تحميل رواية «في الحلال» PDF
بقلم رقيه طه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في كافيتريا كلية الهندسة يجلس إسلام وصديقه محمد. إسلام بهدوء: عرفتها من ع النت. محمد بضيق قائلا: - نعم !! وهو إحنا من الناس دي برضو يا إسلام ؟ !! - يابني إصبر هفهمك، انا بتكلم معاها عادي خالص والله ومش بنقول حاجه حرام، كله كلام عام ك تعارف يعني. محمد بلوم: بس مش إحنا اللي نلعب ببنات الناس يا إسلام !! رفع حاجبه متعجبا وقال: - وهو حد قالك إني بلعب بيها، عيييب يا محمد أخوك راجل برضو، كل الحكاية بس إني لازم اتعرف عليها كويس قبل ما أتقدملها. محمد بتعجب: - تتقدملها ؟!! - أيووه يابني امال انا بقول إيه...
رواية في الحلال الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رقيه طه
هبط درجات الدرج والحزن يملأ قلبه ووقف أمام المنزل وهو يقول بضيق:
- حتي دي كمان عملتها يا فاروق؟ أكتر وقت كانوا محتاجيني فيه لاقوك إنت بدالي؟ حقيقي أنا مستحقش إني أكون "صديق" أصلاً.
نظر أمامه فإذا به يراه مرة أخرى. التفت للجانب الآخر سريعاً وأخذ يفكر ماذا يفعل؟ هل يذهب ويحدثه أم يرحل بهدوء؟ ولكنه سرعان ما شعر بالحزن عندما تذكر كلمات فاروق الأخيرة:
- ممكن بقي مشوفش وشك قدامي تاني؟ ولا دي كمان صعبة؟ وعلي فكرة عمري ما هسامحك ولا هعفيك من المسئولية.
تنهد بحزن وألقى على فاروق نظرة أخيرة قبل الرحيل. ومن سوء حظه أن فاروق شاهده بالفعل ولكنه لم يعره أي اهتمام وذهب بعيداً. شعر إسلام بالإحراج وأسرع الخطى كي يختفي من هذا الشارع حتى لا يراه ثانية.
عاد إلى منزله في صمت ودخل غرفته وإستلقى على فراشه ونظر للسقف كالعادة وأخذ يتذكر أيامه مع محمد.
***
في صباح اليوم التالي ذهبت سلمي للجامعة وهي ترتدي الجيب كما وعدت حفصة وأيضاً كانت على وضوء لكي تصلي الظهر هناك كما اتفقا. تقدمت سلمي من صديقاتها وقالت بفرحة:
- يا عيال إيه رأيكم في الطقم ده حلو؟
أومأت هند برأسها موافقة وقالت بابتسامة:
- حلو يا سلمي ألف مبروك عليكي.
ثم تابعت فاطمة:
- حلو يا سلمي، بس الجيبة دي مش بتشنكلك؟!!
نظرت إليهما سلمي بسعادة وقالت:
- ده مش طقم جديد، هو كان عندي بس مكنتش بلبسه يعني.
ثم نظرت لفاطمة وقالت بمزاح:
- لأ مش بتشنكلني يا أختي.
وكادت أن تخرج لسانها لولا تذكرها أنها في الجامعة ومن الممكن أن يلاحظها أحد. جلسن يتحدثن قليلاً حتى أذن الظهر. نهضت سلمي من مكانها وقالت بحماس:
- يا بنات أنا رايحة أصلي، هتيجوا معايا؟
قالت هند بإحراج وتردد:
- مش هينفع علشان مش متوضية، هصليها لما أروح بقي إن شاء الله.
لم تنظر سلمي لفاطمة لأنها كانت تتوقع إجابتها فلم تهتم وذهبت بمفردها لأداء الصلاة. وقبل أن تغادر قالت بسعادة:
- هصلي وأجي علطول يا عيال، أوعوا تتحركوا من هنا.
أجاباها بالموافقة فذهبت سلمي بينما جلسا هما للتحدث. فقالت فاطمة بتعجب:
- إنتي مش حاسة إن سلمي متغيره شوية اليومين دول؟!!
نظرت لها بعدم اهتمام وقالت:
- عادي.
شعرت فاطمة بالانزعاج من الرد غير المبالي وقالت بغضب:
- يعني إيه عادي يا هند؟!! هي مش صحبتك برضو ولا إيه؟!! يعني لازم تهتمي لأمورها.
اعتدلت هند في جلستها ونظرت لفاطمة بتعجب وقالت:
- طيب وهو أنا عملت إيه يدل على إني مش مهتمة بيها؟!! البنت حبت تحسن من نفسها شوية إيه المشكلة؟!! ربنا يهديها.
تنفست فاطمة مراراً وقالت بضيق:
- يعني إنتي مش حاسة إنها بقت غريبة اليومين دول ومش قريبة مننا زي الأول؟!!
أومأت رأسها نفياً وقالت موضحة:
- كل الحكاية يا ستي إنها بقى ليها اهتمامات تانية وكل ما تكلمنا في الحاجات بتاعتها دي إحنا ناخد الموضوع بهزار وتريقة، فبقت تعمل اللي هي عايزاه حتى لو إحنا مش موافقين.
نظرت لها فاطمة بعدم اقتناع وقالت:
- يعني إنتي شايفة إن ده عادي؟!!
أجابتها على الفور:
- آه طبعاً عادي، دي حياتها وهي حرة فيها، زي ما إحنا بنعمل اللي إحنا عايزينه هي كمان من حقها تعيش حياتها براحتها، وسواء أنا مع التغيير ده أو لأ برضو ميحقليش إني أتدخل في حياتها الشخصية.
كادت فاطمة أن تتحدث لولا أن قاطعتها هند وتابعت:
- كمان يا ستي متقلقيش سلمي بتحبنا جداً ومستحيل تتغير علينا.
تنهدت فاطمة بعدم رضا وقالت:
- جايز!
وبعد عشرة دقائق تقريباً عادت سلمي وعلى وجهها ملامح السعادة وقالت لهما بحماس:
- جيت.
أطلقت هند ضحكة عالية وقالت ساخرة:
- أراجــل! جيتي والله؟!! مش معقولة.
ضربتها سلمي على كتفها وقالت بمزاح:
- بس يا أهبل.
ابتسمت فاطمة لمشاهدتها هذا المشهد وقالت بفضول:
- إيه سر السعادة دي كلها يا حاجة سلمي؟!! فرحينا معاكي.
تنهدت سلمي براحة وقالت بسعادة:
- حاسة إني مرتاحة وأنا مصلية الفرض اللي عليا في وقته كده، دلوقتي بقي هعمل كل اللي أنا عايزاه في الجامعة من غير تأنيب ضمير.
ابتسمت هند ولم تتحدث وكذلك فاطمة.
***
مر أسبوع كامل وإسلام على نفس الحالة، لا يخرج من غرفته إلا إذا ذهب لشراء طلبات المنزل ويدخل مرة أخرى ويغلق الباب خلفه. لم يذهب إلى الجامعة منذ وفاة صديقه محمد لأنه لا يستطيع الذهاب هناك بدونه. لا يستطيع تحمل مشاهدة كل الأماكن الذي كان يجلس بها محمد معه. لا يستطيع رؤية الطاولة التي كان يفضلها محمد منذ أول يوم في الجامعة وكان يجلس بها كل يوم بلا استثناء. لا يستطيع رؤية صديق آخر يجلس بجواره في المدرج. لا يستطيع تخيل أي شيء بدون محمد لذلك اكتفى بوجوده في المنزل مع أحلامه.
كادت والدته أن ينفطر قلبها على ولدها الوحيد وعلى الحالة التي تراه عليها منذ وفاة صديقه ولكنها لم تكن تستطع التحدث معه لأنها تعلم مكانة محمد في قلبه. قررت أن تستجمع شجاعتها وطرقت عليه الباب بخفة فسمعته يقول بصوت خفيض:
- نعم، عايزة حاجة يا هند؟!!
فتحت باب الغرفة وأطلت برأسها مبتسمة وقالت:
- دي أنا يا حبيبي، ينفع أدخل؟
نهض إسلام من فراشه وجلس على حافته وقال محاولاً تصنع الابتسامة:
- طبعاً يا أمي اتفضلي.
جلست بجواره على حافة الفراش ومسحت على شعره بحنان ونظرت له بعينين لامعتين وقالت:
- هتفضل على الحال ده كتير يا إسلام؟!!
تنهد بحزن وقال بتأثر:
- مكنتش أعرف إني بحبه أووووي كده يا أمي، عمري ما كنت أتخيل إنه ممكن يختفي من حياتي فجأة كده، ده أنا كنت حاسس إنه كل حاجة ليا في الدنيا، كان الأب والأخ والصديق وكل حاجة، لحد دلوقتي مش مصدق إني مش هشوفه تاني، خلاص مبقتش حاسس إن حياتي ليها معنى وبقيت كاره كل حاجة.
ثم تنهد مرة أخرى قائلاً:
- الحمد لله.
تحركت دمعة في عينها ولكنها حاولت الاحتفاظ بها كي لا تزيد من ألم ابنها وربتت على كتفه قائلة:
- لو الحزن ده يا ابني هيرجع اللي راح كنت هقولك احزن وعيط وكسر الدنيا كلها، بس خلاص ده قدر ربنا وإحنا لازم نرضي بيه.
ثم نظرت إليه بابتسامة رضا وقالت:
- فاكر يا إسلام لما أبوك مات؟ كنت إنت ساعتها في 2 ثانوي وهند في 3 إعدادي، ساعتها أنا حسيت إني اتكسرت بمعنى الكلمة ومبقاش ليا ضهر ولا سند خلاص، حسيت إني خايفة من مسئوليتكم واني مش هقدر أشيلها لوحدي خلاص.
بس لما قعدت أفكر مع نفسي لقيت إن ربنا رحيم أوووي ومفيش حاجة بتحصلنا غير لما يكون لينا الخير فيها وكمان طالما ربنا كتب الحاجة دي يبقى إحنا لازم نرضي ونصبر، ماهي الجنة مش ببلاش برضو.
ثم مسحت على شعره مرة أخرى وقالت بسعادة:
- وأديك أهو كبرت وبقيت مهندس قد الدنيا وأختك الحمد لله دخلت تربية إنجليزي وعرفت أربيكم لوحدي أهو، قصدي ربنا ساعدني واعطاني القوة والصبر واتحملت كل حاجة علشان أشوفكم كده وعلشان أحقق اللي أبوك كان بيحلم بيه دايماً.
علشان كده يا ابني الحياة مبتقفش على حد، ولو الميت ده غالي علينا فعلاً يبقى نعمل اللي يفيده في قبره مش نقعد نزعل ونعيط وخلاص.
نهضت الأم من مكانها وهمت بالخروج لكي تفسح له المجال للتفكير في كل ما قيل وإعادة ترتيب حياته مرة أخرى. جلس إسلام يفكر في كلام والدته وكلماتها الأخيرة تتردد على أذنيه مرة تلو الأخرى:
"لو الميت ده غالي علينا فعلاً يبقى نعمل اللي يفيده في قبره مش نقعد نزعل ونعيط وخلاص".
أخذ نفس عميق وهو يمسح على شعره عدة مرات وتنهد قائلاً للفراغ:
- يعني إنت ممكن تكون محتاجلي دلوقتي يا محمد؟ حاضر يا محمد هحاول أعمل كل اللي إنت نفسك فيه بس إنت ادعيلي.
انتبه لما يقول فضحك بسخرية وقال:
- قصدي أنا اللي هدعيلك!
***
مر الأسبوع على سلمي وقد نفذت كل ما اتفقت عليه مع حفصة وحان الوقت المنتظر، تقرير نهاية الأسبوع.
جلست على حاسبها وبعثت برسالة لحفصة:
- إنتي موجودة؟
- أيون بس عاملة أوف لاين كالعادة.
- هههههههه آه، منا اتعودت على كده. المهم جايبالك التقرير بتاع الأسبوع.
- ههههههههههههههه ماشي، قولي.
أرسلت سلمى وجهًا ضاحكًا بأسنان ناصعة البياض وتابعته بكلمة:
- لبست وصليت.
نظرت للشاشة بتعجب وكتبت:
- ده اللي هو إزاي يعني!
- إيه يا بنتي، إنتي نسيتي ولا إيه؟
ابتسمت حفصة بإحراج وكتبت:
- معلش يا بنتي، أبو العيال مطلع عيني ومبقيتش مركزة في حاجة.
اتسعت عينا سلمى وكتبت بتعجب:
- إيه ده، هو إنتي متجوزة وعندك عيال كمان؟ صحيح أنا إزاي متعرفتش عليكي ده كله!
أطلقت حفصة ضحكة عالية وكتبت:
- بهزر معاكي يا بنتي، أنا لسه مخطوبة. المهم بقى إيه حكاية لبست وصليت دي؟ معلش نسيت أنا آسفة.
مطت سلمى شفتيها للأمام وكتبت بلوم:
- مش إنتي قولتيلي من أسبوع إني ألبس جيبات وأصلي الظهر في مسجد الكلية وأنا وعدتك إني هحاول أعمل كده؟ أهو جيت أقولك الأخبار بقى بس باين عليكي نسيتي.
أحست حفصة بالإحراج فكتبت محاولة امتصاص حزن سلمى:
- آه صحيح، قوليلي بقى عملتي إيه؟ معلش والله مشغولة شوية اليومين دول فنسيت، معلش بقى.
- كنت بقولك يا ستي إني طول الأسبوع التزمت بالصلاة في مسجد الكلية وكمان ملبستش بنطلونات خالص. أقولك كمان على سر خطير؟
كتبت حفصة بحماس:
- قولي قولي.
تنهدت سلمى بسعادة وكتبت:
- أنا قررت إني مش هسيب أي صلاة في الجامعة تاني وكمان قررت أبطل بنطلونات خالص بقى واللي يحصل يحصل. وبإذن الله أكون قد القرار ده. عمومًا هو كده كده الامتحانات قربت وبعدين السنة هتخلص وعلى السنة الجديدة هجيب لبس جديد إن شاء الله. فهحاول بقى أقضي الكام أسبوع دول بالجيبتين اللي عندي لحد ما أجيب جديد بإذن الله.
ثم نظرت للسماء عبر نافذة غرفتها المفتوحة وقالت بحماس:
- مش مهم أي حاجة. المهم إنك ترضي عني يا ربي.
كادت حفصة أن تقفز من مكانها من الفرحة وكتبت بسعادة بالغة:
- ألف مبروك يا سلمى! قرار في محله وفي وقته المناسب، فرحتيني والله وشيلتيني عني شوية من همومي. ربنا يثبتك يا حبيبتي ويرضي عنك.
اتسعت عينا سلمى وشهقت بخوف وكتبت:
- هموم إيه خير؟ وكمان أنا متعرفتش عليكي فعلاً ومعرفش إنتي قد إيه لحد دلوقتي تصوري؟
- ههههههههههه بس أنا عارفة إنتي قد إيه بقى. عمومًا يا ستي أنا في سنة رابعة كلية سياسة واقتصاد ومخطوبة وبإذن الله فرحي بعد الامتحانات على طول. هانت ^^
ظلت تنظر للكلمات بسعادة وكأنها هي من ستكون العروس بعد شهر وليست حفصة. رددت الحمد لله في نفسها ثم كتبت ببهجة:
- ما شاء الله وألف ألف مبروك ربنا يسعدك. أومال مهمومة ليه بس؟
تذكرت حفصة ما حدث فتنهدت بضيق وكتبت:
- مفيش يا ستي، خطيبي مصر إننا نسافر نشتغل بره وأنا مش عايزة وفي شوية مشاكل كده. ربنا يلهمنا الصواب ويفعل لنا الصالح. متشغليش بالك إنتي وخدي بالك من نفسك بس.
- يارب يفك كربك يا حفصة ويتمملك على خير بإذن الله.
- آمين يارب.
***
أنهت سلمى المحادثة مع حفصة وأغلقت حاسبها. ذهبت لخزانتها وقامت بفتحها وانتقاء بعض الملابس لإعادة ترتيبها من جديد وإخراج الغير مناسب منها فأمسكت بأول بنطال وأخذت تحدثه بصوت مرتفع:
- اممم، إنت مش هينفع تتلبس بره تاني، أخرك في البيت يا حلو. في بنطلون محترم يرضى على نفسه إنه يكون ضيق كده؟ هــــــــاه؟
وألقت به على الفراش ونظرت لأخيه القابع في الخزانة وأخرجته ونظرت إليه بإعجاب وقالت:
- أما إنت بقى بصراحة خسارة أبوظك في البيت. خليك بقى ما اتجوز أهو تنفع برضه.
ثم أطلقت ضحكة عالية وهي تخرج الثالث وقالت:
- ههههههههاي بس إنت بقى حكايتك حكاية. بقولك إيه، إنت أخرك تبقى قماشة للمطبخ أصلًا. أنا أعرف يا أخويا كنت بلبسك إزاي؟ تعالي جبت أخواتك يا حلو.
وأخذت تنظر إلى بعض البلوزات والفيستات وتلقي بهم على الفراش أيضًا. ثم نظرت للدولاب فجأة وقالت بذهول ممزوج بالضحك:
- يا حلاوة! ده الدولاب بقى أبيض!!
أغمضت عينيها وتنهدت بعمق قائلة بحسم:
- سلمي وبعدين؟ إحنا قولنا رضا ربنا أهم، يعني رضا ربنا أهم. هلبس اللي هينفع عندي ويرضي ربنا وبعد الامتحانات أجيب جديد إن شاء الله. فهمتي يا أنا؟
دخلت ولاء الغرفة فجأة فصدمت من هذه الفوضى وقالت بصراخ:
- إيه يا سلمى ده، حرام عليكي بهدلتي الأوضة وأنا لسه مرتباها. رجعي كل حاجة مكانها بقى أووف.
ابتسمت سلمى بهدوء وقالت:
- ماشي يا حجة حاضر. اصبري عليا بس.
أخذت تنظر للملابس المنثورة على الفراش مرة أخرى وقالت بتعجب:
- طلعتي الهدوم دي كلها ليه كده؟
نظرت إليها سلمى بثقة وقالت ببراءة مصطنعة:
- هرميهم.
رفعت ولاء حاجبها وقالت حانقة:
- هترميهم إزاي يعني؟
نظرت لهم سلمى نظرة وداع وقالت براحة:
- يعني خلاص قررت مش هلبس ضيق تاني. والهدوم دي كلها مترضيش ربنا وأنا مش هلبسها تاني.
أمسكت ولاء بالملابس وأشارت بهم لسلمى وقالت بتأفف:
- وهو اللي يرضي ربنا يعني إنك ترمي الهدوم دي كلها وإحنا دافعين فيها فلوس.
أمسكت منها الملابس ووضعتها على الفراش مرة أخرى وقالت مطمئنة إياها:
- متخافيش يا ولاء، مش هرميهم في الزبالة أكيد! أنا بس هلبسهم في مكانهم المناسب وبعدين خلاص، أنا أخدت قراري هرجع فيه. يا إما تساعديني يا إما متعترضيش على الحاجات الصح اللي بعملها.
ثم ارتمت على الفراش وقالت بضجر:
- مش كل ما أعمل حاجة صح تقعدوا تأنبوا فيا وتتريقوا عليا. أنا زهقــــــــــــــت.
شعرت ولاء بالغضب من كلماتها فقالت وهي تغادر الغرفة:
- إنتي حرة!
تنهدت سلمى بحزن وقالت هامسة:
- حتى إنتي يا ولاء! يلا أمري لله، هكمل طريقي لوحدي. ربنا يخليكي ليا يا حفصة وتفضلي تشجعيني دايما.
***
جلس إسلام يفكر في كلام والدته لساعات حتى أخذ قرارًا ما. بدل ملابسه وهبط من منزله متجهًا إلى منزل فاروق. فور وصوله صعد الدرج بتوتر وما إن اقترب من باب الشقة حتى أحس بالخوف أكثر. أخذت يده تقترب من الباب وتبتعد مرة أخرى وتكرر هذا الوضع أكثر من مرة حتى استجمع شجاعته وقام بطرق الباب طرقات خفيفة. سمع فاروق يقترب من الباب شيئًا فشيئًا وهو يقول:
- مين؟
تنحنح إسلام واستجمع قواه وقال بصوت خفيض:
- أنا إسلام يا فاروق.
ثم هبط من على الدرج بضع درجات. قام فاروق بفتح باب منزله ونظر لإسلام متعجبًا ولم يتحدث بينما ابتلع إسلام ريقه وقال بصوت متقطع:
- إزيك يا فاروق؟
لم يلتفت له فاروق وأجاب بسرعة:
- الحمد لله.
ساد الصمت للحظات حتى قطعه إسلام مرة أخرى وقال بإحراج:
- كنت عايز منك طلب يا فاروق.
لم ينظر له فاروق ولم يتحدث فأكمل إسلام بتوتر:
- فاروق ممكن تساعدني أكون زي ما محمد كان عاوز؟ عاوز أقرب من ربنا وأبقى عايش صح زي ما كان دايما بيقولي بس مش عارف أعمل إيه وأبدأ منين؟
لم يتأثر فاروق بكلماته وأجابه بصلابة:
- إسلام هو أنا مش قولتلك إني مش عاوز أشوفك تاني؟
صدم إسلام من هذا الرد القاسي وشعر وكأن شخصًا ما سكب عليه أكوابًا من المياه المثلجة في ليالي الشتاء الباردة فما كان منه إلا أن ينظر إلى فاروق بذهول ولا يتحدث. أحس فاروق بصعوبة كلماته فقال مفسرًا:
- بص يا إسلام، أنا مش قادر أنسى المنظر اللي أنا شفته يوم وفاة محمد ومش قادر أسامحك ولا أنسى إنك كنت السبب الأساسي في بعده عن ربنا وموته على الحالة دي علشان كده مش عايز أشوفك تاني وده أفضل ليا وليك.
كانت كلمات فاروق حادة للغاية مما جعل إسلام يرجع للخلف بضع خطوات مستعدًا للهبوط وهو يقول بحزن عميق:
- ماشي يا فاروق شكرًا.
ثم نظر لعينيه بعمق وقال متأثرًا:
- بس ما تنساش إني جيت في يوم وطلبت منك إنك تاخد بإيدي للجنة وإنت رفضت تساعدني. يعني إنت دلوقتي عملت زي ما أنا عملت مع محمد بالظبط. مش فارقة كتير.
التفت بوجهه إلى درجات الدرج وأخذ يهبطها ببطء وهو يقول:
- بعد إذنك يا صاحب صاحبي.
كان يتوقع أن يعود إليه فاروق ويعتذر ولكنه وجده دخل إلى منزله وأغلق الباب وراءه وكأن شيئًا لم يكن!
رواية في الحلال الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رقيه طه
عاد إسلام إلى منزله والحزن يملأ قلبه. دخل غرفته وجلس على حافة الفراش لبعض الوقت. لم يكن يتوقع هذا الرد القاسي من فاروق. كان يعتقد أنه سيجد الحل عنده، وأن فاروق سيساعده على التخلص من مرارة الذنب التي تلاحقه، ولكن حدث العكس تمامًا. فحزنه قد زاد أكثر وأكثر.
نهض من فراشه محاولًا تغيير حالته. ذهب إلى الحاسب الخاص به وفتح حسابه على موقع الفيس بوك. وجد العديد من رسائل ومنشورات التعزية، ووجد أيضًا سبعة وثلاثون رسالة من سارة. لم يستطع أن يقرأهم لأن حالته لم تكن تسمح بذلك.
ولكن بعث لها رسالة ليطمئنها:
- إزيك يا سارة؟ معلش مكنتش بفتح الأيام اللي فاتت دي علشان صديق عمري توفي ونفسيتي تعبانة شوية ومش قادر أكلم حد. أنا قولت أطمنك بس. متقلقيش عليا وإدعيلي.
كانت سارة تجلس على حاسبها في هذا الوقت. عندما وجدت رسالة من إسلام كادت أن تقفز من مكانها من الفرحة وكتبت بلهفة:
- أخيييرا يا إسلام رديت. قلقتني عليك أوووي. ربنا يرحم صاحبك. شد حيلك وطمني عليك.
تنهد بضيق عندما شاهد رسالتها وذلك لأن حالته لم تكن تسمح بالحديث مع أحد وكتب بتعب:
- أنا الحمد لله كويس.
- طيب صاحبك ده مات إزاي وحصل إيه طمني؟
شعر بالاختناق عندما شاهد جملتها الأخيرة وأحس وكأن المشهد يحدث أمامه مرة أخرى فكتب بضيق:
- معلش مش قادر أتكلم دلوقتي خالص يا سارة. أنا قولت بس أطمنك عليا. مع السلامة.
وقبل أن تتحدث مرة أخرى وجدته قد أغلق الموقع بالفعل. تنهدت بغضب وأغلقت حاسبها أيضًا.
في صباح اليوم التالي، طرقت والدة إسلام باب غرفته فلم تجيبه. فقامت بفتح الباب بخفة ودخلت لتوقظه. فوجدته مستيقظًا بالفعل وينظر لها بوجه خالٍ من أي تعبير. فتبسمت بحنان وقالت:
- مش ناوي تروح الجامعة برضو يا إسلام؟
وضع الوسادة فوق رأسه وقال بعدم اهتمام:
- مش مهم!
أزاحت الوسادة عنه وجذبته من قميصه بشدة وقالت بحزم:
- لأ هتروح.
ثم أخذت تصرخ في وجهه قائلة:
- فــوق لنفسك كده وقوم يلـــا شوف مستقبلك. الإمتحانات قربت. هتضيع نفسك بإيديك وفي الآخر صاحبك مش هيستفاد حاجة برضو.
ضحك إسلام بسخرية وقال:
- مستقبلي!! طيب ماهو كمان محمد مستقبله ضاع؟
اتسعت عيناها من الغضب وقالت بصوت حاد:
- صاحبك مستقبله مضاعش ولا حاجة. ده قدر ومكتوب عند ربنا. وأنا قولتلك قبل كده لو عايز تساعده بجد تعمل إيه وانت مسمعتش الكلام. يبقي بلاش بقي تعيش دور الحزين وتناملي في السرير بالأيام زي الولايا.
شعر إسلام بالغضب الشديد ولكنه حاول انتقاء كلماته لأنه يتحدث مع والدته. وقال بضيق:
- يعني إنتي شايفة إني بعيش الدور؟ شايفة إني فرحان في موته وعامل نفسي زعلان يعني؟ ماشي يا أمي شكراً.
تنفست بعمق وجلست على طرف الفراش وقالت بهدوء:
- أنا عارفة إنك زعلان عليه فعلاً وإن محمد مكانش زي أي صاحب. محمد كان أخوك وكان ابني أنا كمان. بس اللي انت بتعمله في نفسك ده مش هيرجع حاجة يا إسلام!
ثم نظرت له بابتسامة وقالت:
- طول عمركم كنتوا بتتمنوا تكونوا مهندسين أد الدنيا صح؟ صاحبك مات بس انت لسه عايش. يبقي المفروض تحققله حلمه وتبقي انت المهندس اللي بيشتغل بضمير ويخدم بلده فعلاً زي ما كنتوا بتتمنوا!!
ظهرت ملامح الحزن على وجهه وقال بتأثر:
- وصاحبي برضو كان بيتمنى إننا نكون أحسن من كده. كان بيتمنى إننا نقرب من ربنا شوية ونعيش عدل بدل الاستهتار اللي كنا فيه ده. ومات قبل ما يلحق يعمل حاجة.
ثم ضحك بسخرية وقال مستنكرًا:
- أحققله حلمه ده كمان إزاي بقى؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وابتسمت بثقة وقالت:
- تحققله حلمه إنك تكون إنسان بجد بيتقي ربنا. تعمل بنصايحه اللي كان دايماً بيقولهالك علشان الثواب يوصله. تدعيله. تطلع صدقة عنه. تعمله أي حاجة تنفعه وهو ميت. فهمت؟
أومأ برأسه إيجابًا. فأمسكته من كفيه وقالت بحماس:
- طيب يلـــا.
نظر لها متعجبًا وقال:
- يلا فين؟
قالت بإصرار:
- هتروح الجامعة دلوقتي.
فلت يديه منها بهدوء وقال بلا مبالاة:
- مش دلوقتي.. بعدين.
ازداد إصرارها وصرخت به قائلة:
- أنا قولت هتروح دلوقتي يعني هتروح دلوقتي. مش هسمحلك تضيع تعبي وتعب أبوك السنين دي كلها. هتيجي على آخر سنتين وتضيع؟ لأ يا بابا إنســـــي. يلـــا قوم فز.
زفر بضيق وقال:
- يا أمي خلاص سيبيني في حالي دلوقتي طيب. هبقى أروح الأسبوع الجاي إن شاء الله.
أمسكته من ذراعيه وجذبته للخارج بشدة وقالت بصرامة:
- لأ دلوقتي. إخلص.
- لا حول ولا قوة إلا بالله. يا أمي طيب بكرة طيب. أنا مش طايق نفسي والله.
- قولت هتقوم دلوقتي يعني هتقوم دلوقتي. إخلــص بقولك!
نهض من مكانه مستسلمًا وفتح خزانته وقام بارتداء ما رآه أمامه وذهب إلى الجامعة. كانت الساعة الواحدة ظهرًا ولم يكن يعرف هل ما زالت المحاضرات مستمرة أم انتهت في ذلك اليوم. أخذ يتجول في كليته بلا هدف حتى وجد بعضًا من أصدقائه يأتون إليه من كل حدب وصوب ويأخذونه بالأحضان ويقومون بمواساته. أخذ يحدث نفسه بكره:
- آل وفاكرينك أعز صديق ليه وجايين يواسوك كمان؟!! والله إنت ما تستاهل تكون صاحب أصلاً.
أخذ شادي صديقه يربت على كتفه بحنان ويقول مطمئنًا إياه:
- طبعًا إنت عارف إن الامتحانات قربت. والإسبوع اللي فات ده أخدنا المقرر والملغي. فأنا بإذن الله هقعد معاك في الوقت اللي يعجبك ونعلم سوا على اللي هييجي في الامتحانات. وشد حيلك يا بطل وخليك قوي كده. ربنا يريح قلبك.
نظر له بامتنان وقال:
- ربنا يخليك يا شادي. ماشي بإذن الله بس بعدين بقي علشان دلوقتي مش قادر.
ابتسم بتفهم وقال:
- اللي يريحك. أنا موجود وفي الخدمة دايماً.
صمت للحظات ثم نظر له وقال متسائلًا:
- هو في محاضرات النهارده تاني؟
أومأ برأسه نفيًا وقال:
- لأ أخر محاضرة لسه خارجين منها حـــالا. تعالي بكرة بقي على السكشن بتاع 9 الصبح علشان بعده هنطلع على المكتبة نجيب منها شوية مذكرات مهمين كده.
- ماشي يا شادي بإذن الله. بعد إذنك.
تركه إسلام وسار باتجاه باب الجامعة بسرعة كبيرة. خرج من الباب واتخذ أول وسيلة مواصلات وجدها أمامه وعاد إلى المنزل على الفور. دخل منزله فسألته والدته عما فعل فقص عليها ما حدث وذهب لغرفته لينام مرة أخرى.
وعلى الجانب الآخر بكلية التربية خرجت سلمي مع صديقاتيها من آخر محاضرة لهن في ذلك اليوم. جلست تتحدث معهما قليلاً بخصوص ما حدث هذا الأسبوع وما يجب أن يفعلوه للخروج بأفضل نتيجة من امتحانات آخر العام فتنهدت قائلة:
- وبكده يا حلوة انتي وهي عرفنا كل المقرر اللي علينا والمفروض بقي نذاكر. السؤال هنا بقي: هنذاكر الحاجات الغريبة دي إزاي؟
ابتسمت هند بمرح وقالت:
- زي ما عملنا السنة اللي فاتت بالظبط. هنقعد نقرأ في الحاجات الغريبة دي ونحفظهم صم ونروح نكبهم في الامتحان وخلاص.
أخذت تحرك رأسها يمينا ويسارًا بعدم رضا وقالت:
- بس أنا مش مقتنعة بالحكاية دي يا هند. يعني إحنا كده مش بنستفيد حاجة من كل اللي بناخده ده.
نظرت لها هند بلا مبالاة وقالت:
- هو ده نظام التعليم في بلدنا يا سلمي ومفيش عندنا حل تاني.
رفعت سلمي حاجبها وقالت بتفكير:
- لأ أكييد في حل. وأنا بإذن الله هوصله.
ثم جذبتهما من ذراعيهما وقالت بحماس:
- يلا نروح بقي يا عيال كده هنتأخر.
قرر إسلام مواصلة الدراسة في الجامعة كي يجتاز فترة الامتحانات بسلام. كان كالآلة يذهب ويعود بلا روح. يستيقظ من نومه في الصباح الباكر ويذهب إلى الجامعة لحضور المحاضرات ويجلس في فترة ما بين المحاضرات وحيدًا لا يريد التحدث مع أحد ولا يريد أن يراه أحد. يجلس في مكان لم يجمعه بمحمد كي لا تزيد جراحه. يعود لمنزله فيذهب للنوم.
يستيقظ من نومه ويظل جالسًا أمام كتبه ومذكراته يذاكر بعض الوقت ويتذكر محمد وذكرياته في البعض الآخر. وظل هكذا حتى نهاية فترة الامتحانات.
أما عن سلمى، فهي أيضًا انشغلت بمذاكرتها وامتحاناتها. وحفصة أيضًا. ولم يتحدثا مع بعضهما البعض إلا قليلاً.
انتهت الامتحانات وعاد كل إلى حياته. أخذت سلمى تستعد لخطوتها القادمة في التغيير. بينما إسلام كان يقضي معظم يومه في النوم هربًا من واقعه المؤلم وذكرياته مع محمد التي تلاحقه دائمًا وتجعله يكره ذاته ويكره كل يوم كان يقابل فيه إحسان محمد بإساءة حتى ضاع منه.
جلست سلمى تحدث حفصة لأول مرة بعد انتهاء الامتحانات، فكتبت بحماس وسعادة:
- هيييييح بقي خلصت امتحانات وفضيتلك يا حاجة. خلاص مبقاش في أي حاجة تشغلني عن مواصلة طريقي.
ابتسمت حفصة وأجابت بنفس الطريقة:
- هيييييح بقي وأنا كمان خلصت امتحانات واتشغلتلك.
ضحكت بتعجب وكتبت:
- يعني إيه؟
ابتسمت حفصة بتلقائية وكتبت:
- مش أنا قولتلك يا بنتي إن فرحي بعد الامتحانات؟
تذكرت سلمى حوارها السابق مع حفصة، فشهقت بذهول ممزوج بالسعادة وكتبت:
- هو اتحدد خلاص؟ طيب إنتي كنتي بتقولي حصل مشاكل مع خطيبك. قوللي وصلتوا لإيه صحيح.
- آه يا ستي اتحدد. بعد 3 أسابيع إن شاء الله.
صمتت قليلاً ثم كتبت بحزن:
- اضطريت أوافق إني أسافر مع إيهاب الإمارات. أنا مكنتش عاوزة أقولك عشان متزعليش وقولت أستنى لما تخلصي امتحانات بقي.
شعرت سلمى بسعادة بالغة وكتبت بمنتهى الحماس:
- ألف مليون مبارك يا حفصة. فرحت أوي والله. وبعدين عادي يا ستي هبقي أكلمك وإنتي هناك. ربنا يسعدك.
لم تكن تريد أن تكسر فرحتها في هذا الوقت بالتحديد، ولكن لابد أن تخبرها ولا يوجد حل آخر. ترددت للحظات ثم كتبت:
- سلمى.. أنا مش هينفع أتواصل معاكي وأنا هناك.
انتفضت سلمى من مكانها واتسعت عيناها وكتبت بخوف:
- ليه يا حفصة؟ يعني إيه؟ يعني أنا كده مش هينفع أكلمك تاني؟
ابتلعت ريقها بإحراج وكتبت:
- للأسف يا سلمى مش هينفع يكون عندنا نت في الأول كده لظروف ما عند خطيبي. بس أنا برضو واثقة فيكي وعارفة إنك هتعرفي تكملي طريقك لوحدك بإذن الله.
كادت أن تسقط دمعة من عين سلمى وكتبت بألم:
- يا حفصة أنا اتعودت عليكي خلاص. وإنتي كنتي سبب في كل الخطوات اللي أنا أخدتها دي. أعمل إيه من غيرك بعد كده بس؟
أغمضت حفصة عينيها وتنفست بعمق وابتسمت بإطمئنان وكتبت:
- بصي يا سلمى.. اسمعي الكلمتين اللي هقولهملك دول وحطيهم حلقة في ودنك وأوعي تنسيهم أبدا.
"اللي معاه القرآن والدعاء مش هيكون محتاج لأي إنسان. هما دول سلاحك اللي هتقوي بيهم نفسك."
تنهدت سلمى بحزن وكتبت:
- مش فاهمه؟
أرسلت لها وجه بريء وكتبت هامسة بحنان:
- من خلال معرفتي بيكي الفترة اللي فاتت دي لقيتك إنسانة بسم الله ما شاء الله قوية وقادرة على نفسك. بس كنتي محتاجة حد يشجعك تكوني أفضل وإنتي بالفعل بدأتي في الطريق ده. مهما حصل ومهما كانت العواقب أوعي تقفي أو توقفي تقدمك ده على شخص. يعني أنا هروح.. لكن سلمى هتفضل موجودة ولازم تكمل طريقها.
ابداي اقرئي في الجروب من جديد وحددي خطواتك بنفسك. لما تحسي إنك تعبتي ومش قادرة تكملي طريقك استخدمي سلاحك. معاكي الدعاء والقرآن.
افتحي المصحف وإنتي بتقولي لـ ربنا يارب ابعتلي رسالة. ابدأي دوري كل يوم على رسالة من ربنا ليكي لحد ما توصليلها. ادعي كتير أوي ربنا يقويكي ويثبتك. أوعي يا سلمى تستسلمي للشيطان واوعي حد يضايقك بكلمتين ويخليكي ترجعي عن هدفك.
معاكي قرآنك ودعائك يا سلمى فاهماني؟ معاكي سلاحك يا سلمى أوعي تتخلي عنه.
تسللت الدموع من عيني سلمى دون أن تشعر بهم. كتبت كلمات الوداع لحفصة:
- حاضر يا حفصة هحاول. هتوحشيني.
ابتسمت حفصة برقة وكتبت:
- يا بنتي أنا معاكي أهو. لسه فاضل 3 أسابيع متقلقيش. ادعيلي بس ربنا يصلح حالي وييسرلي أموري وبإذن الله أول ما الظروف تتظبط هفتح الفيس وأكلمك بس الله أعلم ده هيكون بعد قد إيه!
- بدعيلك دايماً والله من غير ما تقولي.
- آخر حاجة بقي يا بطـــــل. زي ما كنتي بتبعتيلي كل خطواتك وأنا موجودة. افضلي اعملي كده برضو حتى وأنا مش موجودة.. ممكن؟
- كنت هعمل كده أصلاً من غير ما تقولي. لأن حتى لو إنتي مشيتي روحك هتفضل معايا. ربنا يسعدك يا أحلى أخت في الدنيا.
- امسحي دموعك يا بت.. هتضربي.
وضعت سلمى يدها على وجنتيها فوجدت دموعها قد أغرقت وجهها بالفعل. مسحت دموعها متعجبة وكتبت بذهول:
- إنتي عرفتي منين؟!!
- حسيت.
- ربنا يحفظك يـــارب.
- ربنا يقربك منه أكتر ويجمعنا في الفردوس الأعلى اللهم آمين. معلش بقي هقوم دلوقتي عشان بجهز شوية حاجات كده أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
- مع السلامة يا حفصة.
ظل إسلام على هذه الحالة التي لا تتغير. يستيقظ من النوم لينام مرة أخرى. لا يعرف ماذا يفعل. لا يجد طعم للحياة بدون رفيق دربه. لا يعرف ماذا يفعل محمد الآن في قبره. هل هو سعيد أم حزين؟ هل قبره روضة من رياض الجنة أم حفرة من حفر النار؟ هل طيبة قلبه وحبه لكل الناس سيكون سببًا في دخوله الجنة؟ أم أن الجنة أعدت لأناس يخافون الله بحق ويعيشون ويموتون على طاعته؟
تكاد رأسه تنفجر من كثرة التفكير فيضطر للنوم ليخرج من هذا العالم الملئ بالألم إلى عالم آخر لا يشعر فيه بشيء.
أما عن والدته، فهي لا تتركه أبدًا. تدخل عليه بين الحين والآخر وقلبها يعتصر ألمًا عليه، ولكن ماذا تفعل؟ فهو لا يريد أن يفعل شيئًا سوى النوم. قررت أن تحاول معه مرة أخرى وهي تدعو الله أن يستجيب هذه المرة. طرقت الباب طرقات خفيفة فلم يفتح كعادته فدخلت عليه ووجدته ما زال مستيقظًا وينظر إلى سقف الغرفة كما يفعل كل يوم.
نظرت إليه بحنان وقالت:
- إنت صاحي يا إسلام؟
نهض من مكانه واعتدل في جلسته وقال بابتسامة خفيفة:
- آه صاحي.
مسحت على وجهه بحنان وقالت:
- عامل إيه يا حبيبي؟
أجابها بنفس الإبتسامة:
- الحمد لله.
رفعت حاجبها بمكر ونظرت في عينيه بعمق وقالت:
- طيب ومحمد عامل إيه؟
ازدادت ضربات قلبه عندما سمع اسم محمد ونظر لها بذهول ولم يتحدث.
أعادت عليه السؤال مرة أخرى وقالت بإصرار:
- بقولك محمد عامل إيه؟
أجابها بنفس الدهشة:
- عامل إيه إزاي يعني؟
ابتسمت قائلة بتساؤل:
- تفتكر هو عامل إيه دلوقتي؟
مط شفتيه للأمام وقال بضيق:
- مش عارف!
أمسكت كفيه ووضعتهما بين راحتيها وضغطت عليهما بشدة وقالت:
- هو ممكن يكون محتاجلك دلوقتي يا إسلام. لو عايز تساعده بجد يبقى حاول تغير من نفسك وتكون الإنسان اللي محمد كان عاوزه.
أجابها على الفور:
- منا روحت لفـ...
ثم قطع كلامه فجأة وابتلع ريقه بارتياح وقال:
- منا مش عارف أعمل إيه ولا أبدأ منين وكمان مش لاقي حد يساعدني. أنا فعلاً ندمت إني مسمعتش كلامه من الأول. وخوفت أوي كنت أموت وأنا على الحالة دي. كمان خايف يكون دلوقتي بيتعذب ومش لاقي حد يساعده ولا يعمل له حاجة. كل شوية أتخيل لو كنت أنا اللي مت كنت هعمل إيه؟ مجرد التخيل نفسه مرعب.
ربتت على كتفه وقالت بابتسامة:
- يمكن كانت غلطتي إني محاولتش أغرس فيكم الدين من وإنتوا صغيرين. كان كل همي تكونوا مبسوطين ومتفوقين وأفتخر بيكم قدام الناس. يمكن أنا غلطت يابني بس مش لازم إنت كمان تكرر غلطي. دور على الصحبة الصالحة اللي تعينك وشوف طريقك وامشي فيه صح. بلاش تبقى عايش كده وخلاص. أنا لما شفت خوفك على صاحبك وإحساسك بالمسؤولية تجاهه قلت لازم أجي أكلمك ولازم إنت كمان تعمل أي حاجة تساعده وتساعد نفسك بيها.
نظر لها بسعادة وقال بفخر:
- أول مرة أشوفك بتتكلمي كده يا امي.
تحسست وجهه بحنان وقالت هامسة:
- لما شفت موت محمد خفت إنت كمان تضيع مني وربنا ميكونش راضي عنك. لازم تلحق نفسك يا إسلام محدش ضامن عمره يابني.
- طيب أبدأ منين يا أمي؟ جايز لما أبدأ أحسن من نفسي شوية أحس إني ارتحت وبدأت أحقق وصية محمد.
عادت للخلف ونظرت إليه بتعجب وكأنها تذكرت شيئًا ما وقالت بتفكير:
- صحيح يا إسلام مش إنت كنت بتقول إن محمد عنده واحد صاحبه كده متدين؟ تشوفه يابني يمكن ياخد بإيديك.
شرد إسلام قليلاً وهو يتذكر توبيخ فاروق له. تذكر أيضًا عندما ذهب لمنزل فاروق ولكنه لم يعره أي اهتمام. انتشلته من شروده وهي تكرر كلامها فقال:
- لأ مش هينفع يا أمي.. قوللي حل تاني.
أخذت تفكر لثوان ومن ثم قفزت من مكانها بحماس وقالت:
- أنا إزاااي مجتش في بالي الفكرة دي؟ يابني الشباب الكويس هتلاقيهم مواظبين على الصلاة في الجامع. حاول إنت كمان تصلي كل الصلوات في الجامع وبإذن الله أكيييد هتلاقي الصحبة الصالحة هناك.
ثم نظرت إليه بعمق وقالت بصرامة:
- لأ مش حــاول. ده إنت لازم تعمل كده.
أعجب إسلام بالفكرة وقال بحماس:
- عندك حق.. أكييد هلاقي حد زي فاروق هناك.
غادرت والدته الغرفة وقد اطمئن قلبه قليلاً بعد حواره معها وأخذ يفكر في خطوته القادمة ولكنه سرعان ما أحس بالملل فذهب لإحضار الحاسب الخاص به ووضعه على الفراش. فتح حسابه على موقع الفيس بوك ونظر نظرة سريعة على قائمة أصدقائه فوجد سارة متصلة الآن.
وجد نفسه سريعًا يغلق الحاسب مرة أخرى. لا يعرف لماذا؟ هل أصبح لا يحبها؟ أم إنه لا يرغب في مزيد من الذنوب؟ والأرجح هو الحل الثاني.
أخذ يفكر قليلاً، هل سيفتحه مرة أخرى أم لا؟ ولكن قطع تفكيره صوت طرقات الباب.
ظل ينادي على والدته وعلى هند عدة مرات لكي تفتح إحداهما الباب، ولكنهما لم تسمعاه. فقرر أن يذهب ليفتح هو.
فتح بإبتسامته المعتادة، ولكن سرعان ما تحولت هذه الابتسامة إلى حالة من الذهول.
وقال بصوت مختنق:
- محمد!!
رواية في الحلال الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رقيه طه
سمع إسلام طرقات على الباب، فأخذ ينادي على والدته وهند لكي تفتح إحداهما الباب، ولكنهما لم تسمعاه.
فقرر أن يذهب ليفتح هو.
فتح بإبتسامته المعتادة، ولكن سرعان ما تحولت هذه الإبتسامة إلى حالة من الذهول وقال بصوت مختنق:
- مــــحـــــمــــــــد !!
رأى محمد أمامه ينظر له بإبتسامته المعتادة ووجهه المشرق.
أقترب منه ليرتمي في أحضانه ويعتذر له عن كل ما حدث.
يطلب منه السماح ويعده بأن يكون الشخص الذي تمناه طوال حياته.
أقترب منه أكثر ليلمسه ولكنه لم يجده.
نعم، إنه كان يتخيل.
كثرة التفكير في محمد جعلته يتخيل وجوده معه الآن.
جعلته يسمع نفس نقرة الباب التي كان يفعلها محمد.
جعلته يراه بنفس وجهه المشرق الباسم.
جعلته يشعر بروحه الطيبة.
جعلته يتألم.
نعم يتألم.
فكيف لإنسان أن يكون له صديق مثل هذا ويذهب منه هكذا دون سابق إنذار.
هل من الممكن أن يجد صديقًا آخر يحبه كحب محمد له؟
صديق يحبه أكثر من نفسه؟
في الغالب لا.
فشخص مثل محمد لا يتكرر كثيرًا.
أغلق الباب خلفه وذهب لغرفته كالعادة.
ولكن هذه المرة لن يجلس ويتذكر ذكرياته مع صديق عمره ويتألم ويشعر بالمرارة.
لا.. بل سيعمل.
نعم سيعمل على نفسه ليصبح أفضل.
سيستثمر هذه الإجازة أفضل استثمار.
لن تكون إجازة مثل باقي الإجازات.
لا.. بل سيخرج منها إسلامًا جديدًا.
نظر إلى وجهه في المرآة وقال بصرامة:
- حــــاضر يا محمد. هكون زي ما إنت عايز بإذن الله.
***
أخذت سلمى تفكر كثيرًا في كلمات حفصة.
لا تعرف كيف ستعيش بدونها بعد أن اعتادت عليها.
ولكنها كانت تتذكر دائمًا كلماتها الأخيرة:
"معاكي قرآنك ودعائك يا سلمى فاهماني؟ معاكي سلاحك يا سلمى اوعي تتخلي عنه."
وأخذت تردد:
- معايا سلاحي صح. اللي معاه ربنا مش هيحتاج مساعدة من حد.
ثم نظرت لنفسها في المرآة وقالت بقوة:
- إنتي قوية يا سلمى وهتقدري على نفسك. هتواجهي الناس كلها ومش هيهمك كلام حد طالما اللي بتعمليه ده يرضي ربنا. انتي اللي هتتحاسبي لوحدك يا سلمى ومحدش هينفعك. فوقي كده وواصلي طريقك بنفسك. انتي قوية وهتعمليها بإذن الله.
ثم نظرت إلى الأرض وقالت هامسة:
- بس كل شوية يتريقوا والموضوع كده بقى متعب أوي.
رفعت رأسها مرة أخرى وقالت بحماس:
- مايهمنيــــــش. أنا اللي صح وهما اللي غلط. يبقي المفروض مين يتكسف من مين بقى؟
نظرت للسماء وقالت برجاء:
- يــــــارب قدرني على مواجهتهم. يـــارب ثبتني على طاعتك. يـــــارب قربني منك أكتر وإرضي عني وإجعلني من أهل الجنة وأحشرني مع الأنبياء والصحابة يــــارب.
ثم نظرت للمرآة مرة أخرى وحدثت نفسها مبتسمة:
- كده بقى يا ست سلمى عملنا الآتي:
- بطلنا مسلسلات وأفلام.
- بدلنا الأغاني وخليناها أناشيد.
- بطلنا نكلم أولاد إلا للضرورة.
- واظبنا على الصلاة في البيت وبرا البيت.
- بطلنا البنطلونات اليـــع دي!
- بطلنا ننشر صور بنات على النت.
امممم أعتقد بقى الخطوة الجاية المفروض أطول الطرحة شوية تلاتة خمسة كده. وكمان أبطل أسلم على رجال. هييييح بقى. يــــــارب قدرني ومحدش يكسفني وخصوصا في حكاية السلام دي.
وفي وسط ما كانت سلمى غارقة في أحلامها وطموحاتها.
إذ تدخل عليها ولاء متسائلة:
- سلمى هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
نظرت لها سلمى بإبتسامتها المعتادة وقالت:
- قــــول ياعم أبو عصام.
تنحنحت ولاء بحرج وقالت:
- مش هتزعلي يعني؟
زفرت سلمى بقوة وقالت:
- يا بنتي إخلصي. منا عارفة إنك هتقولي حاجة رخمة كالعادة.
ضحكت ولاء بإستفزاز وقالت:
- هو إنتي لسعتي؟
أطلقت سلمى ضحكة عالية وقالت بتعجب:
- إشمعني؟
- أنا متابعة الحوار العجيب اللي إنتي عملتيه مع المراية ده. حاسة إنك من ساعة ما عرفتي حفصة دي وإنتي لاسعة شوية كده. ما تقوليلي إيه الموضوع يمكن أقدر أقدم أي مساعدة.
شعرت سلمى بالحرج وضربت أختها على كتفها قائلة بضيق:
- يابويا على الرخامة بتاعتك. مش تقولي من بدري إنك سامعة يا بنتي!! عادي يعني إيه المشكلة لما الواحد يكلم نفسه شوية ويرتب أفكاره؟ حرام ولا إيه؟
- لا مش حرام ولا حاجة. براحتك.
عقدت ذراعيها أمام صدرها ورفعت حاجبها قائلة:
- طيب لما هو براحتي يبقى لما تلاقيني بكلم نفسي شوية سيبيتي لوحدي عشان أرتب دماغي وأفكاري. مش كل شوية تنطيلي كده وتقعدي تسأليني على اللي بفكر فيه.
زفرت ولاء بضيق وقالت بعصبية:
- وهي دي مش أوضتي أنا كمان ولا إيه؟
أومأت برأسها إيجاباً وإبتسمت موضحة:
- عارفة إنها إوضتك إنتي كمان. بس لازم يا ولاء تحترمي حريتي. لازم تكوني عارفة إني ليا مساحتي الخاصة ومش بحب حد يتدخل فيها.
رفعت ولاء حاجبها وقالت بعدم فهم:
- يعني إيه؟ مش فاهمه حاجة.
ربتت على كتفها بحنان وقالت:
- بصي يا ولاء. كل إنسان فينا بيكون ساعات محتاج يقعد مع نفسه من غير دوشة. محتاج يفكر كتير في حياته ويرتبها صح. محتاج من وقت للتاني يظبط دماغه ويظبط أولوياته. علشان كده ما ينفعش كل ما تشوفيني سرحانة مثلاً أو بفكر الاقيكي جاية تعترضي وتتريقي على تفكيري ده.
ثم اردفت قائلة:
- أنا من حقي أعمل أي حاجة في الدنيا طالما مش بغضب ربنا. ومحدش من حقه يمنعني أو يتريق على تصرفاتي دي. فاهماني؟
عقدت ولاء ذراعيها أمام صدرها ورفعت حاجبها للأعلى وقالت بضيق:
- أومال إشمعني بقى كل شوية تقوليلي ما تعمليش كذا علشان حرام. عيب. ميصحش؟ مش إنتي بتقولي كل واحد حر في تصرفاته.
ضحكت رغماً عنها وقالت:
- هتفضلي طفلة وعنديه كده لحد إمتي يا ولاء؟ كملي الكلام للآخر يا بنتي. كل واحد حر في تصرفاته طالما مش بيغضب ربنا. لكن لما أشوفك بتعملي حاجة حرام ما ينفعش أسكت عليها. تمام يا باشا؟
أومأت برأسها إيجاباً وتركتها وغادرت كعادتها.
***
بدأ إسلام في تنفيذ الخطة.
يذهب إلى المسجد محاولاً البحث عن الصحبة الصالحة ويعود مرة أخرى بلا فائدة.
مر حوالي شهر وهو على هذه الحالة.
لم يشعر بالراحة التي كان يتوقعها.
هل الخطأ منه أم من الظروف؟
ظل يدور في غرفته لبعض الوقت محاولاً التفكير.
ثم نهض فجأة وذهب لغرفة هند وطرق الباب بمرح وقال:
- بــت يا هند إفتحي الباب.
إتسعت عينا هند من الدهشة وهرولت بإتجاه باب غرفتها وقامت بفتحه على الفور وقالت بسعادة:
- أخيييرا يا إسلام بدأت ترجع لطبيعتك. من زمـــان اووي مشوفتكش بتقولي كده.
أخذ ينظر لها بضع لحظات ثم جذبها من يدها وأجلسها بجواره على الفراش وقال بإبتسامة خفيفة:
- بحــاول والله يا هند بس مش قادر. حاسس إن حياتي ملهاش معنى. حتى التجربة اللي بدأت فيها باين عليها فشلت! قولت أجي أتكلم معاكي شوية يمكن أرتاح.
تنهدت بأريحية وقالت بحنان:
- يـــــاه يا إسلام أخيييرا. منا ياما حاولت معاك إنك تفضفضلي بس إنت مكنتش بتوافق. هاه قولي يا سيدي إيه الخطه اللي كنت بتقول عليها دي؟ وليه فشلت؟
إلتف لها بكامل جسده وقال بجدية:
- كنت يا ستي قررت كده خير اللهم أجعله خير يعني إني أبطل استهتار شوية وأعيش حياتي صح علشان أحقق حلم محمد اللي كان طول عمره بيحلم بيه وأنا مكنتش بوافقه ساعتها. يمكن عرفت غلطي بس متأخر شوية! علشان كده بقى قولت أكيد هلاقي الصحبة الصالحة في المسجد وكنت فاكر الموضوع سهل كده. وبقالي حوالي شهر أهو مواظب على الصلاة في الجامع بس للأسف ملقيتش الصحبة الصالحة برضو.
عارفه ليه؟
نظرت له متلهفة وقالت:
- ليه؟
نظر لها والحزن يملأ وجهه وقال بصوت منخفض:
- لأن تقريبًا كل اللي كنت بشوفهم هناك رجالة كبار، وبصراحة كنت بتكسف أروح أتكلم معاهم. كنت متوقع إني ألاقي شباب في سني كتير هناك، بس للأسف شفت غير كده خالص. معقولة يعني الشارع كله مفيهوش شاب مواظب على الصلاة في الجامع؟
ابتسمت هند قائلة:
- طيب ما انت زيهم يا إسلام، مستغرب ليه بقى؟
شعر بالحرج من كلماتها وقال هامسًا:
- عندك حق. بس خلاص أنا واظبت على الصلاة في الجامع أهو، وبرضو مش حاسس بحاجة. يعني مش حاسس بطعم الصلاة، ومش حاسس إني بدأت أقرب من ربنا شوية ولا أي حاجة. عامل زي الآلة بروح وأجي وخلاص. مش عارف ليه؟
ربتت على كفه بخفة ونظرت له للحظات ثم ابتسمت قائلة:
- بص يا إسلام، لو انت قررت تتغير عشان عاوز تبقى زي ما محمد بيتمنى وخلاص، يبقى عمرك ما هتحس بحلاوة القرب من ربنا. أما بقى لو عاوز تتغير عشان ترضي ربنا بجد، وعشان نفسك وروحك تكون متعلقة بالله وكده. ساعتها بس هتحس بحلاوة الإيمان. يعني انت بتتغير عشان نفسك أولاً وأخيراً.
فاهمني؟
ابتسم لها بسعادة وقال مازحًا:
- إيه الكلام الكبير ده يا عم! والله الواحد عمال يكتشف حاجات غريبة في البيت ده، زي ما أكون ما كنتش عايش معاكم قبل كده!
ثم أردف قائلاً:
- تفتكري يا هند هو ده الحل فعلاً؟
نظرت له بثقة وأومأت برأسها إيجابًا، فنظر لها بفرحة كالأطفال وقال:
- طيب هتساعديني؟
جلست تفكر للحظات ثم قالت بتردد:
- بص أنا هشجعك، لكن ما أوعدكش إني هعمل زيك.
نظر لها بلوم وقال بحزن:
- ليه؟
- معلش يا إسلام خليني على راحتي. أنا هحاول بإذن الله أعمل كل اللي أقدر عليه معاك علشان ترتاح وترجع زي زمان، لكن أنا حابة نفسي كده.
- ماشي يا هنود براحتك، وبإذن الله هرجع أفضل من الأول.
ظهرت نتيجة امتحانات نهاية العام. كانت الفرحة تعم بعض المنازل، بينما الحزن والبكاء يعم البقية، ولكن بفضل الله استطاع أبطالنا الفرار بأنفسهم من عام دراسي إلى عام دراسي آخر.
حصلت سلمى وهند على تقدير: جيد.
بينما حصلت فاطمة على تقدير: مقبول.
كان من المعتاد حصول إسلام ومحمد على تقدير جيد جدًا ككل عام، ولكن في هذا العام حصل إسلام على تقدير جيد فقط، بينما حصل فاروق على تقدير جيد جدًا أيضًا. أما عن ولاء فهي تستعد الآن لاستقبال سنة "الرعب" في وجهة نظر الطلاب، والتي يطلق عليها ثانوية عامة.
صعد إسلام للفرقة الرابعة بكلية الهندسة، بينما صعدت كل من سلمى وفاطمة وهند للفرقة الثالثة.
بدأ إسلام يعيد ترتيب أفكاره ويفكر في كل ما قالته هند. نعم، إنها محقة. فهو يجب أن يتغير لنفسه وليس لأحد آخر. أخذ قراره بأن يذهب للصلاة بقلبه. يحاول استشعار أنه يريد أن يذهب للمسجد لكي يقابل ربه، لكي يجلس في هذا المكان المريح للنفس خمس مرات في اليوم الواحد، لكي يقترب من الله أكثر ويعرف عن دينه أكثر. كان عندما يعلم أن هناك درسًا بعد الصلاة ينتظر ليسمعه، كان يشعر بانشراح قلبه وشعر أخيرًا بلذة سماع كلام الله ومعرفة دينه.
أصبح كالمدمن للصلاة في المسجد. لم يعد يترك صلاة واحدة حتى صلاة الفجر التي كان يتركها دائمًا أصبح الآن يصليها بالمسجد دوماً. لم يكن يعرف ما هي الخطوة القادمة، ولكن كل ما حرص عليه هو المواظبة على الصلاة في المسجد فقط.
وفي يوم من الأيام جلس بعد صلاة المغرب لسماع درس المغرب. كان عن فضل القرآن الكريم، وفي وسط الكلام قال الإمام هذه الآية التي فسرت لإسلام كل شيء:
"وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا".
هتف لنفسه قائلاً:
- اااه علشان كده بقي، مش لاقي حياتي ولا لاقي نفسي لأني بعيد عن ذكر الله. فين القرآن اللي المفروض أكون حافظه أو على الأقل فاهمه وبعمل بيه؟ فين لساني اللي دايما بيردد الأذكار والاستغفار والصلاة على النبي؟ إزاي زعلان إني مش حاسس بحاجة وهو التقصير مني أنا أصلاً.
تنهد تنهيدة قوية ونظر للفراغ نظرة حادة وقال بثقة:
- بس الوضع ده مش هيستمر كتير. أنا لازم ألاقي نفسي.
عاد إلى منزله مهرولاً ودخل غرفته. فتح مصحفه الذي لم يفتح منذ زمن. بدأ يقرأ فيه ولكن هذه المرة يقرأ بقلبه بدلًا من لسانه.
كان يقرأ ببطء شديد. لم يهتم بعدد الصفحات ولكن اهتمامه كان بعدد الآيات التي تقشعر لها بدنه. ظل يقرأ بهدوء ويحاول فهم واستشعار معنى كل آية. لم يترك آية واحدة إلا عندما ينظر لتفسيرها ويفهمها جيدًا.
انتهى من القراءة فوجد نفسه قد قرأ ثلاث صفحات فقط ولكنه كان سعيدًا للغاية لاستشعاره بكلمات القرآن تمس قلبه. استلقى على الفراش وأخذ المصحف ووضعه فوق صدره وضمه بقوة وأغمض عينيه وذهب في النوم.
كان يوم الجمعة يوم التجمع العائلي في منزل سلمى وذلك لأن والدها أكبر إخوته. وجدت جدته سلمى اليوم المناسب لتنفيذ خطتها.
كان من المعتاد أن يجلس والد سلمى وإخوته في صالة المنزل بينما يجلس الأولاد مع بعضهما البعض في الغرفة المفتوحة على الصالة.
في السابق كانت سلمى تمزح وتمرح معهم بشدة لأنهم بمثابة إخوة وإخوات لها، ولكنها حاولت بقدر الإمكان التقليل من هذا المرح المفرط لعلمها بأنهم أجانب عنها وحكمهم كحكم أي راجل آخر.
انتظرت سلمى في غرفتها حتى دخلوا جميعًا وجلسوا باعتبار أنها مازالت ترتدي ملابسها. خرجت وألقت التحية على والدها وإخوته ومن ثم ذهبت ووقفت على حافة باب الغرفة التي يجلس فيها الأولاد قائلة بابتسامتها المعتادة:
- ازيكم يا جماعة عاملين إيه؟
ردد الجميع التحية، بينما اختارت هي أقرب كرسي للباب وجلست عليه. نظرت لها ابنة عمها بتعجب وهتفت قائلة:
- إيه يا بنتي مش تسلمي؟
أحست سلمى بالإحراج ولكنها سرعان ما وجدت حلاً للموقف فقالت بمرح:
- يعني أسلم دلوقتي ولا أروح أجيب العصير؟ العصير أهم طبعًا.
ثم قفزت من مكانها وذهبت مسرعة إلى المطبخ. تنفست الصعداء فقد تم تنفيذ الخطة بنجاح ولم تصافح أي شاب باليد كما كانت تفعل في السابق. أحضرت أكواب العصير وقامت بتقديمها وجلست وقد شعرت بالراحة الشديدة. ولكن هذه الراحة لم تدم طويلاً. فقد رن جرس الباب ونادى عليها والدها لتفتح الباب. نهضت وهي تلقي نظرة سريعة على الحضور فتذكرت أن ياسر ابن عمها لم يأت بعد فأحست بالاختناق وقالت لنفسها بتوتر:
- يادي النيلة. طب وأنا أعمل إيه دلوقتي بقي؟
أخذت تمشي كالنملة لتحاول التفكير بقدر المستطاع في كيفية الخروج من هذا الموقف.
فتحت الباب وبالفعل كان ياسر الطارق. مد يده ليصافحها قائلاً بابتسامة خفيفة:
- إزيك يا سلمي.
أحست بالتوتر الشديد ولم تكن تعرف ماذا تفعل فخرجت منها الجملة بكل براءة:
- إيدي مش بتسلم!
قطب حاجبيه وفتح فمه ونظر لها متعجبًا وقال:
- إيه؟
تنحنحت قائلة بإحراج:
- إيدي مش بتسلم على رجالة. إحـم قصدي يعني بطلت أسلم على رجالة.
وقبل أن يستطيع الرد عليها كانت قد اختفت من أمامه.
عبر الممر ودخل إلى الصالة وهو يضحك فسأله الجميع عن السبب فأجاب قائلاً:
- سلمى مرضيتش تسلم عليا وبتقولي إيدي مش بتسلم على رجالة!
أطلق الجميع ضحكات عالية اخترقت أذن سلمى وهي في غرفتها. تحسست وجهها وإذا به ساخن جدًا وتتساقط منه حبات العرق. جلست على طرف الفراش وهي تقول بتوتر:
- طب وأنا أخرج إزاي دلوقتي بقي؟
ثم نظرت للمرآة وقالت بحسم:
- خلاص مش طالعة. مش مهم النهارده بقي.
وقبل أن تكمل قرارها نادى عليها والدها مرة أخرى قائلاً بصوت مرتفع:
- ياسلمي. تعالي هاتي عصير لابن عمك.
كادت أن تصرخ من كثرة الإحراج فقالت لنفسها بضيق:
- يعني لازم أنا يا بابا. ما تخلي ولاء تجيب طيب.
ثم تنهدت قائلة:
- أمري لله هطلع لما نشوف أخرتها.
خرجت من غرفتها متوجهة إلى المطبخ. أحضرت كوب العصير وذهبت به إلى ابن عمها وقدمته إليه وهي تنظر للأرض بحرج وقبل أن تغادر المكان لتعود إلى الكرسي الخاص بها.
قال ياسر بطيبة:
- بس إنتي جدعة على فكرة.
تعجبت سلمى ولكنها نظرت له بابتسامة ولم تتحدث فأردف قائلاً:
- إعملي اللي إنتي مقتنعة بيه بس واوعي يهمك أي حد.
ثم نظر للجميع وقال ضاحكًا:
- عارفين اللي هيفكر يسلم عليها تاني هقطعله إيده.
كادت أن يغشى عليها من الإحراج ولكنها كانت في غاية السعادة. فياسر قد ساعدها كثيرًا في قرارها وسهل عليها الأمر بشدة. هذا الموقف جعلها تتحمس أكثر لتفعل المزيد فخرجت لوالدها وإخوته ووقفت أمامهم قائلة بسعادة:
- ممكن تيجوا تقعدوا معانا بقي؟ يعني مش معقول كده كل مرة نقعد لوحدنا ومنشبعش منكم.
ثم نظرت لعمها قائلة بحنان:
- ولا إيه يا عمو؟
تبسم عمها قائلاً:
- عندك حق والله يا بنتي. بس تعالوا انتوا بقي علشان هنا المكان أوسع.
كادت أن تقفز من مكانها لولا خوفها من أن يراها أحد. فقد نجحت هذه الخطة أيضًا. دخلت وأخبرت الأولاد ورحبوا جميعًا بالفكره وخرجوا للجلوس مع الكبار لكي تجتمع العائلة كلها في مكان واحد.
في المساء جلس إسلام أمام كتاب سيرة الرسول للشيخ محمود المصري الذي أحضره عقب صلاة الجمعة مباشرة. نظر إليه بسعادة فأخيرًا سوف يعرف أكثر عن نبيه. فتح الصفحة الأولى وبدأ يقرأ فيها حتى وصل للصفحة العاشرة. تركه وذهب إلى المطبخ ليحضر زجاجة المياه ويعود مرة أخرى ليكمل القراءة ولكن أثناء عودته سمع طرقات الباب. لم يهتم في البداية وأحس أنه يتخيل كالمرة السابقة ولكنه سمعها مرة أخرى مما جعله يذهب ليفتح الباب.
فتح الباب بابتسامته المعتادة ولكن عيناه اتسعت بشدة عندما رأى الطارق!
لـ رقيه_طه
يتبع............
رواية في الحلال الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رقيه طه
في المساء جلس إسلام أمام كتاب سيرة الرسول للشيخ محمود المصري الذي أحضره عقب صلاة الجمعة مباشرة. نظر إليه بسعادة فأخيرًا سيعرف أكثر عن نبيه. فتح الصفحة الأولى وبدأ يقرأ فيها حتى وصل للصفحة العاشرة. تركه وذهب إلى المطبخ ليحضر زجاجة المياه ويعود مرة أخرى ليكمل القراءة، ولكن أثناء عودته سمع طرقات الباب. لم يهتم في البداية وأحس أنه يتخيل كالمرة السابقة، ولكنه سمعها مرة أخرى مما جعله يذهب ليفتح الباب.
فتح الباب بابتسامته المعتادة، ولكن عينيه اتسعت بشدة عندما رأى الطارق.
فقط رأى فاروق واقفًا يبتسم له بحنان ويمد ذراعيه له. تعجب من المنظر فلم يتحرك.
ولكنه سرعان ما شعر بفاروق وهو يجذبه نحوه ويأخذه في حضنه ويقول بإحراج:
- أنا آسف. والله ما كان قصدي.. بس شكل محمد وهو بيموت قدام عيني كان صعب قوي ومقدرتش ألاقي حد أطلع فيه اللي جوايا غيرك.
ثم ضمه بقوة أكبر وقال:
- عارف إني مكنش المفروض أعمل كده.. وبجد قلبي وجعني قوي لما لقيتك جيلي البيت وأنا مشيتك زعلان كده بس مكنتش قادر أسامحك. ودلوقتي أنا جيت أعتذر أهو وأصلح غلطي فهل هتقبل اعتذاري؟
شعر إسلام بالسعادة تغمر قلبه فنظر لفاروق قائلاً بمرح:
- طب ابعد كده يا عم. حد يشوفنا ويفهمنا غلط.
ارتفعت ضحكة فاروق وقال بسعادة:
- يعني سامحتني صح؟
ربت إسلام على كتفه قائلاً بابتسامة:
- سامحتك طبعًا. أنا تقريبًا مكنتش عايش الفترة اللي فاتت دي ومكنش عندي فرصة أصلًا إني أزعل منك لأن قلبي كان واجعني على محمد. بس من كام يوم كده بدأت أقرب من ربنا والحمد لله قلبي بدأ يرتاح. وأديك دلوقتي جيت أهو وفرحتني زيادة.
ظهرت ملامح السعادة والبهجة على وجه فاروق وهم أن يضم إسلام مرة أخرى، ولكنه
سرعان ما وجد إسلام يبتعد ويقول مازحًا:
- خلاص ياعم إنت مصدقت. قولنا عيب الله.
أحس فاروق براحة الضمير أخيرًا وأن الهدف من الزيارة قد انتهى بنجاح فقال لإسلام بابتسامة:
- طب يا إسلام أنا همشي دلوقتي بقى. هنتقابل تاني كتير بإذن الله ومعلش لو جيت في وقت متأخر ولا حاجة بس مكنش ينفع أنام النهارده غير لما أصالحك.
تبسم إسلام وصافحه وودعه ومن ثم دخل إلى غرفته وأغلق الباب خلفه وهو يتنهد بارتياح ويقول:
- اللهم لك الحمد. يارب ريح قلبي كمان وكمان.
ثم أمسك كتاب سيرة الرسول مرة أخرى وشرع في القراءة.
في اليوم التالي اتصل إسلام بفاروق وطلب منه لقاءه ليحدثه في أمر هام. وبالفعل تقابلا وصافح كلا منهما الآخر وبدأ إسلام في الموضوع مباشرة وقال:
- بص يا سيدي كان في واحد أعرفه عنده مشكلة كده وكنت عايز آخد رأيك فيها عشان هو محتار.
- تحت أمرك.
حاول إسلام التحكم في تعبيرات وجهه كي لا يفهم فاروق وقال مبتسمًا:
- هو عرف بنت من على النت واتكلم معاها فترة كده والموضوع اتطور لحب وبعدين شوية تجاوزات كده في الكلام. يعني مش كتير أوي بس هو برضه مش مرتاح. هو طبعًا ناوي يتجوزها بس لما يتخرج ويشتغل. هو كده عادي ولا إيه؟
- إنت متأكد إنه بيحبها يعني زي ما بتقول؟ يعني لو بعد عنها فترة كبيرة مش هيقدر؟ ولا هيكون مرتاح أكتر؟
تردد إسلام قليلًا ثم قال:
- بص هو حصل معاه ظروف كده ومبقاش يكلمها كتير وكان عايش عادي يعني. بس هو برضه حاسس إنه بيحبها.
تيقن فاروق أن إسلام هو صاحب المشكلة ولكنه لم يرد أن يحرجه فأكمل قائلاً:
- بص يا سيدي مبدئيًا كده لا يجوز إنه يتكلم معاها لأن ربنا أكيد مش هيكون راضي عن كلامهم ده لأنهم أجانب عن بعض. كمان أعتقد إن هو مش بيحبها ولا حاجة زي ما إنت بتقول.
أجاب إسلام بسرعة رهيبة:
- لا والله هو مش بيلعب بيها. هو بيحبها فعلاً.
حاول فاروق كتم ضحكاته بداخله وأخيرًا استطاع بعد عناء وأكمل بهدوء:
- بص يا إسلام. هو ممكن الإحساس اللي حاسس بيه ده مجرد فرحة بالاهتمام أو الكلمتين الحلوين اللي بيتقالوا أو الحالة الرومانسية اللي بيعيشها أو كده. لكن حب بجد معتقدش. لأن اللي بيحب حد بجد بيحافظ عليه من نفسه أصلًا.
ثم تنهد بسعادة وقال:
- يعني عندك أنا مثلا بـ..
قاطعه إسلام بسرعة وقال بذهول:
- إنت إيه؟ معقولة تكون بتحب والكلام ده؟
قفزت السعادة على وجه فاروق عندما تذكرها وحاول إخفاءها ولكنه لم يستطع فقال بسعادة:
- بص هو أنا مش عارف اللي أنا حاسس بيه ده حب ولا لأ. لكن كل اللي أقدر أقولهولك إني مش متخيل مراتي تكون واحدة غيرها ومستني بفارغ الصبر اليوم اللي أتخرج فيه وأشتغل عشان أروح أتقدملها.
ظل إسلام ينظر لفاروق وهو يتحدث بخجل هكذا حتى انتهى فقال بمرح:
- سيدي يا سيدي. إيه يا عم مانت طلعت رومانسي أهو. أمال عمال تقولي حرام ولا يجوز ليه؟
أطلق فاروق ضحكة عالية وقال:
- ياعم طب استنى بس لما أكمل كلامي. بص يا سيدي. أنا آه بتمناها بقالي كتير قوي تكون من نصيبي بس والله عمري ما حسستها بحاجة ولا حاولت ألفت انتباهها بأي شكل من الأشكال. كمان لو شفتها بالصدفة دائمًا بغض بصري عنها عشان أحافظ عليها من نفسي.. يعني بحاول دائمًا أتقي الله فيها ومعملش أي ذنب يخلي ربنا يغضب عليا..
أقولك الصراحة؟ هو أصلًا المفروض الواحد ميعلقش قلبه بحد ويدعي بس ربنا دائمًا يرزقه بالزوجة الصالحة وألا يعلق قلبه بأحد سوى الله. وأنا فعلًا حاولت كتير بس معرفتش. فقولت بقى خلاص آخد خطوة إيجابية وأحاول أجتهد في دراستي عشان أجيب تقدير وأشتغل بسرعة وبعدها أروح أتقدملها. بس يا سيدي دي كل الحكاية.
كان إسلام ينظر لفاروق وهو يتحدث وكأنه يراه لأول مرة. كانت السعادة تقفز من وجهه وتحيط بكل ما حوله فلم يستطع الصبر أكثر من ذلك فسأل بشغف:
- طب وهي عارفة؟
انتفض فاروق من مكانه ونظر له بخوف وقال:
- لأ طبعًا يابني متعرفش. منا قولتلك بحافظ عليها من نفسي وبتقي ربنا فيها حتى من قبل ما تكون من نصيبي. يعني مستحيل أصلًا أحاول ألفت انتباهها ليا.
نظر له إسلام متعجبًا وقال:
- طب ماهي لازم تعرف عشان تستناك؟ أو على الأقل عشان تعرف هي بتبادلك نفس الشعور ده ولا لا.. صح ولا إيه؟
قال فاروق بثقة:
- لأ غلط طبعًا. لأن قلوبنا بين إيدين ربنا يقلبها كيف يشاء. يعني أنا دلوقتي هتقي ربنا فيها وأعمل كل اللي أقدر عليه عشان أوصلها بالحلال وساعتها أنا متأكد إن ربنا مش هيخذلني.
نظر له إسلام بإعجاب وقال متلهفًا:
- إنت بتقول إنك ساعات بتشوفها بس بتغض بصرك. يعني على كده ممكن أكون أنا كمان أعرفها صح؟
أومأ برأسه إيجابًا وقال:
- إنت فعلًا تعرفها. بس من بعيد شوية.
قال بلهفة أكبر:
- طب هي مين بقى هاه هاه هاه؟
ضربه على كتفه بخفة وقال بمرح:
- وإنت مالك يا عم. أما حشري صحيح. وبعدين هو إنت سبت موضوع صاحبك ومسكت فيا أنا؟
أطلق إسلام ضحكة عالية وقال:
- آه صحيح والله نسيت. طب يعني أقول لصاحب المشكلة ده يعمل إيه؟
نظر له بجدية وقال:
- بص يا سيدي هو هياخد قرار إنه مش هيكلمها تاني أبدًا عشان رضا ربنا. ويفتكر دايما إن "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه" يعني هو يتركها لله ولو فعلًا ليه نصيب فيها هيقدر يوصلها في الحلال بإذن الله. ولو مش هي دي مراته اللي مكتوباله يبقى وفر على نفسه الذنوب اللي كان هياخدها بدون سبب.
نظر له إسلام بحيرة وقال:
- طب ماهي كده هتقول عليه كذاب وبيضحك عليها!!
ربت على كتفه وقال بابتسامة:
- صحيح ممكن ده يحصل. بس هو لازم يحط في دماغه إن رضا ربنا أهم من أي حاجة. وكمان والله بعد ما يبطل يكلمها هيحس براحة كبيرة ويمكن ساعتها كمان يعرف إنه ولا كان بيحبها ولا حاجة. هو بس كان عاجبه الجو والاهتمام وخلاص. عمومًا قوله يجرب ويدعي ربنا يقويه ويقدره على اجتياز الموضوع ده بسلام.
تنهد إسلام بحيرة وقال:
- ماشي هقوله.
عاد إسلام إلى المنزل وهو يفكر في كلمات فاروق. أعجب كثيرًا بعفة فاروق وفكرة حفاظه على هذه الفتاة حتى من نفسه. لقد علم الطريق الذي يجب أن يسير فيه وبدأ بالتنفيذ. ترك الموضوع لله وبدأ هو في إعداد نفسه لكي يكون رجلاً بحق ويستحقها. لم يرد أن يغضب الله لأن رضا الله عنده أهم من أي شيء آخر ولأنه يعلم أيضًا أن قلبها بيد الله ومحال أن يحصل على قلبها بعدما أغضب الله.
لقد خاف عليها حتى من "نظرة" أو "كلمة" وكان على يقين بأن الله لن يخذله أبدًا.
أخذ إسلام يقارن حاله بحال فاروق. وجد أنه أخطأ تمامًا عندما قبل بالتحدث مع فتاة أجنبية عنه بحجة الحب أو الزواج. فأي حب أو زواج هذا الذي يأتي من الإنترنت؟
وهل يظهر الإنسان على حقيقته على الإنترنت حتى يستطيع كل منهما معرفة الآخر بدقة؟
أخذ قراره بأن يحاول حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن. ولكن لماذا في أقرب وقت؟ سوف يبدأ من الآن. انتظر الوقت الذي يعرف أنها معتادة على الجلوس فيه وفتح حاسبه وقام بالدخول على موقع فيس بوك. تنهد بعمق عندما وجدها موجودة بالفعل.
جلس يفكر بضع دقائق ومن ثم حسم أمره وقرر خوض المعركة. أرسل لها قائلاً:
- إزيك يا سارة؟
أجابته بفرحة:
- إسلام ازيك؟ أنا الحمد لله تمام جداً. أخيراً بقى فكرت تكلمني.
ابتلع ريقه وتردد كثيراً. هل يكمل أم لا؟ ولكن حسم أمره وكتب بجدية:
- الحمد لله.
ثم سكت قليلاً وكتب:
- سارة كنت عايز أقولك على موضوع مهم. هل هتسمعيني؟ ومش عايزك تفهميني غلط أرجوكي.
شعرت بالتوتر والقلق فأجابت مسرعة:
- قول.
حاول تجميع أفكاره وترتيب كلماته في رأسه قبل إلقائها عليها. تنهد بعمق وكتب:
- بصي إحنا مش هينفع نكمل مع بعض.
اتسعت عيناها بشدة وكتبت بغضب:
- لا والله!!! هاه وإيه كمان؟
ابتلع ريقه وتحسس حرارة وجهه الساخن وكتب بتوتر:
- استني هفهمك. أنا عرفت إن كلامنا مع بعض لا يجوز وإن إحنا ماينفعش نفضل نتكلم أكتر من كده إلا لما يكون بيننا ارتباط شرعي. فأنا قولت أقولك نبطل نتكلم مع بعض خالص دلوقتي لحد ما أتخرج بإذن الله وأجي اتقدملك. إيه رأيك؟
زفرت بضيق وكادت أن تحطم الهاتف وكتبت:
- تصدق فكرة حلوة. بجد والله. تقعد تقولي حرام ومش حرام ومعرفش إيه وبعدين تخلع!
قطب حاجبيه ونظر للشاشة بغضب وكتب:
- أخــلع؟ هو ده اللي إنتي تعرفيه عني؟
- وإنت بقى عايزني أصدق الكلام الفارغ بتاعك ده؟ ليه يابني شايفني عبيطة؟
نظر للشاشة بذهول وكتب:
- ســــارة مــالك؟ أنا أول مرة أشوفك بتتكلمي كده!! أنا بقولك اللي فكرت فيه وبشوف رأيك إيه؟
- رأيي؟ اااه وماله. شكلك عينك زاغت على واحدة تانية بعد ما زهقت مني. بس تصدق فكرة حلوة برضو وممكن حد يقتنع بيها.
زفر بضيق وكاد أن يحطم حاسبه هو الآخر وأكمل:
- إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟ واحدة تانية إيه وبتاع إيه؟ يعني هيكون صاحبي لسه ميت وأنا أروح أتعرف على بنات كمان؟ إنتي بتهرجي صح! وبعدين إنتي أصلاً أول بنت أكلمها وطبعاً مش بلعب بيكي.
- وهو إنت فاكر إني مصدقة حكاية صاحبك اللي مات ده كمان؟ أنا مبقتش بصدق أي حد أصلاً.
شعر إسلام بأن دماءه تغلي بداخله وأن عقله سوف ينفجر من كثرة الغضب فضغط بشده على لوحة المفاتيح وكتب:
- يـــــاسلـــــام!! وهو أنا هكدب عليكي ليه بقى إن شاء الله؟ منا لو عايز أخلع زي ما بتقولي كان ممكن أقولك أي حجة عبيطة. مكونتش هموت صاحبي يعني!
- لأ ماهو ده الذكاء بقى. علشان تبقي الحجة متقنة.
أخذ يحرك رأسه يميناً ويساراً غير مصدق لما يرى. من هذه؟ هل هذه هي الفتاة التي كان يحدثها لشهور؟ ولكن لماذا لم يكتشف هذا الجزء السيء من شخصيتها؟ لماذا لم يعرف من قبل أنها تعاني من قلة بل عدم الثقة في أي إنسان؟ هل لأنه كان دائماً يمزح ويمرح معها ولم يحاول نقاشها أو إغضابها ذات مرة أم ماذا؟
حاول تهدئة نفسه كي يصلح ما يمكن إصلاحه وقال بهدوء:
- يعني إنتي مقتنعة إني كداب صح؟ طيب بصي ممكن تشوفيلي أي طريقة أثبتلك بيها إني فعلاً مش بضحك عليكي وبرضه مغضبش ربنا؟ قولي أي حاجة وأنا هعملها.
ضغطت على أسنانها بشدة حتى كادت أن تحطمها وكتبت بغضب:
- تصدق أنا المفروض أسقفلك. بجد والله. عندك طريقة للإقناع رهيـــبة. بس خلاص مبقاش ينفع. كلكم طلعتوا شبه بعض وخسارة فيكم الوقت اللي ضيعته معاكم وقلبي اللي اتجرح كذا مرة.
لم يستطع استيعاب ما قيل فكتب متسائلاً:
- كلكم؟ قلبك اتجرح كذا مرة؟ أنا مش فاهم حاجة.
- مش مهم تفهم. يلا يا أستاذ روح شوف حالك. وأدي البلوك المتين علشان ترتاح خالص.
وقبل أن يستطيع الرد كانت قد حظرته بالفعل. ظل يفكر في كل ما حدث ويتساءل. هل هو ظلمها بالفعل أم هي ظلمت نفسها؟ من على حق ومن على باطل؟ عن ماذا تتحدث ومن الذي جرح قلبها أكثر من مرة؟ كيف له ألا يعرف كل هذا عنها؟ كيف بعد محادثات دامت أكثر من ستة أشهر وجد نفسه لم يعرف عنها شيء قط؟ كل ما يعرفه عنها أنها تلك الفتاة المرحة التي تعيش وسط عائلة من أكبر عائلات المجتمع ولا تحمل للدنيا هماً. تمرح وتضحك وتتحدث الكثير من الكلمات الرومانسية وتقرأ الكثير من الكتب وفقط.
ظل يتساءل.. من هذه التي كان يحدثها قبل قليل؟ هل هذه سارة التي يعرفها؟ أم سارة أخرى لا يعرف عنها شيء سوى اسمها؟ وهل الحظر سيكون سبباً لبعده عنها؟ لا بل لابد أن يعرف عنها كل شيء ويحاول معها مرة أخرى كي تفهم قصده ولا تظلمه ولا يشعر هو الآخر أنه ظلمها.
سجل خروجه بحسابه على موقع فيس بوك وبدأ في إنشاء حساب آخر بنفس الاسم. دخل بحسابه الجديد وفتح صفحتها الشخصية وهم بكتابة رسالة أخرى لها ولكنه توقف فجأة وتذكر أنها من الممكن أن تفعل بهذا الحساب كما فعلت بالآخر. فكر قليلاً وقرر أن يتركها للغد كي تهدأ قليلاً حتى يستطيع التحدث معها. أغلق حاسبه وذهب إلى نافذته المفتوحة.
رفع يده للسماء وقال:
- يــــارب دبر لي فإني لا أحسن التدبير. يــــارب أنا مش عايز أظلمها وكمان مش عايز أغضبك بس مش عارف أعمل إيه؟ يـــارب أنا مش فاهم حاجة ومش عارف هي عملت كده ليه ومش عارف هو أنا كده ظلمتها ولا أنا كده ماشي صح ولا إيه؟ مبقتش فاهم مين الصح ومين الغلط.
يـــــارب أنا عارف إني غلطت كتير ومكسوف من نفسي أوووي بس أنا مليش غيرك يسمعني ويدبرلي أموري. يــــارب إفعلي الخيــر حيثما كان ورضني به. يــــارب إرضي عني وسامحني واعفو عني. يـــارب إنت عالم باللي جوايا من غير ما أتكلم. ريحلي قلبي وقربني منـــك.. نفسي أرتــــاح.
- بـــت يا لوءة.
قالتها سلمى وهي تمسك هاتفها بفرحة وتضغط عليه.
حضرت ولاء إليها متبرمة كالعادة.
جذبتها سلمى من ملابسها وأجلستها على الفراش بجوارها وقالت:
- اقعدي هنا هسمعك حاجة تحـــفة.
زفرت ولاء بضيق وقالت:
- ياست أنا مش بحب الحاجات التحفة بتاعتك دي. بزهق منهم.
رفعت سلمى حاجبها وقالت بثقة:
- ماشي مش مهم تحبيها. بس برضو هتسمعي.
وقامت بتشغيل أنشودة "نفسي أتوب" لمحمد عباس وأخذت تنشد معه.
نفسى اتوب أنا م الذنوب و أكون قريب م الله
كل لحظه وكــل ثانيه أكون بقلبى معــاه
وأبقى راضى وهو راضى عنى يوم ملقــاه
مشتاق أوى للـــلقى و لوجهــه الكريم
عشمان أوى فى الدعاء مانا عارفه رحمن رحيم
بدعيك و بتمنى القبول بكل خير دعاك بيه الرسول
ومهما عدنا للمعاصى هفضل برضو يارب أقول
نفسى أتوب أنا من الذنوب وأكون قريب من الله
كـل لحظة وكل ثانية أكون بقلبـى معاه
وأبقى راضى وهو راضى عنى يوم ما القاه
تنهدت سلمى بفرحة وقالت:
- واللــــه تحفة أووي وتحسي كده إنها واخداكي في عالم تاني. بتخليكي نفسك تشوفي ربنا أووووي وتقوليله سامحني وقربني منك لأني بحبك أوووووي ومش عايزة غير رضــاك. فعلاً والله الأناشيد بتفرق جدااا معايا وبتساعدني على الثبات.
نظرت لها ولاء متعجبة وقالت:
- جايـز! بس أنا برضو مش بحب الحاجات دي. وكمان مافيهاش موسيقى ولا أي حاجة كده! مجرد حد بيتكلم وخلاص!
ابتسمت سلمى قائلة:
- طب بالله عليكي مش تحسي إن الكلام لمس قلبك؟
تبسمت ولاء وقالت:
- بصراحة الكلمات حلوة والإسلوب كمان. بس برضو مش لازم أكون زيك علشان أبقى حلوة!! وزي ما انتي قولتي قبل كده إنك ليكي حريتك أنا كمان ليا حريتي صح ولا إيه؟
ربتت سلمى على كتفها بحنان وقالت:
- يــاولاء انا مفرضتش عليكي حاجة. إنتي حرة في نفسك بس أنا لقيت حاجات حلوة وعيشتني إحساس بجد القرب من ربنا فقلت تسمعي معايا جايز تحبيها. بس إنتي براحتك برضو لان كل واحد بيتحاسب على نفسه.
- مــاشي يا ستي انا هقوم أذاكر بقى.
أطلقت سلمى ضحكة عالية وقالت:
- مــاشي يا وحش ربنا يقويك على الثانوية العامة. الحمد لله الذي عافانا. مش عارفه إزاي كنت بطيق أروح دروس في الإجازة أصلاً. يلا ماعلينا.
ظل إسلام يفكر طوال الليل في موضوع سارة وماذا يجب أن يفعل معها. في اليوم التالي بعدما عاد من صلاة العصر قرر محادثتها مرة أخرى. فتح حسابه الجديد على موقع فيس بوك وقام بإرسال رسالة لها وانتظر طوال اليوم ولكنها لم ترد. أخذ يفكر قليلاً.. لماذا لم ترد؟ فلو كانت غاضبة كالأمس كانت سوف تحظر هذا الحساب أيضاً أو ترد بعصبية على أقل تقدير!!
مر يوم تلو الآخر وهو يرسل إليها الرسائل ولكنها لا ترد فأحس بالخوف عليها. فلو كانت حظرته كان اطمأن عليها أكثر من ذلك ولكنه الآن يشعر بالقلق. فهو كان يرغب أن يتركها ابتغاء مرضاة الله ولكن لم يرد أذيتها أبداً.
وبعدما يقرب من أسبوع فتح حسابه الجديد كالعادة ليطمئن عليها ولكنه وجد رسالة لم يكن يتوقعها أبداً!!
لــ رقيه_طه
يتبع ........
رواية في الحلال الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رقيه طه
ظل إسلام يفكر طوال الليل في موضوع سارة وماذا يجب أن يفعل معها. في اليوم التالي، بعدما عاد من صلاة العصر، قرر محادثتها مرة أخرى. فتح حسابه الجديد على موقع الفيس بوك وقام بإرسال رسالة لها، وانتظر طوال اليوم ولكنها لم ترد.
أخذ يفكر قليلاً: لماذا لم ترد؟ فلو كانت غاضبة كالأمس، كانت ستُحظر هذا الحساب أيضاً أو ترد بعصبية على أقل تقدير.
مر يوم تلو الآخر وهو يرسل إليها الرسائل ولكنها لا ترد، فأحس بالخوف عليها. فلو كانت حظرته، كان اطمأن عليها أكثر من ذلك، ولكنه الآن يشعر بالقلق. كان يرغب أن يتركها ابتغاء مرضاة الله، ولكن لم يُرد أذيتها أبداً.
وبعدما يقرب من أسبوع، فتح حسابه الجديد كالعادة ليطمئن عليها، ولكنه وجد رسالة لم يكن يتوقعها أبداً. فقد كانت الرسالة من أخت سارة. أخذ يقرأها بذهول تام وهو لا يدري ماذا يفعل. وقد كان محتوى الرسالة:
"إزيك يا إسلام. أنا أخت سارة الكبيرة. أنا ببعتلك الرسالة دي دلوقتي علشان أطلب منك تخرج من حياة سارة تماماً وبكل هدوء. هي من حوالي أسبوع كده لقيناها عمالة تكسر في كل حاجة حواليها ومنهارة تماماً وحاولنا معاها كتير إنها تهدي أو تقولنا مالها، ولكنها رفضت واضطرينا إننا نوديها لأشهر دكتور نفسي في البلد علشان يشوف مالها. هي دلوقتي محجوزة في المصحة علشان نفسيتها تعبانة جداً. ولحد وقت قريب جداً ما كناش نعرف هي تعبت كده من إيه، لحد ما فكرت أفتح الأكونت بتاعتها على الفيس وشفت اللي حصل بينك وبينها. سارة يا إسلام بنت رقيقة جداً وقلبها طيب أوي، علشان كده بيضحك عليها بسرعة. واتعرفت على كذا واحد قبل كده وكانوا بيضحكوا عليها ويلعبوا بيها شوية ويسيبوها. لكن هي لما كلمتك حست إنك مختلف عنهم وكانت مستعدة تضحي بكل حاجة عشانك. طبعاً انت عارف الفرق الواضح بين مستوانا ومستواكم، لكن مع ذلك هي كانت مستعدة تعمل أي حاجة علشان ترتبط بيك. بس انت لما جيت قولتلها إنك عايز تسيبها عشان رضا ربنا، طبعاً عرفت إنك بتكدب عليها وإنكم كلكم زي بعض. حقيقي أنا معرفش إذا كنت انت صادق ولا لأ، وأصلاً ده ما يهمّنيش في حاجة. أنا بس جيت أقولك تبعد عنها تماماً واوعى تحاول تكلمها تاني أبداً. هي دلوقتي بدأت كورس العلاج، وبإذن الله الدكتور قالنا خلال شهرين كده ولا حاجة هترجع أحسن من الأول. وكمان هيحاول معاها إنها يكون عندها ثقة بنفسها أكتر من كده وتبطل الطيبة الزيادة دي وتبدأ تعيش حياتها صح بقى.
وعلشان أريحك خالص، عايزة أقولك إن مستحيل بابا يوافق عليك لأنك بالنسباله فقير. أنا مش بقول كده علشان أحرجك أو أضايقك، أنا بقولك كده علشان تفوق وتبطل تعيش في الأحلام انت وهي، وفي الآخر تتصدموا بالواقع. أنا عرفت إنها عملت بلوك للأكونت بتاعك، يعني كده تقريباً كل حاجة انتهت. وبقول تاني أهو، مش عايزة إياك تحاول تكلمها بأي شكل من الأشكال لأنها مش ناقصة وفيها اللي مكفيها. وأنا متأكدة إن العلاج هيجيب نتيجة معاها بس بعد فترة كده إن شاء الله.
لو عايز تساعدها بجد، ادعيلها وبس. وروح انت يابني شوف طريقك وكافح واعمل اللي انت عايزه بعيد عننا.
آخر حاجة بعد إذنك، أنا مش عايزة رد على الرسالة دي لأني مش فاضية كل شوية أدخل أتكلم. وبقولك لآخر مرة أهو، لو حاولت تكلمها تاني، إحنا ممكن نعمل حاجة تزعلك. يلا سلام."
أخذ إسلام يقرأ الرسالة مراراً وتكراراً وهو في ذهول تام. ماذا هذا الذي يراه؟ هل هو يحلم أم يعيش في الواقع؟ أخذ يضغط على رأسه بشدة من كثرة الألم الذي حل بها. أخذ يحركها يميناً ويساراً عدة مرات محاولاً الاستفاقة. ما الذي يحدث له ولماذا تحولت كل حياته إلى ألم فقط؟ أين حياة المرح والاستهتار واللامبالاة التي كان يعيشها؟ فقد كان سعيداً بحياته هكذا ولم يطلب أن يعيش في هذا الواقع المؤلم. لقد توفي والده ثم توفي محمد وترك في قلبه ألماً ومرارة لم تنتهِ. وبعدها تختفي سارة وتترك في قلبه أيضاً مرارة وخوف ورعب وإحساس بالذنب. ما هذا الذي يحدث؟ ظل ينظر إلى السماء ويدعو الله أن يكون كل هذا حلماً سيئاً، ولكن للأسف هذا واقع. هذا نتيجة استهتاره وعدم إحساسه بالمسؤولية. فكل فعل خطأ فعله آتٍ بنصيبه من الألم. كادت رأسه أن تنفجر من فرط التفكير. ظل يضغط عليها لفترة طويلة محاولاً إيقاف التفكير. جلس بعض الوقت محاولاً تهدئة نفسه ولكنه لم يستطع، فذهب إلى فراشه كي ينام محاولاً الهروب ككل مرة.
جلست سلمى على حاسبها وقامت بفتح موقع الفيس بوك وهمت أن تبعث رسالة لحفصة، ولكنها تذكرت أن حفصة الآن غير موجودة ولن تستطيع الرد عليها إلى أن يشاء الله. تذكرت أيضاً أنها وعدت حفصة أن تظل تراسلها حتى بعدما ذهبت لتشعر دائماً أنها بجوارها. ابتسمت وهي تكتب:
"حفصة وحشتيني أوي على فكرة. أنا عارفة إنك مش هتقرأي الرسالة دي، بس برضه كان لازم أكلمك لأني برتاح لما بفضفض معاكي، ومستنية اليوم اللي تيجي فيه وتردي على كل الرسائل اللي ببعتهالك. أنا يا ستي كويسة الحمد لله وماشية في الطريق وكله تمام. يمكن باخد شوية تريقة كده كل يوم، بس مش مشكلة بقي. بحاول أتأقلم على الوضع الجديد. كمان الأناشيد اللي إنتي قولتي عليها دي بتساعدني أوي. بحس وأنا بسمعها إن قلبي طاير فوق في السماء. بحس إني عايزة أروح عند ربنا بقي وأشوفه وأقوله إني هعمل كل اللي يرضيه ومش هغلط تاني أبداً ولا هغضبه. بجد بجد الأناشيد بالنسبالي بقت أسلوب حياة.
شكراً لأنك عرفتيني عليها. شكراً لأنك موجودة في حياتي. شكراً لكل حاجة حلوة حصلتلي بسببك.
يلا سلام بقي. ربنا يسعدك."
استيقظ إسلام من نومه وفتح عينيه فوجد نفسه في غرفته. وجد نفسه قد عاد إلى هذا العالم المليء بالوجع. أغمض عينيه مرة أخرى محاولاً العودة للنوم ولكنه لم يستطع. أخذت عيناه تدور في الغرفة بعض الوقت بعدم اهتمام وبدون أن يتفوه بأي كلمة. بعدها نهض فجأة واعتدل في جلسته وأخذ يحدث نفسه قائلاً:
"وبعدين بقى يا عم إسلام؟ هتفضل على الحال ده كتير ولا إيه؟ إنت راجل وما ينفعش تستسلم لوجعك وحزنك أكتر من كده. فوق لنفسك كده على الأقل علشان هند ومامتك اللي مسؤولين منك دول."
نظر للجانب الآخر وقال بحزن:
"يعني كنت بدأت أقرب من ربنا وأرتاح شوية بعد موت محمد. دلوقتي جه موضوع سارة ده وقطم وسطي. والله ما بقيتش عارف ألاقيها منين ولا منين؟"
أخذ يتذكر أيامه ومحادثاته مع سارة ويتعجب. هل هو كان يمزح كل هذا الوقت أم كان جاداً؟ هل هو فعلاً يحبها أم أن الوضع أعجبه قليلاً فقرر البقاء معها؟ ولكن كيف يحبها؟ هل كل شاب يرى فتاة جميلة ولديها أسلوب مرح ورومانسي يقول لقد أحببتها؟ هل هذا هو الحب؟ أم الحب كما قال عنه فاروق؟ نعم، ففاروق محق. فلو كان يحبها حقاً ما استطاع أن يغضب الله فيها وخاف عليها من نفسه. أخذ يسأل نفسه: هل كان حقاً يتسلى بها أم أحبها بصدق؟ أم استهتاره جعله لا يرى هذا خطأ وأكمل وهو غير مبالٍ حتى كسر قلبها كغيره؟ سأل نفسه أيضاً: هل هي ظالمة أم مظلومة؟
نعم، فسارة ظالمة ومظلومة معاً. ظالمة لأنها جعلت من نفسها فتاة رخيصة ورضيت على نفسها أن تحادث هذا وذاك بحثاً عن الحب والاهتمام. ولكن من أين تحصل على هذا الحب وهي تغضب الله؟ وكيف يأتي هذا الحب وقلبها أولاً وأخيراً معلق بيد الله، والله قادر على أن يقلبه كيف يشاء؟ لقد بحثت عن الحب في مكانه الخطأ وفي الحرام، وبالتالي كسر قلبها كالكثير من الفتيات غيرها. ومظلومة لأنها وقعت تحت يد شباب لا يخافون الله. فمنهم الظالم ومنهم المظلوم أيضاً مثلها. فلو كانت صبرت قليلاً، كانت ستحصل على هذا الحب ولكن برضا عز وجل، وكان الله سوف يكافئها على صبرها بحب حلال يجعلها تعيش لذة الحب في طاعة الله.
أخذ إسلام يفكر في كل هذا. فحقا هو يشعر أنه لا يحبها بصدق كما تصور. هو فقط أحب سارة الفتاة المرحة الرومانسية الهادئة. أحب وجودها في حياته فقط كنوع من تفريغ المشاعر المكبوتة ليس إلا.
والآن ماذا بعد؟ ماذا سيفعل؟ هل يحاول محادثتها مرة أخرى ليوضح لها كل شيء؟ أم يتركها لحالها كما طلبت منه أختها؟ أخذ يفكر كثيراً حتى قرر تركها. تذكر أن "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه". تركها لكي لا يعذبها ويعذب نفسه أكثر من ذلك. تركها وهو ينوي عدم محادثتها مرة أخرى، فقط سيكتفي بالدعاء لها. تركها لله ولأنه يريد رضاه.
شعر بالندم على كل لحظة حادثها فيها وكل ذنب اقترفته نفسه. فبالتأكيد هذا الألم الذي يشعر به كله بسبب ذنوبه. فقد قرر إسلام أن يعيش لله. قرر أن يكون أفضل وأن يحاول ألا يغضب الله مرة أخرى. قرر التوبة من هذا الذنب.
تذكر الندوة الدينية التي دخلها مع محمد من قبل وتذكر كلمات محمد بعدها:
"حبيت فكرة إن زوجتي تبقى أول حب في حياتي، وبإذن الله هفضل محافظ على قلبي لحد ما أقابلها، لأن المشاعر وقتها هتكون طازة ومش مستهلكة. مش حابب أنا إني أتعرف على دي ودي، وفي الآخر أروح أتزوج واحدة تانية خالص."
قرر أن يفعل مثله. نعم، سوف يحافظ على قلبه حتى يرزقه الله بمن تستحقه. ولكن قبلها سيفعل كل ما يستطيع حتى يرضي الله عنه ويستحق فعلاً زوجة صالحة.
مر يوم تلو الآخر واقتربت السنة الدراسية الجديدة. كانت في هذه الفترة قد توطدت العلاقة بين إسلام وفاروق، وأخذ يصطحبه معه إلى عدة مساجد ويعرفه على العديد من الشيوخ والصحبة الصالحة. تغير إسلام كثيراً بعد معرفة هؤلاء الأشخاص. فقد عرف المعنى الحقيقي للقرب من الله والالتزام بدينه. عرف المعنى الحقيقي للراحة. أحس بقلبه وهو يشتاق لسماع كلام الله وأحاديث نبيه. عرف كيف كان دائماً يصدر أحكاماً مغلوطة على الملتزمين من دون حتى أن يحاول معرفة الحقيقة.
باختصار، فقط عرف "الله".
بينما تعلمت سلمى عن دينها أكثر وأكثر عن طريق قراءة مجموعة كتب دينية مبسطة ومشاهدة العديد من البرامج الدينية التي جعلتها تحب دينها، أو بمعنى آخر، تلتزم مبادئه أكثر.
انتهت الإجازة واستعد الجميع لدخول العام الدراسي الجديد. كانت سلمى قد أحضرت مفاجأة لصديقتيها ولم تخبرهما عنها من قبل. فقد كانت تريد أن ترى رد فعلهما على هذه المفاجأة. رغم أنها كانت تتوقع ما سيحدث، لكن كانت تريد أن تصبح أقوى بعد كمية الانتقادات التي ستحصل عليها.
وفي أول يوم في الدراسة، كانت فاطمة تجلس مع هند بانتظار سلمى، عندما أتت إليهما إحدى الفتيات.
وقالت وهي تضع رأسها في حقيبتها كأنها تبحث عن شيء ما:
"يا بنات بعد إذنكم، متعرفوش مدرج 4 فين؟"
ابتسمت لها هند وقامت بوصف المكان لها. رفعت سلمى رأسها من الحقيبة وقالت بمرح:
"ماشي يا أختي، شكراً."
أطلقت هند ضحكة عالية، بينما نظرت لها فاطمة بتعجب وقالت:
"إيه يا بنتي اللي إنتي لابساه ده؟!"
نظرت لها سلمى وقالت بفرحة:
"لابسة خمار يا أختي. شكلي كيوت مش كده؟"
عقدت فاطمة ذراعيها أمام صدرها ورفعت حاجبها قائلة:
"كيوت إيه بس يا شيخة. حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك ده والله."
ابتسمت سلمى وقالت:
"والله إنتي رخمة طول عمرك. اسكتي بقى بدل ما أعضك."
ثم نظرت لهند وقالت:
"وإنتي إيه رأيك يا هنود؟"
أخذت هند تنظر لها للحظات وقالت بابتسامة:
"والله يا سلمى، شكلك حلو فيه. ألف مبروووك."
تنهدت سلمى بسعادة ونظرت لفاطمة قائلة:
"أيوه كده، شوفي الناس اللي تفرح الواحد. مش إنتي. عيلة رخمة بجد."
زفرت فاطمة بضيق وقالت:
"دلوقتي ما بقيتش عجباكي هاه؟ هتعملي فيها متدينة علينا يعني؟"
اقتربت منها سلمى ونظرت لها بحنان وقالت:
"يا بت، بهزر معاكي. مالك قفشتي كده ليه؟ وبعدين أصلاً أنا مبقيتش أحس. تقريباً كده أخدت مناعة. يعني اتريقي براحتك خالص."
ثم نظرت لهما بجدية وقالت:
"المهم، متعرفوش أول محاضرة هتكون في مدرج كام ومادة إيه؟"
نهضت هند من مكانها وسارت للأمام قليلاً وهي تقول:
"عرفنا يا ستي كل حاجة. يلا بينا."
ذهب إسلام إلى الجامعة لأول مرة من دون محمد. أخذ يقلب في وجوه الشباب حتى يراه، ولكنه يعلم أنه لن يراه ثانية إلا في أحلامه. لم يرد أن يؤلم نفسه هذا اليوم أيضاً، فأحب أن يقصر الشر وذهب إلى ممر الجامعة ليرى الجدول. نظر أمامه فإذا به يرى شادي صديقه، فتبسم له قائلاً:
"إزيك يا شادي، عامل إيه؟"
صاح شادي بفرحة وقال:
"إسلام.. إيه يا ابني، محدش بيشوفك ليه؟"
"موجود أهو يا باشا."
"عامل إيه دلوقتي؟"
"الحمد لله تمام جداً. هاه، قولي عرفتوا الجدول؟"
"لأ، لسه منزلش. بيقولوا الأسبوع ده هنقضيه لعب ونبدأ من الأسبوع الجاي إن شاء الله."
ظهرت ملامح السعادة على وجه إسلام وقال:
"أحسن برضو."
ثم نظر إليه بتساؤل وقال:
"بقولك إيه؟ مشوفتش فاروق؟"
أخذ شادي يفكر قليلاً ثم انتبه فجأة وقال:
"فاروق ده اللي هو بتاع كهرباء صح؟"
"آه هو."
"آه، شوفته هنا من شوية. ممكن تلاقيه فوق عند مدرج 3 ولا 4."
"ماشي يا شادي، شكراً."
"الشكر لله يا باشا."
صعد إسلام لمكان المدرجات وبالفعل وجد فاروق هناك. نادى عليه وصافحه وجلس معه ليتحدثا قليلاً، فقال إسلام متسائلاً:
"بما إن النهارده أول يوم دراسة ودي آخر سنة لينا الحمد لله. عاوزك تقولي بقى هل في طريقة أخد بيها ثواب طول السنة دي؟"
ثم أردف قائلاً:
"يعني بما إننا كده كده هنتعب وهتطلع عينينا. يبقى على الأقل الواحد ياخد ثواب على التعب ده."
تبسم فاروق قائلاً:
"الموضوع ده بقى يا سيدي متوقف على نيتك. يعني إنت ممكن تتعب طول السنة من غير ما تستفيد حاجة غير إنك عديت سنة وخلاص. وممكن برضو تتعب طول السنة بس تاخد ثواب على التعب ده كله."
ثم قال موضحاً:
"يعني يا سيدي، إنت المفروض هتحط في نيتك إنك بتتعلم علشان تفيد بلدك وتبقي مهندس ناجح وعنده ضمير بجد. كل ما تتعب أو تزهق من الكلية، جدد نيتك وحمس نفسك، وقول لأ مش هيأس. أنا هكمل طريقي علشان أرضي ربنا وأكون من عمار الأرض. بس كده يا سيدي."
أومأ برأسه متفهماً وقال:
"آه، يعني الموضوع كله متوقف على نيتي؟"
"أيوه بالظبط كده."
"ماشي تمام جداً. هعمل كده بإذن الله، وأهو عداد الحسنات يفضل شغال طول ما أنا مطحون في الكلية العسل دي."
عاد إسلام إلى المنزل وجلس مع أخته ليحدثها عن يومه وتحدثه هي الأخرى. فقال متسائلاً بمرح كعادته:
"هاه، عملتي إيه النهارده يا بطة؟"
أجابت بنفس الطريقة:
"روحت الكلية وجيت هاهاهاها."
ضربها على كتفها بخفة وقال:
"على فكرة رخمة جداً."
رفعت رأسها للأعلى وصوبت نظرها اتجاهه وقالت بثقة:
"بنتعلم منك يا بشمهندس."
رفع حاجبه الأيسر ومط شفتيه لأعلى قائلاً باستنكار مصطنع:
"بشمهندس!! يا شيخة الله يقرفك. آآآل وداخلة قسم إنجليزي آآآل."
سقطت على الأرض من كثرة الضحك وقالت:
"خلاص يا عم الحج، 96% من 85% مش هتفرق أوي يعني. كلها درجات على ورق."
اعتدل في جلسته وأخذ يجذب طرف قميصه بغرور وقال:
"هع هع، لأ طبعاً هتفرق كتير."
رفعت حاجبها ونظرت له ولم تتحدث، بينما التفت هو بكامل جسده ونظر لها بجدية وقال:
"بصي بقى يا ستي. عاوزين نبدأ السنة دي جد كده ونجدد النية إن كل لحظة فيها ناخد عليها ثواب. يعني نحاول كده وإحنا رايحين الجامعة نقول إننا رايحين علشان نتعلم زي ما ربنا أمرنا. لما نتعب نقول معلش لازم شوية تعب كده، أومال هناخد ثواب على إيه؟ لما نزهق أوووي بقي من المواد الكيوت اللي عندنا دي نقول معلش إحنا هنكون بإذن الله من عمار الأرض وهننفع البلد دي بجد ونرجع نتحمس تاني ونكمل وكده. ماشي ولا ماشي؟"
أخذت تحك رأسها بطرف إصبعها وهي ترفع له حاجبها وتقول:
"أنا سمعت الكلمتين دول فين بس ياربي."
ثم انتبهت فجأة وقالت:
"آيون، افتكرت. دول نفس الكلمتين اللي سلمى قالتلنا عليهم النهارده. هو إنت سمعتها ولا إيه؟!"
أطلق ضحكة عالية وقال:
"أسمع مين يا ماما؟!! لالالا، ده إنتي لو عايزة كلام من ده كل يوم هقولك. جعبتي مليانة لا تقلقي."
ثم نظر لها بخبث وقال:
"بس مين سلمى دي صحيح؟"
أمسكت بأطراف شعرها وكادت أن تمزقه وهي تقول بعصبية:
"يـــــابني ارحمني بقـــى. مش كل ما أقول اسمها على لساني تقولي سلمى مين!!"
ثم أخذت تتحدث بطريقة جنونية وتقول:
"سلمى جارتنا يا إسلام. سلمى صاحبتي في القسم يا حبيبي. سلمى اللي كانت معايا في ثانوي يا كميلة. سلمى اللي كانت بتلعب معانا في الشارع يا بطة. سلمى اللي إنت عارفها وبتستعبط يا إسلام."
ثم ضربته على كتفه بضيق وقالت:
"بقولك إيه يا إسلام؟ ما تروح أوضتك دلوقتي ينوبك فيا ثواب بدل ما أعمل جريمة. مش عارفة إيه اللي جابك عندي أصلاً."
ثم أخذت الوسادة وقذفته بها وقالت:
"يلا من هنا يا حاج. شطبنا خلاص."
خرج من غرفتها وأخذ يحرك رأسه يميناً ويساراً وهو يضرب كفاً بكف ويكاد يختنق من كثرة الضحك ويقول:
"سلمى جارتها وصاحبتها وكانت بتلعب معاها في الشارع. طب وأنا مالي أصلاً؟ هي بتكلمني عن صحباتها ليه؟ بت غريبة أوووي بصراحة!!
مش عارف طالعة مجنونة كده لمين؟ إحـــم، لأ عارف. ربنا يقوينا عليها إحـــم وعليـــا."
رواية في الحلال الفصل السادس عشر 16 - بقلم رقيه طه
أخذ إسلام يجتهد كثيرا في آخر سنة له في الجامعة كي يستطيع التخرج بتقدير يجعله يحصل على وظيفة في مكان مرموق كما كان يتوقع.
بينما جددت سلمى نيتها وأخيراً شعرت بحبها لكلية التربية وأخذت عهداً على نفسها أن تكون المعلمة التي يتمناها كل طالب. ستكون من عمار الأرض وسيكون تعديل حال التعليم في بلدنا على يديها. هذا ما وعدت به نفسها، وهكذا دعت الله أن يوفقها وتمر هذه السنة على خير كغيرها من السنين ولكن برصيد أكبر من الحسنات.
كان إسلام يقضي معظم يومه في الجامعة وعندما يعود للمنزل يذهب للنوم قليلاً ثم يستيقظ ليقرأ بعض الكتب الدينية أو يشاهد بعض البرامج على موقع اليوتيوب التي تجعله يتحمس ليكون أفضل. فالآن لا توجد سارة ولا توجد ذنوب تعلقه بها. فكر مراراً وتكراراً أن يدخل ليطمئن عليها ويخرج سريعاً، ولكن عهده مع الله كان أقوى. كان يتذكرها كثيراً في دعائه وهو على يقين بأن الله قادر على أن يردها إليه رداً جميلاً. كان يتذكر محمد دائماً، بل لم ينساه قط وكان يدعو له دوماً أن يغفر الله له ويجعله من أهل الجنة ويجمعهما سوياً في الفردوس الأعلى كما جمعهما في الدنيا.
بالرغم من مفارقة سلمى لحفصة إلا أنها لم تتأثر كثيراً، فدائماً كانت تستخدم سلاحها كما قالت لها حفصة من قبل: "القرآن والدعاء". أخذت تقترب من الله أكثر وتعرف عن دينها أكثر. حاولت أن تصبح قدوة بين أصدقائها ودائماً تحثهم على كل ما هو خير لهم. أحبت أن تكون فتاة مختلفة عن جميع الفتيات، فتاة مختلفة بحيائها وضميرها وأخلاقها وقربها من الله.
مر هذا العام الدراسي بخير أيضاً كالعام السابق، ولكن أبطالنا مختلفون تماماً عن السابق.
فإسلام قد تقرب كثيراً من الله وأصبح يشعر دائماً أن قلبه معلق بالمساجد. أصبح يشعر بالراحة التي كان يتمناها من قبل. بالطبع قد تعذب كثيراً ولكنه الآن قد تاب توبة نصوح وساعده في ذلك رفيقه الآخر فاروق.
سلمى أيضاً أنهت هذا العام الدراسي بكل خير. حاولت بقدر الإمكان الاستفادة من هذه المواد الدراسية التي تدرسها وأيضاً دربت نفسها على أن تكون معلمة ناجحة. فهي لن تسمح لنفسها أبداً أن تكون معلمة بالاسم فقط، لا بل ستصبح معلمة بالفعل وليست معلمة للغة الإنجليزية فحسب، بل معلمة للأخلاق والقيم والمبادئ والكثير من الأشياء التي يجب أن يعرفها الطالب بحق.
كانت سلمى تجلس على موقع فيسبوك عندما وجدت أمامها خبراً جعلها تقفز من مكانها.
ذهبت مسرعة إلى والدتها وأخذت تصرخ بأعلى صوتها:
"ماما! إلحقي نتيجة الثانوية العامة بانت."
سمعت ولاء هذه الكلمة وقفزت من مكانها هي الأخرى. ذهبت إلى الحاسب ويدها ترتعش بشدة فلم تستطع فعل أي شيء. حاولت سلمى تهدئتها وجلست على الموقع لترى نتيجة أختها. مرت لحظات الانتظار كأنها ساعات وقلب ولاء ينبض بشدة وخوف ورعب. جاءت لها العديد من الوساوس في تلك اللحظات القليلة، ولكنها سرعان ما استفاقت على صوت سلمي وهي تصرخ:
"97%! يا بنت الإيه! عملتيها إزاي دي يا لوءة."
ثم أطلقت ضحكة عالية وقالت:
"على فكرة أنا مش بحسد، أنا بقر بس. ده انتي كده يا بت يا ولاء داخلة هندسة وش بإذن الله."
أخذت ولاء تقفز في كل مكان وتصيح بأعلى صوتها، تقفز على الفراش وتهبط وتجلس على الأريكة وتجري وتأخذ أختها ووالدتها في حضنها وتصرخ. وظلت هكذا ما يقرب من نصف ساعة حتى تعبت وهدأت تماماً، ولكن مازالت ابتسامتها تقترب من أذنيها.
عاد الأب مسرعاً من عمله عندما علم بظهور نتيجة الثانوية العامة. دخل المنزل بلهفة كبيرة وفتح الباب بسرعة ووجد ولاء أمامه. فنظر إليها وقبل أن يتحدث قاطعته قائلة:
"هندسة يا حاج بإذن الله."
شعر الأب بالسعادة ونظر لسلمي نظرة ذات معنى وعاود النظر لولاء وقال:
"أيوه كده يا بنتي فرحتيني، الحمد لله إنك مخيبتيش خيبة اختك، خلي الواحد يفتخر بيكي كده قدام الناس."
أحست سلمى وكأن خنجراً مزق قلبها. فنظرت إلى والدها بحزن وقالت:
"يعني انت مش بتفتخر بيا يا بابا؟"
نظر لها بوجه خالٍ من أي تعبير وقال:
"أكيد مش هفتخر قدام الناس إن بنتي خابت ودخلت تربية يعني! بس هندسة يبقى لازم أفتخر طبعاً."
أحست سلمى بالغضب الشديد ولكنها حاولت التحكم في هذا الغضب لأنها تحدث والدها وقالت:
"يعني يا بابا اللي في تربية هيدخلوا النار؟ آه أنا مكنتش بجيب الفول مارك في الثانوية بس مش معنى كده إني وحشة يعني وإن اللي في هندسة أحسن مني."
ضرب الطاولة بقوة أفزعتها وقال بغضب:
"جري إيه يا سلمي؟ هو انتي بتغيري من اختك ولا إيه؟"
تراجعت للخلف قليلاً وقالت بحزن:
"يا بابا والله أبداً، ده أنا حتى كنت دايماً بقول لولاء تذاكر وتشد حيلها علشان تجيب مجموع أكبر مني، وكنت بساعدها على كده وبذاكر معاها لو جالها الاكتئاب بتاع الثانوية ده، وحضرتك عارف إنها أختي الصغيرة وساعات كمان بعتبرها بنتي وعمري ما هغير منها أبداً، بس مش كل شوية حضرتك تقولي كده لأني تعبت."
أحس بحزنها فتبسم لها قائلاً:
"خلاص يا سلمي روحي أوضتك وافرحي كده مع أختك، دي ناجحة برضو ولازم تفرح، وبلاش الكلام ده دلوقتي."
"يا بابا والله أنا..."
قاطعه بحدة:
"قلت خلاص، الموضوع انتهى."
دخلت سلمى غرفتها وكادت أن تمطر الغرفة كلها بالدموع ولكنها تذكرت أن الدموع لن تفيد بشيء. فهذا طبع والدها الذي اعتادت عليه ولن يتغير مهما حدث. ففي بعض الأوقات تشعر بأنه يحبهم كثيراً وباقي الأوقات تشعر بقسوته عليها. لا تعرف لماذا، ولكنها قررت فجأة أن تفرح وتفرح أختها معها. قررت أن تحتفل معها بهذا النجاح ولا تعكره عليها، فهي تعلم نفسها جيداً وتعلم أنها من المستحيل أن تغار من أختها الصغرى لأنها بمثابة ابنة لها.
وبعد أسبوع تقريباً، ظهرت نتيجة امتحانات جميع الكليات. وأخيراً، لقد تخرج كل من فاروق وإسلام وحصل كل منهما على تقدير جيد جداً. بينما صعدت كل من سلمى وهند وفاطمة إلى الفرقة الرابعة بكلية التربية وقد نجحن بتقدير جيد لكل منهن.
جلس فاروق يفكر من أين يبدأ. فهو قد تخرج الآن ويريد أن يحصل على وظيفة بأقصى سرعة حتى يستطيع التقدم للفتاة التي لطالما حلم بها زوجة له. قرر الذهاب إلى كل مكان من الممكن أن يحصل فيه على وظيفة. أخذ يتجول في محافظته شبراً شبراً بحثاً عن أي وظيفة. أخذ يسأل كل من يعرفه عن شركة تبحث عن مهندسين أو مصنع أو أي شيء فلم يجد.
جلس في يومه حائراً لا يعرف ماذا يفعل. أخذ يدعو الله كثيراً أن يرزقه بوظيفة عاجلاً غير آجل حتى يتقدم لخطبة تلك الفتاة. بعدها بعدة أيام وجد هاتفه يرن ويتصل به أحد أصدقائه ليخبره عن شركة جديدة تم إنشاؤها وتريد مهندسين جدد. أخذ يشكر الله كثيراً على هذه النعمة وهذا العطاء المتواصل. وبالفعل تقدم للوظيفة وتم قبوله في الشركة. لم يستطع أن ينتظر أكثر من ذلك وذهب لوالدته ليفاتحها في الأمر.
وقف على باب المطبخ ونظر لها بابتسامة مرحة وقال:
"حجة."
التفتت له قائلة بحنان:
"أيوة يا حبيبي."
اتسعت ابتسامته وهو يقول:
"أنا عايز أتجوز."
قفزت الفرحة على وجهها ولكنها حاولت مداعبته وقالت:
"يعني يا واد تتقبل في الوظيفة النهارده، تقولي عايز اتجوز النهارده برضو! هو انت كنت مجهز كل حاجة ولا إيه؟"
تنحنح قائلاً بإحراج:
"بصراحة أه."
رفعت حاجبها بدهشة وقالت:
"أومال يا خويا عامل فيها شيخ ليه وإنت عمال تبص على البنات أهو."
انتابته حالة من الذهول، فهو لم يكن يتوقع هذه الكلمات من والدته وهي أقرب إنسانة له على وجه الأرض وتعرفه أكثر من أي شخص آخر.
فقال بضيق:
"بقي إنتي اللي بتقولي كده يا ماما؟ وهو إنتي مش عارفة يعني إني بخاف على بنات الناس وبغض بصري عنهم دايماً الحمد لله، دي بنت أنا عارف أخلاقها كويس أووي وحبيت أرتبط بيها في الحلال، فيها حاجة دي؟"
ابتسمت له مداعبة وقالت:
"يا واد بهزر معاك مالك كده، طيب قولي بقي مين دي اللي أمها داعية عليها اللي عايز تتجوزها؟"
ثم أردفت قائلة بمرح:
"قصدي يعني داعيالها."
ابتسم وهو يقترب من أذنيها ويخبرها عن من تتحدث، فنظرت له قائلة:
"والله يا بني هو أنا معرفهاش أوي البنت دي، بس طالما عجبتك يبقى أكيد كويسة."
تنهد بحماس وقال:
"طيب هنروح إمتي بقي هاه؟ ينفع النهارده؟"
ضربته على كتفه بمرح وقالت:
"مالك يا واد كده ما تتقل شوية، خلاص حاول تشوف أهلها وتكلمهم ونتفق على ميعاد نروح لهم فيه."
يقفز بسعادة من مكانه وقال:
"ماشي يا حجة."
جاءت ولاء إلى الغرفة وهي غارقة في الضحك، تتمايل يميناً ويساراً ولا تستطيع أن تقف مستقيمة أبداً. رأتها سلمى على هذه الحالة فانتابها الفضول وأرادت أن تعرف ماذا حدث.
فقالت بتعجب:
"مالك يا بنتي هتموتي من الضحك كده ليه؟ طب ضحكيني معاكي يا ستي."
ارتمت ولاء على الفراش وهي لازالت تضحك ولا تستطيع كتمان ضحكاتها. أخذت تتنفس بصعوبة وتنظر لسلمي بين الحين والآخر.
حتى استطاعت أخيراً أن تهدأ بعض الشيء وقالت:
"أبوكي بيتكلم عليكي بره."
نظرت لها سلمي بذهول وقالت:
"ياسلام؟!! طب ودي حاجة تخليكي هتموتي من الضحك أوي كده، عادي يعني فيها إيه؟"
أخذت ولاء تتذكر ما حدث وتضحك أكثر وأكثر. حتى شعرت سلمي بضيق وقالت:
"يـابنتي ما تقولي فيه إيه، بابا بيقول عليا إيه بره."
حاولت الهدوء مرة أخرى وقالت:
"أبوكي جايبلك عريس ههههاي، والله إحلويتي وكبرتي وبقيتي عروسة."
"بسبوسة بسبوسة، بت يا نوسة يا نوسة شايلة البسبوسة."
قاطعتها سلمي عندما ضربتها على كتفها وقالت:
"بطلي استعباط يا ولاء، عريس إيه وبتاع إيه؟ إنتوا عارفين رأيي في الموضوع ده من زمان."
وضعت ولاء يدها على فمها في محاولة منها لكتمان ضحكاتها وقالت:
"وأنا مالي يا ستي ده بابا هو اللي بيقول."
زفرت سلمي بضيق وقالت:
"طب ماهو بابا عارف إني قولت قبل كده مش هترتبط إلا لما أتخرج، وبعدين أنا أصلاً لسه مش مستعدة دلوقتي، يعني محتاجة ألتزم أكتر من كده عشان أبقى زوجة وأم صالحة ومحتاجة أقرأ عن تربية الأطفال والتعامل مع الرجال وحاجات كده مهمة قبل ما أفكر اتجوز، الجواز ده مسؤولية مش لعبة!"
نظرت لها ولاء بجدية وقالت:
"ماهو بيقول إنك خلاص داخلة رابعة يعني عادي لو اتخطبتي السنة دي وتبقي تتجوزي بعد التخرج."
ضربت الفراش بقوة وقالت:
"اووووف بقي لأ طبعاً مش عايزة دلوقتي."
ثم قالت بحيرة:
"طيب هو أنا لو طلعتله دلوقتي يعني هينفع أتكلم معاه ولا هيتعصب عليا ولا إيه؟"
قالت ولاء بضحكة مستفزة:
"متقلقيش ياختي هو جايلك دلوقتي."
وقبل أن تكمل حديثها سمعت طرقات الباب.
اعتدلت كل منهما في جلستها وقالت سلمي:
"اتفضل يا بابا."
اقترب الأب منها مبتسماً وجلس بجوار ابنته على حافة الفراش وقال:
"بقولك إيه يا سلمي، في عريس عايز يتقدملك."
تنهدت سلمي بضيق وقالت:
"يا بابا بس إحنا كنا متفقين إني مش هتجوز إلا لما أتخرج."
ابتسم قائلاً:
"ماهو انتي مش هتتجوزي إلا لما تتخرجي فعلاً، لو وافقتوا على بعض هتتخطبوا السنة دي والفرح بعد التخرج إن شاء الله."
زفرت بملل وقالت:
"يا بابا بس أنا مش عايزة دلوقتي."
نظر لها نظرة أخافتها، وقال بغضب:
"مفيش حاجة اسمها مش عايزة، إنتي مش صغيرة دلوقتي، شوفيه ولو محصلش نصيب خلاص، هو حد قالك اتجوزي بالعافية!!"
نظرت له سلمي بحزن وقالت:
"يعني لازم يا بابا؟!"
نظر لها بوجه خالٍ من أي تعبير وأومأ إيجاباً فوجدت أنه لا مفر فقررت الاستفادة من الوقت ومعرفة معلومات أكثر عن هذا الشخص فقالت:
"طيب هو ملتزم؟"
أجابها مؤكداً:
"أيوه محترم وبيصلي."
شعرت بالضيق لأنها تعرف أن مفهوم كلمة ملتزم عند والدها تعني شاب يصلي وفقط فلم ترد مناقشة هذا الأمر حتى لا تحصل على غضب والدها مرة أخرى، وقالت:
"طيب حضرتك تعرف عنه إيه تاني يا بابا؟"
أجابها مبتسماً:
"هو شغال في شركة كويسة وأهله ناس طيبين وأنا موافق عليه وإن شاء الله إنتي كمان توافقي."
حاولت الاستفسار أكثر وقالت:
"طيب يا بابا هو طموح؟ عنده أي أهداف في حياته مثلاً بيسعى ليها؟ عارف هو عايش ليه ولا عايش كده وخلاص زي كل الناس؟ كمان معاملته لأهله عاملة إزاي؟ وبيصلي في الجامع ولا لا؟ وبيعامل زميلاته في الشغل إزاي؟ وعلاقته بربنا عاملة إيه؟ قريب ولا بعيد؟ وبيسمع أغاني وحاجات كده ولا إيه؟ و......."
قاطعه والدها بحدة وصرخ قائلاً:
"إيه يا بنتي ده كله؟ هو انتي بلعة راديو؟ أما تشوفيه يا ستي ابقي اسأليه عن اللي انتي عايزاه، أنا حاسس إنه هيكره نفسه أصلاً لما ييجي هنا."
شعرت سلمي بالإحراج وقالت بتوتر:
"يا بابا أنا زهقانة ومش عايزة بجد، بالله عليك مشيه وقوله أي حاجة."
استعد لمغادرة الغرفة وهو يقول بصرامة:
"الكلام اللي قولته هيتنفذ ومعنديش كلام غيره، أنا هتفق معاه على الميعاد وهقولك."
ضربت الفراش بقوة وهي توعد هذا العريس قائلة:
"طيب، أنا هوريك!"
ظلت تفكر في الأمر طوال الليل، كادت أن تختنق من الفكرة في حد ذاتها لأنها تعرف أنها غير مستعدة بالمرة. ظلت تفكر كيف ستجعله يكرهها ويغادر المنزل بلا عودة، فهي تعرف أنها إذا حاولت النقاش مرة أخرى مع والدها لن تحصل في النهاية إلا على سيل من الدموع وهي وحيدة في غرفتها.
أخذت تحدث نفسها قائلة:
"طب وأنا أطفشه إزاي ده بقي؟ أعمل نفسي غبية ولا مش بفهم ولا ساذجة ولا أعمل إيه؟ أضايقه وأكرهه في عيشته عشان يمشي؟ ولا أكون عادية معاه وفي الآخر أرفضه بدون سبب؟"
ثم نظرت للجانب الآخر وقالت:
"بس كده مش هينفع وممكن ربنا يعاقبني، ممكن فعلاً يكون كويس وأنا أظلمه."
"ييي بس أنا مش عايزة بقي دلوقتي خالص، يعني هلحق أعمل كل الحاجات اللي عايزها دي إمتي بس؟"
"طيب وفيها إيه يعني لما أشوفه مش جايز يطلع كويس وفعلاً يساعدني أقرب من ربنا؟"
"لالالا مش هينفع، مش هلحق مش هلحق."
"طيب ماهو برضو لو طلع كويس أنا هفرح وهتشجع على حاجات كتير وممكن كمان ألحق أخلص كل الكتب اللي أنا عايزها بسرعة جداً بالإضافة لمساعدته ليا."
"ييي بقي مش عارفة، يــــــــارب إلهمني الصواب وافعلي الصالح."
"خلاص بقي أنا أشوفه وخلاص وأسأله كل اللي أنا عايزها جايز فعلاً يبقى ملتزم بقي ويفرحني كده."
ثم نظرت للنافذة المفتوحة وظلت تدعو الله أن يرزقها الخير حيثما كان ثم يرضها به.
بعد ثلاثة أيام سمع إسلام طرقات على باب شقته ففتح بسرعة فإذا به يرى فاروق واقفاً والابتسامة تعلو شفتيه فتعجب قائلاً:
"فاروق؟ والساعة 11 بليل؟ غريبة!!"
نظر له فاروق بسعادة بالغة وحماس كبير وقال:
"أنا لسه جاي من عندها دلوقتي يا إسلام."
رفع إسلام حاجبه قائلاً:
"لسه جاي من عند مين؟"
كاد أن يقفز من مكانه وهو يقول:
"أنا اتقدمتلها أخيراً يا إسلام، ولسه جاي من عندها دلوقتي، أنا حاسس إني طاير، ومش عارف أصلاً إيه اللي جابني هنا دلوقتي بس فجأة كده لقيتني عند باب بيتكم."
تذكر إسلام حواره السابق مع فاروق وتذكر أيضاً الفتاة التي قال أنه يرغب في الزواج منها.
فقال بحماس:
"أيــوه بقي يا عم، طيب تعالي ندخل واحكيلي حصل إيه."
ابتسم فاروق قائلاً:
"لأ مش هينفع عشان عندك بنات في البيت، تعالي ننزل تحت وأنا هحكيلك كل حاجة."
رواية في الحلال الفصل السابع عشر 17 - بقلم رقيه طه
سمع إسلام طرقات على باب شقته ففتح بسرعة، فإذا به يرى فاروق واقفاً والابتسامة تطل من وجهه، فتعجب قائلاً:
"فاروق؟ والساعة 11 بليل؟ غريبة!"
نظر له فاروق بسعادة بالغة وحماس كبير وقال:
"أنا لسه جاي من عندها دلوقتي يا إسلام."
رفع إسلام حاجبه قائلاً:
"لسه جاي من عند مين؟"
كاد أن يقفز من مكانه وهو يقول:
"أنا اتقدمتلها أخيراً يا إسلام، ولسه جاي من عندها دلوقتي، أنا حاسس إني طاير، ومش عارف أصلاً إيه اللي جابني هنا دلوقتي بس فجأة كده لقيتني عند باب بيت."
تذكر إسلام حواره السابق مع فاروق وتذكر أيضاً الفتاة التي قال أنه يرغب في الزواج منها، فقال بحماس:
"أيوه بقي يا عم، طيب تعالي ندخل وإحكيلي حصل إيه."
ابتسم فاروق قائلاً:
"لأ مش هينفع علشان عندك بنات في البيت، تعالي ننزل تحت وأنا هحكيلك كل حاجة."
***
استعدت سلمى لاستقبال العريس كما أمرها والدها. ارتدت فستاناً رقيقاً ووضعت فوقه خمارها، ورفضت أن تضع نقطة واحدة من مساحيق التجميل رغم الضغوطات الكثيرة التي حصلت عليها، فقد كانت تريد أن يراها هذا الشاب على طبيعتها بدون أن تخدعه، وهذا بالطبع بعدما قامت بعمل العديد من ماسكات تجميل البشرة وغيرها من الأشياء الطبيعية. جلست في توتر بالغ تجهز وتحفظ جيداً الأسئلة التي ستلقيها عليه. كانت حالتها ما بين الاختناق والتفاؤل، فهي لا تريد الزواج الآن، ولكن كانت على أمل أن يكون شاباً ملتزماً يأخذ بيدها للجنة ويعينها على الالتزام بأمور دينها أكثر وأكثر.
جلست تردد الأذكار لكي تهدأ قليلاً. ظلت هكذا لدقائق معدودة حتى سمعت صوت الباب. نعم، جاء العريس مع والدته. حاولت مشاهدة أي شيء من وراء الستار ولكنه كان بعيداً فلم ترَ شيئاً. جلس والدها يتحدث معه لوقت قصير ثم دخل ليحضرها قائلاً:
"يلا يا سلمى."
نظرت إليه بضعف وقالت بتوتر:
"مش عارفة أتحرك من مكاني يا بابا، مكسوفة جداً."
جذبها من يدها بسرعة وقال:
"يا بنتي يلا، الناس برا."
أفلتت يده ورجعت للخلف وقالت بخوف:
"طيب يا بابا، هو شكله عامل إزاي ولا قاعد فين؟"
جذبها مرة أخرى بعصبية وقال:
"يلا بقي وإبقي شوفي اللي يعجبك لما تطلعي."
خرجت أخيراً وصافحت والدة العريس. وأثناء انتقالها للمكان الذي ستجلس فيه، رأته بطرف عينها. شعرت بالسعادة تغمر قلبها، فقد كان يرتدي ملابس أنيقة للغاية ويضع عطراً مميزاً، وأيضاً كان ذا وجه حسن أعجبها. جلست بخجل وهي تقول لنفسها:
"بداية موفقة، يارب خير."
جلس يتحدث مع والدها قليلاً عن عمله وإمكانياته وعائلته وأشياء من هذا القبيل. ساد الصمت لبعض الوقت حتى شعر بالضيق، فطلب من والد سلمى أن يجلسا معاً ليتعرفا على بعضهما البعض. رحب الوالد بالفكرة وطلب من سلمى أن تصطحبه للغرفة المفتوحة على الصالة حتى يستطيعا التحدث بعيداً عن الكلام العائلي. نظرت سلمى لوالدها بتردد ومن ثم وافقت على الأمر. سارت باتجاه المكان التي ستجلس فيه وسار العريس خلفها. دخل واختار مكاناً بعيداً عن الأنظار، ولكن سلمى جلست على أقرب كرسي من الباب حتى يراها والدها بوضوح ويسمع بعض الكلمات إن أراد.
تبسم لها قائلاً:
"إزيك يا آنسة سلمى؟"
نظرت للأرض بخجل وقالت:
"الحمد لله."
ساد الصمت للحظات حتى قطعه مرة أخرى وهو يشير على أقرب كرسي له قائلاً:
"طيب بعد إذنك ممكن تيجي على الكرسي ده علشان مش عارف أسمع صوتك؟"
شعرت بالتوتر وقالت في نفسها:
"مش عاوزة أجي في حتة أنا، أقوله إيه ده بس ياربي."
ابتلعت ريقها وقالت بابتسامة محرجة:
"حضرتك ممكن تيجي على الكنبة اللي قدام الباب دي علشان الجماعة يكونوا شايفيننا يعني."
تنهد بغضب ولكنه لم يظهره وقال لنفسه:
"إيه البت دي!! يلا ما علينا."
انتقل من مكانه إلى الأريكة المقابلة للصالة مباشرة، فكان كل من يجلس بالصالة يرى كل منهما.
حاول استعادة ابتسامته وبدأ في الحديث عن نفسه. أحست من كلامه أنه شاب عادي كمعظم شباب هذه الأيام، يعمل وينام ويخرج مع أصدقائه وينام مرة أخرى وهكذا، لا يوجد في يومه شيء آخر. فانتظرت حتى ينتهي من كلامه وأحبت أن تسأله عما يجول بخاطرها ولكن بذكاء، فقالت بابتسامة بريئة:
"وحضرتك بقي بتقعد في شغلك لحد الساعة كام كده؟"
أجابها على الفور:
"يعني لحد 5 أو 6 كده."
فنظرت له بخبث وقالت:
"آه ربنا يعينك، وطبعاً حضرتك بتضطر تصلي الظهر والعصر لما ترجع البيت بقي علشان مش بيكون عندك وقت فاضي."
"آه للأسف بقي هعمل إيه."
نظرت له وكأنها متأثرة بما يقول وأكملت:
"فعلاً شغلانة حضرتك صعبة ربنا يعينك، كمان أكيد في أيام بترجع تعبان من الشغل وتنام ولما بتصحي بقي بتصلي كل اللي فاتك، أكيد مش بتسيبهم يروحوا منك يعني."
"لألالا أسيبهم إيه، بصليهم كلهم بليل طبعاً."
نظرت للأرض بضيق وقالت لنفسها:
"وأدي أول اختبار سقطت فيه، للأسف شكلك الحلو كنت فرحانة بيه بس برضو دينك وأخلاقك أهم."
انتبهت له وهو ينادي عليها وعندها نظرت له وقالت ببلاهة:
"هاه."
"إيه روحتي فين."
"للا مفيش حاجة، موجودة أهو."
ابتسم قائلاً:
"طيب يلا عاوزة تسألي في إيه تاني؟"
فكرت للحظات ثم قالت:
"حضرتك إيه المواصفات اللي عاوزها تكون موجودة في زوجتك المستقبلية؟"
أجابها على الفور:
"يعني طبعاً تكون حلوة وتعامل أهلي كويس وتهتم بيا وبأولادها ومتبقاش نكدية زي معظم الستات كده."
"طيب وحضرتك بتعرف تربي أولاد؟"
نظر لها بتعجب ممزوج بالدهشة وقال:
"ولما أنا أربيهم هي هتعمل إيه؟!!"
تنحنحت بإحراج وقالت:
"لأ قصدي يعني حضرتك تساعدها في تربيتهم."
"لأ طبعاً مش هينفع خالص، أنا عليا الشغل والمصاريف وهي عليها الباقي."
"طيب يعني مثلاً مين هياخدهم معاه المسجد علشان يتعودوا على الصلاة وكده."
شعر بالملل ولكنه حاول الابتسام وقال:
"آه طبعاً هبقى أخدهم إن شاء الله."
صمتت قليلاً ثم قالت:
"آخر حاجة بقي، حضرتك بتحلم بإيه أو إيه أهدافك في الحياة؟"
"بحلم أعيش حياة مستقرة وهادية ومن غير مشاكل، وأفضل أترقى في شغلي لحد ما أوصل للإدارة."
"بس؟"
"وهو الإنسان هيحتاج إيه تاني غير كده؟!!"
وأخذت تفرك يدها بالآخري بتوتر وتقول لنفسها:
"أنا اتشليت، حاسة إنك كرهتني أصلاً، يارب بابا ينادي عليا بقي، يارب مكونش بظلمه بس بجد هتشل مش قادرة أقعد."
عادت من شرودها فوجدته ينظر لها بوجه خالٍ من أي تعبير فقالت بابتسامة:
"طيب وحضرتك مش عايز تسألني أي حاجة؟"
"آه قوليلي صحيح إيه هي مواصفات فارس أحلامك؟"
أحست سلمى بطاقة كبيرة جداً بداخلها والآن حان الوقت لإخراجها، فقالت بسرعة رهيبة:
"نفسي يكون حافظ القرآن ويحفظني ويكون مواظب على الصلوات كلها في الجامع وعارف عن دينه حاجات كتير جداً وعن معاملة الزوجة وتربية الأولاد، كمان عاوزاه يكون حد عايش لخدمة دينه وهدفه كله رضا ربنا وبس، حد يكون من عمار الأرض كده ومعروف بين الناس بأخلاقه، يكون بيغض بصره طبعاً ودايماً محافظ على نفسه وقلبه مش فيه غير حب ربنا وبس، حد بيتخذ النبي عليه الصلاة والسلام قدوة ويساعدني في شغل البيت ويعاملني أحسن معاملة ويحسن إلى أهلي زي ما أنا هعمل مع أهله، دايماً ينبهني لو عملت حاجة حرام ويعرفني الصح بهدوء كده ويساعدني وياخد بإيدي للجنة. يعني هي حاجات كتير بس أنا لخصتها."
شعر بالإحراج ولكنه نظر إليها بابتسامة وقال:
"ربنا يرزقك بيه، أستأذن أنا بقي."
نهضت من مكانها وتوجهت إلى الصالة وهو معها. غادر المنزل أخيراً بعد كمية لا بأس بها من نظرات الاحتقان والإحراج. عندما سألته والدته عن رأيه رد قائلاً بسخرية:
"دي عايزة تتجوز سوبر مان."
تعجبت الأم وقالت:
"يعني إيه؟"
تنهد تنهيدة قوية أخرجت كل ما بداخله وقال بملل:
"عادي مفيش، عموماً أدينا لسه معانا أسبوع نفكر فيه، رغم إني حاسس إننا مش طايقين بعض أصلاً!!"
***
دخلت سلمى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وانفجرت منها الضحكات. نظرت للسماء عبر النافذة المفتوحة وقالت:
"يارب سامحني لو كنت أحرجته أو ضايقته، أنا والله ما قصدي أضايقه بس حسيت إني اتشليت وكان لازم أعرف بيفكر إزاي، أنا عارفة إن معظم الشباب دلوقتي بيفكروا بنفس الطريقة، بس أنا أخدت قراري إني مش هعيش حياة عادية زي كل الناس وبإذنك يارب مش هتخلي عن مبادئي دي حتى لو هعنس."
سمعت سلمى طرقات الباب فذهبت وقامت بفتحه وجلست على الفراش. قالت ولاء بحماس:
"هاه إيه رأيك؟"
"هصلي استخارة وهشوف، بس في الغالب هرفض."
نظرت لها ولاء بذهول وقالت:
"يا بنتي هو في حد يرفض واحد زي ده؟ إنتي مجنونة؟!!"
نظرت لها سلمى بتعجب وقالت:
"إيه ماله مش فاهمة؟ وبعدين هو إنتي شوفتيه أصلاً."
"أيوه شوفتُه وهو داخل، يابنتي ده كل البنات تتمنى واحد زيه، شوفتي شكله ولا لبسه عاملين إزاي؟ يابنتي ده أحلى من الناس اللي بيطلعوا في التلفزيون أصلاً، كمان شغال في شركة محترمة وكبيرة جداً وهيعيشك ملكة."
"بس مش عنده دين يا ولاء، ودينه أهم عندي من كل ده."
"مش عنده دين إزاي يعني؟ ماهو مسلم أهو!!"
"يابنتي مش قصدي، بس مش ده الإنسان اللي هيكون كل هدفه ياخدني للجنة، أنا منكرش إن شكله عجبني بس برضو مش هينفع، وعموماً هو أصلاً هيرفضني برضو."
"يا سلمى فكري تاني حرام عليكي تضيعيه من إيدك والله، وبعدين ياستي ابقي غيريه براحتك بعدين."
"أيوه أيوه قولي كده بقي، هنبدأ في موضوع بكرة يتغير وبعد الجواز ممكن يتعدل ومعرفش إيه!! يا ولاء افهمي كويس.. ما تخليش المظاهر تخدعك، أنا هتجوز وهعيش سنين طويلة جداً مع واحد غريب معرفش عنه حاجة، فلو كان الحد ده مش ذو خلق ودين يبقى كده أنا هضيع، فهمتي؟"
"إنتي حرة."
"هههههههه كل نقاش بيني وبينك ينتهي بكلمة 'انتي حرة'، عموماً يا ستي زي ما قولتلك هصلي استخارة وهشوف، كمان مش عاوزة أتكلم عليه بقي لحسن آخد ذنوب، ربنا يرزقه بالزوجة الصالحة ويرزقني أنا كمان باللي بتمنى."
***
"وأدينا نزلنا أهو يا سيدي، قولي بقي عملت إيه؟"
قالها إسلام عندما هبط من منزله بصحبة فاروق الذي كاد أن يطير من مكانه. نظر له فاروق بعينين لامعتين وقال:
"بص هو أنا مهما وصفتلك إحساسي عمري ما هعرف أعبر برضو، عارف لما تكون بتحلم بحد بقالك كتير أوي وبتتمناها من ربنا وساعات تبقى نفسك تشوفها حتى أو تكلمها كده بس ترفض عشان خوفك من ربنا بيكون أقوى، وفجأة كده تلاقيك قاعد قدامها وبتتكلموا كمان وكل واحد منكم بيقول اللي جواه للتاني، إحساس الهيييح لوحده مش كفاية."
أخذ إسلام ينظر لفاروق وتعبيرات وجهه وحركات يده في سعادة بالغة، وقال بحماس:
"يعني قولتلها بقي إنك نفسك تتجوزها من زمان وكده؟"
ضربه على كتفه بشدة وقال بذهول:
"أقولها إيه يابني إنت ذكي؟ لأ طبعاً مستحيل أقول حاجة زي كده غير بعد كتب الكتاب، أنا قصدي يعني كنت بقولها مواصفات زوجتي المستقبلية وإني عاوزها تكون إزاي وكده، وأنا أصلاً من جوايا عمال أقولها ده أنا مخبيلك مصايب بس لما توافقي بقي ونكتب الكتاب."
أحس إسلام بالسعادة وهو يستمع لكلمات فاروق، فكلماته كلها براءة وحياء وله مذاق آخر غير كل ما هو حرام. لم يستطع الانتظار أكثر من ذلك ليعرف من تكون تلك الفتاة، فقال متلهفاً:
"مش هتقولي بقي يا عم مين البنت دي؟"
أخذ يحك ذقنه بغرور وقال:
"سيبني أفكر شوية."
قطب حاجبيه وقال بضيق مصطنع:
"هتقول ولا أروح أفضحك عندها؟"
أطلق ضحكات عالية متواصلة وقال:
"وهتقولها إزاي بقي يا ذكي وإنت متعرفهاش أصلاً؟"
كاد أن يسقط على الأرض من الضحك والإحراج معا وقال:
"إخلص يا فاروق وقول."
نظر له بتعالٍ وقال:
"ماشي هقولك عشان صعبت عليا، البنت دي تبقي نهى أخت محمد الله يرحمه."
اقشعر بدنه عندما سمع اسم محمد وقال:
"الله يرحمه."
ثم نظر لفاروق وقال محذراً:
"خد بالك منها أوي يا فاروق دي أخت الغالي، لو زعلتها أنا اللي هاجي أقفلك مكان محمد فاهم."
ابتسم فاروق وربت على كتفه بخفة وقال:
"متقلقش يا إسلام دي في عيني والله، بس يارب هي وافقت."
تنهد إسلام بحماس وقال:
"طيب كمل بقي عملتوا إيه تاني؟"
أخذ يتذكر فاروق ماحدث وأخذت ابتسامته تتسع أكثر وأكثر وهو يقول:
"مفيش يا سيدي دخلت وكانت هتموت من الكسوف وحاولت معاها تتكلم كتير بس مفيش فايدة، في الآخر بقي أخدت منها كلمتين بالعافية والحمد لله على كده، شكلي كده هطمع وأطلب رؤية شرعية تانية بس أصلاً حتى لو مشوفتهاش تاني أنا موافق عليها."
ربت إسلام على كتفه بحب وقال:
"بإذن الله هتوافق يا فاروق، إنت أصلاً تستاهل كل خير وهي طالما أخت محمد تبقى أكيد بنت كويسة."
رفع فاروق حاجبه وأشار بإصبعه لإسلام محذراً:
"يا أستاذ بطل تتكلم عن مراتي المستقبلية لو سمحت، أو مسمحتش عادي برضه."
ضحك إسلام بمرح وقال:
"والله أنا فرحانلك يا فاروق، ياريت كل الشباب يفكروا زيك كده."
تبسم فاروق وقال لإسلام كلماته الأخيرة قبل الرحيل:
"عقبالك يا إسلام، يلا بقي همشي عشان الوقت متأخر، معلش لو قلقتك بس أنا لقيتني جيت هنا لوحدي كده مش عارف ليه؟"
"ولا يهمك يا باشا، يلا تصبح على خير."
"وإنت من أهله، في أمان الله."
***
مر الأسبوع المتفق عليه من قبل والد سلمى والعريس وجاء والدها ليسألها عن رأيها فقالت بتوتر:
"بابا أنا صليت استخارة ومش موافقة."
ضحك والدها بشدة وقال:
"يا سبحان الله!!"
تعجبت سلمى من رد فعله، فهي كانت تتوقع أن يصرخ بها كالعادة أو يوبخها فلم تستطع السيطرة على فضولها أكثر من ذلك وقالت:
"في حاجة يا بابا؟ حضرتك بتضحك ليه؟"
ضحك مرة أخرى وقال:
"أصل العريس لسه مكلمني دلوقتي."
نظرت له بلهفة وقالت:
"طب وقال إيه؟"
نظر لها للحظات ثم قال:
"قاللي كل شيء نصيب."
ارتمت على الفراش براحة تامة وقالت بفرحة:
"سبحان الله القلوب عند بعضيها."
***
ظل فاروق يدور حول الهاتف بخوف، فهو يريد الاتصال ليعرف رأيها ولكنه أيضاً خائف من عدم موافقتها. قرر أخيراً استجماع شجاعته واتصل بوالدها وكان الحوار كالآتي:
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إزيك يا فاروق يابني."
"الحمد لله يا عمي بخير طول ما حضرتك بخير."
"ربنا يبارك فيك يابني."
"كنت عاوز أعرف من حضرتك رأي الآنسة نهى في الموضوع."
غمز لها والدها بابتسامة طيبة وقال:
"والله يابني..."
وصمت قليلاً. أخذت ضربات قلب فاروق ترتفع أكثر وأكثر وهو يرجو الله ألا تكون رفضته. أخذ يفرك أصابعه ببعضها البعض بخوف وقلق حتى سمع منه كلمة:
"وافقت يابني، ألف مبروك."
اتسعت عيناه ونظر لأمه غير مصدق ما يسمع وسأل بلهفة:
"بجد يا عمي؟"
أبعد الأب سماعة الهاتف عنه ونظر لها قائلاً:
"ده بيقولي بجد يا عمي؟ الواد شكله هيموتك."
كتمت ضحكاتها بصعوبة وأشارت إليه أن يكمل حديثه:
"أيوه بجد طبعاً هو أنا هزر معاك يا فاروق؟"
"أسف يا عمي مش قصدي والله، جزاك الله خيراً وربنا يخليك لينا."
"وإياكم يابني، يلا سلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
***
أغلق الهاتف وأخذ يهرول إلى أمه ويمسك يدها ويقول ببهجة:
"وافقت يا ماما وافقت، أنا مش مصدق نفسي والله، ربنا بيكرمني أوي وأنا مستاهلش أي حاجة من ده كله أصلاً."
ثم نظر للسماء ورفع يده قائلاً:
"يارب اجعلها زوجة صالحة لي وارزقني منها بالذرية الصالحة وقويني علشان أربيهم أحسن تربية، تربية ترضيك يارب يوم ما أقابلك، تربية أفخر بيها يوم القيامة، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك."
ربتت الأم على كتفه بحنان وقالت:
"والله يا فاروق يابني إنت تستاهل كل خير، وكفاية إني راضية عليك ليوم الدين."
أمسك كفها وقبله بسعادة وقال:
"ربنا يخليكي ليا يا أمي ويقدرني على برك."
رواية في الحلال الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رقيه طه
ظهرت نتيجة التنسيق وبالفعل تم قبول ولاء في كلية الهندسة كما كانت تحلم. شعر كل من في المنزل بالسعادة، ولكن سعادة سلمى كانت ظاهرية فقط، فقد كانت تعاني في تلك الفترة بفتور في قلبها. ككل إنسان يأتي عليه وقت ويشعر أن إيمانه قل وأنه لن يستطيع مواصلة مسيرته، وخصوصا لو كان وحده. حاولت إخفاء هذه الحالة عن الجميع وكانت تنام طوال اليوم وتستيقظ فقط لأداء الصلاة وتنام مرة أخرى. من سوء حظها أن هذه الحالة أتت إليها في نفس توقيت تنسيق ولاء. في البداية لم يلاحظ أحد الأمر، ولكن مع مرور الوقت أخذت أختها تلاحظ هذا التغيير وتخبر به والديها.
مر حوالي أسبوع ونصف على هذه الحالة حتى جاءت إليها أختها ذات يوم لتخبرها أن والدها يستدعيها للحضور. نهضت ووقفت أمام باب غرفته وطرقت الباب للحظات، وسرعان ما سمعت صوته من وراء الباب يأذن لها بالدخول. نظرت له بابتسامتها المعتادة وقالت:
"حضرتك كنت عاوزني في حاجة يا بابا؟"
أجلسها بجواره وقال بابتسامة:
"مالك اليومين دول يا سلمى؟"
ابتسمت له بحنان وقالت:
"مفيش يا بابا أنا كويسة الحمد لله."
اختفت الابتسامة من على وجهه وقال بجدية:
"بس من ساعة ما ظهرت نتيجة التنسيق بتاع اختك وانتي مش مبسوطة؟ خير في حاجة ولا إيه؟"
نظرت له بتعجب وقالت:
"طيب وإيه دخل ولاء في الموضوع يا بابا؟"
ثم انتبهت فجأة وقالت بصوت مختنق:
"بابا هو معقول حضرتك تكون لسه متخيل إني بغير منها؟!"
عقد ذراعيه أمام صدره وقال بضيق:
"يمكن!"
انتفضت من مكانها بذهول وقالت:
"إزاي حضرتك تظن فيا كده!! طيب ما أنا كنت متأكدة أصلاً إنها هتتقبل في هندسة لأن مجموعها الحمد لله كويس، وبعدين أنا إيه اللي هيخليني أغير منها مش فاهمة! أنا مقتنعة بكليتي جدًا والحمد لله جددت نيتي وبقيت بحبها وحبيت إني أبقى مدرسة، هغير منها ليه بقي؟!"
نظر لها بوجه خالي من أي تعبير وقال:
"طيب وإيه تفسيرك إنك من ساعة ما نتيجة اختك بانت وانتي نايمة في السرير ومش طايقة تعملي أي حاجة؟"
حاولت كتم غضبها بداخلها لأنها تحدث والدها وقالت:
"يعني حضرتك عاوز تعرف أنا متضايقة ليه يا بابا؟ لو عرفت مش هتظلمني تاني يعني!"
أومأ برأسه إيجابًا، فقالت بتعب:
"علشان حاسة إن قلبي مات يا بابا. لا بقيت عارفة أقرأ قرآن ولا أصلي زي زمان. مبقيتش عارفة أضحك وحاسة إني مخنوقة علطول. مبقيتش حاسة إني سعيدة في حياتي زي الأول. مبقيتش قادرة أستحمل كمية التريقة اللي باخدها دي ومحدش حاسس بيا. بقيت حاسة إن الدنيا سودة قدامي وإن ربنا مش متقبل مني العبادة. من الآخر مبقيتش حاسة بروحي!"
"لكن مع ذلك أنا مطلبتش من حد يساعدني، وعمري ما عاملت حد وحش زي ما بتعاملوني. حرام يعني إني أكتئب شوية وأخليني في حالي وأبطل ضحك؟ حتي دي كمان هتظلمني فيها يا بابا! أنا قلت لحضرتك قبل كده إني عمري ما هغير منها ومقتنعة بنفسي جدًا الحمد لله وعمري ما حقدت على حد أو بصيت لحاجة في إيدين حد، وحضرتك مربيني من زمان وعارف كده. لكن لو حضرتك مصر إني وحشة يبقى خلاص مش مشكلة، كفاية إن ربنا عالم بنيتي لأني أصلاً مليش غيره يحس بيا."
"ممكن أمشي يا بابا ولا حضرتك عاوز تقولي حاجة تاني؟"
جذبها من يدها وأجلسها بجواره مرة أخرى وظل ممسكًا بيدها وهو يقول بحنان:
"إيه يا بنتي اللي إنتي شايلاه جواكي ده كله؟"
تنهدت بمرارة وقالت:
"حضرتك عارف من زمان إني كتومة ومش بطلع اللي جوايا بسهولة، علشان كده أرجوكم خدوا بالكم من كلامكم لأنكم مهما عملتوا برضه مش هعرف أرد عليكم وهشيل جوايا وبس. ممكن حضرتك بس تدعيلي وأنا هبقى كويسة؟"
تنهد بحزن وقال:
"حاضر، روحي على أوضتك لو حابة."
غادرت سلمى الغرفة وهي لا تدري شيئًا كالعادة. هل والدها قاسٍ أم حنون؟ لماذا دائمًا يغضبها ويوبخها ويظلمها، وأيضًا تشعر أحيانًا أنه يحبها ويخاف عليها؟ سألت نفسها هذا السؤال مئات بل آلاف المرات ولكنها لم تجد إجابة كالعادة. فمن الممكن أن يكون رد فعله هذا نتيجة لأنه يحبها ولكن بطريقته؟ لا تعلم شيئًا، فقررت عدم التفكير في هذا الأمر الآن، فيكفيها ألم قلبها الذي تحمله.
ذهبت إلى حاسبها وقامت بفتح حسابها على موقع فيسبوك وأرسلت رسالة لحفصة الغائبة وكتبت فيها:
"حفصة أنا محتاجالك أووووي اليومين دول، أنا حاسة إني كارهة نفسي ومبقاش ليا نفس أعمل أي حاجة زي زمان. واقفه مكاني ومش عارفة أتقدم خالص. مفيش أي حد كان بيساعدني غيرك ودلوقتي مبقاش ليا حد أصلاً. يلا ما علينا، ربنا يسعدك."
أخذت تعيد قراءة المحادثات التي حدثت بينها وبين حفصة وتوقفت عند هذه الرسالة الموجودة في آخر محادثة بينهما:
"لما تحسي إنك تعبتي ومش قادرة تكملي طريقك استخدمي سلاحك.. معاكي الدعاء والقرآن."
"افتحي المصحف وانتِ بتقولي لربنا يارب ابعتلي رسالة، ابدأي دوري كل يوم على رسالة من ربنا ليكي لحد ما توصليها. ادعي كتير قوي ربنا يقويكي ويثبتك، اوعي يا سلمى تستسلمي للشيطان اوعي حد يضايقك بكلمتين ويخليكي ترجعي عن هدفك."
"معاكي قرآنك ودعائك يا سلمى فاهمني؟ معاكي سلاحك يا سلمى اوعي تتخلي عنه."
أخذت سلمى تقرأ الكلمات مرة تلو الأخرى وتنهدت بارتياح وقالت:
"زي ما تكوني حاسة بيا يا حفصة. يارب أقدر أكلمك تاني في يوم من الأيام."
ثم أخذت تردد:
"يارب ابعتلي رسالة، يارب ابعتلي رسالة، يارب ابعتلي رسالة."
تركت الرسائل وهي مازالت تردد جملة "يارب ابعتلي رسالة" وذهبت لصفحتها الرئيسية لمتابعة آخر الأخبار. نظرت أمامها فإذا بها ترى منشور مكتوب فيه:
"زهرة اللوتس تستمع الآن إلى 'اشتقت إليك'."
شعرت بالحزن بداخلها. نظرت للسماء وقالت:
"الحمد لله الذي عافاني، ربنا يهديكي يا زهرة، ربنا يبعدك عن الأغاني ويعلق قلبك بالقرآن."
وقبل أن تهبط لتنظر منشور آخر لمحت اسم صاحب الأغنية "أحمد سعيد".
أخذت تحدث نفسها قائلة:
"أنا شفت الاسم ده قبل كده، فين ياربي فين؟"
ثم تذكرت فجأة وقالت:
"أيوه صح ده واحد من المنشدين الجداد اللي حفصة قالتلي عليهم."
أخذت تحك ذقنها ببطء وتفكر قليلًا ثم ابتسمت قائلة:
"مش يمكن دي تكون رسالة من ربنا ليا؟ أحملها وأشوف."
قامت بتحميلها وبدأت تستمع إلى كلماتها:
"ضاقت بيا الدنيا.. لقيتني إنسان غريب"
"وبقيت أنا حاجة تانية.. بجد إنسان عجيب"
"لقيتني بعدت في ثانية.. بعد أما كنت قريب"
"لقيت قلبي بقى آسي.. عينيا مافيهاش دموع"
"لقيتني بجد ناسي.. أي معنى للخشوع"
"خلاص قلبي احساسي.. بيتمنوا الرجوع"
"وخلاص يارب أنا راجع ليك.. ندمان بشدة أنا بين إيديك"
"على كل لحظة ماكنتش ليك.. وكنت فيها عاصيك وناسيك"
"يارب راجع أدق الباب.. باب الرحيم باب التواب"
"دا لما بعدت شوفت العذاب.. خلاص يارب اشتقت إليك"
"أنا قولت هاعيش حياتي.. بس أنا عايشها حرام"
"علشان أرضي شهواتي.. وابقى مبسوط وتماما"
"تاريني هازيد آهاتي.. وكل دا أوهام"
"وخلاص عرفت حقيقي.. بجد أحلى حياة"
"لما ينور طريقي.. برضا وحب الله"
"يبقى القرآن صديقي.. ورسولي أمشي في خطاه"
"وخلاص يارب أنا راجع ليك.. ندمان بشدة أنا بين إيديك"
"على كل لحظة ماكنتش ليك.. وكنت فيها عاصيك وناسيك"
"يارب راجع أدق الباب.. باب الرحيم باب التواب"
"دا لما بعدت شوفت العذاب.. خلاص يارب اشتقت إليك"
أخذت تسمع كلماتها بذهول!! فكأنها توصف حالتها تمامًا. سمعتها مرة تلو الأخرى حتى كادت أن تحفظها كاسمها وأخذت تردد:
"وخلاص يارب أنا راجع ليك.. ندمان بشدة أنا بين إيديك"
"على كل لحظة ماكنتش ليك.. وكنت فيها عاصيك وناسيك"
"يارب راجع أدق الباب.. باب الرحيم باب التواب"
"دا لما بعدت شوفت العذاب.. خلاص يارب اشتقت إليك"
تنهدت بارتياح وهي تقول مؤكدة:
"راجعالك يارب ومش هيهمني حد، مش هستنى مساعدة من حد لأني معايا ربنا دايما. حفصة كانت دايما تقولي اللي معاه ربنا مش هيحتاج مساعدة من حد، وأنا معايا ربنا ومش عايزة أي حاجة من حد. هفوق لنفسي كده وأرجع أحسن من الأول مليون مرة وأبدأ أخد خطوة جديدة في حياتي بإذن الله. يارب قدرني وقويني."
أغلقت حاسبها وذهبت لمصحفها ولكن بقلب آخر. فهي قد سمعت إنشودة واحدة فقط ولكنها غيرت فيها الكثير. أمسحت مصحفها باشتياق ونظرت إليه فوقعت عينها على هذه الآية التي أراحت قلبها أكثر وأكثر:
"وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"
أخذت تنظر للآية بسعادة وتقول:
"فهمت الرسالة يارب وهنفذها بإذن الله."
***
كان إسلام يتحدث مع أخته هند عندما سمع رنين هاتفه المحمول. تركها ودخل غرفته فوجد فاروق المتصل فأجاب مسرعًا:
"الــو."
"يابني أنا مش قيلتلك اسمها السلام عليكم."
"أيوه أيوه صح، استنى لما أقفل وأتصل تاني بقي."
"يــابــاي عليك مش هتبطل رخامة بقي، السلام عليكم أولاً بس."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هاه متصل ليه؟"
"اقفل ياض، إنت أصلاً متستحقش الأخبار الحلوة اللي أنا جايبهالك دي."
"أخبار حلوة، ياريت ياخويا حد لاقي."
"بص عندي خبرين حلوين وواحد وحش، تحب نبدأ بإيه؟"
"قول أي حاجة، المهم تتكلم."
استند فاروق بسعادة وقال:
"أولاً كده يا سيدي نهى وافقت عليا الحمد لله."
تنهد بدلع مصطنع وقال:
"هيييح وإيه كمان؟"
ضحك فاروق رغماً عنه وقال:
"ياواد بطل بقي، ثانياً يا سيدي لقيتلك شغل."
انتفض إسلام من مكانه واتسعت عيناه وقال:
"لقيتلي أنا؟ قول وربنا."
"وربنا لقيت، بص هي شركة خاصة مفتوحة من كام سنة كده، كانوا طالبين مهندسين ومدير شركتنا قالنا لو تعرفوا حد محتاج وظيفة وكده وأنا رشحتك ليهم، ابقى تعالي بقي بكرة وهات معاك أوراقك وربنا يقدم اللي فيه الخير إن شاء الله."
"بجد يا فاروق أنا مش عارف أقولك إيه، ربنا يبارك فيك."
"يابني عيب ماتقولش كده ده إنت أخويا."
"طيب وإيه الخبر الوحش بقي؟"
"بص هو مدير الشركة دي صعب حبتين واللي أعرفه إن محدش بيحبه، بص أنا مش عايز أظلمه بس ده اللي أنا سمعته عنه، عموما روح وشوف بنفسك."
"يا عم وأنا مالي ومال المدير، هو حد لاقي شغل دلوقتي، هحضر أوراقي وأجيلك بكرة بإذن الله."
"تعالي على الساعة 9 الصبح كده ماشي؟"
"ماشي بإذن الله."
"يلا اقفل بقيت."
تنهد إسلام بدلع مستفز وقال:
"لا اقفل إنت الأول، هخاف أقفل على ودنك وتوجعك وإنت عارف أنا حنين إزاي."
"ماشي يا ظريف، مستنيك بكرة بإذن الله، يلا سلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
***
"أمــامــامــا!"
قالها إسلام وهو يهرول كالأطفال نحو غرفة والدته. نظرت له بسعادة وقالت:
"مالك يا واد في إيه؟"
أخذ يقفز كالأطفال وهو يقول:
"لقيت شغل ياماما لقيت شغل!"
ضمته والدته بقوة وقالت:
"يا مانت كريم يارب، الحمد لله يابني ألف مبروك."
ثم نظرت له بتساؤل وقالت:
"بس لقيته إمتى ده؟ ما إنت كنت لسه قاعد من شوية ومقولتش حاجة."
"لأ ماهو فاروق كلمني دلوقتي وجابلي شغل."
"والله يابني فاروق صاحبك ده فيه الخير ومن ساعة ما عرفته وانت حالك اتصلح."
أجابها مؤكدًا:
"والله فعلًا يا ماما، طلع جدع وراجل بجد، وأنا اللي كنت دايماً بظلمه، يلا الحمد لله."
"طيب يابني هتروح إمتى تقدم؟"
"بكرة إن شاء الله."
"بإذن الله هتقبل، هما هيلاقوا زيك فين يعني؟"
"قولي يارب."
***
تقدم إسلام للوظيفة وبالفعل تم قبوله بفضل الله. لقد كان المرتب صغير بعض الشيء ولكنه رضي به وأخذ يدعو الله أن يرزقه من حيث لا يحتسب. وبعد هذه المناسبة السعيدة قرر أيضًا أن يفاتح فاروق في الموضوع الذي يفكر فيه من عدة أيام، فقال له مبتسمًا:
"فاروق أنا عايز أحفظ قرآن."
نظر له فاروق بدهشة ممزوجة بالسعادة وقال:
"بجد والله!"
اتسعت ابتسامة إسلام وهو يومئ برأسه إيجابًا ويقول:
"بجد والله نفسي أحفظ، بس مش مجرد حفظ لأ، أنا عايز أحفظ بالتفسير، والتفسير عندي كمان أهم من الحفظ عشان أكون فاهم كل كلمة بقولها وأحس بيها، ينفع تحفظني؟"
احتضنه فاروق بسعادة وقال:
"ينفع طبعًا، بس الأفضل إنك تروح لشيخ يحفظك، هيكون أحسن مني يعني، عموما أنا هظبطلك ميعاد مع الشيخ اللي كنت بحفظ عنده وأقولك، تمام."
"تمام جدًا، بس ما يكونش بيزعق ولا بيضرب ها."
"هههههه لأ متقلقش ده كويس قوي والله."
***
بدأت سلمى تعود لطبيعتها مرة أخرى، طبيعتها القوية العنيدة المُصرة على التغيير، طبيعتها التي رفضت أن تعيش بلا هدف كباقي البشر، طبيعتها التي جعلتها على استعداد لفعل أي شيء حتى تتقرب من الله عز وجل.
***
بعد مرور شهر تقريبًا كان إسلام واقفًا في الشرفة ينظر إلى الشارع عندما رأى سلمى تعبر هي ووالدتها من أمام منزله. وجد نفسه بكل براءة يشير إليها ويقول:
"إيه ده سلمى صاحبة هند أهي."
ولكنه سرعان ما أشاح بوجهه جانبًا وقال بصرامة:
"إيه يا عم ما تغض بصرك، وبعدين إيه حركات الأطفال دي!!"
أحس بشيء غريب بداخله وخطرت في باله فكرة، فهبط من منزله وذهب لأقرب مكان يباع فيه ورد واشترى خمس وردات صغيرات باللون الأحمر والوردي وعاد بهما إلى المنزل. طرق باب غرفة هند ودخل والابتسامة تعلو وجهه وقال:
"هند جبتلك ورد."
قفزت من مكانها وأمسكت بالوردات بسعادة كالأطفال وأخذت تشم رائحتهن بكل شوق. ومن ثم انتبهت له وهو واقف ينظر لها فقالت متعجبة:
"ربنا يخليك يا إسلام، بس إشمعني يعني؟"
تنهد بخبث وقال:
"إيه يعني حرام أدلع أختي الصغيرة شوية، قلت أجيبلك ورد ونقعد نتعرف على بعض بقي وكده."
رفعت حاجبها قائلة:
"هنستعبط يا إسلام؟ نتعرف إزاي يعني مانت عارف عني كل حاجة."
جلس على الفراش ووضع ساقًا فوق الأخرى وقال بثقة:
"لأ طبعًا أكيد مش عارف عنك كل حاجة، احكيلي عن نفسك لأني حاسس إني بقالي كتير متكلمتش معاكي."
جلست بجواره وقد فرحت بهذا الاهتمام وأخذت تحدثه عن نفسها لفترة طويلة حتى انتهت، فقال:
"طيب وعندك أصحاب بقي؟"
"أكيد عندي."
نظر لها بمكر وقال:
"طيب احكيلي عنهم."
نظرت له نظرة غاضبة وقالت:
"احكيلك عنهم ليه؟ وإنت مالك بيهم أصلاً!!"
ضحك ببراءة وقال:
"يا بنتي مش لازم أطمن على أختي مصاحبة مين وبتتكلم مع مين وكده؟"
أومأت برأسها موافقة وأخذت تحدثه عن سلمى أولاً. حدثته عن أخلاقها وتفكيرها، عن التغيير المفاجئ الذي حدث بشخصيتها واقترابها من الله عز وجل وتغيير خطة مستقبلها بالكامل، عن حبها لهما وحنانها عليهما، عن إصرارها وعدم يأسها، عن كل شيء جميل تشعر به تجاه سلمى.
أخذ إسلام يستمع إلى الكلمات وهو في غاية السعادة. لا يعرف لماذا شعر بالسعادة وقتها وهو يسمع عنها ولا يعلم أيضًا لماذا الآن فقط فكر في السؤال عنها. كل ما كان يدور بداخله وقتها أنه يريد معرفة كل شيء عنها وفقط. انتهت هند من كلامها عن سلمى وبدأت في التحدث عن فاطمة. لم يرد سماع شيء آخر بعد ما سمعه عن سلمى. حاول الخروج من الموقف بطريقة مرحة وقال:
"إيه يا ست إنتي رغاية كده ليه؟"
نظرت له بتعجب وقالت:
"يابني مش إنت اللي قلت عايز تعرف عني أكتر؟"
ابتسم ببراءة وقال:
"ماشي منا عرفت عنك خلاص، بس مليش دعوة بصحباتك أنا."
وافقه الرأي وقالت:
"صح عندك حق."
نهض من مكانه متجهًا لغرفته وهو يقول بمرح:
"ابقي ادفعي تمن الورد ده بقي هاه."
أطلقت ضحكة عالية وتبعتها بنظرة ساخرة وقالت:
"خد الباب في إيدك يا إسلام، ربنا يهديك يابني."
***
وقف أمام شرفة غرفته وأخذ ينظر إلى السماء ويقول:
"ياربي هو في بنات كده؟ طيب وهو أنا معقولة أستاهل واحدة زي دي بعد كل المصايب اللي عملتها في حياتي دي؟"
نظر للجانب الآخر وقال هامسًا:
"بس أنا تبت والله، وبإذن الله يارب تكون سامحتني وغفرتلي ذنوبي. هو معقولة لو أنا اتقدمتلها ممكن توافق؟"
عاد بنظره إلى الشرفة وقال:
"طيب وهو أنا ليه أصلاً دلوقتي بالذات بفكر فيها؟ ماهي جارتي من زمان ومكنش بيهمني أعرف عنها حاجة قبل كده. معقولة يكون كلام فاروق عن الحلال والقرب من ربنا أثر فيا وخلاني أنا كمان أفكر زيه؟ معقولة تكون دي البنت اللي ربنا كاتبهالي عشان يعوضني عن كل مرة حزنت وتعبت فيها؟ معقولة يارب تكوني بتحبني وسامحتني؟"
"طيب وليه لأ؟ مش دايماً محمد الله يرحمه كان بيقولي إن ربنا أحن علينا من أي حد؟ ودايماً كان بيقولي محدش هيحس بيك غير ربنا. يا حبيبي يا محمد كان نفسي أوووي تكون موجود جنبي دلوقتي وتشوفني وأنا كده. يارب لو هي من نصيبي قربني ليها وسهل لي الأمور في الحلال، ولو مش ليا نصيب فيها ارزقها بالزوج الصالح اللي يسعدها ويحقق لها ما تتمنى."
"بس أنا برضو مش هسكت، هحاول.. هنخسر إيه يعني؟!"
عاد إلى غرفة أخته وطرقها ودخل مسرعًا وقال بسرعة البرق:
"هند أنا عايز أتـجوز سلمي."
رواية في الحلال الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رقيه طه
عاد إلى غرفة أخته وطرقها ودخل مسرعًا وقال بسرعة البرق:
- هند أنا عايز أتجوز سلمي.
رفعت حاجبها وقالت متعجبة:
- نعم يا أخويا!
تنحنح بحرج وقال مؤكدًا:
- والله بتكلم بجد، أنا عاوز أتقدملها.
نظرت له بعدم اهتمام وقالت:
- روح نام يا إسلام عشان عندك شغل الصبح، إنت شكلك نعست وخرفت!
قفز من مكانه وجلس متربعًا في وسط فراشها وقال:
- مش هنام، ومش ماشي من هنا غير لما تقوليلي أتقدملها إزاي.
صرخت به قائلة:
- يا إسلام إنت مجنون!
أطلق ضحكات عالية متواصلة وقال:
- آه آه مجنون، وبرضه هتجوزها مليش دعوة، لو ربنا أذن يعني.
مطت شفتيها للأمام وقالت بغضب:
- يا إسلام إحنا هنستعبط! يعني عشان قولتلك عليها كلمتين تقوم تقولي عايز أتجوزها! طب لو كنت كلمتك عن فاطمة كمان كنت هتروح تتقدملها هي التانية!
أخذ يحرك رأسه يمينًا ويسارًا وهو يقول بصوت طفولي:
- تؤ تؤ سلمي بس.
تنهدت بغضب وقالت هامسة:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهديك يا ابني.
قفز من على الفراش ووقف أمامها مباشرة وقال مؤكدًا:
- يا هند والله بتكلم جد، أنا فعلًا عاوز أتقدملها وإنتي لازم تساعديني.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت باستنكار:
- طيب وإنت لحقت تعرفها بقي عشان تتقدملها!
نظر لها بثقة وقال:
- لأ ما أنا هعرفها في بيت أهلها، كل اللي أعرفه عنها دلوقتي سمعتها الحلوة وأنا بصراحة يشرفني تكون مراتي بنت زي دي، كمان كلامك عنها دايمًا كان بيبين قد إيه هي بنت محترمة فعلًا وقليل اللي زيها اليومين دول، يمكن زمان مكنتش بهتم أوي بكلامك عنها بس دلوقتي بتكلم بجد والله.
أخذت تحك ذقنها عدة مرات وهي تفكر، ثم نظرت له بجدية وقالت:
- يعني أكيد أكيد عاوز تتقدملها!
- وربنا آه.
تنهدت قائلة بقلق:
- بس اللي أعرفه إن هي مش هتوافق تتخطب قبل ما تتخرج، هي كانت دايما بتقول كده، كمان باباها شديد شوية فمش عارفة هيوافق على إمكانياتك ولا لأ.
نظر لها بتوتر وقال:
- هو عايز يجوزها لواحد غني يعني!
- بص مش عارفة بالظبط، لكن برضو ممكن أجس نبضها كده وأقولك.
نظر لها بسعادة وحب وقال:
- يعني هتساعديني بجد!
قالت بابتسامة:
- هساعدك عشان أخلص منك بس.
- طيب بصي أوعي تقوليليها حاجة عليا هاه، إنتي بس شوفي الأول هتوافق على المبدأ ولا لأ، يعني هترضي تتجوز واحد ظروفه زيي كده، كمان إيه مواصفات الولد اللي عايزة تتجوزه، كمان قوليلي لو جالك واحد مواصفاته كذا وكذا هتوافقي ولا لأ، كده يعني أكيد إنتي فاهمة أكتر مني في الحاجات دي.
- ماشي أمري لله، وأنا أقول برضو الواد جايبلي ورد وعامله فيها عم الرومانسي، أتاريها طلعت رشوة.
- هه هه فاهماني إنتي دايمًا يا أهند.
***
- سرحانة في إيه يا لوءة.
قالتها سلمي عندما دخلت غرفتها لكي تحضر بعض الأشياء ولكن ولاء لم تلاحظها. انتبهت ولاء وقالت:
- هاه.
- بقولك سرحانة في إيه يا بنتي!
أسندت وجهها على كفها وقالت بحزن:
- افتكرت العريس التحفة اللي إنتي رفضتيه ده، بجد لو كان جالي أنا كنت وافقت فورًا!
أخذت سلمي تضحك بشدة وتقول:
- إنتي لسه فاكرة! ده من أكتر من شهر يا بنتي، والله ده أنا بحمد ربنا إن هو كمان رفضني عشان مكونش ظلمته معايا.
قالت ولاء باستنكار:
- والله إنتي عبيطة، وده هتلاقي زيه فين بقي إن شاء الله.
نظرت لها بثقة وقالت:
- هيجيلي أحسن منه.
مطت شفتيها للأمام وقالت باستنكار:
- ليه بقي إن شاء الله تكوني الوزيرة وأنا معرفش! ولا بتعرفي في علم الغيب!
جلست على حافة الفراش ونظرت لها بجدية وقالت:
- لأ مش كده، لكن عشان أنا عندي ثقة في ربنا إنه مش هيخذلني، ربنا عالم باللي جوايا وإني بجد مش عايزة حاجة من الدنيا غير واحد يكون كل هدفه الجنة ويشدني معاه ويساعدني على تربية أولادنا على القرآن والسنة.
عارفة إني أقل بكتير من إني أستاهل واحد زي ده، بس برضو ثقتي في ربنا أكبر من كده، وكمان اللي بيدعي بيقين بإذن الله ربنا هيستجيب دعائه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه". رواه الترمذي، وكمان ربنا قال في الحديث القدسي "أنا عند ظن عبدي بي".
عشان كده يا ستي أنا متأكدة إن ربنا هيرزقني بالإنسان اللي أنا بتمناه، ماهو مش معقول هيكون كل هدفي أعيش حياتي صح وأرضي ربنا وربنا هيخذلني ومش هيساعدني، مستحيل يا بنتي لأن ربنا كريم وأنا واثقة في كرمه.
***
- يلا اتصلي اتصلي خليكي جدعة يلا يلا يلا يلا.
قالها إسلام وهو يقفز في مكانه كالأطفال ويطلب من هند بإلحاح أن تتصل على سلمي لتخبرها برغبتها في الذهاب إليها لكي يتحقق حلمه ويعرف رأيها في الأمر وذلك بعد موافقة والدته أيضًا وترحيبها بالموضوع. استجابت هند لكلامه واتصلت بسلمي وهو ينظر لها بترقب وقالت:
- الو سلمي ازيك.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أختي، الحمد لله تمام جدًا، إنتي عاملة إيه يا هنود!
- كويسة الحمد لله، بقولك إنتي فاضية النهارده!
- آه فاضية هروح فين يعني! إشمعنى!
- كنت عاوزة أجيلك أشوفك ينفع!
- ياسلام إيه الرضا ده كله، يلا شدي العباية بسرعة وتعالي هستناكي.
- ماشي 10 دقايق وأبقي عندك بإذن الله.
أغلقت هند الهاتف وغمزت لإسلام بسعادة فقال لها:
- هند أوعي تجيبي سيرتي في الموضوع هاه.
- ما تقلقش يا باشا عيب عليك.
- طيب يلا روحي بسرعة بقي واسأليها كل الأسئلة اللي اتفقنا عليها ماشي!
أومأت برأسها إيجابًا وهي مبتسمة وتركته وذهبت لغرفتها لترتدي ثيابها وتذهب، بينما اتصل هو على فاروق ليعرف ما إذا كان يستطيع مقابلته الآن أم لا. أجاب فاروق بالموافقة فهبط إسلام الدرج بسرعة واستقل أول سيارة أمامه وذهب إلى منزل فاروق. حضر إليه فاروق فقال إسلام بسعادة:
- فـــــــــــــــــــــــارووووووووووووق.
رفع حاجبه وقال متعجبًا:
- إيه يابني بتصوت ليه منا قدامك أهو!
تنهد إسلام بارتياح وقال:
- أنا عايز أبقى زيك يا فاروق.
تعجب أكثر وقال:
- زيي أنا!
إيه يعني؟
ابتسم بسعادة وقال:
- بص أنا نفسي أبقى كويس زيك كده وقريب من ربنا ومعملش ذنوب خالص.
قطّب حاجبيه وقال بدهشة:
- ومين قالك بقى إني مش بعمل ذنوب خالص؟
ضحك بملل مصطنع ونظر لفاروق مبتسمًا وقال:
- يابني مش قصدي، قصدي يعني إني عايز أكون كويس وخلاص.
عقد ذراعيه أمام صدره وابتسم لإسلام وقال بسعادة:
- ماشي يا سيدي، مبدأيًا كده لازم يكون قدوتك سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وبس. ما تبصش لأي إنسان وتقول أنا عايز أبقى زيه لأن كلنا مليانين ذنوب ربنا يرحمنا. كمان بقى في حاجة مهمة جداً وهي إنك تستشعر مراقبة الله ليك.
نظر له متعجبًا وقال:
- يعني إيه؟
- يعني وإنت بتعمل أي حاجة في حياتك تبقى حاطط في دماغك إن ربنا دلوقتي شايفك. وتقعد تسأل نفسك يا ترى ربنا دلوقتي راضي عني ولا لأ؟ يا ترى أنا دلوقتي باخد حسنات ولا سيئات؟ لو عرفت تحس بكده فعلاً تبقى إنت هتبقى كويس زي ما بتتمنى.
- طيب أعمل إيه تاني علشان أبقى قريب من ربنا؟ أنا الحمد لله واظبت على الصلاة في الجامع وبدأت أحفظ قرآن أهو وكمان قرأت سيرة سيدنا محمد وباقي الأنبياء. وحالياً بقرا في سيرة الصحابة. أعمل إيه تاني بقى؟
- في حاجات كتير قوي ممكن تعملها. لو عبادات مثلاً ممكن تعمل لنفسك جدول صغير كده وتحط فيه الحاجات اللي هتقدر تواظب عليها يومياً زي مثلاً أذكار الصباح والمساء. عدد معين من التسبيح والصلاة على النبي والاستغفار. صلاة السنن وصلاة الضحى. قراءة سورة الملك قبل النوم. ورد قرآن مثلاً وورد تفسير يومي. قيام الليل حتى لو ركعتين مع الوتر. كده يعني.
أما بالنسبة للمعاملات فحاول دايماً تخليك قدوة بأخلاقك. عامل كل الناس كويس وإبتسم في وشهم وحببهم في الملتزمين. وطبعاً طبعاً بر الوالدين مفيهاش كلام دي. وخد بالك من أختك قوي لأنها مسؤولة منك. استأذن دايماً من شغلك وروح صلي ومع الوقت هتلاقي صحابك عملوا زيك. غض بصرك طبعاً وحافظ على بنات الناس منك. حاول دايماً لو جه سؤال في بالك ابحث عنه واقرأ فيه وزود معلوماتك. اتفرج على برامج دينية بقدر الإمكان وخلي معاك دايماً ورقة وقلم وسجل الحاجات المهمة اللي الشيخ بيقولها وابدأ في التنفيذ. امممم ده اللي في بالي حالياً.
قال إسلام بمرح:
- معلش يا فاروق قولهم تاني بقى علشان أكتبهم في ورقة.
وكزه في يده بشدة وهو يقول بضيق مصطنع:
- امشي يا إسلام من قدامي.
ضحك إسلام بصوت مرتفع وقال:
- خلاص خلاص والله فهمتهم وبإذن الله هبدأ في التنفيذ. لازم أكون من عمار الأرض ولازم أكون مسلم بجد.
- ربنا يثبتك ويقربك منه أكتر.
ثم نظر له بتتمعن وقال:
- بس قولي إيه سبب القرار المفاجئ ده بقى؟ يعني إيه اللي فكرك بيا دلوقتي وجاي فجأة تقولي عايز أبقى زيك يا فاروق؟
أغمض عينيه للحظات ثم نظر له بسعادة وقال:
- علشان قررت أتجوز.
ضحك فاروق بمرح وقال:
- أتتجوز! وماله يا خويا مش عيب. بس برضو مفهمتش إيه علاقة القرار ده بالجواز.
تنهد إسلام قائلاً بأمل:
- مفيش يا سيدي، شوفت النهارده بنت ماشية تحت البلكونة بتاعتنا مع مامتها وفجأة كده لقيتني بسأل عليها وعاوز أعرف عنها كل حاجة وفجأة كده برضو حبيت شخصيتها قوي ونفس ذات الفجأة لقيت نفسي عاوز أبقى أفضل علشان أستاهلها بجد وأتقدم لها بقى. عارف إني مجنون بس هو ده اللي حصل والله.
أطلق فاروق ضحكات عالية متواصلة وقال:
- طب كل ده جميل بس إيه حكاية إنك شوفتها تحت البلكونة دي بقى؟ يعني لقيت بنت ماشية في حالها كده قلت تتجوزها؟ وكمان فين غض البصر يا أستاذ!
شهق إسلام بخوف مصطنع وقال مازحاً:
- لالالا اوعي تفهمني صح. البنت دي أصلاً جارتنا وصاحبة هند أختي وأنا عارفها من زمان. كمان والله غضيت بصري. أنا لمحتها بس.
ضغط على يده بقوة وقال بسعادة:
- ربنا يوفقك يا إسلام ويجعلها من نصيبك لو فيها الخير ليك.
ثم انتبه قائلاً:
- بس خد بالك من حاجة. إنت هتبقى كويس علشان ترضي ربنا وتبقى مسلم صح مش علشان هي توافق عليك. فاهم الفرق يا إسلام؟
أومأ برأسه إيجاباً وقال:
- ماتقلقش يا فاروق. أنا بدأت في الطريق ده ومش هسيبه لأي سبب من الأسباب بإذن الله. كل الحكاية إني حسيت إنها إنسانة بجد تستاهل كل خير فعلشان كده مش عايز أظلمها معايا وبإذن الله لو ليا نصيب فيها هكون فعلاً الزوج اللي هي بتتمناه. ولو مش ليا نصيب فيها برضو هفضل مكمل في طريقي إن شاء الله.
- أيون تمام كده. ربنا يفعلك الخير.
كاد إسلام أن يذهب ولكنه تذكر موضوع غاية في الأهمية فعاد مرة أخرى وقال بتوتر:
- فاروق صحيح عاوز أسألك في حاجة.
- اسأل.
صمت للحظات محاولاً تجميع كلماته وقال:
- فاكر لما قولتلك إن في واحد أعرفه كان يعرف بنت من على النت وكانوا بيحبوا بعض وكده.
ابتسم فاروق بمكر وقال:
- ياه ده من حوالي سنة ونص أو سنتين يابني. بس آه فاكر ماله؟
أخذ يفرك يده اليمنى باليسرى بتوتر وقال:
- هو من ساعتها ندم جداً على اللي عمله وسابها وتاب الحمد لله. دلوقتي بقى لو حب يتقدم لواحدة وسألته عن ماضيه وكده. هل المفروض يقولها إنه كان يعرف واحدة زمان ولا يكذب عليها؟
أجاب فاروق بثقة:
- لأ طبعاً ميقولش.
تعجب إسلام وقال:
- طيب مش هو كده يكون بيخدعها؟
تبسم فاروق وقال بحنان:
- لأ يا سيدي مش بيخدعها لأن هو تاب بجد وربنا ستر عليه فمينفعش يروح هو بقى يفضح نفسه ويجاهر بالمعصية دي. واجب على أي حد فينا يا إسلام إنه يستر على نفسه وميعرفش حد بالمعاصي اللي هو بيعملها ويتوب لربنا من سكات.
- متأكد يا فاروق؟
أومأ برأسه إيجاباً وقال مؤكداً:
- متأكد والله يابني. ولو مش مصدق روح بنفسك وابحث عن فتاوي عن الموضوع ده هتلاقي كلامي صح. أنا قريت في الموضوع ده كتير متقلقش.
تنهد تنهيدة قوية أخرجت كل ما كان يحمله من خوف وقال بفرحة:
- ربنا يريح قلبك يا فاروق.
نظر له فاروق بخبث وقال:
- ياه هو صاحبك ده عزيز عليك قوي كده؟ والله فيك الخير يا إسلام.
انتبه إسلام فجأة ولم يستطع تجميع كلماته فقال بصوت متردد:
- هاه؟ آه طبعاً طبعاً.
بعد قليل استأذن منه إسلام وغادر المكان. شعر بأن قلبه يطير في الهواء. فأخيراً قد شعر بالراحة من هذا الموضوع الذي آلمه كثيراً وكان يشعره دوماً بالذنب. كان يعرف أنه لن يستطيع الكذب على خطيبته في يوم من الأيام لأن إسلام والكذب أعداء ولكنه أيضاً كان دائماً يخاف من رد فعلها حتى بعد علمها بأنه تاب إلى الله وندم على كل شيء. لكن الآن وبعد أن أصبح لديه رخصة شرعية أحس بالراحة أخيراً وأن هذه الصفحة من حياته قد تم غلقها نهائياً. عاد إلى المنزل فوجد هند لم تأت بعد فجلس في انتظارها وهو ما بين الخوف والفرح والضحك والحزن والجنون والملل. لم يعرف كيف مر الوقت ولكنه لم يشعر بنفسه إلا عندما انتفض من مكانه على صوت مفتاح الباب وهو يتحرك في مكانه. دخلت هند وأغلقت الباب خلفها فوجدته أمامها ينظر إليها بلهفة ويقول:
- هاه قوليلي بسرعة عملتي إيه؟
كانت تتنفس بصعوبة فحاولت الراحة قليلاً وقالت بضجر:
- طيب يابني استنى آخد نفسي حتى!
أجابها متعجباً:
- تاخدي نفسك من إيه يا هند ده إنتي يا دوب جاية من آخر الشارع!
تركته ودخلت غرفتها. جلست على حافة الفراش محاولة التقاط أنفاسها. دخل خلفها وجلس على الفراش بجوارها وانتظر حتى ترتاح قليلاً وتبدأ في الكلام. التفتت إليه بكامل جسدها ونظرت له بحزن وقالت:
- معلش يا إسلام..
وصمتت.
نظر لها بخوف وأمسك يديها وهو يحركهما بعصبية ويقول:
- هاه قولي بسرعة حصل إيه؟
- يابني استنى عليا طيب.
- يا هند اخلصي بقى، وقعتي قلبي.
انتظرت قليلاً حتى يتوتر أكثر وأكثر ثم قالت:
- شكلها كده والله أعلم هتوافق عليك يا إسلام. هيص يا عم.
قفز من مكانه وعاد للخلف قليلاً وهو ينظر لها بتمعن ويقول:
- بجد والله؟
أخذت تفكر للحظات وهي تنظر لتعابير وجهه وقالت:
- يعني ده اللي استنتجته من كلامها.
نظر لها محذراً وقال:
- هند، أوعي تكوني قولتي لها عليا حاجة.
أومأت برأسها نفياً وقالت:
- يابني مجبتش سيرتك خالص، متقلقش.
اقترب منها قليلاً وهو ينظر لها بسعادة وقال:
- طيب قولولي بقى اللي حصل بالتفصيل.
- مفيش يا سيدي، هي قالتلي إنها كل اللي بتحلم بيه إنها تتجوز راجل بجد يشيل مسؤوليتها ومسؤولية ولادها. حد يكون عايش بس عشان يرضي ربنا وياخد بإيديها للجنة. حد يكون قدوة ليها ولغيره ويعلمها دينها ويحفظها قرآن. نفسها يشجعوا بعض دايماً على التقرب من الله عز وجل أكتر ويكون هو ده هدفهم في الحياة أصلاً. مش مهم عندها إنه يكون عنده فلوس أو شقة ملك أو كلية قمة أو كده. يعني قالت أي كلية مش هتفرق وأي وظيفة المهم يكون عنده مرتب يعرف يعيشهم حتى لو صغير، هي ممكن تستحمل عادي. طبعاً يكون بيحبها أوي وبيحب روحها أكتر من شكلها ومش بيبص لواحدة غيرها أبداً وراضي بيها وبيناقشها لو في حاجة مضايقاه منها. باختصار يا إسلام عاوزاه مسلم بجد. هو ده شرطها الأساسي.
أخذ إسلام يستمع إلى كلمات أخته وهو في غاية السعادة ومع كل كلمة يزداد احترامه لسلمى أكثر وأكثر. شجعته هذه الكلمات على أن يكون الرجل الذي تتمناه سلمى بحق. أخذ قراره بأن يعدل من حاله قليلاً ومن ثم يتقدم لها وينتظر من الله الخير. انتبه على صوت هند وهي تنادي عليه قائلة:
- إيه يا عم روحت فين؟
- هاه؟ معاك اهو.
- طيب هتتقدملها ولا إيه؟
- آه بإذن الله. بس في حاجات كده هظبطها في نفسي الأول وبعدين أروحلها.
تذكرت هند شيئاً هاماً فقالت بحرج:
- صحيح في حاجة مهمة لازم تعرفها.
نظر لها بتوتر وقال:
- خير؟
- هي قالتلي إنها مش بتفكر في موضوع الجواز ده دلوقتي خالص. لما تتخرج الأول.
نظر لها بحزن وقال:
- الكلام ده أكيد يعني ولا إيه؟ يعني خلاص كده مفيش أمل السنة دي؟
نظرت له باستفزاز وقالت:
- أمل ماتت منتحرة هيهيهيهيي.
وكزها في ذراعها بقوة وقال بغضب:
- مش وقت استظراف دلوقتي يا هند والله.
أطلقت هند ضحكات عالية أغضبته أكثر ثم هدأت قليلاً وقالت:
- بس على فكرة في حل.
انتفض من مكانه وقال بلهفة:
- إيه؟ قولي.
- كان في عريس متقدم لها من فترة كده وباباها ضغط عليها وخلاها شافته. متهيألي المبدأ متاح يعني حتى لو بنسبة 5%.
ثم أجابت بثقة:
- يعني لو أنا قولتلها إن في شخص كويس ومواصفاته اللي هي بتحبها ممكن توافق تشوفه.
ارتمى على الفراش براحة وقال:
- أيوه كده ريحتيني. بإذن الله هحاول أتقدملها قريب جداً.
نظرت له هند وقالت بسرعة هائلة:
- طيب وقريب ليه؟
ثم أمسكت بهاتفها بسرعة أكبر وضغطت على الأزرار وفي خلال لحظات وجدها تقول:
- سلمي إسلام أخويا عايز يتقدملك!
رواية في الحلال الفصل العشرون 20 - بقلم رقيه طه
أمسكت هند بهاتفها بسرعه وضغطت علي الازرار وفي خلال لحظات وجدتها تقول:
- سلمي إسلام اخويا عاوز يتقدملك!
نظر لها بذهول، إتسعت عيناه وضغط علي أسنانه بشده حتي كاد أن يحطمها وأمسكها من يدها بعصبيه وقال بصوت خفيض حتي لا تسمعه سلمي:
- يا بت إنتي مجنونه! إقفلي بسرعه ولا إعملي أي حاجه.
إرتفع صوتها أكثر وهي تقول:
- أيــوه والله يا بنتي إسلام أخويا شافك وعاوز يتقدملك.
ضغط علي يدها أكثر حتي كاد أن يعتصرها ونظر لها والشرر يتطاير من عينيه. أبعدت الهاتف عنها قليلا وقالت هامسه:
- في حاجات ماينفعش فيها غير الجنان. تلميذتك بقي يا أستاذ.
نظر لها نظرة أخافتها وقال بغضب:
- إتصرفي بسرعه يــا هند وإلا..
قاطعته قائله بهمس:
- يا واد إصبر بس.
إنتشل الهاتف من يدها بسرعه وهم أن يغلقه لولا ما رآه. نظر لها بحده وقال:
- يعني إيه ده بقي إن شاء الله؟
أخذت الهاتف من يده ونظرت له ببراءة وقالت:
- تصدق لسه مدوستش علي زرار الإتصال هيهيهيهيهيهي.
أرتمي علي الفراش بقوه وزفر غاضبا:
- إنتي غبية صح؟
جلست بجواره وربتت علي كتفه بإستفزاز وقالت:
- بنتعلم منك يا باشا.
أخذ يحول نظرة ما بين النافذه وبينها فإنتبهت لذلك وسألته عن السبب فأجاب:
- كان زماننا دلوقتي سامعين ناس عماله تصوت تحت!
نظرت لها متعجبه وقالت:
- إشمعني؟
رفع حاجبه وقال بمكر:
- علشان كان هيبقي في جثه مرميه تحت الشباك دلوقتي. بس الحمد لله لحقت نفسها.
عادت للخلف قليلا ونظرت له بخوف مصطنع وقالت:
- يعني رخم ومجنون وكمان قتال قتله؟
ثم أردفت قائله بمرح:
- الله يعينك يا سلمي يا بنتي.
إتسعت إبتسامته وهو يقول:
- الله يعينها فعلا!
كانت سلمي تشاهد أحد البرامج الدينيه لداعية شاب عندما أتتها ولاء ونظرت لها بتعجب وقالت:
- إيه يا بنتي اللي إنت عاملاه ده؟
أجابتها بكل براءه:
- بغض بصري!
مطت شفتاها للأمام وقالت بإستنكار:
- يعني حطالي ورقة بتاع لوحه ورسمالي عليها ولد كرتون ضحكته لحد ودانه ولزقاها علي وش الراجل وتقوليلي بغض بصري؟ ده اللي هو إزاي يعني؟
إرتفعت ضحكات سلمي وهي تنظر لولاء بتعبيرات وجهها الغاضبه وحركات يدها السريعه وقالت:
- عادي يا ولاء أهو تغيير. بدل ما أنا علطول بتفرج علي الديكور أو علي التيشرتات بتاعتهم.
زفرت بضيق وقالت:
- ويعني فيها إيه لما تبصي للراجل وهو بيتكلم؟ هو هياكلك؟
إلتفت لها بكامل جسدها وقالت بجديه:
- لا يا ولاء مش هياكلني. بس غض البصر فرض علينا لان ربنا سبحانه وتعالي قال "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن" وإنتي عارفه إني من النوع اللي مش بعرف أركز غير لو بصيت في وش اللي بيتكلم علشان كده بحاول أعمل أي حاجه تساعدني علي غض البصر. وبإذن الله مع الوقت أتعود علي التركيز وأنا باصه في الأرض. إدعيلي إنتي بس.
قالت ولاء بتعجب:
- طيب بس ده شيخ يعني مفيهاش حاجه!
تبسمت قائله بهدوء:
- يعني يا ولاء هو الشيخ ده مش راجل؟ أي راجل مهما كانت وظيفته أو درجه قربه من ربنا لازم نغض بصرنا عنه. وحتي روحي إسألي بنفسك البنات عن رأيهم في الدعاه وخصوصا الدعاه الشباب هتلاقيهم عمالين يقولولك فظـيع وهييييح ووسيم ومعرفش إيه!!
رغم إنه شيخ أهو لكن برضو في الأول وفي الآخر هو راجل وماينفعش نفضل نبص عليه كده.
ماشي يا سلمي براحتك بس إنتي كده مش بتزهقي يعني.
أومأت برأسها نفيا وقالت:
لأ بالعكس والله ده أنا بكون مرتاحه جـــدا وكمان لما أكون مش ببص علي شباب خالص أكيـد ربنا هيجازيني خيـر ويحلي في عيني زوجي المستقبلي حتي لو هو شكله عـــادي أختط واثقه في كرمه بقي.
تركتها ولاء وغادرت بينما دفنت هي رأسها بين كفيها وأخذت تدعو الله قائله:
يــــارب إحفظني وإرضي عني وقربني منك أكتر يــارب قويني وساعدني علي غض البصر وإحفظلي قلبي وإبعد عني أي فتنه يـــارب جنبني الفتن ماظهر منها وما بطن يــــارب عوضني عن كل لحظه حزن عيشتها وإرضي عني وإرزقني باللي يساعدني وياخد بإيدي للجنه.
وبعد ثلاث أسابيع طرقت هند باب غرفة أخيها ودخلت وقالت بحيره:
يا إسلام إنت مش هتروح تتقدم لسلمي بقي ولا إيه يابني ده الدراسه خلاص قربت جـدا يأما تروح اليومين دول يأما بقي تستني لما نتخرج ونكون فاضيين.
نهض من علي الفراش بتثاقل وقال بحيره أكبر:
والله يا هند كنت لسه بفكر في الموضوع ده دلوقتي.
نظرت له بتعجب وقالت:
طيب ومستني إيه.
تنهد بتوتر وقال:
هروح أقولهم إيه يا هند ولا اتقدم بإيه إنتي من ساعة ما قولتيلي إن باباها عاوز يجوزها لواحد معاه فلوس وأنا قلقان وزي ما إنتي عارفه الفلوس اللي بابا الله يرحمه سايبهالي مش هتكفي جهازي كله والمرتب بتاعي برضو صغير ومش هيعمل حاجه.
طيب يا إسلام ما تروح وتشوف واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
صمت قليلا ثم نظر لها بتساؤل وقال:
تفتكري ممكن باباها يوافق عليا ويخفف عني طلباته شويه وهل هي اصلا هتوافق تتنازل عن شبكه كبيره وفرح مش عارف فين والكلام ده.
ربتت علي كتفه مطمئنة إياه وقالت:
لو علي سلمي متقلقش هي مش بتفكر في الحاجات دي خالص وأكيد هتوافق عليك لو لقت إنك فعلا الشاب اللي هي بتتمناه.
ثم نظرت له بحيره وقالت:
أما بقي باباها فبصراحه معرفش بس إحساسي بيقولي إنه هيعصرك.
ضربها علي ذراعها بخفه وقال:
لأ أنا كده إتطمنت بصراحه مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه بس.
قالت بلهفه:
هاه أروح أفاتحها في الموضوع بقي ولا إيه.
أومأ برأسه نفيا وقال:
لأ إستني شويه هفكر تاني وأخد رأي واحد صاحبي في الموضوع وأشوف.
غادرت الغرفه وإستلقي هو علي الفراش وأخذ يفكر في الآمر مرة آخري.
في المساء إتصل إسلام بفاروق ليقابله ويأخذ رأيه في الأمر وذلك لأنه دائما يحب سماع أراء فاروق ويثق بها تقابلا وصافحه فاروق وسأله عن أحواله فقال:
الحمد لله أديني مطحون أهو في الشركه دي ربنا يقدرني بس إنت عارف رغم إني كتير جـــدا بحس إن أنا الوحيد اللي براعي ربنا في شغلي والباقي نايميين ومقضينها أكل وهزار وشاي ومعرفش إيه لكن برضو ببقي مرتــاح جـــدا لما باخد المرتب وبحس إن هو حلال وإني أستحقه فعلا.
نظر له فاروق نظرة إعجاب ثم تنهد بحسره وقال:
هو ده الحال في معظم الوظايف للأسف المهم بس الواحد يراعي ربنا في شغله وميبصش للتاني ويقول إشمعني لأن كل واحد فينا يوم القيامه هيتحاسب علي نفسه وبس.
أومأ برأسه مؤيدا ثم تذكر فجأة موقف ما جعله يقفز في سعاده كالأطفال وقال:
عارف يا فاروق حصلت حاجه تحفه أوووي في شغلي الإسبوع ده.
نظر له فاروق بلهفه وقال:
خيــــر.
تنهد بأريحيه وقال:
فاكر لما قولتي أبقي أسيب الشغل وقت الصلاة وأروح أصلي وأرجع رغم إن سعات المدير كان بيضايقني ومش بيوافق إلا إني برضو كنت بصر علي رأيي وأروح الإسبوع ده بقي لقيت اتنين صحابي في الشغل بقوا ييجوا يصلوا معايا وبيقولولي إنهم كان نفسهم يعملوا كده من زمان مع المدير بس مكانوش بيقدروا.
أمسك فاروق كفه وربت عليه بخفه وقال:
والله أنا فخور بيك يا إسلام فوق ما تتخيل.
إستمع إسلام إلي هذه الكلمات وهو في سعاده بالغه وقال مازحا:
عارف بيقولولي إيه كمان بيقولولي إنت ناقصلك لحيه وتبقي شيخ علي حق رغم إني مبعملش حاجه غير إني بعاملهم بما يرضي الله وبصلي وبتقي ربنا في شغلي سبحان الله ميعرفوش أنا كنت إيه في الأول اللهم لك الحمد.
نظر له فاروق بدهشه وقال:
تصدق بالله أنا كنت لسه بفكر في موضوع اللحيه ده من زمان اوووي وأنا نفسي أعفي لحيتي بس مش عارف إيه اللي كان مأخرني لكن من يومين كده كلمت نهي وإتفقنا إننا نقرأ أكتر عن اللحيه والنقاب وبعدين نقرر بس كلامك ده حمسني بشرة خير إن شاء الله.
تبسم له إسلام وقال:
ربنا يوفقك يـــافاروق.
نظر له فاروق بحماس وقال:
طب بقولك إيه يا إسلام ما تيجي نعفي لحيتنا إحنا الإثنين وأهو نكون بنساعد بعض علي رضا ربنا وناخد الثواب سوا.
نظر لها بدهشه وقال:
لأ يابني لحية إيه دلوقتي صعب اوووي وانا مش أدها أصلا.
طيب فكر تاني في الموضوع وإقرأ عنها برضو وشوف.
إن شاء الله.
وفجأة تذكر إسلام الموضوع الأساسي الذي أحضر فاروق لأجله فقال:
بقولك إيه يا فاروق فاكر البنت اللي قولتلك إني عاوز أتقدملها دي إيه رأيك أروح دلوقتي وأنا مش جاهز ولا إستني ولا أعمل إيه أنا خايف تروح مني.
نظر له بترقب وقال:
إنت مش جاهز خالص يعني ولا إيه نظامك.
أجابه بالنفي قائلا:
لأ الحمد لله بابا الله يرحمه سايبلي مبلغ كويس بس مش هيكفي برضو وكمان سمعت إن والدها عاوز حد غني يعني فقلقت بصراحه.
نظر له فاروق بحماس ممزوج بالسعاده وقال:
أيوه يابني روح طبعــا وبإذن الله ربنا يقدم اللي فيه الخير يعني ممكن يوافقوا علي إمكانياتك وممكن إنت تطول الخطوبه شويه لحد ما تجهز نفسك وممكن ربنا يرزقك بمكافئة أو تثبيت أو أي حاجه تزودلك المرتب شويه متقلقش.
رجع إسلام بذاكرته قليلا ثم قفز من مكانه بسعاده وقال:
تصدق فعلا كانوا بيقولوا إنهم كل سنه في شهر 9 بيثبتوا واحد من اللي شغالين جداد وده طبعا بيكون علي حسب الكفاءه والضمير وكده وإحساسي بيقولي إني انا اللي هتثبت علشان أنا أكتر واحد بشتغل في الموظفين الجداد احم احم ده بفضل ربنا طبعـــا.
ربت علي كتفه عدة مرات وقال مطمئنا إياه:
خلاص يبقي إنت تروح تتقدم فـــورا وربنا ييسرلك الأمور.
ثم قال مؤكدا:
وبعدين يا عم لو ليك نصيب فيها محدش هيقدر يمنعكم عن بعض كل دي حجج البشر بيعملوها لكن اللي ربنا كاتبه هيحصل مهما كان إتطمن بقي.
إبتسم إسلام بسعاده وقال:
تصدق والله أحسن حاجه قولتها هي فعلا لو من نصيبي محدش هيقدر يمنعها عني هروح بقي وربنا ييسر الأمور إن شاء الله إدعيلي هاه.
حـــاضر.
عادت هند إلي المنزل وذهبت مباشرة إلي غرفة هند وقال بحماس:
يلا روحي قوليلها إني عاوز اتجوزها بقي.
أخذت هند تضحك ضحكات متواصله أغضبته فقال:
وهو أنا قولت حاجه تضحك للدرجادي يعني.
أشارت إلي الساعه المعلقه علي الحائط وقالت بتعجب:
إنت شايف الساعه كام.
نظر للساعه وقال بعدم فهم:
اه 10 فيها إيه يعني.
أخذت تضحك مرة آخري وهي تقول:
وأنا اروح أبات عندها دلوقتي يعني ولا أعمل إيه.
نظر للساعه مره آخري فوجدها العاشرة مساءا بالفعل فضرب جبهته بيده وقال محرجا:
أوبـــس معلش مش مركز.
نظرت له بمكر وقالت:
اللي واخد عقلك بقي.
أزاحها علي الفراش وقال مازحا:
نامي يا هند يا حبيبتي شطــوره وبكره إن شاء الله إبقي روحي عند طنط سلمي جارتنا.
ماشي هعديها مزاجي بكره بإذن الله أروحلها ونشوف.
بالفعل ذهبت هند في اليوم التالي إلي منزل سلمي جلست كل منهما تحدث الآخري عن الكثير من أمور الحياة كانت سلمي تتحدث بينما هند تفكر كيف تفاتحها في الآمر وأخيرا إستجمعت شجاعتها وقالت:
سلمي هو إنتي ممكن تتخطبي دلوقتي.
نظرت لها سلمي متعجبه وقالت:
إيه يا هند مانتي عارفه رأيي من زمان في الموضوع ده.
تنحنحت قائله بحرج:
طيب لو جالك واحد زي ما بتتمني بالظبط توافقي.
نظرت لها بتوتر وقالت:
وده هيجيلي منين ده قولي يا هند اللي عندك علطول قلقتيني.
تنهدت تنهيده قويه وحاولت ترتيب كلماتها وقالت:
أنا جايبالك عريس وفيه تقريبا كل المواصفات اللي إنتي عاوزاها هينفع ييجي دلوقتي ولا المبدأ مرفوض أصلا.
أسندت رأسها بداخل راحة كفها وقالت بقلق:
طيب وهو مين العريس ده بقي.
أجابتها علي الفور:
إسلام أخويا.
إتسعت عينا سلمي وقالت بتعجب:
إسلام أخوكي.
نظرت لها هند فشعرت بالتوتر وقالت بصوت هامس:
اه وحش ولا إيه.
تنحنحت سلمي بإحراج وقالت متعذره:
لأ والله مش قصدي علي عيني وعلي راسي طبعـــا بس يعني إنتي عارفه تفكيري كويس ومتهيألي إسلام أخوكي مش زي الشخص اللي في بالي خالص.
تنهدت هند بأريحيه وقالت:
لأ يا سلمي ده إسلام إتغير خــــالص ده حتي يا بنتي.
وأخذت تقص عليها التغييرات التي طرأت علي أخيها شعرت سلمي بالسعاده وهي تستمع إلي كلمات هند ليس لأنها تتحدث عن إسلام بحد ذاته ولكنها دائما ما تفرح عندما تعلم أن هناك شخصا آخر عرف الله وإقترب منه أكثر إنتظرتها سلمي حتي إنتهت من كلماتها وكادت ان تتحدث ولكنها لم تجد ما تقوله فصمتت قالت لها هند متسائله:
هاه إيه رأيك.
أجابتها بقلق:
مش عارفه بصراحه.
طيب حتي قوليلي رأيك مثلا في شكله أو في الكلام اللي سمعتيه او أي حاجه.
شعرت بالإحراج فقالت بصوت خفيض:
بصي الكلام اللي أنا سمعته جميل طبعـا ويفرح أي حد وبالنسبه لشكله فأنا مشوفتهوش من زمان فمش مركزة في ملامحه يعني بس أصلا مش مهم عندي الشكل أهم حاجه من جواه عامل إيه.
أخذت تحرك يدها بحماس وهي تقول:
طب قولي بقي يلا يلا يلا.
ضحكت بشده وقالت:
أقول إيه بس.
قولي إنك موافقه أنا عارفه إنك موافقه يا أروبه بس مكسوفه وعموما يا ستي اقعدوا مع بعض وشوفوا هتتفقوا ولا لأ.
نظرت لها سلمي بجديه وقالت:
طيب إنتي متأكده من الكلام اللي قولتيته عليه ده.
ثم قالت بمرح:
مش علشان أخوكي بقي وكده هـــاه بدل ما أعرف الحقيقه وأعورك.
ضحكت مؤكده وقالت:
لأ والله كل اللي قولته عليه حقيقي وأصلا إنتوا من بعد ما بدأتوا تلتزموا وإنتوا شبه بعض جـــدا وأنا بصراحه عاوزه أخلص منكم إنتوا الإثنين وارتاح بقي.
نظرت لها بقلق وقالت:
طيب بصي هفكر وأقولك.
نهضت هند من علي الفراش متجهه إلي باب الغرفه وهي تقول بجديه:
خلاص قشطه هقوله إنك وافقتي إبقي عرفي باباكي بقي علشان ميتفاجئش لما إسلام يتصل بيه.
قفزت سلمي من مكانها في فزع وقالت:
يا هند إنتي بتهزري.
أطلقت ضحكات متواصله وقالت:
إنتوا ما ينفعش معاكم إلا كده يلا أنا همشي بقي ماشي سلام عليكم.
وقبل ان تستطيع الكلام وجدتها قد إختفت من أمامها فقفزت علي الفراش بخفه وسعاده وقالت:
والله مجنـــونه.
عادت هند إلي المنزل فوجدت إسلام في إنتظارها نظر لها بلهفه فلم تعره أي إهتمام فقال بحزن:
رفضت صح أنا كنت حاسس يلا كل شئ نصيب.
وغادر المكان متجها إلي غرفته أسرعت الخطي خلفه وقالت بتعجب ممزوج بالمرح:
يعم هو أنا هلاقيها منك ولا منها بطلوا جنان بقي جننتوني معـاكم وأنا غلبانه أصلا وفي حالي.
جلس علي حافة فراشه ونظر لها بيأس وقال:
ماهي لو كانت وافقت كنتي هتقولي علطول خلاص بقي حصل خير.
جذبته من يده وأوقفته أمامها مباشره وقالت:
ركز معايا كده وبلاش شغل الأفلام ده هاه وإسمعني كويس.
نظر لها بترقب وقلق ولم يتحدث فأمسكته من ذراعيه ونظرت في عينيه وقالت بصوت مرتفع:
إسلـــــــام ســــلمــــــي وافــــقــــــت.
لم تنتبه إلا عندما سقط أمامها علي الأرض فضربت علي قلبها بقوه وصرخت قائله:
إسـلــــــــــام.