تحميل رواية «بنات المنشاوي» PDF
بقلم خلود وائل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحدى قرى الصعيد بمحافظة سوهاج، وبالتحديد في أحدى قصور أغنياء القرية، وفي إحدى الغرف الفارهة، يجلس على كرسيه بهيبة وشموخ، يرتدي عمامة ناصعة البياض وعباءته الغالية المصنوعة من أجود الأقمشة، ويرفع عكازه المهيب ويخفضه بسرعة في الأرض قائلاً بعصبية: "وأنا قولت لأ يعني لأ، في إيه في كلامي مفهمهوش يا ولية!" صفية بخوف: "يا حسان أنا مقصدش، بس براحة على البنات أكده، مهيوافقوش." حسان: "واه من ميتى وإحنا بناخد رأي النسوان يا ولية، اتجنيتي اياك ولا إيه." صفية: "أحب على إيدك يا حسان، بلاش دول أمانة في رقبتن...
رواية بنات المنشاوي الفصل الأول 1 - بقلم خلود وائل
في أحدى قرى الصعيد بمحافظة سوهاج، وبالتحديد في أحدى قصور أغنياء القرية، وفي إحدى الغرف الفارهة، يجلس على كرسيه بهيبة وشموخ، يرتدي عمامة ناصعة البياض وعباءته الغالية المصنوعة من أجود الأقمشة، ويرفع عكازه المهيب ويخفضه بسرعة في الأرض قائلاً بعصبية:
"وأنا قولت لأ يعني لأ، في إيه في كلامي مفهمهوش يا ولية!"
صفية بخوف:
"يا حسان أنا مقصدش، بس براحة على البنات أكده، مهيوافقوش."
حسان:
"واه من ميتى وإحنا بناخد رأي النسوان يا ولية، اتجنيتي اياك ولا إيه."
صفية:
"أحب على إيدك يا حسان، بلاش دول أمانة في رقبتنا من يوم ما أخوك ومرته ماتوا وسابوهم قطط مغمضة."
حسان:
"وأنا قولتلك هرميهم في الشارع، أنا بقولك هجوزهم لولادي الرجالة، ولاد عمهم من لحمهم، عيحموهم ويصونو مالهم وعرضهم، ولا عوزاني أرمي مال أخويا في إيد حد غريب."
صفية:
"أنا يهمني راحة البنات، دول بناتي بردك يا حسان... عشان خاطري، البنات ميعيشوا ولادنا، ومفيش ولية بتعرف تعيش مع راجل متعرفوش."
حسان بعصبية:
"الله لا يجعلهم يعيشوا، خليهم يموتوا ونرتاح من قرفهم، هي كلمة واحدة ملهاش تاني يا صفية، كتب كتابهم ودخلتهم الخميس الجاي، وبعدها يحلها ربنا."
هم بالخروج ليوقفه صوت بكائها بنحيب:
"عوضي عليك يا رب، الرحمة من عندك يا رب."
حسان بدهشة:
"يا ولية دول هيتجوزوا ولادك الرجالة، اللي كل بنات البلد بتترمى تحت رجلهم، أنت اتجنيتي يا صفية ولا جرالي لمخك حاجة."
صفية وهي ترمي نفسها تحت قدميه:
"أبوس رجلك يا حسان، ارحمهم، مش أكده."
ابتعد عنها حسان قليلاً وهمت بالوقوف.
صفية:
"اسمعني زين، الله يخليك، ولادك طبعهم صعب، مهيتقوش ربنا فيهم، وأول ما ياخدوا مالهم، عيرموهم عاد، وأنت خابر أنا ربيت البنات كأنهم أخوات، مرام بنتي ولا يوم بعمري فرجت بيناتهم، ويعز عليا إنهم يعيشوا في مرار مع ولادي، وأنت عارف إن ولادك كيفك تمام، عاوزين فلوسهم وورثهم من أبوهم."
حسان بلهجة محذرة:
"صفية... زمان اتحملت زنك كتير لحد ما كبرتهم وعلمتهم ودخلتهم أكبر كليات، وبقت الكبيرة دكتورة وهتتخرج، والتانية محاسبة وآخر سنة ليها، والأ متتسمي الصغيرة كلها كام سنة وتخلص كليتها هي كمان وتبقى مهندسة، وأكدة أنا عداني العيب، لكن أكتر من أكدة متحلميش، كفاية إن العلم في البندر فتح مخهم ووعاهم، وأياكي تتحدتي معايا تاني، وإلا قسماً عظماً لهيكون حسابي معاكي عسير، أما دلوك تطلعي للبنات تفهميهم إن فرحهم الخميس الجاي على ولاد عمهم وتخليهم يجهزوا نفسهم."
ألقى كلماته وأمسك عكازه وطرف عباءته الفاخرة وخرج من باب الغرفة بعصبية مطلقة، أما صفية فارتمت على أقرب كرسي وانفجرت في البكاء.
صفية:
"يا مرك يا صفية... عيني عليكوا يا بنات منال، يا حبايبي، لو كان أبوكم عايش مكانش حالكو بقى أكدة."
في إحدى طرقات القصر الفارهة، كانت تمشي ورد، أكبر بنات المرحوم طايع المنشاوي. هي فتاة طويلة القامة ذات جسم ممشوق، ووجهها ناصع البياض، وعيناها شديدة السواد، وملامحها ناعمة كقطعة السكر، وشعرها الطويل الحريري القاتم السواد. حينما استوقفها ابن عمها الأكبر سليم حسان المنشاوي:
"القمر رايح على فين لوحده؟"
ورد:
"ماليكش صالح، يا سليم، بعد عن سكتي أحسنلك."
سليم:
"وإلا هتعملي إيه؟"
ورد بغيظ:
"هشكتيك لعمي."
سليم:
"مفيش واحدة بتشتكي جوزها يا حبيبتي."
ورد:
"نچوم السما أجرب لك يا واد عمي."
سليم:
"كلها كام يوم يا ورد وتبقي مرتي، وأعمل فيكي ما بدالي."
ورد بنفي:
"مستحيل، ولو آخر راجل في الدنيا، عمري ما هتجوزك."
سليم بتوعد:
"ورب الكعبة لهتجوزك وتبقي بتاعتي يا ورد، وساعتها هحاسبك على عنادك ده."
ورد:
"بعد عن طريقي."
سليم:
"بكرة تيجي تطلبي رضايا ومتنوليهوش وأصل، وهتبقي جارية تحت رجلي، وتنامي في سريري، وتطلبي الرحمة، ومهتلاقيهاش، كلها أيام... هانت يا ورد."
تسلل الخوف لقلب ورد، ليتملكها إحساس بالرعب من سليم وكلامه. مجرد التفكير في أنها قد تصبح زوجته يصيبها بالرعب. همت ورد بالذهاب من أمامه وأكملت طريقها لغرفتها، وارتمت في أحضان سريرها وانفجرت في البكاء. لا تعلم لماذا تبكي، ولكنها تمنت وجود والدها لكي يحميها من عمها وبطشه.
أما في الغرفة المجاورة، فكانت غرفة دعاء، الأخت الوسطى لورد، وكانت تجلس معها مرام، ابنة عمها حسان.
دعاء:
"الله حلو جوي الفستان ده يا مرام، جبتيه ميتي؟"
مرام:
"لسه السبوع اللي فات يا دودو، بس والله اتلهيت إني أفرّجك، إيه رأيك هيبقى حلو عليا؟"
دعاء:
"جوي جوي، هتلبسيه فين ده؟"
مرام بمرح:
"هلبسه في فرحك انتي وفارس."
دعاء بخجل:
"بس يا مرام، أنتِ بتجولي إيه."
مرام:
"مفكراني هبلة عاد، كل القصر عارفين إنكم بتحبوا بعض من وأنتم عيال صغيرة."
دعاء:
"قلتلك بس عيب الحديث ده."
مرام:
"امممم، فينك يا فارس تيجي تشوف عروسك الزينة وخدودها حمرة كيف الطماطم."
دعاء:
"كلمة زيادة وهطخك عيار يجيب أجلك."
ضحكت الفتاتان واستمرتا في الضحك والمزاح سوياً.
أما في صالة القصر الكبيرة، كانت تجلس فتاة في أوائل العشرينات، تتابع بعينيها الزرقاوين مسلسلها المفضل في شاشة التلفاز الفارهة، وأمامها طبق من الفشار أعدته لها إحدى الخدم. وكانت مستمتعة، وترفع بكف يديها إحدى خصلات شعرها البني القصير من أمام عينيها، وتضحك على المسلسل. حينها قاطعها صوت رجولي.
فراج:
"بتضحكي على إيه عاد؟"
آيه بتأفف:
"وأنت مالك يا رخـم أنت."
دخل فراج ليشاركها مجلسها، ولكنه بدا عليه علامات الاندهاش عندما نظر إليها.
فراج بحدة:
"إيه اللي هببتيه ده يا ميلـه؟"
آيه بصياح:
"وأنت مالك، هببت ولا مهببتش، ملكش صالح بيا عاد."
فراج:
"أنتِ أكيد اتخبلتي في عقلك، إيه اللي نيلتيه في شعرك ده؟"
إيه:
"قصيته، حلو مش كده؟"
فراج:
"زفت على دماغك يا بعيدة، في بنت تقص شعرها أكدة؟"
آيه:
"موضة، أنت إيش فهمك أنت، وبعدين أنت ملكش كلمة عليا، متصرخش عليا تاني عاد."
فراچ:
"من اهنه ورايح، محدش له كلمة عليكي غيري."
آيه:
"كنت اشتريتني ولا إيه؟"
فراچ:
"لا، هتجوزك وهتبقي مرتي."
أيه:
"هههههههه، عشم إبليس في الجنة يا حبيبي."
فراچ:
"والله حبيبي، طالعة منك بتنجط سكر."
آيه:
"يا عدوي، ولا تزعل نفسك، دي بجى بتنجط سم على دماغك، حلال عليك الفشار، سديت نفسي، داهية تسد نفسك."
فراچ بغيظ:
"والله لعيد تربيتك يا آيه، وأقص لسانك الطويل ده."
لم تعطيه آيه أدنى اهتمام، وهمت بالذهاب لغرفة ورد لتشاركها الحديث. وعندما وصلت أمام غرفة ورد، وقفت فترة بعد أن طرقت الباب. وبعدها فتحت لها ورد وسمحت لها بالدخول.
آيه وهي تجلس على السرير:
"مالك يا حبيبة قلبي، معيطة لما عيونك مورمين ليه؟"
ورد:
"مفيش يا قلب أختي، أنا بخير."
آيه:
"مخبية إيه يا ورد، قولي."
ورد:
"سليم جابلي النهاردة الصبح وقالي كلام ماسخ زي عوايده."
آيه:
"وده يخليكي تعيطي يا ورد، مهو الرخم ده ع طول بيضايقك بكلامه، ولا عمل حاجة زعلتك؟"
ورد:
"لا، زي كل مرة، بس قالي إن الوقت قرب وهيتجوزني، ومش عارفة ليه بس حسيت حالي خفت من كلامه."
آيه:
"تبجي عبيطة لو عملتي للواد الأهبل ده حساب."
ورد بمرح:
"بجى راجل قد الحيطة، بيتهز لاسمه بلد بحالها، وتجولي عليه واد."
آيه:
"يا حبيبتي، ولا واحد في بلدك يخوفني، لسه متخلجش اللي آيه المنشاوي تخاف منه."
ورد وهي تمط شفتيها:
"ولا عمك حسان."
آيه بجرأة:
"ولا حتى جدي غنيم، الله يرحمه."
انفجرت ورد في الضحك هي وآيه، وقاطع ضحكهما صوت طرقات الباب.
آيه:
"ادخل ياللي بتخبط."
دخلت الخادمة من الباب:
"الغدا جاهز يا ورد هانم."
آيه:
"يا مخبلة، أنتِ مش شايفاني ولا إيه؟"
الخادمة:
"العفو منك يا آيه هانم، أنا جهزت لك عصير الفراولة اللي طلبتيه."
آيه بمرح طفولي:
"إذا كان كدة خلاص، عفوت عنك."
استأذنت الخادمة وهمت بالذهاب، وتبعتها ورد وآيه. وعندما جلسوا على سفرة الغداء، كانت كل العائلة مجتمعة، ما عدا فارس، ابن حسان الأوسط.
حسان:
"أمال فارس فين يا سليم؟"
سليم:
"كان بيمر على المخازن، وزمانه جاي."
دقائق ودخل شاب طويل القامة، كثيف الشعر، برونزي البشرة، بعينين بلون القهوة، رياضي الجسم، يرتدي بنطلون جينز وسويت شيرت. وهم بتقبيل يد أمه وأبيه.
سليم:
"السلام عليكم يا أهل البيت."
الكل:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ذهب فارس لغسل يديه، واتجه ناحية المائدة، وهم بالجلوس في مكانه المقابل لمكان دعاء.
فارس وهو ينظر ناحية دعاء:
"اتوّحشتك جوي يا ما."
صفية بوهن:
"وأنت أكتر يا حبيبي."
احمرت وجنتا دعاء، فهي تعلم أنها هي المقصودة.
فارس:
"مالك يا حبيبتي؟ بيكي حاجة؟"
صفية:
"لا يا حبيبي، أنا بخير."
فارس:
"لو تعبانة أجيب لك الحكيم نطمن عليكي."
مرام:
"وليه الحكيم، وورد حبيبتي موجودة."
صفية:
"أنا بخير يا أولاد، يلا اتغدوا، وبعد الغدا يا بنات عاوزاكم في موضوع مهم."
ورد:
"لعله خير يا ماما."
حسان:
"كل خير يا ورد، اطمني."
نظر سليم بمكر لورد، وانتبهت هي الأخرى، وتملكها إحساس الخوف. وبعد دقائق، أنهت طعامها واستأذنت، واتجهت لغرفتها، وتوضأت، وظلت تصلي وتدعو ربها أن ينجيها مما يخبـر به قلبها أنه سيحدث.
أما في الأسفل، فكانت الخادمات يرفعن الطعام من على الطاولة، وأخريات يأتين بالفاكهة والمرطبات.
آيه بأذعان:
"فين عصير الفراولة بتاعي؟"
فراچ:
"كل ده مش مكفيكي؟"
آيه:
"خليك في حالك يا بغل أنت."
فراچ بغيظ:
"بغل لما يرفصك يا بعيدة، احترمي حالك يا بت أنت، واعملي حساب إنك قاعدة في بيتي."
انتفضت آيه من مكانها لتصيح:
"أنا قاعدة في بيت أبويا، وعزة وماله، وأنت بتشتغل في أرضي وبترعى في ملكي أنا وإخواتي، ولو مزعلك قعدتي أنا وإخواتي، ادينا حقنا بما يرضي الله واقعد فيها لحالك."
فراچ:
"ملكيش عندينا حق، واخبطي راسك في الحيط."
حسان بصوت يزلزل جدران القصر:
"انكتم منك ليها، والله عال، مبقاش ليا احترام ولا إيه."
فراچ:
"منتاش سامعها بتقول إيه يا بوي."
آيه باندفاع:
"أنا مغلطش، وبيني وبينك المحاكم يا واد عمي."
حسان وهو يحاول سحب غضب آيه:
"حقك عليا يا بنت الغالي، امسحيها فيا أنا."
آيه بدون اهتمام انسحبت من مجلسهم وتوجهت لغرفتها. أما حسان فأمر فراج بالتوجه لمكتبه فوراً ليحاسبه على ما قال، ونظر لصفية بمعنى أن تتجه لغرف البنات وتتحدث معهم فيما أبلغها إياه في الصباح.
دخل حسان المكتب وخلفه فراچ.
حسان بغضب:
"معرفش تمسك لسانك يا بهيم أنت."
فراچ:
"حقك عليا يا بوي."
حسان:
"جك كسر حقك، أنت اتجننت عاد ولا ناسي إنها متعلمة وفاهمة، دي بتقول لك بينا المحاكم... أنا مش هسمح لك تضيع اللي أنا بخطط له سنين طويلة."
فراچ:
"يا بوي، مكنا اتجوزناهم وهم صغيرين، لزمته إيه نستنى كل ده، وكمان علمتهم وبقوا فاهمين الدنيا دايرة كيف."
حسان بنفاذ صبر:
"يا بهيم، آيه كلها كام شهر وتكمل 21 سنة وتخرج من تحت وصايتي، ويبقي من حقهم التلاتة إنهم يستلموا ورثهم اللي أبوهم كتبهولهم قبل ما يموت، وقبل كده مكنتش أقدر أجوزهم لكم، أخوالهم مكنوش هيسكتوا ولا هيسبوهم وأصل، أما دلوك هيبقوا خرجوا من وصايتي لجوزاهم، وأنتم بشطارتكم هتخليهم يتنازلوا لكم عن ورثهم اللي هو نص اللي بنملكه كله، يا أغبي خلقة ربنا."
فراچ:
"أبااي بقى يا بوي، البت دي على قد ما جمالها بيطير العقل، بس لسانها متبري منها، ونفسي أقطعهولها."
حسان:
"لما تتجوزها ابقى اقطعولها على كيفك، إنما دلوك لااا."
دَلفت صفية لغرفة ورد بهدوء، وانتظرتها حتى تنهي صلاتها. وعندما انتهت، قامت من مكانها واتجهت لصفية التي بدت عليها علامات الحزن.
ورد بتوتر:
"مالك يا ماما، معجبانيش من الصبح، فيكي إيه؟"
صفية:
"أنا بعت البت هنية الخدامة تنادي أخواتك، عاوزاكم كلكم في موضوع مهم."
بدأ قلب ورد ينبض بعنف، وأحست بكامل جسدها يرتجف من كلام صفية ومنظرها. وفاقـت من شرودها على دق الباب.
رواية بنات المنشاوي الفصل الثاني 2 - بقلم خلود وائل
فاقت ورد من شرودها على صوت طرقات الباب.
صفية: ادخل اللي بتخبط على الباب.
فتحت الخادمة الباب ودخلت منه دعاء وآية.
آية وهي تتقدم ناحية صفية: خبر إيه عاد يا أما، إيه جو المخبارات ده؟ بعتي ورانا وطلبتينا لوحدينا، خير يا رب.
دعاء: مالك يا ورد وشك مخطوف ليه كده؟
صفية: تعالوا يا بنات يا غاليين، اقعدوا هنتحدث في موضوع مهم جوي.
آية: اللهم اجعله خير.
ورد: قولي يا أما، قلبي هيوجف، مقدرش أستحمل أكتر من كده.
صفية بألم: عمكم حسان بعتني عشان أخبركم إن... إن... إن...
آية: خبر إيه عاد؟ هتقعدي تقولي إن إن كتير ولا إيه؟
ورد: قولي يا ماما ريحي قلبي الله يخليكي.
دعاء: فيكي إيه عاد يا أما؟ قولي وريحينا، أنا ابتديت أقلق.
صفية بحزن: كتب كتابكم ودخلتكم على ولاد عمكم الخميس الجاي.
ما إن أنهت كلماتها حتى صعقت تلك الفتيات وكأنهم سمعوا حكم إعدامهم من قاضي ظالم لا يعرف الرحمة. ورد تلك المسكينة التي يتوعد لها سليم الوحش الكاسر بأن يذيقها الويلات، أما دعاء التي لم تستطع أن تشعر بالسعادة لأنها ستتزوج من حبيب عمرها خوفًا على أخواتها وما سيصيبهم من العذاب والألم، أما آية فلجمت الصدمة لسانها.
دقائق معدودة مرت وكأن لم يكن هناك أحد. وفجأة صاحت آية: لو آخر يوم في عمري ما هيحصل اللي بتقولوا عليه واصل... أنا أنا مستحيل أتزوج فراچ، أنتي أكيد بتهزري يا أما.
صفية بدموع: على عيني يا حتة من قلبي، ربنا وحده اللي يعلم إني ما رضيت.
دعاء: لأ يا أما أكيد في حاجة غلط، عمي حسان عارف زين إن أخواتي ما يحبوش سليم وفراچ.
صفية بألم: قلت له يا بنتي والله قلت له، بس هو ما رضيش وما حكم رأيه.
ورد بخوف وهزلان: جيبولي أخوالي، أنا هموت، حالي ولا سليم يجرب لي، فاهمين ولا لاااا.
صفية: طولي بالك يا حبة عيني، متعمليش في روحك كده.
ورد بدموع تنساب من عيونها: أنا لازم أتكلم مع عمي حسان.
صفية: ملوش لزمة الكلام معاه يا بنتي، أنا عملت ما فيه الكفاية، بس أنتي خابرة عمك زين.
ورد: لأ مستحيل أتزوج سليم، لأ يمكن أبدًا. على جثتي.
قالتها ورد وهمت بالخروج من غرفتها ونزلت سلالم القصر الكبيرة وأكملت طريقها حتى وصلت أمام مكتب عمها وطرقت الباب.
حسان: اتفضل يا اللي بتخبط.
فتحت ورد الباب ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها لتتفاجأ بوجود سليم وفراچ وفارس مع عمها حسان.
حسان: تعالي يا غالية يا بنت الغوالي.
خطت ورد بخطوات مرتعشة ناحية عمها.
ورد: عاوزة أتحدث معاك لوحدينا يا عمي.
حسان: خير يا ورد، دول إخواتك، قولي اللي عندك.
تنهدت ورد بحزن: يا عمي، أنت طلبك عندي، أنا وإخواتي أمر، ويعلم ربنا إنه يعز عليا إننا نرفضلك طلب.
حسان: تقصدي إيه يا ورد؟
ابتلعت ورد ريقها ثم قالت: قصدي إني أنا وإخواتي موافقينش على جوازنا من ولادك.
حسان بغضب: اتجننتي في عقلك يا ورد ولا إيه؟ توافقوا ولا متوافقوشي، ميهمنيش عاد.
ورد: بس يا عمي.
حسان: مبسش، وكلمتي سيف على رقبتك أنتي وخواتك التانيين.
ورد: حرام عليك يا عمي تعمل فينا كده.
سليم: حرمت عليكي عيشتك يا زفتة انتي.
ورد: أنت بتزعق لي ليه؟ كل ده عشان مش رايداك؟
لم يرد سليم بلسانه، وإنما كان رده بصفعة سريعة على وجه ورد أسقطتها أرضًا.
فارس بعصبية: أنت اتجننت ولا إيه؟ كيف تمد يدك على بنت عمك؟ قومي يا ورد.
أمسك فارس بيد ورد ليساعدها بالنهوض من على الأرض، أما ورد فكانت الدموع تهطل من عينيها بلا توقف ولا استئذان.
سليم: ده حاجة بسيطة، عمّا نكتب الكتاب وبعدها هعيد تربيتك من الأول يا بنت عمي.
لم ترد ورد، وإنما انسحبت باكية إلى غرفتها لترتمي على فراشها، لعل البكاء يخفف عنها الألم.
صفية: يا حزني... مين كفّه معلم في وشك كده؟
دعاء: أكيد عمي حسان.
صفية: قولتي له إيه عاد يا ورد؟
ورد ببكاء: سليم يا أما مد يده عليا، أمّال لما نتجوز هيعمل فيا إيه تاني؟
آية: تنقطع إيده المجنون ده! هي الدنيا سايبة ولا إيه؟
دعاء: أنا هكلم أخواني يتداخلوا، مينفعش نسكت على اللي بيحصل ده.
صفية بقله حيلة: إخوانك ما يقدروا يقفوا لعمك يا بنتي، وأنتم خابرين عمكم زين.
آية: والعمل يا أما؟ هنفضل هنيه حالنا كده نعيش جواري لسليم وفراچ؟ لاااا، أنا أموت حالي أحسن.
ورد: طولي بالك يا آية، ربنا ما هيرضى بظلمنا، وأكيد هينصرنا.
دعاء: طب هنعمل إيه عاد؟
ورد: مخبرة.
آية: شيفاكي مطمئنة يا دعاء، أنتي الوحيدة اللي نفسك تتزوجي فارس ابن عمك.
صفية: بتمناها من كل قلبي يا آية، طول عمرها هي وفارس بيحبوا بعض من وهما عيال صغيرة، وفارس حنين، ما طلعش لأبوه.
دعاء: ولا عمري أرتاح في تعبكم يا أخواتي، أنتم اللي باقين لي من ريحة الغوالي، الله يرحمهم.
جلست الفتيات يبكين في أحضان بعضهن البعض، ومعهم صفية زوجة عمهم حسان، إلى أن حل المساء.
في صالة القصر يجلس حسان وزوجته وجميع أولاده ما عدا بنات أخيه على طاولة العشاء.
حسان: فين البنات يا صفية؟
صفية: قافلين على حالهم باب الأوضة ومموتين نفسهم من العياط يا حبايبي.
سليم: أحسن، خليهم يموتوا ونرتاح من قرفهم.
فراچ: خليهم يعاندوا حالهم كمان وكمان.
حسان: اطلعي ناديلهم يا صفية.
فارس: استني أنتي يا أمي، أنا هطلع أجيبهم وأجي.
نهض فارس من على طاولة العشاء وصعد إلى الطابق العلوي من القصر ووقف يطرق باب غرفة ورد.
ورد: مين؟
فارس: افتحي يا ورد.
دعاء: ده فارس.
آية: افتحيله.
فتحت دعاء الباب ليقابلها فارس بابتسامته المعتادة. استأذن بالدخول وجلسوا جميعهم في صالون غرفة ورد.
فارس: قاعدين أهني من ساعة الغدا ومنزلتوش ليه؟
ورد: ننزل نعمل إيه يا فارس؟
فارس: تنزلوا تتعشوا وتعيشوا حياتكم، ده بيتكم مش سجن.
ورد: لا بقي سجن وبقينا مساجين مستنيين حكم إعدامهم.
آية: اتكلم يا فارس، أحب على يدك ساعدنا، إحنا ما وعايزينش نتجوز أخواتك، وأنت حلال عليك دعاء.
فارس بابتسامة: اطمنوا، أنا هساعدكم ومش هسيبكم عاد، أنتم إخواتي قبل ما تكونوا بنات عمي الله يرحمه.
دعاء: بجد هتساعدنا يا فارس؟
فارس: أباي عليكي، لتكوني مش عاوزة تتجوزيني أنتي كمان.
احمرت وجنتا دعاء وتلونت باللون الأحمر القاني، ولمعت عيناها البندقيتان ونزلت بنظرها للأرض.
فارس: تعرفوا يا بنات، أنا بحب أشوفها وخدودها كيف الطماطم.
ابتسمت جميع الفتيات وجلسن يضحكن قليلاً مع فارس لأنه أزاح عنهم قليلاً من همومهم. وبعدها نزلو جميعهم للعشاء، وورد تتجنب النظر في وجه سليم، أما آية فهي مشاكسة وعنيدة والضعف ليس من طباعها.
سليم: أخيراً حنيتوا علينا ونورتوا قعدتنا بطلتكم البهية.
دعاء: خبر إيه يا سليم؟ الدنيا كانت مضلمة من غيرنا ولا إيه؟
سليم: لاااا، وجودكم زي عدمه.
آية: يبقى تقفل خشمك وتريح دماغي، عشان صوتك بيجيب لي صداع.
سليم: اتلمي يا بت انتي.
آية: بت لما بتك وتشقلب كيانك، اقعد معوج واتكلم معايا عدل يا سليم، أنا آية طايع المنشاوي، فاهم ولا أفهمك كمان.
سليم: فاهم يا بنت عمي.
آية بتحذير: ويدك اللي انمدت على أختي، لو حصلت منك تاني هقطعها لك، دي أختي الكبيرة، اسمع كلامي زين، والبسّه عمّه في راسك هتنفعك صدقني.
سليم: إيه يا فراچ؟ قاعد وسايب حريمك يبيعوا ويشتروا فيا ليه؟
فراچ: متتنكتي يا بت، هو محدش عارف يلمك ولا إيه؟
آية ببرود: أكتُم لما أكتُمك من فوقك لتحتك، صوتك ده عليّه على بهايم الزريبة، أما هنا لاااا، فاهم؟ وأنا مش حريمك ولا عمري هكون، واتعشى من سكات، وعدي الليلة بدل ما أقلبها غم، وأنت عارفني، متوصاش عاد.
حسان متابع الموقف بهدوء مميت، أما صفية فحاولت أنها تهدّي الجو.
صفية: خلاص بقي يا ولاد، اتعشوا في أمان الله، ربنا يهديكو.
بعد دقائق أنهت ورد عشائها وهمت بالصعود لغرفتها، وتبعتها دعاء، أما آية فكانت جالسة بهدوء تكمل عشائها، عندما قاطع سلامها النفسي كلام فراچ.
فراچ: شايفك قاعدة على راحتك وبتتعشي، مقومتيش ليه زي إخواتك؟
آية: لو جايب لي حاجة من مالك، ابقي تعالي خدها.
فراچ بغيظ: والله لكسرلك راسك دي يا آية.
آية وهي تقوم من مكانها: ابقي عرفني هتكسرها بشاكوش ولا شومة، عشان أقدر أفيدك، أنا راسي مصفحة، ولا مية واحد زيك يقدر يلينها.
ثم أكملت بعلو صوتها: يا هنية، جيبي لي النسكافيه بتاعي على تراس أوضة الست ورد.
أنهت حديثها وهمت بالصعود لغرفة ورد لتكمل ليلتها مع أخواتها.
سليم: ورد بتخاف وبتترعب من نظرتي، ودعاء هادية وف حالها، أما البت دي معرفش طالعة أكدة لمين.
فراچ: بكرة أتفرج على اللي هعمله فيها، ورب الكعبة لخليها تبوس جزمته.
فارس: حرام عليكم، دول من دمنا، اتقوا الله.
سليم: بس يا أبو قلب حنين، لاحسن أنا دمعتي قريبة وهعيط.
فارس: والله ما أنتو ناويين تجيبوها لبر أبداً، أنا طالع أنام، عندي شغل بدري، عن إذنكم.
فراچ: حنين أوي أخوك ده.
سليم: سيبك منه، بكرة الست دعاء تركب وتدلدل رجليها.
عند ورد...
ورد: ادخل يا اللي بتخبط.
فتحت صفية الباب ودخلت لتشارك البنات في مجلسهن.
دعاء: لساكي صاحية لدلوقت ليه يا أما؟
صفية: ومين يجي له نوم يا بنتي؟
آية: والعمل يا أمي؟ هنفضل أكده؟
ورد: أنا لآخر دقيقة في عمري ما هخلي سليم يطول مني شعرة واحدة، لاممكن أبداً.
صفية بتردد: عندي ليكم حل.
كلهم: قولي.
صفية: تهربوا.
نظرت الفتيات لبعضهن بدهشة واستغراب، ثم أعادوا النظر لصفية.
دعاء: وأعية للي بتقوليه ده يا أمي؟
ورد: نهرب كيف يا أمي؟ ونروح لفين ولمين؟ وآخرتها إيه؟
آية: ونسيب حياتنا ومالنا ليه؟
صفية: اهربوا من ظلم عمكم وولاده اللي هتكونوا جواري تحت رجليهم، اهربوا من اللي هيضيعوا أحلى سنين عمركم، اهربوا من الأوامر اللي ملهاش آخر، ونومكم كل ليلة دمعتكم ما تنشفش من خدكم.... على عيني إني أقولكم تعملوا أكده، بس ما أقدرش أحوش ولادي عنكم، ولا هقدر أتكلم معاهم.
ورد بخوف: هنروح فين؟
صفية: أي مكان يا بنتي، ميقدروا يوصلولكم فيه.
آية: وجامعتي ودراستي؟
صفية: بعد ما الأمور تهدى، هكلم فارس يساعدكم، هو بيحبكم وعمره ما هيرضى بأذيتكم.
دعاء: بس فارس هيزعل مني العمر كله.
صفية: أنا هفهمه يا بنتي.
ورد: مصدقةش اللي بيحصل يا ربي.
صفية: على عيني يا حتة من قلبي، بس ما فيش معانا وقت، اهربوا النهاردة قبل بكرة.
آية: هنهرب كيف والحرس حوالين القصر كله؟
دعاء: يا مركب يادعاء، دبرها من عندك يا رب.
صفية: أنا دبرت كل حاجة، بس أنتم فكروا مع بعضكم وجهزوا حالكم، والساعة ٢ بليل هعدي عليكم أشوف اتفقتوا على إيه.
انهمرت دموع الفتيات واحتضنتهم صفية، وأكملت هي الأخرى بكاءها معهن.
بعد فترة طويلة تركتهم صفية وتوجهت لغرفتها، وكان في انتظارها حسان.
صفية: لساك صاحي؟
حسان: اتأخرتي ليه أكدة؟
صفية: كنت بخبرهم إن الصايغ جاي بكرة عشان يختاروا شبكتهم ويجهزوا حالهم، كلها بكرة بس، والفرح بعده.
حسان: زين ما عملتي يا صفية.
رواية بنات المنشاوي الفصل الثالث 3 - بقلم خلود وائل
الوقت بيمر ببطء وكل بنت بتفكر مرة والف مرة تانيه.
ورد: هنعمل إيه دلوقتي؟
دعاء: أنا خايفة قوي.
آيه: لو خفنا وقعدنا هيكون مصيرنا واعر قوي.
ورد: إنتو عاوزين إيه؟
آيه: مش عاوزة أتجوّز الكلب اللي اسمه فراچ.
دعاء: أنا خايفة عليكم وخايفة فارس يزعل مني.
ورد: فارس هيْدينا عذرنا أكيد.
نظرت الفتيات لبعضهن البعض وكأنهم اتخذوا قرارهم، وبدأوا بجمع مقتنياتهم من ملابس ومجوهرات وأي شيء قد يحتاجونه. ومر الليل، وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، دخلت صفية بهدوء لغرفة ورد وهي تحمل صرة كبيرة بين يديها.
ورد: تعالي يا ماما، اتفضلي. جيتي بدري ليه؟
صفية: خدي يا ورد.
ورد: إيه ده؟
صفية: دي فلوس يا حبيبتي، هتحتاجوها.
ورد: لأ، خليهم معاكي. إحنا معانا دهبنا هنبيعه.
صفية: لأ، أوعاكي يا ورد. دهبك إنتي وأخواتك زينتكم يا بنتي، بس عشان خاطري ادارو من عيون الناس وبلاش تلبسوه عاد.
ورد: حاضر.
صفية: خدي يا بنتي، أنا عارفة إن حسان الله يسامحه مانع عنكم المصاريف من أول الإجازة، ودول مني أنا مش منه. وكفاية حرمانكم من خيركم وعزكم.
ورد بدموع: مش عاوزة أمشي وأسيبك يا ماما.
صفية بدموع: يعز عليا فراقكم يا ضي العين.
بعد دقائق قضتها ورد في أحضان صفية، أفاقت على دخول أخواتها دعاء وآية.
دعاء: مش هوصيكي يا ماما، افهمي فارس إنه غصب عننا.
صفية: متحمليش هم يا بنتي، فارس هيحبك ويخاف على خواتك.
آيه: هتوحشيني كتير قوي يا ماما.
صفية: وإنتو يا حبايبي، ربنا وحده يعلم قد إيه فراقكم ده بيقطع في قلبي.
ورد: وبعد ما نهرب هنعمل إيه؟
صفية: دلوقتي هننزل وتخرجوا من باب القصر الوراني بتاع الأسطبل، هتلاقي الغفر نايمين. تطلعوا على محطة القطر وتفوتوا في أول قطر تلاقوه. المهم تبعدوا من هنا بأسرع وقت. ولما ألاقي فرصة هكلمكم أطمن عليكم، بس بلاش إنتوا تتصلوا عليا عشان محدش ياخد باله.
دعاء: وبعدين؟
صفية: هتتداروا بعيد لحد ما آيه تتم ٢١ سنة، وبعدها ربنا يكرمكم بحد يقف جاركم وترفعوا على عمكم قضية وتاخدوا حقكم منه وتعيشوا حياتكم وتتجوزوا اللي تتمنوه وترتاحوا معاه.
بعد دقائق من البكاء، تسللت الفتيات من الباب الخلفي للقصر. وبعد فترة طويلة من المشي المتعب على الأقدام، وصلوا لمحطة القطار. وها هو القطار يعلن انطلاقه من المحطة، لتسرع إليه الفتيات ويجلسن بداخله، ويبدأَن حياة جديدة خالية من ظلم حسان وجبروت سليم وعناد فراچ.
دعاء: ممكن أكلم فارس يا ورد؟
ورد: دلوقتي؟
دعاء: عشان خاطري.
ورد: كلميه براحتك يا حبيبتي.
أخرجت دعاء هاتفها الآيفون الحديث الذي أهداها إياه فارس في عيد ميلادها، واتصلت به عدة مرات. وفي آخر مرة، قام بالرد عليها.
فارس بنعاس: خير يا دعاء، مصحّياني دلوقتي ليه؟
دعاء: معلش يا حبيبي، كنت بس عاوزة أسمع صوتك.
فارس: بقي مصحّياني في نص الليل عشان تسمعي صوتي؟
دعاء: ممكن تسامحني يا فارس؟
فارس: على إيه يا روح فارس؟
دعاء: على أي حاجة أعملها.
فارس: مسامحك من كل قلبي، بس سيبني أنام وبكرة هنحكي ونسامح في بعض.
دعاء: تصبح على خير.
فارس: تلاقي الخير.
أغلق فارس الهاتف واستكمل نومه دون أن يهتم بما قالته دعاء. أما صفية، فعادت لغرفتها لتكمل نومها. وعندما صعدت على السرير، تفاجأت بصوت حسان.
حسان بنعاس: كنتي فين يا ولية؟
صفية بتوتر: هه، سمعت صوت تحت، نزلت أشوف فيه إيه، لقيت البت المخبولة آيه بتتفرج على التلفزيون ومعليّة الصوت قوي.
حسان: طول عمرها بتاعِة وجع قلب. نامي يلا، ورانا يوم طويل بكرة.
صفية: عندك حق، ورانا يوم طويل بكرة.
نام الاثنان، ومر الليل، وأشرقت شمس الصباح معلنة قدوم يوم جديد مليء بالأحداث الكثيرة.
في القطار، كانت الفتيات مستغرقين في النوم، عندما أتى عامل القطار وقام بإيقاظهم.
العامل: اصحي يا أبلة، منكوا ليها.
آيه: إنت اتجننت ولا إيه؟ كيف تدخل هنا أوضتي يا مخبل إنت؟
العامل: أوضتك مين يا بلدينا؟ إنتي نايمة في القطر من ساعة ما دفعتوا تمن التذكرة بليل، إنتي والبنات اللي معاكي دول.
آيه: وإنت عاوز إيه دلوقتي؟
العامل: وصلنا آخر محطة، وخلاص القطر هيروح الجراچ. اتفضلوا انزلوا.
آيه: وإحنا فين دلوقتي؟
العامل: إحنا في القاهرة.
آيه: وة، كل ده وإحنا نايمين؟
العامل: اخلصي بقى يا أبلة، يلا.
آيه: طيب، روح إنت.
أيقظت آيه أخواتها وأخبرتهم بما حدث. فهم من التعب غلبهم النعاس ولم يشعروا بالطريق. دقائق وحملوا حقائبهم ونزلوا من القطار، وبدأت رحلتهم الطويلة. قامت ورد بالإشارة لتاكسي، وتوقف أمامهم، وقاموا بحمل حقائبهم وركبوا التاكسي.
سائق التاكسي: على فين يا هوانم؟
دعاء: والله ما إحنا عارفين يا حاج.
سائق التاكسي: صعادِة ولا إيه؟
آيه بتوتر: لأ، إحنا مصريين بس كنا في إسكندرية، والراجل صاحب العمارة الله يسامحه غلى علينا الإيجار ورمانا في الشارع.
سائق التاكسي: لا إله إلا الله، مفيش في قلبه إيمان ولا إيه عشان يرمي بنات زي الورد كده.
دعاء: هنعمل إيه يا حاج، أمر ربنا.
سائق التاكسي: طب، وليه حد هنا تروحوا له يا بنتي؟
دعاء: لأ، إحنا ملناش غير ربنا.
سائق التاكسي: لا إله إلا الله، طب ولا عم ولا خال حتى؟
ورد: إحنا مقطوعين من شجرة يا حاج.
سائق التاكسي: طب يا بنتي، أنا عمكم جمال، ولو متعرفوش حد، أنا أعرف شقة فاضية في المنطقة اللي ساكن فيها، ممكن آخدكم هناك تأجروها لحد ما ترتبوا أموركم، ولا إيه؟
ورد: يبقى كتر خيرك يا عم جمال.
انطلق بهم عم جمال في شوارع القاهرة، لينهي طريقه في منطقة شعبية، وتوقف أمام إحدى العمارات، لينزل منها هو والبنات، ويخرج لهم حقائبهم.
عم جمال: استنوني هنا دقيقة، هناديلكم الست تهاني صاحبة الشقة.
دقائق مرت سريعًا، وعاد عم جمال مع الست تهاني.
الست تهاني: بسم الله ما شاء الله، إيه الجمال ده كله يا عم جمال؟ مين القمرات دول؟
عم جمال: دول بنات غلابة يا ست تهاني، ومقطوعين من شجرة، والراجل ابن الحرام غلى عليهم الإيجار ورماهم في الشارع.
الست تهاني بحزن: لا إله إلا الله، الناس جرالها إيه يا ولاد. ولا يهمكم يا حبايبي، اعتبروني أمكم، والحتة دي كلها اعتبروها أهلكم. إحنا هنا كلنا أهل وبنخاف على بعض.
ورد بابتسامة: ربنا يخليكي يا ست تهاني.
الست تهاني: إنتي اسمك إيه يا ست الصبايا إنتي؟
ورد بخجل: اسمي ورد.
الست تهاني: ودول أخواتك؟
ورد: آه، دي دعاء ودي آيه.
الست تهاني: وأنا خالتكم تهاني، اعتبروني زي أمكم بالظبط. تعالوا يا حبايبي نطلع نشوف الشقة بدل وقفتنا في الشارع دي.
............ في قصر المنشاوي............
اجتمعت كل العائلة على مائدة الإفطار، وتغيبت الفتيات، وصفية يتملكها الخوف على غير العادة.
حسان: برضه راكبين راسهم ومعاوزينش يفطروا.
صفية بتردد: معرفش عنيهم حاجة، ولا شفتهم أصلاً.
سليم: قلت لك يا بوي، سيبهم لما يموتوا من الجوع، هينزلوا غصب عنهم.
فراچ: طول بالك يا عريس، روق كده، ودلوقتي ينزلوا.
فارس للخادمة: روحي يا بنتي، نادعي على ستك ورد وستك دعاء وآيه يجوا يفطروا معانا.
الخادمة: فتّش عليهم قبل سابق يا فارس بيه، بس ما لقيتش ولا واحدة في أوضتها.
فارس: هيكونو راحوا فين يعني؟ روحي دوري عليهم.
غابت الخادمة لدقائق، ثم عادت خالية الوفاض: دورت عليهم في التراس والجنينة، وحتى على السطح، وبرضه ما لقيتهمش.
حسان بقلق: يعني هيكونو طفشوا ولا إيه؟ روحي يا بنتي، هتلاقيهم زي عادتهم في أي جنب.
سليم للخدم: إنتوا يا بهايم كلكم، روحوا دوروا عليهم.
مر بعض الوقت، وعاد كل الخدم بعدما بحثوا عنهم في كل القصر.
رئيسة الخدم: مالهمش أثر يا حسان بيه، وكأن الأرض انشقت وبلعتهم.
حسان بغضب: يعني إيه؟ راحوا فين دول؟ تقلبوا الدنيا وتجبهوملي من تحت تقاطيق الأرض، فاهمين ولا لأاا؟
انتفض سليم بغضب: الله في سماه، لو كنتي عملتيها وهربتي يا ورد، لأكون مخلص عليكي إنتي وأخواتك كمان.
فراچ: أكيد ده تفكير طويلة اللسان آيه، وديني لأجيبها راكعة تحت رجلي، وأخليها تطلب العفو، ومهتلاقيهوش.
فارس بصدمة: ليه؟ ليه يا دعاء، ليه تسبيني وتهربي؟
كانت صفية تتابع ألم فارس وتبكي في صمت، ولم تستطع أن تخفف عنه خوفًا من أبيه وإخوته. وبعد فترة، أخرج الهاتف من جيبه، وقام بالاتصال بدعاء.
في القاهرة....
كانت تهاني مع البنات في الشقة، تتكلم معهم وتداعبهم بخفة دم، فهي لم ترزق ببنات، ومنذ أن رأتهن وقد شعرت بمحبتهم تغرس في قلبها. في هذه الأثناء، رن هاتف دعاء، وأمسكت به. وعندما رأت أن المتصل هو فارس، شهقت من الفزع وسقط الهاتف من يديها أرضًا.
تهاني: يا ساتر يا رب، خير يا حبيبتي؟ خير؟
أمسكت دعاء بالهاتف من على الأرض، ونظرت لأخواتها. وهم بدورهم فهموا معنى نظرتها.
ورد: تعالي يا ست تهاني، وريني الأوضة دي بلكونتها بتطل على إيه.
تهاني: من عنيا يا حبيبتي، تعالي اتفضلي.
ابتلعت دعاء لعابها بغصة، وقامت بالرد على فارس.
دعاء بخوف: الو، اسمعني يا فارس.
فارس بغضب: اسمعيني إنتي دلوقتي حالًا، تكوني قدامي، وإلا قسما بالله هجيبك يا دعاء، وساعتها متلوميش غير نفسك.
دعاء: عشان خاطري، افهمني.
فارس: أفهم إيه وزفت إيه؟ إيه اللي هبّبتيه إنتي وأخواتك ده؟ اتجننتي ولا إيه؟
دعاء: فارس، أنا مرجعاش. وعملت كده عشان أخواتي، ومش هفضل نفسي وحياتي على حساب راحتهم وسعادتهم.
فارس: وإنا يا دعاء، هانت عليكي تكسري قلبي؟
هنا انتزع سليم الهاتف من يد أخيه بغضب.
سليم بصوت مرعب: دعااااء!
هنا انتفض جسد دعاء من الرعب.
دعاء: عاوز إيه يا سليم؟
سليم: تجيبي أخواتك وتيجي بالذوق وتطلبوا السماح على عملتكم المهببة دي، وإلا قسما بالله لهجيبكم لو في آخر الدنيا. وقولي لورد إن عملتها دي مهسامحهاش عليها، وأصلًا هدفعها التمن غالي قوي.
هنا لم تتمالك دعاء أعصابها، وأغلقت الخط في وجه سليم، بل وأغلقت الهاتف كله، وأخذت نفسًا طويلًا، وكأن رئتيها لم تذق الأكسجين قط.
بعد فترة قصيرة..
تهاني: معلش يا حبايبي، هي الشقة متربة ومتبهدلة، بس ده عشان بقالها فترة مقفولة. أنا هستأذن دلوقتي وأسيبكم ترتاحوا، وبليل هاجي أطمن عليكم، لو محتاجين حاجة.
آيه: تسلمي يا ذوق.
تهاني: والنبي إنتي اللي ذوق وعسل أوي. يلا سلام.
أغلقت ورد الباب، وتوجهت ناحية دعاء، التي تجمدت ملامحها ولم تقدر على نطق كلمة.
ورد: فارس قالك إيه يا دعاء؟
لم ترد دعاء، وإنما اكتفت بدموعها تنساب من عينيها، لتشرح لورد كل ما حدث........
بعدما هدأت دعاء، حاولت أن تروي ما قاله سليم، ولكنها فضلت السكوت. فأختها ورد عانت كثيرًا بسبب خوفها من سليم وأفعاله.
آيه: بقولكم إيه؟ اللي فات ده كله ننساه، ومنتكلمش فيه خالص، فاهمين؟
أومأت الفتاتان برأسهما بمعنى أنهم موافقون.
آيه: وننسى كل حياتنا اللي فاتت، ونبدأ حياة جديدة، حتى كلامنا نبطله ونحكي زين زي بنات البندر.
ورد: عندك حق.
دعاء: ....
رواية بنات المنشاوي الفصل الرابع 4 - بقلم خلود وائل
مر اليوم سريعا ولم تشعر به الفتيات لانشغالهم في تنظيم وترتيب الشقه التي استأجروها.
وسط انشغالهم في اعمال التنظيف، لم ينسوا تأدية فرض ربهم.
عندما حل المساء، جلست الفتيات بتعب.
ورد: هموت من التعب، مقدرش أتحرك.
آيه: أنا هموت من الجوع ياناس.
دعاء: أنا هموت وأنام.
بعدما أنهت دعاء كلمتها، دق الباب.
ورد بتوتر: مين اللي بيخبط علينا؟
آيه: مالك قلقتي كده ليه؟ متخافيش، عمك وولاده عمرهم ما يعرفوا طريقنا. واتكلمي عدل، متفتحيش علينا أبواب النار.
ورد: حاضر.
فتحت ورد الباب لتتفاجئ بالست تهاني تحمل بين يديها صينية مليئة بالطعام، وتقف بجوارها جارتها صديقتها أم عاصم التي تحمل إبريقاً من العصير.
ورد: أهلاً أهلاً، ست تهاني اتفضلي تعالي.
دخلت الست تهاني وخلفها أم عاصم، لتقابلها دعاء وتحمل عنها الصينية وتضعها على طاولة الطعام.
ورد: ليه تاعبة حالك يا خالتي وجاية شايلة؟
تهاني: ولا تعب ولا غيرة يا حبيبتي، انتوا زمانكم من الصبح على لحم بطنكم. مشوفتش ولا واحدة خرجت تجيب أكل أو حتى إزازة ميه.
دعاء: كتر ألف خيرك يا خالتي، والله تعبناكي معانا.
تهاني: تعبكم راحة يا حبايبي. أعرفكم، دي حبيبتي وجارتي خالتكم أم عاصم. حكيتلها عنكم وصممت تيجي ترحب بيكم وتتعرف عليكم.
أم عاصم: بسم الله ما شاء الله، تبارك الخلاق فيما خلق.
تهاني: لا جمال ونضافة، ده أنا حاسة إني أول مرة أدخل الشقة بجد، تسلم إيديكم يا بنات.
دعاء: تسلمي يا خالتي.
تهاني: احكولي يا حبايبي، انتوا ملكوش أي قرايب؟
سادت دقائق من الصمت، لتكسرها دعاء قائلة:
دعاء: لينا بعد ربنا ابن عمنا فارس ومرات عمنا صفية، بس دول مسافرين برة مصر من سنين.
أم عاصم: يا حبايبي يا بنتي، وعايشين كده لوحدكم؟
ورد: ربنا كبير يا خالتي.
آيه بمرح: وبعدين يا خالتي، انتوا أهو ربنا بعتكم لينا تبقوا عزوتنا، ولا إيه؟
تهاني: طبعاً يا حبيبتي، وأي حاجة تحتاجوها اطلبوها مني على طول.
أم عاصم: وأنا يا حبايبي، ساكنة في العمارة اللي قصادكم دي، لو احتاجتوا أي حاجة تعالولي على طول.
ورد: تسلمي يا خالتي.
تهاني: وانتوا بتشتغلوا إيه بقى يا حبايبي؟
ورد: ها... أنا أنا...
آيه: ورد دكتورة صيدلانية لسه متخرجة من كام شهر، ودعاء كمان لسه متخرجة من كلية تجارة، وأنا بقى آخر العنقود، لسه داخلة تالتة هندسة.
أم عاصم وتهاني: بسم الله ما شاء الله، ونعم التربية يا بنتي.
أم عاصم: ولقيتوا شغل ولا لسه بتدوروا؟
دعاء: إحنا سيبنا شغلنا في إسكندرية، بس من بكرة هننزل ندور إن شاء الله على شغل.
تهاني: طب نستأذن إحنا بقى ونسيبكم تتعشوا وتناموا ترتاحوا. يا بنات، تصبحوا على خير.
البنات: تلاقوا الخير.
بمجرد نزول تهاني وأم عصام، قامت الفتيات بإغلاق الباب وجلسوا يتناولون العشاء في راحة تامة.
آيه: ياااه، الواحد كان جعان بشكل.
دعاء: بجد، كتر ألف خيرها الست تهاني دي.
ورد: وعصير المانجا بتاع أم عصام جميل أوي.
آيه: أنا حاسة براحة فظيعة، عمري محسيتها قبل سابق. يمكن عشان البهيم اللي اسمه فراچ مقعدش معايا على الأكل.
ضحكت الفتيات على كلمة آيه الأخيرة، وتنهدت ورد بحزن:
ورد: خايفة قوي على صفية مرات عمي، خايفة يعملولها حاجة. واتوحشتها جامد، أول مرة أغيب عنها كده.
دعاء: وأنا كمان، أول مرة نبيت برة القصر.
آيه: وأنا اتوحشتها أكتر منكم، بس جوايا راحة معرفش إيه سببها، حاسة كأنه هم وانزاح من قلبي.
ورد: وأنا كمان نفس الإحساس يا آيه.
دعاء: طب وبعدين ناويين على إيه؟
ورد: هنشتغل ونعيش حياتنا وننسى الماضي بكل اللي فيه. وكلها شهر ودراسة آيه تبتدي، نكون اتصرفنا ونقلنا ورقها لجامعة القاهرة. وأنا من بكرة هنزل أدور على شغل.
دعاء: وأنا كمان.
آيه: وأنا كمان.
ورد: لا، انتي لا. انتي تذاكري وتنجحي وبس، ملكيش صالح بأي حاجة تانية.
آيه: طب ومالنا اللي عند عمك، هنعيش محرومين منه العمر كله، ولا إيه!
ورد: معوزاهوش، أنا مرتاحة كده. كفاية إني لأول مرة في حياتي هنام وبالي مرتاح بعيد عن ظلمة.
دعاء: أنا بس عاوزة فارس، إنما ورثي معوزاهوش. الفلوس والأرض كانوا هما السبب إنه مورّينا العذاب ألوان من يوم ما أمي وأبويا ماتوا وسابونا تحت رحمته.
آيه بضيق: وأنا مسيباش ليه جنيه واحد، وحقي هاخده يعني هاخده. كفاية إنه سنين طويلة بيتمتع بمالنا وعز أبويا. واعملوا حسابكم على كده.
ورد: طولي بالك يا آيه، وسبيها على ربنا. وقومي يلا ننام، واللي مكتوب لنا هنشوفه.
في قصر المنشاوي:
حسان بغضب: يعني إيه ملاقينهمش؟ الأرض انشقت وبلعتهم، ولا إيه؟ هما يعرفوا مين ولا هيروحوا فين؟
سليم: مسبتش مكان غير ودورت فيه يا بوي، حتى أصحابهم بتوع الجامعة دورت عندهم واحدة واحدة.
حسان: ودار أخوالهم؟
فراچ: روحتلهم يا بوي واتخانقنا معاهم وملقيناهمش هناك.
حسان وهو يضرب بعصاه في الأرض: أقلبوا عليهم الدنيا، تجيبهملي راكعين أهنه، وساعتها همضيهم غصب عنهم وأقتلهم وأرتاح منهم.
سليم: والله لو في آخر الدنيا يا ورد لهجيبك وأدفنك حية.
ابتلعت صفية ما في حلقها خوفاً على البنات، وانسحبت بهدوء من مجلسهم وصعدت لغرفة فارس. دخلت إليه، وهو بدوره كان جالساً شارد الذهن، لم يشعر بدخول والدته.
صفية: فارس ولدي.
أفاق فارس من شروده ونظر لوالدته بألم:
فارس: جيتي إمتى يا ما؟
صفية: متزعلش مني يا ولدي.
فارس: زعلان عليهم يا ما، كانوا زي المسجون اللي بيستنى يوم إعدامه، وأنا كنت متكتف وواقف معرفش أساعدهم. أنا قلقان عليهم، معرفش هما فين ولا مع مين. قلبي ما ارتاحش واصل، ومقدرش أسامح دعاء على عملتها. دلوك بس فهمت هي كانت تقصد إيه لما كلمتني بالليل وقالتلي: "سامحني على أي حاجة أعملها".
صفية بخوف: هي عملت كده غصب عنها يا ولدي.
فارس: غصب عنها إزاي يا ما؟
صفية: أنا اللي قلتلهم يهربوا يا ولدي.
فارس بغضب: إيه! كيف تعملي كده؟ لو حد من أخواتي شم خبر مهيحصلكيش. طيب ليه كده يا ما، ليه؟
صفية بألم: كنت عاوزني أقف أتفرج عليهم وإخواتك بياخدوا منهم مالهم غصب عنهم ويرموهم كيف الخدم؟ انت عارف زين إيه اللي كان مستنيهم، صح ولا غلط؟
فارس: بس يا ما...
صفية: مبسش يا فارس، أنا عارفة ومتأكدة إن ربنا مهيتخلاش عنهم، وهو لوحده قادر يوقف لهم ولاد الحلال اللي يساعدوهم يرجعوا حقهم من أبوك.
فارس: مرتاحة في بعدهم الوقتي يا ما؟
صفية بدموع: لا، ولا عمري هرتاح وأنا بعيدة عنهم. بس ضميري مرتاح يا ولدي. أمهم وصتني عليهم وهي بتطلع في الروح، وأنا وعدتها إني أفديهم بروحي.
فلاش باك:
في إحدى مستشفيات الصعيد، وفي غرفة العمليات.
الطبيب ١: دي خلاص بتموت مننا، مهنلحقش نعملها العملية.
الطبيب ٢: بتقولي إيه يا حاجة؟
منال: صصص... صاا... صغففف... صفييييييه.
الطبيب ١: صفيه؟!
منال: اااايييوووااا!
خرج الطبيب من غرفة العمليات لينادي باسم صفية، ليعود لغرفة العمليات ومعه صفية لتلك المرأة التي تنازع الموت على سرير غرفة العمليات.
صفية: متخافيش يامنال، أنا معاكي أهوه.
منال بدموع تنساب من عينيها: اللللبنات البنات ياااا صصصفييه، اماااانه ففففي رقبببتك.
صفية بدموع: محدش هيربيهم غيرك يا منال.
منال: خلي بالك ممممنيييهم.
صفية: أفديهم بروحي يا منال، متخافيش عليهم.
نظرت لها منال نظرة أخيرة، لتفيض روحها إلى بارئها، تاركة خلفها ثلاثة بنات، أصغرهم عمرها ٦ أشهر، في أمانة سلفتها منال.
بااااك:
فارس: طب كلمتيهم يا ما؟ أنا هموت من قلقي عليهم.
صفية: لا، ملقيتش فرصة أطلبهم. يلا قبل ما حد يجي.
أخرج فارس هاتفه من جيبه وطلب ورد، لأن دعاء أغلقت هاتفها. رن هاتف ورد مراراً وتكراراً، وفي النهاية استسلمت وقامت بالرد.
ورد بخوف: ألو.
فارس بحنو: كيفك يا ورد؟
ورد: بخير يا فارس، متقلقش.
فارس: أخواتك مناح؟
ورد: كلنا بخير، اطمن.
فارس: انتوا فين؟
ورد: في أرض الله.
فارس: متقلقيش يا ورد، أنا مش زيهم. وواحدة من أخواتك هربت ومعاها قلبي.
ورد بابتسامة: خدها معاك أهيه، اطمن على قلبك.
ناولت ورد الهاتف لدعاء.
دعاء: ألو يا فارس.
فارس: كده يا دعاء، تموتيني من خوفي عليكي.
دعاء: قلتلك يا فارس، راحة أخواتي عندي بالدنيا.
فارس: طب وراحتي مش في بالك؟
دعاء: انت خابر زين يا واد عمي، إن راحتك ربنا خلقني عشانها.
فارس بابتسامة: ماشي يا قلب فارس. افتحي تليفونك عشان أعرف أكلمك. وخذي مرت عمك، عاوزة تطمن عليكم.
صفية: ألو، أيوه يا دعاء، كيفك يا حبيبتي وكيف أخواتك؟
دعاء: إحنا مناح يا ما، متقلقيش علينا.
صفية: انتوا فين؟ طمنيني.
دعاء: إحنا في مصر يا ما، ومتخافيش، أجرنا شقة عند ناس طيبين.
صفية: اقفلوا عليكم بابكم، وأوعاكم ترجعوا. ثم أكملت باكية: لو جاكم خبري يا بنتي، أو عواكم تحضروا عزايي، أو عواكم تبصوا وراكم يا بنتي. افرحوا وعيشوا حياتكم. وأنا كام يوم وهبعتلكم فارس يطمن عليكم، متقلقوش، مهنسيبكمش واصل.
بعد مكالمة طويلة مليئة بالدموع، أغلقت الفتيات باب الشقة واستسلموا جميعاً للنوم بعد عناء يوم طويل. لتشرق شمس الصباح وتتسلل أشعتها الذهبية من شباك غرفة ورد لتلامس عينيها السوداء وتوقظها من النوم.
ورد بتثائب: قومي يا ورد، كفاية فاتتك صلاة الفجر.
بعد دقائق، قامت ورد وأدت فرض ربها، ثم ارتدت ملابسها وأخذت بعضاً من المال الذي أعطته إياها صفية، ونزلت من المنزل. لتدخل أقرب سوبر ماركت وأخذت كل ما يلزم ليكون في المطبخ الخاص بها. وتوجهت نحو صاحب المحل لتدفع الحساب.
عاصم: إيه كل ده؟ عندك عزومة ولا إيه؟
ورد: في حاجة اسمها "ما شاء الله" ولا مسمعتش عنها؟
رفع عاصم عينيه لينظر لصاحب الصوت الناعم، ليتفاجأ بفتاة ذات جمال مهلك وشعر أسود حريري. وأطال النظر إليها ليفيق من شروده على صوتها:
ورد: إيه يا أستاذ، هتفضل مبلم كده كتير؟
عاصم: لا أبداً، حسابك ١٢٧٠ جنيه.
فتحت ورد حقيبتها الصغيرة وأخرجت منها المال وناولته لعاصم، الذي رفض بدوره أن يأخذ منها المال:
عاصم: لا والله أبداً، خلي علينا المرة دي.
ورد باقتضاب: هتاخد ولا أشتري من حد تاني؟
عاصم بصدمة: احم، لا هاخد. هاتي.
ناولته ورد المال وهمت بالذهاب، أما عاصم فوقف يتابع خطواتها حتى اختفى أثرها في البيت المقابل لبيته.
عاصم بفرحة: أنا والقمر بقينا جيران.
صعدت ورد للشقة وأعدت طعام الإفطار لأخواتها، وحملت صينية العشاء وقامت بإنزالها لشقة الست تهاني، ثم صعدت لشقتها لتأتي بأبريق العصير الخاص بأم عصام وتنزل مجدداً لتعطيه لها.
وقفت ورد أمام باب شقة أم عصام وهي تحمل أبريق العصير المملوء بعصير الفراولة الذي أعدته هي كشكر على حسن ضيافة أم عصام.
فتحت هناء، أخت عصام، الباب وهي فتاة في أوائل العشرينات ذات طابع مرح ووجه طفولي بشوش.
هناء: عاوزة مين يا جميل؟
ورد: ده بيت أم عصام.
هناء: وأنا ابنها عصام، ودي زنقة غسيل المواعين الحزينة.
ابتسمت ورد رغماً عنها:
ورد: طب ادي لها ده وقوليلها بتقولك ورد تسلميلي يا أم عصام.
هناء: إيه الكروته دي؟ متدخلي تشكريها بنفسك.
ورد: مرة تانية إن شاء الله.
هناء: أبداً والله، لا يمكن. تعالي بس تعالي.
دخلت ورد بإحراج، وأجلستها هناء في الصالون وغابت دقائق لتنادي والدتها التي خرجت لتقابل ورد بابتسامة.
أم عصام: وليه التعب ده بس يا ورد يا بنتي.
ورد: تعبك راحة يا خالتي.
أم عصام: لازم تتغدوا معانا النهاردة بقى.
ورد بإحراج: مرة تانية إن شاء الله.
قطع كلامهم دخول عصام من باب الشقة بدخوله المرح المعتاد:
عصام: بت يانؤة انتي فين؟
هناء: أنا هنا يا عصومي، تعالي.
نظر عاصم ناحية ورد التي كانت تجلس بخجل ولم تنظر إليه.
عصام بدهشة: مين المزة دي يا ماما؟
انتفضت ورد من مكانها واستأذنت بالرحيل.
أم عصام: استني يا بنتي، نتغدى سوا.
ورد: مرة تانية يا خالتي، عن إذنك.
همت بالرحيل، ولكن استوقفتها كلمات عاصم:
عاصم: أنا ممكن أنزل عادي، وكملي قعدتك.
ورد باقتضاب: اتفضل، ده بيتك. بعد إذنك.
رحلت ورد، ولكنها تركت علامة في قلب شاب وقع أسيراً لرونق جمالها.
جلس عاصم يتساءل عن ورد، لتروي له أمه قصتها هي وأخواتها، واختتمتها بقولها:
أم عصام: والله دول باين عليهم بنات محترمين وجمال وأدب وأخلاق ونضافة، دول خلوا شقة تهاني ولا شقة عروسة.
هناء: أخواتها حلوين زيها كده يا ماما؟
أم عصام: قمرات يا بت يانؤة، قمرات يتاكلوا أكل.
عاصم بمكر: طب والاحلى هما ولا مرات ابنك اللي نزلت دلوقتي؟
أم عصام بابتسامة: يخرب عقلك يا واد يا عاصم، ده انت لسه شايفها دلوقتي.
عاصم: خطفت قلبي يا ماما، البت قمر قمر، يخرب بيت كده.
هناء: طب وتغريد؟
عاصم: يا شيخة غوري انتي وهي، بقولك دي قمر وطعمة وحلاوة، تقوليلي تغريد؟ جتك سد نفسك.
هناء بمرح: لا طلع ذوقك حلو بجد.
أم عصام: أخوكي باين وقع ومحدش سمي عليه يا هناء.
عاصم: يبختك يا واد يا عاصم، قمر قمر يعني مفيش كلام.
رواية بنات المنشاوي الفصل الخامس 5 - بقلم خلود وائل
مرت الأيام سريعًا بحلوها ومرها، واعتادت الفتيات حياتهن الجديدة. فها هي ورد تعمل بأحدي الصيدليات بجوار منزلها. أما دعاء، فما زالت تبحث عن وظيفة، إلى أن جاء اليوم الموعود.
كانت تجلس مع فتيات الحي مساءً بعد أن كونت صداقات معهن، وأصبحن يجتمعن سويًا في منزلهن كلما حانت فرصة.
دعاء: يلا يا ورد هاتي عصير الفراولة، آية مجنونة الدنيا.
ورد: جيت أهو، أحلى عصير لأحلى بنات.
آية: امممم، تسلم إيدك يا وردتي، العصير حلو أوي.
هناء: هاتي كوباية كمان عشان أظبط الدايت 😂.
آية: يلا شلا، ماحدش حوش.
تغريد: مبسوطة يا ورد بالشغل في صيدلية محمد أخويا؟
ورد: الحمد لله، دكتور محمد ذوق ومحترم، ربنا يخليه.
تغريد: آه، وسنجل كمان.
هناء: العروسة هنا أهي.
وأشارت على نفسها بمرح، لأنها تعلم أن أخاها عشق ورد منذ أن رآها أول مرة.
آية: أوعى الجمدان يا مان.
تغريد: رخمة أوي على فكرة.
ورد، وهي تغير مسار الحديث: ملقتيش شغل يا دعاء؟
دعاء بحزن: دورت كتير لحد ما فقدت الأمل، مفيش أي وظيفة نهائي.
سلمى: طب واللي يجبلك وظيفة؟
دعاء: أعمله كريم كراميل من اللي سلمى بتحبه.
سلمى: خدي قلبي يا ستي، خلاص.
دعاء: عندك شغل ليا؟
سلمى: حظك حلو، محاسب من الشركة اللي بشتغل فيها سافر بره مصر وساب الشغل، وسامر بيه قالب الدنيا وجاب كذا محاسب بعده، بس ولا واحد عرف يظبط الحسابات زيه، متفهميش ليه.
دعاء باهتمام: غريبة دي، حاجة عادية يعني؟
سلمى: شكلك شاطرة في الحسابات يا دودو.
آية باندفاع: الحسابات دي لعبة، دعاء دي هي اللي كانت بتظبط حسابات شغل فارس.
سلمى: مين فارس ده؟
ورد بتوتر: دا دا... دا مدير شركة كانت دعاء بتشتغل عنده في إسكندرية.
تغريد: ده يبقى ربنا بيحبك لو اشتغلتي في شركة الحديدي.
دعاء بتعجب: أنا سمعت الاسم ده فين قبل كده؟
هناء: مين ميعرفش مجموعة شركات الحديدي جروب؟
ورد: بتوع إيه دول؟
سلمى: دول واحدة من أكبر شركات تصدير الخضروات والفاكهة في مصر، ومديرها صالح بيه الحديدي، وولاده سامر بيه والباشمهندس سيف.
دعاء: طب وأنا ممكن أتوظف عندهم؟
سلمى: إنتي وشطارتك.
دعاء: بكرة هاجي معاكي، تمام؟
سلمى: تمام.
مر الليل سريعًا، لتنهض دعاء صباحًا وتؤدي فرضها، وتمضي مع سلمى إلى مقر شركة الحديدي، لتأخذها سلمى لمسئول التوظيف، لتجري مع دعاء مقابلة للتعيين.
جلست دعاء في مقابل السيدة نهال، وهي سيدة في أوائل الأربعينات من عمرها.
نهال: اشتغلتي فين قبل كده يا آنسة دعاء؟
دعاء: بصراحة، دي أول مرة أشتغل يا مدام نهال.
نهال: بس سلمي قالت لي إنك كنتي بتشتغلي قبل كده، وواخدة فكرة عن شغلنا.
دعاء: كنت بشرف على حسابات شغل ابن عمي، وشاطرة أوي في الحسابات، متقلقيش.
نهال: آسفة، بس لازم يكون عندك خبرة، إحنا هنا مش بنهزر، هنا الغلطة بتكلفنا ملايين.
دعاء: متقلقيش، والله الحسابات دي لعبتي.
نهال: طب لو اشتغلتي عندنا، هتضيفي إيه للشركة؟
دعاء بمرح: يا خبر يا مدام نهال، ده أنا الإضافة بحد ذاتها.
ابتسمت نهال رغماً عنها: أنا مضطرة أعينك عشان مفيش قدامي غيرك، وقدامك فرصة تثبتي نفسك في الشركة، وساعتها هعينك بشكل دائم، قلتي إيه؟
دعاء: موافقة طبعاً، وممكن أبدأ من دلوقتي لو تحبي.
نهال: اتفضلي معايا، عندنا ملف حسابات صفقة فيها حاجة مش مظبوطة خالص، وريني شطارتك بقى.
دعاء: عيوني.
دلفت نهال وخلفها دعاء إلى غرفة الحسابات، وجلست دعاء على مكتب خصصته لها نهال، وأعطتها الملف، وتركتها لتختلي بنفسها وتنطلق في مجالها الذي تعشقه وتهواه.
بعد يوم عمل طويل ومرهق لدعاء، اندفعت من مكانها حاملة الملف الذي أعطته إياها نهال، ومعه بعض الملفات، واتجهت نحو مكتب مدام نهال.
دعاء: كارثة يا مدام نهال، كارثة.
نهال: يا ساتر يا رب، فيه إيه يا بنتي؟
دعاء: كارثة وهتحل على الشركة، فين المدير؟ وديني للمدير حالا.
نهال: أنا مش فاهمة حاجة.
دعاء: وصليني لمدير الشركة وهتفهمي كل حاجة.
في قصر المنشاوي:
حسان: أسبوع بحاله وملقيتهمش، كيف يعني مشغل عيال ولا إيه؟
سليم: والله يا بوي ملهمش أي أثر، كأنهم مابتخلقوش نهائي.
حسان: لازم تلاقيهم، لازم.
سليم: بعمل كل اللي بقدر عليه يا بوي، ممضيعش ولا فرصة.
في الأعلى، كانت تجلس صفية مع فارس.
فارس: كفاية كده يا أما، لازم أسافر لهم أطمن عليهم.
صفية: مش دلوقتي يا ولدي، استنى الموضوع يهدى شوية.
فارس: مقدرش على بعدها يا أما، متعودش أقضي يوم بعيد عنها عاد.
صفية: حكم القوي يا حبيبي.
... في شركة الحديدي ...
كانت تقف بكل ثبات وثقة، تناقش ما توصلت إليه من مراجعة الملفات الخاصة بالصفقة الأخيرة، وكان صالح الحديدي وولداه يستمعون إليها باهتمام.
دعاء: الغلطة دي مقصودة يا صالح بيه، مفيش محاسب متخرج من ساعتين يغلط الغلط ده.
سامر: وإيه اللي يثبت كلامك؟
دعاء: اللي كان مسؤول عن الملف ده اختلس مبالغ كبيرة جداً، وحاول إنه يخفي أثره من الملف ده، ولكن العجز النهائي في الميزانية لازم بيبان في أكتر من ملف، فطبعاً الغبي اللي عمل كده معرفش يظبط حسابات كل الملفات التانية، فعمل ملف تاني شبيه بالملف الأساسي عشان اللي يراجع وراه مياخدش باله، وإنما لو ركزنا أكيد هناخد بالنا كويس. فرق الأرقام بين الملفات مهول، وفي النهاية انتوا اللي هتتحطوا في موقف سيء مع الضرايب.
سيف بإعجاب: وإنتي إزاي أخدتي بالك من كل ده؟
دعاء: سر المهنة ياااا.
سيف: سيف الحديدي.
دعاء: سر المهنة يا سيف بيه.
صالح بإعجاب: كتر ألف خيرك يا بنتي، مشكورة على مجهودك الرائع ده، وليكي مكافأة طبعاً.
ثم نظر لسامر: الحيوان اللي عمل كده، تشوف شغلك معاه، فاهم؟
سامر بجدية: حاضر يا صالح بيه.
أطالت دعاء النظر لسيف الحديدي، فهو شاب يخطف الألباب، ولكنها كانت تحفظ ملامحه ولا تنظر له نظرة إعجاب، ففارسها هو الوحيد الذي يسلب عقلها.
نهال: متتبصيش لحاجة بعيدة عنك، ده سيف بيه الحديدي.
دعاء بتوتر: وأنا دعاء المنشاوي... متخافيش، قلبي فيه واحد تاني.
نهال بإعجاب: يا آه، للدرجادي؟
دعاء: وأكتر كمان.
عند ورد في الصيدلية:
دلف عاصم للصيدلية ليجد ورد منهكة في عملها، ليأخذ نفسًا عميقًا ثم يذهب إليها.
عاصم: لو سمحتي يا دكتورة.
ورد: نعم.
عاصم: عاوز دوا للقلب.
ورد: اسم الدوا إيه؟
عاصم: ورد.
ورد: نعم!
عاصم: علبة كبيرة كده مرسوم عليها ورد.
ورد: مشفتش حاجة زي كده قبل كده.
عاصم: ولا أنا شخصياً شفت زيها قبل كده.
ورد: حضرتك عاوز إيه؟
عاصم: مش عارف بصراحة، من ساعة ماشوفتك وقلبي مش متظبط.
ورد ببرود: ممكن أوصفلك دوا يجيب أجلك وترتاح.
قبل أن يرد عاصم، تفاجأ بدكتور محمد، صاحب الصيدلية وصديق طفولته.
محمد: البشمهندس عاصم صقر، منورنا هنا... لا، أنا مش مصدق نفسي.
تعجبت ورد من كلمة "مهندس" التي سبقت اسمه، ولكنها لم تتحدث. ليكمل عاصم حديثه: وحشني يا حودة والله، قلت أجي أشوفك.
محمد: يا عم، ده أنت نسيتني خالص.
عاصم: أنا أقدر برضو، هو اللي يعرفك يقدر ينساك.
أنهى جملته بنظرة لورد، كأنه يقصدها بالكلام.
محمد: تعالي نشرب كوبايتين شاي عند الواد سمير ونتلم سوا، وحشاني قعدتنا سوا.
عاصم: تمام، اسبقني أنت، وأنا هحصلك على طول.
محمد: هتعمل إيه هنا؟
عاصم: هجيب علبتين دوا للحاجة.
محمد: طلباتك يا ريس.
عاصم: متتخلقش بقى، متبقاش غتت.
ورد بكثوف: تقدر تمشي أنت يا دكتور محمد، وأنا موجودة هنا.
عاصم: قالت لك امشي، يلا بلاش غتاته.
رحل محمد وهو يعض على شفتيه بضيق من عاصم، لأنه لا يطيق وقوفه مع ورد، التي وقعت ضحية لعيونها الفتاكة.
ورد: حضرتك عاوز مني إيه؟
عاصم: عايزك كلك على بعضك.
ورد: احترم نفسك.
عاصم: في الحلال يا بنتي، إيه دماغك راحت فين؟
ورد: يا ريت متجيش هنا تاني، وأنا ولا كأني سمعت حاجة.
عاصم: اديني فرصة طيب.
لم ترد عليه ورد، وإنما انسحبت بهدوء وعادت لتكمل عملها.
في الشارع، كانت تمر آية من أمام إحدى الشباب وهي في طريقها لمنزل هناء، لتقضي معها بعض الوقت. استوقفها أحد الشباب.
عمار: الجميلة ماشية لوحدها كده ليه؟
آية ببرود: وانت مال أهلك.
عمار: ع الهادي يا زبادي، ده أنا عمار اللي بيهدي الإعصار وبيخلي الجو مولع نار.
آية: يلا العب بعيد يا شاطر.
عمار: متيجي تلعبي معايا يا مزة.
آية: انت تعرفني يلا؟
عمار: نفسي أتعرف والله.
آية: ومالو يا أخويا...
انخفضت آية لمستوى ساقيها، لتجذب الشبشب الذي ترتديه بيديها، لتنهال به على رأس عمار، لتلقنه درسًا لن ينساه.
عمار: عاااا، سبيني يا مجنونة، الحقوني يا ناس.
اجتمع الناس حول تلك المشاكسة التي لا تهتم لأمر أحد، وبصعوبة شديدة استطاعوا إنقاذ عمار من بين يديها.
بعد دقائق، عند هناء:
هناء: يخرب عقلك يا آية، دي هبة منك ع الآخر.
آية: بقولك إيه، هو اللي جابه لنفسه.
هناء: تسلم يا زميلي.
في نهاية اليوم، عادت دعاء وورد للمنزل. وبينما كانت ورد تنهي بعض الأعمال المنزلية، كانت دعاء في البلكونة تقوم بنشر بعض الملابس. لتنهيها برمي ما تبقى من الماء في الشارع، ليتصادف سقوطها على عاصم المار في الشارع.
عاصم: مش تفتحي يا ست انتي!
اختبأت دعاء لكي لا يراها عاصم، ولكنه صعد ليلقن تلك الفتاة درسًا قاسيًا.
دق عاصم الباب.
ورد: مين اللي بيرزع كده ع الباب؟
فتحت ورد الباب لتتفاجئ بعاصم مبتل بالكامل، وعيناه مليئة بالشر الذي تبخر حين رآها.
ورد: نعم، عاوز إيه؟
عاصم بهيام: لا أبداً، أنا كنت طالع أشكر اللي غرقتني بالمية عشان خلتني أطلع هنا وأشوفك.
ورد بكثوف: معلش، تلاقيها أختي، حقك عليا.
عاصم: لا أبداً، كفاية إن بسببها واقف مع قمر الحتة كلها، خليها كل يوم ترش عليا المية، ميهمنيش حاجة.
ابتسمت ورد رغماً عنها: احم، عاوز حاجة تانية يا بشمهندس؟
عاصم: يالهوي... أحلى بشمهندس سمعتها في حياتي، طالعة من بين شفايفك زي السكر.
بحركة لا إرادية، أغلقت ورد الباب في وجه عاصم وهربت ضاحكة لغرفتها، أما عاصم فتوجه لبيته يحدث نفسه: مشوارك طويل يا عصومي.
دلف عاصم لمنزله، وعندما رأته هناء وآية، أنهالوا عليه بالسخرية، لترحل آية لمنزلها بسعادة وتروي ما حدث لأخواتها.
بعد شهر، مر سريعًا، وعلاقة ورد بعاصم أصبحت متطورة يومًا بعد يوم، ودعاء التي أثبتت كفاءتها وبجدارة في شركة الحديدي، وآية التي كانت تستعد لبدء العام الدراسي الجديد بعدما قام فارس بنقل أوراقها لجامعة القاهرة.
دعاء: بكرة أول يوم في الجامعة يا آية.
آية: ادعي لي أنجح السنة دي بامتياز زي كل سنة.
ورد: ربنا ميضيعلكيش تعب يا قلب أختك.
آية: هتخلصي شغلك إمتى بكرة يا دعاء؟
دعاء: بكرة هخلص بدري، ليه؟
آية: عاوزة كام طقم جديد للجامعة وكده.
دعاء: خلصي جامعتك وفوتي عليا بكرة ونخرج سوا.
آية: تمام.
انتهى اليوم سريعًا، وأشرقت شمس أول يوم دراسي لآية في عامها الجديد.
هاني: مين الصاروخ دي يا عمر؟
عمر: مش عارف، أول مرة أشوفها.
هاني: جديدة دي ولا إيه؟
عمر: باين كده.
هاني: لا بس حكاية، كفاية عينيها الزرقاء دي، يخرب بيت كده.
عمر: متجيب معاها سكة وتنجز.
هاني: أما أشوف... اوعى كده.
... هاني: بتدوري على حد يا قمر؟
آية: لا.
هاني: أنا هاني الدندراوي، وانتي؟
آية بقرف: ملكش دعوة.
هاني: اممم، باين عليكي متعرفنيش.
آية: لا والله، محصليش القرف.
هاني بعصبية: بت، انتي مجنونة يابت، انتي متعرفيش بتكلمي مين؟
آية: هتكون مين يعني؟ يلا يا حلو من هنا أحسن لك.
هاني بزعيق وأمسك يديها بقوة: أنا هاني الدندراوي اللي بنات الجامعة بيترموا تحت رجليه.
آية: سيب إيدي يا حيوان.
هنا اجتمع الطلبة حولهم، لتدخل طالبة وتدافع عن آية.
ليان: سيبها ياحيوان... سيب إيديها.
هاني: ابعدي انتي يا ليان، متدخليش.
ليان: بقولك سيبها، دي بنت خالتي، انت اتجننت؟
ابتعد عنها هاني رغماً عنه، فهو ليس ندًا لابن صالح الحديدي.
آية وهي تدلك يديها: متشكرة أوي ياااا.
ليان: اسمي ليان.
آية: متشكرة يا ليان.
ليان: انتي جديدة هنا ولا إيه؟
آية: باين عليا ولا إيه؟
ليان: آه، أصل غريبة بصراحة، أول مرة نشوف واحدة ترد وتزعق لهاني الدندراوي.
آية: ليه، هو كان مين يعني؟
ليان: ابن دكتور هنا في الجامعة، بس عيل فاشل وبيعيد كل سنة عشان يوقع بنات الناس، بيتسلى بيهم وكده.
آية: ونعم الأخلاق.
ليان بابتسامة: شكلنا هنبقى أصحاب.
بعد يوم طويل، أنهت آية يومها الدراسي وتوجهت لشركة الحديدي، لتسأل عن دعاء، وتخبرها موظفة الاستقبال أنها في غرفة الاجتماعات.
آية: طب فين أوضة الاجتماعات دي؟
الموظفة: الدور الخامس، تاني أوضة على الشمال يا فندم.
دلفت آية للمكان الذي وصفته لها موظفة الاستقبال، لتقف أمام الغرفة وتنتظر خروج دعاء. في هذه الأثناء، لفت انتباه أحد كبار الموظفين فتاة غاية في الجمال، بعيون زرقاء وشعر بني قصير، وخدود كالورد الجوري، وشفاه بلون الكريز، وجسد ممشوق، ترتدي فستان طويل بنص كم وحقيبة جامعية، وتمسك هاتفها وتنظر به.
حامد: حضرتك موظفة هنا؟
آية: لا، أنا بستنى أختي تخرج من الاجتماع.
حامد بمكر: تحبي تستنيها في مكتبي؟
آية: لا شكراً، أنا مرتاحة هنا.
حامد بنظرات قذرة: جربي، مش هتندمي، أنا مكتبي مريح وهتنبسطي.
آية بانفعال: انت عاوز إيه يا حقير؟
حامد: بالهداوة يا قطة، تعالي معايا ساعتين شقتي وهديكي اللي تطلبيه.
آية بصياح: طلبك ملك الموت يا بعيد، انت اتجننت ولا إيه؟
من داخل غرفة الاجتماعات:
سامر: إيه الزعيق اللي بره ده؟
انتبهت دعاء لمصدر الصوت، وعلمت أنها آية، وتنبأت بحدوث كارثة، وخرجت بسرعة لتمنع آية مما هي على وشك فعله. تزامن فتح باب غرفة الاجتماعات وخروج سامر وسيف ودعاء، وخلفهم الموظفين، لصفعة مدوية تلقاها حامد من آية.
سيف بانفعال: انتي اتجننتي يابت، انتي إيه اللي عملتيه ده!
رواية بنات المنشاوي الفصل السادس 6 - بقلم خلود وائل
سيف بغضب: إيه اللي انتي عملتيه يا مجنونة انتي؟
آيه: ده واحد مش متربي.
سيف: وإنتي اللي جاية تربيه، مش كده؟
آيه: أربيه وأربي اللي مشغلينه كمان.
دعاء بخوف: اسكتي خالص يا آيه.
ثم التفتت إلى سيف قائلة: حقك عليا يا سيف بيه، أنا آسفة. امسحها فيا أنا.
آيه: هو مين ده اللي بتتأسفيله؟ انتي اتجننتي ولا إيه يا دعاء؟
سيف: مين الغبية دي يا دعاء؟
آيه: غبية مين يا حيوان؟ اقف معوج واتكلم عدل.
دعاء: اخرسي خالص يا آيه. ده سيف بيه مدير الشركة. حقك عليا يا سيف بيه، أنا آسفة جداً يا أستاذ حامد، وبعتذرلك بالنيابة عنها.
آيه بعنف: بطلي تقللي من نفسك باعتزاراتك دي. انتي نسيتي انتي تبقي مين؟
سيف: تبقي مين يعني؟
ها... دي موظفة عندي، تكونيش فاكراها رئيسة مجلس الإدارة. بتاع إيه تمدي إيدك على واحد من أهم موظفين الشركة؟ تطلعي مين انتي؟
آيه بتحدي: أبقى مين؟ دي تبقى دعاء المنشاوي، ومديت إيدي على أهم موظف في الشركة عشان راجل حقير وزبالة كان عاوزني أروح معاه شقته أقضي معاه ساعتين وهيدفعلي تمنهم. وأنا، أطلع مين؟ فأنا آيه طايع المنشاوي، اخت دعاء الموظفة اللي شغالة عندك.
سيف: اطلعي برة انتي واختك.
آيه: يعني هتطرديني؟ من الجنة؟ يلا يا دعاء.
دعاء بترجي: أنا آسفة يا سيف بيه، والله هي متقصدش، أختي هبلة وعلى نياتها. حقك عليا أنا.
آيه بجنون: سيف بيه مين وزفت مين؟ انتي بتتحايلى عليه ليه؟ بتقللي من نفسك ليه؟ يلا بينا من هنا يا دعاء.
دعاء بتعنيف: امشي روحي يلا يا آيه. يلااااا.
اشتعلت عيون آيه الزرقاء غضباً مما فعلته أختها، فهي لا تعلم أنها في أمس الحاجة لهذا العمل من أجل تعليم أختها ومتطلبات حياتهما. دقيقة من الصمت سادت في المكان وسط اندهاش الموظفين من تلك المشاكسة التي أثارت غضب سيف الحديدي وتحدته أمام أعين الناس ولم تأبه لمكانته ومركزه. وقطعتها آيه بانسحابها وخروجها من المكان، تاركة الشركة بأكملها ومتجهة نحو بيتها لترتمي على سريرها، مطلقة العنان لدموعها، لعلها تخفف مرارة الحزن الذي احتل قلبها. أما عند دعاء في الشركة.
دعاء: أنا بكرر اعتذاري يا سيف بيه، بجد متزعلش منها، آيه مجنونة ومش عارفة بتقول إيه.
سيف: تقدري تشوفي حسابك ومتجيش هنا تاني.
دعاء بتوسل: أرجوك يا سيف بيه، أنا محتاجة الشغل وصعب إني ألاقي وظيفة تانية. أرجوك يا سيف بيه.
سيف بغضب: ابقي خلي الست والدتك تعلم اختك الاحترام والذوق في الكلام.
دعاء بألم: معلش يا سيف بيه، بس يمكن لو كانت آيه شافت والدتي الله يرحمها، مكانش بقى حالها كده.
شعر سيف بالندم لما قاله، خاصة أن دعاء بدأت عينيها تلمع من تجمع الدموع بها.
سيف: تقدري تروحي مكتبك يا دعاء، واختك دي متجيش هنا تاني، مفهوم؟
دعاء بفرح: مفهوم يا فندم.
***
في الصيدلية عند ورد.
ورد: حضرتك هتاخدي الحبوب البمبي دي، واحدة بعد الفطار وواحدة بعد العشا. والفوار ده بعد الغدا. وألف سلامة على حضرتك.
الزبونة: تسلمي يا قمر يا ذوق.
ورد بابتسامة: نورتيني.
خرجت الزبونة ليدخل بعدها عاصم، الذي كان يتابع ورد من بعيد.
عاصم: يا بختها والله اللي هتاخد دوا من إيديكي.
ورد: انت يابني مبتزهقش؟
عاصم: حد يزهق من الشيكولاته الجالكسي؟
ورد: اممم وبعدين يعني، آخرتها معاك إيه؟
عاصم: كل خير والله. أنا كنت حابب أعزمكم انتي وأخواتك على رحلة بتطلعها كل سنة الشركة اللي بشتغل فيها، يعني تصيفوا وتغيروا جو. وعلى فكرة، مامتي ونؤة أختي بيطلعوا معانا.
ورد: معلش مش هينفع خالص.
عاصم: ليه؟ انتي ودعاء خدتوا إجازة من شغلكم. دول 3 أيام بس. وبالنسبة لجامعة آيه، فأول أسبوع ده بيكون أي كلام، مبيشرحوش حاجة مهمة.
ورد: وانت عرفت منين بقى؟
عاصم: عقبال عندك، أنا مهندس معماري قد الدنيا.
ورد: امممم، طب بتعمل إيه يا اللي قد الدنيا في السوبر ماركت؟
عاصم: أنا بشتغل طول الأسبوع في شركة معمار، وبعد العصر قاعد في السوبر ماركت، اللي هو أصلاً بتاع أبويا الله يرحمه.
ورد: الله يرحمه.
عاصم: جهزوا شنطكم، بكرة هنسافر بعد صلاة الفجر.
ورد: إيه الثقة دي!
عاصم: منا حجزتلكوا خلاص، مفيش كلام.
ورد بدهشة: من غير ما تعرف رأينا!
عاصم: حضرتك، مفيش حد بيقول لا لشرم الشيخ.
ورد: بس أنا مش موافقة.
عاصم وهو يغمز لها بعينيه: بكرة بعد الفجر، متتأخريش.
ألقى كلمته وهم بالخروج، لتبتسم ورد وهي تراقب أثره.
***
في قصر المنشاوي.
صفية: كلمتهم يا ولدي؟
فارس: اطمني يا ما، أنا كل يوم بكلمهم وأطمن عليهم. ورد بتشتغل في صيدلية جمب بيتهم، ودعاء بتشتغل في شركة محترمة، وآيه ظبطت لها ورقها في الجامعة، وأمورها تمام.
صفية: اسكت يا فارس، قلبي كان هيقف النهاردة لما عرفت إن أبوك بعت سليم وفراج ومعاهم الغفر لجامعة آيه طول اليوم. كنت بدعي ربنا ميعرفوش عنها حاجة.
فارس: متقلقيش يا ما، أنا عملت حساب كده وبعت ناس حبايبي من زمان، نقلو ورق آيه وظبطوا كل حاجة من غير ما أظهر أنا في الصورة.
صفية: يعني أطمن يا ولدي؟
فارس: اطمني يا ما، طول ما أنا معاهم عمر ما حد هيوصلهم.
صفية: يحميك ربنا يا ولدي ويكملك بعقلك.
مساءً في شقة الفتيات، دخلت ورد بعد يوم طويل في الصيدلية، لتجد آيه تجلس في غرفتها ويبدو عليها الحزن.
ورد: مالك يا آيه؟ مش عوايدك تقعدي ساكتة.
آيه: هقوم أرقص دلوقتي، حاضر.
ورد: أباى عليكي. شكلك مش عاجبني فيكي إيه؟
آيه: متشغليش بالك بيا، روحي لدعاء. مأكلتش حاجة من ساعة ما رجعت من الشغل.
ورد: يا مري، من العصر مداقتش الزاد.
لم تستطع آيه كبح دموعها من النزول، لتفجر باكية: مقدرش أتحمل أكتر من كده يا ورد، مقدرش وأصل.
ورد: فيكي إيه يا حبيبتي؟
آيه: مقدرتش أشوفها بتتحايل عليا عشان ميطردهاش من الشركة. اختي حبيبتي اللي الكلمة منها تمشي بلد بحالها، بتتأسف لشوية كلاب. وعشان إيه؟ ملعون أبو القرش اللي يذل الناس كده. ليه يحصل معانا كده؟ ليه؟
ورد: فهميني براحة يا آيه، مفهماش حاجة عاد.
آيه بشهقات متتالية: روحت لدعاء الشركة اللي بتشتغل فيها النهاردة ووقفت استناها تخلص شغل. وقتها، جالي واحد ضايقني بالكلام وأنا ضربته بالقلم، وشافني صاحب الشركة وبهدلني بالكلام وأنا مسكتلوش. ودعاء قعدت تتحايل عليه عشان ميرفدهاش، وأنا متحملتش أشوفها كده.
دعاء بدموع: ولا أنا أتحمل أشوف محتاجة حاجة ومعرفش أجبهالك.
نظرت الفتاتان لبعضهما نظرة طويلة، لتنسحب آيه بهدوء من أحضان ورد، لترتمي في أحضان دعاء، ويكملان دموعهما سوياً.
بعد فترة من الوقت...
ورد: جتكم القرف، كنت جاية أفرحكم معايا، سديتوا نفسي.
دعاء: خير يا ورد؟
ورد: عندنا طلعة.
آيه: على فين؟
ورد: شرم الشيخ.
آيه ودعاء: بجد بتتكلمي جد؟
آيه: شرم الشيخ دي بتاعة الأفلام صح؟
دعاء: دي اللي كان فيها فيلم خليج نعمة صح؟
ورد بضحك: صح، هي اللي بنشوفها في الأفلام.
آيه: ودي هنروحها كيف؟ ومنين الفلوس يا ورد؟
ورد: عاصم عزمنا إحنا التلاتة مع أمه وأخته، وأنا وافقت.
نظرت دعاء وآيه لبعضهما بمكر، ثم نظرتا لورد.
ورد: في إيه! بتبصولي ليه كده؟
دعاء: قولتيلي عاد، عاصم ابن أم عاصم اللي عازمنا صح؟
ورد بتوتر: صح.
آيه بمكر: كتر خيره والله إنه عاوزك تصيفي.
ورد: مش أنا لوحدي، انتوا كمان معايا.
آيه ودعاء: اممممممم.
ورد: في إيه يا بت منك ليها؟ لو مش حابين، منروحش خلاص.
آيه: لا وعلي إيه؟ نروح ونشوف الدنيا مخبيالنا إيه.
ورد: أنا أخدت إجازة من دكتور محمد، وانتي يا دعاء، خدي إجازة انتي كمان.
دعاء: طب أقوم ألحق أكلم سلمي تاخدلي إجازة.
ورد: قولي لها 3 أيام.
دعاء: بحالهم؟ ده سيف بيه هيعلقني من قفايا.
آيه بتذمر: طب خليه يقربلك وأنا كنت طخيته عيارين وارتاحت من قرفه.
دعاء: والله سيف بيه طيب ومحترم ومتواضع، والله انتي بس اللي حظك جه معاه كده.
آيه: اسكتي انتي بدل ما أقتلك وياه. ده إنسان معندوش ريحة الدم ومغرور وشايف نفسه.
قامت دعاء لتكلم سلمى لتخبرها بما اتفقت عليه مع أخواتها. وفي فجر اليوم التالي، استيقظوا جميعاً من النوم وأدوا صلاة الفجر، ليناديهم عاصم ويجتمعوا جميعاً أمام المنزل، ويتفاجئوا بتغريد التي همت بحمل حقيبتها والنزول معهم.
عاصم: انتي راحة فين يا حاجة؟
تغريد: إيه يا عصومي، مش عاوزني أجي ولا إيه؟
عاصم: عادي، بس محجزتلكيش في الرحلة ولا عملت حسابك.
تغريد: مش هتحس بيا خالص والله، أوعدك.
هناء: يلا يا جماعة هنتأخر.
وصلوا جميعاً بعربة أجرة لمكان ركوب الأوتوبيس، لتبدأ رحلتهم المليئة بالأحداث المشوقة.
***
أشرقت الشمس وجميعهم في الأوتوبيس، حيث تجلس دعاء بجوار هناء، ومقابلهم ورد وآيه. وفي الجهة الأخرى، عاصم وبجواره والدته، ومقابله تغريد وزميلته المهندسة رانيا.
عاصم: محدش بيعرف يغني يا شباب ولا إيه؟
آيه بمرح: دعاء صوتها حلو أوي.
تغريد: سمعينا حاجة لعمر دياب بقى.
دعاء: سيبكم منها يا جماعة، دي مجنونة.
ورد: غني يا دعاء، انتي صوتك حلو.
رانيا: يا ستي غني واحنا هنغمض عنينا.
ضحكوا جميعاً، ووسط إلحاحهم، غنت دعاء بصوت جميل أغنية رومانسية، واختارت هذه الأغنية بالتحديد لأن فارس كان يطلبها منها باستمرار، فهو يعشق صوتها.
بدأت دعاء بالغناء واندَمَج معها باقي المسافرين. دقائق، وبدأ أصدقاء عاصم يرقصون ويهتفون بأغاني مهرجانات، وطوال الطريق سادت حالة من الفرحة والسعادة. بعد ساعات طويلة، توقف.
توقف الأوتوبيس أمام إحدى فنادق شرم الشيخ، لينزلوا جميعاً منه ويجلسون في الاستقبال. وبعد دقائق، أنهى عاصم كافة المعاملات الورقية وأخذهم إلى غرفهم، حيث تشاركت كلاً من دعاء وورد وهناء وآيه وتغريد في غرفة واحدة. أما عاصم، فكان مع أصدقائه، وأم عاصم في إحدى الغرف مع إحدى أمهات أصدقاء عاصم وزميلاته.
في غرفة الفتيات:
هناء: 4 سراير حلوين أوي، وتغريد تنام على الكنبة.
تغريد: ليه بقى إن شاء الله؟
هناء: عشان انتي دخيلة في الرحلة دي، ومكناش عاملين حسابك.
تغريد: مليش دعوة، أنا عاوزة سرير.
هناء: خلاص، نامي في الطرقة براحتك.
تغريد: والله لو منيمتيني على سرير، لهروح أنام في أوضة عاصم.
هنا أحست ورد بغيرة من كلام تغريد، وأحست برغبة عارمة في خنق هذه الفتاة التي تعدت حدود الأدب مع ذلك المدعو عاصم، ولا تعلم لماذا يشغل بالها وتفكيرها، وسرعان ما نفت هذا الإحساس وأكملت توضيب ملابسها. وبعد ساعة من الوقت المرح الذي قضته الفتيات، دق عاصم باب الغرفة، لتفتح له هناء.
عاصم بمرح: جايين نقعد في الأوض ولا إيه؟
آيه: هنروح فين يا حضرة القائد؟
عاصم: عندي ليكوا برنامج هايل يا مجند آيه.
تغريد بدلع: محضر لنا إيه يا عصومي؟
عاصم بحزم: اسمي عاصم، أنا مش ابن خالتك عشان تاخدي عليا كده.
أحست ورد بقلبها يقفز من الفرح لما سمعته من عاصم.
تغريد: إيه يا عاصم، بتعاملني ليه كده؟
عاصم: اخلصوا يلا، مش طالبة نكد.
دقائق ونزلت الفتيات للبحر، ونظرات عاصم لا تفارق ورد.
هناء: خف شوية يا نجم، تغريد ابتدت تاخد بالها.
عاصم: بت، هو أنا كنت عشمتها بحاجة؟
هناء: لا، بس هي معشمة نفسها من وانتوا عيال صغيرين.
عاصم: مع نفسها بقى. أنا مبحبش غير ورد، ومش هتجوز غيرها. وتحمد ربنا إني سبتها تيجي معانا، اهو كسبت فيها ثواب.
هناء: يا واد يا حنين.
عاصم: حنين ورهيف والله يا أختشي، بس نفسي الناس دي تحس بيا.
هناء: أكيد حاسة بيك يا سمسم، بس هي محترمة أوي، مش بنت من البنات السهلة.
قضت الفتيات يومهم في لعب الكرة على الشاطئ والتمتع بمياه البحر الجميلة، لينتهي اليوم باصطدام آيه بشاب طويل القامة مفتول العضلات، يرتدي شورت برمودا للركبة وبدون ملابس على صدره، ولتتقابل عينيه الزرقاء مع عيون آيه المندهشة بشدة.
آيه: هو انت! 😤
رواية بنات المنشاوي الفصل السابع 7 - بقلم خلود وائل
آيه: هو انت!
سيف: انتي تاني!
آيه: انت ماشي ورايا ليه ياحيوان انت!
سيف بحدة: احفظي لسانك يابت انتي بدل ما...
آيه بعنف لتقطع كلامه: بدل ما ايه؟ ها، هتعمل فيا ايه؟ ولا تقدر تعملي حاجة. لسه متخلقش اللي يقف قصاد آيه المنشاوي.
سيف: تطلعي مين آيه المنشاوي؟
آيه: تطلعي ستك وست عيلتك بحالها.
سيف: اخرسي يامهزءة، انتي واحدة مش متربية.
هنا التفت عاصم ومن معه لوقوف آيه بجوار شاب عاري الصدر وصوتهم بدأ بالارتفاع ليتجه نحوهما بسرعة. يصل هو وورد وخلفهم دعاء وتغريد وهناء على صوت آيه: لا، ده انت اتجننت رسمي. يا بابا، انت فوق بدل ما افوقك.
سيف بعصبية: لولا إنك واحدة ست، كنت اديتك قلم يظبطلك صواميل مخك المهوية دي.
عاصم بغضب: اهدي كده يا كابتن، وكلامك معايا أنا.
سيف بغضب: لم اختك يا محترم، وفهمها إن عيب تعلي صوتها على واحد متعرفوش.
عاصم: معلش، حقك عليا. ثم التفت لآيه: في ايه يا آيه؟
آيه: الواد ده ماشي ورايا وخبطني، وجيت أكلمه، صوته علي عليا.
سيف: واد مين يابت، انتي متلمي نفسك.
دعاء: حقك عليا يا سيف بيه، متزعلش منها.
سيف: دعاء!! أختك دي ماشية تقول شكل للبيع.
دعاء: معلش، متزعلش منها. أنا آسفة والله.
آيه: آسفة على ايه يامجنونة انتي!
عاصم: خلاص يا آيه، ارجعوا أوضتكم يلا. حصل خير يا سيف بيه، عن إذنك.
اجتمعت الفتيات في غرفتهن.
ورد: ايه يا آيه، مالك؟ صوتك كان عالي ليه كده على الراجل؟
هناء: عبيطة، بدل ما تزعقي للمز ده، كنتي وقعتيه. اتجوزيه... أو حتى اديله رقم تليفوني.
دعاء: ايه يا بنتي، كل أما تشوفيه تشاكلي معاه ليه؟ هو عملك إيه؟
ورد: ميصحش كده يا آيه.
تغريد: الواد مز بصراحة، ملكيش حق يا يويو.
هناء: طب وديني لأقول لمحمد إنك بتعاكسي شباب.
تغريد: لا والنبي، سكت خلاص، أهو.
ضحكت جميع الفتيات، ودقائق وقاموا بتغيير ملابسهم ليأخذهم عاصم لأحد المطاعم لتناول العشاء، وبعدها هموا جميعًا بالمشي في شوارع شرم الشيخ والقيام ببعض التسوق.
هناء وتغريد ودعاء في محل للفضيات، وأم عاصم وآيه في محل للملابس، ومعهم المهندسة رانيا. أما ورد فكانت في الخارج تمشي بجوار عاصم.
ورد: ليه مروحتش مع هناء؟
عاصم بمكر: تفتكري ليه؟
ورد: مش عارفة.
عاصم: اممم، أكيد طبعًا مش عشان أمشي معاكي، وطبعًا طبعًا مش عشان أقولك إني بحبك.
توقفت ورد بمجرد سماعها كلمات عاصم.
عاصم: بحبك والله يا ورد، من أول مرة شفتك فيها، ومش قادر أبطل أفكر فيكي غصب عني. قلبي بيحبك كل دقيقة أكتر من اللي قبلها.
ورد: ......
عاصم: ساكتة ليه؟ قوللي إنك بتحبيني انتي كمان يا وردتي.
ورد: ......
عاصم: مالك يا ورد؟
ورد بتوتر: أنا عايزة أروح، أرجوك روحني أوضتي.
عاصم بحزن: حاضر يا ورد، اتفضلي.
بعد فترة في غرفة الفتيات، تجلس ورد في التراس لتداعب نسمات الهواء خصلات شعرها الأسود الحريري، بينما تنظر عيناها في الفراغ. لتدخل عليها هناء بمرحها المعتاد.
هناء بصوت أقرب للغناء: قالهالي حبيبي، قالهالي، وبقى بالنسبالي...
ورد: ها؟ بتقولي ايه؟
هناء: انتي فين يابنتي؟
ورد: معاكي أهوه.
هناء: اممم، ده عاصم أخويا، ده مجرم. غرقك في شبر مايه.
ورد: قصدك إيه؟
هناء: قصدي إنك من ساعة ما قالك إنه بيحبك، وانتي طايرة من الفرحة.
ورد باستغراب: هو قالك كده؟
هناء: بصراحة، هو مقاليش أي حاجة. بس أنا عارفة إنه بيحبك من يوم ما شفتك عندنا في البيت، ومن ساعتها وهو هيتجنن عليكي ومش بيبطل يتكلم عنك.
ورد: بجد؟
هناء: وربنا.
ورد: ......
هناء: بتحبيه يا ورد؟
ورد: مش عارفة... هو محترم وزوق بجد، مش مجاملة والله. وانتوا ناس طيبين، بس... بس...
هناء: بس إيه؟ طب قوليلي، لما بتشوفيه بتحسي بإيه؟
ورد: مش عارفة، ببقى متلخبطة أوي ومحروجة، وجوايا حاجات مش فاهماها.
هناء بمرح: هو بغباوته، بسلطاته، ببابا غنوجه...
ورد: هو إيه ده؟
هناء: الحب يا ورد، انتي بتحبيه، بتحبيه.
ورد: هش، اسكتي.
هناء بصياح: ورد بتحبك يا...
وضعت ورد يدها على فم هناء لتمنعها من إكمال كلمتها، ليدخل عليها أخواتها وتغريد.
تغريد: في ايه؟ ورد بتحب مين؟
ورد بتوتر: مفيش، دي بت هبلة.
هناء: كنت هقول ورد بتحب البحر، تخيلي، عايزة تنزل الميه دلوقتي.
تغريد بعدم تصديق: لا طبعًا، مينفعش. طالع النهار، يلا بينا ننام.
مر الليل على أبطالنا جميعًا، منهم الحزين، ومنهم منهك التفكير، ومنهم السعيد.
صباحًا في غرفة عاصم وزملائه.
محمود: بس البنات اللي طالعين معاك يا عصوم دول صواريخ، يخرب بيت كده. جبتهم منين دول؟
كريم: البت اللي شعرها أسود وطويل دي حكاية، يالهوييييي.
عاصم بغضب: لم نفسك يلا انت وهو، دول قرايبي، مش جايبهم من الشارع. وديني لو لمحت واحد منكم بيبص ناحيتهم، هقتله بدم بارد، سامع منك له.
كريم: طول بالك يا نجم، إحنا بنهزر معاك.
عاصم: ولا هزار ولا زفت.
محمود: خلاص يا عم، متزعلش. وبعدين هنبصلهم فين وانت واخدهم طول اليوم بعيد عننا.
عاصم: غور يلا من وشي أحسن لك... ولا أقولك، أنا ماشي وسيبهالك.
في غرفة الفتيات.
تغريد: البس البرمودة دي يا ورد ولا الفستان ده؟
ورد: الاتنين قصيرين أوي يا تغريد.
تغريد: عاصم بيحبهم عليا أوي.
ورد بحزن: اشمعنى يعني؟
تغريد: عادي، كل ما كنت بلبسهم كان بيقعد يقولي إني حلوة فيهم وكده يعني.
زمت ورد شفتيها بضيق: البسي اللي يعجبك.
هناء: بترغوا في إيه من الصبح؟
تغريد: عادي يابنتي، كنا بنختار هنلبس إيه.
هناء: هتلبسي إيه يا ورد؟
ورد: أي حاجة.
هناء: ده اللي هو إزاي يعني؟ قومي البسي الفستان ده، هننزل نفطر ونتمشى في الشوارع ونتسوق حبة. جد، وآخر النهار هننزل البحر وهنتعشى في مطعم محترم قريب من الفندق، وبليل بقى في سهرة حكاية عاصم محضرهالنا.
آيه: طب والغدا يانؤة؟
هناء: لا، الغدا هنقضيها سندوتشات واحنا بنتفسح.
آيه: لو مجبتليش بيبسي، أنا هعمل مظاهرات، وانتوا حريين.
دعاء: طفسة من يومك ياقلبي.
آيه ببرود: معلش.
اجتمعوا جميعًا في مطعم قريب من الفندق، وبدأوا بتناول طعام الإفطار، وعاصم ينظر لورد بنظرات غاضبة بسبب ما كانت ترتديه. فكانت ترتدي فستان أسود من الستان الناعم يصل لفوق ركبتيها، وفتحة من على الأكتاف، وبه بعض النقشات الذهبية، وأطلقت العنان لشعرها الأسود الطويل.
هناء: هتودينا فين النهارده يا سمسم؟
عاصم: زي ما قلتلك امبارح.
هناء: طب ورد كانت عايزة تروح أوضتها، أصل نست تليفونها هناك.
ورد بدهشة: أنا؟
دهست هناء على قدم ورد من أسفل مائدة الطعام لتفهم ورد ما ترمي إليه هناء بكلامها.
عاصم: طب اطلبيلي قهوة سادة على ما أجي... يلا يا أستاذة ورد، اتفضلي قدامي.
مضى عاصم للخروج من المطعم، وخلفه ورد. وأثناء مشيهم في طرق الغرف.
ورد: على فكرة، أنا منستش تليفوني.
توقف عاصم: أما لخليتي هناء تقول كده ليه؟
ورد: أنا مقولتلهاش تقول حاجة.
عاصم: وهي هتعمل كده من نفسها ليه يعني؟
ورد: معرفش... ممكن تكون انت اللي قولتلها.
عاصم: وهقولها ليه يعني؟ هموت وأكلمك مثلاً؟
ورد: طب يلا نرجع تاني.
عاصم: لا، مش هنرجع.
ورد: ليه؟
عاصم: تروحي أوضتك تغيري قميص النوم اللي انتي لابساه ده، وتلمي شعرك، وإياكي أشوفك سايباه كده تاني.
ورد: أنا حرة، ألبس اللي أنا عايزاه وأعمل اللي يعجبني، انت مالك؟
عاصم: لا، مش حرة، وهتعملي اللي بقولك عليه دلوقتي حالا.
ورد: وإن معملتش؟
فجأة، بدون مقدمات، حمل عاصم ورد رغماً عنها واتجه بها ناحية غرفتها، بينما كانت ورد تضربه بلكمات سريعة وتصرخ به، ولكنه لم يهتم، وفتح باب الغرفة وأنزلها على الأرض.
عاصم: دلوقتي حالا تلبسي حاجة محترمة، وإلا وربنا متعرفي هعمل معاكي إيه.
ورد: اطلع بره.
عاصم: دقيقتين وتخرجي، وإلا هدخل ألبسك أنا بطريقتي.
دقائق وخرجت ورد لعاصم، الذي كان ينتظرها خارج الغرفة، مرتدية فستان ميني دريس أبيض، وقامت بلف شعرها كعكة.
عاصم بابتسامة: عقبال ما تلبسيلي فستان الفرح.
ورد بخجل: إنشاء الله.
اتسعت ابتسامة عاصم ببلاهة: بجد يا ورد، بجد!
ورد: هو إيه اللي بجد؟
عاصم: موافقة تتجوزيني؟
هزت ورد رأسها بمعنى الموافقة، لتجد نفسها بين أحضان عاصم، يحملها ويلف بها مرارًا وتكرارًا.
ورد: نزلني يامجنون.
أنزلها عاصم، ويعلو وجههما ابتسامة الفرح والسعادة.
إحدى السائحات كانت واقفة تتابعهم من بعيد بابتسامة.
السائحة: what's going on?
عاصم: she said yes. she said yes.
السائحة: ooh🤩 congrats.
السائحة: ماذا يحدث؟
عاصم: وافقت تتجوزني، وافقت تتجوزني.
السائحة: أووه، ألف مبروك.
ورد بابتسامة: بس ياعاصم، بلاش جنان.
عاصم: ده أنا أبقى مجنون لو مفرحتش كده. انتي فرحة قلبي يا وردتي.
احمرت وجنتا ورد من كلمات عاصم، الذي لا تسعه الدنيا من الفرحة، بينما كانت تتابعهم من بعيد عيون مليئة بالشر.
بعد دقائق، عادت ورد وعاصم لإكمال الإفطار مع العائلة، ثم انطلقوا لقضاء يوم مليء بالبهجة، خاصة مع عاصم وورد.
أم عاصم: الواد عاصم ماله كده؟ وشه منور يا هناء.
هناء: سيبه يفرح براحته يا ماما، باين ورد رضيت عليه.
أم عاصم: وهي بسلامتها، ممكن مترضاش عليه ليه إنشاء الله؟
هناء: عادي يا ماما، إيه اللي يغصبها على عاصم؟
أم عاصم: ليه يابنتي؟ أخوكي مهندس قد الدنيا، وشقته جاهزة من مجاميعها، وعنده محل أبوكي الله يرحمه، والعمارة بتاعتنا ناقصها إيه يعني علشان ورد هانم مترضاش بيه؟
هناء: يا حبيبة قلبي، أنا مقلتش كده. بس ورد طيبة وغلبانة، ومش عايزة تتجوز وتسيب أخواتها.
أم عاصم: بكرة ربنا يبعتلهم ولاد الحلال يابنتي، وبعدين هي هتسيبهم وتروح بلد تانية؟ ده الباب في الباب.
هناء بفرحة: يعني انتي موافقة إنهم يتجوزوا يا ماما؟
أم عاصم: وموافقش ليه يابنتي؟ ورد ما شاء الله عليها، يت البنات أدب وأخلاق، وكمان دكتورة. بس...
هناء: سيبك منها.
أم عاصم: إزاي يابنتي؟ ده إحنا جيران، ويعتبر أهل.
هناء: اسمعي كلامي، تغريد دي بت غلاوية وسودة من جوة، وسواء ورد أو غيرها، أنا عمري ما كنت هخلي عاصم يتجوزها.
أم عاصم: أهم حاجة راحة أخوكي يابنتي.
دعاء: إيه يا خالتي، بتعملي إيه انتي وهناء هنا، وسايبنا لوحدنا؟
أم عاصم: رجلي تعبتني شوية ياحبيبتي، فقلت أقعد أرتاح.
دعاء: طب يلا، اليوم هيضيع.
هناء: بقولك، متيجي نتصور بتليفونك، المكان هنا يجنن.
دعاء: عيوني.
التقطت دعاء وهناء بضعة صور، لتقاطعهم تغريد.
تغريد: ممكن أتصور معاكم؟
هناء: تعالي يا أختي.
تغريد: اممم، منين الآيفون ده يا دعاء؟
دعاء: من محل التليفونات، إيه السؤال الغبي ده؟
تغريد: ما أنا عارفة، أنا قصدي إن ده آيفون حديث، تقريبًا موديل السنة، جبتي تمنه منين؟
دعاء بتوتر: ده صيني مش أصلي.
تغريد: لا، أصلي. هو أنا هبلة؟ ده تمنه حوالي 30,000 جنيه.
هناء: وانتي مالك، أصلي ولا صيني؟ لو مش عاجبك متتصوريش معانا.
تغريد: خلاص يا أختي، انتي وهيا، سكت أهو.
آيه: فين ورد وعاصم يابنات؟
هناء بمكر: مش عارفة، اختفوا فجأة كده.
دعاء: أنا هكلمها.
تغريد: أنا هكلم عاصم.
هناء بحدة: بقولك إيه انتي وهيا، هما مش عيال صغيرين، دلوقتي هييجوا، والغايب حجته معاه.
أم عاصم: أيوه يابنات، ورد كانت بتقول عايزة تجيب حاجة كده، أكيد عاصم راح معاها.
نظرت هناء لوالدتها التي ساعدتها في تغطية خطتهم الصغيرة.
في مكان ما، تجلس ورد وعاصم.
عاصم: أول ما نرجع مصر هنكتب كتابنا، إيه رأيك؟
ورد: 🤨🤨
رواية بنات المنشاوي الفصل الثامن 8 - بقلم خلود وائل
فتح سيف باب الغرفة ببطء. لأول مرة، شعر بالتوتر من مجرد التفكير بتواجدهم معًا في مكان يجمعهم.
ليدلف للداخل بخطوات هادئة، ليغلق الباب خلفه. يتجه ناحية السرير لينظر إليها بتمعن، من شعر رأسها إلى أخمص قدميها. يشعر بنغزة في قلبه على ما أصابها. فقد تبدلت ملامحها كليًا، ولم تعد تلك الفتاة المشرقة التي تشع نشاطًا وحيوية، والتي كانت دائمًا تتفنن في كيفية إغاظته وإفقاده عقله.
تمر الدقائق وهو يستعيد ذكرياته، كل المواقف التي جمعتهم. ليبتسم بتلقائية على شراستها وعنادها. لينتهي بتذكرة للساعة الماضية وما حدث فيها. ليعتصر الألم فؤاده لتذكر أنها هي من طلبت منه الزواج. وكرد منه لكرامته، رفض طلبها بكبرياء وعناد. ليشعر بتدفق المشاعر المتلاطمة في كل شبر في كيانه.
شعور جديد احتله وتملك منه. أهو عشقها الذي ينمو بداخله يومًا تلو الآخر؟ أم خوفه عليها الذي دفعه ناحيتها بجنون عندما سقطت مغشيًا عليها؟ أم هو شعور بالمسؤولية لكونها أصبحت زوجته وطالبة حمايته؟ أم هو سعادة لكونها أخيرًا بقربه وبرغبتها الكاملة؟
دقائق مرت، أنهاها بتقدمه ناحيتها. ليسحب كرسيًا ليجلس بجوار السرير. ليتأمل ملامحها المتعبة بشدة. لينظر لاحقًا إلى المحلول المتصل بكف يديها، وكمية كبيرة من الأدوية والمراهم الموضوعة على الكومدينو المجاور للسرير. ليمسد بيديه على شعرها متمتمًا: "جيتي حياتي صدفه وبقيتي قلبي وعمري."
جلس بجوارها لفترة لم يشعر بمدها. إلى أن انتهى المحلول. ليقوم بإزالته بلطف من يديها. ولكنها لم تشعر به، فقد كانت كالمغيبة من شدة التعب الذي يجتاح كيانها. لتغط في ثبات عميق، كأنها لم تذق النوم قط. ليعدل من وضعية جسدها، ليدثرها بالغطاء جيدًا. ويتجه للمرحاض الملحق بالغرفة. ليحضر فوطة قام ببل طرفها بالماء الدافئ. ليعود إليها ليمسح وجهها برفق من أثر اللكمات والأتربة، وكذلك عنقها.
ليتفاجأ بأثر جرح طولي في مؤخرة عنقها. ليتتبعه باهتمام. ليجد أنه ما هو إلا نهاية لجرح في ظهرها. ليقوم بتعديلها سريعًا برفق. لينظر من خلال فتحات البلوزة الممزقة التي ترتديها. لتتسع عيناه بشدة من هول المنظر. فقد اصطبغ ظهرها بلون الدماء من شدة الجروح التي مزقت جلدها. لتسقط دمعة متمردة من مقلتيه. ويتبلد إحساسه بكل ما حوله. ويتركز بصره بتلك التي تئن من شدة الألم. "يالله، كيف تحملت كل هذه الجروح؟ لم هذا العذاب يا إلهي؟ أهذا كله لعصفورة رقيقة هشة لم ينال منها العالم غير المرح والسعادة؟"
احتلته مشاعر مؤلمة لمجرد النظر إليها. فما باله بالتي تحمل هذه العلامات؟ ليتحول الحزن بداخله لغل وتوعد بالانتقام والثأر لها بمن فعل بها هكذا بدون شفقة أو رحمة. ليسرع بتجفيف دموعه وترك الغرفة بأكملها. ليتجه لغرفة ليان. ليطرق بابها عدة مرات. لتجيبه بعد فترة بنعاس.
ليان: "إننممننم سيف.. في حاجة؟ آيه كويسة؟"
سيف: "آيه كويسة، منقلقيش. وأسف إني صحيتك من النوم بس..."
ليان: "بس إيه ياحبيبي؟ قول."
سيف بأحراج: "معلش يعني ياليان، كنت عاوز من عندك أي حاجة مريحة لآيه تنام فيها."
ليان: "بس كده، من عنيا. حاضر ثواني وجيالك."
سيف: "استني ياليان."
ليان: "إيه ياسيف؟"
سيف بتوتر وخجل: "معلش بس يعني... لو ممكن... يعني..."
ليان بعدم فهم: "ممكن إيه؟ قول."
سيف وقد أخفض بصره أرضًا: "يعني لو تكون حاجة ضهرها مفتوح عشان بس..."
ليان بتفهم لإحراج أخيها: "حاضر حاضر، ثواني."
سيف: "لا والله مش اللي في بالك."
ليان بقهقهة عفوية: "يابني حتى لو اللي في بالي، ما هي مراتك."
سيف: "غوري يا بت من وشي."
ليان: "طب براحه ياعم، متزوقش الله."
دلفت ليان للغرفة وغابت لدقائق تعبث بداخل خزانة ملابسها. لتهتف: "باااس، هو ده."
ثم عادت لأخيها حاملة قميص منزلي من الستان ذو لون زهري، ذو حمالات رفيعة مكشوف الظهر يصل لما قبل الركبة.
ناولته لسيف قائلة: "اتفضل ياسفسوفي. عايز حاجة تانية؟ أو تحب أجي أساعدك تلبسها؟ زمانها مش قادرة تقوم من مكانها."
سيف: "لا ياحبيبتي، كتر خيرك. أنا هساعدها."
ليان: "ربنا يسعدكو ياحبيبي... خلي بالك منها ياسيف ها."
سيف: "ياشيخة اتلهي، انتي شايفه البت مدغدغة إذاي؟ ادخلي نامي الله يهديكي."
ليان بابتسامة: "إي إي كابتن."
أغلقت ليان الباب، ومن بعدها سيف الذي دلف لغرفته وتوجهه ناحية صغيرته التي وجدها مازالت على وضعيتها كيفما تركها. ليقوم بتجهيز الأدوية المخصصة للجروح. وبدأ بخلع ملابسها تدريجيًا. لينخلع فؤاده من مكانه، فكلما أزاح عنها ملابسها تفاجأ بكدمات وندبات زادت من ألمه وإصراره على الانتقام وإشعال النار بداخله.
بدأ سيف بتنظيف جسدها برقة ونعومة بالفوطة المبللة. ومن ثم قام بوضع الكريمات والأدوية الخاصة بالجروح. وبعد فترة، ألصق الغيارات الجاهزة الخاصة بالجروح في أماكن متفرقة من جسدها. وقام بإلباسها القميص الخاص بليان مع احتفاظها بملابسها الداخلية التي لم يزلها عنها قط. ليقوم بعدها بخفض إضاءة الغرفة وترتيب المكان من حولها، فهو منظم للغاية. وجلس بجوارها على الكرسي الخاص به. ليطيل النظر إليها إلى أن غلبه النعاس.
***
صباحًا في قصر السلانتي، استيقظت مرام بملل وأمضت صباحها المعتاد. لتشارك عائلتها في الإفطار على المائدة الفارهة. بينما انتبهت لتلك الأنظار التي ترمقها بشر.
مرام: "في حاجة يامرت عمي؟"
فاطمة (أم نعمة): "حاجة إيه يابنتي؟"
مرام: "شايفاكي عمالة تبصيلي من ساعة ماقعدت وكأنك عاوزة حاجة."
فاطمة: "وهعوز إيه يعني منك؟ كانك ناسيه حالك يامرام وواخدة راحتك في الحديث معايا."
مرام: "لأ طبعًا، المقامات محفوظة. أنا بنت حسان المنشاوي، وإنتي مرت عم جوزي بردك."
فاطمة بغيظ: "أيوه حسان اللي بناته أخوكي هربانين أديلهم سنة ومقدرش يرجعهم تاني. أصله مش راجل هو والتلات نساوين اللي مخلفهم غيرك."
مرام بصياح: "عندك..."
هارون بحدة: "فاطنة، كأنك اتجننتي ولا إيه؟"
فاطمة: "وأنا مش شايفاه كيف بتتحدت معايا ياهارون."
هارون: "مرام مغلطتش معاكي بحاجة. انتي اللي قلتي حديث سخيف ملهوش لازمة عاد."
فاطمة: "هي كلمة واحدة ياهارون، يا أنا يا هي في القصر. ها هتختار أخوك وعيلته ولا حد متسواش؟"
هارون: "لمّي مراتك ياحامد، أمّال خبر إيه عاد."
حامد: "فاطنة بتحكي الصح والمظبوط ياخوي، ولا هو فراق بنتنا نعمة هنسكتوا عليه كتير أكده ولا إيه؟"
هارون: "بنتك اللي بدأت بالشر ياحامد، وربنا ميرضاش بالظلم."
فاطمة: "لا تظلمنا ولا نظلمك. أقسم كل حاجة ويبقى يا نحلة لا تقرصيني ولا أنا عاوزة منك عسل."
هارون بغضب: "ملكوش عندي حاجة، وأعلى ما في خيلكم اركبوة."
مرام باكية: "لأ ياعمي، مهتخسرش أخوك وعيلتك عشان واحدة غريبة زيي. أنا مفارقة القصر كله ومعاودة بيت أبويا. بكفاية مشاكل لحد هنا. ولما سعد يرجع بالسلامة يبقي يشوف اللي يناسبكم وأنا هعمله."
هارون: "اسكتي انتي يامرام."
مرام بأدب: "بعتذر منك ياعمي، بس كده كتير عليا قوي. كل يوم والتاني مشاكل ووجع للراس، وأنا واحدة حبلى وأكيد غلط عليا. عن إذنك."
ارتقت مرام درجات السلم سريعًا وحزمت حقيبتها. واتجهت لقصر والدها باكية، تجر خلفها أذيال الخيبة.
***
استيقظت آيه بتعب شديد من أثر أشعة الشمس التي تلفح عينيها الزرقاوين. لتفتحهما بوهن، ومن ثم تغلقهما سريعًا لا إراديًا. لتحاول الاعتدال في جلستها. لتجلس مستندة بظهرها على السرير، أخيرًا بعد محاولات عديدة. لتجلس شبه معتدلة. لتنظر حولها. لتتوقف بنظراتها على ذلك الوسيم النائم على الكرسي بملامح ملائكية مسالمة، كأنه شخص آخر غير ذلك الذي تعرفه وهو مستيقظ. لتبتسم له بهيام. ولكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها لدى رؤيتها لما ترتدي. لتصعق بشدة وتدور برأسها آلاف الأفكار.
"إيه ده اللي أنا لبساه ده؟ نهار مش فايت. هو شافني كده؟ ياربي أنا مش فاكرة حاجة. 😥 لا مستحيل. طب إيه اللي حصلي؟ وإزاي أصلًا يشوفني بالمنظر ده؟"
تململت في السرير محاولة النزول، ولكن بدون جدوى. فهي أضعف من أن تحرك كفيها من موضعهما. ليشعر سيف بحركة على السرير ليستفيق سريعًا وينظر إليها بعينين حمراوين يملؤهما النعاس. لتسرع بسحب الغطاء من على فخذيها لتغطيه باقي جسدها أمامه.
آيه بصوت مبحوح: "انت... انت... إنت إزاي؟"
سيف مقاطعًا: "إنتي كويسة؟ عاوزة حاجة أجبهالك؟ حاسة بإيه دلوقتي؟"
آيه بخجل: "الحمد لله، أحسن."
سيف: "الحمد لله."
آيه بتوجس: "هو... هو... يعني إيه اللي حصل امبارح بالظبط؟"
سيف: "أنا جيت وإنتي نايمة."
آيه بتوتر: "آخر حاجة فاكراها لما مضيت على قسيمة جوازنا والمأذون مشي واتركب لي محلول، وبعدها محستش بأي حاجة غير دلوقتي."
اقترب منها سيف ليجلس بجوارها على حافة السرير. لتحاول آيه الابتعاد عنه.
سيف: "إنتي خايفة مني ليه كده؟"
آيه بتعب واضح: "أنا... هخاف ليه يعني."
سيف: "عمومًا، أنا مش عاوزك تخافي. إنتي دلوقتي مراتي وفي حمايتي، متقلقيش. وحقك هجيبهولك من اللي عمل فيكي كده. وبالنسبة لأمبارح، ف أنا طلعت لقيتك نايمة وفضلت قاعد جنبك لحد ما المحلول خلص وشلتهولك، وبعدين... احم... يعني..."
آيه بتوتر: "وبعدين إيه؟ قول."
سيف: "إنتي خايفة ليه كده؟ أنا عمري مقدر أعمل حاجة تأذيكي. اطمني، إنتي متجوزة راجل مش ندل."
آيه باطمئنان: "ربنا يبارك فيك... وبعدين."
سيف مكملاً: "وبعدين يعني الدكتور لما كشف عليكي كتب لك مراهم وأدوية للجروح والكدمات اللي في جسمك. ف أنا دهنتلك الأدوية وحطتلك غيارات الجروح وغيرتلك هدومك علشان تعرفي تنامي."
اتسعت عينا آيه بشدة مما تردد على مسامعها من كلماته الأخيرة. لتختفي بغضب: "إيييه؟ غيرتي هدومي؟ إنت مجنون؟ إزاي تسمح لنفسك تعمل كده؟" ثم أكملت بتعب: "إزاي إزاي؟ أنا فكرت ليان هي اللي غيرتلي. أقوم تطلع إنت؟ يادي المصيبة."
سيف: "اهدي شوية يا آيه. أولًا، إنتي مراتي وحلالي، يعني أعمل معاكي اللي أنا عاوزه. ثانيًا، مستحيل أسيبك لحد تاني يعملك الحاجات دي، حتى لو أختي. ثالثًا، وده الأهم، أنا معملتش أي حاجة من اللي تفكيرك راح ليهم، زي ما قولتلك من شوية. بس كان لازم نعالج الشوارع اللي في جسمك عشان تخفي بأسرع وقت والموضوع ميتأزمش."
شعرت آيه بالضيق من وصفه الأخير. فبرغم كل شيء، فهي أنثى وتحب أن يراها زوجها بأبهى طلة، لا كحالتها التي لا تحسد عليها. ليدرك سيف سريعًا ما يجري معها. ليسرع بإمساك يديها بحنان بالغ. ليقبلهما واحدة تلو الأخرى. وعيناه مصوبتان بداخلهما زرقاوتيها، تخبرانهما بمدى جنونه بها. ليقترب منها ويقبل جبينها براحة، وهي مستسلمة له. ليقترب منها أكثر ويقبل وجنتيها. ولكنه سرعان ما تروى قليلاً، وابتعد عنها برفق محاولًا كبت مشاعره كي لا يتفاقم الوضع ويصبح كارثيًا. فهو لا يتوقع ردود أفعالها، حتى وإن أصبحت زوجته. أخفضت بصرها سريعًا أرضًا من شدة الخجل. بينما ظل هو ممسكًا بيديها وعلى وجهه ابتسامته الساحرة التي تزين ثغره. لتقطع لحظتهما الرومانسية طرقات الباب.
سيف: "ادخل."
دلفت ليان وبرفقتها فرح ووالدتها نورة، وخلفهم الخادمة حاملة طعام الإفطار.
سيف وهو يقف احتراما لدخولهم: "صباح الخير. إيه الرضا ده كله؟ وكمان فطار لحد الأوضة؟ لأ، دي بعد كده هتتعود يانونة."
نورة: "ومالو ياحبيبي، مش مرات ابني وحقها ترتاح وتتدلع."
آيه بإحراج: "ربنا يخليكي لينا ياماما، وبعتذر عن الطريقة اللي حصل بيها الموضوع بس..."
نورة مقاطعة: "ولا بس ولا حتى بسبوسة. إنتي معزتك عندي زي ليان وفرح بالظبط. وسوا كده أو بطريقة تانية كان هيحصل ياحبيبتي. إنتي مكتوبة لسيف بس أنا كنت مستنية لما تخلصوا الامتحانات ونخطبك بقلب جامد. بس ربنا له رأي تاني."
سيف بدهشة: "إيه اللي إنتي بتقوليه ده ياماما؟"
ضحكت ليان وفرح في الخلفية وهم يجلسون بجوار آيه. لينظر لهم سيف بعدم فهم.
نورة: "إيه ياحبيب ماما؟ هو انت فاكرني هبلة يعني ومش واخدة بالي إنت بتبصلها إزاي ولا بتغير عليها إزاي ياحبيبي؟ من يوم عيد ميلاد ليان وأنا بحمد ربنا إن في واحدة قدرت تدخل قلبك وتوقعك على بوزك."
سيف بدهشة: "ماما، إنتي كويسة ياحبيبتي؟"
نورة: "أيوه ياحبيبي، انت مش مصدق ليه؟"
فرح: "سيبك منه يانونو وتعالي اطمني على يويو. أصل هو يا عيني لسه مش مستوعب، ومكانش واخد باله من وشه اللي بيبقى قلبه ساعة ما يشوفها عندنا."
سيف: "حتى إنتي يافروحة."
فرح: "وهل يخفى الخبر ياسيف."
ليان: "شوفت إني كان عندي وجهة نظر."
سيف: "دا انتوا طلعتوا عصابة بقى."
ليان بمرح: "يس أوف كورس، أمال إنت فاكر إيه؟ 😂"
جلس سيف على مقربة منهم، بينما أنهالوا على آيه بالأسئلة للاطمئنان عليها. بينما أجابتهم براحة أثلجت صدورهم. ليسود جو من السعادة والدفء العائلي.
فرح: "يلا يالينو علشان نساعدها تاخد شاور وتفوق كده ونغيرلها على الغيارات دي."
ليان: "يلا."
سيف: "لا يا جماعة، كتر ألف خيركم، بس مراتي محدش هيعملها غيري."
فرح: "هتتعب ومش هتقدر لوحدك ياسيف."
سيف: "ولا تعب ولا حاجة، دي حاجات بسيطة. يلا اتكلوا انتوا بقى."
ليان: "امممم، موشي. يلا بينا سلاموز يايويو."
آيه: "سلام يالينو."
أغلق سيف الباب خلفها وعاد مسرعًا إليها. لتحمر وجنتيها من جديد وتتلاشى نظراته التي لا تفارقها. ليتجه إليها حاملاً صينية الطعام. ليجلس بقربها ويشرع في إطعامها بيديه. لتمانع هي في بادئ الأمر، ولكنها انصاعت لإصراره الشديد. ليطعمها بحب ويتناولوا الإفطار سويًا. ومن ثم يزيح الطعام على المائدة. ليعطيها الدواء الخاص بها.
سيف: "هتفضلي متقوقعة تحت الغطا ده كتير زي المومياء كده."
آيه: "أنا مرتاحة كده."
سيف: "اممممم، هتضطريني أعمل حاجات هتزعلك."
آيه: "اياك حتى تفكر."
سيف: "ماشي... وجنت على نفسها براكش."
أزاح سيف الغطاء عنها وحملها بين ذراعيه. لتحاول مقاومته ولكن دون فائدة. فهي كعصفورة مرهقة تنازع أمواجًا عالية، فهي غارقة لا محالة. ليدلف بها لداخل المرحاض ويجلسها على حافة البانيو.
سيف: "امسكي فيا جامد."
آيه بدموع خافتة لم يراها وهي جالسة أمامه وهو واقف ينزع عنها الضمادات التي ألصقها لها الليلة الماضية. لينتهي سريعًا وينظر إليها ليحزن عندما رأى الدموع في عينيها.
سيف: "بتعيطي ليه ياحبيبتي؟"
آيه: "اطلع بره لو سمحت."
سيف بعقلانية: "عشان خاطري يا آيه، سبيني أساعدك. أنا مش عايز حد يشوفك كده وإنتي ضعيفة."
آيه: "أنا هساعد نفسي."
سيف: "أوعدك أول ما تقدري تتحركي لوحدك هسيبك على راحتك."
آيه: "..."
سيف: "متقلقيش، هغمض عيني والله. وقوليلي عين في الجنة وعين في النار لو فتحت عينيك تحتار."
ابتسمت آيه رغما عنها. لينظر لها سيف بهيام. ومن ثم يقوم بفتح صنبور المياه الدافئة ليملأ البانيو بها. ليحملها برفق ويضعها بداخله. بينما تكاد هي أن تموت من شدة الإحراج.
سيف: "أنا هقعد بره خمس دقايق وهرجعلك تاني. لو احتاجتي حاجة، ناديلي."
آيه بحرج: "حاضر."
دلف سيف للخارج ليقف بالتراس لدقائق يحدث نفسه عنها وعن ما أصابها. ليعتزم عدم إزعاجها مرة أخرى وإسعادها بكل ما أوتي من قوة. بينما هي في الداخل تسترخي بداخل البانيو. لتحادث نفسها هي الأخرى: "هو إزاي كده... راح فين سيف بيه بتاع الشركة اللي كل ما أشوفه نمسك في خناق بعض؟ إزاي بقى بالحنية دي؟ ليه بيعاملني كده بعد كل اللي عملته معاه؟ اشمعنى أنا اللي ماسك فيا كده؟ مع إن البنات بتترمى تحت رجليه... معقول بعد كل ده ولسه؟ لسه بيحبني؟"
مرت الدقائق وعاد سيف بعدما أحضر بيچامة من ليان وساعدها في ارتدائها بعدما وضع لها المراهم والغيارات الخاصة بالجروح.
ليجلسها على طرف السرير ويسرع بتجفيف خصلات شعرها بالسيشوار. ليعدل من وضعيتها لتستلقي على السرير. ليجلس بقربها ينظر إليها. بينما تتهرب بنظراتها بعيدًا عنه من شدة خجلها.
آيه: "هو إنت مش هتروح الشغل ولا إيه؟"
سيف: "أنا أخدت إجازة من الجامعة. وبالنسبة للشركة فالبركة في بابا وسامر."
آيه: "ربنا يخليهملك، دول نعمة كبيرة من ربنا. حافظ عليها."
سيف بامتنان: "الحمد لله رب العالمين.... وإنتي بردو نعمة كبيرة أوي، ربنا يقدرني وأحافظ عليكي."
آيه: "ربنا يخليك."
سيف: "هو أنا بقولك عنيكي حلوة؟ ده أنا بقولك إنك يعني نعمة وطعمة وكده يعني."
احمرت وجنتيها بشدة، ليبتسم على خجلها الذي يراه لأول مرة.
سيف: "مكنتش أعرف إنك بتتكسفي أوي كده."
آيه: "احم... حظك معايا كان كده. أعمل إيه بقى."
سيف: "اشمعنى بقى؟ ما إنتي طلعتي بسكوتايه مقرمشة أهو وبتتكسفي وبتتكلمي براحة كأنك واحدة تانية خالص. أمال ليه في الجامعة كنتي عاملالي فيها هيركليز؟ دانتي وقعتك لبن معايا."
آيه بابتسامة ناعمة: "معلش ياسيف، بس والله أنا ببقى كده غصب عني. مش عاوزة أبقى على طبيعتي مع حد عشان ميستغلش ضعفي ويأذيني بيه."
سيف باستغراب: "يأذيكي بيه؟!"
صمتت آيه لوهلة. بينما اهتم سيف بشدة لمعرفة ما تخفيه من أسباب معاملتها له بجفاء في الفترة السابقة.
سيف: "اتكلمي... اتكلمي وطلعي اللي جواكي. أنا عمري مهستغل ضعفك أبدًا. أنا بعشقك يا آيه، والله العظيم. وعدت مراحل العشق كتير. اعتبريه جنون، اعتبريه هوس، سميه زي ما تسميه. ومكنتش أعرف إني ممكن أتعلق بيكي كده. كنت بقاوم نفسي كتير، بس إنتي مالكة تفكيري. مبشوفش غيرك."
لمعت عيناها ببريق الدموع المحتجزة بداخلها. ليميل عليها بجسده ويحتضنها بشدة. لتشعر برجفة تسري في جسدها. ليضمها بقوة أكبر هامسًا: "متخافيش، وإنتي في حضني من النهاردة مفيش خوف. مفيش غير السعادة وبس."
ابتعد قليلاً ليترك لها متسعًا لتتنفس قليلًا وتبدأ في الكلام.
آيه: "بابا وماما الله يرحمهم اتوفوا في حادثة وأنا كان عندي وقتها ٦ شهور... ٦ شهور واتحرمت من حنان الأب وحضن الأم. كبرت واتربيت في وسط جفا عمي ربنا يسامحه هو وولاده. مكانش حد حنين عليا غير صفية مرات عمي. هي الوحيدة اللي حاولت تعوضني غياب ماما الله يرحمها. ولما بقيت عندي ٧ سنين، كان فراج ابن عمي بيعاملني كأني بتاعته. وكان فارض سيطرته عليا لدرجة إني كنت بخاف أسمع اسمه. وكنت كل ما أركب معاه العربية يخوفني ويقولي: 'مامتك وباباكي ماتوا في حادثة عربية، وإنتي هتموتي زيهم'. ولما كبرنا شوية وبقى هو اللي يسوق، بقي يقول نفس الكلام بس برعب شوية ويزود كلام من عنده يخوفني. ولما يكون صدفه وأنا معاه لوحدي، كان يسوق بسرعة مجنونة ويعمل حركات تموت بالعربية لحد ما وصلني لمرحلة البانك أتاك اللي حصلتلي معاك لما إنت كنت سايق بسرعة."
نظر لها بأسف شديد. فهو لم يقصد إخافتها، وإنما أراد إسكاتها. ولم يدرك بأنها تخشى السرعة ويحدث لها ما رآه يومها.
آيه: "أنا مش زعلانة منك على فكرة... حقك بردو، أنا كنت مزوداها معاك."
سيف: "حقك عليا."
ابتسمت آيه: "طالما عليك، يبقى لازم تراضيني بحاجة حلوة بقى."
سيف: "بس كده.... من عنيا الاتنين. بس كملي أول، أنا لسه معرفتش كنتي بتعامليني كده ليه."
تنهدت آيه وأكملت: "وصلت لمرحلة إني مكنتش برضى أركب عربيات خالص، وكنت بهرب منه من كل مكان وأدفن نفسي في المذاكرة. كرهته وكرهت حياتي بسببه. لحد ما جبت مجموع عالي في ثانوية عامة ودخلت كلية هندسة. وفي أول سنة اتصاحبت على شوية بنات من نوعية الـ Strong Independent Woman وبدأوا يخلوني أغير من نفسي وأحضر معاهم ندوات عن المرأة وكده. لحد ما جمدت قلبي ووقفت قصاده وعليت صوتي عليه مرة كان بيضربني ومرة كان..."
سيف مقاطعًا: "بيضربك؟!... يعني بمنظرك ده ومش أول مرة؟!"
آيه: "متشغلش بالك. المهم إني بقيت معاك دلوقتي."
سيف بابتسامة على وجهه، أما بداخله براكين: "وعمرك مهتبعدي عني تاني."
آيه: "احم... وبعدين بقى؟ بقيت Strong Independent ولقيت إني لما أبقى صوتي عالي وبرد وبعاند الكل بيخاف مني. أما لما بكون طيبة بيندس عليا. عرفت بقى أنا كنت بعاملك كده ليه."
سيف: "بس أنا معملتكش وحش عشان تعامليني كده."
آيه: "خفت."
سيف: "خفتي من إيه؟"
آيه: "خفت لو حبيتك تكسرني 💔."
سيف: "أنا؟!"
آيه: "أيوه... من يوم ما جيتلك الفندق بليل ولقيتك مع البت الخوجاية دي، وإنت ضربتني و..."
قاطعها سيف بقبلة على شفتيها عقابًا على اتهامها الشنيع التي ألقت به عليه. لتغيب عن الوعي بين أحضانه.
رواية بنات المنشاوي الفصل التاسع 9 - بقلم خلود وائل
سيف: الا قوليلي يا دعاء انتي عرفتي منين موضوع حصة الزيادة اللي عند المزارعين دي؟
دعاء: ها؟
سيف: بقول عرفتي منين؟
دعاء بتوتر: ابدا... دا... دا... واحدة صاحبتي كان باباها عنده مزرعة وكنت عرفت منها الموضوع ده.
سيف: امممم اسمه ايه باباها؟ يمكن أكون أعرفه.
دعاء: ها... مش فاكرة بصراحة، هو كان اسمه ابراهيم بس مش فاكرة اسم العيلة.
سيف: اه... تمام.
على طاولة عاصم:
ورد: دعاء هتيجي امتى؟ أنا عايزة أروح.
هناء: تروحي ايه؟ دي السهرة لسه في أولها.
ورد بضيق: معلش اسهروا انتوا.
همت ورد بالوقوف ليقف عاصم أيضاً.
عاصم: اتفضلي، هوصلك.
ورد: ملوش لزوم، أنا عارفة الطريق.
عاصم: مينفعش تمشي لوحدك.
تغريد: ما قالت لك عارفة الطريق، سيبها براحتها.
ورد: عن إذنكم.
ذهبت ورد سريعاً، أما عاصم فتوجه بكلامه لتغريد بنبرة تحذيرية: وديني لو ملمتيش نفسك لدفنك مكانك.
تغريد: أنا قلت إيه يعني؟
لم يهتم عاصم لما قالت وركض سريعاً ليلحق بورد.
عاصم: ورد... ورد... استني... ورد... اقفي بقولك.
ورد بعصبية: عايز مني إيه؟ ابعد عني، روح لحبيبة القلب خليها تحضنك.
عاصم: والله ما حبيبة القلب غيرك انتي، انتي وبس اللي ملكتي قلبي. انتي اللي فرضتي سيطرتك على كياني وتفكيري، مبشوفش غيرك يا ورد، ارجوكي صدقيني.
ورد: أمال سبتها تحضنك ليه؟
كنت مبسوط بيها ومرتاح لحضنها.
عاصم: أنا بس اتفاجئت، مبقتش عارف أعمل إيه. أقسم بالله دي حاجة عمرها ما حصلت، ولا عمري لمست تغريد دي.
ورد: ابعد عني يا عاصم، أرجوك.
عاصم: أرجوكي، انتي كوني ليا وشاركينى كل لحظة في حياتي، كوني مراتي وروحي وعشقي، كوني وردتي اللي بتنور حياتي.
ورد بدموع: بحبك يا عاصم.
عاصم: وأنا بعشقك يا قلب عاصم.
اقترب عاصم من ورد ليقبل جبينها، وبعدها ابتعدت عنه ورد.
ورد: إيه ده، باينك اتجننت يا راجل انت.
عاصم: إيه ده، بتتكلمي صعيدي؟
ورد: أيوه، بتكلم زين. قلت لك انت متعرفش عني حاجة واصل.
عاصم وهو يقترب من ورد: طب متعرفيني أكتر وتقربيني منك.
ورد: إيه ده، ابعد يا عاصم، بلاش.
عاصم: حاضر... اتفضلي يلا قدامي.
ورد: على فين؟
عاصم: نسيتي اتفاقنا ولا إيه؟
ورد: اممممم، هو إحنا اتفقنا على حاجة ولا إيه؟
عاصم: اممممم، ماشي. تعالي وأنا أفكرك اتفقنا على إيه.
أكمل الاثنان طريقهما بمرح وسعادة، ليتوقفوا أمام الشاطئ، حيث انبهرت ورد بما أعده عاصم لها. فقد أنار رمال الشاطئ بشموع كثيرة وطاولة صغيرة عليها كرسيان، مع بعض الورود الحمراء المنثورة على الرمال وسط الشموع.
ورد بفرحة: الله، كل ده علشاني؟
عاصم: عشان ست قلبي وست الناس.
بعد عدة ساعات في الفندق، كانت تجلس دعاء وآية في بلكونة الغرفة، بينما تنام هناء وتغريد في داخل الغرفة.
دعاء: تمام، أنا كده خلصت.
آية: مشاء الله، مفيش حسبة بتاخد وقت في إيدك يا دودو.
دعاء: عيب، ده أنا تلميذة فارس.
آية: آه طبعًا، ده انتي دراعه اليمين. لو عمك حسان يعرف إنك انتي اللي كنتي بتخلصي حسابات الشغل كله، كان هيجيله جلطة.
ضحكت الفتاتان.
دعاء: فارس، ربنا يبارك فيه، كان بيعلمني كل حاجة تخص الشغل، وعرّفني كل أملاكنا اللي عند عمك.
آية: بجد؟ يعني انتي عارفة ورثنا من بابا الله يرحمه؟
دعاء: طبعًا.
آية: طب لينا كام فدان عند عمك حسان؟
دعاء: قولي رقم كده.
آية: اممممم، ٦٠ فدان.
دعاء بدهشة: انتي بتتكلمي جد يا آية؟
آية: إيه، أقل من كده!
دعاء: إحنا لينا عند عمك حسان ٥١٠ فدان أرض.
آية: 😨😨😨
دعاء: ولينا نص المواشي اللي في الزريبة، ولينا نص القصر اللي ساكنين فيه، ولينا ٩ فدادين دخلوا كردون مباني وعمك هيَموت ويبيعهم، وكمان لينا فلوس سيولة أكتر من ١١ مليون جنيه كانوا في حساب أبوكي الله يرحمه قبل ما يموت. وضيفي عليهم أرباح الأرض كل سنة من يوم أبوكي ما مات وعمك بياخدهم ليه لوحده.
آية بصدمة: يانهار أزرق... كل ده عمك وولاده بيتمتعوا بيه، واحنا بيطلع عيننا عشان يدينا جنيه واحد، وآخرتها إحنا هربانين منه وبنشتغل عند الناس!
دعاء: كده أحسن ما نكون تحت رحمته يا حبيبتي.
آية: وآخرتها إيه يا دعاء؟
دعاء: والله ما أنا عارفة يا آية.
آية: طيب... إلا قوليلي، إيه حكاية خنجر بيه اللي ماشي ورانا في كل حتة ده؟
ضحكت دعاء بشدة لما قالتها أختها المشاكسة.
دعاء: يا بنتي، اسمه سيف بيه، والكل بيعمله ألف حساب، إلا انتي. مش عارفة بجد بتعملي معاه كده ليه؟
آية بتذمر طفولي: مهو اللي لسانه طويل ومبيسكتش.
دعاء: هو برضه.
آية: بقولك إيه، اسكتي أحسن.
دعاء: لا، أنا هقوم أنام.
آية: والورق ده مش هتوديهوله؟
دعاء: بكرة إن شاء الله، قبل ما نسافر، هعدي عليه أوديهوله.
آية: طب متجبيه، أوديه أنا الوقتي.
دعاء: الوقتي!
آية: هعتذر له والله عن اللي عملته، وحتى عشان ميستقصدكش في الشغل. وأنا جايه، هعدي على ورد أجيبها، دي اتأخرت أوي.
دعاء: فعلاً هي اتأخرت أوي، بس أنا أخاف عليكي تودي الورق لسيف بيه، مينفعش أصلًا.
بعد مفاوضات طويلة بين دعاء وآية، انتهت بموافقة دعاء على اقتراح آية.
آية: نامي انتي بقى مع المقتولين دول، عما أجي.
في فندق سيف الحديدي.
كان يجلس سيف مرتدياً بنطلون رياضي أسود وتيشيرت أبيض بنص كم، ويحمل هاتفه بين يديه، يجري اتصالا هاتفيا.
ليان: أنا أصلًا زعلانة منك، مهما تعمل.
سيف: أنا مقدرش على زعل حبيبة قلبي، شوفي إيه اللي يغفر لي غلطتي وأنا أعمله.
ليان: مفيش حاجة تغفر لك إنك سافرت شرم من غيري.
سيف: يا حبيبة قلبي، والله سفرية شغل وكان لازم أسافر بسرعة.
ليان: عاوز تفهمني إنك منزلتش الميه ولا مرة؟
سيف: اممممم، بصراحة نزلت مرة، وكانت مرة سودة والله.
ليان: ليه يا حبيبي؟ بعد الشر، إيه اللي حصل؟
سيف: قابلت بت لسانها طويل، عايز قصة، خبطت فيها من غير ما أقصد. وعينك ما تشوف إلا النور.
ليان بضحك: نهار أبيض، سيف بيه الحديدي لقي حد يطول لسانه عليه!
سيف: تخيلي يا لولو.
ليان: لا، تصدق، صعبت عليا وسامحتك خلاص.
سيف: أيوه كده، يعني كان لازم أتهزق يعني.
أثناء حديثهم سويًا، طرق باب جناح سيف.
أغلق سيف الهاتف مع أخته واتجه ليفتح الباب، ليتفاجأ بسلينا واقفة أمامه ترتدي قميص نوم قصير للركبة وفوقه الروب الخاص به.
سيف باقتضاب: في حاجة يا مدام سلينا؟
سلينا: مش أعرف نام سيف بيه.
سيف: طب وأنا أعمل لك إيه يعني!
سلينا: ممكن أقعد معاك أتكلم شوااايه يا سيف بيه.
سيف: معلش، مش هينفع.
سلينا: اممم، هو ده واجب ضيافة تبعكم يا سيف بيه؟
سيف على مضض: احم... اتفضلي.
دخلت سلينا لتجلس على الكنبة.
سلينا: ممكن كوب مايه؟
أحضر لها سيف كوبًا من الماء، لتأخذه منه وتجلس بقربه، وبحركة سريعة مقصودة منها، سقط كوب الماء على سيف ليبلل التيشيرت الخاص به.
سلينا بتصنع: آسفة، أنا آسفة يا سيف، مش كنت أقصد.
سيف ببرود: لا، ولا يهمك. ثواني هغير وأجي.
دلف سيف لغرفته، وما إن خلع التيشيرت وسمع صوت طرقات الباب، لتتجه إليه سلينا وتفتح الباب، لتنصدم آية من منظر سلينا وتتلاشى ابتسامتها.
سلينا: انت مين؟
آية: انتي اللي مين؟
سلينا: معلش، انت عاوز مين؟
آية باشمئزاز: ده جناح سيف الحديدي.
قبل أن تكمل سلينا كلمتها، تفاجأت بسيف الواقف أمامها عاري الصدر.
سيف: ادخلي جوه.
ثم التفت لآية: نعم حضرتك، عاوزة إيه؟
آية: كنت فاكراك محترم، طلعت زبالة.
سيف بعصبية: اخرسي ياحيوانة واحترمي نفسك وانتي بتكلميني.
آية بصياح: هو انت خليت فيها احترام! انت أصلًا مش محترم وبني آدم حقير.
تفاجأت آية بصفعة مدوية نزلت على وجهها الرقيق الناعم، لتقع أرضًا، وبضع قطرات من الدماء تتساقط من فمها، لتضع يديها على وجهها وتتفاجأ بالدماء على يديها، لتنهض بألم وانكسار.
آية: أنا كنت جايه أعتذر عن سوء التفاهم اللي بينا وأديك ده.
ناولته الملفات التي أعطاها لدعاء لتنهي بها بعض الحسابات.
بس طلعت إنسان حقير، متستاهلش إني أقف أتكلم معاك أصلًا.
ألقت كلماتها وهمت بالذهاب، وتركته في دوامة من التفكير فيما فعل بوجهها البريء، ونظر أرضًا ليرى أثر قطرات الدماء على الأرض، ليشعر بنغزة في صدره، ليتفاجأ بسلينا تحتضنه من ظهره، ليبتعد عنها بقوة.
سيف بعنف: اطلعي برة.
سلينا: What (ماذا).
سيف بعصبية: قلت اطلعي برة، والمعاملات اللي بينا اعتبريها منهية بعد الصفقة دي، وإياكي تفكري تتعاملي معايا تاني.
سلينا: انت اتجننت يا سيف.
سيف: كلمة كمان وهندمك إنك اتعاملتي معايا من الأساس.
سلينا بغضب: هتندم يا سيف، هتندم كتير.
خرجت سلينا بغضب من جناح سيف، تاركة إياه في دوامة الغضب، ليرتمي على السرير، لا يستطيع استيعاب ما فعل مع سلينا لأجل تلك المشاكسة الصغيرة التي تجعله يفقد أعصابه.
أما عند ورد، فكانت تجلس مع عاصم يتبادلون أطراف الحديث بسعادة، لتقف آية من بعيد تنظر إليهم وتتذكر ما حدث منذ دقائق، لتستعيد شجاعتها وتقسم على أن تلقن ذلك المتعجرف درسًا قاسيًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظت جميع الفتيات، أحداهن بداخلها الم، أقسمت على أن تأخذ بثأرها، وأحداهن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها من السعادة، وأحداهن تكلم فارس حياتها في الهاتف، وأخرى قلبها يشتعل حقداً، وأخرى لا تأبه لأي شيء، فما زال قلبها لا ينبض لأحدهم ولم يذق طعم الحب.
فارس: اتوحشتك كتير يا دعاء، حاسس حالي تايه كيف العيل الصغير اللي ضايع من أمه.
دعاء: قلبي مشتاق لك يا واد عمي، فراقك صعب جوي.
فارس: مبقتش قادر على بعدك أكتر من كده يا دعاء.
دعاء: والله ولا أنا يا فارس، بس أعمل إيه طيب؟
فارس: بقالي شهرين وأسبوع وثلاث أيام وساعتين مشفتكيش يا دعاء، خلاص هتجنن.
دعاء: إيه ده، بتحسب الأيام يا فارس؟
فارس: والدقائق والثواني يا دعاء، انتي بعيدة عني وأنا بموت في بعدك.
دعاء: لا، بعد الشر عنك يا قلبي.
فارس: قلبي جاي لك بكرة يا ضي العين.
دعاء بفرحة: بتتكلم جد يا فارس؟ الله يخليك، متكونش بتضحك عليا.
فارس: بتكلم جد يا قلب فارس وكل حاجة حلوة في حياته.
دعاء: مستنياك على أحر من الجمر يا قلبي.
فارس: مع السلامة يا حبيبتي.
دعاء: مع السلامة يا قلبي.
أغلقت دعاء الهاتف لتزف الخبر لأخواتها الذين قابلوه بسعادة غامرة.
ورد: بجد فارس هيجيلنا أخيرًا.
آية: والله نفسي أشوفه وأشوف مرت عمي صفية والبت مرام، إني وحشتهم جوي.
ورد: والله فرصة حلوة عشان عاصم يطلب إيدي منه.
آية بمرح: أيوه أيوه، كلن يبكي على ليلاه.
ورد بخجل: بس يا بت.
دعاء: مبارك ليكي يا قلب أختك.
ورد: يبارك فيكي ربنا يا حبيبتي. تفتكري فارس هيوافق بعاصم؟
آية: وميوافقش ليه؟ عاصم محترم وإرادك لشخصك من غير ما يعرف عنك حاجة، وأمه وأخته ناس محترمين، وإحنا هنقوله كمان.
دعاء: فارس هيسأل عنه قبل ما يعطيه كلمة، وكمان هيفرح لك قوي.
دَلفت هناء لغرفة الفتيات لتستكمل معهم حديثهم.
هناء: يلا يا بنات، يادوب نلحق نفطر ونركب الأوتوبيس.
آية: هنفطر إيه حلو يا سكر انتي؟
هناء: جبت لك الكريب اللي بتحبيه، وكمان بيبسي.
آية: عاااا، حبيبتي يا نؤة، بموت فيكي والله.
ورد: يلا يا طفسة.
آية: طب اياكي أشوفك واخدة سندويتش واحد ها.
ضحكت الفتيات سوياً، وبعد ساعة من المرح وتناول الإفطار، ركبن جميعًا الأوتوبيس ليبدأن رحلة العودة لمنازلهن، ليجلس عاصم بجوار هناء في مقابل ورد ودعاء، وعلى الجهة الأخرى تجلس تغريد وآية وأم عاصم وإحدى زميلات عاصم.
دعاء: احم احم احم.
هناء: تست تست تست.
دعاء: احم.
هناء: تست.
دعاء: احم.
عاصم: في إيه انتي وهي؟ متتكلموا.
هناء: مفيش والله، أنا بس بجاريها.
دعاء: بقولك يا عصوم، ابن عمي رجع من السفر، ويعني كدهوة بقى.
عاصم بفرحة: بجد؟ يعني ممكن أروح له أطلب منه إيد ورد؟
ورد بإحراج: يا عم انت، طول بالك، مستعجل على إيه؟
عاصم: سيبك منها يا دودو، وخليكي معايا. ابن عمك ده ساكن فين؟
ورد: مسمعكش وانت بتقولها يا دودو.
هناء: اشمعنى ها! ها!
ها!
ورد: بطلي حشرية يابت انتي.
دعاء: هو لسه مستقرش يعني، بس أوعدك لما يكلمنا هقولك على طول.
عاصم: ربنا يخليكي ليا يادودو.
ورد: وأنا ياخدني عادي مفيش مشاكل.
عاصم: بعد الشر عليكي ياجميلة انتي، ده انتي وردة حياتي وربنا.
هناء: يا حنين ما أجيبلكوا اتنين لمون وأزرعلك واحدة صبار في دماغي هنا وشمسية في نفوخ ست دودو.
دعاء بمرح: الله وأنا مالي يالمبي.
ضحكوا جميعًا لتلتفت إليهم تغريد: لعله خير إن شاء الله.
عاصم: خير يا أختي اتخمدي انتي بس.
هناء بهمس: دي لو عرفت الحوار هتروح فيها.
ورد: ليه بقي إن شاء الله؟
عاصم: ولا حاجة والله يا رياسة، اهدي انتي بس وروقي كده، عاوزك فرفوش ونعنوش كده يا قلبي.
ورد: امممم ماشي.
رواية بنات المنشاوي الفصل العاشر 10 - بقلم خلود وائل
مرت ساعات طويلة، وفي المساء، بعد وصول الأوتوبيس للقاهرة، وتحديداً في بيت عاصم.
هناء: الرحلة كانت حلوة قوي قوي.
أم عاصم: آه والله يا بت يا نؤة، البنات كانوا مخلينها حلوة بشكل.
عاصم: طب معجبتكيش عروسة فيهم يا قلبي من جوة؟
أم عاصم: لا يا شيخ، ده على أساس إنك ما حددتش هتروح تطلب إيديها امتى.
عاصم: وأنا أقدر يا حبيبتي، مش إنتي بنفسك تختاري لي عروسة أول؟
أم عاصم: يعني اللي هختارها هتتجوزها وانت مغمض؟
عاصم: طبعاً، وكلمتك سيف على رقبتي.
نظرت أم عاصم لهناء بمكر ثم قالت: خلاص اتجوز تغريد.
عاصم بفزع: إيه! مين! إنتي بتهزري يا ماما، إنتي عارفة إني بحب ورد.
أم عاصم: مش إنت يا ابني اللي لسه قايل هتتجوز اللي أختارها.
عاصم: يا ستي أنا عيل ورجعت في كلامي.
هناء: آه يا عيل!
عاصم: بس يابت. بقولكم إيه، أنا مش هتجوز غير ورد، واعملوا حسابكم هنروح نطلب إيديها من ابن عمها لما تحدد لنا معاه يوم، وأنا هستعجل النقاش يجي يخلص الشقة بتاعتي، وبعدها هننزل نجيب العفش وهتجوز على طول.
أم عاصم بفرحة: ده يوم الهنا والمنا يا قلب مامتك.
هناء بسعادة: ربنا يفرحكم يا حبيبي.
عاصم: إلا، أمال كنتوا عاوزين تجوزوني البت اللزجة اللي اسمها تغريد دي ليه؟
هناء بمرح: بنهزر معاك، إيه مبتهزرش يا رمضان!
عاصم وهو يضرب هناء على قفاها: لا بهزر يا أختي.
هناء: آآآه، خف إيدك يا عم انت.
في منزل ورد:
دعاء: والله ما كنت عايزة الرحلة دي تخلص.
آية: كانت حلوة أوي.
ورد: يا ريت كانت طولت شوية والله.
دعاء: اممممم.
ورد: إيه يا بت، إنتي خلاص هيجي يخطبني؟
دعاء: ربنا يفرحك يا حبيبتي.
آية: إنتي هتتجوزي وتبعدي عننا يا ورد.
ورد: لا طبعاً يا حبيبتي، عمري ما هبعد عنكم أبداً وهفضل حواليكم.
آية: طب إنتي هتتجوزي عاصم، ودعاء هتتجوز فارس، وأنا... هفضل لوحدي.
دعاء بحزن: ومين قالك إني هتجوز فارس.
ورد بصدمة: إيه! إزاي يعني، أمال هتتجوزي مين؟
آية بغضب: إنتي اتجننتي ولا إيه!
دعاء: لا متجننتش، بس فكروا بالعقل كده، هنتجوز إزاي وفين وامتى؟ لو اتجوزنا عمكم هيعرف ومش هيرحمكم لو وصل لكم.
ورد: مليكيش دعوة بينا، ارجعي واتجوزي فارس، هو قادر يحميكي.
دعاء: وأسيبكم وأعيش العمر بناركم.
آية: وليه تظلمي نفسك عشانا وتضحي بحبيب عمرك.
دعاء: لازم أضحي عشان إنتو تعيشوا مرتاحين.
ورد: ما يبقاش كده يا دعاء، إنتي وفارس كبرتوا وإنتو بتحبوا بعض، يهون عليكي تسيبيه لواحدة غيرك.
دعاء بألم: ما يهونش عليا يا ورد، بس صدقيني مش هينفع. أنا مقبلش على نفسي إني أتجوز في السر وأعيش محرومة من جوزي اللي لحد الوقتي مش عارف يجي يطمن علينا.
آية: هتتعدل يا دعاء، متيأسيش من رحمة ربنا.
دعاء: يارب، مليش غيرك.
ورد: روقي كده واضحكي بقى.
آية: لا بقولك إيه، عندنا فرح وعايزين نلحق نجهز نفسنا.
ورد: هقول لفارس إزاي على موضوع عاصم؟
دعاء: أنا هكلمهولك.
آية: ومستنية إيه! يلا كلميه.
أمسكت دعاء هاتفها لتهاتف فارس، الذي أجابها سريعاً، لتفتح مكبر الصوت ليستمعوا جميعاً.
فارس: قلبي اللي واحشني.
دعاء بأحراج: احم، إزيك يا واد عمي.
فارس: حد جنبك ولا إيه؟
دعاء: أخواتي بيسلموا عليك.
فارس بضحكة رجولية: قاعدين حراسة ولا إيه.
دعاء: لا هما... هما... يعني...
فارس: قولي يا روحي، محتاجين حاجة أجبهالكم وأنا جاي.
دعاء بفرحة: صح! إنت جايلنا يا فارس.
فارس: بكرة تلاقيني عندك يا قلب فارس. اتوحشتك قوي.
دعاء: احم، وانت كمان يا حبيبي.
آية وهي تلكز دعاء بذراعها: اتحشمي يا بت، بتقولي حبيبي قدامنا.
دعاء: آآآه، دراعي يا حمارة انتي.
فارس: سلامتك من الآآآه يا حبيبتي، مالك.
دعاء: ابداً، دي الحمارة آية خبطتني في دراعي.
فارس: أجيب لها فراچ وأنا جاي ولا إيه؟
آية: أنا مبخافش من حد يا حبيبي.
فارس: لسه لسانك طويل يا آية.
آية: لا ده قصير ومحندق، تحب تتأكد.
فارس: خلاص يا تنحة.
دعاء: سيبك منها يا فارس، أنا عايزاك في موضوع مهم.
فارس: قولي يا قلبي.
دعاء: ورد...
فارس: مالها؟ جرالها حاجة!
دعاء: لا هي قاعدة كيف القردة أهيه.
فارس بابتسامة: مالها يعني.
دعاء: يعني... يعني... ورد متقدملها عريس.
صمت فارس قليلاً، لترتبك الفتيات لصمته، ليعاود الحديث: ورد رأيها إيه.
دعاء: الرأي رأيك إنت يا فارس.
فارس: مين العريس ده؟
دعاء: اسمه عاصم ممدوح عبد الحميد صقر، وبيشتغل مهندس وصاحب العمارة اللي قصادنا، وعنده سوبر ماركت في أول الشارع، ومحترم ومؤدب والله يا فارس. وأهله ناس محترمين ووقفوا معانا من ساعة ما جينا أهني.
فارس: ورد رضاه!
ورد: اللي تشوفه إنت يا خوي.
فارس: ماشي يا ورد. أنا جايلكم بكرة، خليه يجي يقابلني وأنا هسأل عليه بمعرفتي قبل ما أجي.
ورد: اللي تشوفه يا أخوي.
دقائق و أنهى فارس حديثه معهم، ليغلق الخط ويجري اتصالاً آخر.
فارس: الو... فينك يا ندل إنت.
مدحت: مطحون يا صاحبي والله.
فارس: آه، منا واخد بالي.
مدحت: عايز إيه يا ابن المنشاوي.
فارس: واحد بلدياتك عايز أعرف أصله وفصله وتاريخه كله من يوم ما أمه ولدته.
مدحت: عيني، حاضر. أول ما أروح القسم بكرة هجيب لك قراره. اسمه إيه وعنوانه لو تعرف.
فارس: اسمه عاصم ممدوح عبد الحميد صقر، وعنوانه ********.
مدحت: عيني الاتنين، حاضر. وابقى خليني أشوفك يا أبو الصحاب.
فارس: ماشي. سلام.
أغلق فارس الخط وبداخله تدور الأسئلة.
في فيلا الحديدي:
ليان: عاااا، لا بقى كده كتير. يعني لا أجي معاك أغير جو ولا تفتكرني بهدية.
سيف: هو أنا كنت بتفسح! والنبي ارحميني، أنا طالع عيني في السفرية دي والصفقة تقريباً طارت من إيدي.
ليان: بابا شايط، مش طايق حد قدامه.
سيف: كله من بنت الجزمة دي. ودديني لو أطولها لأقتلها وأرتاح منها.
ليان بعدم فهم: بت مين؟ أنا مش فاهمة حاجة!
سيف: اسكتي إنتي وروحي نامي يلا، عندك جامعة الصبح.
دلف سيف لغرفته ليغير ملابسه ويرتدي ملابس النوم ويتجه للسرير، ليتذكر تلك المشاكسة التي يراها كلما ذهب لمكان، ويتذكر قطرات الدماء التي سالت على فمها الوردي وبشرتها البيضاء، ويتذكر خصلات شعرها البني القصير لأسفل رقبتها المستقر على كتفيها، وزراق عينيها الواسعتين، ليهتف قائلاً: غبية وضيعتي صفقة مهمة. آه بس لو أطولك، والله ما هتردد لحظة إني أموتك.
صباحاً، حوالي الساعة التاسعة في منزل ورد، تستيقظ آية من النوم لتنظر في الهاتف، لتتسع عينيها بصدمة.
آية: ينهار مش فايت! ورد... ورد!
دلت ورد لغرفة آية: إيه مالك بتصرخي ليه؟
آية: مش قلت لك صحيني بدري، أنا اتأخرت قوي على المحاضرة.
ورد: طولي بالك، معاد محاضرتك تسعة ونص، هتلحقيها إن شاء الله.
أسرعت آية للحمام وارتداء ملابسها، لتنزل للجامعة بأقصى سرعة. وبعد فترة طويلة، وصلت آية للجامعة لتتدلف لمحاضرتها، لتصعق من هول المفاجأة. يا للهول، إنه هو! ماذا تفعل!
آية بصدمة: 😳😳
سيف ببرود ممزوج بدهشة: حضرتك متأخرة، اتفضلي برة.
آية: معلش، اتأخرت غصب عني.
سيف: مش مشكلتي.
آية: مش هتتكرر تاني.
سيف: إنتي مبتفهميش! قلت لك برة.
آية بصياح: فيه إيه! محسسني إنه بيت أبوك. برة برة إيه يا عم انت، اهدى شوية ليطق لك عرق.
اندهش جميع زملاء آية، ولم يستطع أحد أبداء أي رد فعل من شدة جرأة آية.
سيف: كلمة كمان وهمنعك من حضور محاضراتي لآخر السنة.
آية: وأما أجي أمتحن أبقى أكتب لهم: معلش الدكتور كان منعني من طلته البهية عليا في المحاضرات.
سيف: ده لو عديتي السنة دي.
اشتعلت آية غضباً، لتمسك بكتاب مادة سيف وتمزقه إلى نصفين بكل برود أعصاب، وتلقيه أرضاً، وتقف أمامه بكل تحدي.
آية: اسمي آية طايع المنشاوي، ومش واحد زيك اللي يعلي صوته عليا. وإن كان على مادتك، فصدقني متفرقش معايا، وفرجني هتعمل إيه. وع فكرة، القلم برده قلمين، كل اللي عليك تقف تتفرج وتستنى وبس.
ألقت آية كلماتها ببرود، لتهم بالخروج من المحاضرة وتذهب للجلوس في الكافتيريا. وبعد انتهاء المحاضرة، لحقت بها ليان.
ليان: الجميل قاعد لوحده ليه.
آية: اقعدي معايا.
ليان: بس إيه الجمدان ده! ده إنتي ولا اللي بينك وبين الدكتور طار يا بنتي.
آية: كائن رخو سمج.
ليان بضحكة عفوية: كائن إيه! إنتي تعرفيه ولا إيه؟
آية: زفت المعرفة خنجر بيه.
ليان بضحكة: إيه! خنجر! 😂😂😂 ده لو سمعك هيخنقك.
آية: ولا يقدر يعملي حاجة يا بنتي، إنتي متعرفنيش لسه.
ليان: حابة أتعرف بجد والله.
آية: اشطا.
ليان: مرباااات! 😂😂😂 إلا قوليلي، تعرفي دكتور سيف منين.
آية: منين دي حكاية طويلة، هبقى أحكيهالك بعدين. بس اللي أقدر أقولهولك دلوقتي إنه كل ما أشوفه بنمسك في خناق بعض، وآخر مرة كانت امبارح بليل.
ليان باستغراب: مش معقول! هو إنتي!