تحميل رواية «اسرت قلبه» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خالتو نوال أنا رايحة الكلية. قالتها مياس وهي تأخذ حقيبة الظهر الخاصة بها ثم ارتدتها مسرعة. وضعت النظارة الشمسية على حجابها الوردي بينما كانت ترتدي قميص احمر طويل وبنطال ازرق من الجينز. تضع كحل اسود على عينيها مبرزا جمال اتساع عينيها الزرقاء وأحمر شفاه باهت. يا مياس يا بنتي طب افطري الأول! قالتها نوال وهي تخرج من المطبخ وبيدها تحمل صينية بها بضع شطائر وعصير جوافة المفضل لديها. ولكن مياس هزت رأسها وقالت: هأكل في الكلية سلام يا خالتو. ثم قبلت خالتها وخرجت من الشقة السكنية مسرعة. أخرجت هاتفها واتصلت...
رواية اسرت قلبه الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سوليية نصار
إن كنت حبيبي ساعدني كي أرحل عنك
أو كنت طبيبي ساعدني كي أشفى منك
لو أني أعرف أن الحب خطير جداً ما أحببت
لو أني أعرف أن البحر عميق جداً ما أبحرت
لو أني أعرف خاتمتي ما كنت ابتدأت
اشتقت إليك فعلمني أن لا أشتاق
علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق
علمني كيف تموت الدمعة في الأحداق
علمني كيف يموت الحب وتنتحر الأشواق
من صور لي الدنيا كقصيدة شعر
وزرت جراحك في صدري وأخذت الصبر
إن كنت أعز عليك فخذ بيدي
فأنا مفتون من رأسي لحد قدمي
(نوران لجاسم - نزار قباني)
للحظات رمشت وهي لا تستوعب هذا الجنون. تحاول دفعه فلا تستطيع. لا تفهم لماذا أتى. هل عرف يا تُرى؟ هل أخبره والده كل الحقيقة؟ تمنت ألا يكون قد فعل. فكرت بدون تركيز ثم أغمضت عينيها وهي تستسلم لشوقها له. كم حلمت به. تمنت أن يأتي إليها لتعانقه فقط. انسابت الدموع من عينيها وهي تحاوط ظهره بذراعيها. لقد افتقدته. عرفت أنها لم تعرف الحب من قلبه ولن تعرفه بعده. فسيف هو الرجل المناسب. هو رجلها. رجلها الذي لن تسمح لأي أحد أن يؤذيه.
وعندما اقتحمت تلك الفكرة عقلها وجدت نفسها تفتح عينيها بصدمة. رباه ماذا تفعل؟ كيف تضيع كل جهودها بتلك الطريقة الغبية؟ هل تريد لمعاذ أن يؤذي حبيبها؟ هل هي بهذا الغباء؟
رفعت يديها وهي تدفعه عنها بقوة. أبعد شفتيه عن خاصتها ولكنه لم يبتعد عنها بل حاصر خصرها وهو يقربها منه. بينما ابتعدت بوجهها عنه وهي تقول بلهث:
"إيه اللي انت بتعمله ده؟ امشي من هنا يالا... امشي!"
"لا!" قالها بكل هدوء.
لتعبس وهي تقول:
"يعني إيه لا؟ أنا بقولك روح. أنا مش عايزاك. روح. هو مش عافية. إحنا اتطلقنا خلاص. انت رميت عليا يمين الطلاق. أنا دلوقتي مش بحللك."
ثم نظرت إلى ذراعيه اللذين يحاوطانها وحاولت التحرر منهما وهي تقول بضيق:
"شيل إيديك عني. اللي بتعمله ده ميصحش. أنا مش مراتك عشان تعمل كده!"
"أنا رديتك!" قالها ببساطة وهو يجذبها أكثر ويقبل خدها.
توسعت عيناها برعب وهي تضربه على ذراعيها ليفلتها وهي تقول بإختناق:
"رديت مين؟ هي لعبة؟ إحنا اتطلقنا. وأنا مش موافقة على ده."
"للأسف مفيش في إيديكي حاجة تعمليها. أنا رديتك!"
نظرت إليه بضيق وقالت:
"هخلعك."
"وأنا مش هسمح ليكي حتى تطلعي من البيت."
حاولت بغضب أن تبعده عنها. كانت الدموع تنهمر من عينيها وهي تقول بإختناق:
"امشي لو سمحت. أنا مش عايزاك. افهم أنا مش عايزاك!"
كان ينظر إليها بشفقة على حالتها. كم عانت حتى تحميها. عاشت برعب هنا فقط كي لا يؤذيه معاذ. لن ينسى أبداً أن مياس أحبته لتلك الدرجة.
"أنا آسف... آسف." قالها فجأة لتتوقف عن محاولتها التحرر وتنظر إليه بحيرة. فيرد:
"آسف ليكي عشان رغم إني وعدتك إني عمرك ما هسيبك اتخليت عنك للمرة التانية."
رمشت وهي تشعر بالغباء. كانت حقاً لا تفهم أي شيء. متى تخلى عنها؟ رفع كفه ولمس وجنتها وقال:
"اتخليت عنك أول مرة بسبب مشاكل والدي ووالدك. مسألتش عليكي رغم إنك كنتِ قريبة مني. وتاني مرة لما مفهمتكيش وسيبتك تبعدي عني وأنا كان لازم وقتها أمنعك تطلعي من البيت أصلاً. أنا آسف يا مياس إني خذلتك مرتين بس أوعدك مش هتتكرر."
"امشي لو سمحت." قالتها وهي تبكي.
ليضع جبينه على جبينها ويقول:
"أنا عرفت كل حاجة. مستحيل أسيبك تواجهيه لوحدك. أنا هقتله."
ارتعبت وهي تسمع كلماته تلك. رباه تتذكر أن سيف كاد أن يموت مرتين بسببه. لا لا. هي لا يمكنها أن تفعل هذا به. ليس بعد كل هذا. أخيراً وبكل قوتها دفعته وهي تقول بإرتجاف:
"امشي. امشي من هنا. أنا مش عايزاك. مش عايزاك. خلي عندك كرامة وامشي. أنا مش هدخلك بيتي."
ابتسم لها وقال:
"أنا مش هستسلم يا مياس. هفضل تحت بيتك واقف لحد ما تسمحيلي أدخل. أنا مش هتحرك من هنا. مش هسيبك لوحدك."
"هتقعد قد إيه يعني؟ يوم؟ يومين؟ شهر؟ برضه مش هستسلم."
لمس وجنتها وقال وعيناه تبرق لها:
"هقعد لحد ما تستسلمي وتيجي تحضنيني."
ثم استدار وذهب تاركاً إياها تنظر إلى أثره بذهول. رباه. ألن يكف عن جنونه. أغلقت هي الباب بينما تضع كفها على قلبها وتتنفس بإرتجاف.
بعد وقت طويل. كانت الساعة قاربت لمنتصف الليل وكانت هي ما زالت خلف ستار النافذة تنظر إليه. بينما هو واقفاً أمام السيارة يستند عليها. بينما يرفع رأسه وينظر إلى النافذة مبتسماً وكأنه يراها. رباه. معاذ يأتي هنا. ماذا إن رآه هذا المجنون؟
أمسكت هاتفها وهي تتصل به.
رن هاتفه في جيبه ليخرجه وهو يبتسم ثم يضعه على أذنه وهو يرفع عينيه للنافذة ويقول:
"نعم يا فراشة. اتفضلي."
"امشي يا سيف. أبوس إيديك امشي." قالتها ودموعها تنساب من عينيها.
هز رأسه وقال:
"مستحيل أمشي ومستحيل أسيبك يا مياس. أنا هفضل هنا لحد ما تقرري تعطفي عليا وتطلعيني. غير كده أنا مش همشي."
"يا سيف أبوس إيديك!" قالتها بإختناق وهي ترتجف بقوة.
فعبس هو لتكمل:
"لو شافك هيقتلك."
"هو بيجي هنا؟" قالها بتحفز.
لتهز رأسها وتهمس:
"شوفته تحت التراس مرة. معناه بيحوم هنا كل شوية. لو سمحت يا سيف امشي. لو سمحت عشان خاطري. هو إذاك مرتين. مش هقدر أتحمل لو حصلك حاجة تاني والله هموت. أنا هنا عشان عارفة إنه مش هيقدر يعملي حاجة عشان..."
"متقوليش عشان بيحبك!" قالها بغيرة. "هو إذاكي برضه؟"
لتهز رأسها وهي تمسح دموعها:
"لا مش عشان بيحبني. أنا عارفة إنه عمره ما حبني. بس هو مش مصدق إني بعد ما تشوهت برفضه برضه. هو متقبلش الرفض عشان كده بقا أذيتي هوس ليك. ومقتلي المرة دي فيك يا سيف. فعشان خاطري امشي."
هز رأسه وقال:
"مش هتواجهيه لوحدك. مش هسمح ده. أنا هواجهه معاكي. مش هسمح ليه يأذيكي."
"يالهووي عليك وعلى عنادك. انت بتقول إيه؟ يا سيف أبوس إيديك امشي. امشي عشان خاطري. لو بتحبني فعلاً امشي."
هز رأسه بعناد وقال:
"بحبك أكتر من حياتي بس لا. خليه يجي يواجهني. وأنا المرة دي مستعد ليه."
تنهد وأكمل:
"متحاوليش يا مياس. أنا مش هستسلم ولا همشي. هنواجهه سوا."
أطرقت برأسها ودموعها تنساب بقوة بينما القلق ينهش قلبها.
"ربنا يستر." همست بها.
ليسمعها هو ويقول:
"تعالى يا مياس. انزلي احضنيني. وحشتيني أوي."
لم تجعله يعيد طلبه بل ركضت نحو الإسدال الخاص بها ثم أخذت المفاتيح وهي تخرج من المنزل. نزلت الدرج بسرعة وتوقفت أمام مدخل العمارة وهي تجده أمام سيارته فاتحاً ذراعيه منتظرها كما كان منتظرها دوماً. اندفعت هي نحوه واندفعت بين ذراعيه لتضمه بقوة بينما الدموع تنهمر من عينيها. ضمه أكثر إليه وهو يقبل رأسه بينما لمع بريق الدموع بعينيه وهو يقول:
"حبيبتي... حبيبتي... وحشتيني أوي."
تمسكت به وهي تبكي. كانت تعانقه فقط. دون أي كلام. ومن بعيد كان معاذ يقف. يمسك السكين الذي أراد أن يقتل سيف بها منذ أن رآه واقفاً هنا. كان يضغط على حد السكين بقوة حتى انهمرت الدماء من كفه. بينما الدموع تتساقط من عينيه. الغيرة تشتعل بداخله.
وقفت أمام باب غرفته وهي مترددة. ترفع كفيها لتطرق الباب ولكنها تتراجع وتنزل كفها. بينما تزدرد ريقها بصعوبة. تتذكر صدمتها عندما أخبرها شقيقها بقدومه. أخبرها أنه سيأتي مع والدتها وجيلان ليقضيا يومين. لقد حجز مسبقاً في أحد الفنادق لهما. كانت تريد أن تخبر جاسم بهذا لتعرف كيف يريدان أن يخبرا أمجد بقرار طلاقهما. تألم قلبها وهي تستوعب حقيقة أن سوف تتطلق. أنهمرت الدموع بعينيها وهي تهمس:
"أنا هعمل إيه دلوقتي؟ إزاي هتطلق منه وأنا أحبه للدرجادي؟ إزاي هقدر أعيش من غيره؟ إزاي هتحمل أشوفه مع غيري؟ ده هيكون الموت بنفسه بالنسبالي!"
ولكنها مسحت دموعها وهي تهمس لنفسها بغضب:
"متبقاش أنانية. أنتِ السبب في ده كله؟ أنتِ اللي غلطتِ. هو معملش حاجة غير إنه حبك. عمل المستحيل عشان يسعدك. استناكي وطلبك وانتِ اللي كسرتِ قلبه. بعد ده كله مستخسرة فيه يكون سعيد. انتِ إنسانة أنانية. عايزاه يبقى مع واحدة زيك. هو يستاهل الأحسن منك بكتير. لازم تساعديه يتخلص منك. هو باين عليه بيحبها وانتِ العائق الوحيد. يمكن لما تساعديه يسامحك في اللي عملتيه وتعيشي حياتك من غير ما تتعذبي بذنبه."
مسحت دموعها بقوة من عينيها وهي تستجمع شجاعتها ثم تطرق الباب بهدوء.
"أدخل."
أتاها صوته من الداخل. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تدير المقبض وتلج إلى الغرفة بينما قلبها يصرخ داخل صدرها. كان يجلس على فراشه. يطالع هاتفه عندما ولجت هي. رفع عينيه وهو ينظر إليها. كانت ملامحها مرتبكة بينما عيناها ذابلتان. فركت كفيها بتوتر ليعبس ويقول:
"فيه حاجة يا نوران؟"
"كنت حابة أتكلم معاك شوية."
"تعالي اقعدي." ثم أشار لها لتجلس بجانبه على الفراش. بهدوء اتجهت وجلست بجواره. نظر إليها وهو يعطيها اهتمامه. بينما أطرقت برأسها وبدأ اللون الأحمر للزحف لبشرتها من فرط خجلها عندما أدركت كم هي قريبة منه. ابتلعت ريقها وهي تشيح بعينيها عنه. لا تريد أن تنظر إليه فيخفق قلبها أكثر من هذا.
"اتفضلي. كنتِ عايزة تقولي إيه؟" قالها بهدوء وهو يضع الهاتف الخاص به جانباً.
"أنا كلمت أمجد عشان أقوله عن موضوع الطلاق. بس مقدرتش أقوله عشان..." قالتها بتوتر وهي تنظر لملامح وجهه الواجمة.
نظر إليها بضيق وقال:
"ليه كلمتيه دلوقتي؟ دي حاجة متتقالش في التليفون. أنا شايف نصبر شوية. أنتِ ملكيش دعوة بالموضوع ده. أنا اللي هقوله في الوقت المناسب."
هزت رأسها وهي تقول:
"لا. مش شايفة إننا نستنى أكتر. انت وقفت حياتك بما فيه الكفاية. وبنت الناس اللي مفروض تتجوزها انت اديتها وعد ولازم تتجوزها. حرام تعلقها مدة طويلة عشاني. عيش حياتك يا جاسم. هو أمجد كدا كدا جاي وأنا هكلمه على الطلاق."
"نوران بس اسمعيني."
لم تتحمل أكثر وانهمرت دموعها وصوتها يختنق وهي تقول:
"أبوس إيديك انت اسمعني. لو سمحت كفاية عذاب لحد كده. أنا غلطت في حقك واستحق الموت. بس ده والله أصعب من الموت. خليني أرتاح بالمر. متدنيش أمل إنك متمسك بيا عشان في النهاية هتسيبني. انت مش هتقدر تسامح ولا تنسى وأنا مش هقدر أفضل معاك أكتر من كده. وأنا... وأنا..."
أغمضت عينيها وخرج نشيج حار من شفتيها وهي تقول بصوت متقطع:
"وأنا... بحبك. أنا بموت وأنا عارفة مستقبل علاقتنا إيه. انت هتحب وتتجوز وهتسيبني ومش بلومك والله ده حقك. ده انت كمان عملت واجب لما سترتني. بس مش هقدر أتحمل أكتر من كده إني أفضل معاك مدة أكبر لأني وقتها هترجاك حتى لو تخليني على ذمتك بأي شكل. أنهي عذابي وعذابك. وخلينا نتطلق."
"نوران!" قالها جاسم بشفقة.
لتهز رأسها وهي تقول بنبرة مخنوقة بفعل البكاء:
"لا لو سمحت. أبوس إيديك متقولش أي حاجة. بس نفذ اللي بقولك عليه. خلينا نطلق وأنا متنازلة عن كل حاجة. كل حاجة مش عايزة منك مليم. أنا لو عايزة منك حاجة هعوز بس إنك تسامحني على أي حاجة عملتها وتعرف إني عمري ما كان قصدي أذيك. وبتمنى يكون عقابي ده كافي عشان ربنا يغفرلي اللي عملته. وإني حتى لو متت أدخل الجنة."
أشاح بوجهه عنها وهو يشعر بالاختناق وقال:
"طيب. هنكلم أخوكي لما يجي عشان إجراءات الطلاق. متقلقيش. مادام عايزة تتطلقي مني هطلقك."
هزت رأسها وهي تمسح دموعها ثم نهضت وهي تغادر الغرفة كأنها خسرت آخر معاركها والآن ذاهبة لغرفتها لكي تخفي تداوي جروح هزيمتها. بعد أن ذهبت أغمض عينه بقوة وهو يشعر بالضيق. يشعر بالتشتت. رغبته الكبيرة أن يسامحها لأنه حقاً يحبها. مهما أنكر. مهما قاوم. حبها كالإعصار لا يمكن مقاومته. وبين غضبه منها. جرح قلبه. حائر هو بين الغفران والمضي قدماً. ولكن يبدو أنها بيدها قد خطت كلمة النهاية لعلاقتهما. فهي من تصر على الطلاق. زفر بضيق وهو ينهض ليسير في الغرفة. جميع المشاعر تموج بداخله. مشاعر مجنونة نادرة لم يختبرها من قبل. لم يجعله أحد يشعر بتلك المشاعر كما جعلته نوران يشعر. فهل يلغي مشاعره ويتزوج من حورية التي لا يشعر نحوها بأي مشاعر؟ هي ليست أكثر من امرأة مناسبة. تسمع كلامه وستفعل ما يريد دون أي نقاش. جاسم يعرف نفسه. ما إن يتزوجها لن يظلمها. سوف يعطيها جميع حقوقها. ولكن الشيء الوحيد الذي سيفشل في إعطاؤه لها هو قلبه. قلبه الذي بكل أسف لم يستردّه من نوران بعد. آه! قالها بتعب وهو يتسطح على الفراش يضع ذراعه على وجهه. يرغب في أن يرتاح. ألا يفكر. أن يكون سعيداً لمرة واحدة بحياته!
أغلقت باب الغرفة وهي تجلس على الأرض بينما الدموع تنهمر من عينيها. كان صوت بكاؤها مرتفع قليلاً بينما تضع كفها على قلبها. رباه متى سترتاح؟ قلبها يؤلمها بقوة. كانت تضع كفها على عليها وتربت عليه. ترغب في تهدئة آلامه. مسحت دموعها وهي تنهض. هي تعرف ما تفعل.
خرجت من الغرفة متجهة إلى الحمام.
بعد قليل كانت قد ارتدت الإسدال. وصلت ركعتين لله ثم أمسكت المصحف الخاص بها. كلما شعرت بالحزن. كلما تألمت أو توجع قلبها كانت تلجأ للقرآن فكان خير دواء لقلبها الجزع. فتحت المصحف وبدأت القراءة والدموع تنهمر من عينيها دون توقف.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحدِّثْ
صدق الله العظيم.
أغلقت المصحف وهي تضمه وتبكي.
"يارب اجبر بخاطري يارب. يارب اديني القوة عشان أمشي وأطلع من حياته. يارب أسعده في حياته الجديدة. وخليه يفرحه. جاسم يستاهل السعادة. ويارب اجبر بخاطري أنا."
في اليوم التالي.
ارتعشت وهي تمسك كف يوسف. كانت الدموع تنهمر من عينيها. كانت تشعر بالإختناق وهي تقف أمام قبر ابنها معتز. كان يوسف ينظر إليها بشفقة. مهما بدت ماجدة سعيدة. فقلبها ما زال يتألم من أجله. جلست بجوار القبر وهي تخرج مصحفها وتدعو له. ثم بدأت بقراءة القرآن والدموع تنهمر بغزارة من عينيها بينما شققاتها تنفلت من فمها من شفتيها. جلس يوسف بجوارها وهو يمسك مصحفه ويقرأ هو أيضاً. صحيح لا يعرف الفتى ولم يراه من قبل إلا في الصور ولكنه بالفعل أحبه من حديث والدته عنه. كما أنه أشفق على ماجدة. ففقدان طفلها لابد أنه كان مدمراً بالنسبة لها. الموت ككلمة مخيفة عندما يتعلق الأمر بمن نحب. والأمر مشابه له. فهو لم يكن يهاب الموت إلا بعد دخول ماجدة ومحمد لحياته. وأصبح مرتعباً أن يخسر عائلته. لهذا خاض حروباً من أجلهما حتى انتصر. ولو عاد به الزمن سيخوضها مرة أخرى. سيخوض حروباً حتى النهاية لحماية عائلته الجديدة. عائلته التي يحبها!
انتهت من قراءة القرآن ووضعت المصحف جانباً ثم بدأت بالدعاء. كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف.
"يا حبيبي يا معتز. يا حبيبي يا بني. بعد كل السنين دي مش قادرة أنسى. مش قادرة." قالتها ماجدة وهي تتلمس قبر ابنها. بينما الدموع تنفجر من عينيها. وضع يوسف المصحف جانباً وهو يتلمس كتفها. ولكنها بدت بعالم آخر وهي تبكي بحرقة. تبكيه كأول يوم مات فيه وكأن جرح فراقه لم يبرأ بعد.
"أنا السبب يا بني. أنا السبب يا معتز. أنا اللي بإيدي قتلتك. أنا..."
"وحدي الله يا ماجدة." قالها يوسف بألم وهو يراها بتلك الحالة. لم تسمعه من الأساس وهي تبكي بقوة. بقوة لدرجة أنه خاف عليها. فقد بدت على حافة الانهيار.
"ماجدة كفاية ارجوكِ." قالها بخوف وهو يرى حالتها تلك. ولكنها لم ترد وهي مستمرة في البكاء. جذبه ليضمها برفق وساعدها على النهوض وهو يحتضن جسدها الذي يختض بين ذراعيه. قبل رأسها وهو يقول بلطف:
"خلاص يا حبيبتي كفاية. ادعيله وادعي ربنا يصبرك. هو ملاك في الجنة بإذن الله. هو في مكان أحسن من هنا بكتير."
"حاسة إني مكنتش أم كويسة ليه!" قالتها ماجدة ودموعها تنهمر بغزارة. الذنب يحرق قلبها وهي تفكر لو فقط ابتعدت عن حياة لطيف في الوقت المناسب لم يكن ليحدث هذا. لو هربت كان ليكون ابنها على قيد الحياة الآن. نظرت إلى زوجها وهي تقول بنبرة مختنقة:
"لو كنت بعدت مكانش ده حصل. كان معتز كان هيبقى عايش. بس أنا طمعت ودي آخرة طمعي."
شدها يوسف إليه وهو يضمها ويقول برقة:
"أمر الله ونفذ يا حبيبي. معتز في مكان أحسن دلوقتي. ربنا بيختبر دايماً صبر المؤمن."
وضعت كفيها على وجهها وهي تبكي. إنها تتألم كلما تذكرت كيف مات صغيرها. كيف تم قتله بسبب عمل والده. ضميرها دوماً يجلدها. لا يرحمها.
"أنا السبب. أنا السبب." قالتها بإختناق وهي تبكي.
نظر إليها يوسف بشفقة. هي كلما تأتي هنا تكون بتلك الحالة اليائسة. كانت دوماً تذهب بمفردها. ولكن اليوم هو أصر أن يأتي معها. فالحالة التي كانت تأتي دوماً بها من عنده لم تكن مطمئنة أبداً. لذلك أتى معها الآن وتوجع قلبه وهو يراها بتلك الحالة. أمسك كفها وهو يمسح دموعها ويقول بهدوء:
"خلينا نمشي."
في سيارة يوسف.
أمسك كفها وقبله بعمق. بينما ما زالت تشهق من البكاء. نظر إليها بلوم وقال:
"تفتكري هيكون مبسوط وانتِ بالحالة دي؟ ماجدة ليه محملة نفسك ذنب مش ذنبك. معتز عمره انتهى. أمر الله ونفذ والحمد لله على كل حال واللهم لا اعتراض. فهوني على نفسك شوية يا حبيبي."
"الحمد لله. الحمد لله." تمتمت وهي ما زالت تبكي.
ليمح دموعه برفق ويقول:
"بعدين ليه مشيلة نفسك الليلة كلها؟ ليه حاطة على نفسك الذنب كله؟ أبوه هو اللي كان تاجر مخدرات. ودول كانوا أعداء أبوه. مش أعدائك يعني انتِ ملكيش دعوة. ليه بتحملي نفسك ذنب؟ يعني دول مكنوش أعدائك انتِ."
نظرت إليه وهي تمسح دموعها وقالت:
"أنا سكتت على اللي الظلم. كنت عارفة بيعمل إيه وسكتت. لو كنت بعدت..."
"كان برضه هيحصل كده. أصل ده قدر ومحدش بيهرب من قدره يا حبيبي. وبعدين يعني لو كنتِ بعدتي مكانوش هيأذوه في ابنه. مكانوش هيقدروا يوصلوا له يعني. لا عادي. دول ناس جبارة. اللي حصل محزن جداً. عارف إحساسك كأم صعب. بس متلوميش نفسك على كل حاجة. اعرفي إن اللي حصل مع معتز قضاء وقدر وإن عمره انتهى. اتفقنا."
هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها. ليبتسم وهو يمسح دموعها ويقول:
"إيه رأيك بما إننا سيبنا محمد عند جارتك نستغل الفرصة دي ونروح ناكل آيس كريم؟"
هزت رأسها موافقة بإبتسامة رائعة.
في المساء.
في عيادة إبرام.
ولجت ماريانا للعيادة وهي تعطي إبرام ابتسامة لطيفة. ولكن فجأة تجهم وجهها وهي تراه. وجدت نفسها تقول بحدة:
"ده بيعمل إيه هنا ده؟ ممكن تفهمني يا إبرام؟!"
ارتبك جورج وهو ينظر إليها. ولكن رغم الإرتباك والقلق بداخله كان ينظر إليها بإشتياق. رباه. لقد افتقدها كثيراً. حبيبته. لقد عاقبته بقسوة على ما فعله. فانقلبت الآية وأصبح هو من يطاردها الآن. هو من يحبها بقوة الآن. صحيح هي أحبته أولاً ولكن حبه هو كان أقوى. هو الآن متأكد أنه يحبها أكثر مما تحبه.
"ماريانا ممكن تهدي." قالها إبرام بلطف.
نظرت إليه بصدمة وقالت بإختناق:
"أهدى إزاي يا إبرام؟ قول لي دلوقتي إيه اللي جاب ده هنا؟"
تنهد إبرام وهو ينظر لجورج المتوتر وابتسم له ليهدئه وهو يقول:
"ماريانا. انتِ بتثقي فيا صحيح؟"
نظرت إليه ماريانا وكأن كلمته ساحرة حقاً إذ سكنت ملامحها وهي تهز رأسها وتقول:
"أيوة يا إبرام بثق فيك جدا."
وكأن تلك الكلمة البسيطة كانت كالخنجر الذي طعن قلب جورج. كان عقاب لم يقوى على تحمله. شعر وكأن تم استبداله. الأمر ليس وكأنه يشك بإبرام. أو يشعر بالغيرة الشديدة منه. الأمر أسوأ من هذا. لقد خسر ثقة ماريانا. حبها. واحترامها. ويالها من خسارة كبيرة. أسوأ خسارة عاشها بحياته. أراد أن يقترب منها. يتوسل إليها أن تسامحه. مستعد أن يفعل أي شيء ليداوي جروح قلبها فقط لتعطيه فرصة.
نظر إليها بألم وهي تعطي اهتمامها لإبرام وكأن ليس لوجوده أي أهمية.
"أنا قولتلك يا إبرام أنا بثق فيك. فلو سمحت قولي ده بيعمل إيه هنا؟ أصله لو هو هيقعد أنا همشي."
وبالفعل كانت تتجه إلى الباب لتذهب. لن أتحمل أن أبقى معه بمكان واحد.
"استنى لو سمحتي يا ماريانا. ممكن تديني فرصة أتكلم؟ قولتي إنك بتثقي فيا. اديني فرصة على الأقل أتكلم."
استدارت ونظرت إليه وهي تربع ذراعيها بينما تقول ببرود:
"اتفضل اتكلم وقول هو هنا ليه؟ لو جايبنا عشان تصالحنا على بعض انسى!"
ضحك إبرام وقال:
"أنا دكتور نفسي يا ماريانا. مش مصلح اجتماعي. ولا يا ستي مش جايبكم أصالحكم على بعض خالص. الحكاية إن جورج كمان بيتعالج عندي."
"طيب وده إيه علاقته بيا؟ ده ميعاد الجلسة بتاعتي. خليه يمشي."
تبادل كل من جورج وإبرام النظرات بينهما ثم قال إبرام:
"ما هو مينفعش."
رفعت حاجبيها وقالت:
"وليه مينفعش إن شاء الله؟"
"عشان جورج هيتعالج معاكي. انتوا الاتنين في جلسة واحدة. يعني بمعنى جلسة تتكلموا فيها انتوا الاتنين عشان تصلحوا اللي بينكم."
"أنا اكتفيت!" قالتها بغضب وهي تخرج من الغرفة.
ليخرج إبرام خلفها ويقف بوجهها ويقول:
"أنتِ لسه بتحبيه. متنكريش."
"لا..." كادت أن تنكر بإرتباك إلا أنه قاطعها وقال:
"كدكتورك النفسي لازم تقولي كل الحقيقة يا ماريانا. أنا هنا عشان أساعدك."
ابتلعت ريقها وهمست:
"حبه بيأذيني."
هز رأسه وقال:
"الحب عمره ما كان مؤذي يا ماريانا. تصرفاته هي اللي كانت بتأذيكي. وهو هنا عشان يتخلص من التصرفات دي. وانتِ ساعديه زي ما هو هيساعدك."
سكن غضبها ليبتسم ويقول:
"انتوا الاتنين غلطتوا يا ماريانا. يمكن مش بنفس الدرجة. بس منقدرش ننكر إن كان فيه غلط مشترك ما بينكم. حاولوا تقعدوا مع بعض. تتكلموا بكل صراحة وتشوفوا إيه اللي وصلكم للمرحلة دي."
مسحت دموعها التي انسابت من عينيها ليبتعد قليلاً ويقول:
"ها ندخل."
هزت رأسها وهي تستدير عائدة للغرفة. بينما نظر إليها هو براحة ونصر. ربما هذا هو بداية الطريق الذي سيجعلهما يعودان لبعضهما.
جلس الاثنان بجانب بعضهما. هي تطرق برأسها بينما يغطي شعرها كامل وجهها. بينما هو ينظر إليها والأشتياق يقتله من الداخل. تمنى في تلك اللحظة أن يعانقها. يعانقها فقط. ولكنها بدت بعيدة كبُعد النجوم. رباه لو تعرف كم يحبها. هو يحبها بطريقة لم يحب أحد بها من قبل.
"ها يا جورج. حابب تبدأ انت." قالها إبرام بلطف.
ليقول جورج:
"أقول إيه؟"
هز إبرام رأسه وقال:
"قول أي حاجة تخطر في بالك. اتكلم عن علاقتك بماريانا. إيه اللي بتمثله ليك."
نظر جورج لماريانا وقال:
"هي حياتي اللي أنا خسرتها بغبائي. لو بتمنى حاجة بتمنى الزمن يرجع بيا والمرة دي هتمسك بيها وعمري ما هخسرها!"
بعد يومين.
"هتخليني أعوم ولا لأ عشان أعمل حسابي وأخد بوكيني معايا ولا هتحبسني في الشاليه؟" قالتها جيلان وهي ما زالت تشيح وجهها عنه بغضب. لم تسامحه كلياً رغم كل ما فعله. هي لن تنسى أبداً أنه صفعها وكسر كبرياءها. ابتسم بحنان لها ثم قرب وجهه منها وقبلها وهو يقول:
"يا باشا خد اللي عايزه. إحنا كده كده في شاليه عاصي الخاص والشاطئ بتاعه خاص متقلقيش. يالا بس عشان منتأخرش. الطريق طويل."
"طيب." قالتها بهدوء وهي تستدير لتذهب. ليمسك خصرها ويدغدغها قائلاً:
"يا ولد يا تقيل."
استدارت وهي تنظر إليه بصدمة. لم تصدق أن يصدر منه هذا التصرف.
"انت إيه اللي عملته ده؟" قالتها بصدمة.
ليعبس ويقول:
"عملت إيه؟"
ربعت يديها وهي تقول:
"أمجد. انت إنسان محترم. متطلعش منك التصرفات دي أبداً!"
ضحك وقال:
"تصرفات إيه يا حبيبتي؟ انتِ مراتي يعني طبيعي أتصرف معاكي بالشكل ده. مفيش بيننا تكلفة أو خجل."
هزت كتفها وقال:
"بصراحة مش متعودة عليك بالشكل ده."
غمز وقال:
"ولا تقلقي. بكرة تتعودي. يالا روحي جهزي كل حاجة. مش عايزين نتأخر."
هزت رأسها وهي تستدير مرة أخرى. كاد أن يكرر فعلته مجدداً ويمسك خصرها إلا أنها ركضت خارج غرفته ليضحك هو بقوة.
كانت أخيراً قد جهزت كل شيء. واستعدا للسفر. قرر أمجد أن يسافر بسيارته. فهيأ السيارة جيداً. أحضر الشطائر والعصير للطريق. جعل والدته تجلس بالخلف لكي ترتاح جيداً. وجيلان جلست بجواره وهي تمسك هاتفها تلعب أحد الألعاب الإلكترونية (لعبة جنون الطبخ). أما أمجد فكان منهمكاً في القيادة وهو يفكر أن تلك فرصة له ليسعد جيلان. يعترف أنه قد قسى عليها في الفترة الأخيرة. جعلها تشعر بالقهر وأن ليس لها أي سند. وهو سوف يغير تلك الفكرة تماماً. سوف يجعلها تقتنع أنه يحبها. وأنه هو عائلتها الوحيدة. وأنه سوف يكون دوماً سنداً لها. لن يؤذيها مجدداً. نظر إليها مجدداً وهو يفكر أنه حقاً يعشقها.
بعد ساعات السفر الطويلة كان قد وصلا أخيراً بعدما الليل أسدل ستائره.
في البيت الصيفي.
"أنا بجد تعبانة أوي." قالتها جيلان بإرهاق وهي تفرك عينيها. فهي لم تنم جيداً. بينما قالت دلال:
"أنا رايحة أنام يا ولاد في أوضتي. وزي ما اتفقنا أنا وأنتِ يا جيلان هنكون في أوضة وأمجد في الأوضة التانية."
هزت جيلان رأسها وهي تتثاءب وتقول:
"أنا هاكل أنا وأمجد وأجي أنام على طول."
هزت دلال رأسها وهي تتجه لغرفتها لتقول جيلان:
"مش هتيجي تاكلي يا ماما دلال؟"
هزت دلال رأسها وهي تقول بنبرة متعبة:
"أنا مش قادرة أفتح عيني يا أولاد. كلوا انتوا."
ثم اختفت بغرفتها. أخذت جيلان حقيبتها وقالت لأمجد:
"هاخد أنا شاور سريع وبعدين أطلع بواقي الساندويتشات والعصائر وأضبطها عشان ناكل. ماشي؟"
هز هو رأسه وهي يفرك عنقه بتعب. لقد أخذ الطريق وقتاً طويلاً خاصة بعد توقفه في وقت كل صلاة ليصلي هو ومن معه. كان الأمر قد تسير له بمهارة فقد كان هناك استراحتين. ثم مسجدين. وبهذا قد صلوا كل الأوقات.
بعد قليل.
كان قد تحممت جيلان وهو أيضاً وجلسا الاثنين أمام التراس بالبيت الصيفي يتناولان الطعام. تنفست جيلان رائحة البحر بسعادة وقالت:
"الله. الجو جميل هنا. جميل أوي. المكان هنا يخليك مبسوط بطريقة غريبة."
ابتسم أمجد لها وقال بهدوء:
"إيه رأيك لما نتجوز نقضي شهر العسل هنا؟"
رفعت عينيها وهي تنظر إليه بخجل. فأكمل:
"أوعدك بس نتجوز هنيجي هنا تاني. بس المرة الجاية لوحدنا. وفي الشاليه بتاعنا الخاص."
في اليوم التالي.
استيقظوا وتناولوا طعام الإفطار ثم اتجهوا إلى منزل جاسم. كانت دلال سعيدة لأنها أخيراً سوف ترى ابنتها. لقد اشتاقت لنوران كثيراً. رغم طول لسانها إلا أنها حقاً تحبها ولم تنكر أن نوران رغم كل شيء هي المفضلة لديها. من دللتها أكثر من أي شخص آخر.
أخيراً وصلا للمنزل. خرجوا محملين بالهدايا. السعادة مرسومة على وجوههم.
بعد وقت ليس بالقصير. وبعد عناق المحبة التي نالته نوران من الجميع والتي حاولت هي وجاسم رسم الابتسامة على وجوههم حتى يتناولوا أهلها الطعام. وبعد حصولهم على واجب ضيافتهم بالكامل. جلست نوران على الأريكة أمام أخيها وهي تقول بخفوت:
"أمجد. أنا عايزة أتطلق."
رواية اسرت قلبه الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم سوليية نصار
رمش أمجد للحظات وهو يمرر عينيه بينهما.
ضربت دلال على صدرها وهي تقول:
- طلاق إيه يا بت؟ الشر برا وبعيد.
فركت كفيها بتوتر وارتعشت شفتيها وهي على وشك البكاء، وقالت بصوت مختنق:
- اللي سمعتوه.
نهضت دلال. كانت أول من تخلت عن صدمتها وقالت:
- إنتِ بتخرفي؟ تقولي إيه يا بت؟ يالهوووي! إنتِ اتجننتي!!!
لم ينطق جاسم بحرف. كان غير راضٍ عن هذا كله، ولكنه كان عاجزاً تماماً عن التمسك بها. كان داخله صراع بين أن يتركها وأن يتمسك بها. كان يعرف مشاعره، أنه يحبها. مهما حاول أن يكرهها، مهما حاول إيجاد مبررات لقلبه لكي يكرهها، ولكن لا. كلما مكث معها أكثر كلما أحبها أكثر. غضبه منها لم يقلل من حبها لها أبداً، بل العكس، حبه يزيد يوماً بعد يوم.
- ما تردوا عليا انتوا الاتنين! انتوا ناويين تجننوني؟ ليه محدش بيتكلم فيكم!!!
مررت عينيها بينهما وهي تشعر بالذهول. كانت ابنتها تطرق برأسها أرضاً وكأنها غير قادرة على المواجهة. بينما جاسم يشيح بوجهه عنها وهو يفرك كفيه بتوتر، وجهه متجهم. نظرت إلى أمجد الصامت وقالت بغضب:
- ما تتكلم تقول حاجة! بيت أختك بيتخرب!
كان أمجد صامتاً، يحاول أن يفهم السبب. ماذا حدث ليتخلى جاسم عن نوران بتلك السهولة.
- أمجد ... اتصرف!
صرخت به دلال وهي على حافة الانهيار. طلاق ابنتها بعد أقل من شهرين من زواجها هي كارثة كبرى. ما السبب الذي جعلها ترغب بالطلاق؟ رباه، ما تلك الفضيحة! هل ستعود معهم؟ ماذا سيقولون الناس عنها! وضعت كفها على رأسها وهي تشعر بارتفاع ضغط دمها.
نظر أمجد إليها ونهض، ثم قال بهدوئه المعتاد:
- ممكن ترتاحي.
- ارتاح إزاي و....
ولكنه قاطعها بهدوء وقال:
- ارتاحي يا ماما، أنا هتصرف.
ثم نظر إلى شقيقته وقال بهدوء:
- حابب أتكلم معاكي شوية. ممكن؟
نظرت بقلق إلى جاسم، ولكنها نهضت وهي تقول بطاعة:
- حاضر.
توتر جاسم وهو يراها تذهب مع شقيقها. خاف أن تتهور وتخبره ما الذي حدث. خاف أن يؤنبها ضميرها فتفضح سترها، وهو لن يسمح بهذا!
سارت نوران خلف أمجد بهدوء دون أن تتكلم أو تعارض. جلسا بالتراس وجلست هي بهدوء تام، تربط كلماتها كي لا تورط جاسم معها أكثر من هذا.
رمقها أمجد بهدوء وقال:
- أنا بس حابب أفهم إيه اللي جد فجأة بينكم، وإيه اللي خلاكِ تطلبي الطلاق.
- أنا اللي غلطانة يا أمجد. ظلمته معايا. مكنتش ليه الزوجة الصالحة.
قالتها بكل هدوء وهي تحاول أن تتماسك كي لا تكشف سترها.
- طيب انتِ عملتي إيه عشان تقولي كده؟ زعلتيه في إيه؟
- ده مش مهم. المهم تعرف إنه تعيس معايا وإنه يستاهل الأحسن بكتير مني. عشان كده طلقني بهدوء منه وأنا هتنازل عن كل حاجة. ده قراري لو سمحت يا أمجد. احترم قراري لمرة واحدة.
- هحترم قرارك لما أفهمه يا نوران. من حقي أفهم إيه السبب الكبير اللي وصلكم لكده. جاسم بيحبك. حرام عليكي ليه بتعملي كده؟ انتِ عملتِ إيه خلاكم تاخدوا القرار ده؟
رفعت عينيها له. كانت الدموع تحتشد بهما، بينما الذنب تصاعد داخلها كالنيران.
- أنا عملت حاجة بشعة أووي يا أمجد. أنا...
ولكن فجأة انتفض وجاسم يضع كفه على كتفها ويقول بهدوء:
- أنا اللي غلطان مش هي يا أمجد. نوران ملهاش دعوة.
رفع حاجبيه وقال:
- انتوا هتجننوني انتوا الاتنين! دي تقول أنا السبب وانت تقول أنا السبب. بقولكم إيه أنا مش ناقص عته منكم انتوا الاتنين. فهموني دلوقتي مين فيكم سبب المشكلة.
- أنا!
قالها كلا من جاسم ونوران بوقت واحد.
عبس أمجد ثم ضرب كف على كف وقال:
- انتوا بجد مجانين! روحوا اتعالجوا! إيه الهم ده يا ربي!
ثم ولج للداخل وقال لوالدته:
- يالا نمشي من هنا. بنتك اتعتهت هي وجوزها. مفيش طلاق ياض منك لها. شغل الأطفال ده أنا مش عايزه. إحنا مش في حضانة هنا!
ثم كاد أن يذهب إلا أن نوران وقفت بوجهه وهي تقول:
- أمجد، إحنا هنتطلق. اتفقنا على كده. سواء انت هتخلص الموضوع بصفتك أخويا الكبير أو إحنا نخلصه مع بعض، بس هنتطلق. أنا كبرتك اهو وبقولك طلقني منه لو سمحت. أنا مش عايزة غير كده وهو كمان.
نظر أمجد إلى جاسم وقال:
- إنت عايز تطلق أختي يا جاسم؟
للحظات صمت تماماً وهو ينظر إليها. الحقيقة هو لا يريد أبداً أن يتخلى عنها. فكرة ذهابها من حياته ترعبه. ولكن الغفران صعب. النسيان أصعب. والحياة دونها هو العذاب بحد ذاته. هو عالق. مشتت لا يعرف ماذا يفعل. وهي تسهل له الطريق لكي يتخلى عنها ولكنه حقاً لا يريد هذا. لا يريد أن يتخلى عنها. يريدها معه. ولكن ما فعلته عائق بينهما. كلما أراد الغفران كلما تذكر أنها أحبت آخر. أمنت نفسها مع شخص آخر. أخطأت مع آخر فيكتوي بنيران الغضب والغيرة. ماذا يفعل لينسى.
أغمض عينيه وهو يقول بصوت ثقيل مهموم:
- أيوه عايز أطلقها.
أغمضت هي عينيها والدموع تنهمر منهما. قوله هذا بتلك البساطة جعلها تتألم بشكل لم تتوقعه.
بعد قليل...
كان جاسم جالس على الأريكة، بجواره نوران، يضع كفه على عينه بتعب. لقد لكمه أمجد بغضب عندما أخبره أنه يريد تطليق شقيقته. رأى الذنب بعيني نوران التي أرادت حقاً أن تخبره كل الحقيقة، ولكن جاسم لا يريد هذا. لا يريدها أن تتأذى. كانت دلال تجلس مقابل ابنتها وهي تبكي، لا تصدق أن ابنتها سوف تتطلق بعد أقل من شهرين. كان أمجد يضع كفيه على وجهه. لقد ظن أن شقيقته من تريد هذا، ولكن اتضح أن القرار مشترك بين جاسم ونوران، وهو للأسف لم يستطع أن يفعل شيئاً لكي يقنعهما بالعدول عن رأيهما.
تنهد وقال أخيراً:
- بما إن خلاص انتوا الاتنين قررتوا ومش عايزين تعيشوا مع بعض، فخلاص بكرة أنا هاخد أختي وأروح القاهرة، وانت زي ما اتجوزتها هناك تطلقها هنا. تيجي انت وخالتي ونقعد هناك، كل واحد ياخد حقه.
- أنا متنازلة عن حقوقي كلها. مش عايزة أي حاجة.
قالتها نوران ليرد أمجد:
- انتِ اسكتي ممكن. مادام عايزة تتطلقي هخليكي تطلقي منه، بس لو سمحتي متتكلميش ولا تقولي حاجة. خلاص.
صمتت ولم تتكلم بالفعل. على الأقل سوف تغادر حياته. سوف يتزوج من تستحقه. هذا مريح لضميرها، على الرغم أنه مؤلم للغاية لقلبها، ولكن الحمد لله على كل حال.
في المساء.
- أمجد مسك فيه وضربه؟
قالتها رحيق بصدمة، لتهز نوران رأسها والدموع تنهمر من عينيها وهي تتحدث في الهاتف.
وضعت رحيق كفها على رأسها وهي تقول:
- طيب إيه اللي حصل بعدين؟
- حاول يتكلم عشان يكشف سرك.
هزت نوران رأسها نفياً وهي تمسح دموعها وقالت:
- لا أبداً. جاسم عمره ما يعمل كده. ده أنا اللي بغبائي كنت هعترف، بس هو اللي لحقني على آخر لحظة. والله جاسم ده كويس أووي. أنا مستاهلش واحد زيه.
تنهدت رحيق وقالت:
- طيب وأيه اللي هيحصل دلوقتي يا نوران؟ يعني إيه القرار اللي وصلتوا له دلوقتي؟ هتعملوا إيه يعني؟
انهمرت دموع نوران بأسى وقالت:
- أمجد قال إنه هياخدني معاه بكرة، وجاسم لو عايز يطلق ييجي لحد بيتنا ونطلق رسمي. أنا وضحت لأمجد ميت مرة إني أنا اللي غلطانة، بس معرفش هو ليه حط الحق على جاسم. هو ميستاهلش ده. هو مش ذنبه إنه اتبلى بواحدة زيي. مش هسامح نفسي أبداً إني كنت سبب.
- إنتِ بتحبيه يا نوران.
قالتها رحيق بثقة ثم أكملت:
- مفيهاش حاجة لو تبلغيه إنك عايزة فرصة تانية وإنك عايزة تكملي. قوليله إنك بتحبيه، وإنك ندمانة وإنك توبتي.
- مليش عين أطلب منه ده. هو اختار حياته خلاص يا رحيق. مش هروح أترجاه وأفرض عليه حاجة هو مش عايزها. ممكن يكون بيحب البنت اللي عايز يتجوزها. ليه أقف في طريقه.
- هو بيحبك على فكرة.
ابتسمت بحزن وقالت:
- معتقدش. أنا سقطت من نظره بعد اللي عرفه عني وحقه بصراحة. هو مغلطش في حقي، أنا اللي غلطت وأستاهل أي عقاب. مش هشتكي. لأني إني أتعاقب في الدنيا أهون من إني أتعاقب في الآخرة وأدخل النار. يمكن عقابي المناسب إني أتحرم من أكتر راجل حبيته في حياتي. يمكن عقابي إني أشوفه مع غيري مبسوط. يمكن عقابي إن حياته تمشي وحياتي أنا اللي تقف. يمكن ده عقابي. وأنا راضية بيه ومش زعلانة الحمد لله. أتمنى من ربنا بس إنه يسامحني.
انهمرت دموع رحيق وهي تقول بإختناق:
- إنتِ تستاهلي أي حاجة حلوة في الحياة. حتى لو مش جاسم، أنا واثقة إن ربنا هيعوضك يا حبيبتي بإنسان يتقي الله فيكي. إنسان يحبك.
ابتسمت نوران بحزن، لم ترغب أن تخبر شقيقتها أنها ابداً لن تتقبل دخول شخص آخر لحياتها. هي لن تحب كما أحبت جاسم. تعرف هذا جيداً. ستظل تحتفظ بكل ذكرياتهما سوياً حتى تموت.
- أنا هقفل دلوقتي يا رحيق. متشلش همي. الحمد لله على كل حال. ربنا كرمني وسترني وأنا مش هطمع في أكتر من كده.
قالتها نوران برضا، لتتنهد رحيق وتقول بنبرة حزينة:
- ماشي يا نوران خلي بالك من نفسك. أنا هكلمك ولما تيجي هجيلك. مش هسيبك متقلقيش انتِ مش لوحدك.
- عارفة يا رحيق. ربنا يخليكي ليا. ويكرمك يا حبيبتي يا رب. أنا هقفل دلوقتي. خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، ماشي. سلام يا حبيبتي.
قالتها ثم أغلقت الهاتف وهي تمسح دموعها.
أغلقت رحيق الهاتف واستندت بظهرها على المقعد بالتراس وهي تحدق في الفراغ. تشكلت الدموع بعينيها ثم انهمرت. كانت حزينة على حال شقيقتها. تلك المسكينة التي انكسرت فرحتها بسبب ذنبها. هي تعرف كم تحب جاسم، ولكن جاسم لن يغفر، وهي لا يمكن أبداً أن تلومه. الله أعطاه حق أن يغفر أو لا. فلا يمكن لأحد أن يسلب هذا الحق منه. حتى لو كانت شقيقتها تحبه، فهذا لا يسلب منه هذا الحق. ولكنها حقاً تتألم من أجل شقيقتها المسكينة. تعرف أن نوران سوف توقف حياتها لفترة طويلة حتى تتقبل علاقة أخرى. كما أن والدتها سوف تكون منهارة الآن. طلاق ابنتها بعد أقل من شهرين فقط، تلك نقطة سوف تثير الأحاديث. ألم يمكنهما أن ينتظرا قليلاً.
شهقت وهي تشعر بيد حطت على كتفها.
- أهدي يا رحيق، ده أنا.
قالها عاصي وهو ينظر إليها بحيرة. رفعت عينيها وقد أغشتها الدموع. كما أن هناك كانت دموع تلطخ وجنتها. جعلها تنهض وهو يمسك كتفيها ويقول:
- فيه إيه مالك؟ بتعيطي ليه؟
أرادت أن تسيطر على نفسها. لم تكن تريد الحديث الآن، ولكنها شهقت فجأة بقوة والدموع تنفجر من عينيها دون توقف.
- رحيق!
قالها بقلق، بينما يجذبها إليه ويعانقها. ضمته بدورها ليقول هو بلهفة وقلق:
- فيه إيه يا رحيق؟ مين زعلك بس؟
لم ترد وهي تجذبه أكثر ودموعها تنهمر.
- رحيق يا حبيبتي بس قوليلي مالك؟ مين زعلك؟ ليه بتبكي بالشكل ده؟
كان يقولها بقلق، بينما يضع كفها على رأسها.
- مش... مش قادرة أتكلم يا عاصي. احضني وبس. ممكن؟
قالتها بنبرة متقطعة ومختنقة بفعل البكاء. هز رأسه وهو يضمها أكثر ويقول:
- أكيد. أكيد يا حبيبتي. بس انتِ اهدي لو سمحتي ممكن؟
لم تهدأ وهي تبكي، لا عانقته بقوة أكبر. تنهد وهو يحملها بلطف بين ذراعيه. كانت ت دفن هي وجهها بصدره بينما تبكي. سار بها بلطف ووضعها على الفراش ثم جلس بجوارها وضمها وهي تبكي.
- بس بس خلاص.
قالها وقبل رأسها ثم أكمل:
- إيه اللي حصل لده كله؟ مهما حصل هيتحل إن شاء الله بس انتِ متعيطيش يا حبيبتي. خلاص اهدي.
أحضر محرمة ورقية من جيبه ثم أبعدها قليلاً وشرع يمسح دموعها بلطف وقال:
- بس خلاص العيون الحلوة دي مش مفروض تبكي. متعيطيش خلاص وأنا هغنيلك عشان أفرحك. ابسطي يا ستي.
لم تستطع منع ابتسامتها وهي تقول:
- بتعرف تغني؟ أنا مليش في الأغاني أووي بس بحب أم كلثوم. أحياناً كنت بسمع أغانيها وأنا وصغيرة. ولما كبرت برضه كنت بسمع مقاطع من أغانيها على التيك توك من غير موسيقى.
- اعذريني مش حافظ حاجة لأم كلثوم. أنا هغنيلك أغنية مودرن.
- مودرن؟
قالتها وهي ترفع حاجبيها ليهز رأسه بحماس ويقول:
- أيوه اسمعي يا ستي.
العنكبوت النونو خطفت قلبه العنكبوته
من يومها جن جنونه وعقله اتلخبط لخبطوته
العنكبوت النونو النونو النونو نونو
العنكبوت النونو النونو النونو
أبو العناكيب الحبيب اتعلق قلبه بعنكو به
في غرامها شاف الأعاجيب من يومها يا عيني في غيبوبه
العنكبوت النونو قال بيحب قال
يا طعامتو يا صغنونو غنولو يا عيال
العنكبوت النونو النونو النونو نونو
العنكبوت النونو النونو النونو
كان ليه بيحب ويتعذب ويشتكي في عز القيلوله
وتشوفه حالك يتكركب وكأنك لسه في سنة أولى
العنكبوت النونو قال بيحب قال
يا طعامتو يا صغنونو غنولو يا عيال
نظرت إليه رحيق بنفاذ صبر وهي تفكر أن لو كان هناك مسابقة ما لأسوأ صوت سوف ينال هو المركز الأول بجدارة.
صمت أخيراً وهو يقول:
- ها يا حبيبتي نفسيتك اتحسنت شوية؟
- هتتحسن. هتتحسن متقلقش لما تبطل غنا خالص. أنا متأكدة إني هبقى كويسة لو عملت كده.
رفع حاجبيه وقال:
- على فكرة ده عدم تقدير لموهبتي. أنا عندي موهبة على فكرة.
- شوف يا عاصي أنا مش هقولك موهبة محتاجة الدفن زي ما بيقولوا، هي موهبة مجاتش أصلاً عشان يدفنوها. ابوس إيديك أنا فعلاً حزينة مترفعش ضغطي كمان كتير صدقني بكلمك بأمانة.
- طيب أقولك شعر.
- لا أبوس إيديك خليني حزينة كده شوية وأنا هفك.
هز كتفيه وقال وهو يجذبها إليه:
- أمري لله هحضنك وخلاص مادام دي الحاجة الوحيدة اللي بتهون عليكي.
- أنا ما صدقت ولا إيه؟
قالتها مبتسمة فرد:
- أيوه.
ضحكت وهي تغمض عينيها وتضمه إليها.
في المساء.
- أنا مقهور إنها بطلت تحبني. زي ما يكون فيها الحاجة الوحيدة اللي خلتني أتنفس وهي حرمتني منها. حاسس إني ضايع وأنا مش بشوف الحب في عينيها.
قالها جورج بصراحة في إحدى الجلسات النفسية عند دكتور أبرام. كان ينظر إلى ماريانا التي ما زالت تشيح بوجهها عنه وكأنها تمنعه عن رؤيتها تعاقبه بهذا، وما أقساه من عقاب.
أكمل جورج وما زالت عينيه معلقتان بها، لا يقوى عن إشاحة ناظريه عنها:
- كنت بحاول أبين إن حبها مضايقني، بس من جوايا كنت مبسوط عشان حد بيحبني للدرجة دي. كنت عارف إن حتى سيلا محبتنيش للدرجة دي.
قبضت على كفيها بقوة وناظرته بحدة. كانت عينيها وللمرة الأولى تفيض غيرة. ابتسم وهو يشعر بالسعادة، بينما يشعر ببريق من الأمل وهو يرى مشاعرها تلك. الغيرة هي جزء من مشاعر الحب. لا يمكنها أن تغار عليه إن لم تكن تحبه.
تلك الفكرة جلبت السعادة لقلبه الغارق في بؤسه وأعطته أمل جديد ليجعلها تغفر له.
- أنا كنت غبي وأعمى ومش حاسس بقيمة اللي معايا. محستش بقيمتها غير لما ضاعت مني واكتشفت إني ناقص من غيرها زي ما هي ناقصة من غيري. عشان هي نصي التاني وأكتر واحدة أنا حبيتها. وأنا كل اللي طالبه منها فرصة تانية أصلح بيها غلطي وأخليها تحبني من جديد.
ابتسم بسخرية وقالت بقهر وهي تنظر إليه:
- ما أنا كنت بحبك. بحبك أكتر من روحي. كنت بتمنالك الرضا. رميت قلبي وكبريائي عند رجلك عشان ترضى عني وأنت دوست عليهم الاتنين. هو أنا مطلوب مني أنسى اللي عملته؟ أسامح!!!
اقترب وأمسك كفها وهو يقول:
- متسامحيش بس اديني فرصة أخليكي تسامحيني. دخليني حياتك تاني يا ماريانا. اديني آخر فرصة.
رفعت عينيها وهي تنظر لإبرام الذي أشار إليها بالموافقة. ولكنها نهضت وهي تبعد يديها عنه وتقول:
- أسفة.
ثم تركت العيادة وذهبت.
نظر جورج إلى أبرام بحزن ليبتسم أبرام ويقول:
- هترجعلك متقلقش. اديها شوية وقت.
خرجت من غرفتها التي تتشاركها مع حماتها. كانت تُعاني من الأرق. مع كل الأحداث اليوم عجزت عن النوم، وخاصة بعد رؤية حالة دلال البائسة. فهي أخذت تبكي أكثر من ساعتين بسبب طلاق نوران الوشيك. لقد هدأتها بصعوبة حتى هدأت ونامت. كان الأمر كارثياً وهي تحاول أن تخفف من حدة التوتر. الكلمة التي خرجت من فمها كانت كالرصاصة. لم يفهم أي أحد لماذا قالت هذا، وما السبب الذي دفعها لتطلب الطلاق! حاول أمجد أن يتمالك أعصابه ومعرفة السبب، ولكن في النهاية غضبه تحكم به وهو يهاجم جاسم. رغم دفاع نوران الشرس عنه، ألا أن أمجد يصر على أن جاسم هو المخطئ.
ما زالت كلمات نوران ترن في أذنها عندما اتهم أمجد جاسم أنه يريد التخلي عن زوجته ليتزوج مرة أخرى.
- إنت عايز تطلقها عشان تتجوز تاني صح؟ ده واضح أووي؟ شوفتلك شوفة تانية وبقت أختي لعبة في إيديك يا قليل الشرف.
قالها أمجد بغضب، لتقف نوران أمام جاسم وتقول وقد اشتعلت عينيها بغضب وهي تواجه شقيقها:
- إنت بتتكلم معاه بالطريقة دي؟
قالتها بحدة، ليتراجع شقيقها بصدمة وهو يرفع حاجبيه بسبب هجومها الغريب عليه. احمر وجهها بغضب وأكملت:
- قلتلك أنا اللي غلطانة. أنا اللي طالبة الطلاق. دمرت حياة المسكين. خلاص كفاية خليه يشوف حياته. وحتى لو اتجوز ده حقه. حتى لو هيتجوز عليا حقه. أنا وهو أحرار مع بعض. متلومش جاسم عشان أنا فشلت أحافظ على بيتي. عايز تلوم يبقى لومني أنا. عايز تضرب يبقى تضربني أنا!
- نوران...
قالها أمجد بصدمة، لتشهق والدموع تنهمر من عينيها وتقول:
- أنا السبب في كل حاجة. خلاص طلقني وارحمني!
كانت ترتجف والدموع تنهمر من عينيها دون توقف، حتى شعر جاسم بالخوف عليها. أمسكها من كتفيها وهو يقول بحنو:
- اهدي يا نوران.
- ابعد إيديك عنها.
صرخ أمجد بإنفعال، ثم بتهور لكمه على وجهه.
- جاسم!!!
قالتها نوران بصدمة عندما رأته يترنح. أمسكت به وهي تهمس:
- آسفة حقك عليا.
ثم وقفت أمام شقيقها وقالت:
- أنا عايزة أطلق. وده قراري أنا وجاسم يا أمجد. لو سمحت متتدخلش!
عادت من شرودها وهي تهز رأسها بتعب، لا تصدق كل ما حدث وكأن الأمر كابوس. مدت عينيها لترى أمجد جالس على التراس الخاص بالمنزل الصيفي. ولجت لغرفتها وأحضرت حجابها ثم خرجت لتجلس معه. رغم أنه بدا في عالم آخر تماماً. وقفت وهي تنظر إليه بشفقة. كان ينظر إلى البحر بشرود ولم يشعر حتى بوجودها. وضعت كفها على كتفه ليرفع عينيه ويرىها. ابتسمت له ثم جلست بجواره. تنهد وهو ينظر للبحر مجدداً ويقول:
- حاسس إني تايه.
لم ترد جيلان وتركته يقول ما يريد. أكمل هو وقال بتعب:
- كل حاجة حواليا بتتهد يا جيلان. أنا مش مصدق إن نوران هتتطلق بعد أقل من شهرين بس من جوازها. مخي شغال يودي ويجيب يا جيلان. مش قادر أفهم. والشكوك جوايا كتير. نوران شغالة تقول أنا السبب وجاسم يقول هو السبب. مش عارف مين صادق ومين كداب ومحدش راضي يقولي السبب الحقيقي إيه. أمي منهارة عشان نوران ومبطلتش عياط طول اليوم وأنا حاسس إني هموت من الغلب.
مدت كفها وهي تقول بلهفة:
- بعيد الشر عليك متقولش كده. اهدى وصلي على النبي بس وكل حاجة هتتحل.
- عليه أفضل الصلاة والسلام.
تمتم به وهو يغمض عينيه وأكمل بضيق:
- تعرفي المشكلة إيه؟ إن الاتنين دول بيحبوا بعض. لما قعدت مع كل واحد منهم اكتشفت كده. كل واحد جاب الحق على نفسه. وكل واحد بيخاف على التاني يبقي ليه عايزين يتطلقوا؟ أنا حاسس إن برج من دماغي هيطير.
- اهدى يا أمجد.
قالتها جيلان بقلق وهي ترى حالته، ليهز رأسه ويقول:
- لا لا فيه حاجة وأنا لازم أعرفها. لازم أعرف إيه اللي يخليهم عايزين يتطلقوا. لازم أفهم وإلا هموت.
- يا أمجد حرام عليك اهدى شوية وكل حاجة هتبان. متقعدش تهري في نفسك كده هيحصلك حاجة.
نظر إليها والحزن يسكن عينيه وقال:
- حياة اختي بتتدمر وأنا واقف محلك سر يا جيلان ومش بعمل حاجة.
نهضت وهي تقترب منه وتعانقه قائلة:
- بيتها مش هيتخرب إن شاء الله. اهدى يا حبيبي الأمور مبتتحلش بالطريقة دي.
أغمض عينيه وهو يضمها بدوره ويقول:
- أنا معرفش من غيرك كنت هعمل إيه. خليكِ جنبي يا جيلان دايماً.
قبلت هي رأسه وقالت:
- حاضر هبقى جنبك علطول. بس انت اهدى عشان خاطري. كل حاجة بتتحل بالهدوء. ومكانش لازم تتهور وتضرب جاسم. الموضوع كان مفروض يتناقش بهدوء وتشوفهم الاتنين إيه مشكلتهم.
- ما فيش حد راضي يتكلم.
قالها وهو يشعر أنه سوف يفقد عقله، لتربت على شعره وهي تقول بلطف:
- هيتكلموا دلوقتي أو بعدين.
في اليوم التالي.
فتحت عينيها لتجده نائم بجوارها. وجهها قريب من وجهه. تبتسم وهي تتلمس وجهه. لا تصدق حتى الآن أنه هو. صمم على البقاء معها حتى يتم القبض على معاذ. رغم أن الحل الأسلم هو أن يذهبوا لمنزل عمهما ولكنه رفض. أراد البقاء هنا. تفهم سيف وتعرف أنه لن يترك فعلة معاذ تمر مرور الكرام. خاصة بعد ما عرف أن معاذ هو من شوه وجهها. هو من دمر حياتها. سيف يريد الانتقام وهي تخاف بل ترتعب ومئات الأفكار تدور في رأسها.
- بتفكري في إيه؟
شهقة كادت أن تنفلت من شفتيها وهي تراه وقد استيقظ وهو ينظر إليها. ابتسمت له وقالت وهي تتلمس وجنته:
- بفكر فيك.
اتسعت ابتسامته. كانت ابتسامة رجل فخور أنه نال حب امرأة مثلها.
تاني اقتباس.
(تأمل عينيها بإنبهار كعادته وقال:- متعرفيش عينيكي بتعمل فيا إيه؟
- بتعمل إيه؟ قالتها بخجل ليرد:
- بتربكني. وصعب عيون واحدة تربك واحد تربك واحد زيي يا مياس.
ضحكت بخجل وقد احمر وجهها ليقترب بوجهه ويقبل أنفها ويقول:
- وضحكتك بتفرح قلبي.
بهتت ابتسامته قليلاً وأكمل:
- الأيام اللي بعدتي عني فيها كنت بعاني يا مياس. كنت هتجنن وأنا مش عارف أنتِ سبتيني ليه؟ كنت عارف إن فيه سبب وسبب قوي كمان بس متوقعتش ده. تفكيري مجابش إنك بغباء بتعرضي حياتك للخطر كأنك بطلة هندي قديم.
توسعت عينيها وقالت بغضب:
- أنا غبية يا سيف.
- أيوه غبية يا مياس. مش هخاف أقولها على فكرة ومفروض أعاقبك على اللي هببتيه ده. تروحي تبعدي عني وأنا لسه طالع من الموت وتخلينا نعاني عشان خايفة عليا؟ واحد غيري كان كسر دماغك الناشفة دي.
ابتسمت له بحلاوة وقالت:
- طيب ليه معاقبتنيش؟
لمس الحرق بوجنتها وقال:
- للأسف أنا ضعيف قدامك. أعمل إيه؟ بحاول أقسي قلبي عليكِ بس قلبي بيحبك يا مياس. وقلبي متعودش يقسى على حد بيحبه للدرجة دي.
شدت كفه وقبلته وهي تقول:
- أنا بجد آسفة.
- طيب يا آسفة قومي حضريلي الفطار يالا.
رفعت حاجبيها وقالت:
- إيه معاملة سي السيد دي؟
- دي هتبقى المعاملة بعد كده. قالها بجدية مضحكة ثم أكمل:
- يالا قومي!
نهضت واقفة على قدميها ثم شدت كفه وهي تقول:
- يالا يا حبيبي انت هتحضر الفطار معايا.
ضحك ونهض ثم قال:
- إحنا تحت أمرك يا فراشة.
ثم سار خلفها وجدها تدخل الحمام وكاد أن يدخل معها إلا أنها أوقفته بكفها وقالت:
- خير رايح فين؟ أنا هغسل وشي وأسناني. أنت حتى في دي مبتدينيش خصوصيتي!
- لا مفيش خصوصية بيننا. ويالا هنغسل أسناننا مع بعض.
بعد قليل.
وقفا بجوار بعضهما وهما يغسلان أسنانهما. وكل شئ بدا مثالياً بطريقة أخافتها. هل يمكن أن تخسره؟ هل ممكن أن تنتهي سعادتها؟ هل يمكن أن يؤذي معاذ سيف؟ إن فعل هذا سوف تكون هي السبب في هذا.
- بطلي تفكير.
قالها بلطف وهو يقرب شفتيها ويقبل شعرها.
- خايفة أووي يا سيف. خايفة عليك.
- على فكرة أنتِ بتقللي مني.
قالها مبتسماً.
- ما عاش ولا كان اللي يقلل منك يا سيف بس أنا بجد خائفة. أنا خسرت كتير وخسارة تانية مش هتحملها. مش هقدر صدقني.
أغمضت عينيها بألم عندما انحنى بشفتيه وقبل كتفها ثم قال:
- أنا معاك اهو. هنواجهه سوا. مش هسمح لأي حد إنه يأذيكي أو يأذيني. اوعي تخافي وأنا معاكي ماشي.
استدارت وهي ترفع عينيها إليه ثم ترتفع قليلاً على قدمها وتعانقه وتقول:
- أنا مبسوطة إنك معايا. أنا كنت بتعذب زيك يا سيف اتمنيت إني أحضنك ولو لمرة.
ابتسم وهو يضمها أكثر إليه ويقول:
- أنا اهو معاكي احضنيني زي ما انتِ عايزة أنا مش هامنع.
ضحكت وهي تضمه أكثر وتقول:
- طيب إيه مش هنفطر ولا إيه؟
- ده أحسن من الفطار بالنسبالي.
أبعدت عنها وهي تضحك وتقول:
- بس أنا جعانة وعايزة آكل. يالا عشان نحضر الأفطار مع بعض.
- يعني مش هقعد أرتاح ومراتي هي اللي تحضرلي الفطار مع بعض.
ضحكت وهي تسحبه خلفها للمطبخ وتقول:
- لا إنسى هتحضره معايا. هديك الرفاهية دي مرة في الشهر غير كده لا.
- فعلاً مستبدة.
قالها بتبرم.
بعد قليل.
كانت قد تناولا طعام الإفطار ونظما طاولة الطعام. ثم بعدها جذب سيف مياس من خصرها وهو يمسك كفها ويراقصها. ضحكت هي وهي تتمايل معه ولكنها عبست وهي تقول:
- أومال فين الأغنية؟
- حالاً يا فراشة.
ثم بدأ بالغناء لها:
من زمان نفسي أغني لك
وأحكي لك قد إيه، أنا بحبك
وأمسك قلمي وأكتب لك
وأعمل أغنية باسمك
وأسرح بعيد، وأفتكرك
كل الكلام اللي جوايا مش كفاية وميكفيش
حتى البداية لما كنت واقفة معايا
في بداية الطريق والحلم كان لسه بعيد
في عز يأسي وكل الدنيا ماشية عكسي
عشانك أنا قادر أكمل عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك بحبك ثاني من الأول
عشانك أنا قادر أكمل عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك بحبك ثاني
ليلى، ليلى، ليلى، ليلى
كنا أطفال وكبرنا
ومع بعض إحنا كملنا، الحكاية
حب ببراءة وسذاجة
غلب الدنيا الكذابة ولسه عايش، جوايا
بشوفك زي أول مرة وكنت غيرهم
كنت حرة واللي في قلبك كان بره
إنت كل حلم عدى وإستخبى
وخرجتيه مني بزقة
بتشديني ودايماً سابقة
عشانك أنا قادر أكمل عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك بحبك ثاني
ثم توقف لتعانقه وهي تبتسم. سعادتها تزداد وخوفها أيضاً. الخوف من أن تتحول تلك السعادة لكابوس. أن تنتهي تلك السعادة قريباً وأن يظهر معاذ بحياتهما!
كانت نهايتهما مختلفة كما هي البداية. والوداع أيضاً رُغم كل شئ كان عاطفياً.
خرج من غرفته بسرعة وهو يشعر بالخوف أن تكون قد ذهبت دون أن تودعه. لقد استيقظ ولم يجدها بجواره. توقف فجأة وعينيه مُتسعة بذهول، بينما يجدها جالسة بجوارها حقيبتها. كانت ترتدي كامل ملابسها. رفعت عينيها إليه. كانت حمراء من شدة البكاء طول الليل. كانت تحبس دموعها الآن وتبدو على حافة الانهيار.
- ممشيتيش.
قالها بلهفة وهو ينظر إليها، لتبتسم بحزن وتقول:
- أمجد عشر دقايق ويوصل. همشي معاه.
هز رأسه وهو يشيح بوجهه عنها، يحاول بكامل قوته ألا يطلب منها البقاء. ربما ذلك أفضل لهما. ظلا على الوضع هذا لبضع دقائق حتى رن هاتفها. نظرت إلى الهاتف وهي تقول بنبرة باهتة:
- أمجد جه.
ثم نهضت وهي تحمل حقيبتها الصغيرة وقالت مبتسمة له:
- خلي بالك من نفسك يا جاسم.
اقترب منها فجأة وهو يشدها إليه ليعانقها. لثواني ظلت متجمدة ودموعها التي حبستها بقوة تنهمر بسهولة دون توقف، ولكن سرعان ما حاوطت جسده وهي تضمه بدورها. سوف تتذكر دوماً هذا. لن تنساه. ارتفع نشيجها وهي تتمسك به. كانت عاجزة عن الكلام. تضمه فقط بينما كان هو يضع كفه على رأسها ويغمض عينيه.
بعد قليل حررت نفسها منه بلطف. لو بقيت أكثر من هذا ستتوسل إليه ألا يطلقها وهي لا تريد أن تعذبه معها أكثر من هذا. كان ما زال وجهها قريباً منها. كان أحمر بفعل البكاء، شفتيها ترتجفان، والحزن يرسم آثاره بمهارة. جذبها إليه مرة أخرى وهو يقبلها بكل الشغف الذي يحمله لها. كل الشوق الذي حاول مقاومته وفشل تماماً. لتتشكل الحقيقة أمامه، هو لن يتوقف يوماً عن حبها. أبعدته برفق عنها ليضع جبينه على جبينها ويتنفس بعنف بسبب كثافة ما يشعر به.
- سيبني خليني أمشي يا جاسم. لو سمحت!
قالتها بصوت مختنق ليرد:
- متمشيش. خليكي معايا.
تجمد جسدها للحظات وهي تنظر إليه بصدمة وأبعدت رأسها قليلاً وهي تقول بلهفة:
- يعني أنت سامحتني؟ أنا هكون معاك يا جاسم. موافق تديني فرصة تاني؟ مش هتشك فيا ولا هتهيني تاني بسبب اللي عملته. يعني مش هتتجوز حورية!
رواية اسرت قلبه الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم سوليية نصار
أحاول بكل ما أملك من قوة أن أنساكِ فأجد نفسي غارقاً بك أكثر ...اتمسك بغضبي ولكنه ينهار أمام المشاعر التي يحملها قلبي لكِ ....أخبريني كيف اتخلص من حبك ...أين المفر؟علميني كيف أكف عن حبك ....أو لا ترحلي عني ...
جاسم لنوران ...
..........
لم يرد عليها بينما يمسك كتفيها يقرب وجهه من وجهها سانداً جبينه على جبينها ..أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما ..لقد فهمت الأمر ...هو أن ينسى ولن يغفر ...ولا يمكنها أن تلومه ...ورغم حبها الشديد له وألمها أنها سوف تتركه ولكنها سوف تتحمل هذا الألم ...ستعتبره كعقاب آخر على ما فعلته ....
ابتعدت قليلاً ومدت كفها وهي تمسح الدمعة التي انسابت من عينيه دون أن يدري ...ثم أمسكت كفه وقبلته وهي تقول :
-مش هتنسى ولا هتغفر يا جاسم ...وانا مش بلومك ومحدش ليه الحق أنه يلومك من الأساس ...أنت عملت اللي عليك وزيادة ..من هنا بقا أنا هتصرف ...عيش حياتك ...حب واتجوز وأفرح انت تستحق السعادة ...تستحق كل حاجة حلوة يا جاسم ....
كان ينظر إليها فقط ...يصرخ داخلها ألا يدعها يذهب ...أن كان وجودها يحرقه ...فذهابها سوف يقضي عليه كلياً ...ولكنه عجز عن الحديث ....عجز عن أن يقول لها أن تبقى ...كان يراها تنسحب من حياته بكل بساطة وهو لا يملك إيقافها ...
تمسك بها مجدداً...بكتفيها وهو ينظر إليها ...عينيه تصرخان ...تخبرانها أن تبقى ولكن بدا أن فمه مكمم وكأن رجولته المجروحة بسببها تكبله بقوة....
-أنا لازم امشي...
قالتها بينما تبتسم والدموع تنهمر من عينيها ثم أكملت :
-متتمسكش بيا بالطريقة دي ...بتديني أمل ...وقلبي مش هيتحمل ان امل تاني يتقتل في نفس اللحظة ....مادام مش هتقدر تسامح سيبني عشان متعذبنيش وتعذب نفسك أكتر من كده ...شوف حياتك يا جاسم ...
أمسكت بساعديه وهي تزيحان كفيه برفق عن كتفيها وتعطيه ابتسامة حزينة وتقول :
-خلي بالك من نفسك يا جاسم ......
ثم أمسكت حقيبتها وهي تستدير ..تبتعد عنه ..تكسر قلبها بيديها وتحرر جاسم منها ....أرادت أن تكون أنانية وتتمسك به ...تضغط عليه كي يسامحها ..ولكنها تعرف انها لن تفعل ...فنوران الجديدة ليست بهذة الأنانية ...هي قررت تحمل اخطائها ...الرضا بأي عقاب يُفرض عليها ....سوف تنسحب من حياته كي ينساها ويبدأ من جديد ..تلك الفكرة جعلت قلبها يتألم...ولكن هذا هو الشئ الصحيح الذي يجب أن تفعله ...ربما يوماً سوف يغفر لها لأنها أخطأت بحقه...ربما سوف ينسى إساءته لها ...ربما !!
وقفت قبل أن تخرج من العمارة السكنية ...وضعت حقيبتها أرضاً ...ثم مسحت دموعها بقوة كي لا يرى شقيقها انها تبكي ...أخرجت نظارة شمسية من حقيبة اليد الخاص بها ثم ارتدتها وهي تخفي عينيها الذابلتان بفعل البكاء ...ثم خرجت من العمارة واتجهت لسيارة شقيقها ...وجدت أن أمجد وجيلان هما فقط من أتوا ...والدتها لم تأتي
-السلام عليكم....
قالتها بهدوء وهي تجلس بالمقعد الخلفي. ...
نظر إليها شقيقها من المرآة وهو يقول :
-أنتِ كويسة ؟!
هزت رأسها وهي تقول بخفوت :
-أيوة ....
-هو منزلش معاكي ليه حتى يوصلك ...ولا هو ملوش عين يقابلني ....
قالها بنبرة هجومية لترد هي بدفاع:
-أمجد لو سمحت متتكلمش عنه بالطريقة دي ...قولتلك أنا اللي غلطانة لو غضبان ومحتاج اووي تطلع غضبك في حد انا موجودة قدامك ...
زفر بضيق وقال بعصبية :
-هو مادام انتوا الاتنين بتموتوا في بعض كده هتطلقوا ليه ...ولا انتوا عايزين ترفعوا ضغط دمي وخلاص ..
-أمجد أهدى لو سمحت ..
قالتها جيلان بقلق وهي ترى إنفعاله فيرد هو :
-اهدى ازاي واختي ناوية تموتني ناقص عمر ...
-متقولش كده ...
قالتها جيلان بلوم وهي تنظر إليه وتشير خلسة إلى نوران ....كانت خائفة أن تتاذى نفسيتها أكثر ...لقد تحدثت مع أمجد واقنعته الا يضغط على شقيقته ويحاول أن يتحدث معها بهدوء
ولكن أمجد كعادته ترك غضبه يتحكم به ..كان لا يصدق هذا ...وهي لم تلومه على حزنه وغضبه ...أن تعود شقيقته مطلقة بعد زواج أقل من شهرين هذا سوف يثير الاشاعات وسوف تتأذى نوران ...ولمن نوران تتصرف بغرابة
.هي حزينة ومنهارة وتضع اللوم عليها ...لا ترغب في أن يشير اي احد بإصبعه إلى جاسم ..وهذا يوضح حبها الشديد له ...وهو أيضا يحبها ...إذن لماذا الطلاق...هذا يثير شكوكها ...هي تكاد تجن وهي تفكر وتفكر دون جدوى ولن تلوم أمجد أبداً...ولكن أمجد يصر على تحميل كل الذنب لجاسم ...رغم أن نوران أخبرته أن هذا ليس خطأ جاسم الا أن أمجد لا يصدق هذا ..
............
كان ينظر إليها من النافذة بينما تستقل سيارة شقيقها وتُغادر آخذه معها قلبه ...قلبه الذي عصى جميع أوامره وغادر معها ...ماذا يفعل بجزء منه أحبها ولم يستطع أن يحب غيرها ...بينما تغادر شعر وكأن روحه غادرته...كان يختنق ...أراد أن يركض خلفها ويتوسل إليها ألا تذهب ولكنه يعرف أنهما لو استمرا سوياً سيؤذيها ...ويكفي ما تحملته ...نعم هي مخطئة ولكن لا يجب أن تُعاقب حتى تموت ...ربما يكون افضل لو تزوجت من شخص آخر ...شخص لا يعرف ماضيها ...وعند تلك النقطة شعر بالإختناق ...صعب عليه تخيل أن زوجته تتزوج من آخر...الغيرة الحمقاء بدأت بالتصاعد داخله ...نفخ بضيق وهو يتجه إلى الأريكة ويجلس عليها ...وضع اصبعه على شفتيه وهو يتذكر قبلتهما ...تلك القبلة التي لن ينساها أبداً ...كان هذا اول تلامس حقيقي بينهما بعد ليلة زفافهما ويبدو أنه سوف يكون الأخير فهو قد قرر أن يستمر مع آخرى..حتى لو لم يكن يحبها ولكنها لم تؤذيه عكس نوران التي أحرقت قلبه أخرج هاتفه وهو يقرر أن يكلم والدته ليخبرها بشأن الطلاق قبل أن تعرف من دلال
....
بسم الله الرحمن الرحيم ...
" الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ "
كانت شقيقها مفعل الراديو على إذاعة القرآن الكريم ...كانت تضع رأسها على المقعد الجلدي للسيارة وهي تردد مع القارئ بينما تغمض عينيها والدموع تنهمر منهما خلف النظارة التي ترتديها ...كانت تهمس داخلها بدعاء
-اللهم يا جبار السموات والأرض، يا من لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، اجبر كسر قلوبنا واشفِ جراحنا، وارزقنا السعادة والراحة والطمأنينة
كانت تردده بينما دموعها عاجزة عن التوقف ...أخرجت من حقيبتها مسبحة رقمية خاصة بجاسم ...كانت قد اخذتها خلسة ...أرادت أي شئ يذكرها به .....سوف تحتفظ بكل ذكرى معه ..تلك الذكريات سوف تكون الاجمل بحياتها ...لن يطأ اي رجل قلبها بعده أبداً...سوف تحتفظ به وبذكرياتهما سوياً يقلبها ...لمست المسبحة وهي تبتسم بحب ...كانت تلك هي المفضلة لديه مسبحة زرقاء بسيطة ...يجلس دوما ويسبح بها ...اخذتها من غرفته عندما استيقظت قبله ...تعرف أنه تصرف طفولي منها ...ولكن هي يائسة تبحث عن أي شئ يجعله في ذاكرتها للأبد ...
أغمضت عينيها وهي تمسك المسبحة وقد تذكرت الليلة السابقة التي نامت بها بغرفته ...بين ذراعيه .....لم تتخيل ابدا أنها تكون جريئة لتلك الدرجة ...لكنها عرفت انها الليلة الآخيرة .....
......
فركت كفيها بتوتر وهي تقف أمام باب غرفته ...منذ أن ضربه أمجد وغادر وهو يلزم غرفته ...أرادت أن تدخل وتعتذر له ...هذا ما أقنعت به عقلها ..لكنها تعرف وعقلها أيضاً أنها ليست أمام باب غرفته لتعتذر منه...هي تريد أن تبقى معه لمدة أطول ...تصنع ذكريات معه ..مهما كانت بسيطة لكن تلك الذكريات التي سوف تعيش عليها ..ستتركه نعم ولكن ستأخذ ذكرياتهما سوياً...ستتذكر دوما ان في يوم ما تزوجت من رجل رائع مثله ..اسمها ارتبط بإسمه ...ستتذكر أنه لمسها...ليس جسدها فحسب بل لمس روحها ...امتلك قلبها ...
تنهدت وهي ترفع كفها وتطرق الباب برفق ...
-أدخلي يا نوران ...أتى صوته من الداخل لتدير مقبض الباب وتدخل وهي تنظر إليه بتوتر ...كان جالس على الفراش ...حول عينيه احمر قليلاً بسبب لكمة شقيقها ..
شعرت بالذنب وهي ترى حالته تلك ...كل هذا بسببها ...
فكرت وهي تكره نفسها أكثر واكثر ..اقتربت بهدوء منه وجلست على الفراش وهي تمد كفها وتلمس عينيه بينما تقول :
-أنا اسفة ...اسفة ....
أمسك كفها وأبعده بلطف وهو يقول :
-محصلش حاجة ....هو بيحبك عشان كده زعلان عليكي ...
-بس برضه انت ملكش ذنب أنا اللي غلطانة أنا اللي مفروش اتعاقب مش انت....مفروض....
شد على كفها وهو يقول :
-نوران اسمعيني كويس ..اياكي..اياكي تقولي لأمجد حاجة ...لو سألك اخترعي اي حكاية لكن اوعي تكشفي سترك ....
-مش هيكون افضل لو قولتله ...اصلا كان لازم أقوله من البداية مكانش ده كله حصل ...
قالتها بيأس ليهز رأسه بالنفي ويقول :
-لا مكانش لازم يعرف ومش لازم يعرف ...نوران اوعي تضعفي وتشكفي سرك ...اوعي خلاص اللي حصل انسيه انتِ بدأتي صفحة جديدة مع ربنا ادعي بس أن ربنا يسامحك ومهما أمجد ضغط عليكي اوعي تتكلمي ....
انهمرت الدموع من عينيها وهي تفكر أنها لا تستحق شهامته تلك أبداً ....
-احلفي يا نوران انك مش هتكشفي سرك لحد مهما كان ...احلفي ابوس ايديكي...
كان يقولها بيأس ...يخاف أن تضعف وتفتح عليها أبواب الجحيم .....لتهز رأسها وهي تبكي وتقول :
-والله ما هكشف سري ابداً...
تنهد براحة لتقول هي بنبرى مخنوقة بفعل الدموع :
-أنا اسفة ...اسفة يا جاسم ...أنا ....
تنهد هو يربت على كفها لتقترب منه وهي تقبل عينيه بجراءة غريبة عنها بينما دموعها تنهمر وتختلط بشفتيها ....تنهد وهو يغمض عينيه ثم برفق جذبها ليتسطح على سريره وتنام هي على صدره ثم تنفجر بالبكاء ....
عادت من شرودها وهي تبتسم ...تلك اللحظات ستظل الاجمل بذاكرتها !!
............ .........
-يا حبيبتي جبس ايه اللي عايزة تأكليه...بطلي عبط عشان متغباش عليكي بس ...
قالها أمير بضيق وهو يبعد عنها قطعة الجبس التي اكتشف انها معها ...لقد شعر بالذعر وهو يراها تضعها بفمها وتقطمها ...صحيح أنه يسمع أن النساء في فترة الحمل يشتهين اشياء غريبة ولكن لم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد من الغرابة ...لقد رآها تحاول من قبل أن تتناول معلقة من الملح ...في كل مرة تفعل كارثة تجعله يرتعب منها حتى أنها أصبحت عصبية بدرجة غريبة ...لن ينسى أبدا ما فعلته منذ يومين مع سهيلة ....ابتسم وهو يتذكر ما فعله
.......
-ألف مبروك يا سما ...عرفت انك حامل ...
قالتها سهيلة بنبرة كريهة وهي تنظر الى سما بكره ...نظرت إليها سما بقرف ولم ترد.. كانت متضايقة لأنها اتت هي وزوجها لتزور حماتها ووجدت تلك البغيضة عندها ....
-ابقي بصي في وش أمير كتير عشان الولد او البنت تطلع شبه مش شبهك يعني ولا حاجة ..
قالتها ثم ضحكت بسخرية ....
قلدتها سما ساخرة وقالت:
-هيطلع شبه أمير متقلقيش يا حبيبتي ...مش أبوه وجوزي حبيبي ...
نظرت إليها سهيلة بكره شديد وقالت :
-وماله يا حبيبتي ...يطلع شبهه وياريت في أخلاقه كمان ...
ثم أمسكت كف أمير وقالت؛
-مش كده ولا ايه يا ميرو ...
-شيلي ايديك عن جوزي ...
قالتها سما ببرود ....فرفعت سهيلة حاجبيها وقالت :،
-أفندم ...
نهضت سما وسحبت كفها بعنف ثم دفعته حتى صدم كفها وجهها فصرخت بمفاجأة وقالت سما ؛
-شيلي ايديك عن جوزي ...لو لقيتك قريبة منه بالشكل ده هنتف شعرك واعلمك الادب اللي الست الوالدة كانت مشغولة لدرجة أنها مش علمتهولك !!!
خرج من شروده وضحكة كادت أن تخرج من شفتيه ...وهو ينظر إلى زوجته التي أصبحت شرسة ...لن ينسى أبدا وجه سهيلة المصدوم
يعترف أن سهيلة في كل مرة تتصرف بوقاحة وتتجاوز حدودها ولكن سما أصبحت عصبية بدرجة مخيفة جدا ...لقد جعلت الفتاة تخاف حتى أن تنظر إليه ....حتى أنها ذهبت ولم تأتي في اليوم التالي. ..يعترف أن جزء منه سعيد لأنها فعلت هذا ...فهذا يدل على غيرتها الشديدة عليه ...تلك الغيرة التي تسعده حقاً لانه يعرف كم هي تحبه...حتى. لو أخفت هذا هو يعرف أن سما لم تتوقف يوماً عن حبه ...هو نادم على الطريقة التي عاملها بها في بداية زواجهما وخاصة بعد ما عرف أنها تحبه و ..
-آه ...
صرخ بألم عندما انغرست أسنانها في ساعده ....
نظر إليها بذهول وهي تعضه بقوة ...
-يا عضاضة ابعدي...آه يا ايدي !!
قالها وهو يحاول ابعادها عن ذراعه وبعد لحظات استطاع اخيراً أن يبعدها ...
-أنتِ بقيتي شرسة ..
قالها وهو ينظر لعلامة عضتها على ذراعه...لتنظر إليه بتشفي وهي ترجع خصلات شعرها للخلف وتقول :
-أنت اللي عصبتني...أنا حامل وبتوحم استحملني شوية انت متعرفش احنا بنعاني ازاي في الفترة دي ...بنكون عايزين ناكل حاجات متتوقعهاش ...
ضحح بذهول وقال :
-شوفي يا حبيبتي ...أنا ممكن اعدي ليكي انك تاكلي ملح....تأكلي فسيخ عديتها دي رغم اني كنت مرعوب عليكي تتسممي ولا حاجة بس أنتِ فضحتيني في الهايبر والناس افتكروا اني مجوعكم ...تاكلي صابون ودي حاجة اتقبلتها كمان...لكن توصل للجبس ليه يا أما ...مجوعك أنا ....
-أنت مش فاهم ...احنا بنكون عايزين ناكل حاجات مختلفة ...
-يا ستي كلي حاجة مختلفة تكون صحية مش تموتك...يا روحي انا لسه عايزك برضه. ...لا مستحيل اخليكي تأكلي الجبس ...
ربعت ذراعيها وقالت بضيق :
-شوفت انك بقا مبتحبنيش ...
ضحك بذهول وقال:
-يعني هو انا عشان اكون بحبك أكلك جبس واجيبلك تسمم ...ايه الحب التوكسيك ده ...بت أنتِ ..أنتِ رجعتي للروايات التوكسيك تاني ولا ايه ...احنا مش كنا توبنا ولا ايه ...
ضحك وهي تنظر إليه وقالت:
-لو بتحبني هتعمل اللي انا عايزاه ....
-لا غلط ...لو بحبك بجد همنع عنك اي حاجة تأذيكي ...
اقترب منها وحملها بين ذراعيه وهو ينظر إليها بحب ويقول :
-لاني بحبك ...واللي يأذيكي يأذيني... اطلبي اي حاجة اجيبهالك الا الحاجات اللي ممكن تأذيكي ..ماشي ؟
هزت رأسها مبتسمة ثم قبلت خده ...
..........
في المساء ....
في الجلسة الثالثة لهما سوياً ....
كانا يجلسان بجانب بعضهما ...هي ما زالت على جمود ملامحها رغم مشاعرها التي بدأت تنمو مجددا ...كانت تقاوم في البداية وتخبر نفسها أنها لا تحبه ولكن كل يوم يذوب جليدها مع محاولاته العديدة للإصلاح ....
ابتسم إبرام لهما ابتسامته المعتادة ....ابتسامة اللطف والإطمئنان ...لن تنكر أن إبرام قد ساعدهما كثيراً ..أكثر مما تتخيل ...لقد حاول أن يقرب بينهما ...جعل جورج يتحدث اولا ليعترف بمشاعره كلها لها ....بفضل إبرام رأت أشياء في جورج لم تكن تراها من قبل ...عرفت أن ما وصلا إليه ليس خطأ جورج فقط بل خطأها هي أيضاً...قد لا يكون بنفس نسبة الخطأ ...ولكن هي أيضاً تتحمل المسؤولية ...فهي من تزوجت بشخص لم يحبها ...حاولت قسراً أن تجعله يراها وتجاهلت كبرياؤها ....لم يكن عليها أن تريق كرامتها من أجله ....كان يجب أن تحتفظ بكبرياؤها ....تصرفها بتلك الطريقة جعل جورج يأخذها كأمر مسلم به ...وكأنه يمتلكها ولديه الحق لي فعل بها أي شئ يريده..هي من تنازلت من البداية عن الكثير ....
تنهدت بتعب وهي تنظر إليه لتجد أنه أيضاً ينظر إليها بطريقته المعتادة ...تلك الطريقة التي يشعرها بها أنها أجمل ما في حياته ...نظرات شوق وحسرة لانه أضاعها تلك النظرات تخفف من جرح كبريائها منه ...لأنها تتذكر أنها مثلما كانت تطارده من قبل هو يطاردها الآن بإصرار دون توقف ...وهذا يشعرها بالراحة ....اشاحت بناظريه عنه وهي تفكر بعناد أنه يجب أن يعاني مثلها ...يحترق قلبه كما احترق قلبها أن يراها بعيدة عنه رغم قربها منه ...ذلك سيشعرها بالراحة ....
ركزت بعينيها على إبرام الذي كان ينظر إليها بإبتسامة هادئة وبدأ حديثه ..:
-احنا سمعنا جورج كتير ...وهنسمعه اكيد اكتر بس المرة دي انا عايز اسمع ماريانا اللي بقالها جلستين مش عايزة تتكلم ...وواخدة وضع الصامت ...أنا عايز اسمعك يا ماريانا واعرف بتفكري في ايه ...بتحسي بإيه ...ومشاعرك السلبية ناحية جورج اتغيرت ولا لا
-مظنش أن ده مهم ....
قالتها ببرود فرد إبرام وهو يشير إلى جورج الذي تجهم وجهه وقال:
-لا ازاي ده مهم جداً...جورج ليه حق يسمعك زي ما سمعتيه...لو عايزة تصلحي العلاقة دي يبقي يسمعك زي ما سمعتيه. ...لازم تحاولي تبذلي جهد ....
ربعت ذراعيها وهي تقول بضيق:
-والله هو اللي غلطان ...يبقى هو اللي يحاول يصلح ...أنا اكتفيت من اني اعمل كل حاجة عشان اصلح العلاقة دي ...خليه هو يصلح شوية ....
ابتسم إبرام وقال:
-بس ده مش غلطه بس ...غلطك أنتِ كمان ...وأنتِ عارفة كده !
نظرت إليه بضيق فقال :
-دي الحقيقة يا ماريانا ...مش هتقدري تهربي من الحقيقة ..
-غلطه هو الأكبر ...
أخبرته وهي تشيح وجهها عنه بينما احمر وجهها بغضب ليرد ببساطة :
-صحيح بس ده مينفيش غلطك ...عشان كده لازم تتكلمي وتساعدينا شوية معلش ...
-كلامي هيزعله
قالتها بوجوم ليتدخل جورج ويقول بلهفة :
-قولي اللي عايزاه أنا هتحمل...مهما كان اللي هتقوليه وحتى لو غلطتي فيا مش هزعل لاني استاهل اي حاجة تعمليها فيا ...أنا غلطت كتير في حقك وانا مستعد اتحمل اي حاجة تخليكي تغفري ليا اللي انا عملته...اغلطي فيا زي ما أنتِ عايزة ...هتحملك ..زي ما أنتِ اتحملتيني كتير ...أنا كل اللي عايزه انك ترجعيلي يا ماريانا ..ترجعي زي الاول وانا مستعد اتحمل كل حاجة ...
-صعب ارجع زي الاول ...فيه حاجات لما تتكسر مش بتتصلح...وانت كسرتني !!
قالتها ببرود وهي تشعر بالإختناق ...كلما تذكرت كيف كانت تريق كرامتها بسببه الغضب يتزايد داخلها...تشعر بالإشمئزاز من نفسها....هو لم يستحق ابدا ان تفعل هذا لأجله ...
تنهد بيأس وهو ينظر إليها ...ثم نظر إلى إبرام ...كان يتوسل ليساعده إذ بدت ماريانا وكأنها تعود لنقطة الصفر ...تعود لتحقد عليه مجدداً...هو يفعل المستحيل لتحبه من جديد ولا يمكنه أن يعود لنقطة البداية ...
مد كفه وأمسك كفها بلهفة ثم قبله وهو يقول ؛
-أنا اسف اسف ...
شدت كفها بضيق وهي تشيح بوجهها من الناحية الآخرى لكي لا يرى بريق الدموع بعينيها ...تنهد إبرام وقال:
-لازم تتكلمي يا ماريانا اتفقنا أننا نساعد بعض ...ممكن ....
أغمضت عينيها بإستسلام وهزت رأسها وهذا جعل الغيرة تشتعل داخل جورج ...كيف يملك إبرام تلك القوة على إقناعها ...
.................
أنا جوايا غضب كبير ..غضب وقهر من نفسي قبل ما يكون منه !
قالتها وهي تتنفس بصعوبة ...احتشدت الدموع بعينيها وهي تشعر بثقل على قلبها كلما تتذكر كيف قللت من نفسها وهي تركض خلفه ...أكملت وهي تفرك كفيها بكلمات متقطعة.:
-أنا غضبانة..غضبانة جداً كمان ...حاسة بالقرف من نفسي عشان كنت إنسانة من غير كرامة ؛!!!
نظر إليها جورج بحزن ...كان يعرف أنه من اوصلها لتلك الحالة بلامبالاته وحماقته. ...
-كل لما افتكر أنا عملت ايه ؟!اتنازلت عن ايه في سبيل أنه يحبني بكره نفسي ...أنا رميت كرامتي تحت رجليه ...عملت المستحيل عشان يشوفني ...يحبني ....كنت بقول مش مهم لو اتجرحت شوية بس يحبني ...بس مكنتش عاملة حسابي اني هموت بسببه ....بس برجع وبقول أنا السبب أنا اللي اتجوزت واحد قلبه مش معايا ...كنت بتعذب كل يوم وانا بسمعه بيتلخبط في اسمي ويناديني بإسمها ...بموت وهو بيهلوس بإسمها وهو نائم ....كنت بموت من جوايا وامنيتي أنه يشوفني ...يحبني زي ما بحبه
مسحت دموعها واكملت بأسى :
-لا أنا حتى دي مكنتش بطمع فيها ...مكنتش طمعانة أنه يحبني قد ما بحبه. لاني كنت بحبه ..جدا اكتر من اي حاجة ...كنت عايزاه بس يحبني. ..ولو بنسبة بسيطة ولو نسبة واحد في المئة من حبي ليه هتبقى كتيرة بالنسبالي ...لكن هو جرحني وفضل يدوس على الجرح....اخدني كأمر مسلم بيه ...يجرح ويكسر وكده كده ماريانا هبلة وبتحبني ...ماريانا هبلة وبتسامح ...ماريانا معندهاش كرامة وهترجعلي ....غضبه من أهله وحبيبته السابقة طلع فيا أنا ..كأني أنا اللي غلط ...كأني أنا اللي جرحته ...مشافش حبي ليه عامل ازاي ...أنا كنت مستعدة اعمل اي حاجة عشان يحبني ...بس هو مشافنيش ...وجرحني ...ازاي اسامح ...ليه الكل بيقول سامحي سامحي محدش ليه حس باللي عشته معاه ....محدش ليه حس بقلبي اللي كان بيوجعني من تجاهله ليا ومعاملته السيئة أنه.يضحك مع الكل وأنا لا ...يكلم كل الناس وانا لا ...لطيف مع الكل وأنا لا كأني عدوته اللي سؤقت حبيبته مش مراته أبداً!!!
أمسك جورج كوب المياه وأعطاه له وهو يطرق برأسه أرضاً...كان خجل من كل ما سمعه ...لقد جرحها ..عمل أشياء هو يخجل منها ...هو كان حقير للغاية معه ...رباه لديها كل الحق الا تسامحه ...ولكنه يحترق وهي بعيدة عنه ...وهو أناني بحق إذ يريدها أن تعود إليه ...أجل هو أناني ...لن ينكر ولن يجمل صورته ...هو يريد عودتها ويقسم أنه سيفعل المستحيل حتى تسامحه تلك المرة ...سوف يتحمل كل شىء منها ...غضبها وابتعادها عنه حتى تغفر ولكن يجب أن تغفر ...رباه سيموت لو غادرت حياته وهو يعرف أنه السبب في هذا ....
شربت الماء ثم أخذت تتنفس بسرعة ليقول إبرام بلطف :
-حابة تكملي ؟!
هزت رأسها وهي تكمل حديثها وتقول :
-حتى لما ربنا كرمه وحبني كان حبه ناقص ...مشاعره ناقصة ...كان بيقول أنه بيحبني وبيقابلها هي ...كنت بشوفه سرحان وكنت عارفة أنه بيفكر فيها هي بس كنت بقول أن الحمدلله أنه حبني ومرة في مرة هينساها...كتمت غيرتي جوا قلبي وانا مستنية أنه ينساها ويلتفت ليا ...بس ...بس في اليوم ده اكتشفت اني اكبر مغفلة ...لما كنت في خطر مفكرتش الا فيه هو ...اتصلت وردت هي عليا ...وقتها انكسرت ...حسيت اني بموت...مكنتش مصدقة أن جورج يعمل كده ...بس نبرتها كانت كلها شماتة. ..كأنها بتقول أن جوزي معاها ...جوزي بدب ما يكون معايا أنا. ..معاها هي ....عيشت الرعب والخذلان لوحدي لساعات...المشكلة أنه راجع يقول سامحيني !اسامحه ازاي يا إبرام ...ازاي انسى ده كله ...أنا مش قادرة كل لما افتكر اغضب واكرهه ...نفسي افضي على غضبي وغلبي فيه ....
صمتت وهي تتنفس بعنف بينما الدموع تنهمر من عينيها ...كان جورج صامت وهو ينظر أرضاً...للمرة الأولى يكره نفسه لتلك الدرجة ....
تنهد إبرام وهو ينظر إليها وقال :
-طيب اهدي ...
أمسكت المحرمة وهي تمسح دموعها ليقول إبرام ...:
-أنا كنت بقترح خطوة تعملوها يمكن تساعدكم في العلاج ...
-ايه هي ؟!
قالتها ماريانا بحيرة ليرد هو :
-أنك يا ماريانا ترجعي بيتك تاني ...تعيشي مع جورج !
.......
-سمعت أن اللي اسمه عمر خطيبك السابق جه هنا وكلمك ...
قالها بلهجة حاولت أن تبدو عادية رغم الغيرة المشتعلة داخله ...هذا الأمر ما زال يضايقه رغم أن مياس تصرفت بشكل أسعده معه ....
عبست مياس وهي تفكر هل يريد تدمير تلك اللحظة الجميلة بينهما ...حيث أنهما كانا يشاهدان أحد افلامها المفضلة ...بينما تجلس هي على ساقه تمسك بطبق الفشار وهو يضع ذراعيه حوله ...يضع شفتيه على رأسها ويقبلها من حين للآخر ....
ادرات رأسها وهي تنظر إليه وتقول بفضول وتعجب :
-من فين عرفت ؟!,
-خليت كرم يجي وراكي ويراقبك ...مكنتش هخاطر انك تمشي وتبقي لوحدك.يا مياس ....
رفعت حاجبيها وقالت:
-خليت حد يراقبني أنا مش مصدقة اللي بتقوله ...
نظر إليها دون خجل وقال :
-أنتِ فاكر اني اسيبك تمشي كده من غير ما اطمن عليكي ده مستحيل يا حبيبتي ...أنا من اول يوم مشيتي بعت وراكي كرم عشان يطمنني عليكي ...مكنتش هغامر مرة تانية وابعدك عن عيني ...لو كنت اعرف السبب الحقيقي اللي خلاكي تبعدي والله كنت حبستك في البيت
ارتسمت ابتسامة رائعة على شفتيها وقالت :
-للدرجادي بتحبني ....
قبل رأسها وقال:
-بحاول افتكر أنا حبيت بالشكل ده امتى وبلاقي اني محبتش بالطريقة دي قبل كده وكأن اللي قبلك كان سراب ...كأنك الحاجة الحقيقية في حياتي ....
-حبيت كام مرة قبل مني ؟!
قالتها وهي تخفي غيرتها بمهارة ...تشيح قليلاً بنظراتها كي لا يكشف غيرتها ...ابتسم بلطف وهو يمسك خصلة من شعرها ويقول :
-مش مهم تعرفي ...المهم انك تعرفي انك لوحدك حالياً في قلبي ...وهتفضلي لوحدك دايماً...
-بس أنا حابة اعرف يا سيف ...حابة اعرف كان كام واحدة في حياتك قبلي ...
-مش مهم يا حبيبي صدقني ...
-لا مهم ...
قالتها بعناد ثم أكملت :
-كل حاجة خاصة بيك مهمة ...عشان كده قولي قبلي كان كام واحدة في قلبك
-مش هتزعلي يعني لو اتكلمت عنهم ولا هتغيري
هزت رأسها بثقة وقالت :
-لا مش هغير ...عشان انت دلوقتي بتحبني أنا بس ...صح ولا ايه ..
.ابتسم وهو يقول بتأكيد :
-صح طبعا ....
-طيب يا ستي اسمعي أنا حبيت مرتين قبلك ...
قالها ببساطة وكان يبدو أنه شرد قليلاً ولم يرى الغيرة التي غشت عينيها...
-مرتين ...حلو
قالتها بسخرية لم ينتبه هو عليها وأكمل :
-المرة الأولى كانت بنت معايا في الكلية ...اتعرفت عليها في السنة الأولى من الكلية كنت وقتها مبكلمش اي بنت غير نوال اللي كانت أقرب صديقة ليا..كانت اسمها ماهيتاب ...كان دلعها ماهي ...اول مرة شوفتها خطفت قلبي ....كان أول مرة قلبي يدق بالقوة دي ....اول ما شوفتها مكنتش قادر أشيل عيني من عليها ...والسبب مكانش جمالها بس ...هي كانت مميزة ...كان واضح من استايل لبسها ...رقيها في التعامل ....كانت مميزة فعلاً فضلت تلات شهور بحاول بس اكلمها ...وبعدها بفترة طويلة ارتبطنا ...سنين الكلية كلها كنا مع بعض ...كنت بعد الايام عشان اتخرج ونتجوز ...كنت مبسوط اووي حاسس اني طاير من السعادة وكنت كلمت بابا ...بس فجأة في السنة الأخيرة لينا مع بعض حصل بيننا جدال غريب بسببها ....
صمت قليلا وسيطر الحزن على ملامحه لتقضم أظافرها بتوتر وهي تسب نفسها ...لم تتخيل أن تغار لتلك الدرجة ...تشعر أنها طفلة تافهة لتغار بتلك الطريقة. ...ولكن رغم أنها تحاول أن تخبر نفسها أن كل ذلك ماضي ولكنها أيضا تغضب وتغار....
-بعدها بفترة بسيطة لقيتها اتخطبت لأبن صاحب باباها فجأة كده ...واكتشفت أنها كانت بتخرج معاه لما كانت مرتبطة بيا ...وقتها دخلت في حالة نفسية سيئة واللي ساعدتني هي نوال...ومن وقتها حبيت نوال وهي سابتني برضه وجيتي أنتِ ...
-صدق اللي قال قلب الراجل زي الرمانة ...
قالتها مياس وهي تشيح بوجهها غاضبة عنه غاضبة ....
ضحك وقال :
-الله مش كنتي عايزة تعرفي ...
-خلاص يا سيف سيبني اقوم لو سمحت ...
قالتها بضيق وهي تحاول النهوض ..إلا أنه امسكها جيدا ...
-بتغيري عليا ؟
قالها برضا وعينيه تفيض عشقاً لتصرخ به وهي تمسك قميصه بتملك :
-ايوة بغير ..مش انت جوزي...
أمسك كفيها وقبل باطنيهما بعشق وقال:
-أكيد يا حبيبي ..أنا جوزك وملكك ...بس مش هتهربي من سؤالي ...عملتي ايه مع عمر ؟!
-أكيد كرم قالك ..
قالتها ببسمة ليرد :
-ايوة قال انك لطشتيه حتة قلم ...هاا عملتي حاجة تانية ...
هزت رأسها وقالت :
-كان عايز يرجعلي ...
ابتلع ريقه وظهر عليه التوتر وهو يقول :
-ردك كان ايه ...
أمسكت كفه وقبلته وهي تضع كفه على قلبها وتقول :
-قولتله اني ملك لشخص واحدة بس ...قولته اني مِلك سيف الحسيني ...وهفضل ملكه أحد ما أموت !
................
بعد أسبوع ...
-طيب ممكن تهدي. ..اهدي ابوس ايديكي ....
قالها عاصي وهو يضمها إليه بينما هي تبكي ...سوف يتم طلاق شقيقتها في الغد ...منذ ان أتت وهي معها بمنزل والدها ...تحاول ان تكون قوية ولكن اليوم انهار كل شئ عندما أتت للمنزل ورأت عاصي ...عاصي اخبرها انه مستعد ليكلم جاسم ويحاول إصلاح الأمر ولكن رحيق توسلت إليه ألا يفعل ....منذ اسبوع والنيران تشتعل ببيتهما خاصة بعد ان عرفت والدة جاسم التي حاولت ان تعرف ما السبب ولكن نوران وجاسم رفضا إبداء أي اسباب وامام رغبتهما رضخ الجميع ...
-مسكينة اختي يا عاصي ...متستحقش ده ابداً...
قبل رأسها ثم أبعدها قليلاً وهو يمسح دموعها ويقول :
-ده نصيب يا حبيبي ....نصيبها كده وربنا أكيد هيعوضها خير ...مش ربنا بيقول بسم الله الرحمن الرحيم (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) صدق الله العظيم ...وربنا هيفرح نوران بس أنتِ كأختها لازم تكوني قوية عشانها ...هي محتاجة حد قوي تتسند عليه ....
ضمته مرة أخرى وتنهد وهي تقول :
-يارب عوضها خير عن صبرها يارب ....
.....
في اليوم التالي....
كان قد اتى جاسم بمفرده...رفضت والدته ان تأتي معه ..وفادي أيضا حتى لا يحرج أمجد بسبب جيلان ...
استقبله أمجد بوجوم وجلس على الأريكة وقال؛
-خالتك بتحضرلك الأكل...بس تاكل وترتاح هنجيب المأذون ونخلص ...نوران عندها شوية شروط ..عايزة انها تبريك من أي حاجة ...ومصممة على القرار ده فلو سمحت متتناقشش فيه عشان منضيعش وقت كتير ...
هز جاسم رأسه ثم قال :
-متزعلش مني يا أمجد ...كل شئ نصيب ...نوران مفيش منها ...انسانة تقدر تسعد أي واحد بس ده نصيب ....
رفع أمجد رأسه وقال :
-وليه ازعل ...يعني هي هتقعد ...بكرة تشوف نصيبها ....
ابتلع جاسم ريقه بعسر وقال؛
-يعني ايه الكلام ده؟؟
نظر إليه أمجد بتشفي وقال:
-يعني بعد ما تخلص عدة نوران بيوم واحد أنا هجوزها!!!
-
رواية اسرت قلبه الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم سوليية نصار
جاسم لنوران:
- تتجوز؟
خرجت الحروف من شفتيه بهمس غاضب. عينيه البنية اشتعلتا بنيران الغيرة، تخيل فورًا زواجها من شخص غيره. تخيل أن تحب شخصًا غيره. ضم كفيه بقوة والأفكار تتزاحم في رأسه حتى بدأ في الشعور بالصداع.
ابتسم أمجد بخبث وهو ينظر إليه. كان يشعر بالتشفي وهو يراقبه يبدو حقًا مصدومًا. هو يعرف أن هذا الغبي يحب شقيقته وشقيقته أيضًا تحبه. والفضول ينهش قلبه لمعرفة السبب الذي جعل كلًا منهما يتخذ هذا القرار.
- أيوه تتجوز. يعني هي هتعيش على الأطلال مثلا؟ ده طبيعي يا جاسم. أنت هتشوف حياتك، وهي كمان لازم تشوف حياتها. متقلقش عليها خالص. هي في بيت أخوها، يعني أمان متخافش عليها. أنا علطول بعد عدتها هدور لها على عريس محترم كده يتجوزها. وهي لسه صغيرة وحلوة والف واحد يتمناها.
غصب جاسم على شفتيه رسم ابتسامة وهو يقول:
- أكيد أكيد.
ثم أشاح بوجهه وقد ازدادت وتيرة أنفاسه. يتخيل أن تتزوج بالفعل، تحب شخصًا آخر. التخيل فقط جعله يشتعل من الغيرة. ابتسم أمجد وهو ينظر إليه ويفكر أن جاسم سوف يتراجع عن الطلاق بالفعل.
كانت تجلس بغرفتها، شعرها يغطي وجهها والدموع تتساقط بكثافة من عينيها. تشعر بروحها تنسحب من جسدها. لحظات وسوف ينفصل اسمه عن اسمها. لحظات وسوف يتحرر منها ليتزوج من اختارها. فتاة محترمة، شريفة ليست ملوثة مثلها.
طرقة خفيفة على الباب جعلتها تمسح دموعها بسرعة.
- أدخل.
قالتها بنبرة مبحوحة بفعل البكاء. ليُفتح الباب وتدخل رحيق وتغلق الباب جيدًا. وقفت رحيق مستندة إلى الباب تنظر لشقيقتها بألم. كانت متألمة وهي تراها بتلك الحالة.
- نوران.
قالتها رحيق بشفقة لتنفجر نوران بالبكاء وتفقد تماسكها كليًا. اقتربت رحيق من شقيقتها وهي تضم شقيقتها إليها وتبكي.
- بس بس يا حبيبتي خلاص متعيطيش.
- قلبي واجعني أوي يا رحيق.
قالتها والدموع تنهمر من عينيها بقوة.
- بس بس يا حبيبتي بس. ربنا يجبر بخاطرك ويطبطب على قلبك.
تمسكت نوران بشقيقتها وهي لا تكف عن البكاء. تتمنى لو كان لها فرصة معه، ولكنها لن تلومه أبدًا. ولكن كيف تقنع قلبها أن يتوقف عن حبه؟ كيف!
- هموت يا رحيق. هموت.
قالتها بعذاب. لتبتعد عنها رحيق.
- حاولي معاه تاني مش عيب. ده جوزك. قولي إنك بتحبيه.
قالتها رحيق وهي تمسك كفها ثم أكملت:
- قوليله إنك مش عايزة تطلقي. اطلبي فرصة تانية.
هزت نوران رأسها وهي تبكي وتقول:
- مش هقدر أكون أنانية بالشكل ده. أنا مستحقةش واحد زي جاسم. هو يستحق الأحسن مني. أنا واحدة.
- بس متكلميش!
لم تتركها رحيق تكمل كلامها وهي تضع كفيها على شفتيها وتقول:
- متقوليش على نفسك أي حاجة يا نوران. أنتِ واحدة غلطتي توبتي وإن شاء الله يتقبل توبتك.
ابتسمت نوران بحزن وقالت:
- يارب يتقبل توبتي يا رحيق. أحيانًا بفكر إن ممكن يكون ربنا مغفرش ليا ذنبي وبترعب. الفكرة دي أحيانًا مش بتخليني أنام. أنا خايفة أوي يا رحيق. خايفة تكون توبتي متقبلتش.
ضمت رحيق شقيقتها وقالت:
- إن شاء الله تكون اتقبلت. وإن شاء الله جاسم برضه يسامح وينسى. أنا عارفة إنك بتحبيه زي ما هو بيحبك أوي كمان.
ابتلعت ريقها وهي تضم كف شقيقتها بدورها وتقول:
- مش هيسامح ولا هينسى. أنا عارفة جاسم. ومنقدرش نلومه ده حقه.
ابتعدت رحيق قليلاً وهي تقول:
- اللي عند ربنا مش بعيد. ادعي أنتِ بس وروحي كلميه آخر مرة. اطلبي منه فرصة أخيرة مش عيب.
- افرض افرض رفض. وده وارد جدًا يا رحيق. ده أنا متأكدة إنه هيرفض كمان.
قالتها وهي تتلمس قلبها. لا تتحمل فكرة أن يرفضها مرة أخرى. سوف تنكسر.
ضغطت على كفها وقالت:
- بسيطة يا ستي لو رفض يبقى ده اختياره وهنحترمه. على الأقل مش هتندمي في يوم إنك خوفتي تكلميه وهتبقي مرتاحة إنك عملتي اللي عليكي إنك تخلي العلاقة دي تنجح بس أمر الله ونفذ. اسمعي الكلام وكلميه لآخر مرة. المأذون ساعة كده وهيجي قبل ما يجي روحي كلميه يالا.
- أقوله إيه؟
قالتها بإرتباك وهي تفرك كفيها. لتشجعها رحيق:
- روحي قوليله إنك بتحبيه. قوليله إنك مش قادرة تعيشي من غيره. اطلبي منه فرصة تانية.
- أنا مرعوبة.
قالتها بخوف. فردت رحيق وهي تجعلها تنهض وتقول:
- يا بت خايفة من إيه هو هياكلك. متقلقيش يالا بقا روحي وقوليله إنك عايزة فرصة تانية. في أسوأ الأحوال هيحصل إيه يعني. هيرفض. لكن تخيلي لو وافق هتبقي مبسوطة وأنتِ معاه صح.
ابتسمت نوران وهي تمسح دموعها وقالت:
- طيب أروح له فين؟
- هتلاقيه قاعد في أوضة الضيوف.
احمر وجهها قليلاً وقالت:
- يعني هو عادي إني أدخل الأوضة عنده. أمجد ممكن يتضايق.
هزت كتفيها وقالت:
- وأمجد ليه يتضايق. ده جوزك. تعملي اللي أنتِ عايزاه معاه. بالعكس أمجد هيفرح لو اتصلحتوا مع بعض. هو أصلًا رافض حوار الطلاق وشغال يحاصر جاسم عشان يعرف السبب وجاسم مش بيتكلم. أنا بجد احترمته جدًا. هو إنسان مفيش منه.
ابتسمت نوران وهي تقول:
- عندك حق. أنا هروح له دلوقتي.
ابتسمت رحيق وقالت:
- استني بس.
ثم ركضت نحو طاولة الزينة وأحضرت صندوق ما. أخرجت منه فرشاة شعر ومشطت شعر نوران. وقالت:
- لازم تبقي على سنجة عشرة.
- هو أنا مش هلبس طرحة.
قالتها نوران متسائلة. لترفع رحيق حاجبيها وتقول:
- هتلبسي طرحة قدام جوزك ليه؟ أنتِ ناوية تشليني يا ولية؟ ده أنا هحط لك روج كمان.
رمشت نوران وقالت بتوتر:
- روج؟ لا يا رحيق. بلاش روج ممكن يفهمني غلط.
- إحنا عايزيننه يفهمك غلط. شوفي اسكتي خالص وسيبيني أضبطك شوية. شوفي عايزاكي تبهريه.
- بس بلاش روج.
قالتها نوران بتوتر وهي تشعر بإشتعال وجنتيها. بالتأكيد سوف يفهمها بشكل خاطئ تمامًا.
- بس يا بنت أنتِ بطلي هطل. أنا هحطلك حاجة خفيفة روج وماسكرا كده.
ابتسمت نوران وقالت بمشاغبة:
- من فين اتعلمتي ده كله؟
ابتسمت بحياء وقالت:
- لازم أتعلم ولا عايزة جوزي يبص لبرا.
- لو بص لبرا يبقى هو اللي غلطان. مش هيلاقي أحلى منك. ولا أطيب منك. بجد يا رحيق أنتِ أحسن أخت شوفتها في حياتي. وأنا واحدة ح.
قاطعتها وهي تقول بتهديد:
- إياكي تقولي على نفسك كلمة وإلا والله أمد إيدي عليكي. انسي الماضي. أنا نسيت كل حاجة. أنا بالعكس مبسوطة أوي إننا قربنا من بعض.
ثم قبلت رأسها وقالت:
- يالا يا عروسة عشان نذوقك. عايزين جاسم يتجنن لما يشوفك. أنا هخليه يتجنن كده. أختك اتعلمت تحط ميكب وبجد جامدة على فكرة.
ضحكت نوران وقالت:
- قعدتك مع جوزك بوظتك على فكرة.
كان متسطحًا على الفراش بغرفة الضيوف، يتذكر كلام أمجد وهو يشتعل من الداخل. الصور لا تتركه وشأنه. يتخيلها تتزوج شخصًا آخر، تحب شخصًا آخر، تنجب منه. كل تلك التفاصيل تهاجم عقله بقوة. يحاول أن يدفع تلك الصور عنه فيفشل تمامًا كما يفشل على السيطرة على الحريق بداخله. يشعر بالغضب منها لأنها سوف تواصل حياتها. فكرة أن تحب شخصًا آخر تقهره لأنه لن يستطيع أن يحب غيرها.
انتبه عندما سمع طرقة خفيفة على الباب.
- أدخل.
قالها بهدوء وهو ينهض. لابد أن هذا أمجد أتى ليخبره بقدوم الشيخ الذي سوف يطلق نوران منه. تلك الفكرة جعلته يشعر بثقل في قلبه.
فُتح الباب بهدوء لتظهر من احتلت عقله وقلبه دوماً. تبتلع ريقها وتقف أمامه. انسابت عينيه عليها بإنبهار. حاول إخفاءه. كانت أول مرة يراها متزينة بتلك النعومة منذ ليلة زفافهما.
- ممكن أدخل.
قالتها بخفوت وهي تطرق برأسها أرضًا. ليهز رأسه ويقول:
- اتفضلي.
ولجت للداخل بخطوات مترددة وهي تفرك كفيها. لا تعرف كيف تبدأ حديثها خاصة مع نظراته تلك. كانت تشعر بالخجل وأرادت أن تهرب من عينيه التي ترمقها بتلك النظرة. فركت كفيها أكثر وهي تزدرد ريقها. شعرت أن الكلمات تأبى أن تخرج من فمها. وكأن شجاعتها تبخرت عندما رأته.
نهض وهو يقترب منها. عينيه لا تحيدان عن عينيها. بينما بدت هي كغزال خائف بينما تفرك كفيها بكل ذلك التوتر. أراد أن يجذبها في تلك اللحظة ويقبلها بعنف، يعانقها بقوة. ولكن لحظة تذكر أنها ستتزوج بعد عدتها دمرت لحظة الرومانسية بينهما. وجد نفسه يناظرها بغضب لدرجة أنها تراجعت قليلاً بتوتر وهي ترمش وتقول:
- فيه حاجة يا جاسم. حد ضايقك.
ربع ذراعيه وقال:
- صحيح هتتجوزي.
توسعت عينيها بدهشة ورددت ببلاهة:
- هتجوز؟ مين قال الكلام ده؟
- أخوكي اللي قاله.
قالها بغضب ثم أكمل بتهور:
- يا ترى بقا هتقولي للعريس الجديد سبب طلاقنا ولا هتحتفظي بيه لنفسك. هتقوليله إنك.
صمت قليلاً وهو يعود لرشده ويقطع كلماته قبل أن يجرحها من جديد.
رمقته بعتاب وقالت:
- أنا مش هتجوز يا جاسم. مفكرتش في ده أبدًا ومعرفش ليه أمجد قال كده.
أطرق بوجهه أرضًا للحظات. ثم رفع رأسه ووضع كفه على كتفها وهو يقول بندم:
- أنا آسف يا نوران. مكانش قصدي أجرحك مرة تاني. سامحيني.
أعطته ابتسامة حلوة وقد بدت أنها لم تغضب من الأساس وقالت:
- أنا مبعرفش أزعل منك يا جاسم. أنا عارف إن اللي بتقوله بسبب غضبك مني. أنا حتى لو عايزة أزعل مش هقدر أزعل منك.
تنفس بتوتر لتطرق برأسها وهي تحاول أن ترتب كلماتها. تخاف من الرفض. ولكن إن لم تفعل هذا سوف تندم طوال حياتها. شقيقتها لديها حق. يجب أن تخبره. هي تريد فرصة واحدة فقط لتثبت أنها تغيرت.
رفعت عينيها وهي تنظر إليه.
- جاسم أنا مش عايزة أطلق.
قالتها بتوتر وهي تفرك كفيها.
رمش وهو ينظر إليها فأكملت:
- أنا عارفة اللي عملته لا يغتفر. صعب تسامح صحيح. بس أنا بطلب فرصة منك. أوعدك المرة دي عمري ما هجرحك أبدًا. أنا هعمل كل حاجة تسعدك بس متبعدنيش عنك. أنا.
صمتت قليلاً وابتلعت ريقها بعسر ثم قالت:
- أنا كمان معنديش أي مشكلة لو اتجوزت حورية. ده هيكون حقك. يعني ممكن تبقى معايا وتتجوزها لو بتحبها بجد. بس متبعدنيش عنك. اديني فرصة تانية. أنا اتغيرت. أنا بحبك. مش هقدر أشوفك بتبعد عني. أنا مش عايزة الطلاق ده.
ظل ينظر إليها لثوانٍ دون أن يتحدث. بداخله صراع بين أن يغفر أو أن يمضي في الأمر. يود أن يصرخ بالموافقة ثم يجذبها ويعانقها، يقبلها كذلك اليوم. ولكن هناك ما يمنعه. تلك الصور التي تخيلها عنها مع شخص آخر لا تخرج من عقله. فرك عينيه بتعب وقال:
- نوران مش هقدر.
تلاشى الأمل من قلبها ولمع بريق الدموع بعينيها ثم أكمل هو:
- مش هقدر أنسى. وهأذيكي وأذي نفسي. فالأفضل إن كل واحد يروح لحاله. أنا آسف.
هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها ومسحتها بسرعة وهي تقول:
- لا لا. تعتذر على إيه. ده حقك. أنا آسفة إني بضغط عليك. أنا بس فكرت. مش مهم. المهم إن ده حقك طبعًا ترفض.
هز رأسه وقال وهو يشيح عينيه عنها:
- الأفضل إننا نطلق وكل واحد يشوف حياته.
هزت رأسها موافقة إياه وهي تقول بأسى:
- عندك حق.
ابتلع ريقه وهو يسألها:
- صحيح مش هتتجوزي بعد ما نطلق.
هزت رأسها وهي تقول بإختناق:
- مش هتجوز. أمجد مش هيقدر يجبرني متقلقش.
- تمام.
قالها وهو يشعر بالراحة بداخله. فتلك الفكرة كانت تؤرقه.
مسحت دموعها ونظرت إليه وهي تبتسم وتقول:
- لازم أمشي دلوقتي عشان أجهز المأذون قرب يوصل.
هز رأسه وهو يراها تنسحب من أمامه وتستدير خارجة من الغرفة. شعر أن قلبه يغادره. روحه تتركه معها. فدون وعي منه هتف باسمها.
- نوران.
نظرت إليه بسرعة وقالت بأمل:
- نعم يا جاسم.
صمت قليلاً وهو يضم كفيه بغضب ويقول:
- بالتوفيق في حياتك الجديدة من غيري.
أصابتها خيبة الأمل وانسابت الدموع من عينيها وهي تقول بهمس:
- شكرًا.
ثم خرجت وتركته.
- ها وافق؟
قالتها رحيق بأمل عندما دخلت شقيقتها الغرفة. ولكن كل حماسها قد تلاشى وهي ترى الانكسار الذي يغزو ملامح شقيقتها.
- نوران.
قالتها رحيق بشفقة. لترفع نوران عينيها المحمرة لها ثم تندفع إلى أحضانها وقد ارتفع نشيجها بشكل يؤلم القلب. ضمتها رحيق بقوة وهي تقول بلطف:
- بس بس خلاص. أنتِ عملتي اللي عليكي. ربنا هيعوضك إن شاء الله.
- قلبي واجعني أوي يا رحيق. افتكرت إن كرامتي هتوجعني لما يرفضني بس قلبي اللي وجعني يا رحيق.
قبلت رحيق رأسها وقالت:
- بس اهدي. اهدي. ربنا يجبر بخاطرك يا حبيبتي يارب ويطبطب على قلبك.
بعد قليل، خرجت وهي تمسك كف شقيقتها تتشح بعباءة سوداء وحجاب بنفس اللون. وجهها الآن أصبح خالي تمامًا من الزينة. بينما تطرق بوجهها أرضًا. تسير كمن يساق إلى حكم الموت. رفعت عينيها لتنظر إلى جاسم الجالس بجوار أمجد وبجانبهما الشيخ. جلست على الأريكة وهي تسمع بكاء والدتها في المقعد المقابل. وتقول:
- بالله عليك يا شيخ اقنعهم يفكروا تاني. حرام مكملوش شهرين جواز. الناس تقول إيه بس.
نظر الشيخ إليهما وقال:
- فكروا تاني يا جماعة لو حابين.
- إحنا فكرنا يا شيخ. وده قرارنا النهائي.
قالها جاسم بهدوء. ليهز الشيخ رأسه ويبدأ بإجراءات الطلاق.
لحظات وانتهى كل شيء. انفصلت تمامًا عنه. بهدوء اتجهت إلى غرفتها مُستنزفة وكأنها خسرت أهم معاركها. وكانت تلك النهاية لها.
في اليوم التالي.
- هو رجل أحاط قلبه. وقرر أن يغرق بحزنه إلا أن أتت هي. أذابت جليده. أغضبته. أخرجته عن طوره. أحبته أولًا صحيح. ولكن هو من غرق بها. فأصبحت تشغل باله وكأن لا يوجد امرأة مثلها على الكوكب.
كان يتأملها وعلى شفتيه ابتسامة. تنام براحة على الفراش. خصلات شعرها تغطي عينيها. أبعد شعرها عنها برفق وهو يتألم. تقاسيم وجهها الرائعة. هي جميلة. جميلة جدًا لا ينكر هذا. ولكن ما يجذبه أكثر ليس جمالها بل قوتها. كبرياؤها. هي لديها قدرة عجيبة على تجاهله حتى لو كانت تحبه لحد الموت. لقد ذاق تجاهلها من قبل. لقد كاد يجن وهو يراها تتجاهله بذلك الإصرار وكأنه لا يمثل أي أهمية لها. تجاهلها جرح كبرياءه وعلمه ألا يستهين بها أبدًا.
ابتسم وهو يضع كفه على وجنتها ثم يقبل رأسها. لن يرتكب أي أخطاء أخرى بحقها. سوف يسعدها. يفعل المستحيل كي يرى ابتسامتها تسطع دوماً. لن يسمح لأي أحد أن يسلب منها سعادتها أو تلك الابتسامة الرائعة. لمس وجهها بلطف. عبست وهي تفتح عينيها. رفرفت بعينيها وهي تراه أمامها.
تيقظت حواسها على الفور من سباتها وهي تبتسم له وتقول:
- صحيت من بدري؟
- أيوه وفضلت ساعة تقريبًا أراقبك. الظهر قرب يأذن يا كسلانة.
قالها بهدوء وهو يعبث بشعرها. ثم أكمل:
- بتبقي رقيقة أوي وأنتِ نايمة. زي الملايكة.
جعدت أنفها بضيق وهي تقول:
- على فكرة أنا رقيقة طول عمري. أنت اللي مش شايف ده.
ابتسم لها وقال:
- لا بصراحة بتكوني رقيقة وأنتِ نايمة بس. لكن وأنتِ صاحية أنا بخاف منك والله.
مطت شفتيها بغضب كالأطفال وقالت:
- ليه بتخاف مني. هو أنا عفريت؟
- بحسك كده أحيانًا اه.
قالها وهو يكتم ضحكته. لتضربه على صدره وتقول بضيق:
- قوم يالا لو سمحت. متنامش جنبي.
ضحك وهو يعانقها ويقول:
- لا لا خلاص. أنتِ ملاك يا حبيبتي.
نظرت إليه بغضب وقالت وهي تنتبه الآن لملابسه:
- هو أنا طفلة عشان تضحك عليا بالكلمتين دول. لا أنسى. يالا ابعد عني وشوف أنت متشيك ورايح على فين.
نظر إلى ملابسه وقال:
- رايح مشوار مهم هقولك عليه بعدين. المهم قومي أنا عملت لك الأكل وسخن. هطلع وهاجي بسرعة. أجيب لك حاجة معايا.
- شيبسي بالملح والخل.
قالتها بهدوء. ليهز رأسه ويقول:
- رغم إني مانعه بس هنعمل استثناء المرة دي.
قبل أنفها ثم غادر مسرعًا.
بعد قليل.
وقف أمام منزل خالته وهو يتنهد بعمق. يجب أن يتكلم معها كي يضع النقاط على الحروف. لن يسمح لأي أحد أن يزعج زوجته. طرق على الباب بهدوء ليفتح الباب ويجد خالته صفية تبتسم مرحبة به وهي تقول:
- إيه النور ده. اتفضل يا حبيبي.
ابتسم هو وقال وهو يلج للمنزل:
- ده نورك يا خالتي. أخبار صحتك إيه؟
- الحمدلله أنا زي الفل. أنا جاي أتكلم مع سهيلة شوية. هي موجودة؟
- أيوه يا حبيبي بنحضر الغدا. تعالى اتغدى معانا.
- تسلمي يارب متغدي أنا عايز بس أتكلم معاها ممكن؟
- أكيد يا حبيبي. ارتاح هناديها.
هز رأسه. وهو يجلس على الأريكة. دقائق وقد ظهرت سهيلة ويبدو عليها الحماس. جلست على الأريكة وهي تقول بابتسامة مشرقة:
- أهلاً يا أمير. أخبارك إيه.
ابتسمت والدة سهيلة وقالت:
- أنا هروح.
قاطعها أمير وهو يقول:
- لا لو سمحتي يا خالتي اقعدي. أنا حابب الكلام يبقى قدامك.
نظرت سهيلة إلى والدتها بتوتر لتجلس صفية وتقول:
- اتفضل يا بني قول عايز إيه.
نظر إلى سهيلة. وبدأ كلامه.
- أنا مش حابب اللي بتعمله سهيلة مع مراتي يا خالتي. الموضوع بقى سخيف.
قالها بصراحة دون تجميل في الكلام. نظر إلى سهيلة التي بهتت وقال:
- مش عايز مراتي كل شوية تتضايق بسببك وخاصة إنها حامل. مش عايز أي ضغط عليها. ياريت تكبري وتبطلي تصرفاتك دي يا سهيلة هتخليني أقفل منك خالص.
انهمرت الدموع من عينيها وهي تشعر بقلبها يعتصر بقوة. ليتنهد وهو يشعر بتأنيب الضمير ويقول:
- صدقيني يا سهيلة أنا لو فيه أي مشاعر ناحيتك ولو بنسبة واحد في المية كنت اتجوزتك. بس الحقيقة أنتِ اختي وأنا عمري ما فكرت فيكي بأي طريقة غير دي. اللي بتعمليه هيقلل منك وبس. لأني مش شايف غير مراتي. وبحبها ومستعد أعمل أي حاجة عشان متتضايقش. بصي يا سهيلة أنتِ بنت خالتي ومن دمي عشان كده هقولك الكلام ده لآخر مرة. أنا عايزك تشيليني من دماغك لأني عمري ما هفكر فيكي بالطريقة دي أبدًا. هتفضلي سهيلة اختي. لكن سما. سما هي كل حياتي. مش عايز أكون في موقف إني أعاملك بطريقة وحشة بسبب تصرفاتك. ياريت تتفهمي إني جيت لك وكلمتك بنفسي لأن المرة الجاية مش هيكون مجرد كلام.
بعد يومين.
- نورتي بيتك تاني.
قالها جورج بسعادة وهو يفسح لها المجال لكي تلج للمنزل. كان سعيد بشكل لم يتخيله. لقد وافقت أخيرًا. معذبته تلك. ووافقت على العودة لحياته ولكن بشروطها هي. واحتفالًا بهذا غير ديكور المنزل كليًا بدل الأثاث بأكمله. وضع صورتهما بغرفة النوم. حلق ذقنه وتأنق وهو يجلبها من منزلها. لم يهتم لنظرات والدتها النارية. سوف يتحمل كل شيء في سبيل أن تسامحه. لا يهم لو أفرغت غضبها به. عاملته بكل برود. لا يهم. لقد عادت. والآن بمنزله سوف يجعلها ترى بنفسها أنه يحبها وأنه قد تغير.
وقفت ماريانا تنظر لهذا البيت. كان كاللعنة. كلما تركته تجد نفسها تعود إليه مرة أخرى. انتفضت وهي تشعر بكف جورج عليها. ابتعدت عنه وهي تنظر إليه بتوجس ثم احمر وجهها بغضب وقالت:
- متلمسنيش بالشكل ده تاني.
ابتلع ريقه وهو يرفع يديه ويقول:
- اهدي. أنا آسف. مش قصدي والله أزعجك. كنت بقولك بس ممكن تروحي الأوضة تغيري وأنا هطلب الأكل. تأكلي بيتزا ولا نجيب مشاوي.
ربعت ذراعيها وهي ترتجف قليلاً وترد:
- شكرًا أنا مش عايزة منك حاجة. مش عايزة أكل.
نظر إليها بلوم وقال:
- مينفعش. لازم تاكلي. وبعدين أبرام هو اللي طلب إننا نتعامل مع بعض بشكل طبيعي عشان نكسر الحدود اللي ما بينا.
- أنا أصلًا مكنتش عايزة أسمع كلامه. معرفش إزاي هو أقنعني.
ابتسم جورج وقال:
- بصراحة رغم غيرتي منه. إلا أنه اعترف إن جورج ليه طريقته المميزة اللي بتخليكي تتقبلي كل حاجة منه. هو عنده قدرة رهيبة على الإقناع. وصبر غريب. هو مش بيبذل مجهود حتى. كفاية إنه بس يكلمك بنبرة صوته الهادية ونقول له كل حاجة وتسمع كلامه.
لم ترد ماريانا وهي تنظر بشرود أمامها. كان ينظر إليها بعصبية. لا يعرف فيما تفكر. مد كفها ليلمسها مجددًا ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. لا يريد أن يغضبها.
- روحي يا ماريانا غيري هدومك وضبطي نفسك عشان نتعشى سوا.
هزت رأسها بهدوء وهي تتجه نحو غرفتها. ليتنهد هو براحة ويقول:
- يارب تلين بسرعة.
بعد ساعة تقريبًا.
كان قد وصل الطعام. أخرج البيتزا من الصندوق الخاص بها. كان يعرف أنها تعشق البيتزا الرانش أكثر من أي شيء لذلك طلبها لها وأحضر المشروبات الغازية ووضعهم على الطاولة. ثم كاد أن يهتف باسمها إلا أنها خرجت من غرفتها وهي ترتدي منامة قطنية زرقاء وترفع شعرها لأعلى. لا توجد ابتسامة على شفتيها ولكن رغم هذا بدت أجمل ما رآه عينيه. أزاح المقعد قليلاً لها لكي تجلس. جلست بهدوء وهي تشرع في تناول الطعام. جلس وهو ينظر إليها بحب وقد أدرك بداخله أنه الآن أكثر سعادة من أي يوم آخر. فها هو يشعر أن هذا بيته أخيرًا بوجودها. فالمنزل يكون حيث هو يكون.
بعد مدة ليست قليلة.
انتوا من الأكل. غسلت ماريانا يديها بعد أن نظمت الطاولة مع جورج. ثم لاذت بالفرار إلى غرفتها رافضة طلب جورج أن تشرب معه قهوة. كان يجلس على الأريكة يمسك كوب القهوة الخاص به. ينظر إلى باب غرفتها وهو يشتاق إليها. فكر في الذهاب إليها والضغط عليها قليلاً ولكن عرف أن تلك ليست فكرة جيدة. لذلك جلس مكانه وهو يتناول القهوة الخاصة به.
بعد قليل ترك القهوة ونهض وهو يطرق الباب عليها. لحظات وفتحت الباب وهي تقول:
- نعم!
- القهوة طعمها حلو. متأكدة إنك مش عايزة تشربي معايا.
- لاااا. ولو سمحت روح.
قالتها بحدة ثم أغلقت الباب بوجهه. ذهب بضيق إلى الأريكة. امسك كوب القهوة ثم لمعت بعقله فكرة ما. وجه القهوة إلى بلوزته وسكب القليل منها عليها ليصرخ بصوت منخفض بسبب سخونة القهوة. لم يتوقعها ساخنة لتلك الدرجة. أخذ يبعد البلوزة المبتلة عن جلده ونهض وهو متجه إلى غرفته. طرق الباب مجددًا لتفتح بضيق وتقول:
- أفندم.
- القهوة بوظت التيشرت عايز أغيره.
رفعت حاجبيها وقالت:
- مين هيغسل التيشرت ده؟
- هغسله أنا متقلقيش.
قالها وهو يكتم ضحكته. لتهز كتفها وهي تفسح له الطريق وتقول:
- اتفضل.
بعد قليل.
- أووف نعم عايز إيه تاني؟
قالتها ماريانا بضيق وهي تفتح الباب. إنها المرة الثالثة التي يدق عليها الباب. ربعت ذراعيها وهي تنظر إليه بضيق. ابتسم بوجهها وقال:
- أصل التيشرت بتاعي اتوسخ تاني. بصي اتكب عليه القهوة. ممكن آخد واحد جديد.
- هو إيه قصة التيشرتات اللي بتتكب عليها قهوة دي. وأنت ليه تشرب قهوة في الوقت ده. ما تروح تنام. ولا أنت عايز يجيلك أرق.
ابتسم بمشاغبة واقترب منها وهو يقول بمزاح ولكن عينيه كانت تلتهمانها بشغف:
- إيه خايفة عليا.
تراجعت وهي تقول بضيق:
- لا مش خايفة. اعمل اللي انت عايزة. روح جيب لك تيشرت وسيبني أنام.
هز رأسه ثم ولج إلى الداخل. فتح الخزانة وهو يأخذ وقته في اقتناء بلوزة له.
- تفتكري إنهي تيشرت أحلى. الرمادي ولا الأزرق.
قالها وعلى شفتيه ابتسامة مشاغبة. يجذبها بقوة إلى ذكرياتهما سوياً. عندما كانت تحبه أكثر من أي شيء آخر. تنهدت وكأنها تتذكر هي أيضًا.
- على فكرة الأزرق هيليق عليك أكتر.
قالتها وهي تلج للغرفة. بينما هو يمسك قميصين له لكي يذهب للعمل. أحدهما أسود والآخر أزرق. عبس وهو يقول:
- بس أنا حاسس إن الأسود هو الأحلى.
مطت شفتيها بغضب كالأطفال وقالت:
- لا الأزرق أحلى على فكرة.
ابتسم لها وهو يشدها نحوه ثم يقبل وجنتها وقال:
- أنا بثق في ذوقك يا حبيبي.
- بحب الأزرق لأنه لون عينيك.
قالتها وهي تنظر لعينيه وتقول:
- دول أول حاجة وقعوني فيك على فكرة. أول مرة شفت حسيت وكأني بقع من الدور العشرين.
- إيه الكلام الحلو ده.
قالها وهو يرتدي قميصه.
- ده أنتِ بتحبيني أوي على كده.
- أكتر مما تتخيل. أنا حبيتك من البداية يا جورج. بس أنت مكنتش شايفني. حتى بعد ما اتجوزنا مشوفتنيش وبقيت تعاملني وحش برضه.
رفع عينيه وهو ينظر إليها. أجفله الألم بعينيها وشعر بالذنب. اقترب منها وهو يقبل رأسها ويقول:
- أوعدك إن عمري ما هجرحك تاني.
عادت من شرودها وقد لمع بريق الدموع بعينيها وهي تفكر أنها تحملت الكثير بسببه. لكي يحبها تخلت عن كرامتها. انسابت الدموع من عينيها. ليعبس وهو يقترب منها ويقول:
- مالك يا ماريانا. أنا ضايقتك.
رفعت وجهها وهي تمسح دموعها وتقول:
- أنا من أول ما دخلت حياتك وأنت بتجرحني وبس.
- ماريانا.
قالها بيأس وهو يقترب منها. إلا أنها ابتعدت وهي تقول بإختناق:
- خلاص يا جورج لو سمحت. أنا وافقت أجي أعيش معاك صحيح. بس مش معنى كده إني هرجع معاك زي الأول. أنا عايزة وقت.
- هديكي الوقت اللي أنتِ عايزاه.
- مش عايزة ده بس. عايزاك تحاول عشاني زي ما كنت بحاول عشانك. تستحمل اللي بقوله زي ما كنت مستحملة اللي أنت بتقوله.
عانق وجهها وهو يقول بحنان:
- كل اللي هتقوليه أو تعمليه هيكون مقبول. مش هتضايق. هيبقى حقك تقولي أي حاجة أو تعملي أي حاجة. متحاوليش عشاني يا ماريانا أنا اللي هحاول عشانك. أوعدك من النهارده أنا مش هعمل حاجة غير إني أسعدك وبس.
بعد شهر.
ابتسمت بسعادة وهي تنظر إلى الطاولة الصغيرة المزينة بالشموع. ويتوسطها قالب من الكعك بالشوكولاتة. لقد تحملها الفترة السابقة. تحمل هرموناتها المتقلبة. حزنها على شقيقتها التي تطلقت. لم يضغط عليها أو يطلب حقوقه. كان مراعي بدرجة أصابتها بالانبهار. وأساها. حاول إخراجها من حزنها. أضحكها وغنى لها. كان يبدو أنه مستعد لفعل أي شيء لكي يسعدها. وقد أتى دورها. سوف تسعده اليوم كما أسعدها هو. عضت شفتيها بخجل وهي تنظر لنفسها وهي ترتدي تلك الغلالة الصفراء الباهتة. غلالة لا تشبه شخصيتها تمامًا. بل شخصيته هو العابثة. كانت تكشف أكثر من اللازم. ولكنها زوجته. ستفعل هذا من أجله.
فُتح الباب. لترفرف أهدابها المزينة بماسكارا سوداء. توقف مكانه للحظات وهو ينظر إليها بدهشة. أغلق باب غرفته. وهو لا يصدق ما يراه أمامه.
- أنتِ مين يا ست وفين مراتي المؤدبة المحترمة.
قالها بجدية مضحكة. ضحكت هي بصوت مرتفع ثم أغلقت فمها وقد غزا اللون الأحمر وجنتيها. فضحكتها في تلك اللحظة كانت تشبه ضحكة الراقصات.
- أموت أنا في السمن البلدي.
قالها وهو يتجه نحوها ليعانقها ثم رفعها. متجهًا بها إلى فراشهما.
- عاصي استنى.
قالتها وهي تضحك بينما تحاول التحرر منه ولكنه أمسكها جيدًا وهو يقبلها على وجنتيها بالتتابع ثم اتجه إلى شفتيها. لتضع كفها على شفتيه وتقول لاهثة بينما تلهث ووجهها أحمر بالكامل:
- استني. استنى. عايزة أقولك حاجة.
عبس متسائلاً. لتعلن ببهجة:
- أنا حامل.
عبست مياس. وهي تشعر بشيء يجثم عليها. فتحت عينيها وهي تشعر بالدوار لتجد معاذ هو من يعتليها بينما يقبلها بشكل مقزز.
رواية اسرت قلبه الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم سوليية نصار
ـ ماذا ؟
ـ ستظل تحبني للأبد ؟
ـ حتى تحترق النجوم وحتى ..تفنى العوالم ..حتى تتصادم الكواكب، وتذبل الشموس ..وحتى ينطفئ القمر، وتجف البِحار والأنهار ..حتى أشيخ فتتآكل ذكرياتي..حتى يعجز لساني عن لفظ اسمك..حتى ينبض قلبي للمرة الأخيرة ..فقط عند ذلك ربما أتوقف.
سيف لمياس .........
ـ ابعد...ابعد.!!!
صرخت بفزع وهي تحاول ابعاده عنها ...
بفزع أدركت أنه يجثم عليها ....
رفع وجهه عنها وهو يلهث بينما يضحك واللعاب يسيل من فمه بشكل مقزز وقال:
ـ أخيرا يا حبيبتي ...في حضني أخيرا ...أنا عارف ان المكان مش ولا بد .
قالها وهو مشير للمنزل المهترئ...
ثم أكمل:
ـ بس يكفي الغرض...ده أنا حتى جيبت السرير دة عشانك ...عشان ليالينا سوا...
قالها وهو يغمز لها بشكل مقزز ...
كادت ان تفرغ ما في جوفها واخذت تحاول ابعاده عنها ولكن دون جدوى...
ـ ابعد ...ابعد يا معاذ ...
قالتها برعب وهي ما زالت تشعر بالدوار...
تحاول ان تتذكر ماذا اتى بها الى هنا ولكنها لا تتذكر....
الذكريات مشوشة....
ـ أنا...أنا جيت هنا ازاي ؟!!
قالتها وهي تحاول ابعاده عنها فتفشل وهو يقبلها بتلك الطريقة المُقززة ....
ـ خدرتك يا حبيبتي ...بس عشان بعزك مرضتش اقتل حبيبك....شوفتي أنا حلو ازاي ...طاوعيني يالا عشان أنا هاخدك برضاكي ...او غصب عنك ....
اغمضت عينيها وهي تتذكر الآن ما حدث ...
بدأت الاحداث تتعاقب بعقلها بسرعة مخيفة ............
كانا يمسكان كف بعضهما وهو يتسوقان بإحدى المراكز التجارية الضخمة....
ـ بس أنا الفستان عجبني يا سيف ...
قالتها بضيق ليجذب كفها ويقبله.؛
ـ بس هو ضيق شوية يا حبيبي ..وانا مش هخليكي تخرجي كده ..عشان أولا أنا هتحاسب عليكي ...بعدين أنا راجل غيور جداً ....
زفرت بضيق ليقول وهو يغمز لها ..:-
لو هتلبسهولي في البيت معنديش مانع ....
ـ ده فستان للخروج ازاي في البيت ...وبعدين كان واسع ..هو عشان حلو فيا انت رفضت ...
هز كتفيه وهو يقول:
ـ بس كان ضيق من الوسط...وبعدين أنا مش حابب أنك تطلعي بحاجة حلوة عليكي .. يا ستي قولتلك بغير عليكِ.
ثم قال وهو يشير نحو عارضة زجاجية ما:
ـ ايه رأيك في التحفة دي ؟
نظرت حيث أشار واتسعت عينيها بإنبهار وهي ترى الفستان الرائع المعروض ..
كان فستان ابيض بنصف كم منثور عليه ازهار صغيرة باللون الاحمر ...
كان قصير ..لا يصل للركبة حتى...
بدا فستان رائع للغاية ...مريح للعينين....
ـ واو الفستان حلو اووي !!
قالتها بإنبهار جعلت سيف يضحك ثم امسكت ذراعه وأكملت:
ـ بجد الفستان حلو ...حلو بطريقة يا سيف ...كأنه خارج من Pinterest....ده طبعا هلبسه في البيت ....
هز رأسه بتأكيد وقال:
ـ وقدامي.كمان ....
ابتسمت بحلاوة له وقالت:
ـ يعني اجيبه هيطلع حلو عليا ...
ـ متأكد انه هيطلع احلى من شكله الحالي ....
ابتسمت له بسعادة وقد برقت عينيه له .....
عينيها كانت السبب الأول في أسره....
ـ طيب يالا نجيبه ...
قالتها وهي تبتسم بسعادة وهي تشد على يده ليبتسم ويقول:
ـ يالا....
ثم اتجه معها نحو المتجر ....
داخل المتجر ....
سارت مياس بسعادة داخل المتجر وبدون ان تهتم بنظرات البائعة المصدومة امسكت الفستان وهي تبتسم بسعادة وتجذبه نحوها .....
كانت تبدو سعيدة به ....
كان سيف يراقبها بإبتسامة على وجهه...
نظرت إليه وقالت:
ـ شكله حلو مش كدة ؟
ـ فعلا ....
ـ عاجبني اووي ....
ـ خلاص نشتريه يا فراشة ....
ـ أنتوا اخوات؟
قالتها البائعة وهي تنظر لسيف نظرات منبهرة مُعجبة ...
جعلت مياس ترغب بقتلها من شدة الغيرة...
اقتربت مياس من سيف وأمسكت ذراعه بتملك وهي تقول بإبتسامة صفراء:
ـ لا أنا مراته يا قلبي ...عايزة حاجة ....
ـ لا.مش عايزة ...
قالتها البائعة بإحراج من أسلوب مياس الهجومي بينما ابتسم سيف وهو يضع كفه على ظهرها ويقول:
ـ يالا نحاسب عشان نمشي يا حبيبتي ....
ـ حاضر يا حبيبي...
قالتها وهي تنظر للبائعة بغضب ..........
بعد ان خرجا...
اخذ سيف يضحك وهو يمسك كفها ويقول:
ـ يالهووي عليكِ كنتِ هتاكليها....
ـ اومال عايزني اشوفها بتبصلك كده واسكت ؟ ده كويس مفعقتش عينيها ...
ـ أنتِ مفترية...
قالها سيف ضاحكاً بقوة لتعبس هي وتقول:
ـ لو انت شوفت راجل بيبصلي بالشكل ده هتسكت...
ـ هقتله ...
قالها بإبتسامة وهو ينظر إليها بحب واكمل:
ـ عشان أنا بغير عليكي ....
ابتسمت بحلاوة له وقالت:
ـ وانا كمان بغير عليك .....
كانا ينظران لبعضهما بإبتسامة حب وكأن العالم توقف حولهما ارادت مياس ان تخبره انها تحبه الآن ولكنها تراجعت ارادت ان يكون اعترافها مميز ...لانه يستحق...
ـ عايزة اروح التويلت
قالتها...
هز رأسه وقال:
ـ ماشي روحي وانا هجيب ساندويتشات لينا هناكل هنا ونمشي ماشي ...
هزت رأسها مبتسمة ..ثم استدارت وذهبت .............
بعد قليل خرجت من الحمام لتتجمد فجأة وهي تراه أمامها ...معاذ ...وقبل أن تتحدث كان يرش شيئاً على وجهها ووقتها فقدت الوعي كلياً!!!...
عادت من شرودها وهي مصدومة ...
ـ انت ازاي ...ازاي خطفتني ...ازاي قدرت تطلع من المول...
ابتسم وقال:
ـ ليا اساليبي الخاصة يا حبيبتي .....
ثم أمسك ذراعيها وهو يثبتها على الفراش ويقول:
ـ اللي مش عايزة تدهوني بمزاجك ...هاخده غصب عنك....
ثم اقترب منها لتصرخ بقوة ولكن فجأة انكسر الباب ليظهر سيف ....
ـ سيف ...
صرخت برعب بينما نهض معاذ وهو يخرج سكينه ويشهرها نحوه...
توسعت عينيها برعب وهي تقول بنبرة مرتعبة:
ـ سيف...
اقترب معاذ ليضربه ولكن سيف أمسك يديه بسهولة ثم بكفه الاخر لكمه بقوة حتى سقط أرضاً ..
ـ بتلمس مراتي يا ****...أنا هخليك تندم على اليوم اللي اتولدت فيه ....
ثم هجم عليه وهو يضربه بعنف ...دون اي رحمة وكأن سيف اللطيف قد اختفى تماماً...
بعد قليل ...نهض عنه وقد فقد وعيه...
ضربه بساقه في بطنه بإشمئزاز وهو يردد:
ـ مختل فعلاً....
ثم اتجه الى زوجته الباكية وضمها إليه بإشتياق وهو يقبل رأسها ويقول:
ـ حبيبتي...خلاص اهدي ...الحمدلله خلصنا منه ...البوليس هيجي دلوقتي ...برافو عليكي أنك فضلتي مشغلة النت على تليفونك ..قدرت اوصلك بسرعة الحمدلله ....
نظرت إليه وهي تهمس برعب بينما تتلمس جسده وتقول وهي تبكي:
ـ انت كويس...
قبل رأسها وهو يضمها إليه وقال:
ـ انا كويس...الحمدلله مرت ...البوليس جاي دلوقتي ...يالا عشان نمشي ....
ثالها ثم ساعدها على النهوض ....
كانت تسير معه وهي متعبة ...خرجا من المنزل القديم كان سيف يدعم مياس لانها كانت متعبة وما زالت تحت تأثير المخدر ...كانت تنظر حولها وهي تكتشف انها لمنطقة نائية الى حد ما...كان بها بعض عمليات البناء التي لم تكتمل .....
اخرج سيف مفاتيح سيارته ثم فتح السيارة بجهان التحكم عن بعد ...ولكنه صرخ فجأة عندما شعر بنصل حاد ينغرس في جانبه....
صرخت مياس بفزع وهي ترى معاذ يطعن سيف ويقول بهوس:
ـ مش هتاخدها مني ...
ثم اقترب وكاد ان يمسك كف مياس الا ان سيف امسكه ولكمه بقوة ...
رغم جرحه الا انه تشابك مع معاذ .....
وقد بدا أقوى منه في تلك اللحظة اخذ سيف يضربه بقوة وعنف ...وقد اوقع السكين من يده ....
كان معاذ يحاول ضربه ولكن سيف كان كالوحش وهو يتخيل ان هذا الرجل من دمر حياة من يحب ...هذا الرجل لم يكتفي بتشويهها فقط بل كاد ان يغتصبها ...
كانت الدماء تنزف منه بينما يضربه حتى سقط معاذ أرضاً وحينها خارت قوة سيف وهو يسقط أرضاً....
صرخت مياس فجأة وهي ترى معاذ ينهض ويمسك السكين وهو يرغب بطعن سيف ...ولكن فجأة اصيب بطلق ناري في صدره وسقط نحو الحديد المسلح في البناء الذي لم يكتمل بناؤه ...وقد اخترق الحديد وجهه وعينيه وكامل جسده تقريباً ليلفظ آخر انفاسه ويفقد حياته بموته لم يتخيل بشاعتها !!!
ـ سيف ...
صرخت مياس وهي تقترب من سيف الساقط على الأرض بينما ركض أيضا المحقق إياد نحوه هو وباقي افراد الشرطة ...
ضمت مياس رأسه نحوها وهي تبكي بعنف وتقول:
ـ سيف ابوس ايديك متسبنيش يا سيف ...عشان خاطري ....
فتح عينيه بتعب وأمسك كفها وهو يقول:
ـ مش هسيبك متقلقيش ....هنفضل مع بعض علطول ....عايز احقق كل احلامك اللي في الاجندة ...انتِ كتبتي كل احلامك يا مياس ...
هزت رأسها وهي تقول:
ـ ايوة كتبتهم ومش هسامحك لو محققتش احلامي يا سيف ...انت هتفضل معايا للأبد ...
ابتسم بتعب وهمس:
ـ حتى تحترق النجوم ..
اخرج إياد هاتفه وهو يتصل بالإسعاف بسرعة من أجل سيف وجثة مُعاذ .........
ابتعد عنها قليلاً والصدمة افقدته القدرة عن الكلام لثواني ...
حاول ان يتكلم ولكنه فشل تماماً وهو ينظر الى وجهها المُشرق بسعادة ....
لحظات وبدأت ابتسامتها تتراجع قليلاً وهي تشعر ان هناك شيئاً ما خاطئ به او بها ....
امسكت ذراعه وهي تهمس:
ـ عاصي انت كويس ؟!
اتجهت يديه الى كفها وأزاحها بعنف نوعا ما عنه ....
رمشت عدة مرات متوجسة من رد فعله...
ـ عاصي هو فيه ايه ؟؟...انت بتخوفني ..
قالتها بتوتر ...ليتكلم أخيراً بنبرة كمن على وشك الانفجار وقال:
ـ قولي تاني ...كنتِ بتقولي ايه ؟!...انتِ ايه ؟!
ـ أنا حامل!
قالتها بخفوت وقد شعرت ان سعادتها قد تسربت بسبب رد فعله...
هي لا تدري أين الخطأ ...من المفترض ان يكون سعيد !...
نهض من على الفراش ...وهو يشعر وكأن رأسه يدور ....
توسعت عينيه قليلا وهو يشعر انه بكابوس...
لا لا هذا ليس حقيقي ....
ـ انتِ ازاي حامل ؟!
عبست وهي تنظر إليه وقالت:
ـ ازاي يعني ...انت أكيد عارف ازاي ؟
ظلت تنظر إليه بخوف ...بدا ان هناك شئ خاطئ به لماذا هو مصدوم وليس سعيد ....
هي لا تفهم بعد ...نهضت وهي تقترب منه مدت ذراعها لكي تلمسه الا انه ابتعد عنها كالملسوع وقال:
ـ ابعدي عني ....
شحب وجهها كالأموات ليردد:
ـ انتِ مش بتأخدي مانع حمل ؟
ازدردت ريقها بتوتر وقالت:
ـ وهاخده ليه ؟!هو فيه ايه يا عاصي ..مالك ايه اللي حصل ..بتتصرف بالطريقة دي ليه يا عاصي انت بتخوفني ....
كان ملامح وجهه متقلصة غضباً بشكل أرعبها ...
ـ أنا مش عايز عيال ...مين قال اني عايز عيال منك !!!
تراجعت بصدمة وقد احتشدت الدموع بعينيها وقالت:
ـ مش عايز عيال مني ؟!
كانت تردد بصدمة بينما الدموع تنهمر من عينيها بشكل مكثف ....
ـ ايوة مش عايز ...أنا مش عايز الا أملاك ...وانا جيبتك هنا عشانها وبس ...عشان تكوني ام ليها...مش زوجة وام عيالي ....
ـ مش أنا اللي طلبت ابقى زوجة ليك...انت اللي قررت تاخد حقوقك يا عاصي. ..وانا عمري ما كنت همنعك من حقوقك !!!لو مكنتش عايز مني أولاد مكنتش تلمسني ...كنت تخليني زي اتفاقنا الأول ام لأملاك ...الطفل ده مش بسببي بس...ده ابنك برضه...
ـ تمام يعني هو غلطتي صح ...تمام يالا نصلح الغلط ده ونزلي البيبي!
رمشت بصدمة وهي تنظر إليه لم تصدق انه نطقها ....
تراجعت وهي تضع كفها على بطنها وتقول:
ـ لا لا مستحيل. ..أنا مش هقتل ابني ...ده حرام ...أنا مستحيل أعمل كده !!!
ـ يبقى تمشي أنا مش عايزك ...أنا مش هسمحلك تستغليني ....
ـ استغلك !!!
قالتها بنحيب ثم أكملت:
ـ استغلك ازاي يعني ...انطق يا عاصي ....
اقتربت منه وهي تردد بينما الدموع تغرق وجهها:
ـ أنا هستغلك ازاي يا عاصي ؟رد عليا ....
كانت النيران تتصاعد بعينيه ...
ـ حابة تلحقى حاجة من فلوسي....شايفة انك لو جيبتي طفل هيقاسم أملاك في الميراث وكده هتلحقي اي حاجة وكأن مش كفاية اللي بقدمهولك.....
تراجعت مصدومة وهي تنظر إليه ...شعرت وكأن طعنها ..بقلبها ...لقد قتلها بكلماته....
انتحبت أكثر وهي تشير لنفسها بينما ترتعش كفها بشدة:
ـ أنا كده يا عاصي ...انت شايفني اني واحدة بتاعة فلوس ومستغلة ....أنا عملت ايه عشان تفكر بيا بالطريقة دي ....
لم ترق ملامحه بل أصبحت حادة وهو يقول بغضب:
ـ اصلا كلكم كده ...بتهتموا بالفلوس ...عشان كده حملتي عشان متبقاش الفلوس لأملاك بس ...بس انا حابب اقولك اني انا مليش دعوة بالطفل ده لو ولدتيه...مش هصرف عليه ولا هياخد مليم من فلوسي ......فاحسنلك تنزليه عشان نعيش من غير مشاكل ده لو كنتِ عايزة تعيشي معايا .....أما بقا لو حابة ترجعي لحياتك القديمة وبيت اهلك والفق......
ـ لو سمحت اسكت !!
قالتها فجأة وقد بدأت في حالة إنهيار لم يعدها من قبل ...كلامه كان سام للغاية ...كان يقتلها شيئاً فشئ بكلماته تلك ....
مسحت دموعها وأكملت:
ـ أنا عمري ما كنت محرومة أو محتاجة فلوسك ...الحمدلله كنت في بيت اهلي باكل كويس واشرب ...وكون مستواك أعلى من مستوانا متفكرش تقلل مننا بالطريقة دي ....
وضعت كفها على بطنها وهي تقول بنحيب:
ـ ده روح جوايا مستحيل اقتله ...مش هقدر اقابل ربنا وانا فيه روح في رقبتي عشان حضرتك مش عايز اطفال....ومش أنا اللي طلبت انك تلمسني. ..انت اللي طلبت حقوقك وعشان دي حقوقك أنا اديتهالك ...أنا سمعت كلامك في كل حاجة كنت بتقعد تهين فيا وتقولك مش نوعك المفضل ...قولت مش عايز تلمسني واني مجرد ام لأملاك سكت وقبلت ...بعدين جيت وقولتلي عايز حقي سكت وقبلت ...لكن دلوقتي مش هسمع كلامك ولا انزل ابني ....فلوسك اشبع بيها أنا مش عايزة منهم مليم.... أنا هتكفل بإبني كلياً ومش عايزة منك اي حاجة ...ولو سمحت طلقني !!!
ـ أطلقك ؟!!
قالها بسخرية وهو يخفي هلعه ...تخيل أنها تُغادر حياته للابد ترعبه ...
اكمل وهو يضحك وقال:
ـ حلو اووي بجد ...اطلقك ...وتاخدي حقوقك ...مؤخر .. ...فلوس برضه ...مش ده اللي بتفكري فيه !!!
نظرت إليه بصدمة ...لا تصدق أن هذا هو عاصي ...هذا هو الرجل الذي ظل طوال الشهر السابق يواسيها بسبب شقيقتها ...لا تصدق أن هذا الرجل الان يقف أمامها ويقتلها بكلماته السامة....
ـ متقلقش يا عاصي مش عايزة منك حاجة انا عن نفسي هتنازل عن اي حقوق ليا ...ومستعدة امضي دلوقتي على اي ورق يضمن حقوقك...أنا مش عايزة منك الا الطلاق ....أنا هروح لبيت أهلي وهقول أننا متفقناش وبعدها هنجيب المأذون وننهي كل حاجة ...اي ورق عايزني امضي عليه عشان تضمن حقوقك أنا موافقة ...
ـ بسهولة كده قررتي خلاص ......
ـ ايوة اهو بريحك من حاجة انت مش عايزاه..أنا بكرة الصبح هاخد هدومي وامشي ....ودلوقتي رايحة انام عند أملاك ...
ثم كادت أن تذهب الا أنه امسك ذراعها واعتصره قليلا بينما النيران تشتعل بعينيه وقال:
ـ اقعدي هنا ...أنا اللي هنام برا !!
ثم استدار تاركاً إياها ولكن قبل أن يخرج من الغرفة أوقع بعنف زجاجات العطر بغضب وقهر لتضع كفها على فمها برعب بينما تتصاعد الراىحة الرائعة للعطور ....
اتجه نحو غرفة الرياضة الخاصة به وهو يقرر أن يفرغ غضبه....
بعد ساعتين تقريباً ...انتهى وهو يلهث ثم اتجه إلى الحمام ليتحمم ...
بعد قليل خرج والمياه تقطر من شعره بينما يرتدي فقط سروال رياضي كان موجود في الخزانة هنا ....
اتجه إلى فراشه وجلس به وهو يطرق برأسه أرضاً ...
قلبه يحترق كلما يتذكر أنها سوف تتركه وتذهب ...
حاول أن يخبر نفسه أنه غير مهتم ...وأنه سيجد غيرها ولكنه كان كاذب جيد ...هو مهتم...ومهتم للغاية !!!.....
في الغرفة التي تبقى بها رحيق ...كانت تجلس على فراشها والدموع تنهمر من عينيها كانت ترتدي اسدالها وقد نظفت الأرضية من الزجاج ....
كانت تبكي وهي تضع كفها على قلبها ...لم تصدق أن يتصرف عاصي بتلك الطريقة ...لقد أذاها بكلماته ....ما فعله لا يمكنها أن تتسامح معه ...جعلها تشعر بالرخص ...وكأنها باحثة عن المال ...كيف يفكر بها بتلك الطريقة. ...
تسطحت على الفراش وهي تجذب الوسادة لوجهها وهي تخفي نحيبها..........
في اليوم التالي.......
نهض من نومه بفزع ...لم يهنأ بنوم جيد ...بل ظل طوال اليوم يحلم بكوابيس عن مغادرتها حياته ....وكل مرة يستيقظ بفزع ...
نهض من الفراش وهو يدرك أن الساعة تعدت العاشرة صباحاً وركض نحو غرفتها ثم فتحها ليقع قلبه في قدمه وهو يجد أن الغرفة فارغة ....منظمة جيداً وباردة وما زالت رائحة العطور التي كسر زجاجتها بالأمس تسيطر على الغرفة ....
ركض نحو الخزانة وفتحها ليجد أن ملابسها بالكامل اختفت ....
تراجع وهو يشعر بقلبه يتمزق داخل صدره أغمض عينيه بألم وهو يتراجع ويجلس على الفراش ...انتبه لغلالتها الذي تركتها ...امسكها ثم قربه نحو أنفه وهو يتشممه بهوس ....
بينما الدموع الساخنة تنهمر من عينيه . ...لم يتخيل أن تنفذ تهديدها حقاً وتتركه ...........
ـ رحيق ..
قالتها دلال بصدمة عندما فتحت الباب وهي تجد ابنتها أمامها متشحة بعباءتها السوداء ونقابها بينما تمسك حقيبة صغيرة بيديها ....
كانت الدموع محتجزة بعينيها وسرعان ما تركت الحقيبة واتجهت نحو دلال وهي تحتضنها وتبكي !!.......
بعد ساعة تقريبا...
كان أمجد يقف أمام رحيق وهو يقول:
ـ يا بنتي قولي ايه اللي حصل ...أنا اول ما امي اتصلت بيا اتفزعت وسيبت الشغل وجيت ...قولي حصل ايه بينك وبين عاصي !
كانت نوران تضم رحيق الباكية نحوها ...
رفعت رحيق وجهها وقالت والدموع تنهمر من عينيها:
ـ أنا عايزة اتطلق !!.........
يضع كفه على ظهرها يمنعها من أن تبتعد عنه بينما شفتيه تنهل من شفتيها بشغف ويأس وهو يتذكر أنها المرة الأخيرة التي سوف يلمسها فيها ......
ابعدها اخيرا وهو يأخد أنفاسه بصعوبة ليجدها تطرق برأسها ارضاً بينما شعرها يغطي وجهها ....
مد كفه وهو يبعد شعرها عن وجهها وينظر إليها ويهمس:
ـ متمشيش خليكي هنا معايا ..
ابتسمت بخجل وهي تهز رأسها ليقترب منها مرة أخرى ويقبلها ......
استيقظ من نومه لاهثاً على صوت المنبه ....
مسح على وجهه ليجد أن الساعة تجاوزت الحادي عشر ...اليوم هو عطلته من المشفى وقرر أن يرتاح فهو لم ينام لبعد صلاة الفجر ....
وضع كفه على قلبه الذي يخفق بقوة وهو يتنهد ...رباه هو لا يتوقف عن التفكير بها ..عن الحلم بها ... وكأنها ألقت عليه لعنتها .....
منذ طلاقهما ... منذ شهر لم يمر يوماً الا وهو يحلم بها ...يحلم أنه يقبلها ...يترجاها كي لا تذهب وتوافق هي ...ثم يستيقظ على واقع انها ليست هنا ...
تنهد بتعب وهو ينهر نفسه عن التفكير بنوارن بينما في اصبعه طوق لآخرى ...ثم نظر إلى طوق الخطبة الذي بيده ....وهو يقر أنه من الخطأ أن يفكر بإمراة وفي حياته أخرى آخرى ...تلك التي تغيرت من أجله ومستعدة لفعل المستحيل لكي تنال رضاه ...لا يمكن أن يأذيها وهو يفكر بآخرى ...ولكن حقاً ماذا يفعل بقلبه....قلبه الذي لم يسترده منها حتى الآن .....هذا قلبه هو صحيح ولكنها هي من تتحطم به ...وكأنها قد استعمرته وترفض مغادراته استغفر ربه وهو ينهض بتكاسل نحو الحمام ...سوف يغتسل ويذهب إلى والدته حيث أن نوران سوف تأتي لوالدته ...فقد تم خطيتهما منذ أسبوع لذلك طلب من والدته أن تدعوها هي ووالدتها على الغداء وقد وافقت هي على مضض ...ونوران ب ....
توقف فجأة عن التفكير ليدرك أنه لا يفكر بحورية بل نوران .....وكأن حورية تم مسحها من عقله تماماً لتحل محلها نوران ...شعر بالضيق من سيطرة نوران على عقله ...وشعر بالضيق من ضعفه نحوه ....
زفر بضيق وهو يقرر أن يتحمم كي يذهب لعائلته........
وقفت أمام المرآه وهي تبتسم وتقول:
ـ حاسة الخمار ده لايق عليا مش كده يا ماما ...
نظرت والدتها إليها بضيق ....لقد احدث جاسم تغيير سريع في حياة ابنتها ....أصبحت أقرب إلى الله ...بدأت بالصلاة وارتدت ملابس محتشمة ...صحيح كانت تتمنى هذا التغيير ولكن تمنت أن يكون هذا التغيير بسبب خوفها وحبها في الله وليس من أجل مخلوق...فهي تعرف أن جاسم لا يحب ابنتها ...هي ترى هذا في عينيه...تخاف أن يتركها وتعود ابنتها أسوأ من الاول ....
ـ اه حلو ...
قالتها دون اهتمام لتعبس هي وتقول:
ـ ايه ده فيه ايه يا ماما ...قالبة وشك عليا ليه ؟كده هفتكر انك مش فرحنالي ...دي اول مرة هروح عند حماتي فيها ...ساعديني عشان ابهرها ومتقعدش تقارن بيني وبين مراتي القديمة ....
ـ أنتِ عارفة اني مش راضية عن الجوازة دي !!
قالتها والدتها بضيق ...
ـ يا ماما حرام عليكي أنا بحبه !
ـ بس هو مبيحبكيش ..افهمي ...
قالتها وهي تواجهه ..تجبرها أن تواجه الحقيقة ولكنها رفضت أن ترى الحقيقة ....هي تحبه وهذا يكفي بالنسبة لها ....
ـ هيحبني ...متقلقيش هيحبني لما يشوف أنا قد ايه بحبه ....
قالتها بعناد ....لتهز والدتها رأسها بتأكيد وتقول:
ـ فوقي واصحي ...هو مبيحبكيش ...لا قلبه ولا عقله معاكي ...يوم خطوبتكم مكانش هنا بعقله ولا بروحه ولا حتى بقلبه ...كان بعيد ...مجرد انسان الي بيعمل المطلوب ...هو حتى مبتسمش ...أنا مشوفتش سعادته في اليوم ده عكسك انتِ اللي كنتِ طايرة حرفياً....يا بنتي أنا بتكلم عشانك ...خايفة عليكِ أنتِ ....
ابتسمت حورية وهي تخفي ألمها مما قالته والدتها ....كانت تعرف انها محقة ولكنها لم تكن قادرة عن التخلي عنه ...هذا حلمها كيف تترك من حلمت به لسنوات ...
أمسكت كتف والدتها وقالت مبتسمة:
ـ متخافيش يا ماما ...جاسم كويس وحتى لو مبيحبنيش دلوقتي هيحبني بعدين ....وحتى لو محبنيش ...حبي ليه كفاية اووي ...أنا هبقى مبسوطة معاه متقلقيش .....
هزت والدتها رأسها وهي تقول:
ـ مش هيكون كفاية صدقيني ...وهتعرفي بعدين لما قلبك يتكسر بأسوا طريقة !!!!...
بعد قليل...
وقفت أمام باب منزل حماتها وهي ترتجف بإثارة بينما تعدل من خمارها الذي ليس بحاجة للتعديل من الأساس ...كان قلبها يخفق بقوة داخل صدرها حتي شعرت أنه سوف يخرج من مكانه ...كانت تمسك عبوة الشوكولاتة الفاخرة ...رنت جرس المنزل لتفتح لها منيرة الباب ...اعطتها حورية ابتسامة رائعة وهي تقول:
ـ ازاي حضرتك يا طنط...
ـ الحمدلله ...
قالتها بتجهم ثم نظرت الى والدة حورية وهي تقول:
ـ نورتونا ...ثم افسحت لهما الطريق ليدخلان ...
شعرت حور ووالدتها بالإحراج من تلك المقابلة الجافة ...دخلا المنزل بهدوء ووالدة حورية ترمق حورية بضيق ...شعرت هي بالإحراج وفركت كفيها بتوتر ...
إشارت منيرة الى الأريكة وقالت:
ـ اتفضلوا اقعدوا ...جاسم شوية وجاي....
هزا رأسيهما وهما يدخلان ويجلسان على الأريكة ...
بينما اختفت منيرة في المطبخ ....
ـ عجبك الاستقبال ده لينا ...ده مش الواد بس اللي بيحبك ...تقريباً كل العيلة مش طايقاكي ... ...
ارتبكت حورية وهي تنظر حولها وهمست:
ـ طليقة جاسم تبقى بنت خالته زي ما انتِ عارفة فأكيد مش متقبلاني حالياً ..متقلقييش أنا هعرف أخليها تحبني. ..
ـ وأنتِ هتفضلي طول عمرك في حرب يا بنتي ...ليه المرض ده بس ...ما تنسيه والله اسهل بكتير ...
ابتلت عينيها بالدموع وقالت:
ـ مقدرش يا ماما ...صدقيني صعب انساه....صعب اووي
ـ لا حول ولا قوة الا بالله ربنا يهديكي يا بنتي ....
قالتها والدتها بضيق ...ثم صمتت وهي ترى منيرة قد خرجت وهي تحمل طاولة معدنية عليها مشروبات باردة وقد غصبت شفتيها على الابتسام...صحيح انها غاضبة من جاسم لانه طلق زوجته ولكنها لن تضع الحق على تلك المسكينة فجاسم اقسم لها أن سبب طلاقه من نوران ليس تلك الفتاة وهي تعلم ان ابنها لا يكذب
ـ نورتونا ...اتفضلوا ...
ابتسمت حورية وقد شعرت بالأمل وهي ترى ابتسامة حماتها وقالت ببهجة:
ـ ده نورك والله يا طنط ..............
بعد قليل....فُتح الباب ليلج جاسم للمنزل...
أطرقت حورية برأسها وهي تشعر بالسعادة ...تخفي اللهفة بعينيها عنه ...وقد فركت كفيها بتوتر ...كلما تواجدت معه بمكان واحد تشعر انها تحلق فوق غيمة وردية ...
ـ السلام عليكم ...
قالها ثم أكمل بلطف وهو ينظر الى والدة حورية:
ـ ازاي حضرتك يا ماما..؟
ـ انا بخير يا بني كويسة ...
ردت بلطف يشبه لطفه...فهي ابدا ليست غاضبة منه ...ليس ذنبه انه لم يحب حورية ...ذنبه انه تقدم لها فقط ...ولكن الخطأ الاكبر على ابنتها الغبية...
ـ ازيك يا آنسة حورية ..
قالها بنبرة عادية لترد هي ببهجة وخجل:
ـ الحمدلله ...
تدخلت منيرة وهي تقول:
ـ يالا يا جماعة عشان تاكلوا ........
بعد قليل ...على طاولة الطعام كان الجميع متجمع حورية ووالدتها ومنيرة وجاسم ...اما فادي فقد تخلف عن الحضور لانه خرج مع اصدقاؤه...
كانت حورية تشعر بالحزن لان جاسم لم يلاحظ ملابسها الجديدة ....ولا خمارها حتى ...لم ترى الإنبهار بعينيه ابدا .....
ـ جاسم كلمني عشان موضوع الفرح ...قال انه حابب الفرح يكون الشهر اللي جاي ...
قالتها والدة حورية ثم أكملت:
ـ وانا بصراحة شايفة ان ده كويس ..أنا شبه مخلصة الجهاز بتاعها بس حورية كان ليها شوية طلبات يعني ....
ـ اكيد اتفضلي يا بنتي. .
قالتها منيرة لترد حورية بخجل وهي تنظر إلى جاسم وتقول:
ـ انا شوفت الشقة...وكنت بقول يعني لو ينفع نغير بس الألوان بتاعتها ..ولا ايه يا جاسم ...
ـ اللي عايزاه اعمليه يا نوران !!!
قالها بشرود لتتعلق جميع الأعين به بصدمة ...فقد نطق اسم طليقته!!!
رواية اسرت قلبه الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم سوليية نصار
ترك يدها، ولكن روحه ما زالت متشبثة بها. قلبه يرفض التحرر، وعقله يعصي أوامره. لا يملك أسلحته لمواجهته، عينيها هو أعزل تماماً.
جاسم...
شعرت وكأن دلو من الماء البارد انسكب عليها. كانت تتنفس بتوتر وهي تشعر بالإحراج. للمرة الأولى تشعر أنها عديمة القيمة لتلك الدرجة. هي تعرف أنه لا يحبها، متأكدة من هذا. ولكن أن ينطق اسم طليقته دون شعور منه، وكأنها لم تغادره، هي ما زالت تمتلك روحه. حبست دموعها بشق الأنفس كي لا تخرج نفسها أكثر من هذا.
تجهم وجه والدتها وهي ترمق ابنتها الناكسة رأسها بطرف عينيها. تشعر بالغيظ منها لأنها تضع نفسها في هذا الموقف. رفعت عينيها لتنظر إلى جاسم الذي بدا وكأنه أدرك خطأه، إذ غامت عينيه بالشعور بالذنب.
- اسم بنتي حورية مش نوران!
قالتها بضيق وهي تنظر إليه. ليبتلع ريقه وهو يطرق برأسه متمتماً باعتذار لم يصل لأذنيها.
كانت منيرة تجلس على طاولة الطعام تأكل ببرود وداخلها تشعر بالراحة. ابنها الغبي ما زال يعشق نوران. وهذا سيجعل من السهل عودتهما. هي لا تعرف لماذا حدث الطلاق. ابنها رفض أن يتكلم، وهي كادت أن تفقد عقلها بسببه. ولكن مهما حدث، هي متيقنة أنه سوف يعود لنوران. ابنها ما زال يعشقها بقوة، وسوف يعود إليها.
تنهدت والدة حورية وهي تستعد لما ستقوله. يجب أن تضمن حق ابنتها. قد تكون ابنتها غبية عمياء بفعل الحب، ولكنها هي ليست مثل ابنتها. سوف تحمي سعادتها.
- جاسم يا بني، أنا مليش غير حورية. هي أول فرحتي. أنا مكملة عشانها هي وبس. تعبت وربيتها وكبرتها وعلمتها وفرحت بيها. ومش مستعدة أشوف بنتي تعيسة.
رفعت حورية رأسها ودموعها تنهمر وكأنها أصبحت غير قادرة على حجز دموعها بعد الآن. أكملت وهي ترى ملامح جاسم المتوترة وقالت:
- أنا مش مستعدة اخليها تتجوز واحد هيوجع قلبها.
- ماما...
اعترضت حورية ودموعها تنفجر من عينيها بغزارة. لتنظر والدتها إليها وتقول:
- اسكتِ انتِ. أنا بعمل كده عشانك.
فرك كفيه بارتباك وقال:
- يعني ايه؟
تنهدت هي وقالت:
- يعني مش مستعدة اجوزهالك وانت لسه عايش في الماضي. انت لسه مش قادر تنسى طليقتك. وبنتي مش هترتاح وهي عايشة مع جسد من غير روح. عشان كده لما تنسى طليقتك خالص وتشيلها من دماغك، تيجي وتتجوز بنتي.
انتحبت حورية وقالت:
- لا ده مش هيحصل. حرام عليكي يا ماما. أنا راضية.
نظرت إليها بحزم وقالت:
- اسكتي انتِ.
- لا مش هسكت. مش هسكت. دي حياتي وأنا حرة فيها. أنا عايزة اتجوزه. أنا اللي هعيش وأنا هتحمل نتيجة قراري.
احمر وجه والدتها بإحراج، بينما طحنت منيرة أسنانها بغضب. لا تصدق وقاحة تلك الفتاة. هل اختار ابنها الغبي تلك الفتاة الوقحة لتكون زوجته؟ رباه، كيف تتكلم بتلك الوقاحة. رمقت ابنها بغضب ليطرق جاسم رأسه وهو يفكر لماذا حياته أصبحت فوضى.
بعد قليل... وبعد أن ذهبت حورية ووالدتها. وقفت والدته تواجهه وهي تغلي وتقول:
- ايه ده؟ ايه اللي بتعمله في حياتك يا بني؟
نظرت إليها ببهوت. كان جالساً على الأريكة، يشعر بالإنهاك الشديد.
- بعمل ايه يعني؟
عقدت حاجبيها وكادت أن ترد، إلا أنها رأته ينهض وينسحب من النقاش. كان متعباً. غاضب لأنه لا يستطيع أن ينساها. غاضب لأنها ما زالت تسيطر عليه. يحلم بها، بقبلتهما الحميمية آخر مرة. يغضب من أمنيته تلك. أمنية أن يعود بها الزمن للوراء ويوافق على عرضها. يقتنص سعادته.
لم تسمح والدته له بأن يذهب، بل أمسكته من ذراعه وهي تصرخ به:
- لا انسى أنك تهرب يا جاسم. لازم تبعد وتسمعني أنا بقول ايه. كفاية بقا. هروب من الحقيقة. كفاية عذاب ليك وللي حواليك.
- ماما لو سمحتي.
قالها وهو يخفي عذابه. إلا أن والدته لم تسمح له بالهروب وهي تقول:
- انت بتحبها. رجعها.
تنفس بتوتر. وكلمات والدته تغري عقله. ولكن بصرامة أوقف عقله عن التفكير وهو ينظر لوالدته ويقول كاذباً:
- أنا مش بحبها.
رفعت حاجبيها ليرتبك هو، ثم يقول بغضب مكتوم:
- هنساها.
- مش هتقدر.
هز رأسه وقال:
- لا هقدر. ربنا هيقدرني ان شاء الله.
- يا بني يا حبيبي ليه بتعمل كده في نفسك. ما ترجعها وخلاص. هي عملت ايه بس لده كله.
انعقد حاجبيه في ألم وقال:
- أنا مش عايز اتكلم عن الموضوع ده تاني لو سمحتي.
ثم تركها وغادر وهو يشعر بالضيق، بالقهر، والغضب.
أسفل بناية والدته، استقل سيارته وهو يغادر سريعاً. كان يقود سيارته وعينيه تحترقان بالدموع. مقهور هو منها. لأنه لا يستطيع أن ينساها مهما فعل. كيف ينساها وقد تخللت بكل جزء داخله. تنهد وهو يتمنى أن يستطيع يوماً أن ينساها.
ولجت والدة حورية إلى المنزل وهي تكاد تغلي من ابنتها. بينما شعرت حورية بالتوتر وهي ترى والدتها بهذا الغضب. تعرف أنها أخطأت عندما عارضتها أمام الجميع. ولكن فكرة أن تنفسخ خطبتها، أن تخسر حلمها كانت مرعبة للغاية. هي لا يمكنها أن تتركه. حتى لو كان لا يحبها. حتى لو قلبه متعلق بآخرى. حتى لو أخطأ في اسمها. ستتحمل.
- ماما!
قالتها حورية بتوتر وهي تطالع وجه والدتها الأحمر من الغضب. استدارت وهي تنظر إليها بغضب، ثم رفعت كفها وصفعتها بعنف. تراجعت حورية بصدمة وهي تضع كفها على وجنتها وتنظر إلى والدتها بصدمة، الدموع تنهمر من عينيها.
- أنتِ فعلا متربتيش. فعلا أنا معرفتش اربي. علمت ونسيت ما أربي.
اغرورقت عيني حورية بالدموع وتساقطت دون توقف وهي تشهق، بينما تنظر لوالدتها.
- ماما.
- اخرسي متقوليش ولا كلمة. أنا بحاول أعززك. أعملك كرامة وأنتِ مصرة تبعثري كرامتك في الأرض!
- يا ماما أنا بحبه.
قالتها بقهر لتصرخ بها:
- حب ايه اللي يخليكي ترمي كرامتك بالشكل ده. تكسري قلبك بإيديكِ. ايه الغباء ده يا بنتي.
انهمرت الدموع من عينيها وقالت:
- هيحبني.
- وافرض محبكيش. تعيشي طول حياتك تعيسة وأنتِ شايفة جوزك بيحب غيرك. بينطق اسم غيرك. دي حياة دي. دي عيشة دي يا بنتي.
مسحت دموعها وهي تقول باختناق:
- الحب مش كل حاجة. مش لازم يحبني.
- الحب مهم عشان تستمر الحياة. مينفعش تعيشي حياتك مع حد مش شايفك. مينفعش تدي بس يا بنتي. في الآخر هيتقالك محدش أجبرك تعملي كده. وأنتِ اللي هتندمي. مع كل يوم يقول اسمها بدل اسمك. كل مرة يلمسك ويكون بيشوفها هي. كل مرة بتقوليله بحبك وهو مش بيردها عشان واحدة تاني في قلبه.
- بس.. بس خلاص كفاية!
قالتها بعذاب وهي تبكي، بينما تضع كفيها على أذنها. إلا أن والدتها أمسكت كفها وهي تقول بحزم:
- دي الحقيقة. انتِ هتعيشي كل ده. لو كنتي مش قادرة تسمعيه دلوقتي هتعملي ايه لما تعيشيه معاها.
ابتعدت عنها قليلاً وأكملت وهي تلهث قليلاً:
- فكري يا بنتي. فكري كويس عشان مترجعيش تعيطي بعدين. عشان وقتها مش هتلاقيني أطبطب عليكي.
- ده قراري وأنا هتحمل نتيجته. مش محتاجة حد يطبطب عليا.
..............
- طلاق ايه يا بت أنتِ التانية. يالهووي عليا وعلى بناتي. انتوا أكيد صابتكم عين!
قالتها دلال بهلع، ثم نظرت لأمجد وقالت:
- جالك كلامي. أنا قولت بلاش نعمل فرح البنات في يوم واحد هيتحسدوا. واهو الاتنين بيتهم اتخرب ورا بعض.
كانت دلال تولول بلا توقف.
- لو سمحتي يا امي اهدي خلينا نفهم.
ثم نظر إلى شقيقته رحيق. رحيق ليس من النوع الذي يتخذ هذا القرار بسبب اختلاف بسيط. لابد أن شئ سيء قد حدث. ربما عاصي تجاوز حدوده معها. تكلم بهدوء وقال:
- ايه اللي حصل يا رحيق خلاكي تطلبي الطلب ده؟ عاصي عمل حاجة؟
- أنا مش حابة اتكلم ومفيش داعي تعرف السبب. أنا عايزة اتطلق وخلاص يا أمجد. لو سمحت ساعدني عشان اتطلق.
- يا صبر أيوب. هو انا كل ما اقول لبنت هتتطلقي ليه متقولش السبب؟ ما أنا لازم اعرف عشان لو زعلك أنا مش هسيبه.
- هو مزعلنيش خالص. بس متفقناش عادي وكل واحد هيروح لحاله.
- انتِ عايزاني أشد في شعري صح؟ قولى متتكسفيش ولا ألطم على وشي.
- اهدى يا أمجد.
قالتها رحيق وهي تمسح دموعها. ليصرخ:
- اهدى ايه. هو كل شهر واحدة فيكم تيجي وعايزة تتطلق ومش عايزين تقولوا السبب. هو الطلاق طالع تريند عندكم وأنا معرفش!!! فيه ايه مالكم. هتجننوني معاكم خلاص. مبقتش حمل اللي كل واحدة تيجي وتقول طلاق طلاق. هي الكلمة سهلة عليكم للدرجادي!!!
- أمجد أهدى شوية.
قالتها جيلان وهي تلمس كتفه لأنه رأيته وقد احمر وجهه تماماً من الغضب. لم ينفعل في طلاق نوران كما انفعل على رحيق.
- اهدى ايه. ابعدي يا جيلان عن وشي دلوقتي. أنا بقول عليها عاقلة وهي بتعمل كده. مش تقول هو عمل ايه عشان اخد حقها منه. فاكراني مش هقف معاها؟ أنا بس عايز اعرف السبب مش عايز ابقى زي الأطرش في الزفة.
نهضت رحيق وقالت بإختناق:
- أنا مش قادرة اتكلم وعايزة ارتاح شوية. خلينا نتكلم بعدين يا أمجد.
تنهد بعمق وقال وهو يحاول السيطرة على غضبه:
- روحي يا رحيق ربنا يهديكي.
انسحبت رحيق وخلفها نوران إلى غرفتهما ليجلس أمجد وهو يتنهد بتعب.
- يا حزني على بناتي.
- ابوس ايديكي كفاية. كفاية خليني افكر في المصايب اللي بناتك بتعملها. خليني اشوف هعمل ايه في الحكاية دي. معرفش ايه اللي حصل بينها وبين عاصي. بس انا عارف رحيق كويس. هي متخربش بيتها عشان حاجة تافهة. اكيد عاصي ده عمل حاجة كبيرة خلاها تقفل منه بالشكل ده. بس انا لازم اعرف السبب عشان لو زعلها والله ما هرحمه.
- ما تتكلم معاه يا أمجد يمكن يكون خلاف بسيط وترجع الماية لمجاريها. احنا مش عايزين خراب يا بني!
- امي رحيق مش هتسيب البيت عشان خلاف بسيط. أنا عارف اختي. اكيد هو عمل حاجة.
قالها أمجد بثقة. هلعت دلال وهي تقول:
- يعني ايه الكلام ده. انطق. انت موافق أنها تطلق. بيت أختك التانية هيتخرب يا أمجد. الناس تقول علينا ايه!
احمر وجهه بغضب وقال بإنفعال:
- ما يولعوا الناس يا امي. يغوروا في ستين داهية. أنا أهم حاجة عندي رحيق. اكيد ده مش خلاف بسيط. أنا متأكد.
- حتى لو حاول يصلح الدنيا بينهم يا بني. كفاية بنت رجعتلي مطلقة مش هيبقى الاتنين.
زفر بضيق وقال:
- هتكلم معاها مرة تانية.
..........
في غرفة رحيق ونوران. كانت نوران تضم رحيق إليها التي كانت تبكي. لمعت عيني نوران ببريق الدموع وهي ترى شقيقتها في تلك الحالة. قالت برفق:
- طيب عايزة تتكلمي وتقولي ايه اللي حصل. لو مش عايزة تتكلمي أنا مش هضغط عليكي. بس قوليلي هو عمل ايه؟
رفعت رحيق عينيها وقالت من بين شهقاتها:
- أنا حامل.
رمشت نوران وهي تستوعب الأمر ثم توسعت ابتسامتها وهي تقول ببهجة:
- يا عبيطة. ودي حاجة تزعل؟ الف مبروك يا حبيبتي. يبقى أكيد طلبك الطلاق من عاصي هرمونات صح؟
هزت رحيق رأسها بمرارة وقالت:
- لا. عاصي مش عايز الطفل وعايزني اجهضه.
توسعت عيني نوران بصدمة وهي تقول:
- ايه ده؟ ليه كده؟
تنهدت رحيق وهي تستعد لتقص عليها كل شيء.
بعد قليل. كانت قد انتهت من سردها لما حدث وهي تقول ببكاء:
- أنا اللي آذاني اكتر حاجة يا نوران أنه قال إني عايزة استغله. أنا بحاول افتكر أنا عملت ايه عشان يفكر فيا بالطريقة دي. أنا عمري ما طلبت منه أي حاجة. حرفياً عمري ما بصيت على فلوسه. كنت راضية باللي يقدمه. ليه بعد ده كله يتهمني اني بتاعة فلوس.
مسحت نوران دموعها وهي تمسح دموعها وتقول وهي تربت على كتفها وتقول:
- خلاص متزعليش. صدقيني هيندم على كلامه ده. وهو اللي هيجي وهيطلب رضاكي.
هزت رحيق رأسها بالنفي وقالت:
- أنا صعب ارجع تاني يا نوران. ده عايزني اقتل ابني. أنا مستحيل اسمع كلامه في حاجة زي دي. مستحيل أطيع واحد عايزني اقتل ابني.
- هيتراجع وهيندم إن شاء الله وهتشوفي.
مسحت رحيق دموعها وقالت:
- طيب وقلبي اللي اتكسر يا نوران ملوش حق؟ أنا معملتش معاه حاجة وحشة. كنت بسمع كلامه في كل حاجة. أنا اتحملت كتير في الجوازة دي.
أمسكت نوران كفها وقالت بقوة:
- أكيد قلبك اللي اتكسر ليه حق وهتاخدي حقك لما يجي ندمان وأنتِ مش هتسامحي بالساهل. لكن فكري في موضوع الطلاق ده تاني. بلاش تتسرعي. أنا واثقة أن هو بيحبك وهيندم.
ابتسمت رحيق بإنكسار وقالت:
- اذا كان هو معترفش أنه بيحبني. أنتِ عارفة ازاي؟
ابتسمت لها نوران وقالت:
- عشان الأبلة بس اللي هيشوفك ومش يحبك. وأنا معتقدش أن عاصي أهبل. ممكن يكون غشيم ودبش وجلنف بس أكيد مش أهبل.
ضحكت رحيق ولم تتمالك نفسها. ولكن داخلها كانت مجروحة منه. الكلمات التي قالها لها ما زالت تؤلم قلبها. كيف تنسى أنه اتهمها أنها تركض خلف المال. لا تصدق حتى الآن ما تفوه به. وكأن هذا ليس عاصي. نظرت نوران إلى شقيقتها الغارقة في التفكير وهي تشعر بالشفقة عليها. ليتها تساعدها وتنزع هذا الألم من قلبها. فرحيق تستحق كل شيء جيد في الحياة. لن تنسى وقوف رحيق معها وكيف أنها استطاعت منع عادل من تهديدها. وقفت بجوارها رغم كل الإهانات التي وجهتها نحوها. عندما احتاجتها نست رحيق كل شيء وساعدتها. لم تتخلى عنها. رحيق تستحق الأفضل. تستحق أن يدرك عاصي خطأه ويسعى لغفرانها.
قبلت نوران رأس رحيق وقالت:
- بطلي تفكير ويالا ارتاحي. كويس أنك غيرتي هدومك واخدتي شاور قبل ما أمجد يجي.
ثم جذبتها برفق نحو الفراش وجعلتها تتسطح عليه وقالت:
- ارتاحي شوية وكل حاجة هتكون بخير إن شاء الله.
في المساء. وقفت أمام باب منزلها وهي تتنهد براحة. أخيراً وبعد وقت طويل انتظمت في المركز التجميلي الذي تعمل به. قررت أن تعود لحياتها السابقة. تقاوم هذا الشعور بالرغبة في الانعزال عن العالم. تنفض الكسل عنها وتنهض من جديد. لن تنكر أن جورج لديه فضل في هذا. فهو من ألح عليها أن تعود وساعده في هذا إبرام. يحاول جورج بكل طاقته أن يجعلها تغفر له وتنسى. لا يكل ولا يمل. لا تنتهي محاولاته أبداً. وقد لمست فيه تغيير. لن تنكر هذا. فهو يصبح صبور عليها بشكل كبير. يتقبل كل رفض لها بابتسامة ويخبرها أنه سوف يحاول مجدداً. ورغم تأففها من الأمر، ولكن داخلها تعلم أنها تحب تلك المحاولات منه ولا تريده أن يتوقف عن تلك المحاولات. فهذا يغذي أنوثتها. يطيب من جرح كرامتها قليلاً. كلما تزيد محاولاته كلما تزداد عناداً وتطالب بالمزيد. تخبر نفسها أنها تعذبت قليلاً لكي يحبها فليتعذب هو قليلاً. وكلما يرق قلبها تذكر نفسها أنه كسر قلبها وأنه هو من أوصلهما لتلك النقطة. تنهدت مجدداً بشكل أكثر عمقاً وهي تخرج مفتاحها من الحقيبة الجلدية الخاصة بها وتفتح الباب. عبست وهي تجد الظلام يغرق المكان.
اتجهت كفها لمفتاح البيت وفتحت فمها وهي تهتف باسم جورج، ولكنها توقفت فجأة وقد اتسعت عينيها وهي ترى المنزل عندما بدد النور ظلام المنزل. كانت الأرضية مغطاه بممر من الورود الحمراء. التي تؤدي إلى غرفة النوم. وعلى حافتي ممر الورود كان هناك الكثير من البالونات الملونة. حاولت مسح الابتسامة التي سيطرت على ملامح وجهها وفشلت في الأمر تماماً. أخيراً سيطرت على نفسها وهي تضع حقيبتها على الطاولة وتسير على ممر الورود بعد أن خلعت حذائها ذو الكعب. توقفت أمام غرفة النوم وهي تشاهد جورج الذي يقف أمام طاولة صغيرة عليها كعكة من الشوكولاتة موجود عليها صورتها. بينما الغرفة مخففة الإضاءة. الغرفة مغطاه بالورود التي تحبها. حتى الفراش بمنتصفه هناك قلب من الورود يتوسطه نوع الشوكولاتة التي تعشقها. لقد قام بخلق جو شاعري لها. كان هذا جميل لدرجة أنها أخذت ثواني تتأمل كل هذا بإنبهار وقلب العاشقة داخلها يرق له. يصرخ بها أن تركض وتعانقه. حاولت تشكيل الكلمات على لسانها لكي تتحدث.
وقبل أن تتحدث. قام بتشغيل هاتفه على أغنية لأمير عيد. واقترب منها وهو يقول:
- ممكن ترقصي معايا.
وقبل أن ترد قام بجذبها إليه وراقصها بنعومة بينما يردد مع الأغنية:
في مكان مع حاجة بتحصل وتغير شكل حياتنا
في مكان بيحقق أحلامنا ويفهم اهتماماتنا
مليانة حياتنا احتمالات ومفاجآت بتقربنا لحلمنا
بالصدفة تقابل بنت جميلة وتخطف قلبك خطف
من نظرة تشقلب كل حياتك قبل ما تنطق حرف
هنا كل العالم سهل وجيران أقرب من الأهل
هنا بنبدأ حكايتنا
في مكان مع حاجة بتحصل وتغير شكل حياتنا
في مكان بيحقق احلامنا ويفهم اهتماماتنا
مليانة حياتنا احتمالات ومفاجآت بتقربنا لحلمنا
بتقابل حد بيشبهلك أفكاره شبه أفكارك
أو صاحب غايب من مدة وفي ثانية تلاقيه جار
هنا في احتمالات حلوة تخلي الحياة مكملة
في مكان مع حاجة بتحصل وتغير شكل حياتنا
في مكان بيحقق أحلامنا ويفهم اهتماماتنا
مليانة حياتنا احتمالات ومفاجآت بتقربنا لحلمنا.
لم تتمالك نفسها وابتسمت له ليتوقف عن الغناء. بينما عينيه تلتهمان كل أنش في وجهها بلهفة. اللهفة التي تمنت أن تراها بعينيه دوماً. تمنت دوماً أن ينظر إليها كشيء غالي يخاف اضاعته. وقد تحقق حلمها.
- بحب ابتسامتك. بحب أووي. بحب غمازاتك كمان. أنتِ عندك أجمل ابتسامة في العالم.
قالها بشغف ثم أكمل:
- بحب شعرك. بحب عيونك. وواحشني أشوف الحب في عينيكي. واحشني أووي أحس بدقات قلبك السريعة وأنا قريب منك. واحشني أني أحس بحبك يا ماريانا. نفسي ترجعي تحبيني زي زمان. نفسي تديني الفرصة أقرب. الفرصة أني أثبت أني اتغيرت.
تلاشت ابتسامتها قليلاً وهي تعقد حاجبيها بينما تشرد فيما عانته بسببه. ولكن صوته انتشلها من ذكرياتها المؤلمة وهو يردد بلطف:
- لا لا. أنا مش عايزك تفكري في أي حاجة من الماضي. فكري في الحاضر. فكري قد إيه أنا بحبك ومستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعيلي وتحبيني زي الأول.
ابتعد قليلاً وأخرج عبوة مخملية ناعمة ثم قدمها لها. فتحت العبوة لتنبهر وهي ترى تلك القلادة الذهبية والتي كانت متدلي بها تشكيل للشمس. كانت قلادة خيالية فعلاً. جميلة بشكل جعلها عاجزة عن الكلام.
- حلو أووي.
همست ليقول بلطف:
- هتبقى أحلى لما تلبسيها.
أمسكها ثم استدارت هي ليلبسها إياها. وبعد أن انتهى انحنى بشفتيه وقبل كتفها. ابتعدت بإرتباك وهي تنظر إليه:
- جورج معلش أنا مش مستعدة حالياً.
ابتسم لها وقال:
- مش مشكلة. هحاول تاني.
ثم جذبها من كفها وقال:
- يالا بقا عشان ناكل التورتة.
خرجت من الغرفة التي تنام بها وهي غرفة رحيق السابقة، فرحيق اختارت أن تشارك نوران غرفتها. توقفت فجأة وهي ترى أمجد يجلس على الطاولة بيده مسبحة ويغمض عينيه بتعب. ابتسمت واقتربت منه بهدوء وضعت كفها على كتفه ليرفع عينيه نحوه. فتنظر هي إليه مشدوهة وهي ترى أثر الدموع بعينيه.
- أمجد.
رددت بصدمة. لم تتخيل أمجد أبداً أن يبكي. لم يرد بل حاوط خصرها وهو يعانقها حيث أصبح وجهه مقابل بطنها. وضعت كفها على شعرها وهي تتمتم:
- أمجد.
- كل حاجة بتضيع يا جيلان. حاسس اني فاشل.
لمع بريق الدموع في عينيها وهي تقول:
- متقولش على نفسك كده.
هز رأسه بتعب وهو يقول:
- نوران اتطلقت ورحيق هتحصلها. وأنا مش عارف لا أساعد دي ولا أساعد دي. حاسس اني مش قد المسؤولية. الكل كان متوقع مني اني أحافظ على اخواتي بعد موت أبويا بس أنا فشلت يا جيلان.
رفعت كفها وهي تمسح دموعها ثم قالت وهي ترفع وجهه نحوها وتقول:
- متقولش كده يا حبيبي. انت اهتميت بيهم ووقفت جنبهم. بس ده نصيب. هو خلاص اتجوزوا بيكون عندهم أسرار حاجات مش عايزين يقولوها مشاكل عايزين يحلوها بنفسهم. انت مقصرتش بالعكس كل واحدة بتحتاجك بتجيلك. بتيجي البيت عشان عارفة أن بيت أبوهم مفتوح ليهم.
- بس هما رافضين يقولوا أسباب الطلاق. محدش راضي يثق فيا.
قالها بشتات لتبتسم بلطف وتقول:
- يا حبيبي هما مش عايزين يطلعوا أسرارهم. هما عايزين ياخدوا قرارهم اللي شايفينه صح. ورحيق إن شاء الله تهدى ومش هيحصل طلاق ولا حاجة. بس انت كلم عاصي وخليه يجي عشان تشوف ايه الوضع وتحاول تصلح بينهم.
ابتعد عنها قليلاً وهو يمسح وجهه بتعب ويقول:
- اتصلت بيه من شوية طلع الأستاذ سافر ومقاليش أي تفاصيل غير أنه هيرجع بعد أسبوع. لما يجي نتكلم.
- على خير إن شاء الله. المهم انت متتضايقش. خليك قوي عشان اخواتك. هما بيقووا بيك.
هز رأسه وهو يرسم ابتسامة حزينة على شفتيه لتقبل رأسه وتقول:
- يالا روح ارتاح ونام.
بعد أسبوع.
- كفاية بقالك أسبوع بتزغطيني زي البطة لحد ما هتخنق. أنا تعبت.
قالها سيف بضيق مصطنع ومياس تحشر الطعام في فمه ولا تعطي له أي فرصة حتى للإعتراض. هزت رأسها وهي تمسك قطعة من فخذ الدجاجة وقالت:
- لا لازم تأكل. الدكتور قال إنك محتاج تتغذي. مش كفاية طلعت تاني يوم من المستشفى.
- صحيح ومن وقتها وأنتِ شغالة تاكليني زي الجاموسة. أنا بجد تعبت وزهقت.
تركت الطعام وقالت:
- زهقت مني. اخص عليك يا سيف. خلاص أنا هسيبك اهو في حالك. ثم وضعت طاولة الطعام على الطاولة ونهضت لكي تذهب. إلا أنه ضحك وهو يجذبها نحوه حتى سقطت بين ذراعيه. فـ تأوه قليلاً بسبب ضغطها على الجرح لتقول بخوف:
- فيه ايه. ايه اللي حصل انت كويس؟
- أنا تمام يا مياس متقلقيش.
قالها مبتسماً وهو يقبل رأسها لترد وهي تلمس جانبه وتقول:
- جرحك يا سيف لسه ملمش. متبقاش مستهتر كده عشان مزعلش منك.
ضحك وهو يقبل رأسها مجدداً:
- حاضر يا حبيبة سيف. أنا أسف.
مدت شفتيها بحزن كالأطفال وقالت:
- لا انت بتقول زهقت مني خلاص. أنا همشي عشان مش أزهقك أكتر. ثم كادت بالفعل أن تذهب إلا أنه تمسك بها وقال:
- وأنا أقدر يا فراشة. أنا بنكش فيك يا جميل.
قبل رأسها وقال:
- اقعدي وزهقيني براحتك يا ست الكل.
- يعني هتخليني أكلك.
- اعملي اللي أنتِ عايزاه يا ست البنات يالا.
ضحكت وهي تسحب فخذ الدجاجة وتبدأ في حشرها بفمه.
- هفطس!
قالها وهو يكاد يختنق ويضحك بنفس الوقت. وما أنقذه هو رنين جرس المنزل. نهضت هي مسرعة وقالت:
- ده أكيد صبي عم علي بتاع الفراخ. وصيت أنه يجبلك أربع فرخات بلدي هعملهوملك النهاردة.
ضرب على وجهه وقال:
- هاكل أربعة لوحدي. حرام والله.
ضحكت بمرح وهي تخرج وقد ارتدت أسدالها على عجالة. فتحت الباب ولكن تلاشت ابتسامتها وهي تتمتم:
- عمي!
..............
- يا بنتي رحيق هتتطلق أو اتطلقت من عاصي بيه.
قالتها وفاء بأرتباك لمادونا بغرفة المدرسات. توقفت مادونا فجأة وهي تنظر إليها ببهوت. كيف تسرب هذا الخبر. لقد أخبرتها صديقتها أنها ستتطلق وأنها ترغب في العودة للعمل. وأخبرتها أن يكون الأمر سراً.
- حضرتك من فين عرفتي الكلام ده يا مس وفاء؟
ابتلعت وفاء ريقها وقالت:
- قريبي شغال عند عاصي بيه وبيقول أن الخبر انتشر في الفيلا كله أن رحيق سابت البيت وهيتطلقوا!
على باب الغرفة كان يقف مؤيد مصدوماً. وأمل يداعب قلبه. وقبل أن يراه أحد ابتعد بسرعة وهو يسير في الرواق السريع والإبتسامة تنتشر على وجهه شيئاً فشئ.
..............
في المشفى. كان جاسم بغرفة الطوارئ. العمل كان قليل. والجو يغلبه الهدوء. ذهب صديقه مروان لشرب قهوته بينما بقى هو.
- السلام عليكم.
رفع رأسه وهو يرى حورية أمامه. أطرق بوجهه مرة أخرى وقال:
- وعليكم السلام.
ثم أغلق كفه على قرط أذن كان يخص نوران. كانت قد نسيته بالمنزل قبل أن تذهب. اقتربت منه وقالت:
- كنت حابة أكلمك عن فستان الفرح. أنا فيه مكان حلو أووي حابة أجر من الفستان. فساتينه شيك ومش غالية خلاص.
- اختاري اللي عايزاه ومتفكريش في السعر يا نوران.
قالها شارداً وهو يتلمس القرط. لتتسع عينيه وهو يدرك زلة لسانه مجدداً. رفع رأسه ليجد الدموع قد أغرقت وجه حورية وقالت:
- أنا حورية مش نوران!
صرخت وقد ارتفع صوتها بشكل مبالغ فيه:
- اسمي حورية مش نوران!
رواية اسرت قلبه الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم سوليية نصار
هكون لها طبعًا أمير.
هبقى لي أمير.
راجل خطير في الجدعنة، وأكون بلجأ له للحِماية.
تهرب في حضني بالساعات، نفضل نتكلم بالساعات.
ذكرياتها المحزنة.
أشوفها تاني ولا الوقت فات؟
خايف أحلامي تموت من سُكات.
أشوفها تاني ولا الوقت فات؟
خايف أحلامي تموت من سُكات.
ولا أكون بتاع بنات.
عندي حكايات كتير أوي.
حبيب لعيب لكن تقيل.
جورج لماريانا.
بهت وهو ينظر إليها. نظر حوله بتوتر، وجد بعضًا من زملائه قد توقفوا أمام الغرفة.
"ن... حورية ممكن تهدي..." قالها وهو يضم الأقراط ويضعها في جيبه.
بينما يرى وجهها وقد احمر من الغضب.
"أنا حورية مش نوران. مش هي!!!"
بدت في تلك اللحظة بوجهها الأحمر، والدموع المحبوسة بعينيها ترفض بشق الأنفس أن تحررها في أكثر لحظاتها ألماً. أخذت تشهق لدقائق بينما تحاول الحفاظ على تماسكها، ولكن دموعها هزمتها. حزنها تمكن منها.
"طيب اهدي، لميتي علينا الناس. خلينا نتكلم لو سمحتي..."
"لو سمحتي نتكلم برا..."
نظرت إليه بخذلان وقد شعرت بألم هائل بقلبها. سعادتها بالإرتباط به أخذت تضمحل داخل قلبها وتسيطر عليها التعاسة وهي تفكر أنها تتجه نحو الهاوية. فالحب الذي تمسكت به بقوة آذاها. كانت دموعها لا تتوقف عن الإنهمار وهي تسير خلفه. قلبها يؤلمها، عقلها يعذبها. حبها أصبح لعنة وهي أول من تأذت به.
وقفت في بقعة هادئة قليلاً أمام حديقة المشفى وهي تمسح دموعها بقهر، بينما تراه يقف أمامها يُعطيها ظهره.
"اتفضل... اتكلم... قول مبرراتك..." قالتها بنبرة مختنقة والدموع تنهمر دون توقف. كان قلبها منكسر.
أغمض جاسم عينيه وهو يشعر بضميره يجلده بقسوة. ما ذنبها هي بعقده؟
"دي تاني مرة يا جاسم تقولي فيها اسم طليقتك. تاني مرة تكسرني وتخذلني بالشكل ده."
"أنا آسف..." تمتم بخفوت.
"آسف؟ هي آسف دي هتصلح إيه ولا إيه؟" قالتها بقهر.
ليطرق برأسه أرضاً، كان عاجزًا عن مواجهتها. أراد أن يعتذر لها لأنها أدخلته تلك الدوامة.
"ليه اتقدمت لي مادام مش قادر تنسى مراتك؟ دخلتني حياتك ليه وانت متعلق بيها؟ طلقتها ليه مادام بتحبها؟"
"عشان أحيانًا الحب مش كفاية. وأحيانًا الانفصال بيكون أفضل من الاستمرار في علاقة محكوم عليها بالفشل."
"طيب وأنا ذنبي إيه؟ أنا عملت لك إيه عشان تعمل فيا كده؟ ليه تكون متعلق بواحدة وتدخل واحدة تانية حياتك؟ أنا لو عملت كده انت كنت هتسامحني؟"
"أنا مستحيل أتجوز واحدة أنا عارف إنها مش بتحبني. أنتِ من البداية عارفة إن مفيش مشاعر جوايا من ناحيتك ورغم كده وافقتي."
رمشت بصدمة وهي تنظر إليه وقالت بابتسامة منكسرة: "بقيت أنا اللي غلطانة دلوقتي!!! أنا غلطانة عشان قبلت بيك!! الغلط كله عليَّ... اللوم كله عليَّ."
هز رأسه بسرعة وهو يشعر بالشفقة على حالتها تلك وقد كره نفسه تلك اللحظة. كره قلبه الذي أصبح أسير لامرأة واحدة. عقله الذي تحت سلطتها بالكامل. نظر إليها نظرة خاطفة وهي ترى الدموع تنهمر من عينيها بغزارة. نظراتها كانت تُشعره بالذنب. تطعنه في الصميم.
قال: "لا مش غلطانة... ده مش قصدي... أنا أقصد إني فعلاً ماكدبتش عليكِ في حرف واحد. أنا آسف لو جرحتك. بس أنا عمري ما قولت إن فيه مشاعر جوايا ناحيتك. يمكن مستقبلًا، لكن دلوقتي..."
لأنظرت إليه بقهر، ودموعها لا تتوقف عن الإنهمار. كانت تفشل. يضيع حلمها من بين يديها. كانت على مفترق طرق الآن ويجب أن تختار. إما كرامتها، أو تقبل بالاستمرار معه مخاطرة بكل شيء، كرامتها وقلبها إن لم يحبها.
أغمضت عينيها للحظات وكلمات والدتها تهاجم عقلها. هو لم يختارها ولن يختارها، لا في السابق ولا الآن. والحقيقة توضحت أمامها ببساطة. هي كانت مجرد مسكن لآلامه. مسكن ينسيه حبه الأول وقد فشلت في هذا تمامًا!!!
"انت ازاي بارد كده... ازاي مش حاسس بالذنب بعد اللي عملته؟" قالتها بإختناق.
ليرد بهمس: "لا حاسس بالذنب، بس لو فكرنا هتعرفي إني كنت صريح. أنا آسف لو آذيتك. بس أنا بديكي حرية الاختيار دلوقتي. لو حابة تكملي ماشي. مش حابة دي حريتك وهيكون حقك. وهفضل أدعي إن ربنا يديكي ابن الحلال اللي يستاهلك."
نظرت إليه بكره وهي تخلع طوق خطبتها وتلقيه بوجهه وهي تقول بنحيب: "وأنا هدعي عليك كل يوم إن ربنا يحرق قلبك زي ما حرقت قلبي. يارب كل يوم تعيش في الوجع اللي أنا عيشته. عشان أنا عملت كتير عشانك وانت كسرتني. يارب يجيلك اللي يكسر قلبك زي ما كسرت قلبي. يارب تعاني زيي لحد ما تعرف إنك غلطت في حقي. وأنا عمري عمري ما هسامحك. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ."
ثم تركته وذهبت.
في غرفة نوران.
كانت تجلس بالغرفة الخاصة بها. تجلس على سجادة الصلاة بعد أن أدت صلاة العصر. تمسك مسبحته التي أخذتها خلسة وهي تسبح بها. تغمض عينيها وهي تتذكر كيف كان هو يسبح بها. ذكرياته تلاحقها، لا تغادر عقلها. وهي لا تشتكي، فتلك الذكريات هي ما تبقى لها منه. لكي تحافظ على اتزانها ولكي لا تنهار، تغرق بتلك الذكريات. تغمض عينيها وتتذكر. تدعو أن يكون بخير، وأن يحصل على سعادته التي يرجوها. لقد عرفت أنه خطب تلك الفتاة بعد طلاقهما بأقل من شهر تقريبًا. تتمنى فقط أن يكون تجاوزها وتجاوز ما عاشه معها ليبدأ حياته من جديد مع الفتاة التي يريد. تتمناها أن تكون كما يريد، فتاة مهذبة وليست مثلها. صحيح أن قلبها يحترق، ولكن المنطق يخبرها أن جاسم يستحق الأفضل.
انسابت الدموع من عينيها وهي تجذب مسبحته إلى شفتيها لتقبلها. تتمنى أن يهدأ قلبها يومًا.
طرقه على الباب جعلتها تمسح دموعها بسرعة وتخبئ المسبحة أسفل الوسادة القريبة منها.
"اتفضل."
قالت بصوت مبحوح: "اتفضل."
ولجت رحيق بملامحها المنكسرة كالعادة. لقد تحدثت مطولًا مع مادونا التي حاولت أن تجعلها تتراجع عن الطلاق. ولكن رحيق كانت مصرة. هي لم تخبرها ما فعله وقاله عاصي. لم تخبر أحدًا إلا نوران. لا يمكنها أن تسوء صورته أمام الكل. رغم كل شيء، هي تحبه!!
"رحيق..." تمتمت نوران لترفع عينيها المبتلة بالدموع. انحنت حاجبيها رفقًا بشقيقتها. ألمها أن تنكسر رحيق خاصة. رحيق لم ترتكب أي خطأ بحياتها. هي دائمًا كانت الفتاة التي أرادت أن تكون مثلها، حتى لو أظهرت لها الكراهية، إلا أنها أرادت سرًا أن تمتلك إيمان رحيق. تمتلك صبره وتسامحه اللا محدود. إنها تظن أن عاصي غبي لأنه لم يستطع الحفاظ عليها.
فتحت نوران ذراعيها وقالت بلطف: "تعالي يا رحيق."
اقتربت رحيق وجلست على سجادة الصلاة ثم عانقتها وهي تنتحب. ربتت نوران على شعرها وقالت: "هيندم... صدقيني هيرجع ويندم... ومش هيحصل طلاق."
"وازاي بس أنسى اللي قاله لو حصل كده. أنا حاسة بتشتت غريب يا نوران مش عارفة أقرر. مش عارفة الطلاق صعب... زي الموت. بس إني أفضل معاه بعد اللي حصل... بعد ما حسسني إني بتاعة فلوس هيكون صعب. هحسس من أي مصروف أطلبه منه. المشكلة إن هو اللي قالي أسيب الشغل وأنا سيبته عشان خاطره. لو كنت بشتغل مكنتش هطلب منه جنيه حتى."
"طيب اهدي... اهدي كل حاجة هتتحل إن شاء الله. هو هيعرف غلطه... وهيجي يعتذر كمان."
ابتعدت رحيق وهي تمسح دموعها وقالت: "إن شاء الله خير. أنا راضية بأي حاجة. اللهم لا اعتراض على قضاءك. عرف غلطه ماشي، معرفش يبقى مش مقدر لينا نبقى مع بعض. وهو ربنا يوفقه مع غيري إن شاء الله."
"عمي جلال..." قالتها وهي تحاول أن ترسم ابتسامة على شفتيها. هي ليست غاضبة منه ولكن لن تنكر أنها شعرت بالخذلان وهو يتركها لمصيرها دون أن يبذل مجهودًا لإقناعها. دون أن يحاول حمايتها. ولكنها تفهمته. كان يحمي الأغلى على قلبه، وتفهمته لأن سيف الأغلى على قلبها أيضًا. لم تكن لتعرض حياته للخطر من أجلها هي. هي تفضل أن تموت على أن يمسه أحد بسوء.
ابتعدت قليلاً وهو تقول: "اتفضل يا عمي... أهلًا بيك. كنت قلت إنك جاي كنت عملت حسابي."
ولج جلال للمنزل وهو يشعر بشيء يعتصر قلبه. كان ينظر إلى ابن أخيه وهو يشعر بالذنب. تلك ابنة أخيه. من من المفترض أن تكون مثل ابنته. ولكن هو تخلى عنها وليس مرة بل مرتين. ورغم هذا هي ما زالت تستقبله. تبتسم بوجهه. كيف يمكنها أن تغفر له أنه له يد في كل ما حدث لها.
"لسه بتستقبليني يا مياس رغم كل اللي حصل، وكل اللي عملته."
"انت معملتش حاجة يا عمي غير إنك جوزتني ابنك اللي عوضني عن كل الوحش اللي شفته في حياتي. فمفروض أشكرك. استقبالك ده مش حاجة كبيرة."
ابتسم بإنكسار واقترب منها وهو يضمها ويقبل رأسها وهو يقول: "انتِ كويسة يا بنتي؟"
هزت رأسها مبتسمة وقالت: "أيوه... أنا كويسة أوي. المصاب جوا يا عمي."
"تخيلي خايف ما أدخله..." قالها جلال وهو يضحك محاولًا إخفاء توتره. لقد رفض سيف التعامل معه الأيام السابقة، حتى وهو يساعده لكي يوقع بمعاذ. وهو يفهم ابنه، ويعرف أنه قد أخطأ بما فعله. ولكنه قد أدرك أنه خطأه الأكبر بحق مياس.
أمسكت مياس كفه وقالت: "لا تخاف ولا حاجة. هو مش هيقدر يتكلم. وهيقابلك. سيب ده عليا."
ثم جذبته برفق نحو الغرفة الذي سيف بها. غاص قلبه وهو يرى ابنه على الفراش يبدو عليه الإرهاق، ولكن لمعة عينيه لم تخبو. وكيف تخبو وهو معه. عرف أن مياس استطاعت أن تجعل سيف يحبها بجنون.
"سيف..." قالها بتردد.
توسعت عينا سيف وهو يرى والده. تجهم وجهه لثوانٍ وهو يتذكر ما فعله وكيف أنه تخلى عن مياس.
"افرد وشك شوية..." قالتها مياس بتحذير وهي تشير على عنقه في إشارة ممازحة لقتله.
ابتسم هو لها ليتنفس جلال براحة وهو يقترب من ابنه ويعانقه بشوق، بينما تحرق الدموع عينيه.
"انت كويس يا بني..." قالها بصوت مختنق وهو يشدد من احتضانه.
ابتسم سيف وهمس وهو يربت على ظهره ويقول: "كويس يا بابا متقلقش. وبعدين انت بتتطمن كل يوم عليا كل يوم من مياس... أنا عارف كده."
اختنقت نبرة جلال وهو يقول: "سامحني يا بني على اللي عملته."
ابتسم سيف وهو يربت على ظهره ويقول: "خلاص المهم إن كل حاجة اتصلحت. أنا فاهمك."
ابتعد جلال قليلاً وابتسم وهو يمسح الدموع التي انهمرت من عينيه خلسة وقال: "طيب لو مش زعلان مني مش آن الأوان ترجع انت ومياس الإسكندرية؟ هتسبوني لوحدي كتير."
فركت مياس كفيها بتوتر وهي تنظر لسيف. كانت هي من طلبت من سيف أن تبقى هنا قليلاً والسبب الذي لم تخبره عنه أنها عندما انتهت كل تلك الفوضى الخاصة بمعاذ، بحثت عن الاسم الذي ألقاه عمر عندما عرض عليها الرجوع إليه. جورج الحكيم. الجراح التجميلي المشهور. عرفت أنه حقق نجاحًا كبيرًا في تلك الجراحات التجميلية وهذا جعلها ترغب في أن تجرب حظها للمرة الأخيرة، ربما تنجح. لكنها تعرف أن تلك المرة غير كل مرة. فحتى لو فشلت لن تحزن لأن لديها سيف الذي غير كل أفكارها. الذي جعلها ترى أنها جميلة دون أي شيء. فلو نجحت الجراحة سيكون هذا رائعًا، وإن لم تنجح لن تحزن، سوف تتقبل نفسها كما هي.
"أنا اللي حابة أفضل هنا شوية يا عمي..." قالتها بتوتر.
لينظر إليها جلال بحيرة ويقول: "طيب ممكن أعرف السبب؟"
ابتلعت ريقها وهي تنظر إلى زوجها وقالت: "أنا مترددة أقولكم بصراحة."
عبس سيف دون فهم لتكمل هي: "أنا فكرت إني أروح لدكتور تجميلي هنا مشهور يمكن يساعدني."
زفر سيف بضيق وقال وهو يشيح بذراعه: "تاني يا مياس؟ إحنا مش قفلنا الموضوع ده ليه مصرة تفتحيه تاني؟"
اقتربت مياس منه وجلست على الفراش بجواره وهي تقول: "حصل وقفلناه وأنا متقبلة نفسي والله بس عايزة أجرب لآخر مرة. ولو فشلت المرة دي مش هزعل وهتقبل نفسي زي ما أنا."
"أنا خايف عليكي وأنتِ عارفة كده. مش هتدخلي عمليات كل شوية وتعرضي حياتك للخطر."
أمسكت كفه وضغطت عليها برفق وقالت: "دكتور جورج شاطر جدًا عليه فيدباك حلوة قوي. أكيد مش هيدخلني عمليات إلا لما يكون متأكد بنسبة كبيرة إنها هتنجح. ممكن توافق يا سيف؟ أنا مش هعمل حاجة من غير إذنك أو غصب عنك. بس بجد أنا حابة أجرب لآخر مرة."
زفر بضيق ليتدخل جلال ويقول: "أنا شايف يا بني إنك تشوف الدكتور وتسأل وبعدين تتكل على الله. يمكن المرة دي تظبط. معلش متكسرش بخاطرها."
"مش عايز أكسر بخاطرها بس خايف عليها وهي مش فاهمة كده."
ضغطت على كفه مجددًا وقالت: "متخافش عليا... عشان خاطري خليني أجرب لآخر مرة يا سيف."
نظر إليها بضيق مصطنع وقال: "بتعملي كده عشان عارفة إني مش هقدر أرفض لك طلب صح يا مستغلة."
ضحكت مياس وقالت بتأكيد دون خجل: "أيوه أنا عارفة إنك بتحبني ومستحيل ترفض ليا طلب."
في المساء.
خرجت من المركز التجاري وهي تتلمس خصلات شعرها البنية الفاتحة بابتسامة سعيدة. أخيرًا عادت لهوسها بصبغ شعرها. إنها تعود لماريانا القديمة شيئًا فشئ. جلسات إبرام تساعدها كثيرًا وجورج لا يتخلى عنها معها في كل خطوة. توسعت ابتسامتها وهي تتذكر كل ما يفعله من أجلها. لا يكل ولا يمل وهو يراضيها بكل الطرق. توقفت فجأة وهي ترى سيارته تقف أمام المركز التجميلي. يجلس في السيارة وهو شارد وينتظرها. لن تنكر أنها أحيانًا تشفق عليه. فهو يفعل المستحيل كي يرضيها، ولكن لا فائدة معها. ولكن تعود وتخبر نفسها أنه يجب أن يعاني كما عانت هي. يجب أن يثبت حبه وأنه نادم كي لا يعود ويكرر خطأه.
توجهت بخفة إلى السيارة لينتبه هو لها فتُضيء ملامحه بابتسامة رائعة وتصبح زرقاوتيه داكنة وهي تتأملها بشغف كعادتها. خرج من السيارة ثم استدار وفتح الباب لها كي تلج. ابتسمت لتلك المبادرة اللطيفة. ليغلق باب السيارة بلطف ويستدير نحو مقعد السائق ويجوراها باسمًا. يعجبه ذلك الصفاء بينهما. رغم جفاءها قليلاً، ولكن لا ينكر أن الصفاء الذي يسود علاقتهما تلك الأيام هو شيء لم يتم اختباره من قبلهما أبدًا.
"انت طلبت مني أطلع بدري شوية النهاردة... ممكن أعرف السبب؟" قالتها وهي تنظر أمامها تتحاشى النظر إليه بينما خضبت حمرة رقيقة وجنتيها وهي تشعر أنه يتأملها. بينما أمسكت يد حقيبتها الجلدية وهي تشعر بقلبها يدق داخل صدرها.
ابتسم وهو يتأملها بنظراته الخاصة جدًا ويقول: "حابب أخطفك شوية."
عبست وهي تنظر إليه ليضحك ويقول: "هنروح الملاهي."
توسعت عينيها بصدمة وهي تقول: "بجد... ملاهي بجد؟!"
ابتسم بحنان وهو يهز رأسه لتزداد ابتسامتها اتساعًا وتقول: "كان نفسي من زمان أروح الملاهي معاك. يعني ده كان حاجة كنت بتمنها إننا نروح هناك ككابل وكده."
تلاشت ابتسامته والشعور بالذنب يلمع بزرقاوتيه. يتذكر محاولاتها العديدة للاقترب منه. تلك المحاولات التي ألقاها هو ببرود بوجهها. لن ينسى كم كان غبيًا وهو يرفضها باستمرار، ولكن يبدو أنها الآن تستوفي حقها بالكامل منه. فها هو من يركض خلفها الآن. يترجاها لكي تنظر إليه فقط. تحبه من البداية ويبدو أن طريقه طويل معها.
مد كفه وأمسك كفها ثم رفعه نحو شفتيها وقبله بلطف وقال بندم: "أنا آسف عن كل لحظة حسيتي فيها بالحزن بسببي. آسف على كل حاجة."
تجهمت ملامحها وهي تزح وجهها عنه. تنظر للنافذة وهي تحاول تمالك نفسها فلا تبكي.
مد كفه وأمسك ذقنها وجعلها تنظر إليه وقال: "بس أوعدك يا ماريانا... من اليوم ورايح أنا اللي هحاول عشانك. هعوضك عن كل لحظة بكيتي فيها وزعلتي مني. ده وعدي ليكي."
نظرت إليه بنظرات متشككة. ورغم أن ألمه هذا، إلا أنه اعترف أنه سبب هذا. هو لم يمنحها سببًا لتثق به. لم يكن يومًا معها. ابتسم مرة أخرى وقال: "اتكلمنا كتير، يلا بقا ننطلق."
لم تكتم ضحكتها ولم تحاول حتى وقد أضاءت قسمات وجهها. أدار هو المقود وهو ينظر إليها بسعادة وينطلق.
بعد قليل.
أمام مدينة الألعاب الكبيرة توقفا وهما ممسكان يد بعضهما. جذبها جورج للداخل بينما هي تضحك بسعادة. كانت تنظر للألعاب بلهفة طفلة: "جورج جورج عايزة أركب الساقية... عشان خاطري..." قالتها وهي تتمسك به ليضحك هو ويقول بلطف: "حاضر يا حبيبي." ثم يتجه لنافذة التذاكر.
كانت تضحك بسعادة وهي تنظر للأسفل. تشعر أن العالم صغير. تغمض عينيها وهي تتنفس براحة. وكأنها نسيت كل همومها مشاكلها وكل ما حدث لها. تشعر أنها تطير بسعادة.
بعد قليل كانت تتمسك به وهي تضحك بينما يتجهان نحو السيارات المتصادمة.
"انت سواق فاشل على فكرة..." قالتها ماريانا وهي تضحك بقوة بينما يحاول هو قيادة السيارة الصغيرة فلا يستطيع، فأصبح الجميع يصدمانه. "-خليني أبَدل معاك أنا بعرف أسوق." قالتها وهي تضحك وبالفعل نفذ لها ما أراد.
بعد قليل كانا يضحكان بقوة وهي تقود السيارة الصغيرة باحترافية بينما تقول هي: "شوفت أنا بسوق إزاي؟ اتعلم من المحترفة."
"حاضر عيوني..." قالها وهو يبتسم. كان سعيد وهو يرى سعادتها. كانت بدت وكأنها عادت طفلة وهذا أسعده كثيرًا.
"اليوم كان حلو قوي شكراً ليك..." قالتها مبتسمة بعد الانتهاء من كل الألعاب. لم يمنع عنها أي شيء. جاراها في كل شيء تريده. ابتسم لها ونظر إلى أيديهما المتشابكة وقال برضا: "شكراً ليكي أنتِ عشان جيتي معايا."
خرجا من مدينة الألعاب لتتوقف أمام بائع بجوارها يبيع إحدى الدمى على هيئة دب ضخم يتخذ شكل الشخصية الشهيرة جيري في الكارتون "قط والفأر".
"عجبك..." قالها مبتسمًا لتهز رأسها ودون تردد منه اشتراه من البائع وهو يمسكه ويقول: "الدبدوب كبير قوي. أنا والله جبته عشانك. لكن أنا عمري ما كنت أدخله البيت."
"ليه إن شاء الله..." قالت وهي تعبس ليرد بهمس وهو يحاول كتم ضحكاته: "سمعت زمان عن قصة دبدوب كان مسكون. كانت كل يوم صاحبة الدبدوب ده تيجي من البيت تلاقي البيت مروق والمواعين مغسولة والأكل جاهز. وقتها خافت وقررت تشوف مين اللي بيعمل كده فجات بدري عن ميعاد شغلها لقت الدبدوب بيعمل كده."
"دبدوب كيوت وفيه الخير والله..." قالتها ماريانا وهي تضحك.
ليكْمل هو: "بس هو رمى الزيت على وشها وقتلها. فهو لا كيوت وبس. ويا ستي من ساعة ما سمعت القصة دي وأنا لميت كل ألعابي والدباديب اللي جاتلي في أعياد ميلادي ورميتها في الشارع وبقيت عندي تروما منهم."
ضحكت بقوة وهي تنظر إليه. فنظر إليها مبتسمًا وقال: "ضحكتك تاني أجمل حاجة في الدنيا بعدك أنتِ يا ماريانا."
"بس أنا عايزة ماما رحيق... مش عايزة أطلع مصيف تاني." قالتها أملاك بعناد بينما الدموع محتبسة بعينيها.
"أملاك وبعدين... ليه عنيدة بالشكل ده. ما هو أنا معاكي... وهخلي نهلة تبات معاكي النهاردة." قالها عاصي وهو يغلي غضبًا. ماذا تمتلك رحيق لكي تجعله هو وابنته يتعلقان بها لتلك الدرجة! هل ينكر أنه متعلق بها أيضًا! هل ينكر أنه لم يتوقف عن التفكير بها حتى في سفره لذلك المصيف! لن ينكر أنه هرب. هرب كي لا يتصل به أمجد وينهي الموضوع سريعًا. أراد أن يماطل ربما تشتاق هي وتعود إليه، ولكن عبثًا لم تفكر في الاتصال به حتى. هي حتى لم تفكر في الاتصال بابنته التي تظل تستفسر عنها. ابنته التي أحالت حياته لجحيم وهي تطالب بعودة رحيق. لا تكف أبدًا عن البكاء.
"أنا مش عايزة نهلة. أنا عايزة ماما رحيق. أنا بحبها... جيبها يا بابا لو سمحت."
"أملاك بس بقا..." قالها بتعب لترد ببكاء: "جيبها يا بابا أنا بحبها."
تنهد بألم وهو ينظر إليها. كان يتألم كما تتألم ابنته. ولكن يجب أن يقاوم. هو لم يتوسل لها. هي من اتخذت القرار دون الرجوع إليه. هي من غادرت حياته وتركته يعاني. هو منذ أن ذهبت وهو في دوامة اشتياق لها لا تنتهي. وكأن الحياة توقفت بعدها. يحاول أن ينساها ويعافر من أجل هذا ولكنه يفشل. وكأنها أسرت قلبه وذهبت.
ربت على شعر ابنته وقال أخيرًا ما سيريحُه ويريح ابنته: "حاضر يا حبيبتي. هجيبها... وعد."
أضاء وجه ابنته بابتسامة وقالت بلهفة: "بجد... بجد يا بابي هتجيب ماما رحيق."
هز رأسه مبتسمًا وهو يقول: "أيوه هرجعها وعد." ثم قبل رأسها ومسح دموعها وهو يقول: "بس متعيطيش تاني ممكن."
هزت رأسها بحماس. قبل رأسها مجددًا وقال: "هخلي نهلة تيجي تنام جنبك ماشي."
"ماشي يا بابا..." قالتها براحة. فوالدها قد وعدها أنه سوف يحضر رحيق وبالطبع سوف ينفذ وعده لها.
نهض عاصي من جوار صغيرته وخرج من غرفتها وجد نهلة أمامه فقال: "روحي نامي جنبها يا نهلة لو سمحتي ومتسيبهاش لوحدها." ثم تجاوزها وصعد لغرفته. نظرت إلى أثره بحزن. منذ أن غادرت رحيق وهو في تلك الحالة. وتأثرت نفسية أملاك أيضًا. لتكن صريحة المنزل كله حزين. حتى هي نفسها حزينة. لن تنكر أنها كانت تكن مشاعر لعاصي. ولكنها أيضًا أحبت رحيق. أحبت كيف أنها امرأة طيبة القلب. متواضعة تهتم بالجميع. لا تعامل أحد بتكبر. لم تشعر يومًا أنها تعمل لديها. هي تدعو ربها كل يوم أن تعود رحيق لتعود السعادة للمنزل مجددًا.
اتجه لغرفته وهو يفتحها. تلك الغرفة التي كرهها بشدة ما أن غادرتها، وكأن غادرته الحياة. قلبه يؤلمه وهو يعجز عن نسيانها. يريد أن يذهب إليها ويطلب منها العودة ولكنه يختبئ خلف كبريائه. ولكن السبب الحقيقي أنه يخاف أن ترفض العودة معه وتصر على الطلاق. وهو يعرف أنه لن يستطيع أن يلبي هذا الطلب له. اتجه للخزانة. أخرج غلالة النوم الخاصة بها والتي يحتفظ بها جيدًا. كان تلك الغلالة آخر شيء قد لامس جسدها قبل أن تذهب. قربها من أنفه وهو يشم بقايا رائحتها. إنه مشتاق. مشتاق بجنون. ألا تشتاق هي؟ ألا يقتلها الشوق كما يقتله؟
اتجه إلى فراشه وهو يمسك تلك الغلالة وتسطح على فراشه وهو يضمها إلى صدره بينما يغني:
وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
ما عرفش إزاي حبيتك
ما عرفش إزاي يا حياتي
وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
ما عرفش إزاي حبيتك
ما عرفش إزاي يا حياتي
من همسة حب لقيتني بحبل
لقيتني بحب وأذوب في الحب
من همسة حب لقيتني بحبل
لقيتني بحب وأذوب في الحب
وأذوب في الحب وصبح وليل، وليل على بابه
فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير وقليل عاشقين
اللي بيشكي حاله لحاله
واللي بيبكي على مواله
اللي بيشكي حاله لحاله
واللي بيبكي على مواله
أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين
أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين.
بعد أسبوع.
"بقولك هتتطلق. عرفت ده من أسبوع واتأكدت منه يعني خلاص هتبقى حرة وأنا وقتها هقدر أتجوزها. يالا نروح نتقدملها." قالها مؤيد بحماس جعل والديه ينظران إليه بتوجس.
تكملت منى وقالت: "إيه يا بني اللي بتقوله ده بس؟ ليه مصر تحزنني عليك؟ مش كفاية إنها من أول ما اتجوزت وأنت محملني ذنب إنك خسرتها بسببي. رايح دلوقتي تقولي تطلبها والبنت لسه متطلقتش حتى."
"أنا مش هخسرها مرة تانية. أنا هروح أتقدملها بعد ما تطلق وتخلص العدة بتاعتها نتجوز."
"ياربي على اللي هيموتني ناقصة عمر. يا بني والله ما ينفع. لا شرع ولا دين ولا حتى عرف بيقول كده. ما يمكن ترجع لجوزها والأمور تتصلح."
"متقوليش كده بعيد الشر. أنتِ ليه بتكرهي الخير ليا. بدل ما تقولي ربنا يكرمني بيها. مش شايفة حالتي إزاي من أول ما اتجوزت وأنا حاسس إني هتجنن. بلوم نفسي إني سمعت كلامك وسبتها تفلت من إيدي. عايزاها ترجع لجوزها وتحرق قلبي!"
نظرت منى إلى زوجها وهي تشعر بالإرتباك. ابنها سوف يفقدها صوابها عما قريب. هو لا يفهم أن ما يريده مستحيل. كيف تذهب وتطلب يد الفتاة وهي لم تنقضي فترة عدتها، هي حتى لم تتطلق.
تكلم محمد وقال: "يا بني مينفعش اللي بتطلبه ده خالص. دي واحدة متجوزة وحتى لو هتتطلق لسه على ذمة واحد غيرك. لو روحت طلبت إيديها دلوقتي أهلها هيضربوك بالنار وهيكون عندهم حق."
"يعني مش هتروحوا معايا بكرة نتقدملها." قالها مؤيد بنبرة مجروحة.
لترد والدته بحزم: "لا."
"يبقى خلاص هروح لوحدي."
في اليوم التالي.
في المساء.
في عيادة جورج الحكيم.
كانت تفرك كفيها بتوتر وهي تنظر حولها لكي تشتت نفسها عن التفكير. أخيرًا نفسها أنها سوف تتقبل كل شيء. لن تغضب كالمرة السابقة. تنفست عدة مرات وهي تنظر إلى سيف الذي ابتسم لها ليطمئنها. مد كفه وأمسك كفها وهو يهمس لها: "اهدي. كل حاجة هتكون كويسة. حتى لو مفيش نصيب نقول الحمد لله."
ابتسمت وعينيها دامعة ليس من خوفها بل لأن الله قد عوضها بشخص مثل سيف. لم تتوقع يومًا أن تُحب من قبل شخص رقيق مثله. لم تتوقع أن تُحب لتلك الدرجة.
"الحمد لله على كل حال. مهما كانت النتيجة مش هزعل. هقول الحمد لله." قالتها برضا غريب وكأن التوتر داخلها قد تلاشى كليًا. بسببه. بسبق كلماته المطمئنة.
ولج جورج لغرفة الكشف وهو يبتسم لتلك السيدة الصغيرة التي تجلس بالمقعد. وجهها يغطيه الحروق تقريبًا، ولكن كان ما جذبه هي تلك الابتسامة الراضية على شفتيها والتي غطا جمالها على تلك الحروق بوجهها.
"مساء الخير." قالها مبتسمًا وهو يتقدم نحوهم ثم يقف أمام مياس وهو يقول بنبرة لطيفة: "جاهزة يا مدام مياس للفحص."
نظرت إلى سيف الذي هز رأسه مشجعًا ثم نظرت للطبيب مرة أخرى وقالت: "أيوه يا دكتور."
"جميل أوي."
بعد دقائق طويلة.
جلس جورج على مقعده مفكرًا وقليلًا بينما تنظر إليه مياس وقد لمعت عينيها بأمل.
وقال: "مدام مياس."
لقد أتى أخيرًا بعد هروب أسبوعين. كان لا يريد أن يأتي ليكلم أمجد. يخاف بشدة أن ينهي معه كل شيء. يجبره على طلاقها. ولكن سيكون الموت أهون له. كيف يطلقها بعد كل هذا. لن يسمح لهم بهذا!
"استاذ عاصي أنا بقالي أسبوعين عايز أشوفك وحضرتك بتتهرب مني. أسبوعين وأختي قاعدة هنا في حالة تصعب على الكافر. بحاول أعرف هي فيها إيه بس مش راضية تقول. أنا عارف أختي كويس وعارف إنك أكيد عملت حاجة كبيرة عشان كده هي زعلانة. أختي مش من النوع اللي تخرب بيتها عشان حاجة تافهة. فياريت تقولي عملت إيه."
ابتلع عاصي ريقه وكاد أن يتكلم إلا أن رنين الباب قد أوقفه. اتجهت دلال بهدوء وفتحت الباب. عبس أمجد وهو يسمع جدال ما ثم توسعت عيناه ومؤيد يقتحم المنزل ويقول: "أسف يا أمي والله. أنا بس محتاج أتكلم مع الشيخ أمجد ضروري."
نهض أمجد وهو يتذكر هذا الشاب. وقبل أن ينطق قال مؤيد: "شيخ أمجد... أنا مؤيد فاكرني. أنا جاي أصلح الغلط اللي عملته وأطلب إيد آنسة رحيق. أقصد مدام. وأنا هستناها لحد العدة بتاعتها لما تخلص."
أمال عاصي رأسه والنيران تتصاعد بعينيه. نهض وهو يقترب منه ويقول:
"عايز تتجوز مين يا حبيبي."
"رحيق." قالها عابسًا. ثم وجه كلامه لأمجد: "هو مين ده؟"
"أنا جوز الست اللي انت جاي تطلب إيديها."
تراجع مؤيد قليلاً وهو يزدرد ريقه وقد بدا عاصي كوُحش في تلك اللحظة.
قال عاصي بنبرة خافتة متوحشة: "الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنقذك دلوقتي إنك تقولي إنك مريض نفسي تعاني من الشيزوفرينيا وهربت من مستشفى العباسية وجيت هنا. لو حاجة غير كده أنا هطبق وشك حرفيًا يا روح أمك."
رواية اسرت قلبه الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم سوليية نصار
الفصل الثامن والخمسون (حبيب عيوني )
.....
العيون ديا هى احلامى
هى يا عينيا حبى و غرامى
نورها حواليا مالى ايامى
و الهنا كله فى العيون ديا
و المنا كله العيون ديا
هيا دى هيا فرحة الدنيا
دق يا قلبى غنى يا عينيا
.......
رمش مؤيد بإرتباك وهو ينظر الى عاصي الذي بدا وكأنه على وشك قتل أحدهم وهو أحدهم ...
-أنطق يا حبيبي ..انت عندك شيزوفرينيا ....
ابتلع ريقه وقال :
-لا معنديش ....
ابتسم بتوحش وقال:
-يبقى خلاص انا هطبق وشك ....
ثم أمسك وجهه حيث أصبحت يده اليمني فوق رأسه يشد شعره قليلاً ويده الأخرى ممسكة بذقته بينما يقول من بين أسنانه ...:
-أنا هطبق وشك ...هطبقه .....
تكلم مؤيد وهو يشعر بالإختناق :
-يا عم مش معترض بس هطبقه ازاي ..ده مينفعش علمياً ولا عملياً حتى ...انت مدرستش اي حاجة في أي حاجة !!!!
وضعت دلال كفها على فمها وهي تمنع ضحكاتها من الإنفلات حيث ان شكل رأس مؤيد كان يبدو مضحكاً وهو موضوع بين يدي عاصي الضخمة ،
-عاصي سيبه ..
قالها أمجد وهو يحاول افلات مؤيد منه ...فقد بدا أنه سوف يموت ولكن عاصي كان أكثر قوة من أمجد وفشل أمجد تماماً في افلات عاصي بل إنه جلس على الأريكة وهو يلهث بقوة وسيطر على وجه اللون الأحمر من فرط المجهود الذي بذله. ..
-حرام عليك يا عاصي سيبه يا اخي هيموت تحت ايديك....
-ما يموت أنا هشيل همه ليه هو ابن اختي ...بعدين الاستاذ جاي يتقدم لمراتي أنا وقدام عيوني ....
نظر إلى مؤيد الذي ضاق نفسه وقال:
-انت عارف انا هعمل فيك ايه ؟؛....وشك الحلو ده مش هخلي فيه حتة سليمة ...أنا هخلي الطب يفشل أنه يلاقي علاج ليك ....بتتقدم لمراتي أنا يا روح امك.....انت فاكر نفسك مين ....بعد كده انت شوفتها فين ...انطق ....
نطقت دلال من خلفه بتسلية؛
-في المدرسة اللي كانت بتشتغل فيها كان هو كمان بيشتغل فيها...وجه اتقدم ليها ...بس محصلش نصيب ....
-كمان ...
قالها عاصي والغيرة تقطر من نبرته .....
-يا امي ليه قولتي كده بس ...اهو هيموته!!
قالها أمجد وهو يضع كفه على رأسه ...يشعر بالإرهاق الشديد لدرجة أنه لا يستطيع أن ينهض ويفلت مؤيد من عاصي الذي بدا كأنه وحش سوف يلتهم كل من يقترب منه ...وقد خلف أمجد على حياة ذلك المسكين بالفعل ...صحيح أنه مخطئ جدا ولكنه سوف يموت على يد عاصي ...
-ابعد عني يا عم ...
قالها مؤيد وهو يحاول الأفلات منه إلا أن عاصي تمسك به جيدا ثم رفع كفه ولكمه وبعنف وصرخ :
-مراتي أنا ....جاي تتقدم لمراتي أنا ... سألت قبل كده عن عاصي صفوت يا حيلتها قبل ما تبص لحاجة تخصه !!ده انا هخلي وشك مفهوش حاجة سليمة ... ...أنا هنهيك خالص ...
-يا نهار ابيض يا عاصي صلي على النبي!!
قالها أمجد وهو ينهض بسرعة ليبعد عاصي عن مؤيد ولكن عاصي بدا وكأنه فقد صوابه تماماً كان يضربه دون رحمة ...الغيرة تشتعل داخله ...أنه يموت ...حياته فوضى منذ أن تركته ....لا ينام ولا يأكل جيدا وكأنها أخذت كل السعادة ورحلت تاركة إياه غارق في الحزن !!..هل كان ينقصه أن يأتي رجل ويضع عينيه على ما هو ملكه ....كلما تذكر الطريقة التي طلب بها يد زوجته امام عينيه يغضب أكثر ... وتزداد رغبته في أن يقتل هذا الحقير ....
شعر عاصي بأحدهما يمسكه من خصره من الخلف ادار رأسه قليلاً ليرى أمجد يقول وهو يلهث:
-ابوس ايديك كفاية هو اتربى خلاص ...أنا مش قادر عليك ...اللهم ما بارك عندك صحة ولا عشر رجالة في بعض ...سيبه خلاص ....
-والله ابدا ما يحصل عشان بعد كده يفكر مليون مرة قبل ما يبص على حاجة متخصهوش ....
ثم انفلت من أمجد وهجم عليه مرة ثانية وهو يضربه مجدداً ...
كانت رحيق تقف جوار شقيقتها نوران ....يفتحان باب غرفتهما قليلاً لكي يشاهدان ماذا يحدث بينما جيلان خلفهما وهي تحاول أن تشاهد أيضاً ...
-ياربي ده عجنه خالص !! الراجل هيموت في أيده ...يارب أمجد ينقذه
قالتها رحيق بشفقة وهي تضع كفها على فمها بينما تقول نوران :
-يستاهل. ..عبيط ده ولا ايه ...ازاي يجي يتقدم لواحدة متجوزة.... خليه يمكن عاصي يضبط اسلام دماغه ويخليه يفكر شوية بدل ما هو معتوه كده !!
ضربتها رحيق على ذراعها وهي تقول :
-بس اسكتي ما عاصي كده ممكن يتورط...ده ممكن يبلغ عليه وعاصي وقتها اللي هيقع في مشكلة !! ....
ابتسمت نوران بخبث وقالت وهي تنظر إليها :
-آه أنتِ خايفة على حبيب القلب مش كده ...وعاملة انك مش مهتمة وأنتِ هتموتي عليه ......متخافيش البيه المحامي بتاعنا مفيش حاجة تقدر تمسه ....
-اتلمي يا نوران أنا مش ناقصة سخافتك ...أنا عايزة اطلع أهديه ...
قالتها رحيق وهي تحاول ألا تحمر خجلاً ولكن بالفعل كان وجهها تخضب بحمرة الخجل. .
-خلاص اهدي أمجد مسكه اهو ..
تنفست رحيق براحة اخيراً
......
-خلاص خلاص يا عاصي كفاية كده . عجنته كفاية .....
كان يمسكه بقوة وهو يبعده عن مؤيد الذي كان على الأرض يتألم من شدة الضرب الذي تعرض له...ولكن عاصي كان لا يهدأ ...كلما تذكر أن هذا الحقير طلب من زوجته الزواج يجن أكثر ..كيف يجرؤ على هذا .. كيف ينظر لزوجته !!!
-سيبني أنا هربيه الحيوان ده ...
قالها عاصي وهو يحاول أن يتحرر من أمجد لكي يضربه مجدداً ولكن بدا أن قوتها بدأت بالتراجع بعد المجهود الذي بذله في ضرب مؤيد ...كان أمجد يتمسك به جيداً وهو يقول :
-صلي على النبي بس واهدي ...اهدي شوية ....
-لا مستحيل أنا...أنا لازم اموته ..
وبالفعل تحرر منه وهو يقترب من مؤيد مرة آخرى ولكن مؤيد استطاع النهوض بسرعة وركض خارج المنزل وهو يتحامل على ساقيه ويركض خارج المنزل ...كاد عاصي أن يركض خلفه ويخرج من المنزل إلا أن أمجد امسكه وهو يقول:
-اهدى شوية ابوس ايديك...أهدى مش كده !!!
إلا أن عاصي كان يحاول التحرر منه ...ولكن أمجد بدا مصمماً في تلك اللحظة كي لا يفلت منه ....
-صلي على النبي ...صلي على النبي
قالها أمجد وهو يحاول تهدئته ليتنفس عاصي ويقول :
-عليه الصلاة والسلام ..
افلته وقال:
-تعالى ارتاح واشرب حاجة كنت هتموت الراجل في إيديك ..ايه اللي يستاهل بس انك تضيع حياتك في السجن بسبب واحد تافه زي ده ....
تنفس عاصي بضيق وهو يعدل من خصلات شعره التي غطت جزء من عينيه ...
-عايز اقابل مراتي !
قالها بجمود بينما عينيه الزرقاء تلمع بقوة ... .
-احنا محتاجين نتكلم الاول . .
قالها أمجد ليرد دون أن تنبسط ملامحه ؛
-وأنا عايز اشوف مراتي الاول لو سمحت ....قولها اني عايز اقابلها ....
نظر أمجد لوالدته لترى الرضا يسيطر على ملامحها نظرت اليه وهي تهز رأسها لكي يوافق ...تنهد بعمق وقال :
-هقولها لو وافقت تقدر تقابلها لا يبقى فيها كلام تاني عشان معناها انك زعلت اختي جامد ....
-انت عارف انها مراتي ...اقدر اخدها دلوقتي لو حابب ...
قالها عاصي بنفاذ صبر وما زال غضبه مسيطر عليه....
رفع أمجد رأسه وقال :
-رحيق اختي ...انت مش هتقدر تاخدها من هنا غصب هنا ...ليك حقوق على راسي ...بس اختي ليها حقوق برضه ....مينفعش تسيب مراتك تطلع برا بيتك غضبانة اسبوعين متسألش فيها ...وتيجي تقول عايزها ....أنا هعرف ايه اللي حصل والمرة دي اللي عايزاه اختي هيكون !!
....
اخذ يتنفس بصعوبة بينما عينيه متسعة وه. يسمع قرار أمجد المتعسف بشأنه ....هز رأسه وهو يحاول السيطرة على اعصابه وقال:
-ماشي قولها اني عايز اقابلها ...
ثم توجه للأريكة وجلس عليها وهو يعدل من وضع شعره مجدداً...
اتجه أمجد الى غرفة شقيقتيه وما ان رأته رحيق حتى ارتكبت وولجت للداخل وهي تجلس على الفراش ...توقف أمجد وهو يرى نوران وجيلان يقفان على باب الغرفة ...
-طول عمركم لهافين انتوا الاتنين ..
-على فكرة رحيق كانت معانا بس جريت لما شافتك ...
قالتها نوران وهي تضحك ...ليضربها على رأسها ويقول :
-طيب يا لمضة ...أطلعي انتِ حابب اتكلم مع اختك شوية وخدي جيلان والباب معاكي ....
ابتسمت نوران وهي تأخذ جيلان وتخرج ....
...
اقترب أمجد من رحيق التي تجلس على الفراش وتفرك كفيها بتوتر ....
-هو عايز يشوفك ...
قالها بهدوء لتتوتر اكثر فيكمل هو :
-انا مش هجبرك على حاجة ...أنا مش عارف ايه اللي حصل...بس متأكد انه عمل حاجة كبيرة خلتك تقفلي منه ...بس كمان من رأيي تتكلمي معاه وانا مش هجبرك ترجعيله ...اعرفي أن بيت اخوكي هيكون مفتوح ليكي في أي وقت ...وان مستحيل اقف ضدك في أي حاجة ...
ابتسمت رحيق بحب وقالت:
-ربنا يخليك ليا يا أمجد. أنا عارفة ده كويس...وانا هسمع كلامك وهقابله ...
......
كان يجلس على الأريكة يفرك كفيه بتوتر وغضب بالغ ...لقد وافقت ان تراه أخيراً وها هو يجلس بغرفة الضيوف ينتظرها ...
فتُح الباب فجأة لتلج هي ...رفع عينيه إليها ...كانت ترتدي حجابها وعباءة سوداء رسمية ...اخذ يلتهما بنظراته....ادرك الحين انه اشتاق إليها بجنون ...وأنه ان لم يأتي اليوم كان سيموت من شدة الشوق ....لقد ادرك الأمر الآن انه يحبها. ..لا يعرف متى ولكن يعرف انه غير قادر على نسيانها ..
نهض وهو يقترب نحوها...اغلقت هي الباب وابتعدت سريعاّ عنه وهي تنظر بتوجس إليه ...كان هدفه الباب ليغلقه بالمفتاح ثم ترك المفتاح على الباب...
-عاصي أنت بتعمل ايه ؟!
-أنتِ متوقعة ان لما راجل يجي يتقدم لمراتي أنا ... اعمله ايه يعني اخده بالحضن ...
قالها عاصي بغضب وهو ينظر إليها ..كانت تقف بعيد وهي ترتجف بسبب النيران التي تندلع من عينيه ...كانت مصدومة مثله ..من أين عرف مؤيد انها ستتطلق من عاصي ؟....
-بس ده مش مبرر أنك تعجنه !!
قالتها بضيق ليقترب منها بسرعة فتفر هي هاربة وكادت ان تفتح الباب لتخرج ولكنه أمسك ذراعها وهو يغلق الباب جيداً...ثم وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه ...اذ وجدت نفسها محاصرة بين الباب وجسده ...رفعت عينيها وهي تنظر إليه ...تزدرد ريقها وهي ترى النيران التي تشتعل بعينيه ....
-ايه زعلانة عليه؟؟ ....اروح اموتهولك دلوقتي عشان تزعلي عليه بالمر ....
-عاصي ...
قالتها بخوف ليرد بقهر:
-انا بموت من وقت ما سيبتي البيت ...مش عارف أعيش حياتي زي الأول وكأنك قلبتي حياتي ومشيتي ...وانتِ هنا عايشة حياتك ...عايزة ترجعي شغلك واللي اسمه مؤيد ده جه يطلبك وقدام عينيا والله لولا أمجد كنت قتلته !...رحيق مفيش شغل ...انسي الكلام الفاضي ده ومفيش طلاق ...انتِ هتروحي معايا البيت دلوقتي.!!
-لا ...أنا ...
قالتها بتبرير ولكنه أحاط خصرها بذراعيه وهو يرفعها قليلا نحوه حتي اصطدمت انفاسه بانفاسها وقال وهو ينظر لعينيها ويقول بعذاب :
-أنتِ ليه مش فاهمة حياتي اتقلبت من أول ما مشيتي منها ...أنا بحبك...بحبك ...فهمتي ولو أي حد سواء مؤيد ولا غيره حط عينيه عليكي هقتلك وأقتله !!,
كانت عينيها متسعتان برعب وهي تنظران إليه ...بينما اعترافه بالحب يهز ما بداخلها ....توسعت عينيها اكثر وهي تراه يقترب بوجهه من وجهها بنية تقبيلها ....دفعته بقوة وهي نهرب منه وتقول :
-عاصي احنا في بيت اهلي ....
ثم ركضت نحو الباب وفتحته وخرجت مسرعة ...
نظر إلى أثرها أراد أن يذهب ويعيدها رغماً عنها ولكنلم يكن يريد إثارة اي فضيحة .سوف تعود إليها ...سيفعل المستحيل كي يعيدها ....ولن يستسلم !!ابتسامة شقت شفتيه عندما أدرك بالفعل أنه يحبها ...لقد تغلب على خوفه من الحب وأحبها ولن ينكر هذا !!!
.......
فتحت باب غرفتها واغلقته وهي تشعر بوجهها يشتعل من الخجل ....حمدت الله ان لا أحد هنا ...
وضعت كفها على قلبها الذي يهدر بقوة داخل صدرها ....جلست على الفراش وعينيها متسعة بصدمة....لا تصدق حتى الآن انه اعترف بحبه لها ...انها تشعر وكأنها تحلم
.....
وقف عاصي امام أمجد وهو يقول :
-انا عايز مراتي ترجع معايا النهاردة ودلوقتي !
رفع أمجد حاجبيه
-لو عايزة ترجع هرجعها لكن اختي فعليا مش عايزة ترجع دلوقتي هي مصممة على الطلاق ...هي حتى مكملتش معاك دقيقتين وطلعت جري ...فعايز اعرف دلوقتي انت بتعملها ايه ؟!
-دي مراتي انت ازاي تمنعني منها !!!
-دي اختي ...اختي اللي رميتها اسبوعين وروحت تسافر ...اختي اللي بعد العذاب اللي اتعذبته في حياتها وقولت اخيرا هتتجوز وترتاح تيجي حضرتك وتكسر قلبها ...أنا عارف رحيق وواثق أنها مغلطتش ابداً في حقك ...وعارف انك اكيد اللي غلطان ..
صمت عاصي ولم يعرف بما يرد وهذا ما أكد لأمجد كلامه فأكمل بعد برهة :
-اختي اللي عايزاه هيحصل ...
-يعني ايه الكلام ده ؟
قالها وهو يحاول السيطرة على غضبه رغم ان شياطينه اخبرته ان يلكم أمجد ويفسد ملامح وجهه....ابتسم أمجد بإستفزاز ؛
-يعني لو أختي مش عايزة ترجع مش هترجع ولو عايزة تتطلق أنا بنفسي هطلقها منك ...أنا عارف رحيق أكيد انت عملت مصيبة عشان كده هي فافلة منك هي مش عايزة تقول بس أنا هفضل وراها ...
شعر بالإرتباك ولكنه اخفى هذا وقال بغضب :
-وهي هتقعد هنا لحد امتى وهتعمل ايه ...مفروض ترجع معايا أنا جوزها ...ولا حضرتك ناوي توافق على الولد المايع ده ......ناوي تجوزها بعد ما تطلقها مني ؟!!!
زادت ابتسامته استفزازاً وقال:
-طبيعي أجوزها هي مش هتفضل حزينة على فراقك طول العمر ...معندناش بنات بتبكي على الأطلال!!
ضم كفيه بقوة ...حقاّ كان على وشك ضربه بقوة وتشويه وجهه ولكن قال بعد لحظات وهو يحاول أن يسيطر على يده ....:
-مراتي هترجع معايا انا هعمل اللي عمرك ما تتوقعه !!!
،........
-فيه أمل يا مدام مياس ...
قالها جورج بإبتسامة ...لمعت عينيها بفعل الدموع ونظرت الى سيف وهي تبتسم بتلهف وتمسك كفه وتقول:
+بجد يا دكتور ...بجد ... .
ظهر القلق بعيني سيف وقال :
-حضرتك متأكد يا دكتور ...يعني مفيش خطر هيكون على حياتها لو عملت الجراحة دي ....
-احنا هنستخدم الليزر واكيد كل حاجة ليها مخاطر وآثار جانبية ولكن لو اتبعت التعليمات هنقدر إن شاء الله نتلافي ده ...بس لازم اكون صريح وأقول إن الوش مش هيرجع بيرفكت زي الاول ...أنا مجرد هحاول أخفف من أثر الحروق ..والوش يبقى اجمل ....قولتوا ايه ....
نظر سيف إلى مياس وقال:
-أنا معاكي في اللي عايزاه مش همنعك يا مياس ....
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه ...يعرف أنه يراها جميلة في كل أحوالها. ..ورغبتها في اجراء الجراحة لكي تكون اجمل له ....ولأجله سوف تخوض هذا ... لأجله سوف تتقبل النتيجة مهما يكن ....ضغطت على كفه وهي ترفع رأسها للطبيب وتقول :
-أنا موافقة اعمل العملية ...
.. ...
بعد قليل خرجا من عيادة الطبيب وهما متشابكان الأيدي....
-شكرا ليك عشان موقفتش في الموضوع ....
قالتها مياس وهي تنظر إليه فقال مبتسماً.:
-أنا حاولت اخليكِ تتقبلي نفسك زي ما انتِ بس يظهر انك حابة تعمليها ومش هتنبسطي الا بالشكل ده ...
-لا أبداً والله ...انت نجحت وخلتني اتقبل نفسي وأحبها كمان ...بس دي اخر حاجة هجربها عشان ميجيش يوم ويكون جوايا شوية ندم ...لو لو انت هتقولي متعمليهاش مش هعملها ...
-أنتِ بجد نصابة عارفة اني ضعيف قصادك ومش هعمل كده طبعاً صح ...
ضحكت وهي تنظر إليه وهزت رأسها دون خجل وقالت :
-ايوة ....
-طيب يا نصابة ...يالا عشان نروح ....
-عايزة اكل ايس كريم الاول ....
قالتها بدلال ليهز رأسه ويقول :
-حاضر يا هانم في الطريق هعزمك ...أنا عيوني ليكي....
-تسلم عيونك ...
قالتها بحب له ليفتح لها السيارة فتلج وهي تشعر بالراحة ...وكأن حياتها أصبحت أجمل الآن بوجوده وكل شئ بخير ...
......
في المساء. ..
كانت فرصتها الآن لما إرادته منذ مدة ...عمها سافر القاهرة من أجل العمل.....سيف قرر الخروج لشراء بعض الاحتياجات لهما ...وسيتأخر قليلاً....لذلك سريعاً أخرجت ما كانت تخفيه تحت السرير ....
...
وقفت أمام العبوة وهي تبتسم بسعادة ...فتحتها ليظهر فستان زفاف بسيط التصميم لكنه رائع ..عاري الكتفين وينتهي بذيل طويل ..وعلى صدر الفستان هناك فراشات بيضاء رقيقة. .....
كان رائع ...كانت متأكدة أنه سوف يحبه .....
أمسكت هاتفها وهي تطلب الطعام من الخارج ...وبعد أن انتهت أمسكت المنشفة الخاصة بها ....ثم اتجهت نحو الحمام ..
بعد قليل ...خرجت والماء يقطر من شعرها بينما تجففه بالمنشفة وترتدي مآزر الحمام ....
بعد أن انتهت من تجفيف شعرها خلعت المآزر وارتدت الغلالة البيضاء ...ثم اتجهت لطاولة الزينة وهي تنظر لعينيها التي تلمع بسعادة وعشق ...لقد قررت أن تخبره اليوم بحبها له....قررت أن تسعده كما أسعدها دوماً......
مشطت شعرها الأسود ...ثم أمسكت احمر الشفاه وهي تضع منها على شفتيها ...ثم اتبعته بالماسكرا
انتهت اخيرا ونظرت إلى نفسها بسعادة وهي ترى أنها جميلة للغاية ....الجمال الذي أخبرها سيف مرات عديدة أنه يراه بها هي تراه الآن بنفسها ....دارت حول نفسها وهي تتخيل نفسها عندما ترتدي الفستان....
رن جرس المنزل ...هذا اكيد حارس البناية احضر لها الطلب الخاص بها فهي قد أعطته المال سابقاً ليستلم هو الطلب ....
ارتدت الأسدال الخاص بها وهي تخفي وجهها بحجابها ثم فتحت الباب لتجد حارس البناية قد ترك حقائب الطعام على الأرض ....
اخذت الحقائب الورقية وادخلتها بالداخل ...كانت رائحة المشاوي رائعة للغاية ....
وضعت الحقائب على الطاولة ثم سريعاً ذهبت لإحضار اطباق لكي تضع به الطعام .....
بعد قليل كانت قد انتهت من إعداد كل شئ ووقفت وهي تنظر إلى الطاولة بفخر كان شكل الطعام شهي ...نظرت إلى هاتفها الذي يرن وجدته أنه سيف لا بد أنه وصل وسوف يصعد الان ...ركضت وهي ترتدي الفستان بسرعة ..ثم أغلقت الاضواء وقلبها يخفق داخل صدرها ....
...
ولج سيف إلى المنزل وهو يحمل العديد من الحقائب البلاستيكية وعبس وهو يجد الظلام يسيطر على المكان ....وضع يده على مفتاح الكهرباء ليبدد الظلام ...توسعت عينيه بذهول وهو يرى الطاولة تحتوي على طعامه المفضل ....ولكن ذهوله كان أكبر وهو يرى فراشته تقف أمامه وهي ترتدي فستان زفاف وقد بدت أجمل ما رأت عينيه يوماً كان مذهول لدرجة أنه أوقع ما يحمله....
.وضعت كفها على فمها وهي تمنع ضحكاتها من الخروج بينما تراه في تلك الحالة ...كان ما زال مذهولا لذلك أخذت خطواتها بخجل وهي تقترب منه تحيط عنقه وتقبله بلطف ثم تبتعد عنه وقد احمر وجهها بقوة وكادت أن تبتعد عنه إلا أنه جذبها وهو يضع كفه على ظهرها يقبلها بقوة ....
ابتعدت اخيرا بعد لحظات وهي تطرق برأسها أرضاً...لم تكن هي يوماً المبادرة في علاقتهما بل هو ....
رفع ذقنها وهو يبتسم لها ويقول:
-ايه سر الاحتفال الحلو ده ...
-قولت اكون جميلة عشانك ....
-أنتِ جميلة في كل الأوقات يا حبيبي...
توسعت ابتسامتها وامسكت كفه وقبلته بلطف ليشد كفها ويقبله أيضا ....جذبته حتى يجلس على المقعد وجلست على ساقه وهي تضع محرمة ورقية على صدرها كي لا تلوث الفستان ...ثم بدأت بإطعام زوجها ......
كانت تطعمه وعلى وجهها ابتسامة سعيدة ...كان ينظر إليها والإبتسامة تشمل جميع تقاسيم وجهه ويقول:
-حابب أن اللحظة دي تستمر للابد يا مياس ...حابك تكوني في حياتي للأبد...أنا بحبك ....
تألقت عينيها وهي تنظر إليه ...مسحت كفها جيدا في المحارم الورقية التي بجوارها على الطاولة ثم وضعت كفها على وجهه. وقالت برقة :
-وأنا كمان بحبك ....
توسعت عينيه بشدة ...وقد هدر قلبه داخل صدره ...كان ينظر إليها بذهول ...ابتسمت وهي تضع قبلة على وجنته وقالت :
-يعني انت مش عارف مثلا اني بحبك....ده مش ظاهر اني اختارت اني ابعد ويتوجع قلبي بس اهم حاجة متتأذيش عشان ده كان هيوجع قلبي اكتر...أنا بحبك اكتر مما تتخيل ...بحبك اكتر ما حبيت اي حد تاني يا سيف ...انت مش جوزي وبس ...انت نصي التاني ...روحي وكل حاجة حلوة جوايا ...انت اللي اديتني سبب عشان اعيش عشانه...أنا هعيش زوجة ليك طول العمر وهبقى أم لاولادك وربنا يقدرني واقدر اسعدك طول حياتي يا سيف ....لانك تستاهل السعادة دي جداً....انت اكتر راجل مثالي شوفته في حياتي ....
لمعت عينيه بقوة وهو يشدها إليه ويضمها بقوة ...
-عايزة احتفل بفرحنا النهاردة ...عايزة الليلة تكون ليلة فرحنا بدل الليلة الغريبة بتاعة المرة اللي فاتت ... ..
ابعدها عنه وهو يقبل رأسها ثم جعلها تنهض ونهض هو وهو يجذبها ويعانقها بينما يراقصها لنعومة وهو يغني في أذنه بصوته الرقيق:
هيا دى هيا فرحة الدنيا
دق يا قلبى غنى يا عينيا
ابتسامتها ويا رقتها ورده بتفتح يا حلاوتها
و انتا يا قلبى ياللى حبيتها أدى نظرتها لسه فى عينيا
هى دى هى فرحة الدنيا دق يا قلبى غنى يا عينيا
بالى كان خالى و انشغل بالى
نظره و التانيه غيرو حالى
و ابتدا عمرى بالهوا الغالى
و ابتدا قلبى يعرف الدنيا
هيا دى هيا فرحة الدنيا رد يا قلبى غنى يا عينيا
العيون ديا هى احلامى
هى يا عينيا حبى و غرامى
نورها حواليا مالى ايامى
و الهنا كله فى العيون ديا
و المنا كله العيون ديا
هيا دى هيا فرحة الدنيا
دق يا قلبى غنى يا عينيا
...........
-هو احنا هنخلي الاخ ده جنبنا واحنا بنتفرج عل التلفزيون ...يادي النيلة !!!
قالها جورج بضيق وهو ينظر للدب الكبير بينما ماريانا تضحك وهي تحتضنه ....
-ايه لسه بتخاف منه ..ده كيوت خالص ....
-كيوت ايه ...حلمت أنه رمى عليا طاسة الزيت ...احلامي كلها رعب من اول ما جيبناه ....
قالها بضيق لتضحك هي بقوة ....وتحتضنه أكثر وتقول :
-انت عشان عندك تروما منهم لكن هو دبدوب حلو اووي ...مونسني والله وبخليه ينام جنبي ..
نظر إليه واقترب وهو يهمس بشوق:
-أنا ممكن اخد وظيفة الدبدوب وانام جنبك ومش هعمل صوت
هزت ماريانا رأسها وهي تقول ضاحكة :
-ده بعينك مش هيحصل ابدا ....
أمسك كفها وقال وهو يقبله :
-مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة وساعتها مش هحلك ..
سحبت كفها وهي تحتضن الدب مرة أخرى ليقول بضيق :
-ابعدي شوية عن الدبدوب عشان بغييير مش كل شوية تحضني فيه ...
ضحكت بإستفزاز له وهي تقول :
-براحتي ...
-يا ستي ماشي أنا بحوشلك ده كله بس لما نرجع زي الاول انا هوريكي ....
-على فكرة ممكن اعاند معاك واطول فترة العقاب ....
-يا ستي ماشي ..براحتك خالص ...اعملي اللي عايزاه بس اللي ميزعلش ...
ضحكت بإستفزاز له وقالت :
-مبتهددش ...
اقترب منها وكاد أن يمسكها إلا أنها بسرعة ابتعدت عنه وهي تضحك توقفت فجأة وجرس المنزل يرن ثم بسرعة اتجهت لفتحه ولكنها تجمدت وهي تراها وبصوت باهت مصدوم قالت:
-سيلا !!!!
.........
-جالك كلامي ...قولتلك الجوازة دي متنفعش ...يا بني أنت اصلا مش بتحبها ...انت مش عارف تحب غير نوران ....
قالتها منيرة لجاسم الجالس على الأريكة وهو ينظر للاعلى بينما يشعر بالضيق ....ضميره يجلده بسببها هي ....ما زالت كلماتها تدور بعقله .....لقد كسر قلبها ....وهو المخطئ...لم يكن عليه أن يدخلها حياته وفي قلبه أخرى ...نوران التي لا يستطيع أن ينساها مهما فعل وكأن لعنتها حلت عليه ....مسح على وجهه بتعب بينما والدته ما زالت تؤنبه ...وكأن ينقصه بعد كل شئ حدث بحياته ...اخذ يفكر ماذا فعل ليعاني بهذا الشكل ...كل ما أراده أن يتزوج من يحبه ويعيش بسعادة مع نوران ولكن حياته انقلبت رأساً على عقب عندما كشفت نوران سرها ...احياناً يتمنى من نوران لو التزمت الصمت وعاش نعيم الجهل لم يمانع ...لم يتحمل هو الحقيقة وأصبح كالتائه لا يعرف اين وماذا يفعل. ..
-أنا مش بكلمك ...ما ترد عليا !!!!
زفر بضيق وقال:
-تصدقي انا غلطان اني جيت هنا عشان ابات عندك !!!أنا مش جاي هنا تاني ...هروح اقعد في بيتي احسنلي ...
ثم نهض لكي يذهب الا ان والدته أمسكت ذراعه وهي تصرخ به:
-انت مش هتهرب يا جاسم لحد ما تقولي طلقت نوران ليه ...مادام بتعشقها طلقتها ليه يا بني .ظلمتها ليه ..علاقتي مع اختي باظت بسببك مش قادرة احط عيني في عينيها ...عملت ايه المسكينة عشان تطلقها قبل ما تكملوا مع بعض شهرين ورجعتها بيت اهلها وخليت اللي يسوى واللي ميسواش يتكلم عليها !!!
-لو سمحتي خليني امشي ....
قالها بضيق وهو يحاول السيطرة على أعصابه كي لا يصرخ بها ...تخبره أنها ظالم ...ظلمها هي ...ماذا عن حالته هو ...أنه يموت ولا يشعر به أحد.،...هل تظن أنه سعيد بحياته ...أنه تعيس...يموت ...يحترق من الداخل ....يحاول أن ينساها ولكنها كل يوم تسيطر على تفكيره أكثر وعندما حاول الهروب منها بآخرى جرح الأخرى والتي ليس لديها أي ذنب ... الا تعرف والدته اي فوضى يعيش فيها هو
جذب ذراعه منها وهو يقول بغضب :
-حرام عليكي سيبيني في حالي أنا فيا اللي مكفيني!!!
ثم تركها وغادر ...
.....
وقفت وهي تربع ذراعيها وتقول:
-لحد امتى هتفضلي كده يا بنتي. ....حابسة نفسك بقالك أسبوع. ...نايمة ليل نهار
وضعت حورية الوسادة على رأسها وقالت ببرود :
-لو سمحتي يا ماما اقفلي الباب عشان التكييف واقفلي النور ...أنا عايزة انام ....
-انتِ بقالك اسبوع مصلتيش يا حورية ...أنا قولت أخيراً التزمتي في الصلاة دلوقتي بطلتيها ...ايه يا حورية هو قربك من ربنا كان عشانه بس...العشا اذنت من بدري وحتى مقدركيش ربنا تصليها جماعة معايا!!....
رفعت رأسها قليلا وقالت بنبرة متعبة :
-لو سمحتي يا ماما قولتلك سيبيني وأطلعي....
اقتربت منها والدتها وهي تمسكها من ذراعها ثم تجعلها تنهض من على الفراش ...كانت تبدو في حالة سيئة للغاية ...وجهها ذابل وعينيها حمراء بفعل البكاء...شعرها لم تمشطه منذ ايام ...
-ايه يا بنتي اللي بتعمليه ده في حياتك ...وعشان مين ده كله ...ليه بتدمري نفسك بالشكل ده ...
-سيبني لو سمحتِ سيبني...
قالتها وهي على وشك الإنهيار...ثم أكملت :
-انا بموت يا ماما ....
انهمرت دموعها وأكملت :
-قلبي اتكسر...حاسة ان العالم كله ضيق بيا من الحزن بعد ما كان ضيق من كتر سعادتي ...أنا غلطت لما سيبته وانا روحي فيه ....
-يا حبيبتي انتِ غلطتي لما ارتبطتي بيه وهو عمره ما حبك ...يا بنتي قلبك مش لعبة عشان تغامري بيه ....
-انا كنت مستعدة اغامر بحياتي بس يحبني...بس هو معرفش يحبني يا ماما ..
-لان اللي عملتيه غلط ...محدش يستاهل ده يا بنتي ...انتِ حلوة ومتعلمة ومتربية وألف واحد يتمناكي...ليه ترمي نفسك الرمية دي ..ايه ناقصك يا بنتي ...قوليلي ايه ناقصك عشان ترمي نفسك على واحد مش بيحبك ...واحد محبوس في الماضي ....
-يوووه خلاص يا ماما ...خلاص ما هو أنا سيبته اهو ...أعمل ايه تاني ...اقتل نفسي !!!.حرام عليكي يا ماما ...أنا بحاول انسى وانتِ كل شوية تفكريني حرام عليكي ...
-يا بنتي أنا عايزاكي تخرجي من اللي انتِ فيه ...عايزاكي تصلي زي ما كنتي الايام اللي فاتت ازاي رابطة أنك تصلي ولا لا بيه هو ...يا بنتي حرام اللي بتعمليه ده ....أنتِ...
توقفت فجأة وجرس المنزل يرن لتتركها وتقول:
-هرجعلك ونخلص كلامنا ....
ثم خرجت من الغرفة وهي ترتدي حجابها ...لابد أنها جارتها ...فتحت الباب ولكنها تجمدت وهي تجده أمامها ...
-انت !!!
قالتها بغضب ليقول بتوتر :
-عايز اقابل آنسة حورية لو سمحتي !!
......
فتحت عينيها وهي تشعر بصداع فظيع عبست وهي تجد نفسها بغرفة غريبة بينما تشعر أنها تترنح....
نهضت جالسة برعب وهي تحاول أن تتذكر ما الذي حدث .. فجأة توسعت عينيها وهي تجد عاصي يجلس على المقعد أمامها ويبتسم بينما يضع ساق على ساق ...
-انت عملت فيا ايه ؟!
قالتها رحيق بصدمة ليرد ببساطة:
-خطفتك!!
رواية اسرت قلبه الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم سوليية نصار
أنتِ روحي ألا تدركين هذا؟
-رمشت بصدمة وهي تنظر إليه وقالت:
-خطفتني ازاي يعني؟
ابتسم ببساطة وقال:
-شيلتك من بيتك وجيبتك هنا... ببساطة يعني.
-ازاي شيلتني؟
ثم نظرت لملابسها وقالت:
-أنا مكنتش لابسة اللبس ده... ازاي؟
نظرت إليه بغضب وقالت:
-مين غيرلي هدومي؟
ابتسم وهو ينظر إليها بخبث وقال:
-يعني لو شغلتي عشرة في المئة من ذكائك هتعرفي مين.
توسعت عينيها بغضب وقالت:
-انت اللي غيرت هدومي... انت اللي عملت كده؟
نظر إليها ورد ببساطة مغيظة:
-أيوه... أكيد مش هجيب ناس من برة تغير لمراتي هدومها. أنا اللي غيرت هدومك.
كانت مصدومة من وقاحته. كانت تتنفس بسرعة وغضب. كادت أن تبكي من شدة الخجل. هو زوجها وهي تحمل طفله. ورغم هذا هي تخجل منه!
-انت اتجرأت وعملت كده؟
قالتها بغضب. ليضحك بمرح ويقول:
-ايه الافورة دي يا قلبي. أنا جوزك يعني. وبعدين أنا يعني مشوفتش حاجة جديدة.
قالها ثم غمز لها لتمسك الوسادة التي بجوارها ثم تدفعها نحوه.
أمسك الوسادة وهو يضحك وقال:
-مقبولة منك يا روحي.
نهضت واقفة على قدميها حتى شعرت بنفسها تترنح. أمسكت بمسند الفراش وهي متسعة العينين. لينهض عاصي بسرعة ويتجه نحوها وهو يضمها إليه ويقول:
-بس بس اهدي.
استكانت إليه وهي تضع رأسها على صدره وتغمض عينيها. حاوط هو خصرها ثم جذبها نحوه أكثر بينما شفتيه على شعرها ويغمض عينيه.
لقد اشتاق إليها. أدرك أنه سعادته الفترة الماضية كانت بسببها هي. في الوقت الذي تركته شعر أنه الجحيم. لذلك هرب بعيداً كي ينساها. هرباً خوفاً من أخاها الذي قد يحضره مجبراً لكي يطلقها. هرب وحاول أن ينسى أو يبدد خوفه فلم ينساها ولم يبدد خوفه. وقد أتى وصُدم بطلبها للطلاق.
وبوقوف شقيقها بجوارها. ولن ينسى البساطة الذي أخبره بها أنه سوف يزوج رحيق لشخص آخر بعد عدتها. لقد تحلى بكل ما يمتلكه من ضبط النفس كي لا يشوه وجه أمجد. فما اراد فعله وقتها هو أن يقتل أمجد لانه تفوه بهذا الهراء. تجرأ واخبرها بهذا أمامه! لكنه لم يفعلها من أجل رحيق. لذلك بدلاً من أن يقتله قرر أن يخطف زوجته. هو لن يترك رحيق. رحيق له رغماً عن الجميع وهو لن يتخلى عن ما هو ملكه.
-ابعد.. ابعد عني.
قالتها رحيق وهي تشعر بالدوار ثم دفعته عنها وهي تحك جبهتها بتعب وتقول:
-أنا ليه حاسة الدنيا بتدور بيا.
ثم نظرت حولها لتجد أن المكان التي هي به غريب.
-أنا فين؟
قالتها بحيرة وهي ما زالت تشعر بالدوار. امسكها كي لا تسقط وقال:
-احنا في البحر.
توسعت عينيها بصدمة ليكمل:
-أنا أجرت يخت لكام يوم.
-انت مجنون. انت عارف أمجد ممكن يعمل ايه؟ وبعدين أنا... أنا...
وضعت كفها على رأسها وهي تكمل بهمس:
-أنا دايخة اووي. الدنيا بتلف بيا. رجعني البيت.
استغل ارهاقها واقترب منها ثم حملها بين ذراعيه. حاولت أن تقاوم إلا أنه احبط مقاومتها بكل سهولة وهو يجلس على الفراش.
-ابعد يا عاصي لو سمحت.
-ياريتني اقدر ابعد. أنا عمري ما بهدلت نفسي البهدلة دي. متخيلة اني ادخل بيتك زي الحرامي عشان اخدك وأنتِ نايمة. كنت خايف تصحي لكن الحمدلله نومك تقيل اووي. مكنتش هخاطر واخدرك عشان انتِ حامل.
-أمجد لو عرف ه...
-زمانه عرف ومتقلقيش مش هيوصلنا. احنا مش هنمشي من اليخت الا واحنا سمنة على العسل.
هزت رأسها بتعب وهي ما زالت تقاومه.
-أنا بحبك يا رحيق.
قالها بصدق وهو يحبط مقاومتها بكل سهولة. لم تتوقف وهي تحاول أن تبعده عنها بينما تقول بضيق:
-ابعد عني لو سمحت يا عاصي. لو سمحت.
امسك ذراعيها وهو يقول بغضب:
-قولتلك بحبك. هو كلامي ملوش اي لازمة عندك!
نظرت إليه وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع وقالت:
-لا كل كلمة بتقولها ليها قيمة عندي يا عاصي. حتى كلمتك ليا اني اتجوزتك عشان فلوسك.
سيطر على ملامحه الشعور بالذنب لتقول بينما تنهمر دموعها:
-فاكرة كل كلمة ليك يا عاصي. فاكرة كل حاجة.
-رحيق.
قالها بتوتر لتهز رأسها وتقول:
-متحاولش تبرر لنفسك لاني كنت بعمل كده. لأيام حاولت ابرر ليك قدام قلبي المكسور بسببك بس ملقيتش ليك اي مبرر. بحاول افتكر اني في مرة طلبت منك حاجة كبيرة أو غالية عشان تتهمني الاتهام البشع ده ملقيتش اني عملت اي حاجة تخليك تقول كده. هتجنن وانا بسأل نفسي ليه؟ للدرجادي يا عاصي انت لحد دلوقتي معرفتنيش. للدرجادي.
اسكتها وهو يقبلها بقوة. وضع كفه على رأسها ليمنعها من أن تتحرك بينما يعمق قبلته. رغم أنها حاولت أن تقاوم في البداية. كانت تبعده وهي تشعر بالوهن وكأن مقاومتها تتلاشى. دمعت عينيها وهي تشعر أنها تستجيب له. وقد تلاشى غضبها تماماً وهي تتمسك به. انهمرت دموعها وهي تتمسك به بقوة. كم هي غبية. تغفر بتلك السهولة بعد أن قتلها بكلماته. لماذا هي بهذا الضعف نحوه. نحو اي شخص يبدى ندمه عندما بخطئ بحقها. الى متى سوف تظل بهذا الغباء.
عبس وهو يتذوق دموعها. أراد أن يكمل. أن يجعلها تستلم له لعلها تسامحه. ولكنه تراجع عن تلك الفكرة. هي لا تريد تقارب يخبرها بمدى اشتياقه لها. هي تريد اعتذار حقيقي. أن يخبرها بمدى ندمه. أن يشاركها أحزانه ومخاوفه.
ابتعد عنها وعانق وجهها وهو يمسح دموعها برفق. يرى نظرات الإنكسار بعينيها فيختنق وهو يدرك أنه سبب كل هذا.
-أنا اسف. اسف.
أبعدت كفيه عنها وابتعدت عنه وجلست على السرير وهي تطرق برأسها أرضاً بينما الدموع ما زالت تنهمر من عينيها. بينما هو عابس بقوة. ملامحه تعبر عن مدى ندمه.
-أنتِ اللي عملتي كده يا جيلان صح؟ أنتِ اللي ساعدتي عاصي يخطف رحيق وياخدها من البيت!
قالها أمجد وهو يمسك ذراع جيلان التي اتسعت عينيها وقالت ببراءة مزيفة وهي تشير إلى نفسها:
-أنا. أنا أعمل كده. اخص عليك يا أمجد مكانش العشم. انا معملش كده أبداً. دي اكيد نوران.
نظر أمجد لنوران التي تمسك المسبحة وتسبح بها وقد عبست وهي تجده قد نظر إليها وقالت بضيق مزيف:
-ما تصلوا على النبي. ايه نوران دي. هي اي حاجة تحصل في الكون تلبسوهالي أنا. نوران كمان اللي اكلت الجبنة صح. ما اي حاجة تحصل في البيت تتهموني أنا كمني غلبانة ومليش لا حبيب ولا قريب ولا غريب حتى. اتقوا الله الوش البرئ اللي هو وشي ده بيعملش التصرفات دي أبداً.
ضحك أمجد بسخرية وقال:
-لا بقولكم ايه. احسنلك تنطقوا انتوا الاتنين والا والله هتشوفوا مني وش تاني. انطقي يا جيلان.
تراجعت جيلان قليلا بتوتر ليأتي صوت والدته وتقول:
-أنا اللي قولت لجيلان ونوران يعملوا كده.
توسعت عيني أمجد وهو يستدير وينظر إليها بعيني متسعة ويقول:
-أنتِ يا ماما.
-ايه يا بني المبالغة في رد الفعل ده وكأنك شوفتني بشرب سجاير. دي مراته ولازم يتصافوا مع بعض.
زم شفتيه بضيق ثم اتجه خارجاً من المنزل لتقول والدته:
-رايح فين؟
-رايح اجيب رحيق مستحيل اسيبها لوحدها.
ثم خرج لتضحك دلال وتقول:
-ده لو لقيتها يا أمجود.
-أنا اسف. اسف.
قالها وهو يجلس بجوارها. يحاول لمسها بينما هي تنظر للجهة الآخرى وهي تحارب دموعها. تحارب رغبته في عناقه. فالطريقة التي اعتذر بها جعلت قلبها يذوب. لقد شعرت بالسوء لانه اعتذر لأن قلبها الأحمق لان فورا وتبدد الغضب داخله. لم يتبقى الا حبها واشتياقها إليه. والأمر ليس مع عاصي فقط. هي تسامح وتنسي سريعاً ما أن يعتذر أحدهما وهذا حدث مع نوران أيضاً. الأمر أنها تشعر هي بالذنب عندما يعتذر من اخطأ بحقها لها. كانت تلك ميزتها أو عيبها. لا تعرف بالضبط.
-أنا عمري ما كنت محرومة من حاجة يا عاصي. اخويا أمجد مش حرمني من اي حاجة وقبلها بابا. حتى لما اشتغلت أمجد كان بيصرف عليا. اخويا مهندس والحمدلله بيقبض كويس. وانا عمري ما بصيت لفلوسك ابدا والله. ولا اتجوزتك عشان فلوسك.
شعر بالسوء وكره نفسه لأنه جرحها. لم يشعر بنفسه الا وهو يمسك كفيها ويقبله بلهفة ويقول:
-أنا اسف. أنا غبي.
ثم رفع رأسه وقال وبريق الدموع بعينيه:
-أنا هحكيلك كل حاجة.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تنظر إليه. كان يبدو عليه الانهيار. لم تراه حزين بتلك الطريقة من قبل. وكأن الألم الذي كان يصر على أن يخفيه ظهر على السطح أخيراً. ضم كفيه بقوة. الذكريات التي حاول الهروب منها التي فعل المستحيل لنسيانها ها هو بنفسه يستحضرها كي يخبرها عن معاناته.
-دارين. مراتي السابقة. حبي الاول. والست اللي خلت ثقتي بالحب تتدمر.
ابتلعت ريقها وهي تقبض على الفراش بقوة بينما تشعر بالإختناق دون أن تدري. اكمل كلامه وهو يشرد وكأنه ينفصل هذا المكان ليعود الماضي.
-كانت شغالة عندي سكرتيرة. افتكرتها غير كل البنات اللي حاولت تقرب مني بسبب فلوسي. قدرت تلعب عليا صح. تجاهلتني وخلتني أنا اللي ألف وراها زي المجنون. حبيتها وطلبت اتجوزها على طول. مفكرتش اماطل بالعكس عرفت اني بحبها وروحت اتقدمت علطول. صحيح ماطلت واترددت كتير بس في النهاية وافقت. حتى لما عرضت عليها تسيب الشغل وافقت فورا. وبقت تعيش حياتها. تصرف من فلوسي بشكل غريب. هدوم وميكب خواتم. سلاسل. حلقان. دهب. اي حاجة تشوفها تشتريها. حاولت ألفت انتباهها بس هي زعلت. أنا عمري ما استخسرت فيها حاجة بس هي كانت بتصرف زي المجنونة. بس سكتت عشان بحبها. وعشان مش عايز ازعلها ابدا.
بعدها بدأت المشاكل تحصل بيننا بسبب انها مكانتش عايزة تخلف. كان مبررها أنها خايفة على جسمها لاحسن يبوظ. الموضوع ده كان فعلا هيوصلنا للطلاق. وعشان متخسرش العز اللي كنت معيشها فيه وافقت تخلف.
ضحك بسخرية وأكمل:
-وعشان كنت غبي. كنت فاكر أنها عشان بتحبني عملت كده.
أغمض عينيه وأكمل بإختناق:
-حملت وخلفت أملاك اللي كانت أكبر نعمة في حياتي. حبيتها اوووي. كانت ملاك فعلا. كل اللي كان يشوفها يحبها بس الا دارين اللي مكنتش بشوف ابدا الحب في عينيها لبنتها. كانت مهملاها خالص. بتخرج وتتفسح وعايشة حياتها بالطول والعرض وسايبة أملاك للمربية. مكانتش عندها اي اهتمام بيها. كنت بتخانق معاها كل يوم بسبب ده. حياتنا بقت جحيم. وبعدين اكتشفت الكارثة الكبيرة أنها بتخونني. شكيت فيها في يوم لما تليفونها رن بالليل وخرجت تتكلم وهي فاكراني نايم. خليت حد يراقبها. واكتشفت أنها بتخوني مع قريبها. اكتشافي ده قطم ضهري. حسيت اني زي المجنون. عايز اعمل اي حاجة عشان أذيها كان نفسي اقتلها. يومها واجهتها بالصور. ضربتها لحد ما اترجتني اقتلها. بس انا كنت مصر اني اعذبها. حبستها في البيت. بس هي عشان تنتقم مني في يوم اخدت بنتي وركبت عربيتها وقدرت تهرب. بس انا من حسن حظي وصلي الخبر بسرعة وروحت وراها.
انهمرت الدموع من عينيه وهو يتذكر. اصوات احتكاك عجلات السيارة بالأرض. صورة السيارة وهي تنقلب بزوجته وابنته. صدمته وتوقف عقله عن التفكير. كل تلك الأشياء اقتحمت عقله بقوة.
-كانت بتسوق بسرعة. بسرعة جدا. وانا كنت وراها. معرفش ايه اللي حصل فجأة لقيت العربية بتطلع لفوق وتنزل على الأرض. حسيت وكأن العالم وقف بيا. مكنتش عارف افكر. مكنتش عارف اعمل ايه.
مسح دموعه وقال:
-دارين ماتت. وبنتي بقت مشلولة.
توسعت عيني رحيق والدموع تنهمر من عينيها بصدمة ليبتسم هو بحزن ويقول:
-أنا السبب. أنا. لو كنت رميتها بعد ما اكتشفت خيانتها مكانتش ده حصل. أنا.
أغمض عينيه وهو يتوقف عن الحديث ثم قال بصوت مختنق:
-كان مفروض أطلقها واخد بنتي. لو كنت عملت كده كانت بنتي مش هتتأذي.
فتح عينيه مجددا وهو ينظر إليها. كانت تبكي من اجله. الدموع تنهمر من عينيها دون توقف. ابتسم بحزن وأكمل:
-أنا فقدت ثقتي في الحب يا رحيق. فقدت ثقتي في أي ست ممكن تدخل حياتي بس جيتي انتِ يا رحيق. مكنتش مصدق أن فيه حد ممكن يكون برئ بالشكل ده. عاملتي بنتي احسن ما كانت امها الحقيقية بتعاملها. عمرك ما طلبتي حاجة مني. كنتِ راضية بأي حاجة أنا اجيبها. بعد القذارة اللي عشت فيها مكنتش مصدق اني اعيش مع النقاء ده كله. حسيت أن الحواجز اللي بنيتها جوايا ناحية اي ست بتتهد قدامك. بسبب حبك أنتِ أنا رجعتلي ثقتي بكل اللي حواليا. بس انا اذيتك ومش هنكر ده وعمري ما هسامح نفسي لاني جرحتك. ولكي الحق تعملي اي حاجة. أنا قدامك يا رحيق. خدي حقك مني بأي طريقة عايزاها.
مسحت دموعها وهي تقول:
-أنا مش مستعدة اكمل.
الفصل التاسع والخمسون الجزء الثاني
(قوتي وضعفي)
أنتِ كل شئ.
ارتجفت اطرافه وهي تخبره بهذا. شعر انه يختنق. اقترب منها واراد ان يمسك كفها ولكنه تراجع وهو يبتلع ريقه ويقول:
-رحيق.. رحيق أنا عارف اني غلطان. بس ده عقاب كبير أنا مقدرش اتحمله. لو عايزة تاخدي وقت عشان تصفيلي ماشي. لكن متنهيش كل حاجة. شوفي ايه اللي عايزاه وانا هعمله بس بلاش الطلاق.
أطرقت برأسها والدموع تنهمر من عينيها. يؤلمها ان تراه بهذا الضعف ولكن عليها محطم للغاية. لقد كسر قلبها بكلماته. كيف تعود بتلك البساطة. كيف!
اغمضت عينيها والدموع تنهمر منها وهي تقول بإختناق:
-انا عمري ما اعرف اتعامل معاك بشكل طبيعي ابدا يا عاصي. هبقى متحسسة ناحية أي كلمة تقولها. ازاي ارجعلك وانت شايفني بتاعة فلوس. اللي عشته صعب أنا عارفة. بس أنا ازاي هرجعلك. ازاي هقدر اشوفك بتصرف عليا من غير ما اتحسس من غير ما افتكر أنك في يوم قولت عني كده. أنا مش هقدر. صدقني. أنا مش قاسية يا عاصي. بس مش قادرة اتخطى اللي قولته.
امسك كفيها وهو يقبلهما بلهفة بينما يقول والدموع محبوسة بعينيه:
-أنا آسف. آسف سامحيني.
شدت كفيها وهي تقول بإختناق:
-متعتذرش لو سمحت. لما بتعتذر بنسى اللي عمله. وانا مش عايزة انسى. مش عايزة اكون هبلة بعد كده تجرح فيا براحتك واسامحك.
هز رأسه بقوة وهو يمسك كفها ويقول:
-لا عمري ما هزعلك تاني والله. رحيق متقوليش أنك عايزة تبعدي عني ابوس ايديكي. خدي وقتك وانا هستنى.
حكت جبينها بتعب وقالت:
-محتاجة وقت.
وكأنها ألقت عليه حبل النجاه. إذ أمسك كفها وهو يقول بلهفة:
-براحتك. براحتك اووي. خدي الوقت اللي عايزاه أنا مش هضغط عليكي ابداً.
هزت رأسها ثم سحبت كفها مجددا وهي تمسح دموعها بينما تنهد هو براحة على الأقل اقنعها انها تبقى معه. على الأقل تخلت عن فكرة الطلاق وهذا جعله مرتاح نوعاً ما.
نظرت إليه وهي تقول:
-طيب خلاص رجعني البيت دلوقتي.
-لا.
نظرت إليه بحيرة فأبتسم وقال:
-خلينا لبكرة وهرجعك.
فركت كفيها بتوتر وقالت:
-ايوة بس أنا بخاف من البحر كده مش هعرف انام لطول الليل.
ابتسم وهو يقول:
-مش مشكلة أنا هحضنك.
نظرت إليه بضيق وقالت:
-قولت هتديني وقت!
هز كتفيه ببراءة وقال:
-أنا هحضنك بس والله.
-لا شكرا مش عايزة.
قالتها بغيظ.
ولج أمجد المنزل وهو يشعر بالضيق. قابلته شقيقته نوران وهي مبتسمة ببراءة:
-ها يا أمجود لقيتهم؟
رمقه بنظرات نارية وقال:
-ايه رأيك يا نوران تبعدي عن وشي اللحظة دي بدل ما أطبق وشك حرفيا. أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي.
كتمت نوران ضحكتها وهي تبتعد بالفعل عنه وتلج لغرفتها متمنية ان يكون عاصي حل الأمر.
عجزت عن النوم مجددا وهي تشعر بالخوف. خوفها من البحر ولأنها بمفردها فقد طلبت من عاصي أن يخرج من الغرفة لكي تستطيع النوم. ورغم مشاكسته لها الا انه احترم رغبتها تلك. ولم تنكر الأمر أثر بها قليلاً. ضمت جسدها إليها وهي تحاول ان تغمض عينيها لكي تنام ولكنها فشلت في هذا. ما زال خوفها يتحكم بها. رباه كيف ستقضي الليل بطوله في هذا المكان وهي تشعر بهذا الرعب. ربما عليه ان تطلب من عاصي أن يظل معها بنفس الغرفة. احمر وجهها من الفكرة. وهي تحاول إزاحة تلك الفكرة عن عقلها الذي أخبرها أنها مشتاقة له. ربما تضع المبررات ليكون معها في نفس الغرفة ولكنها هزت رأسها وهي تقول بهمس:
-لا مش بتلكك عشان يكون معايا في نفس الاوضة ولا حاجة. أنا بس بخاف من البحر وهو هينام جنبي في نفس الاوضة. لكن هنومه على الكنبة الصغيرة دي.
ثم نظرت وهي تشعر بقليل من الذنب عندما رأت الأريكة الضيقة. ولكنها نفضت هذا الشعور. ليعاني قليلاً.
نهضت من الفراش وهي تهندم نفسها قبل أن تخرج. بحثت بعينيها عنه حتى وجدته يجلس امام البحر وهو يغني:
في البحر سمكة سمكة بتزق سمكة سمكة
عالشط واقف واقف صياد بشبكة
في البحر سمكة سمكة بتزق سمكة سمكة
عالشط واقف واقف صياد بشبكة
في البحر موجة بتزق موجة
و الشط زحمة و زعيق و هوجة
في البحر موجة بتزق موجة
و الشط زحمة و زعيق و هوج
و نونة تضحك تضحك و تقولي بابا بابايا بابا هات لي هات لي بسكوت و نوجة.
-عاصي.
قالتها وهي تكتم ضحكتها لينهض وهو يقترب منها ويقول:
-قلب عاصي من جوا. غيرتي رأيك صح وانتم جنبك صح في الاوضة.
ابتعدت قليلاّ وقالت بحدة:
-لا. أنا بس خايفة انام لوحدي.
ابتسم بمشاكسة وقال:
-لا يهمك أنا هاجي وانام جنبك وهحضنك ومش هتحسي بالخوف أبداً.
هزت رأسها بيأس وهي تستدير لتلج للغرفة ليذهب هو خلفها ويبتسم أكثر ابتسامة سعيدة كانت على وجهه يوماً. وما أن وقفا في الغرفة اتجهت هي إلى الفراش الواسع بتعب واتجه خلفها ولكنها استدارت وهي تفرد كفها لإيقافه وهي تقول:
-نعم رايح فين؟
عبس وقال:
-هنام جنبك وهحضنك.
رفعت حاجبيها وقالت:
-انت قولت هتديني وقت.
احتلت خيبة الأمل ملامح وجهه وقال:
-يعني ايه مش هحضنك؟
ربعت ذراعيها ليبتسم بلطف ويقول:
-خلاص يا جميلتي انام بس على الجنب بتاعي وأنتِ على الجنب بتاعك.
-لا طبعا انت هتنام في حتة تانية.
نظر للأعلى وقال بمشاكسة:
-لا مش معقول هلزق في السقف وأنام؟ مش معقول يا رحيق هو أنتِ فاكراني عنكبوت هيلزق في السقف. عامليني كأني انسان لو سمحتي مش عنكبوت.
-بطل دراما ممكن. انت هتنام على الكنبة.
نظر بصدمة. إلى الأريكة الصغيرة وقال بإستهجان:
-ده أنا ألزق في السقف احسنلي بكتير. كنبة ايه؟
لم ترد بل نظرت إليه بجمود فقال وهو يستعطفها:
-رحيق يا حبيبتي. أنتِ مش قاسية للدرجة دي. حرام حبيبك ينام على الكنبة افرض ضهري وجعني.
رق قلبها لحاله وكادت أن تسمح له أن تنام بجواره فقالت بهمس:
-أنا بس عايزة وقت.
-نوميني جنبك ومش هلمسك وعد.
رفعت حاجبيها وهي تنظر إليه فقال:
-بصراحة أنا كداب مقدرش اوعدك بده.
تنهد وهو ينظر للأريكة وقال:
-هنام على الكنبة وأمري لله يا مفترية.
بعد قليل. اخذ يتقلب في الأريكة دون راحة. وقد شعر بألم في ظهره. نظر إلى رحيق التي تعطيه ظهرها وقال:
-ايه رايك أغنيلك أغنية اصالحك بيها.
-لا شكرا.
قالتها وهي تحاول أن تغمض عينيها وتنام ولكنه لم يستمع إليها وبدأ الغناء:
حبيبي لو زعلان البحر هناك مليان
اشرب علي قد ماتشرب
متشرب حبه كمان
حبيبي لو عشمان أنا مش زي زمان
احلم علي قد ماتحلم
مفيش تحقيق أحلام
وانت جاي عليا سألت
أنا قلبي انشف من الإسفلت
ايام مكنت ماسك مقلمتك
كنت أنا يابني ماسك أسفلت
تلوم علي النقص ولا الناقص
واحد مبحلق التاني باصص
غل مولتو ماجنوم باظظ
حشو الجدعنه كان صايص
حبيبي لو مقموص
اشرب عرقسوس
اشرب علي قد ماتشرب
وليك جركن مخصوص
حبيبي لو متغاظ
ممكن تلعب جمباز
هتنط مهما تنط
اخرك تعمل شقلاباظ
استدارت وهي تنظر إليه فابتسم وقال:
-ايه الأغنية عجبتك دي لكزبرة؟
-خير من امتى الكزبرة بتغني. أنا كنت بحطها في السلطة؟
-لا يا حبيبتي ده واحد اسمه كزبرة.
وضعت كفها على وجهها وقالت:
-هو بعيد عن صوتك في الاغاني اللي بعتبره تكفير عن ذنوبي والحمدلله يارب أنا راضية بقدري انت شايف كلمات الأغنية دي تصالح بيها حد. جاي تصالحني وتقولي اشرب من البحر مليان؟
-محدتش بالي.
قالها وهو يكتم ضحكته فكادت أن تستدير فقال بلهفة:
-طيب اغنيلك اغنية تاني لشاكوش.
-شاكوش؟ ذوقك في الاغاني مريب غير أنها حرام مش عايزة اسمع حاجة ونام لو سمحت.
-لا دي لازم تسمعيها حلوة اووي.
-يا عاصي لا.
إلا أنه لم يستمع إليها وبدأ يغني لها:
حبيبتي افتحي شباكك أنا جيت
أنا واقف تحت البيت
مش هعمل زيطه وسيط وحشتيني
بتلفي وتدوري عليّا ليه
مش عايزة تحني ليه
طب بصي يا بنت الإيه مش هحلك
بلاغيكي قولتلك بهوايا
لو مش جايّا معايا
هعمل ألف جناية هقلب زومبي
أنا جايلك وبقولك وحشاني
انتي النص التاني
وبقيتي بالنسبة لي أم عيالي
يا سم اللهمحروسه من العين ما شاء الله
يا غزال بيطل الطله
كعبك مرسوم بالحنة يا أميرة
شغلاني ومن العالم وخداني
حضنك لاقيتو مكاني
لو غيبتي عني بعاني يا روح قلبي
بالعافية أنا جوَّا في منطقتك
واقف تحت بيتك
وبسمّع حتيتيك انتي تخصيني
من الآخر اللي يقربلها
أو يجي يوم عندها
هخطفو في وقتها أنا دمي حامي.
-بسسسس. اسكت حرام عليك صوتك هيجيبلي انهيار عصبي حرام عليك أنا حامل.
قالتها رحيق وهي تسد أذنها. عبس وقال:
-على فكرة لازم تقدري المواهب الصاعدة.
-دي مش موهبة نازلة حتى دي اللي عندك. الموهبة اللي زي دي لازم تتوأد بدري حفاظاً على صحتي النفسية.
احتل الحزن ملامحه فضحكت وهي تقول:
-تعالى يا عاصي.
ثم فتحت ذراعيها. الحمقاء لم تتحمل ذلك الحزن على ملامحه. شعرت أنها احزنته لذلك قررت أن تضمه. قلبها رقيق. ضعيف. هذة هي طبيعتها ولا تريد أن تغير شخصيتها. اقترب بسعادة وهو يضمها ويقبل رأسها وهو يقول:
-لو هتحضنيني بعد كل مرة تزعليني فيها زعليني كل يوم. كل ساعة. وكل دقيقة. كل ثانية لو تحبي.
ضحكت بقوة لينظر إليها بسعادة وهو يتلمس شعرها وقال:
-لو خسرتك كنت هكون اغبى واحد في الحياة. كنت عايش مرعوب انك متقبنليش. خوفت اخسرك وأخسر ابني اللي في بطنك. أنا عرفت اني كنت خايف. بس عرفت كمان انك نقطة قوتي. وكمان ضعفي. أنتِ كل حاجة يا رحيق. أنا مش هقاوم مشاعري ولا هخاف أنا هحبك بس.
انهمرت دموعها تأثراً فمسح دموعها وهو يقول:
-أنا اقتنعت برأيك أن اودي أملاك دكتور نفسي.
ابتسمت بأمل ليكمل:
-وهروح كمان معاها.
توسعت عينيها بدهشة ليقول هو:
-لازم اكون انسان تاني عشانك. أنتِ تستاهلي كل الحب اللي في الدنيا.
ابتسمت وتألقت عينيها بعشق ليقبل عينيها ثم خدها ويقول وهو يضمها لصدره:
-ايه رايك اقولك شعر.
-بالله عليك لا.
ضحك وقال:
-لا هقول. اسمعي يا ستي.
قصيدة: "الحلزونة"!
تقول كلمات القصيدة:
الحلزونة يامّه الحلزونة.. خبيني يامّه يا حلزونة..
الحلزونة انتحرت.. كانت تعبانة.. تعبانة.. تعبانة..
والحلزون خبطته عربية..في ميدان التحرير.. ميدان التحرير.. ميدان التحرير..
كان بيعدي الشارع.. وباصص يمين..
كان السنونَوْ.. واقف ينونَوْ.. كان السنونو.. بينونوهناك.. أصل الميدان.. كان فيه زحمة كمان.. إنسان غلبان.. خارج من شغله تعبان.. وأهو كله فوق بعضه.. كلهفوق بعضه.. إديها إنسان..
إديها في الكليتش كمان..
إنت عارف الساعة اللي معاك دي بكام.. بكام.. بكام..
وضعت كفها على عينيها وأخذت تضحك وهي تقول:
-يارب هو ده عقابك ليا وانا هتحمله. الحمدلله على كل حال.
-ايه مش عجبك الشعر؟
-بقولك ايه بما اننا هنقعد حبة حلوين مع بعض رجاء شخصي بلاش تغني أو تقول شعر. لو عايزني اكمل معاك متجلطش ولا حاجة.
ضحك وهو يضمها ويقول:
-أنتِ تؤمري يا ست البنات.
في اليوم التالي. كان عاصي قد احضر ملابس لرحيق تناسبها ولم ينسى غطاء الوجه عندما توقفا على اليابسة. ارتدت هي ملابسها وخرجت معه يد بيد. لم يدوم غضبها منه كثيرا. هي قررت أن تعود. لن تهتم أن ظن الكثير أنها دون كرامة. ولكنها تعرف أن عاصي يحتاجها وهي لم تتخلى عنه. لن تتخلى عن من تحبه. كانت تنظر إليها بسعادة. لا تصدق متى تعود إلى المنزل وترى أملاك.
-أنا خايفة من رد فعل أمجد. معرفش ممكن يعمل معاك ايه.
قالتها رحيق وهي تقف أمام منزل والدها. ابتسم عاصي وقال:
-عشانك أنا هتحمل اي رد فعل من اخوكي.
رن جرس المنزل لتفتح دلال المنزل ويشرق وجهها وهي ترى رحيق يد بيد مع عاصي.
-اتصالحتوا. الحمدلله يارب.
قالتها بسعادة وهي تفسح لهم الطريق. ولج عاصي وهو يمسك كف رحيق وهو مبتسم. بينما يقول:
-السلام عليكم.
توقف وهو يرى أمجد يقف في صالة المنزل. عينيه العسلية تشتعلان بالنيران. اقترب أمجد من عاصي ثم بتهور لكمه. صرخت رحيق وهي تضع كفها على فمها بينما اقتربت دلال من أمجد وهي تمسك كتفه وتقول:
-اخزي الشيطان يا أمجد متخلهوش يسيطر عليك.
أغمض عينيه بتعب وهو يقول:
-اعوذ بالله مش الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم نظر الى عاصي وهو يشعر بالذنب. فهو قد تصرف بتهور.
بعد قليل. كان يجلس أمجد على الأريكة بينما تجلس رحيق وهي تمسك كف عاصي. كان عاصي يطرق برأسه وبدأ يتكلم:
-أنا بحب رحيق يا أمجد. مش هنكر اني غلطت في حقها. وعقابي اني اتحرم منها لأيام. العقاب كان الخوف اللي كان بينهش قلبي من خوفي ورعبي أنها تسيبني وتمشي. أنها تنفصل عني.
رفع عينيه وهو يكمل:
-أوعدك من هنا ورايح أنا عمري ما هزعلها. اوعدك أن كرامة رحيق هتكون من كرامتي عمري ما هخليها تنزل دمعة من عينيها أبداً. بس متحرمنيش منها يا أمجد عشان خاطري.
تنهد أمجد بتعب وقال أخيراً:
-أقسم بالله لو شوفت دموع في عيون رحيق بسببك أنا بنفسي هطلقها منك.
في المشفى. كانت ماريانا تمسك بكف زوجها بينما عينيها متسعتان بصدمة بسبب كل ما حدث. كان جورج يضغط على كفها ليدعمها. نهض فجأة وهو يجد بتول تتقدم منهما وهي تقول بإنهيار:
-اللي أنت قولتهولي ده؟
ابتلع جورج ريقه وقال:
-سيلا ماتت يا بتول.
رواية اسرت قلبه الفصل الستون 60 - بقلم سوليية نصار
أنه أنت يا حبيب العمر مياس لسيف ..........
انهمرت دموع بتول وهي تسمع ما يقوله جورج.
تراجعت للخلف مترنحة إلا أن جورج امسكها وهو يساعدها لكي تجلس على المقعد.
- اهدي يا بتول.
- ماتت.
- ماتت ازاي؟
قالتها ببحة بسبب البكاء.
أغمض جورج عينيه وهو يشعر بالآشر بينما يتذكر اللحظات الأخيرة في حياة سيلا.
تلك المرأة التي دمرت حياته.
لم يتخيل ابداً أن تموت بتلك الطريقة البشعة.
- أنتِ.... بتعملي ايه هنا تاني مش ناوية تسيبينا في حالنا ولا حابة تترني علقة تاني مني؟
صرخ جورج بقوة واتجه لسيلا بتهور.
ألا أن ماريانا أمسكت كفه وهي تقول بلوم:
- جورج لو سمحت ميصحش كده.
- دي دمرت حياتنا.... دي شيطانة شيطانة.
أطرقت سيلا وجهها الباهت الذي فقد جماله ولكن جورج لم يلاحظ هذا.
بل ماريانا.
فقد لاحظت أن جمال سيلا تراجع كثيراً وكأن هناك شئ خاطئ ببشرتها.
بقع غريبة لم تراها من قبل.
- أنا جاية وعايزاكم تسامحوني.
قالتها وهي تبكي.
ليضحك جورج بسخرية ويقول:
- أنتِ عمرك شوفتي وقاحة بالشكل ده... شوفتي أنها واحدة ****.
- جورج بس.
قالتها ماريانا بحدة وهي تسمع السبة التي أطلقها على سيلا.
كانت مصدومة حقاً من غضبه العنيف.
صحيح أن سيلا دمرت حياتهما ولكن جورج بدا وكأنه على وشك قتلها.
ورغم أن سيلا أذتها الا أن ماريانا لم ترغب أبداً أن تؤذيها.
وخاصة وهي بتلك الحالة المريعة.
- أنا عارف اني استحق اي كلمة تقولها عليا.
استحق اي معاملة.
استحق كل اللي انتوا هتعملوه.
أنا مش بريئة.
أنا زي ما قال جورج اني شيطانة.
أنا دمرت حياتكم.
لعبت بيكم.
في الاول كسرت قلب جورج وبعدين رجعت عشان اكسر قلبك يا ماريانا.
كنت عايزة اخرب بيتك.
وسيبتك تواجهي مصير بشع في الليلة دي مع أن كنت قادرة اساعدك بس رفضت بسبب انانيتي.
أنا صحيح حبيت جورج.
بس حبيت نفسي اكتر.
لدرجة اني مكنتش عايز اشوفه سعيد غير معايا.
رغم اني كنت عارفة أن سعادته هتكون معاكي بس يا ماريانا.
بخططي الشيطانية حاولت افرق بينكم.
بس حبكم كان أقوى بكتير.
ورجعتوا وانا اللي خسرت.
وانا اللي بتعاقب حاليا.
شهقت وهي تمسح دموعها وتنظر لماريانا بينما تكمل بإختناق:
- أنا عندي سرطان.
سرطان الجلد.
للاسف حالتي صعبة.
اكيد لاحظتو العلامات الغريبة اللي بقت منتشرة في وشي.
أنا بفقد جمالي كل يوم.
بحاول اعالج نفسي بس بفشل.
حالتي كل يوم بتسوء.
أنا عارفة أن ده عقابي.
ومش زعلانة.
أنا بس عايزاكم تسامحوني.
سامحوني على كل اللي عملته.
نظرت إليها ماريانا بشفقة.
تلك كانت سيلا المرأة التي دمرت حياتها بالكامل.
لقد عاشت أسوأ أيام حياتها بسببها.
لقد ظنت أنها سوف تكرهها طوال حياتها ولكن حقاّ هي الآن تشفق عليها.
هي تعاني الآن.
انهمرت دموع ماريانا وانفلت نشيج من شفتيها وهي تبكي على حال سيلا.
شعر جورج بالتوتر.
هو لم يهتم بسيلا في تلك اللحظة ولا حتى قليلاً.
هو خاف على ماريانا أن تنتكس مجدداً.
حاوط كتف ماريانا وهو يهمس:
- اهدي يا حبيبتي.
ثم نظر لسيلا بكره شديد وقال:
- أخرجي من حياتنا بقا.
ابعدي عننا.
احنا اصلا مش مهتمين بيكي ولا بتيجي على تفكيرنا من اساسه.
تموتي متموتيش.
دي مش مشكلتي.
خلاص ابعدي عني وعن مراتي.
اطلعي برا حياتنا.
أخذت تبكي بإنهيار.
لم تراها ماريانا بهذا الإنهيار من قبل.
سيلا كانت دوما امرأة قوية.
جبارة.
تخطط وتطلق السهام من فمها ولكنها الآن بدت في أضعف أيام حياتها.
لم يهتم جورج بها وكاد أن يمسك ذراعها ويخرجها من المنزل.
إلا أن ماريانا أمسكت كفه وهي تنظر إليه.
ثم هزت رأسها وهي تنظر لسيلا بشفقة.
- أنا مسامحاكي.
قالتها ماريانا بهدوء.
توسعت عيني جورج بحدة وقال:
- بعد ده كله.
لم ترد ماريانا عليه بل ركزت على سيلا وهي تقول:
- متستسلميش.
روحي اتعالجي.
متفكريش في أي حاجة غير علاجك وبس.
وضعت سيلا كفها على فمها وهي تبكي بعنف وتقول:
- شكرا.
شكرا.
ثم اقتربت وضمت ماريانا بضعف وقالت:
- أنا دلوقتي اقدر اموت وانا مرتاحة.
شكرا يا ماريانا.
كان يبدو على جورج عدم الرضا بما يحدث ولكنه لم يرغب ابدا ان يضايقها.
بعد أن ذهبت سيلا.
- أنا بجد مش مصدق سامحتيها بالبساطة دي.
بعد كل اللي عملته كل.
اقتربت ماريانا من جورج وعانقته.
أغمضت عينيه وهي تضم نفسها لصدره وتقول:
- مش عايزة اعيش كل حياتي في حقد يا جورج.
عايزة اعيش سعيدة ومرتاحة معاك وبس.
مش عايزة أحقد على واحدة مريضة.
احنا عايزين نخرجها برا حياتنا والطريقة الوحيدة أننا ننساها ونسامحها.
- أنا مستاهلش واحدة زيك يا ماريانا.
بعد اللي عملته مستاهلش واحدة بطيبتك ونقاءك بس مقدرش ابعد وتقولك تستاهلي احسن مني عشان أنا اناني في حبي ليكي.
أناني وعارف اني لو سيبتك هنتنهي وانا مش عايزة انتهي يا ماريانا.
رفعت عينيها وهي تنظر إليه.
بدا جمالها يخطف الأنفاس.
بعض من خصلاتها السوداء تسقط على عينيها.
عانق وجهها وقبل رأسها وهمس:
- بحبك.
ثم اقترب ليقبله ولكن صوت مرعب اخترق أذنيه.
- ايه ده.
قالتها ماريانا برعب.
ثم خرجت للتراس لتتجمد وهي تنظر للأسفل وتجد أن سيلا ساقطة على الأرض وأمامها سيارة.
- سيلا.
قالتها برعب وعينيها متسعة.
بعد قليل.
كان جورج وماريانا يقتربان من سيلا بفزع بينما يقف الشاب الثلاثيني بجوار سيارته وعينيه تزوغان من التوتر ويقول:
- والله العظيم ما خبطتها.
هي اللي وقعت قدام عربيتي.
أنا ملمستهاش حتى.
اقترب جورج من سيلا وهو يفحصها ويدرك أنها فارقت الحياة.
عاد من شروده وهو يقول بحزن:
- الدكتور بيقول قلبها وقف.
اللي حصل انها جات تتكلم معانا.
طلبت أننا نسامحها وقالت إنها عندها سرطان في الجلد وبعدين نزلت.
مكانتش واخدة بالها من الطريق وكانت عربية هتخبطها بس قبل ما يحصل حاجة وقعت وقلبها وقف وماتت.
الشاب مش خبطها.
وضعت بتول كفها على فمها وهي تبكي بعنف.
تتذكر أنها من تخلت عن شقيقتها.
كان يجب أن تساعدها لا أن تتخلى عنها.
لقد كانت سيلا بحاجة إليها وهي تصرفت بأنانية.
لن تسامح نفسها ابدا.
أغمضت عينيها وهي تبكي بعنف.
نظرت ماريانا إليها بشفقة واقتربت منها وهي تضمها إليها وهي تقول بإختناق:
- اهدي.
خليكي قوية.
- أنا السبب.
أنا السبب.
أنا اتخليت عنها لحد ما وصلت للحالة دي أنا عمري ما هسامح نفسي أبدا.
اختي كانت محتاجاني وانا.
أنا سيبت ايديها.
أنا كان مفروض افضل جنبها.
صحيح كانت بتغلط.
كان لازم أوقفها مش اطردها من بيتي.
أنا خسرت اختي بسبب اللي عملته.
أنا عمري ما هسامح نفسي.
ابدا.
ابدا.
كان جورج ينظر إليها بشفقة وهو لا يصدق أن سيلا غادرت حياتهما للأبد.
- شكلك مبسوط ومرتاح.
قالها مروان صديق جاسم بإبتسامة وهو يرى امارات الراحة تعلو وجهه.
عكس حالته الكئيبة تندما كان مرتبط بحورية.
ابتسم جاسم براحة.
منذ زمن لم يشعر بتلك الراحة ابداً.
مواجهته مع حورية جعلت حمل ثقيل من قلبه ينزاح.
تقبله أنه ما زال يحب نوران لم يخنقه أو يضايقه على العكس تماماً.
جعله يشعر بالراحة.
تنهد وهو يتذكر مواجهته بحورية.
تلك المواجهة التي جعلته يدرك الكثير.
- ممكن تطلع من حياة بنتي بقا وكفاية اللي عملته.
قالتها والدة حورية وهي تقف امام الباب وتنظر إليه بضيق وكره شديد.
ابتلع جاسم ريقه وهو يقول بلطف:
- أنا بعتذر من حضرتك ومن آنسة حورية بس انا محتاج اشوفها ضروري.
لو سمحتي.
- انت بجد معندكش دم ولا ضمير.
أنا بنتي بتعاني بسبب من اول ما شافتك وهي حياتها اتدهورت.
لما انت لسه متهبب وبتحب مراتك ليه بترتبط ببنتي.
ليه بتكسر قلبها بالشكل ده.
ليه تدخل واحدة حياتك وانت في قلبك واحدة تاني.
- شوفي انا مقدر غضبك ومش بتملص من اللي عملته بالعكس أنا غلطان جدا كمان.
بس الحقيقة أنا عمري ما كدبت على بنت حضرتك.
عمري ما وعدتها بحاجة أنا مش هقدر عليها.
نظرت إليه بحرقة وقالت:
- بس اديتها امل.
خليتها تتعلق بيه.
وده حصل اياك تنكره.
ابتلع ريقه وهو يطرق برأسه أرضاً.
ثم قال بندم شديد:
- أنا غلطان فعلاً.
عشان كده حاجة أنا جاي اعتذر من حورية واطلب منها تسامحني.
وجاي كمان اعتذر منك.
أنا مليش مبرر لغلطي.
رفعت رأسها وقالت:
- ودلوقتي عايز ايه يعني.
- عايز اعتذر لحورية.
لو سمحتي اسمحيلي اعتذر منها.
تنهدت وهي تقول:
- خلاص لو سمحت روح وسيب بنتي في حالها.
كاد أن يتكلم مجددا إلا أن صوت ملهوف أتى من خلف والدة حورية:
- جاسم.
للحظات نظر إليها جاسم ليدري اي حال سئ وصلت إليه بسببه وأطرق برأسه أرضاً والذنوب ينهش داخله.
- جاسم انت جيت عشان ترجعلي صح.
- حورية لو سمحتي ادخلي جوا.
قالتها والدتها بغضب شديد وهي تنظر لإبنتها بينما جاسم يطرق برأسه أرضاً وإمارات الذنب تحتل وجهه.
- ماما لو سمحتي خليه يدخل.
قالتها حورية بلهفة ثم اقتربت وهي تقول بأمل:
- أنت جاي ترجعلي صح.
نظرت والدتها إليها بشفقة وقد أدركت أن ربما جاسم الوحيد الذي سوف يساعد ابنتها في تجاوز تلك الحالة المثيرة للشفقة.
نظرت إليه ببغض وقالت:
- بنتي وصلت للحالة دي بسببك.
اتصرف بقا وفوقها.
فرك جاسم كفيه وقال:
- لا يا آنسة حورية أنا جاي اعتذر منك على اللي سببته ليكي من جرح.
أنا اسف جدا.
حقك عليا.
تصاعدت الدموع لعينيها وهي تقول بإختناق:
- يعني.
يعني ايه.
- يعني انتِ إنسانة مفيش منك.
محترمة وناجحة تستاهلي اللي احسن مني.
لكن أنا قلبي مش معايا للاسف عشان ادهولك.
ومقدرش اتجوزك وانا قلبي مع غيرك.
غلطت وارتبطت بيكي وانا بحب حد تاني ومش هغلط الغلطة دي.
أنا بس جاي اطلب منك تسامحيني على الغلطة دي.
- غلطة.
شايف تدميرك لحياتي غلطة.
قالتها بنحيب ليرد بألم:
- غلطة كبيرة وحاجة أنا ندمان عليها.
أنا آسف.
آسف.
سامحيني.
- انت.
انت.
انهمرت دموعها وهي لا تستطيع أن تتكلم وكأن الكلمات توقفت بحلقها.
كيف يفعل هذا.
انها تموت هنا وهو يقول خطأ.
- انت دمرت حياتي.
صرخت به ليقول بخجل:
- أنا اسف سامحيني.
هزت رأسها وهي تنظر إليه بكره وتقول:
- لا لا.
ده مستحيل.
مستحيل اسامحك.
أنا هفضل طول حياتي اكرهك.
هفضل طول حياتي احقد عليك.
وانا بتمنى يجي يوم يتكسر قلبك زي ما كسرت قلبي.
روح يا شيخ يارب ما تدوق السعادة طول حياتك.
تعيش في غم ونكد.
تبكي بدل الدموع دم.
يتحرق قلبك من اللي بتحبها زي ما حرقت قلبي.
غور من هنا أنا عمري ما هسةمحك.
هفضل طول حياتي ادعي عليك.
طول حياتي هكرهك.
امشي من هنا.
صرخت بها وهي تبكي بعنف جعلت والدتها تضمها بقوة ليذهب هو.
رغم ضيقه من انهيارها الا أنه سعيد أنه اتخذ تلك الخطوة.
لقد اعتذر وهي شوف تغفر له عندما تجد الرجل الذي يحبها لذاتها لا يتخذها وسيلة فاشلة لينسى بها حبه الحقيقي.
نعم هو لم يتجاوز نوران.
لن يكذب على نفسه مازالت نوران تسيطر عليه.
عاد من شروده وابتسم.
الراحة التي يشعر بها الآن لم يشعر بها منذ زمن.
بعد شهر.
كان يمسك كفها قبل أن يتم تجهيزها للجراحة يقبله بلطف وهو يشعر بالتوتر.
ينظر إلى عينيها ويبتسم لها ليطمئنها.
يحاول أن يخفي قلقه عنها كي لا تخاف.
ماذا أن فشلت تلك الجراحة.
هل ستنتكس حالتها وتحزن.
ولكن دعا الله أن يتحقق لها ما يريد.
- مياس.
عايز اقولك.
ولكنه لم تدعه يكمل كلماته بل قالت وهي تقبل رأسه:
- مهما كانت النتيجة انا مش زعلانة.
عشان دلوقتي ربنا عوضني بالاحسن.
ابتسم وتألقت عينيه وقال:
- مين الاحسن اللي ربنا عوضك بيه.
تألقت عينيها عشقاً:
- أنت يا حبيب العمر.
- حامل.
قالتها ماجدة بإبتسامة سعيدة وهي تنظر الى يوسف الذي قال بزهو:
- مش قولتلك.
انا اصلا كنت متأكد عيب عليكي يا حبيبتي.
ضحكت ماجدة وقد انهمرت دموع السعادة من.
دلوقتي ليزفر يوسف بضيق مصطنع وينظر للطبيبة ويقول:
- اهي من دلوقتي هتعيط وتقول هرمونات وبتاع واحدة غيرها كانت زغرطت من السعادة.
ضحكت ماجدة لتقول الطبيبة:
- طبعا مش هوصيكم على الراحة التامة.
- متقلقيش يا دكتورة مش هخليها والله تشيل طبق.
قالها يوسف بلهفة.
لهفته أسعدت ماجدة وأوجعت قلبها في وقت واحد.
تشكر الله أنه حقق أمنية حبيبها فهو يستحق.
يستحق كل السعادة.
بعد قليل.
خرجا متشابكا اليد من غرفة الطبيبة كانت يبدوان كأنهما عروسين شابين جديدين بذلك الحماس الذي يعلو وجهيهما.
توقفا فجأة بذهول وهما ينظران إلى منير الذي كان معه عبوة ضخمة من الشيكولاتة الفاخرة وكان يوزع منها على المرضى بعيادة الطبيبة.
عندما رأى صديقه اشرق وجهه وهو ينظر إليه ثم اقترب منه وهو يحتضنه ويقول:
- مبروك يا غالي.
ثم أعطاه شيكولاتة هو وماجدة واكل توزيع الشيكولاتة.
رفعت ماجدة حاجبيها وهي تقول:
- هو مين اللي قال لمنير.
ازاي عرف اصلا من قبل ما اطلع من العيادة.
ابتسم يوسف وهو يحك رأسه وقال:
- أحم أنا قولته قبل ما تكشفي حتى.
ضحكت ماجدة وهي تشد على كف يوسف بينما تنظر إلى منير الذي بات كشقيق لهما وتتمنى له كل الخير.
الفصل الأخير
(حبك لعنة رائعة)
مهما فعلت لا أتوقف عن التفكير فيكِ.
أي سحر تمتلكينه؟
بعد عام.
انا صاحبي العريس المولي يحرسه وانا حالف ارقص في عرسو.
- صاحبي عريس انا فرحان ليهو فرحان في عيونه.
- صاحبي عريس فرحان لي الفرحه ال في عنيهو.
- ياحلات الحنة ال في ايدهو صاحبي شقيق انا فرحان ليه.
وغنتها شادن وهي تلج للمنزل بينما تلج للمنزل وتطلق زغرودة عالية.
- ششش.
اسكتي دائماً بزعابيبك كده.
قالتها نوران وهي تضحك وتقترب منها ثم تعانقها.
عانقتها شادن وهي تضحك وتقول:
- الله ده مش فرح يا خي الواحد لازم يخلق جو كده.
- بس ده فرح الشيخ أمجد مش عايزين منه كلام ابوس ايديكِ بعدين ده قرر يعمله اسلامي.
- يا اختي ما يعمله اسلامي بعد خمس أيام.
الحنة وهتبقى بنات بس ونولع احنا الدنيا.
ضحكت نوران وقالت:
- الشيخة رحيق مش هترضى.
- سمعتك يا نوران وهربيكي حاضر.
قالتها رحيق وهي تخرج من المطبخ وعلى ثغرها ابتسامة واسعة اقتربت من شادن وهي تتأملها بحب.
كانت فتاة سمراء متوسطة القامة.
نحيفة قليلة عينيها لامعتان بالفطرة يشوبها اللطف والطيبة بينما يزين خديها ناجزتين تعطيانها سحر عندما تبتسم.
- رحيق ايه القمر ده.
الجواز والخلفة بيحلوا كده للدرجادي.
قالتها شادن وهي تقترب من رحيق وتضمها إليها.
ضمتها رحيق بدورها وقالت:
- اخيراً الواحد شافك يا أستاذة.
حضرتك لا حضرتي فرحي ولا فرح نوران بس عند أمجد جيتي.
ابتسمت شادن وقالت:
- الشغل أنتِ عارفة وبابا مش بيتحمل السفر ولا يخليني أسافر لوحدي.
بس المرة دي جبته وجيت وهقعد أسبوع كامل عندكم.
- ياااه أسبوع جيتي على نفسك بصراحة.
قالتها رحيق وهي تضربها بمزاح على ذراعها.
- معلش يا بنت خالي.
أنا واحدة إجازة بالعافية والله.
- يا حبيبتي يارب تتجوزي وتخلصي من الشغلانة دي والدك مكانش عايز يشغلك بس أنتِ اصريتي.
- الله مش يمكن الأقي في الشركة اللي بشتغل فيها المدير الوسيم الغني اللي يحبني ويتجوزني زي الروايات.
- يخربيت الروايات اللي أكلت عقلك.
طيب يا اختي لقيتي المدير اللي بتتكلمي عليه.
- لا للاسف.
المدير بتاعي اكبر مني بخمسة وعشرين سنة.
عنده ٥٢ سنة.
ضحكت رحيق وقالت:
- طيب يا اختي ربنا يعوضك بقا.
يالا ضبطي نفسك كده عشان تأكلي وترتاحي شوية.
أمجد خرج يخلص شوية حاجات وهيجي على بالليل.
صحيح فين جوز عمتي.
- راح المسجد وهيجي.
- طيب عقبال ما تغيري وتضبطي نفسك يكون جه يالا.
هزت رأسها بطاعة.
بعد قليل.
كان الجميع ملتف حول طاولة الطعام.
دلال وجيلان ورحيق وشادن ونوران.
فقط أمجد من كان غائب وهلال والد شادن الذي أخبرهم أنه يريد النوم فقط.
ااومال فين الولد سفيان عايزة اشوفه على الطبيعة الولد الحلو ده.
ابتسمت رحيق وقالت:
- نايم الحمدلله مواعيد نومه غريبة الولد ده مبينامش معايا الليل كله.
ابتسمت شادن وقالت:
- الله يعينك.
- يارب.
هو بصراحة هنا الكل بيساعدني.
ماما ونوران وهناك عاصي مش مقصر بصراحة.
رن هاتف رحيق فجأة لتمسكه رحيق وتتألق عينيها وهي ترى المتصل.
- ده عاصي.
- العاشق الولهان مش قادر على بُعدك.
قالتها شادن وهي تضحك ليحمر وجه رحيق وهي تنهض.
- الله دي بتتكسف لسه.
ضحكت شادن وهي تقولها لتوكزها نوران وهي تضحك وتقول:
- بس بقا يا شادن متكسفهاش.
هي بتسمع اسمه بس ووشها بيكون زي الطماطماية.
ضحكا الاثنين لتنهمرهما دلال وتقول:
- بس يا بت انتِ وهي كلوا وبطلوا تكسفوا البت.
نهضت وهي تمسك الهاتف بينما وجهها احمر من الخجل بينما تناوش شفتيها ابتسامة وهي تتحدث مع حبيب قلبها.
- عاصي.
- قلب عاصي وحشتيني اووي اووي بجد.
احمر وجهها بشكل محبب وصمتت ليضحك هو ويقول:
- خلاص خلاص مش هكسفك.
عارف ان حواليك ناس.
عشان كده أنا مش هتكلم ولا اكسفك.
بس انتِ فعلا وحشتيني.
امتي هتيجي.
- أجي فين دلوقتي يا عاصي.
لسه لما يخلص فرح أمجد.
- لسه هستنى اسبوع.
كتير يا روحي والله.
- بطل غلبة بقا.
اصبر شوية وبعدين هتيجي على الفرح وتشوفني.
- طيب ما اجي دلوقتي.
هقعد معاكي في الاوضة والله ما هتحرك من مكاني.
اشمعنا هتاخدي أملاك وانا لا.
- تيجي فين.
همست وهي تكتم ضحكتها ليرد بشوق:
- أجي واقعد معاكي الكام يوم دوول.
قولتلك مش هطلع من الاوضة اللي انا فيها هفضل فيها بس المهم ابقى معاكي.
- عاصي.
انت عارف ان ده مينفعش.
أملاك هتنام جنبي في الاوضة.
هتقعد فين.
بعدين عيب البيت كله ستات وقريبتنا اللي من اسوان جات هي ووالدها.
مينفعش خالص.
- طيب عايز اجي اشوفك النهاردة.
بجد وحشتيني اووي.
مش هطول.
- ويحصل زي ما حصل امبارح.
لا مستحيل.
كفاية كسفتي قدام ماما دلال لما دخلت ولقيتنا.
أغمضت عينيها بخجل وهي تتذكر لحظة دخول والدتها الغرفة فجأة بينما كان عاصي يقبلها.
لقد توسلت له ألا يفعل هذا ولكنه كان مصمم على إحراجها على ما يبدو.
تتذكر وجه والدتها المصدوم.
وتذكرت احساسها في تلك اللحظة.
كانت ترغب بالفعل في أن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الإحراج والخجل.
كانت وقتها غاضبة للغاية من عاصي.
حتى أنها لم ترد عليه عندما اتصل بها مرات عديدة.
كانت غاضبة لانه عرضها لهذا الموقف.
ولكن في النهاية وكالعادة رق قلبها وردت عليه وهي تستغفر الله بصوت مرتفع ليستطيع أن يراضيها بكل سهولة مجددا.
أخرجها من شروده ضحكته التي تعبر عن تسليته والتي أشعرتها بالغضب الشديد منه وقال:
- اعمل ايه انا مبقدرش اقاومك.
- بالضبط عشان كده انت ممنوع تيجي هنا ابدا ابدا.
استنى لما اجي البيت لكن تيجي وتفضحني زي ما فضحتني واحرجتني امبارح.
أنا لحد دلوقتي بتكسف ما ابص في وش ماما بسببك.
- اووف متأفوريش يا روحي.
أنا جوزك مش حد غريب.
- خلاصة الكلام أنت مش هتيجي هنا يا عاصي ولو سمحت ابعت أملاك النهاردة مع السواق.
- اووف ماشي.
بس خلي بالك أنا هنتقم منك بس تيجي وهتشوفي.
ابتسمت وهي تقول بدلال:
- اعمل اللي انت عايزة ميهمنيش.
- طيب يا رحيق براحتك خالص.
المهم اللي ميزعلش في الاخر.
قالها بتوعد لتضحك وهي تودعه وتغلق الهاتف.
كانت الابتسامة تغطي ملامحها وهي تجلس لتكمل طعامها.
تكلمت شادن وهي تشاكسها وتقول:
- حقيقي نفسي اتجوز عشان اعيش المشاعر الحلوة دي.
حببتوني في الجواز والله.
من اول ما قعدتي والإبتسامة مفارقتش وشك.
ارتبكت رحيق قليلاً وقالت:
- ده.
ده كان بيكلمني عشان املاك.
هو قال هيجيبها النهاردة.
غمزت لها شادن وقالت:
- ما هو باين من وشك الاحمر وكسوفك أن الكلام كان على أملاك.
صمتت رحيق بتوتر لتنفجر شادن بالضحك وتقول:
- ياروحي أنتِ لسه بتتكسفي زي العرسان الجداد ووشك كمان بيحمر.
ده أنتِ لقطة والله.
ضربتها دلال على كتفها وقالت:
- كلي يا بت بلاش غلبة.
حرام عليكي كسفتي البنت هتلاقيها منك ولا من جوزها اللي بيكسفها كل شوية.
خجلت رحيق أكثر وهي تفهم عن ماذا تتحدث والدتها.
في اليوم التالي.
- مش معقول يعقوب.
قالها أمجد بسعادة شديدة وهو يقترب من صديقه الذي أتى ليهنئه.
يعقوب نصار.
محامي مخضرم.
وصديقه المفضل.
صديقه منذ الابتدائية.
صحيح لا يتحدثان كثيرا ولكنه يميز يعقوب بشكل واضح عن باقي أصدقاؤه.
ربما لأنه يشعر أن يعقوب يشبهه كثيرا.
ضمه يعقوب بإبتسامة وهو يقول:
- مبروك يا عريس.
ابتعد قليلا وهو يبتسم.
عينيه السوداء الجذابة تبرق بسعادة لصديقه.
ملامحه تزداد وسامة بسبب تلك السعادة المرسومة على وجهه.
- وحشتني يا صاحبي والله.
أنا آسف اني فوتت كتب الكتاب بس كنت مسافر.
- لا يهمك يا اخويا.
المهم انك هنا واكيد هتحضر الفرح.
هز يعقوب رأسه وقال:
- أكيد يا عم مستحيل افوت فرحك ابدا.
أنا هحضره.
- حبيبي يا يعقوب.
ربنا يعلم انك من اكتر اصحابي اللي انا بحبهم وبرتاح لهم.
- ربنا يخليك يا أمجد.
وربنا يسعدك ويتمملك بخير.
عموما أنا همشي دلوقتي.
وان شاء الله اشوفك في الفرح يا عريس.
ابتسم أمجد له ونهض معه لكي يوصله إلى الباب.
تفاجأ عندما ولجت نوران فجأة وهي تحمل بضعة حقائب بلاستيكية وتقول بتذمر:
- الاسعار بقت نار.
ده أنا اشتريت الفراخ بس من غير الخضرا وصرفت كل اللي معايا.
فجأة انتبهت عندما رأت شقيقها يقف بجوار رجل آخر.
احمرت وجنتيها بخجل وهي تقول بهمس:
- السلام عليكم.
أطرقت رأسها وقالت:
- معلش يا أمجد باقي اكياس الفراخ في التاكسي ابقى جيبهم.
ثم أسرعت للداخل.
بينما اتبعتها عيني يعقوب للحظات ثم سرعان ما اخفض عينيه مسيطراً على الانبهار بعينيه ولكن ابدا لن يستطع السيطرة على قلبه الذي بدأ يخفق بقوة ولأول مرة.
خرج من منزل صديقه ونوران ترفض الخروج من عقله.
كان صورتها انطبعت بذاكرته.
هو خطب مرتين من قبل ولم يتوفق ولكن ابدا لم يشعر بتلك المشاعر.
كيف يمكنه أن يمتلك مشاعر كتلك لفتاة لم يراها سوى لثانيتين.
أن أن السبب أنه شقيقة صديقة أمجد.
أمجد الذي تمنى أن يكون أقرب له.
فهو لم يرى رجل امين مثله.
لقد قرر أن يستخير ربه وان حدث وارتاح سوق يكلم أمجد.
في المطبخ.
كانت نوران هي ورحيق وجيلان ودلال وشادن يضعوا الدجاج بالمبرد.
- ما شاء الله جيبتي فراخ كتير يا نوران.
ابتسمت نوران وقالت:
- أكيد يا امي مش هنعمل اطعام يوم الفرح.
والله أمجد ده ربنا يباركله والله على الاطعام اللي هيعمله في فرحه.
ربنا يفتحها عليه يارب.
ابتسمت جيلان وهي تشعر بالفخر بسبب حبيبها.
كل يوم تحبه أكثر وتدرك معدنه الطيب.
- بس احنا محتاجين مساعدة مش هنقدر نعمل الكمية دي لوحدنا أنا وأنتِ ورحيق وشادن.
- متقلقيش يا ماما.
في المكان اللي بحفظ فيه قرآن فيه شيف شاطرة اووي عرضت أنها تساعدني لما قولتلها.
كنت عايزة اتفق معاها على فلوس بس هي حلفت أنها عايزة تعمل ده لوجه الله رفضت خالص تاخد فلوس.
سبحان الله متيسرة ليه من كذا حتة هو طيب ويستاهل.
ابتسمت دلال وهي تساعدهم.
بعد قليل.
اتجهت نوران بتعب إلى غرفتها وهي تتسطح على الفراش.
أغمضت عينيها وهي تتنهد بقوة رباه قد اشتاقت له بقوة.
تحاول أن تشغل وقتها بين التعليم وعمل المنزل.
حتى أنها بدأت تعمل من المنزل ولكنها تتذكره.
تتذكر أيامها معه وتتذكر اخر وداع لهما ولا يمكنها سوا ان تشتاق إليه بقوة.
أخذت تفكر هل هو يشتاق أيضاً.
لن تنكر أنها تتبع أخباره وقد عرفت بخبر فسخ خطبته وفرحت لهذا.
تعرف أن هذا يجعلها تبدو شريرة في نظرها ولكن لا يمكنها التحكم بمشاعرها.
لا يمكنها أن تتحكم بسعادتها.
تعترف أن تلك أنانية منها ولكن ماذا تفعل عندما عرفت بخبر خطبته انهارت للغاية.
شعرت أن العالم يضيق بها ولكنها أقرت أن هذا حقه.
تنهدت وهي تفتح عينيها وتسحب هاتفها ثم تفتحه على ملفات الصور وأخذت تتصفح الصور الكثير التي اخذتها من صفحته على موقع التواصل الاجتماعي.
أنها ترتكب خطأ.
وللأسف مدركة لهذا.
ولكن إن لم تنظر لصوره يوميا قد تُجن أو تموت بالفعل.
وضعت الهاتف على صدرها وهي تغمض عينيها بينما تشعر بالدموع تلسع عينيها.
- يارب ريح بالي يارب.
وريح باله واسعده يارب.
وعوضه عن كل اللي حصله.
يا كريم.
ثم انسابت الدموع من عينيها وهي تشعر بالإختناق.
هذا الحب يقتلها ولكنها ممتنة لوجوده بقلبها.
فهي تفتخر أنها أحبت رجل مثله.
وتحسد المرأة التي سوف يتزوجها.
من ناحية أخرى.
نهض جاسم بعنف من نومه وهو يتنفس بصدمة.
لماذا لا يتوقف عن رؤيتها في أحلامه.
لماذا لا يتوقف عن رغبته بها.
أمام هذا الاشتياق لها ينسى غضبه منها.
فرك وجهه بتوتر وهو يتذكر أنه سوف يراها في زفاف أمجد.
رغم توتر العلاقات بسبب طلاقه هو ونوران إلا أن أمجد وخالته دعوه الى الزفاف.
وهو سعيد حقاً لانه سوف يراها.
لقد كاد بغباء أن يتصل بها عدة مرات ولكنه دوما كان يتوقف عن هذا ويسيطر على نفسه في اخر لحظة.
في اليوم التالي.
مساءاً.
وفي أحد المقاهي العامة.
نظر أمجد إلى ساعته للمرة الثالثة وهو يرفع حاجبيه وينظر الى يعقوب الذي كان ينظر إليه من بتوتر ويفرك كفيه.
لقد استخار ربه وسعر أنه مرتاح بشأن خطبته لنوران.
هو لم يرى نوران الا مرتين.
مرة عندما كان في الجامعة وذهب لصديقه رآها وقد كانت صغيرة ومرة عندما رآها بالأمس.
في المرة الأولى لم ينتبه لها.
ولكن باللمس لم تخرج من عقله.
لذلك استخار ربه وقرر أن يتكلم مع شقيقها.
- طيب ممكن تتكلم وتقول فيه ايه بالضبط مر ساعة تقريباً وانت بحالة الصمت والتوتر دي.
فيه حاجة يا يعقوب.
- بصراحة أنا مكسوف منك يا أمجد.
عبس أمجد وقال:
- مكسوف ليه إن شاء الله.
قولي يا ابني فيه ايه.
عيب عليك مفيش بيننا الكلام ده.
اتكلم من غير كسوف وقول فيه ايه.
ايه اللي مخليك مرتبك كده قولي.
ابتلع ريقه وهو يقول بتوتر:
- انا طالب منك ايد آنسة نوران.
رفع أمجد حاجبيه بدهشة ليتوتر يعقوب ويقول:
- والله العظيم أنا مشوفتهاش الا امبارح لما دخلت البيت وانا طالع منه.
ابتسم أمجد وقال:
- فيه ايه اتوترت كده ليه أنا بس مستغرب ومتقلقش واثق فيك.
والحقيقة اني مش هلاقي احسن منك لأختي يا يعقوب بس فيه حاجة لازم تعرفها.
- ايه هي.
تنهد أمجد بقوة وهو يقول:
- نوران اتجوزت واطلقت قبل كده.
توسعت عيني يعقوب بصدمة وهو يشعر بخيبة أمل مفاجأة.
هو لم يكن من النوع الذي يهمه أن تكون الفتاة بكر ام لا ولكنه من داخله أراد كأي رجل أن يكون أول رجل في حياة زوجته.
- اتطلقت.
قالها بهمس يائس ليهز أمجد رأسه ويقول:
- هو الحقيقة اتطلقت بعد جوازها بفترة قصيرة.
متفقوش مع بعض.
بس الحمدلله على كل حال.
زي ما قولتلك أنا مش هلاقي احسن منك لاختي.
بس طبعا لازم تعرف وتقرر في الاخر.
صمت يعقوب للحظات ليبتسم أمجد مشفقاً عليه ويقرر أن يزيح عن الحرج وينهض ويذهب.
وبالفعل كاد أن ينهض إلا أن يعقوب امسك كفه وقال:
- ميهمنيش.
توسعت عيني أمجد ليردد:
- انا مصمم على كلامي أنا طالب ايد مدام نوران.
- انت متأكد.
قالها أمجد بحذر ليهز رأسه بكل تأكيد ويقول:
- ومصمم كمان.
أنا طالب ايد اختك يا أمجد.
موافق.
ابتسم أمجد وقال:
- أكيد موافق وأنا هلاقي احسن منك فين.
أنا هاخد رأيها النهاردة واللي فيه الخير يقدمه ربنا وعلى الأغلب هتقعد معاها بعد فرحي.
هز يعقوب رأسه وابتسم.
في المساء.
- دي مطلقة.
ازاي هتتجوزها.
قالها أخيه على بنفور من الفكرة ليعبس يعقوب ويقول:
- ايوة يعني ايه مطلقة وهتجوزها ازاي.
هتجوزها زي الناس.
هي بسلة يعني مينفعش اتجوزها ولا ايه يا علي.
- يعقوب انت عارف قصدي ايه متمثلش.
قالها علي بضيق وأكمل:
- ازاي شاب مسبقش ليه الجواز يتجوز واحدة مطلقة.
مستهلكة.
رفع حاجبيه بإستنكار ونفور وقال:
- مستهلكة.
هي سلعة يا بني.
دي إنسانة من لحم ودم.
وفيها ايه لو اتطلقت.
عادي محصلش نصيب بينهم.
نفسي تتعلم تحترم الستات وسيبك من الكلام اللي مش من الدين ولا الشرع ده.
آنسة نوران واحدة محترمة ومتدينة وأخت اقرب صديق ليا.
وانا معجب بيها وعايزها في الحلال مفيش حاجة واحدة بس في الشرع تمنع اني اتقدملها واتجوزها.
- بس العرف.
- طز في العرف.
+ طيب الناس اللي بتتكلم برضه بسبب أنها اتطلقت في وقت قصير و.
قاطعه يعقوب وهو يهز كتفه ببساطه وقال:
- طز في الناس.
مش الناس اللي تمشي حياتي.
مدام نوران واحدة محترمة وانا نظرتي متخيبش ابداً.
- عريس.
قالتها بصدمة عندما أخبرها شقيقها برغبة صديقه في الزواج منها.
كانت عابسة بشدة وهي تتلقى كلماته.
لقد طلب منها ان يكلمها على انفراد وصُدمت وهو يخبرها بهذا.
تنفست عدة مرات لتهدئة نفسها وقررت أن تتكلم بهدوء.
هي تعرف أن أمجد لن يجبرها على شئ ابداً وانها قد تغيرت وسوف ترفض تلك المرة.
- أمجد أنا مش عايزة اتجوز خالص.
عبس وقال:
- هتفضلي طول حياتك لوحدك كده.
انتِ ملحتقيش تتهني واطلقتي.
ورغم مرور سنة أنا عمري ما ضغطت عليكي عشان اعرف السبب.
بس اكيد مش هسيبك تضيعي حياتك.
حرام انتِ ملحقتيش تفرحي.
لحد امتى هتضيعي حياتك عشانه.
عشان بتحبيه.
رفعت نوران عينيها المشبعة بالدموع لينهت بقوة ويقول:
- كلنا عارفين انك لسه بتحبيه بتضيعي حياتك عشانه.
وهو مش مهتم وان كان فسخ خطوبته بالدكتورة باللي كانت زميلته فيخطب ويتجوز تاني.
هيشوف حياته ويتجوز ويخلف وأنتِ هتفضلي لوحدك.
عايشة على الذكريات وبس اي عيشة دي.
أنتِ ليه بالضعف ده.
ارميه من حياتك.
ده واحد.
- لو سمحت يا أمجد متغلطش فيه.
قالتها والدموع تنهمر من عينيها لينظر إليها بصدمة ويقول:
- يااااه للدرجة دي بتحبيه.
مادام بتحبيه ليه اتطلقتوا.
ومتقنعنيش أنه مبيحبكيش عشان أنا شايفك في عيونه.
أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما وقالت:
- عشان خاطري يا أمجد اقفل على الموضوع.
أنا مرتاحة كده.
أنا مشتكتش ابدا فليه بتفتح في الماضي.
كفاية وجع قلبي.
تنهد أمجد وهو يقترب منها ثم عانقها بلطف وقال:
- حقك عليا يا حبيبتي.
أنا بس خايف عليكِ.
سامحيني لو قسيت عليكي.
أنا عايز اطمن عليكي زي ما اطمنت على رحيق.
ابتعدت قليلاً ومسحت دموعها وهي تقول بهمس:
- أنا كويسة يا أمجد متقلقش عليا.
أنا مبسوطة.
- مش باين يا نوران يعني.
- اللي هو مش باين.
أنا كويسة.
بضحك وبطلع وبشغل وقتي.
صمت ولم يرد عليها وتنهد بقوة.
ماذا يخبرها.
وكيف يخبرها بما أخبرته به جيلان.
فجيلان تخبره أنها سمعت عدة مرات شقيقتها وهي تبكي.
وهذا عندما رأتعا جيلان تبكي خلسة في صالة المنزل بعيد عن أذن رحيق التي كانت تشاركها الغرفة.
قلبه حقاً يتألم على شقيقته بينما هو عاجز.
غير قادر على أن يساعدها.
يريد أن يسعدها ويطمئن عليها قبل أن يتزوج وينشغل بحياته مع جيلان.
وهو يدرك جيداً أن يعقوب رجل رائع للغاية.
وأنها قد تحبه.
ولكنه لن يجبرها بالطبع.
ولكنه سوف يقنعها أن تجلس معه على الأقل لعله يقنعها.
هو حقاً يرغب أن ترتاح.
أن تجد من يحبها ويعشقها وهو يثق في يعقوب.
- طيب ممكن تسمعيني المرة دي.
معلش اقعدي معاه.
يمكن يحصل قبول.
رؤية شرعية يعني.
وانا مش هجبرك على حاجة.
بس مينفعش نرفضه كده من غير ما تشوفيه أو تتكلمي معاه.
عشان خاطري يا نوران.
اقعدي بس معاه.
- بس يا أمجد أنا.
- متتسرعيش.
اقعدي معاه وبعدها قرري وانا هحترم قرارك ايا كان.
زفرت بضيق وهو تهز رأسها مُوافقة.
فقط لتريحه وتريح نفسها من إصراره العجيب هذا.
وكأن صديقه يعقوب عملة نادرة مثلاً لا مثيل لها.
في اليوم التالي.
- الحمدلله كده اقدر اروح لأختى وانا مرتاحة ومش حاسة بالذنب بسبب اللي هببه جاسم.
قالتها هدى بإرتياح وهي تنظر لفادي بإبتسامة.
- ايه اللي حصل.
- نوران اتقدملها عريس.
ثواني وشهقت وهي تسمع تحطم شئ.
رفعت عينيها وهي تنظر إلى جاسم الذي خرج من المطبخ وكان يمسك كوب العصير الذي وقع من يده وتهشم.
توسعت عيني والدته بصدمة وهي تقول بعصبية:
- ايه اللي عملته ده يا جاسم يا اخي حرام عليك أنا لسه ماسحة.
اتفضل يالا نضف اللي هببته ده لو سمحت.
كتم فادي ضحكته وقال بإستفزاز:
- ما تسيبي المسكين يا امي.
هو فيه اللي مكفيه.
لم يسمع جاسم كلامه والدته ولا شقيقه بعد ذلك الخبر الذي وقع عليه كالصاعقة.
نوران ستتزوج.
نوران خاصته.
هل ستتخطاه بتلك السهولة وهو عاجز حتى الآن عن نسيانها.
شعر حقاً بالقهر.
شعر بقلبه يدوي داخل صدره.
رباه ماذا يحدث.
كيف ستتزوج.
كيف ستسلم قلبها لشخص غيره.
بلغت الغيرة أقصاها داخله وقد احمرت عينيه بشكل مخيف.
اقترب من والدته التي كانت تنظر إليه بسخرية ولكنه لم يرى سخريتها لم يهتم بتحليل اي شئ في الوقت الحالي.
بل توقف عقله عن ذكر زواج نوران.
لم يشعر بهذا الغضب من قبل.
كان غاضب أكثر من اليوم الذي كشفت فيه عن خطيئتها.
غاضب بطريقة لم يختبرها من قبل.
- نوران هتتجوز.
هزت والدته كتفها وقالت:
- ايوة.
اظن انك سمعت ده.
بيقولوا اتقدملها صاحب أمجد.
شافها مرة واحدة بس وطلبها تاني يوم والبنت وافقت تقابله.
دلال فرحانة اووي لأن أول مرة نوران ترضى تقابل واحد من اللي اتقدم لها.
ما شاء الله البنت حلوة وبعد العدو بتاعتها عرسان كتير اتقدموا ليها بس هي كانت منشفة دماغها والحمدلله شكل المرة دي ربنا هيكرمها.
أنا بصراحة كنت مكسوفة من اختي عشان كان باين أن نوران لسه مقدرتش تتخطاك لحد دلوقتي بس يظهر أن خلاص هي نسيتك وانت ربنا يوفقك مع غيرها.
ضم كفيه بغضب شديد وهو يبتعد ويغادر المنزل وهو يغلق الباب بعنف شديد جعل والدته وشقيقه ينتفضان مكانهما.
ضحك فادي وقال:
- ده لو راح هناك ممكن والله يرتكب جريمة يا ماما.
الولد شايط على الاخر.
ابتسمت دلال وقالت:
- وانت مش متضايق بسبب جيلان.
هز رأسه بالنفي وقال بصدق:
- لا صدقيني الموضوع راح من دماغي من وقتها.
يعني أنا متعلقتش بيها عاطفياً.
ودلوقتي هي زي نوران بالضبط بعتبرها مرات اخويا.
بس الموضوع مع جاسم غير.
هو بيحب نوران.
وده واضح هو مش قادر يتخطاها لحد دلوقتي.
- ما أنا عارفة.
واقولك سر كمان.
عبس وقال:
- سر.
سر ايه.
- نوران موافقتش رسمي.
هي هتقعد معاه بس.
بس مبدئياً هي بتقول هترفضه وأنها هتقعد معاه بس عشان أمجد زن عليها.
رفع حاجبيه وقال بحيرة:
- ومقولتيش ليه الكلام ده للمسكين اللي كان واقف قدامك وكان هاين عليه يموت اي حد قدامه ده.
ابتسمت والدته بخبث وقال:
- خليه يجرب شوية نار الغيرة.
هو كان رافض يحضر الفرح معانا شوف دلوقتي ازاي هيغير رأيه بسرعة وهيجي معانا ووقتها هيعرف هو خسر ايه.
ويمكن تحصل معجزة ويرجعوا لبعض.
الاتنين بيحبوا بعض وبيعاندوا.
الكل عارف الا هما.
ضحك فادي وهو يقول مشيراً إليها:
- بس بجد مطلعتيش سهلة ابداً.
- عيب عليك انا ماما يالا.
ثم صمتت قليلاً وهي تقول:
- اما وريتك يا أمجد مبقاش أنا.
كان يسير في الطريق وهو يشعر أنه تائه.
مزلزل من الداخل.
نوران ثم تتزوج.
نوران خاصته.
هي ملكه فكيف تفكر في آخر.
جلس أمام البحر وهو ينظر إليه بشرود.
لقد انفصل عنها بعد محاولاتها الكثيرة للتمسك به.
حتى أنها لم تمانع أن يتزوج من أخرى فقط ليبقى معها.
ولكن هو من تركها.
هو من تعهد بحفظ سرها.
وأخبرها أنها حرة ولو كان منصفاً قليلا لاقتنع أنها حرة تماماً للزواج بمن تريد وهو ليس لديه الحق ليمنعها من هذا.
ولكن ماذا يفعل لغيرته تلك.
أغمض عينيه بتعب والأفكار تنهك عقله بالكامل.
اخرج هاتفه وكتب رقمها الذي يحفظه عن ظهر قلب.
توقف قبل أن يتصل بها ثم ضم الهاتف لصدره وهو يتنهد بقوة.
وصورتها مع آخر تحطم قلبه بقوة.
كان تجلس على فراشها تمسك هاتفها وتناظر صورته وقلبها يخفق بقوة.
بينما الدموع تنحدر من عينيها بلا توقف.
كيف يريد أمجد أن يزوجها من اخر وجاسم ما زال بقلبها هي تعجز عن نسيانه.
هذا ليس بيدها هي.
هي لا تمتلك قلبها بل هو.
هي لا تستطيع أن تتزوج رجل وفي قلبها اخر.
لن تحتمل آثام فوق آثامها.
سوف تقابل صديق أمجد وسوف ترفضه بلطف دون إبداء أسباب.
وبعدها سوف ترتاح.
فجأة طُرق باب غرفتها لتمسح دموعها بتعب وهي تقول بصوت مبحوح:
- أدخل.
ولجت شادن بإبتسامة واسعة واقتربت منها وهي تقول:
- الجميل السكر قاعد لوحده ليه.
ابتسمت لها وقالت:
- عادي مفيش حاجة.
ابتسمت شادن لها وهي تمسك كفها بلطف وقالت:
- كل حاجة هتتصلح أن شاء الله بس انتِ خلي الابتسامة الجميلة تنور وشك.
دمعت عيني نوران لتقترب منها شادن ثم تضمها وتقول بلطف:
- أنتِ بنت طيبة اووي يا نوران وربنا هيجبر بخاطرك ويراضيكي إن شاء الله.
- ان شاء الله.
قالتها مبتسمة لترد شادن بحماس:
- يالا رسامة الحنة جات.
يالا عشان ترسمي ونرقص شوية.
- أمجد مش هيسمح نشغل اي حاجة.
- مش هنشغل سماعات ولا حاجة.
هنغني بس ونرقص بنات مع بعض.
يالا عشان ترسمي الحنة يالا.
ثم جذبتها شادن وهي تغني بصوتها الرقيق.
الساعات التي أتت كانت من امتع الاوقات التي قاضوها مع شادن.
فبعد رسم الحناء لكل الفتيات نهضت شادن وهي تغني وترقص وقد جذبت نوران معها لترقص هي أيضاً بينما ارتفع صوتها بالغناء:
عسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيالسميح ولدي اي هيالسميح زولي اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل بسكويت اي هيانا ليك حبيت اي هيابعتلي اضافه اي هيعلي الفيس بوك اي هييا ابو قلب صفصافه اي هيماتعملش بلوك اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيواحلم لو نمت اي هيواكتب كومنت اي هيتغريدة وتويتة اي هيدي عايزالها خريطه اي هيع الكاميرا يا غالي اي هياظهر طوالي اي هيياهو واميل اي هيايوة شده الحيل اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هييابو جمال ما عادي اي هياوعي تخلف معادي اي هيولابسه الساعه اي هيوعيونه ساعه اي هيوالدبله غي ايده اي هيوالله بريده اي هيحلوة التحجيبه اي هيحلاوته غريبه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيوده وسط اللمه اي هيزي النور في الضلمه اي هيايوه لافه الطرحه اي هيفيعيونه الفرحه اي هيايوه كعبه عالي اي هياقرب تعلالي اي هيايوه علينا غالي اي هيع خده شامه اي هياهه اهه علم علامهاهه اهه في الخد شامهاهه اهه والله بريدهاهه اهه والدبله في ايده.
في اليوم التالي.
- الحمدلله كده اقدر اروح لأختى وانا مرتاحة ومش حاسة بالذنب بسبب اللي هببه جاسم.
قالتها هدى بإرتياح وهي تنظر لفادي بإبتسامة.
- ايه اللي حصل.
- نوران اتقدملها عريس.
ثواني وشهقت وهي تسمع تحطم شئ.
رفعت عينيها وهي تنظر إلى جاسم الذي خرج من المطبخ وكان يمسك كوب العصير الذي وقع من يده وتهشم.
توسعت عيني والدته بصدمة وهي تقول بعصبية:
- ايه اللي عملته ده يا جاسم يا اخي حرام عليك أنا لسه ماسحة.
اتفضل يالا نضف اللي هببته ده لو سمحت.
كتم فادي ضحكته وقال بإستفزاز:
- ما تسيبي المسكين يا امي.
هو فيه اللي مكفيه.
لم يسمع جاسم كلامه والدته ولا شقيقه بعد ذلك الخبر الذي وقع عليه كالصاعقة.
نوران ستتزوج.
نوران خاصته.
هل ستتخطاه بتلك السهولة وهو عاجز حتى الآن عن نسيانها.
شعر حقاً بالقهر.
شعر بقلبه يدوي داخل صدره.
رباه ماذا يحدث.
كيف ستتزوج.
كيف ستسلم قلبها لشخص غيره.
بلغت الغيرة أقصاها داخله وقد احمرت عينيه بشكل مخيف.
اقترب من والدته التي كانت تنظر إليه بسخرية ولكنه لم يرى سخريتها لم يهتم بتحليل اي شئ في الوقت الحالي.
بل توقف عقله عن ذكر زواج نوران.
لم يشعر بهذا الغضب من قبل.
كان غاضب أكثر من اليوم الذي كشفت فيه عن خطيئتها.
غاضب بطريقة لم يختبرها من قبل.
- نوران هتتجوز.
هزت والدته كتفها وقالت:
- ايوة.
اظن انك سمعت ده.
بيقولوا اتقدملها صاحب أمجد.
شافها مرة واحدة بس وطلبها تاني يوم والبنت وافقت تقابله.
دلال فرحانة اووي لأن أول مرة نوران ترضى تقابل واحد من اللي اتقدم لها.
ما شاء الله البنت حلوة وبعد العدو بتاعتها عرسان كتير اتقدموا ليها بس هي كانت منشفة دماغها والحمدلله شكل المرة دي ربنا هيكرمها.
أنا بصراحة كنت مكسوفة من اختي عشان كان باين أن نوران لسه مقدرتش تتخطاك لحد دلوقتي بس يظهر أن خلاص هي نسيتك وانت ربنا يوفقك مع غيرها.
ضم كفيه بغضب شديد وهو يبتعد ويغادر المنزل وهو يغلق الباب بعنف شديد جعل والدته وشقيقه ينتفضان مكانهما.
ضحك فادي وقال:
- ده لو راح هناك ممكن والله يرتكب جريمة يا ماما.
الولد شايط على الاخر.
ابتسمت دلال وقالت:
- وانت مش متضايق بسبب جيلان.
هز رأسه بالنفي وقال بصدق:
- لا صدقيني الموضوع راح من دماغي من وقتها.
يعني أنا متعلقتش بيها عاطفياً.
ودلوقتي هي زي نوران بالضبط بعتبرها مرات اخويا.
بس الموضوع مع جاسم غير.
هو بيحب نوران.
وده واضح هو مش قادر يتخطاها لحد دلوقتي.
- ما أنا عارفة.
واقولك سر كمان.
عبس وقال:
- سر.
سر ايه.
- نوران موافقتش رسمي.
هي هتقعد معاه بس.
بس مبدئياً هي بتقول هترفضه وأنها هتقعد معاه بس عشان أمجد زن عليها.
رفع حاجبيه وقال بحيرة:
- ومقولتيش ليه الكلام ده للمسكين اللي كان واقف قدامك وكان هاين عليه يموت اي حد قدامه ده.
ابتسمت والدته بخبث وقال:
- خليه يجرب شوية نار الغيرة.
هو كان رافض يحضر الفرح معانا شوف دلوقتي ازاي هيغير رأيه بسرعة وهيجي معانا ووقتها هيعرف هو خسر ايه.
ويمكن تحصل معجزة ويرجعوا لبعض.
الاتنين بيحبوا بعض وبيعاندوا.
الكل عارف الا هما.
ضحك فادي وهو يقول مشيراً إليها:
- بس بجد مطلعتيش سهلة ابداً.
- عيب عليك انا ماما يالا.
ثم صمتت قليلاً وهي تقول:
- اما وريتك يا أمجد مبقاش أنا.
كان يسير في الطريق وهو يشعر أنه تائه.
مزلزل من الداخل.
نوران ثم تتزوج.
نوران خاصته.
هي ملكه فكيف تفكر في آخر.
جلس أمام البحر وهو ينظر إليه بشرود.
لقد انفصل عنها بعد محاولاتها الكثيرة للتمسك به.
حتى أنها لم تمانع أن يتزوج من أخرى فقط ليبقى معها.
ولكن هو من تركها.
هو من تعهد بحفظ سرها.
وأخبرها أنها حرة ولو كان منصفاً قليلا لاقتنع أنها حرة تماماً للزواج بمن تريد وهو ليس لديه الحق ليمنعها من هذا.
ولكن ماذا يفعل لغيرته تلك.
أغمض عينيه بتعب والأفكار تنهك عقله بالكامل.
اخرج هاتفه وكتب رقمها الذي يحفظه عن ظهر قلب.
توقف قبل أن يتصل بها ثم ضم الهاتف لصدره وهو يتنهد بقوة.
وصورتها مع آخر تحطم قلبه بقوة.
كان تجلس على فراشها تمسك هاتفها وتناظر صورته وقلبها يخفق بقوة.
بينما الدموع تنحدر من عينيها بلا توقف.
كيف يريد أمجد أن يزوجها من اخر وجاسم ما زال بقلبها هي تعجز عن نسيانه.
هذا ليس بيدها هي.
هي لا تمتلك قلبها بل هو.
هي لا تستطيع أن تتزوج رجل وفي قلبها اخر.
لن تحتمل آثام فوق آثامها.
سوف تقابل صديق أمجد وسوف ترفضه بلطف دون إبداء أسباب.
وبعدها سوف ترتاح.
فجأة طُرق باب غرفتها لتمسح دموعها بتعب وهي تقول بصوت مبحوح:
- أدخل.
ولجت شادن بإبتسامة واسعة واقتربت منها وهي تقول:
- الجميل السكر قاعد لوحده ليه.
ابتسمت لها وقالت:
- عادي مفيش حاجة.
ابتسمت شادن لها وهي تمسك كفها بلطف وقالت:
- كل حاجة هتتصلح أن شاء الله بس انتِ خلي الابتسامة الجميلة تنور وشك.
دمعت عيني نوران لتقترب منها شادن ثم تضمها وتقول بلطف:
- أنتِ بنت طيبة اووي يا نوران وربنا هيجبر بخاطرك ويراضيكي إن شاء الله.
- ان شاء الله.
قالتها مبتسمة لترد شادن بحماس:
- يالا رسامة الحنة جات.
يالا عشان ترسمي ونرقص شوية.
- أمجد مش هيسمح نشغل اي حاجة.
- مش هنشغل سماعات ولا حاجة.
هنغني بس ونرقص بنات مع بعض.
يالا عشان ترسمي الحنة يالا.
ثم جذبتها شادن وهي تغني بصوتها الرقيق.
الساعات التي أتت كانت من امتع الاوقات التي قاضوها مع شادن.
فبعد رسم الحناء لكل الفتيات نهضت شادن وهي تغني وترقص وقد جذبت نوران معها لترقص هي أيضاً بينما ارتفع صوتها بالغناء:
عسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيالسميح ولدي اي هيالسميح زولي اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل بسكويت اي هيانا ليك حبيت اي هيابعتلي اضافه اي هيعلي الفيس بوك اي هييا ابو قلب صفصافه اي هيماتعملش بلوك اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيواحلم لو نمت اي هيواكتب كومنت اي هيتغريدة وتويتة اي هيدي عايزالها خريطه اي هيع الكاميرا يا غالي اي هياظهر طوالي اي هيياهو واميل اي هيايوة شده الحيل اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هييابو جمال ما عادي اي هياوعي تخلف معادي اي هيولابسه الساعه اي هيوعيونه ساعه اي هيوالدبله غي ايده اي هيوالله بريده اي هيحلوة التحجيبه اي هيحلاوته غريبه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيعسل سكر انت اي هيهنا شامه هنا نقطه اي هيوده وسط اللمه اي هيزي النور في الضلمه اي هيايوه لافه الطرحه اي هيفيعيونه الفرحه اي هيايوه كعبه عالي اي هياقرب تعلالي اي هيايوه علينا غالي اي هيع خده شامه اي هياهه اهه علم علامهاهه اهه في الخد شامهاهه اهه والله بريدهاهه اهه والدبله في ايده.
في اليوم التالي.
- الحمدلله كده اقدر اروح لأختى وانا مرتاحة ومش حاسة بالذنب بسبب اللي هببه جاسم.
قالتها هدى بإرتياح وهي تنظر لفادي بإبتسامة.
- ايه اللي حصل.
- نوران اتقدملها عريس.
ثواني وشهقت وهي تسمع تحطم شئ.
رفعت عينيها وهي تنظر إلى جاسم الذي خرج من المطبخ وكان يمسك كوب العصير الذي وقع من يده وتهشم.
توسعت عيني والدته بصدمة وهي تقول بعصبية:
- ايه اللي عملته ده يا جاسم يا اخي حرام عليك أنا لسه ماسحة.
اتفضل يالا نضف اللي هببته ده لو سمحت.
كتم فادي ضحكته وقال بإستفزاز:
- ما تسيبي المسكين يا امي.
هو فيه اللي مكفيه.
لم يسمع جاسم كلامه والدته ولا شقيقه بعد ذلك الخبر الذي وقع عليه كالصاعقة.
نوران ستتزوج.
نوران خاصته.
هل ستتخطاه بتلك السهولة وهو عاجز حتى الآن عن نسيانها.
شعر حقاً بالقهر.
شعر بقلبه يدوي داخل صدره.
رباه ماذا يحدث.
كيف ستتزوج.
كيف ستسلم قلبها لشخص غيره.
بلغت الغيرة أقصاها داخله وقد احمرت عينيه بشكل مخيف.
اقترب من والدته التي كانت تنظر إليه بسخرية ولكنه لم يرى سخريتها لم يهتم بتحليل اي شئ في الوقت الحالي.
بل توقف عقله عن ذكر زواج نوران.
لم يشعر بهذا الغضب من قبل.
كان غاضب أكثر من اليوم الذي كشفت فيه عن خطيئتها.
غاضب بطريقة لم يختبرها من قبل.
- نوران هتتجوز.
هزت والدته كتفها وقالت:
- ايوة.
اظن انك سمعت ده.
بيقولوا اتقدملها صاحب أمجد.
شافها مرة واحدة بس وطلبها تاني يوم والبنت وافقت تقابله.
دلال فرحانة اووي لأن أول مرة نوران ترضى تقابل واحد من اللي اتقدم لها.
ما شاء الله البنت حلوة وبعد العدو بتاعتها عرسان كتير اتقدموا ليها بس هي كانت منشفة دماغها والحمدلله شكل المرة دي ربنا هيكرمها.
أنا بصراحة كنت مكسوفة من اختي عشان كان باين أن نوران لسه مقدرتش تتخطاك لحد دلوقتي بس يظهر أن خلاص هي نسيتك وانت ربنا يوفقك مع غيرها.
ضم كفيه بغضب شديد وهو يبتعد ويغادر المنزل وهو يغلق الباب بعنف شديد جعل والدته وشقيقه ينتفضان مكانهما.
ضحك فادي وقال:
- ده لو راح هناك ممكن والله يرتكب جريمة يا ماما.
الولد شايط على الاخر.
ابتسمت دلال وقالت:
- وانت مش متضايق بسبب جيلان.
هز رأسه بالنفي وقال بصدق:
- لا صدقيني الموضوع راح من دماغي من وقتها.
يعني أنا متعلقتش بيها عاطفياً.
ودلوقتي هي زي نوران بالضبط بعتبرها مرات اخويا.
بس الموضوع مع جاسم غير.
هو بيحب نوران.
وده واضح هو مش قادر يتخطاها لحد دلوقتي.
- ما أنا عارفة.
واقولك سر كمان.
عبس وقال:
- سر.
سر ايه.
- نوران موافقتش رسمي.
هي هتقعد معاه بس.
بس مبدئياً هي بتقول هترفضه وأنها هتقعد معاه بس عشان أمجد زن عليها.
رفع حاجبيه وقال بحيرة:
- ومقولتيش ليه الكلام ده للمسكين اللي كان واقف قدامك وكان هاين عليه يموت اي حد قدامه ده.
ابتسمت والدته بخبث وقال:
- خليه يجرب شوية نار الغيرة.
هو كان رافض يحضر الفرح معانا شوف دلوقتي ازاي هيغير رأيه بسرعة وهيجي معانا ووقتها هيعرف هو خسر ايه.
ويمكن تحصل معجزة ويرجعوا لبعض.
الاتنين بيحبوا بعض وبيعاندوا.
الكل عارف الا هما.
ضحك فادي وهو يقول مشيراً إليها:
- بس بجد مطلعتيش سهلة ابداً.
- عيب عليك انا ماما يالا.
ثم صمتت قليلاً وهي تقول:
- اما وريتك يا أمجد مبقاش أنا.
كان يسير في الطريق وهو يشعر أنه تائه.
مزلزل من الداخل.
نوران ثم تتزوج.
نوران خاصته.
هي ملكه فكيف تفكر في آخر.
جلس أمام البحر وهو ينظر إليه بشرود.
لقد انفصل عنها بعد محاولاتها الكثيرة للتمسك به.
حتى أنها لم تمانع أن يتزوج من أخرى فقط ليبقى معها.
ولكن هو من تركها.
هو من تعهد بحفظ سرها.
وأخبرها أنها حرة ولو كان منصفاً قليلا لاقتنع أنها حرة تماماً للزواج بمن تريد وهو ليس لديه الحق ليمنعها من هذا.
ولكن ماذا يفعل لغيرته تلك.
أغمض عينيه بتعب والأفكار تنهك عقله بالكامل.
اخرج هاتفه وكتب رقمها الذي يحفظه عن ظهر قلب.
توقف قبل أن يتصل بها ثم ضم الهاتف لصدره وهو يتنهد بقوة.
وصورتها مع آخر تحطم قلبه بقوة.
كان تجلس على فراشها تمسك هاتفها وتناظر صورته وقلبها يخفق بقوة.
بينما الدموع تنحدر من عينيها بلا توقف.
كيف يريد أمجد أن يزوجها من اخر وجاسم ما زال بقلبها هي تعجز عن نسيانه.
هذا ليس بيدها هي.
هي لا تمتلك قلبها بل هو.
هي لا تستطيع أن تتزوج رجل وفي قلبها اخر.
لن تحتمل آثام فوق آثامها.
سوف تقابل صديق أمجد وسوف ترفضه بلطف دون إبداء أسباب.
وبعدها سوف ترتاح.
فجأة طُرق باب غرفتها لتمسح دموعها بتعب وهي تقول بصوت مبحوح:
- أدخل.
ولجت شادن بإبتسامة واسعة واقتربت منها وهي تقول:
- الجميل السكر قاعد لوحده ليه.
ابتسمت لها وقالت:
- عادي مفيش حاجة.
ابتسمت شادن لها وهي تمسك كفها بلطف وقالت:
- كل