تحميل رواية «بنات المنشاوي» PDF
بقلم خلود وائل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحدى قرى الصعيد بمحافظة سوهاج، وبالتحديد في أحدى قصور أغنياء القرية، وفي إحدى الغرف الفارهة، يجلس على كرسيه بهيبة وشموخ، يرتدي عمامة ناصعة البياض وعباءته الغالية المصنوعة من أجود الأقمشة، ويرفع عكازه المهيب ويخفضه بسرعة في الأرض قائلاً بعصبية: "وأنا قولت لأ يعني لأ، في إيه في كلامي مفهمهوش يا ولية!" صفية بخوف: "يا حسان أنا مقصدش، بس براحة على البنات أكده، مهيوافقوش." حسان: "واه من ميتى وإحنا بناخد رأي النسوان يا ولية، اتجنيتي اياك ولا إيه." صفية: "أحب على إيدك يا حسان، بلاش دول أمانة في رقبتن...
رواية بنات المنشاوي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم خلود وائل
حرام عليك عاااااا
استمرت ورد في الصراخ بصوت مرتفع لتشعر بمن يحتضنها بشدة ويحاول إيقاظها لتفتح عينيها وهي مستمرة بالصراخ دون إدراك.
عاصم: مالك يا ورد؟ فوقي يا حبيبة قلبي.
ورد بصراخ: حرااام عليك عااااصم.
عاصم: يا حبيبتي أنا معاكي، اطمني، اهدي عشان خاطري.
أدركت ورد سريعًا أن ما رأته لم يكن سوى كابوس لعنها. تملّك منها الرعب لترتجف أوصالها وتنهمر دموعها بشدة. ليحتضنها عاصم ويهدئ من روعها لتستكين رويدًا رويدًا ويتملكها النعاس. ليربت عاصم على ظهرها بحنو ويعدل من جلستها لتتمدد على السرير في داخل أحضانه كأنه يخبئها من العالم أجمع. كما استمر بتلاوة بعض الآيات القرآنية على مسامعها بصوت رخيم لتنعم بنوم هادئ.
في شقة دعاء*****
كانت تجلس دعاء بداخل غرفتها تتحدث في الهاتف.
دعاء: طب وهتطول في سفرك دة عاد؟
فارس: ادعيلي متأخرش يا قلبي.
دعاء: يعني كان لازمه إيه عاد إنك تسافر وكريم موجود؟
فارس: أبوي مصمم إني أنا اللي أسافر وما رضيش حد غيري يروح.
دعاء: ربنا يحفظك وتروح وتيجي بالسلامة يا نبض قلبي.
فارس: أوعدك أول ما أرجع من السفر هجيلك القاهرة نقضي يوم سوا عشان اتوحشتك قوي وبالمرة أطمن على ورد وآية. وحشتني لمّتها قوي.
دعاء: قلتِ لأمي صفية إنها حامل في توأم ولا لسه؟
فارس: طبعًا قلت لها من زمان وخليتها تحدث ورد وتبارك لها. الأ بالحق، إمتى آخر مرة تحدثتي مرام اختي؟
دعاء: وة، كأني غفيانة عينيها والله يا فارس، من زمان قوي ما تحدثتش معاها.
فارس: طيب أنا بس كنت حابب أفرحك وأقولك إنك هتكوني خالة مرة تانية بعد ورد.
دعاء بفرحة: وة صوح الكلام؟ مرام حامل؟
فارس: أيوه يا قلبي حامل، عقبالك في بيتي يارب.
تنهدت دعاء بألم قائلة: يارب.
فارس بحزن: كأنك شايفاه حلم بعيد يا حتة من روحي.
دعاء: مش شايفاه يا فارس، أنا متأكدة، بس ربنا قادر على كل شيء.
فارس: قريب قوي يا دعاء هتكوني مرتي قدام الدنيا بحالها، اطمني. أنا مبقتش قادر على بعدك أكتر من كده، سنة بحالها بعيدة عني، حتى وإن كنتِ مرتي.
دعاء: اطمني يا قلبي، إن الله مع الصابرين.
فارس: ونعم بالله. وحياة كل دقة قلبي بيدقها باسمك، لهعوضك أيام بعدك عني وحرماني منك.
دعاء: ربنا يخليك لقلبي يا ضي عيوني.
فارس: الوقت اتأخر قوي، هتنامي دلوقتي ولا هتسهري مع هناء؟
دعاء: هناء؟ فكرتني، ده إحنا بنتحدث من يجي ساعة وهي قاعدة برة لوحديها.
فارس بابتسامة: ولو إن الكون بحاله يستناكِ يا عشقي، بس روحي شوفيها بدل ما تزعل.
دعاء: تصبح على جنة.
فارس: وأنتِ من أهلها يا ديدي.
أغلقت دعاء الخط مع فارس واتجهت للخارج لتدلف للغرفة التي تجلس بها هناء لتنظر لها بحرج.
هناء: أيوه، منا شفايفة هنا قاعدة تحبي جوة وسيباني أنشف من الجوع برة.
دعاء: والله غصب عني يا نؤة، نسيتك خالص.
هناء: أيوه يا ستي، هتفتكريني ليه أصلًا؟ منا شفايفة.
دعاء: هجيب لكِ عصير المانجا اللي بتحبيه، أنا عاملاه عشان خاطرك من بدري.
هناء: منا جبت الدورق وشربته، وع فكرة ناقص سكر.
دعاء بتعجب: ألف هنا. طب هجيب لكِ مكرونة بشاميل أنا عملتها النهاردة وشايلة لكِ نايبك.
هناء: منا أكلتها بردو، ها، إيه تاني؟
دعاء: طيب، عندي بار جالاكسي هجيبهولك وأجي. ثواني.
هناء: متتعبيش نفسك، أنا أكلته وشربت كان البيبسي اللي جنبه.
دعاء: بسم الله الرحمن الرحيم. أمال عايزة إيه بقى؟ تعالي كُليني أحسن وتقوليلي نشفتي من الجوع.
هناء: يا بنتي، دي نقنقة على ما تجهزيلي العشا.
دعاء بدهشة: نقنقة! احفظنا يا رب.
هناء: لااا، دول بينهم يومين طوال اللي هنقعدهم سوا.
في غرفة الفتيات في الفندق، ارتدت ليان فستانًا طويلًا من الحرير الفيروزي ذو تطريز على الصدر يتوسطه حزام عريض في المنتصف، وعقدت شعرها للخلف وأسدلت بضع خصلات ناعمة من الأمام لتنساب على عينيها، مع لمسات بسيطة من مستحضرات التجميل. ثم اتجهت لتطرق باب المرحاض.
ليان: يلا يا يويو، اتأخرنا. بتعملي إيه كل ده جوة؟
آية: خلاص خلصت وطالعة أهو.
انضمت ليان للفتيات ليتبادلن الأحاديث وتتعالى ضحكاتهن. لتفتح آية باب المرحاض وتدلف للخارج. لتنظر إليها الفتيات بإعجاب، فقد كانت شديدة الجمال بفستانها الأحمر القصير الذي يبرز أنوثتها الصارخة، مع خصلات شعرها الحريري المنسدلة والميكب المميز بأحمر الشفاه اللامع. لتبدل ملامح ليان سريعًا.
اتجهت ليان سريعًا لتهمس لآية: بليز يا يويو، بلاش تنزلي كدة.
آية: ليه؟
ليان: عشان سيف ميزعلش.
آية: وهو إيه اللي يزعله بقى إن شاء الله؟ مهو طول النهار مقضيها ولا سائل عني، يبقى أنا مش فارقة معاه.
ليان: عشان خاطري، البسي أي حاجة تانية غير ده.
آية بعناد: لا.
مي: منين الفستان القمر ده يا يويو؟
آية: ده بتاعي أنا سالي، وأنا أخدته منها النهاردة بس.
سالي: يجنن عليكي يا يويو.
مي: ذوقك حلو يا سولي.
سالي: طول عمري يا بيبي.
مي: مش يلا بقى؟
آية: يلا.
ليان بتوتر: استرها معانا يا رب.
سالي: بتقولي حاجة يا لينو؟
ليان على مضض: بقول ربنا يعدي الليلة دي على خير.
اتجهت الفتيات للمكان المخصص للسهرة، وهو مكان عام بالقرب من البحر يشبه الديسكو قليلًا، تتواجد به حلبة للرقص ويرتفع صوت الدي جي بالأغاني الشبابية. لتدلف آية برفقة الفتيات لتلاحقها نظرات الشباب المتواجدين بالمكان. ليحاول أحدهم التقرب منها ولكن دون جدوى، فهي لم تعر أحدهم أي اهتمام. ليمضي بعض الوقت وهي تحظى بالمرح مع الفتيات، بعدما تفحصت المكان وتأكدت من تواجد سيف يتبادل أطراف الأحاديث مع لميس وبرفقتهما دكتور زميل لهم، ولكنه لم ينتبه لوجودها بعد.
لميس: المشروع ده مهم جدًا إننا ندرسه للطلبة عندنا في الجامعة، مش فاهمة إزاي لحد دلوقتي مدخلش في المنهج.
دكتور نبيل: ده لسه مشروع جديد وصعب تدريسه من قبل ما يتنفذ في أكتر من دولة والوزارة تجمع معلومات وملاحظات كافية عنه.
سيف: حاليًا كل المعلومات اللي...
قطع نسيج الكلمات من فم سيف وقوع عينيه عليها بفستانها الأحمر تتمايل برقة بجوار الفتيات. ليلتفت نبيل ولميس لما لفت أنظار سيف.
نبيل: ووووواووو، مين الطلقة دي؟
لميس بامتعاض: طالبة في جروب الرحلة بتاعي.
نبيل بإعجاب: إزاي ما أخدتش بالي منها دي؟ فورتيكه.
اكفهر وجه سيف وتحولت مقلتيه لجمرتين مشتعلتين يتطاير الشرر منها على أثر كلمات نبيل ومنظر آية المثير بشدة. ليتجه ناحيتها دون تفكير بخطوات غاضبة.
لميس: سيف، رايح فين؟
نبيل: إيه يا سيف، مالك؟
لميس: ماله ده؟
نبيل: مش عارف، خد في وشه ورايح على فين.
انتبهت ليان لسيف المتجه إليهم وملامح وجهه لا تنذر بالخير. ليتملكها القلق والتوتر.
ليان: تعالي معايا يا مي بليز للتويلت.
مي: يلا يا لينو، أنا كمان عايزة أظبط الميكب بتاعي.
اقتربت ليان لتهمس لآية سريعًا: براحة، الله يخليكي، متفرجيش الدنيا علينا.
لم تستوعب آية المقصد من كلمات ليان. لتركها سريعًا وتتجه للمرحاض برفقة مي. ليقترب منها سيف ويتوقف أمامها بهيئته الغاضبة يرمقها بنظرات نارية. بينما شعرت هي بقليل من التوتر الذي تسلل لحواسها. لتنظر إليه بعدم اهتمام، مما زاد الطين بلة.
سيف بنبرة قاسية: إيه الهباب اللي انتي لابساه ده؟
آية ببرود: وانت مالك؟
كور سيف قبضته محاولًا السيطرة على ما تبقى من أعصابه كي لا ينتبه أحد من المتواجدين للمعركة التي على وشك النشوب بينهم.
سيف بلهجة آمرة: الوقتي حالًا ترجعي على أوضتك وتغيري القرف اللي لبساه ده.
آية بتحدي: وإلا هتعمل إيه بقى؟
سيف: هكسر عضمك يا آية ومش هسيب فيكي حتة سليمة. وابقي وريني هتلبسي كدة تاني إزاي.
آية بعناد: بصفتك مين بقى؟ إن شاء الله تكونش وصي عليا وأنا مش واخدة بالي.
سيف: بصفتي جوزك المستقبلي، وأيوة وصي عليكي. وإنتي تخصيني. ولآخر مرة بحذرك يا آية، قسما بربي لو لبستي كدة تاني ما هيحصل لك طيب، وإنتي الجانية على روحك.
آية بتحدي: حيلك حيلك يا با. أنا عمري ما هتجوزك. ده بعدك. وأنا مبتهددش يا سيف يا حديدي. وآخرك معايا هاته.
سيف وهو يحاول التمسك بآخر ذرة في أعصابه: بلاش تتحديني يا آية، أحسن لك.
آية بابتسامة مستفزة: لا والنبي كدة، خفت أنا. يعني.
سيف بصوت جهوري ارتعد له كل من في المكان: party is over (الحفلة انتهت).
ثم نظر لها بتحدي، بينما حدقت بعينيها بنظرة غاضبة رافضة متمردة. ليقطعها تجمع زملاء سيف والمنظمون للرحلة.
نبيل: فيه إيه يا سيف؟ الحفلة لسه بتبتدي.
لميس: إيه اللي حصل يا سيف؟
رشدي: إيه يا سيف يا ابني؟ فيه مشكلة حصلت.
سيف: أنا مصدع وعايز أنام. ومينفعش أسيب الجروب بتاعي.
نبيل: طب اطلع ارتاح واحنا مكانك.
سيف بحدة: لا. دول مسئوليتي الشخصية. ولو مشينا وأنتم هنا، هيبقى فيه تمييز وكلام كتير ملوش لازمة. يلا بينا.
لميس: خسارة يا سيف، الجو هنا تحفة.
نظر سيف بطرف عينيه للميس، ثم عاود النظر بجدية لنبيل قائلًا: يلا يا نبيل، نلم الليلة دي وخلينا نتخمد.
ألقى سيف كلمته وهم بالانصراف، موجهًا نظرات غاضبة لتلك المشاكسة التي لا تهدأ إلا إذا أشعلت البركان الكامن بداخله. ليعلن المشرفون عن انتهاء الحفل والتوجه للغرف.
لميس: هو إيه اللي حصل له ده؟
نبيل: مش عارف والله، ده هيخلينا ننام من بدري زي الفراخ.
لميس: unplevapel (مش معقول).
اتجه جميع الطلاب لغرفهم لتبدل آية ملابسها بضيق شديد، وتتجه للتراس الملحق بالغرفة لتحدق في الفراغ وبداخلها تدور الصراعات. لتقطعها كلمات ليان الواقفة بجوارها دون أن تشعر بها بعد أن أغلقت الحاجز الزجاجي الفاصل بين الغرفة والتراس.
ليان: ارتحتي كدة!
آية: مش ناقصاكِ يا ليان، الله يخليكي.
ليان: إنتي مش ناقصاني، وهو مش فايق لي. أنا تعبت منكم ومن أحوالكم. بتعملوا في بعض كدة ليه؟
آية بلغة هادرة: قلت لكِ مش وقته يا ليان.
ليان بحزن: لا، ده وقته يا آية. بتهربي ليه؟ متقفي وتواجهي. بطلي تعاندي واعترفي بحبك، لو حتى بينك وبين نفسك. من امتى وانتي جبانة وانسحابية كدة؟ ليه بتلعبي بأعصابه؟ ليه بتعملي فيه كدة؟ ده جزاؤه إنه بيحبك وباقي عليكي، برغم كل تصرفاتك معاه من يوم ما عرفك.
آية بضيق: أيوه، يعني عايزة مني إيه الوقتي؟
ليان بألم: ولا حاجة.
تصبحي على خير
آيه: استني بس يا ليان الله يخليكي.
ليان: خلاص يا آيه مبقاش ليه لازمة الكلام، في الأول والآخر هو برضه أخويا وبيصعب عليا وهو متبهدل وراكي وإنتي ولا على بالك.
آيه: متبهدل ورايا! ده مقضيها يا بنتي طول اليوم، ولا عشان أخوكي هتعملي عبيطة؟
ليان: غبية، إنتي غبية ومبتفهميش، هو بيعمل كده قاصد يخليكي تغيري عليه وتقربي منه وتوافقي تتجوزيه.
استشعرت آيه الصدق في حديث ليان لتهتف قائلة: بس أنا بهدلت الدنيا أوي النهاردة.
ليان بفرحة: وهو هيسامحك أول ما تقوليله بحبك.
آيه: نعم، أقوله إيه يا أختي؟
ليان بلهجة آمرة مرحة: أوف كورس، والوقتي حالا كمان.
آيه: لااا، دي بينها هبت منك على الآخر.
ليان: ناو، هتروحي تخبطي على أوضته وتقوليله بحبك وتسبيه وتيجي على طول وأنا مستنياكي، بس أوعي تتأخري أو تدخلي أوضته، تمام؟
آيه بعناد: ده على أساس إني موافقة أصلاً!
ليان: يلا يا بيبي، let's go.
اتجهت ليان للخارج ممسكة بمعصم آيه التي لم تتوانى عن الرفض بشتى الطرق، ولكن إرادة ليان تفوقت عليها، إلى أن توقفت أمام غرفة سيف، فهي في نهاية الممر الخاص بنفس الطابق الذي يقطن به الوفد الخاص بالرحلة.
ليان: خمس دقايق، ولو مجتيش هاجي أنا، ok.
آيه: منك لله إنتي وأفكارك الهباب يا ليان.
ليان: هتشكريني بعدين يا بيبي، see you.
انطلقت ليان بخطواتها سريعاً لتعود لغرفتها بعدما اختلقت كذبة لتغطية صديقتها أمام سالي ومي، بينما طرقت آيه باب الغرفة طرقات متتالية وقلبها يتراقص على نغمات الفرحة التي لا تعلم ما سببها، لتتلاشى ابتسامتها تدريجياً عندما تفتح لها لميس الباب مرتدية بيجامة رقيقة من اللون الأحمر ذات شورت قصير لفوق الركبة وبلوزة حملات ضيقة ملاصقة لجسدها كأنه جلد ثانٍ لها تبرز مفاتنها وأنوثتها، لتنظر لآيه بضيق.
لميس: أفندم، عاوزة إيه الساعة دي!
استجمعت آيه أفكارها وطردت السلبية منها من تفكيرها قائلة: معلش أنا لخبطت الأوض، كنت بدور على أوضة دكتور سيف.
تحطمت آمالها لدي سماعها صوت سيف يصدع من الداخل: مين يا لميس!
شعرت آيه بانقباض عضلة قلبها وتوقف سريان الدم في أوردتها لتقف كالتمثال دون إبداء أي فعل.
لميس: كنتي عاوزة حاجة يا آنسة؟
آيه: ____
لميس: إنتي يا ابله إنتي.
آيه: ___
اقترب سيف من الداخل ليقف بجوار لميس ليفتح زاوية الباب المغلقة، فيتفاجأ بتلك الواقفة وملامحها الجليدية تكسو وجهها، ليعود بذاكرته لتلك الليلة المشؤومة وما حدث فيها بسبب سلينا، وكأن التاريخ يطرح ماضيه مرة أخرى.
سيف: ادخلي إنتي جوة دلوقتي يا لميس.
لميس: ok.
سيف بحذر: عاوزة حاجة يا آيه؟
آيه ببرود شديد: صدقتني لما قلتلك إنك واحد زبالة ومش محترم.
سيف متجاهلاً كلماتها: اهدي يا آيه وأنا هفهمك، إنتي فاهمة الموضوع غلط.
آيه بألم: الغلط عليا أنا من الأول عشان مبتعلمش ولا بحرم من أول مرة.
سيف: متظلمنيش بالله عليكي، والله لميس كانت جاية عشان...
آيه مقاطعة: جاية عشان وسخة ورخيصة زيك، دلوقتي عرفت مين فينا الـ شمال يا دكتور، ما هو كل واحد بيبقى فاكر الناس كلها شبهه، دي الكلب عمره ما يتعدل.
سيف بحدة: احترمي نفسك يا آيه.
آيه بغضب محاولة التماسك: إياك تنطق اسمي على لسانك القذر ده تاني، فاهم.
سيف: التزمي حدودك وبلاش الغلط وإنتي مش فاهمة حاجة.
آيه بألم ممزوج بالندم: ياريتني فهمت من زمان إن قربي منك هيوجعني، لكن كذبت نفسي وكسرت قلبي بإيديا.
ألقت آيه كلماتها وهمت بالذهاب من أمام غرفته ليتبعها سريعًا ويمسك بمعصمها، لتلتفت إليه سريعًا وتحاول صفعه بيديها الأخرى، ولكنه كان الأسرع في إمساك يديها وتكبيلهما بكلتا يديه.
سيف: إنتي مجنونة ولا إيه، اهدي بقى، قلتلك إنتي فاهمة الموضوع غلط.
آيه بصوت مرتفع نسبيًا: ابعد عني يا حيوان.
أفلت يديها من قبضته ليتجنب صراخها، لتلقي بيديه بعيدًا عنها وتتجه للمصعد ومنه لخارج الفندق بأكمله، وعيناها مليئتان بدموع الألم والكسرة، أما بالأعلى فدلف سيف بغضب لغرفته ليجد لميس جالسة أمام اللاب توب، ليوجه لها حديثه بصوت حاد مرتفع.
سيف: قلتلك متقفليش الباب، سبيه مفتوح، والمشروع اللي جايه عشانه كان ممكن يستنى للصبح وقدام الناس وكمان لما نرجع القاهرة، بس لا رميتي كلامي في الزبالة ولا كأني عيل صغير قدامك، وبرضه مرضيتيش أجرحك واستحملتك للآخر، بس لحد هنا وكفاية يا لميس، اطلعي برة حياتي وشغلي وكل دنيتي، مش عاوز أشوفك تاني مهما كان السبب.
لميس: أنا... أنا...
سيف: إنتي عمرك ما كنتي ولا هتكوني غير أختي، افهمي بقى عشان ترتاحي وتريحيني، إيه اللي يجيبك أوضة راجل غريب في نص الليالي بلبسك ده، مخفتيش على نفسك مني، مخفتيش من ربنا ولا من كلام الناس، إنتي إيه دماغك ده بيفكر إزاي.
تساقطت الدموع بشدة من مقلتي لميس لتهرع لخارج الغرفة سريعًا متجهة لغرفتها لتبكي بحرقة على أثر كلمات سيف، أما عن ليان فاتجهت لغرفة أخيها لتسأل عن سبب تأخير آيه، ولكن دون جدوى، فلقد اكتفى بإخبارها بما حدث سريعًا دون ذكر الحديث الذي دار بينهما، لتمسك بهاتفها وتتصل بآيه ولكن دون فائدة.
ليان: يعني هتكون راحت فين؟
سيف: الوقتي هتيجي، هي متعرفش حد هنا.
ليان: طب ليه مفهمتهاش زفتة دي كانت هنا ليه؟
سيف: معطتنيش فرصة.
ليان: ياما قلتلك يا سيف ابعد عنها، مسمعتش كلامي.
سيف بضيق: ارجعي على أوضتك وأنا هنزل أدور عليها.
ليان: طمنيني عليها لو وصلتلها يا سيف، عشان خاطري.
سيف باقتضاب: حاضر.
اتجهت ليان لغرفتها، بينما هبط سيف للأسفل بالمصعد وأخذ يبحث عنها في المقاهي والمطاعم وحتى البازارات السياحية، ولكن دون فائدة، حتى أشرقت شمس الصباح الذهبية لتستيقظ الفتيات ويقمن بالاستعداد لليوم الجديد، لتفتح آيه باب الغرفة وتدلف للداخل، ليتجه الفتيات ناحيتها.
ليان: كنتي فين من امبارح، هموت من قلقي عليكي.
مي: يا جبّارة، مش كنتي تاخدينا نسهر معاكي.
سالي: إيه ده، مش هتنزلي معانا؟
نظرت لهم آيه دون اهتمام واتجهت لسريرها وخلعت حذائها واعتلت السرير لتحاول النوم.
سالي: إيه ده، مش هتنزلي معانا.
اقتربت ليان بقلق من آيه: كنتي فين يا آيه، طمنيني عليكي.
آيه: ____
ليان: سيف من امبارح بيدور عليكي ولسه لحد دلوقتي مرجعش.
تذكرت آيه ما حدث البارحة لتغمض عينيها بألم: أنا تعبانة وعاوزة أنام، تقدري تنزلي واطمني أنا كويسة.
ليان: مش هنزل، أنا هقعد معاكي.
آيه بتجاهل: براحتك.
مرت دقائق لتغط آيه في ثبات عميق، فلم تذق النوم طوال الليل، لتفقد ليان الأمل في التحدث معها وتدلف للخارج برفقة صديقتها لتهاتف سيف وتخبره أنها عادت سالمة لغرفتها وأنها تركتها لتحظى ببعض الراحة.
رواية بنات المنشاوي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم خلود وائل
استيقظت ورد من نومها وتململت في الفراش بنعومة لتفتح عينيها بنعاس.
نظرت لعاصم النائم بجوارها، فاقتربت منه وطبعت قبلة رقيقة على وجنته.
ابتسم براحة وفتح عينيه لينظر لها بسعادة حالمة.
عاصم: صباح الهنا على عيونك.
ورد: صباح السعادة والفرح على قلبك يا عصومي.
عاصم: صاحية بدري ليه كده؟
ورد: بدري من عمرك يا روحي، دي الساعة ٨ وأنت اتأخرت على شغلك.
عاصم: النهاردة إجازة رسمية يا روحي وعاوز فطار حلو من إيديكي بقى.
ورد: من عيوني.
عاصم: يسلمولي... حبايب بابي عاملين إيه؟
ورد: زي الفل يا روحي، عاوزينك تيجي معاهم عند الدكتور الزيارة الجاية.
عاصم: بس كده، دا أنتي تأمري يا ريري.
نهضت ورد من فراشها وأخذت شاور سريع وأدت فرضها، وتوجهت للمطبخ لتعد الإفطار لعاصم.
دلف هو الآخر ليشاركها إعداد الطعام، فجلسوا سويا على المائدة.
عاصم: النهاردة هروح أدفع مقدم العربية وأستلمها.
ورد: طب والباقي هتعمل فيه إيه؟
عاصم: هقسط الباقي على ١٢ شهر.
ورد: طب ما تدفع تمنها كامل مرة واحدة وترتاح من فلوس إيجار العمارة.
عاصم: لا طبعًا يا ورد، الفلوس دي بتاعة جهاز هناء ولا يمكن آخد منها جنيه.
ورد: أنا آسفة يا عاصم، بس مكنتش أعرف والله. أنا بفكرك بتشيلهم كل شهر لوقت زنقة.
عاصم: ولا يهمك يا قلبي.
***
نبيل: اتأخرت في النوم ليه كده يا سيف؟ دا أنت يا أخي منيمنا من بدري.
سيف بحنق: وحيات أبوك يا نبيل مش وقتك خالص. أنا راجع الفندق عشان نسيت المحفظة بتاعتي، خلي بالك من الجروب بتاعي عمّا أجي.
نبيل: حاول متتأخرش وهتلاقينا على مارينا ٣.
سيف: تمام.
انطلق نبيل برفقة الوفد لبدء اليوم الثاني من الرحلة.
أما عن سيف، فقد استقل المصعد واتجه بخطوات مترددة ناحية غرفتها.
توقف أمامها وطرق بابها ولكن بدون إجابة، فهي تمضي في ثبات عميق.
أزاد سيف من حدة طرقاته، فمرت دقائق لتفتح آيه الباب بتأفف وعيناها ككتلة من الدماء وشعرها مبعثر، بالإضافة لملابسها التي لم تقم بتغييرها.
نظر لها سيف بحزن.
آيه بنعاس: اتنيلوا خدوا مفتاح وسيبوني أنام.
ألقت آيه كلماتها ودلفت للداخل لتلقي بجسدها على السرير.
وقف سيف في حيرة من أمره ليهتف باسمها بصوت مسموع.
سيف: آيه... آيه.
فتحت آيه عينيها بنعاس شديد، ولكنها تعلم جيدًا صاحب هذا الصوت.
نظرت نحو الباب باهتمام لتجده واقفًا بانتظارها.
نهضت سريعًا وأغلقت الباب في وجهه.
سيف: افتحي يا آيه.
آيه: أنت إزاي تسمح لنفسك تيجي هنا وأنا لوحدي؟ ولا مفكرني زي الأشكال الزبالة اللي تعرفهم؟
سيف وهو يطرق الباب بقبضته بقوة: افتحي قلت...
فتحت آيه الباب لتقف في مواجهته وعلى وجهها علامات الجدية والضيق الشديد.
آيه: أفندم، عاوز إيه؟
سيف: عاوزك تعرفي إنك فاهمة الموضوع غلط و...
آيه مقاطعة: مش لازمني أفهم إذا كان غلط أو صح. أنت ومواضيعك مكانكم الزبالة عشان هي اللي تليق بيك وبالناس اللي تعرفها. وإياك تفكر تقرب مني أو تكلمني، أي كان السبب، فاهم؟
سيف برزانة: مش معنى إني بكلمك براحة إني هستحمل إهانتك وطولة لسانك أكتر من كده.
آيه معترضة: ما طلبتش منك تستحملها. ويا ريت تفهم بقى إني مش طايقاك. أنت إيه؟ ما فيش دم؟ حل عن سمايا بقى يا أخي.
سيف بألم: زي ما تحبي يا آيه، بعد إذنك.
ألقى سيف كلماته وهم بمغادرة الفندق.
أما آيه، فأغلقت الباب خلفه وجلست أرضًا ضاممة قدميها لصدرها لتستند عليه بذراعيها مطلقة العنان لدموعها.
على إحدى اليخوت السياحية، كان يقف سيف موجها نظره للفراغ.
لينضم إليه نبيل.
نبيل: مالك كده يا سيف؟ مش على بعضك من امبارح.
سيف: عادي.
نبيل: امممم، طيب ما تيجي نسهر في أي حتة النهاردة بعيد عن جو الرحلة.
سيف: لا... مليش مزاج.
نبيل: طب متعرفش لميس مالها متنشنة النهاردة ليه؟
سيف: ما تروح تسألها، أنا كنت من بقية عيلتها!
نبيل: يا ابني براحة مش كده، دي البنت هتموت عليك، مش فاهم أنت بتعاملها كده ليه.
سيف: فكك مني يا نبيل، مش ناقصك الساعة دي.
نبيل: يا سيف، إحنا إخوات وأصحاب مش بس زملاء. والحي أبقى من الميت. ومن بعد ريهام الله يرحمها، وأنت مفكرتش مرة تعرف واحدة تانية؟ حرام عليك شبابك اللي بتضيعه ده.
سيف: ____
نبيل: طب بس اديها فرصة وربنا، دي بنت حلال ومحترمة.
سيف بضيق: أنت اشتغلت خاطبة وأنا مش عارف ولا إيه؟
نبيل: بس إيه رأيك إنفع ولا منفعتش؟
سيف: طبعًا منفعتش. وينوبك ثواب في أخوك تحل عن نفوخي بأم الثيرة دي.
نبيل: امممم، أنت حر يا صاحبي.
توقف نبيل بجوار سيف لدقائق، ثم اتجه بعدها لأحدي الأركان ليجري مكالمة هاتفية.
لتستغل ليان الفرصة وتتجه ناحية سيف.
ليان: سيف... روحت لها؟
سيف: هي كويسة، اطمني، ولسانها مترين.
ليان بضحكة عفوية: كويس، طمنتيني... الخطوة الجاية إيه بقى؟
سيف: ما عليكي انتي بقى. الخطوة الجاية، الموضوع ده شيليه من دماغك وركزي في مذاكرتك وبس.
ليان بعدم فهم: مش فاهمة، يعني أنت دلوقتي فهمتها إنها كانت فاهمة غلط ولا عملتوا إيه بالظبط؟
سيف: قلتلك قفلي على الموضوع خلاص، خلصت.
ليان بفقدان أمل: طيب... ربنا يهديكو.
التفتت ليان متجهة لأحدي صديقاتها التي نادتها لمشاركتهم ما يفعلون، وهي تردد بداخلها "حرام عليكي لو سكتي يا آيه، أديكي طيرتيه من إيديكي".
مر اليوم سريعًا بأحداثه لتعود الفتيات للغرفة، لتتظاهر آيه تجنبًا لحديث ليان بالنوم.
لتتجه كل فتاة للسرير المخصص لها.
ليمضي الليل ببطء وتشرق الشمس.
لتستيقظ آيه باكرًا وترتدي ملابسها وتقوم بإعداد حقيبتها استعدادًا للعودة في آخر النهار.
لتحمل هاتفها بيديها وتهبط بالمصعد للأسفل، لتجلس برسبشن الفندق بانتظار تجمع الوفد بأكمله.
لیبدأ الطلاب بالتجمع سويا واحدًا تلو الآخر، ليتجهوا جميعًا لأحدي المولات التجارية والقيام ببعض التسوق.
ليان: تعالي معايا محل لعب الأطفال ده يا يويو.
آيه: هتجيبي إيه من هناك؟
ليان: عيد ميلاد تيم ابن أخويا الشهر الجاي وعاوزة أجيبله هدية حلوة. وفرصة تساعديني وتحكيلي اللي حصل امبارح بدل ما أنتي عمالة تتهربي مني كده.
آيه بإنكار: وأنا هتهرب منك ليه يعني؟
ليان: تعالي بس تعالي...
دلفت الفتاتان لداخل المحل لتروي لها آيه ما حدث.
لتنظر لها ليان بضيق قائلة: يا بنتي ليه مصممة تخسريه؟ بجد مبقتش فهماكي.
آيه: عاوزاني أشوفها عنده وأفرح ولا أهنيهم؟ وأستنى يجيبوا بيبي صغير يقولي يا خالتو؟
ليان بضحك مستمر: ياني عليكي يا مصيبة! أنتي وربنا أنتي مفترية وظالمة يا بت. سيف أخويا محترم ومش بتاع الكلام ده.
آيه بألم: آه ما أنا عارفة، أنتِ هتقوليلي.
ليان: بكرة تندمي والله.
رن هاتف ليان لتمسك به وتجيب المتصل سريعًا.
ليان: بيبي.
طارق: وحشتيني أوي.
ليان: وأنت أكتر والله...
أمسكت آيه بهاتفها وضغطت بعض الأزرار لتهاتف ورد، ووضعته على أذنها بينما كانت تخطو خارج المحل لكي لا تزعج ليان.
آيه: الو... زعلانة منك جامد والله. بقي كده متتصليش عليا ولا تعبريني يا وحشة.
عاصم: الوحشة نايمة والله. ينفع جوزها بدل ما تزعلي.
آيه بحرج: 😂😂😂 معلش يا عصوم، إحنا آسفين يا ريس.
عاصم: ولا يهمك، طمنيني عليكي.
آيه: أنا بخير والله، وأنت أخبارك إيه؟
عاصم: الحمد لله تمام، وجبت العربية امبارح وفاتتك أول خروجة بقى.
آيه بتذمر: لا بقى كده حرام يا صاصا، والله بقى يجيلك قلبك تطلع المشوار ده من غير آيه حبيبتك.
عاصم: يا بنتي ما أنتي مقضياها فسح ورحلات أهو، مين قدك؟ دا أنتي في الجونة.
آيه وهي تزم شفتيها: آه... ورد عاملة إيه؟
عاصم: ورد زي الفل يا ستي، اطمني، وخلي بالك من نفسك.
آيه بطاعة: حاضر يا عصوم. سلميلي عليها بقى.
عاصم: يوصل يا يويو.
آيه: مع السلامة.
عاصم: سلام.
أغلقت آيه الخط والتفتت لتدلف للمحل مرة أخرى.
في قصر المنشاوي***
صفية: والله ما أنا خابرة إيه لزمته السفر ده عاد.
فارس: كلها كام يوم وأرجعلك بالسلامة يا ما.
صفية: قلبي ما يطمنش عاد يا ولدي.
فارس: اطمني يا ما، دي سفرية شغل هتفج على محاصيل جديدة وهمضي شوية ورق ودنيتي جايلك على طول.
صفية: تروح وتيجي سالم غانم يا ابن بطني... بقولك يا فارس يا ولدي.
فارس باهتمام: قولي يا ما.
صفية: أبوك ديله يومين ملمم إخواتك في مكتبه كل شوية وكأنهم بيخططوا لحاجة ومعاوزينش حد يعرف واصل، وأنا قلبي واكلني على بنات عمك معرفش ليه.
فارس: صلي على النبي يا ما. أكده أبويا لو قعد يدور عليهم بقية عمره ما هيعرف يوصلهم عاد. إني مقفل طريقهم في وش أبويا، اطمني.
صفية: الله يطمن قلبك يا ضي العين.
فارس: أستأذن أنا يا ما عشان ألحق أوصل بدري.
صفية: تروح وتيجي بالسلامة. ربنا يوقفلك ولاد الحلال في مقصدك يا بني.
أمسك فارس بكف يديها ليقبله، ومن ثم جبينها واستأذن بالرحيل.
ليلحق به السائق حاملاً حقيبته ليضعها في السيارة وينطلق بها لمقصده.
لیبدأ حسان وأبناؤه في إعداد مخططاتهم الشيطانية.
لیمضي اليوم على الجانب الآخر ويتجه الطلبة لركوب الأتوبيس استعدادًا للعودة للقاهرة.
ليان: هنركب زي ما جينا تمام.
آيه: طبعًا... أومال.
ليان: يلا يلا.
صعدت ليان الأتوبيس لتتجه لمقعدها بجوار سيف.
لتتعمد آيه التأخير لتدلف برفقة إحدى زميلاتها، لتمر من أمام ليان متجهة للمقاعد الخلفية لتجلس بها بجوار مي وسالي.
لیشعر سيف بالضيق من فعلتها، بينما لم تعلق ليان فهي تعلم أن صديقتها عنيدة.
مرت فترة ليست بالطويلة لينتهي جميع الطلاب من الجلوس في مقاعدهم، لينطلق السائق لوجهته المحددة.
بعد عدة ساعات:
سالي: انتي جبتيلي الفستان الاحمر تاني ليه يايويو؟ كنتي خليه ليكي.
آيه: ماحرمش منك ياسولي، بس هو لايق بيكي اكتر.
مي: ده كان عليكي حكاية يابت يايويو.
مدحت: اه والله يايويو، ده كان مخليكي فورتيكه.
نظرت آيه بطرف عينيها باشمئزاز لمدحت الجالس على المقعد المجاور لهم، ومتابع لحديثهم باهتمام، ثم عاودت الحديث مرة أخرى مع زميلاتها متجاهلة كلمته، مما أثار غيظه.
سمير: بوووم، نفضتلك يانجم.
مدحت: وحياة أمها لأجيبها تحت جزمتي وأخليها تتحايل عليا كمان.
سمير: يابني ما خلاص بقى، فكك منها وشيلها من دماغك. هو يعني اللي خلقه ما خلقش غيرها.
مدحت: دي الوحيدة اللي قالتلي لا، وداخله دماغي أوي.
....
مي: حد مستنيكي يايويو لما نوصل، ولا تروحي معايا؟
سالي: لا طبعًا، هي هتجي معايا. أنا أوصلها، بابا هيكون بأنتظارنا أول مانوصل بعربيته.
مدحت: لا يابنات، يويو هتيجي معايا في عربيتي. أنا شرحة وبرحة وفيها تكييف، ولو مشالتهاش العربية يشيلها حضني، ولا إيه يا يويو؟
آيه ببرود: كلمة كمان وهخليك فرجة للجامعة كلها، واسترجل كده وخلي ودنك مع الرجال يا.... يا سوسن.
مدحت بنظرات زائغة: لا ده أنا راجل أوي، وأعجبك. تحبي تجربي يا مزة عشان تصدقي؟
آيه بضيق: اخرس يا حقير يا عديم الرباية.
مدحت: مقبولة منك يا فرسة، بس لما تيجي هتغيري رأيك... كل اللي قبلك عملوا الشويتين دول، وفي الآخر بقوا معاهم مفتاح الشقة.
آيه وهي تقف من مكانها بانفعال شديد وصوت مرتفع نسبيًا: أشُق كرشك يا زبالة يا كلب يا حيوان انت! إزاي تكلمني كده يا حقير؟
انتبه جميع من في الأتوبيس للشجار الدائر في نهاية الأتوبيس، لينْهض سيف سريعًا من مقعده متجهاً إليها، وخلفه زملاؤه وباقي الطلاب، ليصل أمامهم مقاطعًا وصلة السبّ اللاذع الموجه من آيه لمدحت.
آيه: اخرس، قطع لسانك يا كلب! أنا أشرف منك، والكل عارف أخلاقي.
مدحت: هتصيعي على مين يا يويو؟ دي الجامعة كلها عارفة إنك مدوراها.
غلي الدم بعروق سيف وتجهم وجهه، ليمسك بأعصابه محاولًا استفهام ما يدور أمامه.
سيف بحدة شديدة: في إيه بيحصل هنا؟
مي باندفاع: الحيوان اللي اسمه مدحت يادكتور سيف عمال يعاكس في آيه من ساعة ماركبت ومش راضي يسكت، وآخرتها عاوزها تروح تبات معاه في شقته، وقالها كلام عيب ميصحش أقوله.
كانت كلمات مي هي الإشارة لسيف بالبدء بتلقين ذلك المعتوه درسًا لن ينساه مادام حيًا، حيث انقض عليه في منتصف الكراسي ممسكًا به من ياقته بإحدى يديه، وبيديه الأخرى يكيل له اللكمات المتتالية بحرفية، لتنساب الدماء من أنفه. ليهرع زملاؤه وزملاء سيف لابعاده عنه، ولكن استغرق إبعاد ذلك الوحش الثائر خمسة رجال للامساك به بجسده الضخم بارز العضلات وعروق رقبته المتشنجة ومقلتيه المحتقنتين بالدماء.
سيف: يابن الـ... ياحيلة أمك.
نبيل: امسكوه... اهدي ياسيف، دي مشاكل طلبة ملناش دعوة بيها.
سيف: بتتشطر على واحدة محترمة، ياتربية النسوان يا بن الـ...
رشدي: اهدي يادكتور سيف، مش كده.
دكتور محمد: اهدي ياسيف، طول بالك. الولد خلاص اتبهدل، هتموته.
سيف: وديني مهسيبك يا كلب يا...
اجتمع زملاء مدحت وأصدقاؤه حوله للاطمئنان عليه ومساعدته لوقف نزيف الأنف الشديد الذي لحق به.
طالب 1: الله يخربيتك، ملقتش غير دكتور سيف. ده بيلعب بوكس، والغلطة معاه بفورة.
طالب 2: مهو اتفور خلاص.
طالب 3: ادي آخرة السكة اللي انت ماشي فيها يامدحت.
سمير: اجمد بقى كده يامدحت وشيل ام البنت دي من دماغك.
مدحت بغل: وديني مهسيبها ولا هرحمها بنت الـ...
عند الفتيات، اتجهت ليان لتجلس بجوار آيه لتطمئن عليها، فالوضع في الأتوبيس غير مطمئن، ولم يعد أحد جالسًا بمكانه. ففي المقدمة اجتمع القائمون على الرحلة حول سيف محاولة لتهدئته ومعالجة الوضع، وفي المنتصف تجلس آيه في حالة عدم تصديق لما حدث ومنظر سيف الذي لا يحسد عليه، أما بالخلف فيجلس مدحت ومعه الشباب جميعًا.
ليان وهي تحتضن آيه الجالسة على الكرسي المجاور لها بلهفة: انتي كويسة؟
آيه بتوتر: اه الحمد لله، اطمني.
ليان: الحقير ده مش ناوي يجيبها لبر أبدًا.
آيه: مظنش بعد العلقة اللي أخدها دلوقتي دي هيفكر يبصلي تاني.
مي: أكيد طبعًا يابنتي، انتوا مشفتوش دكتور سيف كان بيضربه إزاي.
سالي: ده فرمه يابنتي.
طالبة 1: ده قطعه! يالهوي على أم عضلاته وهو ماسكه بإيده كده وعمال يرزع فيه.
طالبة 2: ولا شعره الحرير وهو عمال يروح كده ويجي كده وهو بيقطع في مدحت.
طالبة 3: يبخت اللي هتتجوزه بجد، قمر قمرررر.
آيه بحدة: خلاص خلصتوا الموضوع كله ومعدش حاجة غير إنكم تعاكسوا الدكتور بتاعنا.
ليان: أيوه يا وحش المجرة، خش عليهم.
آيه: والله عيب عليكوا.
مي: يختي اتلهي، أنا مش عارفة انتي إزاي مش فرحانة إنه اتصدر لك واتحمق أوي عشانك، وكأنك تقربيله.
سالي: أيوه والله، هو صحيح ليه اتنرفز أوي كده وكأنك تخصيه يا آيه؟
آيه بتردد: ها... وأنا مالي... ما... ما عادي يعني يا جماعة، دكتور محترم ومعتبرني أخته ولا إيه!
ليان: أيوه طبعًا، دكتور سيف محترم جدًا.
سالي: ده قمر جدًاااا، مز جدًااااا.
آيه وهي تلقي بالكروس الخاص بها في وجه سالي: متتلمي بقى.
..........
لميس: مكنش يصح كده يا سيف، دلوقتي الطالب ده ممكن يعمل محضر ويبهدلك.
سيف بعدم اهتمام: ماشي.
نبيل: الأمور متتحلش كده ياسيف، أنا اللي هقولك، ده أنت عمرك عاقل وتصرفاتك موزونة.
سيف لنفسه: هي خلت فيا عقل من يوم ما عرفتها.
رشدي: ياسيف لازم تكون بارد شوية في المسائل اللي ذيي دي، خصوصًا إن والد مدحت زميل لينا، وميصحش كده.
سيف: واحد عاوز ياخد زميلته لشه غصب عنها، عاوزني أتعامل معاه إزاي؟ دي لو كانت بنتك كنت هتعمل فيه إيه؟
رشدي: كنت قتلته والله ياسيف، ربنا يبارك فيك يا ابني ويديك الصحة.
نبيل: سيب موضوع أبوه ده عليا، أنا ليا كلام معاه. وبعدين سمعة مدحت مشاء الله، الخوف بس ليحط البنت دي في دماغه ويأذيها بعد اللي حصل.
سيف باندفاع: يأذي مين؟ دا أنا كنت دفنته مكانه.
لميس بضيق: ياااه، ومالك مهتم بيها أوي كده ليه؟
سيف بغيظ: أظن لو حصلها حاجة بعد اللي عملته دلوقتي هيكون عند منه وبسببي، وبالتالي هيكون ذنبها في رقبتي، صح ولا أنا بتكلم غلط يادكتورة؟
رشدي: كلامك صح يادكتور سيف... إن شاء الله مش هيحصل غير كل خير. أنا بنفسي هكلم عميد الكلية وهعمله إنذار وهكلم والده، متقلقوش.
بعد فترة هدأت الأوضاع وعاد الجميع لأماكنهم، وبعد إصرار ليان عادت آيه لتجلس على الكرسي المقابل لسيف بجوار ليان، ولميس بجوار سيف، وعلى وجهها علامات الضيق من معاملة سيف الجافة معها. ليمضي الوقت وسيف يختلس النظرات لآيه التي تجنبت الدخول في أي حديث وفضلت الصمت، إلى أن غلبها النعاس، ليتأمل سيف ملامحها الملائكية وهي تغط في النوم متكئة على كتف ليان. ليمضي الوقت ويتوقف الأتوبيس في المكان المخصص له، لتوقظ ليان آيه بهدوء.
آيه: امممم، ف... في إيه؟
ليان: وصلنا يايويو.
آيه: ها... طب ماشي.
استيقظت آيه ودلفت للخارج لتحمل حقيبتها، لتهتف ليان: تعالي يلا أوصلك.
آيه: ميرسي ياقلبي، بس عاصم زمانه جي ياخدني.
ليان: خليه يابنتي وأنا هوصلك معايا أقرب.
آيه: خلاص، هو جه أهو.
ليان: ماشي يايويو، طمنيني عليكي لما توصلي، ومتنسيش بكرة وبعده آخر حصتين في الكورس بتاع السنتر، أوعي متجيش عشان الامتحانات وقرفها.
آيه: أكيد طبعًا، دول أهم حصتين، مستحيل أغيب. يلا سلام يالينو.
ليان: سلام يابيبي.
توقفت سيارة فخمة وهبط منها شاب وسيم، اقترب من آيه مرحبا بها في وسط نظرات زميلاتها، ليحمل عنها حقيبتها ويضعها بداخل السيارة، ليفتح الباب لآيه التي تبدو عليها ملامح الفرحة لتدلف لداخل السيارة وينطلق بها عاصم عائدًا للمنزل.
سالي: وده مين المز ده كمان؟
مي: ده عاصم جوز أختها، دماغك راحت فين؟
سالي: عيب عليكي يويو محترمة، أنا بس بقول ليكون قريبها ولا حاجة ونتعرف وكده، خلينا نتخطب بقى، شلة فقر.
مي: نفسي ألبس سواريه أوي.
.............
مدحت: ما الحلوة بتركب عربيات والدنيا حلوة أهي.
سمير: يابني ممكن يكون أخوها، ارحم نفسك بقى، انت مشوفتش وشك متشلفط إزاي؟
مدحت: والله لأدفعها التمن غالي أوي.
مضى عاصم في طريقه ليتوقف أمام بناية آيه، ليهبط منها ليحمل حقيبة آيه ويتجهوا سويًا لشقتها، لتفتح لهم دعاء لتحتضن آيه بشدة، وكذلك ورد وهناء.
عاصم بغمزة لورد: طب مافيش حضن ولا أي حاجة للغلبان اللي شايل الشنطة وطالع بيها.
ورد: صومي، عيب كده.
هناء: قال إيه هيتكثف، ده عينه تتدب فيها رصاصة.
عاصم: بتقولي حاجة يانؤة؟
هناء: بقول ربنا يخليك لينا يا صومي، وعقبال كده يارب متشيلي شنط فرحي وأنا ماشية من هنا بقى.
عاصم وهو يصفع هناء على قفاها بمرح: مستعجلة على إيه ياختي؟
هناء: يوووه، خف إيدك بقى يا عم أنت.
عاصم: يابنتي دي ضريبة أخوية لازم تدفعيها كل ما أشوفك.
هناء: توب عليا بقى يارب.
ورد: ألف حمدالله على سلامتك يا يويو.
آيه: الله يسلمك ياقلبي، حبايب قلب خالو عاملين إيه؟ اسكتي ياريري، أنا جبتلهم شوية حاجات إيه تهبل.
هناء: وأنا وأنا وأنا.
عاصم: طفسة هانم!
هناء: اركن أنت دلوقتي على جنب، أما أشوف افتكرتني بإيه.
عاصم: اقعدوا انتوا سوا براحتكم، أنا هاخد وردتي وأروح أنام، الساعة داخلة على 12 وأنا عندي شغل الصبح، يلا تصبحوا على خير.
جميعهم: وانت من أهله.
هبط عاصم درجات السلم برفقة ورد واتجهوا لمنزلهم، لتتوقف ورد عند أولى درجات السلم لتنظر لعاصم بنظرة يعلمها جيدًا.
عاصم: أنا اللي جبته لنفسي، محدش جابهولي.
ورد: مليش فيه، يلا شيلني أوبح.
عاصم: طب سماح النهاردة، فقراتي بتوجعني.
ورد: مليش دعوة بقى، عاوز ولادك يزعلو.
عاصم: وهو أنا أقدر على زعل حبايبي ولا أمهم؟ يلا استعنا على الشقي بالله.
حمل عاصم ورد بين يديه وصعد بها درجات السلم ليدلف لداخل شقتهم ويتجه ناحية غرفة نومهم ليضعها على السرير برقة بالغة. أما عند الفتيات، فمضى الليل بمرح لتروي لهم آيه تفاصيل رحلتها دون ذكر الخاصة بها وبسيف، وإخراجها للهدايا البسيطة التي ابتاعتها لهم، ليفرح هناء كثير بالقلادة الفضية التي أهدتها إياها آيه، فهي من عشاق الفضة. ليؤذن الفجر وتؤدي الفتيات الصلاة ليغلبهم النوم بعد ذلك استعدادًا للمجهول القادم.
أشرقت شمس الصباح ليستيقظ عاصم مبكرًا وتعد له ورد الإفطار، ومن ثم يتجه لعمله. ليمضي بعض الوقت لتزاول ورد حياتها اليومية براحة واعتيادية، لتسمع لطرقات الباب العنيفة التي اتجهت راكضة سريعًا ناحية الباب لتفتحه بقلق بالغ، لتتسع عينيها بشدة من هول الصدمة، وتتجمد الدماء في أوردتها، لتصبح الرؤية ضبابية، لتشعر بقدماها الغير قادرتين على حملها، لتسقط أرضًا فاقدة الوعي.
رواية بنات المنشاوي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم خلود وائل
سقطت ورد فاقدة الوعي لترتطم بالأرض بشدة. آخر ما رأته عيناها كان سليم، وخلفه الرجال بالعباءات الصعيدية والأسلحة في أيديهم. همست باسم عاصم بوهن، في محاولة بائسة للاستغاثة به. نظر لها سليم بشر وتوعد، ثم أمر أحد الرجال بحملها ووضعها في السيارة. بينما يحضر فراچ والرجال بقية أخواتها من المبنى الآخر.
***
هناء بضيق: طااااايب، جايلك يا بقرة، يا اللي بترزع الباب على الصبح.
آية بتهكم: هتلاقيها البنت سلمى، كانت قايلالي هتيجي من بدري النهاردة.
هناء وهي تتجه ناحية الباب: ما قلنا جاية أهو، وديني لخلي وقعتك سودا يا اللي بتخبط.
دعاء: افتحي بسرعة يا هناء، مش وقت لماضة. أستر يا رب.
فتحت هناء الباب بغضب، ليتلاشى قليلاً لرؤيتها رجالاً يبدو على هيئتهم أنهم من الصعيد، بجلابيبهم وشواربهم والأسلحة التي يحملونها. بينما يتقدمهم شاب وسيم، طويل الجسد وعريض البنية الجسدية، بهيئة رياضية وملامح غاضبة وأعين مشتعلة شرا لا تنذر بالخير.
هناء بعدما فتحت الباب بزاوية لا يظهر منها غيرها: أفندم... عايز إيه يا أستاذ أنت وهو على الصبح؟
لم يعرها فراچ اهتماماً، وإنما دفع الباب بكامل قوته واقتحم الشقة، وخلفه الرجال. اتسعت عينا آية من شدة الصدمة، وتصنمت مكانها وكأن جبلاً من الجليد انهار عليها. بينما صرخت دعاء من هول المفاجأة، لترتعش بشدة وتهرع للاختباء بإحدى الغرف. ليتبعها الرجال سريعاً ويمسكون بها. بينما اتجه فراچ ناحية آية ليتوقف أمامها وينظر إليها بنظرات انتقامية قائلاً: قلتلك لو في آخر الدنيا هجيبك يا بت عمي.
آية بنبرة مهتزة ومرتعبة، محاولة تمثيل عدم الخوف: وأنا مخافش منك عاد يا فراچ.
أمسك فراچ بآية من خصلات شعرها بقوة وعنف، لتصرخ آية بشدة من الألم الذي تشعر به. ليسقطها أرضاً بيده الأخرى التي هوت على وجهها، ليجذبها على الأرض وهو لا يزال ممسكاً بخصلات شعرها، لتصرخ آية من شدة الألم وتوجه إليه السباب اللاذع.
آية: سيبني يا كلب يا حيوان... مخافش منك يا فراچ.
فراچ: هجتلك وهشرب من دمك أنتِ وإخواتك.
حاولت دعاء التملص من الرجال الممسكين بها بشدة، لتحاول هناء مساعدتها بضربها لأحدهم وعضها لكتف الآخر. لتهرب دعاء من براثنهم، ليلتفت إليها أحدهم ويوجه لها وصلة من الضرب على وجهها، لتسقط أرضاً من شدة الألم. بينما أخرج أحدهم منديلًا من جيبه وكمم به فم دعاء، لتندثر قوتها في المقاومة تدريجياً وتفقد الوعي. ليحملها أحد الرجال على كتفه ويخطو بها لخارج الشقة. لتستعيد هناء اتزانها بصعوبة وتهرع باتجاه آية لتحاول تحريرها من براثن ذلك الوحش الكاسر، لتتلقى صفعة مدوية جعلت الدماء تتناثر من فمها، لتصطدم بالكرسي المقابل لها. لتعاود الوقوف بإصرار وعزيمة لتهجم على فراچ موجهة إليه اللكمات المتتالية بعنف شديد، ولكن هيهات لتلك العصفورة التي تحاول إلحاق الأذى بنمر ثائر. ليلقي فراچ آية لأحد الرجال ليمسك بها، بينما يكممها الآخر. لتحاول آية المقاومة والتملص لمساعدة رفيقتها التي اتجه إليها فراچ، لتتساقط الدموع من عينيها بشدة لتصبح الرؤية ضبابية وتفقد وعيها هي الأخرى. أما عن هناء، فكانت بحالة يرثى لها، فقد أطلق فراچ وحشيته الكامنة عليها. ولكنه تريث قليلاً حينما تذكر اتفاقه مع تغريد، ليخرج مسدسه من جيب عباءته ويضربها به في رأسها، لتسقط أرضاً مغشياً عليها. ليهبطوا جميعاً درجات السلم حاملين الفتيات، ليضعوهم في السيارات الفارهة الخاصة بهم، وسط أنظار أهل المنطقة الذين تجمعوا على أثر الصراخ ومنظر العربات الفارهة المتوقفة بمنتصف الشارع. ليركبوا جميعاً وينطلقوا لوجهتهم.
في فيلا الحديدي.
فرح: ما روحتش الجامعة النهاردة ليه يا بنتي؟
ليان: عندي كورس النهاردة ومحتاجة مراجعة، وصراحة مليش مزاج أروح طالما يويو مش هناك.
فرح: تصدقي وحشتني لمضتها وقعدتها الحلوة أوي.
ليان: أوعدك بعد الامتحانات هعزمها يوم نقضيه سوا إن شاء الله.
فرح: أشطا جدا... تيجي معايا النادي؟
ليان: لا، روحي انتي وأنا هكلم يويو أظبط معاها على الـ "وارنا" النهاردة.
فرح: أوك يا بيبي، سي يو.
أمسكت ليان بهاتفها لتتصل بآية، لتنتهي المكالمة بدون رد. لتعاود ليان الاتصال مرة أخرى وأخرى، ولكن بدون رد.
ليان بقلق: مش معقول تكون نايمة كل ده؟
تناقلت العامة ما حدث مع الفتيات صباحاً، لتتجه أم عاصم لشقة الفتيات بقلق بالغ بعدما سمعت بما حدث من إحدى جاراتها. لتدلف للشقة لتجد ابنتها ملقاة أرضاً ووجهها متورم بشدة وشعرها مبعثر وشكلها غير مطمئن، لتصرخ: هنااااء! هنااااء!
جلست أم عاصم بجوار هناء والدموع تنهمر من عينيها، محاولة إيقاظ صغيرتها ولكن بدون فائدة. لتبحث عن زجاجة برفيوم وتحاول إيقاظها، ولكن بدون استجابة من هناء. لتصرخ أم عاصم: لااا! قومي يا هناء بالله عليكي يا بنتي! آآآه يا رب! مليش غيرك ياااارب!
تجمع الجيران على أثر صوت أم عاصم، ليطلب أحدهم الإسعاف وينطلقوا بها لأحد المستشفيات. بينما أجرى آخرون اتصالاً بعاصم لإخباره بما حدث، ليلحق بهم سريعاً والقلق يتملك منه، تاركاً عمله.
***
في إحدى السيارات كانت تغفو ورد، لتبدأ في استعادة وعيها وفتح عينيها ببطء ووهن. لينتبه لها سليم ويخرج من جيبه زجاجة صغيرة وينثر منها الرذاذ في وجه ورد، لتغفو رغماً عنها مرة أخرى. ليسترق النظرات من سائق السيارة، ليكمل طريقه بصمت وقلق على ورد، والذي بأنتظارها عند وصولها القصر هي وأخواتها.
***
دلف عاصم بهلع للمستشفى، ليتجه لموظفي الاستقبال ليسأل عن هناء أخته.
عاصم بقلق بالغ: في واحدة جت هنا من شوية كان مغمي عليها واسمها هناء صقر.
الموظف: أيوه يا فندم... موجودة في الدور الخامس، غرفة 336.
هرول عاصم للغرفة التي وصفها له موظف الاستقبال، ليتفاجأ ببعض أصدقائه وجيرانه. ليفتح الباب بسرعة ويدلف للداخل، لينخلع قلبه من موضعه لرؤيته لأخته وما أصاب وجهها من كدمات وجروح وتورم إحدى عينيها ورأسها المربوط من أثر الضربة الخاصة بمسدس فراچ. ليقترب منها عاصم والدموع مجتمعة في مقلتيه ويربت على جسدها بحنان أخوي.
عاصم بغضب: إيه اللي حصل يا ماما؟ ومين اللي عملك كده في هناء؟ وإنتي كنتي فين وإزاي تسبيها كده؟
أم عاصم بحزن: كانت بايته عند البنات زي كل ليلة، وأنا كنت في البيت مستنياهم يجوا نتغدى سوا. وفجأة لقيت أم مروة جارتنا بتناديلي وتحكيلي إن في ناس نازلين من عمارة الست تهاني وشايلين آية ودعاء على كتفهم، وكان في صريخ جامد من قبلها. وبعدين نزلوا ركبوا عربيات سودا غالية زي اللي بنشوفها في الأفلام وخدوهم ومشوا.
تجمدت الدماء بعروق عاصم، وفرت من فمه الكلمات، ليحدق بوالدته بنظرة طويلة تتمنى الإنكار، قائلاً بقلق شديد: ورد فين يا ماما!
أم عاصم بحيرة: والله ما أنا عارفة يا ابني، أنا اتلبخت في اختك ونسيت الدنيا بحالها... اطمن يا حبيبي، إن شاء الله خير، هتلاقيها في البيت ولا نايمة.
أخرج عاصم هاتفه ليتصل بورد، وبداخله يدعو الله أن تجيبه، ولكن دون رد. لتنظر والدته لملامحه المتخشبة وتهتف بقلق: أكيد نايمة يا حبيبي، اطمن، متخافش.
عاصم: خليكي مع هناء يا ماما، عما أروح البيت أطمن عليها وأجي.
ألقى عاصم كلماته ولم ينتظر رد والدته، ليغادر المبنى بأكمله ويقود سيارته بسرعة جنونية متجهاً لمنزله، ليهبط منها دون إغلاق بابها ويصعد درجات السلم بسرعة البرق، ليقف أمام باب شقته المفتوح بعجز وألم. ليغمض عينيه بندم لأنه تركها وذهب لعمله، تركها تواجه ما لا تقدر عليه، تركها للمجهول الذي لا يعلم عنه شيئاً. ولكن سرعان ما استعاد وعيه ورفض تصديق أن ورد برفقة أخواتها، ودلف لداخل الشقة يبحث عنها بألم منادياً اسمها في جميع الأركان على أمل أن تقابله بحضنها الدافئ، ولكن دون جدوى. ليجلس أرضاً بخيبة أمل، لتتساقط الدموع من عينيه بشدة على فقدانه لزوجته وأبنائه.
***
حاول فارس الاتصال بدعاء ولكنها لا تجيب، ليتسلل القلق لأوصاله. ليواصل الاتصال بها وبآية طوال اليوم، ليفصل هاتفه من الشحن بحلول نهاية اليوم.
***
أنهت ليان حصة الكورس التي كان من المفترض أن لا تتغيب عنها آية، لتشعر بالقلق الشديد عليها، خاصة أنها لا تجيب على هاتفها منذ الصباح. لتعود لمنزلها بعد انتهاء اليوم، لتجلس بتوهان على مائدة الطعام لتناول وجبة العشاء برفقة عائلتها.
نورة: ما بتاكليش ليه يا حبيبتي؟
ليان: هاا...
باكول أهو يا مامي.
فرح: اتعشيتي برة مع آيه ولا إيه؟
صالح: ألا صحيح، أذيها آيه، عاملة إيه؟
ليان بقلق: كويسة يا بابي.
صالح: من زمان مشوفتهاش يالينو، وحشتني قعدتها وضحكها معاكو.
سامر: آه والله يا بوب، بتبقى عاملة جو في البيت وكأنها حد من العيلة.
نظرت ليان لسيف لتفحص ملامح وجهه التي بدت جدية وغير مهتمة بالحديث عن المشاكسة خاصته، لتحاول تعميق الحديث عنها لترى ما سيفعله.
ليان: تخيلي يا فروحة، آيه مجتش الكورس النهاردة ولا بترد على تليفوناتي من الصبح.
فرح: طب مش كنتي تروحي لها بيتها تطمني عليها يالينو، دي صاحبتك برضه.
ليان: أيوه طبعًا، ناوي أعمل كده بكرة وأروح لها قبل الكورس وننزل نروح سوا.
سامر: لعله خير، متقلقيش، الغايب حجته معاه.
نورة: هتلاقيها رجعت تعبانة من السفر ومصدقت تنام طول النهار وترتاح.
ليان بقلق: يارب يكون الموضوع كده يا مامي.
اختلست النظرات لسيف الذي لم تتبدل ملامحه، فهو تعمد عدم التحدث فيما يخصها لأنه قطع لها وعدًا بالابتعاد عنها وتناسي حقيقة شعوره نحوها، لتشعر ليان بالانزعاج من تجاهله الشديد.
تغيب آيه طوال اليوم، لتنسحب من المائدة وتتجه لغرفتها محاولة الاتصال بآيه وإرسال الرسائل النصية بكثرة، ولكن دون رد.
لتدور الأفكار الكثيرة برأسها، ليقطعها اتصال طارق بها، لتجيبه بفرحة.
أما عن عاصم، فقد عاد إلى المستشفى بعد يوم طويل أمضاه في البحث عنها، ليجلس بقرب هناء التي أفاقت.
عاصم بألم: عاملة إيه الوقتي يا حبيبتي؟
هناء بحزن: لقيتهم يا عاصم.
عاصم: طمنيني عليكي الأول.
هناء: طمني عليهم، أنا بقيت كويسة، متقلقش.
أم عاصم: لقيتهم يا ابني، بالله عليك متخبّيش عليا حاجة.
عاصم بانهزام: دورت في المستشفيات والأقسام، ملهمش أثر. أنا مش عارف أبدأ منين ولا أدور فين أصلاً. حتى لما جيت أقدم بلاغ، الظابط فكرني بهزر. إزاي مش عارف مراتي منين وأهلها يبقوا مين.
هناء: ما أنت عارف اسمها بالكامل وعندك بطاقتها، شوفها.
عاصم: في مليون واحدة باسمها يا هناء، وبطاقتها هي وأخواتها مغيرينها من أول ما جم القاهرة، يعني مش عارف أوصل لأصلهم خالص.
أم عاصم: متروح يبني إسكندرية تدور عليهم هناك.
عاصم بابتسامة مريرة: هما مكانوش من إسكندرية أصلاً يا ماما.
أم عاصم بعدم فهم: يا ندمتي، أمال إيه يا ابني، فهمني، أنا مبقتش فاهمة حاجة.
عاصم بألم: الحكاية كلها إنهم...
هناء: ياااه، كل ده وهما شايلينه لوحدهم.
أم عاصم: بس دي مراتك يا ابني، ومن حقك تاخدها منهم، بحبابي عنيهم، ومحدش له عندك حاجة.
عاصم بقلة حيلة: مش لما أبقى أعرف هي فين يا ماما.
أم عاصم وهي تقترب من عاصم لاحتضانه: متخافش يا حبيبي، هتلاقيها والله هتلاقيها، ربنا مهيسبهاش يا ابني.
انهمرت دموع عاصم المكبوته: مراتي وعيالي راحوا من إيدي يا ماما ومعرفتش أعملهم حاجة... اااااه ياربي على الوجع اللي فيا، ااااه.
أم عاصم: متعملش في نفسك كده يا ابني، والله هتلاقيها، ربنا كبير.
هناء: ونعم بالله، والله هترجع يا عاصم، متخافش. طب مترن كده على ابن عمها فارس جوز دعاء.
تسلل بريق الأمل لفؤاد عاصم لما قالته أخته، ليهتف بأمل: صح، أنتِ صح، إزاي مجاش في بالي، أنا هكلمه، هو اللي هيعرفني طريقهم.
أمسك عاصم بهاتفه ليتصل بفارس، ولكنه وجده مغلقًا.
هناء: خليك وراه لحد ما يبقى متاح، هو اللي هيوصلنا لورد.
أم عاصم: خلي أملك بربنا كبير يا حبيبي.
عاصم بأمل ويقين بالله: ياااارب.
_________
توقفت السيارات أمام أحد مخازن الحبوب الخاصة بممتلكات العائلة، ليهبط منها سليم حاملاً ورد ليتجه بها للداخل، وخلفه الرجال، أحدهم يحمل دعاء، وآخر يحمل آيه، وخلفهم البقية ليلقو بهم أرضًا ويقوموا بتكبيلهم بالحبال من أيديهم وأرجلهم والانصراف للخارج.
وبينما تبقى القليل منهم برفقة سليم وفراج بانتظار وصول حسان، لتمضي فترة ليست بالقصيرة، لتبدأ الفتيات باستعادة وعيهم، ليصل حسان بهيبته وملامحه المتبلدة وقلبه القاسي المنتزع منه الرحمة، ليجلس على كرسي وضع خصيصًا له أمام الفتيات.
حسان: أوه، كأني جيت في وقت مش مناسب، عاد، ولسة نايمين.
دعاء بوهن: ع... ع... عمي.
حسان: والله زين إنه لسه فاكرة إن لكِ عم أصلاً.
آيه: عايز إيه مننا يا حسان؟
حسان بدهشة: أوه، أوه، كأن السنة اللي قعدتيها بعيد عنينا، عاد، نستك كيف تتحدتي معاي يا بنت أخوي.
آيه بعناد: كأنها الروس اتساوت يا حسان، واللي بتخطط له مهتنولوشي واصل.
حسان: معوزاش تقولي حاجة يا ورد هانم انتي كمان.
كانت آثار المخدر لازالت تؤثر على ورد ولم تستعد وعيها بالكامل، ليتجه إليها سليم بغضب وينخفض بجذعه لمستواها ويجذبها من شعرها لتعتدل في جلستها ويهوي على وجهها الناعم بكف يديه لتستفيق.
ورد بصراخ: ااااه.
دعاء: باعد يدك عنيها أحسن لك.
سليم بصوت كفحيح الأفاعي: وإلا إيه يا ست دعاء؟
دعاء:
سليم مكملًا: اللي بتتحامي فيه مسافر مهواش هنا يحوش عنك ذي كل مرة، أنتِ دلوقتي تحت رحمتي أنتِ وأخواتك.
دعاء ببكاء: إحنا لحمك ودمك يا سليم، بتعمل معانا كده ليه، حرام عليك.
سليم بشر: حرمت عليكوا عيشتكو، إحنا كنا كارمينكم وهنتجوزكم وتكونوا هوانم بقية عمركم، لكن انتو اللي بدأتو بالشر ولازم تدفعوا الثمن غالي.
ورد بتعب بدأ يغزو جسدها: خد اللي انت عايزه يا سليم، بس الله يوفقك، سيبنا نشوف حالنا.
سليم بضحكة شيطانية: كأنك لسه مفكرة إنكم هتشوفوا نور الدنيا تاني.
فراج وهو يقترب من آيه: قلت لك هجيبك تحت جزمتي يا آيه وتتمني رضايا متنوليهوش واصل.
آيه: ابعد عني بدل ما أقتلك دلوقتي.
فراج: مستحيل أسيبك تهربي ذي ما عملتي قبل سابق.
آيه: هقتلك لو جربتلي يا فراج، ابعد عني.
فراج: ليه فكراني ذي حبيب القلب اياك... دلوقتي هدفعك تمن اللي عملتيه من قبل، وابقي وريني بقي سي سيف بتاعك ده هيعتر عليكي إزاي...
اتسعت عيني آيه بشدة من كلمات فراچ وعلمه بسيف، لتدور التساؤلات بتفكيرها عن من وشى بها هي وأخواتها، لينفي قلبها احتمال أن يكون سيف هو من أخبرهم بمكانها، ليقطع تفكيرها كف فراچ وهو يهوي على وجهها لتسقط أرضًا للجهة الأخرى.
فراج: كان كلامي مش مهم عشان تسمعيه وتركزى معايا.
حسان: بكفاياك يا فراج.
فراج: سيبني يبوي أبرد ناري وأقتلها اللي دايرة تتصرمح مع ابن البندر ده.
اتجه ناحية آيه بشر وأمسك بها من تلابيب ملابسها ليضيق بيديه على رقبتها حد الاختناق قائلًا: فرطي في نفسك ولا لسه يا ابن عمي؟ خليتيه يوصل معاكي لفين؟ فيه إيه أحسن مني؟ انطقي.
تحول لون وجهه آيه للون الأزرق وبدأت أنفاسها بالانقطاع، لتصرخ أخواتها بشدة، ليتجه إليهم سليم ويكيل لهم من الضربات القوية لإسكاتهم، ولكن دون فائدة.
بدأت آيه بالاستكانة ليبتعد عنها فراچ انصياعًا لتحذيرات أبيه.
حسان: استني يا فراج لما تمضي أول وبعدين اعمل اللي أنت عايزه على راحتك.
ابتعد فراچ عنها لتلتقط أنفاسها بصعوبة وتعب، لتحاول دعاء الاقتراب منها ومن خلفها ورد، لترتمي آيه في أحضانهم، ولكن دون استطاعة منهم لاحتضان بعضهم البعض بسبب أيديهم المربوطة بالأحبال الغليظة، لتنطلق دموعهم بحرقة على ما أصابهم وما سيصيبهم في الساعات القادمة.
حسان: كلمة ملهاش تاني، يا تمضوا وترتاحوا بدري بدري، يا تتعذبوا شوية لحد ما تطلبوا الموت، وبرضو هتمضوا قبل ما تموتوا. جلتوا إيه؟
آيه بعناد: اقتلني أحسن لك، ولا إنك تطول مني مليم أحمر.
دعاء بخوف: على جثتي يا عمي.
ورد برعب: أنا ممضياش عاد.
حسان وهو ينتفض من مجلسه قائلاً: انتو اللي اخترتوا عاد... سليم.
سليم: أيوه يبوي.
حسان بشر: شوف شغلك معاهم، وأنا هعاود الصبح تكون وجبتهم زين.
سليم بشر: عيوني الاتنين يبوي.
💔💔💔💔
القي حسان كلماته وهم بالانصراف عائدًا للقصر، تاركًا الفتيات تحت رحمة أبنائه ليذيقوهم الويلات إلى أن تشرق الشمس.
😔😥
رواية بنات المنشاوي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم خلود وائل
مضى الليل مؤلمًا، موجعًا، مليئًا بالتعذيب النفسي والجسدي للفتيات من أولئك الوحوش الذين انتزعت من قلوبهم الرحمة، وتفننوا في تعذيبهن بأصعب وأقسى الطرق. أما على الجانب الآخر، فهناك عيونٌ خاصمها النوم، لا تتوقف عن البكاء لفراقهن، ولا تعي كيفية الوصول إليهن، لتشرق شمس الصباح حاملة في طياتها ما تخفيه لهذه القلوب المتعبة.
في قصر المنشاوي، كان يجلس حسان على رأس طاولة الطعام مع زوجته وأبنائه يتناولون طعام الإفطار، لتهتف صفية قائلة بتوجس:
"كنتوا فين امبارح عاد يا سليم انت واخوك؟ لِقرب الفجر."
سليم:
"كنتي مستنيانا ولا إيه يا يما؟"
صفية:
"أنا قعدت استناكم لحد ما أبوكم جه وقال إن عندكم شغل متأخر ودخلنا نمنا، وبعدين قمت أصلي الفجر وفتّحت على أوضكم ملقيتكمش عاد... شغل إيه اللي طول الليل ده؟"
فراج:
"كان عندنا جرد لمحصول امبارح يا يما، متشغليش بالك انتي."
صفية بشك:
"ماشي يا ولدي."
حسان:
"ابعت مناع السواق قصر السلانتي يجيب أختك النهاردة تقضي اليوم معانا، أديلها أسبوعين بحالهم مشفتهاش واتوحشتها قوي."
فراج:
"حاضر يا بوي."
صفية:
"الحكيمة قالتلها إن حملها ضعيف ولازم تنام وترتاح، والبت يا حبة عيني مموتة نفسها من العياط."
سليم:
"وإنتي ما روحتِش تطمني عليها ليه يا يما؟ ولا حتى تجيبيها تقعد أهني وسطنا."
صفية:
"إنت مداريش عن القصر بحاجة، أنا كل يوم بروح أطل عليها، وجوزها رافض إنها تهمل بيتها وتيجي تقعد أهني، بس هقولك إيه عاد؟ معرفش إيه اللي واخد عقلكم وتفكيركم انتو التلاتة."
فراج بحمحمة:
"أباي عليكي يا يما، قلنالك شغل عاد."
صفية:
"الله يعينكم يا ولدي ويرجعك يا فارس بالسلامة."
***
في فيلا الحديدي، استيقظت ليان من نومها مبكرًا، وعاودت الاتصال بآية ولكن دون فائدة، ليتملكها القلق والخوف، لترتدي ملابسها استعدادًا للذهاب للجامعة، لعلها تلتقي بها هناك.
***
في المستشفى الموجودة بها هناء، وبرفقتها والدتها وعاصم... أنهى الطبيب الفحوصات الخاصة بها ليسمح لها بالخروج.
دكتور رامي:
"إنتي بقيتي كويسة وتدري تخرجي النهاردة، بس لازم تنتظمي على العلاج ونشوفك الأسبوع الجاي علشان نطمن على الجرح اللي في راسك، تمام؟"
عاصم:
"بإذن الله يا دكتور... نقدر نمشي الوقتي؟"
دكتور رامي:
"آه طبعًا، هكتبلها على خروج دلوقتي حالا وبعدها تقدر تنزل. وبعد كدة خلي بالك على نفسك."
عاصم:
"إن شاء الله. وكتر ألف خيرك يا دكتور."
دكتور رامي:
"ألف حمد الله على سلامتها. بعد إذن حضرتك."
هم الطبيب بالخروج، لتجلس أم عاصم بجوار هناء على السرير وتحتضنها، بينما تتساقط دموعها بصمت، وعاصم يتابعها بشرود على الكرسي المقابل لهم.
هناء بتعب:
"معرفتش حاجة عنهم يا عاصم."
عاصم بحزن:
"لا... مبقتش عارف أروح فين ولا أدور عليهم إزاي... أنا حاسس إني متكتف، مش عارف أعمل حاجة."
أم عاصم بحزن شديد على ما أصاب ابنها:
"طول بالك يا عاصم، وإن شاء الله هتوصلهم. ربنا عالم إننا ما أذيناش حد وهيقف معانا، ده ربنا رؤوف حليم يا ابني."
عاصم بتعب:
"ونعم بالله."
***
اتجه فراج وسليم للمخزن ليقفا ببرود أمام الفتيات النائمات على الأرض، وحالتهن يرثى لها، كل منهن في مكان بعيد عن الأخرى. ليتجه فراج ناحية آية حاملاً وعاءً مملوءًا بالماء البارد، ليقوم بسكبه على وجهها، لتنتفض مفزوعة بشدة.
آية بفزع:
"ه...هه... آآآه، حرام عليك يا فراج، ربنا ينتقم منك."
فراج بغيظ:
"لسه بتناشدي عاد؟ ميضرش، النهاردة هقطع لسانك ده وارتاح من رطك الماسخ."
اقترب فراج منها ليسحبها من ذراعها بعنف، لتقف أمامه بتعب، ليسحبها خلفه للعمود الخرساني، ليأمر أحد الحراس بربطها به، ليتفنن بتعذيبها. أما بالخارج، فقد استقل السائق مناع السيارة الفارهة الخاصة بالقصر، لينطلق بها متجهًا لقصر السلانتي لإحضار مرام، لتمضي فترة طويلة ابتعد فيها عن القصر، ليتوقف جانبًا على الطريق ويمسك بهاتفه ليتصل بفارس.
مناع:
"آلو... أيوه يا فارس بيه."
فارس:
"أهلًا يا مناع، في حاجة عاد؟"
مناع:
"مصيبة يا فارس بيه، وحطت علينا."
فارس بقلق:
"خبر إيه يا مناع؟ أبويا جرى له حاجة؟"
مناع:
"لأ، حسان بيه زين، وأنا على الطريق لقصر السلانتي عشان أجيب الست مرام."
فارس بنفاد صبر:
"انطق يا مناع، في إيه قبل ما أقفل السكة في وشك."
مناع:
"مخبّرش كيف ده حصل، بس حسان بيه وصل لبنات عمك، وامبارح رحنا جبناهم، وأديلهم ليلة بايتينها في المخزن، وإخواتك متوصيين بيهم قوي وناويين على الشر... تعالي الحقهم يا فارس بيه قبل ما تيجي براحتك تاخد عزاهم."
شعر فارس بأن الدنيا توقفت من حوله، وبدأت الرؤية تصبح سوداء أمام عينيه، عقله لا يزال لم يستوعب ما حدث، ولا تخيل ما تمر به الفتيات الآن، ليفيق من دوامة تفكيره على صوت مناع الرجولي.
مناع:
"فارس بيه... فارس بيه، إنت سامعني!"
فارس بقلق شديد:
"سامعك يا مناع."
مناع:
"حضرتك هتيجي مِتّي؟"
فارس:
"مسافة السكة وهكون عندك. هما في أي مخزن؟"
مناع:
"في المخزن الغربي، حدا أرض المشروع."
فارس:
"وكيف محدش اداني خبر من ساعتها؟ وإنت كنت مستنيهم يقتلواهم وبعدين تخبرني عاد؟"
مناع:
"العفو منك يا فارس بيه، بس أنا طول الليل واقف حارس على الباب ومعرفتش أفلت منهم أصلًا غير دلوقتي، وكمان محدش عندي خبر باللي حصل ده."
فارس برعب:
"هقفل، وأنا مسافة السكة وهكون عندك."
أغلق فارس هاتفه وانطلق لسيارته ليستقلها بقلق بالغ، لينطلق عائدًا للقصر.
أمسك سليم برأس ورد واستمر بتوجيه الضربات لها، لتصرخ ورد بألم شديد، ليُزيد سليم من شدة ضرباته، لتصرخ آية:
"ابعد عنها يا كلب، لقطعلك إيدك."
سليم بسخرية:
"شكلك لسه فاهمة الدنيا ماشية كيف."
آية بتحدي:
"مبقاش غيرك إنت اللي تعرفني عاد."
اقترب سليم من آية حاملاً بيديه بعض الأوراق، لينظر لها بشر.
سليم:
"امضي أهني، وأوعدك إنّي هقتلك بسرعة، مهاتعبكش عاد."
نظرت آية له بغضب عارم، ثم بصقت في وجهه بغضب، ليشتعل سليم شرًا، ليلقي بالأوراق أرضًا، ويمسك بقبضته كرباجًا، ويهوي به على جسدها، لتتعالى صرخاتها لتدوي في المكان بأكمله.
دعاء ببكاء هستيري:
"خلاص، حرام عليك، هات وأنا همضي، بس سيبها، حرام عليك."
آية بعناد يتوسط صراخها:
"لااااا، أوعي يا دعاء، أوعي تمضي للكلاب دول."
اغتاظ فراج من عنادها الذي لا ينكسر، ليخطو ناحيتها، ليتناول الكرباج من أخيه، ليستكمل وصلة التعذيب على ظهرها.
فراج بغل:
"الكلاب دول يبقوا أسيادك يا بنت ال***."
ورد بصراخ:
"سيبها، حرام عليك، بعد عنها."
سليم وهو يقترب من ورد بشر:
"لسه دورك جاي، متستعجليش على رزقك."
ورد بصراخ:
"منك لله، الله ينتقم منك يا ظالم."
أمسك سليم بمعصم ورد المكبل وألقاها أرضًا بشدة، ليوجه إليها الضربات بقدميه بغل شديد.
دعاء وآية بصراخ:
"لااااااا."
دعاء:
"ابعد عنها، ورد حاملة، ابعد عنها، الله لا يسامحك."
احتقنت عيناه بالدماء مما سمع، ليصيح بعدم تصديق:
"كيف... حاملة؟ كيف وإمتى ومن مين؟"
ثم نظر إليها بغضب جليل وعاود تسديد اللكمات إليها.
سليم:
"بعتي شرفك لمين يا فاجرة؟ حطيتي راسنا في الطين يا ***."
دعاء بصراخ:
"ورد متزوجة، ابعد عنها، وربي هقتلك يا سليم لو جرى لها حاجة."
سليم بدهشة:
"متزوجة؟"
فراج بعدم تصديق:
"متزوجة؟ كيف يعني!"
دعاء ببكاء:
"والله متزوجة على سنة الله ورسوله، وحاملة من جوزها."
استمر سليم في تسديد الركلات بحدة لبطن ورد، غير مهتم بصراخها وتوسلاتها بأن يتركها ويرحم أطفالها الذين لم يروا النور بعد، لتخور قواها سريعًا وتسيل دماؤها أرضًا في منظر مؤلم تقشعر له الأبدان، لينظر إليها سليم وهي غارقة في دمائها فاقدة الوعي، ليهتف بغضب عارم:
"رخيصة ولا تسوى، إتفوووو."
دعاء بصراخ:
"لااااا، وووورد، لااااا."
آية ببكاء هستيري:
"ورد، لا، فوقي، لا، اصحي بالله عليكي."
اتجه فراج ناحية دعاء، لينهال عليها بالضرب محاولًا إسكاتها، بينما جلس سليم على كرسي موضوع بالقرب منها، ينظر إليها بتشفٍ، منتظرًا أن تفارق روحها جسدها المشوه من آثار الضرب والتعذيب. لتمضي فترة طويلة، ليدلف حسان لداخل المخزن ويتجه ناحيتهم، ليتفاجأ بمنظر ورد المريع.
حسان بحدة:
"عملت فيها إيه يا سليم؟ انطق."
سليم:
"غسلت عارنا يا بوي."
حسان:
"وإيه عار إيه اللي بتتحدت عنه؟"
سليم:
"الهانم حاملة، وكمان متزوجة رسمي."
اتسعت عينا حسان من الصدمة:
"وإيه؟ وإيه؟ كيف حصل كل ده وإحنا نايمين على ودانا!"
فراج:
"كلبة وراحت يا بوي."
حسان بتروٍّ:
"روح هات الحكيمة قوام، قبل ما تموت."
سليم معترضًا:
"خبر إيه يا بوي؟ تكونش حنيت ولا إيه؟"
حسان:
"لازم تمضي التنازل الأول، وبعديها تموت في داهية، الله لا يردها."
سليم:
"لأ، سيبها تموت كده، هي متستاهلش غير كده."
دعاء بصراخ متقطع من شدة الألم:
"حراااام عليكم... بكفيكم كده، هتقتلونا عشان إيه... خدوا كل حاجة بس سيبونا نروح لحالنا... آآآه يا با... سبتني لمين بعدك يا بووي... آآآه."
آية بأنين:
"ووورررد..."
دعاء بألم: اااااه.
في هذه الأثناء، توقفت سيارة فارس أمام المخزن. ليهبط منها بغضب شديد، ليدلف للداخل بدون تفكير ويتجه للمكان الذي يتواجدون به جميعًا.
سليم: وإنت كيف تعود بدري أكده؟
أكمل فارس طريقه دون اهتمام، ليتجه ناحية والدة. ليتفاجأ من خلفه بورده غارقة أرضًا في دمائها. وعلى مقربة منها، دعاء مكبّلة وملقاة أرضًا، ويبدو عليها آثار التعذيب. وعلى مسافة قريبة، آيه وحالها الذي يهلك الفؤاد. ليصرخ فارس: ليه أكده يا بوي؟ حرام عليك! ذنبهم إيه تعمل معاهم أكده؟
حسان ببرود: إيه اللي جابك دلوق يا فارس؟
فارس بغضب: جاي أحقنهم منكم ومن اللي بتعملوه فيهم.
فراج: ومين اللي قالك عاد؟
فارس شزرًا: إنت كيف بتعمل فيهم أكده؟ دول لحمنا يا فراج.
دعاء بصراخ: الحق ورد يا فارس.
اتجه فارس ناحية ورد ليحملها. لتستوقفه كلمات والدة.
حسان: باعد عنيها أحسن لك.
فارس: هتسيبها تموت عاد؟ دي لو بنتك هتسيبها أكده؟
حسان: اخرس، قطع لسانك! بنتي أشرف من الشرف.
فارس بتسرع: ودي شريفة زيها؟ دي متجوزة على سنة الله ورسوله.
كانت المفاجأة مدوية على الجميع. لتتحول نظراتهم من متبلدة ومعاتبة لنظرات غاضبة متوعدة.
سليم وهو يمسك بفارس من ياقة قميصه: كنت عارف وبتساعدهم كمان؟
فارس محاولًا إبعاد سليم: باعد عني يا سليم، أحسن لك.
سليم بحقد: كنت حاسس إنك هتداري وراهم، يا تربية النسوان.
وجه فارس قبضته (بوكس) ناحية وجه سليم. ليبتعد عنه أثر كلماته التي أثارت حنقه. ليتجه ناحية ورد ليمنعه فراج.
فراج: كنت عارف ومخبي عليهم ليه عاد؟ إحنا اللي إخواتك ولا هما؟
فارس بحدة: باعد عن طريقي يا فراج.
فراج: ممبعدش واصل، خليها تموت وتندفن مكانها.
فارس: قلت لك باعد من هنا، بدل ما انت اللي تندفن.
حسان بصوت مزلزل للمكان: اقتلوا بعض، وأنا لساني على وش الدنيا...
دعاء: الحق ورد يا فارس، الله يخليك! ورد بتموت.
شعر فارس بالحيرة من أمره. فهو في وضع لا يحسد عليه. فزوجته وحبيبته عمره بين براثن إخوته، وآيه ملقاة أرضًا تتألم بشدة لدرجة أنها لم تشعر بوجوده بعد. ليحسم أمره ويتجه ناحية ورد ليحملها بين يديه، ويدلف بها للخارج. ليحاول إخوته اعتراض طريقه. ليشير لهم والدهم بالتوقف. ليبتعدوا عنه. بينما قام فارس بوضعها على المقعد الخلفي لسيارته. لينطلق بها ناحية القصر. ليقود بسرعة جنونية. ليمسك بهاتفه ويتصل بكريم.
فارس: الو... كريم دلوق حالا تجيب دكتورة نسا وتسبقني على القصر.
كريم: وإنت؟ دكتورة نسا؟ خير يا فارس؟
فارس بحدة شديدة: هتفتح لي تحقيق ولا إيه؟ اعمل اللي قلت لك عليه واخلص.
كريم بتوتر: حاضر... دلوق حالا. سلام.
لم يرد فارس، وإنما ألقى هاتفه بضيق على الكرسي المجاور له. لتمضي دقائق. ليتوقف أمام القصر ويهبط من السيارة ويحمل ورد مرة أخرى بين يديه. ليدلف للداخل حاملاً إياها بجسدها المشوه من آثار الضرب، وشعرها المبعثر، وملابسها الممزقة الغارقة بالدماء التي صبغت ملابس فارس بدمائها. ليصيح فارس وهو
بطريقه لغرفة ورد
فارس: يماااا..... أماااااا.
انتفضت صفية من داخل غرفة الصالون الفارهة. لتتجه للخارج مهرولة على أثر نداء فارس الذي تهتز له جدران القصر. لتتجه ناحيته لتصرخ على منظره، ومن خلفها مرام.
صفية بصراخ: يا مرّي! يا وقعه سودة! ورد يا وااااارد.
مرام: لا لاااااا! فوقي يا ورد... إيه اللي حصل يا فارس؟
لم يجب فارس، وإنما اتجه لغرفتها. لتفتح له مرام الباب سريعًا. ليدلف للداخل ويضعها برفق على السرير.
صفية ببكاء مرير: يا مراي ياني! إيه اللي حصل يا ابني؟ إنت جيت ميتي وكيف؟ وورد 😭.... إني مفهمش أي حاجة.
مرام: إيه اللي جاب ورد هنا؟ وإيه اللي عمل فيها أكده؟ انطق يا فارس، الله يوفقك.
فارس بألم: باااااس، بكفياكو عاد.
صفية وهي تدنو بالقرب من ورد: ورد يا بنتي فوقي يا ضنايا. إيه اللي جرالك يا حبة عيني.
مرام ببكاء: فهمني يا فارس. أنا هيجرالي حاجة. انطق.
كان فارس على وشك الإجابة. ولكن قاطعه طرقات الباب.
فارس: ادخل.
دلف كريم للداخل وخلفه الطبيبة. لتتجه ناحية ورد. لتنظر إليها وتعاود النظر لفارس.
الدكتورة: حالتها إيه يا أستاذ؟
فارس بصياح: إنتي جايه تسأليني أنااا؟
كريم: طول بالك يا فارس، مش أكده عاد. تعال، إحنا نطلعوا لبرة ونسيب الحكيمة تشوف شغلها.
دلف كريم وفارس للخارج. لتغلق مرام الباب خلفهم. لتبدأ الطبيبة فحص ورد. أما بالخارج.
كريم: كيف حصل كل ده وإحنا مداريينش بحاجة واصل؟
فارس: ولا كنا هندري بأي حاجة. لولا مناع كلمني. كان زمان ورد ماتت، وإخواتها هيحصلوها.
كريم: الموضوع كبر قوي قوي يا فارس.
فارس: ربنا يدبرها.
كريم: وهتعمل إيه مع دعاء وآيه؟
فارس: أطمن على ورد الأول، وبعديها نشوف هنعملو إيه.
_________
أنهت ليان الجامعة وتوجهت للمنزل بفتور وقلق. لتمضي بعض الوقت في محاولات الاتصال بآيه. ولكن دون جدوى. لتبدل ملابسها وتتجه للسنتر لحضور الكورس. بعدما استأذنت والدتها بالذهاب لمنزل آيه بعد الانتهاء من الحصة الخاصة بها.
_________
حاول عاصم الاتصال بفارس. ولكن دون رد. لأن فارس قد ألقى بالهاتف بجواره وانشغل بورد وما يحدث معها. دون أن ينتبه لهاتفه الموضوع بالسيارة. ليتملك الغضب الشديد من عاصم.
_______
دلت الطبيبة لخارج الغرفة. بعدما أحضر لها كريم العديد من المستلزمات الطبية والأدوية. ليهرع إليها فارس وكريم.
فارس بلهفة: خير؟ طمنيني يا دكتورة.
الطبيبة: للأسف الشديد، فقدت الجنين الأول والثاني. والرحم متبهدل جدًا. وعندها نزيف شديد. حاولت إني أوقفه بكل الطرق. بس مفيش فايدة نهائي. لازم تتنقل مستشفى بأسرع وقت. وجودها هنا بدون الرعاية الكافية خطر على حياتها.
كريم بأسى: صعب نوديها مستشفى، يا دكتورة. شوفيلك حل تاني.
الطبيبة: يا فندم، لازم تعمل عملية تنضيف وتنزل التوأم قبل ما يحصل تسمم حمل. وكمان النزيف ده لازم يقف قبل ما يعمل فيها حاجة. كده دمها هيتصفي.
كريم: وإنت؟ وكل الحاجات اللي طلبتيها دي لزومها إيه عاد؟
الطبيبة: اللي عندي أنا قلته لحضرتك. دي واحدة حامل في أول الرابع. يعني مينفعش أعالجها هنا. لازم مستشفى. دي عملية. ومينفعش تأخير أو إهمال. بعد إذنك.
فارس بحزن: استني.
الطبيبة: أفندم...
فارس: كلميهم في المستشفى يجهزوا كل حاجة.
سليم وهو يدلف من خلف فارس برفقة والدة: محدش هيتحرك من هنا.
لم يلتفت له فارس. وإنما دلف للداخل. ليتجه ناحية ورد. ليحملها بين ذراعيه. ويدلف بها للخارج. وخلفه صفية ومرام. ليستوقفه حسان بحدة وتهديد: وقف عندك! هو محدش مالي عينك ولا إيه؟ واخدها أكده ورايح فين؟
فارس باقتضاب: باعد عن سكتي يا بوي.
اتسعت عينا حسان بدهشة من رد فارس. لينظر له بنظرة هادرة مبهمة. ليصيح به سيف قائلاً: سيبني ألحقها عشان تعرف تمضيها وبعدين تقتلها براحتك. باعد عن سكتي، بااااعد.
أكمل فارس طريقه متجهًا للسيارة. وخلفه كريم وصفية والطبيبة. بينما أمسك سليم بمرام ومنعها من اللحاق بهم. لينطلق فارس متجهًا للمستشفى بسرعة تطوي الطرقات. وبداخل تفكيره آلاف من الأفكار السوداء عن المجهول القادم.
رواية بنات المنشاوي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم خلود وائل
توقف فارس بسيارته أمام مدخل المستشفى ليهبط منها بسرعة فائقة ويتجه ناحية ورد.
فتح الباب الخاص بها وحملها بين ذراعيه وهي لا تزال فاقدة الوعي.
توجه بها إلى داخل المستشفى راكضًا، ودقات قلبه متسارعة.
ركضت أمامه الطبيبة لتأتي بالممرضين والفريق المخصص لاستقبال الحالات الطارئة.
وضع فارس ورد على الترول المخصص للمرضى، ليتجه بها الممرضون وعلى رأسهم الطبيبة إلى غرفة العمليات.
مرت فترة طويلة لم تخلو من دعوات صفية ومناجاتها لربها وقلق فارس.
اتجه إليه كريم بقلق بالغ ليحمحم قائلاً:
"إيه اللي حصل بالضبط يا فارس؟ وفين دعاء وآية؟ أنا مش فاهم أي حاجة من اللي بتحصل دلوقتي؟"
فارس بتنهيدة حزينة تحمل ما يعبئ به صدره:
"أبويا وصلهم وجابهم، كيف ما أعرفش. وبرضه من نفوخي هيطير دعاء وآية تحت رحمته، وورد بين إيدين ربنا."
كريم:
"متقلقش يا فارس، هتقوم بالسلامة. ربنا كبير."
فارس:
"ونعم بالله. لو جرالها حاجة، مهقدرش أسامح روحي. عاد هقول إيه لدعاء، كيف أبص في وشها بعد ما كانت بتعتبرني أمانها وحمايتها؟"
كريم:
"طول بالك يا فارس، مش كده. أمال متسبقش الأحداث."
فارس:
"ورد بتضيع يا كريم، وأخواتها من بعدها، وأنا واقف أتفرج."
كريم بتوجس:
"وناوى على إيه يا صاحبي؟"
فارس:
"الظلم ده مينسكتش عليه عاد. لازم أقف في وشهم، وإيه اللي يحصل يحصل، حتى لو فيها موتي."
كريم بقلق:
"استهدي بالله، أمال كل حاجة بالهداوة تتحل، وأنت سيد العارفين بطبع أبوك وإخواتك."
فارس بعزيمة:
"قول يارب."
كريم بقلق شديد:
"يارب."
تزامنت خروج الطبيبة من غرفة العمليات مع وصول سليم.
لتهمس قائلة:
"هو مين جوز المدام اللي جوة؟"
فارس بلهفة:
"أنا أخوها. طمنيني عليها يا دكتورة."
الطبيبة:
"مخبيش عليك يا فندم، اخت حضرتك حالتها مش مستقرة خالص. أنا عملتلها عملية تنضيف والتؤام، تعيش أنت وربنا يعوضها خير. والحمد لله قدرنا أخيرًا نوقف النزيف، ولكن هي نزفت كتير جدًا وجسمها خسر كمية دم كبيرة و..."
فارس برعب:
"وإيه؟ انطقي."
الطبيبة:
"هي دخلت في غيبوبة، والرحم تعبان جدًا، واحتمال كبير إنها متقدرش تخلف تاني."
صفية بنحيب:
"يا حزني عليكي يا حبة عيني، كان مستخبيلك فين ده كله يا ضنايا."
فارس:
"هتفوق من الغيبوبة دي امتى؟"
الطبيبة:
"دي حاجة بتاعة ربنا، ادعولها."
تملكت الصدمة من أوصال فارس، ليطرق رأسه للحائط دون مقدرة على التفكير.
كأنما توقف العالم أمامه.
ليدوي في تفكيره كلمات دعاء:
فارس:
"وكنت كأنك شايفاني عيل يا دعاء."
دعاء بعيون حالمة:
"شايفاك أماني وسندي وحمايتي، وظل يحمينا أنا وأخواتي من كل شر وسوء."
فارس:
"طول ما أنا في ضهركم، إياكم تخافوا عاد."
دعاء:
"الخوف بحد ذاته يخاف يقرب منينا، وأنت حدانا يا ابن عمي."
فارس:
"وأنا أفديكم بدمي يا ست دعاء."
استفاق فارس من ذكرياته على صوت كريم وهو يربت على كتفه برفق.
كريم:
"فارس... فارس..."
فارس:
"أيوه."
كريم:
"ورد طلعت ونقلوها العناية المركزة، وأنت واقف مچيتش وراها. أنت زين يا خوي؟"
فارس:
"ها... اطمن، أنا زين."
سليم ببجاحة:
"معرفش ليه مزعل حالك عليها كده. سوا فاقت ولا مفاقتش، هي ميتة وعلى إيديا دول وقدام عينك."
انقض فارس على سليم ليمسك به من تلابيب عباءته ليصيح بغضب:
"على جثتي يا سليم إنك تمس واحدة فيهم. هقتلك لو شيطانك وزك إنك تقرب منهم، فاااااهم؟"
سليم:
"باعد إيدك وإلا هزعل، وأنت خابر إن زعلي واعر جوي."
كريم وهو يحول بينهم:
"صلوا على النبي يا جماعة. مش كده هتقتلوا بعض؟ عشان إيه؟"
أفلت فارس قبضته قائلاً:
"عليه أفضل الصلاة والسلام."
لم يهتم سليم لكلمات كريم لانشغاله بهاتفه ليجيب المتصل سريعًا:
"أيوه... لأ... زي القطط بسبع أرواح... اطمن، أنا مسافة السكة وهكون عندك."
لم يرغب فارس باستكمال الحديث مع أخيه، وهم بالذهاب ليتبعه كريم من خلفه.
كريم مهرولاً:
"فارس... فارس... رايح فين كده؟ مش هتروح تتطمن على ورد؟"
فارس:
"ورد أمانة في رقبتك. تقعد هنا قدام أوضتها، إياك تفارقها ولا عينك تغفل عنيها، فاهم؟"
كريم:
"فاهم. طمني بس أنت، واخد في وشك ورايح كده على فين؟"
فارس بحدة:
"رايح الحق بنات عمي."
كريم:
"أنا هتابعك بالتليفون. ربنا معاك."
استقل فارس سيارته عائدًا للمخزن ليتوقف أمامه بالسيارة ليهبط منها متجهًا للداخل.
لتجحظ عيناه بشدة من منظر فراج وهو يكيل الضربات لدعاء بإحدى يديه وممسكًا ببعض الأوراق بالأخرى، صارخًا بحدة:
"امضي... امضي بدل ما أقتلك دلوقتي."
فارس بصوت يزلزل المكان:
"فراااااااااج!"
التفت فراج بتوتر ناحية مصدر الصوت، فهو يعي أنها عشق أخيه منذ طفولته.
ليحاول تصنع الجمود أمام فارس كي لا يناله نصيب من غضب أخيه العارم.
فراج:
"عاوز إيه يا فارس؟ امشي من هنا وبلاها حنيتك اللي جابتك ورا دي."
دعاء بصراخ:
"جيب امضي وريحني... آآآآه... آآآه... ف... فاا... فااارس."
اتجه فارس ناحية أخيه بوجهه مكفهرًا، لم يتملكه من قبل، وعروق بارزة منتفخة تتسارع بداخلها الدماء من شدة غضبه.
ليوجه لأخيه ضربات متتالية دون رحمة أو توقف مطلقًا، أصعب الشتائم البذيئة.
ليسقط فراج أرضًا يلهث بشدة مما فعله به فارس.
ليهرول ناحية دعاء ليجثو على ركبتيه أمامها ويقوم بفك الحبال المقيدة بها من يديها وقدميها، آمرًا إحدى الرجال بفك وثائق آية هي الأخرى.
فارس:
"متخافيش يا حبيبتي، أنت جيتي خلاص، اطمني."
دعاء ببكاء:
"وورررد... وو... ووووررر."
فارس:
"ورد كويسة وزينة والله، اطمني."
دلف سليم للمكان ليتفاجأ بفراج وجهه مشوه من أثر الضرب، غارقًا بالدماء التي تنزف من أنفه وفكه، وبفارس الذي يفك وثائق دعاء، وأحد الرجال يحرر قيود آية.
لينتهي فارس سريعًا ويساعد دعاء على الوقوف ليضع ذراعها على كتفه وذراعه الآخر يتوسط خصرها النحيل لتستند عليه.
ليتفاجأ بنظرات سليم المتوعدة.
سليم بشر:
"وعلى فين العزم المرة دي يا خوي؟"
فارس:
"على قصري في أوضة نومي، وعلي سريري كمان."
سليم بتفاجئ من مصطلحات فارس:
"وة... ممضيعش فرصة عاد، يعني هتعني حالك بيها وترجعها، ولا مناوييش تجيبها لبر يا ابن أمي وأبوي؟"
فارس:
"اخرااااس، قطع لسانك الزفر ده. دعاء تبقى مرتي على سنة الله ورسوله، واللي هيفكر يقربلها ولا يأذيها، يبقى لازم يتخطاني الأول، فاهمين ولا لأه."
احتضن الجحيم أعين سليم وفراج الذي استعاد توازنه ليقف بجوار أخيه.
لينظرا له بدهشة جليلة، هل يمزح معهم في هذا التوقيت، أم هو عذر كاذب لأخذها بعيدًا عنهم.
فراج:
"كيف؟ وإزاي؟ أنت واعي للي بتقوله يا فارس؟"
سليم:
"مستحيل... كيف اتجرأت تعملها، ومينتي طيب؟"
فراج:
"مرتك!! اتجوزتها فين، ولا عرفت طريقها كيف وروحت لها ميتين؟"
سليم بشر:
"ولا تكونش أنت من الأساس اللي هربتهم من القصر؟"
فارس:
"باعد عن سكتي، وبكفياكم لحد هنا، وإلا هبلغ عنكم."
قهقه سليم بضحكة رجولية عالية مستفزة:
"تصدق خوفتني... الحكومة دي بتشتغل عندنا، مش نخاف منها عاد، ولا نسيت إحنا نبقى مين يا خوي؟"
فارس:
"قلتلك باعد عن سكتي، وخلينا نمشي من هنا."
فراج:
"لو هي مرتك كيف ما قلت، يبقى أنت اللي بديت بالشر يا فارس. أما دلوقتي، تسيبهم وتمشي من غير مشاكل لحد ما أبوك يجي ويشوف الموضوع ده هيعمل إيه."
أهمل فارس الكلمات الملقاة إليه بدون اهتمام، واحتضن دعاء واتجه بها للخارج بنظرات مهددة لأخوته.
وتبعته آية.
ليمُسك بها فراج بشدة من معصمها لتتأوه صارخة بألم شديد، ليلتفت إليها فارس.
فارس:
"باعد إيدك عنها يا فراج."
سليم بتوعد:
"أنت ليك مرتك وبس، أما دي ملكش حكم عليها عاد، ومتقلقش. لينا حساب نصفيه على رواقة يا..."
ياخوي
آيه بصراخ: الله يخليك يافارس متسبنيش هنا، متسبنيشششششش
دعاء بصراخ: آيييييااااااه اختي ... اختي يافارس
فارس: هعاود ياآيه، متخافيش، مهسبكيش واصل
آيه برعب: متهملنيش يافارس، الله يخليك
فارس: راجعلك تاني
فراچ في سره: ده لو لقيتها تاني
امسك فارس بدعاء التي خارت قواها ولم تعد تقوي علي المقاومه، لتنهمر دموعها بشدة، بينما اجلسها فارس في السيارة برفق وانطلق ناحية القصر، ليتوقف امام البوابه الداخليه، لينظر لدعاء بألم علي حالها، ليهتف برفق: انزلي يلا يا دعاء
دعاء: لا.... لا بالله عليك مشيني من هنا، وديني عند اخوالي، أنا هموت هنا، حرام عليك
ثم اكملت بصراخ: حرااام عليك، حرااام عليك
جذبها فارس لاحضانه لتهدئتها، لتمضي دقائق، ليهبط من السيارة ويتجه للباب الخاص بمقعدها، ليقوم بفتحه وانزالها من السيارة وسط نظرات الخدم المتواجدين بالحديقه وحراس البوابه، لتهبط دعاء ببطئ ورهبه شديدة، ليحاوطها فارس بذراعه ويدلف للداخل بجوارها، ليستوقفه صوت أبيه بعد ارتقائهم عدة درجات من السلم
حسان: بتعمل ايه يافارس
التفت فارس بثبات: ال انت شايفني بعمله يبوي، وال كان المفروض انه ينعمل من زمان
حسان بغضب عارم: انت كيف بتتحدت معايا أكده، اتچنيت ولا ايه
فارس بجمود وشجاعه لم يألفها من قبل في وجود أبيه: دعاء تبقي مرتي على سنة الله ورسوله
تعالت شهقات بكاء دعاء المكتومه خوفا من رد فعل حسان، على أثر اخبار فارس انها زوجته، ليضمها إليه بشدة ويربت على كتفها بحنو، أما عن حسان فكان كالبركان الذي على وشك الانفجار، ليثور في وجه فارس ضاربا عكازة أرضا
حسان: انت كيف بتتحداني وتتجوزها من ورايا وبدون علمي، انت خابر ال عملته ده هيوديك فين
فارس: هتعمل معايا ايه أكتر من إنك بتخسرني بالبطئ وبتدمر ٣ بنات زي الورد، كل ذنبهم في الدنيا إنك عمهم
حسان بغلظة: هتدفع تمن ال عملته غالي چوي يافارس، ثم نظر بطرف عينيه لدعاء المختبئة في ضلع فارس: وهبكيك عليها بدل الدموع دم
القي كلماته وحمل عكازة وطرف عبائته وهم بالانصراف من القصر، ليصعد فارس ودعاء للجناح الخاص به، ليساعد دعاء بالجلوس على كنبة من قماش القطيفة الفاخر، ليجلس بجوارها ليمسح دموعها بيديه ويزيح خصلات شعرها للخلف، لينظر إليها بحنو قائلا: اطمني يادعاء، خلاص ياحبيبتي محدش هيقدر يأذيكي
دعاء ببكاء ورعشة تدب في أوصالها: هيقتلوني أنا وأخواتي يافارس، مش هيسبونا في حالنا، قول لعمي ياخد كل حاجة، والله ما عايزة الورث، خذوه كله حلال عليكم، بس سيبونا نبعد عن هنا، اعتچونا لوجه الله، الله يوفقك
ارتسمت علامات الحزن على وجهه فارس ولعن نفسه مرارًا على الحال الذي وصلت له معشوقته، فها هي ترتدي منامتها التي تمزقت من آثار التعذيب الذي خضعت له، بالإضافة للكدمات البارزة على معصميها ووجهها وقدميها الحافيتين وشعرها المبعثر بشدة وجسدها المرتجف وعينيها المتورمتين اللتان لا تتوقفان عن البكاء والشهقات المتتالية، ليحتضنها بكلتا يديه وتتساقط من مقلتيه العبرات المتلاحقة، ليدفن رأسه بعنقها مكملاً بكائه كطفل تائه وجد ملاذه الآمن بأحضان والدته، لتمضي فترة استكانت بها دعاء بين أحضان زوجها، بينما كفكف دموعه هو الآخر، ليرتفع صوت طرقات الباب لترتجف دعاء بشدة، ليحاول فارس تهدئة من روعها والسماح للطارق بالدخول
فارس: هششش، اطمني، انتي في حضني، محدش هيقدر يقربلك وانتي مرتي وفي حمايتي
دعاء: وأخواتي يافارس
فارس: كلكم في حمايا يادعاء ومتخافيش على آيه، والله ما هسيبها..... ادخل يلي بتخبط
دلفت مرام بلهفة لتتجه راكضة ناحية دعاء، لتنفجر بالبكاء لترتمي بأحضان دعاء، التي عاودت دموعها بالظهور من جديد
فارس: بكفيكم بكا يادعاء، دموعك غالية عليا
مرام: اتوحشتك چوي يا خيتي، سنة بحالها بعيدة عني
دعاء: 😭😭😭😭😭
مرام: الحمد لله إنك بخير 😭😭😭
هدأت الفتاتان قليلا وابتعدتا عن بعضهما البعض، لتجلس دعاء بتعب في أحضان مرام
مرام: أنا مش فاهمة لحد دلوقتي إيه اللي حصل بالظبط، حد يفهمني
فارس: هفهمك كل حاجة، بس دلوقتي عاوز منك خدمة
مرام: عنيا ياقلبي، اؤمرني
فارس: هتقومي تملي البانيو اللي جوه ميه سخنة وتساعدي دعاء إنها تنام جواها شوية تريح جسمها، عمّا أنادي الخدم يجيبولها حبوب مسكنة وهدوم من أوضتها
مرام: قوام ياخوي، وبالمرة خليهم يجهزولها حاجة تاكلها
فارس: حاضر... قومي انتي يلا
دلفت دعاء للمرحاض بمعاونة فارس الذي اتكأت عليه، ليتركها مع مرام ويدلف للخارج
_________
كان عاصم كالثور الهائج يطوي المنزل ذهاباً وإياباً دون راحة، لتنظر له والدته بحزن قائلة: يابني هدي نفسك، بقالك قد إيه على الحال ده
عاصم بحزن: مش هرتاح غير لما ألاقيها وأخدها في حضني وأطمن عليها هي وولادي اللي في بطنها
أم عاصم: ربنا يردهالك بالسلامة ياحبيبي، بس متعملش في نفسك كده يابني، ده انت من ساعتها مدوقتش الزاد ياحبيبي
هناء: هدي أعصابك ياعاصم عشان خاطري، إحنا محتاجينك وإن شاء الله هترجع، أنا متأكدة والله هتلاقيها في أي وقت بتخبط على الباب
ارتفعت طرقات الباب لينظروا جميعهم إليه باهتمام، لتتجه هناء سريعًا وبداخلها الأمل بأن ورد هي من تطرق الباب، ليكسو الحزن وجهها مجدداً عندما فتحت الباب ووجدت أن الطارق لم يكن سوى تغريد
هناء بفتور: تغريد!
تغريد: إيه الوش ده، امشي
هناء: لا إذاي، تعالي اتفضلي
تغريد: يزيد فضلك، أمال فين مامتك وعاصم
أم عاصم: تعالي ياتغريد يابنتي
تغريد: إزيك يا خالتي، عاملين إيه
أم عاصم: زي ما انتي شايفة ياتغريد، حالنا ميسرش أبدا يابنتي
تغريد: ليه بس يا خالتي، هو انتو لسه معرفتوش حاجة عن قرايب ورد اللي خطفوهم
نظر عاصم بصدمة لتغريد، لتتسع عينه بنظرات شك مريبة ناحيتها، لتنظر أم عاصم وهناء بدهشة لبعضهما البعض، لتتنحنح تغريد مدركة الخطأ الفادح الذي وقعت به، لاعنة لسانها الطويل الذي أوشك على الإيقاع بها وكشف كل مخططاتها
عاصم بحذر: وإنتي عرفتي منين إنهم قرايبها ياتغريد
تغريد بأرتباك: ها... سمعت.... سمعت الناس بتقول
عاصم: غريبة، يعني مسمعتش أي حد قال حاجة زي كده
تغريد: ده عشان انت قاعد في البيت من ساعة اللي حصل
عاصم بعدم تصديق: اممممم، وايه اللي يخلي الناس تقول إنهم قرايبهم مع إن كل الحتة عارفين إنهم مقطوعين من شجرة
تغريد بتوتر: آه طبعًا... مهو... مهو.... أصل لبسهم وشكلهم بيقول إنهم صعيدة زيهم
عاصم بشك: بس هما كانوا من إسكندرية مش من الصعيد
تغريد بأرتباك ملحوظ: هااا.... لا... مهو... مهو ورد كانت قالتلي مرة إن ليها قرايب في الصعيد، هي مقالتلكش ولا إيه
عاصم بضيق: لا مقالتليش
تغريد: طب ربنا يردهالكم بالسلامة هي والبيبي، استأذن أنا بقى، عن إذنكم
أم عاصم: إذنك معاكي ياحبيبتي
ما إن أغلقت تغريد الباب خلفها حتى شعرت وكأن وعاء من الماء البارد قد سكب على جسدها الساخن، لتؤنب نفسها على كلماتها الغبية المتسرعة، لتنسحب تاركة البناية وتتجه لمنزلها، أما بالداخل فقد دارت الشكوك بتفكير عاصم
هناء: إيه رأيك في اللي قالته الزفتة دي
عاصم: مش مرتاح، حاسس إن وراها لغز، كلامها وتوترها بيأكدلي إنها عارفة حاجة ومخبياها
أم عاصم: معي قالتلك يبني إن ورد كانت حاكيالها، يعني مكدبتش
هناء: انتي صدقتيها يا ماما، دي ورد مكنتش بترتاح لها من يوم اللي عملته في شرم الشيخ وعمرها مكانت هتحكيلها حاجة زي دي، ده أنا ذات نفسي معرفتش غير من عاصم بعد اللي حصل
أم عاصم: يعني هتكون مخبية إيه يابنتي
هناء: مش عارفة بصراحة
أم عاصم: ابن عمها لسه بردو مبيردش عليك ياحبيبي
عاصم بحزن: لسه ياماما
_________
أنهت ليان الحصة الخاصة بها واستقلت السيارة وأمرت السائق بالتوجه لعنوان آيه للاطمئنان عليها وعلى سبب تغيبها خلال اليومين الماضيين، لتصل بعد فترة لتصعد السلم متجه لشقتهم التي طرقت بابها مرات عديدة ولكن دون فائدة، ليتسرب القلق لقلبها، لتهبط للأسفل سريعًا لتسأل المارة عن عنوان منزل عاصم زوج ورد، لتتجه إليه سريعًا لتطرق باب شقة أم عاصم بتوتر، لتفتح لها أم عاصم الباب
أم عاصم: مين حضرتك
ليان: احم، أنا ليان صاحبة آيه، اخت ورد مرات البشمهندس عاصم
أم عاصم بتعجب: أهلاً بيكي يابنتي، بس أنا أول مرة أشوفك
ليان: هي هناء موجودة
أم عاصم: أيوه موجودة، اتفضلي يابنتي، ثواني وهناديلها
دلفت ليان للداخل قائلة: ميرسي لحضرتك
جلست ليان في الصالون بانتظار هناء لتدلف إليها بعد دقائق
ليان بمرح: مين اللي علم عليكي كده يا سوابق
هناء بابتسامة: واحد ابن حرام، متشغليش بالك
ليان: مشغلش بالي إزاي، أمال راحت فين ٢٢ قضية قتل ومش عارف كام كده سب وقذف وعليهم اتنين خطف أطفال
هناء بابتسامة عفوية: تحبي تشربي إيه
ليان بعملية: ولا أي حاجة، أنا بس كنت جايه أطمن عليكي وأسألك على آيه، بقالها يومين مختفية ومش عارفة أوصلها وهموت من قلقي عليها
هناء بتردد: آيه..... أصل...
ليان بقلق: مالها آيه، هي كويسة
هناء بحزن بالغ: آيه وإخواتها اتخطفوا
ليان: 😱😱😱😱😱
رواية بنات المنشاوي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم خلود وائل
ليان: 😱😱😱 اتخطفوا .... يعني إيه اتخطفوا؟
هناء بألم: كنت بايته عندهم والصبح بعد ما فطرنا وقاعدين نهزر سوا لقينا الباب بيرزع جامد. طلعنا جري نشوف مين اللي بيخبط بالطريقة دي. ولما فتحت الباب لقيت رجالة كتير كلهم لابسين جلابيب وعمم وشايلين سلاح. وزقوني لجوة ودخلوا أخدوا دعاء وآية بالقوة. حاولت أمنعهم وأخلص آية من إيد اللي مينسمي فراج ده. قام عامل في وشي اللي إنتي شيفاه ده. وآخرتها ضربنا بالمسدس في دماغي ووقعت من طولي. ومفقتش غير بعدها بفترة لما ماما والجيران جم وفوقوني. وبعدها اكتشفنا إن ورد كمان مش موجودة.
ارتعبت ليان وتملكها الخوف منها لتتفوه بكلمات تهرب من فمها: ف.. ف.. فراچ!
هناء: آه، واحد بأف كده طويل وعريض عامل زي الحيطة. كان ماسك آية غصب عنها وهي كانت بتصرخ وتقوله: "سيبني يا فراچ".
ليان: طب وبعدين عملتوا إيه؟
هناء: أخدوهم ومشوا. ومن ساعتها ما نعرفش عنهم أي حاجة.
ليان بقلق: وما عرفتوش مين الناس دول وعاوزين منهم إيه؟
هناء بقله حيلة: لا. وده اللي هيخلينا نتجنن، إننا بندور في العدم مش عارفين نوصلهم نهائي.
ليان: والناس كانوا فين؟ إزاي محدش دافع عنهم ولا وقف لهم؟
هناء: دول كانوا كتير أوي ومعاهم أسلحة كتير وشكلهم أصلاً يخوف. والجيران كانوا واقفين خايفين ومحدش فكر يقرب لهم ولا يقولهم: "إنتوا بتعملوا إيه". دي سلمى بتستعجب في العربيات بتاعتهم اللي كانت واقفة سادة الشارع من أوله.
ليان بتوتر: طب بعد إذنك أنا مضطرة أمشي الوقتي.
هناء: مستعجلة ليه؟ طب اشربي حاجة أول.
ليان: مرة تانية إن شاء الله.
دلفت ليان لخارج الشقة سريعًا لتهبط لأسفل وتعود للفيلا. لتدلف للداخل لتبحث عن سيف في الأرجاء.
نورة: بتدوري على إيه كده يالينو؟
ليان: سيف لسه مجاش يا ماما.
نورة: باباكِ قال إنه هيتأخر النهاردة يا حبيبتي. تعالي اتعشي يلا.
ليان: ماليش نفس، اتعشوا انتوا.
نورة: ليه كده يا حبيبتي؟ مالك؟ انتي كويسة؟
ليان: أنا تمام. بعد إذنك يا مامي، أنا طالعة أوضتي. اليوم كان طويل وعاوزة أرتاح شوية.
نورة: طب كُلي أي حاجة يا بنتي.
ليان: لما أنزل هبقى آكل. سلام.
دلفت ليان لغرفتها وهي تلعن غباءها لتركها لصديقتها يومين دون التوجه لمنزلها والاطمئنان عليها. تري ماذا يحدث لها؟ وماذا تواجه الآن؟ هل لازالت على قيد الحياة؟ وماذا تعاني مع ذلك المدعو فراچ؟ لتتذكر الأحاديث التي روتها لها آية عنه وعن غلظته وتملكه الشديد لآية وكرهها له. لتمضي فترة طويلة انتظرت بها ليان عودة سيف. لتهرع سريعًا للأسفل فور استماعها لصوت سيارة سيف. ليدلف هو الآخر ويتفاجأ بليان واقفة بأنتظاره.
سيف بتعجب: بسم الله الرحمن الرحيم. واقفة عندك كده ليه؟
اتجهت ليان بخطوات سريعة نحو سيف ويبدو عليها علامات الحزن: آية... آية يا سيف!
سيف وقد استشاط غضبًا: مالها زفت يا ليان؟ واقفة مستنياني لنص الليل وتقوليلي: "آية يا سيف"! أوعي من قدامي!
مضى سيف بخطوات غاضبة سريعة ليصعد الدرج ويتجه نحو غرفته. وخلفه ليان تهتف بالكلمات لعلها تجد مدخلاً لاستكمال الحديث معه.
ليان: اسمعني بس علشان خاطري.
آية اتخطفت يا سيف، والله مش بهزر.
طب اديني فرصة بس أحكيلك اللي حصل.
سيف وهو يقوم بخلع جاكيت البدلة وتحرير الكرافتة: مش عاوز أسمع حاجة. ولو سمحتي اتفضلي على أوضتك. أنا تعبان وعندي شغل بكرة الصبح بدري.
ليان: دي آية يا سيف، حرام عليك.
سيف بنبرة محذرة: قلتلك عاوز أنام. وسبق وفهمتك تقفلي على الموضوع ده. بس كلامي ما بيتسمعش.
ليان بثبات: أنا مبقاش مستنياك من بدري عشان تعرف اللي حصلها وتروح تلحقها قبل ما يعملوا فيها حاجة. ده لو هي لسه عايشة ومستحملة أسلوبك ده. وفي الآخر تقولي: "عاوز أنام". لا يا سيف، أنت هتسمعني وغصب عنك. دي بني آدمة وذنبها في رقبتنا. ومحدش هيقدر ينقذها غيرك.
سيف بلا مبالاة: وإيه بقي اللي حصل للست آية هانم مخليكي نصبالي المحكمة في نص الليل؟ متنطقي!
ليان: آية اتخطفت.
سيف بجمود: والمطلوب مني أعمل إيه يعني؟
ليان: المطلوب إنك تروح تنقذها!
سيف بضيق: حاضر. أوعدك بكرة إن شاء الله هروح أجيبها. تقضي معايا اليوم وأفضل أتحايل عليها إنها تسامحني على غلطة ما عملتهاش وهي تبيع وتشتري فيا. حاجة تانية يا ليان؟
ليان بحزن: والله ما بلعب عليك يا سيف. ولا ده مقلب عشان تبقوا مع بعض. آية وإخواتها فعلاً اتخطفوا وولاد عمها اللي خطفوها.
سيف وقد رقت جوارحه: لما واحدة هربانة من أهلها وهما يرجعوها، ميبقاش اسمها اتخطفت يا ليان.
ليان بضيق: أنت مش فاهم أي حاجة.
سيف: انتي هتحيريني ليه؟ ما لو تعرفي حاجة قوليها وخلصيني.
تنهدت بضيق وأضافت: عم آية صعب أوي وطمعان في ورثهم من أبوهم وأمهم. وكل حاجة كانت تحت إيده عشان هو الوصي عليهم. ولم وصلوا السن القانوني وخرجوا من تحت وصايته، كان عاوز يجوزهم لولاده غصب عنهم وياخد فلوسهم. ولما مقدروش يرفضوا هربوا منه وجوا القاهرة بعيد عنه. بس هو عرف مكانهم وبعت ولاده خطفوهم ورجعوهم غصب عنهم. عرفت؟
سيف باهتمام: طب ليه هربوا؟ وكل حاجة مكتوبة باسمهم والتعاملات كلها باسميهم ومحدش ليه عندهم حاجة.
ليان: أنت متعرفش عيشتهم كانت عاملة إزاي مع عمهم وأولاده. ودول بنات وضعاف مالهمش سند ولا حماية. كنت عاوزهم يعملوا إيه ولا يروحوا فين؟ آية دي ياما شافت من الزفت فراچ ابن عمها اللي كان عاوز يتجوزها.
صدع اسم فراچ بتفكير سيف. ليتذكر تلك الليلة وخوف آية ورهبتها حينما أسرع بقيادة السيارة وظلت تعتذر منه ظناً منها بأنه فراچ. ليوغل بتفكيره عما يمكن أن يفعل ذاك المدعو بمعشوقته. لينظر لليان بغضب عارم تملكه: الحيوان ده لو لمس منها شعرة هقتله.
ليان: الحقها ياسيف، الله يخليك. أنا خايفة يكونوا عملوا فيها حاجة.
سيف: اهدى يا ليان، محدش هيقدر يعملها حاجة. صاحبتك لسانها كرباج. متقلقيش.
ليان: بيتهيألك ده من برة بس. لكن من جواها عيلة صغيرة غلبانة اتحرمت من حنان الأب والأم.
سيف: هجيبها يا ليان. ولو آخر يوم في عمري مش هخلي حد يمس منها شعرة.
صباحاً في اليوم التالي، استقل سيف سيارته متوجهاً لسوهاج. وخلفه سيارة جيب مليئة بالحرس الخاص به. ليقود بسرعة البرق متجهاً لقصر المنشاوي. لتمضي الساعات لتهاتفه ليان.
ليان: وصلت ياسيف؟
سيف: لسه بدري. الطريق طويل.
ليان: كل ده ياسيف؟ ده أنا بفكرك جبتهم وجيت.
سيف بضيق: وحياة أبوكي متنرفزينيش. أنا على آخري. الطريق من القاهرة لسوهاج ٧ ساعات. ارحميني بقي ومتتصليش تاني.
ليان بحذر: خلاص خلاص. توصل بالسلامة. بس ابقي طمني بالله عليك.
سيف بأقتضاب: حاضر.
في قصر المنشاوي.
صفية: الـ... اللي بتعمله ده غلط يا حسان.
حسان: هو أنا لسه عملت حاجة؟
صفية: أحب على يدك سيبهم يمشوا. الشر أوله يندرك وآخره ميندركش عاد.
حسان: بلّاه الحديث الماسخ ده يا ولية.
صفية: يا حسان، إني خايفة عليك وعلى عيالك. اعتبرهم بناتك كيف مرام. واتقي الله فيهم. دول يا حبايبي اتيتموا بدري بدري. تقوم أنت بدل ما تبقى أبوهم والصدر الحنين ليهم تعمل فيهم كده.
حسان بضيق: قلتلك اقفلي خشمك يا ولية.
صفية: ربنا ما يرضاش بالظلم واصل. وافتكر إني حذرتك. دول أمانة في رقبتنا وهنتسأل عنهم يوم القيامة.
حسان بحدة: صفييييه... الورث ده كله حقي أنا وبتاعتي لوحدي. دول متعبوش في حاجة، اتولدوا وكوشوا على كل حاجة. لا وكمان المعدول أبوهم كتب كل حاجة ليهم قبل ما يموت. وكمان أخوالهم هيقوّوهم عليا وياخدوا كل حاجة وأنا أطلع من المولد بلا حمص.
صفية: حقهم وشرع ربنا. وبعدين أنت مش محتاج حاجة منهم. عندك قد اللي عندهم وأكتر.
حسان: لا، بنات طايع ميبقوش أحسن مني. ورأسهم براسي. لازم انتقم منهم.
بالخارج توقفت سيارة سيف. ليهبط منها مشمراً عن ساعديه وتعلو وجهه علامات الغضب. وخلفه البادي جارد. ليدلف إلى داخل القصر بدون سابق إنذار. تاركاً الحراس للتعامل مع رجال القصر وحرس البوابة. ليدلف لبهو القصر الفاره. ليصيح بصوت تهتز له جدران القصر: حساااان... حساااان!
انتفض حسان من مجلسه على أثر الصوت. ليتجه للبهو ليجد شاباً في أوائل الثلاثينات ذو قامة رجولية عالية وجسد رياضي ممشوق وشعر أسود حريري تناثرت خصلاته. وعيون زرقاء كموج البحر ممزوجة بمعالم الحدة والغضب. مرتدياً حلة سوداء وقميص أسود. محررًا أولى أزراره ليكشف عن عضلات صدره الرائعة. متخليًا عن الكرافتة وجاكيت البدلة. مشمراً ساعديه.
حسان بحدة: أنت مين يا جدع أنت؟ وكيف تفوت هنا وتنادي باسمي حاف كده؟
سيف بحدة هو الآخر: هي فين يا حسان؟
حسان: هي مين دي يا مخبل أنت؟ وأنت تطلع مين أصلاً؟
سيف بشموخ: أنا سيف صالح الحديدي. صاحب مجموعة الحديدي للاستيراد والتصدير.
حسان باستدراك: أيوه أيوه بقي أنت ابن صالح الحديدي؟
سيف: أيوه أنا ابنه... أنا عاوز آية وإخواتها.
حسان: وأنت ليك بيهم صالح إيه عاد؟
سيف: آية تبقي خطيبتي. وأنت ملكش حكم على باقي أخواتها.
قهقه حسان باستهزاء ليكمل كلامه: أنا بقول تاخد حالك وترجع من مطرح ما جيت. وتوفر تعبك. ودخلت الحامية دي عشان في الفاضي. وهترجع بإيدك فاضية.
سيف بإصرار: أنا مش راجع من غيرها. واخلص وناديها لي بالحسنى أحسن لك. وإلا مش هيعجبك تصرفي معاك.
حسان بمكر: بس كده. حاضر من عيوني...
فراچ: أيوه يبوي، چاي اهه.
اتجه سيف بناظريه ناحية مصدر الصوت، فهو متلهف لرؤية ذلك المدعو فراچ ليذيقه الويلات جزاء فعلاته مع التي سلبته روحه وكيانه، وقطع من أجلها المسافات.
ليدلف فراچ بخطوات سريعة متجهًا ناحية أبيه.
فراچ: أيوه يبوي.
حسان: سيف بيه الحديدي چاي وتعبان حاله، وقال إيه عاوز يشوف آية وياخدها معاه.
نظر فراچ بغل ناحية سيف قائلاً: وماله، دقيقة واحدة وعجيبهالك لحد عندك.
***
استيقظت دعاء بالأعلى بتعب، لتفتح عينيها بوهن شديد، لتنظر حولها باحثة عن فارس، لتجده جالسًا بالقرب منها على الجانب الآخر من السرير يتأمل ملامحها بألم وحزن شديد.
لتهتف بخفوت: قاعد أهنه ليه؟
فارس: متقلقيش، أنا طول الليل نايم على الكنبة، بس كنت لسه چاي من برة واتوحشتك وجيت أطمن عليكي.
دعاء: إحنا ميتي؟
فارس: الساعة بقت ١٠.
دعاء: أنا نايمة من امبارح العصر عاد.
فارس: نوم الهنا والراحة ياقلبي.
دعاء بدموع أوْشكت على السقوط: أنا نايمة وإخواتي بيتعذبوا، كيف چالي النوم كيف!
اقترب منها فارس بحنو ليمسك بكفي يديها محاولًا تهدئتها: هشششش باااس، طولي بالك عاد، قلتلك اطمني عليهم، والله ما هيصيبهم أذى طول ما أنا عايش.
دعاء باكية: آية يافارس، جيبتها ولا لساك مهملها هناك؟
أغمض عينيه بألم، فهو لا يعلم كيف يخبرها بأنه توجه إليها في المساء ولم يجدها بالمكان، وكأنها تبخرت ولم يتبق لها أثر.
فارس: آية زينة، اطمني، أنا بنفسي روحتلها واطمنت عليها، بطلي عياط أمال.
دعاء: چد، بتحكي چد يافارس؟
فارس بكذب: چد الچد، ياعيون فارس... قومي يلا استحمي وفوقي أكدة عشان چبتلك دوا الحكيمة وصفتهولك يسكن الوجع ويعالج الجروح دي عشان تتحسني بسرعة عما ربنا يشفي ورد وتقوم بالسلامة ونچيب آية أهنه.
دعاء: متسبنيش يافارس، الله يوفقك.
احتضنها فارس بقوة كأنه يخبأها بين أضلعه هاتفا: عمري ما هقدر أسيبك ياروحي وعقلي، أنتِ السبب اللي بعيش عشانه يادعاء، وبدونك أفني وأموت.
دعاء: 😭😭😭
فارس: كل دمعة من عيونك بتكويني، حرام عليكي تعملي فيا أكده.
دعاء: أنا بحبك يافارس، بحبك قوي.
فارس: وأنا عاشق تراب أرضك اللي بتخطيها يا دعاء.
***
في مكان قريب من القصر، كانت تجلس أرضًا تبكي بصمت وتدعو ربها أن يزيل عنها الهم.
دلف ذاك المختل الذي تفنن في تعذيبها حاملاً بعض الأوراق ليجلس أمامها على كرسي، واضعًا قدمًا فوق الأخرى قائلاً:
فراچ: قدامك حل واحد ملهوش تاني، وهو إنك تختاري راحتك بيدك وتمضي الورق ده وترتاحي يابنت الناس وتريحينا معانا عاد، وإلاااا...
آية بتحدي: وإلا إيه ياجبان؟
فراچ بصوت كفحيح الأفاعي: وإلا هقتل أخواتك، هما مش بعاد عني، واحدة مرمية في المستشفى والتانية في القصر.
آية بتحدي: ولا تقدر تعملهم حاجة طالما ممضوش التنازل.
فراچ بشر: يبقى مقدامي غير حبيب القلب سي سيف باشا.
ابتلعت ما في جوفها بغصة: اياك تفكر تقربله يافراج، وإلا وديني هقتلك وأرمي جثتك المنتنة لكلاب السكك تنهش فيها.
قهقه فراچ عاليًا بصوت أثار الرعب في نفس آية، ليكمل قائلاً: ده نملة أفعصه برجلي، كيف ما هعمل معاكي دلوقت.
أمامي، أمسك فراچ بآية من خصلات شعرها بعنف، ساحبًا إياها خلفه متجاهلاً صرخاتها المتألمة وشتائمها المتتالية، ليدلف لداخل القصر.
ليلفت سيف على أثر صرخاتها المتتالية، ليتقذفها فراچ أسفل قدمي سيف قائلاً: أهااة، چبتها بذاتها لحد عندك، يكش تفهم بچي وتحل عننا.
أمسك سيف بآية الملقاة أرضًا تحت قدميه من ذراعيها وساعدها على الوقوف، لينصدم للوهلة الأولى مما رأته عيناه، فقد تبدلت ملامحها كليًا، فلم يخلو وجهها من الكدمات المتفرقة بجميع ملامحه، وعينيها المتورمتين بشدة، وملابسها الممزقة الملطخة بالدماء، وشعرها المبعثر بشدة.
نظر لها سيف نظرة مطولة حملت الأوجاع والآلام التي اجتاحته وتمكنت منه، والنغزات التي توالت في صعق قلبه بشدة.
لتنظر إليه باستنجاد وعيون باكية، لبرهة امتلئت بمشاعر مختلطة يغلبها الحزن والانكسار، لعاشق انهارت حصونه وموانعه عندما رأى معشوقته بمنظرها الدامي أمامه.
ليخرج عن شعوره ويتجه ناحية فراچ لا إراديًا لينقض عليه بشراسة ليكيل له اللكمات المتتالية، فكما نعلم جميعًا أنه متمرس في لعب الكيك بوكسينج (الملاكمة)، ليسقط فراچ أرضًا.
لتركض آية مداعبة عنه محاولة إبعاد سيف عنه.
آية: خلاص ياسيف، سيبه، متعملش فيه كدة.
سيف بدهشة: انتي بتقولي إيه، ابعدي.
آية بصياح بعكس ما بداخلها: قلتلك ابعد عنه.
سيف: انتي مجنونة، عايزاني أسيبه بعد اللي عمله فيكي.
آية محاولة ارتداء قناع الثبات والجمود: هو حر يعمل اللي هو عايزه، المهم إنك تمشي وتسيبني الوقتي.
سيف بعدم فهم: امشي! انتي واعية للي بتقوليه يا آية؟ امشي وأسيبك إزاي؟ انتي مجنونة.
آية محاولة عدم الانهيار والتماسك لآخر لحظة: قلتلك امشي وسيبني، فراچ جوزي ومن حقه يعمل اللي هو عايزه.
رواية بنات المنشاوي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم خلود وائل
سيف بعدم تصديق: إيه اللي انتي بتقوليه ده، انتي اتجننتي.
آيه: قلت لك جوزي، انت مبتفهمش. عاوز الدنيا كلها تمشي على كيفك انت وبس. امشي من هنا يا سيف، وإياك ترجع تاني. أنا مش ليك ولا عمري هكون.
سيف بجنون: انتي ليا غصب عنك، فاهمة؟ ولا مليون واحد زيه هيقدر ياخدك مني. وأنا مش ماشي من هنا غير وإنتي معايا.
آيه بدموع: قلت لك امشيييي. حرام عليك، انت عاوز مني إيه؟ ياما قلت لك ابعد عني، انت إيه مبتحسش؟ أنا مبحبكش، مبحبكش. افهم بقى.
تألم سيف بشدة لكلمات آيه التي تلقيها بدون مراعاة لهوسه بها، ولكنه لا يعلم أنها مجبورة لقول هذا وإبعاده عنها.
***
فلاش باك
***
أمسك فراچ بفك آيه واقترب منها بصوت هامس متوعد: حبيب القلب مشرف بره، ولو مش باقية على عمرك، روحي معاه.
آيه بصراخ: سيييف، سييييف.
فراچ وهو يضغط على فكها بقسوة: مش هيسمعك هنا، ولو مش هامك حالك، يبقى فكري زين في أختك اللي مرمية في المستشفى تحت رحمتي، يا حرام. ممكن تاخد حقنة غلط تجيب أجلها، ولا السنيورة اللي قاعدة في جناح سيف فارس، أحطلها سم في الأكل يخليكي تترحمي عليهم الاتنين في جنازة واحدة.
بصقت آيه في وجهه مما أثار غضبه، ليصفعها بكف يده لتسقط أرضاً متألمة بشدة، ليجذبها فراچ من خصلات شعرها باتجاهه.
فراچ: تطلعي للبيه ده تقولي إنك مرتي وإنه متجوزين، وتخليه يغور من هنا وما يعاودش تاني، وإلا وديني هدَفْنه مكانك، وحسابك إنتي معايا بعدين.
***
باك
***
آيه وقلبها يعتصر ألماً: أرجوك يا سيف امشي وما ترجعش تاني. أنا كنت بلعب بيك عشان أرد لك إهانتك ليا، لكن ما كنتش بحبك.
سيف برجاء: إنتي بتحبيني يا آيه، عنيكي بتكذب كل كلمة بتقوليها. وأنا مش هسيبك، أنا جاي آخدك وهتجوزك وأحميكي منهم.
آيه: 😭😭😭😭😭
سيف بحدة: إنتي بتعملي في نفسك وفيا كده ليه؟ انطقي، بترمي نفسك في النار ليه؟ ليه مصممة تبعديني عنك، مع إني بعافر عشان ما أفرطش فيكي. انطقي.
آيه بألم: اطلع برة.
نظر لها سيف بغضب للمرة الأخيرة، ليهتف فراچ بشماتة: مش قالت لك اطلع برة، مستني إيه عاد؟ متورينا عرض كتافك وجمال خطوتك.
هم سيف بالخروج بخطوات سريعة غاضبة مهزومة، ليعود لمنزله خالي الوفاض، مجروح الفؤاد، متألم لكل كلمة تفوهت بها تلك الحمقاء، التي وقفت تراقب أثره لحين اختفى، واختفى معه آخر أمل لحريتها، لتفيق من شرودها على يديه التي تعتصر معصمها بقسوة، لينهال على وجهها بالضرب، لتسقط أرضاً، ليكمل توجيه الضربات المتفرقة بقدمه في أنحاء جسدها، لتصرخ متألمة، بينما هو يصيح:
فيه إيه أحسن مني؟ بتعشقيه هو وأنا لأ، ليه؟ فيه إيه يميزه عني؟ انطقي، بتعشقيه ليييه يا فاجرة؟ أنا أحسن منه مليون مرة، انطقي.
جلس حسان على كرسي موضوع بالقرب منهم، يشاهد أفعال ابنه المشينة بجمود دون أي اعتراض، لتهرع صفية إليهم على أثر صراخ آيه، لتحاول إبعاده عنها، ولكنه كان الأقوى.
صفية: حرام عليك، باعد عنها يا ولدي، أحلف على يدك.
فراچ: اسكتي يا أمي وابعدي عني الساعة دي.
صفية: عشان خاطري يا ولدي، هتموت بيدك.
فراچ: خليها تموت وأرتاح منها، بااااااعدي.
حسان: استنى يا فراچ، قبل ما تفرتك بيدك، جيب الأوراق الأول.
دلف فراچ لمكتب أبيه وعاد ببعض الأوراق، ثم جثى على ركبتيه بجوار آيه، ليمسك بها من تلابيب ملابسها، لتعتدل في جلستها بألم، وتمسك بالقلم بيديها التي ترتعش بشدة، لتمضي في الأماكن التي أشار إليها ذاك اللعين.
صفية: يا مراري يا ني، حرام عليك يا ولدي، هتقول لإ ربنا إيه؟
حسان: اقفلي خشمك يا ولية، لدفنك مطرحك.
اعتلت ابتسامة النصر على وجه فراچ، ليتركها من بين يديه، لترتمي أرضاً، بينما صفية تحاول إفاقتها، ليتجه نحو أبيه.
فراچ: كده تمام يبوي، أروح أنا للمحامي يسجل الأوراق دي عشان كل حاجة تبقى رسمي.
حسان: الأوراق دي حطها في خزنة المكتب جوه، لحين ما باقي إخواتها يوقعوا، والورق يتسجل مرة واحدة لما نكون خلصنا منهم.
فراچ: وهنعملوا معاها إيه دلوقتي؟
نظر حسان بنظرة يعلم فراچ مغزاها، ليأمر الحراس بنقلها إلى المكان الذي خصصه لحبسها والتخلص منها فيه، ليلحق بهم بعد قليل، أما بالأعلى، فكانت دعاء تبكي بمرارة على صرخات أختها، ولكن لا تستطيع الخروج، فقد أغلق عليها فارس الغرفة بحرص شديد ليمنع دخول أي أحد إليها في وقت غيابه، لتجلس أرضاً وتتكور في نفسها، مطلقة العنان لدموعها المؤلمة، علها تخفف عنها الألم الذي يجتاح جسدها.
***
هناء: مين؟
الطارق: أنا، افتحي يا بنتي.
هناء وهي تفتح الباب: أهلاً يا تغريد، اتفضلي.
تغريد بابتسامة سمجة: عصام هنا؟
هناء بتأفف: أيوة هنا، عاوزاه في حاجة؟
تغريد: احم، لا يعني بس بسأل عليه عادي.
هناء: طيب اتفضلي.
دلت تغريد للداخل، لتجلس على إحدى الكراسي الموضوعة في الصالة، لتجلس هناء على مقربة منها.
تغريد: مالك يا بنتي قاعدة بعيد كده ليه؟
هناء: ولا بعيد ولا حاجة، عادي.
تغريد: امممم، ماشي. الأ ما فيش جديد عن ورد؟
هناء بحزن: ولا قديم.
تغريد: بت يا هنوة، أنا بفكر تكونش مثلا هي اللي هربت.
هناء: نعم! وهتهرب ليه إن شاء الله؟
تغريد: عادي يعني، زهقت، أو كانت عاملة حسابها تكوش على كل حاجة، وملقتش عاصم مديها حاجة، قامت طفشت وعملت الفيلم ده علينا.
هناء بضيق مكتوم: بقولك إيه يا تغريد، اللي بتتكلمي عنها دي يا حبيبتي تبقى مرات أخويا، وإنتي قاعدة تجيبي في سيرتها في بيتها وهي مش موجودة، فياريت تحسي على كلامك يا حبيبتي قبل ما تقوليه، واعرفي إنتي بتتكلمي عن مين وإزاي، بدل ما تسمعي مني كلام يزعلك.
تغريد: إيه يا بنتي، كل ده أنا بفكر معاكي بصوت عالي...
هناء بحزم: لا، بعد كدة فكري مع نفسك. ومتجيبيش سيرة ورد غير بكل خير، علشان هي متستاهلش غير كدة. وعلي فكرة، عاصم عمره ما حب واحدة في الدنيا قداها، ولا هيقدر يحب بعدها. وربنا يجازي اللي كان السبب في فرقتهم عن بعض.
تغريد بتوجس: طب وأنا مالي؟ بتبصيلي كدة ليه؟ هكون أنا يعني اللي جبت ناس تخطفهم؟
هناء: مثلاً يعني؟
تغريد: اممم. هو عاصم فين؟
هناء: عنده شغل بيخلصه جوة في أوضته.
تغريد: طب أنا هدخله.
هناء: حيلك حيلك، تدخلي فين؟ زمانه نام.
تغريد: إيه ياهناء؟ انتي بتعامليني كدة ليه؟ أنا وعاصم متربيين مع بعض، ومفيهاش حاجة أما أدخل أواسيه في غياب مراته. ومتخافيش، أنا مش...
هناء على مضض: طيب، ادخلي، وياريت متتأخريش.
اتجهت تغريد ناحية غرفة عاصم، وفتحت الباب لتدلف للداخل دون استئذان.
تغريد: ازيك ياعاصم؟
عاصم بتعجب: تغريد!
تغريد: إيه المقابلة دي؟
عاصم: مقابلة إيه وبتاع إيه؟ انتي إزاي تدخلي كدة من غير ما تخبطي؟
تغريد بتصنع الزعل: إيه ده ياعاصم؟ عادي يعني، إحنا طول عمرنا مع بعض، من امتى الحواجز دي؟
عاصم بضيق: حواجز إيه وزفت إيه؟ في حاجة اسمها احترام. انتي داخلة أوضة راجل غريب، يعني لازم تخبطي الأول. افرضي كنت نايم، ولا بغير هدومي، ولا بتنيل على عيني بعمل أي حاجة، كان هيبقى الوضع إيه؟
تغريد: يوووه بقي ياعاصم، انت ليه مصمم تبعدني عنك وتحط رسميات مابينا؟ وعموماً ياسيدي، أنا آسفة. مش هكررها تاني.
عاصم باشمئزاز: وانتِ عاوزة إيه دلوقتي؟
تغريد بنظرات متفحصة لجسده، فقد كان يرتدي بنطالاً قطنياً من اللون الرمادي وتيشيرت زيتوني يبرز تقاسيم جسده المهلكة: عاوزة أطمن عليك، بليز ياعصومي، اديني فرصة. ليه ديما بتصدني وتبعدني عنك؟
عاصم: انتي يابنتي بتفهمي إزاي؟ هو إيه اللي تقربي مني؟ انتي ناسيه إني متجوز ومراتي حامل؟
تغريد: يووووه، ماهي غارت في ستين داهية تاخدها. ولا أنا هفضل طول العمر مش مالية عينك ومركونة على الرف؟
عاصم بحدة: تغرييييد! الزمي حدودك واحفظي لسانك وانتي بتتكلمي عن ورد، فاهمة ولا لأ؟
اقتربت هناء من الغرفة على أثر ارتفاع صوت عاصم، لتستمع للحوار الذي يدور بينهما، ريثما ارتفع صوت تغريد هي الأخرى.
تغريد: حرام عليك بقي ياأخي، كل حاجة ورد ورد. حس بيا بقي. من واحنا عيال وأنا بحبك ومكتوبالك. لولا الهانم اللي ظهرت مرة واحدة ومن ساعتها وهي خطفتك مني. وروحت اتجوزتها. فيها إيه أحسن مني ياعاصم؟ قولي، ريحني. تفرق إيه ورد عني؟ أنا اللي بحبك وبتمنالك. أعيش لك عمري كله تحت رجليك.
عاصم: انتي مش طبيعية ياتغريد. إيه الحقد والسواد ده؟ الجواز قسمة ونصيب. وأنا عمري معشمتك بحاجة. وسبق وقلتلك إنك زيّك زي هناء بالظبط. ليه مصممة تقارني نفسك بورد؟
تغريد بغل: عشان أنا أحسن منها. أنا أحلى منها، وأعرفك قبلها، وبحبك أكتر منها. ده أنا دخلت كلية قمة مخصوص عشان خاطر يليق بيك وأبقى مرات البشمهندس عاصم صقر. ليه رمتني وروحت لها؟ ليه؟ أنا اللي شرياك وباقية عليك، إنما هي باعتك وهربت.
عاصم بنفاذ صبر: قسماً بالله لو مقفلتيش على أم الموضوع ده ياتغريد، لهنسي العشرة اللي مابينا. ومهيعجبك تصرفي. ولو عرفت إن ليكي يد في اللي حصل لورد، هيكون يومك أسود من قرن الخروب.
صاحت تغريد بجنون: أيوه ليا يد ياعاصم! أنا اللي عرفت أهلها مكانها. ولو رجع بيا الزمن تاني، هعمل نفس اللي عملته عشان من الأول مكانها مش في حضنك، ده مكاني أنا.
أخرست تغريد صفعة مدوية من عاصم، لتسرع هناء بالدخول للغرفة لتحول بينهم، فهي تعلم أن أخيها قد بلغ من الغضب أقصاه.
هناء: طول بالك ياعاصم. هي متقصدش ده، بس من زعلها.
تغريد: لا أقصد، وده اللي تستحقه.
عاصم: آه يابنت ال****!
هناء: مش كدة ياعاصم. اتهدي بقي. ياتغريد، ولو بتحبي عاصم بجد، يبقي تعرفينا إزاي نوصل للناس دي.
تغريد: معرفش عنهم حاجة. ولو أعرف مش هقول. ياإما أنا وبس، ياإما ميبقاش خالص.
عاصم: انتي مريضة.
تغريد: مريضة بيك، وانت ولا على بالك. طول عمرك مش حاسس بيا ولا بحبي ليك. يبقي لازم تدوق وجع الحب عامل إزاي.
عاصم وهو يفقد آخر ذرة من اتزانه: امشي، اطلعي برة قبل ما أرتكب جناية. براااا!
دلفت تغريد لخارج الشقة بعدما أيقنت أن زواجها من عاصم أصبح محالاً.
استعادت آيه وعيها على أثر صدى صوت يصدع بأذنيها، محاولاً إفاقتها بهدوء.
وهدان: قومي ياست آيه، فوقي. الله يوفقك.
آيه: منممنممم.
وهدان: بسرعة، مفيش وقت.
آيه: انننت ميييين؟
وهدان: أنا وهدان ياست الناس، وهدان اللي جميلك في رقبته، وآن أوان أسدهولك. فوقي بقي، فراچ بيه زمانه چاي. قومي الله يبارك لك.
آيه بتعب: و..وهدااان ....مييين؟
وهدان: إني وهدان اللي بشتغل عند حسان بيه. اللي ضيعت أجرة العمال قبل سابق. وانتي سمعتيني وأنا بندب حظي على اللي حصل. وإنتي راجعة من المدرسة في يوم على بوابه القصر. وصعبت عليكي من غضب عمك لما يعرف. واديتيلي فردة غويشة كنتي لابساها. بعتيها وبتمنها قبضت الفلاحين اللي اشتغلوا في الأرض. ونجدتيني من حسان بيه.
آيه بتذكر: أيوه صح... افتكرتك.
وهدان: قومي أهربك من هني ياست آيه. فراچ بيه ناوي على الشر. قومي بسرعة قبل ما يوصل هني.
آيه بخوف: هروح على فين؟
وهدان: أرض الله واسعة يابنتي. المهم تنفدي من هني.
قام وهدان بفك قيود آيه، وساعدها بالخروج من المكان بأكمله، لتركض بكل ما أوتيت من قوة، لتختبئ بحقول الذرة كي لا يراها أحد. ومن ثم أكملت طريقها لوجهة غير معلومة، لتتوقف بعد فترة طويلة لتنال قسطاً من الراحة. لتستقل بعدها إحدى سيارات الأجرة وتبلغه وجهتها.
جلست دعاء على الأريكة بجوار فارس لتناول الطعام، ليحاول فارس إطعامها بيديه، ولكن دون فائدة، فهي مضربة عن الطعام.
فارس: طب عشان خاطري، ولا ماليش خاطر عاد؟
دعاء: قلتلك خاطرك على راسي، بس ملييش نفس.
فارس: لازم تاكلي، حتى لو غصب عنيكي يادعاء، عشان صحتك اللي في النازل دي، وعلاجك اللي معتاخديهوش. ولا إنتي مصممة تتعبيني قلبي معاكي؟
دعاء: نفسي أشوف أخواتي يافارس. اتوحشتهم چوي.
تنهد فارس بقله حيلة: حاضر ياعيون فارس، هتشوفيهم وتطمني عليهم.
دعاء وعلى وجهها شبح ابتسامة: چد يافارس؟
فارس: هيبقى چد لو أكلتي وأخدتي علاجك، وبقيتي زينة ونمتي چاري وسمعتي الكلام.
دعاء: لا، ممكن أبداً. لو قربت للسرير، ههملك الأوضة كلياتها عاد.
فارس بابتسامة حنونة: وإني عمري مهضيع فرحتك ياضي العين. ولازم أعملك فرح تتحاكي بيه البلد لأيام وليالي، ويكونوا أخواتك چارك، ونفرح كلياتنا سوا. إنتي مش قليلة يادعاء علشان تفكري إني ممكن أعمل معاكي كده، وأستغل ضعفك.
تمردت دمعة من مقلتي دعاء، ليبادر فارس بمسحها بكف يديه بحنو بالغ.
فارس: كده عتزعليني منك؟
دعاء: غصب عني يافارس، أنا تعبانة چوي، موجوع قلبي.
فارس: بعيد الشر عنيكي وجع القلب. وغلاوتك عندي يادعاء، فترة وهتعدي. ولو كلفتني روحي، وهنعيش بعدها أحلى أيام العمر سوا.
دعاء: يارب يافارس، يارب.
دلف فراچ للمكان الذي احتجز به آيه، ليثور غضباً عندما تفاجأ بعدم وجودها. ليفجر غيظه بالحراس الذين قام بتعيينهم لحراستها.
فراچ: راحت فين يابقر؟ مش شغال عندي شوية بهايم.
حارس 1: والله يافراچ بيه، كانت هنا من آخر مرة كنت جوة وشايفها نايمة على الأرض.
حارس 2: والله ما اتعتعت من مطرحي واصل يابيه.
حارس 3 (وهدان): كلياتنا كنا واقفين هنا يافراچ بيه، ومحدش دخلها جوة من ساعة ما نامت.
فراچ بغضب شديد: حسابكم معايا بعدين ياشوية بهايم. إن ما عرفتكم كيف تشوفوا شغلكم، مبقاش فراچ.
مساءً، أمام فيلا الحديدي، توقفت سيارة أجرة بعد رحلة سفر طويلة.
السائق: يا أبله، وصلنا أهه.
آيه بتعب شديد: ماشي. كتر ألف خيرك. عاوز إيه؟
السائق: والله المشوار كان طويل، وأنا بعادتي في الطلعات اللي زي دي، باخد ألف جنيه. بس الطريق كان وعر چوي، والوقت مستأخر زي ما إنتي شايفة، ولسه هعاود تاني.
آيه: خلاص، خد ده تمنه. أكتر من اللي بتطلبه بكتير.
اتسعت عيني السائق من الدهشة، فقد ناولته آيه القرط الذهبي الذي كانت ترتديه، لأنها لا تمتلك أي أموال. لينظر لها السائق بشك قائلاً: لا والنبي، عتلعبي عليا عاد. ومفكراني أهبل؟ خدي ياست، انتي. أنا عاوز فلوس. والحلق الفلسو ده، متلعبيش عليا بيه.
آيه بوهن وصوت مبحوح: اطلع على أقرب محل دهب وبيعه. ولو لقيته فلسو، ارجع تاني هتلاقيني هنا.
هبطت آيه من السيارة، بينما انطلق السائق فرحاً بما نال من أجر نظير هذه الرحلة. لتتجه آيه إلى حارس الفيلا لتخبره بهويتها، ليتعرف عليها ويسمح لها بالدخول. ليرافقها الحارس الآخر إلى الداخل، لتتوقف أمام البوابة الداخلية، لتفتح لهم الخادمة الباب، لتدلف آيه للداخل ببطء، وتتوقف خلف البوابة، ريثما تخبر الخادمة ليان الجالسة برفقة عائلتها بوجود آيه.
الخادمة: في واحدة برة عاوزاكي ياليان هانم.
ليان: مين دي يا دلال؟
الخادمة: باينها الآنسة آيه صاحبة حضرتك.
ليان بدهشة ممزوجة بالفرحة: آيه!! بتتكلمي جد؟
أثار لفظ اسمها الغضب الكامن بداخله، وهو يراقب أخته التي هرعت سريعاً متجهة ناحية البوابة. لتنظر لها بذهول وصدمة، لتتعالى شهقاتها وتتساقط دموعها وهي تنظر لرفيقتها التي تبدلت كلياً، ولم تعد كسابق عهدها.
ليان: يانهار مش فايت! آيه... إنتي كويسة؟ عملوا فيكي إيه؟
آيه بدموع وتعب: أنا كويسة. فين سيف؟
ليان: هناك أهو. تعالي، اسندي عليا.
مضت آيه بضع خطوات، لتتوقف بمحاذاه العائلة الجالسة بأكملها تشاهد التلفاز. لتتوجه إليها جميع الأنظار، خاصة سيف الذي ينظر لها بلؤم شديد، ولكن بداخله ود لو قفز أمامها ليخفيها بداخل أضلعه بعيداً عن العالم بأكمله. ولكنها دائماً ما تخيب آماله، فقرر التعامل معها بالمثل. ولأول مرة، قرر الابتعاد عنها تنفيذاً لرغبتها الملحة في كل مرة تراه بها. لينتفض الجميع بصدمة من مجالسهم.
صالح بدهشة: آيه... إيه اللي عمل فيكي كده يابنتي؟
نورة: ياستار يارب! اققعدي ياحبيبتي. قعديها ياليان.
فرح: مالك ياآيه؟ إيه اللي جرالك؟
سامر: دي آيه صاحبتك ياليان!!
آيه بتعب بدأ يتملك من جسدها بالكامل، حد الصراخ: أنا جاية وطالبة حمايتك ياعمي، وطلباها من دكتور سيف. ثم أشاحت بنظرها ناحية سيف مكملة: تتجوزني ياسيف.
سيف بسخرية: وهو ينفع بردو واحدة متجوزة تتجوز على جوزها يا... يا هانم؟
آيه بألم يجتاح أوصالها ليستقر بقلبها: تتجوزني ياسيف؟
سيف بنبرة قاسية: نعم!
جواز إيه ده اللي هتتجوزه ومن واحدة زيك؟ انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ هو بمزاجك أبعد وبمزاجك أتجوزك؟ شايفاني عيل تحت إيدك وقاعد تحت أمرك؟
آيه بصوت مبحوح متحشرج: تتـ__ـجوووزنيي؟
سيف بكبرياء: لا.
نورة: هو في إيه؟ أنا مش فاهمة أي حاجة. متفهموني يا جماعة إيه اللي بيحصل بالظبط؟
صالح: جواز إيه يا آيه يا بنتي؟ وإنتي بحالتك دي؟ خوديها يا ليان على فوق.
ليان: حاضر يا بابي. يلا يا آيه.
آيه وعينيها في عين سيف: أنا همشي خلاص. مبقاش ليا قعاد في الدنيا بحالها بعد ما أخرج من هنا.
ليان: إيه الجنان اللي بتقوليه ده؟
سحبت آيه يديها من إيد ليان لتلتفت لجهة البوابة لتخطو بوهن شديد لتصبح الرؤية ضبابية لتسقط أرضاً فاقدة الوعي.
سيف: آاااايه!
هرع سيف إليها سريعاً ليضع ذراعه خلف ظهرها والآخر خلف ركبتيها ليحملها بين يديه ويرتقي درجات السلم والقلق يتملك منه وخلفه عائلته ليتوقف أمام باب غرفته ويميل بجذعه قليلاً ليفتح الباب ليدلف للداخل ليضعها على الفراش كماسة غالية يخشي عليها من الخدش.
سيف بتوتر: اطلب الدكتور بسرعة يا سامر.
سامر: حاضر حاضر. مسافة السكة ويكون عندك.
ليان بدموع: يا رب ملناش غيرك يا رب.
صالح: لا حول ولا قوة إلا بالله.
نورة: متخافيش يا حبيبتي هتبقي كويسة إن شاء الله. اطمنوا يا ولاد.
جلس سيف بالقرب منها يتأمل ملامحها الرقيقة المشوهة التي أثارت الغضب الكامن بداخله ليتوعد بشدة أن ينتقم لها ممن فعل بها هكذا. لتمضي فترة قصيرة ليصل الطبيب ليدلف لداخل الغرفة ليقوم بفحصها بينما غادر صالح وولديه للأسفل وتحديداً بداخل مكتبه.
صالح: أنا عاوز أفهم إيه الحكاية بالظبط يا سيف.
سيف: الحكاية وما فيها...
سامر: يااااه! وكل ده وكنت مستني إيه؟ لما يدفنوها وتروح تاخد عزاها؟
سيف: روحت لها وطردتني وصممت إنها مراته. كنت عاوزني أعمل إيه يعني؟
سامر: يابني دي واضحة زي الشمس. دي كانت بتحاول تبعدك عنهم عشان متتأذاش.
صالح: آيه دلوقتي أمانة في رقبتنا يا سيف ولازم تتجوزها والوقتي حالا.
سيف: الوقتي؟ إزاي يعني؟
سامر مرحاً: زي السكر في الشاي.
نظر له سيف بضيق ليصمت سريعاً.
صالح: مش وقت هزار يا سامر. عيلة المنشاوي دي عيلة كبيرة ومش سهلة وأكيد مش هيسكتوا ومش بعيد تلاقيهم جايين وراها دلوقتي حالا وممكن يأذوها.
سامر: هيعملوا فيها إيه أكتر من اللي عملوه؟ دي البت متشلفطة يا ولاد.
صالح: الوقتي حالا يا سامر تجيب المأذون واتنين شهود فاهم؟
سامر: علم وينفذ يا بوب.
بالأعلى انتهى الطبيب من فحص آيه لتتدثرها ليان بحنو ليترك الطبيب الغرفة ويهبط للأسفل وخلفه نورة لينضم لهم صالح وسيف.
صالح: آيه عاملة إيه الوقتي يا دكتور؟
الدكتور: مخبيش عليك يا صالح بيه. البنت دي اتعرضت لعنف جسدي صعب جداً وأثر. لازم تتعالج وإلا الموضوع هيكبر أوي ولازم علاج مكثف ونظام غذائي متكامل لأن عندها هبوط حاد في الدورة الدموية وضغطها في الأرض.
صالح: طب والعمل إيه يا دكتور؟
الدكتور: أنا كتبتلها العلاج ده ولازم الوقتي حالا يتركبلها المحاليل دي وطبعاً الراحة التامة والعصبية ممنوعة وتاكل كويس وإن شاء الله أسبوع كمان وهتكون بقت زي الفل.
صالح: كتر ألف خيرك يا دكتور.
الدكتور: العفو يا صالح بيه بعد إذنك.
نورة: حد يفهمني يا جماعة؟ أنا دماغي هتتنفجر. مبقتش فاهمة أي حاجة.
صالح برزانة: طولي بالك يا نورة والوقتي هتفهمي كل حاجة.
نورة: أنا مبقاش فيا أعصاب. البنت منظرها يقطع القلب دي متبهدلة ولا كأنها كانت في معتقل. لازم نبلغ عن اللي عمل فيها كده.
صالح: قولتلك طولي بالك واطلعي فوق مع البنات حاولي تفوقيها وتجهزيها علشان كمان شوية المأذون هيجي يكتب كتابها على سيف.
نورة بدهشة: نعم! صالح كده كتير أوي.
صالح: اسمعي كلامي يا نورة مفيش وقت للشرح.
نورة بهدوء: حاضر يا صالح. لما نشوف أخرتها معاك.
ارتقت نورة درجات السلم لتخبر الفتيات عما سيحدث بعد قليل لتمر فترة ويصل المأذون برفقة سامر ومعه الشهود ليتم عقد القرآن لتمضي آيه على قسيمة الزواج وهي تجلس على السرير يتملك منها التعب ويغزو جسدها الآلام المبرحة بعدما ساعدتها الفتيات للاعتدال في جلستها. بينما يجلس سيف شارداً بالأسفل بداخله الكثير من المشاعر المختلطة ولكن الإحساس السائد كان القلق والخوف عليها. تلك المشاكسة التي اشتاق لعنادها وكبريائها ونظرات عينيها التي تأثرت ليفيق من شروده على صوت المأذون.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير".
صالح: ألف مبروك يا سيف يا ابني.
سيف بعملية: الله يبارك فيك يا بابا.
سامر: ألف مبروك يا حبيبي.
سيف: الله يبارك فيك يا سامر.
دقائق وانتهى المأذون وعاد من حيث أتى لتهبط الفتيات للأسفل.
فرح: ألف مبروك يا سيف.
سيف: الله يبارك فيكي يا فيفي.
نورة: ألف مبروك يا حبيبي.... أما أنت يا صالح فلنا أوضة نتكلم فيها.
سامر: أوعى يا بوب ده في محاكمة عسكرية النهاردة.
صالح ممازحاً: دا أنا وطني شريف والله.
سامر: امممم طبعاً... خليكي حنينة عليه يا نونو مش عاوزين نسمع صوت الضرب.
صالح: إحنا هنهزر ولا إيه؟ يلا كل واحد على أوضته. تصبحوا على خير.
جميعهم: وأنت من أهل الخير.
اقتربت ليان من سيف وهم يعتلون درجات السلم لتهمس له: ما كان من الأول يا سيفو. ياما اتحايلت عليك.
سيف: إنتي هتصاحبيني ولا إيه؟
ليان: امممم الله يرحم. يلا عريس بقى وكده.
سيف: هي عاملة إيه الوقتي؟
ليان: هي نايمة. بس خلي بالك منها علشان المحلول في إيديها وهي مش حاسة بأي حاجة حواليها.
سيف: حاضر.
ليان: ألف مبروك يا حبيبي. ربنا يسعدكم يا رب.
سيف: عقبالك يا غلابوية.
ليان: تصبح على خير يا خنجر.
سيف: لياااان.
ليان: ده أنت هتشوف أيام. يلا ربنا معاك.
ابتسم سيف رغماً عنه فحقا هو يعشق مشاكستها وكم يشتاق لسماع الاسم الذي تطلقه عليه (خنجر) من بين شفتيها فهو لا يحب سماعه من غيرها ليتوقف أمام باب غرفته ولأول مرة يشعر بالتوتر من فكرة تواجده معها بنفس المكان. الا انه قد عزم بداخله على بدء صفحة جديدة لا تحمل سوى السعادة والفرحة.
رواية بنات المنشاوي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم خلود وائل
ابتعد سيف عنها ليسمح لها بتذوق الأكسجين ولكنها غابت عن الوعي تمام.
لينظر لها بتمعن، فهي لم تحتمل قبلته لها. هل ذابت خجلا أم ازدادت تعبا؟
تأمل ملامحها الطفولية لبرهة واتجه مسرعًا ليحضر البرفيوم، لينثر القليل منه على كف يديه ويضعه على أنفها.
لتستعيد وعيها وتفتح عينيها ببطء لتراه أمامها ينظر لها بحنو وابتسامة تزين ثغره.
لتبادله بنظرة غاضبة تلومه عما فعل، لتحاول الاعتدال في جلستها بهيئتها الغاضبة.
آيه: أنت إزاي تسمح لنفسك إنك تعمل معايا كده.
سيف بهدوء: ده أنسب جواب للي كنتي بتقوليه.
آيه بعدم تذكر: قلت إيه؟
سيف وهو يقترب منها مع كل كلمة ينطقها: كنتي بتقولي إني ممكن أستغل حبك وشوية كلام أهبل كده ملهوش لازمة.
آيه بتوتر: أنت بتقرب مني ليه كده... أبعد... أبببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببعد لو سمحت.
سيف: وإنتي مالك خايفة كده.
آيه بأرتباك من قربه المهلك: وأنا هخاف من إيه.
سيف: امممم ماشي... أنا هسيبك ترتاحي شوية.
أومأت آيه برأسها بمعنى أنها موافقة، ليبتعد عنها ليدثرها بالغطاء ويبتعد عنها ليجلس خلف مكتبه يتصفح اللابتوب الخاص به لإنهاء بعض الأعمال.
لتختلس آيه النظرات له بهيئته المتعبة ولكنها ساحرة، لينتبه لها بعد فترة لينظر لها بمعني أنه أمسك بها بالجرم المشهود، لتغلق عينيها سريعًا متصنعة النوم.
سيف: لو تحبي أنا ممكن أجي عندك.
آيه: 😴😴
سيف: ماشي.
***
في قصر المنشاوي كانت تجلس مرام تشكو معاناتها لأبيها وعدم قدرتها على التحمل أكثر.
مرام: يبوي أنا اتحملت كتير جوووووي وبحط في قلبي وأسكت عشان خاطر جوزي وابني اللي في بطني، بس كل واحد وله طاقة.
حسان: لسه منخلقتش يابنتي اللي يكر عليكي صفو عيشتك طول ما أنا موجود.
مرام: يبوي أنا تعبت، كل يوم والتاني تلقيح ونظرات بتحرقني وتقليل مني جامد وتوقيع بيني وبين جوزي.
صفية: يابنتي اتحملي، محدش خالي من الهم، وبعدين أبوكي هيتحدت مع هارون بيه ويشوفله صرفه، حالك ده ما يسرش أبدًا. الناس دول انتزعت من قلوبهم الرحمة.
مرام: يما عمي هارون هيخسر أخوه بسببي عاد.
حسان: يكش يولع بجاز وسخ، المهم إن بنتي تكون زينة. إنتي بتفكري كيف يامرام؟ ناسيه إنتي بنت مين؟
مرام: مقصدش يبوي، بس أنا ميمراش عليا عاد إني أكون السبب في قسمة عيلة بحالها.
حسان: مليكيش صالح عاد، أنا هعرف شغلي معاهم كيف، ولحد ما جوزك يرجع من سفره، أديكي قاعدة في بيت أبوكي متشالة على الراس.
صفيه: يا حسان الأمور متنحلش أكده، الواحدة ملهاش غير بيت جوزها.
حسان: جوزها لازم يعرف قيمتها الأول ويحافظ عليها.
مرام: يبوي سعد عمره مقصر معايا ولا زعلني، الهم كله من مرات عمه البومة دي.
حسان: هي كلمة ملهاش تاني، ياتكوني ست قصر السلانتي ياهبكيكم كيف النسوان على اليوم اللي زعلواكي فيه.
جلست مرام حزينة تبكي على ما يحدث معها، فهي لطالما تمنت حياة زوجية هادئة مليئة بالحب والسعادة، ولكن دائمًا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي الأنفس.
***
صباحًا في اليوم التالي استيقظت آيه من النوم لتتفاجئ بأنها نائمة بحضن سيف، لتتسع عينيها بصدمة وتشهق بشدة وتتململ سريعًا للفرار من بين ذراعيه الملتفان حولها بتملك.
ليشعر بها سيف ويفتح عينيه ببطء وتعب، لينظر لها سريعًا ويمسك بيديها لضمها إليه بلهفة.
سيف بلهفة: إنتي كويسة؟ اهدي، هتروحي، هتبقي حلوة، اطمني.
آيه بأستغراب: سيب إيدي، أنا كويسة.
سيف: احم، طب الحمد لله... صباح الخير.
آيه: صباح النور.
سيف بأهتمام: عاملة إيه دلوقتي؟
آيه: منا كويسة قدامك أهو!
تنهد سيف بتعب: طب الحمد لله.
آيه: هو في إيه؟ عمال تسألني إنتي كويسة إنتي كويسة وأنا لسه صاحية من النوم.
سيف: إنتي مكنتيش حاسة بنفسك ولا إيه.
آيه بشك: نعم! حاسة بنفسي إزاي يعني.
سيف: إنتي طول الليل بتصرخي وجسمك سخن نار وحصلك تشنجات أكتر من مرة، وآخر مرة تقريبًا كنتي قاطعة النفس، كنت هموت من قلقي عليكي.
آيه بحزن: أنا عملت كل ده.
سيف: كنت فاكر الـ Panic Attack أخرها ضيق تنفس، طلعت حوار كبير أوي، بس الحمد لله عدت على خير.
اجتمعت الدموع بعينيها حزنًا على ما أصابها، فقد ابتعدت عن هذا اللعين، ولكنه ترك بها أثاره التي تنال منها وبمن حولها.
لتشرد بذهنها قليلًا، لتتذكر الأيام الفائتة كيف قضتها تحت رحمته، لتفيق من شرودها على حركة يد سيف أمام عينيها.
سيف: هااااي آيه، إنتي رحتي فين.
آيه: ها.. أبدًا... معاك أهو.
سيف: أنا عارف إن كل ده غصب عنك وتعب ليكي، بس أوعدك هنعديه سوا، اطمني أنا معاكي.
آيه: هو أنت بتعاملني كده ليه؟ أقصد يعني بعد كل اللي عملته معاك وإني رفضتك أكتر من مرة وجرحتك كتير! إزاي قادر تكون معايا كده؟ ولا بتهاودني لحد ما تاخد اللي إنت عاوزه وتنتقم مني.
سيف: مش هلومك على اللي بتقوليه ده دلوقتي عشان عارف إنك تعبانة ولسه مش مستوعبة الوضع الجديد.
آيه بندم: سيف أنا أس...
سيف مقاطعًا: يلا عشان تاخدي شاور قبل الفطار ما يطلع.
طأطأت آيه بنظرها أرضًا، لينهض سيف من على السرير متجها ناحيتها ليحملها ويدلف بها لداخل المرحاض، ليعاونها على الاستحمام ووضع المراهم والغيارات، ومن ثم يقوم بحملها مرة أخرى ليعاود وضعها على السرير، بينما هي هادئة بين ذراعيه كطفلة صغيرة.
لتدلف ليان حاملة بين يديها بوكيه من الورد المليء بالشيكولاتة، بينما يدثرها سيف بالغطاء.
ليان: يا صباح الجمال والكريستال يا حجيجه.
سيف: صباح الفل يالينو، تعالي.
ليان وهي تتجه ناحيتهم لتناول سيف ما بيديها وهو جالس بجوار آيه على السرير: اتفضل ياسيفو، ده عشانك 💐💐.
سيف: ميرسي يالينو... مش هتنزلِ الجامعة ولا إيه؟
ليان: امممم بتوزعني يعني، طيب تمام، أطير أنا بقي.
آيه: خليكي معانا شوية يالينو، وحشتيني أوي.
ليان: وإنتي مفتقداكي جدًا والله، بس لازم أنزل دلوقتي، يدوب ألحق محاضرة دكتور رشدي، وإلا مش هيرضي يدخلني، وأوعدك أول ما أرجع مش هفارقك غير لما أعرف إيه اللي ورا البوكيه ده 😅. سلاااااام.
كلاهما: سلام.
دلفت ليان لخارج الغرفة متجهة للجامعة، بينما وضع سيف البوكيه بين يدي آيه بهدوء، لتنظر له بأبتسامة ومن ثم تعاود النظر لسيف.
آيه: إيه ده؟
سيف: ده بوكيه ورد وسلامة النظر.
آيه: منا عارفه، لسه متعمتش، أنا قصدي بمناسبة إيه؟
سيف: امبارح واحنا بنتكلم قولتي إنك مش زعلانة إني كنت سايق بسرعة قصاد إني أصالحك بحاجة حلوة، صح.
آيه بفرحة داخلية: صح.
سيف: بوكيه ورد وشيكولاتة يمشي معاكي حاجة حلوة.
آيه بأمتنان: كتر ألف خيرك إنك أخدت كلامي جد وكمان بالسرعة دي، بس أنا مبحبش الشيكولاتة 🥺🤷♀️.
سيف بتعجب: دي شيكولاتة فيريرو روشيه! في بنت مبتحبهاش؟
آيه: أنا.
سيف بتنهد: طب بتحبي إيه مش عارف.
آيه: لما تعرفني، هتعرف لوحدك.
سيف بغمزة: نفسي أتعرف والله.
آيه بتهرب: بس الورد جميل، ميرسي ليك.
سيف بصدق: الورد جنب جمالك ولا حاجة.
آيه بألم: وسعت منك أوي المجاملة دي، أنا خلاص اتشوهت ياسيف.
سيف: دي حقيقة مش مجاملة، إنتي في عيني أجمل بنت خلقها ربنا وهتفضلي كده مهما حصل، وإياكي تفتكري إني بعاملك كده عشان صعبتي عليا، تبقي عبيطة وإحساسي نحيتك لسه موصلكيش، بس أنا هصبر وهستنى لحد ما تيجي وتعترفيلي بحبك ليا من نفسك.
آيه: احم، هو فين الفطار.
سيف بغيظ: ماشي.... دقيقة وهيكون عندك.
تناول كلاهما الإفطار سويًا، وبعدها تناولت آيه الدواء الذي أعطاها إياه سيف، لتجلس بعدها شاردة الذهن، ليتأملها سيف لدقائق ويحمحم عليها لتنتبه له.
آيه: هو أنا ممكن أطلب منك طلب.
سيف: إنتي تؤمري وأنا أنفذ.
آيه: أخواتي.... أنا عايزة أخواتي.
سيف: حاضر، هدور عليهم فين وهجبهملك من تحت طقاطيق الأرض.
آيه: مش محتاج تدور عليهم، دعاء في القصر متحامية في فارس علشان جوزها، وورد من ساعة ما اغمي عليها وفارس نقلها مستشفى معرفتش عنها أي حاجة.
سيف: أنا هعرف هي فين وحالتها إيه، بس عاوزك تطمني وترتاحي إنتي.
آيه: علشان خاطري ياسيف، لو عرفت حاجة متخبيهاش عني.
سيف: حاضر.......
آيه: فارس ليه محاولش يساعدك؟
حاول يساعدنا كلنا. أول ما دخل المكان اللي كنا فيه، كانت ورد مغمي عليها وبتنزف، فأخدها وطلع بيها على المستشفى. ولما رجع كان عايز ياخدني أنا ودعاء، بس إخواته ما رضوش وكانوا هيموتوا بعض. فهو أخد دعاء ومشي. وأنا متأكدة إنه رجعلي تاني، بس بعد ما هو مشي هما نقلوني مكان تاني أكيد هو ما يعرفوش. بس لولا واحد ابن حلال من اللي كانوا بيحرسوا المكان، هو اللي هربني عشان عملت فيه معروف زمان.
سيف: وكان فين الراجل ده من أول يوم؟
آيه: فراج يعتبر ما كانش بيفارقني خالص وما سابنيش ومشي غير لما مضيت على التنازل. وبعدها عم وهدان دخلني وفكني وهربني.
سيف: تنازل إيه بالظبط؟
آيه: عن ورثي في بابا وماما الله يرحمهم.
سيف: هرجعلك كل مليم أخدوه منك وهنتقم لك منهم على كل ثانية اتألمتي فيها وأنتي بعيدة عني.
آيه: والله ما عايزة حاجة، يشبعوا بيها. أنا بس عايزة إخواتي ويبعدوا عننا. أنا متأكدة إنهم بيدوروا عليا وعايزين يقتلوني.
سيف: أنتي متعرفيش أنتي اتجوزتي مين ولا إيه!
آيه: أنت متعرفهمش يا سيف.
سيف: ولا أنتي لسه تعرفيني يا آيه.
***
في غرفة دعاء:
مرام: ورد راحت في غيبوبة، بس الحكيم قال إنها ما طولتش وهتفوق في أقرب وقت.
دعاء ببكاء: يا مراري يا أنا يا حبيبتي يا أختي. كان مستخبيلك كل ده فين بس يا ربي.
مرام: هدي حالك يا دعاء واطمني، إن شاء الله خير.
دعاء: يا رب، مالناش غيرك يا رب.
احتضنت مرام دعاء للتخفيف عنها، بينما تمسكت بها دعاء بشدة، كأنها كانت بحاجة ماسة لهذا الاحتواء.
***
بالأسفل في صالون القصر:
سليم: هنفضل قاعدين كيف الحريم كده، يبوي؟ والسنيورة قاعدة فوق وسايبينها ولا إيه؟
فراج: وافق بس يا يبوي وأنا أخلص عليها دلوقتي.
حسان: انكت من بوقك ليه؟ قلت لكم ما وعايز أخسر فارس. لازم نسايسه لحد ما البت تمضي، وبعدها اعملوا اللي تعملوه. أنا خلاص مبقتش طايق واحدة فيهم وعايز أمسحهم مسح من على وش الدنيا.
فراج: والعمل يا يبوي؟
حسان: طول عمرك أهو، ومستعجل. قلت لك اصبر لحد ما ناخد أخوك تحت طوعنا.
سليم: أنت خابر فارس زين يا يبوي.
حسان: وعشان خابره زين، يبقى لازم أخليه يخاف عليها مننا، وهو بنفسه اللي يخليها تمضي برضاها. وبعدها نقتلها مع إخواتها في يوم واحد.
***
مساءً في فيلا الحديدي، وبالتحديد في غرفة سيف:
ليان: أما أنتي، ففاتك حبّات حاجات في الجامعة تهلك من الضحك.
آيه: احكيلي.
ليان: لا، دي محتاجة قاعدة في الجنينة تحت ومجيء نسكافيه. هبقى أحكيلك لما تشدي حيلك كده وتنزل. أما دلوقتي، فعايزاكي تحكيلي من طقطق لسلامو عليكو.
آيه: احكيلك إيه؟
ليان: تحكيلي من ساعة ما رجعتي من الرحلة لحد بوكيه الورد الأحمر بتاع الصبح.
آيه: أنا رجعت من الرحلة و...
ليان: يا ولاد الـ... إيه قرايبك دول؟ ما فيش في قلوبهم رحمة ليه؟ هنسب الدنيا ونمشي، مش هناخد حاجة معانا.
آيه: نفسي أشوف إخواتي يا ليان، هتجنن عليهم.
ليان: يا حبيبة قلبي، والله مقدرة اللي أنتِ فيه، بس إن شاء الله سيف مش هيسكت. أنا متأكدة، اطمني.
آيه: يا رب.
ليان: مهو لو كنتي سمعتي كلامي واتجوزتيه من بدري، ما كانش كل ده حصل. بس لا، لازم دماغك الناشفة دي تترن في خرسانة.
آيه: خلاص بقى.
دلف سيف لغرفته ليتجه ناحية الفتاتين ليستند على الحائط المقابل لهما، عاقداً ذراعيه أمام صدره الممشوق: مطولة معانا يا لينو ولا إيه؟
ليان: حاسة إني بنطرد سيكا.
سيف وهو يمُط شفتيه: الإحساس نعمة.
ليان: يلهوي، شكلي بقيت وحش جداً. طاب، بت آيه عايزة مني حاجة بقى؟
آيه بابتسامة: سلامتك يا قلبي، وسلميلي على طروقة لما يكلمك.
ليان: حاضر، من عيوني.
دلفت ليان للخارج، بينما اتجه سيف بضيق ناحية آيه ليهتف بغضب مكتوم: طروقة مين يا هانم؟
آيه وهي تبتلع ما في حلقها: طـ طارق خطيبها.
سيف بلهجة صارمة: يبقى لك حاجة علشان تدلعيه، ولا ما لكيش راجل تحترميه؟
آيه: في إيه يا سيف؟ بتكلم معاها عادي، ده زي أخويا.
سيف: ولا أخوكي ولا زفت، واتفضلي نامي أحسن ما أنكد عليكي، وإياكي أسمعك بتدلعي راجل غيري، سامعة؟
آيه: حاضر.
سيف بصرامة: تصبحي على خير.
آيه بتعب: تلاقي الخير.
أغلقت آيه عينيها لتستقبل النعاس، وقلبها يتراقص من الفرحة لشدة غيرته عليها، لتنعم بنوم هانئ، بينما استلقى سيف على الأريكة المجاورة لها ينهي بعض الأعمال على اللابتوب، إلى أن غفى في النوم العميق لأنه لم يذق النوم في الليلة الماضية إلا لدقائق.
مرت الليلة وليالٍ أخرى كثيرة، وصحة آيه تتحسن تدريجياً بمتابعة سيف لها واهتمامه الزائد بها. أما على الجانب الآخر، في المستشفى حيث ترقد ورد...
***
استفاقت ورد بوهن وعينين تجاهد بشدة لفتحهما، لتستكشف ماحولها وتحاول الاعتدال في جلستها بتعب، لتدرك أنها بالمستشفى، وتنزع عن وجهها قناع الأكسجين وتزيل من يديها الأجهزة المتصلة بها. لتمر فترة استعادت بها وعيها وتذكرت ما حدث معها، لتضع يديها على بطنها وتبكي بمرارة على أبنائها الذين فقدتهم حتى قبل أن تراهم. لتمر فترة طويلة وتهبط من فوق السرير لتخطو بخطوات متعبه نحو باب الغرفة، لتري رجلين يجلسان لحراسة الغرفة، لتعود أدراجها مرة أخرى للسرير بخيبة أمل.
بعد فترة:
حارس1: ما تروح تجيب لنا كوبايتين شاي خلينا نعمر النفوخ.
حارس2: الكافتيريا اللي هنا في الدور التاني، هتعمل شاي تقيل يظبط النفوخ صوح.
حارس1: طب ما تروح تجيب لنا دور وتيجي.
حارس2: تعال معايا، وبالمرة نعرف نشرب لنا سِجارة في أي حتة مدارية.
حارس1: يلا، كيف المرة اللي فاتت.
اتجه الحارسان للكافتيريا، بينما استغلت ورد الفرصة وفتحت باب الغرفة ودلفت للخارج مسرعة بالابتعاد عن المبنى بأكمله.
***
فارس: مال عيونك مورمة كده يا دعاء؟
دعاء: مفيش.
فارس وهو يجلس بقربها: هتخبي عليا إيه عاد؟
دعاء: قلت لك مفيش.
فارس: يا بنت الناس، أنا معاك على الحلوة والمرة. قوليلي بس إيه اللي مزعلك وخلاكي تعيطي كده؟
دعاء: حزينة على حالي. قاعدة مرتاحة ومتهنية، وأختي مرمية في المستشفى بين إيدين ربنا، والتانية معرفينش عنها حاجة، راحت فين، جرالها إيه، أو إذا كانت عايشة أصلاً ولا ميتة.
فارس: هتروق وتحلى يا دعاء. النهاردة دكتور ورد طمني، وقال إنها قربت تفوق، وآيه زمانها بخير. اطمني، أنا متأكد إنها زينة.
دعاء ببكاء: قلبي تاعبني قوي يا فارس، قوي.
احتضنها فارس ليهدئ من روعها قليلاً: قلت لك قبل كده، اللي معاه ربنا عمره ما يصيبه مكروه. والله يا دعاء، ما ضيعت وقت وقلبت القاهرة بحالها عليها، ما لقيتهاش، ولا حتى عاودت الشقة بتاعتكم، ولا راحت لعاصم. معرفش ممكن تكون فين.
دعاء: مش عارفة، هي متعرفش حد تاني ممكن تروح له؟
فارس: هنلاقيها، اطمني.
دعاء: يا رب.
فارس: وبعدين، منوية إني كمان أصعب عليكِ، وتقلقي عليا.
دعاء بعدم فهم: مالك أنت زين أهو؟
فارس: لا، والله. أنا ضهري خشب من نومتي على الكنبة كل ليلة. ديالي سبوعين، منوية تنيميني جارك على السرير؟
دعاء: فااااارس.
فارس: والله ما هوب يمك، والله.
دعاء: هفكر.
فارس بفقدان أمل: طيب.
***
صدعت أصوات طرق الباب بشدة على شقة أم عاصم ليلاً، ليستيقظ جميع من بالشقة فزعاً ويتجهوا سريعاً للصالة.
عاصم: مين؟ مين؟
ورد: أنا ورد يا عاصم.
لم يصدق عاصم أذنيه مما سمع، ففتح الباب سريعاً، وإذا بها ورد تترمي بأحضانه بتعب، كمن سافر رحلة الألف ميل وفقد الطاقة لآخر خطوة، فسقط أرضاً من شدة التعب.
عاصم وهو يحتضنها: ورد... ورد... حبيبتي، أنتِ كنتي فين؟ وحشتيني أوي.
ورد ببكاء: وأنت أكتر يا عاصم، بحبك قوي قوي.
هناء: ورد... دي ورد بجد يا ماما؟ أوعي كده يا عاصم.
تركها عاصم تفلت من بين يديه بعدما بثها شوقه لها، لتحتضنها هناء بفرحة، وتليها أم عاصم بسعادة. ليجلسوا على الكنب الموضوع بالصالة، وعاصم ممسكاً بها خوفاً من فقدانها.
أم عاصم: كنتي فين يا بنتي كل ده؟ وإيه اللي عمل فيكي كده؟ البيبي كويسين؟
نظرت ورد لعاصم بألم وانهمرت الدموع من عينيها بشدة، واختبأت بين أحضانه وتعالت شهقاتها، ليحتضنها عاصم بقوة والدموع تتساقط من عينيه عندما أدرك بأن أطفاله قد أصبحوا بأمانة الخالق.
أم عاصم بدموع: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هناء ببكاء: المهم إنك بخير يا ورد.
عاصم: اهدي يا ورد، المهم إنك رجعتيلي وفي حضني.
هناء: هما مين دول يا ورد؟ وليه عملوا كده؟
ورد: دول أهلي.
هناء: طب، وأشمعنى سابوكي الوقتي؟
ورد: ما سابونيش، أنا اللي هربت منهم، لكن هما عايزين يقتلوني. عاصم، أرجوك احميني منهم، أنا خايفة أوي.
عاصم وهو يضمها لحضنه مرة أخرى: ما تخافيش يا حبيبتي، أنتِ معايا، اطمني، وعمرك ما هتمشي وتسبيني تاني.
أم عاصم: عايزين يقتلوكي؟...
لا يابني سيبها تمشي
ورد: 😨😨😨😨😨😨😨😨
هناء: ايه اللي بتقوليه ده يا ماما
ام عاصم: اسكتي انتي ياهناء، بصي يا ورد يابنتي انا مطلعتش من الدنيا دي غير بعاصم وهناء وربنا وحده اللي يعلم انا ربيتهم إزاي بعد موت ابوهم الله يرحمه. وشوفت كتير واستحملت ملطشة الدنيا عشان خاطرهم ومعنديش أي استعداد يابنتي اني أخسرهم واموت بحسرتي عليهم
عاصم: ماما انتي بتقولي إيه ده، ورد مراتي
ام عاصم: اللي بقوله هو الصح ياعاصم، ورد لازم تمشي والا اهلها دول ممكن يأذوك
عاصم: وانتي عايزاني أرميها عشان جبانة واخاف على عمري؟ دا أنا أفديها بروحي
ام عاصم: يابني بطل معاندة، أنا رضيت إنك تتجوزها لما فكرتها من إسكندرية ومقطوعة من شجرة زي ما حكتيلنا قبل كده. إنما تطلع أهلها بالشكل ده وعايزين يقتلوها يبقى يابني ملهاش قعاد هنا وطلقها أحسن
شعرت ورد بكلمات ام عاصم كأنها سكاكين حادة تتراشق بأنحاء جسدها المتهالك لتفتك به، بينما احتد النقاش بين عاصم ووالدته. كانت هي في دوامة من التفكير لتقف بينهما محاولة تهدئة الوضع.
ورد: خلاص ياعاصم، أنا همشي ومامتك عندها حق
هناء: هتروحي فين يا ورد
ورد: أرض الله واسعة
عاصم: انتي اسكتي خالص، مسمعش صوتك وقدامي على جوه
ورد بتعب: بس
عاصم: يلاااا
دَلفت ورد لغرفة عاصم برفقته، ليدلف بعدها ويحتضنها من خلف ظهرها ويدفن رأسه في عنقها. ليسكن على وضعه لدقائق ويلتفت إليها ليقف أمامها ينظر إليها بشوق يتفحص خصلات شعرها المدمر وآثار الكدمات على وجهها وعنقها. ولكنها بدأت بالتلاشي، فهي لم تنل من العذاب مثلما نالت آية. وأكمل تفحص باقي ملابسها التي كانت ترتديها آخر مرة رآها بها. ولحسن حظها أن الممرضات في المستشفى قاموا بغسلها وإعادة ارتدائها لورد نظيفة. مرو أخري بينما تبادلت ورد النظرات لعاصم الذي بدا مختلفاً تمام. فقد نمت لحيته وانطفأ بريق عينيه وغزت ملامح الحزن وجهه وفقد القليل من وزنه الفترة التي ابتعدتها عنه.
عاصم: وحشتيني أوي يا وردتي
ورد: وانت أكتر ياعاصم
عاصم: مين اللي عمل في ولادنا كده
ورد: انسي اللي فات ياعاصم
عاصم: مش هقدر ولا هرتاح غير لما أنتقم
ورد: أنا مش هستحمل بعدك تاني ياعاصم
أحتضنها عاصم بشغف وطبع بعض القبلات المتفرقة على وجهها، ليأخذها بعدها لعالمهم الخاص. لتتوقف شهرزاد عن الكلام المباح.
بعد فترة طويلة وبعد أن اطمأنت ورد بأن عاصم قد غفا في النوم هو وجميع من بالمنزل، اتجهت للمرحاض لتستحم وهي تزرف الدموع بعد أن أيقنت أن بقاءها مع عاصم لن يجلب له ولعائلته الصغيرة سوى الدمار، خاصة وأنه عزم على الانتقام. لتدلف للخارج وترتدي ملابسها وتدلف لخارج المنزل، بل لخارج المنطقة بأكملها. أصبحت تركض في الطرقات بعيون ملأتها الدموع لتتلاشى رؤيتها من شدة البكاء، لتستفيق من حالتها على صوت كلاكس سيارة مرتفع وكلمات: حاااااااسبااااي
رواية بنات المنشاوي الفصل الخمسون 50 - بقلم خلود وائل
تململ عاصم في فراشه صباحًا ليشعر بعدم وجود ورد بجواره. فتح عينيه بنعاس واعتدل سريعًا في جلسته لينادي باسمها، ولكن دون إجابة. انخلع فؤاده مما تبادر لذهنه بكونها فرت من المنزل، ليهبط من السرير ويرتدي بيجامته ويدلف للخارج.
"ماما، مشوفتيش ورد؟"
"طب قول صباح الخير أول يا ابني."
"لا صباح ولا مساء، ورد فين؟"
"مشوفنهاش من ساعة ما دخلتوا تناموا بليل يا عاصم."
"انت بتسألنا عليها ليه؟"
لم يهتم عاصم لكلامهم ليبحث في أركان الشقة عنها، وكذلك في شقتهم العلوية التي كانت مسكن الزوجية، الذي ملأته ورد بالسعادة. فقد كان كالجنة التي يتهافت عاصم لدخولها ويحاول عدم الابتعاد عنها، أما الآن فباتت مغلقة مليئة بالأتربة، لم يخطو عتبتها من ذلك اليوم اللعين.
انتهى من البحث عنها وتوقف عن مناداة اسمها، ليجلس بحزن شديد في صالة شقة والدته. توجهت والدته إليه وتربت على كتفه.
"ال عملته ورد هو الصح يا حبيبي."
"..."
"أنساها... أنساها يا ابني، دي ما وراها غير المشاكل ووجع القلب. أنساها عشان تعرف تعيش."
"أنساها! بالبساطة دي؟ أنسي اللي خدت قلبي اللي عمره ما دق لغيرها؟ ولا أنسي ولادي اللي كانوا في بطنها؟ ولا أنسي إنها كانت بين إيديا امبارح؟ أخيرًا ربنا استجاب لدعائي ورجعها لي عشان كان شايفني بتعذب في غيابها إزاي؟ أنسي إيه ولا إيه؟"
"يا حبيبي، هو اللي خلقها ما خلقش غيرها، دا أنت ألف مين يتمناك."
"وأنا ما اتمنتش غير واحدة بس من الألف، وأنتي خليتيها تروح مني وللأبد."
هب عاصم واقفًا ليدلف لغرفته بخطوات غاضبة، صافعًا الباب خلفه بشدة ليدوي صوته في المكان بأكمله.
"انتي غلطانة أوي والله يا ماما في اللي عملتيه ده."
"أنا كنت بحميكم يا هناء، أنا أم وده اللي المفروض أعمله. بكرة تفهمي انتي وأخوكي لما تبقوا مكاني."
"حرام عليكي يا ماما، لو مصعبش عليكي عاصم واللي بيحصله من يوم ما ورد اتخطفت والحالة اللي وصلها، مصعبتش عليكي ورد لما شوفتيها؟ مفكرتيش هتروح فين ولا هتعمل إيه وهي متعرفش حد؟"
"ربنا كبير يا هناء."
"ونعم بالله يا ماما، بس لو حصلها حاجة ذنبها في رقبتك. عن إذنك، هروح أشوف عاصم."
دلفت هناء بهدوء للغرفة لتجد أخيها جالسًا على طرف السرير، شارد الذهن، مصوبًا بصره للفراغ، مرتكزًا على نقطة من اللاشيء. جلست بجواره وتربت على كتفه بحنو.
"عاصم... حبيبي."
"عاوزة إيه يا هناء؟"
"عاوزة عاصم أخويا حبيبي يرجعلي تاني، عاصم اللي ضحكته ما كانتش بتفارق وشه. عجبك حالك ده يا حبيبي؟"
"حاضر من عنيا، هقوم أتحزم وأرقص الوقتي."
"مش قصدي يا عاصم والله، أنا مقدرة اللي أنت فيه، بس عشان خاطري متزعلش من ماما، هي فكرة إنها كده بتحميك."
"بتحميني من مراتي؟"
"بتحميك من أهلها. ولو على ورد، فهي متقدرش تعيش من غيرك، وأكيد هترجع، أنا متأكدة."
"مش هترجع يا هناء، ورد خلاص راحت مني عشان أنا من الأساس معرفتش أحميها وأحافظ عليها. مكانش مفروض أنزل وأسيبها، أنا السبب."
"لا يا عاصم، ده قدر ومكتوب. وبعدين أنت كنت في شغلك، مكنتش بتلعب. ويمكن ربنا عمل كده عشان موضوع أهلها ده ينتهي وتعيشوا سوا في أمان الله."
"نعيش سوا... آآآه."
"خلي عندك عشم في ربنا يا عاصم."
"ونعم بالله."
أما بداخله: "ياترى أنتِ فين يا ورد؟ أنا هموت من قلقي عليكي. يارب احميها، مالهاش غيرك يا رب."
***
في إحدى غرف المستشفيات، كانت نائمة على أحد الأسرة، غارقة في النوم من شدة التعب. فتحت عينيها بوهن والتفتت حولها لتدرك أنها بالمستشفى. تذكرت ما حدث قبل أن تفقد الوعي.
مرت فترة، ودلفت لداخل الغرفة طبيبة شابة في أوائل الثلاثينات، ذات وجه بشوش. دونت بعض الملاحظات عن حالة ورد، وسحبت كرسيًا وجلست بجوارها.
"ألف حمد الله على سلامتك حضرتك يا..."
"اسمي ورد."
"اسمك جميل يا ورد."
"الله يخليكي يا دكتورة."
"قوليلي يا رنا."
"هو إيه اللي حصلي؟"
"بصي يا ورد ومن غير أي لف ودوران، الشاب اللي خبطك بعربيته يبقى أخويا الصغير. هو مش صغير قوي يعني، هو عنده ٢٧ سنة ولسه في بداية حياته. هو قالي إنه كان سايق عادي والله، بس أنتِ ظهرتي قدامه فجأة، ملحقش يدوس فرامل. ولما نزل يشوفك، كنتي مغمي عليكي، فجابك هنا على طول. والحمد لله أنتِ كويسة والموضوع بسيط يعني، رجلك الشمال مكسورة."
"إيه؟ مكسورة؟"
"واتجبست، وأسبوعين بالكتير وهتبقي زي الفل عشان ده كسر بسيط والله. وأنا بنفسي هتابعك وتحت أمرك في أي تعويض تطلبيه، بس أرجوكي بلاش تبلغي، ده أخويا الوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا. الله يخليكي يا ورد."
"وأنا أقدر أمشي بعد الأسبوعين دول؟"
"تمشي وتتنططي كمان."
تنهدت ورد بحزن وأكملت: "أنا مش هبلغ ولا حاجة عشان أنا فعلاً كنت بجري ومكنتش شايفه قدامي من العيط، وأخوكي ملهوش ذنب. بس أنا دلوقتي مش عارفة هعمل إيه برجلي دي."
"أنا معايا عربية أخويا، ممكن أوصلك لبيتك أو أي مكان تحبيه."
ابتسمت ورد بألم قائلة: "لا، ملوش لزوم عشان ما بقاش عندي بيت أصلًا."
"ليه بتقولي كده؟"
"ده موضوع طويل، متشغليش بالك بيه. تقدري تقولي لأخو حضرتك يطمن، أنا مش هبلغ ولا هعمل أي حاجة."
"طب أنا تحت أمرك في أي مبلغ تطلبيه."
"وفري فلوسك لنفسك، أنا مش عاوزة حاجة."
"طب هاتي رقم أي حد من أهلك عشان أبلغه بمكانك، زمانهم قالبين الدنيا عليكي من امبارح."
ابتسمت ورد بمرارة: "لا، اطمني، أنا مش فارقة لأي حد، حتى لو مت."
"ياآآه، للدرجة دي... طب إيه رأيك تقعدي عندي لحد ما تخفي وتبقي كويسة، واهو كمان هعرف آخد بالي منك."
"كتر ألف خيرك يا دكتورة، بس مش هينفع."
"لا، ده هينفع أوي، ودي أقل حاجة نعملهالك."
أصرت الطبيبة رنا كثيرًا على رأيها، وبالنهاية وافقت ورد، فهي مضطرة ولا تملك مكانًا تذهب إليه.
***
في غرفة سيف، وهو يرتدي جاكيت بدلته ويهندم من هيئته بعد أن أنهى تصفيف خصلات شعره الجذابة ونثر البيرفيوم الساحر الخاص به، بينما تتابعه آية بنظرات إعجاب تختلسها كعادتها. انتبه لها وحمل حقيبته واتجه نحوها بطلته التي تحبس الأنفاس وهيئته المنمقة. توقف أمامها وهي جالسة على فوتيه ملحق بالغرفة.
"ها، عاوزة تقولي إيه؟"
"ها، أنا... ولا حاجة."
"انجزي يا آية، هتأخر على الجامعة."
"ولا حاجة، قلتلك."
"تمام، أنا همشي وأخلص في الجامعة وهطلع على الشركة وهارجع هنا على المغرب إن شاء الله. لو احتاجتي حاجة، خلي ماما تكلمني، بعد إذنك."
التفت سيف للذهاب، ولكن أوقفته آية بكلماتها وشكلها الطفولي.
"استني، استني."
"قلتلك عاوزة تقولي حاجة تقوليلي. لا، مش شاطرة غير في الخناق وبس."
"خلاص يا عم، مش عاوزة منك حاجة."
"حقك عليا، قولي بقي كنتي عاوزة إيه؟"
"أنا... أنا يعني..."
"قولي يا آية، متتكسفيش، أنا جوزك وملزوم بكل احتياجاتك."
"أنا يعني... اممم... كنت عاوزة... بص، هو بصراحة يعني أنا كنت عاوزة... آآآه."
قهقه سيف لا إراديًا على منظرها الطفولي وترددها الشديد وخجلها الذي بدأ في استكشافه الأيام الماضية، وأصبح متعته أن يراها وهي تخجل منه، وأصابعها التي تفركها بشدة، بينما نظرت إليه.
"انت بتضحك على إيه؟"
"مكنتش متخيل إنه بجد هيجي يوم وأشوفك مكسوفة، لا وكمان بتتلخبطي في الكلام. دي حاجة مبتحصلش كتير."
"واديها حصلت، أعمل إيه أنا بقي؟"
"خلاص يا نوتيلا بقي، خليكي كيوت زي ما أنتِ واطلبي اللي نفسك فيه."
"من يوم ما جيت وأنا بلبس من عند ليان، لحد ما بقيت محرجة منها أوي، وبجد منظري بايخ جدًا. فاااا يعني كنت بستأذنك تجيب لي هدوم جديدة، معلش عشان مش هقدر أبهدل ليان معايا أكتر من كده."
"أنا إزاي ما أخدتش بالي... معلش عليا أنا الغلطة دي وبعتذرلك يا يويو، وحاضر من عنيا، هجبلك هدوم النهاردة. تؤمري بحاجة تانية؟"
"لا، الأمر لله وحده، بس قولي يا آية لو سمحت."
سيف: نعم!
آية وهي تتراجع بخطوات للخلف: "هو إيه اللي نعم؟ بقولك قولي يا آية، فيها حاجة دي؟"
سيف بنظرات متملكة: "لا، دي فيها حاجات وحاجات كتير أوي."
آية وهي تصطدم بالحائط: "سيف، لو سمحت."
سيف وهو يحاوطها بذراعيه: "أفندم يا يويو."
"ابعد عني."
"ولو مبعدتش هتعملي إيه؟"
"هصرخ وهلم عليك البيت كله."
"طب متجربي تعمليها كده."
صمتت آية ولم تنطق بكلمة، لتنظر لعينيه وتتعمق بهما، وتغرق بموج البحر الذي بداخلهما. لا تعلم منذ متى وهي على هذا الحال، ولكنها أفاقت من شرودها على أنفاسه التي تلفح عنقها الناعم، الذي أمطره بوابل من القبلات الناعمة. لتتململ من بين يديه وتهرب منه متجهة لزاوية بعيدة عنه.
لينظر لها بسعادة قائلاً: "المرة دي سبتك بمزاجي، بس أياكي تعيديها وتقوليلي أقولك إيه ومقولش إيه. ومن هنا ورايح اسمك ده مش هتسمعيه مني غير لو حد موجود، يا لولتي."
ألقى كلماته بثقة، وحمل حقيبته مرة أخرى، ودلف لخارج الغرفة، تاركًا تلك التي تستشيط غضبًا مما فعل معها وكيف يكون متملكًا معها إلى هذا الحد. أما بداخلها، فكانت تتراقص من الفرحة كونه يحبها لهذا الحد. فهي لا تستطيع الإنكار أنه أصبح محور حياتها، وأنها حزنت كثيرًا عندما تحسنت صحتها وعاد هو لعمله مرة أخرى.
***
بالجامعة، أنهى سيف محاضرته وتوجه إلى الكافتيريا ليشاركه مجلسه الدكتور نبيل زميله، ليتجاذب معه أطراف الحديث.
"بس أنت لأول مرة تعملها وتتأخر عن المحاضرة، أنا مبقتش مصدق والله."
ابتسم سيف لتذكره سبب تأخره عن المحاضرة. لينظر له نبيل بفضول، ليرتشف سيف قهوته باستمتاع.
"مالك كده، وشك منور، أنت بتحب ولا إيه؟"
"آه، بحب أبويا وأمي. ليك شوق في حاجة؟"
"آه منك أنت سوهن، ومحدش بيعرف عنك حاجة."
"احم...."
عملت ايه مع مراتك في الموضوع اياه لسه مصممه علي رأيها
نبيل: ايوة ياسيدي مصممه وشكلها كدة كلمتها هتمشي ذي كل مرة مهو الستات دول مبيعرفوش يقولو حاضر تحسهم هيخسو لو سمعو الكلام
سيف: ايوة فعلا امال يبقو سترونج اندبندت اذاي
نبيل: ياخي بلا نيله ماعندك لميس هناك اهيه تتمناك تطلب منها اي حاجه وهتقولك أوامرك مطاعه جتنا نيله في حظنا المهبب
سيف: لميس ايه وبتاع ياعم انت ريح مراتك وهي تشيلك من علي الارض شيل انما انت ال غاوي نكد متعملها ال هي عوزاة منتا لو بتسايسها هتعملك كل ال انت نفسك فيه وطول ماهي بتعاند يبقي لازم تفهم انها عوزاك تهتم وتحتويها مش أكتر بس انت مش عاوز تشوف كدة
نبيل: يااااة ومنين هجبلها طوله البال دي
سيف: وكنت بتتنيل وتتجوز ليه
نبيل: وانت عمال تدي مواعظ ومش ناوي تتجوز والبت خللت قصادك
سيف: ياعم فكك لميس دي مش سكتي بس هي معيشه نفسها علي الوهم هي حرة
نبيل: والحلو ناوي علي ايه بقي
سيف: كل خير انشاء الله
نبيل: يوووة يبقي هنستني كتير
سيف: انا بالي طويل وانت عارف
نبيل: مهي دي المصيبه ... بقولك متيجي نتغدي سوا انا وانت ولميس بعد الجامعه قلت ايه
سيف: معلش مش هينفع عندي شغل في الشركه خليها وقت تاني
نبيل: انت رايح فين اققعد شويه
سيف: يادوب اللحق اخلص المحاضرة التانيه واروح يلا سلام
نبيل: سلام
دلف سيف لخارج الكافتيريا لتقترب لميس من الطاوله وتجلس برفقه نبيل لتتقصي آخر الاخبار
لميس: ها عملت ايه
نبيل: والله قلتله يالميس بس هو مرضاش وقال مش فاضي وراة شغل
لميس: مش عارفه هيفضل يتجاهلني كدة لحد امتي
نبيل: انا رأيي تعيشي حياتك يالميس وتنسيه علشان هو مبيفكرش فيكي
لميس: هو قالك كدة!
نبيل: مش بطريقه مبتشرة يعني بس انتي بالنسباله اخت وزميله
لميس: قولى بصراحه يانبيل هو في حد في حياته وانت مخبي عليا
نبيل: والله مااعرف بس حتي لو في انتي عارفه سيف كويس هو مبيحكيش اي حاجه عن حياته الشخصيه
لميس: لا اكيد مفيش اكيد طبعا مفيش
رنا: ورد ياورد
ورد: ايوة يادكتورة رنا
رنا: لا دكتورة ايه انا رنا بس اتفقنا
ورد: اتفقنا
رنا: تحبي تتغدي ايه النهاردة
ورد: اي حاجه
رنا: لا بصي الكثوف دة مش هينفع انتي هنا صاحبه بيت مش ضيفه تمام
ورد: حاضر
رنا: قولى بقي عشان اللحق اكلم زياد قبل مايجي
ورد: مين زياد دة جوزك
رنا: لا ياحبيبتي جوزي أسمه محمود ودة مسافر الكويت اما زياد دة أخويا ال خبطك وهو حاليا راح النادي يجيب ولادي يوسف وتمارا من التمرين وهيجيب الغدا من برة ها قوليلي بقي تحبي تتغدي ايه
ورد: صدقيني اي حاجه مش هتفرق
رنا: اممممم ماشي ياورد شكلك هتتعبيني
ورد: هو انا اققدر
رنا: انتي بجد شخصيه محترمه جدا بتمني تفتحيلي قلبك وتحكيلي حكايتك يمكن اققدر أساعدك
ورد: انشاء الله
رنا: اوك.... اتكلمي وفرفشي كدة بقي عشان تيجي معانا شرم الشيخ الاسبوع الجاي بقي
ورد: شرم الشيخ!
رنا: ايوة طبعا بحر وهوا وميه حاجه ترد الروح وبالمرة تغيري جو شويه
ورد:
قطع حديثهم دخول زياد أخو رنا وبرفقته يوسف ذو الست سنوات و تمارا ذات الاربع أعوام ليركضو بأتجاه والدتهم ليحتضنوها وتعرفهم والدتهم بورد بينما يتابعهم زياد من بعيد بعدما وضع الطعام علي الطاوله
يوسف: يعني انتي صاحبه مامي
ورد: ايوة
يوسف: يعني انتي دكتورة ذييها
ورد: ايوة طبعا ياقمر انت
تمارا: بث مث تتديني حقنه بليث ياانطي
ورد: ياروحي انا مش بعطي حقن متخافيش
تمارا: لا انتي تلعبي عليا وتديني حقنه وحثه جدا
ورد: لا والله انا دكتورة طيوبه خالص تعالي هاتي بوسه
تمارا: لا انا مث اديكي بوثه انتي وحثه
يوسف: منزعليش ياانطي ورد انا هديكي بوسه
ورد: ياروحي عليك اللهم بارك ربنا يخليهملك يارنا دول عثولات اوي
رنا: الله يخليكي يا ورد .... هو انتي فعلا دكتورة بجد
ورد: اه انا دكتورة صيدلانيه
رنا: واو .... بجد حاسه اني هنبهر بيكي في الآخر
زياد: احم احم... ممكن اشارككم المجلس الموقر دة
رنا: تعالي يازياد
اطرقت ورد بنظرها أرضا ليجلس زياد للجهه المقابله لها يتأمل ملامحها الرقيقع المهندمه وخصلات شعرها الحريريه الطويله وعينيها السوداوتين الواسعتين وشفتاها الكرزيتين وملامحها الناعمه ليشعر ببرودة تسري في جسدة ليهتف: انا بعتذر جدا عن ال حصل ياآنسه....
رنا: اسمها ورد وقولها ياورد وهي تقولك يازياد مش عاوزين رسميات وقومو نتغدي الاول انا هموت من الجوع
في فيلا الحديدي عاد سيف حاملا معه العديد من حقائب التسوق والعلب الورقيه ذات طابع أغلي وأعرق الماركات ليساعدة الخدم في حملها ووضعها بداخل غرفه آيه باكرا قبل موعد عودته بينما كانت تجلس هي وليان وفرح ونورة بحديقه الفيلا ليهاتف سيف ليان
ليان: الو
سيف: بهدوء ومن غير كتر كلام انا فوق ابعتي آيه بأي حجه لأوضتها تشوف حاجه وترجع تاني
ليان: اممممم والعه معاكي يابت يامي
سيف: تولع معاكي ذيي وتدوقي ال صحبتك بتعمله فيا قادر ياكريم
ليان: لا تصدقي صعبتي عليا ياحرام
سيف: انجزي
ليان: حاضر يلا سلام اشوفك كمان شويه يامي
سيف: سلام
اغلقت ليان الخط لتهتف والدتها
نورة: كنتي بتكلمي مين يالينو
ليان: دي مي صحبتي يامامي
نورة: طب ابقي سلميلي عليها
ليان: الله يسلمك.... بقولك يايويو
آيه: ها قولي
ليان: الهيد فون بتاعتي نسيتها عندك في أوضتك ممكن تجيبهالي
نورة: ايه قله الزوق دي ياليان آيه ال هتطلع مخصوص تجبهالك متنادي علي حد من الخدم يجبهالك او اطلعي هاتيها انتي
آيه: لا عادي ياماما انا هطلع أجيبها في ثواني
ليان: حبيبه صاحبتها اهيه امواااة بوسه كبيرة
نظرت آيه لليان بعدم ارتياح قائله: بس انا أصلا مشوفتكيش لبساها وانتي عندي ياليان
ليان: ها... لا كنت لبساها هتلاقيكي بس مكنتيش فايقه او مأخدتيش بالك
آيه: ممكن
دلفت آيه لداخل الفيلا وارتقت درجات السلم لتخطو بالممر الخاص بغرفتها لتفتح الباب وتدلف للداخل بحثا عن الهيدفون الخاص بليان لتقع بنظرها علي السرير المليئ بالحقائب البلاستيكيه والاغراض الكثيرة الموضوعه حوله بأشكال متنوعه من العلب والحقائب فوق السرير وحوله لتقف امامه تنظر بأهتمام ودهشه مما تري لتتفاجئ بأحدي يديهتلتف حول خصرها لتحاوطها لتفزع وتنتفض بينما يمهس في أذنها برفق: هششش انا سيف
آيه: فزعتني سيبني ....قلتلك سيبني
سيف: ياأيه
آيه: ياسيف
سيف: طق طق كدة انا هزعل وزعلي وحش
آيه: عاوز ايه مني
سيف: عاوز مسمعش أسمي من شفايفك الحلوة دي غير لما يكون معانا حد غير كدة عاوز أسمع منك أي حاجه حلوة بقي تبل الريق
آيه: أشرب بيبسي ياسيف وهي تبل ريقك
سيف: امممم وجهه نظر تحترم بردو لكن لا يعمل بها
آيه: ابعد عني بقي مش كل شويه ماسك فيا .... ابعد
سيف:
آيه: سيبني بقي الله يخليك
سيف:
آيه: ياحبيبي.... سيبني ياحبيبي ممكن
سيف: ممكن أوي ياعشق حبيبك
ازاح عنها زراعه لتلتفت له وعلي وجهها علامات الانزعاج الممزوجه بالخجل لتنظر له قائله: ايه الحجات دي كلها يا__
سيف: امممم
آيه: يا... ياحبيبي
سيف: نفسي اسمعها منك وانتي حساها وطالعه من قلبك ياملاكي
آيه: يبقي تسيبني براحتي
سيف: ال يريحك اعمليه يانبضه قلبي
شعرت آيه بالضيق من نفسها وأفعالها فمنذ ان تزوجها وهو يعبر لها عن حبه بكل ماأوتي من قوة اما هي فدائما ماتردة خائب الامل وتأبي ان تروي عطشه ولو بكلمه واحدة لم تفعل هكذا مع من فتح لها أبواب قلبه تفعل بها ماتشاءلم تتعب من سهر وتعب علي راحتها لم هذا ! ظلت تسأل نفسها مرارا وتكرارا حتي لاحظ سيف شرودها
سيف: آيه ... انتي كويسه
آيه: ها... ايوة انا تمام
ناولها سيف علبه صغيرة كانت بيديه لتمسك بها وتنظر اليها بدهشه وفرحه لتنظر اليه مرة أخري بعدم تصديق
آيه: مش معقول! دة علشاني انا
سيف: لو طلت أجيبلك نجوم السما تحت أمرك مش هتأخر عنك يايويتي
آيه: متحرمش منك ابدا ياسيف...
قصدي يا... يا تؤام روحي.
سيف بسعادة بالغة: من قلبك!
أومأت آيه برأسها بمعني الموافقة ليقترب منها سيف ويضمها من خصرها بذراعيه ويرفعها عن الأرض ويدور بها مرارًا وتكرارًا من شدة الفرحة.
ليتوقف بها وهو مازال محتضنها، واللغة السائدة هي لغة العيون التي تخبر كلاهما الآخر بمدى حبهما.
ليقترب منها سيف بمحاولة لتقبيل شفتاها، ليمتنع فور سماعه صوت طرقات الباب.
تنهد سيف بضيق وهو يبتعد عنها: ادخل.
دلفت ليان وعلي وجهها ابتسامة: إيه يا ولاد بتعملوا إيه كل ده؟
سيف بغيظ: أنتي إيه اللي جابك الوقتي؟
ليان: مامتي بعتتني أطمن على آيه، اتأخرت ليه.
سيف بضيق: وحياة أمك.
ليان بدهشة: أوبا، طيب أنااااا! أنا بيني جيت في وقت مش مناسب بالمرة، سموا عليكوا.
آيه: تعالي استني بس.
ليان: خمسة ورجالك، بدل ما الأخ يعمل مني بطاطس محمرة.
دلفت ليان للخارج وأغلقت الباب خلفها.
سيف: إحنا كنا بنقول إيه؟
آيه بتهرب: كنت بقولك ميرسي على الأيفون الـ 12 برو.
سيف: عاوزين ننول نظرة راضية من عينيكي.
آيه: احم، تعالي وريني الشنط دي جواها إيه.
سيف: اتفرجي براحتك، وأنا هنزل أبعتلك حد من تحت ينظم لك الدولاب ويحط لك الحاجات دي فيه، عما تكوني اتفرجتي براحتك.
واعملي حسابك كل اللي أنا جايبه هيتلبس وبدون اعتراض، فاهمة؟
ابتلعت آيه ما في حلقها بصعوبة: بدون اعتراض!!
سيف وهو يغمز بعينيه الزرقاوين: وإلا هلبسهولك أنا بمعرفتي.
القي كلماته ولم يعطها فرصة للاعتراض، ودلف للخارج تاركًا إياها في حيرة من أمرها.
لتقطع الشك باليقين وتتجه للأكياس وتفتحها لتشاهد ما أحضر لها.
لتنبهر بزوقه المنمق في اختياراته، فقد ابتاع لها مجموعة من الملابس الكاجوال غاية في الأناقة والاحتشام في آن واحد، ومجموعة أخرى من الملابس المنزلية التي ترتديها بالأسفل براحة.
أما عن الجزء الصادم فقد كان مجموعة كبيرة من اللانجري ذو القصات والألوان المختلفة، وملابس منزلية أخرى ابتاعها خصيصًا لترتديها لدي جلوسها بغرفتهم سويًا.
لتشعر بأن تفكيرها قد توقف، ليتبادر لذهنها: "هل تبدل تفكيره وتعامله؟ هل سيعاقبني على كم الدلال الذي عاملني به؟ هل سيصبح متملكًا أكثر مما هو؟"
دقائق وصعدت إحدى الخادمات وقامت بترتيب الدولاب ووضع الملابس الجديدة بأكملها، بعدما أعادت ملابس ليان لغرفتها مرة أخرى.
ليان: يا ابن الإيه يا سيفو، ده ذوقه يجنن! لا أنا لازم آخده معايا وأنا بجيب هدوم فرحي، خلصانة.
آيه: اتلمي بقي واقعدي في جمب، إيه اللي هو جايبه ده؟
ليان: مالها الهدوم؟ مفهمتش.
آيه: دي يا مفتوحة من فوق، يا من تحت، يا من النص. ألبس إيه دي؟ أنا مستحيل ألبس الكلام ده، لا يمكن.
ليان: تصدقي وتأمني بالله؟
آيه: لا إله إلا الله.
ليان: انتي لو مراتي أنا كنت طخيتك بالنار وارتاحت وريحت البشرية، آه والله يا شيخة، ده أخويا ليه الجنة.
في قصر المنشاوي.
دعاء: وبعدين يا فارس، متخبيش عليا عاد، أنا سمعت عمي وهو بيزعق فيهم تحت.
فارس: معخبيش حاجة يا دعاء، أنا بس عايزك تطمني ومتشغليش بالك بأي حاجة تسمعيها أهنية.
دعاء: الموضوع يخص ورد، أنا متأكدة.
فارس: يا بنت الحلال اقعدي بقي وبلا حديث ماسخ.
دعاء: بقي إني حديثي ماسخ يا فارس؟ بقي أكدة؟
فارس: عايزاني أقولك إيه يا دعاء؟ أقولك إن ورد أختك فاقت من الغيبوبة وهربت وأبويا قالب عليها الدنيا ومهديكتش واصل غير لما يوصلها؟ عايزاني أقولك إنه سهل عليه قوي يقتلها من غير مانعرف؟ عايزاني أقولك إن حياتها في خطر طول ما أنا معرفش أوصلها؟
هم فارس بالخروج من الغرفة لتستوقفه دعاء بتمسكها بيديه.
دعاء: سايبني ورايح على فين يا ود عمي؟
فارس وهو يبتعد عنها: رايح أشوف هعرف طريقها كيف قبل ما أبويا يعتر عليها، وساعتها هبقى عيل ومش قد وعدي ليكي.
دعاء: حقك عليا يا فارس، أنت متعرفش اللي بيجرالي وأنا قاعدة بين أربع حيطان خايفة من الموت يدق بابي في كل لحظة.
فارس: لساني حي ممتش يا دعاء عشان تقعدي مستنية موتك.
دعاء: بعيد الشر عنيك يا حبيبي، بس.
فارس: مبقاش، ابعدي من طريقي وأنا هسيب الباب مفتوح وأبعت لك مرام تقعد جارك لحد ما أرجع.
نظر لها فارس نظرة أخيرة ودلف للخارج تاركًا القصر بأكمله بسيارته الفارهة.
أما دعاء فبعد تفكير ليس بطويل فقد عزمت وأنهت اتخاذ قرارها، لتفتح باب الغرفة وتهرول نزولًا على درجات السلم وتتوقف أمام باب مكتب حسان وتدفعه مرة واحدة وتدلف للداخل، ليتنظر لها حسان وسليم بدهشة ممزوجة بعدم فهم مما فعلت.
دعاء بخوف: عمي..... أنا جيتلك بنفسي.
رواية بنات المنشاوي الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم خلود وائل
نظر حسان وسليم لدعاء بدهشة من جرأتها التي دفعت بها للمجيء لهم وما ترمي إليه بكلماتها. نظر لها حسان بهدوء مريب بينما يجلس خلف مكتبه على كرسيه الجلدي، بينما نهض سليم ليخطو ناحيتها ويتوقف على مقربة منها.
سليم: جاية وسايبة عريس الغفلة لوحديه أكده، ولا تكونيش جاية من وراة، ولا هو اللي باعتك تتمسكنيلنا عاد؟
دعاء بتجاهل لسليم: أنا عايزة أتفق معاك يا حسان بيه.
سليم بغيظ: أنا اللي بتكلم معاكي أهنه.
حسان: مافيش بيناتنا اتفاق يا بنت منال.
دعاء وهي تخطو ناحيته: وبنت طايع... أخوك.
حسان: عايزة إيه يا دعاء؟
دعاء: نتفق، والأوله شرط آخره نور.
حسان: انطقي.
دعاء: أنا هديك اللي انت عايزه وهخلي إخواتي يتنازلولك هما كمان عن أملاكهم قصاد إنك تنسى إن ليك بنات أخ نهائي، وإحنا عمرنا ما هنطلب منك جنيه واحد ولا هتشوف وشنا تاني. قلت إيه؟
حسان بمكر: موافق.
سليم: موافق على إيه يبوي؟
أشار حسان بكف يديه بمعني أن يتوقف عن الكلام، ليكمل حديثه مع دعاء.
حسان: وإني موافق يا بنت الغالي... جيب الورق يا سليم.
أحضر سليم الورق من الخزنة، بينما تناولت دعاء الأوراق بيديها ووقعت في الأماكن التي أشار إليها سليم. لتنتهي منها وتفلت القلم من بين يديها، ليمسك بالاوراق ويضعها داخل الخزنة مرة أخرى.
حسان: هستناكي تجيبي إخواتك كيف ما اتفقنا، وإلا.
دعاء بجمود: متقلقش يا عمي، الحرية لها تمن وهندفعه. ربنا ما يوريك مكروه في مرام، ولا تدوق اللي دوقتهولنا عاد.
التفتت دعاء متوجهة لخارج المكتب، وأكملت بخطواتها لخارج القصر وهي تتنفس براحة. أما بالداخل، فجلس سليم على المقعد المجاور للمكتب.
سليم بحيرة: يبوي، اتفاق إيه ده اللي تتفقه مع البت دي؟ كنت سيبني أقتلها ونرتاح منها.
حسان: وكيف هتوصل لأخواتها يا أبو مخ نور؟
سليم: هقلب الدنيا وهلاقيهم. أنا ما سكتش واصل وعمال أدور يمين وشمال.
حسان: البت دي هي اللي هتوصلنا ليهم. سيبك من تدويرك الخايب ده وخليك وراها لحد ما تلاقوا ورد وتمضوها، وبعدها من غير ما تفكر، خلص عليهم وقتها هما الثلاثة.
سليم: زين كلامك يبوي.
***
في الشركة التي يعمل بها عاصم، كان يجلس شارد الذهن، لا يفكر إلا بسواها. يرى وجهها في وجه كل من حوله، نغمة صوتها لا تفارق مسامعه. يتذكر أول مرة رآها بها وكل الأحاديث التي دارت بينهم. يتذكرها وهي عروس بفستانها الأبيض، ويتذكرها أيضاً وهي تخبره بحملها. أيام قليلة قضاها معها، ولكنها بدت كسنوات طويلة.
رانيا (زميلة عاصم في الشغل، وهي التي كانت معه في رحلة شرم الشيخ في أول الرواية): عاصم... عااااصم.
عاصم بانتباه: ها... أيوه يارانيا، عايزة حاجة؟
رانيا: إيه يا عاصم، إنت فين؟ عمالة بنادي عليك من بدري وأنت ولا أنت هنا. اللي واخد عقلك، يتهني بيه.
عاصم: كنتي عايزاني في حاجة مهمة؟
رانيا: أيوه طبعاً، إنت اتأخرت على الاجتماع النهاردة، وكان المفروض تسلم الرسومات النهائية بتاعة المشروع.
عاصم: يا خبر أبيض، دي راحت عن بالي خالص.
رانيا: أنا توقعت إن ده هيحصل، وأخدتهم أول امبارح وخلصت التعديلات النهائية وسلمتهم مكانك النهاردة.
عاصم بامتنان: أنا مش عارف أشكرك إزاي يارانيا، بجد كتر ألف خيرك.
رانيا: عيب منك الكلام ده، على فكرة إحنا أخوات قبل ما نكون زملاء.
عاصم: بس إيه، توقعتي إن ده هيحصل؟ هو أنا مسقط أوي كده؟
رانيا: أوووي. إنت بقيت واحد تاني خالص يا عاصم، بجد واحد تاني أنا معرفوش. على طول سرحان وتايه وبتنسى الشغل اللي كان كل حياتك، وبقيت انطوائي وواخد جنب لوحدك. بجد قلقانة عليك. لو حابب تتكلم، أنا هسمعلك، مفيش أي مشكلة.
عاصم: كتر ألف خيرك يارانيا، بس بجد أنا مخنوق ومش قادر أتكلم.
رانيا بتفهم: عموماً، لو حبيت تتكلم وتطلع اللي جواك في أي وقت، أنا موجودة.
عاصم: 🙂
***
مساءً، في منزل الدكتورة رنا.
يوسف: وبعدين الكابتن قالي إني لو اتمرنت أكتر ممكن أشترك في البطولة الجاية.
رنا: قلب مامي، هياخد الميدالية الذهبية أكيد.
يوسف: أكيد يامامي.
ورد: وأنتي ياتمارا، عملتي إيه في التمرين؟
تمارا: ولا حاجة، أنا اتمرنت وقعدت مع صحباتي، أكلنا ثيبثي، وبعدين خالو زياد جه على طول.
ورد: يروحي، أكلتي إيه؟
تمارا: ثيبسي بطعم الثطة واللميون.
ورد بضحك: ثطة وكمان لميون؟ ده انتي عثولة خالص.
رنا: طلعتلي طبعاً.
ورد: أكيد طبعاً، ربنا يخليهالك.
رنا: ويخليكي ياحبيبتي. إلا قوليلي، هو أنتي منين يا ورد؟
ورد: ها... أنا من إسكندرية.
رنا: طب إيه اللي جابك القاهرة بقي؟
ورد: نصيب.
رنا بتفهم: ربنا يصلح حالك ياحبيبتي وتلاقي نصيبك الحلو اللي يشبهلك.
ورد: يارب.
زياد باهتمام: طب وإنتي مليكيش قرايب أو صحاب هنا خالص؟
ورد بمرح: انتوا زهقتوا مني ولا إيه؟
رنا: ياخبر، إزاي ياحبيبتي؟ ده زياد أخويا، هو اللي رخيم وهتلاقيه بيهزر.
زياد: آه والله بهزر، ده أنا حتى اتعودت على وجودك ومقدرش أحم، قصدي ومنقدرش نقعد من غيرك.
ورد: ربنا يخليك.
زياد: إنتي سكرة خالص وميتشبعش من القعدة معاكي.
ورد باقتضاب: شكراً.
رنا: احم، يلا يا زيزو ننام علشان منتأخرش على السفر بكرة، ولا إيه؟
زياد: يلا.
***
في اليوم التالي مساءً، عاد فارس من سفره للقصر، ولكنه تفاجأ بعدم وجود دعاء، ليشتعل غضباً ويهبط للأسفل بحثاً عنها. لتخبره والدته عما سمعته من إحدى الخادمات التي رأت دعاء بداخل مكتب حسان.
فارس بضيق شديد: أباي عليكي يادعاء، حرام لو طولتي بالك.
صفية: الله يخليك يا ولدي، رجعها، بكفاية أخواتها الاتنين منعرفش عنيهم حاجة.
فارس: ارتاحي أنتي ياما وروحي عند مرام، وأنا هجيبها وأجي طوالي.
صفية: أنت خابر هي فين؟
فارس: هتكون راحت فين يعني غير عند أخوالها.
ترك فارس والدته ودلف للخارج القصر ليستقل سيارته، وصدره يضيق حزناً، ليقود بسرعة البرق متجهاً لفيلا الهواري. ليصل بعد فترة ويتوقف أمامها ليدلف للداخل، ليرحب به رجال العائلة ويجلسوا برفقته فترة من الوقت يتحادثون عن أحوال الفتيات وكيف انتهى بهم الأمر تحت رعاية حسان. وبعد فترة، استأذن فارس بمقابلة دعاء، لتأتيه بعد فترة وتجلس برفقته وحديهما.
فارس بحدة: إيه اللي نيلتيه في غيابي ده ياهانم؟
دعاء: الصح يا فارس.
فارس: اللي هو إيه؟ متنطقي، ولا بتتحدتيني بالألغاز؟
دعاء: أنا اتنازلت لعمي عن ورثي كله قصاد إنه يسيبني أنا وإخواتي.
فارس: وملكيش راجل ترجعيله وتسأليه، أو حتى تحترمي غيابه.
دعاء: كنت عايزني أعمل إيه يعني؟ أفضل قاعدة محبوسة في الأوضة، ولا أموت بالبطيء؟
فارس: تقومي تضيعي حقك بالبساطة دي؟ لا وكمان مفكرة إنك كده أمنتِ من شره.
دعاء: أيوه، إحنا اتفقنا.
فارس بحدة: إنتي أكيد اتجننتي يا دعاء.
دعاء: طلقني يا فارس.
اتسعت عينا فارس بصدمة من هول كلماتها البسيطة التي تحمل معنى كاد أن يفتك به، لينظر لها بنظرة تحمل الكثير من المعاني والخذلان.
فارس: بتقولي إيه؟ سمعيني تاني كده!
دعاء بدموع شرعت بالسقوط: بقولك طلقني وريحني كده أحسنلك وأحسنلي.
فارس وهو يتابعها بألم: وإيه كمان يا بنت عمي؟
دعاء: إحنا مش مقدر لينا نكون مع بعض يا واد عمي، راحتنا هتكون على حساب أغلى الناس علينا، وده ميرضيش ربنا.
فارس بحزم: طلاق مبطلقش، وحقك هرجعهولك وهحاسبك بعدين على خروجك من البيت بدون علمي وعلي عملتك المطينة دي.
دعاء: لا، هتطلق يا فارس، ودلوق.
أمسك بها فارس بقوة من ذراعها وأجتذبها إليه سريعاً، لينهال على شفتيها يقبلهما بعنف، متجاهلاً أنينها ومحاولاتها للتملص منه، ليحاوطها بذراعيه بشدة. ليبتعد عنها بعد فترة، لتتنفس بشدة بعدما كادت أن تفقد وعيها بشفتيها المتورمتين بشدة وتؤلماها بقوة.
فارس: هسيبك أهنه وسط ناسك يومين ترتاحي فيهم، وبعدها هاجي آخدك على بيتك، فاهمة؟
دعاء بألم مما فعل: أنا بكرهك يا فارس.
فارس: وأنا أكتر منك يا قلب فارس.
ألقى كلماته التي تحمل المعنى العكسي الذي تعلمه هي جيداً، واتجه للخارج عائداً للقصر، ليقضي قليلاً من الوقت برفقة أخته ووالدته، وبعدها اتجه لغرفته التي استوحشها في بادئ الأمر، فقد اعتاد وجودها ورؤيتها أمامه تسر نظره حتى وإن كانت متعبة.
***
دلف سيف لغرفته وبرفقته آية بعدما تناولا طعام العشاء، لتتجه ناحية المرحاض لتبدل ملابسها استعداداً للنوم، ليستوقفها بصوته الرجولي.
سيف: تلبسي حاجة تناسب النوم فيها، ها؟
آية بلغة هادئة: ماشي.
غابت آية لبضع دقائق بداخل المرحاض، بينما بدل سيف ملابسه وارتدى بيجاما من الستان ذات لون رمادي وجلس على كرسي مجاور للسرير، لينظر لباب المرحاض، ليقع بنظره على تلك المشاكسة التي تتحدّاه وتضرب بكلماته عرض الحائط، فقد ارتدت...
لينظر لها بغيظ، أما هي، فتعمدت عدم النظر إليه، ليغتاظ منها بشدة ويهب واقفاً متجهاً إليها، لينظر لها من الأعلى للأسفل متفحصاً إياها.
آية: فيه إيه؟ إنت بتبصلي كده ليه؟
سيف: إيه اللي انتي لبساه ده؟
آية: سلامة النظر ياحبيبي، دي بيجاما هنام بيها، وده كروكس.
سيف وهو يفقد آخر ذرة من اتزانه: آاااايه؟ اتلمي ومتعصبنيش، وروحي البسي حاجة تنامي بيها في حضن جوزك، فاهمة؟
آية بتذمر: ناعم؟ حضن إيه؟ إنت عارف انت بتقول إيه؟
سيف: فيه حاجة من اللي قلته مش واضحة بالنسبالك؟
آية: كل كلامك مش واضح. حاجة إيه اللي عايزني ألبسهالك، وحضن إيه ده كمان اللي هنام فيه؟ إنت كويس؟
سيف: أنا هبقى كويس لما ربنا يهديكي وتسمعي الكلام وتبطلي تنرفزيني. عمال على بطال. مكنتي كويسة وربنا هداكي، وإنتي تعبانة، وكنت بلبسك اللي على مزاجي. الوقتي بقيتي تنين مجنح ليه؟
آية: أظهر وبين على حقيقتك يا سيف.
سيف بتحذير: لو معملتيش اللي قلت عليه، مش هتعرفي حاجة عن ورد أختك.
آية: يووووه.
سيف: ناس متجيش غير بالعين الزرقة.
دلفت آية للمرحاض مرة أخرى، بعدما اتجهت للدريسنج روم وأخذت منه إحدى القطع، لتغيب لدقائق وتعود مرة أخرى مرتدية...
لتتقدم ناحية سيف وتجلس بجواره، لينظر لها بتأمل وكأنه يراها لأول مرة، فقد أبرز ما ترتديه ملامحها الأنثوية بشدة، كما زينها خجلها الشديد وزادها جمالاً فوق جمالها.
آية بضيق وهي تنظر أرضاً: كويس كده؟
سيف: كويس أوي.
مكنتش متوقعك هتلبسي كدة مرة واحدة.
آيه وبداخلها شعور بأنها تريد أن تقتله فورًا من الحيرة التي يضعها فيها: نعم، أمال كنت عاوزني ألبس إيه؟
سيف برغبة: كده قمر والله، بس يعني كنت مفكرك هتلبسي هوت شورت أو بيجامات من التانية اللي جبتها.
آيه بضيق: كلهم محصلين بعض.
وأكملت بلهفة: عرفت حاجة عن ورد أختي؟
سيف بجدية: أيوه طبعًا، أنا وعدتك وإن شاء الله هكون قد كلمتي.
آيه: ها، وصلت لإيه؟ هي كويسة، طمني الله يخليك.
سيف: هي فاقت من الغيبوبة وكمان هربت من المستشفى اللي في سوهاج وراحت لبيت جوزها، بس تاني يوم عربية خبطتها واتنقلت على مستشفى ورجلها اتكسرت كسر بسيط واتجبست. وبعدين خرجت مع الدكتورة المسؤولة عن حالتها وقاعدة عندها في بيتها.
آيه بلهفة: قوم يلا نروحلها، الله يخليك، نفسي أشوفها يا سيف.
سيف: طولي بالك بس واهدي.
آيه: أهدي إيه؟ ده أنا هموت وأشوفها الوقتي حالًا، وديني عندها علشان خاطري.
سيف: اهدي واسمعيني يا آيه... حاليًا هي سافرت شرم الشيخ مع الدكتورة دي وعيلتها ولسه ما نعرفش هيرجعوا امتى. وصعب إني أعرف هما فين بالظبط في شرم، بس أكيد هعرف. وإنما هحتاج شوية وقت وأوعدك هوصلها وهجبهالك لحد عندك، اطمني.
أجتمعت الدموع بمقلتيها لتهتف: يا حبيبتي يا ورد، كل ده يحصلك وانتي لوحدك.
اقترب سيف منها وأمسك بيديها: اطمني عليها يا حبيبتي، والله هي كويسة.
آيه: وانت عرفت ده كله منين؟
سيف: قلت لك، انتي مش عارفة جوزك يبقى مين.
آيه: طب ودعاء أختي، مفيش عنها أي أخبار؟
سيف: دعاء سابت القصر وراحت عند عيلة الهواري وقاعدة عندهم.
آيه وهي تمسح دموعها: دول أخوالي.
سيف: منا عارف.
آيه: طب إيه اللي حصل وراحت عندهم، وإزاي سيف سابها تروح كده؟ انت متأكد من اللي بتقوله؟
سيف: أنا ليا عيون هناك مش بيبعدوا عنهم لحظة ومتأكد من اللي بقوله. وعلى فكرة دعاء أختك اتنازلت لعمك على كل حاجة ذيك.
آيه ببكاء: ااااه يا ربي، ليه كده يا ربي.
احتضنها سيف بقوة: لا إله إلا الله، وحدي الله يا آيه، اللهم لا اعتراض.
آيه: لا إله إلا الله... الحمد لله يا ربي، الحمد لله.
بعد دقائق استكانت في أحضانه وتوقفت عن البكاء وتصنعت النعاس ليحملها بين يديه متجها نحو السرير وقلبها يدق بعنف. ليضعها بحنو ويقترب منها ليهمس برقة: أنا عارف إنك صاحية بس عاوزك تطمنيني إن اللي في بالك مش هيحصل غير برضاكي وعمرة ما يكون غصب عنك مهما عملت أو قلت، فهمتي.
ثم انحني على جبينها ليطبع قبلة حانية وينام بجوارها وهو محاوطها بذراعيه بتملك شديد.
آيه: طب شيل إيدك دي بقى، عاوزة أنام.
سيف: نامي يا آيه وانتي في حضني بدل ما أفوق أحسن لك.
آيه: أووف بقى.
مضى الليل وأتى النهار يحمل في طياته العديد من الأحداث. فها هو عيد ميلاد تيم ابن سامر وفرح، حيث أقامت العائلة احتفالًا صغيرًا. تمت دعوة المقربين من عائلة فرح وسامر وعائلة طارق الجبالي خطيب ليان ليمضي اليوم بأحداث لا تذكر. ويعم المساء بعدما اجتمعت العائلة والأقارب كل مع ذويه يتجاذب أطراف الحديث في أركان بهو الفيلا. وبينما كان يقف سيف برفقة أخيه سامر، وقع بنظره على تلك الخلابة التي تهبط درجات السلم برقة مرتدية فستانها الرائع باللون المينت جرين ذو التفصيلة الكلاسيكية الناعمة الذي يتناسق ببراعة مع بشرتها الحليبيه وشعرها الويڤي الذي زينته بإكسسوار ناعم في المنتصف (طوق).
سامر: إيه يا عم، متخليك معايا، روحت فين؟
سيف: بس هشششش، اسكت انت الوقتي.
سامر: اااه، ربنا يسعدكو. أصلًا انت قلت لها ولا لسه؟
سيف: لسه، وبصراحة خايف من رد فعلها خصوصًا في الوضع اللي احنا فيه ده.
سامر: ده أنسب حل يطلعها من المود اللي هي فيه.
سيف: مش عارف يا سامر، بس حاجة كبيرة ومهمة زي دي هتكون صعبة عليها وهي لوحدها.
سامر: متقلقش، انت معاها وهتقدر تنسيها كل حاجة.
سيف: ع الله.
اتخذت آيه موضعًا بجوار ليان وفرح لتتعرف على المدعوين، بينما ترمقها أعين برغبة من الناحية الأخرى. ذلك الحقير الذي يتابعها بنظراته المقززة ويتفحصها باهتمام كصياد يراقب فريسته التي لا تلقي له بال. ومضى الكثير من الوقت إلى أن حان موعد إطفاء الشمع. لينطفئ النور ويقترب تيم من الشمعة التي تحمل رقم ٥ وهو سنه ويقوم بإطفائها. وفي نفس التوقيت اقترب ذلك المدعو حسين ليقف بالقرب من آيه ويهتف لها: وحشتيني أوي من آخر مرة شوفتك فيها.
ارتعبت بشدة، فهي تعلم ذاك الصوت جيدًا. لتعود الذاكرة لما حدث ذاك اليوم بسببه. لتعود الأنوار مرة أخرى بينما تنظر إليه وهو يبتسم ابتسامة سمجة تدفعها إلى التقيؤ.
حسين: مالك يا روحي مبلمة ليه كده؟ أكيد مش مصدقة نفسك من الفرحة إنك شوفتيني.
آيه: انت إزاي تسمح لنفسك إنك تكلمني يا حيوان.
حسين: ششش، عيب تكلمي الناس الأعلى منك كده علشان مزعلش، وزعلي وحش أوي يا قطة.
آيه بتوتر: انت بني آدم حقير.
حسين بنظرات مقززة: بصي بصراحة كده، انتي عجباني ودخلة دماغي من ساعة ما شوفتك. وكنت مفكرك بنت ناس وهندخل في خطوبة ومش عارف إيه عشان أعرف أوصلك. لكن لما عملت تحرياتي طلعتي ساكنة في حارة شعبية وحالتك ضنك يا عيني وبتيجي هنا تتلزقي في ليان. بس أنا برضه ابن بلد وفرحت أوي إنك مش هتكلفيني غير...
هوت آيه بكف يدها على وجهه، ليدوي صوت الصفعة بالمكان، ليلتفت إليه جميع الموجودين. ليندفع إليهم سيف سريعًا ليمسك بيد حسين التي ارتفعت لتهوي على وجه آيه، ليحتجزها خلفه ويتصدر بجسده العريض أمام وجه حسين.
سيف بحدة: انت بتمد إيدك على مين يلااا.
حسين بتوتر: مهو... انت متعرفش حاجة يا سيف، البت دي كل ما تشوفني تيجي ترمي نفسها عليا زي ما حكيتلك المرة اللي فاتت. والمرة دي لما لقيتني هزقتها قامت ضربتني وكانت عاوزة تعمل فيها الخضرة الشريفة قدامكم.
أحتقنت عيني سيف بالدماء لما يهذي به هذا الجبان، ليوجه إليه بوكس أسقطه أرضًا وهو يهتف: دي شريفة غصب عنك يا روح أمك.
اندفع المتواجدون لتخليص حسين من بين براثن سيف، ولكنه أمسك به بقوة وظل يكيل له اللكمات المتتالية. بينما انهارت آيه في البكاء، لتسرع ليان وتحتضنها هي وفرح.
سامر: خلاص يا سيف، هيموت في إيدك.
طارق: خلاص يا سيف، سيبه كفاية بقى.
سيف: سيبوني أربي الكلب ده ابن الـ...
طارق: خلاص يا سيف، أنا هجبلك حقك.
ابتعد سيف عنه مرغمًا، فهو لا يريد تحطيم فؤاد أخته بقدر ما يريد سحق جمجمة ذلك الحقير.
والد طارق: فيه إيه يا جماعة؟ كل ده عشان حتة بت لا راحت ولا جت.
صالح: حاسب على كلامك يا...
سيف مقاطعًا بغضب جلي: البت دي تبقي مراتي يا حيلتها، فاهم يعني إيه مراتي؟ والكلب ابنك كان بيتحرش بيها، وديني لدفنه مكانه عشان يبقى عبرة للي يفكر يهوب يم مرات سيف الحديدي.
سامر: يا جماعة صلوا على النبي.
صالح: خلاص يا سيف، حسين مكانش يعرف.
طارق: حصل خير يا جماعة، ده سوء تفاهم.
باهر (ابن خال سيف): خلاص يا سيف، حسين عرف غلطه وانت بهدلته، كفاية لحد كده.
صالح: يا جماعة إحنا أهل، ميصحش كده.
أبو طارق: أنا ابني متربي ومستحيل يعمل كده.
سامر: ودي مرات أخويا، ولا يمكن تكون بالمستوى اللي ابنك بيقول عليه ده.
طارق: بابا لو سمحت، كفاية لحد كده... حسين اعتذر من سيف ومراته، أنا متأكد إنك غلطان.
أبو طارق: انت جرالك حاجة يا ابني؟ ده أخوك، ولا كل ده عشان ليان؟
طارق: لا مش عشان ليان يا بابا، بس أنا متأكد إن حسين غلطان وأنا مش هسمح إنه يضيع العشرة اللي بينا بسبب طيشه اللي عمره ما هيبطله.
صمت والد طارق، فهو يعلم أن ابنه مسبب للمشاكل أينما حل، وخاصة مع الفتيات.
تقدم حسين ناحية سيف وفمه وأنفه يقطر دمًا. لينظر له بانكسار قائلًا: حقك عليا يا سيف.
نظر له سيف باشمئزاز، ليتجه بعدها ناحية آيه ويمسك بيديها ويتجه بها للخارج نحو الحديقة، بينما هي مستمرة بالبكاء.