تحميل رواية «كن لي أبا» PDF
بقلم روميساء نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أشرقت شمس فجر جديد بخيوط أشعتها الذهبية، تخللت حجرة نوم فتاة جميلة، لاعبت خيوط الذهب بشرتها البيضاء. تململت في فرشتها ببطء وقد عقصت ملامح وجهها من أثر الإضاءة. رفرفت برموشها ببطء حتى اعتادت على الضوء المفاجئ. أخذت تتمطع بمكانها بتثاقل، مزمجرة ببطء حتى ظهر صوتها الذي به حشرجة من أثر النوم: "لازم كدا تغيظيني وتخليني أصحى، رخمة انتِ أوي يا أستاذة شمس هانم." تحركت من فراشها وهبطت أرضًا بتأفف وهي تزيح شرشفها من عليها. توجهت إلى المرحاض، جهزت حالها واغتسلت وتوضأت وارتدت أسدالها وتوجهت إلى الخِمرة وأخذ...
رواية كن لي أبا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم روميساء نصر
ملس علي وجنتاها بحنان يشعر بقلبه يعتصر ألمًا، متمتمًا بقلق وخوف عليها:
"قومي طيب، نروح للدكتور."
عارضته سهيلة:
"إيه يا أسر، الوقت اتأخر دلوقتي."
صاح بها عالياً بحدة:
"هنروح المستشفى دلوقتي، انتي مش شايفة إيدها عاملة إزاي؟"
انتفضت مليكة خوفًا على أسر من صياحه، لكن سهيلة لم يغمض لها جفن، هي معتادة عليه وعلى غضبه وصياحه، ليست بالأولى.
تمتمت بوهن وألم وهي ترتعد بداخلها منه:
"خلاص، أنا مش تعبانة للدرجة دي، أنا هنام وإن شاء الله هبقى كويسة."
نظرت سهيلة لها بشفقة، لأنها تعلم أنها تتألم بالتأكيد وتكتم ألمها، ذلك.
تمتمت برفق لها:
"طب أجيب لك مسكن تاخديه؟"
حركت رأسها ويدها ترفض حديثها:
"لأ، لأ، لأ، مش عايزة حاجة، أنا هنام وهبقى كويسة."
تحدث أسر بنبرة حزينة عليها:
"طب قومي نامي وخذي مسكن عشان بطنك."
تحدثت من بين لهاثها وأنفاسها المتقطعة:
"لأ، لأ، أنا هنام وباذن الله هبقى كويسة، أنا علاجي النوم، سيبوني أنام."
"طب خلاص، قومي نامي يلا."
"طب تعالي نامي معايا."
تحدثت سهيلة بحرج:
"لأ مينفعش، اللي تحت هيقولوا إيه، لازم أنزل."
بعد مغادرة سهيلة.
انحنى بوقفته عليها يحدثها برفق:
"تعالي يلا ادخلي نامي."
أومأت له بوهن ووجه شاحب.
توجهت مليكة إلى غرفتها، خلفها أسر الذي كان يتبع خطواتها البطيئة.
وقفت على باب الغرفة من داخل الغرفة تنظر إليه بتساؤل:
"رايح فين؟"
أجابها بحاجب مرفوع:
"يعني هما بيدخلوا جوه بيعملوا إيه؟"
أجابت بنبرة معتادة:
"بيناموا."
رسم على صفحة وجهه آثار الصدمة، متمتمًا:
"إيه ده بجد؟ عرفتيها لوحدك ولا حد قالك؟"
عبثت ملامحها متحدثة بجدية:
"مش وقت هزار، أنا عايزة أنام، يلا روح الأوضة التانية."
تحدث من بين تأففه:
"حاضر، هسيبك النهاردة بس عشان انتي تعبانة."
غادر أسر من أمامها متوجهًا إلى الغرفة الأخرى، بعدما دلفت هي إلى غرفتها وأغلقت بابها. لم ينم على بابه، بل ظل مستيقظًا قلقًا عليها، يتقلب في نومته من الحين للآخر، عقله لا يريد الاستسلام للنوم وعدم التفكير بها. ظل عقله يرسم له العديد من الأشياء التي من الممكن أن تؤذيها. هب واقفًا من مكانه تاركًا فراشه، متوجهًا إلى غرفتها. دلف إليها برفق ليجد الغرفة تنتشر بها الإضاءة، ابتسم على طفولتها، فهي مثل الأطفال الذين يتركون الأنوار ساطعة من حولهم. توجه إليها محاولًا ألا يصدر صوتًا لإيقاظها. توجه بخطوات سريعة نحوها حتى وقف أمامها يتأمل ملامحها ووجهها النائم المتجمع به طفولة وبراءة لا مثيل إليها. ملس على جبينها فوجده ملتهبًا. نزل بنظره على يدها الذي اشتد بها تلك الأشياء التي أصبحت كبيرة وأكثر احمرارًا، تميل إلى الزرقة، وبشعة الشكل. جلس بجوارها يربت على وجنتيها حتى تفيق، لكنه لم يأتِ منها أي استجابة. رجف قلبه وارتعشت يده خوفًا عليها. أحس بالضياع والشلل، غير قادر على التصرف، لكنه استعاد تركيزه مرة أخرى وحملها متوجهًا بها لأسفل. اعتنق سيارته وانطلق بها كالصاروخ إلى المستشفى.
أمام المستشفى.
حملها وتوجه بها للداخل، مصيحًا في من حوله:
"فين الدكاترة اللي هنا؟"
حدث هرج ومرج من الممرضين وموظفي الاستقبال الذين تفرقوا جميعًا، منهم من ذهب لاستدعاء الأطباء، وآخرون ذهبوا لإحضار الترولي الذي وضعوها عليه، وتوجهوا بها إلى غرفة الكشف. كان فريقًا من الأطباء معها يتفحص حالتها، أما هو فوقف على رأسهم يتحرك بالغرفة ذهابًا وإيابًا من القلق، عينه عليها يتفحصها بقلق بالغ، كأنها ستغادره وتتركه إلى الأبد.
انتهى الطبيب من فحصها وتركيب المحاليل إليها، بعدما انتهى تحدث أسر بقلق بالغ:
"هي كويسة يا دكتور؟"
أومأ له الطبيب بجدية متحدثًا:
"آه الحمد لله، هي تقريبًا أكلت حاجة، هي عندها حساسية منها، وحطيت لها محلول يخفض الحرارة، وهديها علاج عشان الاحمرار اللي في جلدها ده، وعشان تقلل من آثار الحساسية."
تنهد براحة متحدثًا بامتنان:
"طب شكرًا يا دكتور على تعبك معايا."
ابتسم له الطبيب متحدثًا:
"ولا تعب ولا حاجة يا أسر بيه، إحنا هنا في خدمة حضرتك دايمًا."
ترك الطبيب أسر وغادر.
توجه أسر نحو فراشها جاذبًا أحد المقاعد بجوار الفراش، جلس عليه ملتقطًا يدها الممدودة بجوارها بين كفيه، ساندًا بمرفقه على الفراش، ساندًا بذقنه على يده، مقبلًا أناملها، ساندًا جبينه على يده، متنهدًا بألم.
انتهت بإخراج تأوه مؤلم متحدثة بألم:
"حرام عليكي، أنا روحي راحت مني لما تعبتي، وملكتكيش بتردي، أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ يعني أعاقبك؟ ولا آخدك في حضني عشان أعوض إحساس القلق اللي اتعرضت له؟ لـ فكرة إنك مش بتردي عليا؟"
شعر بيدها تعبث بخصلات شعره الفحمية.
انتفض على أثر لمستها متحدثًا بفرح:
"مليكة، انتي فوقتي؟"
تحدثت بنبرة ضعيفة ووهن:
"أومال، بحرك إيدي، حلاوة روح."
انتفض من مكانه جالسًا على الفراش، منتشلًا جسدها الهزيل من الفراش، دافنًا إياه بين ضلوعه، مطبقًا عليه بذراعيه كأنها ستفر منه. دفن وجهه بعنقها، مشتمًا رائحتها الطفولية، حابسًا أنفاسه حتى يحتفظ برحيقها بين رئتيه. تمتم براحة شعر بها تستحوذ كيانه:
"حتى وانتي تعبانة لمضة."
ضحكت بضعف على ما قاله، ثم تساءلت:
"هو أنا فين وبعمل إيه هنا؟"
تحدث بتذمر من حديثها وتحركها بين ضلوعه:
"هش، اسكتي بقى، تعرفي تنامي في حضني وتسكتي؟"
شعرت بالسعادة تكتسح قلبها من هول رعايته واهتمامه بها وحنانه وعشقه، فأطبقت بيدها حوله متحدثة:
"حاضر."
"بس إحنا فينا."
أجابها باقتضاب:
"في المستشفى."
ابتعدت عنه تتساءل وحاجباها معقودان:
"وإيه اللي جابني المستشفى؟"
فك بإبهامه تعقيدة حاجبيها متحدثًا بسخرية:
"انتي مشيتي وانتي نايمة وجيتي؟ انتي بجد غبية أوي، أنا اللي جبتك طبعًا."
زمّت شفتيها متحدثة:
"طب ليه؟"
ضيّق عينيه على ملامحها متحدثًا:
"عشان كنتي تعبانة وحرارتك عالية وطلع عندك حساسية."
انتفضت عنه مبتعدة تمامًا عنه، متراجعة للخلف، تضرب بإصبعها على صدرها متحدثة باستنكار وتعجب وصدمة ووجه معقد بالحيرة، رسمت كل ذلك على ملامحها بحرفية:
"حساسية؟ أنا عندي حساسية؟"
أومأ لها وهو ما زال عينيه مسلطتين عليها تتفحص ملامحها جيدًا، يعلم ما يدور بداخلها وتفكر به:
"آه، وتقريبًا من الشيكولاتة، وانتي كنتي عارفة صح؟"
انفجرت بالضحك متحدثة من بين ضحكاتها:
"الصراحة، آه."
انقطعت ضحكاتها عندما وجدته متهجم الوجه ينظر إليها بنظرات لا يعي ما بها، كور يده في راحة يده الأخرى، مقبضًا عليهم، يخرج غيظه بالقبض على يده، لكنه لم يستطع، فسوف يصاب بجلطة إن لم يفرغ عن نفسه. صاح بها بحدة ومعاتبة:
"انتي بتضحكي؟ انتي كنتي هتروحي فيها وقلقاني عليكي، وكنت هموت من الرعب، وانتي بمنتهى الاستهتار روحتي تاكلي حاجة تأذيكي؟"
شعرت برجفة داخلها وتصاعد نيران من صدرها متوجهة إلى مقلة عينيها، ترقرق على أثرها دموع عينيها، ثم اخفضت رأسها تنظر لأسفل، متحدثة بحزن ونبرة دفاعية طفولية:
"ما أنا بحبها أوي، يعني أعمل إيه؟"
شدد على خصلات شعره للخلف من شدة غيظه بها، متحدثًا بانفعال وصوت عال:
"تقومي تأذي نفسك وتخسري صحتك؟"
لم تقدر على كتم شهقات بكائها، فأنفجرت باكية على أثر ذلك الضغط والصوت العالي والمعاتبة الموجهة نحوها، متحدثة من بين بكائها:
"آسفة والله."
"ثم انت اللي جيت وأغريتني الصراحة."
أغمض عينيه يحاول أن يغفل عن آلامها، أو ألا يضعف أمامها، لكنه لم يقدر على تحمل أصوات نحيبها التي تمزق نياط قلبه. اقترب بجلسته منها، ملسًا بأنامله على وجنتيها، مزيلًا تلك الدموع، متمتمًا إليها بمواساة:
"طب خلاص، اهدى، بس ما تعيطيش."
تحدثت بتذمر مشيحة بوجهها بعيدًا عنه:
"أنا عايزة أروح."
التقط ذقنها، يعيد وجهها أمام وجهه، متحدثًا بلطف:
"خلصي المحلول ده وبعدين هنروح."
عبثت ملامح وجهها متحدثة بنفور:
"طب أنا عايزة أنام، سيبني أنام بقى."
اقترب منها محاوطًا جلستها بذراعيه، متحدثًا بمكر:
"طب ما تنامي، حد ماسكك؟"
أجابته بحاجب مرفوع:
"لأ والله، مفيش حد ماسكني، ده انت بس مكتفني."
ابتعد عنها على مضض، متحدثًا بضيق:
"يا سبحان الله، ويقولولك الرومانسية في المسلسلات التركي بس، طب ما تقولوا لنفسكم الواحد متجوز عم جمال."
ابتسمت له ابتسامة عريضة وهي تهز رأسها بالنفي، متحدثة بمرح:
"تؤ، تؤ، تؤ، جعفر."
ضحك على طفولتها ومرحها، متمتمًا بغزل وهو ما زال جالسًا بجوارها:
"أحلى جعفر قابلته في حياتي، نامي يلا يا جعفر في حضني."
جذبها نحوه، يسجنها بين ضلوعه. أحست هي بالتوتر بعض الشيء، لكن طغى على توترها إحساسها بالأمان. تحدثت بمرح تحاول إيقاظه:
"طيب، مع إنه مش مريح، بس يلا."
رفع رأسه التي كانت تستند على رأسها، نظر إليها وهو يبعدها عنه، متمتمًا بنفور:
"مش مريح؟ طب قومي، ابت من هنا، روحي نامي على السرير المريح بقى."
انفجرت ضاحكة، ثم هدأت من حالها حتى لا يزعج منها، متمتمة:
"لأ خلاص، هنام."
قام أسر من مكانه تحت أنظارها المتفحصة له وتساؤلها مع نفسها، لما قام؟
جلس خلفها، ساندًا بظهره على حافة الفراش، جاذبًا جسدها نحوه، مما جعلها تشهق. أسند ظهرها على صدره، جعلها تستند بكامل جسدها عليه، ضم جسدها بين رجليه، محاوطًا إياه. دفنها جيدًا بين جسده. رفعت رأسها إليه تتأمل ملامحه، تريد حفظهم داخل عينيها، وألا تبعدهم عنها بتاتًا. طبع الآخر على مفرق رأسها قبلة رقيقة، بعث إليها ابتسامة حب، بادلته إياها.
شعرت بالدفء والنعاس يتسرب إليها ببطء، حتى غفت واستسلمت لسلطان النوم.
ظل أسر يتأمل ملامحها الهادئة الجميلة بعشق بالغ، حتى انتهى المحلول، ودعى إحدى الممرضات حتى تنزع منها المعلقات الموصولة بالمحلول.
بعد انتهاء الممرضة، جلس أسر بجوارها يربت على خديها برفق حتى تفيق. زمجرت في نومتها وعقدت ملامحها، متحدثة من بين نومها:
"نص ساعة كمان يا ماما وهقوم."
ثم أكملت نومها.
انفجر ضاحكًا عليها، وضع يده على فمه يكتم ضحكاته حتى لا يوقظها، ثم قام واعتدل بوقفته، منحنيًا عليها، قام بحملها وتوجه بها للخارج حتى وصل إلى سيارته، وضعها في المقعد الأمامي، أسند ظهرها عليه، وفرد لها المقعد لكي لا تعاني من تيبس رقبتها. بعدما انتهى، توجه للمقعد الآخر وانطلق بالسيارة متوجهًا إلى وجهتهم.
رفرفت برموشها تنظر حولها بتوهان، لا تعي بما حولها. حاولت أن ترفع رأسها لكي ترى أين هي، لكنها لم تقدر على رفعها، فأرجعتها مرة أخرى على المقعد بوهن، مخرجة بعض الأنات، متتممة بألم:
"أسر."
أوقف السيارة سريعًا، ثم اعتدل ناحيتها، منحنيًا عليها، ملسًا على خصلات شعرها برفق، متمتمًا بحنان:
"مالك يا قلبي، فيكِ حاجة؟"
أغلقت عيناها وفتحتها مرة أخرى بوهن، متحدثة بألم:
"أنا مش حاسة بجسمي، جسمي كله خدلان."
قبل رأسها متحدثًا بلطف وعشق:
"ده أكيد من المحلول، متقلقيش، نامي يلا وارتاحي."
نظرت لعينيه وملامحه التي كانت تنظر إليها بعشق، أحست بالخجل الشديد، وانصهار وجنتيها من الأمر، فتحدثت بنبرة حاولت جعلها مرحة بقدر الإمكان:
"الصراحة، أنا خايفة أنام، أصحى ألاقيني في المريخ."
ضحك على حديثها متحدثًا:
"لأ متقلقيش، هتلاقيقي في البيت."
تساءلت بحاجب مرفوع:
"هو إيه اللي وصلني العربية؟"
"أنا اللي شيلتك ونزلتك."
"طب ما صحيتنيش ليه أنزل لوحدي؟"
ملس على شفتيها بإبهامه، متحدثًا بنبرة هالكة من كثر الحنان الذي يبعثه إليها:
"انتي بتقولي بلسانك إنك مش حاسة بجسمك، كنتي هتنزلّي إزاي؟"
ازدردت لعابها، تضم شفتيها معًا من أسفل إبهامه، تريد أن تنفجر من كثرة خجلها، همست له بلطف:
"بس أنا كده تعبتك."
التقط يدها مقبلًا باطنها، متحدثًا بعشق جارف:
"يا ستي، على قلبي زي العسل، يا ريت كل التعب حلو أوي كده."
لم تقدر مليكة على مواجهته أكثر من ذلك، انتشلت يدها منه وأدارت وجهها للناحية الأخرى حتى تهرب من نظراته الثاقبة.
ابتسم على خجلها، ثم عاد لعجلة القيادة مرة أخرى، متوجهًا بها إلى وجهتهم.
وقفت السيارة أمام القصر.
ترجل من السيارة، فوقف مكانه عندما جاء أحد رجال الأمن إليه يحدثه في أمر ما. فتحت باب السيارة عندما أحست بأنه ينتظرها كل ذلك الوقت في الخارج. جاءت لتضع قدمها خارجًا، أحست برعشة جسدها وتشويش في الرؤية.
كانت على وشك السقوط، لكن انتبه لها أسر، فتوجه إليها مسرعًا، تاركًا ذلك الرجل الذي كان يحدثه. أمسك بها، ثم حدثها بعتاب:
"بالراحة، ما أنا كنت جاي أشيلك، لازم يعني تتعبي نفسِك؟"
تحدثت بوهن ونبرة ضعيفة:
"أنا همشي، مش لازم تشيلني عشان محدش يشوفنا."
همس لها وهو يطعمها بكلماته المعسولة:
"يا هانم، انتي مراتي.. فاهمة يعني إيه؟ ثم اللي غيران مننا يعمل زينا."
ضحكت بضعف، متمتمة:
"هو حد يغير من وجع الظهر ده؟"
حاوط ذراعيها وانحنى عليها، يضع ذراعه أسفل ركبتيها، حاملاً جسدها الضعيف، محاوطًا إياه بين جسده، موجهًا حديثه نحوها بمشاكسة:
"قعدتي تقوليلي استمتعي بالأكل وما تستمتعيش، وفكك من الناس، وأنا اللي في الآخر شلت وطلع عينيا."
تشبثت بقميصه بشدة، ثم دفنت رأسها بصدره، محاوطة عنقه، واحتفظت بالصمت خوفًا من أن يراها أحد من القائمين بالقصر.
توجه أسر إلى جناحهم، ثم دلف بها إلى حجرتها. وضعها على الفراش برفق، وهي ما زالت متعلقة بعنقه. ظلت نظراتهم متعلقة ببعضهم، صمت يملأ الغرفة، لا يظهر منها شيء سوى أصوات أنفاسهم المتصاعدة. كان غريقًا في عينيها الفيروزيتين اللتين أقحمته بحبها، أما هي فكانت تتأمل ملامحه الرجولية وحنانه وعطفه وحبه الذي يغمرها به. لكن أدرك أسر نفسه، فتنحنح متحدثًا:
"يلا قومي خدي الدوا ونامي."
اعتلت وجهها علامات الإشمئزاز والضيق، تحدثت بعدم فهم:
"دوا إيه؟ هو أنا تعبانة عشان آخد دوا ده؟ أنا هقوم أجري زي الحصان دلوقتي."
اعتزل واقفًا، ثم أخذ الدواء من جواره، متمتمًا بنبرة طفولية، كأنه يساير طفلته:
"طب خدي يلا عشان تجري زي الحصان."
هزت رأسها يمينًا ويسارًا برفض تام:
"تؤ، تؤ، تؤ."
زفر بضيق من تلك العنيدة التي ستجعله يفقد صبره ويصل إلى ذروته في الغضب:
"اخلصي، خدي ما تتعبينيش معاكي."
ضربت بقبضتيها الفراش جانبها، متحدثة بغضب:
"لأ، مش هاخد دوا شرب."
نظر إليها بعينين متسعتين حتى يخيفها، متمتمًا بصوت عال:
"الدكتور اللي كاتبهولك، ولازم تاخديه."
قالت كلمتها باقتضاب غاضب:
"حمار."
انفجر بها غاضبًا، متحدثًا بنبرة حادة:
"هو مين ده؟"
وجهت له ابتسامة سمجة، متحدثة بضيق:
"الدكتور طبعًا، عندك شك؟"
"آه، بحسب."
"يووه، ما قولتلك اطرح."
جلس أمامها وهو يعبث بالدواء حتى تأخذه، متمتمًا إليها:
"يلا، ابت يا لمضة انتي، خدي الدوا."
مطت شفتيها السفلية للأمام، متحدثة بإشمئزاز:
"لأ، والنبي، مبحبوش."
زفر بقوة، لقد نفذ صبره بكل تأكيد. انقض عليها، يكتفها، وضع قدمها أسفله، معتليًا إياها، قابضًا على يديها، متحدثًا بتهديد:
"هتاخدي دواكي وإلا لأ؟"
احتقن وجهها بحمرة الغضب والخجل من فعلته، مصيحةً عالياً:
"خلاص، خلاص، هاخده."
نهض من عليها وفك قيضها، متحدثًا بضيق منها:
"اخلصي، لازم يعني أكتفك زي الجموسة؟"
همست مع نفسها وهي تناظره شرزًا:
"جموسة تقعد عليك تفطسك."
صاح بها بحده، محاولًا عدم الضحك عندما سمع كلماتها تلك:
"بتبرطمي، تقولي إيه؟"
تحدثت باقتضاب وتذمر طفولي وهي تعقد يديها على صدرها:
"مبقولش."
حاول جاهدًا كتم ضحكاته، واقترب منها، وقام بملء المعلقة بالدواء، مقربًا إياه من فمها الذي عليه علامات الإشمئزاز والضيق. تناولته وهي تكتم أنفاسها حتى لا يصل إليها رائحته الكريهة. حاولت ابتلاعه ونجحت أخيرًا في ابتلاعه، مخرجة بعض الأنات وعلامات التقزز.
انتهى أسر من إعطائها الدواء، متمتمًا:
"بالشفاء."
أحست بالاختناق من حالها، فبكت، متحدثة بغضب من بين بكائها:
"امشي من وشي، اخرج بره، عااااااا."
اقترب منها، ممسحًا على وجنتيها، فأزاحت يده بنفور من عليها، مصيحةً به بغضب:
"ابعد عني بقى، متكلمنيش، أنا بكرهك."
"اخرج بره."
تحدث معها بنبرة معاتبة، كأن كلمتها تلك تقصدها بالفعل. أحس بالاختناق من كلمتها تلك (بكرهك):
"بتكرهيني عشان عايزك تخفي؟"
قام من مكانه متوجهًا للخارج بخطوات واسعة.
أحست بالضيق من حالها ومن ما قالته، فهو ليس عليه أي خطأ. قامت من مكانها متوجهة للخارج بتثاقل، فما زال أثر الدواء يؤثر بها. توجهت للخارج فلم تجده، ذهبت لغرفته ولم تجده أيضًا. أخذت تبحث عنه فوجدته جالسًا في البلكونة شارد الذهن. توجهت نحوه تتحدث بأسف ودموعها تسبق كلماتها التي كانت تخرجها، ملحقة بشهقات بكاء:
"أنا آسفة إني كلمتك كده."
أخذت تنتحب في حديثها، غير قادرة على التحدث، تشعر بقدمها كالهلام من أسفلها، غير قادرة على حملها.
كان يجلس يدير لها وجهه غافلاً عن هيئتها، لا يريد أن ينظر إليها حتى لا يضعف، فبدون النظر إليها يشعر بهشاشة قلبه وبطعنة أسفل آلة حادة.
خطت مليكة نحوه خطوتين حتى تقترب أكثر منه، لكن قدمها لم تسعفها، فوقعت أرضًا صارخة باسمه. انتفض من مكانه متوجهًا إليها، فقط هوي قلبه أرضًا على أثر صرخاتها.
كانت تبكي بصمت وعيناها متعلقة به، وجهها كحمرة الجمر من كثرة البكاء، شفتاها ترتعش مع بكائها.
انحنى عليها حاملاً جسدها الهزيل وعيناه متعلقة بوجهه. أحاطت عنقه بيدها وتقابلت أعينهم معًا. تمتمت برقة وبنبرة مليئة بالأسف:
"أنا آسفة."
ثم دفنت رأسها بعنقه، وهو ما زال يحملها، وأجهشت بالبكاء بين منحنيات عنقها.
حس بلهيب أنفاسها التي كانت تلحف عنقه ودموعها التي سرت على عنقه، كانت مثل لهيب الجمر. سرت رعشة بداخله وصلت لقلبه، جعلته يريد دفنها بين أضلاعه. ذهب بها إلى غرفتها، وضع جسدها على الفراش، ويداها ما زالت متعلقة بعنقه، دموعها تنساب على وجنتيها كشلال مياه، وجهها الملائكي وبشرتها البيضاء المتلطخة بحمرة شديدة على أثر بكاءها. تمتمت بنبرة متحشرجة من أثر البكاء:
"آسفة، ما تزعلش."
تنهد بعمق، ثم أغمض عينيه وهو ما زال منحنياً عليها، حتى لا يرى عينيها الفيروزيتين اللتين تلمعان ببريق جذاب.
ملست على وجنته بأناملها الناعمة، فأفاق من غفلته على أثر لمستها. ويا ليته لم يفق، فشفتيها المرتعشتين أمامه تجعله يريد إسكاتهم وتهذيبهم حتى لا يخرجوا تلك الحماقات مرة أخرى. ظل يركز أنظاره فوقهما، أبعد يديها عن عنقه، ثم اعتلاها مقتربًا ببطء، وعيناه مسلطتين فوق عينيها تارة، وشفتاها تارة، حتى لامس شفتيها بشفتيه، ملتهما شفتاها في قبلة حارة شغوفة. ظلت تتململ أسفله حتى يفرج عنها، لكنها لم تقدر على النهوض من أسفلها.
أخذ الآخر يعمق بقبلته نحوها، حتى بدأت تبادله قبلته على استحياء وعدم خبرة. حاوطت عنقه بيدها، وهو ما زال يبادلها قبلته، وهي تحاول جاهدة مسايرته، لكن كل محاولتها انتهت بالفشل. ضحك بداخله على قطته المشاكسة التي تقبله بعشوائية، لا تعلم كيف تبادله إياها. أخذ يمهل في قبلته، يراودها على أنغام عشقهم برقة، حتى صرخت رئتاهم تطالب بالهواء. ابتعد عنها مستندًا بجبينه على جبينها، وهما يلهثان بشدة، تحدث بنبرة متحشرجة من أثر مشاعره التي راودته:
"ده عقابك، بعد كده لو غلطتي."
نهض من فوقها متوجهًا للخارج، تاركًا إياها منصدمة من ما حدث وما فعلته بإرادتها، ومن نار خجلها التي أوهجت قلبها ووجهها معًا. بعد لحظات، استعادت وعيها من ما حدث مؤخرًا، ومن ما قاله. ابتسمت بخجل من ما حدث، ثم أغمضت عينيها، تسمح لذكرتها بأن تمرر على عينيها ما حدث مرة أخرى. احتضنت وسادته، ثم غاصت في أحلامها.
بالخارج، جلس على أريكته، يعيد على ذاكرته ما حدث بسعادة بالغة. لقد بادلته قبلته، من المؤكد أنها ستحبني وتعشقني، ولن يؤثر شيء على علاقتنا. تنهد براحة، ثم جلب حاسوبه المسطح وجلس ينهي بعض أعماله. بعد مرور ساعة، قد انتهى، توجه لغرفتها مرة أخرى، وجدها غارقة بالنوم. توجه بخطوات حذرة نحوها، انحنى عليها مقبلًا جبينها، ثم توجه إلى غرفته مرة أخرى.
أشرقت شمس بحياة جديدة على أبطالنا، تحمل العديد من المفاجآت.
تململت مليكة في فراشها حتى نهضت، تتمطى بجلستها بتكاسل، حتى نهضت، ومن ثم دلفت إلى المرحاض وتوضأت، وتوجهت إلى المصلى حتى تصلي فرضها.
دلف إليها أسر بعدما بدأت صلاتها، فوقف متخشعًا مكانه، يطالعها بصدمة. شعر بالضيق من حاله، هي قريبة من ربها وهو بعيد. كل البعد، ما الذي فعله بحياته حتى يرزقه الله بمثل تلك الفتاة؟ اقترب منها، جلس بجوارها، وظل يتابعها حتى انتهت من صلاتها، محدثًا إياها:
"حرمًا."
ابتسمت له بإشراقة، متحدثة:
"جمعًا، إن شاء الله."
تحدث أسر بلهجة متسائلة:
"انتي بتصلي يا مليكة؟"
أومأت له على استحياء، متحدثة باستغراب من سؤاله:
"آه، أومال أنا بعمل إيه دلوقتي؟"
ملس على رأسها، ثم قام بتقبيل مقدمة رأسها، متمتمًا بامتنان لربه:
"ربنا يحفظك ليا، أنا ربنا بيحبني أوي عشان رزقني بيكي."
اصطبغت وجنتاها خجلًا، مخفضة وجهها أرضًا، وهي تتحدث:
"أنا اللي ربنا بيحبني أوي عشان رزقني بيك."
تابع هو بتساؤل:
"هو انت كنت بتصلي إيه؟"
عقدت حاجبيها بتعجب:
"ليه؟ هو انت ما صليتش الصبح ولا إيه؟ والا إحنا امتى؟"
اخفض رأسه استحياء من نفسه على ما سيقوله أو سيعترف به:
"أصل أنا مش بصلي، وبعيد عن ربنا قوي."
تحدثت برقة وحنان واحتواء:
"بس ربنا قريب منك أوي، ووقت ما هتعوزه هتلاقيه موجود وبيسمعلك، وربنا أكيد مش هيردك غير وانت مجبور الخاطر. قرب من ربنا ومتيأسش، ومتضيعش بقيت حياتك وانت بعيد عن ربنا، انت لازم تتقرب بالصيام والصلاة والقرآن."
ضم يدها بين يده، متحدثًا بنبرة مليئة بالأمل والتفاؤل:
"هتساعديني أتقرب إليه؟"
ابتسمت له، مربتة على يده التي تحتضن يدها:
"انت لازم تساعد نفسك بنفسك عشان تتقرب من ربنا، بص قوم دلوقتي اتوضى وصلي وادعي لربنا يسامحك، واحمد ربنا إنه وفقك من غفلتك دي، ومتقلقش، ربنا عمره ما هيخذلك، هو عند حسن ظن عباده به، أوعى تتردد إنك تتوب لربنا وترجع تترجاه طالما الشمس ما طلعتش من الغرب، فلسه باب التوبة مفتوح، وربنا عمره ما هيردك."
قام أسر من مكانه وتوجه إلى المرحاض، أشرع في الوضوء، ومع كل قطرة كانت تنزلق من على جسده تسقط أرضًا، كانت تسقط معها ذنوبه. انتهى من الوضوء وتوجه للمصلى حتى يصلي. رفع يديه حيال رأسه، كانت بمقابل أذنه، يلامس إبهامه شحمة أذنه، تمتم معلنًا عن قيامه للصلاة:
"الله أكبر."
ترك كل شيء خلفه وهو يفعلها، يصدق قوله مع قلبه، الله أكبر هو أكبر من كل شيء وأكبر من كل مصيبة نقع بها. بدأ بصورة الفاتحة، كان يناجي الله ويحدثه، والله يرد عليه. يقف الله أمام عبده وهو يصلي، يصب وجهه بوجه عبده، ثم بدأ في استرسال صور صغيرة، ودوال صلاته، حتى أحس بثقل لسانه وهو يسجد، وعيناه تغرغر بالدموع، حتي انسابت تمامًا. ظل يدعو ربه بأن يسامحه على تقصير عبادته له. بعدما أخرج شحنته السلبية، وأبدلها له الله بطهارة ونقاء بالقلب، شعر بالارتياح.
أنهى صلاته وتوجه خارجًا، وجدها جالسة على الأريكة. نهضت من مكانها، تحدثه ووجهها يعلوه ابتسامة مشجعة:
"إيه شعورك؟ بقيت أحسن صح؟"
"حسيت براحة وإحساس جميل، كأن كان في جبل على قلبي وانزاح."
"الحمد لله."
"الحمد لله."
تحدثت بسرعة رهيبة وهي تملس على معدتها:
"أنا دلوقتي جعانة أوي وهبطانة أوي بسبب العلاج الزفت ده."
قالتها أخيرًا بتبرم.
ضحك عليها متحدثًا:
"معلش، العلاج بيهبط، معلش عشان تاكلي شوكولاتة حلوة أوي."
عقدت ملامح وجهها متحدثة بغضب وتذمر:
"يووووه، بقى ما كانت شوكولاتة واحدة؟"
رفع حاجبه بصدمة يحدثها:
"يا مفترية، واحدة بس؟"
أغلقت عين وفتحت الأخرى وهي تتحدث:
"يعني واحدة، اتنين، تلاتة، أربعة، خمسة بس."
انفجر ضاحكًا متمتمًا من بين ضحكاته:
"بس؟"
"مش مهم دلوقتي، أنا جعانة وعايزة أفطر."
قالتها وهي تربت على معدتها.
"وأنا كمان والله، وزهقت من شغل سعدية الطباخة ده، تعالي ناكل تحت."
ضحكت بصخب متحدثة:
"طب يلا يا سعدية يا أختي."
توجهوا الاثنين لأسفل، فقابلهم في الدور الثاني سهيلة، التي قابلتهم على الدرج. عقدت حاجبيها باستغراب:
"إيه ده؟ إيه اللي نزلكوا؟"
وتحدثت مليكة:
"نازلين نفطر."
ردت سهيلة:
"و مفطرتوش فوق ليه؟"
قبضت ملسكة على ملابس سهيلة تحدثها:
"انتي بتستعبطي؟ ما انت عارفه إن أنا مبعرفش أطبخ."
عوجت سهيلة فمها يمينًا ويسارًا، موجهة حديثها ل أسر:
"يا عيني يا أسر يا أخويا، حظك يا عيني كده."
"هو؟"
"ماله حظه يا أختي؟"
قاطع أسر مليكة قائلًا بغزل، ملتقطًا يدها يقبلها:
"عسل، شوكولاتة، مانجة."
ابتسمت مليكة له بحب، متمتمة بتوهان:
"الله، شوكولاتة ومانجة."
انفجرت سهيلة ضاحكة:
"يخربيتك، الواد بيتغزل وانتي همك على بطنك، جعفر صح؟"
تحدثت مليكة بنزق:
"سيبنالك الرومانسية يا أختي."
صاح بهم أسر حتى يصمتا عن جدالهم:
"بااااس، انتوا صحاب إزاي وعاملين زي ناقر ونقير كده؟"
تحدثت مليكة بدلع وهي تتمايل على سهيلة:
"ما هو ناقر ونقير دول سر حبنا."
رافع حاجبيه معًا، متحدثًا بغزل:
"عقبال سر حبنا احنا كمان."
أحست بحرارة الخجل تنبعث من وجهها التي تورَّدت وجنتاها على أثرهما، فتحدث أسر محاولًا مشاكستها:
"يا لهوي على الطماطم اللي ضربت دي."
تساءلت سهيلة باستغراب:
"طماطم؟"
صاحت عاليًا تنادي على والدتها:
"ماما، انتي بتضربي طماطم؟"
زفر أسر بقوة من غبائها، متحدثًا بضيق:
"امشي ابت، يخربيت التخلف."
"طب ما تزوقش طيب."
جاءت سهيلة لتتوجه لأسفل، لتعيقهم عفاف، التي بادلتهم نظرة متفحصة من مقدمة رأسهم حتى أخمص قدمهم. عوجت فمها، متحدثة بازدراء:
"إيه ده؟ هي العروسة إيه اللي نزلاها؟"
كان أسر على وشك الرد وتوبيخها، لكن قاطعه صوت مليكة الساخر:
"بت يا سهيلة، في دبانة هنا كده عايزة مبيد حشري يقتلها."
ضحك الاثنين عليها، وهما يتبادلان الكفاح، حتى سمعوا صوتها المحتقن بالغضب:
"أنا دبانه يا معفنة يا زبالة."
تحدثت مليكة وملامحها يبدو عليها الحزن الاصطناعي، كتقليد على حالة عفاف:
"والله اللي على راسه بطحة بيحسس عليها، إحنا مقولناش إنك دبانه، بس انتي لو شايفة إنك كده، فمتزعليش، انتي دبانه."
ضحكت سهيلة بصخب، مصيحةً عاليًا:
"أوبا، على الجبهة اللي طارت."
احتقن وجه الأخرى بالغضب وتحشرج الحديق بفمها. تحدثت بغضب وهي تجز على أسنانها من الغيظ:
"والله لهقول ل عمو عليك."
وتحدثت مليكة بسخرية:
"أجي أوصلك؟ أنوغة؟"
غادرت عفاف من أمامهم، تاركة في أثرها دخانًا من أثر احتراقها.
في الأسفل، تجمع الجميع على السفرة ورحبوا بمليكة في عائلتهم، وقاموا بتناول الإفطار. ولكن جاءت عفاف لتنغص عليهم هذا الجو الجميل.
رواية كن لي أبا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روميساء نصر
وقفت بجانب مليكة تحدثها بضيق ونفور.
: قومي من هنا ده مكاني.
شعرت مليكة بالحرج من تلك المتزحلقة ومن أسلوبها الهمجي.
تحدثت بهدوء تام على عكس ما تشعر به:
: سوري بس أنا قاعدة جنب جوز.
رفعت حاجبها تلوي فمها باحتقار:
: وأنا مالي بقولك ده مكاني.
تخصرت بمكانها:
: مالي بقى بجوزك ولا مش جوزك، انتي هتشرحيلي قصة حياتي.
حاول أسر كتم غضبه لكن فاض به الأمر.
صاح عالياً بهم مما أصاب الرعب بقلب عفاف ومليكة قبلهما:
: بااااس قومي يا مليكة نقعد الناحية التانية وسيبيلها الكرسيين تبرطع فيهم لوحدها.
ضحكت سهيلة على ما قاله أسر مولية نظرات شماتة إلى عفاف، ثم بادلتها بنظرات فرحة لصديقتها التي جاءت للجلوس بجانبها.
حاولت عفاف التمسك بآخر حيلتها فأخذت دور المظلومة متحدثة بنبرة حزينة إلى والد أسر:
: ينفع كده يا عمو، عمالين يتريقوا عليا من الصبح.
تحدث أحمد والد أسر بعقلانية وهو يتناول طعامه:
: يا عفاف يا بنتي بيهزروا معاكي متزعليش.
زفرت بسخط وهي تضرب الأرض بقدميها من قلة الحيلة بافتعال شيء ما يأتي بحقها من عدوتها.
هتف أسر باسم سهيلة موجهاً حديثه لها:
: سهيلة المدرس اللي هيديكي درس انتي ومليكة جاي النهارده الساعة خمسة فكونوا جاهزين.
أومأت له سهيلة وهي تغرز شوكتها في صحنها بعنف وعيناها مصلطة على عفاف التي تنظر إليها باحتقار:
: أوك.
ماشت.
تحدثت عفاف بحقد ظاهر بنبرة صوتها:
: انت كمان هتخليها تكمل تعليمها.
ثم تحدثت بتهكم وهي توجه حديثها لمليكة وتناظرها باحتقار كأنها شخص غير مرغوب به:
: طبعاً عمرك ما كنتي تحلمي تعيشي في نفس المستوى اللي انتي عايشة فيه ده.
أصبح المكان كالصحراء لا يوجد بها غير صوت الشوك التي استقطت بالأطباق مخرجة ضجيج وصدمة الجميع بما قالته تلك المتزحلقة.
شعرت مليكة بحمم لاهبة تنصب داخلها قد ظهر أثرها على وجهها الذي احتقن بالدماء، وقبضة يدها التي ابيضت مفاصلها على أثر مسكها للشوكه المغروزة في الصحن أمامها.
تحدثت أخيراً قبل أن يغشى عليها من شدة غضبها وبهدوء تام عكس ما بداخلها:
: أنا بعتذر لكل الموجودين وقاعدين على اللي هقوله.
وجهت حديثها إلى عفاف وهي تبعث إليها نظرات اللامبالاة:
: طبعاً عمري ما كنت أحلم، بس على الأقل في حياتي اللي كنت عايشاها كان حوالي ناس بتحبني مش زيك، محدش طايقك ولا طايق يتعامل معاكي.
وضعت الشوكة بفمها تقضم قطعة الجبن بشراهة.
انفجرت عفاف بالغيظ من هدوئها المريب، فالآن أصبح الخطأ واللوم عليها وهي لم تخطئ.
تحدثت غاضبة وكانت على وشك أن تأتي بها أرضاً لتقطع من خصلاتها:
: أنا محدش طايقني، ولا انتي اللي أبوكي مش طايقك على وش الأرض وما صدق إن أسر جه ودفع ورماكي ليه بدم بارد.
شعرت مليكة بتحجر الكلمات بفمها، فهي قد ذُكرت الحقيقة التي ستلازمها دائماً وحركت شيئاً بداخلها جعلها ستنهار من البكاء أمامهم.
منعت دموعها عن الهبوط وتوجهت بأقصى سرعتها لأعلى.
صاح أسر بعفاف بصوت جهوري، فلم يتدخل أحد من الكبار لإسكاتها، فعليه بها لإسكاتها، فهو ظل صامتاً فقط لأجل كبار العائلة:
: عفاف آخرصي خالص ومش عايز أسمع لكِ صوت وبطلي الشغل القذر اللي انتي بتعمليه انتي وأمك ده.
صاح والد عفاف بحدة وغضب مكمون:
: أسر انت اتجننت، انت إزاي تتكلم مع بنت عمك كده وتغلط في مرات عمك.
قام أسر من مكانه وهو يصيح به موجهاً حديثه إلى عفاف:
: وانت مش شايف بنتك بتغلط في حق مراتي وأنا ماسمحش لأي حد إنه يجيب سيرة مرات أسر الدالي سواء بالحلو أو الوحش.
صاح بهم محمد والد أسر بحدة وقد تخللت صيحاته بعض السعال:
: باااااس آخرصوا خالص مفيش احترام للكبير اللي قاعد ده.
دفع أسر المقعد من خلفه متوجهاً للخارج كالعاصفة.
لحقته سهيلة راكضة حتى أوقفته متحدثة من بين لهاثها:
: رايح فين.
هتف باسمها وعيناه تدق بشرار الغضب:
: سهيلة سبيني أنا مش طايق حد.
تركها وغادر وهي ظلت تنظر لأثره، فسرعان ما اختفى.
توجهت للأعلى إلى تلك المسكينة التي من المؤكد تذرف دموعها من أجل تلك الحقيرة.
توجهت سهيلة للأعلى ومن ثم طرقت الباب، انتظرت قليلاً ومن ثم فتحت لها مليكة وعيناها محمرتين من شدة البكاء، وجهها ككتلة ممحمرة لا آثار لدموعها المتعلقة بمقلتيها تأبى الهطول أمام أحدهم.
لكن عندما تقدمت منها سهيلة ورأت حالتها تريد ضمها إليها بإشفاق.
ارتمت الأخرى بين أضلاعها تنتحب وتبكي بشدة من الوجع الذي بداخلها، تشعر بثقل بين أضلاعها وضيق يجعلها غير قادرة على التنفس.
حاولت سهيلة بتهدئتها فملست على خصلاتها بحنان متمتمة بمواساة كأنها طفلة:
: باااس خلاص متعيطيش، والله هي واحدة حيوانة وغيرانة منك، ما تاخديش على كلامها، والله أسر تحت هزقها وجابلك حقك، خلاص بقى بطلي.
ابتعدت عن سهيلة فأخذتها سهيلة إلى غرفتها بالداخل وأجلستها على فراشها.
تسألت مليكة من بين انتحابها وشهقات بكائها:
: هو أسر فين.
قبلتها سهيلة من رأسها ومن ثم جلست بجوارها متمتمة:
: أسر اتخانق تحت مع عمو محمود وخرج وكان متعصب جداً، وهو لما بيتعصب بيخرج بره يتمشى شوية.
أومأت مليكة لها على حديثها ولم تظهر آثار الضيق التي انتاباها لمعرفة أنه غادر وتركها بمفردها.
أحست بعدم الراحة بدونه، لكنها أغفلت أحاسيسها تلك.
أفاقت من تفكيرها على صوت سهيلة:
: قومي تعالي يلا نفطر عشان انتي مفطرتيش.
تحدثت مليكة برفض تام:
: لا أنا مش هفطر، دماغي مصدعة ومهبطة جداً، هنام أحسن.
أومأت لها سهيلة وهي تنهض للخروج:
: أوك نامي وهاجي أصحيكي عشان مدرس الفرنساوي اللي جاي النهارده ده.
أومأت لها.
فتوجهت سهيلة للخارج وأثناء خروجها استدارت بوقفتها تتساءل:
: أقفلك النور عشان تعرفي تنامي.
عقدت وجهها برفض متمتمة:
: لا لا سبيه مفتوح عشان الضلمة.
غادرت سهيلة وتوجهت للأسفل.
كان جالساً في سيارته يستند بظهره للخلف كأنه يعيد ذكرياته الماضية.
بغرفة نوم كبيرة بقصر الدالي يتواجد بمنتصفها عائلة الدالي تلتف حول فراش كبير ينتصفه رجل كبير السن، علامات الإعياء جلية على وجهه وعلامات الشيخوخة بارزة من أول خصلات شعره البيضاء إلى بشرته المجعدة.
تحدث ذلك الرجل بنبرة مجهدة:
: أنا عايز أسر والكل يخرج بره.
تحدثت عبير بدون حرج:
: ليه يا بابا مافيش حد غريب هنا.
تحدث بنبرة غاضبة آتية بعدها سعال كان جسده ينتفض أثر سعاله:
: أنا قولت الكل بره مش عايز حد غير أسر.
تقمّع وجهها من ذلك الرجل الذي لا تطيقه وتتمنى أن يموت وتتخلص منه.
عقدتها هو ذلك الرجل.
تلقت نظرات ساخطة من الكل وأولهم زوجها الذي سحبها من رسغها وتوجه بها للخارج ومن بعده الجميع ولم يبق غير أسر وجده.
تحدث الجد بنبرة جادة بها اهتزاز من كثرة مرضه:
: أسر الكلام اللي هقولهولك ده يتنفذ بالحرف الواحد.
انكمشت ملامح وجه أسر من الضيق والحزن، فهو يشعر بروحه تغادر ببطء عند رؤية أعز الأشخاص لديه يعاني هكذا.
التقط يده مقبلاً إياها متحدثاً برجاء:
: اللي انت عايزه هيحصل، بس انت متتعبش نفسك.
تحدث الجد وهو يجاهد في خروج كلماته:
: أنا هكتبلك كل حاجة باسمك.
انكمشت رأس أسر برفض متحدثاً:
: طب عفاف وسهيلة.
قرص الجد برفق على يد أسر الممسك بها حتى يصمت ويجعله يكمل:
: اسمع بس، أنا لو كتبت لعفاف حاجة أمها هتخلي عمك يسيب العيلة وهتتفرقوا وأنا مش عايز كده، فلو كتبت الثروة باسمك مش هتسيب العيلة عشان لسه موصلتش للي هي عايزاه.
تحدث أسر برفض تام وبنبرة حزم:
: بس أنا مش موافق يا جدي.
سعل الجد بقوة متحدثاً من بين سعاله:
: حتى لو قلت لك إنها كانت عايزة تمضيني على أوراق تنازل عن كل ما أملك لنفسها.
اندهش الآخر من ما قاله واتسعت عيناه من تلك الصدمة متسائلاً بدهشة:
: إزاي.
رد عليه الجد بصوت منخفض:
: زي ما قلت لك، وأنا اللي اكتشفت ده، وكنت هطلقها من عمك، بس هي اللي اترجتني عشان بنتها، وأنا ما يرضيني إن عفاف تتبهدل ما بين أبوها وأمها، وإياك يا أسر تتجوز عفاف، هي أه حفيدتي بس شاربة من سم أمها، وأكيد لما تعرف إن كتبت كل حاجة ليك هتحاول تجوزك عفاف.
حرك أسر رأسه بنفور:
: متقلقش مش هتجوزها.
تحدث الجد:
: أنا هخصص جزء من الثروة لعفاف وسهيلة بس لما يتجوزوا.
أومأ له أسر:
: حاضر يا جدي اللي انت عايزه هعمله.
= العيلة يا أسر، إياك العيلة تتفرق، خلي بالك من عبير، هي مهمتها إنها تفرق العيلة وتاخد هي الفلوس.
شعر أسر بالقلق على جده من انفعاله بسبب تلك الشيطنة:
: متقلقش يا جدي، كل اللي انت عايزه هعمله، والعيلة مش هتتفرق ومش هسمح لحد إنه يفرقها.
فلاش باك.
همس مع نفسه وهو يزيل دمعة متعلقة بمقدمة عينه:
: الله يرحمك يا جدي.
اعتدل أسر وقام بتحريك محرك السيارة وتوجه إلى القصر.
استيقظت من نومها وتوجهت للخارج ظناً بأنه بالخارج، أخذت تبحث عنه بالمكان لكنها تنهدت بحزن عندما لم تجده.
ذهبت للمرحاض توضأت، وقامت بأداء فرضها.
بعدما انتهت سمعت أصوات طرق على الباب فتوجهت للخارج برشاقة وفرحة ظناً منها أنه زوجها.
فتحت الباب بوجه مشرق وسعادة لكنها انطفأت تلك الابتسامة سريعاً عندما لم يكن هو.
ابتسمت سهيلة لها متمتمة:
: الجميل صحي من النوم.
ضحكت مليكة بمرح متمتمة:
: لا لسه نايمة وده خيالي اللي بيفتح لك.
حركت رأسها يميناً ويساراً متحدثة بدهشة:
: أنثى الشيزوفرينيا اللي كانت قبل ما تنام بتعيط وحالياً بتضحك، انتي هبلة.
أومأت لها مليكة وهي ما زالت تضحك على صديقته.
تحدثت سهيلة بنفاذ صبر:
: طب يلا يا أنثى الشيزوفرينيا عشان ننزل، الأستاذ قرب يجي.
شعرت مليكة بالإرتباك من فكرة النزول مرة أخرى وتهجم وجهها بالحزن متمتمة باقتضاب:
: أنا مش عايزة أنزل، مينفعش يجي هنا.
اتسعت حدقة الأخرى متحدثة وهي تمثل (الضرب على وجهها بكلتا يديها):
: آه وماله، وأسر كان يجي ينفخنا ينفخنا.
ضحكت مليكة على هيئتها ثم استسلمت لمصيرها بأن تقابل أي أحد منهم متحدثة:
: طب يلا ننزل.
توجهوا للأسفل فقابلتهم بطريقهم على الدرج سعدية (المشرفة على طاقم الخدم) كانت تلهث بشدة من سرعتها على الدرج ثم وقفت تستند بظهرها على حافة السلم.
فتساءلوا الاثنين في نفس واحد بقلق من هيئتها:
: في إيه.
تحدثت هي بعدما التقطت أنفاسها:
: المدرس منتظركوا تحت في الصالون.
تنهدت كلتيهما براحة وبدأت علامات الزعر تختفي.
تحدثت سهيلة وهي تضع يدها على صدرها تحرك راحة يدها ببطء:
: خوفتيني يا سعدية والله حرام عليكي.
توجهوا إلى الصالون فوجدوا شاباً في مقتبل عمره بنهاية العشرين، ذو بشرة بيضاء وشعر مصفف بطريقة عصرية وجسد ذو بنية قوية، كان يجلس على الأريكة يحتسي فنجان القهوة الساخن.
هب واقفا من جلسته واضعاً فنجان القهوة على الطاولة عندما دلفت الاثنتين معاً.
همست سهيلة لمليكة وهما يتقربان منه:
: بت دا موز أوي، أنا عايزة أشقطه وانتي راحت عليكي واتجوزتي فسبيني بقى أشوف نصيبي.
لكزتها مليكة بذراعها حتى تصمت ثم توجهوا لهما.
مد يده حتى يصافحهما فمدت سهيلة يدها له متحدثة برقة:
: أنا يا مسيو سهيلة.
ثم أشارت على مليكة بيدها:
: ودي مليكة وفي نفس سني فهتديني درس إحنا الاتنين.
تنهح وهو يمد يده لمصافحة مليكة متحدثاً بظبرة رجولية جذابة:
: وأنا مسيو خالد، وأكيد عارفين إني مدرس الفرنساوي.
صافحته مليكة وهي تبادله ابتسامة باهتة تشعر بالقلق من نظراته التي تتفحص كلايتهما.
دلفت إليهم أسر أثناء مصافحته لمليكة.
وقف صامداً من ما رأى، جز على أسنانه غيظاً من ذلك المتخلف الذي يلامس جوهرته الخاصة.
شعر بنيران تتأجج بداخله، تقدم نحوهم بخطوات واسعة.
شعر الآخر بشيء خطأ، فنظرات ذلك الرجل لا تبشر خير أبداً.
مد خالد يده لمصافحة أسر فصافحه أسر واعتصر يده من شدة غيظه كأنه أقسم بأن يبرد نيران غيرته بها.
عصر وجه خالد ألماً على أثر يده المعتصرة.
تحدث أسر بنبرة رجولية حادة:
: أنا أسر الدالي جوز الهانم وأخو الهانم التاني.
زدردت كل من مليكة وسهيلة لعابهما بخوف وهم ينظران إلى بعضهما بنظرات يعلموها جيداً.
تحدث خالد ونبرة الألم تستحوذ على صوته:
: أهلاً أهلاً اتشرفت بحضرتك.
تحدثت سهيلة حتى تفصلهم من ذلك الجو العاصف المشحون بالتوتر:
: يلا بينا نبدأ الدرس يا جماعة مش هنقضيها تعارف.
جلس الجميع على المقاعد يلتفون حول الطاولة.
جلس أسر بجوارهم عن قرب قاصداً ذلك حتى لا يسمح لذلك الأحمق بأن يتصرف بشكل مريح مع الفتيات.
زفر خالد بخفوت من ذلك الذي جلس بجوارهم، ثم بدأ في إخراج كتبه التي سيشرح بها، وأخرج معهما عصا رفيعة وضعها أمامهم.
انتفض كل من مليكة وسهيلة بجلستهم وظلوا يلكزون بعضهم وينظرون بخوف إلى تلك العصا ويبعثان إلى أسر نظرات حتى ينجدهم، لكنه كان منشغلاً على حاسوبه.
زدردو لعابهما بخوف وظلوا يحدقان في تلك العصا التي أمامهم.
بدأ في شرح بعض القواعد المعقدة، ظلا الاثنتين يحاولان الاحتفاظ بتركيزهما جيداً حتى انتهى من الشرح وبدأ في تدريبهما على طريقة حل تلك الأسئلة المعقدة.
حل بعض الأسئلة حتى يدربهما، وبعد ذلك طرأ الأمر لهما حتى يظهرا فهمهم.
أخذت سهيلة سؤالها الأول.
أخذت تفكر به بوجه عابس، حكت رأسها بإصبعها وأخذت تشير بإصبعها الآخر على اختيارات السؤال.
تنهد خالد بضجر ثم زفر بقوة متحدثاً بهدوء عكس ما بداخله:
: غلط يا سهيلة دي غلط، أنا لسه قايل إيه من شوية، ركزي يا شطورة.
لوت سهيلة شفتيها العلويتين له متحدثة بنزق:
: متقوليش يا شطورة.
التقط العصا ضارباً بها على الطاولة متحدثاً بغضب لكن حاول الحفاظ على مستوى صوته:
: يلا حلي السؤال اللي بعده.
تحركت بمكانها بعدم راحة ثم تنحنحت ووجهها أصبح أصفر من رعبها من تلك العصا.
انحنت على الطاولة وأخذت تفكر وتتفحص السؤال عدة مرات.
ظلت تأكل شفتيها وهي تحاول التفكير.
مدت إصبعها تشير على الإجابة الخطأ مرة أخرى.
تنفّس الآخر بعمق محاولاً التنفيث عن غضبه، شد على خصلات شعره بقوة وحاول تفهيمها مرة أخرى، ثم أعطى لمليكة سؤال هي الأخرى فحاولت حله ولم تستغرق وقت وقامت بإجابة إجابة خاطئة.
صاح بهم بحده وصوت عالٍ وقام من مكانه ملتقطاً تلك العصا الموضوعة أمامه:
: انتوا دماغكم دي جزمة قديمة ما تفهموا بقى، يلا كل واحدة تفتح إيدها كده.
هتفت سهيلة باسم أسر عالياً.
انتبه أسر لكل ما يحدث وأنزل سماعة أذنه التي كانت تعزله عن ما يحدث وتعجب لرؤيتهم واقفين وذلك الأحمق في يده عصا.
نهض من مكانه متوجهاً إليهم بوجه محتقن متسائلاً:
: إيه اللي بيحصل هنا.
تحدثت سهيلة ومليكة بنفس واحد وكأنهم يستنجدون به:
: الحقنا يا أسر عاوز يضربنا.
اتسعت عيناه التي كانت بهم غمامة حمراء من شدة الغضب وانقض على ذلك الواقف أمامهم ملتقطاً تلك العصا من يده دافعاً بجسده على الأريكة متحدثاً بصياح وصوت جهوري:
: انت اتجننت يا روح أمك عايز تضرب مين.
ارتعب الآخر من هيئة أسر، فكان مثل الثور الهائج الذي لا يقدر عليه أحد.
حاول الآخر أن يخرج بعض الكلمات التي تحجرت بحلقه حتى يدافع عن هجوم أسر الشرس، لكن كانت يدي أسر أسرع منه جذبه من لياقته رافعاً جسده كاملاً إلى الأعلى تحت أنظار كلا من مليكة وسهيلة المصدومين من ما يفعله.
طرحه أرضاً بقسوة رامياً العصا عليه متحدثاً بنبرة صارخة مليئة بالحزم:
: تاخد حاجتك وما أشوفش وشك هنا تاني، مش بنات الدالي اللي ينضربوا على آخر الزمن من واحد زيك.
ارتعب الآخر من مكانه واقفاً متحدثاً بتلعثم:
: والله يا فندم ما أقصد، بس أنا شرحت وحليت أكتر من مرة وهما مبفهموش وطلعوا عيني.
تحدثت مليكة بصدمة مزيفة ووجه حزين:
: إحنا مبنفهمش.
تحدثت الأخرى لتكمل حديثها:
: ومطلعين عينك.
أومأ لهم خالد على حديثهم وكيانه مشعث، هيئته تجعل من يشاهده ينفجر ضحكاً.
وكل ذلك تحت أنظار الآخر الذي فهم ما يحدث ويدور حوله وقد علم الحقيقة أخيراً، لكن حتى ولو فهم بنات الدالي لا يجرؤ عليهم أحد ولا يستطيع أحد أن يرفع بصره به.
تحدث أسر ببرود تام ونبرة صارمة لا جدال فيها:
: تاخد حساب حصتك وما أشوفش وشك هنا تاني.
قام خالد من مطرحه ولملم كتبه، حاول أن يستعيد اتزانه بعد ما حدث وتوجه خارجاً.
نظر أسر إليهم وهم يقفون مطأطئين رؤسهم ويبدو عليهم الحزن الشديد، لكن ما يخفوه بداخلهم هو عكس ذلك.
ضيق عينيه وظل يطالعهم بخبث دون حديث أو حركة.
كانت كل واحدة تريد رفع رأسها حتى ترى ما تأثير وجه أسر وما الذي ينتظرهم منه.
فرفعت سهيلة عينيها حتى ترى حالة السكون المرعبة تلك.
وقعت عيناها بعينه الصاقبة مما أرعبها كثيراً وجعلها تخفض رأسها مرة أخرى.
همست لمليكة بنبرة مرعبة:
: الحقيني دا هياكلنا بعينه.
ضربتها مليكة بيدها الملاصقة لجسدها متحدثة بهمس:
: اخرصي بقى.
تحدث أسر أخيراً بنبرة قوية:
: هتفضلوا واقفين تتهامسوا كده كتير.
رفعوا رأسهم أخيراً.
ثم تحدثت سهيلة:
: على فكرة شرحه وحش ومش بيفهم، لا وكمان عايز يضربنا.
ثم بدأت في التمثيل والبكاء وأخفضت رأسها وهي تفرك بيدها عينيها بحركة دائرية:
: عايز يضربنا وانت على وش الدنيا يا أسر، ااااه.
أحاطتها مليكة تملس على ظهرها وهي تواسيها، تعلم حركات الحيلة لدى صديقتها حتى تخرج من ذلك المأزق:
: معلش يا سهيلة يا أختي، إحنا كدا ولا كدا، وحقنا متاكل من الغريب ومن القريب.
تابعت سهيلة بتمثيل البكاء والنواح مع صديقتها:
: آه يا أنا يا كبيرة على الضرب، يا أنا يا سوسو يا حلوة يا صغيرة يا مدملجة، يا أنا انضرب وانت عايش يا أسر وقدامك، مكانش يومك يا عبد السميع مكانش يومك.
عقدت مليكة حاجبيها ثم رفعت شفتيها العلوية بتعجب:
: إسماعيل مين.
لكزتها سهيلة ثم ابتعدت عن إحاطة ذراع مليكة تأففت بتبرم:
: لازم تفصليني يعني، أهو اللي جه على بالي والسلام.
صمتت الاثنتين عندما سمعا صوت نعل حذاء أسر الذي كان يضرب الأرض بحركات خفيفة وسريعة.
نظرا الاثنتين له بصدمة ثم بعثا له ابتسامة سمجة.
تحدث هو أخيراً وهو يجلس على أحد المقاعد الوثيرة رافعاً قدم فوق الأخرى:
: خلصتوا وصلة التمثيل بتاعتكوا دي.
أومأوا له وهما يحركان رأسهم وابتسامتهم السمجة تزين ثغرهما.
اعتدل بجلسته واضعاً قدمه أرضاً منحنياً للأمام سانداً بمرفقه على ركبتيه دافثا وجهه بين راحة يده يحركها بخفة محاولاً تهدئة حاله من تلك الكرتين المتنقلتين.
اقتربت مليكة منه وتبعتها سهيلة، جلسوا أمامه أرضاً ثم نظروا لبعضهم وتحدثوا بوقت واحد:
: أسفين.
رفع رأسه من راحة يده وهو مطبق على شفتيه، نظر إليهم وعلى هيئتهم الطفولية اللذيذة ومشاكستهم.
ابتسم لهم مقرباً من كلتيهما مقبلاً رأس كل منهم بحنان.
تحدثت سهيلة بتذمر طفولي:
: إحنا ضحكنا عليك ومبقيتش مضايق مننا، يلا هات لنا مدرس جديد غير أبو عصاية دا ويكون بيشرح عدل.
أضافت مليكة على حديثها:
: ويكون مزز كدا يا أسر.
زجره بعينيه الصاقبة مما جعلها تتراجع في كلمتها متمتمة بتوجس:
: دا عشان سهيلة والله ما أنا.
أضافت سهيلة بعدم اكتراث:
: لا لا لا مش لازم يكون مزز بس يكون مبيديش واجب وضارب خناقة مع أبويا عشان ميكلمنيش ويشتكي مني، يا ريت يبقى بينهم طار.
ظل محدقاً بهم متعجباً من ما يقولونه ثم تحدث بعد انتهائهم بنبرة جادة كموظفين الاستقبال في خدمة العملاء:
: عايزين إيه مواصفات تانية يا فندم.
ثم صاح بهم بحده ووجه محتقن:
: ما أنا فاتح شركة مدرسين.
انفجروا ضحكاً عليه.
ثم تنهدت سهيلة بعدما انتهت من ضحكها متحدثة بتمني:
: إمتى بقى يا جدعان نخلص وندخل الجامعة.
استندت مليكة بمرفقها على كتفها متحدثة بهيام:
: آه والله ونصيع بقى ونهيص.
رفع أسر رأسه لها رافعاً أحد حاجبيه متمتماً بإستفهام:
: تصيعي.
أطلقت ضحكة في الفضاء يتبعها تحريك رأسها تأكيداً على حديثه.
تحدث وهو ما زال ينظر لها بحاجب مرفوع:
: طب ما تيجي وأنا أصيعك.
أومأت له بإبتسامة فرحة مليئة بالنشاط:
: إشطة.
وجهت حديثها لسهيلة:
: تعالي يا سهيلة انتي كمان.
وضعت سهيلة راحة يدها على صدرها تحركها ببطء وظهره محني نسبياً، تمتمت بكلمات عاقلة كأنها تقلد أحد الشيوخ:
: ربنا يبعد بيني وبينه، روحي انتي وصيعي معاه يا أختي.
اتهت سهيلة من حديثها ولم يترك لها أسر فرصة للتفكير فيما قالته سهيلة، جذبها من رسغها حتى التصقت بصدره، حاوط خصرها النحيف الذي تخشب مع سائر جسدها عندما اقتربت منه هكذا.
ضربت الدماء بوجهها من شدة خجلها، لكن أسر لم يدعها تفكر في أي شيء.
حمل جسدها كشوال بطاطا على كتفه وأخذ يدور بها بسرعة جعلتها تصرخ وتصيح به حتى يهملها وظلوا هكذا لدقيقتين يدور بها بلا كلل ولا ملل حتى تحدثت من بين صرخاتها:
: همووووت نزلني مش قااااااادرة.
تحدث أسر بنبرة ساخرة:
: لسه عايزة تصيعي.
صرخت عالياً:
: لاااااا خلاص مش هصيع، لا في كلية ولا في ثانوي ولا هصيع خالص، نزلني نزلنييييي.
وضعهها أرضاً أخيراً وهي بحالة غير متزنة، تشبثت بقميصه عندما أحست ببوادر صداع ودوار.
كان كل ذلك وسهيلة تصيح بضحكها عالياً.
تحدثت بشماتة في صديقتها:
: صيعتي يا أختي.
حاولت أخذ أنفاسها بهدوء وهي تبتعد عن أسر حتى لا يقلقهم عليها وبما تشعر به.
تحدثت بنبرة حاولت جعلها مرحة:
: دا أنا روحي راحت، يخربيت اللي عايز يصيع يا شيخة.
ضحكوا جميعاً.
وقطع صوت ضحكاتهم دلوف عبير (أم عفاف وزوجة عم أسر) كان وجهها مقتضب ومليء بالغضب.
صاحت بهم عندما كانت على مشارف الباب:
: إيه المسخرة اللي بتحصل هنا دي والصويت والصوت العالي ده، انتو فاكرين نفسكم في كباريه، ده بيت محترم.
وقفت مكانها متخشبة عندما وجدت أسر واقف معهم.
أزدردت لعابها بتوجس من ردة فعل أسر.
استشاطت سهيلة غيظاً من تلك المتعجرفة فتحدثت بمكر وهي تعبث بكلماتها:
: وهم عملوا إيه، دا واحد ومراته مش مخطوبين يعني، فبراحتهم.
أرادت عبير أن لا تظهر ضعفها وخوفها من أسر أمام مليكة حتى لا تمكنها منها، فإذا تراجعت في حديثها سوف تعلم بأنها تهاب من زوجها، فتحدثت بغضب ونبرة مقتضبة وأخذت تبعث لمليكة نظرات تحرقها:
: فوقي يا حبيبتي مش هنا المسخرة دي، فوقي.
أسر قبضته وأخذ يعصرها من شدة غضبه، يتنفس بعمق محاولاً كتم غضبه، لكن سوف يحدث له شيء إذا لم ينطق، فتحدث بنبرته الرجولية الأجشة:
: والله ده بيتي وأنا حر أعمل اللي أعمله.
ابتسمت بداخلها بمكر، فقد وقعت في براثنها عندما نطق.
صاحت عالياً وأخذت تبكي وتذرف دموع التماسيح تلك:
: يا محمود يا محمود تعالي الحق شوف ابن أخوك بيقولي إيه، بيكرشني من البيت وبيقول إنه بيته.
ظلت تنوح وتصيح عالياً والجميع واقف الزهول ألجم ألسنتهم من ما تفعله تلك.
أتت زوجها راكضاً إليها متحدثاً بقلق بالغ من بين لهاثه:
: في إيه يا عبير بتعيطي.
لتتعلق بيده وأخذت تتمسح به مثل القطط وهي تبكي متحدثة من بين بكائها المزيف:
: تعالي شوف ابن أخوك بيكرشني من البيت عشان واحدة زي دي.
ثم أشارت بإصبعها ناحية مليكة:
: شارينها بالفلو.
تحدث أسر بهدوء تام عكس ما بداخله، فلو أخرج ما بداخله سوف يحقق نوايا تلك الخبيثة بكل تأكيد:
: يا عمي حصل سوء تفاهم، أنا بقولها ده بيتي أعمل في اللي عايزه، هي اللي فهمت غلط.
كانت تقف يحيطها بقع سوداء تشعر بأصوات صاخبة تدق في أذنها وتضرب رأسها قدميها، غير قادرة على التوازن فأصبحت كهلام، غير قادرين على حملها.
ارتعش جسدها من شدة ما يحدث لها، مغفلة عن الجميع.
همست باسمه حتى ينجدها قبل أن ترتطم بالأرض وصمت كل شيء من بعد وقوعها.
انتبه إلى شيء قد اصطدم بالأرض من خلفه فاستدار بوقفته حتى يرى ماذا حدث، لكنه هلع هاتفا باسمها:
: مليكة.
توجه نحوها حاملاً جسدها بين ذراعيه، واضعاً بجسدها على الأريكة، حاول أن ينسق بين ضربات قلبه السريعة وتنفسه، لكنه لم يقدر.
أخذ يضرب وجنتيها بلطف منادياً عليها بصوت جاهد في خروجه متزن بعض الشيء.
تحدثت عبير بنزق:
: انت ملهوف عليها كده ليه، دا كأنها حريم، دي واحدة بتدلع.
صاح أسر عالياً بها مولياً نظراته الحارقة نحوها:
: اخرصوا مش عايز حد هنا، اطلعوا بره كلكم.
حضرت سهيلة كوب الماء الذي كان موضوعاً على الطاولة وأعطته لأسر الذي التقطه منها ووضع القليل على يده ثم نشره على وجهها كقطرات صغيرة متفرقة.
اهتز الكوب بيده من كثرة خوفه وقلقه، فأخذته سهيلة منه متحدثة بمواساة حتى تقلل من قلقه:
: متقلقش، هي تلاقيها اغمى عليها عشان ماكلتش حاجة من الصبح.
أزاح بيده من كثرة انفعاله، فأسقط كوب الماء أرضاً متحدثاً بإنفعال:
: وازاي تسيبوها من غير أكل دي، واخده امبارح علاج ومحلول.
زدردت في حديثها:
: هي اللي مش رضيت تاكل ونامت.
تنظر لها أسر بمعاتبة.
ثم أعاد مسح وجه الأخرى بالماء حتى عقدت ملامحها وبدأت تخرج بعض الهمهمات وهي تفيق من أغمائها.
فتحت عيونها ثم أغلقتهم سريعاً عندما مر الضوء بهم، ثم رفرفت رموشها عدة مرات حتى تعودت على الضوء.
هتف أسر باسمها مشجعاً إياها أن تفيق:
: مليكة مليكة فوقي يا حبيبتي.
أسندها حتى تمكنت من مكانها وفازت من ما كانت عليه.
تحدث هو بمعاتبة:
: انتي ما أكلتيش ليه يا مليكة لحد دلوقتي.
تحدثت بوهن ونبرة ضعيفة وهي تضع أنظارها أرضاً:
: نفسي اتسدت، فنمت وصحيت مكنتش جعانة، ثم انت كمان ما أكلتش.
ملس على خصلاتها بحنان متحدثاً:
: بس انتي لازم تاكلي عشان انتي تعبانة.
وجه حديثه لسهيلة:
: روحي يا سهيلة قولي للخدم يجهزوا الأكل.
عقدت يدها على صدرها متحدثة بعناد:
: مش هاكل إلا لو أكلت معايا.
رفع حاجبه لها متسائلاً:
: وده أعتبره إيه بقى.
أكملت باقتضاب وهي على نفس حالتها:
: اعتبره زي ما انت عايز تعتبره، بس مش هاكل غير لما تاكل معايا.
لكزته سهيلة بكتفه ناصحة إياه:
: أحسن لك اسمع كلامها عشان هي في العند معندهاش، يا أما ارحميني.
ابتسمت بخفة مؤكدة على حديث صديقتها:
: آه معنديش، يا أما ارحميني.
صاح بهم وانتفض واقفا من بينهم:
: أنا اللي المفروض أمي ترحمني منكم انتو الاتنين.
وجه حديثه لسهيلة مرة أخرى:
: يلا يا سهيلة روحي قولي لهم يجهزوا الأكل ويطلعوه فوق.
أومأت له:
: أوك.
ثم توجهت سهيلة للخارج.
انحنى عليها متحدثاً بهمس عازماً على حملها:
: يلا تعالي أشيلك عشان أطلعك.
اتسعت عيناها وحركت يديها الاثنتين أمامه برفض ونفور:
: لا لا لا انت كل ما تقرب مني حد يتخانق، أمال لو شيلتني بقى هيحصل إيه.
كان وجهه قريباً منها، ابتسم ابتسامته الجذابة متحدثاً بمرح:
: الحرب العالمية الرابعة هتقوم.
شعرت بإرتباك من قربه وتخيل ذهنها ما حدث ليلة البارحة، فاستدعت عقلها حتى ينجدها، فتساءلت بإستفهام:
: هي التالتة قامت، لما الرابعة تقوم.
أومأ لها مبتعداً عنها جالساً بجوارها متحدثاً:
: الحرب التالتة لسه قايمة من شوية، عبير هانم أعلنتها علينا.
صمتت مليكة لبضع ثواني، أرادت تغيير الحديث بالأمر، فتفذت ببالها فكرة جلست طوال الليل تتساءل عنها، لما هي هنا وأين الانتقام الذي كان يحكي عنه.
تسألت مليكة بحيرة وقد أخرجهم سؤالها من غوصهم في أفكارهم:
: أسر عايزة أسألك سؤال.
اعتدل بجلسته أمامها حتى يكون وجهه منصباً أمام وجهها متحدثاً بإهتمام:
: إسألي.
ابتلعت لعابها حتى تبلل حلقها الجاف، ملمسة بلسانها على شفتيها، معتدلة بجلستها حيث استقام ظهرها متحدثة بتساؤل:
: انت بتحبني.
أجاب عليها بوجه جامد ونبرة مقتضبة:
: لا.
أحست بهشاشة بجانب صدرها، وجهها جامد من شدة صدمتها، الألوان من حولها بهتت، لا تعلم أثر فاعلية تلك الكلمة المكونة من حرفين بها، اطرحتها أرضاً ودهشتها، ولم تعد تقوى على النهوض، فباب الأمل التي أحست أن الله أنعم بها أغلق بوجهها، ومن شدة غلقه جعلها تهوي في الفضاء.
أغمضت عينيها تحاول كبت دموع عينيها، وقفت بمكانها متوجهة للخارج، لكن أعاق سيرها يده التي التقطت رسغها ساحبة لجسدها بين حنايا أحضانه، دافثا جسدها به، دافثا وجهه بعنقها، مشتّماً رحيقها الخلاب.
انفجرت الأخرى بالبكاء وأخذت تتملمغ بين أحضانه، حتى أبعدها عنه وهو ما زال مسيطراً على جسدها.
نظر بعينيها اللامعة الفيروزية المتلألئة مثل الأحجار الكريمة ودموعها تلمع بهما.
ارتعشت شفتاها مع نحيبها وبكائها، لم يقدر على التفوه وإسكاتها.
انقض على شفتيها يتذوقهما بمهل ورقة حتى يعبر عن مدى عشقه بها.
ابتعد عنها عندما أحس باحتياجها للهواء، استند بجبينه على مقدمة رأسها متحدثاً بحب جارف بها بحة جميلة من أثر مشاعره:
: أنا مش بحبك، أنا عديت مرحلة الحب وبقيت بعشقك.
أدخلها مرة أخرى إلى أحضانه حيث ملجأها ومسكنها إلى الأبد.
أراد غرس جسدها بين أحشائه حتى تكون بالقرب من قلبه.
هتف باسمها بنبرة مبحوحة من هول المشاعر التي تهاجمه:
: مليكة.
همهمت من بين أحضانه وهي تدفث وجهها بصدره من شدة خجلها:
: اممم.
طبع قبلة على رأسها بحب مردفاً:
: وأنتي بتحبيني ولا إيه.
تجمد جسدها هي الآن، ماذا ستصرح عن ما تشعر به، فما هي عليه الآن ما هو إلا عشق، وإلا لما كان كلمة منه جعلتني لا حول لي ولا قوة.
ابتعدت عنه حتى لا تتوتر ولا تخجل من قربه، همت على الحديث وإخراج ما بداخلها، لكنها تشعر بثقل لسانها لا تقدر على إخباره بهذا الأمر.
لكن قطع تفكيرها أسر الذي تحدث بصدمة مزيفة ومكر، أراد التلاعب بها حتى تفصح عن ما بداخلها:
: أفهم من كده إنك مش بتحبيني.
صمتت والصدمة ألجمتها، ما الذي ستفعله الآن، الأمر ازداد سوءاً.
أراد الآخر استفزازها أكثر فتحدث بخيبة أمل وحزن واستدار بوقفته حيث أصبح ظهره مقابل لوجهها:
: خلاص يا مليكة، أنا مش هفرض نفسي عليكي، أنا من بكرة هطلقك وأسيبك تعيشي حياتك بعيد عني، أنا مش هغصبك تعيشي معايا.
اتجهت له وقفت أمامه وتمسكت بيده كالطفلة متحدثة بحزن وعيناها تلمع بالدموع:
: انت هتطلقني.
أومأ لها باقتضاب ووجه جامد:
: أيوه.
= بس أنا بحبك.
قالت جملتها من بين شهقات بكائها ثم ارتمت بأحضانه تضربه بقبضتها الصغيرة على صدره:
: هتطلقني ليه عملتلك إيه.
أخذت تضرب الأرض بقدمها مثل الأطفال المعترضين على أمر ما.
أحاطها بيده وتملك من جسدها متحدثاً بنبرة فرحة تأتي من عمق قلبه:
: بس خلاص متعيطيش، كنت بضحك عليكي عشان تعترفي خلاص.
ابتعدت عنه فجأة تنظر له بأعين واسعة تحاول تهدئة عضلات جسدها حتى تفعلهم.
على ذلك الذي أمامه.
لكنه لم يمهلها وقت لصدمتها وجذبها مرة أخرى يلتهم شفتيها، لكن أحست بالغيظ منه فغرست أسنانها بشفتيه فابتعد عنها متأوهاً بشدة.
انقضت عليه تغرس أسنانها بكل مكان تقع عيناها عليه حتى تعوض عن غيظها تحدثه بغيظ:
: هتطلقني صح، طب دي عشان الطلاق، ودي عشان مبحبكش، ودي عشان لا.
كان فرحاً بما تفعله، فهي تزغزغه بطريقتها تلك التي تعتبرها عقاب.
حاوط ذراعيها مكتفاً إياهما خلف ظهرها.
متحدثاً بنبرة حادة:
: أهدي بقى يا أراجوز.
حركت رأسها واهتزت خصلات شعرها على أثر ذلك جعل هيئتها ساحرة.
حاولت أن تصل له وتنقض عليه مرة أخرى لكنها لم تقدر.
ظل أسر مكتفاً يديها خلف ظهرها مستمتعاً بشراستها في الوصول إليه حتى تطفئ نار غيظها.
اقترب منها بوجهه رويداً رويداً حتى اقترب بشفتيه من شفتيها، طابعاً قبلة جانب شفتيها وقبلة أسفل شفتيها وقبلة أخرى على شفتيها السفلية المنتفخة الذي التهمها بين شفتيه في قبلة شغوفة نهمة.
ابتعد عنها بعد وقت لا يعرفا بمدته، بل كل ما يعرفانه هو أنهم معاً وما يهمهم سوى أن يظلوا بين أحضان بعضهم.
توجهوا معاً إلى الأعلى مباشرة بعدما أفصحوا لبعضهم عن ما بداخلهم.
عند عبير وعفاف.
كانت تجيب الغرفة ذهاباً وإياباً وعلامات الغضب والوجوم على وجهها.
تحدثت من بين صرير أسنانها وغيظها:
: البت دي هتبوظ لي كل حاجة.
ثم وقفت مكانها فجأة وشدت بيدها على خصلات شعرها متحدثة بنبرة بها شيء من الجنون وعدم التصديق:
: ده بيدافع عنها كأنها فعلاً مراته، مش عايز ينتقم منها.
شعرت عفاف بخوف من والدتها وجنونها ذلك وقررت مجاراتها في الحديث حتى لا تغضب عليها وتوبخها بكلماتها أو تتطاول عليها ضرباً وجميع من في البيت يستمع لهم.
أومأت لها برعب متحدثة بتوتر:
: آه عندك حق، إحنا هنعمل إيه.
تحدثت بفحيح:
: لازم نتصرف، أنا مش هضيع كل حاجة مني بسبب عيلة لا راحت ولا جات، كفاية أوي اللي حصل من ورا جدك، كان زمانا دلوقتي معانا فلوس وسيبنا العيلة دي وبنتمتع بالفلوس.
بس أنا عايزة أسر.
استدارت بوجهها نحوها تنظر بعينيها الحاقدة نحو تلك العائلة:
: وحياتك عندي لأكون ندمانه على كل اللي حصل وأعرفه إزاي يغلط فيا، مبقاش عبير أما كنت أنغص عليكوا عيشتكو، أنا لازم أوصل لأبو البت دي بأي طريقة.
تحدثت عفاف بحيرة:
: وهتوصلي له إزاي.
لم تجاوب الأخرى والتقطت هاتفها طالبة بعض الأرقام.
ظلت تترقب المكالمة حتى أتاها الطرف الآخر حدثته بجدية:
: عايزك توصل لطارق الهاشمي بأي طريقة.
ثم أغلقت الهاتف بعدما ملأت عليه بعض النصائح.
رواية كن لي أبا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم روميساء نصر
كانوا يلتفون حول طاولة الطعام الكبيرة يتناولون إفطارهم في صمت قاتل يتخلله صوت اصطكاك أدوات الطعام بالأطباق.
نظرات عفاف الحاقدة التي توجهها نحو أسر ومليكة.
كانوا يتهامسون بحب وهم يتناولون إفطارهم.
غرست عفاف في الطبق الذي أمامها السكين، مخرجة صريرًا مزعجًا عندما أطعم أسر مليكة بفمها أمام الجميع.
كانت مليكة تشعر بالخجل من تصرفات زوجها أمام الجميع، لكنه لم يبالِ بأحد من الجالسين ولم يخجل من إظهار مدى عشقه بها.
قطع فقرة عشقهم هذه صوت رنين هاتف أسر الذي التقطه من جانبه على السفرة، ضاغطًا على زر الإجابة ليأتيه صوت حارس الأمن:
"أسر بيه، في واحد عاوز يقابلك دلوقتي حالًا وعامل مشاكل."
تحدث بتساؤل وجدية:
"واحد مين ده؟ جالي قبل كده ولا أول مرة أشوفه؟"
استدار الحارس حتى يرى ذلك الرجل، لكنه اختفى فجأة.
انصدم الحارس من اختفاء ذلك الشخص، تحدث بتلعثم مع أسر من خلال الهاتف:
"ده فص ملح وداب يا بيه، معرفش راح فين."
"فندق؟"
جرس المنزل، وأسر كان ما زال يحدث الحارس.
صاحت سهيلة عاليًا للخادمة حتى ترى من، لكن لم يأتها رد.
تحدث والدها موجهًا حديثه نحوها:
"قومي انتي، شكلها مشغولة."
تحدثت بتأفف وضيق وهي تضرب الأرض بقدمها:
"أووف، هو كل حاجة في البيت ده أنا اللي بعملها."
ثم توجهت إلى الطارق الذي زاد في قرعه للجرس، فتحدثت هي بصياح ووعيد:
"بس اصبر عليا يا اللي بتخبط وأنا هطلع عينك مكان قفاك."
أسرعت راكضة مصيحة بغضب:
"الله جاية أهو، هو في أيه؟ هي القيامة قامت؟"
وضعت راحة يدها على مقبض الباب مصيحة بهجوم وهي لم ترَ من الواقف خلف الباب:
"أييييييييه رن رن."
ثم صمتت تمامًا ووقفت محدقة ببلاهة عندما وقعت عيناها على ذلك الشاب.
تحدثت بنبرة ناعمة على عكس التي كانت تتحدث بها منذ قليل وعقلها غائب تمامًا مع ذلك الواقف:
"هو القمر بيطلع بالنهار ولا إيه؟"
تحدث هو بنبرة مقتضبة:
"أفندم."
تنهدت وقد أدركت ما قالته، اعتدلت بوقفتها، ملست على خصلات شعرها كأنها تعيد شتات نفسها.
صاحت عاليًا حتى تخرج من ذلك المأزق:
"أااييييييه! انت فاكر نفسك فين؟ بالراحة، هو إحنا طرش؟ الجرس هيتحرق."
انزعج من طريقتها وصوتها العالي الذي ثقب أذنه، تحدث بوجه عابث ووجوم:
"اخرصي خالص، ما يولع بجاز. بتسأل عن أسر بضيق قائلًا: هو أسر هنا؟"
ربعت يدها على صدرها مستندة على حافة الباب بجسدها:
"وعايزة إيه؟"
احترق الآخر غضبًا من لوح الثلج الذي أمامه، فإنفجر صارخًا به من غيظه:
"اخلصي قولي هو فين بدل ما أطربق البيت على دماغك وعلى دماغ أسر كمان."
صرخت به سهيلة بحزم بعدما فكت عقدة يدها موجهة إصبعها أمامه:
"لأ بقى انت تغلط فيا عادي، واحد مزز وبيغلط فيا نعديها، لكن تغلط في أسر هتشوف أيام سودة. ممكن ثانية بس تستنى هنا، هروح أجيب حاجة وأجي."
شدد على خصلات شعره بقسوة متحدثًا من بين أسنانه:
"يا رب صبرني على ما ابتلتني. فين أسر؟ أنا عايز أسر."
"لأ!"
دلف للداخل، ثم جاءت مرة أخرى وهي تحمل عصا خشبية متحدثة بوعيد:
"قولتيلي بقا عايز تطربق البيت على دماغي ودماغ أسر صح؟"
رفعت العصا بيدها توجهها على يد مالك من فوق، فرفع يده حتى يأخذها منها، مشيحًا بيده جعل العصا تقع من يدها فوق رأسه.
صرخ بها مالك من ألمه:
"آآآه يا متخلف!"
"شعرت بالخوف مما سيفعله بها أسر، فتحدثت بقلق: والله ما أقصد، انت اللي غبي واتحركت."
"محدش قالك تتحرك."
أخرجت له لسانها متحدثة بشماتة:
"أحسن، تستاهل."
صاح بها مالك وهو على حافة غضبه:
"امشي من قدامي، ناديلي أسر، ده هو كمان يخربيت معرفتك."
دلف للداخل تشعر، تهتف عاليًا باسم أسر:
"أسر... أسر... أسر."
صرخ أسر بها من تكرار اسمه:
"إيه؟ واتأخرتي كده؟"
تحدثت ببراءة كأنها لم تفعل شيئًا:
"في واحد عاوزك وضربته بالعصاية على راسه."
انتفض من جلسته مصيحًا بها بذهول:
"يخربيتك! ضربتيه؟"
تحدثت بغضب وتذمر طفولي كأنها لم تفعل شيئًا ومالك هو المذنب:
"وأنا مالي؟ مليش دخل، أنا كنت أقصد أضربه على إيده، هو اللي غبي واتحرك وجات على راسه."
توجه أسر نحوها مشبّحًا بيديه وهو يجز على أسنانه:
"صبرني يا رب."
ثم توجه خارجًا.
ضحكت مليكة على ما فعلته صديقتها متحدثة:
"عملتي للراجل عاهة مستديرة."
ضحكت الأخرى بعدما كانت تبعث لأسر نظرات غاضبة على ما فعله:
"لا، ده عاهة مطاولة."
تحركوا معًا للخارج حتى يروا من ذلك الشخص وبماذا يريد أسر.
وصل أسر إلى مالك الواقف يتحسس رأسه بأصابعه بألم.
تحدث بنبرة آسفة:
"أنا بعتذر على اللي سهيلة عملته، وأسف على انتظارك بره. تعالي اتفضل جوه."
خرجت الفتاتان إليهم، وقعت عين مليكة على ذلك الشاب الذي مع زوجها، فصعقت من الصدمة وتخشبت قدمها أرضًا لا تأوي على التحرك من صدمتها الممزوجة بسعادة تفيض من عينيها.
لا تعلم كيف ساقتها قدمها نحوه، ارتمت بحضنه وعيناها تفيض بدموع فرحة على أثر رؤيته.
تحدثت بشوق جارف:
"وحشتني أوي أوي."
ضمها إليه وهي متعلقة به، حيث ارتفعت قدمها عن الأرض متمتمًا:
"وإنتي أكتر."
فاق أسر من صدمته تلك، دافعًا جسد مالك للخلف، منتشلًا جسدها بعيدًا عنه، ماسكًا إياها من رسغها.
تأوهت بألم من قبضته التي تعتصر يدها.
صاح مالك بهياج ونبرة جهورية:
"انت اتجننت؟ انت إزاي تمسكها كده؟"
انقض أسر عليه ملتقطًا إياه من تلابيب قميصه متحدثًا بفحيح وعيناه تدق شرار الغضب معبرة عن قليل مما بداخله:
"انت اللي اتجننت؟ انت إزاي تحضن مرات أسر الدالي يا متخلف؟"
ثم سدد له لكمة دموية جعلت رأسه تطيح للخلف من قوته.
تدخلت مليكة بينهم، تعلقت بيد أسر المقبضة على ملابس مالك، متحدثة بإلحاح ورجاء من بين بكائها:
"سيبه يا أسر، ده مالك ابن خالتي."
تجمد أسر وتجمدت قبضته على ملابس الآخر عند سماع تلك الكلمات، لكنه لم يهدأ ولم تنطفئ ناره المشتعلة بداخله من ما حدث أمامه.
ابتعد عنه على مضض، رمقه بنظرات حارقة وهو يبتعد عنه.
ابتلعت تلك الغصة التي تشكلت بحلقها على أثر نظرته تلك، اندفعت إلى الآخر الذي اعتدل بوقفته يلملم شتات نفسه، تحدث بغضب وهو يرمق أسر بنظرات كارهة، التقط معصمها محدثًا إياها وهو يهمها للخارج:
"انتي يستحيل تقعدي هنا ثانية واحدة، قومي يلا معايا، أنا وخالك هناخدك وهتطلقي منه."
لم تطفئ نيرانه حتى يزيدها ذلك الأحمق ويكب البنزين على ناره فتزداد لهيبًا، وأي لهيب، فهو لهيب ابتعادها عنه. لا يعلم لما شعر بنصل حاد مزق أنياط قلبه إربًا إربًا.
تصاعدت أنفاسه الحارقة التي ستلتهم من حولها، زمجر بغضب تجاه الآخر منقضًا عليه يعنفه ضربًا حتى لا يأوي على ذلك الحديث مرة أخرى، فتلك الكلمات قد ألغتهم من قاموسه تمامًا.
وقفت مليكة أمامه تمنعه من أن يصل إلى الآخر، متحدثة برجاء من بين بكائها ونحيبها الذي مزق قلبه:
"أرجوك سيبه، بطلو بقا انتو بتتخانقو، لي اسكتو بقا ونقعد ونتفاهم."
استدارت بوقفتها تواجه مالك الذي كان يقف مشدود الأوتار الأعصاب، التقطت يده تحركها معها متحدثة بنبرة بها إلحاح:
"تعالي يا مالك جوه نتكلم واهدي شوية عشان خاطري."
نظر إلى أسر شزرًا وعلامات الازدراء تحتل صفحة وجهه، تحدث بنفاذ صبر:
"أنا مش لسه هضيف خالك، قايلي أجيبك معايا عشان تسافري وتطلقي منه."
"هستشاط الآخر غضبًا من حديثه المستفز الذي يزيد غضبه، صاح بحدة ونبرة جهورية: على جثتي إن ده يحصل."
تحدث مالك بنبرة حاول جعلها باردة بقدر الإمكان:
"خالك في العربية بره مستني."
تهللت أساريرها من ذلك الخبر، أغفلت كل شيء حولها وتحدثت بتلعثم ونبرة فرحة:
"هو... هو... بره... طب وديني ليها."
استدارت لأسر ملتقطة رسغه تهمه على الذهاب معها:
"أسر تعالي معايا أعرفك على خالو."
تحرك جسده الصلب عنوة عنه، يشعر باضطراب بداخله. هو بمكان خطر حاليًا، هل لم تعد تريده بعدما وجدت من يعوضها عنه؟ هل سيتحول حبها ذلك مجرد نزوة ثم ستطالب بالطلاق لتعيش باقي حياتها بعيدًا عنه؟ تلاطمت الأفكار كانت تجلده كلما أحس بأنها ستغادره وستبعد عنه، ستجد الحنان والراحة بمكان آخر غير حضنه.
اهتز جسده الصلب على أثر تلك الأفكار وأفاق أخيرًا من دوامته التي كانت تجلده، عندما تركت يده وذهبت إلى المدعو خالها، شعر بسحق مكان قلبه وأن روحه ستغادر بعيدًا عنه. يبدو أن والدتها نفذت خطتها وهو ملزم بتلك الاتفاقية، والآن أتى خالها، يجب عليه أن يتركها لهم الآن.
تحرك بخنوع تام خلفهم، كأن روحه لم تعد به، هيئته شبيهة بالطفل الذي تركته أمه وحيدًا.
كانت تتابع كل ذلك سهيلة الواقفة تتعجب مما يدور من حولها، تتبع أثرهم بأعين مصدومة متمتمة بكلمات مستفهمة كأنها توضح لنفسها الأمر:
"يعني الواد المزز اللي أنا بطحته طلع ابن خال مليكة؟ طب إزاي؟ إيه يا رب الفيلم الهندي اللي وقعتني فيه ده؟ لأ وكمان عايزهم يطلقو؟ لا الواد ده عايز ينضرب بالشومة مش بالعصايا."
ثم توجهت للداخل حتى تكمل فطورها.
في الخارج، تجمعوا حول سيارة مالك التي كان بها أيمن خال مليكة. أسرعت هي باعتناق السيارة حتى ترى محبوبها الخفي داخل السيارة.
ارتمت بأحضانه متحدثة بشوق وحب:
"وحشنييي يا خالو أوي أوي."
يضحك بتقطع، ضحكة ينتابها المرض، متحدثًا وهو يشدد على احتضانها:
"حبيبة خالو، وحشاني يا حياتي، وحشاني أوي."
تحدثت هي وهي توزع قبلاتها المتفرقة على وجهه:
"انت اللي حياتي، وحشتني أوي، وزعلانة منك بقالي سنة مشوفتكش."
قبل قبلة فوق رأسها متحدثًا:
"طب يلا اجهزي عشان تيجي معايا وتفضلي على طول جنبي زي زمان."
انتفضت من حضنه كمن لدغتها شيء ما.
حدثه بقلق ووجه شاحب:
"أجي معاك فين؟"
ملس على وجنتيها متحدثًا بحنان عندما رأى شحوبها ذلك وخوفها:
"تيجي معايا، انتي شفتي في حياتك كتير أوي يا قلبي، وخلاص مش هسيبك تاني أبدًا، وأنا آسف، بس معرفتش إنك هتتجوزي غير بعد ما خلاص كل شيء انتهى واتجوزتي، وأول ما عرفت نزلت على طول، وهطلقك منه وتيجي تعيشي معايا ومش هسمح لحد يقرب منك."
ازدردت لعابها ثم أغمضت عيناها وتحدثت بشجاعة وثقة حاولت إخراجهم بسرعة شديدة:
"حتى لو قولتلك إن جوازتي دي أحسن حاجة حصلتلي في حياتي."
ضاق عينيه عليها متحدثًا بمكر:
"قصدك إيه؟ وقعتي في المصيدة ولا إيه؟"
تحدثت من بين ضحكاتها بنبرة مرحة:
"ده أنا وقعت واتحبست واتحكم عليا كمان."
جذبها نحو حضنه مرة أخرى ثم أخرج تنهيدة وتحدث بعدها:
"آه يا لقيمة، يبقى ده كله يطلع منك."
ابتعدت عنه ثم رفعت راحة يدها بجانبها تخلص نفسها من ذلك الاتهام متحدثة بنبرة مرحة:
"بريء أباشا، والمصحف."
ضحكوا معًا ثم امتعض وجهها عندما تذكرت ما حدث منذ قليل.
تحدث أيمن بتساؤل:
"مالك يا حبيبتي؟ وشك انقلب."
ليزفر براحة لأنها ستخرج ما بجوفها ويقلقها:
"أسر ومالك اتخانقوا، والأمور ما بينهم مش تمام خالص."
تحدث بنبرة مطمئنة وهو يملس على خصلات شعرها:
"متقلقيش، أنا هظبط كل حاجة، بس مش عايز أسمعلك صوت، وأوثقي فيا، انتي فاهمة؟"
أومأت له بارتباك وساعدته في الخروج من السيارة مواجهين الواقفين يبعثون نظرات كارهة ومتوعدة لبعضهم.
تنهد أيمن ثم مد يده حتى يسلم على أسر متحدثًا بترحاب:
"إزيك يا أسر يا ابني؟"
صافحه أسر بترحاب أكبر متحدثًا بنبرة مرحبة:
"الحمد لله يا عمي، انت اللي عامل إيه وأخبار صحتك؟ أنا أول مرة طبعًا أتشرف بحضرتك، وأتمنى إنك تيجي معايا نتكلم جوه."
أومأ له متحدثًا بتفاهم:
"أنا الحمد لله صحتي كويسة، وتعالي يا ابني نتكلم جوه، ولا تزعل."
دلفوا جميعًا للداخل وتمركزوا بغرفة الاستقبال، طلب أسر من الخدم بتقديم الضيافة للترحيب به.
جلسوا يتناولون القهوة وجو من التوتر يشوب الغرفة.
تنهد أسر قبل حديثه ثم وضع فنجان قهوته متحدثًا بجدية:
"أنا يا عمي مش هسيب مليكة ومش هطلقها، ولو على الاتفاق اللي كان مع والدتها بإني أتزوجها لحد ما حضرتك تيجي، فأنا هخون الاتفاق ومش هعمل بيه."
تحدث أيمن بجدية ونبرة حازمة:
"بس انت لازم تطلقها عشان تيجي تعيش معايا، وإحنا متشكرين جدًا ليك، وأنا عندي فكرة عن الفلوس اللي دفعتها، وأنا هسدد لك كل الفلوس اللي طارق أخدها منك، والاتفاق اللي بينك وبين إيمان أختي، أنا عندي فكرة عنه، بس ده ميصحش، لازم مليكة ترجع تاني ليا، والاتفاق كان اتفاق."
تحدث أسر بإنفعال يرفض فكرة أن تتركه:
"بس أنا مش عايز فلوس، لأن ولا فلوس الدنيا كلها تغنيني عنها."
ابتسم أيمن من داخله عندما رأى حبه لها، فقرر إنهاء الأمر وألا يلعب بأعصاب الرجل كثيرًا:
"يعني هتحطها في عينك؟"
ابتسم له ثم وجه إليها ابتسامة متحدثًا بحب وعشق:
"هي في قلبي مش في عيني."
أكمل أيمن بوعيد وتهديد:
"طب لو في يوم زعلتها أبقى أتصرف معاك إزاي؟"
تحدث أسر بثقة:
"ساعتها يبقى ليك الحق تعمل اللي تعمله."
ثم وجه حديثه العاشق نحوها:
"صدقني أنا عمري ما هأزعلها ولا هأذيها، لأنها بنتي مش مراتي."
نظرت له بحب ثم وضعت أنظارها أرضًا من الخجل ومن النظرات التي حولها.
وجه أيمن حديث لمليكة متسائلًا:
"وإنتي يا مليكة، عايزاه ولا تيجي معايا؟"
تحدثت بنبرة معتذرة ووجه ملئ بالأسف:
"معلش بقا يا خالو."
ثم تغيرت نبرتها بنبرة اعتيادية وهي توجه الحديث لنفسها، مشيحة بيدها:
"البنت ملهاش غير بيت جوزها."
انفجروا جميعًا بالضحك على ما قالته.
ثم تحدث أيمن بحب وتمني لهم:
"ربنا يحفظكم يا ولاد ويهنيكم ببعض."
ردد الجميع وراءه:
"يا رب."
وجه أسر حديثه لمالك:
"أنا مش عايزك يا مالك تزعل مني، بس انت استفزتني أوي، معلش."
تحدث الآخر وهو يملس على وجهه بألم مكان قبضة أسر:
"ولا يهمك، بس انت إيدك طارشة أوي الصراحة، والا المجنونة التانية دي، انتو كنتو بتدربو عليا مهارات قتالية؟"
انفجروا ضحكًا عليه.
ثم تحدث هو بحرج:
"طب الحمام منين طيب عشان أظبط نفسي وأشوف لو في جرح في راسي؟"
أومأ له أسر متمتمًا:
"حاضر، هنده لك حد يوديك."
خرج أسر من الغرفة هاتفا باسم (سهيلة) حتى أتاها صوتها من بعيد.
لوح أسر لمالك حتى يقوم من مكانه، فتوجه نحوه.
أتت سهيلة إليهم متحدثة بملل:
"نعم؟"
تحدث أسر:
"عرفي مالك مكان الحمام."
تحدثت بضيق وهي تلوي فمها بسخرية:
"يا أختي نوغة، لي هيتوه، والا الطريق بعيد؟"
لكزها أسر بكتفها متحدثًا من بين أسنانه:
"يا بت بطلي لماضة."
عقدت يدها على صدرها متحدثة بعناد:
"مليش دعوة."
همس أسر لها بغيظ:
"هقول لأبوكي على مدرس العربي وعلى اللي عملتيه فيه."
تنهدت ومن ثم ضربت الأرض بقدمها من الغيظ متحدثة بتأفف:
"اتفضل، تعالي ورايا."
تحركت وهو خلفها حتى وصلت إلى مكان المرحاض، تحدثت بتأفف وتبرم:
"اتفضل اتنيل، الحمام أهو."
رفع إحدى حاجبيه متحدثًا بتعجب:
"اتنيل؟ هو انتي لسه؟"
مسحوب من لسانه.
هزت رأسها ثم تخثرت متحدثة بعناد:
"آه، عاجبك ولا مش عاجبك."
ضرب الحائط من جانبها متمتمًا بغيظ منها وهو يتكئ على أسنانه:
"عاجبني."
ثم دلف للمرحاض.
أتت عفاف متسللة إلى مكان سهيلة ثم همست لها:
"بت يا سهيلة."
ضربت سهيلة كفًا على كف متحدثة بضيق من الأخرى:
"يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم، نعم، عايزة إيه؟"
تسائلت بفضول كان بادياً عليها:
"هما مين دول؟ ومين اللي جوه ده؟"
ابتسمت لها ابتسامة صفراء ثم تحدثت بلؤم:
"معرفش، هسيبك تنكتي في نفسك ومش هقولك."
رفعت عفاف شفاها العلوية بضيق متحدثة بتبرم:
"ده انتي عيلة رخمة."
ردت عليها الأخرى بغضب وهي تناظرها شزرًا:
"زيك بالظبط، يلا اخفي من هنا."
غادرت عفاف من أمامها حتى لا تنقض عليها سهيلة.
وجهت سهيلة حديثها الغاضب لمالك:
"انت يا أخ، ما تخلص انت كمان، هو انت بتولد جوه؟"
خرج فجأة من المرحاض، فإنصدمت من هجومه، ظل يقترب منها وهي تبتعد وتبتلع لعابها من ارتباكها حتى انصدمت بالحائط، حاوطها بذراعيه من الناحيتين متحدثًا أمام وجهها:
"هو مين ده اللي بيولد؟"
أغمضت عيناها من توترها، أصبحت أنفاسها ثقيلة للغاية من اقترابه وتشرب أنفاسه، لكنها أبعدت يده عنها بضيق متحدثة بنزق:
"ا..ا.. او.. اوعي كده."
توجهت للخارج بسرعة بعدما حلت قيدها، أما الآخر فارتسم شبح ابتسامة على ثغره من ارتباكها هذا، ثم توجه خلفها.
تجمع كل من مالك وأسر وسهيلة ومليكة بالحديقة وأخذوا يتحدثون معًا.
كان نسيم الهواء خفيف للغاية جعلهم يستمتعون بجلستهم.
تحدث مالك وهو يرتشف القليل من العصير خاصته:
"أنا وحشتني مصر جدًا، بقالي كتير أوي منزلتهاش، لولا مليكة مكناش نزلنا."
تسائل أسر باهتمام:
"طب انتو هتفضلوا هنا ولا هتسافروا؟"
تحدث مالك بنبرة اعتيادية:
"لا هنفضل هنا، أنا صفيت شغلي هناك ونقلته هنا."
تحدثت مليكة بسعادة كبيرة:
"يعني انتو هتفضلوا هنا مش هتسافروا تاني؟"
أومأ لها مالك على حديثها.
ابتسمت بسعادة متحدثة بحماس:
"الله، ده أحلى خبر سمعته."
اقترح عليهم مالك:
"إيه رأيكم نروح رحلة لشرم نغير جو؟"
أومأ له أسر:
"والله فكرة حلوة برضه."
ثم وجه حديثه لكل من مليكة وسهيلة:
"بس نشوف رأي الهوانم."
وجهوا أنظارهم إليهم، ثم نظر كل من سهيلة ومليكة إلى بعضهم، الابتسامة من الأذن إلى الأذن، ثم انفجروا ضحكًا وهم يتمتمون بحماس:
"بتبصلي كده لي؟ موافقين طبعًا."
تحدث أسر موجها حديثه لهم:
"بتموتوا في الهلس زي عنيكم."
اتفق كل منهم على ترتيبات السفر والذي كان الخامسة صباحًا.
تحدثت سهيلة بإعتراض:
"إيه ده؟ هنصحي بدري؟"
صاح أسر عاليًا بمرح:
"سهيلة يا جماعة مش عايزة تيجي عشان هتصحي بدري."
صدمت واتسعت حدقتها ثم تحدثت:
"هي مين دي؟ أنا بصحي ٤ الفجر أصلًا."
ضحك الجميع ومن ثم استأذن مالك لكي يغادر حتى يرتب أعماله المتراكمة قبل السفر.
ودعت مليكة خالها ومالك وعانقتهم، وكان الآخر يقف على آخره يجز على أسنانه من غيرته.
بعد مغادرتهم، توجهت للداخل مع أسر الذي كان وجهه متهجمًا.
تسائلت بقلق:
"اسر انت كويس؟"
رد عليها بوجه جامد ونبرة مقتضبة:
"آه الحمد لله كويس."
استغربت من نبرته تلك، لكنها لم تفكر كثيرًا في الأمر وتركته وتوجهت حيث سهيلة تجلس لقضاء الوقت في الدراسة.
آتى الليل الذي أسدل ستائره الزرقاء القاتمة التي تشع بلؤلؤ صغير.
اجتمع من بالمنزل لتناول العشاء ولم يأتِ أسر، فطلبت حنان والدة أسر أن تناديه حتى يتناول عشاءه:
"مليكة روحي نادي لأسر عشان العشاء."
تساءلت مليكة:
"هو أسر فين يا طنط؟"
عبثت ملامحها متحدثة بحزن:
"إيه طنط دي يا مليكة؟ أنا كده زعلانة، قوليلي ماما."
توجهت مليكة إليها تقبل أعلى رأسها متحدثة بحب:
"وأنا أقدر أزعل القمر؟ أحلى ماما في الدنيا."
ضحكت حنان متحدثة:
"يا بكاشة، روحي يلا نادي لأسر."
ظلت تبحث عنه بكل مكان بالمنزل حتى وجدته بالحديقة أخيرًا.
عندما رأته ركضت نحوه ثم تحدثت من بين لهاثها:
"إيه يا أسر؟ قلبت عليك البيت ده، أنا تعبت من الطلوع والنزول وأنا بدور عليك."
رد بنبرة بادرة مقتضبة:
"حد قالك تدوري عليا؟"
انفجرت به مصيحة من شدة غضبها من معاملته تلك:
"هو في إيه يا أسر؟ انت بتعاملني كده ليه؟ هو أنا عملت حاجة تضايقك؟"
جاوب وهو ما زال مرتدي قناع البرود، لكن تخللت نبرة السخرية بحديثه:
"لا خالص، ما عملتيش حاجة. ما روحتِيش تحضني ابن خالك على عمال وبطال وأنا واقف؟ إيه يا هانم؟ مش أنا اللي على آخر الزمن واحدة زيك تمشي على حل شعرها تحضن الرجالة وهي على ذمتي؟"
وقعت كلماته عليها كالماء المثلج الذي أيقظها من حلمها الوردي الذي كان مستمر حتى أيقظها منه الآن. لم تشعر بحالها إلا وهي ترفع يدها حتى تصفعه على وجهه، ترد الباقي من كرامتها، فما هو حتى يشكك بها وبأمر لا داعي بأن يشك به.
التقط يدها التي ارتفعت عليه يعتصرها بين قبضته، قرب جسدها إليه متحدثًا بفحيح وأنفاسه الملتهبة تلامس بشرتها تحرقها:
"انتي اتجننتي ولا إيه؟ انتي نسيتي نفسك؟ انتي إزاي تتجرأي وتفكري إنك تمدي إيدك عليا؟"
كانت دموعها منسابة على وجنتيها معبرة عن الأوجاع التي بداخلها وعن ألم يدها التي تعتصر بين قبضته، تحدثت من بين بكاءها وهي تدفعه بعيدًا عنها:
"اوعي، إيدي بتوجعني."
ثم أضافت بوجه محتقن:
"مالك أخويا في الرضاعة يا أستاذ."
أخرج ضحكات هازئة متحدثًا بسخرية:
"شايفاني أهبل برياله عشان أصدق؟ انتي مش شايفة فرق السن الكبير اللي بينكم، وكمان هو قالي إنه معندوش إخوات."
"مالك عنده أخت في نفس سني كمان وماتت بسببي، كنا بنلعب مع بعض وفي عربية كانت هتخبطني فجريت عليها وهي بتنادي باسمي، أنا اتحركت والعربية خبطتها وماتت بسببي، أنقذتني وماتت، ويا ريتها ما أنقذتني."
ثم توجهت بعيدًا عنه وهي منهارة بالبكاء، تاركة أسر في صدمته يؤنب نفسه على ما فعله بها.
رواية كن لي أبا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روميساء نصر
وقف بوجهه جامد، علامات الصدمة تسيطر عليه من أثر ما قصته عليه من أحداث مؤلمة تذكرتها. شعر بغصة بقلبه جعلته يضرب الأرض بقدمه من شدة ضيقه وإرتكابه هذا الذنب بحقها، وغيرته العمياء التي جعلته يظن أن ابن خالها يريدها له، لذلك كان يريد فصل زواجهم.
تنهد بألم وتأنيب بينه وبين نفسه:
"غبي، غبي، غبي! إيه اللي أنا عملته دا؟ أنا ظلمتها وجرحتها بكلامي."
ظل يعاتب حاله على ما ارتكبه في حق تلك المسكينة، بينما هي كانت تجلس بغرفتها على الأريكة تضم قدمها إليها، حيث كانت ركبتيها تستند على صدرها، وتدفن وجهها بين الفراغ الذي بين ركبتيها. تأوهت مثل الأطفال، تبكي بحرقة كلما تذكرت ما حدث مع أخت مالك وأنها السبب فيه. برغم عدم إلقاء أي أحد من عائلتها اللوم عليها، إلا أنها تحمل الذنب كله عليها. ظل أنين بكاءها يعلو بالغرفة حتى صمتت، وكلمات أسر اللاذعة تتردد على مسامعها، فانفجرت في البكاء أكثر وأكثر.
حتى انقطع التيار الكهربي، واسودت الغرفة من حولها. انتفضت بمكانها عندما أحست بالظلام حولها. أصطكت أسنانها معا من حالة الزعر التي تسيطر عليها. خرج صوت مهتز منها وهي تهتف باسم سهيلة، ثم تحولت نبرتها المرتعشة إلى صراخ وهي تنادي على أحد ينجدها من ذلك الظلام الدامس. ارتجف جسدها، أحست بضيق صدرها، وقدماها مثل الهلام، غير قادرة على حملها، ورأسها تلف بها بالظلام. سقطت أرضًا وهي ما زالت تصرخ، لكن بنبرة منهكة على أثر ما تعرضت له من ضيق في التنفس.
صدحت الأنوار من حولها، وأخذت تتنفس بصعوبة، عملية شهيق وزفير حتى انتظمت أنفاسها. لكن لم تهدأ رجفة جسدها وخوفها.
دلف إليها أسر مسرعًا، الذي انصدم من هيئتها المزرية وجلستها أرضًا، وانتفاضة جسدها، وعيونها المنتفخة، وشحوبة وجهها. اقترب منها بحذر حتى لا تنفجر به. جلس على عقبيه، رافعًا إحدى خصلاتها من على وجهها، متحدثًا بقلق:
"مليكة، انتي كويسة؟"
رمت بأحضانه وهي تشد عليه كثيرًا، كالغريق الذي وجد قشاية تنجده. ضمها الآخر إليه بقوة، كأنها تقول له: "اغمرني بدفئك وأمانك". وهو يقول لها:
"أمرك يا تاج يزين رأسي."
شعر بارتعاشة جسدها بين ضلوعه وانتفاضتها، فتساءل بنبرة ضعيفة:
"مليكة، أنا آسف على كل اللي قولته، سامحيني."
انفجرت بالبكاء، أخذت تنتحب بين يديه، ثم ابتعدت عنه وظلت تضربه بقبضتها الصغيرة على صدره، وهي تصيح وتصرخ من بين بكاءها بانهيار:
"انت سبتني لي! أنا كنت خايفة النور قطع ونديت عليك وعلي سهيلة ومحدش رد علي."
أملس على خصلات شعرها، هابطًا بباطن يده على صدغها الملطخ بدموعها، وشفتاها المرتعشة التي صمتت عندما ملس بإبهامه عليها، متحدثًا بهدوء:
"اهدي، أنا آسف، مش هزعلك تاني ومش هسيبك أبدًا يا حياتي. اهدي بقا خلاص وبطلي عياط. والنور قطع عشان كانوا بيركبوا أجهزة، متقلقيش. النور مش بيقطع هنا خالص، اهدي واطمني."
كفت دموعها وابتعدت عنه، متحدثة بوجه عابث:
"طب اوعي بقا عشان أنا متخانقة معاك ومش هكلمك تاني."
اقترب منها مقبلًا مفرق حاجبيها، متحدثًا بأسف:
"أنا آسف، أنا غلطان، مش هزعلك تاني أبدًا. بس أنا اتضايقت لما حضنتيه، حسيت بنار جوايا عايزه تاكله عشان لمسك. ثم أنا بشم على ضهر إيدي، يعني أعرف منين إنه أخوكي؟ ثم كمان انتي تحمدي ربنا إني مقتلتوش بإيدي."
اتسعت عيناها من صدمة ما قاله، متحدثة بدهشة:
"هااار أسود! انت اتجننت؟ هتقتله! إيه هو كان عمل فيك حاجة؟"
تحدث بنبرة صارمة حادة بوجه جامد:
"اللي يقرب من مرات أسر الدالي، آكله بسناني. انتي فاهمة؟"
استدارت بوجهها العابس، متحدثة بحزن:
"بس انت المفروض يكون عندك ثقة فيا، أنا مش هروح أحضن أي حد كده يعني وخلاص."
أدار وجهها نحوه، متحدثًا بتفهم:
"صدقيني، أنا نار الغيرة كانت عمياني."
تحدثت بفرحة كانت نابعة من مقلتيها:
"يعني انت بتغير علي؟"
نظر إليها بحاجب مرفوع:
"نعم يا أختي! أومال هكون عملت ده كله لي، غاوي مشاكل وبلطجة على خلق الله؟"
حاولت كتم ضحكتها بشق الأنفس، ثم رفعت يدها التي بها انتفاخ أزرق، موجهة إياها أمامه، متحدثة بمعاتبة وحزن:
"بس انت وجعتني أوي وإيدي وجعتني."
التقط يدها بحرص، يشعر بتمزق قلبه من ما فعله بيدها، يلعن نفسه مرات عديدة لما فعله. هبط بشفتيه عليها، ملثمًا رسغها محل الألم، متمتمًا بأسف:
"أنا آسف، كانت إيدي تنقطع قبل ما أمدها عليكِ."
وضعت يدها على ثغره تمنعه من استرسال حديثه، متحدثة:
"بعد الشر على إيدك، متقولش كده."
أملس على وجنتيها بحب، متحدثًا:
"يعني مش زعلانة مني؟"
نفت حديثه وهي تهز رأسها:
"تؤ تؤ. بس لو زعلتني تاني هخاصمك ومش هصالحك أبدًا وهبعد عنك."
قالت كلماتها العفوية تلك بدون قصد، لا تعلم بما فعلته تلك الكلمات. فهو أصبح متيم بها، يعشقها، لا يقدر على التخلي عنها. هي مثل الأكسجين من حوله. تحدث بتهديد غاضب:
"أوعي أسمعك بتقولي الكلام ده. عمرك ما هتبعدي عني أبدًا، لأنك بحر وأنا السمك. لو خرجتيني من حياتي أموت."
احتضنته وهي جالسة، متمتمة بحب ومواساة وهي تربت على ظهره:
"بعد الشر عليك يا حبيبي."
ضمها إليه، حاملًا جسدها الضئيل بين يديه، متقدمًا بها نحو الفراش، واضعًا بجسدها الغض على الفراش، مقبلًا وجنتيها وجبينها، متمتمًا بحب وهو يغمرها باللحاف وعشقه:
"يلا نامي يلا، عشان في سفر بكرة وهنصحى بدر."
دفعها على المغادرة، فأمسكت رسغه، متحدثة بخوف وقد ظهرت رعدة بنبرتها:
"أنا خايفة."
عقد حاجبيه، متمتمًا بتساؤل:
"خايفة من إيه؟ كنتي بتترعشي لي زي اللي طلع لها عفريت؟"
شهقت بفزع وانتفضت من مكانها، متحدثة بهلع وهيئتها تجعل الذي أمامها يموت ضحكًا:
"عفريت! يا لهوي! اسكت بيجو على السيرة."
ثم ضمت أنامل يدها، ثم حركتها على رأسها بحركة دائرية، وهي تتحدث بنبرة مرتعشة:
"اشتاتا اشتوت، متجوش هنا، روحوا له هو."
ضحك أسر عليها، متحدثًا:
"نامي يا هبلة."
اقتربت منه محيطة عنقه بذراعيها، متحدثة:
"طب نام معايا، أنا خايفة."
أومأ لها بعدما فك حصار عنقه، وتوجه بجوارها نحو الفراش، لكنها صاحت بنفور، متحدثة:
"انت رايح فين؟"
رفع حاجبيه بذهول من صياحها:
"هنام."
أشارت بيدها نحو الكنبة، متمتمة:
"لا، انت هتنام على الكنبة وأنا هنام على السرير."
قوس فمه، متحدثًا بضيق:
"وأنا مبعرفش أنام على الكنبة، وهنام على السرير."
عقدت يديها أمام صدرها، متحدثة بعناد:
"وأنا مش هنام جنبك وهنام لوحدي."
قام من مكانه، متوجهًا للخارج، متحدثًا بمكر:
"خلاص، أنا رايح أوضتي لحد يقولي نام على الكنبة ولا نام على السرير."
تحركت من مكانها بعدما خرج، وأضاءت جميع أضواء الغرفة، حتى المرحاض الملحق بالغرفة، وذهبت إلى الفراش سريعًا، تدس جسدها بين اللحاف، مغمضة عينيها بقوة، تحاول النوم.
انتظر هو بالخارج قليلًا، خلف الباب الذي كان يتسلل الضوء من الفجوة الموجودة به بالأسفل. نقر على الباب، مخرجًا زجيجًا بآلة حادة عدة مرات، جعلت الأخرى تنتفض من مكانها، تجلس نصف جلسة، تستند بجذعها على الفراش. تمتمت بتوجس وهي تنظر إلى الغرفة حولها:
"هااار أبيض! هما جوم ولا إيه؟ روحوا له هو، متجوش هنا، هو اللي جاب سيرتكو، والله مش أنا."
تكرر صوت أسر ذلك الصوت مرة أخرى، واتجه إلى غرفته. أما الأخرى فدب الرعب بقلبها، وانتفضت خارج السرير تمامًا، تركض إلى الخارج، متوجهة لغرفة أسر، التي اقتحمتها بسرعة خاطفة، تغلق الباب وتقف خلفه، تستند عليه، وعلامات الزعر ظاهرة عليها، وعيناها متسعتان من الخوف، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الرعب.
كان أسر في تلك اللحظة جالسًا على الفراش، يستند بظهره على حافته، مستندًا عليه، يضع اللاب توب على ساقيه ويعمل عليه، لكنه انتبه إلى تلك الواقفة تواجهه، وعلامات الزعر تبدو عليها. طالعها بعدم فهم، كأنه لا يدري عن سبب ما هي عليه. تحدث بتساؤل:
"في إيه؟ مال وشك مخطوف كده ليه؟"
تحدثت بتلعثم من شدة خوفها:
"ف..ف..في ع..ف..اريت في أوضتي، أنا عاوزة أنام هنا."
حاول كتم ضحكته ورسم علامات الجدية، متحدثًا:
"بس أنا مش هنام غير هنا، وأوضتي مفيهاش كنبة. والا أقولك، لا، روحي نامي في أوضتك."
اقتربت منه بخطوات بطيئة، وهي تتحدث ببراءة:
"ليه دا أنا نسمة، نايمة مش بشخر والا برفص والا بعمل أي حاجة."
أخرج همهمة تدل على تفكيره في الأمر وعدم موافقته، ثم تحدث:
"اممم، سيبيني أفكر."
لم تنتظر هي، وركضت نحوه، تلقي بجسدها على الفراش، ثم أخذت الغطاء وسحبته تجاهها، حيث أزاحته عنه. تحدث أسر بحزم وهو يجذب طرف الغطاء نحوه، يأخذه منها:
"أنا لسه مفكرتش."
أخرجت همهمة بفمها تخبره بها بأن يصمت:
"شششش، أنا عايزة أنام."
ثم أخرجت بعض الأصوات المزعجة من حلقها، تدل على استغراقها بالنوم (شخير). جلس هو على الفراش مشدود الوتر، متحدثًا بدهشة، محاولًا مجاراتها في الحديث معه:
"انتي مش قولتي مش بتشخري؟"
ضحكت ومن ثم تحدثت بنبرة مرحة:
"لا، كنت بجر رجليك عشان تخليني أنام. وعلي فكرة، بلعب مصارعة حرة وأنا نايمة، يعني أحسن لك تنام على الأرض."
ضحك على حديثها، متحدثًا:
"لا، أنا بقا بلعب كونغ فو."
أومأت له، متحدثة بنفس نبرتها السابقة:
"براحتك بقا، أنا نبهت، يعني لو صحيت لقيت نفسك في الجنينة، أنا ماليش."
سحب أحد الوسائد من خلفه، يلقيها بها، متحدثًا:
"طب نامي بقا."
ظل جالسًا، يباشر أعماله من الحاسوب حتى وقت متأخر من الليل. انتهى أخيرًا، ونظر إلى تلك التي استغرقت في نومها. جذب جسدها نحوه، يحتضنه، دافنًا بوجهها أسفل ذقنه، بين حنايات عنقه، مشتمًا عبيرها الخلاب، قبل أعلى رأسها، فتململت هي بين يديه التي تحاوطه. فقلق من حركتها تلك، وحاول الابتعاد، لكنه وجدها تحاوطه بشدة وتتمسح به مثل القطة الصغيرة التي تتمسح بصاحبها. ابتسم على حركتها العفوية تلك، وأخذ يتأمل ملامحها، ويتذكرها عندما تغضب أو تضحك، أو عندما تكون مذعورة. شعر بروحه ترفرف من حبها. كان النعاس يغلبه، لكنه أراد مواصلة النظر إليها، وتخيلها عندما كانت صغيرة. أحس بعشقها، وبعشق أدق تفاصيلها. أخذ يفكر بها، وكيف يجعلها تألفه دائمًا، وأن يجعلها تخرج من خجلها تلك. وغلبة النعاس وعقله منشردًا بها تمامًا، يريدها حتى في أحلامه، إذا أغمض جفنيه.
شق صوت المنبه ذلك الصمت، قبل أن تشق الشمس الليل بنورها. قلقت مليكة على صوت ذلك المنبه، تشعر بشيء صلب يحاوطها، مطبقًا عليها، وهي أيضًا تحاوطه. فاستيقظت من نومتها، تنظر لحالها، وجدت حالها بين أضلعه، يحاوطها بجسده، مطبقًا عليها، كأنها ستغادره، ولم يراها مرة أخرى. ابتسمت وفرحت بداخلها، وظلت تتأمل ملامحه بعشق، حتى خانتها يدها، وملست على تقاسيم وجهه ولحيته الخفيفة التي زادته وسامة. فتح عينيه أخيرًا، فلم يستطع أن يمثل أكثر من ذلك أنه نائم. ابتسم لها، فانفزعت هي، وتخضبت وجنتاها بحمرة خجلها من ما كانت تفعله. تحدث هو بصوت متحشرج من أثر النوم:
"صباح الخير."
تحدثت بنبرة جاهدت في إخراجها من شدة خجلها:
"صباح النور."
حاولت إزاحة ذراعه التي تحاوطها بعيدًا عنها، لكنه أطبق عليها أكثر، فتحدثت بنفور:
"عاوزة أقوم أجهز، ممكن؟"
قرب وجهه من وجهها أكثر من قربهم، حتى لامس أنفه بأنفها، متمتمًا بنبرة ساحرة:
"تدفعي كام؟"
شعرت بأنها على الحافة، ولن تسقط، لا مفر لها، فعيناه تتأمل عيناها، وبهم بريق مشع أصاب عينيها. لم تقو على الحديث، فقربه مهلكة لها بالفعل. أغمضت عينيها بشدة، حتى انكمش جلدها من أثر ضغط جفنيها على عينيها. أحب الآخر هيئتها تلك، فلم يشعر بحاله إلا وهو يعتليها، يحاصر جسدها الغض أسفله. التهم شفتاها بنهم شديد، كأن قبلتها إكسير الحياة بالنسبة له. ظل يعمق بقبلته، حتى شعر بانسحاب الهواء من رئتيها، فابتعد عنها حتى تأخذ من الهواء ما يكفيها. أسند جبهته على جبهتها، يتأمل وجهها المحمر بشدة، وشفتاها المنتفخة من أثر ما فعله بها، وتنفسها السريع. وضعت يدها، راحتها على صدره، تزيحه عنها بقوتها المتناهية. ابتعد عنها وهو يتابع ارتباكها وخجلها، وما تفعله من حركات عفوية، مثل الالتهاء في بعض الملابس الملقاة بإهمال، التي التقطتهم ووضعتهم بالخزانة لتلهي نفسها عن الآخر. لكنه ظل يحدق بها، يراقب أقل وأصغر تفصيلة تفعلها.
قام من مكانه، وهي تضع ملابسه بالخزانة. وقف خلفها، مستندًا بذراعيه على حافة الخزانة، يحاصرها بحيث لا يوجد مفر لها للهروب. تخشبت مكانها عندما أحست بقربه. استدارت له، حيث وجهها أصبح مقابلًا لوجهه. حاولت الخروج، لكن حصاره أغلق أحد الضرف المفتوحة، فاستندت هي بظهرها عليها. ازدردت لعابها، تشعر بدقات قلبها ستخترق صدرها من قوة دقاتها. أحست بأنفاسه تلهف وجهها، فسرت قشعريرة بجسدها من ملامسة أنفاسه لها. طبع قبلة على عنقها برفق، جعلتها تقع بدوامة عشقه، تتلاطم مع الأمواج الشاهقة. أحست بعدم قدرتها على الفرار منه، وضربات قلبها السريعة التي أحست بآلامها من شدة ارتباكها وقلقها، وحرارة وجهها التي تعتليها. أدمعت عيناها، وارتجفت شفتاها، وأخرجت شهقة مكتومة، جعلت الآخر ينتفض ويتوقف عن تقبيلها.
أمسك بكتفيها، متسائلًا بصدمة من ما هي عليه:
"مالك؟ فيكي إيه؟"
انفجرت بالبكاء، وازدادت شهقاتها. فقلق الآخر من بكاءها غير المنطقي. أملس على وجنتيها، متسائلًا مرة أخرى:
"بتعيطي ليه؟ أنا ضايقتك في حاجة؟"
أومأت له وهي تهز رأسها بإيجاب، وما زالت دموعها منساب. انصدم من إجابتها بما هو أخطأ معها حتى تنفجر بالبكاء هكذا. تحدث متسائلًا:
"طب أنا عملتلك إيه خلاكي تعيطي؟"
أخذت أنفاسها بتقطع، محاولة التحدث من بين شهقاتها:
"ا..ن..ان..ت بت..خو..فني."
وقف مكانه منصدماً من ما قالته. فما فعله هو الذي يخيفها، لكن بما يخيفها، فلم يتصرف بوحشية معها حتى تخاف. حاول تفهم أمرها، فجذبها من رسغها نحو الفراش. جلس وأجلسها جواره، قرب جسدها نحوه، ثم أسند رأسها على صدره، ثم تحدث:
"إيه اللي مخوفك بقا؟ مش أنا جوزك؟ وطبيعي حاجة زي دي تحصل بينكم."
لم ترد عليه، وظلت تستند برأسها على صدره. فتابع هو:
"طب مش انتي بتحبيني؟ واكيد عشان تعبري عن حبك ده، المفروض تديني بوسة. بس انت شكلك مبتحبنيش عشان كده خايفة."
شهقت وابتعدت عنه، متحدثة بنفور وضيق:
"هو يعني عشان أحبك لازم قلة الأدب دي وأديك بوسة؟ ما أنا عادي بحبك من غير بوسه ولا قلة أدب ومسخرة."
ردد كلماتها الأخيرة بصوت خافت:
"قلة أدب ومسخرة؟ لا، أنا دا انتي هتتعبيني معاكي شكلك كده."
تنهد بعمق، ثم تحدث:
"مليكة يا حبيبتي، لازم تعرفي إن أي اتنين متجوزين لازم يحصل بينهم كدا عشان يحبوا بعض أكتر ويجيبوا أطفال صغيره."
زفرت بحنق، ثم لوّت شفتاها العلوية، متحدثة:
"طب ما أنا عارفة."
زفر براحة مكملاً:
"الحمد لله إنك عارفة، وفرتي عليا كلام كتير."
قاطعته هي:
"بس برضه مش هيحصل قلة الأدب دي، أنا محترمة ومتربية كويس، ويستحيل المسخرة دي تحصل."
أخرج تأوهًا عاليًا وهو يتكئ على رأسه، من بوادر الصداع التي هاجمته:
"أبوس إيدك، ارحميني، مسخرة إيه وقلة أدب إيه، إحنا متجوزين يا حبيبتي، متجوزين."
تحدثت ببرود وهي تتلاعب بأظافرها وتنظر إليهم باهتمام:
"إثبت."
صاح عاليًا بها ومن برودها:
"مليكة مصر كلها شافت الفرح وكتب كتابنا، أجيب لك الشهود عشان تتأكدي، والا إيه؟ والا تحبي كل ما أبوسك أطلع لك عقد الجواز تشوفيه؟"
كوّمت شفتاها للأمام، يتحرك بؤبؤ عيناها حولها، تحاول الهرب من النظر إليه، لكنها تحدثت أخيرًا:
"بص يا أسر، انت لما بتقرب مني بحس بولعة في وشي وقلبي بيدق جامد أوي، بحسه هيخرج من مكانه، فاحسن ابعد عني لاني شكلي عندي حساسية منك."
وقف كالابله يناظرها بصدمة، كأن ترابيس عقله توقفت، أو أن عقله من الصدمة لم يستقبل الكلام. انفجر ضاحكًا أخيرًا بعدما استوعب، وظل دقيقة جامدًا بمكانه، ظنته الأخرى أنه أصاب بشلل من حديثها معه. انتهى من نوبة ضحكه، وضمه إليه، ثم قبل رأسه، متمتمًا بتفهم:
"يا حبيبتي، اللي انتي بتحسيه دا عادي جدًا، وشك بيجيب ولعة عشان مكسوفة، وقلبك بيدق لقربى منه، وفرحانة بقربى منه."
لوّت فمها، متحدثة بسخرية:
"يا سلام! إيه اللي عرفك؟ كنت دكتور؟"
قهقه ضاحكًا، ثم تحدث وهو ينظر لوجهها:
"أومال إيه، أنا معايا دكتوراه في حبك وعشقك لدرجة إني قربت أدمنك."
ابتسمت له بعفوية على ما قاله، ووقفت على طراطيف أصابع قدمها، قبلت وجنته، متحدثة بهمس قد وصل إليه فقط:
"بحبك."
ثم ركضت مسرعة للخارج. وقف يتابع اختفاء أسرها، ثم توجه للمرحاض حتى يجهز حاله.
انتهوا من الاستعداد، وصلوا صلاة الصبح، ثم توجهوا للأسفل، فقابلتهم سهيلة. أخذوا بعضهم وتوجهوا للأسفل، وجدوا مالك يركن سيارته ومتوجهًا إليه.
متحدثًا مالك: "أنا كنت فاكر نفسي متأخر، مطلعتش أنا لوحدي."
تحدث أسر وهو يشير بعينيه نحو سهيلة ومليكة: "نعمل إيه، الستات بقا، على ما يجهزوا."
اندفعت سهيلة بالحديث نحوه: "انت هتستعبط؟ ما إحنا خارجين مع بعض. ثم انتوا تحمدوا ربنا وتبوسوا إيديكم ضهر وقفا إن أنا صحيت بدري أصلا."
تحدث أسر بسخرية: "وايه اللي مش هيصحيكي؟ هو مدرسة والا درس؟ مش هتصحي لهم ده شرم يعني، هتصحي من الفجر؟ هو أنا هتوه عنك؟"
تحنحت بحرج، وهي تبعده عن طريقها، خائفة تعتنق السيارة: "طب كفاية إحراج بقا ووسعلي أركب."
أخذها على جنب، متحدثًا بهمس: "سوسو."
لوّت فمها وهي تكرر كلمته بسخرية: "سوسو! يبقى عايز حاجة، ها؟ عايز إيه؟"
أكمل برجاء: "ارركبي مع مالك وسبيني مع البت لوحدنا."
همهمت وهي تضيق عينيها عليه: "اممممم، مش عايز عزول يعني."
تنهد متحدثًا برجاء: "يا ريت."
تحدثت بإشفاق عليه: "والله صعبت عليا، ماشي يا عم."
ذهب أسر لمالك، متحدثًا: "انت خد سهيلة معاك وأنا هاخد مليكة."
أشار مالك بإصبعه وهو يبتلع لعابه خوفًا: "هاخد ديا."
أومأ له أسر، وشفتاه السفلية منحنية بأسف: "معلش، واوعى تخاف."
ثم همس بأذنه وهو يميل عليه: "دي بتاكل كلاب، بس مش بتاكل بني آدمين."
ابتلع لعابه، متحدثًا بخوف مصطنع وعلامات الهلع المصطنعة: "تصدق، طمنتني، كلاب بس؟"
أومأ له أسر بهمس: "بس."
صدح صوتها من الخلف الذي أفزعهم: "انتوا بتقولوا إيه؟"
تحدث أسر بمرح: "لا مفيش يا قلبي، ده أنا بقوله يخلي باله منك وفي أي بحر يقابله ويرميك."
أومأت له بتفهم، ثم بعدما أدركت ما قاله صاحت بهم: "إيه بحر ويرميني! اللهي أنت يا بعيد ويرموك في البحر الميت."
انفجر الجميع ضحكًا على ما قالته سهيلة، ثم توجهوا لسياراتهم.
تحدث مالك مع سهيلة بحده: "يلا اتفضلي اركبي."
تحدثت بضيق من حديثه الصارم: "طب بالراحة طيب، ويكون في علمك أنا وافقت عشان خاطر أسر، بس لولاه ما كنتش ركبت عربيتك المعفنة دي."
تحدث مالك بفخر وعنجهية: "إنتي أصلاً عمرك ركبتي زيها قبل كده؟"
ضحكت بسخرية، متحدثة: "يا ابني ما أنا عمري ما ركبتها عشان معفنة."
زم شفتيه مؤكدًا من بين أسنانه حتى لا يحن عليها وتفلت أعصابه أمامها: "طب اتفضلي اركبي العربية المعفنة بتاعتك."
أومأت له وهي تتحدث بترفع: "أوكي، هركب، مش لازم تتحايل يعني."
تحدث مالك مع نفسه: "لا دي أكيد عندها خال أهبل، يا خال أهبل! إيه البت دي؟"
اعتنق السيارة، وتوجهوا بها إلى مخل وجهتهم. كان الصمت يحتل السيارة. تحدثت هي بتأفف تقتل ذلك الملل والصمت: "هوووف، ما تشغل أي حاجة نسمعها بدل الملل ده."
تساءل هو بعدما تنفس بعمق، منفاسًا عن غضبه من طريقتها: "عايزة تسمعي إيه؟"
تحدثت بتساؤل: "عندك حاجة لـ حسن شكوش أو الليث؟"
عقد حاجبيه، متسائلًا باستغراب: "مين يا اختي؟"
رددت تلك الأسماء مرة أخرى، لكن بصوت أعلى: "حسن شكوش أو الليث."
تحدث مالك: "هو معلش يعني في السؤال وبعتذر عن جهلي، هم مين دول؟"
اتسعت عيناها وهي تناظره، متحدثة معه بمعاتبة كأنه أخطأ بأمر فادح: "هاااااااار أبيض! حد ما يعرفش شاكوش والليث؟"
تحدث بسخرية: "معلش، ما اتشرفت، واشتغلت مع نجار قبل كده."
تحدثت سهيلة بزهول من عدم معرفته بأسماء المغنين: "لا، انت شكلك أبيض خالص."
تحدث مالك: "نعم."
تحدثت بتساؤل: "هو انت من هنا؟"
أومأ لها: "اه، بس طول عمري عايش بره."
أومأت له وهي تلوي فمها، متحدثة: "أتاريت."
تحدث مالك بمرح: "والا بلايستيشن؟"
تحدثت سهيلة بتعجب من ما قاله: "سبحان الله، مع إنك طول عمرك بره، بس الألش المصري بيجري في دمك."
ضحك على حديثها، ومن ثم قام بتشغيل أغنية رومانسية. تحدثت بين نفسها وهي تتأمل كلمات الأغنية: "الله، مزز ورومانسي كمان! لا كده كتير، سهيلة انشفي كده يلا، جعفر يطلع حالات."
تحدثت بوجه نافر وأسلوب ساخر: "إيه المحن ده يا عم! اقفل، أنا نفسي موعت."
عقص ملامح وجهه بتعجب، متمتمًا بآخر كلمة قالها: "موعت؟"
ثم أكمل بتساؤل: "هو انتي متأكدة إنك بنت؟"
اعتدلت بجلستها، حيث أصبحت تواجهه بجسدها، متحدثة بضيق وهي تلوي شفتاها العلوية: "اه، عندك شك؟"
تحدث بنفور وهو يغلق مشغل الموسيقى: "لا، ده مش شك واحد، ده شكوك."
نظر لها متحدثًا بحنق: "استريحتي كده؟"
أومأت له وهي تبادله ابتسامة سمجة: "أيوه."
عاد الصمت مرة أخرى، فتنهدت سهيلة، ومن ثم أخرجت من حقيبتها الكثير من المأكولات الجاهزة، ثم ناولتها لمالك، متمتمة: "تاكل؟"
ضحك هو عليها، متحدثًا بتعجب من تلك الفتاة العجيبة: "إنتي عاملة خزينة في الشنطة؟"
شهقت هي، ومن ثم تحدثت بصياح وهي توجه يدها وتفرد أناملها الخمس بوجهه: "الله أكبر! انت هتقرض؟"
ضحك عليها، ومن ثم أكمل: "لا والله مش أقصد، أصل انتي غريبة أوي."
تساءلت باهتمام بعدما وضعت بعض رقاقات الشيبسي بفمها: "غريبة إزاي؟"
تحدث هو وعيناه على الطريق: "أصل البنات في العادة شنطتهم بيكون فيها مكياج مش أكل، وبيسمعوا رومانسي مش شاكوش وحاجات غريبة كده."
ضحكت، ومن ثم ناولته يدها بترحيب: "عندك حق، معاك الأخ جعفر، أهلاً وسهلاً."
ضحك، ومن ثم بادلها السلام، متمتمًا: "اتشرفت بمعرفتك يا جعفر."
انتهت من تناولها الطعام، وأخرجت رواية حتى تقرأها، وغفت وهي تقرأ بها. التقطها الآخر، يقلب بين صفحاتها ليرى ما الذي تقرأه، حتى رأى عنوان الكتاب، وعلم أنها من النوع الرومانسي. تحدث وعلى وجهه ابتسامة جانبية: "أومال شاكوش إيه بقا ومحن وتموع؟ ما انتي بتقرأي رومانسي أهو. لا بجد غريبة. أو بصي، سيارة أسر ومليكة."
صدح منها صوت ضحك وتهاليل وزغاريد، وصوت مليكة الفرح:
"لولولولولي! هيه هيه! هنروح شرم! هنروح شرم!"
ضحك الآخر على جنونها، متحدثًا: "يا مجنونة، بطلي هبل."
تحدثت بفرح ينبع من مقلتيها: "أنا فرحانة دلوقتي، فلا تتسأل عن كمية الهبل اللي هتطلع مني."
ابتسم على جنون حبيبته، قام بجذبها من خصرها إليه، فشاهقت من ما فعله، ضم رأسها إليه، فحاوطته هي بذراعيها، واسترخت تمامًا على كتفه. أما الآخر فظل يقود سيارته بزراع، والذراع الآخر يحاوطها، حيث أن الطريق كان هادئًا وليس معجوقًا بالسيارات. غفت وهي على تلك الحالة، فقبل رأسها، متمتعًا بقربها منه.
في سيارة مالك.
بدأت بالاستيقاظ من نومها، رفرفت برموشها، ومن ثم أغلقتهم سريعًا بسبب الضوء الذي أصاب عينيها. فتحت عينيها ببطء، ومن ثم تحدثت بتوهان:
"هو إحنا فين؟"
تحدث مالك وهو ما زال يباشر عمله:
"لسه بدري، تقدري تكملي نوم."
حركت رأسها بنفي، متمتمة:
"لا، خلاص مش هنام تاني، بس أنا عايزة أشرب."
ناولها قنينة المياه، فالتقتها منه، وأخذت تروي حلقها، كأنها تسير في صحراء قاحلة لفترة من الوقت. تحدث مالك بنبرة متعجبة وهو يتأمل القنينة الفارغة:
"الله أكبر! الإزازة خلصت."
تحدثت سهيلة بنبرة ضعيفة:
"والله ما أقصد."
صمتت سهيلة فجأة، ومن ثم تحدثت باقتضاب:
"وقف العربية."
تحدث هو بنزق:
"نعم يا أختي؟"
تحدثت بصياح، ولكن كان مصاحبًا لبحة ضعف، فلم يظهر صياحًا:
"بقولك وقف العربية."
رواية كن لي أبا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم روميساء نصر
عندما سمع نبرتها الضعيفة، أوقف السيارة فجأة وعيناه تتفحصها باهتمام.
فكت زمام حزام الأمان ثم توجهت خارج السيارة، تركض بعيدًا عن الطريق نحو رمال الصحراء.
أسرع هو يترجل من السيارة مصيحًا بها: "يا مجنونة، انتِ راحة فين؟"
ركض وراءها، وتخشّب مكانه عندما وجدها منحنية بوقفتها تستفرغ ما بجوفها وتخرج تأوهات.
شعر بضيق من تألمها ذلك، ركض نحوها منحنياً عليها، يساندها حتى انتهت.
ثم ساندها وتوجه بها نحو السيارة، وضعها بها، ثم ذهب للناحية الأخرى مخرجاً زجاجة ماء.
قام بوضع القليل على يده وملّس على وجهها، أقام الزجاجة على فمها حتى تروي حلقها.
نظرت إليه بضعف، ثم وضعت فمها على حافة الزجاجة حتى ترتوي، وعيناها موجهة نحوه.
تطايرت خصلاتها من أثر الهواء الشديد، عارضت تلك الخصلات يده، فملّس عليها مرجعاً إياها خلف أذنها.
تأمل وجهها وملامحها الطفولية اللذيذة، الذي أحب التطلع والتأمل بهما كثيراً.
انتهت من شرب المياه، فتحدث هو باهتمام زائد: "بقيتي أحسن؟"
أومأت له متمتمة: "الحمد لله."
تحدث هو: "لو تعبانة استني ترتاحي شوية وبعد كده نتحرك."
تحدثت بوهن تشعر بألم بمعدتها: "لا عادي، بقيت أحسن دلوقتي."
أومأ لها ثم توجه إلى السيارة، يعتنقها وسار بطريقه.
أما الأخرى، فإزداد آلام معدتها مما جعلها تبكي وتؤنّ بضعف.
وما زاد نحيبها خوفها وعدم وجود أحد معها من عائلتها.
تنكمش بجلستها، تحيد وجهها عنه وتنظر للطريق من الشرفة حتى لا يراها.
تشبه الطفل الصغير الذي ضاع منه أهله.
ظل الآخر يختلس النظرات عليها، ثم تحدث بنبرة قلقة عندما تسربت انتحابه ضعيفة منها: "سهيلة... انتِ كويسة؟"
ملّس على وجنتيها يزيل دموعها، وهي ما زالت تبعد وجهها عنه، متحدثة بنبرة مبحوحة من أثر البكاء: "آه الحمد لله."
أحس بضعفها وآلامها من نبرة صوتها، فشعر بغصة أصابت قلبه.
تساءل هو: "طب بتعيطي لي؟"
استدارت له وقد إزداد ألم معدتها وانهارت من البكاء أمامه، فلم تستطع الصمت عن تلك الآلام: "بطني بتوجعني."
أوقف السيارة بغمضة عين عندما أنصت إلى انهيارها ذلك.
استدار لها بوجهه عندما أوقفها، عقصت ملامح وجهه من ما يشعر به تجاهها.
أحس بتثاقل بجانب صدره كلما أخرجت انتحابه أو أزرفت دمعة، وجهها يشبه الملاك وهي تبكي هكذا.
ليست هي تلك التي كانت تعاند وتجادل أمامه.
شعر بضيق من حاله، من كونها تتألم أمامه وهو غير قادر على مساعدتها أو تخفيف آلامها تلك.
ملّس على وجنتها مزيلاً دموعها، متحدثاً بمواساة: "إحنا قربنا نوصل، ولما نوصل هتاخدي مسكن يريحك."
أدارت وجهها وهي تشعر بإضطراب من أثر لمسته تلك.
ظلت تناظر الطريق مرة أخرى.
بينما بالناحية الأخرى، كانت غارقة بالنوم على كتفه، وهو يحاوطها جيداً بسبب الفارق الذي بين المقعدين.
تململت بنومتها ورفرفت برموشها، فوجدت حالها ما زالت نائمة بحضنه.
ابتسمت له وهي تتأمل ملامحه المرهقة من القيادة طوال ذلك الوقت.
نظر لها عندما أحس بحركتها وبادلها ابتسامتها تلك، متحدثاً بمرح: "أخيراً صحيتي، عجبك حضني ولا إيه؟"
شعرت بالخجل من حديثه، فتنحنحت مغيره مجرى الحديث: "إحنا قربنا نوصل."
أومأ لها مشيراً برأسه إلى الخلف، متحدثاً: "أيوه قربنا. عندك في الشنط دي أكل جبته من الاستراحة، طلعيه وكلي."
تساءلت وهي تمد يدها تأتي بحقيبة المشتروات: "وانت أكلت ولا لأ؟"
تحدث اسر: "طب بزمتك هاكل إزاي وانتي نايمة كده، ده أنا حتى منزلتش أجيب الأكل من الاستراحة عشان متصحيش."
تحدثت بتأثر ونبرة جادة: "ياااه، كل ده عشاني؟"
ثم ابتسمت بمرح وهي تقرص صدغه، تحدثه بمرح: "قلبي يا ناس."
حرك وجهه نافراً متحدثاً بضيق: "هو أنا بنت اختك يا بنتي؟ إيه قلبي يا ناس؟"
ذمّت شفتاها متحدثة بنزق: "هو ده اللي عندي، لو مكانش عاجبك."
صرخ بها بنفاذ صبر: "يا بنتي، هو انتِ مبتتفرجيش على تركي؟ مبتتفرجيش على هندي؟ اتعلموا الرومانسية بقى."
صدمت واتسعت عيناها وهي تضرب كفاً على كف: "يا سبحان الله، الدنيا اتشقلب حالها، بقيتوا عاملين كده لي يا رجالة؟ اتغيرتوا أوي."
لوى شفته العلوية متحدثاً بضيق: "إحنا برضه اللي اتغيرنا، والا انتوا اللي بقيتو جعفر؟"
ضربت كفها على ظهر يدها متحدثة بعناد: "إحنا جعفر بقى، عاجبكم والا مش عاجبكم؟"
ابتسم لها متحدثاً بدلال: "على قلبنا زي العسل."
حاولت الإلهاء في إخراج الطعام من الحقائب وإخفاء خجلها ذلك.
أخرجت السندوتشات وناولت اسر أحدهم، فتحدث وهو يناظرها بمكر: "آكل؟"
رفعت حاجبها له، تقلب نظراتها بينه وبين الطعام الذي بيده.
تحدث ببراءة مصطنعة: "إيه، هاكل إزاي وأنا بسوق؟ أعمل حادثة يعني؟"
زفرت ثم تحدثت: "خلاص خلاص، كل."
بدأت بإطعامه وإطعام نفسها، فقام هو بعض إصبعها وهو يتناول الشطيرة.
تأوهت وهي تسحب يدها بسرعة خاطفة، متحدثة بضيق: "آه يا عضاض، مش مقضيك الأكل، هتاكل إيدي كمان؟"
ضحك عليها ومن ثم تحدث: "كنت عايز أحلي، فلقيت صوابع زينب، فقلت آكل."
أخرجت ضحكات هازئة متحدثة بضيق: "هي هي هي، لا دي صوابع مليكة مش زينب."
تحدث بدلال قاصداً أن يخجلها ويرى وجنتيها الحمراء من خجلها: "ولا تزعل يا جميل، دي صوابع العسل."
أخفضت وجهها خجلاً ثم أدارت وجهها لمتابعة الطريق.
أمام أحد المخازن المهجورة، وقفت سيارتان.
ترجل منها كل من عفاف وعبير، والسيارة الأخرى طارق، الذي تحدث بترحيب وتهليل: "أهلاً أهلاً بالهانم الكبيرة والصغيرة، يا ترى كنتوا عايزينني في إيه؟"
تحدثت عبير وهي تقترب منه وابتسامتها الشيطانية لا تفارق وجهها: "عايزين كل خير طبعاً، وعايزين مصلحتك برضه."
عقد حاجبيه متسائلاً: "وأنا إيه هي مصلحتي معاكم؟ أنا على ما أعتقد إني ماليش مصالح معاكم."
ضحكت بميوعة وهي تدقق النظر عليه، تبعث له ضحكاتها الشيطانية: "إزاي بس، ده انت ليك مصلحة ومصلحة كبيرة كمان."
أجاب ببرود ونبرة فاترة: "وإيه هي؟"
تحدثت بمكر ونبرة متلاعبة: "بنتك."
رفع حاجبه مندهشاً من ما قالته: "مليكة مالها؟"
ابتسمت بانتصار عندما دققت النظر على ملامحه وعلمت أنه كارت رابح بالتأكيد، ثم أكملت: "عايزينها تمضي جوزها على ورق تنازل عن كل حاجة ليا وتطلق منه."
ابتسم نصف ابتسامة بسخرية: "وأنا هستفيد إيه من كل ده؟"
تحدثت بمكر وعقلها الشيطاني يعمل باحتراف: "إزاي بقا، ده انت هتستفيد كتير أوي، الفلوس والأملاك هتتقسم علينا إحنا التلاتة."
أومأ لها ثم أخذ يفكر قليلاً، يحرك الرمال أسفله بقدمه يريد اللعب على أعصابها، بينما هي ظلت تتابع تحركاته باهتمام، تدرسها جيداً.
تحدث أخيراً: "طب وعايزة البت تطلق لي؟"
تحدثت بدهاء: "عشان اسر يتجوز بنتي ويفضل تحت أيدينا وميقدرش يعمل حاجة."
بدأ ينتابه الخوف، فتحدث بقلق: "وانت فكرك إنه هيسكت؟"
ضحكت ضحكة شيطانية وهي تخبره بخطتها الشيطانية: "متقلقش، إحنا هنطلع بنتك هي اللي غلطانة وهنكتب كل حاجة باسمها، وبعد كده هتاخد الورق ونكتبه بأسمائنا إحنا، وطبعاً محدش هيقدر يعمل كدا أو يتحكم فيها غير."
يعت بعقله فكرة ما وسرعان ما وافق: "وانا موافق."
نظرت إليه عفاف باشمئزاز متحدثة بتقزز: "انت إزاي تعمل في بنتك كده؟ انت عارف إيه اللي هيحصل فيها لو اسر عرف ده؟ أكيد هيقتلها."
تأفف هو بضيق موجهاً حديثه لـ عبير: "الله يا هانم، ما تشوفي بنتك."
لكزتها والدتها متحدثة من بين أنيابها: "إيه يا عفاف، في إيه؟ مش ده اللي انتي عايزاه عشان تتجوزي اسر؟"
أكملت حديثاً وهي تناظره بازدراء: "أنا مستغربة منه بس، إزاي هيعمل في بنته اللي من لحمه ودمه كده؟ هيؤذيها بالطريقة دي."
تحدث هو بضيق: "لا متستغربيش، هي مش بنتي أصلاً."
وصل اسر ومليكة أمام الفندق.
قابلهم عمال الفندق وأخذوا منهم الحقائب.
تساءلت مليكة عن كل من سهيلة ومالك: "هو مالك اتأخر ليه؟"
شفت شفتيه لأسفل متحدثاً: "معرفش، وتليفونه مقفول."
"طب رن على سهيلة."
أومأ لها ثم حمل فونه ورن على الأخرى، الذي جاءه صوتها الضعيف المنهمك.
"الو، هو بلهفة: ألو يا سهيلة، انتوا فين وصوتك ماله؟"
تحدثت بنبرة هزيلة: "مفيش، تعبت شوية وإحنا قربنا نوصل خلاص، خمس دقايق."
"الف سلامة عليكي يا حبيبتي. إحنا داخلين عليكوا أهو، يلا باي."
"باي."
وصل مالك أخيراً لهم، وترجلت سهيلة من السيارة وعلى وجهها آثار الإعياء الشديد.
توجه نحوها اسر ومليكة.
تسأل اسر بقلق وهو يحتضن وجهها الشاحب: "سهيلة، انتي كويسة؟"
أومأت وثغرها يحتله ابتسامة مهتزة ضعيفة: "الحمد لله، متقلقش، بس بطني بتوجعني."
ربت على كتفها بحنان وهو يحتضنها: "معلش، دلوقتي أجيبلك مسكن وترتاحي."
أحس مالك بنار تلهب قلبه من أثر ملامسة اسر لـ سهيلة.
أراد سحقه وابعاده عنها وأن يكون هو بمكانه، لكن بأي حق؟
أخذ يفكر في تلك المشاعر والأحاسيس التي تنتابه لأول مرة.
خوفه وقلقه عليها وإحساسه بالضيق من اسر لأنه اقترب منه.
تمكنت كل تلك الأحاسيس منه وجعلته يشعر بالضيق من نفسه لعدم فهم نفسه.
توجهوا أخيراً إلى داخل الفندق.
جلسوا بالاستراحة.
جلب اسر لها مسكناً لتأخذه، وقاموا بعمل بعض الترتيبات لغرف نومهم.
تحدثت مليكة وهي تحتضن سهيلة: "بقيتي كويسة؟"
أومأت سهيلة: "الحمد لله."
جاب اسر مليكة: "هي كده كل أما تسافر بتتعب."
ثم وجه حديثه الممنون لـ مالك: "شكراً يا مالك بجد ليك عشان حافظت عليها لحد ما جيت هنا، انت متعرفش سهيلة تبقى إيه بالنسبالي، تبقى زي بنتي مش بنت عمي."
تحدثت سهيلة بضيق وهي تبتعد عن حضن مليكة: "إيه، فيلم قديم حمضان ده؟ انت هتكبر نفسك وتصغرني أوي كده لي؟ ما كانوش كام سنة فرق."
ضحك اسر من مهاجمتها الشرسه المفاجأة: "خلاص فاقت، أجدعان يلا هتتحول علينا أهو. الكائن الملاك اللي كان هنا من شوية راح فين؟"
ضحكت بمرح متحدثة: "معجبنيش الصراحة، فقلت أغيره، أصله غلبان أوي، فقلت أفوق عشان متفتروش عليا."
ضربتها مليكة على كتفها: "نفترق على مين؟ طب قولي كلام غير ده، ده انتي ابت مفترية بطبعك، حتى الافترا بتاعك ظاهر على راس مالك أهو."
ضحك الآخر عليها وهو يتحسس موضع ضربته: "متفكرنيش، اللهي تكسبي."
جاء إليهم موظف الاستقبال وأعطاهم مفاتيحهم، وتوجه كل منهم إلى غرفته.
رواية كن لي أبا الفصل السادس عشر 16 - بقلم روميساء نصر
وقفت عفاف فاغرة الفم لا تقوي على التحدث من صدمتها، تتبادل النظرات المنصدمة مع والدتها.
"إنتِ بتقولي إيه؟"
أجابها ببرود تام: "مليكة مش بنتك."
فاقت عبير من صدمتها متحدثة بذهول: "طب إزاي مش بنتك؟ أمال بنت مينا؟"
ابتسم بسخرية متحدثاً: "ماتتصدموش أوي كده، أنا مبخلفش أصلاً."
عقدت عبير حاجبيها متسائلة: "أمال دي بنت مين؟"
زفر بإحباط، يرجع ذاكرته للوراء: "دي مش بنتي، دي بنت إيمان وأنا مبخلفش أصلاً."
ضيقَت عبير عينيها بخبث متحدثة: "يعني إيه مبخلفش؟ أنا عايزة أعرف عنها كل حاجة."
بدأ الآخر بالحديث عن الماضي: "كل اللي أعرفه إن إيمان كانت بتحب واحد قبل ما أتجاوزها، وكان بيني شغل مع أبوها، وكان أبوها مهدد بالإفلاس، وكنت موقعاه في صفقة كانت هتقضي عليه، لولا إني شفتها، عجبتني ودخلت مزاجي، فقررت إني أتجاوزها. وطبعاً أبوها رقبته في إيدي، يعني هيوافق هيوافق. أبوها خلاها تتجوزني غصب عنها. وفي سفرية كانت جيالي، قعدت فيها كتير مسافر. هي راحت خانتني مع الكلب اللي بتحبه، وحملت في البت دي منه، وفهمتني إنها حامل مني، وأنا طبعاً كنت مغفل وصدقت. لحد ما البت كبرت، وأنا جيت تعبت وكشفت وعملت تحاليل وإشاعات، طلعلي إني مبخلفش. طبعاً واجهتها، وقلتلها البت دي بنت مين. حاكتلي على اللي حصل وعلى الغلطة اللي غلطتها مع الكلب اللي بتحبه، وقالتلي مفضحهاش وأسيبها، وهتعيش خدامة تحت رجلي."
صمت الجميع من صدمتهم بالحقيقة، وتحدثت عفاف باشمئزاز وازدراء: "ياااه، وبالسهولة دي وافقت؟"
ضحكت والدتها بسخرية على غباء ابنتها، ثم وجهت للآخر نظرة فهمها: "بس يا عفاف، إنتِ..."
ضحك الآخر معها مكملاً حديثهم: "إنتِ لسه صغيرة أوي ومش فاهمة الدنيا حواليكي. لازم تستفيدي من أي حاجة على وش الدنيا، حتى لو من خسارتك. أنا كنت هخسر كتير لو طلقتها وفضحتها، لأن لو فضحتها هتفضح معاها والأسهم بتاعتي هتنزل في السوق، وكده هخسر كتير. غير طبعاً إني هبقى ضمنت إنها هتفضل معايا وبإرادتها. دا غير الشركة اللي أبوها كاتبها باسمها، وخليتها تتنازل عنها ليا مقابل سكوتي."
نظرت عفاف إليه شزراً، ثم تحدثت لوالدتها قبل مغادرتها واعتناق السيارة: "يلا يا ماما، أنا عايزة أروح."
أومأت لها عبير، ومن ثم وجهت حديثها لطارق: "سلام يا طارق، وهنكمل كلامنا بعدين."
تحركت كل من عفاف التي سبقت والدتها إلى السيارة، وعبير، ثم تحركوا من ذلك المكان.
تحدثت عبير بصرامة ووجهها كان محتقناً من شدة الغضب: "إنتِ متخلفة، إيه اللي إنتِ هببتيه ده؟"
تحدثت الأخرى على مضض: "هببت إيه؟"
ثم احتقن وجهها بالازدراء متمتمة باحتقار: "ده واحد حقير وطماع، إزاي هتأمنيله؟ لا وكمان هتخليه يشاركنا في الفلوس اللي هي مش من حقه أصلاً."
تحدثت بوجه منعقد وسخرية: "إنتِ هبلة، مين ده اللي هدي له فلوس؟ ده مصيدة هتوقعه في شر أعماله، نخلص وناخد اللي إحنا عايزينه ونرميه."
عقدت حاجبيها بتساؤل: "مش فاهمة إزاي؟"
أومأت لها الأخرى وابتسامة خبيثة تحتل ثغرها: "هقولك على كل حاجة."
***
دلفا كلاهما إلى الغرفة، وحالة من الإنهاك والتعب بادية عليهما. صاحت مليكة عالياً عندما رأت أمامها الفراش التي ارتمت عليه من إنهاكها: "سرير يا جدعان، هموت وأنام."
وقف الآخر مندهشاً من تلك الفتاة النائمة طوال وقت السفر، فتحدث بذهول: "نهارك أبيض! ومين اللي كان صوت شخيره خارم وداني في العربية؟"
اتسعت عيناها بصدمة متحدثة بعتاب وزهول: "أنا بشخر؟"
تغيرت ملامحه من الذهول إلى وجه عادي، متحدثاً بنفاذ صبر وهو يضرب كفاً على كف: "لأ، دا أنا يا حبيبتي اللي كنت بشخر."
أومأت له وهي تنزع حذاءها: "آه، بحسب."
زفر بقوة، ومن ثم توجه إلى المرحاض وهو يتمتم: "أنا هدخل آخد شاور."
تحدثت بنبرة عالية ليس بها أي رقة: "من بعدك يا أخويا."
وقف محله متحدثاً بضيق: "أقسم بالله أنا حاسس إني متجوز واحد صاحبي. طب تعرفي السكيورتي اللي واقف بره فيه أنوثة عنك؟"
ضيقَت عيناها، ومن ثم تحركت بغضب نحو باب الغرفة متحدثة بتزمر: "خلاص، خلي السكيورتي ينفعك. أنا هروح أنام مع سهيلة."
قبل أن تصل إلى الباب، كان قابضاً على رسغها، لاصقاً جسدها على الباب، محيطاً بخصرها جاذباً إياه نحوه. تأمل لون عينيها الذي أدمنهما، هامساً أمام عينيها: "رايحة فين وسيباني؟"
وقفت بين يديه متخشبة، لا تقوي على الحديث. أخرجت صوتاً من فمها يدل على غياب عقلها: "هاه؟"
همس مرة أخرى بجانب أذنها، وأنفاسه الحارة تلحف وجهها، جعلتها كشرارة تسري بجسدها: "بقولك رايحة فين وسيباني؟"
تحدثت بتلعثم وتردد، وعيناها تائهة غير قادرة على الصمود: "كـ، كـ، كنت راـ، راـ، راحة أنام عند سهيلة."
قرص على خصرها مقرباً جسدها الغض نحوه، هامساً مرة أخرى: "وتسبيني لوحدي؟"
دفعته بعيداً عنها متحدثة بنزق ونفور: "ليه؟ هجيب لك السكيورتي يونسك؟"
اقترب منها مرة أخرى يعبث بأنامله بخصلات شعرها، متحدثاً بغزل: "بس أنا عايز مليكة قلبي هي اللي تسليني وتنام معايا، عشان أنا عايش في بحر عينيها، ولو طلعت أموت زي السمك."
لوت شفتيها متحدثة باستهزاء: "يا سلام يا أخويا، اضحك عليا بكلامك بقا."
ابتعد عنها بنفور وهو يناظرها بضيق: "تصدقي؟ أنا غلطان. دا إنتِ فصيلة. روحي نامي عند سهيلة أحسن."
ضحكت بمرح، متمتمة بمشاكسة: "بهزر معاك يا حبيبي."
زفر بقوة، ومن ثم تحدث وهو متوجهاً للمرحاض: "يلا، أنا هاخد شاور وأتوضى وأصلي، وإنتي كذلك."
أومأت له: "أوكي."
انتهى من الصلاة، ومن ثم توجه أسر إلى الفراش، ملقياً بجسده على الفراش بإنهاك من تعب السفر.
وقفت مليكة أمامه بتخصر، متمتمة بتساؤل: "إنت رايح فينا؟"
أجاب بنبرة اعتيادية وهو يغلق ويفتح عينيه من الإرهاق: "هنا."
عقدت حاجبيها معاً، متحدثة بتساؤل: "هنامع؟"
قال بسخرية وهو يمط شفتيه: "هنا على السرير."
رفعت حاجب، متمتمة بتساؤل: "وأنا هنام فين؟"
حدثها بسخرية وهو يشير نحو الناحية الأخرى من الفراش: "تصوري، هنا على السرير."
دفعت بيدها على صدره، تدب الأرض أسفلها بتزمر طفولي: "لأ، ماليش دعوة. قوم نام على الكنبة."
اعتدل جالساً من نومته، متحدثاً بضيق: "أنا مبعرفش أنام على الكنبة. تعالي نامي جانبي، ما إنتِ نمتي جانبي امبارح. حد كان أكل منك حتة؟"
تحدثت بنبرة هادئة وهي تهز قدمها بسرعة: "امبارح عكس انهارده."
عقص ملامح وجهه متحدثاً: "ليه بقا يا أختي؟"
سارت بإبهامها إلى الوراء: "امبارح كنت خايفة."
ثم حركت إصبعها للأمام: "إنما انهارده مش خايفة."
ثم أشارت على الأريكة: "يعني اتفضل ونام على الكنبة."
ظل صامتاً قليلاً، ثم هب واقفا من مكانه، أخذ شرشفه والوسادة، وتوجه إلى الأريكة، وجلب بطانية. بعض أجهزة التحكم عن بعد الخاصة بالتلفاز والمصابيح والتلفاز. أغلق جميع الأضواء وذهب لينام.
لكن عارضته مليكة بصوتها المزعور: "إيه دا بقا؟ أنا مبعرفش أنام في الضلمة."
تحدث باقتضاب: "وأنا مبعرفش أنام في النور."
تحدثت مليكة بتودد ورجاء: "طب معلش عشان خاطري، قيد النور. مبعرفش أنام غير في النور."
صاح بها عالياً ينهرها: "مليكة، نامي وبطلي شغل العيال ده عشان أنا عايز أنام."
صمتت. حاولت ابتلاع غصة الحزن التي تواجهها. حاولت الارتخاء بفراشها والنوم، لكن هاجمها الماضي بذكرياته المؤلمة عندما كان والدها يضعها من صغرها في غرفة مظلمة. شعرت بضيق تنفس وبوادر اختناق. حاولت أخذ أنفاسها بهدوء بدون جذب انتباه الآخر حتى لا يوبخها.
لكنها لاحظت غلق التلفاز وفتحه مراراً وتكراراً، وانفتاح الستائر وغلقها، الذي كان سببهما أسر، مما جعلها تنهار تماماً من الخوف والرعب. خرج زعرها على هيئة اختناق. لم تقدر على أخذ أنفاسها. لم تقو على المناداة عليه حتى لا يقول عنها أنها شكاءة كالأطفال. زاد اختناقها وعادت نوبتها التي تجعلها لا تقدر على أخذ أنفاسها.
نادت بصوت جاهدت في إخراجه عندما وصلت لزروة الاختناق: "آآآآسـ، آآآآسـ، آآآسر، آآآسر."
أنصت إليها وإلى همسها ذلك، فركض نحوها مضيئاً الأنوار. فزع من وجهها الذي تحول إلى اللون الأحمر من شدة الاختناق، تسأل بقلق وهو يجلس بجوارها: "مليكة، إنتِ كويسة؟"
تحدثت باختناق وكلمات متقطعة: "مـ، مـ، مش قـ، قـ، قادرة آآ، آآ، آخد نـ، نـ، نفسي."
جلب المياه من جانبه، ثم أسندها بذراعه محاوطاً جسدها، متحدثاً بدعم وحنين: "اهدي، اهدي. خدي شهيق وزفير، شهيق وزفير. اهدي خالص، متفكريش في حاجة، متتوتريش. اهدي."
حاولت التقاط أنفاسها بصعوبة في البداية، لكن مع دعم أسر، استطاعت مقاومة تلك النوبة.
ناولها كوب المياه لكي تتناوله. وعندما انتهت، تحدث معها برفق: "بقيتي أحسن دلوقتي؟"
أجهشت بالبكاء الذي قطع أنياط قلبه، متحدثة من بين بكائها: "الحمد لله، بس في عفاريت هنا."
احتضنها حتى يعوضها عن افتقاد إحساس الشعور بالأمان، تحدث برفق ولين معها: "مليكة يا حبيبتي، مفيش حاجة هنا، ومفيش عفاريت يا قلبي، دي تخاريف. اهدي ومتعيطيش."
انفعلت من حديثه عندما استشعرت أنه ما زال يظن أنها تخترف مثل الأطفال: "ده فتح الشاشة وقفلها، والستاير كمان. والله مش بكدب."
ثم أجهشت بالبكاء مرة أخرى بصوت مختنق: "أنا مش هقعد هنا، ماليش دعوة."
ضمه إليه، لكنها لم تصمت، ظلت تبكي وتشهق وتأن. أحكم ضمها إليه حيث قام بشل حركتها تماماً حتى هدأت.
ثم تابعت الحديث ودموعها لم تتوقف: "أنا قولتلك إيد النور، وإنت اتعصبت عليا، وقولتلي بطلي شغل العيال. وأنا بخاف من الضلمة وبيجيلي خانقة."
تذكر أسر حديث سهيلة وما قالته عن معاملة أبيها وإلقائه لها في الظلام الدامس بصغرها. عاتب نفسه عن ما فعله بها وتوصيلها لهذه الحالة.
تحدث وهو يملس على خصلاتها يهدئها: "اهدي خلاص، باااس بعد كده مش هقفل النور وهسيبه مفتوح، بس إنتِ بطلي عياط واهدي ومتزعليش."
أخرجها من ضلوعه، محتضناً وجهها، ماسحاً دموعها، مقبلاً عينيها اللتين عشقهم وأدمنهما. تحدث وابتسامة ساحرة تزين ثغره: "العيون الحلوين دول مينزلواش دموع تاني أبداً، فاهمة؟"
رمت بأحضانه تداري حمرة خجلها، الذي قابله الآخر بضحكة رنانة ساحرة: "قومي وبطلي كسوف."
أجابت وهي ما زالت بحضنه تخفي وجهها عنه: "تؤ تؤ."
قبل أعلى رأسها متحدثاً بحنان: "طب قومي نامي يلا، إنتِ هتفضلي نايمة في حضني؟"
شدت أكثر على أحضانه وأسندت رأسها على صدره، تحاوط خصره. تململت ببساطة وخفة، ترفض حديثه بأن تقوم من حضنه. طبعت فوق صدره قبلة خفيفة مكان قلبه، جعلت نار عشقه تتدفق داخله. انقض على شفتيها المكتنزة الذي عشق مذاقهما في قبلة شغوفة يبث بها عشقه لها.
ملس على منحنياتها برغبة حارة وعشق، مما جعلها تنتفض من مكانها مبتعدة عنه، متوجهة سريعاً إلى المرحاض، تغلق الباب خلفها بقوة.
قلق الآخر من فعلتها واعتلته الدهشة، فذهب خلفها، دق على الباب متسائلاً بقلق: "مليكة، إنتِ كويسة؟ مليكة، مليكة ردي، إنتِ كويسة؟ متقلقنيش عليكي."
لم يجد رداً، فزفر بقوة ضارباً الأرض بقدمه، متحدثاً بنفور وصياح: "مليكة، افتحي عشان مقسرش الباب، وساعتها هجيبك زي الفار المبلول من عندك."
فتحت الباب الذي كانت واقفة خلفه منكسة الرأس، تشعل بالخجل وتورد وجنتاه.
تسائل هو بقلق: "في إيه؟ إنتِ كويسة؟"
لم ترد عليه، وتركته متخطية جسده متوجهة للفراش وهي على حالتها تلك.
اعتلاه الغضب من تجاهلها له، فصاح بغضب نحوها: "يا بنت، أنا مش بكلمك، ما تردي."
ظلت صامتة ولم ترد، معطياه ظهرها نائمة على الفراش.
زفر بغضب متحدثاً بتأفف: "الله، أما طولك يا روح، إنتِ مبترديش ليه؟"
تحدثت بتزمر وغضب طفولي وهي تبعد الشرشف من عليها، ثم جلست على الفراش: "عشان إنت قليل الأدب، ومتكلمنيش تاني."
ضحك بخبث متمتماً: "قليل الأدب ليه؟ عملت إيه طيب؟"
ترددت في الحديث: "عملت، عملت..." ومن ثم زفرت بقوة متأففة: "هووووووف، إنت عارف إنت عملت إيه."
تحدث بنبرة عادية بها خبث، أراد إحراجها وأن يرى حمرة خجلها مرة أخرى: "وأنا عملت إيه يعني؟ دي بوسة بريئة."
صرخت وهي تشد على خصلاتها: "أنا عايزة أنام."
تحدث ببرود وابتسامة سمجة على محياه: "ما تنامي يا قلبي، حد حايشك."
أومأت له وهي تشير نحوه: "آه، إنت."
جلس على الفراش واضعاً قبضة يده أسفل ذقنه: "وأنا حايشك إزاي بقا؟ قولي لي."
مطت شفتيها بخجل ووجهها منتكساً للأسفل: "تعالي نام جانبي عشان خايفة."
ضحك بصمت، ومن ثم تحدث وهو يتوجه للفراش: "ماشي."
تحدثت هي بمرح: "بيعرج."
تحدث باستفهام: "هو مين؟"
ضحكت متحدثة بمرح: "اللي ماشى."
رفع أحد حاجبيه متحدثاً: "طلعلك لسان دلوقتي، ما كنتِ خرسة من شوية."
تحدث بضيق ووجه عابس: "والله لو مبطلتش تحفيل لهعيط، ويلا بقا، أهو كده."
ضحك على كلماتها التي قالتهم بنهاية حديثها: "متجوز طفلة، والله العظيم."
اقتربت منه ملتقطة لياقة ملابسه: "مش عاجبك ولا إيه؟"
تحدث بوجهها بنبرة ساحرة: "عاجبني وعلي قلبي زي العسل."
تراجعت للخلف من خجلها وذهبت لتنام على جانبها، واضعة وسادة فاصلة بينهم: "نام."
جلس الآخر بمكانه على طرف الفراش الآخر، محسساً جانبه. وجد شيئاً مالساً، نظر نحوه فوجده وسادة تفصل بينهم. استشاط غضباً متحدثاً بضيق: "نعم، إيه دي؟"
تحدثت ببراءة وهي توجه وجهها نحوه: "إيه؟ مخدة؟"
تحدث بسخرية وهو ما زال مستشاطاً منها: "تصدقي؟ صح، كنت مفكرها لحاف. بتهبب إيه؟ يعني؟"
تحدثت بابتسامة واسعة: "فاصل بينا."
أكمل حديثه المستشاط: "وهو لو أنا عايز أعمل حاجة، المخدة هي اللي هتمنعني؟"
تحدثت بمزاح: "آه، أصلها مخدة قطن أصلي مصري."
تحدث هو بنفاذ صبر، حيث جلس نصف جلسة من شدة غضبه: "شيلي يا مليكة البتاعة دي، متعصبنيش."
ابتلعت لعابها بخوف، ومن ثم نزعتها من مكانها: "طب متزعقش طيب."
جذبها نحوه من ظهرها، حيث ألصقها به. استدارت له، تحاوطه، دافنة وجهها بين أحضانه، تتنفس بعمق رائحته التي تشعرها بالأمان. طبع الآخر قبلة فوق رأسها، ثم غرق كل منهم في النوم.
***
خرجت من غرفتها إلى البلكون، تنظر إلى المنظر الطبيعي والحدائق الخضراء الجميلة والمياه الصافية والأنوار التي تزين المكان بشكل رائع. وجدت مالك واقفاً هو الآخر ينظر أمامه، يبدو عليه الشرود.
ابتسمت بداخلها على وجوده، فتحدثت بتعجب: "إيه ده؟ إنت هنا؟"
أجابها هو بسخرية: "لأ، هناك. ولسه جاي من هنا. بس إيه هناك ده كان فظيع، أوير."
رفعت شفتها العلوية بضيق من ما قاله ومعاملته معها، ثم تحدثت بسخرية: "دمك شربات. الحق بقا النمل، مش ناقصين إحنا."
ضيق عيناه عليها رافعاً أحد حاجبيه: "يا بت، إنتِ مش كنتِ تعبانة؟"
رفعت رأسها للأمام بعدم اهتمام: "كنت بقاوم."
ثم أكملت وهي تقبل يده، وجهه وظهره: "ورجعت الحمد لله بكامل صحتي."
ضحك بخفوت متحدثاً: "والله وأنتِ تعبانة أحسن، على الأقل مبنسمعش ليكي صوت، وتبقي كيوت كده."
اتسعت عيناها من ما قاله، متحدثة بذهول وهي تشير على نفسها بإصبعها: "أنا كيوت؟"
استغرب منها، فأكمل وصفه لها: "وقمر وعسل كمان."
رفعت أحد حاجبيها متحدثة بمكر: "دا إنت بتعاكس بقا؟"
ضحك بصخب متحدثاً: "مقصديش والله."
ابتسمت، ومن ثم تحدثت بنبرة مازحة: "لأ، أقصد أعم، أنا مسامحة عادي."
ضحك على ما قالته بطريقتها اللذيذة: "دا إنتِ فظيعة. إلا صحيح، إنتِ بتحبي تقراي؟"
تحمست بشدة، وظهر ذلك في نبرتها المتحمسة: "آه، جداً."
تحدث هو بتساؤل: "قريتي رواية 'أنا أحبك'؟"
عقصت ملامح وجهها، متحدثة بعدم فهم: "إيه؟ يعني إيه؟ مش فاهمة."
أجاب هو بنبرة مقتضبة، وكأنه أراد أن يرى ملامح وجهها بعد نطقه لتلك الكلمات: "أنا أحبك."
حدقت بصدمة، وشعرت بقلبها يهوي، يدق كالمطرقة بين أضلعها، ونيران نشبت بوجهها جعلته ينصهر من شدة الحرارة. تنحنحت، ومن ثم ملست بلسانها على شفتيها الجافة حتى ترطبهم، تحدثت بخفوت ونبرة هلكت قبل أن تخرج إليه: "إيه؟"
حاول كتم ضحكته عندما رأى ملامح وجهها التي تبدلت تماماً، وأظهرت شخصيتها التي تخفيها خلف القضبان. ومن ثم تحدث بنبرة عادية: "معنى 'أنا أحبك' يعني أنا بحبك."
أحست بانفعالها أكثر من قبل، وبأنها تريد سحقه بيدها على ما قاله لها، جعلها تحلق في السماء عالياً، ثم جعلها تهوي إلى سابع أرض على رقبتها.
تحدثت نفسها: "سهيلة، اهدي، اهدي، بطل دق. إنت ما صدقت حد قالك كلمة، هتبدأ تدق. ما تكلمه يا جعفر وتشوف شغلك كويس، خليه يدخل دم من سكات."
أحس مالك بشرودها وعدم حديثها، فتنحنح متسائلاً: "سرحانة في إيه؟"
انتبهت لما قاله، لكنها أحست بعدم مقدرتها على الوقوف معه، فتحدثت: "مفيش. أنا هدخل أنام. تصبح على خير."
"وأنت من أهل الخير."
توجهت للداخل حتى تنام، كما تحججت، أو تفكر به على انفراد مع نفسها.
ظل مالك واقفاً بمكانه يتأمل ملامحها ويتذكرها، وعلى ثغره ابتسامة جذابة. أخذ يحدث نفسه: "البت دي غريبة جداً وحلوة جداً وعسل أوي. يا ترى إيه الإحساس اللي بحسه لما بشوفها؟ ببقى عايزها تفضل معايا على طول، وبحب مناقرتها أوي. ومش عارف ليه اتضايقت لما أسر كان مهتم بيها وحضنها، وليه حسيت بوجع في قلبي لما شوفتها تعبانة وبتعيط. ممكن أكون حبيتها، بس لأ، مش ممكن طبعاً. أما أدخل أنام بدل ما أتجنن وأنا بكلم نفسي."
***
استيقظ الجميع صباحاً وتوجهوا لخارج الفندق. ذهبوا إلى مطعم صغير اعتادت سهيلة الذهاب إليه بسبب صاحبه الرجل المسن الذي أحبته كثيراً، فكانت كلما تنزل إلى تلك البلد ذهبت إليه. تجمعوا معاً على الطاولة، وذهبت سهيلة وأسر حتى يسلموا على ذلك الرجل، وبقيت مليكة ومالك الذي جاءه مكالمة فذهب لإجرائها، وبقيت مليكة منفردة.
كان بعض الشباب جالسين على طاولة منفردة يتهامسون عليها وهم يبعثون النظرات الممتلئة بالشهوات نحوها. قاموا جميعاً عندما ظلت وحيدة وجلسوها بجواره.
تحدث شاب منهم وهو يغمز لها: "حد يسيب الجمال ده كله ويقوم؟"
تحدثت هي بتردد ونبرة عالية حاولت جاهدة في إخراجها: "إنت يا جدع إنت وهو، قوموا من هنا عشان في ناس قاعدين هنا."
تحدث شاب آخر وهو يضحك بخبث: "ولو مقومناش، هتعملي إيه؟"
قامت مليكة من مكانها بعيداً عنهم، تبحث عن كل من أسر وسهيلة أو مالك، لكنها لم تجدهم. وظلت مكانها واقفة بالخارج بمفردها، حتى أتى هؤلاء الشباب بسيارتهم، منتهزين عدم وجود أحد بالمكان، وقاموا بسحبها داخل السيارة، الذي طارت بهم إلى محل وجهتهم.
وصلوا إلى منطقة بها العديد من الشاليهات القديمة على البحر. ظلت مليكة تتحرك بين أيديهم بلا هوادة، فضربها أحدهم على صدغها مما جعلها تزيد في بكائها وحركتها. عصت ذلك الشخص الذي كان يكممها، مما جعله ينتفض من عليها، ضارباً بقبضته على وجهها، مما جعلها تخرج الدماء، متمتماً بالسباب الفظ: "يا بنت الـ ****، اهمدي بقا. امسكوها كويس، بنت الـ ****."
حاولت الصراخ مع بكاؤها، لكنهم كانوا يكيلون لها الضرب كلما حاولت الحركة بين أيديهم.
رواية كن لي أبا الفصل السابع عشر 17 - بقلم روميساء نصر
صدح صوت إطلاق الرصاص في الفضاء مما جعل هؤلاء الشباب ينفزعون من ذلك الصوت. أسقطوا مليكة وأسرعوا مهرولين، كل واحد بطريق مختلف.
أسرع صاحب إطلاق النيران وتوجه نحو الملقية أرضًا. جثا على ركبتيه يتحسس رقبتها ليرى تنفسها الذي كان طبيعيًا. أزال خصلات شعرها التي كانت تخفي وجهها عنه، تأمل ملامحها جيدًا التي ذكرته بأمر بالماضي. ظل يتعجب ويتساءل مع نفسه عن تلك الفتاة الذي بينها وبين الذي يفكر بها ذلك الشبه الكبير.
حملها وغادر المكان حتى خرج من الشاطئ تمامًا. وضعها بالأريكة بالخلف وجلب قنينة مياه، وضع القليل منها على يده وأخذ يرفرف بها على وجهها. تحركت عيناها أسفل جفنيها ثم أخذت تفتحهم ببطء حتى انتفضت مكانها عندما وجدته بوجهها.
ابتعد عنها محاولًا تهدئتها بعدما أحس بنحيبها بشيء من الحنين والرفق. تحدث بهدوء:
"اهدي اهدي، أنا أنقذتك منهم. تقدري تعرفيني مكان أهلك فين عشان أوصلك ليه؟"
انفتحت بالبكاء عندما تذكرت كل ما حدث لها وبدأت آثار الضرب تؤلمها كثيرًا.
اقترب الآخر وجلس بجوارها بعدما كان واقفًا خارج السيارة. أحس باحتياجها له كثيرًا، لا يعلم لماذا شعر بالحنان وبدفء قلبه ناحيتها. هل لأنها تشبهها أم ماذا؟ ربت على ظهرها مكملًا حديثه:
"متقلقيش، مفيش حد إذاكي. عرفيني أهلك فين وهوصلك ليه."
تحدثت من بين نحيبها:
"معرفش فين مكانهم، أنا مش عايشة هنا. أنا كنت جاية مع جوزي ومعرفش حد هنا."
قام من مكانه خارجًا من السيارة. أخرج علبة سجائر وظل يدخن بشراهة يفكر بها وبكلماتها. عصر عقله من كثرة التفكير. تلك الفتاة تعني له الكثير، لم يشعر بتلك الراحة منذ سنوات. عندما اقترب منها، انتهى من سيجارته واعتلى السيارة من الأمام وقام بالتوجه إلى قسم الشرطة.
***
صدحت أصوات الرصاص في الفراغ ليرتعب الشباب الثلاثة ويلقوا مليكة من يدهم لترتطم على الرمال لتفقد وعيها. ليهربوا ويتركوها. ليقترب منها هذا الشخص ويقوم بنكزها لإيفاقتها ولكن لا يوجد استجابة منها، فقام بحملها إلى الشاليه الخاص به.
دلف جلال إلى الشاليه وهو يحمل مليكة ليضعها في غرفته على الفراش. ليذهب ويأتي بالبرفيوم الخاص به لإيفاقتها. ليتأمل وجهها الجميل ليذكره وجهها بشخص ما.
"جلال. سبحان الله فيكي شبه كبير أوي منه."
بعد محاولات إيقاظها، استعادت مليكة وعيها لتنظر حولها بزهول لتتساءل عن هذا المكان الغريب. لترتعب عندما تذكرت ما حدث إليها.
***
عاد اسر وسهيلة للكافتريا مرة أخرى يحملون الأطعمة لكنهم لم يجدوا أحد. تساءلت سهيلة:
"إيه دا، هما راحوا فين؟"
لم يتحدث اسر من كثرة قلقه، فوخزات قلبه الذي كان يشعر بها فهي سبب اختفائهم. أمسك هاتفه وقام بالرن على مالك الذي كان هاتفه هو الآخر مشغولًا.
أتهم صوت مالك من خلفهم:
"إيه يا شباب، فين الفطار؟"
التفتوا إليه ثم تساءل اسر بلهفة:
"أومال مليكة فين؟"
مط شفتيه لأسفل:
"ما أنا سايبها هنا يا ابني وبعدين جالي تليفون ضروري قمت رديت واتاخرت شوية، لكن أنا سايبها هنا."
تحدق اسر بصرامة وعصبية:
"سايبها هنا لوحدها؟!"
تحدث مالك بقلق عليها عندما لم يجدها:
"ما كانت قاعدة وأنا جالي تليفون مهم فقمت ارد عليه."
انفعل اسر من ما قاله وانفجر به صائحًا وهو يشد على خصلات شعره:
"انت متخلف، إزاي تسيبها لوحدها؟ هي عارفة حاجة هنا؟"
حاولت سهيلة تهدئة الوضع متحدثة بهدوء وهي تربت على يد اسر:
"اسر اهدى، اكيد هنلاقيها. ممكن تكون راحت تتمشى شوية أو في الحمام. أنا هروح أشوفها هناك."
أومأ لها اسر وتوجهوا للمرحاض ولكن أصابتهم خيبة الأمل عندما خرجت سهيلة مطأطأة الرأس بدونها.
هنا جن اسر وأخذ هاتفه وقام بالرن على أحد الأشخاص الذي حدثه بنبرة آمرة صارمة:
"عاوزك تقلبلي شرم الشيخ كلها على مليكة مراتي وتبلغ كل الأقسام وتسيب صورتها معاهم. عاوز البلد تتقلب لحد ما تلاقيها."
أغلق الهاتف ومن ثم توجه هو ومالك وسهيلة إلى الفندق ليبحثوا عنها هناك، ظنًا بأنها من الممكن أن تكون ذهبت هناك.
جاء بعد نصف ساعة مكالمة ل اسر تخبره بأن يوجد إخباريات تؤكد رؤيتها تدخل أحد الأقسام مع رجل. علم اسر اسم القسم وتوجه إليه.
***
دلف كل من مليكة وذلك الرجل الذي يدعى جلال إلى القسم ثم توجهوا إلى مكتب رئيس المباحث. بعد دخولهم، جلس كل منهم أمام الضابط.
بدأ جلال بالحديث:
"يا حضرة الظابط، البنت دي كان في ٣ شباب خاطفينها وهي متعرفش حاجة هنا خالص."
تحدث الظابط بتفهم:
"طب حضرتك عاوز تفتح محضر ولا تعمل إيه؟"
تحدثت هي بنبرة مرتعشة:
"لا لا لا، أنا عايزة أرجع لجوزي بس مش عايزة محضر ولا حاجة لو سمحت رجعوني لجوزي ومش عايزة حاجة تانية."
تحدث الظابط:
"طب اسم حضرتك بالكامل إيه واسم جوزك عشان نقدر نوصله."
بدأت بإملائه اسمها:
"اسمي مليكة طارق الهاشمي."
وقع الاسم على مسامع الآخر كالرعد الذي خرق سمعه. تساءل بزهول:
"إنت بنت طارق الهاشمي؟"
أومأت له:
"أيوه. إنت تعرف بابي؟"
تساؤل:
"أمك اسمها إيمان؟"
صدمت من ذكره لوالدتها. تحدثت بتعجب:
"أيوه. إنت تعرف ماما وبابا منين؟"
قطع حديثهم اقتحام اسر المكان الذي صدم مكانه عندما وجد كدمات بوجهها وآثار الدماء تلطخ وجهها. ابتلع غصة الحزن والألم الذي احتاجه وأسرع نحوها يتفقدها ويتفقد حالتها، ملتقطًا بوجهها يملس على كدماتها برقة كأنه يداويهم. أغمض عينيه يدفن تلك العبارة التي كادت أن تسقط، جاذبًا جسدها نحوه، يدفن وجهه بها، ممسدًا على خصلات شعرها، يمدها بالدفء والحنين والأمان التي افتقدتهم في بعده. شعر بروحه انسحبت بعيدًا عنه عندما افتقدها.
"يا إللهي لا تجعلني أتذوق من ذلك العذاب مرة أخرى."
أجهشت بالبكاء بين أحضانه، تشدد عليه بقوة فما تعرضت له ليس بالهين. شدت على قميصه تتشبث به كالغريق. ابتعد عنها حتى يرى وجهها ثم كفف دموعها تلك هامسًا لها:
"متعيطيش، أنا جنبك."
وجه اسر حديثه الحازم نحو الضابط:
"هي كانت فين وإيه اللي حصلها بالظبط؟"
"يا أستاذ اسر، المدام كانت مخطوفة والاستاذ أنقذها منهم. فلو هتعمل محضر فيهم جهزه، وإلا إيه إجراءاتك؟"
"لا مش هعمل محضر، أنا هعرف أتصرف."
ذهبت سهيلة إليهم وقامت باحتضان مليكة متحدثة بحنان وعاطفة:
"حبيبتي قلقتيني عليكي أوي."
تحدث مالك بلطف:
"ابتسمت لهم بود حتى تغير ذلك الجو الملتحم. يعني أنا اللي قلتلهم تعالوا اخطفوني. على العموم المرة الجاية هقولهم يقولوا لكم خبر عشان متقلقوش."
تحدث اسر موجها حديثه ل جلال:
"أنا متشكر جدًا لحضرتك بجد على إنك رجعتلي مراتى."
تحدث جلال وابتسامة تزين ثغره وعيناه متعلقة على مليكة:
"أنا اللي بشكرك جدًا."
تعجب اسر من ما قاله وانتبه الجميع إليه ثم تحدث اسر باستغراب:
"بتشكرني ليه؟"
"أنا بشكرك عشان رجعتلي بنتي وخليتني أشوفها."
صدم اسر من ما قاله:
"نعم..."
رواية كن لي أبا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم روميساء نصر
وقف الجميع في صدمة كبيرة مما قاله ذلك الرجل.
تحدث أسر باستفهام قاطعًا ذلك الصمت:
"نعم بنتك مين؟"
وجه جلال حديثه لمليكة متحدثًا باستعطاف:
"إنتِ يا مليكة يا حبيبتي بنتي."
انفعلت مما قاله متحدثة بصرامة:
"بنت مين؟ إنت هو أنا أعرفك أصلاً؟"
تحدث جلال:
"اهدي بس وأنا هفهمك كل حاجة. إنتِ مش والدتك اسمها إيمان."
أومأت له بقلق.
صرخ بوجهها من فرحته التي لم تسعه:
"يبقى إنتِ بنتي اللي حرمتني منها طول السنين دي كلها!"
تدخل مالك في الحديث الذي انفعل من الذي يقوله ذلك الرجل في حق عمته:
"إنت هتخرف يا راجل انت بنتك مين دي وعمتي تعرفك منين أصلاً؟"
انتبه جلال لمالك ثم تساءل عنه:
"إنت مين؟"
تفوّه مالك بسخرية:
"أنا أبقى ابن خالها وابن أخو اللي إنت عمال تطعن في شرفه."
تحدث جلال مشيرًا نحوه:
"إنت ابن أيمن؟"
عقد مالك حاجبيه متسائلاً:
"إنت تعرف أبويا منين؟"
تحدث جلال بتفهم نظرًا للمكان الواقفين به:
"تعالوا معايا الأول نخرج من القسم ونروح في مكان هادي نتكلم وهحكيلكو على كل حاجة."
ربت جلال على ظهر مليكة ليقودها للخارج، لكن قبضة أسر الفولاذية انتزعت يده من عليها متمتمًا بصرامة وغضب:
"إيدك متلمسهاش تاني."
جذب جلال يده من قبضة الآخر متحدثًا بانفعال:
"إنت اتجننت؟ دي بنت!"
تَنَفَّس أسر بعمق واضعًا يده على وجهه يحركها بحركة دائرية كأنه يعيد ترتيب وجهه، متحدثًا بصوت بدأ في أوله بأنه خافض ثم ظل يعلو حتى نفى عن غضبه:
"إنت اللي اتجننت! هي مين دي اللي بنتك؟ إنت فاكر إن هيخش علينا الشويتين دول؟"
وضع جلال يده على كتفها يحدثها برجاء وحنين أبوي:
"صدقيني يا بنتي أنا أبوكي والله صدقيني ومستعد أثبتلك وإسألي إيمان أمك هتقولك الحقيقة."
شعرت بقشعريرة بجسدها على أثر لمسته التي أحست باختلافها عن أي شخص آخر. أحست بالحنين إليه وبأن علاقة ما تربطها به منذ أن جلس بحوارها بالسيارة، لكنها لم تقدر على التفرقة بين تلك المشاعر وقلقها وخوفها. ظلت تتساءل عن طارق ومن هو إذا كان هذا الرجل والدها، وإذا كان والدها لما تركها لذلك طارق الذي اتخذها لعبة يحركها كيفما شاء.
أيقظها من أفكارها صوت أسر القلق:
"مليكة إنتِ كويسة يا حبيبتي؟"
أومأت له وهي تحرك رأسها لفوق وأسفل بالإيحاب:
"آه."
توجهوا معًا خارج القسم، لكنها تعثرت في خطواتها عندما أحست بالدوار. التقطها الآخر مساندًا جسدها، تحدث بخوف وقلق عليها:
"مليكة إنتِ كويسة؟"
أخرجت صوتًا يدل على عدم إدراكها وتوهانها:
"هاه."
مسح على وجنتها يتحسسها:
"إنتِ مش مركزة خالص. تعالي نروح المستشفى نطمن عليكِ."
حركت رأسها بنفي متحدثة بتعب وانهماك:
"لا أنا كويسة الحمد لله."
صاح بها بغضب بسبب رفضها الذهاب للمشفى حتى ترى كلام ذلك الرجل:
"بطلي تتهاوني بصحتك وتعالي نطمن عليكِ."
تحدثت بنبرة جاهدت في إخراجها متزنة لكنها خرجت بها اهتزازة:
"يا أسر تعالي بس نشوف كلام الراجل ده."
زفر بضيق منها ومن عنادها، ساندها حتى وصل إلى سيارته الذي أدخلها بها وجلست بجوارها سهيلة واعتنقها هو من الأمام وتوجه وراء سيارة جلال.
توقفت السيارات أمام مطعم هادئ على البحر، جلسوا به جميعًا على طاولة كبيرة تضمن عددهم وبدأ هو في الحديث عن ما حدث بالماضي:
"بصي يا بنتي أنا هحكيلك على كل حاجة. من ١٩ سنة أنا وأمك كنا بنحب بعض جدًا زي أي اتنين بيحبوا بعض وعايشين حياتنا عادي خالص. أنا كنت بجهز نفسي وبدرس عشان أعرف أتقدملها وأتجوزها. لحد ما جه اليوم اللي أمك كلمتني فيه وكان صوتها يقطع القلب، كانت عمالة تعيط وعايزة تقابلني ضروري. روحت عشان أقابلها، كان الحزن باين في عينيها. لحد ما اتكلمت وقالتلي إن اتقدملها عريس وأبوها وافق وهيجوزها له عشان الراجل ده ماسك شيكات على أبوها وهيحبسه بيها، بس هيقطع الشيكات دي لو أبوها جوزها له ومش هيحبسه. أمك ساعتها اترجتني آخدها وأهرب بعيد عنهم. بس للأسف أنا كانت حالتي لا تسمح إني أتجوزها ولا أفتح بيت، أنا كنت لسه طالب في الجامعة بأخد مصروفي من أهلي. كنت في قمة العجز لما كنت شايفها بتتحايل عليا وتترجاني أتجوزها وأبعد عن أهلها. بس إزاي أتجوزها وأنا مش بإيدي أي حاجة. وكمان كنت موعد نفسي أستلمها من إيد أبوها مش آخدها سرقة. المهم رفضت ومشيت وفضلت أفكر هعمل إيه عشان أنقذها من اللي هي فيه وأتجوزها. فات شهر وأنا بشتغل ليل ونهار، أهو أعمل أي حاجة. لحد ما عرفت إنها اتجوزت. أول ما عرفت حسيت إن برج من دماغي طار ومبقتش مستوعب إن اللي البنت اللي اتمنيتها تبقى ليا ومن نصيبي غيري ياخدها وأنا عاجز مش قادر أعملها حاجة. مكنتش طايق نفسي ولا طايق حد. لما أفكر إن حد غيري لمسها ونايمة في حضن حد تاني غيري كنت بتتقطع من جوايا. لدرجة إن لما عرفت جريت وعرفت عنوان بيت جوزها وروحت لها هناك وهي اللي فتحتلي. أول ما شافتني اترمت في حضني وعيطت، عيطت بكل الحزن والوجع والألم. عيطت، كانت كل دمعة بتشكيلي معاناتها كأنها ما صدقت لقت حضن يحتويها وبكت واشتكت. بقت كل كلمة تطلع منها كانت مليانة وجع وعتاب عشان سبتها. فضلت في حضني فترة كبيرة لدرجة إني مش فاكر قد إيه، بس كنت بحاول أعوض حرماني منها السنين اللي جايه. أنا عارف إنها مش حلالي بس غصب عني، حبي واشتياقي ليها خلوني غصب عني أعمل كده وهي مقدرتش تقاوم حبها، مقدرتش تقاوم الحضن اللي هو الأمان بالنسبة ليها. إحنا اللي عملناه غلط بس كان انجراف مشاعر غصب عني وعنها. مشيت من عندها وكنت عمال أعيط زي الطفل التايه من أمه. وبعد اللي حصل بشهر جات عندي، كنت مستغرب أوي هي جات لي وإيه سبب إنها تجيلي مكان شغلي خصوصًا بعد جوازها. جات وقالتلي إنها حامل، بقيت مستغرب من كلامها. رديت عليها وقولتلها حامل إزاي يعني؟ قالتلي أنا حامل منك إنت. قولتلها إزاي ما يمكن حامل من جوزك؟ قالتلي جوزي مسافر من ساعة اللي حصل ومبخلهوش يقرب لي عشانك إنت مش عايزة حد يلمسني من بعد لمستك. رديت عليها وقولتلها أنا هسافر وهشتغل بره وهحاول أجيب فلوس من أي حتة وهجيلك وهطلقك منه وأتجوزك. فرحت أوي من كلامي، بس للأسف سافرت والدنيا كانت عكسي لحد ما الحمد لله ربنا فرجها عليا واشتغلت وبقى معايا فلوس وفتحت مشروع وكبر وبقوا مشاريع ورجعت بعد ٤ سنين. بس للأسف كان كل شيء انتهى وجوزها عرف إنه مبيخلفش أصلاً واضطرت إنها تعترفله بكل حاجة وقالتله إنها هتفضل معاه ومش هتسيبه وإلا هتطلق منه وكمان اتنازلت عن الشراكة اللي بينهم في الشركة ليه مقابل إنه ميفضحهاش. قولتلها طب هاتيلي بنتي رجعالي عايز أشوفها. رفضت وقالتلي حرام عليك سيبهالي دي الحاجة الوحيدة الحلوة اللي طلعت بيها من الدنيا، سيبها تفكرني بيك وتفكرني بأيامي اللي قضيتها معاك، أرجوك سيبهالي، سيبهالي هيبقي إنت والزمن عليا. مقدرتش أقوم رجائها ووافقت وطلبت منها صورة ليكي وأديتهالي. الصورة دي مش بتفارقني أبداً لدرجة إني عامل أوضة وحاطط فيها صور كتير من الصورة دي. أرجوكي يا بنتي تصدقيني أنا أبوكي والله أنا أبوكي. طارق مش أبوكي، أنا اللي أبوكي."
ضحكت باستخفاف وسخرية. عضت على شفتيها السفلى وهي تغمض عينيها تمنع نزول تلك الدموع المهددة بالهطول. تحدثت بهدوء عكس ما بداخلها:
"يعني إنت أبويا وطارق ده جوز أمي؟"
تحولت نبرتها الهادئة إلى صراخ:
"يعني إنت أبويا اللي سبتني مع جوز أمي اللي كان بيضربني ويعذبني وكان يحبسني في أوضة ضلمة وأنا طفلة عندي ٥ سنين؟ كنت بنضرب وبتحبس وأعيط وأسمع صوت أمي وهي بتعيط وهو بيضربها، ولما كنت بروح أدافع عنها كان يضربني معاها. أنا شفت الذل بأنواعه. ده كان بيعايرني بالأكل اللي باكله. بس تعرف هو عنده حق، شايف بنت مراته من حبيبه وهو عقيم أصلاً ليه الحق يقتلني؟ هو أذنب وأنت كمان على فكرة ذنبك ما يقلش عنه كتير، إنت اللي جبتني على الدنيا وإنت اللي رميتني في إيده وخليتني أشوف من العذاب ألوان. إنت السبب في كل اللي حصلي. إنت مفكر إنك لما تحكيلي وتقولي كده هنبسط جدًا؟ صح؟ لا بالعكس أنا اتوجعت أكتر لما أبويا يكون عايش على وش الدنيا وأنا معرفش إنه أبويا. لما أكون بقول كلمة بابا لشخص بيكرهني وبيعملني كده. لو تحس إحساسي لما كنت بشوف أب رايح مع بنته المدرسة أو بيخرجها أو بيحضنها أو بيعمل معاها أي حاجة كنت ببقى مضايقة جداً من نفسي وكنت أجيب الغلط على نفسي. كنت بجيب الغلط على نفسي وكنت بقول أنا اللي غلطانة عشان هو بيعاملني كده. بس غلطانة في إيه؟ معرفش. كنت بخلق أعذار عشان أقدر أحبه تاني غصب عني، ماهو مهما كان أبويا. وفي الآخر يطلع مش أبويا وأنت أبويا. إنت مخففتش عني، إنت زودت الوجع اللي في قلبي."
قالت كلمتها الأخيرة وهي تنهض حتى تبتعد عن مكان جلستهم، لكنها أحست بالدوار الشديد وألم حاد برأسها لم تقدر على تحمله فسقطت مغشياً عليها مصطدمة بالأرض الصلبة.
أسرع أسر نحوها جلس أرضًا بجوارها حاملاً جسدها على ساقيه، مربتاً على وجنتيها برفق حتى تفوق، لكنها لم تستجب. حملها وتوجه بها مسرعًا إلى المشفى وتوجه خلفه كل من جلال ومالك وسهيلة.
بغرفة المشفى كان يتجمع الجميع والطبيب الذي يفحصها. انتهى من فحصه ووجه حديثه إلى أسر الذي كان يقف بجوار الفراش يتطلع إليها بوجه حزين وجسد متهدل:
"هي اتعرضت لضغط نفسي كبير وانهيار عصبي وباين كدا من علامات الكدمات اللي في جسمها إنها اتعرضت للعنف. فيا ريت تاخدو بالكم منها وبلاش تعرضوها لأي ضغط نفسي."
تساءل أسر بقلق:
"طب هي هتفوق إمتى؟"
"أنا اديتها حقنة مهدئة ولما مفعولها يروح هتفوق بإذن الله."
أومأ له أسر وعلامات وجهه مليئة بالحزن، ثم توجه الطبيب خارجًا.
جلس أسر بجوارها ممسحًا على خصلات شعرها يعيد ترتيبهم، متأملاً وجهها الذي به كدمات وملامحها الشاحبة. أحس باحتراق داخله على أثر ما تعرضت له محبوبته. حدثها كأنها تسمعه ونبرة صوته يغشاها الحزن:
"قومي يا مليكة فوقي يا حبيبتي أنا مش عايزك نايمة كده. قومي يلا."
تحدث جلال حتى يواسيه في أمر يحتاج هو من يواسيه:
"يا ابني مينفعش كده هي مش سامعاك."
غضب أسر من ذلك الرجل الذي هو سبب ما هي عليه محبوبته وتحولت معالم وجهه إلى الجمود. صاح بمن في الغرفة بصوته الجهوري:
"أنا مش عايز حد في الأوضة كله يخرج بره."
قام مالك بإخراجهم من الغرفة تاركًا إياهم بمفردهم.
ظل يحدثها برجاء من قلبه ودمعت عيناه على أسره:
"مليكة قومي يا حبيبتي وحشتيني أوي. قومي يلا ومعنتش هخوفك أبداً تاني وهعملك اللي إنتِ عايزاه. هوديكي الملاهي وهخرجك على طول وهعملك مكرونة وبانيه على طول وهجيبلك شوكولاتة بس قومي."
تحدثت وهي ما تزال نائمة بنبرة واهنة:
"هتجيبلي شوكولاتة بجد؟"
صدم من ما قالته، لكن لم يدع الصدمة تستحوذ عليه وقام بسحبها إلى أحضانه دافناً وجهه بين منحنيات عنقها مشدداً على احتضانه كأنها ستفر منه إذا حرر قيضه.
تحدثت هي بوهن ونبرة متعبة:
"بالراحة هتكسر عضمي."
تحدث بصرامة وهي ما تزال بين أضلعه:
"اخرصي خالص بقى عشان إنتِ زهقتيني عليكي ووقعتي قلبي يا شيخة حرام عليكي."
تحدثت بتزمر:
"قاسي إنت أوي، بتطلع شوية ضبش مينفعوش خالص في الوقت ده وأنا الصراحة مش قادرة أجادل معاك فهنادي لسهيلة أحسن هتسد عني."
تحدث بنفي من بين ضحكاته:
"لا لا لا، هو أنا ناقص وجع دماغ؟ هيبقي وجع قلب ودماغ كمان."
ابتعدت عنه قليلاً لكنها ما زالت في حصاره متحدثة بجدية:
"إنت بجد خوفت عليا؟"
قبل أعلى رأسها متحدثاً:
"طب فين الشوكولاتة؟"
قبل شفتيها المضمومة أمامه قبلة خاطفة:
"شوكولاتة إيه؟"
عقدت حاجبيها ولويت شفتيها للأسفل متحدثة بحزن مصطنع:
"والله إنت لسه قايل قومي وهجيبلك شوكولاتة."
تذكر ما قاله فضحك متحدثاً:
"يا بت ارحمي نفسك هتتعبي وأنا بخاف عليكي فمش هجبلك حاجة."
ابتعدت عنه بيدها تدفعه بعيدًا متحدثة بنفور:
"طب أوعى عمّال أروح أنام تاني كنت مرتاحة وبسمع منك كلام حلو وأول ما صحيت الضبش اشتغل."
ضحك على حديثها وتزمرها ثم ضمها إليه مرة أخرى:
"طب خلاص يا ستي قومي إنتِ بس وصحصحي وأنا هجيبلك اللي إنتِ عايزاه وهوديكي أي حتة إنتِ عاوزاها."
رفعت يدها أمامه تستعرضها متحدثة بتفاخر:
"ده أنا زي الحصان تحب أقوم أجريلك ١٠ كيلو دلوقتي؟"
تحدث من بين ضحكاته:
"لا خليكي في حضني أحسن."
قبل جبهتها، دافناً جسدها بين أضلعه مرة أخرى.
رواية كن لي أبا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم روميساء نصر
أمام غرفة مليكة بالمشفي كانو يتجمعون بالخارج.
ذهب مالك إلى جلال الذي كان واقفًا يستند برأسه على الحائط، مغلق العين، يعاني من حالة حزن شديدة.
ربت مالك على كتف جلال متحدثًا بنبرة جادة:
"أنا مصدقك. أبويا كان حكالي عن موضوع الشيكات وتنازل عمتي عن ورثها، بس محدش كان عارف السبب. ودلوقتي ربطت الخيوط ببعضها وعرفت السبب. ولي عملت كدا."
عندما استمع جلال لتلك الكلمات، قبض على كتفي مالك متحدثًا بلهفة:
"يعني أنت متأكد إن أبوها؟"
قبض مالك على شفتيه، حيث أضحك الخط الرفيع متمتمًا وهو يهز رأسه بالنفي:
"أنا مش متأكد، بس إللي أنت حكيته بيأكدلي دا، لأن ملوش أي تفسير غير دا."
تحدث بنبرة الحزن والخزلان تسيطر عليه:
"طب ومليكة هتصدقني وهتسامحني يا ابني؟"
انفجرت هنا سهيلة به بغضب وعيناه متلونة بالدماء، تفر منها الدموع:
"انت عايزها تسامحك على إيه؟ والا إيه؟ والا إيه؟ على إنك سبتها ومفكرتش تسأل فيها وانت أبوها؟ تسامحك على إنك خليتها تقول لراجل غيرك يا بابا؟ ويا ريته يستاهل الكلمة دي، دا كان بيعذبها وهي يا عيني كانت بتبقى موجوعة من جواها وتضحك ومبتبينش وجعها أبدًا. لحد ما تسامحك على كل ليلة كانت بتنامها وهي مضروبة ودموعها على خدها؟ حرام عليك والله حرام عليك. انتو ليه بتعملو فيها كده؟ هي ذنبها إيه؟"
انهارت سهيلة ولم تقدر ساقيها على حملها، أحست بارتخائهم، فلست أرضًا وهي ما زالت تبكي وتتألم على صديقتها.
رق قلب مالك على حالها، فتوجه نحوها، جلس بجوارها ملتقطًا يدها التي ترتعش من كثرة قلقها، مربتًا عليها بحنان متمتمًا:
"خلاص بطلي عياط، خليكي جامدة كده. أمال لما مليكة تفوق مين اللي هيساعدها ويخرجها من الحالة اللي هي فيها؟ خليكي قوية عشان تتقوي بيكي."
استمرت على بكائها، شهقاتها متحدثة من بينهم:
"لا أنا مش قوية ومش زيها. هي بإذن الله هتقوم وهتبقى كويسة. هي قوية وأقوى مني كمان. أنا لو كنت عديت بربع اللي عدت بيه كنت انتحرت وخلصت على حياتي أحسن."
مد مالك لها منشفة ورقية حتى تجفف دموعها متمتمًا:
"طب خدي المنديل امسحي دموعك وبطلي عياط بقا، خليكي شطورة."
التقطت منه المنديل وأخذت تجفف دموعها. أما الآخر الذي كان واقفًا مسلطًا أنظاره واهتمامه عليهم، أحس بالذنب وبنيران تتأجج بداخله على أثر ما سمعه عن ابنته الوحيدة التي عانت كثيرًا.
بالغرفة كان يستند على حافة الفراش ويضعها بين ساقيه، محتضنًا جسدها، يتلاعب بخصلاتها البنية. تمردت إحدى الخصلات وانسدلت على وجهها، أزاحها بأنامله مقبلًا مكانها.
هتفت هي باسمه:
"اسر."
همهم مجيبًا ملتقطًا يدها يقبلها بعشق.
تساءلت هي:
"فين مالك وسهيلة؟"
عوج فمه متحدثًا بتأفف:
"ما تفتكري لنا حاجة حلوة ليه؟ بتفتكري لنا وجع الدماغ؟"
ضحكت على ما قاله متحدثة بجدية بعدما اعتدلت وأصبحت تجلس مقابله:
"لا بجد هما فين؟ وحشوني أوي وكمان أكيد تلاقيهم عاوزين يطمنوا عليا."
اقترب منها مملسًا على وجنتيها بحنان وشوق:
"بس أنا مش عايز حد يوحشك غيري أنا."
حاوطت عنقه بيدها متحدثة:
"ما أنا معاك أهه."
وقبل مفرق عينيها ومن ثم هبط على أذنبتها، هابطًا على شفتاها التي وضعت إصبعها حدًا فاصلاً بين شفتيه وشفتاه، تهز رأسها بالنفي وابتسامة رقيقة تزين ثغرها:
"تؤ تؤ."
أمسك بإصبعها مقبلًا إياه قبلة رقيقة متحدثًا بشغف:
"تعرفي إنك حتى وانت معايا بتوحشيني. ببقى دايما عايز أحجزك عن أي حد، حتى نسمات الهوا بغير منها عشان بتلمسك."
ابتسمت له بخجل، ترمي بحضنه متمتمة بحب وشغف:
"بحبك ومش عاوزة أبعد عنك وعن حضنك أبدًا."
ضمها أسر إليه مغنيًا بنبرة رائعة وجميلة مليئة بالشجن:
(أغنية احضني نفسي أضمك)
"احضني نفسي أضمك
نفسي أكمل عمري جنبك
قلبي سامع نبض قلبك
هموت عليكي
يا حبك صحي فيا كل حاجة حلوة فيا
قلبي روحي يا نور عنيا
ده أنا كلي ليك
نفسي أغمض عيني وأحلم إن إيدي بين إيديك
ولما أفتح عيني ألاقي أحلى نظرة من عنيكي
يا اللي وصفك مستحيل.. كل حاجة لقيتها فيك
قلبي قالي إنك أنت حتة منه وروحه فيك
ولو تغيب عن عينه ثانية.. هو بس يحس بيك
حتى وانت جنب قلبي بحضنك من الخوف عليك
احضني نفسي أضمك
نفسي أكمل عمري جنبك
قلبي سامع نبض قلبك
هموت عليكي
يا حبك صحي فيا كل حاجة حلوة فيا
قلبي روحي يا نور عنيا
ده أنا كلي ليك"
انتهى من غناءها فهتفت باسمه:
"اسر."
أجاب بدلال:
"قلب اسر."
شددت على احتضانه متمتمة بحب:
"أنا بحبك أويييييي. أنت أحلى حاجة حصلتلي في حياتي."
عقص وجهه متمتمًا بمشاكسة:
"بس أنا مش بحبك."
انتفضت من حضنه مبتعدة عنه متحدثة بصدمة:
"إيه؟"
جذبها نحوه مرة أخرى مبتسمًا ابتسامته الجذابة متمتمًا أمام شفتيها:
"أنا اتخطيت مرحلة الحب، أنا بقيت بعشقك. أنا بقيت مدمنك، مدمن كل تفصيلة فيكي."
ضربته على صدره متحدثة بعتاب:
"وقعت قلبي، حرام عليك."
تمتم وهو يطبع قبلة أعلى شفتيها:
"سلامتك من وقعة قلبك يا حياتي."
بالخارج كانت سهيلة تسير بالممر ذهابًا وإيابًا حتى وقفت تزفر بضيق:
"أنا قلقانة أوي على مليكة وعايزة أدخل أشوفها."
تحدث مالك:
"وأنا كمان."
لوى شفتيه متحدثًا بنزق:
"بس هالك اللي جوه ده هيخلينا ندخل."
تخصرت بمكانها متحدثة بتزمر:
"أنت بتقول على أسر إنه هالك؟"
شاح بيده متمتمًا:
"والله أنا ظلمت هالك لما شبهته بابن عمك."
ضحكت الأخرى متحدثة:
"هو والله طيب جدًا بس عصبي شويتين."
قام من مكانه بهجوم متحدثًا:
"قولي شويتين تلاتة... والا إيديه."
حسس بجانب فمه متمتمًا:
"عليه إيدين مرزبة شبه إيدين."
انفجرت الأخرى ضاحكة متمتمة:
"أنت قلبك أسود أوي على فكرة. أنت لسه فاكر؟ على العموم معلش بس أنت اللي غلطت الأول."
انتفض مصيحًا بها من برودها:
"تقومي تفتحي نفوخي."
انفجرت ضاحكة متمتمة بأسف:
"معلش."
عوج فمه متحدثًا بسخرية:
"ودي أصرفها منين دي؟"
عقدت حاجبيها بحيرة ثم تحدثت وعيناها تشير إلى ما وراء الممر:
"في كشك على أول الشارع، روح وقول له سهيلة بتقولك معلش عايزة أصرفها."
رفع حاجبه متمتمًا:
"ها وبعدين؟"
انفجرت ضحك متحدثة من بين ضحكاتها:
"ولا قبلين يا إما هيمسكك يفتح دماغك فعلاً. يا إما هيطلب لك مستشفى المجانين."
"كمان هتدخليني مستشفى المجانين؟"
"أقل حاجة عندي."
أشارت ناحية الغرفة:
"بقولك إيه؟ ما تيجي ندخل."
ازدرد لعابه ومن ثم توجه للباب وهو يتمتم:
"يلا يا أختي وربنا يستر علينا من هالك."
أتهم صوت أسر من الداخل:
"مين؟"
صاحت من على الباب:
"أنا يا أسر. أنت أخدت الأوضة إيجار جديد ولا إيه؟"
ضحكت مليكة متحدثة:
"أهي جت. أوعى بقى يا عم عشان لو دخلت هتحفل علينا للصبح."
قام أسر متوجهًا إلى محل الباب الذي فتحه ووجد كل من سهيلة ومالك واقفين على الباب.
وقف مستندًا على حافة الباب متحدثًا بسخرية:
"نعم واقفين زي الحمام اللي ذاجن كده ليه؟"
عقصت فمها متحدثة بنزق:
"تصور إن دي مستشفى وفي واحدة نعرفها عايزين نطمن عليها جوه عندك."
تحدث مالك بوجه خائف مزيف:
"أقسم بالله قلت لها بلاش خلينا بره، هي اللي أصرت."
صدمت الأخري بحلقت عينيها به متحدثة بصدمة:
"هااار أسود. بعتني في أول محطة."
أزاح بعينيه بعيدًا عن أنظارها متحدثًا:
"أنا مدخلتش معاكي محطات أصلاً ولا أعرفك."
ثم وجه حديثه نحو أسر:
"أنا كنت عاوز بس ده بعد إذنك يعني ولو مش عايز خلاص. نطمن على البت الغلبانة اللي جوه دي."
ضحك أسر عليهم متمتمًا وهو يبتعد عن الباب:
"ادخلي يا أختي انتي وهو."
تحدثت سهيلة بصوت خشن:
"تشكر يا أسطا."
أجاب بنزق وهو يناظرها بضيق:
"شايفاني سواق ميكروباص؟"
أجابت بمزاح:
"لا سيرفيس."
ثم توجهت نحو مليكة التي احتضنتها بشدة متمتمة بعتاب:
"كدا يا جذمة تقلقيني عليكي. انهارده مرتين وقعتي قلبي وخلتيني أعيط يا رخمة."
ابتسمت مليكة على صديقتها متمتمة بمزاح:
"معلش يا قلبي. والله المرة الجاية مش هخليكي تقلقي عليا، هبقى أعرفك قبلها."
ابتعدت عنها سهيلة بتعجب:
"حتى وأنتي تعبانة بتهزري؟ ارحميني من الشيزوفرينيا اللي عندك دي."
ضحكت مليكة وهي توجه أناملها الخمسة نحوها:
"الله أكبر. عينك."
تحدث مالك وهو متوجه نحوها ينحني عليها يحتضنها:
"ألف سلامة عليكي يا قلبي."
لكنه وجد يد تسحبه من ملابسه بالخلف وصوت أجش يتحدث بصرامة:
"أنت بتعمل إيه؟"
تحدث مالك وأسر يرفعه من ملابسه:
"إيه يا عم بطمن عليها."
تحدث بضيق:
"أنت يعني لازم تحضن عشان تطمنت؟"
تحدث مالك بعناد:
"أختي. الله أحضنها براحتي."
تحدث أسر بصرامة:
"أختك قبل ما أتزوجها، لكن حاليًا هي مراتي، يعني تنسى إنك تعرفها أصلاً، أنت فاهم؟"
حرك مالك كتفه ثم تنحنح بحرج متحدثًا:
"ممكن بس إيدك عشان بريستيچي باظ خالص."
انفجر كل من سهيلة ومليكة عليهما، لكن صاح بهما مالك:
"اخرصي يا بت انت وهي. إيه في إيه؟ عمرك ما شفتي حد بيتثبت قبل كده؟"
تحدثت سهيلة من بين ضحكاتها:
"الصراحة لأ. شكلك زي الفار المبلول."
ضيق عينيه متحدثًا بغضب:
"فار؟ أنا فار يا اللي بتاكلي كلاب."
تحدثت بصياح غاضب:
"أنا باكل كلاب يا فار مجاري."
صاح أسر بغضب بهم:
"باااااس. اخرجو بره. مش عايز حد هنا. يلا اطلعو بره كلكم."
تحدثت سهيلة وهي ترفع شفتيها العلوية:
"بالراحة لا يطقلك عرق."
تحدثت مليكة بتأفف وضيق:
"هو إحنا هنعمل إقامة هنا ولا إيه؟ أنا عايزة أخرج. إحنا جايين هنا عشان نخرج ونهيص، والا هنقضيها مستشفيات."
أجاب أسر بدلال وهو يبعث إليها النظرات العاشقة:
"أنت عايزة إيه يا قلبي وأنا أعملها."
أجابت بنبرة عادية لا تبالي بما يقوله:
"الصراحة جعانة وعايزة آكل."
حدقت سهيلة بها بصدمة متحدثة:
"هااار أسود! على جعفر وعلى بطنك! الواد يقولك عايزة إيه وقلبي وحاجة استغفر الله العظيم! آخر محن! وانتي تقولي له جعانة؟ جاتك قرف."
التقطت مليكة الوسادة من خلفها تحدفها بها متمتمة بضيق:
"امشي ابت من هنا لاغزك. أنا بجد عايزة أخرج."
تحدث أسر بجدية وهو يتوجه للخارج:
"طب هشوف الدكتور هيكتبلك على خروج ولا لأ."
بعدما أذن لها الطبيب بالرحيل، توجهوا جميعًا خارج الغرفة، لكن أعاقهم جلال الذي توجه نحوهم بسرعة متحدثًا بلهفة:
"مليكة يا بنتي."
تحدثت بإقتضاب وملامح جامدة:
"نعم. عايز إيه تاني؟ مش كفاية لحد كده بقا والا فيه وجع تاني عايز تتسببلي فيه؟"
تحدث بنبرة يستحوزها الألم والندم:
"عايز أعوضك عن كل اللي شفتيه وتسامحيني."
أومأت له على مضض متحدثة بإقتضاب:
"موافقة. بس لازم تنقذ أمي من إيدين اللي ما يرحم وتتجوزها. يمكن ده السبب اللي هيخليني أقدر أسامحك إنك هتخلصها من حياة الذل والإهانة دي."
قاطعها جلال:
"بس."
قاطعت مليكة حديثه قبل أن يكمل:
"بس إيه؟ مراتك مش هتوافق طبعًا. أنا متأسفة جدًا. سلام."
جاءت لترحل لكنه وقف أمامها يوقفها متحدثًا:
"استني يا بنتي. أنا مش متجوز أصلاً."
وقفت منصدمة مما قاله:
"إيه؟"
تحدث هو:
"أنا مقدرتش أشيل أمك وحبها من قلبي، ولا قدرت أخلي حد ياخد مكانها. كنت حاطط أمل إنها هترجعلي، فمقدرتش أخلي واحدة تانية تاخد مكانه."
تحدثت برجاء له:
"يبقى خلاص يا ريت تعوضها عن اللي شافته بسببك وبسبب طارق. ولو هي سامحتك وقدرت تطلقها من طارق هسامحك أنا كمان."
ذهبت للخارج وذهب الجميع معه.
بالخارج تحدثت مليكة بحماس:
"بصوا بقى. إحنا كل اللي حصل ده انسوه. إحنا جايين نغير جو مش نتنكد علينا. يلا بقى نطلع على أي مطعم ناكل عشان أنا هموت من الجوع."
تحدثت سهيلة وهي تمسك بمعدتها:
"وأنا كمان زيها. هموت من الجوع. أنتوا جايبنا معاكو عشان تصومونا ولا إيه؟"
تحدث أسر:
"يلا يا أختي انتي وهي بطلي لوك لوك وتعالوا أما أعزمكم على أحسن مطعم فيكي يا شرم."
تحدثت سهيلة بسخرية:
"أما نشوف في الآخر. والله هيطلع لنا حاجة كده تخلينا مناكلش برضه. أنا بقيت أخاف بصراحة منكم. أنا لو فضلت معاكم اليومين دول هخس النص."
تحدثت مليكة بلؤم:
"مش عاجبك ولا إيه؟"
تحدثت الأخرى بوجه ممتعض:
"عاجبني يا أختي عاجبني. بس لما آكل هيعجبني أكتر."
غمزتها مليكة بعينها متحدثة:
"هو مين اللي هيعجبك؟"
"ابتسمت."
"لا بصي مش وقته دلوقتي. احفلي. أنا جعانة وممكن أفترسك مكانك."
"مش قبل ما أفترسك أنا."
همس أسر لمالك:
"مالك أنا خايف على نفسي منهم."
تحدث مالك بخوف مصطنع ظهر على تقاسيم وجهه:
"ومين سمعك. بس مش أنت قلت إن سهيلة بتاكل كلاب؟"
تساءل أسر بحاجب مرفوع:
"طب بالنسبة لمليكة؟"
أجاب مالك بنبرة عادية:
"والله أنا لحد علمي إنها لأ. عادي بتاكل فيران. بس معرفش بقى لما عاشت مع سهيلة حالها اتطور وبقت بتاكل قطط ولا لأ."
تحدثت مليكة بنبرة مخيفة مثل ريا وسكينة:
"لا والله يبقى أنا باكل فيران."
تحدثت سهيلة بنفس نبرتها:
"وأنا باكل كلاب."
تحدث أسر بابتسامة:
"مين قال كده؟ ده انتو ملايكة ماشية على الأرض عصافير يا أخواتي."
تحدثت سهيلة:
"أيوا كده اتعدل."
انصرف الجميع وتوجهوا إلى المطعم. جلسوا على إحدى الطاولات وطلبوا الطعام. ومن ثم بدأ الجميع بالرقص.
هتف أسر باسم مليكة:
"مليكة."
أجابت:
"نعم."
"تعالي نرقص."
أجابت بخجل:
"لا. أتكسف وكمان مبعرفش أرقص."
وقف بمكانه وقام بسحبها نحو ساحة الرقص. أخذ المايك وبدأ بالغناء لها:
(ده لو اتساب)
"ده لو إتساب؟ لا ده أنا يجي لي تعب أعصاب
ده لو إتساب ليلة ليلتين أنا أعيش في عذاب
طب وأعمل إيه؟
في دقيقتين ده بيقتلني وياخد العين
ليلي يا عين
لا كده جنان.. لا ده مش إعجاب
طب وأعمل إيه؟
ده لو إتساب؟ لا ده أنا يجي لي تعب أعصاب
ده لو إتساب ليلة ليلتين أنا أعيش في عذاب
طب وأعمل إيه؟
في دقيقتين ده بيقتلني وياخد العين
ليلي يا عين
لا كده جنان.. لا ده مش إعجاب
أنا عمري ما حد خطفني كده
ده أخذني حبة، حبة
في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين إثنين أحبة
أنا عمري ما حد خطفني كده
ده أخذني حبة، حبة
في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين إثنين أحبة
في دلع متشال لحبيبي وحنية من غير حساب
طب وأعمل إيه؟
ده لو إتساب؟ لا ده أنا يجي لي تعب أعصاب
ده لو إتساب ليلة ليلتين أنا أعيش في عذاب
طب وأعمل إيه؟
الليلة فوق عدى قمر من كثر الشوق شدني ليه
كل ما قرب منه بروّق
طب وأعمل إيه؟
من مسؤول ع اللي حصلي ما حد يقول ده كده كثير
ده الفرح باينه على وصول
أنا عمري ما حد خطفني كده
ده أخذني حبة، حبة
في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين إثنين أحبة
أنا عمري ما حد خطفني كده
ده أخذني حبة، حبة
في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين إثنين أحبة
في دلع متشال لحبيبي وحنية من غير حساب
طب وأعمل إيه؟
ده لو إتساب؟ لا ده أنا يجي لي تعب أعصاب
ده لو إتساب ليلة ليلتين أنا أعيش في عذاب
طب وأعمل إيه؟
في دقيقتين ده بيقتلني وياخد العين
ليلي يا عين
لا كده جنان.. لا ده مش إعجاب"
انتهى أسر من الأغنية التي كان يقصدها بها بكل معانيها.
ارتمت بحضنه هامسة بأذنه:
"بحبك ومقدرش أسيبك أبداً وأبعد عنك يا قلبي."
ظلت سهيلة تتابع رقصهم بهيام حتى سمعت نبرة مالك المتعجبة:
"إيه دا؟ أجدعان هو أسر حصل له إيه؟ مش كان هالك من ساعة كده؟ إيه اللي حصل ده؟ تحول من هالك لعمر دياب."
ضحكت سهيلة على ما قاله متحدثة بهيام وهي تتابع رقصهم:
"ده بقى سر الحب. شوفت الحب غيره إزاي وخليه من هالك لعمر دياب. هو بيبقى كده مع الناس اللي بيحبهم وبيقلب هالك مع اللي يجي على الناس اللي بيحبهم."
تحدث مالك بإعجاب:
"بس صوته جميل أوي."
أومأت له بتأكيد:
"آه جميل جدًا."
أتت أسر ومليكة إلى الطاولة.
تحدثت سهيلة بسخرية من بين ضحكاتها:
"ده لو اتساب ده أنا بيجيلي تعب أعصاب. مش قادرة أجدعان جالي شد عضلة."
تحدث أسر وهو يبعث لها نظرات حارقة:
"بطلي تحفيل وكلي وانتي ساكتة."
ابتسمت.
تحدثت بنزق:
"خليك في حالك يا أخ. أنا بغني فيها حاجة."
أجاب أسر بضيق:
"آه صوتك وحش. الدبان اتلم."
تحدثت بغضب:
"أنا صوتي وحش يا هالك؟ وأنا اللي كنت بدافع عنك؟ ده أنت هالك وستين هالك كمان."
عقد حاجبيه متسائلًا:
"إيه هالك دي؟"
أجاب مالك من بين ضحكاته:
"الرجل الأخضر."
بعث أسر نظراته الحارقة نحوها، الزي شعرت بالخوف على أسرها، فأشارت نحو مالك:
"طب وعليا النعمة هو اللي قال عليك هالك. ما أنا..."
"أنت سمعت مني حاجة؟ هي اللي قالتلك. وتتدبسها فيا أنا؟"
"عيب عليك. محصلش. ثم انت تصدق على سوسو كده؟"
"اه عادي أصدق."
"أي قصف جبهة ده بقى؟ طب حايلني طه. خدني على قد عقلي."
بدأ كل منهم في تناول الطعام الذي بعدما أنهوه على الغور توجهوا إلى الفندق حتى يناموا ويزيحوا تعب ومشقة اليوم.
بغرفة أسر ومليكة تحدث هو بضيق:
"بصي بقى أنا تعبان ومش قادر ودماغي أد كده يعني مفيش روح أخوف حد والا أنيل يعني من سكات. تيجي تنامي جنبي على السرير ومن غير والا نفس."
أومأت له بالموافقة:
"حاضر."
ذهبو للنوم معًا وأخذها أسر بأحضانه كعادته وغرقوا بالنوم.
انتهت هذه السفرية بعدما قضوا بها وقتًا جميلًا تقرب فيها أسر ومليكة، واكتشف فيها أسر عشقه لمليكة أكثر فأكثر. ومالك الذي أعجب بسهيلة وبدأ يكن لها مشاعر، وسهيلة التي أعجبت بمالك من أول ما رأته وازداد إعجابها به من معاملته معها وخفة ظله.
بعد الانتهاء من رحلتهم كان الجميع يجهز نفسه للمغادرة. استعد الجميع وذهب كل من أسر ومليكة معًا، وسهيلة ومالك.
دخل الليل على الجميع وهم في طريقهم للتوجه إلى مسقط رأسهم. تعطلت سيارة مالك فجأة في منتصف الطريق. حاول إدارتها لكنها لم تدور، فتوجه للخارج يرى أين الخطأ، فانصدم بعدم وجود بنزين بالسيارة. عاد لداخل السيارة متمتمًا بأسف:
"البنزين خلص ونسيت خالص. أخد معايا بنزين ومفيش غير شوية، وأكيد مش هنعرف نوصل بيهم. أنا هتصل على أسر أقول له يلف ويرجع ياخدنا بقى."
أخذ الفون وجاء باسم أسر لكن لا يوجد شبكة إطلاقًا. ألقى الفون بإهمال وغضب أمامه متحدثًا بضيق:
"مفيش زفت شبكة."
تعبت الأخرى من غضبه وانكمشت على حالها من طريقته. انتبه لما فعلته فحاول تهدئة حاله حتى لا يصيبها بالذعر.
تحدث معها برفق:
"هشوف فندق أو استراحة على الطريق نقعد فيها لحد ما الصبح يطلع وهنتصرف. كان فيه فندق قريب هنا كنت شايفه. تعالي نروحها."
أومأت له بصمت.
توجه مالك إلى ذلك الفندق الذي كان قريب منهم.
وقفت سهيلة أمام ذلك البيت المهجور متعدد الأدوار الذي يضيء بأنوار كثيرة ليست بمتطورة.
تحدث مالك وهو متوجه للداخل:
"هو ده الفندق. تعالي."
تحدثت برعب ووجهها أصبح شاحبًا من الخوف:
"بس ده باين عليه مش مظبوط. أنا خايفة."
أخذ يواسيها:
"متخافيش. هي ليلة اللي هنقضيها. نستحملها بدل الطريق عشان أكيد هيطلع علينا قطاع طرق."
أومأت له بقلق ومن ثم توجهوا للداخل وذهبوا إلى رجل يجلس يرتدي قميصًا حريريًا يفتح أزراره إلى منتصف صدره، يتوسط صدره سلسلة ذهبية ورأسه الذي يضع به شعر مستعار.
تحدث مالك بنبرة جادة:
"لو سمحت أنا عايز أحجز غرفتين ليا وللآنسة."
ضحك الرجل بميوعة:
"مفيش غير أوضة واحدة. ثم إيه لازمتها الأوضتين؟ والا هو تبذير وخلاص؟"
تحدث مالك بإقتضاب:
"أفندم."
تحدث الرجل وهو ينظر إلى سهيلة ولسانه يلعق شفتيه محسسًا بإصبعه على تلك السلسلة:
"يا عم فاهمك وطلبك عندي. قولي أنت عايز إيه وأنا هظبطك."
تحدث مالك بنفاذ صبر:
"قولتلك عايز أوضتين."
تحدث الرجل بتأفف:
"مفيش فاضي غير أوضة واحدة."
تحدث مالك بصرامة:
"وأنا محتاج أوضتين."
بأجابه الرجل بنزق وهو يناظرهم شزرًا:
"إيه يا أستاذ؟ أنا أول مرة حد يجي هنا ويبقى عايز أوضتين. ما تخلص وتلم الدور وتاخد الآنسة، والا أقول مدام والا إيه نظامها دي؟"
تحدثت سهيلة بغضب وضيق:
"أنت بتتكلم كده ليه؟ يا عم أنت إحنا هنشحت منك."
سحبها مالك بعيدًا متمتمًا:
"خلاص اسكتي. تعالي يلا."
همست له بخوف:
"أجي فين؟ دا بيقولك أوضة واحدة."
حدثها بإطمئنان:
"اطلعي نامي انت وأنا هفضل هنا."
"لأ. أنا مش هطلع فوق لوحدي. أنا خايفة. بليز تعالي نطلع من هنا. أنا خايفة من المكان ده."
ربت على كتفها:
"ما تخفيش. تعالي نطلع وهطلع معاكي ومتخافيش."
دلفو إلى الغرفة الذي خرجو منها سريعًا عندما وجدو رائحتها العفنة وعدم ترتيبها. أغلق مالك الباب بتقزز ومن ثم ذهب مرة أخرى هو وهي إلى الرجل.
تحدث بضيق وغضب:
"الأوضة مزبلة. محتاجين حد ينضفها. إحنا يستحيل نقعد فيها وهي بالمنظر والريحة دي."
تحدثه الرجل ببرود:
"عايز أوضة نضيفة تدفع أكتر."
أخرج مالك له العديد من المال أمامه. ثم أخذ منه مفتاح إحدى الغرف التي كانت قابلة للنوم بها على عكس الأخرى.
دلفو إلى الغرفة ونامت سهيلة على الفراش الذي بالغرفة، وقابلها مالك على الأريكة.
ظلو هكذا حتى غفو في النوم وفزعوا على صوت نساء يصرخن بالخارج وصوت هرج ومرج وتكسير.
رواية كن لي أبا الفصل العشرون 20 - بقلم روميساء نصر
انتفض كل من سهيلة ومالك من مكانهما على صوت طرق صاخب على باب الغرفة.
جعلت سهيلة تصاب بالذعر والرعب، متحدثة بتلعثم: "إيه ده؟"
قام من مكانه يتوجه نحوها حتى يطمئنها، لكن انفتح باب الغرفة عليهما ودخل منه رجلان غلاظ الهيئة.
ذهب أحدهم إلى مالك يجذبه معه بشدة وغلظة من يده، لكن مالك أبعده بعيدًا عنه مصيحًا به بصوته الجهوري: "إنت بتعمل إيه يا مجنون إنت وماسكني كده ليه؟"
حاول الآخر التشبث به مرة أخرى بغلظة متوجهًا للخارج، متحدثًا بصرامة: "مد قدامي يا أخويا، إنت ليك عين تتكلم وكمان بتتعدى عليا وأنا بقوم بعملي ده، إنت ليلتك سودة."
انتبه مالك إلى سهيلة التي تصرخ وهي تحاول الابتعاد عن يد ذلك الرجل المطبقة عليها: "ابعد عني يا متخلف إنت، ماسكني كده."
ليتوجه نحوها دافعًا ذلك الرجل من أمامه، انتشلها من قبضة ذلك الرجل، أوقفها خلفه. تشبثت هي بقميصه من الخلف من ذعرها.
صرخ به مالك بحدة: "اوعى حد يقرب منها."
جاء الرجلان ليأخذا مالك للخارج، تحدث أحدهم بقوة وأمر: "اتحرك قدامي إنت وهي على البوكس يلا، بدل ما تنزلوا مكسحين."
ابتعد عنهم وهو يحاصر على الأخرى بذراعه من الخلف: "أنا مش منقول من هنا غير لما أعرف إنتوا واخديني ليه أنا وهي، وبأي تهمة."
تحدث أحدهم بتزحلق وسخرية: "إنت مقفوش في مكان مشبوه، عايزني أضيفك على البوكس، مد قدامي حالا على القسم وبعد كده على السجن، وهناك هنعرف نخليك تتعلم الأدب."
شدد مالك على خصلات شعره بقوة، يرجعها للخلف من شدة غضبه، متحدثًا بغضب وضيق: "إنت مش عارف إنت بتكلم مين."
تحدث الرجل بعدم مبالاة: "مش عاوز أعرف."
ارتعشت الأخرى من صوته العالي وانفجرت بالبكاء والأنين العالي، مما جعل الرجل يتحدث بسخرية واحتقار موجهًا حديثه نحوها: "مد قدامي بدل ما آخدك بالعافية، إنت والسنيورة، مدي يا أختي، خايفة أوي كده ليه، مكنتيش خايفة من ربنا قبل ما تعملي كده، وإلا على سمعة أهلك، جاتكو البلاوي."
أكمل الرجل الآخر موجهًا لهم نظرات ازدراء: "تلاقيها مدوراها، وإلا ضاربين ورقة عرفي من ورا أهلها."
ازداد نحيبها وبكاءها وتشبثت أكثر بقميص مالك، متحدثة بخوف: "مالك، ما تسيبنيش، أنا خايفة."
حس بإعاقته وضعفه أمامها، بأنه غير قادر على مساعدتها، رأى أن الأمر لن يحل بالقوة. جذبها إليه محيطًا خصرها، يضمها إليه، مربتًا على كتفها بحنان، متمتمًا بحنان: "ما تخافيش، إن شاء الله كل حاجة هتكون تمام."
تحدث الرجل بنفاد صبر وهو يدفعهم معا وينكزهم بقوة: "يلا قدامي إنت وهي، إحنا صبرنا كتير، بطلو سهوكة ويلا، إحنا فضينا المكان، مفيش غيرك."
قطع حديث دخول رجل آخر يبدو عليه أنه في فترة شبابه، تحدث نحوهم بنفور: "إنتوا بتعملوا إيه، عندكوا ما تخلصوا يلا."
تحدث أحد الرجلين: "يا باشا، الاتنين دول مش راضين يجوا، ولما جينا ناخددهم الراجل ده اتعدى علينا."
صاح ذلك الضابط وهو يبعث نظراته الحادة نحو مالك: "هو مين ده اللي يتعدى عليك وإنت ساكتله، مضربتهوش وجبته من شعره، هو وهي، ونزلتهم بالملاية."
ليزفر مالك بقوة متحدثًا بضيق: "لحد هنا وكفاية، أنا سكت عن المهزلة دي كتير، إنت مش عارف إنت بتكلم مين."
تحدث الضابط بنفور وعدم اكتراث: "لا معرفش ومش عايز أعرف، ويلا على البوكس يا أخويا إنت."
لينفخ مالك بضجر، ثم جاء ليتوجه إلى الطاولة حتى يأخذ أشياءه، لكن تشبثت الأخرى وهي تبكي بشدة: "مالك، ما تسيبنيش، أنا خايفة."
أغمض عينيه عن ذلك الألم الذي أحس به، ربت على كتفها متحدثًا بهدوء: "طب تعالي معايا، لأن الموضوع مش هيتحل كده، لازم فعلاً نروح معاهم، وهناك في القسم هنتصرف."
أخذ مالك أشياءه من على الطاولة وهي معه، ومن ثم توجه إلى الخارج.
جاء الرجل ليمسك به، لكن أفلت مالك يده متحدثًا بغضب ونبرة صارمة: "ابعد إيدك، أنا مش متهم ولا مجرم عشان تمسكني كده، وهتدفعوا تمن اللي بتعملوه ده كويس أوي."
توجهوا للخارج حتى وصلوا أمام السيارة التي كان بها رجال ونساء عاريات، لا يستر جسدهن سوى شرشف رقيق يظهر كل شيء.
عندما رأت سهيلة هذا المنظر، انتفضت من رعبها وأخفت وجهها بصدر مالك. ضمها الآخر إليه محاولًا كبت ما يشعر به من ألم لما تعرضت له ورأته.
تحدث معها أحد الرجال الواقفين يناظرهم بتقزز وازدراء: "يلا يا أختي إنت وهو، كفاية قرف، اركبوا."
صرخ مالك به من شدة غضبه: "إنت اتجننت، هتركبها فين، هتركبها جنب دول."
أجابه الرجل بنبرة مستهزئة باردة: "طب وايه يعني، ما هي زيهم."
تحول وجه مالك إلى جمرة من النار من شدة غيظه: "اخرسي من وشي، أنا مش هركبها الزفت ده."
أتهم ذلك الضابط مرة أخرى متحدثًا بنفور وضيق: "هو إنت عامل دوشة لي من الصبح، أنا ساكتلك لأني حاسس إنك شكلك ابن ناس وواقعين في أم المكان ده بالغلط، يعني عدّي ليلتك عشان مقلبش عليك."
نفخ مالك بالهواء متمتمًا بهدوء عكس ما بداخله: "طب لما إنت عارف كده، واخدني معاك."
ليتحدث الضابط وهو يزفر بضيق: "والله الأوامر جاتلي إني آخد كل اللي موجود هناك، لأن ده فندق دعارة، يعني مكان مشبوه، مش ملاهي، حضرتك."
حاول تنظيم أنفاسه المتصاعدة من شدة غيظه وغضبه، تحدث بهدوء لأنه متأكد أن التعامل معهم بالعنف لن يحل الأمر، بل سيعقد أكثر مما هو عليه.
"طب لو سمحت، أنا تحت أمرك في اللي عايزني أعمله، بس دي متركبش معاهم، إنت مش شايف حالتها عاملة إزاي."
نظر الضابط إليها وإلى حالتها المزرية، متحدثًا بتفهم: "طب هاتها وتعالى اركب قدام."
تحدث مالك بود وشكر: "متشكر لحضرتك جدا."
صاح رجل مالك الفندق باستهزاء وسخرية: "ما هي كوسة بقى، هتبدأ تركبوا قدام وبعد كده تروحوا وتاخدوا براءة، وإحنا اللي هندبس ونتحبس."
صاح به أحد الرجال وهو يوكزه بشيء صلب: "اخرس، مش عايز أسمع صوت يا وش الفساد."
وصل كل من أسر ومليكة إلى القصر وتوجهوا إلى الجناح الخاص بهم، بينما كان الجميع نائمًا.
ظلوا ينتظرون سهيلة ومالك، لكن لم يصل أحد.
تحدث أسر بقلق: "هما إيه اللي آخرهم كده."
تحدثت مليكة بدعم له وهي تطمئنه: "متقلقش، أكيد خير، اتصل على مالك شوف إيه اللي آخره."
أخذ أسر هاتفه ليرن على مالك.
عند مالك وسهيلة، وجه مالك حديثه ناحية الضابط متسائلاً: "هو إيه اللي هيحصل بالظبط هنا."
تحدث معه الضابط وعيناه على الطريق: "صدقني، أنا معرفش، بس أكيد لما هنروح القسم هتتعرضوا على الرائد معتز، وهناك بقى هيشوفوا هيعملوا معاكم إيه."
"طب إيه الإجراءات اللي بتتاخد في الموقف ده، معلش اعذرني، أنا كنت عايش برا ومعرفش هنا أي حاجة."
تفحص الضابط ملامح وجهه، متحدثًا بتشبه: "بس إنت مش غريب عليا، تقريبًا شوفتك قبل كده."
"أنا مالك الأسيوطي، صاحب شركات البناء والتعمير لعائلة الأسيوطي."
صدم الضابط من شخصيته، متحدثًا بذهول: "آه، عرفتك، طب إيه اللي وقعك الوقعة النيلة دي."
"العربية وقفت مني على الطريق، وكان لازم أبات في مكان، ومكنش في غير الفندق الزفت ده."
تفهم الضابط حديثه، ثم تحدث معه بتشجيع: "أنا هقف معاك هناك، وباذن الله هتطلع منها، دي قضية ملهاش لازمة، متقلقش."
صدح رنين هاتف مالك، أمسك هاتفه الذي كان يتوسط شاشته اسم أسر، ووضع الهاتف على أذنه متحدثًا: "الواتاه."
صوت أسر الذي به قلق: "الو يا ابني، فينك، اتأخرت أوي."
تحدث معه مالك بترقب لما سيحدث: "تعالي بسرعة على القسم."
عقد أسر حاجبيه من صدمته: "قسم إيه، وإنت فين، وفين سهيلة."
تحدث مالك: "متقلقش يا أسر، سهيلة معايا وكويسة، بس تعالي على القسم."
وجه مالك حديثه نحو الضابط: "هو قسم إيه معلش."
"قسم $$$."
أخبره مالك باسم القسم.
تحدثت سهيلة برجاء نحو مالك: "مالك، هات أكلمه."
أعطاها مالك الهاتف، أخذته بلهفة متحدثة من بين نحيبها وبكاءها: "أسر، تعالي يا أسر بسرعة، أنا خايفة جدا."
حدثها أسر بحنان: "طب اهدي، وأنا هاجيلكم، ومتعيطيش، معاكي مالك، اديني مالك بقى أما أفهم منها."
أعطته سهيلة الهاتف، وأخذت تبكي بصمت.
تحدث مالك: "أيوه، تعالي بسرعة على هناك عشان في مصيبة."
تحدث أسر بغضب: "في إيه، وسهيلة بتعيط ليه، إنت عارف لو طلعت إنت السبب أو أذيتها مش هرحمك، إنت سامع."
تفهم مالك انفعاله وغضبه، متمتمًا بهدوء: "أسر، متخافش، سهيلة في عيني ومقدرش إني أمسها بسوء، كل الحكاية إن العربية اتعطلت واضطرينا نبات في فندق، وطلع مشبوه، والبوليس جه وقبض على كل اللي في المكان، وإحنا حاليًا متوجهين لهنا."
تحدث أسر بانفعال عندما سمع ما حدث: "طب اقفل، وأنا هتصرف، بس أهم حاجة سهيلة محدش يقربلها."
انتهوا من المكالمة.
تساءلت مليكة بخوف: "في إيه، إيه اللي حصل مع سهيلة."
تحدث معها وهو يلملم أشياءه: "مش وقته دلوقتي، أنا لازم أخرج دلوقتي."
زاد قلقها وخوفها، فتحدثت برجاء: "طب قولي في إيه، متخوفنيش عليها."
أخبرها كلماته تلك على عجلة وهو متوجه للخارج: "مفيش وقت، لما أرجع هحكيلك كل حاجة."
وقفت مكانها بحالة ذهول، لا تعرف ما الذي حدث لصديقتها، جلست وهي تضرب فخذيها بقلة حيلة.
في غرفة صغيرة يوجد بها أدوات لعمل مشروبات ساخنة بداخل القسم، كان يتحدث الساعي مع أحد الرجال.
"الو، أيوا يا أستاذ أشرف."
"إيه يا إسماعيل، جايبلي خبر حلو بقى ولا أي كلام."
تحدث الساعي بلؤم: "ده أنا جايب لك خبر إنما إيه، سقع."
حدثه أشرف بعدم اكتراث ونبرة باردة حتى لا يطمعه إذا كان الخبر مثلما قال: "إيه هو يا أخويا، ما إنت كل مرة تقولي كده وفي الآخر يطلع أي كلام."
قام الساعي بتضخيم الأمر: "لا، المرة دي الخبر من اللي قلبك يحبه."
تسأل أشرف ببرود: "إيه هو."
تحدث الساعي بجشع: "طب فين الحلاوة بتاعتي."
يزفر أشرف بضيق: "لما أعرف الخبر الأول."
تحدث الساعي بتحميس: "قضية دعارة."
ضحك بسخرية متمتمًا: "طب إيه الملفت في كده بقى، وإيه اللي إنت عامل عليه كل الحبشكنات دي."
حدثه الساعي بجدية: "التقيل جاي ورا، اسمع."
حدثه أشرف بسخرية: "أشجيني يا أخويا."
لوى الساعي شفتيه بضيق من ذلك الرجل، ومن ثم همس له: "سمعت من الضابط بتاعنا اللي طلع بالأخبارية دي إن رجل أعمال كبير أوي مقفوش هناك اسمه باين مالك الأسيوطي."
انتفض أشرف من مكانه مصيحًا بسعادة: "إنت عارف لو طلع اللي إنت بتقوله ده صح، هحلي لك بوقك اللي بينقط عسل ده."
بمكتب الرائد معتز، كان يتجمع كل من في الفندق ومعهم مالك وسهيلة، وأمامهم الرائد معتز الذي كان يجلس على مكتبه يناظرهم باحتقار.
تحدث معتز باذدراء: "حضرتكوا بقى هتشرفونا في التخشيبة تحت، نوجب معاكم الأول وبعدين تروحوا النيابة."
تحدث مالك باندفاع: "لو سمحت، أنا عايز أعرف أنا هنا ليه."
يضرب معتز على المكتب بيده متحدثًا بانفعال: "نعم يا أخويا، إنت مقفوش في فندق دعارة."
تحدث مالك باستهزاء: "وأنا أعرف منين إنه فندق دعارة، بشم على ضهر إيدي."
صاح معتز بغضب: "إنت بتهزر معايا، على العموم، إنت تنزل تحت وهما هيخلوك تشم على ضهر إيدك كويس."
صاح مالك بغضب هو الآخر: "أنا مش منقول من هنا إلا لما أعرف أنا أجرمت في إيه عشان ده يحصل."
تحدثت سهيلة من بين نحيبها وبكاءها: "يا حضرة الظابط."
صرخ بها معتز بحدّة: "بس، ابت، إنتي اخرسي وبطلي نواح وعياط، وفري عياطك ده لما تتفرمي تحت."
صاح مالك: "أنا مسمحلكش، إنت مش عارف إنت بتكلم مين."
أجابه معتز بسخرية واستهزاء: "لا معرفش."
تحدث مالك بشموخ وكبرياء: "أنا مالك الأسيوطي، وإنت بتكلمها بالطريقة دي، تبقا سهيلة الدالي، بنت عم أسر الدالي."
تعجب معتز من ما قاله، متمتمًا: "إنت مالك الأسيوطي، وهي بنت عم أسر."
وجه معتز حديثه للعسكري: "خدوهم كلهم على التخشيبة، وسيب الأستاذ والآنسة."
وجه حديثه المنمق والراقي لسهيلة: "تعالي يا آنسة، اقعدي، أنا متأسف جدا للحصل، بس مكنتش أعرف إنك تقربي لـ أسر بيه."
تحدث مالك بنفور: "طب اديك عرفت، إحنا لازم نمشي من هنا حالا."
أومأ له معتز باحترام متحدثًا: "حاضر يا مالك بيه، حضرتك هتخرج دلوقتي، وإحنا آسفين على الإزعاج وسوء التفاهم اللي حصل ده، واتشرفت جدا بمعرفة حضراتك."
وتوجهوا للخارج، وكانت الصدمة في تجمع حشد من الصحفيين والمصورين أمام القسم، الذين هاجموهم بالأسئلة: "أستاذ أسر، هل فعلا بنت عمك اتقبض عليها في مكان مشبوه مع أستاذ مالك؟" "طب طلعوا إزاي من القضية، هل من خلال دفع الرشاوي واستخدام اسم العيلتين؟" "هل يوجد علاقة بين الآنسة سهيلة ومالك الأسيوطي؟"
حاول العساكر إبعادهم عن طريقهم وتوجهوا للسيارة أخيرًا، متوجهين إلى قصر الدالي.
في قصر الدالي، دلفت كل من أسر الذي كان يساند سهيلة ومالك. ذهبت كل من والدة سهيلة وأسر ومليكة نحو سهيلة يحتضنوها، ومن ثم أخذوها إلى غرفتها لتستريح.
تجمع كل من أسر ومالك بغرفة المكتب يشاهدون ما يقال على التلفاز.
"خبر عاجل: القبض على رجل الأعمال المشهور مالك الأسيوطي مع سهيلة الدالي في فندق مشبوه. هل هم على علاقة محرمة أم ماذا جمعهم في هذا المكان ولماذا؟ وخروجهم من القسم في نفس ذات اليوم يدل على دفع الرشاوي للتستر عليهم وعدم فضيحتهم."
صرخ أسر وهو يدفع ما على الطاولة التي أمامه: "سامع الكلام اللي بيتقال."
تحدث مالك بتفهم: "لازم نعمل مؤتمر صحفي بأسرع وقت."
قطع حديثهم دخول والد سهيلة الذي صاح بـ أسر بغضب: "صحيح الكلام اللي وصلني ده يا أسر، أنا بنتي أسيبها معاك ترجع متهمة في قضية دعارة مع الأستاذ ده."
تحدث أسر بهدوء على عكس ما بداخله من نيران مشتعلة: "يا عمي، محصلش حاجة، ده سوء تفاهم."
"أفهم إيه دي، جابت للعيلة العار وحلت اسم العيلة في الطين، دي لازم تندفن حية."
دفع مالك بالحديث الذي به لهفة: "بس هي معملتش حاجة ومظلومة."
صرخ أحمد به بنفور: "إنت تسكت خالص، كفاية اللي حصل من تحت راسك."
تحدث أسر بهدوء: "عمي، لو سمحت، اهدي، أنا هحل الموضوع تمام."
صرخ أحمد بإنفعال بهم وهو يرمي على الأريكة من شدة انفعاله: "بعد إيه، بعد أما سمعة العيلة ضاعت وبقت على كل لسان."
تحدث مالك بكلماته العاصفة: "يا عمي، لو سمحت، أنا هتجوز سهيلة."