تحميل رواية «كن لي أبا» PDF
بقلم روميساء نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أشرقت شمس فجر جديد بخيوط أشعتها الذهبية، تخللت حجرة نوم فتاة جميلة، لاعبت خيوط الذهب بشرتها البيضاء. تململت في فرشتها ببطء وقد عقصت ملامح وجهها من أثر الإضاءة. رفرفت برموشها ببطء حتى اعتادت على الضوء المفاجئ. أخذت تتمطع بمكانها بتثاقل، مزمجرة ببطء حتى ظهر صوتها الذي به حشرجة من أثر النوم: "لازم كدا تغيظيني وتخليني أصحى، رخمة انتِ أوي يا أستاذة شمس هانم." تحركت من فراشها وهبطت أرضًا بتأفف وهي تزيح شرشفها من عليها. توجهت إلى المرحاض، جهزت حالها واغتسلت وتوضأت وارتدت أسدالها وتوجهت إلى الخِمرة وأخذ...
رواية كن لي أبا الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم روميساء نصر
لم تقدر على منعه من ما يفعله.
الذي زاد ألم رأسها وشعورها بالدوران.
فأهملها أخيراً ووضعها أرضاً تترنح بوقفتها.
انتبه على عدم اتزانها ووجهها الذي شحب.
فتسائل بقلق وذراعيه تحاوطها بحماية:
سهيلة انتِ كويسة؟
نظرت له بعينين زائغتين غير واعية لما يقوله.
فهمهمت بقلة وعي:
ها!!
تابع حديثه القلق على حالتها غير الواعية وإرخاء جسدها بين يده:
في حاجة وجعاكي؟
تمتمت بضعف ويداها تقبض على ذراعيه بقوة، تمتد القوة منهم حتى تقدر على صلب طولها:
أنا عاوزه أروح.
أومأ لها بتحريك رأسه بخفة وما زالت علامات القلق والخوف على صفحة وجهه.
انحنى يحمل جسدها الهزيل.
فهتفت بنبرة خائفة عندما لم تقدر على التشبث به حتى لا تقع:
نزلني يا مالك هقع.
أمسكها بعناية وهو يهدئ من خطواته حتى لا يثير خوفها:
متقلقيش امسكي فيا على أما نخرج.
لم تساعدها أوتارها على التمسك بشيء.
تشعر بأن عظامها كالهلام.
رمت بثقل رأسها بعنقه وألقت ذراعها خلف ظهره.
أحكم هو قبضه عليها كأنها أحد الجواهر النادرة.
يسير ببطء وحذر يتمنى أن لا تنتهي المسافة حتى يتنعم بقربها المهلك الذي أهلك حصون قلبه.
وضعها بالسيارة برفق من الأمام وانحنى بجزعه يؤمن جلستها بربط حزام الأمان.
انتهى بقبلة طبعها على جبهتها بينما عيناها شبه مغلقة من شدة الألم تتابعه وتتابع كل حركاته التي تغفر له عن ما فعله مسبقاً.
أسندت رأسها على الزجاج وعقلها يفكر بما يربطها به وماذا سيفعل إذا علم بأن موتها قريب وأنها لن تحيا إلا فترة قليلة.
لم تبالي بتلك العبارات التي سقطت من عيونها.
أخذ يختلس بعينيه نظرات نحوها وقلبه يتألم على آلامها.
التقط كفها الممتد بجانبها، خلل أنامله به فانتبهت له ونظرت إليه وآثار الدموع ما زالت متعلقة بأهدابها.
قبل ظهر كفها بحنان ثم ترك يدها وأخذ يعبث بحزام الأمان حتى فك قيدها منه وقربها برفق منه حتى لامست رأسها صدره.
حاوطها بحماية مقبلاً رأسها ثم تابع قيادته حتى وصلا للمنزل.
أعدل جسدها ثم ترجل من السيارة وتوجه إليها يساندها ممسكاً بخصرها.
فأسندت رأسها على صدره تحاوطه بتملك حتى وصلا إلى فراشها.
وضعها به.
فمدت يدها نحو الكومود وأخذت أحد الشرائط الموضوعة وكوب الماء الذي بجوارها وتناولتها ثم أسندت رأسها للخلف تغمض عيناها حتى تريح جسدها قليلاً.
فتسائل مالك:
حبوب إيه دي يا سهيلة؟
تابعت بوهن دون أن تتحرك أهدابها:
فيتامينات.
التقط تلك الشرائط التي جميعها مستعملة وقرأ الكلام المدون عليها.
فانعقدت ملامحه متمتماً:
ده مسكن يا سهيلة وقوي كمان مش فيتامين.
أجابت بتلعثم بعدما انتبهت لما قاله وظهر ارتباكها:
هاه ما ما هو ده اللي كان الدكتور كاتبهولي.
أجاب بمكر حتى يدفعها للاعتراف له:
بس أنا اللي كنت جايب العلاج ومكتبلكيش على الأنواع دي أنا فاكر كويس.
صمتت قليلاً حتى تفكر كيف تخرج نفسها من ذلك المأزق.
فهتفت بنفي:
لا أنا أقصد الدكتور اللي أنا كنت عنده النهاردة.
تابع هو حتى يحاصر تفكيرها الذي يحاول الهروب:
طب إزاي كنتِ عنده النهاردة وجايبه الكمية دي كلها ومخلصاها؟
صمتت ولم تتحدث بعدما نفذت أفكارها واكتفت بطأطأة رأسها للأسف.
لفهتف هو يحفزها على التحدث:
ردي عليا يا سهيلة انتِ فيكِ إيه؟
صاحت به من شدة الضغط عليها.
تحتمي ببكاؤها الذي لم يتبق إلا هو حتى تهرب من أسئلته:
أنا مش قادرة أتكلم ومش طايقة صوت حد جنبي وعاوزه أنام عشان دماغي بتوجعني.
تراجع عن فكرته عندما رأى حالتها.
يتابع بهمس حتى يهدئها:
خلاص إهدي ونتكلم بكرة تكوني هديتي شوية.
قبل رأسها وغادر الغرفة وتركها ببحر أفكارها تأني وتصرخ وتتألم وتصيح بداخلها:
إيه اللي غيرك بقيت ليه عامل كدا مش قادرة استحمل خلاص ومش قادرة أعيش معاك أنا بحبك بس مش عايزة أوجعك لما أسيبك مش عايزة أعيشك في وهم… يا رب خدني يا رب خدني أنا كرهت الدنيا دي كرهتها مبقتش عايزة أعيش فيها مش عايزة أحس بالذنب تجاه حد مش عايزة أحب حد ولا حد يحبني ومش قادرة أقوله إني مريضة كانسر واحتمال أموت ولا قادرة أشوف نظراته ليا وهو خايف عليا أموت أو أروح منه في أي لحظة بس وأنا معاه ببقى خلاص عايزة أقوله على كل حاجة وأشيل الحمل من على قلبي بس مبقدرش….. يا رب ارحمني بقى ارحمني.
قاطع أفكارها دلول مالك الذي كان يحمل كوب به حليب:
جيبتلك بقى كوباية لبن سخنة قبل ما تنامي.
انكمش جلد وجهها وأحست برعشة بجسدها من شدة اشمئزازها:
لا…. لا…. لا….. مش عاوزة.
تابع بإصرار بعدما جلس بجوارها:
لا لازم تشربيها هي دي اللي فيها الفايدة كله.
تمتمت بهدوء:
مالك لو سمحت أنا مبحبوش ومش عايزة أشربه وعايزة أنام دلوقتي ممكن.
جحظت عيناه من صدمته بها ومن طريقة حديثها التي تغيرت.
يعاتب نفسه بداخله:
يااااه يا سهيلة اتغيرتي أوي مش شايف روحك اللي بتبقى منورة البيت ولا شايف ضحكتك اللي دموعك دفنتها ولا هزارك وشقاوتك وطفولتك معقول أكون أنا عملت فيكِ كدا حولتك بالطريقة البشعة دي من وردة مشرقة لوردة باهتة وعلى حافة الدبلان.
وضع تلك الكاسة على الكومود وواجهها بجسده ثم التقط يدها.
طبع عليها قبلة طويلة.
شعرت هي بملمس سائل رطب على يدها بجانب ملمس شفتيه.
فتمتم بعدما رفع عيناه المليئة بالندم والحب نحوها:
أنا آسف سامحيني.
اتسعت عيناها عندما رأته عيناها بتلك الحالة.
فإنهارت حصونها تبكي مرتمية بين أضلاعه تتشبس به وتتمتم بكلمات من بين انتحابها:
متسبنيش متسبنيش يا مالك أنا تعبانة أوي ماتسبنيش مش هقدر أعيش من غيرك محتاجالك جنبي مش قادرة استحمل لوحدي…… حاولت حاولت ومقدرتش مقدرتش استحمل….. كنت محتاجالك أوي أوي ويا خسارة مش لقيتك جنبي في أعز ما كنت بحاجتك…. كسرتني وكسرت قلبي وحطمته.
أخذت تضربه بقبضتها على ظهره وهي ما زالت بأحضانه تآني وتبكي وتخرج كل ما بقلبها:
ليه ليه جرحتني كدا ليه أهملتني ليه كنت محتاجالك ومش قادرة أقولك إني محتاجالك ومحتاجة حضنك اترمي فيه وأستخبى فيه من الدنيا كان نفسي اترمي فيه أحضنك وأشكيلك همي بس مكنتش جنبي في الوقت ده…. كنت عايزة أجي أقولك بس كانت كرامتي بتمنعني إني أجلك وألجألك وكنت بتحمل الوجع….. كنت خايفة لا تجرحني زي ما عملت في أول مرة تعبت فيها من بعدها وأنا بقيت أخاف منك بقيت أخاف أقربلك وأشكيلك همي أو أقولك تعبانة بس العيب مش عليك ولا عليا العيب على قلبي…… العيب على قلبي اللي حبك ولسه بيحبك ومحتاجك لحد الوقتي العيب عليه لأنه بينبض عشانك وبينبض باسمك…… أنا مكنتش أعرف إن الحب بيوجع وبيتعب كدا مكنتش أعرف إن الحب مزلة بالشكل دا مكنتش أعرف إني أنا أحتاج حضنك هروح وأطلبه كنت مفكرة إنك أنت اللي هتيجي وتاخدني في حضنك لأنك هتحس بيا بس يا خسارة يا خسارة أنا حبيتك لكن أنت لا عمرك ما حسيت بيا.
انفطر قلبه ألماً على كلماتها التي قطعت نياط قلبه ومزقتها ونهشت بقلبه كالطير الجارح الذي ينهش فريسته حية.
بكى على حديثها وظل يجرح بنفسه على كبريائه وغروره الذي أعلنهم عليها ولم يتخاذل ولو للحظة وينصت لقلبه.
تحدث بنبرة أجشة:
سهيلة أنا عارف إني غلطان في كل حاجة عملتها بس أنا مش هسيبك ومش هتحتاجي إنك تطلبي حضني تاني لأن ده هيكون ملجأك وبيتك خلاص أنا فهمت غلطي خلاص وعمري ما هجرحك تاني أنا كنت غلطان وندمان على ده بس ارجوكي تنسي كل اللي حصل ونبدأ تاني حياتنا من أول وجديد من اللحظة دي نبدأ حياة جديدة مع بعض وننسى كل خلافاتنا أنا بحبك وعمري ما حبيت حد زيك بس أنا حبي ليكي للأسف دمرك بس أوعدك إنك هترجعي تاني زي الأول وأحسن.
ابتعدت عنه تزيل تلك الدموع تنظر له بتردد ومن ثم أخفضت عيناها تهرب من نظراته التي لا تقدر على البوح أمامهم بهذا الأمر المفجع:
ااانا انا عندي ورم في المخ.
لم تشعر بشيء سوى بعظامها التي سحقت بين أضلاعه وصوت بكاؤه ونحيبه من شدة الألم النفسي الذي يشعر به ومقارنته بها هي التي عانت لوقت طويل مع آلام مرضها.
تحدث بأسف من بين بكائه المنفعل كأنه والدته توفت:
أنا آسف سامحيني وبإذن الله هتخفي وترجعي زي الأول وأحسن كمان.
شعر بجسدها الذي تصلب فجأة بين يده فابتعد عنها بقلق وهو ما زال يحاوطها.
تشنج جسدها يتبع هذا التشنج رعشات قوية جعلت جسدها ينتفض كمن يعرضها لصاعق كهربائي.
تخرج من فمها تآوهات عالية تدل عن مدى وجعها وعدم استحمال جسدها كل هذا الألم.
لم يقدر على فعل شيء من ما تفعله جعله ينصعق خوفاً ولكنه فاق يحاصرها يقبض على جسدها ويثبته بقوة حتى تهدأ.
فهدأت رويداً رويداً وانتهت من تلك النوبة بإنقطاع أنفاسها.
فتح ذلك الظرف المغلق وأخرج منه ورقة كان محتواها:
مراتك بتخونك ودي صورها مع حبيب قلبها وكمان عشان تتأكد من كلامي روح وهتلاقي في أوضتك وفي دولابك ورق ليها بتاع مدرسة حاول تدور فيه كدا هتلاقي إن الورق ده ورق تنازل كانت عايزة تمضيك عليه وتاخد الورق وتهرب مع عشيقها وأنا فاعل خير كنت متورط معاهم بس باعوني فقولت لنفسي أدام أنا مش هاخد حاجة من المصلحة دي يبقى لا أنا ولا هما بقى معلش يا باشا البت عرفت تلعبها عليك صح وأنت كنت زي العيل الأبله برياله وماشي وراها زي الأبله بس عندك حق الصراحة البت حلوة وتستاهل المبلغ اللي أنت دفعته فيها سلام يا باشا وخلي بالك بعد كدا لا حد يضحك عليك تاني لأن مش كل مرة هاجي أنبهك بقى.
اشتعل غضباً وغيظاً من أسلوب هذا الرجل البغيض الذي يطعن بزوجته.
لكنه انتبه لتلك الصور الفاضحة التي بها زوجته مع أحد الرجال الذي لا يعرفهم.
توقف عقله لبرهة من الزمن لم يستوعب ما بيده من إثبات عليها.
شعر بغليان الدماء بأوردته فهجم على مكتبه يزيل كل ما عليه بغضب مخيف ومن بعدها انطلق كالثور الهائج وكلمات الرجل التي بالورقة تتردد على مسامعه.
أخذ يضحك بهستيرية وهو يقود السيارة بسرعة شديدة.
يضحك على غبائه وسذاجته حتى تفعل به هي كل هذا وهو قد عشقها أكثر من حياته.
تأتي هي وتفعل به هكذا.
تحولت تلك الضحكات إلى بكاء من وجع قلبه الذي سحق من حقيقتها القذرة.
فصرخ بألم يضرب رأسه بالمقود الذي أمامه حتى يهدئ من تزاحم أفكاره وقلبه الذي ما زال يحن لها بعد كل ما فعلته.
ولكنه أقسم بداخله بأن يقتل قلبه ويقتلها معه.
وصل إلى المنزل وتوجه إلى جناحه ومن ثم إلى خزانته يلقي ما أمامه أرضاً بأسلوب هائج.
حتى وقعت يده على تلك الأوراق بالفعل الذي تفحصها جيداً وبالفعل صدق كلام الرجل.
وقع أرضاً من شدة صدمته وآلمه وأخذ يضرب كل ما أمامه بقدمه من شدة غيظه وغضبه وقهرته.
وصلت إلى الجناح ابتسامة جميلة تزين ثغرها ويدها تحاوط بطنها بحب.
وقفت مكانها منصدمة من شكل الغرفة التي انقلبت رأساً على عقب والزجاج المنكسر والمبعثر بكل مكان.
وذلك الجالس أمامها جسده يهتز بعنف من شدة غضبه وغليان دماؤه بداخله وعيناه الذي رفعهم يصوبهم نحوها جعلها تنتفض رعباً من وحشيتهم وسوادهم القاتم.
يلقيها بنظرات شرسة كالوحش المتأهب لـ فريسته.
رواية كن لي أبا الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم روميساء نصر
شعر بجسدها الذي تصلب فجأة بين يده فابتعد عنها بقلق وهو ما زال يحاوطها. تشنج جسدها، يتبع هذا التشنج رعشات قوية جعلت جسدها ينتفض كمن تعرض لصاعق كهربائي. تخرج من فمها تآوهات عالية تدل على مدى وجعها وعدم استحمال جسدها.
كل هذا الألم ما كان ليقدر على فعل شيء، ما فعلته جعله ينصاعق خوفاً، ولكنه فاق، يحاصرها، يقبض على جسدها ويثبته بقوة حتى تهدأ. فهدأت رويداً رويداً وانتهت من تلك النوبة بانقطاع أنفاسها.
شعر بتصلب جسدها بين ذراعيه، فأبعد جسدها عنه حتى يراها وهو ما زال يحاوطها، لكنه تجمد عندما رأى عيناها المغمضتين وزرقة وجهها التي أرعبته وانقطاع أنفاسها. حرك جسدها يهزه، متفوهاً بكلمات جامدة:
"سهيلة… سهيلة أنتِ مش بتردي ليه؟"
فاق من جموده عندما لم يجد ردها، فصرخ ببكاء مؤلم عندما استوعب بأنها ذهبت وتركته:
"سهيله… سهيله قومي عشان خاطري… سهيله ردي عليا."
انهمر باكياً وهو يعتصر جسدها بقوة بين يديه:
"متسبنيش أبوس إيدك متسبنييييش يا سهيلااااااه… لااااااااااا ياااااا رب ياااااا رب ليه ليه تاخدها مني."
أبعدها عنه وأخذ يوكزها حتى تفيق، مردفاً بانهيار:
"قومي قومي قومي يلا انتِ مش بتردي عليا ليه… وحياتي عندك قومي."
ضمها إليه مرة أخرى وانهار قائلاً:
"متسبنييش متسبينيش أبوس إيدك سهيلاااااااه متسبنيش بالله عليكِ أنا مش هعرف أعيش من غيرك قومي ردي عليا قومي قومي اضربيني قومي اضحكي عيطي اعملي ال انتي عاوزاه بس متسبنيش ارجوكِ."
فاق من انهياره ذلك وأفلتها من بين حضنه. أراح جسدها على الفراش ووضع رأسه على صدرها. محل قلبها، انتعش قلبه عندما سمع دقات قلبها الضعيفة. فاقترب من شفتاها، أمسكهما بيد مرتجفة، يفتحهم، ثم وضع شفتاه بين شفتاها وأخذ يمدها بالهواء حتى انتفضت متسعة العين. فابتعد عنها حتى يرى حالتها التي تحاول أخذ نفسها بصعوبة. أعدل جسدها حتى جلست وأسند ظهرها على الوسادات من الخلف، متفوهاً بقلق وعيناه ما زالت تزرف الدموع:
"اهدي اهدي خدي نفسك بالراحة اهدي."
تعمقت عيناها به وحاولت أخذ أنفاسها بصعوبة.
فقام هو مسرعاً وأحضر كوب ماء. أعدل رأسها وأسندها من الخلف وقرب كوب الماء من شفتاها حتى تروي حلقها. اكتفت من الماء فوضع الكوب بجواره وضمهما إليه بقوة، يعوض شعور افتقادها من قبل ذلك الشعور البغيض.
أحست بشيء رطب على كتفها، فعلمت أنها دموعه. حزنت بشدة على حالتهما وأغمضت عيناها بألم تهمس له:
"ا ايدي منملة ورجلي حاسه بصداع جامد اوي دماغي هتتفرتك."
ابتعد عنها يزيل دموعه بخشونة متمتماً:
"أنا هاخدك ونروح للدكتور لازم يلاقي حل."
أمسك ساقها وظل يلامسها بلطف حتى يفك تنميلها، متمتماً من بين دموعه بنبرة حازمة:
"انتِ مش هتسبيني وهتخفي انتِ فاهمه اوعي تسبيني اوعي انت فاهمه."
أمسكت يده التي انتقلت لذراعها تدلكها، متفوهة بدموع حارقة:
"فاهمه."
ملس أسفل عيناها يزيل تلك العبارة الحارقة:
"أنا مش عايزك تعيطي طول ما أنا عايش، أنا عايز دموعك دي تفارقك للأبد انتِ فاهمه."
هزت رأسها بإيجاب بعدما احتلت شفتاها ابتسامة حاولت رسمها لأجله.
قام من مكانه يجلس بجوارها يتمتم ببعض الجدية المزودة باللهفة:
"إحنا لازم نروح للدكتور دلوقتي عشان نبدأ في علاجك، أنا مش هسمح بأي تقصير، انتِ هتخفي بإذن الله."
عانقته بقوة لتردف بشغف حاوط كيانها:
"مالك أنا بحبك اوي."
بادله العناق بقوة وشغف، يبادلها عشقها وبنبرة خرجت متحشرجة أثر منع نفسه من البكاء:
"وأنا كمان بحبك اوي."
أمال جسدها على الفراش حتى أراحت ظهرها وهو ما زال يحتضنها وأصبح قابع فوقها. أراح جسدها بجوارها وجذب جسدها إليه، يريح رأسها على جذعه العلوي. حاوطت جسده بذراعيها حتى تتنعم بقربه. أنامله التي تداعب خصلاتها بخفة جعلت الألم الذي يعصف برأسها يقل بسبب تمتمته ببعض الآيات من القرآن الكريم، فشعرت بالخمول وغطت في النوم، بينما الآخر ظل عقله منشغلاً بأمرها حتى غفى هو الآخر.
بالصباح أخبرته بميعادها عند الطبيب بالمركز المخصص له، ولم تخبرها بأنه يعلم بالأمر من الطبيب. وهاتف الطبيب وأخبره بأنهم سيحضرون اليوم، ووصاه عليه بأن لا يخبرها بمعرفته بأمر مرضه.
بإحدى الغرف المجهزة بالأجهزة الضخمة، كانت تقف تجهزها إحدى الممرضات حتى تتمكن من عمل الإشعات والفحوصات التي ستشخص حالتها. أحست برعشة بأوتارها عندما رأته يقف خلف الحائل الزجاجي يبتسم لها وعيناه تلمع بدموع لا تريد أن تفسرها خوفاً من أن تكون شفقة، لكنها عندما دققت رأتها بعيدة كل البعد عن ما بمخيلتها. بادلته الابتسامة، وبعد ذلك أجرت الفحوصات.
بعد الانتهاء وبغرفة دكتور وائل، كان الصمت يملأ المكان. قطعه صوت الطبيب الذي بدأ يحدثهم عن حالتها:
"إحنا هنعرف حجم الورم ودرجته بعد متابعتنا ليها هنا في المستشفى بأسبوع، ساعتها هنقدر نشوف نستخدم معاه كيماوي ولا نعمل عملية الاستئصال للورم، بس انتِ هتتعبي جداً لأن الورم لما هنعرضه للكيماوي هيحصلك مضاعفات زي صداع حاد وحالة لا وعي ومش هتبقي عارفة انتِ بتعملي إيه وهيحصلك تشنجات، فللأسف هنضطر نحجزك هنا في المركز لأن أستاذ مالك معندوش خبرة كافية إنه يعرف يتعامل مع حالتك."
تحدث مالك:
"وعملية الاستئصال دي لو عملناها هتخف على طول؟"
أكمل الطبيب:
"عملية الاستئصال في المخ محدش قدر يحدد نسبتها، دي بتعتمد على صحة المريض وكمان مش شيء سهل، إحنا لسه بنحدد نوع الورم هل من الأورام الدبقية أو السحائية، ودي بتشمل أورام الدماغ الأولية، أورام الغدة النخامية، وطبعاً بعد ما نحدد هنشوف هتتعالج بالإشعاع ولا تدخل جراحي…"
صمت قليلاً ثم أكمل:
"عملية الجراحة للأسف بنضطر نعمل إزالة لشعر الرأس أو جزء منه وتخدير كامل للجسم وبنعمل شق في فروة المخ بنوع خاص من المنشار."
قاطعته بوجه منعقد بالرعب والخوف:
"لو سمحت متكملش أنا مش قادرة أسمع كل ده."
ضرب مالك على يدها بحنان يدعمها، ثم وجه حديثه المزعور للطبيب:
"أنا هسفرها تعملها بره هناك في تقدم في الطب، أنا مش هستحمل إني أشوفها بتتعذب قدامي ومعرفش أعمل حاجة."
"يا أستاذ مالك إحنا الأول بنحاول إننا نستعمل طريقة أسهل من الاستئصال، هي أي نعم متعبة بس أحسن من العملية ال انت مش ضامنها هتنجح ولا لأ، وباذن الله نقدر نسيطر على الورم وتخف، وأنا حجزت ليها جناح كامل هنا في المركز والطب هناك زي هنا مفيش فرق، وطريقة العلاج موحدة في كل مكان، دا غير الخبراء والباحثين في الأورام اللي بنجيبهم من الخارج عشان يساعدونا هنا في المركز.. أنا من خلال خبرتي بقول لحضرتك مفيش فرق بين بره وهنا، بالعكس هنا أحسن، بالذات بعد انتشار الوباء والحالة اللي العالم بيتعرض لها وأزمة السفر والإجراءات اللي بتاخد وقت، وطبعاً الحالة النفسية هي العامل الأساسي بين كل ده، فوجودكوا جنبها هيفرق معاها كتير، ودا طبعاً عكس اللي هتلاقيه بره."
شكر مالك على مجهوداته، ثم أخذهم وائل ليريهم الجناح التي ستقيم به سهيلة.
قصر الداليفي غرفه أحمد وليلي صدح صوت الهاتف الذي تناوله أحمد من على الطاولة فجأة صوت دكتور خالد:
"الو يا أحمد أنا دكتور خالد."
رد عليه أحمد بعملية:
"خير في حاجة حصلت؟"
"كنت عايز أكلمك بخصوص بنتك سهيلة."
ردد كلمته الأخيرة ينسبها إليه بتعجب:
"بنتي؟"
انتفضت بجلستها تهتف باسم ابنتها بلهفة:
"سهيلة؟"
أكمل خالد:
"آه بس اهدي خالص ومتتعبش أعصابك، سهيلة عندها كانسر في المخ."
وصلت إلى الجناح ابتسامة جميلة تزين ثغرها ويدها تحاوط بطنها بحب. وقفت مكانها منصدمة من شكل الغرفة التي انقلبت رأساً على عقب والزجاج المنكسر والمبعثر بكل مكان، وذلك الجالس أمامها جسده يهتز بعنف من شدة غضبه وغليان دماؤه بداخله، وعيناه الذي رفعهما يصوبهما نحوها جعلها تنتفض رعباً من وحشيتهم وسوادهم القاتم، يلقيها بنظرات شرسة كالوحش المتأهب ل فريسته.
خرجت كلمات ساخرة من فمه وهو يسير نحوها وبيده تلك الأوراق:
"أهلاً بالهانم."
متسائلة بضيق من لهجته الغير معتادة عليها:
"مالك يا أسر فيك إيه؟"
كان قد وصل إليها واغتاظ بشدة من ذلك الوجه التي ما زالت تخدعه به. قبض على حجابها يهزها بعنف وصوته الذي يصيح بها كان على وشك أن يثقب أذنها:
"في إني كنت أهبل في إني حبيت واحدة وس*خة وحق*رة زيك."
لوح بالأوراق التي بيده التي تعلم أصلهم جيداً، صرخ بها بحدة لازعة:
"الأوراق دي بتعمل إيه في الدولاب؟"
أجابت بتلعثم من بين دموعها ويداها تحاول إبعاد يده التي تقبض على حجابها بقوة آلمتها:
"دا… دا…"
ورق للمدرسة بتاعتك.
قرب وجهها الذي يحاول أن يجعله يحن لها، وصفعه بقوة صارخاً بها:
"دا ورق للمدرسة بتاعتك… وطبعًا المدرس عشيقك هو اللي إدهولك عشان امضي لك عليه صح؟"
لم تفهم شيئًا من ما ينطق به، بل صدمتها تلك الصفعة.
صرخت بهياج وبكاء هستيري من شدة ما تشعر به وخوفها على ما بأحشائها:
"أنا والله ما فاهمة انت بتقول إيه، سيبني في حالي، انت بتوجعني."
ضغط على حجابها أكثر، يجذبها إلى مكان الفراش الذي انحنى يلتقط منه صورها الفاضحة التي بهم مع أحد الرجال.
ألقاهم بوجهها وهو يصرخ بها بغل ونيرانه تسوقه عليها بأن يقتلها حتى يطفئ نيرانه بدمها:
"مين اللي في الصورة معاكي دا يا زبالة؟"
صرخت بألم وعيناها لا ترى منهم من كثرة الدموع التي تغرقها:
"معرفش والله ما أعرف، إيه اللي انت قصدك عليه."
ألقاها أرضًا بقوة، فاصطدم جسدها بالأرض.
أمسكت أسفل معدتها كحركة عفوية، سوف تحمي بها جنينها.
صرخت ببكاء يلين له الحجر:
"والله ما عملت حاجة، والله ما عملت حاجة."
نظر لها بغل ونيران غضب مشتعلة منها ومن نفسه التي تحن لها بعد كل ما حدث منها.
تجاهل حنينه لها وانقض عليها بالسباب الحاد والضرب المبرح:
"انتِ واحدة زبالة، استغلتيني واستغليتي حبي ليكِ وخنتيني يا حقيرة يا واطـ*ـة…."
أخذ يكيل لها الصفعات والركلات بجميع أنحاء جسدها، وما كان عليها غير الصراخ من الوجع ورعبها على ما ببطنها:
"حرام عليك ارحمني، والله ما عملت حاجة."
استمر بضربها وصفعها، بينما هي حاولت الهروب منه، لكنها لم تقدر من قوته الشرسة.
حاولت أن تتفادى الضربات التي تصل إلى بطنها، محاولة التمسك حتى لا يضيع ابنها منها، لكنها لم تقدر.
شعرت بشيء ساخن لزج يسيل من أسفلها، مغرقًا ساقها.
هنا صرخت حتى انقطعت أحبالها الصوتية، فقد تحقق ذلك الكابوس البشع الذي رأته البارحة بنومه.
لم يمل الآخر من ما يفعله، وكأنه يخرج ثورة مكبوتة بداخله بتلك القابعة أسفله.
أوقع شيئًا زجاجيًا بجواره، جعل يده تنزف وتنجرح بشدة، فتوقف عن ما يفعله.
بيده الأخرى أزال تلك القطرات التي تملأ وجهه من المجهود الذي فعله.
على الأخرى، فهو وقد تعب من ما يفعله، فما حالها التي لم تقدر على الصراخ من شدة ما تتعرض له.
حاولت التمثيل عليه بأنها فقدت الوعي حتى يبتعد عنها، وتتمكن من إنقاذ ابنها التي تشعر بوجوده، وأن ما نزل منها ما هو إلا إشارة من ابنها حتى يطمئنها بوجوده.
تركها ودلف للمرحاض يغسل نزيف يده.
وتركها تخر الدماء من كل مكان، فوجهها كان كالدمامة، مملوء بالدماء.
قامت من مكانها بتثاقل، تزوم وتصرخ في نفسها من الأوجاع المبرحة، تحاول الهرب بطفلها منه قبل أن يقتلها بالفعل.
سارت بسيقان مهتزة، تخر منها الدماء وأنفاسها الثقيلة، تحاول تلتقطهم وأن تنتهز فرصة الهروب والنجاة لها ولطفلها.
تساندت على الحائط حتى تقدر على الهرب منه، لكنها صدمت ووقفت بمكانها عندما تفاجأت…
كانت تتحدث بالهاتف مع شخص مجهول:
"عملت كل اللي قولتك عليه…"
"برافو عليك، بقيت فلوسك هتوصلك كلها."
أنهت المكالمة وتراجعت بجذعها العلوي على الفراش، وابتسامة شريرة مليئة بالحقد والغل ظاهرة على وجهها.
تراجعت بالذاكرة للوراء عندما أخذت مليكة ذلك اليوم لوالدتها وتمكنت من تخديرها.
أخذتها إلى شقة مفروشة، وأخذوها بعض الرجال، ثم توجهت معهم للداخل حيث يجلس طارق وأمها.
وجهت تساؤلاتها إلى طارق:
"هتعمل فيها إيه؟ وطلبت أخدرها ليه؟ ومخلتنيش أوديها عند أمها ليه على طول؟"
أجابها طارق بمكر ودهاء:
"أصبري على رزقك شوية، وكل حاجة هتعرفيها في وقتها. انتِ مش عايزاها تطلق منه؟ أنا هخليها تطلق منه واحتمال يموتها كمان."
تمتمت بلهفة فرحة:
"إزاي؟"
ابتسم بشر ومكر:
"استني بقى يا حلوة وهتعرفي كل حاجة في وقتها. يلا روحي شوفي البت دي يلا."
خرجت عفاف والشك ينتابها من ذلك الرجل، فوقفت خلف الباب تستنصت لهم، حتى سمعت والدتها تتحدث بخوف:
"لو أسر عرف إننا ورا دا كله مش هيرحمنا، وخصوصًا بعد أما يمضي على كل اللي يملكه. هو صحيح مش هيبقا حيلته حاجة بس هينتقم برضه."
تنهد الآخر براحة متمتمًا بكلمات جامدة:
"متقلقيش، هقتله."
رددت الأخرى بخوف وهلع من ذلك المقيم أمامها من أن يورطها بشيء:
"هتقتله؟ لا أنا ماليش في الدم."
"طب وانتِ مالك، أنا اللي هقتله مش انتِ."
"انت مفكر أسر دا سهل؟ هتعرف تقتله؟ دا انت تبقى بتحلم."
"متقلقيش، أنا هتصرف."
"متقلقيش، أنا عارف أنا بعمل إيه. وبالنسبة لبنتك أنا مش مرتاح لها، شكلها هتبوظ كل اللي إحنا بنعمله."
"هي معانا متقلقش، أدام هنطلق البت دي منه."
ذهبت عندما سمعت صوت خطوات آتية، وأقسمت بأن تخرب ما يفعلوه حتى تحميه منهم.
بعدما انتهوا من تصوير مليكة، أخذتها وتوجهت للمخزن الذي به والدتها.
عادت للواقع تحدث نفسها بانتصار:
"كنت يا طارق الكلب عايز تقتله صح؟"
أطلقت ضحكة مريضة وهي تنظر لصورة آسر بيدها:
"كانوا عاوزين يقتلوك يا حبيبي عشان ياخدوا فلوسك… ميعرفوش إني هعمل أي حاجة عشان تعيش وتفضل معايا وتتجوزني كمان… شوفت عملت إيه؟"
"أخذت الصور من مكتبه وبعتهالك أنا قبل ما هو يبعتها وكشفت حقيقتهم قبل ما يعملوا حاجة فيك يا بيبي… انت بتاعي أنا وبس، مفيش حد يقدر ياخدك مني، انت فاهم… ولا حتى الكلبه اللي انت متجوزها، زمانها دلوقتي مع الأموات. يا خسارة، ما هي متعرفش اللي بيخون أسر الدالي بيحصل فيه إيه. تؤ تؤ يا خسارة، زعلت عليها أوي."
رواية كن لي أبا الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم روميساء نصر
تركها ودلف للمرحاض يغسل نذيف يده وتركها تخر الدماء من كل مكان فوجهها كان كالدمامة ملئ بالدماء.
قامت من مكانها بتثاقل تزوم وتصرخ في نفسها من الأوجاع المبرحه تحاول الهرب بطفلها منه قبل أن يقتلها بالفعل. سارت بسيقان مهتزه تخر منها الدماء وأنفاسها الثقيلة تحاول إلتقاطهم وأن تنتهز فرصة الهروب والنجاة لها ولطفلها.
تساندت على الحائط حتى تقدر على الهرب منه لكنها صدمت، واقفه بمكانها عندما تفاجأت بسعدية تقف أمامها مندهشة من حالتها تلك. ركضت نحوها تسألها بلهفة:
"مين اللي عمل فيكِ كدا وفين أسر بيه؟"
أمسكت ذراعها وهي تتقدم للأمام تتتمتم برجاء لها وكلماتها تكاد أن تخرج بصعوبة:
"مشيني من هنا بسرعة."
لم تقدر على فهم شيء من ما تقوله أو تقصده فأوقفتها متسائلة:
"استني، هتمشي تروحي فين؟"
أكملت برجاء وبكاء يلين له الحجر وهي تتشبس بها حتى تقدر على الصمود:
"الحقيني، مش قادرة. مشيني من هنا أبوس إيدك، هيقتلني أنا وابني."
حن قلبها لحالتها وأخذتها للأسفل إلى غرف الخدم حتى تحاول أن تفهم ما يحدث لها وتساعدها. وضعتها على مقعد خشبي متمتمة:
"اقعدي هنا لحد ما اجيبلك حاجة تلبسيه."
تمسكت مليكة بثيابها تكمل برجاء وقد تغلبت عليها الأوجاع وأحست بروحها تزهق بعيداً مع طفلها التي تشعر بأنه سيغادرها إلى الأبد:
"خرجيني من هنا أبوس إيدك، أنا مش قادرة. ابني هينزل مني وهو هو هيموتني."
ربتت على جسدها حتى تطمئنها تحدثها بإستفهام:
"مين اللي هيموتك؟"
صرخت الأخرى بها حتى تكف عن أسئلتها تلك:
"الحقيني، أنا بنزف مش قادرة."
أومأت لها:
"حاضر، حاضر."
أسرعت لتحضر لها شيئ ترتديه حتى تخفي ملابسها السفلية الملطخة بالدماء وتخفيها من الرجال القابعين أمام بوابة الفيلا حتى تستطيع إخراجها. وقع هاتف مليكة أثناء تبديل سعدية لها الملابس فإلتقطته تعطيها إياه:
"تلفونك وقع منك."
أمسكته بلهفة عندما تذكرت بأنها وضعته ببنطالها وحمدت ربها بأنه ما زال معها. أعطته لـ سعديه وأملت عليها ما تفعله من وسط تنهيدتها وآناتها:
"افتحيه، افتحيه ورني على أول رقم عندك في السجل. امممممممم ااااااه يا رب مش قااااادره ااااااه."
نفذت سعدية كل ما قالته لها وانتظرت حتى آتاها الرد من الطرف الآخر فوضعت الهاتف على أذن مليكة حتى تتحدث. تفوهت بكلمات تخللها البكاء:
"بابا، الحقني أنا بموت وابني بيموت مش قادرة. تعالي عند القصر بسرعة عند البوابة الأخيرة بسرعة ومن غير ما حد يشوفك بسرعة."
أطلقت صرخة متألمة من شدة الآلام التي تشعر بها فوقع منها الهاتف وانغلقت المكالمة. هتف بإسمها بلهفة وقلق عندما انقطعت المكالمة:
"مليكة، مليكة."
ألقى الهاتف أمامه وغير إتجاهه واتجه إلى محل إبنته الذي لم يكن ابتعد عنه كثيراً. أما عند الأخرى فساندتها سعدية وأخذتها من طريق تجهله تحدثها حتى تطمئنها من ذلك الطريق:
"قومي تعالي معايا من المدخل دا محدش يعرفه من اللي واقفين بره ومحدش بيجي هنا خالص. هتعرفي تخرجي منه من غير ما حد يشوفك."
تحاملت مليكة على نفسها وسارت معها تحاول مد نفسها بالأمل بأن طفلها ما زال معها وسينتهي ذلك الكابوس. بعد قليل من الوقت وصلا إلى البوابة الخلفية التي كانت مغلقة بقفل كبير يملأه الصدأ. أسندت سعدية مليكة على الجدار وإلتقطت حجر من الأرض وظلت تضرب على ذلك القفل حتى تستطيع كسره لكنها لم تقدر. توقفت عند سماع صوت سيارة بالخارج فركضت إلى الجالسة على الأرض تئني ألماً:
"في صوت عربية بره، شكله جه."
تحدثت وهي تلفظ أنفاسها بصعوبة:
"نادي عليه يفتح الزفت دا، مش قادرة اااااااه اممممم يا ماما الحقيني ااااااه ابني ابني هيروح مني الحقوني الحقوني اااااااه."
توجهت سعدية إلى البوابة ونادت من الخلف:
"حد بره."
فجاءها صوته:
"أنا اللي بره."
"افتحي البوابة."
"مش راضية تتفتح، القفل معصلج مش راضي يفتح خالص."
"طب غيري اتجاهه من الفتحة دي وهاتيه ناحية."
نفذت ما قاله ووجهت القفل من فتحة صغيرة بالبوابة وأحضر سلاحه من سيارتة ووجهه على القفل فانكسر وفتح البوابة وسمع رجال الأمن ذلك الصوت فأسرعو وتوجهو ناحية إطلاق النار.
عند أسر في الغرفة كان يقف بالمرحاض ينظر إلى يده المجروحة المليئة بالدم. شعر بغصة في قلبه حاول أن يتجاهلها ثم اغتسل الدم الذي على يده فشعر كأن روحه تنسحب منه ووجع شديد بجانب قلبه لا يعلم ما سببه. لا يعلم بأن هذا الألم ناتج عن قتل إبنه لكنه ظن أنه بسبب ما فعله بها. فنظر إلى نفسه بشراسة وهو يصيح بغضب وقد عاماه نار الغضب:
"انت متضايق ليه؟ اه رد عليا متضايق ليه عشان واحدة زبالة زي دي خانتك وكانت عاوزه تاخد فلوسك وتهرب مع عشيقها؟ زعلان على ال عملته فيها مش زعلان على الأيام اللي قضيتها معاها وانت بتحبها وكانت بتبادلك مشاعر كدابة؟ مزعلتش لما كانت عاملاك زي العيل في إيديها؟ رد عليا رد. أنا لازم أشرب من دمها، لازم أقتلها وأموتها. أنا مش هسيبها تعيش لحظة واحدة على الأرض. ما عاشت ولا كانت اللي تغفلني وتضحك عليا وتخوني."
خرج من المرحاض وعيناه تضق بشرار وقاتمة ينوي على أن يقتلها ويغسل عاره بيده. أين الحب؟ أين ذهب كل هذا الحب؟ الويل لك ولأمثالك الذي يحركهم غضبهم وينتقمون أشد انتقام من شخص بريء. نعم بريء، فأنت لم تسألها وتستجوبها فقد حركك غضبك وكرهك ولعنت الحب ودفنته مع قلبك. للأسف، للأسف، لكن ستندم أيها الأسر ستندم على ما سببته لروح بريئة أو بالاصح لروحين، فأنت قد ألحقت الأذى بابنك وزوجتك. للأسف، الويل لك.
لتفاجئ بعدم وجودها بالغرفة فاستشاط غضباً وزمجر وهو يطيح بما أمامه يكسره وتوجه للخارج حتى يعثر عليها.
"بنتك عندها كانسر في المخ."
وقعت تلك الكلمات كالنصل الحاد على لسانه أفقدته النطق. فأكمل خالد:
"أنا مقدر اللي انت فيه بس أنا قولت إنك لازم تعرف. هي الوقتي موجودة في مركز..."
وقع منه الهاتف متهشماً ووقع هو أيضاً ونزلت دموعه على إبنته. دب الرعب بقلب الأخرى وجلست بجواره تحرك ذراعه بقوة ترجوه بأن يطمئنها على إبنتها:
"بنتي مالها؟ سهيلة مالها؟ قولي سهيلة حصلها إيه؟"
أخرج كلماته بصعوبة وعيناه ما زالت تزرف الدموع:
"بنتك في المركز بيقولوا إن عندها كانسر."
صرخت به بهيستيرية لا تريد تصديق ما يحدث لإبنتها:
"لااااااااء، انت بتقول إيه؟ يستحيل! بنتي ليه؟ ليه دي لسه صغيرة؟ يا رب يا رب ليه تعمل معاها كدا؟ ليه يا رب؟ اشفيها يا رب واتعبني أنا بس هي لأ. هي متستاهلش كل اللي بيحصل معاها دا كله."
إنهارت تبكي بجوار زوجها فحاول الآخر تهدئتها وهو غير قادر على منع نفسه من البكاء على صغيرته:
"أنا هروحلها على هناك، لازم أكون معاها."
تمسكت به وأكملت برجاء:
"وانا هاجي معاك، أنا مش هسيبها تاني أبدا. كفاية سمعت كلامك انت وأسر وسيبتها تتجوز وتبعد عني من غير ما أسأل عليها."
"أبوس إيدك مش وقت كلامك دا، يلا قومي البسي أما نروح لها."
قاموا بتبديل ثيابهم على عجلة وتوجهوا إلى المركز الذي يوجد به سهيلة.
عند سهيلة في المركز وخصوصاً في الجناح الخاصتها كانت نائمة على الفراش بمفردها. فرت من عيناها دمعة هاربة. قاطعها دلوف مالك إليها يسألها بمرح:
"الجميل بتاعي عامل إيه؟"
إقترب منها وجلس بجانبها فرأى هذه الدمعة التي على خديها. قام بإزالتها بإبهامه متحدثاً بنبرة تخللها العتاب:
"إيه لازمة الدموع دي؟ أنا مش قولت مش عاوز دموعك دي تنزل تاني؟"
إرتمت بأحضانه تبكي بنحيب يتبعه شهقات متتالية جعلته يضمها بإحتواء ويسألها بقلق:
"طب قوليلي فيكِ إيه؟ في حاجة بتوجعك؟"
هزت رأسها بالنفي. فتابع كأنه يدادي طفلته وكفه يسير على خصلاتها:
"اومال في إيه؟"
تمتمت من بين نحيبها بعدما ابتعدت عنه:
"ماما وبابا وحشوني أوي. خايفة مشوفهمش تاني قبل ما أموت..."
قاطعها بوضع إصبعه على شفتاها يمنع خروج تلك الكلمة التي تجعله يرتعش فور نطقها متمتماً بتحذير:
"إياكي أسمعك بتجيبي سيرة الموت دي تاني." ثم تابع بحنان: "أنتِ هتخفي وهتبقي كويسة واحسن من الأول كمان. عايزك تثقي في ربنا وتدعيله إنه يشفيكي وباذن الله هتخفي وهتبقي احسن من الأول."
تمتمت بكلمات معسولة وعيناها تتشرب ملامحه التي اشتاقت لها منذ الفترة الأخيرة:
"حتى وأنا في وسط ألمي عندما أتذكر عيناك تشفي كل أوجاعي وكأن شيئاً لم يكن. أنت مرضي الوحيد الذي عجزت عن تشخيصه."
قام مالك بشدها إلى أحضانه مرة أخرى وضمها بشدة حاول أن يعبر عن مشاعره وحبه في هذا الحضن:
"بحبك."
إبتسمت وحاوت جسده بذراعيها تستمد طاقتها المستنزفة منه ومن حبه وشوقه وشغفه لها. فهم بالنسبة لها مثل الطاقة، فالفتاة كالوردة والرجل كالبستاني. إن اهتممت بها وراعيتها تفتحت واشرقت وفاحت رائحتها الجميلة لتستمتع بها، ولكن إذا أهملتها أصبحت كالوردة الذابلة التي ليس لها رائحة عطرة لتستمر في ذبلانها حتى تموت. فالبستاني كالرجل والاهتمام والمراعاة هما الحب والوردة هي الفتاة.
وصل في الأسفل كل من أحمد وليلى وقاموا بالدلوف إلى المركز. سألوا عن إبنتهم وفي أي دور وغرفة تجلس. عرفوا مكانها وتوجهوا إلى غرفتها. وقف كل منهم أمام باب الغرفة ونظروا إلى بعضهم البعض بنظرات يفهموها جيدًا. أمسك أحمد يد ليلى وضغط عليها حتى يطمئنها. دقوا الباب ودلفوا إلى الداخل. وجدوا سهيلة نائمة بين أحضان مالك.
نطقت ليلى بشوق أموي أثناء رؤيتها:
"بنتي."
نظر كل من مالك وسهيلة إليهم بدهشة. فاقتربت منها ليلى تضمها إلى أحضانها وتبكي، فبكت سهيلة هي الأخرى في حضن والدتها. توجه إليها أحمد وضمهم إليه هو الآخر وأخذ يقبل رأس سهيلة وهو يتمتم بأسف وندم:
"سامحيني يا بنتي."
ردت من بين بكاؤها:
"مسمحاك يا بابا، انت مغلطش في حاجة."
قبلتها ليلى بجنون بكل مكان بوجهها متمتمة بإشتياق:
"وحشتيني أوي أوي يا قلبي."
ردت عليها بحب:
"وإنتِ كمان والله يا ماما وحشتيني. أنا أسفة إني سبتكو ومكلمتكوش طول الوقت دا."
"احنا اللي أسفين يا حبيبتي عشان مكلمنكيش بس والله كنا خايفين من ردة فعلك وكنا خايفين نخسرك وكنا بنطمن عليكي كل يوم من مالك."
"خلاص يا ليلى اسكتي وبطلي عياط."
مسحت ليلى دموعها ودموع ابنتها متمتمة:
"خلاص يا قلب ماما متعيطيش، انتِ هتخفي باذن الله، متعيطيش أبدا خلاص."
تمتم أحمد بجدية لها:
"انتِ لازم تيجي معانا، مش هنسيبك لوحدك تاني أبدا. هتكملي علاجك في القصر ان شاء الله. أسفرك بره."
كان مالك على وشك معارضته لكن أوقفته سهيلة التي قامت بإمساك يده ونظرت له حتى يصمت. فأكملت هي:
"بس أنا يا بابا هفضل مع مالك، هو واقف جانبي وماسبنيش ومش ماثر معايا أبدا وعمري ما هبعد عنه. هو جوزي حاليا ولازم أفضل معاه لأني مش هقدر أبعد عنه."
طلب مالك من أحمد التوجه للخارج حتى يحدثه بأمر ما فذهبا للخارج وساروا بالطرقة فتحدث مالك:
"يا عمي سهيلة هتفضل معايا ومحدش هياخدها معاه. أنا اللي أولى أهتم بيها، أنا جوزها وسندها في حياتها وهي خلاص طلعت من بيتكم بقت من مسؤوليتي أنا. يعني أنا من واجبي أكون ليها الأم والأب والأخ والزوج والسند ومش هسمح لحد يبعدها عني وياخدها مني. وأنا اللي هتكلف بكل علاجها ولو احتاجت للسفر أنا اللي هسفرها."
قاطعه أحمد:
"بس هي بنتي وأنا..."
فأكمل مالك:
"يا عمي بنتك على عيني وعلى راسي بس أنا مراتي مش هسمح لحد حتى لو انت إنه ياخد باله منها ويهتم بيها. أنا اللي أولى أعمل دا كله ولو سمحت يا عمي متجادلش معايا في الموضوع لأني مش هسمح بكده. سهيلة هي حياتي ومش هسمح لحد يشاركني في حياتي وعمري ما ههملها تاني. أرجوك يا عمي تسيبني أصلح غلطي وأعوضها عن أي حاجة عملتها لها أو أي وجع سببتهولها. أرجوك."
تفهم أحمد وأومأ له بإبتسامة:
"حاضر يا ابني. سهيلة أمانة في رقبتك وأنا وأمها هنفضل جنبها على طول ومش هنسيبها."
أكمل بإمتنان:
"أنا مش محتاج منكم أي حاجة غير دعمكم ليها نفسيًا. عايزين نحسن من حالتها النفسية بس عشان دا العامل الأساسي في أنها تستجيب للعلاج."
"كل اللي انت عاوزه مني أنا وأمها هننفذه يا ابني."
عند سهيلة كانت والدتها تتحدث معها وتشاكسها:
"كدا يا قرده أهون عليكي طول الوقت دا تبعدي عني والا أستاذ مالك كان واكل عقلك مننا ونسيتينا خلاص."
إحتضنتها بحب متفوهة بمرح:
"وأنا أقدر أنساكم برضو يا مامي يا حبيبتي. انتو اللي في الحتة الشمال."
"إنتي خليتي فيها شمال والا يمين بقى يا بكاشة؟ ما مالك خد كل الجوانب."
ضحكوا معاً على ما قالته والدتها ولكن قاطع ضحكهم دخول طقم كامل من الممرضات والأطباء. توجهت لها إحدى الممرضات تحدثها بغلظة:
"يلا يا مدام تعالي معانا عشان تعملي جلستك."
تشبثت بوالدتها من شدة الخوف من تلك السيدة التي تحدثها بتلك الطريقة ومن ما سيفعلونه بها.
"جلسة إيه؟"
ردت بإقتضاب وهي تزيل الشرشف الرقيق من على الفراش الذي كان متكوم:
"جلسة الكيماوي، يلا يا مدام عشان نجهزك."
وأشارت لصاحبتها:
"يلا عشان تجهزوها."
كانت الممرضة تتحدث بطريقة غليظة ترعب من بحالتها. إقترب الممرضين منها حتى يقوموا بتجهيزها. دب الرعب في قلبها من هيئتهم فتمسكت بوالدتها وتحدثت برجاء:
"ماما ما تسيبنيش."
ربتت عليها بحنان متمتمة:
"لازم أقوم يا حبيبتي عشان يجهزوكِ، متخافيش أنا جنبك."
إنهارت بالبكاء خوفاً من هؤلاء الأشخاص وقد صور لها بأنها سوف تموت إن ذهبت معهم فصرخت رعباً عندما ابتعدت أمها عنها:
"ياا ماما متخليهومش ياخدوني. مالك يا ماااااالك الحقني يااا ماااالك."
سمع مالك صوت صياحها من الداخل فذهب إليها ركضاً فوجدها تصيح باسمه فتهشم قلبه على هيئتها وتوجه نحوها يُهدئها ويضم جسدها المرتجف إليه:
"اهدي اهدي متخافيش مفيش حاجة."
تمتمت بكلمات من بين نحيبها وصوتها الذي إتنبح:
"عاوزين ياخدوني من هنا، أنا خايفة منهم، أنا خايفة أموت."
إنفجرت بالبكاء وفقدت الوعي من بعدها.
رواية كن لي أبا الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم روميساء نصر
اسرع بفتح البوابه ودلف إليهم تخشب مكانه عندما رأي هيئة إبنته وتقدم مسرعاً ينحني عليها يحملها فصرخت بهيستيرية به:
إلحقني وديني المستشفي بسرعة إبني الحقني
إستكانت بين يديه عندما نفذت طاقتها التي حاولت قدر الإمكان الصمود حتي تقدر علي إنقاذ جنينها ونفسها حركته سعدية من مكانه عندما تلجم لسانه من اسر صدمته بإبنته التي لا يعلم من الذي فعل بها هذا:
بسرعة يا بيه اخرج قبل ما حد يجي انا كدا بيتي هيتخرب
خرج مسرعا وقلبه يرتجف علي إبنته الجامدة بين يديه وضعها بالسيارة وتوجه إلي المستشفي بسرعة
أما عند الاخري فواربت البوابة التي لم تقدر علي غلقها مثلما كان بسبب القفل الذي خربه الاخر وركضت مسرعة للداخل قبل ان يأتي أحد ويراها هنا وتقع بالمشاكل
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
تفاجئ بعدم وجودها بالغرفه فإستشاط غضباً وزمجر وهو يطيح بما أمامه يكسره وتوجه للخارج حتي يعثر عليها لاحظ أثار بقع مخاطيه ممزوجه بالدماء فظل يتبع آثارها حتي قادته إلي غرف الخدم وإنقطع عندها ذلك الاثر إهتز جسده من شدة الغيظ والغضب فكلما ظن أنه حصل عليها خاب ظنه شدد علي خصلاته شعره حتي كاد أن يقتلعها وظل يهتف بصياح إلي سعدية:
سعديه يا سعديه
آتت له تركض مسرعة إليه تلتقط أنفاسها بصعوبة:
ايوا يا اسر بيه
نظر لها بتفحص وعيناه القاتمة كادت ان تخترقها سألها بجحود وجمود كأنه لا يعلم سبب هذا الدم:
ايه الدم دا
أجابت بتلعثم وتردد وساقيها المهتزه من شدة الرعب تكاد أن تسقطها:
م… مع.. معرفش يا اسر بيه
صرخ بها بشراسه بعدما أعطاها ظهره ووضع يده علي وجهه يدلكه كأنه يعيد ترتيبة :
اجمعيلي كل الخدم هنا والبه…
قطع حديثه دخول أحد الرجال إليه يحدثه بجديه:
اسر بيه احنا سمعنا صوت رصاص ودورنا علي مصدر الصوت ولقينا البوابه ال من الجهة الغربيه القفل بتاعها مكسور وباين ان حد كسره عن طريق مسدس
إنقض عليه يمسكه من تلابيب ملابسة عندما غلي الدم بعروقة وعلم أنها غادرت صاح به وهو يلكمة من شدة غضبه وغيظه وقد تدفق دماؤه بجسده يغلي:
انت جاي تقولي تقرير عن ال حصل روح شوف مين ال فتح البوابه اكيد هي اكيد هي وهربت معاه
توقف ودفعه بعيداً عنه فإصطدم جسد الرجل بالاثاث جعله يتقهقر للخلف
أما هو فغادر من امام الواقفين وإتجه إلي مكتبة حتي يحدث أحد رجاله وبالفعل قام بالإتصال علي أحدهم وإنتظر نصف دقيقة في صمت وبدأ في التحدث إلي الجهه الاخري:
عاوزك تدورلي علي مليكه مراتي وتدور كويس في المستشفيات وتجيبهالي من تحت الارض عايزها حيه تجيبهالي حيه وعايزك تحفرلي القبر ال هدفنها فيه
أغلق الهاتف وألقاه أمامه وجلس خلف المكتب يمسك رأسه من هذه الوحوش التي تتصارع بداخله
وبينما هو جالس كانت أعين شامته تتبعه كالصقر الذي يتبع فريسته وضعت الهاتف علي أذنها وتوجهت ل غرفتها تتحدث بالهاتف بحده:
انت ليه مقولتليش انك بعت الصور ل اسر معني كدا ان البت خليته يمضي علي الورق
آتاها رده الصادم من ما تقوله:
صور إيه ال بتتكلمي عنها انا مبعتش حاجه
تشدقت بسخرية:
لا بقولك ايه انت لو كنت ناوي تلعب معايا اللعبه القذرة دي انا ممكن اقتلك انت لسه متعرفش مين هي عبير واوعي شيطانك يوزك ان بالورق ال معاك انك ملكت كل حاجه انا ممكن اجيبك راكع تحت رجلي
تابع هو وعقله سوف يشت من ما تقولو:
انا مش فاهم حاجه ومبعتش الصور والورق البت ممضيتش علي حاجه ومعرفش انتِ بتتكلمي عن ايه والصور موجوده في مكتبي
تحدثت بدهشة:
اومال ايه ال حصل هنا دا
لكن قطع دهشتها صوت إبنتها التي أردفت بإستفزاز وسخرية:
سيربرايس بتعملي ايه يا مامتي
نهرتها عبير حتي تبعد عنها فعفاريت الدنيا تتراقص أمامها بهذا الوقت:
ابعدي عني السعادي انا مش ناقصه في بلوه حصلت
تحدثت عفاف ببرود وبطئ في كلامها تقصد ما تفعله:
ااااه قصدك الصور ال وصلت ل اسر من قبل ما مليكه تخليه يمضي علي الاوراق ال من بعد ما يتنازل عنها هتقتلوه صح
إعتلت الصدمة ملامحها وأغلقت الهاتف واتجهت إليها تسحبها من معصمها تصرخ بها:
انتِ تقصدي ايه انطقي قولي
رفعت كفها حتي تصفعها علي وجهها لكن مانعتها يد عفاف التي أردفت بفحيح كفحيح الافعي: اوعي تكوني مفكراني هبله والا نايمه علي وداني انا مش هسمح لحد انه يقتل اسر او ياخده مني انتِ فاهمه حتي لو كان مين ولو فكرتي تئذيه انتِ والا الكلب طارق دا هقتلك واقتله
تحدثت بصوت ضعيف خرج من أثر شدة دهشتها وصدمتها من إبنتها:
هتقتليني
أومأت لها بنبرة جامدة ليس بها مشاعر وجحود قلب:
اه هقتلك مستغربه من ايه ما انتِ ال عملتي فيا كدا مليتي قلبي بالكره والحقد وأخد ال انا عاوزاه مهما كانت الطريقه وال يعوق طريقي اخلص منه وانتِ لو عوقتي طريقي هخلص عليكِ….. اسر خط احمر محدش هيقرب منه انتِ فااهمه.
خرجت من الغرفة وتركت عبير الذي شحب وجهها من تلك التي ربتها وأصبحت بكل تلك القذارة
هاتفت طارق مرة اخري:
= الو يا طارق الحقني
_ الحقيني انتِ الصور ال كانت موجوده للبت دي اختفت ومش لاقيها نهائي
= عفاف هي ال خدتهم تقريبا سمعتنا واحنا بنتفق علي ال هنعمله في اسر واننا هنقتله وراحت بعتت الصور ليه وبتهددني انها هتقتلني لو قربت منه
_ انتِ بتقولي ايه يعني ايه كل ال رتبناله ضاع ومش هنعرف ناخد حاجه
= والمصيبه ان البت هربت منه انا خايفه لا يعرف الحقيقه منها
_ مفيش اودامنا غير حل واحد بس مش هيخلينا نتكشف والحقيقه مش هتظهر لان هو الدليل الوحيد
= ناوي تعمل ايه
_ ايمان لازم اقتلها والا كل حاجه هتنكشف والبت ادام هربت يبقا هتحاول انها توصل لأمها وتثبت براءتها وهتحكيله علي ال عملناه فإحنا لازم نخلص منها ونفوق قبل ما نفوق واسر بيحفرلنا قبورنا قدامنا
= اعمل ال تعملو المهم تتصرف وتخلصنا من الورطه ال عندك دي والبت متوصلش ل اي دليل يثبت براءتها
_ متقلقيش هو دا ال هيحصل
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
في المشفي
كان يقف القلق والخوف يتملكه امام باب يعلاه إضاءة حمراء تلاشت هذه الإضاءة وخرج منها الطبيب الذي كانت صفحة وجهه متعكره ويظهر عليه الضيق
ذهب إليه جلال فور خروجه فتحدث الطبيب: احنا حاولنا وبذلنا كل مجهودتنا ومقدرناش نحتفظ بالجنين نهائي وكان هيبقا خطر علي حياتها خصوصا انها اتعرضت ل إعتد*اء بالض *رب وبقسوه ولو عاوزين تعملو محضر انا تحت امرك
تحدث بلهفة كأن ذلك الحديث الذي قاله الطبيب لا يعنيه:
بنتِ عامله ايه دلوقت
أجاب بأسف:
حالتها الصحيه متدهوره وفي كدمات كتيره في جسمها وحصلها نزيف داخلي وعرفنا نسيطر عليه يعني نحمد ربنا انها نجت بعد كل ال حصلها
ثم سأله بغضب:
مين الحيو*ان ال عمل فيها كدا انت لازم تعمل محضر وتجيب حق بنتك دا مش انسان انا مضطر امشي لان ورايا مرضي تانين عن اذنك وهي هتتنقل في اوضه تانيه دلوقتي تقدر تروحلها
تحدث بنبرة حزينة يشعر بالكسره وقلة الحيله بسبب إبنته التي عانت ولم يقدر علي إنقاذها هي وطفلها:
فين الاوضه ال انتو نقلتوها فيها
= تعالي اتفضل معايا من هنا
توجهو الي الغرفه الموجوده بها
دلف اليها وجد اثار الضرب البارزه علي وجهها والشحوب الذي يستحوز ملامحها جلس بجوارها وبكي علي هذه الحاله التي وصلت اليها سبحان الله كيف لها ان تكون في غاية السعاده من خبر حملها بطفل لتتبدل الموازين لينقلب حالها ل هذه الحاله وتخسر ابنها الذي لم ياتي علي هذه الحياه بعدما كادت ان تطير من السعاده وتريده ان يخرج من رحمها لتراه كيف لي ان اخبرها بذلك كيف لي ان اقول لها ان الذي كنتِ علي عجله من امرك لكي تراه مات
بكي علي حاله وحال ابنته فهي لم تفرح في حياتها وعندما اتاها الفرح علي صوره مخلوق مات وهرب هذا المخلوق للاسف
تسائل مع نفسه بدهشه:
مين ال عمل فيكِ كدا مش معقول يكون اسر وكنتي بتهربي من مين ومش عاوزاه يشوفك وخايفه منه طب ارن علي اسر اسئله والا اعمل ايه ويا تري يكون اسر ال عمل فيها كدا بس لا يستحيل اسر بيحبها جدا مش معقول يعمل فيها حاجه زي كدا وايه ال هيخليه يعمل فيها كدا الاحسن استني لحد ما تفوق واعرف منها كل حاجه بس هقولها ايه هقولها ايه علي ابنها
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
إستكانت من إنهيارها وفقدت الوعي بين يديه فإنصرع الاخر رعبا:
سهيله سهيله سهيله فوقي
قاطعه الطبيب الذي دلف مؤخراً:
بعد اذنك سيبنا نتصرف معاها مينفعش تدخل انت
حاول التنحي بعيداً عنها فوجدها تتشبس بها فتذكر عندما دخل عليها منذ قليل ورأي نظرة الرعب بعينيها خشى أن يراها مجدداً فظل متمسكاً بها
فتحدث الطبيب إليه:
لو سمحت ابعد عنها خليني افوقها
ثم وجه حديثه إلي الممرضة:
حضريلي حقنه بسرعة
تمتم مالك بضعف لأجل حبيبته التي لا يريد الإبتعاد عنها:
مش هسيبها شوف هتعمل ايه وانا هساعدك في ال هتعمله بس مش هبعد عنها
إستشاط الطبيب وتحدث بسخرية لازعه:
لو سمحت ابعد خليني اشوف شغلي مش لعب عيال هو
صاح به مالك بحده مهدداً إياه جعل جميع من بالغرفة يرتعد:
إخلص اعمل شغلك وخليها تفوق لا إما قسما عظماً لا أخليك عبره لكل ال في المستشفي
تراجع الطبيب عن أسلوبه الفظ وفعل شغله بصمت وبدون أي اعتراض أعطاها حقنه ل تفيقها حتي تعدل من ضغطها الذي قاسه قبل أن يعطيها إياها
تأوهت بآلم ثم رفعت أهدابها تعلن عن مقلتيها البنيه التي وقعت مباشرة عليه عندما فتحت عيناها
ملس علي خصلاتها برفق يحدثها بلطف:
اهدي يا حبيبتي متنفعليش عشان دا غلط عشانك انا معاكي وهفضل جانبك ومش هسيبك ابدا متقلقيش
تفاجئ كل من موجود بالغرفه بالتحول الذي حدث له فمن يري حديثه ونبره صوته وتهديده مع الطبيب لا يري نبرة صوته التي تحولت من تهديد ووعيد وغضب الي حب وحنان فهو معها تنهار كل حصونه غير عابئً بمن حوله اصبح كل ما يهمه هي اصبح هدفه في الحياه ان يرجع الابتسامه علي محياها مجددا وان يكون هو السبب بها
تمتمت هي من بين دموعها:
ما تسبنيش اروح معاهم انا خايفه اوي مش عاوزه اخد كيماوي….. انا حاسه إني لو روحت معاهم هموت…. وشعري هيقع
حاول التحكم بحاله وب دموعه لكنه من الداخل قلبه يتقطع ويبكي دم بدل من الدموع من اجلها:
ماتخفيش انا هاجي معاكي ومش هسيبك انا جانبك وعمري ما هسيبك ابدا وإياكي اسمعك بتجيبي سيرة الموت تاني انا قولتلك تثقي في ربنا وتدعيله وهو باذن الله مش ناسيكي وهيشفيكي
قبل رأسها وضمها إليه ثم تمتم:
يلا بقا قومي وانا هاجي معاكي متقلقيش وهما همشيهم من هنا
تحدثت من بين نحيب بكاؤها وشهقاتها وذراعيها تحاوط عنقه من شدة الذعر:
لا انا خايفه
أبعدها عنه حتي يري وجهها ثم ملس علي وجنتاها بلطف يحدثها كأنه يدادي طفلته:
لا ماتخفيش انا هبقا معاكي ثقي فيا والا انتِ بقا مش واثقه فيا
همست له:
لا واثقه فيك
= خلاص يا قلبي أدام انتِ واثقه فيا ليه بقا مش عايزه تيجي معايا هو انا هضرك او هعمل حاجه تئذيكي
حركت رأسها بالنفي فأكمل:
طب يلا قومي يلا عشان نروح
وضعت الممرضه أمام الفراش مقعد متنقل حتي ينقلوها عليه
فصرخ بها مالك بغضب:
ايه ال انتِ جايباه دا
فأجابت بعملية:
دا كرسي عشان المدام تتنقل عليه
أردف بحده:
شيلي الزفت دا من هنا ومتجيبهوش تاني
نطقت إحدي الممرضات بعملية:
طيب يا فندم لازم عشان مينفعش تروح لحد هناك مشي
تحدث بنفور من تبلدهم:
مالكيش دعوه انتِ فين المكان بتاع الجلسات
= اتفضل معايا يا فندم وانا هوديك هناك
قالتها إحداهم
فقام بحمل سهيله بين ذراعيه وسار بها الي الغرفة المخصصه لها فهو لن يسمح بأن حبيبته وزوجته تشعر بالعجز وتسير بهذا المقعد فقام بحملها خوفاً علي نفسيتها من ان تتأذي
ذهب بها الي الغرفه التي سيقومو بعمل جلسة الكيماوي وتعريضها للاشعاعات بها وضعها علي الفراش الذي يوجد بالغرفه
فدلف الطبيب خلفهم متمتماً بلطف:
الجميل بتاعنا خايف كدا ليه متقلقيش ومتخافيش من حاجه خالص يلا قوم يا استاذ مالك سهيله شاطره ومش خايفه
أمسكت بذراعه تترجاه بخوف شديد:
متقومش خليك جانبي بالله عليك
عارضها الطبيب بلطف:
لا لا كدا مينفعش احنا قولنا انك مش هتخافي يلا يا مالك قوم يلا عشان اشوف شغلي
قبلها بين مفرق عيناها يحدثها بلطف وحنان:
متقلقيش انا هنا جانبك مش هسيبك
فرت منها دمعه هاربه من دموعها التي تخفيهم عنه فقبل عيناها يعاتبها:
ليه كدا بقا انا مش قولت مش عايزك تعيطي تاني والا اشوف دموعك يلا بقا خليكي جدعه كدا عاوز اشوف سهيله الجدعه القويه المشرقه راحت فين
ربت علي يدها وقبلها ثم تركها وإبتعد عنها وظل يتابعها من بعيد
قام الطبيب بقياس ضغط الدم ومعدل الانيميا وبعض التحاليل المهمه وقام بجلسة الاشعاعات والكيماوي إنتهي منها ثم توجه مالك نحوها وقام بحملها الي الخارج ومن ثم الي غرفتها وضعها علي الفراش وجلس بجوارها وجلس والدتها ووالدها مقابلهم شعرت بالارهاق والتعب بعد مرور الوقت وشعرت بتوعك معدتها وجريان سائل ساخن بحلقها جعلها لم تقدر علي التحدث وطلب شئ لتتقيأ به وما زاد علي ذلك هو إرهاقها الشديد فتقيأت بمكانها بدون إنذار لهم فظل الاخر يربت علي ظهرها بحنان وقد أبعد خصلاتها بعيدا عن وجهها إنتهت من ما تفعله وأعصابها لانت جعلتها لا تقدر حتي علي صلب رأسها أعدل هو رأسها علي كتفه وقام بجذب إحدي المناديل التي ناولتهم له والدتها
أردفت والدتها له:
معلش يا ابني علي هدومك ال اتبهدلت دي
ثم وجهت حديثها نحو سهيلة:
قومي يا سهيله معايا عشان ابدلك هدومك
منعها من تحريكها وأكمل هو:
مش مهم يا طنط سبيها وارتاحي انتِ انا هعملها كل حاجه
قاطعته ليلي:
مش هتعرف يا ابني سيبها انا امها واولي بمساعدتها
قاطعها بحده عندما إستشعر ملكية أمها لها أكثر منه:
وانا جوزها ويتوجب عليا اني اعمل دا هي لما اتجوزتني وسابتكو بقت مسؤله مني لما سابت حضن ابوها وحضنك انا ال المفروض اكون ليها حضن الاب والام وزياده عليهم الزوج هي زي بنتي وانا ال المفروض اعملها كل دا
حملها من علي الفراش وتوجه بها الي المرحاض أحضرت له والدتها ملابس لها ومناشف ومعقمات للحفاظ علي نظافتها كتعليمات من الطبيب لان مناعتها ضعيفه فيلزم الاهتمام بها وبصحتها ونظافتها قام مالك بتبديل ثيابها وتحميمها ووضع المعقمات لها وانتهي ووضعهاعلي فراشها الذي تم تبديله شعرت بالنعاس بعد كل هذا وغطت سريعاً بالنوم من شدة الإرهاق
دلفت إليهم الممرضه تهتف بأسف:
لو سمحت هي معادها تاخد الدواء كان من شويه وانا اتأخرت فلازم نصحيها تاخد الدواء حالا عشان ميحصلش معاها اثار جانبيه ويحدث تقيؤ
شدد قبضته علي طرف الفراش الذي كان يقف بجواره وصرخ به بغضب علي تسيبها:
انتو عالم مستهتره انتِ لسه فاكره ما هي خلاص تعبت خلاص ونامت ما هو التعب مش هيستني سيادتك علي ما تخلصي ال كنتِ بتعمليه
تابعت بآسف:
اسفه يا فندم بس برضه لازم تاخد الدواء عشان دا هيتكرر معاها كتير ولازم تاخده علي انتظام
عن اذنك نصحيها اديها الدواء
أجابها بإقتضاب:
سيبي الدواء عندك واخرجي بره مفهوم
أومأت له:
مفهوم يا فندم
تركت الدواء وغادرت فأخذه مالك وأفاقها ثم أعطاها الدواء وإستأذن من والديها وغادر حتي يأتي بملابس له ولها
كان يسير بسرعه يريد ان يذهب الي البيت بأقصي سرعه خوفا من ان تفيق ولا تجده بجوارها أسرع في خطواته لكنه اصطدم بشخص ما
= وااو مالك مش معقول
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
عند مليكه في المشفي
بدأت ان تفوق مخرجه همهمات غير مفهومة جعلت والدها ينتبه عليها فأردف بلهفه:
مليكه مليكه انتِ سامعاني ردي عليا
تأوهت بألم من ألألم الذي يعصف بجسدها بالكامل وأكثره مكان إبنها:
اااااه بطني بتوجعني
ردد كلماته حتي تفيق:
مليكه يا بنتي قومي
رفرفت رموشها ببطئ تحاول أن تستعيب أين هي:
انا فين
= انتِ معايا في المستشفي هنا
عيناها كانت تبحث بالمكان وتتذكر كل ما حدث فشحب وجهها اكثر عندما تيقنت بأنها بالحقيقه وان ما حدث معها حدث بالفعل ليس كبوسا مروعاً
تسائلت عليه من بين بكاؤها:
بابا فين اسر هو بره صح… ناديلو خليه يدخل هو واقف بره ليه…. هو لسه زعلان مني صح…. يا اااسر اااااااسر يااا اسر رد عليا مش بترد عليا ليه
إنهارت بالبكاء وحاولت التحرك بجسدها الضعيف الذي آلامها أكثر عندما حاولت الحركة وظلت تضرب بيدها التي نجحت بتحريكها علي الفراش وتهتف بإسمه وتصرخ عليه:
يا اسر انا مخونتكش انا مخونتكش والله مخونتكش يا اسر رد عليا….. ناديله يا بابا انت ساكت ليه ناديله انت مبتردش انت كمان ليه…. بطل عياط اخرج قوله يرد عليا… هو مش بره صح هو مش بره هو لسه زعلان مني طب والله ما خنتك….. انا كنت حتي جايه اقولك اني حامل اني شايله حته منك اني في بطني حاجه هتجمعنا انا وانت ابننا في بطني يا اسر انت ليه سيبتني هاه لي سيبتني انت مش كنت بتقول اني القلب بتاعك ال بيدخ دم ومتقدرش تعيش من غيره واني الهواء ال بتنفسه ليه بعدت عني ليه حرام عليك ليه كنت بتضحك عليا وتقول مش هقدر ائذيكي لانك روحي وومفيش حد بيإذي روحه ليه ليه بتكدب عليا يا بابا كلمه قوله يجي قوله ان انا مظلومه معرفش حاجه ومعرفش ايه الصور دي قوله ان انا حامل
تهشم قلبه ل قطع عندما سمع ما قالته ونطق اخيرا من بين بكاؤه:
ابنك راح لل خلقه يا بنتِ ربنا يعوض عليكِ
ظلت تضحك بهيستيرية كالمجنونه لا تصدق ما يقوله:
انت مجنون صح انت مجنون مين دا ال مات ومين ال قال كدا انتو كدابين كلكو كدابين تعالي يا اسر بيقولو ان ابننا مات تعالي سكتهم بيقولو ان ابننا مات تعالي قولهم لا ما ماتش ليه ليه عملت فينا كدا ليه لييييه اااااه ابنيييييي ابنييييي ابنييييييي
ظلت تصرخ هكذا حتي فقدت الوعي
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
عند اسر
جاءه رنين الهاتف فإلتقطه مسرعاً ينطق بلهفه:
ها إيه عرفت عنها حاجه
_مليكة مراتك……
رواية كن لي أبا الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم روميساء نصر
جاءه رنين الهاتف فالتقطه مسرعاً ينطق بلهفة:
ها، إيه عرفت عنها حاجة؟
مليكة مراتك يا أسر بيه، مش لاقيينها.
سأل مستفهماً بوجه منعقد متهجم:
يعني إيه مش لاقيينها؟
يعني ملهاش وجود، دورت عليها ومش لاقيها، ودورت في كل الأماكن اللي ممكن تروحها وملقتهاش. وروحت عند أبوها وأمها والاتنين مالهمش أثر ومحدش موجود.
صرخ به بإنفعال بعدما اندفع الدم بأوردته من شدة الغضب والغيظ من تلك العائلة التي اختفت أيضاً. هل كان الجميع يخدعوه؟ وكل هذا كان تمثيلية رخيصة؟ كانت هي بطلتها… وهو المغفل الموهوم والمتيم بعشقها.
يعني إيه مش لاقيها؟ أنا عاوزك تجيبهالي بأسرع وقت. أنا مش بديلك فلوس أنت والبهائم اللي مشغلهم عشان تقولولي حجج وأعذار. أنا عاوز نتيجة، أنا عاوزك تجيبهالي في أسرع وقت. لا أما هاخد رقبتك انت واللي مشغلهم قصادها. حياتها قصاد حياتكم، أنت فاهم؟
حاضر يا أسر بيه، هحاول أدور عليها تاني.
أنا مش عاوزك تحاول، أنا عاوزك تنفذ.
قالها بصراخ غاضب قبل أن ينهي المكالمة ويغلق الخط بوجهه.
مش معقول، مالك هنا.
نطقت بها فتاة في منتصف العقد العشرين، ذات بشرة حنطية وقوام رشيق، بعدما اعترضت طريقه. فوقف مندهشاً من التي لم تكن على بال أو خاطر. فمنذ ما يزيد عن خمس سنوات لم يراها. عندها احتدمت ملامحه عندما تذكر ذلك اليوم التي أنهت معه علاقته بسبب ارتباطها بمالك المشفى التي تعمل بها. ولنضجت وأخذت تتحجج بحجج واهية بأن العمر يمر، وبأنها لن تقضي حياتها معه تحت أفكاره الوهمية التي لن تطعمها، ولن تأتي لها بعقد غالي الثمن أو ملابس ذات ماركة كبيرة. ويشاء القدر بعدما تركته أن يقابل مايا التي عاونته على مشروعه وعلى تلك الأوهام بالنسبة للأخرى التي تحولت إلى حقيقة على أرض الواقع، وأصبح من رجال الأعمال الكبار. ولم يبذل أي جهد بمعرفة أخبارها التي انقطعت.
أخرج كلماته المتعجبة من وجودها هنا حتى لا يظهر لها مدى ضيقه برؤيتها التي عقرت مزاجه أكثر مما هو:
إيه دا، هايدي بتعملي إيه هنا؟
أكملت بفرحة وسعادة وعيناها بدأت تتفحص يداه التي وجدتها فارغة من أي حلقة فضية تدل على ارتباطه، مما جعلها تهلل فرحاً وقلبها يرقص على أطناب تلك الفريسة التي أهملتها بالماضي. الحمقاء الساذجة التي ركضت خلف طبيب صاحب مشفى كان على وشك الإفلاس بسبب لعبه في البورصة وخسارة أمواله. بعد مرور سنتين على زواجهم لم تتحمله، وما زاد شجاعتها على تركه هو رجل الأعمال الذي أمامها الآن، التي حاولت في السابق الوصول إليه ولكن كانت محاولاتها كلها فاشلة، ولم تتمكن من الوصول إليه. والآن جاءت فرصتها على طبق من ذهب، فلما لا تنتهزها؟
أنا شغالة هنا، أنت اللي بتعمل إيه هنا؟ ورجعت إمتى؟
ابتسم بسخرية على لمعة عينيها وفرحتها برؤيته، ولكنه نطق بكلمات خيبت ظنها، ليس فقط بل حطمته إلى أشلاء لن تقدر على لملمته.
تحدث بكامل ثقته وسعادته:
أنا هنا مع مراتي.
لم تقدر على ابتلاع كم خيبة الأمل التي أخذتها وملامحها التي انعقدت وهي تكرر كلمته باستنكار:
مراتك؟
وأومأ لها بابتسامة حالمة بعدما أعجبته تلك الكلمة التي نسبت سهيلة إليه بأنها زوجته هو وملكه:
آه، مراتي.
وأومأت له ثم تساءلت بخبث بعدما تحولت ملامح وجهها للنقيض:
آه، تمام. بس بتعملوا إيه هنا؟ يا رب يكون خير.
أجاب بحزن قد سيطر عليه بعدما فاق على حقيقة مرض زوجته:
هي تعبانة، عندها ورم في المخ.
حاولت رسم معالم الحزن على ملامحها باحتراف، ومن داخلها ترقص فرحاً على ذلك الخبر الذي أعاد لها حلمها الذي تحطم منذ قليل:
يا حبيبتي، ألف سلامة عليها، ربنا يشفيها.
وأومأ على الدعاء باستجابة شفاء زوجته، ثم استأذن منها:
بعد إذنك يا هايدي، مضطر أستأذن، عندي مشوار ضروري. نتقابل في ظروف أحسن من كده مرة تانية.
ابتسمت له بتنميق تؤكد عليه:
آه، شووور. هنتقابل. سلام.
بادلها السلام ثم انصرف مغادراً للخارج.
تبدلت تلك الابتسامة المنمقة إلى أخرى خبيثة تعبئ الشر لها، ونفسها الخبيثة تتحدث بداخلها:
اممممم، مراتك عندها كانسر يا حرام. يعني احتمال تموت بأي جرعة دواء زيادة. وطبعاً هتكون محتاج لواحدة جنبك عشان تحتويك. والواحدة دي أنا. ويستحيل أضيعك زي المرة اللي فاتت. المرة دي لازم أمسك فيك بإيدي وسناني!
ظلت تضحك بهستيرية كالمجنونة لا تصدق ما يقوله:
أنت مجنون صح؟ أنت مجنون. مين دا اللي مات ومين اللي قال كدا؟ أنتو كدابين، كلكم كدابين. تعالي يا أسر، بيقولوا إن ابننا مات. تعالي. سكتهم. بيقولوا إن ابننا مات. تعالي قولهم لا ما ماتش. ليه؟ ليه عملت فينا كدا؟ ليه؟ لييييه؟ ابنيييييي، ابنييييي، ابنييييييي.
ظلت تضحك بهستيرية كالمجنونة لا تصدق ما يقوله، حتى ظهرت غيامة سوداء أخذتها بعيداً عن واقعها الأليم هذا، تهرب منه لأنه أصبح فوق طاقتها التي أهلكت وتحطمت إلى الأبد، ولن ترجع إلا بذلك الروح التي غادرت بعيداً على يد زوجها.
ظل أبوها ينادي عليها وكفه يلطم وجنتها حتى تفيق، ولكن لم تستجب له. فخرج من الغرفة فزعاً ينادي بهستيرية على طبيب ينجدها وينتشلها من غيبوبتها تلك. لم يدرك دموعه التي انسالت عنوةً عنه رعباً على حال ابنته. قاطع طريقه طبيب يسير بالممر، فلم ينتظر أن يفهمه ما يريده وسحبه من ذراعه بقوة إلى غرفة فلذة كبده، ابنته.
تحدث الطبيب وهو يجاريه في سيره مستفهماً:
أنت واخدني على فين يا أستاذ؟
توقف عن الحديث عندما وجد نفسه أمام فراشها، وذلك الرجل الباكي الصامت الذي أخذ أنفاسه للتو يطلب منه بصراخ يملؤه الزعر:
الحقني، بنتي مبتردش عليا، شوف مالها.
لم يعرف كيف يهدئ ذلك الصارخ عليه، فله الحق أن يجن على تلك الحورية النائمة. فذلك اللقب يليق عليها كثيراً، حتى أنه يخشى استيقاظها حتى لا يصاب بأزمة قلبية ويكون أسير لها.
تحرك بعدما صرخ الآخر عليه بنفاذ صبر:
أنت واقف عندك بتعمل إيه؟ يلا اتحرك، شوف مالها.
أخرج من ثلاجة صغيرة بجانب سريرها حقنة مهدئة بعدما فحص حالتها ورأى تقريرها الطبي المعلق على الفراش. أعطاها تلك الحقنة وعيناه تتفقد كل تفاصيلها. وما جعل صدره يختنق بالهواء تلك الكدمات الزرقاء بوجهها التي لم تقدر حتى على إخفاء جماله ورقته.
قطع حبل أفكاره وتأمله بها سؤال والدها:
ها يا دكتور، بنتي مالها؟
تنهد بخفوت ثم قام من مكانه وربت على ذراعه يطمئنه:
مفيش، هي خلاص هتبقى كويسة، بس انهيار عصبي. يا ريت متعرضهاش لأي ضغط نفسي. ولما تفوق تناديلي، وأنا هاجي هنا من وقت للتاني وهطمن عليها. بس أنا مضطر أستأذن حالياً لأن عندي مرضى تانيين.
أومأ له جلال ثم جلس بجوار ابنته. بينما الآخر فغادر عنوة عن روحه التي تريد الإقامة بجوارها. ذهب وصورتها لا تغادر ذهنه وقلبه الذي تعلق بها. يخفق بقوة كلما تذكر وجهها الممتلئ بتلك الكدمات.
طوال اليوم أخذ مزاجه يتقلب، أحياناً عصبي، وأحياناً شارد هادئ، وأحياناً أخرى يزمجر غضباً عندما يصعب عليه معرفة من فعل بها ذلك وما حكايتها ولماذا وصلت إلى تلك الحالة.
صدح صوت رنين هاتف جلال بالغرفة، فرد مسرعاً بلهفة ينتظر إجابة الطرف الآخر الذي أملي عليه تفاصيل ما يريد معرفته:
الو، الو يا باشا، إحنا مراقبينه أهو، وهو دلوقتي ماشي في طريق صحراوي وإحنا ماشيين وراه.
أمرهم:
خليكوا وراه، إياكم يبعد عن عنيكوا. بس إوعوا يلاحظ إنكم بتراقبوه، وحضر الرجالة معاك، خليهم يحصلوك عشان لو كان معاه رجالة تعرفوا تسيطروا عليهم. وأول ما يوصل للمكان اللي رايحه تهجموا عليه. أنت فاهم؟ مش عاوز أي حاجة توقفكم. أنا عاوزه حي تجيبهولي حي، أنت فاهم؟
حاضر يا باشا، كلامك أوامر.
بالتوفيق يا رجالة.
أغلق الخط وشرد بعقله بعيداً وعيناه مثبتة على نقطة وهمية أمامه.
حية سوداء اللون تقترب من فراشها بسرعة شديدة حتى تمكنت ووصلت لها، تلتف حولها من مقدمة قدمها حتى وصلت إلى رأسها وجسدها يلتف حولها ويعتصرها. حاولت الصراخ والتحرك حتى تفلت منها، فوقعت عيناها على مالك الجالس أمامها وباقي جسد الحية يلتف على رقبته يخنقه ومعالم آثار الاختناق تظهر على وجهه الأزرق حتى كادت روحه تهرب من جسده. ظل صوت صراخها ينخفض حتى انعدم ولم يظهر وهي ما زالت تحاول إخراجه وتلك الحية تقرب رأسها وأنيابها منها تريد أن تخلص عليها.
أفاقت من نومها مفزوعة تصرخ بقوة حتى كادت أحبالها الصوتية تتمزق. جسدها متبلد مثل الجليد ينتفض بقوة من ذعره.
ركضت والدتها ووالدها نحوها، تلقيها أمها بحضنها حتى تطمئنها وتقلل من ذعرها ونوبة رعبها تلك. ظلت تربت على ظهرها بحنين تهدهدها بلطف:
اهدي، اهدي، مفيش حاجة.
ظلت تبكي وتئن في حضن والدتها بهستيرية تبرطم بكلمات تحكي فيها عن ما رأته حتى ينقذوه:
الحية، الحية هتموته، هتموته.
ظلت تتحرك بلا هوادة بحضن والدتها تريد أن تخبرها بما رأته، لكن عقلها ولسانها يمنعانها. لا تقدر على التحكم فيما تقوله، تشعر بعاصفة قوية تحتل قلبها ستدمره من شدة خفقه وجسدها الذي يتحرك بلا هوادة كأنها لا تملك سوى التحرك والبكاء حتى تخبرهم بما تريد.
أخذت والدتها تهدئها وتحاول السيطرة على نوبة فزعها تلك:
أهدي، أهدي، مفيش حاجة، دا كابوس يا حبيبتي.
أخذت تصيح بكلمات غير مفهومة، حاولت سرقتها من عقلها لتخرجها على لسانها بعدما جاهدت في إخراجها:
مااااااالك، هتموته. ماااااالك، الحقوووووه. الحية، الحية هتموته… يا ماما، مالك.
ظلت هكذا تتحدث من بين صراخها حتى دلف إليهم مالك مندفعاً نحوهم يلقي تلك الحقيبة من يده وعلامات الفزع ظاهرة عليه عندما سمع صراخها من أمام الغرفة.
هتف بفزع وساقاه تسرع إليها:
إيه فيه؟ هي مالها؟ إيه اللي حصل؟
أجابته والدتها بعدما ابتعدت عنها:
معرفش، هي قامت من النوم كدا وعمالة تنادي عليك وبتقول إنك هتموت وحية، باين كان كابوس.
أخذها بين ذراعيه يضم جسدها المرتعش الذي نتج عنه اصطكت أسنانها من شدة ذعرها. لفت ذراعيها حول جسده تضمه بشدة كأنه سيغادرها إلى الأبد. ربت بيده بحركات دائرية على ظهرها ونبرته التي لم تخلو من الحنين والحب:
اهدي، اهدي، مفيش حاجة، أنا أهو ومفيش أي حاجة. أنتِ خايفة من إيه؟
نطقت بكلمات تترجاه فيهم بعدم تركها ووجهها الذي امتلأ بدموع أغرقته. حاولت دفنه بين ثنايا عنقه وجسدها الضئيل لا يكفيه اقترابه منها فقط، بل تريد شق قفصه الصدري والاحتماء به حتى تأمن عليه وبأنه لن يتركها أبداً:
متسبنيش، هي كانت عاوزة تاخدك مني وبتلف حواليك.
أنهت كلماتها بنحيب يتبعه شهقات بكاء كانت تلحف عنقه وظلت تتابع حتى اخترقت قلبه سببت له آلام دامية.
تساءل بهدوء بعدما أسند ذقنه على رأسها وطبع قبلة فوق شعرها:
قالتها بين نشيج من البكاء. قابله هو وبادله بلطف وحنين حتى يحاول تهدئتها:
طب خلاص، اهدي، دا كان كابوس، مفيش أي حاجة من الكلام اللي بتقوليه دا.
أخذ يمسح بكفه على جسدها وفمه لم يقف عن ترتيل آيات الله حتى تهدأ ويسكن قلبها بالأمان.
وصل أمام مستودع قديم دلف إليه وأخذ يمر من بعض الممرات حتى وصل إليها ملقاة بإهمال أرضاً تعاني من حالة مرضية شديدة. عندما رأته أخذت ترجوه وعيناه لم تكف عن البكاء:
أبوس إيدك بقا ارحمني وسيبني، أنا مبقتش قادرة.
عاوزة ترتاحي… من عنيا، حاضر.
أشهر السلاح بوجهها وعيناه تنطق بالشر وضحكته الرنانة المقتظة بالشر تجلجل بأذنها:
أهو كدا بقا هريحك مني ومن الدنيا كمان.
رواية كن لي أبا الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم روميساء نصر
كان يقف يوجه السلاح بوجهها بدون رحمة، بينما هي كانت ترتعش خوفاً، مغمضة الأعين تردد الشهادة، تدعو ربها أن ينجيها من براثن الشيطان.
جاءت صورة ابنتها وجلال وذكرياتهم معاً، حتى تكون تلك الصور الأخيرة التي تراها قبل وفاتها. أخرجت نشيجاً حاراً مؤلماً، وعيناها لا تتوقف عن إطلاق عباراتها، ومن داخلها تتقطع، منتظرة خروج تلك الطلقة التي ستنهي حياتها وتفارق أحبابها.
صرخت بذعر ويداها تضعها على أذنها بعدما انطلقت أصوات ضرب النار، لكن لم يصيبها شيء. فتحت عينيها بحذر تتفقد حالتها باندهاش بأنها لم يصيبها أي أذى، وأن تلك الأصوات بالخارج. حمدت ربها على تلك الفرصة التي رزقها بها الله حتى تحيا.
بينما الآخر الواقف كان يشهر السلاح بوجهها، قرر الهرب من هؤلاء الذين يشتبكون مع رجاله بالخارج. لا يعلم من أين هم ومن أرسلهم، لكن من المؤكد أنهم سيقتلونه إذا ظل بمكانه. توجه نحو الأخرى التي سحبها وراءه. حاولت منعه وأخذت تدافع عن نفسها بقوتها الهازلة، لكنها تلقت ضربات على وجهها جعلتها تصرخ من الألم، وسحبها من شعرها مرة أخرى عنوةً عنها إلى الخارج.
لفت نظرها تلك الزجاجة الملقاة أمامها، فحاولت دفعه بقوتها التي استجمعتها وهي تركله أسفل الحزام. فتركها الآخر منحنياً بألم بعدما ألقاها بسبابة قذرة. أخذت هي تلك الزجاجة وهشمتها فوق رأسه، فسقط أرضاً فاقداً الوعي.
ركضت مسرعة إلى الخارج، ودموعها الفرحة وضحكتها على وجهها، تحمد الله على إنقاذها من ذلك الشيطان الحقير. لكنها وقفت مكانها عندما عارضها ذلك الرجل المسلح بصوته الحازم: "اقفي مكانك، متتحركيش".
كانت معها شقفة من الزجاجة التي هشمتها على رأس ذلك الشيطان، خبأتها خلف ظهرها، لكن خاب أملها عندما وجدت الكثير من الرجال المسلحين يحوطونها. ظنت بأنهم رجال طارق وأنها ستكون بالجحيم لا مفر. ابتلعت غصة بحلقها وشحب وجهها بشدة، وأحست بأن المكان حولها يدور ويأخذها بدوامة سوداء. استسلمت لها وسقطت مغشياً عليها.
أسرع أحد الرجال بحملها وحمل ذلك الفاقد الوعي تخرج منه الدماء، وخرجوا من ذلك المكان ووضعوهم بالسيارات وانطلقوا حيث سيأمرهم جلال.
اتصل به أحد الرجال:
"أيوه يا باشا، مشينا وراه لحد ما دخل مخزن وهجمنا عليه، وهو الوقتي معانا هو والست ال خاطفها، بس هي مغمي عليها دلوقتي، فأتصرف ازاي واعمل فيهم ايه؟"
"عاوز تجيبهالي بسرعه على المستشفى ال أنا فيها، وهو تلقحه في أي مخزن قديم من بتوعنا، وعاوزك تربيه، عاوزه يتمنى الموت وميلقهوش لحد ما أجيلك."
"حاضر يا باشا."
"بسرعه، عايزك تجيبهالي هنا بسرعه، عشر دقايق الاقيك في وشي."
أغلق معه المكالمة وأخذ المصحف من جانبه وأكمل ما قطعه من ترتيل آيات الله بصوته العذب.
لاحظ تحرك يدها وصوت همهمة يصدر منها، فأسرع بالضغط على زر بجواره يستدعي أحد الأطباء. فوصل إليه حازم مسرعاً، مثل الطائر الذي يرفرف فرحاً من شدة شغفه للقاء أحبته.
تحدث جلال بامتنان وحمد الله:
"الحمد الله إنك جيت، شكلها هتفوق ومش عارف هتصرف معاها ازاي."
ابتسم له بلطف:
"متقلقش، أنا هتصرف معاها."
ثم توجه إليها مسرعاً حتى يملأ عينيه منها، فقد اشتاق لرؤيتها عندما تركها تلك المدة وغادر، وصورتها لم تتزحزح عن مخيلته. جلس بجوارها على الفراش وعيناه ما زالت تتأملها وتتأمل شفتاها التي تهمهم بكلمات. حاول أن ينصت لهم حتى يفسرهم، فكانت تلك الكلمات ما هي إلا:
"آسر... آسر... ابني... ابني... آسر... تعالي."
ابتلع تلك الغصة المريرة بحلقه عند ذكرها اسم رجل لا يعلمه وابنها ذلك التي تتحدث عنه. فتجهم وجهه بالألم، والتقط يدها يقيس النبض، وأخذ يرى معدل ارتفاع أو انخفاض ضغطها ومؤشراتها الحيوية. لكن ما زاد انعقاد قلبه هو تلك الكدمات على جسدها ووجهها المنتفخ الذي ظن أنه من البنج، لكنه ممتلئ بالكدمات.
توقف قلبه للحظة عن الخفقان عندما فتحت أهدابها وأشرعت عن فيروزتها التي سحرته، وعندها اضطرب قلبه يدق بعنف، حتى أنه شعر بأنه من الممكن أن يتوقف منه.
قطع تلك الملحمة بينه وبين ذاته جلال، الذي أخذها يضمها بين أضلاعه، يحمد الله على سلامتها، يتمتم بحب وحماس حتى يجعلها تنتبه لحماسه ذلك وينسى ما حدث لها، حتى لا تفوت بإنهيار عصبي مرة أخرى.
"سلامتك يا قلبي، تعرفي مين جايلك حالا؟ إيمان أمك."
نظرت إليه بعينان متسعة واكتفت بالصمت.
فقاطع حديثهم رنين الهاتف الذي رد عليه جلال:
"أنا جايلك تحت أهوه."
أغلق المكالمة ووجه حديثه لمليكة التي بعالم آخر:
"مليكه، أنا نازل أجيبلك أمك، هي تحت دلوقتي."
توجه جلال إلى الأسفل فوجدها فاقدة الوعي، ويبدو على وجهها آثار التعذيب. غلت الدماء بأوردته، حتى أنه أقسم على أن يرى لذلك الحقير الويل منه على ما سببه لابنته وحبيبته. أخذها وتوجه بها للطبيب حتى يتفحصها ويرى حالتها، وبداخله يتقطع لأجل ما حدث لما تبقى له من الدنيا.
إيمان ومليكة.
بعد الانتهاء من فحصها، نصحه الطبيب قائلاً:
"انت لازم تعمل محضر في ال عمل فيها كدا، هي في حالة ضعف تام واتعرضت للتعذيب ومعندهاش أكل ولا تغذية، ومع سنها دا ربنا يستر، يا ريت تهتموا بيها، ولازم تغذية وتمشي على الفيتامينات ال هكتبهالها دي، وأنا اديتها حقنة هتفوقها دلوقتي وتقدر تاخدها. أنا هخرج أمر على المرضى، تقدر تستنى هنا لحد ما تفوق."
أومأ له جلال وجلس بجوارها حتى بدأت تفيق من إغمائها، فاقترب منها يناديها حتى تنتبه له.
"إيمان، أنا جلال، سامعاني؟ انتِ هنا معايا."
نظرت إليه بأعين زائغة، وعندما اتضحت الرؤية، انهارت تبكي وتحمد الله بداخلها على نجدتها من يد ذلك الشيطان. احتضنها جلال حتى تهدأ، فتشبثت به بقوة كأنها وجدت ملجأها بعدما فقدت الأمل في العيش والبقاء على قيد الحياة.
أبعدها عنه ومسح دموعها متمتماً:
"قومي معايا، مش عاوزه تشوفي بنتك."
نطقت باسم ابنتها من بين نشيج مؤلم:
"مليكه، هي فين؟ وحشتني أوي."
رجع خصلات شعرها المشعثة للخلف مكملاً:
"قومي بس واجمدي كدا عشان تشوفيها، مش لازم تشوفك كدا، خليكي قوية."
حدثته برجاء باكي:
"أنا عاوزة أشوف إيمن، اتصل عليه واتصل على مليكه وقولهم يجوا، وحشوني أوي."
أومأ لها بلطف:
"حاضر، بس مش هتشوفي مليكه غير لما أشوف ضحكتك وأشوفك رجعتي كويسة زي الأول واحسن... أنا هرن على إيمن يجيلك."
تكتفت تقاطعه بلهفة:
"وبنتي، بنتي، عاوزة أشوفها."
أومأ لها بألم، فكيف يخبرها عن ما حدث لابنتها وهي بتلك الحال.
رن جلال على إيمن حتى يأتي إليها وقص عليه ما حدث، فأخبره بأنه سيأتي في أسرع وقت.
***
كانت تجلس على الفراش في أحد الغرف، والخوف والشحوب يحتل وجهها، ولكن يوجد ابتسامة على وجهها رقيقة تزين وجهها. كانت تبادلها لمالك وهو يبادلها إياها حتى يبعث في قلبها الاطمئنان والحب والأمان.
انتهت من جلسة الكيماوي، فأخذها مالك إلى غرفتهم وأخذت الدواء.
جاءه صوت الهاتف الذي يعلن عن اتصال أبيه.
"الو يا بابا."
"تعالي يا ابني وديني عند عمتك المستشفى."
"ليه، خير؟ إيه حصل ل عمتي؟"
"معرفش، تعالي بسرعة وديني."
"حاضر، هجيلك أهو."
نطقت سهيلة بها:
"في إيه يا مالك؟"
"عمتي في المستشفى."
تسائلت بقلق:
"ليه مالها؟ خير؟"
"معرفش، أنا لازم أروح دلوقتي، وهرن على حد يجيلك الأول يقعد معاكي."
أومأت له قائلة:
"رن على أسر خليه يجي، عاوزة أشوفه، ومليكه باين إنها عند مامتها فمش هتعرف تيجي معاه."
"حاضر، هرنلك عليه اخليه يجي."
اتجه إليها يميل عليها، يقبل رأسها، ومن بعد ذلك توجه للخارج حتى يحدث أسر على الهاتف.
"الوو يا أسر، اطلع على مستشفى ****، سهيلة هناك وعاوزة تشوفك."
تسائل أسر بقلق:
"ليه؟ مالها سهيلة؟"
"مش وقته، هنبقى نتكلم بعدين، المهم روحلها، لأن أنا عندي مشوار ضروري وقالتلي أكلمك عشان عاوزاك."
"حاضر، هروحلها، سلام."
"سلام."
ذهب مالك إلى الفيلا وأخذ أيمن معه وتوجهوا إلى المشفي الذي يوجد بها إيمان ومليكة وجلال.
عند سهيلة.
دق باب الغرفة، فأذنت للطارق بالدخول. فدلف إليها أسر.
تفتت بسعادة وفرحة باسمه:
"أسر."
دلف إليها بابتسامته ناطقاً بمرح:
"حبيبتي ال وحشاني."
عوجت فمها تتحدث بعتاب بعدما عبس وجهها:
"وحشاك دا كله ووحشاك متجيش غير لما أطلبك، ماشي ست مليكه خدتك مني يا أخويا يا ابن مرات عمي وعمي."
تبدلت ملامح أسر إلى العبوس عندما ذكرت اسمها أمامه.
فلاحظت الأخرى فتسائلت:
"ماله يا أسر؟ زعلت ليه؟"
انتبه لسؤالها وحاول أن يبتعد عن أفكاره وأن يبعدها عن التحدث عنها:
"هاه، مفيش حاجة، المهم انتِ طمنيني عليكِ."
أجابت بلطف:
"أنا الحمد الله بخير، ومتزعلش عشان جيبتك من عند حماتك."
عقد حاجبيه متسائلاً:
"قصدك إيه بجيبتيني من عند حماتك؟"
أجابت بتلقائية:
"هو مش انت كنت مع مليكه عند طنط إيمان عشان هي في المستشفى؟ مالك راح لها على هنا؟"
سألها بوجه مقتضب حديدي:
"مستشفى إيه؟"
عقدت حاجبيها بدهشة وهي ترفع كتفيها للأعلى:
"معرفش. هو انت متعرفش؟ ومليكه كمان؟"
نهرها بصوت عالٍ غاضب:
"ما تخلصي يا سهيلة، رني عليه من غير أسئلة كتير."
تعجبت من طريقته وانفعاله:
"حاضر، هتصل عليه وأسأله."
وقامت بمكالمة مالك الذي رد عليها وسألته:
"الو يا مالك، هو انت وصلت؟"
"اسمها ****، بتسأل ليه؟"
جابت بتلعثم وهي تنظر للآخر حتى يجيبها فأشار لها بأن لا تخبره بوجوده:
"هاه، بسأل ليه... لا عادي، مفيش، بطمن بشوف بعيده ولا قريبة."
"أوكي يا حبيبتي، مش عاوزة حاجة."
"عاوزة سلامتك."
"سلام."
أخبرت سهيلة أسر بعدما انتهت:
"اسم المستشفى ****. عاوزها ليه بقا... هو انتو متعرفوش إنها تعبانة؟"
قاطع ثرثرتها تلك وقبلها من رأسها متمتماً:
"أنا همشي دلوقتي وهبقى أجلك بعدين، سلام."
ردت عليه السلام وهي تشعر بأمر خاطئ بينهما.
رواية كن لي أبا الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم روميساء نصر
غادر أسر المشفى وسط ذهول سهيلة من تصرفاته. انطلق مسرعاً بسيارته إلى محل وجودها وعقله يكاد يصرخ بقتلها حتى ينهي ذلك الألم الذي يعصف بداخله. فماذا فعل بحياته حتى يُخدع بهذه الطريقة المؤلمة؟
صرخ قلبه بعكس ما يدور بعقله، لكن كل شيء واضح أمامه. فهي بالتأكيد من كانت بالصور. كان سيشكك عينيه بدل المرة ألف مرة قبل أن يرى تلك العلامة التي تسميها "وحمة" على ظهرها.
أخرس قلبه وحاول دفن كل تلك المشاعر التي تؤلمه وتجعله يريد إنهاء حياته هو قبل أن ينهي حياتها. كيف سيغفر لها أو حتى يبرر لها؟ فلم تترك له شيئاً يجعله يبرر كل هذا. لِما لم تنكر تلك الأوراق وتقول إنها لا تعلم عنها شيئاً؟ وقتها كان سيشكك في تلك الصور حتى لو كانت حقيقة. فما الذي سيأتي بهذه الأوراق إلى غرفة نومه وجناحه الخاص الذي لا يدخله أحد؟ وهي دائماً جالسة به لا تتحرك منه، ولا يعلم أحد هذا المكان السري الذي وجد به الأوراق سواها.
صرخ عقله بذلك اليوم الذي قلب عليها القصر ولم يجدها. وعندما جاءت إليه كانت حالتها غريبة، وتحججت بوجودها في الحديقة. الآن وضح الأمر، فهي كانت تقابل عشيقها وهو كالمغفل. كان سيموت من شدة قلقه عليها.
أدمعت عيناه وهبطت دموعه المؤلمة على حبه وعشقه الذي قدمه لها على طبق من ذهب. فلم يبخل عليها بأي مشاعر. عوضها عن وجود والدها ووالدتها. كان لها كل شيء، فلِما كسرته وحطمته بهذا الشكل؟ هل هذا جزاء أنه عشقها وكان متيم بها أو مجنون بحبها؟ أو هذا المسمى الذي أطلقته عليه هي وعشيقها؟ فبالتأكيد كان صيدهم هذا لا يعوض.
قلبه ينزف حقاً من كل تلك الأفكار المؤلمة. يتمنى بداخله عدم رؤيتها هناك أو وجودها. تساءل مع نفسه ماذا سيفعل بها إذا واجهها؟ صرخ عقله بمعرفة سبب فعلها هذا به. لِما فعلت به كل هذا؟ هل ذنبه أنه عشقها بكل جوارحه؟
ضحك من بين بكائه وهو يردد كلمات مؤلمة:
"طلعت مغفل كبير أوي، طلعت أهبل وبرياله لما انخدعت فيها وفي براءتها اللي كانت بتخدعني بيها. كل اللي كان بينا كانت مشاعر مزيفة. طب ليه؟ حبي ليها وكل اللي قدمتهولها مشفعليش عندها، أو خلاها تحن أو تحبني. إزاي طلعت بالرخص ده؟ إزاي ماشكتش فيها طول الفترة دي؟ إزاي قدرت تلعب دورها ببراعة كده؟ طول عمري بحاول أبعد عن الصنف الو* سخ ده وللأسف وقعت فيه. ملع* ون الحب اللي يعمل في صحبه كدا ويخليه بكل الضعف ده."
أما عند جلال وإيمان بغرفتهم، دلف كل من أيمن ومالك متلهفين على تلك النائمة بالفراش غائبة عن الوعي، تحظى أخيراً ببعض النوم المريح بعدما عانت كل تلك السنوات من الخوف والأرق والرهبة من ذلك الشيطان الذي كان يلاحقها في حياتها وأيضاً في كوابيسها.
نطق أيمن بلهفة وقلبه يخفق بالقلق على أخته وساقيه تسرع إلى فراشها وهو يستند على عكازه:
"إيه اللي عمل فيها كدا وحالتها عاملة كدا ليه؟"
تجهم وجه الآخر وتحدث بإنفعال بعدما تحول وجهه للون الأحمر من شدة الإنفعال:
"الكلب اللي انتو جوزتوه ليها خطفها وهدد مليكة بأمها إنه هيقتلها لو منفذتش اللي عاوزه، وهو إنها تمضي جوزها على ورق تنازل على كل اللي يملكه مقابل إنه ما يموتش أمها. ويا عالم عمل فيها إيه تاني وخلاها تفقد ابنه."
لم يستوعب مالك ما قاله، وأي ابن يتحدث عنه؟ فتساءل بذهول من صدمته بعدما استوعب أن من الممكن أن تكون فقدت جنينها وهو ما زال بداخلها:
"إيه ابنها؟ إيه اللي فقدته؟ هي كانت حامل؟"
أخرج تنهيدة متألمة بعدما جاءت صورتها بمخيلته بعدما علمت بفقدان طفلها وإنكارها الأمر:
"آه، فقدت ابنها وحالتها مدمرة ومش قادرة تستوعب إن ابنها مات."
انضم إليهم أيمن بعدما تفقد أخته طالباً من جلال:
"وديني ليها، عاوز أشوفها."
أخذه جلال هو ومالك إلى غرفتها. وقفوا ثلاثتهم متسمرين عندما وجدوها جالسة، عيناها واقعة على نقطة وهمية أمامها، لم يرمش لها جفن، كأن عقلها توقف تماماً عن العمل حتى لا يأتي بصور تجعلها تموت قهراً ووجعاً، حتى أصبحت متبلدة من المشاعر. ترقبوا صراخها أو بكاؤها أو أي حركة تدل على إدراكها ما تعانيه.
اقترب منها أيمن وقد ظهر وجهها بوضوح أمامه الممتلئ بالكدمات والمنتفخ من شدة ما تعرضت له من أذى. ملس عليها بيد مرتعشة بينما عيناه تترقرق بالدموع لأجلها:
"مليكة، مليكة يا بنتي، أنا خالك، بصي."
"إيه اللي في وشها ده؟"
وجه حديثه المذعور لجلال متسائلاً:
"إيه اللي في وشها ده؟"
رد عليه جلال بقلة حيلة لا يعلم ما بها وما عانته وعلى يد من:
"معرفش."
انفعل مالك بالصياح سخطاً على حالتها:
"وأسر إزاي متقولهوش ومتعرفهوش حالتها دي؟"
صرخ بهم عندما أخذ عقله يدق بقوة من شدة الألم من كثرة تلك التساؤلات التي حطت عليه وتوتر اليوم وحدوث تلك المصائب التي أنهكته طوال اليوم:
"أنا شاكك إن أسر هو اللي عمل فيها كدا."
"إزاي أسر يعمل فيها كدا؟ يستحيل."
نطق بها مالك مندهشاً.
"قطع حديثهم كلماتها التائهة التي جاءت بها من باطن عقلها بعدما نطق اسمه أمامها:
"أنا مخنتوش، هو موت ابني. أسر موت ابني. ابني مات... مات خلاص. كان نفسي أشوفه أوي بس هو مات."
ضمها أيمن إليه يدعمها بحنين:
"بس يا بنتي، متقطعيش قلبي عليكي. هو ربنا كاتبه كدا، هنعترض على حكم ربنا."
صرخت بحسرة حتى شعرت بأن أحبالها الصوتية انقطعت وعيناها لم تبخل بالتعبير عن ما تشعر به:
"لااااااا، هو اللي قتله. مفكرني بخونه، مفكرني بضحك عليه عشان فلوسه المتخلف. مفكرني عاوزة فلوسه وبضحك عليه وهو ميعرفش إني بحبه. ميعرفش إني عمري ما فكرت في يوم من الأيام إني أخونه."
ابتعدت عن أيمن وحاولت القيام من مكانها، فعارضها أيمن الذي أبعدت نفسها عنه:
"أنتِ راحة فين يا بنتي؟"
اقترب منها مالك يساندها ويسير معها للمكان الذي تريده، فتنحت للخلف حتى لا يتبعها ولا يساعدها. فهدر بها بقوة حتى ترجع عن ما تريده:
"يا مليكة كدا خطر عليكي، أنتِ لسه خارجة من العمليات."
انهارت تصرخ بهم جميعاً حتى يتركوها بمفردها:
"ابعدو عني، ابعدو عني. سيبوني لوحدي، مش عاوزة حد يجي ورايا. سيبوني لوحدي."
"هتروحي فين بس يا بنتي؟"
نطقت بها جلال بنبرة حنونة هادئة وبداخله اضطراب واشتعال لا يقدر على السيطرة عليه.
"همشي شوية لوحدي، وإلا هتمنعوني من دي كمان."
قالتها بوجه جامد خالٍ من المشاعر.
فرد عليها والدها بدون أن يقترب منها:
"بس كدا خطر عليكي وهتتعبي."
كلمت بكل ما بها من ألم:
"يا ريت أتعب وأموت وأرتاح وأريحكم مني. أنا خلاص كرهت الحياة بعد ما كنت حباها ومتعلقة بيها. من بعد ما كنت كارهاها بس هي شكلها مش عاوزاني أفضل مبسوطة على طول."
سارت بتثاقل ناحية الباب وثلاثتهم أنظارهم الحزينة متعلقة بها حتى اختفت عنهم.
هدر مالك عالياً وهو يشير إلى طيفها:
"هتسبوها تمشي لوحدها وهي بالحالة دي؟"
زفر جلال بإحباط:
"لو عارضناها دلوقتي احتمال كبير نخسرها، حالتها صعبة مش عاوزة معارضة، فسيبها على راحتها."
"لا حول ولا قوة إلا بالله منك لله يا طارق، أنت السبب في كل البلاوي اللي إحنا فيها."
قالها أيمن بحزن ووجع على أخته وابنة أخيه وما عانوه على يده.
جز جلال على أسنانه متوعداً له:
"طارق ده حسابه معايا كبير أوي ولازم انتقم منه في كل اللي عمله في إيمان ومليكة."
تساءل مالك بلهفة وقلق على عمته:
"طب وعمتي دلوقتي حالتها إيه؟"
"الدكتور أداها مسكن ومخدر هينيمها لحد الصبح عشان يخفف من الألم شوية. هي كانت عاوزة تشوفك يا أيمن وطلبتك بس هي نامت قبل أما توصل."
"أنا هبات معاها النهارده."
"إزاي يا بابا؟ صحتك متسمحلكش بإنك تسهر."
"سيبو يا مالك، أنا هبقى موجود وأخلي بالي منهم، متقلقش."
"حاضر يا عمي، بس إحنا هنعمل إيه مع أسر؟"
اشتعل غضباً على ذكر سيرته بعدما أفصحت ابنته عن ما فعله، فزمجر بشراسة:
"مش هخليه يشوف ضفرها ولازم أوجعه زي ما وجعها. وضربتي هجيبها في مقتل وهخليه يندم على اللي عمله بدل المرة ألف."
استفسر مالك بوجه منعقد:
"إزاي؟ مش فاهم."
قاطع حديثهم صوت رنين الهاتف الذي وجده سهيلة، فأغلق المكالمة قبل أن يرد. فرنت مرة أخرى فاستأذن مبتعداً يرد عليها بحدة لازعة:
"في إيه يا سهيلة؟ عمالة ترني ليه؟"
تعجبت من طريقته ونبرته الحادة فتساءلت بضيق من نبرته:
"في إيه يا مالك؟ اتاخرت أوي، هو في حاجة حصلت؟ وطنط إيمان كويسة؟"
رد عليها بنفس الحدة أو أكثر الذي كان يحدثها بها:
"سهيلة، أنا مش هرجع دلوقتي ومترنيش عليا عشان أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي."
أغلق الخط ولم ينتظر ردها وعاد إلى وقفتهم مرة أخرى، لكنه تخشب مكانه وجفت الدماء بأوردته عندما رأى ذلك المبحلق بهم بوعيد وشر قابع أمامه. انقض عليه مالك بكل شراسة حتى يفتك به، فانتبه الآخرون لهجومه الشرس:
"ليك عين كمان تيجي هنا؟"
كانت لكمة موجهة ل أسر وكانت من نصيبه، بينما الآخر لم يصمت فرد عليه لكمة هو الآخر، ومن هنا بدأ الشجار الحاد بينهم:
"جاي هنا تاني ليه؟ مش كفاية اللي عملته فيها؟"
رد عليه وهو يحاول رد تلك اللكمة التي أخذها منه:
"أنا لسه معملتش حاجة ومش هكتفي بكدا ومش هسكت عن حقي، وهموتها يعني هموتها وهعرفها إزاي واحدة زي دي تضحك على أسر الدالي."
صرخ به مالك بهياج وقد اشتعل بداخله نار كالجحيم أخرجها على ذلك الواقف أمامه يخرج به كل قوته:
"هقتلك يا أسر، هقتلك قبل ما تفكر إنك تمد إيدك على أختي."
صرخ به أسر بغضب وحرقة:
"بلاش تقول عليها أختك، المفروض تستعر منها، دي واحدة خاطية بتبيع نفسها عشان الفلوس وبس، وأنا مغفل عشان انخدعت فيها."
أكمل كلماته بغل وحقد يكنه لها:
"ولازم انتقم منها وأقتلها."
قاطعه جلال الذي كان ينظر له ولحالته تلك ببرود:
"ما أنت قتلتها خلاص."
أنزل ذراعيه من على مالك ووقف للحظة يستوعب ما قاله كأن أحدهم صب عليه سطل مياه بارد. تخشب مكانه وشعر بقدماه لا تقدر على حمله وعقله وقلبه يصرخان بالنقيض. فكيف ماتت؟ هل هو من قتلها؟ هو لم يقصد ذلك، لم يرد قتلها حتى. كان كلاماً ناتج عن غضبه. كيف لها أن تتركه؟ هي بالفعل خانته ولم تترك فرصة أو عذر حتى يسامحها، لكنه لا يقدر على خبر موتها. تمتم بتوهان كأنه بعالم آخر:
"إزاي ماتت؟ إزاي؟"
ضغط جلال على كل كلمة حتى تصل له ويطعنه بقوة حتى يؤلمه:
"ماتت من ساعة ما قتلت ابنها اللي هو ابن..."
لم يقدر على استيعاب ما قاله وكأنه عقله مشوش بالكامل:
"انت بتقول إيه؟"
أخبره بنبرة ساخرة منه:
"مليكة كانت حامل وجاية عشان تفرحك بخبر حملها، وأنت كان رد فعلك إنك أجهضتها."
اعتصر قلبه ألماً عندما أخبره عن حملها وموته. لم يقتنع بكلامه وزاد شكه، لكنه تيقن بداخله بأنه ابنه، ولكن لم يصدق عاطفته ورد عليه بحنق:
"وأنا إيه اللي يضمنلي إنه ابني؟ ما يمكن ابن عشيقها؟ أو يمكن دي كدبة بتكدبوها عليا؟ بس خلاص، أنا لازم انتقم منها وأقتلها."
هدر به جلال بقسوة:
"احلم. أنا أدنك مكانك لو لمست شعرة بس من شعرها."
أجاب بنبرة غاضبة بها تحدي:
"هتشوف، وابقى اقرأ لها الفاتحة."
ضحك عليه جلال ساخراً:
"طب اقرأها على ابنك اللي مات الأول."
صرخ به أسر حتى يهرب من تلك الحقيقة الذي بداخله يشعر بصدقها ولا يريد الاعتراف بها خوفاً من أن تكون لعبة منهم:
"ده مش ابني، انتوا نصابين وبنتك هاتهالي أحسن ما أجيبها بطريقتي."
"بطل كلام فارغ. بنتي مش هتشوف ضفرها حتى بعد اللي عملته فيها."
"هو أنا عملت إيه؟ أنا لسه هعمل فيها بعد اللي عملته الخاينة."
"اخرص يا كلب. إياك تجيب سيرتها تاني على لسانك. أنت آخرك معايا مشوار هنروحه ومش هشوف وشك تاني وهتصعب عليا أوي وأنا بشوفك بتتوجع قدامي زي ما عملت فيها."
تساءل أسر بسخرية ونظرة احتقارية:
"نصبة جديدة ولا إيه؟"
رد عليه جلال ببرود:
"تعالى ورايا ومش عاوز أسمع صوتك."
توجهوا معاً إلى مكان قديم بعيد عن الإسكان. دلفوا إليه فوجد أسر طارق معلقاً أمامه وعلامات الضرب والكدمات تغرق جسده ووجهه.
ناده جلال حتى ينتبه إلى من جاء إليه:
"طارق."
نظر إليهم طارق بعينين زائغة، ارتعدت عند رؤية أسر الذي ارتعد عندما ظن أن ملعوبه انكشف. فتحدث مترجياً:
"والله يا أسر مرات عمك عبير هي اللي عملت وخططت كل حاجة وعفاف هي اللي خدت الصور اللي إحنا مصورينها ل مراتك وبعتتهالك. أنا ماليش ذنب، هما اللي عملوا كل حاجة وأنا كنت بساعدهم بس، والورق كمان عفاف اللي حطاه. أنا ماليش دخل في الموضوع."
عند سهيلة:
نظرت في شاشة الهاتف بعينين متسعتين من صدمتها من طريقته الغليظة الحادة. انسالت دموعها عندما أغلق المكالمة بوجهها. تعاتب حالها على اتصالها عليه. ظلت تبكي وتأنب حالها كثيراً لوقت طويل حتى التفتت بعينيها المنتفخة الباكية إلى الباب الذي انفتح ودلف منه. وقف منعقد الحاجبين من بكاؤها. فذهب إليها مسرعاً يسألها بقلق:
صمتت ولم ترد عليه واستدارت عن وجهه وغطت نفسها بالمفرش تبتعد عن نظره وهي تأني وتبكي بنشيج خافت. تذكر طريقته الغليظة معها. فاقترب منها ونام بجوارها يضمها إليها، ظهرها يستند على صدره، وجهه يدفنه بشعره يستنشق رائحته متحدثاً بأسف:
"أنا آسف، بس كنت متضايق. حصل مشاكل كتير هناك وكنت مش طايق نفسي. متزعليش مني."
استدارت له وحاوطته ودفنت رأسها بصدره وهي تمرمغها ببطء وتشهق شهقات متقطعة لا تقدر على إيقافها من كثرة بكاؤها الذي تواصل لفترة كبيرة:
"ضمها إليه يحاوطها جيداً معتذراً لها:
"متزعليش مني، أنا آسف، مش هتعصب عليكي تاني."
شعر بهدوئها وتوقف أنينها وشهقاتها. فتفقدها برفقه. فلم يجد لها استجابة نهائياً.
رواية كن لي أبا الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم روميساء نصر
كانت تترنح في خطواتها جاعلة الحائط سندًا لها في خطواتها، تريد أن تصل إلى باب الخروج من المشفى.
قطع خطواتها حازم الذي أسرع إليها بلهفة وحيرة بوجودها هنا:
"إيه اللي موقفك هنا ورايحة فين؟ وأنتِ بالوضع ده؟"
رفعت عيناها الذابلتين إليه تنعته بقسوة وساقيها تكمل في الطريق:
"وأنت مالك؟ أنت ابعد عن طريقي ومالكش دعوة بيا."
وقف أمامها يمنعها من الخروج بعدما ابتلع غصة مؤلمة من أثر حديثها القاسي معه:
"أنا الدكتور بتاعك ومن حقي إني أقولك تقعدي ولا تمشي، وحالتك متسمحش، وكمان محدش من أهلك هنا، فمش هينفع تخرجي. وبالذوق أو بالعافية هتفضلي هنا."
قامت مليكة بالاستمرار في سيرها بعدما تخطت جسده غير مبالية بحديثه ذلك.
عارضها مرة أخرى ولكن بمد يده وتكتيفها، ينهيها بحدة وأمر:
"أنا قولت مش هتمشي وهتفضلي هنا."
صرخت به بانفعال وغضب بعدما أبعدت جسدها عن ملمس يده بنفور:
"ابعد عني، عاوز إيه مني أنت كمان؟ مش كفاية اللي حصلي؟ ابعد عني وعن طريقي بقا."
أبعد يده بحرج مكملاً بآسف:
"أنا آسف إني بتدخل، بس لازم أمنعك إنك تمشي عشان في خطر على حياتك."
أكملت بصياح هائج كأنها أخيرًا وجدت شخصًا تخرج به كل ما بداخلها:
"مالكش دعوة، حياتي وأنا حرة فيها. يا رب أموت وأرتاح يا أخي، ابعد بقا."
حاول تهدئتها دون لمسها:
"طب اهدي... اهدي."
سألها عن محل وجهتها:
"أنتِ هتروحي فين؟"
حاولت أن تهدئ من وتيرة انفعالها وأخذت نفسها ببطء، مؤكدة على حالها بأن الواقف أمامها ليس له ذنب بأن تعامله هكذا، فردت باقتضاب:
"هروح في داهية، يا ريت تبعد عن سكتي."
تنهد بخفوت لسبب هدوئها متمتمًا:
"طب قوليلي هتروحي فين وأنا هوصلك بعربيتي ومش هسمح إنك تمشي من غير ما أوصلك."
"شكراً لمساعدتك، ابعد عني بقا، أنا مش هروح في حتة."
رد عليها بعناد:
"يبقى خلاص مش هتمشي، هو دا شرط."
تأففت بضيق منه تتحدث عنوة عنها عن مكان توجهها:
"عاوزة أروح البحر، ممكن؟ ولا دي كمان مش ممكن؟"
تساءل بشك:
"هو أنتِ بيتك عند البحر؟"
أومأت له على مضض دون أن تعطي له أي تعابير.
فمد لها يد العون حتى يساعدها على التحرك، حتى وصلوا إلى سيارته وأخذها وتوجهت معه إلى المكان الذي تريده.
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
ألجمته تلك الصدمة التي وقعت أصابته بالشلل بكل أعضاء جسده، لم تقدر ساقيه على حمله، حتى كاد أن يقع، ولكن ذلك العمود الذي استند عليه جعله قادرًا على صلب طوله. اهتز جسده بعنف من شدة ما يعانيه بداخله من صراع، وما زاد الأمر سوءًا هو ذلك المتشفي بجواره الذي نطق بكلمات قتلته وأخذت تقطع به إربًا إربًا:
"ها سمعت الحقيقة؟ عرفت إن بنتِ مظلومة وإنها كانت تحت تهديد بقتل أمها عشان كدا مرضيتش تعرفك حاجة؟ عرفت إنك قتلت ابنك بغبائك وتهورك؟ شوفت وصلتنا لإيه؟ أنا مش هنتقم منك يا أسر في بنتِ لإن أنا خلاص خلصت انتقامي منك وناري هديت وأنا شايفك دلوقتي بالحالة دي، ولسه... لسه هتشوف."
تركه وغادر من المكان بعدما تشبع من حالته التي هدأت ناره.
رفع نظره لذلك المعلق أمامه، وعيناه الحمراء بلون الدم جعلت الآخر يهتز جسده رعبًا من الذي سيفتك به. صرخ بخوف مرتعب يترجاه بتركه عندما التقط تلك العصا الحديدية الغليظة وسحبها خلفه وهو متجه إليه. رفعها على جسده يطرحه ضربًا بها بغل وغضب، وعيناه تزداد احمرارًا وقتامة لا تهدأ أبدًا. ظل هكذا يضرب جسده الذي خر منه الدماء حتى أصبح جثة هامدة لا تقوى على الحركة.
تدخل أحد الرجال يمنعه:
"خلاص يا أسر بيه، ده هيموت في إيدك وهتودي نفسك في داهية."
توقف وعيناه تتابع جسده وملابسه التي تغير لونها باللون الأحمر. أكمل بفحيح قاسٍ وكلما مر الوقت ورغبته بأخذ حقه منه لا تهدأ بل تزداد:
"جهزولي قبر في الصحراء دلوقتي حالا."
أومأ له الرجل:
"حاضر يا أسر بيه."
رفع رأسه ووجه عيناه التي لم تظهر من وجهه الممتلئ بالدماء وهتف برعب:
"أنت هتعمل إيه؟ أنت عاوز تموتني؟ حرام عليك ارحمني، أنت هتعمل إيه؟"
أخذ أسر يسدد له الضربات من بين كلماته وزمجرته الشرسة وصرخاته الخارجة من مكان مشتعل بداخله:
"وأنت مرحمتهاش ليه؟.... مرحمتهاش ليه وأنت بتعذبها؟.... رد عليا، مرحمتهاش ليه؟...."
حاول أسر أن يطفئ نار قلبه المشتعلة بضربه، لكن لم يطفئ ناره لأنه مثله قام بتعذيبها هو الآخر وقتل ابنها. لاحقته تلك الفكرة أنه قاتل ابنهما. ظل يضرب به حتى أُنهك من التعب.
أتاه أحد الرجال:
"القبر جاهز يا أسر بيه."
أزال تلك القطرات التي على جبهته وقام بسحب سلسلة بعنف التي كانت موصولة بالأحبال التي تعلق طارق، فنزل مصطدمًا بقوة على الأرض. سحبه أسر زحفًا على بطنه إلى الخارج وقيده بالسيارة وأخذه زحفًا على الرمل الخشن وجسده يصطدم بالحجارة حتى وصل إلى مكان قبره. فك قيضه وألقاه بتلك الحفرة. كانت أحباله الصوتية كادت أن تتمزق من شدة صراخه بأن يعفو عن. كان طارق يتألم وجعًا ويصيح بأعلى صوته بأن يلحقه أحدهم، لكن هيهات، فمن يقدر على هذا الوحش السائر المجروح غير الله سبحانه وتعالى.
قام بدفعه بأداة الحفر فانقطع صوت صراخه وفقد الوعي، ووضع الرمال عليه حتى انتهى منه، ثم ذهب بسيارته يقودها كالصاروخ وعقله لم يتوقف عن إظهار صورها وهي أسفله يضربها بكل عنف وقسوة. ظل يصرخ حتى يتوقف عقله ولو قليلًا عن سرد تلك الأحداث حتى وصل إلى القصر.
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
في قصر عائلة الدالي.
أدلّف إلى بهو القصر يهتف بأسماءهم حتى تجمع كل من بالقصر، وهمًا أيضًا وساقيهم تتخبط معًا من شدة الرعب.
حضر جميع من في القصر مذهولين منه ومن الحالة التي هو عليها، إلا الحربايتين اللذين دب بقلبهما الرعب خوفًا من أن يكون علم بمكيدتهم.
هلّل مرحبًا بغضب مكتوم:
"أهلاً. أهلاً بالحربايتين اللي خلوني أشك في مراتي وأضربها وهي حامل وأقتل ابني."
انصدم الجميع على ما قاله أسر.
فنطق محمود والد عفاف بحدة:
"أنت بتقول إيه؟"
نطق بغل وأنظاره المتجهمة يوجهها نحوهم:
"اللي أنت سمعته، مراتك وبنتك اتفقوا مع طارق علينا وركبوا لمراتي صور وخطفوا أمها وهددوها بيه."
لم يستطع إخفاء رعشة صوته وهو يوجه حديثه لزوجته عبير:
"الكلام ده صح؟"
قبل أن تنطق كان أسر يصرخ بها بتهديد:
"أقسم بالله العظيم لو ما قولتي الحقيقة لا هتحصلي طارق شريكك."
أيقنت أنه لا مفر، فابتلعت لعابها بتوجس مؤكدة لنفسها بأنها وقعت بين براثن الوحش الذي سيفتكها:
"أيوه الكلام ده حصل."
انصدم محمود من كلامها ليذهب إليها ويصفعها على وجهها، ينطق بقهر:
"ليه؟ ليه؟ عملك إيه؟ ولا المسكينة مراته ذنبها إيه تعملي فيهم كده؟"
تابعت بفحيح حاقد ممتلئ بالغل والكره لتلك العائلة:
"أنت السبب، أنت اللي خايب واهبل ومضحوك عليك، عايزني أستنى إيه؟ لما يجيبله ولي العهد ويلفه كل حاجة."
انصدم جميع من في القصر على حقدها هذا التي كانت تكنه لهم.
صفعها مرة أخرى متمتمًا بألم:
"أنتِ طالق ومش عاوز أشوف وشك تاني، أبويا الله يرحمه كان عنده حق لما قالي ابعد عنك."
صرخت بهم بهياج هستيري:
"مش بالسهولة دي، مش بالسهولة دي هخرج من حياتكم، أنا صبرت كتير عشان آخد اللي أنا عاوزاه وضحيت بحياتي وفي الآخر أخرج خسرانة؟ لا مش أنا أبدًا، لازم أنتقم منكم كلكم."
أخذها من خصلاتها للخارج وألقاها كما يلقي القمامة وأغلق الباب بوجهها.
قامت من مكانها تنظف ملابسها من الأتربة وعيناها تدق بالحقد تجاه تلك العائلة. أخذت سيارتها وقادتها بكل غضب تسرع من سيرها وأخذت هاتفها تهاتف أحدهم تخبره:
"عاوزاك تقتل أسر."
انقلبت سيارتها فجأة بسبب سرعتها العالية ووجود مطب اصطناعي لم تأخذ احتياطها منه ولم تهدئ السرعة فانقلبت السيارة رأسًا على عقب تشتعل بالنيران وهي بداخلها لا تقدر على الخروج من السيارة وجسدها قد أشعلته النيران حتى تتعذب أثناء طلوع روحها وبآخرتها أيضًا.
عودة إلى القصر.
وجه أسر حديثه للواقفة مطأطأة الرأس:
"تعرفي إن أنا كرهتك أوي، طول عمري بعتبرك زي أختي وبتخطى أفعالك، بس دي يستحيل... يستحيل أتخطاها."
أمسك عمه ذراعه يترجاه بأن يتركها:
"ارجوك يا ابني، أنا عارف إنها غلطت بس بلاش بلاش تعملها حاجة، هي كانت ماشية ورا أمها."
صرخ به أسر بقلة حيلة وضعف وحصرة:
"أعمل إيه؟.... أعمل إيه بمعلش؟ هتعوضني عن مراتي؟ ولا ابني اللي مات؟ ولا هتعملي إيه؟"
أكمل برجاء:
"أنا عارف أنت حاسس بإيه بس دي زي أختك، بلاش بلاش يا أسر تعمل فيها حاجة."
صرخ به بشراسة:
"يبقى خلاص نجوزها ونخلص منها، أنا يستحيل أسيبها في البيت ده لحظة."
صرخت وقتها تعارضهم بصوت منتحب من البكاء وساقيها تقترب منه بدون خوف:
"لا يستحيل أتزوج، يستحيل أتزوج حد غيرك أنت، أنا بحبك أنت، أنا بحبك أنت، مبتفهمش."
صفعها بقوة عدة صفعات جعلت أنفها وفمها ينزفان حتى يلئم جرح قلبه، مزمجرًا بشراسة:
"وأنا بكرهك وهرجع لمراتي تاني لإنها مش وسخة زيك ولا قلبها مليان حقد وغل زيك."
صرخت هياجًا:
"لااااااااااا مش هسيبك، مش هسيبك تروح لها."
تركته وغادرت البهو وتوجهت للمطبخ، أحضرت سكينًا وهرولت خلفه أثناء ذهابه حتى تقتله، لكنه التفت عندما صرخت أمه باسمه:
"حاسب يا أسر."
التفت إليها يقبض على رسغيها بقوة، آلامتها جعلتها تترك تلك السكين تسقط أرضًا، ثم قام بصفعها عدة صفعات وهو يضرب جسدها بكل غل وكره وألقاها أرضًا، ثم بصق عليها وولّاها نظرات احتقارية وتوجه للخارج.
ظلت تهتف باسمه بهيستيرية:
"أسر، أسر، ااااااسر، أنا بحبك، اتجوزني، أنا، متروح لهاش هي، ااا ااااااااسر."
سقطت مغشيًا عليها، ثم التف حولها كل من في القصر وأخذوها إلى المشفى.
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
عند سهيلة.
شعر بهدوئها وتوقف أنينها وشهقاتها، فتفقدها برفق فلم يجد لها استجابة نهائيًا.
ارتعب وانتفض قلبه، ثم ثب واقفًا، ضغط على الجرس الملحق بالغرفة حتى يأتيه الطبيب. أتاه الطبيب وقام بفحصها وقاس نبضها وضغطها الذي وجده منخفضًا، فأعطى لها حقنة حتى تعدل من مؤشراتها الحيوية وتفيقها. نبه عليه الطبيب وحذره:
"يا ريت بلاش الضغط النفسي وابعدها عن أي حاجة تزعلها، وقولت مليون مرة النفسية لها أثر على شفائها."
أومأ له بصمت وعلامات الأسى والحزن على وجهه بسبب حالتها الذي هو السبب بها بسبب انفعالاته وغضبه الذي لا يقدر السيطرة عليهم عندما يكون منضغطًا.
خرج الطبيب من الغرفة.
فتوجه إليها وجلس بجوارها يتلمس وجنتيها النعاميتين، ثم انحنى عليهما يقبلهما برفق حتى تحولت تلك القبلة الرقيقة إلى قبلات رقيقة ملحة دافئة. نزل على شفتيها يلتهمهما ببطء وتلذذ، يستمتع بوقته بجوارها حتى يشبع منها، ولكنه قطع قبلته عباراتها الساخنة على وجنتيها. انتبه لها مبتعدًا عندما شعر بشيء رطب ساخن يلامس وجهه، فنظر لها بلوم وحزن، فوجدها مغمضة العينين وتزرف دموعها. أزال تلك القطرات وظن أنها ترفضه ولا تريده وأنها ما زالت لا تشعر معه بالأمان، فاعتذر لها:
"أنا آسف."
ثم قام من جلسته حتى يغادر الغرفة، فأمسكت بيده تمنعه من المغادرة. اعتدل في جلسته لتردف:
"متتمشيش وتسيبني."
أومأ لها باقتضاب:
"حاضر."
ثم جلس بجوارها دون كلمة يفكر فيها لما ترفضه وترفض لمساته، هل ما زالت لا تشعر معه بالأمان؟ ظل عقله يتساءل حتى شعر بألم برأسه فخرج من قوقعته يسألها:
"أكلتي؟"
"أيوه."
"طب مش هتنامي شوية؟"
"لا."
سمعوا صوت طرق على الباب.
فأذن مالك للطارق بالدخول، فلم تكن سوى رأس الأفعى هايدي.
انصدم من قدومها غير المبشر بالخير، ثم تحدث حتى لا يزيد الشك في عقل الأخرى بصمته هذا:
"أهلاً يا هايدي، اتفضلي."
ابتسمت لهم متحدثة:
"إزيك يا مالك؟ إزيك يا مدام سهيلة؟"
أجاب مالك حامدًا:
"الحمد الله."
صمت قليلًا ثم تحدث حتى يقطع دائرة الأنظار المبهمة تلك التي تدور بينهم:
"دي يا سهيلة هايدي صديقتي، كانت ضمن الشلة بتاعتنا في لندن."
تحدثت سهيلة بابتسامة رقيقة:
"اتشرفت بحضرتك."
"ميرسي يا قلبي، أنا أكتر."
تحدث مالك سائلًا:
"إيه أخبارك يا هايدي وأخبار الشلة؟"
تنهدت بحزن مكملة:
"فكرتني بالأيام الجميلة، للأسف معرفش عنهم حاجة، بس عاوزين نرجع الأيام دي تاني، كانت أيام جميلة جدًا."
أومأ لها:
"عندك حق."
"فاكر يا مالك لما كنا في المخيم وكنا إحنا الاتنين نايمين مع بعض وفجأة سمعنا صوت حيوان بره؟"
همهم بحرج:
"ااممم فاكر."
أكملت بضحك صاخب:
"ساعتها أنا صوت وحضنتك على طول وقولت أكيد هنتاكل."
قطع حديثها حتى لا تأتي الأخرى بشعرها لو أكملت:
"والحمد الله كانوا عاملين فينا مقلب ومطلعش في حاجة."
"آه، ولا لما كنت هقع من على الجبل وهدومي اتعلقت فيه."
همست سهيلة فيما بينها:
"يا رب كنت تقعي على رقبتك تنكسر ونخلص منك."
تحدث مالك:
"آه فاكر، الحمد الله ربنا ستر."
"آه الحمد الله إنك أنقذتني، كان زماني دلوقتي مع الأموات."
"الحمد الله."
"الحمد الله، أنا مضطرة أستأذن بقا لإن ورايا شغل."
"اتفضلي."
قام واقفًا عندما وقفت، فذهبت له واحتضنته فجأة وغمزت للأخرى التي استشاطت غيظًا منها وانصدمت من ما فعلتها، ثم خرجت. فأدار وجهه لتلك الجالسة تنصهر وسيخرج منها دخان عما قريب عما الحريق الذي بداخلها.
فتحدثت بحدة:
"ما كنت تروح معاها توصلها، ولا كنت أسيبكم بدل ما أنا قاعدة عزول كده."
لم يقدر على كتم ضحكاته.
فتابعت:
"أنت بتضحك؟ واحدة منحرفة مش محترمة عاوزة تنجاب من شعرها وأمسح بيها الأرض."
تحدث يهدئها:
"خلاص اهدي، هي راحت لحالها."
ثم وجه حديثه لذلك الضاحك:
"أنت بتضحك على إيه؟ أنت بتعصبني. اسكت."
جلس بجوارها وأخذ يملس على وجهها متمتمًا:
"ممكن نتكلم جد شوية."
توترت من انقلابه وأومأت لها حتى يكمل:
"أوكي، اتكلم بس في إيه؟"
"أنتِ بتكرهيني يا سهيلة ومش بتحبيني صح؟"
"ليه بتقول كدا؟ وأنت عارف إني بحبك."
"اومال ليه لما بقرب منك بتضايقي وبتعيطي؟ ليه بتكرهي لمستي ليكِ؟ أنتِ مش حاسة معايا بالأمان صح؟"
انفطرت بالبكاء:
"مين قالك كدا؟ أنا والله بحبك جدًا، بس بس..."
"بس إيه؟"
"خايفة لا معنتش تحبني وتسيبني، خايفة تتغير تاني وترجع زي الأول."
أزال دموع وجهها برقة مكملاً:
"أنا عمري ما هسيبك، أنتِ كل حياتي، مقدرش أسيبك وأبعد عنك، وبطلي عياط، مبحبش أشوف دموعك دي."
قامت باحتضانه بشدة، فبادلها الآخر حضنه يضمها إلى بشوق وشغف، فتمكن منها وانحنى يقبل عنقها بقبلات رقيقة أذابتها وهو مستمتعًا برحيقها الخلاب، قبل فمها الصغير بشغف ونهم حتى شعر بانقطاع أنفاسه من شدة عشقه وهيامه بها. ابتعد عنها قليلاً حتى يرى أثر أفعاله عليها، فابتسم على خجلها، فدفنت رأسها بعنقه وظلا هكذا حتى غفيا وغرقا بالنوم.
رواية كن لي أبا الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم روميساء نصر
كانت تجلس أمام البحر الثائر تشكو له همومها، ترى تلاطم أمواجه الثائرة بقوة وعنف غضبًا على حالتها وحزنًا عليها وعلى أحوالها.
كانت هناك أعين مسلطة عليها تتابعها وتنظر إليها بعدة نظرات، أغلبها حب وإعجاب وشفقة على حالتها المزرية التي وصلت إليها. فهو لا يعلم ما الذي أصابها، لكنه يوقن أنها عانت ورأت الكثير في حياتها من شدة انكسارها وخيبة أملها الظاهرة على وجهها.
تحرك من مكانه مقتربًا منها، جالسًا بجوارها، ينظر هو الآخر أمامه ويستمتع بالبحر وأمواجه الهائجة.
شعرت بالقلق والخوف يتسربان إلى قلبها من وجوده بجوارها، لكنها لم تلتفت له وظلت على حالتها تدعي بأنها غير عابئة بجلوسه بجوارها.
لكنه قطع ذلك الصمت، ينصحها بترك المكان:
"مش هسألك إيه اللي مضايقك، بس انتِ مينفعش بحالتك دي تفضلي قاعدة كدا. الجو هوا أوي وجسمك مش هيستحمل، لازم تحافظي على صحتك وتقومي معايا نرجع المستشفى، لأن أهلك زمانهم قالبين عليكِ الدنيا."
نطقت بكلمات مقتضبة بهم بعض الحدة اللاذعة، وعيناها وجسدها باتجاه البحر، لم يطرف لها جفن:
"أنا مش هقوم من مكاني ومش راجعة في حتة، اتفضل روح انت."
تعارضها متحدثًا:
"مينفعش، لازم ترجعي معايا لإني أنا المسئول عنك وأنا اللي خرجتك."
صرخت به بغضب من تدخله بأمرها وجلوسه معها، فانتبهت له بجسدها بعدما كان مركزًا أمام البحر:
"قولتلك مش هقوم أرجع، ويا ريت تمشي وتسيبني في حالي."
زفر بإحباط منها مكملاً:
"طيب بيتك فين أوديكِ عشان مش هتعرفي تروحي في حالتك دي."
تحولت علامات وجهها الحانقة الغاضبة إلى ملامح متهدلة من الحزن، وهي تنطق بكلمات حاولت بها الهرب من هويتها:
"معنديش بيت."
يتساءل مستفهمًا بعدما انعقدت ملامح وجهه بالحيرة من أمرها:
"إزاي؟ أومال مين اللي كان معاكي في الأوضة؟"
"ثراب ملوش وجود."
نطقت بها وهي تائهة بمكان آخر، تريد الهرب من ذلك الواقع المؤلم.
نظر لها بحيرة ثم أكمل:
"أنا مش فاهم حاجة. تحبي أوديكي فين دلوقتي؟"
"مش عارفة."
"طب إزاي أقدر أفيدك وأطمن عليكي؟"
"سيبني وامشي."
"إزاي أسيبك؟ مينفعش. طب تعالي معايا بيتي."
نظرت له بابتسامة متهكمة مليئة بالسخرية، ثم نظرت أمامها مرة أخرى.
فهم نظرتها تلك وردة فعلها، فهتف مبررًا ما قد فهمته من سوء:
"أنا مقصدش أي حاجة من اللي جات في دماغك، أنا ساكن مع والدتي، تقدري حضرتك تشرفيني وتباتي معاها وأنا هبات في شقتنا التانية. وعشان تطمني هخليها هي اللي تنزلك تستقبلك كمان."
أحست صدق حديثه، لكنها خشيت من أن تسبب له أذى فيما بعد، فتفوهت:
"شكرًا، بس أنا مش عاوزة أتقل على حضرتك، أنا هجيب لك مشاكل كتير أوي انت مش هتقدر عليها، فبلاش أحسن."
"طب تعالي على الأقل انهارده، ومن بكرة امشي. الوقت اتأخر ومينفعش أسيبك لوحدك هنا."
اقتنعت بكلامه، فمن الصعب قضاء تلك الليلة بمفردها في ذلك الوقت المتأخر من الليل وبحالتها تلك، فما زالت تتألم من جسدها وروحها، ولن تصمد بمفردها في ذلك البرد.
"حاضر. بس هتقول لوالدتك إيه؟"
"متقلقيش، أمي ست طيبة وهتحبيها جدًا."
قالها وهو يضع عليها سترته الجلد الخاصة به حتى تتنعم بالدفء قليلًا وتمنع عنها رعشتها الذي لاحظها من شدة البرد.
ابتسمت له بامتنان. عندها شعر بأن الدنيا ترقص له فرحًا وقلبه يطرب من شدة الفرحة.
توجهوا معًا بالسيارة إلى محل إقامته.
***
خرج من القصر كالثور الهائج، شياطين الدنيا والآخرة الآن أمامه ترقص بوجهه حتى يكون بهذا الشكل المخيف. اعتنق سيارته وقد عادت له تلك الأحداث المؤلمة مرة أخرى. تذكر كيف أهانها وكيف قام بتسديد الضربات المؤلمة ولم يرحمها، وكيف كانت تنزف أمامه ولم يرق قلبه لها، وكان يقتل كل شعور بحنين ناحيتها ينبع في قلبه. كيف كان يفكر بأن يقتلها، وكيف كان سيقع بهم الحال إن لم تهرب. وماذا عن ابنه الذي كان السبب في قتله. تذكر كيف كانت تدافع عن حالها وتتوسل له بأن يتركها.
اللمعت عيناه بالدموع، يريد أن يبكي ويبكي، يشعر بأن نارًا تشتعل في قلبه لا تريد أن تنطفئ، فهو قد أذى روحًا بريئة لم تفعل شيئًا، وقتل قطعة منه، قتل ابنه. انهار باكيًا وقد ازداد نحيبه ونشيجه العالي على هذا الحال الذي وصل نفسه إليه. تذكر هذه الذي كان السبب في تدميرها، ما حالها الآن؟ فهي الآن بالتأكيد تعاني وجعًا وألمًا على ما حدث لها على يده.
صرخ بكل قوته قهرًا على حاله:
"ليه يا رب الاختبار الصعب ده؟ أنا مش قده. أنا مش عارف إزاي غضبي عماني وخلاني أعمل كدا وأفضل أشك وأكبر الشك وأخليه يقين، وهي ملهاش أي ذنب. ذنبها الوحيد إنها حبيبتني، ذنبها إنها حبت واحد قلبه قاسي حجر. موت ابني وموتها هي كمان بالبطيء. ليه بس يا رب؟ يا رب ارحمني من الاختبار ده، أنا مش هقدر أواجهها بعد اللي عملته فيها. زمانها بتكرهني ومش طيقاني. يا رب حنن قلبها عليا يا رب وخليها ترجعلي تاني."
ظل على حالته هكذا يدعو أن تسامحه وأن يحن قلبها عليه، ثم توجه إلى المستشفى حتى يطلب منها السماح والعفو.
نزل أسر من سيارته أمام المستشفى، ثم دلف إليها متوجهًا إلى الدور الذي به جلال ووالدتها. دلف إلى الغرفة فوجد كل من جلال وأيمن وإيمان في الغرفة، ينظرون إليه وإلى حالته الغريبة المشعشعة من ما كان يفعله مع طارق.
تساءل بألم بعدما أخفض عيناه التي لم يقدر على رفعها أمامهم، فكيف له أن يرفعها أمامها أو يواجهها وجهًا لوجه:
"مليكة فين؟"
أجاب مستهزئًا على حديثه السابق:
"عايزها ليه؟ عشان تقتلها الخاينة المجرمة؟ والا عشان تسألها ابن مين اللي كان في بطنها ده؟ والا تكون عاوز تعرف عشيقها؟"
كانت كل كلمة تنزل على قلب أسر كجمرة من النار تحرق قلبه وتجعله يشتعل.
تحدث بألم بعدما ابتلع كل تلك الكلمات التي أحرقته وزادت من تأنيبه لنفسه:
"أنا عارف إني أذنبت، مش غلطت، وجاي أعترف بغلطي. وأنا كمان ماليش الحق إني أجي وأعتذر ومستحقهاش، بس مقدرش أسيبها وأنا السبب في كل اللي هي بتعانيه."
قاطعه جلال ببرود:
"بنتي هربت من المستشفى وسابتها، هربت مننا خلاص، مبقتش طايقة حد مننا حتى إحنا، هربت وسابتنا كلنا."
أخرج من جيبه الهاتف الذي ضغط على شاشتها وأدارها له ليريها له وهي تخرج من المستشفى بحالتها تلك. لانت ملامحه بشوق عندما رآها على شاشة الهاتف، ولكن اعتصر قلبه وجعًا على حالتها الذي كان هو السبب بها. ازدادت نار قلبه توهجًا واشتعالًا لا تنطفئ بعد رؤية حالتها هذه. انفعل وشعر بأنه يريد أن ينفث عن هذه النيران الذي في قلبه الذي على قدر أن تشعل بلده بحالها:
"إزاي خرجت وازاي سيبتوها تخرج؟ وراحت فين بحالتها دي؟"
يرد عليه جلال بغضب:
"أنا بعت رجالي يدوروا عليها... ومش عاوز أشوف وشك يا أسر، وانسي بنتي نهائي، لأن لو حصل إيه مش هرجعها لك تاني، بنتي انساها أحسن، أنا مش هسمح إنها تتعذب تاني في حياتها."
نظر له بعناد وكلمات واثقة، أراد أن يثبت لهم ولنفسه قبلهم بأنها ستعود له:
"اللي انت بتتكلم عنها دي تبقى مراتي، ومحدش هيقدر يبعدني عنها أبدًا، وهرجعها لحضني تاني."
يصرخ به جلال من شدة غيظه من نبرة الثقة التي يتحدث بها من بعد ما فعله بها، فأراد أن يذوقه من نفس الكأس:
"ابقا قابلني لو رضيت ترجعلك بعد اللي عملته فيها. ما انت لو شفت حالتها بعد ما فاقت من البنج وعرفت إن ابنها مات كنت هتتأكد بنفسك إنها يستحيل ترجعلك تاني."
امتص ذلك الألم الذي اقتنع بأنه لا شيء أمام ما عانته، ثم غادر وبدأ في رحلة بحثه عنها.
***
كانت نائمة على الفراش وهو يجلس بجوارها يتحدثان بأمورهما.
نطقت سهيلة بتصميم:
"انت لازم تروح شغلك يا مالك، مينفعش كدا."
أجاب بغزل وعيناه تغمز لها وتداعبها بنظراته:
"يا ستي أنا مبسوط وأنا جنبك هنا، شغل إيه بس اللي أروحه وأسيب القمر دا عشانه؟ ما يولع الشغل."
ضحكت بصخب على طريقته في تغيير مجرى الحديث بتدليلها، لكنها أصرت على معرفة أمره:
"طب مين اللي هيتابع مكانك؟"
اقترب منها، ينحني على وجهها، يداعب أرنبة أنفها بأنفه:
"مالكيش دعوة، أنا مظبط أموري يا ستي وقاعدلك زي اللزقة."
ابتسمت بخجل من قربه الشديد لها ونظراته التي توحي بتقبيلها، لكن قطع ذلك دخول الممرضة حتى تعطيها الدواء. ابتعد فجأة عنها، زافرًا بحنق على تلك التي دخلت للتو.
انتهت من ما تفعله ثم توجهت للخارج.
أزالت سهيلة شرشف الفراش من عليها أثناء ما كان الآخر يقترب منها يتحدث بمغزى ماكر:
"كنا بنقول إيه قبل ما..."
قاطعه اللحظات دي تدخل.
ضحكت بمرح تجيب بمشاكسة:
"كنت بقول أقوم أروح الحمام أعدل شعري المنكوش ده بدل ما أنا عاملة شبه سوكة العبيطة كدا."
منعها من التحرك متمتمًا:
"أنا هعدلهولك، ثم انتِ في كل حالاتك قمر."
تورّدت وجنتاها خجلًا، ثم جلس خلفها وظل يعدل خصلات شعرها بحذر، وأنامله تتخلل بخصلاتها الناعمة برقة، حتى أصابها الشلل عندما وقعت خصلاتها الطويلة بيده. ابتلع غصة مؤلمة بحلقه وكتم عيناه التي غرغرت بالدموع، وفاق على صوتها:
"وقفت ليه؟"
"هاه... مفيش، أصل سرحت شوية."
ردت عليه بمزاح مرح:
"اللي واخد عقلك يتهني بيه."
أجاب بغزل حتى لا يظهر بصوته نبرة الألم الذي يشعر بها:
"انتِ يا قمر اللي واخد عقلي ومجنناني ومطيرة النوم من عيني."
ضحكت على كلماته، ومن ثم اعتدلت تدير وجهها له، فأخفى سريعًا خصلاتها وقام بضمها حتى يشتت انتباهها، ويعتصرها بين ضلوعه خوفًا من أن تتركه وتغادر للأبد.
أبعدها عنه، ثم وضعها بالفراش وأراح جسدها، مقبلاً وجنتيها بحنين:
"نامي يا قمري وأنا جايلك حالا، أوك."
أومأت له بابتسامة، ثم تركها مالك وقام بالخروج، وألقى بخصلاتها في القمامة. فرأى هايدي في آخر الممر، نادى عليها بصوت عالٍ مما أدى إلى وصول الصوت داخل الغرفة.
انتبهت على صوته هايدي وذهبت إليه مسرعة:
"ممكن يا هايدي أطلب منك طلب؟"
"عاوز أجيب متخصص ودكتور في الشعر، وانتِ كنتِ دارسة في الموضوع ده، وعلي ما أعتقد إنك هتفيديني."
"آه شور، بس عاوزة ليه؟"
"سهيلة شعرها بيقع وعاوز أمنعه."
تأففت بضيق تحدثه بعدم تصديق:
"انت بتتكلم جد؟ عاوز تجيب لها متخصص مخصوص لعلاج الشعر؟ يا ابني دي استودع ربك فيها بالتاكيد بحالتها دي هتموت، وانت بقا شوفلك واحدة تانية وسيبك منها."
كان حديثها ذلك يصل لتلك الواقفة خلف باب الغرفة تنصت لهم.
رواية كن لي أبا الفصل الخمسون 50 - بقلم روميساء نصر
خرج أسر من المستشفى وعلى وجهه آثار الحزن والندم على ما فعله بشقيقه. قلبه، ذهب واعتنق سيارته والتقط الهاتف من جيب سترته. أتى برقم أحدهم من قائمة الأرقام وهاتفه حتى أتاه رده:
"الو يا أسر بيه، لسه ما لقيتهاش لحد دلوقتي؟"
"ودورت وما لهاش أثر."
أجاب أسر بخيبة أمل:
"أنا عرفت مكانها ودلوقتي هي كانت في مستشفى... وهربت منها. عايزك توصل بالرجالة بتوعك للمستشفى وتشوف لي كل الكاميرات، وتشوف الكاميرات اللي في الشوارع اللي حوالين المستشفى وتشوفها راحت فين. هي تعبانة ومش هتقدر تمشي لفترة كبيرة."
ثم تابع بحزم:
"عاوزك تجيبها لي، تتصرف وتجيب لي أي حاجة توصلني ليها."
"حاضر يا أسر بيه."
أنهى أسر المكالمة وتوجه إلى المستشفى عند سهيلة.
***
توجهت هي وحازم إلى حيث يقيم. ترجلت من السيارة هي وهو، ثم ذهب إلى الأمام وهي خلفه إلى الداخل. أخذوا المصعد وضغط هو على اللوحة الجانبية في المصعد، ثم وضع وجهه أرضاً. نظرت إليه وهي غير مطمئنة، لكنها ليس بيدها حيلة إلا هو. فهي تريد أن تبعد عن هذا العالم البغيض الذي لا يسبب لها إلا الأوجاع. أخذت تحدث نفسها بتلك الكلمات حتى تهدئ من قلقها:
"هقعد مع مامته انهاردة ومن بكرة لازم أمشي."
دوي صوت رنين يعلن عن وصول المصعد للدور الذي يريدونه. خرجوا منه وتوجهوا إلى شقته. ضغط على الزرار المجاور، فصدح صوت رنين الجرس. فتح الباب وظهر من خلف الباب امرأة في الخمسين من عمرها، ذات بشرة بيضاء وعيون زرقاء جميلة، ترتدي جلباباً من اللون الأزرق وحجاباً من اللون الأبيض، ممسكة في يدها مسبحة للتسبيح. نظرت بأعين مندهشة من الواقفة مع ابنها في حالة مزرية، لكنها ابتعدت عن الباب بخطوتين، ومن ثم رسمت على وجهها ابتسامة جميلة تستقبلهم بلطف:
"تعالي يا حبيبتي، اتفضل."
دلف كل منهم إلى الداخل. فقام حازم بالمشاورة لها على إحدى الغرف لتذهب إليها. ابتسمت مليكة إليهم بخجل وتوجهت إلى الغرفة على استحياء. تطلع إلى والدته المذهولة من ما يفعله مع تلك الغريبة، فنطقت مسرعة تتساءل عن ماهيتها بعدما اختبأت مليكة خلف باب غرفتها:
"من دي يا حازم؟"
قادها وهو يحاوطها بذراعيه إلى داخل غرفتها:
"تعالي يا أمي جوه وأنا هشرح لك كل حاجة."
جلس كل منهم مقابل بعضه.
نطقت بلهفة واستعجال أثناء جلستها:
"هاه، اديني قعدت اهو. قولي بقا مين دي؟"
همس لها يخبرها بأمرها خوفاً من أن تسمع حديثهم:
"دي مريضة في المستشفى اللي أنا شغال فيها. جات لنا وهي متدمرة، كانت حامل وبتسقط."
شهقت والدته وهي تضرب بكفها على صدرها:
"يا نهارك أسود! لا تكون جايباها من الحرام وتلبسها لك أنت يا أهبل يا بن الهبلة! ما أنا عارفاك قلبك رهيف وبتحن لأي حد ينزل دمعتين قصادك."
ابتسم لها منحنياً يقبل يدها بحنان ولطف يطمئنها:
"يا أمي اسمعيني الأول. أنا لسه مخلصتش."
نطقت بضيق وتهكم:
"اسمع إيه بس! أنت جاي تقولي إنك بتوقع نفسك في مشكلة وعاوزني أقف أتفرج عليك؟ لأ، وكمان أشجعك!"
تنهد بيأس من أمه ومن ثم قال:
"يا أمي، هي متزوجة وجوزها هو اللي عمل فيها كده. فضل يضربها لحد ما سقطت ابنها. وكانت نفسيتها مدمرة عشان ابنها. وكانت عايزة تهرب من المستشفى وتسيبهم وهي في حالتها دي. وأنا اللي منعتها واتصلت على أبوها وقولت له واتفق معايا إنها تفضل معاكي هنا عشان جوزها ما يعرفش يوصلها."
بعدما تأثر قلبها بحالة هذه الفتاة المسكينة ورق قلبها لها:
"طب وجوزها مش هيعرف يوصلها يا ابني وهي هنا؟"
أجاب ناهياً وهو يتمنى من قلبه بأن يكون حديثه صحيح ولا يعرف كيف يصل لها:
"لا، متقلقيش. مش هيعرف يوصل ليها. إحنا عملنا شوية حاجات في الكاميرات بتاعة المستشفى مبينة إنها خرجت لوحدها ومش هيعرف إنها هنا. يستحيل."
فريدة:
"ربنا يستر عليها وعلى كل اللي زيها يا قادر يا كريم."
همّ على الوقوف من مكانه متحدثاً:
"أنا هروح المستشفى يا أمي واعملي لها حاجة تاكلها وجيبي لها حاجة تلبسها من هدومك على ما أبقى أجيب لها وأنا جاية."
أومأت له:
"حاضر يا ابني."
توجه هو بعدها إلى الخارج ومن ثم إلى مكان عمله.
جلست على الفراش تضع جسدها عليه حتى تستريح من ألم جسدها وقلبها. سمعت صوت طرق على الباب فانتفضت من على الفراش جالسة تتوجع من اندفاعها:
"آه... اتفضل."
دلف إليها فريدة حاملة ملابس لها مريحة ترتديها، عبارة عن جلباب تصميمه رقيق لونه روز. وضعته بجانبها ثم تحدثت معها:
"دي يا حبيبتي جلابية مريحة. البسيها وخذي شاور وريحي جسمك على ما أحضر الأكل لكِ."
ابتسمت لها ابتسامة باهتة حتى تعبر عن امتنانها:
"شكراً يا طنط. مش عايزة أتعبك معايا. أنا هاخد شاور وهنام، ماليش نفس آكل."
عارضتها بحدة تنصحها حتى تهتم بحالها:
"لأ، أنا كده هزعل منك. لازم تأكلي عشان صحتك يا بنتي. أنا ما يرضيني صحتك تدهور وتتعبي. أهم حاجة صحتك، لازم تهتمي بيها."
أدمعت عيناها عندما تذكرته عندما كان يوبخها عندما كانت لا تهتم بصحتها. مسحت تلك الدمعة بكلتا يديها بقسوة حتى لا تنساب على وجنتيها ويفيض كل دموعها. ثم أومأت لها بالموافقة لأنها غير قادرة على الحديث من كثرة نزيف قلبها ووجعها.
"طب يا حبيبتي، هسيبك تاخدي شاور وترتاحي وهجيلك تاني."
خرجت فريدة من الغرفة وتركتها مع أوجاعها تصرخ بداخلها:
"آآآآه، ليه؟ ليه؟ مش قادرة أشيلك من قلبي؟ ليه؟ ليه عملت فيا كدا وقتلت ابني؟ ليه؟ أنا عمري ما خونتك وعمري ما حبيت حد غيرك."
انتظرت تضرب على قلبها حتى يؤلمه أكثر متمتمة بألم:
"وقلبي ده عمره ما دق لحد غيرك."
انتظرت تبكي قهراً على حالتها، ثم أزالت دموعها بباطن يدها. ومن ثم توجهت إلى المرحاض حتى تستحم وتريح جسدها المنهك بحمام ساخن.
***
في المستشفى عند سهيلة ومالك.
كانت الأجواء مشتعلة بعدما قالت كلماتها تلك، ولكن قطعها صوت صفعة دوت في أرجاء المكان على وجه هايدي.
ينظر مالك لها بكره واشمئزاز:
"أنتِ واحدة حقيرة ومستفزة ومعندكيش قلب. وأنا غلطان لأني عرفتك على مراتي. مراتي اللي ضفرها بميت واحدة من عينتك الوسخة."
نظرت له بذهول بعدما أخذت تلك الصفعة منه ولم تفق بعد من صدمتها تلك:
"أنت بتضربني؟ أنت بتضربني يا مالك عشان واحدة زي دي؟"
قطعه مالك بحدة وغضب:
"اخرصي! أوعي تنطقي اسمها على لسانك الوسخ دا. ومش عاوز أشوف وشك هنا تاني. واعتبري نفسك مرفودة من المستشفى."
تركها واقفة في حالة ذهول وصدمة. ثم دلف إلى الغرفة مرة أخرى، فانصدم من الواقفة أمامه وعيناها مليئة بالدموع.
خارج المستشفى.
قام أسر بصف سيارته أمام المستشفى وقام بالتوجه إلى حيث يوجد سهيلة ومالك.