تحميل رواية «كن لي أبا» PDF
بقلم روميساء نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أشرقت شمس فجر جديد بخيوط أشعتها الذهبية، تخللت حجرة نوم فتاة جميلة، لاعبت خيوط الذهب بشرتها البيضاء. تململت في فرشتها ببطء وقد عقصت ملامح وجهها من أثر الإضاءة. رفرفت برموشها ببطء حتى اعتادت على الضوء المفاجئ. أخذت تتمطع بمكانها بتثاقل، مزمجرة ببطء حتى ظهر صوتها الذي به حشرجة من أثر النوم: "لازم كدا تغيظيني وتخليني أصحى، رخمة انتِ أوي يا أستاذة شمس هانم." تحركت من فراشها وهبطت أرضًا بتأفف وهي تزيح شرشفها من عليها. توجهت إلى المرحاض، جهزت حالها واغتسلت وتوضأت وارتدت أسدالها وتوجهت إلى الخِمرة وأخذ...
رواية كن لي أبا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم روميساء نصر
انفتح باب المكتب، فانتفض كل منهما متراجعًا عما كان يفعله.
تمتم أسر بخفوت: "ماهر."
اندفع الرجل للداخل بصدمة وغضب جعله لا يرى أمامه إلا تلك الفتاة الجالسة على ساق صديقه، التي ظنها فتاة من هؤلاء الذين يعرضون أجسادهم للبيع. اقترب منهم، ثم دفعها من فوقه على الأرض صارخًا بها: "قومي يا زبالة، اخفي من هنا. إنتِ لسه قاعدة؟ اطلعي بره يا سافلة."
أطلقت صرخة عالية من آلامها وصدمتها من ما فعله ذلك الرجل الدخيل بينها وبين زوجها. وبلمح البصر كان زوجها ينقض على الآخر، يقبض على تلابيب قميصه، يلكمه بقوة على جانبي وجهه حتى ارتخت قدماه. صاح بصديقه بقوته التي أهدرت على يد الآخر: "إنت بتضربني عشان واحدة زبالة زي دي؟ إنت اتغيرت أوي يا أسر."
أهدر الآخر صارخًا، ملقيًا جسده الهامد بعيدًا عنه: "اخرس يا حيوان. إنت عارف مين دي؟"
انفعل ماهر ثانيةً وأخذ يلقي عليهم كلماته السامة: "عادي، واحدة زبالة جات تعرض نفسها عليك وأنت استسلمت زي الأبلة."
لكمة أخرى أصابت وجهه، وكانت ستطيح به أرضًا، لكن منعه أسر من الوقوع، وأمسكه بقسوة متحدثًا بغضب حارق: "مش أنا اللي أعمل كدا، وأنت عارف كدا كويس."
لكمة مرة أخرى تأوه بألم شديد من بعدها.
تمتم أسر بكلمات وهو يوجه نظره لتلك الجالسة أرضًا تتابع صراعهم وعيناها لا تتوقف عن البكاء: "اللي إنت بتشتمها دي مراتي يا حيوان."
ابتلع لعابه الوهمي الذي جف بحلقه، ووجهه الذي شحب وعلامات الفزع الظاهرة على وجهه. تمتم بتلعثم من فرط توتره من ذلك الموقف الذي تمنى لو الأرض انشقت وابتلعته: "اهدي بس، أنا مش فاهم إنت بتقول إيه."
صرخ به هادرًا بقوة: "اللي إنت سمعته يا متخلف. دي مليكة مراتي. محتاجة فهم؟"
هزفر الآخر بضيق من نفسه متمتمًا: "طب مقولتليش ليه يا عم؟"
نظر إليه شزرًا متمتمًا بضيق: "هو إنت اديتني فرصة يا متخلف؟"
دفعه على المكتب الخشبي بقوة صارخًا به: "اطلع بره دلوقتي."
قام بتثاقل للخارج. بينما الآخر اتجه للجالسة أرضًا، حملها ووضعها برفق على الأريكة، ملس على وجنتيها بلطف مزيحًا تلك الدموع التي تؤلمه.
***
بالخارج.
كان يعرج سيره وحالته الرثة والمشعثّة تلك تجعل كل من يراه يظن بأنه شخص سارق همجي أو ما شابه. أخذ يهمس لنفسه: "يا أما يخربيت معرفتك يا أسر. معرفة سودة. ثم أنا مالي؟ ما ينحرق بجاز. هو أنا لازم الشهامة تاكلني أوي؟ آآآه."
انتفض واقفًا عندما صرخت هالة السكرتيرة به بغضب: "مين اللي دخل الشيء دا هنا؟ وإيه اللي جابه هنا؟ وسمحولك إزاي تدخل أصلًا؟"
أكمل سيره إلى الأريكة لا يبالي بصرخات تلك التي سببت له من صوتها ألمًا برأسه. تمتم بكلمات جعلتها تصمت عن صرخاتها تلك: "أنا صاحب أستاذ أسر اللي مشغلاك. اسكتي بقى صدعتيني."
تساءلت بشك: "وإيه اللي عمل في حضرتك كدا؟"
أخذ ينوح مثل الأطفال ويمسح على وجهه الذي امتلأ بالكدمات: "هو الأستاذ أسر اللي عمل فيا كدا. آه يا نني."
استأذنت منه، وابتسامتها الساخرة منه تملأ وجهها، ثم توجهت لمكتب أسر ودقت على الباب، فأتاها صوته الذي أمرها بالدخول.
دَلفت إليهم بوجه مقتضب، ثم ناولته كيس الثلج. أخذه منها ثم تحدث بنبرة صارمة: "اخرجي بره."
شدت على أسنانها حتى كانت ستكسرهم من شدة غيظها، ثم اتجهت للخارج.
وضع أسر كيس الثلج على قدمها متمتمًا بلطف: "معلش يا قلبي على اللي حصل، بس هو عيل متخلف."
تحدثت من بين دموعها بصرامة لا تليق على وجهها الملائكي: "بقولك إيه، إنت تبعد عني خالص. متقربليش. أنا مش ناقصة ضرب وبهدلة أكتر من كدا. كله فوق دماغي. أنا وإنت محدش بيجي ناحيتك. دي إيه الجوازة اللي مشوفتش منها غير ضرب دي؟"
ابتسم لها مقبلاً رأسها بحنان متمتمًا بدلال كأنها طفلته: "خلاص، متزعليش. أنا جبتلك حقك منه أهو."
تحولت سريعًا وتحدثت بهجومية: "والله حرام عليك. دا إنت مفتري. الواد يا عيني كان هيفرفر في إيدك."
رفع حاجبه متعجبًا منها: "إنتِ هبلة يا بنتِ. إنتِ واقفة في صفه؟ هو أنا بضربه عشانك إنتِ؟"
ضحكت بمرح متمتمة: "الصراحة أنا بقيت مطمنة بعد اللي حصل جدًا. بعد كدا لو عرفت واحدة عليا، هلاقي اللي يبوظ عليك الليلة. دا إنت طلعت حبايبك كتير أوي ومبيستأذنش، بيتصرفوا على طول."
عقص فمه متمتمًا بسخرية: "يا شيخة اتنيلى. هو أنا عارف أتعرف عليكِ؟ لما أعرف غيرك."
تحدثت بدلال وهي تقترب منه بمراوغة: "وأنا مالي؟ حد ماسكك؟ ما تتعرف."
رفع نصف شفته العلوية يطالعها بسخرية: "دلوقتي؟"
صرخت به بضيق وغضب: "اطلع بره يا أسر. أنا غلطانة إني جيت معاك أصلًا. الواحد اتبهدل آخر بهدلة. …" لتشير بإصبعها اتجاهه: "كله منك إنت وبسببك."
انتقم من مكانه ببرود أعصاب متمتمًا: "طب لما تخلصي واصلة النكد دي، هخرج أشوف الواد اللي أنا ضربته دا."
أوقفته متسائلة: "استني. صحيح، هو دا مين؟"
تنهد متمتمًا: "دا صاحب عمري دكتور ماهر. كان مسافر بره ومعرفش جه إمتى. وهتقوليلي إزاي دكتور وتعرفه منين؟ مش وقته خالص. هحكيلك بعدين."
أومأت له.
أضاف قبل خروجه: "أنا خارج. ارتاحي إنتِ. ومحدش هيدخل عليكِ."
أومأت له، ثم اعتدلت على الأريكة تريح جسدها.
***
خرج أسر من الغرفة وتوجه خارجًا إلى الجالس على الأريكة يئن ألمًا. بعث إليه نظرة متهجمة، فصاح مدافعًا عن نفسه وقد حمل إحدى الوسائد أمامه صدره يدافع عن نفسه من أي هجوم: "أقسم بالله العظيم ما كنت أقصد. أنا غلطان وحقك عليا. عيل وغلط."
اقترب منه بخطوات بطيئة وجمود ملامحه ونظراته المريبة ترعب الآخر، فتحدث بفزع: "إيه؟ في إيه؟ إنت بتبصلي كدا ليه؟ … اهدي يا أسر كدا."
لوح أسر بيده، فوضع الآخر يده على وجهه كحركة عفوية للدفاع عن نفسه، لكنه تفاجأ ب أسر الذي احتضنه. فخر الآخر ببكاء مزيف: "الله يحرقك، كنت هعملها على روحي."
يضحك أسر متمتمًا: "وحشتني يا صاحبي."
أبعده ماهر بحدة متحدثًا بسخرية: "كدا ووحشتك؟ أومال لو كارهني هتعمل فيا إيه يا ظالم؟ دا أنا طلعلي وحمة في وشي. أنا جسمي اتكسر."
صاح به أسر بنزق: "تستاهل. ما أنت اللي غبي. إيه اللي إنت عملته دا؟"
تمتم بأسف: "أنا آسف والله مقصدش. بس استغربت لما لقيتك في الوضع دا. قولت أكيد البت دي من البنات اللي بتلف على الرجالة وقولت أنقذك قبل ما تعمل ذنب كبير."
صاح به أسر بضيق وغيظ: "وإنت مالك؟ ما تسيبني. آخد الذنب منك لله. إنت وسهيلة وسعدية. عالم فصيلة. المهم قولي نزلت إمتى؟"
تنهد براحة مكملاً: "إمبارح. وقولت أجي أسلم عليك. ويا ريتني ما جيت."
وكزه بكتفه متمتمًا: "معلش. بس إنت اللي غبي برضه. ومسألتش. أنا قولت هتخلي عندك ذرة ذوق وإحساس وتخرج. لكن دا إنت عكيت الدنيا."
أكمل بأسف: "حقك عليا والله. بس إنت طلعت واطي ومعزمتنيش على الفرح ولا قولتلي إنك اتجوزت."
= "والله كل حاجة جات بسرعة. بقا معلش."
_ "طب أنا ينفع أدخل أعتذر لها على اللي حصل؟ اهو أحسن."
أومأ له.
ثم اتجه إلى مكتبه حتى يعدل من حاله.
***
بالداخل.
دلف أسر إليها متمتمًا: "حبيبتي، ماهر عايز يجي يعتذر لك."
ازدردت لعابها بصدمة متمتمة: "إيه؟"
تفاجأ من صدمتها متحدثًا: "إيه؟ عايز يعتذر عن اللي حصل؟"
اعتدلت جالسة متمتمة: "يا عم أنا سامحته خلاص. ابعدوا عني بقا. أنا خايفة يحدفني المرة الجاية من الشباك."
ضحك أسر متمتمًا من بين ضحكاته: "متقلقيش. هو فهم غلط. كان مفكرك واحدة شمال بتلف عليا."
أجابت بضيق ونزق: "ودي شكل واحدة شمال برضه؟ هو أحول؟ خليه يدخل."
ضحك الآخر بداخله، ثم اتجه إلى الباب ينادي الآخر من الخارج.
دلف إليهم ماهر وحاول أن يفك الجو من حوله بمرحه: "أنا على ما أعتقد إنك أخدتي حقك مني تالت ومتلت وتلاقيني صعبت عليكِ أصلًا، صح؟"
ضحكت عندما تذكرت ما فعله به زوجها، فأومأت له:: "الصراحة آه."
= "كدا يبقى صافية لبن. حليب يا قشطة."
تمتم بمرح: "طب سلام عليكوا أنا بقى. ونتقابل في ظرف أحسن من كدا. وربنا يقدرك على البلوى اللي معاك. إيده طرشة. الله يخربيته."
انفجر أسر ومليكة ضحكًا عليه.
فتمتم بملامح حزينة رسمها على صفحة وجهه ببراعة: "اضحكوا. اضحكوا. ربنا على الظالم والمفترى."
تمتمت من بين ضحكاتها بشفقة: "معلش يا أستاذ ماهر."
أضاف بغزل مرح: "والله يا قمر أنا مستعد آجي أنضرب كل يوم لو هسمع اسمي منك."
صاح به أسر باسمه عاليًا من شدة غيظه: "ماااااهرررر."
أضاف وهو خارجًا من المكتب: "أطير أنا بقى بدل ما يطيرني هو."
ضحكت مليكة عليهم وهي تلوح له: "سلام."
ليتركه ماهر ويغادر.
بينما أسر الذي يشعر بنار بداخله من الحديث الذي كان أمامه.
فردف ساخرًا: "بسطك أوي صح؟"
أكملت ضاحكة دون أن تنتبه لنبرته الساخرة: "دمه خفيف صاحبك أوي."
أكمل بحده ممزوجة بالسخرية: "لا والله. طب تحبي أناديه لكِ تتسلي شوية؟"
تساءلت بضيق من طريقته الغريبة عليها: "إيه فيه يا أسر؟"
صرخ بها غاضبًا عندما لم يقدر على كتم انفعاله: "هو إيه اللي فيه؟ إنتِ بتهزري معاه ليه؟"
أجابت بعدم فهم لطريقته الغريبة بالحديث: "عادي يعني. أنا كنت بتكلم على طبيعتي."
صاح بصرامة: "مليكة. متحصلش تاني."
صاحت بإنفعال من طريقته تلك: "هي إيه اللي متحصلش؟ أنا مش فاهمة حاجة."
صاح بغضب أعمى عيناه عن الحقيقة: "متتكلميش مع حد وتاخدي معاه في الكلام. يبقى الجواب على قد السؤال بس. مفهوم؟ مش تقعدي تضحكي معاه وتهزري كأني راجل واقف مش عامل احترام لجوزك اللي واقف."
انصدمت وشعرت بانسحاب الدماء من جسدها، واكتفت بالتحديق به بصدمة ووجه جامد.
تركها أسر وذهب للمرحاض حتى يهدئ من ثورته قليلاً. وقف أمام المرآة يعنف نفسه متمتمًا بغضب مكتوم: "ما كانش لازم أزعقلها. هي معملتش حاجة. إيه ذنبها في إني بغير عليها من الهوا. والغبي التاني دا. بس لما أشوفك تاني يا ماهر الكلب هنفخك عشان تبقى تعرف تسبل لها حلو أوي."
***
بالخارج.
عندما غادر، شعرت بدموعها تنهال على وجنتيها. شعرت بروحها تنسحب عندما تذكرت طريقته تلك. قامت من مكانها وتوجهت للخارج لا تعلم إلى أين، لكنها تريد أن تبعد عن ذلك المكان الذي يتردد به حديثه.
أخذت المصعد وضربت الأزرار بعنف وغضب، وجلست تبكي على الأرض الباردة بالمصعد. لكن توقف المصعد فجأة وأغلقت الأنوار. ففزعت وقامت من جلستها مسرعة تنظر حولها برعب وقد انسحبت الدماء من أوصالها.
أخذت تصرخ عاليًا وتضرب على باب المصعد بقوة: "الحقوني. الحقوني. يا أسر. يا أسسسسرر. الحقووووووني."
ظلت على تلك الحالة وعقلها يأخذها إلى الماضي وإلى ما كان يفعله بها طارق وحبسه لها بغرفة مظلمة، فازداد خوفها وظلت تصرخ بهيسترية.
***
خرج أسر من المرحاض يبحث عنها بعينيه بالغرفة، فانصدم من عدم وجودها. فانطلق سريعا للخارج يبحث عنها. ذهب للمصعد الذي لم يجده يعمل، فاتجه نحو الدرج مسرعًا. فانتبه بالدور الثاني بهرج شديد وصراخ وتجمع الموظفين أمام المصعد. ذهب حيث تجمعهم مستفسرًا بحدة عن تجمعهم وهذا الصراخ، لكن صوت الصراخ ومحاولة الواقفين بفتح باب المصعد واسمه الذي يتردد، فامتلك الرعب قلبه واندفع وسط الزحام. لا يعلم ما الذي يقوله ليهدئها، لكنه تحدث أخيرًا بلهفة بصوته: "مليكة. اهدي يا حبيبتي. أنا جنبك. متقلقيش."
انهارت جالسة تجهش بالبكاء تتمتم بكلمات خافتة: "الحمد لله."
أحست براحة نسبيًا عندما سمعت صوته، لكن ما زال ذلك الظلام الذي يرعبها يحاوطها وتخيلاتها لا تتوقف. لكن أصابتها غصة كتمت صراخها من شدة رعبها.
صرخ أسر بمن حوله: "حد ينادي لعمال الصيانة بسرعة."
أورد أحدهم بعملية: "هما جاين دلوقتي يا فندم. إحنا طلبناهم."
وجه أسر نظره لذلك الباب اللعين الذي يمنعه عن روحه التي بالداخل. انتبه لصمتها ودب الرعب بقلبه عندما خيل له أن شيئًا ما أصابها، فهتف باسمها بقلق ولهفة: "مليكة. مليكة. سمعاني؟ ردي عليا. متخافيش يا حبيبتي. هتخرجي حالًا."
قابله الصمت من الداخل، فهي تشعر بشلل جسدها وصوتها لا يقوى على الخروج. شعرت ولبرهة بأنها أصيبت بشلل كلي. تستمر في البكاء وجسدها ينتفض وهي غير قادرة على التحرك أو التكلم وإخباره بأنها هنا وبخير.
صعق الآخر من صمتها ذلك، فصاح بصراخ وهياج بالواقفين: "اخلصوا. شوفوا اتأخروا ليه."
انتبه أسر إلى ذلك الصوت المألوف بالنسبة له ولم يكن سوى جلال: "إيه ده يا أسر يا ابني؟"
***
تركها وذهب للخارج حتى يطمئن قلبه. فرآها من على بعد بفستانها الذي انصدم منه ومن جمالها الذي ازداد. وما جعل قلبه يحرق وينهش من الغيرة تعلقها بيد عبد القادر. لم يرى قدمه من أسفله وهو يتوجه مسرعًا إليها ينتشلها من يده بقوة.
فصرخ به عبد القادر بغضب وضيق: "إنت بتشدها كدا ليه؟ وتعرفها منين أصلًا؟"
ابتسم له بسماجة متمتمًا ببرود: "دي تبقى مراتي."
أصابه الذهول وأخذ ينقل نظره بينهم بدهشة متمتمًا بذهول: "إيه؟ إزاي مراتك؟"
جذبها نحوه من خصرها بتملك وأخذ يقرص على خصرها بقسوة يخرج بها غيرته وغيظه منها. وجه حديثه لها بوجه لطيف على عكس ما بداخله من نيران تتأجج: "أكيد حبيبتي. نسيت تقولي إنها مراتي."
تحدث الآخر بعتاب إليه: "مش معقول. مقولتليش يعني يا مالك إنك اتجوزت؟ لا وكمان اتجوزت القمر دي."
أبعد وجهه عن الواقفة تنظر له بغيظ وألم قد ظهر على وجهها: "معلش. تتعوض في الفرح إن شاء الله. أكيد هعزمك."
رد عليه بودٍ: "أكيد طبعًا. أنا هكون أول الموجودين. يلا أسيبكم أنا بقى وأروح للمعازيم. سلام."
تركهم عبد القادر وغادر.
فأبعدته عنها بقوتها الهزيلة متمتمة بضيق: "ابعد عني."
أجابها بغضب وكلمات موجعة: "ابعد ليه؟ والا الرجالة الغريبة هي اللي قربها بيكون حل؟"
زجرته بحدة وألم من كلماته الجارحة التي أصابت قلبها. تمتمت بغضب وضيق: "إنت مجنون؟ إيه اللي إنت بتقوله دا؟"
طبق على معصمها بقوة متمتما بشراسة: "احترمي نفسك ولمي لسانك بدل ما أقسم بالله أكون رازعاك جوز أقلام ومش هيهمني حد."
ألقته نظرة مشمئذة حارقة: "لا. دا إنت هربت منك بقا."
ثم تركته ودلفت للحفل.
كور قبضته ثم كتم أنفاسه بصدره، فأطلقها بقوة حارقة تبين مدى غضبه. لكن استكانت ملامحه عندما تذكر هيأتها الجذابة. افترشت شبه ابتسامة على صفحة وجهه. أردف بداخله: "الله يخربيتك. إيه الجمال دا؟ صاروخ أرض جو. كنتِ مخبياها فين الحلاوة دي؟ جاي تظهريها دلوقتي."
***
ذهبت سهيلة إلى حيث تجلس مايا، ثم ألْحَقَ بها مالك وجلس معهم محاولًا إظهار غضبه منها.
همست مايا وهي تجذب الأخرى من معصمها: "ليك شو اللي حصل خلاه قالب خلقته هيك؟"
لوت فمها بضيق عندما حدثتها مايا عنه، ثم وجهت إليه نظرات محتقنة مردفة بضيق: "سيبك منه، وهبقى أحكيلك بعدين. بس عايزة أقولك إنه بدأ يولع من الغيرة."
ضحكت هامسة لها: "ليك شو عمل؟"
أخفت يدها أسفل الطاولة لتريها للأخرى هامسة بغيظ: "بصي عمل في إيدي إيه الحيوان."
ازبهلت عيناها متمتمة بذهول: "يا الله! ليش شو سويت له؟"
لوحت برأسها نحو تجمع بعض الرجال: "عشان عبد القادر دا مسك إيدي واحنا ماشيين. جاك واجعه في إيده. إيدي وجعتني أوي، بس مش مهم. كنت مستمتعة بغيرته أوي."
ضحكت مايا بقوة على تلك الفتاة التي تشبه الصغار في عقولهم متمتمة بود: "ربنا يهدي الحال. أنا راح جن منك ومنه."
غمزت لها بمرح مجيبة: "دا أقل واجب."
***
صدحت موسيقى من النوع الرومانسي بأرجاء المكان.
تنهدت سهيلة بملل من جو تلك الحفلات الروتينية التي كانت لا تحبذ حضورها مع عائلتها. فزفرت بقوة متمتمة بضيق: "أنا زهقانة أوي."
وجهت مايا نظراتها المندهشة متحدثة: "ليك من شو؟ لسه الحفلة ما بلشت."
زَمَّت شفتاها بضيق هامسة بلوم: "يا ريتني ما سمعت كلامك وجيت."
تقاطع حديثهم عبد القادر الذي أردف مشجعًا: "إيه يا جماعة؟ قاعدين ليه؟ الموسيقى دي تجنن. مش هتقوموا ترقصوا وإلا إيه؟"
أردفت مايا بحماس: "إيه والله عندك حق. الموسيقى كتير روعة."
مد يده نحو مايا مردفًا بلطف: "تسمحي لي بالرقصة دي؟"
أومأت له بابتسامة جميلة: "أكيد."
وقفت مكانها تحث لوحين الفولاذ على المشاركة بالرقص: "يلا يا سهيلة إنتِ ومالك. ما بدكم ترقصوا؟ قوموا يلا. راح تكونوا كتير كابلز بياخد العقل."
تقابلت أعينهم معًا، كلاهما لا يعلما ماذا يفعلان. كبرياؤهم يمنعهم وقلبهم يصرخ بفرصة أخرى. قطعت مايا تلك المشاحنات التي تدور بعقولهم: "ليك يلا. إنتوا لسه راح تطلعوا على بعض؟"
سحبت سهيلة من معصمها حتى تقف ووجهت حديثها للآخر: "يلا قوم إنت كمان."
قام مالك متنحنحًا بحرج. قربت مايا سهيلة منه ثم علقت أيديهم معًا. عندما تلامست أيديهم، تصادمت أعينهم معًا صارخة بما في قلوبهم. لكن سرعان ما اخفضتها سهيلة خوفًا من انكشاف ما بداخلها.
جذبها معه إلى حلبة الرقص، ثم وقفو أمام بعضهم بدون حركة.
تلتفت حولها لتري كيف يرقصون. فانتبه لها ولما يدور بعقلها. ابتسم بمكر بداخله ثم جذبها إليه من خصرها بلطف. شهقت بخفة من ما يفعله، لكن سرعان ما أدركت أنهم يجب أن يرقصوا، ليس أن يحدقوا بمن يرقص.
وقفت متخشبة للحظات، عيناه كالسهام تصيب عيناها مباشرة. لقربهم همس لها بنبرة ساخرة: "مش هاكلك أكيد لو قربتي وحطيتي إيدك على كتفي زي بقيت الناس."
فاقت من كلماته التي جعلتها لا تتأثر بعينيه قليلًا. وضعت راحة يدها على كتفه، ثم اخفضت عينيها هاربة من عينيه.
أخذت تضع تركيزها على خطواتهم هاربة منه.
همس لها بإنزعاج من هروبها منه ومن عدم النظر نحوه: "بصيلي. وما تركزيش على خطواتنا كدا. ممكن تتلخبطي."
رفعت عينيها به، ولكن ولوهلة شعرت بجسدها يرتفع للأعلى بمكان مخالف لوقفتها وبجسدها الذي اصطدم بالآخر. تشبثت بعنقه من الخوف واهتزت قدمها من أسفلها. أحست ببوادر دوار من تلك الحركة المفاجئة.
ربت على ظهرها بحنان وهو يكاد يحتضنها هامسًا بأذنها بنبرة هادئة: "متخافيش. ضهرك كان هيخبط بواحد من اللي بيرقصوا. فما كانش قدامي غير إني أبعدك الناحية التانية."
ظلت متعلقة بعنقه بعدما أحست بعدم اتزانها جسديًا. فتحت عيونها تدريجيًا لترى من حولها، لكن رأت الصورة من حولها مشوشة. دفنت رأسها بين حنايا عنقه هاربة من ذلك التشوش.
شعر بأنفاسها الثقيلة على جلده وذراعيها التي تحاوط عنقه بقوة كأنها لا تستند على قدمها بل على عنقه.
همس بقلق متسائلًا: "سهيلة. إنتِ كويسة؟"
أجابت بوهن وما زالت على حالتها السابقة: "عايزة أقعد."
تحرك بها وهم على نفس حالتهم يحاوطها بحماية، ثم أجلسها على مقعدها برفق. اعتدلت بجلستها وهي تشعر بالقليل من التحسن. مدت يدها حتى تلتقط كوب الماء الذي أمامها. فإلتقطه هو بدلًا منها ثم قربه من فمها حتى ترتشف منه.
لكن ترددت بعض الكلمات الذي تحدث بهم بالليلة الماضية جعلتها تأخذ منه الكوب على مضض لترتشف هي بدون أي مساعدة منها.
احتقن وجهه بشدة غاضبًا من تزحلقها ذلك واتجه للجلوس بمقعده. شاركهم على الطاولة كل من عبد القادر ومايا.
تحولت جلستهم سريعًا في الحديث عن العمل ومشروعاتهم القادمة.
تحول المناخ إلى الملل بالنسبة لتلك التي لا تفقه شيئًا فيما يتحدثون به.
زفرت بضيق ثم اخذت تعبث بهاتفها التي لم تجد به شيئًا يلهيها. تذكرت روايتها التي لم تكملها وأخذت تعبث بالهاتف حتى وصلت لها وأخذت تقرأ. بعد قليل شعرت بألم يزداد شيئًا فشئ برأسها. والكلمات أمامها تتشابك مع بعضها لا تقدر عيناها على استيعاب تلك الكلمات المشوشة.
أغلقت الهاتف بضيق من ألم رأسها ومن ذلك التشوش الذي يصاحبها. همست ل مايا بتساؤل: "هي الحفلة دي هتخلص إمتى؟ أنا تعبت."
حدثتها مايا: "ليك لسه الحفلة ما بلشت. اصبري يا حياتي شوي. ما بينفع نقوم هيك."
تأففت بضجر هامسة بتذمر: "بس أنا عايزة أروح."
تضايقت مايا من أسلوبها الذي جعلها لوهلة تظن بأنها اصطحبت معها طفل صغير، فتحدثت ببعض الحدة: "ليك شو ها الولدنة؟ اهدي. ما تبقي متل ولاد الصغار شوي وبنروح. بس اصبري."
اعتدلت بجلستها على مضض تزفر أحيانًا بسخط وتتأفف بضيق أحيانًا أخرى، وكل ذلك مع ألم رأسها الذي ازداد بجدارة. عندما صدحت الموسيقى الصاخبة بالمكان جعلتها تريد الصراخ حتى يدوي حلقها من شدة الألم.
وقفت مكانها متحدثة باقتضاب قبل أن تولي لهم وجهها وتغادر للخارج: "أنا هروح أتمشى شوية."
لم تنظر لذلك الذي استشاط من أهمالها له وأمام الغرباء وعدم تقديره كزوج يحق بأن تستأذن منه أمام الجالسين، لكن طفح الكيل حقًا منها.
وقفت بالخارج تنظر بضياع أمامها تحتضن جسدها حتى تمدّه بالدفء. تلك الأجواء مناسبة حقًا للبُكاء، لا بل للصراخ من الألم الذي يعصفها سواء عقلها أو قلبها. الدموع تتعلق بعينيها تأبى الخروج لذلك العالم الموحش.
بعض الكلمات الغاضبة أتت من خلفها جعلتها تلتفت له: "هو إنتِ ليه مُصره إنك تنرفزيني؟ إيه اللي إنتِ عملتيه جوا دا؟"
ضحكت بسخرية بداخلها من ذلك الرجل الذي يطعنها بكلماته تلك. حاولت رسم الجمود على وجهها حتى لا يظهر إرهاقها ومرضها، فأجابت ببرود وعدم مبالاة: "عملت إيه؟"
استشاط منها فجز على أسنانه مخرجًا زئيرًا شرسًا يصاحبه نبرة مهددة: "بطلي البرود اللي إنتِ فيه دا. إنتِ إزاي تقومي وتسبينا قاعدين من غير ما تستني؟ أنا هقولك إيه، خلتيني قاعد مش عارف أودي وشي منهم فين، وجاية تدخلي الحفلة مع واحد متعرفيهوش أصلًا. ولما أجي آخدك منه يقولي إنت تعرفها منين؟ إيه عجبك كدا؟ عجبك قلة القيمة اللي إنتِ عملتهالي وسط الناس؟ إنتِ إنسانة أنانية ومبتحبيش إلا نفسك. مش هامك منظر جوزك قدام الناس. لا دا إنتِ مُصره إنك تطلعيني واحد ملوش لازمة عندك. أنا معرفش أنا إزاي حبيت واحدة زيك. مش هامها شكل جوزها قدام الناس وعايزة تحرجه بأي طريقة وخلاص. بس أنا مش هسمحلك إنك تعملي كدا. أنا كرامتي أهم حاجة عندي ومش هسمح بحد إنه يمسها، وحتى لو كان إنتِ."
برغم كلماتها الباردة التي التقطتها بعد ذلك المرشح المؤلم الذي كان كَنصلٍ لم يغرزه بقلبها، كلما تفوه بكلماته الحمقاء تلك، إلا وإنها شعرت بتأقلمها مع ذلك الألم كأنه أصبح جزء لا يتجزأ من روحها: "خلصت كلامك خلاص؟"
تعكرت ملامحه بملامح مشمئزة منها متسائلاً بنفور منها: "إنتِ جايبة البرود دا منين؟"
أجابت باقتضاب ضاربة بحديثه ذلك الحائط: "عايزة أروح."
أغاظها أكثر فصاح بها غاضبًا: "إنتِ إنسانة مستفزة."
أجابت ببرود كالثلج: "شكرًا. عايزة أروح."
عض على شفتيه غيظًا منها ثم صاح بها صارخًا: "غادر المكان."
وعاد للحفل مرة أخرى.
أحست بإنفرادها أخيرًا حتى تطلق دموعها، لكنها عنفت حالها كثيرًا حتى لا تضعف وتبكي تأثرًا بكلماته. أخذت أنفاسها بهدوء عملية شهيق وزفير حتى تهدئ من حالها ومن الدموع التي تحرق عينيها. فقد فاضت كثيرًا عن حده.
توجهت إليهم بالداخل ثم وجهت حديثها ل مايا وهي واقفة: "عايزة أروح. أنا مبقتش قادرة. روحتيني يلا."
تحدثت مايا بضيق منها: "والله أنا ندمت إني جبتك معايا. ليك اصبري شوي. عم نتناقش في الشغل."
أغمضت عينيها بألم تريد الصراخ من موجة الألم تلك، فصاحت بصوت عالٍ: "أنا عايزة أروح دلوقتي. يلا مش هستنى."
نظر لها مالك بنظرات حارقة لم تنتبه لها، ولم تنتبه لمن يجلس أمامها من المتجمعين بسبب تشوش نظرها.
همست لها مايا ووجهها يتقلب بالألوان من الخجل والغضب منها: "ليك راح تفضحينا. اقعدي وراح نروح بس اصبري شوي."
ثَكلَت نبرتها متحدثة: "عاوزة أروح."
ولم تكمل كلمتها وشعرت بغيامة سوداء تحيطها، فسقطت مصطدمة بالأرض.
رواية كن لي أبا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم روميساء نصر
انتبه أسر إلى ذلك الصوت المألوف بالنسبة له، ولم يكن سوى جلال:
"في إيه يا أسر يا ابني؟ انت بتعمل إيه هنا؟"
استدار له بجسد متخشب من صدمته، لكن قاطع وقفتهم رجال الصيانة متحدثين بعملية نحو أسر حتى يبتعد عن باب المصعد:
"لو سمحت يا أسر بيه، ممكن تسمح."
انتبه أسر لهم وصاح آمراً بهم:
"يلا افتحوا الباب بسرعة."
تسائل جلال بقلق عندما رأى انفعال أسر وغضبه الشديد:
"هو في إيه يا أسر ومين اللي في الأسانسير؟"
هتف بقلق وعيناه تتابع العمال:
"مليكة اللي في الأسانسير."
تصلب جسده واندفع قلبه يدق مثل الطبول رعباً عليها. وقف متأهباً للدخول إلى المصعد فور انتهائهم حتى يضمها إليه. لأول مرة.
انتهى العمال وفتحوا باب المصعد، فوجدوها تجلس تضم ساقيها إلى جسدها حيث ركبتاها تكون بمحاذاة صدرها، تنظر للأمام برعب وجسدها ينتفض من الرعب.
أسرع كلاهما إليها، فاستطاع جلال أن يتخطى أسر الذي أعاقته معدات الصيانة. فمن ذلك الذي يقدر أن يأخذه من ابنته في حالتها تلك. ركع على ركبتيه أرضاً يضمها نحوه بشدة، مربتاً على ظهرها بحنان أبوي افتقده هما الاثنان. انتشلها من صدمتها تلك عندما اشتمت رائحة أخرى غير رائحة زوجها، وشعور آخر جعلها تحلق فوق السحاب من فرحتها به. هي الآن تعانق والدها الذي يغمرها بالدفء والحنان والحب. الآن تحققت معجزتها حتى لو بعد ألم وشقاء. قررت ضرب كل مشاكلهم بعرض الحائط، عندما فرحت بحضنه التي لم تشعر بأمانه من قبل، حتى مع أسر الذي يختلف تماماً عن أبيها، بل لا يوجد مقارنة. أسر هو أول من شعرت معه بمعنى الأمان والدفء والحب. كلاهما يختلفان عن بعضهما ولا يصح مقارنتهم ولا فقدانهم. الاثنين أشعر بأني الآن وفي تلك اللحظة امتلك الدنيا ومن عليها.
اقترب أسر منهم محاولاً أن يتفحصها حتى يرى لو تعرضت لأذى، لكنه لم يعرف بسبب جسدها المدفون بأحضان أبيها. شعر بضيق وحريق بداخله. هو حقاً أبوها، لكنه لا يريدها إلا لنفسه فقط. تمنى لو اكتسحه بعيداً عنها وأخذها مبتعداً بها عن جميع أعين العالم.
هدأت من روعها وهدأت تماماً رعشة جسدها واستكانت تماماً، ثم انفجرت باكية على جميع ذلك الوقت الذي مضى من حياتها بدونه. ضمها إليه أكثر هامساً بحنان إليها:
"اهدي يا بنتي، متعيطيش، اهدي."
قبل رأسها وأخذ يربط على ظهرها. تعلقت بملابسه كالغريق الذي وجد أخيراً فرصته للحياة. حاول أسر أن يجذبها إليه ويسحبها من حضن والدها، ظناً بأنها منزعجة من والدها، فاندش عندما وجدها متشبثة به بشدة وتزداد نحيباً وبكاءً. لا تريد أن ينتزعها أحد من أحضانه، فهي حصلت على الأمان في أحضانه. قد وجدته أخيراً، فبكت بتحسر على عمرها متفوهة بكلمات من بين نحيبها:
"ليه؟ ليه سبتني؟ مأخدتنيش معاك ليه؟ ليه سبتني؟ كنت محتاجة لحضنك ده من زمان، محتاجة أحس بالأمان معاك، إن في سند يسندني. يا ريتك ما سبتني ومشيت."
أدمعت عيناه من حرقة وألم قلبه على فلذة كبده التي تركها كل ذلك العمر بدون أن يعلم ما مقدار الأذى الذي تعرضت له. تفوه بنبرة خرجت متثاقلة من شدة الألم الذي بحوزته:
"أنا آسف، آسف على كل اللي عملته. سامحيني، أنا هصلح كل حاجة، بس انتِ سامحيني. أرجوكي يا بنتي، سامحيني."
صاح أسر بحدة بجميع الواقفين يشاهدون ذلك العرض الذي لا يفوت:
"يلا، كل واحد على مكتبه. مش عايز حد هنا."
توجه الجميع بعيداً عنهم خوفاً من ذلك الذي يلقي عليهم غضبه.
تنهنح أسر متمتماً بلطف لمليكة:
"مليكة، قومي يلا يا حبيبتي من هنا، تعالي نقوم نروح عشان ترتاحي."
تراجع دلال بحب بقلب أب يحترق شوقاً على ابنته:
"سيبيها معايا شوية يا ابني."
تفهم أسر حالته بالرغم من شعوره بالضيق من كونها بعيدة عنه، فتحدث:
"طب قوموا في المكتب عشان هنا مينفعش الناس راحة جاية."
هومأ له ثم قام من مكانه ويداه تحوط جسدها الهزيل وساروا معاً إلى مكتبه.
في المكتب
دلف كل من أسر ومليكة وجلال.
تفوه أسر مغادراً عندما وجد أنه يجب أن يتركهم قليلاً بمفردهم:
"أنا هسيبكو براحتكو وهجيبلك يا مليكة حاجة سخنة تهديكي."
ثم وجه حديثه لجلال متسائلاً:
"وحضرتك اجيبلك قهوة ولا إيه؟"
هومأ له جلال:
"تمام، قهوة."
جلسوا على الأريكة بمقابل بعض. لامس جلال وجنتها بكف يده متحدثاً بنبرة بها كم حنين يكفي العالم كله:
"ممكن بقا نتكلم شوية؟"
هزت رأسها ومُقلتاها لا تبعدها عن ملامح وجهه التي كانت تتفحصها جيداً لترى فيما تشبهه.
تمتم بأسف وندم شق صدره:
"أنا غلطان في كل اللي عملته معاكي انتِ وإيمان، وعايز أعوضك انتِ وهي عن كل حاجة شوفتوها في حياتكو. أنا روحت لها ووعدتها إني أخلصها من اللي هي فيه، وجاتلي سفرية شغل ضروري ولسه راجع منها، وهحاول على قد ما أقدر إني أخلصها من طارق ده وهنتقم منه في اللي عمله فيكِ."
تلألأت فيروزتها التي تشبه والدتها بهم وخارت بالدموع التي قطعت نياط قلبه. حضنته ثم تحدثت بانتحاب وبكاء:
"مش عايزة أعرف حاجة، اعمل اللي انت عايزها."
سند رأسها على صدره وحاوطها بحماية وانتفض قلبه فرحاً من فعلتها. تحدث بلهفة فرحة:
"يعني سامحتيني؟"
انهارت باكية بلهيب حارق:
"للأسف سامحتك، بعد أما حسيت بحبك. حسيت ولا أول مرة في حياتي إني عندي أب وضهر وسند. حسيتهم في حضنك انت وبس. ماما وحتى أسر مقدروش يعوضوني عنك، عشان مافيش حد كان هيقدر يعوضني عنك. أنا دلوقتي عاملة زي الطفل اللي ما صدق لقى لعبته اللي كان نفسه فيها وهيتجنن عليها."
عدلها ثم حاوط وجهها بيده يزيل دموعها بأصابعه الخشنة على ملمس جلدها الناعم. ثم هتف مهدداً:
"مش عايز أشوف دموعك دي تاني."
جذبها إلى أحضانه مرة أخرى حيث مكانها، فبكت بألم تلقي بأحضانه جميع الآلام والأوجاع التي لم تظهرهم أمام والدتها أو أسر، وظلت تخبئهم داخل قلبها حتى ذلك الوقت. أزالت أخيراً عن عاتقها ذلك الألم الذي كان ينهش بقلبها وكابوس طارق الذي لاحقها دائماً.
دلف إليهم أسر بالمشروبات، فرأى ذلك الجو المشحون، فتمتم ممازحاً حتى يخرج توأم روحه من غيامة حزنها:
"على فكرة انت زودتها أوي وشكلها هتنساني وتسيبني، وأنا الصراحة ابتديت أغار."
ابتعدت مليكة عن والدتها بعدما افترشت البسمة وجهها.
هتف جلال باسم أسر الذي سرعان ما انتبه إليه:
"أسر، أنا هاخد مليكة معايا يومين تعيش عندي."
وقف متخشباً من صدمته لما يقوله ذلك الرجل الذي يريد إبعاد روحه عنه، فتحدث بهجوم:
"ناااااعم."
تحدث جلال بحدة قليلاً:
"هاخدها تعيش معايا يومين. في إيه يا بنتي وهاخدها معايا؟"
أخرج أسر كلمات صوتية معترضة على ما قاله حماه متمتماً بسخرية:
"تؤ تؤ تؤ، أنا قولت تحضنها قولنا ماشي، مسامحين أبوها برضه، لكن تاخدها وتبعد عني؟ انسى."
ضحك جلال بسخرية ثم تحدث بحدة:
"عندك حق فعلاً، أنا غلطان إني بستأذنك. يلا يا مليكة من هنا."
قام من مكانه ثم شد تلك الجالسة مرتبكة من ما يدور بين والدها وزوجها، ثم هتف بأمر:
"يلا يا مليكة، ودعي أسر، يلا عشان تيجي معايا."
اتسعت حدقتاه زهولاً ثم تسائل على ما يدور حوله:
"أحقيقي ولا هو يحلم؟"
ذهل الآخر من الواقف أمامه لا يقدر على استيعاب ما يحدث:
"أومال بهزر؟ بنتي، ومشتاق، وعايزها تعيش معايا يومين، فوسع وخد لك سكة بدل ما أحرمك منها على طول."
هدر بضيق من ذلك الأمر الذي لا يرفضه وبشدة، فهتف ببعض الضيق ممزوجة بالغضب:
"انتوا بتهزروا صح؟ مليكة، أنا عارف إنك متضايقة مني عشان اتعصبت عليكِ، ده ميدكيش الحق إنك تسيبيني وتمشي."
تحدثت بهدوء حتى تهدئ من روعه:
"عادي يا أسر، هروح أقضي يومين اتنين وهرجعلك تاني. أنا لسه متفاجئة زيك بالظبط، مكنتش أعرف حاجة."
صاح بهياج وغضب:
"لأ بقا ما أنا ماليش في، مش كل شوية يطلع لي حاجة تبعدني عنك. بلاش يا عمي حكاية إنها تبعد عني دي. سيبها، وأنا هجيبهالك بكرة تقضي معاك النهار، وترجع تاخدها. حل حلو أهو يرضي كله."
هز رأسه باعتراض، ثم تمتم ببرود:
"لأ، أنا عايزها تيجي تعيش معايا يومين، بنتي وعايز أشبع منها."
تحدثت بملامح حزينة عليه:
"خلاص بقا يا أسر، هما يومين بس."
تحدث أسر بغيظ وعيناه تبعث سهام نارية تجاه جلال تريد حرقه:
"روحي يا شيخة انتِ وابوكي. حرام عليكوا."
تمتم جلال بشماتة نحو أسر وهو مغادر بابنته:
"سلام بقا يا أسر، مش عايزين نشوفك تاني."
ذهبا إلى الخارج ويتركا أسر بمفرده غير قادر على فعل شيء، فهو سوف يشتاق لها كثيراً، لكن رؤية السعادة بعينيها منعته أن يمنعها. فلأول مرة يرى الفرحة على محياها، فهي دائماً تظهر ابتسامتها لكنها تكون خارجة مليئة بالوجع، ليست ابتسامة من القلب. فهو يعشقها ويريد سعادتها. فالحب ليس أن تبحث عن سعادتك وراحتك، بل أن تبحث عن راحة وسعادة من تحبه حتى لو على حساب سعادتك وقلة راحتك.
توقفت مليكة تستأذن من والدها:
"معلش هرجع تاني، نسيت حاجة جوه، استناني هنا ومش هتأخر."
توجهت إلى مكتبه فوجدته واقفاً بمكانه، فتوجهت إليه مسرعة تحتضنه بحب وامتنان. تمتمت بأسف:
"آسفة عشان هسيبك، بس هتوحشني أوي. كلها يومين اتنين وهرجعلك تاني."
طبعت قبلة رقيقة على وجنته ثم تمتمت بحب:
"بحبك."
ابتعدت عنه وجاءت لتتوجه للخارج، فجذبها إليه مرة أخرى يضمها بإشتياق شديد.
تفت به بإعتراض:
"أسر، خلاص بقا عشان قولت مش هتأخر."
أسكتها بحدة ونبرة مشتاقة:
"هششش، اسكتي بقا خليني أشبع منك. هتوحشيني أوي ومش هقدر أعيش من غيرك، وشكلي هاجي أضرب أبوكي وآخدك غصب عنه."
لم تقدر على كتم ضحكاتها، فحدثت برقتها الساحرة:
"معلش يا حبيبي بقا."
وسرعان ما تبدلت نبرتها إلى الغضب:
"ثم كمان تستاهل عشان متتعصبش عليا تاني."
أبعدها عنه مقبلاً بين مفرق عينيها متأسفاً:
"متزعليش خلاص مني، أنا اتعصبت من طريقة المتخلف التاني وطلع عليكي انتِ."
زمت شفتاها بإعتراض طفولي حزين:
"وأنا كنت عملت إيه يعني؟"
ثم تبدلت ملامحها متهجمة، فصاحت بحنق:
"عارف انت تستاهل إني هبعد عنك عشان تتعلم بعد كده متزعلنيش."
ثم ابتعدت عنه تودعه:
"يلا سلام، هتوحشني أوي."
هتف باسمها ملقياً عليها بعض الإرشادات بلهجة مهددة:
"مليكة، هرن عليكي تردي على طول، لا إما انتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه."
هومأت له ثم بعثت له قبلة بالهواء وتوجهت للخارج إلى أبيها الذي أخذها وتوجه بها إلى منزله.
بمنزل جلال
أخذها وتوجه بها إلى غرفة مغلقة بعناية، فتحها ثم دخلا إليها. أضاء الأنوار فظهرت لوحاتها التي تملأ المكان وهي صغيرة، ولعب الأطفال الكثيرة التي تغطي الأرض. اندهشت من روعتها وجمال ألوانها التي عشقتها. انتبهت لتلك الصورة الكبيرة التي بعرض الحائط تضم صورة لها ولأبيها ووالدتها، لكن كل صورة بمفردها واندماجوا سوياً. سارت نحوها وأخذت تتأملها بشغف، ولم تشعر بأصابعها التي ملسّت عليها ودموعها التي سقطت عندما خُيّل لها بأنها معهم منذ صغرها وتحظى بطفولة رائعة وسط أبويها المحببين إليها.
التفتت له متسائلة:
"جبت صورتي منين؟"
ابتسم لها بحنان متمتماً بحب:
"أمك هي اللي ادتهالي زمان وأنا كبرتها وحطيتها في كل ركن هنا في الأوضة. الألعاب دي هدايا عيد ميلادك بتاعة كل سنة، كنت بجيب الهدية وأحطها هنا على أمل إني هشوفك في يوم من الأيام وأدهوملك."
ركضت نحوه تحتضنه بشوق متمتمة بشغف:
"بحبك أوي يا بابا."
تذوق حلاوة كلمتها متمتماً بإشتياق قد امتلأ من كلمتها تلك:
"الله! أول مرة تقوليلي يا بابا، طالعة منك جميلة أوي. ربنا يحفظك يا قلب أبوكي. يلا تعالي معايا عشان أعملك تاكلي ونأكل."
هومأت له ثم تحدثت بمزاح:
"أوك، يلا بينا، بس لعلمك أنا مبعرفش أحمر بطاطسية حتى، يعني لو هتعتمد عليا هنروح المستشفى."
ابتسم على ابنته الشقية متمتماً:
"لأ، أنا اللي هعملك يا ستي وهعملك بيتزا كمان."
صاحت بحماس:
"وااااو! قول والله."
تمتم من بين ضحكاته:
"والله."
رفعت إحدى حاجبيها متحدثة بجدية مصطنعة:
"تصدق أنا غلطانة إني مسيبتش أسر من الأول وجيت معاك؟ مقولتليش ليه إن فيها بيتزا وأنا كنت جيت جري."
ضمها إليه بحب:
"أنا على كده هاكلك كل يوم بيتزا عشان تفضلي معايا وتسيبي أسر."
همهمت قليلاً بتفكير ثم تحدثت:
"هو الصراحة أنا مقدرش أقاوِم البيتزا، بس أسر برضه مقدرش أسيبه ده كله."
همهم الآخر بمكر:
"اممممم، ده انتِ بتحبيه أوي بقا."
احمرت وجنتاها خجلاً ثم أخفضت رأسها حتى تهرب من نظرات والدها.
قهقه ضاحكاً من خجلها الذي يذكره بوالدتها:
"إيه الكسوف ده كله؟ بس هو باين عليه بيحبك أوي."
نظرت لهم ببريق لامع عندما قال كلماته تلك على زوجها، ولكنها تمتمت بخجل حتى تغير الحديث:
"مش يلا ناكل بقا."
ابتسم ثم فرك رأسها بمشاكسة:
"عارف إنك بتهربي مني، بس يلا."
ذهبا للمطبخ وارتدى جلال مريلة المطبخ والتقط إحدى معالق الطبخ الكبيرة يقربها من فمه ثم تحدث بمزاح وهو يقلد أحد الأشخاص:
"معاكم انهاردة الشيف الشربيني بتكاته وحركاته، ومعانا طريقة عمل البيتزا لأحلى وأجمل بنوتة في العالم."
ضحكت مليكة بخجل ثم تسائلت:
"انت اتعلمت الطبخ فين بقا يا شيف شربيني؟"
همهم وهو يزم بشفتيه متمتماً:
"سؤال حلو برضه، بس بالعقل يعني راجل عازب طول العمر ده كله مش عايزاه يتعلم الطبخ."
انخفضت نبرتها متسائلة:
"طب ليه متجوزتش؟"
كان يعد عجينة البيتزا بمهارة وهو يحدثها محاولاً إخفاء آلام قلبه:
"للأسف لو كنت اتجوزت كنت هظلم اللي اتجوزتها دي أوي، لأن تفكيري وقلبي مشغول بغيرها، ومافيش أي ست تقبل تعيش مع راجل في قلبه واحدة غيرها. كانت هتتعذب أوي معايا، فقلت بلاش أحسن."
أدركت إحساسه من نبرته التي لم يقدر على إخفاء آلامه، فتحدثت بمزاح:
"ولا يهمك يا بابا، السنجلة جننتله، أعم، محدش هينكد عليك وتخرج وتيجي على مزاجك، بلا وجع راس يعني، اللي اتجوز خد إيه؟"
همهم بمكر:
"امممم، تحبي أسجل الكلام ده وأسمعه لـ أسر؟"
هتفت بصدمة من أبيها:
"إيه دا؟ هو إحنا فينا من كده؟"
ضحك بمرح:
"وأبو كده كمان."
ثم تبادلا الضحك.
تسائل جلال:
"هو انتِ عرفتي أسر منين يا مليكة؟ واتعرفتوا إزاي؟"
تنهدت ثم تحدثت:
"ياااااه، قصة طويلة أوي."
ضحك متحدثاً بسخرية:
"على أساس إننا مشغولين، ما تحكي يا بنتي."
قصت مليكة له على كل شيء من أول لقاء لهم حتى الآن.
"بس دي الحاجة الوحيدة اللي طارق عملها فيا وفرحانة من قلبي إنه عمل كده، لأن بجد أسر عوضني عن أي حاجة وحشة في حياتي. بيعاملني زي بنته مش مراته، بيهتم بأقل تفصيلة، لما بتعب بيسهر جنبي طول الليل، حتى صحتي أنا ممكن أهمل فيها هو يزعقلي ويزعل مني عشان أخاف على صحتي ويزعقلي لما مش آكل. حسيته زي أبويا مش جوزي، بس برضه عمره ما كان هيقدر إنه يعوضني أو يحسسني باللي حسيته معاك. الأب ده عمره ما هيتعوض أبداً."
صدح صوت الهاتف الذي قطع حديثها، فهتفت هي عندما رأت شاشة الهاتف:
"ده أسر."
تمتم جلال بعدم مبالاة:
"جيه على السيرة، سيبك منه."
تحدثت بإعتراض:
"لأ، ده قالي لازم أرد. أنا هروح أرد عليه."
هتف جلال بأمر:
"هاتي التليفون ده كده."
انكمشت ملامحها بإنزعاج:
"إيه دا؟ إحنا فينا من كده؟"
عاد كلماته تلك بإلحاح:
"هاتي بس التليفون كده."
أعطته له فرد مسرعاً بصرامة:
"الواجب بوجه منعقد عندما آتاه صوته: إيه دا؟ فين مليكة؟"
صاح به جلال بحدة:
"انت متصل ليه؟ اقفل وانسى الرقم ده خالص، وانسى مليكة هي كمان."
ثم أغلق بوجهه.
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
تهالكت نبرتها متحدثة:
"عاوزة أرو..."
ولم تكمل كلمتها وشعرت بغيامة سوداء تحيطها، فسقطت مصدمة بالأرض.
انتفض مالك صارخاً بهياج وهو يتجه نحوها ينتشل جسدها الهزيل ويضعها على المقعد وقلبه ينتفض ألماً عليها. صاح عالياً بإنفعال وهو غير قادر على أن يسيطر على أعصابه التي فلّت:
"حد يجيب حاجة أفوقها بيها."
أناولته مايا إحدى الزجاجات متمتمة بقلق:
"هايدي برفان، راح يفوقها."
التقطه منها ثم وضع منه على يده وقربه من أنفها حتى تفوق، متمتماً بكلمات هستيرية خائفة وقلقة:
"سهيلة، سهيلة، فوقي، سهيلة."
صاحت مايا بالنادل الواقف على بعد مسافة:
"ليك، أعطيني كوب ماء بسرعة."
بدأت في استعادة وعيها تدريجياً، بدأ بتحرك رأسها ثم عيناها التي رمشت وأغلقت عيناها من كم الضوء الذي يمنعها من فتح عيناها. بدأت تفتح عيناها تدريجياً حتى تتعود على ذلك الضوء.
تحدث مالك بنبرة قلقة:
"انتِ كويسة؟"
نظرت إليه بضياع وإلى تلك العيون التي تحدق بها، فشكت من نظراتهم تلك وشعرت بالضيق والاشمئزاز. شعرت برعشة تسير بداخل أوصالها من شدة البرودة التي استحوذت على جسدها. عاد الألم ثانية وبشدة أكثر، شعرت أن عيناها ستخرج من رأسها.
تسائل مالك ثانيةً بقلق:
"سهيلة، انتِ سمعاني؟"
تذكرت كل ما حدث قبل إغمائها، فشعرت بالمذلة من قبلهم وشعرت بأن كرامتها قد صحقت. قامت من مكانها مغادرة المكان برغم آلامها التي لا تقدر على استيعابها.
بدأ يعاودها ذلك التشوش فلم تقدر على التمييز أين تسير، كان جسدها يترنح كانها مغيبة عن الواقع.
ذهب خلفها مالك الذي صاح بها حتى تقف:
"سهيلة، سهيلة، استني."
وصل إليها وأوقفها متمتماً:
"استني، هروحك."
نظرت إليه شزراً متحدثة بحدة لتزيحه من نفس الكأس الذي أسقاها منه:
"أنا مش جايه معاك، فهروح معاك ليه؟"
كانت على وشك المغادرة، فأمسك بزراعيها يثبتها بمكانها متمتماً بلطف محاولاً أن يترك خلفاتهم على جانب بذلك الوقت:
"بطلي عناد شوية بقا، ممكن؟"
تنهدت بضيق متمتمة:
"مالك، ممكن أطلب منك طلب؟"
أجابها بملامح مريحة ظناً منه أنها سترجع عن ما برأسها:
"اتفضل."
أخرجت كلمتها ببرود كالثلج وبملامح جامدة كأن جميع مشاعرها نحوه ذهبت إلى الجحيم:
"طلقني."
تخشب جسده وذبلت ملامحه وجف حلقه من طلبها، فتمتم بصدمة فهو لم يكن يظن بأن خلافهم سيصل إلى الطلاق:
"إيه؟"
عادت كلمتها التي شقت قلبه لنصفين لتذيقه قليلاً مما تشعر:
"بقولك طلقني."
بلل شفتاه ثم تمتم بنبرة خافتة:
"ليه؟"
أجابت بمنتهى البرود والجمود وكأنها أصبحت خالية من المشاعر:
"سبب بسيط جداً، مش حاسة بالأمان معاك. لما فتحت عيني ولقيت الكل بيبصلي خوفت، وانت كنت جنبي، كنت المفروض تهديني، تحسسني بالأمان، بس ده محصلش. حسيت إني غريبة وخايفة وأنا جنبي جوزي، فإيه لازمته جوازنا وأنا مش حاسة معاك بالأمان."
شعر بآلامها، فظن بأنها تشعر بالكبت وتريده بجوارها، فحدثها يدعمها:
"عيطي."
انعقدت ملامحها بدهشة:
"إيه؟"
تمتم بنبرة هادئة تختلط بالكثير من المشاعر، قلق، خوف من فقدانها، أشياء كثيرة تجعل الكلمات ثقيلة بحلقه:
"عيطي يا سهيلة وارتاحي. أنا عارف إنك موجوعة ونفسك تعيطي. تعالي ننسى خلافاتنا، على الأقل دلوقتي."
أجابت بلا مبالاة ودموعها منحبسة:
"للأسف مش هقدر أعيط، والا عايزة أعيط تاني. سيب إيدي، عايزة أمشي."
هدر بها بغضب من برودها:
"هتمشي تروحي فين؟"
نظرت له بإشمئزاز متفوهة بكلمات تصيبه بمقتل:
"هروح بيتي، والا انت مفكر إني ماليش بيت وأهل يهتموا بيا ويحبوني ويحسسوني بالأمان، وأسر هايجي يروحني، وشكراً لخدماتك. ورقة طلاقي توصلي سلام."
ابتعدت عنه بضيق ثم توجهت للخارج وهو ما زال واقفاً يراها تبتعد عنه كأن روحه تنسحب منه، فأتاه صوت أعاده لرشده ولم يكن سوى مايا التي هتفت بتشجيع:
"روح، إلحقها، هي بتحبك كتير."
نظر لها مالك بتردد، فأومأت له بتأكيد، فأسرع إليها ركضاً حتى وصل إليها، وجدها تسير بمفردها، فسار معها بدون حديث.
ظلت الأخرى تسير ولم تعطف عليه بنظرة حتى وكأنه ليس هنا. شعرت بأن قوتها نفذت وقدماها ترتعش أسفلها من شدة البرودة. وجدت مقعداً عريضاً حديدياً بالشارع تحت إحدى عواميد الإنارة، فجلست عليه ثم انحنت على نفسها تستند بمرفقها على فخذيها، ثم وضعت رأسها بين راحتها وظلت تفرك بهم حتى تهدأ آلامها.
تسائل مالك بقلق:
"انتِ كويسة؟ تعالي نروح."
لتستمر سهيلة في تدليك رأسها دون إعطاء كلامه أي اهتمام.
زفر بقوة مغتاظاً منها على تجاهلها له، فهتف مرة أخرى بصوت أعلى:
"ردي، انتِ ساكتة ليه؟ فيكي حاجة؟"
لم يجد منها أي رد، فصاح عالياً عندما نفذ صبره:
"يا بنتي ردي. مالك؟"
صاحت به بوهن وإعياء وصوت مختنق بالبكاء:
"تعرف تسكت؟ بطل كلام، يا إما قوم من هنا وامشي."
حاول أن يهدئ من أعصابه التي تفلت منه بغير قصد:
"طب قومي عشان نروح عشان الوقت متأخر."
احتضنت نفسها بيدها دون حركة، لتشعر به يضع الجاكيت على كتفها ثم جلس بجانبها وحاوطها من خصرها ليضمها إلى أحضانه مشدداً على احتضانها.
أخرجت أنيناً متألم جعل جسدها يرتعش. اصطحب بشهقات باكية، شعر بتشنجها وتصلب جسدها أسفل يده، فانتفض جسده بمكانه ينظر إليها، وجد وجهها محمر بشدة وعلاماته متشنجة. ارتعد خوفاً عليها. حاول أن يتمالك جسدها ويضمها إليه بقوة حتى يقلل من تشنجها. لم يبالي بالشارع الذي يجلس به وحملها فوق ساقه ووضع فوقها سترته الخاصة به حتى يمدها بالدفء. حاوطته هي بأيد متراخية وأخرجت من حلقها بعض الصرخات المتشنجة المكتومة من آلامها التي فاقت تحملها.
أحس بالارتباك من ما يحدث لها، أكل ما يحدث لها بسببه حقاً أم ما الذي بها؟ حملها واقفاً وتوجه بها سيراً إلى سيارته وهي مستمرة بتأوهاتها المتألمة ودموعها التي أغرقت وجهها، فمن يرى حالتها يرتعب خوفاً حقاً، فحالتها تجعل الحجر يلين.
أدخلها السيارة ووضعها بعناية ثم وضع لها حزام الأمان بإحكام وتأمل وجهها المتألم وعيناها التي أغمضتهم بفعل نومها، فبعد تلك الحالة من التشنج لم تستطع أن تظل مستيقظة، فوجدت نفسها تغط سريعاً بالنوم.
جلس بجوارها وظل يتأمل وجهها الملائكي الذي ما زال آثار الألم يحتويه، وأخذ عقله يجوب بالأسئلة عن ما يحدث معها. انطلق بالسيارة إلى منزله.
وضعها بغرفتها ثم دثرها بالغطاء جيداً وطبع قبلة حنونة على جبهتها، ثم اتجه إلى غرفته حتى ينام هو الآخر.
بالصباح
استيقظت سهيلة من نومها بمزاج معكر من ذلك الألم التي تنام وتصبح به. وجدت نفسها نائمة في غرفتها وبفستانها، فعقدت حاجبيها قليلاً، ثم سرعان ما حلت عقدتهما عندما تذكرت أنه بالتأكيد من أحضرها إلى هنا. التقطت من جوارها زجاجة الدواء المسكن، أخذت منه كمية وفيرة وأخذتها حتى تهدئ ذلك الألم قليلاً.
ثم دلفت إلى المرحاض لتستحم وتبدل ثيابها إلى هوت شورت من الجزء العلوي بحمالة رفيعة جداً وفتحة صدر واسعة من اللون الأبيض مزينة بدانتيل بنفس اللون من على الصدر، والجزء السفلي يظهر جمال فخذيها وساقها باللون الأزرق الغامق. صففت شعرها وعقصته بهيئة كعكة لتدع بعض الخصلات الانسيابية تزين عنقها الجميل الطويل، ولا يؤثر إذا تركنا بعض الخصلات القصيرة على وجهها. توجهت لأسفل إلى غرفة السفرة فوجدته يجلس بمفرده يتناول إفطاره.
انتبه لمجيئها وانسحر بهيئتها الفاتنة المثيرة التي قد أهلكته. عنف نفسه بداخله: "ده انتِ لو بتنتقمي مني مش هتعملي كده، يخربيت حلاوتك اللي جاية تظهر دلوقتي، ربنا يقدرني وأعرف أمسك نفسي."
جلست سهيلة دون أن تعطيه أي أهمية وأشرعت بتناول طعامها بمنتهى البرود. أحست بآلم شديد كلما مضغت الطعام أو ضغطت بفكيها على بعضهم. شعرت بضيق شديد من نفسها ومن ذلك الألم اللعين الذي منعها حتى من تناول طعامها. تركت السفرة وتوجهت لغرفتها حتى تأخذ من المسكن الذي لا يفعل شيئاً.
جلست على الفراش عندما أخذت دواؤها، أمسكت برأسها بإعياء وقد بدأت بالبكاء:
"آاااه، مش قادرة، هموت، الوجع ده مش بيروح ليه؟ آآه."
قاطعها صوت طرق على الباب.
فأسرعت بمسح دموعها ثم ذهبت لكي تفتح الباب.
فانصدمت بمن على الباب.
رواية كن لي أبا الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روميساء نصر
وقفت تنظر إليه بملامح مندهشة من وجوده أمام غرفتها، وأخذ عقلها يتساءل.
فتمتمت بنبرة مبحوحة: "إنت."
رفع حاجبه بملامح ساخرة من ردة فعلها الحمقاء: "أيوة أنا، إيه شفتي عفريت؟"
تجهّمت ملامحها من كلماته اللاذعة التي ستدفعها بأن تخرج ما بأحشائها، فأردفت بنبرة صارمة مستاءة: "إيه اللي جابك هنا وجاي ليه؟"
تنهد قليلاً ثم تنحنح، حتى ينظف حلقه بما يريد أن يقوله، وعقله يجبره بعدم النطق حتى لا يظهر كمهتم بها وبأحوالها.
"جاي أشوف ليه قومتي من على الأكل فجأة."
ثم هتف بنبرة متلهفة، حاول قدر الإمكان أن تخرج طبيعية: "في حاجة؟ انتِ كويسة؟"
وضعت ذراعيها أمام صدرها ثم هتفت ببرود قاتل: "وأنت مالك؟"
استشاط الآخر من برودها ذلك، متصلباً بوقفته مثل الثور الذي سينطحها، ولا مفر من ذلك.
هدر بها بقوة غاضبة: "أنا غلطان إني جيت أشوفك، ما تولعي، أنا مالي فعلًا."
ابتسمت بسماجة وأشارت له بسبابتها ببرود وسخرية: "محدش قالك تيجي، وأنت غلطان فعلًا."
ثم أردفت بنبرة مهددة: "ومتعليش صوتك عليا تاني، أنت فاهم؟"
ارتعبت من وجهه الذي تحول للون الأحمر من شدة غضبه، وعيناه التي تتشبح بالدماء، فلو لم تكن تلك المخلوقات انقرضت لظنت أنه سيتحول إليها ويحرقها تمامًا.
اندفع داخل الغرفة ممسكاً بمعصمها بقوة جعلتها تتأوه ألماً، ثم أخذ يحرك جسدها بقوة ذهاباً وإياباً بقسوة جعلتها تشعر بالدوار الشديد وألم مفك برأسها.
هدر بها بشراسة وأمر: "اتعلمي تتكلمي معايا بأدب أحسن لك."
توقف عن هزها وأفلت قبضته من عليها وتركها وتوجه للخارج، فسقطت هي مغشياً عليها مرتطمة برخام الأرض.
انتبه لذلك الصوت وهو ما زال على مشارف الغرفة، فوجد جسدها جامد متمدد على الأرض.
هلع من رؤيتها هكذا واتجه نحوها يتفقدها.
جسّ على ركبتيه وحمل جسدها فوق ساقيه، يزيل خصلات شعرها من على وجهها.
أخذ يربت على وجنتيها بخفة حتى تستجيب له، لكن لا حياة لمن تنادي.
حملها بين ذراعيه واتجه بها إلى الفراش، وضعها وجذب زجاجة العطر وحاول أن يفوّقها.
بدأت في استعادة وعيها، فتحدث بقلق ولهفة ظاهرتين على وجهه تجعل من يراه لا يصدق بأنه هو ذلك الشخص الذي كان يهدر بها من قبل: "سهيلة، انتِ سامعاني؟"
أحست برعشة غير طبيعية تسيطر على جسدها، وألم حاد يصرخ برأسها، ضوء الشمس في الغرفة لم تقدر على تحمله، أطرافها تشعر بتنميلها وكأنها أصيبت بالشلل، لا تقدر على أن تحرك ذراعيها.
تساءل مجدداً بقلق: "سهيلة، انتِ كويسة؟"
تحدثت بنبرة مجهدة كأنها خارجة من صراع دام لأيام، تمتمت بما تشعر به وكأنها تحت تأثير مخدر، لا تعي بمن حولها: "إيدي منملة."
التقط ذراعيها يملس عليهم باتجاه واحد حتى يُفك تنملها.
فتساءل مرة أخرى وعقله سيشت منه لما يحدث لها ولا يقدر على تفسيره من إعيائها المفاجئ وبهذه الدرجة المخوفة: "إنتِ مالك فيكِ إيه؟"
حاولت كتم دموعها التي انسالت كالماء المتدفق عنوةً عنها، لا تقدر على الشكوى بما بها من ألم مفجع ولا إسكات دموعها التي تجعلها تشعر بالضعف أمامه.
فأغمضت عينيها هروبًا منه متمتمة بحده: "مفيش، أنا عاوزة أنام."
شهق كمية كبيرة من الهواء حتى يبرد أعصابه، فتمتم بنبرة متفهمة مليئة بالحنان: "طب قوللي فيكِ إيه وبقيتي عاملة كدا ليه؟ انتِ اتغيرتي أوي."
خرجت منها شهقة جعلته يلين ويعتصر جسدها بين أحضانه، لكن تلك الليلة المشؤومة وكلماتها تتردد على عقله.
صرخت به بإنفعال وهستيرية: "انت السبب في كل اللي أنا فيه وفي تغيري، وأظن أنا مش هعيد كلامي تاني للمرة التالتة، اخرج بره بقى وسيبني في حالي، أنا عايزة أبقى لوحدي."
تركها وغادر الغرفة حرصًا على أن تسوء حالتها أكثر، لا يعلم ماذا يفعل، أيُنصت لقلبه ويحتجزها عنوةً عنها داخل أحضانه، أم ينصت لعقله ويتركها تهدأ.
وكعادته قرر أن ينصت لعقله.
بعد مغادرته ظلت بالفراش بعض الوقت تستريح قليلاً، ثم مدت يدها تفتح درج الكومود تأخذ حبوب الدواء التي لا تفعل شيئًا معها، فقررت أن تذهب أخيرًا للطبيب.
قامت من مكانها بتثاقل ممسكة برأسها وتبكي من شدة الألم.
أحضرت هاتفها وطلبت إحدى شركات السيارات للتوصيل، ثم ذهبت للخزانة وارتدت ثيابها وأخذت بطاقتها المصرفية وتوجهت للأسفل بحذر وهي تدعو بداخلها بأن لا تصادمه بطريقها.
ولحسن الحظ لم تجده، فانتظرت السائق حتى أتى، ثم طلبت منه بالتوجه لـ ماكينة صرافة قريبة.
وبالفعل ذهبت وأحضرت المال اللازم، ثم طلبت منه التوجه للمشفى.
دلفت إلى المشفى ثم توجهت لموظفين الاستقبال، وما أن وصلت حتى تحدثت موظفة الاستقبال بابتسامة عملية: "تحت أمرك يا فندم، أي خدمة أقدر أقدمهالك؟"
بادلتها ابتسامتها متمتمة: "لو سمحتي، هو دكتور خالد موجود هنا؟"
أومأت لها: "أيوة يا فندم، تاني دور غرفة رقم 60."
أومأت لها ثم اتجهت إلى محل وجهتها.
دقت على الباب ثم فتحته ودلت رأسها من وراء الباب بابتسامة مشرقة: "أونكل خالد، عامل إيه؟"
ابتسم لها بسعادة: "إيه المفاجأة الجميلة دي؟"
ثم تساءل: "إيه جايه مع مين بقى المرة دي؟ أسر ولا بابا؟"
تحدثت وهي تجلس أمامه على المقعد: "لا، المرة دي أنا جايه لوحدي."
مط شفتيه متسائلاً بحيرة: "ليه؟ في إيه؟"
تحدثت بمرح: "إيه مش عايزني أجلك ولا إيه؟"
قهقه ضاحكاً: "وأنا أطول برضه انتِ تيجي هنا في الوقت اللي تحبيه يا قمر، بس وأنتِ سليمة مش وأنتِ تعبانة طبعًا."
ضحكت بخفوت ثم همهمت: "أهو دا اللي أنا جايالك فيه."
تساءل بقلق: "خير، في إيه؟"
حاولت أن تخرج نبرتها طبيعية وألا تبكي: "عندي صداع جامد أوي وعيني مبقدرش ساعات أشوف بيها كويس، وحصلي حالات إغماء، وعلى طول حاسة بتعب ورعشة بتجيلي معرفش دا من إيه، بس اللي تاعبني وجع دماغي، صداع فظيع جدًا، باخد له مسكن ومش بيعمل معايا أي حاجة، وآخد جرعة زيادة وبرضه مفيش فايدة."
"إحنا كدا لازم نعمل أشاعات وتحاليل نشوف سبب الصداع دا إيه، بس هو بيجيلك إمتى؟"
تحدثت بضيق من حالتها: "هو مش بيمشي أصلًا عشان يجي، أنا مبقدرش استحمله خالص، فيا ريت لو تكتبلي أي مسكن ميخليهوش يجي تاني."
تحدث خالد بتفهم: "الصداع ممكن يروح من المسكن، بس أكيد هيرجع تاني."
قاطعته مكملة: "أه فعلًا بيجيلي تاني وأقوى."
هتف هو بعملية: "عشان كدا لازم نعمل فحص شامل على دماغك وأشعات وتحاليل ونشوف إيه هو سبب الصداع دا."
"تمام يا أونكل، هعمل الأشاعات دي إمتى؟"
"على بالليل كدا يا حبيبتي."
"طب تمام، كلمني على الفون أول ما تطلع، بس أنا عايزة مسكن للصداع عشان مبقدرش استحمله خالص."
"هكتبلك على مسكن تاخدي منه حباية واحدة بس، وهكلمك بإذن الله أول ما الأشعات تطلع وخير إن شاء الله."
أومأت له ثم تساءلت بتأكيد: "أوكي يا أونكل، بس أنت متأكد إنها هتودي الصداع؟"
أومأ بتأكيد: "أه أكيد هتوديه، متقلقيش، ومتنسيش تسلميلي على بابا لأن بقالي كتير مشوفتوش."
تكمشت ملامحها حزناً عندما تذكرت ما لم تقدر على نسيانه، فتحدثت بنبرة مهزوزة: "أوكي يا أونكل، هسلم لك عليه، هستأذن أنا بقى، باي."
ذهبت سهيلة من المشفى والحزن يخيم عليها.
فتوجهت إلى البحر.
ظلت جالسة أمامه بأمواجه المتلاطمة وأصواته الناتجة عن الأمواج ورائحته المميزة، مزيج من الطبيعة يسحر العين.
وقعت عيناها على الأمواج العالية تندفع إلى طرف الشاطئ تزيل كل ما عليه من آثار حية وتذهب به إلى عمق البحر، تمنت لو كانت مثلًا ذلك الشاطئ لتأخذ تلك الموجة ذكرياتها المؤلمة وتذهب بها إلى عمق المحيط، ثم تعود مرة أخرى إلى الشاطئ وهي بكامل حيويتها وبدون ماضٍ.
الذكريات تتوالى على مخيلتها جعلتها تريد الصراخ ألماً، فمن بداية حقيقة أبويها مرورًا دون معاملة زوجها التي ظنت بأنه يحبها حقًا، مرورًا بذلك الألم المفجع الذي يصيبها.
أخرجها من أفكارها صوت رنين الهاتف، ولم يكن سوى مالك.
عند مالك:
دلف مالك إلى الفيلا ثم توجه إلى غرفتها، دق باب الغرفة فلم يجد استجابة، فتح باب الغرفة وأسدل رأسه من خلف الباب فلم يجدها بفراشها، فاندفع للداخل يبحث عنها بأنحاء الغرفة، فاتجه للمرحاض وقلبه يخفق بشدة خوفًا من أن تكون تركته وغادرت.
دق الباب فلم يجد استجابة أيضًا، فنادى بقلق: "سهيلة، انتي جوه؟"
لكن لم يأتيه صوت من الداخل.
فتح باب المرحاض فوجده فارغًا، فشد على شعره غضبًا، ثم اتجه للأسفل يبحث عنها بجنون، فصاح بالخدم حتى يسألهم عن مكانها ولكن لم يراها أحد، فاتجه للخارج يبحث عنها بالحديقة فلم يجدها، فسأل حارس الأمن: "انت شفت سهيلة خارجة من هنا؟"
أومأ له: "أه يا باشا، شوفتها ووقفت شوية لحد ما عربية جات وركبت ومشيت."
شعر بانسحاب دماءه عندما تحققت أكبر مخاوفه وتركته، ثم تساءل بنبرة مهتزة: "طب كان معاها شنطة؟"
الحارس: "لا يا باشا، مفيش حاجة كانت معاها."
زفر براحة وتنفس براحة كالغريق الذي وجد منقذه، تعلق بآخر أمل بأنها لم تغادر وتتركه، فاتجه إلى سيارته وأخرج هاتفه ليرى أين هي.
عودة إلى سهيلة:
تأففت بضيق منه، فبالتأكيد سيعكر مزاجها، ثم أغلقت المكالمة بدون رد: "هووووف، مش ناقصاك خالص."
لتغلق الخط في وجهه.
فرن مرة أخرى فردت عليه بغضب واندفاع: "إيه، عاوز إيه؟"
استشاط من نبرتها، فهدر بها: "انتِ فين يا هانم، وإزاي تخرجي من غير ما تعرفيني؟"
اتسعت وجهها ضيقاً منه، ثم تمتمت بأنفاس مجهدة: "اقفل يا مالك."
صرخ بها بكل طاقته وقلقه عليها: "انتِ فين؟"
ارتاعبت من نبرته الصارخة، فاستسلمت لعنادها وأخبرته: "أنا على البحر عند ********."
هتف بحزم: "افضلي عندك وأنا هاجيلك حالًا."
تحدثت بحزن: "ماشي."
أغلق الخط وانطلق بسيارته نحو المكان الذي توجد به والغضب يسيطر عليه.
عند سهيلة:
انفجرت بالبكاء وهي تحدث نفسها: "أنا مش عارفة انت بقيت عامل كدا ليه؟ بقيت تزعقلي طول الوقت وتتنرفز عليا ومش حاسس بتعبي ولا مهتم بيا. أنا مش عارفة انت مش بتحبني ولا إيه اللي حصل، بقيت قاسي أوي يا مالك، مش هامك غير نفسك، بتفسر لنفسك اللي انت عاوز تسمعه، مبتدنيش أي أعذار أو أي سبب عن تصرفي غير اللي انت عاوزه."
ثم ظلت تؤن وتبكي حتى أتاها صوت غليظ من خلفها: "الجميل قاعد زعلان كدا ليه؟ يبقى حد يسيب القمر دا قاعد زعلان كدا؟"
*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!*!!
عند مليكه:
صاح به جلال بحده: "انت متصل ليه؟ اقفل وانسى الرقم دا خالص وانسى مليكة هي كمان."
ثم أغلق بوجهه.
تمتم أسر بوجه منعقد: "الو، الو، إيه دا؟ هو إيه اللي حصل؟"
ثم هدر بغضب: "هو بيتكلم جد؟ نهاار أسود دا نهاره ونهارها طين."
عودة لمليكه:
وقفت مزبهلة لا تصدق ما فعله والدها بزوجها، فتحدثت بعدم تصديق: "إيه دا؟ هو انت قلت الكلام دا لأسر صح؟ وقفت في وشه كمان؟"
أومأ ببرود ثم ناولها قطعة جبن بفمها: "أه."
عوجت فمها يمينًا ويسارًا وهي تمضغ قطعة الجبن: "هااار أسود عليا."
هتف جلال بحزم ونبرة واثقة عندما رأى علامات الخوف والقلق على وجهها: "في إيه؟ ميقدرش يعملك حاجة."
عوجت فمها بضيق وحزن: "ما أنا عارفة إنه مش هيعملي حاجة، بس هيزعل مني أوي."
تنهد بضيق متمتمًا بلا مبالاة: "أحسن يتفلق، سيبيه، أنا واخد إجازة عشان أقضي اليومين دول معاكي انتِ بس، مش عايز حد تاني يبقى معانا."
تحدثت برجاء: "طب هو بيرن، بيتصل عليا عشان يطمن عليا، بلييييز خليني أكلمه أحسن ما يجي هنا ولو جه هنا هيحصل مشكلة."
أكمل جلال بثقة وعناد كأن بينه وبين أسر طار: "هيقول إيه يعني؟ ميقدرش ياخدك مني."
توجهت نحوه تحدثه بعقلانية: "طب وليه نعمل مشكلة من مفيش؟ أنا هفضل معاك هنا اليومين، بس هو بيطمن عليا مش أكتر."
ضحكت على خوفها الذي ظهر على ملامح وجهها متمتمًا بمكر: "انتِ أثبتيلي إنك واقعة أوي."
ضحكت مع والدها بجفاء، فرعبها من ما سيفعله زوجها جعل عقلها معلقًا: "معلش بقى، لازم أكلمه أحسن ما ينط هنا."
أومأ لها: "أوكي، كلميه بس بسرعة وهاتي الفون أكلمه بعد أما تخلصي."
قفزت مكانها من الفرح ثم قبلته على وجنتها متمتمة بسعادة وهي تغادر: "أوكي، خلص البيتزا على ما أكلمه وأجي بقى."
ابتسم بود: "أوكي، متتأخريش بقى."
توجهت لخارج المطبخ ثم طلبته فرد سريعًا فتمتمت: "ألو."
هدر بها بغضب: "إيه الـ أبوكي قاله دا؟ اقفلي وأنا جاي في الطريق."
أغمضت عينيها خوفًا عليهم أن يصطدموا معًا، فتمتمت: "طب اهدي بس دا بيهزر معاكي."
أكمل بنفس نبرته الحانقة: "هو إيه الهبل دا؟ يعني إيه بيهزر معايا؟ هي دي حاجات فيها هزار؟"
أكملت بهدوء: "أهدي طيب ومتتعصبيش ووقف العربية ومتسوقش وأنت متعصب كدا."
صرخ بها بغضب: "مليكه، أنا على آخري دلوقتي."
تحدثت بحزن: "طب يعني يرضيك دلوقتي تفضل متعصب وأنا أزعل عشان أنت متعصب واليوم ينضرب عليا ويبقا وحش؟ فكها بقى."
"طب يعني يرضيكي اللي حصل دا؟"
"لا ميرضينيش، بس هو كان بيهزر معاك، أنت مبتهزرش يا رمضان، ولا إيه؟"
ابتسم غصبًا عنه من طريقتها المحببة لقلبه: "لا يا أختي، بهزر."
"أيوة كدا، فكها بقى، وحشتني على فكرة."
"وأنتِ كمان، بس أعمل إيه في أبوكي؟"
"معلش، هو نفسه يقضي معايا يومين بس من نفسه، متبقاش طماع بقى."
"هتصدقيني لو قولتلك إنك بتوحشيني وأنتِ في حضني إزاي معرفش، وببقى أموت وأنتِ بعيدة عني، وعقلي وقلبي بيفكروا فيكِ على طول، أنا عايزك تبقي قدامي طول الوقت، أنا بقيت مدمنك خلاص."
احمرت وجنتاها خجلًا من حديثه، فأردفت بحب: "بحبك."
تمتم بعشق: "وأنا بعشقك."
قاطع وصلة عشقهما صوت جلال: "يا مليكه، بتعملي إيه دا كله؟"
هتفت عاليًا: "أيوة جايه أهو."
أردف أسر بلوم: "هتقفلي وتسبيني؟"
انفت متمتمة: "لا طبعًا، بابا عايز يكلمك."
تساءل بتعجب: "عايزني في إيه؟"
"معرفش، هو قالي إنه عايزك بعد أما أخلص."
"تمام، اديهولي."
دلفت مليكه إلى المطبخ هاتفه: "بابا، خد أسر معاك أهو."
أخذ منها الفون متمتمًا بتحذير: "اسمع الكلمتين دول وخليهم حلقة في ودنك، مليكه طول ما هي قاعدة معايا لا ترن عليها ولا تكلمها، أنا عايزها طول اليومين دول متشغلش بالها بحد، أنت فاهم؟ كفاية هتاخدها مني طول العمر."
زفر بضيق منه مكملاً: "طب وأطمن عليها إزاي؟"
أكمل محذرًا: "أنا هبقى أطمنك عليها، إياك أشوفك بتكلمها تاني."
هتف بإعتراض: "يا عمي، دي مراتي والله مش خطيبتي."
أكمل ببرود: "وإيه يعني؟ عيدوا فترة الخطوبة اليومين دول."
تمتم والغضب قد تمكن منه: "طيب يا عمي، سلام."
ثم أغلقوا الخط.
هتف جلال وهو يضع صحن البيتزا أمامها: "عملتلك بقى يا مليكه بيتزا، هتاكلي صوابعك وراها."
همهمت بإستمتاع وهي تشم رائحتها: "اممم، يا روايحك الحلوة."
"طب كلي بقى وعايز رأيك."
"باين من ريحتها، أنا شكلي هنقض عليها، أخلصها كلها."
"بالف هنا وشفا يا قلبي."
ليجلس كل منهم لتناول البيتزا.
بعد الانتهاء تحدثت بلطف: "بجد تحفة، أنا ما كنتش أعرف إنك شاطر كدا في الطبخ، دا أنا مبعرفش أعمل أي حاجة في المطبخ، شابو ليك أنت وأسر."
"طب الحمد لله إنها عجبتك."
"عجبتني بس دي تهبل، جميلة جدًا، تسلم إيدك."
"بالف هنا وشفا على قلبك، يلا قومي بدلي هدومك، هتلاقي ليكي هدوم فوق في أوضتك، طلبتها، يا رب ذوقي يعجبك."
"أكيد هيعجبني."
غادرت المطبخ ثم توجهت إلى غرفتها لتبدل ثيابها.
في غرفة مليكه بعد تغيير ملابسها:
جاءها طرق على الباب.
"اتفضل."
"بتعملي إيه؟"
"عادي، مبعملش، هنام بقى."
"بدري كدا."
"أه، أحسن من السهر."
"طب أنا عندي لك مفاجأة."
هتفت بحماس: "إيه؟"
أخرج من جيبه ورق ثم تحدث: "دي تذاكر سينما، وبعد السينما هنروح دريم بارك وهنقضي يومنا هناك."
انتفضت بمكانها بفرح وحماس تحتضن والدها بحب: "أنا بحبك أوي يا بابا."
شدد على احتضانها متحدثًا: "وأنا بموت فيكِ يا روح قلب بابا. يلا بقى روحي نامي عشان بكرة نبدأ يومنا."
"أوكي."
هتفت بسعادة: "أوكي."
خرج جلال من الغرفة وتركها.
ثم توجهت إلى فراشها لكي تنام.
فصدح صوت هاتفها، التقطته بسرعة ثم كتمت الصوت وعيناها على الباب بقلق، فتحدثت بخفوت: "ألو."
فجاءها صوت: "بصي من البلكونة كدا."
رواية كن لي أبا الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم روميساء نصر
عند خروج جلال من الغرفة وتركها،
ثم توجهت إلى فراشها لكي تنام.
فصَدَح صوت هاتفها،
إلتقطته بسرعة ثم كتمت الصوت وعيناها على الباب بقلق،
فتحدثت بخفوت:
الو.
فجأة ها صوت:
بصي من البلكونة كدا.
عقدت حاجبيها مندهشة لما يقوله،
فتساءلت:
ليه؟
أجابها بإصرار:
اطلعي بس وإنتِ هتعرفي.
كانت قد وصلت إلى الخارج بعد ما أنهي كلماته،
فنظرت للأسفل بعيون واسعة،
فهمست له بتساؤل غاضب حتى لا يسمعها أبوها اللي بغرفتها المجاورة:
إنت بتعمل إيه هنا؟
همَم باستمتاع متسائل بتلاعب ومكر:
إيه رأيك إنا جاي هنا ليه؟
عقدت ملامحها بالقلق،
ثم همست له برجاء:
طب إمشي بدل ما حد يشوفك.
في حديثها متمتما بنبرة شغوفة جذابة:
لا، إنَا موحشتكِ إيش والا إيه؟
أجابت بقلق وعيناها تجوب المكان حولها لتطمئن من عدم وجود والدها:
وحشتني أوي بس لو بابا شافك.
قاطعها إسر بجدية:
عندكِ حق، إنَا مينفعش أفضل هنا.
تنهدت براحة ثم أجابت:
برافو عليك، إمشي يلا، إنَا هجيلك.
قالها ثم أغلق المكالمة،
فتوقفت مكانها متصنعة تنظر إليه والإلى الهاتف اللي لم يعد يوصلها به.
توجه الآخر إلى الجدار،
فتحدثت بنبرة محزنة مليئة بالقلق والغضب:
لا لا إسر بلاش يا إسر عشان خاطري والنبي بلاش.
وضع سبابته على شفتيها مخرجا صوت لكي يسكتها،
ثم تحدث بأمر حتى يضع تركيزه فيما أمامه:
هشش، إسكتي وسيبيني أركز.
أمسك بالحديد المعلق على الشرفة السفلية،
ثم ظل يرتفع بجسده حتى أسند قدمه عليه واستطاع أن يستند جسده عليه،
ثم إنتقل إلى ذلك العمود الأسطواني،
وضع قدميه على المنطقة البارزة منه،
ثم ظل يرتفع بيديه وقدمه مسافة قليلة حتى تمكن من سياج البلكون الخاص بغرفة مليكة.
أما عند الآخرى فكانت تهتف به والرعب يدق قلبها خوفا من أن تفلت قدمه،
تتابع كل حركة له بعيون متسعة مليئة بالرعب وأنفاسها تكاد أهلكت وزالت من روحها من شدة الرعب:
إسر إسر إرجع يا إسر هتقع يا لهوي إسر عشان خاطري.
وصل إليها أخيرا واقفا أمامها يلهث قليلا يحاول أخذ أنفاسه اللي كان لا يقدر علي أخذها براحة،
تنهد مزيلا قطرات العرق اللي تزين جبهته،
ثم أردف ونصف ابتسامة تزين ثغره:
يبقى إنَا على آخر الزمن أطلع فلل زي الحرامية.
إنقضت عليه تضربه بكل الرعب اللي شعرت به بتلك اللحظات،
تصيح به بجنون ضاربة قلقها وخوفها من والدها بأن يعرف بوجوده بعرض الحائط:
إنت مجنون... إنت إيه اللي عملته دا إنت كان ممكن تقع.
استسلم لضرباتها تلك مبتسما على قلقها وخوفها عليه،
فتحولت ضرباتها تلك بقبضتها إلى زرايقين عانقوا عنقه بقوة متعلقة بجسده،
تدفن وجهها به تشهق بالبكاء متمتمة بانتحاب:
حرام عليك لو كان حصلك حاجة كنت هعمل إيه.
ضَمَّها إليه بحماية وإحتواء هامسا لها بحنان:
خلاص اهدي بطلي عياط إنَا كويس اهو ومفيش حاجة وصاغ سليم.
ابتعدت عنه تزيل دموعها بباطن يدها متمتمة:
الحمد الله بس متعملش كدا تاني.
رفع حاجبه بمشاكسة:
مقدرش أوعدك الصراحة لو بيني وبينك جبال الدنيا هتسلقها عشان أوصلك.
زفرت بضيق من استهانته بذلك الأمر:
يا إسر مبهزرش إنت كان ممكن رجلك تفلت وتقع.
ثم غيرت نبرتها متسائلة بوجه عابس:
ثم إنت جاي هنا ليه أصل؟
باغتها يحاوط خصرها بذراعيه يقربها إليه حتى إصطدمت بصدره،
ثم همس بنبرة أذابتها:
وحشتيني ومش عارف أنام من غيرك.
لانت ملامحها من قربه لكن عادت بملامحها العابسة تحدثه بصرامة:
مبهزرش.
تأمل فيروزتها في الظلام وبريقهم الغير طبيعي واللي زاد الأمر روعة لمعة عشقها ورعبها منه،
همس لها مؤكدا:
والله ما بهزر... إنَا أدمنتك بقيت عامل زي الطفل اللي ميقدرش ينام غير في حضن أمه وإنَا اتعودت أنام في حضنك واتعودت على وجودك جانبي.
توهجت وجنتاها بإحمرار لطيف جعله يريد أكل خدودها اللي تشبه الطماطم بإحمرارهم،
تمايلت نحوه تتعلق بعنقه ثم رفعت رأسها له تواجهه بوجهها،
فهمست له برقه ودلال جعلوها يطوح مع السحاب فرحا:
أريد أن أخبرك بهذا الوقت إني أفكر بك أنتظرك أشتاق إليك والأهم من ذلك إني أحبك جدا.
لم يقدر على الصمت أما كريستها اللي تبعثه بكلمات تجعله كالطائر الحر،
إنحني يلتقفهم بقبلة نهمة مشتاقة شغوفة قد تبادلاها لوقت لم يشعروا به،
لكن ما أحس به هو قدمها اللي لم تقدر على الثبات كل ذلك الوقت،
فكانت ستنهي تلك القبلة لكنه قاطعها يرفعها من الأرض فأحاطت عنقه بقوة وأحاطت ساقيها بخصره،
ثم تقدم بها وإتجه للداخل.
ظلت تئني وتبكي حتى آتاها صوت غليظ من خلفها:
الجميل قاعد زعلان كدا ليه يبقى حد يسيب القمر دا قاعد زعلان كدا.
رفعت رأسها تنظر خلفها بقلق فوجدته رجل هيئته رثة ويبدو عليه بأنه ليس بوعيه،
فقامت من مكانها تنظر له بإزدراء،
فسارت خطوتين ووجدته يعترض طريقها يمسك يدها رغما عنها متحدثا بنبرة فظة مليئة بالشهوة:
مالك يا جميل تقلان علينا ليه؟
حاولت إفلات يدها منه ونظراتها مليئة بالرعب فصاحت رعبا:
سيب إيدي يا حيوان.
نظر إلى جسدها بشهوانية وتفحص،
قشِعْرَرَتْ منه وصاحت عاليا بكل طاقتها:
ياااا جماااعه الحقوني الحقونيي.
حاول تكميمها حتى تصمت وتكبيلها لكنها باغتته بغرز أظافرها بيده حتى يترك يدها وتفلت منه،
وبالفعل تركها صارخا بألم مطلقا لعنة حادة بحقها،
حاولت هي الهرب ركضا ولكن لم تكن تخطت غير خطوتين وكان ملتقطا خصلاتها بين يديه بقوة جعلها تصرخ حتى ظنت أن أحبالها الصوتية إنقطعت من الألم،
شعرت بأن شعرها قد خرج بيده من شدة الألم فسقطت على الرمال تصرخ من شدة الألم اللي بحوزتها،
أحست بارتخاء يده وابتعاده عنها وما كان إلا مالك اللي إنقض عليه بالركل والضرب حتى وقع منه لا يقدر على التحرك،
وأسرع لتلك الواقعة على الأرض تصرخ بقوة وألم وعيونها تزرف الدموع حتى أنها بللت الرمل اللي على وجهها.
جلس إرْضَا بقلق ورعب كاد أن يفتك قلبه لكنه تساءل بنبرة مقتضبة حتى لا يظهر لهفته ويعيد ما حدث منها في الصباح:
حصلكِ حاجة؟
اعتدلت جالسة تضم جسدها وتحاوطه حتى تمد له الأمان فهي الآن تريد أن يحتضنها بقوة لكن هي لن تتنازل وهو أيضا،
فإكتفت بالبكاء المرير من ألمها اللي أصاب رأسها.
تساءل مرة أخرى مزيلا حبات الرمال من على وجهها برفق أراد أن يلتمسها فقط بدون أن يظهر مدى شوقه وقلقه عليها:
فيكِ حاجة تحبي نروح للدكتور؟
لم يأتيه ردها فقط بكاء شديد لا يفهم سببه فصاح بضيق وغضب منها عندما ظن أن بكاءها خوفا منه في أن يعاقبها على ما حدث فاكتفى بتوبيخها فقط:
إنتِ بتعيطي ليه دلوقتي وإنتِ الغلطانة ازاي تخرجي من غير ما تعرفيني وتقوليلي إنك خارجة ومتعمليش اعتبار ليا وابقى عامل زي المجنون وأنا بدور عليكِ ومش عارف مراتي راحت فين.
خرجت من انهيارها صارخة به بهيستريا:
كفاية كفاية بقا مش عايزة أسمع صوتك إسكت.
ثم وثبت من مكانها حتى تتركه لكنه وقف يمنعها متسائلا بنبرته الحادة:
إنتِ رايحة فين؟
تحدثت بنبرة مبحوحة أثر البكاء وهي تجفف دموعها بيدها:
هروح عندك مانع؟
صاح بها بحدة وضيق من أسلوبها الفظ معه:
إنتِ بتتكلمي كدا ليه معايا وبقيتي عاملة كدا ليه؟
صرخت بضيق وهجوم:
أنا مش عايزة أتكلم الوقتي بعد إذنك ابعد عني أنا مش طايقاك ومش طايقة حد يتكلم جانبي.
أمسك بمعصمها بعنف يحذرها:
سهيلة لمِّي نفسك أحسن.
لكن نظرت له نظرة لم يفهمها من كثرة ما بها من ألم ولوم وعتاب وغضب وحب لكنه لم يقدر على تحديد أيَا منها،
فتمتمت بإقتضاب:
روحني يا مالك عاوزة أروح.
تساءل بعدم فهم ووجه مقتضب:
إنتِ ليه كدا ليه بقيتي كدا اتغيرتي ليه؟
إنهارت لتدلف بنوبة بكاء مرة أخرى متمتمة بلهجة عتاب:
أنا برضه اللي اتغيرت.
أومأ على كلامها بحدة:
أه إنتِ اللي اتغيرتي بقا كل تصرفاتك غلط في غلط ومش عاملة احترام لجوزك ولا منظري أمام الناس.
ضحكت بسخرية وعلامات البكاء والألم ما زالت على وجهها:
طب وليه مستحمل كل دا ما تطلقني أحسن؟
أغمض عينيه يهز رأسه بأسف متنهدا بألم ثم تمتم:
للأسف مش قادر.
صاحت به ببكاء وصراخ هستيري تخبره بكل ما بقلبها من ألم ووجع قلب تجاهه:
ليه مش قادر تطلقني ها قولي قادر بس تجرحني عمرك ما حسيت بيا ولا بوجعي أكتر وقت كنت محتاجالك فيه استغليت عني واتهمتني بالكذب والتمثيل وكنت كل مرة أكون تعبانة تيجي وتزعقلي ومبيكونش هامك غير نفسك وبس وشكلك ومظهرك أمام الناس عمرك ما حسستني بالأمان ووقت ما كنت محتاجة حضنك عشان أبكي للأسف ملقتهوش قولتلي إن أنا مش زي الستات وأروح أشوف الستات بره عاملة إزاي جرحتني في أنوثتي لما أنا وحشة أوي كدا وإنت مش طايقني ليه مش قادر تبعد عني وتطلقني.
نزعتْه بحدة بكتفه عندما قالت آخر كلماتها حتى تسبب له القليل من الألم اللي تشعر به،
جذبها نحوه يضمها إليه حتى يهدئها لكنها لم تكُفْ عن الحركة بين يديه تريد البعد عنه لكن انهارت قواها من الألم بسبب ذلك المجهود اللي فعلته،
شعرت بتشوش نظرها وقدماها اللي لا تقدر على حملها فتركت ثقل جسدها عليه،
أحس هو بعدم مقاومتها ورخو جسدها بين يديه وعدم إتزان رأسها.
تساءل بقلق:
سهيلة إنتِ كويسة؟
أمسك وجهها وهو ما زال يتحكم بجسدها ويحاوطه فوجد الشحوب يمتلك وجهها،
قفز قلبه من الهلع عليها وحملها وإتجه بها إلى سيارته اللي كانت قريبة منهم،
وضعها بها فهمست بنبرة حاولت أن تخرجها فخرجت مهتزة وهو يحاوطها بحزام الأمان:
عاوزة أروح.
قبل رأسها بحنان متمتما:
حاضر بس هوديكي للدكتور يطمن عليكِ.
خرجت نبرتها أكثر قوة لرفضها لما يفعله ويقوله:
لا أنا عاوزة أروح.
حاول أن يهدأ من نفسه ويحدثها بلطف:
يا بنتي اهدي هوديكي للدكتور يشوف فيكِ إيه.
تحدثت بعناد وغضب:
هتروحني والا أنزل من العربية وأروح لوحدي.
زفر بضيق منها ومن عنادها:
بطلي عند بقا ته.
جَمَعَتْ ملامحها بالضيق:
مالكش دعوة روحني يلا.
حاول كتم إنفعالاته وغضبه بمقود القيادة وغيَّر وجهته إلى المنزل.
وصلوا إلى البيت بسيارته فنزل كل منهم من السيارة وتوجَّهُوا إلى داخل الفيلا.
ذهبت إلى غرفتها بدون أن تنظر له ولم تنتظر حتى محاولته للتحدث معها،
جلست على الفراش وتذكرت ذاك الدواء اللي أعطاها لها دكتور خالد،
أخرجته وتناولت منه حتى يهدئ من ألم رأسها العاصف.
استيقظت من نومها فوجدت نفسها مندسة بين أحضانه،
ابتسمت بحب وهي تتأملَه ثم إلتقطت خصلة من شعرها حركتها على أنفه وعينيه،
عَقَصَتْ ملامح وجهه من حركاتها اللي أزعجته لكن سرعان ما تحولت تلك الملامح إلى ابتسامة تزين ثغره.
همست له بابتسامة مشاكسة:
قوم يلا دا كله نوم قوم إمشي قبل ما بابا يصحي ويشوفك.
رفع حاجبه بإندهاش:
طب وإيه يعني إنتِ مش مراتي والا إيه؟
زَمْتْ شفتاها متمتمة بجدية:
طب قوم بقا وبطل بوااخِه عشان ميزعلش.
قبلها قبلة خاطفة على شفتاها المزمومة أمامها نافيا بمكر ومشاكسة:
لا.
زفرت بغضب طفولي محبب ثم تمتمت برجاء:
قوم بقا عشان خاطري.
ابتسم بخبث متمتما:
بشرط.
حركت رأسها تسأله على ما هو فأجابها مشيرا على وجنته:
هاتي بوسة هنا.
زفرت بحنق:
هو دا وقته؟
باغتها بهجوم جسده عليها متمتما:
دا وقته ونص وتلاتة ربع كمان.
ابتلعت لعابها بقلق من ما يحذر به فتحدثت بتساؤل:
وهتقوم بعدها؟
أومأ لها بابتسامة جذابة جعلت غمازاته تنبرز بشكل محبب لها:
شوَرْ.
ابتلعت لعابها تريد أن تقبل غمازته تلك اللي تجعله وسيما بشدة فإقتربت منه تقبله عليها فباغتها بتحريك وجهه فوقعت شفتاها على شفتاه فاتسعت عيناها بصدمة من حركته المفاجئة،
لكنه أسرع بإلتهامهم وجذبها معه في عالمهم العاشق.
إنتهى من قبلته تلك فوكزته بصدره العاري متمتمة بغيظ:
يا غشاش.
فأجاب عليها ببرود:
نعم.
صاحت به بغيظ:
قوم يا إسر إمشي من هنا.
ضحك على توهج وجنتاها من غيظها فأومأ لها بمزاح:
حاضر متزعليش طيب.
تحدثت بإرتباك وقلق تحثه على النهوض:
يلا قبل ما حد يشوفك.
أجاب ممازحا:
محسساني إني شاقطك من جامعة الدول يا بت إنتِ مراتي.
ضحكت بسخرية متمتمة:
بعد يا بت إنتِ مراتي دي أنا كدا أشك دا إنت كدا شاقطني من على النت وعاوز صور.
قاطعهم صوت طرق على الباب.
إنصدمت مليكة وتخشبت مكانها بعيون متسعة جعلت إسر ينفجر ضاحكا علي هيئتها متسائلا:
إنتِ عاملة كدا ليه؟
تساءلت بغباء:
أبويا اللي بيخبط صح؟
فأجاب إسر وهو لا يقدر على كتم ضحكاته:
أكيد.
تحدثت بعويل:
يا لهوي هيشوفني كدا إزاي؟
ثم نزلت تحت الشرشف كليا فلم يظهر منها أي شيء ثم تحدثت بتحذير لزوجها من أسفل الغطاء:
إسر أنا مش هنا ماشي.
ضحك بشدة متمتما:
حاضر يا هبلة بس على كدا أنا اللي هقوم أفتح.
صاحت به بجنونها المضحك:
اعمل اللي تعمله ان شاء الله تموتوا بعض أنا مش هقوم من مكاني وأنا كدا.
آتاهم صوت جلال من الخارج:
مليكة إنزلي إنتِ وزوجك تحت أنا عارف إنه هنا أنا مستنيكُوا على الفطار تحت.
إنفجر ضحكا مرتميا على الفراش بجسده:
قومي قومي احنا مقفوشين من إمبارح أصل.
أخرجت رأسها من أسفل الغطاء متسائلة وهي تحرك شفتاها لليمين واليسار:
هو عرف إزاي؟
حرك أكتافه لفوق متمتما:
أنا أعرف ما أنا نايم جانبك اهو.
زفرت براحة ثم تمتمت بخجل:
يخرب بيت دي كسوفة.
باغتها بإقترابه منها متمتما أمام وجهها:
أقسم بالله العظيم إنتِ مراتي.
ابتلعت لعابها بقلق من إقترابه المفاجئ:
عارفة إني مراتك بس بس.
ضحك بخبث من توترها وخجلها متحدثا:
إنتِ لسه هتبسبسي قومي يلا عشان ننزل شكل حماتي العزيز محضرتلي الفطار مخصوص.
قامت بسحب قميصه الملقى على الأرض إرتدته وأغلقت واحدة أزراره بعشوائية ثم قامت من مكانها لتجد القميص يصل إلى منتصف فخذيها متهدل الأكتاف أطراف أصابعها لا تظهر من أكمام القميص.
كان هو قد ارتدى بنطاله واستدار لها فوجدها بقميصه وبهيئة مهلكة جعلته يحترق شوقا لها،
إقترب منها ثم جذبها من خصرها بكفه اللي ظل يعبث به ونظراته لم تكتفِ بإخبارها بمدى إعجابه وشوقه لها،
همس لها وأنفاسه الساخنة كانت تلهف بشرتها فإعتلت أنفاسها هي الأخرى حتى إختلطت بأنفاسه:
شكلك يجنن.
تحولت ملامحها ظنا بأنها يسخر منها فصاحت به بهجوم:
إنت بتتريق عليا يا أستاذ إسر؟
وضع سبابته على كريستها اللي تتلاعب أمامه وتثيره مهمهما لإسكاتها:
هشش.
صَمَتْ ولم تتحدث ثم تحولت نظراتها إلى تلك المرايا حتى ترى شكلها وتقرر هي إذا كان حقا كما يقول أم يسخر منها،
أفلتت منه وذهبت إلى المرايا لتقف أمامها تحت أنظار ذلك اللي كان يتابع جسدها المغري الظاهر أمامه بسخاء ويتحرك أمامه بتلقائية وحرية في ذلك القميص الأسود اللي عكس بشرتها البيضاء فجعلها مثل قطعة الحلوى المزينة.
عَقَصَتْ ملامحها عندما نظرت لهيئتها الغير جذابة نهائيا كما هو يقول ثم بدأت في ربط أزرار القميص كله أمام المرايا حتى يعتدل عليها،
لكنه آتي من خلفها يحاوطها من الخلف يستند بذقنه على كتفها ملثما عنقها الحليبي غارقا في إنحناءة عظمة الترقوة،
جعلتها لمساته تلك بعالم آخر،
أسندت جسدها عليه ترتمي برأسها للخلف لتتيح له الغوص أكثر وأكثر،
إمتدت يداه إلى يداها اللي تتعلق بزِرار القميص لتحكم إغلاقه وبدأ هو بلمساته الخاطفة يفتحه فأفاقت على لمساته الخبيرة تلك لتتذكر أمر أبيها،
إنتفضت بوقفتها تبتعد عنه كمن لدغتها حية فوقف مندهشا من تصرفها ذلك فأغمض عينيه يهدئ من لهيب جسده فتمتمت بأسف له:
حبيبي مش وقته لازم ننزل دلوقتي بابا مستني تحته.
أومأ لها بابتسامة عاذبة وبداخلها يريد أن يأخذها بعيدا عن ذاك العالم اللي يمنعه من حبيبته.
تمتم هو يوقفها قبل مغادرتها للمرحاض:
إستني.
فوقفت تهمْهَمْ باستفهام عن ماذا يريد فأجاب:
القميص بتاعي.
ضحكت بميوعة ودلال:
ماله؟
فأجابها بحاجب مرفوع:
هاتيه.
ضحكت بدلال:
دا بعده إنسي.
ثم توجهت إلى المرحاض فسمعته يقول:
بسرعة قبل ما أخد برد.
فردت من الداخل:
أوك.
عند سهيلة.
كانت تجلس في غرفتها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي محاولة أن تضيع وقتها ليآتيها صوت رنين الهاتف فأجابت بلهفة:
الو أونكل خالد عامل إيه؟
أجاب ونبرته مليئة بالحزن:
الحمد الله يا حبيبتي أنا كويس.
تساءلت وعقلها يتآكل من القلق:
الإشاعات طلعت؟
فأومأ لها بحزن:
أه طلعت.
فتساءلت بلهفة:
طب وطلع في إيه؟ عايزك تجيلي يا سهيلة العيادة بتاعتي.
أجابت بأسف:
للأسف مش هعرف أجي هو في حاجة مهمة يعني.
أومأ لها بتأكيد:
أه مهمة جدا.
شعرت بإنقباض قلبها فتمتمت بنبرة مهتزة:
طب ممكن تقولي؟ بصي يا بنتي أنا عايزك تمسكي نفسك وإن اللي بيحصلنا في الحياة من إبتلاءات دي بيكون إمتحان والمفروض إن احنا نحمد ربنا ونقول الحمد الله ونعدي الإمتحان دا.
تساءلت بعدما تآكلها الفضول وإزداد خوفها:
في إيه يا أونكل إنت خوفتني هو في إيه بالظبط؟
أجاب بنبرة مليئة بالحزن:
إنتِ عندك ورم في المخ.
خرجت من المرحاض وهي ترتدي البنطلون.
تساءل إسر بحاجب مرفوع:
قميصي فين؟
ضحكت على إهتمامه بذلك القميص:
جوه إنت خايف عليه أوي كدا ليه؟
أجاب وهو متوجه نحوها:
ما أنا من غيره مش هعرف أروح همشي في الشارع إزاي كدا.
هَمَتْ بتفهم ثم تحدثت:
قولتلك طب يلا قوم إدخل خد شاور يلا عشان ننزل.
أومأ لها ثم قبل وجنتها قبلة خاطفة ثم إتجه إلى المرحاض ليستحم،
ثم ارتدى كل منهم ثيابهم وإتجَهُوا للأسفل هو يحاوطها بذراعيه بابتسامة جذابة قد بادلتها هي الأخرى بأخرى خجلة.
نزلوا للأسفل فوجدوا جلال جالس على طاولة السفرة محملة بطعام الإفطار فهتف بضيق عندما رأى إسر يحاوطها أمامه الا يكفيه بأنه أبَاتَها بحضنه طوال الليل والآن يحاوطها أمامه:
أهلا أهلا.
رد عليه إسر ببرود وسَمَاجَة:
أهلا بيك يا عمي عاملنا إيه على الفطار بقى؟
كزَّتْه مليكة بجانبه بتحذير ثم إتجهت لأبيها تقبل وجنته:
صباح الخير يا بابا.
فابتسم لها بحب متمتما بحنان وتدليل:
صباح النور على عيونك يا جميل تعالي يلا إفطري.
تمتم إسر بأسلوب بارد حتى يجعله يغتاظ منه:
طب وأنا ماليش فطار؟
فأجابه جلال بحدة وإقتضاب:
لا.
فضحك إسر بسماجة:
خلاص خد فطارك بقا يا عمي أنا ضيف برضو وميصحش ما تفطرش ضيفك.
إغتاظ منه جلال فحدثه بتبرم:
لا عادي عندي أنا يصح ويلا بقا طرقنا يلا إنت مش اتسلقت زي الحرامية إمبارح وجيت نمت هنا وعملتلي فيها سبايدر مان.
فأجابه إسر ببرود:
حصل.
تحدث بغيظ وتهديد:
طب يلا عايز أشوف جمال خطوتك يلا ومش عايز أشوفك النهاردة والا أرجع في كلامي وأزود الأيام اللي هي هتقعدْهم معايا.
وعلى إيه أنا ورايا شغل أصل.
ثم توجه إليها قبل رأسها فهمست له:
مش هتفطر معايا؟
قبل وجنتاها متمتما بعشق غير مبالي بذلك اللي إستشاط من أفعاله بإبنته:
بالهنا والشفا على قلبك يا حياتي أنا لازم أمشي عشان ورايا شغل سلام.
لم تُرَدَّدْ له:
سلام خلي بالك من نفسك.
جلست مليكة على الطاولة وتضع عيونها في صحنها لتأكل هروبا من نظرات أبيها.
تحدث جلال بلطف:
خلصي يلا عشان هنخرج نروح السينما زي ما وعدتك.
أومأت له بابتسامة ممتنة ثم أشرعت بتناول طعامها حتى إنتهت وتوجهت للأعلى إرتدت ثيابها ثم توجهت للأسفل لتجد أبيها بإستقبالها ليذهبوا معا للخارج لينطلقوا بالسيارة،
ذهبوا إلى المول وأحضر لها كل ما لذ وطاب ثم توجهوا إلى السينما.
قضَوا كل منهم يوم جميل في السينما ودريم بارك وعادت مليكة كل أيام طفولتها اللي حرمت منها وأحست بحب والدها لها اللي لا يضاهي ثمن ليعود كل منهم إلى البيت ليجدوا إسر بانتظارهم.
كان يستند بظهره على السيارة بعدما كان جالس بها ينتظرهم وعندما لمحهم خرج منها متسائلا:
إيه دا كنتِ فين؟
زفر جلال متمتما بحنق:
يا ابني ارحمنا شوية إنت مش هتعتقنا بقى؟
تمتم إسر بأسف وحزن مصطنع:
خلاص مش هتشوف وشي تاني خلاص.
تنهد بقوة متمتما:
الحمد الله وإيه السبب بقا اللي خلّاك تعمل كدا؟
تمتم بكل بساطة:
هاخد مليكة معايا.
صاح به الآخر بنفاذ صبر:
نعم إنت معادك تاخدها بكرا؟
تمتم بأسف:
للأسف ماما تعبانة وعايزة تشوفها ضروري عشان وحشاها.
هَتَفَتْ بقلق على والدته:
ماما ماما مالها؟
تعبت شوية مننا وقالت لي أجي أجيبك عشان عاوزة تشوفك.
طب يلا نروحلها.
إقتربت من والدها تحتضنه تحدثه بأسف قبل مغادرتها:
سوري يا بابا بس أنا لازم أروح أشوفها لأنها طالبة.
قبل رأسها هاتفا بتفهم:
ولا يهمك يا قلبي ربنا يطمنك عليها ويشفيها يا رب.
عاوزها تكون عندي في أسرع وقت لازم نخلص بقا.
مش هعرف الوقتي هي مش موجودة هنا.
أومال فين؟
معرفش بس أول ما تيجي والأمور تستقر هنفذ على طول.
تمام.
رواية كن لي أبا الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم روميساء نصر
تسائلت بعدما تآكلها الفضول وازداد خوفها:
في إيه يا أنكل؟ أنت خوفتني، هو في إيه بالظبط؟
أجاب بنبرة مليئة بالحزن:
إنتي عندك ورم في المخ.
توقفت الدنيا من حولها، هل غابت الشمس وبهتت هذه الألوان وذهبت ألوان الحياة من حياتها؟ هل ما سمعته كان حقاً صحيحاً أم أنها تتوهم؟ أين ذهب صوتها؟ ما هذا الألم الذي بصدرها؟ ما تلك الرعشة المليئة بالذعر التي جعلتها تسقط أرضاً؟ تنظر للفراغ بدون حياة، مثبتة عيناها نحو نقطة وهمية أمامها. فرت دمعة هاربة من مقلتيها بعدما أسدلت أهدابها من شدة الألم.
قلق الآخر من صمتها ذلك، وخصوصاً بعدما سمع صوت دربكة في الغرفة أثر سقوطها، فهتف بقلق:
سهيلة! إنتي روحتي فين؟ … الو… الو… سهيلة!
ابتلعت غصة البكاء وأجابت بنبرة مهتزة خرجت متحشرجة:
ها… معاك.
تمتم بتفهم لحالتها بعدما استمع لنبرتها:
سهيلة يا بنتي، أنا عارف إن الموضوع صعب عليكي جداً، بس إنتي لازم تتقبليه ولازم أعرف أهلك كمان.
قاطعته بلهفة يتخللها صوت بكائها:
لا لا… متعرفش حد يا أنكل، أرجوك.
رفض متحدثاً بحزن يتخلله الشفقة:
مينفعش يا بنتي، لازم يعرفوا.
تحدثت برجاءٍ من بين شهقاتها المتقطعة ونبرتها المهتزة المصاحبة بضيق صدرها:
أرجوك بلاش تعرفهم، هما مش حمل صدمة زي دي، أرجوك بلاش تعرفهم حاجة.
تحدث برفض تام مكملاً بعقلانية:
لازم يا سهيلة، حد يقف معاكي في فترة العلاج، وإنتي لوحدك مش هتقدري.
تابعت بإصرار باكي:
لا هقدر بإذن الله، بس متعرفش حد، هما مش هيتحملوا يعرفوا، وأنا هتابع معاك على طول، وبإذن الله هخف.
فتسائلت عن صحة الحديث التي تحاول إقناعه به:
صح؟
تمتم بود ورفق:
بإذن الله يا بنتي هتخفي، مفيش حاجة بعيدة عن ربنا، بس إنتي لازم تجيلي العيادة بكرة، لازم نبدأ في العلاج، وهكلم دكتور متخصص في الأورام تتابعي معاه.
تابعت بنبرة ممتنة:
شكراً جداً يا أنكل على اللي بتعمله معايا، بس بليز متقولش لحد إني تعبانة.
أومأ لها بصدق:
حاضر، مش هعرف حد، بس لازم تواظبي على العلاج والجلسات.
أومأت له بعدما كتمت بيدها شهقة البكاء التي تسللت غصباً عنها:
حاضر، هعمل كده.
أخبرها بعنوان الطبيب التي ستتابع معه، وأغلقت الهاتف بعدما أنهت المكالمة.
أخرجت تآوه عالية أشبه بالصريخ الذي قطع نياط قلبها، تبكي بقوة يتقطعها الشهقات المتألمة، تحدث نفسها بألم:
مش قادرة أستحمل ومش قادرة أعرف حد، هما أصلاً مش هيفرق معاهم، من ساعة ما سبتهم ومحدش سأل عليا منهم، ولو عرفوا أكيد هيساعدوني من باب العطف. ومالك كمان، أنا مش فارقة معاه، مش مهتم بيا، وإلا عمره ما يهتم. أنا معنتش قادرة أستحمل، فاجأة، كل حاجة راحت مني، أهلي طلعوا مش أهلي، حتى الشخص اللي أنا حبيته للأسف اتغير أوي وشكله نسيني خلاص. حاسة إني بقيت عالة عليه، لازم قدام الناس أعامله كويس عشان بريستيجُه، دا اللي فارق معاه، مش فارق معاه أنا ووجعي وقلبي المجروح. أنا دلوقتي محتاجاه ومحتاجة لحضنه وأمانه، بس الاهتمام مبطلبش، للأسف. أنا محتاجالك يا مالك، جانبي، حس بيا، أرجوك، أنا عايزاك ومش قادرة أقول.
من المؤسف أنه لم يعد هناك شخص نذهب إليه عندما لا نعرف إلى أين نتوجه.
واصلت البكاء ويدها تضرب صدرها بعنف وقوة من شدة الألم الذي لا تقدر على تخطيه.
كان يمر بالممر الذي به غرفته ماراً بغرفتها، انتبه إلى صوت همهمات، فعقد حاجبيه ينظر إلى باب غرفتها الذي اقترب منه أكثر كلما ظهر الصوت. اعتلت الدهشة وجهه عندما تأكد بأن تلك الهمهمات ما هي إلا بكاء زوجته الذي يضايقه بشدة ويجعله يتساءل لما السبب. دلف إلى الغرفة بعدما فتح الباب، فوجدها تجلس أرضاً تستند بظهرها على الفراش، تبكي بقوة كأنها أخبرت للتو بأن أحد أحبابها مات. ابتلع غصة الألم التي باغتته على هيئتها، حاول تجاهلها، فذهب إليها ثم جلس بجوارها يتفوه باقتضاب:
إنتي بتعيطي ليه؟ إنتي تعبانة؟
ظلت تبكي بدون رد، حتى استشاط من صمتها ذلك، فهتف بها بحنق:
سهيلة! إنتي ليه بتعيطي؟ ليه من ساعة جوازنا وإنتي بتعيطي؟ في إيه مالك؟ بقيتي عاملة كده ليه؟ أنا زهقت منك ومن زنك ده! بتعيطي ليه؟ أسألك فيكي إيه؟ مترديش، يبقى إيه لزمته العياط ده بقى؟
نظرت له بيأس وعتاب، لا تريد التبرير أو التحدث، فالألم فاق التعبير عنه ببعض الكلمات. تريد أن ترمي بنفسها بأحضانِه لتسكن لبضع دقائق. تلعن عنادها وكبريائها، هي الآن بحاجته ولو لبضع دقائق. هي الآن بهذه الهشاشة التي أصبحت مقتنعة بها حقاً وتعترف بضعفها، فلما لا تضعف؟ أليست كباقي البشر يضعفون؟ كبريائي يقتلني واحتياجي لحضنِه يصفعني ليوقظني من هذه الدوامة التي أوقعت نفسي بها، لكنني بحاجة له الآن.
تمتمت من بين دموعها وشهقاتها التي تخترق قلبه كالسهام النارية:
عاوزة أحضنك، ممكن؟
جذبها إليه يدفنها بين ذراعيه بشدة، يريد الصراخ شوقاً لها. قرر ألا يتحدث عن شيء خاص ببكائها اللعين، وقبض على جسدها بقوة متلذذاً بوجودها كأن روحه عادت إليه.
تعمقت في عنقه بشدة تدفن وجهها بين منحنيات عنقه، جسدها بأكمله يجلس على ساقيه ويحتويه بحماية. انفجرت هي بالبكاء وارتعش جسدها حتى تحولت إلى انتفاضات، فقلق عليها وارتعب من جسدها الذي بين يديه وحركته، فهتف بها بقلق:
سهيلة! في إيه؟ إنتي بتترعشي كده ليه؟
همست بوهن وصوت منتحب:
بردانه شوية.
حاول أن يبعدها عنه حتى يضعها بالفراش ويغمر جسدها بالدفء أسفل الشرشف، لكنها تحدثت برجاءٍ يتخلله البكاء:
متعدنيش عنك، أرجوك. إنت مستكتر عليا إني أفضل في حضنك؟
تعجب مما تطالب به وهو أصغر حقوقها، فهتف بها بتشتت بعدما حاول أن يضم جسده على جسدها حتى تنعم بالدفء:
يا سهيلة، أنا مش فاهم حاجة. إنتي بتعيطي ليه؟ ممكن تفهميني؟ أنا هتجنن من تصرفاتك.
تمتمت بوهن ووجهها مازال تدفنه بعنقه:
مش عاوزة أتكلم في أي حاجة، ولا عاوزة أحكي. ممكن تسيبني في حضنك لحد ما أنام؟ دا كل اللي عاوزاه منك.
صمت مالك وظل على حالته حتى شعر بانتظام أنفاسها، فحاول القيام بها من جلسته التي جعلت ساقيه تعاني من الألم بسبب جلسته الخطأ. اتكأ على نفسه وحاول القيام برفق حتى لا تشعر به الأخرى، وضعها بالفراش برفق وأخذ يتأمل وجهها الذي مازال آثار البكاء عليه. مسح لها دموعها تلك ونظر لوجنتيها المحمرتين مثل الفراولة، هبط بشفتيه يلثمهما بحب وشوق، ثم اعتدل يضع عليها الشرشف حتى تتنعم بالدفء.
تعمقت عيناه وهو يعتدل بتلك الأدوية الكثيرة التي بجوارها على الكومود. التقطهم ليرى وظيفتهم، فوجد أن كلهم مسكنين للألم، فوضعهم بمكانهم ثم اتجه للخارج.
بعدما اعتنقوا السيارة وكانوا في طريقهم إلى قصر عائلة الدالي، التفت مليكة بقلق:
اسر! ماما مالها؟ إيه اللي حصل لها؟
تابع بهدوء وبرود أعصاب وهو يتابع الطريق وحاول عدم النظر إليها حتى لا يتآكله الذنب لكذبته تلك:
اهدي، ماما مفيهاش حاجة وكويسة وزي الفل كمان.
انعقدت ملامح وجهها باستفهام، فتساءلت بقلق من أن يكون الذي ببالها صحيح:
اومال قولتلي إنها تعبانة ليه؟
تابع ببرود أعصاب يحسد عليه:
تفتكري ليه؟
أغمضت عينيها بغضب ثم صرخت به بعتاب:
يعني إنت كدبت علينا وقولتلنا إنها تعبانة عشان أجي معاك!
ابتسم لها بسماجة متابعاً:
لماحة، ما شاء الله عليكي.
صاحت به بغضب:
مبهزرش… وقف العربية يا اسر!
عقد حاجبيه مستفهماً:
ليه؟
أكملت بنفس نبرتها:
بقولك وقف العربية.
صرخ بها بإنفعال من نبرتها الآمرة:
في إيه؟ مش هوقفها.
صرخت به بإنفعال:
وقف العربية وإلا هنط منها والله العظيم!
باغتها بوقوف السيارة مما جعلها تحتك بالأسفلت مخرجة صريراً. كانت سترتطم بالسيارة عندما مال جسدها للأمام، لكن يده التي منعت جسدها من الارتطام اعتدلت بجلستها، ثم حاولت فتح السيارة، فهتف هو بها بصرامة:
إنتي راحة فين؟
صرخت به بضيق شديد:
ابعد عني يا اسر أحسن لك.
هتف بها بحزم وصرامة جعلتها تنتفض بداخلها من الرعب بعدما رأت نظراته الحادة:
مليكة! الزمي حدودك وقوليلي في إيه.
حاولت أن تهدئ من حدتها وصرامتها التي انقلبت معه بالعكس:
يعني مش عارف إنت عملت إيه؟ لما تيجي وتكدب على بابا وتقوله إن أمك تعبانة عشان تاخدني وأنا أكون هموت من القلق عليها وأمشي معاك زي الهبلة، وفي الآخر تطلع بتكدب عليا؟ والا بابا اللي كان نفسه أقضي معاه اليوم ده جيت إنت وبوظته علينا عشان أنانيتك دي؟
تمتم بوجه معقود مندهش:
أنانيتي… هو أنا عشان بحبك ومقدرش أعيش من غيرك أبقى أناني؟ هو عشان بتوحشيني ومقدرش أعيش من غيرك أبقى أناني؟
صمتت ولم تتحدث، فصرخ بها بحدة:
ما تردي! ساكتة ليه؟
تأففت بحنق:
مش بالطريقة دي يا اسر.
زفر بضيق متمتماً:
عندك حق، أنا أناني فعلاً. براحتك يا مليكة، لو عاوزة تروحي لأبوكي أو تروحي في أي حتة، مش همنعك، وأسف على أنانيتي دي.
ليقوم اسر بقيادة السيارة لينطلق بها ليصل إلى القصر، ليخرج هو وهي من السيارة ليتوجه اسر تاركاً إياها إلى الداخل، لتدخل وراءه، ليتوجهوا إلى الدور المخصص لهم، ليدلف اسر إلى المرحاض ليبدل ثيابه ومن ثم يتوجه إلى فراشه لينام.
مدلفت إليه وجدته نام وتركها، فتحدثت مع نفسها بضيق:
يعني هو اللي غلطان وهو اللي زعل، مش أنا. إيه ده بس يا رب!
لتتوجه إلى خزانتها لتجلب ثيابها وتتوجه إلى المرحاض لتبدل ثيابها، لتخرج وتتوجه إلى الفراش لتنام هي الأخرى بجانبه.
ظلت تتقلب بالفراش حتى يأتيها النوم الذي هرب من جفونها. تأملت ذلك النائم يعطي لها ظهره، زفرت باستياء منه ومن تذمرِه، فهو أخطأ بأفعاله وبالأخير نام وتركها تعاني من الأرق. أحست بأصوات معدتها التي تخبرها بمدى جوعها، زفرت بحنق من معدتها هامسة لها:
هو أنا ناقصاكي إنتي كمان!
قامت من مكانها واتجهت إلى المطبخ المصاحب للجناح الخاص بهم، فتحت الثلاجة وأخذت تنتقي منها الطعام، ثم اتجهت إلى الطاولة الموضوعة بمنتصف المطبخ، تأكل بنهم شديد، وكلما انتهت من الذي أمامها أحضرت المزيد حتى شعرت بالشبع. والتعجب من حالها أيضاً ومن هذه الكميات التي أكلتها.
توجهت إلى الفراش مرة أخرى حتى تنعم بالنوم بعدما أحست بتثاقل جفونها. اقتربت منه حتى تنام بجواره متعللة بأن الجو البارد يشعرها بالبرودة.
أحس هو بحركتها بعدما غابت لوقت طويل بداخل المطبخ، شعر بجسدها الناعم الغض يلتصق به، فابتسم بداخله على قطته التي تريد التنعم بقربه ولا تقدر مثله على النوم بدون قربه.
رفعت ذراعها برفق ثم أحاطت به خصره ووضعت ذراعه على يدها، ثم حاوطت ساقيها بساقه حتى تتنعم بقربه.
أحبت رائحته بشدة فقربت أنفها منه تستنشقها بقوة كأنه إكسير حياة. لا تعلم لما تلك التصرفات الغريبة، لكن رائحته تحلو لها كثيراً وتود لو تأكله هو الآخر. داهمتها تلك الفكرة وجاءت لتفعلها، لكنه باغتها بدوران جسده لها يحيطها هو بدلاً منه.
تذمرت لفعله تلك عندما قطع وجبتها اللذيذة التي كانت أمامها، زمّت شفتيها تبتعد عنه:
إبعد عني، أنا مش بكلمك.
ضحك بصوته الرجولي متمتماً:
ومين بقا اللي جاي يتحرش بيا وأنا نايم؟
اتسعت عيناها من ما قاله فصاحت به بتلعثم:
أنا… إنت… أنا أصلاً بردانه، فكنت عاوزة أستغطي حلو… وإنت واخد كل البطانية عليك.
همهم بتأكيد ساخر:
ياااااه، دا أنا شرير أوي.
أومأت له بتذمر وهي ما زالت تحتضنه، وتلك الرائحة تداعب أنفها جعلتها تحدثه بدون إدراك:
اسر، أنا عاوزة آكلك.
عقد حاجبيه متعجباً من ما تقوله، فلو حدثته بغضب لظن أنها تهدده، لكنها تتحدث بجدية.
نظرت لمعالم وجهه المندهشة تحدثه:
يا اسر، متسألنيش كده، ريحتك حلوة أوي مخلياني عاوزة آكلك. ومتضحكش عشان أنا مش عارفة أنا مالي.
أنهت جملتها الأخيرة بالبكاء كأنها طفل صغير أحدهم أخذ لعبته.
اندهش من ما تقوله ومن أفعالها تلك ومن بكائها، فبما يسكتها تحدث محاولاً أن يهدئها:
طب اهدي طيب، تاخدي دراعي أو رجلي تاكليها طيب.
ضحكت على ما قاله ثم لكزته بصدره:
إنت بتتريق عليا؟
حاول كتم ضحكته من حالتها التي تبدلت، ثم همس لها:
أنا بقول إن موضوع الأكل ده حلو، فتعالي آكل منك حتة وإنتي حتة.
ثم أخذ شفتاها بقبلة نهمة شغوفة جعلتها تطيح بكل أفكارها تلك، ليشبعها برغبتها في أكله ويذهبا معاً لعالمهم الخاص.
في مكان آخر، في مخزن قديم بالتحديد، يوجد به إيمان ويبدو على وجهها وجسدها آثار التعذيب.
دلف إليها طارق.
تحدثت برجاء واهن:
أبوس إيدك ارحمني بقى، أنا عملت إيه لكل ده؟
هتف بحقد وغل:
عايزة تخرجي من هنا عشان تتجوزيه صح؟
أجهشت بالبكاء صارخة به:
حرام عليك، ابعد عني بقى، إنت عايز إيه بعد كل اللي عملته فيا؟
تابع بنظرة شر وكره:
هسيبك بس مش دلوقتي.
تساءلت وقد أحست ببصيص من الأمل:
اومال امتى؟
تابع بفحيح مثل فحيح الأفعى:
لما أخلص اللي أنا عاوزه من بنتك الأول.
صرخت به بانهيار:
حرام عليك، ارحم بنتي، سيبها في حالها، اعمل فيا اللي انت عاوزه وسيبها، أبوس إيدك.
قهقه بشر ثم تابع بغل:
حابب أنا توسلك ليا ده أوي عشان أرحمها، بس مش هرحمها وهموتها، بس مش أنا اللي هموتها، ده جوزها هو اللي هيقتلها بإيده، ويبقى كده خلصت من الاتنين وضربت عصفورين بحجر. إنما إنتي بقى، فهتعفني هنا ومحدش هيعرفلك طريق، حتى جلال بتاعك ده.
صرخت به بقهر وبكاء هستيري:
حرااااام عليك! منك لله، منك لله يا مفتري! منك لله! ربنا ينتقم منك، ربنا ياخدك!
حتى اتاه صوتها:
هتنفذ امتى؟ أنا عايز أخلص بقى، وهما وصلوا النهارده.
= الوقت اللي تلاقيه مناسب، نفذي فيها.
أومأت له وشبح ابتسامة على ثغرها:
تمام.
أما بالنسبة لتلك الفاقدة للوعي، قام أحدهم بسكب ماء عليها لكي تفوق من إغمائها ليتركها ويغادر.
لتبقى هي بمفردها تبكي وتدعو الله أن ينقذها وينقذ ابنتها من هذا الشيطان.
رواية كن لي أبا الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم روميساء نصر
داعبت خيوط أشعة الشمس التي تسربت من نافذة غرفتها حتى أيقظتها من نومها.
أغمضت عينيها بضيق من تلك الأشعة التي تزعجها.
نهضت تمسك رأسها بألم، تهمس بنبرة متحشرجة:
"آه دماغي مش قادرة."
جذبت الدواء الخاص بها من على الكومود وتناولته، ثم اتجهت إلى خزانتها.
أخذت كاش مايوه ذو حمالة رفيعة وفتحة صدر مستديرة تظهر مقدمة صدرها وبشرتها البيضاء الحليبية.
اتجهت للمرحاض حتى تنعش روحها بالمياه الفاترة حتى تعيد لها ولو قليل من حيويتها.
انتهت وجلست على الفراش بتثاقل، تشعر بتسرب رعشة طفيفة إلى جسدها مصاحبة لألم رأسها وتنمل ذراعها الأيسر وساقها الأيسر.
اعتدلت على الفراش وانغمست أسفل المفرش بعدما شعرت بأنها ليست على ما يرام.
وصل إليها صوت دق على الباب فهتفت بوهن للطارق:
"ادخل."
دَلفت إليها مايا بوجه بشوش:
"كيفك يا قلبي؟ أنا كتير كنت مشغولة وما شفتك من يوم الحفلة واليوم راح أسافر وبدي أودعك."
اعتدلت جالسة تتمتم بحزن وملامحها تحتلها الشحوب:
"إنتِ خلاص هتسافري وتسيبيني؟"
أومأت لها وهي تجلس أمامها على الفراش:
"إيه، راح روح خلاص خلصت شغلي هون."
تابعت سهيلة بحب واشتياق:
"هتوحشيني أوي، متنسيش تكلميني كل يوم وتطمنيني عليكِ."
احتضنتها مايا برفق ثم تنهدت:
"أكيد راح أكلمك على طول وراح أشتاق لك كتير كتير."
ابتعدت عنها تملس على وجهها الشاحب المرهق:
"بس إنتِ ليش مبين عليكِ الإرهاق والتعب؟ شكلك مانيحِة."
ضحكت سهيلة محاولة أن تشتتها عن ما تقوله:
"إنتِ عاوزاني أتعب وإلا إيه؟ كل الحكاية إني لسه قايمة من النوم."
طالعتها بشك ثم أكملت:
"والله بشك في اللي عم تقوليه، بس ديري بالك على حالك يا قلبي."
توجهت مايا لأسفل حيث مالك الذي كان ينتظرها حتى يوصلها.
تحدث متسائلاً:
"خلاص ودعتيها؟"
أومأت له متحدثة بعدما تنهدت بحزن:
"إيه، ودعتها."
حرك رأسه ومن ثم أكمل:
"طب يلا قبل ما الطيارة تفوتك."
"أوك، بس مالك بدي خبرك شي."
انعقدت ملامح وجهه بتعجب متمتماً بإستفهام:
"قولي."
"سهيلة بتحبك كتير كتير، لا تضيعها من إيدك لأنها ما إلها زي وما تتعصب عليها لأنها لساتها صغيرة وما عندها دراية بهاي الأمور. لازم إنت اللي تفهمها كيف تعمل هايدي وكيف تسوي، مو تعصب عليها. ليك البنت يا حرام بقت متل الوردة الدبلانة وحالتها تصعب على الكافر. هي كتير مبين عليها التعب ونايمة فوق وما عم تشكي."
زفر بسخط متمتماً بتذمر من أفعال زوجته الذي عجز عن وجود تبرير لها:
"طب ليه ما بتقوليش إنها تعبانة بدل ما تعيطي؟"
أكملت بعتاب وهي تشير له عن حالته التي تحولت:
"ليك إنت شوفت حالك هلأ، إنت كتير عصبي وإنت السبب اللي خليتها توصل لهيدي الحالة. إنها ما بتشكيلك، إنت اللي المفروض أول ما بتشكيلك همها ووجعها وتعبها. بس المسكينة ما عم تلاقي حد تشكيله. هي سابت أهلها ميشانك يا مالك وسابت حضنهم وحبهم ميشانك إنت. المفروض تعوضها عن كل هايدا مو تقصر فيهم. بتمنى إنك تحاول تصلح من حالك وتقرب منها لأنها باين عليها إنها بحاجتك بس ما عم ترضي تقول وما تستناها تقول لأنها ما راح تقول، لأن أكيد كرامتها ما راح تسمحلها بهيدا. أنا راح روح."
هَلّله مالك عن التحرك بعدما اقتنع بحديثها:
"استني أوصلك."
تحدثت نافية:
"لا، أنا بعرف الطريق. روح اطلع لسهيلة شوفها، مبين عليها إنها كتير مرضانه. يلا سلام."
غادرت مايا واتجهت إلى وجهتها.
بينما الآخر جلس يعيد كل ما حدث بينهم من صراخ عليها وأعصابه التي تفلت منه غصباً ظناً بأنها تقصد ذلك.
أخذ عقله يجوب بأسئلة كثيرة لسبب بكاؤها الذي لا ينقطع، ولو كان مرض فَلماذا سيظل كل تلك الفترة؟ أشياء كثيرة عقله لا يتقبلها.
نفض أفكاره تلك ثم اتجه لأعلى حتى يرى ما بها ويرى حالتها التي تحدثت عنها مايا.
طرق الباب وانتظر لثواني حتى يأتيه ردها لكن لم تجب.
فقلق قليلاً ثم دلف إلى غرفتها التي كانت فارغة خالية من أي أحد عدا صوتها داخل المرحاض وهي تتقيأ.
أسرع نحوها وقلبه يرجف عليها والهلع يدب بقلبه.
انحنى يجلس على عقبيه بجوارها ينظر إلى حالتها وهي تجلس تتقيأ بشدة وتخرج أصوات متألمة وعيناها تزرف الدموع من شدة الألم التي تشعر به.
أمسك خصلاتها التي تنسال على وجهها تعيقها ورفعهم عن وجهها وحاوط جسدها الهزيل يسنده حتى انتهت.
امتقع وجهه على حالتها تلك فنهض من مكانه يساند جسدها المرتعش من خصرها فارتتمت بجسدها ورأسها على كتفه وقدماها كهلام لا تقدر على السير عليهم، فكان يسحبها كالجثة.
أوقفها على حوض المياه وملس على وجهها الذي كان يستند على صدره بالماء حتى تفيق.
ثم انحنى يضع أحد ذراعيه أسفل منحني ركبتيها والذراع الأخرى أسفل منتصف ظهرها واتجه للفراش يدثرها به.
ناولها كوب ماء حتى تروي حلقها الذي انجرح من تقيؤها.
انحنى برأسه يهمس لها بحنان:
"امسكي فيا عشان تقومي لو مش قادرة."
نظرت له بعيون زائغة يشوبها غيامة ثقيلة من الدموع تساقطت قطرة تلو الأخرى حتى انهارت تماماً تبكي بشدة من اهتمامه وشعورها بالحنان تجاهه.
قلق هو من حالتها تلك فتساءل بلهفة:
"بتعيطي؟ في حاجة وجعاكي؟"
ظلت تنظر له وتبعث له نظرات عتاب وهي تحدث نفسها:
"قلبي بيوجعني أوي يا مالك ومش قادرة أستحمل أكتر من كده. نفسي تكون بتحبني زي ما بحبك وخايفة أموت وأبعد عنك وخايفة أقولك وخايفة من كل حاجة… مبقتش قادرة أستحمل الوجع اللي أنا فيه دا يا ريته وجع المرض كنت هستحمله، لكن قلبي مجروح منك ومن معاملتك الجافة. كان نفسي إنت اللي تقف معايا في مرضي ومحنتي وكنت إنت اللي تشجعني أتغلب عن المرض… ممكن دا كان ينفع في الأول، بس اللي مريت بيه معاك ومعاملتك للأسف مش هقدر أقولك. بلعن قلبي اللي حبك بدل المرة ألف. ليه عملت فيا كده وبقت معاملتك كده؟ ليه بقا همك كلام الناس مش أنا؟ ليه مش حاسس بوجعي؟ ليه إنت مش سندي في الدنيا؟ ليه إنت مش الحضن اللي أقدر أشكي فيه وأعيط فيه؟ ليه ليه ليه يا مالك؟ ليه حرام عليك وصلتني للحالة دي؟ يا ترى لو عرفت هتكمل معايا عشان بتحبني ولا عطف؟… أنا يستحيل أقولك، يستحيل أشوف نظرة العطف في عينك، لأني ساعتها هموت بالبطيء."
فاقت على كلماته القلقة:
"أنا بكلمك… إنتِ رحتي مني فين وبتعيطي ليه؟ في حاجة وجعاكي؟ أطلبلك دكتور؟"
نطقت من بين شهقات بكاؤها:
"لا."
أمسك ذراعيها ووضعهم على عنقه حتى يرفع جسدها حتى تجلس ويناولها كوب الماء.
عانقته حتى تمكنت وجلست وأخذت منه كوب الماء بيد مرتعشة وعيناها لا تحيدان عنه.
رفعتها على فمها حتى تشرب وتروي حلقها فتساقطت المياه من الكوب على عنقها تغرق ملابسها من الأعلى.
أخذ منها كوب المياه مسرعاً وأحضر المحارم الورقية حتى يجفف عنقها الحليبي الذي يتساقط عليه حبات الماء ببطء حتى تنتهي بها الأمر إلى مكان تغطيه قطعة الملابس المكشوفة تلك التي أغرقتها المياه.
ابتلع لعابه وهو يجفف عنقها بصدرها الذي يعلو ويهبط في تلك الملابس المكشوفة الذي يراها عليها ولاول مرة في ذلك الشكل الذي راق إليه كثيراً.
همس لها بتحشرج ملهب يحرق جسده من تأثيرها عليه:
"هقوم أجيبلك حاجة تانية تلبسيها غير اللي إنت لابساه عشان متأخديش برد."
لم يترك لها فرصة لتجيب واتجه إلى الخزانة يخرج منها قطعة بيضاء تصل إلى ركبتيها مفتوحة من الجانبين إلى منتصف الفخذين ذو أكمام واسعة.
اتجه بها إليها وجلس أمامها مقترباً منها بشدة.
أهلكتهم ثم حاوطها حتى يسند جسدها من الأمام على جسدها لكنها دفعته برفق متمتمة بوهن:
"أنا هلبس، أنا بقيت كويسة الحمد لله."
أومأ لها ثم اتجه خارجاً يلعن ذلك اليوم على ما قاله، فقربها أهلكه ودبت النيران المشتعلة بجسده.
استيقظت من النوم تمد ذراعها تبحث عنه.
ففتحت عيناها ترى إذا كان غادر لكنها استمعت جيداً لصوت الماء الذي بالمرحاض فعلمت أنه لم يغادر قط.
جذبت ملابسها الملقاة بجوارها وارتدتها ثم اتجهت إلى المطبخ حتى تأتي بالماء لكن تحولت رغبتها فور أن وقعت عيناها على الطعام وأحضرت كمية هائلة منه وجلست على الفراش تأكل بنهم شديد كأنها بسباق طعام.
خرج الآخر من المرحاض يحيط خصره بإحدى المناشف الكبيرة وأخرى كانت على رأسه يجفف بها خصلات شعره.
تخشب مكانه عندما وجد تلك الوليمة على فراشه فصاح فذعاً بها:
"إيه كل ده؟"
علقت عيناها به وفمها الملئ بالطعام ويدها الاثنتين اللتان تتسابقا على من يضع بفمها كمية أكبر من الطعام.
تحدثت بنبرة غليظة من كمية الطعام المحشورة بحلقها:
"إيه يا حبيبي، باكل جعانة."
جحظت عيناه من شدة الصدمة فتمتم وهو يبتلع لعابه خوفاً منها:
"لا يا حبيبتي، مفيش أي حاجة، كلي براحتك ولو عاوزة كمان اطلبي من سعدية بس أوعي تاكلي سعدية نفسه."
لوت فمها تزجره بشراسة ثم أكملت ما تفعله، فلا وقت للنقاش في ذلك الوقت، فمعدتها أولى من كل هذا الهراء.
توجه هو إلى خزانة الملابس وارتدى ملابسه وجهز حاله وأخذ زجاجة عطره ووضع منها ثم خرج لتلك الجالسة ستفترسه عما قريب.
اقترب منها بخطوات حذرة وهي تصب كامل تركيزها بالطعام الذي أمامه.
لكنها انتفضت فجأة جعلته يتراجع بخطواته للخلف من ردة فعلها.
صاحت به تضع يدها على أنفها بإشمئزاز:
"إيه الريحة دي؟"
عوج فمه يشتم حوله ثم رفع ملابسه يشتم فلم يجد شيئاً يثير الإشمئزاز فاقترب منها متسائلاً:
"ريحة إيه؟ مفيش حاجة."
صاحت به تأمره بإشمئزاز:
"ريحة البرفيوم بتاعتك قلبتلي بطني، عاوزة أرجع."
صاح بها بذهول مما تقوله:
"نعم يا أختي؟ مش ده اللي كان ريحتك حلوة وعاوزة آكلك؟"
نهضت مسرعة من مكانها تركض إلى المرحاض تغلق الباب خلفها.
أسرع خلفها قلقاً عليها لكنها منعته من الدلوف وأغلقت الباب.
فأخذ يطرق على الباب بقلق شديد وهلع بعدما وصل إليه صوت تقيؤها.
ظل يدق على الباب بعنف حتى يدلف إليها ليرى حالتها.
ظل يدفع باب المرحاض بقوة حتى يفتحه لكنها خرجت أخيراً بوجه شاحب مبلل.
فاقترب منها يحتضن وجهها.
لكنها باغتته بإبتعادها عنه بنفور تام ووجه مشمئز.
تحدثت له بعدما ابتعدت عنه بخطوات للخلف:
"اسر، ريحتك بتخليني عاوزة أرجع. فروح شغلك وأنا كويسة، متقلقش."
تجهم وجهه بالحزن من ما تقوله.
فلاحظت هي ملامحه فتمتمت بلطف:
"والله يا حبيبي ما أقصد، بس أنا من امبارح بالليل بعمل حاجات غصب عني معرفش فيا إيه."
أومأ لها بتفهم فتفوه بقلق:
"طب تعالي نروح لدكتور يشوفك."
هزت رأسها بنفي:
"لا طبعاً، أروح أقول له إيه؟ باكل كتير وبكره ريحة البرفيوم وبموت في ريحة جوزي وعاوزة أكله."
ثم غمزت له بآخر جملتها حتى لا يتضايق من ما تقوله.
فضحك لها على ما تقوله ثم ودعته من بعيد وتوجه إلى عمله.
أما هي فذهبت للفراش حتى تأخذ قسطاً من النوم حتى تريح جسدها المنهك والمتعب.
حاولت أن تخبئ ما بها حتى لا تقلقه.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي الأنفس وسمعت صوت طرقات على الباب بعدما كانت على وشك الغوص بأحلامها فقامت لتري من.
وقفت متصلبة بإندهاش:
"إنتِ؟"
اعتلى ثغرها نصف ابتسامة ساخرة:
"مالك؟ شوفتي عفريت وإلا إيه؟"
وجهت نحوها نظرات نارية حارقة متحدثة:
"والله العفريت أرحم منك."
تغضنت ملامحها فتابعت بغل وحقد:
"طب بصي بقا مش هنقضيها لوكلوك. خدي شوفي اللي في الصور دي كدا، أبوكي باعتهم ليكي أو اللي إنتِ مفكراه أبوكِ."
لوت فمها بإمتعاض ثم أخذت تلك الصور تنظر إليهم بعين متسعة يشوبها الدموع.
أخذت تقلب بهم بحركة مهتزة غير مصدقة ما حدث لوالدتها من أذى على يد هؤلاء المجرمين.
انقضت على الواقفة تنظر إليها بابتسامة متشفية.
قبضت على ذراعها تضغط عليها بقوة تخرج ما بها من شعور مؤلم بالعجز ناحية والدتها.
صاحت بها بشراسة غير معتادة:
"الصور دي جبتيها منين وأمي فين؟ انطقي قولِ."
فكّت يدها من قبضها بشراسة متمتمة بصرامة وشر جعلت الأخرى تتراجع للخلف خطوتين:
"عايزة تشوفي أمك؟ يبقا اخرصي وتعالي معايا من سكات وحسك عينك حد يعرف حاجة."
ابتلعت لعابها برعب من تلك التي تحمل لها الكره بقلبها خوفاً من تأذي والدتها فإتجهت للداخل.
ارتدت أي شيء قابلها من ملابسها وغادرت مع تلك العدوة اللدودة.
اعتنقو السيارة وانطلقت بها عفاف ثم أوقفت السيارة بمكان ما ووضعت على أنفها منديل مخدر.
فما كان من الأخرى إلا أن تقاومها بضعف لكن ثواني واستسلمت لتلك الغيمة السوداء.
فاقت من إغمائها عندما ألقى ذلك البغيض على وجهها الماء فشهقت تنتفض من مكانها تزيل تلك الماء وما زالت رأسها غير متزنة وتشعر بالدوار.
ولكن تغضنت ملامحها عندما قابلت عيناها ذلك البغيض التي لم تراه منذ زواجها.
ولفت نظرها تلك المتكومة أمامها على بعض الأقمشة البالية.
احتضنت جسدها الممتلئ بالكدمات تبكي متأثرة بحال والدتها:
"ماما عملوا فيكِ إيه يا حبيبتي….. ماما ردي عليا."
أخرج أصوات ساخرة متمماً بتزحلق:
"ردي عليها يا ماما، مينفعش كدا."
وجهت إليه نظرات غاضبة مليئة بالكره:
"إنت عملت فيها إيه؟"
اقترب منها ببرود قاتل جلس على عقبيه ثم انتزع جسد والدتها منها بشراسة وقوة مزمجراً:
"لو عاوزة أمك تفضل عايشة يبقا تنفذي كل اللي هقولهولك."
صاحت به بهجوم شرس:
"عاوز مني ليه تاني؟ ارحمني وارحمها بقا. إنت مش أخدت اللي إنت عاوزه وبعتني وخدت فلوسك؟"
ضحك ساخراً ثم تحدث بجشع:
"لسه ما أخدتش حاجة. إنتِ مفكرة الفلوس اللي خدتها دي فلوس؟ دا لسه الفلوس جاية. جوزك فلوسه مبتخلصش وأنا بقول إنك مش هتفضلي جوزك عن أبوكي اللي رباكي."
ثم أضاف ساخراً:
"والا بلاش أبوكي ونقول أمك اللي رقبتها هتضيع عشان بنتها الأنانية مش عاوزة تضحي بفلوس جوزها."
صرخت به بهياج لاعنة ذلك الشيطان التي ظنت أنه اختفى من حياتها منذ زواجها:
"منك لله يا مفتري، عاوز منا إيه تاني بعد اللي عملته؟"
ألقى بوجهها ملف من الورق بعدما أعطاه له أحد الرجال متحدثاً بلهجة آمرة:
"مش عاوز كلام كتير، اخرصي والورق ده تخلي جوزك يمضي عليه."
تحدثت بوجه متغضن مستفهم:
"أوراق إيه دي؟"
ثب واقفاً وابتسامة شيطانية على ملامحه:
"دول شوية ورق من المدرسة بتاعتك عاوزينو يمضي عليه، لكن في الأصل هو ورق تنازل عن كل اللي بيملكه."
تحدثت إيمان بوهن بعدما أعاد وعيها:
"متسمعيش كلام الشيطان ده يا مليكة، دا هيقتلني ويقتلك، دا كدا."
ركلها ركلة قوية جعلها تصرخ متألمة.
جذبها من يدها بقوة حتى وقفت مترنحة فصاح بها بنبرة هجومية شرسة:
"لو منفذتيش كل اللي قولتلك عليه، جثة أمك هتوصلك لحد عندك."
خرج بها يجرها خلفه كالبهيمة حتى وصل إلى السيارة وضعها بها بعنف ثم خدرها بذلك المخدر الذي كان بيده فتاهت قليلاً واستكانت حركتها حتى وضعت رأسها للخلف تغفو بسلام.
اتجهت إليه عفاف فناولها زجاجة صغيرة ثم تحدث:
"دي هتفوقيها بيها، يلا روحيها قبل ما جوزها يرجع."
انطلقت بها عفاف إلى القصر حتى اقتربا منه فأوقفت السيارة وقربت تلك الزجاجة من فمها حتى تغضنت ملامحها وفتحت عيناها بضياع حتي فاقت وعلمت أين هي.
نظرت إليها عفاف بوجه متهجم ثم تمتمت بحدة:
"أوعي شيطانك يوزك وتعرفي اسر، لأنك ساعتها هتقري عليها الفاتحة وقولي عليها يا رحمن يا رحيم. ومتشغليش دماغك دي أحسن لأنك هتخسري كتير أوي يا شاطرة. أنا مراقباكي جوه القصر وبره، يعني إنتِ تحت عيني، فاحذري مني وإلا رقبة أمك هتطير لو لعبتي بديلك، فهمتي يا حلوة؟"
لم ترد عليها بل اكتفت بنظرات الإشمئزاز تجاهها.
فتوجهت الأخرى إلى القصر وانفلتت أعصابها من الرعب عندما وجدت السيارة الخاصة بـ اسر متواجدة.
رواية كن لي أبا الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم روميساء نصر
لم ترد عليها بل اكتفت بنظرات الاشمئزاز تجاهها.
توجهت الأخرى إلى القصر وانفلتت أعصابها من الرعب عندما وجدت السيارة الخاصة بـ اسر متواجدة.
أزغت عيناها تبحث حولها بقلق ورعب لتراه واقفاً.
ضربت مقبض السيارة بعنف تتفوه بكلمات حانقة، ثم زمجرت بشراسة وتهديد للأخرى:
"اسر موجود، فمن سكات تمشي قدامي من غير ولا كلمة."
تلهلت أساريرها عندما رأت رعبها وتمنت من صميم قلبها بأن يكتشف أمر غيابها ويكشف أمر هؤلاء الشياطين.
ترجلت عفاف من السيارة بعدما أدخلتها إلى المرآب، فترجلت الأخرى وقادتها عفاف إلى الخروج من المرآب، ثم ساروا معاً بحذر بجانب السور الذي يحيط بالقصر حتى استوقفتها عفاف عند مدخل سكن عمال القصر.
توجهوا منه، كانت مليكة تسير خلفها بدون إرادتها، لا تعلم إلى أين تتوجه حتى قابلتهم سعدية تتحدث بعملية:
"كنتِ عاوزة حاجة يا ست هانم؟"
أجابت بنبرة مليئة بالحدة والفظاظة:
"مالكيش فيه، لما أعوز هقولك."
أجابت بأسف:
"بعتذر يا ست هانم، أنا استغربت إنك هنا لأنك مبتنزليش هنا خالص."
تفوهت بتهديد وغلظة:
"مالكيش دعوة انتِ ولا كإنك شوفتيني، لا أنا ولا هي، انتِ فاهمة، وإلا هتصرف تصرف عمره ما هيعجبك أبداً، وأنا بقول إن حرام ينقطع أكل عيشك."
أطأت رأسها للأسفل بخنوع بعدما دب الرعب بقلبها عندما هددت بقطع عيشها:
"انتِ تأمري يا ست هانم، ال انتِ عاوزاه هعمله."
ألقيتها نظرة حارقة قبل أن تتوجه بالأخرى إلى جناحها تهمس لها بصرامة وتهديد:
"لو سألك كنتِ فين، قولي له كنت في الجنينة، انتِ فاهمة؟ أي إجابة تانية غير دي هتخليه يشك فيكِ، أمك اللي هتدفع التمن، والورق هتلاقيه عندك في الدولاب، إياكي تخليه يمضي عليه."
لم يهتز لها شعر من كلماتها المهددة، لكن اتسعت عيناها بالصدمة بعدما نطقت بآخر كلماتها التي تعني بتنفيذهم موت والدتها، فتفوهت بوجه منعقد:
"انتِ بتقولي إيه؟"
تفوهت بنبرة مؤكدة مليئة بالكره:
"السمعتيه. اسر متخليهوش يمضي على الورق إلا لما أنا اللي أقولك... وماتخفيش على أمك، بس اسمعي كلامي وخلاص، وربنا يقدرني وأقدر أدمرك وأدمر حبكوا، واللي انتِ قرفاني بيه."
تركتها بوجه شاحب وعلامات التعجب والاستفهام بادية عليها، لا تعلم بمن تنفذ قراره وما الذي تفعله.
في الجناح الخاص به، كان يقف بوتر مشدود من شدة القلق والغضب، ينطق بكلمات حانقة من تلك التي لا يعرف أين هي، وقلب القصر رأساً على عقب ولم يجدها:
"يعني هي مجتش عندك خالص النهاردة؟"
رد عليه الطرف الآخر وكان جلال:
"لا مجتش."
ضرب الحائط بقبضته من شدة غضبه من تلك التي اختفت، يهدر بقوة بعدما شت عقله:
"أومال هتكون راحت فين؟"
أردف الآخر بقلق:
"متقلقنيش عليها، بنتي راحت فين؟ هي دي الأمانة اللي أنا مديها لك."
جزف بضيق متمتماً بكلمات مطمئنة حتى يصمت الآخر الذي يزيد من ألم رأسه:
"متقلقش يا عمي، أكيد هلاقيه، أنا كنت مفكرها عندك."
هدر به الآخر بحدة:
"بنتي لو ملقتهاش في خلال ساعة، أنا مش هرحمك يا اسر."
وبين تلك المشاحنة، دلفت إليه، فتنهد براحة متمتماً:
"خلاص هي جت اهي."
أجاب الآخر بلهفة:
"طب اديهالي."
كانت تسير بخطوات ثقيلة خوفاً من الذي ينظر لها بشرارات من عينيه مليئة بالغضب.
التقطت منه الهاتف في صمت، فسمعت صوت أبيها القلق:
"الو يا بنتي، كنتِ فين؟ قلقتينا عليكِ، أنا كنت هموت عليكِ من الخوف لما اسر كان بيسألني عليكِ."
تمتمت بحرج من ما سببت لهم من قلق ورعب، تريد الصراخ بهم لتبوح بكل ما بداخلها لأحن وأحب رجلين إلى قلبها، تخبرهم بأن السبب في غيبتها كان بسبب تدبير شيطاني سيدمرهم جميعاً:
"ماتخفش يا بابا، أنا هنا وبخير وكويسة الحمد لله."
"طب الحمد لله يا حبيبتي، متقلقناش عليكِ تاني."
"حاضر يا بابا."
"يحضرلك الخير يا رب، يلا سلام."
"سلام."
رفعت بصرها نحوه بارتباك، ثم مدت يدها بالهاتف تعطيه له، تريد عدم مواجهته بالأسئلة التي يطرحها عليها بمجرد النظر فقط، تخشى الكذب عليه الذي من الممكن أن يحطم علاقتهم للأبد.
أحست برعشة بجسدها أكمله عندما ورد ببالها أمر مثل هذا ينهي علاقتهم وتنحرم منه إلى الأبد.
أفاقت من شرودها على يده التي سحبتها إليه، يضمها إليه بشوق جارف يعبر عن شوقه لها وقلقه الذي احتل قلبه وعقله لفقدها تلك المدة القصيرة، فلولا أنه هاتف إحدى الخدم حتى يحضر لها الإفطار بعدما تذكر نوبة الجوع التي أصابتها ومن المؤكد بأن تكون أنهت الطعام الذي بالجناح، لكن أخبرته الخادمة بعدم ردها عليها، فدلت إليها الخادمة تطمئن بأمره ومن هنا تشقلب حاله وأمر الجميع بالبحث عنها بالقصر، وعندما لم يصل إليها أحد، جاء من شركته بلمح البصر حتى يرى أين هي وما الذي أصابها.
همس لها بعتاب جعل قلبها ينخلع حزناً:
"ليه كدا تقلقيني عليكِ، أنا بموت لما بتبعدي عني."
سارت دمعة هاربة من مقلتيها، لكنها أخفتها بملابسه عندما مرمغت رأسها بتجويف عنقه:
"أنا كنت في الجنينة بشم شوية هوا."
انعقدت ملامحه باندهاش ثم قال وهو يبعدها عنه:
"إزاي؟ أنا دورت عليكِ في كل مكان في القصر، حتى الجنينة."
تلجمت بالحديث وظهرت حبات العرق من توترها الشديد، تمتمت بتلعثم وارتباك:
"ما ما هو أنا كنت بتمشي مش قاعدة، فيمكن انت مش أخدت بالك مني."
لم تتغير ملامحه المندهشة من تبريرها، فهي بالتأكيد لا تعلم أمر وجود كاميرات بالخارج تكشف المكان بالكامل، فتفوه بشك من توترها وارتباكها الذي لاحظه:
"مليكة، انتِ مخبية عني حاجة؟"
ابتلعت لعابها تبلل حلقها الذي أصبح جافاً من شدة رعبها ووجهها الذي شحب كالأموات من الخوف، فتفوهت بتلعثم:
"ها، ليه بتقول كده؟"
تابع بشك وعيناه تجوب حركاتها وخوفها الذي يقلقه:
"مش عارف، حاسك مش مظبوطة ومرتبكة جداً وانتِ بتكلميني."
رسمت ابتسامة شاحبة على وجهها حتى تبعده عن ما يدور بعقله، ثم تحدثت بثقة حاولت أن تجمعها:
"وايه بقا اللي يوترني؟ أنا بس قلقت لما لقيتك بتكلم بابا وبتدور علي."
بادلها الابتسامة، ثم قربها إليه محاوطاً خصرها، فبادلته هي بمعانقته، قبل فمها قبلة خاطفة قبل أن يهتف بمشاكسة:
"أعمل إيه؟ اتجننت لما مش لاقيتك، بقيت عمال أدور عليكِ زي المجنون، كان ناقص أجيب مكرفون وأقول مراتي تايهة يا ولاد الحلال."
ضحكت بصخب من ما قاله، تحدثه بغنج وهي تقترب بجسدها منه:
"معنى كده إنك مش هتقدر تبعد عني."
همس لها بكلماته المعسولة وعيناه تغزو ملامحها وجسدها الغض أسفل يده:
"يستحيل أقدر أبعد عنك، أنا قولتلك ألف مرة، انتِ الهوا اللي بتنفسه وانتِ قلبي اللي بيدوخ دمي، يعني مقدرش استغنى عنك أبداً."
أغمضت عيناها بألم عندما تذكرت ما حدث لها اليوم من تهديدات وضعتها بين نارين، ومن المؤكد بأنها لن تسلم من تلك النار التي تحيط بها.
بما ستضحي بوالدتها التي عانت طوال حياتها لتحميها من ذلك الشيطان، أم بزوجها التي لم ترَ منه سوء وتعشقه حد الموت؟
خرجت منها شهقة عنوةً عنها، تريد الصراخ بطارق بأن يأخذ عمرها، ألا يضعها بين نارين، أمها وزوجها.
حدثت نفسها: "هختار مين؟ الاختيار صعب جداً، وفي نفس الوقت خايفة أقوله يتصرف بتهور وأخسر أمي طول حياتي لأنه ميعرفش مين طارق، وحتى عفاف دي وتهديداتها، أنا خلاص مبقتش قادرة أستحمل دا كله."
ارتوت بأحضانه تبكي بما في قلبها من ألم تتعرض له بمثل سنها وهي ما زالت بالتاسعة عشر، لم تنضج بالكافي لتتحمل مثل تلك المصاعب.
انفلتت أعصاب الآخر يتفقدها عندما رأى ما حدث لها من انعقاد وجهها بالألم والرعب ودخلت بنوبة بكاء، فتساءل بلهفة وقلق:
"حبيبتي، إنتِ بتعيطي ليه؟ مالك؟"
ازداد بكاؤها ولم تنطق بحرف، حاول أن يبعدها عنه حتى يتفقد ما بها، ولكنها منعته تتشبث به بقوة كالغريق.
لم يفهم ما بها وما الذي يجعلها هكذا، فتساءل مجدداً بنبرة لينة:
"انتِ تعبانة في حاجة؟ تعباكي؟ ردي عليا، في إيه؟"
لم تجبه أيضاً إلا بزيادة تشبثها به وبكاؤها، فتابع:
"طب نروح للدكتور لو تعبانة."
مرغت رأسها يميناً ويساراً بالنفي.
فتابع بحنان ولين كأب يدلل طفلته:
"اومال فيكِ إيه؟"
تمتمت بكلمات متقطعة من بين شهقات بكاؤها:
"خايفة تبعد عني."
يضحك بعلو صوته على كلماتها وبكاؤها الغير المنطقي، ذو السبب الذي بالنسبة له من المحال أن يحدث، قطع ضحكته تلك ثم أردف بجد:
"عمر ما في حاجة هتفرقني أو هتبعدني عنك غير حاجة واحدة، وعمرك ما هتعمليها يا روحي عشان انتِ مش كدا، وعمرك ما هتخونيني، والا هتقدري تأذيني. إنك تخونيني يا مليكة."
انتصبت بوقفتها من شدة رعبها، ثم ابتعدت عنه بعدما جففت دموعها، تسأله بتوتر جلي على صفحة وجهها جعله ينعقد وجهه لأفعالها تلك بحيرة شديدة:
"ليه بتقول كده؟"
أجاب بصفو نية لا يقصد أن يتهمها، ولكن كلماته أحست هي بأنها موجهة إليها وتطعنها:
"لأن أنا بكره الخيانة جداً، وبالذات من اللي بحبهم، ولو خانوني ساعتها مبقدرش أشوف قدامي، وممكن أخلص عليهم في لحظة."
تحدثت بتلعثم وهي تكاد تعتصر كفيها من كثرة الفرك بهم:
"قصدك إيه يعني باللي انت بتقوله؟"
تعجب من حركاتها الغير منطقية وأسلوبها ذلك:
"مقصدش حاجة، انتِ مالك خوفتي كده ليه؟"
هزت رأسها بالنفي كحركة بسيطة تزيح كل تلك الأفكار من مخيلتها التي تشعرها بتوعك معدتها، فرددت:
"ها، لا عادي، وهخاف من إيه يعني؟ بس طريقتك تخوف، وخوفتني."
اقترب منها يدفن جسدها بين ضلوعها، يحتوي قلقها ذلك، يهمس بجانب أذنها بكلمات معسولة حتى تهدأ وتستكين:
"أنا مصدر أمانك، مش مصدر خوفك، أنا لما تكوني خايفة تيجي تستخبي في حضني عشان أحميكي، أنا سندك وضهرك وأمانك في الدنيا، وعمري ما أقدر أأذيكي، لأن مفيش حد يقدر يأذي روحه."
تنهدت بداخلها براحة من قربه، تسرق بعض اللحظات قبل أن ينتهي بها الكابوس، فتابعت بشغف:
"اسر، أنا بحبك أوي... اوعي تصدق إن أنا ممكن أأذيك أبداً، متصدقش أي حاجة تتقال عليكِ."
عقد حاجبيه من كلماتها التي تشبه اللغز الذي يلقيه بدوامة ينتهي به الأمر فيها بأن أمر ما يزعجها، فتساءل مجدداً للمرة الألف:
"تقصدي إيه؟"
دفنت رأسها بعنقه تشدد عليه بعدما أحست بغيامه من الدموع تهاجمها، فابتلعت غصة آلمتها، ثم أردفت:
"مقصدش حاجة، خليني في حضنك وخلاص، ومتبعدنيش عني."
تتساءل مرة أخرى بعدما زادت حيرته:
"مليكة، في حاجة مضيقاك؟"
هزت رأسها بالنفي.
تنهد وهو يأخذها وهي على نفس الحالة إلى طرف الفراش يجلسون عليه، يردف بعدم تصديق:
"مش مصدقك."
حاولت تغير الموضوع الشاحن التي وضعت نفسها، ثم هتفت وهي تبتعد عنه:
"صدقني، مفيش حاجة. بقولك إيه؟ سهيلة وحشاني جداً جداً وعايزة أكلمها."
ابتسم لا إرادياً عند ذكر تلك الفتاة المحبوبة لقلوب الجميع:
"وأنا كمان والله، البت الفصيلة دي وحشاني، وعمي كل شوية يسألني عليها وعايز يشوفها، هو ومرات عمي، وأنا اللي بقولهم يستنوا شوية."
هتفت تشجعه على محادثتها حتى تبعد نفسها عن محور أفكاره:
"طب رن عليها دلوقتي، عايزة أكلمها."
أومأ لها، ثم التقط الهاتف من جيب معطف بدلته، يطلبه منه، ينتظر الرد من الطرف الآخر.
بينما هي كانت نائمة، استيقظت على رنين الهاتف، مدت يدها بملل لترى من، فتسربت ابتسامة إليها عندما رأت المتصل، تنحنت حتى تنظف حلقها، ثم ردت عليه:
"_ ألو."
"= ألو يا سوسو."
"_ ازيك يا اسر، عامل إيه؟"
"= صوتك ماله يا سهيلة؟"
"_ مفيش، أنا لسه صاحية من النوم بس."
"= طب خدي مليكة، عايزة تكلمك."
"_ أوك، اديهالي عشان وحشاني موت."
قاطعته اسر وقام بفتح مكبر الصوت:
"الو يا سهيلة، عاملة إيه؟ وحشاني جداً انتِ."
"_ انتِ أكتر والله يا قلبي."
"= إيه يا ست سهيلة، هو مالك حاشك عننا، والا إيه؟ مبتساليش."
"_ يعني انتِ اللي بتسالي أوي، التليفونات مقطعة بعضها الصراحة."
"= لسه زي ما انتِ متغيرتيش، لسانك متبري منك، الواحد قال الجواز والارتباط هيعقلك، لكن انتِ مش بيحوأ معاكي لا ارتباط ولا سنجلة."
"_ عندك حق، بس تعرفي إن السنجلة طلعت حلوة جدا."
"= بجااااد؟ على بابا."
تسربت دموعها وهي تمثل الضحك على كلمات صديقتها، فتابعت مليكة:
"والله وحشني أيام كلامنا مع بعض أوي."
تبدلت ضحكاتها بالبكاء والنحيب:
"وأنا كمان وحشني أيام زمان أوي... وحشتوني أوي، نفسي أرجع لأيام زمان تاني... زهقت من الأيام دي، وحشني هزاري معاك يا اسر، وهزار مع بابا وماما، وحشوني أوي، هما ليه مش بيسألوا عليا يا اسر؟ أنا خلاص مش زعلانة منهم، عرفت قد إيه هما بيحبوني، عرفت إني مش هلاقي حد يحبني في الدنيا دي كلها، ادهم تعرف، حتى عفاف كمان وحشاني، خناقاتي معاها."
تحاول أن تكتم بكاءها ليصدر منها أصوات شهقات ونحيب عفوية.
تحدث بحنين حتى يهدأها:
"انتِ وحشانا كلنا، وهما كل يوم يسألوني عليكِ، ودايماً على اتصال بـ مالك وهو بيطمنهم عليكِ، هما كانوا خايفين يواجهوكي عشان ميخسروكيش، على طول قالوا نسيبك تراجعي نفسك وتهدي خالص."
أحست ببوادر دوار فسندت رأسها للوراء تتمتم بوهن:
"طب يا اسر، أنا مضطرة أقفل دلوقتي، معلش."
أومأ لها:
"أوك يا جميل، أو عي تزعلي وتعيطي تاني، ولو مالك زعلك..."
هنا قاطعته مليكة:
"قوليلي أنا بس، وأنا وانتِ نتفق عليه ونطلع عينه."
ضحك اسر:
"لا أنا كده الواد هيصعب عليا، أدام انتُ الاتنين عليه."
ضحك الجميع، ثم أنهوا المحادثة معها.
فتمتمت مليكة بحزن لصديقتها التي تشعر بأن بها أمر ما:
"باين عليها إنها زعلانة أوي، أنا عمري ما شوفتها بالحالة دي، وكمان صوتها باين عليه التعب والزعل."
أومأ لها وملامحه بدت حزينة لأجلها:
"وأنا كمان حاسس بكده وقلقان عليها، معرفش فيها إيه، أنا لازم أروح أشوف مالها."
أومأت له، ثم قطعت الصمت الذي حل بالغرفة بعد حديثه تسأله:
"انت هتروح الشغل والا هتفضل هنا؟"
قام من مكانه مهندماً ملابسه:
"لا راجع الشغل تاني، ما أنا مواريش غيرك، دا أنا بفكر أنقل الشغل في البيت بدل المرمطة دي."
ابتسمت له، ثم نهضت من مكانها تعانقه وهي تحدثه بود:
"تروح وترجعلي بالسلامة يا روحي."
كانت تشعر بالدوار، فقامت بتثاقل تستند على أساس الغرفة حتى وصلت إلى المرحاض، دلفت إليه حتى تستحم وتعيد لروحها الانتعاش حتى تفيق ولو قليلاً.
كان الآخر يتوجه إلى غرفته ماراً بغرفة سهيلة، فقرر أن يذهب إليها بحجة أن يطمئن عليها لأنها كانت مريضة، دلف إلى الغرفة فوجدها خالية، ولكن جاءه صوت المياه التي تتدفق بداخل المرحاض، فاطمأن قلبه أنها بخير.
عندما انقطع صوت الماء، علم أنها ستخرج في أي وقت، فصدح رنين الهاتف وقتها، فتوجه إليه، لكن قاطع خطواته خروجها، فتسلل خارجاً بخفية حتى لا تظن به أمر سيء كعادتها، ولكن أوقفه صوتها مع من تحدثه بالهاتف:
"الو، متصل بدري أوي ليه كده؟ لسه معادنا مجاش..."
"أوك تمام، طب أجلك على معادنا الساعة 3 والا أجلك امتى..."
"تمام حاضر، الساعة 3 بالظبط هتلاقيني هناك... خلاص متقلقش مش هتأخر، هاجيلك في ميعادي بإذن الله، سلام."
أمسك رأسه من صدمته من ما سمعه إليه، وتلاعبت الشياطين برأسه وأفكاره بأنها على علاقة برجل غيره، أراد أن يكسر الباب على رأسها ليقتلها على ما سمعه، ولكنه هدأ نفسه ونزل إلى الأسفل حتى يرى ما الذي سيفعله.
رواية كن لي أبا الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم روميساء نصر
أمسك رأسه من صدمته مما سمع
تلاعبت الشياطين برأسه وأفكاره بأنها على علاقة برجل غيره
أراد أن يكسر الباب على رأسها ليقتلها على ما سمعه
لكنه هدأ نفسه ونزل إلى الأسفل حتى يرى ما الذي سيفعله
ظل عقله يصرخ بتبريرات لها على ما سمعه
يحدث حاله بإقناع حتى يهدأ نيرانه المشتعلة بداخله التي ستحرقها وتحرقه معها
"لا أكيد في حاجة غلط مش معقول سهيلة تعمل كده... لا... لا يستحيل أنا لازم أروح وراها وأعرف مين اللي بيكلمها دا وهي راحة فين"
أما عند الأخرى فجهزت حالها وأخذت حبة من علبة الدواء خصتها حتى تهدأ من ذلك الألم الذي تعودت عليه وأصبح جزءًا من ضمن الآلام التي تعاني منها
طلبت إحدى السيارات من الشركات المخصصة لذلك ثم توجهت إلى الخارج بعد وصولها رسالة تخبرها بأن السيارة بالأسفل تنتظرها
اتجهت للأسفل دون النظر حولها تجنباً أن تراه
لكنه كان بسيارته بالخارج يراقبها من بُعد وعيناه تكاد تخرج من مكانها
عندما وقفت تلك السيارة أمام بوابة الفيلا التي يقودها شاب لا يظن أنه رأى ذلك الشاب من قبل
ظل متأهبًا بمكانه كالوحش الذي ينتظر فريسته
وها هي ظهرت أمامه واعتنقت السيارة لكن من الخلف
ظن أن هناك أمرًا خاطئًا وأن تلك السيارة ما هي إلا من ذلك الشخص الذي حدثته ليأتي بها إلى منزله
ضغط على مقود السيارة بقوة يخرج به نيرانه المشتعلة ثم اتجه خلف تلك السيارة وعيناه قاتمة بالسواد كأنه دخان أسود ناتج عن نيران اندلعت بداخله
توقفت تلك السيارة أسفل بناية شاهقة الطول
ترجلت من السيارة تسأل حارس الأمن الواقف على باب البناية
"لو سمحت هو عيادة دكتور وائل في الدور الكام؟"
أجاب باحترام
"في الدور السادس يا آنسة"
وأومأت له شاكرة
"شكراً"
أما هو فوقف بعيداً عنها بمسافة ليست كبيرة يراها بكل وضوح وهي تترجل من السيارة وأصابته الحيرة عندما غادرت تلك السيارة
لكن وصل الشك إلى ذروته
أخرج سلاحه الحديدي من سيارته وعيناه تمتلئ بالغضب الشديد كلما عرض عليه مخه تلك الصور البشعة بين زوجته وبين ذلك المجهول
اندفع من سيارته متوجهاً إلى تلك البناية بعدما أخفى ذلك السلاح أسفل ثيابه
ولكن معالم وجهه الغاضبة التي احتقن بها الدم لم يقدر على إخفائها
استوقفه حارس الأمن عندما رأى هيئته غير المبشرة بالخير
اتجه إليه ومعه عصا يحجزه بها يمنعه عن الدخول إلى تلك البناية متسائلاً
"حضرتك رايح فين؟"
دفعه مالك بعيداً عنه حتى يقدر على الدخول
ولكن جاء فرد أمن آخر لكي يمنعه من الدخول مغلقاً بوابة الدخول
احتقنت أوردة الآخر بالدماء حتى كادت أن تنفجر مما يشعر به
فهي الآن مع ذلك المجهول بمفردهم وهو لا يقدر على الوصول إليها حتى يشفي غليله منها ومنه
زمجر بشراسة يسأل ذلك الرجل الذي منعه من الدخول والذي رأى زوجته تحدثه قبل توجهها للداخل
"البنت اللي طلعت من شوية دي طالعة لمين؟"
أجابه بحدة وهو ما زال ممسكاً به حتى لا يتوجه للداخل
"طالعة لدكتور وائل"
لانتعصابه وأوتاره المشدودة ولانت ملامحه الغاضبة التي سرعان ما تحولت لعلامات مندهشة مستفهمة
فتابع باستفهام
"مين دكتور وائل ده؟"
أجابه الرجل الآخر الذي يقف بالقرب منهم
"حد ما يعرفش دكتور وائل أخصائي الأورام ده من أكبر الدكاترة في مصر"
ابتعد عن حارس الأمن تدريجياً ثم غادر المكان وعقله يصرخ بتساؤلات لا يعرف إجابتها
"إيه اللي هيخلي سهيلة تروح عند دكتور أورام؟ لا أكيد الموضوع ده فيه حاجة ولازم أعرفها"
وصلت أخيراً إلى مرادها ووجدت دكتور خالد بانتظارها فذهبت إليه
فقام هو من مكانه عندما وجدها قادمة نحوه يسألها
"إيه اللي آخرك كده؟ الدكتور مستني من بدري"
أجابت بأسف
"معلش يا أونكل المواصلات كانت زحمة"
دلفا معاً إلى الطبيب فجلست هي على المقعد أمام مكتب الطبيب ومقابلها دكتور خالد الذي تحدث
"دكتور وائل دي سهيلة اللي كلمتك عنها ودا ملفها والأشعات اللي أنا عملتها"
أخذ منه ذلك الملف الذي يحتوي على ورق يحلل حالتها
أخذ يدقق به بعناية ثم همهم وهو يغلق الأوراق التي أمامه موجهاً حديثه لها
"آنسة سهيلة من الواضح قدامي في الأشعة إن عندك ورم ولازم نعرف نوع الورم ده هل هو خبيث أم حميد ولازم نعرف حجمه بالضبط ونشوف هنتعامل معاه إزاي بالكيماوي أو بالرنين المغناطيسي أو بالجراحة أو الحقن فلازم تعملي التحاليل دي"
أخذ ورقة من دفتر أوراقه الخاصة بكتابة الأدوية عليها ودون عليها ما تفعله وتابع
"وتشرفيني في المركز الطبي بتاعي وطبعًا هتتابعي معايا فيه على طول وهتعملي جلساتك وكل اللي هتحتاجيه هناك فيا ريت تشرفيني كمان يومين عشان نبدأ في العلاج ونقدر نسيطر عليه بإذن الله"
تنحنت لتنظف حلقها ثم تحدثت بضيق مما تشعر به
"أنا على طول عندي صداع حاد وبحس بدوخة وإرهاق وجسمي بيخدل ومن أقل انفعال ممكن يغمى عليا وكمان الصداع ده بيكون قوي لدرجة إنه بيعملي زغللة ومش بقدر أشوف وبيكون قوي الصبح"
أومأ لها بتفهم
"ده شيء طبيعي بيحصل لأي حد عنده ورم في المخ وده تأثير الورم هيجيلك صداع جامد ودوخة وغثيان وزغللة وحمى وإرهاق وتعب شديد ولازم تستحملي ده ولسه كمان لما تبدأي العلاج هيأثر عليكي جامد أوي وأنا عرفت من دكتور خالد إنك مش معرفة حد من أهلك بالموضوع وده مينفعش لأنك هتحتاجيهم جنبك الفترة الجاية فترة العلاج لأن هيجي عليكي أيام مش هتقدري تمشي وصعب عليكي إنك تخبي ده لأنه هيظهر عليكي جداً وأكيد الكل هيعرف"
تحدثت باقتضاب بعدما احتذت ملامحها
"لو سمحت أنا عارفة أنا بعمل إيه ومش عاوزة أعرف حد وده قراري"
أومأ لها برأسه ثم تابع بصدر رحب
"أوكي براحتك بس افتكري إني نصحتك"
هبت واقفة من مكانها متحدثة
"أظن إن كده حضرتك خلصت أقدر أستأذن بقى لأني اتأخرت"
"اتفضلي وعدي على الممرضة هتديكي كارت فيه عنوان المركز"
أومأت له وهي خارجة وسرعان ما تحولت ملامحها للعبوس والضيق والحزن والألم الكثير من المشاعر تلاحقها تطعنها بمقتل لا تريد إخبار أي أحد منهم حتى لا ترى بأعينهم الشفقة والحزن لأجلها تقسم بداخلها بأنها ستتقطع نياط قلبها ألماً إذا رأت هذا الأمر منهم
غادرت البناية بعدما أخذت البطاقة المسجل بها عنوان المركز الطبي
تحرك مالك بسيارته عندما رآها خارج البناية ثم أوقف سيارته بجوارها ثم أخفض زجاج سيارته
تخشب بمكانها بعدما رأته أمامها وألجمت الصدمة لسانها
ابتلعت ريقها حتى تروي حلقها الجاف تسأله بنبرة مترددة
"إنت بتعمل إيه هنا؟"
أجاب بحدة وحاول أن يظهر على صفحة وجهه غضبه وتفاجئه بها حتى لا تشك بأنه كان يراقبها
"أنا كنت هنا في مشوار إنتِ اللي بتعملي إيه هنا؟"
ترددت بالنفي وعيناها تجوب المكان حولها تهرب من عينيه حتى لا تغرق نفسها أكثر بتوترها وخوفها من انكشاف الأمر
"مفيش مكنتش بعمل حاجة"
تسائل بصرامة وحزم
"اومال إيه اللي جابك هنا؟"
تأففت بضيق من بين كلماتها
"قولتلَك مفيش"
قطع حديثها صوت رنين هاتفها معلناً اسم دكتور خالد على شاشة الهاتف
عقدت جبينها بحيرة ثم ردت عليه وبالخطأ ضغطت على مكبر الصوت في الهاتف فاندلع صوته
"إنتِ نسيتي الأشعات بتاعتك فوق عند الدكتور تعالي خديهم"
اتسعت عيناها من صدمتها لما فعلته من أمر ساذج ونظرت لذلك الذي يُمعن النظر بها حتى تتأكد أن كان ينصت إلى حديثها
لكن خابت آمالها ووجهت نظرها للهاتف تغلق مكبر الصوت بعدما رأت أنه كان يتابعها وبأدق تفاصيله
تنهدت بكل ما تشعر به من ثقل على قلبها
"هبقى أخده المرة الجاية وخلاص"
أومأ لها ثم أنهت معه المكالمة وأخفت هاتفها والبطاقة التي عليها عنوان المركز الطبي ثم اعتنقت السيارة بهدوء تحاول أن تجد أي حجة تفسر له الذي يحدث
أتاها صوته المتسائل بكل هدوء على عكس ما توقعته
"دكتور إيه اللي إنتِ كنتِ عنده؟ هو إنتِ تعبانة؟"
كفيها تعرقا من كثرة احتكاكهم معهم من فرط توترها تجيبه وعيناها ترتكز على نقطة وهمية أسفلها
"عادي يعني شوية صداع وخلاص والحمد الله مفيش حاجة"
تسائل بمكر بعدما لاحظ توترها الجلي على مقاسم وجهها وبحركاتها تلك
"اومال هتيجي تاني هنا ليه؟"
لمست بلسانها على شفتيها ترطبهم حتى تقدر على لفظ كلماتها
"دي إعادة كشف عادي يعني"
رفع حاجبه باستنكار يغرقها بوابل من الأسئلة حتى تعترف بما يجهله
"طب ومقولتليش ليه؟"
نظرت له بثقة لا تعلم من أين أتت بها ولكنها ظنت بداخلها أن الأمر خال عليه واقتنع به فهتفت ببرود أعصاب كالجليد
"محبيتش أزعجك دي حاجة هايفة مش مستدعية إني أقولك يعني وأزعجك بمشاكلي شكراً جداً لاهتمامك"
استغرب من لهجتها فهي تعامله وكأنه شخص غريب عنها تعامله بجمود تام
"إنتِ إزاي تقولي كده؟ أنا إيه اللي هيزعجني لما تقوليلي إنك تعبانة وهتروحي تكشفي وبتشكريني على إيه؟ إنتِ مراتي مش حد غريب"
منعت تلك الدمعة التي كانت على وشك فضحها أمامه وأبعدت رأسها للناحية الأخرى تنظر للطريق الخالي بضياع وتشتت
ظل ينظر لها وهي على حالتها تلك ينتظر ردًا منها لكنه زفر بعدما ذهبت آماله أرضاً وانطلق بسيارته إلى منزلهم
شعرت بالخمول والنعاس على أثر ذلك السكون والذبذبات التي تفعلها السيارة نتيجة حركتها ولفحات الهواء الرقيقة جعلتها تسقط بأحلامها ضاربة ذلك الواقع بكل ما به بعرض الحائط
وصل أمام المنزل وانحنى عليها حتى يفيقها ممسحاً على وجنتيها برفق
"سهيلة اصحي إحنا وصلنا"
همهمت بتذمر مخرجة بعض الكلمات المعترضة على استيقاظها من ذلك العالم الوردي التي تعيشه بعقلها الباطن
ابتسم على تذمرها ذلك ثم تنهد بثقل يتمنى لو أنه يعود ثانية من البداية وألا يخرب الأمر بينهم ويصل بينهم إلى ذلك الجفاء
ترجل من السيارة ثم اتجه نحو بابها انحنى عليها بجذعه يبعد حزام الأمان من عليها بينما عيناه تتفرسها عن قرب وتتشرب ملامحها التي أصبحت شاحبة جداً وفاقدة للروح والحيوية
تخبطت وجنته بوجنتها فظل يلاصقها ثم انحنى لشفتاها يلثمها بلطف ورقة حتى لا تفيق على أثر أفعاله تلك
وضع ذراعه أسفل انحناء ركبتيها والذراع الآخر أسفل ظهرها وأغلق باب السيارة ثم اتجه إلى الداخل وضعها بغرفتها ثم اتجه للخارج عازماً على أن يعرف ما بها وما الذي يحدث لها بخطورة لتخبئه عنه
تجلس على الفراش تستند بظهرها على وسادتها الكبيرة ممدة الساقين تضع يدها على معدتها تفركها بلطف حتى تزيل تلك التقلصات التي هاجمتها أثناء تفكيرها بتلك المصيبة التي تورطت بها
أخذ عقلها يخيرها بين زوجها ووالدتها وما فعلوه الاثنان من أجلها
اختنقت بالبكاء المرير وشعرت بطعم العلقم بحلقها انفجرت باكية يتزلزل صوتها بأركان الغرفة الخالية إلا من سواها
اتبعتها شهقات مختنقة ممزوجة بألم أسفل معدتها جعلها تلتوي من شدة الألم
حاولت تهدئة حالها حتى تستطيع السيطرة على تلك التقلصات المؤلمة التي تنتابها بشكل شهري كأي فتاة
تذكرت والدها وخشيت من ذلك الصوت الممثل بعفاف وطارق الذي كان يتردد بعقلها ويهددها بوصول أمها إليها جثة إذا علم أحد
نفضت فكرة أن تعرف زوجها خوفاً من غضبه وبطشه الذي من الممكن أن يؤدي بوالدتها للهلاك
فعزمت أخيراً على حمل الهاتف وطلب والدها لأنه من المؤكد أنهم لن يخطر على بال أحد منهم بأن علاقتهم تحسنت أو معرفتهم بأنه تعرف عليها أو ظهر بحياتها
جاءها صوته القلق المستفسر عن سبب مهاتفته ألم يغلق معها منذ ساعات قليلة
"مالك يا بنتي بتتصلي ليه؟ في حاجة حصلت؟"
ضغطت على شفتيها السفلية بقوة تمنع تلك الدموع اللعينة وتلك الموجة التي بحلقها معبأة بالشهقات تمنعها عن الحديث
أجابت بهلع بعدما انفجرت باكية عندما لم تقدر على كبت انهيارها
"مصيبة... مصيبة يا بابا... ماما يا بابا في خطر"
قالت تلك الكلمات من بين شهقات بكاؤها وانتهت بالصمت المحمل بالبكاء التي لم تقدر على أن توقفه
هلع الآخر من بكاؤها وازداد رعبه عند ذكر حبيبته الذي فهم من كلامها المتقطع بأنها واقعة بمصيبة ما فصاح بها بعدما أحس بانفجار أوردته من شدة الخوف والقلق
"إيمان مالها إيمان؟ إيه اللي حصلها؟ انطقي"
أجابت بانتحاب
"ماما طارق خطفها يا بابا وخدني امبارح ليها عشان أشوفها كانت تعبانة أويي وكان باين عليها إنهم بيعذبوها جامد... وطارق ساومني وقالي إنه لازم عشان أسيبها أمضي أسر على أوراق تنازل... أنا مش عارفة أعمل إيه ولا أتصرف إزاي وخايفة أقول لـ أسر وكمان عايزين يفرقوا بيني أنا وأسر عفاف بنت عمه متفقة معاه وعايزة تطلقني من أسر أنا مش عارفة أعمل إيه يا بابا مش عارفة"
لم يعرف ما الذي سيقوله أو يفعله تحت ضغط ابنته وبكاؤها وانهيارها هكذا وطلب العون منه وبين تلك التي بيد من لا يرحم كان جسده يغلي من شدة ما يشعر به تجاه ذلك الشيطان
هدأ ابنته التي لم تتوقف عن البكاء بعد بكلماتٍ لينة حتى يمدها بالأمان
"طب اهدي اهدي وأنا هتصرف متقلقيش وطارق ده موته على إيدي أنا عايزك تجيلي بكرة عشان مش هعرف أكلمك على التلفون نهائي لازم تجيلي بكرة عشان أعرف منك الموضوع بوضوح وأعرف إزاي مكان إيمان... وطارق ده بقى حسابه معايا عسير"
هدأت من وتيرة بكاؤها ثم قالت
"حاضر يا بابا هاجيلك بكرة بس إنت متأكد يا بابا إنك هترجعيلي ماما من غير ما يعرفوا حد يأذيها؟"
أومأ لها يتحدث بحنين
"بإذن الله يا بنتي هرجعها وهتعيش معانا وهنبقى مع بعض على طول وهنمحي طارق ده من حياتنا نهائي"
دعت برجاء لربها
"يا رب يا رب يا بابا"
أنهت معه المكالمة ونهضت من مكانها بتثاقل تمسك أسفل معدتها من الألم دلفت للمرحاض توضأت واتجهت لمكان الصلاة أخذت تدعو الله بأن يحفظ لها زوجها ووالدتها من بطش تلك الشياطين الذين تجمعوا عليهم ليفرقوا شملهم
أحست براحة وبزوال ذلك الحمل الثقيل عن قلبها بعدما سلمت حالها إلى الله
أما عند والدتها فكانت تدعو بخضوع بأن تسلم من شر ذلك الشيطان هي وابنتها وأن ينزل على زوجها اللعين بلعنة تقضي عليه وتمحوه من على وجه الأرض
بكت بحرقة على الكبيرة الذي فعلتها بالماضي وظلت تدعو بألا يجازيها الله عليها وأن يعفو عنها ويغفر لها ما بدر منها من معصية له وبأن يحمي ابنتها ولا تعمل شيئاً مما أخبرها به ذلك الشيطان الخبيث بالأمس
دلف آسر إلى جناحه متهدل الكتفين غير قادر على صلب طوله من شدة تعبه فقد ظل بمكتبه لوقت متأخر من الليل يباشر أعماله الكثيرة التي لا تنتهي
جلس على حافة الفراش يفرك عنقه المتيبسة من أثر جلوسه لوقت طويل على ذلك المقعد الخاص بمكتبه غير المريح يتابع بعينيه تلك النائمة متكورة تحتضن جسدها كجنين برحم أمه
اقترب منها حتى نام بجسده بجوارها يستند بمرفقه على الفراش وأنامله تتحسس تقاسيم وجهها
انتفضت شاهقة تصرخ بهلع انتفض جالساً بمكانه على ما فعلته جعل قلبه يهوي أرضاً
ظلت تلتقط أنفاسها بصعوبة شديدة مما كانت تعيشه بعقلها الباطن وجبينها يتصبب عرقاً كأنها كانت تتعارك مع وحش كاسر أنهكها وتغلب عليها
نظرت بأعين جاحظة إلى ساقيها تتفقدهما إذا كان بهما دم مختلط بالماء الساخن عليهما مثل الذي رأته بأحلامها
تنهدت براحة وانتبهت لذلك الجالس بجوارها يحاول تهدأتها ويربت بلطف على ظهرها حتى تهدأ
عيناه تتفحصها بحيرة شديدة قرب رأسها إلى صدره يضمها إليه يتمتم بآيات من كتاب الله ويداه تملس على رأسها وظهرها بحنين ولطف واحتواء
حاوطت خصره تقترب منه أكثر حتى تشعر بالدفء من قربه
قبل رأسها بحنان يسألها بلطف
"بقيتي أحسن؟"
أومأت له بهز رأسها
تنهد براحة يضم رأسها إليه أكثر
لكن قطع سكونهم هذا صوتها المتسائل
"هي الساعة كام دلوقتي؟"
أجاب بعدما تنهد بعمق وتعب
"الساعة دلوقتي 2"
نظرت له بتساؤل
"اتأخرت أوي أكيد جعان دلوقتي ولسه مأكلتش"
أومأ لها يتابع مهمهماً بتلذذ
"جوعان أكل وجوعان نوم أوي"
ابتسمت له بلطف وهي تبتعد عنه
"أنا هنزل أقولهم يحضروا العشاء وأجيبه وأجي"
أومأ لها وهو يقوم من مكانه
"وأنا هقوم آخد شاور جهزيلي هدومي على ما أخرج لآني مش شايف قدامي"
اتجه للمرحاض وذهبت هي للخزانة تخرج له ملابس منزلية مريحة ثم ارتدت حجابها وثياب محتشمة وتوجهت للأسفل تطلب من سعدية إحضار العشاء لهم ولم يخلو الأمر بينهم من المزاح والضحكات وحب سعدية لها كسهيلة وذهاب تلك الظنون التي كانت تظنها بها بأنها مدللة وبالتأكيد ستكون متعجرفة هكذا اعتقدت من تدليل أسر لها لكنها تراجعت عندما عاشرتها وأعجبت بعشرتها الحسنة وتمنت لها حياة سعيدة مع زوجها دائمة
انتهت وأخذت الطعام للأعلى وضعته على الطاولة وهتفت باسمه حتى يأتي يتناول طعامه
جاء إليها مسرعاً وجلس على مقعده يتناول طعامه بنهم أما هي فجلست تنظر للطعام بدون شهية
انتبهت على نفسها وأنها تحدق بالطعام لبرهة من الزمن دون أن تمسه على صوته
"مبتأكليش ليه؟"
همهمت له بكلمات رقيقة وهي تضع بفمها معلقة محملة بالطعام لا تعلم ما الذي وضعته بها حتى
"بآكل أهو كل إنت ومتشغلش بالك"
أومأ لها وأكمل طعامه
أما هي فشعرت بازدياد تقلص معدتها وجريان لعابها الساخن بحلقها كأنها على وشك التقيؤ فانتفضت نحو المرحاض مسرعة
رواية كن لي أبا الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم روميساء نصر
كان يقف أمام تلك البناية التي كانت بها زوجته.
أعاق خطواته حارس الأمن الذي حدثه:
"حضرتك إيه اللي رجعك تاني؟ طالع لمين؟"
مد يده ببعض المال يضعهم بجيبه وهو يحدثه:
"طالع لدكتور وائل، هو لسه موجود؟"
ابتسم بجشع له وفتح له الطريق حتى يدلف للداخل:
"أه لسه موجود، في الدور السادس."
وصل أمام سكرتيرة الطبيب يحدثها:
"حضرتك أنا عاوز أقابل دكتور وائل."
تمتمت بكلمات جامدة وهي تبعث بالأوراق التي بيدها:
"كشف ولا إعادة؟"
تابع بنفي:
"لا، أنا عاوزة في استشارة."
وضعت تلك الأوراق على سطح المكتب اللي تجلس عليه متنهدة وهي تشير بذراعها على إحدى المقاعد:
"تقدر تتفضل، ولما يجي دورك هقولك تتفضل."
زفر بضيق من تلك الروتينيات البحتة وخاب أمله عندما وجد الكثير من المرضى ينتظرون دورهم، وبما إنه استشارة فسيجلس حتى ينتهي الطبيب من كل هذا، فتراجع بحديثه وتابع:
"أنا عايز كشف مستعجل لو سمحتِ."
تحدثت بتبرم وهي تلوي شفتاها:
"أنت عاوز استشارة ولا كشف؟"
نظر لها بإشمئزاز على طريقتها متمتماً:
"أنا عاوز أدخل دلوقتي، اتصرفي بأي طريقة واللي أنتِ عاوزاه خديه."
تابعت بهمس وابتسامة جشعة على صفحة وجهها:
"طب اتفضل اقعد هنا، وخمس دقايق وأدخل، بس كل بحسابه."
وضع أمامها ما يكفيها من المال وذهب بعيداً بعدما وجه لها نظرات استحقارية وجلس ينتظر دوره، حتى نادت عليه بعد مرور القليل من الوقت:
"اتفضل يا أستاذ، دورك."
دلف مالك إليه ثم جلس أمامه على المقعد بعدما ألقى عليه السلام ورده الآخر، ثم تحدث:
"أنا جاي مش علشان أكشف، أنا جاي أسأل حضرتك على واحدة جاتلك هنا النهاردة، اسمها سهيلة."
عقد جبينه بضيق من ذلك القابع أمامه يريده أن يفضح أسرار مرضاه فصاح به متسائلاً:
"أنت مين وبأي حق جاي تسأل عن واحدة من المرضى بتوعي؟"
إنفعل الآخر من طريقته التي توحي بأنه متطفل يريد آذيتها فصاح به:
"أنا جوزها، وعايز أعرف مراتي فيها إيه، وعلى ما أظن إني ليا كامل الحق أعرف مراتي إيه اللي بيجيبها هنا."
تحدث بأسف متفهماً لإنفعاله هذا بعدما اتهمه:
"وأنا مينفعش أخرج أسرار المرضى بتوعي."
"طب أنا عايز أعرف هي عندها إيه... إيه السر في كده؟"
تحدث بأسف:
"هي مش عايزة حد يعرف."
إنعقصت ملامح وجهه بالحيرة متمتماً:
"ليه يعني؟ هي عندها إيه وإيه اللي يستدعي إنها تخبيه؟"
تابع برجاء للطبيب حتى يريح قلبه وعقله الذي سيشتعل من أفعالها:
"لو سمحت أنا هتجنن، أنا عاوز أعرف هي فيها إيه، اتغيرت جداً ومعرفش مالها."
"مراتك للأسف عندها ورم في المخ."
قال تلك الكلمات التي لم يستعبها عقله فصاح به بوجوم:
"هي مين دي اللي عندها ورم..... لا يستحيل، أنا أقصد سهيلة أحمد الدالي، أكيد دي واحدة تانية، لا لا يستحيل دي تكون سهيلة."
حاول الآخر أن يهدئه مكملاً:
"اهدي يا أستاذ، هي أه سهيلة مراتك، ودا الملف بتاعها."
أعطاه ذلك الملف المدون عليه اسمها بالكامل وأخذ يتفقده ويعيد قراءته حتى يؤكد لعينيه بأنها ليست هي، وربما تشابه أسماء فقط أو عيناه هي التي أخطأت في القراءة، لكن ما قرأه كان صحيحاً وهي بالفعل.
فرت منه دمعة هاربة، إختنق من حبس بكائه على تلك الصغيرة محبوبته.
تحدث الطبيب برفق عندما رأى حالته:
"أنا عارف إن الموضوع صعب عليك وأصعب عليها، لأن سنها صغير جداً على تحمل حاجة زي دي، ولوحدها بالتأكيد نفسيتها مدمرة وتحت الصفر، دا بالنسبة للتعب النفسي، أما التعب البدني فهي بمعنى أصح بتتعذب. ورم المخ دا من أصعب الأورام، وبيتوجب عليك إنك تقف جانبها، ويا ريت متعرفش إن أنا قولتلك حاجة لأن هي مكانتش عاوزة حد يعرف نهائي، بس دا من رابع المستحيلات إنها تخبي، لأنها هتحتاجك وهتحتاج لأهلها الفترة الجاية جداً. المرض دا هيدمرها بمعنى أصح لدرجة إنها مش هتبقى قادرة إنها تتحرك من مكانها، وطبعاً هنحدد نوع الورم وازاي هنتعامل معاه من خلال حجمه، بس لازم تعرفها إنك عرفت وتحاول تتقرب منها وتهيئ نفسيتها، لأن العامل الأساسي عشان تخف هو النفسية، ويا ريت تعرف سبب إنها مش عايزة تعرف حد بمرضها وإنها تستحمل دا كله لوحدها من غير ما تعرف حد، أكيد مش واثقة فيك أو خايفة منك أو شايفة إنكم بعيد عنها ومش مهتمين بيها، فعشان كدا مقالش وأحتفظت بمرضها لنفسها."
لم يستطع سماع تلك الكلمات التي توضح ما تعانيه هي، فما بال إذا حدث كل هذا بالفعل أمامه، قام من مكانه متمتماً بضيق وهو يتوجه للخارج:
"عن إذنك يا دكتور، مضطر أمشي."
كان يجلس بسيارته يبكي كالطفل الصغير الذي أخبروه بموت والدته، ويزداد تألمه عندما يذكره عقله بكل موقف مروا به معاً وكانت تعاني منه ولم يقدر على مساعدتها، بل كان يوبخها ويجرحها بشدة.
أمسك بصدره مكان قلبه الذي شعر بخروجه من مكانه من شدة الألم الذي شعر به وصرخ بعلو صوته حتى ينفث عن ما بداخله:
"ليه لييييه يا رب تعمل فيها كدا؟ وليه خليتني أعمل فيها كدا؟ كانت بتتعذب قدامي وأنا كنت بجرحها أكتر وأكتر، ليه مش شوفت وجعها؟ ليه أنا شخص أناني؟ مكانش فارق معايا، هي مكانش فارقلي غير نفسي وشكلي وبس، ومش شوفت وجعها، خليتها بدل ما تحبني وأبقى أنا الحضن اللي تهرب فيه من آلامها بقت تهرب مني، أنا آسف، مش شوفت غير نفسي وبس، مقدرتش وجعك واحتياجك لي."
أتذكر عندما ظن بها سوءاً وظلمها، وعندما كانت مريضة بالحفل ووبخها، وبكل مرة كانت تعاني ولم يترك فرصة إلا وسبب لها أذى، صرخ بكل قوته حتى شعر بأن أحباله الصوتية تمزقت:
"ليه يا رب بتعاقبني بيها؟ أنا عارف إني ماستهلهاش، بس يا ريت متبعدهاش عني، أنا مش قادر أسامح نفسي على اللي عملته فيها، ازاي هي هتقدر تسامحني؟ يااااا رب ياااااا رب إشفيها يا رب، هي معملتش حاجة في حياتها عشان تجازيها كدا، أنا عارف إني غلطان، في وقت ما كانت محتاجاني أنا مفرقش معايا، وفكرتها بتدلع وهينتها، مفرقش معايا غير نفسي، كنت غبي كنت غبي غبي."
إنهار بمكانه يبكي كالطفل حتى فات الوقت وحل الليل وهو جالس بمكانه يعذب ويجلد حاله على ما فعله بها، حتى عزم على تعويضها عن كل ما رأت منه، وحرك سيارته وتوجه إلى محل تجاري كبير أحضر منه شيء ثم توجه لمنزله.
بغرفة سهيلة كانت تتقلب بحرية على الفراش حتى فاقت من نومها، تتفقد حالها بتعجب، ظلت هكذا دقيقة حتى تذكرت بأنها كانت معه في سيارته، فما الذي آتي بها إلى هنا؟ فسرت ذلك بأنها من المؤكد إنها غفت وهو أحضرها إلى هنا.
سمعت تلك الأصوات الخارجة من معدتها تخبرها بمدى جوعها، نهضت من الفراش وتوجهت للأسفل تبحث بكل مكان عن أحد حتى يساعدها بإحضار الطعام، لكنها لم تجد أحد منهم فتوجهت إلى المطبخ حتى تصنع لحالها طعام يسد جوعها.
فتحت البراد تبحث به عن شيء فوجدت الطعام به، أخرجته بحذر ووضعته على رخام المطبخ، وأحضرت بعض الأطباق لتسكب لها طعام وتسخنه، وضعت الأطباق أمامها وجاءت لتضع من الطعام وتنقله، شعرت برعشة بيدها وتشوش في النظر فسقطت منها الأطباق على الأرض مخرجة ضجة تتناثر بكل مكان.
كان يراقبها من وراء باب المطبخ عندما رأى خيالها بالمطبخ وهو متوجه للأعلى فسار خلسةً إليها يراقبها من وراء باب المطبخ، وشعر بغصة بحلقه عندما رأى شحوب وجهها وعينيها المنتفخة المحمّرة، ظل يتابعها بحزن شديد عليها حتى لاحظ عدم إتزانها ووقوع الصحون من يدها، سببت ضجة كبيرة جعلتها تصرخ بألم تضع يديها على أذنها بسبب ذلك الصوت الذي لم تتحمله وسبب لها آلام برأسها.
توجه لها بسرعة البرق يقف أمامها وعيناه تنظر ليدها المرتعشة، أما هي فكانت تنظر له بتعجب من وجوده فجأة، ابتعلت لعابها محاولة أن تعيد شتات نفسها، حدثته بتلعثم وارتباك تعتذر له على ما فعلته:
"أ أ أنا آس سأسفة..... سببتلك إزعاج..... متزعلش...... أنا مكنتش أقصد...... ب بس كان غصب عني.... وقعت من إيدي، أنا هنضف اللي عملته دا."
قالت كلمتها الأخيرة وهي تجسو أرضاً تلتقط بيدها تلك الشظايا الحادة التي خرقت يدها بدون قصد، أخرجت تآوهات بسبب دخول تلك الشظية الحادة بكفها يخر منها الدماء بغزارة.
جلس أمامها مسرعاً حتى أصبح بمستواها يرى تلك الدموع التي تسير على وجنتيها بصمت من الألم تحاول كتمها، أزال من يدها تلك الشظايا الحادة ملتقطاً من أمامه إحدى المناديل السميكة يحيط بها يدها حتى تمنع تلك الدماء.
خرجت منها إرتعاشة ممزوجة بشهقة من شدة اندفاع تلك المشاعر المضطربة من قربه وتردد تلك الكلمات الغاضبة التي كان يوجهها لها بكل وقت قابله.
جذبها إليه يحتضنها بقوة كأنها ستغادر حياته، أجهشت بالبكاء من شدة تعطشها لأحد ترتمي بأحضانه تشكو له على ما تمر به من صعوبات أنهكتها، أنزل عبارات مؤلمة على بكائها الذي قطع نياط قلبه وجعل صدره ينقبض بقوة.
أبعدها عنه حتى يرى وجهها عن قرب مملساً على عيونها التي تصرخ بما تشعر بداخلها، تحدث نفسه كأن عينيها تترجم ما تتفوه به بداخلها:
"مش قادرة أستحمل وجع قلب أكتر من كدا، أنا خلاص طاقتي نفذت."
"أنا هو طاقتك وخلاص طاقتك رجعتلك تاني وأقوى من الأول، وهفضل معاكي دايماً."
"للأسف مبقاش ينفع، قلبي اتحطم خلاص لأشلاء ويستحيل يرجع، وأنت السبب، للأسف أنت اللي وصلتني للحالة دي."
"أنا آسف بس مكانش قصدي أعمل فيكِ كدا، مكنتش مدرك إني بوجعك وبحطمك إلى أد إيه، بس أوعدك إني مش هجرحك تاني لأني مش هقدر، أنا كنت غبي لما عملت فيكِ كدا ووصلت حبنا للجفاء دا."
قطعت تعلق عينيهم بكلماته الحنونة:
"أنتِ كنتِ بتعملي إيه هنا؟"
أجابت بصوت مبحوح من كثرة المشاعر التي هاجمتها بعدما أخفضت عينيها:
"كنت بجيب أكل عشان جعانة."
شكل ابتسامة بشوشة على ثغره وأنامله تزيح تلك الخصلات المتمردة على وجهها تمنعه من التملي بوجهها ثم تفوه بمرح:
"طب بما إنك جعانة بقى وأنا الحمد لله طباخ فاشل وحضرتك زميلة ليا، فلو تكرمتي عليا يا سينيوريتا عشان تتعشي معايا بره."
حاولت القيام من مكانها حتى تمنعه عن أفعاله الغريبة التي تؤثر بها مكملة بحدة:
"لا شكراً، أنا خلاص مش جعانة."
أوقفها برفق يتابع حديثه حتى يستعطفها ويجعلها توافق:
"بس أنا جعان بقى وعايز أتعشى معاكِ، ينفع بقى تيجي معايا؟ وخدي الشنطة دي واطلعي يلا، ومش عايز مناقشة، يلا اجهزي بسرعة، هستناكي ربع ساعة بس ولو منزلتيش هطلعلك إنتِ."
أعطاها تلك الحقيبة التي أخذتها بيدها السليمة وتوجهت للأعلى دون النظر له.
همهمت له بكلمات رقيقة وهي تضع بفمها معلقة محملة بالطعام لا تعلم ما الذي وضعته بها حتى:
"باكل أهو، كل أنت ومتشغلش بالك."
ومأ لها وأكمل طعامه.
أما هي فشعرت بإزدیاد تقلص معدتها وجريان لعابها الساخن بحلقها كأنه على وشك التقيؤ فإنتفضت نحو المرحاض مسرعة، أسرع الآخر خلفها من إنتفاضتها وهروبها هكذا من على طاولة الطعام.
دلف إليها وجدها تجسو أرضاً تخرج أصوات متأوهة ناتجة عن تقيؤها تفرغ كل ما بمعدتها، إقترب منها يساندها من خصرها يرفع خصلات شعرها للأعلى التي تمنعها عن أخذ حريتها بالتقيؤ.
إنتهت من ما تفعله ترمي بثقل جسدها عليه بعدما سابت مفاصلها، التقط جسدها الذي إرتمى عليه يسألها بقلق:
"مالك في إيه؟"
تحدثت ببكاء ويدها تتحسس أسفل معدتها بألم:
"بطني بتوجعني، مش قادرة."
قبل رأسها بحنان متمتماً:
"طب اهدي اهدي."
حملها وتوجه بها للخارج وضعها على الفراش برفق ثم جلس بجوارها يزيل تلك الخصلات المبللة.
أمسكت يده تحدثه بوهن:
"خلاص روح أنت كل، أنا خلاص بقيت كويسة يا حبيبي."
ولت ظهرها له تبتعد عن أنظاره تحتضن الوسادة الكبيرة تدفن بها وجهها.
أجابت بوهن وإحدى كفيها يحتضن وجهه:
"أنا والله كويسة بس باين أخذت دور برد شديد في معدتي."
أمسك بكفها يقبله بحنان:
"طب هجيبلك أي حاجة سخنة تشربيها هتريحك شوية."
ذهب إلى الخارج وطلب من سعدية بإحضار مشروب دافئ لها.
أحضرته لهم وجلس بجوارها حتى إنتهت من شرابها، أعدل جسدها الواهن ووضع عليه الغطاء وضمها إليه حتى تنام، وكفه بدأ يمرره برفق مكان كفها الذي كان يدلك مكان معدتها وظلت هكذا حتى غفت بثبات عميق ونام الآخر بجوارها.
رواية كن لي أبا الفصل الأربعون 40 - بقلم روميساء نصر
جلست على الفراش بتكاسل.
ألقت تلك الحقيبة بجانبها بدون رغبة في معرفة ما بداخلها.
لكن جذب انتباهها تلك الورقة الملونة بلون وردي خرجت من تلك الحقيبة.
قرأت محتواها بصوت مسموع:
"ممكن تلبسي الفستان دا وتنزلي…. هستناكي تنزليلي"
وضعت تلك الورقة بجوارها.
يدها تتفقد ذلك الفستان الذي لم تظهر ملامحه بعد.
أخرجته وعيناه تتأكله بإعجاب بسبب لونه الفضي الرائع وبريقه الذي يشع بالإضاءة الخافتة جعلته أكثر جمالاً.
ذهبت للمرحاض مسرعة ترتديه حتى تراه عليها.
عندما خرجت وجدته بالخارج ببذلته السوداء الذي بدا بها جذاباً ووسيماً لدرجة تخطف العيون.
اقترب منها عندما تخشبت بمكانها من صدمتها بوجوده.
تحدث بغزل وكلام معسول أذاب قلبها:
"الفستان جميل جداً وبقى أجمل لما أنتِ لبستيه….. أول ما شوفته عجبني بس كان ناقصه حاجة عشان جماله يكمل والحاجة دي كانت إنك تلبسيه"
أحست بحرج شديد من قربه وكلماته المعسولة على غير العادة.
دبت الحرارة بوجنتيها من شدة الخجل.
أخفضت رأسها أرضاً تهمس له:
"شكراً"
رفع ذقنها بإبهامه حتى يتمكن من رؤية وجهها المكسو بحمرة الخجل.
يتأمله بشوق وولع.
مد يده بشعرها يعبث برابطة شعرها حتى يحرر خصلاتها الحريرية منها متمتماً:
"كده شعرك أحلى بكتير. يلا بينا بقى، أنتِ كده خلاص جهزتي"
تحركا معاً للخارج.
لا تعلم إلى أين سيأخذها.
تحركا بالسيارة إلى مكان مجهول بالنسبة لها.
الصمت سيد المكان.
تختلس النظر إليه من حين لآخر.
بعقلها أسئلة كثيرة عن سبب تغيره لتلك الدرجة.
توقفوا بمكان مظلم.
ترجل هو من السيارة وسار نحوها.
قام بفتح الباب من ناحيتها.
مد يده إليها فتعلقت بها من شدة رهبتها وخوفها من المكان المظلم.
أغلق السيارة وأغلق الضوء الذي بها بعدما ضغط على زر خاص بمفتاح السيارة.
شهقت برعب بعدما اسودت الرؤية أمامها.
تشبثت بذراعه تهتف برعب بعدما جاء ببالها بأنه يريد التخلص منها.
وأن هذا التودد الذي كان يفعله من قبل لجذب قدمها حتى يتخلص منها:
"إنت هتعمل فيا إيه"
تصلب جسده عندما تشبثت به وهتفت بتلك النبرة.
اتسعت عيناه من ما قالته.
لم يقدر على كتم ضحكاته التي أرعبت الأخرى.
تذكرت إحدى الأفلام الذي حدث بها نفس الموقف وظل الرجل يضحك ضحكات شريرة.
فهلت الأخرى تترجاه برعب:
"مالك أوعى تكون عاوز تموتني وجايبني هنا تعذبني الأول. سيبني وأنا والله ما هوريك وشي… أو موت بس متعذبنيش"
انفلتت ضحكاته الصاخبة على ما قالته.
فتعجبت هي من ردة فعله.
حاول هو أن يهدئ من وتيرة ضحكه.
يطلق صوت صفير من فمه جعل الأضواء تنير من حولهم ملقاة على الطريق تزينه.
ترسم طريق السير والشجر الصغير الملقى عليه فروع منيرة.
انسحرت من ذلك المكان وتخشبت مكانها.
الذهول يحتل صفحة وجهها من ما حدث ومن ما ترى ومن ما كانت تفكر به.
أغرقتها أفكارها ولم تعِ بأنها تسير معه حتى تخطو ذلك الطريق المنير من الجانبين.
ينتهي بمكان مزين يحمل طاولة ومقعدين ويترصص عليهم أشهى المأكولات.
أوقفها هناك وأشار بيده.
ظهرت أمامهم كلمات مضيئة كان محتواها:
"أنا آسف………. بحبك"
نظرت إليه بعدها وعيناها تلمع بالدموع.
رأته يقف أمامها يحمل علبة زرقاء مخملية بها خاتم رقيق.
شفتاه تهتف بكلمات رقيقة:
"أنا بطلب إيدك من الأول تاني. إحنا يمكن حبنا كان صح بس البداية غلط. وأنا النهارده جاي أصلح كل حاجة وأرجع حبنا تاني. وآسف إني معرفتش أفهمك الفترة اللي فاتت دي. بس خلاص هننسى كل اللي فات وهنبدأ من أول وجديد وهننسى كل حاجة وحشة حصلت بينا…. تقبلي تتجوزيني يا سهيلة من أول وجديد"
جعلتها تلك الكلمات تعنف وتجلد حالها من الداخل.
تتمنى بداخلها:
"معادش ينفع خلاص للأسف. يا ريتك كنت عملت كده بدري. بس خلاص أنا ممكن مكملش وأموت ومش هبقى موجودة"
وضعت يدها على فمها تكتم تلك الشهقة التي خرجت عنوةً عنها.
التقط وجهها يتلمس تلك الدموع يزيلها بآسي وحزن.
حاول أن يبعدهم عن نبرته التي تشكلت بالحب.
يسألها تلك المرة وهو يعلم ما الذي بها وتعاني منه حبيبته وقلبه يتشقق لنصفين عندما يتخيل ما يدور بعقلها:
"بتعيطي ليه؟ مش عاوز أشوف الدموع دي نهائي تاني. عاوزها تخاصمك"
همست بكلمات متقطعة من بين بكائها:
"مينفعش خلاص معادش ينفع"
وضع سبابته على فمها يحدثها بجدية:
"مفيش حاجة اسمها كده"
أمسك كفها ووضعه مكان قلبه هامساً:
"ده هيفضل يدق"
ثم وضع كفها مكان قلبها وهمس:
"أدام ده بيدق والدقة بأمل وإحنا بنملك دقات يعني لسه فيه أمل كبير"
ابتعدت عنه بعدما فاقت من تأثير حديثه.
التفت تعطيه ظهرها حتى تبتعد عن عينيه.
صرخت به هجوماً بعدما أسكتت قلبها الذي يناديه بكل دقة:
"مينفعش خلاص ابعد عني وشوف لك واحدة تانية تحبك وتحبها. أنا خلاص منفعتش خلاص خلاص"
أدارها إليه يحاوط ذراعيها يهتف وعيناه تتعلق بعينيها حتى يبحث عن حبها له:
"وأدور ليه عليها وهي موجودة معايا هنا أهي وقدامي كمان. وعمري ما قلبي هيشوف غيرها ولا هينبض لغيرها"
صرخت به ويداها تضعهم على أذنها تمنع استرسال حديثه الذي يجعلها تلعن ذلك المرض الخبيث الذي يبعدها عنه:
"باااااس بقا حرام عليك مش عايزة أسمع حاجة. سيبني لوحدي أنا مش بحبك بقيت بكرهك. ابعد عني وطلقني وشوف لك واحدة تانية تحبك غيري وتحبها لأن أنا خلاص قلبي معادش بيحب حد. ابعد عني أحسن لك وليا"
كان قلبها يصرخ بعكس ذلك.
يريده أن يقترب ويحتويها.
ولكنها لا تريد أن تخذله وتتركه وتكون هي من خالفت وعد حبها وتركته بسبب موتها يعاني من مرض القلب الذي لا يشفى.
جذبها إليه يضمها يلبي نداء قلبها الذي يعاني.
ولأول مرة يفهم ويفسر كلامها وما تعنيه حتى بدون النطق به.
همس لها بجانب أذنها وعباراته قد انسابت تألماً على وجع حبيبته:
"أنا مش هسيبك ولو كرهتيني هخليكِ تحبيني تاني. وأوعدك هفضل جنبك. بس انتِ اوعديني متبعديش عني أبداً"
همست بكلماتها من بين انتحابها وهي تتعلق به بقوة لا تريد بعده:
"مقدرش أوعدك"
ابتعد عنها يلتقط يدها يهتف بأمل وإصرار:
"لا هتوعديني وهتنفذي وعدك دا وعمرك ما هتسبيني أبداً بإذن الله. ودموعك دي مش عايزها تعرف طريق عيونك تاني. انتِ فاهمه"
أردفت بألم وحزن وعيناها تترجاه بأن يرحمها:
"مالك حرام عليك متصعبش عليا"
قاطعها يهتف اسمها بصرامة هدفها إجبارها على البقاء معه:
"سهيلة اسمعيني. انتِ مش هتسبيني انتِ فاهمه. إوعي تسبيني مش هسمح لك بكدا. وأي صعوبات هتقابلنا هنواجهها مع بعض. وأنا اللي هتصدر للمشاكل دي. أنا هو جوزك وحبيبك وأبوكي وأخوكي وسندك وضهرك في الدنيا"
مسح تلك الدموع المتعلقة بعينيها وألبسها ذلك الخاتم الرقيق.
وقبل يدها يهمس لها على جلد يدها:
"بحبك"
ارتعش جسدها على أثر لمساته وهمساته التي أذابتها وأذابت حصونها.
ارتسمت ابتسامة رقيقة على محياها.
جعلته يهتف بمرح:
"أيوا كده يا شيخة الشمس طلعت لما ضحكتي. أوى أشوفك بتعيطي تاني انتِ فاهمه. عايزك بتضحكي على طول"
أومأت له وهي تهز رأسها وعيناها تصرخ بحبها وامتنانها له.
علق يدها بذراعه وأخذها إلى مقعدها الذي حركه حتى تجلس.
وذهب للجلوس أمامها وبدأ كلاهما بتناول الطعام حتى انتهوا من الطعام تحت تلك الأضواء الهادئة.
صدحت موسيقى هادئة بالأجواء.
فقام من مكانه يزرر بدلته وتوجه إليها ينحني عليها يمد كفه إليها.
فوضعت كفها به قبلها وأخذها بعيداً عن الطاولة.
حاوط خصرها برقة وحاوطت عنقه.
وأخفضت عيناها خجلاً منه.
فرفع وجهها حتى يتأمل عينيها وجمالهم.
ظلوا يتمايلون على نغمات الموسيقى الهادئة الرومانسية حتى انتهت.
فقام بحملها ودار بها وهو يصيح بحبها بأرجاء المكان:
"بحبك"
تقدر على منعه من ما يفعله الذي زود ألم رأسها وشعورها بالدوران.
فأهملها أخيراً ووضعها أرضاً تترنح بوقفتها.
استيقظت من نومها على ملامس شفتاه على وجنتيها.
فبدون شعور ابتسمت له تتمتم بحب:
"صباح النور يا حبيبي"
أخذ يلاعب خصلاتها وشفتاه تلاعبها بكلماته المعسولة:
"صباح القمر اللي بيطلع بالنهار. عاملة إيه دلوقتي؟ بقيتي كويسة ولا لسه بطنك بتوجعك؟ لو بتوجعك تروحي للدكتور"
ابتسمت له بود على قلقه عليها:
"لا الحمد لله خفت. ثم أنت إيه اللي منيمك كده مش وراك شغل؟ يلا اتفضل على شغلك يا أستاذ مش عاوزين كسل"
همس بمكر:
"طب أنا عايز ضريبة عشان صحيت متأخر"
اعتدلت له تزيح جسده الصلب الذي بجوارها تهتف به:
"ضريبة إيه؟ يلا يا بابا شطبنا قوم على شغلك"
اقترب منها فجأةً فتزحزحت للخلف تتمتم بقلق من رغبته المشتعلة بعينه:
"إيه في إيه"
التقط شفتاها بقبلة نهمة شغوفة يسقي بها شوق قلبه حتى عودته آخر النهار ليشبع منها ويملأ قلبه بعشقها الذي لا ينقطع.
قطع تلك القبلة صوت رنين الهاتف.
ابتعد عنها يقذف ذلك المتصل بالشتائم:
"مين الحيوان اللي بيرن دلوقتي وفي الوقت ده"
حاوطت عنقه ترفع حاجبها تنظر له بخبث بعدما تشكلت تلك الابتسامة الخبيثة على ثغرها.
همس أمام شفتاها بمكر:
"بتضحكي؟ طب هتروحي مني فين يعني"
أطلقت ضحكة رنانة مدللة جعلته يزمجر بعنقها يلتهمه بنهم وإلحاح.
لكن ذلك المتصل كان إلحاحه أقوى.
ابتعد عنها عنوةً عنه يلتقط ذلك الهاتف يتحدث به بجدية وصرامة.
قامت هي تلتصق به وشفتاها تقبله بكل مكان أمامها لتغيظه وتربكه حتى لا يعرف يتحدث.
ظل يهرب منها بأنحاء الفراش وهي تتبعه حتى تعثر ووقع على ظهره وهو ما زال يتحدث بالهاتف.
مالت عليه تقبله بعشوائية وهو غير قادر على منعها ولا إكمال حديثه بالهاتف ولا كتم تلك الضحكات التي ستخرج منه إذا لم تتوقف.
قطعت حديثه بعدما قبلته من فمه وعيناها تنظر لعينيه تتحداه بأن يكمل المحادثة.
ولكنه انتفض من مكانه يحاوطها ويثبتها جيداً يكمل حديثه حتى انتهى وأغلق مكالمته بسرعة حتى لا تفلت منه.
اقترب منها يهمس لها بوعيد:
"أصبري عليا لحد ما أجيلك وهوريكي. أنا رايح الشغل دلوقتي عندي اجتماع مينفعش يتأجل خالص"
قام من مكانه متوجهاً للمرحاض.
فهتف به عالياً:
"بابا جاي ياخدني النهارده وهيجيبني قبل ما تيجي"
أومأ لها وهو على عجلة من أمره:
"أوك يا حبيبتي ال أنتِ عاوزاه اعمليه. أنا داخل آخد شاور"
"وأنا هجهز لك هدومك على ما تخلص"
انتهى وارتدى ثيابه وجلست تنظر له وشعرت بغصة بقلبها ووجع لا تعرف ما سببه.
انتهى هو من ما يفعله وجاء ليتوجه للخارج.
فأوقفته وذهبت إليه تحتضنه بقوة كأنه سيغادرها للأبد.
ظلت هكذا حتى مل هو من وقفتهم هذه.
فهتف:
"إيه يا روحي هو أنا مش راجع تاني"
تمسكت به تهمس له بخوف:
"خايفة أوي مش عارفة ليه حاسة إنك هتبعد أول ما تخرج من الباب ده"
ابتعد عنها يهدئها بحنان:
"إيه يا روحي الكلام ده مفيش حاجة تقدر تبعدني عنك أبداً"
ثم قبل رأسها وغادر.
إنهمرت دموعها تقسم بداخلها بعدم إيذائه بأي شكل.
ربتت على قلبها بأن والدها من المؤكد أن يجد لها حل بأن ننقذ والدتها بدون خسارة زوجته.
دلفت للمرحاض استحمت وارتدت ثيابها وهاتفت والدها حتى يأتيه بالأسفل.
ظلت تنتظره حتى أتى وتوجهوا إلى منزله.
جلسوا على أحد الأرائك وتحدث جلال:
"مليكة يا بنتي أنا عايزك تحكي لي كل اللي حصل والحيوان ده عمل فيكي حاجة"
ربتت على يده متمتمة:
"متقلقش معمليش حاجة غير إنه هددني وقالي أمضيلي على الورق"
هتف بإسم والدتها بقلق:
"وايمان"
انفجرت بالبكاء عندما تذكرت شكل والدتها تتحدث:
"ماما حالتها وحشة أوي يا بابا بيعذبها وباين عليها الضرب والتعذيب وقلة الأكل دي ممكن تموت في إيدي"
ضمه والدها إليه يدعمها على التحدث:
"أنا مبقيتش قادرة أستحمل يا بابا مش قادرة أختار بين أمي اللي جابتني على الدنيا وتعبت علشاني وبين الشخص اللي حبني وحبيته وكان ضهري وسندي واللي حبه ليا بيزيد يوم بعد يوم. أنا مش عايزة أضحي بـ"آسر" يا بابا ولا بـ"ماما". أنا مش قادرة أستحمل خلاص تعبت من كتر الوجع اللي في حياتي"
صمتت فجأة وشعر بثقل رأسها على كتفه.
فنظرت لها بهلع يهتف بإسمها ويده تربت على وجهها بقلق:
"مليكة مليكة مليكة ردي عليا يا بنتي"
حملها وتوجه بها للخارج.
وضعها بالسيارة وتوجه بها إلى المستشفى.
دلف إلى المستشفى وهو يحملها يصرخ بمن حوله بهلع:
"فين الدكاترة اللي هنا حد يجي يشوف بنتي مالها"
أخذوها منه الممرضين إلى غرفة الكشف.
وقام الطبيب بفحصها وقاس لها مؤشراتها الحيوية وضغطها وسكرها حتى عرف سبب إغمائها.
انتظر حتى فاقت وأخبرها الطبيب بابتسامة بشوشة فرحة:
"مبروك يا مدام أنتِ حامل"
انصدموا كلاهما يحدقان بالطبيب بصدمة متفوهين ببلاهة في نفس الوقت:
"إيه"
ردد الطبيب ثانية:
"حضرتك حامل"
ضحكت بفرحة عارمة لم تضاهيها لو وزعتها على العالم بأكمله كانت ستكفي وتفيض:
"أنا حامل بابا أنا حامل"
ضحك الآخر بفرحة عارمة يتحدث بعدم تصديق:
"يعني أنا هبقى عندي حفيد؟ هكون جد؟"
اقترب منها واحتضنها بحب.
فتمتمت هي بفرحة وحب:
"بابا أنا مش مصدقة. أنا شايلة حاجة جوايا من آسر الله. أنا مش قادرة أوصفلك فرحتي يا بابا مبسوطة أوي"
"الف مبروك يا حبيبتي عقبال ما تشوفيها عريس أد الدنيا"
"الله أنا هكون أم! الله آسر لو عرف هيتجنن من الفرحة وهناك في البيت هيطيروا من الفرحة. أنا مبسوطة أوي مش قادرة أعبر عن فرحتي. شكراً يا رب شكراً يا رب على نعمتك دي. تفتكر يا بابا بنت ولا ولد وهنسميه إيه؟ الله أنا عايزة أولد دلوقتي وأشوفه قدامي"
وضعت يدها على بطنها المسطحة تحدث ما بداخلها بحب:
"بحبك أوي يا حبيبي وبابا هيفرح بيك أوي"
أخذت يد والدها ووضعتها مكان يدها:
"ده بقا جدو يا حبيبي أول واحد يعرف بخبر إنك جاي. هتوحشني أوي. هفضل مستنياك وهعد الشهور وهحسبها باليوم والساعة لحد ما تيجي يا قلب ماما وتقولي يا ماما"
ضحك الآخر على ابنته وجنونها بهذا الطفل:
"خلاص يا بنتي هو الواد هيبهدلك من قبل ما يجي. أهدي أنتِ بتكلمي نفسك"
"أصل فرحانة أوي يا بابا مش قادرة أعبر عن فرحتي بيه"
"ربنا يزيد فرحتك يا قلبي"
قبل رأسها مضيفاً:
"يلا يا ستي اجهزي يلا عشان هاخدك وطيران على البيت عشان تعرفي آسر"
أومأت له وقامت بنشاط وتوجهوا إلى بيتها حتى تخبره بما في أحشائها.
بشركة آسر تقدم ذلك الرجل من موظفين الاستقبال يخبرهم:
"عايز أدي لـ آسر بيه الظرف ده"
تساءلت الموظفة بعملية:
"مين حضرتك ودا فيه إيه"
تحدث الرجل بفظاظة وغلظة:
"لا يا حلوة دي حاجة تخص آسر بيه ومنبه عليا محدش يفتحها وأوصلهاله أنا"
"طب تقدر حضرتك تتفضل فوق على مكتبه وتديه للسكرتيرة بتاعته فوق وهي تديه لك"
تحرك ذلك الرجل الذي تبعه أحد الرجال حتى وصل إلى مكتب سكرتيرة آسر:
"الظرف ده لـ أستاذ آسر قالي أجبهوله ومنبه عليا متأخرش وقالي لو حد آخرك قولي وهعتبره مرفود"
أخذته السكرتيرة منه بخوف تحدثه:
"لا لازم أطمن إنه هو اللي خده"
دلفت أمامه تعطيه الظرف تحدثه بعملية:
"آسر بيه في حد باعت لك الجواب ده"
تساءل هو:
"جواب إيه ده"
"معرفش بس الراجل اللي جابه موصي إني أسلمه لك في إيدك"
"طب ناديه خليه يجي"
"حاضر يا فندم"
خرجت حتى تناديه ولكنها لم تجده فتعجبت ودلفت تخبر آسر:
"غريبة ملقتهوش يا فندم"
"طب خلاص اخرجي انتِ واقفلي الباب وراك"
بعد خروجها فتح ذلك الظرف وأخذ يتفحصه جيداً وعيناه تتسع بصدمة تقطع الأنفاس.