تحميل رواية «أسير عينيها» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
«عائلة البطل» خالد محمود السويسي: 30 سنة، عقيد شرطة. طويل القامة، مفتول العضلات، دائمًا ما يمارس التدريبات الشاقة منذ صغره. شعره أسود كثيف، عيناه بلون البندق الغامق. قاسٍ، مغرور، متعجرف، عنيد، يكره جميع النساء إلا هي. محمود السويسي: 58 عامًا. طويل القامة، بشوش الوجه، يمتلك مصنعًا لصناعة الأقمشة. زينب محفوظ: والدة خالد. كل ما يقال عنها أنها أم مصرية أصيلة بكل ما تحمله من طيبة وعطف على أبنائها. 50 عامًا. ياسمين السويسي: 27 عامًا. خريجة كلية آداب قسم لغة إنجليزية، تعمل مترجمة. مخطوبة لدكتور أنور مح...
رواية أسير عينيها الفصل العاشر 10 - بقلم دينا جمال
خالد مبتسمًا بثقة: بالنسبة لابن الحلال، بقي أنا طالب منك إيد لينا.
نظرت له بصدمة. لو كانت في موقف آخر ربما ستكون سعيدة بهذا الطلب، لكنها تود الآن خلع قلبه من مكانه. ولكن ما يطمئنها أنها تعرف أن والدها من سابع المستحيلات أن يوافق.
قاطع شرودها جملة جاسم التي جعلت قلبها يتوقف فزعًا: أنا موافق.
زت رأسها نفيًا بعنف. بالتأكيد حلم، بل كابوس وستصحو منه قريبًا، ولكن للأسف واقع. رأت والدها وهو يصافح خالد بحرارة. ومن ثم رأته وهو يعانق محمود صديقه وزينب وفريدة. قاما بدور المؤثرات الصوتية، فلم تكف زينب عن إطلاق الزغاريد، وفريدة تحاول تقليدها.
بعد عناق ودي بينهما.
"إلى هنا وكفى، أنا لست لعبة في يدهم حتى يقرروا نيابة عني."
قررت الخروج عن صمتها، مواجهة خوفها من أبيها، وخاصة عندما رأت في عيني خالد نظرات تلمع بانتصار ورسالة تقول: "أنتِ ملكي".
لينا صارخة: بسسسسسس.
خيم الصمت للحظات. ينظر لها الجميع بدهشة. لتهتف هي صارخة: أنتوا بتعملوا إيه؟ بتقرروا حياتي وأنا واقفة أتفرج؟ مش من حقي حتى أرفض أو أوافق؟
نظرت لوالدها تصيح فيه وقد خانتها دموعها، فبدأت تجري بسرعة على وجنتيها. مش دا خالد الي أنت بتكرهه وكنت بتعاقبني كل ما أنطق اسمه؟ كم مرة حبستني في أوضتي في الضلمة عشان كل غلطتي إني قولت عايزة خالد؟ جاي دلوقتي تقولي هتتجوزيه؟
توجهت بنظرها ناحية ذلك الجالس على الفراش يرمقها بحزن. لتهتف بنحيب: وأنت كنت فين كل السنين دي؟ رمتني وما سألتش عني؟ 12 سنة بعد ما كنت كل حاجة ليا في الدنيا؟ سيبتني وما فكرتش حتى تسأل عني؟ وعشت حياتك واتجوزت بدل المرة اتنين؟ جاي بعد كل السنين دي تقولي بحبك؟ لأ يا خالد، حتى لو كان في قلبي حب ليك. انتوا قتلتوه. أنا بكرهك يا خالد. بكرهك.
أخفت وجهها بين يديها وبدأت في البكاء، بينما ينظر لها كل من في الغرفة ما بين حزن وشفقة وندم. وقسم بمحو تلك الدموع إلى الأبد.
اقتربت فريدة منها تربت على كتفها بحنان. فألقت برأسها على صدر والدته تنوح بأسى على حالها.
على جانب آخر، هناك من اشتعلت عيناه بغضب عندما سمع تلك الكلمات: "وكنت بتعاقبني كل ما أنطق اسمه، كم مرة حبستني في أوضتي في الضلمة عشان كل غلطتي إني قولت عايزة خالد". نظر إلى والدها وبداخله بركان مشتعل. لو انفجر لقتله في الحال. ومع ذلك نظر إليه بهدوء مصطنع: "حيث كده بقى، ملوش لازمة نعمل حفلة خطوبة. أنا هقدم الشبكة ونكتب الكتاب على طول".
رفعت وجهه تنظر لوالدها. كانت نظرتها راجية ترجو عطفه ولو مرة واحدة. ولكنه لم يهتم لها أبدًا، ليرد بهدوء: "ماشي يا ابني، أول ما تشد حيلك نكتب الكتاب والفرح بعده بـ 3 شهور".
نظرت له بقلب مهشم وعينين ماتت الحياة فيهما. لتردف بخواء: "الي بتعمله فيا ده حرام…".
قاطعها والدها بقسوة: "انتي تخرسي خاااالص! فاهمة؟ جوازك من خالد أمر مرفوض منه. ويلا قدامي".
ذهب ناحيتها وقبض على رسغ يدها بقوة. وليكور هو قبضته بغضب يحاول التحكم بأعصابه أمام دموعها التي تخترق روحه كخناجر تمزقه أشلاء بلا رحمة.
بدأت تتحرك من أمامه، تمشي خلف والدها الذي يجذب يدها خلفه وكأنها دمية يحركها كيفما يشاء. وصلت إلى باب الغرفة لتقف وترفض الحركة.
جاسم بحدة: ما تتحركي.
نزعت يدها من يد والدها ببرود. كانت نظرة عينيها وكأنها سهام من الصقيع. أدرك جاسم في تلك اللحظة أن شيئًا مهمًا في قلب ابنته قد مات.
لينا ببرود: ما ينفعش يا جاسم باشا. أنا الدكتورة لينا الشريف، أولًا وآخرًا. ما ينفعش الدكاترة والممرضين يشوفوني وأنت ساحبني كده وراك. اتفضل حضرتك، وأنا هجيب شنطتي من المكتب وأحصلك.
هز جاسم رأسه إيجابًا: خمس دقايق وتبقي في العربية.
هزت رأسها إيجابًا وفتحت الباب. ليتبعها جاسم ومعه فريدة.
***
ذهبت إلى مكتبها بخطى حاولت أن تكون سريعة. أدارت مقبض الباب ودخلت. بدأت في جمع أغراضها عندما سمعت صوت دقات على باب المكتب.
لينا: ادخل.
دخل عصام يهتف بقلق ظاهر.
عصام: دكتورة لينا، حضرتك كويسة؟
هزت رأسها إيجابًا ببرود. فرمقها بشك.
عصام: متأكدة؟
لينا ببرود: ما تقلقش يا عصام، أنا كويسة. في حاجة؟
عصام: لا أبدًا. أنت كنت جاي أطمئن على حضرتك. هو انتي ماشية ولا إيه؟
لينا: آه، تعبانة ومحتاجة أستريح.
ثم أخرجت ورقة من مكتبها وخطت عليها بعض الجمل ووقعت باسمها وأعطتها له.
لينا: خد يا عصام، ده إقرار مني أنك المسؤول عن المستشفى الفترة الجاية. احتمال ما أقدرش أجي. اعتبر نفسك مكاني على ما أرجع.
عصام بقلق: ليه مش هتيجي؟ انتي مش كويسة صح؟
تبسمت ابتسامة صغيرة لم تصل لعيونها: أنا كويسة، أنا بس محتاجة راحة طويلة شوية. خلي بالك من المستشفى يا عصام.
تنهد بحزن وهو يأخذ منها تلك الورقة: حاضر يا دكتورة.
دق باب الغرفة تلك المرة دقات سريعة متتالية.
لينا بهدوء: ادخل.
دخلت إحدى الممرضات تهتف سريعًا: دكتورة لينا، المريض اللي في الأوضة 501 مصر يخرج دلوقتي.
لينا بهدوء: طب روحي انتي وأنا هتصرف.
فتحت درج مكتبها وأخرجت ورقة تعهد.
لينا: خد يا عصام، لو هو مصر يخرج خليه يمضي التعهد ده إن المستشفى مش مسئولة عن حالته لو حصله أي مضاعفات.
عصام: حاضر يا دكتورة.
خرج عصام والممرضة ومن بعدهم لينا متوجهة إلى سيارة والدها. جلست على الأريكة الخلفية بجانب والدتها. دقيقة، اثنتين، ثلاثة، خمس دقائق مرت تحاول فيها سجن دموعها في أسر عينيها. ربتت فريدة على يدها برفق.
فريدة بحزن: عيطي يا بنتي.
وكانت إشارة بدء نحيب حارق. تنعي نفسها ببكاء صامت. ارتمت على صدر والدتها تبكي وتجهش في البكاء.
وظلت تمسد على شعرها.
فريدة باكية على حالة ابنتها: بس يا بنتي، اهدي. اهدي خلاص.
جاسم بحدة: ما خلاص بقى! كفاية عياط. مش دا خالد حبيب القلب دلوقتي؟ مش عايزاه؟
انتفضت من حضن والدتها تهتف بقسوة: أنا بكرهه وبكرهك. أنا عارفة إنك عمرك ما حبيبتني. طالما مش عايزني وعايز تخلص مني، ما سبتنيش أعيش في أمريكا ليه؟
ضغط جاسم على مكابح السيارة بقوة فتوقفت فجأة ليصيح فيها: أنا لو عايز أخلص منك زي ما بتقولي، كنت جوزتك فارس ابن عمك بعد ما خلصتي ثانوية عامة وبعتك تعيشي في الصعيد زي ما عمك راشد كان عايز. أو كنت رفضت إنك تسافري بره تدرسي سبع سنين وكنت دخلتك أي كلية عادية أربع سنين وجوزتك بعدها. ولكن أنا فضلت ماشي ورا حلمك وطموحك لحد ما حققتيه. أعتقد كفاية كده أوي. أنا مش هعيشلك العمر كله ولازم يبقى فيه حد يحافظ عليكي.
لينا صارخة ببكاء: من امتى! والحد ده كان خالد؟ أنت طول عمرك بتكرهه.
جاسم: لتفضلي هنا وتتجوزي خالد، لتسافري الصعيد وتتجوزي فارس، لاما ترجعي أمريكا وتتجوزي أياد.
اتسعت عينيها بذعر عندما سمعت اسمه: لالا! أنا مستحيل أرجع لأياد. مش بعد اللي كان عايز يعمله فيا. عايزني أرجع له؟
كاد جاسم أن يرد عندما رن هاتفه برقم غريب. أمسك هاتفه وفتح الخط.
جاسم: مين معايا؟
خالد: جوز بنتك. انتوا واقفين ليه؟
جاسم بغيظ حاول إخفاءه: وأنت عرفت منين إننا واقفين؟
خالد: بص وراك.
نظر جاسم في مرآة السيارة الأمامية فوجد سيارة سوداء تقترب منهم لتقف بجانبهم. ترجل منها محمود وخالد.
نزل جاسم من سيارته.
خالد بقلق مصطنع: خير يا عمي؟ انت كويس؟ العربية عطلت ولا إيه؟
جاسم بود مصطنع: لاء يا ابني ما تقلقش، العربية شغالة.
محمود: طب انتوا كويسين؟ حد فيكوا حصل له حاجة عشان كده وقفتوا؟
جاسم: ما تقلقش يا محمود، إحنا كويسين. صحيح، هو خالد خرج إزاي؟
محمود بضيق: أعمل إيه في دماغه الناشفة؟ ما رضيش يقعد واضطر يكتب تعهد على نفسه لو حصله حاجة.
نزلت زينب من السيارة وذهبت إليهم.
زينب: هي لينا وفريدة كويسين؟
هز جاسم رأسه إيجابًا. فتركتهم وصعدت إلى سيارة جاسم.
خالد بتوعد وبصوت منخفض: ما تنساش اتفقنا يوم الخميس.
جاسم بضيق: مش ناسين.
محمود ضاحكًا: بتتفقوا على إيه؟
خالد مبتسمًا: لاء أبدًا يا حج، دا أنا بعزم عمي جاسم عندنا على الغدا يوم الخميس.
هتف من بين أسنانه بابتسامة صفراء مصطنعة: مش كده يا عمي؟
رد جاسم له الابتسامة ليهتف أيضًا من بين أسنانه: كده يا حبيبي.
***
في داخل السيارة.
صعدت زينب بجوار لينا المرتمية في أحضان والدتها تبكي بحرقة. مسدت على شعرها برفق.
زينب بحزن: لوليتا حبيبتي، كفاية عياط. هتموتي نفسك.
جذبت زينب لينا من حضن فريدة برفق.
زينب بحنان: حبيبتي، ما حدش هيغصبك تعملي حاجة انتي مش عايزاها. مش عايزة تتجوزي خالد خلاص؟ مش هتتجوزيه.
لينا غاضبة: انتي فكراني عيلة صغيرة بتضحكي عليها بكلمتين؟ ابنك أنا مش هتجوزه ولو على جثتي حتى.
ثم عادت لترتمي في حضن والدتها من جديد.
فريدة باحراج: معلش يا زينب، هي بس أعصابها تعبانة شوية.
زينب: ولا يهمك يا فريدة. انتي عارفة إن لينا في غلاوة بنتي وأكثر.
استقل جاسم وخالد سيارة جاسم، بينما استقل محمود سيارته.
خالد: لو سمحتي يا أمي، ارجعي عربية بابا. خمس دقايق وهحصلك.
نزلت زينب من سيارة جاسم وعادت إلى سيارة زوجها. لتنفجر هي في وجهه ما أن سمعت صوته التي باتت تمقته: انت إيه اللي جابك هنا يا حيوان يا متخلف؟ انت بني آدم معندوش دم.
خالد بهدوء: ربنا يسامحك.
جاسم غاضبًا: اتكلمي بأدب مع جوزك يا بنت.
لينا غاضبة: انت بني آدم ما عندوش كرامة. اللي يتجوز واحدة غصب عنها يبقى مش راجلك.
كادت يد جاسم أن تهوي على وجنتها ولكن أمسكها خالد ليعصر يد جاسم في قبضة يده يهتف بتوعد خافت من بين أسنانه: قسما بالله لو مديت إيدك عليها تاني لكسرلك إيدك.
نزع جاسم يده من يد خالد بعنف.
جاسم غاضبًا: سيب إيدي. واضح كده إن أنا ما عرفتش أربيها، ومحتاجة تتربي من أول تاني.
خالد مبتسمًا لجاسم بتوعد: خلاص، أنا مقدر حالتها النفسية.
لينا غاضبة: لاء، وانت حسيس أوي. أنت إيه اللي جابك هنا أصلًا؟ جاي تحرق دمي وتثبت لي إنك قدرت تنفذ كلامك، مش كده؟
خالد مبتسمًا بمرح: لاء خلاص. بصي يا ستي، أنا هشرحلك. أنا جاي أقطع كشف عندك. أصل الدكتورة اللي كانت بتعالجني، يلا بقى ربنا يسامحها عشان خاطر عينيها الحلوة اللي بتبقى زي القمر وهي بتعيط.
رغم عنها داعبت ابتسامة صغيرة شفتيها ولكنها أخفتها سريعًا.
ليكُمل هو بمرح: المهم، الدكتورة الحلوة دي مشيت من غير ما تكتب لي علاج لكتفي، رغم إنها هي اللي أنقذت حياتي. ممكن بقى لو سمحتي يا دكتورة تكتبي لي علاج عشان كتفي؟
دون أن تنطق بحرف، أخرجت ورقة صغيرة من حقيبتها وخطت عليها بعض الأدوية.
أخذها منها ينظر إلى المكتوب ليهتف بمرح: أنا اتأكدت إنك دكتورة. التعاويذ دي ما حدش بيعرف يكتبها غير الدكاترة. أنا هروح لدجال يفك لي التعويذة دي. متشكر جدًا يا دكتورة.
ثم وجه كلامه لجاسم: مستنيكم يوم الخميس يا عمي.
هز جاسم رأسه إيجابًا بشرود. فنزل خالد من السيارة وعاد إلى سيارة والده. جلس على الأريكة الخلفية لتنطلق كلتا السيارتين.
فتحت نافذة المقعد الخلفي وأسندت يدها على فتحة النافذة. أسندت وجنتها على راحة يدها وأخذت دموعها تنساب على وجنتيها بصمت.
كانت السيارتان تسيران متجاورتين. وعند إشارة المرور وقفت السيارتين متجاورتين. رآها وهي تبكي بصمت. مزق قلبه.
خالد: بس بس بس.
قطبت حاجبيها باستفهام عندما سمعت ذلك الصوت الغريب. التفت حولها بحيرة تبحث عن ذلك الصوت إلى أن وجدته قادمًا من السيارة المجاورة لهم. فأغلقت زجاج النافذة سريعًا.
اقترب خالد من زجاج مقعده ونفخ بخار الماء عليه. بعدها كتب على الزجاج: "بحبك".
راقبت ما يفعل بترقب واندهاش. لتفعل مثله ولكنها كتبت: "بكرهك".
أعاد الكرة مرة أخرى ليكتب: "مش من قلبك".
فكتبت في المقابل: "بكرهك".
فكتب: "قريب هتحبيني".
فردت: "في المشمش".
فكتب: "هنشوف".
فردت: "هنشوف".
بعدها انفتحت الإشارة وتفرقت السيارتين.
انتهت حرب البخار.
بعد مدة وصل جاسم إلى بيته. ركن سيارته. فنزلت لينا منها سريعًا وصعدت راكضة إلى غرفتها وأغلقت بابها عليها بالمفتاح وارتمت على فراشها تبكي.
تطلع جاسم في أثرها بحزن لبضع ثوانٍ ليتحرك بخطوات بطيئة ناحية مكتبه. دخل مكتبه ليتهاوى بجسده على أول كرسي قابل. يغمض عينيه بإرهاق. يمر أمامه شريط مقابلته الأولى بخالد.
كان جالسًا على مكتبه يطالع إحدى القضايا المهمة عندما سمع دقات على باب الغرفة. ظن في البداية أنها زوجته، فهتف بتلقائية: ادخلي يا فريدة.
إلا أنه سمع ذلك الصوت الذي يكره صاحبه وبشدة يهتف بهدوء: صباح الخير يا عمي.
رفع جاسم عينيه ينظر للواقف أمامه بغضب: أنت! أنت إيه اللي جابك هنا؟ اطلع بره.
اتجه ناحيته بهدوء إلى أن وصل إلى الكرسي المقابل لمكتبه فجلس عليه بارتياحية.
خالد بهدوء: اهدي بس يا عمي واسمعني. أنا جاي هنا لمصلحتك.
ضحك جاسم بسخرية: مصلحتي؟ ألعب غيرها يا ابن السويسي.
خالد مبتسمًا بثقة: صدقني لمصلحتك. أنا عارف إن لينا هنا من أول ما وصلت. يعني ببساطة شديدة جدًا، كان ممكن آخدها أول ما طلعت من المطار ونتجوز. وابقى قابلني ساعتها لو عرفت توصلها.
احتقنت عينا جاسم بغضب، بينما أكمل خالد بنفس نبرة الثقة: صدقتني بقى إني جاي عشان مصلحتك. بنتك حياتها في خطر.
توعك جاسم على مقعده يهتف مع نفسه بقلق: يعني صح. يعني صح هياخدوا بنتي. رفع نظره إلى خالد يهتف على مضض: أنا موافق على أي حاجة أنت عايزها بس تحمي بنتي. لو عايزني اتنازل عن أملاكي كلها أنا موافق بس بنتي تعيش.
قطب خالد حاجبيه بدهشة. لم يتوقع موافقته السريعة تلك، ولكنها في صالحه على كل حال. فاردف بثقة: أنا مش عايز فلوسك. أنت عارف كويس أنا عايز إيه.
رد جاسم سريعًا: وأنا موافق.
اتسعت عيناه حتى تكاد تملأ وجهه، بينما أكمل جاسم برجاء: إحنا هننسى كل اللي حصل زمان وأنا موافق إنك تتجوز لينا بس تحميها وتحافظ عليها.
خالد سريعًا: طبعًا.
لم يرد أن يسمع كلامًا.
فاق جاسم من شروده على صوت فريدة تهتف ببكاء.
فريدة باكية: جاسم، جاسم يا جاسم.
جاسم: ها، خير يا فريدة.
فريدة باكية: كرمال الله يا جاسم، أنا ما فيني أتحمل هالقهره اللي بنتي فيها.
جاسم بضيق: فريدة، اتكلمي عدل. عايزاني أعمل إيه يعني؟
فريدة باكية: الغي جوازها من خالد طالما هي مش موافقة.
جاسم غاضبًا: لاء يعني لاء. لينا هتتجوز خالد ودا آخر كلام. ومش عايز نقاش تاني في الموضوع ده. مفهوم؟
***
في فيلا السويسي.
دخل بصحبة والديه. فركضت ياسمين سريعًا تحضنه بقوة.
ياسمين بقلق: خالد، عامل إيه دلوقتي يا حبيبي؟
خالد ساخرًا: كويس إنك لسه فاكرة إن ليكي أخ تسألي عليه.
ياسمين سريعًا: والله يا خالد لسه واصلة بقالي ساعة. ولما ما لقيتش حد اتصلت بماما وقالتلي على اللي حصل. وكنت عايزة أجلك بس ماما قالت لي إنكم جايين في السكة.
خالد بلا مبالاة: انتي حرة يا ياسمين. عن إذنكم أنا تعبان وطالع أنام. صحيح، الواد عمر فين؟
محمود: عمر سافر مع أصحابه الصبح وهييجي بكرة.
التوى جانب فمه بابتسامة ساخرة: ابقي قابلني لو ابنك جه قبل أسبوع. عن إذنكم.
صعد لأعلى وألقى بجسده على الفراش ليجد هاتفه يرن برقم عمر. فتح الخط يهتف بضيق: عايز إيه يا زفت؟
رد عمر بتوتر: خالد، بص من غير ما تزعق. أنا كنت مسافر مع واحد صاحبي في عربيته ودلوقتي وقفنا في لجنة وطلع مش معاه رخص. خد بقى كلم الظابط.
انتظر بعض لحظات قبل أن يسمع صوت يهتف: مين معايا؟
خالد: أنا العقيد خالد السويسي. بص يا ابني، الواد اللي قدامك ده عيل مش محترم وصايع. وأنا مش هقولك مشيهم، لاء خدهم واعملهم محضر. ولو عايز تبيتهم في الحجز كمان بيتهم، يمكن يتربوا عشان أنا قرفت منه.
الظابط بدهشة: حاضر يا باشا، زي ما تحب.
خالد: اديله التليفون.
أعطى الظابط الهاتف لعمر.
عمر بتوتر: هاااا يا بيه؟
خالد بخبث: متقلقش يا موري، أنا ظبطكوا على الآخر.
عمر بسعادة: ربنا يخليك ليا يا بيه. مع السلامة.
خالد بخبث: سلام يا حبيبي. مع ألف سلامة.
***
في فيلا جاسم الشريف.
على مائدة العشاء.
جاسم: أومال فين لينا؟
فريدة بحزن: في أوضتها مش راضية تاكل.
جاسم غاضبًا: يعني إيه؟ هتفضل من غير أكل لحد ما تموت؟ اطلعي قوليلها تنزل يا فريدة. له أنزلها أنا بالعافية.
فريدة برجاء: سيبها يا جاسم، حرام عليك. أنت ليه بتعمل فيها كده؟
جاسم بجمود: أنا بعمل كده عشان مصلحتها. يلا اطلعيلها خليها تنزل تاكل.
فريدة: لينا قافلة على نفسها الباب. حاولت معاها كتير. وفي الآخر قالت لي: لو ما سبتوني في حالي، أنا هموت لكم نفسي. سيبها يا جاسم عشان خاطري لحد ما تهدي.
قطع كلامهما دخول لبنى بطريقتها المرحة.
لبنى: جاسم، فريدة. وحشتكم صح؟ قولوا قولوا، ما تتكسفوش.
ولكنها لاحظت تعابير الضيق المرتسمة على وجهيهما.
لبنى: مالكم يا جماعة؟ في إيه؟
فريدة: لاء يا حبيبتي، ما فيش حاجة. قوليلي جيتي امتى؟
لبنى: لسه واصلة حالا. كان عندي تحقيق مهم أوي في أسوان. وأول ما خلصت جيت على طول. في إيه يا فريدة؟ انتوا كويسين؟ أومال فين لينا؟ دي وحشتني أوي.
جاسم بجد: لينا هتتجوز يا لبنى. عقبالك.
لبنى بسعادة: بجد؟ بسكوتة هتتجوز؟ ألف مبروك. ومين بقى سعيد الحظ اللي قدر يوقع قلب بنتكوا؟ وفين بقى عروستنا الحلوة؟ أكيد خرجت مع عريسها. ماشي، ماشي. لما تيجي أنا هوريها إزاي تتخطب من ورايا.
أدمعت عينا فريدة. فكم كانت تتمنى لابنتها تلك السعادة التي تحكي عنها لبنى.
لبنى بدهشة: مالك يا فريدة؟ بتعيطي ليه؟ في إيه يا جماعة؟ مالكوا؟ دا الموضوع كبير على كده.
قصت فريدة على لبنى كل ما حدث وإجبار لينا على الزواج من خالد.
لبنى بضيق: معقولة يا جاسم؟ هتجوز بنتك غصب عنها؟
جاسم: أنا قولت مش عايز نقاش في الموضوع ده تاني. لينا هتتجوز خالد ودا آخر كلام.
لبنى بحدة: بس يا جاسم…
قاطعها جاسم غاضبًا: خلاص بقى. أنا قلت مش عايز نقاش في الموضوع ده تاني.
فريدة بحزن: ارجوكي يا لبنى، اطلعيلها. دي حابسة نفسها في أوضتها ومش راضية تكلم حد ولا تاكل وتشرب.
همت لبنى بالصعود، فاستوقفها نداء جاسم.
جاسم بخزي: لبنى، ارجوكي خليها تاكل.
هزت رأسها إيجابًا وألقت على جاسم نظرة لوم وعتاب. ولكنه تهرب منها. فصعدت إلى غرفة لينا. دقت الباب عدة مرات ولكن لا من مجيب. فبدأت تنادي عليها.
لبنى بحنان: بسكوتة حبيبتي، أنا لبنى. لوليتا، أنا لبنى يا لوليتا. افتحي يا حبيبتي الباب.
الباب انفتح سريعًا وألقت لينا نفسها في حضن لبنى.
لينا بنشيج حارق: شفتي يا لبنى؟ عايزين يعملوا فيا إيه؟ أنا بكرههم كلهم. أنا عايزة أموت وأرتاح.
أدخلتها لبنى إلى الغرفة وأغلقت الباب بقدمها لتجلسها على الفراش وتجلس بجانبها تمسد على شعرها وهي تتلو بعض آيات القرآن الكريم إلى أن هدأت ونامت.
مرت الأيام بعدها بدون شيء يذكر. لبنى تجاهد مع لينا حتى تطعمها بعض اللقيمات، ولينا ما زالت حزينة تبكي. وزينب ترعى ابنها بصفة دائمة لا تغفل عن مواعيد أدويته أو طعامه. أما محمود فقد تحدث مع خالد بشأن رفض لينا له وطلب منه أن يلغي الزواج إن كانت الفتاة مرغمة عليه. ولكن خالد أقنعه أنها تحبه ولكنها تكابر.
سارت الأيام على هذا المنوال إلى أن أتى يوم الخميس (يوم المفاجأة).
قرابة الساعة الرابعة عصرًا صعد جاسم ليخبرها بسرعة ارتدائها ملابسها. دق الباب ففتحت لبنى له. دخل إلى الغرفة فوجدها جالسة على الفراش ما زالت مرتدية ملابس المنزلية.
جاسم بضيق: يا نهار أبيض! انتي لسه ما غيرتيش هدومك يا لينا؟ يلا يا حبيبتي، اتأخرنا على الناس.
لينا بعند: مش هروح عند حد.
جاسم بضيق: يعني إيه يا لينا؟
لينا بتحدي: يعني اللي حضرتك سمعته يا أستاذ جاسم. مش لابسة ومش رايحة.
جاسم غاضبًا: قسما بالله يا لينا لو ما لبستيش هدومك في خلال نص ساعة بالكتير، لهكلم خالد ييجي ويجيب المأذون ونكتب الكتاب دلوقتي حالًا.
ثم غادر الغرفة غاضبًا صافقًا الباب خلفه بعنف.
لينا باكية: مش عايزة أروح يا لبنى، مش عايزة. ليه كل حاجة بعملها غصب عني؟
لبنى بحنان: بصي يا حبيبتي، أنا عندي لكِ فكرة حلوة. انتي تقومي تغسلي وشك الجميل ده وتلبسي فستان جميل من بتوعك. وأنا هاجي معاكي وأتكلم مع اللي اسمه خالد ده بالعقل. يمكن يرضى يسمعني ويلغي الجواز.
لينا: بجد يا لبنى؟ هتكلميه؟
لبنى: آه يا حبيبتي، هكلمه وهقنعه إن شاء الله.
اقتنعت لينا بكلام لبنى فقامت واغتسلت وارتدت فستان أوف وايت طويل بأكمام طويلة من خامة الستان ووضعت مكياج خفيف للغاية ورفعت شعرها ذيل حصان. فبدت كالملائكة بملامحها الرقيقة الهادئة.
لبنى منبهرة: واااااه! إيه يا بت العسل ده؟
نزلت الفتاتان واستقلتا سيارة جاسم في المقعد الخلفي متجهين إلى فيلا السويسي.
وصلوا قرابة الخامسة والنصف. فتحت لهم إحدى الخادمات الباب. دخلوا إلى البيت حيث استقبلتهم زينب استقبالًا حارًا، خصوصًا لينا التي ظلت تعانقها حتى كادت تكسر ضلوعها.
محمود ضاحكًا: براحة يا زينب على البنية، هتكسريها في إيديكِ.
زينب بود مبالغ فيه: مالكش دعوة أنت يا محمود، دي بنتي حبيبتي. تعالي يا حبيبتي اقعدي.
جلسوا جميعًا يتحدثون حتى اندمجت لبنى مع زينب وياسمين في الكلام والمزاح.
هتفت زينب فجأة بضيق: والله يا فريدة مش عارفة أعمل إيه.
فريدة: مالك يا زينب؟ في إيه؟
زينب بضيق: الممرضة بتاعة خالد تعبت. فاعتذرت إنها مش هتيجي النهارده. وأنا مش عارفة هعمل إيه. وخالد الجرح تاعبه أوي. ثم أكملت وهي تنظر للينا ناحية لينا بمكر: بقولك إيه يا لينا يا حبيبتي؟ ممكن أطلب منك طلب؟ بس أوعديني إنك تساعديني.
ححظت عينيها في صدمة: أنا؟
زينب: أيوة يا حبيبتي. دا بعد إذنك طبعًا.
لينا: أيوة يا حبيبتي.
زينب بحزن مصطنع: كده يا لوليتا؟ تكسفيني في أول طلب أطلبه منك؟
لينا بتوتر: مش قصدي يا طنط والله، بس أصلي…
زينب مقاطعة: ما بسش ولا حاجة. قومي معايا يلا.
جذبتها من يدها برفق فقامت معها وهي تبتسم لها بارتباك. صعدت بجانب والدته بخطى مترددة، مرتجفة، تعنف نفسها بشدة على موافقتها لكلام والدته. بينما تسير والدته بجانبها وعلى شفتيها ابتسامة غامضة. كلما لاحظت تردد لينا في الصعود، تربت على ظهرها برفق لتحثها على التقدم. وأخيرًا وصلوا إلى الغرفة.
دقت والدته الباب فازدرقت لينا ريقها عندما سمعت صوته يأذن للطارق بالدخول.
أدارت زينب مقبض الباب ودخلت خطوتين لتجده جالسًا على الفراش العريض يوليهم ظهره، مرتدياً قميصًا رمادي اللون وسروال بدلة أسود.
تكلمت زينب بود: خالد، أنت كويس؟
تكلم بضيق من بين أسنانه: كويس. هي الزفتة الممرضة فين؟
نظرت زينب للينا بمكر لتردف بثقة: أنا جايبالك اللي أحسن من مليون ممرضة.
التوى جانب فمه بابتسامة واثقة كالعادة. كان واثقًا من نجاح خطته. وها هي قد أتت بقدميها. أقسم أنه لن يخرجها من هنا إلا وهي…
(واد يا خالد أنت ناوي تعمل إيه؟ مش مطمنالك 😕😕)
رواية أسير عينيها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دينا جمال
أدارت زينب مقبض الباب ودخلت خطوتين لتجده جالسًا على الفراش العريض يوليهم ظهره مرتديًا قميصًا رمادي اللون وسروال بدلة أسود.
تكلمت زينب بهدوء:
- خالد أنت كويس؟
تكلم بضيق من بين أسنانه:
- كويس... هي الزفتة الممرضة فين؟
نظرت زينب للينا بمكر لتردف بثقة:
- أنا جايبالك اللي أحسن من مليون ممرضة.
التوي جانب فمه بابتسامة واثقة كالعادة، كان واثقًا من نجاح خطته، وها هي قد أتت بقدميها، أقسم أنه لن يخرجها من هنا إلا وهي...
التفت إليها، تداعب شفتيه ابتسامة واسعة، دقات قلبه تقفز بسعادة عندما رآها واقفة أمامه، حوريته الصغيرة، ملكية قلبه وروحه منذ سنوات طويلة.
قام من مكانه متجهًا ناحيتها يهتف بمرح:
- دكتورة لينا عندنا! يا أهلًا يا أهلًا، نورك غطّى على اللمبات النيون!
زينب ضاحكة:
- يوووه جاتك إيه يا واد يا خالد؟ أنا نازلة أشوف الغدا خلص ولا لسه؟
وجهت نظرها إلى لينا تهتف بهدوء:
- لما تخلصي يا حبيبتي حصليني.
شخصت عينيها بخوف، بالتأكيد تمزح معها، لن تتركها معه بمفرده.
لينا بخوف:
- إنتِ هتسبيني معاه لوحدي؟
اعتصر قبضته بغضب، منذ متى وهي تخاف البقاء معه بمفردها؟ أليست هي من كانت تنشد الأمان بين ذراعيه عندما كانت طفلة؟ أليست هي من كانت تختبئ داخل صدره عندما تخطئ خوفًا من أن يعاقبها والدها؟
قهقه عاليًا بمرح:
- ما تخافيش، مش هآكلك دا!
ثم نظر ناحية والدته يهتف بنبرة ذات مغذي:
- نسيتي الأكل؟
زينب سريعًا:
- هااا... آه الأكل!
التفتت وخرجت بهدوء، كانت تنظر أرضًا تفرك يديها بتوتر، عندما شعرت بنظراته مصوبة تجاهها رفعت رأسها بتردد لتجده ينظر لها بعشق يفيض من بين نظراته، رمقته بعتاب لتشيح بوجهها بعيدًا بضيق.
لرفز هو بضيق، يبدو أن نيل رضا صغيرته سيكون مهمة صعبة جدًا!!!
تحرك من مكانه ليجلس على الفراش يهتف بتهكم:
- لو خلصتِ تأملي في السجادة، يا ريت تيجي تشوفي شغلك عشان الحرج تاعبني.
تحركت ببطء، حرفيًا كانت تجر قدميها، تقنع نفسها أنها تؤدي واجبها كطبيبة، عليها ترك مشاعرها جانبًا، جلست بجانبه وحرصت بشدة على وجود مسافة كبيرة بينهما.
فتحت صندوق الإسعافات وبدأت في العمل بدقة ومهارة وسرعة، وهو يراقب كل حركاتها وسكانتها، أنفاسها المضطربة، خصلات شعرها الثائرة التي تتحرك على صفحة وجهها الصافية.
يكاد يقسم أنه يستمع إلى دقات قلبها المضطربة.
أخيرًا انتهت من تضميد جرحه، وضعت اللاصق الطبي لتتنهد براحة من انتهاء تلك المهمة الشاقة نفسيًا بالنسبة لها، كادت أن تتحرك لتقوم عندما شعرت بقبضة يد تقبض على رسغ يدها.
في الأسفل صوت دقات متتالية على باب المنزل، ذهبت الخادمة لتفتح.
عنايات بترحاب:
- محمد بيه اتفضل اتفضل!
وأدخل محمد ويوسف وعلي.
زينب مبتسمة بسعادة:
- يا أهلًا جايين في ميعادكم!
وعلي ضاحكًا بمرح:
- إحنا نقدر نتأخر؟ كان أبنك علّقنا على باب مكتبه!
بدأ الثلاثة ينظمون المكان، اتجهوا ناحية أريكة كبيرة، حمل يوسف ومحمد طاولة كبيرة ووضعاها أمام الأريكة.
يوسف ضاحكًا:
- جبت المنديل!
محمد بضيق:
- أه يا خفيف!
خرج محمود وجاسم من مكتب محمود.
وجه محمود كلامه لمحمد:
- كلمت الراجل؟
محمد بجد:
- إيوة يا عمي، عشر دقايق بالكتير وهيوصل.
زينب بهدوء:
- طب اقعدوا يا حبايبي استريحوا على ما أجيبلكوا حاجة تاكلوها.
جلس محمد ويوسف وعلي على ثلاث كراسي مقابلة لأريكة متوسطة تجلس عليها لبنى وفريدة وياسمين.
مال (علي) على أذن أخيه يهتف بصوت منخفض:
- بقولك يا محمد مين دي؟
نظر محمد إلى ما يشير أخيه ليهتف بصوت منخفض:
- علي، حسب معلوماتي دي لبنى خالة لينا.
اتسعت عيني علي بدهشة هتف بصوت منخفض:
- خالتها إزاي يا عم؟ ليه هي عندها كام سنة؟
محمد بصوت منخفض:
- هي أكبر من لينا بسنة.
قطب علي حاجبيه باستفهام:
- إزاي دا؟
محمد بضيق:
- دي حكاية طويلة واسكت بقى يا علي!
اعتدل علي في كرسيه ينظر إلى لبنى بتفحص.
علي في نفسه: هي مالها قاعدة زي الرجالة ليه كده؟
(علي رفعت محفوظ الابن الثاني للواء رفعت، ثمانية وعشرون عامًا، المدير التنفيذي لشركات الرحاب للمقاولات، طويل القامة كمعظم أفراد عائلته، يتميز بعينيه الرمادية التي ورثها عن والدته، مرح في حياته الشخصية، صارم جدًا في عمله).
صرخ في وجهها بحدة:
- كفااااااية!
اتسعت عينيها بذعر، لما يصرخ هي لم تفعل شيء خاطئ، هل من الممكن أن تكون ألمته دون أن تقصد؟
ارتجفت أحبالها الصوتية بذعر فخرج صوتها مرتجفًا مذعورًا:
- ك..ككفاية إيه؟ أنا ما عملتش حاجة!
صرخ غاضبًا:
- إيديكي متلجة وبتترعش! إنتِ فاكرة أن أنا ممكن أؤذيكِ؟
نزعت يدها بعنف من يده لتصرخ في وجهه بكره:
- أنت حيوااااان! حيوان بيأذي! أنا مش فاكرة أنك هتأذيني! لأ، أنا متأكدة من كده! أنا بكرهك يا خالد، بكرهك أكتر مما تتخيل!
احتلت الصدمة ملامحه من تلك الكلمات التي بصقتها في وجهه بقسوة، تلك التي تقف أمامه تزأر بشراسة، ليست صغيرته البريئة أبدًا يؤذيها، تكرهه، منذ متى؟ أدرك في تلك اللحظة أن ألم تلك الرصاصة التي اخترقت صدره كأن ألم هش طفيف مقارنة بذلك الألم الذي يشعر به في قلبه بعد كلماتها تلك.
رد بألم تجسد بقوة على ملامحه:
- أنا لينا... أنا أؤذيكِ؟ إنتِ مش عارفة إنتِ بالنسبة لي إيه؟
ردت بقسوة قلب تحجر من الظلم:
- أقولك أنا بالنسبة ليك إيه؟ لعبتك، عروستك الصغيرة اللي ربيتها على إيدك، وطبعًا ما هانش عليك أن تعبك يروح لحد غيرك، مش كده؟
لم تفارق الصدمة محياه مع تلك الكلمات الحارقة التي كانت تصرخ بها في وجهه.
رد بدهشة:
- إنتِ إيه اللي جرالك؟ إنتِ مش لينا، مستحيل تكوني هي!
ردت بتهكم ساخر:
- فعلًا في دي عندك حق، لينا ماتت وإنتوا اللي قتلتوها، ولا عزاء للسيدات يا خالد باي!
شاضحكت ضحكة ساخرة مشبعة بالألم، تحركت لتخرج من الغرفة عندما وجدته يقبض على رسغ يدها يمنعها من التقدم.
التفتت له ترمقه بشراسة وهي تصرخ باجتياح:
- سيب إيدي!
والغريب في الأمر أنها وجدته يضحك، ضحك بقوة قبل أن ينظر لها بخبث ليقترب منها لتعي في تلك اللحظة فارق الطول الشاسع بينهما، فهي بالكاد تصل لصدره.
ليهتف هو بتهكم:
- هاااايل يا فنانة الشوت اللي بعده!
قطبت حاجبيها بدهشة:
- إيه!!!!!
خالد ساخرًا:
- إيه! إنتِ مش كنتِ بتمثلي مشهد من غرام وانتقام؟ بس حلو لا، حقيقي حقيقي، تمثيلك هايل! أنا بقولك تسيبك من الطب وتيجي أنتجلك فيلم يبقى إخراجي وإنتاجي وبطولتي، قصدنا بطولتنا، ونبدأ الفيلم بالرقصة!
لف ذراعه حول جسدها ليرفعها قليلًا عن الأرض واضعًا قدميها على قدميه يتحرك بها قسرًا، بدأت تصرخ وتتلوى بين ذراعيه بعنف.
لينا صارخة:
- أنت اتجننت! سبني!
خالد صارخًا بعنف:
- ارقصي يا حبيبتي! 12 سنة وأنا مستني اللحظة اللي هترجعيلي فيها تاني، وفي الآخر بكرهك!
بدأت تضربه على صدره بضعف وقد خانتها دموعها فبدأت بالجريان.
لينا باكية:
- سبني بقى! سبني عشان خاطري سبني!
نظر لها بعشق ليهتف بألم:
- إنتِ عارفة أن أنا عشان خاطرك مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا!
حتى لو طلبتِ مني إني أموت نفسي هعمله!
رفعت زرقتيها اللامعة بالدموع تهتف برجاء:
- سبني في حالي!
هز رأسه نِفْيًا برفض قاطع:
- إلا دا! صدقيني الموت عندي أهون من إني أسيبك، إنتِ بتطلبي مني إني أسلخ روحي من جسمي بعد ما رجعتلي تاني!
قاطع تلك اللحظة المشحونة صوت رنين هاتفه يعلن عن وصول رسالة، أخرج هاتفه يطلعه ببرود لدقيقة ليلقيه على الفراش.
تركها ورحل بهدوء متجهًا ناحية مرآة الزينة، أمسك فرشاة شعره يصفّف، سحب رابطة عنقه السوداء يطوق رقبته بها بينما تقف هي متخشبة مكانها، الباب أمامها ولكن صدقًا قدميها لم يعودا يقدران على الحركة.
ابتعد عن مرآة الزينة مقتربًا منها ببرود، خطوات منتظمة مستفزة.
وقف أمامها ممسكًا بطرفي ربطة العنق يهتف بضيق:
- بتعرفي تربطي البتاعة دي؟
نظرت له بدهشة لتهتف داخل نفسها: دا أكيد مجنون، عنده انفصام في الشخصية!
هزت رأسها إيجابًا بدهشة من تحوله السريع لينزع الرابطة من حول عنقه ويعطيها لها.
نظرت له باستفهام لينظر لها بضيق قالبًا عينيه بملل:
- اربطيها!
هزت رأسها إيجابًا سريعًا وبدأت في عقد تلك الرابطة سريعًا ومن ثم مدت يدها بها فأخذها منها متجهًا ناحية المرآة، وضعها حول رقبته يعدّل وضعها بدقة ومن ثم سترته الرمادي.
نظر لها من خلال المرآة هاتفًا بغرور عندما وجدها محدّقة فيه ببلاهة:
- أمور مش كده؟
فاقت من شرودها لتهز رأسها نفيًا سريعًا بضيق ومن ثم تشيح بوجهها بعيدًا عاقدة ذراعيها أمام صدرها، فضحك بخفوت على تصرفاتها الطفولية.
انتهى فذهب ناحيتها ممسكًا بيدها، حاولت سحب يدها من يده بضيق ليهتف بتهكم:
- مش هتنزلي لو عاجباكِ الأوضة؟ أنا مستعد أسيبهالك!
عقدت الصدمة لسانها، يالك من وغد محترف بالتلاعب بالكلمات!
ضيّقت عينيها ترمقه بضيق:
- سيب إيدي! أنا هنزل لوحدي!
سارت خلفه مرغمة، كلما حاولت سحب يدها من يده يشدّد من احتضان يدها في كف يده.
إلى أن نزلا لأسفل لتنظر حولها بدهشة.
رجل يبدُ على ملامحه الوقار والهدوء يرتدي جبة وقفطانًا، أمامه منضدة كبيرة وضع عليها دفترًا كبيرًا.
يجلس والدها عن يمينه أما يساره فالمكان فارغ.
شارت لينا للمأذون تهتف ببلاهة:
- هو مين دا؟
خالد مبتسمًا بانتصار:
- دا المأذون يا حبيبتي اللي هيكتب كتابنا!
دلو ماء بارد في ليلة شتاء شديدة البرودة سُكِب فوق رأسها.
فغرّت فمها بصدمة عندما سمعت ذلك الرجل يهتف برزانة وهو يسألها:
- موافقة يا بنتي على الجواز من خالد محمود السويسي؟
نظرت حولها بحيرة، مع مين يتحدث ذلك الرجل؟ بالتأكيد ليس معها، عاد ذلك الرجل يقول ببعض الضيق:
- يا بنتي بتدوري على مين؟ أنا بسألك إنتِ موافقة تتجوزي خالد محمود السويسي؟
حتى الآن لم تستوعب أنها هي التي من المفترض أن تجيب فظلت تنظر إلى المأذون ببلاهة ولم تجب.
طال صمتها، هو متأكد أنها سترفض فكان عليه أن يتصرف قبل أن ترفض، فبدون أن ينتبه أحد ضغط خالد بقوة على يدها فصرخت متألمة.
لينا صارخة:
- اااااه!
سريعًا ضحك هو ليردف بمرح مصطنع:
- هههههه خلاص يا حبيبتي، أنا عارف إنك موافقة! يلا يا سيدنا الشيخ أبدأ!
ترك يدها وذهب ليجلس على يسار ذلك الرجل، اختفت يده الممسكة بيد والدها أسفل ذلك المنديل الأبيض القماش.
انتهت إجراءات عقد القران سريعًا كلمح البصر وهي ما زالت على نفس الحالة صامتة تنظر لهم بتعجب.
فاقت فجأة على شيء يوضع في يدها، كان قلمًا وهو يقف أمامها ممسكًا ذلك الدفتر يهتف بحنو:
- أمضي يا حبيبتي!
أسبلت عينيها بدهشة:
- أمضي؟
هز رأسه إيجابًا بتأكيد:
- أمضي يا حبيبتي عشان عمو مستعجل! شطورة إيوة أيوة تمام كده!
أخذ منها القلم وعاد إلى المأذون وهي تقف لا تصدق أنها بالفعل وقّعت على عقد زواجهم، بدأت تقنع نفسها أنه حلم وأنها ستستيقظ قريبًا، ولكن للأسف هو واقع وحقيقة، والحقيقة الكبرى هي أنها أصبحت زوجته.
مشاهد سريعة متتالية مرت أمام عينيها: خالد يحتضن جاسم والأخير يوصيه عليها، محمد ويوسف يباركون له ويهنئونه بشدة، وزينب وفريدة يطلقن الزغاريد الصادحة، وهي تقف لم يعرها أحد انتباهًا، أليست موجودة معهم؟
أرادت أن تصرخ فيهم: ماذا يحدث؟ بالتأكيد حلم، حسنا ربما عليها الآن أن تريح عقلها قليلًا، عقلها لم يعد يتحمل، ربما فقدان وعيها الآن أفضل حل، ولكن مع الأسف عَجَزَ صوتها عن الخروج فلم تستطع الصراخ ورفض عقلها الاستسلام تمامًا معها.
رحل كل من يوسف ومحمد وعلي والمأذون وتبقى فقط العائلتين، فاقت على صوت لبنى تناديها.
إذًا هذا حلم، أنا أحلم، نعم حلم، ما زلت نائمة على فراشي ولبنى كالعادة تحاول إيقاظي.
أغمضت عينيها وهي واثقة أنها عندما تفتحهم ستجد نفسها في غرفتها، ولكن وهي مغمضة العينين شعرت بثقل على أنفاسها، بشيء غريب يحيط جسدها، فتحت عينيها على اتساعهما عندما سمعته يهمس بجانب أذنها.
خالد بسعادة:
- مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك!
جاء من خلفه صوت والدها يهتف بمرح.
جاسم مبتسمًا:
- إيه يا جدع؟ إنت ما صدقت! أوعي بقى عايز أبارك لبنتي!
أبعدها عنه يحركها ناحية والدها، لعبة هم من يحركوها، ضمها جاسم يهمس لها بحنان:
- سامحيني يا بنتي!
أحس جاسم بشيء غريب، جسد ابنته مرتخي بطريقة غريبة فأبعدها عنه قليلًا فوجدها سقطت أمامه على الأرض فاقدة الوعي.
اتسعت عينيه بفزع:
- لينا!
جثى خالد على ركبتيه بجانب جسدها واضعًا إحدى يديه أسفل ركبتيها والأخرى أسفل ظهرها يحملها سريعًا يهتف بفزع.
خالد صارخًا:
- اطلبوا الدكتور بسرعة!
صعد بها راكضًا إلى غرفته بينما تولى محمود مهمة الاتصال بالطبيب.
أنا ما صدقتش نفسي لما كلمتيني وقولتيلي تعالا نخرج.
ياسمين ضاحكة: ليه يعني؟
أنور بضيق: لاء ابدا أصل البيه أخوكي ما بيرضاش يخرجك معايا من بعد الساعة 3.
ياسمين مبتسمة: لاء ما تقلقش، خالد أصلا مشغول مع مراته.
هتف أنور بدهشة: مراته؟ هو اتجوز امتى وازاي؟
ياسمين: النهاردة كان كتب كتابه.
أنور بدهشة: فجأة كده؟
ياسمين بهيام: فجأة إيه يا ابني؟ أصل أنت مش عارف خالد ولينا قصة عشق منذ الطفولة. أنت عارف وإحنا صغيرين كنت بغير من لينا أوي، خالد كان مدلعها أوي. عارف لو طلبت منه ينزل يشتريلها مصاصة الساعة 2 بليل كان بينزل.
أنور في نفسه بضيق: يا رتني كنت عرفت إن اسمها لينا دي من الأول.
ياسمين: أنور روحت فين يا حبيبى؟
أنور مبتسما: لاء ابدا يا حبيبتي، بفكر في حياتنا الجاية وإيه اللي هنكون سعدا مع بعض.
ياسمين مبتسمة: هانت يا حبيبي، كلها كام وهنبقى مع بعض على طول.
أنور في نفسه بغل: فعلا هانت، هانت أوي يا خالد.
أنور مبتسما بحنان: فعلا يا حبيبتي، هاااانت.
___________________________
وضع خالد لينا برفق على فراشه، ساعدته لبني على تدثيرها بالغطاء. ظلت ترمقه بنظرات غضب وحقد مشتعلة. مرت بعض الدقائق في قلق وخوف إلى أن حضر الطبيب.
خرج من الغرفة ووقف مع جاسم يأكله القلق، كوحش ضاري يجوب الممر أمام غرفته ذهاباً وإياباً بعصبية.
دقائق وخرج الطبيب فأسرع يسأله بلهفة: هي كويسة مش كده؟
الطبيب: الحقيقة يا أفندم هي عندها صدمة عصبية. أنا أدتها مهدئ وياريت ما تتعرضش لأي ضغط عصبي وتهتموا كويس بتغذيتها.
هز رأسه إيجاباً باقتضاب، اصطحب الطبيب إلى باب المنزل وحاسبه ليعود سريعاً إلى غرفتها.
وجد جاسم جالساً على كرسي بجانب فراشها الراقدة عليه بلا حركة، يمسك يدها، عيناه تفيض ندمًا وحزنًا، بينما فريدة تجلس بجانبها على الفراش تبكي.
خالد بجمود: على تحت، مش عايز حد في الأوضة.
نظر له جاسم بحدة ليهتف فيه: أنت اتجننت؟
خالد صارخاً بغضب: انتوا لسه شوفتوا جنان! قسما بربي لو ما نزلتوا كلكوا دلوقتي ما هي مروحة معاكوا وشوف هتعرف تاخدها ازاي!
فريدة باكية: لا أنا مش هسيب بنتي! أنت السبب يا جاسم في اللي حصلها، ضيعت بنتي مني! أنا مش مسمحاك ولا عمري هسامحك!
نظرت ناحية خالد تهتف باكية: هو السبب يا خالد! عارف لينا جسمها ضعيف وكل شوية بيغمى عليها! ليه بسببه! هو السبب! لما جاسم خدنا وسافر كانت لينا بتفضل تعيط وما بترضاش تاكل. كانت دايما بتقولي: أنا مش هاكل لما خالد يعرف إن لينا ما كلتش هيجي على طول. كانت عيلة صغيرة متعلقة بيك. طبعا الحكاية دي كانت بتعصب جاسم جدا، كان على طول بيزعقله لحده ما في مرة قالتله: أنا بكرهك! أنت شرير! أنا بحب خالد وبكرهك!
نظرت ناحية جاسم تهتف بحدة: فاكر يا جاسم عملت فيها إيه؟ حبستها في أوضتها في الضلمة من غير أكل لحتى ما أغمى عليها من الخوف وعالجها فوبيا من الضلمة.
يكفي! عند ذلك الحد يكفي! سحب مسدسه سريعاً يضعه على رأس والده وهو يصرخ بعنف: هقتلك يا جاسم!
رواية أسير عينيها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دينا جمال
زأر بغضب افزع كل من كان في الغرفة: هقتلك يا جاسم.
قال جاسم بهدوء، كانت نظراته محتقنة مشتعلة أمام نظرات جاسم الهادئة.
لحظة، عينا جاسم لم تكونا هادئة كما يظن، هناك سائل شفاف يغشي حدقتيه يحاول أسره داخل جدران عينيه.
صرخ محمود بحدة: "أنت يا خالد، نزل الزفت اللي في إيدك."
رد جاسم بهدوء مميت: "سيبه يا محمود."
هبط على ركبتيه بجانب فراش ابنته، أمسك كف يده يقبله، لتنزل الدموع من عينيه.
قال جاسم باكيًا: "سامحيني يا بنتي، سامحيني. أنا والله بحبك أوي بس ما عرفتش أعبر لك عن حبي دا."
نظر ناحية خالد يهتف بحدة من بين دموعه: "وأنت السبب. كنت لسه في أول حياتي ببني نفسي، كنت عايز فلوس كتير عشان ما تكونش نفسها في أي حاجة وما أقدرش أجيبها. أنا عارف إني غلطت، كنت بسيبها كتير لحد ما اتعلقت بيك، بس أنا كنت بعمل كل دا عشانها. كنت بجيب لها لعب كتير كتير يمكن تجري وتحضني زي ما كانت بتعمل معاك لو جبت لها حتى مصاصة. لما كنت بفتح لها دراعاتي عايزها تيجي في حضني، كانت بتبص لك الأول تستأذنك."
ضحك بمرارة وهو يكمل: "تخيل بنتي بتاخد إذنك قبل ما تحضن أنا أبوها."
اسودت عينيه بحقد وهو يكمل بغيظ: "كرهتك وكرهت حبها ليك، المفروض تحبني أنا مش أنت. كانت القشة لما شفتك بتبوسها، كان ممكن أعديلك أي حاجة إلا أن تضحك عليها وتدوس على شرفي. خدتها بعيد، كنت فاكر إني هقدر أخليها تنسالك. جبت لها كل اللي يتمناه أي طفل، ما كنتش حتى بتفرح. كنت على طول بشوف في عينيها نظرة عتاب وكره."
شنجت قسمات وجهه بغيظ وهو يكمل: "على طول عايزة خالد، عايزة خالد، عايزة خالد. مش هاكل غير لما خالد يجي، مش هنام غير في حضن خالد. بدأت أسليها وأحايلها وأجيب لعب وهدايا كتير يمكن تنساك، لكن أبداً، كنت كأنك جلد تاني لازق فيها، ما بتسبهاش."
نظر ناحية ابنته الساكنة على الفراش دون حراك، مد يده يداعب خصلات شعرها برفق: "قلت يمكن لما أعاقبها تنساك وبعد كده هصالحها تاني. أنا عارف إني غلطت في حقها كتير، ويمكن فعلاً موتي يبقى راحة ليها."
رفع وجهه ينظر إلى الواقف أمامه، يرمقه بنظرات جامدة خاوية: "أنا اللي برجوك إنك تقتلني. أنا عارف إنها هتزعل عليا شوية، بس أنت هتقدر تنسيها؟ أنا عارف هي بتحبك قد إيه."
"وعشان خاطري حافظ عليها، ما تخليش حد يأذيها."
اخفض سلاحه، يرمق ذلك الرجل بشفقة، مد يده يساعده على القيام من على الأرض.
قال خالد بندم: "أنا وأنت غلطنا، ومع الأسف هي بس اللي دفعت التمن. من دلوقتي هنفتح صفحة جديدة هنعوضها فيها عن كل اللي فات."
قال جاسم بألم: "وتفتكر هي هتسامحني؟"
هز رأسه إيجابًا بتأكيد: "هتسامحك. لوليتا ما فيش أطيب منها، هي صحيح هتتعبنا شويتين بس هتسامح. آه، على فكرة لينا حياتها مش في خطر."
قطب جاسم حاجبيه بدهشة: "يعني إيه؟"
قال خالد: "بصراحة دي كانت لعبة عشان توافق على جوازي منها."
قال جاسم: "يعني أنت اللي كنت بتعمل جوابات ورسايل التهديد؟"
قطب حاجبيه يهتف باستنكار: "جوابات ورسايل تهديد؟"
أخرج هاتفه سريعًا بغضب يطلب ذلك الرقم، انتظر بضع ثواني إلى أن أتاها الرد، فهتف بحدة غاضبًا: "أنت بتلعب من ورايا يا خالي؟"
ردت بدهشة: "أنت اتجننت يا خالد؟ إيه اللي أنت بتقوله ده!"
قال خالد غاضبًا: "إزاي تبعت لجاسم رسايل تهديد؟"
ردت باستنكار: "رسايل إيه يا ابني؟ والله العظيم ما أعرف أنت بتتكلم عن إيه. أنت من ساعة ما سلمت التقارير اللي اتفقنا عليها، خدت منها نسخة ورجعت لك الأصل، وقفلت الملف ده تمامًا. في إيه يا خالد؟"
اتسعت حدقتيه بصدمة: "يعني إيه اللعبة قلبت بجد؟"
ردت: "في إيه يا ابني؟"
قال خالد: "ما فيش يا خالي، هكلمك بعدين."
أغلق الخط ينظر إلى جاسم بشك: "الرسايل دي بتجيلك من إمتى؟"
قال جاسم: "تقريبًا من قبل ما لينا توصل بأسبوع."
قال خالد: "الرسايل بخط الإيد ولا كومبيوتر؟"
قال جاسم سريعًا: "لأ، كومبيوتر."
قال خالد: "التهديد فيها كان موجه ليك ولا لينا؟"
قال جاسم: "معظم الرسايل كانت إما كلمة 'لا' أو جملة اللي كان بيتكرر كتير (غلطت)(غلطت)(هناخدها منك)(ده ذنبك)(مش هتقدر تحميها)."
تهدجت أنفاسه بغضب، انقلب السحر على الساحر وأصبحت اللعبة حقيقة.
قال جاسم برجاء: "احميها يا خالد، أنا مش عارف مين دول. أنا ماليش أعداء، مش عارف مين دول، صدقني مش عارف."
قال خالد: "قسما بربي اللي خلق الكون ما هخلي حد يلمس شعرة منها."
قال محمود: "بما إن كل واحد كان في نفسه حاجة قالها والنفوس اتصفت الحمد لله، ممكن ننزل ونسيبها ترتاح شوية؟"
ردت زينب سريعًا: "عندك حق يا محمود، هي أصلًا نايمة ومش حاسة بينا. تعالوا إحنا ننزل ونسيبها."
قال جاسم: "أنا هاخدها ونروح، كفاية أوي اللي حصل النهارده."
قال خالد بهدوء: "لينا مش هتتحرك من هنا قبل ما تفوق وتقدر تمشي، غير كده لأ."
قال جاسم بحدة: "تاني يا خالد؟ أنت ما تمشيش كلامك عليا."
قال خالد مبتسمًا باصفرار: "وأنا جوزها، يعني قانونًا أوامري أنا بس اللي تتنفذ."
نظر جاسم إلى محمود بحدة ليهتف بغيظ: "شايف ابنك يا محمود؟"
قال محمود ضاحكًا: "والله انتوا الاتنين عاملين زي ناقر ونقير، بس بصراحة هو عنده حق. سيبها يا سيدي مستريحة، هتاخدها يعني وهي تعبانة وتعالى ننزل نقعد تحت شوية على ما الحاجة زينب تحضر لنا العشا ونأكلنا لقمة تكون فاقت."
حاولت فريدة الاعتراض، فاخذتها زينب رغماً عنها.
قالت زينب: "تعالي بس يا شيخة، البت نايمة، هتفضلي قاعدة جنبها تعملي إيه؟ تعالي بس، دا أنا عاملكوا محشي ورق عنب هتاكلي صوابعك وراه."
قال محمود: "أنت مش هتنزل؟"
قال خالد: "هعمل تليفون وأحصلكوا."
اصطحب محمود جاسم للأسفل، راقب والده وهو يغلق الباب، التف حول فراشها بلهفة، ليقطب حاجبيه بضيق.
قال خالد مبتسمًا بضيق: "وحضرتك ما نزلتيش معاهم ليه؟"
ابتسمت لبنى له بتهكم ثم ذهبت وجلست بارتياح بجوار لينا.
قالت لبنى مبتسمة بسخرية: "هايل يا فنان، بصراحة عاجبني حامي حمى الديار ده جدًا. تعرف يا خالد أنت أحقر من إن يتقال عليك بني آدم."
التوى جانب فمه بابتسامة ساخرة: "وانتي أتفه من إني أرد عليكِ."
اشتعلت عينيها بغضب: "اطلع برة."
ضحك بسخرية: "انتي بتطرديني من أوضتي في بيتي؟ والله مش المفروض أنا اللي أطلع برة. واحد ومراته، انتي بقى بتعملي إيه؟"
صاحت في وجهه بغضب: "انت بتطردني؟"
قال خالد بهدوء: "تقريبًا."
دق باب الغرفة، دخلت زينب تهتف سريعًا: "انتي هنا يا لبنى؟ فريدة بتسأل عليكي."
نظرت لهم بشك: "مالكوا انتوا؟ كنتوا بتتخانقوا ولا إيه؟"
قال خالد مبتسمًا: "لأ ابدًا، دي لبنى كانت عايزة تنزل تتعشى ومش عايزة تسيب لوليتا لوحدها، وأنا بقنعها تنزل وما تقلقش، أنا هفضل معاها."
قالت زينب بود: "ما تقلقيش يا حبيبتي، خالد هياخد باله منها كويس. تعالي يلا معايا."
قامت لبنى وهي تسب وتلعن خالد في سرها بجميع اللغات. التفت زينب له قبل أن تخرج: "مش هتتعشى؟"
هز رأسه نفيًا: "لما لوليتا تصحى هبقى آكل معاها."
أغلقت زينب باب الغرفة، فالتفت لها ممسكًا بكف يدها يقبله برفق: "أخيرًا بقينا لوحدنا. خالتك دي خلل، والله بحبك، والله العظيم بحبك. لو فضلت أقول لك بحبك من هنا لآخر نفس فيا مش هتكفي كمية العشق اللي في قلبي ليكِ."
قام وقبل يدها وجبينها وخرج من الغرفة متوجهًا إلى أسفل. ما إن لمحه جاسم سأله في لهفة.
قال جاسم بلهفة: "لينا فاقته؟"
هز رأسه نفيًا بهدوء.
وساعات تمر دون جديد، فقط يتحدثون، وكل مدة يصعد خالد ليطمئن عليها، ولكنها لم تستفق بعد. طوال تلك المدة لم يسلم خالد من نظرات الغضب والكره التي ترمقه لبنى بها، ولكنه كان يقابلها بنظرات ساخرة وابتسامات صفراء مستفزة. جاء منتصف الليل.
قال جاسم بضيق: "كفاية كده، عمال تقولوا اصبر، اصبر، الساعة عدت 12. أنا هطلع آخد بنتي وتبقي تفوق في البيت براحتها."
قال خالد بهدوء: "أنا قلت اللي عندي. مراتي، واخد بالك من كلمة مراتي؟ مش هتتحرك من هنا قبل ما تفوق وتبقي كويسة، غير كده لأ."
قال جاسم بحدة: "بنتي، واخد بالك من كلمة بنتي؟ هتيجي معايا دلوقتي."
قال محمود بضيق: "ما تبص بقى أنت وهو. خالد عنده حق يا جاسم، مافيهاش عناد دي. بنتك تعبانة ومحتاجة راحة."
هز جاسم رأسه إيجابًا على مضض. بعد قليل رحلت أسرة جاسم، بينما صعد خالد لغرفته للمرة العاشرة تقريبًا، فوجدها مازالت نائمة. تهاوى على إحدى الكراسي بضيق: "كل دا نوم؟ انتي نايمة مع أهل الكهف."
اتصلت زينب بياسمين للمرة العاشرة تقريبًا، أخيرًا وجدت ردًا.
قالت زينب غاضبة: "انتي فين يا زفتة؟"
ردت ياسمين سريعًا: "معلش يا ماما، الوقت سرقنا وما حسيناش بيه."
قالت زينب غاضبة: "طب يلا بسرعة، أبوكي طلع ينام، بس خالد لسه صاحي. انتي عارفة لو عرف إنك خرجتي هو وابوكي هيعملوا فيكي إيه؟"
قالت ياسمين: "خلاص يا ماما، والله جاية أهو."
قالت زينب بضيق: "أما أشوف آخرتها معاكي يا بنت زينب."
أغلقت زينب الخط وهي تدعو الله أن تمر تلك الليلة على خير.
بدأت تئن بصوت منخفض وهي تحاول فتح عينيها.
قال خالد: "أخيرًا، اصحى بقى."
فتحت عينيها تنظر له بتوهان: "هو في إيه؟"
قال خالد مبتسمًا: "حمد الله على السلامة."
قطبت حاجبيها باستفهام: "هو إيه اللي حصل؟"
قال خالد: "انتي فقدتي الذاكرة ولا إيه؟ معقولة مش فاكرة اللي حصل؟"
مشاهد سريعة متتالية اقتحمت عقلها، فجأة اتسعت عينيها بذعر. آخر شيء تتذكره أنها وقعت على عقد زواجهم.
رمقه بنظرات متألمة معاتبة، لتشيح بوجهها في الاتجاه الآخر.
تقدم وجلس بجانبها على حافة الفراش، مد يده يمسك بوجهها برفق.
فسمعها تهتف بضيق: "ما تلمسنيش."
لتضحك بعدها بسخرية: "ولا عادي بقى، ما أنت المفروض جوزي."
أدار وجهها ناحيته بهدوء ليري تلك الدمعة الهاربة من عينيها، مسحها برفق.
قال خالد برفق: "ما فيش أي حاجة في الدنيا تستاهل دموعك، حتى أنا ما أستاهلهاش."
مسحت دموعها بعنف لتردف بضيق: "لو سمحت ابعد."
زفر بضيق ليقم من جانبها عائدًا إلى كرسيه.
انتصفت جالسة على الفراش تهتف بامتعاض: "أنا عايزة أمشي."
لمعت في رأسه فكرة ماكرة، فهتف بخبث: "تمشي تروحي فين يا حبيبتي؟ انتي ناسيه إنك مراتي ولا إيه؟"
أزدردت ريقها بذعر لتهتف بخوف: "يعني إيه؟"
كبح ضحكته بصعوبة ليهتف بمكر: "يعني انتي هتفضلي هنا على طول."
قالت لينا بذعر: "فين بابا وماما ولبنى؟"
قال خالد مبتسمًا بخبث: "مشيوا طبعًا، معقول هيفضلوا مع عريس وعروسة ليلة فرحهم."
صرخت في وجهه بذعر: "لالاااااا."
عند ذلك الحد انفجر في الضحك حتى أدمعت عينيه: "بس بس، اقفلي السرينة دي، بهزر معاكي."
صكت أسنانها بغيظ لتصرخ في وجهه بغضب: "أنت أنت أنت مش لايقة حاجة توصفك، بارد ورخم وغتت وغلس. أنا بكرررررهك."
قال خالد ضاحكًا: "كانت منظرك مسخرة، بقالي كتير ما ضحكتش كده."
تهدجت أنفاسها بغضب لتجلس على ركبتيها ممسكة بوسادة الفراش تضربه بها وهي تصيح بغضب: "يا رخم يا غلس يا بارد يا تنح، عاااااا أنا بكرهك."
دق زينب الباب ودخلت تهتف بمرح: "سمعتك بتضحك، قولت أكيد لوليتا صحيت. حمد الله على سلامتك يا ست العرايس."
قالت لينا بابتسامة صفراء: "شكرًا، أنا عايزة أروح."
قالت زينب: "لأ، تروحي إيه دلوقتي؟ دا إحنا عدينا نص الليل. أنا هنزل أحضر لك لقمة تاكلي وتنامي، والصبح خالد هيعمل لك كل اللي انتي عايزاه."
قالت لينا بضيق: "شكرًا، أنا مش جعانة."
قالت زينب: "لأ، إزاي بقى؟ الدكتور قال إنك محتاجة تغذية."
قال خالد: "روحي يا أمي، انتي ارتاحي وخلي عنايات تطلع الأكل."
تركتهم زينب ونزلت، فنظر خالد للينا يهتف بضيق: "اتكلمي مع والدتي عدل، انتي حبيبتي واغلى حاجة عندي، بس هي أمي."
أشاحت بوجهها بعيدًا عاقدة ذراعيها أمام صدرها بضيق. لمحت بطرف عينيها حافة برواز ذهبي اللون خلفها، التفت بجسدها لتتسع عينيها بصدمة عندما وجدت صورة كبيرة تقريبًا تأخذ حائطًا بأكمله له وهو جالس على كرسي واضعًا قدمًا فوق أخرى بشموخ. ازدردت ريقها بتوتر. هي فقط صورة، ولكنها تبعث إحساس غريب بالرهبة.
هتفت بضيق: "نرجسي أنت أوي على فكرة."
قال خالد بغموض: "مش كل حاجة بتشوفيها بتبقى حقيقة."
خلع حذائه ليصعد على الفراش، خلع تلك اللوحة الكبيرة لتتسع عينيها بصدمة أكبر. مئات الصور لها.
نظر إلى دهشتها يهتف بإحراج وهو يعبث في شعره: "صورك كتير عشان كده لازم أخفيهم بصورة كبيرة بدل ما أهلي يفتكروني اتجننت."
هبط بجانبها على الفراش ينظر لها بهيام: "انتي ليه مش مصدقة إني بحبك؟ والله بحبك."
نظرت له بعتاب: "أنت اتجوزت مرتين يا خالد، لو كنت بتحبني فعلاً ما كنتش اتجوزت."
تنهد بتعب ليكمل: "حاولت أنساكي بس ما عرفتش."
نظرت له بعتاب: "أنا بقى عمري ما حاولت أنساك. شوفت بقى الفرق؟ انت حاولت تنساني ورجعت بعد السنين دي كلها تقول لي بحبك. أنا عمري ما نسيتك، وبعد السنين دي كلها مستحيل أصدقك."
زفر بضيق، شد على شعره بغضب عندما سمع صوت دقات على باب الغرفة. قام وأخذ الطعام من الخادمة وعاد لها يهتف بجد: "الأكل."
قالت لينا بحدة: "مش جعانة."
قال خالد غاضبًا: "بصي بقى يا لينا، أنا مش ماما زينب ولا ماما فريدة، هقعد أتحايل. قسما بالله لو ما أكلتي لكون مكتفك ومآكلك بالعافية."
كتفت ذراعيها أمام صدرها بعند: "مش هاكل."
قال خالد بتوعد وهو يشمر عن ساعديه: "شكلك كده عايزة تاكلي غصب عنك، استعنا على الشقي بالله."
قالت لينا سريعًا: "لأ لأ لأ، خلاص."
قال خالد: "أيوه كده، ناس تخاف ما تخشش."
قالت لينا بضيق حاولت إخفاءه: "ممكن بعد إذنك أطلب منك طلب؟"
قال خالد بهيام: "انتي تؤمري."
قالت لينا: "عايزة أروح."
تنهد بتعب: "حاضر يا لينا، كلي وهروحك."
بدأت تأكل وهو يراقبها فقط، يراقبها بعشق لا حدود له. فاق على يدها تلوح أمام وجهه.
قالت لينا: "أنا شبعت."
التقط مفاتيحه وهاتفه، خرجا من الغرفة إلى أسفل، وجد خالد والدته ما زالت مستيقظة وتبدو قلقة للغاية.
قال خالد بشك: "إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا أمي؟"
قالت زينب بتوتر: "هاااا، لأ يا ابني ما فيش، أنا بس مش عايزة أنام."
قال خالد بشك: "انتي مخبية عني إيه يا أمي؟"
قالت زينب بتوتر: "هاااا، هكون مخبية إيه يعني؟ مش مخبية حاجة."
لم تكد زينب تنهي جملتها حتى شعر خالد أن باب المنزل يفتح بهدوء. التفت خلفه فوجد ياسمين تحاول التسلل على أطراف أصابعها حتى لا يسمعها أحد، ولكنها ما إن التفت تجمدت مكانها عندما وجدت خالد يقف أمامها. عرفت من نظراته أن شمس ليلتها لن تستطع.
قال خالد غاضبًا: "بقي هو ده اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ ده اللي انتي مخبياه عني إن الهانم بنتك لسه برة لحد الساعة 2 بالليل؟"
اتجه خالد إلى ياسمين التي تقف ترتجف خوفًا، وجذب شعرها بعنف.
صرخت ياسمين بألم: "آه يا خالد شعري، حرام عليك."
قال خالد غاضبًا: "كنتي فين لحد دلوقتي؟"
صاح بصوت هادر: "انطقي! هقتلك."
قالت ياسمين باكية: "والله يا خالد كنت مع أنور."
قال خالد غاضبًا: "وكنتي مع الزفت بتاعك بتعملي إيه وخرجتي إمتى؟"
قالت ياسمين باكية: "خرجت بعد ما المأذون مشي وكنت بتمشي والله أنا وأنور والوقت سرقنا."
ثم أكملت ببعض التحدي: "وبعدين ده جوزي مش حد غريب."
جذب شعرها بعنف أكبر مما جعلها تصرخ بقوة.
قال خالد غاضبًا: "جوزك؟ كلها كام يوم يا أختي وتبقي في بيته، لكن طول ما انتي في بيت أبوكي مش هسمح لك تسوئي سمعته، فاااااااهمة؟"
أفلت شعرها وهم بالتحرك عندما سمعها تصرخ.
قالت ياسمين غاضبة: "يا سلام؟ يعني انت عملت كل ده عشان خرجت مع أنور مع إنه جوزي؟ الدور والباقي على ست لينا اللي كانت في أوضتك حتى قبل ما تتجوزوا، واهي لسه قاعدة معاك لحد دلوقتي وانت ما كلمتهاش؟ والا انت ما بتبقاش راجل إلا عليا أنا."
رواية أسير عينيها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دينا جمال
ياسمين غاضبة: يا سلام، يعني أنت عملت كل ده عشان خرجت مع أنور، مع إنه جوزي؟ الدور والباقي على ست لينا اللي كانت في أوضتك حتى قبل ما تتجوزوا، واهي لسه قاعدة معاك لحد دلوقتي وأنت ما كلمتهاش؟ ولا أنت ما بتبقاش راجل إلا عليا أنا؟
صفعة مدوية سمع صداها في أرجاء المنزل الكبير. سقطت على إثرها نرمين أرضًا، تمسك بوجنتها، تشهق في بكاء حار.
تقدم ناحيتها بسرعة، يجذبها من شعرها بقوة حتى وقفت أمامه، يصرخ فيها بغضب:
"المرة الجاية اللي هتفكري بس تعلي صوتك فيها عليا، هقطعلك لسانك."
عند ذلك الحد، نفضت يدها من يد زينب، التي حرصت على الإمساك بيدها منذ مجيء ياسمين حتى لا تتدخل. هرولت سريعة ناحيتهم، تلخص شعر ياسمين من يد خالد.
لينا غاضبة:
"أنت اتجننت يا خالد؟ أو إوعى، سيب شعره."
دفعه بقوة في صدره، ولكنه صدقًا لم يؤثر فيه. دفعتها، ترك شعر أخته وابتعد خطوتين فقط.
لينا بلهفة:
"ياسمين، انتي كويسة؟"
دفعتها ياسمين بقوة حتى كادت تسقط، لولا ذراعه التي التقطها سريعًا.
ياسمين صارخة من بين دموعها:
"أنتي السبب، أنا بكرهك يا لينا. من وإحنا صغيرين وأنا بكرهك. خالد عمره ما ضربني، والنهاردة ضربني، ضربني بالقلم عشانك. يا ريتك ما رجعتي."
بصقت تلك الكلمات في وجهها، لتركض هاربة إلى غرفتها.
خالد لوالدته بحدة:
"البت دي ما تعتبش باب أوضتها تاني لحد ما الزفت بتاعها يجي ياخدها، حتى الكوافير مش هتروحه."
نظرت له بحنق من أوامره المتسلطة، لتهتف بضيق:
"على فكرة بقي، ياسمين عندها حق. ما ينفعش تحلل الحاجة لنفسك وتحرمها على غيرك. لتهتف ساخرة: وبعدين ده جوزها يا جوز."
نظر لها بتوعد، ليهتف في والدته:
"اطلعي يا أمي، شوفي ياسمين."
صعدت زينب لأعلى، وتركتهم. أزدرت ريقها بخوف عندما أدركت أنها أمامه بمفردها. نظرات عينيه مشتعلة، تكاد تشعر بحرارتهم. اللهب يلفح ثنايا روحها. ابتسمت بتوتر، لتردف بشجاعة زائفة:
"أنت بتبصلي كده ليه؟ وواقف ليه؟ مش مش مش هنمشي؟"
خالد بتوعد:
"لأ يا مشمش، مش هنمشي. عقاب لطول لسانك، هتفضلي هنا النهاردة وهتباتي في أوضتي معايا."
اتسعت مقلتيها بفزع:
"أنت بتهزر صح؟"
رمقها ببرود، ليلتفت عائدًا إلى غرفته. ما كاد يخطو أول درجتين حتى سمعها تهتف على مضض:
"أنا آسفة."
تقدم منها واضعًا كفيه في جيبي بنطاله، يهتف بخبث:
"عايزاني أروحك؟"
كتفت ذراعيها أمام صدرها بعند:
"لأ، عادي على فكرة. أنا ممكن أروح لوحدي."
ظل يتقدم منها ببطء، وهي تتراجع للخلف، تهتف بتلعثم:
"فـ فـ في إيه؟ اا أنت بتقرب ليه؟"
وقف أمامها مباشرة، محطمًا مساحتها الشخصية، يهتف بضيق:
"ده على أساس إنك متجوزة كيس جوافة، هيسيبك تخرجي لوحدك دلوقتي؟"
أزدرت ريقها بتوتر:
"هااا، ممش قصدي. أنا عايزة أروح وأنت مش عايز تروحني، فسبني أروح لوحدي. طب ممكن تروحني؟"
أشار ناحية خده وابتسم بخبث، لتفتح فمها ببلاهة:
"هاااااااا؟"
هتف ببراءة ذئب:
"يلا، لو عايزة تروحي."
لينا بضيق:
"خالد، حد قالك إنك قليل الأدب قبل كده؟"
خالد ضاحكًا بخبث:
"ياااه، بتعرفي تعدي لحد كام؟"
هتفت بنزق:
"طبعًا. ما أنت هتلاقي نفسك ذئب شرير."
رفع حاجبه الأيسر، ليبتسم بخبث:
"ده أنا اللي برضه؟ أنا اللي كنت بتحرش بيكي وإنتي صغيرة."
اتسعت عينيها بصدمة، لتنفجر الدماء في وجنتيها في لحظات. هتفت بتلعثم خجل:
"ا ا.. أنااا ….. أنا، أنت رخـم على فكرة، عشان أنت عارف إني ما كنتش أقصد وما كنتش فاهمة."
ابتسم بشدة على صغيرته الخجولة، ليهتف:
"تعالي يلا، أروحك."
خرجت معه إلى سيارته، ركبت بجانبه. أطبقت شفتيها، ملتزمة الصمت طوال الطريق.
خالد:
"ساكتة ليه؟"
لوت شفتيها بضيق:
"هتكلم أقول إيه؟"
خالد مبتسمًا بوله:
"أي حاجة. أكديلي إنك فعلاً قدامي ومعايا. قوللي إن أنا ما بحلمش."
شعرت بالخجل يغزو خلاياها، هتفت بضيق حتى تخفي خجلها:
"على فكرة، أنت غلطت في ياسمين ولازم تعتذرلها."
هتف بتهكم:
"اعتذرلها؟"
لينا:
"أيوة طبعًا تعتذرلها. هي عندها حق، ما ينفعش تحلل الحاجة لنفسك وتحرمها على غيرك."
زفر بضيق، ليشيح بوجهه إلى الطريق أمامه، ينظر له بتركيز، متجنبًا الحديث معها.
وأخيرًا، وصلا إلى منزل والدها. وبدون أن تنبس بكلمة، خرجت من سيارته، لتصفع الباب خلفها بضيق.
***
في فيلا الشريف.
فريدة:
"مش هتطلع تنام يا جاسم؟"
جاسم بقلق:
"قلبي واكلني أوي على لينا. ما كانش ينفع نسيبها."
لبنى بضيق:
"عندك حق. أنا مش عارفة إزاي سبتوها ومشيتوا مع الكائن اللزج ده."
فريدة بعتاب:
"خلاص بقي يا لبنى. أنا عارفة خالد هيخلي باله منها كويس."
ابتسم جاسم بسخرية:
"صح، عندك حق. خالد دايماً واحد باله منها كويس."
عضت فريدة على شفتيها بندم، لتهتف سريعًا:
"والله يا جاسم، مش قصدي. أنا بس قصدي..."
جاسم مقاطعًا بإنهاك:
"خلاص يا فريدة، أنا تعبان، وطالع أنام."
سمعوا صوت الباب وهو يفتح، فاتجهت أنظارهم جميعًا إليه.
ليهتف جاسم بلهفة:
"ليناااا!"
هرول ناحيتها سريعًا، وهو يهتف بلوعة:
"حبيبتي، انتي كويسة؟ جيتي إزاي؟"
فتح ذراعيه ليحتضنها، ولكن ما حدث أنها ابتعدت بضع خطوات للخلف، تتطلع له بنظرات جليدية، خاوية من المشاعر.
ابتسمت بسخرية، لتهتف بتهكم:
"مساء النور يا جاسم بيه. ما تقلقش، أنا كويسة خاااالص جدًا. وعلى جيت إزاي؟ فخالد هو اللي وصلني. ولا أنت ما كنتش عايزني أجيك؟"
كلماتها كانت بمثابة خناجر قاسية تنغرس في قلبه، تمزقه بلا رحمة.
صرخت لبنى فيها بحدة:
"لينا! انتي جننتي؟ إزاي تتكلمي مع باباكي بالطريقة دي!"
هتفت بلامبالاة:
"Sorry, dad."
رمقت الجميع بنظرات ساخرة خاوية، لتتركهم صاعدة إلى غرفتها، ولبنى تلحق بها.
شعر جاسم بألم قوي يعتصر قلبه، فوضع يده على صدره، محاولًا كبت صراخته.
هرعت له فريدة تهتف بفزع:
"جاسم! انت كويس؟"
هز رأسه إيجابًا بابتسامة شاحبة:
"أنا كويس يا فريدة، ما تقلقيش. أنا بس محتاج أرتاح شوية."
بينما في الأعلى، دخلت لبنى غرفتها تهتف فيها بحدة:
"إيه اللي انتي نيلتيه تحت ده؟"
نظرت لها بخواء، لتخلع حذاءها، تختبئ تحت غطاء فراشها الوثير.
لبنى بحدة:
"أنا مش بكلمك. وبعدين هتنامي بـ هدومك؟"
لينا صارخة:
"مالكيش دعوة بيا، ماحدش ليه دعوة بيا. سيبوني في حالي بقي!"
شعرت لبنى بمدى جرحها، فلينا دائمًا كانت الفتاة الخجولة الرقيقة.
لبنى برفق:
"لينا…"
لينا مقاطعة بتوسل:
"لو سمحتي يا لبنى، أنا تعبانة وعايزة أنام. ارجوكي، سيبيني في حالي."
تنهدت لبنى بأسى، لتتجه لخارج الغرفة. ودون أن تقصد، ضغطت على زر إغلاق الإضاءة، لتسمع لينا تصرخ بفزع:
"افتحي النور! افتحي النوررررر!"
شغلت الإضاءة سريعًا:
"لينا! والله أنا…"
قاطعتها صارخة بفزع:
"سيبيني في حالي! اطلعي برة بقي!"
سحبت لبنى لخارج الغرفة سريعًا. بينما انكمشت الأخيرة على نفسها، تحتضن ساقيها، تبكي بهلع. تمتم ببعض الكلمات:
"ضلمة… ضلمة… بابا… بابا… لوليتا بتخاف من الضلمة."
تهاوت بجسدها على الفراش، وأخيرًا، بعد بكاء طويل، انسحب عقلها عن الواقع، ونامت.
***
في صباح اليوم التالي.
في فيلا السويس.
ياسمين باكية في حضن والدها:
"شوفت يا بابا خالد عمل فيا إيه؟"
محمود بحنان:
"خلاص يا حبيبتي، كفاية عياط. ينفع عروسة زي القمر كده تعيط؟"
هزت رأسها نفيًا، فاكمل محمود برفق:
"اقعدي يلا يا حبيبتي افطري. دعاوي الفرح بتاعتك خلصت، هصلي الجمعة وأروح أجيبها من المطبعة وهوزعها أنا وأخوكي."
نزل لأسفل. منذ مدة طويلة لم يستيقظ مبكرًا. احتل مقعده على طاولة الطعام، يهتف بضيق:
"أنا مش قولتلك ما تعتبيش باب أوضتك؟"
ياسمين بحزن:
"سامع يا بابا."
محمود بحدة:
"أنت مالكش تمشي كلام عليها طول ما أنا عايش، وآخر مرة تمد ايدك عليها، فاهم؟"
خالد بهدوء:
"ربنا يديك الصحة وطولة العمر يا حج، بس أنا لو بنتي رجعت الساعة 2 بليل، أنا هكسر رقبتها. وياسمين بنتي قبل ما تكون أختي."
محمود بحدة لياسمين:
"الساعة 2؟"
ياسمين بخوف:
"والله يا بابا، كنت مع أنور والوقت سرقنا."
قبض محمود على يده بشدة، محاولًا التحكم في غضبه، هتف بحدة:
"على أوضتك يا ياسمين، وما فيش خروج تاني من البيت لحد ميعاد الفرح، حتى الكوافير مش هتروحه."
فرت ياسمين هاربة إلى غرفتها، بينما هتف خالد بهدوء:
"ما أنا قولت كده."
محمود بحدة:
"مش من حقك تمد ايدك عليها. أول وآخر مرة يا خالد."
خالد بهدوء:
"حاضر يا حج."
محمود بهدوء:
"بعد صلاة الجمعة هنطلع أنا وانت على مكتب الطباعة نستلم منه كروت فرح أختك. أنت هتاخد نص، وأنا هاخد نص. لو الزفت عمر كان هنا، كان ساعدنا."
خالد:
"يا حج، ريح نفسك. أنت وأنا هوزعهم كلهم."
محمود:
"لأ يا ابني، كتير عليك. إحنا عازمين ناس كتير أوي."
خالد:
"احم، بقولك إيه يا حج، هو أنت عازم جاسم؟"
محمود:
"آه طبعًا."
خرج خالد ومحمود متجهين إلى المسجد لأداء الصلاة، وبعد ذلك إلى مكتب الطباعة.
***
في فيلا جاسم.
استيقظ جاسم مبكرًا وذهب لأداء صلاة الجمعة. أما لينا، فاستيقظت قرابة الواحدة ظهرًا. أخذت حمامًا وبدلت ملابسها التي تلوثت بدموعها إلى بنطال برمود ثلجي اللون وتيشرت أبيض بحمالتين رفيعتين، ورفعت شعرها ذيل حصان.
عاد جاسم من الصلاة ماشيًا على قدميه، لأن الجامع قريب إلى حد ما. دخل إلى حديقة منزله عندما سمع صوت سيارة تقف خلفه. نظر خلفه، فوجد سيارة دفع رباعي فضية اللون. ظن في البداية أنه خالد، ولكن من نزل منها (راشد الشريف، عمره 58 عامًا، شقيق جاسم الأكبر، طويل القامة كجاسم، ممتلئ قليلاً، شعره أبيض كالفضة، مهندس زراعي).
رحب جاسم بأخيه ترحيبًا حارًا. وبعد عناق وترحيب، نزل الشاب الذي كان يقود.
فارس راشد (30 عامًا، مهندس زراعي والذراع الأيمن لأبيه في عمله، مطلق، يتميز عن باقي أفراد عائلته بعينيه الزرقاء التي ورثها عن والدته).
رحب جاسم بفارس، ليدخلوا جميعًا إلى المنزل.
بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها، خرجت، فوجدت لبنى في طريقها لأسفل.
لينا سريعا:
"لبنى، لبنى استني."
لبنى بضيق:
"نعمل إيه؟"
بندم:
"لبنى، أنا آسفة. ما تزعليش مني."
لبنى مبتسمة بمرح:
"أنتي صدقتي يا هبلة؟ أنا عمري ما أزعل منك أبدًا."
عانقتها لينا سريعا:
"ربنا يخليكي ليا يا ليلي."
تعانقت ضحكاتهم السعيدة وهم ينزلون لأسفل.
فسمعوا صوت ضحكات رجولية عالية قادمة من ناحية غرفة استقبال الضيوف. اتجهت ناحية الغرفة، دقت الباب ودخلت.
فسمعت جاسم يهتف بسعادة:
"لوليتا، تعالي يا حبيبتي سلمي."
دخلت تنظر للجالسين باستفهام. فبادرها جاسم قائلاً:
"ده يا ستي عمك راشد، ودا فارس ابن عمك."
راشد بحنو:
"تعالي في حضن عمك يا قلب عمك."
اتجهت ناحيته بخجل، ليضمها بين ذراعيه برفق:
"كيف القمر؟ تعرفي إني ما شفتكيش من وإنتي بنته صغيرة؟"
جلست على الكرسي جوار فارس، فمال على أذنها يهتف بإعجاب:
"أنا ما كنتش أعرف إن بنت عمي حلوة أوي كده."
جاسم بضيق:
"إيه الزفت اللي انتي لابساه ده؟"
جلست بارتياح على الكرسي، تهتف بغرور:
"حلو مش كده؟"
جاسم بحدة:
"ده زفت جدًا! قومي حالا غيّري الزفت ده."
هزت رأسها نفيًا بعند. رن هاتف جاسم برقم خالد.
جاسم:
"السلام عليكم."
خالد:
"وعليكم السلام. إزاي صحة حضرتك؟"
جاسم ضاحكًا بسخرية:
"يا راجل، بقي بتسأل على صحتي؟ ده على أساس إن الحب بينا مولع في الدرة."
خالد ضاحكًا بسخرية:
"طب كويس إنك عارف. فاضي ولا وراك حاجة؟"
جاسم:
"لأ، فاضي."
خالد:
"ربع ساعة وهبقى عندك."
جاسم:
"تشرف."
أغلق جاسم الخط، هاتفا في لينا بضيق:
"خالد جاي، قومي غيري أحسن."
لينا بلامبالاة:
"طظ، مش هغير."
فارس باستفهام:
"خالد مين؟"
قلبت شفتيها بضيق:
"خطيبـ…"
جاسم:
"جوزك."
لينا بضيق:
"للأسف. عن إذنكم."
واتركتهم وذهبت إلى الحديقة، تجلس على أحد الكراسي بضيق.
فارس:
"احم، عن إذنك يا عمي."
جاسم:
"طبعًا يا ابني، البيت بيتك."
خرج خلفها، فوجدها جالسة تنظر أمامها بشرود.
هتف بهدوء وهو يجلس بجانبها:
"ما تحبهوش، مش كده؟"
لينا:
"هااا؟ هو مين ده؟"
فارس:
"خالد."
هزت رأسها نفيًا بحيرة:
"مش عارفة."
فارس ضاحكًا:
"يعني إيه مش عارفة؟ ما هو يا آه يا لاء."
لينا بضيق:
"مش عارفة. المشكلة أن أنا مش عارفة. حاولت أكرهه ما عرفتش. حاولت أسامحه بردوا ما عرفتش."
فارس:
"ربنا ياخده ويريحك منها."
اشتعلت عينيها بغضب، لتهتف فيه بحدة:
"حرام عليك! بتدعي عليه ليه؟"
ابتسم بثقة، ليهتف:
"يبقى بتحبيه. اسكتي عقلك شوية، وادي فرصة لقلبك."
لينا ضاحكة:
"إيه يا عم، دا قاعدة مع أسامة منير؟"
فارس ضاحكًا:
"والله، أنتي مشكلة."
لينا مبتسمة:
"قولي بقي، أنت متجوز ولا خاطب؟"
فارس:
"لأ يا ستي، أنا مطلق."
لينا باحراج:
"أنا آسفة."
فارس بابتسامة صغيرة:
"ولا يهمك. كانت جوازة محكومة بالفشل من بدايتها. كانت أنانية أوي، تخيلي كانت بتتخانق معايا لما بزور أهلي، وفي الآخر بتخيرني بينها وبين أهلي، فطلقتها. الحمد لله، ما كانش عندنا أطفال."
هتفت بمرح لتخفف عنه:
"روق يا روو. طب والله هي الخسرانة، ده أنت حتى أمور وحلوة وعينيك زرقا."
آه، وإيه كمان؟
اتسعت عينيها بذعر عندما سمعته يهتف من خلفها بتوعد. التفت برأسها ببطء، لتجده يقف ينظر لها بتوعد. شرارات الجحيم تخرج من عينيه.
قبض على يدها يجذبها نحوه، يصيح بغضب:
"مين ده يا هانم؟ وإيه الزفت اللي انتي لابساه ده؟"
جذبها فارس ناحيته لتقف خلف ظهره:
"أنت اتجننت؟ أنت مين أصلًا؟"
خالد غاضبًا:
"أنا اللي مين؟ مين ده يا لينا هانم؟"
لينا بذعر:
"ده… ده… ده فارس ابن عمي."
صرخ في وجهها بغضب:
"وإنتي قاعدة قدام ابن عمك بالمنظر ده ليه؟ متجوزة سوسن؟ أنتي لازقة فيه كده ليه؟ تعالي هنا!"
هزت رأسها نفيًا بخوف، لتعزز أظافرها في قميص فارس، تحتمي به.
فارس بضيق:
"يا أستاذ خالد، مش كده. اهدي حضرتك. أنت كده بتخوفها."
خالد غاضبًا:
"أنت مالك أصلًا؟"
مد يده ليتنشلها من خلف فارس، فقبض فارس على يده.
فارس بحدة:
"أوعى تكون فاكر إني هسمحلك تأذيها."
خالد مبتسمًا بسخرية:
"تصدق؟ اترعبت. وسع من طريقي يا شاطر عشان ما أزعلك."
فارس بتهكم:
"تصدق؟ أنا نفسي أزعلك."
في اللحظة التالية، كان فارس يترنح بألم عندما صدم خالد رأسه بعنف برأسه.
لينا بفزع:
"فااارس! أنت مجنون! فاارس! أنت كويس يا فارس؟"
هتف جاسم بحدة وهو يخرج من الفيلا بصحبة محمود:
"إيه ده؟"
فارس:
"ما فيش يا عمي، ده سوء تفاهم."
راشد:
"أنت مين يا ولدي؟"
خالد مبتسمًا بتهذيب:
"أنا خالد السويسي يا أفندي."
جاسم:
"ده خالد يا راشد. أكمل على مضض، جوز بنتي."
راشد مبتسمًا:
"يا أهلا يا ولدي، تعالا واقف بره ليه؟"
خالد:
"معلش يا عمي، ثانية واحدة."
التفت إليها يهتف بتوعد:
"قسمًا بالله لو ما طلعتي غيرتي هدومك في خلال 3 ثواني، لهنفخك."
ثم التفت إلى جاسم وراشد، يعاود حديثه معهم.
سمعته يهتف وهو يوليه ظهره:
"الوقت قرب يخلص."
فرت هاربة لأعلى، وأغلقت الباب عليها بالمفتاح. تنظر للحديقة من خلال شرفة غرفتها، وجدته يعطي والدها دعوة فرح، ثم استأذن.
راقبته وهو يرحل، لتتسع عينيها بخجل عندما غمز لها بطرف عينيه. ثم أشار ناحية ملابسه بإصبعه ورسم علامة (×) وهز رأسه نفيًا بتوعد.
لينا بضيق:
"غتت."
تجد هاتفها يرن، يعلن عن وصول رسالة. كتب فيها:
(غيري هدومك أحسن لك، بدل ما أجي أغيرهالك أنا.)
اتسعت عينيها بخجل من وقاحته.
لينا بصدمة:
"آه يا سافل يا قليل الأدب!"
تجد رسالة أخرى:
(ربنا يسامحك.)
التفت حولها سريعا، تهتف بذعر:
"هو بيراقبني ولا إيه؟"
ذهبت إلى المرحاض وبدلت ملابسها. نزلت لأسفل، فوجدت الجميع يجلسون يحتسون الشاي.
فارس:
"بقولك إيه يا لينا، أنا عايز أروح المول أجيب شوية حاجات."
لينا بحماس:
"خمس دقايق، هغير هدومي."
أسرعت تبدل ملابسها، لتخرج معه بعدما استأذن فارس من عمه.
***
في أحد المولات الشهيرة.
بدأت لينا وفارس يشترون الملابس. كانت تتحرك بسعادة، تتسع ابتسامتها عندما يعجب فارس بما اختارت من ملابس.
بينما كان هو يقود سيارته بغضب، متجهًا إليها. عرف مكانها من خلال هاتفه.
بعد مدة قصيرة، دخل خالد إلى المول، يتحرك بثقة وهيبة. تنظر إليه جميع الفتيات بإعجاب.
كان يجوب المكان بعينيه بحثًا عنها، فلم يلحظ هذه الفتاة التي اصطدمت به.
الفتاة صائحة بغضب:
"لـ دخيلك، أنت أعمى؟"
خالد:
"معلش، ما أخدتش بالي."
الفتاة صارخة وهي ترمي في صدره:
"خالد! والله كتير اشتقتلك! لـ دخيلك يا أستاذ، ما فيك تسأل عني ولو بالتليفون؟"
خالد بدهشة:
"جودي! إزيك؟ إيه ده؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ قصدي فرصة سعيدة. أنت بتعملي إيه؟"
جودي بحماس:
"راح أحكيلك. أنا بدي أشتري هدية لرفيقي چون، فيك تساعدني؟"
خالد:
"أساعدك إزاي يعني؟"
جودي:
"أنا بدي أشتريله بدلة لحفلة عيد ميلاده، وهو بيكون تقريبًا نفس مقاسك. فأنا بدي ياك تختارلي واحدة على ذوقك، وأنا بعرف ذوقك آكتير حلو."
خالد باحراج:
"احم، معلش يا جودي، أصل أنا…"
قاطعته جودي بتوسل:
"دخيلك يا خالد، بس خمس دقايق. ما راح تتأخر، كرمالي خالد، بس خمس دقايق."
تنهد بضيق:
"أمري لله. يلا بينا يا ستي."
دخل خالد وجودي محل لاختيار تلك البدلة المنشودة. اختار خالد بدلة كلاسيك سوداء، أعجبت بها جودي كثيرًا، وطلبت منه قياسها للتأكد من المقاس. رفض في البداية رفضًا قاطعًا، ولكن بعد إلحاح منها، أو بمعني أصح، زن، وافق مضطرًا. أخذ البدلة وذهب إلى بروفة قياس الملابس.
في هذه الأثناء، دخلت لينا وفارس إلى نفس المحل لشراء بدلة لفارس ليحضر بها زفاف صديقه. انتقت لينا بدلة سوداء كلاسيك كالتي اختارها خالد. أعجب بها فارس كثيرًا، وذهب ليقيسها. وللصدفة العجيبة (مسم الصدف في الرواية دي كتير أوي 😜😜).
أن تلك الحجرة الصغيرة التي استخدمها فارس للقياس بجانب حجرة خالد. فوقفت لينا أمام حجرة فارس، وجودي أمام حجرة خالد.
جودي مبتسمة:
"هاي."
لينا مبتسمة:
"هاي."
جودي وهي تصافحها:
"جودي."
لينا مبتسمة:
"لينا."
فتح فارس باب حجرتها بعد أن ارتدي البدلة، يهتف بتساؤل:
"ها يا لينا، إيه رأيك؟"
لينا بإعجاب:
"تحفة."
جودي بإعجاب:
"آكتير حلو. هيدا جوزك؟"
قبل أن ترد لينا، فُتح باب الحجرة المجاورة، وخرج منه خالد، يهتف بضيق:
"إيه رأيك يا جودي؟"
نظرًا إلى بعض للحظات بصدمة، قبل أن يصحيان معا:
"خالد." / "لينا."
رواية أسير عينيها الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دينا جمال
رب صدفة خير من ألف ميعاد.
ولكن تلك الصدفة كانت بمثابة فتيلة اشتعال، ربما غضب وربما غيرة.
كانت أعينهم متسعة بصدمة، يرمقان بعضهما بذهول وغضب وغيره.
فاقا علي جملة جودي وهي تهتف بحيرة:
"انتوا تعرفوا بعض؟"
احتدمت نظراتها ترمقه بغيظ لتهتف من بين أسنانها وابتسامة صفراء مرتسمة على شفتيها:
"آه طبعًا يا حبيبتي نعرف بعض."
تقدمت ناحيته لتسمك بكف يده، تضغط عليه بغيظ، تهتف بضيق وهي تشير ناحية خالد:
"هيدا بيكون جوزي ولا إيه يا حبيبي؟"
فتح فاهه بصدمة ليهز رأسه إيجابًا سريعا، لتصرخ تلك الفتاة بسعادة وتقفز لتلقي نفسها بين ذراعيه.
جودي بسعادة:
"واااااه، أنت اتجوزت! كتير كتير فرحت منشانك."
فضت يده بضيق لتهتف في فارس بغيظ:
"يلا يا فارس، أحسن اتأخرنا."
فارس:
"أنا خلصت خلاص، يلا بينا."
ما كادت تصل إلى باب الخروج حتى سمعته يهتف فيها:
"استني يا لينا."
كادت أن تخرج عندما أوقفتها يد فارس.
فارس بخبث:
"ما تخليش الغزو الأوروبي دي تفوز عليكي، هستناكي في الكافيه اللي في الدور التاني."
تركها وذهب، لتجد زوجها العزيز يتجه نحوها بخطوات واسعة بعدما بدل ملابسه.
وقف أمامها مباشرة يهتف بضيق:
"انتي رايحة فين؟"
قالت بغيظ من بين أسنانها:
"ابدأاا.. قولت أسيبك مع ست جودي عشان تعرف تحضنها براحتك، ما أنت متجوز فاظة مش كدة؟"
هل تسمعون قرع تلك الطبول؟ هي في الحقيقة دقات قلبه التي تكاد تصرخ فرحًا. تغار عليه، تغار عليه، هذا يعني أنها تحبه، نعم تحبه. لو لم يكن في مكان عام لكان صرخ بأعلى ما يملك من قوة، صارخًا بحبه.
خالد بخبث وابتسامة ثعلبية تتراقص على شفتيه:
"إيه دا، انتي بتغيري؟"
رفرفت بأهدابها بصدمة:
"أغار؟ يمكن لا، بالتأكيد أغار."
هي بالكاد تمنع نفسها من الذهاب لتلك الشقراء وخلع قلبها من مكانها.
زردرت ريقها بتوتر لتهتف بتلعثم:
"هااا، لا لا طبعًا مش بغير، مين اللي قالك الكلام الفارغ دا؟"
نظر في عينيها بقوة ليهتف بخبث:
"عينيكي."
سحقًا! لما تشعر بالدماء تغزو وجنتيها، وجهها يشع حرارة ملتهبة من شدة خجلها. أنقذها في هذه اللحظة مجيء جودي تهتف بدلال:
جودي:
"خالد في إيه؟"
خالد مبتسمًا ليغيظها:
"لا أبدًا يا جودي، خلصتي ولا لسه؟"
جودي كابتسمة:
"إيه، خلصت، بشكرك كتير على مساعدتك ليا."
خالد مبتسمًا:
"ما فيش مشكلة، أنا دايما في الخدمة."
عانقته مرة أخرى لتهتف سريعًا:
"أنا راح أمشي هلاء لأن جون عم ينطرني، باي باي خالد، باي لينا."
خالد:
"مع السلامة يا جودي."
لينا بغيظ:
"روحي يا شيخة، الله يفرمك قطر."
انفجر ضاحكًا حتى أدمعت عينيه.
خالد ضاحكًا:
"يفرمها قطر، آه يا مفترية."
لينا صارخة بغضب:
"أنا مفترية وهي طيبة وكيوتة وكل خمس دقايق بتترمي في حضنك يا أبو حضن حنين أنت."
اتسعت عينيه بدهشة ليهتف ببراءة مصطنعة:
"طب وأنا مالي، مش هي اللي حضنتني، هو أنا اللي حضنته؟"
لينا بغيظ:
"يا سلام، فارقة. سيب ايدي بقي عايزة انزل لفارس."
تجمهمت ملامحه فجأة ليضغط على يديه، هاتفا بحدة من بين أسنانه:
"خدي هنا، انتي إزاي أصلًا تخرجي من غير إذني؟"
لينا بملأ:
"لأ طبعًا، أنا كش هاخد إذنك قبل ما أخرج."
رفع سبابته يهتف في وجهها بتوعد:
"قسمًا بربي يا لينا، لو خرجتي تاني من غير إذني، لكون حابسك في البيت لحد يوم الفرح."
انتفخت أوداجه بغيظ، حاولت نزع يدها من يده بعنف لكنها لم تفلح، لتصرخ بغيظ:
"سيب ايدي، عايزة انزل لفارس."
كاد أن يرد عندما رن هاتفها، أخرجته من حقيبتها بيدها الحرة. نظرت إلى الاسم لتزفر بضيق:
"دا فارس، أكيد بيستعجلني."
صك أسنانه بغيظ:
"انتي لحقتي تديله نمرتك؟"
لينا:
"آه طبعًا، دا ابن عمي."
اختطف الهاتف من يدها فجأة:
"طب هاتي الزفت دا."
وضع الهاتف على أذنه بعدما فتح الخط، ليسمع صوت خصمه يهتف بمرح:
"إيه يا لولو، كل دا تأخير، انتي فين؟"
خالد غاضبًا:
"لولو مع جوزها يا حبيبي."
فارس بدهشة:
"خالد! أومال فين لينا؟ أنا قصدي يعني إننا اتأخرنا وعمي جاسم..."
خالد مقاطعًا بحدة:
"لأ، روح انت يا حبيبي، وعلي الله أشوفك بكلم مراتي تاني."
أبعد الهاتف عن أذنه ليضغط على زر إغلاق الخط، أغلق الخط في وجه فارس، ثم توجه إليها قائلًا بابتسامة واسعة:
"يلا بينا."
لينا بضيق:
"يلا بينا فين؟ أنا مش رايحة معاك في حتة."
هتف بابتسامة صفراء:
"هتيجي معايا بالذوق، ولا أشيلك قدام الناس؟"
دبدبت على الأرض بغيظ طفولي، لتسير خلفه مرغمة. دخل بها إلى أحد المحلات وبدأ يشتري الكثير من الملابس. تركته، فهي ظنت أنه يبتاعهم لياسمين بما أن زفافها قد اقترب.
من محل لآخر استمرت جولتهم ما يقارب ثلاث ساعات، تسير خلفه مرغمة، بدأت قدماها تؤلمهما، خاصة بذلك الكعب الرفيع الذي ترتديه. وقفت في أحد المحلات تنظر إليه بضيق، متى ستنتهي وصلة العذاب تلك. لمحته قادمًا ناحيتها، فاشتت بوجهها بعيدًا.
خالد بقلق:
"انتي كويسة؟"
لينا بضيق:
"آه كويسة، ممكن بقي نمشي، رجلي وجعتني."
أشار إلى أحد عمال المحل هاتفا بجد:
"شيل الشنط دي وتعالى ورايا."
كادت أن تسأله بتهكم: "لماذا لم يحملهم هو؟" لكنها شهقت فجأة عندما وجدته يحملها بين ذراعيه.
لينا بصدمة:
"انت اتجننت يا خالد؟ نزلني يا خالد، نزلني يا خالد، الناس بتبص علينا."
خالد:
"طظظظ."
اختفت وجهها في صدره خجلًا، لتعقد حاجبيها بدهشة، لماذا دقات قلبه سريعة هكذا؟ وصل بها إلى سيارته، ليفتح بابها ويضعها على المقعد الأمامي، ثم ذهب إلى العامل وأخذ الحقائب وأعطاه بقشيشًا فرح به العامل كثيرًا. وضع الحقائب في شنطة العربية وعاد يستقل القيادة، أدار محرك السيارة وانطلق.
لينا صارخة بغضب:
"ممكن أفهم إيه اللي سيادتك عملته دا؟"
خالد بهدوء:
"عملت إيه؟ انتي قولتيلي رجلي وجعاني فشيلتك بس."
لينا بغيظ:
"يا سلام، فعلًا دي حاجة بسيطة خالص، تشلني في المول قدام الناس، ومنظرنا قدامهم، بيقولوا علينا إيه؟"
خالد برفق:
"طظ فيهم. أنا ما يفرقش معايا كلام الناس، صدقيني ما بيأثرش فيا. لكن اللي يأثر فيا ويأذيني فعلاً إنك تكوني تعبانة أو بتتوجعي، ولو حتى وجع بسيط."
أسبلت عينيها بدهشة، تصارعت دقات قلبها بعنف، إحساس غريب لذيذ يحتل خلاياها، لا تعرف لماذا. قفزت جملة فارس في عقلها في تلك اللحظة: (سكتي عقلك شوية وادي فرصة لقلبك). فتحت فمها لترد، ولكن صدقًا هربت الكلمات من حلقها، ففضلت الصمت إلى أن وصلا.
دخل إلى حديقة الفيلا، أوقف السيارة ليلتفت إليها مبتسمًا بحنان.
خالد:
"لينا، عايز أقولك حاجة مهمة قبل ما تنزلي."
لينا:
"اتفضل."
خالد بهدوء:
"علاقتك بفارس لازم يبقى ليها حدود أكتر من كده."
قطبت حاجبيها بدهشة:
"بمعنى؟"
خالد بضيق:
"بمعنى إنكم تعرفوا بعض من ساعتين وبيقولك يا لولو؟"
كتفت ذراعيها بعند:
"وفيها إيه يعني؟ دا ابن عمي."
أمسك يديها، يفك تشابكهما برفق، أخذ يدها اليمنى يحتضنها بين راحتي يديه برفق، هاتفًا بحنان:
"لوليتا، عشان خاطري اسمعي كلامي، ما تتعامليش مع الناس بطيبتك الزايدة، مش من حق أي حد إنه يتكلم مع الألماسة أو حتى يشوفها، دا أنا المفروض أحط حواليكي ليزر وحراسة وأخبّيكي جوة قلبي، مع إنك جواه من زمان."
هل تسمعون قرع تلك الطبول الصاخبة؟ هذه المرة هي شعرت بتجمد أطرافها بحرارة ملتهبة تخرج من خديها، كانت كأنها قطعة جليد تذوب. تعلقت عينيها بعينيه وهو يتحدث، لتري نظرة مختلفة، غريبة، دافئة، وكأن نبعًا من الحنان تفجر فيهما. شعرت أن قلبها سيخرج من مكانه، خصوصًا عندما رفع يدها وقبل راحته برفق.
وكأنه تنويم مغناطيسي، وجدته نفسها تقول تلقائيًا بلا وعي:
"طب انتي عايزني أعمل إيه؟"
ابتسم بداخلها بانتصار، فهو يعرف جيدًا كيف يقنع صغيرته العنيدة برأيه.
خالد بحنان:
"لوليتا، انتي عارفة إني مستحيل أشك فيكي مهما حصل، وإني بثق فيكي حتى أكتر ما بثق في نفسي. أنا بس كل اللي طالبه منك ما تلبسيش الهدوم الغريبة بتاعتك دي قدام فارس ولا قدام أي حد غريب."
لينا بحيرة:
"بس أنا هدومي كلها كده."
خالد مبتسمًا بثقة:
"اومال أنا كنت بشتري كل دا لمين؟ هتلاقي عندك كل اللي هتحتاجيه، عبايات وأسدلات وبيجامات واسعة، بس عشان خاطري خليكي في العبايات."
هزت رأسها إيجابًا باستسلام، ليميل مقبلًا جبينها.
خالد بمرح:
"يلا انزلي عشان أنا فاضلي ثانية ونتمسك أنا وانتي فعل فاضح في العربية."
نزلت سريعًا تشتمه بغيظ:
"قليل الأدب."
تركته ودخلت إلى المنزل، فوجدت الجمع ما زال منتظرًا.
لينا:
"السلام عليكم."
جاسم بضيق:
"وعليكم السلام يا ست هانم، كنتي فين كل دا؟"
كادت أن ترد عندما سمعت صوته يهتف من خلفها:
"كانت معايا يا عمي."
راشد:
"تعالى يا ولدي اشرب معانا الشاي."
خالد مبتسمًا بتهذيب:
"معلش يا عمي، اعذرني مش هقدر، عندي شغل كتير بكرة ومحتاج أرتاح شوية قبل الشغل."
راشد:
"مش هتيجي يا ولدي من خمس دقايق؟"
خالد:
"تتعوض مرة تانية إن شاء الله."
ناولها الحقائب هاتفا برفق وهو يمسك طرف ذقنها بين إصبعيه:
"ما تنسيش اللي قولتهولك عليه."
هزت رأسها إيجابًا سريعًا، لينحني برأسه قليلًا مقبلًا جبينها، هامسًا بجانب أذنها بحنان.
خالد:
"خلي بالك من نفسك."
خالد:
"احم، عن إذنكم يا جماعة."
رحل.
هوت كالصروخ إلى غرفتها، ألقت الحقائب على سريرها، ووضعت يدها على قلبها، لعله يهدأ قليلًا.
لبنى بمرح وهي تدخل الغرفة:
"إيه يا بنتي التأخير دا كله؟ دا أنا قولت هتاباتي في المول."
لينا يا لينا يا بنتي.
لينا:
"هااا، في إيه؟"
لبنى:
"أبدا، بقالي ساعة بكلمك ولا أنتي هنا."
لينا سريعًا:
"لأ أبدًا، أنا هنا."
لبنى:
"إيه يا بنتي مالك، وإيه كل الشنط دي؟"
لينا:
"دي هدوم وعبايات جابها خالد."
لبنى بشك:
"ليه؟"
لينا:
"مش عايزني ألبس بناطيل أو ترينجات قدام فارس."
لبنى غاضبة:
"يا سلام! على فكرة دا اسمه تحكم مش غيرة، وانتي بقي ناوية تلبسيهم؟"
رفعت كتفيها بحيرة:
"مش عارفة، أنا قولتله إني هلبسهم."
لبنى بضيق وهي تفتح الحقائب:
"طب وريني بقي يا ستي ذوق خالد باشا."
أعجبت لبنى كثيرًا بأشكال العباءات وألوانها.
لبنى بضيق:
"هو ذوقه حلو، بس دا مش معناه إنه يفرض عليكي تلبسي إيه وما تلبسيش إيه. على فكرة هو كده بيلغي شخصيتك."
شرّدت عينيها في الفراغ لتهتف بحيرة:
"تفتكري؟ لأ يا لبنى، هو ممكن بس يكون غيران، وهو قالي كده."
لبنى بتهكم:
"غيران! آه، دا شكاك ومش واثق فيكي. تقدري تقوليلي إيه اللي جابه المول؟ انتي مش كنتي رايحة مع فارس؟ إيه اتكشف عنه الحجاب عشان يعرف إنك هنا؟"
اتسعت عينيها بصدمة:
"قصدك إنه بيراقبني؟"
لبنى ضاحكة بتهكم:
"هتفضلي طول عمرك ساذجة يا لينا، وبيضحك عليكي بكلمتين."
أشعلت كلمات لبنى الساخرة فتيل غضبها، لتلتقط هاتفها تتصل به، ولكن لحسن الحظ وجدت هاتفه مغلقًا. ألقت هاتفها على الفراش بغيظ.
دخلت فريدة في هذه الأثناء تنظر لهما بشك.
فريدة:
"مالكوا عاملين زي ريا وسكينة كده؟ يلا عشان تتعشوا."
لينا:
"لأ يا ماما، أنا ماليش نفس."
فريدة بحزم:
"انتي بالذات لازم تاكلي عشان ما تدوخيش تاني وتقعي من طولك. خمس دقايق وتحصليني على تحت، يلا يا لبنى."
خرجت فريدة وتركتها في حيرة من أمرها. صدقًا لا تعرف ماذا تفعل. كلام لبنى يشوش تفكيرها. بعد تفكير، حسمت قرارها وقامت وبدلت ثيابها، وعقصت شعرها، ونزلت إليهم متوجهة إلى طاولة الطعام.
لينا مبتسمة بهدوء:
"مساء الخير."
جاسم مبتسمًا:
"مساء النور يا لوليتا. إيه دا؟ أول مرة أشوفك لابسة عباية، بس تصدقي حلوة عليكي. بس مش واسعة شوية؟ لأ كتير الصراحة."
راشد مبتسمًا:
"كيف القمر يا بت."
لينا:
"متشكرة يا عمي."
فارس بخبث:
"طبعًا دي فكرة خالد، بيغير عليكي مني مش كده؟"
لينا سريعًا:
"لأ، الم..."
فارس مقاطعًا بابتسامة:
"عنده حق بصراحة. عارفة لو انتي مراتي، هحبسك في أوضة ومش هخلي أي حد في الدنيا يشوفك."
لبنى غاضبة:
"بردوا سمعتي كلامه؟ خليه يتحكم فيكي ويمشي كلامه عليكي."
راشد:
"وااه يا ابنيتي، ما هي لازم تسمع كلام جوزها."
كان راشد يترأس الطاولة بدلاً من جاسم، لأنه الأخ الأكبر. وعن يمينه يجلس جاسم، بجواره فارس. وعن شماله تجلس لبنى، بجوارها فريدة. ذهبت وجلست بجوار فريدة.
لينا بهدوء:
"لو سمحت يا جاسم بيه، عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم."
جاسم بيأس:
"اتفضلي."
لينا:
"لو سمحت، أنا عايزة أنزل شغلي. أنا بقالي أسبوع قاعدة في البيت، وأظن إني عملت اللي حضرتك طلبته واتجوزت خالد. ينفع بقي أرجع شغلي؟"
انقبض قلبه بقلق. حياتها حقًا في خطر، ليست لعبة من خالد، لكن هناك خطر حقيقي يهددها. لم يعرف بما يجيبها. صمت لحظات يفكر، ليكمل بضيق.
جاسم بضيق:
"ماليش دعوة، عايزة تنزلي شغلك، استأذني من جوزك."
لينا وهي تحاول كبح دموع عينيها:
"ماشي يا أستاذ جاسم، عن إذنكم."
فرت إلى غرفتها سريعًا وبدأت تبكي وتجهش في بكاء مرير، إلى أن وصل رسالة لهاتفها من أحد شركات الاتصالات تخبرها أن هاتفه مفتوح. عزمت أمرها، اتجهت إلى المرحاض، غسلت وجهها بعنف، أخذت نفسًا عميقًا لتلتقط هاتفها، تتصل به. يتأجج بداخلها بركان غضب وقهر من كونه المتحكم في حياتها بتلك الطريقة. سمعت صوت رنين الهاتف عدة مرات قبل أن يجيب.
____________________
عاد إلى منزله والسعادة كلمة قليلة لتعبر عما يشعر به. تناول العشاء مع عائلته لأول مرة منذ مدة طويلة، ليصعد سريعًا إلى غرفته، أخذ حمامًا وبدل ملابسه، واستلقى على فراشه عاقدًا ذراعيه تحت رأسه، يفكر فيها. رغب قلبه في سماع صوتها قبل أن ينام. أمسك هاتفه يود الاتصال بها، فوجده يدق بالفعل برقمها. فتح الخط يهتف بحنان.
خالد بحنان:
"وحشتيني."
عادت دقات قلبها تقرع كالناقوس. علقت الكلمات داخل فمها. ما إن سمعت صوته، كان عليها لملمة شتات نفسها سريعًا قبل أن تضعف أمام سحر صوته.
صاحت غاضبة:
"انت بني آدم قليل الأدب ووقح."
فاجأ كثيرًا من ردة فعلها، كيف تحولت قطته الوديعة إلى تلك النمرة الشرسة بهذه السرعة.
صاح فيها غاضبًا:
"انتي إزاي تتكلمي معايا بالطريقة دي؟ انتي اتجننتي؟"
لينا غاضبة:
"لأ، أنا عقلت وشوف بقي يا بتاع انت، أنا هلبس اللي أنا عايزه وهتكلم بالطريقة اللي تعجبني، وهدومك أنا هرميها في الزبالة، ومن بكرة هنزل شغلي، وأعلى ما في خيلك اركبه."
أغلقت الخط في وجهه سريعًا قبل أن يرد.
جلست على الفراش تتنفس بعنف.
ليقول عقلها:
"أحسنتِ."
فيرد قلبها في فزع:
"ماذا فعلتي يا فتاة؟ هل جننتِ؟"
عقلها:
"فعلت الصواب، فهو لن يتحكم فيها أبدًا."
هبت لينا واقفة تحدث نفسها بصوت عالٍ:
"أيوه، مش هيتحكم فيا. أنا الدكتورة لينا جاسم الشريف، ومش حتة بتاع زي دا هيتحكم فيا. أنا لازم أخليه يطلقني."
ليصيح قلبها:
"ستندمين يا فتاة."
_______________________
أما هو، فكان كالليث الثائر يجوب غرفته ذاهبًا وإيابًا، وغضبه كفيل بتدميرها. لم يفهم سبب تغيرها المفاجئ، وهذا أغضبه أكثر. شعر أن رأسه سينفجر إن لم يفرغ شحنة غضبه. بدل ملابسه سريعًا والتقط ساعته ومفاتيحه. استقل سيارته، ضغط على دواسة البنزين بعنف، لتصرخ السيارة بسرعة وهي تشق غبار الطريق.
في فيلا جاسم الشريف.
بعدما أنهت مكالمتها، ذهبت وبدلت تلك العباءة ومزقتها بغل. ذهبت ناحية فراشها تسير بخطى ثقيلة، منكهة، تشعر بأن أعصابها قد انقطعت من كثر الضغط عليها. نامت فترة قصيرة، راودتها فيها عدة كوابيس وكلمات متداخلة اقتحمت عقلها: (ما فيش خروج من البيت، هتتجوزي خالد غصب عنك، انتي بتاعتي، هتسبيه يتحكم فيكي، الماسة، ادي فرصة لقلبك، ما فيش خروج من غير إذني، انتي إزاي تتكلمي معايا بالطريقة دي، أخيرًا بقيتي ملكي).
قامت من النوم فزعة. ظلت تصرخ بهستيريا تحطم كل ما يقابلها. فزع كل من في البيت من صوت صراخها. صعدوا إلى غرفتها مسرعين، فوجدوها في تلك الحالة.
جاسم بفزع:
"الحالة رجعتلها."
فارس:
"حالة إيه يا عمي؟ هو في إيه؟"
جاسم:
"لينا لما بتحس بزعل شديد وضغط شديد على أعصابها، أعصابها بتنهار وبتبدأ تعمل زي ما انت شايف، تصرخ وتكسر في أي حاجة حواليها. بيجيلها انهيار عصبي يعني."
فارس بقلق:
"طب هنعمل إيه دلوقتي؟ نطلب دكتور؟"
جاسم:
"أنا طلبت دكتور بس لسه قدامه مدة على ما يجي، وهي كده ممكن تأذي نفسها."
لم يجد حلاً أمامه سوى الاتصال به، يعرف أنه يستطيع فعل الكثير من أجل صغيرته.
جاسم بلهفة:
"الو، أيوه يا خالد يا ابني."
قطب حاجبيه باستفهام، نظر في ساعة يده الممسكة بالمقود ليجدها الثانية بعد منتصف الليل.
خالد باستفهام:
"أيوه يا عمي، خير؟"
جاسم بقلق:
"معلش يا ابني أزعجتك في وقت متأخر بس لينا..."
قاطعه خالد صارخًا:
"مالها لينا؟"
جاسم بقلق:
"اصل هي يا ابني تعبانة شوية، و..."
لم يدعه يكمل ما يقول. هل يعتقد حقًا أن حديثه القادم مهم ومليكة روحه بها ولو خدش صغير؟ قاطعه خالد صارخًا:
"أنا جاي حالًا."
أغلق الخط ليدير مقود السيارة ذاهبًا إليها، لا يعلم على أي سرعة كان يقود، ولكنها تأكيدًا بسرعة دقات قلبه القلقة. تفادى العديد من الحوادث بأعجوبة في مدة قصيرة. وصل إلى منزلها، نزل من السيارة راكضًا إلى البيت، يدق الباب بعنف. فتحت له إحدى الخادمات فدخل مسرعًا.
خالد بلهفة:
"مالها لينا يا عمي؟ إيه اللي حصل؟"
لم يكد ينهي جملته حتى سمع صوت صراخها يشق خلجات قلبه قادمًا من الأعلى. ركض لأعلى مسرعًا من صوت صراخها، استطاع معرفة مكان غرفتها. افتتح الغرفة لتتسع عيناه بدهشة مما رأى. صغيرته تتحرك كالمجنونة، تدور في أنحاء الغرفة بلا توقف، تصرخ، تحطم كل ما يقابلها، بدا وكأن إعصارًا دمر الغرفة.
خالد بحذر:
"لينا."
التفتت إليه تنظر له بغضب أعمى، صرخت فيه:
"أنا بكرهك! انت إيه ما بتفهمش؟ بكررررررهك! اخرج من حياتي بقي."
خالد بهدوء:
"حاضر يا حبيبتي، هخرج من حياتك بس اهدي."
لينا صارخة:
"انت كدااااب! طلقنييييي."
خالد بهدوء:
"هطلقك وهعملك كل اللي انتي عايزاه، بس اهدي، اهدي يا حبيبتي."
لينا صارخة:
"ما تقولش يا حبيبتي، بقولك طلقني، طلقني، لهقتلك."
نظر إلى الجمع الغفير الواقف في الغرفة، صارخًا فيهم بحدة:
"اطلعوا برة، مش عايز حد في الأوضة."
تبادلوا النظرات بقلق، ليصرخ فيهم مرة أخرى:
"أنا مش قولت برة؟"
خرج الجميع من الغرفة، أو بمعني أصح دفعهم هو خارجًا، ليعود إليها. أغلق الباب عليهم بالمفتاح، ليتجه إليها مشمرًا عن ساعديه و……
رواية أسير عينيها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دينا جمال
خرج الجميع من الغرفة، أو بمعني أصح، دفعهم هو خارجاً ليعود إليها. أغلق الباب عليهم بالمفتاح، ليتجه إليها مشمراً عن ساعديه.
لينا صارخة: ابعد عني بقولك، ما تقربش.
ظل يتقدم بهدوء دون أن ينطق بكلمة واحدة.
كانت تحرك رأسها بجنون في أنحاء الغرفة، لتلمع عينيها بشراسة عندما وجدت قطعة زجاج انكسرت من مرآة غرفتها. اندفعت تلتقطها، تنظر له صارخة: لو قربت مني هموت نفسي.
وضعت قطعة الزجاج على عرق رقبتها النافر.
رفع يديها باستسلام هاتفا بهدوء: اهدي يا حبيبتي، اهدي. وهعملك كل اللي انتي عايزاه.
لينا صارخة: ابعد عني، سبني في حالي بقي.
خالد برفق: فاكرة لما كنتي صغيرة وكنتي بترمي الأكل تحت السفرة وتقولي خالد.
أبعدت قطعة الزجاج من على رقبتها، تهتف بابتسامة شاحبة: كنت برمي الخضار عشان ما بحبوش، ولما كانوا بيلاقوه ويقولوا مين اللي عمل كده، كنت بتقول أنا، وبتتعاقب مكاني إنك تاكل غيره، مع إنك ما كنتش بتحب الخضار.
وجده في لحظة يقف أمامها، سحب قطعة الزجاج من يدها برفق، لف ذراعيه حول جسدها، يخفي جسدها الصغير داخل صدره.
ظلت ترتجف كالعصفور الصغير، بينما يمسد هو على شعرها بحنان: هششش، اهدي يا حبيبتي، اهدي.
لينا باكية: انتوا ليه بتعملوا فيا كده؟
مد يده أسفل ذقنها، يرفع وجهها برفق ليقابل عينيها الباكيتين، يهتف بحنان: عملوا فيكي إيه يا حبيبتي؟
ردت من بين شهقاتها ودموعها: لبنى قالتلي إنك ما بتحبنيش ومش بتثق فيا، وعايز تسيطر عليا، وبابا مش راضي يخليني أروح المستشفى وبيقولي قولي لخالد.
ضحك ضحكة خافتة، ليردف بحنان: عشان كده اتصلتي بيا تتخانقي معايا؟ لو كنتي قولتيلي عايزة أروح الشغل ما كنتش هقول لأ، على فكرة.
قلبت شفتيها بضيق طفولي: بس كده هتبقي أنت المتحكم في كل حاجة، زي ما لبنى قالت.
خالد بهدوء: سيبك من لبنى دلوقتي.
ليكمل في نفسه بتوعد: (دي حسابي معاها بعدين).
مش أنتِ قبل ما تخرجي بتاخدي إذن من بابا؟
هزت رأسها إيجابا.
ليكمل هو: ليه؟
لينا بتلقائية: عشان هو بابا.
خالد بحنان: وهو أنا مش بابا ولا إيه؟
أسبلت عينيها ببراءة، ازدردت ريقها بتوتر، فتحت فمها لترد، عندما وجدته يكمل بحذر: لوليتا، إيه رأيك نروح لدكتور نفسي؟
هزت رأسها نفيا سريعا، وقد انكمشت ملامحها بحزن: أنا مش مجنونة.
هتف سريعا: لأ طبعاً يا حبيبتي، انتي مش مجنونة. طب خلاص، بلاش.
---
اهدي يا أخويا، مش كده.
جاسم غاضبا: يعني إيه يطردنا من الأوضة ويقفل عليهم الباب بالمفتاح؟ أنا مش عارف هو بيعمل إيه فيها.
جوار: أشد: هيكون بيعمل فيها إيه؟ دا جوزها يا جاسم.
رحمة: الدكتور جه يا جاسم بيه.
ذهب جاسم إلى الطبيب وسحبه من يده سريعا خلفه.
الطبيب بدهشة: براحة حضرتك يا أستاذ، براحة يا حضرت.
وقف جاسم أمام غرفة ابنته ليدق الباب بقوة.
جاسم بحدة: افتح يا خالد، الدكتور جه.
---
مش عايزة دكتور، أنا مش مجنونة، خليه يمشيه.
تفت بها بنحيب، تحتمي داخل صدره، ليبتسم بفخر أخيراً، عاد هو درعها الحامي الذي تلجأ له.
سندها برفق إلى الفراش، دثرها جيداً بالغطاء.
جلس بجانبها، يداعب خصلات شعرها الثائرة بحنان.
لينا بنعاس: غنيلي، أرجوزي سكرة.
بدأ يغني بصوت منخفض عذب: أرجوزي سكرة، مناخيره مدورة.
لتكمل هي معه بنعاس: وعيونه مثلثات وخدوده حمرا.
أخيراً استسلم عقلها بعدما كل ما حدث، لتغمض عينيها، سامحة لسلطان النوم بالسيطرة عليها.
أدمعت عينيه على تلك الحالة التي وصلت لها، هشة ضعيفة، طفلة خائفة.
قام وقبل جبينها، اتجه ناحية الباب ليفتحه، وجد جاسم يدفعه بقوة ليدخل إلى الغرفة.
قبض سريعا على ذراعه هاتفا بخفوت من بين أسنانه: سيبها نايمة.
أمسكه جاسم من تلابيب ملابسه هاتفا بغضب: عملت فيها إيه؟
نظر لها بازدراء: المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، عملتوا فيها إيه عشان توصلوهت للحالة دي؟
نفض يد جاسم بعنف ليخرج من الغرفة، فوجد الطبيب ينظر لهما بدهشة.
خالد: متشكرين يا دكتور وآسفين لازعاجك، هي خلاص بقت كويسة.
هز الطبيب رأسه إيجابا سريعا ليتركهم ويرحل وهو يتمتم بضيق: دا إيه الناس الهبلة دي.
نزل إلى الأسفل بهدوء، فهرعت له فريدة تسأله بقلق: لينا عاملة إيه؟
ابتسم لها بهدوء: ما تقلقيش يا فريدة، هديت ونامت.
تركها واتجه ناحية لبنى التي ترمقه بغيظ، يرمقها بنظرات مشتعلة غاضبة.
دس يديه في جيبي بنطاله هاتفا بتوعد: تعرفي الحاجة الوحيدة اللي رحمتك من إيدي إن لينا هتزعل عليكي لو حصلك حاجة. قسما بربي يا لبنى لو ما بعدتي عن لينا وبطلتي تسممي أفكارها بكلامك الـ****** ده، بصي هسيبك تتخيلي أنا هعمل فيكي إيه. كله إلا لينا يا لبنى. أظن واضح.
تركهم ورحل عائدا إلى منزله، فيكفي ما حدث في هذا اليوم من أحداث شاقة.
---
في صباح اليوم التالي.
استيقظ مبكرا على غير عادته، أخذ حماما وبدل، متجها إلى الأسفل، وجد والديه جالسين على طاولة الطعام.
زينب: صباح الخير يا خالد.
خالد مبتسما: صباح الفل يا ست الكل.
زينب بخبث: شكلك مبسوط، مش بعادة يعني، بركاتك يا ست لينا.
محمود: تعالا يا ابني افطر.
خالد سريعا: لا يا حج، معلش، أنا هفطر مع لينا.
زينب: صحيح يا خالد، هات لوليتا وانت جاي النهاردة تتغدي معانا.
خالد مبتسما: حاضر يا ست الكل.
خرج مسرعا، قفز في سيارته منطلقا إلى منزلها.
سعيد كلمة قليلة عما يشعر به، لم ينس أنها كانت بين ذراعيه تحتمي به بالأمس.
(ما يعرفش المقلب اللي مستنيه 😈😈)
وقف أمام أحد محلات الهدايا.
اشتري لها باقة أزهار وردية اللون، يعرف أنها تعشق اللون الوردي.
وصل إلى منزل جاسم، نزل من سيارته، دق الباب ففتحت له إحدى الخادمات. دخل فوجد جاسم وراشد جالسين يتحدثان.
خالد: صباح الخير.
راشد: صباح الفل يا ولدي. ادخل تعال.
ذهب إليهم وجلس على أحد المقاعد.
خالد بهدوء: لينا عاملة إيه دلوقتي؟
جاسم: آه صحيح، كويس إنك فكرتني. لينا مش هتفتكر أي حاجة من اللي حصلت امبارح.
خالد بدهشة: يعني إيه؟
جاسم: بمعنى، اللي بيحصل لها في الفترة اللي بيجيلها فيها الانهيار دا، بتنسى كل اللي حصل فيها. سألت دكتور نفسي، قالي إنها لما بيحصل لها كده، عقلها ما بيبقاش واعي باللي هو بيعمله.
"لا، لا، هذه ليست رائحة حريق كما تظنون، تلك رائحة دمائه التي تحترق غيظاً."
جلس دقائق يتنفس بعنف، إلى أن وجدها تنزل أمامه على درجات السلم بهدوء. وقف ينتظرها أسفل السلم، ما أن وصلت له، رفع كف يدها وقبّلها بنبل.
تتسع عينيها بدهشة، كانت تتوقع ردة فعل مختلفة تمامًا بعدما فعلت بالأمس.
خالد مبتسماً: الورد لأحلى وردة.
زاد اتساع عينيها حتى كادت تخرج من مكانها.
خالد سريعاً: مش يلا بينا عشان ما تتأخريش على المستشفى؟
ابتسمت بداخلها بفخر، يبدو أن عراكها معه بالأمس قد أثبت شخصيتها له، واضطر إلى تنفيذ أوامرها.
خرجت معه من المنزل إلى السيارة. فتح باب سيارته وانحنى لها بحركة مسرحية.
خالد مبتسماً: تفضلي مولاتي.
تكتفت ذراعيها بعند: أنا هركب عربيتي.
يهتف بتوعد من بين أسنانه ولا تزال تلك الابتسامة تداعب ثغره: لأ يا حبيبتي، انتي هتركبي عربيتي أنا، وإلا قسماً بالله هخليه يوم أسود على دماغك. يلا يا روحي.
نصاعت لأوامره مرغمة بعد نبرة التهديد الواضحة في صوته. فتحت باب السيارة بضيق، ركبت على كرسيها لتصفع الباب بحدة.
بينما ابتسم هو بفخر محدثاً نفسه: "الحمشنة حلوة، ما فيش كلام."
التف حول سيارته إلى أن وصل إلى مقعد القيادة. جلس عليه، أدار المحرك لينطلق إلى وجهته.
خالد بهدوء: لوليتان.
نظرت له بضيق: نعم؟ عايز إيه؟
رمقها بنظرات وعيد غاضبة: قسماً بربي يا لينا لو ما اتعدلتي، هعدلك. مفهوم؟
أشاحت بوجهها بعيداً بضيق، فسمعته يقول بضيق: هاتي لي علبة المناديل من تحت الكرسي بتاعك.
لينا ساخرة: وانت حاطط علبة المناديل تحت الكرسي ليه؟
قلب عينيه بملل: خلصي يا لمضة.
انحنت بجسدها تمد يدها أسفل الكرسي لتجلب له العلبة، ولكنها أحست أنها ثقيلة. مدت يدها الأخرى وسحبت العلبة لتتسع عينيها بسعادة. علبة هدايا حمراء كبيرة. وضعتها على قدميها، تفتحها بلهفة لتُفاجئ بأنواع مختلفة من الشوكولاتة والمصاصات والورود واللعب الصغيرة.
نظرت إليه وابتسامة طفولية سعيدة تداعب شفتيه.
لينا بسعادة: هي الحاجات دي بتاعت إيه؟
يهز رأسه إيجاباً دون أن يلتفت إليها.
رفع حاجبه الأيسر بدهشة عندما طلبت منه أن يقترب منها. مال برأسه ناحيتها فقبلته على وجنته قبلة صغيرة بريئة.
خالد في نفسه: "اثبت واهدأ، اهدأ."
لينا مبتسمة: ميرسي يا خالد.
أزدرد ريقه بتوتر، قبض بشدة على مقود السيارة محاولاً التركيز على الطريق أمامه.
بعد مدة قصيرة وصل إلى المطعم وأوقف سيارته. نزل منها، التف ليفتح لها الباب، ثم خرجت من السيارة. فشك يدها في يده ليدخلا إلى المطعم. مشط المكان بعينيه ليقع اختياره على تلك الطاولة القابعة في زاوية صغيرة بعيدة عن الأنظار. ذهب بها إليها، سحب لها مقعدها فجلست عليها، ليجلس هو على المقعد المقابل لها.
جاء النادل وأعطاهم قوائم الطعام.
خالد: عايز تشيز كيك شوكولاتة وميلك شيك وفنجان قهوة مظبوط.
النادل: حاضر يا أفندم. حاجة تانية؟
خالد: لأ، شكراً.
ذهب النادل لإحضار الطلبات، فنظرت له باستنكار.
لينا بضيق: ممكن أفهم انت ليه مقعدنا هنا؟ مقعدنا على حدود المطعم، ومين اللي اداك الحق إنك تختار لي أنا هاكل إيه؟ وإيه الطلب دا؟ ميلك شيك وتشيز كيك؟ انت خارج مع بنت أختك؟
خالد مبتسماً بهدوء: واحدة واحدة. قعدتك هنا عشان ما أخلعش عين أي واحد يبصلك. عايزة تمشي شباب البلد عميانين؟ أنا ليا الحق في كل حاجة تخصك عشان انتي مراتي. ثالثاً بقي بذمتك يا شيخة، كنتي هتطلبي إيه غير الطلب اللي أنا طلبته؟ بس جاوبي بصراحة.
ازدردت ريقها بإحراج: كنت هطلب نفس الطلب.
خالد بثقة: شوفتي بقي.
قطبت حاجبيها بغضب: أيوة، بس دا برضه ما يدلكش الحق إنك تطلب لي! يا خالد، دا اسمه تملك.
التوى جانب فمه بابتسامة ساخرة: سميه غيره، سميه تملك زي ما لبنى قالت لك. سميه زي ما تسميه. الحاجة الوحيدة اللي لازم تعرفيها كويس أوي إنك بتاعتي، وأنا ليا الحق في أي حاجة ليها علاقة بيكي. وأي حد هيفكر بس يبصلك، هخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه.
رمقته بنظرات غاضبة مستنكرة.
خالد بهدوء مستفز: ما تبصليش كده، دا أمر واقع ولازم تتعودي عليه.
لينا بضيق: ومين قالك إن أنا هوافق على كده؟
رفع كتفيه بلا مبالاة: للأسف يا حبيبتي، مش بمزاجك.
انتفخت أوداجها بغيظ: أنا عايزة أمشي، اتأخرت على شغلي.
خالد بهدوء: لما تاكلي الأول.
زفرت بضيق: مش جعانة. لو سمحت، أنا عايزة أمشي.
جلس بارتياح على الكرسي واضعاً قدماً فوق أخرى: وأنا ما بحبش أعيد كلامي مرتين. لما تاكلي، هنمشي.
أحضر النادل الطعام ورحل، فصبت تركيزها إلى الطعام أمامها متخاشية النظر إليه. أكلت جزء يسير من طعامها ثم هبت واقفة.
لينا: أنا خلصت، يلا نمشي.
رفع سبابته يهتف بتحذير: مرة تانية ما تقفيش وأنا قاعد، فاهمة؟
ترك بعض النقود على الطاولة ثم خرجا من المطعم. استقلا سيارته متوجهين إلى المستشفى. بعد مدة قصيرة وصلا. وقف أمام تلك المستشفى، أطفأ محرك السيارة ليلتفت إليها هاتفاً بتحذير.
خالد: اسمعيني بقي كويس، لو عايزة تكملي شغل في المستشفى. واحد، أنا اللي هوّديكي وأجيبك. اتنين، كلامك مع اللي اسمه عصام ده أو مع أي دكتور تاني عامة، بيبقى في أضيق الحدود. ويا ريت ما تتكلموش خالص طالما مش عايزاني أقلبها مذبحة عندك في المستشفى. آه صحيح، ووقت ما أجي، يبقى شغلك خلص، ماشي يا حبيبتي؟
رمقته بغيظ لتخرج من السيارة صافعة الباب خلفها بعنف متجهة إلى المستشفى بخطى غاضبة حانقة. ظل يتابعها بعينيه إلى أن اختفت من أمامه، فأعاد تشغيل محرك السيارة متجهاً إلى عمله.
__________________
في داخل إحدى الغرف بالمستشفى، لاحظت شرود أختها منذ أن دخلت، حتى أنها لم تلحظ دخولها.
عزة: سمية، سمية، انتي يا بنتي.
فاقت من شرودها تهتف سريعاً.
سمية: ها، خير يا عزة.
عزة بخبث: اللي شاغل عقلك.
سمية: أبداً، الشغل. هو دكتور عصام اتأخر ليه النهاردة.
عزة مبتسمة بمكر: دكتور عصام؟ قولتيلي بقي.
سمية بضيق: قصدك إيه يا عزة؟
عزة ببراءة: ما قصديش حاجة. عينك في عيني كده، بتحبيه صح؟ أوعي تنكري.
هزت رأسها إيجاباً بحزن.
سمية بألم: آه، بحبه. بس هو حتى مش حاسس بيا، مش شايف قدامه غير لينا. وبس.
عزة: طب ما تحاولي تلفتي نظره ليكي.
سمية بضيق: إزاي بس؟ بقولك مش شايف قدامه غير لينا. ده حتى ساعات بيغلط في اسمي ويقولي يا لينا.
عزة: الدكتورة لينا دي حبايبها كتير.
قطبت حاجبيها باستفهام: إيه ده؟ هو مين تاني بيحبها؟ أوعي يكون وليد.
عزة غاضبة: مين يا اختي؟ ده أنا كنت غزيته.
سمية ضاحكة: خلاص، خلاص بهزر. اومال قصدك مين؟
مصت شفتيها بضيق: يخربيت الزهايمر بتاعك. الواد الظابط المز اللي كان مضروب بالرصاص.
سمية: آه، قصدك خالد؟ تصدقي فعلاً شكله بيحبها. ده كان ملهوف عليها أوي لما كانت تعبانة ورفض يخلي عصام يكشف عليها. ده عصام ساعتها كان هيفرقع منه.
قاطعهما دقات على باب الغرفة، دخلت لينا بابتسامة واسعة.
لينا مبتسمة: صباح الخير يا دكاترة.
عزة مبتسمة: صباح النور يا دكتورة. إيه الغيبة الطويلة دي؟
لينا: معلش، شوية ظروف على شوية مشاكل، بس الحمد لله. إزيك يا سمية؟
سمية ببرود: أهلاً. إزاي حضرتك؟
لينا مبتسمة: كويسة. هو دكتور عصام لسه مجاش؟
عزة: لسه يا دكتورة.
لينا بغضب: هو بيتأخر كل يوم ولا إيه؟ أنا المفروض سيباه مكاني.
سمية سريعاً: لا والله أبداً يا دكتورة، بيجي كل يوم بدري جداً، قبل الساعة ثمانية بيكون موجود. أول مرة يتأخر النهاردة.
لينا بخبث: واضح إن دكتور عصام غالي عندك أوي يا سمية. على العموم، لما يجي بلغوه إن أنا عايزاه في مكتبي.
تركتهم وذهبت إلى مكتبها.
عزة بضيق: يخربيتك! على طول مدلوقة كده! خليتي الدكتورة لينا خدت بالها.
سمية: أعمل إيه بس؟ أنا مقدرش استحمل إنه يتأذى، حتى لو في شغله. بحبه أوي.
عزة بأسي: والله مش عارفة أقولك إيه. ربنا معاكي.
سمية برجاء: يا رب يا عزة. يارب ويحط حبي جوة قلبي بقية.
بعد مرور بعض الوقت، دخل عصام إلى المستشفى يمشي بهدوء. أصبحت أيامه متشابهة منذ أن غادرت المستشفى. يأتي إلى العمل في الصباح الباكر، يجهد نفسه فيه، لعله يشغل عقله وقلبه عنها. يتمزق خوفاً عليها. حاول أن يتصل بها أكثر من مرة، ولكن تخونه يده في اللحظة الأخيرة. سمع مصادفة إحدى الممرضات وهي تتحدث مع زميلتها: "إنها عادت". لم يشعر بقدميه وهم يقودانه إلى مكتبها. عادت، سيذهب ويعترف لها بكل ما يجيش في قلبه. طرق الباب بلهفة، فسمع صوتها تأذن له بالدخول.
دخل سريعاً وعلى وجهه ابتسامة واسعة لم يستطع إخفائها.
عصام مبتسماً بسعادة: دكتورة لينا، حمد لله على السلامة. وحشتيني أوي، قصدي وحشينا أوي كلكم.
لينا مبتسمة: متشكرة أوي يا عصام.
عصام: إيه الغيبة الطويلة دي؟
لينا: ظروف، بس الحمد لله اتحلت.
عصام: الحمد لله. والحمد لله إنك هترجعي تنورينا تاني.
لينا: شكراً يا عصام.
عصام بتوتر: دكتورة لينا، أنا كنت عايز أقولك حاجة.
لينا مبتسمة: اتفضل.
فتح فمه محاولاً التحدث ليشعر في تلك اللحظة أنه نسي كيف يتحدث.
لينا: مالك يا عصام؟ فيه إيه؟
عصام: هااا؟ لا، أبداً. بعدين.
لينا: زي ما تحب. ممكن تجيب لي كشوفات العمليات اللي تمت والعمليات المتأجلة؟ وقول لوليد يبعت لي كشوفات بنك الدم.
عصام: حاضر يا دكتورة. عن إذنك.
لينا: اتفضل.
دخل كالصقر الشامخ، مجرد دخوله جعلت كل من يجلس يهب واقفاً يحيه ويهنئه بسلامة رجوعه وبزواجه. فيوسف نشر الخبر في الإدارة بأكملها. وصل إلى مكتب اللواء رفعت.
دق الباب ودخل.
خالد وهو يؤدي التحية: صباح الخير يا أفندم.
رفعت مبتسماً: صباح النور يا بطل. حمد لله على سلامتك. ومبروك، إيه العروسة خدتك مننا ولا إيه؟
خالد: الله يبارك فيك يا أفندم. لا أبداً، أنا موجود أهو. عن إذن حضرتك، هروح مكتبي.
رفعت: اتفضل.
دخل إلى المكتب، فهب يوسف يحتضنه.
يوسف بمرح: حبيبي واخويا وعم عيالي. وحشتني يا غالي. قولي يا كبير، أخبار العروسة إيه؟ رفعت راسنا ولا لسه؟
خالد بضيق: واد يا يوسف، اتلم. وما تجيبش سيرة لينا على لسانك، لقطعهولك وراسك. إيه اللي أرفعها يا أخويا؟ دا لسه كتب كتاب.
محمد: حمد لله على سلامتك يا كبير.
خالد: الله يسلمك يا محمد. قولولي أخبار الشغل إيه؟
محمد: كله تمام. شاكر اتقدم للمحاكمة واتحددت له جلسة. والرهاين رجعناهم لأهاليهم. وصالح لسه المحكمة ما حكمتش عليه، بس قدمنا الورق اللي يثبت إنه كان شاهد ملك في القضية وإنه ساعدنا عشان نقبض عليهم.
خالد: تمام. إيه جديد؟
محمد: ولا حاجة، شوية محاضر مش أكتر.
خالد: طب أنا نازل صالة التدريبات. لو حصل حاجة، كلمني.
محمد: تمام يا كبير.
خرج من مكتبه لينزل إلى ساحة التدريبات وظل يتمرن مدة طويلة. كان يشعر أن عضلاته قد تيبست من قلة التمرين المدة المنصرمة. فبدأ يتمرن كثيراً وبعنف إلى أن شعر بوخز في جرح كتفه، لكنه تجاهله وبدأ في التمرين مرة أخرى إلى أن أحس بألم لا يحتمل بكتفه، فتوقف عن التمرين وأخذ أحد الحبوب المسكنة ذات المفعول القوي التي دائماً يستخدمها عندما يشعر بالصداع بسبب كثرة ذلك المشروب السام. ذهب إلى المرحاض الملحق بالصالة واغتسل وبدل ثياب التدريب إلى ملابسه العادية. خرج بعدما شعر بتحسن بسيط. ركب سيارته متوجهاً إلى المستشفى.
بعد مدة قصيرة وصل. نزل من سيارته إلى الداخل. توجه إلى مكتب معذبته الصغيرة.
دق الباب ودخل.
خالد: خلصتي ولا لسه؟
لينا بضيق: يا باااي! مافيش "ازيك عاملة إيه؟ وحشاني"؟ لاء، خلصتي ولا لسه؟ ما بتضيعيش وقت.
أنقهقه عالياً بمرح.
كان يمر بجوار غرف أحد المرضى عندما سمع إحدى الممرضات.
الممرضة: يخربيت جمال أهله! عارفة يا بت شبه مين؟ شبه كريم اللي في مسلسل فاطمة.
الممرضة الأخرى: كريم مين يا شيخة؟ ده شبه كمال اللي في مسلسل الحب الأعمى. يا بختك يا دكتورة لينا.
لم يفهم عصام شيئاً من كلامهم سوى أن هذا الرجل الوسيم في مكتب حبيبته. ذهب مسرعاً إلى مكتبها. قبل أن يدق الباب سمع صوت ضحكاته العالية. اشتعل غضباً وفتح الباب دون أن يستأذن حتى.
لينا باستفهام: عصام؟ خير؟ فيه إيه؟ وإزاي تدخل مكتبي بالطريقة دي؟
أحرج هو مما فعله كثيراً، بينما كان يجلس خالد واضعاً قدماً فوق أخرى ينظر إليه ببرود.
بدأت لينا في لم أغراضها سريعاً.
عصام بدهشة: هو حضرتك ماشية؟
خالد: آه.
يلا يا لينا اخلصي.
عصام بحدة: على فكرة أنا بسألـها.
قام واقفًا يطالع ذلك الأحمق بغضبٍ أعمى.
خافت لينا من ردة فعله، فهي تعرفه، دائمًا ما يسقط خصمه غارقًا في دمائه.
فهتفت سريعًا:
لينا سريعا: دكتور عصام، صحيح نسيت أعرفك العقيد خالد السويسي جوزي.
شلّت عينيه بفزع، توقفت دقات قلبه، شعر وكأن صاعقة عصفت بجسده.
عصام: انتي؟ انتي؟ انتي اتجوزتي؟
خالد غاضبًا: اه يا خفيف، اتجوزت، تحب أوريك القسيمة؟
ابتسم بألمٍ، قلبه الذبيح.
عصام: مبروك يا دكتورة، مبروك يا باشا، عن إذنكوا.
خرج عصام من غرفتها بخطى سريعة، هرول إلى غرفته الخاصة ليدخلها سريعًا مغلقًا الباب خلفه بالمفتاح، وبدأ يبكي ويجهش في البكاء على حبيبته التي ضاعت منه للأبد.
عصام باكيا: يا ريتني قولتلها، يا ريتني.
خالد بضيق: مش يلا بقي ولا إيه؟
لينا سريعا: حاضر، جايه أهو، يلا بينا.
خرجا إلى سيارته متوجهين إلى منزله.
لينا باستفهام: هو إحنا رايحين فين؟ دا مش طريق البيت.
خالد بأداء درامي مبالغ فيه: أصل ماما تعبانة شوية وعايزة تشوفك.
نظرت له بدهشة للحظات لتنفجر في الضحك.
لينا ضاحكة: لا بجد، هنروح فين؟
خالد بتأكيد: والله رايحين عندي البيت.
ابتلعت ريقها بخوف: ليه؟
خالد بضيق: هو إيه اللي ليه؟ انتي مش واثقة فيا ولا إيه؟
فضلت الصمت، فأكمل بضيق.
خالد بضيق: على العموم ماما عزماكي على الغدا، وأنا اتصلت بعمي جاسم واستأذنته، ولو مش مصدقاني تقدري تتصلي بأمي وبعمي جاسم تتأكدي.
ثم أخرج هاتفه من جيبه وأعطاه لها.
أخذت الهاتف من يده، ولكنها لم تتصل بوالدها، بل ظلت تتصفح الهاتف وفتحت حسابه على الفيسبوك.
خالد بشك: انتي بتعملي إيه؟
لينا بغيظ: ابدا، بتفرج على الفيس بتاعك، صحيح يا خالد، انت عندك جودي في الفريندس؟
خالد: اه، ليه؟
لينا بغيظ: ابدا، اصلها بعتاله كتير: "اشتقتلك يا خالد، ليش ما بتسأل عني؟"
خالد: عادي يعني، we just friends.
لينا بتهكم: really؟
خالد: اه طبعًا، وبعدين هاتي البتاع دا، مين قالك تفتحي الفيس بتاعي؟
أعطته الهاتف، أشاحت بنظرها للنافذة وهي تشعر بنار الغيرة تشتعل في قلبها.
رن هاتفها وكان فارس، فوجدتها فرصة جيدة لإثارة غضبه.
فتحت الخط سريعا تتحدث بدلال: صباح النور يا روو.
فارس: صباح الفل يا لولو، انتي فين يا بنتي؟
لينا: أنا في الشغل، ليه؟
فارس: اصل احنا ماشيين، وعمك راشد كان عايز يسلم عليكي.
قلبت شفتيها بضيق: معقول هتمشوا بالسرعة دي يا روو؟
فارس بخبث: خالد جنبك مش كده؟
اتسعت عينيها بصدمة: أنت عرفت منين يا روو؟
فارس بخبث: عشان بتدلعي وانتي بتتكلمي يا روح روو.
واختطف خالد الهاتف من يدها وضعه على أذنه، فاستمع إلى جزء الجملة الثاني (يا روح روو).
خالد صارخًا بغضب: دا أنا هاجي أطلع روح روو.
رواية أسير عينيها الفصل السادس عشر 16 - بقلم دينا جمال
اختطف خالد الهاتف من يدها وضعه على أذنه فاستمع إلى جزء الجملة الثاني:
"يا روح روو"
خالد صارخاً بغضب:
"دا أنا هاجي أطلع روح رووفارس بفزع: خالد أومال فين لينا؟ أو عي تكون قتلتها"
خالد غاضباً:
"لأ لسه، لما أقتلك أنت الأول"
فارس سريعاً:
"استنى يا خالد، أنت فاهم غلط"
خالد أغلق الخط في وجهه دون أن يستمع إلى باقي حديثه.
ضغط على مكابح السيارة بقوة لتقف السيارة فجأة بعنف، فارتدت لينا في مقعدها.
لينا صارخة بغضب:
"إيه الجنان ده؟ كنت هتقلبنا"
قبض على خصلات شعرها بعنف، صرخ فيها بحدة من بين أسنانه:
"أنتي لسه شوفتي جنان ده، هوريكي الجنان اللي على أصوله"
لمعت الدموع في عينيها بألم.
لينا بدموع:
"آه شعري يا خالد، سيب شعري. أنا عملت إيه لكل ده؟"
خالد غاضباً:
"وحياة أمك، أنتِ إزاي تتكلمي مع فارس بالطريقة دي؟"
لينا صارخة:
"وفيها إيه يعني؟ دا ابن عمي، سيب شعري بقى"
خالد غاضباً:
"مش من حقك تتكلمي مع أي راجل بالطريقة دي غيري أنا بس، حتى لو كان أبوكي. والا قسماً بالله هقصلك لسانك"
دفعته في صدره بغضب، تصرخ فيه:
"ابعد عني بقى، سيب يا شعري يا حيوان"
خالد غاضباً:
"اخرسي"
هوى كفه على وجنتها بصفعة، أدارت وجهها بعنف إلى الجانب الآخر.
شخصت عيناه بفزع:
"لألأ، هو لم يفعل ذلك"
نظر إلى كف يده بأعين شاخصة فزعة، نقل نظراته بين تلك الجاحظة بألم، تضع كفها على وجنتها، عيناها جامدة خالية من الحياة.
فاق على صوت رنين هاتفه برقم غريب، التقطه.
فارس سريعاً:
"خالد اسمعني يا خالد، والله العظيم لينا كانت بتغيظك. أو عي تكون عملت فيها حاجة. خالد رد عليا، خالد ألو ألو"
أغلق الخط، يتردد في أسمعه جملة فارس:
"لينا كانت بتغيظك"
أزاح كف يدها من على وجنتها برفق، ليرى آثار أصابعه منطبعة على وجنتها الحمراء.
ماذا يقول؟ هل الاعتذار سيكفي للتعبير عن ندمه بما فعل؟
احتضن كف يدها بين يديه برقة.
خالد بندم:
"لينا أنا آسف، أنا أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. أنا ما بعرفش أتحكم في غضبي، وأنتي بصراحة زودتيها. أنتي مش محتاجة تخيليني غيرك، أنا أصلاً مجنون بيكي"
ظلت نظراتها جامدة خالية من الحياة، سحبت يدها من يده بهدوء، حركت رأسها بجمود ناحية النافذة، تتطلع إلى الشارع الفارغ بجانبها ببرود.
تنهد بتدنٍ ليدير محرك السيارة، انطلق. كلما حاول التكلم تعلق الكلمات داخل فمه.
وقفت السيارة في إشارة المرور، لتلمع عيناها بفرحة. أشارت بيدها إلى المحل المجاور لها.
لينا بجمود:
"أنا عايزة عصير"
خالد سريعاً:
"بس كده، حاضر"
ركن السيارة بجانب المحل، نزل منها أحضر لها كوب عصير.
لينا بضيق:
"أنا عايزة عصير قصب مش كوكتيل"
خالد:
"حاضر"
عاد مرة أخرى إلى المحل، ليعود لها بعد قليل ومعه كوب بلاستيكي كبير.
خالد:
"اتفضلي"
كتفت ذراعيها بضيق:
"أنا عايزاه في كيس"
عض على شفتيه بغيظ، هتف من بين أسنانه:
"حاضر"
دخل إلى المحل للمرة الثالثة، ليعود لها بعد قليل.
خالد مبتسماً:
"اتفضلي يا ستي"
اختطفت منه (كيس العصير) بضيق، لتشيح بوجهها بعيداً. قربت قشة العصير من فمها، ترتشف منه بهدوء.
أدار المحرك مرة أخرى وانطلق، يختلس النظرات إليها.
تكلم بحذر بعد فترة صمت طويلة.
خالد:
"لسه زعلانة؟"
لينا بضيق:
"أنت إيه رأيك؟"
خالد بندم:
"خلاص بقى يا لوليتا، أنا آسف"
لينا بحنق:
"لأ يا خالد، أنا مش مسامحاك. مش عشان بس ضربتني بالقلم، عشان بتدي لنفسك الحق تعمل اللي أنت عايزه وبتحاسبني على أقل غلطة. أنت ليك الحق إنك تتكلم مع المسهوكة اللي اسمها جودي، لأ وكمان نازلة أحضان. وأنا ماليش حتى الحق إني أتكلم مع ابن عمي"
خالد سريعاً:
"بس بس، خدي نفسك. والله العظيم يا لوليتا، أنا اتفاجئت بيها في المول. أنا أصلاً كنت جايلك"
أخرج الهاتف من جيبه:
"والله العظيم ما كنت بتكلم معاها غير في الشغل. طب حتى خدي الموبايل أهو، شوفي الرسايل بنفسك"
أبعدت نظراتها عنه بضيق.
تنهد بتعب:
"خلاص بقى يا لوليتا، عشان خاطري. يا ستي، يا رب تتقطع إيدي لو مدتها عليكي تاني"
رفعت سبابتها بتحذير:
"آخر مرة"
قَبّل طرف أصبعها التي تشهره في وجهه، غمز لها بطرف عينيه:
"آخر مرة"
لينا بخجل:
"أنت قليل الأدب"
تعالت ضحكاته وهو يعود تشغيل السيارة مرة أخرى، منطلقاً إلى وجهته.
وصل أخيراً إلى منزله، صف سيارته، نزل منها ليتفح لها الباب، فوجد سيارة حمراء حديثة بدون سقف تصف بجانبه.
نزل منها علي مبتسماً:
"يا أهلاً يا أهلاً، دا أنا أمي دعيالي إني شوفت خالد باشا"
خالد:
"اتلم يا ظريف"
اتجه على ناحية لينا التي تنظر له باستفهام. رفع كف يدها وقبلها بنبل.
علي بمرح:
"بونسيرا سنيوريتا"
لينا مبتسمة:
"بونسيرا سونيري"
يصدح صوته غاضباً:
"سيب ايديها يا علي، لقطعلك ايديك"
علي بفزع:
"سلاما قولا من رب رحيم"
خالد بضيق:
"إيه يا خفيف، شوفت عفريت؟"
همس للينا بصوت منخفض:
"بصراحة جوزك بيخوف أكتر من العفاريت"
حاولت كبت ضحكاتها بصعوبة، ولكن عذراً شفتيها لم تستطع البقاء ساكنة، لتنفجر في ضحكات عالية مرحة، لتصمت فجأة، تزدرق ريقها بخوف عندما رمقها بإحدى نظراته المشتعلة.
تكلم بتحذير من بين أسنانه:
"قدامي"
هزت رأسها إيجاباً سريعاً لتهرول أمامه إلى داخل المنزل، يتبعها هو ومن خلفه علي.
استقبلتها زينب بعناق ساحق كالعادة.
زينب بود مبالغ فيه:
"وحشتيني أوي يا لوليتا، أكده ما تسأليش عني؟"
لينا باحراج:
"لأ طبعاً، سألت خالد عن حضرتك حتى اسأليه"
خالد ضاحكاً بسخرية:
"كذابة، ما سألتنيش عليكي"
زينب بود:
"مالكش دعوة يا رخيم، بتدخل بين الأم وبنتها ليه؟ إيه الرخامة دي؟"
علي ضاحكاً بمرح:
"شكلك فانلة"
حك ذقنه بتوعد:
"بتقول حاجة يا علي؟"
علي مبتسماً ببلاهة:
"لأ لأ، ابداً. دا أنا بقول نفسي في البسلة"
ضحكت زينب ولينا على خفة ظل علي، بينما تقدم علي فاتحاً ذراعيه بود ليحتضن عمته.
علي برفق:
"وحشتيني أوي يا زوزو"
خالد بضيق:
"ما تحترم نفسك ياض، أنت إيه زوزو دي؟"
علي بضيق مصطنع:
"دي عمتي يا عم، مش مراتك"
زينب، ضاحكة:
"بس يا ولد انت وهو، بطلوا خناق ويلا عشان تتغدوا. يلا يا لولو يا حبيبتي"
جلس الجميع على طاولة الطعام، شرعوا في تناول طعامهم.
نظر خالد لعلي متحدثاً بجد:
"أخبار الشغل إيه؟"
علي بضيق:
"وهو أنا دايخ ولا سيادتك السبع دوخات إلا عشان الشغل يا خالد؟ الشركة هتضيع"
نظر إلى طعامه بلامبالاة:
"تضيع"
علي بحدة:
"طب كلميه انتي بقى يا عمتي، الشركة شغالة بنص الإنتاج عشان خالد باشا بقاله 3 شهور ما عتبش الشركة"
صفع طاولة الطعام بكف يده ليصيح بعنف:
"ومش هروح الزفتة دي حتى لو هتولع. قلتلك أتنيل أعلمك توكيل بالإدارة عشان ما توجعش دماغي كل شوية، بس أنت اللي مش راضي. خلاص بقى ما تقرفنيش"
صاح علي غاضباً:
"وأنا مش هقف أتفرج على شقى عمري وعمرك وهو بيضيع. أنت ناسي إحنا بنينا الشركة دي إزاي؟ كنا بنفضل مطبقين بالأسابيع عشان نكبرها، جاي دلوقتي تقولي تولع"
زينب بحدة:
"ممكن تهدي بقى أنت وهو، دا حتى حرام الخناق على الأكل"
علي بهدوء:
"حاضر يا عمتي"
نظر إلى خالد هاتفا بضيق:
"أنا جايب معايا ورق الصفقات المتعطلة، ممكن حضرتك تتكرم وتتعطف وتمضيه"
هز خالد رأسه إيجاباً بهدوء مكملاً طعامه.
بينما كانت تجلس هي لا تفهم شيئاً مما يحدث. لم تشأ التدخل بينهما، ستبدو متطفلة جداً إن فعلت ذلك، ولكن بقي ذلك السؤال يراودها، لماذا يكره خالد شركته لتلك الدرجة؟
نظر علي إلى زينب هاتفا بمرح:
"بس إيه دا كله يا زوزو؟ ولا الشيف شربيني ولا إيه؟ رأيك يا لينا؟"
لينا مبتسمة:
"بصراحة أكلك حضرتك جميل جداً"
ربتت زينب على ظهرها بود:
"دا من ذوقك يا حبيبتي"
ساد جو من المزاح والمرح الذي عمل علي انتشاره وبقوة. لم تتوقف عن الضحك حتى شعرت بتقلص عضلات معدتها بألم من شدة الضحك، بينما كان يجلس هو يراقبها بشغف. كان يضحك فقط عندما يراها تضحك، وكأن ضحكاتها تدغدغ حواسه لتجعله هو الآخر يضحك.
لينا بدموع من شدة الضحك:
"كفاية يا علي، بطني وجعتني من كتر الضحك"
علي ضاحكاً:
"أي خدعة محسبوكوا علي في الخدمة دايمًا"
بعد تناول الغداء، جلسوا في غرفة الصالون. أحضرت الخادمة العصائر والحلويات.
جلس خالد مع علي يتحدثون في أمور العمل والصفقات.
بينما جلست زينب مع لينا يتحدثون في أمور الطبخ والطعام.
زينب:
"قوليلي بقى يا حبيبتي بتعرفي تطبخي؟"
لينا باحراج:
"شوية، مش أوي"
زينب:
"لأ إزاي؟ لازم تتعلمي. كلها كام شهر وهتبقي في بيت جوزك. أنتِ عايزة الواد ده يأكل وشنالي؟"
لينا مبتسمة:
"حاضر"
خالد بتعب:
"كفاية كده يا علي"
علي:
"تمام"
ضغط على كف يده بقوة عندما شعر بأن جرحه يصرخ من الألم.
نفر عرق صدغه ينبض بقوة من الألم.
ضغط على شفتيه بقوة محاولاً كبح ألمه، هتف من بين أسنانه بتعب حاول إخفاءه:
"أنا تعبان وطالع أرتاح شوية. علي ابقى وصل لينا"
تركهم وصعد لأعلى بخطى حاول أن تكون متوازنة، بينما تراقبه هي بقلق. تعجبت عندما طلبت من علي إيصالها، تعرف غيرته عمياء. ذلك القلق الذي روادها في اليوم الذي جاء فيه إلى المستشفى مصاباً عاد يهاجم قلبها من جديد.
فاقت من شرودها على يد علي تلوح أمام وجهها.
علي:
"يلا يا لينا عشان لسه ورايا شغل"
هزت رأسها إيجاباً، زفرت بقلق لتقوم من مكانها.
التفتت ناحية زينب تهتف بقلق:
"معلش يا طنط، ممكن حضرتك تطلعي تشوفي خالد صاحي ولا لأ؟ عايزة أقوله حاجة"
زينب مبتسمة:
"حاضر يا حبيبتي"
تركتهم زينب متجهة إلى أعلى.
علي:
"مالك يا لينا؟"
لينا بقلق:
"مش عارفة يا علي، مش مطمنة"
دقيقة، اثنتين، صمت عم المكان، شقه صوت صرخات زينب قادمة من أعلى.
هرولت لينا وعلي إلى أعلى، اقتحمت الغرفة بقلق لتتجمد مكانها. وجدته ممدداً على الفراش عاري الصدر، جرح كتفه عاد ينزف بقوة، جسده ينتفض بشدة.
هزت رأسها نفياً بعنف لتفيق من حالة الصدمة التي أصابتها. هرعت إليه.
لينا بجد:
"جرحه فتح تاني. علي بسرعة شنطتي في عربية خالد"
علي سريعاً:
"هجيبهالك حالا"
لينا:
"طنط زينب كانت في حاجات أنا استخدمتها لما غيرت لخالد على الجرح المرة اللي فاتت"
زينب سريعاً:
"هجبهالك حالا"
بعد نصف ساعة، استطاعت التقاط أنفاسها مرة أخرى بعدما استطاع تقطيب جرحه قبل فوات الأوان.
أوصلت المحلول الوريدي بعرق يده لتحقنه بخافض للحرارة.
لينا:
"معلش يا طنط، عايزة طبق فيه ميه نضيفة فيها خل"
زينب:
"حاضر يا بنتي"
خرجت زينب من الغرفة. لينظر لها علي هاتفا بقلق:
"هو بقى كويس مش كده؟"
لينا:
"آه يا علي، الحمد لله لحقناه"
ابتسم علي بمكر:
"قصدك لحقتيه؟ تاني مرة بتنقذيه من الموت. أنا عرفت إنك اتبرعتيله بدمك أول مرة، وادي تاني مرة. حسيتي بتعبه من غير حتى ما يتكلم. أنا كنت قريت الزمان إن العشاق أرواحهم بتحس ببعض، ما صدقتش الكلام النظري، بس اديني أهو بشوفه عملي"
قلبت عينيها بضيق:
"تعرف يا علي إنك رخيم زي ابن عمتك بالظبط"
علي ضاحكاً بخبث:
"أنا ممكن أكون شبهه في حاجات كتير، ما عدا حاجة واحدة"
قطبت حاجبيها باستفهام. أرادت أن تسأله ما هو ذلك الشيء الغامض، ليكمل هو:
"ما بعشقكيش بجنون"
اتسعت عينيها بحرج من كلامه. أنقذها في تلك اللحظة مجيء زينب ومعها الماء. أخذته منها وشرعت في عمل الكدمات الباردة له.
تجاوزت الساعة العاشرة ليلاً عندما غادر علي وعاد محمود من العمل. صعد إلى غرفة خالد عندما علم بمرضه واطمئن عليه.
محمود:
"هو عامل إيه دلوقتي يا بنتي؟"
لينا بهدوء:
"ما تقلقش يا عمي، الحمد لله بقى كويس"
زينب بود:
"طب يلا يا حبيبتي عشان تتعشي، أنتِ بقالك يجي 3 ساعات واقفة على رجلك"
لينا:
"معلش يا طنط، مش هقدر. أنا والله مش جعانة. أنا بس لازم أمشي عشان الوقت اتأخر"
محمود:
"لأ طبعاً مش هتمشي دلوقتي، الساعة عدت عشرة"
زينب سريعاً:
"أنا قولت لعلي إنك هتباتي هنا، عشان كده هو مشي"
اتسعت عينيها بصدمة:
"إيييييه؟ لأ طبعاً ما ينفعش. أنا ما قولتش لبابا"
محمود بهدوء:
"سيبيها على راحتها يا زينب، أنا هوصلها"
زينب سريعاً:
"لأ توصلها إيه؟ هي عايزة تقعد، مش أنتِ عايزة تقعدي يا حبيبتي؟ شوفت السكوت علامة الرضا. معلش يا محمود، بس أنت كلم والدها قولها"
أومأ لهم برأسه إيجاباً. خرج من الغرفة ليكلم جاسم.
التفتت زينب تنظر لتلك التي تطالعها بدهشة.
زينب بود:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي على اللي عملتيه مع خالد. على فكرة، هو بيحبك قوي"
ابتسمت بسخرية لتضع يدها على وجنتها تتحس إثر صفعته:
"آه، أوي"
زينب:
"بصي يا حبيبتي، أنا عارفة إنك ما كنتيش عايزة تتجوزي خالد، وإنك اتجوزتيه غصب عنك. بس صدقيني يا بنتي، لو لفيتي الدنيا كلها مش هتلاقي حد يحبك قده"
تجمعت الدموع في عينيها ألماً:
"كلكوا بتقولوا إنه بيحبني أوي. انتوا ما بتشوفوش هو بيعاملني إزاي"
ربطت زينب على كتفها برفق:
"عيب، خالد من وهو صغير إنه ما بيعرفش يتحكم في عصبيته، دا غير غيرته العامية. بس صدقيني، على قد ما هو قاسي، على قد ما هو حنين"
ابتسمت لينا لزينب ابتسامة صغيرة تحمل خلفها طيات من السخرية.
زينب:
"يلا بقى عشان ننزل نتعشى"
لينا:
"معلش يا طنط، أنا مش جعانة والله. لو جعانة هاجي معاكي"
زينب:
"خلاص يا حبيبتي، على راحتك. هخلي عنايات تعملك نسكافيه"
لينا:
"ماشي يا طنط"
نزلت زينب وأخبرت عنايات أن تصنع للينا كوب من النسكافيه، لتذهب بعدها إلى زوجها. وجدتوه ينهي مكالمته مع والد لينا.
زينب بترقب:
"ها يا محمود، وافقت؟"
تنهد بتعب:
"طلع عيني على ما وافق. صحيح، البت ياسمين فين؟"
زينب:
"في أوضتها من ساعة ما عرفت إن لينا جاية معاك"
محمود:
"يعني ما عرفتش إن أخوها تعب؟"
زينب:
"أنا كنت مشغولة مع لينا لما كانت بتعالج خالد، ما قولتلهاش"
محمود بضيق:
"طيب يا زينب. على رأي خالد، البنت دي من ساعة ما اتعرفت على اسمه أنور ده، وهي حالها اتقلب"
زينب:
"ربنا يصلح الحال. أنا طالعة للينا"
ذهبت زينب وأخذت النسكافيه من عنايات وصعدت لأعلى.
زينب:
"اتفضلي يا ستي، أحلى نسكافيه لأحلى لوليتا"
لينا مبتسمة:
"تسلم إيديكي يا طنط"
زينب:
"قوليلي يا ماما، أنا هروح أجيبلك بيجامة من عند ياسمين عشان تغيري هدومك"
لينا:
"لأ يا طنط، ما تتعبيش نفسك"
زينب:
"ما تجدلليش في كل حاجة، هجيبلك البيجامة وأجي"
ذهبت زينب وبقيت لينا وحيدة. جلست على الكرسي المجاور لفراشه تتأمله وهو نائم.
وجدت شفتيه يتحركان، يبدو أنه يهذي.
بدأت همهماته تعلو، فاتضح ما يقول:
"رحاب، رحاب! ليه عملتي فيا كده؟ ليه؟ دا حقك! هقتلك! كل اللي ممكن تتمنيه! ليه يا رحاب؟"
صدمة تلتها صدمة تعصف بكيانها من تلك الفتاة التي يهذي باسمها. يبدو بالفعل أنه يحبها. لتسيطر على تفكيره بتلك الطريقة.
أدمعت عينيها بقهر. ابتسمت بسخرية على حالها، هي التي كانت تعنف نفسها على عدم تصديقها لعشقه الذي يتغنى به الجميع.
قاطع شرودها دقات على باب الغرفة ودخول زينب تحمل منامة بيتية بين يديها.
زينب:
"خدي يا حبيبتي، أنا جبتلك بيجامة"
لينا:
"متشكرة يا طنط، قصدي يا ماما"
زينب:
"صحيح، تحبي تباتي هنا في أوضة خالد ولا في أوضة تاني؟"
لينا:
"لأ خليني هنا، يمكن لقدر الله يتعب تاني"
ابتسمت زينب بخبث:
"على العموم، سرير خالد كبير وهيكفيكوا"
اتسعت عينيها بصدمة، فتحت فمها ببلاهة حتى كاد يصل إلى الأرض، لتصيح فيها بفزع:
"إيييييه؟ لأ لأ طبعاً، أنا مش هنام جنب ابنك"
زينب ضاحكة:
"خلاص بهزر معاكي، اعملي اللي يعجبك، البيت بيتك. تصبحي على خير يا حبيبتي"
لينا:
"وحضرتك من أهله"
رحلت زينب لتذهب هي إلى المرحاض الملحق بالغرفة واغتسلت وبدلت ملابسها، لتعود إلى الغرفة واضعة ملابسها على أحد المقاعد.
أخذت كوب النسكافيه وعادت لتجلس على الكرسي بجانب فراشه تتأمله وهو نائم، وقلبها يتمزق حزناً بعدما سمعته يهذي باسم حبيبته. لكنه عاد يهذي من جديد، ولكن هذه المرة كان بدا غاضباً من ملامحه المنقبضة، فكه المرتعش، يديه التي يقبض عليها بشدة.
خالد غاضباً:
"رحاب، أنا! تعملي فيا؟ هقتلك! أنا! تخونيني؟ أنتِ نسيتي نفسك؟ قسماً بربي لاندمنك على عملتك السودا دي"
وضعت يدها على رأسها بحيرة، لا تعرف هل هو يحبها أم لا.
طرق ببالها فكرة تسلي بها وقتها، قامت ناحية مكتبه الصغير وأخذت ورق أبيض بدون أسطر وأقلام رصاص، وعادت تجلس على كرسيها، ولكن هذه المرة لترسم خالد وهو نائم. تذكرت كم كانت تعشق الرسم وهي صغيرة، تذكرت أيضاً كيف كانت رسوماتها بشعة جداً، ولكنها لم تيأس، أخذت الكثير من الكورسات التعليمية في الرسم، إلى أن أصبحت بارعة.
عظلت منهمكة في تلك اللوحة إلى أن انتهت قرابة الثانية بعد منتصف الليل، فكتبت أسفل تلك اللوحة بخط زخرفي صغير:
"يبدو الوحش جريئاً، ولكنه ما زال وسيماً"
شعرت بالتعب بعد هذا اليوم الشاق، فوضعت رأسها على حافة فراشه، وما هي إلا ثوانٍ حتى غطت في نوم عميق.
في صباح اليوم التالي، فتح عينيه ببطء، ينظر حوله باستفهام. آخر شيء يتذكره أنه ألقى بجسده على الفراش يلهث بقوة من شدة الألم، لينتهي به الأمر فاقداً للوعي.
شعر بتحسن كبير في كتفه، ليدرك أن ذلك التحسن ليس من تلقاء ذاته، عندما وجد المحلول الوريدي موصلاً بذراعه، والشاش الطبي ملتف حول كتفه، والعديد من الأدوية على الطاولة بجوار فراشه.
وأهم ما في ذلك، وجدها نائمة بهدوء ملائكي، رأسها على حافة فراشه، وباقي جسدها متكوم على الكرسي.
بجانبها عدة أوراق. اعتدل في جلسته وأمسك الأوراق، فوجدها لوحة له وهو نائم، ارتسمت بدقة عالية. قرأ الجملة التي كتبتها، فابتسم.
نظر ناحيتها، لتنقبض ملامحه بشفقة عندما رأى ملامحها المنهكة وهي نائمة.
قام بنزع المحلول من يده، نزل من على فراشه متوجهاً إليها.
حملها بهدوء حتى لا تستيقظ، ليضعها في فراشه. دثرها جيداً بالغطاء، وذهب إلى مرحاضه ليأخذ حماماً دافئاً.
في مستشفى الحياة.
حي بدون روح. انتزعت روحه بعدما علم بذلك الخبر المفزع. حبيبته تزوجته، الفتاة الأولى التي عشقها قلبه بجنون، أصبحت لغيره. لا يلومها، فهو لم يصارحها أبداً بحبه، وعندما كاد يفعل، كان قد فات الأوان. قلبه يصرخ، يحتضر كالطير الذبيح.
شعرت بأن قلبها يتفتت وهي تراه بتلك الحالة، عينيه حمراء، هالات شديدة السواد تحيط بعينيه. اتجهت إليه دون تردد.
سمية برفق:
"دكتور عصام، دكتور عصام، حضرتك كويس؟"
رفع رأسه يطالعها بنظرات خاوية، ميتة، لينقبض قلبها بقلق. هتفت سريعاً:
"دكتور عصام، حضرتك كويس؟ شكلك تعبان أوي"
عصام بهدوء مصطنع:
"أنا كويس يا دكتورة، خير؟ في حاجة؟"
سمية بقلق:
"أنا كنت عايزة أطمن على حضرتك"
ضحك بألم:
"أنا كويس، كويس جداً يا لينا. أكتر ما تتخيلي. مش عشان انتي سبتيني واتجوزتي واحد غيري أنا هنهار. لأ أبداً، أنا هنسيكي وهعيش حياتي"
لتنهار سيول الدموع من عينيه رغماً عنه:
"أنا عمري ما هقدر أنساكي، أنا بحبك أوي"
أدمعت عينيها حزناً على حالته. ربطت على كتفه بحزن.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يلقي بنفسه بين ذراعيها، يبكي وينتحب.
مسحت على شعره كطفل صغير تحاول تهدئته.
بعد مدة قصيرة، تدارك هو نفسه، لينتفض من بين ذراعيها كالملسوع.
عصام بصدمة:
"أنا آسف، أنا آسف. والله العظيم ما كنت أقصد، أنا آسف"
سمية مبتسمة بحزن:
"ولا يهمك يا دكتور. حضرتك محتاج تحكي كل اللي جواك، يمكن ترتاح"
ارتسمت ابتسامة صغيرة حزينة على شفتيه:
"شكراً يا سمية. عن إذنك"
ذهب من أمامها، فتلاشت ابتسامتها المزيفة، وتبدأ دموعها في الهطول حزناً، تتذكر كلامه.
عندما كان يبكي بين ذراعيها:
"أنا بحبك أوي يا لينا، ليه ليه سبتيني؟ ليه؟ عمرك ما هتلاقي حد بيحبك قدي. ليه فضلتيه عليا؟ أنا بحبك أوي، بحبك أوي"
مسحت دموعها بعنف عندما سمعت عزة تناديها للكشف على حالة عاجلة، لتهرول إلى عملها مسرعة.
خرج من المرحاض بعدما انتهى من أخذ حمام دافئ أراح عضلاته، فوجدها بدأت تستيقظ، تفرك عينيها براحة يدها كالطفال.
خالد مبتسماً:
"صباح اللوليتا يا لوليتا"
نظرت له بأعين نصف مفتوحة تهتف بنعاس:
لينا بصوت ناعس:
"صباح النور. هو أنا فين؟"
خالد ضاحكاً:
"هو أنتِ يا بنتي بتصحي من النوم فاقدة الذاكرة؟"
ابتسمت ببراءة، بالكاد تحاول فتح عينيها.
خالد برفق:
"لينا ارجعي نامي، شكلك نعسان أوي"
هزت رأسها نفياً:
"لأ، أنا صحيت أهو. أنا عايزة أروح"
دقت على باب الغرفة، تلتها دخول زينب.
زينب بحنان وهي تحتضن خالد:
"حمد لله على سلامتك يا حبيبي، عامل إيه دلوقتي؟"
خالد:
"الحمد لله أحسن. بس هو إيه اللي حصل؟"
قصت زينب عليه ما حدث بالأمس.
زينب:
"يعني المفروض دلوقتي تشكري مراتك"
نظر لها بحنان، فوجدها غفت وهي جالسة تتوسد راحة يدها. ابتسم من منظرها الطفولي.
زينب:
"لينا، لوليتا، اصحي"
خالد سريعاً:
"سيبيها نايمة"
أتهم صوتها ناعساً:
"لأ، أنا خلاص صحيت"
زينب:
"طب أنا هنزل أحضرلكوا الفطار"
نزلت وتركتهم، لتلتفت له تسأله بنعاس:
"كتفك عامل إيه؟"
خالد:
"الحمد لله أحسن، شكراً"
لينا بتهكم وهي تقلده:
"دا شغلي يعني، لازم أعمله حتى لو مش طايقه، ولا إيه يا خالد باشا؟"
ضحك عالياً بملء فاهه:
"والله أنتِ مصيبة"
تركتهم وذهبت إلى المرحاض، لتسمعه يقول:
"ما تتأخريش عشان هننزل سوا"
لينا:
"لأ، انزل أنت وأنا هحصلك"
التفت إلى المرآة يصفف شعره بهدوء:
"أنتِ عارفة أنا ما بحبش كلامي مرتين، ما تتأخريش"
نفخت خديها بغيظ من بروده المستفز، لتدير المقبض تدلف إلى المرحاض.
ذهبت ناحية المغطس لتملئه بالمياه، فتحت صنبور المياه لتشهق بفزع عندما انتشرت مياه المرش العلوي تغرقها بشدة.
لينا بغيظ:
"إيه الرخامة دي؟ حمامة رخيم زيه"
انتهت من أخذ حمام دافئ مريح، لتكتشف الكارثة، أنها نسيت ملابسها في الخارج، والملابس التي معها تغرق في بحر من المياه.
رواية أسير عينيها الفصل السابع عشر 17 - بقلم دينا جمال
ذهبت ناحية المغطس لتملئه بالمياه.
فتحت صنبور المياه لتشهق بفزع عندما انتشرت مياه المرش العلوي تغرقها بشدة.
لينا بغيظ:
إيه الرخامة دي، حمامة رخمة زيه.
انتهت من أخذ حمام دافئ مريح لتكتشف الكارثة، أنها نسيت ملابسها في الخارج، والملابس التي معها تغرق في بحر من المياه.
لينا بفزع:
يا نهار، طب أنا هعمل إيه، يا رب يكون نزل.
لفت منشفة كبيرة حول جسدها، اتجهت ناحية الباب لتفتح فتحة صغيرة تتطلع من خلالها إلى أنحاء الغرفة.
وجدته يقف أمام المرآة يصفف شعره يصفر باندماج.
لينا في نفسها:
أندهله؟ لالا بلاش، مش ناقصة قلة أدبه. ما هو أنا مستحيل أخرج بالشكل ده وهو في الأوضة. طب أجري بسرعة أجيبهم وأرجع تاني، إنتي عبيطة يا بت؟ افرضي الفوطة وقعت. أه صحيح، أنا مش قلتله ينزل؟ من إمتى وخالد بيسمع كلامي؟ أنا بس اللي بسمع الكلام. يوووه، هو ده وقته. أعمل إيه دلوقتي.
فاقت من شرودها فجأة على صوته يهتف بخبث:
بقالك ساعة مطلعة راسك من الباب، ما تقولي على طول عايزة إيه.
ازدردت ريقها بتوتر:
ها، أصل أنا بصراحة نسيت آخد هدومي، ممكن بعد إذن حضرتك تجبهالي.
التف إليها يهتف ضاحكًا:
الأدب ظهر فجأة.
التفت إلى مرآته مرة أخرى هاتفا بخبث:
عايزة هدومك؟ اطلعي خديها.
اتسعت عينيها بفزع:
إنتي عايزاني أرمي نفسي في النار برجلي.
يا خالد، ضاحكًا بخبث:
ليه يا بنتي، دا زي جوزك عادي يعني. وبعدين دي أوضتي ومش خارج. عايزة هدومك، اطلعي خديها.
تطلعت إليه بأعين دامعة بريئة راجية:
عشان خاطري يا خالد هات الهدوم.
خالد سريعًا:
حاضر حاضر، ما تعيطيش، بهزر والله بهزر.
اتجه ناحية الملابس، حملها بين يديه، اتجه إليها ليعطيها لها.
أخذتها من يده بلهفة.
لينا ضاحكة وهي تغلق الباب سريعًا:
أنا كمان كنت بهزر.
أخرجت له طرف لسانها وأغلقت الباب سريعًا.
خالد ضاحكًا:
آه، وزعة. ماشي، أما أوريكِ.
جلس على طرف فراشه، تزين البسمة السعيدة شفتيه من أفعال طفلته الشقية.
أغمض عينيه لتتلاشى ابتسامته عندما رأى تلك الفتاة تصرخ فيه وتستجديه أن يبتعد عنها.
أدمعت عيناه على ما حدث في الماضي.
استفاق على صوته.
لينا بقلق:
خالد، خالد، إنت كويس.
فتح عينيه لتري تلك الدمعات الحبيسة بها.
اتسعت عينيها بدهشة:
خالد، إنت بتعيط.
خالد بجد:
لا أبداً، حاجة دخلت في عيني.
يلا عشان ورايا شغل ومتأخر.
لينا بجد:
إنت المفروض تستريح وما تجهدش نفسك، جرحك لو فتح تاني هتبقى مشكلة.
التوى جانب فمه بابتسامة ساخرة:
خلي "المفروض" مرفوض، على رأي منير.
لينا بضيق:
يعني إيه.
دس يديه في جيب بنطاله ببرود:
يعني أنا رايح شغلي، هوصلك الأول تستريحي النهاردة وما تنزليش الشغل، وبعدين هطلع على شغلي.
انتفخت خديها بغيظ، عقدت حاجبيها تطالعه بغضب:
يا سلام، إشمعنى إنت عايزني أسمع كلامك وما أروحش شغلي، وإنت مش عايز تسمع كلامي وبرضه هتروح شغلك، مع إن إنت اللي عيان مش أنا.
رفع حاجبه الأيسر بتهكم وتلك الابتسامة الساخرة لم تفارق شفتيه:
صوتك ما يعلاش تاني، وإلا هعقبك. ومن البديهي جداً إن إنتي تسمعي كلامي عشان أنا الراجل.
صرخت في وجهه بغيظ:
ده على أساس إن أمينة يا سي السيد؟ طب إيه رأيك بقى إن أنا هروح شغلي.
رفع كتفيه ببراءة:
براحتك، بس كده. بدل ما هتقعدي في البيت يوم واحد، هتقعدي على طول.
جزت على أسنانها بغيظ:
بكرهك أوي.
خالد ضاحكًا:
وأنا بكرهك أكتر. يلا عشان نفطر.
مسك يدها يجرها خلفه إلى أن وصلوا إلى طاولة الطعام.
زينب بضيق:
أخيراً نزلتوا، ده أنا افتكرتوا نمتوا. يلا عشان تفطروا.
جلس ثلاثتهم على طاولة الطعام.
خالد:
أومال بابا وياسمين فين؟
زينب:
باباك راح الشغل من بدري.
خالد:
وياسمين؟
زينب بتوتر:
في أوضتها هي. يعني يا خالد، كانت عايزة تطلب منك طلب.
خالد بجد:
لأ.
زينب بضيق:
مش لما تعرف هي عايزة إيه الأول.
خالد:
عايزة تروح للكوافير بكرة مع صحابها.
اتسعت عيني زينب بفزع:
بسم الله الرحمن الرحيم، إنت عرفت منين وإزاي؟
خالد بجد:
مش مهم عرفت منين، المهم إن هو لأ، يعني لأ.
أمسكت كف يده برجاء:
عشان خاطري يا ابني ما تكسرش فرحة اختك يوم فرحها.
خالد بضيق:
خلاص يا أمي، الموضوع انتهى.
نظرت زينب للينا برجاء:
قوليله حاجة يا بنتي.
صفع طاولة الطعام بكف يده بعنف:
خلاص يا ماما، أنا قلت لأ يعني لأ.
يكفي، هل يظن أنه محور الكون؟ أنهم فقط جواريه عليهم تنفيذ أوامره دون اعتراض.
هبت واقفة تصيح في وجهه بغضب.
لينا غاضبة:
إيه اللي لأ يعني لأ. على فكرة يا خالد باشا، إحنا مش جواري عندك عشان ننفذ كل اللي إنت عايزه. من حق ياسمين إنها تفرح يوم فرحها. إحنا مش جواريك وإنت مش جلادنا عشان تتحكم فينا بالطريقة دي. ما بتعملش اعتبار لأي حد، حتى والدك ووالدتك. إنت إنسان أناني، متكبر، مغرور، فاكر الدنيا ماشية على هواك. إنت وبس.
ازدردت ريقها بفزع صامت، هادئ، ملامحه هادئة خالية من التعابير.
لما هو هادئ لهذه الدرجة؟ كانت على يقين أنها تحفر قبرها بيديها وهي تصيح في وجهه بتلك الطريقة.
تكلم بعد مدة صمت طويلة جفت فيها دماؤها فزعاً وهي تحاول توقع رد فعله:
خلصتي محاضرة حقوق المرأة؟ يلا عشان ورايا شغل.
تحركت معه بهدوء، استقلت المقعد بجانبه.
انطلق إلى منزلها، ظل هادئ بشكل مخيف.
كانت تختلس نظرات خاطفة له لتجده منهمك في القيادة، ملامح وجهه مبهمة غامضة.
لينا في نفسها بخوف:
هو ماله هادي كده ليه؟ يا خوفي منك يا خالد، ليكون ده الهدوء اللي يسبق العاصفة.
قاطع شرودها صوته الجامد.
خالد:
وصلنا.
نزلت من السيارة سريعاً تهرب من ذلك الجحيم النفسي الذي عاشته.
فانطلق هو بالسيارة مسرعاً.
دخلت إلى بيتها فوجدت والديها جالسين على مائدة الإفطار.
لينا:
سلام عليكم.
جاسم/فريدة:
وعليكم السلام.
فريدة بحنان:
تعالي يا حبيبتي افطري.
لينا بتعب:
لأ يا ماما شكراً، فطرت. هي لبنى فين؟
فريدة:
في الجرنان، عندها تحقيق صحفي.
هزت رأسها إيجاباً:
ماشي.
جاسم:
خالد عامل إيه دلوقتي؟
ابتسمت له بتهكم:
كويس يا جاسم باشا، عن إذنكوا عشان أنا تعبانة وعايزة أرتاح شوية.
صعدت إلى غرفتها لتلقي بنفسها على الفراش تغط في نوم عميق.
في الأسفل، نكس جاسم رأسه بخزي.
لاحظته زوجته فربتت على كتفه بحنان.
فريدة برفق:
معلش يا جاسم، إنت عارف لوليتا بتتدلع عليك.
أخذ نفساً عميقاً ليزفره بحرارة نيران الحزن المستعرة في قلبه:
دي حتى بطلت تقولي يا بابا. أنا قلبي بيتقطع من زعلها مني، دي بنتي الوحيدة. أنا جوزتها خالد لمصلحتها، بكرة هتشكرني على اللي عملته.
فريدة بحنان:
ما تزعلش نفسك يا جاسم، إنت عارف لينا قلبها أبيض وبتنسى على طول. كلها كام يوم وترجعلك لينا بنوتك حبيبتك.
جاسم:
يارب يا فريدة، يارب. أنا هقوم أروح شغلي.
قام جاسم من على طاولة الطعام، خطوة، اثنتين، ليشعر بألم يعتصر قلبه.
كاد أن يسقط لكنه أسرع ممسكاً بأحد المقاعد.
هرعت إليه فريدة تهتف بفزع.
فريدة بفزع:
جاسم، مالك يا جاسم؟ إنت كويس؟ إيه اللي حصل؟ تعالا اقعد.
ربت على يدها برفق، ابتسم لها ابتسامة شاحبة.
جاسم برفق:
أهدي يا فريدة، أنا كويس.
فريدة سريعا:
طب أنا هطلع أنادي لينا تيجي تتطمن عليك.
أمسك يدها يمنعها من التحرك.
جاسم:
لأ يا فريدة، أنا كويس ما تقلقيش. لينا.
أنا كده كده هعدي على الدكتور بتاعي النهارده بعد الشغل.
فريدة بقلق:
خلي بالك من نفسك يا جاسم، عشان خاطري.
جاسم مبتسما:
حاضر يا فريدة، بس المهم ما تقوليش حاجة للينا.
فريدة:
حاضر مش هقولها حاجة، ما تقلقش.
لا إله إلا الله.
جاسم:
محمد رسول الله.
خرج جاسم من المنزل ذاهباً إلى عمله.
_______________________
منذ أن وصل إلى مكتبه وهو شارد يفكر.
تعجب من نفسه، كيف أمكنه التحكم في أعصابه لهذه الدرجة؟ في العادي كان سيدق عنقها بعد ما قالته.
ولكن جزء صغير بداخله رفض أن يفعل ذلك، رفض أن يرى دموعها.
أحب تمردها.
وبرغم أن هذا الجزء صغير جداً، ولكنه استطاع منعه من أذيته.
تنهد بحرارة:
وبعدين معاكي يا مجنناني.
________________________
في فيلا محمود السويسي.
ياسمين باكية:
يعني إيه يا ماما، خالد مش موافق.
زينب برفق:
أعمل إيه بس يا ياسمين، خالد راكب دماغه ومش راضي خالص. حاولت معاه أنا ولينا، بس إنتي عارفة خالد، لأ يعني لأ.
ياسمين:
وبابا قال إيه؟
زينب:
إنتي عارفة أبوكي راسه ناشفة، هو وخالد نسخة من بعض. لأ يعني لأ.
ياسمين باكية:
والله حرام كده، ده فرحي ومنكدين عليا حتى في فرحي.
زينب بحنان:
عارفة مين اللي هيقدر يقنع خالد؟
ياسمين بلهفة:
مين؟ مين؟
زينب:
لينا.
ياسمين بضيق:
ما حضرتك قولتي إنها حاولت وبرضه رفض.
زينب بمكر:
عشان لينا اتحدت خالد وعاندته. لكن لو كانت اتكلمت معاه بهدوء، كان وافق.
ياسمين:
أيوه، بس إنتي عارفة إن العلاقة بينا أنا وهي مش كويسة.
زينب:
لينا قلبها أبيض، أنا عارفاها. خدي كلميها، ومش هتندمي.
______________________
كانت تغط في النوم عندما سمعت صوت نغمة مستمرة أزعجها بشدة.
تململت متأففة من هذا الصوت المزعج، أدركت أنه صوت هاتفها الملقى على الفراش.
التقطته فوجدت رقم غير مدون عنده.
لينا بصوت ناعس:
سلام عليكم، مين معايا؟
ياسمين:
وعليكم من السلام، إنتي ياسمين يا لينا؟
حكت شعرها بحيرة تتثأب بنعاس:
ياسمين مين؟
ياسمين ضاحكة:
شكلك لسه نايمة. أنا ياسمين أخت خالد جوزك.
لينا:
آه آه ياسمين، معلش يا ياسمين، أصلي لسه صاحية من النوم. خير يا حبيبتي.
ياسمين باحراج:
معلش يا لينا، عايزة أطلب منك طلب.
لينا بود:
آه طبعاً يا حبيبتي، أؤمري.
ياسمين برجاء:
ممكن تكلمي خالد وتخليه يوافق إني أروح البيوتي سنتر بكرة؟
لينا:
أنا كلمته والله يا ياسمين الصبح، بس هو رافض خالص.
ياسمين:
معلش يا لينا، حاولي معاه تاني بس بهدوء وأدب. خالد مش بيحب حد يعانده.
لينا:
حاضر يا ياسمين، هحاول.
ياسمين مبتسمة:
متشكرة أوي يا لولو، أسيبك بقى تكلميها.
أغلقت لينا الخط وجلست على فراشها تفكر كيف ستقنع خالد أن يوافق بعد ما فعلته صباحاً.
طرق ببالها فكرة فقررت أن تجربها.
__________________________
صورتها لم تغب عن باله، ظل شارداً فيها طوال الوقت.
حاول أن يشغل نفسه في العمل قدر المستطاع، ولكن دون فائدة.
يجد صورتها منطبعة على كل ورقة أمامه، يقرأ اسمها بدلاً عن كل كلمة في تلك الملفات أمامه.
زفر بضيق ليعود بظهره إلى ظهر المقعد، يغمض عينيه يحاول تصفية ذهنه.
أفاقه صوت رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة فوجد اسمها يزين الشاشة.
التقط الهاتف بعدما فتح الخط، يضعه على أذنه، لتتسع عينيه بصدمة عندما سمعه.
لينا بدلال مصطنع:
وحشتني.
أبعد الهاتف عن أذنه ينظر إلى اسم المتصل ليتاكد أنها هي.
خالد بدهشة:
مين معايا؟
لينا بدلال:
كده يا لودي، مش عارف صوتي؟
قطب حاجبيه بدهشة:
لينا، إنتي عيانة؟
ضحكت ضحكة أنثوية عالية:
لأ يا لودي، مش عيانة. أنا بس أصلي...
التوى جانب فمه بابتسامة ساخرة.
خالد بتهكم:
اخلصي يا لينا، وقولي عايزة إيه، وبلاش الحركات دي عشان مش لايقة عليكي.
لينا بحدة:
قصدك إيه؟
خالد ضاحكًا بسخرية:
قصدي إنك دايماً بتتصرفي زي محمد صاحبي، مفيش فرق بينك وبينه غير الشنب.
لينا:
أيوه، بس محمد ما عندوش شنب.
خالد ساخرًا:
لأ، أنا قصدي عليكي إنتي.
اتسعت عينيها بغضب، أخذت نفساً عميقاً للتحكم في غضبها، فهي لا تريد إثارته.
خالد بضيق:
ها، اخلصي عايزة إيه؟
لينا برجاء:
عايزاك توافق تخلي ياسمين تروح البيوتي سنتر.
خالد ببراءة:
موافق.
لينا بسعادة:
بجد؟ موافق بجد؟ شك...
خالد مقاطعاً:
بس بشرط.
لينا بترقب:
إيه هو؟
خالد:
تعتذري على اللي عملتيه الصبح.
لينا سريعا:
أيوه، بس أنا ما أغلطش.
خالد ببراءة:
براحتك. أنا كمان مش موافق. سلام.
لينا سريعا:
استني بس، أنا أنا أنا آسفة.
خالد:
وأنا مش قابل اعتذارك، بس موافق إن ياسمين تروح البيوتي سنتر. سلام.
أبعدت الهاتف عن أذنها تنظر له بغضب. هل أغلق الخط في وجهها؟ جزت على أسنانها بغيظ. لو كان أمامها الآن لخلعت قلبه بين يديها.
أخرجها من غضبها رنين هاتفه.
لينا:
أيوه يا ياسمين.
ياسمين بلهفة:
أيوه يا لينا، عملتي إيه؟
لينا:
وافق يا ياسمين.
ياسمين صارخة بسعادة:
بجد؟ أنا متشكرة جداً جداً جداً. مش عارفة أقولك إيه. إنتي أحلى مرات أخ في الدنيا.
لينا مبتسمة:
لأ أبداً يا حبيبتي، لا شكر على واجب. أسيبك بقى تجهزي لبكرة. مبروك يا عروسة.
ياسمين مبتسمة:
الله يبارك فيكي يا حبيبتي.
ما حدث بعد ذلك، ذهب جاسم إلى عمله ثم إلى طبيبه وأجرى العديد من الفحوصات والأشعات الطبية، وأخبره الطبيب أنه سيخبره بنتيجتهم غداً.
________________________
في صباح اليوم التالي.
(فرح ياسمين وأنور)
الاستعدادات في بيت محمود السويسي على قدم وساق.
ذهبت ياسمين وصديقاتها إلى البيوتي صالون التجميل باكراً.
أما محمود ذهب إلى القاعة ليتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام بدون مشاكل.
وخالد انشغل في تزيين سيارته التي ستزف فيها أخته.
وزينب انشغلت في تحضير طعام العرس.
________________________
في فيلا جاسم الشريف.
ذهب جاسم إلى عمله ولبنى إلى الجريدة وفريدة إلى صالون التجميل.
ولينا إلى المستشفى.
_________________
في مستشفى الحياة.
دخلت إلى مكتبها بعدما انتهت من إنهاء الفحص على أحد المرضى.
جلست على مقعدها شاردة تفكر فيه، إلى أن سمعت دقات على باب الغرفة.
لم ترفع نظرها عن الورق الذي أمامها.
سمية:
ادخلي يا عزة، من إمتى وإنتي بتستأذني يعني.
انفتح الباب ودخل الطارق.
لم يكن أختها كما توقعت.
رفعت نظرها تنظر إلى الطارق لتجحظ عينيها بدهشة.
سمية بدهشة:
دكتور عصام، خير يا دكتور.
عصام باحراج:
أبداً، أنا كنت جاي أعتذرلك عن اللي حصل امبارح.
سمية:
مفيش حاجة يا دكتور، حصل خير.
أخذ نفساً عميقاً يزفره على مهل.
عصام:
إنتي فعلاً مستعدة تسمعيني؟
هزت رأسها إيجاباً وقلبها يرفض بشدة.
عصام:
توعديني إن اللي بينا يفضل سر.
سمية:
أوعدك بشرف المهنة يا دكتور.
ابتسم ابتسامة صغيرة وجلس على الكرسي.
شرع يحكي لها ما يريد عندما دخلت عزة الغرفة بطريقتها المازحة.
عزة ضاحكة بمرح:
أنا جيت، نور البيت. إيه ده؟ دكتور عصام؟ أنا آسفة يا دكتور.
عصام:
لأ أبداً، ما فيش حاجة. نكمل كلامنا بعدين يا سمية.
هزت رأسها إيجاباً.
عزة سريعا:
صحيح، دكتورة لينا بتسأل على حضرتك.
دمعة حزينة لمعت في عينيه لم تلحظها عزة، ولكن لاحظتها سمية جيداً لينفطر قلبها ألماً.
عصام:
طب عن إذنكوا.
خرج عصام من الغرفة إلى ذاهباً إلى مكتب لينا.
عزة بخبث:
السنارة غمزت ولا إيه؟
سمية:
اسكتي يا عزة، إنتي مش فاهمة حاجة.
عزة:
طب ما تفهميني.
سمية بحزن:
الحاجة الوحيدة اللي اتأكدت منها إن عصام فعلاً بيعشق لينا، رغم إنها اتجوزت.
عزة بدهشة:
دكتورة لينا اتجوزت مين؟ أكيد الواد الظابط المزبس. ما قولتليش بردوا، عصام كان بيعمل إيه هنا؟
سمية:
أبداً، كان بيقولي على مشكلة في الشغل.
رمقتها بخبث:
في الشغل بردوا؟ بصي يا سمية، أنا عارفة إنك بتحبيه أوي يا حبيبتي. حاولي تقربيه منك، حتى لو الموضوع بدأ صداقة. مين عارف؟ مش يمكن قلبه هو كمان يدقلك.
سمية برجاء:
يارب يا عزة.
عزة بمرح:
قطعية يا أختي، خدنا إيه من الرجالة؟ بلاهم.
دخل وليد فسمع جملتها الأخيرة ليمسكها من تلابيب معطفها الطبي من الخلف كالارنب.
وليد بضيق:
بتقولي إيه يا وزعة إنتي؟
عزة مبتسمة ببلاهة:
ليدو حبيبي، كنت لسه بمدح فيك.
سمية ضاحكة:
على إيدك.
عزة بغيظ:
كده يا سمية، والله لأوريكِ.
وليد:
بطلي بقى افتري على خلق الله بلسانك اللي أطول منك ده.
عزة ببراءة ذئب:
حاضر يا ليدو يا حبيبي. سيبني بقى برستيجي أتبعتر.
خالص.
وليد:
ماشي يا هبلة. آه صحيح، أنا عازمكوا على فرح النهارده.
عزة:
فرح مين؟ أوعى تكون ناوي تتجوز عليا.
وليد ضاحكًا:
اتنيلي يا أختي، مش لما أتخطبك إنتي الأول. ده فرح دكتور صاحبنا، ده حتى عصام رايح.
نظرت عزة لسمية بخبث:
ها يا سمية، هتيجي؟
عزة:
آه طبعاً. خلاص يا وليد، عدي علينا الساعة تسعة بليل.
وليد:
يبقى أجي 11 على ما تكوني خلصتي لبس. يلا أسيبكوا وأروح أكمل شغلي، سلام.
خرج وليد وتركهم لتنظر عزة لسمية بخبث.
عزة:
دي فرصتك.
سمية:
إزاي يعني؟
عزة:
يعني تلبسي وتتشيكي وتوريه إنك زي القمر. بقولك إيه يا بت، إنتي مالكيش دعوة بأي حاجة، أنا هخليكي سندرلا النهاردة.
سمية بقلق:
ربنا يستر من دماغك دي يا عزة.
غادرت لينا المستشفى باكراً إلى بيتها.
ما أن وصلت صعدت إلى غرفتها سريعاً واغتسلت واختارت فستان أحمر سوارية بحمالتين عرضتين يصل إلى بعد ركبتيها بقليل وحذاء أحمر ذو كعب عالي.
وضعت مكياج هادئ.
أطلق العنان لشعرها البني الطويل.
____________________________
في فيلا محمود السويسي.
قرابة الساعة السابعة والنصف وصل عمر من الساحل، سلم على الجميع وصعد غرفته حتى يستعد للفرح.
وكذلك خالد انتهى من تزيين سيارته متجهاً غرفته.
أخذ حماماً وارتدى حلة سوداء كلاسيك وقميص أبيض بدون ربطة عنق.
مشط شعره، وضع ساعته الفضية الضخمة التي غطت معصمه.
وضع عطره المميز.
انحنى ليرتدي حذائه الأسود اللامع.
نظر إلى مرآته نظرة أخيرة يقيم فيها مظهره.
ارتسمت ابتسامة مغترة على شفتيه.
هبط إلى أسفل بهدوء ليجد عمر يقف أسفل السلم ينظر له بتوتر.
عمر مبتسما:
إيه يا ابيه الحلاوة دي؟ ولا كأنك العريس.
خالد مبتسما بسخرية:
الظابط عمل معاكوا إيه؟
تقطع وجه عمر بضيق ليهتف من بين أسنانه:
عملنا محضر وكان عايز يرمينا في الحجز.
خالد بحدة:
عشان تبقى تكذب على أبوك تاني وتقوله يوم وراجع. عارف يا عمر، لو عملتلنا مشاكل النهاردة في فرح اختك، هسيبك تتخيل أنا هعمل فيك إيه.
هز رأسه إيجاباً سريعاً بتوتر:
حاضر يا ابيه، ما تقلقش.
نزلت زينب ومحمود إلى أسفل.
زينب:
بسم الله ما شاء الله عليك يا خالد، قمر. ربنا يحميك يا ابني. كأنك العريس. يلا بقي شد حيلك، عايزين نفرح بيك إنت ولينا قريب.
خالد:
إن شاء الله قريب.
زينب:
هتعدي على لينا؟
خالد:
آه، هاخد عربيتي وأعدي عليها وبعد كده هعدي على أنور، وبعدين هنروح نجيب ياسمين من الكوافير ونحصلكوا على القاعة.
محمود:
ماشي يا ابني، ربنا معاك.
خالد:
يلا، سلام عليكم.
خرج خالد سريعاً من منزله متجهاً إلى ذلك المكان الذي يحفظه عن ظهر قلب.
____________________
في فيلا جاسم الشريف.
انتهوا جميعاً من ارتداء ملابسهم إلا هي.
جاسم:
هي لينا لسه ما خلصتش؟
لبنى:
تقريباً لسه. إحنا هنروح إمتى؟
جاسم:
لما لينا تخلص.
دق الباب، فتحت الخادمة ليدخل هو حاملاً حقيبة كبيرة في يده.
خالد:
السلام عليكم.
جاسم بضيق:
وعليكم السلام. خير؟
خالد:
جاي آخد مراتي معايا.
اتجه بنظره ناحية لبنى يهتف بتهكم.
خالد:
إزيك يا لبنى.
لبنى بضيق:
كويسة.
خالد:
هي لينا لسه ما خلصتش؟
فريدة بود:
لسه. اقعد استريح على ما تنزل.
جلس على أحد المقاعد ينتظرها ليجتاخ أنفه رائحة عطر نفاذ.
سمع صوتها يعزف من خلفه بالحاناً عذبة.
لينا مبتسمة:
أنا خلصت. معلش عشان آخرتكم.
التفت إليها ليتجمد أمامه جاحظ العينين، يكاد فمه يصل إلى الأرض.
ابتسمت بخبث عندما رأته في تلك الحالة.
لينا:
ها، إيه رأيك في محمد؟
خالد بهيام:
محمد مين؟ أنا ما أعرفش حد اسمه محمد.
لينا بحماس:
إيه رأيك في الفستان؟
قطب حاجبيه باستفهام:
هو فين الفستان ده؟
أشارت إلى ما ترتدي:
ده.
رفع حاجبيه بدهشة:
جميل يا حبيبتي. فين بقيته؟
لينا بضيق:
بقيته إيه يا خالد؟ هو كده.
خالد بحدة:
نعممم يا أختي! إنتي فاكرة إنك هتخرجي كده؟ متجوزة شوال رز.
كتفت ذراعيها أمام صدرها بضيق:
والله ده لبسي وعاجبني.
تقدم ناحيتها، أخذ يدها ساحباً إياها خلفه إلى غرفتها.
جاسم بحدة:
رايح فين؟ ده في غرفته.
لينا غاضبة:
إيه الغباء ده؟ إنت ساحب معزة.
ألقى الحقيبة على الفراش هاتفا بجد:
خمس دقايق ويكون لبسك.
تركها ونزل لأسفل، يرمقه جاسم بضيق ليتجاهل هو نظراته.
بعد قليل وجدها تنزل بهدوء.
ابتسم بانتصار عندما وجدها ارتدت ذلك الفستان الوردي الطويل.
التقط يدها يقبلها بحنان:
كنت فاكرك هتعانديني.
لينا مبتسمة باحراج:
بصراحة عاجبني، وإنت عارف إني بحب اللون الـ pink.
شبك يدها في يده متجهين إلى خارج الفيلا.
يرمقه جاسم بغيظ.
خرجا من الفيلا.
وقفت أمام سيارته المزينة تطالعها بانبهار.
لاحظ نظراتها ليهتف برفق.
خالد:
عجبتك؟
لينا بانبهار:
تحفة. مين اللي عملها؟
خالد:
أنا.
اتسعت عينيها بصدمة:
إنت؟
خالد:
آه أنا. مالك تنحتي كده ليه؟
لينا:
أصل بصراحة ذوقك حلو أوي.
خالد بثقة:
طب ما أنا عارف.
لينا بضيق:
ده إيه الثقة دي كلها؟
خالد بخبث:
عارف إيه أكتر حاجة تثبت إن أنا ذوقي حلو؟
لينا:
إيه؟
طالعها بحنان ليهتف بعشق:
إنتي. ❤❤
رواية أسير عينيها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دينا جمال
خالد بخبث: عارفة ايه اكتر حاجة تثبت ان انا ذوقي حلو؟
لينا: ايه؟
خالد بحنان ليهتف بعشق: انتي.
عادت لتشعر بذلك الإحساس الغريب، برودة حادة تغزو أطرافها مع حرارة حارقة تنبعث من خلجات وجهها المشع حمرة الخجل القانية. كانت كقطعة جليد تنصهر.
ازدرت ريقها عدة مرات متتالية تحاول إيجاد صوتها الذي فر خجلاً.
فاقت من دوامة خجلها عندما شعرت بحركة السيارة. نظرت حولها بدهشة، كيف صعدت إلى السيارة؟ صدقًا، هي لا تتذكر.
خالد بقلق: مالك؟
لينا بدهشة: هو أنا طلعت العربية إزاي؟
ضحك عالياً حتى أدمعت عيناه، رد من بين ضحكاته: اسألي نفسك، أنا لقيتك جريتي فجأة ودخلتي العربية ورزعتي الباب.
اتسعت عيناها بدهشة تهتف بصدمة وهي تشير إلى نفسها: أنا؟
لاعب حاجبيه بمشاكسة: بتتكسفي مني يا بيضة؟
ضيقت عينيها ترمقه بغيظ، لترتفع ضحكاته مرة أخرى تدوي في أرجاء السيارة.
بعد مدة طويلة نوعًا ما، وقف بسيارته أمام صالون تجميل رجالي (حلاق).
رأت شابًا يبدو في أواخر العشرينات يقف أمامه.
وقف خالد أمام بالسيارة هاتفا بجد: اركب يا عريس، يلا اتأخرنا.
اتجه أنور ناحية المقعد الخلفي ليجلس عليه.
نظر خالد له من مرآة السيارة الأمامية هاتفا ببرود: مبروك يا عريس.
اغتصب ابتسامة ودودة مصطنعة: الله يبارك فيك، عقبالك.
لينا بابتسامة واسعة: مبروك يا عريس.
نظر أنور إلى مصدر الصوت، لتثبت عيناه وترفض أن تنزاح من على هذه الجميلة، كأنها لوحة رسمها أشهر فنان في العالم.
لاحظ نظراته المثبتة، أحس بنظرات عينيه تلتهم ما هو ملكه، ليصرخ بغضب أفزع كل من كان في السيارة: أنوررررر! قسماً بربي لو بصيت لها بالطريقة دي تاني لخلعت لك عينيك الاتنين.
ارتجف قلب ذلك الجالس فزعاً من صراخ ذلك الغاضب.
أنور سريعا: أنا آسف يا خالد باشا. بس انت ما عرفتنيش مين دي؟
هتف بضيق من بين أسنانه: لينا جاسم، مراتي.
أنور مبتسما: تشرفنا، أنا دكتور أنور محروس.
لينا مبتسمة: الشرف ليا أنا يا دكتور أنور.
أنور بإعجاب: اسمحيلي أعبر لك عن مدى إعجابي بجمال حضرتك. لو كنتي في اليونان كانوا خلوكِ أفروديت ربة الجمال.
ضحكت لينا برقة: ميرسي على المجاملة اللطيفة دي يا دكتور أنور.
خالد غاضبا: يا مصبر الوحش على الجحش.
أنور وحياة أمي هحطك تحت عجل العربية وأرمّل اختي عادي.
أنور مبتسما باصفرار: لأ على إيه، أنا آسف. وبعدين يا خالود مراتك اختي.
رمقه بغيظ لينطلق بالسيارة وهو يكاد يتفحم من شدة غيظه، وهي بجانبه تبتسم بانتصار.
ذهب إلى صالون التجميل، أخذ أخته منطلقًا إلى قاعة الزفاف.
بعد مدة قصيرة، وصلت السيارات إلى القاعة. نزل العروسان ومن خلفهم، هو شبك يده في يدها متجهين إلى القاعة.
جلس العروسان مكانهما.
اقترب من أخته مبتسما بحنان، قبل جبينها ومن ثم ضمها لصدره بحنان.
خالد بحنان: مبروك يا سيما.
ياسمين مبتسمة: الله يبارك فيك يا حبيبي.
نظر إلى أنور شرزًا هاتفا بتحذير: عارف لو فكرت بس تزعلها هزعلك وربنا ما يوريك زعل خالد السويسي.
ابتسم أنور له باصفرار: ما تقلقش يا باشا، أختك في عينيّا.
قبل جبين أخته مرة أخرى.
جذب يد لينا متجهاً إلى طاولتهم، يحاول تهدئة نفسه قدر الإمكان قبل أن يحول زفاف أخته إلى بحر من الدماء بسبب تلك الأعين التي لا تنزاح من عليها.
لف يده حولها بتملك في رسالة واضحة أنها ملكه.
وصل إلى الطاولة فسحب لها أحد المقاعد، جلست عليه ليجلس على المقعد بجانبها.
زينب مبتسمة بإعجاب: إيه القمر ده يا أخواتي، أحلى من القمر يا لولو.
لينا بخجل: ميرسي يا ماما.
جاسم: شفتيه؟
بضيف: كان لازم تبقي حلوة أوي يعني، مش كفاية كل اللي في الفرح مش عايزين ينزلوا عنيهم من عليها؟
فريدة ضاحكة: في حد يشوف القمر وما يبصلوش؟
غمز لها بمشاكسة: طالعة لمامتها يا حماتي.
جاسم غاضبا: أنت يا بابا خليك في مراتك، مالكش دعوة بفريدة.
خالد ضاحكا: إيه يا عمي، إحنا بنغير ولا إيه؟
جاسم بحدة: آه طبعًا، واتلم وإلا والله إلغي جوازك من لينا.
اتسعت ابتسامتها: إيه دا بجد؟ كمل يا خالد، كمل.
رفع حاجبيه الأيسر بتهكم هاتفا بسخرية: بص يا عمي، بنتك أصلاً مراتي، ما نقصش غير الإشهار يعني أنا ممكن دلوقتي حالا أمسك المايك وأقف في نص القاعة وأقول يا جماعة أنا اتجوزت الدكتورة لينا من أسبوع وأخدها وأروح عادي.
شرارات منها الغاضبة ومنها الساخرة الواثقة تطايرات من أعينهم.
توجه عمر إلى طاولتهم، ولأنه لم يكن رأى زوجة أخيه من قبل، اتجه ناحيتها بابتسامة إعجاب واسعة: أنا طول عمري أعرف إن القمر مكانه في السما، لكن إنه ينزل لحد عندنا على الطربيزة دا شرف كبير أوي.
خالد غاضبا: عمر اااتلم.
عمر بضيق: في إيه يا ابيه؟ أنا بس بعبر عن إعجابي. صحيح، أومال فين مراتك؟
ابتسم بسخرية: اللي سيداتك بتعبر لها عن إعجابها.
اتسعت عيني عمر بدهشة كاد فكه أن يصل إلى الأرض، هتف دون وعي: بقي المزة دي مراتك؟ يا بختك.
جز على أسنانه بغيظ، صرخ فيه بحدة: قدامك نص ثانية لتغور من قدامي، لقوم أخليك أول ضحايا الفرح.
عمر سريعا: لأ وعلي إيه، سلام.
فر عمر سريعا من أمام أخيه قبل أن يفتك به.
على جانب آخر، ناحية باب القاعة، دخل وليد بصحبة عزة وسمية، التي تألقت بفستان أحمر اللون بحزام ذهبي وحجاب من نفس اللون، ومن بعدهم كان عصام الذي تألق بحلة رمادية.
وليد مبتسما: إيه يا عم عصام الحلاوة دي؟
عصام ضاحكًا: فرح بقي وقولت لازم آجي بالحتة اللي على الحبل.
وليد بدهشة وهو يشير إلى إحدى الطاولات: إيه دا؟ بص هناك، مش دي الدكتورة لينا؟
نظروا جميعًا حيث يشير وليد، بالفعل كانت لينا جالسة جوار خالد الذي طوق كتفيها بذراعه، تضحك بمرح.
نظر عصام إليها بألم فاض من بين نظراته. نظرت سمية ناحيته لتري ردة فعله، فأنفطر قلبها ألمًا عندما وجدت العشق يفيض من عينيه.
وليد ضاحكًا بمرح: بقولكوا إيه؟ ما تيجوا نسلم عليها، يمكن تدينا حوافز تاني. تعالوا، يلا يا بنات، يلا يا عصام.
على طاولة منفردة، أخذ خالد لينا ناحيتها لتجلس مع ساندرا ورانيا ولبنى.
وجلس هو مع صديقيه.
اتجاه وليد والبقية ناحيتهم.
وليد مبتسما: دكتورة لينا، ازيك؟
قامت لينا مبتسمة: دكتور وليد، ازيك؟ ازيكوا يا دكاترة.
عزة بإعجاب: إيه القمر دا يا دكتورة.
لينا مبتسمة بود: ميرسي يا عزة، انتي اللي قمر والله. انتوا مش ناويين تتجوزوا بقي يا وليد؟
وليد بمرح: هانت، كلها خمسين ستين سنة ونشتري شقة ونتجوز.
لينا ضاحكة: انتوا فعلاً لايقين على بعض، نفس الدماغ.
نظرت ناحية سمية الصامتة معظم الوقت، تهتف بود: إيه يا سمية، ساكتة ليه؟
سمية: ها؟ أبدا، مبروك.
لينا: لأ، مبروك دي تقوليها لياسمين العروسة.
عصام بحزن حاول إخفاءه بابتسامة مصطنعة: ازيك يا دكتورة؟ أومال فين خالد باشا؟
جاء هو في تلك اللحظة عندما وجد خصمه يقف معها، وإن كانت هي لم تلاحظ نظرات الإعجاب التي تخرج من عينيه دون حساب، فهو قد لاحظها جيدًا.
وقف بجانبها ليحيطها بذراعه.
خالد بجد: أنا هو يا دكتور عصام.
نظر إلى يده الملتفة حولها بتملك، أغاظه ليهتف بابتسامة صفراء ساخطة: مبروك يا خالد باشا.
خالد: الله يبارك فيك. غمز له بسخرية: عقبالك.
وليد: طب يلا يا عصام، نروح نسلم على العريس، عن إذنكوا.
خالد: اتفضلوا.
ذهبوا جميعًا، وعادت هي تجلس بجانب الفتيات.
لبنى: بقولك إيه يا لينا، ما تيجي معايا الحمام، عايزة أظبط الميكب بتاعي.
لينا: okay، يلا بينا، عن إذنكوا يا بنات.
توجهت بصحبة لبنى إلى مرحاض السيدات في تلك القاعة، وعيناه تراقبها بهدوء دون أن تشعر.
أمضت عدة دقائق في المرحاض لتخرج بعدها بصحبة لبنى متوجهة إلى طاولتها، أوقفها أحدهم.
الشاب: لو سمحتي.
التفتت له تهتف باستفهام: لينا: أفندم؟
الشاب مبتسما بخبث: ممكن نتعرف؟
لينا بضيق: لأ، عن إذنك.
لحقها ذلك الشاب سريعا يعترض طريقها.
الشاب: استني بس، أنا والله غرضي شريف.
لبنى بحدة: خلي غرضك دا لنفسك.
رمقه ذلك الشاب بضيق: وإنتي مالك انتي؟ أنا بتكلم معاها هي.
جذبت لينا يد لبنى تهتف بضيق: سيبك منه يا لبنى، ويلا بينا.
همت أن تبتعد ولكنه أمسك يدها يمنعها من الرحيل.
التفت له تهتف بحدة: لينا غاضبة: إنت اتجننت؟ سيب إيدي.
الشاب: اسمعيني بس الأول، أنا غر...
هل تعتقدون أنه سيتركه يكمل جملته، أو بمعنى أحرى يكمل حياته بعد فعلته تلك؟ انقض عليه بلكماته الغاضبة إلى أن سقط أرضًا، تنفجر الدماء من فمه وأنفه.
أثيرت الضوضاء في القاعة، ركض يوسف وعمر ومحمد ناحيتهم وأبعدوا ذلك الغاضب عنه قبل أن يقتله.
نظر إلى الملقي أمامه بأعين أصبحت كتل من الجحيم، صارخًا بغضب: دي بس قرصة ودن، لو شفتك تاني ولو صدفة، هدّفنك تحت رجليّ.
اتجاه ناحيتها يجذبها خلفه إلى الطاولة بعنف.
أما عمر، فساعد صديقه على النهوض.
عمر بقلق: إنت كويس يا ساهر؟
ساهر بألم: كويس إيه بس؟ ااااه، أنا مش حاسس بوشي يا عمر.
عمر بضيق: يعني يا ساهر، سايب بنات الفرح كلهم وبتعاكس مرات خالد؟
ساهر بألم: ااااه، وأنا أعرف منين إنها مراته؟ ااااه، أخوك دا إيده تقيلة أوي.
عمر: احمد ربنا إننا لحقناك قبل ما يقتلك. قوم يلا، تعال نشوف هنعمل إيه في الشلفتة اللي في خلقتك دي.
ساهر بألم: يلا يا أخويا، أنا عايز عمره بعد اللي حصل فيه.
أوصل بها إلى الطاولة، ليدفعها على أحد المقاعد بعنف.
خالد غاضبا: ممكن بقي تقعدي هنا وما تتحركيش لحد ما الفرح يخلص؟ مش عايز فضايح في فرح أختي.
تصدمت في الكرسي بحدة من دفعته، هبت واقفة تصرخ فيه بغضب: وأنا بقي عملت لك فضايح؟
خالد غاضبا: وطي صوتك وإنتي بتتكلمي معايا، وعدّي الليلة دي على خير أحسن لك، اقعدي.
كادت أن تعترض مرة أخرى عندما جذبتها ساندرا.
ساندرا: خلاص يا لينا، اقعدي بقي.
جلست على مضض ترمقه بغيظ.
بعد قليل، أعلن منظم الحفل عن رقصة العروسين الأولى. قام أنور اصطحب ياسمين إلى منتصف ساحة الرقص.
اصطحب يوسف ساندرا للرقص، وكذلك فعل محمد ورانيا، ووليد وعزة.
على الطاولة، اقترب منهم مبتسما بمرح.
علي: ازيك يا لينا.
لينا مبتسمة: علي، ازيك؟
علي بمرح: زي الفل. بصي يا ستي، انتي طبعًا عارفة إني لو رقصت معاكي جوزك هيسمح بيا سيراميك القاعة.
التفت إلى لبنى هاتفا برجاء: ما تيجي ترقصي معايا وتكسبي فيا ثواب.
نظرت لبنى له شرزًا، فتحت فمها لترد، ليكمل هو سريعا: موافقة، صح؟ أنا قولت كدة بردوا.
جذب يد لبنى التي تنظر له بدهشة من أفعاله الطائشة التي لا تليق مع رجل في عمره، متجها بها إلى ساحة الرقص.
كالعادة، يراقبها من بعيد بصمت. ربما ذلك هو الخطأ الذي ارتكبه، ربما كان يجب أن يتحلى ببعض الشجاعة ويذهب ليخبرها أنه وقع صريع حبها منذ أن رآها.
وجدها تجلس وحيدة على الطاولة تنظر إلى الجمع على ساحة الرقص بابتسامة صغيرة.
فقرر خوض تلك المغامرة، سيذهب إليها ويدعوها للرقص.
ما كاد يخطو خطوة واحدة حتى وجد خالد يقترب منها.
جز على أسنانه بغيظ. سمع صوتها يتحدث من جانبه برفق:
سمية: ما تعذبش نفسك يا عصام، كل حاجة في الدنيا دي نصيب.
التف إليها متنهدًا بألم: عندك حق. أنا بس محتاج وقت عشان أقدر أنساها. شكرًا يا سمية إنك بتسمعيني.
ابتسمت له بمرح مصطنع: طب بدل ما أنا واقفة كدة وكلهم بيرقصوا، ممكن ترقص معايا؟
عصام مبتسما: يا خبر! وأنا أطول إن القمر دا يرقص معايا؟ يلا بينا.
أمسك بيدها، فكاد قلبها من سرعة دقاته القافزة من السعادة. اتجهت معه إلى ساحة الرقص.
كانت تجلس تراقبهم وهم يرقصون. سعدت كثيرا عندما وجدت عصام يرقص مع سمية.
إلى أن جاء هو، وقف أمامها وحجب الرؤية.
زمت شفتيها بضيق: نعم؟ عايز إيه؟
خالد: تسمحيلي بالرقصة دي.
لينا: لأ، اتفضل بقي.
خالد بخبث: أنا كنت عارف بردوا إنك هترفض. هتقومي بالذوق ولا أشيلك؟
قامت معه على مضض متجهين إلى ساحة الرقص.
لينا بضيق: أوووف، لو سمحت ابعد شوية.
خالد مبتسما بخبث: تؤ، أنا مبسوط كدة.
لينا بضيق: خالد، بطل رخامة وابعد شوية.
نظر لها ببراءة ذئب: اعتذري حالا.
ابتسمت له بسخرية: في المشمش.
خالد: ذنبك على جنبك.
لم تفهم ما تعني إلا عندما شعرت أنها أصبحت مرتفعة عن الأرض. ذلك المجنون حملها يلتف بها حول نفسه وسط تصفيق الشباب العالي.
أنزلها بهدوء لتدفعه في صدره بحدة متجهة إلى طاولتها بخطى سريعة.
تبعته ساندرا وبقية الفتيات.
غمزت لها ساندرا بخبث: أيوه يا عملينا.
بحدة: أيوه إيه؟
ساندرا بسخرية: لا يا شيخة، يا بخت من كان جوزها بيشيلها ويلف بيها، مش شحبير اللي معانا.
مزحة ساندرا، وإن كانت سخيفة، استطاعت إخراجها من غضبها لتقهقه عاليا بسعادة، لتسمعه يهتف بحدة: وطي صوتك.
بينما نظر يوسف لساندرا بتوعد: أما أوريكِ شحبير لما نروح يا جزمة.
ساندرا مبتسمة ببلاهة: إيه دا؟ انتوا هنا من إمتي؟
يوسف: من ساعة، يا بخت اللي جوزها بيشيلها ويلف بيها.
ساندرا: دا انتوا هنا من بدري بقي.
في مكان آخر في القاعة، يجلس محمود وجاسم واللواء رفعت.
رن هاتف جاسم برقم طبيبه الذي أجرى له الفحص بالأمس.
استأذن جاسم منهم وقام ليرد على الهاتف، فأخبره الطبيب أنه يريده في عيادته على الفور.
أنهى اتصاله مع الطبيب ليتصل به وأخبره أن يقابله خارج القاعة، فذهب إليه.
خالد: خير يا جاسم، في إيه؟
جاسم بضيق: بص يا ابني، أنا عندي مشوار مهم ولازم أمشي دلوقتي.
خالد بشك: مشوار إيه؟
زفر جاسم بضيق ليخبره ما حدث كاملاً.
خالد: طب أنا جاي معاك.
جاسم بضيق: لأ طبعًا، أنا بقولك عشان تخلي بالك من لينا ولبنى وفريدة لحد ما يوصلوا البيت. العربية برة، أنا هروح بتاكسي عشان مش قادر أسوق.
خالد: من الناحية دي ما تقلقش، بس أنت لازم تقولي الدكتور هيقولك إيه.
جاسم: طيب ماشي، بس أهم حاجة ما تقولش للينا.
خالد: أكيد طبعًا مش هقولها.
رحل جاسم، وعاد خالد إلى القاعة. جلس بجوارها دقائق وجاء عمال المطعم يضعون الطعام أمامهم.
خالد: ما تاكلي.
لينا بضيق: مش جعانة، هو فين بابا؟ مش كان مع عمي محمود؟
خالد: أبوكي واحد من العملاء اتصل بيه وعايزه في قضية مهمة.
نظرت له بعدم اقتناع: دلوقتي؟
خالد بجد: آه دلوقتي، إيه المشكلة يعني؟
هتفت بضيق: ما فيش، واسكت بقي عشان أنا أصلاً مش طايقاك.
خالد ضاحكا: ومش طايقاني ليه بقي يا ست لوليتا؟
لينا بغيظ: يا سلام، بعد اللي عملته على الـ stage وجاي تقولي قلدته بسخرية... مش طايقاني ليه بقي يا ست لوليتا؟
خالد ببراءة: مش أنا قولتلك اعتذري وإنتي اللي مرضتيش؟ ذنبك على جنبك.
ضيقت عينيها ترمقه بغيظ: على فكرة يا خالد، إنت رخـــــم.
في تلك الأثناء، على طاولة قريبة منهم، تجلس فتاتان ينظران له بهيام.
إحداهما: هييييح! دا إيه يا أختي المز دا؟ شوفتيه يا بت لما شالها ولف بيها؟ هو مين دا صحيح؟
الفتاة الأخرى: دا خالد أخو ياسمين الكبير، واللي شالها دي مراته. شكلها بنت تنحة أصلاً. بصي بقي أنا هعمل إيه.
قامت تلك الفتاة متجهة ناحية طاولتهم.
الفتاة مبتسمة: احم، مش إنت خالد؟
نظر لها باستفهام: أيوه، بس مين حضرتك؟
الفتاة مبتسمة بدلال: أنا سهي، صاحبة ياسمين.
خالد مبتسما بأدب: ازيك يا آنسة سهي؟
سهي بدلال: كويسة. ممكن أتصور معاك؟ إحنا في فرح وكدا، وإنت عارف صور الأفراح بتبقى ذكرى جميلة.
حمحم بارتباك: احم، آه طبعًا، اتفضلي.
قام معها من على الطاولة تاركًا خلفه بركان من الحمم المشتعلة على وشك الانفجار.
أخرجت تلك الفتاة هاتفها من حقيبة يدها، وضعت يدها على كتف خالد لتتصور معه بالكاميرا الأمامية (سيلفي).
يكفي عن ذلك الحد، اندفعت سريعا من مكانها ترتطم بتلك الفتاة عن غير قصد!!!
فوقع الهاتف من يد الفتاة أرضًا فانكسر.
لينا ببراءة مصطنعة: أوووه، سوري. ما خدتش بالي خالص. على العموم، أنا مستعدة أدفع لك تمنه.
سهي بضيق: لأ، عادي، هوديه يتصلح.
نظرت إلى يدها التي مازالت مستقرة على كتفه لتهتف بغيظ: وإيدك بقي هتوديها هتتصلح؟
سهي باستنكار: نعم؟ قصدك إيه؟
لينا بغيظ: قصدي إني هكسر لك إيدك لو ما شيلتهاش من على كتف جوزي.
أبعدت تلك الفتاة يدها سريعا عن كتف خالد سريعا بخوف.
فأمسكت لينا يده تجذبه خلفها بقوة إلى أن وصلا إلى الطاولة.
جلسا على الطاولة، لينا تشتاط غضبًا وخالد لا يستطيع كبح تلك الابتسامة الواسعة التي تتراقص فرحًا على شفتيه.
يتبع...
رواية أسير عينيها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دينا جمال
اشتقت لكي يا صغيرتي.
حرك أصابعه على وجهها يتحسس وجنتها ببطء صعودًا وهبوطًا.
تنهد، ينفس أنفاسه الحارة في وجهها.
يهمس بخبث: لوي، صغيرتي، اشتقت لكي. ابتسامتكِ، عينيكِ، ضحكاتكِ، شهد شفتيكِ.
ذلك الأحمق لا يعلم أني سرقت قبلتكِ الأولى.
التفت خلفه إلى ذلك الجهاز، يبتسم بخبث حينما لاحظ زيادة معدل دقات قلبها بسرعة كبيرة.
نظر إليها يضحك.
تلك الضحكات الشيطانية التي طالما أرعبتها.
يهمس بخبث: أووه، صغيرتي، يبدو أنكِ خائفة. سأخبركِ سرًا صغيرًا. أنا السبب في كل ما يحدث لكِ. أنا من خططت لكل ذلك.
تعلمين لماذا؟ لا تكذبي، صغيرتي. بالتأكيد تذكرين.
همس بجانب أذنها بهسيس مستعر: لقد عشقتكِ، تعلمين كم أحببتكِ. أنا فقط أردت امتلاككِ حتى لا تبتعدي عني. ولكني رفضتي. تذكرين، صغيرتي؟ لقد أطلقتي علي النار.
ضحك ساخرًا وهو يقبض على فكها في قبضة.
من يصدق أن ذلك الوجه البريء يمكنه إطلاق النار ببراعة.
ضغط بأصابعه يهتف بحدة: أنتِ السبب. ركضتي تبكين لأبي.
ليهتف بلهجة عامية صحيحة يقلدها بسخرية: الحقني يا عمي، أياد كان عايز يغتصبني.
جز على أسنانه بعنف: فاكرة. روحتِ اعتذرتِ لي. أنا آسف يا لوي، ما كنتش في وعيي.
بالطبع تتذكرين ما قلتِ.
حسنًا، حسنًا، سأسمعه لكِ.
أخرج هاتفه، يشغل ذلك التسجيل.
لينا صارخة: أنت حيوان وأنا عمري ما هسامحك. أنا مش نادمة على اللي عملته فيك. لولا إني خايفة على مستقبلي كنت قتلتك. أنا بكرهك يا أياد. أنا عمري أصلًا ما حبيتك. أنا بحب خالد وهفضل لآخر نفس فيا أحبه. أنت ولا حاجة في حياتي.
أغلق التسجيل، ينظر إليها يضحك بشر.
أتعلمين ما فعل والدي بعد ذلك؟ لقد حرمني من منصبي وجردني من كل صلاحياتي. أخذ مني الشركات وتوكيل الإدارة والسيارة وسحب نقودي. أخذ كل شيء لأجل الصغيرة المدللة. عشت لسنوات مجرد عامل حقير أتقاضى بعض الدولارات، وكله بسببكِ أنتِ. لذلك أقسمت على تدميركِ.
تركها يجلس على الكرسي، يعقد جبينه وكأنه يفكر.
يهتف بتهكم: لذلك فكرت جيدًا كيف أدمركِ. لو أخذت أملاككِ، سيعوضكِ عنها ذلك الأحمق زوجك. فبحثت عنه وجمعت كل المعلومات عنه.
ضحك ساخرًا: أعترف أنه يعشقكِ. لذلك فكرت في تدمير عشقكما الكبير. وبعد بحث طويل، عثرت عليها مايا، عاهرتي المميزة. جمعت كل شيء عنها، أوقعتها في شباكي. أصبحت كالخاتم في إصبعي. دفعت الكثير لوالدتها لتوافق على سفرها، بعدما أخبرتها بما ستفعله. هي فقط ستكون المسمار الأول الذي سيدق في نعش حبكما.
اقترب منها، يتسطح بجوارها.
يهمس بخبث: تعلمين، صغيرتي، كان بإمكاني قتل ذلك الرجل. فقط رصاصة واحدة، وأتخلص منه. ولكني أريده هو أن يقتل عشقكِ له. وأنا سأساعده.
دفن وجهه بجانبها على الوسادة، يشتم رائحتها باستمتاع.
يهمس بحرارة: اااه، لو تعلمين كم اشتقت لكي. لو تعلمين كم أنا سعيد بتلك الحالة التي أصبحتي عليها. ولكنها لا تشبع انتقامي. أريدكِ مدمرة، بائسة، حزينة، حطام. سأعمل على تجميعها بطريقتي. سآتي لكِ قريبًا، صغيرتي. انتظريني. أياد عاد.
دخلت إحدى الممرضات تهتف بلهفة: سيد أياد، عليك الرحيل الآن.
قام بخفة من جوارها متجها ناحية تلك الممرضة.
وضع يده في جيبه، يخرج بعض الأموال ومعهم كارتُه الشخصي.
غمز لها بخبث: سأنتظركِ مساءً.
ابتسمت بإغواء، تهز رأسها إيجابًا.
ليخرج من الغرفة بخطى بطيئة منتظمة، جانب فمه منثني بابتسامة واثقة خبيثة.
اصطدم بكتفه ذلك الرجل الذي يمشي مسرعًا ليعتذر بسرعة.
خالد: عذرًا.
هتف أياد بخبث: لا عليك.
لم ينتبه له خالد، ولم ينظر حتى إليه، بل اتجه مسرعًا إلى غرفتها.
لاحظ أن بعض الأطباء والممرضات يركضون في نفس الاتجاه الذي يمشي فيه.
لينقبض قلبه بخوف.
ركض سريعًا معهم إلى أن وصل إلى غرفتها.
منعه الأطباء من الدخول.
وقف أمام ذلك الحائط الزجاجي سريعًا، ليخر قلبه صريعًا حينما سمع تلك الصافرة المشؤومة الصادرة من جهاز ضربات القلب الذي أصبحت نبضاته خطًا مستقيمًا.
يخبره وبكل قسوة أن معشوقته قد فارقت الحياة.
شلت الصدمة حركته.
أراد التحرك، الصراخ، التكلم، حتى، ولكن دون فائدة.
أصبح جسده كتلة صلبة من الجليد.
فقط يرى الأطباء وهم يسرعون هنا وهناك يحاولون تنشيط قلبها مرة أخرى.
صدقًا، كان قلبه هو الذي توقف عن العمل.
انحبست أنفاسه داخل صدره.
هو ما صدر منه هو دموع غريزية كالشلالات تنهمر بغزارة على وجهه.
عادت من جديد، بدأ جهاز ضربات القلب يصدر نبضًا ضعيفًا شيئًا فشئ إلى أن انتظمت دقات قلبها.
لتتسع ابتسامته، يضحك ويبكي.
عادت من جديد لينبض قلبه من جديد.
خرج الطبيب من الغرفة ينظر لحالته بأسى.
وقف بجانبه يربت على كتفه: لا تقلق، هي الآن بخير.
همس بصوت متحشرج باكي: كيف حدث هذا؟
الطبيب: لا أعلم. ليس من الطبيعي أن يحدث هذا. لقد تسارعت دقات قلبها بدرجة عنيفة مما تسبب توقف نبضاته. ولكن لا أعلم ماذا حدث لها حتى تتسارع دقات قلبها بتلك الحالة. ولكنها الآن بخير.
التفت له يهتف برجاء وهو يبكي: أرجوك، أريد أن أدخل إليها.
هز الطبيب رأسه نفيًا بأسى: آسف، لا يمكنك.
تركه الطبيب ورحل.
ليهوي هو جالسًا على أحد المقاعد، يخفي وجهه بين كفيه، يجهش في بكاء مرير.
حينما وجد أحدهم يربت على كتفه.
صوت حازم يحدثه: اجمد يا صاحبي.
انتحب باكياً: لينا بتموت يا محمد. خلاص هتسبني. أنا ما أقدرش أعيش من غيرها.
عانقه صديقه ليبكي كالطفل الصغير بين ذراعي والده، يبكي ويردد: لينا بتموت يا محمد.
بعد نصف ساعة من البكاء بدأ يهدأ قليلًا.
مسح وجهه بكفيه، ينظر لصديقه يهتف باستفهام: أنت جيت إزاي وعرفت منين إن أنا هنا؟
محمد: جيت أكيد بالطيارة. وعرفت إنك هنا من علي. أنت ليه قلت له ما يقولش لحد على مكانك؟ جاسم قالب الدنيا على لينا.
هتف بشرود: مش شغلي. مش لازم حد يعرف إحنا فين. مفهوم يا محمد؟
هز الأخير رأسه إيجابًا بتفهم: مفهوم يا صاحبي.
خالد: صحيح.. أنا ما أعرفش لوليتا فين ولا عاملة إيه. دور على بنتي يا صاحبي وخليها عندك لحد ما أرجع.
محمد: حاضر. ما تقلقش عليها.
يوم واثنان وثلاثة وهي غائبة. حالتها لا تتحسن. أصر الأطباء إبقائها تحت تأثير المخدر لتدهور حالتها الصحية بشكل كبير.
في أسيوط، في بيت راشد.
ذهب محمد ليأخذ الصغيرة.
محمد: السلام عليكم.
هب جاسم سريعًا متجهًا إليه: بنتي فين يا محمد؟ صاحبك وداها فين؟
محمد: ما تقلقش يا أستاذ جاسم. لينا مع خالد.
جاسم بلهفة: طب هي فين؟ قولي يا ابني، أبوس إيدك.
محمد: ما أقدرش أقول لحضرتك. أنا جاي هنا لمهمة محددة. أنا عايز لوليتا بنت أخويا.
كانت فريدة تقف تستمع لهم وهي تحمل الصغيرة.
وما إن نطق محمد الجملة الأخيرة حتى احتضنت الصغيرة بشدة تبكي بجزع.
هتف جاسم بحدة: انسى إنك تاخدها. عايز تاخدها عشان تخفيها زي ما أخوك اختفى ببنتي وما أعرفش عنها حاجة.
محمد: أرجوك يا عمي، هات البنت.
فريدة باكية: حرام عليك. دي الحاجة الوحيدة اللي بقت لي من ريحة بنتي، اللي ما أعرفش هي عايشة ولا لأ.
جاء رشيد في تلك اللحظة يهتف بجد: بص يا محمد باشا، لينا مش هتخرج من هنا. وافهم صاحبك ده كويس. مش إحنا اللي نرمي لحمنا.
محمد: صدقوني، البنت هتبقى في أمان معايا.
رشيد: وهتبقى في أمان أكتر معانا.
في تلك اللحظة نزلت شروق زوجة رشيد من أعلى غاضبة.
أخذت الصغيرة من بين ذراعي فريدة تحتضنها بخوف.
نظرت ناحية محمد بغضب تهتف بحدة: أوعاك تفكر تاخد بتي مني.
أخذت الصغيرة وصعدت لأعلى سريعًا.
خرج محمد من المنزل واتصل بخالد وأخبره ما حصل.
خالد: خلاص خليها معاهم. فريدة وشروق هياخدوا بالهم منها كويس.
في المستشفى.
أغلق خالد الخط من محمد ليتجه إلى غرفة الطبيب المسؤول عن حالة لينا.
دق الباب ودخله.
هتف الطبيب بابتسامة هادئة: تفضل سيد خالد، استرح.
هتف بانفعال: لم آتِ لأسترح. أرجوك، أريد رؤيتها فقط خمس دقائق. سأعطيك مقابلهم مليون دولار.
ابتسم الطبيب بهدوء: حسنًا، فقط خمس دقائق ولا أريد منك نقودًا. هيا تعال معي.
اتسعت ابتسامته، يشكره بحرارة: أشكرك.. أشكرك بشدة.
ذهب خلف الطبيب إلى أن وصلا إلى غرفة لينا.
الطبيب: خمس دقائق فقط.
هز رأسه إيجابًا سريعًا.
كاد أن يتحرك حينما شعر بأصابعه تقبض على كف يده بضعف.
شخصت أعين الطبيب بذهول حينما فتحت عينيها بدرجة بسيطة تهمس بوهن: ما تسبنيش.
عاد مكانه يقبل جبينها ويديها يهتف بلوعة: مش هسيبك يا حبيبتي، ما تخافيش.
هتف الطبيب بذهول: مستحيل.. مستحيل.. كيف.. مستحيل.
قطب خالد جبينه باستفهام يسأله: ماذا تقصد؟
هتف الطبيب بتعجب: كيف فتحت عينيها؟ كيف تحدثت؟ هي تحت تأثير مخدر قوي جدًا. مستحيل. ماذا قالت؟ لم أفهم لغتها.
ابتسم بحزن: لا تتركني.
يضحك الطبيب بهدوء: يبدو أنك كنت العلاج من البداية. انظر.
أشار له ناحية جهاز دقات القلب.
يهتف بتعجب: نحاول منذ أيام تنظيم دقات قلبها. أما بطيئة جدًا أو سريعة جدًا. ولكنك منذ أن بدأت بالحديث معها ودقات قلبها تسير بشكل منتظم. كنت مخطئًا حينما أبعدتك عنها. يبدو أنك كنت الدواء من البداية.
التفت لها يبتسم بحنان.
وقد كان أسبوع كامل لم يتحرك من جانبها يتحدث فقط. والطبيب مصاب بالذهول، فجسدها يستقبل الدواء بسرعة كبيرة كأنها تتعافى فقط من كلماته.
في ذلك اليوم عاد إليها بعدما ذهب للفندق ليبدل ملابسه.
فتح الباب فلم يجدها على الفراش.
شخصت عينيه بذعر.
كاد أن يخرج حينما ربت أحدهم على كتفه فوجده الطبيب.
خالد بلهفة: أين زوجتي؟
ابتسم الطبيب بهدوء: لقد تم نقلها من العناية المركزة إلى إحدى الغرف العادية. لقد تحسنت صحتها بشكل كبير في هذا الأسبوع ويمكنها أن تخرج من المستشفى متى شئت.
احتضن خالد الطبيب، يصرخ بسعادة: لينا بخير.. زوجتي عادت لي أخيرًا. أشكرك، أشكرك.
الطبيب ضاحكًا: يا رجل، لقد أصابك العشق بالجنون. ليبارك الرب لكما ذلك الحب الكبير.
تقدم محمد ناحيتهم سريعًا، فأسرع خالد ناحيته يصرخ بسعادة: لينا خفت يا محمد، لينا خفت.
ضحك محمد بمرح: خلاص يا ابني، فضحتنا. حمد الله على سلامتها يا صاحبي.
ابتسم بسعادة: الله يسلمك. أنا بجد مش عارف أشكرك إزاي على وقفتك جنبى.
هتف محمد بحزن: ما تقولش كده. يا ريتني في إيدي حاجة كنت عملتها. وبعدين إنت ليك دين قديم في رقبتي.
هتف بملل: يا ابني، انسى بقى. المهم احجز لي أول طيارة راجع مصر، إن شاء الله تكون خاصة.
حرك محمد رأسه إيجابًا سريعًا ليتركه ويرحل.
الطبيب: هل تريد مني أن أزيل مفعول الأدوية حتى تستفيق؟
خالد مبتسمًا: لا.. أريدها أن تستفيق في منزلنا على فراشها.
لا يصدق أنه جالس الآن في منزله بعد كل تلك المدة وهي نائمة أمامه.
أمسك بيدها يقبلها بشوق: فوقي بقى يا حبيبتي، وحشتيني أوي أوي.
ويبدوا أن شوقها له لم يقل عن شوقه لها.
بدأت تتململ في نومتها.. تفتح عينيها بصعوبة وهي تهمس باسمه: خالد، خالد.
هتف سريعًا بلهفة: أنا أهو يا حبيبتي، أنا جنبك.
فتحت عينيها بضعف تنظر له بابتسامة شاحبة: وحشتني. حاسة إني بقالي كتير ما شفتكش.
ابتسم بعذوبة: يعني أنا المفروض أعمل إيه بعد الكلام الحلو ده؟
تأوهت بألم تشعر بأن هناك سكاكين تخترق معدتها: اااه، هو إيه اللي حصل؟
خالد: كالعادة يا ستي، جسمك ضعيف جدًا واغمي عليكي. لـ.. ليكمل بمرح: أنتِ عارفة، أنا هحشيكي أكل بس اصبري عليا.
ضحكت بوهن.
لتعقد جبينها باستفهام كيف لم تنتبه لذلك المكان الذي تمكث فيه.
هتفت بذهول: إحنا في الفيلا؟ طب إزاي؟ وليه؟
طرق رأسه بخزي، ظل صامتًا، صدقًا لا يجد ما يقوله لها.
حاولت القيام لتتأوه بألم.
انتفض سريعًا يريح جسدها على الفراش مرة أخرى يهتف بلهفة: خليكي مرتاحة، أنتِ لسه تعبانة.
قبضت على يده تنظر لعينيه.
نظر لزرقتها بحزن.
رأى رجاءها الصامت ترجوه أن ينفي ما تفكر فيه.
هتفت بألم: إحنا رجعنا إزاي يا خالد؟
أغمض عينيه لتنساب دمعة هاربة من عينيه يهمس بأسف: غصب عني.. كنتِ هتضيعي مني. غصب عني والله.
شهقت بفزع، عينيها اتسعتين بصدمة، صدرها يعلو ويهبط من ذلك الخنجر الذي اقتحم قلبها يمزقه بلا رحمة: اتجوزتها؟
هتف بانفعال وهو يبكي: غصب عني، كنتِ هتضيعي مني. كنت محتاج فلوسي عشانك. أنتِ بقالك شهر في غيبوبة ولولا إني رجعت فلوسي وعرفت أنقلك مستشفى في لندن كان زمانك ضعتِ مني.
شخصت عينيها بفزع: إحنا كنا في لندن.. إذن ما شعرت به ليس وهمًا. لمسته، رائحة عطره، صوته، أنفاسه الملتهبة. صحيح، لا تذكر ما قاله، لكنها شعرت به وكيف تنساه.
هزت رأسها نفيًا تسأله بفزع: ولوليتا فين؟
خالد: ما تقلقيش، شروق كانت واخدة بالها منها كويس. وبعدين جاسم خدها ورجع القاهرة، وأكيد مامتك واخدة بالها منه.
بكت بألم: هات لي بنتي يا خالد.. أنا عايزة بنتي.
وضع رأسها يربت على شعرها برفق: حاضر يا حبيبتي، بس عشان خاطري كفاية عياط. أنتِ لسه تعبانة والدكتور قال الانفعال والزعل غلط عليكي جدًا.
همست بانكسار: هي..
خالد: مين؟
لينا: مراتك.
خالد: آه، قدامي أهي.
لينا: أنا مش قصدي..
وضع إصبعه على شفتيها، يبتسم بحنان: هشششش.. أنتِ بس اللي مراتي. هي مجرد ورقة.. رجعت بيها فلوسي، ماشي يا حبيبتي. على العموم يا ستي، هي مش هنا.
لينا: أومال فين؟
خالد: متلقحة عند أبوها. ده داهية تاخدها هي وأبوها. أنا هروح أجيب لوليتا، مش هتأخر.
ابتسمت بحزن: بسرعة يا خالد، أحسن دي وحشتني أوي.
خالد مبتسمًا: حاضر يا حبيبتي، مسافة السكة.
رحل لتختفي ابتسامتها. قطبت جبينها بقلق. ينهش الخوف قلبها. تزوج.. ستشاركها أخرى فيه؟ تري هل سيحبها؟ لا لا، هو يحبني أنا فقط. هل سيجعلها تنام على صدره؟ لا، هذا مهدي أنا. أقسم بربي أقتلها إن حاولت أن تسرقه مني، فهو حبيبي أنا فقط.. حبي أنا فقط هو الذي يسري داخل عروقه، كما يتغلغل حبه في كياني.
تنهدت بقلق، قامت ببطء تشعر بألم حاد في معدتها لا تعرف سببه.
ذهبت ناحية دولاب ملابسها وأخذت بعض الملابس ثم ذهبت ناحية المرحاض، اغتسلت وبدلت ملابسها وخرجت تستند على الحائط وقطع الأثاث من الألم.
فوجدت رحمة في الغرفة، فذهبت الأخيرة إليها مسرعة تهتف بلهفة: إيه يا حبيبتي اللي قومك من السرير؟
همست بألم: كنت باخد دش يا دادة، مش عارفة بطني وجعاني ليه كده.
ابتسمت رحمة بتوتر: أكيد من قلة الأكل. بقالك مدة طويلة ما أكلتيش ولا لقمة. يلا تعالي كلي بدل ما خالد باشا يجي يزعق لك.
ضحكت بوهن: لا خلاص خلاص، هاكل.
ساعدتها رحمة على الجلوس على الفراش.
لينا: كلي معايا يا دادة، مش بحب آكل لوحدي.
رحمة مبتسمة: حاضر يا حبيبتي.
مر بعض الوقت قبل أن يسمعوا ضجة في الخارج من ناحية الحديقة.
لينا: فيه إيه؟ إيه اللي بيحصل يا دادة؟
رحمة: مش عارفة والله يا بنتي.
لينا: معلش يا دادة، ناوليني اللاسلكي اللي خالد بيكلم منه الحرس.
أحضرته رحمة للينا وأعطته لها.
لينا: احم، حد سامعني؟
يرد أحد الحراس: أيوه يا هانم.
لينا: إيه اللي بيحصل عندكم؟ إيه الدوشة دي؟
الحارس: في واحدة مصممة تدخل.
لينا: مين دي؟
الحارس: واحدة بتقول إنها مرات الباشا.
لينا غاضبة: ودي إيه اللي جابها هنا؟ قولها الباشا مش موجود.
الحارس: قولتلها يا هانم، بردوا مصممة تدخل.
لينا بغيظ: طب دخّليها.
الحارس: حاضر يا هانم. افتح يا ابني البوابة.
لينا: ساعديني يا دادة أنزل تحت.
وصل خالد إلى فيلا جاسم فالمسافة بينهما ليست بعيدة.
دخل إلى الفيلا ليجد فريدة تجلس في الحديقة تحمل الصغيرة على قدميها تطعمها برفق.
ضحكت الصغيرة بسعادة ما إن رأت والدها، تشب بيديها ناحيته ليسرع يلتقطها يقبل يديها وجهها بحنان: وحشتيني يا حبيبة بابا.
فريدة بلهفة: لينا فين يا خالد؟
ابتسم برفق: ما تقلقيش يا حماتي، لينا كويسة.
فريدة: طب أنا عايزة..
خالد: معلش، استني كام يوم لحد ما صحتها تتحسن. هي ما تعرفش إنها كانت حامل وسقطت. معلش، سيبيها كام يوم تتحسن وأنا بنفسي هاجي آخدك ليها.
هزت رأسها إيجابًا بابتسامة قلقة: طب يا ابني، خلي بالك منها وابقي خليها تكلمني.
هز رأسه إيجابًا بابتسامة صغيرة: حاضر.
وجه كلامه لابنته: يلا يا ست لوليتا، أحسن وحشتي ماما خالص. سلام يا حماتي.
فريدة: مع السلامة يا ابني. سلام يا لوليتا.
أخذها متجها إلى السيارة، وضعها على قدميه يلف حزام الأمان حولهما لتصرخ الصغيرة بحماس: فووووف.
ضحك بسعادة: حاضر يا ستي، هنسوق فوووف.
شغل محرك السيارة منطلقًا إلى منزله.
ساعدت رحمة لينا إلى أن نزلت إلى أسفل.
فوجدت تلك العقربة تجلس على أحد الكراسي تضع قدم فوق الأخرى بجانبها حقيبة سفر كبيرة.
لينا بحدة: إيه اللي جابك هنا؟
ابتسمت مايا باصفرار: ده بيت جوزي، يعني حقي أقعُد فيه زيك بالظبط. يا خالد يا خالودي، إنت فين يا بيبي؟
قطبت جبينها تصرخ بغضب: امشي اطلعي برة.. بدل ما أجيب الحرس يجرجروكي برة البيت. برة.
ضحكت مايا بسخرية: في المشمش. ده بيتي زي ما هو بيتك، وقريب هيبقى بيتي أنا لوحدي وإنتي هتبقي برة.
إيه اللي بيحصل؟
هنا تدخل خالد وهو يحمل صغيرته.
رمق مايا بنظرات نارية عندما رآها، ثم تركها وذهب ناحية لينا يهتف بحنان: إيه يا حبيبتي اللي نزلك من على السرير؟ أنتِ لسه تعبانة.
لينا باكية: خالد، مشيها برة.
خالد مبتسمًا: حاضر يا حبيبتي. اطلعي أنتِ بس ارتاحي. اتفضلي يا ستي، جبت لك لوليتا.
أخذت منه الصغيرة تحتضنها بشوق: وحشتيني أوي أوي يا حبيبتي.
خالد: امسكيها كويس.
حملت لينا الصغيرة بعناية لتجد نفسها مرفوعة بين ذراعي خالد هي والصغيرة.
لاعب حاجبيه بمشاكسة: يلا يا حلوين عشان تناموا.
حملهما متجهًا بهما إلى الغرفة، يضعهما على الفراش برفق.
قبل جبينها: هخلص منها وراجع لك.
خرج من الغرفة لتختفي ابتسامته وتحل محلها شرارات الجحيم تستعر في عينيه.
نزل إلى أسفل، وما إن رأى مايا حتى ذهب وقبض على خصلات شعرها بعنف يصرخ بحدة: أنتِ إيه اللي جابك هنا يا روح أمك؟
مايا بألم: اااه، شعري يا خالد، سيب شعري.
دفعها بعيدًا يزمجر بغضب: امشي اطلعي برة.
رن هاتفه برقم رفعت.
زفر بغضب وأمسك الهاتف وفتح الخط.
رفعت: مايا وصلت.
خالد غاضبًا: يعني أنت اللي بعتها؟
رفعت: طبعًا. أنت مش وصلت بالسلامة من لندن؟ ودي مراتك يعني مكانها جنبك.
خالد غاضبًا: وأنا مش عايزها.
رفعت: بينا اتفاق يا خالد. وإلا اتصال صغير لحبيبة القلب وتعرف إيه اللي حصل في الشهر اللي فات والعملية اللي اتعملت وهي مش دريانة.
خالد غاضبًا: قسما بربي يا رفعت، لهدفعك التمن غالي.
رفعت: تؤتؤتؤ، اهدي كده يا أبو الخلد وعامل مايا كويس. لو مش عايز حبيبة القلب تضيع منك.
أغلق الخط بغضب.
التفت إلى تلك الفتاة يرمقها بغضب واشمئزاز ليجدها تتجه ناحيته.
لفت ذراعيها حول عنقه بدلال: خالد، أنا بحبك.
كاد أن يخلع يديها حينما سمع تلك الشهقة الفزعة تأتي من خلفه مباشرة.