تحميل رواية «لأجلها» PDF
بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة، لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم، حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال، برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي، ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط ! امام المراَة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته، بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات، بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألو...
رواية لأجلها الفصل التاسع 9 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
حين تتزاحم الهموم فوق الصدور، لا يبقى لنا إلا الصدق ملاذًا.
وفي لحظات المواجهة، تتساقط الأقنعة، وينكشف الحب الذي خُبئ طويلاً خلف الكلمات المترددة.
هناك، بين نظرة أم مشفقة، وقلب ابن يغلي بالرجولة والشهامة، وُلد وعد جديد...
وعد بأن الخير لا يُخفى مهما ثقلت ظلال الحذر والخوف.
فالقلوب النقية، مهما أرهقتها الحياة، تظل تعرف طريقها نحو الحقيقة.
عاد إلى منزله أخيرًا بعد أشهر من السجن بتهم خُلقت له من تحت الأرض، تخص تجارته والغش والتلاعب بالأسعار، والتغافل عن سداد بعض الديون لأصحابها؛ كلها أشياء معتادٌ على فعلها منذ نشأته.
لا أحد يقيّم ولا مسؤول يحاسب، حتى ظهر في طريقه ذلك الملعون الذي أجاد لعبته وسلّط عليه رجال القانون، ليتم احتجازه بالأشهر بعد توقيعه على ورقة بعدم التعرض لطليقته وابنته، فتضيع عليه فرصة ردّها إليه خلال فترة عدتها في تلك الشهور التي قضاها محجوزًا، وسط تحقيقات مستمرة وكفالات تُدفع للمتضررين من ماله.
لو لم تكن التهم ملفقة إليه دون أدلة محكمة، لكان استطاع محاميه إخراجه، ولكن عيبه يكمن في الأخطاء البسيطة التي كان يرتكبها يوميًا وفي أسلوب إدارته لتجارته.
ليأتي من يستغل هفواته، فيكبّله حتى عن الانتقام منه، ولكن... إلى متى؟
"وهه، عرفان! حمد الله على سلامتك يا غالي! تعالوا يا ولاد، تعالوا شوفوا أبوكم."
هلت صفا بالكلمات فور أن وقعت عيناها عليه، وهي تهبط الدرج من طابقها إلى الأسفل، تواصل النداء على أطفالها وهي تسرع خطواتها لاستقباله، حتى تفاجأ عرفان بهما يخرجان من شقة مزيونة وابنتها.
ازبهل ببصره قليلًا وهو يتقبل حفاوتهم، يرفعهم إليه ويقبلهم، حتى أخذت صفا دورها، تلقي بنفسها عليه، تفاجئه بفعلها، فاضطر أن يدّعي الاستجابة على مضض، رغم حنقه من وقاحتها بتقبيل وجنتيه واحتضانه أمام الأطفال، حتى نزعها سريعًا وأبعدها بلطف:
"الله يسلمك يا صفا... بس العيال دي طالعين من شُقة مرة أبوهم ليه؟"
"مرة أبوهم!" رددت بها من خلفه بنبرة استنكارية، تواصل بالتشديد على كلماتها:
"اسمها طليجتك يا جوزي يا غالي، يعني الشُقة دي شُقتنا، مش شُقتها ولا شُقة بتها. يبقى يحقلنا نعمل فيها ما بدالنا: نربي فروج، ولا نحط كراكيبنا فيها، ولا حتى نُطلق العنزات ونفضي الحوش شوية... آااه!"
تأوهت الأخيرة بألم حين باغتها، إذ قبض بأصابعه الغليظة على مرفقها، لترى جمرتين من النار تشتعلان في عينيه، مرددًا بغضب جحيمي:
"عنزات وكراكيب وفروج؟! دا على أساس إنه بيت أبوكي إنتي مش بيتي أنا اللي أويكي فيه، تاكلي وتشربي وتربي عيالك! عملتي لنفسك سُلطة في بيتي وبتستغلي غيابي عنيكم ياصفا،عشان تعملي ما بدالك! عايزة تمحي كل أثر ليها عشان تجطعي عليها العودة! للدرجادي نارك قايدة منها؟! دا أنا أشيلك بعيالك وأحطها بدالك لو طلبت معايا يا بت!"
صرخت بألم، تنزع ذراعها عنه، وتجأر به:
"أوعى! هتكسر دراعي في إيدك ولا إيه؟! عا فوج لنفسك يا حبيبي، وافتكر إنها كانت السبب في سجنك! هي وبتها! عايز تشيلني وتحطها مكاني، على أساس إنها فاضيالك من أصله! دا مش بعيد تكون مظبطة مع الراجل اللي سلط عليك الحكومة! أمال بيدافع عنها كده لله؟!"
قطعت حديثها فجأة، وقد وضع كفه على رقبتها يضغط بعنف ليسكتها حتى كاد أن يمنع عنها النفس.
صرخ الأطفال برعب، يحاولون دفعه عنها، ليستدرك خطورة ما يفعله، فيرفع كفه عنها، فتسعل بقوة عدة مرات حتى التقطت أنفاسها، تطالعه بذهول وقد أوشك أن يقتلها مخنوقة بيديه.
قابل هو نظرتها بعدم اكتراث، وحتى لا يعطيها فرصة لتأنيبه، تحرك من أمامهم مغمغمًا بأمر:
"أنا طالع أستحمى وأرتاح على فرشتي ساعتين. أصحى ألاقي الوكل جاهز، والهدوم مكوية، وشقة مزيونة نضيفة وبتلمع..."
تجمدت في مكانها بعد سلسلة التعليمات التي ألقاها عليها، تتابعه وهو يصعد الدرج، غير مبالٍ بها ولا برعب الأطفال الذين تمسكوا بها تهدئ من روعهم، وهي نفسها لم تتمالك ذاتها جيدًا بعد ما فعله بها.
قاسي القلب... لم يرأف حتى بأطفاله.
كان يعلم أنها هنا، بحكم متابعته لكل أمورها ومواعيد خروجها والمصالح التي تقضيها، بفضل المسؤولية التي تحملها الآن على عاتقها.
يحاول بقدر استطاعته تسهيل أمورها دون أن يكشف نفسه أمامها، حتى لا تأخذها عزة النفس وترفض دون تردد.
ينتظر يوميًا مواعيد ذهابها إلى السوق كي يملأ عينيه منها من بعيد، دون أن تراه أو تشعر به، سواء تطلب الأمر سيارة أو لا، في كل الحالات لا يُقصّر ولا يحرم نفسه من لذة رؤيتها.
لكن اليوم كان الأمر مختلفًا تمامًا؛ أمر أجبره على التخلي عن حرصه، ليطل بكليته أمامها.
فلم يعلم بوجهتها إلا متأخرًا، ليأتي الآن فيجدها تنتظر شيئًا ما في تلك المنطقة الحيوية من البلدة، المزدحمة بالمصالح الحكومية.
وعلى عكس المعتاد، لم تعجبه رؤيتها اليوم، فقد استفزته وقفتها تحت الشمس، وتحت أبصار هؤلاء الفاشلين من الرجال الذين تركوا تجارتهم ومصالحهم وركزوا أبصارهم عليها وحدها.
"صباح الخير." ألقى التحية بخشونة، أجبرتها أن تنتبه إليه فتجيبه:
"أهلا، صباح الخير يا أبو ريان."
ألقى بنظره نحو المبنى الحكومي الذي تقف قبالته، ليعود إليها بكلمة واحدة كافية عن سؤال كامل:
"خير؟"
ردت تجيبه بروتينية:
"خير إن شاء الله. أنا بس مستنية أخوي وصفي دخل جوه المجلس المحلي يخلصلي ورق معاش أبويا، بعد ما تعبت من مماطلتهم ليا."
ارتفع حاجبه بشر يريد مزيدًا من الاستفسار:
"ويماطلوا معاكي ليه؟ هو مش ورجك جاهز وخلصان ولا هي نطاعة وخلاص؟"
طفا على ملامحها بعض الحرج، فجاءت إجابتها تضع نوعًا من الريبة داخله:
"والله ما أنا عارفة أجولك إيه؟ ربنا يهدي الأستاذ معاطي... غاوي شندلة الناس في الروحة والجية على مجلس الزفت بتاعهم."
تعقد حاجباه باستدراك، ليردد الاسم بتوعّد قبل أن يتركها ويتجه نحو المبنى دون انتظار:
"معاطي الزفت، رئيس المجلس..."
طالعت ظهره بتوجس، تضاعف حين وصلها غمغمته:
"أنا هشوف أمره الكلب دِه."
وقد كان. لم تنتظر خمس دقائق كاملة، حتى وجدت شقيقها يخرج مشرق الوجه، ضاحكًا برفقة حمزة الذي لم يتخل عن تجهمه حتى اقترب الاثنان منها، ليهلل وصفي بالبشرى لشقيقته:
"ورجك خلص أخيرًا يا مزيونة! حمزة باشا دخل شمال في معاطي من غير سلام ولا كلام، خلاه جاب ورا في ثانية واحدة ومضاه، مع إنه كان بقاله ساعة مدخلني في كلام كتير وحوارات مكتش فاهمها."
بابتسامة ضعيفة، عقبت تضيف:
"ما هو نفس اللي كان بيعمله معايا، رغي وكلام في مواضيع كتير..."
"عشان فاسد ابن كلب!" هتف بها حمزة، مما أجبر الاثنين على الانتباه له، وقد تملكه الغضب، ورغبة تدفعه للعودة مرة أخرى نحو هذا الصعلوك من أجل تأديبه.
فهم الآن من فحوى كلماتها، حتى وإن لم تقصد أن هذا المتنطع كان يؤجل قضاء مصلحتها لغرض في نفسه.
لا حاجة للتوضيح أكثر من ذلك، فهي جميلة ومطمع... بدليل حفنة الرجال التي لم ترفع أبصارها عنها حتى اللحظة.
تبا لهم... ولعجزه هو عن صدهم.
"بجولكم إيه يا جماعة، كفاية كِده، تعالوا أروحكم معايا في عربيتي."
وكما توقع، قابلت دعوته بالرفض:
"لا متشكرين، أنا وأخويا أصلا رايحين السوق."
"تمام، أوصلكم معايا لحد السوق بس، نمشي من هنا الله يرضى عنكم... ما تتكلم يا وصفي!"
رغم حدته في الحديث، استطاع في النهاية أن يجبر وصفي على التدخل:
"خلاص يا مزيونة، الأستاذ حمزة مش غريب."
همّت أن تجادله، لكنه حسم قاطعًا عليها الطريق:
"يلا بجى يا ست مزيونة، خلينا نمشي من المنطجة الزفت دي، ولا أدخل لمعاطي أديله الطريحة! بصراحة، إيدي واكلاني عليه وهموت أعملها!"
أما عنها، وقد كان هذا موعد عودتها من درس مادة الإنجليزي مع بدء العام الدراسي الجديد وشفاء ذراعها من الكسر، فقد مرت على المجرى المائي القريب من منزلهم، فاتجهت أبصارها تلقائيًا نحوه، بحثًا عن ذلك المجنون الذي يأتي في ميعاده اليومي من أجل سقي حصانه، قاطعًا تلك المسافة البعيدة من النصف الغربي للبلدة إلى هنا، وكأنه لا توجد مياه هناك.
هي ليست بالعمياء حتى لا ترى أفعاله الغريبة، ولا عديمة الإحساس حتى لا تشعر؛ فمنذ تلصصه عليها ووقوعه من أعلى الشجرة، لم يكررها مرة أخرى ولم يحاول فتح حديث معها، يكتفي فقط بالنظرات الهائمة لها، وهي لا تهرب ولا تغضب، بل في أوقات كثيرة تصعد إلى برج الحمام فوق السطح وتتخذه حجة كي تبادله النظرات.
بداخلها كم هائل من التساؤلات نحوه، لكنها لا تستطيع البوح بها أمام والدتها رغم أنها كاتمة أسرارها وصديقتها الأقرب.
كانت تنتظر أن تأتي الإجابة وحدها.
لكنها اليوم لا تراه! رغم وجود الحصان الذي كان يتناول طعامه من حشائش الأرض البرية بالقرب من مجرى الماء.
أخذها الفضول حتى نسيت حرصها، تبحث عنه بعينيها بلهفة جعلتها تتوقف في مكانها... ولا يوجد أثر له على الإطلاق!
أيعقل أن هناك إنسانًا في العالم يملك نصف عقل، يترك حصانًا عربيًا أصيلًا مثل هذا في الهواء الطلق دون حماية ويذهب؟
شيء يثير الدهشة بالفعل... ولكن لما العجب مع رجل مثله؟
تتوقع منه أي شيء.
أجفلت عند خاطرها الأخير بسماعها لأصوات صارت تصل إليها:
"بس... بس بس بسس..."
دارت رأسها لا إراديًا في عدة جهات تبحث عن مصدر الصوت، حتى جاءها النداء باسمها، يرافقه عدد من ثمار التين الطازج تتساقط فوق رأسها:
"ليلى!"
رفعت بصرها إلى أعلى، لتفاجأ بهذا المجنون فوق أحد فروع الشجرة مباشرة فوقها، فشهقت وارتدت بقدميها للخلف بفزع، تضاعف حينما قفز من محله ليقف مقابلًا لها دون سابق إنذار، وكادت أن تقع لولا سرعة بديهته في الإمساك بيدها:
"حاسبي... كنتي هتوجعي."
نفضت يده عنها، تنهره موبخة رغم عدم اتزانها بعد:
"ما انت السبب! بتخلعني يا بني آدم انت، وبعدها تجولي حاسبي! انت إيه صنفك؟"
ابتسم قائلًا بمرح:
"يعني هيكون إيه بس يا آنسة ليلى؟ أنا ماعملتش حاجة أصلا غير إني كنت فوق الشجرة بنجي كام حبة تين حلوين. أحلى ثمر للفاكهة، دا اللي تلاقيه متعلج فووج بعيد عن إيدين الناس وعيونهم، محدش يطوله غير الغاوي."
لا تعلم لما جذبتها كلماته التي لم تعِ مغزاها، وقد سرق انتباهها بتلك الحبات الطازجة الرائعة التي كان يعرضها لها بين كفيه الكبيرين؛ حبات كاملة النضج أثارت شهيتها لتناولها والتلذذ بطعمها.
ولكنها ما إن استعادت بأسها حتى هتفت به:
"مش عايزة من خلجتك حاجة! فاكرني هبلة وهيضحك عليا بحبايتين تين؟ ولا ظنيت كمان إني نسيت عملتك المهببة لما كنت بتراقبني وأنا فوج سطحنا! اللي خلاني أسكت ومكبرِش الموضوع حاجة واحدة: هي وجعتك الشديدة، عشان حسيت إن ربنا خدلي حقي منك."
معظم حديثها لم يفهمه، فقد كان هائمًا بها وبطريقتها اللذيذة في التعبير عن غضبها، حتى وهو لا يغفل نبرتها الشامتة ولا إصرارها على تذكيره بذلك الأمر رغم عدم حديثها عنه كما أشارت.
"بصراحة، أنا ممتن جدًا لمعروفك يا آنسة ليلى، برغم إني مكتش جاصد اللي في بالك عشان تبقي عارفة. أنا بس كنت فوج الشجرة زي دلوك بدوّر على فرع أنجي عليه تينة حلوة، وشوفتك بالصدفة... يمكن تنحت هبابة على برج الحمام وعليكي، لكني في النهاية وجعت زي ما شفتي بعينك. رجلي اتجزعت وضهري كله اتخرشم، ورقدت عليها أيام..."
ثم أضاف بنعومة:
"يعني لو كتي بلغتي عني، كتي هتاخدي ذنبي على الفاضي. وأنا كل الحكاية كنت عايز تين، شوفي بنفسك نجاوتي."
تناول واحدة من الثمار ووضعها بفمه، يتلذذ بها بين شفتيه مرددًا:
"أممم... حلوة جوي! يا سلام، وهي فيها حتة لسعة صغيرة في اللسان لكنها بتنقط سكر وعسل! آه لو تدوقي واحدة، هتعرفي إني عمري ما أنجي ولا أختار غير الزين."
سال لعابها هي الأخرى، واشتهت أن تتذوقها، لكنها أبت أن تُظهر ضعفها أمامه، وقالت بحدّة:
"مش عايزة حاجة! خدهم واشبع بيهم."
واستدارت لتتركه وتذهب، فهتف من خلفها بصوت مسموع:
"خلاص... أنا خدت كفايتي أصلا. هسيب الباقيين هنه على المصطبة، وياخدهم صاحب نصيبهم بجي."
رغم شعورها باستجابتها، إلا أنها ادعت التجاهل وعدم الاكتراث، ودلفت إلى داخل المنزل صافقة الباب بقوة.
تنهد هو، وأفرغ ما بين كفيه من الثمرات على المصطبة الطينية بالفعل، ثم توجه إلى حصانه، اعتلاه وغادر، إلا أنه توقف قريبًا أسفل إحدى الأشجار، يراقب من مكانه مصوبًا بصره نحو المنزل المحبب إلى قلبه.
ولم تمر سوى لحظات قليلة، حتى وجدها تفتح باب منزلهم وتخرج منه بحرص، تدور أبصارها في الأنحاء من حولها، حتى وصلت إلى حفنة الثمار التي تركها، فحملتها بين كفيها وعادت بها إلى الداخل.
ارتسمت على ثغره ابتسامة شقت وجهه من الأذن إلى الأذن، وقد غزت السعادة قلبه.
لقد قبلت هديته... وهذه بداية ليست بالهينة في طريق وصوله إلى قلبها.
***
وفي داخل السيارة التي كان يقودها حمزة، وبجواره وصفي في الأمام، ومن ملكت قلبه في الخلف، توجهت أبصارها إلى خارج السيارة عبر النافذة التي جلست بجوارها، شاردة في أمور عدة إلا عنه.
ثلاثة أشهر مرت على علاقة المودة التي جمعت بين العائلتين، كان يلتقط كل الفرص المتاحة من أجل التقرب منها، فعل كل شيء حتى ينال نظرة واحدة تروِّي قلبه.
كان يعلم منذ البداية أن الطريق إليها صعب، لكنه لم يُقدِّر صعوبته حقًا إلا بعد أن اكتوى بنيرانه.
لقد أغلقت على قلبها منذ سنوات، ولا شيء يدفعها للحياة سوى ابنتها، أما عنها فقد قتلت مزيونة منذ زمن بعيد.
فكيف السبيل لإعادتها للحياة مرة أخرى؟
مسح بكفه على شعر رأسه، محاولًا الاندماج مع حديث وصفي، شقيقها الطيب، بعد أن أنهى مكالمة هاتفية على عجالة:
ــ يعني بعد ما شندلنا في المصلحة عنده، دلوقتي عايز يطابلني على انفراد أنا وهو في موضوع خصوصي؟ دا إيه صنفه ده؟
ــ جصدك مين؟ سأله حمزة محاولًا التركيز، ليأتيه بالجواب الذي أشعل رأسه:
ــ معاطي الزفت، أنا أساسًا شكيت في أمره من ساعة ما كنت جاعد وياه. رايح جاي يتكلم عن نفسه، ويجيب سيرة أختي، وإيه اللي يخليها تتشندل على حتة معاش ومش عارف إيه؟ وهي في يدها تبقى ست الهوانم! كنه حاطط عينه عليكي يا مزيونة.
توجه بالأخيرة نحوها ببساطة، غافلًا عن حمزة الذي خرج الأمر عن سيطرته، فاضطر للضغط على مكابح السيارة بعنف، مما أجفل الشقيقين، واندفعت أجسادهما للأمام بقوة نتيجة فعله، فاصطدمت رأسها هي بالكرسي أمامها، قبل أن ترتد سريعًا إلى الخلف تتأوه:
ــ آااه...
التفت نحوها بجزع:
ــ حصلك حاجة؟ ولا اتصابتي؟
نفت بهز رأسها، دون صوت، فدافع هو مبررًا بكذب:
ــ آسف يا جماعة، ماكانش جصدي، بس السبب أرنب طلع فجأة جدامي، كنت هادوسه، بس الحمد لله ربنا ستر. المهم، حاسة بأي وج في راسك؟
خرج صوتها هذه المرة حتى يكف عن الأسئلة:
ــ يا بوي مفيش، هي بس مع شدة الهزة، أصلاً ملحقتش تتسط في الكرسي زين.
كاد أن يتنفس ارتياحًا لولا تعقيب وصفي:
ــ بس فين الأرنب؟ أنا ما شوفتوش.
ابتلع ريقه محاولًا السيطرة على ارتباكه، وعاد لقيادة السيارة:
ــ لا، ما هو عدى بسرعة وأنت بتتكلم مع الست مزيونة عن معاطي الزفت. إلا جولي صحيح، هترد عليه بإيه؟
جاء الرد منها، تسبق شقيقها:
ــ ولا هنجول ولا هنعيد، دا موضوع محسوم أصلًا، حتى لو وصل بيه إنه يوقفلي ورقي، الحمد لله مستورة، وعندي اللي يكفيني من نصيبي في الأرض اللي انباعت زمان، ولا الحوجة ليه دا كمان.
عقب هو على قولها بعصبية:
ــ طب خليه يتجرأ ويعملها عشان أقطع عيشه منها.
بسط وصفي يحاول امتصاص غضب الاثنين:
ــ يا إخوانا عمرها ما توصل لكده إن شاء الله. معاش أبوكي دا حقك يا مزيونة، وسيبك من قرشين البنك دول لتعليم ليلى. كفاية اللي صرفتيه الأيام اللي فاتت، ما إحنا بنرفضوا كل يوم، هتيجي على معاطي ونشيل همه.
يا ليته ما تلفظ بالأخيرة، فقد أعاده وبقوة إلى تلك الهواجس التي يتهرب منها منذ طلاقها.
لا يزعجه أمر موافقتها من عدمه بقدر ما يحرق صدره نظرة الرجال لها وأطماعهم بها.
يريد أن يعلنها للجميع أنها تخصه وليست متاحة للارتباط كما يظنون، حتى لا يتجرأ أحد بالتفكير بها.
ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ ورأسها لن يتقبل الفكرة من الأساس، إنها حتى لا تراه ليشغل نفسه بأمر أن يصلها إحساسه.
***
تحمحم بصوت خشن من أعلى الدرج ليعلمها بوجوده، بعد أن استيقظ من غفوته التي استغرقت ساعتين، ليجدها ما زالت في الأسفل.
هبط الدرج بثقل متعمد في خطواته، وبطء يقارب الرتابة، حتى إذا لمست قدماه أرضية الطابق الأرضي كانت هي في استقباله، بعد أن نظفت شقة مزيونة كما أمرها.
ولمزيد من الإذلال لابد أن يسمعها منها:
ــ ها خلصتي تنظيف ولا لسة محتاجة وقت؟
أجابته بابتسامة صفراء:
ــ لع اطمن، أنا غسلتها وعقمتها بالديتول، ورشيت لها المعطر، وكأنها شُقة عروسة جديدة، دا غير إني غيرت الملايات. يعني لو ليك غاية تردها من عشية، هتلاجيها جاهزة.
حسنًا، لقد أجادت توجيه ضربتها إليه، لتنزع عنه نشوة الانتصار، وتضعه أمام نفسه في خانة العجز عن فعل هذا الأمر.
ليعقب كازًا على أسنانه بحنق شديد:
ــ ماشي يا ختي، كتر خيرك، انجلبي يلا على فوق وجهزيلي اتغدا، وإياك تقولي ملحقتش.
انتفضت فجأة تزيد من تصنعها:
ــ لا طبعًا، إزاي تجول كدِه؟ دا أنا أسوهولك على رموش عنيا يا غالي. كل الوكل اللي انت عايزه هيجهز على الصينية حالًا.
أشار بكفه كي تختفي من أمامه وتذهب، وقد ضاق ذرعًا منها بعد أن عكرت صفو مزاجه ببرودها.
تحرك خطوتين حتى أطل برأسه داخل شقة مزيونة، ليتأكد من صحة ما أخبرته به، بل وأكثر، فقد نظفتها وعطرتها بالفعل.
همَّ أن يدلف داخلها ليستكشف باقي الغرف، ولكن منعه صوت أحدهم في الخارج ينادي باسمه، قبل أن يلج إليه مهللًا:
ــ عرفان يا صاحبي كفارة، انت طلعت إمتى يا راجل؟
تبسم المذكور فاتحًا له ذراعيه:
ــ الله يسلمك يا عطوة، دا انت اللي واحشني يا راجل.
***
في منزل حماد القناوي، وقد اجتمعت العائلة بأكملها على طاولة السفرة، في اليوم الأسبوعي الذي تخصصه حسنية لحضور الجميع، بناتها وأزواجهم وأطفالهم، لتناول الطعام معها ومع أفراد المنزل.
غاب عنها أكبر الأبناء وأصغرهم، حمزة ومعاذ، ولكن، هالة وأطفالها، تقوم بواجبها وأكثر في الظهور وفرض نفسها بأنها العضو الأهم في المنزل.
ــ كل نايبك يا واد يا آدم عشان تكبر وانتي يا ريان، يا أم ياسين قربي اللحمة لجوز أختك، أصله ما بيحبش الفراخ.
قالتها بإشارة نحو منصور زوج منى، التي ضجرت منها ومن تصنعها، لتتدخل قائلة:
ــ خلاص يا حبيبتي، جوزي أصله مالوش لا في دي ولا في دي، وكله خفيف في الاتنين. اجعدي على حيلك، وحطي اللقمة في حنكك بدل الحديت، كفاية صوت المعالق ولعب العيال.
بسخرية ماكرة استطاعت أن تربكها عن الجدال، فتبسمت تحاول حفظ ماء وجهها برد ساخر هي الأخرى:
ــ لا لحمة ولا فراخ! أمال مقضيها خضار وبس؟
جاء رد منى ليخرسها تمامًا:
ــ فسفور، سمك وفسفور.
فغرت فاها بذهول، وقد تسرب داخلها شك حول المعنى المبطن خلف عبارتها، فجاءت الإجابة بكل وضوح من منصور، الذي سعل بضحك مكتوم مطأطئًا رأسه بخجل من باقي المجموعة، رغم ابتسامتهم هم أيضًا، إلا منى التي كانت تأكل بثبات وبراءة وكأنها لم تفعل شيئًا، لتضاعف من حنقها منها.
تلك المحبوبة من الجميع، حتى من زوجها منصور، العاقل الوسيم الوقور أمام الجميع إلا معها.
ليتها تملك نصف حظها.
ــ حمزة يا ولدي، انت جيت؟
تعاليكان هذا صوت حسنية بعد أن وقعت أبصارها عليه عائدًا من الخارج، يلفت انتباه الجميع إليه، ليُجبر نفسه على رفع كفه نحوهم بالتحية والترحيب بكل فرد منهم باسمه، قبل أن يستأذن ويتركهم، رافضًا الدعوات بمشاركته الطعام معهما، بحجة عدم شهيته، بابتسامات مغتصبة لا تخفى على قلب والدته، ولا عن شقيقته منى التي تعلم سر حزنه.
***
زي ما بقولك كده يا صاحبي، أنا قاعد كافي خيري شري، لكني مش نايم على وداني. الكلام كتير، وأنا بشوف بعيني. الراجل اللي اسمه حمزة ده دخل حتى في زواريق أخوها. أني مش فاهم بصراحة غرضه إيه؟ ومن إمتى كان يعرفهم من أصله عشان يتقرب منهم كدِه؟
هكذا كان يبث سمومه في أذن هذا الأحمق، والذي من المفترض أنه صديقه، ولكن حقد النفس يعمي صاحبها عن الحقيقة حتى لو كانت بوضوح الشمس.
أمم... وإيه تاني كمان؟ قول يا صاحبي، أنا مش هكدبك. اللي يرميني في السجن الرمية دي، ويسلط عليا الحكومة تنخور في الجديد والجديم، حتى شريكي طفش مني لما اتضر هو كمان. بس، وأنا ورحمة الغاليين، ما هسيبه. لكن اللي عايز أعرفه دلوك، وصفي إيه دوره؟ عامل نفسه دكر عليا أني بس؟
تبسم عطوة بخبث، يردد من خلفه:
ما أنت جولت بنفسك: دكر عليك أنت وبس؟ أكيد هو كمان لاقي مصلحته. لكن إنت هتسكت؟
زفر مخرجًا دفعة كبيرة من الهواء المشبع بهيج النيران التي تسري بداخله:
أمال عايزني أعمل إيه؟ وأنا متكتف يدين ورجلين، بعد ما بجيت تحت عنين الحكومة، على أي غلطة ممكن تعكشني. لكني برضو مش هسكت. مستني الدنيا تهدى شوية وأروح للشيخ خميس...
ونستنى ليه يا عمنا؟ ولا تروح للشيخ خميس؟ وانت عارف من الأول إنها مصدجت، ونقبك هيطلع على شونة. اضرب ضربتك قبل الواد ده ما يسبجك، وأنا معاك وفي ضهرك.
حدق به عرفان، يريد أن يصل إلى ما يرنو إليه بحديثه.
فواصل عطوة الشرح بصوت خفيض، كوسوسة الشيطان الذي يدفع الإنسان للخطيئة ثم يتبرأ منه:
أنا جصدي، إن كانوا كتفوك بالتعهد بعدم التعرض جدام الناس، اخلص من الراجل ده اللي واقفلك زي اللُجمة في الزور، وساعتها مرتك و أخوها هيبقوا في يدك، بعد ما يغور ده اللي مستجوين بيه.
هكذا صار يبسط الأمر أمامه ويدعمه، وكأن القضية قضيته، مستغلًا عنجهية الآخر وغباءه عن فهم ما يدور برأسه.
ومع ذلك، فاجأه بالرد:
طب والله فكرة زينة. نفذ يا عطوة وأنا أديك اللي انت عاوزه، بدل ما ندخل حد غريب ويفضح أسرارنا، وأنت خبرة ومش جديد عليك.
انتفض المذكور وقد أجفله بعرضه، يردد برفض تام:
وه! أنفذ كيف، الله يخرب مطنك؟ الشغل دِه أنا بطلته من زمان، من ساعة ما توبت. شوفلك حد غيري يا حبيبي، شوفلك حد غيري.
وهكذا أخرج نفسه من الحسبة، ولكن رأسه اتجهت لشيء آخر، بعد أن ذكره بمهنته القديمة... لماذا لا يستغلها لمصلحته الآن؟
***
ثلاثة أشهر مرت عليها في ترتيب المنزل بإمكانياته المحدودة، ليصبح في النهاية جنتها الصغيرة.
وقد اكتمل من معظم الأساسيات المطلوبة، حتى الأجهزة الكهربائية استطاعت توفير الضروري منها، فاشترت ثلاجة بالتقسيط، وحصلت على التلفاز من شقيقها كهدية.
وجدت فيه تسليتها وقت الفراغ، خاصة حين تنشغل ابنتها عنها في استذكار دروسها، كما كان يحدث الآن قبل أن تأتي إليها المذكورة داخل غرفة نومها حاملة طبقًا تأكل منه.
أنا خلصت مذاكرة بدري النهاردة، قولت أجي أكمل الفيلم معاكي. دخليني جنبك يا مزيونة؟
قالتها ليلى وهي تصعد إلى السرير، لتحشر نفسها معها تحت الغطاء، حتى تناثرت من الطبق عدة ثمرات فوقه، لِتلفت أنظار والدتها التي علقت مبتسمة:
يا ما شاء الله، جيبتي منين التين الحلو ده؟
تبسمت ليلى وقدمت الطبق إليها لتتناول منه هي الأخرى:
من شجرتنا يا أمة، هو إنتي غريبة عنه؟
وضعت مزيونة إحدى الثمرات في فمها، تلوكها وهي تستلذ بالطعم قائلة:
لا يا ست الحلوين، طبعًا عارفاه. أنا بس مستغربة جبتيهم كيف! الشجرة تقريبًا محلوبة؛ كل اللي رايح واللي جاي ياخد منيها، دا حتى بيجطفوه أخضر. ومحدش بيصبر على التينة لما تطيب زين، إلا الفروع العالية دي محدش بيوصلها واصل. لا تكوني ركبتي الشجرة يا جزينة؟
قهقهت ليلى نافية وهي تهز رأسها:
لا يا أمة، ما وصلتش للدرجادي. إينعم أنا شقية، بس معدتش صغيرة على طلوع الشجر.
أمال جبتيها منين؟
ابتعلت ليلى محاولة إخفاء توترها، واختلقت قصة سريعة للإجابة:
بجريدة نخل سحبتها معايا وأنا جاية من الدرس، بجيت أرفعها لأعلى فرع، وأنزل بيها أحلى واحدة أنمر عليها.
قطبت مزيونة حاجبيها تستوعب الفكرة، والتي لم تروق لها كثيرًا، فاكتفت بتوجيه النصح:
طب ياريت متكرريهاش تاني. مش مستاهلة شندلة وتعب على شوية تين طازة. لو عايزة، أبقى أشتريلك.
أومأت ليلى رأسها بطاعة، ثم رفعت إليها الطبق مرة أخرى لتجعلها تشاركها في تناوله أمام التلفاز، حيث كانا يشاهدان فيلمًا عربيًا قديمًا.
لم يكن الفيلم يروق لليلى كثيرًا، لكنه يعجب والدتها التي تندمج في أحداثه.
كانت تعلم أن مشاهدة الأفلام الرومانسية هي متعتها الوحيدة بعدما حرمت منها، كما سُرقت منها أحلام الفتيات العادية في سن المراهقة؛ السن الذي لم تمر به أصلًا بتحملها مسؤولية الزواج المبكر.
***
انتظرت خروج الجميع وذهابهم إلى منازلهم، حتى تخرج إليه داخل الحديقة التي التزم الجلوس بها ومراقبة الخيل الصغيرة وهي تأكل أمامه، وقد غفا طفله على الأريكة الخشبية بجواره، وظل هو لوحدته وهمومه كما يبدو أمامها.
اللي واخد عقلك؟ تفوهت بها بمشاكسة لتلفت انتباهه إليها، فتبسم ونهض عن مقعده لاستقبالها:
يعني هيكون إيه بس يا حاجة حسنية؟ هو إحنا معانا غير الشغل؟ اجعدي بس الأول.
تحدثت بعد أن أجلسها بجواره:
والله اسأل نفسك، ولا بص في المراية وانت تعرف، أكيد اللي شاغلك أكبر من أي هموم ولا أي شغل.
طالعها باستفسار فتابعت تفصح عما يشغلها:
بصراحة يا ولدي، أنا خايفة من حاجة كده ومش عارفة أوصلهالك إزاي؟
حثها أن توضح أكثر:
جولي يا أمة، إنتِ هتتكسفي مني؟ دا انتي الحجة حسنية!
تشجعت تجيبه هذه المرة:
أنا سمعت إنك كنت سايق العربية النهارده ومعاك مزيونة وأخوها، الولية مطلجة وأنا أخاف لحد يشوف كده ويظن يعني...
يظن إيه يا أمي؟ صدرت منه بمقاطعة وانفعال تخلل كلماته، مردفًا:
انتي بنفسك شوفتي الست المحترمة هي وأخوها. انتي عارفة زين باللي مرت بيه، منبقاش إحنا والزمن عليها! ولا انتي هتخلي هالة تنخور في دماغك؟
وه يا ولدي، وإيه اللي جاب سيرة هالة دلوك؟
عشان عارفاها يا أمي، وعارفة حشيريتها في كل كبيرة وصغيرة.
توقفت برهة تمتص غضبه، وقد بدا أمامها كعود ثقاب قابل للاشتعال، وهي تريد المزيد من التوضيح:
طب لو سألتك عن الولية نفسها، إن كان ليك غاية فيها؟
بماذا يخبرها؟ عن حب يائس يثير شفقتها، أم عن امرأة لو انقلب العالم رأسًا على عقب لما حدث وتراجعت عن قرار اتخذته مسبقًا بدفن نفسها من أجل صغيرتها وفقط؟
عند خاطره الأخير وجد الحل سريعًا يصارحها بما يخطط له مع شقيقه منذ شهور:
مش موضوعي يا حجة حسنية، ومدام فتحتي الموضوع بنفسك يبقى أنا هصارحك بالحقيقة عشان أخلص من زن ولدك فوج راسي.
ولدي مين؟ولدك معاذ يا أمي، عايز يتجوز بت مزيونة.
وعرفان الراجل العفش! انت بتقول إيه يا حمزة؟ أضافتها بغضب احتل محياها، لتفاجأ بقدوم المذكور عائدًا من الخارج، فهتفت منادية توقفه قبل أن يدخل إلى المنزل:
واض يا معاذ، تعالَ هنا، عايزاك.
***
في منتصف الليل، حيث يسود السكون أرجاء المكان، وتتوقف حركة البشر عن مشاغل الحياة لينالوا قسط من الراحة الذي يستحقها الجسد، كان هناك صنف آخر من البشر لا يجد فرصته إلا في هذا الوقت.
مغامرة بسيطة قد تحقق له ما يتمناه ويؤرق مضجعه منذ سنوات.
وصل هذا الملثم إلى خلف المنزل الوحيد وسط المزروعات، حيث لا بشر ولا جيران يخشاهم.
وبخفة القرد، تسلق الحائط الطيني القديم مستعينًا ببروز بعض الحفر في الطوب اللبن المبني به، ليصبح أعلى الجدار في ظرف لحظات قليلة، حيث الجزء الخالي بطرف المنزل من السقف.
حاول تكرار الأمر والنزول بخفة، لكن حظه هذه المرة لم يساعده، فانزلق ساقطًا إلى الأرض بوقعة خفيفة لم تؤثر فيه، لكن وقعها كان في الداخل؛ إذ وصلت إلى تلك الغافية التي تحتضن ابنتها، ففتحت عينيها مستيقظة بإجفال جعلها تنهض بجذعها عن الفراش في لحظات قليلة.
قادها إحساسها بشيء غير مريح جعلها تطل برأسها خارج الغرفة، فازداد شكها حينما وصلت إليها أصوات أخرى من الجهة المكشوفة للمنزل بطرازه القديم.
وقد أحسن شقيقها صنيعًا حين أحكم إغلاقها من قبل، بالطين وبباب حديدي غليظ، تزيد عليه مزيونة ليلاً بأشولة الحبوب والقمح من الداخل، زيادةً في الحرص وتقديرًا ليوم مثل هذا.
أرهفت السمع جيدًا لتتحقق مما إذا كان مصدر الصوت قطة أو حيوانًا آخر لا تعرفه، فجاءها التأكيد بشيء أخطر حينما رأت بأم عينيها المحاولات الحثيثة بمغلق الباب لفتحه...
انتفضت من مكانها عائدة إلى الغرفة، متجهة نحو خزانة الملابس، لتفاجأ باستيقاظ ابنتها تسألها:
في حاجة يا أمة؟
هشششت، قاطعتها منذ البداية، واضعة سبابتها على فمها بنظرة تحذيرية جعلت الوعي يعود إلى الأخرى، فتقعد جالسة تراقبها بخوف، وتذعن لرغبتها بعدم التحدث رغم فزعها.
وما لبثت عيناها أن جحظتا رعبًا حين رأت ما أخرجته مزيونة من داخل الخزانة.
بندجية يا أمة! — خرجت منها العبارة دون إرادتها.
فعادت إليها الأم بتحذير أشد، مطالبة إياها بالصمت الكامل، رغم رعبها الذي لم يمنعها من مراقبتها وهي تجهز السلاح الناري، متأكدة من حشوه، قبل أن تتحرك به خارج الغرفة وقد اتخذت قرارها بشجاعة.
فهذه اللحظات الفارقة لا تحتمل التردد على الإطلاق.
استقامت ليلى عن فراشها تتبع والدتها، وما هي إلا خطوتان حتى دوى في الأرجاء صوت الطلق الناري يصم الآذان من قرب المسافة...... يتبع.
رواية لأجلها الفصل العاشر 10 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
خسرت الكثير والكثير، فلم يتبقى لها سوى شيء واحد، أقسمت بعمرها ألا تخسره، وهي على استعداد تام للتضحية في سبيله بكل شيء وفعل كل شيء..... من أجلها.
اتى الصباح.
اصبح منزلها ساحة لقدوم الجميع، من رجال ونساء تعرفهم ويعرفونها، بعد أن انتشر الخبر كالنار في الهشيم.
منهم من يربت عليها هي وابنتها لمروهم بهذا الموقف الجلل ويدعمها.
ومنهم من يرمي اللوم بكلمات مؤنبة على استيحاء لتركها زوجها بعد تلك السنوات والسكن هنا دون رجل يحميها هي وابنتها.
اما هو فقد وصله الخبر من بكرة الصباح وفور أن استيقظ من نومه، بعد أن اخبره وصفي عبر الهاتف.
ليركض إلى منزلها دون تفكير، وبرغم ذلك لعن نفسه فقد تأخر حسبما كان يرى امامه، وحشود من أفراد عائلتها والمعارف كانت قد سبقته.
ليأخذ محله بين الرجال كالغريب حينما اطل عليها بنظرة خاطفة عليها وابنتها ثم خرج سريعًا.
وعجز يقتله عن فعل ما يريده في طمأنتها وبث الأمان اليها، مكبل كالأسد الحببس في قفصه، يغطي نفسه بقشرة الاتزان حتى لا ينفجر ويزيد من صعوبة الأمر عليها.
يود أن يصرخ بها، يود أن يطرد الجميع من المنزل ولا يظل الا غيره، كي يستفسر جيدا عما حدث، ألا يتركها تغفل عن تفصيلة واحدة ربما تساهم في العثور على هذا المتعوس الذي اعماه بصره ودعت عليه والدته في ليلة غبراء حتى يقع في طريقه.
لن يرحمه، يقسم ان يذيقه من أصناف العذاب الوان، ذلك الذي روعها هي وابنتها واستغل وحدتهما، حتى وان اظهرت هي شجاعة تنقص كثيرا من الرجال.
اللعنة على الاعراف وعلى التقاليد وكل شيء يمنعه عنها مؤازتها في تلك اللحظات الصعبة.
هي في الداخل مع النساء، وهو مكبل خارج المنزل على تلك المصطبة الغبية التي يتشاور في مجلسها الرجال عن هذا مع شقيقها وصفي.
يلقون باللوم على المسكين وكأنه هو من أذنب ورمى شقيقته وابنتها، وكأنهم خلقوا وحدهم ليفعلوا ما يشاؤون.
حمد الله حينما أتى رجل الشرطة الذي اتصل به، لينصرف معظمهم، ولم يبقى سوى اقرب الأقرباء في حضور التحقيق الذى اجراه رجل الأمن سريعا حول هذا المتعوس الذي هرب تاركًا أثرا ما أجمله.
نقط الدماء التي سالت منه نظرا بعدما إصابته بالسلاح الناري، ذلك الشيء الوحيد الذي يرطب على قلبه الآن.
أنهى الرجل تحقيقه برفع عينات يأخذها معه، من اجل تحليلها ومعرفة صاحبها ربما بعد ذلك، غادر البقية من الرجال ولم يتبقى سوى هو وشقيقها وصفي وعائلته، والذي بادرها بحديثه معاتبا فور خروجهم:
"عاجبك كدة يا بت ابوي، الناس كلها جايبة اللوم عليا عشان سايبكم وراميكم انتي وبتك، ما انا راجل ني ومش حر زي باقي الرجال."
"وه يا وصفي انت هتبع حكاوي الناس اللي لا هتودي ولا تجيب، دول يموتو لو مجابوش اللوم علينا ويركبونا احنا الذنب على اساس انهم الملايكة، ما حد يحس بوجيعتك غيرك، واحنا ولله الحمد ميهمناش حد منهم."
تبسم ردا على قولها بمزاح مرددًا نحو ابنتها التي لم تغادر حضنه بعد ذهاب الجميع:
"واخدة بالك يا بت، انا معدتش هاممها حد بعد ما خيبت الراجل بطلجة من ورا الباب، خلته حتى هروب مش عارف مسكون، نفسي اعرف جالها قلب ازاي، دا انا الراجل كنت خيبت مكاني."
ضحكت ليلى وتبسمت مزيونة ليعلق هو بعد صمت:
"مين علمك النشان ولا مسكك البندجية؟ عشان تعرفي تصيبي هدفك صح؟"
بنظرة هاربة كالعادة لا تروي ظمأه ابدا تحدثت تجيبه موزعة ابصارها على الجميع لا على من توجه بالسؤال فقط:
"الزمن هو اللي علمني، دي بندجية ابويا وانا عارفة استخدامها زين، وعاملة حسابي عليها عشان احمي نفسي انا وبتي، طول عمري اسمع من ابوي أن اللي داخل على بيتك هاجم بيبقى يا قاتل يا مقتول، وانا كان لازم اتصرف ساعتها، المواجهة مع واحد زي ده معناها الخسارة ليا حتى لو في يدي السلاح، قيست باحساسي المسافة اللي بيني وبينه من ورا الباب، حددت المكان اللي واقف فيه، ونشت على اخر جزء من الباب الحديد، وسبحان الله بعد ما طلعت صرخته اتأكدت اني اصبت هدفي، جومت أكد اكتر بكذا طلجة بعدها عشان يوصلني صراخه المكتوم وهرجلته ف الهرب من ضرب النار"
حتى وهو قلبه يرتجف رعبا كلما تخيل المشهد، إلا انه لا يملك ألا أن يفتخر بها، مزيونة البهية الشجاعة.
على قدر إعجابه بفعلها على قدر غضبه ممن تجرأ وفعل، هذا الدنيء.
هو ليس بالغبي حتى يصدق ان الغرض من حادثة الأمس هو السرقة وفقط كما تدعي هي امام البشر حتى لا تعطي فرصة للتأويلات المضللة.
لكن لا والله لن يكون حمزة أن لم يعثر على هذا الفاسد وبعدها يأتي العقاب.
استفاق من شروده بعد ان وصل لأسماعه صوت صهيل الحصان ليغمض عينيه بتعب متوقعًا هبوب العاصفة، مع شعوره بنزول الاخر من حصانه، ليلج داخل المنزل المفتوح بابه وبدون استئذان هتف بذعر لاهثا:
"ايه الاخبار دي اللي سمعتها؟ مين اللي اتجرأ وهجم على البيت، حد قرب منك يا ليلى؟"
"اللعنة لقد فعلها"
غمغم بها حمزة داخله قبل أن يندفع إليه هامسًا بحنق شديد:
"امسك نفسك يا زفت، وكفاية بداية السؤال، كان لزومها ايه الاخيرة؟"
هم ان يتحدث ولكن سبقته مويونة، والتي وضح جليا انها فهمت ما يدور امامها، ولما التخمين ولا والتفكير من الأساس والأخر تفضحه نظراته نحو طفلتها التي اعتدلت هي الأخرى عن حضن خالها في حضوره:
"ليلى وامها زانين يا بشمهندس، متجلجش انت؟ حتة حرامي حب يجرب حظه، لكن خد على عينه وراح لحال سبيله"
واصل معاذ باندفاعه:
"ازاي يعني يا خالتي مزيونة؟ انا لازم اشوف الواد بنفسه وادبه على عملته، والله تكسير عضامه حتى ما هيكفيني ولا يشفي غليلي."
"ما جالتلك يا عم الشيخ راح لحال سبيله، هو بس يعالج نفسه دلوك قبل ما رجله تغور، وبعدها بس نشوفه ونكسره براحتنا."
أضاف بها وصفي بحدة وصلت الى حمزة الذي سحبه من ذراعه يحذره كازا على اسنانه:
"امسك نفسك شوية عن كدة ياض، بقيت مفضوح جدامهم يا جزين، ودا مش وجته."
"امال وقته امتى لما حد يخطفها هي ولا امها...."
سمعها منه حمزة حتى كاد أن ينفعل عليه امامهم، ليتماسك في الاخير ويسحبه بعض اللطف والكثير من العنف:
"طب يا جماعة عن اذنكم معلش وهنبقى نيجي وقت تاني."
استجاب لسحبه معاذ ولم يعارضه، حتى إذا خرجا الاثنان وابتعدا بمسافة آمنة عن المنزل، توقف قائلا باعتراض:
"ما هو شوف بجى، انا مش هستني اكتر من كدة، وليلى لازم تبجى في بيتي في أقرب وجت، هأمن عليها ازاي انا تنام ولا تحط رأسها على المخدة في البيت ده، مش يمكن ألحرامي يجي تاني ولا يشجع غيره على الاقل يعمل زيه."
بغضب متعاظم قبض حمزة على ياقتي قميصه يعلق على قوله بتهديد ووعيد:
"محدش هيقدر يعملها تاني ولا ياخد الفرصة اصلا."
تركه فجأة موزعا ابصاره على الانحاء من حولهم، قبل ان يعود اليه مؤكدًا:
"زي ما بجولك كدة محدش هيقدر يجرب تاني، ومتنساش انك مخدتش حتى موافقة امك عشان نفضى لمعركة مزيونة....................."
دلفت بحقدها إليه داخل الغرفة بعد ان وصلت اليها الاخبار المتداولة داخل البلدة الصغيرة، وقد كان نائما في هذا الوقت ولم يستقيظ بعد للذهاب إلى عمله، لتهتف به توقظه بنبرة تملؤها الشماتة:
"جوم يا جوزي، جوم يا راجلي شوف اللي بيحصل واللي كان هيحصل، استرها علينا يارب، استرها علينارفع رأسه مجفلا بتجهم لحديثها السام:"
"مالك يا بوز الاخص؟ بتولولوي بحنكك الزفر حد مات ولا جاته نصيبة تاخدك وتاخده؟"
تبسمت ساخرة بغيظ منه تخبره بمكرها:
"لا اخويا اطمن بعد الشر عليا، النصيبة جاتلك من ناحية تانية، البلد كلها النهاردة مقلوبة على بتك ولا مرتك ولا الحرامي اللي فط على لبيتهم، استرها يا معنا يارب....."
"يا بت ال......."
صاح بالاخيرة ينتقض من محله ليقبض بكفه على قماش عبائتها في الإمام يسحبها إليه مرددا بنبرة مرعبة:
"بتخبرطي بتقولي ايه يا بت الفرطوس؟ الكلام تطير في رجاب"
نفضت ذراعه عنها تجرأر بها:
"يا خويا وانا مالي، عايز تلبسني نصيبة والسلام، الكلام داير في البلد الفقرية دي ووصلني، طلق النار كان هيزغرد زغريد من بيت المحروسة، ولما الناس فرت عليها تشوف في ايه؟ قالتلهم دا حرامي وفر من الحيطة اللي نزل عليها، وقال ايه ضربت عليه وصاله السلاح، والناس يا اخوي تجري وتدور على الحرامي اللي بتقول عليه، كانه فص ملح وداب، الله اعلم بجى صح ولا حاجة."
"يعني هيكون ايه؟ غوري"
نفضها عنه بقوة لتسقط ارضا تتوجع صارخة:
"اااه كل دا عشان مش متحمل عليها، هو انا كنت مألفاه؟ مش بردد الكلام الداير في البلد، اطلع برا واسمع بنفسك"
جأر بها يرتدي جلبابه الواسع ثم خف القدم متحركا كان للمغادرة:
"هطلع وهشوف، مش هتكل ولا اخد على كلامك، عشان عارفك وعارف قلبك الزفت زي وشك............................."
وداخل منزل حماد القناوي وصلت ايضا الأقاويل والتأويلات، حيث كل فرد يحكي القصة من منظروه او حسب أهدافه كما كانت هالة تحكي الأن:
"الكلام معبي البلد ولا ترند السوشيال ميديا حتى، ناس مستغربة وناس مش مصدقة اصلا"
اعترضت حسنية بعد سماع الأخيرة بتساؤل:
"كيف يعني مش مصدقين؟ هي البنية كانت بتضرب نشان ف الهوا ولا هتألف حكاية من مخها؟ ولا هي الناس دي عايز تزود في الحكيوة وخلاص."
باضطراب ملحوظ بررت تسوق القصة نحو الجهة التي تريدها:
"يا مرة عمي الناس لازم هتظن بأكتر من كدة طول ما شافوش الراجل اللي قالت عليه، واحدة جاعدة لوحدها هي وبنتها في بيت لوحدهم، وراهم الجسر وقدامهم الزرع، ايه اللي يجبرهم."
"يجبرهم الهم يا هالة"
هتفت بها منى في رد على كلماتها، وقد حضرت قادمة من الخارج بالصدفة لتسمع حديثها فتضيف بغيظ مكتوم:
"البنية وبنتها كافين خيرهم شرهم والموضوع في الأصل كان حرامي حاول يدخل البيت ومزيونة طلعت راجل من ضهر راجل وضربت عليه لحد ما صابته ودمه ع الحيط يشهد، الناس اللي بتقولي عليها دي، بتزود على ايه بالظبط؟ هي عيبة لما الواحدة تبقى شديدة في الحق وقادرة تدافع؟ ولا هما مغلولين منها أكمنها حلوة زيادة هي وبتها، ومستكترين ان ربنا يجمع العقل مع الجمال....."
انتفضت هالة من محلها تقابلها ف وقفتها وكأنها وجهت السبة لها، فهي ليست بالغبية حتى تغفل عن مقصدها:
"قصدك أن اللي بألف وغايرة منها يا منى؟ ليه؟ ناقصة حلاوة أن شاءالله ولا يمكن احسن مني"
سمعت الأخيرة لتجلس على الاريكة بجوار والدتها تنفي ببراءة:
"انا بجول على الناس العفشة يا هالة انتي بتحسبي نفسك ليه منيهم؟"
همت المذكورة أن تصرخ بها وتكذبها، ولكن حسنية سبقت لتقطع عليها:
"خلاص يا هالة اجعدي بقى، انتي كل كلمة تحسبيها عليكي، اجعدي يا بنتي خلينا نسمع منها، اكيد عارفة حاجة عن الموضوع ده"
"عارفة الموضوع كله يا أمة."
قالتهى منى لتضع ساقا فوق ساق تستطرد عن ثقة حتى تفحمها:
"اخويا حمزة من الصبح كلم واحد من معارفه، والحكومة جات وعملت الواجب، ولسة هيدورو على ابن الحرام اللي امه داعية عليه، عرفتي بقى ان الحديت صح يا هالة، احكي لحبايبك بقى اللي بيزودو في الكلام، وصييهم يزود في الكلام عشان يجطعها عليهم ربنا ميا ونور ان شاء الله.........................."
لم يغادر كما امره شقيقه، بل انتظر متخذ حجته بسقي الحصان وربطه بجوار المجرى المائي كي يتناول طعامه من حشائش الأرض، ثم تخفى هو منتظرا حتى خرجت من الباب الخلفي لمنزلها في موعد ذهابها إلى درس مجموعة الانجليزي، فاستغل ليفاجأها بحضوره بقفزة مباغتة من فوق الشجرة لتجده امامها دون سابق انذار، مما جعلها تشهق مرتدة بقدميها للخلف:
"يخربيييتك، انت بتطلعلي منين يا جدع انت؟"
تبسم بمكر يدعي الأسف وهو يطالع جزعها:
"انا بعتذر لو خضيتك، اصل بصراحة مكنش ينفع امشي من غير ما اشوفك واطمن عليكي."
قطبت سائلة باضطراب تدعي الحدة:
"كيف يعني؟ ما تخلي بالك يا جدع انت من كلامك، في ايه؟"
سارع يوضح حتى لا تأخذ كلماته على محمل خطأ:
"ليلى انا مجصدتش حاجة عفشة، انا فعلا كان نفسي اتكلم معاكي وش بوش كدة عشان اطمن واعرف منك عن اللي حصل امبارح، رغم كل اللي سمعته من اخوي، لكن برضو عايز اسمع منك."
لا تنكر انها تأثرت بنبرته ولكن لا يصح لها أن تلين معه:
"وتسمع ليه هي حكيوة وغنوة اغنيهالك، موقف وعدى زي كل المواقف اللي عدت بينا، وامي ربنا يخليهالي في كل مرة لازم تطلعني منها وانا رافعة راسي وفخورة بيها."
"ربنا يخليهالك، انا مطمن عليكي طول ما انتي معاها."
"مطمن عليا!"
غمغمت بها قاطبة تزداد بحيرة يوما عن يوم، تتابع بتساؤالها:
"في ايه؟ إنت ليه مصطلحاتك غريبة؟ اسمع منك! اطمن عليكي! صفتك ايه عندي انت عشان تكلمني كدة."
ابتسامة اعتلت محياه يردد بخبث:
"جريب هيبقالي ان شاء الله متستعجليش."
ارتفع طرف شفتها باستنهاق واستخفاف، وقد خمنت الان الى ما يرنو إليه:
"يا خفيف، دا انت واثق جوي من نفسك والله، طب عن اذنك بجى اسيبك لاوهامك واروح لدروسي، جال استعجل جال!"
همت ان تتخطاه وتغادر ولكنه منعها يتصدر امامها متجاهلا سخريتها، يقدم لها حنفة كبيرة من ثمار التين بكفه:
"ماشي يا ستي ما علينا، ممكن تاخدي دول نصيبك من شجرتكم اللي بطلعها واخد منها احلى تين."
شرعت بالرفض ولكن انتباهها لشيء ما جعلها تتراجع فاتحة كفيها الاثنان بابتسامة ممتنة تتناولهم منه، على قدر ما اسعدته، إلا أنها اثارت بداخله ارتيابًا لفعلها، حتى انكشف السر حينما هتفت بأحد ما من خلفه:
"حازم"
سمع هو ليلتف برأسه للخلف نحو الجهة التي تنظر البها وهذا الفتى القريب المقارب إلى حد ما من عمرها الصغير يغير وجهته، بعد مغادرته المنزل من الباب الرئيسي ليقترف منهما بعد استماعه لندائها، ليأتي اليها ملبيًا:
"ليلى هانم بنفسها بتنده عليا، مين ده؟"
كاد يجيب عن سؤاله بجلافة ولكنها سبقته بمكرها:
"دا البشهدنس معاذ اكيد شوفته جبل كدة، خد دوق التين ده، أصله احسن واحد يطلع الشجرة وينقي منها احلى تين، خد يا حازم خد."
تناول منها حازم فاردا كفيه يتلقاهم بترحاب، فيقرب احداهم من فمه يتذوقها بتلذذ قائلا له:
"حلوة جوي دي طازة ومستوية على اخرهات"
بسمت بمليء فمها تخاطبه:
"ياللا بجى عشان تشكر بشمهندس معاذ، واسيبكم انا وامشي على درسي، عن اذنكم."
وهكذا تحركت ذاهبة من امامه، تاركته مزهولا امام هذه الفتى الذي تناول اخرى يردد بمرح:
"تسلم يدك يا بشمهندس، بصراحة مش عارف اشكرك ازاي؟ اسيبك انا كمان اتسلى فيهم براحتي في الطريق وانا مروح بيتنا."
تجمد معاذ يطالع ذهاب الفتى ثم ينقل بنظره نحو تلك الماكرة وقد تخطت نصف الطريق ليغمغم بغيظ وتوعد من خلفها:
"ماشي يا ليلى انا أن ما كنت اربيكي عليه المقلب ده، مبقاش انا معاذ ........................."
.... وفي مكان آخرحيث وجد هذا الشقي ملاذه الأمن عند احد الاصدقاء القدامى له، ليجد له حلا ويعالج إصابة القدم المؤلمة، فلم تتوقف عن النزيف حتى الأن رغم لفها بالعديد من الاربطة، والتي كان يرفعها الان المدعو جمعه حتى يقوم بتطهيرها:
"يخرب مطنك يا عطوة، دا الطلقه فاتت في القصبة وعدت منها."
تأوه المذكور بتوجع:
"ما انا عارف يا زفت إنها عدت منها وربنا ستر، كنت هلاجي منين دلوك حد يطلعهالي؟ اخلص ياللا شوف هتعمل ايه يخفف عني الالم."
تحدث جمعه وهو يتابع عمله بخبرة اكتسبها عبر سنوات عمله في المشافي الحكومية كممرض:
"يا سيدي هخلصك بس انتي اهدى كدة واتحمل ولا اتسلى معايا واحكيلي، ايه اللي عمل فيك كدة وانت مبطل الشقاوة بجالك سنين؟ عملية كبيرة وتستاهل انك تغامر ولا ايه؟"
اجابه عطوة وهو يجاهد للتحمل:
"هي فعلا كانت تستاهل مغامرة، بس مش فلوس يا وش الفقر، انا ربنا غناني اصلا من ساعة ورث ابوي بعد ما مات، لكن الحظ بقى، هو عملها وعاندني"
"حظ ايه؟"
اجاب سؤال صديقه وعيناه شردت إلى ما تحب:
"بطل يا واض، طول عمري شايفها وبتحسر على حظ اللي جاعدة في عصمته، ولما خلى الجو وجولت هانت لقيت اللي يتصدر زي جدامي كيف اللجمة في الزور،"
ضحك المدعو جمعة ليعلق ردا له:
"ايوة بقى جول كدة، يعني الموضوع في تاء التأنيث، مصيبة كمان تكون هي اللي صابتك؟"
نظر له بصمت ابلغ من الإجابة ليضيف جمعة ساخرا:
"وه يا فقري، يعني صابت قلبك ورجلك كمان، طب اتحمل بجى جزاة الشجاوة."
قال الأخيرة ليضغط بالمطهرات في تنظيف الجرح والأخر يتأوه بألم مضاعف، حتى إذا انتهى من المرحلة الصعبة، خفف عنه ليلتقط انفاسه، قبل أن يعاود بسؤاله:
"طب انا دلوك بعد ما اخلصك هينفع تروح البيت ولا......"
"لا طبعا هبيت عندك."
قاطعه بها عطوة ليضيف بتحذير:
"انا اصلا جاي ع البلد هنا اختفي عندك لحد ما تخف، مينفعش حد يشوفني برجلي المتصابة، اكيد هتكشف ويعرفوني، دا انا ما صدقت اعرف اهرب بالمكنة قبل ما حد يشوفني ولا هي نفسها تعرفني، واهي فرصة عشان اعرف افكر زين في خطوتي الجاية."
اومأ جمعة يمط شفتاه بضجر لم يخفى على الآخر ليسارع بإرضاءه:
"اطمن يا حبيبي كله بتمنه، ما انا عارفك زي الموس طالع واكل نازل واكل، مفيش حاجة عندك من غير تمن، وخد يا اخوي ادي عربون."
تناول جمعة روزمة النقود الورقية ليفتر فاهه بضحكة سمجة يردد ضاحكا:
"ولزومو ايه بس الاستعجال يا حبيبي ما انت قاعد معايا، بيتك ومطرحك............................."
عاد إلى المنزل محملا بغضبه من تلك المتمردة وذلك المقلب الذي فعلته به، رغم قلقه عليها من الصباح وفعله المستحيل من اجل ان يراها، ولكن لا بأس سوف يأتي وقت حسابها وساعتها لن يتهاون، أو يجعلها تكلم فرد ما غيره.
تقابلت عيناه بخاصتي والدته وقد كانت جالسة في محلها المعتاد وسط الدار، بصحبة منى التي تعمد إلقاء التحية عليها متجاهلا والدته والتي استفزها الأمر لتهدر به وتوقفه:
"استني عندك هنا ياض، فاكر نفسك هتخاصمني يا زفت؟ بقى دا الأدب مع امك ياللي متربي في الأزهر؟"
التف اليها بعد فترة من التوقف، ليستجيب اليها بفتور مقارعًا:
"وايه اللي جاب سيرة التربية دلوك؟ هو انا غلطت فيكي يا حجة حسنية، دا انا حتى بريحك من وشي، مش أنتي اللي جايلة بنفسك في آخر نقاش لينا، غور من جدامي مش عايز اشوف خلجتك."
عقبت منى على قوله بسخرية:
"دا على اساس انك مخبيه دلوك يعني ما هي السحنة نفسها جدامنا اها."
"منى....."
هتف اسمها بغيظ قبل أن يتلقى الأمر من حسنية التي أشارت منه ليقترب ويجلس امامها حتى لا يصل إلى إلى الطابق الثاني حيث وجود هالة:
"اجعد يا بوز الاخص وخلينا نتحدت، مش عايزين صوتنا يطلع احنا مش ناقصين فضايح."
انفعل خلف كلماتها ليتوجه بالحديث نحو منى:
"طب اشهدي وشوفي بنفسك، حتى كلامنا خايفة المحروسة تسمعه، ليه يا ابوي هو احنا بنعمله حاجة غلط، دا جواز وكل واحد وليه نصيبه، موجفتش على فلانة ولا علانة"
تكفلت منى بالرد عليه هذه المرة برجاحة عقلها:
"بلاش غشم يا معاذ وخليك فهيم، اعتبرها مراعية لمشاعرها، أو حطها في مبدأ داري على شمعتك تجيد يا اخي، انت مخك ضلم كدة ليه يا واض؟"
زفر يشيح ببصره عن الاثنتان، مربعا ذراعيه حول صدره بعبوس كفعل الأطفال، حتى جعل والدته تعلق شاكية شقيقته:
"شايفة بنفسك اها، وهو بيتجمص لي زي العيال، بالزمة دا فعل كبار؟"
رمقها بنظرة غاضبة لا تخلو من عتاب يعلم حجم تأثيرها جيدا على والدته التي تدخلت في الموضوع مباشرة في الموضوع محل الخلاف:
"طب اسمعي انتي مني يا كبيرة يا عاجلة، مهما كانت البت حلوة ولا مأدبة، ولا امها حتى ست الستات، برضو انه جاعد اهم عيب فيها، اللي هو ابوها، دا اللي هتحط يدك في يده، بالذمة دا ينفع نسيب؟"
"مليش دعوة بيه، وحتى لو حصل واتجبرت اتحمل احط يدي في يده عشانها، عشان البت الوحيدة اللي حبيتها، ليلى هي الوحيدة اللي قلبها شاور عليها، دا حاجة من عند ربنا"
تعلم جيدا انه يابس الرأس وعنيد كالجدار، ولكن لا بأس أن تحاول استدراج عاطفته:
"وبنت عمك إسراء يا ولدي، دي تجريبا مكتوبة على اسمك، مين هيرضي يتجدملها بعد ما......"
"اماااا"
تمتم بها بلهجة حازمة حتى تتوقف:
"سيبك من الالاعيب دي يا حجة حسنية، عشان انا بت عمي متكلمتش عليها ابدا، أمور الجواز زي جسمة ونصيب، ومش انا اللي هوجف حالها عشان هخطب غيرها، عشان هي كمان هتلاجي اللي رايدها."
دعمته حتى تقطع الطريق على والدتها:
"اكيد طبعا، محدش نصيبه بيوجف على حد، واسراء جميلة وتستاهل تتجوز واحد يحبها، مش ياخدها عشان الخوف من كلام الناس وحديتهم."
حدجتها حسنية بضيق، فقد كانت تأمل الدعم منها في اقناعه لا ان تقف بصفه، وقد ارسلت اليها مسبقا في هذا الشأن، الأمر الذي جعل الأخرى تضحك ساخرة تردد بخبث:
"سامحيني يا حجة حسنية، غلبتني مشاعري ونسيت اللي كنتي موصياني عليه، انا من الاول عارفة نفسي منفعش ابقى واسطة في اي حاجة يا بوي."
وأكملت ضاحكة لتكمل على غيظ والدتها التي فقدت الأمل منها لتأتي بالاخيرة:
"طب سيبك مني ومنها، ابوها نفسه اللي بيكره اخوك كره العمى، تفتكر هيرضى يوافق عليك؟"
بشي من الثقة التي اعتاد عليها من الاخر رد يجيبها:
"انتي بس جولي امين وسيبك من الأمر التاني، انا متأكد ان حمزة اخوي هيعرف يلاجي حل."
تدخلت هنا منى باستدراك:
"ايوة صح هو فينه حمزة، انا مش شايفاه خالص من الصبح؟"
ردت حسنية:
"لا جه، رجع بعد مشوار مزيونة واللي حصل معاهم، دخل اوضة مكتبه وطلع بعدها بدقايق ومن بعدها محدش شاف وشه تاني."
.......................مساءًا
داخل منزل مزيونة مع ابنتها وقد انفض جمع البشر التي كانت تتواتر افواجا على المنزل، ولم يتبقى سوى هي وابنتها في المنزل الذي اختراته لحريتها رغم أنف الجميع والحاح شقيقها الذي كادت ان تصبح خصومه بينها وبينه اليوم لاصراره الشديد على اخذها هي وابنتها معه إلى منزله، ولكنها ثبتت على موقفها مستعينة بمعزتها الكبيرة عنده، ورغبته الدائمة في ارضاءها ولو على حساب نفسه.
ابنتها في داخل الغرفة التي خصصتها لها كي تستذكر دروسها وهي في المطبخ تعد الطعام من اجل التحضير لوجبة العشاء، حتى وصلتها اصوات ضجيج لبشر ومرور أشياء كبيرة، كانت تقترب ويعلو وصوتها اكتر حتى صارت تشعر بها داخل المنزل او خلفه على الأكيد الأمر الذي جعل ليلى تخرج اليها من الغرفة هاتفه:
"اللحقي يا أمه بشر كتيرة، وعربيات نقل كبيرة محملة بالرمل والأسمنت كلهم عمالين يفضوا ورا بيتنا، شوفتهم بيعيني من شباك الاوضة اللي بذاكر فيها دلوك"
قطبت مزبونة تردد خلفها بتساؤول:
"لودرات واسمنت، دا مين دا اللي هيبني جنبينا؟"
غلبها الفضول والارتياب، لتخرج بعدها بلحظات قليلة تلف طرحتها حول وجهها، حتى تستكشف ذلك الأمر.
لم تخطو سوى خطوتين خارج المنزل بحرص حتى وصل لأسماعها ذلك الصوت الذي اصبح مألوفا إليها هذه الايام:
"بلاش تبعدي اكتر من كدة، الرجالة كتير وعيونهم كيف الرصاص"
التفت اليه تخفي إجفالها، بعد أن تفاجأت بقربه من مدخل المنزل وكأنه كان في انتظارها، فخطا يقرب المسافة اكثر حتى أصبح مقابلا لها قائلا:
"لو عندك اي استفسار اسأليني."
ابتعلت بخجل تحاول اخفاءه، ثم تماسكت لتلقي بأسئلتها:
"ايوة طبعا عندي استفسارات وأسئلة كمان، ايه اللي بيحصل في الأرض دي؟ وأصحاب الأرض اللي نعرفهم فينهم؟ انا مش شايفة ولا حد فيهم؟ و..... وبس كدة."
يعلم ان سؤالها الاخير يتعلق به وعن وجوده الان، ولكنها كالعادة تبتعد عن أي شيء يخصه، ليتغاضي الأن فيجيبها بتفصيل:
"اولا يا ست مزيونة، مالك الأرض الجديدة بعد الناس اللي اشتروها منكم، يبقى انا دلوك، والناس والهيصة اللي حواليكي، فدول عشان البيت الجديد....... اصل انا نويت ابني بيت كبير هنا يبقى ليا خاص انا وولدي، اصلي ملجيتش احسن من الارض الزينة دي والهدوء."
"- فجأة كدة؟"
سألته بعدم استيعاب ولهجة يملؤها الشك ليعود اليها موضحًا:
"لا بصراحة هو مكنش فجأة لان انا بجالي فترة وانا الموضوع في مخي، ربنا وفقني واشتريت الأرض من صحابها، والنهارده زي ما انتي شايفة، جايب المعدات والرجالة عشان يجهزوا حاجتهم للبنى من بكرة."
لماذا تشعر أن الأمر له علاقة بما حدث معها، ولكن لا، هي لن تعطي فرصة للتأويلات بعقلها، ولابد أن يتم تصرفها بما يناسب الحدث:
"الف مبروك طبعا، بس انا كنت عايزة اعرف، انت خدت الحتة اللي جمبنا بس ولا اشتريت كمان من الزرعدار"
بإصبعه السبابة بدائرة امامها يجيب:
"كل الزمام اللي جدامك بقى بتاعنا، ملك عيلة القناوي، الأرض والبيت اللي هيتبني جمبك، لأنه ممكن كمان يبقى اكتر من بيت وتتعمر حواليكي اكتر"
"- تتعمر حواليا!"
تمتمت بها، وتساؤل حول مقصده منها، فاستدركت سريعا لحقيقة الوضع قائلة:
"ارجع تاني اباركلك، بس معلش يعني هو الخبط والرزع هيجعد طول الليل."
ابتسامة رائقة اظهرت صف اسنانه الامامية البيضاء لتشرق بوجهه قائلا:
"لا طبعا هما بس يخلصوا التجهيز لأول يوم بناء بكرة، بكتيره ساعتين ويروحوا العمال وسواقين النقل، هيفضل بس الغفر اللي هيسهروا طول الليل، حراسة على المعدات، كلهم رجالتي على فكرة ومزارعين في ارضي، يعني لو عوزتي حاجة تطلبها منيهم بكل امان."
الونس، لقد خلق الونس، على الرغم من انها لم تطلبه او كانت تدعي الاستغناء عنه، ولكنها لا تنكر أن تسلل إلى قلبها ارتياحًا خلف كلماته، ومع ذلك لا يمكن لها ان تنجرف وتعطي الموضع اكثر من حقه:
"الونس، لقد خلق الونس، على الرغم من انها لم تطلبه او كانت تدعي الاستغناء عنه، ولكنها لا تنكر أن تسلل إلى قلبها ارتياحًا خلف كلماته، ومع ذلك لا يمكن لها ان تنجرف وتعطي الموضع اكثر من حقه."
"متشكرين جوي، عن اذنك بقى وربنا يديكم العافية"
همت ان تتحرك الا انه اوقفها قائلا:
"على فكرة انا كنت في المديرة من ساعة، هما لساهم بيبحثوا ويقارنوا نتيجة التحاليل لعينه الدم اللي خدها الظابط مع المجرمين اللي يعرفوهم ولسة لحد دلوك موصلوش، بس انا وعد عليا اجيب ابن الفرطوس ده لحد عندك وتحت رجلك كمان."
برقت عينيها في الاخيرة لتوميء رأسها، وتستدير ذاهبة من امامه بخطوات سريعة مهروله لتبتعد عنه وعن محيطه، ثم تدلف داخل منزلها وواحة امانها، ولكن وقبل ان تغلق بابها عليها، وجدت امامها ابن شقيقها وصفي، حازم يخاطبها:
"عمتي ابويا بيقولك البسي عبايتك وتعالي على البيت، بيتنا يعني"
قطبت بعدم استيعاب تستفسر منه:
"وابوك عايزني دلوك ليه؟............................"
بعد قليل وصلت الى منزل شقيقها لحضور الجلسة التي طلبها الشيخ خميس والحاج جاد والمحامي المخضرم، بناءا على طلب من ذلك البغيض الذي كان يجلس امامها الان، ناظرا بجمود ليس بغريبا عنه، تجاهلته ملقية بالتحية، ونظرها نحو اصدقاء والدها وشقيقها الذي امسك يدها بدعم يجلسها بجواره:
"اجعدي يا بت ابوي اجعدي، خلينا نشوف ايه اخرتها"
جلست متوجهة نحو الرجل اكبرهم:
"خير يا شيخ خميس، بعتينلي كدة في الليالي الأمر ضروري"
هم ان يجيبها، ولكن سبقه عرفان:
"أن شاءالله خير يا حرمنا المصون سابقا، بس انا بلغني عن اللي حصل في الليلة اللي فاتت عندكم وقصة الحرامي وضرب النار."
زوت مزبونة ما بين حاجبيها بحدة تريد ايضاحا اكثر:
"وماله يعني ما هي كانت ليلة وعدت على خير الحمد. لله، أيه المطلوب دلوك؟"
رد يجيبها صريحة وافية:
"المطلوب بتي يا مدام، انا مأمنش اجعد عليها في منطجة غير امنة على رأي القانون."
"نعم! بت مين اللي انت عايزها؟ هو انا اطلجت ليه اساسا مش عشانها تيجي دلوك تقولي اطلبها، ليه هو لعب عيال."
صرخت بها موجهه ابصارها على باقي الحضور وقد خيم الصمت عليهم، فواصل عرفان بقوله:
"مكنش لعب عيال يا مدام، بس انا اب ومن حقي ابقى مطمن على بتي، مش عايزة افرض طبعا لو الحرامي أتمكن ودخل على اتنين ولايا، كان هيبقى فعله ايه؟يبقى من حقي اللم لحمي، ولو مستغنيه عن عمرك، انا مش مستغني عن بتي والقانون في صفي على فكرة."
رواية لأجلها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
كلما همّت أن تطوي الصفحة، انتفضت السطور القديمة تصرخ فيها بأسماء الألم، وكلما شدّت الرحيل، مدّ ماضيها يده من العتمة، يمسكها كما يُمسك السرطان بقلب الحياة.
تحاول النسيان، تُقنع قلبها أن الحياة تمضي، لكن الماضي بارعٌ في التمثيل، يتزيّن بثوب الفرصة الثانية، ويخفي أنيابه خلف وعودٍ ناعمة... ملساء كالسم.
هي لا تهرب، بل تنجو.
تتخبّط بين عقلٍ يعرف الحقيقة وقلبٍ يخذلها كلما نظرت في عيني ابنتها. تريد أن تقف... أن تقول: "انتهى" لكن النهاية ليست لها، بل لمن يملك الكارت الذهبي: طفلتها.
أما هو...فلم يكن يومًا وطنًا، بل كان منفى.
وهي اليوم بين المنفى والمنفى، تبحث عن قطعة أرض لا يطالها الخراب.
***
ثلاثة أيام مرت عليه في بناء المنزل المجاور لمنزلها، رجال يعملون دون توقف حتى أنجزوا جزءًا لا بأس به من الأساس، وبعض الحوائط تم بناء نصفها.
يمر يوميًا صباحًا ومساءً لمباشرة العمل، وكي يتخذها حجة للقاءها أو حتى رؤيتها، ولكن هذا لم يحدث سوى مرة أو مرتين بصعوبة؛ مرة حين أبصرها وهي تلقي شيئًا ما من فوق سطح المنزل، ومرة أخرى وهي تودّع إحدى النساء من أقاربها.
وفي المرتين لم تُعجبه، لم يرَ بها شعاع التحدي وتلك العزة التي تميزها. هناك خطبٌ ما لا يعلمه.
حتى ليلى، الجميلة الصغيرة، حين تمر عليه أثناء ذهابها للمدرسة أو دروسها بعد ذلك، ملامحها منطفئة، فاقدة للإشراق الذي عرفها به.
كم ودّ أن يُحادثهما مباشرة ليعرف السبب. حتى وصفي مختفٍ هو الآخر في عمله خارج المحافظة. تقتله الحيرة، وتطيح الظنون برأسه، وإن تحدّث عمّا يقلقه مع شقيقه الذي يعنيه الأمر هو الآخر، لا يضمن رد فعله المتهور الذي قد يفسد كل شيء.
لذلك، قرر اليوم استخدام عقله بشيء مختلف، ربما يأتي بنتيجة؛ حجة تمكّنه من طرق باب المنزل بعذر حقيقي.
فتح باب المنزل الحاجز بينها وبينه، ليملي عينيه بالملامح الفاتنة فور أن أطلت أمامه.
– صباح الخير، عاملة إيه يا ست مزيونة؟
ألقى التحية قبل أن يُردف أمام عينيها المتسائلة:
– دا ريان ابني على فكرة.
أشرقت فور أن علمت بصِفة الصغير، ليفترّ ثغرها بابتسامة غابت عنها لأيام، ترحب به:
– يا أهلاً بريان باشا، بسم الله ما شاء الله عليه، دا راجل كبير أها! ليه بتقول عليه صغير؟
تبسّم بملء فمه وهو يراقبها تضم صغيره إليها وتقبله، دخل في قلبه شعور بالسعادة حاول السيطرة عليه، حتى استعاد اتزانه بنبرة جعلها عادية في مخاطبتها:
– آسف لو خبّطت من غير استئذان، بس أنا باستأذنك تخليه معاكم النص ساعة دي على ما أخلّص مع الرجالة اللي شغالة برّه، وآخده وأروح بيه. المنطجة جديدة عليه، ومفيش حد من سِنّه يلعب معاه.
همّت أن تُجيبه بالموافقة، ولكن سبقها الصغير بقوله:
– ما أنا بقولك أشتغل معاهم، إنت اللي مش راضي، فاكرني صغير.
اتسعت ابتسامتها ردًا على ذاك المشاغب الصغير:
– يا بوي، ما أنا بقول كبير وراجل! بس مفيش مانع لما تآنِسنا وتشرفنا يا أستاذ ريان في بيتنا المتواضع، ولا إيه رأيك؟
طفا على وجه الصغير بعض الخجل، ليثير دهشتها في موافقته بإيماءة من رأسه، فهتفت منادية لابنتها:
– بِتّ، يا ليلى، تعالي هنا.
أتت الأخيرة على النداء، تقابل ريان ووالده مهللة ببشاشة:
– عم حمزة! ومين العسل اللي معاك دهِ؟
– والله إنتِ اللي عسل يا بنيتي. تمتم بها حمزة قبل أن يأتي الرد من والدتها:
– دهِ ولده ريان يا ليلى، جاي مشرفنا النهارده شوية، إيه رأيك بجي؟
– وه، دا يآنِس ويشرّف طبعًا، وإن ما شلتوش الأرض تشيله عنينا.
وهكذا كان ردها، في سحب ريان من يده لدخول المنزل، فتيبست قدماه هو عن الذهاب، ليتحمحم يجلي حلقه قائلاً:
– كنت عايز أسألك، لو الأصوات أو الرجالة حد ضايقك فيهم، أنا مش هتهاون مع أي حد.
نفثت معبّرة عن امتنانها:
– لا والله، ما في حد فيهم اتجرأ ولا بص حتى. دا عم مغاوري كبير الغُفر، جاعد فوق راسهم زي الددبان، تسمع غير زعيجه فيهم. رغم إني لما اتعاملت معاه مباشر امبارح وأنا طالعة أجيب خضار، كان في منتهى الزوق والاحترام، وهو بيحلف عليّا ويصر إني أرتاح، وخد مني الفلوس وبعت حد من العيال اللي شغالين معاه، راح هو واشترالي اللي عايزاه، بصراحة راجل محترم، الله يبارك له.
اجتاح حمزة شيء من الفخر نتيجة كلماتها، يغمره الارتياح لاختياره المميز لرئيس عماله في الأرض أن يكون هنا، ويتحمّل المسؤولية في حمايتها ورعايتها هي وابنتها بصورة غير مباشرة.
ولكن فرحته كانت منقوصة بذلك الحزن الذي يراه ساكنًا بعينيها:
– إنتِ في حاجة مضايجاكي يا ست مزيونة؟
حرّكت رأسها بنفي سريع:
– لاه، ليه بتجول كده؟
– بجول كده عشان شايف بعيني، دي مش طبيعتك أبدًا، وآسف يعني لو بدخل.
طرقت برأسها بصمت جعله يفهم أنها لا تريد الإجابة، ليضطر للاستئذان، وداخله يقسم على معرفة السبب الذي أدى بها إلى ذلك. لهذا لم يكن غريبًا أن يهاتف شقيقها فور أن ابتعد عن المنزل:
– أيوة يا وصفي، إنت جاعد فين؟ نعم، يعني جاعد في بيتك دلوك... راجع من الشغل؟ طب استناني، جايلك حالًا. أنا عايز أشوفك النهارده ضروري.
***
في منزل عرفان حيث صفا، التي تعمل في تنظيف منزله، بغلٌ يجعلها تفتعل الإزعاج عن قصد، فكانت تدور كالنحلة حوله، وهو جالس في هذا الوقت يدخن أرجيلته ببرود وتجاهل، ينفث الدخان في الهواء غير عابئ بها ولا بالنيران التي تحرق أحشائها منذ ثلاثة أيام، منذ معرفتها بالعرض الذي عرضه بشهادة الأربعة رجال حتى يلين رأس الملعونة غريمتها.
قلبها يسقط أسفل قدميها كلما راودها هاجس موافقتها والعودة إلى عصمته. سوف تكون سيدة الدار هذه المرة، سترد ما ظلت تفعله بها هي وابنتها على مدار سنوات. يا إلهي، إنه أسوأ كوابيسها... أن تعود لتلك النقطة السوداء.
أن تفتعل جريمة خيرٌ لها من أن يحدث ذلك، حتى لو اضطرت لقتلها...
دوى صوت تهشيم الزجاج الذي تحطّم بين يديها، ليسقط أسفلها على الأرض بصورة أجفلت عرفان وجعلته يتخلى عن بروده في أن ينهرها:
– الله يخرب مطنك يا بعيدة! خيبتي يا مرة، إنتِ تكسّري جزاز النيش؟ دا لو عيّل من عيالك اللي عملها، ما حد كان جاب صوتك دلوك.
دنت تميل نحو الكاسات المتناثرة على الأرض وتلملمها، تبرّر فعلها بهدوء مستفز:
– باب النيش اتقلع في يدي وأنا بمسحه، وطيح الكام كاسة دول من غير جصد، حاجة مش مستاهلة أعصّب عليها نفسي أصلًا.
– وُووه... تمتم بها بذهول، يضع كفًّا فوق الآخر مردفًا:
– اسم الله على العجل والكمال، طب ربنا يديمها عليكي يا أختي، بس أنا مش هدفع ولا مليم في تصليحه، واللي كسر حاجة يتكفّل هو بيها بلا جرف!
ختم كلماته ليعود إلى جلسته الأولى في تدخين الأرجيلة، ينفث بها غضبه، أما هي فقد فاض بها لتترك كل شيء من يدها، وتندفع إليه بسؤالها:
– طب أنا عايزة أتأكد من الأخبار اللي وصلتني، ولا ريّح جلبي وكدّبها أحسن... إنت صحيح ناوي تردها بالوعود اللي سمعتها؟ ولا هو تأليف من الناس، بيزودوا وينجصوا فيه من عندهم عشان يفرسوني؟ إنت لا يمكن تبقى مغفل كده!
– مغفل؟ غمغم بها محدّثًا نفسه، ثم رفع عينيه بعدها إليها بوهج الخطر، مردفًا:
– لا صدجي يا صفا، أنا راجل مغفل وجابل أكون مغفل، ولو إنتِ مش عاجبك تبقي مرة المغفل، يبقى لمّي عيالك وهدومك وغوري وسيبيه، الباب مفتوح على آخره.
اهتزت في وقفتها وكأنها ضُربت بمطرقة حديد على رأسها، لا تستوعب سهولة نطقه لها. أيُعقل أن يستغني عنها بحق؟
– ألمّ هدومي وأمشي أنا وعيالي يا عرفان؟ للدرجادي إنت بايع؟ وأنا اللي من يوم ما اتجوزتك جايدة صوابعي العشرة شمع! جالك جلب يا عرفان...
– يــوه... لفظ بها مقاطعًا نحيبها، يُلقي بالأرجيلة أرضًا ليضاعف من صدمتها:
– جايدة في صوابعك ولا في يدك حتى! أنا جيبتلك النهاية، وإنتِ ليك القرار... بلا وجع دماغ!
توقّف برهة قبل أن يغادر، يطالعها بنظرة غامضة مردفًا:
– بس الحق يتجال، أنا نفسي مستغرب شوقي اللي جدّ فجأة لمزيونة بعد سنين كتير كنت مدفي فيهم في حضنك، سايبها ومش شايفها أصلًا، رغم إني متجوزها وأنا ميّت عليها من الأساس. طب إيه اللي كان عامي عنيا، تفتكري؟... يكونش كان مسحورلي؟!
صفعها بالأخيرة، لتبرق عيناها نحوه وكأنه وجّه اتهامًا مباشرًا إليها. عيناه تناظرانها بتحدٍ في انتظار نفي أو تكذيب يضحض كل ظنونه. ولكن للأسف، ذلك الهلع الذي ارتسم جليًا على ملامحها ضاعف من الشكوك داخله. لينتفض في الأخير تاركًا إياها، وتسقط هي بثقلها جالسة على الأرض الرخامية، وقد خارت قواها، ولم تعد قدماها تساعدانها على الوقوف.
***
بتجول إيه؟ عرفان مين دا اللي يردّها من تاني؟ إنت واعي للكلام اللي بتجوله من أساسه؟
هتف بها بغضبٍ أخرق نزع عنه صفة الحرص التي يتّبعها دائمًا، والرزانة في تحليل أمرٍ من المفترض ألّا يخصه، بعد سماع حديث وصفي، والذي عقّب هو الآخر ببعض العتب:
– وه، خبر إيه يا حمزة؟ يعني هكون شارب مثلًا ولا متعاطي؟ أنا بجولك على اللي حُصل، عرفان لم الرجالة يشهدهم ويخرصني ويخرص أي حد بكلامه المترتب، الراجل جه وراصصهم، دي مزيونة اللي كانت هتهب فيه في أول الكلام، هي نفسها اتبرجلت، رغم إني عارف إنها مش بتطيجه، لكن متأكد برضه إن لأجل مصلحة بتها، ممكن ترمي نفسها في النار.
ارتجف قلبه من الداخل، أيُعقل أنها بالفعل تفكر في العودة؟ أن تكون قد بلعت الطُّعم من هذا الماكر؟ اللعنة، الآن قد يجزم أن عاطفتها القوية نحو ابنتها قد تقودها للهلاك.
– طب أنا عايز أعرف دلوك، هي وافجت ولا لسه بتفكر؟ وعندها نية... للموافقة؟
وجّه سؤاله بحسم نحو وصفي، والذي أجابه بتشتّت هو الآخر:
– بصراحة معرفش، لأنها ساكتة وبتفكر من يومها، مسكينة، الحيرة واكلّاها ما بين مصلحة بتها والعيشة مع واحد كارهاه بقالها سنين.
انتفض حمزة ناهضًا من جواره بثبات يُحسد عليه، رغم العواصف التي تضربه من الداخل، توشك أن تجعله يخرّ راكعًا من أجلها حتى لا تفعلها وتقضي عليها وعليه، ولكن ما الفائدة؟ والآخر يملك الكارت الذهبي... وهو ابنتها. أما هو، فماذا؟
– رايح فين ما إنت جتعد؟
تحمحم يجيب وصفي بنبرة عادية أتقنها:
– ورايا مشوار مهم للمديرية في قنا، عايز أخلّصه بدري، بس قبله هروح أطّل على الرجالة والشغل عشان أروّح ولدي كمان، أسيبك إنت ترتاح ونتلاجي العشيّة إن شاء الله، عن إذنك بجى.
***
أما عنها، وقد كانت تتابع الصغير في هذا الوقت ومشاكسته مع ابنتها، التي غمرها الفرح بوجود من يؤنس وحدتها اليوم. لطالما تمنت أن تنجب أشقاءً لها، بعيدًا عن أولاد صفا التي تكرهها وكرهت الأطفال بها.
طفلتها الوحيدة، التي تحارب الدنيا بمن فيها من أجلها، تقتلها الحيرة منذ أيام من أجلها أيضًا. عرفان الذي قدّم عرضه، فاتحًا صفحة جديدة أمامها لمستقبل ابنتها، التي تتمنى رفعتها ولو على حساب كرامتها وعمرها أيضًا، ولكن...
عادت تشرد في حديثه، تستعيد كل حرف دار في تلك الجلسة حينما صرخت به:
(- يعني إيه القانون في صفك؟ هو إنت تعمل ما بدالك وتقول إن القانون في صفك! أنت من ساعة ما طلجتني أديلنا شهور، سألت ولا حتى شوفت اللي ناجصها، رغم إنك عارف تعليمها ومصاريفها اللي بالآلفات؟ دلوك افتكرت إنها بتك؟ هو إنت كنت أب ليها وأنا على ذمتك، عشان تبجى وأنا مطلجة منك؟)
كان انفعالها يبلغ أقصاه، هذا المتبجح يساومها على ابنتها وكأنه يقتلها بدمٍ بارد، ليظل على صمته وهدوئه متابعًا همهمات الرجال ومحاولاتهم تهدئتها:
– اهدي يا خيتي، ليجرالك حاجة، بتك ملهاش غيرك زي ما جولتي.
– اسمعي كلام أخوكي يا مزيونة، العصبية الشديدة دي غلط عليكي يا بتي.
– يعني إنت عاجبك يا شيخ خميس إنه جاي يستغل موجف زي دهِ وحاجة مش في يدي؟ عاجبك يا عم جاد؟ عاجبك يا أستاذ نعيم؟
في هذه اللحظة تحدث عرفان، يصدم الجميع بكلماته:
– أنا مش جاي أستغل ولا أَنبّك، أنا جاي أتصرف بناءً على اللي تم وحصل، أب وخايف على بته يا ناس. زي ما إنتي جلبك طاوعك تطلّعي السلاح على ابن الفرطوس اللي كان جاي يتهجم على البيت، أنا كمان جلبي واكلني من ساعة ما عرفت، وأنا لا على حامي ولا على بارد، مكتش سائل في البت، عندك حق. اعتبريني كنت غفلان ولا معمي بغضبي منك. لكن دلوك لاه، بعد اللي حُصل لاه، بتي لازم تبات في حضني يا مزيونة، أنا مش هستنى لما تحصل مصيبة.
توقف برهة عن متابعة خطبته العصماء يراقب رد فعلها، والهلع الذي غامت به ملامحها، صدرها الذي يصعد ويهبط بتسارع يثير تسليته، ليردف بعرضه ولهجة ناعمة ورزينة، لا تليق به:
– عشان أختصر عليكي وعليا يا بت الناس، أنا جايب الرجالة دلوك أشهدهم جدامك، بنتي هدخلها أعلى الكليات، وكل اللي تعوزه من مصاريف لمدرستها أو لدروسها عليا، لا هجوّزها صغيرة، ولا هجبّرها على أي حاجة مش عجباها. بس إيه بجى؟ وهي في حضني، بين أبوها وأمها... أنا كنت جوزك وهفضل أبو بتك يا مزيونة، وإن كان تم طلاج ما بينا، فسهل جوي نرجع من تاني، إحنا مش أول ولا أخر ناس، وليكي عليا إثبات لحسن النية: مهر جديد، وشبكة جديدة، وحساب في البنك تضمني بيه تعليم بتك من بكرة حتى لو أنا رجعت في كلامي. إيه رأيك بجى؟ أنا كده عدّاني العيب يا جماعة.
عادت من شرودها تنفض رأسها من تلك الأفكار التي تحتلها، تريد الراحة والوصول لقرار سليم، تضع مصلحة ابنتها قبل كل شيء. لقد احتملت التهميش والذل لعدد من السنوات في منزله من أجلها، ولكن الأمر هذه المرة يخالف كل ما سبق، هذه المرة يريدها بالفعل، ترى الرغبة في عينيه بوضوح.
قبل ذلك كان المرض حجتها، كما أن صفا لم تُقصر في إبعاده بكل الطرق، وهذا ما كان يريحها رغم بغضها لأفعالها.
أما الآن وقد وعَت على غرضه الأساسي من عودتها إليه، كيف لها أن تحتمل معاشرة رجل مثله؟ رجل تقوده غرائزه، ولا يعرف معنى الرحمة في ذلك؟ إذن، ماذا تفعل؟ وهي مخيّرة بين مستقبل ابنتها وبين دفن نفسها مع رجل تكرهه؟ وإن صممت على رأيها، لن يتوقف عن تهديدها، وربما اتخذ حجة البيت القديم ذريعة أمام المحكمة ليضم صغيرتها إليه، اللعنة إن حدث ذلك!
استفاقت من شرودها على صوت حمحمة رجالية خشنة، أصبحت تعلم صاحبها حتى قبل أن يصدر صوته:
– واد يا ريان.
سمع الصغير صوت والده، فانطلق على الفور كي يتلاقاه عند مدخل المنزل:
– أيوة يا بوي، أنا جيت أها.
– استنى يا ريااا...
قطعت بخجل حينما انفتح الباب فجأة، وظهرت بشعرها المنطلق أمام عينيه المتفرسة، قبل أن ترمي عليه طرحتها، مما أثار في قلبه مرحًا أخفاه في ضيق زائف، يوبّخ ابنه بلطمة خفيفة على رأسه من الخلف:
– مش تخلي عندك ذوق يا حمار؟ دي عمايل رجالة ياض؟
خرجت إليه وقد أحكمت حجاب رأسها، تدافع عن الصغير:
– لاه عاد، ريان عسل، متجولش عليه حمار. بس هو المرة الجاية هياخد باله وميفتحش غير لما يطمن إن الحريم مغطّين راسهم، صُح يا ريان؟
أومأ الأخير بطاعة:
– صُح يا خالة مزيونة.
على قدر سعادته بقولها، وبعلاقة الحب السريعة بينها وبين طفله، على قدر خوفه من تبخّر أحلامه في الهواء، حتى عبّر عما يعتريه من توجّس مرددًا:
– يعني إنتي واثقة إنه هيكون في مرة جاية؟ ولا هو كلام مرسل وفي يوم وليلة نتفاجئ إن البيت رجع مهجور من تاني؟
ذوّتت ما بين حاجبيها قليلًا، بتساؤل جعله يردف موضحًا:
– أنا كت مع وصفي من شوية، وعرفت منه عن عرض عرفان اللي عايز يردّك ليه من تاني.
أومأت صامتة بحرج شديد، غير قادرة على مواجهة عينيه، لتضاعف من ظنونه، والهواجس التي تكتسحها.
– أم ليلى، أنا بسألك على فكرة... هو إنتِ صُح ناوية ترجعي للراجل ده؟
أيضًا لم تجبه، أو هي بالأصح تبحث عن إجابة. ثقل ما تشعر به الآن أمام هذا الرجل كحمل الأحجار فوق الصدر، ولماذا معه هو فقط تكتنفها تلك المشاعر؟ لا تعلم. ليتَه ما عرف.
– آآآ...
حاولت إجلاء صوتها والسيطرة على توترها لتردف وهي تجمع الكلمات بصعوبة:
– أنا لسه بفكر، وأشوف يعني اللي فيه المصلحة ليا أنا وبتي.
– مصلحة إيه؟ وهو في أصلًا مصلحة مع الراجل العفِش ده؟ عرفان ده اللي...
توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عينيه على ليلى، التي وقفت بالقرب تتابعهم، وحيرة رسمت الهمّ بوضوح على ملامحها البريئة. إن استمر وأخرج ما بصدره سيُصبح أمام نفسه رجلًا ندلًا، لذلك لم يجد أمامه سوى الانسحاب، يجرّ أقدامه بصعوبة، يتظاهر بالقوة، وداخله على وشك الوقوع بلمسة. كيف السبيل أمام هذا الأمر الجلل؟
***
في منزل حماد القناوي
وقد استبد الفضول بهالة، وهي تراقب عبر الشرفة الأمامية لمدخل المنزل الجلسة التي تجمع حسنية بابنتها المميزة منى، ومعاذ في ركنٍ ما من الحديقة.
يجتاحها الشك بأن أمرًا ما يُدبَّر خلف ظهرها، وهذا التكتم يجعلها على وشك الجنون. حاولت عدة مرات استدراج حسنية، ولكن الأخيرة كانت تتحفها بردودٍ عادية لا تصدقها. حتى حينما تفرض نفسها وتجلس معهم، يتوقف الحديث، وينهض معاذ بجلافة واضحة حتى يحرجها، ومنى تلك المتلونة التي تتلاعب بالكلمات كي تزيد من جنونها.
ولكن إلى متى؟ لا بد أن تعرف، ستموت قهرًا إن لم تصل إلى الحقيقة في أقرب وقت. إذًا، لن تتوقف عن المحاولة، حتى لو وصلت لقراءة حركة الشفاه، كما تفعل الآن بتركيزٍ تام، حتى حينما وصل إلى مسامعها صوت من يناديها:
– هالة.
– أمم؟
– تعالي شوفي بتك دي، يا ست البرنسيسة هاااله!
جاءت الأخيرة دفعة تُفيقها من شرودها، لتفاجأ بزوجها يلقي بكراسة الأنشطة المدرسية أمام عينيها فوق سطح سور الشرفة، مردفًا، كازًا على أسنانه:
– اتفضلي يا مدام، كراسة البت. حلي معاها الواجب وذاكريلها، بدل ما إنتي جاعدة متنحة في خلق الله... خبر إيه؟
انتفضت بخوف من هيئته، لتتناول الكراسة وتحتضنها وتجذب يد ابنتها منه:
– حاضر يا خليفة، ما هي ما جتش ولا جالتلي.
– وهي لا جياكي عشان تجولك؟ ولا إنتي أصلًا فاضيالها عشان تعسي وتشوفي بنفسك مذاكرتها ومذاكرة إخواتها؟ دي بطت حاجة تخنق!
أنهى توبيخه والتف مغادرًا دون انتظار تبريرٍ منها، وكأنه قد سئم وحفظ كل الحجج التي تأتي بها، لتزفر في أثره بضيق، ثم تتحرك ساحبة ابنتها بعنف:
– تعالي يا آخرة صبري، ما أنا عارفة إن الشجا معاكم ما بيخلصش أبدًا... تعالي يا بت.
اقتربت بها إلى أحد المقاعد، لتجلسها أمامها وتبدأ مساعدتها في حل المسائل. اندمجت معها لبعض الوقت حتى انتبهت إلى قدوم حمزة ابن عمها وولده مترجلَين من السيارة، فنهضت لاستقبال الطفل، في حين غيّر والده طريقه متجهًا إلى الطاولة التي تضم والدته وشقيقيه، ليشاركهم الحديث السري على ما يبدو، أمام ناظريها.
– ريااااان، حبيب عمتو هالة!
عانقت الطفل وقبّلته عدة مرات على وجنتيه، رغم خجله منها، ثم سحبته معها حتى أجلسته بجوار ابنتها، لتبدأ في استدراجه:
– هااا، جولي بجى يا بطل... إيه رأيك في بيت أبوك اللي بيبنيه؟ حلو زي بيتنا كده ولا عفِش؟
بحماس طفولي أجابها ريان:
– طبعًا حلو جوي، أمال إيه؟ ووااااسع، وحواليه سور كبير الرجالة خلصوا نصه في البنا!
– سور كبير وواسع؟ على العموم، مهما كِبِر مش هيبقى زي بيتنا دِه... دِه بيت العيلة! وأنت أصلًا مش هتسيبنا، ولا هتخلي أبوك كمان يسيبنا... صُح ولا لاه يا ريان؟
أومأ برأسه يُراضيها، غافلًا بعقله الصغير أنها تتحدث بإصرار حقيقي، وسرعان ما استدركت حالتها، فغيّرت دفة الحديث بمزاحها:
– كل الوقت ده جضيته عند العمال والرجالة؟ كنت بتلعب في الزرع ولا بترفع الجُصعا معاهم؟
– والله يا عمتي هالة، كنت عايز أرفع الجُصعا محمّلة بالإسمنت وابني معاهم، بس أبويا مرضيش! جالي: "هتوسّخ هدومك"، وراح واخدني من يدي ووداني عند خالتي مزيونة، قعدت ألعب معاهم، هي وليلى، واتغديت معاهم، وكلت تين ونبق و...
– استنى!
هتفت بها، توقف استرسال الصغير واندفاعه، غير منتبهٍ لعينيها التي جحظت، وقد بدأت الخيوط تتجمّع في رأسها:
– هي خالتك مزيونة دي... جدتك زارتها جريب مع أبوك، صُح؟
– صُح.
– وساكنة لوحدها ولا معاها ناس تانية؟
– لا، مفيش حد معاهم، والمنطجة كلها مفيهاش غير بيتهم.
– آااااه...
تمتمت بها، لتأخذ قرارها على الفور. توجهت نحو ابنتها بعجالة وأعطتها الكراسة في يدها:
– خدي يا بت كراستك دي واطلعي استنيني فوج، يلا، أنا هحصلك مش هعوّج... يلا!
تذمّرت الصغيرة من دفعها، ولكنها في النهاية استجابت لأمرها خوفًا منها. وفور أن خلى المكان منها، تفاجأ ريان بسحبها إياه، تُقرّبه منها هامسة:
– عايزاك دلوك يا حبيبي تحكيلي كل اللي حُصل في مشوارك دِه، من ساعة ما رجلك حطّت هناك، لحد ما جيت هنه.
***
وعلى الطاولة التي كانت تجمع الأربعة، وقد جلس بعد دعوة تلقاها من والدته، لينضم إليهم في ذلك النقاش الذي لم ينتهِ حتى الآن. كانت محاولات بائسة من المرأة لإقناع صاحب الرأس اليابس، وقد كانا يتجادلان في هذا الوقت، وحلقة من النقاش المستمر تشترك فيها منى بالمزاح في معظم الأوقات، أما هو فكان الصمت رفيقه.
– شوفي يا يما، مهما تحاولي وتعملي المستحيل معايا، إنتي عارفة، وكل الناس عارفة، إن مفيش حاجة هتمشي غير اللي في مخي... صح ولا لاه يا حجة حسنية؟
– يووووه! ما تحضرينا يا زفتة إنتي، يالي جاعدة غير تضحكي وتتمقلتي ! أخوكي هيشلني يا بت! وأنت يا كبير، يالي، ندهتلك مخصوص تاجي تشاركنا، عقل أخوك يا ولدي... يمكن يسمع منك!
هناك لحظات يفقد فيها الإنسان القدرة حتى على التظاهر، وقد ضاق صدره بصورة جعلته يُخرج الكلمات بصعوبة وبدون حساب:
– أجوله إيه بالضبط؟ طمني جلبك يا حجة حسنية... الحديت معدش منه فايدة من الأساس. شكل إسراء هي اللي هتفوز من غير تعب ولا وجع جلب منك!
توجّه معاذ إليه بسؤاله:
– هو إيه اللي معدش منه فايدة؟ أنت واخد بالك بتتكلم على إيه؟
زفر بخفوت، ليرمقه بضيق، وقد انصب تركيز الجميع نحوه:
– واخد بالي... وعارف إنك هتتجنّ بالبت، بس شكل الأمل خلاص هيروح ويتبخّر. لما مزيونة ترجع لعرفان، اعتبر إن حلم جوازك من بتها في حكم المستحيل. عرفان لفّ الدايرة حواليهم بلعبة خلت الاتنين يوافجوا على الرجوع رغم عفاشته، حتى الأجاويد اللي دايمًا يدخلوا لصالح مزيونة، هما كمان شربوا المقلب.
– وووه تمتم بها معاذ بما يشبه الصدمة، فتدخلت منى التي علمت السر خلف حزن شقيقها:
– مين اللي جالك كدِه يا حمزة؟ وكيف يعني هي تجبله؟ دي تطيج العمى ولا تطيجه؟ اسألني أني، أنا أكتر واحدة عارفة كده، والله.
حسنية هي الأخرى، وقد أصابها ما أصابهم رغم اختلاف الأهداف:
– لاه يا حمزة، لاه. لو كنت فاكر إن كلامك ده هيريحني، يبقى ما تعرِفش أمك يا ولدي. مهما كانت مصلحتي ولا رغبتي إن ولدي ميطلعش برا العيلة، ولا ياخد واحدة غريبة عنينا، ده معناته إني هجبّل بأذية بنات الناس. دِه راجل شراني، وأنا شفته بنفسي. البنية غلبانة هي وبِتّها، ومحدش يرضالهم كده أبدًا.
– وكسرة قلب وِلدِك؟
أجفلها معاذ بصيحته، ليردف بقهر نحوها وكأنها هي السبب الرئيسي في حزنه:
– عمال أحايل فيكي بقالِي أيام، وانتي عارفة إن موضوعي مش هين مع الراجل ده. طيب إيه رأيك بجى، لو ما اتجوزتش ليلى، مش هتجوز غيرها واصل، ولا هتشوفيني على كوشة طول حياتك يا حجة حسنية. طول حياتك.
أنهى جملته ونهض مهرولًا من أمامهم، فتبعته منى بخوف عليه:
– واض يا معاذ، استنى هنا! رايح فين يا حزين؟ لا تعمل نصيبة، احنا مش ناقصين.
ارتجفت حسنية هي الأخرى، ورغم عتبها على معاذ، إلا أن هيئته التي كانت لا تبشّر بخير، دفعتها لمخاطبة الأكبر:
– حمزة، روح شوف المجنون ده، دا عقلُه طاقق وما حدش عارف راسه فيها إيه!
نظر إليها غير مبالٍ، وكأن الأمر لا يعنيه:
– يعمل اللي عايز يعمله، يمكن الجنان يجيب فايدة، مدام العقل والأخلاق معدش ليهم مكان في الزمن ده. عن إذنك بجى، أنا رايح المديرية أشوف آخر الأخبار.
تجمّدت تطالع انسحابه من أمامها ومغادرته، لا تستوعب ما صدر منه، وكأنها ترى شخصًا آخر غير ابنها الذي تعرفه. ترى، ما الذي أصابه هو الآخر؟
***
وإلى مكان آخر... في منزل المدعو جمعة، وكان يتناول من الطعام الذي طلبه عطوة من إحدى المطاعم المعروفة في المحافظة، دجاج محمر وأنواع أخرى تفتح الشهية، المفتوحة من الأساس.
يضع القطعة تلو الأخرى والفم ممتلئ عن آخره، بنهم وجشع، وكأنه لم يتذوق الطعام منذ سنوات، حتى عقّب عليه عطوة بقرف:
– براحة يا جزين، براحة. لا الأكل يوقف في زورك ولا نلاقيش حد ينجدك لو كبس على نفسك وروحت فيها!
ضحك المذكور حتى برز الطعام المحشور في فمه، بصورة قلبت معدة الآخر، فنهض منهيًا طعامه:
– جاااك الزفت، اشبع بالأكل يا خوي. أنا سايبها لك ونايم.
وبالفعل، استند إلى كفّيه ونهض من على جلسة الأرض، من أمام الطعام المرصوص على ورق التغليف، الذي جاء به، يعرج على القدم المصابة، حتى وصل إلى الكرسي الذي يتوسط الغرفة، فأخرج سيجارة من جيبه، وضعها في فمه، أشعلها، ونفث الدخان منها، ثم وجّه بصره نحو هذا الذي لم يتوقف أو يخجل من انتقاده، وما زال يواصل حصد الأخضر واليابس.
– اما نفسك حلوة جوي يا جمعة، على كد ما تدي للي جدامك أمان، أنا عارف آخرك: وكلة أو فلوس. على كد برضو ما تخوفه، إنك سهل جوي حد يشتريك باللي زيهم.
مرة أخرى، ضحك جمعة بسماجة، فصاح به عطوة ونهره:
– خلاص، اجفل وفوّضها، مش ناقصة قرف. ولا أقولك؟ أنا اللي هولّي وشّي عنك.
قالها عطوة واستدار عنه، ينظر أمامه بشرود، يحصي الليالي والساعات في انتظار شفاء قدمه والسير عليها كي يعود إلى البلدة، مادام لم يكتشفه أحد، حتى عرفان الأحمق حين هاتفه، ابتلع الكذبة وصدقها، حين أخبره بالذهاب إلى عزاء أحد أقاربه في القاهرة، وربما يجد له هناك عملًا يعيش عليه حتى يرجع.
كم يتوق للعودة وفعل المستحيل حتى ينالها. لا يشغله حلال أو حرام، المهم هو أن ينالها، تلك الجميلة التي كانت حلمه في الصغر، ومن حقه، لأنه مقارب لها في العمر. أي، لو كانت انتظرت حتى تتم السابعة عشر أو الثامنةعشر، لربما أصبحت من نصيبه. لكن اللوم ليس عليها. اللوم على ذلك الغراب، عرفان، الذي خطفها قبل حتى أن تنضج جيدًا. تبًا له.
***
في داخل قسم الشرطة، وأمام الضابط المسؤول، جلس ليُخبره بآخر المستجدات في القضية، والتي كان أهمها نتيجة عينة الدم وعدد من القرائن الأخرى حول أحد الأشخاص، وظهوره في ذلك الوقت بتلك المنطقة. بدأت الشكوك الرئيسية تدور حوله، خاصة مع اختفائه المفاجئ عن البلدة. وما إن علم بهويته، حتى ارتخت ملامحه، ليتمتم بالاسم البغيض، وشيء من الانفراجة يلوح في عينيه:
– عطوة!
***
لم تقدر شقيقته على اللحاق به وإيقافه، ولم يُصغِ لنداء والدته، بالإضافة إلى سكوت حمزة عن ردعه. تلك العوامل مجتمعة جعلته يخرج في حالة من الجنون، تدفعه لفعل المستحيل كي يقابلها. وبما أنه يعلم مواعيد دروسها، لم ينتظر حتى تعود إلى منزلها، أو حتى يستخدم الحصان حجة لمراقبتها كما كان يفعل سابقاً. لقد قرر أن هذه المرة لن يخشى أحداً.
خلف منزل أستاذ مادة الإنجليزي، ظل لأكثر من ساعة ونصف يدور حول نفسه في الشارع الممتلئ بالبشر، غير آبهٍ بنظراتهم إليه، ولم يعطِ اهتماماً لأي شيء، سوى عندما خرجت من البوابة الحديدية للمبنى، بصحبة عدد من الفتيات، زميلاتها في الدرس.
وقف قليلاً يتابعها وهي تتحدث بعفوية، وتضحك بانطلاق لا يُقيده قواعد الكبار المتشددة تجاه كل ما هو أنثى.
سار خلفها، وفي أول تقاطع غيّرت فيه طريقها، وكانت بصحبة فتاتين، أسرع بخطواته ليتصدر أمامها:
– ليلى، ممكن نتكلم كلمتين؟
جاء رد فعلها بشهقة إجفال خرجت من حلقها، لتتراجع بخطوتين إلى الخلف، ومعها الفتاتان اللتان استوعبتا الموقف سريعاً فصرختا فيه:
– إنت مين يا جدع إنت؟! وإزاي تعمل كده؟!
لم يلتفت إليهما، وظل تركيزه منصبًا عليها، مردفًا:
– عرّفيهم عني بعدين يا ليلى، المهم دلوك أنا عايزك في كلمتين.
تماسكت من رهبتها، وهتفت به:
– احترم نفسك يا معاذ، وابعد عن طريقي! دا مش أسلوب أصلاً.
أومأ برأسه متظاهراً بالتفهم، ثم عاد إليها معتذرًا:
– ماشي يا ستي، أنا بعتذر ليكي وللبنات، حقكم على راسي من فوق، وأنا عارف إن أسلوبي مايعجبش، بس برضه عايزك تسمعيني يا ليلى... ممكن يا بنات تسمحولي؟
– يخرب عجلك، عامل زي القطر!
تمتمت بها ليلى أمام دهشة الفتاتين اللتين تسمرتا في مكانهما، بعدم فهم لطبيعة الكائن الواقف أمامهما. ثم أردفت بحذر، وهي تدفعهما بيديها:
– نسرين، سمر، معلش، جدموا خطوتين عني ووجفوا استنوني، أشوفه عايز إيه وهقولكم، والله.
أبعدتهما عنها بمسافة خطوات بسيطة، لتتخصر أمامه بضيق قائلة:
– نعم؟ قول كلمتينك يا معاذ، عشان إنت شكلك مجنون وهتجبلي الفضايح.
– بعد الشر عليكي من الفضايح! اللي يجيب سيرتك أصلاً أجطع عمره من الدنيا...
توقف برهة عن اندفاعه، ثم صعقها مردفًا:
– ليلى، أنا عايزك تتجوزيني.
توقفت لحظات تحاول الاستيعاب، قبل أن تردد بتساؤل من خلفه:
– مين اللي يتجوز؟!
وكأنه كان في انتظار هذا السؤال، ليلقي بكل ما في جعبته، دون ترتيب أو تفكير:
– أنا بتكلم عني وعنك. أمك عايزة ترجّع لأبوك، ميخصنيش. إنتي حابة أبوكي العفش ده برضه ميضرش. المهم إنه يوافق على جوازي منك. أمك عايزة تعلمك؟ مستعد أوصلك للدكتوراه وأساعدك، لكن في بيتي. غير كده، لا ليكي جواز، ولا تعليم، ولا راجل تاني هيجرب منك طول ما أنا عايش. هوجف حالك من كله يا ليلى! إنتي لسه ما شفتيش جناني أصلاً... أنا بحبك يا ليلى.
رواية لأجلها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الثالث عشر
في زحمة الحياة، يتأرجح قلبها بين حب يخفيه الحياء وخوف يبرره العقل. تقف عند حافة هذا التوازن، تراقب خطواته المقتربة منها، وتختلط مشاعرها بين الحاجة إليه والقلق من فقدانه. هي لا تطلب منه سوى أن يبقى، أن يستمر في كونه ملاذها الهادئ، تلك المساحة الصغيرة من الأمان التي لا تعرف سواها.
المراجعة والخاطرة للجمر حجي #سنا_الفردوس
الفصل الثالث عشر
من تشتريه بالمال، اعلم أيضًا أنه سوف يبيعك بالمال. هذا ما كان يعرفه جيدًا، ومع ذلك أعطاه الأمان، ولم يتوقع منه الخيانة بهذه السرعة وخلال أيام معدودة. ذاك الذي يقف الآن بالقرب من الحائط، مصوِّبًا بصره نحوه ببرودٍ مدهش، يراقب التحقيق الذي يُجرى معه، وكأن الأمر لا يعنيه.
ـ انطج ياض، طلعت على بيت مزيونة، وكنت عايز تدخله ليه؟ سرجة ولا غرض تاااني؟
هدر بها حمزة، حتى ارتعشت لها أطراف الآخر، وهو يبتلع ريقه الجاف بصعوبة، ليواصل الإنكار بإصرار:
ـ يا بوي، معملتهاش، ولا أجدر أنط على البيت أصلًا. أحلف لكم بإيه عشان تصدجوني بس؟
كان حمزة في أوج غضبه، يود فعل الأفاعيل به، ولكنه يتحرى الصبر حتى يصل إلى غايته:
ـ مش هكلمك على الطلج اللي صاب رجلك، ولا عينة الدم اللي رفعتها الحكومة وأثبتت إن الفصيلة تخصك. يعني كلها أدلة تدينك ومثبتة عليك، يعني خلصانة.
دنا ليضغط بأنامل أصابعه الخشنة القاسية على جانبي فكِّ الآخر، حتى كاد أن يهشمهما، ليهمس بفحيحٍ وتوعُّد:
ـ حظك يا عطوة إنك متصاب في رجلك ومجادرش تمشي عليها، إنما لولا كده، كنت علّجتك دلوك زي الدبيحة في مروحة السجف، وأتسلّى عليك الليلة كلها.
توقّف برهة يشاهد الهلع الذي ارتسم على ملامح المذكور، كلوحة بائسة بهتت ألوانها حتى أصبحت كشحوب الموتى، ليُعزز من هواجس تعبث برأسه:
ـ لآخر مرة بسألك يا حيوان، كان للسرقة ولا لسبب تاني؟ عرفان ليه يد معاك في الموضوع ده ولا لاه؟
سمع عطوة الأخيرة وكأنها طوق نجاة يتمسك به، لينفد من يدي هذا المجنون، قبل أن يزهق روحه، إن واصل الضغط وأخذ الإجابة، وهي طمعه الحقيقي بمزيونة الفاتنة، وليس أي غرض آخر، حتى ابنتها لا تشغله.
ـ أيوه يا سعادة البيه، عرفان هو اللي سلطني، إني أفطّ على البيت وأهدد مزيونة وأخوّفها عشان تجبل ترجع له لما تحس بالخطر.
.................................
حين تطول السنوات على الذنب الذي اقترفته، ويطمئن جانبك من اكتشافه، تتناساه، بل ويغلبك الظن أنك لم تفعله من الأساس، وأن النتائج التي ترتبت عليه من خسائر للبعض وفوز لك ما هو إلا إرادة القدر. والقدر بريء ممن ماتت ضمائرهم، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم.
سارت تسحب أطفالها بمرح داخل منزلها، الذي دلفت إليه عائدة من الزيارة الأسبوعية لأهلها، وقد جدّدت نشاطها بيومٍ كاملٍ قضته في صحبة الأهل، وزيّنت نفسها بما يجعلها تسترد شغف زوجها بها. صادفت في طريقها إحدى المرايا الملتصقة بالحائط، لتقف أمامها وتخلع الطرحة التي تلفها حول رأسها، فانساب شعرها الذي صفّفته بالمكواة اليوم، وجعلته حريرًا يُحيط بوجهها الذي أضفت عليه بعض المساحيق لتبدو فاتنة كما ترى الآن، مما عزّز الثقة بداخلها لاستعادة زوجها الذي يصفعها بجفائه هذه الأيام.
لم تكن تعلم أنه هو أيضًا كان في انتظارها في هذا الوقت على أحرّ من الجمر، ليس حبًا واشتياقًا مثلها، إنما لشيء آخر، شيءٍ أخطر من أن تتصوره. فهو أيضًا استغل ذلك اليوم الذي فرغ فيه المنزل منها ومن أولاده، في رحلة من البحث استغرقت منه نصف النهار، حتى قلب الأثاث رأسًا على عقب، ليعثر في الأخير على غايته، ويتأكد أخيرًا من ظنه، بعد سنوات من الغفلة قضاها مع امرأة سوداء القلب مثلها. ولتكن المفاجأة من نصيبها الآن، وهي ترى منزلها بهذه الفوضى حينما قدمت إلى الطابق الذي يجمعها به:
ـ يا مري يا عرفان، إيه اللي عمل في البيت كدِه؟ مفيش كرسي جاعد مكانه! إيه اللي حُصل يا بوي؟
تلقى سؤالها ليعلّق بسخرية، وهو واقف أمامها ببرود يكاد أن يجلطها:
ـ معلش، أصلي كنت بلعب كورة مع نفسي، لما لقيت البيت فاضي عليّا.
رددت خلفه بملامح طفا عليها الريبة والاستهجان:
ـ تلعب كورة؟
تجاهلها بإعطاء انتباهه للأطفال، وناولهم عددًا من الأوراق المالية حتى ينصرفوا مهرولين نحو البائع في شارعهم من أجل ابتياع الحلوى، ليخلو المنزل عليه وعليها. فتحرك داخلها الأمل، لتتغاضى عن الفوضى التي أحدثها بالأثاث، وتتذكر هيئتها الجديدة وزينتها، فتبادره بحديثها:
ـ شكلك كنت فاضي صُح وإحنا مش موجودين. يلا بجى مش مهم، أبجى أرتب فيهم براحتي بعد كدِه. المهم، إيه رأيك في النيولوك الجديد...
قطعتها بضحكة استفزته بسخافتها وهي تتابع:
ـ زي ما بيقولوا في المسلسلات، بس أدينا بنقلدهم وخلاص. ده لسه كمان لما ألبس عليهم قميص النوم، هتشوف إيه...
ـ زفت.
قاطعها بها، ليُتابع بقسوة:
ـ هشوف إيه تاني يا بت؟ هو إنتي خلقتك دي حد كان يبصلها أصلًا من الأول؟
اجفلت بعدم استيعاب لفظاظته، مرددة:
ـ عرفان، إنت بتجول إيه؟
لم ينتظر المزيد من اللغو، هجم عليها مباغتًا على حين غرّة، دافعًا إياها بكفّه حتى ارتطم ظهرها بالحائط خلفها، ثم ثبّتها ليرفع بيده الحرة شيئًا ما أمام عينيها، ويسألها:
تجدري تجوليلي إيه ده يا بت؟ برقت عينيها تنظر إلى تلك القماشة المطوية على شيءٍ ما بداخلها، وقد انفكت الخياطة عنها، لتخدع عينيها في البداية بعدم معرفته، حتى كادت أن تحلف على ذلك، قبل أن تتذكر أخيرًا جريمتها المنسية، لكثرة ما مرّ عليها من سنوات. ومع ذلك، ليس لها خيار إلا الإنكار:
ـ إيه ده يا عرفان؟ طلعته منين؟ يا مراري... ليكون حد عاملنا عمل؟... آه...
ما كادت تُنهي عبارتها، حتى تلقت على وجنتها لطمة مدوية جعلتها تصرخ من شدتها، قبل أن يجفلها بلفّ شعرها المُصفف حول يده، ليردد بشرٍ مطلق:
ـ وهو في حد شيطان غيرك يجدر يعملها؟! بجى أنا... أنا عرفان الأشقر يتعملي أسحار وتندَس في المخدة اللي بنام عليها بجالي سنين؟! أنا؟! يا ملعونة تكرهيني في مرتي وأهجرها بالسنين عشان خاطرك؟ عملتي إيه تاني يا بتاعة الأسحار؟!
صرخت بألم تدافع وتواصل إنكارها:
ـ آآآه! مين بس اللي جالك الكلام ده؟ مين اللي فتن واتبلى عليا ظلم؟ أنا بنت خالتك يا عرفان، مش غريبة عنك عشان أعمل حاجة عفشة زي دي!
ضغط بشدة حتى كاد أن يخلع الشعر من منبته، متابعًا:
ـ محدش جالي يا بوز الأخص! إنتي اللي الزمن غرك وخلاكي نسيتي إن المدعوج ده ليه مدة محددة، وخلصت خلاص! عشان أصحى أنا لنفسي وعقلي يشتغل... أنا اللي غلبني الشك، وجلبت البيت النهاردة عشان أعرف السر... لقيت العمل من غير ما حد يدلني على مكانه... خدته ورُحت بيه على واحد من عينة اللي عملهولِك عشان يفسّر كل الكلام في الورقة اللي جواه... بجى تعمليه بالمحبة ليكي يا بومة، وتخليني أكره مرتي اللي بحبها وبتي؟! أنا بتغفليني يا بت الفرطوس!
ليس لديها الآن إلا الدموع، تترجاه بمظلومية زائفة:
ـ حرام عليك يا عرفان، متصدقش! وحتى لو حصل، هتبجى واحدة من الاتنين... يا أمي، يا أمك! ما إنت عارفهم كانوا باكين عليك إزاي، وعلى الغلب اللي عايشه مع مزيونة المرضانة! أنا إيه ذنبي يا ناس؟
ـ أيييوه!
تمتم باستدراكٍ سريع، ليزداد اشتعال رأسه بالتخمينات، مردفًا:
ـ جبتي سيرة مزيونة ومرضها؟! أنا إيه اللي يضمني إن مرضها كان طبيعي؟! ما يمكن كان بأعمالك برضو يا ملعونة؟! أنا هشربك العذاب ألوان يا صفا، بحق كل اللي عملتيه في حجّي، وحق مزيونة! هعرفك زين عفاشة عرفان، وأجيبها ستّ عليكي تشتغليلها خدامة انتي وعيالك!
ختم كلماته، ليكيل لها اللكمات والضربات الموجعة في كل جسدها، غير آبهٍ بصراخها الذي ملأ الأرجاء حول المنزل، ولا بتوسلات أطفاله على باب الشقة مع بعض الجيران، التي تطوّعت للتدخل حتى تفصل بينهما.
فلم يُنجدها من بين يديه سوى تدخّل الشرطة التي اقتحمت، لتُجفله بحضورها، وتُبعده أيدي الرجال عنها، بحالة يُرثى لها، وكأنها على وشك الموت. فصرخ بهم موجّهًا الاتهام للجميع:
ـ واحد و بيربّي مرته، إيه دخل الحكومة؟! ولا مين اللي اتصل بيها أصلًا؟!
وجاء الرد من الضابط المسؤول:
ـ محدش اتصل ولا بلغ عن ضرب مرتك أصلًا، مع إن دي كمان جريمة تضاف على جريمتك.
بأنفاسٍ لاهثة، ردّد بتشتّت:
ـ جريمتي؟! جريمة إيه اللي عليا؟!
...........................
عاد إلى منزله أخيرًا، وألقى بجسده على الفراش يتأوه بتعب، لكن يغمره شعور براحة لا تُقدَّر بثمن، بعدما أنجز مهمته وسلّم المجرم الأول إلى الشرطة، ليدلّ بدوره على المجرم الثاني، ويتم القبض عليه هو الآخر في نفس الليلة.
ساعات قضاها مع الضابط المسؤول في مباشرة التحقيقات، ولم يغادر المكان إلا بعد أن اطمأنّ برؤية شريكي الجريمة مكبلين بأصفاد السجن الحديدية. لو بيده، لأذاقهما أضعاف العذاب، مقابل كل لحظة من الرعب عاشتها هي وابنتها في تلك الليلة. وربّ ضارةٍ نافعة، فبفضل تلك الأحداث، نشط عقله ليخطط لبناء منزل الأحلام بجوارها، ووجد حجته في القرب منها.
بقي له أن يرى ردّ فعلها حين تعرف بالخبر؛ لا بد أن يرى ملامحها بنفسه. كيف له أن يصبر حتى الصباح ليخبرها؟
❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈
داخل قسم الشرطة
بعد ساعات من التحقيقات التي قضاها أمام الضابط المسؤول، نفى واعترض، وحاول بكل السبل أن يثبت براءته، لكن لم يصدقه أحد. حتى في مواجهته مع ذلك الفاسد الذي افترى عليه، أصرّ الأخير على اعترافه بشراكته معه، بوقاحة منقطعة النظير. وحتى الآن، لا يستوعب جرأته في رمي التهمة عليه، لكن لا بأس، فقد حان موعد زجّه في زنزانة الاحتياط التي تجمع عددًا من السجناء الجدد، وكان هو من ضمنهم.
– خشّ يا مسجون مع أصحابك، وإياك أسمع لحد فيكم حس.
قالها رجل الأمن وهو يدفعه لينضم إلى المجموعة. قبل أن يُغلق الباب الحديدي، وقف في منتصف الغرفة يطالع وجوه المشتبه بهم، المنشغلين بشؤونهم عن استقباله.
بتركيز شديد، راح يبحث عن غريمه بينهم، دارت عيناه يمينًا ويسارًا لتعود إلى نفس النقطة، حتى وقعت أبصاره عليه أخيرًا، يتخفى بجسده الهزيل خلف أحدهم.
على الفور توجه إليه والتقطه من تلابيب ملابسه:
– بتداري نفسك عني؟ فاكرني مش هعرف أجيبك يا جبان؟
وختم كلامه بلكمة قوية على فكه الأيسر، كادت تطير صفّ أسنانه بالكامل، ليصرخ عطوة متوجعًا بصوت عالٍ، حتى التف حولهما الرجال يحاولون الفصل بينهما:
– جرى إيه يا جدعان؟ في إيه؟ صلّوا على النبي.
جاهد عرفان لتخليص نفسه من أيدي الرجال الذين كبلوه عن الفتك بخصمه، بينما راح الآخر يحتمي بعدد منهم، يدافع عن نفسه بالزور والإنكار:
– بتضربني وتحط غلبك فيّا؟ طب أولي اتشطر على اللي لبّسنا إحنا الاتنين لبعض عشان يخلاله الجو. أنا زيي زيك يا عرفان، افهم بجى.
– زيي فين يا نجس؟ سيبوني يا ناس، آخد فيه جناية أسهل لي. الواد ده...
قالها عرفان وهو يواصل محاولاته للإفلات من بين أيدي الرجال، الذين ازدادوا تشبثًا به، شاعرين بالخطر المتفاقم تجاه الآخر، الذي تابع بإصرار كي ينفي التهمة:
– أيوه يا عرفان، زي ما بجولك، أنا فيا كل العبر إلا الخيانة. بس الراجل اللي اسمه "حمزة القناوي" هو اللي سبكها زين جوي، ولبّسنا أنا وإنت مع بعض.
ارتخت ذراعا عرفان قليلًا، مع انتباهه للاسم البغيض على قلبه، يردده باستفسار طبيعي:
– حمزة القناوي؟ وإيه دخل حمزة القناوي بنصيبتك معايا؟ دا انت بتتبلّى عليا بعيـن جويـة يا واض... سيبوني أخلص عليه!
– والله أنا جولتلك، وإنت عندك عقل تميز بيه.
قالها عطوة، متابعًا بث الفتنة باختلاق القصص، حتى أسعفه الحظ بدخول رجل الأمن. وما إن رآه المذكور، حتى صرخ مستنجدًا به:
– الحقني يا شويش! الحقيني يا حكومة! هتحصل جريمة قتل النهاردة لو ما خلّصتونيش من الراجل ده، دا داخل مخصوص عشان يخلص عليا! الحقوني يا ناس!
وبالطبع، أتى صراخه بنتيجة؛ ليُنقل إلى زنزانة أخرى، بعيدًا عن أيدي عرفان الذي كان مصرًا على ارتكاب جريمة. تُرك عرفان وحده يصارع أفكاره، بين غلّ وتوعد بالقضاء عليه، وبين الحيرة التي اجتاحت رأسه، بعد الفكرة التي زرعها عطوة في عقله عن حمزة القناوي ونيته للتخلص منه من أجل الحصول على زوجته.
................................
في صباح اليوم التالي
أتى مبكرًا قبل الجميع، وقبل حضور رجال البناء، مكتفيًا بعدد قليل من ساعات الراحة. سحب طفله المشاكس حجةً للقاءها وإخبارها بالجديد. ولحسن حظه، كان هذا موعد خروج ليلى لمدرستها. وما إن رأت الصغير، حتى تهلّل وجهها في استقباله ببشاشتها:
– ريان باشا بحاله كده ع الصبح؟ دا إيه الاصطباحة الجميلة دي بس؟
قابلها الصغير هو الآخر بابتسامة، واندماج سريع لا يحدث إلا نادرًا مع الغرباء. قبلته من وجنتيه قبل أن تغادر إلى مدرستها، ليتقابل الوالد مع معذبته، بعد أن خرجت هي أيضًا على الصوت، تستقبل الصغير وتدلله بفطرة أمومية يتقبلها ريان برحابة، ويتلقّاها هو براحة شديدة، فتداعب الأماني الجميلة خيالاته.
وحين انصرف من جوارهم، تحدث هو:
– عرفتي بالأخبار الجديدة؟
– أخبار إيه؟
تلقّى استفسارها برزانة شديدة، وأجابها:
– امبارح الشرطة قبضت على اللي اتهجم على البيت. بعد التحريات والأدلة اللي جمعوها، اتضح إنه عطوة... صاحب جوزك.
وقع تأثير الخبر علي ملامحها التي تقلصت بغضب، فجاء ردها، مفاجئاً له:
– عديم الشرف! أني برضو كان جلبي حاسس، عشان نبرة الصرخة المكتومة دي مكنتش بعيدة عن ودني.
– طب وليه ما جولتيش على شكّك ده للحكومة؟
– عشان ما ينفعش أتكلم لمجرد شك، مش يمكن يطلع بريء، أو يطلع حد غيره اللي عملها؟
تمتمت بها ردًا عليه، لكن بداخلها كانت تجزم أنه هو. لكنها تعلمت من تجاربها أن أمثال عطوة لن يغلبوا في قلب الطاولة، وربما يتهمونها باتهامات أخلاقية.
أردف يتحفها بالبقية:
– على العموم، هو اعترف على اللي وزّه، واتقبض عليه هو التاني معاه.
– مين؟
– عرفان.
– عرفان؟ عرفان كيف يعني؟
قابل دهشتها بنوع من الحدة:
– وإيه الغريبة في كدِه؟ دا عطوة بنفسه اعترف إنه هو اللي سلطه عشان يخوّفك إنتي وبتك وتجبلي ترجعيله. أظن فهمتي دلوك الغرض من ورا مجموعة الإغراءات اللي قدّمها لرجوعك ليه.
أومأت تدّعي التفهّم، لكن حدسها كان عكس ذلك تمامًا. رغم منطقية الأسباب التي ذكرها، إلا أن إحساسًا ما بداخلها يكذّب كل ما سمعته.
أما هو، فقد استفزه شرودها، وظنّ أن سبب صمتها هو شفقة على طليقها الملعون. كم ودّ لو يهزّها بعنف لعلها تنفض غبار التفكير به وتُدرك قيمتها كامرأة تستحق الأفضل، وتستحق كل ما هو جميل.
– كنت ناوية ترجعيله؟
توجّه بسؤاله نحوها وقد غلبته عاطفته وأنساه الغضب حرصه. فقابل ردّها بنظرة غامضة من عينيها الجميلتين، طالعته بها بصمت دام لحظات، حتى شعر أنها تفهمه، ولكنها –كالعادة– لم تريحه بإجابة واضحة،أو أن ترطّب على قلبه الملتاع لو قليلاً:
– مالوش لزوم السؤال خلاص، الحكاية فضّت لوحديها. عن إذنك بجى يا أبو ريان، الناس البناونة بدأوا يهلّوا.
قالتها مشيرة بنظرها نحو عدد من رجال البناء القادمين من أول الطريق، لتسحب نفسها من أمامه، وتتركه في حالة من الغليان، تجعله يودّ الضرب بأقدامه على الأرض كالأطفال. هذه المرأة ستذهب بعقله لا محالة.
تنهد وسحب أنفاسًا عميقة، ليهدّئ قليلًا من وتيرة انفعاله، ثم أخرج الهاتف من جيب سترته، وهاتف من يعرف أنها ستسمعه:
– إيوه يا منى، عايز أحكي معاكي شوية... مخنوق.
وهكذا، مرّت الأيام بين مدّ وجزر، شعور من الفرح يحلق به إلى أعالي السماء، وآخر من الإحباط يُسقط به مكسور الجناح. حتى جاء ذلك اليوم المميز لأهالي البلدة......
...............................
بعد مرور شهر وفي منزل حماد القناوي، حيث الاستعدادات لليلة الختامية لمزار البلدة، والذي يتم الاحتفال به كل عام على مدار ثلاثة أيام، تُذبح الذبائح ويُطعم الجميع، وتُقام ليالي الذكر وسباقات الخيل (المرماح). يتحمل التكاليف كبار الأغنياء، ومن استطاع التبرع من باقي الأهالي فلا يُضر، فالغاية أن يفرح الجميع. وبما أن منزل حماد القناوي من كبار الداعمين، فمعظم احتياجات الحفل والطعام تخرج منه.
أما عن معاذ، فقد كان في هذا الوقت يُطعم الحصان وينظفه بحماس شديد أثناء حديثه مع والدته:
– ليلى هتيجي المرماح النهارده يا أم حمزة، يعني هتتفرج عليا وأنا في السباق وبرقص ع الحصان. الليلة هتبجى أحلى ليلة تمر على ولدك يا ست الكل. ضحكت حسنية وضربت كفًا بكف معلقة: – يا خويا ربنا يفرّحك على طول، هو أنا هكره؟ على الله بس يهدي أمها وترضى تجوزهالك، بدل ما تفضل كده معلَّق وراها بالسنين. – ووه يا أمه، ما تفوّليش في وشي. ده أنا مستني السنة دي تعدي على نار، وأول ما تمسك شهادتها في يدها، هاروح لمزيونة وأعملها ميت لو ما ادتنيش البت.
قالها معاذ بانفعال وهو يجهز الحصان ليعتليه، مما أغضب والدته، فأنهته قائلة:
– طب بطّل خربيط في الكلام، واهمد كده، كل حاجة تاجي بالصبر. ضرب بأقدامه على الأرض بعصبية: – أصبر ده إيه يا أمه؟ بجولك ع تجن على البت! ما تحسوا بيا يا جدعان باه.
جلجلت ضحكة المرأة في الحديقة حتى لفتت أنظار تلك التي كانت في الشرفة، فأعطت تركيزها التام لهما، مما أثار حنق معاذ، فنبه حسنية:
– طب أرجع أجولك تاني، خلي بالك، مرت ولدك ناكتة عينها علينا وأكيد هتحاول تجرجرك في الكلام، عارفها، هتموت وتعرف اللي فيها. خَطفت حسنية نظرة عابرة نحوها، وأومأت بقلة حيلة: – أجولها ولا ما أجولهاش عاد؟ ما هو كل حاجة نصيب. ربنا العالم، أنا كنت رايدة إسراء أكتر منها، بتنا اللي مربّينها وعلى الأقل جاهزة، لكن بقى، إنت غاوي تعب، أعملك إيه؟ ضحك وهو يستقر على حصانه مرددًا: – أديكي جولتيها بنفسك: غاوي تعب، والغاوي محدش يلوم عليه. ادعيلي بس ربنا يوفقني ويقرب المسافة.
شملته بنظرة إعجاب وهو يتحرك بحصانه العزيز مغادرًا نحو وجهته، لتتضرع إلى الخالق برجاء: – داعيالك يا ولدي، يريح جلبك إنت وأخوك، إن شاء الله يا رب، في أقرب وجت تنول مرادك.
---
أما عند منى، فقد كانت ترجُو زوجها هذه المرة في الخروج، رغم انشغاله بتصحيح كراسات التلاميذ المرصوصة أمامه:
– ممكن يا أستاذ منص تأذن لي أخرج النهارده؟ ومش هعوج بإذن الله، إنت عارفني. ضحكة صغيرة ساخرة صدرت منه ليعلّق دون أن يرفع رأسه إليها: – حلوة "عارفني" دي. طب جولي حاجة تانية على الأقل أبلعها، زي كل مرة ما بتضحكي عليا. أعجلي يا منى وبلاها لعب العيال، بلا مرماح بلا كلام فاضي.
تفهم جيدًا سبب رفضه، ومع ذلك تدّعي عدم الفهم: – يعني كل ناس البلد مجانين؟ وإحنا بس اللي عاجلين عشان نسميه كلام فاضي؟ خبر إيه يا منص؟ ما تفكّها شوية، حمزة أخويا هيزعل مني.
ترك التصحيح ليطرقع بالقلم على الطاولة بغيظ، مواجهًا لها: – أفهم بجى، يزعل ليه حضرته؟ ما يكلّف أي واحدة من أخواتك التانيين. أشمعنا ماسك فيكي إنتِ؟ مشاوير مستشفى، وجلنا ماشي، مشاوير لبيوت وزيارات، جلنا ما يضرش، ست وحدانية هي وبتها، إنما مرماح ومهرجان، رجالة رايحة ورجالة جاية؟
عند هذه النقطة، لم تقوَ على منع ضحكتها، لتردد بعد قليل: – يا راجل لساك برضو فيك الداء ده؟ ده أنا كبرت وبقيت حَجّة يا منصور.
– ما تجنّنيش! صاح بها بغضب حقيقي، وأردف بعصبية: – رايحة جاية تجولي كبرت! إنتِ ما كمّلتيش الخمسة والتلاتين أصلًا. ومش معنى إنك حجّيتي بيت الله يبقى خلاص عديتي السن ومحدش هيبصلك!
حسنًا، لقد وصل إلى تلك النقطة التي تتجنبها طوال الوقت منذ زواجهما، والتي لا يصح معها العبث أو المزاح، ولا يصلح معها إلا حديث العقل واستدراج عاطفته:
– حاضر يا منصور، إنت عندك حق. طب مش هاجولك إني لابسة خمار، ولا إني مغطية حتى ضُفر رجلي من تحت، لكن هأنبهك لحاجة وانت اللي تحكم. أنا طلّعتها في راس مزيونة إنها تطلع وتشوف الفرح في البلد. الست طول عمرها محبوسة، وإحنا ستات يعني طريقنا مختصر، والطلة وحدها لو من بعيد هتفرّحنا. مش بنات صغيرين هندخل من جوه، في وسط الزحمة على المراجيح والمهرجانات. وعلى العموم، يا سيدي، لو لساك معترض، أنا أبعَت لها البت تعتذر، وهي حرة بقى، وربنا يتولاها.
بحنق شديد صار يطالعها بصمت وتفكير متعمّق، رغم غيظه من مكرها في رمي الكرة في حجره حتى يكون القرار منه، بعدما استدعت عاطفته نحو المرأة التي يشفق عليها من كثرة ما حدثته عنها، ليزفر في الأخير حاسمًا:
– ساعة وهترجعي على طول. عوجتي عن كده؟ يبقى خلي حمزة ينفعك!
تهلّل وجهها، ودنت إليه تطبع قبلة على وجنته مرددة: – يا خويا، ده حمزة هيدعيلك من جلبه، وأنا أزيد من ساعة مش هاجعد، ربنا يجبر بخاطرك، يا رب.
....................................
"ياللا يا نسرين، ياللا يا سمر، عايزين نلحق نجضّي لنا ساعة حتى على الأقل!" هتفت بها ليلى موجّهة الحديث إلى صديقتيها، بعد انتهاء اليوم الدراسي، لتسحبهما معها، مغيّرات طريقهن نحو الاحتفال بدلًا من الذهاب إلى منازلهن كالمعتاد.
فردّت الأولى بتعب:
"ياللا ياللا، ما إحنا ماشيين معاكي. أها، هنركّب عجل في رجلينا؟ دا إحنا مفرهدين أصلًا يا غالية. يعني حقّنا نروح البيت ننام لحد ما ييجي ميعاد الدرس، مش نتفرّج على مرماح وكلام فاضي!"
عبست ليلى نحوها، ثم خاطبت الأخرى قبل أن تعود إليها:
"أنا كنت عارفة من الأول... البِت دي بُوز فقر! ما تهمدي يا بِت واتبطي، إحنا كل يوم هنلاجي حاجة حلوة نروحها؟ دا أنا مصدّجت إن أمي سمحتلي أجي رغم المذاكرة اللي ورايا!"
أيّدتها سمر، موجهة تقريعها للأولى:
"أنا معاكي يا صاحبتي، حتى لو هنتأخر. علقة تفوت ولا حد يموت! دي كفاية نشوف الحصنَة وجمال الحصنَة واللي راكبين على الحصنَة!"
ضحكت ليلى بانطلاق، وقد فهمت المغزى الذي تقصده سمر، لتضمها من ذراعها إليها مغمغمة:
"إيوه يا صاحبتي، انتي بس اللي فهماني. ربنا يخليكي ليا وما يحرمك مني!"
واختتمت بضحكة شاركتها فيها الفتاتان، مواصلات حديثهن والمزاح حتى وصلن إلى موقع الاحتفال؛ حيث ألعاب المراجيح الخشبية والسواقي التي التف حولها الأطفال، وأغاني المهرجان التي تذاع بصخب من سماعات عربات المثلجات والحلوى، وبائعي البطاطا المشوية الساخنة والذرة، صخب وزحام كأنه مولد شعبي.
واصلن طريقهن حتى وصلن إلى الساحة الضخمة لتجمّع الرجال، حيث رجال يعزفون المزمار، وسباق لخيولٍ بفرسانها تركض بعصا طويلة نحو نقطة معينة.
وفي جانب آخر، تواجدت خيول وأصحابها في مكان مخصص لهم للاستراحة للأستعداد لخوض السباق.
وقفت هي وصديقتاها، تبحث عنه، وقلبها كالطبول التي تُقرَع بالقرب منها. شعرت به يتحرك من موضعه فور أن وقعت عيناها عليه، يركض قادمًا بحصانه، عائدًا من تلك النقطة البعيدة لنهاية السباق. منتصب الظهر، يقوده بثقة المنتصر، فارسها المغوار.
هو أيضًا انتبه إلى حضورها من بين الفتيات، ليُشْعِلها بنظرة اخترقت وجدانها، وجعلت الفرحة تكتسح ملامحها بوضوح. لكن سرعان ما خبأت ابتسامتها بعد سماعها لقول سمر:
"ليلى، خلي بالك، مش عايزين حد يعلّق علينا ولا يفهم غلط."
"قصدك إيه؟" سألتها ليلى بتكلّف، لتجيبها نسرين بحرص:
"جصدها واضح يا ليلى، في واحد مدبّقنا من ساعة ما جينا الساحة، وعينه عليكي إنتي بالذات ما اتشالتش."
تطلعت نحو الجهة التي أشارت إليها بعينيها، فتأكد لها بالفعل أن هناك من يترصّدهن، شاب يعلو إحدى الخيول، يطالعها بفجاجة أثارت ارتيابها حقًّا. فسارعت لطمأنة الفتيات:
"هشوف معاذ وهنمشي على طول يا بنات، هو أكيد جاي دلوك، مش هيعَوّج."
---
وفي جهة أخرى، وقف حمزة يراقب قدومها بصحبة شقيقته العزيزة، والتي جاءت بها عبر طريق مختصر، بعيدًا عن الزحام، ومن أجل راحة الجميع.
كانت ترتدي عباءة سوداء محتشمة، لم تُنقص من جمالها شيئًا، بل زادتها فتنة، حتى جعله يندم على ترحيبه بالفكرة. لكنه أرادها أن تعيش عمرها، تعوّض ما فاتها. يكفيه أن يرى تلك الابتسامة الساحرة، وهي تتحدث بعفويتها مع شقيقته التي تجبرها بخفة ظلها على الضحك.
تنهد داخله بلوعة... متى تشعر به؟
❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈
عودة إلى الفتيات وقد اتخذن موقعهن بعيدًا عن الزحام إلى حدٍّ ما، بناءً على اتفاقٍ مسبق بين ليلى وذلك الفارس الذي اقترب بحصانه نحوهن، يُلقي التحية على الفتاتين اللتين ابتعدتا بمسافة قريبة نسبيًا من تلك الحورية التي وقفت تُقابله بلهفة، ومشاعر جمعت بين الفرح لرؤيته بعد ذلك العرض الذي قدّمه مع المجموعة، وجعل قلبها يتراقص على أنغامه، كما كان يتراقص حصانه الجميل على المزمار، وبعضٍ من القلق المتزايد بسبب ذلك الشاب الذي يتبعهن منذ قدومهن، ولم يرفع عينيه عنها حتى الآن.
كاد قلبها أن يتوقف من فرط فرحته، وهي تستقبله ينزل عن حصانه المحبب، يُخاطبها لاهثًا بعد المجهود الرائع الذي بذله، ليُثبت لها أنه فارس حقيقي، وليس مجرد كلمات في الهواء:
ـ أخبار الجميل إيييه؟ عجبك المرماح؟
ـ جوووي! من زمان بتحايل علي أبوي عشان يجيبني، لكنه دايمًا كان بيرفض، كان نفسي بس أركب ع المراجيح والسواقي... يا ريتني كنت صغيرة بقى.
عقّب على قولها بانفعال:
ـ أبو العيال على الكل كليلة، لو عليّا كنت مشّيتهم كلهم وسيبتك لوحدك تلعبي بيهم، بس أعمل إيه بقى في العيون اللي بتناظرك؟ دي كمان عايزة مجهود لوحديها عشان أخذق عينين كل واحد بيبص عليكي.
ضحكت تُغلق فمها بكف يدها مرددة:
ـ والله إنت مجنون يا معاذ. أضاف عليها بتأكيد: ـ بيكي! أنا مجنون بيكي يا جلب معاذ... استني هنا، هروح أجيبلك حاجة حلوة.
ـ هتروح فين؟ استنى، أنا مش عايزة حاجة.
لم يستمع لندائها، بل ابتعد خطوات قليلة متوجهًا نحو إحدى العربات المُزينة بالقرب منهم، ليبتاع لها الفشار...
---...............................
وفي ناحية أخرى، توقّفت المرأتان بجوار عربة الحلوى، لتُعلّق مزيونة بخجل ضاحكة أيضًا:
ـ أما إنتي عقلك صغير يا منى! هنمشي إزاي باللي اشتريناه ده يا وَلِيّة؟
تبسمت الأخيرة بتصميم وهي تمسك عددًا من الأكياس المُنتفخة بداخلها الحلوى:
ـ اللي يعرف أبويا يروح يقوله، كُلي يا بُت واتمتعي، يا فقريّة! مش كل يوم هنلاجي فسحة ولا نشم هوا بعيد عن الضغوط.
ـ ضغوط إيه؟ سألتها ببراءة، لتُجيبها الأخرى بمغزى:
ـ الضغوط وأبو الضغوط! ده أنا مصدّجت إني أتخلّى عنهم النهاردة، يا ساتر! بحسد السناجل والنعمة.
فهمت مزيونة إلى ما ترمي إليه، عن زوجها والأطفال، لتُغرقها كعادتها في نوبة من الضحك ، فتنسي اتزانها المُعتاد، حتى تفاجأت بمن ظهر أمامها من العدم:
ـ ما شاء الله عليكم، ساحة المرماح نوّرت بيكم.
ضحكت منى تستقبل أخاها بكلمات مفهومة إليه:
ـ عارفين يا واد أبوي، خليها تنوّر وتزهزه، هو إحنا جليلين؟
ـ لا طبعًا يا ست منى، كِد كلامك. عاملة إيه يا ست مزيونة؟
تبسمت تُجيبه بخجل طغى على ملامحها، حتى تورّدت له وجنتاها، وكأنها فتاة في عمر المراهقة، لم تنجب أو تتزوج من الأساس، رغم حرصها الدائم على إخفاء مشاعرها:
ـ زينة يا أبو ريان، الله يبارك فيك... صحيح هو فين ريان؟ أومأ لها بسعادة نحو مجموعة من الأطفال تلعب بالقرب منهم، ينادي مصدر حظه وقُربه منها طوال الأيام الفائتة:
ـ واد يا ريان، تعالَ هنا سلّم على عمتك وعلي الست مزيونة.
......................
عاد معاذ مُحمّلًا لها بمجموعة أشياء أخرى، يُشير لها كي تفتح كفّيها، بتصميم جعلها تَكتم ضحكاتها بصعوبة حتى لا تلفت الأنظار نحوها في هذا الزحام الصاخب، وهي تتلقى منه قطع البطاطا الساخنة المُغلفة، والمثلجات أيضًا، لتُردّد بغبطة:
ـ كفاية يا مجنون! مرة فشار، مرة هريسة، ودلوك بطاطا وآيس كريم؟ والاتنين عكس بعض! عايز تبوّظلي سناني يا معاذ؟
ـ بعد الشر على سِنّانك يا حبّة القلب. قالها وهو يُخرج من جيب جلبابه قطعة شوكولاتة أخرى مشددًا:
ـ كُليهم ولا وزّعي على البنات أصحابك، المهم تاخدي كل اللي ادهولِك. أنا عايز اليوم ده يفضل مُعلّم معاكي العمر كله. وده اللي أجدر عليه دلوك، لكن لو عليّا، لا أخليكي تلعبي على كل المراجيح واللعب. بس بسيطة، بعد الجواز نعمل كل اللي نفسنا فيه.
قال الأخيرة بغمزة أربكتها، لكنها كعادتها لا تُعطيه فرصة الاستمتاع بخجلها، لتعقّب بعبوسٍ مُصطنع:
ـ أُممم... ماشي يا خفيف. عدّيني بقى، خلّيني أرجع للبنات عشان نروح، دول على آخرهم أصلًا.
قالتها ليَلتف نحو الفتاتين، وقد اعتلي علي ملامحهما القلق، لتُومئ إحداهما لها نحو ذلك الشاب المُتربّص في جهة قريبة منهن. وما إن التقط نظرتها نحوه، حتى افترّ فمه بابتسامة غامضة وتلميح غير مريح، فانتبه إليه معاذ وسألها:
ـ مين اللطّخ ده؟
ارتبكت في لحظتها، ولم يُسعفها الوقت في البحث عن إجابة، وقد تكفّلت بها نسرين صديقتها، التي وصلها السؤال لترد بعفويتها:
ـ دا واحد بيعاكس. من ساعة ما دخلنا أرض المرماح، وعينه مش سايبة واحدة فينا... وخصوصًا ليلى.
سمع منها، واحمرّت عيناه فجأة بوميضٍ مُخيف، مرددًا:
ـ عينه مش سايبة واحدة فيكم، وخصوصًا ليلى؟ يعني الواد ده بيعاكسك يا ليلى؟
لم ينتظر ردًا على سؤاله، وتوجّه نحو الفتى يهمّ بتأديبه، مغمغمًا بشر:
ـ ده ليلة أمه مش معدّية النهاردة!
ـ استنى يا معاذ، ملناش دعوة بيه! قالتها في محاولة لإثنائه، فكان رده أن دفع يدها عنه، متوجهًا نحو هذا الشاب السمج، والذي وقف ينتظره مُتحفزًا، ليرد على أسئلته بوقاحة كما يبدو، أمام أنظار الفتيات.
وجاء الرد سريعًا من معاذ، ليسارع بتلقينه درسًا لن ينساه، ولم يكن الشاب ضعيفًا ليتلقّى الضرب دون رد، وكانت النتيجة معركة حامية التف نحوها عدد غفير من الرجال والشباب، حتى وصل الخبر إلى حمزة ومن معه، فجاؤوا مُهرولين لاستكشاف الأمر، لتتفاجأ مزيونة بموقع ابنتها المُميز بالقرب من الشجار، وهي تبكي خوفًا وفزعًا من مشهد العراك أمامها.
تدخّل حمزة بصرامة، ليرفع شقيقه عن ذلك الغريب قبل أن يُزهق روحه، والذي ما إن خرج صوته، صرخ بعلو، قاصدًا افتعال فضيحة:
ـ طب إنت مالك يا بارد؟ أبصلها ولا أعاكسها حتى؟ ولا هي حلوة ليك وعفشة لغيرك؟
غلى الدم في عروق معاذ، حتى لم يترك الفرصة لشقيقه أن يرد بقسوة، فجاء رده مدفوعًا لحفظ كرامتها ومسؤوليته نحوها:
ـ مالي؟! إنها خطيبتي يا حيوان! يعني اللي يتجرأ عليها، أجطع سيرته من الدنيا كلها!
سمعت مزيونة، لتُذهل ببصرها نحوه، ونحو ابنتها التي صُعقت بحضورها، لتتمتم لها بصدمة وتساؤل موجع:
ـ خطيبته؟!
....يتبع
رواية لأجلها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الخامس عشر
قد تظنّ أن بيدك الأمر، وأنك قادر على صدّ الشعور وتقييد القلب، لكنّ الحب لا يُهزم...فمهما رتّبتَ شروطك، ورسمتَ خطوطك الحمراء، سيأتي يومٌ تُجبر فيه أن تقف وجهًا لوجه أمام أحلامك، بل وأمام كل ما كنت تظنه "ثوابتك".عندها... لن يكون السؤال: "ماذا تريد؟"بل: "ماذا تختار؟"والاختيار دائمًا..... يكشفك____________________________
توقفت سيارة الأجرة بالقرب من المشفى الجامعي، ليترجل منها وصفي وولده الأكبر حازم، الذي كان يحمل عددًا من الأكياس البلاستيكية، تحوي بداخلها ملابس ومتعلقات شخصية بالإضافة إلى علب العصائر والطعام أيضًا، بينما يحث والده المتعب على السير:
ـ ياللا يا بوي، هم شوية، هما خطوتين ونبجي في المستشفى، وهنركب الأسانسير نطلع بيه عند الجماعة.
خرج صوت وصفي بتأوّه:
ـ وهما خطوتين للمستشفى، ولا الوصول للأسانسير نفسه، حاجة هينة على راجل جسمه مهدود من سهر الليالي في الحراسة... ياللا بقى، الحمد لله، كله عشان خاطر ليلى وأم ليلى.
ردد من خلفه بتمنٍّ:
ـ ربي يشفيها يا رب، أنا مش عارف بس إيه اللي صابها ده! على رأي أمي، تجولش عين وصابتها... ربنا يجازيهم ولاد الحرام...
لم يعلّق وصفي، فرغم أنه لا يعرف الحقيقة كاملة، إلا أن الشك ينهش قلبه بشأن السبب الحقيقي وراء استمرار مرض ليلى حتى الآن، رغم مرور أكثر من خمسة عشر يومًا دون تحسن يُذكر. وما يزيد من ألمه حال شقيقته الوحيدة، التي أعادته حالتها إلى تلك الذكريات السوداء التي عاشها بعد زواجها من عرفان.
ـ أبو حازم.
أتى الصوت الرجولي المميز بالنداء من خلفه، ليجعله يلتفت ومعه ابنه نحو هذا الرجل الذي لا يفوّت يومًا دون زيارة، وتسهيل الأمور العديدة عليهم في احتجاز الصغيرة.
اقترب حمزة يصافحهم بعجالة قبل أن يواصل طريقه معهما:
ـ إيه الأخبار؟ شكلكم توكم واصلين. أنا كمان حاسس نفسي اتأخرت النهاردة. محدش طمّنكم عن ليلى؟
السؤال المعتاد منه، وكأن وصفي يعلم أكثر منه بخصوص الحالة التي لا يدّخر هو جهدًا في رعايتها والإلمام بكل تفاصيل مرضها الغريب، من الأطباء الذين يأتي بهم يوميًا. لكن المقصود هنا، والذي لا يغفل عنه الآخر، هو "مزيونة"، وما تحمله من تغيّر واضح تجاهه، رغم إنقاذه لابنتها حين أقلّها سريعًا إلى المشفى قبل أن تسوء حالتها كما أخبرهم الأطباء.
ـ هنشوفها دلوقتي يا أبو ريان، نسأل الله الشفاء التام لها.
................................
أما في المشفى، وداخل الحجرة التي أصبحت مأواهم منذ أكثر من خمسة عشر يومًا، كانت مزيونة تمسك بعلبة الأرز، تغرف منها بالملعقة ثم ترفعها إلى فمها، لتحاول الأخرى التناول منها قدر ما تستطيع. تمضغ بصعوبة، ثم تأتي الصعوبة الأكبر في ابتلاعه، الذي لا يتم في معظم الأوقات إلا بتجرع الماء. حتى إذا فقدت قدرتها على المواصلة، أبعدت الطبق بيدها، مما أثار استياء مستمرًا من والدتها:
ـ وبعدين؟ انتي حتى مخلصتيش رُبعه، ده غير اللحمة اللي بترجع زي ما هي! ساعدي نفسك وساعديني يا ليلى، عشان ربنا ياخد بيدك وتجومي على حيلك.
هتفت بها مزيونة كصرخة قهر علّها تصل إليها وتستجيب، ولكن كالمعتاد، جاء الرد برجاء المهزوم الفاقد لإرادة المقاومة:
ـ مش جادرة والله يا أمي، أنا بمنع نفسي بصعوبة إني مرجعش، وبغصب على نفسي أبلع، حتى الوكل حاسة بيه زي الحجارة في حلقي...
تركت مزيونة الطبق من يدها بعنف، لتنهض من جوارها هاربة نحو الشرفة، كي تفرغ همها بالدموع والبكاء. كم واجهت من مصاعب ومصائب تكسر الظهر، واجهتها بضعف أو بقوة، لكن في النهايات انتصرت، وعززت من شخصيتها حتى أصبحت على تلك الحالة... كل ذلك من أجلها؛ تلك المستلقية على سريرها الطبي الآن.
مرّ أكثر من أسبوعين منذ احتجازها داخل تلك الحجرة اللعينة لرعايتها، دون تقدم في حالتها سوى بخفض الحرارة التي كادت أن تقتلها. أما باقي الأعراض، فلا شيء واضح رغم حيرة الأطباء أمام حالتها: وهن شديد، مع بعض الأعراض الأخرى، يلازمه فقدان شهية جعلها تفقد أكثر من نصف وزنها، لتدخل الحسرة قلب والدتها كلما تطلعت إليها.
تتساءل: هل أخطأت حين أجبرتها على الالتفات لمستقبلها فقط؟ حتى لو كانت بالفعل أمًّا متسلطة، هل كان حزمها في اتخاذ قرارات مضادة لرغبة ابنتها سوى من أجل مصلحتها؟ كي لا تكرر تجربتها المريرة؟!
فاقت من شرودها على بعض الأصوات التي بدأت تصلها من داخل الغرفة عند ابنتها، لتجفف بطرف يدها تلك الدموع العالقة على وجنتيها، ثم سحبت كمًّا كبيرًا من الهواء حتى تهدأ من وتيرة أنفاسها الغاضبة، ثم دخلت لمقابلة شقيقها الذي كان يحتضن ابنتها في هذا الوقت، يناجيها بحنوه كالعادة، وبجواره حازم ابنه يضع الأكياس على الأرض، وعلى مسافة ليست بالبعيدة وقف هذا الرجل، الذي لم يتركهم منذ أول يوم أقلّهم فيه إلى المشفى، ليظل متابعًا لهم باهتمامه ورعايته.
استقبل رؤيتها بلهفة، ثم ألقى التحية عليها، فأجابته بروتينية كعادتها، ليدور بينهما حديث يومي سريع بالنظرات، ما بين اشتياق ورجاء تقابله هي بعتب وحزن، قبل أن تهرب بعينيها عنه، لتتابع لقاء البقية:
ـ يا حبيبة خالك انتي، جومي يا بِت، مشتاچتيش لدروسك ولا لمدرستك؟
سمعت مزيونة، لتقلب عينيها مغمغمة بيأس:
ـ مدرسة إيه عاد؟ دا شكل السنة هتروح عليها.
اقترب منها حازم، ابن شقيقها، يضمها من كتفيها بمزاح يعارضها:
ـ لاه، هتروج يا مزيونة، وتبقي عال العال. بطلي انتي التشاؤم دا وفُكّي كده... فُكّي يا ولية انتي باه.
تبسمت بخفة، مستجيبة لمزاحه، تربت على ساعده بامتنان، أثار غيرة الآخر حتى التفت مصرفًا بصره عنهما، متوجهًا نحو ليلى بحديثه اليومي عن صحتها:
ـ الدكتور طمّني، وجالي التحاليل زينة يا ست البنات، غيرش بس شوية مشاكل بسيطة بس... شدي حيلك وانسي المستشفى والمرض.
أومأت ليلى بابتسامة ضعيفة، ارتسمت على ملامحها الشاحبة، ورددت بما أصبح بفمها كالعلكة:
ـ إن شاء الله... ربنا كريم.
الفتاة مستسلمة لتعب جسماني سببه نفسي واضح أمامه، وأمام تلك التي تطالعه الآن بنظرات اتهام. ماذا بيده؟ وقد أوضح لها عدة مرات أن عشق ابنتها لشقيقه لم يكن ليأتي أبدًا إلا برغبة حقيقية من الفتاة.
حتى وإن كان عشق مراهقة أو إعجابًا أو انبهارًا، ماذا سنخسر إن عاش الاثنان التجربة بارتباط صغير، أو حتى وعد بالزواج؟ متى ترأف به وترحمه... قبل الاثنين.
في منزل حماد القناوي صعدت حسنية إلى الطابق الثاني تبحث عن زوجة ابنها، التي كانت جالسة على الأرض في وسط صالة منزلها، تمشط شعر ابنتها بعد أن حمّمتها. لتفاجأ بالمرأة تدلف إليها وهي بهيئة الخروج أثناء مناداتها:
– هالة يا بتي، عايزاكي تنزلي تحت وتسيبي شقتك دلوك، عشان البيت ما يبقاش فاضي.
ردّت هالة باستغراب وهي تتأملها بتلك العباءة السوداء الفاخرة وخمارها:
– والبيت يفضى ليه؟ هو إنتي طالعة؟
أومأت تجيبها وهي تُعدّل من خمارها الذي انفك فجأة:
– إيوه يا هالة، منصور جوز بتي هيعدّي عليّا دلوك بعربيته وياخدني معاه على المحافظة نزور البنيّة العيّانة.
صاحت، لتجفل ابنتها من صوتها:
– خبر إيه؟ هو إنتوا ما عندكوش شغلانة غيرها المحروسة العيانة دي؟ دي عاشر مرة تزوروها في خمسطاشر يوم! ما تحجزوا أوضة جمبيها أوفر.
حدجتها حسنية باستياء وهي تنهرها:
– أعوذ بالله منك ومن فالك! دا كلام برضو يطلع من واحدة كبيرة زيك؟
تراجعت هالة عن حدّتها، مبتلعة ريقها بحرج، في محاولة منها للتلطيف:
– أنا ما جصديش حاجة عفشة والله، ألف بعد الشر عليكم كلكم... أنا بس مضايجة عليكم، مِجطّعين نفسكم في الروحة والجيّة عليها، والبت دي وأمها رفضوا معاذ بكل جبروت، وكأن اللي خلق بتها ما خلجش غيرها! طب ورقدتلها في الخط، لا تعليم ولا جواز... يا كش تفرح بجعدتها جمبيها!
تقلصت ملامح حسنية بضيق واضح، لتتراجع في طريقها للخروج مرددة:
– أعوووذ بالله منك ومن لسانك... وعنك ما نزلتي خالص! خلّيكِ مرزوعة مكانك... يا ستير!
تطلعت هالة في أثرها بغيظ شديد، تضرب بالمشط على الأرض، قبل أن تجذب ابنتها بعنف نحوها:
– آه دراعي يا مّه!
– بس يا بتي خليني أسرّحلك شعرك الزفت المعجّد ده!____________________داخل محبسه حيث اللقاء الأول منذ احتجازه بينه وبين زوجته "صفا"، التي أتت بكدماتها التي لم تشفَ إلا نسبيًا، لكن على الأقل بدأت ملامح وجهها تظهر، تحت الشال الذي يُخفي إصابة الرأس والأربطة الطبية، والذراع الذي لم يلتئم كسره بعد، تلفّه بجبيرة مثبتة إلى صدرها داخل الحامل الطبي الذي يلتفّ حول عنقها.
جاءت بهيئتها المُزرية تلك بقصد مكشوف لاستعطافه، ورسم ملامح المسكنة لعلّه يرأف بها ويصفو، وحتى لا ينتقم منها إن تابعت إجراءات القضية التي كانت على وشك رفعها ضده، لكنها عادت إلى عقلها أخيرًا وتنازلت.
أما هو، فقد شملها بنظرة فاحصة قبل أن يبادرها بسخريته:
– كل ده من ضربتين وكام لوكامية على كام جلم؟ أمال لو كنت فشيت غلي للآخر، كنتي رقدتي في القبر على كده؟
وختم بضحكةٍ ارتجفت لها أطرافها، لترد عليه بتهكمٍ خافت:
– عشان تعرف إن يدك كانت تقيلة عليّ، لكن أنا برضو عملت بأصلي وجيتلك أهو أطمن عليك، عشان إنت واد خالتي وأبو ولادي.
–
«لا، وانتي الصادقة... دا عشان عارفة اللي مستنيكي، عارفة إني حتى لو خدت حكم في قضية ضربك ولا تكسيرك، آخرهم كام شهر ولا سنة ولا سنتين، وفي الآخر هطلع وأزودهم أضعاف عليكي، ويمكن آخد روحك بيدي كمان».
ابتعلت ريقها بصعوبة بعد تهديده الصريح، لتردد بمظلومية: «كمان روحي يا عرفان! ليه يا بوي؟ أنا عملت إيه لدا كله؟ طب افتكر إني أم عيالك، مرتك اللي قضيت معاها عشرة سنين! منظري ده وأنا مدشدشة مخلّكش تشفق عليّ ولا حنن جلبك؟»
لع قالها بلهجة تشفٍّ، ليكمل بمزيد من التجبر: «بصراحة؟ لا شفقت ولا قلبي حن. بالعكس، دا أنا حاسس دلوك بانتعاش... هون عليا أيام السجن اللي فاتت كلها! وأحسنلك تجومي حالًا دلوك قبل ما أتبع شيطاني اللي بيوزّني أجوم أكمل سعادتي وأنفضك بعلقة جديدة تستاهليها!»
انتفضت صفا ناهضة من محلها برعب، حين أبصرته يتحرك من على الكرسي الذي كان جالسًا عليه واستقام واقفًا. هرولت من أمامه مغادرة، فجلجت ضحكاته من خلفها حتى أدمعت عينيه. وما إن توقفت، غمغم في أثرها بحسرة قبل أن يأتي رجل الأمن ويسحبه لمقره في المحبس: «يعني اللي عايزها وسايق عليها خلق الله عشان تاجي تشوفني مش معبراني! والبومة اللي مكسّرة ومدشدشة برضو جاية تزحف لاجل تنول رضايا...»
---
في ركن جانبي داخل المشفى، كانت جالسة بجوار شقيقها الذي غلبته الحيرة حتى سألها: «وبعدين معاكي يا بت أبوي؟ أنا لحد دلوك مش راسي معاكي على بر! كلام الناس كلها حواليا يأكد إنه خطيبها، وانتي تجولي مفيش حاجة! طب لما هو كده، الواد نفسه أعلنها جدّام الناس ليه؟»
زفرت مزيونة، ودارت مقلتيها بسأم، لتعود لنفس الإجابة التي لا تكذب فيها: «لاه يا وصفي، وجولتها وهجولها تاني، معاذ أعلن كده في أرض المرماح من دماغه، لما حاش عن البنت وأصحابها الواد اللي كان بيعاكسهم، هو غلط، وأنا رفضته للمرة التانية. وأدي البت عيانة!»
سألها مستدركًا مقصدها: «يعني هو ده سبب عيا البت يا مزيونة؟ طب ما إن كانت عايزاه، ما توافقي وخلاص يا بت أبوي؟ هي أول واحدة اتخطبت ولا اتجوزت وهي بتتعلم؟ مع إني كنت أتمناها لحازم ولدي، بس دا طريجه طويل على ما يتخرج من الجامعة ويشتغل...»
حدّقت به صامتة، بقهر وتعب... بماذا ترد وقد فقدت كل أسلحتها في المقاومة؟ يحدثها عن حازم، وهو من كانت تضعه نصب عينيها الزوج المناسب لابنتها؛ صغير مثلها، يكبران معًا، ويبدآن طريقهما سويًا... لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فابنتها العزيزة لا تراه إلا أخًا.
---
«مزيونة!» جاء الصوت لينتشلها من شرودها، وكان نداءً باسمها من صديقتها الأقرب الآن، منى، التي لم تتركها منذ مرض ابنتها، ولم تقصر يومًا في السؤال والاهتمام. كانت قادمة نحوها بجانب والدتها، وخلفهما رجل وقور، عرفت قريبًا أنه زوجها.
---
بعد قليل، وداخل غرفة ليلى، كانت منى تُعرفها لأول مرة على زوجها، مدرسها للعربي في الصف الخامس الابتدائي.
قالت منى ممازحة: «جولي يا ليلى، لو ضربك! حاكم أنا عارفاه، دا يده تقيلة، واسأليني أنا عليه!»
تبسمت ليلى، مستجيبة لمزاحها، ليأتي النفي من منصور زوجها بابتسامة هادئة: «ليلى كانت شاطرة أصلًا في الدراسة. العصاية دي كانت تخوف البليد والمتكاسل، أو اللي بيرغي كتير في الفصل، يا ست منى... أظن أنتي عارفة أنا أقصد مين بالأخيرة؟»
شهقت منى مرددة باستنكار: «شوف الراجل فاكرهالي من إمتى؟ أهو دا عيب اللي تاخد واحد كان بيدرّسلها!»
ضحكت ليلى هذه المرة، ليأتي تعقيبها بفضول نحو هذا الثنائي الجميل: «يعني حضرتك فعلًا كنت مدرسها؟»
تكفلت منى بالإجابة بحماس: «أيوة يا جلبي، كان هو متخرج جديد، ومتعين في المدرسة اللي اتبنت جديد عندينا. ساعتها كان فيه مدرستين ابتدائي في البلد، واحدة في النجع البحري – دي اللي عندكم واتعلمت فيها أمك – وواحدة في النجع الجبلي، دي اللي اتعلمت فيها أنا وعيالي. صاحبنا بقي كان واد عمي ومن عيلتي، بس والله ما عرفته ولا عرفني غير لما درّسلي!»
أضاف هو بابتهاج أشرق بملامحه: «كانت رغاية ومبتسمعش الكلام! أجولها يمين، تجيلي شمال! كل العيال تسمع الكلام إلا هي! كانت غايظاني بصراحة، منكرش!»
«آه، عشان كده فضلت حاططني في مخك لحد ما خدت الدبلوم، من حظي الحلو!» قالتها منى، فانطلقت ضحكات الجميع، حتى زوجها الذي أومأ مقرًا دون تردد، واستمر السجال الجميل بينهما، أمام ليلى التي لم تتوقف عن الضحك بسببهما.
أما والدتها، فكانت تتابعها بتأمل من الجانب الآخر، حتى قطعت عليها حسنية، الجالسة بجوارها، بقولها:
«مش قصدي أزعلك ولا أضغط عليكي، بس لازم تعرفي إن معاذ، ولدي، في كل اتصال بينا، بيسأل عليكي وعلى ليلى. وإحنا بنقوله: كويسين! محدش فينا، لحد دلوك، جاب له سيرة، بناءً على أمر حمزة ولدي. هيفضل الود ما بينا حتى لو مفيش نصيب يا بتي.»
طالعتها مزيونة بامتنان، رغم تشتتها في تحديد القرار الآن، بعد أن كانت محددة وجهتها منذ البداية...________________
صدقت حسنية ولم تكذب بقولها، لكنها لم تكن تعلم أن ابنها على حدود المحافظة الآن، عائدًا بالقطار من القاهرة. قلبه، الذي كان يخبره بشيء غير مريح، جعله في تساؤل دائم مع كل من يتحدث معه، حتى أتى إلحاحه بالفائدة، مع أحدهم، ليقر له بالحقيقة وما حدث أثناء غيابه. فحزم حقائبه، مستقلًا أول قطار وجده أمامه، حتى لو كان درجة ثالثة غير مريحة على الإطلاق...________________
"إنت يا خليفة اللي تجوله ،أنت ياخليفة؟!" صرخ بها حمزة في وجه شقيقه الذي أصر على موقفه مرددًا:
"أيوه أنا يا حمزة، ليه نخبّي عليه من الأساس؟ وإيه الفايدة أصلًا؟"
ضرب الأخير كفًا بكف صارخًا به:
"عشان مينفعش! وعشان ما تتعجدش أكتر ما هي متعجدة. أخوك مجنون، والبِتّ أمها شايفانا إحنا السبب في عياها. مش عايزين نزود، خليها تخف وتعيش، وهو يثبت نفسه في شغله، وعلى ما ربنا يعدلهالهم هما الاتنين."
"ولو ما حصلش؟"
"يعني إيه؟"
"يعني إنت عارف وأنا عارف يا حمزة، سبب عيا البت. وأخوك نفسه مش مستريح. طول الأسبوعين اللي فاتوا وهو ولا علي حامي ولا على بارد، مش عارف يكيّف نفسه. لموهم على بعض وخلّصوا."
"وهو بخاطري!" صرخ حمزة في وجهه، ليردف بحنق مضاعف:
"ما هو كان على يدك! وشفت أنا حاولت أساعده، لأني عارف كد إيه هو مندفع، لكن مشاعره صادقة. بس أمها مش عايزة، نغصبها يعني؟"
رقّق خليفة من لهجته كي يهدّئ من وتيرة الانفعال بينهما:
"طب اهدي يا حمزة وبلاش العصبية دي، عشان أخوك كان هيعرف هيعرف، إن مكنش مني ولا منك، يبجى من صحابه على الأقل. وإن كان على أمها، أكيد يعني جلبها مش هيطاوعها على الرفض أكتر من كده. دي مهما كان برضو أمها."
تنهد حمزة بتعب، يشد بأنامله على شعر رأسه من الخلف بعنف. لا شيء مما يحدث أمامه يبشّر بانفراجة. يتمنى لو يستيقظ من النوم ويرى كل الأمور حوله تسير بيسر ودون تعقيد؛ يرتبط معاذ بخطبة ليلى حتى تكمل تعليمها، ثم يتزوجها، ويجد هو فرصته في التقرب من تلك العنيدة... والدتها.
"طب ما جولتليش، كان رد فعله إيه على الخبر؟"
"هو مين؟"
"أخوك يا خليفة، كان رده إيه بعد ما جولتله عن مرض ليلى؟"
"ما هو جفل السكة في وشي بعد ما صرخ وبهدل الدنيا."
"وبعدين؟"
"ولا جَبّلين يا سيدي، خد شنطته وركب الجطر، ودلوك زمانه على وصول، إن مكنش دخل المحافظة أصلًا."
كاد حمزة أن يُصاب بجلطة متعددة الأهداف، لا يصدق السهولة التي تحدّث بها شقيقه، يطالعه فاقد النطق للحظات، قبل أن يتمالك نفسه أخيرًا ليصرخ به:
"الله يخرب مطنك! وإنت عارف كده وجاي دلوك تقولي؟ جاي دلوك تقولي يا خليفة؟"
"دلوك ولا بعدين؟ ما هو كده كده جاي. لما ياجي، إبجى إنت كلمه وعقّله." ردّد بها خليفة بدهشة، قبل أن يواجه بعاصفة حمزة الذي صار يلملم متعلقاته كي يذهب:
"مش لما ألحقه الأول! ألحقه قبل ما يعمل المصيبة! جاعد إنت وحاطط يدك في الميّة الباردة! مصدق إنه هينزل على هنا الأول يا خليفة؟"
"أمال هينزل على فين؟ هو ليه بيوت غير بيتنا؟" اكتفى حمزة بتوجيه نظرة نارية نحوه، ولم يكلّف نفسه بالإجابة عن التساؤل العفوي الذي صدر منه، ليتّخذ طريقه نحو الخروج مباشرة كي يلحق بالآخر قبل أن يفعل مصيبة جديدة ويزيد من تعقيد الأمور... المعقدة من الأساس.
عودة إلى المشفى التي دلف إليها العائد من سفره، وقد تَكفَّل برمي حقيبته داخل إحدى سيارات الأجرة، ومنح سائقها بعض النقود كي يوصلها إلى منزل عائلته في البلدة، ليتجه بخطواته السريعة نحو موظفة الاستقبال ليسألها عن الحالة التي يقصدها، ثم يصعد مباشرة إلى طابقها.
يعلم أنه قد ألغى التفكير أو الحرص من قاموسه الآن؛ تحركه فقط الرغبة في الاطمئنان عليها، حتى لو تلقّى السباب من مزيونة أو كلفت الأمن بطرده، لن يتوانى عن تحقيق هدفه برؤيتها. يكفي أسبوعين من العلقم قد تجرعهم في البعد عنها. هل كان يتصور أن يأتي الوقت ويعشق بهذا العنف؟ أو أن يقضي في بعدها أسوأ أيامه؟ لم يتخيل أبدًا أن يحدث ذلك.
حبيبة قلبه مريضة منذ سفره وهو في غفلة الانشغال بعمله في العاصمة، فعلى من يُلقي الذنب؟ على نفسه؟ أم على من أخفوا عنه ظروف مرضها؟ فليترك التفكير في ذلك لوقت لاحق.
وصل إلى الغرفة التي كان بابها مفتوحًا، وبدا أنها فارغة من الجميع، حتى والدتها. حمد الله لغيابها في هذه اللحظة، لينقل بصره نحو تلك المستلقية على السرير الطبي، وقد كانت غافية كما يرى.
يتأمل ملامحها الشاحبة، ورد الوجنتين الذي اختفى وحل محله صفار ملحوظ، وزنها الظاهر للأعمى أنها فقدت منه الكثير. ماذا حل بصغيرته لتصبح على تلك الحالة؟
لم تعد لقدميه قدرة على حمله، فسقط بثقله على الأرض بجوارها، وتمسك بيديه الاثنتين بسريرها، ودفن رأسه في الفراش، يطلق العنان لدموعه ببكاء مكتوم صار يهتز له جسده. الذنب عليه أم على من تسبب بفراقهما؟!
اهتزاز بكائه الشديد أتى بأثره عليها، فاستيقظت من غفوتها الصغيرة، تفتح أجفانها للنور، فتُصدم بشبحه أمامها، شعر رأسه شديد السواد هو المواجه لها فقط. تخيلت في البداية أنه محض حلم لا أكثر، قبل أن تعي حالته وذلك البكاء المتواصل بحرقة مكتومة. هل يُعقل أنه علم وحقيقة، وأن حبيبها عاد إليها؟
"معاذ؟" جاء صوتها كإشارة تنبيه تلقفها بلهفة، ليرفع رأسه على الفور إليها، ويقابل وجهها الجميل أمامه وقد أشرق قليلًا يستعيد بعضًا من رونقه، وهي تردد بعدم استيعاب:
"معجول؟ إنت رجعت فعلاً من سفرك ولا أنا بحلم؟" فسارع بالتأكيد إليها:
"لاه يا حبة القلب، والله ما بتحلمي، أنا جدامك، اها، بشحمي ولحمي، جيتلك أول ما عرفت إنك مريضة، لو أعرف من الأول ما كنتش صبرت يوم. سامحيني يا ليلى، سامحيني يا حبيبتي."
صار يردف آخر كلماته بندم جلي، ودموعه تواصل هطولها بحرقة أجبرتها على التساؤل:
"أسامحك على إيه يا معاذ؟ هو إنت عمرك أذيتني؟ ده أنا ما شفتش الفرحة غير على يدك."
ضرب بكفيه صفحة وجهه بندم معقبًا لها بصوت مبحوح:
"ما هو ده اللي عايزك تسامحيني عليه! ربنا يعلم إن كل فعل مني كان بعفوية ومن جوا جلبي، شكلي أذيتك فعلاً لما خليتك تبادليني نفس الشعور، ياريتني فضلت كاتم على إحساسي. كل اللي حصلك ده بسببي، أنا شكلي بقيت لعنة عليكي. ياريتني ما قربت منك أساسًا."
صمتت قليلاً حتى عبرت عما يختلج داخلها، متخلية عن حذرها الدائم:
"وحتى إن فضلت كاتم على إحساسك برضه كان هيوصلني. من أول مرة شوفتك فيها، حسيت إني أعرفك من زمان، وحتى وأنا بتعارك معاك على الأسوِرة، لو تفتكر، كان عقلي بيتوه وتركيزي معاه، وأنا بسأل نفسي أنا شوفتك فين قبل كده؟ وفضل السؤال يلح عليا كل مرة أُجابلك، لدرجة خليتني أقرأ وأبحث عن الحاجة دي، وعرفت إنها تألّف أرواح. روحي اتعلقت بيك من قبل ما تنطجها يا معاذ. وفرحتي بقربك هي الحاجة الوحيدة اللي خلتني أحس إني حيّة. فرحة خالصة ليا، مش بشهادة ولا حاجة حلوة أعملها لأمي وأفرح بفرحتها ليا. الفرحة اللي حسيتها انطفت وطفت عمري معاها في اليوم اللي ودعتني فيه وسافرت. سبتني ليه يا معاذ؟ هانت عليك ليلى؟"
سقطت في الأخيرة دمعتها لتأخذ دورها في البكاء مثله، فيسارع هو بطمأنتها ورجاءه في الصفح عنه، غافلين عمن وقفت على مدخل الباب منذ لحظات واستمتعت لمعظم الحديث، تحمل في يدها زجاجة المياه المعدنية وعددًا من قطع الشوكولاتة التي ابتاعتها من المتجر القريب من المشفى، من أجل أن تفرحها وتنسيها بطعمهم طعام المشفى وأجوائه، لتأتي الآن وتفاجأ بحضور المتسبب الأساسي في مرض ابنتها، والتي فاجأتها بحديثها اليوم، وجعلتها تشعر بحماقة الحرب التي تخوضها وعدم جديتها، فتراجعت بأسف مرتدة إلى الخلف، متهدلة الأكتاف بإحباط ويأس.
تركت الطابق، وتركت المبنى بأكمله، لتخرج إلى حديقة المشفى. سارت حتى وصلت إلى أسفل المظلة التي خُصصت لحماية الزائرين من أشعة الشمس أثناء انتظارهم.
كان عدد الحضور قليلًا في هذا الوقت من العصر، وقد قاربت الشمس على الغروب. وصلت إلى إحدى الأرائك لتسقط بثقلها عليها، وتسقط معها زجاجة الماء وقطع الشوكولاتة على الأرض.
هل كانت مخطئة حين عاشت حلمها في ابنتها؟ أن تحقق ما لم تحققه هي؟ أن تحيا الحياة التي لم تحيَها هي يومًا؟ لقد قاومت كل شيء من أجلها: ظلم عرفان، كيد صفا، وتهميشها كأنها غير موجودة. ضحت، وما زالت مستعدة للمزيد... أما هي؟ يبدو أنها وجدت من يستحق عنها...
وعند مدخل المشفى، دلف بسيارته ليصطفها في المكان المخصص، ثم هرول بخطوات سريعة، يريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن تأكد من وجود شقيقه داخل المشفى الآن، كما أخبره السائق الذي ذهب إليهم بالحقيبة.
يتمتم بالأدعية ألا يكون قد تسبب لهم بفضيحة؛ فمزيونة العنيدة لن تسكت، ولن يهمها شيء، كما أصبح يعرف عن شخصيتها و.....
توقف عند هذا الخاطر، حين وقعت أبصاره عليها، جالسة في جانب وحدها على إحدى أرائك الانتظار، بعيدة عن البشر، وكأنها في عالمها الخاص.
وبدون تردد، غيّر وجهته متجهًا نحوها، حتى إذا وصل إليها وهي ما زالت لم تشعر به بعد، ألقى التحية حتى تنتبه:
– مساء الخير، جاعدة عندك ليه يا أم ليلى؟
توقف قليلًا حتى أتته استجابتها بنظرة خاوية رفعتها إليه، يتخللها ضعف غريب يراه لأول مرة فيها، وصمت مُحيّر جعله يتساءل بجزع:
– مالك؟... ليلى جرالها حاجة؟ ولا...
– معاذ معاها فوق.
قاطعته بهذه الكلمات، فعلق الحديث في حلقه، وتشتّت قليلًا أمام ثباتها والسهولة التي أخبرته بها بذلك، ثم ابتلع ريقه بتوجس، واتخذ مجلسه على الأريكة بجوارها، لكن بمسافة جيدة، وقال بتوجس:
– غريبة يعني، ولما جاعد فوق، انتي سايباه إزاي لوحده... مع ليلى؟
– عشان هو دخل لوحده مستغل غيابي، ومن غير ما يستأذني.
قالتها وهي تلتفت إليه وتواجهه بقوة أربكته، فانقبض قلبه من القادم، فقال بريبة:
– آه طبعًا، عندك حق. على العموم أنا جاي مخصوص دلوك عشان أسحبه من قفاه وأمنعه ميجيش هنا تاني.
علقت بسخرية:
– ها؟ وبعدين؟
– بعدين إيه؟ ما أنا بجولك هسحبه وأمنعه ما يعتبش هنا تاني.
تمتم بها متسائلًا، فجعلها تكرر بوضوح أكثر:
– "بعدين" تشمل كله، مش بس زيارة المستشفى، ولا حتى زيارة بيتنا.
انتظر قليلًا يستوعب المقصود من كلماتها، حتى استدرك أخيرًا ليسأل بجدية:
– جصدك على إيه بالضبط؟ خطوبة ليلى لمعاذ؟ ما انتي فصلتي في الموضوع برفضك، وإحنا منعنا ولدنا وسافرناه يشتغل بعيد عن البلد والمحافظة كلها، ولو جصدك على جية النهاردة، فأنا بتأسف، وبوعدك إنها غلطة ومش هتتكرر.
وكأنه يتحدث مع نفسه... تلك الحالة التي تتلبسها من الشرود، والنظرة الثابتة، مع الصمت الطويل، تجعله على وشك الجنون من فرط حيرته، حتى كاد أن يصيح بها، لولا أنها قطعته حاسمة:
– بلاش توعد بحاجة، مهما حاولت مش هتعرف تنفذها. لا إنت هتقدر تمنع أخوك، ولا أنا هجدر أشيله من مخها...
هذه النبرة من المكاشفة تنبئ أن هناك المزيد... حسنًا، فلتأخذ فرصتها للتوضيح أكثر:
– معلش يعني، أنا أفهم إيه من كلامك ده؟
عادت مرة أخرى للصمت، ولكن بتفكير متعمق، جعل الكلمات تخرج منها بصعوبة. طرقت برأسها للحظات قليلة، ثم تكلمت دون أن ترفع عينيها إليه:
– في فترة من الفترات، أيام ما كنت متجوزة عرفان، سكنت جمبنا واحدة... اسمها أم هاشم، وده اسمها الحقيقي على فكرة. المهم، الست كانت في الأربعين تقريبًا، جوزها نقل بيهم من البندر للبلد عشان شغله، كان راجل محترم، وعيالها يفرحوا القلب. لما كنت أشوفهم كنت أتحسر، مكدبش عليك. أسرة مثالية زي ما بيقولوا. لكن مع الوقت والعِشرة، بقيت أكتشف الصورة على حقيقتها. الراجل تقريبًا كان جايد صوابعه العشرة ليها، وهي نفسها كانت عارفة كده. لكني عمري ما شفتها مبسوطة، عمري ما شفت في عنيها اللمعة اللي تبين محبتها لجوزها، أو فرحتها بأي حاجة يجيبها. ومع شوية وجت عرفت السبب. اتاري أم هاشم دي كان ليها ابن عم بتحبه، لكن أبوها رفضه بدل المرة كذا مرة، لحد ما فقد الأمل واتجوز غيرها، وهي استسلمت واتجوزت أول حد اتجدم لها بعديه. حظها طلع كويس، واتوفقت بجوازة ناجحة، لكن عقلها طول الوقت رافض الحقيقة. عايشة جوازها في الواقع، إنما في خيالها وقلبها مشالتش ابن عمها، ولا اتخيلت غيره جوزها. والسبب ده كان دايمًا تعبها، ومخليها دايمًا حاسة إنها ست مش كويسة، رغم إن جريمتها ما تتعداش الخيال. ولذلك، طول الوقت كانت جايبة الذنب على أبوها، إنه ظلمها وحرمها من اللي بتحبه...
رفعت رأسها فجأة، مردفة:
– مع إنها كانت ممكن تتجوزه، ومع التجربة تكتشف إنه ميسواش ضفر الراجل اللي متجوزاه.
– جصدك إيه؟
تساءل وقد زاد الشك بداخله، ليأتي ردها ناهضة فجأة من جواره دون أن تريحه:
– أنا رايحة أشوف ليلى، تعال انت كمان عشان تشوف أخوك.
ردد من خلفها:
– أشوف أخويا! هو انتي عايزة إيه بالضبط؟______________________
دلفت إلى داخل المحتجزة بها ابنتها، رافعة رأسها بقوة، مستعيدة بأسها، لتجد الوضع قد تغيّر مئة وثمانين درجة، رغم بقاء معاذ جالسًا على الأرض كما هو، مستندًا بذراعيه إلى التخت، يتحدث مع ابنتها التي اعتدلت في جلستها، بوجه استعاد بعض نضارته، وكأن رؤيته أعادت إلى بشرتها الحياة. كانت تتبسم بخجل مع اندماجه في الحديث، حتى إذا انتبهت لحضورها، أطّل الرعب جليًا على ملامحها، مما ارتدّ بأثره على الآخر، فاعتدل عن جلسته ونهض عن الأرض ليقابلها باعتذار:
آسف لو جيت من غير استئذان، بس أنا بصراحة ملجتكيش.
ولو لجيتني، كنت هتستنى برضو على ما أطلع عشان تبجي تجابلها من ورايا.
قالتها بحدة جعلته يطرق برأسه خزيًا صامتًا، لتطالعه بعتبٍ جعل الدماء تغلي في رأسها، فتلتفت عنه حين دلف الآخر، يُلقي التحية ويصافح شقيقه بنبرة عادية خالية من التأنيب، حتى انتظروا ثلاثتهم عودتها، التي جاءت بتماسك مبهر، قائلة:
على فكرة، أنا ممكن أوافق على الجواز، بس عندي شروط.
أجفل الثلاثة بقولها، حتى استوعب معاذ أولهم، فرحّب مهللًا:
الشروط اللي انتي عايزاها، قولي وانا مستعد أنفذها، ولو همشي على الجمر حتى!
بابتسامة خفيفة ظهرت على زاوية فمها، تنقلت بعينيها نحو ابنتها التي صارت تترقب بشغف هي الأخرى، وقالت:
لا اطمن، أنا مليش في الخيال والكلام الفاضي. شرطي الأول إن ليلى مفيش خلفة غير بعد ما تخلص تعليمها تمامًا، وشهادتها الجامعية تبقى في إيدها.
كادت المفاجأة أن تعصف برأس معاذ، وقد فهم ضمنيًا من كلماتها أنها وافقت على زواج ابنتها قبل انتهاء تعليمها، مما أشعل حماسه ليقر موافقًا على شرطها الأول:
موافق، وأبصم بالثلث كمان، أهم حاجة عندي هي ليلى، الخلفة والعيال إن شاء الله بعد الماجستير والدكتوراه.
تدخل هنا حمزة، الذي يعبث داخله الشك، مخاطبًا شقيقه:
بالراحة يا معاذ، متتهورش بحماسك ده، واستنى شوف الشرط التاني.
تبسمت مزيونة، تأخذ منه الأخيرة:
لا اطمنوا، الشرط التاني مش صعب ولا حاجة، دا يمكن يكون الأحسن كمان عنديكم.
توقفت برهة قبل أن تصعقهم بالآخر:
الشرط التاني إنها هتكمل سنتها عنديكم، يعني الجواز في أقرب وقت.
ينصر دينك!
صرخ بها معاذ بفرحة أوشكت على إصابته بالجنون، لولا انتباهه لتلك النظرة من شقيقه، ثم استفسار ليلى:
أكمل سنتي كيف عنده؟ ما انتي عارفة إني ثانوية عامة وعايزة مجموع!
بحدة ظاهرة، ردت مزيونة:
دا شرطي يا ليلى. مدام شاريكي ومتشجع كده، يتحمل بقى معاكي حرقة الأعصاب والمذاكرة والدروس وكله! مش بيحبك برضو؟ ولا هو معندوش استعداد يتحمل مسؤوليتك؟
جاءها الرد من معاذ:
لا طبعًا، عندي استعداد ونص وتلت أربع كمان! بس دا مينكرش إني زيها مستغرب.
كان حمزة في هذا الوقت في وضع المتفرج، يتابع بتركيز شديد، يستوعب صدمة شروطها، شاعرًا وكأنه فخ تنصبه لشقيقه، وبانت الرؤية حين قالت:
أنا هبجى وضعت ثقتي فيك. كنت قد الثقة دي، والبنت تمكنت تنجح وهي على ذمتك وتجيب المجموع العالي، يبجى تمام وكتر خيرك جوي. أما بجى إنك خنت الثقة دي، وتعمدت إنك تجعدها من المدرسة أو حتى خلتها تهمل في دروسها ومتجبش المتوقع، يبقى أنا أمها، ودا سبب كافي جدًا يخليني أطلّقها منك. ولا إيه يا ليلى؟
سمعت منها الأخيرة، لتتردد لحظات قبل أن تنطق خلفها مؤيدة:
أنا معاكي يا أمي في كل اللي تجولي عليه، ومعاذ أكيد لو بيحبني، يبجى أكيد هو كمان معايا.
أومأت مزيونة برضا نحو الأخير، والذي أخذته حماسيته:
أكيد أنا طبعًا شاريها، وجولتها قبل كده إني مستعد أذاكرلها!
أردفت تلقي عليهم شرطها الأخير، موجهة أبصارها نحو الصامت:
شرطي الأخير، ومن غير زعل، ليلى تتعامل في بيتك زي ما بتتعامل في بيتي. يعني متشلش جشاية، عشان تعرف تفضى للمذاكرة، سواء للثانوي أو الكلية، دا لو وصلنا يعني.
إن شاء الله هنوصل، ولو حصلت، أجيبلها خدامة هعلّمها أكيد.
قالها معاذ باندفاع، منهيًا كل الحديث، فكان رد مزيونة:
لا معلش، الشرط الأخير دا بالذات لازم تاخد رأي الحجة.
خرج حمزة بعدم احتمال، رافضًا التدخل، ليصل إلى أسماعه باقي الحديث:
الحجة معايا إن شاء الله.
برضو شوفها يا معاذ، متزعلش مني، دي رأيها هي الأهم.
... بعد لحظات ليست بالقليلة، خرجت من الغرفة، لتجده منتظرًا قرب إحدى النوافذ الصغيرة المصممة بجدار المبنى، والمطلة على حديقة المشفى.
بعد لحظات ليست بالقليلة، خرجت من الغرفة لتجده منتظرًا قرب إحدى النوافذ الصغيرة التي تطل على حديقة المشفى. كادت أن تتخطاه، لكنه لحق بها وأوقفها:
– نيتك واضحة جوي يا مزيونة، الأعمى يشوفها.
اقتربت منه تواجهه باعتزاز:
– والله لو حاسس إن نيتي مش مظبوطة، يبقى تعجّل أخوك من أولها وتخليه يصرف نظر.
قالتها لتجد تحول كاملًا منه، يسألها بحدّة، واضعًا أبصاره نصب عينيها بقوة، متخليًا عن حذره المعتاد، وقد بلغ غضبه ذروته منها، بعد تلك القنبلة التي ألقتها في وجوههم، فقلبت الوضع رأسًا على عقب:
– أنا اللي عايز أفهم، شروطك دي اختبار لمين بالضبط؟ للعيال الصغيرين اللي مش مستوعبين لحد دلوك رغم الفرحة اللي مش سايعاهم؟ ولا للكبير اللي اتصدر في الموضوع من أوله، وأي خلل أو فشل هيلبسه هو جبليهم؟
هي أيضًا لم تزح بعينيها عنه، فكانت تطالعه بندية وتحدٍ خالص، تجلت معالمه في نبرتها، حتى وهي تراوغه:
– وه، وإنت إيه دخلك بس يا أبو ريان؟ شوفتني بوجّه شروطي عليك مثلًا؟ لاه يا بوي، أنا كل كلامي كان مع جوز العصافير اللي حسهم عليّ من جوا الأوضة، وبجى واصلك دلوك بعد ما طلعنا من عنديهم. سيبهم يفرحوا، وبلاش التفكير اللي مش في محلّه ده.
تمتم مشيرًا بسبابته نحو صدره، بحنق شديد، بعد أن حشرته في زاوية لا منفذ منها ولا مهرب:
– أنا برضو اللي تفكيري مش في محلّه؟ ولا إنتي اللي حسبتيها سنة للتجربة؟ إن نجحت الجوازة كان بها، وإن ما نجحتش، يبقى ليلى جربت وشافت اللي يخليها تبقى نسخة تانية من مزيونة، بس نسخة معدّلة.
قابلت قوله بهدوء تام:
– احسبها زي ما انت عايز تحسبها، أنا مش هعمل ضد مصلحة بنتي. وإنتوا لو شايفينها شروط تعجيزية، برضو القرار في إيدكم. عن إذنك بجى.
وتحركت تتركه متسمرًا في مكانه، ليردد بصوت يصل إليها:
– هتنجح يا مزيونة... وبكرة تشوفي بنفسك... لما تبجى إنت كمان معاها في بيت واحد.
قال الأخيرة بصوت خفيض، وعهد يقطعه على نفسه.
... يتبع.
فصل طويل ومرهق جدا ، بلاش تعاقبوني على التعب والتأخير بتفاعل يحبطنيخليكم جدعان وكملوا الفصل لالفين عشان تجبروني استعجل بالجديد
رواية لأجلها الفصل السادس عشر 16 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل السادس عشر
لا تمنع الحب من اختراق حصونك...لا تشدد الأسوار ولا تغلق الأبواب،فبعض الغزاة لا يأتون ليُدمّروا،بل ليزرعوا فيك ربيعًا جديدًا،ولتُزهر في قلبك حياةٌ كنت تجهلها.لا تقاوم...فالحب إن أتى، أتى ليسكن، لا ليُوجِع.
المراجعة والخاطرة للجميلة بزيااادة اوي / #سنا_الفردوس..................
نتائج هذا القرار الصعب لم تبدأ بعد؟ ربما تم اتخاذه في لحظة غضب فارقة، حين تجلّت الرؤية بوضوح أمامها، ثم ما تبع بعد ذلك من شفاء سريع لابنتها التي بدت وكأن روحها كانت معلّقة بعودته، ثم عادت بعودته إليها.
شيء يثير الدهشة والحسرة أيضًا، رغم ابتهاجها أحيانًا بالسعادة التي تغمر صغيرتها، وهي تعيش الحلم؛ حلم فارس الأحلام الذي أتى بصورة تفوق خيالها، وأفعاله المستمرة في تدليلها منذ ذلك الوقت، بالإضافة إلى ترحيبه وترحيب أسرته بالشروط التي ألقتها عليهم. وهل يوجد في العالم امرأة تستطيع المعارضة بعد كل ذلك؟
حتى أملها الأخير برفض عرفان من داخل محبسه، والذي كانت موقنة منه، بسبب كرهه الشديد لحمزة القناوي شقيق معاذ، والذي ذهب إليه في زيارة بصحبة المحامي وليلى، التي تشجعت ولأول مرة لزيارته من أجل دعم محبوبها حتى لا يغضب عليها، وللمساهمة أيضاً في إقناعه.
فجاء رد عرفان بشرط مُلزم قبل الرد على طلبهم. الماكر الخبيث لم يُنهِ الأمر ويريحها، أو يطرد معاذ على الأقل كما توقعت. ولكن كيف يفعلها؟ لا يكون عرفان إن لم يحرق دمها ويجبرها على ما لا تطيق... وهو: زيارته!
لتأتي الآن مرغمة وترى وجهه البغيض أمامها، يحدّق بها بسفور يثير مقتها، ويحدّثها بتسلية لا تخلو من وقاحة:
– ووه يا مزيونة، أخيرًا شوفتك؟ أخيرًا قلبك الحجر رق وجيتي ورضيتي على جوزك الغلبان؟
طليجي: قاطعته بها بحدة لتردف بتشديد:
– بلاش ياخدك العشم جوي، عشان أنا جاية أصلًا غصب عني. بلغني قرارك ده عن جوازة البت، موافق ولا رافض؟
رد مراوغًا عن سؤالها بسؤال:
– مش لما تجولي إنتي رأيك إيه الأول؟
صاحت به بنفاذ صبر:
– وانت مالك برأيي؟ مش هي بتك وانت أبوها زي الأصول ما بتجول؟ إدينا ماشيين بيها، وجالك الواد وطلبها منك، خلّصني بقى يا واد الناس عشان ننتهي من الموضوع ده... جصدي نرسي على بر.
انفعالها الواضح كان خير إجابة له، وكم أراحه صحة توقعه وسرّب إلى قلبه تشفّيًا، فَلانت ملامحه ليقول بهدوء:
– لا، ما خلاص، عرفت الإجابة واتأكدت منها، يعني معدتش محتاج أسمعها منك. ما هو أنا كمان لازم أكون حسيس وأقدّر الظرف اللي إنتي فيه.
– ظرف إيه؟ سألت بريبة، ليميل برأسه نحوها ويجيب بأعين التمعت بالانتشاء:
– ظرف الخسارة يا مزيونة... خسارة عمرك اللي ضاع في حلم بتك، وفي الآخر برضه هترضخي غصب عنك وتعملي اللي رفضتيه واطلجتي عشانه. ليه؟ عشان البت هي اللي عايزة، عايزة الواد، وده اللي أنا شوفته بعيني. متتصوريش دمي كان محروق وجاتها إزاي، ودلوك بَرَرد، وكأنه عصير ساجع نزل على قلبي ورطّب عليه... يا خسارة تعبك يا مزيونة.
ما أقسى كلماته، وهو يترجم أمامها كل ما يدور بعقلها من هواجس وظنون، عديم الإحساس يتشفّى بها وكأنها هي من آذته، وليس هو. لكنها لن تدعه يرى ضعفها:
– تعبي ماراحش يا عرفان. البت هتتعلم في بيت جوزها، وهيكفيها من كله عشان تجيب مجموع كبير وتخش الكلية اللي بتحلم بيها. دي شروطي أنا اللي فرضتها عليهم.
أشارت في الأخيرة بسبابتها نحو صدرها، لتُصدر له أنها صاحبة القرار، فكان رده ضحكة مجلجلة قبل أن يعارضها:
– جصدك طاطيتي للريح؟ البت ضغطت عليكي عشان رايدة عريس الهنا، وإنتي مجدرتيش ترفضي. وحتى جيتك النهاردة جاية غصب عنك. مش لو كنتي عرفتي مصلحتك من الأول مع جوزك يا بت الناس، وشوفتي نفسك، كان هيبقى أحسنلك...
جاهدت أن تخفي ضعفها أمامه، رغم اهتزازها من الداخل، والحرقة التي اشتعلت بصدرها تأثرًا بكلماته السامة، لتردف مؤكدة بعناد:
– مفيش أم بتندم على اللي عملته مع عيالها، حتى لو قطعت من لحمها. وأنا متأكدة من بنتي ومن رغبتها في التعليم. هتعمل المستحيل وتاخد الشهادة. المهم دلوك، رأيك بجى عشان الزيارة ما تخلصش على الفاضي.
"أممم"، زمّ شفتيه بابتسامة مستفزة يدّعي التفكير قبل أن يفاجئها برده:
– أكيد متوقعة إني أرفض، عشان تجيبي اللوم عليّ جدام البت. لكن أنا مش هنولك غرضك، رغم إني بكره عيلة القناوي كلها. بس إن جيتي للصراحة بجى، أنا إيه اللي يخصني؟ مدام مش أنا اللي هحط يدي في يدهم، وأخوكي بارك الله فيه يسد معاهم، ما هو داخل في زوارقهم.
تساءلت بوجل، بقلب يخفق بقوة:
– جصدك إيه؟
تنهد يجيبها بجدية خالية من عبثه السابق:
– جصدي: مبروك عليها. تشيله ولا يشيلها، يتهنوا ببعض. وإنتي بجى تشوفي نفسك وتراجعيها. أنا لسه شاريكي، ومستعد أصلّح غلط السنين اللي فاتت، واللي عايزاه هعملهولك. وأما عن القضية اللي شغالة، فخلّيكي متأكدة إني هطلع منها. عشان مش أنا اللي عملت الفعل الخسيس ده وسلّطت حد غريب على لحمي. ياريت تستنيني يا مزيونة، خلاص... معدتش ليكي غيري، وأنا بايع الدنيا عشانك.
---
وفي الخارج
كان الثلاثة في انتظارها: ليلى التي مُنعت برغبة من أبيها، والذي أصرّ على مقابلة طليقته وحدها، فمرت عليها لحظات من القلق أشد من المرض الذي تعافت منه مؤخرًا بفضل مغامرها الجميل وفارسها النبيل، ذاك الذي كان واقفًا بالقرب منها، يهزّ قدميه بعصبية مفرطة، وترقُّبٍ يكاد يقتله قلقًا.
يُحجم نفسه بصعوبة عن فعل أحمق، كاقتحام السجن وحضور تلك الجلسة بين النقيضين: مزيونة، العنيدة، الطيبة، الحرة؛ وعرفان، الذي اختبر خبثه منذ زيارته إليه، رجل غير مريح، يمتلك مكر الثعالب في المراوغة للوصول إلى هدفه... ولكنهم مُجبرون على اللجوء إليه.
وفي الجهة الأخرى من السيارة كان حمزة، الذي اتخذ من الجمود منهجًا حتى لا تنفضح مشاعره المتقدة بنيران الغيرة، نحو تلك العنيدة، وهي في الداخل تقابل زوجها السابق وغريمه في الحياة، من أجل الموافقة على زواج العروسين المزعومين.
مرّت الدقائق كالدَّهر، حتى أطلت أمامهم خارجة من البوابة الحديدية. كاد حمزة يقفز راكضًا إليها ويفعل مثل ليلى وشقيقه، ويسبقهما، لكنه تذكّر وضعه ومكانته، ليجبر قدميه على الانتظار، حتى أقتربت، وصوت الإلحاح من الاثنين اللذين تلقفاها من وسط الطريق قبل أن تصل إليه:
– إحنا كنا قلقانين جوي عليكي يا أمه، كل ده في الزيارة؟ – شكلك تعبانه يا خالة مزيونة، هو الراجل ده ضايقك؟
– براحة عليها إنتو الاتنين، خليها تجْعد وتاخد نفسها الأول. قالها حمزة بإشارة نحو السيارة التي فتح بابها، في حركة ذكية لم تمكنها من الرفض، لتأخذ مكانها في الخلف، ثم تنضم ابنتها جوارها من الناحية الأخرى، وحمزة وشقيقه في الأمام. ثم تحرك بهم، وعيناه منصبة عليها من مرآة السيارة، يتابع الحديث الذي يدور بينها وبين الاثنين الآخرين:
– مجوّلتيلناش برضو يا خالة مزيونة، جالك حاجة ضايقتك الراجل ده؟ – ده أكيد، ميِبْجاش أبويا إن ما أعملها، أنا أتوقّع منه أي حاجة!
هتفت بها ليلى بانفعال، جعل والدتها تطالعها بصمت، وعيون احتبس فيها الحديث... كيف تخبرها أن عرفان قد أذلها بها؟ هو لا يعنيه ابنته من الأساس، وبمن ستتزوج؟ المهم أنها ستفعل ما كان مقدمًا عليه هو من البداية... تتزوج، وحلم مزيونة يتبخر في الهواء. تتزوج، ويضيع جهدها هباءً، كأنها لم تفعل شيئًا! ترى، هل ستُعطيه ابنتها هديته بالانتصار عليها؟
– أمه، قلقتيني عليكي... جالك إيه؟ أبويا خلاكي كده؟
– جالي إنه موافق على جوازك. ردّها جاء مباشرة ودون تمهيد، حتى اجفلت الثلاثة به، ليتوقّف الحديث على ألسنتهم لحظات، قبل أن يأتي استفسار معاذ، الذي استوعب أولهم:
– وافق كده على طول؟ وما اعترضتش؟
– لاه ما اعترضتش. ردّت بها خلفه كإجابة، ليتدخل حمزة أخيرًا بقوله:
– ما طلبش حاجة قُبَال موافقته دي؟ تطلعت إلى انعكاس عينيه في المرآة أمامها، قاصدة كلماتها بمكر الأنثى:
– طلب إني أستناه الكام شهر دول عشان هَيطلع براءة، لأنه متأكد منها، وحلفلي إنه عمره ما يسلّط حد غريب على حريمه.
ردّ سريعًا بحدّة مكشوفة، وشرار النظرات القاتلة تنبعث مع انعكاس عينيه في المرآة:
– وانتي صدّجتيه؟ تركته بنيرانه ولم تُجب، بل تعمّدت الالتفات نحو ابنتها، التي وصلها الأمر كابتزاز منه لوالدتها، لتُخاطبها برجاء قطع نياط قلبها:
– لاه يا أمه... لو هيحط شرط جوازي برجوعك ليه، فـ أنا مش عايزة الجواز! أوعي يا أمه، أوعي ترجعيله، أوعي... أنا مش عايزة جواز، مش عايزاه خلاص...وانفجرت في نوبة من بكاءٍ مريرٍ أجبر والدتها على ضمّها إليها، كي تطمئنها وتطمئن ذلك المجنون الآخر في الأمام، الذي تجلّت عليه الصدمة حتى فقد النطق:
ـ محطهوش شرط يا بت، خلاص، اهدِي؟
ـ يعني وافق ولا ما وافجش؟ صرخ بها معاذ بعد أن وجد صوته أخيرًا، فالتفتت مزيونة بنظرة جانبية إلى ذلك المتربص، قبل أن تعيد القول بنبرة موبِّخة إلى حد ما:
ـ وافق يا معاذ، ما تبجاش خفيف إنت كمان زي البت دي، أنا قلت على طلبه، ما قلتش إنه شرطه عليا.
سمعها، فصدرت ضحكته ببلاهة، مرددًا:
ـ طب ما تجولي كده من الأول! جولي كده وفرّحينا، الله يفرّح قلبك يا شيخة! وإنتي يا ليلى، بطلي نُواح، خلينا نفرحوا يا بت، عايزين نفرحوا!
جاء تهليله وصياحه بنتائج فورية على الأخيرة، لتخرج من حضن والدتها، وتبادله الابتسام بدموعٍ لم تتوقف بعد، فعاد يردف متغزّلًا:
ـ النبي العيون الحلوة دي تبكي؟ طب والله حرام عليكي، والله يا شيخة حرام عليكي.
تحوّلت ابتسامتها إلى ضحكاتٍ يميّزها الخجل، فتدخلت مزيونة تُنهيه بحزمٍ مصطنع:
ـ خلاص يا شيخنا، بص جدّامك، وبلاها معاكسة ها، بص جدّامك!
ضحك، ثم التفت للأمام، مزعناً لرغبتها، بينما عادت ابنتها تضمها، لكن بحبٍ وامتنانٍ أظهر فرحتها، لتربّت مزيونة على ساعدها دعمًا، وارتفعت عيناها نحو ذلك المتربص، وعيناه لم تفارقها بعد، ودار حديثٌ سريع بالنظرات، قبل أن تهرب منه كعادتها، وتذهب بأبصارها خارج السيارة.
---
وفي منزل حماد القناوي، اختلت بشقيقتها التي جاءت في زيارة للمنزل بصحبة عدد من سيدات العائلة من أجل التهنئة والمباركة، مما أثار غضبها، فسحبتها من يدها بخفّة من بينهن، تأتي بها إلى الطابق الثاني بعيدًا عن الجميع، حتى دخلت بها إلي شقتها، ثم أغلقت الباب عليهما قبل أن توبخها:
ـ إنتِ اتجنّيتي يا إسراء؟ جاية برجليكي تباركي وتهنّي بعد عملتهم السودة معاكي وندالتهم؟! إيه اللي خلاكي تاجي؟ إنتي بالذات مكنش لازم تاجي!
طالعتها شقيقتها قليلًا بتفحّص، قبل أن تدلي باستفسارها:
ـ وماجيش ليه إن شاء الله؟ عشان ما هو خطب واحدة غيري يعني؟
شهقت هالة باستنكار قبل أن تجيب على سؤالها:
ـ ودي محتاجة مفهومية يا عديمة الإحساس؟ الواد ده هو وناسه لازم يعرفوا إنك واخدة موقف! كنتي ناجصة إيد ولا رجل إنتي عشان يخطب ويتجوز واحدة غيرك؟!
خطت إسراء لتجلس على أقرب كرسي، تقابل ثورتها بهدوء منقطع النظير، قائلة:
ـ ولما آخد موقف بجى، هيتراجع هو إن شاء الله؟ بجولك يا خيتي، واد عمي معاذ زينة الشباب، وأي واحدة في البلد كلها تتمناه، وأولهم أنا. بس مادام بص لغيري، يبجى ما يلزمنيش.
ـ ما يلزمكيش! هتفت بها هالة، لتأخذ محلها على الكرسي المقابل، قائلة بغيظ:
ـ إنتي حمارة يا بت؟ ما تصحي كده وفوقي من توهانك ده! كونه اختار غيرك، دي في حد ذاتها إهانة! كل الحريم هتستجلك، حتى لو اللي اختارها أقل منك في الجمال، برضو هيشوفوها أحسن منك.
ـ ما يشوفوها أحسن مني؟ عادي. ردّت بها إسراء بعدم اكتراث، ثم أردفت تكشفها أمام نفسها:
ـ أجيبلك من الآخر، لا أنا هالة، ولا معاذ يبقى حمزة. يعني يا بت أبوي، شيليها من مخك الحكاية دي. عن إذنك، أشوف الناس اللي جيت معاهم.
ونهضت تصعقها بمغادرتها، وتتركها على حالتها من الصدمة، لا تصدّق جلافتها بالتلفّظ أمامها بشيء جارح كهذا، وهي التي تعمل على مصلحتها، ولا تريد لها تكرار تجربتها والزواج برجلٍ لا تحبه… بل ولم تكن تضعه في حسبانها من الأساس.
❈-❈-❈
وجفتوا العربية هنا ليه؟ توجهت مزيونة بسؤالها، لياتيها الرد وهي تجد الاثنان يترجلان من السيارة، وحمزة يقول:
هندخل الكافيه نشرب لنا حاجة، ولا هنروح عطشانين كمان.
وقبل أن تدلي برأيها وتعترض، وجدت الباب يفتح من ناحية ابنتها، من طرف معاذ الذي تبسم يدللها بطريقة مسرحية:
ممكن أميرتي تتفضل وتخرج.
بالطبع رحبت الأخيرة بفعله، حتى شرعت في النزول سريعًا على الفور، ولكن منعتها أيدي والدتها التي تمسكت بها رافضة:
مفيش نزول، ولو عايزين تشربوا اشتروا عصير ولا جزايز حاجة ساقعة، كفاية تأخير البت وراها دروس.
دبت ليلى أرض السيارة بقدميها قائلة بتذمر:
ما هو كدة كدة اليوم راح، هبجّي ألم كل اللي راح مني على العشية من البت نسرين ولا سمر.
لا، وانتي العشية بتبقي فاضية جوي. تمتمت بسخرية قاصدة معاذ الذي سارع بالدفاع عن نفسه:
لا، اطمّني، مش هتصل بيها خالص ولا أزعجها عن مذاكرتها، المهم انتي متعطليناش أكتر من كدة، الوجت بيروح، واحنا مش كل يوم بنتفطفط على المحافظة.
جاء صوت آخر من ناحيتها:
سبيها يا ست، مجتش على اللحظة دي، ليلى شاطرة وبتعرف تلم بسرعة ما شاء الله عليها، زكية زي الست ولدتها.
تطلعت إلى باب السيارة المفتوح أيضًا من ناحيتها في دعوة صريحة للترجل، وكأنه يقلد شقيقه، الفرق فقط أن جميع أفعاله بالتلميح، فهي لم تسمح بعد بتعدي الخط الذي ترسمه لعلاقتهما.
ها ست مزيونة، لسة برضه بتفكري؟ اذعنت في الأخير أن تنصاع لرغبة الثلاثة، لتضطر للترجل من ناحيته، بخجل الأنثى التي مهما بالغت في العناد تغلبها نظرة قريبة منه، مصدر الخطر الذي تتجنبه دائمًا، أما ابنتها فترجلت من الناحية الأخرى، ناحية خطيبها، ليلتقيا الأربعة أمام الكازينو المطل مباشرة على النيل، حيث لا يفصل بينهم سوى نصف جدار من الزجاج، ليُمكن الرواد من الاستمتاع بالمشاهدة الكاملة، بالإضافة إلى الجلوس على طاولة لهما وحدهما، وموسيقى هادئة تناسب الأجواء.
كانت مزيونة في هذا الوقت تائهة بعض الشيء فيما تراه من حولها، بالإضافة لإحساس النقص الذي أصابها بأنها غير مناسبة لهذه الأماكن الفاخرة، حتى أتاها صوت معاذ يخاطبها مباشرةً.
ها تحبوا تطلبوا إيه؟ ردت ليلى على الفور:
آيس كريم أو جاتوه، أنا أعرف أنهم بيعملوه حلو جوي هنا.
علقت مزيونة بنبرة حازمة متسائلة:
وانتي عرفتي منين إن شاء الله يا ست ليلى؟ أجابتها سريعًا:
صحابي اللي بييجوا الدرس معايا يا أمي بييجوا هنا ويحكولي.
امممم تطالعها بتشكك، مما جعلها تعيد عليها بالقسم، ليتدخل حمزة:
خلاص يا ست مزيونة، دي أماكن محترمة أصلًا، يعني حتى لو بتيجي، متقلقيش عليها، ليلى بتنا مفيش في أدبها.
تبسمت له بامتنان، ليفصل معاذ ويزيح كرسيه للخلف ناهضًا:
خلاص كدة يبجى تيجي معايا وتختاري بنفسك الآيس كريم اللي تحبيه.
سمعت منه لتهم بالنهوض خلفه، فتمنعها مزيونة للمرة الثانية:
استني هنا، تروح معاك فين بالظبط؟ ما تنده للجرسون ويجيبلها الكراسة تنقي منها براحتها؟
برر معاذ ببراءة:
إحنا مش هنبعد ولا نطلع برا الكافية، أنا هاخدها بس تنقي الطعم اللي هي عايزاه، حكم هنا بيتعمل حسب الرغبة، واطمني برضه، مش هتنأخر، ها، مجولتِش أنتي كمان عايزة إيه؟
عبست بتوتر، وهي تنقل ببصرها نحو ذلك الصامت، الذي يتابع ما يحدث أمامه بمكر، فخرج صوته أخيرًا بتسلية:
جولي يا ست مزيونة على طلبك، أنا عن نفسي ماليش في الساجع، هو طلب الجهوة المخصوص، شوفي أنتِ كمان تحبي زيهم ولا زيي؟
لأ زينا، أمي بتحب الآيس كريم بطعم الفانيليا. تفوهت بها ليلى بلهفة أحرجت والدتها التي غمغمت بغيظ منها، حتى طفت السخونة على وجنتيها بخجل شديد، فحسم حمزة ضاحكًا:
خلاص يا ليلى، روحي هاتليها طلبها، وخليه يعملها الطلب مخصوص، وأنت يا معاذ متنساش جهوتي.
تلقى الاثنان الأمر بابتهاج شديد، يتحركان سريعًا للابتعاد، قبل أن تتراجع مزيونة وتوقفهم، والتي شعرت بحماقتها فعليًا، حينما وجدت نفسها الآن، هي وهو فقط، على طاولة وحدهما في مكان شاعري وأمام النيل مباشرة، يا لها من ورطة.........................
في غرفة غسيل الملابس داخل المحبس، سقط بجسده على كومة الملابس المتسخة الخاصة بعدد من زملائه المساجين، إذ كان دوره اليوم في تنظيفها مع مجموعة من زملائه، فالأعمال الميدانية داخل محيط السجن تُعد من إحدى هواياته، في اختلاف جذري عن النزلاء العاديين.
وذلك لما تمثّله من مزايا تمكّنه من الاختلاط بكافة الشرائح المهمة أو المفيدة له من النزلاء، بالإضافة إلى سهولة الحركة، والمصالح التي يجنيها من هذا الاختلاط، وتنقله بين المرافق. لكنه اليوم كان يومًا استثنائيًا بالنسبة له.
لقد رآها اليوم، أثناء مساعدته لأحد العاملين في السجن في تصليح ماسورة المياه في الحديقة ذات السور السلكي الذي لا يمكن اختراقه، لكن يُمكنه من النظر إلى العالم الخارجي، ذاك العالم الذي يفتقده... وقد كان اليوم موعده معها .
تلك الحورية التي سلبت عقله منذ طفولتها، وعادت لتحرك مشاعره مرة أخرى بعد نضوجها وتخلّصها من عرفان البغيض، حتى ظن أن فرصته بالاقتران بها قد اقتربت. ولكن، ظهر ذلك "الغراب" الذي يحول بينه وبينها، والذي كان يحاوطها كما رآه بعينيه أثناء خروجها من مدخل السجن. لقد عرفها من ظهرها، وكيف له أن يخطئها؟! تلك الساحرة، مكتملة الأنوثة من كل الجوانب.
فتح لها باب السيارة كما يفعل الرجال المحترمون في مسلسلات الدراما وأفلام السينما للنساء الجميلات، تقديرًا وتدليلًا خفيًا. تبا له من ملعون ومتلون! تمكّن من حبسه كما أبعد عرفان، ليخلو له الجو.
ـ ماشي يا حمزة الزفت، مسيري أطلعلك وآخد حقي منك. تمتم بها متوعدًا، قبل أن يفاجأ بصوت أحدهم يناديه باسمه:
ـ عطوة. نهض منتفضًا عن كومة الملابس، يطالع صاحب الجسد الضخم الذي كان يتهرب منه طوال الفترة الماضية، ليفاجأ به الآن أمامه، وداخل المغسلة التي لا يعلم متى أُغلق بابها و... نظر حوله من كل الجهات، يبحث عن أحد من زملائه النزلاء داخل المغسلة، ولكن لا يوجد أحد منهم أيضًا...
تحدث عرفان وقدماه تخطوان نحوه بخطوات سلحفائية متأنية: ـ بلاش تتعب نفسك بالبصّ والدوران عليهم، كلهم باعوك يا غالي، وجاعدين حراس دلّوك على الباب من برا، يعني الليلة ليلتنا يا عسل...
انتفض عطوة متراجعًا إلى الخلف بذعر، قائلًا: ـ إيه اللي انت بتقوله دا بس يا عرفان؟ اشحال ما كنت صاحبي، اللي متربي معاك، وعارفني أكتر ما تعرف نفسك! شيل اللي في دماغك بجى، أنا بريء.
ـ بريء يا كلب؟ فاكرني مغفّل وهصدّق كدبك يااض؟ تمتم بها الأخير، وأقدامه قطعت خطوتين بخطوة واحدة، ارتدّ على أثرها عطوة خطواتٍ عدّة، يهادن هذا الثور القادر على تكسير عظامه بضربة واحدة من يده:
ـ أحلف بإيه طيب عشان تصدجني؟ دا فخ، واتنصب لنا إحنا الاتنين! ما تفهم بجى؟
ـ لا، مش عايز أفهم. قالها عرفان، ثم انقضّ عليه ينهال عليه باللكمات، غير عابئ بصراخه، حتى أسقطه فوق كومة الملابس، مواصلًا "تأديبه" حتى صرخ به عقل الشيطان:
ـ يا أخي، حرام عليك! خد روحي بالمرة يا عرفان، ما دمت عايش في الوهم، وغريمك هايص برا، فرحان باللي عمله!
كاد أن يسمع له وترتخي يداه، ولكن غليل الأيام الفائتة ساهم في إغلاق عقله عن التفكير في سمومه، وترك الحرية ليده كي تنفث عن غضبه؛
ـ تاني برضه بتلعب ألاعيبك؟ يبجى انت اللي جبته لنفسك بجى... خد يا عطوة، خد!
وهكذا تمكّن منه، حتى أنقذه النزلاء والحراس بصعوبة من تحت يده، ومن موتٍ محقّق كاد أن يتسبب به عرفان له.
..............................
"الماء والخضرة والوجه الحسن"... هذا ما دار بخلده في هذه اللحظة، وهو يتأمل النيل وضفتيه، اللتين انتشر بهما النجيل الأخضر، بالإضافة إلى الأراضي المزروعة الممتدة أمام بصره. والجميلة الحسناء أقرب إليه من كل ذلك، وهي تشاركه الطاولة نفسها، تتهرّب من خجلها بالنظر نحو أي شيء سوى عينيه. لقد كانت ساحرة في هذا الوقت، رغم بساطة ملابسها، إلا أنه وبنظرة بسيطة، لو قارن بينها وبين كل النساء حولهم الآن، لفازت عليهن جميعًا. فتنة خالصة، بجمال طبيعي، لا تزينه لمسة واحدة من الزينة. توترها وحياؤها كانا السر في جاذبيتها وبكل وضوح.
ـ العيال دول اتأخروا جوي، مش فاهمة أنا ليه عمايلهم دي؟ قابل انفعالها بهدوءٍ يغيظ: ـ همّا لحقوا أساسًا؟ انتي بس اللي مستعجلة وعايزة تمشي بسرعة وتسيبي الطرابيزة، مع إن الأمر عادي يعني.
ـ عادي إزاي يعني؟ مش فاهمة.
ما أجملها حين تدّعي السذاجة والجهل، رغم يقينه الأكيد بمعرفتها بمشاعره، ولكن لا بأس، فليُجاريها في لعبتها:
ـ أنا جصدي يا ست مزيونة إن إحنا بقينا عيلة خلاص، يعني... مفيش حرج ما بينّا، إن كلّمتيني أو أنا كلّمتك، أو حتى طلبتيني على التلفون أو أنا طلبتك.
ـ تطلبني على التليفون؟!
ـ أيوة أمال إيه؟ أنا عرفت إنك خدتي خط ليلى بعد ما معاذ جابلها تلفونها الجديد، ممكن أسجل رقمي عليه؟
ـ هاا... صدرت منها بتشتّت، متفاجئة من جرأته في الطلب، وحرجها عن صده؛
ـ يا ست مزيونة، مش محتاج الموضوع تفكير، الموضوع سهل خالص على فكرة. بكرة تاخدي رقم الست الوالدة زي ما خدتي رقم منى أختي. يلا بجى، ملّيني الرقم. سجليني "أبو ريان"، وأنا هسجلك "أم ليلى".........
وفي الجهة الأخرى من الكازينو
وبعد أن ابتاع لها المثلجات على ذوقه، توقّف بها أمام السور الزجاجي الصغير، ليلتقط لها وتلتقط له عددًا من الصور الجميلة، مستغلَّين الخلفية الرائعة للنيل والخضرة.
تجبره بابتسامتها الساحرة وضحكاتها ودلالها الفطري على المزيد والمزيد، يريد تسجيل كل همسة لها على هاتفه.
كفاية يا معاذ، أمي وعمّ حمزة هيزعلوا من التأخير.
"سمع عبارتها، وارتسمت ابتسامة على طرف شفتيه، وهو يلقي بنظرة خاطفة نحو الطاولة البعيدة عنهما، دون أن يمنعه البعد من متابعتها من مكانه."
لا، ما تشغليش بالك إنتِ، إن شاء الله ما يزعلوش. المهم أنا عايز آخد صورة معاكي.
علّقت على قوله بسخرية:
لاه يا خفيف، ما تتعشمش، عشان ولا صورة هتاخدها معايا قبل سيشن الفرح!
ردّد خلفها ببؤس:
ولا صورة؟ ليه طيب؟ وإحنا خلاص فرحنا قرب، أجِّل من شهر وهيتم إن شاء الله.
خلاص، يبقى تصبَّر الشهر ده يا خفيف.
غاظته بها، ثم تحرّكت نحو طاولة أخرى فارغة، كانت قد وضعت عليها علب المثلجات، واقتربت الآن لتأخذهم، فتناولهم هو بالنيابة عنها قائلًا باستعطاف:
طب وإن حلفتك بغلاوة عزوز؟
ضحكت تجيبه:
غلاوة عزوز تخص عزوز، إنت إيه يخصك يا عم؟ أما عجايب دي والله!
وتحرّكت ذاهبة من أمامه تسبقه، ليغمغم من خلفها بتذمّر:
يا دي عزوز، هو ياخد البوس والدلع، وأنا حتى صورة مستكتراها عليّا، ماشي يا ليلى!
---
عودة إلى البلدة
وداخل منزل حماد القناوي، تفاجأت هالة بامتلاء المنزل بنساء العائلة والفتيات، يساعدن حسنية وبناتها المتزوجات في تنقية حبوب القمح وغسلها جيدًا ثم تجفيفها قبل الذهاب بها إلى مطحن البلدة.
لتنظر هالة نحو عدد أشولة القمح الكثيرة بدهشة قائلة:
وه! كام شوال قمح فتحتوه؟ إنتوا ناويين تعملوا ليلة كبيرة للبلد إياك؟
أجابتها منى بتسلية:
لا يا حبيبتي، عقبالك يا رب، إحنا بنحضّر لفرح معاذ، انتي عارفة، يدوب نجهّز الدقيق عشان الخبيز، ما شاء الله... عيش وكحك وبسكويت وناعم...
حيلك حيلك.
قاطعتها هالة لتردف موضحة:
الكحك والبسكويت والناعم على العروسة يا ست منى، إنتي نسيتي ياك؟ إحنا آخرنا خبيز عشان ليلة الرجالة وليلة الحريم بطبيخهم.
تطوّعت إحدى الفتيات مصحّحة لها:
لا يا عمّة هالة، إنتي ما تعرفيش ياك؟ خالي حمزة حلف على العروسة وأمها لا إنهم ما يخبزوش أي خبيز ولا يحضّروا أي عشا!
صاحت مردّدة خلفها بعدم تصديق:
نعم! كيف يعني؟ حتى العشية كمان؟ يعني لا كحك، ولا بسكويت، ولا بيتيفور، ولا ناعم، ولا عشا حمام، ولا فطير مشلتت، ولا أمبواخية (المخروطة)، ولا خروف السابع؟
وه وه، مين دلوك يا بت بيجيب خروف السابع في الغلا ده؟
عقّبت بها حسنية بصيغة استنكار أثناء هزّها لحفنة كبيرة من القمح داخل المنخل، فصاحت بها هالة:
بلاش خروف السابع، مع إن كل عيلتنا تقريبًا بتجيبه! باقي الحاجات التانية، ما عندهاش مقدرة كمان الست مزيونة تعمل لبتها؟
لا يا بنيّتي، أكيد عنديها، بس إحنا نحمل على الولية الفردانية ليه؟ ونقلق البت عن مذاكرتها؟ ما إنتِ عارفة أمها اتشرطت، وإحنا وافقنا، نبقى نشيل بعض، وفي بيتها يعني. أديكي شايفة، محدش معايا غريب، كلهم بنتتي وبنات بنتتي. روحي إنتي كمان يا بنيتي غيري جلابيتك وتعالي اغسلي مع البنات، ولا نجي الحجارة من اللي بغربله أنا.
كمان!
صاحت بها بغل، تعود مرتدة للصعود مجددًا:
كفاية عليكي البنتة وبنات بناتك، أنا بحِ رايحة أسبّح عيالي، عن إذنكم.
إذنك معاكي يا حبيبتي.
غمغمت منى ضاحكة من خلفها:
يا أختي عليكي، أمال لما تشوفي البت ودلعها بكرة هتعملي إيه؟ هتتشلي؟
صدحت ضحكات الجميع من خلفها، لتضيف كل واحدة منهنّ عليها بمزاحها بعد ذلك، مع مواصلة العمل بنشاط تجهيزًا لليوم الكبير. العريس، أصغر أفراد العائلة ومدللهم، على الجميلة ليلى، ابنة الجميلة مزيونة.
... يتبع
عذرا على التأخير وعلى قصر الفصل ، يعلم اني خلصته بمعناة بسبب الصداع وصلوا التفاعل لالفين كل مرة انبه، ولو مرة نوصل شدوا حيلكم عشان تفرحوا بالعرسان
رواية لأجلها الفصل السابع عشر 17 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل السابع عشر
"حرّر هواك، فالحبُّ لا يليق به الصمت ولا القيود.دعه يهبّ كنسمةٍ في مساءٍ هادئ،أو يصرخ كنداء قلبٍ طال انتظاره.ربما كان في البوح حياة،وفي الصمت… فوات لا يُعوَّض."
المراجغة والخاطرة للجميلة حجي/ سنا_الفردوس
***************
الملك لك لك يا صاحب الملك، الملك لك لك يا صاحب الملك، سبحان الله العظيم.
تُسبّح مرددة هذه الكلمات خلف طائر الكروان الجميل، ترجمةً معروفة لتغريداته في هذا الوقت من الصباح الباكر، حيث كانت جالسة، ثانيةً ركبتيها، خلف السور الطيني الصغير لسطح منزلها، وقد غلبها القلق وجفى النوم عينيها.
اليوم هو عقد قران ابنتها، صغيرتها التي لم تترك حضنها منذ ولادتها، اليوم ستُكتب باسم رجل آخر، وغدًا سيخطفها لنفسه منها. سيأخذ مؤنستها الوحيدة منذ ولادتها.
سُنّة الحياة، تعلم جيدًا تلك الحقيقة، لكن عقلها لا يستوعبها، وقلبها لا يتقبلها، رغم ادعائها غير ذلك.
ليتها ما رضخت ووافقت على هذا القرار الصعب الذي اتخذته في لحظة غضب. لكنها أيضًا لا تنكر أن فرحة ابنتها تمس شغاف قلبها، هذا الشيء الذي افتقدته هي طوال حياتها، ولم تشعر به يوم زواجها بعُرفان. بل على العكس، تتذكّر أنها كانت تدّعي أو تقنع نفسها بذلك، لجهلها بما كانت مقبلة عليه.
الملك لك لك يا صاحب الملك، الملك لك لك يا صاحب الملك...
الطائر الجميل ما زال يغرد، وهي ما تزال شاردة في ملكوت الخالق وتصريفاته القدرية. قد تكون استسلمت لريح قوية تُسيّر مركبها، وتفقد معها ميزة السيطرة، لكن عقلها الواعي ما يزال محتفظًا بخيار المقاومة في سبيل تحقيق هدفها العظيم، ولن تقبل سوى بالوصول إلى بر الأمان، ولو كلفها ذلك حربًا تخوضها حتى آخر نفس.
اهتز حجرها فجأة بدوي نغمة الهاتف الذي وضعته ونسيته. نظرت إلى الاسم الذي ظهر على الشاشة المضاءة، فرفعته سريعًا، تجيب بسجيتها، مستغربة اتصاله في هذا الوقت:
– ألو.. السلام عليكم. – وعليكم السلام، صباح الخير يا ست مزيونة. – اااا صباح الخير... في حاجة يا أبو ريان؟ في حاجة حصلت؟ – خير يا أم ليلى، أنا بس بطمن، أصلك مش متعودة تجعدي كده ورا ربع الحيطة اللي على حدود السطح.
– اللي على حدود السطح؟ تمتمت بها ونزلت عيناها للأسفل، لتجده واقفًا مقابلها أمام المنزل الذي اكتمل بناؤه تقريبًا، يطالعها بعينيه الضيقتين من تلك المسافة القريبة إلى حدٍّ ما، ليردف بمزيد من التوضيح:
– أصلي بصراحة إتفاجئت لما جيت دلوك أفتح باب البيت، و رفعت عيني لفوق، لقيتك قاعدة كده – كده كيف يعني؟ – يعني زي ما تكوني سرحانة ولا في حاجة شاغلاكي؟
ليست غبية حتى تغفل عن التغيّر المقصود في نبرة حديثه عند بعض الكلمات، ومع ذلك ليس أمامها سوى الاستمرار على نهجها المتحفظ، فهذا اختيارها الذي لن تحيد عنه:
– شي طبيعي إني أسرح أو أنشغل حتى يا أبو ريان، مش برضو النهارده حنة بتي وكتب كتابها؟ ولا إنت نسيت؟
ضحك بملء فمه أمامها مرددًا:
– أنسى! أنسى كيف بس؟ دا أنا طالع عيني دبايح وليالي، وامبارح بس كانت حنة العريس، والسهرة للفجر مع العيال المجانين صحابه. الفرح دا هيخلص وأنا هقعد شهر نايم في البيت عشان أقدر أواصل بعد كده.
تنهيدة خافتة منها وصلته قبل أن تعقّب بروتينية:
– ربنا يتمم بخير إن شاء الله، أقوم أنا أشوف اللي ورايا، ما هي ليلتنا احنا النهارده بجى، مش انتوا خدتوا ليلتكم امبارح.
جاء رده بتسلية وملامح تجلّى بها العبث:
– دا صحيح خدنا ليلتنا امبارح، وكان نفسنا العروسة تحضر عند عريسها، بس تتعوض النهارده إن شاء الله. العريس هو اللي هيحضر بناسه، إحنا مش محتاجين عزومة، ولا إيه رأيك يا نسيبتنا؟
حسنًا، هو مُصر على رفع التكلفة ويجرّها لذلك بنعومة ومراوغة، ليست هي نِدًّا لها، رغم سلاح الجمود الذي تتمسك به:
– بإذن الله، ربنا يتمم بخير، عن إذنك بجى نازلة للبِت أصحيها.
أنهت المكالمة وتحركت سريعًا لتختفي من أمامه، ليتسمّر هو في مكانه يطالع أثرها علّها تعود مرة أخرى، والأماني والأحلام تداعب خيالاته، بعد أن ذهبت وأخذت قلبه معها. يتشوق بحرقة لذلك اليوم الذي يجمعها به في منزل واحد، تخلع فيه عنها رداء الخشونة الذي لا يليق بها، وتعود إلى أصلها: أنثى حقيقية كاملة، الدلال والنعومة قد خُلقا من أجلها.
..................................
حينما نزلت إلى الأسفل قاصدة غرفة ابنتها، وجدتها بالفعل مستيقظة، لكنها في عالم آخر، تشاهد عبر شاشة اللوح الإلكتروني لقطات مسجلة من ليلة الأمس عند عريسها، حيث يرقص بحصانه على المزمار البلدي، أو بين أصدقائه، والحناء قد زينت كفيه بوضوح.
فرحة من القلب، الجميع يشاركه بها، حتى هذا الـ... من هذا؟! حمزة أيضًا يرقص!
يبدو أن الذهول لم يكن من نصيبها وحدها، فابنتها أيضًا، والتي كانت تُشاهد منذ ساعة وعلى فمها ابتسامة إعجاب بحبيبها، تحولت إلى انبهار شديد ظهر في تعبيراتها حين انتفضت بجذعها، وضحكت بصوتٍ عالٍ حتى انتبهت على وقوف والدتها خلفها، فتهلّل في وجهها:
– شُفتي يا أمي! عمي حمزة بيرقص إزاي؟ والله العظيم عسل، عسل!
تبسمت مزيونة على غير إرادتها، فرؤيته بتلك الخفة وهو يراقص شقيقه بالعصا أو بدونها كان أكبر من تخيلها، ولن تنكر بالطبع إعجابها... لكن في داخلها فقط.
– الفرحة حلوة، ربنا يكرم الكل، لكن انتي من إمتى بتصحي لوحدك؟ أكيد هو اللي رن عليكي وصحّاكِ، صح؟
أجابتها بلهفة:
– لا والله يا أمي، أنا صاحية لوحدي، ما النهاردة يوم طويل زي ما إنتِ عارفة، بس صحيت لقيت معاذ باعتلي كل الفيديوهات دي قبل ما ينام على وش الفجر زي ما هو كاتب، شكل ليلتهم كانت حلوة جوي، ياما كان نفسي أحضرها.
عبست مزيونة بجدية:
– تروحي فين يا بِت؟ ما تتجلي وارسي مكانك كده، على العموم اهي ليلتك النهارده، يعني لما يحضر هو وناسه هتبجى معدلة أكتر.
صاحت بشغف:
– هما جالولِك إنهم جايين؟ مش هزار يعني؟ كيف ما بلغني معاذ؟
– لا يا أختي مش هزار. جومي يلا ذاكريلك حبة، جبل ما ييجوا البنات وندخل في هيصة اليوم. كفاية الكام يوم اللي هتجصري فيهم في الفرح وبعد الفرح.
– قصدك على شهر العسل يعني؟
تمتمت بها ليلى خلف والدتها التي كانت تهمّ بالمغادرة، لتلتف إليها بغيظ لا يخلو من مرح، مرددة بسخرية وحزمٍ مصطنع:
– أيوه يا أختي، شهر البصل... أو أسبوع بمعنى أصح! عينك فتحت يا مضروبة الدم، أخلّصي يا بِت... جووومي!
وكان الرد من ليلى كان ضحكات متواصلة دون توقف.
**************
في منزل حماد القناوي، الممتلئ عن آخره بأهل العريس من إخوته وأقاربه الذين أتوا من سفرهم أو من داخل البلدة، تلك العادات التي مهما مرّ عليها من الزمن لا تتوقف.
كانت حسنية في هذا الوقت مستيقظة، وقد التف حولها أحفادها من الأطفال، كل فرد منهم يُريها نقوش الحناء التي رُسمت على كفوفهم، كي تدلي برأيها فيها.
– حلوة يا ياسين، عقبال ما تبقى عريس يا عين سِتّك. – وأنا يا جدة؟ أنا يا جدة؟ – وانتي يا جنا، هيطلع بختك حلو عشان لايقة عليكي. – وأنا يا سِتِّي؟ – وانتي يا روح سِتّك... – وأنا كمان يا سِتِّي! وأنا! وأنا!
زاد الحماس حتى هجم عليها البقية في استعجال لأخذ رأيها في الحناء بكفوفهم مثل الآخرين، لتصدح ضحكاتها مرددة:
– بالراحة، طب بالراحة على سِتّكم الكبيرة!
جاء صوت منى القادمة من الداخل لتنهرهم بلطف لا يخلو من الحزم، وهي تبعدهم عنها:
– مستعجلين جوي على معرفة بختكم، من دلوك! طب استنوا لما تكبروا... ابعدوا يا مضاريب، سِتّكم نفسها اتكتم!
كانت حسنية غارقة في ضحكاتها من أفعالهم، حتى ظلت لفترة لا تستطيع التوقف. وبعد ابتعادهم عنها، علقت ابنتها بحب:
– ربنا يخليكي ليهم يا سِتّ الكل، وتجوّزيهم كلهم. ردّت حسنية برضا يغمرها: – يا ختي كفاية اطمنت عليكم، وبُكرة تكمل بجواز معاذ، ربنا بس يديني العمر وأفرح بخلفه، كده أبوس يدي وش وضهر على فضله.
شعرت منى بالغصة التي تخللت حديث والدتها، رغم فرحها بكل ما يحدث، إلا أن قلب الأم بداخلها يتمنى المزيد. ولكن تبقى راحة الأبناء باختيارهم هي الأهم:
– إن شاء الله يا أمي تفرحي بيهم كلهم. ما شاء الله البيت مليان، وتقريبًا كل اللي فيه نايمين كالأموات من تعب الليلة اللي فاتت. – لا مش كلهم، حمزة خطف ساعتين بس وطلع. – طلع راح فين؟ – راح على بيته الجديد قال. أنا مش عارفة إيه غايته في الروحة والجاية كل شوية عليه، حتى إن كان النهاردة إجازة من الشغل والمحارة، أخوكي ده عقله مفوّت. – جوي يا أمه، إنتِ هتجوليلي؟
قالتها منى وابتسامة ماكرة حلّت بملامحها، شقيقها المكشوف حتى وبرغم إجهاده الشديد وإرهاقه في تجهيزات العرس التي يقوم بها، إلا أنه لا يقوى على أن يفوّت يومًا دون رؤية محبوبته المتمردة. يفعل ذلك والرباط بيننا وبينها لم يُوثق بعد، فما باله حين تكون ابنتها في منزلنا؟ لا يُستبعد أن يُصيبه الجنون مثل شقيقه الصغير.
........................
عودة إلى منزل العروس
الذي ازدحم بالنساء من أقاربها والأصدقاء في هذا الوقت للمساعدة في تجهيزات الليلة. وعلى الرغم من أنها في الغالب تكون مُحكمة وليست بحجم ليلة العريس، إلا أنها أيضًا لها استعداداتها.
كالصوان الذي تكفّل بنصبه الآن خالها وصفي وابنه الأكبر حازم، في الساحة الشاسعة أمام المنزل، حيث تضم محيطه ومحيط المنزل الجديد لحمزة، والذي كلّف عددًا من العاملين بتسوية المكان والمساعدة مع الرجال.
أما في الداخل، فقد أتت زوجة وصفي وبناتها وبعض نساء العائلة لمساعدة مزيونة، بالإضافة إلى صديقتي العروس، سمر ونسرين، واللتين استغلت مزيونة وجودهما لترتيب أشياء العروس ومتعلقاتها داخل حقائب كبيرة، بعد أن تكفلت هي بشرائها طوال الشهر الفائت. أما الأجهزة فكانت من اختصاص وصفي، يبتاعها من محل الأجهزة إلى شقة العريس على الفور.
تجهيز العروس نفسها غالبًا ما يتم في هذا اليوم أو ما قبله، وقد رفضت مزيونة أن تنكشف ابنتها على امرأة غيرها، لتقوم هي بتلك المهمة، حتى إذا أتى الموعد مساءً، كان قد تم الانتهاء من كل شيء على أكمل وجه.
........................
في ساحة السجن
شهر قضاه في سجن انفرادي بعد ضربه المبرح لعطوة، والذي قضى على إثرها خمسة عشر يومًا في مشفى السجن. ليخرج إليه مرة أخرى اليوم، ويتجدد رعبه منه، بعد أن خلّصه الرجال منه بصعوبة، وقد كان مصرًا على قتله. ولسوء حظه، يلتقي به الآن في فترة التريض اليومي للسجناء، في ساحة مكشوفة تدخلها الشمس تُسمى "الحوش".
فاردًا ظهره ونافخًا صدره بعنجهية ليست بغريبة عنه، وقد زاده الحبس الانفرادي خطورة تروق له، يدخل في قلب من يراه رهبة حتى لا يتكرر معه ما حدث لعطوة، والذي ما إن رآه حتى تراجع بخوف، يبحث عن منفذ للهروب، بعد أن تركه زملاؤه بناءً على إشارة من عرفان.
– وه وه، بترجع لورا ليه بس يا عطوة؟ ما أنت زين وحلو. ده أنا افتكرتك مش هتقوم منها تاني يا راجل، بس أها زي القرد واجف جدامي!
انتفض الأخير يحاول الابتعاد عنه، هاتفًا بمظلومية:
– عايز إيه تاني يا عرفان؟ مش خلاص افتريت عليّا ورقدتني أسابيع في المستشفى؟ أنا سيبتك، شكوتي لربنا، يوريني يوم فيك!
– يا ابن الــ...
تمتم عرفان بسبّة بذيئة، ليقطع المسافة بينهما فجأة بخطوتين، وينقض عليه ويمسكه من قماش قميص السجن الذي يرتديه، يعنفه بغضب شديد:
– اسمع أما أقولك يا ض، العلقة اللي فاتت دي متجيش نقطة في اللي هعمله فيك لو ما رجعتش عن شهادة الزور اللي اتبليتني بيها. اشتري عمرك وقول الحقيقة. كلها أسبوعين وييجي ميعاد القضية، وأنا مستعد آخد فيك مؤبد لو مرجعتش.
وكعادته في رسم دور الضحية، صاح وصرخ بأعلى صوته، حتى يلفت نظر الحراس لينجدوه من يد المجرم الذي يستقصده كما يُصوّر لهم:
– تاني يا عرفان! عايز تضربني؟! الحقوني يا بشر، الحقيني يا حكومة! ده عايز يكسّرني من تاني ويخلّص مني! إنجدوني يا نااااااس، الراجل ده عايز يخلّص عليّا!
وبالطبع، أتى صراخه بنتائجه، حينما التف رجال الأمن حول عرفان، يكبلونه من ذراعيه ويبعدونه عن المذكور، الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، خوفًا من تكرار ضربه مرة أخرى من عرفان.***************
عودة إلى منزل حماد القناوي تحديدًا داخل غرفة العريس، الذي استيقظ على اختراق الدخان لأنفه، مصحوبًا بعدة أصوات، ليجد الغرفة قد امتلأت بأخواته البنات، يلحقن بوالدتهن التي دخلت وهي تحمل المبخرة، متمتمة بالآيات القرآنية والأوراد الحافظة، تدلّله بغرض إيقاظه.
جوم يا باشا، جوم يا واض، في عريس يصحى بعد الضهر؟ طب استنى لما تدخل بعروستك الأول يبجى ليك عذرك.
ضحكت أسنانه، ترافقه تلميحات شقيقاته اللواتي شاركن والدتهن في مشاكسته، فاعتدل بجذعه، يمسح على وجهه وشعر رأسه ليطرد النعاس قائلًا:
لامة بنتتك وجايباهم يتمقلتوا عليا يا حسنية؟ ماشي، حاضر.
"ماشي" و"حاضر" كمان! لاه، عاقل جوي يا واض!
ردّت بها متصنعة العبوس، وهي تواصل اللف بالمبخرة. جلست "منى" بجواره، تاركة شقيقاتها يقمن بجولة على ملابسه الجديدة وما قد يحتاجه من القديم في سكنه الجديد بشقة العرس. لتلكزه قائلة:
ما تجوم وتصحصح يا واض؟ مشحطط الناس في السؤال عنك، لما بقيت في نص هدومي منك!
انتبهت حواسه وقد ذهب ظنه إلى ما يحب، ليردد خلفها بتخمينه:
مين اللي سأل علي؟ ليلى اتصلت ولا بعتت حد؟
قالها، فالتفتت رؤوس الثلاثة نحوه، لتعلّق "منى":
شوفي الواض ومخه الفاضي! خلاص ما عدتش غير ليلى اللي يسأل عنك؟
سخرت والدته أيضًا:
سيبيه يا بتي، دا عَجَلة رايح منه! أخوكي ده ما تحطيش عليه أمل خالص دلّوك يا بتي.
ضحكن الأربعة، لتضيف منى:
آه والله، خلاص نسي أصحابه وعيال عمامه اللي سهروا معاه للفجرية، رقص وتنطيط. ولا هي ليلى نفسها أساساً فاضيالُه؟
ليه، بتعمل إيه؟
كادت أن تجيبه بسجيتها، لكنها استدركت الحقيقة لتخفي حرجها بردٍّ صارم:
وإنت مالك باللي بتعمله يا بارد؟ جوم ياض، بطل تناحة، اخلص يلا!
وتبعت الأخيرة ترفع عنه الغطاء، ليردد ضاحكًا وقد فهم من خجلها:
ليه؟ هي الإجابة عيب؟
قالها، لتصدح ضحكته، حتى جعل شقيقاته الأخريات يتركن ما بيدهن، ليمازحنه بالطريقة التي يحبها، مع تدخل والدته بجرأتها.
وصارت أصواتهن تصل إلى الشقة المجاورة عند "هالة"، التي كانت تنفخ بضجر، لا يعجبها كل ما يحدث.
****************
في منزل "مزيونة" وقد اكتملت هيئة العروس بعد أن ارتدت فستان سهرة يناسب ليلة الحنّة، كان قد انتقاه لها "معاذ" سابقًا، يناسب لون عينيها المميز. مساحيق الزينة، التي وضعتها لأول مرة على بشرتها، كان لها وقع المفاجأة على الحاضرين، حتى صارت ساحرة في أعين الجميع، وأولهم "مزيونة"، التي رمت كل شيء خلف ظهرها اليوم: هموم، مخاوف، وهواجس، لتبقى فقط على فرحتها بابنتها، التي بدت امرأة ناضجة أمامها. بغض النظر عن جمالها المذهل، لكنها اليوم عروس. ابنتها أصبحت عروسًا، وكم من أم تحلم بتلك اللحظة.
ها، إيه رأيك بجى يا أمي؟
توجهت بالسؤال نحو والدتها، رغم إطراء جميع من بالغرفة والتغزل بها، لكن يبقى الرأي الأخير والأهم هو لها، لمزيونة، التي احتضنتها تختصر كل الكلام بجملتين:
بدر منور يا حبيبتي، أحلى عروسة في الدنيا كلها.
وانطلقت الزغاريد من النساء والفتيات، فتدخلت "محروسة" زوجة "وصفي"، لتُبعد الاثنتين عن بعضهما، قاطعة لحظة التأثر تلك، حتى لا يتطور الأمر إلى بكاء. جذبت مزيونة من يدها قائلة:
كده يبقى الدور عليكي.
الدور عليّا في إيه؟
تساءلت بها، قبل أن تفاجئها الأخرى بإجلاسها خلف مرآة الزينة الكبيرة، منبهة على السيدة التي زينت "ليلى" أن تقوم بعملها مع "مزيونة":
يلا يا عسل، شوفي، عايزين الأم تبقى أحلى من البِت...
يا مرَي!
قاطعتها مزيونة برفضٍ قاطع، أمام أنظار الفتيات اللواتي صرن يضحكن مرددات:
إيه اللي بتقوليه ده يا ولية؟ بعدي، سيبيني انتي وهي! هو أنا عيلة صغيرة؟
شددت "محروسة" تمنعها من الوقوف:
آه يا أختي، عيلة صغيرة! انتي اللي في عمرك ما تجوزوش أصلًا! ده أنا، اللي معدّية الأربعين بسنتين، بلبس واتعدل واتسبسب! دي ليلة بِتك يا حزينة، يعني تفرحي بيها، وتفرحي الناس بيكي إنتي كمان! خُشي عليها يا سوسن، البت دي...
قالت الأخيرة نحو خبيرة التجميل، والتي ما إن تحركت لتجهزها حتى همّت بالرفض مرة أخرى، قبل أن ترتخي مقاومتها مع رجاء ابنتها:
وغلاوتي عندك يا أمه، خليها تزوقك، وتلبسي الفستان اللي نجتهولك انا من السنة اللي فاتت وانتي رامياه في الدولاب! الليلة دي بس حتى، وبكرة البسي عباية عادي عشان هتبجى زحمة أصلًا. إنما الليلادي، ليا أنا والبنات، معاذ وأهله مجرد ضيوف وهيمشوا بعديها، يعني هتبقى ليلتنا يا "مزيونة"! مش انتي فرحنالي برضو؟
بتنهيدة من الأعماق، استسلمت للإجابة على سؤال ابنتها، لتترك نفسها لخبيرة التجميل، مع التنبيه عليها بألا تُفرط في المساحيق. وسارت الفتاة على التعليمات، لتكون النتيجة النهائية صاعقة للجميع، بل وأكثر من مذهلة...***************
بعد أذان المغرب تم عقد القران بحضور عدد كبير من الرجال، في الساحة الخارجية للمنزل داخل محيط الصوان، الذي تم إعداده صباحًا، بحضور مهيب من الرجال: أقارب العريس وأقارب العروس. في عادة متأصلة لا يمكن التخلي عنها أبدًا، حتى لو تم الزواج عن طريق محامٍ بعقد موثق؛ فالجمع شهود، والفرح إشهار، والشروط تسري، ولا يمكن المناص منها.
بالطبع تولّى وصفي أمر وكالتها، ليأتي دوره مع قرب انتهاء الإجراءات في الدخول إليها داخل منزلها، كي يأخذ توقيعها على الأوراق بعيدًا عن أعين الرجال في الخارج.
صدحت زغاريد النساء مع أخذ التوقيع، ليضمّها إليه مقبّلًا رأسها بحنانٍ أبوي، دائمًا ما تشعر به ليلى من قبل خالها الحنون، قبل والدتها أيضًا، وضمّها إليه بفرحةٍ تسلّلت إلى قلبه، أن يرى شقيقته سعيدة، وعائدة لرونقها القديم، لهو أحبّ الأمنيات إلى قلبه.
– مبروك يا ست البنات، إنتي وبِتك عرايس يا بِت أبوي.
ضحكةٌ صافية صدرت منها، تبادلُه قبلةً على وجنته امتنانًا لقوله، لتُطلق بعدها زوجته زغرودةً وصلت بقوتها إلى خارج الصوان، قبل أن تركض وتتركهم عقب استئذان حمزة للدخول:
– أبو حازم.
اعتدلت مزيونة عند سماع نبرة الصوت التي تعرفها، لتشدّ طرحتها إلى الأمام بخجلٍ أصابها، ليتها تستطيع أن تُخفي وجهها أيضًا، أو أن تركض مثل زوجة أخيها، ولكنها تعلم سبب دخوله، ووجودها شرطٌ أساسي، لتبتلع ريقها بتوتر، وشقيقها يرحب سامحًا له بالدخول:
– ادخل يا أبو ريان، إنت مش غريب خلاص.
دلف حمزة من أجل إتمام مهمته هو أيضًا، ولكن المفاجأة كانت أكبر من تصوّره لدرجة أنه لم يعرفها في البداية، قبل أن يميّزها قلبه ويتسمّر في مكانه بعدم استيعاب. هيئتها سلبت لُبّ قلبه، حمد الله أن لا أحد من الرجال دخل خلفه. يُقسم داخله، إن جلست مكان العروس فلن يُصدّق أحد في العالم أنها الأم وليست العروس.
– مالك وجفت ليه؟ مفيش حد غريب، دي العروسة وأمها. إنتو خلاص بقيتوا نسايب يعني مش أغراب.
على أساس أنه لم يعرفها، ولكن صوت وصفي جاءه كمنبّه حتى يتمالك بأسه، ويتقدّم نحو عروس شقيقه أولاً ، الجميلة البريئة:
– ما شاء الله، اللهم بارك، عروستنا اللي بجت بتنا رسمي دلوك .
ضحكت ليلى لتصافحه بلهفة:
– عم حمزة، ربنا يبارك فيك.
– ويبارك فيكي إنتي يا أحلى عروسة. الواد اللي جاعد برّا دا مش هدخله، دا مجنون وممكن يخطفك بعد ما يشوف حلاوتك دي!
قهقهت بعفويتها التي تصدر بشقاوة، لتتمازح معه قليلًا، قبل أن يلتفّ عنها ويعطي اهتمامه لتلك الحورية التي كانت تفرك كفّيها أمامه بتوترٍ تضاعف بنظرته الثاقبة نحوها، نظرةٍ اخترقتها بجرأةٍ لا حدود لها، رغم حديثه بصورةٍ طبيعية أمام شقيقها وابنتها:
– إزيك يا نسيبتنا.
تلك النبرة التي يتحدث بها، يجهلها الجميع إلا هي، وكأنه يختصّها بها وحدها. ذلك الماكر، وكأنه اخترع لغةً لها، ينجح دائمًا في إرباكها، بالإضافة إلى النظرة المثبتة عليها. ألا يكفيه خجلها الشديد أمامه الآن؟ اللعنة، كيف تجد صوتها الآن؟
اهتزّت رأسها بابتسامةٍ مضطربة كردٍّ له، ليرحمها قليلًا من غزوه، ويُخرج من جيب جلبابه ورقةً يقدّمها لها:
– دا شيك بمليون جنيه، قلت أديهولك في يدك، وإنتي حرّة تديه لِوصفي أو تشيليه مع نفسك.
تناولته وأعطته لِوصفي سريعًا مردّدة:
– وصفي طبعًا أولى، دا أكتر من أبوها كمان.
– تمام.
أومأ لها بهزّة من رأسه، ثم انتبه إلى دوي الهاتف، ليعرف المتصل دون مجهود ولا نظرة إلى الشاشة:
– طب العريس بيرن، يدخل بجى يسلم على عروسته ويباركلها، ولا يستنى لما ياجي بعد شوية مع الجماعة على حنّة العروسة؟
رحّب وصفي على الفور:
– لا يا عم، خليه يدخل، دا خلاص بقى ولدنا، كيف ما بِتنا بقت بِتكم.
لم ينتظر معاذ ثواني بعد أن جاءه الإذن بالدخول، ليدلف على الفور معهم. وما إن رأى عروسه أمام عينيه، لم يجد الفرصة لتحية الباقين حتى، وقد خطفها مباشرةً إلى حضنه، حتى ارتفعت قدماها عن الأرض، لتصدح ضحكاتها أمام ثلاثتهم. مزيونة جمّدتها المفاجأة، ووصفي الذي تبسّم ضاحكًا هو الآخر، أما حمزة فقد غمغم قائلًا:
– يخرب بيت عقلك يا مجنون.
ليتوقف بحسرة وعيناه ذهبت نحو معذّبته، متمتمًا بحديثه:
– والله شكله الجنان هو بس اللي بيجيب فايدة.
*******************ليلة الحناء مساءً
حيث انقسم الصوان إلى جزئين: أحدهما خاص بالرجال، يستقبل فيه أهل العروس من عائلتها المهنئين والمدعوين، أما النصف الثاني فهو مخصص للنساء والفتيات من أهل العروس. غالبًا ما تكون تلك الليلة هي الأفضل لفئة النساء ، حيث يأخذن حريتهن في الرقص المتواصل والمرح، مع توزيع المشروبات بشكل مستمر.
لكن حين يأتي العريس وأهله، يختلف كل شيء. وماذا إن كان العريس هو معاذ؟! وقد عبّرت محبوبته أمامه عن حسرتها في عدم رؤيته يرقص على حصانه مباشرة، ليأتي اليوم محققًا أمنيتها، فيرقص به أمام تصفيق الجميع وتشجيعهم على نغمات المزمار، ليشعل الحماس في قلوب الفتيات اللاتي يندفعن لاقتناص فرصتهن في الرقص معه. ثم يترجل هو من على حصانه ليرقص معها وسط الدائرة التي التفت حولها النساء والفتيات.
أما ذلك المسكين المنحشر وسط جلسة الرجال في موقع يُمكّنه من المتابعة إلى حد ما، لقرب منزله من الصوان، فبالكاد يرى بعض التحركات أو طيفها الساحر وهي تدلف إلى داخل المنزل أو تخرج منه.
وقد كانت في هذا الوقت تصفق مع النساء تشجيعًا لشقيقه الأخرق وهو يرقص على الحصان.
– عينك يا واد أبوي، الرجالة قربت تاخد بالها، وانت نظراتك كشفاك، ودي مش عوايدك، تمتم بها شقيقه وهو يجاوره في جلسته على الأريكة، ليرد حمزة بضيق:
– ياخدوا بالهم من إيه بس يا خليفة؟ ما تسيب أخوك في حاله يا واد أبوي، أنا أصلًا على آخري.
ضحك الأخير مستمتعًا باحتراق شقيقه، فتناول منه ذراع الشيشة التي لم يستعملها أساسًا، ليدخن منها وهو يقول:
– طب ما بدل الشندلة ووجع القلب ده، ما كنت اتقدمت إنت التاني مع أخوك أبو ربع ضارب، وكنا كاتبنالكم إنتوا الاتنين النهاردة.
– أيوه يا أخوي سهلة جوي! غمغم بها حمزة بسخرية، وأردف:
– أصل كنت هستناك إنت تقولهالي؟ أديني بصبّر نفسي مع الأيام، وأجول يا رب، مع إني من جوه والله بتسوى على الجانبين.
قهقه خليفة حتى سعل ولفت انتباه البعض إليه قبل أن يعود إليه بصوت خفيض:
– والله وجا اليوم اللي تجدر عليك فيه واحدة وتخليك تكلم نفسك! طب ما تكلم أخوها يمكن يقنعها.
عبس ناظرًا إليه بغيظ، وهو يقترح عليه بحسن نية حلولًا لا فائدة منها، وهو الأعلم بطبعها العنيد، وظروفه التي تجعل ارتباطه بها مستحيلًا في شرعها، حتى وإن كانت تبادله نفس الشعور.
– وه أخوك بيزوح الحصان مع ريان والدك،
قالها خليفة مشيرًا نحو مدخل النساء، حيث كان معاذ يصرف الحصان بصحبة ريان كي يعيده، لينتفض حمزة من مكانه مرددًا بعصبية:
– الدون، خد غرضه ودلوك بيتخلص منه.
ضحك خليفة مرة أخرى وسأله بدهشة:
– طب وإنت إيه اللي معصبك؟ ما دا المعروف، أكيد بعد ما خلّص فقرته بيه، عايز يختلي بعروسته، دا كاتب كتابه النهاردة يا عم.
حدجه حمزة بسخط، ثم اقترب وتناول سرج الحصان من ابنه بعد أن أنزله إلى الأرض، ليعتليه هو. وأشار إلى المسؤول عن سماعات الدي جي بإشارة معروفة جعلته يبدل الأغنية الرومانسية إلى مزمار صعيدي، ليأخذ هو دوره في الرقص على الحصان، ويصبح محط أنظار الجميع، كبير العائلة الذي لا يفعلها إلا نادرًا، حتى النساء تركن أماكنهن ووقفن عند مدخل الصوان الفاصل بين النساء والرجال ليشاهدنه. فأطلقت والدته الزغرودة الأولى كإشارة بدء، فتتبعتها باقي النساء بالزغاريد.
أما عنه، فقد كانت جائزته هي، وقد خلى الجمع من حولها، وبقيت وحدها تركز النظر إليه. ومن فوق ظهر الحصان، استطاع أن يرى تعابير وجهها بوضوح، ويحدث تواصل بصري بينهما، لا ينتبه له إلا المحبون، كأشقائه: منى التي صارت تغمز له بمكر، وخليفة الذي يضحك لفعله دون توقف، أما معاذ فقد كان في عالمه الخاص مع عروسه لا يشغله نفسه بشيء.
وأما الحاقدون كهالة التي لم يخفَ عليها ما يحدث، فازداد حقدها، مع شعورها بالوحدة. فحتى شقيقتها التي عوّلت عليها أن تتخذ موقفًا منهم، حتي لو لم يأت بنتيجة،لم تفعل، ولو مجرد تعكير لصفوهم.
رقص حمزة باحترافية حتى وقف بقدميه فوق ظهر الحصان، ليشعل الحماس في قلوب البعض، وتصدح التعليقات المازحة والتهليلات بشجاعته، ليجبرها رغمًا عنها على الابتسام لفعلته.
انتهت الأغنية، لكنه لم ينتهِ بعد، فصدح صوت الموال الجديد من المطرب المعروف، الذي وافق مزاج رأسه، ليؤدي مع كلماته حركاته ولكن الربابة بتحريك الكتفين والذراعين.
راكب العربية دا حبيبي وعينه لي باصص من الشباك الواد لأغاني وعينه لي أبص عليه ألاجيه عينه لي لدعه الغرام جابو خالي يا دلالي عليه يا دلالي
حقًا، كان رائعًا بصورة جعلت الإنكار صعبًا أمام عينيها، حتى اندمجت مع النساء في تشجيعه.
**************
وفي عالم آخر...
حيث الجلسة التي تجمع بين العروسين في ركن خاص بهما، وقد خف الزحام حولهما إلا من عدد قليل من الفتيات اللواتي يسترقن النظر إليهما بين الحين والآخر.
استغل الفرصة في غفلة منها، ليقبض على يدها، فانتبهت لتضربه بكفها الأخرى، توبخه بطريقتها:
– عييب عليك يا عم الشيخ معاذ، هتاخد فرصتك عشان الدنيا خفّت من حوالينا؟
بابتسامة مستترة، حدثها بتوعد:
– بتضربيني يا ليلى على كف إيدي، لكن انتي كدها دي؟
ردّت بتحدٍ:
– كدها ونص وتلت أربع! مش كسفتني قدام خالي وأخوك وأمي لما حضنتني؟ فاكرني نِسياها إياك؟ ولا سايبة هي؟
عيون القطة التي تبرق مع الإضاءة في كل كلمة منها، جعلته بالكاد يستطيع التركيز، وهي تقصد استفزازه بشقاوتها، فرد عليها:
– يعني اتكسفتي من مجرد حضن وأنا كاتب كتابي وبقيتي مرتي شرعًا؟ طب إيه رأيك لو بوستك دلوقتي برضو؟ هتجدري تمنعيني؟
– متقدرش، تفوهت بها مائلة برأسها نحوه، حتى كاد أن يفعلها، لولا انتباهه لنظرات الناس التي تحيط بهما، رغم قلتها، فضحكت مستمرة في غيظه، ليتمتم ضاحكًا:
– ماشي يا ليلى، خدي راحتك خااالص، من هنا لبكرة مش بعيد، هي ليلة وتعدي، وإن غدًا لناظره قريب.
– حاضر.
– حاضر إيه؟
– مش إنت بتقول إن غدًا لناظره قريب.
– ليلى...
_ امممم
– اتعدّلي.
– حاضر.
– تاني؟
قالها، لتنطلق في وصلة ضحك دون توقف، وهو بالكاد يسيطر على جموح مشاعره أمام تلك الجنية التي ملكت قلبه، والآن أصبحت زوجته، يعلم ان مزاحها ما هو إلا ستارا كي تخفي خجلها منه، فتلك طريقتها التي حفظها به طوال الفترة الفائتة، وهو متفهمُ لذلك ولا يضغط عليها ابدا
***************
بعد انتهاء الحفل، وقد غادر معظم المدعوين، ولم يتبقَّ سوى العريس وبعض أفراد عائلته، جلست بهم منى تحت شجرة التين في انتظار خروج العريس إليهم.
وقد غلبها التعب، فأسندت جسدها بثقله على المصطبة، تدعو زوجها للجلوس إلى جوارها، بينما كانت تنظر بعينيها نحو منزل شقيقها الذي اكتمل بناؤه تقريبًا، ولم يتبقَ سوى تشطيبه:
تعالى يا منص، تعالى... كاننا هنجوز التاني السنة دي، ولا اي بس؟
ضحك منصور ناظرًا نحو صهره:
وماله يا منى، هو بس يشاور، وبنات الحلال كتير... خصوصًا بعد رجص الحصان وهز الكتاف على الموال والربابة، عيني باردة عليك يا نسيبي.
ضحك خليفة، الذي أخذ راحته بعد مغادرة هالة وأبنائه مبكرًا، ليشاركهما مشاكسة شقيقه العابس:
يا سيدي، بس انت ادعيله... ربنا يعطيه مراده، ساعتها مش بعيد يعمل ليلة لله ويدبّح فيها دبايح كمان.
ضحك له الإثنان، ليعلق حمزة بحنق وعتب نحوه:
حتى انت يا خليفة، اللي بجول عليه العاقل، تتبع جوز أختك؟! ده أصلًا مرته نشعت عليه! خليك بعجلك يا حبيبي، سيبك منهم دول.
توقفت منى عن الضحك بصعوبة، موجّهة له سؤالها:
يعني بالذمة، مش عايز تتجوز صح؟ ولا نفسك تبقى ليلتك بكرة مع أخوك الصغير؟
لا مش عاوز... واتلمي بجى؟!
قالها بقوة، لكنها تبخرت في الهواء سريعًا، فور أن أطلت أمامه تلك الحورية من منزلها، تودّع والدته وعريس ابنتها شقيقه، بعد انتهاء الليلة، ليردد داخله بضعف ورجاء:
عايز... والله عايز... بس هي ترضى.
... يتبعقولتها وهقولها تاني وتالت يمكن تنصفوني في مرة كملو الفصل الفين لايك عشان انزل بالجديد على طول
رواية لأجلها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الثامن عشر في تلك القاعة التي امتلأت عن آخرها بالحضور من اهالي الجانبين او المدعوين من كل الفئات من اجل هذا الحفل العظيم، بتنظيم يسحر الأبصار ويلهب المشاعر بالأجواء الرومانسية كما يحدث الأن، تدار تلك الأغنية التي ناسبت الأجواء وكأنها صممت من أجلها، من أجل ليلى.
حبيبتي وعمري وأميرتي
يا بكرة اللي ماددلي إيديه
يا قصري وبيتي وجزيرتي
وحلم قدرت أوصل ليه
وقالوا الشعر عن ليلى
وكتبوا في سحرها دواوين
وأنا وليلى بقينا لبعض
في دنيتنا سوا عايشين
فستانك الأبيض اللي هياخد منك حتـة
وعشان اليوم ده رسمت عملت أنا مليون خطة
والناس بتغني والدنيا بتعزف زفة
والمزيكا تعلى ومعاها بتعلى الصقفة
والناس بتغني والدنيا بتعزف زفة
والمزيكا تعلى ومعاها بتعلى الصقفة
خطوه ورا خطوه بنمشيها دي اللحظة اللي أنا مستنيها.
يراقصها على الألحان العذبة وما الذي يمنعه؟ لقد أصبحت زوجته امام الملأ اجمع، ويحق لهما الان التصرف كما يشاءان على هذا الأساس، تميل معه حينما يميل، خطواتها توافق خطوته، يحتضنها ويدور بها في كل فرصة يلتقطها، فقد كانت اليوم تشبه اميرات الخيال، جميلة ومبهرة في الفستان الأبيض الطويل رقم قصرها نسبيا،
شقية ومندمجة معه لأبعد الحدود، وكأنها قطعة منه، معاني الكلمات يؤديها بكل تفاني، فهي اميرته وصغيرته وحبيبته ..............................
في جهة الحضور ، كانت والدتها تشارك الطاولة أسرة شقيقها ، زوجته واولاده، اما وصفي فرغم انشغاله بالترحيب مع الرجال بالحضور من المدعوين، الا انه لم يكف ولا لحظة واحدة كلما حانت له الفرصة كي يطمئن على شقيقته ويقبل رأسها، فرغم فرحتها الظاهرة امام العيان، لكن الخوف من القادم كان أكبر من تحملها
- مش هتجومي ترقصي يا مزيونة مع البنات؟اجفلتها بالسؤال محروسة زوجة شقيقها، لتذبهل امامها لحظات قبل أن تجيبها ضاحكة:- مين اللي هيرقص يا مجنونة، عاوزني اهز وسط الخلق!
جرالك ايه يا محروسة؟
ضحكت الاخيرة مرددة:- يعني هيكون جرالي يا بس يا مزيونة يا كئية، يا ولية بلاها العقل الزيادة ده، انتي بتك العروسة يعني تفرحي وتعملي ما بدالك، اينعم شكلك ميقنعش حد في الدنيا انك ام العروسة، لكن دا ميمنعش انك تهيصي، بل بالعكس دا انتي تاخديها فرصة عشان تفرحي يا ولية يا ام قلب عجوز .
التقطت منها الاخيرة لتردف مؤكدة عليها:- عندك حق، انا فعلا قلبي هو اللي عجز - مين دا اللي عجز يا خرفانة؟ انتي هتمسكي ف الكلمة صح ولا ايه؟ طب تعالي هنا.
قالتها محروسة تنتفض ناهضة من مقعدها لتجذب تلك الكسولة امام الحضور فتترجاها بحرج وصوت خفيض:- يا مري، جرالك ايه يا محروسة سيبي يدي يا مرة انتي.
تشبثت محروسة بها بإصرار، حتى جعلت عدد من النساء الجالسات على الطاولة القريبة منهما، ان يحثنها بتصميم كي يجبرنها على النهوض ومساحتها
فتستلم مضطرة لسحب الأخرى على مضض، حتى إذا وصلت بها لوسط ساحة الرقص عند صغيرتها، هللت ليلى تترك عريسها وتحتضنها بشوق وفرحة حتى التفت حولهما الفتيات من صديقاتها وبنات العائلة في دائرة، ليجعل مشهدهما ملهما لباقي الحضور من المشاهدين.
ومنهم كان ذلك الواقف في مطلع القاعة يستقبل الوفود من الرجال المدعوين ، بحلة أنيقة تعمد ارتدائها اليوم فزادته هيبة واناقة تلهب قلوب الناظرين اليه،
يرحب بالرجال ويتقبل التهاني والمباركات ، يسترق النظرات كل حين نحو تلك الفاتنة المتميزة عن الجميع، رغم تعمدها اليوم ارتداء عباءة سوداء مختلفة عن فستان الأمس، لإظهار الحشمة في الاحتفال المختلط اليوم، وإلا كان نصيبه ان يصور عدد من القتلة بسببها.
ظهر فجأة من العدم شقيقه المتهور صاحب الليلة، يصافح كل من يقابله من بشر في طريقه ويتلقي منهما المزاح حتى إذا وصل اليه، توجه اليه حمزة بسؤاله غاضبًا:- سايب عروستك وجاي هنا ليه يا زفت؟
ضحك معاذ يجيبه باندهاش:- يا عم وهو بخطري يعني؟ هرقص معاها وسط البنات وهي حاضنة امها، دي لحظة خاصة يا حمزة باشا ولازم نحترمها، اروح اشوف صحابي اللي بيشورلي بالمرة...
- استني عندك.اوقفه بحزم قبل أن يتحرك متوجهًا نحو مجموعة الشباب من اصدقائه، ليمنعه مشددًا عليه:- خلي اصحابك في وقت تاني، دلوك تروح بطولك، تغطي شوية على اللي واخدين راحتهم وبيرقصوا، العيون كلها رايحة عليهم، وانا مش حامل يا حبيبي الله يرضى عنك
فهم معاذ إلى ما يرنو اليه شقيقه، ذلك الغيور لا يحتمل النظرة الموجهة لتلك المزيونة رغم وجودها وسط عددا لا بأس به من النساء، ولكنه ليس غبيا حتى لا يعذره، فهي الوحيدة المنافسة اليوم لعروسه، رغم امتلاء القاعة بالجميلات، وعدم تعمدها لفت النظر بذلك الرداء المحتشم الذي ترتديه، رغم فخامته.
ليسايره ملطفًا بالابتسام:- حاضر يا عم حمزة هروح انظم وافرض كردون حواليهم من خواتك وعيالهم، هو احنا عندنا أغلى من العروسة وأم العروسة نداري عليهم ونخبيهم؟
عبس حمزة بحنق لتلميحه المستفز له، ليبادله بابتسامة صفراء زادت من مرح الاخر، فضحك بملء فمه ليتمتم له قبل أن يذهب بناءا على رغبته:
- خلاص يا عم متزقش، ماشي اها....
لعروستي.
غمغم حمزة من خلفه بسبة وقحة، ليعود بعد ذلك للترحيب بالضيوف منتبهًا لغياب الآخر:
- هو الزفت التاني كمان راح فين؟
كان خليفة في هذا الوقت خارج القاعة يودع أحد المدعوين من أصدقائه القدامى من خارج البلدة، حتى أصر على توصيله لباب سيارته، ليهُم بالعودة إلى القاعة والوقوف مع شقيقه الأكبر في استقبال الوفود.
ولكن تفاجأ وعلى حين غرة بتوقف إحدى السيارات بالقرب منه، فترجلت منها امرأة بهيئة تبدو مختلفة من ملابسها العصرية عن أهل البلدة، لم يعطِ انتباهه لها ليتحقق من هويتها وتجنب النظر إليها يواصل الذهاب إلى طريق القاعة، حتى توقف على صوت ناعم يناديه باسمه:
- خليفة.....
لا يدري ما الذي أصاب قدميه وقد تيبست في الأرض وتجمدت كل حواسه مع اقتراب الخطوات منه، لقد عرفها، عرفها حق المعرفة، تلك التي دهس قلبه على يدها واختار التعاسة انتقامًا من نفسه بسببها.
- خليفة أنا بنده عليك.
تمالك يسيطر على الخفقات المتسارعة بصدره، ليُجبر جسده على الالتفاف إليها، يغتصب ابتسامة مضطربة نحوها متحدثًا:
- أهلًا يا روان، دا إيه الصدف الجميلة دي؟
ضحكت تلك الجميلة وهي تقترب لتصافحه بيدها قائلة بنعومة لطالما أذهبت بعقله:
- لا يا سيدي مش صدف ولا حاجة، أنا أصلًا جاية معزومة، هي هالة مقالتلكش؟
- هالة!
تمتم بالاسم عاقد الحاجبين بذهول، لتردف بجرأتها:
- أيوه هالة يا سي خليفة، مراتك طمرت فيها العشرة عنكم، هي اللي اتصلت بيا ودعتني ع الليلة، بصراحة مقدرتش أرفض، معاذ دا أخويا الصغير اللي كبر قدامي، يصعب عليا أوي إن ماشفهوش في يوم فرحه وهو عريس.
أومأ يهز رأسه يدعي استيعابًا، رغم تشتت الأفكار برأسه عن الدعوة الغريبة، فزوجته العزيزة أبعد الأشخاص عن شيء اسمه المودة مع القريب أو الغريب، فما باله إن كانت روان وغيرتها القاتلة منها قبل ذلك.
- مالك يا خليفة سرحان كده ليه؟ لدرجادي وجودي غير مرغوب فيه؟
قالتها بمزاح داعب عاطفته نحوها، ليومأ لها بابتسامة مرحبًا يشير لها كي تسير معه إلى داخل القاعة المقام بها حفل الزفاف:
زوجة شقيقه السابقة ليست في جمال زوجته وابن عمه هالة، ومع ذلك كانت دائمًا رمز الأنوثة والنعومة، امرأة يتمناها كل من يتعامل معها، ذكية تعرف جيدًا استغلال تلك النقطة، ومع هذا لم تكن أبدًا ندًا لحمزة الحاد الطباع العصبي، رغم مبادلتها الإعجاب، لتحدث المشاكل العديدة بسبب الاختلاف الكامل في الطباع وعدم تكيفها مع أجواء البلدة الذي كان مصرًا عليها حمزة.
فلم يصمد زواجهم سوى ست سنوات رغم محاولاتهم الحثيثة للاستمرار من أجل الطفل، وتفرق الاثنان بتفاهم مشترك، جعلها تترك ابنها في الخامسة من عمره مع والده باطمئنان تام ودون مشاكل تذكر، أو ربما لأنها تطمح في العودة بعدم تعكير صفحتها معه، لا تعرف أن قلبه قد ذهب لغيرها.
ولكن ما الذي أتى بها اليوم؟ ولماذا الدعوة تأتيها من هالة التي كانت تكرهها حد العمى؟
في الداخل
كانت الأجواء مشتعلة، أصدقاء العريس في جانب، بجنون الرقصات التي تناسب شخصيته معهم، وفي جانب آخر صديقات العروس لا يقصرن بالرقص معها وحولها وبتشجيع البقية من النساء والفتيات من أهل العروس والعريس، حتى كن يشاركنها مثل حسنية وبناتها، فلم تكن تنقصهم سوى منى التي حشرت بطاولتها بعند من زوجها الذي كان يراقبها بتسلية وهي تفرك للقيام بوظيفتها معهن في انتظار انصرافه حتى كانت تطلبها منه في بعض الأحيان.
- منصور يا حبيبي، دي المرة التانية حمزة يشاورلك عشان تجوم تجعد مع الرجالة، اللي بيسألوا عليك، مش ناوي تروحلهم؟
اهتزت رأسها بابتسامة مستترة برفض قاطع:
- لا مش رايح، واللي عايزني يجيني لحد هنا يسلم عليا،
وانا على طرابيزتي
بإحباط شديد عقبت بصوت مبحوح كاد أن يضحكه:- ليه يا منص؟ ليه يا حببيي؟ طب انت نفسك مزهتجتش من القاعدة جمبي؟ دا انا نفسي تعبت من الكرسي، وعايز افرد رجليا حبة......
- جولي كدة...قاطعها بها ليردف بصرامة رغم صوته الخفيض:- هتموتي وتروحي ترقصي مع امك واخواتك يا منى، وانا مش هنوهالك، عشان انتي عارفة طبعي زين في الحاجة دي.
بتعب حقيقي زفرت تتجنب الصدام معه، فهي الأدرى بطبعه، رغم عشقه الجارف والحنان الذي يغمرها به، إلا أنه دائما ما يذكرها انها التلميذة بحضرته، خصوصا في هذه المناسبات الخاصة لها، غيرته الشديدة عليها لم تهدأ او تقل رغم مرور العديد من السنوات على زواجه بها، يحاصرها لدرجة الأختناق، ولكنها كيفت نفسها على الطاعة وفعل ما تريد بذكائها، وهذا ما يحسب حسابه الأن، لذلك يصر على عدم ترك الطاولة حتى لا تذهب إلى صف النساء وتعمل ما برأسها،
توقفت الأغاني الصاخبة فجأة بذهاب العروسين إلى منصتهم، وعودة النساء إلى طاولتهن، كحسنيه التي انضمت تجلس معهما بلهاث تشاكس ابنتها:
- عقبال عيالك يا منصور انت والبت دي، وارقصلهم كدة، لكن انتي مجتيش ليه يا منى؟ انا وكل خواتك كنا بنرقص!
عبست منى رافعة طرف شفتها بغيظ اضحك ذلك المتربص، ليعلق ببرود يزيد عليها:- ربنا يديكي طولة العمر يا حماتي،، احنا خايبين وملناش في الفرح زي ما انتي شايفة كدة.، معتمدين عليكي انتي والمجموعة، انتو الخير والبركة
- ليه وانا مشلولة مهعرفش ارجص لعيالي تمتمت بها منى ليواجهها بنظرة حازمة وابتسامه مستترة استطاع اخفاءها، لتغلق فمها ف انتظار الفرج ونهوضه من جوارها حتى تأخذ حريتها .
ورددت حسنية ضاحكة:- ربنا يديكم الصحة والعافية وتفرحوا بيهم وعيالهم، حد في الدنيا يكره العافية. ...............
وعند منصة العروسين، حيث الوالدة التي كانت تعدل من فستان ابنتها وجلستها جيدا، تتبادل معها حديث سريع، ان كان ينقصها شيء ما قبل أن تتركها وتعود إلى طاولتها، فجاء رد ليلى مباشرة:
- انا جعانة!- وه صدرت من مزيونة ليتدخل معاذ الذي وصلت اليه عبارتها:- اروح اجيبلك حاجة من البوفية ولا......قاطعته مزيونة مردفة نحو ابنتها بحزم:- تمسك نفسها على ما يجي ميعاد الوكل، ولا هي هتاكل وهي جاعدة على الكوشة؟.
تذمرت العروس ضاربة بقدمها على الارض:- بس انا جوعت فعلا، مش معقول هستني على ما يفتحو البوفيه كل ده.
- احسن عشان تتهدي وتبطلي رقص وتنطيط، ما هو دا اللي خلاكي جوعتي.تمتمت بها مزيونة في رد لها، قبل أن تجفل على معاذ الذي انتفض ناهضا يقول:- خلاص انا هتصرف واروح اجيبلها تصبيره.منعته بحدة هذه المرة :- اجعد مكانك يا معاذ، انا قولت مينفعش تاكل على الكوشة، خليها تتحمل - خير يا جماعة في حاجة؟دوى الصوت الرجولي المميز يخترق ظهرها قبل أن تجده بجوارها ناظرا اليها باستفساره، حتى تلعثمت امامه بارتباك ليتكفل شقيقه بالرد:- خير يا واض ابوي، بس ليلى بتقول أنها جعانة جوي وانا عايز اجيبلها اي تصبيره، لكن خالتي مزيونة رافضة
استفزها بقوله لتضيف عليه بحنق:- ايوة تتحمل عشان معدتش صغيرة،
ولا هيعجبك لما يصوروها وهي بتلوك في خشمها ويتريقو عليها.
- ومين دا اللي هيسمح ولا يديهم فرصة؟تمتم بها حمزة ليجاورها في الوقوف، حتى كاد لا يفصل بينهم شيء، ليخرج من جيب حلته علبة مغلفة يعطيها إلى ليلى التي طالعته باستفسار اجاب عنه وعيناه لا تغادر تلك الجميلة، مستغلا ذلك القرب بينهما، غير عابئًا بالبشر التي تطالعهم في القاعة الضخمة:
- دي قطعة باتيه يا ليلى خفيفة وتسد جوعك، كلي منها بسرعة وانا وامك واجفين حيطة سد نمنع عنك عيون الناس وكاميراتهم
ضحكت ليلى تفتحها سريعا امام ابصار عريسها الذي التف بجذعه هو الاخر يخفيها من جانبه، موجهًا الشكر إلى شقيقه بامتنان:- الله يبارك فيك يا حمزة، دايما كدة عندك الحل
قضمت ليلى منها تتلذذ بالطعم، لتضيف على زوجها:- وحلوة جوي يا معاذ، شالله يخليك يا عم حمزة بحلولك السريعة
ضحك ينقل ببصره نحوها سريعا قبل أن يعود لقواعده:- لا من ناحية الحلول دي بسيطة، انا جيبي ميخلاش ابدا من الحاجات دي عشان ريان، ودلوك بقى عندي عيلين مش عيل واحد. يعني لازم اعمل حسابي
قالها بمقصد مكشوف وصل إلى تلك المذهولة من فعله، حتى لم يعد بها رأس للتفكير، يلفها الارتباك بشدة بجانبه؛
- الله يسامحك يا عم حمزة يعني انا عيلة. تمتمت بها ليلى بضحكة اختلطت بشيء من طفولة وقد أسعدها وصفه، تعرض على عريسها المشاركة ولكن فرحة الاخير بسعادتها كانت كافية ومشبعة له من كل طعام،
فقد تكفل هو الاخر ليحاوط عليها بأسلوبه كي لا ينتبه عليها احد من المدعوين، وتيبست مزيونة محلها بجواره، بعد أن ورطها بتلك المهمة، وهذا القرب، صوت انفاسه يصل اليها، ثاقبتيه التي تخترق حصونها موجهًا حديثه بلهجة تبدوا عادية، وداخل كفه حمل لها قطعة فاخرة من شيكولاته يقدمها لها:
- أقبلي انتي كمان مني دي، حكم انا عندي منها كتير، كذا نوع منها، دا غير الكنز في الجيب التاني،ولو جعانة اطلعلك باتيه زي ليلى.
طالعته قليلًا بازبهلال لتنزل عيناها على الجزء المجاور لها من الحلة فتلاحظ انتفاخ ما بالجيب بما يحتويه، لتبزغ ابتسامة بشفتيها ما أجملها يزينها الحياء، معقبة:
- لا الحمد لله مش جعانة، خليهم لريان لا يعلمك مشاكل .اردف بمرح، وقلب رفرفت به الفراشات سعيد بابتسامتها:- انتي صدقتي، ريان دا حجة، انما ان جيتي للحق انا اللي كنت هفرط من الجوع، وسحبت من محل البقالة من غير حساب، خدي انتي بجى متكسفنيش.
امام رجاءه، اضطرت لتقبل الهدية رغم خجلها الشديد، لتتناول قطعة الشيكولاتة المغلفة بأصابعها الرقيقة فتلامس بطن كفه، لتزيده جنونا، فكاد أن ينسى العروسين وما تكفل به من مهمة نحوهما، لولا هذا الصوت الدوى ينزعه من سماء احلامه الوردية:
- شوف المفاجأة الجميلة دي يا ابو ريان.التف بابصاره نحو صاحبة الصوت الذي يعرفه حق المعرفة، لتكن المفاجأة من نصيبه حين وجد إمرأته السابقة تقف بجوار تلك التي قدمتها تتبسم بخبث يعلمه جيدًا، انها ابنه عمه الذي لا يتوه عن أفعالها ابدا، لتعود بطريقتها المكشوفة قائلة:
- شكلك مش مصدق، دي روان، هو انت هتوه عنيها؟- لا طبعا مش هتوه عن ام ابني؟هتف بها بحدة نحوها، ثم تجاهل يرحب على غير ارداته، بزوجته السابقة، وشيء من الارتياب قد تسرب داخله:- اهلا يا روان منورة، مفاجأه...... زينة، زي ما جالت...... هالة بت عمي.تقدمت منه المذكورة وامتدت كفها نحوه بشوق يلاحظه الأعمى:- رغم اني زعلانة منك عشان معزمتنيش، لكن معلش بقى، انا عذراك، ما أنت اشغالك كتير.....
عننا...
صدرت الأخيرة بنوع من العتب الثقيل عليه في هذا الوقت غير المناسب على الإطلاق، ليجاريها بلطف وعلى عجالة باعتذاره:
- معلش اعذريني فيها دي، أنا فعلًا قصّرت ونسيت، مش هتيجي تسلّمي على العرسان؟
قالها وانزاح بجسده مبتعدًا عن مزيونة التي تشاهد بوجه مغلف، يقدمها إليها في البداية:
- دي الست مزيونة أم العروسة، سلّمي عليها الأول.
قطّبت روان في نظرتها الأولى نحو مزيونة تقطب حاجبيها بشيء من الاندهاش عبّرت عنه:
- هو أنا أعرف من زمان إن الأمهات عندكم صغيرين بحكم جوازهم المبكر، بس مش لدرجة دي يعني، أهلًا يا ست آآآ...
- مزيونة يا روان، هو يبان اسم غريب لكن معناه جميل.
تفوه بكلماته بقصد تغاضت عن تفسيره لتقترب منها وتصافحها مهنئة قبل أن تذهب للعروسين وتلتقط الصورة التذكارية معهما، حتى حينما رغبت بمشاركتها معهم أصر هو ألا تمر الصورة بدون مزيونة.
كل هذا أمام هالة المحترقة من تجاهل الجميع لها، وكأنها ليست موجودة بينهم، أو ليس لها محل من الإعراب، حتى من تلك المتملقة التي تكفلت بدعوتها عبر الهاتف كي تأتي وتفتح لها أملًا زائفًا في الاقتراب من طليقها، لتلتقط حضورها اليوم وكأنها هدية، في الترحيب بها بمبالغة واضحة، ثم يكون جزاؤها النسيان منها. تمتمت بسبّة وقحة داخلها لتعود إلى طاولتها حيث وجود زوجها المراقب لما يحدث أمامه بشك، حتى إذا جلست مقابله واجهها بقوله:
- بتعزمي روان من ورانا يا هالة، من إمتى المحبة اللي مقطّعة بعضها دي؟
ردت بكذب مفضوح لتُخفي ارتباكها:
- وأنا إيه اللي هيخليني أكرهها؟ هي بس شوية المشاكل اللي ما بين السلايف، وخلاص كل حاجة راحت لحالها من بعد ما اطلقت من حمزة، بنت الناس ما قطعتش معايا من ساعة ما انفصلوا، يبقى أنا هقطع؟ دي حتى اللقمة ما تهونش غير على ابن الحرام.
- أيوه صح وأنتِ بنت حلال قوي.
عقّب بها برد ساخر لينهي جدالًا لا نفع منه معها، ويعود بأبصاره يراقب بصمت، وحزن يشق قلبه وهو يرى لهفة المذكورة في حديثها إلى حمزة بشوق ولهفة، ورجاء صامت حتى يعود إليها، ورد فعل الآخر هو التجاهل التام وقد انصب اهتمامه على عشقه الحقيقي، مزيونة بنت الأحرار.
..........................
ظلت هالة تأكل في نفسها بمرور الوقت، تنتظر أي رد فعل يأتي بنتيجة أو فائدة ولكن لم يحدث، حتى قررت أن تتحرك من نفسها، ذاهبة نحو مزيونة التي تركت العروسين، لتستريح على إحدى الطاولات القريبة من المنصة، وجلست بجوارها تحدثها:
- عروستك زي القمر يا مزيونة، ربنا يخليهالك وتفرحي بولادها.
سمعت منها لتردد خلفها بتمني:
- يا رب أفرح بولادها وبشهادتها، ده أحلى الأماني على قلبي.
- يا حبيبتي ربنا ينولك اللي عايزاه، ما شاء الله الفرحة كانت باينة في الصورة وأنتِ بتاخديها معاها من شوية، أنا كنت واقفة جنب المصور وشوفت بعيني.
شعرت مزيونة ببعض الحرج خلف كلماتها لتردف بنوع من الاعتذار:
- هو أنتِ ما اتصورتيش معانا، سامحيني ما أخدتش بالي، أنا كنت ناحية العروسة، افتكرتك انضميتي تبع قريبتكم دي جنب العريس.
صححت هالة بضحكة ماكرة:
- مش قريبتنا يا حبيبتي ولا كنا نعرف حتى بلدها فين؟ هي بس جات بلدنا في شغل مع أبوها تبع شركة المقاولات واتعرف عليها حمزة ووقع في غرامها، شياكة وألاطة وتعليم عالي زيه، أصل هو كمان مهندس، بس مهندس زراعي يعني، ما كانش عاجبه ولا واحدة من بنات العيلة ولا البلد كلها، شافها دي وقال هي بس اللي تليق بيا، النصيب بقى، هما بس شوية عند اللي دخلوا ما بينهم، لكن الراجل مسيره لمراته برضه، طول ما في عيل رابطهم ببعض.
سمعت منها لتتجه أبصارها تلقائيًا نحو المذكورين عند مدخل القاعة حيث ما زالت تلك المرأة تتحدث مع حمزة، تداعب بأصابعها على شعر صغيرها ريان الملتصق بها.
برد فعل غريزي من طفل نحو والدته التي لا يراها سوى مرات قليلة كل فترة.
امرأة راقية وجميلة، ترتدي ملابس أنيقة مثلها، متعلمة، تحظى باحترام طليقها والجميع من أسرته، فقد رأت بأم عينيها ترحيب البقية من عائلته بها، ما الذي ينقصها حتى يفكر بغيرها؟ تليق به ويليق بها، أما هي...
أين هي أصلًا من الإعراب؟ حطام امرأة تعيش على حلم ابنتها، التي تتزوج اليوم... ثم... ما الداعي للتفكير من الأساس؟ تنهدت بثقل تتذكر قطعة الشيكولاتة التي أخذتها منه قبل حضور المرأة، قابضة عليها داخل كفها وكأنها شيء قيّم، لتطالعها ساخرة داخلها من تلك المشاعر التي راودتها لحظات، وداعبت خيالها في العديد من الأوقات السابقة، يبدو أن جفاء السنوات السابقة جعلها متعطشة لثمة عاطفة زائفة تلامس إحساس الأنوثة المهدورة داخلها، يا لها من بائسة.
انتهى الزفاف بتوصيل العروس إلى منزل عريسها ومقرها الأصلي الأيام القادمة، قامت هي بكل مهام الأم المطلوبة منها بمساعدة زوجة شقيقها محروسة التي رافقتها في كل المراحل، بمروءة لا تقل عن زوجها الذي تولى مهمة ولاية أمر العروس على أكمل وجه.
أعدت لها عشاء العرس ورافقتها حتى غرفة نومها، تلقي على أسماعها بعض النصائح اللازمة، وبقلب منفطر ودعتها، تدعي ثباتًا واهيًا أمام أسرة عريس ابنتها التي يغدق أفرادها بالمودة الشديدة نحوها، وهذا ما يطمئنها بعض الشيء في ترك صغيرتها بحوزتهم، لتغادر بإصرار عجيب على العودة إلى منزلها ومعارضة شقيقها الذي يفعل المستحيل حتى تسكن معه في منزله ولكنها وبكل قوة ترفض.
فتأتي بعد أن انفض الجمع من حولها، بناءً على رغبتها في الانفراد بنفسها، فتحط بثقلها على المصطبة الطينية أسفل شجرة التين العتيقة خلف منزلها.
خيوط الإنارة ما زالت محلها، وقد تعمرت المنطقة بالمبنى الجديد، وعمال الحراسة منتشرون في أماكن متفرقة في المنطقة، لا يوجد وحشة أو وحدة سوى داخلها، ولكنها لا بد أن تعتاد، هذا اليوم كان سيأتي عاجلًا أو آجلًا، ولا بد لها التكيف من الآن والتفكير أخيرًا في ذاك الشيء الذي نسته كثيرًا على مدار عمرها، وبغفلة منها وهو مستقبلها!
- آسف لو هقطع عليكي وحدتك.
صدر الصوت الرخيم لينتشلها من غمرة الشرود التي تاهت بها، لتلتف إليه برزانة وتحفظ:
- يا مرحب يا أبو ريان، ما فيش وحدة ولا حاجة، هي بس لحظة التأثر اللي بتصيب كل أم في أول فراق من بنتها.
يتفهم جيدًا إنكارها وادعائها القوة أمامه، فطالعها بحنو وتأثر قائلًا:
- أنا عارف طبعًا بإحساس كل أم في اليوم ده، خصوصًا لما تكون الأم دي مزيونة أعظم أم في الدنيا.
لم تجد من الكلمات ما يناسب إطراءه، وقد شددت داخلها على الالتزام بالتحفظ وعدم الانسياق خلف عاطفة النساء الضعيفة أمام كل كلمة ناعمة ولو حتى غير مقصودة، لتطرق برأسها بصمت استغله هو ليواصل طمأنتها:
- مش عايزك تقلقي ولا تخافي يا مزيونة، ليلى بقت بنتي زيها زي ريان، يعني مستقبلها وراحتها بيجوا اختصاصي قبل ما يكون أمانة في رقبتي.
هنا لم تقوَ على الهروب بعينيها عنه، ليحدث تواصل بصري بينها وبينه، وكأنها كانت في حاجة إلى كلماته، حاجة لأن تطمئن؛ في وقت ما أصعبه على امرأة مثلها.
قطع لحظتهم النادرة قدوم أحد الأشخاص نحوهم يخاطبها:
- مساء الخير، أنتِ لسة ما فتحتيش الباب يا عمة؟
تطلع حمزة نحو الفتى يسبقها في الحديث بحنق شديد:
- تفتح إيه بالظبط؟ أنت جاي ليه يا حازم دلوق؟
كان سؤاله به من الفظاظة ما جعلها تسارع على الفور بالتوضيح:
- حازم ولد أخوي من هنا ورايح هييجي كل يوم، هو أو حد من إخواته يؤنسني، أخوي هو اللي حكم بكده عشان رفضت أروح معاه بيته، عن إذنك بقى يا أبو ريان.
وتحركت ذاهبة من أمامه ترافق الفتى نحو باب منزلها، تتركه متصلبًا محله، إنه بالكاد شعر باستجابة منها.
ليأتي هذا الفتي ويقطع حبل التواصل قبل أن يبدأ جيدا، ياله من تعيس الحظ.كان ينقصه هذا السمج.......................................
داخل شقة العروسين وبعد ان صلى بها ركعتين وشكر ربه وحمده على نعمته في تحقيق أمنيته في الارتباط بها، ثم وضعكفه فوق رأسها متضرعا للخالق بالدعاء الشهير لهذا اليوم وبداية العهد الجديد بينهما.
ثم تمتم بعدد من الأدعية الأخرى وجعلها تردد خلفه لبداية يحفها الخير والبركة والرجاء في الحياة السعيدة والذرية الصالحة
حينما انتهيا أخيرًا وقف يتأملها قليلا بصمت، يشبع عينيه من جمالها الفطري، فقد كانت اليوم أميرة بفستانها الأبيض، اما الان فهي تأسر قلبه برقتها، وبأفعالها العشوائية في رفع سجادتي الصلاة ثم خلع الحجاب عن رأسها ناظرة له ببرائة وكأنها لا تعرف برهبة تلك اللحظة والخجل المطالبة به، ليلوح لها بكفيه الاثنان امامها بمزاح لم تفهمه، حتى قطبت مرددة:
- ايه؟ عايز ايه يعني؟ليباغتها فجأة بالقبض على كفيها الاثنان قائلا:- مش دي يدك اللي كنتي محرمي عليا امسكهم، رفع الاثنان الى فمه، يطبع قبلتين على الجلد الناعم بحنو.
وقبل ان تجد صوتها، او ينبت فمها بكلمة واحدة جذب خصلة كبيرة من شعرها الغجري الطويل، يستنشق رائحته بنهم يعبئه به رئتيه ثم واصل بعذوبة:
- ودا شعرك اللي طير من عيني النوم من يوم ما شوفتك، وانا بحلم المسه بإيدي كدة واشم ريحة المسك منه
تأثرت بخجل من فعله حتى اسبلت اهدابها عن مواجهته، لتشهق فجاة، حين دفعها على حين غرة لترتطم بصدره، وذراعيه التي التفت حول خصرها تلصقها به، متمتما بسطوة:
- هو انتي افتكرتي ان دا أقصى طموحي يا ليلي؟بصعوبة شديدة من فرط حيائها، خرج اسمه من بين شفتيهاا بما يشبه الاعتراض وهي تحاول فك ذراعه عنها:
- معاااذ
ردد هذه المرة بصوت رجولي عميق، يمرر انامله على خدها:- معااذ مين بس؟ لا تكوني نسيتي التانية كمان، اللي اتحدتيني بيها امبارح جدام الناس في حنتك؟
برقت نحوه بعيني القطة خاصتيها، تستدرك مقصده لتغمض شفتيها وتفتحها بما يشبه نطقها، فيترجم هو على الفور:
- اييييوه بوسه.....وما كاد ينهيها حتى أكمل بعمليه، ليلتقط شفتيها بين خاصتيه بالقبلة الأولى بينهما، يتذوق رحيقها بتمهل رقيق يذيبها بين يديه، يمتص خوفها، قبلة تحولت بعد لحظات إلى متلهفة، متطلبه، حتى فقد صبره ليغزوها بجموحه، فيسير بها نحو الفراش دون ان يفلتها من بين يديه وكأنه سوف يفقدها ان ابتعدت ولو قليلا عنه،
يزيل بيده كل ما يحول بينها وبينها، ليبدأ معها سيمفونية من العشق ، في تناغمٍ وجدانيّ متشابك، تعانقت به الأرواح قبل الأجساد.... ليلةً تغزو الوجدان، غرامًا بطعم العشق، وحنينًا لم يُعرف له مثيل.
كل تنهيدة منها تصله كموسيقى عذبة توقظه أكثر من أي صمت.استحالت أنفاسهما متقاطعة، وهمساتهما ممزوجة، كأن الليل بأسره اختُزل في هذا اللقاء.ليلة عنوانها الحب وفقط
رواية لأجلها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
ءالفصل التاسع عشر هتف بالاخيرة نحو احد الشباب من العاملين في المنزل، واتجه بخطواته السريعة نحو السيارة المصطفة في جانب وحدها من الشارع ، ليضع السلة الثقيلة في الحقيبة الخلفية بها، ثم قام بفتح الباب الامامي يشير لها للانضمام:
- اتفضلي بجى من غير كلام تاني.طالعته بصدمه تنوي رفض الجلوس بجواره في الامام، ليلتقط ما تفكر به، ويسبقها بابتسامة ماكرة؛- ما تيللا بجى يا نسبيتنا هو انتي غريبة يعني؟........................
داخل غرفة العروسين في منزل حماد القناوي وقد استيقظ بنصف وعي اثر الضوء الذي كان يخترق اجفانه دون ان يشعر، يتذكر ليلته السعيدة مع عروسه الجميلة، ليمرر كفه على الفراش بجواره كي يلتقطها، ويضمها اليه، مذكرًا نفسه انها أصبحت ملكه بالفعل، وان ما يشبع وجدانه الان من مشاعر تفوق خيال رأسه، لم تكن محض حلم من أحلام يقظته او نومه، بل هي حقيقية وحقيقة مؤكدة ولكن.....
فتح عيناه على وسعها مجفلا لخلاء الفراش منها ومن أي أثر لها، لينتفض معتدلًا بجذعه يطالع الغرفة المزينة حوله وأثار ليلته الجامحة يثبت صحة عقله، فستان الزفاف المعلق في المشحب، مع حلته السوداء بسترتها والبنطال، حذائها وحذائه على الارض والمنامة الحريرة التي ألقاها بنفسه على الأرض أثناء ال.......
نهض عن فراشه فجأة يبحث عن الشيء الوحيد الذي لم يراه حتى الان، متمتمًا بفزع:- الاسدال، لتكون عملتها وراحت لامها البت المجنونة دي، ليلى، يا ليلى.....
صدر ندائه الاخير بصيحة أتت باستجابة فورية منها:- ايوة يا معاذ انا هنا.التف يجدها خارجة من الشرفة بالاسدال ليتنفس بارتياح نسبي يقترب منها ويحتضنها بشوقه:- يا صباح الورد يا جلب معاذ، انتي سبيتي الفرشة وجومتي ليه من جمبي بس ؟
تركته يقبلها على وجنتيها قبل أن تجيبه:- عادي كنت بكلم صحابي على الشات .سمع منها وبرد فعل غريزي ابتعد عنها مرددًا بعدم رضا:- ودا وجته تكلمي فيه اصحابك يا ليلى، ولا انتي نسيتي وضعك دلوك؟ ميصحش اصلا ، ده ميصحش.عبست مرددة خلفه بسجيتها:- هو ايه اللي ميصحش؟ انا لقيت نفسي صاحية وانت نايم مكانش ينفع اصحيك، مسكت فوني لقيتهم هما كمان فاتحين نت، دخلت كلمتهم عادي، ضحكنا وهزرنا على الفرح امبارح وبعدها كلموني ع الدورس وكيف هيجمعهوالي على ما ارجع في الكام يوم اللي هنسافر فيهم معاك.
استوعب قليلًا ليومأ متفهمًا ولكن بحذر:- خلاص نعديها المرة دي بس ياريت متكرريهاش تاني النهاردة ولا بكرة على الاقل، يعني عشان صورتنا انا وانتي جدام الناس، لازم نتقل شوية ونعمل لنا مركز.
توقف برهة ليكمل بمكر وعضلات وجهه ارتخت بعض الشيء لعلمه بطبيعة الفتاتاتين:- وعلى العموم سمر ونسرين الاتنين مدهولين، مش ناصحين جوي يعني عشان الواحد يقلق منيهم ولا يعملهم حساب...تبسمت هي لمزاحه رغم اعتراضها، لتلكزه بقبضتها على جانب صدره تحذره:- بطل غلط، انا مسمحلكش تغلط في صحباتي.
جلجلت ضحكته يضاعف مناكفتها بلف ذراعه حول رأسها مردفًا:- يا لولة عديها بجى، أنا بهزر وافك معاكي عشان انسى خلعتي منك، بعد ما صحيت من نومي وملجتكيش جمبي افتكرتك مشيتي على امك وعملتيها فيها، حكم انتي يا بت مزيونة مش مضمونة.
- لا ما انا كلمتها وطمنتها. توقفت الضحكة بثغره كما أنه رفع ذراعه عن رأسها،يردد خلفها بعدم تصديق:- كلمتيها كيف يعني؟ لا انتي اكيد بتهزري .
تبسمت بمرح تؤكد له:- لا والله ما بهزر، امي كانت هتموت من القلق عليا، انا كان لازم اتصل عشان اجولها واطمنها.
بهتت ملامحه إلى حد الإصفرار، يطالعها بأعين برزت برعب، تتلاعب الظنون برأسه ليلطم بكفه على خده مرددًا:- اتصلتي بأمك يوم صباحيتك تبلغيها عن اللي حصل ما بينا يا ليلى؟
انفعاله المبالغ فيه اضحكها بشدة، لدرجة لم تجد صوتها في رد له، حتى امسك بها من كتفيها يستدرجها ببعض الحزم كي تتوقف:
- ليلى يا حبيبتي، مش وجت ضحكك خالص دلوك، انا عايز اعرف بلغتي امك ايه؟بصعوبة شديدة تماسكت لتهدئ من روعه:- ميروحش مخك لبعيد، انا مبلغتهاش بتفاصيل لأن أمي اساسًا مأدبة متحبش الكلام ده، وانا زيها على فكرة يا ابو ضمير مش سالك، دا غير انها منبهه عليا من البداية، ان اللي يحصل بين الراجل ومراته أسرار مينفعش حد منهم يطلعها.
اراحته اخيرا ليسقط بجسده جالسًا على طرف التخت، يزفر بتعب، يمسح بكف يده على شعر رأسه للخلف وبصمت دام لحظات، حتى اقتربت منه قائلة بطرافة:
- سكت يعني مقولتليش زين عليكي حلوة ومتربية زي امك....وما كادت تنهيها حتى جذبها من يديها، ليسقطها على التخت بجواره، فصدرت صرخة الاجفال منها وهو ينقض عليها مكتفًا ذراعيها فوق رأسها يردد بتحفز:- وكمان جايلك قلب تستخفي دمك بعد ما نشفتي دمي مرتين يا باردة، دا انا هاخد حقي منك تالت ومتلت دلوك،فصاحت تقاومه لتدفعه عنها بدلال وتمنع مرغوب، حتى وصلت أصوات مزاحهم والمداعبات الى خارج الشقة، وفي تلك الاثناء كانت إحدى اشقائه تحمل صنية طعام الإفطار، وعلى وشك طرق الباب او الضغط على الجرس، فأصابها الحرج لترتد الى الخلف تهم بالعودة، متراجعة بخطواتها حتى هبطت الدرج نحو الجلسة التي تجمع والدتها بعدد من شقيقاتها، تجهز نفسها لسخريتهم، ....................
وبداخل السيارة التي تقلها معه، كانت جالسة جواره في الامام يسوق بها إلى وجهتهم ملتزمة الصمت ، تحاول السيطرة على ذاك التوتر الذي أصبح يصيبها في حضرته، أفعاله المكشوفة في مناكفتها، نظراته التي يخطفها نحوها في كل لحظة أثناء ترديده لاغاني المزياع العاطفية، حديثه المستمر معها في مواضيع شتى، وكأنه متعطش لسماع رأيها فيها، فكانت تبداله الردود ولكن بتحفظ مقصود كلما أتى برأسها صورة المرأة الجميلة زوجته، تذكر نفسها بالفرق الشاسع بينهما.
- الواض ريان امبارح كان هيجنني برقصه، قسما بالله كنت هفطس على نفسي ضحك وانا شايفه بيعقب برجليه، العيال دي ميخفاش عليها حاجة واصل .
ابتسامة حقيقية زينت ثغرها بذكر الصغير الذي آثار انبهارها بالفعل حتى نست حرصها في تشجيعه بالأمس وتقبيله من وجنتيه امام البشر، لتعلق على قوله الان:- هو بالفعل كان حلو جوي امبارح، ربنا يخليهولك وتفرح بيه،
- اللهم امين يارب تمتم بها بارتياح ليردف بقوله:- خسارة مش جاعد النهاردة، اكيد كان هيعمل مهرجان بزيارتك عندينا، حكم دا بيفرح جوي لما يشوفك.
- ليه راح فين؟صدر السؤال منها بسجيتها فجاءت اجابته مفحمة لها رغم برائتها:- خدته امه يبيت معاها كام يوم، اصلها بجالها فترة طويلة بعيدة عنه.
سمعت منه لتوميء بتفهم مرددة؛- طبعا ما هي امه، ربنا يخليها ليه ويخليه ليها، ويجمعهم ببعض دايما.
لم يفهد على مقصدها الاخير حتى كاد أن يستفسر مواصلا الحديث، ولكن اوقفه اختراق السيارة لداخل محيط المنزل الكبير، وظهور ابنة عمه وزوجة أخيه هالة، في شرفة المنزل التي كان تطل منها في هذا الوقت..... تطالعهما بانتباه شديد، جعله يزفر بضيق مكتوم مؤجلا حديثه مع هذه العنيدة في وقت آخر. ............................
اما في الداخل فكان المزاح على أقصاه بين ام ياسين التي تعرضت للموقف الحرج وبين اخوتها ووالدتها وقد صارت المادة الخام الان لسخريتهم، مستغلين خجلها الشديد رغم كبر عمرها، وأولهم منى:
- بجى يا ولية يا اللي مجوزة بتين وفيهم اللي مخلفة كمان، في عمرك ده وبتتكسفي؟- وافرض مجوزة بتين يا منى، انا كنت دخلت معاهم يعني ؟قالتها المرأة بعفوية لتنطلق ضحكاتهم بصوت أعلى من السابق حتى اجبرن شقيقهن على الخروج من مخبأه في غرفة المكتب التي كان يعمل بها ليستكشف الأمر، وقد صدر تعقيب الثالثة وهي تدعى ام تبارك موجهة الدفة نحو منى:
- عندها دم وبتتكسف يا ختي، مش زيك يا بتاعة منص؟شهقت منى ردا لها متخصرة:- ومالها ياختي بتاعة منص؟ هي اللي العيلة دي كلها فيها غير منص.
- تشكري يا مأدبة يا مرباية.جاء التعليق هذه المرة من مدخل المنزل، يجفلها حمزة بدلوفه حاملا لسلة الطعام، يردف بضيق مصطنع:- اخص عليكي وعلى ربايتك اخص.التفت نحوه تلطف ضاحكة:- مجصديش عليك يا واض ابوي،، وهو في العيلة دي كلها زيك، انت ومنص والباقي كله واغش.
- يخرب مطنك انا كمان حسبتيني من الواغش، ماشي يا منى.صاح بها خليفة ليفاجأها بحضوره هو الاخر لتعلق ردا له:- وانت كنت متخبي فين يا حزين؟ مش تتنحنح عشان اعمل حسابك.وهكذا قدمت مزيونة في لحظة من الصخب والمرح بين الأشقاء، ليقدمها حمزة ويخبرهم بحضورها،فتتلاقاها حسنية بترحابها الجميل قبل أن تصعد بها إلى ابنتها في تقليد متوارث، لقدوم الأم قبل حضور الجميع، وتجد مزيونة اخيرا فرصتها في لقاءها والأنفراد بها أيضًا
- يعني أنتي مبسوطة يا ليلى؟توجهت اليها بالسؤال وهي تمشط لها شعر رأسها الطويل وهي تقوم بتزينها، فتأتيها الإجابة من الأخرى بلمعة مميزة طلت من عينيها بوضوح عبر انعكاسها في المراَة:
- جوي يا اما جوي، معاذ عسل وحنين، وبيعمل كل اللي نفسي فيه، انا بحبه كد الدنيا كلها يا امه.
- كد الدنيا كلها!رددت بها مزيونة لتستدرك الأخرى سريعًا مصححة:- بس انتي اكتر منه يا امه.لم تقوى على كتم ابتسامتها، لتميل على رأس ابنتها تقبلها وتلقي اليها بالنصيحة:- حبيه كد ما تحبيه يا هبلة، بس لازم تعرفي ان حبي انا في مكان وهو في مكان تاني، حب الولدين غير حب الجوز، فهمتي.
ضحكت لها بطاعة تردد خلفها:- فهمت يا امه فهمت فعادت تقبلها مرة اخرى وتشدد ذراعيها في ضمها:- اوعي تغيبي عني اكتر من سبوع، انا لسة اصلا متعودتش على بعادك.
لامست كلماتها شغاف قلب ابنتها التي شددت هي الأخرى تخبرها بتأثر:- عمري يا امه ما هبعد عنك، حتى اليومين دول مش هبطل عليكي اتصال فيديو، انا مش جبلة عشان محسش بيكي، وزي ما جبرتي نفسك عشان تسعديني وتفرحيني، انا كمان عمري ما هندمك، دا وعد وعهد عليا وخليكي فاكرة
كان ردها كافيا ووافيُا حتى اصمت مزيونة عن المواصلة، ليتبقى لها فقط العناق، وكأن الجسد يأبى الإبتعاد عن قطعة منه، حتى اضطرت لتركها مضطرة مع دلوف منى وصوتها الذي صدح في الأجواء بسخريتها:
- ما خلاص يا مزيونة، خلاص يا حبيبتي، الحضن دا بجى ملك حد تاني، يا ولية افهمي بجى.ضحكت لها بخجل، تطالع القادمين خلفها، حسنية المرأة الطيبة البشوش ومعاذ عريس ابنتها والذي علق بدوره:
- بس يا ام ضمير مش خلصان انتي، نطلع تاني يا خالة مزيونة لو لسة مشبعتيش من ليلى.
نفت بهزة من رأسها بابتسامة عذبة:- لا يا حبيبي ربنا يخليكم لبعض، مش لدرجادي يعني، انا اصلا كنت نازلة بيها دلوك، أكيد الناس اللي جاية الصباحية تبارك وتهني بيسألوا عليها تحت .
وافقتها حسنية بدهاء:- مكدبش عليكي يا بتي، البيت تحت اتملى من حريم العيلتين وكلهم بيسألوا عايزين يشوفوا العروسة، بس احنا ولا يهمنا عروستنا الحلوة تنزل براحتها، واللي عايز يستنا هو حر عاد.
- اهي جالتلك عاد.رددت منى بها بمزاح، حتى شعرت مزيونة بحرج من كرمهما لتخاطب ابنتها:- واحنا مش هنتأخر عليهم اكتر من كدة، ياللا يا ليلى .تدخل معاذ:- لا معلش يا جماعة انا بستاذنكم بس دقيقتين تستنى معايا على ما غيرت ولبست جلابيتي، هنزلكم بيها على طول اطمنو.
اومأت حسنية بتفهم تسحب ابنتها وتحث مزيونة بعيناها ايضا قائلة:- خلاص يا ولدي احنا هننزل ونسبقكم ، بس متعوجوش- من عنيا...
قالها معاذ وتحركت المرأة بابنتها على عجالة تتبعهما مزيونة في مغادرة الغرفة من اجل النزول والترحيب بضيوف عائلتها ايضا، ولكن وقبل عن آن تبتعد عن الغرفة جيدا ومض برأسها شيء ما لتوقف منى برجاءها؛
- انا كنت عايزة منك طلب .تركت الاخيرة والدتها تسبقها الى الاسفل وحدها لتجيبها باستعداد تام لمساعدتها:
- اؤمري يا حبيبتي وانا عنيا ليكي. ابتعلت رمقها تخبرها؛- تسلم عيونك، بس انا عايزة اجابل استاذ منصور جوزك اشوروه في كلمتين .
قطبت جبينها باستفسار حتى همت ان تسألها، فأتى صوت صراخ مرح وركض من داخل غرفة العروسين التي لم يمر سوى لحظات قليلة على تركها، لتلتف رأسيهما نحوها بإجفال؛ سرعان ما تم استيعابه لتردف بغيظ:- شوفي الواد ال...... مش مستني على ما نبعد زين.......، دا كدة ولا هينزلوا الضهر حتى بعمايلهم دي.
تبسمت مزيونة بخجل شديد حتى طفى اللون الوردي على بشرتها، تتحدث بصوت بالكاد يخرج من فرط حيائها:- يبجى ننزلوا احسن واكلمك واحنا ماشين.اومات منى تلقي بنظرة اخيرة نحو باب الغرفة:- عندك حق انا بقول كدة برضو، لازم نغادر من هنا حالا ، جال وانا اللي اتريقت على ام ياسين الغلبانة... ...............................
ونزلت معها تستقبل وتتلقى التهاني والمباركات من نساء وفتيات تعرفهم ولا تعرفهم، جئن خصيصًا لهذا اليوم من العائلتين ومن ضمنهم كان عدد من أهلها كزوجة شقيقها وبناته، اما الرجال فهم في جزء خاص يستقبلا الحاضرين في دار الضيافة او غرفة الاستقبال في الدار، يقوم على رعايتهم أشقاء العريس وأبناء عمومته والاصدقاء الذين كانوا في انتظاره، ليحضر بينهم بعد قليل بعدما قام بإيصال عروسه إلى مقر النساء التي تلقفت قدومها بتهليل شديد، فرحا بها فغالبا ما يتم تصنيف جمال العروس في هذا اليوم، نظرا لما يتم من تجميل مبالغ فيه في يوم الزفاف، وهذه النقطة تحديدا تثير فضول النساء من الطرفين.
والعروس هنا كانت متميزة بصورة تثير الإنبهار، بجمالها الرباني وبشاشاتها في مصافحة النساء التي تتعرف بها لاول مرة، حتى أثارت الغيرة بقلب البعض كهالة التي تغتصب الابتسامات بصعوبة مع انتباهاها لاهتمام الجميع بتلك الفتاة وبوالدتها ألتي أخطأت بعض النساء بها حتى سألتها احداهن عنها أن كانت تلك الفتاة من اهل العروس متزوجة أو لا؟
كل ما يجري حولها أكبر من قدرتها على التحمل، فهي التي مصنفة من ابناء العائلة، لم تلقى تلك الفرحة منهم على الإطلاق في يوم فرحها، لا احد يشعر بها، حتى شقيقتها الحمقاء التي عولت عليها ان تشاطرها الأسى وذلك الاحساس القاسي، تجدها الأن ترقص مع الفتيات والعروس ايضا دون غضاضة وبود مستفز، تجزم داخلها ان ما يجري بعروق هذه الفتاة ماء بارد، وليست دماءًا حارة،
تجبر نفسها على المجاملات وادعاء البهجة حتى يمر هذا اليوم الثقيل ويسافرا زوج العصافير إلى مقر شهر العسل كما يقولون، فالعريس المتلهف لا يكف عن ترك اصدقائه كل نصف ساعة تقريبا، ليطل عليها بين النساء ويناغشها امامهم دون خجل ليطلق جوا من المرح بينهن بتعليقاته، او رقصه معها ومع من تتطوع من النساء من اهله او حتى الجارات.
ليتها وجدت نصف تلك الفرحة على وجه خليفة يوم زواجها به، لكانت نست كل جراح قلبها منه ومن حمزة وربما احبته..............................
بعد ساعتين تقريبا انصرفت معظم الحاضرات من النساء وصعدت العروس برفقة عريسها كي يستريحا استعداد للسفر عصرا،
وخرجت مزيونة لتقابل الاستاذ منصور قبل أن تغادر منزلها بحديقة المنزل فور حضوره بعد أن أخبرته زوجته برغبتها في لقاءه والحديث معه في أمر ما.
هي ليست جريئة على الإطلاق كي تطلب لقاء رجل غريب عنها ، ولكن منصور او كما تدلله زوجته منص، رجل تستطيع التحدث معه النساء بحرية وعيناه في عينيها دون تكلف، هذا ما لمسته في عدد المرات التي رأته بها، لا يزيح بأبصاره كما يفعل بعض الرجال تجنبا للفتنة، لا بل هو ينقل بنظرته إلى الفرد الذي امامه أُلفة تشعره وكأنه فرد من العائلة، ربما لتاريخه الطويل في تدريس الفتيات وربما لهذا الشيء الأهم وهو عشقه الجارف لامرأة واحدة تكفيه عن نساء العالم جميعًا مهما قابل من جميلات، ولهذا السبب كان لسانها منطلقًا في حديثها معه الآن:
- اللي عايزة اوصلهولك يا استاذ منصور ان انا كنت شاطرة في زمني، لكن دلوك الوقت اتغير والمناهج كمان اتغيرت، انا كنت الأول اعرف اذاكر لبتي في بداية الابتدائي، كان كل حاجة بسيطة ومفهومة بالنسبالي، لكن شوية شوية بجيت امسك الكتاب وانا معرفاش فيه حاجة، لذلك اللي كان متوفر معايا انها تاخد دروس، والحمد لله هي كانت بتفهم، انما اعملها ازاي لنفسي؟ البس المرينة واروح مع البنات ولا اعمل اني بذاكر وانا مش فاهمة، عشان اجي في آخر السنة استنى اللي يعطف علي بإجابة الأسئلة، الموضوع كبير وشاغل مخي من سنين، بس مش عارفاله حل .
بعد أن تركها تدلي عما بداخلها بكل حرية، جاء رده ببساطة تهدىء من توترها:- يا ستي وليه تعجدي نفسك جوي كدة، كل حاجة وليها حل وانتي مدام نويتي وكلمتيني، يبجى خلاص متشليش هم
- ماشيلش هم كيف يعني؟ هي دي حاجة هينة .عقب مؤكدا:- اه والله حاجة هينة وهينة خالص كمان طول ما انتي عندك الاستعداد، هجولك بس على الإجراءات اللي هنعملها في البداية وبعد كدة كل حاجة تيجي بالتريب
- يعني ايه المطلوب مني؟- هجولك.وانصتت اليه، تركز جيدا في كل حرف يقوله، لتسير على تعليماته بعد ذلك، غير منتبهة لتلك التي وقفت في مدخل المنزل تراقب من موقعها الحديث الجاري بين الاثنين، تتحين فرصتها كل دقيقة، بالنظر إلى جلسة النساء القريبة منها ومتابعتها لتلك المدعوة منى التي لا تستقر أبدا محلها، تتمنى لو تخرج اليهم ربما وجدت منها ما يثلج صدرها، ولكن الأخرى لم تفعل أبدا، حتى اتى الفرج من حيث لا تحتسب، بخروج حمزة من غرفة الضيافة يبحث عن شقيقه:
- خليفة، يا خليفة.تصدرت امامه تجيب عن ندائه:- خليفة طلع من شوية راح يمون العربية اللي هتسافر بالعرسان على الغردقة.
اومأ بتجهم كعادته:- اااه طب ماشي، لما ياجي ابجي اندهيله طيب عشان عايزه في حاجة كدة هم ان يتحرك ولكنها اوقفته مرة اخرى بعرضها:- ماشي هبلغه، بس انت لو عايزه في حاجة مهمة جوي كدة، شوف الاستاذ منصور اهو جاعد وممكن يساعدك
سألها باهتمام بعد ان أثارت انتباهه:- فينه منصور؟ جاعد مع مرته ولا طلع شقة العريس يباركله؟
- لا دي ولا دي، جاعد برا مع مزيونةتمتمت بها بلهفة جعلته يطالعها باستهجان مرددًا:- ايه هو اللي مع مزيونة؟ ما تنجي كلامك .
ارتسمت البراءة سريعًا بملامحها تبرر:- انجي ليه؟ هو انا غلطت في حاجة؟ استاذ منصور بجاله ساعة واجف في الجنينة برا مع الست مزيونة، يحكي معاها ويتكلم، حتى شوف بعينك اها.
واشارت له بذقنه إلى الخارج، لينقل بنظره هو الاخر، فيشاهد بأم عينيه الحديث المتباسط بين الاثنان، هي من تخجل من النظر اليه، تتحدث مع منصور بعفوية وتضحك معه وكأنها تعرفه منذ زمن، هذا الملعون سوف يقتله، وبدون أدنى تفكير تحركت قدماه ذاهبا نحوهم، غير ابهًا بشيء ولا حتى بفرحة هالة التي يعلم جيدا بنيتها ولكن عقله المشتعل الان بغيرته، ينحي كل حديث للحكمة.
من حسن الحظ، كانت مزيونة قد انهت حديثها وتحركت مغادرة المنزل، وتبقى منصور بمفرده، وقد كان على وشك التوجه للمنزله، حين باغته الاخر بدفعه للخلف حتى اصطدم ظهره بإحدى الشجيرات يجفله بحديثه:- واجف مع مزيونة بتحكي وتجول ايه ياض؟كاد منصور ان ينهره على فعلته ولكن وما ان انتبه لكلماته حتى ارتخت عضلات وجهه ضاحكًا يشاكسه:- وافرض اتكلمت ولا اتحدت معاها انت مالك؟
وما ان نطقها حتى اندفع نحوه على وشك الفتك به مهددا:- بلاش برودك دا منصور ، انطج وخلصني، لاطلع زرابيني عليك، انا مش شايف جدامي دلوك.
وكأن باحتراقه يزيد من مرح الاخر، الذي لم يأبه بهيئته الخطرة، ليضيف اليه بعدم اكتراث:
- تدفع كام وانا اجولك؟
رواية لأجلها الفصل العشرون 20 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل العشرون
اتبع فؤادك ولا تنظر لعقبات او معوقات، كُن دائما على استعداد لالتقاط الفرصة، او اخلقها بنفسك.لا يصح لك التراخي وقلبك معلق بالوصالحتى وان واجهت الرفض مرات، لا تكف عن المحاولةاشحن طاقتك دائما باليقين، وكن على ثقة أن ما تسعي سوف يصير.
*******************
الساعة الثامنة صباحًا.جالسًا على الأريكة الخشبية التي أتى بها خصيصًا في هذا المكان المميز بالقرب من منزله الذي لم ينته بعد من تشطيبه، والمواجه مباشرة لمنزل معذبته، تلك التي أسس من أجلها كل شيء هنا ، وهو الان في انتظار الطلة الصباحية منها، ان يشبع عينيه من وجه القمر وملامح العزة والعند، تلك الصفات الاخيرة التي قد يكرهها الرجل في المرأة، انما عندها هي فلا والف لا..... خصالها وان كانت عيوب فهو واقع بها إلى حد الثمالة، حتى وهي تتمنع عن اعطاءه ولو امل بسيط، ولكنه صابر ومثابر في طريقه للقرب منها .
مزيونة الحرة على وشك الخروج الان من منزلها، وهذا ما يبدو واضحا من حركة الباب الخشبي القديم الذي يهتز بحركة فتح مغلقه من الداخل، انتبهت حواسه في تركيز شديد ومتابعة، ولكن خاب رجاءه مع ظهور هذا الفتى ابن شقيقها، متوجهًا نحوه بابتسامة سمجة قد تكون بريئة ومع ذلك لا يقبلها منه، فيكفي انه نال مكانة القرب منها بعد زواج ليلى:
- صباح الخير يا عم حمزة، انت دايما صاحي بدري كدة؟بابتسامة صفراء بادله التحية والرد على مزحته الثقيلة على قلبه:- صباحك فل يا حازم باشا، طبيعتي يا سيدي ومجدرتش ابدا اغيرها، بس انت بجى اللي مش من عوايدك تصحى بدري .
تبسم الاخير يجيبه بمرح:- هو فعلا مش عوايدي، بس في حاجات مينفعش فيها التأخير زي مشاوير الجامعة اللي طلباتها مبتخصلش، عن اذنك بجى احصل مشواري .- اذنك معاك يا حبيبيغمغم بها يطالع اثر الفتى حتى اختفاءه لينقل نحو الباب الذي مازال مفتوحًا ولم يغلق بعد مردفًا بحديث نفسه بضجر:- ايه الحكاية ؟ مش ناوية تطلعي بجى ولا اروح اخبط عليكي بأي حجة انا على اخري وورايا مصالح.وكأنها أتت على النداء، ضربت ريح منعشة صفحة وجهه وكأنها بشارة، قبل أن تطل بكليتها امامها، تلملم أطراف الحجاب الكبير وهي تلفه حول وجهها، لتفاجأ برؤيته كما يحدث في كل مرة، فتلقي اليه التحية بارتباك:
- صباح الخيررد تحيتها بنبرة يتخللها شيء من الارتياح:- صباح الفل يا نسيبتنا عاملة ايه؟تلك الاخيرة التي يتمسك بها في كل حوار معها، لفتح باب للحديث وحتى تظهر تلك الابتسامة الصغيرة بثغرها رغم تحفظها الدائم:
- حمدلله يا ابوريان تشكر على سؤالك الدايم.كانت تهم بالذهاب ولكنه اوقفها باستفساره:- اااا هي ليلى اتصلت بيكي؟التفت اليه بابتسامة مستترة لتجده قد نهض تاركا محله وخطواته تقترب منها بتأني، بحجج مكشوفه أصبحت تعتاد عليها:- اتصلت يا ابو ريان وفرحت جلبي بحكاويها هي ومعاذ، على كد اشتياقي ليها، على كدة ما انا جلبي بيرفرف مع كل كلمة اسمعها منهم، ربنا يديم عليهم السعادة
ردد خلفها بتمني:- اللهم امين يارب، خلاص اسبوع العسل قرب يخلص وكلها بكرة ولا بعدة وتلاقيها جات وتشبعي منها، ياللا بجى، واللي خدتو راحة وز وز هيطلع عليها الايام اللي جاية بط بط في المذاكرة .
بقلق لا يفارقها، تحدثت معقبة على كلماته:- ربنا يعينها عاد ويعدي السنة اللي باجية دي على خير، اسيبك انا واشوف اللي ورايا .
- ايه هو اللي وراكي؟سألها باندفاع تغاضت عنه رغم تحفظها، لتجيبه بمراوغة:- شوية مشاوير كدة في البلد يعني مش مستاهلة تعب ولا موصلات، يتاخدوا كعابي.... فوتك بعافية يا ابوريانحسنا لقد فهم على قصدها الاخير وهي تقطع عليه الطريق بعرض خدماته في توصيلها بسيارته، لكن لا بأس، في جميع الأحوال سيعرف وجهتها، ليتمتم ردا لها
- الله يعافيكي يا نسيبتنا.................
وفي عرض البحرداخل يخت الأحلام الذي تم استئجاره هذا اليوم من اجل القيام برحلة ترفيهيه مختلفة عن كل ما سبق ولتنضم إلى قائمة من الأنشطة التي قاما بها الثنائي للاستمتاع بالأيام الأولى لزواجهم
خلف السياج الحديدي وقفت بملابسها الفضفاضة المشرقة، تطالع المياه الزرقاء بأمواجها المتلاطمة بدلال حولها، وبعض الأسماك التي تفاجأها بالقفز للأعلى على حين غرة ثم تعود لموطنها لتزيدها شغفا وانبهارًا حتى اندمجت ولم تشعر بذاك الذي أتى من خلفها يرفعها من خصرها ممازحًا:
- انزلك تنطنطي في المية زيهم؟صرخت بين يديه تتمسك بطرف السياج الحديدي:- معااااذ، بلاها هزارك البايخ لاقع من يدك.هزهزها يزيد من رعبها ضاحكًا:- طب عشان هزارك البايخ دي انا هنزلك فعلا.علت صرختها هذه المرة ليتركها مضطرا:- يخرب مطنك صوتك مسمع في البحر كله فضحتينا، هو انا كنت هنزلك صح يعني؟ مفكيش عقل؟
- لكزته بقبضتها على كتفه بغيظ مرددة:- لاه مفياش عقل، وانت الغلطان عشان هزارك التقيل، انا فعلا حسيت انك هترميني يا معاذ وسط السمك اللي بيفطفط ده عشان أغرق ولا القرش كمان ياكلني وتبقى شيلت ذنبي.
برق بابصاره معها ضاحكًا باندهاش:- كل ده جاه في مخك في الثواني اللي رفعتك فيهم، لدرجادي خيالك واسع يا ليلى؟
هتفت به بتذمر:- انا برضو اللي خيالي واسع ولا انت اللي غلس؟ بَعد من وشي يا معاذ عشان متعصبش عليك.كادت ان تزيحه من أمامها وتتخطاه ذاهبة ولكنه اخمد اعتراضها بتكبيل يديها الاثنتان مقهقًا:- وان مبعدتش هتضربيني يعني؟ طب اعمليها ، دا حتى بيجولو ان ضرب الحبيب زي اكل الذبيب.تراخت ذراعيها عن دفعه ناظرة اليه بعتب ودلال يعشقه، فواصل بترضيتها:
- دا انا ارمي نفسي للحوت يبلعني ولا اعملها، اقدم روحي للموت نفسه ولا أذي حبيبتي بشوكة تسطها حتى .تمتمت تسعده بكلماتها بعد ان ذهب الغضب عنها:- بعد الشر عليك متجولش كدة .ابتسامة رائقة حلت بثغره يشاكسها بالقرص على وجنتها بطرفي اصباعيه:- دا انا اجول كدة وابو كدة كمان، ولا ان لوله حبيبتي تزعل مني، حبة القلب ونن العين.
ضحكت تقفز بحركات طفوليه لا تحضرها الا معه، لتلف ذراعيها حوله تعبر عن امتنانها ردًا له:- وانت جلب جلبي من جوا يا معاذ.جلجت ضحكته يسخر من تعبيرها مشددًا باحتضانها هو الاخر:- جلب جلبك من جوا، تيجي ازاي دي يا فهيمة؟ انا اول مرة اسمع عنها.خرجت من حضنه فجأة تشرح له بجدية:- جلب جلبي يعني المركز، او اعمق حتة جواه، دي اللي انت ساكن ومربع فيها يا ناصح، فهمت بجى؟
وهل كان غبيا ولم تصله من البداية، لا والله، ولكن الشرح منها زاد على تعبيرها روعة دغدغت عاطفته حتى جعلته يريد الصراخ بعشقها، من اعلى قمه في العالم كي يصل صوته الى سائر الكرة الأرضية، وليس بعرض البحر فقط.
حاوط بكفيه على جانبي وجهها يضغط عليهم بشغف مرددًا:- يا بوي عليكي وعلى كلامك الحلو، طب اعمل فيكي ايه دلوك؟ وانتي عليتي على كل الغزل ولا الوصف اللي اعرفهم في عمري كله بكلمتينك الصغيرين دول، الاقي فين في قواميس الحب كلها اللي يكفي ولا يوفي، انتي طلعتيلي منين يا بت مزيونة؟ طلعتيلي من فين؟ودنى برأسها يطبع قبلات متفرقة شغوفة على أنحاء بشرتها قبل ان يصل لوجهته الرئيسية بثغرها، فتوقفه بكفها الصغير تمنعه:
- اعجل يا معاذ، احنا في عرض البحر يعني مكشوف لأي حد يشوفناوعى لحقيقة وضعهم يوزع ابصاره في الأجواء حولهما قائلا:- انا مش شايف حد على مستوى عيني وعلى العموم.....توقف يدنو بجسده ثم يرفعها من أسفل ركبتيها مردفًا:- احنا برضو ناخد حرصنا ونتحدت جوا براحتنا.هم ان يتحرك بها لتهتف بمرح:- معاااذ انت نسيت انك كنت نازل البحراجاب سؤالها وخطواته تتسارع نحو وجهته الى داخل اليخت:- يا ستي عني ما نزلت البحر ولا شوفت ميته حتى، الوقت بيعدي وانا لازم اشبع منك انت الأولى يا جلب معاذ فاهمااني.
- فاهماكقالتها وانطلقت ضحكاتها حتى اختفيا الاثنان داخل المقصورة ليخطفا مزيدًا من لحظات السعادة الخاصة بهما.................
عودة إلى البلدةوقد وقف خليفة يراقب السيارة التي دلفت من مدخل الباب الحديدي ، تخترق محيط منزل العائلة، لتقترب حتى توقفت بالقرب منه، فترجل منها الصغير أبن شقيقه يركض نحوه بتهليل:
- عمي خليفةتلقاه المذكور يضمه اليه مقبلا رأسه بحنو قبل أن ينقل بابصاره نحو تلك الجميلة التي تقابله بابتسامة رائعة لا تدري بحجم تأثيرها على القلب الملتاع، تحدثه بنبرة عادية كما تفعل دائما لتذكره بتلك الصفة القاتلة التي أخبرته به قديما واجهضت احلامه، بأنها تراه شقيقها:
- عامل ايه يا خليفة؟ أبن اخوك مكانش متحمل حتى الاسبوع معايا قال عشان واحشينه قال.
تبسم في استجابة لها يضم ريان اليه معقبًا:- عشان راجل والراجل ميبعدتش عن بيته، مش كدة يا واض؟- كدة يا عمي.ردد بها الصغير قبل أن يتركهما مهرولا نحو مجموعة من ابناء عمومته، كانت تلعب بالقرب منهم، فخلت الأجواء عليها وعليه.
كان من الممكن أن تكون فرصة جيدة للحديث معها ولكن كيف يحدث؟ وقد بدا واضحا امامه ان ذهنها مشتتًا بالبحث بعيناها حوله ونحو الباب الداخلي خلفه، في انتظار شخص يعلمه جيدًا:
- معلش بجى حمزة مش موجود.اجفلها بقوله حتى شعرت بالاحراج، لتنكر مبررة:- لأ انا مش بدور على حمزة، هي الحكاية بس اني اتفاجأت بعدم وجوده، رغم اتصالي بيه قبل ما اجي ابلغه اني هجيب الولد بنفسي، لدرجادي هو مشغول ؟
تلقى سؤالها الاخير بهدوء شديد، يرمقها بنظرة مبهمة، لا يعلم ان كانت تفهمها او لا؟ ولا داعي للتفكير، يكفي ان يذكر نفسه دائما..... انه لا فائدة.
ليجيبها بعد وقت من الصمت، مشيرا بذقنه:حمزة وصل اهو وبيركن العربية وراكي، ما انتي عارفة كيف معزة ولده عنده
سمعت منه لتلتف خلفها نحو حمزة الذي كان قد ترجل من سيارته ليستقبل صغيره بالمعانقة والتقبيل، قبل أن يتركه اخيرا ويأتي اليهما مرحبا بطريقته:
- يا مرحب يا روان، جاعدة هنا ليه مش تدخلي جوا البيت تسلمي على حريم الدار، ايه هو انتي غريبة؟
جاء ردها بنبرة يتخللها لهفة واضحة:- لا مش غريبة طبعا، بس ايه الداعي يعني؟ انا وصلت الولد واطمنت عليه وسطكم.- وافرضي يعني؟ برضو ميمنعش انك تدخلي حتى تسلمي على الحجة حسنية؟
تمتم بها حمزة بمودة، لتبادله الرد بجدال منها حتى تطيل الحديث، متوقعة تطورا ما في علاقتهما الخاملة على نفس الحالة منذ الانفصال، غافلة عن ذلك المتابع لما يجري بين الاثنين بفهم متعمق، ولكنه يفضل الصمت كعادته.
دوى فجأة صوت الهاتف في جيب حمزة، ليخرجه الاخير على الفور ويرفعه الى أذنه مجيبا المتصل من الجهة الأخرى وقدميه تتحرك في الابتعاد عنهما:- ايوة........... امممم وايه تاني كمان؟.......... بتقول راحت فين؟.......... طب اجفل اجفل.
أنهى المكالمة يعود بالهاتف الى داخل جيب الجلباب، مرددًا بعجالة نحوهما:- طب معلش بجى، اصل ورايا مشوار مهم وضروري، عن اذنك يا روان البيت بيتك عادلم يترك لها الفرصة حتى في الاستفسار، وقد ختم كلماته واختفى سريعا لخارج المنزل، فظلت ابصارها معلقة في اثره بصدمة حتى تحدث اليها خليفة بلهجة تبطنها السخرية:
- مدام طلع بسرعة كدة، يبجى فعلا الأمر مهم، مش هتدخلي بجى مع ريان البيت حتى تسلمي على هالة.... دي اكيد مشتاقة للحكاوي معاكي، ما انتي عارفة بتحبك ازاي!............................
وصل إلى منزل شقيقته في أقل من عشر دقائق من بعد الاتصال الذي ورده والتحرك مباشرةً، ليضغط على جرس المنزل بعنف حتى فتح له أحد ابناءها، فدلف سريعًا إلى الداخل يخاطبه بعجالة:
- ازيك يا واض، امك ولا أبوك فين؟- الاتنين جاعدين يا خال.سمعها منه ولم يعطي اهمية ليكمل باحثًا عما أتى من اجله، فوجد شقيقته خارجة من غرفتها اليه بخمارها الذي تلفه حول وجهها مجفلة بحضوره المفاجيء:- حمزة! خير يا واض يا بوي.
رد بتحفز وعيناه تجول في المكان:- خير يا بت ابوي، هي مش مزيونة برضو دخلت عندك هنا؟..... ولا لحقت تطلع يعني انا مش شايفها؟
- مزيونة اااهتمتمت بها بابتسامة استفزته لتضاعف من حنقه وهي تردف:- بأه يا حمزة بهزر معاك، على العموم هي فعلا مزيونة عندنا بس جوا في الاوضة مع جوزي
- في الأوضة مع جوزك ! ما تنجي كلامك يا زفتة.ردد خلفها باستهجان وقدميه تتحرك للذهاب نحو ما أشارت، فتفأجئه في محاولة لاعتراض طريقه:- وانت متعصب ليه بس يا حمزة ولا ايه الغلط يعني؟ دي مزيونة زي اختي، ثم تعالى هنا، انت مينفعش تدخل عليهم الأوضة اصلا.
برقت عينيه خلف اعتراضها وتلك الجملة الاخيرو التي ترن بإذنه كمسمسار يحك بها ، لتخرجه عن اتزانه:- هو ايه اللي مينفعش ادخل عليهم الأوضة يا مخبلة انتي؟ طب بعدي من جدامي واجفلي خشمك عشان مصورش جتيل دلوك بعدي
وبرد فعل سريع رددت، قبل ان تغلق بكفيها على فمها :- تمام انت حر اها.رمقها بارتياح لفعلها وتوجه مواصلا طريقه، يدفع باب الغرفة إلى الداخل دون استئذان وكانت المفاجأة غير سارة له على الإطلاق.
وذلك حين وقعت ابصاره على الأريكة المقابلة له مباشرة، وتلك السيدتين الجالستين عليها، امرأة غريبة لأول مرة يراها، ظهر على وجهه الزعر كما اجفلت بجوارها مزيونة، ما ارتد عليه بحرج شديد، جعله يبتلع ريقه بصعوبة مبررًا بتقطع:- اا... انا اسف يا جماعة،فتحت الأوضة وانا فاكر جوز اختى اللي فيها بس......
- ما بسش ولا حاجة انا فعلا جاعد هنا يا ابوريان.أتى صوت منصور الذي كان بجهة أخرى داخل الغرفة، بعيد إلى حد ما عن السيديتين، بابتسامة خبيثة ينهض ليرفع عنه بعض الحرج:
- معلش يا جماعة اصل حمزة متعود معايا على الهزار التقيل ده،.... اتفضل يا ابو ريان انت مش غريب، دي الست مزيونة نسيبتكم وجمبها الابلة اعتماد زميلتي في المدرسة....
تمنى لو تنشق الأرض وتبلعه، لا يعلم كيف يتصرف في هذا الموقف المخزي، ليتقدم خطوتين نحو الاثنتان بأسف مرحبًا:
- يا اهلا وسهلا بالأبلة اعتماد نورتينا، اهلا يا ام ليلى معلش اعذريني بجى.أومأت مزيونة برأسها ردا له، يعلو تعابيرها غموض وابتسامة على جانبي ثغرها لم تقوى على اخفاءها، كادت ان تصب بقلبه ابتهاجًا، لولا انتباهه لنظرة المرأة الأخرى والتي كانت ترمقه بشر مطلق وكأنه طالب من طلابها قل بأدبه معها، ليرتد بقدمه للخلف مكررًا اعتذاره:
- طب اسيبكم انا وو...... مستنيك هنا برا يا منصور ماشيهتف بالاخيرة وخرج سريعًا من امامهم، صافقا الباب من خلفه، يلتقط أنفاسه التي انحاشت في تلك اللحظات العصيبة، يدخل الأكسجين داخل رئتيه، حتى إذا تمالك بأسه، تطلع نحو تلك الغارقة في ضحكات مكتومة بالقرب منه، فانقض يقبض على قماش عبائتها يهزهزها بغل:
- وكمان بتضحكي يا أؤس المصايب انتي؟ ما جولتيش ليه ان في واحدة غريبة جوا؟.
خرج صوتها بصعوبة من فرط ضحكاتها:- طب.... طب وانت اديتلي فرصة،،،، ما انا كنت عايزة اقولك بس..... بس انت اللي دخلت مستعجل وقولت اخرصي.....
غض بأسنانه على شفته السفلى يزيد من هزهزتها:- لا وانتي بتسمعي الكلام جوي، دا برضو مغرز تعمليه فيا انتي وجوزك.
خرج الاخير على مشهدهما، ليسارع على الفور بالتدخل حاجزًا ومدافعًا عن زوجته:- وماله جوزها بس يا عمنا؟ شيل يدك عنها يا حمزة، هي حملك اصلا.
نجح سريعا في ابعادها عنه بعد ان تركها حمزة بإردتهليصب اهتمامه عليه مغمغمًا بخطورة:- عندك حق، هي فعلا متتحملش، لكن انت بجى تتحمل وتستاهل.وما كاد ينهيها حتى قبض بكفيه على عنقه مردفًا:- شكلي هخش فيك اللومان يا منصور، عشان مصر تطلع عليك شيطايني.بابتسامة مستترة رغم ألم القبضة الحديدية حول عنقه:- طب وانا عملتلك ايه بس يا بوي؟ هتموتني وتيتم عيالي كدة من غير سبب.
تدخلت منى تلكم شقيقها على ساعده تنهيه:- حمزة انت مش حاسس بنفسك، ارفع يدك عن منصور احسنلك، الكلام ده مفيهوش هزار.
- ومين قالك اني بهزرتمتم بها، ورفع كفيه عن منصور مستطردا بغضب حقيقي:- انتي وجوزك تستاهلوا اللي يتعمل فيكم، بس لما افضالكم، المهم دلوك انا عايز اعرف ايه الحكاية، مزيونة جات هنا ليه؟ ومين المرة المكشرة اللي معاها جوا؟
اعترض منصور رغم الابتسامة التي غلبته:- المرة المكشرة! عيب عليك يا حمزة، أستاذة اعتماد دي ست فاضلة.حدجه بنظرة نارية:- وانا هتجوزها ياض؟ انا عايزة اعرف هي هنا ليه؟- وانت تطول؟غمغم بها بمشاكسة جعلت حمزة كاد أن يفتك به هذه المرة لولا منى التي لحقت تجيبه قبل أن يقضي على زوجها:
- جايبها عشان تدرسلها وتتفق معاها على المواد والحاجات المطلوبة منها قبل ما يدخلو في الجد ، ما هو جالك المرة اللي فاتت انها هتكمل سنتها الاخيره في الاعداية.
اومأ بتفهم يستوعب كلماتها، ليستدرك فجأة على شيء ما، جعله يعود ناظرًا بشر نحو صهره:- معنى كدة انك عملت الإجراءات ورجعتها للدراسة من تاني .
- ايييوة .تفوه بها منصور بعفوية كادت ان تؤدي لهلاكه مرة اخرى حين باغته بالقبض تلابيب جلبابه هادرًا بصوت خفيض يشبه الفحيح:
- عملتها برضو من غير ما تبلغني، وانت عارف اهمية الأمر بالنسبالي ايه؟همت منى ان تفصلهم مرة اخرى ولكن منعها الصوت الذي أتى قريبا منهم، ينبيء بخروج الاثنتان من الغرفة،
ليلحق حمزة ويتركه سريعا، ليعدل من هيئته، يتابع شقيقته التي حاولت منعهما:
- ايه ده ايه ده؟ انتوا طالعين من غير ما تبلغوني؟ هو انا لحقت اجعد معاكم يا ست انتي وهي .جاء رد مزيونة بابتسامة ساحرة كعادتها اما الاستاذة اعتماد فقد وجهت نظرة حانقة نحو حمزة قائلة:- معلش يا حبيبتي وجت تاني ان شاءالله، انا اصلا ورايا مشاغل كتير والايام لسة جاية كتير عن اذنكم
وتحركت ذاهبة تتبعها منى في الإلحاح لتمنعها من المغادرة، اما منصور فقد حاول معها برزانتها المعهودة ليتركا المجال لهذان الاثنان، وقد خجلت مزيونة من الخروج على الفور، فبادرها هو بحديثه:
- شكل الابلة اعتماد خدت فكرة عفشة عني، رغم اني اتأسغت وجولت اني مش جاصدتبسمت قائلة بمرح:- معلش اديها عذرها، الست جد جوي ومعندهاش تهاون.
تبسم يعقب بطرافة:- وانا حظي ميجيش غير معاها، ياللا بجى، المهم انتي هتعرفي هتتعاملي معاها كيف؟ وهي خشنة كدة.
لم تعجبها الاخيرة منه فردت بنوع من العتاب:- ابلة اعتماد مش خشنة ولا حاجة، هو بس قرف الشغل وهموم الدنيا اللي بتطفي الست، مع حمل المسؤولية اللي يخليها مش طايقة نفسها، انا جعدت معاها وفهمتها رغم حدتها في الحديت احيانا ، بس الظروف القاسية تعمل العجب في البني ادم
شعر بغصتها التي أصابت قلبه، تعاطفها الشديد مع المرأة ما هو إلا انعكاس للقهر الذي تعرضت له على مدار عمرها الصغير، ياليتها تعطيه الفرصة ليعوضها عن كل ما فات.
- شكلي مخربط النهاردة من كله، ابلة اعتماد ست الستات كمان يا ستي ولا يهمك، انا كل تركيزي معاكي انتي بصراحة، مع ان زعلت انك جصدتي منصور في موضوع أجدر انا احله برنة تليفون، رجوعك للدراسة دا احب ما عليا، انك تعيشي لمزيونة وتعوضي كل اللي فات منها، دي حاجة مش هينة واصل عندي.
طغي اللون الوردي المحب على وجنتيها وبعض المناطق من بشرتها وهي تبرر له:- ما هو انا مش هعرف بعلاقاتك يعني، انما الاستاذ منصور مدرس وعارف الإجراءات، وعلى العموم ملحوقة ان شاء الله، لو عوزت اي حاجة مش هتأخر ان اقولك.
- ياريت انه ميبجاش كلام وبس عشان ترضيني، انا اخدمك بعيوني ، بس انتي أشري.قالها بصدق جلي، تصرخ به العيون ويصل إلى قلب العاصي مباشرةً، ولكنها كالعادة تتهرب منه ومن أي نقطة التقاء بينهما، فترد بروتينة وتحفظ:
- تشكر يا ابو ريان، دا عشمنا دايم فيك، افوتك بجى واروح على البيت.قالتها وهمت بالتحرك ولكنه اوقفها بمرواغة:- جوام كدة، دي حتى الحجة تزعل منك لو طلعتي من غير ما تاخدي واجبك، انتي نسيتي انك بقيتي من اهل البيت؟ دي حتى تبجى عيبة في حقها.
بابتسامة عذبة ردت تعارضه:- لا طبعا منسيتش، بس انت نفسك جولت اني من اهل البيت، يعني الواجب يتأجل في وقت تاني، ورايا عشا العرسان اللي هيوصلوا بكرة ان شاء الله، ومرة اخوي زمانها مستنياني في البيت تساعدني هي كمان، فوتك بعافية بجى .
- الله يعافيك ياربتمتم يتبع اثرها براحة اكتسحته من الداخل، يذكر نفسه ان القرب منها يوما عن يوم يحدث، ومادامت ليلى من الغد سوف تصير أمانته، فهذه وحدها بادرة ليست بالهيئة في طويق الوصول إلى قلبها...........................
مساءًاوفي عرض البحر ، على سطح ذلك اليخت الذي كان كان يبيتان ليلتهما الاخيرة به، يخبئها بحضنه تحت السماء الصافية بنجومها الشاهدة فقط عليهما يلف حولها شال كبير كالغطاء.
لا احد ولا بشر سوى هي وهو في عالم لهما وحدهما، يتنعما بليلتهما الاخيرة قبل العودة إلى أرض الواقع وما ينتظرهما من مسؤوليات.وقد كان حديثهما الان عنها:
- بكرة هرجع للمذاكرة وقرف الثانوية من تاني يا معاذ، ياما كان نفسي الاجازة تطول اسبوعين ولا شهر حتى .
تبسم يشدد على ضمها اليه بذراعه مرددا:- اسبوعين ولا شهر يا ليلى، انا نفسي عايز العمر كله، مش هاين عليا والله نرجع، انتي تنشغلي بدراستك، وأنا كمان اسبوع ولا اسبوعين وارجع شغلي في القاهرة، هسيبك كيف بس؟ مش عارف اتجبلها والله ما جادر اتجبلها
جلجلت ضحكتها خلف صياحه الاخير لتعقب في الأخير بلهجة خالية من العبث، تتمسح كالقطة بصدره:- حتى لو مش عايزين لكن مضطرين غصب عننا نقبل، انت تسافر كل أسبوع ولا اسبوعين، وانا احط همي في المذاكرة عشان اجيب المجموع اللي بتمناه، دا اختيارنا من الاول ، ولازم نتحمل نتائجه....... تفتكر هنجدر يا معاذ.
رد بثقة يشملها الحماس ناظرًا بعيناه داخل خاصتيها:- الوصف الصح هو اننا هننجح، دا اللي لازم تبجي متأكدة منه، انا وعدتك كتير وبكرة تشوفي لما اوفي .
ظلت تتأمله بصمت أبلغ من إلف كلمة، دائما ما يطمئنها، دائما ما يقويها بكلماته، يبث اليها أجمل مشاعر الحب والدفء التي كانت تتمناها، هو فارسها وحبيبها الذي حلمت به وكافئها الله به في الحقيقة.
- معاذ انا بحبك جويتلك العبارة التي تختم بها كل لحظة من لحظات الحب بينهما، ويبادلها الرد بعملية، فيدنو برأسه منها يقتطف ثغرها بقبلاته الشغوفة مرددًا:- وانا بعشجك يا جلب معاذ، بحبك يا بت.تمنعت بدلال كالعادة:- تاني يا معاذ هفكرك، احنا على السطح المكشوفتوقف ناظرا اليها بصمت، ليأتى بفكرته العبقرية سريعا يرفع الشال ليغطي وجهها ووجه، قائلا:- كدة بجى محدش شايفنا، يبجى ناخدو راحتنا
وكان ردها ضحكة عالية قبل أن تستجيب اليه، وتسرق معه وقتها من السعادة.....................
وداخل محبسه في غرفة الحجز التي أصبحت مقره منذ فترة ليست بالقليلة بفضل ذلك الفاسد والذي تفاجأ به يدلف إليه الان دون خوف او قلق، وكأنه ابتلع حبوب الشجاعة، ليعلق متهكمًا في استقباله:
- جاي لحد عندي برجليك، مش خايف يا حلو لا اتهجم عليك وارجدك في المستشفى زي المرة اللي فات .
جاءه رد عطوة بثقة تثير الدهشة:- وماله يا عرفان اعملها لو عايز، بس ساعتها هتبقى انت الخسران،، جولت بنفسك ان جايلك لحد عندك، يبقى اكيد عندي كلام مهم اجوهولك .
اعتدل عرفان عن جلسته على الارض، ليقف بجسده الضخم مقابلا له:- كلام ايه يا روح امك اللي متشجع وجاي تتحفني بيه؟ اسمع يا واض اما معنديش وقت للعب التعايين وحوارتك المكشوفة، اللي اعرفه هو انك تشهد بالحقيقة واطلع براءة من تهمة الزور اللي ورطتني فيها، غير كدة مش عايز.
وبهدوء شديد جاء رد عطوة الذي لا يغلب في حيله:- والله لما تسمعني اكيد هتلاقي الحل اللي يريحك. انما لو مش عايز خلاص، ارجع بجى لمكاني احسن .
صمت عرفان يطالعه بصمت دام للحظات مضيقا عينيه بتفكير متعمق، لكن سرعان ما قطعه قائلا:- تمام، اشتري منك واشوف اخرتك ايه؟ جول يا وش الفقر، غني واشجيني، قبل ما ارجع في كلامي
....يتبع
رغم تعبي الشديد مرديتش اخلف وعدي معاكم، معلش يعني لو مفيش تفاعل يشجع للرجوع يبقى بلاها ان اجي على نفسي،مفيش مرة الفصل يكمل لالفين وتفرحوني