تحميل رواية «لأجلها» PDF
بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة، لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم، حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال، برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي، ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط ! امام المراَة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته، بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات، بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألو...
رواية لأجلها الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
حرر قلبك
فالحب لا يأتي في هيئة صفعة،
ولا يولد في ظل الخوف والخذلان.
من أحب بصدق، لا يخون ولا يهمل.
اترك نفسك للحب،
ودعه يتسلل بهدوء إلى شقوق روحك،
يداوي الجراح التي توهمت أنها لا تلتئم.
أعطِ لقلبك فرصة ثانية...
ربما القادم يحمل لك بلسماً،
يرممك ويجبر كسرك دون أن يسأل.
لا تدفن الحب في مقبرة الماضي والحذر،
فليست كل القلوب سواء،
وليس كل من اقترب يشبه من رحل.
تنظر إلى الخارج من خلف الستار الأبيض للغرفة التي أصبحت تسكنها مؤقتًا، وذلك منذ الإعلان عن عقد قرانها.
عشرة أيام مرت بأحداث مشتعلة لم تهدأ حتى الآن، منذ أن ضعفت وأخبرته بموافقتها بعد إلحاح منه، ليغتنم الفرصة في نفس اليوم، ويتم الاتفاق مع شقيقها على إتمام الزواج في أقرب وقت.
حاولت الاعتراض أو التراجع، ولكن هيهات، فكأن الجميع قد تآمر عليها، واتسعت دائرة الإلحاح لتشمل كل من له صلة قرابة من جهته أو جهتها، من والدته وشقيقاته، أو شقيقها وزوجته، حتى رضخت في النهاية ووافقت على عقد القران في تكتم تام، فقد كانت تلك التعليمات الأهم بالنسبة إليه.
لكن ما إن أتم مراده، حتى خرج إلى الهواء يطلق عددًا من الأعيرة النارية احتفالًا وإشهارًا، وكأنه أول زواج له!
فنال بعدها المباركات والتهاني من المعارف والأحباب، غير آبه بخجلها أو خوفها من القادم. ثم حدث ما كانت تخشاه، حين وصل الخبر إلى زوجها السابق "عرفان"، فاشتعلت نيران كانت كفيلة بإشعال فتنة بين العائلتين، قد تخلف ثأرًا يمتد لعقود بسببها.
فقد أتى في اللحظة نفسها، مسلحًا، متهجمًا وقاصدًا الاعتداء، لولا يقظة "حمزة" الذي كان على استعداد تام لإحباط مخططه، وإحكام السيطرة عليه بواسطة رجال الحراسة العاملين تحت أمرته، بالإضافة إلى شهادة عدد من الأعيان الذين جمعهم ليشهدوا على ما يحدث.
تلك الليلة كانت أبشع الليالي، مليئة بالأحاديث الساخنة والشجارات، انتهت في الأخير بقرار حاسم:
ضرورة نقل مزيونة من منزلها لوأد الفتنة حتى يتم الزفاف.
ودت في داخلها لو تتبع عرض شقيقها بالذهاب إلى منزله، لكنها خشيت عليه وعلى أبنائه من بطش عرفان، الذي بدا كالمجنون، غير آبه بفضائح أو سمعته أمام الرجال.
مما اضطرها في النهاية للانصياع إلى أمر العقلاء، والقدوم إلى هذا المنزل الكبير، حيث تسكن ابنتها في الطابق العلوي، وتسكن هي وحدها في الأسفل داخل شقة اتضح لاحقًا أنها شقته، بل وصدمت حين اكتشفت أنها تنام داخل غرفته أيضًا.
اللعنة عليه من ماكر يجيد فرض سطوته بأبسط الأشياء.
وها هي الآن، تطالع من مكانها تجهيزات "الليلة الكبيرة" التي تتم من صباح الغد... ليلة زفافها إلى حمزة.
تنهدت بقنوط، وتراجعت بخطواتها حتى جلست على طرف التخت، تفرك كفيها بتوتر شديد.
يمر على قلبها الخوف بوطأة مرعبة، وكأنها بكر في أول زواج لها، لا... بل هي تخشى إعادة التجربة.
التجربة المريرة التي قضت على طفولتها ومراهقتها، وأنوثتها التي سحقت بالضعف والمرض.
الكلمات الجارحة التي كان يلقيها عليها "عرفان" في كل مرة يقترب منها، وهي ترجوه أن يتركها، وألا يحملها ما لا تطيق، لكنه كان يأبى إلا أن ينفذ رغبته بها، دون ذرة شفقة أو رحمة لحالها، وفي النهاية تعير بمرضها، وبعجزها عن مجاراته كأي زوجة خلقت لإسعاد زوجها...
كثيرًا ما تمر عليها لحظات من الندم، لاستسلامها والموافقة على الزواج من حمزة، رغم حنقها الشديد منه لاستخدامه كل الطرق للضغط عليها، إلا أن صوتًا داخلها دائمًا ما يذكرها أن سبب موافقتها، في الأول والأخير، كان حاجتها إلى الأمان، بل والأكثر... حاجتها إليه هو.
صوت طرق خافت على باب الغرفة جعلها تنفض عنها الأفكار السيئة، استعدادًا لدخول "حسنية" كما توقعت، أو إحدى الفتيات الصغيرات من أحفادها.
كادت أن تدعو الطارق للدخول، لكن الكلمة علقت في حلقها حين اجفلت بدفع الباب على عجالة، بدخول أحدهم، مغلقًا الباب خلفه.
همت بالصراخ، لكنها توقفت حين عرفت هويته، وقد وقف يلهث أمامها بابتسامة متسعة، يناظرها ببرود متناه قائلًا:
أخيرًا شوفتك يا عروستي.
ذهب عنها الذهول، واعتلت ملامحها شراسة كاملة، وكأنها قطة على وشك الهجوم عليه:
انت اتجننت يا حمزة؟ داخل كده من غير "أحم ولا دستور"؟ افرض كنت براحتي وأنا في الأوضة هنا، كان هيبقي منظري إيه ولا منظرك ساعتها؟
ألقى عليها نظرة فاحصة، من شعر رأسها حتى خف القدم أسفل العباءة التي ترتديها، ثم عقب بحسرة مرددًا:
لا، مالكيش دعوة بمنظري... المهم أنتِ! ليه يا مزيونة مش قاعدة براحتك؟ وأنتِ في أوضة ومقفول عليكي بابها؟
فغرت فاها بدهشة، لكنها سرعان ما فطنت لسر دخوله المفاجئ المريب:
يعني داخل عشان كده يا حمزة؟
أومأ برأسه تهتز أمامها بوضوح، فبرقت عيناها ذهولًا من صراحته الفجة، لتصرخ به:
اطلع برا يا حمزة.
تبسم بخبث، يشاكسها بكلامه المعسول وأقدامه تتحرك في اتجاهها ببطء مدروس:
كده على طول؟ طب قدري إني جايلك "سرقة"، غفلت أمي وأخواتي، وطلعتلك من الباب الخلفي، عملت زي العيال المراهقين عشان أشوفك، مانعينك عني لحد ما يتم المراد، أموت أنا بقى بشوقي على ما يحصل.
كادت أن تتأثر بحديث قلبه الذي يخرج دون حساب، لكنها انتبهت لقربه فجأة، فتراجعت معترضة:
حوش ملاعيبك دي عني يا حمزة، عشان أنا صاحية لك. ثم تعالى هنا، مين اللي حاشوني عنك؟ ما أنت بتيجي كل يوم، وبحضر قعدتك معاهم، مفيش مرة جيت من غير ما تشوفني!
رد متصنعًا الجدية:
أيوه، بس وسطيهم يا مزيونة، وأنا عايز أقعد معاكي لوحدينا، نقعد ونتقرب من بعض، تعرفي أنا بفكر إزاي؟ وأنا أعرف مقاس هدومك بدل ما أشتري على عمايا، والصورة الذهنية اللي في خيالي.
هدوم إيه؟
سألت ببراءة، قبل أن تقرأ الإجابة في عينيه الماكرتين، فازداد غيظها:
بطل قلة أدب!
ضحك مرددًا ببراءة ومظلومية:
طب أنا عملت حاجة يا بوي؟ ما أنا قاعد مكاني أهو، وكل ما أتعِتع حبة لقدام، ترجعي أنتِ لورا أكتر! رغم إنك حلالي، والنهاردة يوم مش عادي... دي دخلتنا كمان و...
صاحت به، تقاطعه بحدة من فرط انفعالها وتوترها الذي يزيد بأفعاله، حتى لم تعد تدري بما تتفوه:
احترم نفسك يا حمزة، وبطل حديثك البارد. وبعدين ما تنساش أنا نبهت عليك بإيه من الأول، يعني ما تحطش أمل على اللي في دماغك.
قطب للحظات ثم استوعب، مرددًا بابتسامة لم تفهمها:
آه، صح... أنتِ قلتلي أعتبر نفسي متجوز واحد صاحبي، أو مش متجوز خالص؟
أومأت بتشنج:
أيوه، هو كده بالفعل، وأنت قلت إن مش هامك، خلاص... أنت حر.
ازدادت ابتسامته الغامضة اتساعًا، ليهادنها:
وقلت كمان إني راضي، راضي بكل حاجة تيجي منك، لو حتى "فتافيت"... أنا شاري، وواقع على بوزي كمان، في حب المزيونة.
يغلبها بذوقه، يغلبها بغزله وبرقة الحديث التي لا تخلو من رسائل مبطنة ومداعبات تصل إليها سريعًا بدون جهد، ولكنها ترفض أن تضعف بين يديه.
لا بد أن يعلم جيدًا بعيوبها حتى لا يصدم لاحقًا.
طال سكوتها أمام تأمله نظراته الحانية، حتى ضجرت وأمرته:
خلاص بقى، مش ناوي تطلع؟ اطلع يا حمزة، مش ناقصة حد يدخل يشوفك دلوقت، ويسأل بتعمل إيه عندي في الأوضة؟ اطلع يا حمزة.
خرج أخيرًا من غرفتها على غير إرادته، مدفوعًا بيديها، لتغلق الباب خلفه.
فتوقف مستندًا على بابها بحالمية، هامسًا بعدها:
اعملي على كيفك يا قلب حمزة... في الآخر برضه هيتقفل علينا باب واحد.
تنهد بحرارة، ثم رفع رأسه ليستدير عائدًا، فتصطدم أبصاره بمن كانت واقفة أمامه، عاقدة ذراعيها فوق صدرها، تطالعه بنظرات كاشفة.
حاول التغاضي عنها، يمازحها بعد أن تحمحم يجلي حلقه:
الست منى هانم، لا تكوني واقفة هنا مستنية القطر؟!
ضاقت حدقتاها أكثر، تركته يبتسم على مزحته بسخافة مكشوفة، حتى كاد أن يتخطاها، لكنها أمسكته توقفه:
يا ظريف أنت يا لطيف... داخل عندها ليه دلوقت زي الحرامية؟
مش قادر تصبر لما تيجي العشية ويتقفل عليكم باب واحد؟
نزع ذراعه منها مبديًا اعتراضه مرددًا:
لا، مش قادر يا ست البرنسيسة، عشان بقى لي أكثر من أسبوع وأنتوا مانعيني أقعد معاها زي الخطاب، مع إن ده حقها علي وحقي عليها عشان نفهم بعض.
بدهشة شديدة عقبت تراجعه:
أنت عقلك هب منك يا حمزة؟ كلام وخطاب! على أساس إنكم أول مرة تتعرفوا على بعض، ولا دي أول جوازة ليكم؟
بالنسبة لي أنا، دي أول جوازة ليا يا منى، واعتبرها الجوازة الوحيدة كمان. ويلا ابعدي كده، عشان متأخر أصلًا على الرجالة.
قالها بجدية وهو يهم بالذهاب، لكنها أبت أن تتركه، فأمسكت به متأملة ملامحه السعيدة للحظات، ثم ألقت بنفسها عليه، تعانقه وتقبل كتف ذراعه، معبرة عن فرحتها:
مبروك يا حبيبي، ربنا يتمملك على خير.
شد عليها بذراعه هو الآخر:
الله يبارك فيكِ يا غالية. عقبالك تفرحي بأولادك أنتِ ومنص... إلا هو فين؟ من الصبح ما شفتوش.
كانت قد ابتعدت عنه قليلًا لتخبره بشيء من الأسى:
منصور قاعد مع أمك، أصلها زعلانة وعايزة حد يقنع خليفة يرد مراته. شايفاها عيبة في حقنا يتم فرحك وبنت عمه زعلانة منه.
أم...
زم حمزة بفمه متفهمًا ومتأثرًا أيضًا، لكنه لا يملك بيده شيئًا. يعلم أن سر لجوء والدته إلى منصور هو يأسها منه، لا تعرف أنه قد ضاق من هالة ونفسها السوداء منذ طفولتها.
لقد تسببت في أذيته كثيرًا، ولم تترك له بابًا للتسامح، خصوصًا بعد مؤامراتها الأخيرة على مزيونة وتعمدها افتعال الفضائح لها.
ليس ملاكًا هو، حتى يتغاضى عن كل ذلك ويذهب لمصالحتها على أخيه، الذي جنى على نفسه منذ البداية حين رضخ لأمر والده الراحل ووافق عليها.
طب وخليفة نفسه فين؟
جاءه اتصال مفاجئ وطلع بعدها بعربيته،
شكله عنده مشوار مهم هو التاني؟
تساءل بحيرة بعد سماع رد منى على استفساره:
ـ مشوار إيه كمان اللي يطلعلُه فجأة ويسيب العالم والفرشة اللي بتتنصب تحت من غير ما يبلّغني؟!
...
لأول مرة يجتمع معها في مكان تحفه الأجواء الرومانسية كهذا، هادئ وبعيد عن الضوضاء. وما حاجته للأخيرة وقد كانت هي تقوم بالمهمة كاملة، بالبكاء حدّ الانهيار، والذي يشهده لأول مرة منها، بعد أن اتصلت به تطلبه على عجالة في أمر ضروري، وكأنها على وشك الانتحار من فرط قهرها كما تدّعي.
وبالطبع السبب معروف:
ـ هموت من القهرة يا خليفة. أخوك ماهموش كلام الناس ولا الفرق اللي بينهم، وكأنه عايز يكسرني أو ياخدها عند، بقى أنااا يفضل عليا واحدة جاهلة وبيئة زي دي؟
هو بيعاقبني ولا بيعاقب نفسه؟ طب افترض بكرة خلفت، أولاد الست البيئة دي يبقوا إخوات ابني؟ هو أنتوا إزاي سكتوله أصلاً ولا وافقتوه؟ إزاي أقنعكم؟
بهدوء شديد، كان يستمع ويستمع، يكبت انفعاله على قدر ما يستطيع، حتى إذا جاءت على ذكر الأخيرة، عقب قائلًا:
ـ أولًا حمزة مش عيّل صغير عشان ياخد رأي حد فينا ولا يهمه إقناعنا،
ثانيًا بجى، وهو الأهم، ياريت تخلي بالك من كلامك عن مزيونة أكتر من كده، بلاش تقللي من واحدة كل ذنبها إن حمزة اختارها. هو في الأول والآخر، دا اختياره على فكرة.
شهقت، تمسح بالمحارم الورقية على أنفها ووجنتيها بعنف، معترضة:
ـ لا يا خليفة، مش اختياره. أنا عارفة من زمان إنه "عندي"، وهو أكيد عمل كده عشان يتحداني أو يكسرني بعد المغرز الأخير اللي وقعت فيه، وكله بسبب مراتك.
هالة هي السبب. فضلت تحرّض فيا لحد ما غلطت ونفذت اللي كانت عايزاه، منها لله. كانت عاملة نفسها حبيبة معايا وخايفة على مصلحتي، وبمجرد ما حصل اللي حصل قطعت معايا، وحتى تليفون ما بتردش عليه. منها لله، منها لله.
ها هو يتأكد من ظنه دون مجهود، وعلى الرغم من الغضب المستعر بداخله، إلا أنه استطاع السيطرة على انفعالاته معها بكل سهولة:
ـ يعني أنتي بتعترفي وبكل بساطة إن هالة هي اللي وزّتك تعملي فضيحة للست الغلبانة؟
وجاية دلوك تصرخي إن حمزة فضّلها عليكي؟
طب هو كتب كتابه خلاص من أيام، والنهاردة دخلته، بعتّالي أنا ليه يا روان؟
بغض النظر عن هالة، عشان دي حسابها عليا، دا غير إني مزمجها أصلًا عند ناسها من يوم اللي حصل.
أظن يعني إن دموعك دي والشحتفة والبُكا كان من الأفضل يبجوا في بيتك وبين أهلك،
أنا إيه دخلي بانهيارك؟
معلش يعني، أنا مش هجف معاكي ضد أخويا مهما كانت معزتك عندي.
كان واضحًا، كان حازمًا، حتى أفحمها للحظات، حتى إذا ردّت أخيرًا، أظهرت وجهها الحقيقي:
ـ أنا عارفة إنك مش هتوقف معايا يا خليفة عشان أخوك، أخوك اللي فضّلته على نفسك زمان، وفضلت كاتم اللي في قلبك ناحيتي عشانه.
أنا مش غبية عشان مفهمش ولا أحس بمشاعرك.
ابتلع ريقه بتوجس، يسألها بحذر، يرفض رفضًا تامًا افتضاح أمره بالفعل أمامها، يُنهيها بصرامة أن تواصل:
ـ إيه اللي بتخربطي بيه دا يا روان؟ دا كلام تضيع فيه رقاب. اصحي وفوقي لنفسك يا بت الناس، وأنا هاعتبر نفسي ما سمعتش حاجة، ولا ألمّها وأقوم أحسن.
كاد أن يهمّ بالنهوض وتركها، قبل أن تصعقه بعرضها:
ـ خليفة... أنا بعرض عليك تتجوزني.
توقف لحظات متطلّعًا إليها بصمت، حتى صدر استفساره أخيرًا بعد استيعاب متأخر، بعد تجاوزه الصدمة:
ـ مين اللي يتجوز مين؟!
إنتي ناسية إنك كنتي مرّة أخويا؟
عايزاني أعدي ده وكمان على مراتي؟
إنتي عايزة تكيدي مين فيهم بالظبط؟
ـ الاتنين.
كادت بالفعل أن تنطقها، ولكن يكفي عليها أن يفهمها وحده، فردّت بضعف ونعومة تلمس عاطفته نحوها:
ـ مليش دعوة بحد فيهم يا خليفة،
أنا بس رجعت لعقلي دلوقتي وببص لمصلحتي زيهم.
إشمعنا هما يعيشوا حياتهم، وإحنا الاتنين نفضل في العذاب طول عمرنا؟
بُصّلي كويس يا خليفة، وبُصّ لنفسك.
جوازنا مش عيب ولا حرام،
الحرام هو إنك تعيش مع واحدة زي هالة لا عمرها شافتك ولا هتحس بيك،
وأنا أفضل بعيدة عن ابني،
واسيبه لواحدة جاهلة تربيه.
يرضيك يا خليفة إن إحنا الاتنين نندفن بالحياة؟ دا يرضيك؟
ـ لا طبعًا، ميرضنيش...
قالها في رد سريع، ثم أخرج من صدره تنهيدة مثقلة، ليردف ببعض الارتياح، وكأنه قد وجد نفسه أخيرًا:
ـ عارفة يا روان، إن أنا مفروض أشكرك دلوك، بجد والله من غير هزار.
بجالي سنين في توهة وأفكار غبية عن وهم صنعته في عقلي،
فاكر نفسي إني بحب من طرف واحد وكاتم على اللي بحسّه جوايا.
عمال ألوم نفسي، مرة في السكوت لحد ما سيبتك تضيعي مني وتروحي لأقرب ماليًا،
ومرة تانية إني مش قادر أطلع حبك من قلبي وأنا عارف إنه ما ينفعش.
توقف فجأة، زافرًا بغضب مكتوم:
ـ بقالك سنين، عارفة بكل ده، وحاسة بيه،
ويمكن كمان مستمتعة بالاحتياط اللي مستني رضا منك،
ولما ييجي وقت عوزته، هيركض ركض عليكي لما بس ما تشاوري...
لكن لا يا روان، مش أنا اللي أقبل.
روحي دوري على حد تاني بعيد عنّينا.
عيلة القناوي كلها رجال، مفيهمش واحد واطي ولا خسيس يناسبلك.
ونهض بعنف عن مقعده، هاتفًا بصوته الجهوري على النادل دون مراعاة لهيبة المكان أو وضعهما، وألقى عددًا من الأوراق النقدية على الطاولة:
ـ جرسون! تعال خد حسابك، والباقي خدّه بجشيش حلال ليك.
ورمقها بنظرة أخيرة بازدراء، عرفت منها مقدارها الحقيقي الآن بالنسبة إليه، قبل أن يذهب ويتركها في صدمتها.
...
مازالت الاستعدادات مستمرة، وقد حان الآن وقتها،
ولكنها رفضت أن تفعل أي شيء قبل أن تصعد إلى ابنتها وتطمئن عليها.
ولجت إلى داخل الغرفة التي كانت غارقة في الظلام، فخطت بأقدامها، شدّت ستار الشرفة، ثم فتحت شراعيها ليغمر ضوء الشمس نصف الغرفة، الأمر الذي جعل ابنتها تستيقظ من غفوتها على الفور وتغلق بكفيها على عينيها بعدم تحمل:
ـ باه عليك يا معاذ، أنا جيلالك، عايزة أنام يا شيخ، حرام عليك.
ـ ما أنا مش معاذ يا جلب أمك.
تفوهت بها مزيونة لتحط جالسة بجوارها على الفراش، ثم دنت تقبّل وجنتها وجبهتها، فقابلتها ليلى بوجوم قائلة:
ـ هو إنتي مش دخلتك النهاردة برضو؟
اجفلت مزيونة حتى تجلّى الارتباك في ردها:
ـ وه، مش تقولي صباح الخير الأول يا ليلى، صاحية على الأسئلة كده دوغري!
تمتمت ليلى تعيد لها القبلة على وجنتها:
ـ صباح الفل والورد ياما، معلش صاحية مش مركزة.
ـ مش مركزة برضو؟
تمتمت بها مزيونة في داخلها بتساؤل أصبح يراودها، عن الموقف الحقيقي لابنتها من زواجها. لقد أبدت من البداية موافقتها، بل والعكس لطالما كانت تلمح عن حمزة وعن رجولته وعن وعن، لكن ما إن تمت الخطبة القصيرة والمفاجأة حتى تغيرت معها بشكل غير مفهوم، المعاملة بينهما أصبحت فاترة بدون سبب. كم من مرة صارحتها تسألها عن موقفها من الخطبة لتعرف رأيها، ولكنها دائمًا ما تجيب بنفس الإجابة، ولا تريحها.
ـ ليلى يا حبيبتي هسألك تاني وللمرة السبعين حتى:
ـ موافقة على جوازة أمك اللي لا كانت على البال ولا على الخاطر؟ ولا لاه؟ جولي يا بتي، لو ملكيش غاية بلاش أوجف ومكملش.
استنكرت ليلى وهي تعتدل بجزعها حتى تجلس بجوارها:
ـ إيه هو اللي متكمليش ياما؟ إنتي جاية النهاردة وفي الليلة الكبيرة والناس والمعازيم مليّين الدنيا وهتجولي لا؟ هو لعب عيال؟ عمي حمزة كاتب كتابه عليكي يعني مرته شرعًا إنتي ناسية؟
ـ لا يا حبيبتي مش ناسية، بس خايفة أكمل وإنتي مش راضية؟ هيفيدني ساعتها سي حمزة؟
أشفقت ليلى حتى ألقت بثقلها عليها، تكرر لها وللمرة الألف:
ـ والله موافقة يا أمه، والله موافقة، أجولها كام مرة عشان تصدّقي؟ بلاش تزعليني من نفسي الله يخليكِ.
ضمتها مزيونة إليها أكثر، تقبّل أعلى رأسها:
ـ وأنا عمري ما أزعل منك يا جلب مزيونة، ولا عمر راجل هياخدني منك، لا تفتكري كمان إني هشوف نفسي وأنشغل عنك.
رفعت رأسها إليها تعارضها:
ـ وماله ياما لما تنشغلي بنفسك؟ أنا كبرت على فكرة، ولما اتجوزت فهمت أكتر، إنتي اتظلمتي جوي يا أمه، وحقك تشوفيلك يومين. عمي حمزة حنين وأنا واثقة إنه هيعوضك.
اكتنفها الخجل تأثرًا بكلمات ابنتها، حتى حاولت التشويش بالمزاح:
ـ يا أختي، لا عايزة عوض ولا زفت، أنا كده زينة وفل الفل، المهم خلينا فيكي، أنا عايزاكي دايمًا مبسوطة يا نور عيني.
وكان الرد من ليلى ابتسامة صافية، بصدق موقفها المؤيد، ولكن داخلها حرب شعواء، والسبب والدها الذي لا يكف عن الاتصال بها والشكوى مما حدث إليه من غدر، من قبل حمزة.
......................
أما عن عرفان الذي كان يغلي كفوهة بركان، يتحين الفرصة فقط من أجل الانفجار لتأكل نيرانه الأخضر واليابس، ذلك المتحذلق الذي علم عليه في كل المعارك التي خاضها معه، دائمًا ما يباغته، دائمًا ما يختار الوقت المناسب كي يضرب ضربته، وما أقسى تلك الضربة الأخيرة، لقد أخذها منه، أخذها منه بعد أن استفاق هو وعاد إلى وعيه وعشقه القديم لها.
ضرب بكف يده الغليظة على خشب الخزانة التي تحتوي على ملابسه حتى انشطر بشكل طولي من قوة الدفعة، يريد أن يفرغ غليله بأي فرد الآن، وكأنه محبوس داخل قفص حديدي مقيد بعد أن سُحبت منه كل الحيل. فكلما تهور هزمه الملعون بأقل الوسائل وأشهد عليه خلق الله، لا أحد يقف معه حتى عائلته، وقد نالهم الخزي من أفعاله كما يتحججون دائمًا. نيران تأكله من الداخل، كلما أتى بذهنه أن أحدًا غيره سيلمسها، يريد إطفاء حريق صدره بأي طريقة، حتى لو اضطر لافتعال جريمة.
ـ الغداء يا غالي، مش هتاجي تدب يدك في وكله زينة، بدل ما أنت بتاكل في نفسك.
تمتمت الأخيرة بصوت كالهمس، لكنها وصلت إليه مع تلك النبرة الشامتة التي أصبح يستشعرها منها طوال الأيام الفائتة، وكم من مرة فشّ غليله بضربها، ومع ذلك لا ترتدع أو تتراجع:
ـ إيه يا صفا، شكل جتك خدت على الضرب يا جزينة ولا هو بجى معاكِ إدمان؟ تحبي أريحك خالص المرة دي بطلوع روحك، النهاردة بالذات معنديش غير كده عشان تبجي عارفة يعني.
نثرت مجموعة من أوراق الجرجير التي كانت تتسلى بهم من فوق صينية الطعام، لتسخر بهدوء وعدم اكتراث، تزيد عليه:
ـ اشمعنا النهاردة بالذات يعني؟ لا تكون خسرت في شغلك كمان، اهو دا اللي ناقص، هتبقي خسارة وجلة قيمة كمان اهو دا اللي ناقص....
وكأنه كان في انتظارها، اندفع بدون انتظار ليهجم عليها ويضع كفيه الكبيرتين على عنقها عازمًا على خنقها والتخلص منها:
ـ أنا هخليها جلة قيمة وجلة عقل كمان بالمرة وأطلع روحك المرة دي في يدي.
بعنفه وقوته المفرطة كاد يكسر رقبتها بين يديه بالفعل،
حتى لم يشعر بنفسه إلا بعد صراخ صغاره وابنه ناصر، أكبر أطفاله منها، وهو يضرب بكلتا يديه على كل منطقة يطالها من جسده:
ــ بعد يدك عنها، والله لو موتها لموتك أنا كمان، بعد.
دفعها بقوة حتى أوقعها على الأرض، فجثا الفتى بجوارها يربت عليها ويتبادل نظرات التحدي مع والده الذي تجمد في مكانه، يلهث بصدمة، لقد كبر الفتى وشب رغم صغر سنوات عمره، لتطول يداه على والده. يبدو أن صورته اهتزت ولم تعد له قيمة بالفعل حتى في بيته.
زفر ليسحب نفسه فجأة مغادرًا من أمامه وشياطينه معه.
كلما مرّ الوقت، كلما اشتعلت مظاهر الفرح أكثر فأكثر، رغم أنها كانت قد شددت عليه ألّا يُفرط في الاحتفال كما كان ينوي وأن يجعلها ليلة تشهد عليها البلدة بأكملها.
تذكّرت أنه في هذا اليوم، قد صرخت به أمامهم جميعًا حتى لا يفعلها، فهادنها، وادّعى طاعتها، باختصارها على ليلة للذكر الحكيم، مع دعوة الأقرباء إلى مأدبة طعام… فصدّقته.
ثم جاء اليوم، وشهدت بأم عينيها نصبة الفَرَاشة التي شملت حيًّا كاملًا، وعدد الذبائح التي تكفي بلدةً كاملة، ثم المزمار البلدي اشتعل منذ أذان العصر، ووصلت منه أصوات التهليل من الرجال، والرقص على الأحصنة، وكأنه مهرجان أو مولد!
زادها ذلك حرجًا وهي في مراحلها الأخيرة تحت يد الفتاة التي تقوم بتزيينها، رغم أنها لم تكن تريدها من الأساس، لكنها اضطرت إليها بعدما أصر برأسه أن يأخذها إلى أكبر مركز تجميل في المحافظة.
كان يكتنفها حرج غير عادي، تتمنى فقط أن يمر كل شيء في هدوء، فهي تكره هذه الجلبة التي لا داعي لها.
ــ بسم الله ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، قمر وبدر منور يا مزيونة!
هتفت بها "منى" من خلفها فجأة، حتى انتفضت على أثرها، ثم تبسّمت لعفويتها مرددة بخجل:
ــ مش جوي كده يا منى، دول شوية مكياچ وبودرة في الأول وفي الآخر يعني.
ــ مكياچ مين يا مجنونة اللي هيخلي الواحدة بالحلاوة دي؟
صاحت بها "محروسة"، زوجة شقيقها، متدخلة في الحديث علّها تخفف عنها قليلًا من توترها، فهي الشاهدة على مأساتها منذ بداية اليوم، مع محاولاتها الحثيثة لتحفيزها.
ــ بصّي في مرايتك زين يا مزيونة، وشوفي الحلاوة الربّاني لما ينضاف عليها بس شوية ألوان يبيّنوها، والله ما كدبت لما قالت "قمر يا حبيبتي، وبدر منور"!
ختمت عبارتها بقبلة حانية على وجنتها، فصرخت "منى"، التي كانت تتابع بتأثر:
ــ عندك يا محروسة! هي حبيبتك آه، بس من بعيد لبعيد الله يخليكي، معانا واحد مجنون، لو شاف حد بيلمس ممتلكاته، هيعملها جناية!
ضحكت "محروسة" مع الفتاة التي كانت تلملم أدواتها، على عكس "مزيونة" التي تطلعت إلى "منى" بخجل متضاعف، تنهاها بحذر:
ــ بلاش الكلام ده يا منى، لأحسن والله لو زوّدتي، هجوم ويسيبها لكم خالص!
ــ تروحي فين يا غالية؟ بعد خلاص ما دخلتي القفص؟ ولا السبع اللي برا ده هيسمح أصلًا؟ ده مصدّق!
قالتها "منى"، ثم اقتربت تعانقها من الخلف، تقبّلها على رأسها، تخفف من جرعة الضغط عليها بالمزاح:
ــ رجلك شغالة هز تحت الكرسي، ولا اكنك عروسة في أول دخلتها، وشّي بجى في الأرض من البِت الكوافيرة اللي واخدة بالها وعمّالة تضحك!
التفّ رأس "مزيونة" فجأة بالفعل نحو الفتاة، فلحقت بها "منى" تهمس في أذنها:
ــ يا بت بهزر معاكي، ما تفضحِناش! أنا بس قاصدة أناغشك، تعالي بقى، الحريم والكل مستنيكي برا.
استقامت تسحبها من يدها، لكن "مزيونة" تشبّثت قدميها بالأرض، تعترض:
ــ بلاش يا منى، خلّيني هنا، هي الحريم دي لازم تشوفني يعني؟ اشحال ما كانت ليلة عزاب!
قهقهت "منى"، معقّبة:
ــ يا أختي احمدي ربنا على كده، ده "حمزة" كان عايز يعمل كوشة ومسرح وحكاية!
ــ أيوه، عشان كنت سيبتها له خالص!
ضحكت "منى" لتسحبها من يدها ساخرة:
ــ تاني برضه يا "مزيونة"؟ تعالي يا خيتي، وبلاها أحلامك دي!
خرجت بها بالفعل من داخل الغرفة التي كانت تتخفّى فيها منذ الصباح بحجة الاستعداد لليلتها، لتنزل بها الآن، وهي تتشبث بها كعروس بكر، ليس خجلًا، بقدر ما هو قلق شديد طُبِع في الذاكرة من مخلفات الماضي البائس.
---
وما إن أطلت بها من أعلى الدرج، حتى صدحت أصوات الزغاريد تُجلجل المكان، وتفاجأت "مزيونة" بالعدد المهول من النساء اللاتي لا تعلم بصفة معظمهن، ولكنها مضطرة للتعامل والتكيّف.
تلقّفتها "حُسنية" تُقبّلها وتضمّها إليها بأمومة ليست غريبة عنها، ودارت بها على النساء الكبيرات من عائلتها، حتى استقرّت "مزيونة" في النهاية بجوار ابنتها، التي جلست في مكانٍ مبتعدٍ إلى حدٍّ ما عن الضجيج، حرصًا على سلامتها وسلامة جنينها، فكلّ حركتها محسوبة بشدة.
اندَمَجت قليلًا حتى كادت أن ترتخي، لولا صوته الذي صدح فجأة يجذب أنظار الجميع نحوه:
ــ وه! عروستي جاعدة هنا يا غجر، وأنا جاعد برّا بسلم على الخناشير!
أثار بمزحته ضحكات النساء وتعليقات شقيقاته، الأمر الذي انعكس عليها بالمزيد من الحرج، حتى همست إلى "منى" موسوسة لها:
ــ أحبّ على يدك، قولي لأخوك يلمّها! مش كفاية المقلب اللي شربته، وقال لي بأن الليلة على الضيق؟ أمال لو على الواسع كان عمل إيه؟
تبسمت "منى" لها بقلة حيلة، رغم ابتهاجها الشديد لفرحة شقيقها، الذي عاد بأفعاله لعريس صغير في العشرين من عمره.
تبادل هو المزاح مع النساء من أقاربه، ثم تقدّم نحوهن، فقبّل رأس "ليلى"، التي ناظرته بامتنان شديد، رغم الحيرة التي كانت تعصف برأسها.
تركها لـ"معاذ"، الذي أنهضها بحرص شديد، ليصعد بها، مكتفيًا بذلك الجزء القصير من الوقت في حضور تلك الليلة الهامة.
واتّخذ "حمزة" محلّها بجوار عروسه، لكن من الجهة الأخرى، ليُبادرها على الفور بمشاكسته:
ــ إزيك يا عروستي يا حلوة؟
لم يتأثر بصمتها، وعيناها الجميلة المرسومة تطالعه بشرر الغيظ الذي تكنّه داخلها الآن بسببه.
ــ الحلو ساكت ومبيـرُدّش ليه؟
تمكنت هذه المرة من التحدث، تهمس محذّرة له:
ــ اعقل يا حمزة، عشان أنا بقيت حاسة نفسي مسخرة وسط الحريم اللي بتقلب عينيها فيّا.
قطب فجأة، عاقدًا حاجبيه، حتى ظنّت به الغضب، لكنّه ألقى بنظرة مُقيّمة عليها، من تلك الطرحة التي أُلقِيَت على الشعر المصفف بعناية، بقصة لا تناسب إلا ملكات الجمال، حيث الشعر المدرج الطويل على جانبي الوجه، بزينة تليق بالمناسبة، حتى جعلتها ليست فاتنة فحسب، بل هي "فتنة" كاملة.
نزلت عيناه على الفستان الواسع بلونه السماوي، الذي انتقاه بنفسه، كي يرى بعينه حسن اختياره، على ذاك القَد الملفوف، الذي أحدث داخله مشاعر لا يصحّ لها الظهور الآن على الإطلاق.
فرفع عينيه سريعًا، يعود إلى عبثه قائلًا:
ــ ما هو ده الطبيعي، إنها تقلب عينيها فيكي وتغير كمان منك. تصدجي بجي أنا أقتنعت دلوك بس بوجهة نظرك، لما رفضتي نعمل كوشة ولا ليلة كبيرة ومسرح! تخيّلي بقى عيون الستات، لو انضمّت ليها عيون الرجالة؟ والله كنت صوّرت فيها جتَيّل!
للمرة المئة، يُربكها بجرأته في الحديث، والنظرات التي ليست غبية عن الانتباه لما خلفها، الأمر الذي جعلها تميل عليه وتذكّره:
ــ برضه هاجولك تاني يا حمزة، عشان بس ما تعشّمش وترجع تتصدم... بلاش اللهفة الزيادة، وانت عارف اللي فيها.
كاد أن يستفسر عن مغزى ما تقصده، لكن سرعان ما تذكّر، لتصدح ضحكته العالية حتى لفتت أنظار النساء إليهما، فدنا منها هامسًا:
ــ واخد بالي يا باشا؟ اعتبر نفسي متجوز واحد صاحبي... أو مش متجوز أصلًا!
أومأت برأسها تطالعه بتوجّس، فعاد يضحك بصوت مكتوم مرة أخرى، مغمغمًا بصوت لا يسمعه سواه:
ــ عدّيها على خير الليلة دي يا رب...
ما هذا الذي يسري في دمي كتيارٍ دافئٍ لا أُحسن مقاومته؟
كلُّ شيءٍ بداخلي يُعاد تشكيله... أنفاسي تتلعثم، نبضي يختلّ، وقلبي... قلبي كأنّه يُجرّب الخفقَ لأول مرة.
أنظر حولي، فأُبصر العالم بعينٍ غير عيني، كأنني خرجت من نفسي إلى نسخةٍ أكثر دهشةً وارتباكًا. اللمسةُ صارت دافئةً على غير العادة، والصوتُ الذي كان يمرّ عابرًا، بات موطنًا دافئًا لروحي.
أهذا هو الاكتمال؟ أن ينتمي أحدهم إليك دون أن يُقيّدك؟ أن يقتحم حصونك المُحكمة، يزيل عن جدرانك ندبات الأمس، ويُريك نفسك كما لم تعرفها من قبل؟ ويُربكك، لا بالخوف، بل بحنانٍ تجهله؟
كلُّ شيءٍ غريب، لكنّ الغرابة فيه لذيذة، شهية، مغرية حدّ الاستسلام. أنا التي ظننتُ قلبي صلبًا... ها هو يذوب بين كفَّي قدرٍ ناعم. أهذا جزاءُ صبري؟ أهذه هديةُ السماء المؤجّلة؟ أم أنّني كنتُ طيّبة بما يكفي ليستجيب الله لقلبي المنكسر بهذا العوض؟
ربّاه... ما أحلى أن تجهل الشعور، ثمّ يأتيك طاغيًا دون استئذان، ليُعلن أن عهد التيه قد انقضى، وأنك، أخيرًا...
ـ مشيوا خلاص يا معاذ؟
بادرته ليلة بسؤالها فور أن دلف إليها إلى داخل الغرفة التي صعدت إليها بعد نصف ساعة فقط من حضور الحفل المتواضع لزواج والدتها، ليجيبها معاذ الآن بفرح أشرق بوجهه:
ـ مشيوا أخيرًا يا قلبي! يا سلام، يا أما أنا فرحان قوي يا ناس. كده ما بقاش زيتنا في دقيقنا وبس، دي بقت رابطة جوية ما ننهاش منفذ.
أومأت باستجابة إليه بابتسامة ضعيفة، فجلس هو على طرف الفراش يخلع الحذاء من قدميه، ثم خلع سترته العلوية وهمّ بخلع البقية، لكنه انتبه فجأة لشرودها فتوقف سائلًا:
ـ مالك يا ليلى؟ في حاجة شغلاكي؟
تطلعت إليه بعجز وصل إليه، وكأنها تخشى البوح، الأمر الذي أثار قلقه، فسقط جالسًا مقابلها يحثها برجاء:
ـ لا يكون في حاجة تعباكي؟ ردي يا ليلى الله يرضى عنك، أنا على شعرة والله!
سارعت بالنفي تطمئنه:
ـ ما فيش يا معاذ، أنا بخير وعال العال قدامك، أهو.
ـ أمال إيه بس؟
عادت للصمت مرة أخرى، حتى فاض به فصاح بها:
ـ ما هو سكوتك ده بيخليني أتأكد أكتر إن في حاجة، اتكلمي بقى وريحي قلبي!
وكأنها كانت في انتظار انفجاره، لتنطلق في نوبة مفاجئة من بكاء حارق، ضاعف من جزعه:
ـ هي وصلت كمان للبكا! يا مرك يا معاذ، العيل اتضرّ صح؟
ردت بانفعال صارخة به:
ـ قلت لك لاه، قلت لك لاه! أنا بس...
ـ أنت إيه؟... معقول تكوني زعلانة عشان أمك اتجوزت؟
صدر ترجيحه الأخير بتخمين ضعيف، لكنه سرعان ما تأكد من ظنه حين وجدها صمتت فجأة تطأطئ رأسها، حتى استجمعت شجاعتها لتتكلم أخيرًا:
ـ مش غيرة والله يا معاذ، ولا أنانية، بس...
لم يقاطعها، بل فضّل الانتظار لتُخرج كل ما يؤرقها:
ـ أمي اتظلمت كتير، كتير قوي. أنا أصلًا من يوم دريت بنفسي والدنيا، وأنا شايفاها لابسة أسود. الأول كان حزن على ستي، وبعدها حزن على سيدي، لكن تلبس ملوّن ولا تتنزّه زي باقي الستات؟ لأ. ياما الزفتة صفا كانت تكيدها بكل شغل الستات المعروف، وهي كانت تبلع وهي ساكتة. أبوي تاركها زي البيت المهجور تحت عينه، وبرضه ساكتة. ودلوك بعد السنين دي كلها، إن ربنا يعوضها بعمي حمزة عشان يفكرها بعمرها، ويرجعها لسنين صباها اللي انسرقت منها، دي حاجة فوق الخيال بالنسبالي، بس... ما اعرفش ليه حاسة بحاجة وجعاني مش قادرة أحدد هي إيه.
تبسم معاذ بحنو، ليميل على رأسها يقبّلها، يربّت على خدها بكفه:
ـ طب بس بس، هوني على نفسك، يا شيخة خلعتيني. الحيرة واللخبطة دي أكيد يعني شعور طبيعي عشان الوضع الجديد. فوقي فوقي، ده أكيد بس عشان سيبتك لوحدك الشوية دول، اصحي كده واستعيذي من الشيطان.
تنهد مستقيمًا في وقفته:
ـ ها غير هدومي وأروح أصلي ركعتين، أخلصهم، وأجي أقرأ لك شوية قرآن، أكيد دي عين، على رأي أمي.
تركته يذهب ليدور ذهنها مرة أخرى في تلك الحيرة. فسبب الوجع الذي أخبرته عنه تعلمه جيدًا، ولا تستطيع النطق به، فوالدها الذي تذكر فقط الآن أن له ابنة، لا يرحمها باتصالاته ورسائله.
.......................
شجار آخر يصلها من خارج الغرفة التي تلتزم بها. والدها، الذي لو يطال أن يخنقها بين يديه أو يطردها لسوف يفعل، لكن يمنعه العار كما يقول دائمًا في التخلي عنها، رغم أنها لا تستحق. كم من مرة توقعت أن يسحبها من يدها ويلقيها تحت أقدام حسنية، كما كان يهددها سابقًا. لكن يبدو أن الرسائل القادمة من الجهة الأخرى تخبره ألا يفعلها، حتى لا يقلّ بقيمته إن رفضها ابن شقيقه خليفة.
خمد الصوت فجأة بخروج والدها كما خمّنت، ليأتي دور والدتها الآن في لومها. وكما توقعت، لم تنتظر المرأة لتلج إليها موبخة:
ـ طبعًا قاعدة هنا وراء الشباك وبتتفرجي على زينة الفرح وأنت ولا هامك! طب يهمك كيف وأنت مدسية هنا وإحنا اللي الناس واكلين وشنا؟ كل اللي رايح واللي جاي يسألنا أنا وأبوك: كيف هالة ما قعدتش في الفرح؟ كيف جوزها سايبها لحد دلوك؟ خليت اللي رايح واللي جاي بيجيب في سيرتنا! هاموت وأعرف، هببت إيه يخليهم يرموك كده؟ دي خالتك أحرَجت نفسها وراحت لحسنية وكلمتها، وكان رد الست السكوت وبس!
عند الأخيرة، لم تتحمل أن تصمت، لتعقب ردًا:
ـ أحسن! تستاهل، كان حد طلب منها تتقدم؟ ما تخليها في نفسها وبناتها! ده إيه الهم ده!
شهقت المرأة ضاربة بكفها على صدرها:
ـ يعني دي جزاتها يا هالة؟ الولية اللي باصة على عمارك تفرحي فيها كده؟ تصدقي بالله، أنت ما حد جايبها لك غير طولت لسانك دي! خلي قلة أدبك دي تنفعك لما تخسري من كله.
وخرجت سريعًا تصفق الباب بحدة، تتركها في غيظها تحدث نفسها بتوعد:
ـ ماشي يا خليفة، خليت اللي يسوى واللي ما يسواش يفرح فيّ عشان أخوك والمحروسة! طب أهو الكلام ثبت والناس كلها اتأكدت، بس ها أقول إيه فيك يا حمزة، فاجر وما حد يقدر يدوس لك على طرف، حتى وكل الناس عارفة اللي فيها وما حدش برضه يقدر يتكلم! فوضت أمري لربنا فيك يا حمزة، فوضت أمري لربنا...
.......................
لقد كان حلمًا، والآن صار حقيقة.
ذلك المنزل الذي أُسِّس من أجلها، وتمّ بناؤه بالصبر والأمل، ليكون سكنًا له ولها، يجمعهما سقفٌ واحد بداخله.
لقد كان حلمًا، والآن صار حقيقة.
أمام مدخله الآن، كانت تتلقى الدعم والتهنئة والمباركة من شقيقها، الذي لم يتخلَّ عنها يومًا، على قدر ما يستطيع، ورغم قلة إمكانياته.
ضمّها إليه بفرحة الوصول بها أخيرًا إلى بر الأمان، ومحل الثقة، بعد سنوات من العذاب والألم الذي كانت تكابده.
بماذا يعبّر؟ لا تُسعفه الكلمات حقًا.
تركها باطمئنانٍ تام، أنها الآن في حوزة حمزة؛
سوف يعوضها عما فات، ويعيد إليها ذاتها التي طُمست في سنوات الجهد والعذاب، في زيجتها البائسة الأولى.
كان عمره حينها أصغر من أن يعي خطورة الوضع ليملك حق تقرير مصيرها برفض عرفان، حتى كبر ورأى وفهم، فخُلِقت في قلبه غصة، لم يشعر بزوالها سوى اليوم.
وبعد ذهاب الجميع وعودتهم إلى منازلهم، لم يتبقَّ سواه معها.
أغلق الباب عليهما سويًّا، لتبدأ معه حياة جديدة، لم تكن في خطتها من الأساس.
بصمت وتفهُّم، جعلها تسبقه في الدخول، وهو بخطواته المتمهّلة يتبعها، حتى توقفت في وسط الرُّدهة والتفتت إليه بحدة، قائلة:
ـ هانام فين بقى؟
تابع تقدمه نحوها، ملوّحًا بكفّيه أمامها:
ـ ودي عايزة كلام؟ أكيد في أوضتنا أنا وأنت، اللي على الناحية الشمال قدامك.
اتجهت أبصارها نحو الجهة التي أشار إليها، فتذكرت تلك الغرفة التي استفاقت داخلها يوم أن فقدت وعيها، وما سبقها من أحداث مؤسفة تودّ طمسها من عقلها، ولكنها كانت سببًا فيما تمّ.
لم تعِ بوقفتها وحيرتها تلك أنه قد اقترب، حتى شعرت بذراعه التي التفّت حول خصرها تسحبها إليه وتصطدم بصدره، فخرجت منها شهقة إجفال، نابعة من خوفها، لتصله رجفتها بين يديه، حتى سارع بطمأنتها:
ـ هششش، اهدي... اهدي يا مزيونة.
بتروٍ شديد، صارت يده تمسح على ظهرها، يضمّها بلطف لا يخلو من حزم، كي لا يترك لها فرصة للهروب منه، موجهًا كلماته إليها بصوتٍ عميق... عميق جدًا، وقد تخلّى عن عبثه، واضعًا تهدئتها نُصب عينيه... وأن يرتخي تشنجها أولًا، ثم يأتي كل شيء بعد ذلك.
ـ مالك بتترعشي ليه؟
ارفعي عينك الحلوة دي وحطيها في عيني، ليه تتوتري أصلًا؟
أنا حمزة... حمزة اللي قبل منك حتى الفتات، زي ما قلت لك قبل سابق، يبقى ما تبخليش عليّ حتى بالنظرة.
تغلغلت كلماته الرقيقة إلى مسامعها، لترفع رأسها إليه، وتلتقي عينيه بخاصتيها الحائرتين، التائهتين، وكأن داخلها غريقٌ يبحث عن طوق نجاة.
فتحدثت أخيرًا:
ـ أنا عارفة إنك حمزة... عارفة إنك غير اللي فات، غير كل الرجالة كمان، بس...
وقطعت كلامها، تخفض أبصارها مرةً أخرى، ولكنه أبى أن يتركها تتوقف، فرفع ذقنها بطرفي إصبعيه مشددًا:
ـ كملي... ما توقفيش.
ابتلعت رمقها لتجسر على المواصلة، وتتحلى ببعض الجرأة في مصارحته:
ـ أنا عايزاك تقدر خوفي يا حمزة.
ـ مقدر.
ـ الكلام غير الفعل، وأنت بتتكلم بثقة عشان لساك على البر، ما جربتش...
أنا قعدت في ذمة عرفان أكتر من عشر سنين من غير ما يجرب لي، وعشرتي قبلها معاه كانت كلها مشاكل بسبب الموضوع ده...
يعني لما قلت لك إني ما أنفعش، كان بسبب كده.
تعقد حاجباه فجأة، يعقب بتفكه على تصريحها:
ـ آه! وأنت فاكرني كده هازعل يعني؟
ولا حاطة في بالك إنك بتديني حذري عشان ما أنصدمش لما يحصل المراد؟
ده برضه كلام يا صاحبي؟
قصد بالأخيرة التخفيف عنها، فبزغت ابتسامة رقيقة بزاوية ثغرها، وشفاها المطلية بالأحمر القاني.
نظرة واحدة منها كادت أن تطيح بثباته، وهو في أمسّ الحاجة للصبر والتمهل معها.
صدرت منه حمحمة خشنة، وصوت بالكاد يستجمعه:
ـ بأقول لك إيه... ما تسيبك من كل الأفكار والهواجس اللي في مخك دلوك، ونشوف الأهم.
ـ هو إيه الأهم؟
وما كادت أن تنهي سؤالها، حتى وجدته يرفعها بغتة بين يديه ويحملها قائلًا:
ـ هانروح نصلي الأول.
هتفت بتوتر:
ـ طب وشايلني ليه ما دام هانصلي؟
رد وخطواته السريعة تعرف طريق وجهتها:
ـ عشان أنا حالف إنك ما تدخلي الأوضة الليلة دي غير وأنا شايلك.
احمدي ربنا ما عملتها على عتبة البيت قدام أخوك وعياله!
ـ وه...
ـ واهين! حتى عندك اعتراض!
................................
دخلت منى خلف زوجها إلى داخل منزلهما بشعور من الارتياح يغمرها، وابتسامة لا تفارق محياها، عائدَين من حفل الزفاف الذي تم كالسحر اليوم.
ـ حمزة الفرحة مش سايعاه يا منصور، وكأنه مش مصدق إنه أخيرًا حقق حلمه بجوازه منها!
عقب منصور وهو ينزل ابنته التي كانت نائمة على كتف ذراعه، ليضعها على الأريكة التي تتوسط المدخل:
ـ عشان حبها بجد. أخوك على قد ما هو ناصح ولف ودار، لكنه ما طالش الإحساس الحلو ده غير معاها.
واخدة بالك يا حب عمري إنتِ؟
جلس أخيرًا ليسحبها من يدها كي تجلس هي أيضًا، ثم التفت بذراعه حولها يضمها إليه، يقبّل رأسها مردفًا:
ـ اللي جرب بس هو اللي يعرفه، كد حلاوته، كد عذابه برضه، لكنه الحياة نفسها. ربنا ما يحرم حد من حبيبه.
مالت هي برأسها على صدره تريحه، كي تتمتع بلطف مودته وعشقه:
ـ آمين يارب، أنا بجى جربته وعرفته على يدك. كتير جوي أسمع عن فلان بيحب فلانة وفلانة عادي، لكن إن يخليها برضه تبادله نفس الشعور، ده التحدي نفسه، وأنت فوزت ونجحت وخلتني أحبك أكتر كمان.
شدّد منصور من ضمّته، يريح ذقنه أعلى رأسها، يتنهّد براحة قائلًا:
ـ متهيألك يا منى، أنا حبي زي المرض! الناس اللي في حالاتي عقلهم بيطير منهم لو ما طالش الوصال مع محبوبه. الحمد لله أنا كنت دايمًا ماشي بدعواتي إن ربنا يوضَع اللي في قلبي في قلبك، وربنا كان رحيم بيا وحقق لي أمنيتي.
ـ ونعم بالله.
تمتمت بها ثم استدركت تسأله بتذكّر:
ـ إلا صحيح يا منصور، ما قولتيش عملت إيه مع خليفة؟ وافق بقى يرجّع هالة؟
زفر الأخير وارتخت ذراعه عنها، ليجيبها بقنوط:
ـ للأسف يا مني، شكل الموضوع كبير جوي مع أخوكي. أنا ما رضيتش أرد عليكي ساعة ما سألتيني جدّام أمك عشان مزيدش عليها، بس خليفة زعلان جوي، وساكت، مابيطلّعش اللي في قلبه حتى عشان الواحد ياخد ويعطي معاه في الحديت.
عقّبت على الأخيرة تؤيده:
ـ دي حقيقة فعلًا، خليفة كتوم طول عمره، لا هو بجرأة حمزة ولا بجنان الصغير. يعني هالة دي أصلًا ولا كانت على باله ولا من نصيبه، ومع ذلك لما عرض أبوي عليه جوازها بعد عملة حمزة، برفض إنه يتجدملها وافق عشان يرضيه، رغم علمه بعيوبها اللي كنا كلنا نعرفها من واحنا عيال صغيرين. الله يهديها، البت دي تعبتنا كلنا معاها.
...
بعد أن انتهيا من الصلاة سويًا، وقرأ على رأسها دعاء الليلة حتى يُحفّ زواجهما بالبركة والمودّة، نهض عن سجادته بظنٍّ منه أنها ستقوم معه، لكنها تحججت برغبتها في ركعتين إضافيتين.
فتركها لرغبتها، لكنها طالت وأطالت، وهو في انتظارها قرابة النصف ساعة الآن، حتى تربع بقدميه بصبر يتعلمه على يديها.
وظل على سكونه، حتى إذا انتهت أخيرًا، والتفتت برأسها إليه، وجدته جالسًا على الفراش بابتسامة ارتياح يطالعها.
التفتت مرة أخرى إلى الأمام، لتظلّ في مكانها، وكأنها التصقت بسجادتها.
وبدون انتظارٍ آخر، قفز سريعًا ليلحق بها قبل أن تعود للصلاة مرة أخرى.
فجذبها من يدها على حين غرّة، كي تقوم معه من مكانها.
استجابت، تتركه يسحبها، ويسير بها حتى جلس، وأجلسها مقابله على طرف الفراش، يخلع الطرحة من رأسها، لينثر الشعر الحريري حول وجهها، ويتأملها بعدما مسحت عن وجهها كل المساحيق.
وعلى الرغم من جمالها بتلك الزينة، إلا أن بهذه النضارة وملامح الوجه التي وضع الخالق بصمته عليها، تجعل الطبيعي أجمل بألف مرة.
حتى والحيرة ترتسم على ملامحها بوضوح، فوجد صوته أخيرًا يمازحها:
ـ مش هناخد اليوم كله في الصلاة... ولا إيه يا صاحبي؟
أهدته ابتسامة ضعيفة أخرى، فيما يجتاحها من الداخل مشاعر متصارعة، جعلتها تفقد تلك الميزة في تحدّيه...
طريقه طويل، وعليه أن يبدأ الآن.
تناول كفها بين يديه، يرفعه إليه، معلّقًا:
ـ تصدّجي إن دي أول مرة أمسك فيها يدك؟
ده أنتي حتى الدهب ما خلتينيش ألبسهولِك، ولا حتى أشوفه عليها...
بس بيقولوا: "إن اللي يدها حلوة، هي كمان حلوة."
أرفق الأخيرة بنظرة إليها ذات مغزى زادت من توتّرها، ليفاجئها بسؤاله:
ـ ليه مارسَمتيهاش بالحنّة يا مزيونة؟
ردّت بحرج، وهي تجاهد أن تنزع يدها منه:
ـ عادي... ما بحبهاش، وحسّيتها مش لازمة يعني بصراحة.
تلقّت ردّه بابتسامة، وهو يمسح بإبهامه على ظهر كفها:
ـ شوفي... رغم إني بحبها، بس بصراحة كده أحسن.
عشان اليد الحلوة دي أشوفها وهي على طبيعتها أحلي...
ناعمة جوي، ولا كأنها حتة مارشميلو!
أمال دي لو لقت الراحة والدلع، هتبقى كيف؟
وهنا، وقد بدأت تستشعر الخطر، حاولت بقوة أن تُفلت يدها منه، لكنه شدّ عليها، بل زاد أكثر هذه المرّة، بأن رفعها إلى فمه، يُقبّل كل إصبع وحده.
فسرَت داخلها قشعريرة، وعاد الخوف يزحف إليها، لتطالبه دون انتظار:
ـ حمزة... أنا عايزة أنام وحدي، تطلع أنت من الأوضة؟ ولا أطلع أنا؟
توقّف لحظات يطالعها بجمود، وهي تبادله بانفعال جعل صدرها يصعد ويهبط بتسارع.
وبدون أن يتفوّه بكلمة، حسم وجذَبها من ظهرها إليه، يضمّها بين ذراعيه، ويُجفلها للمرة الثانية، قائلًا:
ـ عايزة تبعدي؟ وأنا ما صدّجت أقرّب!
أي نوم ده اللي هييجيلي لو نمتي بعيد عني؟ ومن غير ما آخدك في حضني؟
حُطيها في علمك من دلوك، من النهاردة حضني بجى بيتك...
ومافيش مرة تبعد عن بيتها، حتى لو حصل خلاف بينها وبين راجلها.
هل أصابها الخرس؟
أم أن كلماته أصابت شيئًا ما داخلها أفقدها النطق وعزيمة الرفض؟
حتى باغتها، مستغلًّا لحظة التشتّت، ليهبط برأسه نحو ثغرها الشهي، يُشبِعها ويُشبِع شوقه منها، لم يترك لها فرصة للاعتراض أو الصد، فكانت كلما تحاول — حتى مجرد محاولة — يُحبطها بطريقته. فقد نفد صبره منها تمامًا، ويجب عليها الآن أن تدرك الفرق جيدًا... بين الرجال وأشباه الرجال،
وأن تعي أنها امرأة كاملة الأنوثة، لا ينقصها شيء... سوى رجل يُدرك قيمتها الحقيقية.
فتنوّعت لمساته بين حزمٍ ولطف، ومداعباتٍ وتدليل، ومهادنة، وكأنها بِكر في أول زواج لها،
حتى يصل بها إلى النقطة التي تجد بها ذاتها؛
تلك المرأة التي وهبها الخالق أنوثةً مهلكة، لكنها لا تراها، ولم تكن تشعر بها.
أنانيٌّ هو، إن اكتفى بما يريده منها، دون أن ينظر لما تحتاجه.
ففي تلك اللحظات، لا يصحّ الأخذ فقط دون العطاء… والعطاء ببذخ، كما يفعل هو الآن.
وبعد وقتٍ طويل، حين سمح لها أن تلتقط أنفاسها أخيرًا، نظر إليها بابتسامة متخمة بالسعادة، يمطر جبهتها بعدة قبلات، قائلًا:
ـ ده أنت طلعت جامد جوي يا صاحبي!
...........................
في بقعةٍ قريبة من النيل الذي يجري على حدّ بلدتهم،
ألقى من يده السجادة التي أتى بها من حقيبة السيارة، فرشها على الأرض، ثم وضع عليها الوسادة واستلقى، واضعًا ذراعه تحت رأسه، وعيناه نحو السماء ونجومها التي تتلألأ أمامه.
لقد حان وقت الخلوة مع نفسه، حيث السكون والهدوء بعد انتهاء "الليلة الكبيرة" التي أدّى فيها واجبه على أكمل وجه كعادته، دون أن يتحدث أو يفضي لأحد بما يعتمل في قلبه من حزن وقهر.
رغم كل المحاولات التي قام بها زوج شقيقته، وشقيقه معاذ، وحتى حمزة، الذي لا يليق به الانشغال بغير نفسه في هذا اليوم، إلا أنه جاهد لاستدراجه ولو بكلمة، لكنه أفلت منه كما أفلت من البقية.
هذه طبيعته؛ لا يجد راحته إلا في العزلة، ولن يُشفى إلا بذاته، مهما بلغ عمق الجرح. حتى وإن كان هذه المرة يمس كرامته: بين امرأة تعلّق قلبه بها واكتوى بنيران قربها بزواجها من شقيقه، لتأتي الآن وتظهر وجهها الحقيقي الذي خُدع فيه،
وأخرى، ابنة عمه، التي تزوّجها وعاشت في كنفه عددًا لا بأس به من السنوات، حتى أنجب منها طفلين، يفترض أن يقويا رابطة الزواج، لكنها أبدًا لم تعتدل أو تتغيّر.
يعلم الله أنه حاول كثيرًا، أن يجعلها تكتفي به ويكتفي بها، قدّم لها الحب والمودة، لكن عقلها اليابس وقلبها الأسود لم يتأثرا أبدًا بتلك المحاولات.
حظّه البائس أوقعه بين زوجين من النساء، ما أبشعهما:
إحداهن تدفعها الكراهية لأذية الجميع دون استثناء،
والأخرى ناعمة بنعومة الأفاعي، جميلة من الخارج، وبشعة من الداخل.
مرّ بذهنه فجأة وجه مختلف... ليست واحدة من الاثنتين.
ذات لسان طويل وطبع حاد، تتشاجر حتى مع الذباب إن أزعجها، والجميع تقريبًا يخشاها لشراستها.
لكن لا أحد يعلم أن خلف تلك الشراسة امرأة عادية... لمس ضعفها بنفسه في لحظات نادرة.
.....................
الاسم "مقهى شعبي"، ولكنه في الحقيقة شيء آخر، لا يفرّق عن المصرف سوى أمتار قليلة.
مساحته مفتوحة لكل روّاده من السكارى ومتجرّعي المواد المخدّرة، غافلين عن أن الله حرّم كل ما يذهب العقل، والخمر على رأسها، فقال: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون."
وقد اتخذ هو طاولة له وحده، بعيدة عن المتسوّلين والمدمنين، يتجرّع زجاجة تلو الأخرى من الخمر،
وكلما فرغت واحدة، ألقاها نحو مياه المصرف فتبتلعها.
ومع ذلك... لا شيء حتى الآن أذهب بعقله.
ـ عرفان يا صاحبي.
دوى الصوت المألوف في أذنيه، فالتفت إليه يطالعه بصمت. لم يأبه به الآخر، بل تقدّم ساحبًا أحد المقاعد البلاستيكية القريبة، وجلس عليه مقابله:
ـ بسلم، ما بتردّش ليه يا عم؟ كنت بايت في حضنك أنا؟ طب حتى باركلي، طلعت من السجن.
ناظره عرفان بنظرة يعرفها جيدًا... ما زال يشكّ به.
وما يمنعه عن الفتك به، أنه لا يملك دليلًا.
خرج صوته أخيرًا بعد فترة من الصمت:
ـ مبروك يا سيدي. بس أنت جاي هنا؟ مش خايف لولاد الحرام اللي كانوا عايزين يخلّصوا عليك قبل سابق يظهروا من تاني؟ المرة دي هيرموك في المصرف على طول.
نظر عطوة نحو ما أشار إليه... وتلك المياه السوداء في الظلام.
انقبض صدره خوفًا، لكنه لم يُظهره أمامه:
ـ لا، ما أنا سَوّيت أموري معاهم.
عقّب عرفان بتشكيك:
ـ يعني وصلتلهم وجعدت معاهم كمان؟! غريبة يا أخي،
مع إن أنا دورت عليهم وسألت الدنيا كلها، وما عترتش عليهم.
برر عطوة على الفور:
ـ لا، ما هما سابوا البلد واصل،
ولما ياجو هعرفك مكانهم...
المهم، جولّي: كيف سمحت لواض الفرطوس ده يعملها؟ ويضحك الناس عليك؟!
الحكاوي مالية البلد، وأنا زعلت جوي لما عرفت باللي حصل.
حدجه عرفان بناريّته، ودخان حريقه الداخلي يخرج من فتحتي أنفه وفمه في هذا الظلام.
ألقى الزجاجة الفارغة نحو المصرف، يردّ عليه بكلمات مقصودة:
ـ كل كلب هياخد حسابه... كامل ومكمّل، خليك فاكرها دي.
عرفان ما يسيبش حقه...
ولا يخلي حد يعلّم عليه واصل.
................
ما هذا الخمول والثقل الذي تشعر به يحيط بجسدها وكأنها مقيدة؟ما هذا التعب الجسدي الذي...توقفت فجأة عن التساؤلات التي كانت تدور في رأسها، وهي تستعيد وعيها بعد فترة طويلة من النوم، لتفتح أجفانها إلى النور أخيرًا، فتعِي على وضعها الجديد.
نائمة في غرفة ليست غرفتها، وعلى سريرٍ ناعم بشدة، وغطاء كأنّه من حرير، وو...يا إلهي... لقد تذكرت الآن! وعاد إليها وعيها بالكامل.تُطالع الوجه القريب منها، وتلك الذراع التي تُقيدها وتمنعها من النهوض إلا بإيقاظه – كما يبدو لها.
إذاً، ماذا تفعل؟ وهذه أول مرة تتأخر إلى هذا الوقت، كما ترى الآن على ساعة الحائط المعلقة أمام عينيها، تشير إلى تجاوز الحادية عشرة صباحًا...
تنهدت، تترك حيرتها الآن لتُركّز بصرها عليه، وتتذكر ليلتها معه.اكتنفها شيء من الخجل، وذهنها يعيد صورًا كثيرة لا تستوعب حتى الآن كيف حدثت؟
وهي التي هيأت نفسها لسيناريو مأساوي كما حدث معها في زواجها الأول، أو أقل قليلًا...لقد اختبرت بين يديه مشاهد لم تكن تعي بوجودها أصلًا.
من يراها في بداية الليلة، وهي في حالة يُرثى لها، لا يُصدّق أنها ذات المرأة التي تحوّلت بعد ذلك معه.تذكُر جيدًا أنها حاولت صده ومقاومته، ولكنه استطاع أن يجعلها تستجيب له...إلا أن عقلها اليقِظ بعُقد الماضي توقف بها عند مرحلة ما، لتدفعه عنها وتبكي... يا لها من بائسة!
ومع ذلك، لم ينهَرها، لم يصرخ في وجهها، ولم... يصمّ أذنيه ويكمل دون اكتراث، كما كان يحدث قديمًا.هادنها كطفلة، راعى أمرها وكأنها عذراء في مرتها الأولى...هل يُعقل بعد كل ذلك أن يُعاملها بهذه الطريقة؟
تمتنّ له بشدة... كما أنها لا تُنكر إعجابها به.هل ابتسم لها الحظ أخيرًا، حتى تستيقظ بهذه الراحة، وبرؤية صاحب الوجه الوسيم بهذا القرب؟
توقفت فجأة عن شرودها حين انتبهت إلى تحرّك عضلة في وجهه، تبِعتها أخرى في أماكن مختلفة، علامة على قرب استيقاظه.فسقطت بجسدها تحت الغطاء، تدّعي النوم، تُغمض عينيها لحظة... لحظتين...لا يصلها أي صوت أو حركة... هل تظن أنه لم يستيقظ بعد؟
همّت أن تستكشف الأمر، وما إن همّت بفتح عينيها ورفع الغطاء، حتى خرجت منها صرخة خافتة، قُطعت فورًا كردّ فعل طبيعي حين تفاجأت به، فجلجل ضاحكًا حتى أغاظها فعله، لتلكزه بقبضتها:
ـ عجبتك جوي يعني؟ ولا هي تضحك للدرجادي؟!
قبض على يدها يمنعها مشاكساً:
ـ وه يا مزيونة، دا انتي خدتي عليا جوي، كده في يوم صباحيتنا بتضربيني!
هتفت بغيظ، وهي تحاول تحرير يدها من قبضته:
ـ ما أنت السبب بعمايل الصغار بتاعتك، خضيتني يا حمزة... باه عليك!
زاد في تسليته، مرددًا بتحدٍّ:
ـ باهين تلاتة أربعة حتى... جولتلك قبل سابق، أنا راجل عقلي صغير، وهفضل طول عمري صغير!هاوديني بجى مدامتي الكبيرة العاقلة!
اللعنة... إنها لا تعرف حتى كيف تُجاري خفة دمه، فتتوقف لحظات مدهوشة بأفعاله، قبل أن يخرج منها:
ـ طب بعد عني يا حمزة، وخليني أَجُوم. جايم رايق وأنا لسه بستوعب إني صحيت أصلاً... بعد يا حمزة، وزنك تقيل!
ضحك معقّبًا على "دبش" كلماتها، حتى وصل به المرح لأن يُكبّل ذراعيها:
ـ تقيل؟ تقيل برضو؟ دي كلمة تتقال من عروسة لعريسها يوم صباحيته؟ثم تعالي هنا، هتنبري عليا عشان جايم مبسوط؟ ما هو ده الطبيعي يا ست يا نكدية!
ارتخت يداها عن مقاومته فجأة، لتتساءل بأعين لاح فيها الاستجداء، وكأنها لا تُصدق بعد:
ـ يعني انت فعلاً جايم مبسوط يا حمزة؟ ولا بتحاول تبسط نفسك جدامي... زي ما كنت كده بتعمل ليلة امبارح؟
اللعنة... بماذا تهذي هذه المرأة؟انتفض فجأة ليعتدل جالسًا، ثم سحبها لتجلس مقابله، يحدثها بجدية، مستفهمًا:
ـ ليه بتجولي كده؟...
توقف، لا يعرف بما يواصل... وكأن جهاز النطق أصابه العجز والشلل.ألهذه الدرجة مدمّرة داخليًا؟ حتى ذلك الشيء الجميل الذي تمّ بينه وبينها لا تُصدّقه؟وتحسب سعادته معها تصنّعًا؟...
لعنة الله عليك يا عرفان.
ضمّها إلى صدره فجأة بقوة، يحثها:
ـ اسمعي لما أقولك...إياكي تكرريها تاني، ولا تسألي.انتي تدوري على نفسك الأول.لو مش مبسوطة، تقوليها... ومتخافيش.متدوريش على سعادتي أنا على حسابك إنتي.إياكي تعمليها، ولا تيجي على نفسك عشاني.قسماً بالله... ما هسامحك.
رفع رأسها إليه مشددًا:
ـ سمعاني؟
أومأت، تهزّ رأسها بطاعة ووداعة...جعلته يفقد السيطرة على ما تبقى من ثباته، يباغتها على حين غرة، يُجفِلها بهجومه عليها، يُطفئ نار غضبه، ويُسكتها عن الجدال والتفكير الأحمق.يبدو أن مشواره معها طويل... وهو مرحّب جدًا بخوضه.
............................
مساءا
من خارج الغرفة كان يغمغم ساخطًا:ـ راجل بارد، ما عندوش دم ولا بيشم ريحته حتى! أبو شكله... أنا كان لازم ما أطلّعلهوش أصلاً.
التفتت إليه من أمام المرآة، حيث كانت تمشط شعرها، وسألته:
ـ مين اللي بارد وما عندوش دم؟
توقف يطالعها بتقييم، وقد بدّلت ملابسها وتحمّمت بعد خروجه. شعرها الندي يعزف سيمفونية مع تفاح وجنتيها، والكحل المسحوب على رسم عينيها الساحرتين. كانت ترتدي عباءة! بالوانٍ زاهية أَضفت مزيدًا على حسنها، ولكنها عباءة، تُغطيها من أعلى رقبتها حتى أقدامها في الأسفل.
ارتفعت أبصاره نحوها فجأة، بعينين متسعتين، وكأنه رأى شيئًا يخالف الطبيعة:
ـ لابسة عباية يا مزيونة؟! عباية في ليلة صباحيتنا؟!
فغرت فمها لحظة، نزلت بعينيها نحو ما ترتديه، وردّت باستغراب:
ـ ومالها العباية؟ وإيه دخل الصباحية أصلاً بعباية لبستها عشان بلاقي راحتي فيها؟
ضاقت حدقتاه، وعلت ملامحه جدّية واضحة، خطا بقدميه حتى وصل إليها:
ـ "راحتك" يا مزيونة! أنا عمال أسب وألعن في العمدة بوز الأخص اللي عامل فيها صاحب واجب وجاي يبارك لي النهارده من دون باقي الأيام... عشان أخش دلوك ألاقيكي صدماني ولابسة عباية؟! عباية يا مزيونة؟!
أردف كلماته الأخيرة بأداء درامي جعلها، دون أن تشعر، تقلّده:
ـ سلاااامتك من الصدمة! بس برضو فيها إيه؟ هي العباية بقت "كُخ" وعيب مثلًا؟
ـ حبيبتي... يا عسل.قالها ضاحكًا، وقد أثارت عفويتها تسليته، ليضيف:
ـ بتعيبي عليا يا مزيونة؟ ماشي... أوضحلك عملي، مدام مش فاهمة يا غالية، عشان تفهمي أكتر.
تحرك خطوتين بجانبها نحو خزانة الملابس، فتح ضرفتيها، ولوّح أمامها بيده نحو عدد من قطع الملابس... بألوان وقصات مختلفة، وأشياء أخرى تخجل حتى من النظر إليها.كانت تعرف بوجودها من البداية، لكنها أغلقتها ولم تجرؤ على ارتداء شيء منها.
ـ اتفضلي يا ست مزيونة، ده كله مش عاجبك؟! ده أنا طلع عيني وخصصت يوم كامل عشان أنقيهم.
ـ يوم كامل عشان تنقيهم فيه؟! وليه التعب والمصاريف؟ الحاجات دي غالية، أنا تقريبا عارفة تمن كتير منهم لأني جهّزت ليلى. بس مالي بيهم؟ دي... دي حاجات... تتلبس إزاي أصلًا؟!نفسي أفهم... انت اتعاملت إزاي وانت بتشتريهم؟
تبسم بمكر وقد فهم مقصدها:
ـ تقصدي البنات اللي كنت بشتري منهم؟ وّه دا، كلّهم كانوا فرحانين جوي، وبيتسابقوا مع بعض، وهما بيختارولي... بعد ما وصفتلهم شكل العود الفرنساوي اللي يهبّل...
ـ بس يا حمزة!صاحت بها تقاطعه قبل أن يتمادى بوقاحته التي شهدت عليها منذ الأمس، ليؤكدها الآن، مخرجًا واحدة من تلك القطع، التي لا تعرف حتى من أي اتجاه يتم إرتدائها.
ـ إيه ده؟سألت إستفسار طبيعى بالنسبة إليه، وهي تنظر إلى القطعة التي رفعها أمام عينيها، فطالعها بانبهار قائلاً:
ـ شوفي... هو أنا مش فاكر اسمه إيه بالظبط، بس بصراحة عاجبني. لونه كده نبيتي وناري، دا غير إنه يشبه المايوه...
قال الأخيرة بمرح ضاعف من استفزازها، لتنتفض فجأة عن كرسي المرآة صائحة:
ـ والنعمة ما هيحصل! بقى أنا ألبس ده؟ ليه؟ اتجننت؟!
مطّ شفتيه بثقة وهو يخبرها:
ـ والله، ولو حلفتي بأيمان المسلمين كلها، برضه هتلبسيه.ده إحنا لسه معانا سنة كاملة في الحاجات اللي مالية الدولاب دي... لازم نبتدي فيها من النهاردة!
ـ وأنا بقولك: "لاه" يعني لاه يا حمزة!
هتفت بإصرار وتصميم، فواصل هو من جهته تحدّيها:
ـ وأنا بقولك: هتلبسيه يعني هتلبسيه، يا مزيونة!وهي كلمة... ومش هتتنيها!
تجمّدت في مكانها بعدم استيعاب. لا تصدّق مدى الجدية التي يتحدث بها، وتلك الابتسامة المرتسمة على شفتيه تزيد من غيظها وقهرها أيضًا.دبّت الأرض بقدمها مغمغمة:
ـ وه...
علّق بمكر وخبث:
ـ واهين تلاتة أربعة!هطلع برا الأوضة دلوك عشان تعمليهولي مفاجأة...
.......يتبع
عارفين يعني فصل مهلك والله العظيم اكتر فصل تعبت فيهيا للا انا هسيبكم لضميركم وانتو تقدرا ل
رواية لأجلها الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الثاني والثلاثون
كانت تظن أنها انتهت... أن ما بها ما هو إلا فتات امرأة أنهكها الألم والخذلان. لكنها لم تكن ميتة، بل كانت راقدة تحت الرماد، تنتظر شرارة تُعيد إشعال الحياة فيها.لم تكن تدري أن بداخلها أنثى لم تولد بعد، أنثى خُلقت لتُحَب، لتُدلل، لتُحتَضن ككنز نادر لا يقدَّر.كانت تنتظر من يراها رغم الغبار، من ينتشلها بلطف لا بعطف، من يُعيد تشكيلها لا بتغييبها، بل بإحياء ما خمد فيها من شعور.كل لمسة صادقة، كل نظرة تُشعرها بأنها مرغوبة، أعادت ترميم كيانها... رويدًا رويدًا، تحوّلت من ظل باهت إلى نور دافئ.لم تكن تبحث عن فارس، بل عن من يُشعل أنوثتها بكلمة، ويجعلها ترى انعكاسها بعينيه، لا بمرآة اعتادت كسرها.ها هي الآن... تنبت من بين أنقاضها، امرأة كاملة... لم تُخلق من أجل البقاء، بل من أجل الحياة.
المراجعة والخاطرة الروعة من الرائعة/سنا الفردوس...........................
الفصل الثاني والثلاثون
بعد مدة طويلة من الانتظار، فُتح باب الغرفة أخيرًا، فنهض عن جلسته أمام الشاشة التي كان يُسلِّي وقته بمشاهدتها، متحفزًا بحماس لما هو قادم. لكنه تفاجأ حين وجدها أمامه بهيئة مختلفة تمامًا عمّا كان يتوقعه؛ فقد كانت ترتدي مئزرًا محتشمًا بصورة مستفزة، يُغطيها بالكامل من العنق حتى القدم.
عقد حاجبيه بتساؤل واستغراب، لكنه سرعان ما فهم من نظرتها، وذلك الارتباك الذي كان يلفها، وهي تشدّ على فتحتي المئزر من الأعلى.
تبسَّم داخله بمكر، متظاهرًا بعدم الفهم، واقترب منها بخطوات بطيئة يخاطبها بعتب ودهشة:
ـ طب جاية على نفسك ليه ولابسة روب ستان؟ كنتِ اكتفيتِ بالعباية اللي كنتِ لابساها، ولا نقيتِ عباية تانية أكتر حشمة منها؟
كان قد اقترب ليقف قبالتها، فأخفضت عينيها وهي تهرب منه، وقالت بصوت أظهر مدى ارتباكها:
ـ والله ده اللي عندي، أعملك إيه عاد؟
كانت ترتجف حرفيًا، ويدها لا تزال تشدّ على تلك الفتحة في المئزر الذي شدّت حزامه عليها، مما زاد من صدق تخمينه، ولم يتبقّ له سوى التأكيد. فباغتها على حين غرّة وقبض على يديها، الأمر الذي زاد من توترها، فحاولت دفعه عنها، لكنه أبى أن يتركها تبعده:
ـ بتعملي إيه يا مزيونة؟ عيب عليكِ، أنا جوزك لو تفتكري، مش حد غريب يعني.
وبحركة سريعة، كلمح البصر، نزعه عنها فجأة، ليُصدم مذهولًا أمام ما يراه من فتنة خالصة تجسدت أمامه، الأمر الذي أخجلها بشدة، فحاولت إبعاده عنها حتى كادت أن تبكي، وهي تحاول أن ترفع المئزر مرة أخرى لتُغطي نفسها، لكنه رفض أن يعطي لها الفرصة بعد أن حصل عليه. ألقى به بطول ذراعه على كنبة الصالون التي كان جالسًا عليها منذ قليل، ثم سحبها من يدها ليعود بها إلى غرفة النوم مرة أخرى، لتدب الأرض بقدمها رافضة، قائلة:
ـ سيب يدي يا حمزة! وانت خليتني زي المسخرة كده... عايزة أستر نفسي، بلا قلة قيمة. أنا الغلطانة اللي لبسته أصلًا.
كتم انفعاله داخله حتى لا يغضب عليها ويُفسد اللحظة الساحرة، فقد وعد نفسه أن يتحلى بالصبر معها، وهذا أقل شيء يُقدّمه لها. فتابع يجبرها على السير معه، غير آبه باعتراضها حتى وصل بها إلى المرآة.
أوقفها أمامها، ووقف هو خلفها، يُوجهها بحديثه:
ـ بصّي، بصّي زين، وشوفي مين المرة الحلوة اللي واقفة قدامك؟بصي على هيئتها وجمالها هل دي ينفع يتقال عليها مسخرة؟
نثر شعرها الأسود حول وجهها، وأردف بالمزيد علّها تسمع أو تقتنع:
ـ سبحان من جعلك آيه فى الجمال أنا محظوظ بيكِ يا مزيونة.
لا تُنكر تأثرها بمعسول غزله، الذي يُرضي أنوثتها التي بدأت تكتشفها على يديه، لكنها... لكنها ليست معتادة على ذلك. منذ زمن طويل وهي ملتفّة بالسواد، منذ زمن لم ترتدِ من تلك الأشياء. مرّ عليها من المآسي ما جعلها تنسى حتى هويتها كامرأة، لقد طالت أعوام الحزن التي عاشتها حتى ظنتها دُهورًا، واقتنعت أن عمرها الحقيقي خمسون، لا ثلاثون كما هو مدوّن في بطاقتها.
أردف حمزة، وقد أسند ذقنه على كتفها، يقرأ ما تفكر به من تلك النظرة الضائعة التي يراها جليّة في انعكاسها عبر المرآة:
ـ بدل السرحان والتوهان، انزلي بعينِك تحت شوية، وشوفي النبيتي اللي هياكل منك حيّة! اتأمّلي كده، وقولي إحساسك إيه؟ وانتي شايفة ست بمعنى الكلمة، أجمل حتى من اللي بيطلعوا في التلفزيون.
سمعت كلامه، فأنزلت عينيها نحو ما يُشير، لتُدرك صدق قوله، فارتجف قلبها داخلها وكأنها ترى امرأة أخرى غيرها. ودون أن تشعر، وجدت نفسها تلتفت للخلف، ليصطدم رأسها بصدره، قائلة بضعف:
ـ حمزة، حنّ عليك. أنا مش متعودة على الحاجات دي، أو يمكن نسيتها. مش كله مرة واحدة، الله يرضى عنك.
ضمّها إليه، منتشيًا بشعور ما أعظمه، وهي تهرب من عقدها وخوفها إلى حضنه، مصدر أمانها واطمئنانها، يُقبّل رأسها قائلًا بابتسامة واسعة، لا تخلو من عبث:
ـ خلاص يا قلبي، ولا يهمك. خلّيكِ في حضن حبيبك حمزة على ما تتعودي... ولا أقولك...
توقف، ثم استدار بها بعيدًا عن المرآة قليلًا، وأردف:
ـ طيب، سيبك من كل مرايات الدنيا يا ستي، بس حُطّي عيونك الحلوة دي في عيوني، وانتي تشوفي نفسك زين قوي. بصي فيهم كده وجولي شايفة إيه؟
أسرها داخل عينيه كما هي أسيرة بين يديه، ترى حديثًا كثيرًا لا تفهم منه إلا القليل، لكن يصلها منه شعور جميل، يُرضيها ويُرضي ذاتها جدًا. تلك النظرة التي تتلقاها منه الآن قادرة على إسعاد جميع النساء، ليست هي وحدها فقط.
ـ فسّري اللي شايفاه في عيوني يا مزيونة؟ وانتي تعرفي قيمة نفسك صح.
بماذا ستُخبره؟ هي ليست قادرة على مجاراته من الأساس، تخشى أن تتحدث فيخونها التعبير. أمام حنكته ولباقته، تجد نفسها على طرف الطريق، رغم رغبتها الحثيثة في أن تسايره.
أخفضت بصرها بعجز، كتلميذة تخجل حتى من إجابة أستاذها، ليحسم هو الأمر سريعًا، ويرفع وجهها إليه من أسفل ذقنها بأطراف أصابعه، قائلًا بعجالة:
ـ شوفي... لا مراية ولا عيون.
خطفها سريعًا بقبلة قوية، ثم رفعها من أسفل ركبتيها، يحملها بين يديه، مردفًا:
ـ هو العملي... أسهل طريق يوصل المعلومة أصلًا.
...
أمام مرآته كان يُمشّط شعره استعدادًا للخروج إلى عمله، وعيناه تذهب كل دقيقة إلى الكمود المجاور له، بسبب الهاتف الذي لا يكفّ عن الضجيج. ضجيج يُؤذي سمعه، ويضغط على الجزء الساكن بداخله بصعوبة. تجدد محاولاتها اليوم بشكل هستيري.
لقد نزلت الملكة "هالة" من عليائها للوصول إليه. ويومًا بعد يوم، أصبحت محاولاتها تزداد جدية، لكن ما تفعله هذه المرة هو الجنون بعينه. هاتفه لا يتوقف عن الرنين باتصالاتها المستمرة. لم تفعلها من قبل، ولا يدري ما الذي استجدّ، لكنه يعلم تمام العلم أن التجاهل التام منه هو السبب.
استجاب أخيرًا، فرفع الهاتف إلى أذنه ليردّ عليها، نتيجة لإلحاحها المستمر، فقط لينتهي منها:
ـ نعم، عايزة إيه؟
جاء ردّها من الناحية الأخرى بسخرية مشحونة بغضبها:
ـ نعمين يا أستاذ خليفة؟ أخيرًا اتنازلت وردّيت؟ كتر خيرك يا واد عمي، كتر خيرك يا أبو عيالي.
تتحدث بعشم وحماقة، غافلة بعقلها الصغير عمّا جدّ وجعله يكره حتى سماع اسمها، فما باله بتلك النبرة المستهترة التي تتحدث بها الآن؟ فجاء ردّه بشدة وحزم:
ـ اسمعي أما أقولك... أنا مفياش دماغ ليكي أصلًا. عندك حاجة مهمة تخبريني بيها بخصوص العيال، تمام. ما فيش؟ يبقى تقفلي أحسن، لأن غير كده... حتى وقت ما عنديش ليكي.
وصلته شهقة خافتة منها، تدل على صدمتها، قبل أن تتراجع عن حدّتها وتتخذ طريقًا آخر في إلقاء اللوم عليه:
ـ وه يا واد عمي... للدرجة دي مش قادر حتى تسمع صوتي؟ للدرجة دي كرهتني يا خليفة؟ طب أنا غلطت في إيه بس؟ عشان تعمل فيا ده كله؟ يعني مش مكفّيك، كسفتني قدام أمة لا إله إلا الله يوم فرح أخوك؟ لما الكل اتعزم وأنا لأ؟
ـ يعني هو ده اللي هامّك؟ إن الكل اتعزم وانتي لاه؟ بتنقح عليكي كرامتك قدام الناس، ومش بينقح عليكي ضميرك؟ ثم إنتِ مالك أصلًا بالفرح؟ إيه اللي يخصك بفرح واحدة دبرتي وخططتي عشان تعمليلها فضيحة؟ وفي الآخر، السحر اتقلب على الساحر، وشلتي إنتِ الليلة بضميرك السو، وبشريكتك اللي فتّنت عليكي.
ـ شريكة مين؟ إنت بتخرف؟ بتقول إيه يا خليفة أصلًا؟ يتخيل جيدًا صورتها الآن، بتلك النبرة الجزعة التي تتحدث بها، بالطبع لم تكن تتوقع أصلًا أن يحدثها في الأمر، وهو لم يكن يسعى لإخبارها، ولكنها هي من تضطره لذلك، أن يكون صريحًا معها، ويكشف كل أوراقه. لقد ضج منها ولم تعد به طاقة.
ـ حبيبتك روان يا هالة، لتكوني نسيتيها بعد ما أخدتِ غرضك منها، ونفذتِ اللي إنتِ عايزاه، هي بقى ما نسيتش، واتصلت بيا، واشتكت، وبكت، وكانت عايزاني أتجوزها يا هالة، عشان أرد فيها المقلب اللي عملتيه، بعد ما خليتيها تخسر حمزة.
ـ وجع في عينها الكذابة قليلة الأصل، قليلة التربية، تربية الشوارع أناااا؟ تقول عليا كده؟ أوعاك تكون صدقتها يا خليفة؟... يا مِرِّي لا تكون كمان هتتجوزها عليا، صح؟ وديني أروح فيها في داهية لو حصل، لا أعمل لكم كمان فضيحة لو هاودتها يا خليفة... خليفة... خليفة.
كان قد أغلق المكالمة عليها، ولم يكترث بصراخها ولا بما قد تفعله الآن، حتى وإن أحرقت البلدة بأكملها بنيران قلبها التي لا تهدأ أبدًا... لأنها وبكل بساطة أصبحت لا تعنيه.
................
في طريق خروجه من المنزل، تصادف بتلك الفتاة، أو المرأة كما تصنفها العادات بحكم زواجها، الذي لم يستمر سوى شهور قليلة كما علم مؤخرًا، ولكنها اليوم غريبة، وكأن ما بها من شراسة قد اختفى. يراها اليوم وديعة على غير طبيعتها، ليس معتادًا هو على ذلك، وكان قد اقترب منها وهي قادمة نحوه، فتوقف يلقي عليها التحية، لتضطر من جهتها أيضًا أن تتوقف:
ـ صباح الخير، عاملة إيه يا أبلة اعتماد النهاردة؟ أجابته بنبرة زادت من شكه أن بها شيئًا ما: ـ بخير، والحمد لله... وتشكر على السؤال.
"تشكر على السؤال!" ترددت العبارة داخله بتعجب، لتزيد من ظنونه، فتابع بطريقة غير مباشرة يستحثها:
ـ إنتِ فيكي حاجة النهاردة؟ تعب يعني؟ ولا مشكلة حصلت معاكي؟ تهيأ له في الوهلة الأولى أنها كادت أن تتحدث بالفعل، لكنها تراجعت سريعًا، تنفي:ـ لااا... لا، ما فيش حاجة، تشكر على السؤال.
"تاني تشكر على السؤال! هي مالها دي؟"للمرة الثانية لا يستوعب الجملة التي تعيدها بدون سبب وجيه، فواصل مرة أخرى بما يشبه الإلحاح:
ـ أبلة اعتماد، عايز أفكرك إن ليكي عليا بدل الجميل جميلين، بدل التليفون تليفونين عطّلوا بسببي وما قبلتيش العوض فيهم، يعني يا ريت لو عندك مشكلة تقصديني، ومتتردديش، حتى أسد جزء من اللي عليا.
كان لطيفًا للغاية معها، حتى أوشكت أن تخبره بالفعل، ولكن جزءًا من كرامتها منعها أن تفعلها وتستجير برجل، حتى لو كان هو هذا الرجل، وهي حقًا في أمسّ الحاجة إليه.
لتنفي سريعًا وقدماها تخطوان لتتخطاه:ـ من غير جميل ولا كلام فاضي، أكيد لو احتجت مساعدة... مش هلاقي أحسن منك... متشكرين مرة تانية.وتحركت ذاهبة، يتابعها هو بعينيه، حتى صعدت السلم الرخامي لمدخل المنزل في الخارج، ثم اضطر أن يستدير ويتابع طريقه، فجاء دورها هي بعد ذلك، في الأعلى عند باب المنزل، وقبل أن تدخله تطلّعت في ظهره وهو يغادر فى طريقه، إلى وجهته، بحيرة داخلها إن كان عليها أن تخبره وتحمل عليه كما حدث في المرة السابقة، ودافع عنها هي وشقيقتها، يحميهما من شرّ ذلك الجبان الذي لا يشعر بقوته سوى بالتجبر على النساء الضعيفات، من صنف شقيقتها التي تزيد على همومها ما يثقل على طاقتها أضعافًا، بشخصيتها المهزوزة تلك.
ولكن، لما عليها أن تشركه في ذلك الأمر؟ هل كان من بقية أهلها كي يتحمل همّها هي وشقيقاتها أيضًا؟
..........................
في الموقع الذي كانت تُشرف عليه، وأثناء حديثها مع رئيس العمال، تلقي عليه بعض التعليمات وتتشاور معه، أتاها أحدهم يخاطبها:ـ يا بشمهندسة، يا بشمهندسة، في واحدة طالبة تشوفك. طالعته بتساؤل:ـ مين دي اللي جاية تشوفني هنا وأنا بشتغل؟أشار بيده إلى خارج المشروع الذي يتم العمل به، لتتبين فعلًا وجود امرأة تعطيها ظهرها من خلف السيارة التي تصدرت أمام عينيها، فاضطرت لترك العمل، كي ترى تلك المرأة التي لم تعرفها حتى الآن.
ـ أفندم، مين حضرتك؟جاء تساؤلها بعفوية، قبل أن تلتف الأخرى وتُعرّف بهويتها:ـ هالة.ردت عليها الأخرى:ـ أيوه يا أختي، هالة، هالة اللي افتكرتك بنت ناس وهتصوني السر، طلعتِ قليلة الأصل وما لكيش سعر.
أجفلت روان، لا تصدق ما وصل إلى مسامعها من تلك المجنونة حسب ما رأتها في هذه اللحظة، لتردد خلفها بعد الاستيعاب:ـ هي مين اللي ما لهاش سعر ولا أصل؟ إنتِ بتوجهيلي أنا الكلام ده يا هالة؟ـ أمال لأمي؟ لا، استهبلي يا بت واعملي نفسك مش واخدة بالك، إطلعي من دول، ده أنا الوحيدة اللي فهمتك من أول ما دخلتي البيت.
صاحت بها هالة بصوت عالٍ أرعب الأخرى، تلتفت برأسها يمينًا ويسارًا خوفًا من تسبب تلك المجنونة بفضيحة لها، لتعود إليها بالتحذير:
ـ وطي صوتك وانتِ بتكلميني، واحترمي نفسك، جيالي على مكان شغلي وعايزة تعمليلي فضيحة؟ ده أنا ممكن أدفنك هنا!
تلقت هالة التحذير بأثر عكسي، فرفعت صوتها أكثر وكأنها قاصدة بالفعل أن تفضحها:
ـ فضيحة واحدة؟ قولي يا أختي فضايح، مش إنتِ يا عديمة الكرامة رايحة لجوزي تطلبي إيده عشان يتجوزك؟ بقصد تجهريني؟ ده أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي النهاردة، وخلي حد يحوشني عنك! غلّب الأيام اللي فاتت كلها هيتحط عليكي، وخلي حد يقدر يخلصك مني، تعالي هنا!
فما كادت أن تنهي كلماتها، حتى هجمت عليها على حين غرة، وقبل حتى أن تعطيها فرصة للصدمة أو تستأذنها، هجمت تمسكها من شعرها المصفف الجميل لتُسقطها أرضًا وتجثو فوقها، حتى تربيها وتشفي غليلها منها، ولكن الأخرى لم تكن ضعيفة حتى تعطيها غرضها دون أن تقاوم أو ترد القلم بقلمين، وخصلة الشعر المقتلعة في الكف، قُبالها خصلات، فصارت معركة حامية بخسائر فادحة، نتيجة الأرض الصخرية القاسية أسفلهما، وحرارة الشمس العالية، بالإضافة إلى خلو المكان إلا من عمال البناء في المشروع، الذين لم ينتبه أحد منهم، إلا بعد مضي وقت، بسبب السيارة التي حجبت خلفها الشجار وكانت حاجزًا عن الأعين. ......
........................
:في طريق عودتها بعد انتهاء دوامها الدراسي، تتجه مباشرةً من ذلك الطريق المختصر الذي يؤدي إلى منزلها في تلك المنطقة المنخفضة عن باقي البلدة.مجهدة متعبة، ويزيد على ذلك حظها البائس اليوم أن تتقابل مع ذلك السمج، زوج شقيقتها، الذي بادرها بتهكمه:
ــ يا ما شاء الله، أبلة اعتماد! ده إيه الحظ الحلو ده اللي خلاني وقعت في طريقك؟
قابلت تهكمه بسخرية منها:ــ أكيد الصدفة العجيبة الغريبة، ولا أنت ماشي في طريق ومش عارف آخره فين؟
برقت عيناها فجأة باستدراك، هاتفه:ــ أكيد انت راجع من بيتنا يا محمود؟ أنا مش جايلالك ميت مرة، البيت ده ما تخطهوش طول ما أنا مش موجودة فيه!
صاح بدوره رداً عليها:ــ حيلك حيلك! على أساس إنك راجل البيت مثلاً يا ست الأبلة، ولا كنت أنا واحد غريب؟ أنا رحت لمرتي!مرتي اللي إنتِ حايشاها عني ومش راضية تريديهالي! أنا أقدر أطلبها في بيت الطاعة لو حبيت، عشان تبجي عارفة!
سخرت منه بضحكة خالية من أيّ مرح، معقبة على ما يهذي به:ــ بيت الطاعة؟! هو انت فاكرها سهلة قوي عند الحكومة؟ إياك! ده مش بعيد يحبّسوك لمجرد بس ما تُطّل بوشك!اسمع أما أقولك، ميت مرة نبهت عليك وقلتها: عايز أختي؟ تجيب حد كبير، حد كبير يكون شاهد عشان ما تكرّرهاش.أضمن منين أنا؟ تاخد البِت وتمضيهالي على أي قرض ولا نصيبة من نصايبك!
اسودّ وجه محمود من الغضب، وشيطان نفسه يوسوس له بكل شر نحوها...دائمًا كانت – وما تزال – حجر عثرة في طريقه، تمنع عنه كل خير.كرهُه لها تعدّى كل مراحله، ولا طريق أمامه سوى التخلّص منها!
ــ والله ما في حد نصيبة غيرك! بت انتِ! اتقي شري أحسن لك، أنا واصله معايا لآخرها منك،تلاتة بالله العظيم، لو ما حلّيتي عني أنا ومراتي، ما تلومّي غير نفسك بعد كده!
في نظرها، فاشل، وسيظل إلى آخر عمره كذلك.قابلت اعتماد تهديده باستخفاف ولم تأبه. غلبها طبعها، ولم تعِ الحقد الذي يملأ قلب رجل جاحد حاقد مثله، جبان لا يستقوي إلا على من هو أضعف منه.
فلم تتوقّع أن يستغل لحظة السكون في ذلك الطريق الهادئ،ليدفعها بطول ذراعه من فوق الجسر الذي كانت تمر عليه، إلى خلف شجرة الكافور التي كانت تقف تحتها، لتنزل متدحرجة على الحجارة، وذلك المنخفض حيث الأرض الزراعية في الأسفل.
ولم تدرِ بالصوت الرجولي الذي أتى على حين غرّة، بهذا الأحمق:ــ بترميها من فوق الجسر؟! عايز تموتها يا عِرّة الرجالة؟!
انتفض محمود نحو مصدر الصوت، ناظرًا إليه بهلع، متخذًا قراره بالهروب فورًا قبل أن يمسكه ويفتك به.وعى أخيرًا إلى حجم الجريمة التي ارتكبها... وبوجود شاهد!
---
قبل قليلداخل سيارته التي كان يقودها عائدًا من عمله، متخذًا طريقًا غير الذي يسير فيه عادة.لا يعلم ما الذي دفعه اليوم ليأتي في تلك الساعة في هذا الطريق تحديدًا؟ربما لانشغال عقله منذ الصباح بتلك المرأة، والتفكير المرهق عما بها؟هل ينوي أن يوقفها مثلًا كي يطمئن عليها؟ يستبعد بالطبع ذلك الاحتمال، فهي رفضت حتى أن تجيبه حين سألها.ولكنه...
انتبه فجأة، يراها على جانب الطريق، أسفل شجرة الكافور العالية، تقف مع أحدهم وكأنها تتشاجر معه.تعرف عليه من ظهره، ليتأكّد له الآن أن حدسه كان أصدق من منطقه.فتوقّف بالسيارة ليضع له حدًا ويردّه عنها، لكن، وقبل أن ينزل بقدميه جيدًا على الأرض، فوجئ بفعل هذا الأحمق وهو يدفعها، والنية واضحة: أن يتخلّص منها.
ركض إليها خليفة كي يستكشف ما بها، عقب هروب الآخر كالفأر من أمامه وصراخه متوعدًا.نزل خلفها بحرص شديد، حتى لا يقع هو الآخر.وصل إليها، ليجدها متكوّرة على الأرض بصورة لم يفهمها، ليضطر إلى رفعها من كتفيها ويعدّل رأسها.ناداها باسمها حتى تجيبه:ــ اعتماد... اعتماد!
فكانت المفاجأة حين انتبه للجرح الكبير في جبهتها، والدماء تسيل على وجهها الذي غطّاه التراب، وهي فاقدة الوعي تمامًا.فصرخ بجزع:ــ حد ينجدنا يا ناس! حد يجيب لنا عربية إسعاف بسرعة!
---
ها هي الآن أمام المرآة، تجرب نوعية جديدة من الملابس لترتديها، كما أنها أصبحت تستيقظ في وقت متأخر...لقد تبدلت حياتها بالكامل، من حزن وشقاء، وهمّ مسؤولية، إلى دلال وغنج... وعشق.
تلك الكلمات التي لم تكن تقتنع أنها موجودة من الأساس.نعم، أو ربما موجودة ولكنها لم تُخلق لها...لكن ما عند الخالق من مفاجآت، لا أحد يعلمها أبدًا.
تنهدت برضا، تفيق من شرودها، لتعدّل البلوزة البيتية الضيّقة التي ترتديها على البنطال القصير فوق الركبة، بصورة محكمة على جسدها، الأمر الذي أثار سخريتها.فجعلها تتحدث إلى نفسها:
ــ بيجامة ضيقة وبنطلون برمودا؟! يا وعدك يا مزيونة... كانك فشّلتِ يا جزينة! هطلع إزاي بيها دلوك؟
قالت الأخيرة والتفتت برأسها إلى المرآة لتلقي نظرة أخيرة على نفسها، وشعرها الذي لفته في الخلف كذيل حصان، ليجعلها تبدو كفتاة في السابعة عشرة، بالأمس امرأة مكتملة الأنوثة، وبالنهار فتاة في طور المراهقة.
ــ هصغر لحد فين تاني؟ الله يجازيك يا حمزة!
---
خرجت بعد لحظات، لتجده على طاولة السفرة، يتناول بعض الشطائر التي صنعها لنفسه.لم تكن تدري أنه كان في خضمّ مكالمة فيديو، والهاتف مثبت أمامه، وحين لمح خروجها، تركت من كان يتحدث معه، وأطلق صفيرًا من بين شفتيه، معبرًا عن انبهاره بالغزل الصريح كعادته.ــ أوعى الوحش! أموت أنا في البرمودا والقصير... إيه الحلاوة دي؟
ضحكت بحلاوة، لتقترب متغنّجة بخطواتها نحوه، وثقة بالنفس بدأت تنمو على يديه.لكن، وما إن انتبهت إلى الشاشة المفتوحة وأحدهم يتابع ما يحدث، صرخت مرتدة إلى الخلف:
ــ يا مُرّي! انت فاتح وبتتكلّم فيديو وسايبني على عمايا يا حمزة؟!
تبسم ليخفف عنها موضحًا:ــ ما فيش حد غريب يا مجنونة، تعالي... دي ليلى!
ــ ليلى؟!رددت الاسم من خلفه، لاطمة بيدها على وجنتها بحرج شديد، حتى جعلته يضحك مائلًا برأسه إلى الخلف.وجاء صوت ليلى بتساؤل وعدم تصديق، تدعوها لتقترب مرة أخرى من الشاشة:
ــ أمي! دي معقولة؟! مزيونة؟! تعالي هنا يا مزيونة، خليني أشوفك!
بخجل شديد، استجابت، تتحرك خطوتين، مع حثّ الآخر لها أن تتقدم، حتى إذا اقتربت، جذبها لتجلس على إحدى قدميه، ليضاعف من توترها، حتى تململت تريد أن تنهض، لكنه أجهض محاولاتها بحزم:
ــ بس بقى، بطّلي فرك! أنا مجعدك عشان تبقي في وشّ الشاشة قبال ليلى!
حدجته بغيظ شديد، قبل أن تعود لابنتها التي كانت تتأملها بانبهار عبّرت عنه:
ــ الله! شكل البيجامة يجنّن عليكِ يا أمي! جبتيها إمتى؟ دي أول مرة أشوفها عليكِ!
ــ ما هو مش أنا اللي جيبتها يا حبيبتي!قالتها مزيونة، ثم التفتت إليه ناظرة بلوم أثار تسليته، ليضيف عليها:
ــ أنا اللي اشتريتها يا ليلى، ومعاها مجموعة تجنن! عايزك لما تيجي، خلي أمك تفرّجك عليها.
هذه المرة تخلّت عن اللوم والاستسلام، لتلكزه بمرفقها على بطنه من خلفها، فارتفعت ضحكاته بصخب، حتى جعل ليلى تشاركه المرح وتبادل المزاح في مشاكسة والدتها التي كانت محرجة مما كانت ترتديه.ـ ...................
بعد انتهاء المكالمة، ابتعدت عنه تخاطبه بلوم:
ــ الله يجازيك يا حمزة، إنت السبب! كل هدومي خفيتها، عشان تجبرني ألبس هدوم العيال دي، ويبقى شكلي مسخرة دلوك قدام ليلى!
ضحك، ثم جلس محشورًا بجوارها على الأريكة، قائلًا: ــ وايه اللي هيخليها مسخرة يا ست أنتِ بس؛ هي مش بردك متجوّزة وعارفة؟ــ وه، بردك في الآخر اسمى أمها!ــ واهِين تلاتة! إذا كانت هي نفسها مش مقتنعة، وشايفاكي أختها الكبيرة، مش أمها وبس! فكّي كده وروّقي، بنتك مخها مفتّح وفاهمة وعارفة. حتى لو استغربت النهارده، بكرة تتعود... لما يبقى ده أسلوب حياة معاكِ.
ــ أسلوب حياة؟! هتفت بها باستهجان، ليضمّها من خصرها إليه مشددًا: ــ أيوه، أسلوب حياة! ولا انتي فاكرة إن إحنا لسه عملنا حاجة؟! مضايقة عشان ليلى شافتك بالبرمودا؟! أمال بكرة لما تلبسي البوركيني هتعملي إيه؟
ــ وإيه البوركيني ده كمان؟! تساءلت بعدم فهم، فالتصق بها ليجيبها بسهولة:ــ ده لبس السباحة اللي هتلبسيه بكرة لما تنزلي معايا البحر. صاحبي عنده قرية سياحية هناك. خلاص، حجز وروّق الدنيا، ومن بكرة إن شاء الله هنطلع على الغردقة... نقضي شهر عسلنا!
ــ شهر عسلنا؟!قفزت ناهضة من جواره، تجادله: ــ يا حمزة، إنت بتتكلم بعقلك؟ غردقة إيه ولا بوركيني وكلام فاضي! أنا مالي بالحاجات دي يا بوي! طول عمري ماشية بالحشمة، هشلّح دلوك على كِبَر؟!
نهض هو الآخر، يواجهها، وقد بدا عليه الغضب:ــ مين اللي جاب سيرة الشلح؟! انتي عارفاني راجل، لمؤاخذة، عشان أقبل بالكلام ده؟! ماتنقّي كلامك يا مزيونة، ولو مش عايزة تروحي، خلاص!
صاح بها وابتعد داخل غرفته، مما جعلها تشعر بالذنب، فتبعته حتى جلست خلفه على الفراش، تحاول أن تصالحه:
ــ حمزة، حقك عليّا. أنا بخربط، بس والله ما أقصد أي كلمة عفشة تزعلّك. عارفة نفسي مدب، بس إنت أكيد اتعودت يعني، ولا إيه؟ ولو على السفر ورحلة الغردقة، أروحها مادام معاك، بس وغلاتي عندك، ما تخلينيش ألبس حاجة عريانة!
عند الأخيرة، التفت برأسه نحوها بعدم استيعاب، وذلك لإصرارها على شيء لا تعي أبعاده:
ــ وه؟! ــ واهين تلاتة أربعة! تمتمت بها تقلّده ضاحكة، حتى أمسك نفسه بصعوبة كي لا يشاركها الضحك، قبل أن يصل لغرضه منها.
ــ ماشي يا ست مزيونة، اضحكي براحتك، بس أنا برضه زعلان إنك غلطتي فيا.
رحّبت بعتابه، فعرضت عليه ليعطيها فرصة للتصالح:
ــ طب شوف يا حمزة، أعمل لك إيه عشان ترضى؟ لو عايزني أعتذرلك، أعتذر تاني وتالت كمان!
ــ لاه، أنا مش عايز اعتذار.ــ أمال عايز إيه بس؟ــ عايز منك حاجتين عشان أرضى وأسامح.
ــ ماشي يا حمزة، قول وأنا أعمل اللي إنت عايزه.
وصل إلى ما يبتغيه، لينتشي داخليًا، ويلتفت إليها بجذعه قائلًا:
ــ أولًا، لما تناديني ما تقوليش "يا حمزة"... الاسم من دلوك يبقي "حمّوزي".
ــ نعم؟!ــ نعم الله عليكي! خلاص، لو مش عايزة، بلاش.
كاد أن يلتفّ عنها مرة أخرى، لكنها أوقفته تراضيه:ــ خلاص يا سيدي، حمّوزي حمّوزي! راضي كده؟
تبسم بابتسامة منتشية متغاظمة، يقطف قبلة قوية من وجنتها، كأنه طفل صغير يفرح بدلال والدته، حتى تسربت إليه طالبة:
ــ خلاص، وانت كمان دلّعني! بس شوف اسم حلو، ما تقولش حاجة تزعلني.
هزّ رأسه نافيًا، قائلًا:ــ لا يا مزيونة، لا عفش ولا زين... انتي ما ليكيش غير "المزيونة". المزيونة بس اللي يليق عليكي، عشان هو الوحيد اللي يديكي حقك... زينة البنات، زينة الستات، وعلى قلب حمزة... انتي الملكة عليهم كلهم!
كم تعجبها مفاجآته، ولو حتى بكلمة أو تعبير لا تتوقعه، يزيد من ثقتها بنفسها، ويضاعف من تعلّقها به. فتجرأت هذه المرة وبادرت باحتضانه، ليباغتها بقوله:
ــ ناقص الشرط التاني!ــ إيه؟أشار بيده نحو خزانة الملابس: ــ اللي ننقيه النهاردة، مهما كان شكله... عرياني ولا حشمة، هتلبسيه من غير جدال!
ردّت بسخرية وقلة حيلة: ــ حشمة؟! انت برضه تنقّي حشمة؟! ماشي يا حمزة، موافقة... في حاجة تانية كمان؟
ــ لا. قالها بانتصار، ثم نهض ورفعها معه، مردفًا: ــ تعالي بقى، أنجيلِك اللي عايزه!
استجابت، لسحبه لها بتوجّس وريبة:ــ يا ترى هتلبّسني إيه المرة دي يا حمزة؟! استر يا رب!
......يتبعاسفة لو سهرتكمبس انتو مقدرين اكيد
تشجيعكم هو اللي هيجعلر استمر
رواية لأجلها الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لأجلها الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لأجلها الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الخامس والثلاثون
تحمل في قلبها صخبًا صامتًا،
تتأرجح بين حنينٍ يأبى أن يخبو،
وخوفٍ يتربّص بكل خطوة نحو الغد.
لا تُشبه الضعف، وإن بدت هشة،
صلبة، لكن في أعماقها وهنٌ لا يراه أحد،
وجراحٌ تختبئ خلف ابتسامةٍ رقيقة.
تتوق أن تمنح وتُمنح،
أن تجد في حضن الأيام ما يضمد وجعها،
لكنها ما زالت تخشى الخيبة،
وتهاب أن يخذلها الطريق مرة أخرى.
ومع ذلك، تظل روحها متقدة،
تتشبث بخيطٍ من نور،
وتؤمن أن الغد يحمل لها عزاءً جميلاً،
وربما بدايةً طال انتظارها.
#اعتماد
المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر/ بطوط او سنا الفردوس
الفصل الخامس والثلاثون
رائحة المرأة التي تسللت بين ثنايا أنفاسها، كأن عطر الخزامى قد أحيى روحها بذكريات أيام سعيدة مضت، محفورة في الذاكرة. لكن في داخلها، وفي جزء بعيد وعميق، حزن تجذَّر مع كثرة الأحداث البائسة التي مرت بها حتى أنستها كل ما هو جميل، ليتجدد الآن مع شعور الدفء والحنو في غمرة المرأة ذات القوام الصغير، والتي طبع العمر أثره عليها حتى بدت سمينة بعض الشيء. تجاعيد وجهها قد اتخذت مكانها حتى كادت معالم صورتها القديمة تختفي، لكنها ما زالت تحتفظ بقدر كبير من الشبه مع والدتها الراحلة. ما أجمل العثور على شيء يربطنا بالماضي الجميل.
ـ وحشتيني يا خالتي، وحشتيني قوي قوي.
ـ توّك ما افتكري يا مزيونة؟! هانت عليكي خالتك يا بت؟ هانت عليكي ريحة أمك يا بت؟ تسمعي كلام الواطي... وتقاطعي خالتك بالسنين كده من غير سبب يا بت؟
كانت المرأة تردد وقبضتها على ظهر مزيونة، تلكزها لكزات خفيفة نابعة من عتابها ووجعها على ما فات من سنوات الفرقة بينهما بلا مبرر. أما الأخرى فكانت مقدِّرة، تتقبل منها بصدر رحب.
نزعت نفسها من حضن خالتها الحنون، لتقابل عينيها بعيني المرأة، ووجهها الذي أغرقته الدموع، تخاطبها بحزن شق قلب من كان واقفًا يتابع من خلفهما بصمت:
ـ والله لو عليا، ما كنت جاطعتك يوم واحد. بس أنا كنت تحت حكم القوي، اللي كان مانعني من الهوا حتى ما أتنفسه. يأمر ويتأمَّر على كيفه، وأنا ما ليش غير الطاعة، عشان أربي بتي اللي طلعت بيها من الدنيا يا خالتي.
ـ الله يجازيه بعمله، الله يجازيه... بس إحنا ما حدش فينا عرف إمتى اتطلقتي ولا إمتى اتجوّزتي ال...
وتوقفت المرأة، توجه أبصارها نحو حمزة، ثم أردفت بامتنان:
ـ بس شكلك المرة دي نجيتي صح يا بت، هو ده... هو ده اللي يليق لك يا مزيونة.
تبسمت لإطرائها، تتابع اقتراب زوجها من المرأة كي يتحدث معها بلباقته المعهودة:
ـ والله إنتِ اللي زينة، وكلامك حلو يا خالتي. يا ريتني عرفتك من زمان. سبحان الله، هو النصيب اللي جابني لمزيونة عشان أتعرف بيكي يا بنت الأصول.
انشرحت أسارير المرأة، حتى احتلت محياها ابتسامة ما أروعها. راحت تقارن برأسها الفرق الشاسع بين ذاك القديم المتجهم الجاهل، وهذا الوسيم اللبق الذي يليق بابنة أختها الجميلة الرقيقة، الوردة التي اقتُطفت قبل أوانها، حتى ذبلت وكادت تنتهي، لولا عناية الله الذي قدّر لها الحياة لتربي ابنتها، ثم يأتيها العوض الجميل في الأخير.
وبرد فعل عفوي منها، فتحت له ذراعيها تدعوه:
ـ طب تعالى... تعالى اما أبوسك في خدك. إنت زيك زي ولدي كده. ولا هتستكبر وتقول دي مرة كبيرة وعتخرف؟
ضحك بصخب أثار دهشة زوجته، فاقترب بجرأة نحو المرأة، يميل برأسه حتى يمكّنها من وضع قبلة على وجنته، مرددًا:
ـ والله وإنتِ زيك زي أمي فعلًا.
فضحكت المرأة هي الأخرى بصخب، توجه الحديث لابنة شقيقتها:
ـ والله وطمّنتي قلبي عليكي يا بنت أختي. خلاص... بعد ما شوفت عوض ربنا ليكي، إن شاء الله يتمّمها كمان بالذرية الصالحة.
تجمّدت مزيونة عند الأخيرة، تطالع فرحة زوجها وتضرعه رافعًا يده إلى السماء:
ـ إن شاء الله يا حجة مرزوقة، ادعيلنا من قلبك يقرب البعيد. ده أنا هموت عليها دي والله.
ـ يا حبيبي بعد الشر عليك. ما انتو لسه صغيرين، والعمر قدامكم تخلفوا بالدستة كمان.
ـ ووه دستة مرة واحدة؟! طب قولي تلاتة ولا أربعة. والله ساعتها نبوس إيدينا وش وضهر، وربنا يعينّا على تربيتهم. لا هي بالكترة أياك!
أردف الكلمات بعفويته، فلم ينتبه إلى زوجته إلا مؤخرًا، وقد اعتلت تعابيرها غلالة حزن تكتمه داخلها. فرغم الشوط الكبير الذي قطعه معها طوال الأيام ليستعيد ثقتها بنفسها، إلا أن هناك عقدًا متجذّرة لا يظن حلها إلا بصعوبة شديدة...
وفجأة، دوى صوت فتح الباب ثم دخول أحدهم إلى الشقة، فكان ذلك المصاب برأسه التي ما زالت ملتفة بالرباطات الطبية: حسّان.
والذي وما إن شرعت والدته في مخاطبته للترحيب بالزائرين، حتى فاجأها مناديًا باسم ابنة خالته، فور أن التقطتها أبصاره:
ـ إيه ده؟! مزيونة؟ وعندنا في بيتنا كمان؟
صاح به حمزة من البداية، ينبهه حتى لا يكررها فيضطر لضربه، ويضع نفسه ويضعه في موقف لا يُحسدان عليه:
ـ وجوزها معاها! وزّع بصرك كويس. إحنا جايين ضيوف للحجة النهارده في بيتها يا مستر حسّان.
سمع منه الآخر، ليرمقه بامتعاض وقد تذكّر ضربة الرأس التي ما زالت تؤلمه حتى الآن، فردّ بحنق:
ـ يا أهلا بيكم... أنا ما كنتش واخد بالي صراحة. أصلي افتكرت إن بنت خالتي جاية عندنا لوحدها.
توجّه في الأخيرة نحو مزيونة، فجعل الدماء تسري في عروق الآخر، يضغط على قبضته بصعوبة حتى لا يضربه مرة أخرى. لكنه كان يعلم أنه عليه أن ينسحب بها من هذا المنزل الآن على الفور. فإن تأخر دقيقتين لا يضمن نفسه أمام هذا الاستفزاز المتعمد...
ـ نستأذنِك بقى يا حجة... عشان نمشي. أصل ورانا سفر، ويدوب نلحق طريقنا.
........................
داخل منزل حماد القناوي
اجتمع جميع أفراد الأسرة على طاولة الطعام لتناول وجبة الغداء، تترأسهم حسنية التي وزّعت اهتمامها كعادتها على باقي الأفراد، بالإضافة إلى مشاركتها في الأحاديث الدائرة بين معاذ وشقيقه خليفة في هذا الوقت:
ـ عيال اعمامك من امبارح مصدعيني، لحد دلوك محدش فيهم مصدق اللي عملتوا في عيلة الواد الواطي اللي اسمه محمود في القعدة امبارح... إيه الإبداع ده يا باشا! ده إنت غسلتهم غسل...
ـ يا عم مش للدرجة دي.
ـ مش للدرجة دي كيف بس يا خليفة؟ إنت خليت الرجالة يكلموا نفسهم بعد ما سوّدت وشوشهم قدام كبارات البلد، وبعدها غصب عنهم قبلوا بالتعويض اللي إنت فرضته عليهم!
تدخلت حسنية:
ـ يستاهلوا... عشان رجالة على قلة رجالة، رجالة بالأسم بس. عايزين يتشطروا على البِت الغلبانة وأخواتها، وياكلوا حقهم وكمان يصالحوهم على قليل الأصل! ده بدل ما يقدّروا إنهم ولايا ومالهمش سند. يعني الأولى إنهم يجيبوا لهم حقهم وينصروهم على الغلطان.
ـ الكلام ده للي يفهم بس ياما. الدنيا دلوك ماشية بالعكس: معاك عيلة وفلوس، يبقى اعمل ما بدالك... مدام هتلاقي اللي يلمّ وراك.
عقّب خليفة على قول والدته، فأضافت بحنكتها:
ـ لكن طول ما فيها اللي زيك وزي إخواتك، يبقى ما تشيلش هم... الدنيا بخير.
قابل خليفة إطراءها بامتنان شديد، يطبع قبلة على كفها المجعد:
ـ عشان تربية رجالة... وأم كمان بمية راجل يا ست الكل.
تبسمت له برضا تام، ثم سرعان ما تذكرت ما تود الحديث عنه:
ـ صحيح يا ولدي، بقالي كام يوم عايزة أسألك وملاقياش فرصة... مش ناوي بقى ترد بِت عمك؟ أنا شايفة إنها طوّلت في بيت أبوها، رغم إن الغلط راكبها من ساسها لراسها.
تبدل مزاجه فجأة، حتى ترك اللقمة التي كاد ان يضعها في فمه، ورد باهتمام:
ـ حد منهم فتح معاكي السيرة صح؟
لم تُنكر حسنية وهي توجه أبصارها نحو معاذ وزوجته اللذين التزما الصمت وكأن الأمر لا يعنيهما، تبتغي منهما المساعدة والدعم في إقناعه:
ـ مش عيب يا ولدي لما حد يكلمني؟ الناس باصة على العمار.
ـ عمار مع هالة يا أمه!
هتف بها، يزيح الكرسي الذي كان جالسًا عليه إلى الخلف بعنف، ليندفع واقفًا متابعًا بثورة:
ـ كان من الواجب تفكّر هي الأول في ده. مش أنا اللي أفضل طول الوقت عاصر على نفسي لمونة ومتحمل لاجل العيال، وهي ولا على بالها! تغلط وأنا أمسح وأعدي! ليه؟ مش أنا بني آدم؟ هييجي عليا وقت وأنفجر! كتر التساهل معاها خلاها تزيد... لحد ما بجتش شايفاني راجل أصلًا جدامها!
وتحرك تاركًا المنزل بأكمله، لتنظر في أثره حسنية بذهول عاصف، حتى التفتت نحو ابنها الأصغر وزوجته الصامتة منذ بداية الحديث عن رجوع هالة:
ـ هو ماله خليفة؟ دي أول مرة يقلب القلبة السودة دي! ولدي ما كانش كده واصل!
عقّب معاذ بلهجة حادة لأول مرة تسمعها:
ـ أديك قلتيها بنفسك... إن ولدك ما كانش كده. ده لو جبل ما كانش اتحمل عمايلها. الله يجازيها بقي... هي السبب.
قال الأخيرة وقد التفت نحو زوجته، التي بدا عليها التأييد الكامل لما تفوه به، وكأن بينهما حديثًا مفهومًا لا تعرفه حسنية.
....................
في منزل عائلة هالة
كانت هالة قد اتخذت الطابق الثاني مسكنًا لها، بأمر من والدها الذي زهد منها وملّ، ولم يعد له طاقة على الجدال معها أو حتى رؤيتها وهي تحرق دمه كل مرة يتحدث إليها. فمهما حاول أن يذكرها أو ينصحها لتتعظ مما حدث، يجدها تدافع عن نفسها وكأنها المظلومة التي يتجنى عليها الجميع، ولا أحد يشعر بها.
في هذا الوقت، كانت تتحدث مع إحدى نساء البلدة عبر الهاتف، ويدها الأخرى تمشّط شعر ابنتها الصغيرة التي كانت محجوزة بين قدميها:
ـ اتعدلي يا بِت بدل ما أعدلك! خليني أسرحلك شعرك الزفت ده. والله لو ما اتعدلتي لأطلّع غلبي كله فيكي!
صرختها القوية أزعجت محادثتها عبر الهاتف، حتى عبّرت لها المرأة، لتصيح هالة بها هي الأخرى:
ـ يا سِتي وإنتِ مالك؟ أصرخ ولا ألمّ الدنيا كلها عليّا حتى؟ كملي... قوليلي حصل إيه تاني في الجلسة الزفت دي اللي بتحكي عنها؟ ... إيه؟! وكمان حكموا بتعويض 250 ألف جنيه يعني ربع مليون؟! بقى عرف يمشي كلامه على الرجالة ويجبرهم يدفعوا لها! ليه؟ هو كاسر دراع البرنسيسة؟! ... خلاص يا أم حميد، فهمت، فهمت... اقفلي السكة الله يرضى عنك، أنا على آخري.
وما إن أنهت المكالمة حتى ألقت بالهاتف على الفراش، ثم رفعت ابنتها من على حجرها، تنهض عن التخت الذي كانت جالسة متربعة عليه. أخذت تهتز حول نفسها بحركة عصبية، وكأنها تبحث عن شيء تطوله كي تفرغ فيه غضبها، وهي تغمغم بغيظ:
ـ وه يا خليفة! كل ده يطلع منك؟ بتجمع كبارات البلد وتعمل جلسة عرفية تعادي بيها عيلة بحالها لاجل عيون الست اعتماد؟! أمال لو ناعمة أو فيها ريحة الأنوثة زي باقي الحريم... كنت عملت إيه؟!
ماشي يا خليفة... إنت والست اعتماد... شكلي كنت غفلانة عنكم، لكن أنا دلوك صحيت وفتحت عيوني كويس!
ـ شعري يا ماما، مش هتلفّيلي التوكة الأخيرة؟
جاء صوت صغيرتها لينتشلها من غمرة أفكارها السوداء، فرمتها بنظرة ملتهبة بشرار عينيها، تفزَعها بصيحتها:
ـ ماشي يا ختي، ماشي يا محروسة! ما أنا جاعدة لكم خدامة! وأبوكم الباشا قاعد يتسرمح مع الحريم! يعني أحوش عنه روان عشان تطلعلي المقندلة دي؟ والله عال... فاضياله أنا... فاضياله!
............
داخل منزل اعتماد
كانت اعتماد في هذا الوقت ترتدي إحدى الكنزات بمساعدة شقيقتها الصغرى رغد، بعد أن تحمّمت بحرص حتى لا تؤذي ذراعها الذي ما زال لم يشفَ بعد من الكسور التي ألمّت به.
ـ بس يا ست رغد، كفاية خلاص، لحد كده تعبتك من الصبح معايا.
ردّت عليها رغد وهي تحاول في الكُم الأخير:
ـ تتعبك راحة يا أحلى اعتماد في الدنيا. هو أنا أطول أساعد الباشا وهو بيلبس هدومه؟ دي حتى من أسهل المهمات... يا ريت كل التعب زي كده.
فعقّبت إعتماد علي قولها مبتسمة:
ـ بقيتي بلوة مسيحة يا ست رغد، وأنا اللي كنت فاكرّاكي قطة مغمضة.
ـ ما هي القطة كممان بتفتح يااا أختي... ولا إيه؟ يا أبيض... يا حلو إنت.
قالت الأخيرة بمغزى واضح، عن الفرق الشاسع بين وجه اعتماد الخمري المائل للسمار نتيجة التعرض المباشر للشمس وقلة الإهتمام، وبين ما ظهر من الجزء الأعلى في جسد شقيقتها، حيث برزت بشرتها البيضاء في ذراعيها وكتفيها، حتى جعلت اعتماد تنفجر ضاحكة من قلبها، وترد على جرأتها، فتتبادلان المزاح والمرح... إلى أن توقّف كل ذلك مع دخول شقيقتهن الثالثة روضة بوجه عابس غاضب، والسبب طبعًا معروف.
ـ ممالك يا روضة؟ داخلة علينا زي اللي اددلق منها طبيخها...
وجّهت رغد السؤال بطريقتها المتلعثمة، فجاء رد الأخرى بجفاء، وكأنها تبحث عمّن تصب غضبها به:
ـ نعم يا ست رغد؟ اتريقي عليّا إنت كمان؟ ما هو ده اللي ناقص!
ارتبكت رغد من فظاظتها، تكاد الكلمات تُحبس في حلقها، فتولت اعتماد الرد بدلًا عنها:
ـ في إيه يا بِت؟ هي أختك جالت إيه عشان تهبي فيها كده؟ الهزار العادي بقى في نظرك مقلته؟ ما تجيبي من الآخر وقولي السبب الحقيقي ورا قلبتك العفشة دي علينا.
ليست غبية حتى لا تفهمها. وتفهم السبب الحقيقي خلف هذا العبوس الواضح... لقد عاد هذا الملعون ليلعب برأسها مرة أخرى. وهذا ستتأكد منه بنفسها حين تقرّ بلسانها...
البداية المعروفة طبعًا: مسكنة واضحة لاستجلاب العاطفة.
ـ إنتِ كمان يا خيتي بتيجي عليّا؟ مش حملالي كلمة؟ أنا عارفة من الأول إني ماليش داخله وسطيكم. إنتوا الاتنين إيد واحدة، وأنا الغريبة بينكم، حتى وإن كنت أختكم من دم واحد...
قالت عبارتها بنبرة باكية، محاولة الهروب برد الفعل المعتاد لتثير فيهن شعور الذنب. لكن اعتماد كانت لها بالمرصاد، لتوقفها قبل أن تترك الغرفة، صارخة بها:
ـ اقفي عندك يا بِت! ارجعي هنا! حطي عينك في عيني! إحنا مش هُبَل ولا دقة عصافير عشان ما نفهمش غرضك من التمثيلية الهبلة دي إيه.
التفتت إليهما بوجه محتقن، صدرها يعلو ويهبط بغِلّ لا يخفى على شقيقتها التي تعرفها أكثر من نفسها. هيئتها تلك توحي أن هذه المرة قد شُحنت ضد شقيقاتها بالكامل.
ـ نعم يا خيتي... يا حبيبتي... بتندهيني ليه؟
ضاقت حدقتا اعتماد وهي تتمعن النظر فيها، تستشف الغِلّ الواضح بطريقة ردها، لتثور قائلة:
ـ ما تجيبي من الآخر يا ست البرنسيسة! وقولي إن ريما رجعت لعادتها القديمة... فتحتي التلفون للمحروس ورخيتي ودنك له من تاني! قلبك على إخواتك بإيه المرة دي؟ قالك إن أختك المفترية صلّطت خليفة ولد القناوي، يعمل قعدة عليه وعلى أهله ويفرض عليهم أكتر من ربع مليون جنيه من غير وجه حق؟
قالك إن ذنبه الوحيد إنه عايز يرجّعك إنت وبتك؟ وإن كل اللي حصل ده ظلم؟ وإنك أنتِ أول واحدة جايه عليه بسكوتك على اللي بيتعمل فيه؟
صمتها المخزي كان أكبر دليل على صحة ما تنبأت به اعتماد، لتجأر بها:
ـ ما تنطجي! خرصتي ليه؟ القطة كلت لسانك؟ ولا مكسوفة تقري إن ده فعلًا اللي قاله؟ ما عرفتيش تردي عليه وتوجفيه عند حده؟ تقولي له إنه شرّع في قتل أختك! ولولا عناية ربنا، لكنت من الأموات دلوك!
ـ بس... هو ما كانش قصده! زقّك بس... إنتِ اللي فلّتي من يده، واتكحرتي على النزلة اللي تحت الجسر...
صاحت بها روضة باندفاع، دون أن تقصد، تثبت عليها البيّنة. الأمر الذي جعل الاثنتين تناظرانها بصمت أبلغ من الكلمات. لكن روح العناد داخلها دفعتها إلى محاولة إثبات صحة موقفها:
ـ مالكم بتبصولي كده كأني عملت مصيبة؟ أنا بس سمعت منه وفهمت... يعني مش حاجة عيب ولا حرام! ده لساته جوزي وأنا على ذمته.
تدخلت رغد، وقد استفزها دفاع روضة المستميت عن المخطئ في حق شقيقتها:
ـ حتى لو ككان مش قصده فعلاً ياروضة، برضه لازم يتعاقب! عشان يعرف إن الله حق وما يكرّرهاش تاني. ططب لو ـ لا قدر الله ـ أختك كانت راحت فيها؟ كان هيقول برضه "مش قصدي"؟ ولا إنتِ كنتي هتقبليها؟
رغم تلعثمها في الحديث، إلا أن كلماتها أصابت هدفها بدقة، لتشعر روضة بالحرج الشديد... فصاحت بها معنّفة:
حد طلب منك إنتِ كمان تدخلي؟ هي شايلة ومعبّية عشان اللي حصل لها، إنما إنتِ إيه يخصّك؟ بتحشري نفسك في اللي ما لكِش فيه ليه؟
لم تنتظر رغد منها كلمة أخرى حتى لا تزيد في تجريحها بالحديث، فطريقتها المتلعثمة لن تمكّنها من الرد جيدًا، وربما تتسبب في السخرية منها كما يحدث دائمًا معها في المواقف اليومية.
سحبت قدميها وغادرت الغرفة على الفور، فاشتعل غضب اعتماد لتتصدى لتلك المشحونة على أخواتها:
ـ عاجبك اللي عملتيه ده يا زفت الطين؟ بتيجي على أختك الغلبانة، اللي بتجمع الكلمتين بالعافية! قصدك تقللي منها عشان عارفاها مش هترد عليكي؟ كل ده عشان مين؟ عشان المحروس اللي بيبيع ويشتري فيكي، وعمره ما نصَفِك مرة واحدة حتى!
ـ لكنه برضه في الآخر اسمه جوزي وأبو بتي، واللي مسيري هرجع له... بعد ما يسدّدلك الربع مليون اللي أخدتيهم عليه شرط هو وناسه، أنتِ والمحروس اللي اسمه خليفة. ولا همّك ظروفه، ولا همّ كانوا هيتصرّفوا إزاي فيهم؟ لكن ربنا موجود.
ـ فعلاً... ربنا موجود.
ردّت اعتماد من خلفها بخيبة أمل متوقعة منها، ويأس من إصلاحها. تناولت حقيبتها بيدها السليمة ورفعتها على كتفها، ثم تحرّكت لتغادر هي أيضًا، لكن روضة لم تدعها تمضي دون أن تذكرها بما تحاول دائمًا نسيانه:
ـ الغلبانة اللي إنتِ بتقولي عليها دي... مسيرها تتجوز. رغم العيب اللي فيها لكنها مرغوبة، زي ما إنتِ شايفة من العرسان اللي رايحة جاية تطلبها. بكرة بقى لما تلاقيها عايشة ومتهننة... ساعتها بس هتفتكري إنها كانت السبب في طلاقك.
تجمّدت اعتماد في مكانها، أغمضت عينيها بألم شديد، بعدما غرست بحماقتها السكين في قلب جرحها. وما أصعب أن يأتيك الجرح من أقرب ما لك! لكنها سرعان ما تمالكت بأسها، ثم واجهتها بقوة:
ـ عمري... عمري يا روضة ما هندم إني اتخلّيت عن حياتي عشان أحمي أختي، حتى لو هي اتجوزت وعاشت حياتها واتهنّت وشافت الحلو كله اللي أنا ما شفتوش. يكفيني إني أوصلها للمرحلة دي، وما آخدش حسرتها لو كان حصل لها حاجة لا قدّر الله.
توقفت برهة تلتقط أنفاسها، ثم واصلت بنبرة موبّخة:
ـ برضه على الأقل هي ملهاش ذنب في كل اللي جرى معايا. إنما إنتِ... زقّيتيني المر من كيعاني، مع إنك كبيرة وعاقلة وفاهمة. يبجى مين الأحق إني أشيل همّه؟ هي ولا إنتِ؟
......
عاد عرفان من الخارج، ليجد باب شقّة مزيونة سابقاً مَفتوحًا على مِصراعيه، والتي يتخذها حاليًا مسكنًا له. كان أولاده يمرحون داخلها، وصوت جلبة يأتي من الداخل أنبأه بوجود زوجته أيضًا.
خطا بأقدامه حتى وصل إلى غرفة النوم، فوجدها تضع اللمسات الأخيرة، ترش المعطّر بعد أن انتهت من تنظيفها وتلميعها جيدًا.
التفتت إليه تخاطبه بسعادة:
ـ إنت جيت يا عرفان؟ حمد الله على سلامتك. بص بقى يا سيدي، زي ما إنت شايف أنا خلصت كل حاجة: غسلت الهدوم وكويتها وعطّرتها زي ما عطّرت الشقّة اللي نضفتها ولمّعتها. حتي طُلّ بعينك على باقي الأوض، وانت تعرف بنفسك.
جلس على طرف الفراش، يعقّب ساخرًا:
ـ مصدّقك... مش محتاج أطل ولا أتعب نفسي، أنا أصلًا جاي مهدود حيلي. على العموم، تشكري يا ستي.
ـ تشكرني كده حاف!
تمتمت بها، ثم اقتربت تجلس بجواره على الفراش، مرقّقة من لهجتها وكأنها تنتهج نهجًا جديدًا في التعامل معه بعد تلك الفترة العصيبة الماضية:
ـ أنا مش بقولك كده عشان تشكرني أو تقدرني، أنا بقول لك إني بعمل كده عشان أرضيك. رغم إن ربنا العالم إن الشقّة دي تقيلة على قلبي زي الحجر، وأنا شامّة ريحتها في كل ركن فيها. لكن كله علشانك يهون، ويكفي إنها غارت عشان نبص لنفسنا بقى.
فهم مغزى ما تقصده، فتبسّم بخبث معلّقًا:
ـ قصدك يعني بجوازها من واحد تاني غيري إن الحكاية خلصت، ومدام مفيش أمل في رجوعها ليا تاني، يبقى أبص للي في يدي، ونرجع أنا وإنتِ سمنة على عسل من تاني.
أومأت تهز رأسها بلهفة وحماس اعتلى ملامحها، تنتظر استجابة منه ما دامت قد قدّمت له بالسبت وطلبتها صراحة، رغم كل ما حدث وفعله بها من تجنٍّ وإهانات وضرب مبرّح على أبسط الأسباب.
أما هو فقد زمّ شفتيه، وضاقت عيناه، وبأطراف أصابعه أخذ يشدّ شعيرات شاربه الكثيفة، متصنّعًا تفكيرًا متعمّقًا وهو ينظر إليها بصمت زاد من حيرتها. فلِمَ هذا التفكير أصلًا؟
قطع الصمت أخيرًا بقوله:
ـ بصراحة... كلامك معقول. ومدام خلاص الموضوع خلص، يبقى زي ما هي شافت نفسها أنا كمان أشوف نفسي. ومنها كمان أردّ كرامتي.
التقطت الكلمة لتشدّد عليها بلهفة:
ـ أيوه يا عرفان، أيوه! عشان تثبت لها وتثبت للناس كلها إنها غارت في داهية وما عادش تهمك، وإنك خلاص اكتفيت باللي معاك: مرتك الأصيلة وعيالك اللي يشرحوا القلب.
هزّ رأسه بنفي غير مفهوم يعارضها:
ـ لا يا صفا... مش هو ده اللي هيرد كرامتي. اللي يرد كرامتي لازم يبقى حاجة كبيرة والناس كلها تشهد عليها. إنما جوازي منك مين شايفه أصلًا؟
ـ قصدك إيه!
سألته بعدم تصديق، فجاءها الرد على الفور:
ـ قصدي أتجوز تاني... واحدة أصغر وأحلى منها ومنك. بنت بنوت، ويا ريت كمان لو تبقى في عمر ليلى بتي. يا سلام! أهي دي تبقى الضربة الصح.
شهقة عالية خرجت من حلقها، ضربت بكف يدها على صدرها، تصيح به:
ـ يا مُري! إيه اللي إنت بتقوله ده يا عرفان؟ أنت واعي لكلامك ده، ولا عامل نفسك بتهزر؟
ـ ولا عامل نفسي بهزر ولا حاجة.
ردّدها ساخرًا، ثم تابع بما زاد قهرها:
ـ لا يا ستي، ما بهزرش. من النهارده هدور على بنت البنوت اللي تليق بواحد زيي. معايا فلوس تسد عين الشمس، والصحة اللهم بارك مش محتاجة أقولك عليها أصلاً.
صرخت ردًّا على ما تعتبره هذيانًا:
ـ والله ما يحصل، ولو على موتي! ليه هي سايبة؟ ده أنا ما قبلتش بيها وهي الضرّة اللي سبقاني، هرضي إنك تجيبها عليّا؟! ده أنا كنت...
ـ هتعملي عمل المرّة دي وتوقفي حالي بالربط؟ ولا تجيبيلها مرض بالشلل؟
قاطعها بحدّة، وقد احمرّت عيناه متوعّدًا:
ـ يعني مش بعيد أسيّح دمك زي الدبيحة تحت رجل الدجّال اللي هتروحي له. بعد طبعًا ما أرمي اليمين عليكي. أنا مش هسيبك تغوري وإنتِ على ذمتي...
توقفت أمامه بعجز، لا هي قادرة على صدّه ولا ردعه بما يستحق. بعد أن بالغ في إذلالها وإهانتها، ها هو الآن ينزع عنها جميع أسلحتها، يتمادى في ظلمه وتهديده بالزواج من أخرى.
فلم تشعر بالكلمات وهي تنساب من بين شفتيها حتى تسببت في ضحكه دون أن تدري:
ـ ربنا هيحاسبك على ظلمك... خليك فاكر، الظلم ظلمات في الآخرة.
قهقه ضاحكًا وهو يضرب كفًّا بكف، مردّدًا خلفها:
ـ دلوك بقى ظلم لما جه عليكي؟ إنما الأول لما كان على كيفك كان آخر حلاوة! أما عجايب دي يا ولاد....
......................
وصلت إلى الصيدلية الأقرب إليها في وسط البلدة التي تعج بالحياة والصخب من البشر والمراكز الحيوية كالمنشآت الحكومية أو المحلات بمختلف أنواعها، لتلبية احتياجات أهل البلدة.
دفعت الباب الزجاجي الثقيل لتلج إلى داخلها، موجِّهة أبصارها نحو الفتاة التي كانت منكفئة على جهاز الحاسوب أمامها، تلقي إليها التحيّة كي تلفت انتباهها:
ـ مساء الخير يا دكتورة شيمو.
رفعت الفتاة أبصارها إليها تضحك وهي تبادلها التحية بمصافحة:
ـ ما حدش بيناديني بأسم الدلع ده غيرك، دكتور وشيمو مع بعض... بحب الميكس بتاعك.
تبسمت إليها اعتماد، تبادلها المزاح:
ـ ما أنا خايفة أندهلك باسمك حاف، أبخس حقك بعد سنين التعب اللي تعبتيها على ما وصلتي للقب العزيز. وفي نفس الوقت مش مقتنعة... يعني واحدة بحجمك الصغنن ده ما يتقلهاش غير شيمو.
قهقهت الفتاة بصوتها الرفيع الذي يثير تسلية اعتماد في كل مرة تأتي إليها وتتحدث معها، ومع ذلك فالفتاة أبدًا لا ترفع التكليف:
ـ الألقاب مع كل الناس يا أبلة اعتماد... إلا إنتِ. وحدك بس اللي يحقلك تقولي "شيمو مشمش" اللي أنتِ تحبيه. تأمري أمر.
ردت اعتماد بامتنان شديد للفتاة المتواضعة:
ـ حبيبتي، الأمر لله. كنت عايزة بس أعيد العلاج ده... أصله ناقص مني زي ما إنتِ عارفة، ولسه المدة مطوّلة على ما أفك التجبيرة.
رحبت الفتاة وهي تتناول منها الورقة المدون بها أسماء العلاج، تخاطبها بدعم:
ـ ألف سلامة على الجميل المكسر، إن شاء الله يا رب يكون قريب. الكسر يلم وتخفي. أنا هشوف المتوفر دلوقتي، واللي مش موجود هقول لك عليه.
ابتعدت عنها تدور على أرفف الأدوية كي تجد ما تحتاجه. فوقعت أبصار اعتماد دون أن تدري على يدها التي كانت تتلاعب بها على اللوح الزجاجي أثناء انتظار الطبيبة، فتذكرت ما نوهت عنه شقيقتها الصغرى وهي تبدل لها ملابسها. ولأول مرة منذ فترة طويلة شردت بذاك الجزء الأنثوي... الاهتمام بمظهرها وبشرتها. ألهذه الدرجة بات الفرق واضحًا؟
وضعت فجأة عبوات الأدوية التي جاءت لطلبها على اللوح الزجاجي أمامها لتنتبه إلى الطبيبة وهي تحدّثها عن المواعيد وأسعارها، فتجاهلت كل ما كانت تهذي به الطبيبة لتسألها باهتمام، رافعة ظهر كفها أمام وجهها:
ـ شايفة قدامك الفرق بين الاتنين؟ الفرق ما بينهم واضح قوي ولا عادي وطبيعي؟
تبسمت الفتاة التي تركت أمر الأدوية لتجيبها بوضوح:
ـ بصراحة الفرق واضح جدًا، البشرة اسمرت يجي أربع أو خمس درجات عن الإيد، وده أكيد بفعل الشمس.
ـ أربع خمس درجات!
رددت اعتماد بما يشبه الصدمة، تدافع مبررة:
ـ وافرَضي سبع درجات حتى، ماله يعني؟ أنا نفسي بحب السمار، هو السمار عيب؟
عارضتها الطبيبة بلطف:
ـ لا يا حبيبتي طبعًا، ده السمار عليكي أحلى من البياض. بس إحنا بنتكلم عن الاهتمام. البشرة لازم لها حماية من أضرار الشمس المؤذية، واللي منها مثلًا إنها ممكن تعجز بدري وتظهر عليها التجاعيد. طب ليه وإحنا في إيدنا نحميها بحاجات زي الكريمات؟ حتى لو في أنواع غالية منها، برضه الغالي تمنه فيه.
عبست اعتماد عند الأخيرة، تردد برفض:
ـ وأنا مالي يا أختي بالغالي؟ هي خلاص المسؤوليات اللي عليا خلصت؟ عشان أخصص فلوسي للكريمات والدلع الفاضي ده؟ ده شغل شركات التجميل الفاضية، عايزة تكسب فلوس على قفا الستات الهايفة وخلاص.
دب الحماس في قلب فتاة الصيدلة، فهتفت بدفاعية:
ـ ما شاء الله يا أبلة اعتماد! إحنا هايفين؟ بس المنتجات الهايفة دي اللي بتخلي الستات منوّرة زي البدر. أنا هجيب لك الكريم بتاعي تجربيه كام يوم، وإنتِ تشوفي الفرق بنفسك. ثواني... الشنطة قاعدة في المخزن جوه، هروح أجيبه وارجع لك هوا...
زفرت اعتماد في إثرها بضيق وحرج، لكن سرعان ما انشغلت مرة أخرى في تلك المعضلة التي ظهرت فجأة لها اليوم.
وبدون تفكير، وجدت نفسها تسند الهاتف على مجموعة الأدوية، لتفتح الكاميرا أمامها، ثم رفعت كفها السليمة بجوار وجهها مرة أخرى لترى فرق الدرجات الذي نوهت عنه الطبيبة وشقيقتها قبلها. تحدث نفسها غير منتبهة لمن دلف خلفها من الباب الزجاجي وتوقف يشاهد الوجه الجديد لأبلة اعتماد الطفلة:
ـ يا لهوي عليا... دول فعلًا مكدبوش. طول الفترة دي وأنا ببص في المراية وبظبط التحجيبة من غير ما أخد بالي بالتغييرات اللي حصلت على بشرتي دي؟ يا ترى فيه تجاعيد كمان ولا لأ؟
أثناء تأملها الشديد، انتبهت لظل رجل من الخلف، فالتفتت إليه بإجفال. فكانت الصدمة حين وجدته أمامها يتبسم بملء فمه:
ـ آسف لو قاطعتك عن تركيزك.
أطرقت بخجل شديد، تلعن حظها الذي جعلها تتغافل في تلك الساعة لتتصرف بتلك الحماقة أمامه. فخرج صوتها بصعوبة وبدون تركيز:
ـ لا... ما تشغلش نفسك يعني... آآآ... أنا بس كنت بدوّر على حباية في وشي وبصراحة مش عارفة مكانها فين؟
ـ مش عارفة مكانها فين؟
ردد خلفها، يكتم الضحكة بصعوبة حتى لا يزيد من حرجها. فتغاضى، على غير إرادته، بترك هذا الحديث المسلي معها والتحول إلى الجدية مردفًا:
ـ ماشي يا ستي. على العموم، أنا دخلت هنا بالصدفة، ولما شوفتك قلت بالمرة أسلم عليك وأسألك عن دراعك. عامل إيه دلوك؟ لسه حاسة بألم؟
نفت سريعًا بهز رأسها:
ـ لااا، الحمد لله، أنا تحسنت كتير قوي عن الأول. صحيح... أنا كان نفسي أتصل بك وأبلغك شكري على اللي عملته امبارح في جلسة كبار البلد مع محمود وعيلته. ده جميل لا يمكن أنساه أبدًا، من ضمن الجَمايل الكتير منك.
عارضها بنبرة دافئة:
ـ ولا جمايل ولا أي حاجة. ده شيء عادي خالص على فكرة. أنا عملت اللي يعمله أي راجل حر. وصاحبك ملزوم هو وعيلته دول إنه ينفذ بعد ما كسفتهم قدام الناس اللي تفهم. ما عادش ليهم عين يرفعوها عشان يجادلوا أو يستنطعوا.
ـ فعلًا هم كانوا عايزين نوقف لهم، بس إنت اللي عملته مش أي راجل يعمله، عشان كده ما تقوليش ما فيش جميل.
ـ خلاص، اضربيها في التليفونين ونبجى خالصين.
قالها بابتسامة رائقة جعلتها تبادله إياها على حرج، حتى قطعت عليهما اللحظة الجميلة هتاف شيماء، طبيبة الصيدلية:
ـ لقيت الكريم أهو، عشان ما يبقالكيش حجة تاني. هتاخديه يعني هتاخديه.
علّق خليفة من جانبه بلهجة أثارت فضول الفتاة، التي توقفت عن الهتاف فور أن انتبهت إليه:
ـ هو إيه اللي "هتاخديه يعني هتاخديه"؟! إنتِ بتوزّعي الكريمات عافية يا شيماء؟
تلجلجت الفتاة بارتباك:
ـ لا أصل يعني... دي حاجة كده لترطيب البشرة.
وبرد فعل عفوي سمعه منها، فالتفت خليفة نحو اعتماد التي تناولت العبوة سريعًا، وضعتها في الكيس البلاستيكي مع العلاج، ثم استأذنت قبل أن تعطيه الفرصة ليستفسر:
ـ عن إذنكم.
وهرولت سريعًا من أمامه غير عابئة حتى بذراعها الملفوفة بالضمادات، فتبعها بعينيه غير داري بالابتسامة التي ارتسمت على محيّاه، وهو يراقبها تعدو الشارع بخفة وأناقة، وكأن الرزانة والعقل قد خُلقا لها وحدها.
.....................
داخل السيارة التي كانت تقلهما في طريق العودة إلى البلدة، إلى العالم الواقعي بعد أيام من السحر والجمال قضياها معًا، تطورت العلاقة بينهما وتكسّرت حواجز، وربما تم القضاء فيها على الكثير من العقد... ولكن تبقى أيضًا الكثير.
كما يرى أمامه الآن وهو يقود بفكر منشغل بتلك التي كانت جالسة بجواره، ناظرة إلى الخارج من نافذة السيارة بعقل شارد. يعلم أن جزءًا كبيرًا منها قد احتلته الهواجس القديمة عن الإنجاب والأطفال. فكيف يجد الحل لتلك المعضلة؟ لا يعلم... ليس أمامه إلا الصبر.
تنهد وفتح حديثًا معها حتى يعيدها إليه ولو قليلًا:
ـ خالتك طيبة قوي، واللي يشوفها يعرف إن في صلة تجمع ما بينكم. رغم إن الشبه مختلف شوية، بس يمكن... يمكن عشان روحها حلوة وطيبة زيك. عكس ولدها الحمار...
سمعت الأخيرة، فضحكت من قلبها بصوت عالٍ. فزوجها ذو العقل الصغير ما زال يكن الضغينة لهذا المسكين بعد أن ضربه وخلف في رأسه إصابة:
ـ حمزة، إنت عقلك صغير بجد؟! لحد دلوك دمك ما بردش من حسان؟ ولا هديت حتى بعد ما ضربته؟
انفعل يرد عليها:
ـ ويعني هو بيتوب؟! أديكي شفتي بنفسك النهارده، كان هيخليني أسوي جريمة وأنا في بيتهم. مجرد ما دخل حرق دمي. الله يجازيه، عنده موهبة غريبة في استفزاز الناس. يلا بقى... خلينا في اللي إحنا فيه.
سألته باستفهام:
ـ وهو إيه اللي إحنا فيه؟
أجابها بحماس:
ـ رجوعنا البلد يا روحي. أوعى تفتكري إن أيام العسل خلاص خلصت وانتهت. لا، أنا لا يمكن أعديها من غير ما أكررها حتى كل كام يوم. بس المرة دي الواد هيبجى معانا عزول.
تنهد في الأخيرة، فالتقطت منه توبيخًا حانقًا على الكلمة التي تلفظ بها:
ـ ما تقولش كده يا حمزة. ريان ده ابني، يعني مش حد غريب عليك عشان تقول الكلمة دي. ده عوض ربنا عليا، عشان يبقى معايا الواد والبت نعمة ورضا.
رغم ارتياحه لقولها هذا الذي شرح قلبه من الداخل وجعل سعادته تكتمل تقريبًا بها، إلا أن ذلك الجزء الذي يتمناه لن يتخلى عنه أبدًا. لذلك لا مانع من التلميح:
ـ حبيبتي ونِعِم بالله، ده بالظبط شعوري ناحية ليلى برضه. زي ما كرّمني بالواد كرّمني بالبت. بس كمان العيل اللي هياجي مني ومنك، ده هيبقى له وضع تاني ومكانة خاصة في قلبي. آه يا مزيونة... لو يحصل، ادعي معايا وقولي آمين.
لم ترد ببنت شفة، وظلت فقط تطالعه بجمود. فعاد يشدد عليها مرة أخرى:
ـ ما تدعي معايا يا مزيونة، وقولي آمين...
ـ كريييم!
قالتها تواصل بحدة:
ـ ربنا كريم ينولك اللي إنت بتتمناه.
وصمتت، تلتفت ناظرة إلى الخارج عبر نافذة السيارة من جوارها. ليتمتم خلفها بمرح:
ـ الله... كريم وآمين. يا رب ارزقني بتوأم وأسميهم بنفس الاسمين.
عادت تلتفت إليه برأسها بذهول شديد، غير مستوعبة ما يتحدث به. فهل تتركه مع أحلامه؟
أما هو، فقد صمّم أن يأخذ الأمر بجدية:
ـ والله لا يحصل، إن شاء الله هيحصل.
... يتبع