تحميل رواية «اسرت قلبه» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خالتو نوال أنا رايحة الكلية. قالتها مياس وهي تأخذ حقيبة الظهر الخاصة بها ثم ارتدتها مسرعة. وضعت النظارة الشمسية على حجابها الوردي بينما كانت ترتدي قميص احمر طويل وبنطال ازرق من الجينز. تضع كحل اسود على عينيها مبرزا جمال اتساع عينيها الزرقاء وأحمر شفاه باهت. يا مياس يا بنتي طب افطري الأول! قالتها نوال وهي تخرج من المطبخ وبيدها تحمل صينية بها بضع شطائر وعصير جوافة المفضل لديها. ولكن مياس هزت رأسها وقالت: هأكل في الكلية سلام يا خالتو. ثم قبلت خالتها وخرجت من الشقة السكنية مسرعة. أخرجت هاتفها واتصلت...
رواية اسرت قلبه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سوليية نصار
عينيه تحاصرانها.
هناك شئ بك يجذبني … الأمر خارج عن إرادتي.
***
بعد الاستحمام، ترتدي المئزر الأبيض القطني بينما نجلس على حافة المغطس. شعرها يقطر بالماء والدموع تحرق عينيها. منذ أن استيقظت واكتشفت فعلتها الغبية بالاستسلام له، وهي تؤنب نفسها. كيف تفعل هذا؟! إنها تشعر بالخجل، تشعر أنها خائنة لشقيقتها. أن تحب أمير بالسر طوال حياتها نقرة، وأن تستسلم له ليتمم زواجهما نقرة. والمفاجأة التي أدركتها أنها أرادته منذ زمن، كانت راغبة بزوج شقيقتها، حتى لو هو زوجها الآن، هذا لن يبرر لها أمام ضميرها.
مسحت الدموع التي انسابت من عينيها بقوة. والآن ماذا سيحدث؟ هي تعرف جيدًا أنه الآن سيعود لعقله، ثم سيهينها. سيخبرها أنها خانت شقيقتها، وهي فعلت هذا، فعلت هذا بالفعل، هي بالفعل خانتها. أغمضت عينيها والدموع تنساب منهما بينما الألم في قلبها قاتل. تنهدت وهي تضع كفها على قلبها. تباً لقبلها الذي أحبه. هي لن تسامح نفسها أبدًا.
***
كان يقف أمام الحمام وهو يشعر بالإرتباك، وذكريات أمس تندفع لعقله. أغمض عينيه وهو يضع أصابعه على شفتيه بينما يبتسم. لما لا يعترف لنفسه على الأقل أنه يريدها؟ وأن هناك مشاعر بدأت تتكون في قلبه نحوها. رغم أنها تخرجه عن طوره، رغم أنها مستفزة، إلا أنه لا يمكنه أن ينكر تلك المشاعر. لا يمكنه أن ينكر أن قلبه بات يدق بقوة بسببها مؤخرًا، وأن تلك اللامبالاة التي تدعيها تغضبه بقوة. لقد رأى حبها له أمس وتأكد منه، وقد اتخذ قراره. هو لن يتركها. سيتمسك بها. لن ينسى مريم حبه الأول، ولكن الحياة ستستمر، وحياته سوف تستمر معها، معها هي فقط!
***
في الحمام، نهضت سما وهي تتجه للحوض وقامت بغسل وجهها جيدًا، ثم نظرت إلى انعكاسها في المرآة. هي لن تضعف الآن. لن تدع تلك الليلة تغير أي شيء. هي لن تعطيه الفرصة لكي يجرحها. لن ترغب به مجددًا. لن تخون مريم مجددًا. لن تفعل. رفعت ذقنها بكبرياء شديد وقد ظلل الجليد عينيها. تلك هي التعابير التي يجب أن تقابل بها أمير لتخبره أنه لا يمثل أي شيء بحياتها. لا شيء!
***
كان ما زال واقفًا أمام الحمام. شعر أن الأمر طال أكثر مما ينبغي، فرفع كفه ليدق الباب، ولكن فجأة فُتح الباب وخرجت هي. عينيها فارغة، لا تحمل أي مشاعر، عكس عينيه التي تفيض بالعاطفة.
"سوري اتأخرت… كنت بجهز عشان الشغل… هروح اصحي عمر."
ثم كادت تتجاوزه إلا أنه أوقفها وهو يضع كفه على خصرها، بينما اتجه بشفتيه إلى شعرها وهو يقول:
"متروحيش النهاردة الشغل… خليكي معايا يا سما."
ابتلعت ريقها ودموعها تهدد بالإنهمار، ولكنها سيطرت على نفسها. أرجعت برودها وأبعدت ذراعه عنها وقالت:
"ليه يعني؟!"
نظر إلى برودها بذهول وقال:
"ايه هو اللي ليه… عايز أقعد معاكي شوية."
ثم ابتسم بعبث وهو يلمس وجنتها ويقول:
"وعايزين نكمل كلام امبارح."
أبعدت كفه وقالت:
"اللي حصل امبارح مش هيحصل تاني."
عبس وهو ينظر إليها. هل هي تمزح؟ ماذا تعني؟!
"انتِ بتقولي ايه؟ هو اللي حصل امبارح مكانش ليه أي معنى بالنسبالك؟!"
رفعت وجهها وقالت:
"أيوه، اللي حصل امبارح ملوش معنى ولا ليه لازمة كمان، ومش هيتكرر. كانت غلطة ولحظة ضعف!"
"لحظة ضعف!" كرر بصدمة وهو لا يصدق أن هذا الكلام يخرج منها. تألم قلبها وهي ترى الجرح بعينيه، ولكنها كانت تحمي قلبها. فردت بقوة:
"أيوه لحظة ضعف… ومش هتحصل تاني. أنا هنا أم عمر وبس. لو عايز حد تاني لنزواتك اتجوز، لكن متلمسنيش تاني. لأنك لما لمستني بقيت حاسة بالقرف من نفسي ومنك!"
تراجع وكأنها لكمته على وجهه، ثم قال بغضب:
"طيب طالما قرفانة مني عايشة معايا ليه؟ ممكن تطلقي وأنا ابني أربيه بمعرفتي!"
ابتلعت ريقها بعسر وقالت:
"تبقى عملت خير."
هو رأسه بذهول وقال:
"أنتِ عايزة تتطلقي يا سما؟"
"أيوه عايزة اتطلق… لأما نعيش وأكون أم عمر بس وملكش علاقة بيا، لأما نتطلق!"
"أنا بجد مش مصدق واللي حصل امبارح… ده أنا كان نفسي نعيش بشكل طبيعي سوا."
"مش هينفع نعيش بشكل طبيعي يا أمير… لأني مش بحبك ودي الحقيقة."
ابتسم بسخرية وقال:
"انتِ كدابة وجبانة يا سما. لو عايزة تمشي اتفضلي. أنا مش هعيش بالطريقة دي!"
ثم تركها وذهب.
***
ازدرد ريقه بعسر وهو ينظر إليها مطولاً على غير عادته. كان كلامها يضرب عقله كرصاصة وشعر بالتشويش أكثر. عقد قرآن، تبقى زوجته نهائيًا، وبتلك لن تكون له فرصة مع جيلان. كاد أن يضرب نفسه وهو يصل لتلك النقطة. رباه ماذا يفعل هو؟ كيف يفكر؟ لماذا عقله يعود دوماً لها؟ يقاومها عبثًا ولكنها تحتله بعنف، تكتسح عقله دون أي رحمة. حياته أصبحت فوضى.
كانت أريام تقف أمامه بجمود. الدموع على أعتاب عينيها تهدد بالإنفجار في أي وقت، بينما قلبها يقفز داخل صدرها. ماذا تفعل إن رفض؟ ماذا سيكون رد فعلها؟ هل ستواجهه بمشاعره نحو جيلان وتخسر حبها؟ ولكن ستكسب كرامتها. ستخرج مرفوعة الرأس. أم تصمت فقط لكي لا تخسره؟ وحتى لو أنكر، أن تجعله يلتفت لجيلان هو أكبر خطأ سوف ترتكبه. هي لن تدع تلك الطفلة تفوز به. مادام هناك أمل سوف تحاول.
"ساكت ليه يا أمجد؟ بقولك عايزة نكتب الكتاب في أقرب وقت."
تنهد وهو يقول:
"في أقرب وقت إمتى يا أريام؟"
تنفست بتوتر وقالت وهي تهز كتفيها:
"في أقرب وقت يعني في أقرب وقت… بكرة مثلًا أو بعده، الأسبوع اللي جاي، الشهر اللي جاي… أقرب فرصة ليك."
"مش شايفة إن الكلام ده سابق أو أنه."
أحرقت الدموع عينيها وقالت بإختناق:
"أمجد هو أنت عايز تفسخ الخطوبة؟ لو عايز قولها ببساطة عشان منعذبش بعضنا أكتر من كده!"
قبض على كفيه بعنف وهو يشعر أنه في دوامة. يشعر أنه يغرق. ماذا يفعل بتلك المشاعر الشاذة التي يشعر بها؟ لماذا يتصرف كمراهق بينما هو رجل ناضج؟ تنهد أخيرًا وقال:
"لا مش عايز أفسخ الخطوبة. وحاضر هنكتب الكتاب."
"إمتى؟" قالتها بلهفة ليرد:
"الوقت اللي تختاريه."
رفعت ذقنها وقالت بتحدي:
"السبت اللي جاي!"
"اللي هو بعد تلات أيام!"
"أيوه."
تنفس بتوتر ولكنه وافقها. ربما هذا أفضل كي يتخلص من تأثير جيلان المريب عليه.
"طيب يا جيلان اللي تشوفيه!"
تجمدت مكانها بينما تصاعدت الدموع بعينيها وانهمرت دون أن تستطيع منعها. نظر إليها بحيرة وقال:
"مالك؟"
"أنا اسمي أريام مش جيلان."
عبس بشدة وقال:
"من جاب سيرة جيلان؟"
"انت اللي جبت سيرتها يا أمجد."
كاد أن ينكر إلا أنها قالت بنبرة مختنقة:
"أحسنلك تتخلص من تأثيرها عليك عشان انت هتتجوزني أنا!"
ثم تركته وغادرت.
***
رجع رأسه للخلف وهو يشعر حقًا بالضغط العصبي. رباه يشعر وكأنه محاصر من جميع النواحي. ليساعده الله على ما سيفعله. دفن وجهه بين كفيه بينما قال بيأس وإحباط:
"ليه المشاعر دي أحس بيها دلوقتي؟ ليه؟ ما هي كانت قدامي طول حياتي وأنا كنت عارف بمشاعرها. اشمعنى دلوقتي؟"
رفع رأسه وهو يهز رأسه ويتمتم:
"استغفر الله العظيم يارب."
***
رمشت وهي تنظر إليه. ظنت للحظات أنه يمزح، أو ربما قد فقد عقله. ابتسامة صغيرة خرجت من بين شفتيها وقالت:
"نعم بتقول إيه؟"
شعر بجفاف في حلقه. كان يرى عينيها التي تلمع بغضب. بدت فاقدة للسيطرة، هذا ما ظهر على صوتها، ولكنه لن يتراجع. يعرف أن ما يفعله سخيف، وخاصة أنه ما زال يعاني بسبب نوال. ولكن هناك شيء خاص بمياس يجعله عاجزًا عن التوقف عن ملاحقتها.
"بقول أننا هننام في نفس الأوضة."
قالها بصوت ثابت وهو ينظر إلى عينيها مباشرة. عينيه تحاصرانها، تلتقطان بمهارة ردود فعلها. بينما هي كانت تنظر إليه بغضب. حقًا! هل يجرؤ على تكرير كلماته مرة أخرى؟ الشيء الذي كاد أن يفقدها عقلها. ماذا هي تفعل؟ فرد الفعل الوحيد الذي يجب أن تتخذه في تلك اللحظة هو أن تلكمه بوجهه بسبب عرضه المخزي هذا.
"انت اتجننت صح؟ بجد جرى لعقلك حاجة؟"
هز رأسه بهدوء وقال:
"لا ما اتجننتش ولا حاجة. بس فيه حاجة مش واخدة بالك منها. إحنا حاليًا متجوزين، وإننا ننام في أوضة واحدة هو ده الحاجة الطبيعية اللي مفروض تحصل بين اتنين متجوزين."
شعرت بارتفاع درجة حرارة جسدها بينما أخذت ترتجف بفعل الإنفعال وهتفت:
"جوازنا مش حقيقي أبدًا."
هز كتفيه ببساطة وقال:
"وإيه اللي خلاه مش حقيقي؟"
نظرت إليه بصدمة ليقترب منها بينما بدأت تتراجع وأكمل:
"جوازنا كامل تمامًا. كان فيه مأذون وشهود ووكيل وعروسة وعريس وأخيرًا إشهار. مابقاش إلا حاجة واحدة بس عشان تبقي مراتي رسمي نظامي فهمي."
كان يقول كلماته العابثة وهو يقترب منها بينما هي تتراجع وقد كان قلبها يقفز داخل صدرها بفعل التوتر.
"ا… ابعد…"
ولكنه استمر بالإقتراب وهمس وهو يحني رأسه قليلاً نحوها:
"يا ترى عارفة إيه هي الحاجة دي؟"
كادت أن تصرخ به مجددًا، ولكنها هي من صرخت عندما شعرت أنها اصطدمت بشيء ما. لتكتشف أنها اصطدمت بالحائط. توقف هو أمامها بينما تنظر إليه بصدمة. وضع يديه على الحائط محاصِرًا إياها، لتغمض هي عينيها بخوف وتقول بغضب:
"سيف هشتكيك لعمي ابعد."
ظهرت الدهشة في عينيه، ثم ما لبث أن ضحك بقوة وقال:
"بجد وهتقوليله إيه يا ترى؟"
كانت تتنفس بعنف وغطاء الوجه يجعل الوضع أسوأ. رفع كفه وأزال النقاب عنها، لتشيح هي بوجهها وتقول بصوت متقطع من الإنفعال:
"لو… لو سمحت ابعد… ابعد…"
ثم أخذت دموعها في الإنهمار. مد كفه لتغمض عينيها بشدة، بينما هو كل ما فعله أنه أخذ يمسح دموعها برفق شديد. ثم حضن وجهها وهو ينحني نحوها، ثم قبل جبهتها برفق شديد وهمس:
"أنا آسف… أنا كنت بس بهزر معاكي وهزاري كان رخيم."
فتحت عينيها وهي تنظر إليه، بينما الدموع ما زالت تنهمر من عينيها. مسح دموعها مجددًا وقال:
"متبكيش… دموعك غالية أوي… أنا آسف."
فجأة دفعته وضربته على صدره بغيظ، ليضحك بينما يتأوه ويقول:
"يا ستي مقبولة منك… مع إني مفروض أعاقبك على الضربة دي. مفيش ست ينفع تضرب جوزها."
مسحت الدموع المتبقية من على وجهها، ثم وضعت النقاب مرة أخرى وهي تقول بغيظ:
"انت إنسان بارد."
"بتشتميني كمان… ماشي يا ستي الله يسامحك. يالا بقى جهزي هدومك وكل حاجاتك عشان هتنقلي أوضتي."
نظرت إليه بصدمة ليكمل بتقرير:
"أنا مش بهزر يا مياس… متجوزين من يومين تقريبًا وكل واحد بينام في أوضة. الناس تقول علينا إيه؟ دي حتى عيبة في حقي."
"ناس مين؟" قالتها بذهول.
"الخدم… الجنايني… الحراس اللي على الباب حتى… أنا مش عايز حد يتكلم عننا عشان كده هتنقلي أوضتي."
"سيف إحنا متفقين!" قالتها بإرتباك وكأنها قد فقدت قدرتها على الهجوم.
اقترب منها وهو يمسك كفها ويقول:
"عادي هتنقلي أوضتي بس مش هيحصل بيننا حاجة. ده هيكون شكليًا بس عشان شكلنا قدام الناس اللي شغالة هنا."
أطرقت برأسها وبدأت وكأنها فقدت القدرة على التحدث، ثم تنهدت وقالت:
"تمام."
ابتسم بسعادة وقال:
"أنا هساعدك تجهزي الهدوم يالا."
ثم أمام نظراتها المذهولة، وضع الحقيبة الكبيرة الخاصة بها على الفراش وهو يبدأ في وضع ملابسها بعد طيها.
"استني… أستنى فيه حاجات مينفعش تشوفها."
قالتها وهي تتجه نحوه وتأخذ منه الملابس لتقوم بترتيب الملابس بدلًا منه.
***
بعد قليل…
"نورتي أوضتي المتواضعة… اتفضلي."
قالها مبتسمًا لتلج هي وهي تنظر للون الأزرق الطاغي على غرفته. كانت غرفة شبابية، منظمة للغاية. توسعت عينيها وهي تجد غيتار.
"انت بتعزف؟" قالتها بدهشة ليضع حقيبتها ويقول:
"وبغني كمان… صوتي حلو على فكرة… هغنيلك في يوم من الأيام."
تنهد وأكمل:
"دي الأوضة لو حابة تغيري فيها حاجة براحتك. ولو حابة نعيش برا الفيلا ويكون ليكي بيت لوحدك براحتك برضه. شوفي إيه اللي يريحك."
"انت ليه بتعمل كده؟ ليه مهتم بالشكل ده بيا؟"
هز كتفه وقال:
"انتِ مراتي وبنت عمي."
"بس انت مبتحبنيش… لسه بتحب حبيبتك القديمة."
ظلل الحزن عينيه وابتسم قائلاً:
"دي حاجة مقدرش أنكرها… بس هي في الماضي. أنتِ الحاضر والمستقبل!"
***
نظرت حولها بتوتر وهي تتقدم من المقهى الذي اعتادت الجلوس به. ذكرياتهما هنا كانت تشعرها بالنفور. الاشمئزاز هو كل ما كانت تشعر به الآن. وكأن قصة حبها الأسطورية التي ترسمها في خيالها أصبحت الشيء الوحيد الذي تشمئز منه في الحياة. جلست على المقعد وهي تنتظره بلفه. صحيح أنها لا تطيقه الآن، ولكن ربما هو من سوف يحل مشكلتها تلك. فهو المخطئ الأول. هو الذي انتهك جسد امرأة أحبته بكل كيانها. هو من حطم ثقتها وقلبها. ستتحمله فقط لتستطيع الخروج من تلك المشكلة. هي لا يمكنها الزواج بجاسم. لن تدع سرها ينكشف للجميع!
***
ولج هو إلى المقهى. توقف قليلاً وهو ينظر إليها بينما دقات قلبه تتسارع. هل هو مجنون؟ كيف يدرك أنه يحبها الآن بعد أن دمر حياتها؟ قتل حبها داخل قلبه. نعم، إنه يعلم أنه قتل حبه داخل قلبها. قتلها هي. ولكنه أدرك خطأه الآن. هو لا يمكنه التخلي عن نوران. لا يمكنه أن يجعلها تفلت من بين يديه. سوف يكون أحمق لو تركها تتزوج غيره. هو لن يكتوي بتلك النيران. لن يشتعل بنيران الغيرة وهو يتخيلها بين ذراعي آخر. الآن، قد لمسها، هي أصبحت له. هو فقط يملكها. لا يمكن أن يسمح لأي أحد بالاقتراب منها.
اقترب منها بخطوات واسعة. ابتسامته الجذابة مرتسمة على محياه. تلك الابتسامة التي أوقعتها في عشقه وجعلتها تهيم به. ولكن الآن، شعورها بالاشمئزاز زاد. شعرت بالمرض في معدتها وكأنها سوف تتقيأ.
"وحشتيني!"
قالها بإبتسامة وهو يجلس على المقعد المجاور به وعينيه تلتهمانها بحرارة. بينما نظراتها هي كانت فارغة بلا مشاعر وهي تنظر إليه، تحاول السيطرة على تعابير الاشمئزاز كي لا تظهر على وجهها.
فركت كفيها وهي تقول بخفوت:
"قولتلي أنك هتديني حل لمشكلتي. عادل بالله عليك ساعدني أنا مقدرش أتزوج… أنا هتفضح بالشكل ده. أهلي ممكن يموتوني."
ظلل الذنب عينيه. الندم ضربه لأنه فعل بها هذا، لتصبح بكل هذا اليأس. حياتها مهددة. هو يعرف فشقيقها لن يرحمها أبدًا. مد كفه ليمسك كفها، ولكنها أبعدت كفها بسرعة وكأنها لا تطيق أن تلمسه. أبعد كفه وقال بخفوت:
"أنا مش هخلي حاجة تحصلك. ده وعد مني يا نوران."
ترطبت عينيها بالدموع. لا تصدق أنها يائسة لتلك الدرجة التي تطلب فيها الرأفة. مسحت دمعة يتيمة انسابت على وجنتها. هي من فعلت هذا بنفسها. هي من وضعت نفسها تحت رحمته. نظرت إليه وقالت بإرتجاف:
"هتعمل إيه؟"
"هتجوزك. طبعًا." قالها بثقة.
ارتجف جسدها ونظرت إليه بلهفة من وجد ماء بعد ضياعه في الصحراء لأيام.
"بجد… بجد يا عادل هتتجوزني؟ انت مش بتكدب عليا صح؟"
هز رأسه بصدق وقال:
"لا طبعًا أنا هتجوزك. مش هسيبك لغيري. وهنتجوز دلوقتي حالًا."
عبست ونظرت إليه وقالت:
"تقصد هنروح المأذون و…."
هز رأسه وقال:
"ده هيكون صعب قوي يا نوران. إحنا مينفعش نتجوز عند مأذون. إحنا هنعمل ورقتين عرفي ونتجوز!"
نظرت إليه بصدمة ليكمل:
"حاليًا هنكتب ورقتين عرفي وبعدين قبل فرحك تهربي معايا ونوثق ورقة الجواز ونعيش مع بعض."
كانت تنظر إليه وكأنه فقد عقله، بينما الدموع تنساب من عينيها بقهر. قالت:
"انت مختل صح؟"
عبس وهو ينظر إليها وقال:
"طيب وليه الغلط؟"
"انت عايزني أحط راس أهلي في الطين أكتر؟ أهرب معاك إزاي؟"
"انتِ مش عايزانا نتجوز وده الحل الوحيد يا نوران!"
مسحت دموعها وقالت بصوت غاضب:
"مش بالطريقة دي. أنا أقصد تيجي تتقدم زي الناس وأنا هصارح أخويا إني بحبك أنت وبعدين أفسخ خطوبتي بجاسم ونتجوز عشان متفضحش. لكن أروح أفضح نفسي فضيحة أكبر وأفضح أهلي لما أهرب معاك أبقى أنا إنسانة مبفكرش."
"وانتِ من امتى بتفكري يا نوران؟ لو كنتِ بتفكري مكنتيش بعتي ليا صورك وإنتِ…"
ضم فمه فجأة وهو يعض لسانه، بينما نظر إليها والشعور بالذنب يكسو وجهه. انهمرت دموعها بالتتابع وقالت بصوت مختنق:
"كملها… يا ريت تكملها… أنا مكنتش بعقلي فعلًا انت مبتكدبش. تعرف أنا والله بتمنى أموت… أنا قرفانة من نفسي إني حبيت واحد زيك في يوم من الأيام. اللي حصل بيننا هعتبره دايما اغتصاب لأن ربنا عالم إني مكنتش راضية عنه وقاومتك واترجيتك كتير. بس رغم كده ده غلطي وأنا هستحمله يا عادل."
نهضت وهي تمسح دموعها بقوة وتقول:
"أنا هتجوزه… هتجوز جاسم واللي يحصل يحصل ولو قرر يقتلني هكون راضية بدل ما أعمل القرف اللي انت بتقوله ده."
نهض وهو ينظر إليها وقال بصوت مرتجف:
"هبعت صورك لأخوكي!"
ابتسمت بحزن وهي تنظر إليه وقالت:
"صدقني مبقاش يهمني… أحسنلي أموت أصلًا. الحياة مش حلوة قوي عشان أتمسك بيها بالطريقة دي!"
ثم ذهبت وتركتها ليجلس مجددًا على المقعد وهو يشعر بالضياع. إنها تنسل من بين يديه بالفعل. رباه… ماذا يفعل!
***
توسعت عينيها بصدمة وهي تنظر إليه. كانت لا تصدق حقًا وقاحته. كيف يجرؤ على إيقافها في الطريق ويخبرها بوقاحة أنه يحبها؟ كيف امتلك الجرأة؟ شعرت أن جسدها أصبح حارًا كالجحيم بفعل الغضب. أخذت تهتز بإنفعال وقد هددت دموع الغضب بالإنفجار في أي لحظة.
"انت… انت بتقول إيه؟ انت مجنون. إزاي تتجرأ؟"
تراجع مؤيد وهو يشعر بالإرتباك. لم يكن مستعدًا لهجومها هذا. نعم، يعلم أنه مخطئ، لكنه يائس. يائس بالفعل وهو يراها تنسل بين يديه وتذهب لآخر. كيف يخبرها أنها تموت يوميًا لأنه أضاعها من بين يديه؟ كيف يخبرها أنه اكتشف أنه يحبها وكان غبيًا للغاية وهو يتخلى عنها؟ لماذا لم يحارب من أجلها؟ لماذا استسلم؟ هذا إذن خطؤه. لأنه هو من ترك أرض المعركة بدون قتال. تخلى عنها ليأخذها غيره. ولكن الأوان لم يفت بعد. هو سوف يحارب الآن.
وقبل أن تذهب قال:
"شوفي أنا ممكن أجي أتقدم تاني و…"
"انت بجد مجنون. مجنون." صرخت به بإنفعال.
ليتراجع وقد شحب قليلًا ثم أكملت وهي ترتعش:
"والله العظيم لو مبطلتش تصرفاتك دي لأشتكيك لمدير المدرسة. اتقي الله. حسبي الله ونعم الوكيل."
ثم تركته وذهبت، بينما الدموع تطرف من عينيها. كانت ترتعش بإنفعال بينما تشعر بالغضب. كيف يتجرأ على هذا؟ هل لأنها صمتت له مرة تجرأ على التواقح معها؟ هل هي السبب يا تُرى؟ ولكنها لا تريد أبدًا أن تفتعل مشاكل، وخاصة أنها سوف تترك العمل.
ولجت لغرفة المدرسين ولم تكن موجودة غير مادونا التي عبست وهي تراها.
"رحيق… يا بنتي." قالتها مادونا وهي ترى رحيق وقد بدت ترتجف بإنفعال.
"رحيق…" كررتها مادونا بقلق. ثم نهضت نحوها. وقد جلست رحيق وهي تحرك يدها بإتجاه نقابها كي تحصل على المزيد من الهواء.
"رحيق مالك فيكي إيه؟" ولكن رحيق لم ترد. أخرجت مادونا من حقيبتها زجاجة مياه جديدة ثم فتحتها وهي تقول:
"خدي اشربي واهدي واحكيلي."
رفعت رحيق نقابها وأخذت منها زجاجة المياه. ذُهلت مادونا وهي ترى أثر الدموع في عينيها، وبشرتها وقد غزاها اللون الأحمر قليلًا، فبدت في تلك اللحظة بسمرتها المميزة المشوبة باللون الأحمر جميلة بحق. شربت رحيق ثم بدأت تهدأ شيئًا فشئ. نظرت إليها مادونا وقالت:
"إيه بقا اللي مزعلك؟ خطيبك صح؟"
هزت رحيق رأسها وتنهدت وقررت أن تقص عليها ما فعله مؤيد.
***
بعد أن انتهت نهضت مادونا وقالت بغضب:
"ده نهاره زي وشه. هو فاكر نفسه مين الجدع ده؟ انتِ إزاي سكتي ليه يا رحيق؟ أنا لو منك كنت خليت اللي ما يشتري يتفرج عليه."
"أنا مش عايزة مشاكل… أنا هتجوز قريب مش عايزة حد يجيب سيرتي و…"
أمسكت كفها وهي تقول بإنفعال:
"خوفك ده اللي خلى الناس تسوق فيها. طيبتك الزايدة دي بتخلي محدش يعملك حساب. بطلي هبل وطيبة يا رحيق. انتِ كده سلبية. أي حد ممكن يستغلك!"
ترطبت عينيها بفعل الدموع فشدت على كفها وقالت:
"أنا مش عايزاكي تزعلي من كلامي. أنا عايزاكي تاخديه كنصيحة. متخليش أي حد يجي عليكي يا رحيق. حتى اللي هتتجوزيه… لأنك لو فضلتِ بهبلك وطيبتك دي الناس هتبيع وتشتري فيكي. مش بتكلم عن سكوتك لمؤيد بس بتكلم برضه على سكوتك على كل اللي بيتنمروا عليكي. لازم يكون ليكي شخصية وكرامة ومتخليش حد يمسهم. فاهمة ولا لأ!"
ابتسمت رحيق وقالت:
"إن شاء الله."
هزت مادونا رأسها بآسف وقالت:
"أنتِ بجد صعب تتغيري. هتفضلي طيبة دايما."
ربتت رحيق على كفها وقالت:
"متقلقيش عليا."
"لا هقلق ومؤيد ده لو اعترض طريقك تاني قوليلي وأنا همسح بكرامة أهله المدرسة كلها."
ضحكت رحيق وقالت:
"ربنا يخليكي ليا يارب."
ابتسمت مادونا وقالت وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع:
"ويخليكي يا رحيق. هزعل قوي لما تمشي. هتوحشيني قوي."
"وانتِ كمان بس متقلقيش مش هسيبك في حالك. هكلمك طول الوقت وهنشوف بعض."
"إن شاء الله."
قالتها مادونا ثم عانقا بعضهما.
***
لم يستطع أن يبقى بالمدرسة أكثر من هذا. كان يشعر بالإختناق. يتذكر غضبها بسبب كلمته تلك. لقد اعترف لها بحبه. والآن هي تحتقره أكثر من الأول. لقد رأى هذا بعينيها. لقد اعترف لامرأة مخطوبة لآخر أنه يحبها. أي خطأ ارتكبه هو؟ هل ظن أنها سوف توافق عليه؟ هل ظن أنه يستغل الفرصة؟ إذن هو غبي، لأن كل ما حصده هو نظرات الاشمئزاز بعينيها! فكر مؤيد وهو يتسطح على فراشه بتعب.
"مؤيد انت جيت بدري ليه؟" قالتها والدته وهي تلج لغرفته لتجده قد نهض جالسًا على الفراش. تنهدت وهي تذهب وتجلس بجواره. كان بـ عينيه رطبة بفعل الدموع. كان فعلًا حزين، منكسر. لم تظن أبدًا أنها عندما ترفض رحيق سوف يتأثر بتلك الطريقة. ولكن ابنها حقًا أحبها. ربتت على كتفه وقالت:
"أنا ممكن أروح لأهلها و…"
هز رأسه وهو يبتسم بمرارة وقال:
"خلاص يا ماما مبقاش ينفع. هي هتتجوز. مفيش أمل."
***
وقفت أمام المرآة وهي تنظر إلى انعكاسها وكأنها منفصلة عن الواقع. كانت تبدو حقًا في حالة يُرثى إليها. عينيها حمراء بفعل البكاء. وجهها ذابل والتجاعيد اتخذت الطريق نحو وجهها الدائري الرائع. رغم أنها لم تبلغ الأربعين بعد، وكأن الحزن أضاف لها سنوات عديدة على عمرها. إنها تشعر كأنها عادت للهاوية مجددًا. تلك الهاوية التي حاولت الهروب منها عندما كانت متزوجة بلطفي. والآن هي ترتكب خطأ بشع بتعلقها بيوسف. يكفي إنكار للحقيقة. على من تكذب؟ هي قد تعلقت به. بكل غباء عرضت نفسها لخطر أن تفقد ابنها من أجل رجل. ألا يكفي أنها فقدت ابنها الأول بسبب لطفي؟ هل تريد التضحية بالإبن الآخر؟ لابد أنها مجنونة! أين كان عقلها وهي تنجذب له؟ تسمح لقلبها أن يحب للمرة الثالثة؟ هل هي فاقدة للعقل لتلك الدرجة؟ لن تسمح بوجود رجل آخر بحياتها. لطفي لن يسمح لها. وهي لن تخاطر بابنها. فهو كل ما تبقى لها في تلك الحياة.
اتجهت بآلية إلى صنبور المياه الخاص بالاستحمام وتخلصت من ثيابها، ثم وقفت تحت الصنبور والمياه الباردة تصدمها. دموعها كانت تجري على وجهها كجريان المياه على جسدها. بينما تشعر بقلبها يكاد ينفجر من الحزن. الذكريات السيئة تلاحق عقلها. ابنها… موته… الذنب الذي ما زال يثقل كاهلها. أغمضت عينيها ومشهد موت ابنها يعاد في عقلها مرارًا وتكرارًا.
"معتز… معتز!" صرخت ماجدة وهي ترى ابنها غارقًا بدماؤه. جثت بجواره على الأرض وهي تولول، بينما ترفع رأسه وهي تصرخ بقوة:
"ابني… يا ابني قوم… معتز يا حبيبي قوم!"
كانت تصرخ بعنف وهي تهزه بقوة، بينما الدموع تنفجر من عينيها. نظرت إلى الناس حولها بيأس وهي تصرخ:
"ساعدوني… ساعدوني أبوس إيديكم… ابني!"
خرجت من شرودها والدموع تغرق وجهها. هي لا تنسى مهما حاولت. ولن تنسى أن معتز مات بسبب عمل لطفي وبسببها أيضًا. نعم، هي أيضًا مخطئة. هي قاتلة!
خرجت من الحمام وهي ترتدي بيجامتها، بينما قررت أن تجفف شعرها وترتدي ملابسها كي لا تتأخر عن محاضراتها كالعادة.
***
بعد قليل…
كانت تقف وهي تجفف شعرها، بينما وجهها جامد وكأنها تخلصت من جميع مشاعرها للتو. الآن هي ستلتزم بهدفها فقط وهو ابنها. رن هاتفها لتنظر من المتصل، تنهدت وهي تجد صديقتها سمرا تتصل بها، ففتحت الهاتف وهي تقول بخفوت:
"إزيك يا حبيبتي… انتظرت أن ترد ثم قالت بهدوء: طيب أنا عليا محاضرة كمان ساعة أخلصها وبعدين نتقابل تمام."
ثم أغلقت معها. وهي تعرف ما ستحدثها سمرا بشأنه. إنها تلك الأدلة التي أعطتها إياها ضد لطفي. تنهدت وهي تدعو أن الأمر خير، ثم انتهت من تجفيف شعرها. وارتدت زيها المكون من فستان أسود اللون بسيط مزين بحزام لامع وحجاب أحمر. ثم وجدت أن ابنها الصغير قد انتهى من طعامه. أمسكت كفه وهي تجعله يرتدي ملابس ملائمة لكي تجعله يمكث عند جارتها. كانت قد اتخذت قرارها أنها ستقدمه في روضة الأطفال.
***
بعد أقل من ساعة…
وصلت إلى القاعة التي بها المحاضرة وهي تتنهد براحة ثم ولجت وجلست مكانها وهي ترفع رأسها. بعد خمس دقائق ولج يوسف وهو يمرر عينيه بين الطلبة لتتوقف عينيه عليها وهو يلاحظ شيئًا غريبًا بها. ليس جمالها المعتاد، بل نظرة القوة بعينيها بدلًا من نظرة الضعف وقلة الثقة التي كانت تظلل نظراتها دوماً.
"يظهر أن الكل هنا… جميل يلا نبدأ." قالها يوسف ونظراته متوقفة على ماجدة التي لم تستطع الحفاظ على قوة نظراتها، بدلًا من ذلك أشاحت عينيها عنه بإرتباك.
***
بعد انتهاء المحاضرة…
نهضت مسرعة دون أن تنظر إليه، ولكنه أوقفها فجأة قبل أن تخرج من بوابة القاعة. حافظت على وجهها بارد وهي تستدير نحوه، وما إن واجهت عينيه العسليتين حتى شعرت أن جليدها يذوب، فأشاحت بعينيها بعيدًا، بينما تفرك كفيها. اقترب منها لتقول بتوتر:
"دكتور يوسف بعد إذنك أنا مستعجلة. قول اللي انت عايز تقوله."
ابتلع ريقه بعسر وهو ينظر حوله ليتأكد أن كل الطلاب يغادرون دون النظر إليهم وقال بنبرة عميقة:
"أنا معجب بيكي يا ماجدة!"
***
في اليوم التالي…
عبست بضيق وانزعاج، بينما ما زال النعاس مسيطرًا عليها. تقلبت وهي تتمتم لجورج الذي يوزع قبلاته على صفحة وجهها. ضحك جورج وهو يعبث بشعرها وقال:
"قومي يا كسلانة يلا."
فتحت عينيها بصعوبة وقالت بدلال، بينما مدت شفتيها كالاطفال:
"مش قادرة أروح الشغل النهارده. روح."
ابتسم وهو يمرر أصابعه على وجهها وقال:
"عادي متروحيش الشغل النهارده وأنا كمان مش هروح."
عبست وقالت:
"النهاردة مش يوم إجازتك."
"صحيح… بس أنا النهاردة قررت آخد إجازة. النهاردة اليوم بتاعك وبس."
توسعت عينيها بدهشة وقالت:
"لا مش معقول. جورج الحكيم اللي الشغل أهم من حياته ياخد إجازة مخصوص ويسيب الشغل. إحنا أقنعناك بالعافية تاخد إجازة يوم في الأسبوع ترتاح فيه."
أمسك كفها وقبله وقال:
"كله عشانك."
تألقت عينيها وهي تنظر إليه. كان في عينيه شيء غريب. غير معتاد. شيء تسبب في ازدياد سرعة دقات قلبها. هل تتخيل هذا أم ماذا؟ عينيه تلمع لها. إنها لم تر عينيه تلمع بتلك القوة من قبل. نهضت جالسة ليجلس هو على الفراش ويقترب وهو يقبل جبهتها بحنان. تمسكت بذراعه وقد شعرت بالدموع الغبية تتصاعد لعينيها. أبعدها قليلاً بينما انسابت دموعها بنعومة على وجنتها. مسح دموعها وقال بلطف:
"بتبكي ليه؟"
هزت رأسها وقالت بإختناق:
"هرمونات سيبك مني."
"وأنا هستحمل الهرمونات دي مفيش مشكلة."
ضحكت ونظرت إليه وقالت:
"قولي إيه بقا اللي مقعدك النهاردة تعبان ولا إيه؟"
هز رأسه وقال:
"قلت اليوم ده بتاعك. عايز أقضي اليوم ده كله مع مراتي. وانتِ اللي هتقرري هنقضيه إزاي. لو حابة نطلع ونتفسح مفيش أي مشكلة."
توسعت ابتسامتها حتى بانت نواجذها. نظر إليها كالمسحور وهو يقترب ويقبلها على وجنتيها حيث تكون نواجذها وقال:
"متتخيليش بحب غمازاتك قد إيه. بعشقهم بجد."
كسا الإحمرار وجهها وشعرت أنها تطير على غيمة وردية. أمسك كفها وقبله وقال:
"ها حابة نعمل إيه النهاردة؟"
"حابة نقعد في البيت."
عبس وقال:
"نقعد في البيت؟ إيه الملل ده يا ماريانا؟"
"مش ملل والله هنتفرج على فيلم نتكلم سوا. أنا نفسي أقعد وأتكلم وأقولك كلام كتير."
"يا ستي إحنا تحت أمرك يا فراولة. حاجة تاني. ممكن نغني ونرقص كمان."
ضحك وقال:
"ماشي يا راقية. ثم نهض وحملها من على الفراش ووضعها برفق على الأرض وقال: روحي اغسلي وشك وضبطي نفسك. أنا جهزت الفطار. وبعدين نشوف هنتفرج على إيه ماشي؟"
هزت رأسها مبتسمة ثم ذهبت للحمام.
***
كان في الصالة يصب عصير البرتقال عندما رن هاتفه. أخرجه وكانت المكالمة من سيلا ليتصاعد الجليد بعينيه وهو يضغط زر إلغاء مكالمتها ثم أغلق هاتفه نهائيًا. لا يطيق أن يسمع صوتها، بل لا يطيق أن يراها بعد ما حدث.
"أنا جيت." قالتها ماريانا بإبتسامة سعيدة وهي تخرج لصالة المنزل وتجلس على المقعد وهي تقول:
"الله الفطار شكله حلو قوي."
ابتسم لها وقال:
"بالهنا يا حبيبي. لما تخلصي كلمي مامتك عشان تقولي لها إنك هتقفلي تليفونك."
عبست وهي تنظر إليه وقالت:
"وده ليه؟"
"عايز أستفرد بيكي شوية."
ضحكت وقالت:
"أمرك يا سيدي."
***
بعد أن انتهى من الإفطار ساعدته لكي تغسل الأطباق، ثم قال:
"شوفي أنا هعمل الفشار وانتِ روحي شوفي فيلم نتفرج عليه. اختاري فيلم حلو كده ورومانسي ماشي."
هزت رأسها وقالت:
"طيب بس كتر في الفشار ملح ماشي."
"طيب يا ستي."
***
بعد قليل…
كان قد انتهى من تحضير الفشار وخرج ليجدها قد فعلت أحد أفلامها المفضلة وهي Pride and Prejudice.
"مستر دارسي تاني. شوفناه ميت مرة ده."
ابتسمت بحالمية وقالت:
"ونشوفه تاني أنا بحبه."
"عايزاني أغير ولا إيه؟ يا ستي هو عنده إليزابيث وأنا عندي ماريانا مش هغير."
قالها ضاحكًا وهو يجلس بينما يجذبها إليه ويضع فمه على رأسها وهو يقبلها بحرارة. استكانت بين ذراعيه وهي تضمه إليها بقوة.
اغمضت عينيها بسعادة وهي تزيد من ضمه وتقول:
"حاسة إني في حلم بجد. حلم جميل يا جورج. أنا بحبك… بحبك أوي."
قبل رأسها مجددًا. إنه يشعر بالسكون الآن. لا شيء يثقل ضميره. إنه في المكان الصحيح عرف هذا لأول مرة. مع زوجته التي تحمل طفله. زوجته التي تحبه أكثر من أي شيء في الحياة.
***
بعد زمن كان قد انتهى الفيلم. نهضت بسعادة بينما تقول:
"يالا بقا نرقص."
"إيه فرط الحركة ده؟ اهدي شوية." قالها ضاحكًا. ولكنها جذبته وهي تتذمر وتقول:
"يالا بقا يا جورج."
نهض بإستسلام وهو يضحك وقال:
"تحت أمرك يا هانم. يالا شغلي أغنية نرقص عليها."
ابتسمت وهي تتجه لهاتفها وتفعل أغنيتها المفضلة لتامر عاشور. ثم اقتربت منه وهي تضمه بينما ترقص معه وتغني:
خليني ف حضنك يا حبيبـي
ده ف حضنك بـهدى وبـرتـاح
أنا كل مشاعري معاك راحوا
وكمان قلبي لقلبك راح
ولا بـضحك وأفرح مـن قلبي
غيــر لـو جـنـبي أنا كـانـوا عـيـنـيـك
لو تبعد عني ولو ثانية
بـجـنـن يا حـبـيـبـي عـلـيـك
وبـتـحـلـى الـدنـيـا فـ عـيـنـيـا
وأنـا جـنـبـك فـ مـتـبـعـدنـيـش
حُـبـك فـعـلًا بـيـخـلـيـنـي
أتـمـسـك بـالـدنـيـا وأعـيـش
وفـي قـربـك بـيـروح خـوفـي
ودا وعـد ومـلـزم أنا بـيـه
مـهـمـا تـكـون يا حـبـيـبـي ظـروفـي
قـلـبـك عـمـري ما هـاجـي عـلـيـه
أنا مـكـسـب عـمـري إني قابلتك
غـيـرت فـ عـيـنـي الأيـــام
طـمـنـتـنـي عـ الـبـاقـي فـ عـمـري
حـقـقـتـلـي كـل الأحـــلام
أول مـا عـيـونـك دي بـشـوفـهــا
مـش بـعـرف أشـوف غـيـرهـا خـلاص
إنـت هـديـة ربـنـا لـيــا
إنــت حـبـيـبـي وأغـلـى الـنـاس
وبـتـحـلـى الـدنـيـا فـ عـيـنـيـا
وأنـا جـنـبـك فـ مـتـبـعـدنـيـش
حُـبـك فـعـلًا بـيـخـلـيـنـي
أتـمـسـك بـالـدنـيـا وأعـيـش
وفـي قـربـك بـيـروح خـوفـي
ودا وعـد ومـلـزم أنا بـيـه
مـهـمـا تـكـون يا حـبـيـبـي ظـروفـي
قـلـبـك عـمـري ما هـاجـي عـلـيـه
وبـتـحـلـى الـدنـيـا فـ عـيـنـيـا
وأنـا جـنـبـك فـ مـتـبـعـدنـيـش
حُـبـك فـعـلًا بـيـخـلـيـنـي
أتـمـسـك بـالـدنـيـا وأعـيـش
وفـي قـربـك بـيـروح خـوفـي
ودا وعـد ومـلـزم أنا بـيـه
مـهـمـا تـكـون يا حـبـيـبـي ظـروفـي
قـلـبـك عـمـري ما هـاجـي عـلـيـه
ابتعدت عنه قليلاً وهي تتمايل بنعومة وتغني بصوتها العذب:
أول ما عيونك دي بشوفهامش بعرف أشوف غيرها خلاصإنت هدية ربنا لياإنت حبيبي وأغلى الناسوبتحلى الدنيا في عينيوأنا جنبك ف متبعدنيشحُبك فعلًا بيخلينيأتمسك بالدنيا وأعيشوفي قربك بيروح خوفيوده وعد ومُلزم أنا بيهمهما تكون يا حبيبي ظروفيقلبك عمري ما هاجي عليه
وبتحلى الدنيا في عينيوأنا جنبك ف متبعدنيشحُبك فعلًا بيخلينيأتمسك بالدنيا وأعيشوفي قربك بيروح خوفيوده وعد ومُلزم أنا بيهمهما تكون يا حبيبي ظروفيقلبك عمري ما هاجي عليها
قترب منها وحملها ودار بها ثم أنزلها أرضًا برفق. حضن وجهها. كان قد قرر أن يستسلم لتلك المشاعر الرائعة التي تحتل قلبه. مهما قال أو أنكر، هو يعشق ماريانا. العشق الكلمة الوحيد التي تصف مشاعره نحوها. اقترب منها وهو يقول بأصدق نبرة سمعته منه:
"أنا بحبك يا ماريانا… بحبك بجد."
ثم ختم اعترافه بقبلة عاطفية صادقة.
***
خرجت من محاضرتها. كان اليوم حافلًا. اليوم وقد انتهت أخيرًا. حاولت أن تشغل نفسها أكثر لكي لا تفكر به أكثر، ولكن لا فائدة. فجأة تجمدت وهي تجده أمامها ينظر إليها بتوتر وارتباك. قفز قلبها داخل صدرها وهي تطرق رأسها أرضًا. رباه أتمنى أن يكون هذا حلمًا سخيفًا. رباه سوف تنهار.
"جيلان…" قالتها رحيق وهي تقترب منها. عبست جيلان وهي تجد رحيق بالقرب من أمجد. ولكن وجدتها تتقدم منها وتقول:
"تعالي معانا."
امسكت كلًا منها ثم جذبتها برفق خلفها لتفتح سيارة أمجد البسيطة وتدفعها برفق نحوها. ركب أمجد بدوره وهو يبدو على ملامحه الحزن والشفقة.
"هو فيه إيه؟ مالكم؟" قالتها جيلان وقد شعرت بقلبها يخفق برعب.
شدت رحيق على كفها وقالت والدموع تطفر من عينيها:
"مامتك تعيشي انتِ!"
رواية اسرت قلبه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سوليية نصار
أنتِ صغيرة للغاية على أن أثير على تلك المشاعر بقلبي.
(أمجد لجيلان)
ترددت الكلمة بعقلها وهي لم تستوعبها بعد. نظرت إلى رحيق وقالت:
- بتقولي إيه يا رحيق؟ مين دي اللي ماتت؟ ماما؟ ماما؟
أغمضت رحيق عينيها والدموع تنهمر أكثر. ثم جذبت جيلان إليها وهي تربت عليها بقوة، بينما انطلق أمجد بسيارته.
كانت رحيق تضم جيلان بقوة، بينما الأخيرة تهز رأسها وكأنها لا تصدق الأمر.
- لا أمي عايشة! إنتوا كدابين! ماما عايشة! أيوه عايشة!
كانت تكررها كالمجنونة، بينما دموعها تتساقط وتغرق وجهها. لا تستوعب الخبر الآن.
توقفت السيارة أمام منزلها لتنظر بعيني مذهولة إلى النساء متشحات بالسواد اللائي يقفن قرب منزلها. خرجت بسرعة من السيارة، بينما رحيق تهتف باسمها. ثم اتجهت نحو المنزل وهي تصرخ:
- ماما! ماما!
سقطت على الأرض أمام منزلها لتقترب منها النساء، بينما كانت هي تضرب على الأرض وتصرخ. توقف أمجد مكانه وقلبه ينعصر من الألم وهو يراها بتلك الحالة. تقدمت رحيق منها ثم جلست بجوارها وهي تضمها وتبكي بعنف معها.
أخذت جيلان تبكي لفترة حتى أنهكها التعب وفقدت وعيها.
- جيلان!
قالها أمجد بلهفة واتجه نحوها. ثم دون تفكير قام بحملها لداخل المنزل. ورغم الموقف نظرت إليه رحيق بذهول. كيف يتصرف شقيقها بتلك الطريقة؟ الجميع يعرف أمجد، ويعرف أنه رجل يخاف الله. كان الأولى أن تحملها النساء للمنزل ولا يمسها هو. يبدو أن شقيقه يفقد عقله عندما يتعلق الوضع بجيلان.
دخل أمجد وهو يحملها ثم وضعها على الفراش وهو يحاول إفـاقـتـها. أبعدته والدته قليلاً وهي تلاحظ نظرات شقيقتها المصدومة وقالت:
- أنا هفوقها يا أمجد. روح أنت وشوف هتعمل إيه. عايزين ندفن خالتك قبل الليل ما يجي.
هز أمجد رأسه وهو ينظر إلى جيلان بقلق لتقول:
- يلا يا أمجد مفيش وقت.
خرج أمجد مسرعاً وما زالت هيئتها وهي فاقدة للوعي تطارد عقله!
بدأ التجهيز بكثافة لدفن شربات. من غسل وكفن والتحضير لجنازتها.
كانت نوران جالسة بجوار جيلان التي تنام على الفراش وهي تبكي بعنف، بينما تحتضن ملابس والدتها.
- جيلان روحي لحد بس بصي عليها، ودعيها.
هزت جيلان رأسها بالنفي وهي ما زالت تبكي. هي لن تستطيع. لا. أغمضت عينيها بقوة. تمنت لو تفقد الوعي حتى ينتهي كل هذا. تمنت أن تمر سنوات حتى يزول هذا الألم. كانت دلال وشقيقتها ينظرون إليها بشفقة.
- نوران.
كان هذا صوت أمجد من خارج الغرفة. خرجت نوران مسرعة ليقول أمجد:
- خرجيها يلا عشان تودع والدتها قبل ما يكفنوها.
- مش راضية يا أمجد. هي منهارة حالياً و...
- ادخلي وقوليلها تطلع وإلا أنا هطلعها بنفسي.
- خليك حنين عليها حرام يا أمجد كفاية اللي هي فيه.
تنهد وهو يشعر بشيء ثقيل على قلبه وقال:
- لو معملتش كده هتندم إنها مودعتهاش. طلعيها يا نوران وإلا أنا اللي هطلعها بجد!
بعد قليل. كانت نوران ورحيق يمسكان جيلان التي تنتفض بقوة، بينما الدموع لا تتوقف عن الانهمار. تقول بصوت مُعذب:
- لا... عشان خاطري لا... مش عايزة.
كانت رحيق تبكي متأثرة وهي تراها بتلك الحالة، بينما نوران تقبل رأسها ودموعها تنهمر. أدخلوها للغرفة حيث وجود والدتها. كادت أن تسقط وهي ترى والدتها جثة هامدة. لقد كانت دوماً قوية، لم تكن مريضة. فموتها بتلك البساطة كان غريباً. أن تسقط فجأة أرضاً ويتوقف قلبها. كان شيئاً لا تستطيع أن يصدقه عقلها أبداً. اقتربت من والدتها ثم بدأت تقبل وجهها بعنف وقد اشتد بكاؤها. ثم لم تتحمل وفقدت الوعي مجدداً!
بعد أسبوع.
- أنا عايزة أأجل الفرح!
قالتها رحيق وهي تفرك كفيها. كانت قد طلبت من شقيقها أن يطلب من عاصي القدوم لتحدثه في هذا الشأن. كانت ملامح عاصي واجمة وهو ينظر إلى أمجد الذي كان وجهه خالياً من التعابير. كانت رحيق تطرق برأسها وهي تفرك كفيها بتوتر وتقول:
- إنت شايف عندنا حالة وفاة ومش من الطبيعي إننا نعمل الفرح الشهر اللي جاي.
تكلم عاصي أخيراً وقال:
- مش مشكلة نأجله شهر واحد بس. ونعمل كتب كتاب وإشهار. ومنعملش فرح. مناسب ده ليكي؟
نظرت إليه بشحوب لترى التصميم بعينيه. نظراته تخبرها أنه لن يصبر أكثر من هذا!
في المساء.
- إيه اللي بتعمليه ده يا مياس؟
قالها سيف وهو يشد على أسنانه عندما وجدها تقترب منه وتستعد للنوم.
- بعمل إيه؟
قالتها بنبرة خالية من المشاعر ليرد وهو يشير إليها ويقول:
- هتنامي بالنقاب؟ هو ده ينفع برضه؟ إيه اللي بتعمليه ده!!!
تنهدت وعينيها الزرقاء تتركز عليه وقالت:
- أنا مرتاحة كده و...
- مرتاحة إيه؟ هتتخنقِ كده؟ عايز أفهم تصرفاتك الغريبة دي. بقالنا أسبوعين متجوزين وأنا مستحمل اللي بتعمليه بس خلاص فاض بيا.
- عندك حل الطلاق مُتاح.
قالتها وهي تطرق برأسها ليهز هو رأسه ويقترب منها. يمسك كفها ويقول بلطف:
- ليه بتعملي كده يا مياس؟ قلت لك شكلك مش مشكلة بالنسبالي.
ولكنها شدت كفها وقالت من بين أسنانها:
- بس مشكلة بالنسبالي. أنا مبحبش شكلي بكرهه. مش بطيقه.
رأى ستار رقيق من الدموع يتكون بعينيها. ضغط على كفها. قال:
- حاسس بيكي.
- لا إنت مش حاسس ولا عمرك هتحس بيا فبطل كدب!
قالتها وهي تهاجمه، بينما الدموع لا تتوقف عن الانهمار من عينيها. كان اليأس يقطر من نبرتها.
- محدش فاهمني. محدش حاسس بالنار اللي جوايا. أنا بقرف من شكلي. أنا مبحبش أبص في المرايا. مبحبش أشوف القرف في عيني من شكلي. وده القرف اللي إنت حاسس بيه لما تشوف شكلي.
- إنتِ بتتوهمي يا مياس. أنا عمري ما قرفت منك.
- كداب... إنت كداب. وبدليل جوازك مني. إنت اتجوزتني شفقة وعشان تثبت لحبيبتك القديمة إنك تخطيتها. يعني جوازنا مزيف.
- إنتِ عارفة إن ده كدب. يمكن ده في البداية بس أنا دلوقتي عايز أعيش معاكي. فيه حاجة فيكي مخلياني مش قادر أبطل أفكر فيكي. أو أبطل أنكشك أو أجري وراكي.
ارتعشت وهي تنظر للصدق بعينيه وقالت:
- إنت كداب... كداب... إنت بتقول كده عشان شفقان عليا. لو كنت اتجوزت واحدة غيري كنت هتكون مبسوط أكتر وكنت هتخلي جوازك بيها حقيقي.
فجأة صمتت وهي تدرك الهراء الذي تتفوه به. بينما كانت هو نظراته غريبة وهو ينظر إليها. مشتعلة تماماً!!! ابتلعت ريقها، بينما بدأ يقترب منها. تراجعت بذعر وهي تقول بصوت مرتجف:
- والله لو قربت هصوت وأقول لعمي. سيف لو سمحت متقربش!
مد هو ذراعه في الوقت المناسب وأمسكها قبل أن تصطدم بالطاولة الصغيرة التي كانت بالغرفة. ولكنـه لم يجذبها إليه بل أمسك كفيها وقال:
- قلت لك قبل كده وأقولها مرة تانية. بكلمة واحدة بس هخلي جوازنا حقيقي. وأنا نفسي جداً أخليه حقيقي.
انحبست أنفاسها بينما يكمل:
- بس أنا مش عايز أعمل أي حاجة ممكن تضايقك. أنا صابر وهصبر عليكي لأنك تستاهلي إني أصبر عليكي. لأني عارف إني في الآخر هكون مبسوط.
- دي شفقة.
قالتها وهي تنتحب ليمد يده ويرفع نقابها وهو يحضن وجهها مقرباً إياها لوجهه. أغمضت عينيها وهي تقول بعذاب:
- متتبصش عليا بالشكل ده. أنا ذات نفسي بقرف من شكلي.
- بس أنا لا. ودلوقتي افتحي عينيكي وبصيلي لو سمحتي.
فتحت عينيها المشبعة بالدموع ونظرت إليه. كانت عينيه زرقاء صافية. تنظر إليها بحنان ليس غريباً عليه وقال:
- بصيلي كويس وقوليلي هل شايفة في عيوني قرف ولا شفقة؟ قوليلي شايفة إني بكدب عليكي.
ما زالت تنظر إليه تبحث عن أي آثار عما تتهمه به، ولكنها تختنق وهي لا تجد أي شيء. أبعدت كفه وهي تتمتم:
- إنت ممثل شاطر أوي عشان مفيش حد بالمثالية دي.
نظر إليها بإحباط وقال:
- يمكن الزمن يغير وجهة نظرك دي.
- مظنش.
قالت بإرهاق وهي تمسح دموعها. تنهد وقال:
- طيب يا مياس بس برضه مش هتنامي بالنقاب مفهوم.
ثم تركها وتسطح على الفراش. لتتنهد هي وتذهب من الجهة الأخرى مبتعدة عنه قد الإمكان!
نظرت إليه بقلق ونظرت حولها وجدت المكان خالياً نوعاً ما. كادت أن تتراجع إلا أن هذا الرجل أخرج زجاجة ثم سكبها على وجهها لتصرخ مياس بقوة وتغطي جانب وجهها وهي تشعر بالغليان به. هرب الرجل مسرعاً، بينما سقطت مياس على الأرض وهي تصرخ! حركت رأسها بعذاب، بينما احتشد العرق على جبينها بغزارة. ما زالت هي أسيرة ذلك اليوم. ما زالت الكوابيس تهاجمها.
فتح سيف عينيه بصعوبة وهو يسمع صوت غريب. نظر بجواره ليجد مياس تحرك رأسها بعنف، بينما تزوم وكأنها تصارع شيئاً. اقترب بجسده منها ثم ضمها إليه برفق. قبل رأسها وقال:
- مياس اهدي.
ولكن فجأة نهضت وهي تصرخ لينهض هو بخوف. كانت تتنفس بكثافة وهي تنظر حولها لتجد أنها في الغرفة مع سيف. نظرت إلى سيف والدموع تنهمر من عينيها، ثم دون أن تشعر ارتمت بين ذراعيه وهي تبكي بعنف شديد! تنهد وهو يضمها إليه ويقول:
- بس خلاص اهدي. إنتِ في أمان متخافيش.
بعد قليل. كانت قد غفت مجدداً وهي تحتضنه، بينما تضع رأسها على صدره. كان ينظر إليها وهو عابس. ضميره يجلده بشأنها. لو كان معها لما كان هذا حدث.
وضع كفه على حروقها وهو يتمنى أن يجد من فعل هذا. حينها يقسم أنه سيقتله.
في اليوم التالي.
قبل رأسها بينما هي تنام بهدوء. ابتسم وهو ينظر إليها ثم ربت على رأسها. منذ أن اعترف بحبها له وهو يشعر بسعادة لا مثيل لها، وكأنه مراهق يداعب الحب قلبه لأول مرة. إنه شعور لم يختبره من قبل حتى مع سيلا. شعور أن شيئاً يجتاح قلبك دون رحمة. عاصفة من نوع مميز. حب ماريانا كان كالعاصفة التي غيرت حياته للأفضل. وهو سوف يحبها هي فقط حتى الموت.
- أنا بحبك.
همس في أذنها لتبتسم ثم تفتح عينيها وتحاوط رقبته بدلال وتقول:
- وأنا كمان بموت فيك.
- طيب مش يلا عشان تلبسي ونروح الشغل ولا هتكسلي؟
مطت شفتيها وقالت:
- ما خلينا نأجل النهاردة في البيت. ونعيش زي اليوم اللي عشناه الأسبوع اللي فات.
ضحك وهو يحملها بين ذراعيها، بينما هي تحرك ساقيها في دلال وتضع رأسه على صدره وتقول:
- بحب اللحظات اللي بكون فيها معاك وجمبك. بتمنى متتنسيش. أنا اتأكدت الأسبوع اللي فات إنك بتحبني يا جورج. عينيك كانت بتلمع ليا. تعرف أنا اتمنيت ده من إمتى؟ كان نفسي تحبني من زمان. كان نفسي تبصلي بالنظرات دي. كنت مستعدة أموت وأعيش لحظة أحس فيها إني محبوبة منك. ودلوقتي اتحقق حلمي حتى لو هموت مش مهم.
قبل رأسها وهو يقول:
- شششش اوعي تقولي كده. هنعيش مع بعض طول العمر وكل يوم حبي ليكي هيزيد.
ابتسمت ابتسامتها الرائعة وهي تنظر إليه. انحنى بشفتيه نحوها ليقبلها ليرن جرس المنزل فجأة.
- اوف مين الرخم ده؟
ضربته على صدره وقالت:
- اتلم! دي ماما قالت هتجيلي قبل الشغل النهاردة عشان عاملالي حلة ورق عنب هحطها في التلاجة ولما نرجع من الشغل هناكلها.
- خلاص وأنا بعتذر لحماتي.
ثم نزلها وقال:
- روحي افتحي لها بقا.
ابتسمت وهي تخرج، بينما يخرج خلفها. فتحت الباب وهي تبتسم، ولكن الابتسامة تجمدت على شفتيها وهي ترى أمامها غريمتها سيلا. تنظر إليها بغضب!
أسبوع مر وهو لا يحادثها من الأساس. لا يتعامل معها. لا ينظر إليها. حتى لا يأكل في المنزل. كل ما يفعله هو العمل والجلوس مع عمر. وهي العنيدة بطبعها لم تحاول التبرير أو الاعتذار. أخبرها عقلها أن هذا أفضل لها، رغم صراخ قلبها أنها تحبه. ولكن ماذا تفعل؟ هي تحمي قلبها من أن يُجرح. هي لن تسمح له أن يجرحها مجدداً.
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها، بينما ترتدي بيجامة حريرية. كان يجب أن تتجهز سريعاً للعمل. وقفت فجأة وهي تراه أمامها. كان ينظر إليها. وجهه عابس لا يبتسم، ولكن عينيه تلتهمانها. تراجعت للخلف وهي تشعر بالتوتر ليبتسم هو بسخرية ويقول:
- إيه خايفة ألمسك تاني؟ متقلقيش. مش هكرر الغلطة دي تاني!
رفعت ذقنها بكبرياء ليكمل:
- كنت حابب أبلغك بقرار أنا أخدته عشان متتفاجئييش يعني.
- إيه هو القرار؟
قالتها بتوجس ليرد:
- أنا قررت أتجوز!
تتسطح على فراشها، بينما تشعر وكأن قبضة باردة تضغط على قلبها وتدميه. دموعها لا تتوقف عن الانهمار. اعترافه يصدح بعقلها. نظراته. نبرات صوته. ملامحه الرائعة. كل هذا انحفر بعقلها. لا تستطيع أن تزيله بعقلها. ولا تستطيع أن تهدأ قلبها الذي يهدر بقوة. لا تستطيع أن تمنع تلك الفرحة بقلبها. الفرحة بإعترافه. أغمضت عينيها ودموعها تنهمر أكثر وهي تتذكر اعترافه الصادم لها. تتذكر كيف زلزل كيانها بإعترافه.
- أنا معجب بيكي يا ماجدة.
صدمتها الكلمة. شعرت وكأن أحدهم دفعها في حفرة عميقة. احتشد العرق على جبينها وهي تقول بصوت لاهث مذهول:
- بتقول إيه؟ إنت بتقول إيه؟
كان قد بدأ ستار رقيق من الدموع يتجمع بعينيها. نظر إليها بوجوم وبدا وكأنه عاد لعقله وقال:
- مبقولش حاجة.
ثم تركها وذهب وهو يلعن نفسه بشدة. هل فقد عقله!!! حقاً ماذا يفعل!!! وقفت مكانها وهي ترمش بقوة وتفكر. ما الذي حدث للتو!!!! هل قال إنه معجب بها. وضعت كفها على قلبها الذي أخذ ينبض بتسارع غير مسبوق. بينما الدموع أخذت تنهمر من عينيها وهي تقول:
- معجب بيا... بيا أنا...
قلبها الأحمق أخذ يقفز في صدرها، بينما تجمدت مكانها وكأن كل العالم تجمد من حولها. كانت تشعر أنها في حلم.
عادت من شرودها، بينما تدفن وجهها في الوسادة وتنفجر مجدداً في البكاء.
في أحد الصالات الرياضية.
كان يجلس على دراجة الكهربائية الرياضية وهو يمارس الرياضة بعنف شديد. عينيه كانت تشتعل بها النيران. هل فقد عقله. كلما يتذكر أنه اعترف لها بشيء هو من الأساس ينكره يرغب بضرب نفسه بقوة. والأسوأ أنها منذ اعترافه الغبي لم يراها وهو لا يلومها أبداً. هو من أخطأ. كل ما يفكر به الآن ماذا لو قابلها بماذا سيبرر ما قاله لها في لحظة عاطفية غبية!
- يوسف إنت كويس؟
قالها منير وهو يرى التوتر الذي يغزو ملامح صديقه. ليس التوتر فحسب بل الغضب أيضاً. هو يشعر به. فهو منذ أسبوع تقريباً وهو في تلك الحالة الغريبة!
ترجل يوسف من الدراجة وهو يمسك زجاجة المياه الخاصة به، ثم شرب منها. رفع منير حاجبيه ثم قال:
- لا لا شكل الموضوع كبير. قول لي بقا إيه الحكاية.
تنهد يوسف ناظراً إلى صديقه وقد قرر أن يخبره بكل شيء. لعل نيرانه تهدأ.
بعد قليل.
- يا ابن اللعيبة!
صرخ منير وهو يضحك. نظر إليه يوسف بضيق وقال:
- ممكن توطي صوتك.
- آه يا نصاب. إنت طلعت مش سهل يا حب. ليك جو وبتحب وتتحب ومتقوليش.
- حب إيه. قلت لك إعجاب. وبعدين مينفعش يكمل.
- وده ليه؟
- عشان هي مطلقة و...
ولكن منير قاطعه كلماته وهو يقول:
- لا متقولش إنك من النوع المتخلف ده يا يوسف. يعني عشان مطلقة رافض الموضوع.
- مش مشكلتي إنها مطلقة. مشكلتي إن طليقها لسه بيجري وراها. وإنا بصراحة مش هحارب تاني. ممكن في الآخر تختاره وأنجرح للمرة التالتة يا منير. كفاية وجع قلب. خليني كده أنا مرتاح!
نظر إليه منير بآسى وهو لا يستطيع أن ينفي مخاوفه حتى. هو محق. ماذا إن اختارت تلك المرأة طليقها!!!
لا تعرف متى غفت وهي تبكي، ولكن رنين الهاتف أخرجها من نومها المضطرب. مدت كفها وهي تفتح الهاتف وترد بنبرة ثقيلة:
- أيوه.
- إنتِ اتجننتي يا ماجدة مجتيش ليه؟!!!
فتحت ماجدة عينيها ونهضت بفزع وهي تقول:
- سمرا. فيه إيه؟
- فيه إن الأدلة اللي ماسكاها على لطيف. جوزي لقاها وأداها له وقبض التمن كمان. يعني الأدلة دلوقتي في إيد لطيف!
- ممكن نتكلم.
قالتها أريام، بينما تقف أمام أمجد الذي يجلس على مكتبه حيث يعمل. عبس وهو ينظر إليها وقال:
- أكيد.
بلعت ريقها بعسر وقالت:
- مر أسبوع على وفاة مرات عمك. وخلاص يعني كده. إمتى بقا هنكتب الكتاب؟
رمش وهو ينظر إليها بصدمة وقال:
- سامعة نفسك بتقولي إيه يا أريام. مرات عمي ماتت من أسبوع تقريباً. وإنتِ عايزة تكتبي الكتاب. معقولة إنتِ!!!
ارتبكت وقالت مدافعة عن نفسها:
- ده كتب كتاب يا أمجد مش فرح. وبعدين الله يرحمها بس ليه نأجل كتب الكتاب عشان حاجة زي دي؟ والا إنت عايز تاخدها حجة؟
- حجة!
كرر بذهول لترد بقهر:
- أيوه حجة عشان متتجوزنيش. بس بقولك من دلوقتي لو معملناش كتب الكتاب الأسبوع ده كحد أقصى يبقى كل اللي بينا انتهى!
- بقالك فترة قاعد قدامي من غير أي كلمة يا سيف. خير فيه حاجة؟
قالها جلال وهو ينظر إلى ابنه ليرد سيف:
- إنت تعرف مين اللي شوه مياس صح يا بابا؟
تفاجأ من السؤال وقال:
- إيه اللي مخليك واثق من ده؟
- رد عليا تعرف هو مين ولا لا؟
- هتفرق معاك يا سيف!
رمش سيف بصدمة ليكمل والده:
- ولو عرفته هتعمل إيه؟
اشتعلت النيران بعينيه وقال:
- هقتله. بس قول لي هو مين!
رواية اسرت قلبه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سوليية نصار
أنا مجنونة بك!!!
(أريام لأمجد)
نظر إليها للحظات وهو يشعر بقلبه يعتصر. لقد ظلمها، يشعر بالذنب بسبب هذا. أطرق رأسه وهو يفكر أنه من أوصلها لتلك الحالة. لقد صدمته مشاعره نحو جيلان. نعم، هو يمتلك تلك المشاعر. لا يستطيع أن يكذب أو يخدع نفسه بعد الآن. هل يكذب على نفسه ويخبر نفسه أن ليس لديه مشاعر نحوها؟ مشاعره أصبحت واضحة للجميع. لن يكذب، ولكن أيضًا لا يستطيع أن يفعل بأريام هذا.
تكلم أخيرًا بنبرة هادئة وقال:
- أنا هتجوزك يا أريام. ده أكيد هيحصل إن شاء الله. بس مينفعش دلوقتي. مرات عمي اتوفت، البيت في حالة حداد. حتى أختي أجلت فرحها، ونوران كمان. مفروض جيلان كانت تتخطب وكل حاجة وقفت. يعني حياتنا كلها وقفت حاليًا.
- وده مريحك صح؟!
قالتها والدموع تطفر من عينيها. ليعبس ويقول:
- مش فاهم.
- لا يا أمجد، أنت فاهم كويس. أنت مبسوط إن ترتيبات خطوبة جيلان وقفت. فرحان مش كده.
- إيه اللي انتِ بتقوليه ده!!
قالها وهو يتنفس بغضب. لترد:
- بتضحك على مين يا شيخ أمجد؟ عليا ولا على نفسك. مشاعرك ناحية جيلان واضحة!
- أريام اسكتي.
- مش هتخوفني يا أمجد. خلاص حقيقتك انكشفت. عايش في دور الشيخ ومبترضاش حتى تبصلي دقيقتين على بعض. قال إيه بتغض بصرك. وانت سمحت لنفسك تبصلها وتحبها. سمحت إن قلبك يتعلق بيها يا شيخ.
أخذ يتنفس بصعوبة وهو يتمالك نفسه قبل أن يتهور.
وقالت:
+ مش هسمح ليك تسيبني يا أمجد. لو حصل هقول للكل حقيقتك. هقول إنك بصيت للي دايما بتقول عليها أختك.!!
ثم استدارت لتذهب، ولكنه قال:
- أنا هتجوزك انتِ يا أريام متقلقيش. بس مش دلوقتي.
لم ترد عليه وغادرت مكتبه وهي غاضبة.
جلست على المقعد وهو يشعر بعالمه يتهاوى. ليدخل صديقه عثمان ويقول:
- هو فيه إيه يا صاحبي؟ مالها آنسة أريام واخدة في وشها كده ليه؟
نظر إليه أمجد بتعب. ليقول عثمان بتوجس:
- لا شكل الموضوع كبير أوي. أستنى أنا جاي أسمع. أموت في خناقات المخطوبين. فكرتني بخناقاتي مع سبيل خطيبتي السابقة.
ضحك أمجد بمرارة. بينما عثمان يجلس بجواره ويقول:
- ها احكي يا شهريار. كل حاجة بالتفصيل الممل.
صمت أمجد بيأس. ليعبس عثمان ويقول:
- شكل الموضوع فعلاً كبير مش هزار. قولي يا أمجد إيه اللي حصل.
نظر إليه أمجد بتعب وهو يقرر أن يقص عليه كل شيء.
- يعني أنت بتحب بنت عمك!!
صرخ عثمان بدهشة. فزجره أمجد وهو يقول بغيظ:
- ممكن توطي صوتك!!!
- طيب تمام أنا آسف. قولي أنت هتعمل إيه؟
- بجد مش عارف.
نظر إليه عثمان وقال بتقرير:
- أنت كده مبتحبش خطيبتك. يعني كده هتسيبها وتتجوز بنت عمك مش كده يا أمجد. أنت هتسيب أريام!!
- أنا مقدرش أسيبها يا عثمان بعد ما ركنتها الفترة دي. وكمان اديتها أمل إننا خلاص هنكتب الكتاب.
قالها أمجد بيأس وهو يدفن وجهه في كفيه. ليهز عثمان كتفيه ويقول:
- خلاص يا صاحبي متسيبهاش. اتجوزها.
رفع أمجد رأسه بيأس ونظر إلى صديقه وقال:
- بس قلبي مسوحني يا عثمان. قلبي هيدخلني في حورات أنا مش قدها. أنا حاسس إني تايه. مش مصدق إن عيلة تقلب حياتي بالشكل ده. أعمل إيه يا عثمان؟ أنا تعبت.
ابتسم عثمان وقال:
- أنا شايف إنك معذب نفسك على الفاضي يا صاحبي. حلك بسيط جدا. أنت بتحب بنت عمك ومتقدرش تسيب أريام. فيه حل بسيط جدا يحل مشكلتك. اتجوزهم الاتنين يا شيخ أمجد.
نظر أمجد إليه للحظات ثم ضحك بذهول وقال:
- أنت مجنون يا عم ولا إيه؟!
عبس عثمان وقال:
- إيه اللي قولته غلط يا عم أمجد. بقولك الحل. اتجوز الاتنين. ده شرع ربنا لا حرام ولا عيب. وانت شيخنا يا عم وعارف.
- وعشان عارف بقولك لا. أنا معنديش إمكانية لا مادية ولا عندي إمكانية إني أعدل. أيوه صح التعدد شرع ربنا أنا مقدرش أقول حاجة. بس دي حاجة أنا مش قدها. بس أنت كده هتضطر تختار ما بينهم هما الاتنين يا شيخ أمجد. هتختار مين؟
ابتسم بحزن وقال:
- أريام يا عثمان. مقدرش أكون ندل معاها وأسيبها بعد ما اديتلها الأمل!!
***
عبست رحيق وهي تجد نوران تتمسك بها بتلك الطريقة. خفق قلبها برعب شديد وهي تحاول تقبل كلماتها في عقلها. أي فضيحة تلك التي تتكلم عنها.
- نوران.
قالتها رحيق بتوتر وهي ما زالت تبكي بتلك الطريقة المخيفة. حاولت رحيق تهدئتها ولكن نوران كانت في حالة انهيار لم تراها من قبل.
- نوران اهدي وفهميني.
امسكت نوران بكف رحيق كأنها السبيل الوحيد للنجاة. ووقعت على الأرض وهي ما زالت تمسك كفها وتقول:
- أنا انتهيت. انتهيت. اتفضحت خلاص!!!
جلست رحيق بجوارها وهي تضمها بفزع وتقول:
- قوللي إيه اللي حصل. أبوس إيديكي اتكلمي. أنا دماغي شغالة تودي وتجيب. يا بنت انطقي.
عانقتها نوران وهي تبكي بعنف وتقول:
- أنا غلطت يا رحيق. غلطة متتغفرش. أنا كنت بحب زميل ليا و... و...
ابتعدت رحيق قليلاً وهي تضع كفها على فمها برعب وتقول:
- وايه اللي حصل. انطقي!!!
أطرقت برأسها أرضًا ودموعها تنهمر بشكل مكثف وقد بدأت تقص عليها كل شيء. بدءًا من حبها البريء لعادل ثم تحول هذا الحب لشيء غير بريء تمامًا. قصت لها عن الصور المخجلة التي بعثتها له، عن تهديده لها، وأخيرًا عن اغتصابه لها. لم تترك شيئًا لم تحكيه، حتى تهديده لها لكي تتزوجه بالسر.
ما أن انتهت حتى لطمت رحيق وهي تولول قائلة:
- يا مصيبتي. يا مصيبتي. إيه اللي عملتيه في نفسك ده.
ثم أخذت تهزها بقوة بينما الدموع تنهمر من عينيها وصرخت مجددًا:
- انطقي. إزاي تعملي في نفسك كده. إزاي؟!!!
- أبوس إيديكي وطي صوتك يا رحيق.
هزت رحيق رأسها بذهول لتكمل نوران وقد لمعت عينيها بغضب:
- وبعدين انتوا السبب. انتوا اللي خلتوني أعمل كده!!
نظرت إليها رحيق بصدمة لتكمل:
- مصدومة ليه؟!! هما انشغلوا بيكي انتِ، حبوكي انتِ، وأنا اتركنت على الرف. طبيعي أغلط.
- أنا بجد مش قادرة أصدق. أنتِ بتبرري إيه؟! محدش ركنك على الرف. أهلك بيحبوكي. معاكي والدتك ومعاكي أخوكي. وأنا بحبك. مش شايفة ده كله. مستخسرة فيا حب ماما دلال ليا. هي مهما حبتني مش هتحبني أكتر منك يا نوران. مفكرة نفسك تعيسة. أومال أنا أقول إيه. أنا اتحرمت من والدتي من صغري. اتمنيت بس حضن. طول السنين دي كنت بشحت الحب. رغم إن أمجد كان معوضني بس كنت بتمنى إن ماما دلال تحبني. ولما حبتني مستخسرة ده فيا. بتلوميني على غلطك.
نهضت وهي تمسح دموعها وتقول:
- آسفة مش هتهاون معاكي وأبررلك كمان. انتِ غلطتي وغلط كبير غلطتي في حق نفسك وأهلك. والأهم من ده كله عصيتي ربك وحطيتي صباعك تحت ضرس واحد رخيص زي ده. انتِ غلطتي.
عضت شفتيها وقالت بنبرة مخنوقة:
- هتقولي لأمجد؟
بهتت رحيق للحظات وهي تفكر ماذا تفعل في تلك الكارثة. بالطبع لن تتخلى عن نوران. يجب أن تساعدها.
جلست مجددًا بجوارها وأمسكت كفها وهي تقول:
- هنعدي ده سوا متقلقيش. بس من رأيي نقول لأمجد. هو هيعر...
- لا لا.
قالتها نوران بانهيار وهي تبكي وتقول:
- أبوس إيديكي أمجد لا. أمجد. ممكم يقتلني.
- أنتِ عارفة كويس إن أمجد مستحيل يعمل كده. بس لازم نقوله. متنسيش إنك مخطوبة دي هتبقى...
امسكت يدها وهي تبكي بانهيار وتقول:
- أبوس إيديكي متقوليش لأمجد لآني والله وقتها هنتحر. خلاص يا رحيق انسي اللي قولته. متساعدنيش. أنا هساعد نفسي. أنا...
شدت رحيق على كفها وقالت:
- أنا معاكي. أنا هساعدك.
- هتعملي إيه؟
قالتها نوران بلهفة. لترد رحيق بيأس وتقول:
- معرفش. بس ربنا هيسهلها إن شاء الله يارب. هنحاول ندبرها.
أخذت نوران تبكي وقالت وهي تنظر لرحيق:
- هو أنا لو انتحرت هتحاسب يا رحيق. حاسة إن ده أحسن حل. ده ممكن يوقف عادل. متعرفيش أنت عادل ده واحد حقير. ربنا كشفه ليا كذا مرة بس أنا اللي غبية وكملت في القصة دي وبتحاسب دلوقتي. قولي لو موتت نفسي ربنا هيحاسبني!!
- أنتِ تعبانة في دماغك يا نوران. بجد. للدرجة دي مبتفكريش.
هزت رأسها وهي تبكي بإسراف:
- أيوه عندك حق يا رحيق. أنا غبية أوي. مفكرتش وأنا بحط صباعي تحت ضرس واحد زي ده. استغل ضعفي ناحيته لحد ما خسرت كل حاجة. أنا كارهة نفسي أوي يا رحيق. ياريت أموت وأرتاح. أنا فضحتكم!!
انسابت دموع رحيق بقوة وهي تنظر إليها ثم ضمتها وهي تبكي بعنف مثلها. كان قلبها يؤلمها بسبب شقيقتها. هي عاجزة. لا تعرف كيف ستواجه هذا الوحش. حرفيًا لا تعرف ماذا تفعل.
- هتساعديني يا رحيق!! ساعديني يا رحيق عشان خاطري أنا حاسة إن حياتي كلها وقفت.
هزت رحيق وهي تبكي وقالت:
- مش هسيبك متقلقيش. هساعدك يا نوران. هنعدي ده سوا. هنتصرف إن شاء الله.
ثم أغمضت عينيها وهي تدعي ربها أن يمر هذا على خير.
***
اهتز العالم من حوله. نعم، رجل مثله اهتز عالمه للحظات وهو يشعر أنه سوف يخسرها. كان يرى نظرات سيلا وهو يدعو ربه أن يكون هذا كابوس. بالطبع سوف تخبر زوجته كل شيء. الآن حياته مع ماريانا سوف تتدمر للأبد. السعادة التي بدأ بتذوقها الآن سوف تنتهي سريعًا. رباه ماذا يفعل. كان ينظر لسيلا نظرات تحذيرية بينما هي ترمقه بلامبالاة تخفي تحديًا. وأدت ابتسامة خبيثة كادت أن ترتسم على شفتيها وهي ترى الرعب بعينيه. نعم، يعجبها هذا. هي لو قررت أن تتكلم الآن، سوف ينتهي كل شيء بينهما. لكن لا، هي لا تريد هذا. الآن.
- أنتِ بتعملي إيه هنا!!!
قالتها ماريانا بصوت حاد وهي مستعدة تمامًا أن تغلق الباب بوجهها. رباه لماذا ظهرت الآن وبعد أن تأكدت من حب جورج لها. هل ظهرت لتشتيته؟ ماذا الآن؟ هل ممكن أن يتراجع جورج عن كلماته ويخبرها أنه لا يحبها. أحرقت الدموع عينيها وهي ما زالت تنظر لسيلا. للغرابة، كانت يحتل وجه سيلا ابتسامة لطيفة للغاية بينما نظراتها غامضة.
ابتلع جورج ريقه بينما هي تلج وتقول بلطف:
- ريلاكس مش جاية أعمل مشاكل. أنا بجد آسفة لو عملتلكم مشاكل قبل كده.
توسعت عيني ماريانا بصدمة بينما نظر إليها جورج بتوجس. لا يصدق الذي تقوله أو تصرفاتها اللطيفة تلك، هو لا يثق بها.
أكملت وهي تنظر إلى ماريانا وقالت:
- بعتذر ليكي بشكل مخصوص على تصرفاتي الطفولية معاكي. أنا مكنتش قادرة أستوعب إن جورج اختارك انتِ. كنت عاملة زي العيلة اللي ضاعت لعبتها وتصرفاتي كانت من غير عقل بسبب حبي وغيرتي على جورج. وكان عندي أمل سخيف إن جورج بيكون لسه بيحبني بس للأسف اكتشفت إن ده غلط يا ماريانا. جورج بيحبك انتِ. وعلى فكرة ده من زمان مش قريب. أنا شوفت حبك في عينيه من زمان بس كنا بنعاند نفسي. بس دلوقتي خلاص ملوش لازمة أعاند أكتر لأن بقى واضح أنه بيحبك انتِ. الست بتحس إمتى الراجل بيحبها وإمتى لأ. وأنا شايفة نظرات الحب في عيون جورج. بس الحب ده ليكي مش ليا وأنا مش هحارب على حاجة مش بتاعتي يا ماريانا. كرامتي مش هتسمح بكده. عشان كده أنا جاية أعتذر وبقولك إن خلاص هسافر قريب وهرجع فرنسا ومش هتشوفوا وشي تاني.
كانت سيلا تتكلم والدموع تغرق وجهها. كان جورج ينظر إليها دون تصديق. حسناً، ما تفعله الآن لا يمكن أن يصدقه خاصة بعد محاولاتها للحصول عليه. بعد ما حدث بينهما، إنه ما زال يشعر بالقرف من نفسه. يشعر أنه تلوث. لقد ظن أن عندما يحدث شيء بينه وبين سيلا سوف ينهار ويستسلم لها. ولكن على العكس تماماً. بعد ما اقترب منها وكاد أن يخطأ ويخون زوجته ويخل بوعوده لزوجته، شعر بالقرف من نفسه. مهما غسل نفسه فإنه يشعر أنه مدنس.
- أنا عايزاكي تسامحيني يا ماريانا.
كانت ماريانا ترمقها بذهول. لتستعد سيلا لتغادر وتقول بابتسامة:
- مش لازم دلوقتي يعني. أنا عارفة إن جرحتك. بس حاولي تسامحيني. أنا كده كده هختفي من حياتك.
ثم ابتسمت دامعة وهي تنسحب من حياتهما.
بعد أن ذهبت نظرت ماريانا لجورج بذهول وقالت:
- هو إيه ده؟
هز كتفيه وقال ببرود:
- معرفش وميهمنيش بصراحة. أحسن حاجة إنها هتمشي من حياتنا.
ابتسمت ماريانا وهي تقترب منه وتضمه إليها بقوة وهي تقول:
- أنا بجد مش مصدقة يا جورج. هي بنفسها قالت إنك بتحبني. هو حبك ليا واضح بالشكل ده!
ابتسم لها وهو يربت على شعرها وقال:
- عندك شك في ده؟
نظرت إليه لتجد عينيه الزرقاء صافية تمامًا مملوءة بالعشق. لا. هزت رأسها وقد بدأت دموع السعادة تحتشد بعينيها ثم انسابت.
مسح دموعها بشفتيه لتتمسك به وتقول وهي تتنهد:
- أنا بحبك يا جورج.
- وأنا كمان يا سكرتي.
ثم كاد أن يقترب ليقبلها ولكن انتفضا على صوت والدة ماريانا وهي تقول:
- ليه فاتحين الب... يا دي الكسوف يا ولاد. لا مؤاخذة هو أنا قاطعت حاجة.
ضحكت ماريانا وهي تدفن نفسها بصدر جورج. ليقول جورج ضاحكًا لحماته:
- لا عادي هي جات عليكي. ادخلي يا حماتي.
***
كانت تسير بالطريق والابتسامة تزين شفتيها. يجب أن تعترف أنها ماهرة للغاية في التمثيل. الآن سوف تتخذ دور الحمل الوديع لكي تحصل على جورج. لا يهم عدد قلوب الأشخاص التي سوف تكسرها. هي لا تهتم أبدًا. هي تريد جورج وسوف تحصل عليه. هو حبيبها. ملكها هي فقط. ماريانا هي الدخيل هنا. صحيح أنها فازت بنقطة عندما جعلته يحبها ولكن لا بأس. هي ستحاول بقدر إمكانها أن تجعله يعود إليها. فسيلا هي حب جورج الأول. والحب الأول لا يُنسى بسهولة. ضحكة صغيرة خرجت من بين شفتيها وهي متحمسة لما ستفعله كي تفرقهما.
***
نظرت إليه للحظات تحارب دموعها كي لا تنهمر أمامه وتبدو مثيرة للشفقة. بدلاً من ذلك نظرت إليه وهي ترفع رأسها وتقول ببرود شديد:
- مبروك. فرحت لك. حاول تعمل الفرح في أقرب وقت. واهو تلاقي ست تلبي احتياجاتك اللي أنا مش قادرة ألبيها. أو مش عايزة ألبيها بمعنى أوضح.
توسعت عينه بصدمة وقال:
- نعم!!!
- زي ما سمعت. اتجوز براحتك ده حقك. مادام احتياجاتك مهمة كده.
كان مصدومًا وهو ينظر إليها. لقد أراد إثارة غيرتها ولكنه اكتشف أنها عبارة عن تمثال من الجليد. هي لا تشعر. ليس لديها مشاعر. مؤكد أن ليس لديها مشاعر نحوه. هل إذن ضعفها في تلك الليلة واعترافها بحبها كان كذب؟ كيف يمكنها أن تدعي هذا الحب وتنكره أيضًا بتلك المهارة؟ أما أنها ممثلة جيدة أو تعاني من انفصام في الشخصية. يقسم أنها لو أتت بذكر رجل آخر على لسانها بعد الذي حدث معهما كان ليقتلها.
كادت أن تذهب من أمامه. أن تهرب كي لا تنهار وتترجاه ألا يكسرها بتلك الطريقة. فخبر زواجه هذا سحق قلبها بالفعل. أشعرها أن عالمها يتهاوى من حولها. ولكن قبل أن تهرب، أمسكها أمير جيدًا ثم شدها نحوه. شحب وجهها وهي تقول بفزع وقد خافت من افتضاح مشاعرها نحوه وهي تقول:
- أمير بتعمل إيه؟ ابعد.
ولكنه لم يبتعد، بل أصبح يقترب بوجهه منها حتى لفحت أنفاسه وجهها بينما كانت عينيه على شفتيها بتركيز. ارتجفت شفتيها وهي تقول بتوسل:
- عمر يا أمير. ممكن يصحى يطلع في أي وقت. مينفعش يشوفنا بالوضع ده.
وكأن ذكر ابنه جعله يتعقل قليلاً. بالفعل، كان وضعهما غير لائق. لذلك ابتعد قليلاً ولكنه لم يتركها بل جذبها نحو غرفتهما. أدخلها وأغلق الباب.
تحررت من ذراعه وهي تتراجع وتقول بينما تنظر إليه وهو يرمقها بتلك النظرات الغريبة. كانت نفس النظرات في عينيه يوم امتلكها:
- أنت عايز إيه. ابعد يا أمير أنا ورايا شغل. أنا مش فاضيالك.
- أنتِ عارفة إني ممكن أعيد أول ليلة دلوقتي لينا وهتستسلميلي برضه. وهتعترفي بحبك ليا تاني. عارفة إني ممكن أعمل كده كويس.
ابتلعت ريقها بفزع وقالت بنبرة مهتزة:
- مستحيل. الليلة دي كانت غلطة ومش هتتكرر.
اقترب منها وعصر ذراعها وقال بغضب:
- مكانتش غلطة. ده الطبيعي اللي مفروض يحصل بين أي اتنين متجوزين. ليه مش فاهمة إنك مراتي. ليه بتعملي كده يا سما. أنا عايز أبدأ من جديد. عايزك. ليه بتوفقي حياتنا بالشكل ده.
كان بالفعل غاضبًا منها. من غبائها وبرودها. لما تتصرف بذلك البرود بعد أن أشعلت به النيران. لما تبتعد الآن بعد أن جعلته عاجزًا عن التوقف عن التفكير بها. لما هي قاسية بتلك الطريقة. أكمل وقد فاض به:
- أنا حتى عشان أخليكي تغيري عليا قولتلك إني هتجوز واحدة تاني وانتِ مش مهتمة. انتِ عارفة. لو كنتي جبتي سيرة راجل تاني على لسانك كنت قطعته.
رفعت رأسها وهي تقول بنبرة باردة:
- جوازنا كدبة. مسرحية. مش هتستمر يا أمير. أنا هبعد لما عمر يقدر يعتمد على نفسه. أنت تقبل ده ولو عايز تتجوز ربنا معاك.
نظر إليها بتعب وقال:
- ليه بتعملي كده. ليه يا سما. أنا لأول مرة من زمان أكون مبسوط. أول مرة أفكر بجدية أكمل حياتي بعد مريم واهو عايز أكملها معاكي انتِ. ليه مش عايزة تدينا فرصة نبقى سوا. ليه بتعقدي الأمور. أنا مش عايز أتزوج غيرك. أنا عايز أعيش معاكي. انتِ. انتِ وبس.
- وأنا مش عايزاك يا أمير. هي مش عافية.
كانت تتكلم بسرعة ودموعها تطفر من عينيها. ليه يقترب منها وهو يرفع وجهها ويمسح دموعها برفق ويقول:
- طيب ليه بتعيطي. لو فعلاً مش عايزاني مش هتعيطي كده. لو مكنتيش بتحبيني مش هتعيطي بالشكل ده.
- ده كدب.
قالتها باختناق. ليرد:
- طيب ليه بتعيطي؟
- عشان أنت بتخنقني. مش راضي تفهم!!!
قالتها وهي تشهق بالبكاء. ليقول بصبر:
- مش قادر أفهم إيه. نوريني طيب.
انهمرت دموعها أكثر وهي تحاول إخراج الكلمات من فمها ولكنها كانت تختنق بالفعل. صدرها بضيق. كان هو يمسح دموعها بلطف وقال:
- اتكلمي.
- أنا بحمي نفسي منك.
نظر إليه بدهشة وقال:
- ليه هو أنا عفريت يا سما!!
- أنت بتعرف تجرحني كويس يا أمير. وأنا مش عايزة أتجرح تاني. أنا راضية بالحياة دي. راضية أبقى مربية لعمر. أنت ليه بتحاول معايا إني أنسى دوري.
- مين قال إن ده دورك. يمكن في الأول كان عشان عمر. بس أنا دلوقتي عايز جوازنا يكون كامل. عايزك تنامي في حضني كل يوم. عايز يكون عندنا أطفال. عايز أكمل حياتي معاكي. ليه مش قادرة تفهمي.
أبعدته عنها وهي تبكي وقالت:
- لأنك في كل مرة نقرب من بعض تجرحني وتقول إن عايزة آخد مكان مريم وأنا مش كده. أنا مش ببص لمكان اختي. أنا مش عايزة أخليك تنساها. أنا مش وحشة كده. أنت كنت بتجرحني وأنا...
ثم صمتت وهي تنفجر بالبكاء. اقترب منها مرة أخرى ثم ضمها إليه بقوة وهو يربت على ظهرها. تركها تفرغ كل حزنها حتى ترتاح. وبعد أن هدأت قليلاً، أبعدها عنه وهو يعانق وجهها ويقبل رأسها ويهمس:
- اديني فرصة واحدة وأنا هعيشك في الجنة. فرصة واحدة وأنا هراضيكي وأداوي جروحك مني. فرصة واحدة يا سما.
ابتعدت وهي تمسح دموعها وقالت:
- محتاجة وقت عشان أثق فيك يا أمير.
ابتسم وقال:
- وأنا هديك الوقت اللي عايزاه. زي ما زعلتك بنفسي هصالحك. اللي عايزاه هو اللي هيحصل.
***
- عشان كده مش هقولك هو مين يا سيف!
قالها جلال بهدوء. نهض سيف وقال بعنف:
- يعني حضرتك عارف هو مين. عارف اللي دمر حياة مياس وساكت.
- أنا مش ساكت يا سيف. أنا هندمه بس مستني الوقت المناسب.
احمر وجه سيف بغضب وقال:
- والوقت المناسب ده هيجي إمتى إن شاء الله. أنا مش مصدق يا بابا. بعد ده كله وبعد ما اتخلينا عنها لسنين بسبب مشاكل على الورث بينك وبين عمي دلوقتي بدل ما تندمه على اللي عمله بتقولي مستني الوقت المناسب.
أسبل جلال عينيه وهو يشعر بالذنب يتصاعد داخله. هو أراد تعويض مياس عن كل ما عاشته ولكن ما يفعله دومًا منقوص. تنهد جلال وقال:
- مش معايا دليل حاليًا. يكون معايا دليل بس وأنا هربيه. هخليه يتعفن في السجن. خليك واثق من ده.
- مفيش داعي.
قالها سيف بنظرات غامضة. ليرد والده ويقول بتوجس:
- مفيش داعي إيه يا سيف.
رد سيف وقد بدأت النيران تتصاعد بعينيه وقال:
- قولي بس اسمه وأنا هتصرف معاه.
هز جلال رأسه وقال:
- لا يا سيف مش هقولك هو مين. أنا عارف أنت ممكن تعمل إيه. وأنا مش مستعد أخسرك. ولا كمان مياس مستعدة تخسرك. المسكينة عانت كتير مش هتفرح لما تدخل السجن بسببها.
حك سيف رأسه بعصبية وقال:
- أنا عايز أعوضها. عايز أفرحها يا بابا. عايزها مبسوطة.
ابتسم جلال وقد شعر أن مياس تلج لقلب سيف وقال:
- عوضها بإنك تكون جمبها. تديها الحب والاحترام. تحسسها إنها أجمل واحدة في العالم كله.
ابتسم سيف وقال:
- أظن عارف هعمل إيه!
***
- آه. آه ميااااس.
قالها معاذ وهو يبكي بعنف بينما زجاجات الخمر تحيط به. كان في منزله. لم يفعل شيئًا منذ أسبوعين. منذ زواجها. غير أنها يشرب حتى يفقد وعيه. كانت عهد تحضر له الطعام ثم تلوذ بالفرار لغرفتها. تحتمي ببابها المغلق بإحكام. بينما تشعر بالرعب أن يُصاب بالجنون يومًا ما ويفرغ إحباطه وغضبه بها.
- ليه عملتي كده يا مياس. ليه. أنا بحبك. بحبك زي المجنون. ترفضيني وتتجوزيه هو. بس أنا مش هسكت يا مياس. مش هسكت.
كان يتكلم وهو يمسك صورتها بيد واليد الأخرى يمسك زجاجة الخمر ويشرب منها مثل المجنون. بينما يكمل:
- مياس أنتِ هتبقي ليا. حتى لو اضطريت اقتل جلال الحسيني وابنه. هبقى لك أنا في الآخر وهتجوزك. زي ما بعدت عمر عنك هبعد سيف لإما أقتله. عشان أنتِ ليا يا مياااس. سامعة أنتِ ملكي أنا وبس. كلك ملكي. ممنوع راجل تاني يلمسك. ممنوع!!!!
ألقى زجاجة الخمر على الأرض لتنسكب محتوياتها على الأرض ونهض وهو يترنح. يريد أن يفرغ غضبه وإحباطه. يريد أن يفعل أي شيء ليخرج هذا الغضب وإلا هو سوف يموت. ومن غيرها ليتحمل فورة غضبه. لا أحد غيرها. اتجه لباب غرفتها وهو يطرق عليه بعنف:
- افتحي الباب. افتحيه.
انتفضت عهد من فراشها واتجهت نحو الباب وهي تقول بتوسل ونبرة مخنوقة:
- معاذ عشان خاطري.
ولكنه قاطعها وهو يضرب الباب بقوة ويقول:
- قولتلك افتحي الباب. افتحي الباب وإلا عقابك هيكون شديد لما أكسره.
ارتعشت بقوة والدموع تطفر من عينيها. فتحت الباب وهي ترتعش. ابتلعت ريقها بعسر وهي تجده أمامها. عينيه حمراء. يبدو عليه نفاذ الصبر. اقترب منها لتتراجع بقوة. شدها فعلاً من شعرها ثم أسقطها على الأرض وهو يصرخ:
- بترفضيني يا مياس. أنا. أنا...
ولكنه لم يستطع أن يكمل وفقد وعيه. نظرت إليه عهد وهي تشعر بالرعب. رباه سوف تموت لو ظلت هنا أكثر من هذا ولكن لا يمكنها الهرب. هي لا تمتلك تلك الشجاعة أبدًا. دموعها انهمرت من عينيها وهي تجلس جواره وهي تفكر ماذا تفعل لكي تتخلص منه. ماذا تفعل كي تمتلك الشجاعة وتهرب منه. إلى متى سوف تتحمل هذا العذاب!!!
أغمضت عينيها وهي تشهق بقوة وتقول:
- يارب. يارب أنا مليش غيرك يارب. يارب ساعدني عشان أقدر أبعد عنه يارب. يارب أقدر أهرب منه. يارب احميني من شره.
كانت تدعو وهي تبكي. تتمنى أن تحصل على السعادة في النهاية مع رجل محترم يحبها ويقدرها وليس مع شخص مثله لا يعرف إلا الضرب والانتهاك وسيلة للتعبير. تتمنى أن تجد الرجل الصالح الذي سوف يخلصها من حياتها تلك ويسحبها لحياة أفضل. حياة لا تُهان فيها. هي تثق بالله وتعرف أنها سوف تنجو. صحيح أنها ضعيفة. لا تملك الجرأة لكي تهرب. ولكنها ستنجو. هي تعرف هذا.
مسحت دموعها أخيرًا ونهضت بتثاقل ثم اتجهت نحو الفراش لتتسطح عليه. على الأغلب سوف ينام لساعات ثم ينهض ويقوم بضربها ويصرخ بها لتظل هي طوال الليل تعاني من الجروح. هذا روتينها الذي اعتادته. هذه هي حياتها سلسلة متواصلة من العذاب. ولكن الحمد لله على كل حال. فربما عذابها ينتهي قريبًا.
***
كانت تجلس على الفراش وهي تمسك أحد الروايات الأجنبية تقرأ بها عندما طُرق الباب. وضعت نقابها سريعًا ليفتح الباب ويظهر سيف وعلى وجهه ابتسامة رائعة. نظر إليها وقال:
- أنا مش قولت متلبسيش النقاب وأنتِ في الأوضة. متقلقيش محدش هيدخل هنا غيري.
اقترب منها وهو يضع الصندوق الصغير الذي معه على الطاولة ثم رفع النقاب الخاص بها لتقول بضيق:
- سيف لو سمحت.
- لو سمحتي أنتِ يا مياس. متخنقيش نفسك بالشكل ده. قولتلك شكلك مش مضايقني.
زفرت بضيق ليبتسم لها ويقول:
- أنا جاي أعرض عليكي صفقة حلوة أوي.
نظرت إليه بدهشة وقالت:
- صفقة إيه؟
- أنا حابب أبقى صديقك.
- صديقي!!
قالتها وهي ترمقه بذهول. ليهز رأسه ويقول:
- أيوه عايز أبقى صاحبك. أبقى الكتف اللي بتبكي عليه. الإنسان اللي بتقوليله كل أسرارك ومخاوفك. عايز أكون الشخص اللي بيسعدك دايما.
ثم نهض وأحضر الصندوق الصغير وقدمه لها وقال بابتسامة لطيفة:
- افتحيه.
بالفعل فتحت الصندوق لتجد مفكرة كبيرة باللون الزهري منحوت على غلافها اللامع (أمنيات مياس). عليه قلم جميلة على بينهي آخره ببجعة بيضاء رائعة الجمال.
- إيه ده؟
قالتها مياس بحيرة. فرد سيف بنبرة مشاكسة:
- شبيك لبيك سيف من إيديكي اليمين لإيديكي الشمال هيحققلك كل أمنياتك البسيطة فيها والمستحيلة.
نظرت إليه بدهشة وهي لا تستوعب ما سيقوله. ليمسك كفها ويقول:
- ده يا ست البنات كلهم أجندة وصيت عليها. الأجندة دي زي الشاطرة تكتبي فيها أمنياتك واللي نفسك فيه وبعون الله العبد لله اللي هو أنا هحققها ليكي. شوفي عامليني كأني مصباح علاء الدين.
لم تسيطر على نفسها وضحكت لأول مرة أمامه. صمت بذهول وهو ينظر إليها. ثم ابتسم بحلاوة وهو يراها تضحك بكل هذا الجمال. توقفت عن الضحك وهي تراه ينظر إليها بتلك الطريقة فتوترت ليبتسم هو لها ويقول:
- ضحكتك حلوة أوي يا مياس. ياريتك تضحكي كده دايما. بجد شوفت كتير بس مشوفتش أجمل من ضحكتك.
ثم اقترب وهو يقبلها على خدها لترتبك وهي تبتعد عنه فيقول ببراءة:
- إيه دي والله قبلة أخوية. اعتبريها عربون صداقة.
لم تتحمل لتنفجر مجددًا بالضحك. وتلك كانت ثاني مرة تضحك من قلبها بعد كل ما حدث معها.
***
- كفاية كده يا مرات عمي تقلت عليكم. أنا هروح أعيش في بيتنا.
قالتها جيلان وهي تفرك كفيها بتوتر. عبست دلال وهي تقول:
- تعيشي فين يا جيلان يا بنتي؟ ما انتِ قاعدة هنا مع نوران ورحيق. هو فيه حد فيهم ضايقك.!!
هزت جيلان رأسها وهي تمسح دموعها وتقول:
- لا والله أبدًا يا مرات عمي. بس كفاية كده أنا لازم أعتمد على نفسي. هعيش في البيت لحد ما...
- لا مفيش منه الكلام ده!!
قالها أمجد وهو يلج للمنزل. نظرت إليه جيلان بتوتر ليكمل بنبرة جدية:
- أنتِ هتعيشي هنا لحد ما تتجوزي وتروحي لبيت جوزك. مش هتعيشي لوحدك.
احمر وجهها وقالت بإنفعال:
- دي حياتي ومتخصش حد.
- لا حياتك تخصني!!!
قالها بإنفعال مماثل واكمل:
- أنتِ تخصني. بنت عمي ومن دمي وكلمتي واحدة مش هتخرجي من هنا لحد جوازك ومتتكسفيش بسببي أنا هعيش فوق.
ثم استدار وخرج ليصعد شقته حيث يسكن.
***
في أحد المقاهي العامة.
كانت تجلس ماجدة وهي أمام صديقتها سمرا التي تهز قدميها بتوتر. كانت عيني ماجدة مشبعة بالدموع. تشعر وكأن عالمها الهش ينهار. تلك الأدلة كانت الطريق لخروجها من حياة لطيف. الطريق لكي لا يعترض طريقها مجددًا. ولكن الآن. الآن ماذا تفعل. لطيف سوف يعود لحياتها بالقوة. سيجبرها أن تعود إليه. سوف يهددها بطفلها. شعرت بالاختناق وهي تضع كفها على عنقها. التفكير في هذا جعلها تفكر في الموت. رباه إنها تريد الموت الآن. أخذت دموعها تنهمر دون توقف. كانت تحاول السيطرة على نفسها كي لا يعلو صوتها بالبكاء وتحدث فضيحة هنا.
نظرت سمرا إلى صديقتها وهي تشعر بالذنب. هي لم تحافظ على الأمانة التي أعطتها إياها صديقتها. لقد أعطتها ماجدة مفتاح تحريرها من سجن لطيف. والآن ماجدة في موقف لا تحسد عليه. كانت تحاول أن تتكلم معها. أن تعتذر منها ولكن ماجدة بدت بعيدة عنها ودموعها تنهمر بقوة. كانت تفكر في ماذا سوف يحدث معها. لطيف سوف يعود بالقوة لحياتها. سوف تعود زوجة لتاجر المخدرات هذا مجددًا. مجرد الفكرة جعلت معدتها تتلوى بألم. رباه. ليته تموت قبل أن يحدث هذا.
- ماجدة. ماجدة أنا بجد آسفة سامحيني.
قالتها سمرا وقد أحرقت الدموع عينيها ثم أكملت:
- صدقيني حاولت أمنعه بس مقدرتش عليه. غلطي الوحيد إني وقعت بلساني وقولت لمدحت على الأدلة دي. لكن والله مكنتش افتكر في أحلامي حتى إنه يخونني وياخد الأوراق دي عشان يديها للطيف ويقبض تمنها.
كانت ماجدة ما زالت تبكي وهي تشعر بالاختناق. رباه لما يحدث معها هذا. نظرت لصديقتها وهي تشعر بالجرح منها وقالت:
- ليه. ليه يا سمرا بتقوليله. أنا سلمتك حياتي. وثقت فيكي من دون كل الناس. اديتلك الحاجة الوحيدة اللي هتحميني من لطيف وانتِ ببساطة قولتي سري لجوزك. قضيتي عليا.
كانت سمرا تطرق برأسها وهي تشعر بالخجل من تصرفها.
- ماجدة سامحيني أبوس إيديكي أنا والله بتعذب.
انهمرت دموع ماجدة أكثر وهي تقول:
- صعب يا سمرا. انتِ دمرتيني. سلمتي أهم حاجة في حياتي لجوزك وجوزك سلمها للطيف. عارفة أنا هيحصل فيا إيه دلوقتي. غصب عني هرجع وأعيش معاه. هعيش مع الراجل اللي قتل ابني. بعد ما بعدت عن بيئته الحقيرة هرجعله برجلي تاني!!!
- ماجدة أنا.
ولكن ماجدة لم تكن تتحمل أي كلمة منها لذلك غادرت المقهى سريعًا.
***
كانت تتمشى في الطريق ودموعها تنهمر دون توقف. تفكر في مصيرها الآن. هل سوف تعود له. ماذا إن أجبرها وأخبرها أنه سيأخذ ابنها منها. هل ستترك ابنها يتربى مع تاجر المخدرات هذا. هل تترك ابنها للموت كما مات الأول. شهقت وهي تمسح دموعها. كانت تشعر حقًا بالدوار. تشعر أنها على حافة الانهيار. رباه ماذا تفعل. توقفت قليلاً وهي تنظر للسماء وتقول وهي تدعي ربها:
- يارب أنا والله ما ليا غيرك. يارب أنا ضعيفة وهو قوي بس أنت أقوى من الكل. يارب خليك معايا. يارب ساعدني مليش غيرك.
ثم أطرقت وهي تمسح دموعها عندما رأت المارة ينظرون إليها بفضول. نظرت إلى ساعتها وهي ترى أن محاضراتها سوف تبدأ بعد عشرين دقيقة. هي حتى لو استقلت سيارة أجرة لن تصل بالموعد المحدد. ولكنها فعلاً قد غابت كثيرًا. هكذا كانت تقنع عقلها. ولكن السبب الحقيقي أنها تريد بشدة رؤيته.
***
وصلت لباب قاعة المحاضرات وهي تجد أنها تأخرت عشر دقائق. ابتلعت ريقها بعسر وخافت ألا يدخلها. توقفت أمام القاعة وهي تجده يشرح. قفز قلبها بعنف وهي لا تصدق أن رجلًا مثله قد نظر لها هي. رجل بتلك الوسامة يحبها هي!!! هزت رأسها وهي تخرج من شرودها وطرقت الباب بتردد لينظر هو إليها وقد تغيرت تعابيره تمامًا. للغضب!!
- نعم!!
قالها بحدة. لتبتلع ريقها وهي تجده ينظر إليها وقد عاد إليه بروده. وجدت نفسها تقول بارتباك:
- ممكن أدخل. بعتذر عن التأخير.
- تدخلي فين يا ماما. هو أنا مش نبهت إن محدش يدخل بعدي. مين أنتِ عشان تخالفي القاعدة دي. شايفة نفسك أحسن من زمايلك يعني. هما يجوا بدري وحضرتك تيجي بمزاجك.
بهتت وهي تنظر إليه. أحرقت الدموع عينيها وهي تقول بصوت مختنق:
- أنا...
- أنتِ واحدة مش ملتزمة. مش بتحترمي اللي قدامك. بتستغلي ظروفك عشان الواحد يتعاطف معاكي. ماشي مررت ده ليكي مرة واتنين فمتسوقيش فيها. أنا كل الطلبة هنا عندي واحد وكلهم عندهم ظروف زيك وأسوأ منك كمان بس مفيش حد فيهم مهمل زيك. مفيش حد بيستغل ظروفه كده زيك!!!
- أنا آسفة. آسفة.
قالتها وهي تنفجر بالبكاء أمامه. شحب وهو ينظر إليها لتستدير هي وتركض هاربة!!!
***
خرجت من الكلية بأكملها وهي تبكي. توقفت وهي ترى لطيف أمامها ينظر إليها بتسلية. اندفعت نحوه بعنف وهي تضربه على صدره. هي مدركة تمامًا أنها تسبب فضيحة لهما.
- أنا بكرهك. بكرهك أنت دمرت حياتي.
فجأة شعرت بالإنهاك وكادت أن تسقط. جذبها نكون بفزع حتى استكانت على صدره. حاول الابتعاد لكنه منعها. وضع كفه على ظهرها ثم نظر إلى يوسف الذي خرج من الكلية ليرى ماجدة وصُدم وهو يراها بين ذراعيه. ابتسم بتشفٍ وقال:
- أخيرًا رجعتي لمطرحك يا حبيبتي.
رواية اسرت قلبه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سوليية نصار
تصاعدت النيران بعينيه، وكان يشعر بالاختناق وهو يراها معه. تم نسف أي أمل بداخله. قبض على كفيه بقوة وهو يمنع نفسه أن يتهور. ماذا سيفعل؟ هل سيذهب ليضرب طليقها مثلاً ويضع نفسه في موقف محرج؟ هذا هو طليقها وربما سوف يعود إليه. ألم يمل من الرفض؟ هل يريد أن يكسر قلبه مجدداً؟
أغمض عينيه بألم وهو يفكر أن قلبه قد كُسر للمرة الثالثة. ولكي لا ينكسر أكثر، يجب ألا يحارب. لقد حارب كثيراً على شيء ليس له، وهو من تحطم في النهاية. لذلك لن يحارب مجدداً. ماجدة ليست له، يجب أن يفهم ذلك. كان يعترف بهذا وهو يشعر بالهزيمة. ينظر إليها وهي بين ذراعيه ويفكر: لماذا لا يحصل على الحب الذي يريده؟ لماذا يتم رفضه من الجميع؟ هل هو شخص لا يستحق حتى الحب؟ هل به مشكلة؟ هل الناس ينفرون منه؟ أم أنه كُتِب عليه أن يعيش بقلب محطم مدى الحياة؟ للمرة الثالثة يعشق، وللمرة الثالثة يتحطم قلبه. هل لهذا العذاب نهاية؟
توسعت عينا ماجدة وهي تشعر به يضمها إليه حتى ازكمت أنفها. شعرت حقاً بالاشمئزاز منه وابتعدت بعنف وهي تشعر أنها سوف تتقيأ. نظرت إليه وهي تفكر: كيف أحبت يوماً رجلاً مثله؟
"إياك تقرب مني كده، أنا مش بطيق ريحتك اللي كلها دم."
"كلها دم!" قالها بصدمة وحزن وهو يرى نظرات الكره بعينيها. لا يصدق أنها تكرهه لتلك الدرجة. كلما حاول أن يقترب منها، تدفعه بعيداً عنها. ولكن الآن تلك الأدلة بيده هو، لذلك سيجبرها أن تعود إليه. نظر إلى يوسف الذي ما زال واقفاً بكره. هل هذا هو الرجل الذي تجرأ على أخذ مكانه في حياة زوجته؟ هل هذا هو الرجل الذي تحبه هي؟
نظرت ماجدة إلى حيث ينظر وشحب وجهها كالأموات وهي تنظر إلى يوسف الذي تلون وجهه بالغضب. كان ينظر إليها بغضب واشمئزاز أوجع قلبها. أطرقت برأسها وهي تخفي دموعها عنه. كيف تخبره أنها تتألم؟ تحارب لوحدها رجلاً ليس له ضمير.
استدار يوسف فجأة وولج للكلية غاضباً.
"هو ده اللي مش عايزة ترجعيلي بسببه... الدكتور يوسف!"
نظرت إليه بكره فابتسم بسماجة وقال:
"بجد أنتِ مسكينة يا ماجدة أوي. فاكرة أنه بيحبك وعايزك؟ حبيبتي أنتِ هتكوني مجرد تسلية ليكي. تعرفي أن دكتورك العظيم كان مرتبط بواحدة ولا ملكات الجمال؟ واحدة من اللي بتشوفيهم في التليفزيون ومتقدريش توصلي لنص جمالهم ورغم كده سابها لما مل. رغم أنها كانت من دور عياله. بجد يا ماجدة فاكرة أن واحد عايش كده هيبصلك أنتِ؟ ست متوسطة الجمال مطلقة ومعاها طفل. مفلسة بتشتغل في مكتبة قديمة. بتجيب حق أكلها هي وابنها بالعافية!"
انتفضت بعنف وهي تستمع لكلماته المهينة وقالت:
"طيب مادام أنا وحشة كده... مادام محدش هيبصلي... ليه بتجري ورايا؟ ليه مش عايز تسيبني في حالي يا لطيف؟ سيبني أربي ابني بعيد عنك وبعيد عن فلوسك الحرام!"
نظر إليها بهوس وقال:
"متعرفيش يا ماجدة أنا بحبك قد إيه. مهووس بيكي. مش قادر أستحمل أن حد تاني يبصلك. أنا ممكن أقتل الدكتور بتاعك. ده بس خلاص أنتِ دلوقتي بقت رقبتك تحت إيدي. كل الأدلة اللي واخداها عليا وعلى اللي شغالين معايا بقت معايا أنا. أنتِ متقدريش تعملي حاجة ومسألة وقت وهترجعيلي تاني!"
دموعها نزلت وهي حاسة بخنقة. مش قادرة تصدق أنها هترجع له تاني. هترجع للإنسان اللي دمر حياتها. دمر حياة أولادها. انهمرت دموعها وهي تنظر إليه. تشعر بالاختناق. للمرة الأولى التي تكره شخصاً لتلك الدرجة. للمرة الأولى التي تتمنى أن تقتل أحدهما.
مسح دموعها برفق وقال:
"صدقيني مش هتلاقي حد يحبك أكتر مني يا ماجدة. أنا حياتي متتكملش إلا بيكي!"
ثم استدار واستقل سيارته وتركها.
كان في مكتبه يشعر بالاختناق. يتذكر مشهد وقوفها معه، احتضانه لها ويشعر بالنيران تسري في عروقه. أوقع أوراقه من على المكتب بصيحة غضب. كان يموت بالفعل. الغيرة تلتهمه. جلس على مقعده وهو يدفن رأسه في كفيه. لقد اعتذر عن إتمام المحاضرة. لا يصدق أنها تؤثر به لتلك الدرجة. هي تدفعه للجنون. لا يستطيع أن يتوقف عن التفكير بها. ومشهد وجودها بين ذراعي زوجها يقتله حرفياً. لماذا يقع في حب الشخص الخطأ دوماً؟
رفع وجهه وهو يشعر بالدموع تحرق عينيه. حزين هو على حاله. حزين لأنه ليس له نصيب في الحب. لقد قال إن الأمر لا يهمه، ولكن العكس هو مهتم. يريد أن يشعر بالحب. يريد أن يشعر أنه محبوب. تنفس بحدة وهو يرى كم هو شخص ضعيف. تلك هي الحقيقة مهما حاول أن يخفيها. هو ضعيف للغاية أمام من يحب. نهض بيأس وهو يمسح وجهه. وقد اتخذ قراراً أنه سوف يترك التدريس بتلك الجامعة. قرار غريب، ولكنه لا يمكنه أن يتحمل وجودها أمامه. لن يرتكب خطأ أن يكون مهووساً بها كما حدث سابقاً مع نسرين. هذا هو الصواب.
في المساء...
"طيب قوليلي قررتي تعملي إيه؟"
"هو بيتصل بيا وبيهددني." قالتها جيلان وهي تشعر بالرعب.
ضغطت رحيق على كفها وهي تقول بلطف:
"متخافيش، إن شاء الله كل حاجة هتكون بخير يا نوران. ربنا إن شاء الله هيكون معانا. ادعي كتير. اللي هعمله ده هينفع معاه."
ابتلعت نوران ريقها وقالت:
"طيب قوليلي هتعملي إيه؟ أنا خايفة!"
ابتسمت رحيق في وجهها ابتسامة تطمئنها وهي تقول:
"إن شاء الله خير، متقلقيش. هعمل المستحيل عشان ميقدرش يأذيكي. ثقي فيا."
انسابت دموع نوران وقالت باختناق:
"أنا خايفة عليكي تتورطي بسببي وفرحك يبوظ."
تصاعدت الدموع بعيني رحيق. تعرف أنها سخيفة الآن، ولكن شعورها بحب نوران وخوفها عليها جعلها في قمة سعادتها. ودت في تلك اللحظة أن تُعطيها عينيها، ليس مساعدتها فقط. ابتسمت رحيق دامعة وقالت:
"متشيليش هم، إن شاء الله خير."
ثم مسحت دموع نوران وقالت بلطف:
"يالا روحي دلوقتي وارتاحي وبكرة إن شاء الله يحلها ربنا."
هزت نوران رأسها ونهضت من الفراش وهي تخرج من غرفة رحيق. تسطحت رحيق على الفراش وهي تقول:
"يارب ساعدني، أنا مليش غيرك."
ولجت نوران لغرفتها لتجد رحيق ما زالت جالسة على الفراش وهي تبكي. اقتربت منها نوران وجلست بجوارها وهي تضمها برفق وقالت:
"متزعليش من أمجد يا جيلان، هو خايف عليكي."
لم ترد جيلان وبقت تبكي. جلست نوران بجوار جيلان وضمتها برفق وهي تقول:
"والله يا جيلان أمجد أصر إنك تكوني هنا عشانك. مينفعش تبقي لوحدك في البيت. أمجد فعلاً مهتم بيكي."
قالت جيلان من بين شهقاتها:
"لو سمحتي يا نوران ممكن متجيبيش سيرة أنه مهتم بيا. أنا خلاص مبقاش حد يهمني. بعد موت ماما اهتمام أمجد من عدمه مبقاش يهمني."
بعد منتصف الليل...
"أنا قصداك في خدمة!" قالتها رحيق وهي تمسك هاتفها بخوف بينما تتحدث معه.
كان عاصي يحارب النعاس عندما اتصلت به خطيبته في منتصف الليل. كاد أن يصرخ بها ولكنه هدأ نفسه قسراً وقال وهو يحاول ألا تخرج نبرته غاضبة:
"اتفضلي."
ابتلعت ريقها وهي تقول:
"أنا طبعاً آسفة إني بتصل في وقت غريب زي ده، بس حد يخصني عنده مشكلة وحله في إيديك أنت."
كسا البرود ملامحه وهو يقول:
"عايزة فلوس!"
صُدمت وهي تسمع كلمته وقالت:
"لا لا خالص، الموضوع مش موضوع فلوس. معرفش انت فكرت في كده إزاي."
ابتلع ريقه وهو يشعر بالخجل من نفسه للحظات. يجب أن يعترف أن ما زالت ذكرياته مع زوجته تؤثر عليه. يظن أن الجميع عاشق للمال مثلها.
"أنا آسف. قوليلي عايزة إيه؟"
ذهلت قليلاً وهي تسمع نبرة الاعتذار الصادقة الصادرة منه. هي دوماً ظنته فظاً غليظ القلب. هزت رأسها بضيق. ما شأنها حقاً الآن؟ هي لديها هدف محدد لا يجب أن تحيد عنه. تكلمت بتردد وقالت:
"أنت تعرف طارق البكري، رجل الأعمال المشهور، صح؟"
"أكيد." قالها بحيرة.
بتقول بتوتر:
"محتاجة أقابله ضروري لمسألة خطيرة. أتمنى متسألش عن تفاصيلها."
رفع حاجبيه بدهشة ولكنه قال بهدوء:
"حاضر، بكرة تقابليه."
"بكرة! بالسرعة دي!" قالتها بصدمة ليرد:
"مش عايزة تشوفيه ضروري؟ هخليكي تشوفيه. ممكن أنام دلوقتي."
احمر وجهها وقالت:
"شكراً يا أستاذ عاصي. تصبح على خير."
ثم أغلقت ليرفع حاجبيه وهو يهز رأسه بدون اهتمام ثم نام مجدداً.
تجمد فجأة وهو يجدها في المطبخ. كانت تبدو أقل تحفظاً حيث أنه ليس موجوداً. كانت ترتدي بنطالاً وبلوزة بكم. شعرها كان يخفي وجهها بينما هي تأكل بنهم طبق مكرونة بالصلصة. الشيء الصحيح الذي كان يجب أن يفعله أن يذهب سريعاً من أمامها قبل أن تكتشف وجوده، ولكنه وجد نفسه متجمداً مكانه وهو يتأملها. هي جميلة للغاية. صغيرة للغاية. عينيه العسلية مرت عليها بنهم. تفاصيلها تبهره. أشعلت مشاعره كرجل نحوها. أصبحت رغبته بها تشتعل شيئاً فشيئاً. اقترب منها رغم أن هذا هو الخطأ بعينيه، ولكنه كان عاجزاً عن المقاومة. لقد قاوم كثيراً حتى خسر المعركة أمام عينيها. جمالها. شعرت هي بوجوده، فنظرت إليه لترتبك وتتراجع للخلف. نظر هو إلى جانب فمها حيث أن كان هناك لطخة بسبب صلصة الطماطم.
ابتلعت ريقها وقالت:
"أنا كنت جعانة."
حامت نظراته عليها وقال بصوت ثقيل من فرط المشاعر التي تجتاحه:
"أنتِ عملتي فيا إيه يا جيلان؟ أنا كنت مرتب حياتي كويس وجيتي أنتِ في غمضة عين قلبتيها كلها. مبقتش عارف أفكر في غيرك. خطوبتي بتبوظ. حياتي بتنهار بسببك. بسبب إني مش قادر أخرجك من عقلي."
لمعت الدموع بعينيها وقالت:
"ده اللي كنت حاسة بيه يا أمجد. أنا كنت بحبك. بحبك أكتر من أي حاجة في حياتي. أنت كنت مشقلب كياني. أنا مت حرفياً لما خطبت غيرك. وأنت بتعاني أهو نفس معاناتي."
ابتسامة متشفية ظهرت على شفتيها وقالت:
"ولسه هتعاني أكتر لما أخطب لفادي!"
ثم كادت أن تتجاوزه ولكنه وضع كفه على خصرها يمنعها من الذهاب. بينما يحرك شفتيه على شعرها. أمسكت ذراعه وهي تقول:
"أمجد ابعد."
"ياريتني كنت أقدر أبعد. أنتِ لعنة."
ثم جعلها تواجه ومد إصبعه ليمسح البقعة بجانب شفتيها. ثم تلمست أصابعه شفتيها وبدأ فاقداً للسيطرة بشكل لن تراه من قبل. ثم اخفض فمه و...
نهض أمجد من نومه بصيحة فزع. كان صدره يرتفع ويهبط بسبب سرعة أنفاسه. كان العرق يحتشد على جبينه. رباه... رباه... شد شعره بعنف وهو يقول:
"أنا إزاي أحلم بكده؟ إزاي؟ ياربي سامحني. سامحني. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم."
صدح أذان الفجر لينهض بتثاقل.
بعد قليل...
كان ينزل وهو ممسكاً سبحته بينما يستغفر الله وهو يحاول أن ينسى هذا الكابوس الذي ما زال مسيطراً عليه. ولكنه وقف فجأة وهو يراها تجلس على المقعد أمام باب المنزل. ترتدي خمارها والدموع تغرق عينيها.
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
انتفضت بعنف وهي تنظر إليه ومسحت دموعها سريعاً وهي تطرق برأسها أرضاً. ازدادت وتيرة أنفاسها وحلمه معها يطارده بقوة. أغمض عينيه وهو يحاول السيطرة على نفسه وقال بعصبية:
"لو سمحتي ادخلي ومتطلعيش في الوقت ده لوحدك تاني. فاهمة!"
هزت رأسها بارتباك. وولجت للمنزل ليتنفس عدة مرات لكي يتحكم بنفسه. كم يشعر أنه حقير. كيف يحلم بها بتلك الطريقة؟ هل تلاعب به الشيطان لتلك الدرجة؟
بعد انتهى من أداء صلاة الفجر جلس قليلاً في المسجد وهو يسبح بالمسبحة الخاصة به. يستغفر الله وهو يشعر بالذنب. يشعر بالاختناق أيضاً بسبب حلمه هذا. كيف يرغب بما ليس له؟ كيف يكون بتلك الحقارة؟ كيف يفكر أصلاً بـ جيلان بتلك الطريقة؟ رغم أنه كان حلماً، إلا أنه يشعر بالذنب بسببه. أنه يشعر بكل شيء يتعقد. كل ما حوله يتهاوى. هو رجل سوف يتزوج قريباً ورغم ذلك قلبه مع أخرى. يحلم بأخرى. ماذا يفعل؟ هو تائه للغاية. لا يمكنه أن يترك أريام بعد كل هذا. لا يمكنه أن يكسر قلبها. مسح وجهه بتعب ليقترب منه رفيق، صديقه. وأمام المسجد الذي يصلي به.
"إيه يا أمجد مالك؟" قالها رفيق وجلس بجواره.
نظر إليه أمجد. شعر وكأن قد أتته نجدة من السماء، فهو يثق برأي رفيق. تنهد وقال بلهفة:
"كويس إنك جيت."
ابتسم رفيق برفق وقال:
"أنا حسيت بيك يا صاحبي. ها قولي إيه مشكلتك."
نظر أمجد وقال:
"أنا تايه يا رفيق. الشيطان قدر يلعب بيا ويضحك عليا. مهما حاولت أبعد أفكاره عن دماغي بتتزرع فيا أكتر. أنا أول مرة أكون تايه بالشكل ده. أول مرة أخاف بالشكل ده يا رفيق."
نظر إليه رفيق بحيرة وقال:
"وضحلي أكتر يا أمجد مشكلتك."
"أنا حبيت..." قالها وقد احمر وجهه بحرج وفرك كفيه بتوتر.
ابتسم رفيق بتفهم ليكمل أمجد:
"حبيت حد مينفعش أحبه يا رفيق."
"-ليه مينفعش؟"
تنفس أمجد بارتعاش وهو يلمس طوق الخطبة ويقول:
"أنا خاطب. وهتجوز. واللي حبيتها..."
أغمض عينيه للحظات وهو يشعر نفسه أنه حقير وأكمل:
"حبيت بنت عمي."
فتح عينيه مجدداً وقال:
"مش عارف أعمل إيه يا رفيق. وياريت متجيبش سيرة الجواز تاني لأني مش هقدر أعدل ومش عايز أشيل ذنوب على ذنوبي."
صمت رفيق ليطرق أمجد برأسه وقال:
"أعمل إيه يا رفيق؟ أنا مش قادر أشيلها من بالي مهما حاولت. كل حاجة بتقربني منها. حاسس نفسي إنسان وحش. عاصي حاسس إن ربنا غضبان مني. أنا عمري ما كنت مزلزل للدرجة دي. أنا دايماً عارف أنا عايز إيه. بس..."
صمت وهو يشعر بالتوهان. كان ينظر إلى رفيق، عينيه تصرخ بالمساعدة. تنهد رفيق وهو عاجز تماماً عن نصيحته ولكنه قال الشئ الذي يستطيع أن يريح ضميره:
"أمجد لو اتجوزت خطيبتك تقدر تضمن إنك مش هتظلمها؟ مش هتفكر في واحدة تانية وهي معاك؟ تضمن إنك مش هتخليها تعيسة وتكره اليوم اللي اتجوزتك فيه؟ تضمن إنك هتبطل تفكر في بنت عمك؟ قولي."
هز أمجد رأسه بالنفي وعينيه يشوبها الألم فابتسم رفيق وقال:
"أنت عارف حل مشكلتك بس مش عايز تطبقه يا أمجد. فكر مستقبلاً حياتكم هتكون إزاي."
في اليوم التالي...
جلست بتوتر على الكرسي المريح وهي تنظر إلى الرجل المسن الذي يجلس أمامها. تلك مخاطرة كبيرة جداً، نعم تعرف هذا بشكل جيد. أن تستعين بخطيبها لكي تقابل طارق البكري، والد عادل. رغم أن عاصي حاول معرفة السبب الذي جعلها تريد مقابلته، إلا أنها لم تحكي له أي شيء. لا يمكنها أن تفضح شقيقتها بتلك الطريقة. عرفت أن عاصي هو الوحيد الذي سوف يساعدها. هو رجل أعمال ووالد عادل أيضاً، ربما يدبر معها هذا اللقاء. وها هي في اليوم التالي استطاع أن يجعلها تقابل الرجل بينما هو ينتظر خارجاً.
كانت تفرك يديها بتوتر والرجل ينظر إليها بصمت وقال بلطف:
"خير يا بنتي. عاصي قالي إنك عايزة تشوفيني في موضوع ضروري. عاصي ده على فكرة زي ابني. صحيح كان بينا شراكة قبل كده وانتهت بس بجد أنا بعزه أوي وأنتِ محظوظة به."
ابتسمت من تحت نقابها بأمل. هذا الرجل يبدو طيباً للغاية، قد يساعدها بالفعل.
"طارق بيه، اللي هقوله دلوقتي أتمنى ميطلعش لأي حد وخاصة عاصي. الموضوع متعلق بشرف بنت. موضوع حياة أو موت. لو سمحت أوعدني الكلام ده ميطلعش بره."
"بخصوص شرف مين؟" قالها بتوجس لترد وصوتها مختنق بالدموع:
"شرف اختي يا طارق بيه. أنا دلوقتي هكشفلك سر محدش يعرفه عشان أنقذ اختي من ابنك."
"عادل!" قالها طارق بصدمة. كان يشعر أن ابنه الأحمق قد ارتكب خطأ كعادته.
"هو... هو عمل إيه؟"
أغمضت رحيق عينيها وهي تجمع كلماتها ثم فتحت عينيها مجدداً وهي تقول:
"أنا هحكيلك كل حاجة."
ثم بدأت تحكي له بصوت مختنق عن حقارة عادل وكيف أنه يهدد نوران لكي تهرب معه.
بعد أن انتهت هز طارق رأسه وقال:
"أنا مش مصدق. بجد مش مصدق!"
كان يشعر أنه في دوامة عميقة. لا يصدق أن ابنه قد فعل هذا. ولكن لما الدهشة؟ للأسف لقد دلل عادل حد الفساد.
أخرجت رحيق هاتف نوران وقالت:
"ده تهديد عادل لأختي على الواتس آب."
ثم فتحت برنامج تسجيل المكالمات وأكملت:
"ودي مكالمة لابنك وهو بيهدد اختي."
فتح طارق التسجيل واتسعت عينيه وهو يسمع التسجيل الصوتي بصوت ابنه:
"أيوه يا حلوة. فكرتي في عرضي ولا أنشر صورك على السوشيال ميديا؟ نوران، أنتِ مش هتكوني لغيري. صدقيني مستعد أعمل اللي ميخطرش على بالك!"
أطرق رأسه بخجل من أفعال ابنه المشينة.
قالت رحيق بتوسل:
"أبوس إيديك يا طارق بيه، اختي ممكن تتفضح. خلي ابنك بس يتجوزها ولو لفترة وبعدين يتطلقوا. أنت عرفت كل حاجة أهو ساعدني ربنا يسترِك دنيا وآخرة."
نظر إليها طارق بخجل وقال:
"أضمن لك أن عادل مش هيعترض طريق اختك تاني. لكن سامحيني جواز لا."
"يا طارق بيه..." قالتها رحيق بانهيار ليرد:
"عادل خاطب بنت عمه يا بنتي مقدرش أدمر العلاقات بيني وبين أخويا. كل اللي أقدر أعمله إني هبعده عن اختك."
"بس يا أريام هو عنده حق. مرات عمه لسه متوفية، مينفعش يعمل كتب كتاب!" قالتها سلوى بارتباك. كانت تنظر إلى صديقتها الحزينة. كانت أريام قد طلبت منها أن يتقابلا. أخبرتها أنها تشعر أنها في دوامة كبيرة.
"يعني مينفعش نعمل كتب كتاب، بس ينفع إن بنت عمه تعيش عندهم ويحب فيها براحته."
رمشت سلوى وقالت:
"يا أريام البنت والدتها اتوفت، طبيعي هتعيش معاهم. وبعدين بنفسك قولتي إنه طلع الشقة اللي فوق يعني مش معاهم أصلاً."
"ده اللي قالهولي. أنا إيش عرفني إنه صادق. ما يمكن يكون بيحصل بينهم حاجة بعد..."
"بس يا أريام اسكتي عيب. إيه اللي أنتِ بتقوليه ده. مترميش الناس بالباطل حرام."
"والنبي يا ست الشيخة اسكتي أبوس إيديكي. الحرام والحلال، أنتِ آخر واحدة تتكلمي عليهم. أنا مش عارفة أنا بأخد رأيك ليه أصلاً. عمرك ما جيتي في صفي أبداً. أنتِ أصلاً مش عايزاني أبقى فرحانة. غيرانة مني لأن حياتي ماشية وأنتِ واقفة في الماضي. أو يمكن كان عينيك على أمجد."
نظرت إليها سلوى باستياء. للأسف هذا الجانب في صديقتها تكرهه بشدة. هي تتكلم دون أن تفكر، ولكنها تعرف أن أريام طيبة القلب.
"أريام أنتِ مش كده!" قالت سلوى بلوم لتنفجر أريام بالبكاء وهي تقول:
"أنا آسفة يا سلوي. بس بجد مضغوطة. هو خانني. حتى لو محصلش بينهم أي حاجة، بس بيفكر فيها. بيحبها أنا عارفة. وأنا عايزة الفرح بتاعنا يتم بسرعة عشان أنا مش هسمح لعيلة زي دي تاخده مني."
تنهدت سلوى وقالت:
"ربنا يجبر بخاطرك يا أريام يارب."
كان يقف أمام المدرسة التي تعمل بها ينتظرها هي وابنه. قرر أن يأخذها اليوم ويسعدها. سوف يقنعها أنه حقاً يريدها. ثم يتنزهان كأي أسرة سعيدة. ابتسم وهو ينظر إلى السلسال الذي أحضره هدية لها. ثم أخفاه. كان يريد أن يفاجئها. نظر إليها ليجدها تخرج من المدرسة تمسك عمر بينما تنظر إلى أحدهما وتضحك. تجمدت ملامحه وعصف الغضب بعينيه وهو يتعرف عليه. ماجد خطيبها السابق. ضغط على مقود السيارة بعنف حتى ابيضت مفاصله. كان الغضب يتصاعد بداخله. الغيرة كانت سيئة هذه المرة. كان غيوراً لدرجة أنه رغب بتحطيم أنفه ثم جرها هي وحبسها في المنزل عقاباً لها. ترجل من سيارته واتجه نحوهما وملامح الإجرام تعلو وجهه.
"حبيبتي..." قالها بنبرة مشدودة لتنظر إليه سما وتتوتر بينما اختفت ابتسامة ماجد وهو ينظر إليه بضيق. هذا هو الرجل الذي استطاع التأثير على سما حتى تركته. ما زال يشعر بالحقد نحو أمير. الرجل الذي سلب منه المرأة التي لا يستطيع حتى الآن أن ينساها رغم زواجه.
كان أمير واعياً جيداً لنظرات ماجد لسما. تلك النظرات يعرفها جيداً. تلك النظرات جعلته غاضباً بشدة ولكنه سيطر على أعصابه. مهما حدث لا يمكنه أن يحرجها هنا ويحطم أنف هذا الرجل.
ابتسمت سما بتوتر وقالت:
"امير..."
بادلها الابتسامة بحب وقال:
"يالا يا حبيبتي عشان أوصلكم."
ثم حمل ابنه وأمسك كفها وهو يرمق ماجد ببرود لتبتلع سما ريقها بعسر وتقول وهي تحاول أن تنحي التوتر عنها:
"ده... ده يبقى..."
قاطعها أمير بفظاظة وقال:
"مش مهم يالا."
ثم سحب زوجته خلفه. بينما الأخير أخذ يطحن أسنانه بغيظ. لا يصدق كم أن هذا الرجل وقح! لا يصدق أن سما أحبت رجلاً مثله!
في السيارة...
كان يقودها وهو يضغط على المقود بقوة. تنهدت سما ونظرت إلى عمر لتجده مشغولاً في الدبدوب القطني الخاص به. قررت حينها أن تتكلم مع أمير.
"امير ممكن أقول حاجة؟"
نظر إليها، عينيه محملة بالغضب وقال:
"نعم أقول إيه يعني يا سما؟ شايف مراتي بتضحك وتهزر مع خطيبها القديم."
"يا امير ماجد يبقى..."
"أستاذ ماجد يا سما." قالها من بين أسنانه ثم ضغط على المقود بشكل أقوى وهو يقول بغضب:
"كلامك بيعصبني. لو سمحتي التزمي الصمت لحد ما نوصل للبيت. أنا والله مش عايز أعمل أي حاجة تضايقك."
ابتلت عينيها بالدموع وقالت باختناق:
"بأسلوبك ده عايز فرصة مني إزاي؟"
نظر إليها وضحك بدهشة وقال:
"لا... أنا اللي غلطان دلوقتي. بقولك شفتك بتضحكي معاه وبتهزري. هو مفيش احترام للي متجوزاه يا سما ولا هو مجرد كرسي في حياتك؟"
"وطي صوتك!" قالتها سما وهي تنظر لعمر بقلق.
تنهد أمير بضيق ثم ضرب المقود بقوة وقال من بين أسنانه:
"متتكلميش دلوقتي ممكن. لو سمحتي!"
نظرت لنافذة السيارة وهي تحارب دموعها كي لا تسقط. نعم، إنها مخطئة جداً أيضاً. تعترف بهذا. ولكن يعلم الله أنها لا تهتم بماجد أبداً. ربما اندفاعها بسبب شعورها بالذنب.
مسحت دمعة انسلت من عينيها وهي تعرف أن ما ينتظرها في المنزل سيكون أصعب!
"عمر ادخل أوضتك." قالها أمير بنبرة آمرة ليهز الصغير رأسه ويلج لغرفته.
ثم نظر أمير إلى سما وولج لغرفته هو الآخر. ولجت سما خلفه وقررت أن تعتذر منه. رأته يخلع ملابسه وهو يبحث بعنف عن قميص قطني ليرتديه لدرجة أنه أوقع بعض الملابس. تنهدت وهي تتجه للخزانة أمسكت كفه برفق وقالت:
"أنا هجيبلك تيشرت."
ثم أخرجت له قميصاً قطنياً بنصف كم ليرتديه بغضب ثم كاد يخرج إلا أنها أمسكت كفه ثم قبلت باطنه بعمق. انقشع الغضب عن عينيه وهو يرى تلك المبادرة منها. نظرت إليه وقالت:
"أنا آسفة. عارفة إني عملت غلط. مش هتتكرر تاني أبداً. أمير متزعلش مني عشان خاطري. أنا والله ما كان قصدي أزعلك. عارفة إني غلط أضحك معاه مش عشان كان خطيبي وبس، لا عشان ده الصح. وأنا غلطت في كده. وغلطت لما جادلتك في العربية."
كان صامتاً وهو ينظر إليها. ارتبكت وهي تقول:
"ممكن تقول حاجة يا أمير؟ أنت بتخوفني بصراحة. أنا بجد آسفة."
شدها أمير ثم دفعها نحو الخزانة وهو يحاصرها هناك. توسعت عينيها وهي تنظر إليه. كانت الغيرة تتصاعد بعينيه أكثر من الأول. ابتلعت ريقها. هل ما زال غاضباً؟ مد كفه ولمس وجنتها وهو يقول بابتسامة بينما الغيرة تعمي عينيه:
"أنتِ ملكي يا سما. ملكي. قولي إنك ملكي."
"أمير..." قالت لاهثة ليكرر بحدة:
"قولي إنك ملكي!"
هزت رأسها وهي تقول بتوتر:
"أنا ملكك."
توسعت ابتسامته وهو يقول:
"أنتِ هتسيبي الشغل ده يا سما وده قراري النهائي!"
"أمير..." قالتها باعتراض ليضع إصبعه على شفتيها وقال:
"لو مش عايزاني أقتله هتسيبي الشغل، ماشي يا سما؟ وإلا والله هقتله!"
في المساء...
"السلام عليكم." قالها سيف وهو يلج لصالة القصر.
كانت مياس تجلس على طاولة الطعام. ترتدي النقاب وهي تأكل. نظرت إليه وقالت بخفوت:
"وعليكم السلام."
"أهلاً يا سيف." قالها جلال ببسمة ليجلس سيف ويقول:
"معلش جيت وطلعت على فوق على طول. الشغل النهاردة كان كتير في الشركة. روحت أخدت شاور ونزلت."
"شد حيلك، أنا معتمد عليك."
"متقلقش يا بابا هرفع راسك إن شاء الله. عندنا صفقة مهمة مع عاصي صفوت لو تمت هيعم الخير على الكل."
"عاصي شاب قدك بس رغم كده رجل أعمال مخضرم يا سيف، ما شاء الله في وقت قصير قد ينافس في السوق."
"عايز تخليني أغير عشان أتحمس يعني؟" قالها سيف ضاحكاً ليبتسم جلال ويقول:
"قدرت تكشفني."
نظر سيف إلى مياس التي تأكل بهدوء وقال بهمس:
"وحشتيني على فكرة."
اختنق الطعام في فمها ولكنه قالت بعد برهة بهمس:
"شكراً ليك."
علت ملامحه خيبة الأمل وقال:
"مفيش وانت كمان وحشتني."
تنهدت وقامت وهي تقول:
"أنا الحمد لله أكلت. هروح أطلع الأوضة."
ثم هربت للأعلى. شرد هو في هروبها منه وابتسم وهو يتنهد.
"شكلها حبيتها!" قالها جلال ليخرج سيف من شروده.
توتر قليلاً وهو ينظر إليه وقال:
"لا طبعاً يا بابا."
"ليه لا طبعاً يا بابا؟ يا بني أنا بشوف نظراتك ليها."
نظر سيف إلى طعامه بيأس وقال:
"أنا لسه خارج من تجربة مكانتش ألطف حاجة ومش عايز..."
"أنا بقول اللي شايفه يا سيف. أنت بتقع فيها. نظراتك بتقول كده."
نظر سيف لوالده وقال:
"طيب افرض أنا حبيتها بس هي محبتنيش وقتها أتكسر للمرة التالتة يا بابا."
ابتسم جلال بغموض:
"هتحبك. أنت لو عايز هتخليها تحبك."
عبس وهو ينظر لوالده وقال:
"مش فاهم."
"يا بني الستات سهل تكسب قلوبهم وواحد زيك هيكسب قلب مياس بس محتاج محاولة شوية. شوف من رأيي أنا شايف لو خلفتوا هتقربوا من بعضكم أكتر. إيه رأيكم تجربوا تخلفوا عيل."
سعل سيف ووجه احمر من الإحراج ونظر إلى والده ليفهم أن جلال يعرف بشأن أن سيف لم يتمم زواجه بها بعد. أخفى سيف توتره خلف ابتسامة مهتزة وقال:
"إن شاء الله!"
ولج لغرفته وهو يجدها جالسة على الفراش تنظر إلى الكتب التي تفرزها وابتسامة واسعة تحتل شفتيها. استدارت مياس وهي تنظر إليه وقد خلعت نقابها. اقتربت منه وهي تقول:
"بجد شكراً يا سيف. دي كل سلسلة شيرلوك هولمز، متتخيليش بحبها قد إيه."
ابتسم سيف وهو يمرر كفه على الحرق بوجنتها وقال:
"إحنا تحت أمر البرينسس. دي كانت أول أمنية في الأجندة بتاعتك. والنهاردة كمان هشوف كتبتي إيه."
ابتسمت وقالت وهي تشبك يديها سوياً:
"المرة دي كتبت أمنيتين."
ابتسم وقال:
"اكتبي الكمية اللي حباها وأنا هحققها. شباك لبيك سيف بين إيديكي."
ضحكت وقد احمر وجهها فقال:
"بس أنتِ مش بتشكريني بضمير."
نظرت إليه بحيرة ليكمل وهو يشير على وجنته:
"ممكن تشكريني بضمير لو سمحتي."
"سيف مينفعش." قالتها وهي تشعر بالإحراج لينظر إليها ويقول ببراءة:
"بوسة أخوية مفيهاش حاجة يعني."
ابتسمت له وهي تقترب منه ثم تقبله على وجنته برفق. أغمض عينيه وهو يبتسم ثم أمسك كفها وقال:
"يالا نشوف الأجندة."
جلس على الفراش لتجلس بجواره. فتحها هو ليجد الصفحة الثانية مكتوب فيها أنها تريد أن تكمل دراستها. نظر إليها لتبتسم وتقول:
"بعيد الحادثة بتاعتي للأسف انقطعت عن الدراسة مع إن كنت في كلية علوم وكنت شاطرة بس اللي حصل خلاني أدخل في فترة اكتئاب وحتى إني محضرتش الامتحان وبعدين سحبت ورقي."
ابتسم لها وهو يقول:
"حاضر."
توسعت عينيها وقالت بلهفة:
"بجد؟"
هز رأسه وقال:
"بجد."
ابتسمت بسعادة فبدت في تلك اللحظة كطفلة سعيدة غير محملة بالآلام. اقتربت وهي تقلب الصفحة لتريه الأمنية الثانية غير مدركة أنها قريبة منه للغاية. ثقلت أنفاسه وهو يشم رحيق شعرها واغمض عينيه وكلام والده يدور في عقله. هل يعقل أنه يقع فيها بالفعل؟
ضحكة صغيرة هربت منها وقالت:
"الأمنية دي غريبة شوية بس أنا نفسي في سكوتر لونه زهري عشان..."
ولكنها قاطعت كلماتها وهي تدرك الوضع المريب الذي هما به. كان وجهها قريب للغاية من وجهه بينما هو ينظر إلى شفتيها. عينيه الزرقاء كانت صافية تماماً وقد توسعت بؤبؤتيه. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشيح بوجهها عنه وتقول بارتباك:
"أنا هنام. تصبح على خير."
هز رأسه واقترب منها ثم طبع قبلة على خدها وقال:
"وأنتِ من أهله."
تسطحت وهي تنظر من الجهة الأخرى. نام هو بجوارها واحتضنها واضعاً كفه على كفها ويقول:
"مياس، ممكن في يوم تقرري إنك تكملي حياتك معايا؟ ممكن ده يحصل."
الأمل في صوته مزقها. كانت خائفة أن تعطيه أملاً وهي لم تحبه بعد. ماذا أن فشلت في أن تحبه؟ أغمضت عينيها وقالت بتعب:
"مظنش."
ابتسم بحزن وهو يضمها أكثر ويغمض عينيه.
في اليوم التالي...
نهض بكسل لينظر إليها ويجدها تغط في نوم عميق. اقترب وقبل ذراعها العاري الظاهر من القميص القطني الذي ترتديه وابتسم لها ثم نهض ليجهز نفسه.
كان تحت صنبور المياه والماء يندفع عليه. لقد قرر أن يفاجئها اليوم. قرر أن يسعدها. كان متحمس لما سيفعله. فجأة لاح طيفها بعقله ليتكدر بعد سعادته. لا يصدق كيف أصبحت مشاعره نحو سيلا سلبية بتلك الطريقة. لقد أحبها وربما ما زال. ولكن ما حدث بينهما يجعله يشعر بالقرف من نفسه لأنه كاد أن يخون زوجته. هو يحملها سبب هذا. ولو كان حدث هذا، كان سيكره نفسه للأبد. هز رأسه وهو ينفض تلك الأفكار عنه. هو لا يجب أن يفكر بها. اليوم هو يومه ويوم ماريانا، يجب أن يجعله مميزاً.
بعد قليل خرج من الحمام وهو يرتدي مئزر الحمام بينما يجفف شعره الناعم بمنشفة صغيرة. ولج للغرفة ليجدها جالسة على الفراش تزيل آثار النوم عنها. اقترب وقبلها على رأسها وهو يقول:
"صباح الخير يا روحي."
ابتسمت له وهي تقول:
"صباح النور. هقوم أحضر الفطار وأجهز عشان الشغل."
"لا مفيش داعي ارتاحي النهاردة من الشغل، فيه مفاجأة ليكي النهاردة."
نظرت إليه بحيرة وقالت:
"مفاجأة إيه؟"
كاد أن يرد إلا أن رنين جرس المنزل رن ليبتسم وهو يخرج مسرعاً ليفتح الباب. عبست ماريانا بدهشة ولكن بعد ثوانٍ كان يدخل جورج وهو يحمل صندوقاً كبيراً. ثم وضعه على الفراش. وقال:
"جزء من المفاجأة."
نهضت ببطء وهي تفتح الصندوق بحيرة فجأة اتسعت عينيها بصدمة وهي تجد مفاجأة عظيمة تنتظرها.
"فستان فرح!" قالتها لاهثة وهي تتلمس فستان الزفاف. كان يبدو رائعاً للغاية. ابتسم وهو يقترب منها وعانقها من الخلف ثم طبع قبلة خفيفة على عنقها وقال:
"يوم فرحنا مكانش قد كده. أنا يومها جرحتك عارف. عشان كده بقى دين في رقبتي إني أعملك فرح من أول وجديد."
نظرت إليه ذاهلة ليمسك ذقنها بلطف ويقول:
"دلوقتي جاية مادلين عشان هي اللي هتجهزك وبعدين أنا حجزت يخت لينا النهاردة هنحتفل بفرحنا ونبات هناك ونرجع بكرة."
ترطبت عينيها بفعل الدموع فقال بتحذير:
"متعيطيش."
هزت رأسها وهي تقول:
"أنا مش مصدقة إن كل ده عشاني و..."
قاطعها وقال:
"دي أقل حاجة عشانك. أنا رايح أجهز عند كريم صاحبي وتلات ساعات. وهاجي تكوني جهزتي."
رنين المنزل رن مرة أخرى فابتسم وقال:
"مادلين دقيقة في مواعيدها لازم أعترف."
بعد ثلاث ساعات...
خرجت أنفاسه حادة وهو ينظر إليها تخرج من الغرفة بينما حمرة الخجل تزين وجهها فبدت أجمل بكثير من مساحيق التجميل التي تضعها. كان الفستان من الحرير أبيض اللون بأكمام طويلة مطرز بورود صغيرة أعطته سحراً لا يقاوم. بينما شعرها الطويل جعلته منساباً على جانبي وجهها فبدت كملاك هبط على الأرض. حورية تماماً.
"شكراً يا مادلين." قالها جورج مبهوراً.
لتهز مادلين رأسها ثم تأخذ أدواتها وتخرج تاركة لهما خصوصية. ما أن خرجت حتى اقترب منها وسرعان كانت بين ذراعيه وهو يضع شفتيه على جبهتها ويقول:
"تعرفي لولا إني وعدتك إنك هتعيشي يوم فرحك كامل النهاردة مكنتش خرجتك من البيت."
ابتسم وابتعد عنها وهو ينظر إلى اشتعال وجنتها ثم أمسك كفها وقال:
"يالا."
بعد ساعة تقريباً...
كان يقف أمام اليخت. ركبه وساعدها هي حتى ولجت إلى اليخت الرائع. كان مزيناً بطريقة تخطف الأنفاس. ينبعث من مكان ما أغنيتها المفضلة (I wanna be yours) بينما الإضاءة الداخلية أعطتها انفصالاً تاماً عن العالم رغم وجود الشمس بقوة. اقترب جورج منها وأمسك كفها وقال:
"يالا ناكل الأول وبعدين نرقص."
ثم جذبها برفق نحو الطاولة الصغيرة المزينة وأجلسها برفق. نظرت إلى الأصناف اللذيذة من الطعام وشعرت أنها جائعة للغاية ودون أي اعتبار لأساليب الرقي في الأكل بدأت تأكل بشراهة. بينما جورج ينظر إليها بتسلية.
بعد قليل...
خرجت من الحمام وهي تجفف يديها وتضع كفها على بطنها وهي تقول:
"أنا أكلت كتير النهاردة. بس مش ذنبي والله، ابنك طالع مفجوع زيك."
ضحك جورج وقال:
"بالهنا والشفا يا روحي. مش يالا بقا."
"يالا إيه؟" قالتها بتوجس.
ابتسم بلطف وقال:
"مفيش يوم فرح يمر من غير الأغاني. يالا نرقص."
ثم جذبها برفق وهو يرقص بها على الأغنية التي تنتشر في اليخت. وضعت رأسها على كتفه وقالت:
"أنا بحلم صح يا جورج؟ ده حلم جميل."
قبل رأسها وهو يضمها ويقول:
"لا يا حبيبي ده مش حلم. ده حقيقي. حبي حقيقي وقلبي ليكي وبس."
ابتسمت برضا وهي تضمه بشكل أقوى.
أظلا يرقصان طوال اليوم. يتكلمان. كانت حقاً ماريانا سعيدة بشكل لم تختبره بعد.
وعندما اختفت الشمس وبدأ الظلام يسدل ستائره. امسك جورج كفها ثم رفع صوت الموسيقى لتنتشر أغنيتها المفضلة مرة أخرى (wanna be yours). ادخلها للغرفة المجهزة للعروسين. لمعت عينيها وهي تجد غرفة بيضاء جميلة واسعة بعض الشيء. الأزهار الحمراء متناثرة على الأرض. بينما الفراش يغطيه أيضاً أزهار حمراء صغيرة تخطف الأنفاس. برفق قام جورج بحمل ماريانا وهو يتجه بها للفراش ويقول:
"أذيتك كتير أنا عارف. كسرت قلبك في أيام كان مفروض تكون أجمل حياتك. وأنا كاره نفسي عشان كده."
"جورج متقولش."
ولكنه أوقفها وقال:
"خليني أكمل يا ماريانا."
جلس على الفراش وأجلسها على ساقيه وأكمل:
"واحدة غيرك كان مفروض تسيبني بعد اللي عملته بس أنتِ اتمسكتي بيا. عشان كده أنا بوعدك من النهاردة عمري ما هزعلك أبداً. بس اوعديني إنك تحبيني دايماً. أوعي في يوم حبك ليا ينتهي يا ماريانا، وقتها أنا اللي هنتهي."
ضمته بقوة وقالت بصوت مختنق بفعل المشاعر:
"أنا مستحيل أبطل أحبك. مستحيل!"
ابتسم وهو يبعده عنها ثم أخذ يربت على شعرها ثم اقترب منها يعوضها عن ليلة زفافهما الكارثية.
"دي صورته." قالها معاذ وكفه يرتجف بانفعال بينما يمد له صورة سيف.
نظر إليه الرجل الضخم وقال:
"تمام. هاخد نص المبلغ دلوقتي ونصه بعد ما أقتله."
هز معاذ رأسه وقال:
"موافق. بس المهم اقتله! شيله من على وش الدنيا!"
رواية اسرت قلبه الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سوليية نصار
الفصل الخامس والعشرون(لأجلك فقط )
لأجلك فقط سوف أحارب العالم ولكن تمسكي بي
(يوسف لماجدة)
......
-سيف اتجوز !!
قالتها نوال والضيق يهاجمها بطريقة لم تفهمها هي ...لا تصدق أنه تجاوز الامر بتلك السرعة ....
نظر صالح إليها بصبر يخفي غيرته عليها ...لا يريد أن يضايقها بكلماته يكفي انها تراجعت عن السفر في آخر لحظة ....
تنهد وهو يتذكر اللحظة التي أرادت الهروب منه قيها ...
.......
قبل أن تلج إلى المطار خرج من سيارته بسرعة وأمسك ذراعها وهو يجذبها نحوه...اصطدمت بصدره ...عينيها السوداء مشبعتان بالدموع ...تتذكر قهر سيف ...لم تكن تريد أن تكسر قلبه ....
نظرت لصالح بكره ..هو من تسبب في هذا ...لأنها أحبته كسرت قلب سيف ...
-سيبني سيبني !!
قالتها بإختناق وهي تحاول أن تتحرر منه ...سوف تسافر ...تبتعد ...
-مقدرش ....هموت لو عملتها ...أنا بحبك يا نوال...بحبك اووي ...
شعرت أنها تنهار ...تتهاوي أرضاً... مواجهتها مع سيف جعلتها تشعر بالدمار ...
أخذت الدموع تنهمر من عينيها بشدة ....حاربت لكي تتنفس ليشدها هو ويضمها ...كانت تبكي بين أحضانه ...تضمه بقوة لعل هذا الألم يتلاشى ...
-أنا....أنا كسرته يا صالح ...
-ششش ...
قالها وهو يقبل رأسها ثم أكمل :
-ده احسن بالنسباله...أنتِ لو اتجوزتيه هتبقى بتظلميه يا نوال...أنتِ مش بتحبي سيف ...أنتِ بتحبيني أنا ...انا وبس ...
كانت لا تستطيع أن تنكر وهو يضمها إليه بتلك الطريقة ...لقد استسلمت ...استسلمت لأنها لا تستطيع أن تحب غيره ....
ابعدها عنها وهو يمسح دموعها برفق ويقبل رأسها ..أغمضت عينيها وهي تقول بحياء :
-صالح الناس بتبصلنا ...
ابتسم لها وهو يبتعد ثم يجذبها خلفه ...ادخلها سيارته ثم انطلق بها ... بتلك الطريقة عادت إلى حياته....إلى شركته ....
خرج من شروده وهو ينظر إليها ...كانت ما تزال تعقد حاجبيها بضيق بينما تقضم شفتيها ....كانا في منزلها يجلسان على التراس ....اقترب منها وجلس بجوارها ثم دفن كفه في شعرها وقربها منه حتي يقبلها ولكنها اشاحت بوجهها وهي تقول بعصبية:
-صالح لو سمحت قولتلك بلاش الحركات دي ...مش معني أني بسمحلك تيجي بيتي اني بديك الصلاحية انك تلمسني أنا مش كده....
تجهم وهو ينظر إليها ثم قال بإنفعال عاطفي :
-يبقي خلاص نتجوز !!اتجوزيني يا نوال...
نهضت بإرتباك وقالت:
-انا حاليا مش جاهزة ...فيه كذا حاجة في دماغي ...
-ايه اللي في دماغك ؟!سيف مش كده !!
قالها بغضب وهو ينهض بدوره ...ردت بإرتباك :
-سيف....ايه اللي جاب سيرته حاليا...
-أنتِ ...صدمتك.انه اتجوز وزعلك كمان ...
نفت بإرتباك وقالت:
-لا مش زعلانة بس مستغربة أنه اتجوز ...متعرفش اتجوز مين ؟!
-بيقولوا بنت عمه ...
-اه ربنا يهنيهم ..
قالتها بحزن ليقول بغضب:
-ممكن تسيبك من سيف وحوراته وخلينا فينا احنا هنتجوز امتى ...اني اجي شقتك كل يوم او تجيلي انتِ البيت مبقاش حاجة لطيفة حتى لو مش بيحصل بيننا حاجة الناس بتتكلم ...
تنهدت بتعب وقالت :
-حاضر يا صالح هنتجوز...
ابتسم بسعادة وهو يجذبها نحوه ويقبلها...ولم تمانع في هذة اللحظة ...كان ألمها اكبر من أن تقاوم ...أنها تتألم لانه تزوج !!
ابتعد عنها وهو يتلمس شفتيها برقة ويقول :
-انا هبدأ من دلوقتي في إجراءات الفرح ...
نظرت إليه وقالت بفزع :
-ايه ده انت مستعجل ليه كده ؟!فيه ايه يا صالح ...
نظر إليه بدهشة لتكمل وقد ارتبكت من تعابير وجهه وقالت:
-خلينا في فترة خطوبة الأول وبعدين نتجوز ...انت ليه متسرع كده ...
نظر إليها وهو لا يشعر بالراحة وقال:
-تمام يا نوال اللي تشوفيه !!,
...............
كانت جالسة على فراشها وهي تبكي ...منذ أن أخبرتها رحيق بما حدث بينها وبين والد عادل وهي تشعر أنها على حافة الإنهيار ...اغمضت عينيها والدموع تنهمر منها بقوة ....أخذت شهقاتها تخرج من بين شفتيها متقطعة وهي تفكر أن أمرها قد انتهى ...سوف تتزوج جاسم...خاصة أنه يتواصل معهما دوما ...يرغب في أن يتحدث معها ولكنها دوما تتهرب منه ...ليتها لم ترتكب هذا الخطأ لكانت الآن متزوجة به...لن يقبل جاسم بها لو عرف حقيقتها...ولو تكلمت سوف يخبر أخاها وقد يقتلها أمجد ....
نظرت للأعلى وهي تتذكر كلام رحيق ...لقد أخبرتها أنها السبب الأول فيما آلت إليه ...وهذا صحيح ...لم يجبرها احد على أن تبعث له الصور ...هي من فعلت هذا بإرادتها ...هي من جعلت روحه في يديه ...
-يارب سامحني يارب على اللي عملته ...يارب ساعدني يا رب ...اعمل ايه ؟!!كل حاجة بتنهار...عادل مش هيتجوزني وانا اللي هتفضح...يارب استرني يارب ...يارب أنا مش عايزة الا الستر ...مش عايزة اي حاجة غير الستر ...يارب اموت وانا مستورة ...يارب متفضحش ؛!..
أطرقت برأسها وهي تتذكر الحديث الذي دار بينها وبين شقيقتها
.....
-يعني ايه يا رحيق ؟!
قالتها نوران بنبرة مخنوقة لترد رحيق بتعب.:
-يعني خلاص عادل مش هيقدر يهددك تاني ....
أغمضت عينيها وهي تشعر بالقليل من الراحة وتقول :
-الحمدلله ...
ارتبكت رحيق وقالت بآسي :
-بس طارق بيه رفض طلبي أن عادل يتجوزك ...طلبت منه حتى لو يتجوزك مؤقتا ويطلقك بس هو رفض يا نوران ....
نظرت إليه نوران والدموع تتصاعد بعينيها وقالت:.
-انا هعمل ايه ؟!أنا مش قدامي الا عادل...أنا مقدرش اتجوز جاسم يا رحيق أنا هتفضح ...
انهمرت دموع رحيق وقالت وهي تشعر بالعجز :
-انا مش عارفة اعمل ايه يا نوران ...أنا خايفة ومخي واقف ....بس على الاقل اطمنت إنه مش هيهددك ....ويمكن لما تتجوزي جاسم ليلتكم هتعدي على خير ومش هيكتشف حاجة ...
-معتقدش يا رحيق ...أنا هتفضح خلاص ...ياريتني اموت وارتاح يا رحيق ..ياريت ...
بكت رحيق وضمتها بقوة وهي تقول :
-شدة وتزول أن شاء الله ...متقلقيش يا نوران أنا مش هسيبك ..ده وعد
ابتعدت عن رحيق قليلا وهي تمسح دموعها وتقول :
-انا مستاهلش كل ده يا رحيق ...
نظرت إليها رحيق بحيرة لتقول نوران بخجل:
-مستاهلش المعاملة دي منك...مستاهلش انك تقفي جمبي بالشكل ده وانا معملتش حاجة غير أني كنت بهينك وبتريق عليكي واتمنالك الشر ..أنا طلعت وحشة اووي يا رحيق وأنتِ نقية...أنتِ احسن مني بكتير ...
عانقت رحيق وجهها وهي تهز رأسها ثم قبلتها على رأسها وهي تبكي وتقول :
-متقوليش كده ...أنا رغم الموقف اللي احنا فيه انا فرحانة انك اخيرا حبتيني...كان نفسي اووي تحبيني يا نوران وتعتبريني اختك ...كان نفسي احميكي زي ما اي اخت كبيرة بتحمي اختها...انا اسفة لو مقدرتش اساعدك بس اوعدك أنا مش هسيبك ..أنا هساعدك دايما...مش هخلي اي حد يأذيكي
أغرقت الدموع وجهها لتعانقها رحيق بقوة وهي تبكي ...كانت تشعر نوران بقليل من الراحة ..لا تعرف لماذا ولكن كلام رحيق طمنها قليلاً...ربما سوف يكون كل شئ على ما يرام ..ربما لن تنالها الفضيحة وهي حقا تتمنى الا يتم فضحها...
.......
عادت من شرودها وهي تمسح دموعها ... فكرت ربما يمكنها أن تنهي تلك المعاناة ...ربما يمكنها أن تنجو ولا يتم افتضاح أمرها...ولكن الأمر يتطلب شجاعة منها....لقد قررت وسوف تخبر رحيق بقرارها ....
نهضت نوران سريعاً واتجهت لغرفة رحيق ....
في طريقها وجدت جيلان تجلس مع دلال بينما دلال تقول:
-يا بنتي رجعتي في كلامك ليه بس وعايزة ترفضيه ...فادي عايزك ومستنيكي وهو قال إنه مستعد يستناكي لحد ما تتجاوزي حزنك على والدتك...
نظرت نوران إليهما بآسى لتقول جيلان بينما تطرق رأسها :
-معلش يا مرات عمي انا كده مرتاحة....انا مبفكرش في جواز دلوقتي ......
تنهدت دلال وقالت:
-براحتك يا بنتي اقولك ايه بس ...
-خلاص يا ماما سيبيها براحتها ..
قالتها نوران بضيق...لتنظر إليها دلال دون رضا وتقول :
-ممكن تسكتي أنتِ...
هزت نوران كتفيها دون اهتمام ثم ذهبت متجهة إلى غرفة رحيق ...
-أنتِ رايحة فين ؟!
-رايحة اقعد مع رحيق شوية ...
ثم تركتهما وذهبت...توسعت عيني دلال بدهشة وقالت :
-انا اكيد بحلم ...ايه ده !!
.....
طرقت نوران الباب ثم فتحته برفق لتجد رحيق على سجادة الصلاة الخاصة بها تدعو الله بينما الدموع تنساب من عينيها ...اغلقت نوران الباب واستندت عليه وهي تفكر أنها حملت شقيقتها همها ....
انتهت رحيق من الدعاء ونظرت الي شقيقتها ومسحت دموعها ...تكلمت بإنكسار وقالت:
-شيلتك همي حقك عليا ...
نهضت رحيق واقتربت من شقيقتها وامسكت كفها ثم جعلتها تجلس على الفراش وقالت:
-لو مشيلتش همك مين هيشيل. ..يا عبيطة احنا دم واحد ...ها عايزة تقولي ايه ؟!
-انا لقيت حل للي أنا فيه ؟!
-ايه هو الحل ؟!
-هحكي لجاسم الحقيقة كلها !!!
........
-البت مش عايزة تتحوز فادي صرفت نظر يا أمجد ..
قالتها دلال وهي تجلس مع أمجد في الشقة التي يجلس بها ...خفق قلب أمجد وهو يشعر بالسعادة تجتاح قلبه ...حاول أن يمنع الابتسامة من الظهور على شفتيه وقال:
-طيب ما فيها ايه يا ماما ...براحتها احنا هنجبرها ...
-ايوة يا بني بس احنا ادينا خالتك كلمة ...
عبس وقال:
-لا كلمة ولا حاجة ...هي مش عايزاه واحنا مش هنجبرها ...كفاية اللي هي فيه يا امي مش هنيجي عليها ...أنا هتصل بفادي واقوله أنها مش عايزة تتجوزه ...
-يا بني استنى يمكن تغير رأيها ...
-تغير رأيها هي ...واضح انها مش عايزاه ...خلاص يا امي متعذبيش الواد اكتر من كده خليه يشوف نصيبه بعيد عن جيلان ....أنا هتصل بيه واقوله لن مفيش نصيب بينهم .....
كانت دلال تنظر إلى ابنها كأنه فقد عقله ..هي حقاً لا تفهم ماذا به ...لماذا يصر على أن ينهي تلك العلاقة ....ظنت أن أمجد سوف يحاول أن يقنع جيلان ...ولكن للاسف أمجد يقف معها هي !!...
-انا مش عارفة اقول ايه يا أمجد ...
ضحك بذهول وقال:
-فيه ايه يا امي ...البنت مش عايزاه ...مش هنجبرها.!!..
-البنت قبل وفاة والدتها كانت مرحبة جدا بالموضوع يمكن موت شربات مخليها واخدة القرار ده ...متنساش أن جيلان بعد وفاة والدتها بقت مكتئبة حتى كليتها بطلت تحضرها وقافلة على نفسها وعلطول بتبكي ...أنا ممكن اخلى فادي يصبر شوية واحنا نكلمها مرة تاني ايه رايك يا أمجد
-بجد مش فاهم اصرارك ..البنت مش عايزة خلاص ....متجبريهاش لو سمحتي. ..
هزت والدته رأسها بيأس بسببه ...
....
بعد قليل
بعد أن ذهبت والدته تسطح على فراشه وهو يفكر أن ربما تلك فرصة له ...فرصة لتكون هي ملكه ...هو لن يدعها تنسل من بين يديه ...كلامه مع رفيق جعله يدرك الحقيقة ...هو لن يكون سعيد مع أريام ولا هي سوف تكون سعيدة معه...وان يفسخ الخطبة الآن افضل من أن يتورط بزيجة فاشلة !!
............
في اليوم التالي ...
-انا هوصل عمر النهاردة...
قالها أمير بهدوء لتهز رأسها دون أن تنظر إليه ...هل تعاقبه الآن ؟!لقد أصرت أن تنام بغرفة عمر بينما هو قضا الليل كله يشتاق إليها ....
-سما هو انا متعاقب ؟!
قالها وهو يلمس كفها لتتجمد هي ثم تنظر إليه وعينيها خالية من المشاعر ....رسمت ابتسامة باردة على شفتيها وقالت بسخرية :
-العفو يا أمير بيه ...أنا أقدر اعاقبك ازاي ؟!بالعكس أنا اللي حاليا متعاقبة ومش هروح شغلي وهستقيل كمان ...
تنهد وهو يقترب منها ليقبل رأسها ولكنها ابتعدت عنه وهي تقول بوجوم:
-متلمسنيش ....انت عملت اللي انت عايزه من زمان عايز ايه تاني ...
-سما بتلوميني على غيرتي عليكي ...
-أنت مش غيران عليا ...انت عايز تتملكني !!
نظر إليها بلوم وأمسك ذقنها وقال:
-لا انا بغير عليكي يا سما ...صدقي متصدقيش بس لما شوفتك بتضحكي معاه اول حاجة كان نفسي اعملها اني اقتله ....
ارتبكت وهي تنظر إليه ليبتسم وهو ينظر لعينيها البنية ويقول :
-وده مش عدم ثقة فيكي أنا بثق فيكي جدا بس مبثقش فيه هو خصوصا أن شوفت نظراته ليكي ...
-مالها نظراته ؟!!
قالتها وهي ترفع رأسها ليرد :
-هو لسه بيحبك ....هو مقهور اني اخدتك منه ...
-وأنت يا أمير ...
-انا ايه ؟!
قالها بحيرة لترد بقلق ... خوف من إجابة لا تريد أن تسمعها ...خافت أن تبدو مثيرة للشفقة ...
-أنت بتحبني يا أمير ....
انسحب اللون من وجهه قليلا وشعر أنه عاجز عن التحدث ... تسارعت دقات قلبه وهو ينظر إلى خيبة الأمل التي كست وجهها ....ابتسمت بمرارة وقالت :
-انسى ...
ثم استدارت لتذهب وهي تخفي دموعها ولكنه امسكها وجعلها تستدير ...عبس بشدة وهو يرى تحشد الدموع بعينيها ...أراد أن يتكلم ...أن يبرر ....
-سما ..
-لو سمحت متقولش حاجة خلاص ...سيبني في حالي ...هروح اجهز عمر ...
ثم كادت أن تذهب ولكنه تمسك بها...شعر بالفزع ..
نعم الفزع أن تبتعد عنه مجدداً...أن يتسرب حبها من قلبه ...هو يخاف أن تتوقف يوما عن حبه رغم أنه لا يستطيع أن يبادلها هذا الحب ...
-سما البسي يالا هتروحي الشغل ..
ابتسامتها كانت ساخرة وقالت بصوت مختنق بفعل الدموع :
-ايه حاسس بالذنب لانك مش قادر تحبني فقولت تعوضني بإني اروح الشغل...سيبني يا أمير لو سمحت ؛!
ثم كادت أن تتركه إلا أنه شدها وهو يعانقها برفق ويقول :
-انا مش عايز اخسرك ....بالله عليكي يا سما متبعديش عني ....
سقطت دموعها وهي لا تبادله عناقه بل وقفت متيبسة وهي تفكر أنها سمحت لفسها ان تظهر ضعفها أمامه ...لقد تهاوت أمامه سمحت له أن يرى ضعفها...كانت تكره نفسها الآن لما تسببت لنفسها من إحراج ...
ابتعد امير قليلا وهو يعانق وجهها ثم ينحني ويقبلها منتظرا منها أن تبادله...أن تذوب كعادتها ولكنها بدت متيبسة للغاية ...شعر ببرودها وهي تقف تستقبل قبلته بلا مبالاة...
شدد من احتضانه لها وتقبيلها ولكنها ما زالت باردة ...
ابتعد عنها وملامحه صارخة بالغضب...كانت تنظر إليه ببرود وقالت:
-أنا هلبس عشان اروح شغلي !!
ثم استدارت وتركته ليحك شعره بسخط ....يقتله برودها ...هي مستفزة للغاية !!!تثير غضبه!!
.....
كان يقود سيارته بضيق ...لقد أصرت أن تجلس بجوار عمر في الخلف ...كانت تضمه إليه بينما ترتدي نظارة سوداء تخفي بها تعابيرها ...وجهه جامد لا يبتسم فقط تضم عمر لها وهي تربت على شعره ...قبض على المقود بقوة وهو يفكر أنها عنيدة للغاية....هو لن يستطيع إخضاع امرأة مثلها....
وقف أمام المدرسة التي تعمل بها ....
خرج وهو يفتح الباب لابنه ثم يحمله ...مد كفه لكي تمسكه نظرت إليه للحظات ليرفع حاجبيه هو ...تنهدت وهي لا تريد أن تحدث أي مشكلة معه وقامت بوضع كفها فيه كفه...ضغط على كفها برقة وهو يسحبها خلفه ....
وقف فجأة وهو يرى ماجد أمامه ...شد على كفها وهو يطحن أسنانه بعنف ....
اقترب منه وسما تشعر بالقلق من أن يتهور ...
-امير ...
همست بقلق ...
-ششش اسكتي ...
قالها والغيرة تتلون بعينيه...
ثم أكمل وصوته يرتفع :
-ادخلي أنتِ يا حبيبتي وانا لما تخلصي هعدي عليكي عشان نروح سوا ...
نظرت إليه بقلق ولكن ملامحه كانت عاصفة بالغضب ...تمنت أن يمر الأمر على خير ...نظرت الى ماجد لتجده ينظر إلى. أمير بسخرية ....اغمضت عينيها بتوتر ثم فتحتها مرة أخرى وهي تأخذ عمر الصغير وتلج للمدرسة ..بيننا تبعتها نظرات ماجد
-شيل عينيك عنها ...
هدر آمير وهو يقترب منه ...كل ما أراد فعله الآن أن يحطم فكه ويقتلع عينيه من مكانها !!
نظر ماجد إليه بضيق ليكمل أمير ؛
-احسنلك متحطش عينيك على حاجة مش بتاعتك عشان مطلعش عينيك من مكانها ...
كان التملك يغلف كلماته ...سما ملكه هو فقط....
رفع ماجد وجهه وقال بتحدي :
-لو مشيلتش عينيا من عليها هتعمل ايه يعني ؟
عصفت الغيرة بعينيه وهو يقترب أكثر منه ثم يمسك فكه بشدة غير مهتم بمن حوله وقال بحروف مشدودة من الغضب:
-هقتلك فاهم...فعلا هقتلك !!!
ثم ابتعد برشاقة وذهب من أمامه لينظر ماجد إلى أثره بضيق ..
...........
فتحت عينيها بتثاقل وهي تنظر إليه بجانبها ...كان نائم بهدوء بينما ذراعه يحيط بخصرها ...كانت تشعر بالرضا ...بالسعادة ..لقد نالت ليلة زفاف تليق بها ...تلمست وجهه برقة بينما ابتسامة رائعة تحتل شفتيها ...هي حتى الآن لا تصدق أنه احبها....ترغب بالصراخ ...بالضحك ...بالرقص ...ترغب أن تخبر الجميع أن هذا الرجل ملكها ...هذا الرجل يحبها هي !!!
اقتربت بشفتيها منه وهي تقبله على كامل وجهه بينما تتنهد بسعادة ....
-بتستغلي اني نايم مش كده !
كادت أن تقفز من مكانها فزعة ...
ضحك برقة وهو يربت على ظهرها ..ثم فتح عينيه ...كانت عينيه زرقاء صافية ...ترمقها بحب ....أنها تتأكد كل يوم أنه يحبها ...فنظرات الصقيع بعينيه تحولت تماما لنيران ...نيران عشق ...
كان ينظر اليها وهو مبهور ...تبدو في تلك اللحظة اجمل ما رآه بحياته...نواجزها تعطيها سحر لا يقاوم ...كيف قاومها يوماً ....
كان يتطلع إليها بشكل جعلها تشيح بعينيها خجلاً...كل تلك السعادة هي غير معتادة عليها ...تخاف يوماً أن يعود لبروده معها وهي لن تتحمل أبداً هذا
-بتفكري في ايه؟!...
مرر أصابعه على حاجبها لتهز رأسها مبتسمة إليه ؛
-ولا حاجة ...
-هتكدبي عليا ؟!
تنهدت وهي تقول :
-انا خايفة ..
-من ايه ؟!
نظرت إليه وردت:
-خايفة انك ترجع لبرودك تاني يا جورج ...خايفة سعادتي تنكسر ....خايفة تكتشف انك مبتحبنيش وانك لسه بتحبها....
اغلق فمها بكفه وقال :
-انا بحبك أنتِ ....وهفضل احبك .ومش عايزك تجيبي سيرتها تاني ....عايزين نطلعها برا حياتنا...
تمعنت إليه في قلق...تخاف انه ما زال يحبها ...تخاف أن يكون ما يفعله الآن مجرد تعويض لها بسبب شعوره بالذنب ...أرادت أن تتكلم ...إرادته أن يخبرها أن سيلا انتهت من حياتهما ولكنها خافت ..خافت من الإجابة ...لتعيش تلك اللحظات الرائعة معه ...لماذا هي مصره على أن تعاني ....ولو أخبرها أنه ما زال يحب سيلا هل سيتغير شئ....هل ستتركه ؟؟والاجابة كانت بسيطة حازمة داخل عقلها ...لا !!هي لا يمكنها أن تتركه ...سوف تموت لو فعلتها خاصة بعد أن تذوقت حبه ...بعد أن تنعمت بكلمات غزله ...هى لم تتخلى عنه بينما يخبرها أنه لا يحبها ...لا يريدها ...فكيف تتخلى عنه الآن وهو يخبرها أن يحبها ...
-كفاية تفكير ويالا عشان نقوم ...نفطر وبعدين هوصلك البيت عشان ترتاحي وانا هروح الشغل ...
قالها لتبتسم وهي تهز رأسها ليقبل رأسها وينهض ...
....
بعد ساعتين تقريباً...
كانت جالسة على فراشها تشاهد فيلم و تأكل أصابع البطاط المخبوزة في القلاية الهوائية مع صوص الجبن الذي تحبه ...كان جورج كان قد أعد لها هذا ...رأته قد ارتدي ثيابه وأمسك البالطو الابيض الخاص به وهو يستعد للرحيل ....
نظرت إليه بإبتسامة رائعة لينظر هو إليها من خلال المرآة ويقول ممازحاً..:
-بلاش تبتسمي ليا بالشكل ده والا والله ما اروح العيادة النهاردة وافضل جمبك النهاردة....
ضحكت برقة وقالت :
-لا روح شغلك ...قعدت كتير ...
مط شفتيه كالأطفال وهو يقترب منها ينحني بيديه على الفراش ويقول :
-حالا زهقتي مني !!
لمست وجنته وهي تقول :
-لا طبعا ...أنا لو عندي أمنية هتمنى انك تفضل طول الوقت معايا أنا عمري ما ازهق منك ...انت روحي ....بس انت دكتور وعندك مسؤوليات ...
ابتعد وقال:
-عندك حق...احسنلي ابعد دلوقتي عنك بدل ما انفذ فكرتي المجنونة وافضل معاكي ....
امسك حقيبته وهو يبعث لها قبلة على الهواء ويغادر ...
تنهدت وهي تضع كفها على قلبها وقالت:
-بحبه ...بحبه اووي...
....
كان يجلس على مكتبه وهو يستعد لدخول الحالة التالية ...سعادة غريبة تحتل قلبه وهو يتذكر احداث أمس ....لم يكن يتخيل أن يكون سعيدا لتلك الدرجة ....لم يتخيل أن يحبها بكل هذا الجنون...أصبحت ماريانا يوما بعد يوم تحتله وتطرد سيلا من قلبه ...وهو راضي عن هذا تماماً ..تجهم وجهه قليلا وهو يتذكر معاناتها معاه ...يتذكر أنها حاولت كثيرا أن تجذبه إليها ...حاولت أن يجعلها يراها. ..يحبها..،ولكنه ابعدها عنه بكل قسوة ...لم يهتم ...كان غارق في الرثاء على نفسه بسبب حب ضائع ...جرحها كثيرا وحطم قلبها ...كان يرى الإنكسار بعينيها وهو يخبرها يوماً بعد يوم أنه لا يحبها ...كان يخبرها بصراحة أنه يحب أخرى ...لا يعرف كيف فعل هذا بها ....كيف حطمها بتلك الطريقة ...لو اتت هي وأخبرته أنها لا تحبه وان قلبها ملك لآخر لا يتخيل حتى ما ستكون ردة فعله ...
زفر بضيق وهو يستل زجاجة المياه ويشربها مفكراً أن مجرد التفكير فقط جعل الغيرة تشتعل داخله ...
طرقة خفيفة على الباب جعلته ينتبه ..
هذة بالتأكيد مريضته التالية ...فُتح الباب فجأة ليشحب قليلا وهو يقول :
-سيلا !!
نهض بغضب
...
-سيلا بتعملي ايه هنا ...مش مفروض تكوني سافرتي !!!
قالها بعصبية ثم أكمل بغضب وهو يقترب منها :
-أنتِ ضحكتي علينا مش هتسافري صح ؟!!
اقتربت سيلا وعينيها مشبعة بالدموع وقالت؛
-هسافر اكيد يا جورج...أنا بس حصل مشاكل معايا في السفر عشان كده اتأجل شوية ...انا اسفة ...أنا عارفة انك مش حابب تشوفني ....
ابتلع ريقه وهو ينظر إلى الحزن العميق داخلها بينما شعر بالذنب...ابتسمت دامعة وهي تقول :
-انا بس جيت عشان اعتذر منك ...
رفع حاجبيه لتقول وهي تطرق برأسها من الخزي:
-اسفة على اللي حصل بيننا اخر مرة ...أنا بجد مكسوفة منك وحاسة بالقرف من نفسي ....بعد ما مشيت حسيت اني بجد رخيصة ووحشة اوووي اني حاولت ابعدك عن مراتك ...أنا فوقت يا جورج ..بس فوقت متأخر اووي...سامحني على كل حاجة انا عملتها...
تنهد بعمق وهو يقول:
-مفيش مشكلة ...بسبب اللي حصل اخر مرة أنا اكتشفت اني بحب ماريانا ...الموضوع بطريقة ما جه عليا بفايدة...
ابتسمت بحزن وقالت:
-فعلا وانا شوفت بعيني انك بتحبها ...يعني دي مراتك وحامل ...انت بجد محظوظ ...مكنتش هتبقى مبسوط معايا..مكنتش هتتحمل تعيش وانت عارف انك مش هتكون أب ...
نظر إليها بشفقة لتقول :
-أنت لقيت حياتك خلاص وانا بقيت ولا حاجة ...أنا حتى مينفعش اتجوز ...محدش هيرضى يتجوز واحدة عقيمة مبتخلفش ...بس الحمدلله انا مش زعلانة...كفاية انك في يوم حبتني يا جورج ...هتفضل انت احلى ذكرى في حياتي...
صمت وهو يشعر بالذنب يهاجمه ...هي تركته بسبب هذا ...بسبب أنها لا تنجب ...هي أوقفت حياتها وهو حياته استمرت ...
-ممكن اطلب منك طلب اخير ؟!
قالتها بإختناق ليرد :
-اتفضلي....
-ممكن تحضني...هي اخدتك خلاص بس أنا عايزة حضن ...لآخر مرة احضنني يا جورج...
نظر إليها بتوتر لتبتسم بألم وتقول :
-أنا اسفة...يظهر اني طلباتي كتير ...اسفة يا جورج...
ثم استدارت لكي تتركه إلا أنه امسك كفها ثم جذبها برفق ليعانقها ...كان وجهها مندس في عنقه بينما يديه على ظهرها ..يضمها برفق شديد لتضمه هي بقوة ثم تنفجر من البكاء !!
..........
-هيمشي ... الدكتور يوسف هيمشي ؟!
قالتها ماجدة ببهوت وهي تشعر أن قلبها يؤلمها ...هل سيترك كل شئ...هذا الخبر زلزلها بقوة ...حاربت كي لا تظهر الدموع بعينيها.
نظرت ميادة إليها بحزن وقالت:
-ايوة للاسف الشديد يا ماجدة... بيقولوا أن دي اخر محاضرة لينا معاه وبعدين هيمشي ...أنا بجد زعلانة اووي ...دكتور يوسف كان من احسن الدكاترة اللي درسولي ده لو مكانش أحسنهم ..
شعرت ماجدة وكأن قلبها ينسحق ...لا يمكنه أن يذهب..ذلك الخبر وقع عليها كالصاعقة..هل اصبح غاضب منها بسبب رؤيته لها مع لطيف....هل فهمها بشكل خاطئ....هل فعلا يحبها لذلك سوف يغادر...
كانت الأفكار تعصف برأسها ....كانت تشعر بالإختناق ...تريد أن توقفه بأي طريقة ولكن عقلها يخبرها أن هذا هو الصواب فلطيف سوف يعيدها إليه قريباً ولا فرصة لهما سويا !!!...
كتمت أنفاسها بينما يلج هو كانت نظراته باردة ...نظر إليها لثواني لتكتم أنفاسها ثم اشاح بنظراته وكأنه لا يطيق أن ينظر إليها ....
أطرقت برأسها وهي تشعر بالدموع تحرق عينيها
.....
بعد انتهاء المحاضرة.
خرجت خلفه وهي تقرر أن تجازف ...
-دكتور يوسف !
قالتها ماجدة وهي تقترب منه ليتوقف وينظر إليها بجمود وقال:
-خير ...
شعرت بالهجوم في نبرته وأطرقت برأسها أرضا وقالت:
-حضرتك ليه هتمشي ؟!
-وده يخصك في ايه ؟!خليكي لي حياتك وجوزك وسيبيني في حالي ....
فركت كفيها بتوتر وقال اخيرا وهي تقرر أن تفعل هذا ...:
-ممكن نتكلم.شوية ...محتاجة اقولك حاجة مهمة ...
أراد أن يرفض وان يخبرها أنه لا يهتم ابدا ...ولكن لما يكذب هو مهتم جدا أن يسمع ما سوف تقوله ...تنهد اخيرا وقال:
-تمام يالا نروح المكتب !!....
هزت رأسها وهي تسير خلفه بينما تطرق رأسها بتوتر ...ستخبره كل شئ ...ستخبره بما لن تخبر به أحد من قبل ....ستوضح له انها ايضا اعجبت به ...أحبته رغم ظروفها السيئة ولكن للاسف لا أمل بالنسبة لهم...لا أمل على الإطلاق....
...
في المكتب ...
ذهب هو على مقعده المريح وجلس عليه وهو يقول :.
-اتفضلي اقعدي ...
ذهبت ببطء وجلست على المقعد وهي تفكر فيما ستفعله ولكنها لم تعطي نفسها فرصة لتتراجع بل قالت بسرعة :
-انا كنت متجوزة تاجر مخدرات !!
تراجع للخلف كأنها صدمته ...رمش وهو ينظر إليها ولوهلة شعر أنها مجنونة...
ابتسمت بحزن وقالت:
-عارف انك دلوقتي مفكر اني مجنونة ...بس انا مش عارف اصيغ كلامي ازاي ...انت فاكر اني عايزة ارجع للطيف بس انا عملت المستحيل عشان اتحرر منه ...عيشت حياة صعبة في البداية وده كان تمن اني اتحرر منه...
عبس وهو ينظر إليها لتتنهد وتقول :
-انا هحيكلك من البداية ....
صمتت قليلا وفركت كفيها وهي تكمل :
-انا اتجوزت وانا صغيرة للطيف....جواز صالونات ...شافني وحبني وجاب أهله واتقدملي ...قصة عادية جدا ...اتجوزت لطيف وحبيته ...حبيته اووي ...
ضم كفه بقوة وهو يشيح بوجهه لتكمل هي :
-عيلة لطيف كان حالتها مرتاح ...شركات وعربيات وبيوت ....بس فجأة ده كله راح ...الحال اتقلب بيهم بسبب أن حمايا كان مدمن على القمار ...وقتها أنا كان معايا معتز صغير ...معتز ده يبقى ابني الاولاني اللي مات ....أو اتقتل!!!
نظر إليها بصدمة ليجد الدموع تنهمر من عينيها وتكمل:
-وقتها حالتنا ساءت ...لطيف اضطر يشتغل اي حاجة تتخيلها عشان بس نجيب لقمة عيشنا ...بعت دهبي كله بس ده مكانش كفاية ....لحد ما فجأة لطيف بدأ يكسب فلوس كتيرة ...كنت مصدومة وانا بشوف حياتنا بقت احسن بكتير ....سألته جاب الفلوس دي منين اتهرب مني ....بس فضلت وراه لحد ما عرفت الحقيقة واللي اعترفلي بيها بنفسه أنه تاجر مخدرات !!!وقتها انهارت ...كان نفسي وقتها أموت يا يوسف ...
نظر إليها مصدوماً لتكمل وهي تمسح دموعها :
-طلبت الطلاق بس رفض ...اقنعني اننا مش هنقدر نعيش الا بالطريقة دي ...استغل حبي لمعتز ابني واني كان نفسي محرمهوش من حاجة ...سكتت يا يوسف ...سكتت وانا شايفاه بيدمر شباب كتير....سكتت وانا شايفاه بيحرق قلوب امهات كتير وكان عقابي أن قلبي اتحرق على ابني معتز ...ابني مات ...ابني اتقتل بسببي ...
ثم أطرقت برأسها ونشيج حار يفلت من شفتيها ....
نهض وجلس أمامها وهو يمد إليها محرمة لتجفف دموعها
-خلاص كفاية
قالها مشفقا ولكنها هزت رأسها :
-لازم تسمع للنهاية ...موت معتز فوقني خلاني اخد ابني واتحرر منه ...كان معايا أدلة كتير كونتها ضده وضد اللي شغالين معاه ..أدلة لو طلعت للبوليس هيروح في داهية بس اللي معاه كان أيديهم طويلة لو كنت عملت الحركة دي كانوا قتلوني وقتلوه وقتلوا ابني وهو خاف علينا عشان كده هددته قولتله اني مش فارق اموت ولا اعيش ...عشان كده طلقني ....بس للاسف الأدلة اللي كانت معايا وقفت في ايديه بالتالي أنا كمان دلوقتي في ايديه مقدرش ارفض اي حاجة يقولها ...أنا بطلت احبه والله ...مبقتش اطيقه
-ليه بتحكيلي.ده كله ؟!ايه اللي مخليكي تثقي فيا أنا بالذات..
قالها بهدوء...ينتظر ردها ...ينتظر أن تخبره بمشاعرها ...هو مستعد أن يحارب فقط لتكون ملكه لترد :
-مش عايزاك تفكر اني راضية بقربه منه ...أنا مش عايزاك تزعل ...أنا مش عايزاك تبعد ...متمشيش لو سمحت ... صدقني أنا مبحبهوش ...
كانت تتكلم بسرعة بينما صبغ اللون الاحمر وجنتيها ...شعرت بالخجل بسبب نظراته تلك...شعرت أن قلبها يقفز من مكانه أرادت أن تخبره أنها تحبه ولكن الكلمات آبت أن تخرج من فمها ولكنه فهمها جيدا...وهذا جعل ابتسامة جذابة ترتسم على شفتيه ...كانت السعادة طاغية على ملامحه ..
-يعني أنتِ عندك مشاعر ناحيتي ...بتحبيني زي ما بحبك !!!
قالها بتلهف بإندفاع ...احمر وجهها بشدة وارتبكت...كادت تنفي كاذبة بسبب خجلها ولكن الكلمات آبت أن تخرج من شفتيها ...تراجع اندفاع يوسف قليلا وهو يفكر أن ماجدة مختلفة عن من واعدهم سابقاً......تنفس بتوتر وقال :
-انا اسف خوفتك ...
فركت كفيها وقالت:
-أنا حياتي مش ملكي ...أنا مش عايزاك تزعل بس أن يحصل حاجة بي....
ولكنه قاطعها وهو يعرف ما ستقول وقال ؛
-حياتك ملكك...ومفيش اي حد يقدر يجبرك ترجعيله !!
-لطيف انسان خطير معندوش قلب ...
-آخر همي ...
ابتلعت ريقها بعسر وقالت:
-انا مش هقدر احاربه ...
-بس أنا هقدر ...أنا هحارب لطيف بس اوعديني انك في النهاية متتخليش عني ...في النهاية تكوني معايا ...
رمقته بقلق وقالت :
-انك.تحارب لطيف هو الجنان نفسه ...
ابتسم بتسلية وقال؛
-الجنان صفتي المميزة ...هو وشي التاني اللي قدرت اخفيه بمهارة ...متتخيليش ممكن اعمل ايه عشان احمي الناس اللي تخصني ...اوعديني بس وملكيش دعوة باللي هيحصل ...
نظرت إليه بتوتر وقالت:
-ماشي أوعدك....ايه هي الخطوة التانية ..
-أننا نتجوز !!
-انت مجنون .. نتجوز ازاي يعني ...
هتفت برعب ليبتسم ويقول :
-قولتلك الجنان صفتي المميزة ...
........
-على فكرة أنا هقع ...
قالتها مياس وهي تضحك بينما تمسك ذراعه ...وهو يغمض عينيها ...ابتسم وقال:
-طول ما أنا ماسك ايديكي متخافيش مش هتقعي.....
فجأة توقف وهو يقول بلطف:
-جاهزة يا مياس...
تنفست بعمق وهي تقول :
-أيوة جاهزة ...
ابتسم وهو يزيح يديه عن عينيها لتفتح عينيها وتتوسع بصدمة وهي ترى دراجة هوائية باللون الزهري ...دراجة كما تمنتها تماما...
-أنت بتهزر !!
صرخت بصدمة وحماس وهي تذهب نحو الدراجة الهوائية تتلمسها بإثارة وهي ترغب بالقفز والرقص ....
نظرت اليه وقالت :
-سيف أنا فرحانة اووي بجد نفسي ارقص ...
ضحك وعينيه تلمع وهو ينظر إليها وقال:
-ارقصي وافرحي...أنتِ تستاهلي تبقي فرحانة دايما يا مياس ....
-انا مش عارفة اشكرك ازاي يا سيف ...بجد.كان نفسي فيه من زمان ...
ابتسم لها وقال:
-وأنا وعدتك هحققلك اللي نفسك فيه ...وحتى دراستك هتكمليها ....ده وعدي ليكي ....
نظرت إليه بإمتنان...لم تتخيل أنه سوف يفعل هذا من أجلها...والسؤال الملح لماذا يفعل هذا ...لماذا يجعل أحلامها أوامر يجب تحقيقها...لماذا يسعى دوما لاسعادها...يخبرها أن سعادتها هي مسىوليته الشخصية ....كل تلك الاسئلة كانت تدور بعقلها ولكنها كانت تخبر نفسها أنه يشعر بتأنيب الضمير بسبب ما حدث لها...كانت تنفي بعنف اي تفسير آخر..هي لا تريد للأمور أن تتعقد ...تريد أن يكون سيف صديقها ...لا تريد أن تتغير مكانته لديها ...فبعد ما حدث مع عمر لن تسلم قلبها لأي رجل ...فهي تعرف كم يجعلنا الحب ضعفاء ..
اقترب سيف من مياس الشاردة وهو يبتسم ...عينيه تمر عليها ....كانت ما تزال ترتدي النقاب ولكن السعادة في عينيها كانت كبيرة جدا وكم أسعده هذا ...هو كل ما يريده أن تسعد هي يريد أن يعوضها عما حدث ...أن يجعلها تنسى جميع أحزانها ...يريدها أن تكون سعيدة فقط وألا يزور الحزن عينيها....كم يتهم عمر بالغباء لانه تخلى عنها وهي تحبه ...لو كان هو مكانه لم.سكن ليتخلى عن أمرأة مثلها ...ولكن ربما هذا جيد ...فهو من نالها بالأخير ...لن يقول إنه أُغرم بها ولكن بها شئ يجذبه بقوة ...يجعله يرغب أن يراها سعيدة دوما ...شئ داخله يحب ابتسامتها ....
-خدي يا برينسس مفاتيح الاسكوتر بتاعك عشان لما نروح نقدم في الجامعة هتروحي بيه ....
نظرت إليه ثم فجأة عانقته بقوة وهي تقول بصوت مخنوق بفعل العواطف:
-شكرا ...شكرا اوووي يا سيف ...
بهت للحظات بينما هي من تأخذ المبادرة ولأول مرة ...ولكن سرعان ما عانقها بحب. كان مغمض عينيه وهو يعانقها ...قلبه يدق بسرعة وداخله شعور رائع ...تمنى أن يتوقف الوقت في تلك اللحظة. ..تمنى أن تظل دوما هكذا بين ذراعيه ...
-ياريت الوقت يقف هنا ..
قال تلك الكلمات دون أن يدرك لتعود هي لصوابها وتحمر بشدة وهي تدرك أنها تضمه بقوة ....حاولت التحرر منه وهي تقول بخجل :
-سيف ممكن حد يجي ...
-تؤ ...صدقيني محدش هيجي خلينا كده شوية ...
-سيف ابعد خلاص ...
همست وهي تحاول ابعاده ولكنه بدأ كحائط لم يتزحزح من مكانه ...أغمضت عينيها بيأس وضمته مجددا بدورها ...
-سكوتر جميل على فكرة ..
انتفضا الاثنين على صوت جلال ...ارتبكت مياس وهي تنظر إلى عمها الذي كان ينظر إليها بسعادة وهو يرى أن مياس اخيرا تقبلت ابنه ...
-عمي والله انا مليش دعوة هو اللي حضني
قالتها مياس بحماقة ليعبس سيف بينما ضحك جلال وقال:
-وفيها ايه يا ستي مش جوزك...ربنا يخليكم لبعض يارب وأشوف عيالكم ....
ثم وجه كلامه لابنه وقال:
-وأنت يا استاذ مش فيه شركة لازم تروحها ...
-ممكن النهاردة اخد إجازة واقعد مع مياس ...
قالها سيف وهو يمسك كفها ولكنها نفضت كفه بغضب طفولي وابتعدت عنه ليقول جلال:
-لا يا سيف ..احنا عندنا شغل كتير ..يالا روح وبلاش كسل ...
ثم نظر إلى مياس وقال:
-ودعي جوزك وتعالي نقعد سوا يا مياس ...
هزت مياس رأسها وما أن ذهب جلال حتى ضربت سيف على صدره حتى تراجع بذهول وهو يضحك ويقول :
-بتضربي جوزك ؟!!
-عاجبك كده الفضايح دي...بقول علينا ايه دلوقتي ...
ضحك سيف مجددا وقال:
-فضايح ايه يا حبيبتي ...احنا متجوزين ...ده عمك متوقع نجيبله احفاد بعد تسع شهور ...
ارتبكت مياس وقالت بعنف بسبب الخجل :
-ده.مش هيحصل ...
ابتسم لها ولم يرد أن يخجلها أو يضايقها أكثر من هذا بل قال:
-انا رايح الشركة دلوقتي عايزة حاجة..
هزت رأسها بالنفي ليقبل رأسها هو ويذهب....
...
استقل سيف سيارته ثم انطلق بها وهو يصفر ...كان مزاجه رائق للغاية ...فجأة شعر بشئ ما يصدم سيارته ...شعر بالفزع وهو ينظر خلفه ليجد سيارة جيب سوداء تصدمه من الخلف ...
-ايه ده مال المجنون ده ...
قالها بغضب ثم حاول أن يسير على جانب الطريق الا ان السيارة الكبيرة اقتربت منه ثم صدمت سيارته بقوة لدرجة أن سيارة سيف انقلبت بعنف في وسط الطريق وقد فقد هو وعيه وأصيب يجروح خطيرة إلى حد ما !!
رواية اسرت قلبه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سوليية نصار
"لابد أنك مخادعة... لا توجد امرأة تمتلك كل تلك البراءة."
عاصي لرحيق.
"نتجوز... نتجوز!"
قالتها بصدمة، بينما تنظر إلى عينيه تبحث عن أي أثر للمزاح فلا تجد.
"نتجوز إزاي؟"
"زي الناس." قالها ببساطة وهو يهز كتفه.
نهضت وهي تضع كفيها على وجهها وتقول:
"لا لا... مينفعش."
"ليه مينفعش؟ إيه اللي يمنع؟"
رمقته بقلق وهي تقول:
"لطيف..."
"مش هيقدر يعمل حاجة."
ابتسمت بألم وقالت:
"أنت متعرفهوش."
هز رأسه بإصرار ورد:
"أعرف. أمثاله كويس. هو من النوع اللي بيتغذوا على خوف غيرهم. بيتشفطروا على الستات بس. اللي زيه لو واجهني هيحط جزمة في بوقه طول حياته ومش هيتكلم."
"ابني... هياخده ابني مني."
قالتها برعب. هي لا يمكنها خسارة ابنها بتلك السهولة. لا يمكنها أن تضحي بمحمد في سبيل أي رجل، حتى لو كان يوسف.
"متخافيش مش هياخده. أنا هقفله. هعمل المستحيل عشان ابنك يبقى معاكي."
مسحت الدموع التي انهمرت من عينيها وهي تهز رأسها برعب. رغم جمال الفكرة، فكرة أن تتزوج من يوسف، أن تبقى تحت حمايته، إلا أنها لا يمكنها أن تخسر ابنها الثاني بعد ما خسرت الأول.
"هقولك تاني إنك متعرفش لطيف. أنا أعرفه كويس. هو مستحيل يخليني أروح لغيره. هيعمل المستحيل عشان يلوي دراعي. أنا آسفة، مقدرش. أنا جبانة. أيوه بعترف، بس جبانة بسبب اللي عيشته. أنا خسرت ابني الأول. شفت ابني ميت قدامي. كان جسمي مليان دم. شيلته بإيدي يا يوسف وأنا بحضنه وبترجاه إنه يصحى بس مصحاش. كان مات... مات وماتت كل حاجة حلوة حواليا. وكان السبب أبوه. وأنا أنا اللي سكتت على شغله ومحاولتش أتكلم."
"فهترجعيله عشان تخسري التاني صح؟"
قالها بغضب، فشحب وجهها وانهمرت دموعها بكثافة ثم ارتفع نشيجها.
"أنا آسف يا ماجدة."
قالها بندم، ولكنها لم ترد، بل انسحبت بهدوء وغادرت الغرفة.
"ياربي."
قالها يوسف بعصبية ثم خرج خلفها.
كانت تسير بسرعة لتخرج من الجامعة، ولكنها توقفت فجأة وهي تجد لطيف أمام الجامعة متكئًا على سيارته، بينما ينظر إليها وابتسامة شريرة تحتل شفتيه.
توقف يوسف مكانه وهو يراها متجمدة تنظر إلى لطيف. تصاعدت النيران بعينيه وهو يفكر أن هذا الحقير يستغل خوفها على ابنها. اقترب منها ووقف بجوارها وهو يقول:
"متخافيش، أنا معاكي."
اعتدل لطيف في وقفته وهو ينظر لهما بغضب. كان يرى هذا الرجل بالقرب منها، الرجل الذي شعر أنها تميل له. شعر بالاختناق. إنها امرأته، ملكه هو فقط، لا يمكن لأي رجل أن يستولي على ما هو ملكه! لقد تخلص من ذلك الرجل رأفت الذي أراد أن يتزوج بها بعد طلاقهما، وسوف يتخلص من يوسف بسهولة، خاصة مع امتلاكه للأدلة التي كانت تخفيها والتي أحرقها بالكامل.
"أبوس إيديك ابعد، أنا مش عايزة مشاكل. أنا فيا اللي مكفيني."
قالتها ماجدة وهي تحاول إخفاء دموعها. كان قلبها يؤلمها لأنها تتخلى عن حقها في أن تتزوج الشخص الذي تريده، ولكن ابنها يستحق. هي أقسمت أن تفني عمرها كله من أجله، وأن تزوجت سيكون للطيف الحق بأخذ طفلها منها، وأن حدث هذا لن تسامح نفسها. نظرت إلى يوسف، إلى عينيه العسليتين، تلك العينين اللتين وقعت في عشقهما. لقد أحبته، أحبت رجلاً ليس لها.
"مش هبعد. مش بعد اللي عرفته. أنتِ متعرفنيش كويس يا ماجدة. أنا مابأسيبش اللي بيخصني. أنا بحمي دايما اللي بيخصني. وأنتِ دلوقتي تخصيني. لا لطيف ولا غيره هيقدر يأذيكي طول ما أنا معاكي."
نظرت بتوتر إلى لطيف الذي ظهر عليه الغضب الشديد. كانت مرتعبة حقًا أن يتطور الأمر، أن يغضب لطيف لدرجة أن يحرمها من ابنها.
"جهز ترتيبات الفرح."
قالها فجأة كأنه أطلق عليها الرصاص. نظرت إليه بذهول وهي تهمس:
"أنت مجنون! أنا مقدرش... أتجوزك... يا أخي ياريتني ما اتكلمت معاك لو كنت أعرف إنك بالجنان ده."
ثم تركته وذهبت، حتى أنها تجاهلت لطيف تمامًا. ولكن رغم كل هذا الجنون، الغضب، والرعب، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تهمس:
"بجد مجنون... يوسف المجنون."
بعد أن ذهبت، نظر لطيف إلى يوسف. كان الغضب يتصاعد بداخله. هذا الرجل خطير، تأثيره خطير على قلب ماجدة. هو لن ينتظر أن يسلبها منه. يجب أن يجعل ماجدة تعود إليه. يجب أن يرهبها. هو يعرف أنه لو اتخذ طريق المحاكم فسيكون في خطر، لذلك يجب أن يوهمها أنها لو تزوجت يوسف ستخسر ابنها. يجب أن يجبرها أن تعود إليه. هو لا يمكنه أن يترك شيئًا ملكه يتسلل من بين يديه.
أعطى ليوسف ابتسامة باردة ليردها له. لقد تيقن يوسف، هذا الرجل أجبن مما توقع. رمقه باشمئزاز ثم استدار وهو يلج للجامعة.
كانت الابتسامة تسيطر على وجهه. لن يهرب. لن يترك الجامعة. سيبقى هنا. سوف يحصل على حبه تلك المرة وبالطريقة الصحيحة. سوف يحارب من أجلها.
تركض برواق المشفى، تسبق حتى عمها وهي تشعر بالهلع الشديد. منذ أن أتاهم اتصال بإصابة سيف وهي تشعر أن العالم يهتز من حولها. كانت الدموع تطفر من عينيها. وقفت أمام الاستقبال وهي تقول بلهث حاد:
"سيف... سيف الحسيني."
بعد قليل، كانت تقف أمام غرفة العمليات بتوتر بينما الدموع تطرف من عينيها. وضعت كفها على قلبها الذي ينبض بهلع. إنها خائفة، ضائعة. لا يمكنها أن تخسر شخصًا آخر، هذا سيحطمها. كان جلال الحسيني مستندًا على الحائط. عينيه بها نيران لا تهدأ. إنه يعرف من فعل هذا. معاذ يلعب بحقارة معه وهو يجب أن يوقفه عند حده. ولكن الأمر يحتاج لتخطيط. سوف يسجن معاذ بسبب كل ما فعله. سيجمع الأدلة ضده ثم يلقي به في السجن ليتعفن.
كانت عيني مياس مثبتة على غرفة العمليات. تشعر بالضياع. الدموع تحتشد بقوة في عينيها. لقد ظنت أن بعد خسارتها كل شيء لن تتألم مهما حدث، ولكنها تتألم الآن. تتألم بقوة.
خرج الطبيب من غرفة العمليات لتقترب منه وهي تقول برعب:
"سيف."
ابتسم لها الطبيب وقال:
"هو بخير دلوقتي الحمد لله. العملية كانت بسيطة والحمد لله مفيش كسور خطيرة. هي بس إيده اليمين. هننقله دلوقتي أوضة تانية وتقدروا تزوروه بكرة. ممكن تروحوا النهاردة وبعدين."
ولكن مياس هزت رأسها بتصميم وقالت:
"أنا هفضل هنا معاه."
اقترب جلال وتكلم بهدوء:
"مياس بنتي."
ولكن مياس قاطعته وهي تقول:
"أنا يا عمي هقعد معاه، مش هسيبه لو سمحت."
هز جلال رأسه وقال:
"حاضر، أنا هضبط الدنيا عشان تقعدي معاه."
بعد قليل، بسبب عمها استطاعت أن تبقى معه بالغرفة، بينما عمها قد ذهب وأخبرها أنه سوف يعود مجددًا بالغد. جلست على الكرسي بجواره وهي تنظر إليه بينما الدموع تطرف من عينيها. رغم أن الطبيب قد طمأنها، إلا أنها تخاف. سيف أصبحت له مكانة خاصة في قلبها. هو الشخص الوحيد الذي يحاول تفهمها الآن. الشخص الوحيد الذي جعلها تشعر أنها جميلة. الشخص الذي يحاول أن يبث الثقة داخلها. والآن وهو في تلك الحالة، أصبحت ثقتها مزلزلة قليلاً. إنها تخاف، تخاف كثيرًا أن تخسره.
مدت كفها وامسكت كفه ثم قبلت كفه وهي تقول بصوت مخنوق:
"متسبنيش يا سيف. متعملهاش انت كمان. أخيرا الحياة ضحكتلي ولقيت الإنسان اللي أحس معاه بالأمان، فمتسبنيش انت كمان. أنا خسرت أهلي وخالتي وعمر. مش عايزة أخسرك انت كمان. ولا هو قدري إني أخسر الناس اللي بحبهم."
أغمضت عينيها والدموع تنهمر أكثر من عينيها. ولكنها شهقت وهي تسمعه يقول بلهجة ثقيلة:
"هو أنا من الناس اللي بتحبيهم يا مياس؟"
فتحت عينيها لتجده ينظر إليها بعينين ناعستين. كادت أن تنفي إلا أنه غرق في النوم مجددًا. ابتسمت بحزن وهي تشد على كفه وأكملت:
"بحبك... بس كصديق وأخ. أنا وعدت نفسي مسلمش قلبي لحد تاني."
فتح الباب لتتسع عينيه وهو يجد جلال الحسيني أمامه. ينظر إليه بغضب عاصف.
"خير!"
قالها معاذ وهو يحاول أن يزيل الخوف من ملامحه ولكنه فشل في هذا تمامًا. كان يتمعن في جلال برعب بينما جلال يرفع حاجبيه وهو ينظر إليه وقال بصوت منخفض ولكنه بث الرعب في قلبه:
"خايف من دلوقتي! أومال هتعمل إيه بعد اللي هيحصل بعد كده فيك. وربي لأعيشك في سواد يا معاذ على اللي عملته في ابني. وربي لأندمك. اصبر وشوف!"
ثم كما جاء ذهب، بينما أطلق معاذ أنفاسًا متوترة. معنى هذا أن سيف لم يمت! لقد فشل ما سعى إليه.
في المساء، كانت تجلس بين ذراعيه بينما يتفرجان على أحد الأفلام المصرية القديمة. كانت تضمه وهي تضع رأسها على صدره بينما كان هو شارد، يتذكر ذلك العناق بينه وبينها.
"أنا بموت يا جورج. مش قادرة أتقبل إنك مبقتش ليا خلاص. مش قادرة أتقبل إنك بتحبها."
ارتجف قلبه وهو يحاول أن يبعدها بلطف. لن يخطأ مجددًا، لا يمكنه. ولكن لا يعرف لماذا ذلك الضعف هاجمه عندما عانقته بتلك الطريقة.
"سيلا اهدي."
أبعدها برفق وهو يربت على شعرها ويمسح دموعها برفق وقال:
"هتلاقي حبك الحقيقي صدقيني."
هزت رأسها بيأس وقالت:
"أنت بس حبي الحقيقي. بس عارفة إن وجودي في حياتك هيسبب أزمة عشان كده هنسحب. بس ممكن قبل ما أسافر نشوف بعض؟ عايزة أشبع منك قبل ما أسافر. ممكن يا جورج؟"
"حاضر."
قالها بخفوت.
خرج من شروده على كف ماريانا وهي تمررها على وجهه. نظر إليها لتقترب هي من شفتيه وتغمض عينيها. إلا أنه أشاح بوجهه وأبعدها برفق وهو يقول برقة:
"معلش يا حبيبتي عايز أنام. تصبحي على خير."
ثم تركها وذهب لغرفتهما تاركًا إياها مصدومة. هل رفض لمستها للتو؟
"هتنامي برضه في أوضة عمر؟"
قالها بنبرة تغلي، ولكنها لم ترد، بل اتجهت بهدوء لغرفة عمر. ولكنه قبض على ذراعها بقوة حتى كاد أن يحطم عظمها. نظرت إليه ببرود رغم ألمها وقالت بنبرة جافة:
"ممكن تسيب إيدي. أنت بتوجعني."
"أنا عايز أعرف نهاية ده إيه. بتعامليني ببرود ليه؟ ده جزاتي إن رجعتك الشغل."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"حابب أشكرك إزاي يا سيدي؟ أبوس الأيادي ولا إيه عشان الباشا تتكرم وترجعني الشغل. شغلي اللي كنت بشتغل فيه من قبل ما أتجوزه!"
دعك وجهه بغضب وقال:
"ليه بتحبي تلعبي دور الضحية دايما؟"
نظرت إليه بذهول. أرادت أن ترد عليه ولكنها أغلقت فمها مرة أخرى وأعطته نظرة باردة وقالت:
"سيبني عشان عايزة أنام. مش عايزة عمر يسمعنا وإحنا بنتخانق."
ولكنه تمسك بها، أبى أن يتركها. كان غاضب وهي أيضًا.
"أمير سيب إيدي."
قالتها وقد بدأ صوتها حاد وحاولت التحرر منه إلا أنه لم يتركها، بينما يسحبها خلفه لغرفة نومهما. دفعها برفق للداخل وأغلق الباب. تراجعت بدهشة وهي تنظر إليه وقالت:
"أنت عايز تثبت إيه باللي بتعمله؟ عايز إيه؟"
"نتكلم!"
"مفيش أي حاجة نتكلم فيها."
قالتها ببرود وهي تحاول الخروج إلا أنه وقف في طريقها. نظرت إلى عينيه المصممة. كانت لا تريد أن تبقى معه أكثر من هذا، تخاف أن تضعف. لن تنسى أنه رفض أن يعترف أنه يحبها. هي تشعر بالقهر منه رغم أن الأمر ليس بيده. ربما هي لا تستحق حبه، ولكنها لا يمكنها أن تعيش بتلك الطريقة. هي تريد أيضًا أن تشعر أنها محبوبة. أخبرت نفسها أنها أنانية لأنها تريد سرقة مكان شقيقتها، ولكنها تتألم كل يوم وهي تراه لا يبادلها الحب. كيف يمكنها أن تعطيه حقوقه، أن يكون زواجهما كاملاً بدون أي مشاعر؟ بدت تلك الفكرة شاذة بالنسبة لها.
"عايز تتكلم في إيه؟"
قالتها بتعب ليرد وهو يخفي غضبه:
"في تصرفاتك الغريبة مثلاً. بدأتي تنامي عند عمر. بطلتي تتعاملي معايا رغم إني اتغاضيت عن موضوع هزارك مع اللي اسمه ماجد ده ومعملتش أي مشكلة، بس رغم كده الهانم برضه مش راضية عني. قوليلي أعمل إيه عشان سيادتك ترضي عني."
"متعملش حاجة يا أمير، تسيبني في حالي بس. ممكن تسيبني في حالي وبس؟ خلينا نرجع زي الأول، أنا أكون هنا عشان عمر، وأنت ممكن تتجوز لو عايز تعف نفسك."
شدها وقربها منه وهو يقول من بين أسنانه:
"مالك؟ مالك بالظبط؟ أحتاج أتزوج ليه ما أنتِ موجودة؟ مش قولنا هندي فرصة لنفسنا؟ مش قولنا هينجح الجواز ده؟"
"جواز من غير حب مش بينجح يا أمير."
بهت قليلاً وقال بنبرة غير واثقة:
"أنتِ قولتي إنك بتحبيني."
أغمضت عينيها بيأس وقالت وقد انسابت الدموع التي حبستها طويلًا:
"أنا بحبك بس انت لا. متكدبش وتقول بتحبني لأني أنا عارفة إنك محبتنيش."
توتر وهو يبتعد عنها وقال:
"أنا محتاج وقت يا سما. أنا لسه مكسور بسبب وفاة مريم. بحاول أظبط حياتي. أنا عارف إن اللي حصل بيننا حصل بسرعة. بس اللي حصل بيننا أنا كنت عايزه و بسعي ليه كمان. أنا عايزك في حياتي. عايزك تكوني مراتي، أم أولادي في المستقبل. ممكن الحب يجي بعدين."
"مظنش إنه هيجي يا أمير. انت عمرك ما هتحبني وأنا مقدرة ده، بس متضغطش عليا وتطلب مني إني أتعامل عادي وأحاول أكسبك. لو فكرت فيها هتكون صعبة أوي."
مسحت دموعها وقالت بنبرة مهتزة:
"لو أنا جيت وقولتلك إني لسه بحب ماجد وانس عايزة فرصة عشان..."
"اه!"
صرخت بصدمة وهو يمسك فكها بقوة ويقول:
"متقوليش كده تاني. أوعي."
أبعدت كفه وترقرقت الدموع مرة أخرى بعينيها قائلة:
"صعبة صح؟ تخيل بقى شعوري."
تنفس بعنف وغضب وقال بخشونة:
"متقارنيش نفسك بيا. أنتِ ست وأنا راجل. مفيش راجل يتحمل مراته تقوله إنها بتحب واحد تاني. لو حد غيري كان دفنك مكانك. بس أنا مقدر وضعك. عشان كده يا سما متلعبيش بالنار كتير. هسيبك يومين تهدي وبعدين نتكلم. روحي نامي. وهتنامي في أوضتنا. يالا."
لم يترك لها مجال للرد بينما يذهب ليتسطح على فراشه وهو يفكر بغضب ماذا يفعل لتقبل الحياة بينهما كما هي. لماذا تريده أن يحبها؟ لقد تعلم بأقسى الطرق أن الحب مؤلم. عرف هذا عندما ماتت مريم.
اقتربت هي من الفراش وتسطحت عليه بهدوء وهي تنكمش على نفسها. يبدو أن لا شيء بينهما سوف يتغير. هذا الزواج لن يستمر هي تشعر بهذا. هي أحيانًا تتمنى لو أنها رفضت الزواج منه من البداية، لم يكن لتتألم بتلك الطريقة. لقد اعتادت على الألم، ولكن ألم أنه يريد أن يلمسها دون حب كان مدمرًا بالنسبة لها. ليت هذا الألم يختفي. ليت حبه يختفي.
في اليوم التالي، فتح عينيه بتعب وهو يشعر بالخدر بجسده كله، ولكنه شعر بشيء ثقيل على يده اليمنى. نظر ليجد مياس تنام على كفه بينما جالسة على المقعد غير المريح بغرفة المشفى. ابتسم وهو يحاول النهوض ولكن عبس بانزعاج وهو يكتشف انكسار يده اليسرى. نظر إلى ذراعه بضيق شديد ثم حاول النهوض ولكنه تأوه بتعب.
فتحت مياس عينيها ورفعت وجهها وهي تنظر إليه. نهضت وهي تقول بخفوت بينما تحاول أن تجعله يستلقي مجددًا:
"بس... أهدى وارتاح. أنا هنادي الدكتور."
"مياس."
"متتكلمش. انت تعبان. أهدى."
ثم خرجت وهي تخبر الطبيب.
بعد قليل كان الطبيب يفحصه ثم انتهى وابتسم له قائلاً:
"لا انت كده تمام أوي يا سيف باشا. هنكتبلك خروج بكرة."
هز سيف رأسه مبتسمًا ليخرج الطبيب، بينما ظلت الممرضة المسنة قليلاً وهي تقول لمياس:
"شكلك بتحبيه أوي."
نظرت إليها مياس بارتباك لتوجه كلامها إلى سيف الذي أضاء وجهه بابتسامة رائعة وقالت:
"دي يا حبة عيني مرضيتش أبدًا إنها تسيبك ومن امبارح هنا. حاول والدك إنه يخليها تروح بس رفضت ونامت على الكرسي. ودلوقتي لو طلبت منها تروح البيت وترتاح مش هترضى."
ابتسم سيف وهو يمسك كف مياس ويقبله قائلاً:
"هي أغلى حاجة عندي حاليًا."
احمر وجه مياس خلف غطاء الوجه وهي تسحب كفها بارتباك.
"أنا آسف. كل شيء قسمة ونصيب."
قالها أمجد وهو يشعر بالتوتر من نظرات والدة أريام. كانت تنظر إليه بكره واحتقار.
"مش هتاخد دهبك على فكرة!"
قالتها بعنف ليرد:
"مش عايزه. أنا آسف. ربنا يعوض آنسة أريام بالأحسن مني إن شاء الله."
"أكيد ربنا هيرزقها بالأحسن منك بكتير. أنا أصلًا مكنتش راضية بالجوازة دي. ده كفاية المنطقة اللي انت كنت عايز تعيش بنتي فيها."
"أم أريام لو سمحتي!"
قالها زوجها بإحراج ووجه كلامه لأمجد وقال:
"يا ابني ده نصيب. ومادام مرتحتوش مع بعض يبقى خلاص. خد دهبك وربنا يوفقك."
نهضت زوجته وهي تصرخ بعنف:
"نعم يأخد إيه يا عينيا! ده كسر قلب بنتك. ربنا يكسر قلبه يا رب. لا طبعًا مش هياخد الدهب ده بعينيه. أنا هحسره على الدهب بتاعه عشان يتعلم إن بنات الناس مش لعبة. بنتي مش لعبة في إيديك يا أستاذ أمجد."
"يا ست أم أريام حاشا لله تكون كده. آنسة أريام مفيش زيها بس محصلش نصيب بيني وبينها والدهب أنا مسامح فيه و..."
"بس أنا عمري ما هسامحك على كسرة قلبي!"
قالتها أريام وهي تخرج من غرفتها والدموع تغرق عينيها. نظر إليها أمجد وهو يشعر بالذنب يثقل كاهله. فقالت هي بعنف:
"أنت بجد إنسان حقير ومنافق."
توسعت عيني أمجد بغضب ولكنه صمت كي لا يتهور، بينما نهرها والدها لتصرخ به زوجته:
"اسكت خلي البت تطلع اللي في قلبها لاحسن تموت بحسرتها."
أكملت أريام وهي تصرخ به:
"عملت اللي في دماغك وفسخت الخطوبة عشانها. عشان بنت عمك. طبيعي بعد ما استغلت موت أمها وجات تعيش عندكم فضلت تتدحلب تتدحلب لحد ما أقنعتك تسيبني. قولي بقى أقنعتك إزاي إنك تسيبني؟ قضت معاك كام ليلة؟ طلعتلك كام مرة الشقة اللي فوق عشان..."
"اخرسي يا أريام!"
صرخ أمجد وهو ينهض. كان لا يصدق أنها تخوض في شرف فتاة بتلك الطريقة. نظر بصدمة على العائلة التي كان سيناسبها. حماة سليطة اللسان وزوجها رجل ضعيف الشخصية، وابنة عديمة التربية.
"أنا الحمد لله إني فسخت الخطوبة دي عشان أنتِ فعلًا متربتيش."
ثم تركها وغادر، لتمسح أريام دموعها وهي تقول بوعيد:
"انسى... انسى يا أمجد إنك تتخلص مني بالسهولة دي. أنا هقلب الدنيا عليك. أنا هربيك انت والرخيصة التانية دي."
في المساء، "بجد وحشتيني يا أملاك."
قالتها رحيق وهي تضم الفتاة الصغيرة بحب. كانت بالفعل تحب تلك الصغيرة. ريما هي من ستصبرها على تلك الزيجة.
"وأنتِ كمان وحشتيني يا طنط رحيق."
قالتها الفتاة بأدب لتمسك رحيق طبق الكعك بالشوكولاتة وتقول:
"عملت دي عشانك. دوقيها وقوليلي رأيك."
نظرت أملاك إلى والدها الذي كان يجلس بالقرب من أمجد وقالت:
"ينفع آكلها يا بابي؟"
هز رأسه بالإيجاب وقال:
"حتة بسيطة يا أملاك."
ابتسمت أملاك ونظرت إلى رحيق وهمست قائلة:
"بابي مش بيخليني آكل سكريات كتير رغم إني بحبها."
"عشان هو بيحبك وبيخاف على صحتك. بس حتة بسيطة مضرتش."
ثم بدأت بإطعامها.
ابتسمت أملاك بينما رحيق تمسح جانب وجهها من الشوكولاتة وهمست:
"أنا بجد بحبك يا طنط رحيق ومبسوطة أوي إنك هتتجوزي بابا وهتبقى ماما الجديدة."
رق قلب رحيق وهي تنظر لتلك الطفلة الرائعة وتفكر كيف لشخص بارد مثله أن يمتلك فتاة تملك كل تلك الرقة والتهذيب ولا يذوب أبدًا. رجل غريب بالفعل. رباه كيف ستكون حياتها مع رجل مثله. حقًا ما يجعلها سعيدة بتلك الزيجة هي أملاك.
ربتت رحيق على رأسها وقالت:
"وأنا كمان بحبك يا أملاك. بحبك أوي وأنا مبسوطة عشان هتجوز والدك وأبقى معاكي طول الوقت. ومتحمسة نفضل أنا وأنتِ سوا."
"وهتجيبولي أخت يا طنط؟"
أجفلت رحيق وهي تنظر لأملاك. كما بدأ سؤالها بريء، ولكن انتشر اللون الأحمر على وجه رحيق وقد شكرت الله أنها ترتدي النقاب. ابتسمت بارتباك وقالت:
"إن شاء الله يا حبيبتي."
فتحت الصغيرة ذراعيها لتبتسم رحيق وهي تضمها بحب شديد. ربما قدرها أن تتزوج عاصي من أجل تلك الفتاة المسكينة، تلك الفتاة التي تتوقف للحب. ربتت على شعرها وهي تقبله بلطف.
كان عاصي ينظر إليهما وهو يشعر بالرضا نوعًا ما. لو تعاملت رحيق بتلك الطريقة مع ابنته دائمًا قد يثق بها. ولكن يجب ألا يمنحها تلك الثقة الآن، فربما معاملتها الجيدة تلك هي غطاء لكي تتزوجه ثم ستهمل أملاك. هو لا يجب أن يثق بالنساء. لا يجب أن يرتكب هذا الخطأ مجددًا. يكفي أنه ارتكب هذا الخطأ مرة وعشق امرأة حد الموت ولكنها خانته. حطمت قلبه!
ضغط على كفيه وهو يتذكر تلك الخائنة.
كان ينظر إلى الصور وهو يشعر بالمرارة في فمه. كانت الدموع تتصاعد بعينيه. هو رجل قوي، لا يبكي. تعهد بهذا، ولكن الجرح كان كبير. ألم الخيانة كان يحرقه. صور زوجته التي يعشقها أكثر من أي شيء آخر مع ابن خالتها. هذا الذي أخبرته دائمًا أنه مثل شقيقها وهو الغبي صدقها. كان يمسك كفها في تلك الصورة وهما أسفل شقته. صورة أخرى بمدخل العمارة التي يسكن بها. تلك الصورة كانت أشد ألمًا على قلبه فقد كان يقبلها. صورة أخرى يعانقها. وماذا يحدث أيضًا خلف أبواب منزله المغلقة؟! هل سيكتفي رجل مثله بالقبلات أو العناق؟ لابد أنه يحدث شيء. وقتها كاد ينهار. أصبحت الشكوك تساوره، حتى أنه شك أن أملاك لا تكون ابنته وقد أجرى تحليل ليثبت أبوته لها. وما حدث بعد ذلك كان الدمار بعينيه. لقد دمرت الجميع بخيانتها. حتى أنها دمرت نفسها وأنهت حياتها بسبب نزوة رخيصة!
عاد من شروده وهو يبتسم بمرارة. فمن عشقها حطمته بتلك الطريقة.
"باين على رحيق وأملاك إنهم انسجموا سوا."
قالها أمجد مبتسمًا ليهز عاصي رأسه بشرود فيكمل أمجد:
"بجد مش عشان أختي... بس يا بختك برحيق يا عاصي. مش هتلاقي زيها أبدًا. أنا كنت بقول دايما إن اللي هيتجوز رحيق هيكون محظوظ أوي. رحيق دي مفيش زيها."
نظر عاصي وهو يخفي سخريته وقال بلطف:
"أكيد."
ثم تنهد وهو يفكر أن أمجد يقول هذا لأنها شقيقته، ولكن الحقيقة أن كل النساء مخادعات.
استأذن عاصي ليذهب للحمام وقبل الدخول قال برحيق بإحراج:
"معلش لو هتعبك. هو مفيش مناديل هنا؟"
نظرت إليه للحظات ثم قالت:
"فيه أكيد."
ثم ذهبت لغرفتها وأحضرت عبوة كبيرة بها محارم ورقية للحمام وأعطته له ليلمس كفها بشكل عفوي للغاية، ولكنها شهقت والعبوة تقع منها.
"أنا بجد آسف مقصدتش."
قالها بخفوت، بينما أخذت كفها يرتعش بشكل ملحوظ. بشكل جعل عاصي يعقد حاجبيه بحيرة.
ذهبت من أمامه مسرعة وهي تلج لغرفتها.
"كل ده عشان لمست إيديها بالغلط؟ ولا ده جزء من تمثيلها؟"
قال عاصي بضيق ثم أمسك عبوة المحارم الورقية وولج للحمام.
ولجت رحيق لغرفتها وهي تخلع النقاب عنها ثم تقف أمام المرآة وهي تنظر لنفسها. لبشرتها المتوردة بسبب الخجل. وضعت كفيها على وجنتيها وشعرت بسخونتهما. رباه هل لمسة عرضية تفعل بها هذا؟ ماذا أن قرر أن يكون زواجهما فعليًا؟ قد تموت فعليًا من الخجل. تشكر الله أنه يريدها فقط كمربية. أمسكت كفها الذي يرتعش وقالت بنبرة مرتعشة:
"خلاص أهدى... أهدى!"
انتهت الممرضة من إعطائه الدواء وقررت أن تدعه لكي يرتاح. بينما جلست مياس على المقعد المعتاد لكي تنام.
"ما تيجي تنامي جمبي."
قالها ببسمة وهو يمد كفه ليمسك كفها. ولكنها أبعدت كفها بينما تقول بغضب تخفي به خجلها وقالت:
"سيف اهدى شوية. إحنا في المستشفى."
"مط" شفتيه بحزن مصطنع وقال:
"أنا بحققلك كل أمنياتك يا مياس. فيها إيه لو تحققيلي أمنية واحدة. ده أنا واحد واجهت الموت. فاشفقي عليا شوية."
شكرت ربها أنها ترتدي غطاء الوجه إذ لم يرى احمرار وجهها من الخجل. قالت بهمس:
"سيف ممكن حد يجي. مينفعش."
"محدش هيجي. الممرضة لسه مديني الدوا وأنا أصلًا هنام. فتعالي نامي جمبي."
فركت كفيها بتوتر والخجل يتصاعد داخلها. ابتسم وقال:
"تعالي يا مياس."
اقتربت منه ليتنحى قليلاً ليفسح لها مكان على الفراش الصغير. تسطحت بجواره على الفراش وقالت بضيق:
"السرير ضيق. مش هينفع."
ثم كادت أن تنهض إلا أنه منعها وهو يجذبها لتنام على صدره ويقول:
"لو نومتي بالطريقة دي هيكفي إن شاء الله."
نامت برأسها على صدره وهي تهمس:
"أنت عامل حادثة. مش هتتحمل. خليني أقوم عشان ترتاح."
"أنا مرتاح كده أكتر."
ثم اتجهت كفه إلى غطاء وجهها. حاولت أن تمنعه ولكنه أزاله لتقول هي برعب:
"حد. هيجي ويشوفني يا سيف."
لم يرد بينما يجذب الغطاء الأزرق الذي من المفترض أن يتدثر به وغطاها حتى وصل الغطاء لرأسها تاركًا منفذًا حتى ينظر إليها. ابتسم وقال:
"كده محدش هيشوفك غيري."
ابتسمت له وهي تمسك كفه وتغمض عينيه باطمئنان، بينما كان هناك من يراقبهم من خارج غرفة المشفى. كانت نوال متجمدة مكانها والدموع تنهمر من عينيها. هي لم ترى وجه مياس، ولكنها رأت وجه سيف. رأت كيف ينظر لزوجته.
"معقول نسيتني يا سيف؟ ده أنا أول ما سمعت بالحادثة جيت جري عشان ألاقيك معاها. هي حلوة للدرجة دي عشان كده خليتك تنساني."
أغمضت عينيها والدموع تنهمر أكثر وهي لا تصدق أنه كان ملكها وخسرته لحساب أخرى.
في اليوم التالي، كانت جالسة بقاعة المحاضرات وهي شاردة. تتذكر الحوار الذي دار بينها وبين شقيقتها ذلك اليوم.
"أنا قررت أقول الحقيقة لجاسم يا رحيق!"
قالتها نوران فجأة. عينيها مليئة بالتصميم. لقد ملت من الرعب الذي تعيش به كل يوم. تعبت من السيناريوهات التي ترسمها في عقلها عندما يعرف جاسم بالحقيقة. لا تريد أن تعيش في هذا الرعب طويلًا. أن تنتظر مصيرها والايام تمر بتلك الطريقة. هذا أسوأ ما اختبرته.
"هتقولي له إيه يا نوران؟ انطقي. هتقوليها إزاي؟"
انهمرت الدموع من عينيها وقالت بصوت مخنوق:
"هقوله اللي عايز تتجوزها طلعت رخيصة. بعتت صورها لواحد أرخص منها استغلها لحد ما أجبرها تروح له البيت. هقوله إني مستاهلش يضيع وقته معايا. وإني إنسانة متربتش ومش أنا اللي يأمنني على بيته."
"بس اسكتي!"
قالتها رحيق بغضب والدموع تتصاعد بعينيها ثم أكملت:
"متقوليش على نفسك كده. كلنا بنغلط."
هزت رأسها بعنف وقالت:
"محدش بيغلط الغلط ده. محدش بيودي نفسه للهلاك إلا الغبي. وجاسم مش ذنبه يتجوز واحدة زي... كانت مقضياها بمعنى أوضح. هو لازم يتجوز واحدة شريفة... محترمة."
"أنتِ محترمة اللي حصل ده."
كانت رحيق تعترض بقوة على كلامها وهي تشعر بالقهر لأن شقيقتها تفكر بتلك الطريقة. ولكن نوران ابتسمت بحزن وقالت:
"معتقدش إني محترمة."
تكسرت نبرتها وهي تقول بنشيج:
"أنتِ مشوفتيش الصور اللي بعتهالي... صور بتقول إني واحدة رخيصة يا رحيق. قوليلي إيه ذنب جاسم؟ ليه يبتلي في واحدة زيي ويتصدم؟ لا لازم يعرف الحقيقة. حقيقة البنت اللي عايز يتجوزها."
اقتربت رحيق وهي تضمها وهمست:
"انسى الماضي يا نوران واتجوزي وافرحي. أنتِ تبتي. محدش ليه عندك حاجة. ماضيكي محدش ليه إنه يحاسبك عليه."
ولكن نوران تملصت منها وهي تقول:
"الكلام ده بتضحكي بيه عليا ولا على نفسك؟ الكلام ده غلط. أنا بتحاسب على الماضي بتاعي. أنا اللي بشيل الغلط كله. عادل هيعيش حياته وهيتجوز وأنا حياتي هتقف وحتى ممكن أُقتل. أنا مبقولش إني مش غلطانة. أنا أستاهل ضرب نار بس مش لوحدي. عادل كمان غلط."
كانت تتكلم والدموع تنهمر من عينيها بشدة. شدت رحيق على كفها وهي تقول:
"متقوليش لجاسم. ربنا سترك متفضحيش نفسك. متعمليش كده يا نوران. اسمعي الكلام!"
عادت نوران من شرودها وهي تتنهد بقوة. شقيقتها أصرت على ألا تتكلم، ولكن ماذا ستفعل في ليلة زفافها؟ الأمر سوف ينكشف عاجلًا أم آجلًا. وجاسم سوف يقتلها في تلك اللحظة. ربما لو أخبرته سوف يعفو عنها ويحفظ سرها ويبتعد.
دعت عينيها بتعب ثم بدأت التركيز في محاضراتها. بطرف عينيها رأت عادل ينظر إليها بكره. غاص قلبها داخل صدرها ولكنها ولت انتباهها للدكتور.
خرجت من القاعة وهي تشعر بالهزيمة. كل يوم تحترق بسبب التفكير. تفكر وتفكر ولا تعرف ما القرار الصحيح. هي متأرجحة تمامًا بين رغبتها في أن تخبر جاسم وبين نصيحة شقيقتها. توقفت فجأة وهي تجد عادل أمامها. ينظر إليها وملامحه تصرخ بالغضب. همست بانهزام:
"ابعد لو سمحت."
"بتلوي دراعي يا نوران. فاكرة إن أختك هتحميكي مني."
نظرت إليه وقالت:
"مش فاكرة كده ولا حاجة. اللي عايزة حصل يا عادل. أنا اتدمرت حياتي. مستنية يوم فرحي جوزي يكتشف عشان يقتلني هو وأخويا. يعني هموت وأرتاح من الحياة دي يمكن انت ترتاح بموتي."
أجفل وهو يسمع نبرة اليأس بصوتها وقال:
"أنا حليت المشكلة. أنتِ اللي مش عايزة تطلعي من الموقف ده."
ابتسمت بمرارة وقالت:
"والحل إيه؟ أتجوزك عرفي وأفضح أهلي؟ أهرب معاك وأجيب لهم العار؟"
تنهدت وهي تقول بتعب:
"عادل اعمل فيا معروف واطلع من حياتي. دمرتني بما فيه الكفاية. أحيانًا بفكر وأقول أنا إيه اللي عملته عشان تعمل معايا كده. بس بوصل لحاجة واحدة بس. غلطتي الوحيدة إني حبيتك وأديتلك الأمان. إني رخصت من نفسي. وثقت فيك رغم إنك فيه مرة كنت هتعتدي عليا. ومرة تاني روحت ترتبط بواحدة تانية عشان تخليني أغير. أقول إيه بس تاني يا عادل. أنت هتعيش حياتك وأنا اللي حياتي اتدمرت للأبد!"
تنهد وهو ينظر إليها لتتجاوزه وهي تذهب. تشعر أنها منهكة. تريد النوم فقط. خرجت من الكلية لتتأهب حواسها وهي تراه أمامها. لا تصدق جاسم! ابتلعت ريقها وهي تشعر أن هذا هو حلم. ابتسم جاسم لها وهو يقترب منها. كانت ملامحه بالغة اللطف وهو يقول:
"أنا آسف جيت من غير ما أبلغك. كنت محتاج أشوفك ولو من بعيد."
نظرت إليه بملامح جامدة تخفي انهيارًا تام. لما عليه أن يكون بهذا اللطف. أكمل وقال:
"في الحقيقة أنا جيت لأن فادي صرعني عشان قريبتكم غيرت رأيها ومش عايزة تتجوزه. فأنا جاي أكلم أمجد وأشوف المشكلة وقولت فرصة أشوفك كمان."
هزت رأسها بدون معنى وقالت:
"مكانش ينفع تيجي كليتي واحنا مفيش بينا حاجة. دي مفروض حاجة بديهية. وأظن أمجد هيتضايق لو عرف. عن إذنك أنا هروح البيت."
"أنا هوصلك."
قالها وهو يجفل بسبب هجومها لترد بعصبية:
"وتوصلني بتاع إيه؟"
عقد حاجبيه بحيرة وقال:
"مالك يا نوران؟ متعصبة ليه؟ مش طايقاني بالشكل ده ليه؟ أنا قبل ما أكون خطيبك أنا ابن عمك. بس تصرفاتك معايا هجومية من غير مبرر. لو عايزة ترفضي ارفضي بطريقة أشيك شوية. أنتِ عندك مشكلة معايا؟"
"أيوه عندي مشكلة. عندي مشكلة إني مش عايزة أتجوزك وانت بتجبرني على كده!"
كانت خارجة من الكلية ذاهبة لمنزلها. أخبرتها نوران أنها سوف تمر عليها ليذهبا للمنزل سويا ولكنها لم تأتي، لذلك قررت أن تعود بمفردها. توقفت فجأة وهي تجد أريام تقف أمامها وملامحها صارخة بالغضب. رمشت جيلان لتقترب منها أريام صارخة:
"يا خطافة الرجالة!"
ثم أمسكتها من خمارها وبدأت تضربها بقوة!
"أم أريام أهلاً بيكي نورتيني."
قالتها دلال وهي تفسح لها الطريق كي تدخل وقالت:
"اتفضلي نورتيني."
"لا نورتيني لا زفت ابنك فسخ الخطوبة."
قالتها والدة أريام بصوت مرتفع للغاية. نظرت دلال بتوتر حولها وقد رأت أنها جذبت انتباه بعض الجيران وقالت:
"طيب ادخلي وقولي إيه اللي حصل. أنا مش فاهمة حاجة."
"طبعًا يا حبيبتي ما أنتِ نايمة في العسل ومش عارفة المسخرة اللي بتحصل بين ابنك وبنت عمه تحت سقف بيتك!"
رواية اسرت قلبه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سوليية نصار
رواية اسرت قلبه الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سوليية نصار
ألم أخبرك أني مجنون؟
يوسف لماجدة...
في اليوم التالي...
استيقظت من نومها فزعة على رنة هاتفها. ابتلت ريقها وهي تستل الهاتف لترى اسمه البغيض يتألق على شاشتها. ثقلت عينيها بفعل الدموع، وكل ما كانت تريده هو أن تغلق الهاتف بوجهه، ولكنها فشلت. هي أجبن من أن تفعل هذا!
أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما بقوة. لقد أصبحت تحت سيطرته، واليوم سوف تعود إلى السجن الذي هربت منه.
مسحت دموعها وهي تقبل الاتصال. وضعته على أذنها وهي تقول بصوت مبحوح:
- ألو.
على الجهة الأخرى...
أغمض لطيف عينيه وصوتها يقتحمه. الغبية لا تدرك أنه يحبها، يعشقها بجنون.
- ياريت تمر الساعات بسرعة عشان نكون سوى يا حبيبتي. أنا وانتِ وإبننا.
أغمضت عينيها وهي تشعر بالقرف، وخرج من فمها نشيج حار. ليعبس هو ويقول بجدية:
- مش هتندمي المرة دي يا ماجدة. أنا هقدر أحميكم المرة دي. محدش هيقدر يأذي أبننا. وكمان هنقدر نخلف تاني ونعوض معتز.
احمر وجهها بغضب. بقهر وهي تقول بصوت مخنوق:
- ابني مش فردة شراب عشان تتعوض يا لطيف. لو هرجعلك اعرف اني مش هجيب أي أطفال أظلمهم تاني وتكون انت أبوهم.
قبض كفه بقوة وهو يمنع نفسه قسراً من أن يصرخ بها. رسم ابتسامة غامضة على شفتيه وقال:
- ميعادنا الساعة خمسة يا روحي. أنا ظبطت كل حاجة. جبت خالتك وجوزها بنفسي عشان جوزها يبقى وكيلك وهجيب صاحبي يبقى شاهد وابن خالتك الشاهد التاني. وكل الإجراءات خلصتها فاضل بس نكتب الكتاب.
أغمضت عينيها ودموعها تنهمر وقالت بنحيب:
- ماشي.
لم يتحمل أكثر من هذا وصرخ بها بغيرة:
- هو فيه ايه؟ انتِ لسه متعلقة بالدكتور بتاعك؟ فاكراه هيتجوزك. اتقبلي الوضع يا ماجدة. انتِ النهاردة هتكوني مراتي أنا! ومحدش هيقدر يمنع ده. أنا مش هسمح لأي حد انه ياخدك مني. انتِ بتاعتي!
- ممكن اقفل؟ قالتها بصوت مخنوق.
أراد أن يصرخ بها مجدداً. كان يائساً للغاية. رغم أنه حقق ما يريد إلا أنها بعيدة. قلبها لم يعد ملكه. تنهد وهو يقول:
- سلام.
ثم أغلق الهاتف بسرعة.
بعد أن أغلق الهاتف جلس على الأريكة وهو يهز ساقه بعصبية. اليوم ستكون له. ستعود له. هي وابنه. وجب أن يكون سعيداً، ولكن فكرة أنها تحب آخر تقتله. حتى لو لم تتكلم، عينيها تخبره أنها تحب هذا المدعو يوسف. كيف استطاع هذا الرجل أن يسيطر عليها بتلك القوة بتلك السرعة؟ وأين كان هو؟ هو دوماً كان يراقبها، يتأكد أن ليس هناك أي رجل يقتحم رقعته. ففي قانونه هي ملكه فقط. ولكن كيف أغفل عن سحر ذلك المدعو يوسف؟
نهض وهو يحك شعره بقوة وقال وهو يهدأ نفسه:
- خلاص اهدى... اهدى... النهاردة هتكون ليك. وقتها هتقدر تنسيها يوسف وأي حاجة تتعلق بيه. اهدي، هي لسه حزينة بسبب معتز.
معتز... رددها مرة أخرى والدموع تحرق عينيه. ابنه الذي مات بسبب أعداؤه. قُتل في سن صغير. ماجدة مهما فعل لن تسامحه على هذا، ولكن ربما إن أنجبا طفل مرة أخرى، ستنسى. صحيح أنها لن تنسى معتز كلياً، ولكن ربما هذا الرابط بينهما سوف يجعلها تسامحه. هو لن يستطيع قبول طلبها الذي طلبته منذ زمن، أن يترك تجارة المخدرات. لا يستطيع فعل هذا. هذا العمل يدر عليه بالكثير من الأموال. عمله هو من يجعله يشعر بالقوة. بدونه هو ضعيف، جبان، لا يستطيع فعل أي شيء غير هذا العمل. لذلك سوف يستمر به حتى الموت. وماجدة سوف تعود إليه برغبتها أو بدونها!
كانت متسطحة على الفراش والدموع تنهمر من عينيها بقوة. لقد عادت إلى سجانها. لن يستطيع أحد مساعدتها. حتى يوسف اختفى من محيطها. هي الآن وحيدة. وحيدة للغاية. وضعت ذراعها على عينيها وهي تنفجر بالبكاء. تشعر بالشفقة على نفسها. تتساءل لما هي ضعيفة لتلك الدرجة. لما لا يمكنها أن تحاربه. والسبب برز بوضوح. ابنها. هي لا تريد أن تخسر الثاني كما خسرت الأول. ولكنها إن عادت للطيف سوف تخسر الثاني بكل تأكيد.
- يارب ساعدني. يارب مليش غيرك. إن كان هو قوي، أنت أقوى منه يارب. متخليهوش يأذيني أنا وابني.
كانت حروفها تنطق باليأس. تنتظر أي معجزة لتنقذها منه. نهضت هي من الفراش بتعب وهي تأخذ ملابسها لكي تتحمم. نظرت على طفلها النائم وهي تفكر أنها تفعل هذا كله من أجله هو فقط.
بعد قليل...
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها بينما ترتدي بيجامة قطنية. جلست على طاولة الزينة وهي تمسك المشط كي تمشط شعرها بينما تنظر إلى انعكاسها في المرآة بشرود. ساعات وتكون له.
تنفست بإختناق وهي تفكر أنها ستعيش على المال الحرام مرة أخرى. ستعود وبشروطه هو. هي تحت رحمته تماماً. أحيانا تفكر أنها السبب، لو لم تحب يوسف، لم يكن ليفقد عقله بتلك الطريقة ويجبرها. والآن أين يوسف؟ لقد اختفى تماماً. حتى أنه توقف عن محاولة التواصل معها. هزت رأسها بتعب وهي تمشط شعرها.
خرجت من الحمام وهي ترتدي بيجامتها تجفف شعرها. سيف كان مصر على جعلها تتصرف بحرية في الغرفة. فجأة أسقطت المنشفة وهي تستدير بعنف وتقول:
- مين شال الغطا عن المرايا؟
كانت تقولها وهي تضع كفها على وجهها. صوتها مشدود بينما يرتجف جسدها. لقد رأت انعكاسها بعد فترة طويلة. كانت تشعر بالإشمئزاز وقد تضاءلت ثقتها بنفسها كثيراً. كان سيف ينظر إليها بينما كانت هي ترتجف بقوة دليل على بكاؤها. شعر بالخوف للحظات. شعر أنه تسرع في تلك الخطوة. هو كان يرى أنها تتقدم.
خلعت النقاب نهائياً في غرفتها. أصبحت لا تخجل من شكلها أمامه. وهذا أسعده، لذلك قرر التقدم في الخطوة التالية. ولكن رد فعلها صدمه.
- مياس. قالها لاهثاً وهو يقترب منها.
كانت تخفي وجهها بين كفيها.
- مياس ابعدي ايديك. قالها بهدوء وهو يمسك كفها بيده السليمة.
ولكنها رفضت وهي تقول بإختناق:
- ابعد ايديك عني. ابعد!
كانت لهجتها بها هجوم أجفله. خاف أن يتفاقم الأمر. ولكن عقله أخبره أن تلك هي الفرصة المناسبة ليجعلها تواجه الأمر. امسك كفها وابعده عن وجهها بلطف شديد. كانت تبكي أمامه. تبكي بعنف. عينيها تصرخ بالتوسل إليه إلا يفعل هذا. هذا يقتلها. ولكن كان يجب أن تواجه الأمر. يجب أن تتقبله.
مسح دموعها برفق وهو يجعلها تستدير. كانت مغمضة عينيها. لا ترغب بمواجهة الأمر. لماذا يفعل هذا بها؟ لماذا يريد أن يجرحها بتلك الطريقة؟ انهمرت الدموع بشكل أقوى وهي تقول:
- لا سيف. ابوس ايديك لا.
- مياس. اهدي. افتحي عينيك مفيش حاجة. همس وهو يحثها أن تفتح عينيها. بينما يلمس كتفها. كانت تتنفس بعنف. لا تعرف لماذا يفعل هذا؟ لماذا يصر على الضغط على جرحها بتلك القوة؟ لم تعهده قاسياً لتلك الدرجة. لقد تقبلت أن تظهر أمامه دون غطاء للوجه، ولكن لا يمكنها أن تتقبل أن تنظر لوجهها. لن ترى هذا الجمال الذي يراه.
- خايفة من ايه؟
- انت عايز ايه؟ عايز تقهرني... عايز تزعلني! أنا مش عايزة ابص. أنا بكره شكلي. بكرهه. متعملش كده يا سيف. متخلنيش أكرهك انت كمان.
- فتحي عينيكي يا مياس. مفيش حاجة تشمئزي منها أو تخافي منها. أنتِ بتوهمي نفسك. لازم تتقبلي نفسك مهما كان.
- سيف انت مالك النهاردة. بجد مالك. انت عايز ايه؟ عايز تأذيني.
- اهون عليا الموت ولا إني أأذيكي يا مياس. بس انا حابب انك تتقبلي نفسك. لحد امتى هتكرهي نفسك بالشكل ده. أنتِ جميلة تستحقي تتحبي.
- وأنت كداب. قالتها بنحيب.
ليضغط على كتفها ويقول برفق:
- فتحي عينيكي.
شهقت وهي تفتح عينيها بتردد. توسعت عينيها وهي تشعر وكأن كل ما حدث قد عاد ليقتحم ذاكرتها. تذكرت كيف كانت جميلة. جميلة للغاية. كانت تنظر إلى نفسها بإعجاب. ولكن كل هذا انتهى. هي مجرد مسخ. مهما حاول سيف أن يكذب عليها.
- لااا. قالتها بإنهيار وهي تبكي.
كادت أن تسقط أرضاً. وذكرى الرجل الذي ألقى الحمض على وجهها تبرز من العدم. امسكها سيف بذراع واحدة ولكن رغم ذلك سقطت أرضاً.
- مياس. قالها سيف برعب وهو يجلس بجوارها. ثم يضمها بقوة ويقول بندم:
- أنا اسف يا مياس. اسف.
كانت تبكي دون توقف وهي تتمسك به، بينما تقول بكلمات متقطعة:
- متعملش كده تاني. متعملش كده تاني.
- حاضر. أنا آسف. اسف. قالها وهو يقبل رأسها بينما استسلمت هي وبقت تبكي بين ذراعيه.
بعد قليل...
كانت جالسة على الفراش بإنهاك بينما غطى سيف المرآة مرة أخرى. يجب أن يساعدها. لا يمكنه أن يراها في تلك الحالة ويصمت. مياس يجب أن تواجه ما حدث لها. أن تتقبل هذا. الهروب لن يحل أي شيء. وهو سيبقى معها للنهاية.
اقترب منها وجلس بجوارها على الفراش وأمسك كفها ثم قبلها وهو يقول بلطف:
- ايه رأيك اوديكي عند حد ممكن يساعدك يا فراشة؟
نظرت إليه بحيرة وهي تمسح دموعها وتقول:
- مش فاهمة مين ممكن يساعدني. لو بتتكلم عن دكتور تجميل فأنا روحت لكثير محدش قدر يساعدني. عملت عمليات كثير بس لل...
ولكنه قاطعها وهو يشد على كفها ويقول:
- أنا أقصد دكتور نفسي يا مياس يساعدك تتخطي الموضوع.
شدت كفها وقد شهقت بإهانة وقالت بلوم بينما نبرتها مختنقة بفعل الدموع:
- دكتور نفسي. شايفني مجنونة يعني؟
- هو ده كلام برضه. قالها بتوبيخ ثم أكمل: مفيش حد قال كده. متقنعنيش انك واحدة متعلمة ومش عارفة إننا كلنا محتاجين لدكتور نفسي في أي فترة في حياتنا. ده مش عيب. اللي حصل معاكِ صعب تتجاوزيه لوحدك عشان كده لازم حد يساعدك وأنا هكون معاكي.
ضمت شفتيها بقوة وهي تنظر إليه. شعرت في تلك اللحظة أن الشفقة هي الشيء الوحيد الذي سوف تناله من أي أحد حتى سيف. ولسبب ما يقتلها أن ترى الشفقة في عينيه. مسحت دموعها وقالت:
- لو روحت وقدرت أعتمد على نفسي. اتقبلت كل اللي حصلي. هبقى مؤهلة بالنسبالكم اني أقدر أعتمد على نفسي. ممكن وقتها تطلقني وتحررني؟
رمش وهو ينظر إليها. كان يشعر وكأنها ألقت قنبلة على رأسه. ماذا تقول هي؟ كاد أن يتكلم إلا أنها أنهت الحديث وهي تخبره:
- أنا هسمع كلامك وهروح بس وقتها هتنفذ اللي هطلبه.
بعد ساعتين...
كانت جالسة على طاولة الزينة بينما جارتها تمشط لها شعرها. تبقى ساعتين على قدوم لطيف مع المأذون. قررت أن ترتدي الفستان الذي وصاها لطيف بأن ترتديه. لقد أحضر لها فستان كريمي محتشم وبسيط متسع عن أطراف ذراعها. وكما وصى امرأة تأتي لتزينها. أراد أن يجعل كل شيء رومانسياً للغاية. وكأن زواجهما عن حب.
أخفت ابتسامة مريرة ساخرة وهي تفكر أنها لا تكره الآن أكثر منه. هذا الشخص دمر حياتها بالكامل. وسوف يعيدها ليدمر الباقي منها. وضعت جارتها أم عبد الرحمن كفها على كتفها وهي تلاحظ انسياب دموعها من عينيها وهي تهمس:
- الليلة ليلة فرحك متعيطيش.
- قصدك ليلة موتي. قالتها بنحيب.
لتضغط أم عبد الرحمن على كتفها وتقول:
- يمكن يكون ده لصالحكم يا ماجدة عشان ابنك يتربى وسط أبوه وأمه. أنا بجد معرفش ايه اللي حصل وخلاكي تصممي انك مترجعلهوش. بس ايه الحاجة الكبيرة اللي عملها تخليكي تسامحيه عشان خاطر ابنك. يا ستي لو على الخيانة فالرجالة كلها كده. مفيش راجل مخانش. لو هنتطلق عشان الراجل بيخون يبقى كل ستات مصر هتطفش من رجالتها. مش أهم حاجة ليرجع لحضنك وحضن عيالك يبقى مش مهم.
أطرقت ماجدة وهي لا تستطيع التحدث. هناك نيران داخلها تهدد بحرق كل شيء. هي لا تفهم. لا يمكنها أن تفهم أنها لا تريد هذا الرجل في حياتها. وهي بالطبع لن تخبرها السبب.
مسحت ماجدة دموعها ليدق الباب فجأة فتقول ماجدة بصوت مبحوح:
- تلاقيها الكوافيرة اللي بعتها لطيف. روحي افتحي لها لو سمحتي.
هزت أم عبد الرحمن رأسها وخرجت لتفتح الباب فوجدت أن خالة ماجدة منيرة وزوجها كارم.
- اهلا وسهلا. اتفضلوا. اتفضلوا.
ولجت منيرة وهي تبتسم وتقول بحبور:
- اومال فين العروسة؟ فينها؟
ثم اتجهت للغرفة وهي تجد ماجدة لتطلق زغرودة بسعادة وتقول:
- يا حبيبتي الف مبروك. أخيراً رجعتي لعقلك. ربنا يكملك بعقلك يارب.
ثم ضمتها لتكتم ماجدة دموعها بشق الأنفس وهي تسيطر على نفسها لكي لا تبكي كالأطفال. هي تشعر بالإختناق. كل ما حولها يخنقها. رباه الجميع سعيد إلا هي. لا أحد يدري الجحيم الذي سوف تعيشه مع هذا الرجل. حتى خالتها. فخالتها رغم معرفتها بعمل لطيف، فهي بعد وفاة أهلها انشغلت بحياتها ولم تعد تراها كثيراً. وبالطبع خالتها تريدها بشدة أن تعود للطيف أو تتزوج حتى لا تقلق عليها كثيراً. فكرت بسخرية مريرة. أن هذا ما تخبرها بها خالتها دوماً ولكن هي حقاً لا ترى أنها تهتم حتى.
ابتعدت منيرة وهي تبتسم وتقول:
- اخيرا يا ماجدة. ده أنتِ طلعتي جبارة بس اهو الراجل رضاكي وهترجعوا. ربنا يكملك بعقلك. كده احسن يا بنتي من رأفت وغيره. على الأقل ده ابو ابنك.
أغمضت عينيها بتعب وهي تمسك نفسها بقوة كي لا ترد عليها. رن جرس المنزل مرة أخرى فذهبت أم عبد الرحمن لتفتح الباب بسرعة.
- اهي الكوافيرة جات. قالتها أم عبد الرحمن بسعادة.
بعد قليل...
- ايه يا عروسة دي تالت مرة يبوظ الايلاينر؟ ايه يا اختي العروسة اللي بتبكي في فرحها دي. قالتها الفتاة التي تزينها وهي تتأفف بضيق.
لتقترب خالتها بسرعة وهي تقول:
- فيه ايه يا ماجدة اومال. يالا خلينا نخلص.
هزت ماجدة رأسها وهي تكتم نحيبها. وتترك نفسها لكي تزينها الفتاة. يجب أن تفعل هذا. هي مجبرة. ابتسمت منيرة بشفقة على حالتها وهي تتمنى أن يكون كل شيء على ما يرام.
بعد قليل...
كان كل شيء قد انتهى. كانت قد ارتدت فستانها. مساحيق التجميل كانت تلائم بشرتها تماماً. لقد ظنت أن جمالها متواضع ولكن مع قليل من الاهتمام رأت نفسها حقاً جميلة. أن الفتاة ماهرة حقاً في إبراز جمالها. فهي وضعت مساحيق بضع مرات ولكن لم تكن بهذا الجمال.
- بسم الله ما شاء الله ربنا يحرسك يا بنتي ويبعد عنك العين يارب. زي القمر يا حبيبتي. قالتها خالتها وهي تضمها إليها.
ضمت ماجدة شفتيها لكي لا تبكي وتفسد كل شيء. انسحب الفتاة من الغرفة وام عبد الرحمن أيضاً التي ذهبت لتحضر ابن ماجدة كي يحضر كتب الكتاب.
بعد أن خرجا أمسكت منيرة كف ماجدة وقالت:
- متزعليش يا بنتي كل حاجة هتتصلح. يمكن ده يكون لصالحكم. يعني اقصد أنتِ وابنك.
عضت على شفتيها وهي تحاول ألا تبكي وقالت بصوت مختنق:
- لصالحنا اني اعيش مع تاجر مخدرات يا خالتي. ما أنتِ عارفة اللي فيها. أنتِ اول واحدة أنا حكيتلها.
صمتت منيرة وهي تربت على كتفها وتقول:
- يالا يا بنتي زمان المأذون جاي.
بعد قليل...
كانت ماجدة جالسة على الأريكة وقد حضر الشيخ ولم يحضر لطيف بعد. ولكنها أبداً لم تهتم. كانت تتمنى في تلك اللحظة أن يموت. فجأة دق الباب لتنتفض بقوة ويلج شخصان غريبان. عبست ماجدة وهي تراه وقالت:
- انت مين؟
ابتسم وقال:
- أنا هكون الشاهد التاني عن العريس.
- لطيف! قالتها بحيرة فهي تعرف أنه سيحضر صديقه المقرب هادي.
ولكن الرجل رد بهدوء وقال:
- لطيف مش هيجي.
- نعم؟ قالتها بحيرة أكبر.
لتوقف قلبها للحظات وهي تراه يلج للمنزل ويقول:
- قولتلك أنا مجنون. هعمل اللي متتخيلهوش.
- يوسف... بتعمل ايه هنا؟ قالتها وهي تشعر أن الأرض تميد بها.
ليرد مبتسما بإنتصار:
- أنا هكون عريسك يا عروسة. مفاجأة مش كده!
رواية اسرت قلبه الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سوليية نصار
جف حلقها وهي تنظر إليه.
لا بد أن هذا هو حلم مجنون من أحلامها.
يوسف هنا... ويقول إنه سوف يتزوجها.
هل تحلم؟
كتمت أنفاسها وهي تجده يقترب منها.
يرتدي حلة سوداء بينما شعره الرمادي منسدل على جبهته.
كم بدا جميلاً في تلك اللحظة.
شعرت أنه أكثر وسامة مما تعتقد، خاصة بعينيه العسلية التي تنظر إليها بحب خالص.
"أنا مش فاهمة..." قالتها بحيرة شديدة، بينما قلبها يقفز من السعادة.
ابتسم لها وقال:
"مش عايزك تفهمي غير إن النهاردة هتكوني مراتي."
بعد قليل...
جلست مذهولة على الطاولة وهي تنظر إلى يوسف الذي وضع يده بيد زوج خالتها، بينما خالتها تربت على كتفها وتبتسم لها.
ما زالت غير مستوعبة ما حدث.
كيف أصبح هو العريس فجأة وأين هو لطيف؟ وماذا فعل به؟
قلبها انقبض فجأة.
خافت أن يكون يوسف قد تورط في مشاكل أو أن لطيف سوف يعود وينتقم منهما ويأخذ ابنها.
تجهم وجهها فجأة وقلبها ينقبض.
"رباه، أتمنى ألا يحدث هذا."
بالتأكيد لطيف لن يمرر هذا مرور الكرام.
وضعت كفها على قلبها وهي تشعر بالقلق الشديد.
فجأة نظرت إلى يوسف لتجده ينظر إليها بحب، يطمئنها بنظراته.
فابتسمت وهي تشعر بالراحة تتدفق داخل قلبها.
وكأن ابتسامته قضت على القلق بقلبها، فلم تستطع إلا أنها تبتسم براحة بينما الشيخ يشرع في كتب الكتاب.
انتهى كتب الكتاب وأصبحت زوجته رسمية.
مضت ماجدة بسعادة وهي تشعر لأول مرة منذ زمن بتلك السعادة.
تشعر بسعادة لأنها أصبحت تنتمي إليه.
انطلقت الزغاريد من أم عبد الرحمن وخالة ماجدة.
نهض يوسف وهو يقترب من ماجدة.
نظرت إليه بتوتر بينما اللون الأحمر يزحف إلى بشرتها من شدة الخجل.
تمنت ألا يفعل أي شيء ويخجلها.
ارتجف قلبها بينما يقترب بوجهه منها.
رياه... تسارعت دقات قلبها بعنف بينما توقفت أنفاسها للحظات وهي تنتظر بترقب ما سيفعله.
انحنى وقبل جبينها برفق لتغمض عينيها وهي تهتز فعليًا.
لقد كانت زوجة من قبل وأم لطفلين، ولكن لم يحدث أنها تأثرت كما تأثرت بتلك القبلة اللطيفة.
ابتعد يوسف وهو يبتسم لها بحب خالص لتطرق رأسها بخجل وهي تبتسم.
"أنا همشي دلوقتي..." قالتها خالتها منيرة وهي تربت على كتف ماجدة.
ابتسمت ماجدة وهي ترغب في قول الكثير لخالتها.
يبدو أنها كانت تعرف بنية يوسف، ولكنها أدركت أن الوقت غير مناسب أبدًا.
فالليلة ليلة زواجها من يوسف.
احمرت خجلاً وهي تفكر في هذا.
لقد خرج هو وصديقه بعد عقد القرآن ولا تعرف حقًا إلى أين.
ذهبت خالتها لتجد أم عبد الرحمن تحاول أخذ الصغير لكي ينفرد زوجها بها.
"لا أنا عايز أقعد مع ماما النهاردة..." قالها الصغير وهو يحاول التملص من يد أم عبد الرحمن.
عضت السيدة على شفتيها وهي تهمس:
"يا حبيبي والله ما ينفع أمك النهاردة عروسة."
كانت ماجدة تقف وقلبها يؤلمها على صغيرها.
تريد أن توقف أم عبد الرحمن وتخبرها أنها سيبقى معها الليلة، ولكنها تخاف أن ينزعج يوسف.
وخاصة أن تلك هي أول ليلة لهما سويًا.
كما أنها تريد أن تعرف ماذا فعل بلطيف ليبعده عنها بتلك البساطة.
"معلش يا محمد روح النهاردة مع طنط وبكرة هاجي أخُدك."
"ماما أنا عايزة أكون معاكي..." قالها بنبرة مخنوقة لتعض شفتيها كي تمنع نفسها من البكاء.
"هو فيه إيه؟!" قالها يوسف بحيرة وهو يدخل من باب المنزل بينما يحمل حقيبة بلاستيكية كبيرة يبدو أنها ألعاب للصغير.
نظر إلى أم عبد الرحمن وقال:
"هو حضرتك بتعملي إيه؟"
ابتسمت أم عبد الرحمن بلطف وقالت:
"هاخد محمد معايا النهاردة يعني أنتوا عرسان جداد لازم تكونوا على راحتكم."
"وهو محمد هيقلق راحتنا يعني؟ لا طبعًا ابني مش هيطلع برا بيته."
ثم اقترب وحمل الصغير وهو يقبله وقال:
"أنا جبتلك لعب كتير عشان نلعب أنا وأنت النهاردة... إيه رأيك."
ابتسم الصغير ابتسامة سلبت عقله.
وذاق يوسف حينها مشاعر جديدة.
مشاعر الأبوة.
ضمه إليه وهو يلج به للغرفة.
لوت أم عبد الرحمن شفتيها وقالت:
"يادي العيبة. ينفع كده بس ده النهاردة ليلة دخلتكم. وهو رايح يقعد مع العيل الصغير."
ضحكت ماجدة ودموع السعادة تطفر من عينيها.
لقد كان قلبها محقًا لكي يحب شخصًا مثله.
بعد قليل...
كانت جالسة على الفراش ترتدي غلالة وردية باهتة نوعًا ما بينما تفرك كفها بتوتر وهي تنتظر قدومه.
قلبها يهدر بقوة وهي تشعر أنها سوف تفقد وعيها من الخجل.
كيف سيكون الشعور وهي بجواره؟
أطرقت برأسها وهي تبتسم بينما وجهها قد احمر بقوة.
بعد قليل...
نهضت وهي تشعر أنه تأخر بشكل أكبر من المعتاد.
قررت أن ترى ما به.
هل ما زال محمد مستيقظًا؟
فتحت الباب وخرجت من الغرفة لتتجه إلى الغرفة الأخرى.
فتحت الباب وتوقفت فجأة وهي ترى ابنها وزوجها نائمين بجوار بعضهما.
خفق قلبها بقوة بينما تنظر إلى المظهر الماثل.
كانت السعادة تسيطر على قلبها كأنه لم يعرف الحزن يومًا.
اتسعت ابتسامتها وهي تقترب بهدوء من الفراش وتقوم بتغطيتهما برفق.
نظرت إلى يوسف النائم.
ثم قبلته على جبينه واستقامت وكادت أن تغادر إلا أنها شهقت بينما يمسك كفها.
نظرت إليه لتجده ما زال مغمض عينيه ولكنه جذب كفها إليه وقبله بلطف شديد للغاية.
فتح عينيه فجأة لتحمر بقوة بسبب تأثير نظراته.
عينيه العسلية كانت تحرقها.
نهض ببطء وبحرص لكي لا يوقظ الصغير.
ثم سحبها خلفه برفق.
وصلا لغرفتهما ليدخلها ثم يغلق الباب.
توترت وهي تنظر حولها وتقول بصوت ضعيف مرتبك:
"أنا عايزة أعرف أنت عملت إيه مع لطيف."
نظر إليها وقال موبخًا:
"أكيد مش هنتكلم عن لطيف في ليلة دخلتنا."
احمرت بينما يقبل رأسها ليقول بوعد:
"كل اللي عايزك تعرفيه إن طول ما أنا عايش مش هيقدر يلمسك لا أنتِ ولا محمد. ده وعدي ليكي."
تصاعدت الدموع لعينيها وانسابت ليمسح دموعها برفق ويضمها إليه في عناق.
وكان عناقهما الأول أجمل مما توقع.
لقد شعر أنه بالمكان الصحيح لأول مرة.
"آه..." صرخ لطيف وهو يلقي بكأس الخمر على الحائط ليتحطم متناثرًا على الأرضية الخشبية.
كانت الدموع محبوسة في عينيه لا تأبى التحرر.
شعر بالغضب. بالقهر.
رجل مثل يوسف استطاع إخافته.
استطاع أن يهزمه.
عرف عن ماضيه ما أخفاه بمهارة عن ماجدة.
كيف يمكن لهذا الرجل أن يكون خطيرًا لتلك الدرجة؟
هو مجرد دكتور جامعي.
كيف يمكن أن يكون مجنونًا لدرجة أنه يتحدى تاجر مخدرات ويسلب منه زوجته؟
فرك وجهه وهو يشعر أنه سوف يفقد عقله.
زوجته. المرأة التي يحبها. المرأة التي يعتبرها ملكه الآن تكون بين ذراعي رجل آخر.
نهض مجددًا وهو يشد شعره بقوة بينما الدموع المحبوسة تنهمر من عينيه.
يتذكر مقابلته مع يوسف.
فتح الباب وهو يصفر بسعادة ليتوقف وهو يجد يوسف أمامه.
يبتسم له ابتسامة صفراء.
"الله إيه الشياكة دي يا عريس."
"أنت؟ جاي ليه هنا؟!"
"الله ومجيش ليه. النهاردة ليلة فرح صح يا لطيف ولا إيه."
ثم ولج للمنزل وهو يقول:
"بيتك حلو على فكرة. تجارة المخدرات بتكسبك كتير."
تخشب وجهه وهو ينظر إليه وقال:
"هي حكتلك؟!"
"دي حاجة متتستخباش يا لطيف. أنا عايز أقولك كله عارف تقريبًا. البوليس مستني بس فرصة يقبض عليك انت واللي أكبر منك. واللي بغباءك هتديهم الفرصة."
"تقصد إيه؟" قالها بصوت متشدد ليقول يوسف وهو يقترب منه:
"أقصد إنك هتحاربني أنا لو قربت من ماجدة. أنا ممكن أهد الدنيا على راسك لو قربت من حد يخصني. وماجدة تخصني. من غباءك افتكرت إنك تقدر تتغذى على خوفها على ابنها. بس أنا في حياتها وأنا مش بخاف يا لطيف. ممكن أعمل اللي متتخيلوش. عايز أقولك سر عني أنا أجن واحد انت ممكن تشوفه في حياتك والله. وكمان متنساش مشاكلك الكتير وعكك. زي بنت الساحل اللي اعتدت عليها. كانت فضيحة كبيرة بصراحة ولولا تنازل أهلها فجأة عشان انت اتجوزتها لفترة بسيطة. الشقة اللي اتمسكت فيها وكان كل مرة اللي معاك بيطلعوك من كل فضيحة. لازم أعترف أنك محظوظ بيهم. بس كمان فيه حاجة هتفاجئك أكتر. لو قولتلك يا لطيف إن معايا الأدلة اللي تقدر ترميك في السجن انت وعدلي الشناوي في السجن."
نظر إليه بصدمة وقال:
"الأدلة اللي انت فاكر إنك اتخلصت منها جوز سمرا عمل منها نسخ تانية وبشوية فلوس كل النسخ بقت معايا. يعني ببساطة روحك في إيديا أنا. أنا أقدر أدمرك بكذا طريقة."
شحب وجهه وشعر أنه أحدهم لكمه في صدره.
ابتسم يوسف في وجهه وقال:
"أنا حاسس إنك إنسان ذكي ومش هتقف في طريقي صح؟ عشان أنا بجد مش عايز أزعلك. يالا أسيبك دلوقتي. أصل النهاردة هو فرحي."
خرج من شروده وهو ينفجر بالبكاء.
لقد خسر أمام هذا الرجل.
"فادي مين اللي عايزة تتجوزه؟ ده على جثتي!"
نظر أمجد بها وهو يشعر بنيران مستعرة بداخله.
بعد هذا كله. وبعد أن أدرك أنه يعشقها. والآن هما يحكمون عليه بالموت.
"أمجد فوق لنفسك إيه اللي انت بتعمله ده. جيلان هي اللي طلبت بنفسها تتجوزه وده قرارها."
كسا الألم عينيه وقال:
"أنا عايز أتكلم معاها."
وبالفعل كاد أن يتجاوز والدته إلا أنها أمسكت ذراعه وهي تهدر به وتقول:
"قولي أنت مجنون. مالك يا أمجد دي مش تصرفاتك. فوق يا شيخ أمجد ولم الدور عشان خطيب اختك واخو اللي جيلان هتتخطبله هنا."
كان يتنفس بعنف. يشعر بشيء بشع يقبض على صدره.
كان يتعذب وهو يستوعب أنها وافقت على غيره.
"قوليلها إني عايز أتزوجها يا أمي. أمي متدمريش حياتها وحياتي."
رمشت والدته وهي تنظر إليه. لا تصدق أن ابنها يتصرف بتلك الطريقة.
أمسكت ذراعه وهي تضغط عليه وتهمس بغضب:
"كده أحسن. إنها تتجوز وتمشي من هنا أحسن بدل السمعة اللي طلعت عليكم دي."
"سمعة إيه؟ إحنا معملناش حاجة!" قالها أمجد وقد احمر وجهه بغضب.
أقرت والدته صدقه وقالت:
"عارفة. أنا عارفة وكلنا عارفين ومصدقين إن محصلش حاجة. عشان انت تربيتي. وجيلان بنت محترمة. بس الناس اللي سمعوا أم خطيبتك اللي جات هنا وفضحت الدنيا مش هيصدقوا إن محصلش بينكم أي حاجة."
"طز في الناس."
"مش طز في الناس. مش هتقدر تخليهم يسكتوا هيفضلوا يتكلموا ويخوضوا في شرف المسكينة دي. انت مش هتتأذى قدها. فكر بعقلك يا أمجد مش بعواطفك."
"يعني عشان الناس ندمر حياتها!" قالها بقهر لتقول بسرعة:
"مين جاب إن حياتها هتتدمر؟ بالعكس خالص هي اللي عايزة تتجوز فادي. هي اللي جاتلي وقالت عايزة أتجاوزه."
كان يختنق بالفعل.
وهو لا يستطيع أن يتكلم حتى. هي من وافقت. وهو لا يستطيع فعل شيء.
شعر أنه عاجز.
نظر إلى والدته بيأس وقال:
"بلغيها طلبي إني عايز أتزوجها لو سمحتي يا أمي. جاسم هيمشي شوية وبعدها هنقعد ونتكلم."
نظرت إليه والدته بإحباط. لم تعهد أمجد بهذا الشكل. بهذا اليأس. ولكنها تعرف كم هو عنيد فيما يخصه. ويبدو أن جيلان أصبحت تخصه.
"ياريت أقدر أساعدك يا بني بس مقدرش ده هيأذيها هي. لو اتجوزتها الكلام هيزيد."
كان عاجزًا عن الكلام. الأمور تتعقد بينهما.
"مش هقدر أتحمل إنها تروح لغيري. مش هقعد وأشوفها بتتجوز غيري يا أمي." قالها ثم غادر.
صعد إلى الشقة التي يقطن بها وهو يشعر بحريق بداخله.
الغيرة تفتك به بينما هو عاجز عن فعل أي شيء.
يشعر بتأنيب الضمير لأنه هو من ورطها في هذا.
هو من جعل أريام تدمر سمعتها.
لو اتبع قلبه منذ البداية. لو لم يكن عنيدًا لكان الآن سعيدًا.
الجميع كان يشجع زواجه من جيلان في البداية ولكنه بحماقته كان يرفض بكل إصرار ويتشدق أن جيلان تكون شقيقته فقط.
لن ينسى ذلك اليوم قبل أن يقرر خطبة أريام كلام والدته معه.
"طلبتيني يا أمي؟" قالها أمجد بإبتسامة بينما يجلس على الفراش بجوار والدته.
هزت دلال رأسها وهي تقول:
"أيوه يا أمجد. عايزة أتكلم معاك في موضوع."
عبس بحيرة وقال:
"أكيد يا أمي اتفضلي."
"جيلان."
"مالها جيلان. عملت مشكلة ولا إيه؟!"
نظرت إليه بلوم وقالت:
"ليه محسسني إن البنت بتاعة مشاكل حرام عليك؟"
ابتسم بسخرية وقال:
"إيه هو أنا بظلمها مثلًا؟ هي فعلًا بتاعة مشاكل. مبتسمعش الكلام ومستهترة وبتقف قصادي."
"أمجد متنساش وفاة والدها خلاها مزلزلة شوية وبعدين انت مش ملاحظ إنها بدأت تتحسن وهدومها بقت واسعة ولبست خمار."
ابتسم ساخرًا وهو يدرك أنها فعلت هذا لتنال إعجابه. ولكنه لم يشارك أفكاره مع والدته.
تنفس بضيق وقال:
"أنا مش فاهم أنا أعمل إيه برضه. ليه هنتكلم عن جيلان؟"
"أنا عايزك تتجوز جيلان يا أمجد."
توسعت عينيه للحظات وقد خفق قلبه بطريقة غريبة ولكن سرعان ما ضحك وقال:
"معلش اتجوز مين؟"
"جيلان."
ضحك أمجد وقال:
"أكيد بتهزري يا أمي. جيلان مين دي اللي اتجوزها ربنا يهديكي."
عبست والدته وقالت:
"متتجوزهاش ليه يعني إيه السبب؟"
"دي بنت عمك. وانت أولى بيها."
"أمي سامعة نفسك بتقولي إيه؟ إيه الكلام ده. لا طبعًا مش هتجوزها!"
"إيه السبب؟"
"مش عايزها. ده مش كفاية."
"لا مش كفاية يا أمجد." قالتها والدته وهي تعبس ليكمل هو:
"طيب جيلان لسه صغيرة. عقلها صغير. بنت مستهترة. مش دي اللي أخليها مراتي. دي عيلة يا أمي. أنا مش هتجوز عيلة أكيد. أنا عايز أتزوج واحدة ناضجة. مش طفلة. فهمتي ليه؟"
عاد من شروده وهو يمسح وجهه بضيق.
كيف كان غبيًا لتلك الدرجة. لقد عرضت والدته عليه أن يتزوجها. عرضت عليه السعادة ولكنه هو تشبث برأيه. وهو من سوف يندم الآن لو جيلان قررت أن تتزوج حقًا فادي.
بعد أسبوع...
كانت تهز ساقها بتوتر. لا تصدق أنها استمعت إليه وأتت إلى هنا.
تنفست عدة مرات لتخرج التوتر الذي تشعر به ولكنها فشلت تمامًا.
هذا المجنون كان يريدها اليوم أن تخرج من دون النقاب اليوم.
سيف يريد التحرك سريعًا وهي غير قادرة على مجارته.
يرغب منها أن تحارب وهي منهكة.
أسلحتها مدمرة.
ليس لديها ثقة.
ما حدث لها زلزلها.
ليس اختفاء جمالها فقط هو ما حطمها بتلك الطريقة.
بل اختفاء كل ما حولها.
شعورها أنها وحيدة.
رغم أن سيف لا يتركها أبدًا. هو دائمًا يحاول جعلها تستعيد ثقتها إلا أنها تشعر أنه سوف يتركها في يوم ما.
قد تنتهي شفقته تلك ويمل منها.
قد يعود لحبيبته السابقة ويتركها هي.
قد تتحطم وقتها.
هي ليست بحاجة للحب.
هي ليست مولعة بهذا الشعور الذي حطمها من قبل.
هي ترغب بوجود أي شخص بجوارها.
تكره أن تكون وحيدة.
تكره أن...
"بطلي تفكير شوية!" قالها هامسًا وهو يمسك كفها ثم يقبله برفق.
أبعدت كفها بسرعة وهي تنظر حولها وتهمس موبخة:
"سيف. الناس. عيب كده."
"بطلي تفكير طيب!"
تنهدت بتعب وقالت:
"مش قادرة يا سيف. بجد مش قادرة. أنا بحاول أنسى اللي حصلي والنهاردة هضطر أحكي. هضطر أفتح جروحي مرة تانية. أنا إيه اللي خلاني بس أسمع كلامه وأجي."
جملتها الأخيرة خرجت من شفتيها بندم.
شد على كفها وقال:
"أنا معاكي متقلقيش."
"هتكون معايا لامتى يعني؟" قالتها بسخرية مريرة وهي تتذكر حديثها أن يحررها لو ذهبت للطبيب النفسي.
لم يقل هو أي شيء وقتها بل ظل صامتًا.
لابد أن تلك العرض قد راقه حقًا.
لابد أنه سعيد لأنها هي من طلبت هذا بنفسها.
"لحد آخر العمر. هفضل معاكي لحد آخر العمر لو سمحتي لي بكده." قالها وهو ينتشلها من تفكيرها.
كلماته أدفأت قلبها.
ولكنها عاجزة عن تصديقه.
تريد حقًا أن تصدقه. تثق به ولكنها خائفة أن يحطم قلبها كما حطم عمر قلبها.
غامت عينيها بالألم وهي تتذكر عمر.
عمر الذي حطم قلبها.
الذي حطم ثقتها بجميع الرجال.
قالت بنبرة منكسرة:
"عمر برضه قالي كده. قالي هيفضل جمبي لحد آخر العمر."
انقبض فكه وغضب غريب يجتاحه.
نظر إليها والنيران تتصاعد بعينيه.
قال بنبرة باردة:
"أنا مش عمر. لو سمحتي متقارنينيش بحد. أنا مش هو. ومش هكون."
نظرت إلى الغضب على وجهه بدهشة.
كانت ملامحه تصرخ بالغيرة.
تحركت بغير راحة في مقعدها وهي تفكر.
لماذا يشعر بالغيرة عليها.
"فيه إيه مالك؟" قالتها بتوجس.
ليرمش بدهشة ويفكر. هل تسأله الآن.
اقترب بوجهه منه وهو يهمس بغضب:
"متجيبيش سيرة أي راجل تاني على لسانك قدامي. أو ورايا حتى."
كتمت أنفاسها وهي ترى وجهه يتلون بالغضب.
ابتلعت ريقها وهي ترى تحول سيف الغريب أمامها.
"ليه..." همست بتوتر.
"عشان أنا بغير." قالها ببساطة.
ثم أشاح وجهه عنها لتطلق أنفاسها بتوتر وهي تنظر إليه.
ماذا يقصد بأنه يغار عليها.
لماذا يغار عليها؟
هو لا يحبها. بالتأكيد لا. ومن الأساس هي لا ترغب في أن يحبها.
لأنها أبدًا لن تحبه.
"يالا دورنا!" قالها وهو يخرجها مجددًا من شرودها.
نظرت إليه بقلق ليبتسم بلطف وهو يمد كفه لها ويقول:
"أنا معاكي متخافيش. مش هسيبك أبدًا يا مياس. ثقي فيا."
ترطبت عينيها بفعل الدموع وهي تنظر إليه.
شعرت بصدق كلماته رغم أنها تريد بشدة أن تكذبه.
ولكن دون تردد مدت كفها لكفه ليحتوي هو كفها برقة ويسحبها نحوه.
وضع ذراعه على كتفها وهو ينظر إليها يبتسم إليها بلطف.
في المساء...
"يعني إيه الكلام ده؟!" قالها صالح وهو ينظر إليها بينما هي تفرك كفيها بتوتر.
الدموع تنهمر من عينيها بينما تعض شفتيها لتمنع خروج شهقاتها من الخروج.
كان صالح ينظر إليها بنفاذ صبر ثم ضرب على الطاولة بغضب وصرخ:
"انطقي يالا وقولي يعني إيه الكلام ده!!!"
كان القهر يسيطر على نبرته.
قلبها أوجعها.
لقد كسرت قلبه.
كما كسرت قلب سيف.
"أنا آسفة يا صالح. أنا مش بحبك."
اختفى اللون من وجهه.
شعر وكأن أحدهما لكمه في صدره.
أخذ يتنفس عدة مرات كي يسيطر على غضبه ولا يسحبها من شعرها ويضربها بقسوة.
نيران الخيانة أحرقته.
شعر بمرارتها في حلقه.
لقد جعله مغفلًا.
نهض واقترب منها ثم أمسك ذراعها بقسوة ليجعلها تنهض بقوة!!!
شهقت وهي ترى نفسها تلتصق به.
بينما عينيه تشتعلان بالنيران.
ابتلعت ريقها بغضب. هي تقول:
"صالح!!!"
كانت تتنفس بعنف بينما تشعر بغضبه.
تشعر أنه سوف يقدم على قتلها في أي لحظة.
"هو أنا لعبة في إيديكي يا هانم!!!" صرخ بها لينتفض جسدها بقوة ودموعها تنهمر بشكل أقوى بينما تقول بنحيب:
"أنا آسفة. آسفة."
"اخرسي. متتكلميش.!!! أنتِ بجد أحقر واحدة أنا شوفتها في حياتي!!! أنتِ واحدة من غير شرف ولا أخلاق."
شهقت وهي تسمع إهانته لها.
شعرت أن قلبها يتحطم.
تعرف أنها مخطئة. ومخطئة للغاية ولكنها لم تعهده قاسياً لهذا الحد.
"صالح أنا آسفة والله بجد آسفة أنا مكنتش عايزة أكسر قلبك. بس أنا مش قادرة أحبك. أنا كنت مشوشة شوية وافتكرت إني بحبك. أو يمكن حبيتك بس الحب ده انتهى. مش عارفة اللي حصل. أنا بحب سيف."
تراجع وهو ينظر إليها بصدمة. لا يصدق هذه المرأة لا بد أنها مجنونة.
بكت وهي تكمل:
"أنا آسفة يا صالح سامحني. أبوس إيديك سامحني. ربنا يكرمك بالأحسن مني يا صالح. أنا واثقة إن ربنا هيعوضك. أنت تستحق الأحسن مني. أنا بجد آسفة على كل حاجة. أبوس إيديك سامحني!!!"
ابتسم بسخرية وهو ينظر إليها:
"هو ده اللي قولتيه لسيف لما خنتيه معايا؟" قالها بسخرية لاذعة ثم أكمل وهو يرى انسحاب اللون من وجهها:
"أنا معرفش ليه مستغرب. أنتِ واحدة رخيصة يا نوال. خنتي سيف اللي حبك أكتر من أي حاجة في حياته. كان بيعاملك زي الملكة وكان هيعادي أبوه عشانك. بس رميتي كل ده وخنتيه معايا. كنت عاملة نفسك إنك بتمنعيني بس أنتِ كنتي فرحانة بإهتمامي بيكي. خاصة إنك حسيتي إن سيف ممكن يخسر ثروة أبوه وقولتي تدوري على صيد تاني. وكنت أنا المغفل الجديد صحيح!!!"
"لا أنا عمري..."
"انتِ كدابة. أي حاجة هتقوليها هتكون كدب. بس الحق مش عليكي. الحق عليا أنا اللي صدقت واحدة خاينة زيك. أصل زي ما خونتي سيف هتخونيني. بس الخبر اللي هيكسرك إن سيف مش هيبصلك. لأنه اتجوز. وواحد زي سيف مش هيخون شريكة حياته حتى لو مش بيحبها. واكيد جربتي من قبل وفشلتي. أنا همشي يا نوال. هختفي من حياتك ومش هبكي عليكي. أنتِ مجرد واحدة رخيصة أنا قضيت معاها وقت لطيف شوية. يعني أنا باجي بيتك وبتسمحيلي ألمسك براحتي. حتى لو مفيش علاقة كاملة بس خلاص أنتِ بالنسبالي مستهلكة. يعني معرفش إيه اللي خلاني أطلب منك تتجوزيني. بجد أنا مغفل."
شهقت بألم وقالت بصوت متقطع من الألم:
"اطلع. اطلع برا."
ابتسم بسخرية وقال:
"عيوني هطلع يا حبيبتي!!"
ثم تركها وذهب بينما يخفي الألم العميق بداخله.
كيف وثق يومًا بخائنة!!!
غدًا هو عقد قرآن نوران.
فكر بإهتياج وهو يشعر أن قلبه ينصهر بفعل الألم.
إنه يختنق.
الغيرة تفتك به.
كيف سيتركها تذهب لغيره بتلك البساطة.
ليته تزوجها.
ليته لم يخسرها.
الآن هو يعاني ويشعر بالعجز لأنه لا يستطيع أن يفعل أي شيء بينما هي سوف تكون لشخص آخر غدًا.
نهض عادل وهو يحك شعره بإحباط.
نظر إلى خاتم خطبته ثم خلعه وألقاه أرضًا وهو يلهث بقوة.
يشعر أنه سوف يموت من الإحباط.
يجب أن يتكلم مع والده.
خرج من غرفته ثم نزل لأسفل وهو يعرف أين سيكون والده.
في المكتب كعادته.
وقف أمام المكتب ويداه تتعرقان.
يخاف من رد فعله ولكنه إن لم يفعل ذلك سوف يخسر نوران وهو غير مستعد لخسارتها على الإطلاق.
طرق الباب بتوتر ليأتيه صوت والده الهادئ.
ولج بخفة وهو ينظر إلى والده الجالس على مكتبه بهدوء.
ابتلع ريقه وهو يتقدم للداخل.
يريد أن يتحدث.
يتوسل إليه أن يلغي تلك الخطبة مع جميلة ويأتي معه كي يقنع أهل نوران لكي يتزوج منها.
كان يريد أن يصرخ ويخبره أنه يعاني.
يموت من فكرة أنها سوف تصبح لغيره.
رفع والده حاجبيه وهو ينظر إليه.
كان يبدو كمن على حافة الانهيار.
تأفف من الوضع الغريب لابنه.
هو لا يصدق أن تلك الفتاة تمكنت من التأثير عليه.
ما لا يفهمه كيف يقع ابنه تحت تأثير سحر تلك الفتاة رغم أنها قدمت نفسها له على طبق من ذهب.
لو كان هو لكان ألقاها بعد أن انتهى منها.
كيف لا يشمئز عادل من تلك الفتاة.
كيف يثق بها بعد ما فعلته!!!
"هتفضل باصصلي كده كتير ومش هتتكلم ولا إيه؟"
"انطق قول عايز إيه ورايا شغل كتير."
قالها والده بملل ليبتلع عادل ريقه.
كان لا يعرف كيف يقول لوالده هذا.
كان خائفًا حقًا من رد فعله.
تأفف طارق وقال:
"ما تنطق يا بني فيه إيه؟"
"أنا عايز أتزوج نوران مش جميلة!!!" قالها فجأة وكتم أنفاسه وهو ينتظر انفجار والده به.
نظر والده إليه للحظات ثم نهض وتعابيره غامضة.
اقترب منه ثم رفع كفه وصفعه بقوة.
نظر عادل إلى والده بصدمة ليقول طارق:
"دي عشان انت إنسان غبي. عايز تدخل واحدة **** العيلة. وواحدة من غير أخلاق. عايز تسيب البنت المحترمة. بنت الناس. بنت عمك. عشان تدخل واحدة تربية شوارع زي دي."
احمر وجه عادل وهدر قائلاً:
"لو سمحت يا بابا."
"نوران مش تربية شوارع!!!"
ابتسم طارق ساخرًا وقال:
"لا والله طيب قولي. البنت اللي بعتت صورها لواحد. وتجيله شقته. تبقى تربية إيه؟"
ابتلع عادل ريقه وقال:
"أنا اللي هددتها تيجي. اللي حصل كان خارج عن إرادتها. أنا يعتبر اعتدت عليها."
ضحك والده بسخرية وقال:
"يا حنين؟... لا يا حبيبي الموضوع مش كده. هي لو كانت محترمة مكانتش بعتت صورها. هي اللي وصلت نفسها لكده. دي بنت مش تمام."
وضع طارق كفه على كتف عادل وقال:
"اسمع مني يا بني. أنا عارف كويس نوعية البنات دي. دي واحدة توقع منها أي حاجة. افرض عملت كده مع غيرك زي ما عملت معاك. دي واحدة كانت في بيت أهلها هما مدينها الأمان وكانت تقفل على نفسها وتبعتلك صورها. قولي دي تخليها أم لعيالك إزاي. هتعملهم إيه؟"
تصاعدت الدموع لعيني عادل وقال:
"أنا بحبها يا بابا. بحبها."
عانق وجهه وقال:
"هتنسى. انت احمد ربنا إن ربنا رحمك منها ومغفل تاني هيلبسها. متفكرش كتير يا عادل. جميلة هي المناسبة ليك. بنت صغيرة تقدر تشكلها على مزاجك مش واحدة زي نوران. أنا بقترح تروح أسبوع إجازة لأي بلد برة مصر تريح دماغك وبالمرة تنساها وتنسى الكلام الفاضي ده!!"
في اليوم التالي...
الليلة عقد قرآنها.
تلوت معدتها بألم وهي تشعر بالتوتر يتصاعد داخلها.
كانت تقف أمام المرآة وهي تنظر إلى ملامحها الفاتنة.
ولكن السعادة لم تزيل تلك الملامح منذ فترة.
منذ فعلتها السوداء تلك.
انهمرت الدموع من عينيها وشعرت أنها تُساق لطريق مظلم.
ارتعشت عندما طُرق الباب.
نظرت لتجد رحيق قد دخلت وهي تنظر إليها.
اقتربت فجأة من رحيق وعانقتها وهي تبكي.
"ششش كل حاجة هتكون بخير. إن شاء الله ربنا يعديها على خير."
شهقت نوران وهي تتمسك بشقيقتها وتقول بصوت مختنق:
"أنا انتهيت خلاص يا رحيق. كل حاجة هتنكشف. كتب كتابي النهاردة. هبقى مراته مش هقدر أهرب منه."
أبعدت رحيق شقيقتها عنها برفق ومسحت دموعها وهي تقول:
"قربي من ربنا وادعي يا نوران ربنا هيحميكي مادام توبتك صادقة ربنا يحميكي يا رب."
ثم ضمتها بينما قالت نوران بإختناق:
"أنا إزاي في يوم من الأيام كرهتك. إزاي اتنمرت عليكي وقولت عليكي كلام بشع. أنا عمري ما هسامح نفسي أبدًا. أنتِ إزاي مبتكرهينيش يا رحيق. في مشكلتي دي أنتِ وقفتي جنبي. كلامك الوحيد اللي كان بيريحني يا رحيق."
ربتت رحيق على ظهرها وقالت بصوت مختنق:
"حبيبتي ربنا يقف معاكي ويحميكي. أنتِ أختي حتة مني. عمري ما أزعل منك أبدًا!!"
انتفضت نوران بقوة وهي تبتعد عن رحيق بينما تسمع صوت الزغاريد.
لقد وصل جاسم وأهله.
وبعد ساعات قليلة سيتم عقد القرآن لتكون زوجته.
أي مصيبة تلك!!!
"فادي جه مع خالتك عشان جيلان أتمنى إنك متعملش مشاكل أبوس إيديك."
قالتها دلال وهي تمسك ذراع أمجد الذي زفر بضيق وقال:
"تمام مش هعمل مشاكل. اعملي اللي عايزاه. أنا من الأساس مش مهم عندك أنا عارف."
ثم تركها وخرج غاضبًا.
خرج أمجد وهو يرسم بسمة بالغصب على شفتيه.
فهو يعرف أن اليوم لن يمر على خير.
عانق جاسم وقال:
"خلي أمك تهدى يا عم البنت لسه والدتها متوفية."
نظر جاسم لوالدته التي توقفت عن إطلاق الزغاريد وقالت:
"حقك عليا يا بني نسيت من فرحتي والله."
ابتسم جاسم بينما قال فادي بهمس:
"أومال فين جيلان؟"
تجهم وجه أمجد وظهر عليه الانفعال.
لاحظ جاسم هذا ولكنه لم يتكلم أو يعلق.
يومًا بعد يوم يقتنع أن أمجد يحب جيلان والدليل فسخ خطبته بتلك الطريقة.
رباه هذا أمر معقد فشقيقه يريدها أيضًا!!!
حك جاسم جبينه وقال بإحراج:
"فادي أهدى شوية متبقاش واقع كده!!"
ابتسم فادي بخجل لتخرج دلال وهي مبتسمة وتضم شقيقتها ثم سلمت على فادي وجاسم.
"خالتي فين جيلان؟" قالها فادي وهو يبحث بعينيه عنها.
نظرت دلال إلى أمجد الذي انقبض فكيه وكان على وشك فقدان السيطرة على نفسه وقالت:
"مش دلوقتي يا فادي بعدين لو سمحت."
كست الخيبة وجهه وقال:
"طيب يا خالتي."
ابتسمت دلال بتوتر وهي ترى غضب أمجد الواضح وقالت:
"يالا يا جماعة اتفضلوا. ارتاحوا معانا يوم شاق النهارده."
ولجت والدة جاسم وابنائها إلى الصالة لتمسك دلال ذراع ابنها وتقول:
"ممكن تفرد وشك شوية. ممكن حد يفهم."
نظر إلى والدته بضيق وقال:
"ياريت يفهم عشان أنا اتخنقت."
"استغفر الله العظيم. ربنا يهديك يا بني!!"
ثم تركته وذهبت للضيوف.
أغمض عينيه وهو يتعوذ من الشيطان.
هو يتجه للهاوية دون أن يدري.
في المساء...
"حرارتك شوية مرتفعة. متقلقيش حاجة بسيطة." قالها جورج وهو يخرج مقياس الحرارة من فم سيلا.
زفر وهو يتذكر أنها اتصلت به ما أن خرج من العيادة وأخبرته أنها مريضة لذلك هرع سريعًا إليها.
كلما حاول الابتعاد عنها تجد طريقة لتجعله يقترب منها مرة أخرى.
"أنا هنزل أجيبلك مضاد حيوي و...." ولكنها أمسكت كفه وهي تقول بصوت مبحوح:
"لا يا جورج. خليك معايا هنا. عشان خاطري خليك معايا."
"سيلا أنا..."
"عشان خاطري."
هز رأسه وهو يجلس على الفراش بجوارها لتتنهد وهي تضع رأسها على كتفه بينما تضمه وتقول:
"أنا لو هموت دلوقتي هموت مرتاحة. كفاية إني في حضنك."
"سيلا..." قالها بإرتباك وهو يحاول أن يتملص منها ولكنها كانت تضمه بقوة ورفعت وجهها كي تقبله.
ولكنه أبعدها بإصرار وقال:
"أنا بحب ماريانا يا سيلا. بجد بحبها. مش هقدر أعمل أي حاجة تقلل منها. مش هقدر أبقى خاين."
"أنت... أنت بطلت تحبني يا جورج."
ابتلع ريقه وقال:
"لا. بتيجي أوقات أحس فيها إني كرهتك بس ده محصلش. بس بحب ماريانا أكتر. هي اللي راسم حياتي معاها."
نشيج ناعم خرج من بين شفتيها وقالت:
"ياريتني ما كنت سبتك ياريت كنت قولتلك كل الحقيقة وقتها أنا واثق إنك كنت هتتمسك بيا يا جورج. ياريت."
"أهدي يا سيلا خلاص مبقاش فيه داعي للكلام ده. خلاص اللي حصل حصل."
أغمضت عينيها والدموع تنهمر من عينيها وقالت:
"طيب خليك جنبي لحد ما أنام. ممكن بس تحضنيني. أنا سفري خلاص بكرة وهختفي من حياتك. عشان خاطري يا جورج."
نظر إليها بيأس ليجدها تنظر إليه بتوسل.
تنهد وهو يقترب منها ثم جلس على الفراش مرة أخرى لتضمه هي بينما تضع رأسها على صدره وتقول:
"أنا بحسد ماريانا عليك."
ثم أغمضت عينيها وهي تغرق بالنوم.
تنهد وهو ينظر إليها.
يشعر بالذنب لأنه يفعل هذا. ألا تعتبر تلك خيانة لماريانا. المرأة التي تفعل المستحيل لإسعاده.
هي الآن تنتظره بينما هو مع سيلا.
أمسك هاتفه بسرعة وهو يبعث لها رسالة لكي تنام والا تنتظره حيث تحجج بوجود مشكلة مع صديقه.
أسفل شقة جورج الحكيم.
كانا يقفان شابان يافعان. يدخنان.
قال أدهم: "دي شقة دكتور يا حاتم يعني فيه خير كتير."
هز حاتم رأسه بإستحسان وقال: "بس انت متأكد إن مفيهاش حد."
هز أدهم رأسه وقال: "عيب يا صاحبي هو أنا تلميذ. الشقة فاضية خالص." قالها أدهم وهو ينظر للشقة الغارقة في الظلام.
"شكله المأذون جه. شوفوا نوران جهزت ولا لا؟" قالها أمجد وهو يذهب ليفتح الباب بينما خالته وابنيها كانوا موجودين بصالة المنزل وعدد من الضيوف.
فتح الباب لتختفي البسمة من على وجهه ويقول بغضب:
"أنتِ... أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
ارتبكت أريام وهي تقول:
"أنا جايه أعتذر منك ومن جيلان على الكلام اللي طلعته عليكم."
رواية اسرت قلبه الفصل الثلاثون 30 - بقلم سوليية نصار
الفصل الثلاثون(خسارة)
النظر لعينيكِ كالجنة
(سيف لمياس )
........
-امشي دلوقتي بدل ما ازعلك مني يا اريام ...أنا عامل حسابي دلوقتي انك بنت ومش عايز ازعلك ...
قالها أمجد بعصبية وتهور....نظرت إليه اريام وقد تشبعت عينيها بالدموع ....ما فعلته كان مقيتاً...هي لن تسامح نفسها أبدا لأنها تسببت في أن فتاة بريئة قد تشوهت سمعتها ...لقد عادت لرشدها بقوة ...عرفت أن ما فعلته كان خاطئ...وكان هذا بسبب سلوى ...سلوى رفيقتها التي جعلتها تفيق رغما عنها .....
تذكرت ما حدث ...فبعد ما قطعت سلوى علاقتها معها شعرت أريام بالإختناق ...شعرت أنها وحيدة ...بقت تبكي في غرفتها لساعات إلا أن تورمت عينيها ...خسارتها لسلوى كانت أسوأ خسارة اختبرتها يوما ...هي لم تنهار عندما تركها أمجد بتلك الطريقة ...سلوى كانت الجزء الاجمل داخلها ...كانت الصديقة التي توجهها للصواب دوما ...وعندما تركتها شعرت أريام بالضياع !!لذلك لم تتحمل وذهبت إليها وقد قررت أن تعتذر منها ...لا يهم ان غضبت أو طردتها ولكنها سوف تخبرها أنها ابدا لم تقصد هذا ....تتذكر يوم لقائها بصديقتها عندما ذهبت لشقتها التي تسكن بها مع زوجها بعد ما توقفت عن المجئ عن العمل وطلبت إجازة مفاجئة ....
....
-أريام؟!
قالتها سلوى بدهشة وهي ترى صديقتها أمام منزلها ...كانت تبدو شاحبة الوجه ...الحزن يرسم خطوطه القاسية على وجهها ...بدت تعيسة للغاية ...أوجعها قلبها على رفيقة عمرها رغم ما فعلته وما قالته ولكنها نست كل شىء وهي تراها بتلك الحالة ...تعرف كم أن اريام فتاة جيدة ...طيبة القلب ولكنها متأثرة بشخصية والدتها .....
-ممكن ادخل ؟!
قالتها أريام بخجل لتفسح لها سلوى الطريق وتقول بخفوت :
-أكيد اتفضلي ...
ولجت اريام للمنزل وهي تشعر بالخجل منها ...اخر مرة قد جرحتها بقوة ...خجلها تضاعف عندما عاملتها سلوى بلطف كعادتها ....
جلست اريام على الأريكة لتقول سلوى :
-اقعدي ارتاحي ...إياد مش موجود ...أنا رايحة اعملك حاجة تشربيها ...
ثم كادت أن تذهب الا أن اريام أمسكت كفها...نظرت إليها سلوى بحيرة لتنهض اريام وتضم سلوى بقوة وهي تبكي وتقول.:
-انتِ ليه بتعامليني كويس كدة ....أنا كنت إنسانة وحشة معاكي ...أنا جرحتك اووي قولتلك كلام وحش اووي ...عايرتك ...ازاي بتعامليني بالشكل ده ...والله انا مستاهلش المعاملة دي منك يا سلوى ...مستاهلش اي حاجة
-ابتسمت سلوى برفق وهي تضم صديقتها وتقول :
-عشان أنا عارفة أنك مش كدة عارفة انك طيبة ....يمكن غلطتي بس كلنا بنغلط يا ستي ...المهم اننا نعرف غلطنا ....
ابعدتها عنها بلطف ثم قالت بحذر وهي تمسك كفها :
-أنتِ غلطتي يا أريام...غلطتي في حق جيلان وأمجد كمان ولازم تصلحي غلطك...
أطرقت اريام برأسها وقالت بصوت مخنوق :
-أنا اتكسر قلبي يا سلوى ...أنا معملتش حاجة غير أني حبيت أمجد...حبيته أووي ..هو ليه محبنيش...هو ظلمني ....
-وأنتِ كمان ظلمتيه وظلمتي واحدة من غير ذنب واتهمتيها في شرفها وده مش كويس...دي مش اخلاقك يا اريام ...أنا عارفة قد ايه أنتِ طيبة .....ممكن غضبك او شيطانك سيطر عليكي بس تقدري تهزميه وتروحي تبرئي المسكينة دي وتعتذريلها....
فركت أريام كفيها وهي تنظر لصديقتها بقلق وتقول:
-انا مكسوفة اواجههم...خايفة من أمجد ورد فعله ...
هزت سلوى كتفيها وقالت:
-روحي واعملي اللي عليكي....
نظرت اريام إلى صديقتها وقالت:
-يعني...يعني أنتِ مش زعلانة مني !!
ابتسمت سلوى وهي تهز رأسها وتقول :
-انا عمري ما ازعل منك يا اريام ...
ابتسمت اريام وضمت صديقتها وهي تشعر بالراحة تتسلل داخلها....
....
خرجت من شرودها وهي تنظر إلى أمجد الذي ينظر إليها بغضب ...ابتلعت ريقها وهي تقول بصوت منخفض :
-انا بجد جاية اعتذر ...انا اسفة على الكلام اللي قولته عليك انت وجيلان يا أمجد ...وقتها كنت متضايقة ...غيرانة ...مكنتش بفكر بعقلي ...ده مش مبرر ليا ...أنا اللي عملته غلط واللي عملته امي غلط برضه ...سامحني يا أمجد واوعدك مش هضايقك ابداً في حياتي. .. أنا خلاص اتقبلت انك بتحب جيلان....ربنا يهنيك معاها ...
-أمجد بيحب جيلان ...
قالها فادي مصدوماً. ....كان ينقل نظراته بين الجميع لتتوقف على أمجد الذي انقبض فكيه بعصبية ...
-انت بتحب جيلان ؟!
قالها بإستنكار ...وقد فهم اخيرا سبب غضبه غير المبرر كلما أتى بسيرة جيلان ...كيف يحبها...الم يكن خاطب لغيرها ...تلك ليست تصرفات أمجد أن يحب فتاة ويرتبط بآخرى ...وهل جيلان تبادله تلك المشاعر ...هو متأكد انها تبادله أيضا تلك المشاعر ...
لم يرد أحد على فادي...الجميع كان يعيش صدمته الخاصة ....جاسم كان صامت وهو يتأكد من شكه المسبق ان ابن خالته يحب جيلان ... هذا كان واضح للغاية ...نظراته ...توتره وغيرته ...أما والدة جاسم كانت مصدومة وهي تنظر للجميع...كيف يحدث هذا ....أما جيلان التي كانت تقف بجوار الغرفة بعيداً عنهما كانت تبكي دون توقف ...إلى متى ستظل سيرتها هكذا على كل لسان !!!
فركت أريام كفيها وهي تفكر :
هل فعلت شئ خاطئ مجدداً...رباه.....
-انا بجد أسفة لو عكيت الدنيا تاني ....أنا بس جاية اعتذر وأقول إن بسبب غيرتي قولت كده على جيلان ...أنا متأكدة انها بنت محترمة وعارفة اخلاقك يا أمجد....انت صحيح ظلمتني بس اختارت القرار الصح لما مكملتش ظلمك ليا واتجوزتني وانت في قلبك حد تاني ...بتمنى انك تسامحني ...وقول لجيلان تسامحني كمان ولو عايزاني اروح الكلية اعتذرلها قدام الكلية كلها أنا معنديش مانع .....
-لو سمحتي روحي ..
قالها أمجد وهو يحاول أن يسيطر على غضبه .....
هزت رأسها وهي تذهب مسرعة ....بينما اغلق هو الباب ليقول فادي مرة آخرى بصدمة :
-أنت بتحب جيلان ؟!
-يعني هو مش واضح من الكلام !!
قالها أمجد بنفاذ صبر ثم نظر لوالدته :
-اظن دلوقتي معندكيش اي مبرر أنا هخليها تروح للكلية وتعتذرلها قدام الكل ....مفيش اي مانع اني اتجوز جيلان
رمشت جيلان بصدمة وهي تمسح دموعها بينما يكمل امجد :
-النهاردة كتب كتابي على جيلان..
نظرت جيلان اليه وهي تشعر بالذعر...ماذا يقول هذا أي عقد قرآن ...شعرت ان الأرض تميد بها ...كانت تتنفس بعنف بينما هو يقول هذا بكل بساطة امام الجميع ...يخبرهم بصلافة انها ستكون زوجته ...وكأن ليس لها أي رأي بهذا ...
تجمعت الدموع بعينيها وهي تشعر بالقهر وقلة الحيلة ...
+مش وقته الكلام ده يا أمجد !!
قالتها والدته بعصبية وهي ترمقه بلوم ليهز هو رأسه ويقول :
-لا يا امي وقته...خلاص وضحت كل حاجة ...أنا هتجوزها ...المأذون اللي هيجي يكتب كتاب نوران هيكتب كتابي أنا وجيلان كمان ...
استدارت جيلان وولجت للغرفة وهي تبكي بعنف ...لا تصدق ما تسمعه....
...
كان الجميع صامت بعد قراره هذا ...كان التصميم يملع بعينيه ...يخبر الجميع انه سيفعل ما يريده ولن يستطيع أي شخص منعه...تنهدت والدته بتعب وهي تفكر انها لن تستطيع أن تجعله يتراجع عن هذا الأمر ...هي تعرف ابنها جيداً وتعرف كم هو عنيد ....
................
كانت تبكي بالغرفة بينما رحيق ونوران بجانبها ....كانت تشعر بالظلم...امجد قرر بكل قسوة انه سوف يعقد قرآنه عليها رغماً عنها ....
ضمتها رحيق وهي تقول بصوتها الدافئ :
-ممكن تهدي شوية ....جيلان والله أمجد بيحبك ...أنا عارفة انه غلط وانه أتصرف تصرفات غريبة آخر فترة بس هو كان مشتت ...أنا مش ببررله طبعا...هو غلطان بس كمان انتِ بتحبيه ومادام كده لازم تتجوزوا ....دي الحاجة الطبيعية ....
-انا حاسة ...حاسة اني مجبورة ...حاسة ان مليش أي رأي ...مليش أي حق اتكلم او اقول لا ....اخوكي اخد حقي فيه اني اقول لا او آه يا رحيق ...
كانت تريد رحيق ان تتكلم ...كانت تريد أن تبرر ولكنها ماذا تقول ...هل تكذب وتبرر لشقيقها ...ستكون حينها منافقة ..المخطئ الأول في هذا هو أمجد ....هو من ذهب وخطب فتاة لا يريدها...قاوم انجذابه لجيلان حتى وقع في غرامها والآن هو يصارع الجميع ليحصل عليها ...كانت تشعر بالشفقة على جيلان ...هي فقدت اهلها ..وفقدت الحق في رفض أمجد ...امجد حتى لم يبذل أي مجهود لكي يقنعها بالزواج منه ...بل أخبر الجميع انه سيتزوجها ...والآن ما يريده سيتم خاصة بعد ما اعلن فادي انسحابه بعد ما عرف الحقيقة ولا يبدو انه مستاء ....
طرقة خفيفة على الباب ثم دخول دلال قطع حيل افكارها ...وقفت دلال والجدية تسيطر على ملامحها وقالت بهدوء :
-تمام ممكن تطلعوا انتوا الاتنين أنا هتكلم مع جيلان !
هزت كلا من نوران رحيق رأسهما وخرجا...اغلقت دلال الباب ثم اقتربت من جيلان وقالت بلطف :
-ملبستيش ليه ؟!
-انا مش عايزة اتجوزه ..مش عايزة اتجوز ابنك يا مرات عمي ...
قالتها جيلان بغضب وهي تمسح دموعها بينما ابتسمت دلال بلطف وقالت وهي تقترب منها وتربت على كتفها قائلة:
-بس انتِ بتحبي ابني يا جيلان مش هتقدري تنكري ده ...وهو كمان بيحبك ...أمجد غلط ..أنا عارفة انه بيكون تور احيانا بس أنا متأكدة انه بيحبك اوووي...
-بعد ايه ؟!بجد بعد ايه !!
قالتها جيلان بحرقة بينما الدموع تنهمر من عينيها ..ثم أكملت :
-بعد ما كسر قلبي ...بعد ما خطيبته القديمة شوهت سمعتي ..
-وجات اعتذرت ومستعدة تقول الحقيقة للناس كلها ...بس مش هنوقف حياتنا عشان كده يا جيلان ...أنا بصراحة كان في عقلي اجوزك لفادي عشان امجد يعقل شوية وقولت يمكن هينساكي ...بس ابني عنيد ...هو حبك وعايزك وهيتجوزك ...
-طيب وأنا ....
ابتسمت دلال بخبث وقالت:
-أنتِ قادرة تربيه على غلطه في حقك ...بس تربيه بذكاء يا جيلان ...أنا عايزاكي فعلا تربي ابني !!
.......
خرجت جيلان وهي تمسك كف نوران ...كلاهما رغم هدوئهما الظاهر الا داخلهما عواصف ..الخوف ...الغضب ....الترقب والقلق ...كلتاهما غارقتان بمشاكلاتهن الخاصة ...ابتلع أمجد ريقه وهو ينظر الى جيلان ...خانته عينيه وهي تمر على فستانها الأزرق الطويل المحتشم مع خمار ابيض اللون ....
أطرق برأسه مرة آخرى وهو يفكر ان دقائق ...دقائق وتكون زوجته ...دقائق وتكون ملكه حينها سوف ينظر إليها كما يشاء ...يفعل ما يريد ....
بدأ المأذون بإجراء عقد الزواج الأول وهو يأخذ كل الاوراق اللازمة....
-فحص طبي للزواج !!!
قالها امجد بوجه شاحب وهو يضرب رأسه بينما يقول من بين اسنانه...
-غبي أنا غبي !!
نظرت إليه والدته بحيرة وشدته بعيدا قليلا وهي تقول :
-هو فيه ايه ؟!
-فيه ان النهاردة مش هينفع اكتب كتابي على جيلان ...لازم نعمل فحص الزواج وشوية اوراق زي ما عمل جاسم ...أنا ازاي مفكرتش في كده ....
نظرت جيلان بدون فهم لما يدور بينما تنفس امجد بإنفعال وهو يفكر ان اي تأخير سوف يجعلها تتسرب من يديه ....
اقترب وسأل الشيخ وقال:
-هو مينفعش كتب الكتاب يتم من غير فحص الزواج يا شيخنا ...
هز الرجل رأسه بأسف وقال:
-للأسف يا شيخ أمجد مينفعش ....وعموما هو الموضوع مش صعب ممكن تعملوا التحاليل بكرة وتروحوا تستلموها بعد أسبوع. ..
تنهدت جيلان براحة كبيرة وهي تنسحب بهدوء الى غرفتها ...على الأقل سوف يتأجل الأمر ...
.......
جلس أمجد بغضب مكتوم على الطاولة وهو يضع كفه في كف جاسم بينما يردد خلف الشيخ
......
-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير ...
قالها الشيخ وهو يعلن اتكلم عقد القرآن ...مضت نوران بيد مرتجفة على ورقة زواجها ...بهذا اصبحت زوجته رسمياً...وحينها لم تشعر بشئ ...لم تشعر بمباركات الأهل لها ولا الزغاريد التي اطلقتها خالتها ...شعرت أنها انفصلت تماماً ان الواقع ...ظلت تنظر للجميع بعيون زائغة ...بدأت عينيها تترطب بفعل الدموع ...رأت بعيون مشوشة جاسم وهو يقترب منها ....عينيه البنية تأسر عينيها ...ابتسامة رائعة تزين شفتيه وهو يقول :
-انا مش قادر اصدق نفسي أنك بقيتي مراتي ...مش قادر اصدق يا نوران ....
مسح دموعها التي انسابت دون ارادة منها ثم عانق وجهها وقبل رأسها برفق .....
شهقت وهي تشعر بتسارع دقات قلبها...ليتها لم تخطئ كانت لتستمتع بتلك اللحظات الرائعة ...لم تكن لتشعر بتلك المرارة في حلقها...لم تكن لتشعر بالذنب ...بالخوف ....بالإنتظار الكبير ليوم تنكشف حقيقتها ويعرف زوجها انها فتاة بلا شرف....فتاة تم تدنيسها...
-نوران خدي جاسم وروحوا اقعدوا في اوضتك شوية ...
قالتها دلال مبتسمة لترتعش نوران وهي تنظر إلى والدتها بعصبية ...معدتها التوت بألم وهي تهز رأسها بينما تنسحب الدماء من وجهها ...ثم قالت بهمس:
-اتفضل...
سار خلفها وهو يشعر بالترقب...حينما ينفرد بها ثم يعانقها ...يعانقها بقوة مخرجاً جميع مشاعره!!
....
ما أن اغلقت الباب واستدارت نحوه حتى شهقت بفزع عندما رأت يده تمتد نحوها ثم تجذبها إليه ..رفعها قليلاً إليه وعانقها بقوة ...عانقها بكل تلك المشاعر التي كانت مدفونة في قلبه نحوها هي ....لم يكن عناقه ابدا رقيقاً ولا ناعماً بل اتى عنيفاً عاطفي وهو يغمض عينيه بينما تمتد كفه لحجابها ويزيله ببطء حتى تنسدل شعرها ...ارتعشت وهي بين ذراعيه...كانت الدموع تنفجر من عينيها وهي تعيش الماضي ...وشعرت وكأن ذراعي جاسم الآمنى تبدلت بذراع شخص آخر...آخر انتهكها وسلب شرفها ...تخشبت بين يديه ونشيج حار يفلت من بين شفتيها ولكنه لم يكن واعي ابدا لهذا ...كان غارق بحلمه الذي حققه آخيراً...
-مش قادر اصدق يا نوران...أنتِ في حضني ...حضني أنا ....مش قادر اصدق أنك بقيتي ملكي ..أنا بحبك يا نوران بحبك اووي ..استنيت كتير اللحظة دي ..اللحظة اللي احضنك فيها ...اللحظة اللي تكوني فيها حلالي...مش قادر اصدق ان أخيرا ربنا كرمني بيكي ...أنا مفيش صلاة ليا والا كنت بدعي ربنا أنك تكوني ملكي ...تكوني مراتي. ..والحمدلله ربنا حقق امنيتي ...الحمدلله...
ثم ابعدها عنه وعبس وهو ينظر إليها ...مسح دموعها وقال بندم :
-انا آسف لو جرحتك يومها ...أنا كنت بقاوم حبك يا نوران ولما استسلمت قررت اكون نفسي واتقدملك ...عشان انتِ أغلى من اني اربطك معايا من غير ما اكون جاهز....أنا بحبك والله
عانق وجهها ثم اقترب وهو يقبلها بلطف شديد ...فجاة دفعته بقوة وهي تشعر بالغثيان ثم خرجت من الغرفة بسرعة وهي متجهه للحمام وهي تتقيأ
........
في غرفتهما ...
كانت تشرب عصير البرتقال الذي احضره لها....أول جلسة مع الطبيبة النفسية كانت ناجحة نوعاً ما...لم تتطرق للحديث عن حادثة تشوهها وتركتها تأخذ وقتها ....
كان سيف يبدل ثيابه بصعوبة نوعا ما بسبب كسر يده ولكنها قد تحسنت لدرجة انه بدأ يحركها دون صعوبة كبيرة رغم وجودها داخل الجبيرة ...
جلس بجوارها على الفراش وقال :
-يظهر أنك ارتاحتي للدكتورة نورا ...
هزت رأسها ثم نظرت إليه وقالت:
-شكلكم اصحاب اووي ...يعني متعودة عليك ...
ابتسم وهمس:
-بتغيري؟!
-لا خالص ...مش أنا اللي بغير...انت اللي اعترفت أنك بتغير...
هز رأسه موافقاً وقال:
-فعلا أنا بغير اووي عليكي ...
نظرت إليه وقالت:
-ليه ده مش جواز حقيقي ...
-طيب لو كنت عايز كده فعلا؟!
قالها بجدية وهو ينظر إليها ..عينيه الزرقاء تبرق بغرابة عبست وهي تنظر إليه ثم قالت قبل أن ترتشف عصيرها :
-عايز ايه مش فاهمة؟!
-عايز اخلي جوازنا حقيقي...اخليكي مراتي فعلياً!!
أبعدت العصير عن فمها ...شعرت بالإختناق للحظات وهي تسعل بقوة ....اقترب منها وهو يمسك كوب العصير ويضعه على الطاولة ثم يربت على ظهرها بلطف ويقول بحنان:
-اهدي انا مش هفرض عليكِ حاجة ...
نظرت إليه بقلق وقالت:
-ليه؟!
-ليه ايه ؟!
تلكأت وهي تقول :
-ليه عايز تخلي جوازنا حقيقي ...
ابتسم وهو يرمقها بنظرة خاصة وهمس وهو يقترب بوجهه منها وقال:
-مستعدة تسمعي السبب ؟!
ابتلعت ريقها بعسر وقالت:
-مش هينفع ده ...احنا اصحاب ..انت قولت كده ...مفيش بيننا اي مشاعر ...انت مبتحبنيش ...
-ومين قال إني مبحبكيش....
حاولت النهوض للابتعاد عنه ولكنه امسك كفها وهو يقول :
-مياس أنا ب....
-بس بس ...متنطقهاش ...
قالتها وهي تقفز برعب ...ثم ركضت نحو الحمام وأغلقت الباب عليها !!
ابتسم وهو يهمس :
-بجد مجنونة ..
...........
فتحت عينيها وهي تشعر بباب المنزل يفتح ....كانت ما زالت تحت تأثير النوم ولكن قلبها خفق بسعادة...لقد اتى جورج ...نهضت بسعادة وهي تفتح الضوء كانت قد اغرقت المنزل كله في الظلام لكي تحصل على افضل نوم كانت تكره ان تنام على أي شعاع للضوء...بعد ان اتت اليوم من عند والدتها منذ ساعة تقريباً تحممت ورأت رسالة جورج وقررت ان تنام لانها ظنت انه سوف يبقى مع صديقه حتى الصباح ولكنه اتى ...حبيبها لم يهن عليه ان يتركها بمفردها اليوم...نهضت من الفراش وهي تسير نحو باب الغرفة ولكن تخشبت فجأة وهي تشعر بوجود وقع أقدام شخصين وليس شخص واحد ......شعرت بتسارع دقات قلبها وهي تشعر بالرعب الشديد ....ما هذا ...اتجهت برعب الى هاتفها وهي تمسكه بينما تفتحه بيد ترتعش لكي تتصل به ....
......
فتحت سيلا عينيها وهي تسمع رنين هاتف جورج ...نهضت مسرعة لكي لا يستيقظ إذ انها وجدت انه بجوارها يغط في نوم عميق ....
امسكت الهاتف وابتسمت بخبث وهي تجد المتصل هو ماريانا ....خرجت مسرعة من الغرفة لصالة المنزل وهي تفتح الهاتف وتضعه على اذنها بينما تقول بصوت ناعس مقصود :
-ألو مين معايا ....
انسحب اللون من وجه ماريانا وهي تتعرف على الصوت الانثوي المميز وقالت بلهاث:
-سيلا ...
-ايوة نعم أنا سيلا...انتِ مين ؟!...
شعرت ان الأرض تميد بها....كيف وقع هاتف جورج بيد سيلا ...لقد اخبرها انه مع رفيقه إذ يعاني من مشاكل ....لا...لا. ...لا يجب أن تنهار الآن ...سوف تفهم لاحقاً ...الآن يجب أن تنقذ حياتها وحياة ابنها....يجب ان تخرج من هنا آمنة ،
ابتلعت ريقها وهي تقول بنبرة متوسلة :
-سيلا أنا ماريانا ...جورج ...جورج فين ...أنا في مصيبة
-آه ازيك يا حبيبتي ... جورج نايم حاليا ...اصله مرهق شوية ....سوري مش هقدر اصحيه .....
انهمرت دموعها من عينيها ...كانت لا تصدق انها ستتوسل حبيبة زوجة السابقة كي تكلمه ...ولكن غريزة البقاء ...غريزة رغبتها في حماية طفلها كانت أكبر من أي شئ...أهم من أي شئ حتى جورج نفسه ..
-سيلا ابوس ايديكي ..ابوس ايديكي صحيه ...أنا حياتي في خطر ...فيه اتنين برا ...معرفش دوول ايه بس أنا حاسة بوجود ناس غريبة في البيت بتاعي ...أنا لوحدي ابوس ايديكي صحي جورج يجي...صحيه ....
تلوت معدة سيلا بعصبية ولكن انانيتها سيطرت عليها وهي تقول بصوت ناعم :
-تلاقي متهيألك ...روحي نامي أنا مش هصحي جورج ...
-سيلا بقولك أنا في خطر ...حرام عليكي ممكن أموت
قالتها ماريانا وهي تشعر انها على حافة الإنهيار...احتشد العرق على جبينها وبدت انها تتكلم جدار لا يشعر ...كيف تعرف ان امرأة مثلها معرضة للخطر ولا تهب لمساعدتها ....
-قولتلك مش هصحي جورج ...انتِ مبتفهميش .. الراجل تعبان اووي من المجهود اللي بذله ...
ثم ضحكت بخبث وقالت :
-ممكن متزعجيناش يعني ...جورج هيجيلك بكرة متقلقيش ....يالا باي يا حلوة. .
-سيلا ...سيلا لا متقفليش ...
ولكن سيلا قد تجردت من كامل انسانيتها وهي تغلق الهاتف بوجهها...
شعرت ماريانا ان الأرض تميد بها ...رباه ماذا تفعل !!!
امسكت الهاتف مرة آخرى مقررة الاتصال بالشرطة ...ولكنها انتفضت ووقع الهاتف من يدها عندما فتح احدهما الباب....ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تجد نفسها تواجه شخصيتن ملثمين ينظران إليها ...وكم تمنت ان تموت في تلك اللحظة إذ ان نظراتهما اخافتها !!!
....
وضعت سيلا الهاتف على الوضع الصامت ثم وضعته على الطاولة المجاورة للفراش...خلعت المنامة التي كانت ترتديها ثم ارتدت قميص باللون الازرق الفاتح ثم اتجهت نحو الفراش ونامت بجواره وعلى ثغرها ابتسامة واسعة ...هو حبيبها ...ملكها هي فقط !!!
.....
حاولت التحرك ولكن بدت ان قدميها مثبتة في الأرض ...اخرج حاتم سكين صغيرة وقال بصوت قوى وهو يقترب منها :
-لو حاولتي تتحركي أنا هقتلك...
طافت عينيه عليها بطمع...كانت امرأة جميلة بالفعل ...ضوء الاباجورة الشاحب جعله يرى فتنتها...بالإضافة الى جمال وجهها فهي تمتلك جسد جميل ...خاصة مع ذلك القميص الأسود الذي ترتديه والذي يناقض بياض بشرتها
-يالا يا ادهم انت كمل مهمتك ...
كانت متخشبة وهي تنظر اليهما...بدأ حاتم ينظر حولهم ...كان ادهم يأخذ أي أموال او مجوهرات يراها...ابتعد حاتم قليلا وهو يبحث عن شئ بدوره ...اتجهت ماريانا بخفة لتأخذ الهاتف ولكن حاتم رآها ليقترب منها ثم يصفعها بخشونة حتى سقطت على بطنها على الأرض ... امسكت بطنها وهي تتأوه من الألم بينما الدموع تطفر من عينيها....رباه سوف تخسر ابنها...
جعلها حاتم تستدير ثم رفع قدمه ليضربها على يطنها ولكنها صرخت وهي تقول بتوسل:
-ابوس ايديك لا ...لا أنا حامل...
-حاتم.خلاص ...
قالها ادهم ثم اقترب منه وابعده وهو يقول :
-صاحبي دي باين عليها حامل وتعبانة خلاص هي مش هتعمل حاجة تاني...احنا عايزين نسرق مش نقتل...
نظر إليه حاتم بعصبية وقال:
-انت مش قولت ان مفيش حد في الشقة !!كان لازم تاخد بالك ....خلاص يالا نخلص شغلنا بسرعة !!
ثم بدؤا بجمع الأشياء بينما ماريانا كانت تتألم بقوة والدموع تطفر من عينيها ...تريد أن ينتهوا سريعاً حتى يذهبوا حينها سوف تتصل بوالدتها .....تتمنى ان تقاوم حتى يذهبوا....مرت الدقائق بطيئة للغاية ...الألم يشتد عليها ...كانت وحيدة مرتعبة...تتمنى ان تنتهي تلك اللحظات سريعاً...لم ترغب في التفكير به ...الرجل الذي فضل ان يبقى بين ذراعي حبيبته بينما زوجته ...ام ابنه تصارع هنا الموت...
آخيرا انتهوا واخرجت ماريانا زفرة ارتياح...فجأة توقف حاتم وهو ينظر إليها...
-يالا يا حاتم واقف ليه ؟!
قالها أدهم بحيرة ...رفعت ماريانا نظراتها الى ذلك الراجل ...كانت عينيه الظاهرة من القناع تلتهمانها ....نظرت حيث ينظر هو ووجدته ينظر الى ساقيها التي ظهرت من القميص الأسود القصير....
-الست دي جامدة اووي ...
قالها بصوت ثقيل بث الرعب داخلها ...ثم كاد ان يقترب منها الا ان ادهم أمسك ذراعه وقال:
-انت بتعمل ايه يا مجنون ...الست حامل....
ولكن حاتم دفعه وهو يقول :
-ملكش دعوة ولو مش عايز تاخد دورك اقف على الباب لحد ما اخلص ...
-يا حاتم اعقل يخربيتك هتبقى سرقة واغتصاب !!
ولكن حاتم لم يسمع إليه بل اقترب من ماريانا التي ارتعبت وهي تصرخ :
-ابعد عني ابعد ....
حاصرها على الأرض لتلكمه في وجهه بقوة ...اغتاظ وقام بلكم بطنها بقوة لتصرخ بألم ...اخذت تتلوى على الأرض بينما اتجهت كفه لقميصه وهو يفعل بها ما يريد !!...
يعد قليل كان انتهى منها بينما كانت هي غارقة في دماءها ....كانت الدموع تنهمر من عينيها وهي اتمنى الموت في تلك اللحظة ...كانت تشعر بالقرف من نفسها ...تشعر انها ماتت في تلك اللحظات القليلة....
نهض حاتم عنها وهو يمسح فمه الظاهر من القناع ويقول :
-طلعتي اجمد مما توقعت بصراحة ...يا بخت الدكتور بيكي ....
-خلاص يالا يا حاتم كفاية
قالها ادهم بعصبية ليخرج حاتم بينما يقترب أدهم من ماريانا وقام بتغطيتها ثم قرب منها الهاتف وقال:
-اتصلي بأي حد يلحقك ...
ثم غادر مسرعاً...
......
في اليوم التالي...
استيقظت وهي تسمع صوت ضحكات ابنها مع يوسف .....ابتسمت بسعادة وهي تخرج وتراقبهما ..كانا يجلسان سويا ...يوسف يطعم ابنها برفق بينما الصغير يضحك من قلبه....
وضعت كفها على قلبها وهي تشعر بسعادة كبيرة ...تشعر أن الله يعوضها بعد كل تلك السنوات التي عاشتها في قهر ولكنها ما زالت تخاف ...تخاف من لطيف ....تجهم وجهها فجأة وكسا القلق ملامحه ...ماذا أن احدث مشكلة ...هي حتى الآن لا تعرف ماذا فعل يوسف به ...كيف أبعده عنها ....لقد انشغلت بجوازها ...بحب يوسف وتدليله لها ولم تبحث عن الاجابة ...صحيح انها سألته ولكنه تملص من السؤال بمهارة ....ترى ماذا يخفي يوسف ...كان هذا حقا ما يقلقها ...وواضح أن القلق كان جلياً على ملامحه لدرجة أن يوسف شعر بوجودها ونظر إليها ...عبس وهو يجدها شاردة بشكل غريب...ابتسم ونهض مقترباً منها ووقف أمامها ...نظر إلى الطفل المنهمك في طعامه ووضع كفه على وجنتها قائلاً:
-خير يا حلوة سرحانة في ايه ...
ارتعشت بشكل طفيف وهي تنظر إليه ...كانت عينيها تصرخ بالقلق ولكنه تجاهله تماماً ...يريدها أن ترتاح ...تطمئن ...أن يسمح لها بأن يحل جميع مشاكلها ...يريد أن يكون الحامي لها ...لا يريدها الا مبتسمة مرتاحة ...امرأة عاشقة له فقط !!!
-يوسف انت عملت في لطيف ؟!
ابتسم بلطف وقال ؛
-مش عايزين نفكر في لطيف حاليا ....متجيبيش سيرته ولا تفكري فيه عشان بغير ....
نظرت إليه بلوم وقالت:
-انت بتتهرب من الإجابة ...طمنني يا يوسف قول عملت ايه ...أنا عارفة لطيف. ..انسان خبيث مش هيسيبنا في حالنا !!
ابتسم لها وهو يقبل كفها ويقول :
-للاسف يا حبيبتي أنتِ متعرفهوش كويس ...لطيف انسان جبان ....هو عشان يحس أنه قوي بيتغذى على خوف اللي حواليه وللاسف كان بيتغذى عل خوفك عشان تتراجعي ومتشوفيش حياتك ...قانونيا مكانش هيقدر ياخد ابنك حتى لو اتجوزنا لأن الحضانة بالترتيب كانت هتكون لخالتك مش ليه ....وبعدين أنا قرصت ودنه شوية تقدري تقولي قدرت أبعده خلاص ...متخافيش يا حياتي أنا عمري ما اسمح لاي حد أنه يأذيكم انتِ أو محمد ....
ظل القلق يكسو نظراتها ...تنهد وقال:
-أنتِ بجد عنيدة ...
تنهدت بيأس وتمسكت به وقالت :
-انا مش عنيدة ...أنا خايفة عليك يا يوسف ...أنا بحبك ....
تألقت عينيه وقال مبتسماً:
-قوليلي بحبك تاني كده ...
زفرت بضيق وقالت:
-هو ده وقته .....
اقترب بوجهه منها وهو يقول :
-معلش قوليها تاني....
-يوسف الولد ...
قالتها بخجل وهي تنظر الى محمد التي غفلت عنه ...نظرت إليه بلوم ثم ضربته على كتفه وقالت :
-عيب كده ...
ابتسم لها وهو يلمس وجنتها ...
-على فكرة أنت مش هتضحك عليا بالكلمتين دوول انت هتقولي عملت ايه في لطيف ...
تنهد وقال؛
-حاضر هقولك ...بس مش دلوقتي خالص ...احنا دلوقتي هنستمتع بأيام شهر العسل بتاعتنا .....هاخد إجازة أسبوع كده ونسافر ايه رايك ؟!.
ابتسمت وقالت :
-انا بجد مكسوفة من اللي في الكلية لما نيجي...كلهم عرفوا أننا اتجوزنا . .
عبس وقال :
+مكسوفة مني ...
هزت رأسها بسرعة وهي تنفي بسرعة :
-لا طبعا ...بس مكسوفة من نفسي اوووي يا يوسف ...حاسة انك كتير عليا ...حاسة أن....
وضع أصابعه على شفتيه وقال وهو يقبل رأسها :
-اوعي تقولي كده تاني ....أنتِ غيرتي حياتي ...ادتيني الحب اللي انا كنت محتاجه ...ادتيني ابن ....حسيت بالابوة لأول مرة بسببك وهيكون لينا بنت تانية قريب إن شاء الله ...
قالها وهو يقبل وجنتها ...
ابتسمت بخجل وهي تضمه إليها ...رغم كل شئ القلق ينهش قلبها ....يوسف يقحمها بعالم وردي ...عالم لم تظن أنها ستكون فيه يوماً....
-عمري ما تخيلت اني حد يحبني بالطريقة دي يا يوسف ...كنت بحس اني أقل من اني اتحب...مش قادرة اصدق ان ربنا عوضني اخيرا براجل زيك ....افتكرت أن الحب اللي انا عايشاه حاليا مش ليا أو حاجة بنشوفها في الأفلام أو بنقراها في الروايات ...بس انت خليت كل حاجة حقيقية ....رغم اني جوايا خوف بس عايزة اقولك اني معرفتش الآمان اللي معاك ....
ابتسم بحنان وهو يسمع كلماتها تلك ...كيف يخبرها أن هذا شعوره أيضا ...لقد كان مشتت ...يبحث عن الحب ...محطم القلب من قبل رقية ثم نسرين ...بحث عن الحب بضراوة كان يريد أن يرتاح ولكنه انكسر مرتين إلى أن اتت هي وجبرت قلبه ....
-انا بحبك بجد يا ماجدة ...بحبك اكتر مما تتخيلي ....
ابتسمت بسعادة وهي تشعر اخيرا أنها بمكانها الصحيح ...فبين ذراعيه كان الوطن !!
ابتعدت عنه وهي تبتسم بخجل ليمسك كفها ويسحبها نحو الطاولة لتجلس وتتناول الإفطار معهما...ابتسم يوسف وهو ينظر لتلك العائلة ...عائلته ... امرأة محبة رائعة ...وابن مهذب لطيف ...هذا ما كان يريده وقد تحققت أمنيته...
-الحمدلله يارب ..
تمتم مبتسماً بينما قلبه كان يخفق بسعادة ..
... . ....
-لا ...لا انتوا واخديني على فين ..
قالها حماد زوج سمرا بينما يشعر بالذعر ...كانت عينيه معصوبة ....جل ما يتذكره أنه كان خارج من منزل عشيقته الجديدة بعد أن قضى الليلة معها ثم أتت سيارة سوداء مصفحة واقتربت منه وفجأة فتح عينيه وهو يجد نفسه يُجر بقوة بينما عينيه معصوبة.... الخوف نهش قلبه وهو يتخيل اسوأ السيناريوهات ...رباه ماذا يحدث ...فكرة بفزع .....
-اهلا بيكي يا حماد ...
قالها لطيف بصوته المميز القاسي...قصف قلب حماد برعب وشعر بالهلع ...
-ل...لطيف بيه!!!
أشار لطيف لرجاله كي يسحبوا العصابة عن عينيه....
وقد سحبوا رجالة العصابة عن عيني حماد بقوة ألمته ليجد نفسه وجه لوجه أمام لطيف ...في منزل مهجور غريب ..كان يجلس على مقعد خشبي ...عينيه تلمع بغضب شديد لم تخففه تلك الابتسامة الصغيرة التي تحتل وجهه ...
-لطيف بيه صدقني أنا ...
قالها حماد وهو يبكي ...كان عاجز عن إيجاد الكلمات ....كان لطيف غاضب ...غاضب كثيرا ...بسبب هذا الغبي ضاعت حبيبته منه
-اسكت يا حماد ...
قالها لطيف بنبرة ناعمة خطيرة بثت الرعب داخله ....
-لطيف بيه ...والله مليش دعوة ...ده هو ...هو اللي اغراني بالفلوس ...لطيف بيه أنا ....
نهض لطيف واقترب منه ثم لمس خده وكرر :
-انا قولتلك تسكت يا حماد ...
أطرق حماد رأسه وهو يبكي بقوة ....يشعر بالرعب...ماذا سيفعل به هذا الرجل المجنون ...بالتأكيد سوف يقتله ...رباه كيف كان غبي لتلك الدرجة وسمع كلام يوسف ....كيف اغراه بالمال ...لقد كان في باله ان يبتز لطيف بباقي الأدلة للحصول على المال ...أراد أن يكون غني ...يكسب الأموال ولا يعمل مجددا....هو يعشق الأموال كما يعشق النساء...تلك هي نقاط ضعفه......
-أنت هتعمل فيا ايه يا لطيف بيه ؟!
قالها حماد وهو يبكي ...ابتسم لطيف بغموض وهو يمد كفه ليودع احد رجالة سلاح به ...امسك لطيف السلاح وهو مبتسماً وقال:
-هقتلك اكيد يا صاحبي ...
-لطيف بيه انا ...أنا آسف ...سامحني ابوس ايديك ....
ابتسم لطيف بآسف وقال:
-معلش يا صاحبي أنا مش بسامح في الخيانة !!!
ثم أطلق عليه النار ....
نظر لطيف ببرود إلى الرجل الغارق في دماؤه وقال لرجاله:
-اتخلصوا من جثته ...مش عايز حد يعرف هو فين ولا حصله ايه !!!