يراها تتشنج.
ثم بدأت تبكي وتصرخ بعنف.
"ماريانا!"
قالها برعب واقترب منها ليهدأها ولكنها لم تهدأ.
بل أخذت تصرخ وتصرخ حتى بح صوتها.
كان يمسك بها ولكن رغم هذا لم يستطع السيطرة عليها.
"ماريانا خلاص."
قالها والدموع تطرف من عينيه.
لعن نفسه ألف مرة أنه لم يستطع السيطرة على نفسه.
كيف فعل هذا رغم علمه بما تعرضت له.
نهض عنها عندما فقد الأمل في تهدئتها ونظر إليها يعجز وهو يراها تبكي وتصرخ.
حك رأسه بقوة وهو يخرج من الغرفة يخفي آثار جريمته عن عينيه المذنبة.
أمسك هاتفه وقرر أن يتصل بوالدتها.
ابتلع ريقه وهو ينتظر يصبر أن ترد.
"أيوه يا جورج."
ردت عليه بخفوت ليقول بتوسل:
"حماتي الحقيني.... تعالي هنا بسرعة!"
بعد نصف ساعة تقريباً.
لم تهدأ ماريانا بينما تحاول والدتها أن تحتضنها.
صحيح أن صوت صراخها خفت ولكنها ما زالت تبكي بعنف.
لم تتقبل أن يقترب منها أحد.
قالت بصوت قد بح من الصراخ:
"ابعدوا عني... مش عايزة أي حد."
والدتها كانت تشعر بالألم لأنها فشلت أن تهدأ ابنتها.
نظرت إلى جورج بغضب شديد وابتعدت عن ابنتها وهي تقول:
"إيه اللي عملته فيها... أنت حيوان... ده كل اللي بتفكر فيه... مش قادر تصبر شوية لحد ما تتعافى!"
كان مطرق رأسه لا يعرف ماذا يفعل.
هزت هي رأسها وقالت:
"أنا اللي غلطانة إني سمحتلها ترجعلك عشان شفقت عليك... كان لازم أتمسك بإنها تفضل معايا... أنت إنسان حقير يا جورج... وبنتي حظها سيء إنها وقعت مع واحد زيك!"
بعد قليل.
استطاعت والدتها أخيراً تهدئتها ولكنها كانت تشهق بكاءا من وقت للآخر.
ألسبستها والدتها ملابسها وجلست بجوارها على الفراش وهي تقبل رأسها وتقول:
"حقك عليا أنا يا نور عيني مكانش مفروض أسيبك معاه... حقك عليا أنا."
شهقت هي بعنف وقالت:
"ماما أنا عايزة إبرام... عايزاه دلوقتي."
كان جورج يقف وعندما سمع الاسم تصاعدت النيران داخله وكاد أن يعترض إلا أن والدة زوجته رمقته بنظرات نارية وكأنها تخبره ألا يحق له الاعتراض على أي شيء.
هزت والدتها رأسها وهي تقول:
"حاضر يا نور عيني هتصل دلوقتي بإبرام... بس أنتِ اهدي شوية وارتاحي."
ثم تركتها برفق على الفراش ونهضت عنها وهي تخرج وتحمل هاتفها.
خرج جورج خلفها بينما وقال:
"هتتصلي بيه؟!"
نظرت إليه بغضب شديد وقالت:
"بالذمة أنت إنسان وعندك دم زينا... ده وقت غيرتك... بنتي بتضيع مني بسببك وأنت كل اللي هامك إبرام جاي ولا لأ."
تراجع بخجل من نفسه وقال:
"أنا آسف يا حماتي."
لم تستطع كلماتها التهدئة من غيرته عليها.
لقد طلبت إبرام.
أنها تشعر بالأمان في ظل وجوده بينما هو لا.
كان إبرام جالس بمنزله يشاهد أحد الأفلام الأمريكية بينما يحتضن زوجته نانسي التي كانت تتناول الفشار بينما كانت شفتيه هو على رأسها.
فجأة رن الهاتف الخاص به ليمسك هاتفه وينظر بحيرة ويقول:
"دي والدة ماريانا يارب خير."
وضع الهاتف على أذنه وهو يقول بصوته الهادئ:
"أهلا يا طنط مساء الخير."
صمت قليلاً وهو يقول بقلق:
"هو حصل إيه."
هز رأسه بسرعة وهو يبتعد عن زوجته ويقول:
"طيب طيب أنا جاي دلوقتي!"
ثم نهض وهو يتجه للحمام ليتحمم ويذهب إليهما.
"جورج فيه إيه؟!"
قالتها نانسي بتوتر ليقترب منها ويشد على كفها ويقول بأسف:
"ماريانا تعبت تاني."
"حصلها إيه؟!"
"ياربي."
"إن شاء الله خير."
قالها بنبرة متوترة ثم ولج للحمام.
"حصل إيه؟!"
قالها إبرام بقلق وهو يلج للمنزل.
كان جورج يجلس على الأريكة وهو يشعر كأنه مذنب.
يكره نفسه ويشمئز منها كلما يتذكر ما فعله.
نظرت والدة ماريانا بضيق إلى جورج وقالت:
"اقعد يا إبرام ماريانا هتطلعلك دلوقتي."
جلس إبرام على الأريكة وهو ينظر إلى جورج ويقول:
"أنت عملت إيه؟!"
كان جورج لا يستطيع حتى أن يرفع عينيه أمام إبرام فردد إبرام بنبرة مشدودة:
"عملت إيه يا جورج وخلانا نرجع لنقطة الصفر تاني!!"
كان يشعر بالإختناق.
عاجز تماماً عن النظر لعينيه وكأنه ارتكب جريمة بشعة.
"جورج رد عليا."
"أنا هقولك عمل إيه؟!"
تدخلت والدة ماريانا وهي تمسك كف ماريانا المنهارة.
كان شعرها يغطي وجهها.
وجهت والدتها نظرات نارية لجورج وقال:
"البيه محترمش اللي مرت بيه ماريانا ولمسها غصب عنها."
بذهول نظر إليها بينما حملت ملامح جورج الخزي.
"اللي أنت عملته ده... أنت هديت اللي أنا بنيته."
"أنا عايزة أمشي من هنا."
قالتها ماريانا فجأة بصوت مختنق.
كانت كلماتها بمثابة حكم الإعدام عليه.
أكملت والدموع تنهمر من عينيها:
"لو ممشيتش من هنا هموت نفسي!"
رمش وهو ينظر إليها بصدمة لا يصدق ما اقترفت يداه.
شعر بالخجل من نفسه.
هو لم يضرب أي امرأة قط.
فكيف امتدت يده على من أحبها أكثر من الحياة.
اقترب منها وهو مصدوم ثم جثا بجوارها وهو يقول بندم:
"جيلان حبيبتي أنا."
عجز عن إتمام جملته.
الدموع كانت تنهمر من عينيها وهي تنظر إليه بصدمة.
كان الخُذلان يرتسم بقوة على ملامحها.
أمسك كفها وقبله وهو يقول:
"أنا آسف يا جيلان آسف."
ثم نهض وامسكها من خصرها وساعدها على النهوض.
لم يحررها وهو يقربها منه ويعانقها بقوة متمتماً بإعتذارات عديدة.
كانت عينيها متسعة بصدمة.
كانت إهانة كبيرة لها وقد شعرت أنها انكسرت.
حاولت أن تبعده عنها بحدة ولكنه بدا أنه متمسك بها.
لم يحررها ولم يسمح لها أن تتحرر من بين ذراعيه.
كان خائف على رد فعلها.
خائف أن تنبذه من حياتها.
"سيبني لو سمحت."
قالتها بنبرة باردة جداً.
وهي تحاول دفعه عنها إلا أنه تمسك بها.
لتقول بصوت غاضب البكاء والتوتر سيطران عليه:
"ابعد... قولتلك ابعد عني."
"جيلان."
قالها بتردد وهي يرى انهيارها وقد ابتعد عنها.
كان وجهها أحمر.
الدموع أغرقت وجنتيها.
"أنا مستحيل أسامحك... طلقني!"
أخبرته هذا وخرجت هاربة من المنزل.
أغمض عينيه.
لا يعرف ماذا به.
كيف لم يتمالك غضبه.
جيلان مهما كانت هي صغيرة كان عليه أن يكون أكثر حكمة.
"غبي... غبي."
قالها بضيق ثم تحرك نحو باب المنزل وخرج مسرعاً.
"يا بنتي استهدي بالله بيت إيه اللي هتسبيه وهتقعدي فين بس... أنتِ متجوزة حالياً."
قالتها دلال بقلب موجوع وهي تمسك الحقيبة الخاصة بجيلان التي كانت تضع فيها الملابس بجنون بينما الدموع لاتتوقف عن الإنسياب من عينيها.
"سيبني يا مرات عمي لو سمحتي... عشان خاطري لو ليا عندك خاطر سيبني... أنا خلاص أخدت قراري. هسيب البيت ده... وخليه يطلقني... أنا مبقتش عايزاه خلاص."
"الشر برا وبعيد يا بت بتقولي إيه؟!"
قالتها دلال بهلع ولكن بدت أن جيلان لم تسمعها وهي تضع ثيابها في الحقيبة.
"جيلان!"
قالها أمجد بصوت قوي وهو يلج للغرفة.
رفعت عينيها ونظرت إليه الغضب ظلل عينيها.
لم تهتم بوجوده بل أكملت ما كانت تفعله.
تنهد أمجد بضيق من انفعالها وقال:
"ماما لو سمحتي روحي أنا هتكلم معاها."
نظرت والدته إليه بقلق ليهز رأسه مطمئناً إياها.
خرجت دلال مسرعة من الغرفة ليقترب أمجد وقد أخذ الحقيبة التي تضع فيها جيلان ملابسها.
"هات الشنطة... وطلقني... لو عندك دم طلقني."
نظر إليها دون رضا وقال:
"جيلان... بطلي تصرفاتك الطفولية دي!"
نظرت إليه مصدومة.
ثم ضحكت بغضب وهي ترتجف وقالت:
"طفولية... أنا طفولية. ماشي يا عم... طلقني يا عم العاقل وروح اتجوز واحدة كبيرة وعاقلة... أريام مناسبة جدا ليك... طلقني وروحلها!"
امسكها من جسدها وهو يهزها بعنف:
"ممكن تفوقي."
"لا مش هفوق... بقولك طلقني... طلقني... أنت فاكر عشان أهلي اتوفوا تقدر تتحكم فيا... لا يا أمجد... أنا مش ضعيفة ولا عمري هكون... طلقني وخرجني من هنا والا هوريك اللي عمرك ما شوفته!"
"جيلان أنا مش هطلقك وأعلى ما في خيلك اركبيه."
"بقا كده."
قالتها وهي تتنفس بعنف ثم فجأة بدأت تصرخ وهي تضرب بقدمها أرضاً كالأطفال:
"بقولك طلقني... طلقني لو عندك دم... لو عندك كرامة."
شدها عليه وكتم فمها بيده وهو يهدر بها:
"بطلي تصرفاتك الطفولية دي!"
"فيه إيه يا ولاد... بسم الله الرحمن الرحيم."
قالتها دلال وهي تلج لتقف مبهوتة وهي ترى ابنها يكمم فم زوجته بكفه ويقول بلهث:
"روحي يا أمي أنا هعرف أتعامل مع الجنان بتاعها كويس."
"ده مجرد كابوس يا بابا."
قالها عاصي وهو يضم ابنته ويقبل رأسها بينما هي تتمسك به والدموع محبوسة بعينيها بينما تقول:
"بس أنا خايفة أوي يا بابا."
نظر إليها بلوم وقال:
"برضه ده كلام... إزاي بنتي تقول إنها خايفة ده أنا بقول دايما عليكي شجاعة."
انهمرت الدموع من عينيها ليمسح دموعها برفق ويقول:
"طيب خلاص إيه رأيك ننام أنا ورحيق عندك هنا."
أشرق وجهها ونظرت إلى رحيق التي ابتسمت لها وقالت:
"هتستقبلينا النهاردة ولا إيه؟"
هزت أملاك رأسها بحماس وهي تفتح ذراعيها لتقترب منها رحيق وتعانقها بحب شديد.
ثم ابتعدت وقالت:
"دلوقتي أنا هروح لنهلة وصيتها تعملك كوباية لبن سخنة... أنا هجيبهالك."
ابتسمت أملاك لتذهب رحيق.
أمسكت أملاك كف والدها وهي تشعر بالأمان الآن فبعد حلمها السيء وجودها بعث الأمان بقلبها.
أغمضت عينيها بتعب لا يليق بسنوات عمرها الصغيرة.
صور عديدة تلاحقها.
صور لسيارة محترقة.
دماء في كل مكان.
امرأة مرمية على الطريق.
لا تفهم لماذا كل تلك الصور تلاحقها.
اتجهت لوالدها وعانقت خصره وهي تضع رأسها على صدره وتقول:
"نفسي في أخ ليا يكون زيك يا بابا قوي."
تجمد عاصي للحظات ولكن عاد لوضعه الطبيعي وهو يلمس شعرها ويقول:
"بس أنا مش عايز ابن أو بنت تانية يا أملاك... أنا مكتفي بيكي أنتِ."
نظرت إليه ببراءة وقالت:
"ليه يا بابا أنا نفسي في أخ ليا."
ابتسم لها وقبل وجنتها وقال:
"لا أنتِ كفاية ليا... مش عايز حد يشارك قلبي في حبك أو قلب ماما رحيق."
"أيوه بس أنا نفسي في أخ."
قالتها بعناد ليرد مازحاً:
"وبعدين بقا كلمة تانية وهروح أنا ورحيق لأوضتنا."
ضحكت أملاك وقالت:
"خلاص مش هتكلم."
"أيوه كده."
قالها بمرح ثم ولجت رحيق للغرفة وهي تمسك كوب اللبن وتقول:
"يالا يا أملاك تخلصيها دلوقتي."
هزت أملاك رأسها بطاعة وتناولت الكوب منها.
وقفت رحيق بجوار عاصي وهي تنتظر أن تنتهي أملاك من شرب كوب اللبن.
تسللت يد عاصي إلى خصرها لتضربه على كفه وهي تهمس:
"أتأدب بنتك موجودة."
ثم ابتعدت عنها وهي لا تخفي ابتسامتها.
بعد قليل.
كانا نائمين على الفراش.
أملاك بالمنتصف بينهما.
وللمرة الرابعة تضربه على كفه عندما حاول أن يشاكسها.
"لو إيدك اتحطت تاني عليا أنا همشيك من الأوضة وننام أنا وأملاك فيها بس... فاهم."
مط شفتيه بغضب طفولي وقال:
"مستبدة!"
ابتسمت وهي تغمض عينيها وتنام لتجده قد أمسك كفها ونام هو الآخر.
تنهدت براحة وهي تشدد على كفه وتفكر كم هي محظوظة بوجوده.
أنها تقع بغرامه يوم بعد يوم.
أغلقت الأبواب جيداً والنوافذ أيضاً وفعلت مبرد الهواء كان تشعر بالرهبة قليلاً بعد ما حصل منذ قليل.
ابتلعت ريقها وهي تتذكر ما حدث.
فتحت التراس الخاص بها وهي تحمل طبق الغسيل به بعض من ملابسها بعد أن جففتهم غسالة الملابس ثم بدأت بوضعهم على الحبل لتعريضهم للهواء.
ولكنها فجأة توقفت وهي تضع المشبك بفمها وهي ترى وجه مألوف.
وقع المشبك من فمها وهي تقول بينما جسدها بالكامل يرتجف:
"مُعاذ."
أعطاها ابتسامة شريرة وكأنه أدرك أنها عرفت كل شيء ثم أشار إلى قلبه وهو يضم كفه في إشارة واضحة ثم ضرب على صدره بعنف.
وهي فهمت إشارته.
هو يقصد أنه سوف يؤذي سيف.
استدارت وهي تجلس على الأرض برعب.
أخرجت الهاتف من جيب بنطالها وهي تتصل بالمحقق إياد.
ذلك الذي أخبرها عمها أن تتصل به أن رأت معاذ.
ولكن لسوء الحظ لم يرد.
نهضت مجدداً وهي ترتجف لتنظر إليه ولكنه كان قد اختفى وهذا زاد من رعبها فوجدت نفسها تركض نحو الباب وتغلقه جيداً وفعلت هذا مع التراس والنوافذ.
خرجت من شرودها وهي تتنهد بتعب وتتجه إلى فراشها.
في الغرفة.
جلست على الفراش وهي تمسك هاتفها.
تفتح ملف الصور وتخرج صورته الوحيدة معها.
تلك التي توسل إليها ليراها.
كان قد بعثها لها.
تلك هي الذكرى الألطف بينهما.
رباه كم اشتاقت إليه.
هي ترغب في عناقه بقوة شديدة وتخبره أنها تحبه.
لم تحب أحد بهذه الطريقة وكأن قلبها خُلق ليحمل حبه فقط.
ابتسمت وهي تمرر إصبعها على الصورة.
تتنهد وهي تفكر أن ربما كل شيء سوف يكون على ما يرام.
سوف تخبر عمها غداً بما رأته ليتواصل مع المحقق إياد ربما يقبضوا على مُعاذ وتعود هي لسيف.
فجأة ارتجفت عندما رن الهاتف.
ابتلعت ريقها وهي ترى اسم سيف وصورته يظهران على الشاشة.
تسارعت دقات قلبها حتى لهثت وهي لا تعرف ماذا تفعل.
لقد تركها على راحتها ولم يتصل بها منذ انفصالهما.
وقد ظنت أنه نسيها ولكن عمها أخبرها حقيقة كم هو يعاني.
فتحت الهاتف وهي تضعه على أذنها بينما تبتلع ريقها وتقول:
"ألو."
أغمض سيف عينيه وصوتها يتجه نحو قلبه مباشرة كرصاصة تعرف هدفها.
كان جالس على الفراش.
يمسك أحد أوشحتها التي كانت ترتديها في الآونة الأخيرة بينما يشمها بهوس يعبر عن عشقه لها.
لقد اشتاق إليها كثيراً تلك القاسية!
"ألو."
كررتها بنبرة مرتجفة ليقول بعد تنهيدة عميقة:
"حبيبتي... وحشتيني يا مياس."
قالها بصوته اللطيف لتشعر وكأن قلبها سوف يخرج من صدرها.
أمسكت الهاتف بلهفة والدموع محتجزة بعينيها لا تسمح لها بالتحرر رغم أن ما تأمل به بشدة الآن هو أن تنفجر بالبكاء وتخبره كم هي مشتاقة له.
وكم عرفت بأقسى الطرق أن الحياة دونه هلاك.
الاشتياق مؤلم رغم حلاوته.
"سيف."
قالتها بنبرة مخنوقة ليرد:
"وحشتيني أوي... الحياة من غيرك ملهاش طعم... بحاول أعيش كل يوم... يومي من غيرك بس مش بقدر... روحتي واخدتي قلبي وراحتي يا مياس."
أغمضت عينيها والدموع تطرف منهما وقالت بنبرة مرتعشة:
"أنت عايز إيه دلوقتي؟"
التوى فمه بإبتسامة عاشقة وقال:
"مش عايز أقولك عايز إيه وأصدمك."
ارتبكت بخجل فرد:
"بس لازم أقول... نفسي أحضنك يا مياس... أحضنك جامد بحيث محدش يقدر ياخدك مني."
عجباً ألم تفكر بهذا منذ قليل.
كيف يمكن أن ينهكهما الشوق بنفس الدرجة.
بنفس الوقت!
"أنا أنا هقفل."
قالتها بإرتعاش كاد أن يرد الا أنها بالفعل أغلقت الهاتف وانفجرت بالبكاء.
مد كفه ولمس وجنتها بينما عينيه تفيض عشقاً.
حمرة الخجل غزت بشرتها.
والإرتياح سكن قلبها وجوده يجعلها آمنة.
ليس الحب فقط ما تكنه له ولكن الأهم من الحب أنها تشعر بالأمان بوجوده.
تعرف أنه رجل لن يتنازل عن كلمته.
سوف يحميها دوماً.
"أنا نفسي في بنت."
قالها وهو يتلمس وجنتها برقة عينيه العسلية ترمقانها بحب.
عبست وهي تقول:
"بنت... بنت إيه؟"
"عايزين نجيب بنت يا ماجدة نخاوي محمد."
ضحكت ماجدة وقد احمر وجهها بشكل مبالغ فيه وهي تضربه على كتفه وتقول:
"نخاوي مين أنا كبرت على الكلام ده يا يوسف... هو أنا فيا حيل."
عبس هو وقال:
"كبرتِ إيه... أنتِ لسه صغيرة وحلوة."
"ربنا يجبر بخاطرك يارب."
قالتها وهي تضحك بمرح ليمسك كفها ويقول:
"ماجدة أنا بتكلم جد نفسي أخلف منك."
"عايز تعيش إحساس الأبوة يعني."
قالتها مبتسمة فهز رأسه نافياً وهو يقول:
"الإحساس ده حسيته مع محمد وكان أجمل شعور جربت بعد شعور حبك ليا بس لا أنا عايز ده لأن ده حلمي."
نظرت إليه بحيرة ليقترب منها ويضمها وهو يقبل رأسها برفق ويقول:
"كان من ضمن أحلامي بعد ما ألاقي الست اللي تحبني جدا زيك كده إني أخلف بنت... بحب خلفة البنات أوي بحس إنهم حنينين."
صمت وهو يتذكر أن نسرين لها دور كبير في رغبته تلك.
لقد عاصر طفولتها ورأى كيف تمتلك حنان نحو والدها رغم أن كريم كان دوماً قاسياً عليها.
أن من أسباب هوسه بنسرين عندما كان يحبها هو عطفها حنانها احتياجها للحب.
لذلك تمنى يوماً أن يكون له فتاة يلاعبها ويعطيها عطفه.
لن يكون والد سيء ككريم.
سيهتم بكل من محمد والطفلة القادمة بإذن الله.
توسعت ابتسامته وهو يعيش عالم الأحلام وقال:
"تخيلي يا حبيبتي لما نجيب بنت ويكون معانا ولد وبنت كده يبقى الحمدلله ربنا جبر بخاطرنا. تخيلي هتكون الحياة حلوة إزاي لما نجيب بنت وتبقى كل مسئوليتها عليا أنا... أنا اللي أهتم بيها وأسرحلها شعرها... أحميها من أي حد عايز يزعلها وأغير لو حد حاول يقرب منها أو يطلبها مني."
توسعت عيني ماجدة بدهشة بينما تقول وهي تكتم ضحكتها:
"أنت بتهزر ولا بتتكلم جد يا يوسف؟ أنت نفسك في بنت؟!"
هز رأسه بكل بساطة وقال:
"أيوه إيه الغريب في ده أنا نفسي في بنت."
"يوسف أنت عارف إنك مش صغيرة."
"فين مش صغيرة... ده أنتِ كتكوتة."
ضحكت ضحكة رائقة وقالت:
"والله أنت رايق."
"يا ماجدة عشان خاطري... خلينا نجرب... عشان خاطري عشان خاطري."
أخذ يلح عليها بحماس صغير يتوسل لوالدته بحلاوة ليفعل ما يريد.
كانت تضحك بقوة وهي تنظر إلى توسله الطفولي وقالت:
"يوسف أنت بجد زي العيال الصغيرة."
مط شفتيه بغضب طفولي.
لتضحك مرة أخرى وهي تتلمس وجنته وتقول بحب:
"حبيب قلب ماجدة أنت... لو بإيدي كنت عملت اللي انت عايزه بس أنا اللي هحمل مش أنت وأنا حملي صعب أوي غير إنها كبيرة في السن مش صغيرة. بعدين محمد محتاج اهتمام أنت محتاج اهتمام البيت محتاج تنضيف وأكل وشرب ومواعين وأنا مش قد ده كله."
"يا حبيبي ما أنا هساعد معاكي... متقلقيش مش هسيبك لوحدك أبداً."
نظرت إليه وهي تقول:
"طيب عيني في عينيك كده... أنت يا دكتور يوسف هتساعد في شغل البيت."
هز رأسه وقال:
"أيوه ده وعد مني... أنا عمري ما بوعد وبخلف."
ابتسمت له وقالت:
"طيب افرض مثلا حصل اللي عايزه وجه ولد هفضل أخلف كل شوية أخلف زي الأرانب عشان أجيبلك البنت اللي نفسك فيها؟"
"لا أنا حاسس إنها من أول مرة هتبقى بنت إن شاء الله أنا بدعي ده من صلاتي من أول ما اكتشفت إني حبيتك إني أتزوجك وربنا لبى دعائي ودلوقتي كل يوم بدعي إني أجيب منك بنت تكون شبهك... جميلة زيك... وأنا واثق إن ربنا إن شاء الله هيحقق رغبتي دي."
ابتسمت له بلطف وهزت رأسها ليعانقها بحماس ويقول:
"يعني موافقة صح؟"
عانقته بالمقابل وهي تضحك وتقول:
"موافقة... موافقة."
كانت متسطحة على فراشها.
تفكر بما دار بينهما والابتسامة تغطي وجهها.
أمسكت الوسادة وهي تضعها على وجهها بخجل.
منذ أن استيقظت وهي متسطحة على الفراش.
تبتسم ببلاهة.
اليوم إجازتها من العمل وتشعر بالحزن قليلاً لأنها لم تراه.
أغمضت عينيها وهي تتذكر ما دار بينهما.
ابتلعت ريقها بعسر وهي تهز رأسها وتقول:
"لا لا متطلقهاش عشاني."
"مين قالك إني هطلقها عشانك... أنتِ ملكيش علاقة... متفقناش فهطلقها!"
أطرقت برأسها أرضاً فأكمل بضيق:
"لو موافقة على الجواز ممكن تاخدي ميعاد من والدتك."
ارتبكت وهي تقول:
"مش هتستنى الطلاق بحيث ميحصلش مشاكل."
كانت تشعر بالوضاعة والرخص وهي تردد تلك الكلمات ولكن الأمر وكأن حلم طاردته طويلاً حتى فقدت الأمل وهي تراه يفلت من بين يديها ولكنه عاد.
عاد هذا الحلم وأمسك كفها مرة أخرى.
كيف يمكنها أن ترفض.
القبول لم يكن قرار.
لم يكن اختيار بل كانت مجبرة.
أنها مضطرة لفعل هذا كي لا تحطم قلبها.
تخاف أن ترفض فتندم في نهاية الأمر.
"أنتِ معايا."
قالها بينما قطب حاجبيه.
يشعر بضيق من الأمر كله وكأنه يريد الاعتذار منها والهروب.
المنطق السليم ألا يدخلها حياته وقلبه مع نوران.
ولكن الانتقام مغري للغاية!
نظرت إليه وهزت رأسها وهي تقول:
"أيوه أيوه أنا معاك."
تنهد وقال:
"مش هقدر أطلقها دلوقتي."
فركت كفيها بتوتر وقالت:
"مش هقدر أدخل حياتك ويقولي إني سرقتك من مراتي."
"يعني مش عايزة تتجوزيني."
قالها وقد بدأ الارتياح ينتشر داخله ولكنها قالت بسرعة وهي تشعر بالأمل ينساب من يديها مجدداً:
"لا لا طبعاً... عايزة أتزوجك."
ثم احمر بخجل وهي ترى اندفاعها.
همست لنفسها موبخة وقالت:
"امسكي نفسك شوية يا حورية الراجل هيقول عليكي واقعة."
"طيب مادام عايزة خلاص متفكريش في أي حاجة... أنا هتجوزك بعد ما أطلقها مادام رافضة إنك تدخلي على ضرة."
فركت كفيها وهي تريد أن توضح له وجهة نظرها.
هي لا تمانع أن يتزوجها وهو متزوج ولكن والدتها سوف تمانع لن تقبل أبداً أن تتزوج ابنتها من رجل متزوج.
نظرت إليه وهمست بإستسلام:
"ماشي."
نظر إليها ببرود وهو يرتب ما سوف يقوله تالياً.
"تمام ندخل في المهم."
قالها بهدوء.
"فيه شروط تلتزمي بيها عشان نتجوز من غير مشاكل لو سمحتي."
قالها بنبرة جافة.
عملية بشكل مغيظ كأنه يتكلم عن العمل وليس زواجهما.
كانت تنتظر.
تسمع ما يريد قوله بصبر أطرق برأسه أرضاً.
الغضب والحزن يتصارعان داخله وعقله يخبره أنه يدخل طريق لا قبل له به.
ولكن النيران داخله لا تهدأ وشياطينه تسيطر عليه.
رفع رأسه وهو ينظر إليها ولكنه بدا وكأنه لا يراها.
كانت نظراته شاردة بينما يقطب جبينه قال أخيراً:
"لبسك ده مش هينفع معايا خالص."
نظرت بتوتر إلى ملابسها المكونة من بنطال جينز ضيق وبلوزة حمراء فضفاضة ولكنها قصيرة.
أكمل بنبرة آمرة:
"تلبسي فساتين."
"فساتين."
كررت مذهولة ثم قالت:
"مش برتاح فيهم."
هز كتفيه وقال:
"ده آخر كلام عندي... دي شروطي موافقة عليها ماشي مش موافقة ربنا يوفقك مع غيري."
صمتت وهي لا تعرف ماذا تقول ليكمل هو:
"كمان وجودك بشعرك مش مقبول... عشان كده تتحجبي... ومش حجاب عادي تلبسي خمار... موافقة على شروطي؟"
شعرت بجفاف حلقها وهي تحاول الاستيعاب.
الأمر بدا وكأنه يقول لا تتزوجيني.
اهربي!
ولكنها مستعدة لفعل المستحيل من أجله.
هي تحبه.
انه حلمها الذي تحقق.
كيف ترفض بعد كل هذا.
أترفض أهم حلم في حياتها لأسباب سخيفة كتلك.
نظرت إليه وعينيها تتألقان بعشق وقالت:
"موافقة."
لم تحمل ملامحه السرور بل هز رأسه وأكمل:
"مش هيكون بينا تواصل لحد ما أتقدملك... مفهوم."
هزت رأسها ليذهب هو فتقول بحالمية:
"جلنف بس بحبه."
خرجت من شرودها وهي تمسك هاتفها.
رغم أنه أخبرها ألا تراسله ولكنها اشتاقت إليه بقوة.
أريد أن تفتح أي مجال للحوار معه.
"أخيرا!!"
قالتها بتعب وهي تنتهي من مسح الأرضية.
الآن ستتركها تجف نهائياً ثم تضع السجاد.
رنين الهاتف بقدوم رسالة جعلها تنتبه.
نظرت لتجد هاتف زوجها على طاولة الطعام.
اقتربت من الطاولة وأمسكت الهاتف لتجد رسالة على تطبيق الواتس أب من فتاة.
توسعت عينيها بصدمة وهي تجد اسم لفتاة تدعى حورية وبجوار اسمها رمز تعبيري لقلب وكوكب.
"مين قالك تمسكي موبايلي؟!"
اهتزت برعب عندما هدر جاسم بهذه الكلمات.
نظرت إليه بملامح شاحبة ليقترب منها ويسحب الهاتف منها بضيق.
لمع بريق الدموع بعينيها وقالت بصوت مختنق:
"مين حورية دي يا جاسم؟!"
انفجر بها وهو يقول:
"وأنتِ مالك أنتِ نسيتي نفسك وفاكرة نفسك مراتي... لا لازم تعرفي إنك هنا خدامة وبس أنا أعمل اللي عايزه وأنتِ تحطي لسانك جوا بوقك لحد ما أطلقك وتغوري من وشي."
أطرقت بآسى وقالت والدموع تنهمر من عينيها:
"متعملش حاجة حرام يا جاسم... مدام بتحبها اتجوزها أنا معنديش مانع."
ضحك بدهشة وقال:
"ليه هو أنا مستني إذنك... أنا لو عايز أتزوج هتزوجها وأنتِ ملكيش تتكلمي مفهوم... وبعدين تعالي هنا... حرام إيه اللي بتتكلمي عليه؟!! أنا بجد مش مصدق بجاحتك... أنتِ آخر واحدة تتكلمي عن الحرام والحلال ولا نسيتي يا هانم أنتِ عملتي إيه؟!!"
عضت شفتيها والدموع تنهمر من عينيها دون توقف وقالت بإختناق:
"لا طبعاً مش ناسيه اللي عملته ولا عمري هنسى يا جاسم... بس أنا بقولك اتجوزها... متعملش أي حاجة غلط."
نظر إليها بضيق وقال:
"متقلقيش أنا مش زيك... إنسان ضعيف بيمشي ورا شهواته!!!"
أطرقت برأسها أرضاً ودموعها تنهمر بشكل أقوى بينما تنتحب.
شعر بالضيق من نفسه واراد أن يقترب منها ويعتذر ولكن ما فعلته وما سمعه من صديقتها كان عائق بينهما.
استدار وغادر المنزل بضيق.
بعد أن ذهب جلست على الأريكة وهي تبكي بعنف.
تشعر بقلبها يؤلمها.
لقد دخلت المعادلة امرأة أخرى.
امرأة يبدو أنه جاد نحوها!
كان يسير في الطرقات دون هدى.
فكر أن يستقل سيارته ويدور بها بما أن اليوم هو يوم إجازته ولكنه فضل السير.
لقد كانت تلك حركة مقصودة منه.
عندما سجل رقم حورية بالأمس وضع تلك الرموز التعبيرية لعل نوران تراها وتحترق كما هو يحترق.
تصرف طفولي.
غير ناضج مئة بالمئة.
هو يعترف بهذا ولكن ماذا يفعل بقلبه المحطم.
قلبه الذي يريد أن يُشفى من جرحه.
أمسك الهاتف ثم بعث رسالة لحورية وبعدها قام بحظرها!
بعد قليل.
عاد إلى المنزل ليجدها قد وضعت كل شيء مكانه ونظمت المنزل ثم جلست على الأريكة وهي تقرأ القرآن.
كانت تقرأ بصوت مرتفع قليلاً.
مرتعش بينما الدموع تنهمر من عينيها دون توقف.
(واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)
صدق الله العظيم.
"نوران."
قالها بهدوء لترفع وجهها.
مسحت دموعها سريعاً.
ثم تركت المصحف بهدوء على الطاولة واقتربت منه.
"أنا آسف."
قالها بصدق لتتوسع عينيها بإرتباك فيكمل:
"آسف إني بأذيكي بكلامي."
"لا لا متعتذرش... مهما تعمل أنت عندك حق. أنا آسفة إني بتدخل في حياتك."
تنهد وهو يقول:
"أنا طلبت إيد حورية وهتجوزها!!!"
"متقلقيش يا مياس أنا هكلم اياد وهي هيتصرف... ووقتها نقبض على مُعاذ."
صمت قليلاً ثم قال:
"متقلقيش سيف مش هيعرف أي حاجة... هو دلوقتي في أمان... خلي بالك من نفسك يا حبيبتي... مع السلامة."
ثم أغلق الهاتف ليُفتح الباب ويظهر سيف ويقول:
"كنت عارف إن فيه سر بينكم!!!"
"فيه إيه يا بت يا حورية بقالك نص ساعة لطعاني جنبك وسايبين البيت يضرب يقلب ما تنطفي يا بت فيه إيه ولا أقوم أشوف حالي."
رفعت حورية عينيها وقالت:
"ماما أنا متقدملي عريس!!"
رواية اسرت قلبه الفصل الخمسون 50 - بقلم سوليية نصار
عقلي يخبرني أنك محق..
أنه يجب أن تعيش حياتك من جديد، تحب من جديد...
ولكن ماذا أفعل بقلبي... قلبي يتمزق وأنا أتخيل أن هناك من ستأتي لحياتك قريبًا.... تنشر تأثيرها عليك وتطردني من قلبك وحياتك إلى الأبد!
نوران لجاسم:
- أنت عايز تتجوزها؟!
قالتها بأنفاس مسحوبة، شعرت أنها سوف تختنق فجأة.
- أيوه.
وهكذا خرجت الإجابة من فمه، مختصرة، جافة وقاتلة.
أطرقت برأسها أرضًا وقد انهمرت الدموع من عينيها، بينما تفرك كفيها بشدة. لم تختبر هذا الألم من قبل.
ولكن هل يحق لها الاعتراض؟ والإجابة واضحة كوضوح الشمس. لا، ليس لديها الحق بالاعتراض.
لهذا رفعت وجهها وهي تمسح وجهها من الدموع وقالت:
- أكيد ده حقك يا جاسم. اتجوزها من بكرة لو عايز.
- هي مش عايزة تدخل على ضرة.
همس بها والتوتر يغزو ملامحه، كان يشعر بالذنب وهو ينظر إلى معالم الانهيار على وجهها. توجع قلبه من أجلها، وهو يفكر في التراجع عن قراره.
وبالفعل كاد يتكلم إلا أنها قالت بهدوء:
- خلاص يبقى نتطلق وأنا هتصرف مع عيلتي. صحيح معداش شهرين على جوازنا بس برضه متشيلش هم، أنا اللي هتصرف. كتر خيرك انت سترتني وأنا عمري ما هنسى المعروف ده أبدًا.
- مفيش داعي، هي ممكن تستنى أنا...
قاطعته وهي تهز رأسها بينما دموعها لا تكف عن الإنهمار وتقول:
- لا يا جاسم متوقفش حياتك عشان خاطري لو سمحت. اتجوز، عيش حياتك. أنت اتعذبت كتير في حاجة ملكش ذنب فيها. أهلي أنا هتصرف معاهم. أنا هكلم أمجد وأقول أنا اللي طلبت الطلاق وهنخلص الموضوع بسرعة. وانت.. انت...
كانت تتكلم بسرعة وهي تشعر أن أنفاسها تضيق وكأنها سوف تفقد الوعي. الألم في قلبها كان فوق احتمالها. تشعر أنها على صفيح من النار، تحترق دون رحمة.
- نوران!
نظر إليها جاسم بشفقة وهو يردد اسمها. كان يريد أن يتراجع فعليًا وهو يرى حالتها. إلا أنها نهضت وهي تقول مبتسمة بوجع:
- أنت لازم تتجوزها يا جاسم. لازم تعيش حياتك. تعوض اللي فاتك مع واحدة حلوة ومحترمة، مش زيي أنا.
قالتها جملتها الأخيرة بنبرة منكسرة، ثم أكملت وهي تمسح دموعها:
- أنا هكلم أمجد هو هينهي الموضوع. متقلقش مش هيحصل أي مشاكل. أنا هتصرف.
- مش لازم.
ولكنها هزت رأسها بعنف ونشيج حار يخرج من بين شفتيها بينما تكمل بكلمات متقطعة:
- ل.. لا. انت لازم تعيش حياتك، كفاية كده. أنا آذيتك كتير. رغم إنك معملتش حاجة إلا إنك سترتني في وقت أنا كان ممكن أُقتل من أهلي بسبب اللي عملته. أنا عمري ما هنسى معروفك ليا ومش هكون أنانية وهقولك متتجوزش دلوقتي. انت مفرحتش ولازم تفرح يا جاسم، لأنك انت معملتش أي غلط. روح كلمها وامشوا في الإجراءات. بلغها إن خلاص مفيش مانع أبدًا للجواز.
ثم كادت أن تتجاوزه إلا أنها شعرت بالدوار وكادت أن تسقط. إلا أنه امسكها وهو يقول بقلق:
- نوران فيه إيه؟
سيطرت على نفسها ووقفت وهي تقول بصوت خافت:
- مفيش حاجة، أنا كويسة.
ثم خطت نحو غرفتها وهي تتماسك حتى لا تسقط أرضًا، بينما دموعها تنهمر من وجهها. ماذا ظنت؟ إنها ستبقى زوجته طوال حياتها؟ ذلك بسببها، بسبب خطيئتها لتدفع الثمن الآن.
جلست على فراشها وهي تتنفس بعنف. دموعها تتساقط تباعًا. تمسك مفرش السرير بعنف وهي تحاول ألا تصرخ قهر. كيف تقنع قلبها أن جاسم ليس لها؟ جاسم لن يغفر وهو محق. لقد ارتكبت في حقه جريمة بشعة. العقل يتفهم، ولكن قلبها لا يفهم. قلبها فقط يتألم.
رفعت كفيها المرتعشين وبدأت بمسح دموعها بقوة. رفعت عينيها وهي تشعر بقدومه. كان ينظر إليها وشعور الذنب يظلل عينيه. هي لا تستحق شفقته ولا شعوره النبيل هذا. أرادت أن تخبره أن عليه ألا يشعر بالذنب وأن من البداية للنهاية هي المخطئة. هي التي تنازلت حتى خسرت كل شيء.
- أنتِ كويسة يا نوران؟
قالها باهتمام. اهتمامه يقتلها. تعرف أنها بعد أيام سوف تُحرم منه للأبد. هزت رأسها وهي تحاول رسم بسمة على شفتيها المرتعشة بينما تقول:
- أنا كويسة يا جاسم. متقلقش.
- مش باين.
قالها بهدوء والحزن يغزوه. لتهز رأسها بيأس وتقول:
- هبقى كويسة. متقلقش.
ثم تسطحت على الفراش وهي تقول بنبرة مخنوقة:
- معلش أنا بس هرتاح شوية. هنام شوية. ممكن؟
هز رأسه وقال:
- أكيد طبعًا. ارتاحي.
أغمضت عينيها وبدت وكأنها بالفعل غرقت بالنوم، ليتنهد وهو يخرج من الغرفة. قلبه يتألم من أجلها. لقد بدت منهارة أكثر من أي وقت.
- بالله عريس.
قالتها والدة حورية وعينيها تلمع بسعادة. تشعر أنها بحلم رائع. ابنتها بعد سنوات من رفض كل ما تقدم لها حتى بدأت في الدخول في عامها الثلاثين، أخيرًا قررت أن تتزوج.
احمر وجه حورية بخجل وهزت رأسها:
- أيوه يا ماما عريس.
نهضت والدتها واحتضنتها وهي تقول بينما الدموع تتصاعد بعينيها:
- يا نهار أبيض. الحمدلله يارب. الحمدلله سمعت دعائي. هتتجوزي أخيرًا يا حورية. أخيرًا هفرح بيكي.
ثم قبلت رأس ابنتها وهي تقول:
- أنا كنت مستنية اللحظة دي من زمان يا حورية. ده أنا حسيت إني هموت يا بنتي قبل ما تتجوزي.
هزت حورية رأسها وهي تقبل كف والدتها وتقول:
- بعيد الشر عليكي يا ماما متقوليش كده.
ثم أخذت تمسح الدموع التي انسابت من عينيها وقالت بصوت مختنق بفعل الانفعال:
- أنا أهو هفرحك أخيرًا.
قبلت هي كفها وجهًا وظهرًا وقالت:
- الحمدلله يا بنتي. كان نفسي أبوكي يبقى عايش ويشوف اللحظة دي. بس الحمدلله على كل حال.
انسابت الدموع من عيني حورية وهي تقول بصوت خافت:
- وأنا كمان كان نفسي يبقى معايا. بس الحمدلله ربنا يرحمه.
جلست والدتها وأمسكت كفها وهي تشد عليه وتقول بلهفة:
- قوليلي بقا مين ابن المحظوظة اللي أمه دعياله بالهنا. اسمه مين. هو زميلك صح؟ أنا كنت حاسة بيكي والله الأيام اللي فاتت.
أطرقت برأسها خجلًا وهي تقول اسمه بحب كأنها تتذوق كل حرف من حروفه:
- جاسم. يبقى دكتور زميلي في المستشفى.
ابتسمت والدتها وهي تقول:
- عايز يتقدم؟
هزت رأسها مرة أخرى ثم أكملت:
- بس هو مش هينفع يتجوزني دلوقتي يعني.
عبست والدتها وقالت:
- يعني قصدك إيه؟
تنهدت حورية وهي تتذكر ما حدث منذ قليل.
بقلب خافق انتظرت الرد على رسالته. فجأة انتفضت مكانها وهي تمسك هاتفها وترى الرسالة التي أتتها على تطبيق الواتس آب بلهفة. فجأة عبست وهي تقرأ رسالته:
- أظن إني وضحت إن ممنوع التواصل لحد ما يبقى فيه شيء رسمي بيننا. جو إنك تبعتيلي رسايل على الواتس ده ممنوع. مبحبش البنات اللي بتتصرف بالطريقة دي. بيشوف إنهم معندهمش حياء. أنا مش عايز أغير فكرتي عنك يا آنسة حورية بعد إذنك. فعشان كده متبعتيش حاجة. اللي هتعمليه دلوقتي لإن مبحبش أعمل حاجة في السر إنك هتقولي لوالدتك إني هاجي وأتقدم بس بعد ما أطلق مراتي. الموضوع ممكن ياخد فترة. بس ضروري تقولي لوالدتك كل حاجة. ولحد ما أضبط أموري وأطلق مراتي ياريت متتواصليش معايا وأنا هعملك بلوك من عندي عشان أسهل عليكي الأمور.
وبالفعل وجدت أن صورته الرائعة قد اختفت. لقد قام بحظرها.
عادت من شرودها ووالدتها تتكلم وتقول:
- ما تنطقي يا حورية وقولي ليه مش هينفع دلوقتي.
فركت هي كفيها وقالت:
- هو بس مستني يضبظ أموره مع مراته ويطلقها عشان نتجوز.
توسعت عيني والدتها بصدمة وقالت:
- بتقولي إيه؟
- بقولك الحقيقة يا ماما. جاسم متجوز. هو بس يطلق مراته هيتجوزني!
تبخرت سعادة والدتها للحظات وهي تنظر إلى ابنتها. تبحث عن أي أثر للمزاح فلا تجد.
- بنتي انتِ بتقولي إيه؟
قالتها بوجه شاحب. ملامح أم انكسرت فرحتها. لتفرك حورية كفيها بتوتر وتقول:
- اللي سمعتيه يا ماما. جاسم متجوز.
- متجوز يا حورية هتتجوزي واحد متجوز. هو ده آخرك. ده اللي بتطمحى ليه؟
- يا ماما ممكن تسمعيني بس.
قالتها حورية بإختناق ثم أكملت:
- أنا بحب جاسم.
نهضت والدتها بغضب وهي تصرخ بها:
- بتحبي إيه. ده راجل متجوز. أنتِ عايزة تدخلي بيت وتخربيه؟ أنتِ معندكيش عقل؟ ده أنتِ حتى دكتورة.
- يا ماما بحبه!
قالتها بيأس ثم أكملت:
- كان حلمي في الكلية حبيته أكتر من حياتي. بس هو مكنش بيبص في وشي حتى. مهما حاولت أعمل مكنش شايفني. حتى لما اشتغلت معاه مشافنيش. لحد ما عرض عليا الجواز. حسيت أحلامي بتتحقق. تخيلي تحلمي بالمستحيل وتلاقيه بيتحقق بعد كده. أنا مقدرش أرفض. كأني كده بقتل نفسي بالحيا. بدمر حلمي!
- حلمك وسعادتك على حساب واحدة تاني. هي دي تربيتي.
قالتها والدتها بحزم لترد وهي تبرر تهرب من جرمها:
- هيطلقها يا ماما. أنا أصلًا مطلبتش منه كده. هو قالي بينهم مشاكل مش متفاهمين.
ونظرات اللوم في عيني والدتها لا تهدأ بينما تقول:
- البيت اللي بيتبني على تعاسة واحدة ست مبيعمرش يا حورية.
والأم تهاجم من جديد. تحاول إيقاظ ضمير ابنتها من ثباته، ولكن الحلم المستحيل يتحقق وحورية لم تكن ترى إلا حلمها ولتذهب أي عواقب أخرى إلى الجحيم.
- أما جاسم أو مفيش. مش هدخل أي راجل حياتي غيره.
والابنة العاشقة تسدل الستار أخيرًا بكلماتها وتضع كلمة النهاية لهذا الحوار المنهك!
- براحتك يا بنت بطني. بس عايزاكي تعرفي وأنتِ بتحققي حلمك المستحيل. إنك مكنتيش الاختيار الأول. ويا خوفي متكونيش اختيار أصلاً!
ابتلعت حورية ريقها وهي تحاول التماسك وتقول:
- أنا اختياره المرة دي أنا متأكدة.
شبح ابتسامة احتلت ملامح والدتها رغم الحزن بعينيها وهي تقول:
- نفسي يا بنتي والله. بس للأسف اللي أنتِ بتعمليه ده غلط. وأنا عارفة إيه آخرتها. آخرتها كسرة قلبك. حرقة روحك. أنتِ اللي هتخسري نفسك بعدين يا حورية. ويا خوفي تفوقي بعد فوات الأوان.
هزت رأسها وهي ترفض استقبال أي كلمة تخبرها أنها مخطئة. فقط لتعيش حلمها بسعادة.
- إيه اللي أنت بتعمله ده؟
قالتها ماجدة وهي لا تستطيع السيطرة على ضحكاتها ليوسف الذي بجواره محمد وكان يقوم بطلاء الغرفة.
نظر إليها يوسف وابتسم قائلًا:
- دي أوضة فاضية قولت استغلها وألونها عشان البنوتة اللي هنجيبها إن شاء الله.
ضحكت بقوة وهي تقول:
- أنا مش حامل لسه يا يوسف إيه اللي بتعمله ده.
- يا ستي نتفائل خير.
قالها مبتسمًا. لتهز رأسها وهي تنظر إليه بحب. لقد أعطاها الكثير من السعادة وهو يستحق أن تحقق له كل ما يريده.
فجأة بهتت السعادة داخلها قليلاً وهي تنظر إلى ابنها المسكين. ذلك الذي لم ينعم بحنان الأب ولا حمايته. والآن وجد يوسف الذي أعطاه كل شيء. عامله أفضل من والده الحقيقي. أعطاه الحب والحنان والحماية. إنها ترى ابنها سعيد للمرة الأولى. ولكن السؤال الذي كان يقف كالشوكة بحلقها كان هل سيعامل يوسف ابنها بتلك الطريقة لو أنجب منها طفل آخر. يبدو أنه متحمس كثيرًا بشأن إنجاب طفلة. يخاف أن بسبب حماسه هذا يهمل محمد ابنها. ليس من العدل أن يحصل ابنها على كل هذا الحب والاهتمام ثم بعدها يُهمل. سوف ينكسر قلبه.
كان القلق ظاهرًا بقوة على ملامح وجهها الشاردة بشكل جعل يوسف يعبس قليلاً وهو يفكر ما الذي يقلقها مجددًا.
وضع الفرشاة في إناء الطلاء وهو يمسح كفه ويقول لمحمد:
- هناخد بريك يا بطل.
- معلش يا ماجدة ممكن تعمليلنا ساندويتش صغير أنا ومحمد.
أخرجت ماجد من شرودها ورسمت ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تقول:
- حاضر من عيوني.
بادلها يوسف ثم تجاوزها ليغسل كفه.
بعد قليل. كانت ماجدة قد أعدت شطائر للجميع. جلس ابنها يأكل وهو يشاهد إحدى برامج الأطفال. بينما مدت كفها ليوسف بالشطيرة وهي تقول بلطف:
- اتفضل يا حبيبي.
نظر إليها مبتسمًا ثم أمسك الشطيرة بيد وجذبها إليه باليد الأخرى حتى سقطت على قدمه. احمر وجهها بخجل وهي تقول بإحراج:
- يوسف الولد.
- متقلقيش هو مش باصص علينا أصلاً.
قالها مبتسمًا. ثم نظر إليه بجدية وهو يقول:
- مالك يا حبيبي. حاسك مش كويسة. وشك بهت فجأة. يا ترى إيه اللي شاغل عقلك.
هزت رأسها وكادت أن تنكر إلا أنه رد بهدوء وقال:
- يالا يا حبيبي قولي إيه المشكلة. أنتِ عارفة إنك متقدريش تكدبي عليا.
ابتسمت وهي تنظر إليه وقالت:
- إزاي بتفهمني بالشكل ده؟
- عشان نسبة الذكاء عندي عالية. يالا قولي متضايقة ليه؟
ضحكت وقالت:
- ياربي على التواضع.
ثم تنهدت وهي تفرك كفيها. احمر وجهها من الإحراج وهي تقول:
- أنا مش عارفة أبدأ من فين.
- من النقطة اللي أنتِ عايزاها. قوليلي إيه اللي شاغل عقلك يا ماجدة؟
تنهدت وهي تقول بتردد:
- أنا بحبك يا يوسف. ونفسي أحققلك اللي انت عايزه. بس موضوع إني أحمل تاني صعب عليا. القصة مش قصة إني كبيرة بس أنا خايفة محمد يتظلم.
نظر إليها دون فهم لتكمل:
- إحنا من أول ما اتجوزنا وانت بتعامل محمد زي ابنك دي شهادة حق مني. حاجة مقدرش أنكرها. بس خايفة لو حصل وجبنا طفل تاني انت تنسى محمد. ده مش عدل بعد ما داق حنان الأب يتحرم منه.
نظر إليها بلوم وقال:
- هو أنا كده برضه يا ماجدة. إيه اللي عملته أوحى ليكي إني ظالم؟
هزت رأسها مسرعة وقالت:
- لا أبداً والله عمرك ما كنت ظالم. أنا بس بقول.
أغمضت عينيها وقالت بصوت خافت:
- مهما كان محمد مش ابنك.
- ليه مش ابني يا ماجدة؟ هو عشان مش من دمي يبقى مش ابني. يعلم ربنا من وقت ما اسمك اتكتب على اسمي وأنا خلاص محمد بقى ابني. هو حسسني بالأبوة اللي كنت مفتقدها. أنا كان نفسي أبقى أب من زمان ومحمد اللي حقق الحلم ده. بس أنا كمان من ضمن أحلامي إن يكون عندي بنت ومتقلقيش عمري أبداً ما أفرق بينهم!
ابتسمت له ليقبل رأسها ويقول:
- أوعي في يوم تشكي فيا تاني مفهوم؟
هزت رأسها والدموع محتجزة بعينيها ثم عانقته وهي تتمتم:
- أنا آسفة يا حبيبي.
- سيف.
قالها والده بصوت مرتجف. كان يشعر بالتوتر يغزوه والنيران تتصاعد بعيني ابنه.
- سيف!
اقترب سيف منه كان يشعر بالخيانة وهو ينظر إلى والده.
- ممكن تتكلم دلوقتي وتقولي الحقيقة. أتكلم يا بابا لأني مش ههدى إلا لما أعرفها. اللي فهمته ده صح؟ أنت...
اختنقت نبرته وهو ينظر إليه بصدمة كأنه ينظر إلى شخص غريب. ليس هذا هو والده.
- سيف ابني أنا عملت كده عشانك.
بدأ جلال بالتبرير وهو يشعر بالخجل.
- عشاني. عشاني. أنت قتلتني. وهي كمان. أنا قاعد هنا بموت بفكر إيه اللي خلى مياس تسيبني وعقلي هيشت مني. بفكر وبفكر. أنت شايفني متدمر وساكت!!! مش هقدر إلا لما تقولي كل حاجة. أنا فهمت إنك عارف مياس بعدت ليه. ممكن بقا تقولي إيه السبب. إيه السبب اللي يخليها تشوفني بموت وتمشي!!!
رفع والده كفه بإستسلام وقال:
- هقولك كل حاجة. بس اهدى. أبوس إيديك يا بني أهدى. يمكن لما تسمع تعرف أنا عملت كده ليه!
جلس سيف وهو ينظر إلى والده ينتظر ما سيقوله بفارغ الصبر. هو انتظر هذا. انتظر أن يعرف الحقيقة. يعرف لماذا تركته مياس.
أخيرًا سوف يجد حل لهذا اللغز!
ربع يديه وقال:
- أنا مستني أسمعك وأفهم انت عملت إيه لمصلحتي. أصلك إنك تبعدني عنها ده ميتحطش في بند مصلحتي بأي شكل من الأشكال!
أغمض جلال الحسيني عينيه وهو يجمع كلماته. لا مفر الآن ولا سبيل للكذب يجب أن يخبر ابنه الحقيقة كاملة. دون أي كذب!
بدأ جلال بالتحدث. أخبره كل شيء عن معاذ كيف أنه السبب في تشوه مياس. وأنه دمر حياتها. وكيف أنه حاول قتله مرتين. أخبره أنه من أخبر مياس بشأنه لذلك هي فضلت الابتعاد. فهي لا يمكنها أبدًا أن تتسبب في إنهاء حياة من أحبت!
بعد أن انتهى بالكامل من كل شيء. نهض سيف. عينيه متسعة. يتنفس بعنف بينما حريق هائل بداخله. كان يشعر بالغضب من والده. غضب شديد لا يستطيع أن يتحكم به.
فجأة أمسك الحاسوب من على مكتب والده وقام بكسره على الأرض.
أغمض جلال عينيه وهو ينتظر انفجار أكبر من هذا. هو يعرف ابنه حين يغضب.
أخذ سيف يسير في المكتب ذهابًا وإيابًا وهو يشد شعره بقوة. الدموع محتجزة بعينيه وهو يتخيل كم الرعب الذي عاشته مياس.
- أنت... أنت إزاي كده. إزاي... إزاي تتخلى عنها للمرة التانية؟ إزاي ترميها وتخليها تواجه مصيرها هناك وهي لوحدها!!!
- كنت خايف عليك!
قالها بيأس والدموع بعينيه. كان يشعر بالخجل مما فعله ليصرخ باستخفاف:
- طيب وهي تولع يعني! إحنا اتخلينا عنها للمرة التانية. المرة الأولى آذاها وشوهها. المرة دي مفكرتش هيعمل فيها إيه؟
جلس على المقعد وهو يشعر بالإنهاك. انسابت دموعه وهو يشعر بثقل على قلبه. لقد تخلى عنها المرة الأولى. لم يكلف نفسه ويسأل عنها. أخرجها من حياته كأنها لم تكن صديقته يومًا. لم تكن قريبة يومًا. لقد تخلى عنها مرة. وللمرة الثانية تخلى عنها حتى لو لم يكن يعلم. ما كان عليه أن يتركها بمفردها. كان عليه أن يذهب خلفها. كان عليه أن يعرف أن مياس لن تفعل هذا أبدًا به. كان يجب أن يعرف أنها أحبته.
- إحنا ظلمناها مرتين.
نظر إليه والده وملامحه تحمل الخجل ليهز سيف رأسه ويقول:
- ده صحيح للأسف. صحيح. أنا وأنت ظلمناها مرتين. اتخلينا عنها مرتين. خلينا ها تواجه واحد سايكو زي ده مرتين. تخيل أنت عشان تحميني سايبها هناك معاه. تخيل قهرتي ومراتي. الست اللي محبتش قدها لوحدها هناك بتعيش الرعب عشان حضرتك بس خايف على ابنك. أنا لا هقدر أسماحك ولا هسامح نفسي.
ثم نهض وأكمل:
- بس أنا مش هكمل ظلم فيها. مش هعمل كده تاني.
- رايح فين؟
سأله والده بوجه مبهوت ليرد:
- رايح لها. يا بابا أنا مش هسيبها أبدًا. أنا هفضل جنب مياس. هحميها من أي حاجة تأذيها. عمري ما هفلت إيديها مرة تانية أبدًا.
- سيف متعملش كده يا بني. استنى. معاذ مهما كان مش هيأذي مياس عشان بيحبها بس انت...
ضرب على المكتب بعنف وصرخ:
- متقولش إنه بيحبها. متقولش إنه مش هيأذيها. هو سبق وآذاها. شوهها. كسرها وشوه نفسيتها. هو الأذية تعريفها إيه بالنسبالك؟ أنت خايف من الصعلوك ده. خايف يأذيني. بس لا أنا المرة دي اللي هقتله. متتخيلش قد إيه كان نفسي أعرف مين اللي عمل كده في مياس عشان أقتله وأخد حقها منه!!!
- يا جيلان أنا حتى شغلي مروحتهوش عشان خاطرك. قاعد جنبك من امبارح هنا وأنتِ حتى رافضة تبصي عليا.
قالها أمجد وهو ينظر إليها. كانت تشيح بوجهها عنه، ترفض أن تنظر إليه وهذا ما جعله يتألم. نظر لوجهها جيدًا كانت كانت بقعة حمراء بسبب ضربه لها. تألم قلبه مجددًا. هو أبدًا أبدًا لن يفعل هذا بها مجددًا. مد كفه وأمسك ذقنها ثم أدارها إليه. كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف. هاله الأمر وأصبح يمسح دموعها برفق شديد وهو يتمتم:
- أنا آسف. آسف.
شهقت مطالبة للهواء وهي تقول بأسى شديد:
- أنا بالنسبالك ولا حاجة. أنت عمرك ما حبتني!
- متقوليش كده أنا محبتش غيرك. والله بحبك يا جيلان ومعرفش غضبي إزاي اتحكم فيا.
أطرقت بوجهها ودموعها تنهمر مرة أخرى ثم قالت بلوم:
- أنت مكنتش هتعامل أريام أبدًا بالشكل ده. بالعكس كنت هتحترمها. لكن أنا.. أنا عشان مليش حد فمش مهم.
قربها منه وهو يعانق وجهها بينما يهز رأسه بقوة ويقول:
- لا لا خالص ده مش صح يا جيلان. إياكي تقولي إن ملكيش حد. أنا عيلتك. وماما كمان وإخواتي. أنتِ مش لوحدك. أنا عارف إني غلطان واستاهل أي حاجة تقوليها. بس متقوليش إن ملكيش حد. أوعدك مهما حصل مش همد إيدي عليكي تاني. أنا آسف يا جيلان. آسف.
ثم بدأ يقبل رأسها بينما الدموع تنهمر من عينيها. مسح دموعها برفق وقال:
- أنا هعوضك عن ده كله وعد.
كانت تنظر إليه. نظراتها تظللها عدم الثقة وهذا أوجع قلبه. ولكن الخطأ الذي اقترفه بحقها كبير. مسح دموعها مجددًا وقال:
- إيه رأيك نروح الغردقة عند نوران وجاسم ونغير جو؟
كانت تضحك بقوة من قلبها وهي تنظر إلى زوجها من التراس وهو يلعب مع ابنته. كان يحملها وهو يدور بها بينما فتح النافورة التي بالحديقة لتغرقهما بالمياه وضحكاتهما تتعالى. كانت سعيدة للغاية وهي ترى عاصي بمنظور آخر. أب حنون يحاول أن يسعد ابنته. يفعل المستحيل من أجل أن يسعد ابنته ويسعدها. هي الآن أسعد امرأة على وجه الأرض. لا يعكر صفو سعادتها إلا معاناة نوران. هي قلقة عليه. تتذكر أن آخر مرة كلمتها بالأمس وأخبرتها أن كل شيء على ما يرام. ولكن لا صوت شقيقتها كان مختنق. مستحيل أن يكون كل شيء على ما يرام. شقيقتها تعاني وهي تعرف.
أغمضت عينيها وهي تدعو الله داخلها أن تكون نوران بخير. أن تسعد بحياتها. وأن يتقبل الله توبتها ويجعل قلب جاسم يرق ويسامحها ويكمل حياته معها. هي تعرف أن نوران تحب جاسم كما هو يحبها. ربما فرصة أخرى سوف تكون مناسبة لهم.
فجأة رن هاتفها لتبتسم وهي ترى أن المتصلة هي نوران. لقد كانت تفكر بها وها هي تتصل. فتحت الهاتف وهي تقول بلطف:
- بنت حلال مصفي. كنت لسه هتصل بيكي.
عبست رحيق وهي تسمع أنفاس ثقيلة من الناحية الأخرى. لشخص بدا أنه يعاني. تجمعت الدموع بعينيها وهي تقول بقلق:
- نوران!
أخذت نوران تتنفس بعنف. لقد استيقظت أخيرًا. لم تنم كثيرًا. ربما بضع دقائق أو نصف ساعة. استيقظت ولم تجده بالمنزل. وقتها شعرت وكأن شيئًا ما يخنقها. وكأن العالم لم يعد يرحب بها. شعرت رحيق بالقلق عليها وهي تردد اسمها مرة أخرى. فجأة شهقت بعنف وهي تنفجر بالبكاء. تألم قلب رحيق من أجل شقيقتها وهي تقول:
- بس يا حبيبتي بس.
- رحيق. رحيق أنا بموت. مش قادرة أتنفس.
كانت تقولها بكلمات متقطعة وهي تشعر بشيء ثقيل يقبع على قلبها. نهضت رحيق بتوتر وهي تقول:
- قوليلي فيه إيه. حصل إيه يا نوران. أنا هاجي و...
- خلاص هنتطلق.
قالتها نوران بصوت منهار ثم أكملت:
- خلاص هيتجوز واحدة تانية.
بهتت رحيق بينما أكملت نوران:
- عارفة إني مش من حقي أضايق يا نوران. بس أعمل إيه في قلبي. قلبي مكسور من أول ما قالي الخبر. حاسة إن الدنيا بتلف بيا. الأرض مش ثابتة خالص.
- هاجيلك.
قالتها بخفوت لتهز نوران رأسها وتقول:
- لا لا مفيش داعي أنا خلاص موضوعي انتهى.
صمتت قليلاً وهي تنتحب. صوت بكائها كان يمزق قلب رحيق.
- رحيق ممكن طلب.
قالتها من بين شهقاتها.
- أكيد يا حبيبتي.
قالتها بسرعة لترد هي:
- ممكن تدعيلي. ادعيلي إن ربنا يجبر بخاطري وإن يطبطب على قلبي. أنا عارفة إني أستحق أي حاجة وحشة تحصلي. بس العقاب المرة دي صعب. قلبي مش قادر يتقبله رغم إن عقلي شايف إني أستاهله. بس أنا فعلاً قلبي واجعني. واجعني أوووي.
انهمرت الدموع من عيني رحيق. كانت تتألم من أجل نوران وقالت:
- متزعليش. بكرة ربنا هيعوضك وهتشوفي.
- أنا مش عايزة غير إن قلبي يبطل يوجعني. عايزة الخنقة دي تروح. ادعيلي إن ربنا يديني القوة أبعد عنه عشان هو كمان من حقه يشوف حياته.
تنهدت وقالت منهية حديثها:
- أنا هكلم أمجد دلوقتي عشان ننهي الموضوع.
- نوران استني.
هزت نوران رأسها والدموع تنهمر من عينيها دون توقف وقالت:
- لا يا رحيق. كفاية كده. هو لازم يعيش حياته. إيه ذنبه؟ من البداية مكانتش مضطر يستحمل بس هو استحمل وسترني. وأنا دلوقتي لازم أردله الجميل بأني أطلع بسرعة من حياته عشان يشوف غيري.
- أنا مش عارفة أقول إيه.
قالتها رحيق بآسى لترد نوران بإبتسامة وسط ملامحها الحزينة وتقول:
- متقوليش ادعيلي وبس. سلام.
ثم أغلقت الهاتف. تنهدت نوران بتوتر وهي تمسح دموعها. كانت عينيها تؤلمها بسبب شدة البكاء. أخرجت رقم شقيقها وهي تقرر الاتصال به. وضعت الهاتف على أذنها وهي تنتظر أن يرد. لحظات وأتاه صوته وهو يقول:
- حبيبتي وحشتيني.
ابتسمت بحزن وكادت أن ترد عليه فقال:
- بنت حلال مصفي حقيقي كنت دلوقتي لسه هكلمك عشان أقولك إننا بعد يومين جايين عندك!!!
في المساء. العالم توقف من حوله منذ غادرت حياته. حتى عمله تركه مرة أخرى. فقط يجلس على الأرض أمام صورةما وهو يتلمسها بينما الدموع تنهمر من عينيه. كيف يفعل هذا بها. بعد أن عادت وبدأت في العلاج أعادها لنقطة الصفر بسبب غيرته وفقدانه السيطرة على نفسه. لقد غادرت وغادر كل شيء جميل معها. شهق مطالباً للهواء وهي يشعر أن العالم يضيق به. أراد أن يذهب إليها ويتوسل إليها أن تعود. لا الحياة من دونها ليس لها أي فائدة. ليس لها لون. ولكن عرف أن تلك المرة خسرها للأبد.
انتفض قليلاً ورنين جرس المنزل يخترق أفكاره. نهض وهو يشعر أنه سوف يسقط في أي لحظة وكأن الأرض تهتز من تحته. فتح الباب ليرى أمامه إبرام الذي ابتسم بلطفه المعتاد وقال:
- هتخليني أدخل ولا هتضربني؟
أفسح له جورج الطريق ليدخل.
بعد قليل. كان جورج كان قد أحضر له كوبًا من القهوة. كان إبرام ينظر حوله لحالة المنزل البائسة ليقول جورج بخجل:
- مش قادر والله أرتب البيت. هو عامة وجودنا من غير ست في البيت قادر يحول البيت لكارثة. أنا لو نانسي سابت البيت يومين بيبقى زريبة حرفيًا.
ابتسم جورج بحزن وقال:
- من أول ما مشيت ماريانا وأنا حاسس إن الحياة واقفة. حاسس إني موت.
ارتشف إبرام من قهوته وقال:
- وأنت خلاص استسلمت؟
رفع عينيه لإبرام. كان اليأس يسكن بهما وقال:
- هي بطلت تحبني!
- وأنت صدقت كلامها!
- مش كلامها بس أفعالها.
قالها جورج بيأس ليرد إبرام:
- ماريانا اتصدمت صدمة كبيرة يا جورج. هي متلخبطة حاليًا. بتحاول تحمي نفسها. وأول حاجة حابة تعملها إنها تحمي نفسها من حبك. لكن الأكيد إنها لسه بتحبك. وأنت مش لازم تستسلم بكل سهولة كده. خليك وراها لحد ما ترجع. اقف جنب مراتك في علاجها. حسسها إنها مش لوحدها. واعذرني يا جورج حتى أنت محتاج علاج نفسي.
ابتسم جورج وهو ينظر إليه وقال:
- إيه يا دكتور هبقى مريضك التاني ولا إيه؟
ابتسم إبرام بتسلية وقال:
- معنديش مانع وصدقني هعملك discount محترم.
ثم انفجرا بالضحك هما الاثنان.
تجمد جسدها بالكامل وهي ترى من على الباب. فتحت الباب وهي تردد بصدمة وشوق:
- سيف.
لم يتحمل هو وجذبها إليه ليقبلها!