تحميل رواية قيود العشق بقلم سيليا البحيري pdf
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الساعة 8:25 صباحا بتوقيت الجزائر.... كانت تلك الفاتنة صاحبة ال22 عاما.... تجلس على مقعد طائرة الخطوط الجوية الجزائرية.... المتجهة من الجزائر العاصمة إلى القاهرة.... و ممسكة بيدها كتابا لرواية أرض زيكولا... و تقرأه بتمعن.... أفاقها من تركيزها صوت ابنها الصغير.... "مازن".... قائلا.... مازن ( بطفولة): ماما...احنا رايحين فين؟؟ سيليا ( بحنان): رايحين لبلدنا يا حبيبي.... مازن ( بحزن طفولي): يعني مش هشوف اصحابي..... تاني؟ سيليا: لا... أبدا يا حبيبي..... كادت سيليا أن تكمل كلامها... لكن قاطعهما صوت بكاء...
رواية قيود العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيليا البحيري
رواية قيود العشق (2) الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيليا البحيري
قيود_العشق2
فصل 11
في فيلا ليلى الألفي كانت سيليا تجلس على الأرض، شعرها فوضوي ودموعها تنهمر بغزارة. عمتها ليلى وكارما تحاولان تهدئتها، لكن سيليا في حالة هستيرية من الحزن والغضب. رائد يقف في الزاوية، يراقب الموقف بقلق
سيليا:
(بصوت مرتجف ومليء بالغضب)
"أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده! كفاية... كفاية! حياتي كلها ظلم... ظلم من أول ما ولدت! أهلي... جاد... كلهم دمروني! أنا إنسانة، ليه محدش شايفني كده؟!"
ليلى:
(بحنان وحزن وهي تحاول تهدئتها)
"يا بنتي، اهدى شوية. إحنا كلنا معاكي. اللي حصل في الماضي انتهى، وده وقتك تعيشي حياتك زي ما إنتي عايزة."
سيليا:
(تصيح بانفعال)
"إزاي أنسى يا عمتي؟ إزاي؟ كل لحظة مع جاد كانت عذاب. عمري ما حسيت إني متجوزة... ولا حتى إنسانة. كان بيكرهني بدون سبب! أنا ما عملتش له حاجة. ليه كان بيبصلي كإني عدوته؟!"
كارما:
(بحزن وهي تضع يدها على كتف سيليا)
"سيليا، إنتي قوية، وقرارك بالطلاق هو أول خطوة إنك تنقذي نفسك. ما تخليش حد تاني يتحكم في حياتك."
سيليا:
(بغضب ودموعها تزداد)
"أنا هطلق... هطلق منه لو آخر حاجة أعملها في حياتي! مش هعيش معاه تاني. هو ما استاهلش حتى أشوفه. أنا خلاص تعبت، عايزة أربي أولادي بعيد عن ذلّه وعن ظلمه."
رائد:
(يتقدم خطوة للأمام، يتحدث بحزم)
"وأنا هكون جنبك في كل خطوة. لو جاد فكر يعترض على الطلاق أو يحاول يضايقك، أنا مش هسمح له."
ليلى:
(بتنهيدة)
"قرارك ده شجاع يا سيليا، بس لازم تكوني مستعدة لأي تحديات جاية. جاد مش هيكون سهل."
سيليا:
(تصيح وهي تضرب الأرض بيدها)
"مش فارق معايا! أنا مش هسمح له يتحكم في حياتي أكتر من كده. عايزة أعيش لنفسي... لأولادي... من حقي أكون إنسانة سعيدة!"
سيليا تنفجر بالبكاء مجددًا، وتضع رأسها بين يديها. ليلى تربت على ظهرها برفق، وكارما تجلس بجانبها تمسك بيدها. رائد ينظر إليها بنظرة مليئة بالغضب تجاه جاد والتصميم على مساعدتها
رائد:
(بهدوء وحزم)
"سيليا، إحنا هنكون معاكي. ما تخافيش، الطريق صعب، بس إحنا مع بعض هنعدي كل ده."
سيليا:
(بصوت متقطع بين البكاء)
"مش عايزة حاجة غير الحرية... الحرية من كل حد ظلمني."
ليلى:
(بابتسامة مشجعة)
"وهتكوني حرة يا بنتي. هتكوني حرة."
********************
فجأة يُفتح باب الفيلا بعنف، ويدخل جاد غاضبًا. صوته يعلو وهو يبحث عن سيليا، مما يجعل الجميع يلتفتون نحوه
جاد:
(بغضب شديد)
"سيليا! إنتي فاكرة نفسك بتلعبي مع مين؟! مين سمحلك تخرجي من البيت وتعملي اللي في دماغك من غير إذني؟"
سيليا تقف ببطء، عيناها مليئة بالدموع ولكن مظهرها صارم. تنظر إلى جاد بثبات وبدون خوف
سيليا:
(بصوت قوي رغم انكسارها)
"أنا مش لعبة في إيدك، جاد. ومش محتاجة إذنك عشان أعيش حياتي! خلصت أيام الذل اللي كنت فيها تحت رحمتك. أنا مش هعيش تحت طوعك تاني!"
جاد:
(يقترب منها بغضب، مشيرًا بإصبعه نحوها)
"إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ إنتي مراتي، وأنا اللي أقرر تعملي إيه وما تعمليش إيه!"
سيليا:
(تصرخ وهي تشير إلى نفسها)
"مراتك؟! إنت فاكر إنك جوزي؟ جوزي اللي بيحبني ويحترمني؟ إنت عمرك ما كنت جوزي! كنت مجرد سجّان. عمري ما حسيت معاك غير بالظلم والقهر. كل يوم معاك كان عذاب!"
جاد:
(يحاول كتم غضبه ولكن صوته يرتجف)
"أنا اللي ظلمتك؟! إنتي اللي طول عمرك ناكرة للجميل. أنا اللي وفرتلك حياة مستقرة!"
سيليا:
(تضحك بمرارة)
"حياة مستقرة؟ إنت بتتكلم عن بيت كنت فيه مجرد شبح؟ عن أولادك اللي ما تعرفش عنهم حاجة؟ عن سنين من الإهمال والخيانة؟ لا، يا جاد، إنت ما وفرتش غير الألم."
ليلى:
(تحاول التدخل لتهدئة الموقف)
"جاد، مش بالطريقة دي تتكلم مع سيليا. شوف حالك، إنت السبب في كل اللي وصلنا له دلوقتي!"
جاد:
(يصيح)
"ماحدش يتدخل بيني وبين مراتي!"
رائد:
(يتقدم بخطوة لحماية سيليا)
"سيليا مش لوحدها هنا. لو فاكر إنك هتستمر في التحكم بيها فأنت غلطان. سيليا حرة، وهتعمل اللي هي شايفاه صح."
سيليا:
(تواجه جاد بجرأة)
"أيوة، أنا حرة. وهطلق منك مهما حاولت تمنعني. أنا كرهتك... كرهتك من كل قلبي. كنت فاكرة إن أسوأ حاجة في حياتي ظلم أهلي ليا، لكنك أثبتت إنك أكبر غلطة ارتكبتها في حياتي."
جاد:
(يحاول كتم تأثير كلامها عليه، لكنه يلتفت غاضبًا)
"إنتي مش هتقدري تعيشي من غيري. أولادك، حياتك، كل حاجة تحت سيطرتي!"
سيليا:
(تصرخ بألم)
"حياتي ما كانتش حياتي وأنا معاك. كل اللي باقيلك هو اسمك. لكن قلبي وروحي اتحرروا منك من زمان. أنا هاخد أولادي وهكمل حياتي، وهتشوفني واقفة على رجلي من غيرك!"
كارما:
(تقف بجانب سيليا)
"جاد، كفاية. سيليا مش هتخضع ليك تاني. خلّي عندك شوية كرامة وانسحب قبل ما تخسر أكتر."
جاد:
(ينظر إلى الجميع بغضب، ثم إلى سيليا بتحدٍ)
"هنشوف مين اللي هيكسب في الآخر، سيليا. بس أوعدك، مش هيكون بالسهولة اللي إنتي فاكرة."
يدفع الباب بعنف ويغادر، وصداه يترك الجو مشحونًا بالتوتر. سيليا تنهار جالسة على الأريكة، تغطي وجهها بيديها، والدموع تسيل من عينيها
سيليا:
(بصوت مخنوق بالبكاء)
"كرهته... كرهته أكتر من أي حاجة في حياتي. يا رب خلّصني منه، أنا تعبت... تعبت أوي!"
ليلى:
(تجلس بجانبها وتحتضنها بحنان)
"اهدّي يا بنتي، كل ده هيعدي. إنتي أقوى من كل اللي ظلمك."
رائد:
(بغضب مكبوت)
"وإحنا مش هنسكت. سيليا مش لوحدها، وإحنا هنا عشان نحميها."
كارما تمسك بيد سيليا، تحاول طمأنتها، بينما الجميع ينظر إليها بحب ودعم، مصممين على مساعدتها للوقوف ضد جاد وظلمه
*********************
بعد ساعة أو أكثر وصل جاد لفيلا والديه بمصر و كان كريم يجلس على الأريكة، ملامحه غاضبة وواضحة الجدية. ثريا تجلس بجانبه، تعقد ذراعيها بحزم. جاد يقف أمامهما، متوتراً ولكنه يحاول التظاهر بالقوة، بينما جيسي تجلس على الكرسي القريب، تنظر بعصبية وتحاول التدخل
كريم:
(بغضب مكتوم، ينظر إلى جاد بحدة)
"إيه اللي بسمعه عنك يا جاد؟ إنت متخيل إنك في حرب مع مراتك وأولادك؟! فين عقلك؟!"
جاد:
(يحاول الدفاع عن نفسه)
"بابا، سيليا هي اللي بتعاندني. هي اللي مش عايزة تسمع الكلام. بدل ما تحاسبوني أنا، شوفوا هي بتعمل إيه!"
ثريا:
(تقاطع بغضب واضح)
"بتعمل إيه يا جاد؟ بتكمل تعليمها؟ دي جريمة؟! من إمتى بقت الست لما تحاول تبني حياتها تبقى غلطانة؟! سيليا ضحت بكل حاجة عشانك، وإنت بدل ما تحترمها، قررت تحطمها!"
جاد:
(يرفع صوته)
"هي بتخرج عن طوعي، يا ماما! أنا جوزها وليا حق عليها!"
كريم:
(يضرب الطاولة بيده غاضبًا)
"وطي صوتك، يا جاد! إنت فاكر الجواز يعني تتحكم في مراتك كأنها عبدة عندك؟! إنت مسؤول عنها وعن أولادك، مسؤول إنك تكون ليهم سند، مش تكون مصدر ألمهم!"
جاد:
(بتوتر)
"أنا ما ظلمتهاش، بس هي اللي مش عايزة تعيش معايا زي ما أنا عايز!"
ثريا:
(تنظر إليه بحدة)
"تعرف إيه؟ لو فضلت تعاملها بالشكل ده، أنا شخصيًا هقف جنبها وأساعدها تخلعك و تاخد الطلاق منك. إنت مش فاهم قيمة البنت دي، بس أنا فاهمة."
جاد:
(بصدمة)
"إيه؟! ماما، إنتي بتهددي ابنك؟!"
ثريا:
(ترد بحزم)
"أيوة، لو ده الحل الوحيد عشان تنقذها منك ومن عنادك. سيليا تستحق الراحة، تستحق زوج يحترمها، مش واحد يعتبرها جزء من ممتلكاته."
كريم:
(بصوت أكثر هدوءًا ولكنه حازم)
"جاد، إحنا جينا هنا عشان نصلح الأمور، مش عشان نسمع أعذارك. لو فضلت على عنادك ده، هتخسر كل حاجة: مراتك، أولادك، واحترامنا ليك كمان. القرار في إيدك."
جيسي:
(تتدخل بعصبية)
"بابا، ماما، إنتوا دايمًا بتقفوا في صف سيليا! هي مش مظلومة زي ما بتدّعي، كل ده عشان تلفت انتباهكم وتكسب تعاطفكم."
ثريا:
(تنظر لجيسي بغضب)
"جيسي، كفاية كلام ملوش معنى! سيليا مش محتاجة تكسب تعاطف حد، إحنا عارفين مين هي ومين إنتي. بدل ما تزودي النار، فكري شوية إزاي تصلحي أخوكي وتدعمي مرات أخوكي وأولاده."
كريم:
(يضع يده على كتف ثريا ليهدئها، ثم ينظر لجاد)
"دي آخر فرصة ليك، يا جاد. لو استمريت بالطريقة دي، سيليا هتاخد ولادها وتبعد عنك للأبد و أنا بنفسي هساعدها، وساعتها مش هتلاقي حد يدعمك. فكر كويس، ومستني أشوف تصرفك اللي يليق برجل مسؤول مش عيل عنيد."
جاد:
(ينظر لوالده ثم لوالدته بغضب مكبوت، قبل أن يدير ظهره ويغادر الغرفة)
"هنشوف مين اللي هيكسب في الآخر."
(ثريا تنهض بتوتر، تنظر إلى كريم بإحباط.)
ثريا:
"مش عارفة إزاي جاد طلع كده، كريم. ما كانش ده اللي اتمنيته لسيليا أو لأولادها."
كريم:
(بتنهيدة ثقيلة)
"هنحاول يا ثريا، بس هو اللي لازم يقرر يتغير. إحنا عملنا اللي علينا."
تجلس ثريا بجانب كريم، وكلاهما يبدو عليهما القلق، في حين تظل جيسي جالسة في صمت، تضرب بأصابعها ذراع الكرسي بتوتر
***********************
في شارع مزدحم في قلب مدينة القاهرة، الأضواء بتلمع في المساء، وصوت العربيات مليان في الجو. أحمد ماشي بخطوات واثقة، لابس بدلة شيك، وعنيه فيها قوة راجل عدى على كتير في حياته. فجأة، يسمع صوت مألوف بينادي عليه. يلف ويلاقي قدامه سمر، مبتسمة ابتسامة كلها خبث مصطنع.
سمر (بنبرة مغرية):
يا نهار أبيض! أحمد! مش مصدقة إني شفتك! عامل إيه؟
أحمد (بصوت بارد ونظرة حادة):
سمر؟ عمري ما كنت أتخيل أشوفك هنا.
سمر (بتقرب منه وهي بتحاول تتودد):
عارف؟ أنا وحشني صوتك، بصراحة، أنت دايمًا كنت الشخص اللي مستحيل يتنسي.
أحمد (بياخد خطوة لورا):
النسيان؟ متقلقيش، أنا ما نسيتش حاجة. إزاي ممكن أنسى اللي علمني معنى ال خيانة؟
سمر (بتضحك ضحكة خفيفة مليانة تصنع):
يا أحمد، بلاش القسوة دي، إحنا كنا عيال صايعة وقتها، أيام وعدّت.
أحمد (بصوت هادي لكنه مليان غضب):
عيال صايعة؟!؟ بلاش تعملي نفسك بريئة، سمر. إنتِ كنتِ عارفة كويس أوي إنتِ بتعملي إيه. كنتِ بتلعبي بمشاعري وبتستغلينيو طماعة في فلوس و ثروة عيلتي
سمر (بتحاول تسيطر على الحوار):
أحمد، بلاش تفتكر الماضي بالشكل ده. أنا اتغيرت، وبجد متأكدة إن قلبك كبير وبتعرف تسامح.
أحمد (بيقاطعها):
قلب كبير؟ القلب اللي كنتِ بتضحكي عليه ده اتكسر يوم ما شفتك فحضن الواطي وائل
سمر (بنبرة غضب مكتومة):
يعني مش هتنساها أبدًا؟ كل الناس بتغلط يا أحمد.
أحمد (بصوت صارم):
الغلط بييجي لما يكون وراه ندم، وإنتِ لحد دلوقتي ما عندِكيش نقطة ندم واحدة. بس ما تقلقيش، أنا متشكر ليكِ. بفضلك، اتعلمت أفرق بين الحب الحقيقي والزيف.
سمر (بتوتر):
أحمد...
أحمد (بيقاطعها):
خلص الكلام يا سمر. في حاجات في الحياة ما تستاهلش فرصة تانية، وإنتِ واحدة منها.
بيخلص أحمد كلامه وبيمشي بخطوات ثابتة وهو سايب سمر واقفة في نص الشارع، متلخبطة ما بين غضب وذهول تحاول استيعاب الموقف. فجأة، تظهر شاهي، صديقة سمر، التي كانت تراقب المشهد من بعيد، وتتقدم نحوها بابتسامة شماتة.
شاهي (تقترب منها وهي تضحك بخبث):
يا حرام يا سمر! واضح إن أحمد مش بس قفّل الباب، ده كمان قفّله بمفتاح ورماه في البحر.
سمر (تنظر إليها بغضب مكتوم):
بلاش شماتة يا شاهي، مش ناقصة سخافاتك.
شاهي (بتتهكم):
سخافاتي؟ لا يا حبيبتي، أنا واقفة أستمتع بس وأنا شايفة اللي كنتي فاكرة نفسك ماسكة بيه ينفض من حياتك كأنك ما كنتيش.
سمر (تضغط على أسنانها محاولة تمالك أعصابها):
سيبيه يمشي، أحمد مش نهاية العالم. فيه ألف طريقة أرجعه بيها لو عايزة.
شاهي (بضحكة ساخرة):
ترجّعيه؟ إنتِ لسه فاكرة نفسك بتلعبي زي زمان؟ أحمد دلوقتي غير، وحتى لو جربتي ألف لعبة، ده بقى فاهمك و حافظك كويس.
سمر (بنبرة مليانة حقد):
عارفة يا شاهي؟ مش هو اللي مضايقني. اللي بيقهرني فعلاً هي سيليا.
شاهي (تتفاجأ):
سيليا؟ أخت أحمد؟ هي إيه دخلها؟
سمر (بنظرة مليانة غل):
سيليا كانت دايمًا شايفة نفسها عليا. بنت العيلة المدللة، اللي الكل بيحبها. أحمد كان بيعبدها، وكانت بتحسسني إني أقل منها، دايمًا تنتقدني وتتعامل معايا كأني وصمة عار في حياتهم.
شاهي (بخبث):
وده كان وقتها، دلوقتي ما بقيتش موجودة عشان تعمل كده و كمان سمعت أنها فآخر أيامها اتعرضت لفضيحة جامدة اوي
سمر (بترد بقسوة):
بس صدقوها في النهاية ، و ما تفتكريش إني زعلت لما ماتت. بالعكس، ارتحت. بس كل ما أفتكر إن ذكراها لسه عايشة في قلوبهم، بحس إن وجودها عامل لي لعنة
شاهي (بصوت منخفض ومخيف):
يا سمر، إنتِ فعلاً شريرة.
سمر (تبتسم بسخرية):
شريرة؟ لا يا شاهي، أنا واقعية. والواقع يقول إن الناس زي سيليا وأحمد مكانهم تحت رجلي، مش فوق راسي.
(شاهي تهز رأسها بخبث، وتغمغم وهي تبتعد):
على العموم، حظ سعيد، يا سمر. شكلك داخلة على جولة جديدة مع أحمد وعيلته، وربنا يستر عليكِ.
تبتعد شاهي تاركة سمر واقفة في مكانها، تغلي بالغضب والحقد، وعيناها تلمعان بتصميم خبيث
*********************
في فيلا ليلى الألفي ، سيليا تجلس على الأريكة، تحاول استعادة هدوئها بعد انهيارها السابق. ليلى بجانبها تربت على يدها بحنان، بينما رائد يقف بالقرب، يراقب الوضع بقلق. كارما تدخل الغرفة بهدوء، تحمل نظرة مترددة، وتشعر بثقل الموقف.
سيليا: (تتنهد بتعب وتمسح دموعها) الأولاد... شافوني كده، مش كده؟
كارما: (تجلس بجانبها وتمسك بيدها) أيوة، يا سيليا. شافوكي زياد ومازن كانوا خايفين شوية، ولينا بدأت تبكي لما شافتك كده... بس حاولت أطمنهم.
سيليا: (تغطي وجهها بيديها وتبدأ بالبكاء مجددًا) أنا أم فاشلة... إزاي أسمح لنفسي إنهم يشوفوني في الحالة دي؟ المفروض أكون قوية عشانهم
ليلى: (بحزم وحنان) سيليا، كفاية جلد ذاتك. إنتي مش فاشلة. إنتي إنسانة، ومن حقك تضعفي. الأولاد بيحبوكي وبيحسوا بكل حاجة، و اللي حصل مش غلطك.
كارما: (بنبرة مطمئنة) زياد كان بيقول إنه عايز يحضنك، ومازن ما سابش إيدي طول ما كنا طالعين. هما بس محتاجين يشوفوكي هادية عشان يطمنوا.
سيليا: (تنظر إلى كارما بعينين مليئتين بالندم) أنا السبب في خوفهم، كارما... جاد دمر حياتي، وأنا دمرت حياتهم من غير قصد. مش عايزة الأولاد يكرهوني زي ما هو بيكرهني.
رائد: (يتقدم بخطوة نحوها) سيليا، كفاية لوم نفسك. لو في حد يتحمل مسؤولية اللي حصل، فهو مش إنتي. الأولاد محتاجين يشوفوا أمهم القوية اللي بتحارب عشانهم. وإحنا هنا عشان نساعدك.
ليلى: (تربت على كتفها) حبيبتي، بكرة لما تشوفيهم، حضنيهم كويس، وخليهم يحسوا إنك كويسة. إحنا هنا عشان ندعمك.
سيليا: (تمسح دموعها وتتحدث بحزم لكنها مكسورة) أنا مش عايزة يبقوا زيي... مش عايزة يشوفوا أكتر من اللي شافوه. لازم أخلص من جاد، وأعيش عشانهم، عشان يلاقوا حياة تستحقهم.
كارما: (تبتسم بخفة وتشد على يدها) وهما هيفتخروا بيكي لما يشوفوكي بتاخدي خطواتك دي. صدقيني، يا سيليا.
سيليا: (تنظر للجميع بنظرة امتنان ممزوجة بالألم) شكراً، يا جماعة... أنا فعلاً ما كنتش هقدر أعمل أي حاجة من غيركم.
رائد: (بابتسامة داعمة) إحنا هنا دايمًا، يا سيليا. وهنفضل هنا مهما حصل.
سيليا: (تنظر لكارما) طيب... زياد ومازن ولينا نايمين دلوقتي؟
كارما: (تهز رأسها) أيوة، نيمتهم بصعوبة بعد ما طمنتهم شوية. زياد كان عايز يتأكد إنك كويسة.
سيليا: (بصوت مكسور لكن مليء بالحب) هشوفهم الصبح وأحضنهم، وأوعدهم إن مفيش حاجة هتخوفهم تاني.
ليلى: (تقف) وهما هيحسوا بالأمان طول ما إنتي معاهم.
سيليا تنظر للجميع بحزم جديد، كأنها تستعيد قوتها تدريجيًا من أجل أولادها. يتبادل الجميع نظرات مطمئنة، وكلهم متفقون على دعمها في مواجهة أي تحدٍ قادم
*************************
في فيلا البحيري كانوا جميعا متجمعين في صالون القصر في أجواء ثقيلة يغمرها الحزن والندم. نجلاء تحمل بين يديها دمية صغيرة، تتأملها بصمت وكأنها تعيد ذكرى دفينة. فؤاد يجلس على كرسي بجانبها، عيناه غارقتان في التفكير. سامر يقف بالقرب من النافذة، يحدق في الخارج بشرود، بينما مراد ويوسف يجلسان على الأريكة بوجوه تعكس الإرهاق النفسي.
نجلاء: (بصوت مكسور) قابلت بنوتة صغيرة النهارده في الحديقة... ملامحها حسستني بحاجة غريبة، كأنها... (تتوقف وهي تبتلع دموعها) كأنها كانت بتشبه سيليا.
فؤاد: (ينظر إليها باهتمام) بنوتة؟ فين؟
نجلاء: (تمسح دموعها) كانت مع واحد شكله طيب. الطفلة دي... حسيت إنها تناديني، بس أكيد دي خيالاتي.
مراد: (يتنهد بعمق) مفيش لحظة في حياتنا بتمر إلا ونتمنى إنها تكون معانا.
سامر: (بتوتر وهو يدير وجهه من النافذة) بس مش هي... سيليا ماتت، والندم مش هيرجعها.
يوسف: (بصوت هادئ لكنه مؤلم) ساعات بحس إننا بنتعاقب كل يوم. كل مرة نشوف فيها طفلة صغيرة، بنتذكر إنها كان المفروض تكون هنا، معانا.
يدخل فجأة خادم العائلة، معلنا وصول ريان، الذي كان في الجامعة. يحييهم، لكنه يبدو متوترا قليلاً
ريان: (يضع حقيبته) مساء الخير.
فؤاد: (يلتفت إليه) مساء الخير، يا ابني. شكلك مرهق... إيه الأخبار في أول يوم كمعيد؟
ريان: (يتردد) عادي... شفت حاجة غريبة بس.
نجلاء: (تقترب منه بقلق) غريبة إزاي؟
ريان: (ببطء، وكأنه يفكر في كل كلمة) وأنا في الجامعة، لمحِت بنت... كانت شبه سيليا... شبهها لدرجة مش طبيعية.
مراد: (يهز رأسه) ريان، كفاية أوهام. إحنا شوفنا جثتها بعينينا.
ريان: (يتحدث بصوت أعلى) أنا عارف! بس اللحظة اللي شفتها فيها... كانت نفس الملامح، نفس الارتباك في عينها لما لمحتني. قبل ما أقدر أفكر، كانت اختفت.
سامر: (بغضب مكبوت) سيليا ماتت، يا ريان! إحنا لازم نتقبل ده بدل ما نفتح جراح قديمة كل يوم.
نجلاء: (بعينين ممتلئتين بالدموع) يمكن ربنا بيعاقبنا... يمكن كل وجه بنت صغيرة أو حركة عابرة بيجي عشان يذكرنا بالذنب اللي مش هنقدر نتخلص منه أبدا.
فؤاد: (يحاول أن يتماسك) الحقيقة إننا فشلنا... كأهل، كعيلة. سيليا كانت ملاك، وإحنا دمرنا حياتها.
يوسف: (يتنهد) لو الزمن رجع بينا، تفتكروا كنا هنصدقها؟ ولا كنا هنكرر نفس الغلطة؟
ريان: (يتحدث بنبرة يملؤها الحزن) ما أقدرش أقول إني كنت هتصرف غير كده... كنا كلنا مغيبين. بس دلوقتي... أنا متأكد إن كان في حاجة غلط. واللي شفته النهارده خلاني أشك.
نجلاء: (تضم الدمية الصغيرة لصدرها) بنتي ماتت بسببنا... وإحنا اللي هنعيش بعقابنا ده طول حياتنا.
فؤاد: (بنبرة قاطعة) كل اللي نقدر نعمله دلوقتي إننا ندعي لها بالرحمة... ونطلب من ربنا إنه يسامحنا.
يسود الصمت من جديد، وكل فرد يغرق في مشاعره. ريان يبقى واقفاً، يفكر في الصورة التي رآها، وكأن فكرة معينة بدأت تتشكل في ذهنه، لكنه يبقيها لنفسه
********************
بعد مدة قصيرة ، يدخل أحمد إلى الفيلا بخطوات غاضبة، يرمي حقيبته على الكرسي بعنف، ووجهه يكسوه الغضب. عائلته، الذين كانوا يجلسون في غرفة المعيشة غارقين في ذكرياتهم الحزينة، ينتبهون فور دخوله.
نجلاء: (بقلق) أحمد، في إيه؟ مالك؟
أحمد: (بغضب مكتوم) قابلتها... سمر.
فؤاد: (ينظر إليه بحدة) سمر؟ إيه اللي جاب سيرتها؟
أحمد: (يجلس بقوة على الأريكة) كانت واقفة مستنياني برا الشركة. نفس الوش اللي يجيب الغثيان، ونفس الأسلوب الخبيث. بتحاول تلعب دور الضحية، وكأننا ننسى هي عملت إيه.
سامر: (يبتسم بمرارة) ولسه عندها الجرأة تيجي قدامك بعد كل اللي حصل؟
أحمد: (يهز رأسه) جرأتها دي عمرها ما كانت في محلها. بدأت تمثل إنها ندمانة، وإنها بتحاول تصلح كل حاجة... بس خلاص، أنا مش أحمد بتاع زمان.
نجلاء: (بتوتر) قالت لك إيه؟
أحمد: (بصوت مرتفع قليلاً) حاولت تقنعني إنها كانت ضحية، وإن كل اللي عملته كان بسبب ضغط وظروف! بتلوم الدنيا كلها إلا نفسها... ولا حتى لحظة قالت كلمة ندم على اللي عملته في سيليا.
مراد: (بغضب) النوع ده من البشر ما يعرفش الندم.
فؤاد: (يأخذ نفساً عميقاً) لازم تبقى قوي، أحمد. إحنا كلنا عارفين إنها كانت السبب في كل المصايب اللي حصلت.
أحمد: (يضرب الطاولة بيده) أنا مش ضعيف، يا بابا. قلت لها في وشها إن الكذب بتاعها مش هينفع تاني. قلت لها إنها كانت السبب في تدمير أختي، وإنها مهما حاولت، عمري ما هصدقها ولا هرجع لها.
يوسف: (يبتسم بخفة) ردك ده هو أقل حاجة تستحقها.
نجلاء: (تحاول تهدئته) أحمد، أنا عارفة إن سمر أذت العيلة كلها، بس مش لازم تضيع طاقتك عليها.
أحمد: (بصوت منخفض لكنه غاضب) مش هضيع طاقتي، بس كان لازم تعرف إن خلاص... انتهت. مهما عملت، هتفضل هي الجزء الأسود اللي ما ينمحيش من ذاكرتنا.
ريان: (بنبرة جادة) هي مش بس جزء أسود... هي البداية لكل اللي حصل لسيليا.
أحمد: (ينظر إلى ريان بحدة) وعشان كده، وعد مني... مش هسمح لها تدخل حياتنا تاني. انتهت، للأبد.
فؤاد: (يضع يده على كتف أحمد) إحنا كلنا معاك، يا ابني. المهم إنك ما تخليش غضبك يأكلك.
أحمد: (ينظر إلى والده) مش هخلي غضبي يأكلني... بس هفضل أفتكر، عشان ما نكرر نفس الغلطة مع أي حد تاني.
يسود الصمت مرة أخرى، وكل فرد في العائلة يغرق في أفكاره، خاصة عن الماضي الذي ما زالت ظلاله تطاردهم. أحمد ينهض متجهاً إلى غرفته، وعيناه تحملان مزيجاً من الألم والتحدي
********************
في مكتب زين في مقر المخابرات ،كان زين جالسًا خلف مكتبه، يحدق في أوراق أمامه بعينين شاردتين. يشعر بشيء غامض يجذبه نحو سيليا، شيء يتجاوز الشبه بينها وبين ابنة عم تميم. الباب يُفتح بهدوء، يدخل أدهم حاملًا ملفًا سميكًا.
أدهم (بنبرة جدية):
"باشا، المعلومات اللي طلبتها جاهزة."
زين (يرفع عينيه ويركز على أدهم):
"اتفضل، قول."
أدهم (يجلس على الكرسي المقابل للمكتب، يفتح الملف):
"اسمها سيليا... نفس الاسم اللي قلت عليه. متزوجة من ست سنين من واحد اسمه جاد، غني جدًا، بس حياته ماشية في سكة تانية تمامًا. زير نساء وما بيهتمش بمراته ولا أولاده."
زين (ببرود واضح):
"الأولاد؟"
أدهم (يكمل):
"عندهم 3 أولاد: زياد عنده 4 سنين، مازن 3 سنين، ولينا عندها سنة. سيليا عايشة في مصر مع عمتها ليلى وابن عمتها رائد. أما جاد، عايش في دبي مع أهله، مهملهم تمامًا."
زين (بحاجبين مرفوعين):
"عمتها ليلى؟"
أدهم (يهز رأسه):
"أيوة، ليلى دي حسب اللي عرفته أخت والد سيليا فؤاد ووالد تميم جليل. بس فؤاد وجليل ما يعرفوش إن عندهم أخت أصلاً. واضح إن العيلة متقطعة من زمان، طاهر بيه كان متجوز واحدة تانية و خلف منها الست ليلى "
صمت زين للحظة، يحاول هضم المعلومات. قلبه بدأ ينبض بسرعة.
زين (بصوت خافت لكن حازم):
"سيليا... نفس الاسم، نفس التفاصيل... أدهم، أنت متأكد من كل ده؟"
أدهم (بنبرة حازمة):
"100% يا باشا. ما فيش مجال للشك. كل التفاصيل اللي طلعت بتأكد إنها هي."
زين (يقف فجأة، يضع يديه على المكتب):
"يعني اللي كنت شاكك فيه طلع حقيقي... سيليا، اللي تميم وعيلته فاكرين إنها ماتت من 6 سنين... عايشة؟ ومش بس عايشة، متجوزة وعندها أولاد؟"
أدهم (بهدوء):
"أيوة، هي نفسها. ما حدش كان عارف إنها لسه عايشة، حتى عيلتها."
زين (بنبرة حادة):
"جاد ده، اللي متجوزها، إيه تفاصيل حياته؟"
أدهم (ينظر في الملف):
"زي ما قلت، عايش في دبي، مستهتر، وعلاقاته النسائية كتير جدًا. سيليا عايشة لوحدها تقريبًا بتربي الأولاد. الظاهر إنهم متجوزين شكليا بس، ما فيهاش أي مشاعر أو اهتمام من ناحيته."
زين (يشد أنفاسه ويحاول تهدئة نفسه):
"كويس. تمام، شكراً يا أدهم. شغلك كان دقيق كالعادة."
أدهم (وهو يغلق الملف):
"لو في حاجة تانية عايزني أعملها يا باشا، أنا جاهز."
زين (بجملة قاطعة):
"دلوقتي مفيش. بس خليك قريب، ممكن نحتاج نتحرك قريب."
أدهم يقف ويحييه قبل أن يخرج من الغرفة. زين يجلس على كرسيه مجددًا، يضع رأسه بين يديه قائلا
"سيليا ، أخيرا لقيتك ، يا سيليا البحيري..... الاميرة المفقودة...."
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية قيود العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيليا البحيري
في اليوم التالي، استيقظت سيليا مبكراً وهي كلها عزيمة وإرادة لإكمال تعليمها والوقوف على قدميها من جديد.
بعد أن أدت فرضها ودعت الله أن يوفقها ويحفظ لها أولادها، كانت ترتدي ثيابها للاستعداد للجامعة.
لينا كانت جالسة في سريرها تضحك بهدوء. جنبها في السرير، زياد ومازن نائمين ومش حاسين بحاجة.
سيليا تبص حوالين الغرفة وهي تبتسم.
سيليا (وهي تهمس وتبص على لينا): "إيه يا شقية؟ صحيتي بدري كده؟"
(تقوم بهدوء عشان ما تصحيش زياد ومازن، وتاخد لينا في حضنها.)
لينا (تضحك وتمسك طرحتها): "ما... ما!"
سيليا (تضحك وهي بتفك الطرحة من إيدها الصغيرة): "آه يا ماما، هو كل حاجة تمسكها تبقى لعبة؟ أنا كده مش هعرف أجهز للجامعة!"
(تروح سيليا تقعد على طرف السرير، تبص على زياد ومازن، وتكمل بصوت واطي.)
سيليا: "بصّي على الرجالة دول، نايمين زي الملائكة. أول ما يصحوا هنلاقي الحفلة الصباحية بدأت!"
لينا (بتصدر صوت فرحة وتخبط بإيديها): "دا... دا!"
سيليا (تبتسم وهي بتطبطب عليها): "أيوة يا روحي، بس مش دلوقتي. ماما لازم تقوم تلحق تلبس قبل ما يتقلب البيت."
(تحط لينا على السرير وتديها لعبتها الصغيرة.)
سيليا: "خدي يا قمر، العبّي شوية لحد ما ماما تخلص. بس بالله عليكي متعمليش دوشة، عايزين زياد ومازن يفضلوا نايمين شوية."
(تبدأ سيليا تجهز بسرعة، تلبس طرحتها وتاخد شنطتها. تبص على الساعة بقلق.)
سيليا (تتمتم): "يا نهار أبيض، الوقت بيجري! لازم أخلص بسرعة قبل ما الشباب يصحوا ويقلبوا الدنيا."
فجأة يستيقظ زياد ويفرك عينيه وما إن رأى والدته حتى هرع إليها قائلاً بقلق:
زياد: ماما، أنتي كويسة؟
ابتسمت سيليا لذلك الطفل الكبير الذي يسعى جاهداً لحماية والدته وإخوته الصغار.
سيليا (بحب): أنا كويسة يا حبيبي متقلقش، ماما دلوقتي هتروح الجامعة وهترجع بعدين وهنروح لمكان حلو، بس لازم بالأول تخلي بالك من مازن ولينا وتسمع كلام تيتا ليلى وخالو رائد.
زياد (بحماس): بجد يا ماما، هنروح فين؟
سيليا (بغموض): هقولك لما ارجع.
زياد: حاضر.
لتقبله سيليا من وجنته وهي عازمة على فعل أمر ما.
نزلت للأسفل وهي تحمل لينا بين ذراعيها وزياد يسير بجانبها، في حين أن مازن لا يزال نائماً بالأعلى.
وجدت عمتها ليلى ورائد جالسين يتحدثان.
ليلى (بحب): صباح الخير يا حبايبي، إيه اللي مصحيكم دلوقتي؟
سيليا (بجدية): عمتو، بعد الجامعة هنروح لبابا وماما.
صعقت ليلى ورائد من كلام سيليا.
في حين صاحت ليلى قائلة بتردد:
ليلى: إيه اللي خلاكي تقولي الكلام ده يا سيليا؟
سيليا (بإصرار): أولاً أنا لازم اخلع جاد وأخلص منه في أقرب وقت.
رائد: أنتي متأكدة إنك مبتحبيش جاد يا سيليا؟
سيليا (بكره): جاد من ساعة ليلة جوازنا شلته من قلبي ومن حياتي وكنت هطلق منه بعد شهور من جوازنا بس ربنا قدر إني أحمل بزياد وقلت أعطيه فرصة عشان يتغير بس لاء، كل ما أخلف له ولد يتغير بشكل عكسي نحو الأسوأ وأنا فعلاً قرفت من كل ده، طلاقنا أنا وجاد هو الحل الأنسب لأنه الحياة بينا بقت مستحيلة.
ليلى (بتردد): طيب، والولاد، ذنبهم إيه عشان يعيشوا بين أم وأب منفصلين؟
سيليا (باستغراب): عمتو، أنتي جرا لعقلك حاجة؟ أنتي مش عايزاني أطلق من جاد؟ مش شايفة حياتي بقت إزاي؟
ليلى: لا، مقصدتش كده يا حبيبتي، بس أنتي هتطلقي وأيوه أنا واثقة إنك هتربي ولادك أحسن تربية، بس هيجي يوم وتتجوزي وساعتها ولادك مصيرهم هيكون إزاي؟
سيليا (ببرود): ومين قالك إني هتجوز تاني؟ أنا هعيش لولادي وبس.
رائد: خلاص يا ماما، أنا مع سيليا وأكيد ربنا هيقدم اللي فيه الخير.
سيليا: أما بالنسبة لموضوع عيلتي، أيوه أنا فكرت طول الليل وقررت إني هرجع، بس مش هسامحهم أبداً.
أنا عارفة ومتأكدة إنهم عرفوا الحقيقة وماتوا من عذاب الضمير.
من حق ولادي إنهم يعرفوا إن ليهم عيلة وكده كده ريان هو المعيد بتاعي في الجامعة ومش هقدر أهرب منه على طول، يبقى نلعب على المكشوف أحسن.
نهضت ليلى وأمْسكت بيد سيليا وأردفت قائلة بحنان:
ليلى: وأنا معاكي دايماً في كل خطوة يا بنتي، ربنا عوضني بيكي بعد ما خسرت بنتي وجوزي في الحادث وبقيت أربي رائد لوحدي.
سيليا (بابتسامة): وأنا متأكدة من ده يا عمتو.
ثم أكملت قائلة بمرح:
سيليا: مش عايزة تتعرفي على أخواتك يا ست ليلى؟
ليلى (بشوق): أكدب لو قلت لاء، بس كل ما أشوفهم في الجرائد والمجلات أفتكر أبويا واللي عمله في أمي.
سيليا: ومن إمتى ناخد حدا بذنب حدا يا عمتو؟
ليلى (بفخر): كل يوم أفتخر إنك موجودة يا سيليا، ربنا يوفقك يا بنتي، يلا دلوقتي اقعدي عشان تفطري ومتتأخريش عن الكلية.
سيليا (بابتسامة): حاضر.
لتجلس سيليا وتتناول الإفطار وليلى تطعم لينا ورائد يطعم زياد الذي لم يفهم شيئاً مما يحدث حوله.
(بينما كانت سيليا تتناول إفطارها بسرعة، وزياد يجلس بجانبها يتناول لقيمات صغيرة بيديه، انطلقت أصوات خطوات صغيرة قادمة من الدرج. رفعت سيليا رأسها وهي تبتسم بخفة.)
سيليا (بصوت حنون): "آه، صاحب الحفلة الصباحية وصل."
(كان مازن يمشي بخطوات ثقيلة، يفرك عينيه الصغيرتين ويجر بطانيته خلفه.)
مازن (بتذمر وهو يتثاءب): "ماما... أنا جعان."
(قبل أن ترد عليه سيليا، أصدرت لينا صوت ضحكة صغيرة وهي تضرب الملعقة على الطاولة. فجأة مدت يدها الصغيرة وسحبت بطانية مازن، وبدأت تشدها بقوة.)
مازن (بغضب طفولي): "لينا! رجعي البطانية!"
(تضحك لينا بصوت عالٍ وتستمر في شد البطانية، مما جعل مازن يقترب ويحاول استرجاعها منها.)
سيليا (بحزم ولكن بابتسامة): "لينا، سيبي البطانية، يا شقية. مازن لسه صاحي ومش ناقص إزعاجك."
(لكن لينا تجاهلت كلام سيليا وبدأت تزحف نحو مازن وهي تمسك البطانية بيدها الصغيرة، ثم فجأة تسحبها بقوة، فيسقط مازن على الأرض.)
مازن (يصرخ): "ماما! لينا وقعتني!"
زياد (يضحك وهو يشاهد المشهد): "لينا قوية يا مازن، مش هتعرف تكسبها!"
سيليا (تمسك مازن وتجلسه في حضنها وهي تهدئه): "مازن، معلش، هي مش فاهمة يا حبيبي. لينا صغيرة وشقية شوية."
(ثم تمسك سيليا بلينا وتضعها في كرسيها الصغير على الطاولة.)
سيليا (تنظر إلى لينا بجدية): "بس يا لينا، مش عايزين دوشة الصبح. خليكي شاطرة ولعبي بلعبتك."
(لينا تنظر إلى سيليا ببراءة ثم تضحك مجدداً وتضرب الملعقة على الطاولة، مما يثير ضحك زياد ومازن.)
ليلى (تقترب وتبتسم وهي تمسك بطبق): "يلا يا مازن، تعال عند تيتا عشان تفطر وسيب ماما تهتم بالشقية الصغيرة."
مازن (يتردد للحظة): "طيب، بس خلي بالك من لينا. دي مش هتخليني أعيش!"
رائد (يضحك): "مازن خايف من بنت صغيرة! ههههه!"
مازن (بغضب): "مش خايف، هي بس مزعجة!"
(بينما انشغل مازن وليلى، حاولت سيليا استغلال اللحظة لتكمل استعدادها، ولكن لينا بدأت تضرب الملعقة على الطاولة مرة أخرى وتصدر أصواتاً، مما جعل الجميع يضحك مجدداً.)
سيليا (تتنهد بابتسامة): "الحفلة الصباحية بدأت رسميًا. يا رب اليوم يعدي على خير!"
لتودع أولادها وعمتها ورائد وتذهب للجامعة.
بعد مدة قصيرة، يقف زين أمام بوابة الفيلا الحديدية المزخرفة، ينظر إليها بحدة، وكأنه يحاول أن يخترق الجدران العالية بنظراته. في يده ملف يحوي الصور والمعلومات التي جمعها. طرق على الجرس، ثم انتظر للحظات حتى جاء الحارس.
الحارس: "حضرتك مين؟ وعاوز مين؟"
زين (بهدوء جاف): "زين... أنا عاوز أقابل مدام ليلى الألفي."
الحارس (ينظر إليه بتردد): "المدام ما بتقابلش حد من غير موعد."
زين (بصوت صارم): "قول لها زين حسن الحريري عاوز يقابلها."
يتردد الحارس للحظات، ثم يختفي داخل الفيلا. بعد دقائق، تُفتح البوابة بصوت آلي، ويدخل زين إلى الحديقة الأمامية. يشعر بالهدوء الذي يحيط بالمكان، لكنه يعلم أن هذا الهدوء يخفي خلفه أسراراً ثقيلة.
(داخل الفيلا)
يجلس زين في صالون فخم، أعمدة من الرخام، وستائر حريرية. خطوات تقترب، ويظهر منها امرأة أنيقة في منتصف العمر، وجهها يحمل مزيجاً من الصرامة والحذر. إنها ليلى الألفي.
ليلى (بهدوء بارد): "حضرتك زين حسن؟ قالي الحارس إنك عاوزني."
زين (ينظر إليها بتركيز): "أيوه، أنا زين حسن الحريري ضابط شرطة... وزميل تميم جليل البحيري."
تتغير ملامح ليلى قليلاً عند ذكر اسم تميم، لكنها تخفي انزعاجها.
ليلى: "تميم؟ مال تميم؟"
زين (بصوت واثق): "مش جاي هنا أتكلم عن تميم، عن سيليا."
يتجمد وجه ليلى للحظة، لكنها تعود لتظهر صرامتها.
ليلى: "ما عنديش فكرة أنت بتتكلم عن إيه."
زين (يخرج صورة لسيليا وأولادها ويضعها على الطاولة): "سيليا... اللي عيلتها كلها افتكرت إنها ماتت واتحرقت. اللي قعدوا سنين يبكوا عليها بعد ما اكتشفوا الحقيقة إنها بريئة. أنتِ اللي أنقذتيها وأخدتيها بعيد عنهم... ليه؟"
ليلى (تتردد قليلاً، ثم بصوت بارد): "مش فاهمة أنت جاي هنا ليه. لو فعلاً أنقذتها، فده لأن عيلتها ما كانتش تستحقها. شتموها، أهانوا شرفها، وطردوها زي ما تكون... عدوهم."
زين (بحدة): "واللي حصل غلط! بس هم عرفوا الحقيقة، وعاشوا في ندم السنين دي كلها. ليه خبيتيها؟ ليه ما رجعتيهاش؟"
ليلى (تنظر إلى زين بغضب مكبوت): "وكنت تتوقع إيه؟ إنها ترجع لعيلة دمرتها؟ لمجتمع كان مستعد يحكم عليها من غير دليل؟ أنا اخترت أحميها، اخترت أعطيها فرصة تبدأ حياتها من جديد بعيد عن الناس اللي خانوا ثقتها."
زين (بصوت هادئ لكن مليء بالاستنكار): "وإنتِ فكرتي إنك بتحميها؟ وهي دلوقتي في حياة مع راجل بيهملها، وولادها محرومين من أبوهم؟ فكرتي في التمن اللي دفعتوه إنتِ وهي بسبب هروبكم؟"
ليلى (بحدة): "كانت حياتها معايا أفضل من إنها ترجع تعيش مع ناس ما قدروش قيمتها. أنا عملت اللي كان لازم أعمله!"
زين (يقف، ينظر إليها بثبات): "ده رأيك... بس سيليا؟ هي اللي عاشت الوحدة والخوف. هي اللي كانت تستحق قرارها الخاص. كنتوا الاثنين غلطانين... العيلة لما خانوها، وإنتِ لما حرمتِها من فرصة التصالح معاهم."
تظل ليلى صامتة للحظات، ثم تلتفت بعينيها بعيداً عن زين، وكأنها تحاول الهروب من الحقيقة التي طرحها.
زين (بنبرة هادئة): "أنا مش جاي ألومك. أنا جاي أسمع منك... ليه؟ وإزاي هتحلي اللي حصل؟ سيليا تستحق إنها تعيش حياة أفضل، وأولادها كمان. عيلتها تستحق تصالح معاها. لكن القرار في إيدك دلوقتي."
يترك زين الملف على الطاولة، وينظر إلى ليلى نظرة أخيرة قبل أن يغادر، تاركاً إياها في مواجهة الحقائق التي حاولت الهروب منها لسنوات.
بعدما انتهى النقاش الحاد بين زين وليلى، وقبل أن يغادر زين، يسمع صوت بكاء طفولي خافت قادم من الغرفة المجاورة. يلتفت زين بحذر، يحاول استيعاب الموقف.
زين (بنبرة استفسارية): "الصوت ده... صوت طفل؟"
ليلى (تتنهد وهي تضع يدها على جبينها): "دي لينا... بنت سيليا. أنا اللي بهتم بيها، لأنها صغيرة وسيليا في جامعتها."
يقترب زين من الباب بحذر، ويفتحه ليجد طفلة صغيرة بعمر سنة واحدة تجلس على السجادة، عيناها الواسعتان تحدقان فيه ببراءة، ودموعها لا تزال تبلل وجنتيها. ترفع الطفلة يدها نحوه وكأنها تطلب منه حملها.
زين (بنبرة ناعمة مليئة بالمشاعر): "دي... بنت سيليا؟"
ليلى (بهدوء): "أيوة. اسمها لينا. أصغر أطفالها، و... يمكن أكتر واحدة بتحتاج رعاية."
ينحني زين ويحمل الطفلة بين ذراعيه. تتوقف لينا عن البكاء وتنظر إليه بفضول، ثم تمسك بشعره بأصابعها الصغيرة وهي تضحك بخفة.
زين (يبتسم رغمًا عنه): "سبحان الله... شبهها. شبه سيليا بشكل كبير."
لينا تضحك مرة أخرى وتضع رأسها على كتفه، وكأنها وجدت راحة في حضنه. زين يشعر بثقل المشاعر يغمره، ويفكر في سيليا وحياتها الصعبة.
زين (بصوت منخفض لنفسه): "طفلة بريئة... زيها زي أمها. تستاهلوا حياة أفضل."
ليلى (بصوت أكثر لينًا): "زين... افهمني، أنا لازم احمي سيليا والولاد."
زين (بجدية): "أقدر أفهم خوفك، لكن ده ما يمنعش إن سيليا تستحق تكون وسط عيلتها. تستحق فرصة تصلح اللي فات، ولينا لازم تعرف الحقيقة عن أمها وجدودها."
لينا (تضحك وتصدر صوتًا غير واضح): "دااا!"
يبتسم زين ابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى الطفلة الصغيرة، ثم يعيد عينيه إلى ليلى.
زين: "أنا مش هقف هنا وأتفرج. سيليا تستحق تعيش حياة أفضل، وأنا هساعدها، حتى لو كنتِ إنتِ مش موافقة."
ليلى (تنظر إليه بتردد): "لو كنت فعلاً بتحب الخير لسيليا، ما تضغطش عليها أكتر. هي عندها أسبابها، وزمانها مش زي دلوقتي."
يضع زين لينا برفق على السجادة، ثم ينحني لمستواها وينظر إليها بابتسامة دافئة.
زين (بلطف): "هترجعي لعيلتك يا لينا. بوعدك."
ينهض زين وينظر إلى ليلى بحزم قبل أن يغادر الفيلا، وقد ازداد تصميمه على كشف الحقيقة وإعادة الأمور إلى نصابها.
بعد أن وضع زين لينا على السجادة، وقبل أن يغادر، أردفت ليلى:
ليلى (بصوت منخفض): "في حاجة تانية لازم تعرفها، زين."
زين (يتوقف ويعقد حاجبيه): "إيه هي؟"
ليلى (بتردد): "سيليا قررت... النهاردة بالليل. قررت إنها تواجه عيلتها."
زين (يتقدم نحوها بحذر): "تواجههم؟ قصدك إنها هتروح لهم؟"
ليلى (تهز رأسها): "أيوة. قبل ما تخرج للجامعة النهارده الصبح، قالتلي إنها مش قادرة تكمل حياتها وهي شايلة كل الحزن والوجع ده جواها. عايزة تخبرهم إنها لسه عايشة، وإنها ما سامحتهمش."
زين (بدهشة وحذر): "ما سامحتهمش؟ يعني هي مش راجعة عشان تصالحهم؟"
ليلى (بحزم): "لأ. قالت إنها مش قادرة تنسى اللي عملوه فيها. قالت إنها محتاجة تشوف نظرات الندم في عيونهم، محتاجة تواجههم باللي عملوه."
زين (يصمت لبرهة، ثم يتحدث بنبرة جادة): "دي خطوة خطيرة، ليلى. لو العيلة عرفت إنها عايشة من غير ما تكون مستعدة نفسياً، ممكن الأمور تخرج عن السيطرة. أنتِ متأكدة إنها جاهزة للمواجهة دي؟"
ليلى (بتنهيدة): "مش عارفة. بس سيليا عنيدة. لما بتحط حاجة في دماغها، محدش يقدر يغيرها. النهاردة بالليل، هنروح لهم."
زين (يفكر للحظات ثم ينظر إليها بحزم): "طيب، أنا هاجي معاكم. مش هسيبها تروح هناك لوحدها وتتعرض لأي ضغط أو أذى. لازم أكون موجود لو حصل أي حاجة."
ليلى (تنظر إليه بتردد): "بس دي مواجهتها، زين. أنت مش واحد من العيلة."
زين (بصوت مليء بالإصرار): "أنا مش محتاج أكون من العيلة عشان أحميها. سيليا... هي مش مجرد قضية بالنسبة لي. أنا هكون هناك، سواء وافقتي أو لأ."
ليلى (تخفض نظرها بتردد): "زي ما تحب... بس خلي بالك، زين. الليلة دي ممكن تغير كل حاجة."
زين (بهدوء وحزم): "أحيانًا التغيير هو اللي بنحتاجه. خليني أعرف تفاصيل اللقاء بالضبط، وأوعدك إني مش هتدخل إلا لو الأمور خرجت عن السيطرة."
تنظر ليلى إليه بصمت لثوانٍ، ثم تهز رأسها موافقة، وعينها على الطفلة لينا التي تجلس على السجادة تلعب ببراءة، غير مدركة للعاصفة التي على وشك أن تهز عالمها.
خرج زين من البوابة الرئيسية للفيلا، وهو غارق في أفكاره حول ما قالته ليلى عن سيليا. فجأة، توقفت سيارة سوداء صغيرة أمام البوابة. نزل منها شاب وسيم يبلغ من العمر حوالي 27 سنة، يمسك بيد طفلين صغيرين: زياد ومازن.
الشاب (بابتسامة ودية، لكنه متوجس قليلاً من رؤية زين): "حضرتك مين؟ بتعمل إيه عند الفيلا؟"
زين (ينظر إليه بتمعن، ثم يجيب بهدوء): "أنا زين. كنت عند مدام ليلى في شغل مهم."
الشاب (بصوت جاد): "زين؟ طيب، وشغلك إيه مع والدتي؟"
زين (يبتسم ابتسامة خفيفة): "كنت محتاج أتكلم معاها بخصوص موضوع يخص سيليا."
الشاب (عيناه تضيقان بحذر): "سيليا؟ إنت تعرف سيليا منين؟"
زين (ينظر إلى الطفلين للحظة، ثم يعود بعينيه إلى رائد): "الموضوع معقد شوية، بس تقدر تقول إن سيليا شخص مهم بالنسبالي. أنت رائد، صح؟ ابن مدام ليلى؟"
رائد (بتحفظ): "أيوة. وإنت إزاي تعرفني؟"
زين (يجيبه بثقة): "سيليا حكيتلي عنك. واضح إنك كنت دايماً سند ليها."
رائد (يشعر بالمفاجأة، لكنه لا يزال متحفظاً): "أيوة، سيليا زي أختي الصغيرة، ودايماً هكون جنبها. بس لسه ما قلتليش علاقتك بيها إيه."
في تلك اللحظة، يركض زياد نحو زين، يمسك بقميصه الصوفي بلطف، ويرفع رأسه لينظر إليه بعيون بريئة.
زياد (بفضول): "إنت بتعرف ماما؟"
زين (ينخفض لمستواه بابتسامة هادئة): "أيوة، يا زياد. بتعرفني كويس."
رائد (ينظر إلى زين بدهشة): "إنت متأكد؟ ما أظنش إنها جابت سيرتك قبل كده."
مازن (يتمسك بيد رائد، وينظر بخجل إلى زين): "أنت هتروح معانا عند ماما؟"
زين (ينظر إلى مازن بابتسامة مطمئنة): "لا، يا بطل. بس أنا هنا عشان أتأكد إن ماما وأنتوا في أمان."
رائد (بصوت أكثر جدية): "طيب، لو بتحب تطمّن، سيليا في أمان معانا. أنا وأمي عمرنا ما هنسمح لأي حد يأذيها أو يأذي ولادها."
زين (ينهض، وينظر إلى رائد بعينيه الحادتين): "دي حاجة كويسة، لأن سيليا تستاهل الأمان. بس خلي بالك، لو حصل حاجة... أنا موجود."
رائد (بصوت حازم، وعيناه تضيقان): "مش فاهم إنت مين بالظبط، ولا جاي ليه. بس واضح إنك عارف أكتر من اللازم. لو عندك حاجة تضايق سيليا، أوّل حد هيتصدى لك هو أنا."
يتبادل الاثنان نظرات مليئة بالشك والحذر، قبل أن يدخل رائد مع الطفلين إلى الفيلا. يتجه زين إلى سيارته، وأفكاره تتسارع بين كشف الحقيقة وحماية سيليا بأي ثمن.
في قاعة المحاضرات في الجامعة. ريان واقف قدام السبورة، بيشرح الموضوع بتركيز. صوت الطلاب في القاعة مليان، وكل واحد منهم بيكتب ملاحظاته. ريان رفع عينيه علشان يطمن على الحضور، وفجأة وقف في مكانه. اتجمد في مكانه وهو بيبص على واحدة قاعدة في الصف التاني.
ريان (بصوت هادي ومرتبك): "ده... مش ممكن..."
بيركز في البنت اللي قاعدة قدامه، ملامحها مش غريبة عليه. هو مش مصدق، لكن... ده مستحيل! هي ماتت!
ريان (في نفسه): "لا... مش معقول تكون سيليا. إحنا دفناها بأيدينا... لكن... دي هي! نفس ملامحها... نفس عينيها!"
إيديه ابتدت ترجف وهو ماسك الطباشيرة جامد. وقف عن الكلام، وفيه صمت غريب في القاعة. الطلاب بدأوا يبصوا عليه مستغربين.
طالب: "دكتور ريان؟ انت تمام؟"
ريان (بصوت ضعيف): "آه... آه... أنا... آسف."
بيحاول يرجع نفسه، لكن عينيه مش قادرين يبصوا في أي حتة تانية غير البنت دي. كل ما يبص فيها أكتر، كل ما يتأكد إنه مش بيحلم.
ريان (صوته ضعيف ومهتز): "إنتِ... إسمكِ إيه؟"
البنت رفعت عينيها ليه وقالت بصوت واثق ساخر: "سيليا، أختك يا ريان بيه."
الطباشيرة وقعت من يد ريان، ورايح خطوة ورا كأنه ضربة في قلبه.
ريان (صوت مرتجف): "مستحيل..."
ذكرياته بتطلع قدامه زي الطوفان: أيام لعبه مع شقيقته، حزنه لما فقدها، وكل وعد أخده إنه يحافظ على ذكراها. دلوقتي هي قدامه، عايشة.
ريان (صوته بيتهز بين الفرح والرعب): "سيليا؟! إنتِ فعلاً... سيليا؟!"
القاعة كلها ساكتة في حالة دهشة.
ريان (صوته عالي، ومش قادر يصدق): "إزاي؟ إزاي؟!"
وريان واقف في مكانه، عيونه مليانة دموع وذهنه مش قادر يستوعب اللي شافه.
رواية قيود العشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيليا البحيري
سيليا تقف من مكانها ببطء، تنظر إلى ريان نظرة خليط بين التحدي والألم. القاعة كلها في حالة صدمة، والطلاب يهمسون فيما بينهم عن سبب هذا التوتر الغريب بين المعيد والطالبة.
سيليا (ببرود وهدوء): إيه؟ مش مصدق؟ فكرت إن لما تدفن جثة وتبكي عليها خلاص تبقى أنهيت الموضوع؟
ريان (بنبرة مختلطة بين الذهول والندم): سيليا... أنا... إحنا كنا بندور عليكِ... ما كناش عارفين... ما كناش نقدر نصدق إنك حية...
سيليا (تقاطعه بصوت عالٍ ولكن مشحون بالوجع): كفاية يا ريان! أنتوا دفنتوني وأنا حية. أنا متت من ست سنين... متت لما قررتوا تصدقوا الكذبة بدل ما تسألوني أو تسمعوني. لما حطيتوني في موقف ما ينحطش فيه حد!
ريان يتقدم نحوها خطوة، والدموع تملأ عينيه. يحاول أن يتحدث ولكن صوته يخونه. سيليا تشير إليه بإصبعها بنبرة حادة.
سيليا: ما تقربش! أنا مش هنا عشان أتصالح معاكم أو أسمع تبريرات. أنا هنا عشان أكمل حياتي، أدرس، أربي ولادي، وأبني مستقبلي بعيد عن الماضي اللي دمرته أنت وأهلي!
ريان (بصوت متهدج): سيليا... أنا فاهم وجعك، أنا... إحنا ندمنا، ندمنا بكل معنى الكلمة... بس كنا مغيبين، كنا خايفين... سامحينا، سيليا. أعطينا فرصة نعوضك.
سيليا تهز رأسها بقوة، تبتسم بسخرية مليئة بالحزن.
سيليا: سامح؟ كلمة سهلة يا ريان، لكن مش بقدر أنسى إنكم شككتوا في شرفي. شرفي! وبدل ما تحموني، سلّمتوني للعالم وأنا لوحدي!
ريان ينحني رأسه، يشعر بعجزه أمام كلماتها التي تحمل وجع السنوات. الطلاب ينظرون إليهما في صمت، يشعرون بثقل اللحظة.
سيليا: دلوقتي أنا مش أختك يا ريان. أنا مجرد طالبة. شوفني كده... معيد وطالبة. ولا كلمة أكتر ولا كلمة أقل.
سيليا تمسك حقيبتها وتستدير لتغادر القاعة. ريان يحاول أن يناديها، ولكن صوته يختنق.
ريان (بهمس): سيليا... أرجوكِ...
تتوقف سيليا عند باب القاعة، تستدير ببطء وتنظر إليه نظرة أخيرة، مليئة بالوجع والتحدي.
سيليا: الكلام ده انتهى من زمان يا ريان. أنا مش محتاجة حاجة منكم. ولا حتى عذر.
تغادر القاعة بخطوات ثابتة، تاركة ريان ودموعه تنهمر أمام طلابه الذين لا يزالون في حالة ذهول.
ريان لم يستطع تحمل فكرة مغادرة سيليا بهذه الطريقة. ترك القاعة على عجل وسط همسات الطلاب المندهشين. وجدها في الممر خارج القاعة، تسير بخطوات سريعة وواثقة، ولكن عينيها مليئة بالدموع.
ريان (يناديها بهدوء): سيليا... استني، من فضلك.
تتوقف سيليا للحظة، تأخذ نفسًا عميقًا وكأنها تحاول السيطرة على مشاعرها، ثم تستدير ببطء نحوه، عيناها مليئتان بالحذر.
سيليا (ببرود): عايز إيه يا ريان؟ مش قلنا كل حاجة جوه؟
ريان (بصوت خافت): لا، ما قلناش كل حاجة. سيليا، أرجوك... اديني فرصة أتكلم معاكي، فرصة أوضح... فرصة أطلب السماح.
سيليا تنظر إليه لثوانٍ طويلة، ثم تشير إلى زاوية هادئة بعيدًا عن الممر الرئيسي.
سيليا (بهدوء): ماشي، نتكلم هنا. لكن أوعى تتوقع مني حاجة غير اللي سمعته.
يجلسان على مقعد في الزاوية، ريان يبدو متوترًا ويداه ترتعشان قليلاً. بينما سيليا تحافظ على جمودها، عيناها تخفيان بحرًا من المشاعر.
ريان (بصوت مكسور): سيليا... عارفة إن كل كلمة أقولها مش هتعوضك عن اللي حصل، لكن والله العظيم كنا ضايعين وقتها. لما حصلت الحكاية دي، حسينا إن العالم كله انهار. كنا مغيبين... غبيين... ما كناش بنفكر.
سيليا (بحدة ولكن بصوت منخفض): ما كنتوش بتفكروا؟ ما كنتوش بتفكروا إن عندكم بنت صغيرة محتاجة دعمكم بدل ما تحكموا عليها؟ كنتوا عيلتي، أقرب ناس لي، ومع ذلك اخترتوا تصدقوا الكذب بدل ما تسألوني حتى سؤال واحد!
ريان (ينظر إلى الأرض، صوته مليء بالندم): عندك حق... كل كلمة بتقوليها صح. إحنا ظلمناكي، ما عنديش أي تبرير غير إننا كنا خايبين. لحظة الشك كانت أكبر من أي حاجة، وعارف إننا فقدنا حقنا نطلب منك السماح.
سيليا (بصوت مرتجف): ريان، فاكر آخر مرة شفتوني فيها؟ فاكر الإهانة؟ فاكر نظراتكم لي؟ فاكر كلامك وكلام أحمد ومراد و يوسف و سامر و اهانات بابا و نظرة الكسرة في عيون ماما؟
ريان يهز رأسه، عيناه تلمعان بالدموع.
ريان: فاكر، ومش قادر أنساه، حتى لو حاولت. الكلام ده قتلني من يومها، سيليا. لما عرفنا الحقيقة، كل واحد فينا كان عايز يموت. عشنا ست سنين بنلوم نفسنا، بنعاقب نفسنا كل يوم. بس عارف إن ده مش كفاية.
سيليا تصمت للحظات، ثم تبتسم بسخرية.
سيليا: وأنا؟ أنا دفعت تمن غلطتكم. تهجرت، خسرت عيلتي، دُمرت حياتي. حتى لما لقيت فرصة أعيش، كل لحظة كان فيها ألم الذكريات. تعرف إيه هو أكتر شيء كان يوجعني؟ مش إنكم صدقتوا الكذبة... لكن إنكم ما صدقتوش أنا.
ريان ينظر إليها بعجز، وكأنه يبحث عن كلمات مناسبة ولكنه يعجز عن قول أي شيء. أخيرًا، يرفع رأسه.
ريان: أنا ما أقدرش أغير الماضي، سيليا. لكني مستعد أعمل أي حاجة عشان أكفر عن اللي عملناه. إحنا فقدناكي مرة، بس مش مستعدين نفقدك تاني. حتى لو مش هتسامحينا، ارجعي لعيلتك. ارجعي ليهم... خلي ولادك يعرفوا إنهم عندهم عيلة بتحبهم.
سيليا تبتسم ابتسامة حزينة، تهز رأسها بخفة.
سيليا: رجوعي مش ليكم، ريان. رجوعي لأولادي. ولادي اللي أستحقوا يعرفوا جدهم وتيتتهم وأخوالهم. لكن مسامحتي ليكم... ما أظنش إنها حاجة أقدر أقدمها.
ريان يحاول الرد، لكن سيليا ترفع يدها لتوقفه.
سيليا: مش دلوقتي. يمكن يومًا ما. لكن دلوقتي، خليني أحاول أكمل حياتي من غير ما أرجع أدفع تمن الماضي.
سيليا تقف، تنظر إليه نظرة أخيرة قبل أن تبتعد. ريان يبقى في مكانه، عينيه تتابعانها وهي تمشي بعيدًا، وكل خطوة من خطواتها تمثل له ثقل الذنب الذي سيحمله دائمًا.
ريان كان مصدومًا من كلمات سيليا السابقة، لكن شيء في حديثها الأخير جذب انتباهه بشكل أكبر. وقف فجأة ونظر إليها بعيون متسعة، وكأنه يحاول استيعاب ما قالته.
ريان (بصوت متردد ومصدوم): أولاد؟ إنتِ... عندك أولاد يا سيليا؟
سيليا توقفت عن المشي، تنفست بعمق، ثم التفتت إليه ببطء. نظرت إليه بنظرة تجمع بين الحذر والتحدي.
سيليا (بهدوء): أيوة. عندي تلاتة.
ريان شعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. وضع يده على صدره وكأنه يحاول أن يلتقط أنفاسه.
ريان (بصدمة): تلاتة؟! إنتِ... إنتِ أم؟! إزاي؟ مين... مين أبوهم؟
سيليا عبست قليلًا وهي تنظر إليه ببرود.
سيليا: مش موضوعك، ريان. حياتي بقت بعيدة عنكم من زمان. إنت آخر واحد ليه حق يسألني عن حاجة تخصني.
ريان شعر بمزيج من الغيرة، الغضب، والحزن. اقترب خطوة منها، لكن عيونه كانت مليئة بالتوسل.
ريان: سيليا، أنا مش بسأل عشان أتدخل... أنا بس مش قادر أصدق. بعد كل اللي حصل، كنت فاكر إنك... إنك لو رجعتي، حياتك هتكون متوقفة عند اللي فات. لكن دلوقتي... عندك حياة جديدة، عيلة جديدة...
سيليا نظرت إليه بعينين حادتين، وكأنها تحاول أن تُبعد كل المشاعر التي تحاول التسلل إلى قلبها.
سيليا: عيلة جديدة؟ عيلتي هي أولادي وبس، ريان. لو كنتوا موجودين وقتها، لو كنتوا صدقتوني، كان ممكن تكونوا جزء من حياتي. لكن ده ما حصلش. عيلتي القديمة ماتت يوم ما قررتوا تصدقوا الكذبة بدل ما تصدقوني.
ريان ابتلع ريقه بصعوبة، يشعر بعجز لا يوصف.
ريان: سيليا، أرجوكِ... حتى لو مش هتسامحينا، حتى لو شايفة إننا ما نستحقش. بس أنا... أنا أخوكي. ما أقدرش أتخيل إنك عايشة حياة كاملة وأنا مش عارف عنها حاجة.
سيليا شعرت بارتعاش طفيف في يدها، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها.
سيليا (بحزم): ريان، في حاجات لازم تبقى مجهولة بالنسبة ليك. أولادي مش هيدخلوا حياتكم إلا لما أقرر أنا كده. ومش هسمح لأي حد يأذيهم زي ما أنا تأذيت.
ريان شعر بشيء ينكسر داخله، لكنه لم يستطع الرد. سيليا تنهدت وبدأت تمشي مبتعدة عنه، تاركة إياه واقفًا في مكانه، يحاول استيعاب الحقيقة الجديدة التي قلبت كيانه رأسًا على عقب.
سيليا حاولت المشي سريعًا بعيدًا عن ريان، لكن خطواته كانت قريبة منها. صوته المرتجف ملاً أذنيها، وكلماته كانت كالسكاكين التي تقطع قلبها شيئا فشيئا.
ريان (يتوسل، وصوته مليء بالندم): سيليا، أرجوك... ما تمشيش. أنا عارف إني ما أستحقش منك حتى نظرة، بس ما تقدريش تسيبيني كده. أنا تعذبت ست سنين... ست سنين، سيليا، وأنا بعيش كل لحظة فيها بلوم نفسي على اللي حصل!
سيليا توقفت فجأة. أنفاسها كانت متسارعة، لكنها لم تستدر. حاولت أن تظل قوية، لكن كلمات ريان ضربت أضعف نقطة في قلبها.
ريان (بصوت مكسور): سيليا، أنا ما نسيتش صوتك... ما نسيتش ضحكتك... ما نسيتش حتى أيامك معانا. كل يوم كنت أفتكر إننا السبب في إنك رحتي من حياتنا. لو كنت تعرفي كم مرة تمنيت أموت بدل ما أشوف اليوم اللي دفناك فيه!
سيليا بدأت تشعر بتأثير كلامه. عيناها بدأت تلمع بالدموع، لكنها حاولت كتمانها. استدارت أخيرًا، ونظرت إليه بعينين مليئتين بالحزن والغضب.
سيليا بصوت متقطع: ريان... انتو... انتو خنتوني. خنتوا ثقتي فيكم. أنا كنت بنتكم..... أختكم.... كنت حبيبتكم. إزاي قدرتوا تصدقوا الكذب عني؟ إزاي؟!
ريان اقترب بخطوات بطيئة، لكنه كان منهارًا تماما. سقط على ركبتيه أمامها، وعيناه مملوءتان بالدموع.
ريان: لأننا كنا أغبياء... لأننا ما كناش نستحقك. لكن سيليا، أنا... أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أرجعك. سامحيني... حتى لو مش هتسامحي الباقي... سامحيني أنا سيليا. أنا اللي وعدتك يوم ما كنت صغيرة إني هكون سندك دايمًا، وخنت الوعد.
سيليا شعرت بأن جدرانها تنهار. صوت بكاء ريان وكلماته المكسورة، وندمه الصادق... كل هذا حطم الحاجز الذي بنته حول قلبها دون أن تدرك. الدموع بدأت تتساقط بغزارة على وجهها.
سيليا تصرخ وهي تبكي: ريان! أنا تعبت... تعبت من كل حاجة. ست سنين وأنا لوحدي، ست سنين وأنا بحاول أكون قوية، بس أنا مش قوية زي ما فكرت!
ريان وقف بسرعة، ومد يده لها بتردد. حين رأى انهيارها، لم يستطع منع نفسه من احتضانها بقوة.
ريان بصوت متهدج: سيليا، أنا آسف... آسف على كل حاجة. ما كنتش المفروض أسمح لشيء يأذيكي. سامحيني، أرجوك.
سيليا أخيرًا استسلمت وانهارت في حضنه. بكاؤها كان مثل عاصفة، لكنه كان عاصفة طال انتظارها. لأول مرة منذ سنوات، شعرت بأن هناك من يحتضن ألمها ويفهمه.
سيليا وهي تبكي في حضنه: ريان.... أنا وحشتني عيلتي... بس أنا لسه موجوعة... لسه مش قادرة أنسى.
ريان بصوت حنون: مش مهم تنسي سيليا. المهم إنك هنا، وأنا مش هسيبك تاني مهما حصل، أنا معاك، زي ما المفروض أكون من البداية.
ظلا على هذا الحال لبضع دقائق، بينما كانت الشمس تشرق عبر النوافذ، وكأنها ترحب بعودة الأخت والأخ بعد سنوات طويلة من الألم والفراق.
كان الطريق إلى فيلا ليلى هادئًا على السطح، لكن داخل السيارة كان التوتر يملأ الجو. سيليا كانت تقود بهدوء، بينما ريان بجانبها يجلس في حالة من الصدمة والارتباك. ظل يحدق في وجهها بين الحين والآخر وكأنه يحاول التأكد من أن ما يحدث حقيقي.
ريان (ينظر إليها بدهشة): سيليا... مش قادر أصدق. إنتي فعلاً قدامي... بتتكلمي... وعايشة. أنا طول السنين دي عشت وأنا فاكر إنكِ... إنكِ ميتة.
سيليا (بهدوء مشوب بالمرارة): ميتة؟ أيوه، بالنسبة لكم كنت ميتة، لكن الحقيقة كانت أصعب من كده بكتير.
ريان يحاول أن يفهم كلماتها، لكن صوته يخرج متقطعًا.
ريان: إيه... إيه اللي حصل؟ أنا مش قادر أفهم حاجة. إنتي هربتي؟ وبعدين... ازاي؟... الجثة؟ إحنا شفناكي، دفناكي، سيليا!
تتنهد سيليا بعمق، ويدها تشد على المقود.
سيليا (بهدوء ممزوج بالألم): الجثة اللي دفنتوها مش أنا. دي كانت مؤامرة... الإرهابيين اللي كانوا بيطاردوا تميم خطفوني. كنت مجرد ورقة ضغط بالنسبالهم.
ريان (بصدمة): إرهابيين؟! مستحيل... مستحيل ده كله يكون حقيقي.
سيليا: صدق أو لا تصدق يا ريان، دي الحقيقة. كنت هكون ميتة لو ما ظهرتش عمتنا ليلى... اللي أنتو ما كنتوش تعرفوا إنها موجودة. هي وابنها رائد أنقذوني من الموت.
ريان (بعيون متسعة): عمتنا؟... ليلى؟! إحنا عندنا عمة؟!
سيليا (تهز رأسها): أيوه. شقيقة بابا وعمنا جليل. بس الجد أبوهم قطع علاقته بيها من زمان لأنه خان تيتا و اتجوز أم عمتو ليلى.
ريان (يحاول استيعاب): طب... ليه ما قالتش لبابا؟ ليه ما رجعتش البيت؟
سيليا (بصوت منخفض): رجعتلكم... لكن مش زي ما كنتِ تتوقع. لما رجعت، كنتوا كلكم مصدقين إني... إني شرفي راح. كنتوا كلكم ضدي، ريان. عمرك تتخيل وجع إنكِ تكوني بريئة وكل اللي بتحبيهم يتخلوا عنكِ؟
ريان يضع يديه على وجهه، وعيناه تلمع بالدموع.
ريان (بصوت مختنق): سيليا... إحنا... كنا أغبياء. إحنا صدقنا حاجة ما كانش المفروض نصدقها أبدًا. سامحيني، بالله عليكِ سامحيني!
سيليا (بصوت ثابت ولكن متألم): سامحتك يا ريان. بس اللي حصل بعد كده، كان النهاية بالنسبالي. لما كنتوا بتدوروا عليّ، كانوا الإرهابيين سلموني ليكم... محروقة.
ريان (يهتز من صدمة كلماتها): محروقة؟! الجثة اللي دفناها؟!
سيليا (تومئ): كانت حيلة منهم عشان يبعدوا أي شكوك. بس زي ما قلتلك، ليلى ورائد أنقذوني في آخر لحظة. أخدوني عندهم، ودوني حياة جديدة.
ريان يهز رأسه ببطء، يحاول جمع كل ما سمعه، لكنه يفشل.
ريان (بصوت مختنق): ومع جاد؟... إزاي حصل ده؟
سيليا (بابتسامة مريرة): كان جزء من حياتي الجديدة، لكنه كان أسوأ قرار في حياتي. جاد مش إنسان، كان مجرد وهم. و دلوقتي، أنا مش بس بحاول أعيش... أنا بحاول أحمي ولادي منه.
ريان يبقى صامتًا للحظة، يحاول السيطرة على مشاعره المتضاربة. ثم يضع يده على يدها التي تمسك المقود.
ريان (بصوت مرتجف): سيليا، ما كنتش موجود لما احتجتيني، لكن دلوقتي... أنا هنا. مهما حصل، مش هسيبكِ تاني.
سيليا تنظر إليه للحظة، ثم تهز رأسها بخفة، وعيناها تلمع بالدموع. السيارة تتابع طريقها، لكن شعورًا جديدًا من الأمل يلوح في الأفق.
ريان يحاول تهدئة نفسه بعد كل الصدمات التي سمعها، لكن مع كل كلمة كانت سيليا تقولها، كان غضبه يزداد. قبضته تشددت على ركبته، وعيناه تمتلئان بالغضب.
ريان (بصوت هادئ لكنه مليء بالتهديد): سيليا... جاد ده... هو السبب في كل اللي انتي بتعانيه دلوقتي؟
سيليا (بنبرة هادئة ومرة): مش بس هو، يا ريان. جاد دمرني بعد كل اللي حصل. كنت فاكرة إني ببدأ من جديد لما تزوجته، لكنه كان أسوأ كوابيسي. أنا عشت معاه حياة كلها إهمال، خيانة، وظلم. لو ما كانش أولادي موجودين، يمكن ما كنتش هبقى عايشة لحد دلوقتي.
ريان يضغط بفكه بقوة، ويشعر بالغليان داخله. عينيه تضيقان وكأنهما تحاولان رسم صورة لجاد في ذهنه.
ريان (بصوت خفيض مليء بالغضب): سيليا، احكيلي أكتر. عايز أعرف كل حاجة عن جاد... كل حاجة عملها فيكي.
سيليا (تنظر إليه بتردد): ريان، ما تضغطش على نفسك. أنا خلاص قررت أنهي العلاقة دي وأبعد عنه تمامًا. المحكمة هتاخد حقي.
ريان (بصوت غاضب وقاطع): محكمة؟! انتي متخيلة إن واحد زي ده ممكن يفلت من اللي عمله بس لأنه طلقك؟! لا، يا سيليا، ده مش كفاية. الراجل ده لازم يدفع تمن كل لحظة وجع عاشتيها بسببه. أنا مش هسمح لواحد زيه يعيش مرتاح وهو دمر حياتك.
سيليا (بقلق): ريان، مش عايزة مشاكل. جاد عنده نفوذ وفلوس، و...
ريان (يقاطعها بغضب): ونفوذه ده مش هيحميه مني. سيليا، أنا أخوكي. كان المفروض أكون جنبك من الأول وما حصلش. دلوقتي دوري إني أحميك، وأنتقم لكل لحظة ألم عشتيها بسببه.
ريان يمرر يده على وجهه، يحاول استعادة السيطرة على غضبه، لكنه يفشل.
ريان (بإصرار): احكيلي كل حاجة عن جاد. مكان شغله، بيته، أي حاجة ممكن تخليه يندم إنه قابل أختي في حياته.
سيليا (بنبرة هادئة): ريان، أنا مش عايزاك تعمل حاجة تندم عليها. أولادي هما الأهم، وعايزاك تكون موجود عشاني وعشانهم.
ريان ينظر إليها، والغضب في عينيه يبدأ يتلاشى قليلاً، لكن تصميمه يظل واضحًا.
ريان (بصوت أكثر هدوءًا): أولادك هما أولادي، سيليا. مش هسمح لحد يهدد حياتك أو حياتهم. بس صدقيني... جاد مش هيهرب من الحساب. سواء على إيدي أو على إيد القانون.
سيليا تنظر إلى ريان، ثم تبتسم بخفة، تمسح دمعة تسللت إلى وجنتها.
سيليا: ما كنتش أعرف إنك لسه قادر على إنك تكون الأخ الكبير اللي بحتمي فيه.
ريان (يبتسم بخفة): دايمًا كنت كده، سيليا. بس أنا اللي غلطت. ودلوقتي دوري أصلح كل حاجة.
السيارة تصل إلى الفيلا، وقرار ريان واضح في عقله: جاد سيدفع الثمن، بأي طريقة كانت.
وصلت السيارة أمام بوابة الفيلا الهادئة، توقفت سيليا قليلاً قبل أن تنزل. تنهدت بخفة، ثم استجمعت شجاعتها، ونظرت إلى ريان بجانبها.
سيليا: مستعد؟ مشهد الترحيب هنا بيبقى صاخب شويتين.
ريان (بابتسامة متوترة): لو هما زي ما قلتي، يبقى أكيد هيتقبلوني، حتى لو أنا مش قادر أستوعب كل اللي بيحصل.
تفتح سيليا الباب، وتركض نحوها ثلاثة ظلال صغيرة. زياد ومازن يقفزان باتجاهها، بينما لينا تمد يديها الصغيرة من بعيد.
زياد (بحماس): ماما! ماما!
مازن: جبتيلي حاجة؟
تضحك سيليا بينما تنحني لتحضنهم جميعًا دفعة واحدة.
سيليا (بحب): أيوه يا رجالتنا، بس دلوقتي في مفاجأة كمان.
زياد ينظر إلى ريان الذي يقف بجانب السيارة بتوتر، عيناه الصغيرة مليئة بالفضول.
زياد (بصوت خافت): مين ده يا ماما؟
مازن يتشبث بسيليا وهو ينظر إلى ريان بحذر، بينما لينا تضرب يديها الصغيرة معبرة عن حماسها دون أن تفهم شيئًا.
سيليا: ده خالكم يا حبايبي. اسمه ريان.
ريان (بصوت هادئ وابتسامة): أهلاً يا أبطال.
زياد (بدهشة): خالنا؟ إحنا عندنا خال؟
مازن (بتذمر): أنا كنت عايز لعبة مش خال!
سيليا تضحك بخفة وتربت على رأس مازن.
سيليا: مازن، مش عيب كده؟ قول مرحبًا لخالك.
قبل أن يكمل الأطفال دهشتهم، تظهر ليلى من باب الفيلا، تنظر إلى المشهد غير مصدقة. خلفها يظهر رائد، عابسًا قليلاً من المفاجأة.
ليلى (بصدمة): ريان؟! إنت هنا؟
ريان (بصوت مفعم بالندم): حضرتك ليلى؟ عمتنا؟
ليلى (تتقدم نحوه بخطى مترددة): أيوه... بس إيه اللي جابك؟ وإزاي... إزاي قابلت سيليا؟
رائد يعبر بخطوات أسرع، يقف أمام ريان مباشرة، ونظراته مليئة بالريبة والحذر.
رائد: إنت مين بالضبط؟ وإيه اللي جابك عندنا؟
سيليا تتدخل بسرعة، تضع يدها على ذراع رائد لتهدئته.
سيليا: رائد، ده أخويا ريان. احنا كنا في الجامعة، واتقابلنا صدفة.
يهدأ رائد قليلاً، لكن الحذر لا يزول من عينيه.
رائد: ريان، أظن إنك كنت واحد من الناس اللي...
سيليا (تقاطعه بلطف): رائد، كفاية. ريان معايا دلوقتي. خلينا نحاول نبدأ صفحة جديدة.
زياد ينظر إلى ريان ثم يسأل ببراءة.
زياد: هو خالنا هيبقى معانا على طول؟
ريان (بابتسامة): لو مامتك موافقة، أكيد. هبقى موجود عشانكم.
مازن ينظر إلى ريان بفضول.
مازن: إنت بتلعب بلاي ستيشن؟
ريان (يضحك): ممكن أتعلم عشان ألعب معاك.
تقترب ليلى من سيليا وتمسك بيدها بخفة.
ليلى (بحنان): أهم حاجة إنك مرتاحة، يا بنتي.
سيليا (بابتسامة صغيرة): أيوه يا عمتو، مرتاحة أكتر مما كنت متخيلة.
يتقدم الجميع نحو داخل الفيلا، بينما ريان ينظر حوله، يحاول استيعاب المشاعر المتداخلة بين الذنب والفرح لرؤية شقيقته مرة أخرى.
بينما يدخل الجميع إلى الفيلا، تجلس سيليا على الأريكة، تحمل لينا بين ذراعيها. الرضيعة تنظر إلى ريان بفضول شديد، تمد يديها الصغيرة نحوه وهي تصدر أصواتًا عشوائية مليئة بالحماس.
لينا: دا... دا...!
ريان ينظر إلى الصغيرة بابتسامة دافئة، يتردد للحظة، ثم يجلس على ركبتيه ليكون بمستواها.
ريان (بلطف): إيه يا أميرة؟ بتندهيني؟
تمد لينا يدها وتمسك بأنف ريان فجأة، ثم تضحك بصوت عالٍ.
ريان (يضحك بخفة): آه يا مشاغبة! أنف خالك مِلكِكِ رسميًا؟
سيليا (تضحك وهي تهز رأسها): متستغربش، لينا لازم تسيب بصمتها على كل حد جديد في حياتها.
لينا (تصدر صوت فرح): دااا!
تحاول أن تزحف نحو ريان بين ذراعي سيليا، مما يجعل سيليا تسلمها له.
سيليا: اتفضل يا خالو، دي طلباك.
يحمل ريان لينا بحذر، يبدو عليه التوتر في البداية، لكن ابتسامتها الصغيرة تزيل أي حرج. تبدأ الصغيرة بلمس وجهه وتمد يدها إلى شعره.
ريان (بمزاح): إيه؟ شكلي عجبك يا شقية؟
رائد (من الخلف وهو يضحك): أظن إنك اتقبلت رسميًا في نادي الأطفال هنا.
زياد (ينظر إلى لينا بغيرة طفولية): ليه هي اللي تلعب مع خالو الأول؟ أنا الكبير!
ريان (يبتسم لزياد): أنت الكبير فعلاً، لكن الصغار ليهم حقوق برضه. أول ما تخلص لينا، الدور عليك.
مازن (متذمر): وأنا؟
ريان: أكيد يا مازن، مش هنسيبك.
لينا تصدر صوتًا آخر وتضرب بيدها الصغيرة على صدر ريان، مما يجعله يضحك بخفة.
ريان (ينظر إلى سيليا): أطفالكِ... هم النعمة اللي ما كنتش عارف إنهم موجودين في حياتنا. يا خسارة على الوقت اللي راح.
سيليا (بحب وحنان): لسه في وقت، يا ريان. أهم حاجة إنك هنا دلوقتي.
لينا تصدر صوتًا يشبه الضحك، وتضرب يديها الصغيرتين بحماس، مما يثير موجة ضحك بين الجميع.
ليلى: شايفة؟ الصغيرة عارفة إنها جمعت العيلة النهارده.
يتبادلون النظرات المليئة بالحب والأمل، بينما لينا تظل مركز الاهتمام بين ذراعي ريان.
رواية قيود العشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيليا البحيري
في أوضة الجلوس في بيت ليلى. سيليا باينة عليها متوترة، واقفة قدام ريان اللي بيحاول يلبس جاكيت علشان يرجع لبيت العيلة. العيال نايمين في الأوض التانية، وليلى قاعدة من بعيد بتراقب بصمت.
سيليا: (بتتحرك فجأة وتقف قدام الباب علشان تمنعه يخرج، صوتها بيرتعش) ريان... لو سمحت.
ريان: (بيبصلها باستغراب ورافع حواجبه) فيه إيه يا سيليا؟
سيليا: (عينيها بتتوسل، بتقرب منه خطوة بخطوة) ما تقولهمش... بالله عليك ما تقولهمش إني لسه عايشة.
ريان: (صوته مستغرب ومعصب شوية) إنتي بتقولي إيه؟ إزاي أخبي حاجة زي دي؟ العيلة لازم تعرف إنك عايشة، ده إحنا اتدمرنا بسببك!
سيليا: (بتصرخ فجأة، بتقطع كلامه) وأنا؟! أنا ما اتدمرتش؟! ست سنين يا ريان، ست سنين عشتهم لوحدي، مذلولة، موجوعة! سابوني أواجه الدنيا لوحدي... افتكروني خنتهم، دبحوني بشكهم... ودلوقتي؟ عايزني أرجع كأن حاجة ما حصلتش؟
ريان: (بيحاول يهدّيها، بيحط إيده على كتفها) سيليا، همّا كانوا غلطانين، وندموا، الكل بيعاني بسبب غيابك.
سيليا: (بتشيل إيده من عليها، عينيها مليانة دموع) ما ينفعش أرجع دلوقتي، مش بالساهل كده... أنا مش مستعدة أبص في وشوشهم وأشوف فيها شفقة أو تأنيب ضمير. أنا محتاجة وقت، محتاجة أسترجع نفسي الأول.
ريان: (بتردد، بيبصلها في عينيها، بيحاول يفهم وجعها) وطب وهمّا؟ هيعيشوا في العذاب أكتر؟
سيليا: (بتنزل على ركبتها قدامه، ماسكة إيده بقوة، صوتها مخنوق بالعياط) أرجوك، ما تعملش كده. لو إنت فعلاً أخويا... لو إنت بتحبني... ما تموتنيش تاني بإنك تقولهم. أنا محتاجة وقت... بس وقت.
ريان: (ساكت شوية طويل، بيبصلها بحزن، بيمسح على شعرها بهدوء) ماشي يا سيليا... بس ده مش سهل عليا.
سيليا: (بامتنان كبير، عينيها مليانة دموع وهي بتبصله) شكراً... شكراً يا ريان.
ريان: (بيستدير ناحية الباب، بس قبل ما يخرج، بيتلفت يبصلها) ما تتأخريش كتير يا سيليا. العيلة محتاجاك زي ما إنتي محتجاهم...
ريان خرج وسيليا قاعدة على الأرض، المكان مليان صمت تقيل بيعكس قراراتها وحزنها.
ريان خرج وفضلت سيليا قاعدة على الأرض، ودموعها بتنزل بصمت. ليلى وابنها رائد واقفين قريب منها، ليلى بتبصلها بحنية، ورائد باين عليه القلق.
ليلى: (بتقرب منها وبتحط إيدها على كتفها) سيليا... لسه خايفة؟
سيليا: (بصوت مبحوح، من غير ما ترفع راسها) أنا مش خايفة، يا عمتي... أنا مدمرة. مش قادرة أتخيل إن حياتي كلها بقت كده... كأني عايشة كابوس.
رائد: (بيجلس جنبها على الأرض، صوته هادي ومليان حزم) بس إنتِ مش لوحدك يا سيليا. إحنا معاكي، وهنفضل معاكي لحد ما تقفي على رجلك تاني.
سيليا: (بتبصله بعيون مليانة دموع) أنا تعبت، يا رائد. تعبت من كل حاجة... من الخوف، من الذكريات، ومن إن كل حاجة حواليا بتضغط عليا.
ليلى: (بتمسك إيدها بحنية) يا بنتي، أنا فاهمة وجعك... بس اللي حصل النهارده خطوة كبيرة. إنك واجهتي ريان وسامحتيه، دي بداية جديدة ليكي.
سيليا: (بصوت ضعيف) بس أنا مش عارفة إذا كنت أقدر أكمل... إذا كنت أقدر أواجه الباقي.
رائد: (بصوت جاد) هتقدري، سيليا. إنتِ أقوى بكتير مما فاكرة. شوفتي قد إيه عديتي حاجات مستحيلة؟ ده دليل إنك تقدر ترجعي وتكملي حياتك، بس خطوة بخطوة.
سيليا: (بتنهد وتبص لتحت) يمكن... بس مش عارفة إذا كنت جاهزة دلوقتي.
ليلى: (بابتسامة مطمئنة) محدش هيضغط عليكي، يا حبيبتي. خدي وقتك، بس فكرّي دايمًا إن العيلة دي هتفضل مستنياكي، لأنك مهما حصل... قلبهم.
سيليا: (بهمس وهي تنظر إلى ليلى ورائد) شكراً ليكم... لولاكوا ما كنتش عارفة أعيش ولا آخد الخطوة دي.
رائد: (بابتسامة خفيفة) إحنا عيلتك برضه، سيليا... ومهما حصل، إحنا هنا علشانك.
في غرفة طعام فخمة في فيلا كريم. الأسرة تجلس حول طاولة العشاء. الجو مشحون بالبرود. ثريا تحاول الحفاظ على أجواء ودية، بينما جيسي تستغل اللحظة لبث سمومها.
جيسي: (بصوت هادي لكنه مليان حقد، وهي تقطع قطعة من طعامها) على فكرة يا جاد، أنا مستغربة إزاي لسه مستحمل سيليا وأولادها لحد دلوقتي؟ يعني... بصراحة، البنت دي جايبة معاك مشاكل من يوم ما دخلت البيت.
جاد: (يتنهد بضيق، يحرك كرسيه قليلاً) جيسي، مش وقته الكلام ده.
جيسي: (بتضحك بسخرية) مش وقته؟ إزاي يعني؟ أنا بقول الحقيقة بس. سيليا عارفة تستغل طيبة ماما وبابا علشان تحسسك إنك الغلطان، الحقيقة واضحة... هي طول عمرها مش قد المستوى.
ثريا: (بصرامة مفاجئة، تضع الشوكة والسكين بصوت مسموع على الطاولة) كفاية، جيسي. ما بحبش الكلام ده في بيتي.
جيسي: (تتظاهر بالبراءة) ماما، أنا بس بقول اللي في قلبي. إنتِ عارفة إنها...
ثريا: (تقاطعها، نبرة صوتها صارمة) قلت كفاية، جيسي. سيليا جزء من عيلتنا، واحترامها احترام لنا كلنا. مش هسمحلك تكملي الكلام ده.
جاد: (ينهض فجأة من على الطاولة، يمسك بالكأس أمامه، صوته مليان ضيق) الموضوع ده اتقفل خلاص. مش عايز أسمع اسمها ولا سيرة الأولاد هنا.
كريم: (ينظر لجاد بحدة، يرفع حاجبه) جاد! تصرفك ده مرفوض. إذا كنت مش عايز تشوف عيلتك أو تتحمل مسؤوليتك، ده ما يديكش الحق تهينهم أو تهرب.
جاد: (بنبرة باردة، ينظر لوالده) بابا، مشكلتي مع سيليا. أنا كنت واضح من البداية.
ثريا: (بتحاول تهدي الوضع، لكن نبرتها حزينة) واضح إن المشكلة مش في سيليا، يا جاد... المشكلة فيك.
جيسي: (تحاول تهرب من الموقف، تضحك بهدوء وهي تشرب من كوبها) طيب، أظن إن العشاء بقى مش حلو زي ما توقعت.
كريم: (ينظر لها بغضب، يرفع صوته لأول مرة) وجيسي! كفاية لعب بالكلام. عيلتنا محتاجة تتعدل، وإنتِ جزء من الخراب اللي حاصل.
جاد يأخذ معطفه ويخرج بسرعة من الغرفة. جيسي تحاول التظاهر بعدم الاكتراث، بينما ثريا تمسح على جبهتها بضيق وكريم ينظر للطاولة بعيون مليانة حزن.
ثريا: (بهمس وهي توجه الكلام لنفسها) يا رب، عاوزة أشوفهم متصالحين مع نفسهم قبل ما أموت.
كريم ينظر إلى جيسي بحدة بعد خروج جاد، بينما ثريا تجلس بصمت تحاول تهدئة غضبها الداخلي. الجو متوتر.
كريم: (ينهض بهدوء لكنه بحزم، يلتقط معطفه من الكرسي) جيسي... اللي بتعمليه ده مش تصرف بنت محترمة، وأكيد مش بنتي.
جيسي: (بتحاول ترد بتحدي وهي تميل بظهرها على الكرسي) بابا، مش فاهمة إزاي أنا اللي غلطانة هنا! أنا بس بقول اللي كلنا عارفينه عن سيليا.
كريم: (بصرامة، يوجه إليها نظرة شديدة) سيليا مرات أخوكي وأم ولاده، واحترامها مش خيار. آخر مرة أسمع منك كلام زي ده، فاهمة؟
جيسي: (تبتلع كلماتها، لكنها ترد بتمتمة واضحة) طيب، واضح إنكم كلكم واقفين في صفها.
كريم: (بصوت حاسم وهو ينظر لها نظرة أخيرة) صف الحق دايمًا هو اللي لازم نقف فيه.
كريم يلتفت إلى ثريا، يضع يده على كتفها برفق، ويخرج دون أن ينظر مرة أخرى إلى جيسي. يبقى الصمت للحظات قبل أن تقطعه ثريا بنبرة هادئة لكنها حادة.
ثريا: (تنظر لجيسي بنظرة عتاب وحنق) قولي لي يا جيسي، إنتي إمتى بالظبط بقيتي البنت دي؟ البنت اللي شايفة في الشر أسلوب حياة؟
جيسي: (بتحاول تبرر، لكنها تشعر بعدم الراحة تحت نظرات أمها) ماما، أنا مش شريرة. بس سيليا مش مناسبة لجاد، وأنا شايفة ده من أول يوم.
ثريا: (تضرب الطاولة بيدها برفق لكن بصرامة) كفاية! كفاية تبريرات سخيفة. سيليا أم ولاد أخوكي، وأنا بحبها زيك. كل مرة تفتحي سيرة عنها بالشكل ده، بتجرحيها وبتجرحيني.
جيسي: (بغضب مكتوم، وهي ترفع يديها استسلامًا) طيب، ماشي، هسكت. بس لما يحصل اللي أنا متوقعة، ما تلوميش غير نفسك.
ثريا: (تقف ببطء، تضع يديها على الطاولة وتنظر مباشرة في عينيها) اللي أنا متأكدة منه، إن يوم هتيجي تندمي على كل كلمة سمّيتي بيها الجو ده. وسيليا، لما تكون فوق اللي بتقولي عنها، إنتِ اللي هتبقي تحت، لوحدك.
ثريا تنهض من مكانها بعد أن ألقت كلماتها الأخيرة، تنظر لجيسي بنظرة مليئة بالعتاب، ثم تستدير لتخرج. يبقى الصمت للحظات بعد خروجها، وجيسي وحدها على الطاولة، تمسك شوكتها بعصبية وتضغط عليها بإصبعها.
جيسي: (تتحدث مع نفسها بغضب مكتوم، تهمس بصوت منخفض) سيليا... سيليا... كل حاجة بقت سيليا!
تدفع الكرسي للخلف بعنف، تنهض وهي تدور حول الطاولة ببطء.
جيسي: (تتمتم، لكن صوتها يعلو تدريجيًا مع غضبها) الكل شايفها ملاك... البنت الطيبة اللي اتبهدلت... والكل نسي إنها السبب في اللي إحنا فيه!
تلتقط كأس ماء من الطاولة وترميه بعصبية على الحائط، فيتناثر الماء والزجاج.
جيسي: (بصوت أعلى، وكأنها تخاطب شخصًا غائبًا) هي السبب في بعد جاد عننا... السبب في غضب بابا... حتى ماما اللي دايمًا بتدعمني، بقت تفضلها عليا!
تجلس على الكرسي مجددًا، تضع رأسها بين يديها للحظات، ثم ترفع رأسها بعينين مليئتين بالشر والحقد.
جيسي: (بصوت منخفض لكنه مليء بالتوعد) لو فاكرين إنهم هيعيشوا مبسوطين، يبقوا بيحلموا... سيليا، أنا مش هسيبك. هخلي حياتك جحيم... إنتِ وأولادك!
داخل فيلا البحيري، الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً. الجميع مجتمعون في غرفة الجلوس الواسعة.
الباب يُفتح فجأة، يدخل ريان متعبًا، يحمل حقيبته على كتفه. جميع العيون تتجه نحوه.
نجلاء: (توقف ما بيدها وتنظر إليه بحدة) ريان، الساعة بقت كتير، كنت فين لحد دلوقتي؟
ريان: (يحاول التظاهر بالهدوء، يخلع معطفه) كنت في الجامعة يا أمي، عندي شغل كتير... محاضرات وتحضير.
نجلاء: (تضع الحياكة جانبًا وتقترب منه بخطوات بطيئة) ريان، متأكد؟ شكلك مش طبيعي...
فؤاد: (يقطع الحديث بصوت حازم) أمك بتسأل، جاوبها كويس. ليه شكلك مضطرب؟
ريان: (ينظر إليهما ثم يخفض نظره) مفيش حاجة يا بابا، شوية ضغط شغل... ده كل اللي في الموضوع.
جليل: (بنبرة شك) ريان، لو في حاجة، احكي، إحنا عيلة واحدة.
ريان: (يرفع رأسه ويحاول تغيير الموضوع) بجد، كله تمام. أنا بس تعبان شوية... لو تسمحولي، عايز أطلع أوضتي أريح.
نجلاء: (تمسك يده قبل أن يتحرك، بنبرة ملؤها القلق) ريان، لو في حاجة مخبيها، إحنا هنفهم، متزودش همومنا أكتر.
ريان: (يبتسم ابتسامة باهتة) متخافيش يا أمي، مفيش حاجة... صدقيني.
ريان يرفع حقيبته ويتجه نحو الدرج، لكن قبل أن يصعد، يوقفه صوت يوسف.
يوسف: (ينظر إليه بريبة) ريان، عادي لو سألناك سؤال؟
ريان: (يلتفت ببطء، يحاول ضبط نفسه) طبعًا، قول يا يوسف.
يوسف: ليه حاسس إنك بتخبي حاجة؟ مفيش حد بيتأخر في الجامعة كده...
ريان: (يضحك بارتباك) أنا فعلاً ماشي صح، إنتم بس شايلين هم أكتر من اللازم.
ريان يسرع بالصعود قبل أن يكمل أحد الحديث. الجميع يتبادلون النظرات المستفهمة، ونجلاء تنظر لفؤاد بحيرة، في حين أن تميم كان متأكد أن ريان يخفي شيئا ما.
نجلاء: (تتنهد) أنا حاسة إنه مخبي حاجة كبيرة.
فؤاد: (بصوت هادئ ولكن صارم) لو في حاجة فعلاً، هيبان... مفيش حاجة بتستخبى للأبد.
صعد ريان لغرفته، أغلق الباب خلفه بإحكام. جلس على سريره، وضع رأسه بين يديه، وتحدث مع نفسه بصوت خافت.
ريان: (بصوت منخفض) يا رب، ساعدني... ماقدرش أقولهم، مش دلوقتي... مش وأنا وعدتها.
ليمسك رأسه بيده، بينما تتردد في ذهنه كلمات سيليا وهي تتوسل إليه أن يبقي سرها طي الكتمان.
في غرفة الجلوس. العائلة لا تزال مجتمعة. سيلين، ابنة تميم، تركض هنا وهناك، تلعب بدمية صغيرة. الجو هادئ، لكن الحزن يخيم على الأجواء كلما وقعت أعينهم على الصغيرة التي تذكرهم بسيليا.
ريان ينزل ببطء من الدرج، يحاول التصرف بشكل طبيعي، لكنه يبدو متوتراً. يجلس على طرف الأريكة بجانب يوسف.
فؤاد: (ينظر إلى سيلين بابتسامة حزينة) البنت دي... سبحان الله، شبه سيليا بالظبط وهي صغيرة.
الجميع يصمت فجأة، عيونهم تتحول إلى الصغيرة التي تجلس على الأرض وتضحك.
نجلاء: (تتنهد وتمسح دمعة بصمت) فعلاً، حتى ضحكتها زيها...
سامر: (بصوت منخفض) كانت أحلى حاجة في حياتنا.
مراد: (ينظر إلى ريان) ساعات بحس إنها لسه معانا... مش كأنها اختفت.
ريان: (يبتلع ريقه، يحاول السيطرة على توتره) يعني... ذكراها دايماً في قلوبنا.
تميم: (يضع يده على رأسه بإحباط) لو ماكنتش طاردت الجماعة دي... يمكن ماكنش حصل اللي حصل.
أحمد: (بهدوء، لكنه يحمل نبرة حزن عميقة) مش ذنبك، تميم. كلنا قصرنا في حقها...
يوسف: (ينظر إلى ريان بريبة) بس إحنا المفروض نبطل نلوم نفسنا... مش كده يا ريان؟
ريان: (ينهض فجأة، يحاول الابتعاد) صح... أنا محتاج أطلع أوضتي شوية.
فؤاد: (ينظر إليه بحيرة) مالك يا ابني؟ ليه من ساعة ما جيت شكلك متوتر ومش عايز تقعد معانا؟
ريان: (يتظاهر بالابتسام) مفيش يا بابا، تعبان شوية من الشغل...
يسرع ريان بالصعود إلى غرفته، يترك خلفه جواً من الشك. الجميع ينظرون لبعضهم البعض بصمت.
مراد: (يكسر الصمت) إيه حكاية ريان؟ بقاله ساعة و هو غريب.
أحمد: (يعقد حاجبيه) أكيد مخبي حاجة...
يوسف: (يضيف بنبرة جدية) وإحنا لازم نعرف إيه هي.
سامر: (يشير نحو الدرج) يمكن حاجة تخص الجامعة؟
تميم: (يضع يده على الطاولة بصرامة) مش متأكد... بس في حاجة أكبر من كده.
فؤاد: (يضع يده على رأسه، بنبرة حزن) لو في حاجة فعلاً، يا ترى لها علاقة بسيليا؟
نجلاء: (تقاطعه) فؤاد، كفاية عذاب... سيليا مش راجعة.
يوسف: (بصوت خافت) يمكن مش راجعة... بس في حاجة غريبة.
الجميع يصمت مجدداً، وكل منهم غارق في أفكاره، بينما تستمر سيلين في اللعب مع ماهر، ببراءة غير مدركين ما يحدث من حولهما.
في غرفة نوم ليلى. جلست هذه الأخيرة لتتصل بزين، سيليا نائمة في غرفتها، أولادها بجوارها في أسرتهم. رائد، في الخارج يعمل في النادي الرياضي. ليلى تجلس على الأريكة، هاتفها في يدها، تتحدث مع زين. صوتها متوتر.
ليلى: (بتردد) زين، ريان عرف الحقيقة و كان هنا من كام ساعة... بس سيليا كانت مرعوبة.
زين: (من الطرف الآخر، بلهجة جادة) وقلتي له إيه؟
ليلى: (تنهد) سيليا توسلت له... طلبت منه ما يخبرهم. قالت إنها مش مستعدة للرجوع لبيتها.
زين: (بقلق) ليه؟ سيليا لازم تواجههم. هو ده الوقت المناسب، موش لازم تهرب أكتر من كده.
ليلى: (بحذر) مش سهلة، زين. سيليا مرّت بأيام صعبة، وعشان كده مش مستعدة تفتح الجراح من جديد.
زين: (بتنفس ثقيل) لو تأخرت، الموضوع هيصعب أكتر... ريان مش هيقدر يسكت كتير، مش هيقدر يخبّيها.
ليلى: (بغضب مكبوت) أنا عارفة، بس سيليا مش هتقدر تتعامل مع كل ده دلوقتي. لو رجعت عشان مواجهة كده، ده هيكسرها.
زين: (بصوت منخفض لكنه حازم) يعني هتخليها تهرب للأبد؟ مش هتقدر تعيش في الخوف ده كل حياتها، ليلى.
ليلى: (تنظر إلى سيليا وهي نائمة، ثم تتنهد) هي خايفة، زين. خايفة من الناس اللي هي بتحبهم، مش عاوزة تصدق إنهم ظلموها.
زين: (بتوتر) ليلى، أنا لو مكانك، كنت هنصحها إنها تقابلهم النهاردة قبل بكرة. خليها تواجه الواقع... خليها تكون قوية.
ليلى: (بصوت هادئ) هي مش قوية كفاية دلوقتي. أنا هخليها تتكلم لما تكون جاهزة، مش دلوقتي.
زين: (بعد صمت قصير) لكن لازم تعرف إن ما فيش وقت ضايع أكتر... ولازم تبقى جنبها.
ليلى: (تغلق عينيها وهي تمسك الهاتف) أنا هكون جنبها، زين. بس سيليا هي اللي لازم تقرر.
صمت طويل قبل أن يقطع زين المكالمة.
زين: (من الهاتف، بنبرة حنونة) خلي بالك منها، ليلى.
ليلى تغلق الهاتف، وتتنهد بعمق، ثم تخرج من الغرفة بهدوء وتتجه لتجلس في الحديقة رغم برودة الجو، تفكر في حياتها وحياة سيليا ورائد وتفكر في الأيام القادمة وما قد تحمله من تحديات.
رواية قيود العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيليا البحيري
بعد أسبوع، في فيلا كريم الأنصاري.
صوت جرس الباب يرن. ثريا تفتح الباب بحماس.
ثريا: أهلاً وسهلاً! البيت نوّر والله!
تنحني تحيي الأطفال اللي واقفين جنب سيليا.
ثريا: يا خبر، شوفوا العسل، تعالوا يا حبايبي، جدتكم نفسها تشوفكم من زمان.
سيليا: متشكرة قوي على العزومة، يا طنط.
كريم: عزومة إيه يا بنتي! ده بيتك وبيت ولادك. اتفضلوا، ما تقفوش على الباب.
الجميع يدخلون الصالة الكبيرة اللي مليانة دفء وراحة.
الأطفال يجروا على كريم، اللي ينزل على ركبته علشان يستقبلهم.
كريم: زياد، مازن، ولينا العسولة! وحشتوني يا ولاد.
زياد: جدو! هتلعب معانا النهارده؟
كريم: طبعًا، عندي ليكم مفاجأة جامدة جدًا.
مازن: إيه المفاجأة دي، جدو؟
كريم: هتعرفوا حالًا!
بياخد كريم الأطفال على أوضة جنب فيها ألعاب وهدايا.
في الصالة، ثريا قاعدة جنب سيليا.
ثريا: يا حبيبتي شكلك تعبان. كل حاجة تمام؟
سيليا: مرهقة أوي يا طنط، بس بحاول أتماسك علشان ولادي.
ليلى: سيليا قوية، وقدها.
ثريا: إحنا هنا معاكِ، ودايمًا في ضهرك.
رائد واقف جنب كريم بعد ما رجع من اللعب مع الأطفال.
كريم: يا نهار أبيض، الطاقة دي كلها جايبينها منين؟ أرهبوني!
رائد: الطاقة دي واخدينها من أمهم، واضح إنهم ورثوا قوتها.
كريم: وأنتِ يا سيليا، إحنا عيلتك، ومافيش حاجة هتغير ده.
سيليا تبتسم بخجل وتحس براحة لأول مرة من زمان.
في الخلفية، صوت جيسي جاي من فوق وهي بتتكلم في التليفون مع جاد.
جيسي: مش مصدقة إنكم عازمينها هي وعيالها!
ثريا وكريم يبصوا لبعض، وبعدين يتجاهلوا الكلام.
ثريا: سيليا، أنا محضّرة لك أكل مخصوص. عايزة أشوفك بتاكلي كويس، ما تهلكيش نفسك.
سيليا: متشكرة قوي يا طنط.
الأطفال بيضحكوا وبيلعبوا مع جدهم، وثريا بتبص لسيليا وليلى بحب واضح، وعزمها إنها تكون دايمًا في ضهرها مهما حصل.
جيسي بتنزل من السلم، خطواتها مسموعة بوضوح، ونظراتها مليانة حقد وهي داخلة الصالة. ثريا بتبصلها بحذر، وكريم بيتجاهلها كأنه مش واخد باله.
جيسي: أوه، الكل مجتمع هنا، ما شاء الله! شكل الجو لطيف جدًا.
بتبص لسيليا وليلى بطريقة مستفزة، وبنبرة متعالية.
جيسي: ما كنتش عارفة إن الضيوف الكرام ليهم زيارة النهارده.
ثريا: سيليا مش ضيفة، ده بيتها.
جيسي: آه طبعًا، أكيد.
بتقرب جيسي من الأطفال بابتسامة مصطنعة عشان تخفي مشاعرها.
جيسي: زياد يا روحي، تعال عند عمتك جيسي.
زياد يبص لها بتوتر ويشد إيده بعيد عنها.
زياد: لا.
جيسي تحاول ما تظهرش إحراجها، وتلف لجهة مازن.
جيسي: طب إيه رأيك إنت يا مازن؟ تعال هنا، عمتك هتجيب لك حاجة حلوة.
مازن يبعد خطوتين للخلف، بصوته الطفولي.
مازن: لا، عايز أروح عند جدو.
جيسي تتنهد بغيظ، وتحاول تسيطر على أعصابها، وبعدها تبص للينا الصغيرة اللي قاعدة على حضن ثريا.
جيسي: وآه، دي بقى لينا العسولة! تعالي يا حبيبتي لعمتك الجميلة.
جيسي تمد إيديها عشان تشيلها، لكن لينا تبص لها بعيون صغيرة مشمئزة، وتبدأ تبكي بهدوء وهي تلف وشها ناحية ثريا.
ثريا: أصل لينا مش بتتعود على حد بسرعة.
جيسي تضغط على أسنانها وهي بتحاول تخبي إحراجها، وبصوت متوتر.
جيسي: آه، الأطفال ساعات بتكون غريبة في تعاملها.
بتقعد جيسي على الكنبة بتكبر واضح، وتحاول تخبي نار الغيظ اللي مولعة جواها.
كريم: تعال يا زياد، جدك عايز يعرف مين اللي كسب في اللعب!
زياد يجري على كريم ويقعد جنبه، وسيليا تبص لجيسي بنظرة هادئة وواثقة، كأنها بتقول إنها مش مهتمة باستفزازه.
ليلى تنظر لرائد وتبتسم، وكأنها بتقول له بهمس "واضح مين الكسبان هنا".
جيسي قاعدة متجمدة، ونار الحقد باينة في عينيها، بينما العيلة بتكمل الليلة بشكل عادي، كأن وجودها مجرد تفصيل صغير.
سيليا تقعد في مكانها بهدوء وهي بتحاول تهدي لينا الصغيرة اللي رجعت لحضنها، وبعدين ترفع عينها بهدوء تبص لجيسي اللي قاعدة مكانها، ملامحها متوترة ومليانة غيظ واضح.
سيليا: الأطفال أوقاتهم أغلى من أي حاجة... بيعرفوا دايمًا مين اللي بيحبهم بجد.
جيسي تحاول تحافظ على برودها، بس عينيها باينة فيها نار الغيظ، وترد بصوت متوتر.
جيسي: آه، الأطفال دايمًا عندهم تصرفات غريبة. يمكن بس محتاجين شوية وقت يتعودوا على الناس الكبيرة اللي في حياتهم.
سيليا تضحك ضحكة خفيفة، بنبرة كلها ثقة، وتبص لجيسي مباشرة.
سيليا: أكيد. بس الحب الحقيقي ما بياخدش وقت... بيبان من أول لحظة.
جيسي تحاول تخفي إحراجها، وتبص بعيد وهي ماسكة كوب العصير قدامها بإحكام لدرجة إن صوابعها بتبيض. كريم يلاحظ الموقف، ويفتح كلامه بهدوء عشان يخفف التوتر.
كريم: آه، الأطفال دول أذكياء قوي... بيعرفوا كويس مين اللي فعلاً بيهتم بيهم.
ثريا تبص لجيسي بنظرة مليانة عتاب.
ثريا: جيسي، تعالي شوفي لينا، يمكن لو لعبتي معاها بهدوء، تتعود عليكي.
جيسي تبتسم ابتسامة متصنعة.
جيسي: لا، مش عايزة أضغط عليها... الأطفال محتاجين مساحة.
سيليا تضحك ضحكة خفيفة، وتحضن لينا اللي بدأت تضحك هي كمان، بينما نظراتها المليانة ثقة بتفضل على جيسي اللي شكلها بيزداد غضب وغيظ.
ليلى تقرب من سيليا وتهمس لها وهي مبتسمة.
ليلى: كده كتير يا بنتي، هتفجريها!
سيليا ترد عليهم بهمس وهي مبسوطة.
سيليا: خلينا نشوف آخرتها إيه.
جيسي تقوم من مكانها فجأة، وتتكلم بنبرة عصبية متصنعة الهدوء.
جيسي: أنا طالعة أوضتي. مش بحب الازدحام ده.
جيسي تطلع على السلم بخطوات سريعة، بينما سيليا تبص لليلى بابتسامة المنتصر وتكمل تهز لينا برفق وهي تضحك.
بعد فترة قصيرة، باب الفيلا بيفتح، وجاد داخل لابس بدلة شيك وهو ماسك شنطته. صوته بيدوي في المكان.
جاد: مساء الخير!
يبص حوالين الصالة، يلاقي الكل قاعدين، الأطفال بيلعبوا مع كريم، وسيليا قاعدة جنب ثريا وبتتكلم بهدوء مع ليلى.
ثريا: جاد! أخيرًا جيت، اتفضل ارتاح.
جاد بيبتسم بسمة خفيفة، وبعدين يبص للأطفال.
جاد: تعالوا هنا عند بابا.
زياد، مازن، ولينا يبصوله لحظة، وبعدين يكملوا لعب مع كريم وكأنهم ما سمعوش.
جاد: زياد؟ مازن؟ تعالوا فحضن بابا.
زياد يقوم واقف، بس بدل ما يروح لجاد، يجري نحية ثريا ويستخبى وراها وهو بيقول بصوته الطفولي.
زياد: لا، مش عايز!
مازن يبص لجاد وبعدين يهز راسه ويقرب من كريم.
مازن: جدو كريم أحسن من بابا.
جاد يتسمر مكانه للحظة، ونظرة إحباط خفيفة بتظهر على وشه، بس بيحاول يخبيها.
جاد: ولينا؟ إنتِ أكيد هتيجي عند بابا، صح؟
جاد يقرب علشان يشيلها، بس لينا الصغيرة تلتف بسرعة ناحية كريم وتبدأ تمد إيديها ليه وهي تبكي و بتبص لجاد بخوف.
سيليا تبص للمشهد وهي بتحاول تحافظ على ملامحها الهادئة، لكن ليلى تشوف ابتسامة خفيفة على وشها.
جاد: شكلهم مش متعودين عليّ، ده كل اللي في الموضوع.
كريم: ولادك محتاجينك، جاد. وجودك معاهم هو اللي هيعودهم عليك.
جاد: شغل كتير يا بابا، ومش دايمًا عندي وقت.
ثريا تهز راسها بأسى.
ثريا: الولاد أهم من أي شغل يا جاد. دي حاجات ما بتتعوضش.
جاد يبص لسيليا، اللي بتتجنبه وبتحاول تهدي لينا، ونار الغيظ والحيرة تشتعل جواه وهو بيحاول يخفيها بابتسامة متوترة.
جاد: أنا هطلع أغير وأريح شوية.
جاد يسيبهم ويطلع فوق، وكل الموجودين يحسوا بالثقل اللي سابه وراه، بينما الأطفال بيكملوا لعبهم وكريم وثريا بيحاولوا يغيروا الجو.
بعد فترة قصيرة، الكل كان متجمع حوالين طاولة العشاء. كريم وثريا قاعدين على رأس الطاولة، سيليا قاعدة جنب ليلى، والأطفال حوالين الجد والجدة بيضحكوا ويلعبوا، جاد قاعد على الطرف المقابل وباين عليه إن مفيش كلام كتير بينه وبين حد. جيسي قاعدة جنب جاد وبتاكل بصمت، واضح عليها إنها متضايقة.
كريم: على فكرة، سيليا، أنا عرفت من ليلى إنك رجعتي الجامعة وكملتي دراستك. بصراحة، أنا فخور جدًا بيكي.
سيليا تبتسم بهدوء وبثقة.
سيليا: شكراً يا عمو كريم، التعليم كان دايماً حلمي، والحمد لله قدرت أرجع أكمله.
ثريا: ودي حاجة تستاهل كل التقدير، يا حبيبتي. إنك تفكري في مستقبلك ومستقبل أولادك... ده شيء عظيم.
جاد يرفع عينه من الطبق، يبص لهم باستهزاء خفيف.
جاد: الجامعة في الوقت ده؟ مش شايفة إن ده مجهود زيادة ملوش لازمة؟
كريم يرد بسرعة وبحدة لطيفة.
كريم: بالعكس يا جاد، التعليم عمره ما كان مجهود على الفاضي. سيليا بتعمل اللي لازم يتعمل علشان تبني مستقبلها ومستقبل الأولاد.
ثريا: بالظبط! واحنا كلنا هنا ندعمها. الحقيقة، أنا شايفة إن ده قرار شجاع جدًا منها.
جيسي تبص بنظرة حادة لسيليا، وترد بتصنع.
جيسي: آه، شجاعة أكيد... بس برضه مش عارفة إزاي بتوفق بين الجامعة والأولاد. دي مسئولية كبيرة.
سيليا ترد بهدوء وبابتسامة واثقة.
سيليا: كل حاجة بتتظبط لما تكوني عارفة إيه اللي عايزة توصليه. وأنا عندي هدف واضح.
رائد يقطع الحديث وهو بيحط شوية أكل للأطفال.
رائد: وأنا شايف إنها قدها وأكتر. سيليا ما شاء الله عليها، بتعرف توازن بين كل حاجة.
ليلى: وده مش غريب عليها، سيليا طول عمرها قوية وبتعرف تاخد قراراتها بنفسها.
كريم يبص لجاد بنظرة مليانة معاني.
كريم: جاد، يمكن لازم تتعلم حاجة أو اتنين من سيليا... الإرادة والتصميم.
جاد يحاول يتجاهل التعليق ويرجع يأكل بصمت، بينما سيليا تبص لكريم وثريا بابتسامة امتنان وتكمل تناول العشاء بهدوء وثقة.
الجميع على طاولة العشاء، الجو مشحون بعد التعليقات اللي فاتت. سيليا تبص لجاد بنظرة حازمة، وكأنها قررت تنهي أي شيء معلق بينهم. تسند ظهرها للكرسي وتتكلم بثقة وهدوء، وكل العيون تركز عليها.
سيليا: جاد، أنا مش هطول عليك... أنا قررت إني أخلّص من العلاقة دي للأبد. عايزة طلاق، وبكل احترام، عايزة أعيش حياتي بعيد عنك أنت وأفعالك.
الجميع يندهش للحظة، لكن ملامح كريم وثريا تبان عليها علامات الفهم والقبول. جاد يبتسم ابتسامة مستفزة ويضحك ضحكة خفيفة.
جاد: طلاق؟ وأخيراً قررتي تطلبي اللي كان واضح من زمان؟ كنت مستني اللحظة دي، الحقيقة.
سيليا تبتسم بثقة، ترفع راسها وترد بثبات.
سيليا: أنا مش طالبة الطلاق عشان أهرب، ولا عشان أستسلم. أنا بطلبه عشان أستعيد حقي في حياة كريمة ليا ولأولادي... الحياة اللي أنت عمرك ما فكرت فيها غير بنفسك.
ثريا تبص لجاد بحزن واضح، وتحاول تتدخل، لكن كريم يشاور لها بهدوء إنها تسيبهم يكملوا.
جاد: كريمة؟ ده كلام كبير أوي يا سيليا... الحياة مش فيلم درامي زي ما بتتخيلي.
سيليا: الحياة بالنسبة لي دلوقتي هي أولادي ومستقبلهم. أنت كنت موجود بالاسم بس... لا حسيت بالمسئولية ولا حاولت تبقى أب ليهم. وأنا مش ناوية أضيع سنين تانية في علاقة من طرف واحد.
رائد ينظر لجاد بنظرة احتقار واضحة، ويمسك بكوب الماء عشان يهدي نفسه. ليلى تبص لجاد وتتكلم بهدوء.
ليلى: سيليا عندها حق، وجاد، لو عندك أي ذرة إحساس بالمسئولية، هتوافق على الطلاق من غير مشاكل.
جاد يهز كتفيه وكأنه الموضوع ملوش أهمية بالنسبة له، ويبتسم ابتسامة ساخرة.
جاد: ماشي... عايزة الطلاق؟ خلاص، زي ما تحبي. أنا مش متمسك بحاجة.
سيليا تبتسم ابتسامة صغيرة، وكأنها انتصرت في حرب طويلة، وتبص لجاد مباشرة.
سيليا: شكراً، وأتمنى إنك في يوم ما تفتكر اللي عملته في أولادك وتحاول تصلحه، لو لسه عندك فرصة.
ثريا تبكي بصمت، بينما كريم يهز رأسه بحزن ويقول بهدوء.
كريم: كنت متمنى أشوفك شخص أحسن من كده يا جاد... بس القرار قراركم.
الجميع يعودون لتناول العشاء بصمت، وسيليا تبص لأطفالها اللي بدأوا يلعبوا مع جدهم وجدتهم وكأنها أخيراً شافت الضوء في نهاية النفق.
رواية قيود العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيليا البحيري
بعد لحظة من الصمت على طاولة العشاء، زياد، الطفل البالغ من العمر 4 سنوات، يتوقف عن اللعب مع أخويه وينظر إلى والده جاد. ينهض من كرسيه الصغير ويتجه نحو جاد بخطوات صغيرة لكنها واثقة. الجميع يلاحظ تصرفه، وكأنهم ينتظرون ما سيقوله.
زياد: بابا... ممكن أسألك سؤال؟
جاد يرفع عينه ببطء وينظر لزياد بدهشة خفيفة، يحاول إخفاء استغرابه بابتسامة ساخرة.
جاد: طبعاً يا زياد، قول يا بطل.
زياد: ليه مش بتحبنا؟
الجميع يندهش من كلام زياد، وسيليا تحاول تتدخل بهدوء.
سيليا: زياد، حبيبي...
زياد: لأ، يا ماما. أنا عايز أعرف. هو بابا ليه مش بيقعد معانا زي جدو كريم و خالو رائد؟ ليه مش بيلعب معايا زي ما صحابي بيلعبو معا باباهم؟
ثريا تضع يدها على فمها محاولة كتمان دموعها، وكريم ينظر لجاد بنظرة تأنيب.
جاد: إيه الكلام ده، يا زياد؟ طبعاً أنا بحبك... بس الشغل كتير.
زياد: لا... جدو برضه بيشتغل، بس بيلاقي وقت يلعب معايا. حتى خالو رائد بيقعد معانا. إنت دايماً بتقول مشغول... حتى لما بنبقى في نفس المكان، إنت مش بتتكلم معايا.
جاد يحاول يبتسم لكنه يفشل في إخفاء توتره.
جاد: أصل... أصل الشغل مهم علشانكم، علشان مستقبلكم.
زياد: بس إنت مفيش مرة قلتلي إني وحشتك... أو إني ولد شاطر. حتى لما كنت برسم في الحضانة، ما جيتش تبص على رسمي زي ما جدو عمل.
سيليا تبكي بصمت وهي تنظر لزياد، بينما ثريا تضع يدها على قلبها من التأثر. رائد يراقب الموقف بصمت لكنه يبتسم بفخر لصراحة زياد.
زياد: بابا، أنا كنت نفسي تبقى زينا... بس شكلك مش عايز.
زياد يلف ويرجع لطاولته الصغيرة، ويجلس بهدوء. الجميع يظل صامتاً، وجاد يبقى مذهولاً للحظات، يحاول الكلام لكنه يعجز. كريم يضع كوبه بهدوء على الطاولة وينظر لجاد بحزم.
كريم: أعتقد إنك سمعت اللي زياد قاله... لو عندك أي رد، إحنا كلنا بنسمعك.
جاد ينظر للجميع، ثم يخفض رأسه في صمت، غير قادر على الرد. سيليا تنظر لزياد بفخر ودموعها لا تزال تملأ عينيها، وتبتسم له بحنان.
بعد لحظة من صمت الأطفال، ينظر مازن بعينيه البريئتين إلى والده جاد. يمسك بلعبته الصغيرة، ويقترب بخطوات مترددة، لكنه يتوقف فجأة في منتصف الطريق، ويقول بصوت خافت لكنه مليء بالوضوح الطفولي.
مازن: بابا... أنا مش بحبك.
الجميع على الطاولة يتجمد في مكانه، ينظرون إلى الطفل الصغير بدهشة ممزوجة بالحزن. جاد يرفع حاجبيه بتعجب، لكن بدلاً من الشعور بالذنب، يظهر تأففه المعتاد.
جاد: مازن، إنت بتقول إيه؟
مازن: بقولك إني مش بحبك... بحب خالو رائد أكتر. هو دايماً بيلعب معايا وبيحضني، لكن إنت دايماً بعيد.
زياد ينظر إلى أخيه بدهشة، بينما سيليا تضغط شفتيها بقوة لتمنع دموعها من الانهمار. رائد ينظر إلى جاد بنظرة تعبر عن مزيج من الغضب والأسف.
جاد: إيه الكلام ده، يا مازن؟ طبعاً أنا بحبك... بس الشغل كتير.
مازن: لا... جدو برضه بيشتغل، بس بيلاقي وقت يلعب معايا. حتى خالو رائد بيقعد معانا. إنت دايماً بتقول مشغول... حتى لما بنبقى في نفس المكان، إنت مش بتتكلم معايا.
جاد يحاول يبتسم لكنه يفشل في إخفاء توتره.
جاد: أصل... أصل الشغل مهم علشانكم، علشان مستقبلكم.
مازن: بس إنت مفيش مرة قلتلي إني وحشتك... أو إني ولد شاطر. حتى لما كنت برسم في الحضانة، ما جيتش تبص على رسمي زي ما جدو عمل.
سيليا تبكي بصمت وهي تنظر لزياد، بينما ثريا تضع يدها على قلبها من التأثر. رائد يراقب الموقف بصمت لكنه يبتسم بفخر لصراحة زياد.
مازن: بابا، أنا كنت نفسي تبقى زينا... بس شكلك مش عايز.
مازن يلف ويرجع لطاولته الصغيرة، ويجلس بهدوء. الجميع يظل صامتاً، وجاد يبقى مذهولاً للحظات، يحاول الكلام لكنه يعجز. كريم يضع كوبه بهدوء على الطاولة وينظر لجاد بحزم.
كريم: أعتقد إنك سمعت اللي زياد قاله... لو عندك أي رد، إحنا كلنا بنسمعك.
جاد ينظر للجميع، ثم يخفض رأسه في صمت، غير قادر على الرد. سيليا تنظر لزياد بفخر ودموعها لا تزال تملأ عينيها، وتبتسم له بحنان.
بعد لحظة من صمت الأطفال، ينظر مازن بعينيه البريئتين إلى والده جاد. يمسك بلعبته الصغيرة، ويقترب بخطوات مترددة، لكنه يتوقف فجأة في منتصف الطريق، ويقول بصوت خافت لكنه مليء بالوضوح الطفولي.
مازن: بابا... أنا مش بحبك.
الجميع على الطاولة يتجمد في مكانه، ينظرون إلى الطفل الصغير بدهشة ممزوجة بالحزن. جاد يرفع حاجبيه بتعجب، لكن بدلاً من الشعور بالذنب، يظهر تأففه المعتاد.
جاد: مازن، إنت بتقول إيه؟
مازن: بقولك إني مش بحبك... بحب خالو رائد أكتر. هو دايماً بيلعب معايا وبيحضني، لكن إنت دايماً بعيد.
زياد ينظر إلى أخيه بدهشة، بينما سيليا تضغط شفتيها بقوة لتمنع دموعها من الانهمار. رائد ينظر إلى جاد بنظرة تعبر عن مزيج من الغضب والأسف.
جاد: ما تبقاش درامي كده. أنا أبوك، يعني لازم تحبني، ده الطبيعي.
مازن: مش لازم. الحب بيجي لوحده. وإنت عمرك ما حاولت تخلي حد يحبك، حتى ماما...
كلمات مازن الصغيرة تضرب الجميع كالصاعقة. ثريا تضع يدها على فمها مصدومة، بينما كريم يهز رأسه بخيبة أمل. جيسي تنظر إلى أخيها جاد بتوتر، غير قادرة على التدخل. سيليا تمسك بيد ابنها بلطف، ثم تقف بجانبه وكأنها درعه الحامي.
سيليا: جاد، مازن مش بيبالغ. الحقيقة واضحة في عيون الأطفال، وأظن كلامه دليل كفاية على اللي عملته فينا السنين اللي فاتت.
جاد ينظر إلى الجميع، ثم يهز رأسه بلا مبالاة ويقف من على الكرسي.
جاد: خلاص، زهقت من الدراما دي. لما تخلصوا تقلبوا العشا لحفلة مشاعر، ابقوا قولولي.
جاد يخرج من الغرفة دون أن يلتفت إلى الوراء، تاركاً الجميع في حالة من الصدمة الصامتة. مازن يمسك بيد أمه بشدة، بينما زياد يربت على كتفه بحنان، وكأنهم معاً أقوى من غياب والدهم العاطفي. ثريا تقترب من الأطفال وتضمهم بحنان، محاولة تخفيف الألم الذي زرعه ابنها في قلوبهم.
ثريا: حقكم عليا، يا حبايبي... إحنا هنا عشانكم.
سيليا تنظر لأطفالها بحب وتصميم، وتهمس لنفسها بهدوء وكأنها تعدهم بمستقبل أفضل.
جيسي تجلس على الطاولة، ملاحظة ما حدث للتو، وتبدأ تضحك بسخرية، بينما تراها سيليا بتوتر. جيسي تحاول فرض سطوتها، غير مكترثة بمشاعر أحد.
جيسي: بجد يا سيليا؟ جايبالي الولاد دول يشتكوا من أبوهم قدامنا؟ بقى لهم عقل دلوقتي؟ ده أكيد أنتِ اللي مليتي دماغهم بكلام فارغ. إيه يعني لو جاد مش بيهتم بيهم؟ هما مش محتاجين حب ولا اهتمام، دول عندهم ألعاب ولبس جديد وخلاص!
سيليا تحاول أن تظل هادئة، لكنها تكاد تشتعل من الداخل. جيسي تواصل في سخريتها، غير مهتمة بالأجواء المحبطة التي سادت بين الجميع.
جيسي: مش عارفة ليه مش قادرين تتقبلوا الحقيقة! جاد مش غلطان، هو مش ملزم يكون بطل عاطفي. أنتم اللي لسه متعلقين بفكرة الأب المثالي اللي في أفلام الخيال.
ثريا تبتسم ابتسامة متوترة، لكنها لا تستطيع أن تقاوم، فتقف فجأة من مكانها لتواجه جيسي بحزم.
ثريا: جيسي، مش دي الطريقة اللي هنتعامل بيها مع الأطفال دول. أنتِ لو فاكرة إن الكلام ده يمر من غير حساب، تبقى غلطانة. سيليا مش ناقصة تعليقاتك السخيفة.
جيسي تتنهد بتكبر وتحدق في ثريا، لكنها لا ترد مباشرة، بل تدير وجهها بحقد.
جيسي: آه، طبعاً، فالأطفال دول أصبحوا معصومين من الخطأ دلوقتي، مش كده؟ لكن لو كنتِ شايفة إن كلامي مش صحيح، ليه أنتم عايشين في نفس البيت مع اللي حصل؟
ثريا: أنا مش هسمح لك تهيني أولاد سيليا قدامنا، ولا حتى تسخري منهم. نضوجهم مش من حقك تحكمي عليه. سيليا حرة في تربية أولادها بالطريقة اللي تشوفها مناسبة.
جيسي تحاول أن ترد، لكن كلام ثريا كان حاسماً جداً. ثريا تنظر إلى سيليا وتطمئنها بنظرة داعمة، بينما تلتفت جيسي بحنق إلى جانب آخر من الغرفة.
جيسي: آه، طبعاً، كلكم ضدي.
ثم تترك الجميع في الجو المشحون، بينما سيليا تشد يدي أولادها برفق، مع نظرة مليئة بالحزم والثقة، تدرك أن الأمور لن تعود كما كانت. كريم يراقب الموقف بصمت، ثم ينظر إلى ثريا ويهمس لها بابتسامة حزينة.
كريم: الأمور هتتحسن، بس لازم نكون جنبهم أكتر.
ثريا تبتسم برقة، وتربت على كتف سيليا، وهي تعلم أن دعمها لهم هو المفتاح للمستقبل.
الجميع في غرفة الجلوس بعد العشاء، ومازن، الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، يجلس على ركبتي سيليا، وهو يتحدث ببراءة وهو يلوح بيديه.
مازن: ماما، خالو ريان طيب جداً!
سيليا تبتسم بحنان وتضع يدها على رأسه.
سيليا: إيه اللي عمله خالك ريان علشان تحبه كده؟
مازن: خالو ريان بيحكي لي قصص حلوة قوي! دايماً بيضحك معايا وبيخليني ألعب معاه، وهو مش زي بابا جاد... بابا جاد مش بيبص عليا ولا على زياد، بس خالو ريان دايماً معايا... خالو ريان بيقول لي إني شاطر!
سيليا تشعر بألم في قلبها ولكنها تخفيه بابتسامة، بينما جاد وأسرته يبدو عليهم الاستغراب، خاصة جيسي التي ترفع حاجبها في دهشة.
جاد: خالك ريان؟! مين ريان ده؟
سيليا تنظر إلى جاد بنظرة هادئة، لكنها تختار ألا ترد مباشرة على سؤاله. ثم تنظر إلى مازن وتبتسم له بحنان.
سيليا: ريان هو أخويا، يا حبيبي، وهو إنسان طيب قوي.
جيسي تدخل في الحديث بتعجب، وعلامات الاستفهام تظهر على وجهها.
جيسي: أخوكي؟! يعني ريان ده، شقيقك؟! ده إزاي؟!
الجميع يتبادل النظرات في حالة من الاستغراب، بينما مازن يظل جالسًا مبتسمًا، غير مدرك لتأثير حديثه على المحيطين.
مازن: أيوة! خالو ريان هو دايماً معايا!
ثريا تتدخل، محاولة أن تكون مهذبة رغم استغرابها.
ثريا: بس هو مش في مصر، مش كده؟ ليه ما سمعناش عن ريان ده قبل كده؟
سيليا تشعر بالحرج من الأسئلة ولكنها تظل ثابتة في إجاباتها، تبتسم بشكل هادئ.
سيليا: ريان ساكن في مكان بعيد عنكم، بس هو قريب مني.
الجميع يظل في حالة صمت، يستوعبون ما قالته سيليا، وجاد يبدو عليه الغضب المختلط بالاستفهام. جيسي لا تستطيع أن تخفي دهشتها.
جاد: يعني عندك أخ اسمه ريان ومحدش فينا يعرفه؟ دي أول مرة نسمع عنه.
سيليا تشعر بأن الأمور بدأت تصبح معقدة أكثر، ولكنها تبقى هادئة ومتماسكة.
سيليا: ريان كان في مكان بعيد، وده مش وقت الحديث عن الماضي، أنا هنا دلوقتي مع أولادي.
الموقف يصبح محملاً بالشكوك والدهشة، والجميع يبادل بعضهم النظرات الحائرة.
الجميع في الغرفة يشعر بالحرج والاستغراب بعد حديث مازن عن ريان. كريم، والد جاد، يلاحظ الجو المشحون في الغرفة ويحاول تهدئة الأجواء.
كريم: كفاية كده، يا جماعة، لازم نهدأ شوية. يمكن الموضوع مش زي ما إحنا فاكرين.
ثريا: صحيح، يمكن يكون في سوء فهم. مش لازم نضغط على سيليا دلوقتي.
كريم يلتفت إلى سيليا بتعبير طيب وحنون.
كريم: سيليا، إحنا عارفين إنك مررتي بظروف صعبة، ودايماً كان عندنا نية طيبة معاكِ ومع الأولاد. موضوع ريان ده ممكن نتكلم عنه في وقت تاني لما تكوني مستعدة.
جيسي تنظر إليهم باستهزاء، ثم تلتفت إلى سيليا بعينين مشككتين.
جيسي: أوكي، يعني الموضوع كله ملوش علاقة لنا، صح؟ ريان ده جاي منين يعني؟ ياريت تحترمي ذكائنا شوية.
لكن كريم يتدخل بسرعة لتهدئة الموقف.
كريم: جيسي، كفاية. مش وقته نفتح مواضيع مؤلمة. سيليا تحت ضغط كفاية.
ثريا تضع يدها برفق على يد جيسي، محاولة تهدئتها.
ثريا: جيسي، بلاش تعقيد الأمور. الموضوع ده ممكن يكون له تفسير آخر، وكل واحد فينا عنده أسرار وخصوصيات.
سيليا تشعر ببعض الراحة بعد أن تتدخل ثريا وكريم وتخففان التوتر، لكنها تبقى صامتة، غير راغبة في الخوض أكثر في الموضوع.
سيليا: شكراً ليكم يا عمو كريم و طنط ثريا. أنا مش جاهزة دلوقتي للحديث عن كل التفاصيل.
الجميع يبقى في صمت لحظات، يحاولون استيعاب الموقف والتفكير فيما سيحدث بعد ذلك.
كريم: طيب، خلونا نوقف هنا دلوقتي. وإحنا كلنا معاكِ يا سيليا. دايمًا حابين نكون بجانبك.
ثريا: أكيد، مش لازم نتسرع في كل حاجة. المهم إنك لسه معانا.
جيسي تظل صامتة للحظة، ثم تلتفت بنظرة غاضبة إلى سيليا، لكنها تجلس على الكرسي دون أن تتكلم.
جيسي: زي ما تحبوا.
المحادثة تتوقف، وكل واحد يشعر بمشاعر متناقضة. الجو في الغرفة يصبح هادئًا، لكن التوتر لا يزال موجودًا في الهواء.
في فيلا جليل البحيري ، في غرفة تميم و ليديا، كان تميم قاعد على الأريكة جنب مراته ليديا، وسيلين الصغيرة كانت بتلعب على الأرض جنبهم. الغرفة كانت منورة بضوء خفيف من لمبة الطاولة، وده خلق جو دافيء وهادي في المكان. تميم بصة ليديا بابتسامة هادية، لكن كانت عينيه مليانة حزن.
تميم: أوقات بحس إني في حلم... حلم بعيد عن الواقع.
ليديا: يعني إيه الكلام ده، تميم؟
تميم: إنتِ عارفة إني فقدت حاجات كتير... بس مش قادر أبطل أفكر في سيليا... في اللحظة اللي كان المفروض أكون فيها جنبها عشان أحميها.
ليديا: إنت كنت هناك علشاننا كلنا. لو ما كنتش رحت في اللحظة دي، مكنش عندنا السلام اللي إحنا فيه دلوقتي. إنت ضابط مخابرات، ولولا ده، كانت حياتنا هتتغير.
تميم: بس احنا خسرناها للأبد.
ليديا: وأنت دلوقتي معانا، ده المهم. مش هنعيش في الماضي، تميم. إحنا عايشين دلوقتي علشان سيلين.
تميم: سيلين... شبه سيليا جدًا، مش كده؟
ليديا: أيوه، شبهها قوي. لكن في عينيها كمان بحس بحبنا، وسلامنا.
تميم: أوقات، بحس إن في وجه سيلين ملامح من سيليا، وبحس إني بعيش لحظات ضايعة.
ليديا: لكن مش هنخلي الماضي يتحكم فينا، صح؟ إحنا عايشين في الحاضر، وبنسعى علشان المستقبل.
تميم: إنتِ صح، ليديا. وإنتِ السبب في قوتي النهاردة. بحبك.
ليديا: وأنا بحبك. مع بعض، هنواجه كل حاجة.
في اللحظة دي، حس تميم بحياة جديدة بدأت تدخل قلبه. رغم كل الألم والماضي المظلم، كان عنده دلوقتي عيلة بيحبها، وهو مستعد يحمى عيلته مهما كانت التحديات.
في فيلا فؤاد البحيري ، كان ريان قاعد على الأريكة في غرفة الجلوس، بيفكر في عيون والده فؤاد. كان التوتر مالي قلبه، وأفكاره بتجري بسرعة بين الماضي والحاضر. بعد شوية من الصمت، قرر يسأل السؤال اللي كان شاغل باله من ساعة ما اكتشف الحقيقة.
ريان: بابا... أنت عندك أخت؟
فؤاد: أخت؟... يعني إيه؟ ما عنديش أخت.
ريان: يعني مفيش واحدة من العيلة... كنت فكرت إنك ممكن يكون عندك أخت أو حاجة زي كده؟
فؤاد: لا... مفيش أخت. عندي أخويا جليل وأنت عارف ده كويس. ليه بتسأل؟
ريان: لا... كنت بفكر في حاجة... ممكن يكون سؤال غريب. مفيش حاجة.
فؤاد: ممكن تكون متوتر بسبب حاجات تانية. ما تشيلش هم. كله تمام.
ريّان ابتسم ابتسامة خفيفة، وبعدين طأطأ راسه شوية وهو بيحاول يتمالك نفسه. لكن جواه، كان قلبه بيدق بسرعة.
بعد فترة قصيرة، كان يوسف قاعد مع ريان فأوضته. الجو كان مشحون بالتوتر، والضوء الخافت كان بينعكس على وشوشهم، وريان قاعد بيبص في موبايله من غير ما يظهر عليه أي اهتمام، بينما يوسف كان بيراقب توتره. من كام يوم، كان ريان باين عليه حاجة غريبة، وكل ما يوسف يحاول يسأله، كان بيتهرب من الإجابة. لكن النهاردة، قرر يوسف إنه مش هيسكت لحد ما يعرف الحقيقة.
يوسف: ريان... في حاجة مش طبيعية معاك، أنا عارفك كويس، وعمرك ما كنت كده. ليه أنت متوتر؟ في حاجة مقلقاك؟
ريان: مفيش حاجة، يوسف... أنا كويس، يمكن الشغل والمشاكل اليومية اللي بتتراكم.
يوسف: أنت مش كويس، وأنا عارف. مش زيك... دايمًا كنت بتقول لي كل حاجة. إيه اللي بيحصل؟
ريان: يوسف... أرجوك، خلي الموضوع يعدي. مفيش داعي تدور على حاجات ما ليهاش قيمة.
يوسف: ريان، أنا أخوك، مش غريب عليك. لو في حاجة... لازم تقولي. مفيش حاجة لازم تحتفظ بيها جواك.
ريان: يوسف... في حاجة كبيرة... حاجة مش سهلة أقولك عليها.
يوسف: إيه فيها؟ قول لي... مفيش حاجة في الدنيا تستاهل إنك تحملها لوحدك.
ريان: سيليا... هي... لسه عايشة.
يوسف: إيه؟! إزاي؟! إزاي... إزاي هي لسه عايشة؟
ريان: أنا وعدتها إني ما أقولش لحد... لكن هي ما ماتتش، يوسف. هي موجودة.
يوسف: لكن... إزاي؟... إزاي؟ هي كانت... كانت ميتة... إزاي عاشت؟
ريان: كانت مؤامرة، يوسف... الأمور معقدة قوي. وهي دلوقتي... في مكان تاني. لكني وعدتها إني هاسكت.
يوسف: لكن... ليه؟ ليه؟... إزاي هي عايشة هناك؟ وإزاي... إزاي قدرت تتحمل وحدها كل السنين دي؟
ريان وقف جمب يوسف، وتنهد، وهو حاسس إن السر ثقيل عليه جدًا، ويوسف فضل في حالة صدمة، مش قادر يستوعب اللي سمعه، وعينيه بتسأل عن المستقبل، وعن الألم اللي مروا بيه كلهم طول الست سنين اللي فاتت.
ريان: هي عايشة، يوسف... هي كانت عايشة طول السنين دي. لكن كان لازم أخبي عنك كل حاجة. وعدتها.
يوسف: لو هي عايشة... ليه ما قولتناش؟ ليه ما خبرتنيش؟ كان ممكن أكون جنبها! ليه كل ده؟
ريان: كان لازم ألتزم بوعدي، يوسف. هي كانت في خطر، وكل حاجة كانت عشان تحميها. ما كانش لازم يعرف حد.
يوسف: لكن هي عايشة! ده الأهم! هي عايشة! أنا... مش قادر أصدق، ريان، مش قادر أصدق. لازم أخدني ليها، لازم أشوفها، لازم أكون جنبها بعد كل اللي حصل.
ريان: ما ينفعش تروح لها، يوسف. وعدتها إني ما أخبرش حد... وما كانش لازم هي تكون في خطر.
يوسف: لكن ممكن أشوفها، صح؟ ممكن تخليني أشوفها؟ مش قادر أعيش وأنا مش عارف هي إزاي! في أي طريقة؟
ريان: في فرصة... يوم من الأيام لما تروح الكلية... أنا معيد هناك. ممكن تشوفها من بعيد.
يوسف: على الأقل ده حاجة... شكراً يا ريان، شكراً.
يوسف ابتسم لأول مرة من سنين، كأن جزء من قلبه رجع للحياة، لكنه عارف إن لقاؤه بسيليا هيكون محاط بالقيود. ريّان فضّل ساكت، بيحاول يسيطر على مشاعره، لأنه مش قادر يكسر وعده رغم رغبته العميقة إنه يشوف أخته ويسمع صوتها تاني.
في مقر للمخابرات ، كان تميم يخطو بسرعة نحو مكتب أدهم ملامحه مشدودة وتعب وجهه من قلة النوم. دخل المكتب ووجد أدهم جالسًا على مكتبه، يراجع بعض الأوراق.
تميم، بتوتر، سأل: أدهم، فين زين؟
أدهم رفع رأسه من الأوراق، وقال بصوت هادئ: زين في مهمة ميدانية، مش هنا دلوقتي.
تميم، محاولًا إخفاء القلق في صوته، رد سريعًا: مهمة؟ طيب، هيرجع امتا؟
أدهم نظر إليه للحظة، ثم قال بحذر: ما عنديش فكرة عن الوقت، المهمات دي غالبًا بتأخذ وقت طويل.
ثم، بشكل غير متوقع، زل لسان أدهم وقال: بس لو كنت بتسأل عن سيليا، فهي لسه عايشة.
تميم تجمد في مكانه، وعينيه اتسعت في صدمة غير قابلة للتصديق. كانت الكلمات التي خرجت من أدهم كالصاعقة التي ضربت رأسه، ولم يستطع استيعاب ما سمعه.
تميم: إزاي؟ سيليا... لسه عايشة؟
أدهم، الذي أدرك الآن خطأه الفادح، حاول أن يشرح بسرعة: تميم، أنا آسف... ما كانش لازم أقول كده. بس زين اكتشف إنها لسه حية.
تميم، وقد بدأ قلبه يخفق بسرعة، ابتعد خطوة إلى الوراء، وعينيه مليئة بالدهشة: ازاي؟ اختفت ليه؟ و ليه ما حدش قال لنا؟
أدهم، في محاولة لتوضيح الموقف، قال: التفاصيل مش واضحة، بس الحقيقة إنها عايشة. زين كان بيدور عليها و لقاها.
تميم ظل في مكانه، عقلها مشوشًا، جسده شبه متجمد من وقع المفاجأة. بعد لحظات من الصمت، همس تميم بصوت مكسور: سيليا... لسه عايشة...
رواية قيود العشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيليا البحيري
تميم خرج من المكتب بخطوات ثقيلة، أنفاسه تتلاحق، وكأنه يحاول استيعاب الصدمة.
المشهد في ممر المقر بدا غريبًا، وكأن كل شيء حوله يتحرك ببطء شديد.
همهمات الموظفين وضجيج الهواتف، حتى خطواته، كانت كلها تبدو كأنها جزء من حلم غريب.
توقف للحظة عند باب المقر، التفت حوله وكأنه يبحث عن شيء.
لم يكن يعلم ما الذي يجب أن يفعله الآن.
شبح سيليا الذي كان يطارده في كوابيسه طوال السنوات الست الماضية عاد ليطارده الآن، ولكن في يقظته.
تمتم لنفسه بصوت مبحوح:
"سيليا... مش ممكن... كانت ميتة. شفت الجثة. شفت النار اللي حرقتها. ازاي؟"
ركب سيارته ويداه ترتجفان على عجلة القيادة.
جلس للحظات يحاول تهدئة نفسه، ولكن الصور القديمة اجتاحت ذاكرته كالعاصفة.
سيليا وهي تذل و تهان... وجهها البريء المليء بالدموع... أخبار موتها المفاجئ... جنازتها... والآن، الحقيقة التي قلبت كيانه.
شغل السيارة وانطلق بلا وجهة محددة.
عقله كان يغلي بأسئلة لا نهاية لها.
كيف ظلت سيليا على قيد الحياة؟ ولماذا لم تتصل بالعائلة؟ ومن هؤلاء الذين أخفوها؟ وما الذي حدث لها خلال السنوات الماضية؟
توقف عند مكان هادئ على جانب الطريق.
ترجل من السيارة وسار بخطوات متوترة باتجاه حافة صغيرة تطل على البحر.
وقف هناك، والرياح الباردة تعبث بشعره، بينما كان نظره مثبتًا على الأفق.
أخرج هاتفه بتردد، وبدأ يفتح قائمة الأسماء.
بحث عن اسم "زين" ثم توقف.
يده كانت ترتجف بشدة.
ضغط على الاسم وأخذ الهاتف يرن.
بعد ثوانٍ، جاء صوت زين الهادئ:
"أيوة، تميم؟"
تميم، بصوت متوتر وكأنه يلهث:
"زين... سيليا... إنت لقيتها؟"
زين تنهد بصوت مسموع، وكأنه كان يتوقع هذا الاتصال:
"تميم، مش وقتها دلوقتي... الموضوع معقد جدًا."
تميم رفع صوته بغضب:
"مش وقتها إيه؟! أنا مش هستنى دقيقة واحدة! لازم أعرف كل حاجة دلوقتي! فين هي؟"
زين، محاولًا تهدئته:
"تميم، أرجوك تهدى. أنا مش هقدر أقول أي حاجة في التليفون. تعالى نتقابل ونتكلم بهدوء."
تميم ضغط على أسنانه وأغلق الهاتف قبل أن يرد زين.
عاد إلى سيارته، وانطلق بسرعة جنونية.
عقله كان مشوشًا بين الحزن، الغضب، والفرحة المختلطة بالخوف.
شيء واحد كان واضحًا في ذهنه...
"أنا لازم أشوفها... مهما كان الثمن."
***
في مقر الجماعات الإرهابية في الصحراء، في أوضة ضلمة، في نصها ترابيزة خشب قديمة حواليها رجالة مسلحين.
قائد الجماعة، حسن، قاعد على رأس الترابيزة، ملامحه غاضبة وعنيه فيها تركيز.
الكل ساكت ومركز معاه.
حسن (بصوت حاد):
"سيليا لسه خطر علينا. مش عاوز أي غلطة، لازم نخلص منها بسرعة."
واحد من الرجالة:
"بس هي دلوقتي تحت حماية الحكومة، صعب نوصلها."
حسن (بعصبية):
"مافيش حاجة اسمها صعب. لو تحت حماية، نستهدف اللي بيحموها. شغلوهم في حتة تانية."
واحد تاني:
"أنا شايف نراقب تحركاتها. يمكن نلاقي فرصة وهي لوحدها."
حسن:
"راقبوها كويس. مش عاوز أي حد يتحرك من غير ما أعرف. ولو مافيش فرصة، إحنا اللي هنخلقها."
الرجالة بيهزوا راسهم بالموافقة وبيبدأوا يناقشوا تفاصيل الخطة.
حسن (بصوت واطي وحاسم):
"افتكروا، دي آخر فرصة ليكم لو فشلتم."
الصمت يسيطر على المكان، والرجالة يخرجوا من الأوضة عشان ينفذوا الأوامر.
***
في فيلا البحيري، في أوضة ريان.
ريان (بيحاول يلتقط أنفاسه، وحاسس إن اللي هيقوله هيكون أصعب):
"يوسف... في حاجة تانية لازم تعرفها."
يوسف (بعينيه مليانة قلق وترقب):
"إيه؟ قول لي، ريان، أنا مش هقدر أستحمل نص الحقيقة."
ريان (بتردد، بيحاول يختار كلماته بعناية):
"عندنا عمة اسمها ليلى؟"
يوسف (باندهاش):
"عمتنا؟! إيه اللي بتقوله ده؟! وليه ما حدش عمره اتكلم عنها."
ريان (بتنهيدة عميقة):
"هي السبب إن سيليا عايشة. هي اللي أنقذتها."
يوسف (بصدمة، قرب خطوة من ريان):
"إيه؟! يعني إيه أنقذتها؟ منين طلعت ليلى دي فجأة؟! وإزاي أصلاً ما حدش قال لنا عنها حاجة؟!"
ريان (بهدوء، لكن صوته متأثر):
"بعد اللي حصل مع سيليا... لما هربت، ليلى كانت في المكان الصح في الوقت الصح. أنقذتها، وأخذتها معاها لمكان بعيد. من وقتها، كانت هي اللي بتعتني بيها، لكن فضلت القصة كلها سر."
يوسف (بغضب مكبوت):
"يعني كانت في حياتنا كل السنين دي واحنا فاكرينها ميتة؟! ليه؟! ليه ما قالتش حاجة؟!"
ريان (بتبرير، وحاول يهدّيه):
"سيليا كانت خايفة، يوسف. كانت فاكرة إن لو رجعت، هتتكرر نفس القصة. كانت محتاجة تعيش بسلام بعيد عن الألم اللي مرّت بيه."
يوسف (بصوت مليان غضب):
"بسلام؟! وهي دلوقتي عايشة بسلام؟! قول لي، ريان، إيه اللي حصل بعد كده؟!"
ريان (بهدوء، لكنه متردد يكمل):
"سيليا اتجوزت، من خمس سنين و دلوقتي عندها 3 أطفال."
يوسف (بنبرة دهشة وغضب مختلط):
"اتجوزت؟! مين؟!"
ريان (بحزن واضح):
"اسمه جاد. لكنه... مش زي ما تتوقع. للأسف، معاملته ليها كانت... قاسية. كان بيهملها، يوسف. بيهجرها لفترات طويلة، كأنها مش موجودة. دلوقتي هيطلقوا."
يوسف (اشتعل غضبه فجأة، وصوته علي):
"جاد؟! وده مين ده أصلاً؟! إزاي يتجرأ ويعاملها كده؟! بعد كل اللي مرت بيه؟! كان المفروض يحميها، يعوضها عن كل حاجة، مش يزيد أوجاعها!"
ريان (حاول يهدّيه، لكنه هو نفسه متأثر):
"يوسف، أنا فاهم غضبك، لكن سيليا كانت بتحاول تعيش حياتها بعيد عن كل حاجة، بعيد عن الماضي. ما كنتش تقدر تتحكم في قراراتها كلها."
يوسف (بصوت مليان حقد و غضب):
"مش هسيبها تتأذى أكتر. جاد ده لازم يتحاسب. أنا مش هقف أتفرج عليها بتتألم تاني، و تاني، ازاي ليلى دي تقبل بده تعرف، قبل 5 سنين سيليا كان عندها 17 سنة، عارف أنها طفلة متمتش السن القانوني، و أنت بتقول أنها هتطلق، تتطلق وهي عندها 21 سنة و معاها 3 أطفال، إيه الجبروت ده؟"
ريان (بتردد):
"سيليا ما كانتش عايزة حد يعرف، يوسف. وعدتها إني ما أتكلمش، لكن... حسيت إنك لازم تعرف."
يوسف (بحزم):
"وأنا هتدخل، سواء وافقت أو لا. سيليا أختنا، مش مجرد سر. لو جاد دا مش هيقدّرها، يبقى هو اللي خسر، لكن هي مش هتخسر أكتر من كده."
ريان (بابتسامة حزينة):
"بس حاول تكون هادي، يوسف. سيليا محتاجة دعمنا، مش مشاكل جديدة."
يوسف (بثبات، لكن غضبه واضح):
"الدعم ده هيوصلها، وأكتر من اللي تستحق. محدش هيقرب منها تاني إلا وهو عارف قيمتها."
ريان سكت، وفضل يراقب أخوه اللي كان الغضب والشغف ظاهرين عليه.
يوسف كان عازم على استرجاع سيليا، سواء عاطفيًا أو واقعيًا، ومهما كلفه الأمر.
***
بعد عدة أيام، ريان ويوسف قاعدين في عربية ريان قدام باب الجامعة.
الجو هادي برة، والطلبة داخلين الجامعة واحدة واحدة.
ريان باين عليه التوتر، ويوسف متحمس وبيبص من الشباك منتظر يشوفها.
فجأة، سيليا ظهرت وهي ماشية بخطوات واثقة ناحية باب الجامعة.
يوسف يبصلها في صمت، ودموعه تنزل ببطء.
يوسف (بصوت مهزوز وهو مركز عليها):
"ريان... دي هي؟ دي سيليا؟ ... إزاي بقت كده؟ شكلها اتغير جدًا... بقت زي الملاك."
ريان (بياخد نفس عميق وبص ليوسف):
"أيوة، دي سيليا... بس مش هي البنت اللي كنا نعرفها. السنين غيرتها كتير... الألم غيرها."
يوسف (بيمسح دموعه بسرعة، بس عنيه لسه عليها):
"إزاي قدرت تعدي ده كله لوحدها؟ إزاي عاشت بعيد عننا؟ ريان... أنا حتى مش مستحق أشوفها... بس قلبي مش قادر يتحمل بعد ما شفتها."
ريان (بصوت هادي بس حاسم):
"يوسف، هي قوية. سيليا عاشت حاجات صعبة ونجت. بس افتكر، أنا وعدتها إني مش هقول لحد إنها عايشة. هي لسه موجوعة، ومش هتسامح بسهولة."
يوسف (بياخد نفس طويل وصوته مليان ندم):
"مش بطلب إنها تسامحني... بس مش قادر أشوفها كده وأعمل نفسي مش واخد بالي. كان نفسي أجري عليها، أحضنها وأقول لها قد إيه وحشتني... بس حتى لو من بعيد، وجودها بيخليني أتنفس."
ريان (بلهجة مترددة):
"عارف إحساسك... بس الأحسن نفضل هنا. سيبها تاخد وقتها. سيليا مش البنت الصغيرة اللي كنا نعرفها. دي دلوقتي ست شالت هموم أكبر مننا كلنا."
يوسف (بيبص عليها تاني، وهي داخلة الجامعة):
"ريان... أنا مستعد أستنى عمري كله، المهم أعرف إنها بخير. سيليا بالنسبة لي مش مجرد أخت... دي جزء مني كان مفقود. أنا مبسوط بس عشان شوفتها."
ريان يحط إيده على كتف يوسف، والاتنين يقعدوا في صمت، بيتفرجوا على سيليا وهي بتختفي وسط الناس.
اللحظة مليانة حب وندم، بس فيها أمل إن الفرصة جاية عشان يصلحوا اللي اتكسر.
ريان ويوسف ما زالوا في السيارة بعد أن رأيا سيليا من بعيد.
يوسف فجأة يتذكر أن ريان أخبره من قبل عن زواج سيليا وأولادها.
يدير وجهه نحو ريان بحماس مفاجئ.
يوسف (بحماس):
"ريان! لحظة واحدة... أنت قلت لي قبل كده إن سيليا متجوزة وعندها أولاد، صح؟!"
ريان (بهزة رأس بسيطة):
"أيوة، عندها تلاتة... زياد و مازن و لينا."
يوسف (عينيه بتلمع):
"طب... طب معاك صور ليهم؟ نفسي أشوفهم!"
ريان يبتسم ابتسامة صغيرة ويطلع موبايله من جيبه.
يفتح ألبوم الصور ويبحث عن صور الأولاد.
بعد لحظات، يدير الموبايل ويوجهه نحو يوسف.
ريان (بهدوء وهو بيوريه الصور):
"اتفضل... دي صورة لزياد ومازن وهما بيلعبوا ، ودي صورة للينا وهي نايمة في حضن سيليا."
يوسف يثبت نظره على الصور، وابتسامة كبيرة تملأ وجهه، وعينيه تدمع من الفرحة.
يوسف (باندهاش وفرحة):
"ياااه... دول ملايكة! زياد شبهها جدًا... نفس العيون! ومازن شكله شقي أوي. ولينا... دي حتة سكر! مش مصدق إن دول أولاد أختي."
ريان (بصوت هادي):
"سيليا بتحبهم جدًا. هما السبب اللي خلاها تقدر تكمل وتواجه كل اللي عدّى عليها."
يوسف (بفرحة ممزوجة بالأسى):
"كنت نفسي أشوفهم من زمان... كنت نفسي أكون موجود في حياتهم. بس أنا مبسوط إنهم مع أمهم... سيليا أكيد أم عظيمة."
ريان (بنبرة جادة):
"وأكتر من كده. هي بتعمل كل حاجة عشانهم، رغم كل التعب اللي مرت بيه."
يوسف (بحماس):
"ريان... وعدني لما تيجي فرصة، تخليني أشوفهم في الحقيقة. حتى لو من بعيد زي ما شفت سيليا."
ريان (بابتسامة صغيرة):
"أوعدك، بس على شرط... سيليا لازم تكون جاهزة لده. متسرعش الأمور."
يوسف يهز رأسه بالموافقة، وعينيه ما زالت على الصور، وهو يتخيل لحظة لقائه بأولاد أخته لأول مرة.
يوسف (بحب):
"سيليا... مهما كانت زعلانة مننا، هي علمتهم يكونوا زيها... قلوبهم نقية ووجوهم بريئة. نفسي أكون جزء من حياتهم، ريان... نفسي أرجّع اللي ضاع."
ريان يضع يده على كتف يوسف في محاولة لتهدئته، بينما يتركا المكان بقلوب مليئة بالحنين والأمل.
يوسف ما زال ينظر إلى صور أولاد سيليا، ولكن فجأة يتحول وجهه من السعادة والحنين إلى ملامح غاضبة مليئة بالإصرار.
يضع الموبايل على الكرسي بجانبه وينظر إلى ريان بنظرة حادة.
يوسف (بصوت منخفض لكنه مليء بالغضب):
"ريان... إزاي جاد ده يعامل سيليا بالشكل ده؟ هي وأولادها... إزاي يسيبها تعاني وهي أم أولاده؟!"
ريان (بحذر):
"يوسف، أنا عارف إنك زعلان... بس الموضوع معقّد، وسيليا ما كانتش عاوزة حد يتدخل. هي قررت تواجه ده لوحدها."
يوسف (بنبرة أكثر غضبًا):
"سيليا أختنا! أنا مش هقف أتفرج عليها وهي بتتوجع... لو هو راجل فعلاً، ماكانش يسيبها تعاني بالشكل ده. جاد ده هيعرف قيمتها غصب عنه."
ريان (يحاول تهدئته):
"يوسف، أنا فاهم اللي حاسس بيه، بس سيليا مش عايزة المشاكل تزيد. هي دلوقتي قررت تطلب الطلاق وتركز على نفسها وأولادها. أهم حاجة دلوقتي إننا ندعمها، مش نزود عليها الأعباء."
يوسف (بإصرار):
"أنا مش ناوي أعمل مشكلة. بس أوعدك، لو شفته في يوم من الأيام... هيفهم إنه مش من حقه يعاملها بالطريقة دي. سيليا مش لوحدها، وأنا مش هسمح لأي حد يقلل منها أو يؤذيها تاني."
ريان (يتنهد):
"طيب، بس وعدني إنك تفكر كويس قبل ما تعمل أي خطوة. سيليا محتاجة دعمنا بهدوء، مش مشاكل جديدة."
يوسف (بحزم):
"مفيش مشاكل، ريان... بس أنا كمان مش هسكت. جاد لازم يعرف إن سيليا ليها إخوات ورجالة وراها، وإن اللي عمله فيها مش هيعدي بسهولة."
ريان ينظر إلى يوسف بإعجاب ممزوج بالقلق، يدرك حماس يوسف لحماية شقيقته لكنه يخشى أن يتحول الغضب إلى مواجهة مباشرة تزيد الأمور تعقيدًا.
يوسف يعيد نظره إلى الصور، وابتسامة صغيرة تظهر وسط ملامح غضبه.
يوسف (بهدوء وهو ينظر للصور):
"سيليا... هتشوفي يوم، وإحنا كلنا هنبقى جنبك. الجرح اللي سببه جاد هيتعالج، وهتعيشي حياة تستاهلها."
ريان يضع يده على كتف يوسف في محاولة لتهدئته، بينما يشعر كلاهما بمسؤولية كبيرة تجاه أختهما التي عانت كثيرًا.
***
عاد زين من مهمته الميدانية، وعيناه تحملان شعورًا غريبًا من القلق والترقب.
وصل إلى المكتب حيث كان تميم يجلس على مكتبه يراجع بعض التقارير، وكأن شيء ما قد تغير بينهما بعد تلك اللحظات التي انفجر فيها أدهم بالكلمات التي غيرت كل شيء.
زين اقترب من تميم، وألقى نظرة حادة عليه قبل أن يتحدث بجدية:
"تميم، لازم نتكلم."
تميم رفع عينيه ببطء من الأوراق، وعيناه مليئة بالتساؤلات والدهشة.
كان يدرك أن زين يخبئ شيئًا مهمًا، وكان قلبه ينبض بشدة بسبب الموضوع الذي دار في ذهنه طوال الأيام الماضية.
"عن إيه بالضبط؟"
زين أخذ نفسًا عميقًا، وأغلق الباب خلفه ليمنع أي شخص من سماع ما سيقال:
"عن سيليا."
تميم تجمد في مكانه، وكأن الكلمات التي سمعها كانت صادمة مرة أخرى.
أغمض عينيه لفترة قصيرة، ثم سأل بلهجة منخفضة:
"إزاي؟ إيه اللي حصل؟"
زين اقترب منه أكثر، وعيناه مليئتان بالتصميم:
"سيليا لسه عايشة، تميم. الحقيقة كلها ظهرت قدامي، واللي حصل قبل سبع سنين كان غير اللي كنا فاكرينه."
تميم، وقد بدت عليه ملامح الصدمة، تكلم بصوت مرتجف:
"يعني... مامتتش؟"
زين هز رأسه وقال بصوت حازم:
"لا. هي عايشة، متجوزة، وعندها حياة جديدة."
تميم، وقد أصبحت ملامحه أكثر تكتلًا، نظر إلى زين باحثًا في عينيه:
"بتقول إيه؟ يعني هي كانت... لسه عايشة طول الوقت ده؟"
زين جلس أمامه، وبدأ يروي له كل شيء بتفاصيل دقيقة:
"لما رجعت من مهمتي قبل 3 شهور، عرفت الحقيقة من مصدر موثوق. سيليا كانت في حياة جديدة، بس مش في المكان اللي كنا فاكرينه. هي هربت منكم بعد ما كنتوا فاكرين إنها ماتت. والسبب في كل ده كان الخوف من العائلة، من وصمة العار اللي تم إلصاقها بيها."
تميم ظل ساكتًا للحظة، ثم سأله بقلق:
"ليه ما قالتلناش؟ ليه ما رجعتش؟"
زين قال بصوت منخفض، وكأن الحقيقة كانت ثقيلة عليه:
"لأنها كانت متأثرة جدًا، وأنت عارف الكارثة اللي حصلت مع العائلة. الناس كانوا عايشين في شكوك وأحكام ظالمة. سيليا اختارت الهروب عشان تحمي نفسها."
تميم، وقد بدأ يسيطر على مشاعره، قال بصوت حاد:
"وما كنتش عارف من قبل؟ زين... ليه ما قلتليش من البداية؟"
زين نظر إليه بتمعن وقال، وهو يحاول إخفاء الحيرة في صوته:
"كنت خايف، تميم. خايف إنك تنصدم زي ما أنا اتصدمت. الحقيقة أكبر من أي حاجة كنا متوقعينها."
تميم تنهد بعمق، وعيناه تائهتان في الزمان والمكان، وعينيه مليئة بالندم:
"يعني كل السنين دي كانت كذب؟ أنا كنت عايش في وهم؟"
زين جالسه أمامه وقال بصدق:
"كلنا كنا عايشين في وهم، تميم. الحقيقة أخفتها سيليا عن الكل، وده كان اختيارها. بس دلوقتي، لو عايز تلاقيها، لازم تتقبل الحقيقة بالأول."
تميم نظر إلى زين، ثم أغلق عينيه للحظة وكأنما يعيد ترتيب كل شيء في عقله، قبل أن يقول بصوت خافت:
"لازم نلاقيها. مش هسمح لحد تاني ياخدها مننا."
***
في أحد أروقة الجامعة، كان ريان يسير بهدوء وهو يحمل بعض الأوراق في يده، وفجأة يلتقي بسيليا التي كانت تخرج من أحد القاعات.
ابتسمت سيليا لرؤيته، وهو رد الابتسامة بحب وأخوة.
يقترب منها ريان بحذر، يحاول أن يظهر رغبته في التحدث معها، لكنه يشعر بشيء من التوتر.
ريان (بابتسامة ودية):
"إزيك يا سيليا؟ عامل إيه؟"
سيليا (بابتسامة خفيفة ولكنها مرهقة):
"أنا بخير، إنت عامل إيه؟ كل حاجة تمام؟"
ريان (بصوت منخفض وهو يقترب أكثر):
"تمام الحمد لله... بس انتِ شكلك متعبة شوية. كده المذاكرة مش هتنجح."
سيليا (تبتسم بحزن):
"أيوة... الدراسة مش سهلة. وفيه حاجات لازم أركز فيها. بس... مش مشكلة، هتعدي."
ريان (بتشجيع):
"مش هتعدي لو مافيش حاجة مريحة. لو عاوزة تساعدني في حاجة أو لو في أي صعوبة، أنا هنا."
سيليا (بابتسامة خفيفة):
"شكراً ليك يا ريان... فعلاً كان نفسي الدنيا تمشي بشكل أسهل من كده."
ريان ينظر إليها بقلق، يشعر بالألم في قلبه لرؤيتها متعبة بهذه الطريقة.
يلاحظ أن سيليا تحاول إخفاء الكثير من مشاعرها وراء ابتسامتها، لكنه يعرف جيدًا أن الأمور ليست على ما يرام.
ريان (بحنان):
"إنتِ مش لوحدك يا سيليا، أنا جنبك دايمًا. حتى لو كنتِ مش قادرة تقولي، أنا عارف إن في حاجات بتحزنك. ولو عاوزة أي حاجة، تفضلي قولي لي."
سيليا (بعيون متأثرة):
"أنا عارفة... والله عارفة... أنا بس مش عايزة أزود عليك. أنا مش عايزة أكون عبء على حد."
ريان (بصوت حازم ولكن مليء بالعاطفة):
"أنتِ مش عبء، سيليا. إحنا أخوات... أنا اخوكي و أنتي اختي ،إنتِ عارفة ده. ما فيش حد في الدنيا هيكون جنبك زي ما أنا هكون جنبك."
سيليا تتنهد قليلاً، ثم تبتسم بصدق، وتضع يدها على ذراع ريان بلطف.
سيليا (بابتسامة ضعيفة):
"مفيش حد زيك يا ريان... لو كنتِ عارف إن أنا كنت بحاول أواجه كل حاجة لوحدي، مكنتش هخليك تحس إن في حاجة صعبة. بس الحمد لله، في ناس زيك في حياتي."
ريان (بابتسامة دافئة):
"أنا هنا علشانك في كل وقت، سيليا."
سيليا تشعر بشيء من الراحة، فهي تعرف أنه رغم كل شيء، ستظل تجد في ريان الأخ الذي يحمل قلبًا مليئًا بالحب والدعم.
يظل الأخوان يتبادلان النظرات الحانية، وكل منهما يدرك أن حياتهما لن تكون سهلة، لكن معًا سيواجهان كل الصعاب.
رواية قيود العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيليا البحيري
في كافيه هادية - زين وتميم قاعدين على ترابيزة جنب الحيطة.
زين شكله متوتر شوية، وتميم باصص له بنظرات حادة وهو مشدود بعد ما عرف إن سيليا لسه عايشة. الجو مليان غضب وتوتر.
تميم (بعصبية):
زين، إزاي كنت عارف إنها عايشة ومقلتش؟ إزاي قدرت تخبي عليا الموضوع ده؟
زين (بياخد نفس ويحاول يهدي):
تميم، اسمعني الأول. أنا مكنتش متأكد في الأول، ومكنتش عايز أعمل دوشة أو أقول حاجة تأذيك من غير دليل.
تميم (مقاطعًا بصوت عالي):
"مكنتش متأكد"؟! سيليا بالنسبة لي أختي الصغيرة. أنا دفنتها بإيدي! ودلوقتي بتقول إنها عايشة وأنت ساكت طول الوقت ده؟
زين (بحزم وهو بيحاول يبرر):
متعليش صوتك عليا يا تميم. أنا مقدر غضبك، ولو كنت مكانك كنت هحس بنفس الحاجة. بس كنت محتاج وقت أتأكد. خليني أشرح.
تميم (بيضرب الترابيزة بإيده):
اتكلم!
زين (بيبدأ بهدوء):
أول مرة شفتها كان في شغل ميداني. مكنتش عارف هي مين. كانت واقفة قدام بيتها، غضبانة وبتزعق عشان جوزها اللي عرفت إنه بيخونها. ساعتها الموضوع كان شكله مشاكل عادية، لكن مكنتش رابط بينها وبين سيليا اللي كنتوا فاكرين إنها ماتت.
تميم (ساخر):
والمرة التانية؟
زين:
المرة التانية كانت مختلفة. شوفتها بالصدفة في مول. كان في حاجة في شكلها مألوفة. بدأت أشك، خصوصًا لما لاحظت ارتباكها لما شافتني وحاولت تهرب.
تميم (بنبرة أهدى شوية، لكن الغضب باين في عينيه):
وبعدين عملت إيه؟
زين:
بدأت أتحرى وطلبت من أدهم إنه يدور ورا الموضوع. وبعد شوية بحث، اتأكدنا إنها هي. الصدمة كانت كبيرة بالنسبة لي.
تميم (بضيق عينيه، بنبرة مشككة):
وإيه اللي عملته بعد ما تأكدت؟
زين (بصراحة):
روحت قابلت واحدة اسمها ليلى. هي اللي أنقذتها وخبتها طول السنين دي. ليلى دي عمتك يا تميم. أخت أبوك وعمك فؤاد.
تميم (غاضب جدًا):
ليلى؟! عمة مين؟ إحنا معندناش عمة اسمها ليلى!
زين:
عارف إن الموضوع صادم، بس الحقيقة إنها أخت أبوك. هي وابنها رائد أنقذوا سيليا لما كنتوا فاكرين إنها ماتت.
تميم (بيتعصب أكتر وبيقوم فجأة):
إزاي تعمل كده؟ وإزاي تخبي الحقيقة دي؟
زين (بيقوم وراه، بيحاول يهديه):
تميم، اسمعني! أنا مقصدتش أخبي حاجة بنية وحشة. كنت محتاج وقت أفهم القصة كلها. مكنش ينفع أقولك حاجة ناقصة.
تميم (بياخد نفس عميق وهو بيحاول يسيطر على غضبه):
زين، دي مش مسألة وقت. دي أمانة. كان لازم تقولي من أول لحظة.
زين (بيحط إيده على كتف تميم):
عارف إنك زعلان، وحقك. بس دلوقتي اللي فات مات. المهم دلوقتي إننا نفكر إزاي نرجّع سيليا لأهلها ونصلح اللي اتكسر.
تميم (بيرجع يقعد وباين عليه إنه سرحان):
ليلى... عمة؟ وسيليا عايشة؟ الموضوع كبير عليا يا زين. بس عندك حق. لازم نبدأ نصلح كل حاجة.
زين بيبتسم بهدوء، وتميم بيبص بعيد وهو غرقان في التفكير.
في منزل ليلى، سيليا قاعدة على الكنبة في غرفة المعيشة، بتحاول تذاكر لكنها مشغولة بأولادها الصغيرين، وريان معاها، راحوا معا بعض عشان يذاكرلها.
ريان (بنبرة مترددة):
سيليا... ممكن أتكلم معاكي؟
سيليا (بتسيب الكتاب وبتبص له):
خير يا ريان؟ شكلك مش طبيعي.
ريان (بياخد نفس عميق وبيقعد قدامها):
أنا... أنا محتاج أقولك حاجة، بس أرجوكي تسمعيني للآخر.
سيليا (بتشد حواجبها باستغراب):
إيه اللي حصل؟ أنت عملت إيه؟
ريان (بصوت هادي ومحاول يثبت نفسه):
يوسف... يوسف عرف الحقيقة.
سيليا (بتقوم بسرعة وهي مصدومة):
إيه؟! إزاي؟ مش إحنا اتفقنا إنك مش هتقول لحد؟
ريان (بحزن وندم):
ما قلتلوش، هو اللي ضغط عليا. يوسف مش غبي وله عبيط، لاحظ إني متوتر وفضل يسألني ويزن عليا. حاولت أتهرب، حاولت بجد، بس في الآخر انهارت واعترفت.
سيليا (بتتكلم بصوت عالي وبغضب):
إزاي يا ريان؟ إزاي تعمل كده؟ أنا وثقت فيك! إنت وعدتني!
ريان (بيقف ويحاول يهدّيها):
عارف إني غلطان، وعارف إني خيّبت ظنك. بس يوسف مش هيعمل حاجة تضرّك، وعدني إنه مش هيقول لحد.
سيليا (بتضحك بسخرية):
وعدك؟ زي ما أنت وعدتني؟ أنا دلوقتي مش عارفة أصدق مين ولا أعمل إيه.
ريان (بحزن):
سيليا، أنا آسف بجد. كان لازم أكون أقوى، بس... يوسف أخوكي برضو. هو زيي، ندمان على كل حاجة حصلت.
سيليا (بتلف وشها عنه وهي بتحاول تهدي نفسها):
مش كفاية الندم دلوقتي يا ريان. أنا مش جاهزة أواجههم، ومش عارفة أتعامل مع الوضع ده.
ريان (بيقرب منها):
أنا هنا عشانك، وسيليا، يوسف مش هيخونك. هو فعلاً عايز يصلح كل حاجة.
سيليا (بتهز رأسها وهي مش مقتنعة):
أنا مش عارفة أصدق ده دلوقتي. سيبني أفكر.
ريان (بنبرة ندم):
أنا فعلاً آسف، وأوعدك إني مش هسمح لحد تاني يعرف من غير إذنك.
سيليا بتلف وشها بعيد، مش قادرة ترد عليه، ريان مش قادر يبصلها.
في شركة البحيري، أحمد جالس على مكتبه، منهمك في العمل. فجأة، تُفتح الباب دون استئذان، وتدخل سمر بابتسامة مصطنعة وملامح واثقة. أحمد يرفع نظره ليجدها أمامه، وعيناه تمتلئان بالاشمئزاز.
أحمد (بنبرة حادة):
إيه اللي جابك هنا يا سمر؟
سمر (بنبرة ناعمة ومتصنعة):
وحشتني يا أحمد. قلت أجي أشوفك، يمكن نبدأ صفحة جديدة.
أحمد (بيرمي القلم بعصبية وبيقف):
صفحة جديدة؟ إنتي بتهزري؟ بعد كل اللي عملتيه، جاية بكل بجاحة تطلبي ده؟
سمر (بتتكلم بثقة وكأنها مش سامعة كلامه):
أحمد، ده كان زمان. كلنا بنغلط. وبعدين، فاكر الأيام الحلوة اللي قضيناها مع بعض؟
أحمد (بيرد بحدة):
أيام حلوة؟ إنتي بتستعبطي؟ إنتي كنتي السبب في تدمير أختي، تدمير عيلتي، وجاية دلوقتي تتكلمي عن أيام حلوة؟
سمر (بتضحك بسخرية):
تدمير عيلتك؟ ده عشانكم كنتوا أغبياء وصدقتوا كل حاجة بسهولة. أنا مالي؟
أحمد (بيقرب منها وعينيه مليانة غضب):
إنتي مالك؟ إنتي اللي زرعتي الشك فينا، إنتي اللي لعبتي على مشاعرنا وسممتي دماغنا ضد سيليا.
سمر (بتهز كتفيها بلا مبالاة):
كنت صغيرة ومتهورة. وبعدين، ليه الموضوع كبير كده؟ دي حياتكم مشيت بعدها، مش كده؟
أحمد (بصوت عالي وغاضب):
حياتنا مشيت؟ إنتي عندك فكرة إحنا مرينا بإيه بسبب كذبك؟ إنتي دمرت أختي، دمرت ثقتي في كل حاجة، وجاية دلوقتي بكل برود كأنك ما عملتيش حاجة؟ واختي تحت التراب دلوقتي بسببك يا هانم، انتي مش مستوعبة حجم المشكلة والكارثة اللي عملتيها؟
سمر (بتحاول تلمس إيده بإغراء):
أحمد، أنا هنا عشان أصلح كل حاجة. ليه مش بتدي نفسك فرصة؟
أحمد (بيسحب إيده بسرعة وبنبرة اشمئزاز):
مش هديكي ولا نفسي أي فرصة. إنتي بالنسبة لي ماضي أسود، وجودك هنا بيخليني أتأكد إنك عمرك ما هتتغيري.
سمر (بابتسامة مستفزة):
أنت كده بتقاوم بس، أحمد. بس في الآخر هترجع لي، عارف ليه؟ لأن مفيش حد هيحبك زيي.
أحمد (بيقفل الملف اللي كان بيشتغل عليه بعصبية):
لا سمر، مفيش حد هيكرهك زيي. إنتي مجرد ذكرى قذرة بحاول أنساها. وأظن المفروض تمشي دلوقتي قبل ما أفقد أعصابي اكتر واعمل فيكي جريمة دلوقتي.
سمر (ببرود وابتسامة ساخرة):
زي ما تحب، بس أنا هفضل موجودة. هتشوف.
تخرج سمر من المكتب بخطوات واثقة، بينما أحمد يقف مكانه، يحاول يسيطر على أعصابه.
على الناحية الاخرى، مراد جالس على كرسيه، يراجع بعض الملفات. فجأة تُفتح الباب وتدخل شاهي بدون استئذان، بابتسامة متصنعة ونظرة مغرية. مراد يرفع نظره إليها ببرود.
مراد (بهدوء وبرود):
فيه حاجة يا شاهي؟
شاهي (بتتكلم بنبرة دلال مصطنعة):
مش معقول يا مراد، دايماً رسمي كده معايا؟ جيت أشوفك، قلت يمكن نتكلم شوية ونغير جو.
مراد (بيرجع بظهره على الكرسي وبيبصلها ببرود):
نتكلم؟ عن إيه بالظبط؟
شاهي (بتقرب بخطواتها وبتجلس على الكرسي قدامه):
عن أي حاجة. عنك، عن حياتك، عن اللي مضايقك... أهو نفضفض.
مراد (بنبرة جافة):
ما فيش حاجة مضايقاني، وبصراحة مش محتاج أفضفض مع حد بالخصوص أنتي.
شاهي (بتحاول تضحك بلطافة):
يا مراد، أنا مش زي سمر، أنا مختلفة عنها. فاكرني زيها؟
مراد (بلهجة حادة):
أيوة، فاكر إنك زيها بالظبط. صاحبتها الروح بالروح، وشبهها في كل حاجة.
شاهي (بصوت متصنع ومندهش):
مراد! أنا مش زيها، سمر غلطت، لكن أنا جاية هنا عشان أقولك إني دايماً معجبة بيك، ومن زمان قوي.
مراد (بيقطع كلامها بسرعة):
معجبة؟ شاهي، أنا مش مهتم، لا بيكي ولا بأي حاجة ليها علاقة بيكي.
شاهي (بتحاول تستميله):
ليه دايماً بتصدني كده؟ يمكن لو حاولت تشوفني بجد، تتغير نظرتك ليا.
مراد (بصوت قوي وحازم):
وأنا مش مهتم أحاول. إنتي وسمر، نفس الأسلوب، نفس التصرفات، ونفس الطمع ونفس الهدف، وأنا مش عايز أشوفك هنا تاني.
شاهي (بتحاول تستفزه بابتسامة):
أنت بتقاوم بس، مراد. عارف؟ أنا هفضل أحاول.
مراد (بيشاور على الباب):
لو كنتي فعلاً بتعرفي حدودك، دلوقتي تخرجي من مكتبي. وإلا مش هسكت و أنده للأمن يطلعوكي بره.
شاهي بتقوم ببطء، تخرج وهي بتضحك بسخرية، ومراد بيرجع يركز على شغله، وعينه مليانة استياء.
في مطار القاهرة الدولي، جاد وجيسي واقفان ينتظران وصول زيزي. جاد يبدو عليه الضيق من الموقف، بينما جيسي متحمسة وهي تحمل باقة ورد صغيرة. تظهر زيزي مرتدية ملابس فاخرة وتقترب منهما بخطوات واثقة وابتسامة واسعة.
زيزي (بصوت مرح):
جاد! جيسي! وحشتوني أوي!
جيسي تحتضن زيزي بحرارة، بينما جاد يكتفي بهزة رأس وجملة مقتضبة.
جاد (ببرود):
أهلاً، أخبارك؟
زيزي (تتحدث بنبرة دلال مصطنعة):
أنا تمام لما شوفتكم! خصوصاً إنت يا جاد، إيه الحلاوة دي كلها؟ شكلك زي ما هو، يمكن أحلى كمان.
جيسي (تضحك بخبث):
جاد دايماً كده، مفيش جديد.
جاد يتجاهل تعليق زيزي ويدير وجهه للباب للخروج، لكن زيزي تمسك بذراعه برفق.
زيزي (بدلال):
استنى شوية، إيه الاستعجال ده؟ كنت لسه عايزة أعرف أخبارك.
جاد (بنبرة ضجر):
زي ما إنتِ شايفة، الشغل، الحياة... كلها عادية.
زيزي (بتبتسم بسخرية):
آه طبعاً، عادية قوي لما تكون متجوز واحدة زي... اسمها إيه؟ آه، سيليا.
جيسي (تضحك بخبث):
آه، الزوجة المثالية اللي ما حدش طايقها.
جاد (بتأفف):
سيليا؟ ما تتكلميش عنها. العلاقة بيننا انتهت خلاص، وده أحسن شيء حصل لي.
زيزي (تضحك بتعليق لاذع):
طبعاً أحسن حاجة، كنت دايماً مستغرب إزاي واحد زيك يقبل بواحدة زيها. أكيد غلطت غلطة عمرك.
جاد (يهز رأسه):
ما كانتش غلطة، كانت كابوس. بس خلاص، الموضوع انتهى.
زيزي (بنبرة خبث):
طيب، عايز رأيي؟ إنت تستحق حد يفهمك، يعرف يعيش معاك. مش حد تقليدي وكئيب زي... سيليا.
جيسي (تبتسم بخبث):
بالضبط، حد يعرف يقدّر إن جاد مش مجرد زوج، دا جاد حكاية!
جاد (بنبرة حاسمة):
كفاية بقى الكلام ده، مش ناقص نقاشات عن موضوع منتهي. خلونا نخرج من هنا.
زيزي تبتسم بثقة وتنظر إلى جيسي وكأنها تؤكد أنها ستظل تحاول، بينما جاد يتقدم إلى الأمام متجاهلاً تصرفاتهما.
في فيلا ليلى الألفي، سيليا تجلس على الأريكة في حالة غضب، وعيونها ممتلئة بالدموع، بينما ريان يقف أمامها مرتبكًا يحاول تهدئتها.
سيليا (بنبرة عتاب وغضب):
إنت وعدتني، ريان! قلت مش هتقول لأي حد، ليه كسرت وعدك؟
ريان (يتنهد ويحاول التبرير):
سيليا، والله ما كان قصدي. يوسف ضغط عليا، لاحظ إني متوتر وكل شوية يسألني... ما قدرتش أتحمل.
سيليا (تصيح بغضب):
يعني أول ما الأمور تبقى صعبة شوية تخون ثقتي؟ أنا كنت فاكرة إنك الوحيد اللي ممكن أثق فيه، ريان!
ريان (يتوسل):
أنا آسف، سيليا. بس يوسف يستاهل يعرف. هو أخونا برضه، وندمان على كل اللي حصل.
سيليا (تهز رأسها بحزن):
ندمان؟ الندم مش هيرجع اللي ضاع. أنا ميتة بالنسبة لكم من زمان، ليه دلوقتي عايزين يعرفوا الحقيقة؟
ريان ينظر إلى الأرض بصمت، لا يجد ما يقوله. فجأة يرن جرس الباب. سيليا تلتفت نحو الباب بقلق.
سيليا (بقلق):
مين ده؟
ريان (بهمس):
يوسف...
سيليا تحدق فيه بصدمة، صوتها ينخفض كأنه لا تصدق.
سيليا:
إنت... إنت بعتله العنوان؟
ريان (يحاول تهدئتها):
سيليا، هو بس عايز يشوفك...
سيليا (بغضب):
إزاي تعمل كده؟ إزاي؟
يطرق الباب مرة أخرى. سيليا تبتعد بسرعة نحو إحدى الزوايا، تضع يديها على وجهها محاولة تهدئة نفسها. ريان يتجه لفتح الباب ببطء. يظهر يوسف واقفًا أمام الباب، وجهه يعكس مزيجًا من القلق والحزن.
يوسف (بصوت مختنق):
سيليا...
سيليا تتجمد في مكانها عندما تسمع صوته. تلتفت ببطء لتنظر إليه، عيناها تفيض بالدموع. يوسف يقترب منها بحذر، وكأن أي خطوة قد تجعلها تهرب.
يوسف (يتوسل):
سيليا، أرجوكي... سامحيني.
سيليا تنهار بالبكاء فجأة، وتغطي وجهها بيديها. يوسف يقترب منها بسرعة ويمسك بكتفيها بلطف.
يوسف (بصوت مكسور):
أنا آسف، أنا... أنا غلطت، ما كنتش أستحق أكون أخوكي.
سيليا تسقط في أحضانه، تبكي بشدة وكأن سنوات الألم تنفجر في تلك اللحظة. يوسف يضمها بقوة، ودموعه تنهمر على وجهه، يربت على رأسها بحنان وحزن.
يوسف (يبكي):
سامحيني، يا سيليا... والله ندمان على كل لحظة.
ريان يقف بعيدًا، يشاهد المشهد وعيناه تلمعان بالدموع، بينما سيليا ويوسف يستسلمان لدموعهما في عناق طويل مليء بالحزن والندم.
رواية قيود العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيليا البحيري
داخل فيلا ليلى الألفي ، سيليا لا تزال تبكي في أحضان يوسف، الذي يضمها بقوة وكأنها قد تضيع منه مرة أخرى. يحاول أن يتحدث، لكن صوته مكسور من البكاء.
يوسف (بدموع وتوسل):
سيليا، أرجوكي... سامحيني. أنا كنت أعمى، ما شفتش الحقيقة... ما صدقتش اللي كان المفروض أصدقه.
سيليا تحاول التحدث وسط بكائها، لكنها لا تستطيع. يوسف يمسك بيديها، ينظر في عينيها، وصوته مليء بالندم.
يوسف (بإلحاح):
كل يوم كنت بدعي ربنا يغفر لي، وكنت بقول يا ريت أرجع بالزمن وأصلح اللي عملته. بس الزمن ما بيرجعش، سيليا... اللي فاضل هو إنك تسامحيني.
سيليا (بصوت مكسور):
يوسف... إنت عارف قد إيه وجعتوني؟ إزاي كلكم صدقتوا إني ممكن أعمل حاجة زي دي؟
يوسف (يمسك بكتفيها برفق):
عارف، عارف إننا ظلمناكي... وأكتر واحد أنا. كنت المفروض أكون أخوكي اللي يحميكي، مش اللي يشك فيكي. أنا ما أستاهلش إنك حتى تسمعي كلامي... بس بترجاكي تسامحيني.
ريان، الذي كان واقفًا بعيدًا، ينفجر بالبكاء بصوت مكتوم. يقترب منهما وينحني بجانب سيليا، يمسك بيدها.
ريان (بدموع):
سيليا، أنا كمان غلطت... سامحينا، إحنا كنا وحشين، كنا ظالمين.
سيليا تنظر إليهما، دموعها تتدفق بلا توقف. تتذكر سنوات الألم والوحدة، لكنها ترى الندم الحقيقي في عيونهما. تأخذ نفسًا عميقًا وتحاول التحدث.
سيليا (بصوت مرتعش):
يوسف... ريان... أنا...
تتوقف للحظة، ثم تمد يدها لتلمس وجنة يوسف بلطف.
سيليا:
سامحتك، يا يوسف. سامحتك لأنك أخويا، ولأن الوجع اللي جوايا مش هيقل غير لما أسامحكم.
يوسف ينفجر بالبكاء مرة أخرى، يحتضنها بقوة.
يوسف (يبكي):
شكرا... شكرا، يا سيليا. والله عمري ما هنسى إنك سامحتيني.
ريان ينحني ويضمها هو الآخر، والبكاء يسيطر على الجميع. لحظة صمت مليئة بالمشاعر، فقط أصوات بكائهم تُسمع.
ريان (بدموع):
سيليا... مش هنسيبك تاني. هتفضلي وسطنا ومعانا طول العمر.
سيليا تهز رأسها بإيجاب، وهي لا تزال تبكي، لكن دموعها هذه المرة ممزوجة ببعض الراحة التي افتقدتها لسنوات.
***
سيليا ما زالت في أحضان يوسف، ودموعها تبلل كتفه. ريان يقف بجوارهما، يمسح دموعه بصمت. فجأة، يسمعون صوت خطوات صغيرة، غير ثابتة، على الأرضية الرخامية. يتوقف الجميع عن البكاء، ويلتفتون نحو مصدر الصوت.
لينا، تظهر وهي تمشي بتعثر، تحمل دميتها الصغيرة بإحدى يديها، وتحاول أن تصل إلى والدتها.
يوسف (باندهاش):
لينا؟... هي دي لينا اللي كنت بشوفها في الصور؟
سيليا تبتسم ابتسامة صغيرة لكنها متعبة، ثم تمسح دموعها بسرعة وتحاول الوقوف لاستقبال طفلتها.
سيليا (برقة):
آه... دي لينا، حبيبتي الصغيرة.
يوسف ينظر إلى لينا بدهشة، ثم ينزل على ركبتيه ليكون في مستوى نظرها. الطفلة تقترب بخطوات متعثرة، تضحك ضحكتها البريئة.
يوسف (بصوت هادئ):
تعالي هنا... تعالي عند خالك يا أميرة.
لينا تتوقف للحظة، تنظر إليه بفضول، ثم تواصل المشي نحو سيليا. تصل إلى والدتها، وتسحب طرف فستانها لتلفت انتباهها.
سيليا (تضحك بخفة):
إيه يا لينا؟ جيتي دلوقتي علشان تشوفي خالك؟
يوسف يمد يديه نحو الطفلة بحذر.
يوسف (بصوت مليء بالعاطفة):
ممكن أشيلها؟
سيليا تنظر إليه للحظة، ثم تومئ برأسها موافقة. يوسف يحمل لينا بين ذراعيه بحذر، وكأنه يحمل كنزًا ثمينًا.
يوسف (بهمس):
يا رباه... شبهك يا سيليا. دي جميلة زيك.
لينا، التي لا تفهم شيئًا، تضحك بصوت عالٍ، وتمسك بأنف يوسف بخفة. يوسف يبتسم، ودموعه تتجمع مجددًا في عينيه.
يوسف (ينظر إلى سيليا):
سيليا... أنا مش هسامح نفسي أبدًا على اللي فات. مش بس ظلمتك... ده أنا كنت بعيد عن حاجات زي دي، عن عيلتك، عن بنتك.
ريان (يضحك بخفة):
لينا كسبت خال جديد النهارده.
سيليا تنظر إلى يوسف ولينا، ثم تقترب وتلمس خد طفلتها بحنان.
سيليا (بصوت دافئ):
لينا مش بس بنتي... دي بداية حياتي الجديدة. والنهارده، يمكن نبدأ صفحة جديدة كلنا.
يوسف يقبل جبين لينا بخفة، ثم ينظر إلى سيليا بابتسامة مليئة بالامتنان.
يوسف:
إن شاء الله يا سيليا... إن شاء الله.
***
يوسف يجلس على الأريكة، واضعًا لينا على ركبتيه، يلعب معها بخفة. سيليا تجلس بجانبه، تبدو أكثر هدوءًا بعد اللقاء العاطفي. ريان يقف بجانب النافذة، ينظر إلى المشهد بابتسامة خفيفة، لكن فجأة يتحول وجه يوسف إلى الجدية.
يوسف (بنبرة جادة):
سيليا... في حاجة لازم أتكلم معاكي فيها.
سيليا (تنظر إليه بتوجس):
في إيه يا يوسف؟
يوسف (ينظر إلى ريان):
ريان قالي عن جاد... عن اللي بيعمله معاكي.
سيليا تشحب ملامحها، وتخفض نظرها نحو الأرض.
سيليا (بصوت متردد):
يوسف... الموضوع ده مالوش داعي دلوقتي.
يوسف (بحزم):
إزاي مالوش داعي، سيليا؟! جاد المفروض يبقى زوجك... وأبو ولادك. هو بدل ما يحميكي ويكون سندك، بيهملك وبيكره ولاده؟
ريان يتقدم بخطوة، يحاول التخفيف من حدة الحوار.
ريان (بلطف):
يوسف... سيليا مش ناقصة ضغط أكتر. إحنا هنا عشان نساندها، مش نزيد عليها.
يوسف (بغضب مكبوت):
ريان، أنا مش هسكت على الموضوع ده. خمس سنين وهي متجوزاه، وخلال الفترة دي كلها بيهينها ويخونها؟ لا... جاد لازم يتحاسب.
سيليا (بصوت ضعيف):
يوسف، أرجوك... أنا متفقة مع جاد على الطلاق. الموضوع خلاص بينتهي.
يوسف ينظر إليها بذهول.
يوسف:
طلاق؟! يعني هو قرر يسيبك بعد كل اللي عمله؟
سيليا (بهدوء):
لأ... أنا اللي طلبت الطلاق. أنا تعبت، يوسف. تعبت من إهماله، من كرهه ليا ولأولادي... مفيش حاجة تربطني بيه غير الورق.
يوسف (بغضب):
وأنا مش هسيبه. مش هسيب واحد زي ده يفلت كده بسهولة بعد اللي عمله.
ريان يحاول التدخل مرة أخرى.
ريان:
يوسف، الموضوع مش بالسهولة دي. جاد عنده نفوذ وشغله قوي... ممكن يقلب الموضوع ضدنا.
يوسف (بصرامة):
نفوذه مش هيمنعه لما أقف قدامه. ده متجوزها وهي لسه طفلة عندها 17 سنة، وبعدين يعاملها بالشكل ده؟ دي مش رجولة.
سيليا تمسك يد يوسف، تحاول تهدئته.
سيليا (برقة):
يوسف... أرجوك، سيب الموضوع لي أنا. الطلاق خلاص قريب، وأنا عايزة أعيش بهدوء بعد اللي عديت بيه.
يوسف (بحنان):
سيليا... إنتي أختي الصغيرة، وأنا مش هقف أتفرج تاني. اللي عمله فيكي وفي أولادك مش هعديه بالساهل.
سيليا تبتسم بخفة، لكن الخوف يظهر في عينيها.
سيليا (بتوسل):
بس، يوسف... أوعدني إنك مش هتعمل حاجة تتهور فيها. أنا مش عايزة مشاكل أكتر.
يوسف (يأخذ نفسًا عميًقا):
ماشي... أوعدك إن مفيش حاجة هتحصل دلوقتي. بس صدقيني، يا سيليا... جاد هياخد جزاءه، بالطريقة اللي يستحقها.
ريان ينظر إلى يوسف بسيطرة هادئة، لكن القلق يسيطر على وجهه.
ريان:
يوسف، إحنا هنقف مع سيليا في أي حاجة تختارها، بس لازم نفكر بعقل.
يوسف يومئ برأسه ببطء، لكنه ينظر إلى لينا التي تبتسم ببراءة في حضنه، وكأنه يقرر في داخله أنه لن يترك الأمور كما هي.
***
بعد فترة قصيرة ، يوسف لا زال يحمل لينا التي تضحك وتلعب في حضنه. سيليا تجلس بجانبه تنظر بحذر إلى يوسف، بينما ريان يقف بجانب النافذة يراقب الشارع. فجأة يُفتح الباب، ويدخل رائد وهو يحمل حقيبة صغيرة بيد، وفي اليد الأخرى يمسك بيد زياد ومازن، اللذين يدخلان وهما يركضان نحو الداخل.
رائد (ينادي بحيوية):
رجعنالكوا... الحضانة كانت زحمة جدًا النهارده!
يتوقف فجأة عندما يلمح يوسف جالسًا، عيونه تضيق بحدة ويميل رأسه قليلاً، متسائلاً.
رائد (بنبرة حذرة):
مين ده؟
يوسف ينظر إلى رائد بارتباك واضح، ثم ينقل نظره إلى ريان.
يوسف (يشير إلى رائد):
مين ده؟
ريان يضع يده على جبينه بتوتر.
ريان:
آه... لحظة، لحظة. رائد، ده يوسف... أخويا الكبير. يوسف، ده رائد... ابن عمتنا ليلى.
رائد يصدم للحظة، ملامحه تصبح متصلبة، ويخطو خطوة إلى الأمام.
رائد (بدهشة):
أخوها الكبير؟ يعني... ده يوسف؟
يوسف يقف من مكانه، يضع لينا على الأريكة برفق، وينظر إلى رائد بتساؤل.
يوسف (بحدة لكن بنبرة محترمة):
أيوة، وأنا عايز أفهم إنت مين بظبط؟
رائد (يرد بسرعة):
أنا ابن ليلى... عمتك.
يوسف يفتح عينيه على مصراعيهما، ويبدو وكأن صدمة جديدة تسقط عليه.
يوسف:
عمة مين؟ إحنا معندناش عمة اسمها ليلى.
سيليا (بتردد):
يوسف... في حاجات كتير متعرفهاش. ليلى هي أخت بابا اللي محدش كان يعرف عنها حاجة... وهي اللي أنقذتني.
يوسف يبدو مذهولًا، لكنه لا يتكلم. فجأة، يقترب زياد ومازن ببطء، ينظران إلى يوسف بحذر.
زياد (بصوت طفولي):
مين ده؟
مازن (يتمسك بيد رائد):
رائد... مين الراجل ده؟
يوسف ينحني ليصبح في مستوى الأطفال، يبتسم بخفة ليخفف توترهم.
يوسف:
أنا... أنا خالكم يا زياد ومازن.
زياد ومازن ينظران إلى بعضهما البعض بذهول، ثم يركضان نحوه بابتسامة واسعة.
زياد (بفرح):
إنت خالنا؟ بجد؟
مازن:
يعني زي خالو ريان؟
يوسف (يضحك ويحتضنهما):
أيوة... زي ريان بالضبط.
سيليا تنظر إلى المشهد بعيون ممتلئة بالدموع، بينما رائد يقف بجانب الباب، ينظر إلى يوسف بحذر لكنه يتنفس بعمق، محاولًا استيعاب الموقف.
رائد (يخاطب سيليا):
واضح إن في كلام كتير لازم يتقال... بس مش هنا.
سيليا (بابتسامة خفيفة):
عارفة يا رائد... عارفة.
يوسف يحمل زياد ومازن، ويلعب معهما بحب واضح، بينما سيليا تراقب المشهد بمزيج من الحزن والفرح.
***
سيليا، يوسف، رائد و ريان يجلسون في الغرفة. زياد ومازن يلعبان مع لينا في زاوية الغرفة، بينما يوسف يتحدث مع سيليا ويضحك على ذكريات قديمة. رائد يجلس في الزاوية الأخرى، ملامحه جامدة ومستاءة، لكنه لا يظهر استياءه. فجأة، يُفتح الباب وتدخل ليلى تحمل أكياس تسوق، لكنها تتوقف فجأة عندما ترى يوسف.
ليلى (بدهشة):
يوسف؟!
يوسف ينظر إلى ليلى، يحدق فيها للحظات، ثم يقف ببطء. عينيه تمتلئان بالدهشة.
يوسف (بصوت خافت):
...إنتِ؟
ليلى (تقترب بخطوات مترددة):
إنت... ابن فؤاد؟ يوسف؟
يوسف يهز رأسه ببطء، وكأنه يستوعب الحقيقة تدريجيًا.
يوسف (بصوت مرتجف):
عمة ليلى... إنتِ فعلاً موجودة؟
ليلى تبتسم ابتسامة حزينة، تضع الأكياس على الطاولة، وتنظر إليه مطولاً.
ليلى (بهدوء):
أيوة يا يوسف... موجودة.
يوسف ينظر إلى سيليا، ثم إلى ليلى، وكأن الأسئلة تتراكم في ذهنه.
يوسف:
بس... ليه؟ ليه طول السنين دي ما حدش كان يعرف عنك حاجة؟ وليه سيليا كانت عندك؟
ليلى تنظر إلى سيليا، ثم تأخذ نفسًا عميقًا.
ليلى (بحزن):
دي حكاية طويلة اوي، ظلموني زي ما ظلمتوا سيليا.
يوسف يخفض رأسه، يشعر بالعار والندم، بينما سيليا تضع يدها على كتف ليلى محاولة تهدئتها.
سيليا:
عمة ليلى... يوسف ما كانش يعرف. محدش كان يعرف... وهو هنا علشان يتأسف.
يوسف (يرفع رأسه):
فعلاً يا عمة. أنا ما كنتش أعرف عنك حاجة، وما كنتش أعرف إنك كنتي الملجأ الوحيد لسيليا. بس أنا هنا علشان أصلح الغلط اللي عملناه... لو لسه في مجال.
ليلى تنظر إلى يوسف بتمعن للحظة، ثم تهز رأسها بخفة.
ليلى (بهدوء):
مش بسهولة كده يا يوسف. اللي عملتوه في سيليا كان كابوس... ولسه شايلة جواها ألم السنين دي كلها.
يوسف يقترب بخطوة نحو ليلى، عينيه ممتلئتان بالندم.
يوسف:
عارف.... أنا مستعد أعمل أي حاجة علشان أعوض سيليا... وعلشان أثبت إننا ندمنا بجد.
ليلى تنظر إلى سيليا، التي تبتسم بخفة وتومئ برأسها. ثم تتنهد ليلى ببطء، وكأنها تقبل وجود يوسف في حياتهم.
ليلى (بصوت منخفض):
هنشوف يا يوسف... الزمن هو اللي هيحكم.
رائد ينظر إلى الحوار بصمت، ملامحه ما زالت جامدة، لكنه يختلس النظر إلى سيليا التي تبتسم بخفة، وكأنه يحاول فهم قرارها بمسامحة عائلتها.
تتبادل ليلى النظرات مع يوسف ، بينما سيليا تجلس في الوسط، تحاول أن تكون الجسر بين الماضي والمستقبل.
***
الجميع يجلس في صمت بعد الحوار الأول. ليلى تأخذ نفسًا عميقًا، ترفع رأسها وتنظر إلى سيليا، يوسف، وريان.
ليلى (بهدوء):
كنتم دايمًا بتسألوا ليه أنا بعيدة عنكم؟ ليه ماحدش يعرفني؟ الوقت جه علشان تعرفوا الحقيقة.
يوسف ينظر إليها بترقب، وريان يضع يده على كتف سيليا ليواسيها، بينما رائد يجلس في زاوية الغرفة، يراقب بصمت.
ليلى:
جدكم... والد فؤاد وجليل... كان شخص عنيد. لكن في نفس الوقت، كان بيهرب من أي حاجة مش على مزاجه.
يوسف (بحذر):
إيه اللي حصل؟
ليلى (بحزن):
جدكم كان متجوز جدتكم... اللي خلف منها فؤاد وجليل. لكن حياتهم مع بعض كانت مليانة مشاكل. وبدل ما يواجهها، اختار الهروب. ساب جدتكم، وراح اتجوز واحدة تانية... والدتي.
ريان يفتح عينيه بدهشة، بينما سيليا تضع يدها على فمها.
ريان:
يعني... إحنا وإنتي من نفس الجد؟
ليلى (تومئ برأسها):
أيوة، أنا عمتكم... أخت فؤاد وجليل من أبوكم.
يوسف ينظر إلى الأرض، يحاول استيعاب الكلام.
يوسف:
طب... ليه ماحدش كان يعرف ده؟
ليلى (بمرارة):
لأن لما جدكم رجع لجدتكم، قرر ينسى كل حاجة عن والدتي... وعن وجودي. كانت بالنسبة له نزوة. سابها وهي حامل... ورجع لبيته الأول.
صمت ثقيل يملأ الغرفة، وسيليا تمسح دموعها بخفة.
سيليا (بصوت منخفض):
يعني... عشتي كل الألم ده لوحدك و احنا منعرفش.
ليلى (تبتسم ابتسامة حزينة):
أنا ما كنتش لوحدي. كان عندي زاهر ابو رائد و ابني رائد ومن يوم ما أنقذت سيليا، بقت هي بنتي التانية.
رائد ينظر إلى ليلى بعيون مليئة بالغضب المكتوم.
رائد (بصوت هادئ لكنه حاد):
وبالرغم من ده كله، العيلة دي دايمًا بتعيد نفس الأخطاء. زي ما سابوكي زمان، عملوا نفس الشيء مع سيليا.
يوسف يخفض رأسه، يشعر بالخجل. ريان يحاول التحدث لكنه يتراجع.
ليلى (تنظر إلى رائد):
رائد... هما هنا علشان يصلحوا اللي فات.
رائد (بجفاء):
اللي فات؟ اللي فات كان سنين من الألم والندم اللي مستحيل يتعوضوا بسهولة.
سيليا تضع يدها على ذراع رائد، تحاول تهدئته.
سيليا (برفق):
رائد... هما غلطوا، وأنا سامحتهم. ده اللي مهم دلوقتي.
رائد (ينظر إليها):
سامحتيهم بسرعة أوي، سيليا. بس يمكن لأنك نسيتي كل اللي عدتي فيه.
ليلى تتدخل بحزم، تقطع التوتر المتزايد.
ليلى:
رائد، كفاية. الغضب مش هيغير الماضي. لازم نركز على المستقبل... نصلح اللي نقدر عليه.
يوسف يرفع رأسه، عينيه ممتلئتان بالندم.
يوسف (بصوت منخفض):
أنا مش عارف أقول إيه... بس كل كلمة بتقولها صحيحة، رائد. إحنا أخطأنا، وأنا مستعد أعمل أي حاجة علشان أثبت إننا ندمنا بجد.
رائد ينظر إليه بصمت، ثم يهز رأسه بخفة دون أن يقول شيئًا. المشهد ينتهي بتبادل نظرات حزينة بين الجميع، بينما يسيطر الصمت على الغرفة.
***
في مقر للمخابرات ، تميم يجلس على كرسيه، يضع رأسه بين يديه. المكتب هادئ، والساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل. أمامه تقارير مفتوحة لكنه لا يقرأ أي شيء، وعينيه مثبتتان على نقطة غير مرئية في الأفق.
تميم (بهمس لنفسه):
سيليا... معقولة؟ كل ده كان كذب؟ كل الألم والندم اللي عيشناه... كانت حية طول الوقت؟
يتنهد بقوة، يدفع الكرسي للخلف وينهض. يبدأ في المشي ببطء في مكتبه، يمرر يده على وجهه بعصبية.
تميم (يكلم نفسه):
زين... زين عرف وسكت؟ ليه؟ كان مفروض يقولي على طول... بس... هل أنا جاهز أقابلها؟
يتوقف فجأة أمام النافذة، ينظر إلى المدينة المظلمة، أضواء الشوارع الخافتة تضفي جوًا كئيبًا على المشهد.
تميم (يهمس):
ست سنين... ست سنين وأنا فاكر إنها ماتت. ست سنين وأنا فاكر إننا السبب في موتها.
صوت طرق خفيف على الباب يقطعه، لكنه لا يلتفت.
تميم (بصوت مبحوح):
ادخل.
يدخل أدهم، يقف مترددًا خلف الباب.
أدهم:
سيدي... كنت فاكر إنك غادرت.
تميم (يلتفت إليه ببطء):
لا، لسه هنا. عايز حاجة؟
أدهم (يتردد):
لا، بس... إذا كنت محتاج أي مساعدة أو حاجة، أنا موجود.
تميم ينظر إليه طويلًا، ثم يهز رأسه بخفة.
تميم:
شكراً يا أدهم. روح ارتاح، أنا تمام.
أدهم يخرج بهدوء، يغلق الباب خلفه. تميم يعود إلى كرسيه، يجلس ويمسك بقلم على المكتب، يديره بين أصابعه وهو شارد.
تميم (بصوت أعلى، لنفسه):
طيب... لو رحت وشوفتها، إيه اللي ممكن أقوله؟ إزاي أبرر اللي حصل؟ هل هي حتى مستعدة تسمعني؟
يتذكر وجه سيليا عندما كانت طفلة صغيرة، تبتسم له عندما كان يزورهم، تذكر كيف كانت تتوسل لهم في ذلك اليوم ، لكن لم يصدقها أحد ، تذكر نظرة الكسرة و الخذلان فعينيها.
تميم (يتنهد بعمق):
كانت زي أختي الصغيرة... وسبتها تضيع.
يضرب سطح المكتب بقبضته فجأة، صوته يخرج مشحونًا بالغضب والحزن.
تميم:
لازم أروح. لازم أشوفها... حتى لو ده آخر شيء أعمله.
ينظر إلى الساعة على الحائط، ثم ينهض بحسم. يلتقط معطفه من على الكرسي ويخرج من المكتب بسرعة، وجهه يعكس مزيجًا من الحيرة، الغضب، والأمل.
رواية قيود العشق الفصل العشرون 20 - بقلم سيليا البحيري
كان تميم يقف على الشاطئ، الأمواج تتلاطم برفق أمامه، والهواء البارد يلفح وجهه. يمسك بيديه حفنة من الرمل ويتركها تنساب بين أصابعه. عينيه مثبتة على الأفق، حيث يلتقي البحر بالسماء المظلمة المليئة بالنجوم.
تميم (بهمس لنفسه):
كل ده بسببك يا تميم... كنت أول واحد يشك. كنت أول واحد أصدق الكذب بدل ما أسمعها.
يمشي خطوة للأمام، حذاءه يغوص في الرمل الرطب، ينحني ويلتقط حجرًا صغيرًا، ثم يرميه بقوة في الماء.
تميم (بصوت مرتفع):
ليه؟ ليه ما فكرتش للحظة إنها بريئة؟ كنت شايفها دايمًا زي أختي الصغيرة، وبعدين... أول ما سمعت الكذب صدقته على طول!
تعلو الأمواج قليلًا، وتضرب الشاطئ بصوت أعلى. تميم يجلس على ركبتيه، يمسك برأسه بيديه.
تميم (بتنهيدة ثقيلة):
ست سنين... ست سنين وأنا عايش بذنب مش قادر أهرب منه. كنت فاكر إن موتها هو العقاب، بس دلوقتي؟ هي حية، وأنا اللي موتت ثقتها فينا... موتت حياتها.
يصمت للحظة، ثم يضرب الرمل بيده بعصبية.
تميم (يصرخ):
يا رب... ليه خليتني أصدق؟ ليه ما كنتش أقوى؟
الهواء يزداد برودة، وتميم يغمض عينيه، دموع تنساب على وجنتيه دون أن يحاول مسحها.
تميم (بهمس مليء بالندم):
سيليا... سامحيني. حتى لو عمري كله مش كفاية أصلح اللي حصل.
ينهض ببطء، ينظر إلى البحر الطويل الممتد أمامه، وكأنه يبحث عن إجابة.
تميم (بهدوء، كأنه يقطع وعدًا):
هفضل أدافع عنك حتى آخر يوم في حياتي. مش هسيب اللي ضيع منك حياتك يفلت من العقاب.
يتجه نحو سيارته، وجهه يحمل مزيجًا من الإصرار والحزن، تاركًا الشاطئ خلفه بينما الأمواج تستمر في تلاطمها بلا توقف.
***
في فيلا البحيري، عاد يوسف وريان من عند سيليا، ليتفاجآ بوالدهما وهو يجلس على الأريكة ببرود.
فؤاد (بصوت هادي وبارد وهو قاعد على الكنبة):
اتأخرتوا قوي، كنت فاكر إنكم نسيتوا إن عندكم بيت ترجعوا له... ولا يمكن كنتوا مشغولين؟
يوسف (واقف مكانه ومش عارف يرد):
بابا... إحنا... كنا...
فؤاد (بيقاطعه بهدوء بس صوته فيه نبرة تهديد):
عند سيليا؟
ريان (عينيه بتوسع من الصدمة):
إيه؟! إنت... إنت عرفت منين؟
فؤاد (بيقوم من على الكنبة وبيمشي ببطء ناحيتهم):
كنت فاكركم أشطر من كده... كنت فاكركم هتعرفوا تخبوا حاجة زي دي. سيليا... أختكم... عايشة. وكنتوا فاكرين إني مش هعرف؟
يوسف (بيحاول يسيطر على نفسه):
بابا، إحنا... إحنا كنا هنقولك، بس... بس كنا مستنيين الوقت المناسب.
فؤاد (بيبصله نظرة كلها غضب مكبوت):
وقت مناسب؟ الوقت المناسب ده بقاله 6 سنين ضايع. 6 سنين وأنا شايل ذنبها... وأنا أصلاً اللي ظلمتها. 6 سنين وأنا فاكرها ميتة... وعملت جنازة وعزا كمان... والجنازة كانت كذبة! وكل ده، ليه؟ علشان أكتشف لوحدي إن أختي ليلى اللي عمري ما عرفت عنها حاجة هي اللي أنقذتها؟!
ريان (بيحاول يشرح وهو متوتر):
بابا... إحنا كنا خايفين... خايفين إنك...
فؤاد (بيقاطعه بصوت عالي لأول مرة):
خايفين من إيه؟ خايفين أواجه غلطاتي؟ خايفين أرجّع حق بنتي؟!
يوسف (بصوت هادي لكنه مليان ندم):
بابا، إحنا حاولنا... والله حاولنا نصلح اللي حصل. بس سيليا لسه مش جاهزة تقابلك... إحنا وعدناها.
فؤاد (بحدة وهو بيبص لهم):
وعدتوها؟ ووعدتوني أنا بإيه؟ إنكم تخبوا عنها إن أبوها مستعد يموت علشان يطلب منها تسامحه؟
ريان (بدموع في عينيه):
بابا... سيليا... هي تعبت قوي... وكل اللي عايزاه دلوقتي إنها تبعد.
فؤاد (بياخد نفس عميق وبيبص لهم بحزن):
سيليا بنتي... مهما عملت... ومهما بعدت... هي بنتي. وأنا مش هرتاح لحد ما أرجعها هنا... لحد ما أطلب منها تسامحني.
يوسف (بحذر):
هتعمل إيه يا بابا؟
فؤاد (بصوت قاطع):
هعمل اللي كان المفروض أعمله من 6 سنين...
***
في شركة البحيري، في الطابق العلوي، الوقت متأخر بالليل. الإخوة أحمد، مراد، وسامر يجلسون حول طاولة الاجتماعات. الملفات متناثرة، أكواب القهوة الفارغة على الطاولة. الجو مليء بالتعب والإرهاق.
مراد (وهو بيقلب في الملفات بدون تركيز):
تفتكروا... لو سيليا كانت لسه عايشة؟
سامر (بيرفع رأسه من الورق وبيبص له باستغراب):
إنت بتقول إيه يا مراد؟ سيليا... سيليا ماتت من 6 سنين، إحنا دفناها بنفسنا.
مراد (بتنهيدة عميقة):
عارف... بس ساعات الفكرة دي بتيجي في دماغي. لو كانت فعلاً عايشة... يمكن كانت بعيدة عننا... بعيد عن اللي حصل.
أحمد (بنبرة حازمة):
مراد، كفاية أوهام. سيليا ماتت، واللي حصل كان غلطتنا. إحنا لازم نقبل الحقيقة، مهما كانت مرّة.
مراد (بتوتر):
بس أحمد... أنا مش قادر أتجاهل إحساس جوايا... زي ما تكون في مكان ما.
سامر (بنبرة أهدى، لكنه مليانة تعب):
مراد، إحنا كلنا بنتمنى لو ده كان صحيح. بس الحقيقة إننا شوفنا بعنينا الجثة... دفناها بنفسنا. سيليا ماتت، وإحنا لازم نعيش مع الندم ده. التفكير في احتمالات تانية هيعذبك أكتر.
مراد (بينزل رأسه):
يمكن عندكم حق... يمكن دي مجرد أفكار بتهرب مني من الحقيقة. أنا... أنا بس نفسي أصدق إن ليها فرصة.
أحمد (بيقرب منه ويحط إيده على كتفه):
كلنا بنتمنى كده يا مراد... بس لازم نكون أقوياء. مش عايزين نفقد نفسنا في أوهام، لأننا عارفين إنها مش هترجع.
مراد (بعد صمت طويل، وهو بيهز رأسه):
يمكن عندكم حق... هحاول أخرج الفكرة دي من دماغي. بس مش سهل... مش سهل خالص.
سامر (بصوت هادي):
مش سهل علينا كلنا. بس إحنا مع بعض... هنقدر نتجاوز ده.
صمت ثقيل يسود المكان، مراد بياخد شهيق عميق وبيحاول يركز في الملفات قدامه. أحمد وسامر بيرجعوا يشتغلوا، وكل واحد فيهم بيحاول يهرب من ثقل الذكريات والألم اللي ساكن جواهم.
***
فأوضة ريان في الفيلا. يوسف وريان يجلسان معًا، وجوههم متوترة بعد حديثهم مع والدهم، فؤاد. الإضاءة خافتة، الجو مليء بالقلق والأسئلة التي لا إجابة لها.
ريان (يتمشى في الغرفة بعصبية):
إزاي عرف؟ إزاي بابا عرف إن سيليا لسه عايشة؟ إحنا ما قلناش لحد... ولا حتى لمحنا لأي حاجة!
يوسف (قاعد على السرير، يحاول يربط الأحداث):
والله ما فاهم. ما حدش غيرنا يعرف إنها حية... حتى ليلى ورائد أكتر ناس بيحرصوا على سرية الموضوع. مين اللي كان ممكن يقول له؟
ريان (يهز رأسه بعصبية):
لا، ليلى ورائد مستحيل. هما حافظوا عليها طول السنين دي. لو كان حد منهم هيقول، كان قال من زمان.
يوسف (بيفكر بصوت عالي):
طب ممكن يكون شافنا وإحنا رايحين عندها؟ أو حد من الناس اللي حوالينا شاف حاجة وبلغه؟
ريان (يهز رأسه بعصبية):
لا، كنا حريصين جدًا. محدش شافنا لا وإحنا خارجين ولا وإحنا راجعين. بس الواضح إنه كان عارف إننا كنا عندها. طريقته... كلامه... نظراته...
يوسف (يضع رأسه بين يديه):
كان قاعد في الصالة مستنينا، زي ما يكون عارف كل حاجة. يا ريان، الموضوع كبير.
ريان (يجلس بجانب يوسف):
أكبر من اللي كنا متوقعينه. يوسف، لو هو عرف فعلاً، ممكن كل حاجة تنهار. إحنا وعدنا سيليا إننا هنحميها. مش هنسامح نفسنا لو كشفناها قدامه.
يوسف (بصوت مليان قلق):
بس لازم نعرف إزاي عرف. الموضوع مش مجرد صدفة... فيه حاجة حصلت. حد قال حاجة أو شاف حاجة. مفيش تفسير تاني.
ريان (ينظر إلى يوسف):
بس إحنا عارفين إن بابا مش هيوقف. لو عرف مكانها، هيحاول يوصل لها بأي طريقة. وده اللي لازم نمنعه.
يوسف (بتصميم):
هنعرف إزاي عرف. لازم نراقب كل حاجة، كل حركة منه. وأول ما نلاقي دليل، هنتصرف.
ريان (بتنهيدة طويلة):
أتمنى نقدر نسيطر على الموضوع قبل ما يتفاقم. ما نقدرش نخاطر بحياة سيليا تاني.
يوسف (يضع يده على كتف ريان):
مش هنسمح لحد يأذيها. لا بابا ولا غيره. دي أختنا، وإحنا المسؤولين عنها دلوقتي.
يصمت الاثنان لوهلة، بينما يتبادلان نظرات مليئة بالقلق والتصميم. يدركان أن أمامهما مهمة صعبة، لكنهما مصممان على حماية شقيقتهما مهما كان الثمن.
***
فأوضة فؤاد ونجلاء، الإضاءة خافتة، ونجلاء تجلس على طرف السرير تحمل صورة لسيليا، تتأملها بعيون مليئة بالحزن. فؤاد يقف قرب النافذة، صامتًا، وجهه يعكس مزيجًا من التوتر والتفكير. الجو مشحون بالمشاعر المتناقضة.
نجلاء (بصوت منخفض وحزين):
كل ليلة بصحى من كوابيس... شايفة فيها سيليا بتعيط، بتصرخ، بتطلب مني أنقذها... وأنا مش قادرة أعمل حاجة.
فؤاد (ببرود يحاول إخفاء مشاعره):
نجلاء، اللي حصل كان غلطة كبيرة من الكل... مش لوحدك.
نجلاء (تلتفت إليه وعيناها تلمعان بالدموع):
بس أنا أمها! أنا كان لازم أصدقها. كان لازم أكون جنبها بدل ما أسيبها لوحدها. إزاي صدقنا كل الشكوك دي؟ إزاي شكيت في بنتي؟
فؤاد (يقترب منها ويحاول التحدث بهدوء):
الندم مش هيغير اللي حصل، نجلاء. إحنا كلنا وقعنا في نفس الفخ. سيليا كانت ضحية، وكلنا ضحينا بيها بسبب قلة عقلنا.
نجلاء (تضع يدها على قلبها):
بس الألم مش بيروح، يا فؤاد. كل يوم بعيش مع إحساس إني فقدت قطعة من روحي. كل يوم بتمنى لو الزمن يرجع... لو أقدر أضمها في حضني مرة واحدة بس.
فؤاد (ينظر إليها بصمت، عينيه تعكسان صراعًا داخليًا):
نجلاء، أحيانًا الحياة بتدينا دروس قاسية. سيليا كانت النور في حياتنا، وغيابها أثر فينا كلنا.
نجلاء (بنبرة متوسلة):
فاكر لما كانت تيجي تجري عليا وهي صغيرة، تطلب مني أحكي لها قصة قبل النوم؟ فاكر ضحكتها؟ فؤاد، أنا مش قادرة أعيش من غيرها.
فؤاد (يحاول التحكم في صوته):
نجلاء، لازم تحاولي تكوني قوية. الدنيا مش بتقف عند اللي راح.
نجلاء (تنتفض):
مش بتقف؟ إزاي تقول كده؟ دي بنتي! أنا عمري ما هنسى.
فؤاد (ينظر بعيدًا عن عينيها):
ما طلبتش منك تنسي. بس طلبت منك تكملي حياتك.
نجلاء (تتوسل):
إنت دايمًا بتتكلم وكأنك عارف أكتر مني. لو كنت تعرف حاجة، لو فيه أي أمل... بالله عليك، فؤاد، قولي.
فؤاد (يتحرك بعيدًا عنها، بنبرة حازمة تخفي مشاعره):
مافيش حاجة، نجلاء. اللي حصل حصل. لازم نركز في اللي قدامنا.
نجلاء (تحني رأسها، الدموع تسيل على وجهها):
عمري ما هسامح نفسي. سيليا كانت أحسن حاجة في حياتنا... وأحنا ضيعناها.
فؤاد (ينظر إليها، يتردد للحظة قبل أن يضع يده على كتفها):
سيليا لو كانت شايفانا دلوقتي، كانت هتطلب مننا نعيش... نعيش عشأنها.
نجلاء (بصوت مرتعش):
وإزاي أعيش من غير قلبي؟
يصمت فؤاد، عجزه عن الاعتراف بالحقيقة يخنقه. يترك الغرفة ببطء، ووجهه يحمل ثقل الأسرار التي يحملها، بينما نجلاء تظل جالسة، غارقة في أحزانها.
***
اتجه فؤاد نحو الشرفة، وجلس يتذكر كيف عرف بأمر ابنته.
Flash back
في مكتب فؤاد في الفيلا، الإضاءة خافتة، الجو هادئ ومشحون بالتوتر. فؤاد يجلس خلف مكتبه، يتصفح بعض الأوراق، عندما يطرق الباب. يدخل زين، ضابط مخابرات شاب، بنظرة جادة ومليئة بالغموض.
زين (بصوت واثق):
مساء الخير يا أستاذ فؤاد.
فؤاد (يرفع نظره، يضع الأوراق جانبًا):
مساء الخير. تفضل، خير؟
زين (يجلس على الكرسي المقابل، ينظر لفؤاد مباشرة):
أنا جاي النهاردة بخصوص موضوع حساس... موضوع يخص بنتك، سيليا.
فؤاد (يتجمد مكانه، ينظر لزين باستغراب):
بنتي؟ قصدك الله يرحمها؟!
زين (يهز رأسه بهدوء):
لا يا أستاذ فؤاد... سيليا لسه عايشة.
فؤاد (يضحك بمرارة، وكأن الحديث لا يُصدق):
إيه الكلام ده؟ أنت جاي تفتح الجروح القديمة تاني؟ سيليا ماتت... جنازتها اتعملت... إيه اللي بتقوله ده؟
زين (بهدوء وثقة):
عارف إنك هتشك في كلامي، وده طبيعي. بس أنا ما جتش أقول كلام من غير دليل.
(زين يخرج من حقيبته صورة ويضعها أمام فؤاد على المكتب. الصورة تظهر سيليا، تبدو أكبر عمرًا، وهي تحمل طفلة صغيرة وبجانبها ولدان صغيران في مركز تجاري. فؤاد ينظر للصورة بصدمة، وجهه يعجز عن التعبير.)
فؤاد (يلتقط الصورة بيد مرتعشة):
دي... دي مستحيل... دي... سيليا؟!
زين (يحافظ على هدوئه):
أيوة. دي صورة حديثة اتاخدت من كام يوم. دي بنتك، ودول ولادها.
فؤاد (ينظر لزين بصدمة):
إزاي؟! إحنا شوفنا جثتها... دفناها بإيدينا! إزاي تكون عايشة؟!
زين (يتنهد):
اللي حصل معقد. سيليا نجت من اللي حصل من 6 سنين، وتم إنقاذها من قِبل شخص مقرب ليها. بس هي اختارت تبعد عنكم وتعيش حياة جديدة.
فؤاد (ينهض من كرسيه، يسير في الغرفة باضطراب، يحدق في الصورة):
تبعد؟ ليه؟ إحنا كنا بندور عليها! إحنا...
زين (يقاطعه بهدوء):
أستاذ فؤاد، لو كنت مكانها، وكنت اتعرضت للظلم اللي اتعرضت له من أقرب الناس ليها، كنت هتعمل إيه؟
(فؤاد ينهار على الكرسي، يدفن وجهه في يديه. الدموع تتساقط بصمت.)
فؤاد (بصوت مكسور):
أنا السبب... أنا اللي دمرتها... ازاي هقدر أبصلها في عينها تاني؟
زين (بصوت حازم):
لسه عندك فرصة تصلح اللي فات. سيليا لسه عايشة، ولسه ممكن ترجع علاقتكم.
فؤاد (يرفع رأسه، بنظرة مترددة):
فين؟... هي فين دلوقتي؟
زين (يهز رأسه):
ماقدرش أقولك مكانها دلوقتي، لأني وعدتها إني مش هكشف مكانها لحد. لكن لو فعلاً عايز ترجع لها، لازم تبدأ تحضر نفسك وتفكر كويس إزاي هتكسب ثقتها من جديد.
فؤاد (بصوت مليء بالندم):
أنا مش عايز غير أشوفها، ألمسها... أقولها إني آسف.
زين (ينهض، يضع يده على كتف فؤاد):
كل حاجة في وقتها يا أستاذ فؤاد. المهم دلوقتي إنك ما تضيعش الفرصة دي.
زين يترك المكتب ويغادر، تاركًا فؤاد جالسًا، يحدق في صورة ابنته سيليا والدموع تملأ عينيه، يتذكر كل ما حدث في السنوات الماضية.
***
في عيادة الدكتورة عزيزة، الجو هادي وحجرة الكشف مضيئة خفيف. جيسي قاعدة على الكرسي، إيديها متشابكة على ركبتيها، وعينيها مش شايفة غير الأرض كأنها غرقانة في أفكارها. الدكتورة عزيزة قاعدة على المكتب قدامها، وطالع في ملف جيسي بعد ما خلصت فحصها.
عزيزة (بلطف):
جيسي، التحاليل طلعت إيجابية، إنتِ حامل في أول شهر تقريبًا.
جيسي (بصوت حاقد وبغضب):
يعني إيه الكلام ده؟! يعني أنا حامل؟!
عزيزة (بهدوء، عايزة تهديها):
أيوه، للأسف. ده التشخيص. بس محتاجة تفكري كويس في اختياراتك. هل إنتِ مستعدة للخطوة دي؟
جيسي (صوتها منخفض بس مليان حقد):
انا دايما بعيش حياتي زي ما أنا عايزة، دلوقتي جاي يطلعلي الموضوع ده؟! يعني أنا هعيش في المأزق ده؟ لا، مش هخلي ده يغير حياتي.
عزيزة (تحاول تهديها):
جيسي، المهم تفكري بعقل، الحياة قدامك وفيه دايمًا خيارات. إنتِ اللي هتقرري في الآخر.
جيسي (بغضب ظاهر في صوتها وعينيها مشتعلة):
أنتي هتسيبي المخلوق ده يتحكم في حياتي؟! هلاقي طريقة أتعامل معاه، وهخلي الكل يدفع ثمن الغلطة دي. مش هسمح لحد أني أبقى ضحية.
عزيزة (بهدوء وبتحاول تلمس عواطفها):
أنا هنا عشان أساعدك، جيسي. فكري في مستقبلك، فيه دايمًا طرق تانية.
جيسي (غضبها مش قادره تتحكم فيه، ووشها مليان كراهية):
إنتِ مش فاهمة، مش عارفة بعيش إزاي. الناس دي اللي كانوا السبب في اللي حصل، هيدفعوا التمن، وهنشوف مين اللي هيندم في النهاية.
عزيزة (تحاول تهديها):
جيسي، مفيش حاجة في الحياة تخلص كده. دايمًا فيه طرق أحسن، وإنتِ قادرة تختاري الصح.
جيسي (مبسمه ابتسامة باردة، وأصواتها مليانة عناد):
مستقبلي؟ مش هيكون زي ما كان. مفيش حاجة هتفضل زي ما هي بعد النهاردة، واللي هحاول يقف قدامي هيشوف مين اللي هيخسر.
عزيزة (بتبص ليها بحزن):
أنا عايزة بس ليكي أحسن حاجة، فكرِ كويس.
جيسي (مبتسمة بابتسامة قاسية):
فكري إنتِ. أنا مش هسمح لحد يوقفني.
تخرج جيسي من العيادة، ووشها مليان عناد وتحدي، بينما عزيزة قاعدة في مكانها، حاسة بالحزن على جيسي وعلى الطريق اللي هي ماشية فيه.